صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 08 - مبوبة الافتتاحية
بقلم الدكتور: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
كلية الآداب، جامعة باتنة، الجزائر
قضيت خارج وطني الحبيب سنوات عديدة، وكان الحنين إليه يزداد كلّما زادت سنوات الإقامة بعيدا عنه، قلت في ذلك و أنا أغادر أرض سلطنة عُمان قصيدة مطلعها:
زَمَمتُ حقائِبِي إذْ حانَ عَوْدُ.:.:. إلى بَلَدِي، فنِعمَ هُوَ المرَدُّ (1)
كنت دائما أطلب الله أن يرزق بلدي الأمن والاستقرار، والتقدُّم والازدهار، بعد السنوات العجاف البوار، التي عاشتها، وقد لحقتها فيها أضرار وأضرار. وكنت أرجو أن أراه دائما في تطوُّر ونموٍّ في كل المجالات، وأدعو الله أن يبقيه أصيلا في المقوِّمات والتقاليد والعادات.
أخيرا كتب الله لي أن أؤوب إلى مهدي ومعهدي وموئلي ومنزلي، وكُلِّي أملٌ ورجاء أن أستمتع بحياة تلفُّها الأصالة، وتحفُّها العزَّة والكرامة. لكن للأسف وجدت الأمور تغيَّرت، والأحوال تبدَّلت، وأصبحت الأصالة تشكو العقوق، والمبادئ تنعى المروق، وجدت اللغة العربية تستعيذ من الغربة، واللغة الدخيلة تستعيد الأوبة؛ الكلُّ بها يلهج، ووراءها يجري ويلهث، التاجر والعامل، الطالب والمعلِّم، الطبيب والمهندس، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، الرئيس والمرؤوس، السائس والمسوس ... استنكفت الملاعب أن تفسح لها بينها مكانا، وتعهَّدت الشوارع أن ترفضها لسانا, النَّدوات بها تسيَّر، واللِّقاءات بها تؤطَّر، من دون أن يُرى في ذلك حرجٌ ولا ضرر، بينما فيه ضيم وضير، يرمي بشرر كالقصر، كأنَّه جمالات صُفر، ينذر بكلِّ شر، ويقصم كلَّ ظهر ... أصبح التحدُّث بها عنوان التقدُّم، وبغيرها تكون شارةُ التحجُّر، إذا تقدَّم من يملك نزرًا من المعارف في ميدان العلوم، لجأ إلى اللغة الدخيلة، يحتمي بها لتمنحه صفة الأُبَّهة والتعاظم، ولاذ بها لتسعفه حظوة عند من لا يريد لنا الخير، ولا يضمر إلاَّ الشر.
الغريب أنَّنا في الجزائر بدعٌ من خلق الله في هذا التوجُّه، حتى بالنسبة لإخواننا العرب؛ التقينا بكثير من الأطبَّاء والمهندسين، واستمعنا مرَّاتٍ إلى من تخصَّص في ميادين العلوم المختلفة، ومن درَّس في البلدان الأجنبيَّة، ومن يحمل شهادات عليا في تخصُّصه، ويحذق لغة القوم الذين درس عندهم ... فوجدناه إذا خاطب جمهوره، أو حاضرهم، أو التقى بهم، أو قدَّم لهم معلومات، التزم في ذلك لغة عربيَّة فصيحة، أو لهجة محليَّة ممزوجة باللغة العربيَّة، إلاَّ عندنا في الجزائر؛ فالوضع غير ذلك، ممَّا ينبئ بكثير من المهالك.
إذا استفسرتَ عن ذلك، أو إذا أحسَّ المتحدِّث بأنَّه انحرف عن الفطرة السويَّة في هذا السبيل أو أو ... اعتذر لك بأنَّه لا يحسن اللغة العربيَّة، وقد يتجاسر على الحقيقة وعلى المعلوم من الفطرة بالضرورة فيقول لك بصريح العبارة إنَّ اللغة العربيَّة ليست في المستوى، إنَّني لا أستطيع أن أوصل (1/1)
صفحة 2
المعلومات، وأقوم بواجبي بها، فهي لا تليق لهذا ... فرَسَخ في أذهان أبنائنا روح الانهزام، وثبُت فيهم حقيقة التخلُّف، ونما فيهم خلُق الكراهة لهذه اللغة المسكينة، وزكا فيهم معضلة التبعيَّة.
نسأل هؤلاء الإخوة الكرام: لماذا نجح إخوانكم العرب في أداء الرسالة؟ كيف تمكَّنُوا من التخلُّص من عقدة التبعيَّة لغيرهم في لغته؟ ونقاضي هذا المدَّعي: ماذا فعلت أخي العزيز لتنمِّي في نفسك ملكة التحدُّث باللغة العربيَّة، لغة القرآن، لغة العبادة، لغة الأصالة، لغة الحضارة، اللغة التي تحفظ فكرك، وتقيك من الانسلاخ والاستلاب؟
هل يمكن أن نشبِّه وضعنا اليوم بحالنا وقت الاستعمار؛ حين كان عدوُّ الإسلام والأصالة يحارب اللغة العربيَّة، ليقضي على الدين، وعلى المقوِّمات الأساسيَّة للأمَّة، ويطمس المعالم الرئيسة للشعب، ويكرِّس التبعيَّة له، وينشر روح الكراهيَّة لكلِّ ما هو أصيل، ولكلِّ ما يرسِّخ الانتماء ... هل يمكن لنا أن نتبنَّى هذه النَّظرة؟ الجواب بحوزة كلِّ من يسير في هذا الاتِّجاه، وفي عقل كلِّ من يفكِّر في غير توجُّهات الأمَّة، ويحلِّق في غير سربه الحقيقي، وفي قلب كلِّ من يحمل عاطفة تغاير وتناهض مشاعر الأمَّة.
أنا أقول: إنَّ حالنا اليوم لا يختلف كثيرًا عن وضعنا زمان الاستعمار، حيث كانت الثقافة الدينية ضعيفة: غلوًّا في الجمود، أو إفراطًا في التحلُّل من الدين، أو الدعوة إلى الاندماج والتجنيس، والانقطاع عن الماضي، والارتماء في أحضان المدنيَّة الغربية وحضارتها ... فكان من مظاهر ذلك ضعفٌ في معرفة اللغة العربيَّة، وضعفٌ في حرارة الانتماء إلى فكرها، وضعفٌ في حمايتها. (إلاَّ أنَّ جهود بعض العلماء وذوي الغيرة على هذا المقوِّم الأساس كانت بالمرصاد لهذه الأحوال، وكانت النتائج الإيجابيَّة في هذا ملحوظة). حتَّى قال أحدُهم ويُدعى (عصمت سليم): « ... إذن يحقُّ لنا أن نقول إنَّ اللغة العربيَّة عندنا تلفظ النفس الأخير، فهي على وشك الاضمحلال ـ والقبر فاغر فمه ـ إن لم يَرزُق الله لها رجالا عاملين يفدونها، ويرجعون إليها رونقها الدَّاثر وبهاءها القديم» (2).
من العجيب أنَّ الروح التي كان يملكها بعض الوطنيِّين نحو لغتهم وقت الاحتلال الفرنسي، مفقودةٌ عند كثير ممَّن يَنعمُ الآن بنعمة الاستقلال, لقد كفر هؤلاء هذه النعمة، فبقوا رهيني محبسهم الفكري؛ فبعض المثقَّفين باللغة الفرنسيَّة كانوا يحسُّون بالغربة الثقافية والفكريَّة بسبب جهلهم للُّغة العربيَّة، وارتباطهم باللُّغة الفرنسيَّة، أداةً للكتابة والتحرير والتعبير. ينقل الشَّيخ إبراهيم أبو اليقظان تصريح شابٍّ جزائري ألقى خطابا باللغة الفرنسيَّة في حفل تأسيس النادي العربي بباريس: «كم يحزنني ويمزِّق نياط قلبي أن أكون عربيَّ الأصل، عربيَّ النزعة، فلا أستطيع أن أخاطبكم إلاَّ بلغة الأجنبي، وأن أستمع لخطبكم، فلا أفهم منها إلاَّ نبراتكم التي تهزُّ جوانحي، وأرى حماستكم فأكاد أطير جنونًا بكم» (3). (1/2)
صفحة 3
كم كان يردِّد الشاعر الجزائري مالك حدَّاد، الذي كان يكتب باللغة الفرنسيّة عبارته المشهورة: «إنَّ اللغة الفرنسيَّة هي منفاي»، مؤمنًا بأنَّ الأصالة والوطنيَّة والقوميَّة تكون في اللغة الأمِّ؛ في اللغة التي تنسجم مع الفكر الذي تحتضنُه، مُثبتًا حقيقة العلاقة الجدليَّة التي نطق بها الفيلسوف الفرنسي"دي لا كروا": «إنَّ اللغة تصنع الفكر في الوقت الذي تصنع فيه من طرف اللغة».
هنا يحضرني ما كتبه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في الأربعينيَّات من القرن الماضي، وهو يعرِّض بالمستعمر الفرنسي، الذي يسخر بمروءة الجزائريِّين، ويعمل على تمرير مؤامراته، باستغفالهم، وإلهائهم بتقديم بعض ما يدَّعيه حقوقًا لهم، لكنَّه يعطيها لهم دسمًا في سمٍّ، وطُعمًا يصطاد به السمكة، وشراكًا يُوقِع به الطائر في الأسر؛ فركَّز في ذلك على الجانب الفكري في هذه المغالطة والمخادعة والمخاتلة. قال مبيِّنا استغلال الحكومة الفرنسيَّة جهل المرأة الجزائريَّة، فزجَّ بها في متاهات الانتخابات، التي لا تفقه فيها شيئا، متظاهرًا أنَّه يرعى حقوق الوطنيِّين والوطنيَّات: « ... المرأة الجزائريَّة تَنْتَحِب، والحكومة الفرنسيَّة تريد لها أن تنتخب، والفرق بسيط ما دام الفارق نقطة ... وقاتل الله هذه (الخاء)، فما أعسرها في المخرج، وما أسعد من لا ينطق بالخاء ... وصدق المثل (عسى الغوير أبؤسا)، وإذا كانت نظرة الإسلام في القضيَّة هي هذه، فهي من الدين الذي يجب فصل الحكومة عنه» (4).
عبَّر الكاتب عن التبعيَّة للفكر الأجنبي، ورَمَز لها بحرف (الخاء)، الذي يميِّز اللُّغة الفرنسيَّة، ويُكنَّى به عن التَّابعين للفكر الفرنسي. وفي الوقت نفسه كشف عن العسر وضنك العيش اللَّذين يلاقيهما من يبقى في كنف أصحاب (الخاء)، وأفصح عن الشَّقاء والتعاسة، اللَّذين يلازمان من يمنِّي نفسه بالعيش في هذا الجوِّ، ومن تظلُّه هذه المظلَّة «وقاتل الله هذه الخاء، فما أعسرها في المخرج، وما أسعد من لا ينطق بالخاء». بهذه الجملة الرامزة الساخرة يقرِّر الكاتب التبعيَّة الفكريَّة لمن يُجْبَرُ على النُّطق بالخاء.
ثمَّ بيَّن الشيخ البشير الإبراهيمي أنَّ الشرَّ يأتي من هذا الحرف (الخاء) ورمز إلى ذلك بالمثل العربي (عسى الغوير أبؤسا)، أي عسى الغوير يصير أبؤسا. وهو مثل يضرب للرجل، فيقال: لعلَّ الشرَّ جاء من قبلك (5).
هذا النصُّ، وهذا التعريض يؤكِّدان دور الحرف والكلمة واللغة في بلورة الفكر, ويبرزان أثرها في صبغة الثقافة باللَّون الذي ينسجم مع التوجُّه الذي تحمله, والتوجيه الذي تتبنَّاه.
فأين نحن من هذه الحقائق؟ وأين مكاننا بين من يجتهد في حمل فكره الحقيقي؟ ويعمل على حماية تراثه الأصيل؟ ماذا صنعنا لكي ننمِّي ثقافتنا، عاملين بشعار الأصالة والمعاصرة، مشمِّرين عن ساعد الجِدِّ في الاحتفاظ بالقواعد الصحيحة في المنطلق، وعصرنة الوسائل في التحرُّك والتدرُّج. ماذا نقول لشاعر الثورة مفدي زكريَّاء وهو يرسل هذا النداء، ويردُّ الادِّعاء، ويُقدِّم الرجاء، ويطلب لنا من (1/3)
صفحة 4
هذا الدَّاء البُرءَ والشفاء؟:
واتَّقُوا اللهَ في العروبة والفُصـ.:.:. ـحَى، فَكَم صوَّبوا إليها النِّبالا
لغةُ العزِّ والكرامةِ والمجـ.:.:. ـدِ، تهادَى على الدُّهور اختيالا
تتحدَّى العصرَ الجديدَ، وتغزُو.:.:. أُفُقَ الفكر، قوَّة وكمالا
(بالمسيقى) ألفاظُها عازفات.:.:. تُسكِر الرُّوحَ رِقَّةً وجمالا
والمعاني (باللاَّنهاية) تَسمُو.:.:. لِوَرَاء الغُيُوب، تبغي انسِلالا
كَم رَمَاها ذوُو الجهالة، بالعُقـ.:.:. ـمِ، سَفَاهًا وخِسَّةً وضَلالا
مَسَخُوها وشوَّهُوها انتهاكًا.:.:. وابتغَوهَا سخافة ً وابتذالا
جَهِلُوها فأنكرُوها وطَعمُ الـ.:.:. ـماء مُرٌّ لمن يئنُّ اعتلالا
واسترقَّ المستعمرون عقولاً.:.:. يوم شَدُّوا عن البلاد الرِّحالا
باقياتٌ (عُيونُهُم) راصداتٌ.:.:. في حِمَانَا، تُصْلِى البلادَ وَبَالا
أنزَلَت بالنفُوسِ وَهمًا وشَكًّا.:.:. وَأشاعَت في الناشِئِين انحلالا
ذلَّ شعبٌ لم يتَّخذ لغة الأجـ.:.:. ـداد حِصنًا، وَرَامَ عنها انفصالا
وعقُوقُ البنينِ أعظمُ خَطبٍ.:.:. يُرهِقُ الشعبَ ذِلَّة ونكالا (6)
فصَّل مفدي زكريَّاء القول في علاقة الفرد بلسانه، وبيَّن الأسباب النفسيَّة التي تجعل الشخص يعقُّ لغته، وكشف عن الجهل الذي يُخيِّم على العقول القاصرة التي لا تعي حقيقة الانتماء إلى مقوِّمٍ أساس في بناء الشخصية. وأبرز خطورة السير في طريق يُبعد عن الأصول، خطورته فكريًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا ... فهل يعي هذا أولئك الذين لا يسيرون في الطريق المستقيم في هذا المجال، ويختارون السُبل التي تُفرِّق بهم عن سبيل الفطرة.
إلاَّ أنَّنا نقول: إنَّ لهذا التوجُّه أسبابا وعواملَ؛ بعضها يرجع إلى الثقافة الشخصيَّة، التي يحملها الشخص، هذه الثقافة قد تؤُول به إلى غربة فكريَّة، تنعكس على جوانبه النفسيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة ... فينشأ وهو يحمل نظرة خاطئة عن هذه اللغة، وعن فكرها الذي تحويه. هنا تأتي مسؤولية المنظومة التربويَّة والإعلاميَّة والبرامج الثقافيَّة في التكوين والإعداد والتوجيه. كما يأتي دور المجتمع الذي يدرج فيه هذا الفرد ويترعرع، ويكوِّن كيانه، ويأخذ مبادئه، ويستقي مقوِّماته. فالفرد يتصرَّف بوحي من الثقافة التي تلقَّاها في صباه، وترعرع فيها في شبابه، ويتحرَّك وفق التوجيه التي يتلقَّاه في مرحلة الإعداد والتكوين، ويكيِّف نشاطه حسب الجمهور الذي يتعامل معه؛ إذن فمسؤوليَّة المربِّين كبيرة في تصحيح المسار, والوقاية من الانحراف الفكري. فأيَّة غفلة عن هذا تُحِيلُ البصائرَ حُولاً, وأيُّ تقاعسٍ عن هذا الواجب يُلحِق بنا البلاء عُرضًا وطولا، كما قال أحمد شوقي:
وإِذَا المعلِّمُ سَاءَ لحظَ بَصيرَةٍ.:.:. جَاءَت عَلى يَدِهِ البَصَائِرُ حُولاَ (1/4)
صفحة 5
إنَّ هذا الوضع يُحتِّم علينا القيام لمراجعة مسيرتنا مع اللغة العربيَّة، وتقويم علاقتنا بها، والتخطيط للنهوض لحماية كياننا، وصيانة مقوِّماتنا، والاحتياط لمستقبلنا من الانزلاقات العقديَّة والفكريَّة، والنَّأي بمصيرنا عن الغموض والظلاميَّة.
لردِّ الاعتبار للغة العربيَّة يجب العمل على:
1 ـ إقناع النشء أنَّ لهذه اللغة علاقة بالعقيدة الإسلاميَّة، الجهلُ بها يخدش في المعتقد، ويصيب الدين بالوهن، ويَصِمُ العبادة بالنقص.
2 ـ تصحيح المفهومات عنها بأنَّها غير قادرة على احتواء الحضارة، ومسايرة التطوُّر:
وَسِعْتُ كِتَابَ الله لَفْظًا وَغَايَةً.:.:. وَمَا ضِقْتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ
فَكيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصْفِ آلةٍ.:.:. وَتَنسِيقِ أَسمَاءٍ لِمُختَرَعَاتِ
وأنَّها ثقيلة على اللسان، معقَّدة في تراكيبها، صعبٌ تعلُّمها:
لغةُ العزِّ والكرامةِ والمجـ.:.:. ـدِ، تهادَى على الدُّهور اختيالا
(بالمسيقى) ألفاظُها عازفات.:.:. تُسكِر الرُّوحَ رِقَّةً وجمالا
3 ـ زرعُ خُلُق تذوُّقها في نفوس الناشئة؛ بحسن التعريف بخصائِصِها، وحذق طرق تدريسها.
4 ـ فسحُ المجال لها في المحافل والمنتديات، وعدمُ تهميشِها في المخاطبات واللقاءات، وتقريب الجمهور منها في كلِّ الميادين والفضاءات.
5 ـ منحُ المبدعين والمخترعين فُرص التعامل معها؛ بصفتها لغة الابتكار والعلم والآداب، كما كانت من قبل، وقد تعلَّمت أوروبا منها، ما أعانها على استعبادنا واستغلالنا، بما تقدِّمه لنا من علوم ومعارف، وما تُصدِّره إلينا ما يجعلنا عالة عليها، وتابعين لها فكرًا وسلوكًا وتوجُّها.
6 ـ إعطاءُ المسؤولين وسراة القوم القدوة في تقدير اللغة، واحترام المقوِّم، وصيانة الانتماء، وإبداءِ حُسن الإرادة، وصدق العزيمة في حماية الحرف العربي.
أقول في الختام للغتي لا تَهِنِي ولا تحزني، إن يمسسك قرحٌ من أولئك المارقين، فإنَّه ينالك صونٌ من القدير الجبَّار القهَّار، الذي تكفَّل بحفظك، حين وعد بحفظ كتابه. فأنت العالية والغالية، إنَّك الدرَّة المصونة، والجوهرة النفيسة. اسمحي لي بهذه الكلمات:
لُغتِي مِنكِ سَنَائِي وحَيَاتِي.:.:. فِيكِ أَمنِي وَأَمانِي مِن شَتَاتِي
أَنتِ دِثَارِي وأزري، أنت مَلا.:.:. ذِي، وأنتِ مُنقِذَتِي مِن عُدَاتِي
حين يَبغُون فَنَائِي وهَلاكِي.:.:. حِين يَعجِمُون عودِي وَثَبَاتِي
بِكِ نَحتَمِي، بِكِ البَقَاءُ، بِك السْـ.:.:. سُؤددٌ نرجُو، بِك الأمجادُ تَاتِي
مَا زَكَا مَن عَقَّك، وَلاَ ثَوَى مَن.:.:. صَانَكِ، بَل فَازَ بالفضل الموَاتِي
ظَلَمُوكِ، مَا دَرَوا أَنتِ عَقِيدَ.:.:. ةٌ، صَدَاقُهَا يُغِيظُ الغَافِلاتِ (1/5)
صفحة 6
لَيسَ يَضِيرُ قُصُورُ الفَهمِ عِندَ.:.:. مَن يَعِيشُ بِالَكلاَ كَالسَّائِمَاتِ
القرارة، يوم: 23 من رجب الأصمّ 1425 هـ
09 من سبتمبر 2004 م
--------------------
الهوامش
1) - انظر القصيدة كاملة في ملف «قطوف أدبية» من هذا العدد.
2) - «في سبيل إحياء لغة القرآن في شمال إفريقيا» ترجمة رمضان حمُّود، جريدة وادي ميزاب (أبو اليقظان)، الجزائر، عدد: 35، يوم: (11/ 06/1927).
3) - إبراهيم أبو اليقظان، «اللغة العربيَّة غريبةٌ في دارها»، وادي ميزاب، عدد: 55، يوم: (03/ 11/1927م).
4) - الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، «عيون البصائر»، ص: 119.
5) - محمد ناصر بوحجام: السّخريّة في الأدب الجزائري الحديث، (تحت الطبع)، ص: 159.
6) - مفدي زكرياء: «اللهب المقدس»، ص: 189, 190.
نشرت الافتتاحية في دورية الحياة، العدد: 8، 1425هـ/2004م، ص6 - 10.
ولم تنشر في الموقع. (1/6)
صفحة 7
المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
(الحلقة الأولى: في نزول القرآن على سبعة أحرف)
الأستاذ: بكير بن محمد الشيخ بالحاج (باشعادل)
أستاذ بمعهد الحياة
استعرضتُ في العدد السابق من هذه الدورية "دورية الحياة" مراحل توثيق القرآن الكريم، وأشرتُ في ختام البحث إلى أنَّ هناك جوانب من توثيق نص كتاب الله العزيز جديرة بمزيد من الكلام قصد دفع بعض الشُّبَه التي يُخشى أن يجد أعداء الدين فيها مطعنًا في القرآن الكريم، ولكن هيهات {وَيَابَى اللَّهُ إِلآَّ أَنْ يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (1). من ذلك قضية نزول القرآن على سبعة أحرف، وما ثار في شأن تأويلها بين العلماء الأجلاَّء من اختلاف، ثمَّ دعوى كتابة عثمان رضي الله عنه المصحف الإمام على حرفٍ واحدٍ من هذه الأحرف السبعة، وحملِ الناسِ على القراءة به دون ما سواه من الأحرف.
موضوعٌ مشكلٌ لم أر من اختلاف العلماء في شيءٍ مثل اختلافهم في تأويل هذه الأحرف. ودعوى حمل الناس على واحدٍ منها زادت الطين بلَّة والاختلاف اتِّساعًا.
إنَّ المرء أمام الحشد الهائل من آراء فطاحل العلماء في تأويلها، وما بينها من تناقض - أحيانًا- ليحتار بأيِّ رأيٍ يتمسَّك وأي سبيل يسلُك، ولا يكاد يطمئنُّ إلى قول حتَّى يرى في غيره ما ينقضه من الأساس، ثمَّ يرى أنَّ هذا لم يسلم هو بدوره من الانتقاد، وهلمَّ جرًّا.
فما هذه الأحرف السبعة؟:
للحرف مدلولات كثيرة، قال الفيروزابادي في "القاموس المحيط" في مادة (ح ر ف):
«الحرف من كل شيء طرفُه، وشفيرُه، وحدُّه، ومن الجبل أعلاه المحدَّد ... وواحد حروف التهجي، والناقة الضامرة أو المهزولة أو العظيمة، وسيل الماء، وآرام سود ببلاد سُليم، وعند النحاة ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل» [اهـ].
فهو بهذا لفظٌ مشتركٌ بين عدَّة معان يُفهم المقصود منه بالقرينة، غير أن لفظ الأحرف السبعة أصبح حقيقة شرعية، مثل استعمال الشرع لفظ الصلاة على العبادة المخصوصة، وإن كانت في وضعها اللغوي لمطلق الدعاء، ومثل الحبوب الست في الزكاة، ومثل الأصناف الربوية الستَّة، فحيثما ذكرت الأحرف السبعة فُهم من ذكرها تلك الأحرف التي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ القرآن أُنزل عليها.
وقد وردت في شأنها أحاديث كثيرة بطرق عدَّة وأسانيد شتَّى حتَّى بلغت حدَّ التواتر فيما حكاه أبو عبيد القاسم بن سلاَّم؛ رواها من الصحابة عددٌ لا يُحصى. فقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده الكبير أنَّ (1/7)
صفحة 8
عثمان بن عفان رضي الله عنه قال يومًا وهو على المنبر: «أُذكِّر الله رجلا سمع النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ" لما قام فقاموا حتى لم يُحصَوا فشهدوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنزل القرآن على سبعة حروفٍ كلُّها شافٍ كافٍ". فقال عثمان رضي الله عنه: وأنا أشهد معهم» (2).
وروى البخاري عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال: «سمعت هشام بن حكم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعتُ لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدتُ أساوره (أي أواثِبُه) في الصلاة، فتصبَّرتُ حتَّى سلَّم، فلبَّبتُه بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ كذبتَ، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأتَ. فانطلقتُ به أقودُه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: إنِّي سمعت هذا يقرأ بِسورةِ الفرقان على حروف لم تُقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسِله، إقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعتُه يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك أُنزلت. ثمَّ قال: اقرأ يا عمر، فقرأتُ القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أُنزلت، إنَّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسَّر منه» (3).
ومن تدبَّر هذا الحديث يمكنه أن يلاحظ ما يلي:
* شهد كلٌّ من عمر وهشام بن حكم بن حزام الأسدي أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أقرأه السورة (سورة الفرقان).
* صرَّح النبيء صلى الله عليه وسلم بعد قراءة كلٍّ منهما من سورة الفرقان أنَّها هكذا أُنزلت. وفي كلامه صلى الله عليه وسلم ما يُشعر بضبط كلٍّ منهما لما حفظ، ولو لاحظ الرسول أدنى خلل لنبَّه عليه.
* أنَّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف.
* أنَّه يجوز قراءة ما تيسر من القرآن، أي بغير تحديد كمية منه، - فيما يتبادر إلى الأذهان- ولعلَّه أراد ما كان نطقه يسيرًا على اللسان، فيتخيَّر التالي ما يشاء من هذه القراءات.
* لم يَرد في الحديث أنَّ أحدًا منهما سأل النبيء صلى الله عليه وسلم عن المرادِ بها.
* فوجئ عمر بن الخطاب بما سمع من قراءة هشام حتى كاد يساوره وهو يقرأ السورة في الصلاة لولا أن تصبَّر، ثمَّ كذَّبه بعد أن أخبره، ولبَّبَه وقاده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ فوجئ بتصويب الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة كلٍّ منهما، ثمَّ فوجئ أكثر لما أخبرهما أنَّ القرآن أنزل على سبعة أحرف.
هذا وقد ذكر ابن حجر في شرحه للحديث على صحيح البخاري أنه وقع لجماعة من الصحابة (1/8)
صفحة 9
نظير ما وقع لعمرَ مع هشام؛ من ذلك ما حدث لأُبيِّ بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل، ومنه ما أخرجه أحمد: أن رجلاً قرأ آية من القرآن فقال له عمرو: "إنَّما هي كذا وكذا"، فذكرَا ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فقال: "إنَّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تُماروا فيه ... "».
ولأحمد أيضًا، وأبي عبيد، والطبري من حديث أبي جهم بن الصمَّة أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو حديث عمرو بن العاص. وللطبري والطبراني، عن زيد بن أرقم قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أقرأني ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد، وأقرأنيها أُبي بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيِّهم آخذ؟ " فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليٌّ إلى جنبه، فقال لعليٍّ: "ليقرأ كلُّ إنسان منكم كما عُلِّم فإنَّه حسن جميل"» (4).
هذه عينة ممَّا وقع من الاختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، ولعل الذي وقع منهم ولم يبلغنا خبره أكثر من الذي بلغنا عنهم.
وقد أشكل على العلماء تأويل الأحاديث الواردة في شأن الأحرف السبعة منذ القديم، ولا يزال الإشكال قائمًا إلى اليوم.
قال الإمام الحافظ أبو الخير محمد بن محمد الشهير بابن الجزري: « ... ولا زلت أستشكل هذا الحديث وأفكِّر فيه وأُمعن النظر من نيِّفٍ وثلاثين سنة، حتَّى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صوابًا إن شاء الله» (5).
وقال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني: «هذا مبحثٌ طريفٌ وشائق، غير أنَّه مُخيفٌ وشائك؛ أمَّا طرافته فلأنَّه يُرينا مظهرًا من مظاهر رحمة الله وتخفيفه على عباده، وتيسيره لكتابه على كافة القبائل العربية، بل على جميع الشعوب الإسلامية، من كلِّ جيلٍ وقبيل، حتَّى ينطقوا به ليِّنةً أنفسُهم، سهلةً لهجاتُهم، برغم ما بينهم من اختلاف اللغات وتنوُّع في الخصائص والميزات، ومن طرافة هذا المبحث أيضًا أنَّك تشاهد فيه عرضًا عامًّا لمنتجات أفكار كثيرة ...
وأمَّا مخافةُ هذا المبحث وشوكُه فلأنَّه كثُر فيه القيل والقال، إلى حدٍّ كاد يطمس أنوار الحقيقة، حتى استعصى فهمُه على بعض العلماء ولاذ بالفرار منه، وقال إنَّه مُشكل ... أضف إلى ذلك أنَّ الخطأ في هذا الباب قد يتَّخذُ منه أعداء الإسلام سبيلاً عِوَجًا لتوجيه المطاعن الخبيثة إلى القرآن» (6).
وقد أطنب العلماء وأفاضوا في مباحث أحاديث الأحرف السبعة بشكلٍ عجيب، وكان لبعضهم فيها جولات وصولات تملأ صدرك دهشة وإعجابًا، وتقديرًا لجهود العلماء في هذا المضمار.
أضع بين يديك - أيها القارئ الكريم - نموذجين لتُدرك بهما مدى تشعُّب الكلام في أحاديث الأحرف السبعة. (1/9)
صفحة 10
النموذج الأول: قال الإمام ابن الجزري: «وقد تكلَّم الناس على هذا الحديث بأنواع الكلام، وصنَّف الإمام الحافظ أبو شامة - رحمه الله - فيه كتابًا حافلاً، وتكلَّم بعده قومٌ، وجنح آخرون إلى شيءٍ آخر، والذي ظهر لي أنَّ الكلام عليه ينحصر في عشرة أوجه:
الأول: في سبب وروده، الثاني: في معنى الأحرف، الثالث: في المقصود بها هنا الرابع: ما وجه كونها سبعة؟ الخامس: على أيِّ شيءٍ يوجَّه اختلاف هذه السبعة؟ السادس: على كم معنى تشتمل هذه السبعة؟ السابع: هل هذه السبعة متفرِّقة في القرآن؟ الثامن: هل المصاحف العثمانية مشتملة عليها؟ التاسع: هل القراءات التي بين أيدي الناس اليوم هي السبعة أم بعضها؟ العاشر: ما حقيقة هذا الاختلاف، وفائدته؟» (7).
النموذج الثاني: قال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني:
« ... ونحن نستعين بالله ونستهديه أن يخلص لنا الورد من الشوك في هذا الموضوع الشائق الشائك، وأن يُهيِّء لنا من أمرنا رَشَدًا، وسنجول في هذا الميدان - إن شاء الله - جولات عدَّة نتحدَّث فيها عن أدلَّة نزول القرآن على سبعة أحرف، وعن شواهد بارزة في هذه الأحاديث الواردة، بينها فوائد كثيرة لاختلاف الحروف والقراءات، وعن معنى نزول القرآن على سبعة أحرف، وعن الوجوه السبعة في المذهب المختار، وعن تحقيق النسبة بين المذهب المختار وأشباهه، وعن وجوه اختيار هذا المذهب، وعن دفع الاعتراضات الواردة عليه، وعن بقاء هذه الأحرف السبعة في المصاحف، وعن الأقوال الأخرى وتفنيدها، وعن دفعٍ إجماليٍّ للأقوال الأخيرة منها، ثمَّ نختم المبحث بعلاج الشبهات الواردة على هذا الموضوع، والله المستعان» (8).
يمكنك بعد استعراض النموذجين أن تتصور مدى تشعُّب الكلام في الموضوع، وأن تدرك أنَّه مترامي الأطراف، ذو حواشٍ وذيولٍ، ومن المفيد جدًّا أن نطَّلع على جهود جهابذة العلماء في كافة المباحث المشار إليها، غير أنَّ هذا البحث في هذه الدورية لا يمكنه أن يستوعبها، بل إنه لا يعدو أن يكون غرفة من بحر.
والذي يهمنا في المقام الأول مبحث تأويل أحاديث الأحرف السبعة:
لم يرد نصٌّ أو بالأحرى لم يبلغنا عن المعصوم صلى الله عليه وسلم في تأويلها شيءٌ، اللهم إلاَّ ما نقله ابن حجر في "الفتح" من قوله: «وذهب قوم إلى أنَّ السبعة الأحرف سبعة أصناف من الكلام، واحتجُّوا بحديث ابن مسعود عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "كان الكتاب الأول [يريد ما نزل من الكتب قبل القرآن] ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب؛ زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فأحلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عمَّا نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كلٌّ من عند ربِّنا"». أخرجه أبو عبيد وغيره. قال ابن عبد البر: هذا حديث لا (1/10)
صفحة 11
يثبت، لأنَّه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، ولم يلق ابن مسعود. وقد ردَّه قوم من أهل النظر، منهم أبو جعفر أحمد بن عمران، قلت: وأطنب الطبري في مقدمة تفسيره في الرد على من قال به» (9).
وقال ابن عربي لم يأت في معنى هذا السبع نص ولا أثر، واختلف الناس في تعيينها (10).
كذلك لم يبلغنا أن أحدا من الصحابة رضي الله عنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن تأويلها، كذلك لم أطلع فيما قرأت على قول للصحابة في شأنها.
ولهذا ثار خلاف كثير بين العلماء في هذا الشأن؛ فالحديث في الواقع مُشكِلٌ من عدَّة وجوه؛ من جهة كيفية نزوله على هذه الأحرف، ثم من جهة تحديد المراد بالسبعة؛ هل المراد بها العدد بين الستة والثمانية، بعبارة أخرى هل أريد بها حقيقة العدد أم أطلق على سبيل المجاز وأريد به التكثير والمبالغة؟
نقل الزرقاني أن القاضي عياضًا ومن تبعه جنحوا إلى أن لفظ السبعة في الحديث الشريف ليس مُرادًا به حقيقة العدد المعروف، إنما هو كناية عن الكثرة في الآحاد، كما أن السبعين تُستعمل كناية عن الكثرة في العشرات، وكما أن السبعمائة تستعمل كناية عن الكثرة في المئات (11).
ومما دونته المصنفات من أقوال وآراء في تأويل الأحرف السبعة ما يلي:
1 - هذا القول منسوب للإمام أبي الفضل الرازي، قال:
«الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف:
* الأول: اختلاف الأسماء من إفرادٍ وتثنية وجمع، وتذكيرٍ وتأنيث.
* الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماضٍ ومضارع وأمر.
* الثالث: اختلاف وجوه الإعراب.
* الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة.
* الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير.
* السادس: الاختلاف بالإبدال.
* السابع: اختلاف اللغات "يريد اللهجات" كالفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام، ونحو ذلك (12).
2 - جملة أقوال يرى أصحابها أن المراد بالأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، سبعة أصناف، لكنهم يختلفون في تعيين هذه الأصناف، وفي أسلوب التعبير عنها:
* فمنهم من يقول: إنها أمر ونهي وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال.
* ومنهم من يقول: إنها وعد ووعيد وحلال وحرام، ومواعظ وأمثال واحتجاج.
* ومنهم من يقول: إنها محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص.
* ومنهم من يقول: إنها إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومُجانبة (1/11)
صفحة 12
الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب (13).
وهناك أقوال أخرى تركتها مخافة التطويل.
وعند التأمل في ألفاظ أحاديث الأحرف السبعة وأسباب ورودها، أو بالأحرى مناسبات ورودها، يتبين لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب في تأويلها ما كان منها متعلقا بنص القرآن؛ أي بألفاظه وأسلوبه. ولهذا فالقول الذي حَظِي بقبول كثير من العلماء قول الإمام أبي الفضل الرازي؛ ذلك لأن الخلاف الذي شجر بين الصحابة في عهد النبيء صلى الله عليه وسلم كان بسبب الاختلاف في القراءة، ثم إن ما حصل بالمسلمين بعد ذلك كان نتيجة تفرق الصحابة في الأمصار، وأخذ الناس فيها بقراءة الصحابي الذي حل بين أظهرهم، فكان أهل الشام يَقرَؤُون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة بقراءة أبي موسى الأشعري، فاختلفوا حتى كادت تكون بينهم فتنة وشر مستطير،
لا سيما عندما اجتمعت جموع المسلمين الغفيرة في بعض مغازيهم، كالتي حصلت في فتح أرمينيا وأذربيجان.
ذكر ابن حجر في فتح الباري نقلا عن محمد بن سيرين: كان الرجل يقرأ حتى يقول الرجل لصاحبه: كفرت بما تقول ... وأن ناسًا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال: ألا أني أكفر بهذه، ففشا ذلك في الناس (14).
فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن الخلاف نجم من اختلاف القراءات وليس من اشتمال القرآن على الأمر والنهي والحلال والحرام والوعد والوعيد، والمواعظ والأمثال، أو إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وما إلى ذلك، فهذه لا يعقل أن تكون مصدر اختلاف وتخطئة وتكفير.
ولعل من أحسن ما نستنير به في هذا المقام، ويرفع كثيرًا من اللبس والغموض، أن نرجع إلى كتب القراءات، والتي من خلالها - أعني القراءات- يتضح لنا ويتحدد ما كان سبب اختلاف الصحابة ومن وراءهم.
ولنأخذ منها سورة الفرقان - نموذجًا - لأنها التي نصَّ عمر على سماعه هشام بن حكيم يقرؤها على حروف كثيرة لم يُقرئه الرسول صلى الله عليه وسلم.
لقد أحصى مصنِّف كتاب "التيسير" الإمام أبو عمرو الداني في قسم فرش الحروف (15) منه نيِّفًا وعشرين كلمة، اختلفت القراءات السبع المتواترة في وجوه قراءتها بما يناهز خمسين وجهًا (16).
وفي كتاب "النشر في القراءات العشر" للحافظ أبي الخير محمد ابن الجزري ورد ذكر ما أثبته صاحب كتاب "التيسير" وزاد عليها تسعة ألفاظ أخر (17).
وقال ابن حجر في "فتح الباري": «ولم أقف في شيءٍ من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام في سورة الفرقان ... وقد تتبع أبو عمر بن عبد البر ما اختلف فيه (1/12)
صفحة 13
القراء من ذلك من لَدُن الصحابة ومَن بعدَهُم في هذه السورة فأوردته ملخَّصًا وزدت عليه قدر ما ذكره، وزيادة على ذلك ... » ثم قال: «قال أبو عمر بن عبد البَر بعد أن أورد بعض ما أوردته: هذا ما في سورة الفرقان من الحروف التي بأيدي أهل العلم بالقرآن، والله أعلم بما أنكر عمر على هشام، وما قرأ به عمر، فقد يمكن أن يكون هناك حروف أخرى لم تصل إليَّ، وليس كل من قرأ بشيءِ نقل ذلك عنه، ولكن إن فات من ذلك شيءٌ فهو النزر اليسير، كذا قال، والذي ذكرناه يزيدُ على ما ذَكَر مثله أو أكثر، ولكننا لا نتقلَّد عهدة ذلك. ومع ذلك نقول يحتمل أن تكون بقيت أشياء لم يطَّلع عليها، على أني تركت أشياء ممَّا يتعلَّق بصفة الأداء من الهمز والمد والرَّوم والإشمام ونحو ذلك، ثم بعد كتابتي هذا وإسماعه وقفت على الكتاب الكبير المسمَّى "بالجامع الأكبر والبحر الأزخر" تأليف شيخ شيوخنا أبي القاسم عيسى بن عبد العزيز اللخمي ... فالتقطت منه ما لم يتقدَّم ذكره من الاختلاف فقارب قدر ما كنت ذكرته أوَّلا ... » (18).
ثم قال: «فهذه ستة وخمسون موضعًا ليس فيها من المشهور شيءٌ، فليضَف إلى ما ذكرته أوَّلاً، فتكون جملتها نحوًا من مائة وثلاثين موضعًا» (19).
ولتقريب الصورة أضع بين يديك عينات من تلك الألفاظ قبستُها من كتاب "التيسير" (20):
1 - {يأكُل منها}: مسندًا إلى الغائب، ومرجع الضمير الرسول صلى الله عليه وسلم. {نأكل منها}: مسندًا إلى جماعة المتكلمين.
2 - {ويجعل لَّك}: بالجزم، {ويجعلُ لك}: بضمِّ اللام.
3 - {ضيِّقًا}: بياء مشدَّدة مكسورة، {ضيْقًا}: بياء ساكنة.
4 - {ويوم يَحشرهم}: بياء، {نَحشرهم}: بنون.
5 - {فيقول}: بياء، {فنقول}: بنون.
6 - {ونُنْزِلُ الملائكةَ}: بنونين ثانيتُهُما ساكنة وزاي ساكنة مخفَّفة، ونصب الملائكة. {ونُزِّلَ الملائكةُ}: بصيغة الماضي المبني للمجهول، ورفع الملائكة.
7 - {سراجًا}: على الإفراد، {سُرجًا}: بغير ألف وضمِّ الراء على الجمع.
8 - {ولم يُقتِروا}: بضم الياء وكسر التاء، {ولم يَقتِروا}: بفتح الياء وكسر التاء، {ولم يَقتُروا}: بفتح الياء وضمِّ التاء.
هذا وإذا علمت مدى تحري الصحابة في حفظهم لكتاب الله وحرصهم عليه وكفاحهم دون تبديله وتغييره، سهل عليك أن تفهم موقف عمر وأضرابه مع من سمعوه يقرأ القرآن على غير قراءته التي تلقَّاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أعلمهم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وأدركوا أن كلاًّ منهم كان تلقَّى من الرسول صلى الله عليه وسلم ما تلقى، فلا داعيَ للخلاف والمماراة، فأذعنوا ورضوا بحكم الرسول وسلَّموا له تسليمًا، ولكنهم لم يتركوا التثبُّت لحظة من اللحظات، فلا يقبلون إلاَّ ما صحَّت روايته وثبت نقله عنه صلى الله عليه وسلم. وقد أسعفهم في (1/13)
صفحة 14
ذلك قوة حوافظهم التي كانت أشبه بآلات التسجيل، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ أحصتها.
ويجدر بي في ختام البحث أن أختصر بعض الحِكم - ممَّا دوَّنته بعض كتب علوم القرآن- من نزول القرآن على أحرف سبعة:
أولاً: تيسير تلاوته على الناس؛ فإن القرآن - وإن كان نزل بلسان عربي مبين - فإن العرب كانت لهجاتهم شتى وبينها فروق كثيرة، فلو حُملوا على قراءة القرآن بحرف واحد أو قراءة واحدة لنالهم عنَتٌ وحصلت مشقَّة. هذا ما كان من شأن العرب الذين شوفهوا بالقرآن في عصر النبيء صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن وراءهم من العجم الذين دخلوا في دين الله أفواجًا وأمما، ثم كيف حال من أتى من بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. والإسلام دين الكافَّة، والقرآن دستوره الخالد ومعجزته الباقية؟ فليقرأه كلُّ جيل وكلُّ أمة بما سهل على لسانها.
ثانيًا: إنَّ في تعدد وجوه القراءات - وهي مندرجة في الأحرف السبعة - ما يوضح مراد الشارع من الآية إذا كان فيها لفظٌ يحتمل أكثر من معنى، فتكون إحدى القراءات على بعض الوجوه المغايرة بمثابة القرينة التي ترجح بعض الأقوال الفقهية على البعض الآخر، وذلك كقوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ اَوُ اخْتٌ من أمٍّ} فتبيَّن بهذه الزيادة في هذه القراءة أنَّ الإخوةَ في هذا الحكم الإخوةُ للأم دون الأشقَّاء ومن كانوا للأب.
ثالثًا: قد يفيد اختلاف القراءات دفع توهم ما ليس مرادًا من كلام الشارع كقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (21)، وقرئ {فامضُوا إلى ذكر الله}، فقد يتوهم من القراءة الأولى وجوب السعي إلى الصلاة، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن نأتيَ الصلاة ونحن نسعى، ولكن القراءة الثانية رفعت هذا التوهُّم (22).
رابعًا: في تعدد الأحرف ووجوه القراءات صورة من صور إعجاز القرآن، وفيه تحدٍّ لكل القبائل العربية، فلو أتى بلغة دون لغة لقال الذين لم يأت بلغتهم "لهجَتِهِم" لو أتى بلغتنا لأتينا بمثله (23).
خامسًا: إن اختلاف وجوه القراءات حمل النحويين على توجيهها، فأغنى هذا التوجيه اللغة العربية؛ قال الزركشي: «وهو فن جليل، وبه يعرف جلالة المعاني وجزالتها، وقد اعتنى الأئمة به وأفردوا فيه كتبًا ... وكلٌّ منها قد اشتمل على فوائد» (24).
هذا ما يسَّره الله لي في هذا الموضوع الصعب، وأرجو أن أكون شاركت - ولو بجهد المقلِّ - في إزاحة الغموض عن بعض جوانبه، وما كان صوابًا فمن الله وبفضله ورحمته، وأحمده عزَّ وجل على ذلك، وما كان فيه من خطأ أو وهم فمني وأرجو من الله عفوه ومغفرته، ولا أعلم أنَّ الله عزَّ وجل أعطى أحدًا من خلقه حفظًا من الغلط، وأمنًا من الخطإ والنقص والتقصير، إلاَّ من عصم. ولله الحمد أولاً وآخرًا، والحمد لله رب العالمين. (1/14)
صفحة 15
----------------------
الهوامش
1 ـ سورة التوبة، الآية: 32.
2 ـ عبد العظيم الزرقاني: «مناهل العرفان في علوم القرآن». مج1، ص: 132. نشر دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي. ط2.
3 ـ «صحيح البخاري»، الباب الخامس، من كتاب فضائل القرآن. رَ: «فتح الباري» لابن حجر، مج9، ص: 23. نشر دار المعرفة. بيروت. لبنان.
4 ـ ابن حجر: «فتح الباري». مج9. ص: 26.
5 ـ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر». مج1. ص: 26. نشر دار الكتاب العربي. (د. ت. ن).
6 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان». مج1. ص: 130، 131.
7 ـ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر». مج1. ص:21.
8 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان». مج1. ص: 131.
9 ـ ابن حجر: «فتح الباري». مج 9. ص: 29.
10 ـ الزركشي: «البرهان في علوم القرآن». مج1. ص: 212. نشر دار المعرفة. بيروت. لبنان. ط2. رمضان 1376هـ/ 1957م.
11 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان». مج1. ص: 166.
12 ـ ابن الجزري: «النشر». مج1. ص: 27. / الزرقاني. مناهل العرفان. مج1. ص: 148.
13 ـ للاطِّلاع على هذه الأقوال وغيرها راجع كتاب: «النشر» لابن الجزري. مج1. بداية من ص: 23. وكتاب: «البرهان». للزركشي. مج1. بداية من ص: 211. وكتاب: «مناهل العرفان». للزرقاني. مج1. بداية من ص: 146. وكتاب: «فتح الباري». لابن حجر. مج9. بداية من ص: 23.
14 ـ مثل هذا الكلام ينبغي التثبُّت فيه، ونربأ بالصحابة والعقلاء أن يصدر منهم.
15 ـ جرت عادة المؤلفين في علم القراءات على تقسيم مصنَّفاتهم قسمين: أوَّلاً: قسم الأحكام المطَّردة؛ والحكم المطَّرد هو الحكم الكلِّي الذي يجري في كلِّ ما تحقَّق فيه شروط ذلك الحكم، كأحكام المدِّ والقصر، والإظهار والإدغام، والفتح والإمالة ... ويسمُّون هذا القسم "قسم الأصول". ثانيا: قسم الحكم المنفرد غيرُ المطَّرد؛ وهو ما يذكر في السور من كيفية قراءة كلِّ كلمة قرآنية مختلَفٍ فيها بين القرَّاء، مع عَزوِ كلِّ قراءة إلى صاحبها ... ويسمُّون هذا القسم أيضًا بـ: (1/15)
صفحة 16
فرش الحروف، وسمَّاه بعضهم بالفروع مقابلة بالأصول.
16 ـ «التيسير». ص: 163. نشر دار الكتاب العربي. بيروت. لبنان. ط2. 1406هـ / 1985م.
17 ـ ابن الجزري: «النشر»، مج 2، ص: 333.
18 ـ ابن حجر: «فتح الباري»، مج 9، ص: 33، فما بعدها.
19 ـ م ن، ص: 36.
20 ـ «التيسير»، ص: 163.
21 ـ الجمعة، الآية: 09.
22 ـ الزرقاني: «مناهل العرفان»، مج1، ص: 140، 141.
23 ـ مصطفى لطفي الصبَّاغ: «لمحات في علوم القرآن». ص: 179. نشر المكتب الإسلامي. بيروت. لبنان. ط3. 1410هـ / 1990م.
24 ـ الزركشي: «البرهان»، مج 1، ص: 339. (1/16)
صفحة 17
أهمية فهم القرآن وتدبره في حياة الإنسان المسلم
أ/ يحيى بوتردين (*)
مقدمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث بالرحمات، محمد خاتم النبوات، وعلى آله وصحبه والتابعين والتابعات. وبعد ..
إنه لمن المجازفة التي لا تؤمن عواقبها، أن يتحدث المرء عن القرآن وأهمية تلاوته وتدبره في المجتمع الإسلامي الذي يعرف في الأصل بأنّه مجتمع القرآن، يتلوه أفراده في ختمات متواصلة بمساجدهم ومصلياتهم وبيوتهم ومتاجرهم، بل ويفرقونه فيما بينهم في سائر تجمعاتهم، حتى غدا جزءا منهم يُعرفون به في الغالب الأعم بين الناس. إلاّ أنه من الإنصاف (2) أيضا أن يذكر ومن باب النقد الموضوعي للواقع، أنّ علاقتنا بالقرآن وإن كان فيها ذلك الحماس أو تلك الحرارة، تبقى غير مستجيبة دائما للشروط والقواعد التي وضعها منزل القرآن في كتابه العزيز، والغاية التي من أجلها نزل، لأنه تبارك وتعالى أراده سببا للصلة بينه وبين عباده يُرشدهم به إلى سبل السلام في الدنيا، ويذكرهم بما ينبغي أن يلتزموا به من تعاليمه للفوز في اليوم الآخر.
إن ما يلاحظه العام والخاص هو أن هذا القرآن وإن كثرت تلاوته وتعدَّدَ حفَّاظُه وأقيمت له الحفلات تلو الحفلات، فإنه لا يزال غير ظاهر فينا سلوكا وأخلاقا ونظام حياة، ما دام الجهر بالسوء لا يزال متفشيا، فمن مستحل للربا جهارا ولا يبالي، ومن تارك للصلاة أو متهاون بها بشكل يقطع عذره، ومن مقترف للزنى وسائر المنكرات ولا يبالي، ومن متخذ سباب الدين والرب تسبيحة يكررها بوعي أو بدون وعي صباح مساء ولا يبالي، ومن مستحل لأنواع اللهو والمجون السافلة باسم الفن تارة والثقافة أحيانا، كسماع الغناء الساقط والرقص واتخاذ الخليلات والشذوذ، واستحلال النظر إلى العورات وكشفها في الملاعب والمسابح والشواطئ، والمتاجرة بأعراض الناس غيبة ونميمة حيث لا ينفع وعظ ولا إرشاد ولا يبالي، ومن متخذ هواه غاية دون الله فلا يرى حرجا في ابتزاز أموال الناس بالحيلة أو تزوير عقود ممتلكاتهم وبيعها، ثم لا يبالي، ومن سامع بالمنكر أو شاهد فعله وفي استطاعته الأمر والنهي ولكن لا يبالي ... إلخ.
فهذه السلوكات لم تكن لتتفشى في المجتمع بهذا الشكل لو كان للقرآن أثره الفعال في أفراده، ولم يكن لينتشر خبرها لو كانت مجرد نزوات فردية تحفظ ولا يقاس عليها. ولكنها أمست ظاهرة اجتماعية مستوجبة البحث والدراسة (3) والمعالجة.
فهلاَّ جعلنا لتلاوتنا القرآن صباح مساء أثرا تترجمه جوارحنا وأفكارنا وطريقة حياتنا؟ وهلاّ اجتهدنا جميعا من أجل إعادة النظر في علاقتنا بالقرآن الكريم؟ (1/17)
صفحة 18
إن مثل هذه الأسئلة تفرض نفسها في الواقع، لأنها هي التي تدفعنا لبحث القضية من أساسها، على أمل تصحيح علاقتنا بالقرآن، والتزام آداب وقواعد التلاوة الصحيحة التي تجعلنا نتدبر معاني القرآن الكريم، ونحياها بسلوكنا، ونجني ثمارها وفوائدها في الواقع.
ولبلوغ هذا الهدف لابد من تقسيم البحث إلى عنصرين اثنين هما:
العنصر الأول: تعريف القرآن للقرآن وتبيين علاقته بحياة الإنسان.
وفيه يتم التطرق إلى تعريف القرآن الكريم انطلاقا من وصف المولى عزَّ وجلَّ له في محكم تنزيله، مع التركيز على بيان علاقته بحياة الإنسان.
العنصر الثاني: ضرورة تفعيل القرآن في حياتنا بفهمه وتدبره.
وفيه نحاول الإجابة عن سؤال يتعلق بمدى أهمية التركيز على تدبر القرآن، مع وجود العناية بحفظه وتلاوته، إضافة إلى بيان خطورة استدبار القرآن وهجرانه، وأثر ذلك على حياة الإنسان ومصيره.
وفي الأخير لعلنا نذيل هذه السطور بجملة من الآداب والقواعد التي تكفل التلاوة الصحيحة للقرآن بفهم وتدبر، و التي يمكن استنباطها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
أما وأننا قد انتهينا في المقدمة إلى ملاحظة عدم وجود ثمار حقيقية لما هي عليه صلتنا بالقرآن الكريم في الواقع، فإنه لابد من البحث عن الحقيقة لتدارك الأمر، وتصحيح المسار والعودة إلى النهج الرباني الذي سطره لعباده. ولعل أول خطوة إلى ذلك، هي معرفة حقيقة معنى القرآن كما بينها القرآن ذاته وعلى لسان رب العزة، كي نستشعر عظمته ونعمل بمقتضى معناه ومفهومه.
العنصر الأول: تعريف القرآن للقرآن وتبيين علاقته بحياة الإنسان.
إذا أردنا معرفة حقيقة القرآن الكريم، معنى وغاية، فليس هنالك أدق وأشمل وأوضح مما جاء في القرآن ذاته؛ فكيف وصف الله عز وجل إذن، القرآن الكريم في محكم تنزيله؟ وأي علاقة يريد أن تكون للإنسان بهذا القرآن؟
يقول (معرفا عباده بحقيقة القرآن الذي نزّله إليهم، إنه أنزله هدى للمتقين: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة 02)، أي أن فيه من النُّظُم والأحكام ما يضمن لهم الهداية والتوفيق في الدنيا والآخرة، بشرط أن يتمسكوا به ويطبقوه في حياتهم اليومية، دون الاكتفاء بتلاوته أو حفظه على جلال قدر التلاوة والحفظ (4)، والهداية هنا بمعنى السير في طريق بينة وواضحة لا خوف فيها ولا مخاطر، ويفهم من هذا إذن أن من يكتفي بتلاوته ولا يطبق أحكامه التي تلوح بها آياته، رغم معاودته تلاوتها مرارا وتكرارا، فإنه لم يكن القرآن بالنسبة إليه مصدر هداية أو رشد، كما يشير سبحانه وتعالى إلى أنه برهان ونور، أي أن الذي يتلوه لابد وأن يكون له نورا يمشي به في ظلمات الدنيا والآخرة: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} (النساء 174)، وأما من لا يجد ذلك، فمعناه أنه لم يفهمه ولم يتدبره، ولن تحصل له هذه المعاني، إلا (1/18)
صفحة 19
بالاجتهاد في تدبر معاني القرآن الكريم وتطبيقها؛ هذا ويشير سبحانه وتعالى أيضا إلى أن من معاني القرآن كونه موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، ففيه من الوعظ والإرشاد ما يفي بحاجة المرء لتحسين علاقته بربه عقيدة وعبادة، ويشفي صدره من أي الوساوس والأغلال، وينزل عليه السكينة والطمأنينة ويوفقه إلى إحراز هداية الله ورحمته: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (يونس57)؛ ثم أنه يخبرنا سبحانه وتعالى ومن خلال خطاب يوجهه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعباده من بعده بأن في هذا القرآن الكريم لعبرة لأولي الألباب، لأن ما يحكيه لنا من أخبار وقصص الأمم السابقة، تعد من حيث أحداثها ومعانيها، ذات البعد الإنساني، مما يمكن أن يتكرر في
عهدنا نحن الأمم المتأخرة، لعلنا نعتبر ونؤمن به حق الإيمان؛ ولذلك أراده (تفصيلا لكل شيء، على اعتبار أنه مستوف لكل ما يلزم الإنسان لإحراز الرضا والفلاح، سواء أتعلق الأمر بالآخرة أم بالدنيا: {لقدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف111)؛ هذا ومما يضيفه المولى عزَّ وجلَّ من التعريف للقرآن الكريم، أنه إذا كان يحمل لعباده البشرى إن أحسنوا الفعل بتوطيد علاقتهم بالقرآن فهما وتدبرا وتطبيقا، فهو مع ذلك يحمل إليهم الإنذار ويحذرهم من سوء المنقلب إذا هم فرّطوا في ذلك وأعرضوا: {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الجاثية؛08).
إن من يجمع هذه المعاني (5) كلها، ويحاول أن يتدبرها بإمعان، لا بد أن يفهم حقيقة القرآن وهي أنه كله خير للإنسان، وإذا حاول أن يطبقها في حياته، لابد وأن يجد حلاوة الإسلام، ولن يكون ذلك لمن يمرون على القرآن مرور الكرام، أو يحفظونه حفظ الببغاء والآلة، من دون أن يكون له أثر في سلوكهم وأخلاقهم، وإنما للذين يقرءونه بإمعان وتدبر، ويطبقونه قولا وعملا، حتى إذا أصابهم شيء من الغفلة أو الخطأ تذكروا ورجعوا، ولا يجدون في أنفسهم أدنى شك أو ريب في أنه الخلاص وحده. تلكم هي حكمة المولى عزَّ وجلَّ من تنزيله القرآن: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (ص29) (6).
وبعد تعرفنا على بعض معاني القرآن الكريم كما يحددها المولى عزَّ وجلَّ وتبين لنا أن العبرة في تلاوة القرآن والاعتناء به تكمن في مدى استفادة التالي منه بالتدبر والفهم ثم بالتطبيق العملي، فإنه لابد أن نقف عند هذه النتيجة لنتبين أهمية تدبر القرآن وفهمه قياسا إلى مجرد القراءة والحفظ، ثم نحاول في الأخير معرفة بعض الآداب المساعدة على التدبر والفهم، وهو ما يبسطه العنصر الثاني.
العنصر الثاني:
ضرورة تفعيل القرآن في حياتنا بفهمه وتدبره: (1/19)
صفحة 20
ومن أجل بسط الكلام في هذا الجانب، يتعين علينا أن نتناوله من خلال النقطتين الآتيتين:
لماذا التركيز على تدبر القرآن مع وجود العناية بحفظه وتلاوته؟ وما خطورة استدبار القرآن وهجرانه، وأثر ذلك على حياة الإنسان ومصيره؟
إن الذي يجول بنظره في نطاق المجتمع الإسلامي الكبير، يجد أن من الأسباب غير المباشرة للتخلّف الحضاري والعلمي للمجتمع، إعراض أكثر الناس عن القرآن، وهجرانهم له؛ ولا يعني ذلك عدم قراءتهم له، لأن منهم من يتلونه صباح مساء كما رأينا، وربما يحفظونه أكثر من غيرهم، ولكنهم لا ينتهون عن منهياته ولا يأتمرون بأوامره، فهم وكأنهم لم يقرءوه ولم يحفظوه وهم بالعكس يفعلون.
إننا إذا اعتبرنا القرآن وصفة علاجية ووقائية للإنسان، وأن الله تعالى هو الطبيب، فإنه من واجب المريض أن يلتزم بما يمليه عليه طبيبه من الإرشادات والنصائح وإلا هلك، أو على الأقل يزداد سقما على سقم. ولا نحسب أن عاقلا يلجأ إلى الطبيب فيكتب له وصفة دواء حتى إذا أقفل المريض راجعا إلى بيته شرع يقرأ تلكم الوصفة الدوائية ويحفظها راجيا الشفاء.
ومن هنا نفهم كيف أن أسلوب القرآن جاء حاسما ليوبخ المعرضين عنه، سواء بهجرانه والغفلة عنه لمدة طويلة أو بتلاوته تلاوة مسرعة لا تكاد تُبين، حيث جعل لهم الوعيد على ذلك في آيات عدة. يقول المولى سبحانه وتعالى رواية عن نبيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان30)، و هي صورة ينقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن واقع كان الناس فيه يشهدون نزول القرآن ويتركونه وهم معرضون، وقد بين لهم الرسول فضله، وإذ يثبت الله عز وجل هذه الرواية في الكتاب لتنقل إلينا، فإنه يريدها أن تكون لنا نحن المتأخرين موعظة وتذكيرا. ولعل من المفيد بالمناسبة أن نقيس واقعنا إلى واقع العهد النبوي، لنعرف مدى قوة أو ضعف علاقتنا بالقرآن الكريم، ونحن أتباعه، حتى يتبين لكل منا ما إذا كان يتعين عليه مراجعة النفس وتصحيح علاقته بالقرآن فكرا وسلوكا.
و إذا قيل قديما إن اللبيب تكفيه الإشارة، فإن العاقل يتبين بنفسه مدى أهمية الموضوع وخطورته، فيعتني به ويهُبّ إلى الإصلاح والتغيير، حتى لا يلحقه عتاب الله ووعيده: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد؛24). {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت44).
والآيات في الموضوع كثيرة (7)، تأتي كلها لتدعم هذا المعنى، وهو تركيز المولى سبحانه وتعالى على عنصر التدبر والفهم والتطبيق، قبل الحفظ والتلاوة اللفظية، لأنه تكفل بحفظه لكتابه بنفسه، ولم يوكل مهمة ذلك لعباده ولا لرسله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر09)، {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (القيامة17)، إذ لم يكن سبحانه وتعالى في حاجة إلى من يحمله في (1/20)
صفحة 21
صدره وهو لا يعنيه ولا يفيده في شيء من أمور حياته أو أخراه: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة 05)، فالله قد نبّهنا إلى مثل هذا المعنى عندما أراد أن يبين لنا ثقل مسؤولية تحمل أمانة الرسالة، رسالة القرآن ــــ إذ الأمر لا يتعلق بنصه بل بمحتواه ــــ: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (الأحزاب72)؛ ومن هنا لا نحسب أن ثمة من يجادل في الأمر، أو يرد هذا الفهم لعلاقة الإنسان بالقرآن الكريم، من حيث هي فهم يُتدبَّر، وفقه يُطبَّق، ورسالة تُبلَّغ، ... وليس تمائم تعلق أو ألحانا تؤدى أو نصوصا تكرر.
إن إنسان هذا العصر يشهد باستمرار ثورة في المفاهيم والمعلومات، لا تكاد تنتهي، فقد غدت المسافات ضوئية، والحدود وهمية، والأفكار افتراضية، والمعلومات إلكترونية ... وتوفرت من أسباب المعرفة والفهم والاكتشاف ما لم يتوفر لأي إنسان في أي عصر مضى؛ فهل يعقل أن يبقى مجتمع القرآن متحجرا ومنغلقا على أفهام بليت وتجاوزها الزمن؟ لعل هذا الواقع الجديد ــــ الذي لا يملك أحد أن يتملص منه ــــ يدفعنا إلى فهم جديد ومتجدد لرسالة المسلم مع القرآن؛ إننا مطالبون، إضافة إلى الفهم والتدبر والتطبيق، في إطار ذواتنا ومحيطنا الاجتماعي، أن نعمل على إيجاد السبل لتبليغ هذا القرآن إلى الغير وفي أطر أخرى أبعد وأوسع، في مشارق الأرض ومغاربها، ــــ وربما في الفضاء أيضا ــــ على أنه في انتظار ذلك لا يسع العاقل إلا أن يأتي بما هو مستطاع ويبدأ بنفسه أولا، فالمهم هو العمل ثم العمل حتى تعود الأمور إلى نصابها.
ولعله بعد هذا التحسيس بالمسألة، بشرح بعض أبعادها، يجدر بنا أن نذيل هذه المداخلة ببعض الآداب (القواعد المساعدة) التي تساعد المسلم على حسن الاستفادة من القرآن الكريم فهمًا وتدبرا، لعله يوفق بعد ذلك للتطبيق.
خاتمة:
بعض الآداب (القواعد المساعدة) في قراءة القرآن بهدف الفهم والتدبر:
1 - الالتزام بالطهارة دوما عند مقاربة القرآن، كنوع من التهيؤ وحس النية والاستحضار لعظمة الخالق عز وجل وهو المخاطَب والمخاطب: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} (الواقعة79).
2 - التمثل لأمر الله بالاستعاذة قبل كل تلاوة، لأن بها يطرد الشيطان ويستجمع العقل والقلب لاستقبال كلام الله الذي هو نوره: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (النحل98).
3 - حسن الاستماع (8) والإنصات، عندما لا يكون المرء هو القارئ: {َإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف204). (1/21)
صفحة 22
4 - الحرص على التطبيق والعمل (9) بمقتضى ما فُهم مما تمت تلاوته و/أو حفظه: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأنعام155).
5 - الاجتهاد من أجل تعاهد القرآن (10) وعدم هجرانه والغفلة عنهه: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الزخرف،43).
6 - الاقتصاد (11) في القراءة وعدم السرعة، لأن العبرة بالفهم لا بقدر ما يقرأ أو الزمن المستغرق: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} (المزمل4).
7 - الخشوع (12)، إذ به يحصل التدبر: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف204). {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}. (الإسراء109).
8 - تحسين الصوت (13) بالتلاوة مع الاعتناء بأحكام التلاوة من دون إسراف: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} (الإسراء110).
9 - معرفة قواعد اللغة الأساسية (14)، لأن القرآن الكريم نزل بلغة العرب: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (الدخان،58).
10 - اختيار الوقت والمكان (15)، إذ لا يعقل أن يتأتى الفهم والتدبر حين غلبة النعاس، وأمام التلفاز أو في السوق: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (الإسراء،79).
11 - تجنب مبطلات التدبر والعمل (16) (عكس هذه الآداب)، ومنه الجدل: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الكهف،54). لأن من ألهتهم الأماني، وأخذهم الغرور بأنهم يقرءونه ولكن دون أن يلتزموا بآدابه، لم ينفعهم قرآنهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (محمد،33).
وبعد هذه الآداب والقواعد لا يسع المنصت أو القارئ سوى العمل والاجتهاد، فبالتدبر لآي الله يستطيع الإنسان أن يُفعِّل القرآنَ الكريم في نفسه أولا ثم في غيره بالدعوة والشرح والتبليغ، فما علاقتنا بهذا الكتاب إلا أن نقوم بحقه، وحقه أن يطبَّق ويبلَّغ إلى الناس أجمعين، ومن يطبق تلكم الآداب لن يشعر بالعجز أمام هذه المهمة رغم أنها ثقيلة؛ وقد أعذر الله إذ يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (القمر،17).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
--------------------
الهوامش
1 - أستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها، جامعة وارجلان، الجزائر. (1/22)
صفحة 23
2 - بمعنى وجوب النصيحة له لحديث تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أخرجه الإمام مسلم بااب الإيمان، 82.
3 - حبذا لو يتفضل فريق من الباحثين الاجتماعيين بالنزول إلى الميدان واستعمال أدوات البحث المنهجية لمسح الواقع واستقرائه والخروج بإحصائيات تبين حقيقة خطورة الموضوع للخروج من دائرة التعميمات.
4 - تروي السنة أن للحفظ شأنه: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَنْبَأَنَا شَيْبَانُ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فَيَقْرَأُ وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعَهُ * (سنن ابن ماجة، كتاب الأدب، 3770).
5 - هذا التعداد على سبيل التمثيل لا الحصر.
6 - إن القرآن الكريم والسنة الشريفة كذلك يقدمان نصوصا كثيرة جدا في هذا الموضوع، وإنما اكتفينا هاهنا بالتمثيل فحسب.
7 - ينظر على سبيل المثال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (82) النساء؛ {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الْأَوَّلِينَ} (68) المومنون؛ {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} (73) الفرقان؛ {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} (15) السجدة؛ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (16) الحديد.
8 - وفي السنة يروى أن للسامع أجرين وللقارئ أجر ولعله لما يكون عليه الأول من استحضار للقلب والعقل للتدبر، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ إِنَّ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَهُ أَجْرٌ وَإِنَّ الَّذِي يَسْتَمِعُ لَهُ أَجْرَانِ * (سنن الدارمي، فضائل القرآن، 3232).
9 - وفي السنة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالُوا فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ * (الإمام أحمد، باقي مسند الأنصار،22384).
10 - ويؤكد هذا قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}. (آل عمران113). وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} (فاطر 29). (1/23)
صفحة 24
11 - وفي السنة: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَلاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ * (الدارمي، كتاب الصلاة، 1455).
12 - و يؤكد هذا قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (2) الأنفال. وقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (28) الرعد. وقوله: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} (107) الإسراء. وقوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (21) الحشر. وقوله: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِن الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (83) المائدة. وقوله: {وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ} (60) النجم.
13 - ومثله التجويد أي تحسين الصوت في الأداء لإظهار أحكام التلاوة. على أن ما شاع في هذا العصر من طبوع فنية خاصة بكل مقرئ، لا تدخل في هذا المعنى، وقد يكون فيها بعض الإسراف الذي يبعد السامع خاصة عن التدبر.
14 - ويؤكد ذلك قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (إبراهيم،04)، وقوله: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} (مريم،97).
15 - ومثله قوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} (آل عمران113).
16 - ففي السنة: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَقَالَ وَذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ
يَا ابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ لاَ يَنْتَفِعُونَ مِمَّا فِيهِمَا بِشَيْءٍ * (أحمد، مسند الشاميين، 16828). (1/24)
صفحة 25
فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)
محمد أحمد جهلان
دخل الفكر العربي في انقسامات حادَّة إثر صدمته بالحداثة منذ القرن التاسع عشر، توزَّع على أعقابها إلى اتجاهات وتيارات عديدة تناولها الدارسون ضمن تصنيفات متعددة. وإذ يحاول هذا البحث الاشتغال على آراء بعض المفكرين العرب المعاصرين، وبالضبط في نظرتهم للنص القرآني والسبُل التي يرونها الأمثل لفهمه، فإنه مضطرٌّ للتعامل مع تلك الآراء ـــ مع الإشكاليات المترتبة عنها ـــ بأمانة تقتضي الحذر والتحفُّظ. على أنَّ هدف البحث الرئيس ليس البرهنةُ على جدوى تلك الآراء أو عدمِها، بقدر ما يحاول تلمُّس تمايزات الخطاب الحداثي، والعقبات التي تواجهه في سياق سعيه لصياغة وسائل جديدة في التعامل مع النص القرآني وطرُق فهمه (1).
واجهت خطاب الحداثة مآزق ومعضلات، ومقولات ولدت معه، فلقد بات مصطلح "الحداثة" في الخطاب الإسلامي والعربي المعاصر بشكل عام ـــ وفي مناهج فهم النصوص الدينية بشكل خاص ـــ مثار توهُّج وحساسيَّة في آن معاً، حيث يتم تداوله بكثافة كبيرة، وبتلوينات مختلفة إلى حدِّ التناقض، بدوافعٍ معرفية ومذهبية (أيديولوجية) أحيانًا. كل ذلك أوقع استعمال المفهوم (مفهوم الحداثة) بالتباساتٍ لعبت دوراً سيئاً في تطور الخطاب الإسلامي، ما يفسر لنا ـــ جزئياً ـــ سبب مراوحة هذا الخطاب مكانه حول إشكاليات وقضايا ثارت منذ مطلع القرن الماضي.
وبالمقابل فقد تجمَّعت دواعي كثيرة للفكر "السلفي" (2) كي يرفض "التجديد" بشكل عام و"الحداثة" بوجه خاص، ويتحسَّس منهما، معتبرًا "الحداثة" مصطلحاً يدلُّ على خطاب مفارق له، ومفهوماً يتناول الأشياء بعقلية مختلفة؛ فإيمانه بكفاءة السلف وقوة "المرجعية التراثية" أفضى للقطيعة مع الغرب على المستوى المعرفي ـــ على الأقل ـــ في حقول المعرفة الإنسانية المتعددة, وتتحوَّل تلك القطيعة إلى "عداوةٍ" شاملة للغرب متغذية بالظروف السياسية، ممَّا سبب "تطابُق" المعرفي والفكري بالسياسي، فالغرب هنا يصبح وحدة واحدةٌ لا تتجزأ ... وهكذا تشبَّع الذهن السَّلفي بنظرية "المؤامرة".
على أنَّ المتدبر للأمور يرى أن تيار الحداثة ـــ "العلماني" منه بالخصوص ـــ قد أسهم بدوره في الإساءة إلى اتجاه النهضة والتجديد الإسلامي وإلى طبيعة التعامل مع النصوص الدينية، هذا فضلاً عن النزعة النقدية "الاستفزازية" التي يتَّسم بها هذا التيار غالباً، الأمر الذي أوجد مبرراً مهماً للعدوانية التي يبديها "الفكر السلفي"، من خلال إنشاء اتهاماته و"تخويناته"!
وإذا كان من العسير في هذه العجالة الإحاطة بجميع آراء المفكرين العرب "الحداثيين" أو "ما بعد (1/25)
صفحة 26
الحداثيين" أو "التجديديين" باختلاف مسمياتهم ومناهجهم، فإنَّنا نأمل الوقوف على أبرز المقولات والمبادئ التي تعرَّض من خلالها تيار التجديد للنقد والمساءلة، ونركِّز هنا على النقاط التي تهمُّ بحثنا وهي المتعلقة بقراءة وفهم النص القرآني وأسلوب التعامل معه تفسيرًا وتأويلاً.
أولاً: القرآن نص لغوي فنِّي:
لقد نظر مفكرو الحداثة ـــ المتأثرون بالثورة اللغوية التي شهدها القرن الماضي ـــ إلى النص القرآني بوصفه نصًّا لغويًّا أولاً وأخيرًا، مستبعِدين بذلك عنه كلَّ المفاهيم الغيبية والتاريخية، ولقد كان للدكتور "طه حسين" ولأستاذه من قبل "أمين الخولي" نظرة خاصَّة لآلية فهم وتدبر النصِّ القرآني؛ إذ يرى كلٌّ منهما أنَّ النص القرآني لا يمكن إدراكه إلاَّ في إطاره الفنِّي "الأدبي"، فمن حقِّ الناس جميعًا أن يقرؤوا كتبهم الدينية ويتذوَّقوا جمالها الفني والأدبي، ويعبِّروا عن نتائج هذا التذوُّق، وأن «يُعلنوا آراءهم في هذه الكتب من حيث هي موضوع للبحث العلمي بقطع النظر عن مكانتها الدينية» (3).
وقد نحا الدكتور "طه حسين" منحى أستاذه، فأنكر أن يكون للنص القرآني دلالة تاريخية "غيبية" تتعدَّى إطار التصوير الفني الأسطوري والحكائي، وكلُّ محاولةٍ لفهم القصص القرآني باعتبارها حوادث تاريخية واقعية هي محاولة تأويلية "تلوينية" لا أساس لها من الصحَّة، لذا نجده يقول: «للتوراة أن تحدِّثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدِّثنا عنهما أيضًا، ولكن وُرُود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي وفضلاً عن إثبات هذه القصَّة التي تُحدِّثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكَّة، ... ونحن مضطرُّون إلى أن نرى في هذه القصَّة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن، من جهة أخرى» (4).
ولسنا بصدد تقصِّي كلِّ آراء أمين الخولي، ولا آراء طه حسين فيما ذهب إليه في محاضراته التي ألقاها على طلابه في الجامعة المصرية بعنوان "في الشعر الجاهلي" سنة 1926م، وحول القصص في النصِّ القرآني بالخصوص، إلاَّ أنَّني أريد استخلاص نتيجة متعلِّقة بفهم النص القرآني وهي أنَّ هذا المنحى في دراسة النص القرآني يعمد في كثير من الأحيان إلى نفي الصدق التاريخي والواقعي لأحداث قصص القرآن الكريم، ويكتفي بالصدق الفني، وهو منحى "ناسوتي" "عقلاني" يركِّز على المحسوس وهو يتعامل مع النص باعتباره مادَّة لغوية، ويدرسه - كما يدرس أيَّ نصٍ آخر - دراسة تقنية تحليلية خاضعة لمنهج الشك الديكارتي وخطِّه البرهاني، و"يترفَّع" عن الماورائيات التي - حسب رأي هؤلاء - تُعيقُ فهم القارئ المفسِّر وتقيِّد حريَّة تأويله.
وهذا بالضبط ما دفع "سيد قطب" إلى وضع كُتُبه في التصوير الفني في القرآن الكريم (5) مؤكِّدًا على أولويَّة الغرض الديني "الغيبي"، رغم اهتمامه بالجانب الفني في النص، لأنَّ القرآن يزاوج بين (1/26)
صفحة 27
الغرض الديني والغرض الفني فيما يعرضه من صور ومشاهد، بل إنَّ الجانب الفني ما هو إلاَّ أداة مقصودة للتأثير الوجداني وتسهيل إيصال المعنى الديني.
والحقيقة كما أوردنا في بداية هذا البحث أنَّ المعركة الفكرية الدائرة اليوم بين أصحاب "الحداثة" أو"ما بعد الحداثة" أو "التجديدين" - باختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم - وبين "السلفيين" و"المحافظين" وحتى "النهضويين" (6) المتفتحين، حول ماهية النص القرآني وكيفية التعامل معه، ما هي إلاَّ امتداد للمعركة الفكرية التي احتدمت أيام "طه حسين"؛ وجسَّدت الصراع بين قراءتين: قراءة تقليدية وفق آليات البعد الغيبي الغارق في الخرافة أو الأسطورة (حسب تصوُّرهم)؛ وهي قراءة القدماء بوجه عام (7)، وقراءة وفقًا لآليات البعد التاريخاني البشري؛ وهي قراءة أنصار الحداثة من "علمانيين" و"تنويريين".
وكما أنَّ الجدل كثيرًا ما تقوقع لدى علماء الدراسات القرآنية بين ثنائيات النقل والعقل، والتفسير والتأويل، والمأثور والرأي ... وتطوَّر في وقت معين إلى التجهيل وحتى التكفير ... فإنَّ بعض التجارب الحديثة حاولت اقتحام عالم النص القرآني باستخدام "ترسانة" من الآراء المختلفة والمترابطة فكريًا ونقديًا وأدبيًا، وهي في مجملها لا تحيد عن مبادئ مدرسة "الحداثة" في الفكر المعاصر.
ثانياً: القرآن نص تاريخي ومنتج ثقافي:
لقد حاول "نصر حامد أبو زيد" أن يقرأ النص القرآني قراءة تاريخية "ناسوتية" لا قراءة لاهوتية غيبية، معتبرًا أن "الواقع" يجب أن يكون هو المدخل الحقيقي لفهم النص، وأنَّ الإيمان بوجود بُعدٍ غيبي للنص في "اللوح المحفوظ" وإقحام أفكارٍ خارجة عن إطار المادة اللغوية سوف يعرقل عملية التلقِّي المعاصر والفهم الموضوعي للنص، وفي هذا يقول: «إنَّ النص [القرآني] في حقيقته وجوهره مُنتَج ثقافي؛ والمقصود بذلك أنَّه تشكَّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عامًا، وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية ومتَّفقًا عليها، فإنَّ الإيمان بوجودٍ ميتافيزيقي سابقٍ للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية، ويعكِّر من ثَمَّ إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص» (8).
يرى الدكتور أنَّه ينبغي على الباحث والناقد والمفسر أن يتناول القرآن تناولاً نقديا لغويًّا كما يتناول أيَّ عملٍ فني آخر من غير اعتبار لأيِّ بُعدٍ ديني أو غيبي .. إنَّ البحث عن مفهوم ومعنى للنص القرآني ليس في حقيقته - كما يرى أبو زيد - إلاَّ بحثٌ في طبيعته بوصفه نصًّا لغويًّا، «وهو بحثٌ يتناول القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر، وأثره الأدبي الخالد، فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظر على أنَّه كذلك في الدين أم لا. وهذا الدرس الأدبي للقرآن في المستوى الفني، دون نظرٍ إلى اعتبارٍ ديني، هو ما نعتدُّه وتعتدُّ معنا الأمم العربية» (9). ويقول: إنَّ «المتاح الوحيد أمام الدرس العلمي هو درس الكلام الإلهي من خلال تحليل معطياته في إطار (1/27)
صفحة 28
النظام الثقافي الذي تجلَّى من خلاله. ولذلك يكون منهج التحليل اللغوي هو المنهج الوحيد الإنساني الممكن لفهم الرسالة، ولفهم الإسلام من ثَمَّ» (10).
ونلاحظ ممَّا سبق مدى توافق نظرة "أبي زيد" مع نظرة أستاذه "الخولي" في اعتبار النص القرآني نصًّا لغويًّا لا يمكن الولوج إليه بتصديق "الغيبيات" و"الأساطير" و"الخرافات" وإنَّما يوظفها النصُّ لغرضٍ جمالي فني بحت!.
ولعلَّ هذه الفكرة ذاتها نلمسها عند مفكر آخر وناقد عربي وهو الجزائري "محمد أركون"، فهو ممن تأثَّر بالمنهج التفكيكي الذي يتزعَّمه "جاك دريدا"، لذا فهو ينادي بتفكيك النصِّ القرآني باعتباره أساطير وقصصًا يمكن قراءتها بطريقة أدبية بحتة، ونجده يقول في إطار نقده الهام للفكر الإسلامي: «إنًّ المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية، تُتلقَّى بصفتها تعابير أدبية، أي تعابير محوَّرة عن مطامح ورؤى وعواطف يمكن فقط للتحليل التاريخي والسوسيولوجي (علم الاجتماع) والسيكولوجي (علم النفس) واللغوي أن يعرفها ويكشفها» (11).
إنَّ ما يسعى إليه كل من "أبي زيد" و"أركون" هو إزالة "القدسية" و"الغيبية" وأسس التعاليم الدينية الثابتة عن النص القرآني حتَّى يتسنَّى التعامل معه بحرية مطلقة وفقًا لأحدث النظريات التحليلية النقدية، وليكون موضوعًا للتأويلات النقدية الجديدة الممحِّصة لمكانته اللغوية والأدبية والتاريخية.
ويلاحظ القارئ أنَّ هناك تشابها بيِّنًا بين منهجي "أبي زيد" و"أركون" (12)، حيث يتَّفقان في "تفكيك" النص لدى الطرفين وفقا لمنهج تحليلي لغوي، بحيث تكتسب النصوص مصداقيتها من خلال دورها الواقعي الآني في الثقافة، فما ترفُضه الثقافة وتنفيه، أو تستهجنه وتستبعده لا يقع في دائرة "النصوص"، وما تتقبله الثقافة الراهنة بوصفه نصًّا دالاًّ فهو كذلك «وقد يختلف اتجاه الثقافة في اختيار النصوص من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى، فتنفي ما سبق أن تقبَّلته، وتتقبل ما سبق لها أن نفته من هذه النصوص» (13).
وقد نهج المنهج التفكيكي المفكر والأديب "أدونيس" في تأويله للتراث الأدبي العربي بشكلٍ عام، وإذا كان النص القرآني من صلب التراث العربي - حسب وصفه (14) -، فإنَّ المنهج الذي يتبناه هو منهج تحليل النص وتفكيكه، بهدم بُنياته [جمع بنية] وإعادة تشكيلها وفقا لمعطيات الواقع؛ إنَّه نفس المنهج الذي يتعامل به مع نصوص الأدب العربي بشكل عام، ومعالجته لن تختلف عن معالجة هذا النص أو ذاك. ووفاءً لنظرية "رولان بارت" القائلة بـ"موت المؤلِّف" بمجرِّد اكتمال نصِّه، وأنَّ النصَّ - باعتباره مادة لغوية - هو "الخالد" الذي ينطلق في رحلة غير منتهية من التلقي والتأويل، بينما يموت المؤلف ويفنى ويزول؛ فإنَّ أدونيس يقول عن النص القرآني: «منذ أن أصبح الوحي موجودًا في لغة، منذ أن تحوَّل إلى نصٍّ مكتوب، صار بوصفه كتابة، هو المتكلِّم، أي (1/28)
صفحة 29
صارت اللغة هي الذات المتكلِّمة» (15)، وليس بعيدًا عن هذا الرأي - رغم الاختلاف في المنهج - ما نجده عند "أبي زيد" حين يقرِّر بأنَّ القرآن نصٌّ لغوي «بكلِّ ما تعنيه اللغة من ارتباط بالزمان والمكان التاريخي والاجتماعي، ما هو خارجٌ عن اللغة وسابقٌ عليها لا يمتُّ لنا نحن البشر بِصِلة ( ... ) وأيُّ حديث عن الكلام الإلهي خارج اللغة من شأنه أن يجذبنا - شئنا ذلك أم أبينا - إلى دائرة الخرافة والأسطورة» (16).
وبصرف النظر عن النقد الشديد الذي تعرَّضت له نظرية بارت حول "موت المؤلِّف" ليس فقط في الفكر العربي بل والغربي أيضًا (17)، فإنَّ تطبيق النظريات: البنيوية والتفكيكية والسميائية ... بصيغتها الحالية - ودون مراعاة للقالب الفكري والحضاري والأدبي الذي صيغت فيه - على النصِّ القرآني، إذا لم يكن فيه خطأٌ منهجي، فإنَّ هذا التطبيق على الأقل لم يُوفق في التفريق بين النص الديني والنص الأدبي؛ فلكلِّ نصِّ خصائصه المستقلة والمميزة له دون غيره، وهذا الفهم يتأسَّس في أغلب الأحيان على توجُّه أيديولوجي لا يختلف عن الفهوم المغالية لبعض المفسرين القدماء إلاَّ في الاتجاه والمذهب أو طريقة التناول، فرغم إفادة كثير من الباحثين من مناهج الدراسات النقدية الحديثة والآراء الفكرية البارزة، إلاَّ أنَّ محاولاتهم لتطبيق هذه الآراء والأفكار على النصوص التراثية الإنسانية أو على النصوص السماوية كشفت عن خلل كبير في ملاءمة وتبيئة (من البيئة) هذه النظريات بما يوافق هذه النصوص.
وعلينا أن نؤكد هنا، أنَّ سوء استعمال البعض لهذه النظريات لا يعني أنَّها سيئة برمَّتها وغير ذات منفعة بحيث لا يمكننا الاستفادة منها ... فالإسلام يقضي - على خلاف المعتقد المسيحي الحالي الذي يفرِّق بين الوحي والعلم - بأنَّ العلم والقرآن كلاهما من الله تعالى، وبالتالي فهما لا يتصادمان، وسوء الاستخدام وحده هو الذي ينبغي استنكاره. ولعلَّ هذا العجز في التطبيق والاستفادة أدَّى ببعضهم إلى اعتبار النصوص ذاتها غير قابلة للفهم والتحليل ما لم "يُخلَع" عنها طابع الأزلية والغيبية والقدسية، وما لم يتمَّ ذلك فإنَّ الإنسان العربي المسلم لن يتمكَّن من الاتصال بـ"الآخر" وسينطوي على نفسه وينكفئ على ذاته، وهذا بالضبط ما يعتقده "أدونيس" حين يقول: «إنَّ القول بإلهية النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية، يستلزم أنَّ البشر ينزوون بمناهجهم عن فهمها، ما لم تتدخَّل العناية الإلهية لوهب البشر طاقات خاصَّة من الفهم ... وهكذا تتحوَّل النصوص الدينية إلى نصوص مُستغلِقَة على فهم الإنسان العادي، وتُصبح "شفرة" إلهية لا تفهمها إلاَّ قوَّة خاصَّة، ويبدو وكأنَّ الله يكلِّم نفسه ويناجي ذاته، وتنتفي عن النصوص الدينية صفات الرسالة والبلاغ والهداية والنور» (18).
وبناء على ذلك فإنَّ "أدونيس" يدعو كما دعا بعض الأدباء الأوروبيين ومنهم "مالارميه" في وقت سابق إلى إعادة كتابة الأدب ليوافق متطلَّبات العصر .. ، فإنَّه (أي أدونيس) يطالب بإعادة (1/29)
صفحة 30
كتابة تأويلات النص القرآني كتابة تمُدُّ الجسور مع "الآخر" وتتصالح معه، وإلاَّ فسيظلُّ العربي المسلم غريبًا عن العالم؛ «لا أعرف كيف يمكن للكتابة [المتعلقة بالنص القرآني] أن تكون إنسانية كونية ما دامت لا تفهم الآخر، أو لا تريد أن تفهمه؟ وما تكون قيمة كتابة مغلقة ومعزولة عن الآخر؟» (19).
ثالثًا: بين النص الديني والنص الأدبي:
إنَّ قراءة مفكِّري الحداثة للنص القرآني ومحاولاتهم التأويلية ترتكز - كما تمليه بعض المناهج اللغوية واللسانية- على الجانب اللغوي للنص باعتباره المادة المحسوسة القابلة للتحليل دون اعتبار لطبيعته الغيبية، والخطابات المحايثة للنص والمشكلة للوعي وطبيعة التلقي، ومنها النقول المجسَّدة في السنة النبوية (القولية والفعلية). فإذا كان النص القرآني نصًّا لغويًّا من حيث بيانه وبلاغته .. ومن حيث إمكاناته اللغوية والجمالية، فإنَّ الظروف والغايات التي وُجد من أجلها هذا النص تستدعي قراءته قراءة ملمَّة بجميع الجوانب، حذر اختزاله، فالدراسة اللسانية اللغوية مثلاً للنص القرآني - وإن أنارت جوانب من هذا النص- فإنَّها ستكون قاصرة عن إدراك الإطار الشمولي "الغائي" (من الغاية) للنص.
ثمَّ إنَّ تناول النص القرآني بالدراسة وفق مناهج قراءة النصوص الأدبية كما تشكَّلت في ثقافاتها الأصلية، يلغي - كما سبقت الإشارة - الفوارق بين النص الديني والأدبي، تمامًا كما قد يتجاهل الناقد الفوارق بين نص إعلامي ونص شعري مثلاً ولاءً لقالب منهجي معين. ويمكن ببساطة اكتشاف فروق جوهرية بين النص الديني - المحكم منه خصوصًا- والنص الأدبي، يتحتَّم على الدارس الموضوعي إدراكها ومراعاتها.
نعم إنَّ عددًا من الخصائص تقرِّب بين النص الأدبي والنص الديني والفلسفي، وربَّما كانت بعض التصورات الأدبية ناتجة أساسًا عن التباس النص الديني والفلسفي بالنص الأدبي .. حيث يكون استعمال اللغة استعمالاً يخرج بها عن المألوف للوصول إلى درجة التعبير المجازي والاستعاري، لكن هذه الخاصية ليست كافية للتسليم بأنَّ النص الديني أو الفلسفي يستدعي نفس التأويل الذي نمارسه على النص الأدبي.
إذا أخذنا على سبيل المثال أهمية الطبيعة الزمنية للمعنى في قراءة وتأويل النص الأدبي وجدنا أنَّه ليس من الضروري المحافظة على البعد الزمني والتاريخي للوصول إلى معنى معين، بينما نجد أنَّ قراءة النص القرآني وتأويله بمعزل عن ملابساته الزمنية والتاريخية: "أسباب النزول"، و"المكي والمدني"، و"الناسخ والمنسوخ" من الآيات، يُوصل إلى نتائج قد تكون متعارضة مع قصد النص وغايته.
على أنَّ البعد التاريخي للنص الديني لا يقف جامدًا في فترة ظهور النص، كما يتوهم أتباع النظرة التاريخانية (20)، ليسوِّغوا تطبيق المنهج التاريخاني الذي يعتبر أنَّ تفسير النص يجب أن يكون (1/30)
صفحة 31
مرهوناً بتاريخه (21)، ويجب أن يكون ساكناً هناك لحظة ميلاده، بحيث لا يمكن فصل أيِّ نصٍّ عن تاريخه ... هذا المنهج يصدُر عن نزعة وضعية تؤمن بأنَّ الأديان هي من صنع البشر، ويعتبرها إنشاءًا إنسانيًّا. وبالتالي يكون معنى النص الديني كأيِّ نص آخر مرهونًا بطبيعة الزمان والمكان الذي تشكَّل فيه.
إنَّ النص الديني (القرآني بوجه خاص) يحمل خصوصية تميزه وتمتدُّ به في عمقه الغيبي والتاريخي ليتواصل مع مسيرته في الماضي والحاضر والمستقبل، ويجمعها في خيط واحد، «لأنَّ النص القرآني يحمل صفة اليقين المطلق، وكلُّ ما عداه يدور في فلكه، بينما يتحدَّد فضاء النص الأدبي عند لحظةٍ ينتهي فيها ليبدأ نصٌّ جديد .. والنص الديني فعلٌ في التاريخ، فعلٌ امتدادي يحمل طابع السيطرة المطلقة على الأفكار الأخرى، وهو رؤية ذات نزعة نهائية للعالم تُفسِّره وتغيِّرُه، بينما يحمل النص الأدبي محدوديَّته في التفسير والتغيير، ويحمل أيضًا نسبيته الذاتية والتاريخية» (22).
إنَّ الخطاب "الحداثي" على يد "أدونيس" و"أبي زيد" و"أركون" يحاول قراءة النص القرآني ونقده - ونقد الفكر الإسلامي بشكل عام - وهو مسكون بهاجس التحرُّر والتغيير، بدعوى تجديد آليات الفكر وربطه بفتوحات الحداثة الفكرية، عن طريق الاستفادة من المناهج الجديدة.
وفي هذا الصدد يقول "أركون": «ينبغي علينا إعادة تشكيل علم الربوبية، وعلم ثيولوجيا الوحي، وعلم ثيولوجيا التاريخ، وثيولوجيا الأخلاق وفلسفة القانون، إلخ .. ولكي نُنجز كلَّ هذا العمل بشكل مُرْضٍ نحتاج أولاً إلى تشكيل علم لسانيات حديث للغة العربية، وتشكيل نظرية متماسكة للتأويل، وتشكيل علم سيميائيات الخطاب الديني، ثم تشكيل نظرية للرمز وأنتروبولوجيا سياسيَّة؛ مع نظرية متكاملة عن المشروعية العليا، والسلطات التنفذية والديالكتيك الذي يربط بينهما. كلُّ هذا نحتاجه، وكلُّ هذا لا يزال ينقصُنا في الساحة الإسلامية وفي الناحية العربية، وهذا يشكِّل بحدِّ ذاته برنامجاً ضخماً لمن يريد أن يعيد التفكير في "الإسلام" بالمعنى الجذري الاستراتيجي للكلمة» (23).
لن أدخل في تفاصيل الفكر النقدي الحداثي الذي يتبناه "أركون"، ولا تصوره المثالي الخاص، وبالتالي حكمه على منتجات الفكر الإسلامي، ولكن أريد ملاحظة بعض النقاط التي استخلصتها من قراءته النقدية التفكيكة للنص القرآني:
أولاً: إنَّ قراءة "أركون" للنص القرآني تنطلق من اعتباره جزءاً من التراث الذي يستلزم القراءة النقدية؛ بمعنى أنًّ النص القرآني ليس إلاَّ نصًا تشكَّل "تاريخياً" ضمن شروط معيَّنة كغيره من النصوص التي يحفل بها الموروث الفكري للحضارة الإسلامية .. مثله في ذلك مثل الشعر الجاهلي أو الشعر الأموي أو العباسي أو غيرها من منتجات الفكر الإنساني عبر العصور المختلفة. (1/31)
صفحة 32
ثانياً: وبناء على النقطة الأولى، تسنَّى لأركون إخضاع النص القرآني للنقد التفكيكي والقراءة الحفريَّة وإخضاعه «لمحكِّ النقد التاريخي المقارن، وللتحليل الألسني التفكيكي، وللتأمل الفلسفي المتعلِّق بإنتاج المعنى وتوسُّعاته وتحوُّلاته وانهدامه» (24)، كما يهدف إلى «استنطاقه عن مشروطيته وحَدَثيَّته، كاشفاً عن تاريخيته الأكثر مادية ودُنيويَّة، والأكثر يوميَّة وعادية، بل الأكثر شيوعاً وابتذالاً» (25).
ثالثًا: أخضع أركون النص القرآني لمطرقة النقد والقراءة التفكيكية المسلَّحة بمنهج الشك المطلق، ابتداءًا من اعتبار ظاهرة الوحي نموذجًا للتعبير "الميثي" "الأسطوري" «إنَّ الحكايات التوراتية والخطاب القرآني هما نموذجان رائعان من نماذج التعبير الميثي (الأسطوري)» (26) تمَّ إضفاء رداء القداسة عليه في ظروف تاريخية معينة.
ولقد استخدم "أركون" منهج الشك أيضًا في نقده للرواية الإسلامية لقصَّة جمع القرآن؛ معتبرًا أنَّها تمَّت بتدخُّلٍ سياسي إقصائي من الخليفة "عثمان" رضي الله عنه، ويخلُص إلى ضرورة «إعادة كتابة قصَّة تشكُّل هذا النص بشكل جديد كلياً، أي نقد القصَّة الرسمية للتشكيل التي رسَّخها التراث المنقول نقداً جذرياً، هذا يتطلَّب منا الرجوع إلى كلِّ الوثائق التاريخية التي أتيح لها أن تصلنا سواء كانت ذات أصلٍ شيعي أم خارجي أم سنِّي. هكذا نتجنَّب كل حذف "ثيولوجي" لطرف ضدَّ آخر، المهم عندئذ هو التأكُّد من صحة الوثائق المستخدمة» (27).
ولم يسلم من مطرقة "النقد الأركوني" وقراءته التفكيكية أغلب الأصول الفكرية للإسلام مثل: "الحديث" و"القياس" و"الإجماع"، كما تعرَّض لأصول الفقه، والمذاهب، والتاريخ، وامتدَّ إلى الصحابة، والفقهاء والأئمَّة، وطال العلماء وأفكارهم ومؤلَّفاتهم؛ فالحديث النبوي عنده قد تعرَّض «لعملية الانتقاء والاختيار والحذف التعسفيَّة التي فُرضت في ظلِّ الأمويين! وأوائل العباسيين أثناء تشكيل المجموعات النصية (كُتب الحديث) المدعوَّة بالصحيحة، لقد حدثت عملية الانتقاء والتصفية هذه لأسباب لغوية وأدبية وثيولوجية وتاريخية» ..
وقد خلص "أركون" في الأخير إلى أنَّ هذا "الحديث"، إضافة إلى الإجماع والقياس، «مبادئ غير قابلة للتطبيق» (28).
إنَّ دافع "أركون" الأساسي لهذه القراءة وهذا التوجه النقدي في مراجعة القرآن الكريم - حسب رأيي- إنَّما هو محاولة لإيجاد مجالٍ حيوي يلبِّي حاجته في استخدام ترسانته المعرفية الهامَّة والمتراكمة من العلوم الاجتماعية والإنسانية .. ، ومحاولة جادَّة لاستثمار المنهج التفكيكي الحفري "الأركيولوجي" بكل تفاصيله وملابساته في تأسيس منهجٍ نقدي جذري "حداثي" في التعامل مع الظاهرة القرآنية - ومع التراث العربي الإسلامي بشكل عام - تقوم على نقد بنيته التكوينية وآلياته المعيارية، ثم هدم وتفكيك مقوماته الأصيلة عن طريق إخضاعه للنموذجية العقلانية الغربية في التفكير. (1/32)
صفحة 33
إنَّ النقد الذي نوجِّهه للمشروع "الأركوني" والحداثي بصفة عامة، رغم الاعتراف بالمجهود العقلاني الفلسفي لسبر أغوار التغيرات المستجدَّة في أواخر القرن الماضي، ومدى استيعاب النظريات الغربية (الظواهرية، أو السميائية، أو التفكيكية .. ) والتحكُّم في مفاهيمها وآلياتها، وبضرورة التفتح على هذه النظريات و"تفكيك" و"حفر" بنياتها الأساسية وطرق تشكلها ومجالات استخدامها ... إلاَّ أنَّ نقاد الحداثة لم يسلموا هم أيضًا - حين تعرَّضوا للنص القرآني- من سيطرة الوقع الأيديولوجي للنظرية التي يصدرون عنها، لذلك وجدنا أنَّ هذا التفكير قد اصطدم بعقبات كثيرة من بينها الموروث اللاهوتي الغيبي للديانات مجتمعة من جهة، والثقافات السائدة حول هذه الديانات من ناحية أخرى، ممَّا جعل عملية تطبيق هذه المناهج ضئيلة النتائج، لأنَّ الحرص على الطابع المنهجي كان أشدَّ من الحرص على النتائج والخلاصات النهائية.
إنَّ كتابات نقاد الحداثة تتضمَّن "مشاريع بحوث" بما تقدمه من مخطَّطات أكثر مما تعطي من إجابات عن الأسئلة التي تطرحها؛ فهذا "أركون" يقول: «سوف أكتفي بالتنصيص على بعض المبادئ الحادَّة والقاطعة بهدف إثارة الاعتراضات والتحفُّظات، ومن ثَمَّ التفكير والمناقشة النقدية، أكثر ممَّا أهدف إلى تقديم نتائج وإجابات جاهزة» (29).
إنَّ الروح النقدية ـــ بجميع مستوياتها ـــ تسيطر بشكل خطير على سيرورة الخطاب الحداثي وتُوجِّهُه بكيفية آلية عبر متاهاتها الغامضة لينبثق عنها ما يمكن اعتباره "توتُّراً نقدياً" من الدرجة العليا، غايته "هدم" أساسيات العقل الإسلامي وكلِّ ما أنتجه من تراث فكري؛ فالمطالبة بإعادة تشكيل مناهج النظر والقراءة بالكيفية التي تتلاءم ومنتجات الفكر الأوروبي المعاصر، إضافة إلى كونها تعبِّر عن نوع من الهزيمة الفكرية والاستلاب الثقافي، فإنها تساهم في تأكيد الصورة الثبوتية والمنغلقة للإسلام وتراثه؛ من حيث إنَّه لا ينهض ولا يتطوَّر إلاَّ بتفعيل أدوات "مستوردة" ومفصولة عنه حتى يمكن التفكير فيه بطريقة "علمية"؛ أي أنه لا يملك أدواته الخاصَّة انطلاقاً من تفاعل عناصره الداخلية بالشكل الذي يفجِّر القوى الكامنة فيه ويبرزها للتفاعل الإيجابي مع ما يقدِّمه الآخر من نظريات، وكلُّ ذلك في سبيل صياغة منهج متكامل وواضح المعالم، ينطلق من النص كفاعلية ويجعل من قاعدة الاجتهاد المقنَّن حافزًا لتفعيل حركية الوعي بأشكاله المختلفة، ثم يرتقي بالتأويل إلى درجة من العقلانية تسقط فيها الحدود وتزول التقسيمات المفتعلة: بين المادة والروح، وبين الظاهر والباطن، وبين العقل والنقل ..
رابعًا: حول ثنائية النقل والعقل:
لقد حُظيت قضية النقل والعقل باهتمام الفكر الحداثي العربي، وأثيرت أهمية ومصداقية كلٍّ منهما، فإذا كانت المدرسة العربية في التفسير بالنقل تقرُّ بضرورة "تخصُّص" التفسير بالنقل، وإذا كانت مدرسة التفسير بالعقل تقرُّ بضرورة "عقلنة" النقل، فما وافق العقل من النقول اعتُدَّ به في التفسير (1/33)
صفحة 34
والتأويل وما خالف العقل لم يؤخذ به .. ثم كان أهل السلوك والتفسير الإشاري من الصوفية قد اعتمدوا العرفان والترقِّي بالنفس لإدراك الحقائق النورانية للقرآن بغير سندٍ عقليٍّ ولا حجَّة نقلية ... واستمر التجاذب بين هذه الأطراف ولو في الخفاء، حتى عصرنا الحديث بحيث استوعب بعض النقاد العقلانية الغربية الثائرة على سلطة الكنيسة وعلى سيطرة النصوص المقدسة على حياة الإنسان الغربي، فرأى هؤلاء النقَّاد أنَّ الوصول إلى العلمية والموضوعية لفهم النصوص بشكل عام ـــ والنص القرآني بشكلٍ خاص ــ لا يتمُّ ببعث النقول والمأثورات والاعتداد بفهوم القدماء، فهي تعبِّر عن عصرهم وانشغالاتهم، وأنَّها غير قادرة على تقديم الحلول المناسبة لتطورات العصر، والإجابة على أسئلة وانشغالات أهله، بل بالمقابل يرى بعضهم أنَّ النقول تشكِّل سلطة دينية تُعيق قدرة العقل على التطوُّر والإبداع، لذلك وجدنا أنَّ الخطاب الحداثي العربي في مقاربته النص القرآني يسعى حثيثًا إلى التحرُّر من سلطة النصوص الدينية ومن مرجعيَّتها الشاملة، ويؤكِّد على ضرورة "أنسنة" النصوص السماوية لإزالة كلِّ الغيبيات والمقدَّسات التي لا تخضع لسلطة العقل، ودون هذه الممارسة فإنَّه ليس بإمكان العقل الانطلاق حرًّا يتجادل مع الطبيعة في مجال العلوم الإنسانية عمومًا، وفي مجال النصوص الدينية بصفة خاصة.
يقول نصر حامد أبو زيد: «إذا كان الاستناد إلى سلطة النصوص يعني أنَّ الماضي هو الذي يصوغ الحاضر دائمًا، فإنَّ الاستناد لسلطة العقل يعني قدرة الحاضر الدائمة على صياغة القوانين التي تناسبه» (30) .. إنَّ النقول الإسلامية لا يمكن حسب "أبي زيد" أن تساعد في حلِّ المشكلات المعاصرة بل هي تعقِّدها أكثر؛ «إنَّ حلَّ مشكلات الواقع إذا ظلَّ يعتمد على مرجعية النصوص الإسلامية يؤدِّي إلى تعقيد المشكلات حتَّى مع التسليم بأنَّ الخطاب يقدِّم حلولاً ناجعة» (31)، ذلك لأنَّه يعتبر الوعي العربي الراهن عاجزًا حتى اليوم عن محاولة فهم النص القرآني فهمًا علميًّا من الواقع والثقافة بغضِّ النظر عن أزلية النص ووجوده "الأسطوري" السابق في العلم الإلهي أو اللوح المحفوظ.
إنَّ "حساسية" أبي زيد تجاه النقل جعلته يؤكِّد أنَّ العقل «هو السلطة التي يتأسس عليها الوحي ذاته» (32)، ذلك لأنَّ سلطة العقل حسب اعتقاده هي السلطة الوحيدة التي تُفهم على أساسه النصوص الدينية.
أمَّا "أدونيس" فقد أشار أثناء انشغاله بجدلية "الثبات والتحوُّل" إلى رفضه للغيبيات وتفضيله "الإلحاد"؛ فالإلحاد في نظره «عودة إلى الإنسان في طبيعته الأصليَّة، وإلى الإيمان به من حيث هو إنسان، فما دام الإنسان تابعًا للغيب لا يمكنه أن يكون إنسانًا ( ... ) فالإلحاد لذلك ثورة حقيقية تهدف إلى أن تهدم سلطة يمارسها الإنسان باسم الوحي على الإنسان، أو يمارسها باسم الغيب على الواقع» (33). إنَّ أدونيس لا يُحِلُّ العقل محلَّ المرويات من النقول فحسب، بل يُحِلُّه محلَّ الغيب بما فيه الوحي الإلهي والنبوءة، ويحلُّ الإنسان محلَّ الله، فالإلحاد نواة حياة المستقبل وفكر المستقبل .. (1/34)
صفحة 35
لذلك فهو يرى أنَّ الثقافة العربية لم تعرف التجديد والتطوُّر والنهضة إلاَّ على أيدي أصحاب المذاهب "الباطنية" و"الإشراقية" و"الحلولية" التي تخلَّصت وتحرَّرت من سلطة النص الديني بصفته وحيًا من الغيب.
خامسًا: الاجتهاد في النصوص المحكمة:
ولقد انسحب السجال حول العقل والنقل إلى قضية "الاجتهاد"، فإنَّ الاجتهاد حسب ما سبق من آراء نقاد الحداثة يكون ممارسة عقلانية ذات طابع علماني تحرُّري تنويري، ولا يتدخَّل النقل إلاَّ ليُعيق الاجتهاد ويحدَّه بوضع النصوص وتصنيفها تحت خانات المحكم والمتشابه .. ما يجوز فيه الاجتهاد وما لا يجوز ... لذا نجد "أبا زيد" يتخطَّى هذه التقسيمات ويرى ضرورة إخضاع جميع النصوص لمحكِّ العقل، وفتح باب الاجتهاد ليس في الأحكام والتشريعات فحسب بل وفي الأصول والعقائد أيضًا، وفي هذا لا فرق لديه بين النصوص المتشابهة الظنية الدلالة، والنصوص قطعية الدلالة كالقصص القرآني، والعقائد، والضروريات، وأمثلة نداءاته بهذه الاجتهادات في كتبه عديدةٌ، منها إثارته قضية وجوب الاجتهاد في ميراث البنت؛ حيث يقول: «لا يجوز أن يقف الاجتهاد عند حدود المدى الذي وقف عنده الوحي، وإلاَّ انهارت دعوى الصلاحية لكلِّ زمان ومكان ( ... ) واتَّسعت الفجوة بين الواقع المتحرِّك والمتطوِّر، وبين النصوص التي يتمسَّك الخطاب الديني المعاصر بحرفيتها» (34).
إنَّ النزعة العقلية "المتطرِّفة" التي يصدر عنها "أبو زيد" أوقعته في تناقضات خطيرة؛ فهو يجمع بين الدعوة إلى فهم الوحي على أساس العقل وحده (35)، وبين رفض أن يكون للعقل أحكامًا نهائية وقطعية .. وإذ كان المعتقد الديني لا يتأسس إلاَّ على أحكام قطعية ثابتة (36)، فكيف يمكن الاعتماد في هذا التأسيس على العقل الذي لا يملك هذا القطع والثبوت؟ يقول أبو زيد: « ... لابد من العودة إلى الأصول والاحتكام لها؛ والأصل والبدء هو سلطة العقل، السلطةُ التي يتأسَّس عليها الوحيُ ذاته، ( ... ) هذه السلطة قابلة للخطأ، لكنها بنفس الدرجة قادرة على تصويب أخطائها، والأهم من ذلك أنَّها وسيلتنا الوحيدة للفهم؛ فهم العالم والواقع وأنفسنا والنصوص، ولأنها سلطة اجتماعية تاريخية فإنَّها ضد الأحكام النهائية والقطعية اليقينية الحاسمة، إنها تتعامل مع العالم والواقع (الاجتماعي والطبيعي) والنصوص بوصفها مشروعات مفتوحة متجدِّدة قابلة دائما للاكتشاف والفحص والتأويل» (37).
سادسًا: بين المنقول والمعقول نقد ما بعد الحداثة:
لقد ظنَّ نقاد الحداثة العربية ومفكروها أنَّ التفكير العقلي وحده بإماكنه بعث الحياة العربية والإسلامية، بحيث يتمُّ التعامل مع النصوص بنفي المنقول أو "اللامعقول"، وذلك بناءً على اعتقاد واهم بأنَّ ثمَّة عقلاً خالصًا، وأنَّ ثمَّة فكرًا "علميًّا" ينظر إلى حقيقة الأشياء بصورة نهائية ... (1/35)
صفحة 36
والحقيقة إنَّ نفيَ النقل وإقصاءَه من الحياة العقلية لا يؤدِّي إلاَّ إلى أعادة أنتاج وصياغة النقول بأسلوبٍ مشوَّه متطرِّف .. فالغيب والوحي والمرويات من النقول تشكِّل مجتمعةً مرجعية العقل العربي، كما تشكِّل الرموز والمقدَّسات و"الغيبيات" جزءًا من حياة الإنسان بعامَّة، ولا يؤدِّي إنكار النقول وإقصاؤها ــ حسب رأيي ــ إلاَّ إلى بروزها على السطح ولكن بصورة مشوَّهة تكرِّس سلطان الوهم والخرافة والتعصُّب؛ والواقع العربي اليوم شاهد على سيطرة أنواع غريبة من الغيبيات والسحر والأوهام ... قد يكون من بين أسباب انتشارها ــ كما أوردنا في بداية البحث ــ ردُّ الفعل السلبيِّ لمحاولات إقصاء الرصيد الحقيقي الذي يؤمن به الإنسان العربي المسلم من أمور الغيب الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة كأمور الوحي، والنبوءة، والوعد والوعيد، وأحوال الآخرة ...
كما أنَّ الإيمان بالنقول واستحضار أهميتها بمحاورتها واستثمارها سمة أصيلة في الإنسان لا يمكنه الانفكاك عنها، فلا ثقافة من دون محرَّمات ومقدَّسات، كما لا وعي بدون أصولٍ رمزية وغيبية، فالعقل لا يمكن أن يبدأ من الصفر بل يتأسس بالضرورة على نقلٍ سابق.
إنَّ الميل إلى النقل يعكس ميلاً متجذِّرًا في الطبيعة الإنسانية إلى إكبار التراث والمحافظة عليه والتعلُّق بالأولين والاهتداء بهم، وهذا ميلٌ راسخ في النفس؛ فكلُّ فردٍ مقلِّدٌ قدرًا من التقليد، وكلُّ مجتمع يميل إلى المحافظة قدرًا من الميل، وليس هذا حكرًا على المجتمعات الشرقية أو البدائية كما يُظَنُّ؛ بل قد نجده عند أشدِّ أتباع العقلانية والعلمانية حماسة، إذ يحلُّ العقل محلَّ الكلام الإلهي ويحمل العلم - أحيانًا- طابع القداسة، وتتحوَّل النصوص الوضعية والآراء والمفاهيم إلى نصوص مقدَّسة (38)، وتكتسي المذاهب الإنسانية من الهيبة والإجلال ما تكتسيه الأديان ... وهكذا نرى أنَّ الحضارة برمَّتها لا تنبني على العقل وحده، بل يمكن أن نقول إنَّ المقدَّسات والرموز ــ مادية كانت أم معنوية ــ تلعب دورًا أكبر في تحريك العقل وإقامة الحضارات.
وإذا حلَّلنا قضية النقل والعقل التي يثيرها اليوم نقاد ومفكري الحداثة وجدنا من جهة ثانية أن لا نقل منزَّهٌ عن تأثير العقل؛ فإذا كان الغيب خارجٌ عن دائرة البرهان فإنَّ التسليم والتصديق به ضربٌ من التصوُّر له، ولا تصوُّر من غير تصديق، كما أنَّ الوحي الذي يشكِّل أصل الاعتقاد وأساس الشريعة يستدعي من العقل أن ينظر إليه باعتباره حقيقة ثابتة، فلا شرع إلاَّ والعقل مُتضمَّنٌ فيه ويحثُّ عليه ويُوجبه، حسب ما تدعو إليه الآيات القرآنية العديدة، وهذه قضية لا خلاف عليها، فالمقلِّد والمفسر بالنقل محتاجٌ لا محالة إلى العقل، إذ بالعقل يُتبيَّن الشرع، وتُستنبط الفروع من الأصول في مجال الأحكام.
خاتمة: (1/36)
صفحة 37
في الأخير أرى من الأمانة الإشارة إلى أنَّ فشل المدرسة الحداثية العربية في تطبيق المناهج المعاصرة في فهم النص القرآني لا ينبع بالضرورة من طبيعة الإمكانات المعرفية لتلك المناهج، بل كان في كثير من الأحيان بسبب الخلفيات الاعتقادية لبعض المفكرين، والتي جعلت من تلك المناهج مجرَّد أدوات للدعوة إليها واستعراض مدى استيعابها، فأساءت كثيراً لهذه المناهج، وحجبت كثيرًا من الباحثين المسلمين من الاستفادة منها.
وكان في المقابل تقييمُ القارئ العربي المسلم "للمناهج الغربية" وجدواها في دراسة القرآن الكريم غالبًا تقييمًا غير موضوعيٍّ، لأنَّه كان يرتبط بالنتائج الفاشلة لمثل هذه التطبيقات، وهذا ما يبرِّر الحساسية من استخدام تلك المناهج في دراسة القرآن الكريم؛ إذ «يُنظر إليها تلقائياً بأنَّها رغبة علمانية وليست علمية!» (39).
ثمَّ إنَّ الانصاف يفرض علينا الإقرار بأنَّ الفكر النقدي العربي الحديث لم يخلُ من أسسٍ علمية موضوعية؛ أسسٍ لا يمكن التقليل من أهميتها خاصَّة في إعادة ضبط العلاقة بين القارئ والنص، وفي النظرة التحقيقية للتراث العربي، وإنَّما نرى أنَّ على "التجديد" أن يمدَّ جذوره في الأصل ويسعى إلى اكتشافه، ويعود إلى النصوص التراثية لا ليتمثَّلها كما هي بل يعتبرها إمكانًا مفتوحًا لا ينفد من الدلالات، والمفكِّر الحقُّ من ينطلق من الأسس ويعود إلى البدايات، لأنَّ العقل لا ينفصل عن ماضيه، ولا يتنكَّر له.
المراجع:
أبو زيد. نصر حامد:
أ- «فلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين بن عربي». المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط4. 1998.
ب- «النص، السلطة، الحقيقة». المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1. 2001.
ج - «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن». المركز الثقافي العربي. بيروت. الدار البيضاء. ط 2. 1994م.
د- «نقد الخطاب الديني». مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3. 1995.
أدونيس:
أ- «الثابت والمتحوِّل، الأصول». دار العودة، بيروت. ط1. 1974.
ب - «النص القرآني وآفاق الكتابة». نشر دار الآداب. بيروت لبنان. ط1. 1993. ص: 17.
أركون. محمد:
أ- «تاريخية الفكر العربي والإسلامي». تر/ هاشم صالح. المركز الثقافي العربي. بيروت، الدار البيضاء. ط2. 1996. (1/37)
صفحة 38
ب - «الفكر الإسلامي، قراءة علميَّة». تر/ هاشم صالح. المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء. ط 2، 1996م.
إيكو، أمبرتو: «التأويل بين السميائيات والتفكيكية». ص: 80.
الخولي. أمين: «التفسير: نشأته، تدرُّجه، تطوره». دار الكتاب اللبناني. بيروت. لبنان. ط1. 1982م.
تامر. فاضل: «اللغة الثانية، في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث».
طه. حسين: «في الشعر الجاهلي». منشور في مجلة القاهرة. (د. د. ن). القاهرة. مصر. 1995م. ع: 149.
مواقع إنترنت:
1 - الأتاسي. محمد علي: «القرآن نص تاريخي وثقافي»، مقابلة مع نصر حامد أبو زيد:
http://maaber.50megs.com/indexa/al_dalil_a.htm.
2 - بوراس. محمد: «محمد أركون ومشروعه النقدي»:
http://alarabnews.com/alshaab/
3 - عبد الرحمن. الحاج إبراهيم: «المناهج المعاصرة في تفسير القرآن وتأويله»:
http://www.almultaka.net/web/makalat2.htm
4 - الهاشمي. كامل: «نقد الاتجاهات النصوصية في تأسيس المعتقد الديني»:
http://www.darislam.com/home/alfekr/data/feker10/.
--------------------
الهوامش
1 - لمزيد من التعمق والتفصيل حول إشكاليات قراءة وفهم القرآن الكريم قديمًا وحديثًا نحيل القارئ على بحثنا للماجستير المعنون بـ: «فعالية القراءة وإشكالية تحديد المعنى في النص القرآني». معهد اللغة العربية وآدابها. جامعة الجزائر.
2 - نستخدم مصطلح «السلفية» هنا ليس بالمفهوم المتداول في الفكر العربي بمعنى مطابق لـ: «الإسلامي» أو «الأصولي»، أو بمعنى آخر كالذي طرحه محمد عابد الجابري في كتابه «الخطاب العربي المعاصر»، ولا هو مطابق لمصطلح «الوهابية»، بل هو: وصفٌ لذلك التيار العريض الذي يَصدُر عن تصوُّر للعالم تنحصر فيه كلُّ المرجعيات في إطار "السلف" أو الأوائل, سواء أكان هذا السلف القرون الثلاثة الأولى، أم التراث كلُّه حتى عصر النهضة، ويكتفي بهذه المرجعية دون غيرها (1/38)
صفحة 39
وبشكل واع. كما نعني بلفظ التراث نتاج السلف تحديدًا، ولا يدخل في التراث نصوصُ الوحي؛ فالتراث نتاجٌ إنساني محض.
3 - الخولي، أمين: «التفسير: نشأته، تدرُّجه، تطوره». دار الكتاب اللبناني. بيروت. لبنان. ط1. 1982م. ص: 75.
4 - طه، حسين: «في الشعر الجاهلي». منشور في مجلة القاهرة. (د. د. ن). القاهرة. مصر. 1995م. ع: 149. ص: 31.
5 - انظر في هذا الصدد مؤلَّفات سيد قطب: «التصوير الفني في القرآن الكريم»، «مشاهد القيامة في القرآن الكريم»، وتفسيره المشهور «في ظلال القرآن».
6 - أقصد بالنهضويين المفسرين وعلماء الدراسات القرآنية من أتباع محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، مرورًا بسيد قطب، وصولاً إلى أعلام التفسير في العصر الحديث من أمثال: الشعراوي، وعائشة عبد الرحمن، والطاهر بن عاشور، وابن باديس، وبيوض، ممن حاول "إصلاح" وتغيير منهج التفسير بالأخذ والاعتبار بإنجازات العلم الحديثة مع عدم إنكار لمجهودات القدماء.
7 - من أتباع الحداثة من يرى في تأويلات بعض المفسرين القدماء - دون غيرهم - طفرة نوعية تُقارب في رُقيِّها البعد والفكر الحداثي، من هؤلاء المفسرين "محي الدين ابن عربي" الذي تجاوز ثنائيات الصراع التقليدي: الغيب/ الشهادة، والواقع/ الخيال، والخالق/ الوجود ... وقد «انتهى ابن عربي إلى عقيدة الحبِّ الشاملة، والدين العالمي المفتوح، والرحمة الإلهية التي فُتح بها الوجود وإليها يؤول ... ». انظر نصر حامد أبو زيد: «فلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين بن عربي». ص: 212، 213.
8 - أبو زيد، نصر حامد: «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن». المركز الثقافي العربي. بيروت. الدار البيضاء. ط 2. 1994م. ص: 24.
9 - م ن. ص: 10.
10 - م ن. ص: 24.
11 - أركون، محمد: «الفكر الإسلامي، قراءة علميَّة». تر/ هاشم صالح. المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء. ط 2، 1996م. ص: 191.
12 - يعترف الدكتور أبو زيد بتأثِّره بآراء المفكر أركون، ورغم نقده لبعض طروحاته فإنَّه كثيرًا ما يستخدم مصطلحاته الفكرية في دراساته النقدية، فهو يقول لمحاوِره: «إنِّي مدين له كثيراً في موضوع المنهج، لكن انشغال أركون بهذا الموضوع لا يسمح له بالاشتغال كثيراً بما وراء ذلك. أنت يمكن أن تبذُل عمرك كلَّه في الكلام عن الوصفة والمقادير ... أنا أحب أن أدخل المطبخ وأجرِّب!». «القرآن نص تاريخي وثقافي»، مقابلة مع نصر حامد أبو زيد، محمد علي الأتاسي، منشورة في موقع الويب "معابر": (1/39)
صفحة 40
( http://maaber.50megs.com/indexa/al_dalil_a.htm).
13 - أبو زيد، نصر حامد: «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن». ص: 27.
14 - ولقد بيَّنا رأينا المخالف في هذه المسألة والتي هي في الحقيقة من آثار دراسات المستشرقين التي يرى أصحابها أنَّ النص القرآني من "نتاج" الثقافة العربية فهي من التراث العربي، وقد تأثر بهذه النظرة بعض المفكرين والنقاد العرب المحدثين. انظر أدونيس: «النص القرآني وآفاق الكتابة». نشر دار الآداب. بيروت لبنان. ط1. 1993. ص: 17.
15 - أدونيس: «النص القرآني وآفاق الكتابة». ص: 42.
16 - أبو زيد، نصر حامد: «النص، السلطة، الحقيقة». المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1. 2001. ص: 92.
17 - لا أريد أن أدخل هنا في تفاصيل الانتقادات الموجَّهة للنظريات المُقصية للمؤلِّف المبدع، وبالخصوص مقولة موت المؤلِّف، إلاَّ أني أحيل إلى الباحث الإيطالي "أمبرتو إيكو" الذي يقرِّر في معرض ردِّه على النظريات المغالية في الاعتداد بالقارئ بأنَّه «سيكون أمرًا فظيعًا إذا نحن أقصينا الكاتب المسكين باعتباره شيئًا لا موقع له داخل تاريخ التأويل. فهناك حالات داخل سيرورة الإبلاغ، يصبح التعرُّف فيها على نوايا المتكلم أمرًا في غاية الأهمية ... ». إيكو، أمبرتو: «التأويل بين السميائيات والتفكيكية». ص: 80.
18 - نقلاً عن: أبو زيد، نصر حامد: «نقد الخطاب الديني». مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3. 1995. ص: 202.
19 - أدونيس: «النص القرآني وآفاق الكتابة». ص: 35، 36.
20 - ينظر: الحاج إبراهيم، عبد الرحمن: «المناهج المعاصرة في تفسير القرآن وتأويله». بحث مستنسخ من موقع الويب "الملتقى":
http://www.almultaka.net/web/makalat2.htm
21 - لا بد من الإشارة هنا إلى الفرق بين الاهتمام بالتاريخ و"التاريخانية" فالتاريخانية تركِّز على الجانب العقلاني الوضعي وحده ممَّا يصل بالنص إلى الجمود والتحجُّر في الزمان والمكان، بينما الاهتمام بالتاريخ هو الاهتمام بالنص وبالنقل أيضًا من مدارسة للأحاديث الشارحة، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ ... على أنَّ "التاريخانية" كما يعرِّفها تامر فاضل: «نزعة تاريخية متطرِّفة، وغالبًا ما تكون ذات منحى أحادي يبالغ في إبراز حجم المؤثِّر التاريخي في تشكيل الظاهرة التاريخية، ويمكن أن نلمس ذلك في إسراف التأويلات الداروينية المتطرفة وتطبيقاتها على الظواهر الاجتماعية والثقافية». انظر: تامر، فاضل: «اللغة الثانية، في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث». ص:154. (1/40)
صفحة 41
22 - بوراس، محمد: «محمد أركون ومشروعه النقدي». بحث منشور في موقع الويب:
http://alarabnews.com/alshaab
النص نقلاً عن كتاب أركون: «الإسلام: الأخلاق والسياسة»، ص: 185.
23 - الحاج إبراهيم، عبد الرحمن: «المناهج المعاصرة في تفسير القرآن وتأويله».
24 - أركون، محمد: «تاريخية الفكر العربي والإسلامي». تر/ هاشم صالح. المركز الثقافي العربي. بيروت، الدار البيضاء. ط2. 1996. ص: 56.
25 - أركون، محمد: «الفكر الإسلامي قراءة علمية». ص: 91.
26 - أركون، محمد: «تاريخية الفكر العربي والإسلامي». ص: 210.
27 - م ن. ص: 290، 291.
28 - م ن. ص: 297.
29 - أركون، محمد: «نقد العقل الإسلامي»، ص: 33.
30 - أبو زيد، نصر حامد: «النص، السلطة، الحقيقة». ص: 18.
31 - م ن. ص: 143.
32ـ- أبو زيد، نصر حامد: «نقد الخطاب الديني». ص: 18.
33 - أدونيس: «الثابت والمتحوِّل، الأصول». دار العودة، بيروت. ط1. 1974. ص: 89.
34 - أبو زيد، نصر حامد: «نقد الخطاب الديني». ص: 135.
35 - ينظر: م ن، ص: 18.
36 - قضية توحيد الخالق مثلاً قضية قطعية ثابتة لا يمكن فهم ما يخالفها في جميع الكتب السماوية بما فيها القرآن، فلا تُفهم آية الإخلاص: ? قُل هُوَ اللهُ أَحَدْ? بما يخالف حصر الألوهية في الله تعالى. وقس على ذلك جميع القضايا المؤسسة للعقيدة. راجع إن شئت مزيدًا من التفصيل بحث: «نقد الاتجاهات النصوصية في تأسيس المعتقد الديني». لكامل الهاشمي. منشور في موقع الويب:
( http://www.darislam.com/home/alfekr/data/feker10/).
37 - أبو زيد، نصر حامد: «نقد الخطاب الديني». ص: 69.
38 - نجد اليوم في المجتمعات الحديثة مفاهيم عديدة حلَّت من العقول محلَّ التقديس والثبات كمفاهيم: الديموقراطية، والحرية .. وغيرها.
39 - الحاج إبراهيم، عبد الرحمن: «المناهج المعاصرة في تفسير القرآن وتأويله». (1/41)
صفحة 42
ربا الفضل بين أهل الفقه وأهل الحديث (*)
أ/ الحاج أحمد بن حمو كروم (**)
مقدمة:
من المواضيع التي اعتنت الشريعة الإسلامية بتوضيحها والفصل فيها تفصيلاً بيِّنًا، موضوع "الربا" الذي أصبح اليوم ينال كلَّ شخصٍ في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وهو يعلم حرمته، ولا يجد عن ذلك محيصًا، وذلك بما كسبت أيدي الناس ويعفو الله عن كثير ... ولم يختلف العلماء في أنَّ أصل تحقُّقه هو الأجل والزيادة بين ثمن ومثمَّن من جنسٍ واحد ... وأمَّا الذي اختلفوا فيه فهو «ربا الفضل» الذي لم تكن فيه النسيئة .. خاصة وأنَّ الحديث النبوي الشريف وقع فيه تعارضٌ جعل العلماء لا يتفقون على تحريمه أساسًا ...
ولتوضيح الموضوع فإنَّنا سوف نتعرض للمباحث التالية:
المبحث الأول: نصُّ الحديث.
المبحث الثاني: تخريج الحديث.
المبحث الثالث: منطوق الحديث.
المبحث الرابع: مفهوم الحديث.
المبحث الخامس: رأي الإباضية في ربا الفضل.
المبحث الأول: نصُّ الحديث
أورِدُ نصوص الحديث في الصحاح الثمانية مع اختلاف ألفاظها، ولا أكرر ما كان متشابها بينها إلاَّ بالإشارة في نهاية كلِّ حديث مع ذكر اللفظ غير المشترك .. والرقم الموجود في بداية كلِّ حديث هو رقم تسلسلي في البحث، وأما رقمه في الجامع فإنِّي أشير إليه في النهاية .. ولا أتعرَّض لذكر السند في غير روايات الربيع، وأكتفي بذكر الراوي من الصحابة.
1 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرُّ بالبرِّ، والشعير بالشعير، والملحُ بالملح، يدًا بيد».
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 574].
2 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البرَّ بالبر إلاَّ مِثلاً بمِثل، ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير».
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 575].
3 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغي عن طلحة بن عبيد الله أنَّه التمس من رجلٍ (1/42)
صفحة 43
صرفًا، فأخذ طلحة الذهب بيده يقلِّبه، فقال: حتَّى يجيء خازني من الغابة،
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع كلامهما فقال: والله لا أفارقكما حتى يتم الأمر بينكما، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالورِق ربًا إلاَّ هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربًا إلاَّ هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلاَّ هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلاَّ هاء وهاء» (3).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 576].
4 ـــ الربيع عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا في غزوة وعلينا معاوية، فأصبنا ذهبًا وفضَّة، فأمر معاوية رجلاً يبيعها للناس في أعطياتهم، فسارع الناس فيها، فقام عبادة فنهاهم فردُّوها، فأتى الرجل معاوية فشكى إليه، فقام معاوية خطيبًا فقال: ما بال رجال يتحدَّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث يكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نسمعها منه، فقام عبادة فقال: والله لأحدِّثنَّ بما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كره معاوية. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البرَّ بالبر ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح إلاَّ مِثلاً بمِثل، يدًا بيد، سواء بسواء، عينًا بعين».
وفي رواية: «فإذااختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد» (4).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 577].
5 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنَّه ابتاع بعيرًا ببعيرين، وأجاز بيع عبدٍ بعبدين، إلاًّ أنَّ هذا يدًا بيد (5).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 578].
6 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل على خيبر رجلاً فجاءه بتمر جنيب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكلُّ تمر خيبر هكذا؟» فقال: لا والله إنَّا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين، والصاع بثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفعل، بِع الجمع بالدراهم، وابتع بالدراهم جنيبًا» (6).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 579].
7 ـــ أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلاَّ ما نهيتكم عنه» (7).
[رواه الربيع، كتاب البيوع، باب الربا، رقم: 571].
8 ـــ روى أبو عبيدة بلاغًا خطبة فتح مكة التي جاء فيها قوله صلى الله عليه وسلم: « ... ألا وأنَّ كلَّ ربًا في الجاهلية ودمٍ ومال أو مأثرة هي تحت قدميَّ هاتين، إلاَّ سدانة البيت ... ».
[رواه الربيع، كتاب الحج، باب في الكعبة، رقم: 419].
9 ـــ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أنَّ معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورِق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا (1/43)
صفحة 44
إلاَّ مِثلاً بمِثلٍ، فقال معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسًا .. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبرُه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُخبرني عن رأيه، لا أُساكنك بأرضٍ أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر له ذلك، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبع ذلك إلاَّ مِثلاً بمِثلٍ، وزنًا بوزنٍ (8).
[رواه مالك في المُوَطَّأ، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالفضة، رقم: 33].
10 ـــ عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما» (9). [رواه مالك في المُوَطَّأ، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالذهب، رقم: 29].
11 ـــ عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب إلاَّ مِثلاً بمِثل، ولا تشفوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلاَّ مِثلاً بمِثل، ولا تشفوا بعضها على بعضٍ، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز» (10).
[رواه مالك في المُوَطَّأ، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالفضة، رقم: 30].
12 ـــ عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب رضي الله عنهما، قالا: كنَّا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صرفٍ فقال: «إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان نساءٌ فلا يصلح» (11).
[رواه البخاري، كتاب البيوع، باب التجارة في البر، رقم: 2060].
13 ـــ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنَّا نُرزق تمر الجمع وهو الخلط من التمر، وكنَّا نبيع صاعين بصاع، فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: «لا صاعين بصاع، ولا درهمين بدرهم» (12).
[رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الخلط، رقم: 2080].
14 ـــ عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاَّ سواء بسواء، والفضة بالفضة إلاَّ سواء بسواء، بيعوا الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئتم» (13).
[رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الذهب بالذهب، رقم: 1175].
15 ـــ عن أبي صالح قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم، مِثلاً بمثل، فمن زاد فقد أربى ... فقلتُ: إنَّ ابن عبَّاس يقول غير هذا؟ فقال: لقد لقيتُ ابن عباس فقلتُ: أرأيتَ هذا الذي تقول أشيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وجدته في كتاب الله عزَّ وجلَّ؟ فقال: لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أجده في كتاب الله، ولكن حدثني أسامة بن زيد أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «لا ربا إلاَّ في النسيئة». وفي رواية (1/44)
صفحة 45
أخرى «إنَّما الربا في النسيئة»، وفي رواية أخرى: «لا ربا فيما كان يدًا بيد»، وفي رواية أخرى: «ألا إنَّما الربا في النسيئة» (14).
16 ـــ عن مالك بن أوس بن الحدثان أنَّّه قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله ـــ وهو عند عمر بن الخطاب ـــ أرنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نُعطك رزقك. فقال عمر بن الخطاب كلاَّ والله لتعطينَّه ورقه أو لتردَّن إليه ذهبه، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الورِقُ بالذهب ربًا إلاَّ هاء وهاء، والبرُّ بالبُرِّ إلاَّ هاء وهاء، والشعير بالشعير إلاَّ هاء وهاء، والتمر بالتمر إلاَّ هاء وهاء» (15).
[رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب الصرف، رقم: 1586].
17 ـــ عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبرُّ بالبرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلاً بمِثلٍ يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمُعطي فيه سواء» (16).
[رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب الصرف، رقم: 1587].
18 ـــ عن عبادة بن الصامت وكان بدريًّا، وكان بايع النبيء صلى الله عليه وسلم أن لا يخاف في الله لومة لائم، «أنَّ عبادة قام خطيبًا فقال: أيها الناس إنكم أحدثتم بيوعًا لا أدري ما هي، ألا إنَّ الذهب بالذهب وزنًا بوزن تبرُها وعينُها، وإنَّ الفضة بالفضة وزنًا بوزن تبرُها وعينُها، ولا بأس ببيع الفضة بالذهب يدًا بيد والفضة أكثرهما، ولا تصلح النسيئة، ألا إنَّ البرَّ بالبرِّ، والشعير بالشعير مَدْيًا بمَدْيٍ، ولا بأس ببيع الشعير بالحنطة يدًا بيد، والشعير أكثرهما، ولا يصلح نسيئة، ألا وإنَّ التمر بالتمر مَدْيًا بمدْيٍ، حتى ذكر الملح مدًّ بمد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى» (17).
[رواه النسائي، كتاب البيوع، باب بيع الشعير بالشعير، رقم: 4577].
19 ــــ عن فضالة بن عبيد قال: اشتريتُ يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصَّلتها فوجدتُ فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرتُ ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تُباع حتى تفصَّل» (18).
[رواه النسائي، كتاب البيوع، باب بيع القلادة، رقم: 4587/ 4588].
20 ـــ عن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع الدنانير وآخذ الدراهم، فأتيت النبيء صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فقلتُ:
يا رسول الله إنِّي أريد أن أسألك أني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع الدنانير وآخذُ الدراهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» (19).
[رواه النسائي، كتاب البيوع، باب بيع الفضة بالذهب، رقم: 4596].
21 ـــ عن عبد الله بن يزيد أنَّ زيدًا أبا عياش أخبره أنَّه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسُّلت، فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال: سمعتُ رسول الله (1/45)
صفحة 46
صلى الله عليه وسلم يُسأل عن شراء التمر بالرطب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك (20).
[رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب التمر بالتمر، رقم: 3359].
22 ـــ عن ابن عمر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر كيلاً، وعن بيع العنب بالزبيب كيلاً، وعن بيع الزرع بالحنطة كيلاً ....
[رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب المزابنة، رقم: 3361].
23 ـــ وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحيوان اثنان بواحدٍ لا يصلح نسيئًا، ولا بأس به يدًا بيد» (21). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
[رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الحيوان، رقم: 1238].
24 ـــ عن عبادة بن الصامت عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والشعير بالشعير مثلاً بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا البُرَّ بالتمر كيف شئتم يدًا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدًا بيد». قال أبو عيسى: حديث عبادة حديث حسن صحيح.
[رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء أنَّ الحنطة بالحنطة ... ، رقم: 1240].
25 ـــ عن ابن مسعود قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهدَيه وكاتبه» (22).
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عمر وعلي وجابر وأبي جحيفة. وقال: حديث عبد الله حديث حسن صحيح.
[رواه الترمذي، كتاب البيوع، باب آكل الربا، رقم: 1206].
26 ـــ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على الناس زمانٌ لا يبقى منهم أحدٌ إلاَّ أكل الربا، فمن لم يأكل أصابه غُباره».
[رواه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، رقم: 2278].
27 ـــ روى سعيد بن المسيِّب عن عمر بن الخطاب قوله: «إنَّ آخر ما نزلت آية الربا، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبض ولم يفسِّرها لنا، فدعوا الربا والريبة».
[رواه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، رقم: 2276].
المبحث الثاني: تخريج الحديث
لقد تجرَّأتُ في مقدمة المبحث السابق وعمَّمتُ الحكم على المصادر التي أخذت منها «نص الحديث» بأنها «صحيحة» على وجه التغليب لا على سبيل الحصر، ولاتفاق الأمَّة على تقديمها عن غيرها من مصنَّفات الحديث. (1/46)
صفحة 47
ويمكن حصر صحَّة هذه الأحاديث من أوجه عدَّة منها:
1 ـــ سلسلة السند ثلاثية من النوع «العالي» في الجامع الصحيح للربيع، وموطَّأ الإمام مالك.
2 ـــ الأحاديث (10 ـــ 17 ـــ 26) أشار السيوطي إلى صحَّتها في الجامع الصغير.
3 ـــ الأحاديث (23 ـــ 24 ـــ 25) أشار الترمذي إلى صحتها وهو راويها.
4 ـــ الحديثان (18 ـــ 27) من الموقوف لكن وجد لهما شاهد وتابع يقوِّي ضعفهما في السند والمتن.
5 ـــ ما لم يكن موصولاً في مسندٍ وُصل في مسند آخر.
6 ـــ كثيرٌ من هذه الأحاديث من السنَّة التقريرية ـــ فعلاً أو تركًا ـــ مدعومة بالسنة القولية.
وتجدر الإشارة إلى أنِّي اقتصرتُ على الكتب الثمانية من باب الاكتفاء والاستغناء عن المعاجم والزوائد والمستدركات لوجود التكرار فيما بينها، ولأنَّ بعضا من روايات هذه الكتب مطعون في أسانيدها لذلك لم يروها أصحاب الستة لكونها ضعيفة.
والإشكال الوحيد الذي يبقى بدون حلٍّ ـــ وهو محلُّ خلاف بين المحدِّثين ـــ هو تاريخ وقائع هذه الأحاديث لنتعرَّف على الناسخ والمنسوخ منها .. وهذا الإشكال هو الذي جعل أئمَّة الاجتهاد يختلفون في إجازة هذا النوع من «الربا» أو منعه، رغم أنَّ ابن شاهين (ت 385هـ) قد صرَّح في كتابه «الناسخ والمنسوخ من الحديث» أنَّ ابن عبَّاس قد تراجع عن فتواه وأنَّ الناسخ لحديث أسامة بن زيد وابن عباس هو حديث أبي سعيد الخدري (23).
المبحث الثالث: منطوق الحديث
في ثلاثة عشر حديثًا يخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن كيفية التعامل مع ربا الفضل ... وينهانا في أربعة عشر حديثًا عن تبادل الأشياء من جنسٍ واحد نسيئة إلاَّ يدًا بيد، وقد حدَّد هذه الأشياء في ثمانية أصناف: البرُّ، والشعير، والتمر، والملح، والذهب، والفضة، والحيوان، والعبيد.
ومعظم هذه الأحاديث وقائع حدثت في عهد النبوة، فنهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم أو أقرَّها أو صحَّح صورتها، وكذلك هي ممَّا وقع في عهد الصحابة رضوان الله عليهم فعرضوها على السنَّة يصحِّحون بها حالات وقعت فيما بينهم.
ويُصرِّح الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الفتح في السنة الثامنة للهجرة أنَّ جميع أنواع الربا المعروفة في الجاهلية ممنوعة بين المسلمين.
ويخصص هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الخامس عشر أنَّ المقصود بالربا الممنوع في هذه الخطبة وغيرها هو ذلك الذي يحدث على التأخير.
وليُبعدنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الربا لعن جميع من يتعامل مع المرابين ولو بالشهادة (1/47)
صفحة 48
والكتابة فقط، وما يزال الناس يتساهلون في أمر الربا حتى ينال جميع الأرزاق، فلا ينجو منه شخص مهما كان التحرِّي الذي يقوم به إزاء كسبه ..
ورغم كلِّ الأدلَّة السابقة فإنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يصرِّح بأنَّ مسألة الربا ما زالت غامضة لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسِّر الآية التي نزلت تفسيرًا واضحًا فهو ينصحنا أن لا نقرب أيَّ معاملة فيها شبهة تؤدِّي إلى الربا لئلاَّ نُصاب بدائه المزمن.
المبحث الرابع: مفهوم الحديث
يتضمَّن هذا المبحث خمسة مطالب أساسية نفصِّلها في ما يلي:
المطلب الأول:
ما هو الربا؟ ما حُكمه؟ ما أنواعه؟
ففي اللغة: الربا معناه الزيادة والنماء في كلِّ شيء سواء أكانت زيادة معنوية أم حقيقية، ومنها قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة آية: 276] ... ومنها الانتفاخ في قوله تعالى: {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج آية: 05]، ومنها المرتفع من الأرض {وَءَاوَيْنَاهُمَآ إِلىَ رُبْوَةٍ} [المؤمنون الآية 50].
ومنها قولهم: فقد أربى على الخمسين ونحوها؛ أي زاد. ومنها مرض الربو: أي التنفُّس العالي. ومنها التربية أي التنمية، تربَّّيتُ في حِجرِه أي نمَوتُ في كنفه ورعايته ... (24).
وفي الاصطلاح الشرعي هو كلُّ سلعة وقع شراؤُها أو بيعُها بسلعة من جنسها مع زيادة بينهما إلى أجلٍ معيَّن .. وهذا ما نستفيده من جميع الأحاديث التي نصَّت على تحريم الربا ونهت عنه. قال الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البُرَّ بالبُرِّ إلاَّ مِثلاً بمِثل، ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير» (25).
فقد نصَّ مثلاً لفظ: «الذهب بالذهب» على اتحاد الجنسين، ويؤيد ذلك لفظ «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم».
ونص «مِثلاً بمِثل» على منع الزيادة بينهما ويوضح ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن زاد أو استزاد فقد أربى».
ونص «لا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير» على منع الأجل في قبض السلعة .. لذلك حصره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم والبخاري في قوله «لا ربا إلاَّ في النسيئة»، وفي حديث النسائي «إنما الربا في النسيئة».
وهذا الحصر هو الذي جعل العلماء يُقسِّمون الربا إلى نوعين هما: ربا النسيئة وربا الفضل ..
وعلى هذا التقسيم ضبطوا الحكم على الربا، فأجمعوا إجماعًا ليس فيه شذوذ أنَّ ربا النسيئة حرامٌ لتصريح الأحاديث به وتنديد الآيات القرآنية به .. (1/48)
صفحة 49
وأمَّا ربا الفضل فقد اختلفوا فيه اختلافًا كبيرًا فمنهم من أحلَّه حسب النصوص التي صحَّت لديه، ومنهم من منعه حسب النصوص التي ثبتت لديه، والتأويل الذي يراه أقرب للصواب، ولا يتعارض مع نصوص الكتاب .. وقبل أن نتطرَّق إلى أدلَّة كلِّ فريق لا بدَّ علينا أن نعرِّف هذا النوع من الربا ..
المطب الثاني:
ما هو ربا الفضل؟
هو كلُّ بيع اجتمع فيه جنسان من نوعٍ واحدٍ مع زيادة بلا أجل، وهذا المعنى هو ما يستفاد من الحديث الصحيح «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة، ولا البُرَّ بالبُرِّ ولا الشعير بالشعير، ولا الملح بالملح، إلاَّ مِثلاً بمِثل، يدًا بيد، سواء بسواء، عينًا بعين». ومن فعله صلى الله عليه وسلم أنَّه ابتاع بعيرًا ببعيرين، وأجاز بيع عبدٍ بعبدين، إلاَّ أنَّ هذا يدًا بيد.
والزيادة من الجنس نفسه قد تكون بالعدد أو بالنوعية، فكلاهما يتحقَّق به ربا الفضل.
ودليل العدد هو ما رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحيوان اثنان بواحدٍ لا يصلح نسيئًا ولا بأس به يدًا بيد» .. وأمَّا دليل النوعية فإنَّ حاجة الناس تقتضي المفاضلة بين السلعتين في النوع، وإلاَّ فلا يُسمَّى بيعًا إذا كان من نفس النوع بل هو تبادل عادي لا يدخل في موضوعنا.
المطلب الثالث:
حكم ربا الفضل؟
أوَّلاً: أدلَّة المانعين له جميعًا:
لقد منع فريقٌ من العلماء ربا الفضل للأدلة التالية:
أ ـــ النهي: لقد ورد الحديث بالنهي عنه والنهي للتحريم بسبب تكرار النهي وتنويع صيغه وذكر ألوان مختلفة من أمثلته على وجه التأكيد والإلزام .. ومثال ذلك حديث عبادة الذي عارض فيه معاويةَ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضَّة ولا البُرَّ بالبُرِّ ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح، إلاَّ مِثلاً بمِثل، يدًا بيد، سواء بسواء، عينًا بعين» .. وفي رواية مسلم زاد تأكيدًا آخر قائلاً: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى».
ب ـــ عنوان المعاملة: هو «ربا الفضل»؛ والنصوص القطعية من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة تفيد التحريم المطلق لكل «ربا» قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة، آية 275]. وتشديد الوعيد على هذه المعاملة بعد النهي عنها يؤكد هذا التحريم .. والنصوص التي جُوِّزت بها هذه المعاملة هي ظنية الدلالة فلا يُعدل عنها إلى القطعي.
ج ـــ الغبنُ: تتضمَّن هذه المعاملة غُبن أحد الطرفين وإلحاق الضرر به، والشريعة الإسلامية (1/49)
صفحة 50
تحرِّم الضرر وتنهى عنه في أكثرمن دليل «لا ضرر ولا ضرار».
وسدًّا لذريعة الوصول إلى أموال الناس بالباطل بالربا المحرَّم أو الغبن المحرَّم وجد في الأمة فريق من العلماء يَدين بتحريم ربا الفضل.
ثانيًا: أدلة المانعين له جزئيًّا:
وهؤلاء المانعون هم على ثلاثة آراء:
أ ـــ هناك فريق من العلماء يحرِّم ربا الفضل في الأشياء التي نصَّ عليها الحديث الشريف، وما يشبهها من جنسها، وبالتالي كلُّ ما لا يشبهها لا عبرة به، ولو شا الله أن يمنعها لقدَّم لنا منه مثالاً نقيس عليه غيره .. وهذه الأشياء هي سبعة: الذهب، والفضة، والبُرُّ، والشعير، والتمر، والزبيب، والملح .. وهي تُجمع في كلِّ موزونٍ ومكيل .. عند أبي حنيفة وأصحابه، وأمَّا ما كان من مُقدَّارًا بالعدد فلا حرج فيه كالحيوان والدينار والسيارات وغيرها، ودليلهم في هذا ما رواه عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «الذهب بالذهب مِثلاً بمِثل، يدًا بيد، والفضلُ ربا، والفضة بالفضة مِثلاً بمثل، يدًا بيد، والفضل ربا، والحنطة بالحنطة مِثلاً بمِثل يدًا بيد، والفضل ربا، والشعير بالشعير مِثلاً بمِثل يدًا بيد، والفضل ربا، والتمر بالتمر مِثلاً بمثلٍ يدًا بيد، والفضل ربا، والملحُ بالملح مِثلاً بمِثلٍ يدًا بيد، والفضل ربا» (26). وقوله صلى الله عليه وسلم «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم، إلاَّ ما نهيتكم عنه».
ب ـــ نفس الدليل اعتمده فريق آخر من المجتهدين حيث قالوا: يحل التعامل بربا الفضل إلاَّ في هذه الأشياء المنصوص عليها بأسمائها لأنَّها تشترك في الطعم وهم جمهور علماء الشافعية، وأمَّا غيرها من الأشياء ممَّا يشبهها أو لا يشبهها فالأمر فيها على الإباحة والجواز، ولو شاء الشارع أن يُحرِّمها لنصَّ على أسمائها خاصَّة وأنَّ علَّة الربا مجهولة المعنى، بل ومُختلف فيها، فلا يحلُّ فيها القياس.
ج ـــ وأمَّا الفريق الثالث من العلماء وهم جمهور المالكية فيرون أنَّ ما نصَّ عليه الحديث يشترك في الاقتيات والادِّخار وما يصلحها، والأثمان التي تصلح لتقويم الأشياء وتبادل المنافع بها لا لحجزها عند طائفة معينة من الناس {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} [الحشر، آية 07]، وفي غيرها لا ربا فيها لأنَّها غير مفهومة العلَّة.
ثالثًا: أدلة المُجيزين له جميعًا:
وأمَّا الذين يُجيزون ربا الفضل فإنَّهم يستدلون بأحاديث كثيرة من قول النبيء صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره صحَّحها أئمة الحديث، وبعمل بعض الصحابة وبعض الأئمة المجتهدين.
أ ـــ فمن السنة القولية:
ما رواه النسائي والبخاري عن أبي سعيد الخدري وابن عبَّاس وأسامة بن زيد من قوله صلى الله (1/50)
صفحة 51
عليه وسلم: «إنَّما الربا في النسيئة»، وقوله: «لا ربا إلاَّ في النسيئة»، فدلَّت صيغة الحصر على وجه المخالفة أنَّ كلَّ معاملة بيع وقع فيها اتحاد الجنسين والزيادة بدون أجلٍ فلا تُعتبر «ربًا» وبالتالي يجوز للمسلمين أن يتعاملوا بها فيما بينهم .. ويُقوِّي هذا المعنى ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «الذهبُ بالورِق ربًا إلاَّ هاء وهاء، والبرُّ بالبُرٍّ ربًا إلاَّ هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلاَّ هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلاَّ هاء وهاء»، وكذا ما قاله البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: كنَّا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن الصرف فقال: «إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان نَسَاءًا فلا يصلح»، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «لا ربا فيما كان يدًا بيد».
ب ـــ ومن السنَّة الفعلية:
ما رواه الربيع عن ابن عبَّاس وأبي داود عن جابر بن عبد الله موصولاً أنَّه صلى الله عليه وسلم ابتاع بعيرًا ببعيرين .. إلاَّ أنَّ هذا يدًا بيد.
ج ـــ ومن السنة التقريرية:
ما رواه الربيع وأبو داود في نفس الحديث السابق، أنَّه صلى الله عليه وسلم أجاز بيع عبد بعبدين إلاَّ أنَّ هذا يدًا بيد .. وما رواه الهيثمي عن الصنابحي قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة مُسنَّة في إبل الصدقة فغضب، وقال: «ما هذه؟»، فقال: يارسول الله إنِّي أرجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة، فسكت.
وفي رواية: من حواشي الإبل، قال: «فَنِعمَ إذًا» (27).
المبحث الخامس:
ما هو رأي الإباضية في ربا الفضل؟
للإباضية في المسألة رأيان:
قال القطب اطفيش (ت 1332هـ): «فدليل المذهب الأكثر منا أنَّه صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث الذهب بالذهب والفضة بالفضَّة والتمر بالتمر والملح بالملح وغير ذلك على طريق التمثيل والاختصار في الكلام .. كما تقول: تعلم أ، ب، ت، ث، وأنت تريد حروف الهجاء كلَّها .. وكذا المراد في الحديث الإشارة إلى كلِّ متَّحدين فقط، فلو كان التمر بالشعير ربًا لنبَّه عليه، إلاَّ أنَّ الدليل قام من خارج أنَّ الذهب بالفضة والعكس ربا، والبرَّ بالشعير والعكس ربا، وأنَّه لا ربا في ذلك كلِّه إلاَّ بالنسيئة، لأنَّه ابتاع بعيرًا ببعيرين يدًا بيد، ونحو هذا ممَّا مرَّ، وذلك هو الصحيح، ووافقنا عليه أصحاب مالك السيوري، وتلميذه عبد الحميد الصائغ .. قال ابن عبد السلام: وهو الصحيح لخبر «البرُّ بالبُرِّ ربا» الحديث .. ومفهوم العدد لا يفيد الحصر مطلقًا ...
ويدلُّ على مذهب الأكثر منا الإجماع على أنَّ كلَّ صنف من هذه الأصناف بصنفه نسيئة ربا، والمتفق أولى من المختلف فيه» (28). (1/51)
صفحة 52
وفي نقد الأحاديث الواردة في الموضوع يقول رحمه الله: «وهذه الأحاديث التي شرط فيها المساواة والمماثلة منسوخة بحديث بيعه بعيرًا ببعيرين يدًا بيد، وحديث إجازة بيع عبد بعبدين يدًا بيد، وأحاديث: «إنَّما الربا في النسيئة» أي في الجنس الواحد لا في الفضل يدًا بيد من جنس واحدٍ، والله أعلم، ولم يطَّلع عبادة على نسخ اشتراط المماثلة والمساواة فذكرهما بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إنكاره من معاوية، واطَّلع ابن عباس على نسخه» (29).
يروى عن الشيخ عبد العزيز الثميني (ت 1228هـ) في كتابه «التاج على المنهاج» ما نصُّه: «ولا بأس في صرف الدراهم بالفلوس نَظِرَةً عند من يراها من العروض لا عند من يراها من النقود إلاَّ يدًا بيد» (30). والنظرة التأخير.
«وسئل العلامة أبو عبد الله محمدبن يوسف المصعبي (ت 1187هـ) نزيل جربة عمَّن يأخذ الدراهم بتونس ويدفع بميزاب بغير سكَّة تونس قدرًا معلومًا؟ فأجاب بجواز ذلك إذا لم يتَّفقوا على الصرف ... ».
ثمَّ حكى القطب اطفيش عن صاحب الضياء (ق5هـ) قوله: «ومن عليه لرجل ذهبٌ فجائز أن يقضيه دراهم والعكس كذلك على غير معنى الصرف، لأنَّ الصرف لا يجوز إلاَّ يدًا بيد، ويكره للرجل أن يعطي بعمان ويشترط الدفع بالبصرة أو غيرها، ولا بأس به من غير شرط، والظاهر أنَّ سبب الكراهة ما فيه من منفعة للمعطي من السلامة من الغرر في إرسالها أمانة فيدخل في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قرضٍ جرَّ منفعة» (31).
وقال الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (ت 208هـ): في «مسائل نفوسة»: «وكلَّما أضعف الناس في بيوعهم ممَّا اختلف وتشابه فباعوه بالنقد اثنين بواحد، أو أضعافًا مضاعفة، فلا ربا فيه عندنا ... ولا ربا إلاَّ في النسيئة: ممَّا لم يختلف نوعاه وكان نظرة، فلا يصلح مطبوخ بلحم مشوي بالنسيئة، ولا بأس به نقدًا يدًا بيد، ولا بأس بالحبوب باللحم بالنسيء لأنَّه قد بان اختلافه» (32).
ويقول الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد النفوسي
(ت 504هـ): «والصرف جائز بين الناس وهو بيعٌ من البيوع، وإنَّما يكون في الذهب والفضة يدًا بيد، ولا يجوز بالنظرة والتأخير ... » (33).
ثم قال الشيخ أبو العباس: «وأمَّا غير الذهب والفضة في جميع ما يُكال أو يوزن أو الحيوان كلُّها واحدٌ باثنين أو أكثر إلى أجلٍ فيه اختلاف: منهم من يقول ذلك ربا، ومنهم من يقول هو انفساخ» (34).
ويقول العلاَّمة الشيخ أبو يعقوب
يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570 هـ) «واعلم أنَّ ابن عباس من علماء هذه الأمة وفقهائها، وممن دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفقهه في الدين ويعلِّمه التأويل، لكن (1/52)
صفحة 53
أمرًا أذن الله تعالى عباده بالحرب، فلا ينبغي أن يتعرَّض له، ولا أن يهون به، قال عزَّ وجلَّ: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَآ إِن كُنتُمْ مُّومِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَاذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة، آية: 278، 279]، وإنَّما إنفاذ الشريعة أمرٌ يسَّره الله فسهَّله، فخذ فيه باليسر ما قدرت، ولا تتعد حدود الله تعالى، وأمرٌ عسَّره الله تعالى وشدَّد فيه فلا تتعرض له، فقد شدَّد في آية الربا ما لم يشدِّد في غيرها، وآذن العباد بالحرب، وقد قيل عن ابن عباس أنَّه قد رجع عنها في أيام مرضه بالطائف، وفيه مات (سنة 68هـ)، وقد أردنا أن نسدَّ عنكم أبواب الربا، فأبيتم إلاَّ فتحَها فرجع عنها قبل موته.
وإنَّما نبهناكم على هذا نصيحة على أنَّ ابن عباس بالموضع الذي هو فيه من الفقه من الدين والسنَّة والتنزيل بالموضع الذي لا يُنكر ...
وقد قال أبو بكر الصدِّيق:
«ما من عالم إلاَّ وفي علمه مأخوذ ومتروك، ما خلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم»، وليس مذهبه بفرضٍ فيضيق على الناس مخالفتُه.
ولقد فطن لمذهبه محمد بن محبوب [بن الرحيل، العُماني، أبو عبد الله، ق3هـ]، فآثر السنَّة والجماعة والرأي، وهو النهاية في زمانه نَسجُ وحده، وفردُ زمانه» (35).
وقال الشيخ عبد الله بن حميِّد السالمي: «وذهب أصحابُنا إلى أنَّ الربا إنَّما اختصَّ بالنسيئة، وأنَّه لا بأس بالزيادة في الجنس الواحد إذا كان يدًا بيد ... وحُجَّتُهم في ذلك حديث أسامة عند الشيخين وغيرهما بلفظ: «إنَّما الربا في النسيئة»، وزاد مسلم في رواية ابن عباس «لا ربا فيما كان يدًا بيد»، قلتُ: ويؤيده قوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ} إلى قوله: {وَإِن كَان ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ اِلَى مَيْسُرَةٍ} (36)؛ فإنَّه يدل أنَّ الربا الذي جاءت به الآية بتحريمه إنَّما هو ربا النسيئة، إذ لولا ذلك لما كان لذكر رؤوس الأموال معنى، وكذلك النظرة إلى الميسُرة .. فعلمنا من كتاب الله ما روى أسامة» (37).
سُئل الشيخ أحمد بن حَمد الخليلي (حفظه الله) المُفتي العام لسلطنة عُمان اليوم في فتاوى المعاملات: ما حُكم ربا الفضل؟ فأجاب: «الراجح مامال إليه الإمام أبو يعقوب الوارجلاني»، وأشار إلى اختياره القطب، ورجَّحه الإمام الخليلي، رحمهم الله جميعًا.
وعليه في عصرنا إمام المعقول والمنقول الشيخ القنوبي (حفظه الله)، وهو عدم جواز ربا الفضل، وذلك للأحاديث الواردة في ذلك؛ والله أعلم» (38).
ومن هذه النصوص يتبيَّن أنَّ الشيخَ
أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني والشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل العُماني هما اللذان يأخذان برأي الجمهور عند أصحابنا ويؤيدانه، ومن المتأخرين والمعاصرين الشيخ محمد بن يوسف اطفيش والإمام الخليلي العُماني والشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان ونائبه (1/53)
صفحة 54
الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي ... وأمَّا غيرهم من العلماء فيُجيزون «ربا الفضل» عندنا.
خلاصة البحث:
إنَّ مسألة «ربا الفضل» قضية تدخَّل فيها الاجتهاد رغم الآثار الواردة فيها بسبب تعارضها، وعدم ظهور الناسخ والمنسوخ منها، والراجح من المرجوح منها، فتعذَّر وجود حكمٍ موحَّد بين العلماء، ورغم أنَّ الجمهور يميل إلى تحريم «ربا الفضل» لاعتبارات سبق ذكرها فإنَّ الواقع المعيش يؤيد رأي الإباضية في جواز التعامل بربا الفضل على وجه العزيمة والضرورة لا الرخصة، فينحلُّ الإشكال ويزول مادامت النصوص الصحيحة تُثبت الجواز .. وأمَّا من حرَّمه على وجه سدِّ الذرائع فذلك حكمٌ فرعيٌّ لا ينصُّ عليه الدليل بل يقتضيه. والله أعلم.
العطف، السبت 17 ذي القعدة 1424هـ
10 يناير/جانفي 2004م
المراجع
1 - القرآن الكريم.
2 - الربيع: الجامع الصحيح.
3 - البخاري: الصحيح.
4 - مسلم: الصحيح.
5 - النسائي: السنن.
6 - الترمذي: الجامع الصحيح.
7 - ابن ماجه: السنن.
8 - مالك: الموطَّأ.
9 - أبو داود: السنن.
10 - الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
11 - ابن منظور: لسان العرب.
12 - الزمخشري: أساس البلاغة.
13 - وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته.
14 - عبد العزيز الثميني: كتاب النيل.
15 - القطب اطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل.
16 - الإمام عبد الوهاب الرستمي: مسائل نفوسة.
17 - أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان.
18 - عبد الله بن حميَّد السالمي: حاشية على الجامع الصحيح. (1/54)
صفحة 55
19 - أبو العباس أحمد: كتاب أبي مسألة.
20 - ابن شاهين عمر بن أحمد: الناسخ والمنسوخ من الحديث.
21 - أحمد الخليلي: فتاوى المعاملات.
--------------------
الهوامش
*) - ورد هذا البحث إلى هيئة التحرير في نفس الفترة التي تلقت فيه البحث الموسوم بـ: نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية (ربا الفضل نموذجًا)، للأستاذ محمد بن صالح حمدي. ولعل القارئ الكريم سيلاحظ تعارض الطرحين، وقد آثرنا نشرهما معًا لإبراز وجهات النظر، وللتأكيد على الضرورة الملحة لإنشاء مجمع فقهي اقتصادي يوحِّد الاجتهاد في مثل هذه المسائل الهامة. (هيئة التحرير).
**) - أستاذ علوم الحديث في قسم التخصص في الشريعة الإسلامية. معهد عمي سعيد. غرداية، الجزائر.
3) - رواه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب الصرف، رقم 2253. رواه مالك في كتاب البيوع، باب الصرف، رقم 38، ص: 636. رواه البخاري برقم 1028.
4) - رواه مسلم في كتاب المساقاة، برقم: 80/ 1587 بزيادة: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى». رواه النسائي برقم 4576 بلفظ يبدأ «جمع المنزل ... ».
5) - رواه أبو داود عن جابر في كتاب البيوع، برقم 3358.
6) - رواه النسائي عن أبي هريرة، برقم 4567 / الجنيب: نوعٌ جيد من التمر.
7) - نفس الحديث رواه الربيع عن عبادة بلاغًا، كتاب البيوع، باب الربا، رقم 584.
8) - قال ابن عبد البر في التمهيد: لا أعلم أنَّ هذه القصة عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلاَّ من هذا الوجه/ رواه النسائي برقم 4586 لكن دون جواب معاوية وما بعده. قال المحقق محمد فؤاد عبد الباقي: رواه الشافعي في الرسالة فقرة 1228.
9) - رواه النَّسَائي برقم: 4581 / رواه الشافعي في الرسالة فقرة 759 / رواه مسلم في كتاب المساقاة برقم 1588.
10) - رواه البخاري برقم 1030 / رواه النَّسائي برقم 4584 / رواه الترمذي برقم 1241. قال محقق الموطَّأ محمد فؤاد عبد الباقي: تشفوا من الإشفاف، أي لا تفضلوا، والشِيف بالكسر الزيادة.
11) - رواه النسائي برقم 4590. (1/55)
صفحة 56
12) - رواه النسائي برقم 4569.
13) - رواه النسائي برقم 4593.
14) - رواه مسلم برقم 1596 / النسائي برقم 4594 وزاد النسائي لفظًا آخر «إنما الربا في النسيئة» رقم 4595.
15) - رواه الترمذي برقم 1243 / رواه ابن ماجه برقم 2260.
16) - وأخرج مسلم عن أبي هريرة رواية أخرى تنتهي بلفظ «إلاَّ ما اختلفت ألوانه» أي أجناسه. برقم 1588. وكلتا الروايتين أخرجها النسائي بسنده برقم 4579، و 4573.
17) - قال السيوطي مديًا بمدي أي مكيالاً بمكيال، والمدي مكيال لأهل الشام، يسع خمسة عشر مكوكًا، والمكوك صاعٌ ونصف. والحديث رواه أبو داود في كتاب البيوع برقم 3349 بلفظ «وأما نسئه فلا» مكان «ولا يصلح نسيئه».
18) - رواه أبو داود في كتاب البيوع، برقم 3352.
19) - رواه الترمذي برقم 1242، وهو ينتهي بلفظ «لا بأس به بالقيمة» / رواه أبو داود برقم 3354 / رواه ابن ماجه برقم 2262، وينتهي بلفظ «إذا أخذت أحدهما وأعطيت الآخر فلا تفارق صاحبك وبينك وبينه لبس».
20) - البيضاء هي الشعير/ رواه ابن ماجه في كتاب التجارات، برقم 2264.
21) - رواه أبو داود عن سمرة برقم 3356.
22) - رواه أبو داود برقم 3333/ رواه ابن ماجه في كتاب التجارات برقم 2277.
23) - الحافظ ابن شاهين: الناسخ والمنسوخ من الحديث. ص: 237.
24) - انظر: لسان العرب، مادة (ربو) لابن منظور، والأساس للزمخشري.
25) - الحديث رقم 02.
26) - وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلَّته، ج4، ص: 677.
27) - رواه أحمد وأبو يعلى: مجمع الزوائد، ج4، ص: 105.
28) - اطفيش محمد بن يوسف: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج8، ص: 43 وما بعدها.
29) - المرجع السابق، ص: 608.
30) - المرجع السابق، ج8، ص: 626.
31) - المرجع السابق، ص: 627.
32) - مسائل نفوسة، ص: 138.
33) - كتاب: «أبي مسألة»، ص: 108.
34) - المرجع السابق، ص: 108.
35) - الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج2، ص: 100 ـــ 102.
36) - البقرة، الآيتان: 279، 280.
37) - حاشية على الجامع الصحيح، ج3، ص: 204.
38) - الخليلي، فتاوى المعاملات، ص: 177. (1/56)
صفحة 57
نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية - ربا الفضل نموذجا
أ/ محمد بن صالح حمدي (*)
مقدمة:
إنَّ الشريعة الإسلامية تتميز بالشمولية والمرونة وصلاحيتها لكل عصرٍ وزمان، فإذا كان الجانب التعبُّدي منها ـــ وهو ما يسمى بفقه العبادات ـــ يتقيد بالنص الشرعي ولا مجال فيه للاجتهاد، وجاءت في هذه النصوص تفاصيلها وجزئياتها، فالمسلم مكلَّف بأداء الفرائض كالصلاة والصوم ولو لم يدرك الحكمة في بعض جوانبها؛ فإنَّ فقه المعاملات الذي يتعلق بعادات الناس وعلاقتهم فيما بينهم غير ذلك؛ فقد وضع الشارع الحكيم القواعد العامَّة الذي تحكمه، والمبادئ الأساسية التي تضبطه، ثم ترك لنظر الناس ما يراه صالحًا لهذه العقود، فهو مجال للاجتهاد والابتكار في إطار تلك المبادئ والقواعد، وهو أيضًا مفهوم العلَّة معقول الحكمة، والأصل فيه الإباحة، إلاَّ ما جاء نصٌّ صحيح الثبوت صريح الدلالة يمنعه ويحرِّمه، فلا يُقال لعالمٍ: أين الدليل على إباحة هذا العقد أو هذه المعاملة؟ أو يقال: إنَّ هذه المعاملة لم يقل بها فقهاء السلف الصالح، فمادامت مُسايرة لروح الشريعة ومقاصدها وغير مصادِمة لنصٍّ شرعي فهي مُباحة شرعًا. كما يمكن تكييف وتغيير بعض المعاملات الشائعة عند غير المسلمين وجعلها تتماشى مع الشرع الحنيف، كما فعل النبيء صلى الله عليه وسلم ببعض العقود المعروفة عند قريش في الجاهلية، فهذَّبها وأدخل عليها بعض الشروط، مثل المضاربة، أو عقد السَّلَم الذي وجد أهلَ المدينة يتعاملون به.
فلا غضاضة أن يستفيد المسلمون الآن من أنواع العقود التي ابتكرها الغرب في مجال التسيير والإدارة بشرط تكييفها وإخضاعها للشريعة السمحاء.
فقه المعاملات عند الإباضية:
لو تتبعنا المصنفات الفقهية لمختلِف المذاهب الإسلامية لوجدناها تُولي أهمية كبيرة لمباحث المعاملات، كما صُنِّفت مصنفات خاصَّة مستقلَّة تتعلَّق بالفقه المالي منذ بداية عصر التأليف، فهذا (1/57)
صفحة 58
الإمام أبو عُبيد يُصنِّف كتابه: «الأموال» في القرن الثاني للهجرة، ويضع الإمام
أبو يوسف ـــ أحد تلامذة أبي حنيفة ـــ كتابه «الخراج» الذي يُعتبر أوَّل مصنَّف في مالية الدولة الإسلامية.
وإذا جئنا إلى المذهب الإباضي نجد نفس الاهتمام منذ نشأة المذهب، فقد صنَّف إمام المذهب، التابعي الجليل: جابر بن زيد «ديوانه» في مختلف فروع الفقه، إلاًّ أنَّ قسمًا كبيرًا منه ضاع مع ما ضاع من التراث الإسلامي أيام الفتن والحروب، ولم يبق منه إلاَّ شذرات في بطون الكتب. فقد قام الأستاذ بكوش يحيى ـــ مشكورًا ـــ بجمعها في كتاب) 2 (، وقد تضمَّن هذا السِّفر مجموع ما روي عن الإمام من الآراء الفقهية، منها إحدى وعشرون مسألة في فقه المعاملات. ولكون الإمام عاش في البصرة مهد مدرسة الرأي والاجتهاد، كما أنَّه أخذ عن الصحابة وخاصة عن عائشة رضي الله عنها، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، فإنَّه يكون بذلك قد جمع بين مدرستي النقل والعقل، ويروى عنه أنَّه كان يتنزَّه عن اللجوء إلى الحِيَل الشرعية، ومن المسائل التي وردت في آرائه مسألة وجوب الإشهاد على البيع، فالمسألة خلافية بين الفقهاء، فقد حمل هو آية كتابة الدَّين على الوجوب لا على الندب والاستحباب كما يرى البعض، ممَّا يدُلُّ على تشدُّده وحرصه على توثيق البيوع والديون. ومن المسائل التي وردت أيضًا: مسألة أنَّ الربح بين الشريكين يكون على ما اتَّفقا عليه، أمَّا الوضيعة ـــ الخسارة ـــ فتكون على رأس المال، وهو رأي جملة أهل العلم، وفي شركة المضاربة تكون الخسارة على المال خاصَّة، وليس على العامل منها شيء، غير أنَّه يشترط أن لا تحدث الخسارة بسبب تعدي العامل أو تقصيره في حفظ المال. ومن المسائل التي رُويت عنه أيضًا أنَّه أباح أخذ الأجرة على تعليم القرآن واستنساخه.
وإذا كان تراث إمام المذهب قد ضاع، فقد ألَّف الإباضية في مختلِف العصور في فقه المعاملات، بدءًا بصاحب «المدوَّنة الكبرى») 3 (الإمام أبي غانم الخراساني، إلى العصر الحديث عند صاحب النيل الشيخ عبد العزيز الثميني، وشارحه الشيخ اطفيش، الذي خصَّص خمسة أجزاء من مصنَّفه لفقه المعاملات، والذي يضمُّ في مُجمله سبعة عشر مجلَّدًا في طبعته الجديدة) 4 (. وقبله صنَّف الشيخ عامر الشمَّاخي النفوسي كتاب «الإيضاح») 5 (في أربعة أجزاء، حيث خصَّص الجزء الثالث والرابع لفقه المعاملات، فتضمنت كتاب البيوع والإجارات والشركة والقسمة والرهن والوصايا، ومختلِف مباحث المعاملات.
أمَّا إباضية المشرق بعُمان فقد تميزوا بالتوسُّع والإطالة والشرح في مصنَّفاتهم الفقهية، مثل: المصنَّف) 6 (، ومنهج الطالبين) 7 (، ولباب الآثار) 8 (، وغيرها أكثر.
ومما اعتنى به المذهب الإباضي الجانب العمراني، أو فقه التنمية والعمارة، ونحن نعلم أنَّ النشاط الاقتصادي الرئيس الذي ساد معظم البلاد الإسلامية منذ فجر الإسلام هو النشاط الفلاحي، (1/58)
صفحة 59
بمختلِف فروعه؛ من صيد، ورعي، وزراعة. والشريعة الإسلامية تحثُّ على العمارة والتنمية والإنتاج، لهذا انصبَّ اهتمام الفقهاء على هذا الجانب، وهدفهم في ذلك ربط عقيدة المسلم بأهداف الاستخلاف والعمارة، وأن يكون هذا النشاط الاقتصادي وفق مبادئ الشرع الحنيف. وفي هذا المجال نجد كتاب «القسمة وأصول الأرضين») 9 (، الذي تناول فيما تناول: الشركة بأنواعها، وحقوق الطرق ومسالكها، وحقوق إنشاء القصر (المدينة)، وحقوق السقي بماء المطر، وحقوق الحريم، وغرس الأشجار، وكيفية استغلال المال المُشاع، إلى غيرها من المباحث. وفي العهود الأخيرة صنَّف الشيخ عبد العزيز الثميني كتاب: «التكميل لبعض ما أخلَّ به كتاب النيل»، وهو مختصر الكتاب الأول) 10 (.
ونجد تشابهًا كبيرًا بين مباحث هذا الكتاب، وما تعرَّضت له المصنفات العُمانية في هذا المجال، ولا يختلفان إلاَّ في البيئة والطبيعة؛ حيث نجد البحث في الأفلاج وحريم البحر، وما يتعلَّق بهما من حقوق، وهو ما لا نجده في مباحث صاحب «القسمة وأصول الأرضين»، الذي أُلِّف لبيئة لا توجد فيها أفلاج. وما يلاحظ أيضًا أنَّ إباضية المشرق تناولوا هذه المواضيع ضمن مصنَّفاتهم التي أشرنا إليها، بينما إباضية المغرب خصَّصوا مؤلَّفات خاصَّة بها.
ربا الفضل عند الإباضية:
ومن المسائل في فقه المعاملات التي تَميَّز بها الإباضية عن غيرهم من المذاهب الإسلامية، رأيهم في ربا الفضل؛ فما هو رأي الإباضية؟ وهل حقيقة أنَّ الإباضية يرون أنَّ الربا يقتصر على ربا النسيئة؟ وأنَّ ربا الفضل جائزٌ عندهم؟
مفهوم الربا في الإسلام:
قبل أن نتعرَّض لرأي الإباضية في ربا الفضل ينبغي أن نبيِّن المفهوم العام للربا في الإسلام، ونذكر تقسيماته.
لو استعرضنا الآيات القرآنية التي تناولت الربا) 11 (، لتجلَّى لنا أنَّ الربا المقصود المحرَّم في القرآن الكريم هو النوع الذي كانت تجري به المعاملات المعروفة في بداية التشريع، وأنَّ هذه المعاملات كانت لها صور متعددة غرضها جميعًا الحصول على زيادة مالٍ نظير الانتظار في سداد الدين) 12 (. يقول الشيخ عامر الشماخي) 13 (: «إنَّ أصل الربا الذي حرَّمه الله تعالى أنَّ الرجل في الجاهلية يكون عليه دينٌ أو قرضٌ فإذا حلَّ دينه قال للديَّان أخِّر لي وأزيدك، أو يقول له الطالب: أربِ لي وأُأخِّرُك، فيُربي له بزيادة ماله، ويؤخِّرُه. وهذا فيما قالوا معنى الربا الذي حرَّمه الله». وهذا الذي اتَّفق عليه جميع المذاهب الإسلامية، ويسمَّى هذا النوع "ربا الديون"، لأنَّه يتعلَّق بالديون المترتبة على الذمَّة.
عناصر ربا الديون:
من هذا المفهوم "ربا الديون" يتبيَّن لنا أنَّ عناصره هي: (1/59)
صفحة 60
1 ـــ أن يكون الدَّين مستقرًّا في الذمَّة لطرف من الأطراف، مهما كان سبب تحقُّق هذا الدين.
2 ـــ أن يكون وفاء الدين مشروطًا فيه زيادة على مقدار الدين، وذلك بالزيادة في القدر إذا كان مثليًّا، أو الزيادة في القيمة إذا كان أساسه مالاً قيميًّا.
ومن هذين العنصرين يمكن أن نضع تعريفًا عامًّا لربا الديون: «الزيادة المشروطة في مال الموفي بدل مال مترتِّب في الذمَّة».
ربا الفضل:
وهو ما يسمى بـ"ربا البيوع" لأنَّه يرتبط بالبيوع، ويسمى بـ"ربا السنَّة" لأنَّ السنَّة هي المشرِّعة لهذا النوع، فهي المبيِّنة والمفصِّلة لما ورد في القرآن. والعرب لم يكونوا يعرفون ـــ كما ذكر الجصَّاص) 14 (ـــ أنَّ بيع الذهب بالذهب أو الفضَّة بالفضَّة نساءً (مؤجَّلاً) هو ربا في الشرع. وكان تشريع تحريمه في السنة السابعة للهجرة في غزوة خيبر) 15 (، وحديث أبي سعيد في التمر كان واردًا بمناسبة فتح خيبر) 16 (.
أنواع ربا الفضل:
ظهر تقسيم جديد لربا الفضل لم يتعرَّض له الفقهاء القدامى، وسيساعد على فهم ربا الفضل الذي خفِيَت بعض جوانبه على بعض الصحابة والفقهاء من بعدهم، ممَّا أدى بهم إلى عدم التمييز بين ربا الديون وربا الفضل، فنجدهم كثيرًا ما يضعون تعريفًا لربا الديون وهو في حقيقته ربا الفضل. وسيظهر الفرق واضحًا عند التعرُّض لأقسام ربا الفضل، وشروط تحقُّقه.
أقسام ربا الفضل:
ربا البيوع ينقسم إلى قسمين: ربا الفضل وربا النَّسَاء:
1 ـــ ربا الفضل: الزيادة في أحد البدلين المتجانسين على الآخر إذا كانت المبادلة فورية، أي يتمُّ تقابض البدلين في المجلس يدًا بيد، عينًا بعين، مثال: 100 غرام ذهب،
بـ 101 غرام ذهب، معجَّلة، فالغرام الواحد هنا هو ربا الفضل. وكذا 100 كلغ تمر معجَّلة بـ 110 كلغ، فعشرة كيوغرامات هي ربا الفضل.
2 ـــ ربا النَّسَاء: هو تفضيل المعجَّل على المؤجَّل، أو الناجز على الغائب، مثال: 100 غرام ذهب بـ 100 غرام ذهب مؤجَّلة، فالوزنان متساويان، لكن أحدهما معجَّل والآخر مؤجَّل، ومعلوم أنَّ المعجَّل أفضل من المؤجَّل، وهذا الربا لا يسمى ربا الفضل، لعدم وجود زيادة في الوزن، بل يسمَّى ربا النَّسَاء، لوجود الأجل الذي لحق بأحد البدلين.
الحكمة من تحريم الفضل بنوعيه:
قد لا تظهر للإنسان العادي الحكمة التي من ورائها حرَّم النبيء صلى الله عليه وسلم هذا النوع، وأكَّد في أحاديث عديدة بمختلف الصيغ على أن يدع الناس هذا الوجه من التعامل. ولفهم هذه (1/60)
صفحة 61
الحكمة يجب أن ندرك حقيقة تاريخية أنَّه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الدولة الراشدة وشطرًا من الدولة الأموية لمتكن هناك عملة خاصَّة بالمسلمين، وإنَّما كان المسلمون يتعاملون بالنقود التي ترِد من الفرس والروم واليمن، غير أنَّه لم يكن يُتعامل بها على أنَّها عملة لدولة معيَّنة كما نتعامل الآن بالدولار الأمريكي أو الين الياباني ... وإنَّما على أساس أنَّها تمثِّل وزنًا ذهبًا، ولا تحمل القيمة الشرائية للعملة، لذلك وضع النبي صلى الله عليه وسلم قاعدته النقودية، بحيث يتعامل الناس بتلك العملات على أساس وزنها، مع اختلافها في الأوزان والأنواع، فعندما يشترط النبي التماثل في الوزن، فهو يُلغي القيمة الشرائية التي تحملها تلك العملات.
ومن الحكمة في تحريم ربا الفضل: سدُّ الذريعة إلى ربا الديون، لئلاَّ يتدرَّج الناس من المعجَّل نقدًا إلى الربح المؤجَّل نسيئة، وليوصد باب التعامل على أساس المقايضة في الصنف الواحد بجنسه، لأنَّه مظنَّة التعسُّف والجور من أحد الطرفين، وليلجأ الناس إلى معيار التقويم العادل بتوسُّط النقود، وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو بيع الجنس بالثمن، ثم شراء ما يحتاجه من نفس الجنس بالثمن أيضًا.
شروط تحقُّق الربا في البيوع) 17 (:
تختلف الشروط التي يتحقق لدى توافرها وجود الربا، بحسب نوعي ربا البيوع، بين الفضل والنَّسَاء منفردين أو مجتمعين.
أمَّا ربا الفضل فإنَّه يتحقق إذا توفرت العناصر التالية:
1 ـــ أن يكون هناك بيعٌ واردٌ على بدلين من جنس واحد.
2 ـــ أن يكون البدلان من الأصناف الربوية المذكورة في الحديث ـــ أو ما يلحق بها ـــ على خلاف بين الفقهاء.
3 ـــ أن يكون هناك في أحد البدلين زيادة بالمعيار الذي يقدَّر به الصنف الواحد.
أما ربا النَّساء: فإنَّه يتحقق في الصنف الواحد من الجنس الربوي إذا بيع حاضرٌ منه بغائب ـــ ولو كان البدلان متساويين تجنُّبًا لوقوع ربا الفضل ـــ ما لم يكن قرضًا، فيخرج من عقود المعاوضات إلى عقود التبرعات.
أمَّا إذا كان البدلان ليسا من صنف واحد فإنَّ ربا النَّساء يتحقق بتوافر ما يلي:
1 ـــ أن يكون هناك بيع.
2 ـــ أن يكون البدلان كلاهما من الأصناف الربوية التي يجمع بينها اتحاد العملة.
3 ـــ أن يجري قبض أحد البدلين دون الآخر.
الفروق بين ربا الديون وربا البيوع:
من خلال استعراضنا لربا الديون ومفهومه، وربا البيوع وأنواعه، يمكن أن نضع الفروق الكامنة بينهما في صيغة الجدول التالي: (1/61)
صفحة 62
ربا الديون ... ربا البيوع
1 ـــ ثبت تحريمه بالقرآن الكريم والسنة. 1 ـــ ثبت تحريمه بالسنة فقط.
2 ـــ يتعلَّق بالديون المترتبة على الذِّمة مهما كان مصدرها (بيع، قرض، دين ... ) 2 ـــ يتعلَّق بالبيوع والمبادلات.
3 ـــ يتحقق بالزيادة (المشروطة) والأجل. 3 ـــ يتحقق باتحاد الجنس + الفضل.
كما يتحقق باتحاد الجنس + الأجل.
4 ـــ يتعلَّق بكل الديون. ... 4 ـــ يتعلَّق بالأصناف الستَّة) 18 (.
حكم ربا الفضل:
إنَّ لوضوح مفهوم ربا الديون بالنسبة للمخاطبين أثره الظاهر في إقلال النبي صلى الله عليه وسلم من الكلام فيه، وكان دور السنَّة النبوية هو التنفيذ كما أمر الله تعالى، والتأكيد على ما حرم. أمَّا الميدان الذي تفرَّدت فيه السنَّة النبوية بالبيان فهو الميدان الخاص بربا البيوع.
رُوِيَت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في هذا الباب، ذكر منها السبكي في تكملة المجموع اثنين وعشرين حديثًا في الفصل الخاص بربا الفضل وحده) 19 (، منها في الصحيحين (البخاري ومسلم) ومنها ما هو في غيرهما، كسنن الترمذي، وسنن النَّسائي، وسنن أبي داود، وسنن ابن ماجه، ومسند الإمام أحمد، وموطَّأ الإمام مالك، وسنن الدارمي) 20 (، والجامع الصحيح للربيع بن حبيب مُعتمَد الإباضية في الحديث، فقد ذكر ستَّة أحاديث في ربا الفضل بألفاظ مختلفة وأسانيد متنوعة، منها روايتان عن ابن عبَّاس وروايتان عن أبي سعيد الخدري وأخرى عن طلحة بن عبيد الله وأخرى عن عبادة بن الصامت. وفي العهود المتأخرة جمع قطب الأئمة الشيخ اطفيش أحاديث مختلفة المواضيع في مصنَّف سماه «وفاء الضمانة بأداء الأمانة» في فن الحديث) 21 (، منها أربعين حديثًا عن الربا عمومًا، وبها حوالي عشرة أحاديث في ربا الفضل.
رأي ابن عبَّاس رضي الله عنه في ربا الفضل:
بناء على هذه الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ربا الفضل فقد أجمع أغلب الصحابة والفقهاء من بعدهم على القول بتحريم الربا، وقد خالف بعض الصحابة ذلك الإجماع وقَصَرُوا الربا على النسيئة فقط. وممن روي عنه ذلك
ابن عبَّاس، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، لكن المشهور من ذلك هو قول ابن عبَّاس، حتَّى إنَّ هذا الاتجاه يُنسب إليه عند الإطلاق، وعُمدة هؤلاء في هذا الاتجاه ما جاء في الصحيحين من حديث أسامة مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الربا في النسيئة». وقد اتَّفق المحدِّثون على صحَّة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين بقية الأحاديث التي تنصُّ على التحريم في كلا الموضوعين (الفضل والنسيئة)؛ فذهب بعضهم إلى أنَّ حديث أسامة منسوخ. (1/62)
صفحة 63
وذهب آخرون إلى أنَّه محمول على اختلاف الجنسين، فربَّما كان النبيء صلى الله عليه وسلم قد سُئل مبادلة الحنطة بالشعير أو الذهب بالفضة فقال: لا ربا إلاَّ في النسيئة، فسمع قول النبي ولم يسمع ما تقدَّم من السؤال، أو لم يشتغل بنقله. وذهب فريق ثالث إلى أنَّ القصر في الحديث قصرٌ مجازيٌّ وليس حقيقيًّا، كما تقول العرب: «لا عالم في البلد إلاَّ زيد» مع أنَّ فيها علماء غيره، وإنَّما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، فيكون ربا النسيئة الأشد في التحريم والأغلظ في الوعيد هو ربا النسيئة.
رجوع ابن عباس رضي الله عنه عن رأيه:
روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عنه عندما سمع عمر
بن الخطاب رضي الله عنه وابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه يحدِّثان عن رسول بما يدلُّ على تحريم ربا الفضل، وقال حفظتما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ. وروى عنه أيضًا أنه قال: «إذا كان ذلك برأيي وهذا أبو سعيد يحدِّثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركت رأيي إلى حديث رسول الله») 22 (.
غير أنَّ هناك من يرى أن
ابن عباس لم يتراجع عن رأيه، فقد قال سعيد بإسناده عن أبي صالح قال: «صحبتُ ابن عبَّاس حتى مات، فوالله ما رجع عن الصرف»، وعن سعيد بن جبير قال: «سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف، فلم يَرَ بِه بأسًا، وكان يأمر به») 23 (.
ومهما كان من أمر الصحابي عبد
الله بن عباس رضي الله عنه، فإنَّ خلافه في المسألة لا يعدو أن يكون راجعًا إلى عدم بلوغه أي شيءٍ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لو بلغه من ذلك ما تردَّد لحظة في التسليم والإذعان، وهذا ما نُرجِّحه، أنَّه تراجع عن قوله في آخر حياته لمَّا تأكَّد من أحاديث النبي في ربا الفضل. ويقول ابن عبد البر: «رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنَّة كفاية من قول كلِّ واحدٍ، ومن خالفها رُدَّ إليها») 24 (.
آراء الإباضية في ربا الفضل:
اختلف الإباضية في ربا الفضل على رأيين؛ منهم من يرى جوازه بناءً على قول الصحابي عبد الله بن عباس، رغم ما قيل في قوله، وعن تراجُعه عن رأيه في آخر حياته؛ فهم يُعرضون عن كلِّ الأحاديث التي وردت في تحريمه رغم ثبوتها في كتب الصحاح وفي «الجامع الصحيح» معتَمَدهم في الحديث. ومن هؤلاء الفقهاء القدامى الشيخ عامر الشماخي؛ فيقول
ـــ بعد عرض الحديث المروي عن ابن عبَّاس ـــ: «وبهذا يقول علماؤنا رحمهم الله، والكاتب يؤيد قولهم. قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج}»، وقبل ذلك يقول: «من تأمَّل النهي الوارد من الشارع وجَدَه على أربعة أوجُه، ويتفرَّع إلى أكثر من ذلك: أحدهما (1/63)
صفحة 64
نهي تحريم، والثاني نهيُ تعبُّد وهو الربا») 25 (.
فهل يُعقل أن يكون الربا غير معقول العلَّة، ونحن نعلم أنَّ فقه المعاملات ينبني على العدل وعدم الظلم والاستغلال لأيِّ طرف، فهو معقول العلَّة. حتَّى أنَّ الشيخ
أبا اليقظان في كتابه المدرسي «سُلَّم الاستقامة») 26 (تعجَّب من هذا القول، وكيف يصدر من مشايخنا الأجلاَّء ... والتفسير الوحيد لهذا القول أنَّ القائلين به عاشوا في بيئة اقتصادية مستقرَّة تقوم على الاكتفاء الذاتي في مواردها، وعلى تلبية الحاجيات الأساسية الضرورية، وفي اقتصاد مُغلق يكاد ينعدم فيه الحرج على المتعاملين، لذا تمسَّكوا بقول ابن عبَّاس رضي الله عنه.
وقد تبعه في هذا الرأي بدون نقد أو تمحيص أو محاولة الفهم، الشيخُ محمد بن عمرو أبي ستة) 27 (في «حاشية الترتيب» شارحًا فيها الأحاديث التي وردت في الربا في «الجامع الصحيح»، وبعد أن يؤكِّد على صحَّة الأحاديث التي وردت في تحريم
ربا الفضل نجده يقول: «والذي عليه علماؤنا إباحة التفاضل في الصنف الواحد إذا كان يدًا بيد، وحجَّتهم في ذلك حديث ابن عباس "إنَّما الربا في النسيئة"». ولقد ناقشنا رأي ابن عباس واستعرضنا آراء الفقهاء فيه، ممَّا يضعف حجَّتهم ويُوهِن دليلهم.
ومن القائلين بجواز ربا الفضل من المعاصرين: الشيخ محمد بن بابه الشيخ بالحاج، إذ يقول: «أمَّا ربا الفضل الحاضر الناجز كتبديل قنطار تمرٍ جيد رفيع
ـــ مثل "الدقلتنور" عندنا في شمال إفريقيا ـــ بقنطار ونصف، أو قنطارين من نوعٍ آخر من التمر، رديء أو أقل جودة ونوعية من "الدقلتنور" ـــ والكلُّ حاضر ناجز ـــ بدون تأجيل ولا إنسَاء بحيث لا يحتمل فيه عجز طرفٍ عن تسديد ما بذمَّته، ولا تتضاعف الزيادة بمرور الزمن، فهذا ما يعبًّر عنه بربا الفضل، وجمهور الإباضية على إباحته وتجويزه، إذ انتفت فيه علَّة النهي عن الربا وتحريمه») 28 (.
وفرضًا أنَّ علَّة الربا انتفت ـــ كما ذكر الشيخ ـــ فماذا نعمل بـ"ترسانة" الأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلُّها تؤكِّد على منع التفاضل بين الجنس الواحد ولو كان حاضرًا بحاضر، بمختلف الصيغ: «إلاَّ ها وهاء» ... «إلاَّ مِثْلاً بمِثل» ... «ولا تشفوا بعضها على بعض» أي لا تزيدوا «سواء بسواء». وما كان النبيء ليُعدد هذه الصيغ إلاَّ ليؤكِّد على الصورة المحرَّمة من هذه المبادلات، ولأنَّها لم تكن واضحة من قبل في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم.
وإذا لم يدرك علَّة التحريم سلفُنا الصالح نظرًا للظروف الاقتصادية التي كانوا يعيشونها، فإنَّ العلَّة الآن واضحة للعيان، بعد أن أصبحت النقود في العصر الحاضر تحتلُّ مكانة مرموقة في المبادلات، وفي صرف العملات الذي يشهد تقلُّبات مستمرَّة، فغدا التقابض في المجلس ضرورة اقتصادية بعد (1/64)
صفحة 65
أن كان حكمًا شرعيًّا.
ومن الجانب الآخر فقد أظهر علم الاقتصاد عيوب المقايضة التي حذَّرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم وحثَّنا على توسيط النقود لإشاعة العدل والقسط بين المتعاملين، وهذا دليل على سموِّ الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وقد لا يفهم علَّة حكمٍ شرعي في زمن وتظهر في أزمنة أخرى.
الرأي الثاني: تحريم ربا الفضل:
استعرضنا رأي القائلين بجواز ربا الفضل عند الإباضية، وكنَّا نظنُّ أنَّه هو الرأي السائد والراجح، وعليه جمهور الإباضية، لكن تبيَّن لنا أنَّ رأي القائلين بحرمته هو الأصحُّ والأرجح، لأنَّ إمام المذهب نفسه يذهب إلى تحريم ربا الفضل مع مجموع الأئمة الفقهاء، وهذا ما سيظهر باستعراض آراء القائلين بحرمته:
أوَّلاً: الإمام جابر بن زيد: إمامُ المذهب الإباضي وواضع أسسه ومبادئه، وقد أخذ العلم عن الصحابة، منهم على الخصوص عائشة رضي الله عنها، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه، فقد قال عنه: «أدركتُ سبعين بدريًّا فحويتُ ما عندهم إلاَّ البحر» (يعني
ابن عبَّاس)؛ فقد اغترف العلم من المعين الصافي ولزمه طول حياته، وشهد على أستاذه أنَّه رجع عن رأيه في الصرف والمتعة في آخر حياته؛ يقول الإمام السرخسي في مبسوطه) 29 (: «قال جابر بن زيد: ما خرج ابن عبَّاس من الدنيا حتَّى رجع عن قوله في الصرف والمتعة، فإن لم يثبُت رجوعه فإجماع التابعين من بعده يرفع قوله». وهذا الاختلاف عن علمٍ ومحبَّة، فلم يتعصَّب لرأي أستاذه لمَّا رأى إجماع الأمَّة من الصحابة والتابعين على تحريم ربا الفضل، ممَّا يدلُّ على سعة علم الإمام جابر واستقلاله برأيه.
ثانيًا: الإمام محمد بن محبوب: فهو الإمام التاسع للمذهب حسب ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني) 30 (، وقال فيه: «هو النهاية في زمانه نسيجُ وحدِه وفريد زمانه». قوله في الربا على الأصل الذي اجتمعت عليه الأمَّة بخلاف قول عبد الله بن عبَّاس، فآثر السنَّة والجماعة والرأي.
ثالثًا: الشيخ أبو يعقوب يوسف الوارجلاني: فقد أيَّد رأي الإمام محمد بن محبوب وردَّ على قول ابن عبَّاس في المسألة، وقال: «ليس مذهبه في الربا بفرضٍ فيضيق على الناس مخالفتُه») 31 (. وقال عنه قطب الأئمة الشيخ اطفيش منوِّها برأيه في المسألة: «وبه قال الإمام الماهر أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم».
رابعًا: الشيخ اطفيش محمد بن يوسف: يقول تعليقًا على قول الشيخ أبي يعقوب الوارجلاني: «والتحقيق أنَّ مِثلاً بمثل مع التأخير ربًا، إلاَّ القرض فإنَّه غير ربا») 32 (. فقد أيَّد رأيَ الوارجلاني، وحاول التقريب بين هذا الرأي وكلام المصنِّف (أي صاحب النيل)، قائلاً: «ثم ظهر (1/65)
صفحة 66
لي أنَّه لعل الشيخ والمصنِّف لم يخرجا عمَّا حقَّقتُ».
خامسًا: ونختم هذه الأقوال برأي الشيخ: أحمد بن حمد الخليلي مُفتي سلطنة عُمان، وإليه انتهت إمامة المذهب في العصر الحاضر، إذ يقول: «الراجح ما مال إليه الإمام أبو يعقوب الوارجلاني، وأشار إلى اختياره القطب، ورجَّحه الإمام الخليلي) 33 (
ـــ رحمهم الله جميعًا ـــ وعليه في عصرنا إمام المعقول والمنقول ـــ القنوبي ـــ حفظه الله، وهو عدم جواز ربا الفضل وذلك للأحاديث الواردة في ذلك، والله أعلم») 34 (.
الخلاصة:
بعد استعراض آراء المجيزين والمانعين لربا الفضل، نستنتج أنَّ إجازة ربا الفضل ليس هو الرأي الراجح الذي يقول به جمهور الإباضية ويُجمعون عليه، بل الأصحُّ أنَّ الرأي الراجح هو تحريم ربا الفضل في المذهب الإباضي كما هو عند سائر الأمة الإسلامية لهذه الاعتبارات:
1 ـــ لأنَّه يتماشى مع الأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
2 ـــ لأنَّه يتلاءم مع إجماع الأمَّة الإسلامية على تحريم ربا الفضل.
3 ـــ لأنَّ حجَّة المجيزين سقطت بتراجع
ابن عباس عن رأيه على أرجح الأقوال.
4 ـــ لأنَّ المنع تبنَّاه إمام المذهب جابر بن زيد، وأيَّده أئمة أجلاَّء قديمًا وحديثًا.
5 ـــ لظهور علَّة تحريم ربا الفضل.
خاتمة:
إنَّ فقه المعاملات ينبني على أسسٍ عامَّة تُستمدُّ من مقاصد الشرع في حفظ الكليات الخمس، وهو مجال خصبٌ للاجتهاد والابتكار في إطار الشريعة على مرِّ العصور، والفقه الإباضي أسهم مع سائر المذاهب الإسلامية في إبراز معالم الشرع من خلال المصنَّفات الفقهية، وأهمُّ موضوعٍ تعرَّضنا له بالبحث هو الربا الذي اجتمعت الأمَّة الإسلامية على تحريمه بنوعيه ربا الديون وربا الفضل، ولم يقل بجواز ربا الفضل سوى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وتبعه في ذلك بعض الأئمة في المذهب الإباضي، غير أنَّ رجوع ابن عباس عن قوله، وظهور حكمة وعلَّة تحريم الربا في العصر الحاضر تؤيِّد إجماع الأمة الإسلامية على تحريم كلِّ أنواع الربا.
المراجع:
1 - أبو اليقظان، إبراهيم بن عيسى: «سلَّم الاستقامة» 1387هـ / 1967م.
2 - أبو ستة، محمد بن عمرو: «حاشية الترتيب على الجامع الصحيح»، تحقيق إبراهيم طلاي. (1/66)
صفحة 67
3 - اطفيش، محمَّد بن يوسف: «شرح كتاب النيل وشفاء العليل»، مكتبة الإرشاد، جدَّة، دار الفتح، بيروت، 1392هـ / 1972م.
4 - اطفيش، محمد بن يوسف: «وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث»، وزارة التراث القومي والثقافة، سطنة عُمان، 1406هـ / 1986م.
5 - البوسعيدي، مهنَّا بن خلفان: «لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار». وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان. 1406هـ / 1986م.
6 - جابر بن زيد، الإمام: «فقه الإمام جابر بن زيد». تقديم وجمع وتخريج: يحيى بن محمد بكوش. دار الغرب الإسلامي، 1407هـ/ 1986م.
7 - الخليلي، أحمد بن حمد: «فتاوى المعاملات»، الكتاب الثالث، الأجيال للتسويق، ط1، سنة 2003، سلطنة عُمان.
8 - السرخسي: «المبسوط»، ج12، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993م.
9 - الشقصي، خميس بن سعيد: «منهج الطالبين وبلاغ الراغبين»، تحقيق: سالم بن حمد الحارثي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1979م.
10 - الشماخي، عامر بن علي: «الإيضاح»، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1404هـ/1983م.
11 - الشيخ بالحاج، محمد بن بابه: «أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي»، دار البعث، قسنطينة، 1992.
12 - الفرسطائي، أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر: «القسمة وأصول الأرضين»، تحقيق: بكير بن محمد الشيخ بالحاج، ومحمد صالح ناصر، نشر جمعية التراث، القرارة. الجزائر، ط2، 1418هـ / 1997م.
13 - الكندي، أبو بكر أحمد بن عبد الله: «المصنَّف»، تحقيق: عبد المنعم عامر. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1981م.
14 - ممحمود، د/ سامي: «تطوير الأعمال المصرفية بما يتَّفق والشريعة الإسلامية»، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط3. 1411هـ / 1991م.
15 - المصري، رفيق: «ربا القروض وأدلة تحريمه»، دار المكتبي، سوريا، ط1، 1421هـ.
16 - الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: «الدليل والبرهان»، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1403هـ / 1983م. مج1.
--------------------
الهوامش (1/67)
صفحة 68
(*) - أستاذ بكلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة، الجزائر.
2) - الإمام جابر بن زيد: «فقه الإمام جابر بن زيد». تقديم وجمع وتخريج: يحيى بن محمد بكوش. دار الغرب الإسلامي، 1407هـ/ 1986م.
3) - أبو غانم الخراساني: «المدونة الكبرى»، ترتيب وشرح: امحمد بن يوسف اطفيش. دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر في سوريا ولبنان. 1394هـ / 1974م.
4) - امحمَّد بن يوسف اطفيش: «شرح كتاب النيل وشفاء العليل»، مكتبة الإرشاد، جدًّة، دار الفتح، بيروت، 1392هـ / 1972م.
5) - عامر بن علي الشماخي: «الإيضاح»، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1404هـ / 1983م
6) - أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي: «المصنَّف»، تحقيق: عبد المنعم عامر. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1981م.
7) - خميس بن سعيد الشقصي: «منهج الطالبين وبلاغ الراغبين»، تحقيق: سالم بن حمد الحارثي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1979م.
8) - مهنَّا بن خلفان البوسعيدي: «لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار». وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان. 1406هـ / 1986م.
9) - أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي: «القسمة وأصول الأرضين»، تحقيق: بكير بن محمد الشيخ بالحاج، ومحمد صالح ناصر، نشر جمعية التراث، القرارة. الجزائر، ط2، 1418هـ / 1997م
10) - عبد العزيز الثميني: «التكميل لبعض ما أخلَّ به كتاب النيل»، طبعة تونس.
11) - {وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّتُرْبُواْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}. سورة الروم، الآية: 39.
{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ اُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا}. سورة النساء، الآيتان: 160، 161.
{يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامنُواْ لاَ تَاكُلُواْ الرِّبَآ أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. سورة آل عمران، الآية: 130.
{الذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ... }. سورة البقرة، الآيات: 175، 280.
12) - د/ سامي محمود: «تطوير الأعمال المصرفية بما يتَّفق والشريعة الإسلامية»، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط3. 1411هـ / 1991م. ص: 158. (1/68)
صفحة 69
13) - عامر بن علي الشماخي: «الإيضاح»، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1404هـ/1983م. ج5، ص: 23.
14) - الجصَّاص: «أحكام القرآن».
15) - أبو زهرة: «تحريم الربا تنظيم اقتصادي».
16) - روى أبي سعيد الخدري قال: «جاء بلال إلى النبي (بتمر برني، فقال له ("من أين هذا يا بلال؟ " قال: "كان عندي تمرٌ رديءٌ، فبعتُ صاعين بصاع ليطعم النبي (" فقال النبي: "أوه عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به"».
17) - د/ سامي محمود، مرجع سابق، ص: 161.
18) - هناك خلاف بين الفقهاء في الأصناف الستة، هل يقتصر عليها، أم يدخل فيها كلُّ ما يتَّحد في العلَّة، كما اختلفوا في مفهوم العلَّة.
19) - السبكي: «تكملة المجموع»، ج10، ص: 64. عن د/ سامي محمود: «تطوير الأعمال»: ص: 158.
20) - القرص المدمج: موسوعة الحديث النبوي الشريف. شركة الإبداع الإسلامية، 1997.
21) - اطفيش محمد بن يوسف: «وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث»، وزارة التراث القومي والثقافة، سطنة عُمان، 1406هـ / 1986م. ص: 60 وما بعدها.
22) - ابن ماجه: «سنن ابن ماجه»، ج2، ص: 755، عن الصاوي: «مشكلة الاستثمار»، ص: 350.
23) - موفق الدين بن قدامة: «المغني»، دار الكتاب العربي، لبنان، 1403هـ / 1983م. ج4، ص: 123.
24) - السبكي: «تكملة المجموع»، مرجع سابق، ج10، ص: 34.
25) - عامر الشماخي: «الإيضاح»، ج5، ص: 10 وما بعدها.
26) - إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان: «سلَّم الاستقامة»، ج1، ص: 10.
27) - محمد بن عمرو أبي ستة: «حاشية الترتيب»، تحقيق إبراهيم طلاي، ج3، ص: 190.
28) - الشيخ بالحاج محمد بن بابه: «أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي»، دار البعث، قسنطينة، 1992، ص: 152، 153.
29) - السرخسي: «المبسوط»، ج12، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993م. ص: 112.
30) - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني: «الدليل والبرهان»، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1403هـ / 1983م. مج1، ص: 102.
31) - المصدر نفسه.
32) - اطفيش محمد بن يوسف: «شرح كتاب النيل وشفاء العليل»، مج 8، ص: 39
33) - يقصد بالإمام الخليلي الشيخَ سعيد بن خلفان الخليلي المعروف بالمحقِّق، المتوفى سنة 1287هـ. [هيئة التحرير].
34) - أحمد بن حمد الخليلي: «فتاوى المعاملات»، الكتاب الثالث، الأجيال للتسويق، ط1، سنة 2003، سلطنة عُمان، ص: 177. (1/69)
صفحة 70
القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر
د/ مصطفى صالح باجو
كلية الشريعة والقانون، مسقط، سلطنة عُمان
عندما طلبت مني وزارة الأوقاف والشؤون الدينية مشكورة تقديم بحث حول "القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي" وجدتني في موقف متردد بين الإقدام والإحجام، الإقدام لما أجده من رغبة ملحاح في الاطلاع على ذخائر التراث الفقهي لعلمائنا الأجلاء، مما نعتز به ونرفع الرأس عاليا أمام المنظومات التشريعية التي عرفتها البشرية عبر التاريخ. والإحجام من وعورة اقتحام حمى هؤلاء الأعلام، والإبحار في محيط علمهم الزاخر، مع ضعف الوسيلة وخطر المجازفة.
بيد أني استعنت بالله وآثرت الإقدام راجيا الوقوف على شواطئ تلك البحار، معتذرا للسادة الكرام عن القصور والتقصير، متعللا بضيق الوقت وقلة البضاعة، مما حال دون بلوغ العمل المستوى المرتضى. والكمال لله وحده.
تعريف بالإمام الكدمي:
يشكو الدارسون للتراث العماني وتاريخ أعلامه من ندرة المعلومات المتوفرة حول هؤلاء الرجال، رغم ما يشاع عنهم من إسهام محمود في المسيرة العلمية لهذا البلد المعطاء.
لذلك لا أزعم الإحاطة بالجوانب التاريخية للإمام الكدمي، نظرا لشح المصادر التي كتبت عنه، كعادتها فيما حفظت من شذرات مشتتة لا تعطي صورة وافية لهؤلاء العلماء، بيد أنها تُجمع على أن أبا سعيد الكدمي كان عالما من مشاهير علماء عمان.
فهو أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد
بن سعيد الناعبي الكدمي. الناعبي نسبةً إلى قبيلة النعب من قبائل قضاعة بن مالك بن حمير، والكُدمي نسبة إلى كُدَم، إحدى قرى منطقة بهلا في عمان، وإن كان موطنه تحديدا بلدة العارض من قرى كُدم (1). فيها كانت حياته ووفاته. (1/70)
صفحة 71
وتُرجِّح الدراسات أن مولده كان أوائل القرن الرابع الهجري، حوالي سنة خمس وثلاثمائة للهجرة (2). مستشهدة بحادثة تاريخية وهي أن الإمام الكدمي تولّى مهمة حراسة السجن للإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب (تولَّى الإمامة سنة 320هـ). وعمره آنذاك يناهز الخامسة عشرة.
أما دراسته فكانت بنزوى بيضة الإسلام على شيوخ أجلاء، منهم: محمد بن روح بن عربي الكندي (3). ورمشقي بن راشد (4). وأبو الحسن محمد بن الحسن النزوي (5).
وهؤلاء الشيوخ كانوا كما تصفهم المصادر أئمة في الدين، وسادة للمتقين. فهو ينتمي إلى الطبقة الخامسة من علماء عمان.
كان واحدا من كبار علماء عمان المحققين، إلى درجة أنه إذا أطلق اسم " أبو سعيد " قصد به هو دون غيره.
عاصر من العلماء أبا إبراهيم محمد بن سعيد الإزكوي، وعبد الله بن محمد بن أبي المؤثر ... ، وعاصر الإمامين العادلين سعيد بن عبد الله القرشي، وراشد بن الوليد الكندي السمدي النزوي.
وقد ذكر الكدمي من عاصره من الأئمة وهو الإمام سعيد بن عبد الله (6) بخير وأثنى عليه ثناء حسنًا، وحفظ لنا سيرته وما جرى في إمامته من أحداث، وذكر حميد خصاله، وأنه «كان رحمه الله لرعيته هيّنًا رفيقا، بارًّا بهم شفيقا، غضيضا عن عوراتهم، مُقِيلا لعثراتهم، بعيد الغضب عن مسيئهم، قريب الرضا عن محسنهم، مساويًا في الحق بين شريفهم ودنِيِّهم، وفقيرهم وغنيهم، وبعيدهم وعشيرهم، مُنزلا لهم منازلهم، متفقدا لأمورهم وأحوالهم، ومشاورًا لمن هو دونه ... » (7). إلى آخر ما وصف من محامده التي استوجبت رضا الناس بإمامته (8).
نشأ فقيرًا من زخرف الحياة يقتات من نخلة واحدة يأكل تمرها، وكرمة واحدة يبيع ثمرتها لما يلزمه من كسوته.
وقد تزوج نساء موسرات رغبن في علمه وزهد في مالهن. واغتنى بالقناعة وتفرغ للعلم، تحصيلا، ثم تدريسا وتأليفا.
وفي هذه المعاني نظم السالمي أبياتا فقال:
أبو سعيد نخلة وكرمة
يملك كان شاكرًا للنعمة
منها طعامه ومن كرمته
ثيابه لا من عنى زوجته
ونظرا لمكانته العلمية فقد تولى الردود على الأسئلة التي كانت ترد إلى الإمام حفص بن راشد في قضايا الإفتاء، وأصبح مرجع الإمامة في هذا الميدان (9).
ولم تحفظ المصادر لنا أسماء تلامذته، إلا ولده سعيد بن محمد (10). بينما كان معاصره ابن بركة ميسورا، مما مكنه من إنشاء مدرسة ومسكن آوى إليه طلبة العلم وكفاهم مؤن الحياة، فتوافدوا (1/71)
صفحة 72
إليه من كل البلدان حتى من المغرب الإسلامي (11).
لقيت أقواله وكتبه القبول والرضا من جمهرة الأئمة وجمهور الأمة. وهو المرجع في الفتوى و الأحكام عند الإباضية، مما جعل العلماء في عمان يطلقون عليه " إمام المذهب ".
تراث الكُدَمي وشخصيتُه العلميَّة:
أمَّا تراث الكدمي الخالد فهو ما خطته يمينه من مؤلفات تجلت فيها مكانته العلمية ورئاسته لأهل الاجتهاد، حتى عُدّ إمام المذهب، واصطلح الإمام السالمي على تسميته "الإمام" في كتابه مشارق أنوار العقول (12).
ونشير إلى أبرز مؤلفاته التي تعد مرآة فكره وشاهدا على منزلته العلمية ومنهجه في الفتوى والتأليف.
كما تنمّ هذه المؤلفات عن شخصية موسوعية كتبت في مجالات العقيدة والفقه والتاريخ، بأسلوب متميز سمته الدقة والتأصيل، والموضوعية والإنصاف، والتزام الحقيقة العلمية والاستناد إلى الدليل.
ويصف الشيخ أحمد السيابي فكر الكدمي بالشمولية والسعة، «فهو العقدي المتكلم، والأصولي، والفقيه، والمؤرخ، والناظم للشعر، تدل لذلك مؤلفاته القيمة المفيدة» (13).
وتتجلى هذه الحقيقة في كتبه المحفوظة: الاستقامة، والمعتبر، والجامع المفيد، والزيادة على كتاب الإشراف للنيسابوري.
ويقول الشيخ أحمد الخليلي: إنه «كما كان عالما جليلا وكان شجاعا مقداما، وبذلك كانت آراؤه تتفق مع شجاعته، ومما يروى عنه قوله: «من تشجع بعلمه كمن تورّع به». وهو بعيد كل البعد عن التنطع والجبن، وقد قال بنفسه: ليس العالم من حمل الناس على ورعه، وإنما العالم من أفتى الناس بما يسعهم في الدين». (14).
مؤلفات الكُدَمي:
كتاب الاستقامة:
عاصر الكدمي الفتنة التي ثارت بعمان بسبب عزل موسى بن موسى للإمام الصلت بن مالك، وتوليته راشد بن النضر (15)، وما نجم عن هذا السطو والانقلاب من جدل حاد بين العلماء، بين واقف ومتولٍّ ومتبرئٍّ من موسى وراشد، لخروجهما على إمام شرعي. فذهبت المدرسة الرستاقية بزعامة ابن بركة إلى التشديد والبراءة من موسى وراشد، وتولى الكدمي الرد على المدرسة الرستاقية، وتبنّى موقف الاعتدال بالوقوف وعدم البراءة. وكتب في ذلك كتابه الشهير "الاستقامة في الولاية والبراءة والإمامة"، أصّل فيه لقضية الولاية والبراءة وموجباتهما وشرائطهما، وفصل أحكامهما وحللها تحليلا دقيقا، كما يعتبر هذا الكتاب فلسفة لنظام الحكم وشرعيته في الإسلام، بما جعله معتمد كل الكتابات الإباضية اللاحقة في هذا الميدان.
وقد أشار بنفسه إلى سبب تأليف كتاب الاستقامة، بقوله: «فإنه لما امتُحن الضعفاء من المسلمين (1/72)
صفحة 73
لفقد علمائهم في الدين، عظمت عند ذلك المحنة، وانفتحت عليهم أبواب الفتنة، وانطلقت عليهم ألسنة كانت محجوزة، وظهرت ضغائن كانت مستورة، ... وكثر المدّعون للعلم بعد أن كان العلم قليلا، ... غير أنا نكني عن ذكر كثير من تلك الأسباب التي يكثر بذكرها الخطاب، ويطول بوصفها الكتاب، ويورث بيننا الإحن والأعتاب، ولا يبلغ بنا إلى فائدة ولا شفاء» (16).
فقد بيّن سبب وضع الكتاب والظروف المحيطة به، والغاية منه، وهو رأب الصدع وإطفاء الفتنة التي عم بها الابتلاء، وتلك هي الفائدة والشفاء.
ويصف الشيخ أحمد الخليلي حال الناس إثر خلع الإمام الصلت بن مالك، إذ تأججت فتنة عمياء، «فنتج عن ذلك اختلاف الآراء وكثرة التعصبات والغلو بإعطاء القضية فوق ما تستحق، وقد ضاق ضعفاء العلم ذرعًا من ذلك، ولم يدروا أيّ مسلك يسلكون، وبمن يقتدون حتى انبرى الإمام أبو سعيد فجلّى الموضوع أتمّ تجلية، شرحه أوسع شرح، في كتاب خصصه لذلك وهو كتاب "الاستقامة" الذي شرح فيه أحكام الولاية والبراءة وفصّل ما أجمله مَنْ قبله من العلماء، فأزاح ستار اللبس عن الحقيقة، فكان جديرا بأن يكون لمن بعد إماما» (17).
وإلى جانب الأهمية العقدية للكتاب، فإنه يعدّ مصدرا تاريخيا هاما لتلك الحقبة التي عاشتها عمان، وما توالى فيها من أحداث تتعلق بالجانب السياسي والديني والاجتماعي، وهو منبع ثرّ لدراسة لتلك الفترة الحساسة التي تركت بصماتها بارزة في التراث العلمي لعلماء عمان حتى القرن العشرين.
كتاب المعتبر:
يذكر أن هذا الكتاب كان شرحا لجامع ابن جعفر الأزكوي، وهذا الجامع من كتب الفقه المعتمدة في الفتوى والقضاء بعمان، تعقبه الإمام الكدمي بالإيضاح فكان حجم "المعتبر" تسع مجلدات، ولكنها فقدت ولم ينج منها سوى جزأين، طبعا في أربعة أجزاء، ويشهد لهذا القول مضمون الكتاب إذ تناول الجزءان الأولان منه قضايا العقيدة كالولاية والبراءة، بإسهاب، نظرا لحضورها القوي على الساحة الفكرية في عصر الكدمي، ثم بدأ في الجزء الثالث في الطهارات بدءا بأحكام الحيض والاستحاضة والاستنجاء وأسآر الحيوانات وحكم طهارتها، وختمه بالوضوء وأحكامه، وهو ما اتصل تناوله في الجزء الرابع مع مسائل الاغتسال من الجنابة وأحكام الجنب والحائض، ثم شرع في موضوع الصلاة في آخر الكتاب وانقطع.
ولو حفظ الكتاب كاملا لكان ذخيرة فقهية ثرية لما تضمنه من تخريجات وتفصيل لمسائل عديدة لا يزال كثير منها مما تمس الحاجة إليه اليوم في واقعنا المعاصر من النوازل التي تحدث للمكلفين في شؤون الطهارات والعبادات. ولا ريب أن المنهج نفسه يشمل أبواب المعاملات والأنكحة والجنايات والعقوبات. ولكن ... (1/73)
صفحة 74
كتاب زياداتُ الإشراف:
لا يزال هذا الكتاب مخطوطا، وهو زيادات على كتاب الإشراف على مسائل الخلاف لأبي بكر بن المنذر النيسابوري الشافعي. أضاف إليه آراء فقهاء الإباضية في المسائل الفقهية المعروضة (18).
يقول الشيخ السالمي: «كتاب زيادات الإشراف لأبي سعيد أيضا، وذلك أنه تعقّب كتاب الإشراف لأبي بكر محمد بن إبراهيم المشهور بابن المنذر النيسابوري المتوفى في سنة 317هـ، جمع فيه مذاهب الأمة، وتعقبه أبو سعيد في كل مسألة ذكرها، فصحّح وضعّف، وقرّب وبعد» (19). واستفاد منه الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي في فصول طويلة من كتابه "المصنف". ويذكر الشيخ
أحمد بن سعود السيابي أن صاحب المصنف نقل معظم هذا الكتاب (20). فيكاد يكون نسخة ثانية من أصله المخطوط.
الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد:
وللكدمي فتاوى عديدة في مختلف أبواب الفقه الإسلامي جمعت في كتاب كبير بعنوان "الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد" وقد طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بعمان في أربعة مجلدات. تصور منهجه في الاجتهاد وأسلوبه في حل المشكلات التي تواجه الناس في حياتهم العملية، وفي هذه الفتاوى صورة عن الكدمي الذي عايش هموم الناس ونزل إلى واقعهم مرشدا وموجها، يبصر الناس بأحكام دينهم حتى يعبدوا الله عن علم وبصيرة، كما أن فيها صورة عن المجتمع وما كان يشغله من قضايا ومشكلات، وهي مصدر وثيق لمن أراد دراسة الحياة الاجتماعية في عصر الإمام الكُدَمي.
التاريخُ والشعر:
يذكر لأبي سعيد الكدمي كتاب في التاريخ يدعى "التاريخيات"، لكن لم تحفظه الأيام، ولا يمكن الحديث عنه لمجرد عنوانه.
كما حفظت لنا المصادر من شعر الكدمي نونيته التي صاغ فيها أحداث عصره، وهي صورة تاريخية أيضا لتلك الوقائع الهامة، ورؤية شخصية لها بمنظور الإمام أبي سعيد.
كما توجد منظومة كتبها جوابا لوالده سعيد. (21).
خصائص الكُدَمي في تآليفه:
اعتماد الدليل:
يتجلَّى ذلك في بناء اجتهاداته على مقتضيات أدلة الشريعة، وعدم تقديس الرجال رغم تقديرهم والاستئناس بآرائهم. ومن ذلك قوله: «وقولنا قول المسلمين، وإنما نراعي مذاهبهم ونَرِدُ مشاربهم، وبالله التوفيق. وينظر في هذا ولا يؤخذ من قولنا إلا بما وافق الحق والصواب» (22).
وفي معرض الحديث عن نجاسة ميتة الحيوان الذي لا دم فيه واستناد بعض الفقهاء في ذلك إلى الذوق والعرف، قال: «وعندي أن ما شابه المحرمة من الهوام مثل الحيات والأماحي وما أشبهها (1/74)
صفحة 75
لأنها تأكل اللحم وتعدو كالسباع، وما شابه الحلال فهو منه مثل الحشرات التي تستخبثها النفوس. وموضع الشبه إنما هو في الأكثر في مأكلها، والدليل على ذلك القول قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [سورة الأعراف: 157]. وعندنا أن الحرام ما حرمه الشرع، وليس بالنظر إلى استقذاره» (23).
الاستقلال الفكري والتواضع:
يتميز الكدمي باستقلاله الفكري مع التواضع في عرض آرائه، ومن ذلك اعتماده عبارة: "ومعي"، وأحيانا يقول "وعندي"، أو "وفيما معي"، أو "وفيما عندي". وهي عبارات دالة على استقلالية في الفكر، وتواضع في الموقف، وإعمال للرأي في فهم الأدلة والنصوص، أو آراء الفقهاء السابقين.
الأدب مع المخالف واحتمال العذر له:
لقد كان الكدمي رئيس المدرسة النزوانية المعتدلة في موقفها من موسى بن موسى
وراشد بن النضر. عند عزلهم الصلت بن مالك، فلم يتبرأ من موسى وراشد، بل احتمل لهما عذرًا، خلافا لموقف ابن بركة المتشدد الذي اعتبر القضية دينا، وألزم الناس فيها باعتقاد البراءة. وهو تضييق لأمر كانت للناس فيه سعة.
اعتماده العدل من الأقوال والآراء:
«ولا يعتمد قول قومنا ولا يقبل منه إلا ما وافق العدل، ولا فرق بين قول القائلين من الجميع. فمن وافق قوله العدل فهو العدل، وإياه نعتمد وبه نأخذ، وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل فلا يجوز قبول غير العدل فيه، ... ولا نقول إن أحدا من المسلمين من العلماء المهتدين يقول في الدين بغير ما وافق العدل، ولا ما يخالف العدل، إلا أن يكون منه ذلك على وجه الغلط أو زلة يتوب منها تحريف (24) معنى ما قيل عنه ممن نقل عنه ذلك. أو في الأثر الذي جاء عنه في ذلك.
وقد يكون من علماء قومنا الصحيح من القول، وما يوافقون فيه أصحابنا في معنى الدين والرأي.
ولا يردّ على أحد من الخليقة شيئا [كذا] من العدل، ولا يجوز ذلك ولا يقبل من أحد من الخليقة ما يخالف العدل، ولا يجوز ذلك من الدين فيما يجوز أحكامه أحكام البدع وبتحليل الحرام وتحريم الحلال، وما يكون حكمه حكم الدعاوى. فكل ذلك غير جائز قبول الباطل منه، ولا ردّ حق مما يخالف حكم العدل بعلم بباطل ذلك أو بجهل» (25).
منهج الكُدمي الأصولي:
كما يؤكد الشيخ أحمد الخليلي أن الكدمي كان في ما دونه من الفقه يدور مع الدليل، عميق النظر دقيق الفكر، يرجع إلى الأصول المجمع عليها، وإلى جانب من الأصول المختلف فيها كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة واستصحاب الأصل (26). وإن لم يكن شغوفا بالمصطلحات التي درج عليها علماء الأصول. (1/75)
صفحة 76
وكان يعتمد القرآن بالدرجة الأولى في اجتهاداته، ثم السنة النبوية لا يتجاوزهما إلى آراء الرجال ولو كانت آراء جمهور العلماء، ومن ذلك رأيه في من دخل المسجد والإمام يخطب للجمعة، فقد اعتمد السنة الصحيحة في ذلك وأنّ عليه أن يركع ركعتين، وأن لا مَعْدِلَ عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول غيره من الناس.
ويتجه إلى القرآن يستنبط منه الحكم ويرجح به عند اختلاف الآراء، فقد قال بلزوم الغسل من الجنابة للمرأة، سواء كانت جنابتها في يقظة أو منام، لثبوت اسم الجنابة عليها، ولدلالة النص القرآني {فَلْيَنْظُرِ الاِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [سورة الطارق:5 - 7]. وفي آية أخرى قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ اَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [سورة الإنسان:2]. وفسر الأمشاج بالمختلط، «وهو في معنى اختلاط نطفة الرجل ونطفة المرأة، وهما الأبوان، وقد سماه الله كله خلقه، وسمّاه الله كله ماء دافقا ... ولما أطلق اسم الجنابة بهذا المعنى كان كلاهما جنبا، بهذا المعنى المتفق عليه، وهو متفق في الاسم والمعنى من الرجل والمرأة على سواء» (27).
كما يرى وجوب صلاة الجماعة على الأعيان، وأنها ليست فرضا كفائيا كما يذهب إليه جمهور العلماء، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» (28). وقال بأن هذا التهديد دليل على وجوب الجماعة على الأفراد، وأن إقامة النبي لها مع أصحابه لم يكن رافعا للوجوب عنهم، رغم قلة المتخلفين عنها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما عني بدليل القياس واعتمده في ترجيح بعض الاجتهادات، كقوله بوجوب غسل واحد على المرأة التي اجتمع عليها أكثر من حدث، قياسا على وجوب غسل واحد على من تعددت جنابته، وعلى الإجماع أن الوضوء يرفع كل الأحداث التي سبقته، مهما تعددت وتنوعت (29).
وفي موضع آخر ينص الكدمي على التمييز بين الفرائض المختلفة، فمن وجب عليه الوضوء لا يجزيه عنه الاغتسال للجنابة «ولو اعتقد الوضوء في الغسل لم يجزئه، وعليه أن يتوضأ على الانفراد، لأن الفريضة لا تدخل في الفريضة، على بعض ما قيل، وذلك على قول من يقول: عن غسل الحيض لا يدخل في غسل الجنابة، وأن عليها غسلين، غسل للجنابة وغسل للحيض» (30).
ويذكر الشيخ الخليلي أن الكدمي يرى الاستدلال بالأصل المختلف فيه، خلافا لابن بركة الذي يقول: «إن القياس لا يكون إلا على أصل متفق عليه».
كما أن له اجتهادات قامت على القياس الخفي في مسائل عديدة (31).
كما كان يعنى كثيرا بوزن الاستدلالات عندما يستدل بالقواعد الأصولية المتعارف عليها. من مثل تقديم الآيات ذات الدلالة القطعية على ذات الدلالة الظنية، ويقدم الخاص على العام، ودخول (1/76)
صفحة 77
النساء في عموم خطابات القرآن الواردة بصيغة الذكور، كخطاب المؤمنين وأشباه ذلك إلا ما قام الدليل على اختصاصه بالرجال، كما قد تختص النساء بخطاب لا يدخل فيه الرجال. ومن توظيف هذه القاعدة لزوم غسل الجنابة للرجال والنساء، لورود الآية مصدّرة بلفظ "الذين آمنوا" في قول الحق تبارك وتعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} [سورة المائدة:6]. «أن الخطاب عام يشمل الرجال كما يشمل النساء، ولأن خطاب الشارع الذي يلزم الرجال بأمر من أمور الشريعة يلزمهن أيضا، ما لم يرد دليل على خصوصيته للرجال دون النساء» (32). وضرب لذلك أمثلة من آي القرآن (33).
ويرى أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، ففي باب الاستبراء قال: «إذا كان الاستبراء مأمورا به، ولأنه من الأمور المطلوبة لاستكمال الطهارة، فيكون عدم الاستبراء منهيا عنه، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده» (34).
وفي باب الأدلة الاجتهادية نجد الكدمي يعنى عناية واضحة بالمصالح المرسلة، وبقاعدة الاستصحاب عناية بالغة، وتجلت في كثير من آرائه الفقهية، التي تعد في الحقيقة قاعدة فقهية أكثر منها قاعدة أصولية. وسنعرض لبعض نماذجها التطبيقية قريبا.
تخريجات الكُدَمي:
هذا عن منهجه الأصولي، أما تخريجاته الفقهية فيقول عنها الشيخ أحمد السيابي: «وقد اعتبرت تخريجاته من حلقات تطور التشريع الإسلامي الإباضي، وتلك التخريجات هي من باب تخريج الفروع على الفروع، فهو بعد أن يذكر آراء السابقين يظهر له من ذلك رأي آخر، وذلك معنى التخريج عند أبي سعيد ... ويدخل هذا في مسألة جواز إحداث قول ثالث بعد الاختلاف فيها على قولين» (35). وهي مسألة أصولية خلافية.
وقد قام جدل طويل بين الأصوليين حول هذه القضية، بناء على أن اختلاف السابقين على قولين مانع من إحداث قول ثالث، وهو رأي غير سديد لأن حجية الإجماع قائمة في حال الاتفاق، أما الاختلاف فلا يحمل دلالة ملزمة تمنع اللاحقين من إحداث قول آخر بل إن هذا الاختلاف مسوّغ لإحداث هذا القول لا مانع منه.
ولذا فإن الراجح جواز ذلك لأن الخلاف الأول ليس إجماعا على منع إحداث قول ثالث، ولا يحمل مفهوم الإجماع ولا حجيته (36).
القواعد الفقهيَّة عند الكدمي:
بعد إيضاح منهج الكدمي الأصولي وتخريجاته الفقهية، نعرج على القواعد الفقهية وتطبيقاتها، وهو (1/77)
صفحة 78
المجال الرئيس لهذا البحث. ومن المناسب أن نمهد له ببيان موجز لمفهوم هذه القواعد وأهميتها، ولمحة عن تطورها، حتى يتجلى دور الإمام الكدمي في هذا الميدان، وتكتمل صورة هذا الإسهام في الأذهان.
القواعد الفقهية، مفهومها، وأهميتها، وتطورها:
القاعدة في الاصطلاح «قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها» (37). أو هي «قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها» (38).
والقواعد الفقهية هي قضايا كلية منسوبة إلى الفقه، لتناولها أحكاما فقهية، بيد أن هذه القواعد الفقهية لم تكن محل اتفاق في تعريفها رغم وضوح معناها، ونكتفي بتعريفين لها:
أولها أنها «حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته» (39).
وعرّفها الشيخ مصطفى الزرقاء بأنها «أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية، تتضمن أحكاما تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها» (40).
فميزتها إيجاز عبارتها وغزارة دلالتها، إذ تشمل أحكاما كثيرة قد تتوزعها أبواب فقهية عديدة. وقد تصاغ في كلمتين أو ثلاث، من مثل قاعدة: "الضرر يزال"، وقاعدة "الأمور بمقاصدها".
والملاحظ أن هذه القواعد ليست مطلقة بل ترد عليها الاستثناءات، ولذلك اعتبرت قواعد أغلبية، إذ يُعدل عنها حين تقتضي المصلحة وتحقيق العدالة هذا العدول، ونظير ذلك ما يقتضيه الاستحسان الذي يخالف الأصول أو القياس.
وأهمية القواعد تتجلى في كونها تصوّر المبادئ الفقهية وتكشف عن مسالكها، وتضبط فروع الفقه الكثيرة بضوابط وتجعلها صالحة للحفظ، وميسورة للتطبيق، وهي بعد ذلك موجّه لعمل الفقيه والقاضي في معالجة النوازل المتعددة في حياة الناس.
يقول الشيخ مصطفى الزرقاء: «ولولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعا مشتتة، قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها في الأفكار، وتبرز فيها العلل الجامعة، وتعين اتجاهاتها التشريعية، وتمهّد بينها طرق المقايسة والمجانسة» (41).
ولكن لا يمكن الاعتماد على هذه القواعد مجردة دون مراعاة ما يرد عليها من استثناءات، فإنها أحكام أغلبية كما سلفت الإشارة، ولذلك تقرر أنه «لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط، لأنها ليست كلية بل أغلبية» (42).
وجاء في شرح مجلة الأحكام العدلية: «فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى قاعدة واحدة من هذه القواعد» (43).
وباستثناء بعض القواعد التي أساسها نصوص الوحي وأصول التشريع، فإنه لا يصح الاستناد إلى هذه القواعد دون النظر إلى ما يتناول القضية أو المسألة من نصوص أو أدلة أخرى. ولذلك كانت هذه القواعد دساتير للفقهاء لا نصوصا للقضاء (44). (1/78)
صفحة 79
ولم توضع هذه القواعد جملة واحدة، بل تنامت الكتابات فيها عبر مسيرة الفقه الإسلامي، وبخاصة في عصور الازدهار، ونهضت على أيدي كبار فقهاء المذاهب من أهل التخريج والترجيح، استنباطا من دلالات النصوص التشريعية العامة، ومبادئ أصول الفقه، وعلل الأحكام والمقررات العقلية (45).
ولا يُعرف بالتحديد تاريخ كل قاعدة بعينها ومن وضعها، سوى ما كان منها نص حديث نبوي، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (46). وأغلب القواعد يجري استحسان عباراتها من قبل الفقهاء، بعد أن تمر عبر مراحل التداول والصقل والتحوير، ثم تعتمد قاعدة وتدوّن، وقد شُرع في جمع هذه القواعد في مؤلفات مستقلة في مرحلة لاحقة، بعد أن كانت متناثرة في مدونات فقه المذاهب المختلفة. وإن حاز الفقه الحنفي قصب السبق في تدوينها وتحريرها، وتبادل الفقهاء الاستفادة منها بعد ذلك (47). وإن كان أقدم ما وصل من تلك المدونات رسالة أبي الحسن الكرخي الحنفي، المتوفى سنة 340هـ. وتطورت مؤلفات القواعد، وبخاصة في القرن السابع، فكان كتاب "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" للعز بن عبد السلام (المتوفى سنة 660هـ) و"الفروق" لشهاب الدين القرافي (المتوفى سنة 684هـ).
ثم بلغت حركة التأليف ذروتها في القرنين الثامن والتاسع الهجريين. فرأينا كتب "الأشباه والنظائر" لتاج الدين السبكي (توفي سنة 771هـ)، وجلال الدين السيوطي (توفي سنة 911هـ) (48).
ولقد أسهم علماء الإسلام من مختلف المدارس الفقهية في إثراء القواعد الفقهية تدوينا وتحريرا وشرحا وتنقيحا. بيد أن نصيب الإباضية منه كان شيئا يسيرا، وإسهامهم فيه كان مغمورا، مقارنة بالموسوعات الفقهية العديدة التي دونوها، إذ لم نعثر حسب اطلاعنا على مؤلف مستقل في القواعد عندهم.
وإن أولى ابن بركة الموضوع عناية من خلال تأصيله للمسائل الفقهية في كتابه الرائع "الجامع"، ولم يدرك شأوه اللاحقون في المشرق، كما وجدنا الاهتمام نفسه لدى علامة جبل نفوسة الشيخ عامر الشماخي في كتابه "الإيضاح"، وبلغ توظيف هذه القواعد درجة عالية لدى الشيخ عبد العزيز الثميني في كتابه "النيل"، وواصل المسيرة قطب الأئمة امحمد اطفيش في موسوعته "شرح النيل"، كما أورد الإمام السالمي القواعد الفقهية الخمس الكبرى في "شرح طلعة الشمس"، وذكر بأنها أساس الفقه لدى المدرسة الإباضية، حيث قال:
أما اليقين فهو لا يزيله
إلا يقين مثله حصوله
وإنما الأمور بالمقاصد
والضر مرفوع بلا معاند (1/79)
صفحة 80
ويجلب التيسيرُ بالمشقة
إذ ليس في الدين عذاب الأمة
وإن للعادة حكمًا، فعلى
ما قد ذكرت أسَّس الفقهَ الأولى (49)
أمَّا تقسيمات هذه القواعد فقد تنوعت فيها مناهج المؤلفين، واشتهر منها تقسيمها إلى القواعد الخمس الكبرى المذكورة، وتتفرع عنها قواعد جزئية عديدة. كما قسمها الشاطبي إلى محورين رئيسين، أولهما قواعد فقهية، والثاني يتناول قواعد المقاصد.
وتندرج هذه القواعد تحت أقسام أساسية هي:
1 - قواعد تتعلق بالمصلحة والمفسدة بدرجاتها الثلاث، الضرورية والحاجية والتحسينية،
2 - وقواعد تتعلق برفع الحرج.
3 - وقواعد تتعلق بمآلات الأفعال، ومقاصد المكلفين.
4 - وقواعد تتعلق بمنع الضرر وإزالته عند وقوعه.
وسوف نحاول استجماع الأمثلة التطبيقية التي تضمنها كتاب المعتبر حسب التصنيف الأول قدر الإمكان، وهو إيراد القاعدة الكبرى، ثم ما ينضوي تحتها أو يقرب منها. وهذا التصنيف اجتهاد شخصي قابل للإثراء والتصويب.
تطبيقات القواعد عند الكُدمي:
لئن ثبت ورود بعض القواعد على لسان رسول الله (لما آتاه الله من جوامع الكلم، من مثل قوله: «لا ضرر ولا ضرار». (50) وقوله «البينة على المدعي واليمين على المنكر» (51)، فإن من المقرر تاريخيا تأخرَ تدوينِ القواعد الفقهية باعتبارها صياغة فنية دقيقة لأحكام أو مبادئ فقهية جامعة، ولذلك وجدنا الكدمي يتناول مفهوم هذه القواعد في تطبيقاته الفقهية من كتابه المعتبر بصفة أساسية لأنه المجال الفقهي الوحيد الذي يعتبر تأليفا مستقلا له، أما زياداته على كتاب الأشراف فهو عمل متمم وإن كان ذلك لا يقلل من أهميته العلمية.
وترد نصوص بعض هذه القواعد عرضا أثناء تحليل الكدمي للمسائل الفقهية التي تناولها في "المعتبر" ولذلك كان استقراء مؤلفاته خطوة ضرورية لرصد هذه القواعد في خبايا تلك المؤلفات.
ولا يخفى على القارئ الحس الفقهي التقعيدي عند الكدمي في كتابه "المعتبر" لما تضمنته تحليلاته من مسحة تأصيلية للأحكام، إما بالرجوع إلى أدلتها النصية أو إلى قواعدها الفقهية يوردها بنصها أحيانا وبمعناها غالبا.
وقد استطعت على عجل رصد بعض هذه القواعد في جانبها التطبيقي، أعرض معالمها في الفقرات الآتية:
القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها (52): (1/80)
صفحة 81
وهذه تتصدر القواعد الخمس الكبرى، وتعتبر أصلا لكثير من القواعد الفرعية المتصلة بخاصة بالمقاصد، بل هي أم قواعد المقاصد في الشريعة الإسلامية، وأساسها الحديث النبوي الشريف "إنما الأعمال بالنيات" (53). وهو حديث جليل القدر عظيم الأثر في كل أفعال المكلفين (54)، لأن النية تميز العبادة عن العادة، وتميز بين درجات العبادة من فرض وسنة ونافلة، فتختلف أحكام التصرفات بناء على المقاصد و النيات، وإن اتفقت في المظاهر والتجليات.
وقد تجلى توظيف الكدمي لهذه القاعدة في مسائل عديدة، نقتصر على نماذج لهذه المسائل:
تحديد نية الاغتسال للجنابة:
وتحديد نية الاغتسال أمر ضروري لإجزائه وصحة صلاة صاحبه، فمن أصابته جنابة بالليل ولم يعلم بها حتى أصبح، فقام فاغتسل من حر أراد أن به أن يتبرّد، أو غير ذلك من أسباب أخرى، ولم ينو بذلك الغسل من الجنابة، ولم يعلم بها حتى اغتسل، ثم صلى صلاة الفجر، فلما كان النهار علم بها. فهذا لا يجزئه غسله الأول، وعليه إعادة الغسل بالنية للجنابة، وإعادة الصلاة، لأنه لا يصلح ذلك إلا النية (55). وقد ذكر قولا لابن محبوب بإجزاء الغسل الأول. ثم فرق الكدمي بين علم هذا الرجل بالجنابة قبل الاغتسال ولكنه نسيها، فهذا معذور يترخص معه، فيجزيه الاغتسال الأول، أما إذا لم يعلم بها حتى اغتسل فلا يجزئه، وعليه غسل جديد (56).
وفي باب الزكاة، «لو أن رجلا تصدق بخمسة دراهم على الفقراء، ثم نظر فإذا له مائتا درهم قد حالت حولاً، لم يكن ذلك يجزئه عن الزكاة» (57)، لعدم توفر القصد إلى أداء هذه الفريضة، رغم حصول مؤداها ظاهرا من إخراج قيمة الزكاة المفروضة.
تحول النية في ظروف خاصة:
إذا استحال تحقق النية التي قصدها المكلف تحولت إلى ما يمكن في نظر الشرع، وذلك مثل نية الصيام، كمن أصبح صائما يوما من رمضان يعتقد ذلك نافلة، وهو عالم بأنه من شهر رمضان، فإن رأي الكدمي أن نيته تستحيل من النافلة إلى الفريضة، ولا بدل عليه، لأنه صام ذلك اليوم على أتم الوجوه. ولن تحوله نية عارضة ما دام قد أتى بواجب الصيام. وثمة من يرى عليه البدل لاختلاف النية، وهي لا تتحول تلقائيا، بل باعتقاد الإنسان (58).
التراضي لا يُبيح الحرام:
وهذا يندرج تحت قواعد مقاصد المكلفين. ومفادها أن يكون قصد المكلف موافقا لقصد الشارع، وإلا كان عمله باطلا لبطلان قصده، سواء كان ذلك فعلا منفردا، أو اتفاقا أو شرطا بين اثنين في عقد أو معاملة من المعاملات.
ولذلك نص الكدمي أن كل شرط يخالف أصول الشريعة باطل. وهو معنى الحديث الشريف: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (59). (1/81)
صفحة 82
وهذا من القواعد التي اقترح الشيخ مصطفى الزرقاء إضافتها إلى مجموع ما نصت عليه مجلة الأحكام العدلية.
وفي هذا المعنى يقرر الإمام الكدمي أنه لا يجوز الانتفاع بالنجاسات بوجه من وجوه الحلال، كما لايجوز بيعها بحال، «ولو تراضيا على ذلك _البائع والمشتري_ وعلما به، لأن في ذلك إدخال الضرر من المشتري على نفسه، وكل شيء من الضرر فهو غرر، وكل غرر فهو باطل، ولا يجوز بيعه، وهو من السحت» (60).
الفرق بين العمد والخطإ في الأحكام:
«ومعي أنه لو ترك في موضع وضوئه في الوضوء قليلا أو كثيرا على العمد لتركه، ولو لم يترك الجارحة كلها، ولو كان قد ترك أقل من مقدار ظفر، فإنه يكون بمنزلة من ترك جارحة من جوارح الوضوء، في معنى ما يختلف فيه. والتارك لشيء من جارحة من جوارح الوضوء عندي كالتارك لجارحة، ولو ترك على النسيان جارحة من جوارح الوضوء أقل من مقدار الظفر ناسيا حتى صلى، فمعي أنه قيل: لا إعادة عليه فيما مضى من الصلاة، وقيل عليه الإعادة للصلاة لتركه قليلا أو كثيرا ... وأما إذا ذكر ذلك قبل الصلاة فمعي أنه يخرج في معنى الاتفاق أن عليه غسل ذلك الذي تركه كائنا ما كان هذا الذي تركه ... وإن صلى على ذلك قبل أن يغسل الذي كان عليه قد تركه فعليه إعادة الصلاة» (61).
«وإذا لم يفسد الوضوء بمماسة النجاسة من وجه لم يفسد من وجهين، وهكذا، وبثبوت هذا في موضع واحد من البدن ثبت أيضا في أكثر من موضع، وإذا لم يثبت الكل لم يثبت الجزء، وإذا لم يثبت في جارحة وضوءٌ لم يثبت في غيرها، وإذا لم يثبت في شيء من ذلك، سواء غسله بنفسه أو غيره، فهذه الأشياء كلها بعضها من بعض» (62).
وفي فساد الصوم بالغيبة والكذب عامدا وبالأكل والشرب والجماع ناسيا، وكذلك تفسد الصلاة إذا عمل فيها عملا عمدا خارجا عنها، وكذلك الحج والعمرة والوضوء، «فإن الفساد لا يتجزأ في شيء من ذلك دون شيء، إذا كان فريضة وكان كله فاسدا بفساد بعضه، أوله وآخره. وكل ما وقع عليه الفساد فهو فاسد، ولا يتجزأ فيه، وهو شيء واحد» (63).
القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك (64):
هذه من القواعد الفقهية الكبرى، وقد تجلى تطبيقها مع قواعدها الفرعية لدى الكدمي في مسائل عديدة جدا من كتاب المعتبر. واعتمدها في باب الطهارات وما يعرض للمرء فيها من شكوك ووساوس. ومن هذه المسائل:
«من وجد بللاً في ذكره أو انتشارا فظنّ أنه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك فنظر وجد شيئا قد خرج، وربما نظر فلم ير شيئا، فعناه ذلك فلم يعلم أخرج منه شيء هذه المرة أو لم يخرج منه، فلا بأس حتى يعلم أنه خرج عليه هذه المرة ما قد أفسد عليه. ذلك لأننا نبني في هذه الأمور على (1/82)
صفحة 83
اليقين، فإذا نظر ولم ير شيئا، أو لم يخرج منه شيء فلا يعتد بالشك في ذلك» (65).
وعرض المسألة نفسها في موضع آخر وعقب عليها أنه «ليس عليه النظر ولا اللمس حتى يستيقن أنه خرج منه شيء، لأن الأصل أن الطهارة قائمة حتى يثبت لديه بالنظر أنه قد خرج منه شيء» (66).
وفي باب الطهارات دائما ذكر عروض النجاسة على الطهارة، فتظل كذلك حتى يغيرها سبب إلى مخرج الطهارة، ولو كان ضعيفا أو محتملا، «فإذا احتمل ذلك فالطهارة أولى به في معنى الحكم، جريا على اتباع الحكم أن الأصل الطهارة ما لم يدخل عليه من الإشكال في معنى ذلك ما يخرجه من معنى الاطمئنان أن ذلك من الرطوبة التي تأتي بطبيعتها من الطهارات، لأنها الأصل، والنجاسات عارضة» (67).
وفي مسائل الجنابة، إذا كان الرجل جنبا ثم قام فصلى صلاة واحدة أو عدة صلوات ثم هو لم يتيقن من غسله للجنابة، فالحكم أنه مغتسل حتى يعلم يقينا أنه لم يغتسل. إذا كان قد تعود الصلوات ويدين بوجوب غسل الجنابة، ولا يعرف عنه عادة تركه. ويخرج هذا على معنى الاطمئنان، فالوضوء أمر معتاد لا يغفله الإنسان في أكثر الحالات، وليس غسل الجنابة كذلك عند الكدمي. فعلمه بالجنابة يقين، وهو على يقينه حتى يعلم أنه قد اغتسل، لأن اليقين لا يزول بالشك (68).
وذكر الاختلاف في أكل لحم الدجاج الذي يقتات على الأقذار والنجاسات، وقضى بأن الحكم قائم على الاسم، فإذا اعتبرناها جلاّلة كانت نجسة وحرم أكل لحمها، وإن لم تكن جلاّلة بقيت على أصلها من حلّ أكل لحمها كسائر الطيور الجائز أكل لحمها. «وإن كان من جهة الاسترابة فالاسترابة لا توجب تحويل الأحكام» (69).
وفي باب الحقوق؛ إذا علم أنه قد وجب عليه شيء من حقوق العباد وأشباهها، ثم لم يعلم بعد ذلك هل هو قام بأدائها أو لم يقم بذلك، فحكمه وجوب أدائها لثبوت هذا الحكم في حقه، ولم يكن قد خرج منه بيقين واطمئنان. وكذلك الحج والزكاة من حقوق الله (70).
وإن كان ثمة تفصيل دقيق وتفريق بين أنواع الواجبات والحقوق، ما يتكرر منها في اليوم أو السنة، وما لايتكرر، وما يعذر في تأخيره وما لا يعذر، وأثر ذلك على الشك واليقين في أدائه. والضابط فيها إجمالا: «أن كل شيء من الأِشياء وأمر من الأمور في دين الله تبارك وتعالى، وكل حكم في حلال ما أحل الله وحرمة ما حرم، وكل حق من الحقوق المبينة في شرع الله سبحانه، وكل حكم من أحكام الشريعة، جميع هذا كله جارٍ على أصوله المبينة عليه الموضحة له من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فإذا ثبتت هذه الأحكام فهي ثابتة حتى يزيلها أصل مثلها، فكل حكم منها ثبت فيظل ثابتا على أصوله ولا يزول إلا بحكم ثابت مثله يزيله. وإذا زال حكم من أحكام هذه الحقوق فأصوله زائلة حتى يثبتها أصل مثلها» (71). (1/83)
صفحة 84
قاعدة الاستصحاب:
هذه القاعدة حاضرة في كتاب المعتبر بصورة بارزة لا تكاد تخلو منها مبحث من مباحث الكتاب، وهي جلها في باب الطهارات.
ومستند هذه القاعدة حديث النبي (فيمن شك في خروج الريح أنه لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (72).
ومن نماذجها:
قوله في الطهارات: «ومعى أنه يخرج أنه لو علم صاحب النجاسة بنجاسة في ثوبه أو بدنه كان على هذا يخرج معناه، وإن لم يعلم فالنجاسة بحالها في الحكم، حتى يعلم طهارتها بحكم أو طمأنينة. ولا يلحق ذلك في الصبي بحال، لأن الصبي غير متعبد بالطهارة من النجاسة، فلا طهارة عليه. وما ثبت فيه من النجاسة فهو في الحكم نجس حتى يعلم طهارتها» (73).
وقال: «كل ما صح أنه نجس فاسد، فهو فاسد نجس في الحكم حتى تصح طهارته بحكم أو بما لا شك فيه بحكم الاطمئنان، إذا غلب حكم الاطمئنان على معاني الحكم من طهارة ذلك. وكل شيء صحت طهارته وثبتت فيه فهو في الحكم طاهر حتى تصح نجاسته بما لا يشك فيه من حكم أو اطمئنان» (74).
وقال مؤكدا هذا المعنى: «وعلى الأصل المحكوم به على أن النجاسة بحالها من حيث ما كانت، فمتى مس موضعها شيء من الطهارة ما لم يعلم طهارتها فهو نجس حتى يعلم طهارة ذلك بالحكم. فهذان هما الأصلان اللذان عليهما العمل» (75).
وفي معرض الخلاف حول طهارة الدجاجة التي ترعى الأقذار والنجاسات، أورد قول البعض إنها مسترابة، لرعيها الأقذار، ولكن «لا يتحول بذلك حكمه في روثه ولا سؤره حتى يكون جلاّلا لا يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارات. وكل شيء على أصله من الطهارة حتى تصح نجاسته، ومن النجاسة حتى تصح طهارته، وما كان أصله نجسا فهو نجس إلى الأبد» (76). وضرب لذلك مثلا بالسبع والخنزير فلو حبسا عن النجس وأطعما الطاهر فقط «لم يكن ذلك محوّلا لحكمه عن التحريم إلى التحليل، ولا إلى طهارة خبثه» (77).
أما الدجاج فأصله طاهر بإجماع، وجائز أكل لحمه، «فلا نحب أن نعدل حكمه عن سائر الطير الطاهر إلا بشاهد ودليل، وإن لحقه فساد خزقه من طريق الاسترابة على غير ما يشبه معاني الأصول في حكمه معنا، وما يشبهه من معاني الأصول إثباته في جملة الطير الطاهر لحمه من الرواعي، لا من النواشر ولا من النواهش، ويلحق كلاًّ اسمه وحكمه» (78).
الأصلُ بقاءُ ما كان على ماكان:
«وكل شيء يكون على أصله فهو ثابت فيه حكمه، سواء كان على أي وجه من الوجوه من طاهر أو من حلال، حتى يصح فساده أو يصبح ليس حلالا بحال من الحال» (79). (1/84)
صفحة 85
«فالحائض حكمها في جميع الأشياء نفس حكم الحائض طوال فترة بقاء الحيض، حتى تغتسل الغسل الذي يبيح لها الصلاة، وحتى تكون طاهرة بما يبيح وطء زوجها لها» (80).
«فقد ثبت أن المشركين وغيرهم ممن ورد النص بمنعهم، وهم الحائض حتى تزول حالة هذا الوصف، والتطهر منه. وكذلك النفساء حتى تطهر من النفاس، والجنب حتى يزيل الجنابة بالغسل، والأقلف من البالغين من الرجال حتى تزول عنه تلك الصفة، كل أولائك لا يدخل أحدهم مسجدا من المساجد إلا بعد الطهارة، وكذلك لا يدخل المصلى المتخد للصلاة، لأنه في حكم المسجد» (81).
الطهارة أصل والنجاسة عارض:
«فمعى، أنه يخرج في عامة معاني قول أصحابنا أن قول الواحد الثقة المأمون حجة في قوله في طهارة نجاسة قد تنجست ويمكن طهارتها، ونجاسة طهارة يمكن نجاستها.
ومعى، أنه يخرج أن يكون حجة في طهارة نجاسة ولا يكون حجة في نجاسة الطهارة، لأن الطهارة أولى من النجاسة، ولأن الإسلام أولى من الكفر، ولأن أصل الأشياء طاهرة حتى تصح نجاستها، ولأن النجاسة من الطهارات حادثة والطهارة أصلية» (82).
ثم بين أن حجية خبر الواحد في نجاسة الطاهر أو طهارة النجس يتعلق بأحكام الطمأنينة لا بأحكام القضاء التي لا يسع اختلافها (83).
الحكم في المسائل المشتبهات:
ذكر حرمة السباع من الدواب والنواشر من الطير، وأن علته أكلها النجاسات في الغالب، إذ «يكاد على أكثر الحال أن يكون أكلها النجاسات. فلما لزمتها الريبة من هذا الوجه، ولو صح عليها معنى أكل النجاسة لا يخلط معها غيرها للزمها حكم الجلاّلة والتحريم للحمها، والرجس لجميع ما فيها من معانيها من رطوباتها وجميع ما مست أو مسها من رطوبات. وكل مستراب يلزمه حكم الإشكال. وكل مشكول موقوف حتى يعلم ما يخرجه عن حال الإشكال إلى طهارة لا شك فيها، أو نجاسة لا شك فيها، فيثبت له حكم ما يصح فيه، فلزم هذه الدواب وهذا الطير من الصنفين ... حكم الإشكال والوقوف والكراهية لأكل لحومها، ... من غير أن يحكم عليه بنجاسة ولا تحريم. فإذا لم يوجد الطاهر الحلال بعينه ووجد هذا المشكل في هذه الحال والمحرمات النجسات بعينها، كان هذا الموقوف أولى من المحرمات وأطيب وأولى أن تستعمل في معانيه دون المحرمات والنجاسات» (84).
البناء على الأحوط:
سئل عن امرأة طلقها زوجها فحاضت الحيضة الثالثة، وكان حيضها عشرة أيام، فرأت الطهر بعد خمسة أيام، هل لزوجها أن يراجعها؟ قال: لا، ولا أحب أن تتزوج حتى تنقضي أيام حيضها (1/85)
صفحة 86
العشرة.
وكذا إن طهرت من حيضتها الثالثة ولم تجد الماء فتيممت بعد دخول وقت الصلاة، فلا يراجعها زوجها وهي أملك بنفسها. وإن أخرت الغسل أو التيمم لكي يراجعها زوجها فلا أرى أن يراجعها. (85).
اعتماد الأصول أولى من الاحتياط:
«فمن نال الحكم فقد أدرك حكم الأصول، ومن أخذ بحكم الأصول واستقام عليها كاد أن يقدر به على أداء كثير من أموره إن شاء الله تعالى. ولأن الدين يسر يعطيه الحق في إدراك حكم الأصول، توسعة ومساعدة على أداء ما افترضه الله عليه» (86).
الاحتياط جائز في مواضع السَّعة:
«فإن استعمل مستعمل معاني الاحتياط في مواضع ما ترجى فيه الفسحة في مواضع الاختيار فليس ذلك بضارّ، أن يستعمل الاحتياط عند الاختيار، ما لم يخف تولد المضار التي من أكثرها ضررا ترك الفرائض أو تأخيرها عن وقتها، وترك حضور الجماعات. والحكم عند الاضطرار وخوف تولد الأضرار» (87).
الموازنة بين قاعدتَي اليقين والاحتياط:
في مسائل الشك في النجاسة والأحداث يقول: «ويعجبني معنى الحكم في هذا ما لم يقع هنالك ما يشبه اليقين بذلك ويصير المبتلى بذلك إلى معنى وحكم مدافعة اليقين.
وكذلك عندي يخرج في مثل هذا إذا وجد شبه طعم الدم في فيه أو عرفه في أنفه، وأشبه هذا أيضا خروج الريح من دبره، أو بمعنى سواك كان يستاك به أو غيره، ولم يستيقن.
وكذلك عندي أن هذا يشبه ما خرج من الدبر أو من قُبل الرجل أو المرأة، فكل ذلك معي سواء. وهو عندي يخرج في معنى القولين، والأخذ بمعنى الحكم أقوى في معارضة الشيطان، والأخذ بالأحوط ما لم يخف في ذلك دخول الشك والوسواس عليه ...
ولكنه ربما كان من ترك الحكم وطلب المبالغة في الخروج من مثل هذا تولد عنده في نفسه الشك والوسواس الذي يخرج صاحب ذلك إلى معاني مفارقة الحكم والاحتياط من ترك الفرائض في وقتها، وترك حضور الجماعات، فضلا عن المشقة والحرج فيما لو تتبع ذلك في كل مرة، حتى تكونت عنده عادة عرف بها. وعندي أنه في هذه الحالة وحتى يقطع الشك عن نفسه فإنه يتبع الحكم الذي يبني على أساس اليقين واستبعاد معارضة الشيطان، لأنه لو أطاع هذه الوساوس لضاع عليه حضور الجماعات مع أهلها، وفاته مع ذلك لذة ما أدرك غيره ممن التزم الحكم وأخذ بالأحكام واستقام عليه ... (1/86)
صفحة 87
فيخرج عندي كل ذلك على معنى الحكم في جميع ذلك أنه على طهارته، لأن الأصل في الأحكام أن الأشياء على طهارتها، ما لم يثبت بالنظر غير ذلك. وعلى ذلك فإنه على معنى حكم الطهارة من وضوء أو غيره حتى يصح معه من ذلك ما لا يشك فيه. وليس عليه إذا أحس من ذلك معارضة الشيطان بمثل ذلك ولم يستيقن على شيء أن يشغل نفسه في ذلك بنظر ولا مس، وأحب أن يمضي على ما هو عليه حتى يستيقن» (88).
تطبيق مبدإ الاستصحاب في الولاية والبراءة:
لم يكتف الكدمي بتطبيق هذه القواعد على المجال الفقهي، بل توسع إلى موضوع العقيدة وقضايا الولاية والبراءة. وذلك أمر منطقي، فإن هذه القواعد تعتبر مبدءًا عاما في الاستدلال، ومنها قاعدة الاستصحاب: أي بقاء ما كان على ما كان حتى يرد سبب يغيره، إذ هي قائمة على أسس عقلية مشتركة بين الناس يستندون إليها في حِجاجهم ومناظراتهم، ويبنون عليها أحكامهم واستنتاجاتهم.
«فإذا ثبت معه أو عليه ولاية أحد بالرفيعة من جميع من قد ذكرنا، فلن يتحول عن ذلك، ولا يجوز له ترك ما لزمه من ذلك، حتى يصح معه ضد ما رفعا إليه من ولاية هذا الولي من حكم الحقيقة فيمن صحت فيه أحكام الحقيقة، أو في أحكام الظاهر بما لا يشك فيه. وما لم يصح معه صدق ما يثبت له وعليه من ولاية وليه. فكل هذا من برئ من وليه هذا الذي قد صحت معه ولايته بحق الحكم، فإنه مباح له البراءة ممن برئ من وليه هذا من بعد أن يعلم المبترئ من وليه أنه يتولاه، ولا يعلم أنه تولاه بغير الحق، واحتمل ولايته بوجه من وجوه الحق» (89).
القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير (90):
تحدث عن وجوب التبول بعد نزول المني من جماع أو احتلام، لإراقة ما في مجرى البول من بقية المني، وإذا ترك البول لعذر، ثم خرج منه المني بعد ذلك، فيرى عدم وجوب الغسل عليه، «لأنه لم يفرط في استبراء المني كما يستبرئ صاحب البول في بوله، ولأنه قد كان له العذر في أنه لم يجد البول عند الغسل، والمعذور مقبول عذره ولا يلزمه حكم التفريط على أي وجه من الوجوه، ولا في أي معنى من المعاني، لأن غسله من الجنابة تم على قدر احتياطه دون تفريط منه» (91).
الضرورة تقدر بقدرها وترتبط بموجبها:
«ومعى أن الحلال الطاهر في الأصل بكل حال ما بقي له اسم غير مستهلك في النجاسة، ذلك لأنه أولى من المحرمات في الأصل، ويحيي المضطرُّ من ذلك نفسه دون المحرمات في الأصل عندي. ما لم يغلب المحرم على المحلل فيستهلكه. فيصير حكمه حكمه، وينتقل إليه معناه واسمه، فهنالك يكون عندي مثله، فإذا صار مثله فبأيهما شاء أحيى نفسه إن كان مما يحيي ويعصم، وهو من النجاسات، وأما إذا كان مما لا يحيي ولا يعصم وهو من النجاسات التي أجمعوا عليها ولا يوجد عندهم اختلاف في نجاستها، فلا يجوز في حال اضطرار ولا غيره. لأنه إنما جاز الانتفاع بالمحرم لإحياء النفس به، فإذا كان هذا النجس لا يعصم ولا يحيي فهو على حاله من التحريم، ولا يجزيه أية (1/87)
صفحة 88
رخصة» (92).
وفي أحكام الجنب والحائض وأنهما ممنوعان من دخول المساجد، ذكر رخصة دخولهما إلا لعذر، ومن ذلك أن يكون ماء الاغتسال في المسجد، أو يمرا بالمسجد للحصول على الماء، «لأن ذلك شيء يلزمها فيه الضرورة، ولكن ذلك لا يجوز إلا بالتيمم بالصعيد لتصل إلى غايتها من الحصول على الماء الموجود في داخل المسجد ليتم لها الغسل» (93).
وكذا الرجل تصيبه الجنابة وهو في المسجد فيجب عليه الخروج حال علمه بها، إلا أن يكون له عذر من خوف على نفسه، أو توقع وقوع ضرر على ماله، أو دينه، أو ضرر من بردٍ أو حرٍّ أو مطرٍ، أو أي وجه من وجوه الضرورة (94).
من أوجه الضرورة كذلك التيمم عند توفر أسبابه، وهي عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، «وإذا لم تكن الحاجة إلى استعماله من خوف أو ضرر، ولكن يقوم عذر آخر يبيح استعماله، كصلاة العيد وصلاة الجنازة، إذا خيف فواتهما، أو خوف ضرر على الميت، بحيث لا يستدرك من فاتته صلاة العيد، أو رغب في صلاتها مع أهل الفضل من المسلمين مع إمام عادل، وما أشبه ذلك (95).
يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء (96):
أورد مسألة حدوث النجاسة على المتوضئ، وهل يلزمه غسلها قبل الوضوء أو مع الوضوء، أو غسلها ولا وضوء عليه، وذكر اتفاق الإباضية على انتقاض الوضوء بها، سواء خرجت من المتوضئ أم لامسته من غيره.
ثم تحدث عن مقدارها، وأن ثمة من يرى عدم نقضها إذا لم يكن الدم مسفوحا، وكان أقل من ظفر، فلا يفسد به الوضوء عند بعض الإباضية، والعلة «أن معارضة النجاسة للوضوء المتقدم يدرك فيه معاني الترخيص أكثر من تقدم النجاسة قبل الوضوء الجديد. وذلك شيء مفهوم، لأن معاني النقض في عامة الأشياء أقرب من بناء الأصول على الفاسد، وبناء الأصل على الفاسد يلحق معاني الإجماع بفساده أكثر من المعارضات الفاسدة له بعد ثبوته والعمل به على المستقبل من أموره ... وليس الماضي كالمستقبل في كثير من أحكام الإسلام مما يجري فيه الاختلاف» (97).
الأصلُ والبدَل لا يجتمعان، لأنَّ البَدَل يقوم مقام الأصل:
أورد أية الوضوء التي شرعت التيمم كذلك، وجعلته للمريض والمسافر، وذكر أن «المريض بمنزلة المسافر الذي لم يجد الماء، فالمريض الواجد للماء ولكنه غير قادر على استعماله بسبب مرضه فإنه يكون بذلك بمنزلة المسافر في ثبوت التيمم، وعليه في ذلك ما هو في معنى العذر، فإذا استحال عن حكم الغسل، ففي معنى الاتفاق أنه يجب عليه التيمم، فإذا ثبت عليه معنى الغسل على قول من يقول بذلك، وقدر على شيء منه كان الغسل قائما بحكمه في معنى الاتفاق، فإذا ثبت في البدن (1/88)
صفحة 89
شيء لا يمكن غسله كان في معنى الاعتبار والنظر أن ذلك عندي يخرج في معاني أحكامه على معنين:
أحدهما إذا ثبت عليه الغسل بأي وجه من الوجوه زال عنه حكم التيمم، إذ لا يجتمع عليه في مقام التكليف بالأمر الشرعي حكمان، وإنما هو مخاطب بواحد ... » (98).
ثم ذكر أن العذر إذا ثبت في غالب جسده، لحقه الأقل، فينتقل حكمه من الغسل إلى التيمم ولا يجتمع عليه غسل وتيمم معًا. (99).
وقضى بجواز وطء الحائض إذا طهرت وتيممت لعدم الماء، لأن التيمم يقوم مقام الغسل عند عدم الماء (100).
القاعدة الرابعة: لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال (101):
ذكر الاختلاف في الأكل من الرجس المحرم أو من الحلال المملوك للغير عند الضرورة لتنجية النفس من الهلاك، ورجح الأول لأنه لا ضمان فيه، والإثم مرفوع عن صاحبه، بخلاف أكل أموال الناس ففيه الضمان. ثم زاد توضيح القول الثاني الذي قضى أن ليس لهذا المضطر أن يأكل الرجس المحرم عندما يجد الطاهر الحلال، لأنه لو وجد أرباب الأموال فباعوا له من أموالهم ما يحيي به نفسه ويتعوض به من الضرورة بعدل السعر، أو بأكثر من عدل السعر لم يكن له أن يأكل من المحرمات الرجس، وكان عليه أن يشتري بقدر ما يحيي به نفسه، ولا يثبت عليه في حال الضرورة إلا عدل السعر، ولو اشتط عليه البائع فباعه بأكثر من عدل السعر كان ذلك مردودا إلى عدل السعر، لأن الاحتكار حرام، والمحتكر ملعون، والاحتكار داخل في الضرر والقاعدة أن لا ضرر ولا ضرار (102).
الموازنة بين الرخص الشرعية عند الضرورة:
«ومعي أنه قد قيل: إنه إذا وجد المضطر شيئا من المحرمات مما يعصم ويحيي، وشيئا من أموال الناس الحرام الذي لا يحل له بوجه من الوجوه الحلال من بيع ولا هبة، ولا دليل على أنه يحيي نفسه من المحرم المباح من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أشبهه، ولا يأكل من أموال الناس، لأن هذا مباح ولا يلزمه الضمان، وهذا يلزمه فيه الضمان. وجميعهما محجوران إلا عند الضرورة، فهذا عند الضرورة مباح، لا يتعلق عليه فيه حكم، وهذا يتعلق فيه الحكم والضمان.
ومعي أنه قد قيل: إن شاء أحيى نفسه من هذا، ولا تبعة عليه. وإن شاء أحيى نفسه من هذا كله، ودان بما يلزمه من الضمان. والأفضل له أن يختار ما يتعلق عليه فيه حكم، حتى لا يقع عليه الحكم والضمان معًا» (103).
فإن الكدمي يوازن هنا بين الخيارين، موضِّحًا أن الأفضل اجتناب ما فيه ضمان المال، لأنه أقل كلفة على الإنسان. بيد أنه في المقام السابق مال إلى ترجيح تنجية الإنسان نفسه من الهلاك بمال (1/89)
صفحة 90
الغير قبل اللجوء إلى أكل الميتة والنجاسات. ثم قال غير ذلك هنا. والمسألة بحاجة إلى تحقيق لمعرفة رأيه الأخير في القضية.
الخطأ والضمان:
الخطأ يرفع الإثم والعقوبة لا الضمان، وشرطه:
ذكر أن الوطء يوجب الغسل عمدًا كان أم خطأ، ويوجب إحلال المطلقة ثلاثا، ولكنه لا يوجب الحد في الزنا إذا كان خطأ. «لأن الخطأ لا يوجب معاني العقوبة، وإن كان يوجب معاني ما يثبت به من الأحكام في غير معاني العقوبة» (104).
تحدث عن الضمان في ثنايا بيان أحكام الفتوى، وأن العالِم إن أصاب أُجر، وإن أخطأ لم يأثم، وأما إن كان جاهلا فخطؤه غير مرفوع، وهو ضامن لما أحدثه خطؤه من ضرر في الأبدان والأموال.
والحاكم والعالم في هذا سيان، فلا هلكة عليهما ولا ضمان. ولكن إذا أحلّ حراما مجمعًا عليه أو حرّم حلالا مجمعا عليه، فهو ضامن. (105).
لا يضيع مالٌ في الإسلام:
إذا خالف الحاكم الحق المجمع عليه فهو ضامن، وللمحكوم عليه الرجوع على الحاكم أو المحكوم له لاقتضاء حقه وماله.
ولكن إذا كان خطأ الحاكم مرفوعا، بأن حكم حسب علمه، ولم يفرط، وأتلف بذلك مالا، فإنه لا يضمنه، ولكن لا يضيع المال في أحكام الإسلام، ويكون خطأ ذلك الحاكم في بيت مال الله، وعلى الإمام إن صدقه في ذلك وائتمنه على ذلك أن يؤدي عنه من بيت مال الله، فإن لم يكن بيت المال، كان بمنزلة قتل الخطإ ولكن لا تتحمله العاقلة، بل له أن يأخذ من الزكاة في ذلك ويغرم ولو كان غنيا (106).
وهذا نظر سديد في رعاية حقوق الناس والحفاظ على أموالهم أن تهدر، ولو كان ذلك بمسوغ شرعي، فإن المال مصون لا يبيحه إلا رضا صاحبه كما نص عليه القرآن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [سورة النساء:29].
القاعدة الخامسة: العادة محكّمة (107):
«وقد يخرج في معنى الاطمئنان والتعارف وما تجري به العادات ما يشبه معنى الحكم الثابت في الأصول، فتصبح بذلك العادات والتعارف في معنى ما يثبت الأحكام الثابتة» (108). ومثل ذلك رجل وامرأتان ثبت بينهما معاشرة ومساكنة، وكان بينهما ما يشبه التزويج والصلة القائمة بين الزوجين، وكلاهما موقن أنه لا يقيم مثل تلك العلاقة إلاَّ مع زوج شرعي. فعارض الزوج شكٌّ في حكم هذه الزوجية، ولم يعلم كيف كان التزويج، ولا من أي وجه تمّ ذلك، ولا من زوَّجه، وربما قام له عارض وشك بأن تلك المرأة أخته من الرضاع أو أمه من الرضاع، أو من سائر ذوات (1/90)
صفحة 91
محارمه، بسبب رحم أو نسب أو صهر. فهذا الشك لا يلتفت إليه ويجري التعارف المعهود في معنى الأصل من كونها زوجته ولا يستريب في ذلك. «فكان حكم الأغلب والتعارف والاطمئنان فيما تجري به أمور عامة الناس، ذلك لأن هذا هو الأغلب والجائز والمعمول به، دون ثبوت الأحكام عليهم في مثل هذا. وكذلك ما أشبهه ونزِّل بمنزلته من جميع الأحكام والحقوق من الأموال التي في يده إذا نص [كذا] نفسه إلى معرفتها من أين اكتسبها وأصابها بعد أن لم تكن في يده ... » (109).
ثم ضرب أمثلة عديدة، وشرحها، وختم ذلك بأن «كل ذلك معناه واحد، وهو أنه بمنزلة الزوجة والجارية التي يطؤها، والعبيد الذين ملكهم، فيستخدمهم، فكل ذلك سواء على معنى ما وصفت لك، فانظر في معاني هذه الأحكام كيف تثبت في معنى القضاء والاطمئنان بتحليل الحلال، أو في معنى حكم الاسترابة والإشكال في معنى الحرام كيف حل الحرام في مواضع، وحرم الحلال في مواضع، على غير معنى ارتكاب الحرام، ولا في معنى تحريم الحلال. وجواز ذلك في معنى أحكام الإسلام، إذا أتى ذلك كله من وجه معناه، وليس كل الأمور محمولة على هذا، فبعضها يعطى معنى أحكامه على معانٍ أخرى، وجهل علم الأصول ونسيانها أهون وأوسع من جهل أحكامها إذا كان ذاكرا أو عالما بأصولها، لأن جهل الحكم أشد من جهل الأصل الذي يوجب الحكم، فافهم معاني ذلك إن شاء الله» (110).
وهذه قاعدة مهمة في مجال الفقه، إذ يلزم المكلف معرفة الحكم والعمل به، وأن هذا حكم الله وشرعه، وأما معرفة أصول الأحكام وأدلتها فليس ذلك في مقدور كل المكلفين. وهو أمر موكول إلى العلماء والمختصين، ولذلك شرع سؤال أهل الذكر لمعرفة الحكم دون الإلزام بمعرفة أساسه ودليله.
العرف وأثره على الأحكام:
تحدث عن بيع العذرة والخلاف في ذلك، فمن أجازها نظر إلى منفعتها لتسميد الأرض واشترط لذلك اختلاطها بتراب الأرض وما أشبه ذلك، ومن حرمها نظر إلى نجاستها. ثم حكّم العرف في أن الناس يتملكونها وينتفعون بها، «وهذا لم يزل عليه الناس أن يتخذوا ذلك من البواليع والكنف، وينتفعون بها، ولا يخرج ذلك على معاني الإباحة لغير متخذه ومالكه، في معاني التعارف بينهم، حتى يخرج منه مخرج الإباحة والترك» (111).
وميّز في المسألة بين الشيء الذي عرضت له النجاسة، فيقع فيه الخلاف المذكور في العذرة، وبين الشيء المتنجس أصلا كالخنزير والميتة التي لا يجوز تملكها ولا الانتفاع بها إلا على سبيل الضرورة للتنجية، فهذه لا يجوز بيعها اتفاقا (112). (1/91)
صفحة 92
بناء الأحكام على الأسماء:
في موضوع الطهارات ذكر الاختلاف في الطاهرات التي خالطها نجس، «فكله يجري فيه معاني الاختلاف من جميع ما تدركه طهارته بحيلة، أو لا تدرك طهارته ما لم يثبت نقلها عن الاسم والحكم عن معنى الطهارة، إلى أن تستولي عليه أحكام النجاسة فينتقل اسمه وحكمه» (113).
وفي لزوم الغسل من الجماع، قال: «معي أن ثبوت الغسل بمعنى الجماع إذا غابت الحشفة في جميع ذوات الأرواح، حلالا كان أو حراما، لا مع بني آدم ولا مع الدواب، لأن ما يوجب الحد أولى أن يوجب الغسل، وكذلك يجب الغسل بمباشرة إيلاج الحشفة في أي نوع من البشر، أنثى أو ذكر، في قُبل أو دبر، أو الأطفال أو البالغين» (114).
«والزوجية لا تنعقد إلا لذكر على أنثى، فما لم يصح أن الزوج ذكر والزوجة أنثى لم ينعقد حكم الزوجية في الميراث، لأن ذلك عندي نقل الأموال عن مواضعها من ثبوت المواريث لأهلها على حكم الشبهة والإشكال، ولا يجوز نقل الأحكام عن مواضعها عندي إلا على ثبوت حكم مثله، وليس فيه شبهة ولا إشكال» (115).
وأوضح عدم صحة زواج الخنثى، سواء بذكر أو بأنثى أو بخنثى مثله. «لأن في ذلك إطلاق الموقوف من الأحكام، لأنه كل مشكوك موقوف، وما كان حكمه موقوفا فلا ينبغي إطلاقه في فتيا ولا حكم» (116).
وفي موضع آخر بين حكم ميراث الزوجين إن كان أحدهما خنثى، بناء على منعه هذا الزواج، فإنه لا ميراث بينهما، والميت منهما «ليس له ميراث على حال، وعلى ميراث الإشكال يكون له ربع ميراث الزوجة وربع ميراث الزوج» (117).
وقال «يمكن تلخيص القول فيها أن الخنثى يمكن أن نحتاط في حكم تصرفاته، لأنه يشتبه فيه بين الذكورة والأنوثة، فحكمه الوقوف عن إجراء التصرفات التي قد تضر في حالة ما إذا كانا ذكرين أو أنثيين. أما إذا ظهرت من علامات الذكورة ما يجزم بأن الخنثى يقرب من أن يشبه الذكر فيعامل معاملة الذكر، وإن ظهر من علامات الأنوثة كالحيض ما يجزم بأن يقرب من أن يشبه الأنثى فيعامل معاملة الأنثى» (118).
تتغيَّر الأحكام بتغيُّر الأسماء والأحوال:
ذكر عدم جواز الانتفاع بالنجاسات وحرمة بيعها وهبتها، ولكن إذا تبدل وصفها تغير حكمها، «وأما إذا كان يخرج في معانيه أنه يصح منه الانتفاع بما يجوز في الأصل ويدرك في بعض القول تطهيره، أو ينتفع به لإطعام دواب أو أطفال، ويلحق الانتفاع به في أكل أو شرب في بعض ما يجوز من قول أهل العلم، فالبيع له جائز، والشراء له جائز، والبائع والمشتري فيه سواء» (119).
الحكم للأغلب من الأحوال:
وفرّق بين الحكم وبين الاحتياط في أمر النجاسات، فإذا شك المرء في نجاسة ثوبه احتاط بغسله (1/92)
صفحة 93
لرفع الإشكال، لأنه مطلوب منه شرعا التحرز والتوقي من النجس، ولكن ليس الأمر على إطلاقه، فإن «هذا القول مبني على أن يقدم الأغلب من أمره، فإن كان في أغلب أحواله يجد شيئا، فوجب عليه النظر للتأكد. وإن لم يكن غالب أحواله كذلك، أي أنه لا يجد شيئا فلا عليه. وما صحّ على الأصول فهو عندي أقوى وأولى، والاحتياط يكون عند الاختيار» (120).
وفي الحديث عن ذكاة الحيوانات البرمائية، قال: «فما كان الأغلب من أموره وعيشته البر كان حكمه حكم صيد البر، وكان دمه دم صيد البر مسفوحا، فإن صح له أنه يعيش في البر والبحر أو الماء، كان على الاحتياط أن دمه فاسد» (121).
العبرة للغالب الشائع لا للنادر (122):
والحكم بالنظر إلى الغالب:
«وأما ما كان أصلها طاهرا فعارضته النجاسة، فلم يخرج مخرجه مستهلَكًا فيها، وتغلب عليه أحكامها حتى لا يكون له حكم فيها، فيخرج عندي معناه معنى الاختلاف في بيع ذلك والانتفاع به، من إطعام الدواب والأطفال والانتفاع به فيما يجوز من جميع ذلك، ولا يجوز عندي أن يكون مثل ذلك من الاختلاف في مثل الخمر والميتة ولحم الخنزير، وما أشبهه أن يطعم شيئا من الدواب ولا شيئا من الأطفال. ولا يباع ولا ينتفع به بحال، إلا في حال ما خصه من الضرورات
» (123).
قواعد متفرقة:
ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب:
ذكر الخلاف حول جواز الوضوء عاريا، ورجح جوازه حيث يكون المرء مستورا عن أعين الناس، ويطمئن إلى أنه يأخذ ثيابه ولا يراه أحد، فمع مراعاة هذه الشروط ينعقد وضوءه، ولكن إذا رآه أحد كان آثما وانتقض وضوؤه.
بينما يرى البعض أن وضوءه لا ينعقد حتى يتمه ويأخذ ثيابه ويَسْلَم من انكشافه لأحد. كالمجامع في رمضان، يجوز له ذلك حتى يضيق الوقت للاغتسال، فيحرم الوطء حينئذ، بناء على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فكان النزع بمدة كافية للاغتسال قبل الفجر واجبا، حتى يتم به أداء الصيام الواجب بطهارة، وعدم الدخول في الصيام بحدث الجنابة.
ثم رجح عدم تشابه هذه الحالة مع الوضوء، فإنه ينعقد دون اشتراط إتمام لبس الثياب، ولكن إذا حدث انكشاف المتوضئ لغيره، انتقض وضوؤه المنعقد، كما ينتقض بسائر الأحداث. ولزمه وضوء جديد (124).
ما حرم أخذه حرم إعطاؤه (125):
ما حرم فعله حرم طلبه (126): (1/93)
صفحة 94
ورد في كلام الكدمي ما يدل على اعتماد هاتين القاعدتين، في باب الطهارات، -وهو غالب ما نجا من كتاب المعتبر- إذ يقول: عن الأشياء إذا تنجست ولم يوجد وجه لتطهيرها فإنها تدفن «ولا يطعم شيء منها الدواب، ولا أحدا من الناس صغيرا ولا كبيرا، ولا بياع، ولعله يخرج في معاني ذلك أنه لا يوهب، إلا أنه إذا ثبت أنه لا ينتفع بها بوجه بطل بيعها وهبتها. وكانت لا تقع عليها الأملاك، وهي باطل متروكة» (127).
ثم ذكر قولا بجواز إطعامها الدواب، ورد عليه قائلا: «إن ذلك إثم محرم، ولا يطعم المحرم أحدًا من الخلق، وأنه وإن كانت الدابة ليست آثمة، ولا النجاسة عليها محرمة، فإن الإنسان محجور عليه الإثم والحرام، أن ينتفع به أو أن يعين على الانتفاع به» (128).
وذكر ثانية القول بجواز إطعامها الحيوان، أو الأطفال الصغار، «ومن لا إثم عليه، لأن ذلك يقع لهم موقع النفع، وليس معي عليهم فيه مضرة، ولا إثم عليه، ولا يبيعه البالغ ولا ينتفع بثمنه ... وإذا ثبت أنه لا يبيعه فلا يبيعه لأهل الذمة ولا لأهل الإسلام لأن ذلك مخالط للحرام، ولا يجوز بيع الحرام والحلال بصفقة واحدة، ولأن بيع الحلال والحرام في صفقة واحدة كله حرام» (129).
لا ينبني على الفاسد حكم:
ذكر اختلاف الأقوال في حكم الوضوء إذا بقي على جسد المتوضئ نجاسة، ولم يمسها بيده، فيغسلها بواسطة أو يغسلها عنه غيره. فهل ينتقض وضوؤه في هذه الحال؟ فمن قال بصحته قال بعدم نقض وضوء من تنجَّسَ في غير مواضع وضوئه، وقال من قال: إن تجديد الوضوء على النجاسة المتقدمة أشد، ولا يجوز الوضوء إلا بعد طهارتها، «لأن الترخيص في بقاء الوضوء إذا عرض له النجس أكثر من بناء الوضوء على نجاسة، وذلك حملاً على أن الأصول لا تنبني على فاسد» (130).
التعليلُ وقياس الشبه في النجاسات:
ذكر أن حجة من قال بنجاسة فرث الحيوان قوله تعالى: {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ} [سورة النحل: 66]. فكان الفرث والدم مشتبهين في هذا المعنى وهو النجاسة.
ومن قال بطهارته فسر الآية بأن اللبن يخرج من بين شيئين مختلفين، كل واحد منهما لون، واللبن خاص مخالف لهما في اللون والطعم (131).
وفي موضع آخر ذكر نجاسة بول الإنسان وسائر الحيوان، واستشهد بقوله تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [سورة النحل: 5] معقبا بقوله: «ولا تكون المنافع مضارًّا، ولولا ما قد سبق من قول أصحابنا في اتفاق معاني قولهم على فساد بول الأنعام لأشبه أن تكون كلها في حياتها وبعد ذكاتها منافع. وطاهرة في معاني ثبوت طهارتها، في معاني الإجماع إلا بكتاب الله في جميعها وهو الدم. ويشبه ما اتفقوا عليه بالطهارة منها بإذنهما جميعا من غيرها، ولم يوجد من قولهم ما يشبه هذا في غيرها. وإنما وجدناهم يفسدون الروث في موضع ما يفسدون البول من (1/94)
صفحة 95
جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، إلا في هذه الدواب التي تكون في الرياح، والبحر ذكية. فوجدناهم قد اتفقوا على التفريق بين أبوالها وأرواثها وأبعارها، فطهروا أبعارها وأرواثها وأفسدوا أبوالها من الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال وما أشبهها.
وأما في القياس فقد يلزم أن يكون مثلا غيرها من الدواب من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية من جميع ما يكون بالذبح تذكية، ما عدا المحرمات الأصلية، كانت ذكية أو غير ذكية في شبه ما لحقها في اتفاقهم من فساد أبوالها وأرواثها سواء، كما لا فرق بينها وبين غيرها من الدواب بالاتفاق في فساد أبوالها وأرواثها، فتكون هذه كلها طاهرة.
ولكنا ندع القياس ونتبع معاني اتفاقهم على الانقياد في إثبات الدين رأيا ولا الدين رأيا، بوجه من الوجوه جهل ذلك، لأن ذلك ما لم يأذن به الله» (132).
كما نجد مثالا آخر لقياس الشبه: وهو قرد البحر وخنزيره، إذ يقول فيهما: «ومعي أنه قد قيل على معنى الاشتباه: إن قرد البحر وخنزيره وما أشبه منه المحرمات من ذوات البر، لحقه التحريم بالشبه والاسم، وإن كان ذلك ليس بصيد.
وكذلك ما أشبه المكروهات من ذوات البرية لحقه معنى الكراهية، وما أشبه المحللات من ذوات البر كان محللا.
وإذا ثبت هذا القول في هذه المعاني أنه إنما يلحقه معاني الشبه في التحريم والكراهية والتحليل، لحقه عند ذلك من معاني الشبه في الذكاة وفساد الدم ومعاني الميتة، لأن ما تشابه بمعنى هذا تشابه في الأحكام فيما سواه» (133).
الشَّبه لا يستلزم تساوي الأحكام ضرورةً:
ثم ذكر في مقام آخر أن الشبه الصوري لا يقتضي القياس بالضرورة، لاختلاف موجب الحكم بين الصور المتشابهة، ومثّل لذلك بالنطفة الميتة، فإنها لا تستلزم الغسل مثل النطفة الحية الدافقة، وكذلك دم الاستحاضة لا يستلزم أحكام دم الحيض، رغم التشابه بينهما. إذ «ليس كل ما أشبه الشيء بمعنى أنه أشبهه في جميع المعاني، والنطفة الميتة أشبهت المنيَّ في ثبوت الاستنجاء ونقض الوضوء، ولكنها لا تشبهه في ثبوت الغسل، ولا في معاني لزوم الأحكام في البلوغ. كما أن دم الاستحاضة يشبه دم الحيض في نقض الوضوء، ويشبهه أيضا في الاستنجاء منه. وكذلك يشبهه في الاغتسال عند قول بعض من قال بذلك، وبعد ذلك لا يشبه دم الاستحاضة دم الحيض في جميع الأحكام» (134).
الشهادة حُجَّة ظاهرة:
يقول: «وإن رد الحاكم شهادة الحجة من العدول بعد قيامها لموضع ما قد غاب عنه من صدقها وكذبها، واحتمل عنده من ذلك بالحق، كان بذلك للحق من المعطلين، وكان بذلك عند الله في (1/95)
صفحة 96
دينه من المبطلين، ولو كان الشاهدان عند الله في سريرتهما قد شهدا باطلا وكذبًا، فلا يجوز للحاكم أن يترك الحجة بعد قيامها عليه، ولا يشهد بمثل ما شهدت به الحجة على المشهود عليه، ولا يعتقد صدق الشهود ولا حقيقة ذلك، وإنما تقبل الحجة إذ هي في دين الله حجة» (135).
الخاتمة:
تُجلي لنا هذه الصفحات صورة من منهج الإمام الكدمي في اجتهاده القائم على الأصول الشرعية وتوظيف القواعد الفقهية في شتى المسائل التي تناولها، وهي وإن لم تكن شاملة لأبواب الفقه، نظرا لفقدان معظم أجزاء الكتاب، فإن الجزء الناجي من عوادي الزمان يعبر بوضوح عن حضور القواعد وطريقة توظيفها عند هذا الإمام الجليل.
ولئن لم يعن بتحرير القواعد بصورتها الدقيقة فقد نص على كثير منها، كما وظفها بمفهومها بطريقة دقيقة، فضلا عن كونه في فترة متقدمة بالنسبة لتطور تدوين القواعد عند فقهاء المسلمين.
ولعل الأيام تكشف عن ما ضاع من هذا التراث لتتم الاستفادة منه وإنارة السبيل أمام الأجيال لتقدير جهود العلماء السالفين، والاسترشاد باجتهاداتهم لحل كثير من مشكلات المعاصرين، فقد كان لهم استشراف وحدس دقيق للوقائع الممكنة، فسعوا لإيجاد الحلول المناسبة لها بما يجعلها تستظل بظل الشريعة ولا تند عن أحكام الله. وتلك خلاصة دور المجتهدين، ورسالتهم في صياغة المجتمع وفق دستور الإسلام وما شرعه الله للناس من أحكام.
والحمد لله رب العالمين
--------------------
الهوامش
(1) - البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان بسيرة أهل عمان، ج1، ص282.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - محمد بن روح بن عربي (أبو عبد الله) (ق: 3 و 4هـ).
هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي الكندي النزوي، هو من أهل سمد نزوى وعلمائها الكبار، وزعيم النزوانية.
عاش زمن استيلاء العباسيين لعمان أول مرة، وشهد أحداث القرامطة بها. من شيوخه: أبو الحواري محمد بن الحواري، والشيخ مالك بن غسان بن خليد، وغيرهما من مشايخ نزوى ونواحيها. ومن تلاميذه: الشيخ أبو سعيد الكدمي.
من معاصريه محمد بن سعيد بن أبي بكر، وأبو الحسن محمد بن الحسن، وعمر بن محمد بن عمر الذي كان يكاتبه في قضايا العصر وشؤونه. وقف عن موسى بن موسى وراشد بن النضر، في خروجهما على الإمام الصلت بن مالك. (1/96)
صفحة 97
من آثاره رسالة في ذكر الأئمة المنصوبين في عمان بعد خلع الإمام الصلت. و له أقوال فقهية كثيرة أثبتها من جاء بعده من العلماء.
ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم:1163. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: -بيان الشرع، 4/ 363. 21/ 144. 37/ 114. - الإهداء، مقدمة، 10. - سيرة ابن مداد، 15. -الشعاع الشائع، 62. - إتحاف الأعيان، 1/ 210 - 213. - أصدق المناهج، 55. - الجامع، 1/ 402. - دليل أعلام عمان، 145،146. - فواكه العلوم، 1/ 246.
(4) - رمشقي بن راشد (أبو عثمان)، من علماء القرن الرابع الهجري، ذكره الشيخ السيابي في الطبقة الخامسة.
كان واحدا من أهل الحل والعقد في زمانه. شارك في تنصيب الإمام راشد بن الوليد على الدفاع.
كان معاصرا لأبي عبد الله محمد بن روح، وأبي الحسن محمد بن الحسن وأبي محمد عبد الله بن بركة.
ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم:369. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: - بيان الشرع، 2/ 295؛ 4/ 212. - منهج الطالبين، 1/ 625. - أصدق المناهج، 55. - دليل أعلام عمان، 67.
(5) - محمد بن أبي الحسن النزواني (ق: 4هـ) من علماء القرن الرابع الهجري.
عاصر ابن بركة و أبا سعيد الكدمي، وأبا عبد الله محمد بن روح، و غيرهم من المشايخ. يبدو أنه كان رستاقي الاتجاه في مسألة الصلت و راشد. تتلمذ على يديه أبو الحسن علي بن محمد البسيوي. يقول الشيخ أحمد السيابي: إنه المحشي على جامع أبي جعفر ... . ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم:1089. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: -سيرة ابن مداد، 24. -كشف الغمة، 475.
(6) - سعيد بن عبد الله الرحيلي أبو القاسم (ت: 328هـ)
هو الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي، عالم من عائلة العلم والفقه فقد كان جده محبوب من حملة العلم من البصرة إلى عمان، وكان أبوه وجده من أشهر العلماء في القرن الثالث الهجري، وكان منزلهم بصحار من باطنة عمان.
بويع الإمام سعيد على الدفاع سنة 320هـ، بعد سنين طويلة من الحكم العباسي، وقد بايعه الشيخ الحواري بن عثمان، وعبد الله محمد بن أبي المؤثر وغيرهما. وسار في الرعية سيرة الحق والعدل حتى قال عنه الشيخ أبو محمد بن أبي المؤثر" أنه لا يعلم أحد أفضل وأعدل في عمان من سعيد بن عبد الله إلا أن يكون الجلندى بن مسعود. توفي قتيلا بمعركة مناتي سنة 328هـ.
ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم: 513. (نسخة إلكترونية). (1/97)
صفحة 98
واعتمد هذه المصادر: -كشف الغمة، 477 - 478. - الفتح المبين، 211. -تحفة الأعيان، 1/ 192 - 195.
اللمعة المرضية، 19. - منهج الطالبين، 1/ 631. -دليل أعلام عمان، 80.
(7) - الاستقامة، ج2، ص98.
(8) - المصدر نفسه.
(9) - الشيخ أحمد السيابي، المرجع السابق، ص 18.
(10) - لعل من تلامذته: عبد الله بن محمد أبو محمود (ق: 4هـ).
هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن زنباع، من علماء القرن الرابع الهجري.
يبدو أنه تعلم على يد الشيخ أبي سعيد الكدمي، إذ كان يقيد عنه العلم و يسأله في شؤون الفقه و المعرفة.
ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم:815. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: بيان الشرع، 36/ 223، 37/ 95، 40/ 430، 444. - سيرة ابن مداد، 14. -إتحاف الأعيان، 1/ 435.
(11) - ينظر ترجمة الكدمي مفصلة في البحوث المقدمة لندوة: قراءة في فكر الإمام الكدمي، المنتدى الأدبي، وزارة التراث القومي والثقافة، أيام 11 - 12 صفر 1421هـ 15 - 16 مايو2000م. الطبعة الأولى، 1422هـ/2001م. وبخاصة بحث: الشيخ أحمد بن سعود السيابي، الإمام أبو سعيد الكدمي، حياته وفكره. - وبحث الشيخ ناصر بن سليمان السابعي، كتاب الاستقامة للإمام أبي سعيد الكدمي، تحليل ودراسة. - وبحث الدكتور الطاهر محمد الدردير، كتاب الزيادة على كتاب الإشراف للعلامة أبي سعيد الكدمي. دراسة مقارنة ..
كما وردت ترجمته وافية في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم: 1178. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: الجامع، 1/ 71،156،194. - المنهج، 1/ 224. - اللمعة المرضية، 21. - أصدق المناهج، 54. - المصنف، 3/ 189،268،411. - الإباضية في مصر، 69،55،172. - تحفة الأعيان، 1/ 194. - إتحاف الأعيان، 1/ 219. - دليل أعلام عمان، 146.
(12) - السالمي، نورالدين عبد الله بن حميد، مشارق أنوار العقول، ج1، ص15.
(13) - الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق، ص19.
(14) - الشيخ أحمد الخليلي، التأصيل الفقهي عند أبي سعيد الكدمي، ضمن بحوث ندوة "قراءة في فكر الإمام الكدمي" ص51.
(15) - راشد بن النضر الفجحي اليحمدي (ت: 285هـ).
سار مع موسى بن موسى في عزل الصلت بن مالك بعدما كبر وضعف، فعزله موسى بن موسى (1/98)
صفحة 99
وولى راشد بن النضر إماما سنة 273هـ. مما أثار افتراق أهل عمان إلى فرقتين رستاقية بقيادة ابن بركة ونزوانية بقيادة أبي سعيد الكدمي. إلى أن جاء الإمام ناصر بن مرشد فوضع حدا لهذه التفرقة ووحد القلوب. وعرفت عمان في عهده كثيرا من الفتن والقلاقل.
وردت ترجمته مفصلة في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم: 335. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: -تحفة الأعيان، 1/ 204، فما بعدها. - الشعاع الشائع، 36، 52. - غرس الصواب. عمان عبر التاريخ، 2/ 199، 210، 213. - كشف الغمة، 264. الفتح المبين، 232. - دليل أعلام عمان، 68.
(16) - الكدمي، الاستقامة، ج1، ص12.
(17) - الكدمي، المعتبر، مقدمة الشيخ أحمد الخليلي، ج1، ص5.
(18) - ولم نتمكن من الاطلاع على أصل المخطوط، وقد أخبرني الدكتور سليم آل ثاني أنه سيتناوله ضمن بحثه "مقاصد الشريعة عند الكدمي من خلال كتابه زيادات الإشراف". كما قدم الدكتور محمد الطاهر الدرديري بحثا إلى ندوة" قراءة في فكر الإمام أبي سعيد الكدمي، بعنوان كتاب الزيادة على كتاب الإشراف للعلامة أبي سعيد الكدمي. دراسة مقارنة. تناول مضمون الكتاب بإيجاز.
(19) - السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، ص 21.
(20) - الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق، ص 31.
(21) - الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق، 31 - 32.
(22) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص155.
(23) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص181.
(24) - ورد في الأصل: تخوف، والصواب: تحريف.
(25) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 210.
(26) - الشيخ أحمد الخليلي، مرجع سابق، ص51 - 52.
(27) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص46.
(28) - أخرجه البخاري من طريق أبي هريرة، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، حديث 618.
(29) - ينظر تفصيل المسألة والأقوال: الكدمي، المعتبر، ج4، ص66 - 67
(30) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص31.
(31) -الشيخ أحمد الخليلي، مرجع سابق، ص65.
(32) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 48.
(33) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 48. (1/99)
صفحة 100
(34) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص6.
(35) - الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق، ص 20
(36) - ينظر تفصيل المسألة في كتب الأصول في مباحث الإجماع.
(37) - الجرجاني، التعريفات، ص 219.
(38) - د. محمد عثمان شبير، القواعد الكلية والضوابط الفقهية في الشريعة الإسلامية، ص12. نقلا عن: الكليات للكوفي، 4/ 48.
(39) - هو تعريف الحموي على كتاب الأشباه والنظائر. ينظر: مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص965.
(40) - مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص965.
(41) - مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص967.
(42) - د. صالح بن غانم السدلان، القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص37.
(43) - د. صالح بن غانم السدلان، القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص38.
(44) - د. صالح بن غانم السدلان، القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص38.
(45) - مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص969.
(46) - رواه أبو داود، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، حديث 2341. عن طريق ابن عباس.
(47) - مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص965. وينظر فيه تفصيل الحديث عن نشأة القواعد الفقهية وأقدم الروايات الواردة في ذلك.
(48) - مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص971.
وهذه أهم كتب القواعد الفقهية حسب تسلسلها التاريخي:
1 - أصول الكرخي، (340هـ) حنفي.
2 - أصول الفتيا لمحمد بن الحارث الخشني، (361هـ) مالكي.
3 - تأسيس النظر للدبوسي، (430هـ) حنفي.
4 - قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام، (660هـ) شافعي.
5 - الفروق للقرافي، (684هـ) مالكي.
6 - الأشباه والنظائر لابن الوكيل، (716هـ) شافعي.
7 - القواعد النورانية الفقهية، لابن تيمية، (728هـ) حنبلي.
8 - القواعد للمقّري التلمساني (758هـ) مالكي.
9 - الأشباه والنظائر لابن السبكي، (771هـ) شافعي.
10 - المنثور في القواعد للزركشي، (794هـ) شافعي. (1/100)
صفحة 101
11 - القواعد لابن رجب (795هـ) حنبلي.
12 - القواعد الكلية والضوابط الفقهية، لابن عبد الهادي، (909هـ) حنبلي.
13 - الأشباه والنظائر للسيوطي، (911هـ) شافعي.
14 - إيضاح المسالك للونشريسي، (914هـ) مالكي.
15 - الأشباه والنظائر لابن نجيم، (970هـ) حنفي.
16 - قواعد مجلة الأحكام العدلية (1292هـ) حنفي.
17 - قواعد مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد، لأحمد القاري (1359هـ) حنبلي.
18 - شرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقاء. حنفي.
ينظر تفصيل الموضوع: القواعد الفقهية، مفهومها، نشأتها، تطورها، دراسة مؤلفاتها، علي أحمد الندوي.
(49) - ينظر: السالمي، شرح طلعة الشمس.
ومن الباحثين من جمع القواعد الفقهية من كتاب الإيضاح، وتصلح موضوعا لرسالة جامعية. نظرا لحجمها المعتبر.
كما يقوم الأستاذ مصطفى حمو رشوم بإعداد أطروحة دكتوراه في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة في الجزائر، بعنوان "القواعد الفقهية عند الإباضية".
(50) - سبق تخريجه.
(51) - الصواب أن النبي (قضى بأن البينة على المدعي واليمين على المدعَى عليه. أما رواية قولية عنه بذلك ففيها مقال. ينظر: البخاري، كتاب الرهن، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن وغيره. - سنن الترمذي، كتاب الأحكام عن رسول الله، باب ما جاء في ان البينة على المدعي واليمين على المدعَى عليه. حديث رقم1341.
(52) - وردت هذه القاعدة في المادة 2 من مجلة الأحكام العدلية.
(53) - رواه الربيع بن حبيب في مسنده عن ابن عباس، باب في النية، حديث رقم 1 .. وروته كتب السنة كلها عن عمر بن الخطاب، - ينظر: صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، حديث رقم1.
(54) - يقول ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث "إنما الأعمال بالنيات": «وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث: قال أبو عبد الله: ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث. واتفق عبد
الرحمن بن مهدي والشافعي ... على أنه ثلث الإسلام, ومنهم من قال: ربعه, واختلفوا في تعيين الباقي. وقال ابن مهدي أيضا: يدخل في ثلاثين بابا من العلم, وقال الشافعي: يدخل في سبعين (1/101)
صفحة 102
بابا, ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة. وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضا: ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب. ووجه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه, فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها, لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها, ومن ثم ورد: نية المؤمن خير من عمله».
(55) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 55.
(56) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 56.
(57) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 56.
(58) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 72.
(59) - أخرجه بهذا اللفظ النسائي وابن ماجة والترمذي وأحمد. وأخرجه البخاري ومسلم بلفظ: "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" وألفاظ متقاربة أخرى. ينظر: صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الولاء، حديث رقم2579. - سنن الترمذي، كتاب الطلاق، باب خيار الأَمَة تعتق وزوجها مملوك، حديث رقم 3451. -ابن ماجة، كتاب الأحكام، باب المكاتب، حديث رقم 2521.
(60) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 101.
(61) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص23.
(62) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص144.
(63) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص180.
(64) - وردت هذه القاعدة في المادة 4 من مجلة الأحكام العدلية.
(65) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص113.
(66) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص115.
(67) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص119.
(68) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 77.
(69) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص154.
(70) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص79. وضرب أمثلة واقعية وتفصيلا دقيقا لها من حيث الشك واليقين والاطمئنان، والفرق بين أنواع الفرائض في هذه القضية العملية الهامة.
(71) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 82 - 83.
(72) - لفظ الحديث عند البخاري: «عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ لا يَنْفَتِلْ أَوْ لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، حديث رقم137. (1/102)
صفحة 103
(73) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص87.
(74) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 88.
(75) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 88.
(76) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص154.
(77) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص154.
(78) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص154 - 155.
(79) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص118.
(80) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص119 - 120.
(81) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص121.
(82) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص
(83) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص91.
(84) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص159.
(85) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 14
(86) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص118.
(87) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص118.
(88) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص117 - 118.
(89) - الكدمي، الاستقامة، ج3، ص 26 - 27.
(90) - وردت هذه القاعدة في المادة 17 من مجلة الأحكام العدلية.
(91) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص8.
(92) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص103.
(93) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص122. و 125.
(94) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص123.
(95) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 173.
(96) - وردت هذه القاعدة في المادة 55 من مجلة الأحكام العدلية.
(97) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص219 - 220.
(98) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص139 - 140.
(99) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص140.
(100) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 14.
(101) - وردت هذه القاعدة في المادة 20 من مجلة الأحكام العدلية.
(102) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 104. (1/103)
صفحة 104
(103) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص103 - 104.
(104) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص17.
(105) - الكدمي، الاستقامة، ج3، ص 6 فما بعد.
(106) - الكدمي، الاستقامة، ج3، ص 9.
(107) - وردت هذه القاعدة في المادة 36من مجلة الأحكام العدلية.
(108) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص83.
(109) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص83 - 84.
(110) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 86.
(111) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 102.
(112) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 102.
(113) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص107.
(114) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص12.
(115) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 79.
(116) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 79.
(117) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص84 - 85.
(118) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 85.
(119) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص101.
(120) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص116.
(121) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 198.
(122) - وردت هذه القاعدة في المادة 42 من مجلة الأحكام العدلية.
(123) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص102 - 103.
(124) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 212
(125) - وردت هذه القاعدة في المادة 34 من مجلة الأحكام العدلية.
(126) - وردت هذه القاعدة في المادة 35 من مجلة الأحكام العدلية.
(127) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص100.
(128) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص100.
(129) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 100.
(130) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص 142.
(131) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 135.
(132) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص 137.
(133) - الكدمي، المعتبر، ج3، ص200.
(134) - الكدمي، المعتبر، ج4، ص90.
(135) - الكدمي، الاستقامة، ج3، ص 20.
الجمعة: 30 شوال 1424هـ
الموافق لـ 26 ديسمبر 2003م (1/104)
صفحة 105
وسائل الاتصال والتواصل بين المسلمين - الوقف والزكاة نموذجا
د/ أبو القاسم سعد الله (*)
للوقف أهمية اجتماعية واقتصادية وخيرية خاصَّة في تاريخ الإسلام. وقد ظهر الوقف في المجتمع الإسلامي منذ عصر النبوة، وشمل مجالات متعددة من النشاط الاقتصادي والاجتماعي والخيري، وشارك فيه الحكَّام والأعيان والتجار، وهكذا كان الوقف ظاهرة بارزة في الحضارة الإسلامية لفتت نظر الدارسين لهذه الحضارة، وجعلتهم يهتمون بدوافعه وأنواعه وأهدافه.
أصل الوقف هو الحديث الشريف: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»، وقد اعتُبر الوقف صدقة جارية، لأنَّ قصد الواقف منه غالبًا هو سدُّ حاجات المعوزين، كما سنرى. كما يستند الوقف في أصله إلى سؤال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم وقد أصاب أرضًا خصبة ولم يدرِ ما يصنع بها، فقال عمر للرسول صلى الله عليه وسلم: «إني أصبتُ أرضًا بخيبر لم أصب مالاً قطُّ أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟» فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بالباقي» فتصدَّق بها عمر رضي الله عنه. فهي لا تُباع ولا تُوهب ولا تُورث. وذلك هو معنى الوقف على العموم، أي أنَّه ملكٌ لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث، وإنَّما هو صدقة جارية.
ولقد عرَّف أحد الفقهاء المعاصرين الوقف بقوله: «منع التصرُّف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداءً وانتهاءً». وهذا التعريف دقيق وجامعٌ لصور الوقف عند الفقهاء. فالوقف هو حبس العين، كالأرض، ثمَّ التصدُّق بثمرتها على وجه البر والإحسان) 2 (. (1/105)
صفحة 106
والوقف بهذا المعنى قديم، وكان موجودًا عند غير المسلمين أيضًا، ويظهر ذلك بالخصوص في المعابد وتوابعها لأنَّها كانت مشاعة بين المعتقدين فيها، فالبيت الحرام والمسجد الأقصى كانا موجودين قبل الإسلام، وكان الناس ينتفعون بهما على الشياع، وكذلك كان الحال بالنسبة للمعابد والكنائس عند غير المسلمين، فهي لا تدخل في ملكية شخصٍ بعينه. كما كان الناس يعقدون عقود البيع وعقود الزواج وعقود الإجارة قبل الإسلام أيضًا، وقد اعترف الإسلام بذلك ولكنه وضع له نُظمًا وقوانين ضابطة، وهكذا يكون الوقف موجودًا بمعناه فقط قبل الإسلام) 3 (.
ونلاحظ أنَّ الوقف في الإسلام تجاوز المعابد إلى غيرها من المنشآت وأنواع الصدقات، فهو يشمل جميع أنواع البر والإحسان، كالوقف على الفقراء والعتقاء والمجاهدين والمحتاجين والأقارب والذريَّة، إضافة إلى المؤسسات التي سنشير إليها، وهناك فرق بين الوقف والهبة، ذلك أنَّ الهبة مملوكة للموهوب له، أمَّا الوقف ففي حكم ملك الله.
وللوقف صيغة يجب احترامها، ولا تُعتبر العين موقوفة إلاَّ إذا توفَّرت، وهي:
أوَّلا: إنشاء العقد بالقول أو الإشارة أو الكتابة، فإذا خلا العقد من أحد هذه الأمور كان عقدًا باطلاً أو فاسدًا.
ثانيًا: أن تفيد الصيغة الإنجاز، أي ألاَّ تكون معلَّقة على شرط، فإذا عُلِّقت على شرط غير موجود كان الوقف باطلاً) 4 (.
ثالثًا: أن تفيد الصيغة التأبيد والدوام، لأنَّ التوقيت يبطل الصدقة، فالوقف الموقوت فاسد.
رابعًا: عدم اقتران الصيغة بشرط يؤثِّر على أصل الوقف، مثل اشتراط الواقف حقَّ التصرُّف في داره بعد تحبيسها بالبيع ونحوه، أو اشتراطه حقَّ الرجوع بعد أن يكون قد حبس داره مسجدًا. أمَّا إذا كان الشرط متعلِّقًا بالمنفعة أو الغلَّة فهو جائز كتحويل ريع الأرض من شخصٍ إلى آخر، أو تحويل المنفعة المنجرَّة عن الوقف إلى جهة أخرى.
كما أنَّ هناك شرطًا يجب أن تتوفر في الواقف نفسه، ومن أبرزها:
أولاً: أن يكون حرًّا في التصرُّف في ماله، لأنَّ العبد لا يجوز له ذلك لأنَّ ماله ملك لسيِّده، لكن يجوز للعبد الوقف نيابة عن سيِّده.
ثانيًا: أن يكون الواقف عاقلاً بحيث لا يصحُّ الوقف للمختلِّ عقليًّا.
ثالثًا: أن يكون مختارًا في فعله لأنَّ المُكره لا يصحُّ منه الوقف. كما يشترط في الواقف أن يكون بالغًا، وراشدًا، أي غير محجر عليه، ولا مفلسًا، ولا سفيها.
ومن أبرز الشروط في هذا المجال أن لا يكون المال المراد وقفه كلُّه مستغرقًا في الدين، أمَّا شرط الإسلام فليس ضروريًّا، إذ يصحُّ الوقف من غير المسلم أيضًا، بشرط أن يكون قربة في نظر الإسلام، ويصحُّ الوقف أن يكون عينًا أو نقدًا. ومن شأن الوقفية أن تنصَّ أيضًا بالتفصيل على أوجه الصرف في مختلف المجالات. (1/106)
صفحة 107
والخلاصة أنَّ الوقف لا يكون صحيحًا إلاَّ إذا كان طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، كالعقارات المملوكة ملكًا صحيحًا، أمَّا إذا كانت الملكية غير صحيحة كالأراضي التي يحبسها السلاطين أو كان من الأراضي الأميرية، فلا ينطبق عليها شروط الوقف الصحيح، إذ يُعتبر من قبيل تخصيص قطع من الأراضي من السلطة إلى جهة ما للاستفادة منها.
وينقسم الوقف إلى نوعين: الأول هو الوقف الذرِّي أو الأهلي، وهو الوقف على الأولاد والأحفاد والأقارب. والثاني الوقف الخيري؛ ويقصد به وجه الخير ابتداءًا واستنادًا للحديث المذكور: «إذا مات ابن آدم ... »، ومن ثمَّة يصبح المقصود بالوقف الخيري هو الصدقة الجارية، وهذا النوع من الوقف (الخيري) هو الذي شاع عبر التاريخ الإسلامي، وأدَّى دورًا اجتماعيًّا وثقافيًّا بارزًا.
ذكرنا أنَّ الوقف كان معروفًا مند العصر النبوي، وقد شارك فيه عدد من الصحابة، مثل عمر بن الخطَّاب، ثم أصبح معروفًا على نطاق واسعٍ منذ العصرين الأموي والعباسي. وكلَّما تقدَّم التاريخ الإسلامي ازداد الوقف انتشارًا في مختلف البلدان، ولا سيما في مصر والشام. وفي كثير من الحالات كانت الأرض ملكًا للدولة، ولذلك لم تكن موضع وقف، وكان عُمَّال الأرض يعملون عليها كأجراء لا مُلاَّك، أمَّا ما يصل منها إلى يد الحاكم فهو خراج أجرة، فإلى عهد الإخشيديين كانت الأوقاف في مصر لا تشمل الأرض الزراعية، وإنَّما الدور والرباع فقط، ويذكر المقريزي أنَّ ابن طولون حين بنى الجامع والمارستان لم يحبس عليهما الأرض، وإنَّما حبس عليهما الرباع ونحوها.
وفي العهد الأيوبي والمملوكي كثر وقف الأراضي، وصارت للأوقاف دواوين، منها ديوان أحباس المساجد، وديوان أحباس الحرمين الشريفين، وديوان الأوقاف الأهلية (الذريَّة)، وكان القضاة هم المتولين للأوقاف والإشراف عليها، ولا سيما الأوقاف الأهلية) 5 (. ثم أصبحت إدارة الوقف هي المتوليَّة للأوقاف العامَّة بعد انقراض الذريَّة، وكانت هذه الإدارة هي التي تعيِّن من يشرف على الوقف عند المنازعات أو عند المحاسبات على الصرف، أو عند عدم بلوغ المتولِّي رشده، ويظهر أنَّ الوقف الذي كان يديره متولٍّ ملتزم بشروط الواقف كان أكثر أنواع الوقف سواء أكان ذريًّا أو خيريًّا) 6 (.
إنَّ الوقف يقدِّم خدمة جليلة للمجتمع الإسلامي لأنَّه من الصدقات الجارية، كما ذكرنا، فهو يخدم أغراضًا عديدة تصبُّ كلُّها في تكاثر أبواب الخير، وقد أسهمت كلُّ البلاد الإسلامية في الأوقاف، فكثُرت بها المؤسسات الدينية والتعليمية والصحِّية والاجتماعية؛ فكان هناك تكامل بين مختلف قطاعات الخدمات في المجتمع، أمام غياب الوزارات المعروفة اليوم. ذلك أنَّ الوقف كان يقوم بما تقوم به اليوم وزارات: التعليم، والشؤون الاجتماعية، والصحيَّة، والشؤون الدينية، وهلمَّ جرًّا، إضافة إلى ما تقوم به الجمعيات المدنية والثقافية والخيرية.
وعندما شاع الظلم والفساد في بعض المجتمعات لجأ الناس ولا سيما في العصرين المملوكي (1/107)
صفحة 108
والعثماني إلى "تهريب" أملاكهم فيدخلونها في طائلة الوقف حتَّى لا يعبث بها العابثون، على أنَّ العبث بها قد يكون من صاحب الوقف نفسه، فقد اتَّخذها بعضهم وسيلة للتفريق بين الذكور والإناث، وتصرَّفوا بواسطتها في الإرث، فحرموا البعض ومتَّعوا البعض الآخر. وكان دافعهم أحيانًا هو الخوف من استيلاء الحكَّام الظلمة على أملاكهم، فكانوا يُحصِّنون أملاكهم من التعدي عليها بإدخالها في الوقف على أنفسهم أوَّلاً ثم على المساجد والمبرَّات بعدهم، وقد فعل ذلك حكَّام المماليك الذين كثرت الأوقاف في عصرهم ـــ كما أشرنا ـــ والذين كانوا يتعرَّضون إلى انقلابات سياسية، فيأتي غيرهم ويصادر أموالهم وأراضيهم ويستولي عليها غصبًا.
ولمَّا حكم محمد علي مصر أدخل أملاك الوقف في أملاك الدولة وجعل ريعها يصبُّ في خزينة الدولة، وقد أسس إدارة خاصًّة بالأوقاف، وجعلها مسؤولة على أوقاف الحرمين الشريفين (مكة والمدينة). كما جعلها مسؤولة على الصرَّة والغلال والمواد التموينية التي أصبحت تخرج من خزينة الدولة بعد أن كانت مستقلة عنها. وممَّا يذكر أنَّ صنع كسوة الكعبة وتجهيز المحمل المصري كان قبل محمد علي من مال الأوقاف، ولكن منذ أن اتَّخذ محمد علي الخطوة المذكورة أصبح إرسال الكسوة والمحمل من مال الدولة) 7 (.
وممَّا يذكر في هذا الصدد أنَّ السلطان محمود الثاني العثماني ألغى نظام الوقف وجعل له وزارة خاصَّة تحت سلطته، فأصبحت هي المعنية بالصرف على من كانوا يستفيدون من الوقف. وحين احتلَّت فرنسا الجزائر استولت على أملاك الأوقاف وضمَّتها إلى ملكية الدولة الفرنسية، وتصرَّفت في مداخيلها، بما في ذلك أوقاف الحرمين الشريفين، والمؤسسات الدينية، والتعليمية، ممَّا أدَّى إلى نشر الفقر بين فئة هامَّة في المجتمع، وإضعاف تعليم القرآن واللغة العربية) 8 (.
ومهما كان الأمر فإنَّ كثرة الأوقاف في البلاد الإسلامية بآخر القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين قد تسبب في ضعف استغلال الأرض الموقوفة، وصارت مداخيلها نهبًا للذين يتولَّون أمرها، أو من كان حولهم من المستفيدين منها، وقد نادى بعض المصلحين بإصلاح نظام الوقف نظرًا لما وصل إليه من تدهور وعدم تحكُّم، فقامت بعض الدول مثل مصر بإلغاء الوقف الأهلي (الذرٍّي) حتى لا يستمرَّ التلاعب فيه.
يخدم الوقف مختلف الأغراض الاجتماعية والتعليمية، ومن أبرزها تحفيظ القرآن الكريم في الكتاتيب أو المدارس القرآنية، وقد جرت العادة على أن يكون الكتَّاب قريبًا أو ملتصقًا بأحد المساجد، وكانت الكتاتيب منتشرة في الأحياء السكنية بالمدن والبلدات، وحتى في الأرياف حيث تُنصب الخيام لاستقبال الأطفال وتحفيظهم القرآن الكريم، وتتوفر الكتاتيب على النظافة والمرافق الصحية والألواح وأجرة الشيخ أو المعلم، بالإضافة إلى الماء والإنارة، وكانت المساجد وموظفوها (من خطباء ومدرسين ومنظفين ... ) والمدارس ومدرسوها تحظى بحظ هام من الأوقاف التي توفِّر (1/108)
صفحة 109
للموظفين حاجاتهم، بل توفر الماء إلى هذه المؤسسات من أماكن بعيدة، وفرش المساجد بالسجاد أو الحصير، وشراء الزيت لإنارة المصابيح والثريات، والنظافة، وفوق كلِّ ذلك صيانة المساجد والمدارس لكي تظل مستمرة في أداء مهمتها النبيلة. وكانت مؤسستا المساجد والمدارس تتوفَّر أيضا على مساكن وأروقة للطلبة البعيدين أو الغرباء، وكانت إقامتهم مجَّانية، وكذلك طعامهم وشرابهم، كما أنَّ بعض المساجد والمدارس كانت تضمُّ مكتبات أيضًا، بحيث يجد الطالب فيها المخطوطات وأمهات الكتب التي يحتاجها في دراسته، وهي في العادة كتبٌ حبسها أصحابها، أو اشتراها آخرون وحبسوها على المسجد أو المدرسة أو الزاوية (الخانقاه)) 9 (.
وكان ذلك هو شأن مختلف المساجد، ولا سيما الكبيرة منها، فالحرمان الشريفان والجامع الأعظم ببغداد، وجامع القرويين، وجامع الزيتونة، والجامع الأموي، والجامع الأزهر، والأقصى بالقدس، وجامع قرطبة، والجامع الأعظم بالجزائر، وغيرها كان لها أوقاف عظيمة تسمح لها بأداء مهمتها الدينية والتعليمية والثقافية، فهذا الجامع الأزهر الذي صُلِّيت فيه أول جمعة سنة 361هـ والذي شيَّده الفاطميون ليكون مثابة للمذهب الشيعي، أوقف عليه الحاكم بأمر الله كثيرًا من الأراضي الزراعية والعقارات والمباني والدور والأسواق والمخازن والرباع، ثمَّ تنافس الحكام بعد ذلك في الوقف عليه فازدادت أوقافه) 10 (. وقل مثل ذلك جامع القرويين الذي بني في عهد الأدارسة، وحظي منهم ومن غيرهم كبني مرين بأوقاف ضخمة ومستمرة) 11 (.
ويمكن حصر بعض المسائل التي يقوم الوقف بتغطيتها، ومنها: النفقة على العلماء والفقهاء والطلبة، والإحسان إلى الفقراء والتخفيف من معاناتهم، والحد من تعسف الحكام والهروب من ظلمهم، وإتاحة الفرصة أمام العجزة والقاصرين لكي يستغلوا أرزاقهم ويسيِّروها على أفضل وجه، وحفظ قيم الأسرة وتماسكها، وصيانة حقوق الورثة، بالإضافة إلى صيانة المرافق العامَّة كالعيون المائية ومحطَّات المسافرين، وبناء وترميم الثكنات العسكرية، وتحصين الأسوار والقلاع حول المدن، وتوفير عدَّة الجهاد، وفدية الأسرى ...
وتشمل الأوقاف بالإضافة إلى ما ذكرنا: الدكاكين، والمحلات التجارية، والخانات، والفنادق، والإسطبلات، والمنازل، والطواحين والحمَّامات والمخابز ومعاصر الزيت، ومصانع الصابون والورق والسكر، وهناك أيضًا الأملاك الزراعية كالبساتين والمزارع، بل هناك قرى بأكملها كانت موقوفة.
ولكن ذلك لا يعفينا من القول بأنَّه بالرغم من هذا الوجه المشرق للوقف، وهو الغالب عليه، فإنَّ هناك بعض الإساءات إليه؛ ففي بعض الأحيان كان الفائض على الاستغلال فقط من دخل الوقف هو الذي يُستعمل للصيانة، وإذا لم يكن هناك فائض فإنَّ المؤسسة تبقى متروكة للإهمال والخراب.
وهناك حوادث عديدة تدل على وقوع تلك الإساءات، وذلك بتوجيه ريع الوقف إلى أغراض شخصية أو غير منصوص عليها في الوقفية، ويأتي ذلك عادة ممن يتولَّون الأوقاف الذين يُطلق (1/109)
صفحة 110
عليهم أحيانًا الوكلاء أو النُظَّار، وهناك حوادث عن الغش في حسابات الوقف) 12 (. وقد مرَّ بنا أنَّ بعض الحكَّام قد تعدَّوا على حرمة الوقف المؤبَّد فحوَّلوه إلى خزانة الدولة.
ثانيًا: الزكاة والقيم الإسلامية:
الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي حق المال في نظر الإسلام، كما أنَّها حق الجماعة على الفرد، إذ إنَّ القرآن صريح في ذلك بقوله: {وَالذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ}) 13 (. وهي عبادة «تطهِّر ضمير الفرد من غرائز الشح والبخل وحب الذات») 14 (. وقد جاء في القرآن الكريم: {خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}) 15 (. فالزكاة تطهِّر المسلم من الأثرة والأنانية، كما تطهر المال من الحرام والخبائث.
وقد شرع الإسلام الزكاة بنسب مختلفة للممتلكات، ولكنها نسب قليلة لا تضرُّ بالمالك، ومع ذلك فهي تمثل دخلاً هامًّا للمجتمع وثروة يمكن أن يستفيد منها عدد كبير من ذوي الحاجة. والزكاة بذلك قادرة، إذا أدَّاها صاحبها على خير وجه، على تأمين نفقات التكافل الاجتماعي الذي حثَّ عليه الشرع، والذي يجعل المسلمين يعيشون كالجسد الواحد.
والزكاة من هذه الناحية حقٌّ اجتماعي وليست منَّة يمنُّ بها أصحاب الأملاك على المحرومين منها، وقد نهى القرآن عن المنِّ لأنَّه يبطل الصدقات التي منها الزكاة، وذلك في قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالاَذَى كَالذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُومِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ}) 16 (. ونصاب الزكاة ـــ على قلَّته ـــ لا ينحصر في الأغنياء، بل إنَّ أغلب أفراد المجتمع يشتركون فيه لتأمين التكافل الاجتماعي، وإذا لم يقوموا بذلك يصبح واجبًا على أهل كلِّ بلدٍ أن يقوموا بحاجات فقرائهم وتوفير ضرورات المعاش لهم) 17 (.
وقد نصَّت الآية على الجهة التي تعطى إليها الزكاة وهي {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُوَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}) 18 (. فالجهة الأولى والثانية معروفة وهم الفقراء المسلمون والمساكين الذين ليس لهم وسيلة للعيش، والعاملون على الزكاة هم الجباة الذين يبذلون الجهد في تحصيلها من أصحابها، فالجباة لهم حق في الزكاة، والمؤلَّفة قلوبهم هم أناس أسلموا ولكن إسلامهم لم يكن متمكِّنًا بعدُ من قلوبهم، فيُعطَون الزكاة تأليفًا لقلوبهم، ولكن بعد أصبح الإسلام قويًّا توقَّف إعطاء هؤلاء الزكاة، وكان أول من حكم بذلك هو الخليفة عمر بن الخطاب. وفي الرقاب والمقصود بهم العبيد الذين تعاقدوا مع سادتهم على عقدهم ولم يكن لهم مال يؤدُّونه إليهم ليتمَّ تحريرهم، فتكون الزكاة مساعدة لهم على الخروج من العبودية، ويكون ذلك برهانًا على حثِّ الإسلام على التخلُّص من الرق. والغارمون هم الذين تراكم عليهم الدَّين ولم يكن عندهم ما يدفعونه للتخلص منه، وقد حكم الشرع بأنَّ لهم حقًّا في الزكاة لأنَّ الإسلام لا يرضى للمسلم أن يكون مَدِينًا، لأنَّ (1/110)
صفحة 111
الدَّين مذلَّة لصاحبه، والمسلم يجب أن يكون عزيزًا قويًّا. وفي سبيل الله والمقصود بهم المجاهدون الذين خرجوا دفاعًا عن الإسلام، وكلُّ ما يتعلَّق بتسليح الجيش وبالدفاع عن الدعوة الإسلامية، فعلى الدولة أن تخصِّص نصيبًا من مال الزكاة من أجل الجهاد وحماية الدين. أمَّا ابن السبيل فهو من انقطعت به السبل بعيدًا عن أهله وماله، ولو كان في بلده من الأغنياء، فله الحقُّ في الزكاة حتى يخرج من ضائقته.
من هنا يتَّضح، وأنَّ الهدف البعيد من الزكاة هو تطهير المال، ونزع الحسد من القلوب، وبناء مجتمع نظيف وآمن ومنسجم أخلاقيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًا.
ذلك أنَّ هناك قيمًا وفضائل تحكم المجتمع الإسلامي منذ فجر الإسلام وتجعله يختلف عن المجتمعات الأخرى التي يسودها الظلم والاستبداد والتنافس المميت وسوء الأخلاق، وأوَّل القيم الإسلامية هي الأخوَّة: والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُوْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وهناك آيات وأحاديث عديدة تشير إلى أنَّ المسلمين يؤلِّفون جسدًا واحدًا مهما تباعدت بهم الأوطان، وقد ظهرت هذه الأخوَّة بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنوَّرة ثمَّ استمرَّت عبر العصور. ومن القيم البارزة والمميزة للمجتمع المسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك أيضًا آيات وأحاديث كثيرة تطلب من المسلمين أن يتناهَوا عن المنكر وأن يأمروا بالمعروف، فالفرد جزءٌ من المجتمع، والمجتمع هو الساهر على مصالح الأفراد بحيث لا يقع فيه انتهاك للحرمات ولا تجاوز للحقوق ولا يسود فيه الطغيان، وتحرير العبيد أو عتق الرقاب من أوَّلويات المجتمع المسلم.
فرغم أنَّ الرق كان موجودًا في المجتمعات القديمة فإنَّ الإسلام عمل على إلغائه بوسائل تدريجية لا تزعزع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الناس.
وهناك أيضًا آيات وأحاديث توضِّح كيفية تحرير العبيد بطرق مختلفة للوصول إلى مجتمع تسوده المساواة، لا فضل فيه للون على لون، ولا جنس على جنس إلاَّ بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات، 13).
ويمكن أن نشير باختصار إلى قيم أخرى ثابتة في تعاليم الإسلام، ومنها لزوم الجماعة عند الفتنة وافتراق الكلمة، والحُكم بالعدل والقسطاس المستقيم في القضاء، والنهي عن الظلم الذي وصفه بأنَّه ظلمات يوم القيامة، والابتعاد عن الاستبداد باللجوء إلى الشورى التي فسرت بالاستفتاء في الحكم، والوصول إلى رأي الجماعة بالتراضي، وهو الأقرب إلى ما يسمى اليوم حكم الشعب عن طريق ممثِّليه، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنَّ حث الإسلام على التعلم وطلب العلم ودعوته إلى القراءة في أوَّل سورة نزلت يُعتبر من أهم القيم والمبادئ الإسلامية، والهدف من ذلك كما هو واضح من تجارب الأمم، أنَّ المجتمع المتعلِّم هو المجتمع القائد والعزيز، وذلك هو ما يهدف إليه الإسلام، وقد اعترف الإسلام بالأنبياء والمرسلين جميعًا واحترم حرِّية العبادة عند أصحاب الديانات الأخرى، (1/111)
صفحة 112
وتسامح معهم في إقامة معابدهم وصلواتهم وقضائهم وحقِّهم في التملُّك وحسن الجوار .. وغير ذلك من أوجه التسامح، بشرط أن تكون كلمة الإسلام هي العليا وأن لا يكون في ذلك إذلال للمسلمين.
وقد كان الإسلام حصنًا قويًّا للمسلمين في تغلُّبهم على المستعمرين عندما جاؤوا غزاة، سواء في عهد الحروب الصليبية، أو في عهد الهيمنة الأوروبية على أوطان إسلامية في العصر الحديث، حين تغلغل الاستعمار في إفريقيا وآسيا، معتمدًا على قوة التكنولوجيا والجيوش والمبشرين، وقد عانت الحضارة الإسلامية من هذا الغزو كلَّ المعاناة، ولا سيما اللغة العربية والدراسات القرآنية، والتعليم والتربية والفنون والآداب. كما اغتُصبت أراضي المسلمين وإُعطيت إلى مستوطنين غرباء ممَّا اضطرَّ فئات كثيرة إلى التبعثر والهجرة، وكان النفي والسجن من نصيب الكثير منهم، ومع ذلك فإنَّ مقاومة الاستعمار كانت بفضل الروح الإسلامية الكامنة، ذلك أنَّ حركات التحرر في آسيا وإفريقيا كانت في أغلبها ترفع راية الإسلام والجهاد، وقد تجاوبت هذه الحركات مع بعضها وتضامنت حتى كُتب لها النصر.
إنَّ الأجانب إذا خالطوا المسلمين يكتشفون فيهم خصالاً وعادات مشتركة مستمدَّة من تعاليم الإسلام، ويمكن تلخيصها في العناوين التالية: أنواع اللباس المحترم والمحتشم للرجال والنساء، والشراب الطاهر الخالي من المسكرات، والطعام الحلال الخالي من لحم الخنزير وشبهه، والعناية بالأسرة وتربية الأبناء، ورعاية حقوق المرأة، والاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية، والاعتزاز باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، وأداء والمناسك والعبادات على أحسن وجه، والتنويه بالأمانة والنظافة، وعيادة المريض، وعدم إيذاء الجار، والحثِّ على إتقان العمل، والاعتماد على النفس، والاتكال على الله وحده في كلِّ الأمور، وذلك هو معنى التوحيد في الإسلام) 19 (.
--------------------
الهوامش
*) - د/ أبو القاسم سعد الله، قسم التاريخ، جامعة آل البيت، المفرق، الأردن.
2) - محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي، القاهرة، 1971م، ص: 7.
3) - نفس المصدر.
4) - عند كافة أئمة المذاهب عدا الإمام مالك الذي أجاز شرط التعليق على العتق.
5) - أبو زهرة، مرجع سابق، ص: 12.
6) - قال بعضهم إنَّ النص على التأبيد ليس شرطًا في صحَّة الوقف، أمَّا الإمام مالك فقال بجواز الوقف المؤقت، على أن يرجع إلى صاحبه إن كان حيًّا أو إلى ورثته عند انقضاء المدَّة، وأمَّا الإمام (1/112)
صفحة 113
أحمد بن حنبل فلا يُجيز الوقف غير المؤبَّد. أبو زهرة، مرجع سابق، ص:72.
7) - سيد محمد الدقن، كسوة الكعبة المعظَّمة عبر التاريخ، القاهرة، 1406هـ / 1986م، ص: 109 ـــــ 111.
8) - أنواع الوقف في الجزائر سنة 1830: أوقاف الحرمين الشريفين، أوقاف الجامع الأعظم، أوقاف سبل الخيرات (حنفية للأتراك)، أوقاف الأولياء والأشراف، أوقاف أهل الأندلس، أوقاف الجنود والثكنات والمرافق العامَّة، أوقاف الزوايا والربط، أوقاف العيون (السبيل) ومحطات السفر ... انظر عن ذلك: سعيدوني، دراسات تاريخية في الملكية والوقف والجباية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000. وانظر: سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998.
9) - انظر كتاب: تاريخ الجزائر الثقافي، ج2، مصدر سابق، وكتاب: محمد بن الخوجة: تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985. وكذلك محمد عفيفي: الأوقاف والحياة الاقتصادية في مصر في العصر العثماني، 1517 ـــ 1658، الهيئة المصرية، القاهرة، 1991م.
10) - انظر: محمود مرسي لاشين، الفاروق عمر والخراج، القاهرة، 1990، ص: 77. وقد نقل عن المقريزي أيضًا. ج2.
11) - عن أوقاف الجامع الأعظم بالجزائر (وغيره)، انظر: أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج1، مرجع سابق، وانظر: سعيدوني، مرجع سابق، وانظر: عبد الجليل التميمي، وثيقة عن الأملاك المحبسة على الجامع الكبير بالجزائر، تونس، 1981م.
12) - الموسوعة الإسلامية الأولى، 1913 ـــ 1936، المجلَّد 8، ص: 1098 ـــ 1099، مادة (الوقف).
13) - المعارج، الآيتان: 24، 25.
14) - صبحي الصالح، النظم الإسلامية، نشأتها وتطورها، ط2، دار العلم للملايين، بيروت، 1982. ص: 372.
15) - التوبة، الآية: 103.
16) - البقرة، الآية: 264.
17) - المصدر السابق، ص: 373، 374. انظر أيضًا: محمود مرسي لاشين، مرجع سابق.
18) - التوبة، الآية: 60.
19) - حول القيم الإسلامية وخصائص المجتمع المسلم انظر: محمد أبو زهرة، مرجع سابق، وحسين شحاتة: محاسبة الزكاة مفهومًا ونظامًا، القاهرة، 1980م، وحسين مؤنس: الإسلام حضارة، الدار السعودية، 1987م، وأنيس الأبيض: بحوث في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، طرابلس، لبنان، 1994م، ومالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986م. (1/113)
صفحة 114
ابن خلفون - نبذة عن حياته وأجوبته الفقهية
أ/ مصطفى بن محمد شريفي (*)
لَعَلَّ الكثير من الباحثين لم يسمع عن هذا الاسم ضمن أعلام الإِبَاضِيَّة، بالرغم مِمَّا تميَّز به من سَبْقٍ في منهج التأليف الفقهي لدى إِبَاضِيَّة المغرب، ولَعَلَّ عدم شهرته ترجع إلى قِلَّة إنتاج هذه الشَّخصِيَّة، وإلى "التهميش" المتعمَّد الذي تعرَّض له الشيخ في حياته ـ كما سنرى ـ مِمَّا أثَّر سلبا في قِلَّة استفادة معاصريه منه. (1)
فمن هو ابن خلفون؟ وما هو إنتاجه؟ وما منهجه في التأليف؟
أَوَّلاً ـــ التعريف بابن خلفون:
أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي الوارجلاني: من فقهاء الإِبَاضِيَّة في القرن السادس بالمغرب الإِسلاَمِيِّ، (الطبقة: 550ـــ600هـ / 1155ـــ1203م)، ينتسب إلى قبيلة مزاتة البربريَّة، عاش بقرية «تِين بَامَاطُوس»، من قرى وارجلان جنوب شرق الجزَائِر. وصفه الدرجينيُّ بأَنَّهُ: «المحقِّق الوصول إِلىَ الغاية في علم الفروع والأصول» (2).
لا نعلم بالتحديد تاريخ ومكان ميلاده أو وفاته، وتكتفي المصادر بإيراده في الطبقة الثانية عشرة، أي الخمسين الثانية من القرن السادس الهجري (3)، وبأنَّه عاصر أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي (ت: 570هـ)، وأبا عمَّار عبد الكافي (ت: بعد 570هـ) الوارجلانيَّيْن.
كما لا تشير المصادر إِلى تعلُّمه ورحلاته لتلقِّي العلم، ولا إِلىَ أساتذته، وَهَذَا خلاف ما ذُكر في معجم أعلام الإِبَاضِيَّة من أَنَّهُ تلقَّى عن الشيخ عبد الله النفوسي، والشيخ أبي عمران موسى النفوسي بطرابلس والشيخ أبي رحمة اليكشني، فذَلِكَ كان محض توهُّم، سبَّبته عبارة الدرجيني (4) التي قد توحي بِذَلِكَ لمن لم يمعن فيها النظر.
إِلاَّ أَنَّ الذي تجمع عَلَيْهِ المصادر أَنَّهُ برع في الفقه والأصول، وَأَنَّهُ كان يمتاز بالمنهج العلميِّ الموضوعي، فـ «لا يضفي عَلَى كتب السابقين ثوب القداسة، ولا يرفعها إِلىَ مكان العصمة من الخطأ، وَإِنَّمَا كان ينتقدها نقد الخبير، فيُطري ما استجاد منها، وينتقد ما لم يَحُزْ رضاه» (5). وكان واسع الأفق، مولعًا بالدراسات المقارنة، مهتمًّا بدارسة الآراء الفِقْهِيَّة لمختلف المذاهب (1/114)
صفحة 115
الإِسلاَمِيَّة، مطَّلعا عَلَى كتب أهل الخلاف، وَرُبَّمَا اعتمد في ذَلِكَ عَلَى عصاميته، لأَنَّ البيئة التي وُجد فيها لم تكن في مستوى تقبُّل مثل هَذَا التفتُّح، وقد أَلِفت الأسلوبَ التقليديَّ، الذي يربط العالِم بمذهبه.
وقد جرَّ عليه هذا التفتُّح متاعب جمَّة ـــ رغم ما عُرف عنه من دفاعه عن مذهبه بالحجَّة والدليل ـــ إذ هَجَرهُ بعض الفقهاء وقتًا غير قصير، امتدَّ حوالي اثني عشر عاما، متَّهمين إِيَّاهُ بالاستهانة بكتب المذهب الإِبَاضِيِّ، والتهاون في التمسُّك بها، غير أَنَّهُم غيَّروا موقفهم منه آخر الأمر، واعترفوا بفضله، لَمَّا تبيَّن لهم مستنده وهدفه، وصدق منهجه، وخلوص نيته.
ثانيا ـــ آثار الشيخ ابن خلفون:
أَمَّا عن آثاره فمِمَّا يؤسف له أَنَّ المصادر لا تشير إِلىَ أسماء تلاميذه، عَلَى الرغم من تأكيد بعض المُؤَرِّخِينَ عَلَى أَنَّهُ كان يدرِّس، وبشكل جَيِّد؛ إذ يشير الدرجيني إِلىَ هَذَا بقوله: «إنْ درَّسَ فلقَّن أحسن تلقين» (6)، ويضيف الشيخ علي يحيى معمَّر ـــ ودون أن يحيلنا عَلَى مصدره ـــ أَنَّهُ «كان بارعا في الشرح والإيضاح عند التدريس، عذب الحديث، فكان طلاَّب العلم يتزاحمون عَلَى مجلسه» (7). وَهَذَا ما لا نستبعده، لأمور منها:
* ـــ أَنَّ بعض الفقهاء في فترة المقاطعة التي أُعلنت ضِدَّ الشيخ كانوا يمنعون طلبة العلم من الاتِّصَال به (8).
* ـــ أَنَّ ابن خلفون ـــ بعد فترة المقاطعة ـــ كان مرجع الحُجَّاج في نوازلهم واستفتاءاتهم (9).
* ـــ أَنَّ البيئة التي عاش فيها الشيخ كانت تزخر بالعلماء وحلقات التدريس للطلبة من مختلف الآفاق، في إطار النظام المسمَّى بنظام العَزَّابَة.
أَمَّا عن إنتاجه فلم يحفظ لنا الزمن غير عَمَلَيْنِ لهذا العالم، هما: رسالة إِلىَ أهل جبل نفوسة لا تزال مخطوطة، وأجوبة فِقهِيَّة مطبوعة.
وَإِنَّ الباحث قد يتساءل: لِمَ لَمْ يترك ابن خلفون كِتَابًا شاملا لأبواب الفقه (ابتداء من الطهارات إِلىَ المعاملات) مع سعة علمه واطِّلاعه، وتمكُّنه منها، إذ وصفه الدرجيني بِأَنَّهُ «المتحقِّق الوصول إِلىَ الغاية في علم الفروع والأصول ... » (10)؟ يجيب الدكتور عمرو النامي بِأَنَّ ازدهار مكتبة الفِقْهِ الإِبَاضِيِّ بالمؤلَّفات الشاملة للأبواب الفِقْهِيَّة، والتي تعدُّ بالآلاف في عصره وفي بيئته المغربيَّة، لَعَلَّهُ كان الدافع «إِلىَ الاقتصار عَلَى عرض تلك المسائل المحدودة بِذَلِكَ المنهج الجديد المتميِّز، وصرف همَّته عن التأليف الموسَّع في مسائل الفروع والأصول التي عُرف بسعة باعه فيها والتمكُّن منها» (11).
وَعَلَى كُلِّ حال سنحاول عرض لمحة عن الرسالتين فيما يأتي:
1 ـــ رسالة إلى جبل نفوسة (بليبيا): (1/115)
صفحة 116
لم نتمكَّن من الاطِّلاَع عَلَى نصِّ هَذِهِ الرسالة، والتي لا تزال مخطوطة؛ لذا فلا مناص من الاعتماد عَلَى ما ذكره المُؤَرِّخُونَ. فقد كان الدرجينيُّ ـــ حسب اطِّلاَعنا ـــ أَوَّل من أشار إليها، واكتفى بقوله: إِنَّهَا «مشتملة عَلَى فقه ووعظ» (12). ثُمَّ قال البرادي في إحدى أجوبته في موضوع يَتَعلَّقُ بالجواري: «وفي رسالة ابن خلفون إِلىَ جبل نفوسة ـــ وهي الثانية ـــ كثير من التشديد والنهي عن ترك وإهمال وعدم مراقبة الجواري» (13). وكما نلاحظ فَإِنَّ البرادي أضاف لنا معلومة جديدة، وهي أَنَّ لابن خلفون رسالتين، لا رسالة واحدة فقط.
ثُمَّ أخيرا يذكر الدكتور النامي أَنَّهُ رأى منها نسخة مخطوطة في مكتبة آل البعطور (14) بوالغ بجربة، وهي في حجم الأجوبة التي حقَّقها أو أصغر بقليل (15).
2 ـــ أجوبة فقهيَّة (أجوبة ابن خلفون):
هي رسالة حقَّقها الدكتور عمرو خليفة النامي، كعمل ملحق برسالته للدكتوراه بجامعة كمبردج سنة 1971م (16)، ونشرها في مَجَلَّة رسالة المسجد لدار الدعوة (17)، ثُمَّ نشرتها دار الفتح ببيروت، سنة 1394هـ/1974م، تحت عنوان: «أجوبة ابن خلفون»، وتقع في 128ص، تشغل الأجوبة منها ثمانين صفحة، والبقية لمقدِّمة المحقِّق والفهارس، وهي النشرة التي اطَّلَعنا عَلَيْهَا واعتمدناها في الوصف والتحليل، وهي ما سنتناوله بالتفصيل:
أـ التحقيق:
كانت منهجيَّة المحقِّق عِلمِيَّةً أكاديميَّة، وهي عَلَى النحو التالي:
1 ـــ مقدِّمة تناول فيها: أصلَ التحقيق، وتعريفًا مختصرا بالمذهب الإِبَاضِيِّ ونشأته، وترجمةً مختصرة لمؤلِّف الرسالة (ابن خلفون)، ثُمَّ تحقيقًا في نسبتها إِلىَ مُؤَلِّفها، وموضوعها، وَأَهَمِّيَّتها من حيث المنهج والمحتوى. وذَكَر النسخ الأربعة المعتمدة في التحقيق، ووَصَفَها وبيَّن قيمتها العِلمِيَّة، وَعَمَلَهُ في المخطوط. (ص8 ـــ20).
2 ـــ المتن محقَّقًا ومقارنًا بين النسخ. (ص23 ـــ103).
3 ـــ فهرس الأعلام: اكتفى فيه بالترجمة لأعلام الإِبَاضِيَّة؛ لأَنَّ مصادر ترجمتهم ـــ كما يقول ـــ غير متوفِّرة، وَلأَنَّ أغلبهم مجهول لدى غيرهم، وتشتمل عَلَى 34 ترجمة. (ص107ـــ117).
4 ـــ تخريج الأحاديث الواردة في الرسالة، وهي 40 حديثا، عزاها إِلىَ مصادرها الحديثيَّة. (119ـــ127).
إِلاَّ أَنَّ الملاحظة التي تؤخذ عَلَى المحقِّق أَنَّهُ لم يضع للأسئلة عناوين فرعيَّة تسهِّل للقارئ الرجوع إليها، بحيث يضطرُّ الباحث ـــ في أيِّ موضوع فقهيٍّ كان ـــ أن يتصفَّح كُلَّ الكِتَاب لمعرفة ما إذا كان المسألة التي يَبْحث فيها موجودة أم لا. علما بِأَنَّ الأجوبة كانت مختلطة غير مرتَّبة حسب الأبواب الفِقْهِيَّة وفق ما تعورف عَلَيْهِ، وهو ما سيُلاحَظ عند سردنا لمسائل الرسالة. (1/116)
صفحة 117
ب ـــ سبب التأليف:
أشار الشَّمَّاخِي إِلىَ أَنَّ هَذِهِ الأجوبة رُبَّمَا كانت هِيَ الأولى الموجَّهة إِلىَ أهل جبل نفوسة، وأيَّده المحقِّق في هَذَا الرأي مستندا إِلىَ كلام البرادي، وَإِلىَ معطيات تَارِيخِيَّة تَتَمَثَّلُ في وجود مثل هَذِهِ الرسائل الفِقْهِيَّة المتبادلة بين أهل المغرب في ذَلِكَ العصر بالذات، كأبي العَبَّاس أحمد بن محَمَّد بن بكر، وأبي يعقوب الوارجلاني، وفي غيره أَيضًا، كالإمام عبد الوَهَّاب، وابنه أفلح، والقطب اطفيَّش (18).
ج ـــ متن الرسالة:
تحتوي الرسالة عَلَى ثلاث وعشرين جوابا، مع تذييل. والملاحظ أَنَّ السائل في كُلِّ مَرَّة يُؤَكِّدُ عَلَى أن يُبَيِّنَ له الشيخُ اختلافَ الفقهاء في القضايا المطروحة، وهي كما يأتي:
1 - حكم المرأة التي فارقها زوجها أو سَيِّدها بِأَيِّ سبب من الأسباب وأتت بولد بعد سِتَّة أشهر، فصَّل فيها المسائل الْمُتَعَلِّقَة بالموضوع من قريب أو بعيد، وذكر اختلافات الفقهاء. (ص23ـــ34).
2 - حكم امرأة مسلمة متزوِّجة سباها المشركون، فأتت منهم بأولاد. (ص34ـــ35).
3 - حكم نكاح المزني بها. (ص35ـــ43).
4 - حكم نكاح أمِّ المزني بها أو بنتها. (ص43ـــ52).
5 - رجل استمتع بامرأة دون فرجها أو في دبرها (أو برجل) هل يَتَزَوَّجُ ابنتها؟. (ص52ـــ56).
6 - حكم عتق شقصٍ من العبد. (56ـــ59).
7 - حكم من رفض أن يُستخلف عَلَى وَصِيَّة مَيِّت. (ص59ـــ60).
8 - هل تؤدَّى زكاة الديون والبضاعة؟ (ص60ـــ64).
9 - حكم نكاح السرِّ بوليٍّ دون إعلان. (ص65ـــ66).
10 - عقد النكاح بدون وليٍّ (ص66ـــ71).
11 - هل يفتَى بحِرمة النكاح بغير وليٍّ؟ وماذا لو أجازه الوليُّ؟ (ص71ـــ72).
12 - هل يتوارث المتناكحان بلا وليٍّ؟ (ص72ـــ73).
13 - هل يجوز نكاح الوليَّة المكرهة عَلَيْهِ؟ (ص73ـــ74).
14 - هل يوجد من يقول بعدم وجوب الكَفَّارَة المغلَّظة وبانهدام الصوم عَلَى الزاني في نهار رَمَضَان؟ (ص74ـــ75).
15 - حكم الغسل من الجنابة في نهار رَمَضَان. (ص75ـــ78).
16 - رجل له عذر في الوجه، هل يمسح عَلَيْهِ أم يتيمَّم؟ (ص78ـــ82).
17 - هل تغني القراءة بآيات فيها أدعية في الصلاة المكتوبة؟ وما حكم الدعاء فيها بغير القرآن؟ (1/117)
صفحة 118
(ص82ـــ85).
18 - حكم التسبيح في الركوع والسجود إذا جاوز ثلاثا. (ص85ـــ86).
19 - حدُّ السرِّ في الصلاة السرِّيَّة. (ص86ـــ88).
20 - حكم من لا يتِمُّ الركوع والسجود، وينقر الصلاة. (ص88ـــ89).
21 - حكم من لا يَرُدُّ بصره في الصلاة. (ص89ـــ89).
22 - حكم امرأة لا ترى إِلاَّ تيبُّسًا بعد حيضها أو نفاسها (ص89ـــ90).
23 - أقلُّ الطهر وأكثره، وكذا النفاس. (ص90ـــ95).
تذييل في:
* ـــ بيان منهجيته في الأجوبة. (ص95ـ ــ96).
* ـــ نصيحة للسائل أن يكون غرضه اقتفاء الدَّلِيل الأقوى، لا تتبُّع الرخص. (ص96 ـــ97).
* ـــ مبادئ أصولية: ما يجب عَلَى الفقيه معرفته من علم الشرع. دور العلماء ودور العَامَّة. متى يجوز التقليد ومتى لا يجوز. انقسام الفقه إِلىَ معلوم ومظنون. أصول الاستدلال. حكم من استكمل شروط الاجتهاد ومن لم يستكملها. كلمة ختاميَّة ودعاء. (ص97ـــ103).
فكما يلاحظ القارئ "بعثرة" مواضيع الأجوبة، فقد كان من الممكن ترتيبها وفق أبواب الفقه على النحو التالي:
المواضيع أرقام الأسئلة الصفحات
الطهارات: الجنابة، التيمم 15، 16. 75 ـــ 82
الطهارات: الحيض والنفاس 22، 23. 89 ـــ95
الصلاة 17، 18، 19، 20، 21 82 ـــ89
الصوم 14، 15 74 ـــ 78
الزكاة 8 60 ـــ 64
النكاح، الزنى، الغصب 1، 2، 3، 4، 5. 9، 10، 11، 12، 13. 23 ـــ 35. 65 ـــ 75
العتق 6 56 ـــ59
الوَصِيَّة 7 59 ـــ 60
وبما أَنَّ الترتيب المقترح لا يمكن اعتماده في المتن، لأَنَّهُ تصرُّفٌ غير مقبول في مناهج التحقيق؛ لمنافاته الالتزام بالأمانة العِلمِيَّة، والتي تقتضي المحافظة التَّامَّة عَلَى نصِّ الْمُؤَلِّف، فليكن هَذَا الترتيب في الفهرس.
د ـــ منهج الرسالة وقيمتها العِلمِيَّة: (1/118)
صفحة 119
لخَّص الْمُؤَلِّف منهجه بدقَّة في نهاية أجوبته إذ قال: «ونَقَلْنا ما حَضَرَنا من أقاويل الفقهاء، وأعلمتك مواضع الإجماع، وبيَّنت لك ما اختلفوا فيه، وما حدُّ كُلِّ فريق ودليل مذهبه، وما اختاره أصحابنا من ذَلِكَ عَلَى الأصول القويمة، والمذاهب المستقيمة، وزدت في سؤالك، وأوفيت الجواب والاستقصاء عَمَّا لم تسأل عنه مِمَّا هو تمام لِكُلِّ مسألة؛ لنجعل لك البقية لِمَا سألت عنه عَلَى التحصيل بالإجمال والتفصيل، والاختلاف والتمييز بين ذَلِكَ عَلَى ما جاء من اختلاف الفقهاء في كُلِّ مسألة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار عَلَى أعصارهم، من موافق ومخالف، ومن وقع منهم الموافقة لأصحابنا في الفتيا ومن يخالفهم، وحيث ينفرد أصحابنا بالمذهب، وحلَّيت كُلَّ مسألة بِبَعْض ما يقع به الاحتجاج من القرآن وأخبار الرسول عليه السلام، ووجوه الأقيسة مِمَّا يقتضيه الاستدلال عَلَى أصول الفقه، وبيَّنت أسماء القائلين من المذاهب، دعاني إِلىَ ذَلِكَ ألاَّ أكتم عليك شَيْئًا من الاختلاف، والتوقيف عَلَى مذهب أصحابنا وما صَحَّ به العمل عندهم» (19).
وبعد تفحُّصنا للأجوبة لاحظنا صدق هَذَا المنهج الذي نلخِّصه في الملاحظات الآتية:
كثرة الاستشهاد بالآيات القُرآنِيَّة والأحاديث النَّبَوِيَّة، ولم يكتف بالأحاديث الواردة في مسند الربيع بن حبيب، وهو مصدر الإِبَاضِيَّة في الحديث، وَإِنَّمَا اعتمد عَلَى مختلف المصادر من الصحاح والسنن والمسانيد، وسائر الكتب الفقهيَّة للمذاهب المختلفة. وإذا لم يجد فيها مبتغاه فَإِنَّهُ يعتمد القواعد الأصوليَّة في الاستدلال، وَهَذِهِ ميزة لا نكاد نجدها في أغلب مُؤَلَّفَات ذَلِكَ العصر عند المغاربة. (انظر مثلا: كِتَاب القسمة وأصول الأرضين لأبي العَبَّاس أحمد بن محَمَّد بن بكر).
الاستشهاد (بعد القرآن وَالسُّنَّة) بأقوال الصحابة وكبار التابعين وَالأَئِمَّة الفقهاء، من الإِبَاضِيَّة وغيرهم، فمن الصحابة نجد مثلا: عائشة، وعمر، وابن عبَّاس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله ... ومن التابعين: الحسن البصري، وابن سيرين، وابن المسيب، والنخعي والزهري، وعمران بن الحصين، وقتادة وعكرمة، وإسحاق. ومن أَئِمَّة الإِبَاضِيَّة: أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وابن عبَّاد، والربيع، وصالح الدهان، ووائل، وأبا المؤرِّج، ومحبوبا، وضمَّاما، وأفلح، وأبا صفرة ... ومن أَئِمَّة المذاهب: جابر بن زيد، ومالك بن أنس، وأبا حنيفة، والشافعيَّ، وأحمد.
ويذكر من مصادره أحيانا: أجوبة الإمام عبد الوَهَّاب (ص34)، وموطَّأ الإمام مالك (ص47)، وَكِتَاب الأموال لابن سلام (ص64)، وَكِتَاب أبي صفرة (ص79)، وَكِتَاب الإشراف لأبي سعيد العماني (ص82)، والتقييد لابن بركة (ص94)، وَكِتَاب أبي سفيان (ص94).
إيراد أقوال الفقهاء المذكورين ـــ وغيرِهم ـــ جنبا إِلىَ جنب، دون غمط لحقٍّ، أو تسفيه لرأي، ويناقش بعلميَّة وموضوعيَّة وهدوء، وهو الأمر الذي يُفتقد في كثير من كتب الفقه القديمة، بل وَحَتَّى في بعض الكِتَابات المعاصرة.
عرض أَدِلَّة الرأي المخالف، حَتَّى يكاد يقتنع القارئ بقُوَّتها، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ الشيخ عَلَى رأي الإِبَاضِيَّة الذي يرتضيه بأدلَّة أخرى ينتصر بها، دون تشنُّج أو تعصُّب، وغرضه من ذَلِكَ كما يقول: « ... (1/119)
صفحة 120
حَتَّى تعرف سقيمها من صحيحها، فتحترز من الفاسد منها، ويكون اعتمادك عَلَى ما قام الدَّلِيل بِصِحَّته منها ... » (20).
عدم الاكتفاء بالإجابة عَلَى السؤال، وَإِنَّمَا يضيف من عنده فوائد فِقهِيَّة، حَتَّى ولو بدت أحيانا بعيدة عن صميم السؤال.
وَهَذَا المنهج المقارِن ـــ باعتبار البيئة الزمانيَّة والمكانيَّة للشيخ ابن خلفون ـــ يعتبر سبقا في التراث الفقهيِّ الإِبَاضِيِّ المغربيِّ، وهو وإن لم يكن أَوَّل من كتب بهذا المنهج بين علماء الأُمَّة، وَلَكِنَّهُ أَوَّل من أرسى قواعده بين إِبَاضِيَّة المغرب، إذ كُلُّ من ألَّف قبله من إِبَاضِيَّة المغرب في الفقه ـ فيما نعلم ـ كان يَهْتَمُّ بإيراد أحكام المذهب وأئمَّته، ولا يلتفت إِلىَ غيرهم (21). وَذَلِكَ ما لم تكن تقبله بعض الذهنيَّات آنذاك بسهولة، وقد أشار إِلىَ هَذَا بقوله: «ونحن في هَذَا [المنهج] مسبوقون غير سابقين، ومتَّبعون غير مبتدعين» (22)، وَكَأَنَّهُ بهذا الكلام ـــ عند تأكيده بِأَنَّهُ متَّبع غير مبتدع ـــ يُلمِحُ إلى ما لاقاه من جفاء بسبب اعتماده هَذِهِ الطريقة الموضوعيَّة.
لقد رسم ابن خلفون منهجا متميِّزا للتحقيق العلميِّ، في التراث الفقهيِّ لإباضيَّة المغرب في القرن السادس الهجريِّ، عند تناوله للقضايا الفِقْهِيَّة المختلف فيها، وتعدُّ أجوبته نموذجا رائعا في الفقه المقارن بين المذاهب، وفي التحلِّي بأدب الخلاف، والحوار الهادئ والرصين، وهو المنهج الذي نما وتطوَّر عبر العصور، وبدت معالمه واضحة في العصر الحديث، بصفة خَاصَّة لدى القطب امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش، من المغاربة، ولدى الشيخ نور الدين السالمي، من المشارقة.
بالإضافة إلى المنهج العلميِّ الذي اتَّبَعَه الشيخ ابن خلفون، فقد تعرَّض إِلىَ بعض القضايا التي لا تزال مثار جدل بين الفقهاء والمشرِّعين، ومن أبرزها: قَضِيَّة الزواج بغير وليٍّ، فكتابه يعتبر من أهمِّ مصادر الإِبَاضِيَّة في الموضوع، نرجو من المشرِّع الجزَائِريِّ أن يأخذه بعين الاعتبار.
وأخيرا، فهل ياترى يوجد من بيننا من الباحثين الجادِّين من يسبق عصرنا، ويؤسِّس ويبدع في المنهج، كما فعل ابن خلفون؟ وإذا وجد فهل نستفيد من تجربة ابن خلفون، فلا نضيِّع طاقات الأُمَّة، كما ضيَّعها شيوخ القرن السادس؟ وبالتالي لا نقصي رأيا ولا منهجا، ولا ... مهما بدت لنا مخالفته لِمَا اعتدناه، وَإِنَّمَا نناقش .. ونتحاور .. في جوٍّ أخويٍّ، وبأسلوب علميٍّ هادئ رصين؟!.
المصادر
1 - الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام (ق6هـ/12م): سير المشايخ، مخطوط بمكتبة الشيخ الحاج صالح بن عمر لَعْلِي، بني يزقن، غرداية، الجزَائِر، 1/ 63ـــ64.
2 - أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي (ق6هـ/12م): أجوبة ابن خلفون، تحقيق وتعليق: الدكتور عمرو خليفة النامي. دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، (1/120)
صفحة 121
1394هـ/1974م، الترجمة في مُقَدِّمَة المحقِّق، ص8ـــ20، متن الأجوبة: ص23ـــ103.
3 - الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد (670هـ/1271م): طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طَلاَّي، دار البعث، قسنطينة، د. ت. 1/ 10؛ 2/ 495ـــ499.
4 - الشمَّاخي بدر الدين أبو العبَّاس أحمد بن سعد: السير، طبعة حجرية، قسنطينة، ص445ـــ447؛ وطبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1407هـ/1987م، 2/ 106ـــ107.
5 - علي يحيى معمَّر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة: الإباضية في الجزائر، صحَّحه
أحمد بن عمر أُوبَكَّة، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، الجزَائِر، 1986م، 2/ 213ـــ221.
6 - باجو مصطفى: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي، رسالة ماجستير، تخصص أصول الفقه، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، الجزَائِر، 1412هـ/1992م، (مرقون)، ص80ـــ81.
7 - جمعِيَّة التُّرَاث (لجنة البحث العلمي): معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، من القرن الأَوَّل الهجري إِلىَ العصر الحاضر، قسم المغرب الإِسلاَمي، الطبعة الثانية، دار الغرب الإِسلاَمِي، 1421هـ/2000م. ج2/ ص487ـــ488، ترجمة رقم 1059.
------------
الهوامش
(*) مصطفى بن محمد شريفي، أستاذ بمعهد الحياة، القرارة.
(2) الدرجيني: طبقات، 2/ 495.
(3) الدرجيني: طبقات، 1/ 10.
(4) الدرجيني: طبقات، 2/ 498.
(5) علي معمَّر: الإِبَاضِيَّة في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، ج2/ص214.
(6) الدرجيني: طبقات، 2/ 495.
(7) معمَّر: المرجع السابق: ص213.
(8) الدرجيني: طبقات، 2/ 498 - 499. الشَّمَّاخِي: السير، ص446.
(9) الدرجيني: طبقات، 2/ 497 - 498. الشَّمَّاخِي: السير، ص446.
(10) الدرجيني: طبقات، 2/ 495.
(11) النامي: مُقَدِّمَة أجوبة ابن خلفون، ص18.
(12) الدرجيني: طبقات، 2/ 499. (13) البرادي: أجوبة ضمن مجموع، مخطوط. نقلا عن: النامي: مرجع سابق، ص15.
(14) بلغنا أَنَّ هذه المكتبة قد تَمَّ إتلافها في ظروف غامضة، ونرجو أن لا يكون هَذَا الخبر صحيحا!!.
(15) النامي: مرجع سابق، ص16.
(16) النامي: مرجع سابق، ص8.
(17) معمَّر: المرجع السابق: ص221. ولم يشر إِلىَ تاريخ نشرها ولا إِلىَ أعداد المجَلَّة.
(18) النامي: مرجع سابق، ص16.
(19) ابن خلفون: أجوبة، ص95 - 96.
(20) ابن خلفون: أجوبة، ص96.
(21) النامي: مرجع سابق، ص8، 17.
(22) ابن خلفون: أجوبة، ص103. (1/121)
صفحة 122
التربية والتعليم في المغرب الأوسط خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى (7 ـــ 9م) الرؤية والمصادر
د/ إبراهيم بن بكير بحَّاز (*)
ت
تقديم: (1)
التعليم، هذه العملية التربوية التي منذ أن ظهرت وهي تعرف تطورات كبيرة واهتمامات واسعة من قبل الباحثين، سواء منهم المختصون مثل علماء النفس التربوي أو الميدانيين وهم أساتذة التعليم في مختلف مراحله أو المؤرخون الذين يتابعون العملية منذ جذورها الأولى عبر حقب التاريخ ودوله أو الصحافيون أصحاب الاهتمام بالحاضر المعيش.
إن الإنسان ظل يتعلم منذ أن علمه الله الأسماء كلها (2) وعلمه ما لم يعلم (3) وظل يأخذ العلم من محيطه جيلاً بعد جيل ولا يزال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
إن موضوع التعليم في المغرب الأوسط، يكتسي أهميته من هذا الاهتمام بالتعليم بصفة عامة، وتبرز (1/122)
صفحة 123
هذه الأهمية عندما نتناول الفترة الأولى للإسلام في المغرب الأوسط، تلك القرون الهجرية الثلاثة الأولى أي القرن السابع والثامن للميلاد. فكيف كان التعليم؟ وما هو منهجُه إن كان له منهج؟ وما هي مراكز التعليم؟ وما هي المواد التي كانت تدَّرس؟ وهل كان هناك نظام تعليم، أو تعليم منظم بعبارة أدق؟
وكل هذه التساؤلات تندرج تحت عنوان كبير هو «التعليم في المغرب الأوسط: الرؤية» ثم بعد ذلك يأتي العنوان الكبير الثاني وهو «التعليم في المغرب الأوسط: المصادر» وفي كلا العنوانين نتناول كما أسلفنا، تلك الرؤية وتلك المصادر خلال فترة القرون الثلاثة الهجرية الأولى.
ومن المعلوم أن الفترة الزمنية من القرن الأول الهجري إلى آخر القرن الثالث منه (7ـــ9م) تضم ثلاث حقب مهمة في تاريخ المغرب الإسلامي، أو لنقل مراحل وهي: مرحلة الفتوح التي تبدأ من منتصف القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي وتنتهي مع نهاية القرن لتبدأ مع بداية القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي مرحلة الولاة التي تنتهي بقيام الإمامة الرستمية عام 160هـ/ 777م، وهكذا تبدأ المرحلة الثالثة التي تغطيها الإمامة المذكورة إلى آخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي إذ سقطت عام 296هـ/ 909م (4).
أولاً: التعليم في المغرب الأوسط: الرؤية:
1ـــ مراكز التعليم:
يعتبر المغرب الأوسط في الغالب ديار زناتة على حد قول ابن خلدون (5)، وزناتة قبيلة بربرية بترية بدوية لا يستقر لها قرار، وبالتالي كانت أبعد من أن تهتم بالتعليم أو تلتفت إليه خاصة في القرن الأول والثاني للهجرة (7ـــ8م) قبل تأسيس كيان الإمامة الرستمية عام 160هـ/777م. ومن هنا يلاحظ ندرة مراكز التعليم في المغرب الأوسط إذ لا تعدو في اعتقادنا بعض المدن الأساسية التي لها دور في الحياة السياسية خلال فترة البحث كمدينة ميلة في إقليم كتامة، وكانت عاصمة المغرب الإسلامي على عهد الفاتح أبي المهاجر دينار
(55 ـــ 62هـ/675م ـــ 681م) وذلك لحوالي ثلاث سنوات 59ـــ61هـ/ 678ـــ680م (6)، ومدينة تيهرت عاصمة الرستميين من 160إلى 230هـ/ 777ـــ808م، ومدينة تلمسان إحدى الولايات الأساسية والمدن المهمة في دولة الأدارسة التي كانت نشأتها عام 172هـ/ 788م واستمرت إلى ما بعد قيام الفاطميين ردحاً من الزمن (7)، وكذلك يمكن ذكر مدينة وارجلان (ورقلة) في هذه الفترة إذ عرفت نشاطاً ثقافياً ملفتاً للنظر خاصة وأنها مدينة صحراوية يقول عنها ابن خلدون: إنها بوابة الولوج إلى المفاوز (8).
ولعل من المراكز التعليمية في المغرب الأوسط تلك المدن التي انفرد بذكرها اليعقوبي أحمد بن واضح (ت 284هـ/ 898م) في بلدانه منسوبة إلى أشخاص علويين (9)، فليس بمستبعد أن يكون (1/123)
صفحة 124
أولئك العلويون كلهم أو جلهم شيوخ علم وتعليم في أحوازهم ومنها مدينة هاز وحيزها، وكانت للحسن بن سليمان الذي ينتهي نسبه عند الحسين بن علي بن أبي طالب، ومتيجة وأحوازها وكانت لرجال من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب يقال لهم بنو محمد بن جعفر وكذلك مدن مدكرة والخضراء وسوق إبراهيم.
إن هذه المراكز التعليمية في المغرب الأوسط، يبدو لنا من خلال رؤيتنا الأولى واطلاعنا على جل مصادر الفترة قيد الدراسة تمثل أهم المراكز وليس كلها، ويلاحظ أنها تتوزع بلاد المغرب الأوسط شرقاً وغرباً ووسطاً وجنوباً، فكيف كان التعليم فيها؟ وما هو منهجه؟
2 ـــ كيف كان التعليم وما هو منهجه؟
أسئلة تطرح نفسها بإلحاح في هذه الرؤية الأولية لعملية التعليم في مغربنا الأوسط، الذي كثيراً ما أهمله المؤرخون قديماً واستصعب دراسته الباحثون حديثاً، والعملية تصعب أكثر كلما توغلنا في الفترات المبكرة للإسلام في ربوع هذا المغرب كما هو الشأن مع بحثنا هذا.
كان التعليم في المغرب الأوسط مثل غيره في شمال أفريقيا في هذه الفترة بالذات، تعليماً دينياً محضاً، على ما يبدو، أو لنقل كان تعليماً ينطلق من الدين وينتهي إلى الدين، ونقصد بالدين هنا: الإسلام دون غيره من الديانات الأخرى، إذ المرحلة مرحلة فتوح، وليس الفتح جنداً يقتحم الأراضي ويستولي على الممتلكات، وإنما هو فتح القلوب للإسلام، هكذا كانت الفتوحات الإسلامية الأولى، لذلك نجحت في مهمتها الدعوية ونجحت بالتالي في مهمة تعليم البربر سكان المغرب الأوسط والشمال الأفريقي كله، تعاليم الدين الجديد، ورغم أن عملية الفتح كانت طويلة نسبياً، إذا ما قورنت بالأقاليم الأخرى المفتوحة، إلا أنها كانت عميقة رسخت الإسلام عقيدة للبربر دون سواها من العقائد والملل، ويهمنا هنا توضيح الرؤية بالنسبة لعملية الفتح بطرح هذه التساؤلات: كيف تمت عملية تعليم البربر الإسلام؟ كيف اقتنع البربر بالإسلام وتخلوا ـــ عن علم ـــ عن دياناتهم السابقة النصرانية واليهودية وغيرها من الديانات؟ هل تعلم البربر عقيدة الإسلام في بيوتهم؟ في الشوارع؟ في الساحات العامة؟ في مواطن قبائلهم؟ في المساجد هذه المؤسسة الجديدة التي رافقت الإسلام؟ في الكتاتيب هذه المؤسسة الجديدة الثانية التي تهتم بالصبيان دون الكبار؟ ما هو المنهج في عملية التعليم هذه؟ هل كان التلقين؟ نظام الحلقة؟ دروس الوعظ؟ نعتقد أنها كلها واردة حاضرة في هذا الوقت المبكر للإسلام في ربوع المغرب الأوسط.
ومع تقدم الأيام والسنين، وبروز المذاهب والفرق، سيتجلى نوع جديد من التعليم وهو حلقات الدعوة والدعاة السرية أو العلنية وهي في عمومها تعليم وإن كان هدفها الدعوة وكسب الأنصار والأتباع، إلا أن وسيلتها كانت التعليم والتعلُّم، فلا بد من شيخ يعلِّم ولا بد من تلاميذ صغاراً كانوا أم كباراً، يتعلمون مبادئ هذه الفرقة أو هذا المذهب، فعملية التعليم بكل عناصرها كانت (1/124)
صفحة 125
حاضرة في هذه الحلقات الدعوية التعليمية.
ولعل بدايتها الأولى انطلقت مع فجر القرن الثاني الهجري / الثامن للميلاد، مع قدوم دعاة الإباضية والصفرية (10) والمعتزلة (11)، ثم استمرت بعد ذلك مع مذاهب المالكية والحنفية (12) وفي الربع الأخير من القرن الثالث الهجري/التاسع للميلاد، برزت الدعوة الشيعية ومجالسها التي سوف تثمر ثورة تنطلق من إقليم كتامة بالمغرب الأوسط وتتسع مشرقاً ومغرباً حتى تهيمن على كامل المغرب الإسلامي تقريباً مع نهاية القرن الثالث الهجري (13).
وإذا تعمَّقنا في هذه الرؤية الأولية، نلاحظ أن تيهرت عاصمة الرستميين، قد تكون أبرز وأهم مراكز التعليم في المغرب الأوسط خلال هذه الحقبة، ليس لأنها مركز التعليم والدراسات الإباضية فحسب، ولكن لأنها كانت مركز تعليم تعاليم المذاهب الأخرى كالمالكية والحنفية (14)، وربما المعتزلة والشيعة، إذ كانت لهم حلقتهم في مساجدهم ورحابهم مثلما كان للإباضية تماماً، وأكثر من ذلك نجد بعض المشايخ فتحوا بيوتهم (مدارس) و (معاهد) لنشر علوم اللغة العربية والحديث النبوي (15) بعيداً عن مجالس الدعوة والدعاة شبه الضيقة التي لا يأوي إليها إلا أصحابها وأتباعها.
لقد كانت تيهرت الرستمية في المغرب الأوسط كالقيروان في المغرب الأدنى أو فاس في المغرب الأقصى، و لعل دراستنا ستجلي جانباً من هذا الدور الكبير الذي لعبته تيهرت في عملية التعليم وسيتجلى للقارئ مدى البعد العميق والأثر الحضاري الذي تركته تيهرت في الأجيال من خلال عملية التعليم والتعلم.
إن هذه العملية المستمرة دون توقف يتراءى لنا أنها مرت بالدعوة الإسلامية عامة كبداية ثم تلقيناً للقرآن الكريم حفظاً لأداء الشعائر كالصلاة أو حفظاً من أجل حفظ كتاب الله وتلاوة كلامه، وذلك في المساجد بالنسبة للكبار وفي الكتاتيب التي ألحقت بالمساجد في وقت مبكر من الإسلام ببلاد المغرب الأوسط، بالنسبة للصغار، وهكذا وبتلقين كتاب الله، يتم من خلاله تلقين لسان العرب الفصيح نطقاً وتداولاً قبل أن يكون نحواً وصرفاً، فهذه العملية الأخيرة، يبدو لنا أنها لم تبدأ في المغرب الأوسط إلا مع بدايات القرن الثالث الهجري التاسع للميلاد، وفي مدينة تيهرت دون غيرها من المراكز التعليمية الأخرى، لأن تعلم اللغة العربية بقواعد النحو والصرف برز متأخراً في المشرق فضلاً عن المغرب واختصت به في البداية مدينتا البصرة والكوفة دون غيرهما من حواضر المشرق والمغرب الإسلاميين، وبعد فترة عم ذلك الاختصاص من التعليم الذي احتاج إليه العربي والبربري والأعجمي على حد سواء، ومن هنا كانت تيهرت إحدى مراكز تعليم اللغة العربية الفصيحة لما كثر اللحن في اللغة، بل إن طبيعة البلاد تقتضي وجود هذا التعليم جنباً إلى جنب مع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا نلج مبحثاً آخر ونطرحه سؤالاً فنقول:
3 ـــ ما هي المواد المدرَّسة في التعليم بالمغرب الأوسط؟: (1/125)
صفحة 126
سبق أن أشرنا إلى طبيعة التعليم في بلاد المغرب الإسلامي عموماً وقلنا بأنها كانت طبيعة دينية محضة، تنطلق من الدين وتنتهي إلى الدين، والحقيقة أن المواد المدرسة في هذا التعليم الذي نحن بصدد رسم معالمه الكبرى ووضع رؤيته التقريبية، لا يخرج من هذا الإطار الديني عموماً.
إنَّ أول مادة يتعلمها الكبير والصغير البالغ، هي العقيدة الإسلامية، فلا بد من النطق بالشهادتين ومعرفة حقيقة الله الواحد الأحد ونبوة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وتعلم أداء الصلاة قرآناً وأذكاراً وحركات، كيف تم هذا التعليم؟ سؤال سبق أن طرحناه ولا بد له من جواب لتوضيح الرؤية التي نحن بصددها، ثم هل يعتبر هذا الدخول في الإسلام علماً وتعلماً؟ أسئلة ندخر الجواب عنها لما بعد هذه الرؤية والمصادر المتعلقة بالتعليم في المغرب الأوسط.
المادة الثانية التي تفرض نفسها في هذا التعليم، لا بد أن تكون مادة القرآن الكريم تلقيناً وحفظاً وتلاوة.
المادة الثالثة، يبدو لنا، أنها بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعقل أن تغيب عن هذا التعليم الديني إطلاقاً، ويظهر أن هذه الأحاديث تعطى للتلاميذ تلقيناً وحفظاً مكمِّلة لتلقين القرآن الكريم، وهو كلام الله كما هو معروف.
المادة الرابعة، والتي لا بد أنها كانت حاضرة في التعليم ببلاد المغرب الأوسط، ولكن بعد تقدُّم السنين، هي مادة اللغة العربية الفصيحة التي احتاج إليها المسلمون كضرورة عقدية وتعليمية، فبالعربية يُتلى كتاب الله وبالعربية تتم عملية التعليم من أساسها.
المادة الخامسة، التي يبدو لي أنها أساسية في التعليم ببلاد المغرب الأوسط بخاصة وببلاد الإسلام بعامة، هي مادة الفقه في الحلال والحرام، الجائز والمكروه، الحق والباطل في الإسلام، فقد شغلت هذه القضايا المسلمين ولا تزال منذ أن التحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وفتحت الأقاليم للإسلام، واعتنقت مختلف الشعوب الدين الجديد، فاحتاجت إلى معرفة فقهه.
ولعل الاهتمام بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الخلفاء الراشدين والصحابة وجهادهم في سبيل الله يشكِّل الإرهاصات الأولى لمادة التاريخ، ويضاف إلى أولئك ـــ فيما بعد ـــ مناقب رجال المذاهب وأئمتها ومن على شاكلتهم من كبار التابعين أو من أبرزته الأحداث السياسية كمعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن مروان، وأبي جعفر المنصور، وهارون الرشيد، وغيرهم كثير.
فهذه أهم المواد التي يتراءى لنا أنها كانت متداولة في عملية التعليم الأولى ببلاد المغرب الأوسط مع مجيء الإسلام إليه في البداية ثم استقراره وقيام أول دولة إسلامية مستقلة في ربوعه.
4ـــ هل كان التعليم منظماً؟: (1/126)
صفحة 127
من النظرة الأولى، يبدو لنا التعليم ـــ في هذه الحقبة من الزمن ـــ بسيطاً بساطة المجتمع المغربي بعامة ومجتمع المغرب الأوسط بخاصة، إذ يشكل البتر وهم البدو، شطره الأكبر، وبساطة هذا التعليم، يمكن تبريرها أيضاً بوضعية العالم الإسلامي كله، إذا استثنينا منه كبريات الحواضر في الإسلام كمكة والمدينة والبصرة الكوفة وبغداد ودمشق والقيروان وقرطبة، فما عداها يظهر لنا أن التعليم فيها ابتدائي مبتدئ إن صحَّت العبارة، لم يرق بعدُ إلى اهتمام الحكام به ولا الإنفاق عليه، فالوقت جدُّ مبكر لهذا الإجراء، فالتعليم لم يكن منظماً ولا نظامياً، وإنما كانت تحتكم فيه رغبات الناس وميولهم بحسب اهتمامهم بالعلم وتلقيه، أو اهتمامهم بالعلم وتلقينه وإعطائه، فالأول طالب علم والثاني شيخ علم، ولا نعتقد أن زماناً خلا من الصنفين معاً في يوم من الأيام، ومن هنا وجدنا في مصادرنا التي بين أيدينا الكثير من طلاب العلم الذين انتقلوا من مواطنهم بحثاً عن العلم، كما وجدنا الكثير من المشايخ بل ومن الأئمة الذين جلسوا للعلم يعطونه في حلقاته بالمسجد أو حتى في بيوتهم.
لقد كان التعليم بالمغرب الأوسط في القرون الهجرية موضوع الدراسة، في بداياته الأولى، يضع الأسس لتعليم مستقل، فمن وجد في نفسه القدرة على التعليم تقدم وقصده طلاب العلم، ومن وجد في نفسه الرغبة في التعلُّم، تقدم نحو المشايخ للاستزادة من العلم، ويبدو لنا أن الرغبة كانت كبيرة في شباب تلك القرون لأخذ العلم، خاصة وأنه اصطبغ بالتنافس المذهبي والجدل الفقهي وحتى العقدي من خلال أصول كل مذهب من المذاهب الإسلامية التي كانت تتبارى في الساحة الإسلامية آنذاك.
ثم هل كان الأولياء يأخذون أبناءهم إلى الكتاتيب؟ في هذه المرحلة المتقدمة من التاريخ الإسلامي بالمغرب الأوسط أم كان المعلمون هم الذين يعرضون علمهم القرآني والحديثي على الأولياء من خلال رسالة المسجد التربوية التعليمية؟
سؤال يطرح نفسه هنا بقوة، ولا بد له من إجابة، قد نجدها في مصادرنا أو نجد ما يشير إليها عرضاً يحتاج إلى إعمال فكر وتخمين، وفي كلتا الحالتين ستعطينا أضواءً تخدم موضوع بحثنا الرئيس.
ثانياً: التعليم في المغرب الأوسط: المصادر
إن المصادر التي تناولت تاريخ المغرب الأوسط مستقلاً في قرونه الأولى قليلة جداً تكاد تنعدم، إلا أنها في عمومها هي تلك المصادر التي تناولت تاريخ المغرب الإسلامي عموماً مثل كتب الفتوح وكتب الطبقات، وكتب التاريخ العام أو التاريخ المذهبي وكتب الجغرافيا.
ورغم أن هذه المصادر تتناول المغرب الإسلامي عموماً إلا أننا نلاحظ عليها اهتمامها الأكبر بالمغرب الأدنى دون المغربين الأوسط والأقصى. وذلك راجع بالدرجة الأولى إلى وجود الدولة الموالية للخلافة الإسلامية بالمشرق كفترة الولاة (96هـ/184هـ) وفترة الأغالبة (104هـ/ 296هـ)، وكلتاهما كانت القيروان عاصمة لهما، فكان الاهتمام بهذا الإقليم وحدود دولة (1/127)
صفحة 128
الأغالبة السمة البارزة على أغلب مصادر التاريخ الإسلامي التي اهتمت ببلاد المغرب. ويذكر اليعقوبي (16) أن جيوش العباسيين لم تتجاوز منطقة الزاب في شرقي الجزائر حالياً، وبالتالي ظهر لدينا أن المؤرخين هم أيضاً لم يتجاوزوا هذا الحد عند تناولهم لتاريخ المغرب وكأنهم جندٌ في الجيوش التي جاءت من المشرق، إلا أن الجغرافيين، ولما كانت صفتهم المغامرة، توغلوا في بلاد المغرب، وأفادونا بالكثير عن المغرب الأوسط ومُدُنه وأوضاعه وبعض قبائله والأُسَر التي انتقلت إليه أو التي حكمته وما إلى ذلك من الأخبار التي لا يستغني عنها باحث في التاريخ الإسلامي.
بالإضافة إلى هذه المصادر الجغرافية، نلاحظ أن تاريخ المغرب الأوسط في قرونه الأولى، أنقذته مصادر طبقات وتاريخ الإباضية لما اهتمت بدولتها الرستمية في تيهرت وبعض مناطق المغرب الأوسط كمنطقة ريغ وسوف ووارجلان.
وإذا جئنا إلى التفاصيل، فإن مصادر الفتوح ككتاب «فتوح إفريقية» لمحمد الواقدي (17) (ت207هـ/822م) وكتاب «فتوح البلدان» للبلاذري (18) (ت279هـ/ 892م) وكتاب «فتوح إفريقية والمغرب» لابن عبد الحكم (19) (ت257هـ/ 870م) كلها تعطينا صوراً عن تعليم البربر الإسلام، كيف تقبَّلوه واستقبلوه وهي صور في مجملها غير واضحة إلاَّ أن الباحث بإمكانه أن يُعمل العقل للخروج ببعض الاستنتاجات التي تخدم موضوع التربية والتعليم الذي نحن بصدد التأريخ له بمغربنا الأوسط.
ويأتي في المقام الثاني كتب الطبقات المذهبية ككتاب «طبقات علماء إفريقية وتونس» لأبي العرب أحمد بن تميم (20) (ت333هـ/ 944م) وكتاب «طبقات علماء إفريقية» للخشني محمد بن الحارث (21)
(ت 361هـ/ 971م) وكتاب «رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية» للمالكي أبي بكر عبد الله بن أبي عبد الله (22) (ت 484هـ/ 1091م) أو كتاب «معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان» للدباغ أبي زيد عبد الرحمن الأنصاري (23) (ت696هـ/ 1296م)، وهذا من جهة المالكية، وأما من جهة الإباضية فهناك كتاب «سير الأئمة وأخبارهم» لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر الوارجلاني (24) (ت471هـ/1078م) وكتاب «سير الوسياني» لأبي الربيع
سليمان بن عبد السلام (25) (ق6هـ/ 12م) وكتاب «طبقات المشايخ بالمغرب» لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (26) (ت حوالي 670هـ/ 1271م) وكتاب «السيَر» لأبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي (27) (ت 928هـ/ 1521م) ويضاف إليها كتاب «السيَر» للمزاتي أبي الربيع سليمان بن يخلف (28) (ت 471هـ/ 1078م) و «سير نفوسة» لمقدين البغطوري (29)
(حي في 599هـ/ 1201م). (1/128)
صفحة 129
فهذه المصادر المذهبية اهتمت كثيراً بالعلم والتعليم والعلماء وما يتبع ذلك من حلقات العلم ونظمها وأنواع التعليم واختصاصاته ومراحله وأعمار المتعلمين وما إلى ذلك من هذه الأخبار.
ومن المصادر كذلك في تاريخ التعليم بالمغرب الأوسط، كتب التعليم العام والخاص كـ «أخبار الأئمة الرستميين» لابن الصغير (30) (حي ق 3 هـ/ 9م) وكتاب «بدأ الإسلام وشرائع الدين» لابن سلام (31) (حي ق3هـ/9م) و «تاريخ إفريقية والمغرب» للرقيق القيرواني (32)
(ق 5 هـ/11م) يضاف إليها «البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» لابن عذاري المراكشي (33)
(ت ق7هـ/13م) و «العِبَر» لابن خلدون (34) (ت 808هـ/ 1405م)، وكذلك «نهاية الأرب في فنون الأدب» للنويري (35) أحمد بن عبد الوهاب (ت 732هـ/ 1332م).
هذه المصادر وخاصة منها كتاب
ابن الصغير، تعتبر أهم المصادر التاريخية المباشرة في موضوعنا المتعلق بالتربية والتعليم، وتشير نصوصه إلى مواضيع التعليم وإن كان هذا التعليم للمراحل العليا، إن صح التعبير ... أما المصادر الأخرى المذكورة فإننا نتوقع أن تحمل شيئاً قد نستشف منه ما يهم موضوع الدراسة.
وإذا جئنا إلى المصادر الجغرافية، كاليعقوبي (36) أحمد بن أبي يعقوب (ت 284هـ/ 898م) في كتابه «البلدان» الذي ألفه بعد جولته في المغرب الإسلامي عموماً وفي المغرب الأوسط منه بخاصة، وذلك في أواخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي وكابن حوقل أبي القاسم النصيبي (37) (ت 368هـ/ 978م) في كتابه «صورة الأرض» والمقدسي شمس الدين أبي عبد الله محمد البنا (38) المتوفى عام 388هـ/ 998م في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، والبكري أبي عبيد الله (39) (ت 487هـ/ 1094م) في كتابه «المُغرب في ذكر بلاد إفريقية والمَغرب» علماً بأنه استقى مادة جغرافيته من محمد بن يوسف المشهور بالورَّاق المتوفى عام 363هـ/973م فهو قريب من فترة بحثنا، وكثيراً ما اهتم بأحداث المغرب الأوسط وأخباره، واحتفظ لنا البكري بالكثير منها.
ويمكن الاستئناس بكتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للأدريسي (40) المتوفى عام (548هـ/ 1153م) وكتاب «الاستبصار في عجائب الأمصار» لمجهول (41) كان حياً في القرن السادس الهجري / الثاني عشر للميلاد.
إن هذه المصادر الجغرافية في عمومها، تحمل إشارات لما يمكن أن يخدم موضوع بحثنا، خاصة وأنها تناولت المغرب الأوسط وأقاليمه ومدنه بعكس كتب التاريخ التي لم تتجاوز ـــ كما أسلفنا ـــ منطقة الزاب في شرقي الجزائر (المغرب الأوسط).
ويمكن أن نضيف إلى هذه المصادر كتب الفقه المالكي والإباضي التي أُلفت في المغرب الإسلامي (1/129)
صفحة 130
ككتاب محمد بن سحنون بن سعيد (256هـ/ 869م) (42) «أدب المتعلمين» وكتاب «الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين» لأبي الحسن علي القابسي (43) المتوفي عام 403هـ/ 1061م، وقبل هذا وذاك يمكن العودة إلى «المدونة الكبرى» لسحنون بن سعيد التنوخي (44)
(ت 240هـ/ 854م) الذي عاش في القرن الثالث الهجري التاسع للميلاد وأثَّر بقوة شخصيته ووظيفته كقاضٍ بالقيروان أيَّما تأثير، في الحياة التعليمية للمغرب الإسلامي عموماً.
أمَّا المصادر الإباضية فيمكن العودة إلى كتاب «مسائل نفوسة» للإمام عبد
الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (45)
(ت 208هـ/ 823م) وكتاب «العدل والإنصاف» لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (46) (ت510هـ/1174م) وكتاب «قناطر الخيرات» لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (47) (ت 750هـ/ 1349م) وغيرها من هذه المصادر الفقهية.
مجمل القول، إنَّ المصادر التي بين أيدينا والتي تشكِّل أهم مصادر الفترة موضوع الدراسة أي القرون الثلاثة الهجرية الأولى (7ـــ9م)، نرى أنها قد تغطي جوانب مهمة من التعليم في المغرب الأوسط، إلاَّ أن النقص سيكون ظاهراً وملموساً، لأن الموضوع موغل في القدم من حيث بداية الإسلام ببلاد المغرب وهو كذلك يهتم بالمغرب الأوسط بالذات وهو المغرب الأقل حظاً في كتابات المؤرخين .. ثم إنَّ التعليم كموضوع لم تبرُز اهتمامات الباحثين به إلاَّ في المدة الأخيرة بالنسبة للمغرب الإسلامي عموماً.
د. إبراهيم بحاز
-----------------------
الهوامش
(*) الدكتور إبراهيم بن بكير بحاز، أستاذ بكلية التربية، نزوى، سطنة عُمان.
(2) انظر سورة البقرة، آية 31: ?وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلآَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلآءِ ان كُنتُمْ صَادِقِينَ?.
(3) انظر سورة العلق، آية 5.
(4) عن المراحل الثلاث انظر ابن عذاري: «البيان»، الجزء الأول، عبد الحميد سعد زغلول: «تاريخ المغرب العربي»، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر 1979م.
(5) ابن خلدون، «العبر»، 6/ 120، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1413هـ/ 1992م.
(6) عبد العزيز ميلالي وإبراهيم بحاز: «مدينة ميلة في العصر الوسيط»، دار البلاد للخدمات، قسنطينة، 1998م، ص 14 وما بعدها. (1/130)
صفحة 131
(7) عن الأدارسة انظر: محمود إسماعيل (الدكتور): «الأدارسة 172ـــ 375هـ، حقائق جديدة»، مطبعة مدبولي، القاهرة، 1991م.
(8) ابن خلدون: «العبر»، 7/ 107. منشورات دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط3، 1968.
(9) اليعقوبي أحمد بن واضح، «البلدان»، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1408هـ/ 1988م، ص 108ـــ109.
(10) الدرجيني، «طبقات المشايخ بالمغرب»، تح: إبراهيم طلاي، دار البعث، قسنطينة، 1975م، 1/ 11.
(11) القاضي عبد الجبار وآخرون، «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة»، تحقيق فؤاد رشيد، الدار التونسية للنشر، تونس، 1974م، ص 137.
(12) عبد العزيز المجدوب: «الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية»، الدار التونسية للنشر، تونس، 1971، ص 21.
(13) القاضي أبو حنيفة محمد بن محمد النعمان، «افتتاح الدعوة»، تح: فرحات الدشراوي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986م، ص 112، المؤلف نفسه، «المجالس والمسايرات»، ص 41.
(14) ابن الصغير، «أخبار الأيمة الرستميين»، المطبوعات الجميلة، الجزائر، ص 13، 32، 57، 92. وانظر: الشماخي أبو العباس أحمد: «كتاب السير»، طبعة تونس، 1995، ص 143 وما بعدها.
(15) ابن الصغير، المصدر نفسه، ص ص 82ـــ84
(16) اليعقوبي، «البلدان»، ص 103.
(17) محمد الواقدي، «فتوح إفريقية»، المطبعة العمومية، تونس، 16/ 1315.
(18) البلاذري أحمد بن يحيى، «فتوح البلدان»، تح: عبد الله الطباع، دار النشر للجامعيين، 1957.
(19) ابن عبد الحكم أبو محمد بن عبد الله، «فتوح إفريقية والأندلس»، تح: أنيس الطباع، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1964.
(20) أبو العرب أحمد بن تميم: «كتاب طبقات علماء إفريقية وتونس»، تح: علي القنابي وآخر، الدار التونسية للنشر، تونس، 1968م.
(21) الخشني محمد بن الحارث، «كتاب طبقات علماء إفريقية»، دار الكتاب اللبناني، بيروت، بلا ت.
(22) المالكي ابو بكر عبد الله: «رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية»، تح: بشير البكوش، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983م. (1/131)
صفحة 132
(23) الدباغ أبو زيد عبد الرحمن، «معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان»، تصح: إبراهيم شبوح، المكتبة العتيقة، تونس، ط2/ 1993م.
(24) أبو زكريا يحيى الوارجلاني، «سير الأئمة وأخبارهم»، تح: إسماعيل العربي، الجزائر، 1979.
(25) الوسياني أبو الربيع سليمان، «سير الوسياني»، مخ بحوزتي.
(26) الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد، «طبقات المشايخ بالمغرب»، تح: إبراهيم طلاي، جزءان، مطبعة البعث. قسنطينة، 1974م.
(27) الشماخي أحمد بن سعيد، «السيَر»، طبعه حجرية، قسنطينة 1301هـ.
(28) المزاتي أبو الربيع سليمان بن يخلف، «السيَر»، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر.
(29) البغطوري مقرين بن محمد، «سيرة أهل نفوسة». مخ، بحوزتي.
(30) ابن الصغير، «أخبار الأيمة الرستميين»، المطبوعات الجميلة، الجزائر، 1986.
(31) مؤلفه هو: لواب بن سلام، وطبع بعنوان آخر هو: «الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية». تح: سالم بن يعقوب وشفارتز. دار اقرا، بيروت، 1985م.
(32) الرقيق أبو إسحاق إبراهيم، «تاريخ إفريقية والمغرب»، تح: د. عبد الله العلي الزيدان وآخرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990.
(33) ابن عذاري المراكشي، «البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب»، تح: بروفنصال وآخر، بيروت، 1948م.
(34) ابن خلدون عبد الرحمن، «العبر وديوان المبتدأ والخبر»، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1968م.
(35) النويري أحمد بن عبد الوهاب، «نهاية الأرب في فنون الأدب» (تاريخ المغرب الإسلامي في العصر الوسيط)، تح: مصطفى أبو ضيف، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1984م.
(36) اليعقوبي، أحمد بن واضح، «البلدان»، ط3، النجف، 1377هـ/ 1917م.
(37) ابن حوقل، «صورة الأرض»،ط2، مطبعة بريل، ليدن، 1938م.
(38) المقدسي، «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، ط2، مطبعة بريل، ليدن، 1906م.
(39) البكري أبو عبيد الله، «المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب»، جزء من كتاب المسالك والممالك، مكتبة المثنى، بغداد، عن طبعة الجزائر، 1857.
(40) الإدريسي الشريف، «وصف إفريقيا الشمالية والصحراوية» مأخوذ من كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، تح: هنري بيريس، الجزائر، 1957م.
(41) مجهول، «الاستبصار في عجائب الأمصار»، تعليق سعد زغلول، مطبعة جامعة الإسكندرية، 1958م.
(42) محمد بن سحنون بن سعيد، «أدب المعلمين»، تونس.
(43) القابسي أبو الحسن علي، «الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين»، تح: أحمد فؤاد آل هواني، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1955م.
(44) سحنون بن سعيد، «المدونة الكبرى»، دار صادر، بيروت، 1323.
(45) عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، كتاب «مسائل نفوسة»، تح: إبراهيم طلاي، المطبعة العربية، غرداية، 1991م.
(46) أبو يعقوب يوسف الوارجلاني: «العدل والإنصاف»، تحقيق د. عمرو خليفة النامي، مصورة بحوزتي.
(47) إسماعيل الجيطالي، «قناطر الخيرات»، المطبعة العربية، غرداية، بلا تاريخ. (1/132)
صفحة 133
أسس التربية والتعليم بمعهد الحياة
أ/ حميد أوجانة سليمان (ملالي) (*)
تمهيد:
لقد لُقِّب هذا العصر بعصر التربية والتعليم لأنَّه شهد نهضة عظيمة في هذا الميدان بالرغم من تقدُّم أساليب التربية والتعليم والطرق البيداغوجية، إلاَّ أن الكثير من المربين الصالحين المعاصرين لم يقتنعوا بهذه النهضة لأنَّهم اكتشفوا أنَّ المؤسسات التعليمية علَّمت ولم تُربِّ .. أخرجت وكوَّنت "كمبيوترات" تمشي على رجلين وليس نشأً صالحًا يُعتمد عليه في تعمير هذه الأرض واستغلال ما تعلَّمه لصالحه، ولصالح الإنسانية، فصاروا يبحثون عن أجدى الطرق للتربية، وتوصَّلوا أخيرًا إلى أنَّه يجب التفريق بين التعليم والتربية؛ فالتعليم هو إيصال المعلومات إلى عقل الطالب وتزويده بكمية منها واكتشافها أو ترسيخها بالطرق الحديثة المشوِّقة، وهذا ما تقوم به الوسائل التعليمية المختلفة إذاوجدت يدًا ماهرة وفكرًا وقَّادًا يستغلُّها لصالح المتعلِّم. أمَّا التربية فهي تطبيق فنٍّ دقيق، غايته الأساسية وربَّما الوحيدة «أن يُكوِّن من ولد اليوم رجل الغد، ويكيِّف جسم الناشئ وعقله وخُلُقه، حتى إذا كبر صار قادرًا على أن يُسعد نفسه بنفسه، وأن يمشي بها إلى الأمام دون دليل أو مرشد» (2)، وهذا ما أقرَّته الاتجاهات الحديثة في مفهوم التربية والتعليم، واختار الكثير من المربين المحدثين تبني كلمة "التربية" بمعناها السابق الذِّكر، وإضفائه على كلِّ ما يمتُّ بصِلة إلى التربية وإلى التعليم، سواء بالنسبة للوزارات أو المؤسسات أو الوسائل التعليمية كالأفلام وغيرها. (1/133)
صفحة 134
وأنا بدوري اقتنعتُ بهذا المفهوم الحديث للتربية وصرتُ أبحث عمَّن يطبِّقه فاكتشفتُ -وأنا أعني ما أقول -اكتشفت أنَّ هدف التربية والتعليم بمعهد الحياة وبعض الأساليب التي يستعمها في تربية النشء الصالح تتماشى والنظريات الحديثة في التربية كما لمسنا كذلك في مؤسسيه وعلى رأسهم الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله، وفي مسانديه أمثال: الشيخ عدُّون حفظه الله، طرُقًا تربوية جديرة بالتنويه بها.
وتحاشيًا للإطالة، ونظرًا لاتِّساع مجال المقارنة بالتربية الحديثة، ركَّزتُ على الأسس التي يجب أن تُشيَّد عليها كلُّ مؤسَّسة تعليمية ناجحة؛ مثل الهدف الواضح، والموقع الملائم للمؤسسة، أو الإدارة الكفأة، والأساتذة الصالحون، والمنهج التربوي المرن، والوسائل التعليمية المختلفة، والوسائل الناجعة لتقييم وإصلاح الطلبة.
وأخيرًا أودُّ أن أشير إلى أنَّنا إذا اهتممنا بأسلوب التربية والتعليم في معهد الحياة، فهو اهتمام بأسلوب التربية والتعليم في الجزائر، لأنَّه فعلاً ساهم في نهضة الجزائر الحديثة برجاله الذين وصفهم بسَّام العسلي بقوله: «ولقد عرف عن الرجال الذين دفعهم معهد الحياة إلى الحياة العامة بإخلاصهم لدينهم ووطنهم، وكفاءتهم وصلاحهم وجهادهم المخلص، وعملهم ابتغاء مرضاة الله وحده، واشتهر عنهم في حرب التحرير"الثورة الجزائرية" شجاعتهم وتضحيتهم؛ لقد نزلوا إلى الميدان العملي بحماسة كبيرة وحب للعمل شديد؛ إنَّها الرغبة في الجهاد في سبيل الله! فسدُّوا أهم الثغور في الأمة، فكان منهم العزابة المثقفون الأكفاء، والمدرسون المخلصون الناجحون، والتجار الأمناء، والفلاحون الناشطون، ومنهم رؤساء البلديات الذين كانوا سورًا منيعًا للدين والوطن يردُّون عنه كيد الاستعمار، ويحمونه من شر الجامدين وفساد المفسدين. ومن تلاميذ المعهد من لم ينل من العلم شيئًا كثيرًا لضعف مواهبه، ولكنه نال قسطه من التربية كاملاً، فكان رجلاً صنديدًا في مجتمعه» (3).
وأعتبر تكليفي بهذا الموضوع تشريفًا لي، وذلك ــ أوَّلاً ــ كمحاولة لإبراز طريقة التربية الصالحة التي يتبناها معهد الحياة التي آن الأوان للتعريف بها ولو بعد نحو ثمانين سنة.
وثانيًا: كوسيلة لتقييم طريقتنا في التربية والتعليم بمعهد الحياة بعد هذه المسيرة الطويلة.
وكلُّ محاولة معرَّضة للفشل أو التوفيق، فإن فشلت فيكفيني أنِّي أرضيت ضميري، وأرجعتُ بعض الحقوق التي عليَّ لأساتذتي ومشايخي بمعهد الحياة؛ منهم من قضى نحبه رحمه الله، ومنهم من ينتظر أطال الله عمره ونفع به الأمَّة. كما أني رسمتُ طريقًا لمن يكمل المشوار في إبراز ما كمن عني في ميدان التربية والتعليم بهذه المؤسسة التعليمية العريقة والعظيمة، وإن وُفِّقت فذلك من فضل ربي.
موقع معهد الحياة:
من المعلوم أنَّ لموقع المؤسسة التربوية تأثيرًا كبيرًا في نفوس الطلبة، وللبيئة المحيطة به أثر بليغٌ في سلوكهم وفي دراستهم، لذلك ينصح علماء التربية الحديثة بأن تُبنى المؤسسات التعلمية وسط البيئة (1/134)
صفحة 135
التي تؤثر في اختصاص الطلبة.
فالمعاهد الفلاحية مثلاً يجب أن تبنى وسط حقول وبساتين يُنشئها الطلبة بأنفسهم ويُطبقون فيها ما تعلَّموه نظريًّا، وهكذا بالنسبة للمعاهد العلمية بحيث يشاهد الطالب بحواسه ما استوعبه بفكره، وهذا ما أدَّى بمشايخنا إلى اختيار المساجد لتدريس المواد الدينية وإقامة دور العلم بجوارها كما وقع بالنسبة لمعهد الحياة.
يقول الشخ محمد علي دبوز رحمه الله: «معهد الحياة يعتني بالتربية الدينية والخلُقية كلَّ الاعتناء، ويتوسَّل في ذلك بكلِّ الوسائل، ويغرس الدين والخلق في تلاميذه بكلِّ الأسباب، ومن أهمِّها البيئة الدينية الصالحة التي يعيش فيها الطلبة. والمسجد بمعانيه ووقاره وما يشعر الطالب فيه، من أكبر الأسباب التي تقوِّي فيه الروح الدينية وتُعوِّده الذكر لله كلَّ حين، وتجعل طلبه للعلم لوجه الله الكريم، وإذا كان الدين المكين هو أساس كلِّ الأخلاق الفاضة الثابتة، فبيئة المسجد هي أقوى عاملٍ في خلق الدين في النفوس» (4).
وهذا تأييدًا لما قاله الشيخ بيوض عندما ألقى كلمة بمناسبة توسيع معهد الحياة وهو بجوار المسجد (5): «لقد آثرنا أن يكون معهدنا بجانب المسجد متَّصلاً به لينشأ أبناؤنا في جوٍّ ديني يصبغهم، في استطاعتنا أن ننشئ معهدًا فخمًا واسعًا في الضاحية الجميلة، ولكن هذا المعهد لا يكون له بعض الفوائد التربوية الكبرى التي هي لهذا المعهد الذي يملؤه المسجد بروحه. إنَّ بعض الناس الذين لا يعرفون، يحكمون بعيونهم لا بعقولهم وعلمهم، فيُؤثرون القشور الفارغة ويزرون بالسلف الصالح الذين اختاروا لمعاهدهم أن تكون بجوار المسجد، إنَّ أولئك الأغرار لا يعرفون شيئًا وإن ادَّعوا المعرفة».
وفعلاً هذا ما أثبته التاريخ وأظهرته الأيام بأن المسجد قد حافظ على كيان المعهد وأثَّر تأثيرًا كبيرًا في طلبته، والفضل الكبير يرجع إلى الهيئة التدريسية التي كان ينتقيها الشيخ بيوض ويكوِّنها ويغرس فيها من صفاته حتى تصبح جديرة بلقب "الهيئة التدريسية الصالحة". لنتعرَّف الآن على الأستاذ الصالح بمعهد الحياة.
الأستاذ الصالح:
من المعلوم أنَّ الكفاءة في التدريس ليست كلَّ شيءٍ خاصَّة في هذا العصر الذي كثر فيه حاملوا الشهادات وذوو الكفاءات، ولكن ما تتطلَّبه التربية الحديثة الآن هو الصلاح. يقول أحد المربين المحدثين الذي مارس التربية والتعليم بعد أن حاز على شهادات عليا في تخصُّصه هذا: «إنَّ المعلمين الصالحين في جميع الأقطار العربية هم الأقليَّة بين أفراد الهيئة التعليمية لا الأكثرية كما يخيَّل إلى بعضنا، وهذه حقيقة جارحة بل مؤلمة، وهذه الحقيقة لمستها بنفسي خلال خدمتي في حقل التربية والتعليم ـــ الرسمي والخاص ـــ مدَّة طويلة، أمَّا أسباب هذا التدهور في كفاءات المعلمين (1/135)
صفحة 136
فعديدة، ولعلَّ في طليعة تلك الأسباب أنَّ المسؤولين في وزارات المعارف وإدارات المعاهد العلمية لا يشدِّدون على شخصية المعلِّم عند انتقائه والتعاقد معه، فكأنَّهم بذلك "يُعَيِّنون" الشهادة لا حاملها».
وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد على دبوز (6): «كان الشيخ بيوض منذ افتتاح المعهد يتمنى له الاتساع وأن يكون فيه أساتذة كثيرون من أبنائه، وكان يبوح لخاصَّته وتلاميذه النبغاء بهذه الأمنية في كلِّ مناسبة، وكان يتمسَّك بالنبغاء والموهوبين من تلاميذه في المعهد، ويُعِينهم بكلِّ وسائله لينضجوا في العلم ويعطوا أنفسهم له، فيجعل منهم أعوانه وخلفاءه في المعهد، وقد حقَّق الله آمال الشيخ فنبغ من تلاميذه في العلم طائفة حملت الأثقال معه، وتولَّت التربية والتعليم في معهد الحياة».
إذن فالشيخ بيوض كان يلقِّن أساليب التربية الصالحة لتلاميذه نظريًّا وعلميًّا، بل عمليًّا أكثر، وهذا ما يصوره لنا الشيخ محمد علي دبوز (7): «كان الشيخ بيوض وثيق الصلة بتلاميذه، يقضي معهم معظم الوقت، وكان يحبُّهم ويأنس بهم، يتمنَّى ألاَّ يفارقوه، وإذا غاب أحدهم قلق لغيابه وسأل عنه، وكان يتنزَّل إلى مستواهم فيُشاركهم وجدانهم ويداعبهم ويرفِّه عنهم، ويعاملهم معاملة الأصدقاء المقرَّبين».
ويقول: «انظر إلى صفائه ونقاء صدره وشدَّة حبه لتلاميذه في قوله في إحدى توجيهاته: "يسرُّني أن أرى بعضًا منكم رأس جماعات، ويتصدَّر المجالس ولم يظهر له شارب"، وفي قوله: "أريد من كلِّ واحدٍ منكم أن يكون له أثر في المركز الذي يوجد فيه. لا أريد أبدًا أن يكون كمية مهملة تمرُّ الشهور والأعوام ولا يُحسُّ له أثر، ولا يُسمع له صوت، ولا يظهر له عمل"» (8).
بهذه التوجيهات النظرية، وبهذاالتكوين العملي يكون الشيخ بيوض قد وضع الأسس الصحيحة لتكوين الأستاذ الصالح الذي لا ينشده المعهد فقط بل الدولة العربية، بل المنصفون من رجال التربية الحديثة، يقول أحدهم في هذا الصدد: «أهمُّ ما يجب أن يتوفر في الكفاءات العلمية والمسلكية والخلقية، ولكن الناحية التي تشدد عليها التربية الحديثة وتفترض وجودها عند المعلِّم الصالح بجانب ثقافته العامَّة وتمكُّنه من مادَّته الدراسية هي فهمُه للجو الثقافي الذي تتم فيه جميع عمليات التربية والتعليم، والخصائص المسيِّرة للمجتمع الذي يعيش فيه تلاميذه، وعليه أن يكون قادرًا على فهم المشاكل الحديثة في ضوء الظروف التاريخية، وأن يتعرَّف على الطبيعة الراهنة لكثير من الشؤون التربوية».
وهذا ما ينطبق فعلا على الأساتذة الذين تداولوا على تحمُّل مسؤولية التربية والتعليم في معهد الحياة.
بعد ان تعرَّفنا على المدير وعلى الهيئة التدريسية، لنطَّلع على منهج التدريس بمعهد الحياة، وعلى (1/136)
صفحة 137
أسلوب التدريس فيه.
البرامج الدراسية بمعهد الحياة:
إذا كان الهدف من إنشاء معهد الحياة هو تكويين رجال صالحين علماء فيجب أن تشمل برامج معهد الحياة ما يحقِّق هذا الهدف، وأن تختار له هيئة إدارية تسعى لجلب كل البرامج التي تطعِّم هذا الهدف النبيل وتصلح لخدمته، وفعلا هذا ما وقع بعد أن تسلَّم زمام الإدارة الشيخ بيوض ومسانده الشيخ عدُّون والشيخ أبو اليقظان، وغيرهم من الشباب الواعي، إذ أصبح المعهد لا يقتصر على العلوم العربية والدينية التي كانت تُدرَّس سابقًا، ولم يقتصر على الكتب التي يدرسها التلاميذ، بل انبرى أعضاء الإدارة آنذاك لوضع برامج جديدة ــ رغم المعارضين ــ وهذا ما توصي به التربية الحديثة: «يجب أن لا تبقى البرامج جامدة، وأن يتبع في تطوُّرها أسلوب المرونة والتدرُّج».
قارن معي هذه النظرية بما كتبه الشيخ أبو اليقظان رحمه الله عام 1925م في هذا الصدد، وهو آنذاك من الأعضاء الذين حرَّضوا على تطوير برامج معهد الحياة بل من واضعيها؛ يقول: «أمَّا بعد، فلمَّا كان التعليم في كافة الشعوب آخذًا في التدرج والارتقاء إلاَّ ميزاب، ولاسيما بلدة القرارة منه، فقد بقي على أسلوبه القديم القليل النتيجة، فكَّر بعض شبيبتها المخلصين في وضع نظام للتعليم جديد يكون مزيجًا من الأسلوبين القديم والحديث، ويكون مرحة انتقال إلى ما هو أكمل وأليق بالعصر. وقد اعتُبِر في وضعه أهمية العلوم في نظر الشعب ونفسية أهل البلدة، وحالتهم الأدبية والمادية».
ألا ترى معي أنَّ إدارة معهد الحياة قد سايرت النظريات الحديثة في وضع برامجها، ووضعت اللبنة الصحيحة التي تبنى عليها البرامج في المعهد بحيث يجب أن لا تبقى على جمودها، وأن تتطوَّر في إطار الأصالة.
أسلوب التدريس بمعهد الحياة:
فكما تطوَّرت البرامج تطوَّر كذلك أسلوب التدريس بمبادرة من الشيخ بيوض، إذ لم يقتصر على طريقة التسميع وعلى الطريقة الإلقائية التي كانت تطبَّق آنذاك في معهد شيخه الحاج عمر بن يحيى، بل جدَّد في طريقة التدريس كما وصف ذلك الشيخ محمد علي دبوز (9): «كان الشيخ بيوض لا يكتفي بالمعنى الظاهر للنص بل يستخرج معانيه العميقة ويَنقُده، فيبيِّن سبب حسنه أو ضعفه، فيعلم تلاميذه بهذا حسن النظر في الأدب والنقد الصحيح لنصوصه، وكان الشيخ يشرك تلاميذه في فهم النصوص ويستعمل عقولهم لترقى، وكان يسعى في دروسه إلى اتباع طرق المناقشة والاستنتاج وربط القديم بالجديد والانتهاء بخلاصة وبأسئلة، وكان غرضه من درس الأدب والعلوم العربية الأخرى هو ما يصرِّح به عندما يلتقي بنا: "إنَّ غرضي الأسمى من تدريس الأدب والبلاغة والعلوم العربية الأخرى أن أُكوِّن عقولاً تفهم بلاغة القرآن والسنَّة، وأقلامًا ينصر بها الله دينه ويُصلح الله (1/137)
صفحة 138
بها المجتمع"».
وكان الشيخ بيوض يُكثر من المطالعة ــ سواء الكتب أو الجرائد ــ حتَّى يطعِّم بها دروسه بما جدَّ من العلوم، وحتَّى يحبب دروسه لتلاميذه. وكان يوصي تلاميذه بهذه الوصايا (10): «إنَّ غرضي من هذه الدروس أن أُنشِئ عقولاً تفهم بلاغة القرآن ونفوسًا دارعة بعُدَّة الفصاحة والبلاغة. إنَّ جهادنا يستلزم هذه العُدَّة، وهذا لا يكون إلاَّ بعملكم أنتم! ألا فاعملوا! طالعوا دروسكم مرارًا قبل الدرس، وراجعوها مرارًا بعده، واعتمدوا على أنفسكم».
بهذا يكون الشيخ بيوض قد وافق أسلوب تدريسه أحدث النظرايات الحديثة، منها ما يقوله أحد علماء النفس والتربية المحدثين في ميدان التربية والتعليم (11): « ... وقد كانت التربية القديمة تلقِّن الطالب معلومات وتحمله على كسب المهارات لأغراض لا يعلمها ولا يشعر بها ولا يهتمُّ لها، ولمَّا رأوا فتور همَّته وعدم اهتمامه حفَّزوه ببواعث مصطنعة كالجوائز والامتحانات تثير في نفسه دافع الخوف، وحتى في يومنا هذا لا يعرف أغلب الطلاَّب الغرض من دراستهم قواعد اللغة، وكثيرًا ممَّا يقدَّم لهم في درس الرياضيات والعوم الطبيعية والاجتماعية، لذا يتعيَّن على المعلم أن يوضح للمتعلمين الأهداف القريبة والبعيدة التي ترمي إليها الدروس ويحددها لهم تفصيلاً، ويذكِّرهم بها إن نسوها أو غفلوا عنها».
ثم يقول (12): «ثبت بالتجربة أنَّ التعلُّم المقترن بالإرشاد أفضل بكثير من التعلُّم بدونه، بل إنَّ الرغبة في التعلُّم قد لا تؤدِّي إلى الغرض المنشود منها دون إرشاد، ذلك أنَّ المتعلِّم إن تُرك وشأنه فقد يصطنع طرقًا عقيمة أو خاطئة تحتاج إلى بذل كثير من الجهد والوقت».
وأمَّا بالنسبة للتهيئة للدرس، نجد الشيخ بيوض قد وافق ما ينصح به علماء التربية الأساتذة بقوله (13): «إنَّ إعداد الدروس ضروري جدًّا، لا ينبغي للمعلم الحكيم أن يعتمد على معلوماته التي حصل عليها في عهد دراسته، فإنَّه مهما كان عالمًا قد يغفل عن بعض النقاط، أو ينسى بعض المباحث وهو في أشدِّ الحاجة إليها».
ثم يستطرد في هذا الموضوع مبيِّنا الفصل القيِّم الذي كتبه الأستاذ "أديبو" في موضوع التحضير نلتقط منه ما يلي:
«تحضير الصفِّ يشمل عدَّة مستويات:
1 ــ تحضير غير مباشر يخلص من التربية المهنية العامة شأن كلِّ الاختصاصيين، على المعلِّم أن يظلَّ مطَّلعًا على كلِّ التيارات الفكرية والاختبارات والتحقيقات في النطاق التربوي، وهذا يتمُّ بواسطة المجلات، المؤتمرات، المحاضرات التربوية التي تعدُّها الوزارة والمؤسسات المختصَّة.
2 ــ تحضير مسبق يشمل الترتيب العام للعمل، وخاصَّة:
-انتقاء الكتب المدرسية. (1/138)
صفحة 139
-توزيع البرنامج شهرًا شهرًا.
ورغم تجديد الشيخ بيوض لأسلوب التدريس بمعهد الحياة لم ينس ولو مرَّة أن يقتح دروسه ويختمها بالدعاء إلى الله والتضرُّع إليه أن يفتح عليه وعلى تلاميذه كنوز حكمته وأبواب علمه، ويُفيض عليهم رحمته، ويُعيذهم من الشيطان الرجيم ووساوسه التي تشغل البال ويغيم بها العقل، وينالهم رضاه الذي يستلزم كلَّ الخيرات والبركات. كما يختم دروسه كذلك بدعاء ليبارك الله فيما تعلَّموه ويزيدهم من علمه ويحمد الله على ما أنعم به من نور العلم ونعمة المعرفة.
هذه الدعوات بالرغم من اعتبارها عند بعض المربين أنَّها أشياء تقليدية "فلكلورية" ولكنها تُعتبر في الحقيقة من الأشياء التي يعتمد عليها في التربية والتعليم، ذلك أنَّها تُشعر الطالب بأنَّه لا حول له ولا قوَّة إلاَّ بالله، وهذا يقوِّي فيه الثقة بنفسه بعد الثقة بالله، وتحيطه هذه الدعوات بجو نفسي صحِّي يمنعه من الاضطرابات ومن الأمراض العصبية، لأنَّها تُصفِّي نفسه من الإحن، ومركَّب النقص الذي كثيرًا ما يجبُّ نور العلم عن الطلبة. ثمَّ إنَّ التربية الحديثة تدعو إلى هذا، وهذا ما يصرِّح به أحد المربين (14): «ولكي تُصيب التربية هدفها الأساسي وهو تكوين الرجل الكامل، يجب أن تتعدى قوى الولد وميوله، وأن تنشِّط جسمه وتريِّضه، وأن تمرِّن حواسه وتنمي مواهبه العقلية، وتوقظ ضميره، وتصقل روحه، وتقوِّي إرادته، فالتربية العقلية والتربية الخلُقية والتربية الجسمية متَّصلة جميعها غير منفصلة، ولا يمكن أن تكون إلاَّ كذلك لأنَّ "الحياة الإنسانية" نفسها كالسلسلة متصلة الحلقات».
بهذا الأسلوب التربوي يكون الشيخ بيوض قد رسم قواعد التدريس بالمعهد لمن يأتي بعده من الأساتذة، وهو أن يطوِّروا في البرامج وفي أساليب التدريس لكن دائمًا ضمن إطار أهداف معهد الحياة، وأن لا يجمدوا على طريقة حتى لا يصيب الطلبة الملل ويهجروا المعهد، مثلما وقع لمعهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى في عهده (15)، كما أنَّ الشيخ استعان كذلك بمسانديه في إدراة المعهد لتكوين الرجل الصالح فابتكروا وسائل أخرى سنراها فيما يلي.
الوسائل المعينة على التربية الصالحة بمعهد الحياة:
نظرًا لأنَّ معهد الحياة يسعى إلى إنشاء الرجل الصالح رجل الميدان، فقد أحاطه بجو يُعينه على بلورة شخصيته، ومنح له وسائل تعينه على تطبيق معلوماته وتحفِّزه على تفتيق ذهنه واتساع مداركه، وهذا ما يدعو إليه علماء التربية وعلم النفس المحدثون (16): «لقد أصبح المنهج الدراسي واسع المعنى مشتملاً على جميع أنواع النشاط التي يقوم التلاميذ بها، أو جميع الخبرات التي يمرون فيها تحت إشراف المدرسة وبتوجيه منها، سواء أكان ذلك داخل أبنية المدرسة أو خارجها».
ومن هذه الوسائل منها ما هو تلقائي، ومنها ما هو ابتكاري:
أمَّا الوسيلة التلقائية فهي جوُّ المعهد: (1/139)
صفحة 140
يعيش الطالب في معهد الحياة جوًّا نقيًّا مفعمًا بالصفاء والمحبة، يهيئه ليكون رجلا اجتماعيًّا صالحًا. يقول الشيخ محمد علي دبوز رحمه الله واصفًا هذا الجو ومحدِّثًا عن تأثير معهد الحياة في نفسه (17): «أشهد أنني نسيت جلَّ ما تعلَّمته من العلوم في معهد الحياة رغم إتقاني لها وحرصي عليها وشحِّي بها، ولكن التربية الخلقية والعقلية للمعهد وأثر الشيخ بيوض والشيخ عدون في نفسي، وأثر إخوان الصفاء وسعادتي بهم لا زالت غضَّة في نفسي كأنَّها بنت يومها، لم تستطع الأقطار الكثيرة الحبيبة التي تقلَّبت فيها وعاشرتُ أهلهم زمنًا طويلاً فأحبوني وأحببتهم، ولا الأساتذة الكثيرون الذين تتلمذتُ لهم في التعليم العالي، ومئات الطلبة الذين عاشرتهم في الدراسة لم يستطيعوا أن يُحدثوا في نفسي آثارًا تنسخ آثار المعهد، ولم أجد عند أولئك الأساتذة كلِّهم أستاذًا فيه قدرة الشيخ بيوض على التربية وعلى امتلاك قلب التلميذ حتى يكون أحبَّ إليه من نفسه وذويه، وذلك لتمامه في الصفاء وبلوغه في الأخلاق الحسنة والعشرة الطيبة، أعلى الذرى جزاه الله عنَّا خير الجزاء، وأبقاه الله لنا رمزًا للصفاء والوفاء».
أمَّا الوسائل الابتكارية فهي:
أ ـــ التفتح على الثقافات المختلفة:
وذلك باقتناء الكتب والجرائد والمجلاَّت، خاصَّة العربية منها، وتحريض الطلبة على مطالعتها، بل بُرمجت كوسيلة لتكوين الطلبة سياسيًّا واجتماعيًّا.
يقول الشيخ محمد علي دبوز في هذا الصدد (18): «كان الشيخ بيوض ينتقي لنا من المجلات والصحف المصرية والوطنية التي تصله في كلِّ أسبوع، المقالات السياسية والاجتماعية والأدبية، فيقرؤها علينا، فيشرح لنا ما غمض منها ويعلِّق عليها فيزيدها قوَّة وروعة وجلاءً في نفوسنا».
ثم يقول (19): «كان الشيخ بيوض أثناء قراءته وشرحه لما غمض منها، يبدي إعجابه بهؤلاء الكتاب والشعراء وبهذه المجلة ويحبب إلينا قراءتها ويخلق فينا الغرام بها، وقد نجح نجاحًا كبيرًا فأحببنا مجلة الرسالة ومجلة الثقافة، وإنَّ كتَّابها البارزين من أساتذتنا في الأدب».
وهذا ما يدعو إليه دستور جمعية التربية المتجددة التي تنتمي إليه أكثر من عشرين ألف مدرسة في أمريكا وأوروبا، كما لخَّصه الدكتور حبيب كوراني، والتربية المتجددة ترتكز في روحها وأساليبها إلى فلسفة (جون ديوى) ومما جاء في هذا الدستور (20):
«يجب على المدرسة المتجددة أن تُدخل الطالب في عالم الكتب والمخابر عن طريق العمل ومعالجة القضايا، لا عن طريق الذاكرة فحسب، فيعالج الطالب كتابًا أو كتُبًا للاهتداء إلى أفكار وحلول تعاونه على معالجة المشكلة التي بين يديه».
إنَّ المعلم هو قوام المدرسة المتجددة مرشد الطلبة لا حاكمهم.
ومن الوسائل التي ابتكرها معهد الحياة:
ب ـ جمعية الشباب: (1/140)
صفحة 141
يقول محمد علي دبوز (21): «معهد الحياة للتربية والتعليم وقد كان يؤمن منذ نشأته بأنَّ الاعتداد بالذاكرة وحدها في التعليم ـــ كما تفعل المعاهد العقيمة ـــ وحشو الذهن بالمعلومات التي لا يفهمها التلميذ، ولا تتأثر بها نفسه، شيءٌ عديم النفع لا يليق، وأنَّ تطبيق المعلومات سيما العربية منها لتصبح عادات في النفس وملكات في الذهن فرضٌ لازم على المعهد ولما كانت التمارين في اللسان والقلم، ولا يجد فيها اللسان بالأخصِّ المجال للتدرُّب على الفصاحة، عزم الشيخ عدُّون ناظر المعهد وكبار الطلبة فيه على إنشاء جمعية أدبية لتلاميذ المعهد تدرِّبهم على الفصاحة وتغرس في نفوسهم الإخاء والمحبة، وترقِّي عقولهم وتعلمهم التفكير والمناقشة والبحث والمناظرة، وتشرف على سير المعهد وتعمل لترقيته».
وجمعية الشباب لم تقتصر على هذا فقط؛ بل كانت وسيلة لتربية التلميذ تربية سياسية واجتماعية. إذ إنَّ الجمعيات كانت آنذاك محظورة من طرف الاستعمار الفرنسي، فيضطر المشرفون على جمعية الشباب إلى انتقاء الأعضاء الذين يكونون موضع الثقة، والذين يحافظون على كتمان السر، والذين يحافظون على عهدها، وعلى معهدهم.
وكانت الجمعية تربي التلاميذ على الشجاعة الأدبية وعلى النقد البنَّاء، وتدريب العقول على التفكير، والألسنة على الفصاحة، بإلقاء الخطب الارتجالية والكتابية والمحاضرات. كما كانت تدرِّب الكبار على الرئاسة، وكان ينتخب الرئيس من قِبل الأعضاء، كما ينتخب معينوه كذلك.
لم يقتصر نشاط جمعية الشباب على داخل المعهد بل تعداه إلى الخارج، أي إلى المجتمع، حيث شاركت في إحياء الأعياد الدينية والوطنية وحفلات الأعراس؛ إذ صار أعضاؤها يتبارون في إحيائها بالأناشيد التي يؤلِّفونها ويلحنونها، والمسرحيات الاجتماعية والتاريخية المفيدة التي يقوم بتمثيلها أعضاء الجمعية أنفسهم بصفة جماعية، ثم يعرضونها على أساتذتهم عند الانتهاء منها، وكثيرًا ما تكون من إنشاء بعض الأساتذة في المعهد.
ج ــ مجلة الشباب:
كما أنشئت جمعية الشباب لتدريب الألسنة، فكَّر أساتذة معهد الحياة في إنشاء وسيلة لتدريب الأقلام، فكانت مجلَّة الشباب الأسبوعية يكتب فيها تلاميذ المعهد كلَّ ما يحلو لهم من مقالات وقصائد وقصص بأسلوبهم الخاص، ويسعون لإبراز كفاءاتهم في هذا الميدان في جو من المنافسة البريئة.
د ــ جمعية كشافة الجنوب:
من وسائل معهد الحياة التربوية جمعية الكشافة التي أنشأها أساتذته لتربية التلاميذ تربية جسمية وعقلية وخلقية واجتماعية وهذه الجمعية انبثقت من الجمعية الرياضية التي نشأت ضمن جمعية الشباب الآنفة الذكر.
هـ ـــ البعثات العلمية داخل وخارج الوطن: (1/141)
صفحة 142
كان مؤسسو معهد الحياة وعلى رأسهم الشيخ بيوض يشرفون على البعثات العلمية التي أنشؤوها لصالح الطلبة الذين هاجروا لأجل العلم، ولإحاطتهم بجو يشجِّعهم على اقتناء المعرفة، وعلى تكوين أنفسهم تكوينًا خلقيًّا واجتماعيًّا يخوِّلهم ليكونوا رجالاً صالحين ينفعون أمَّتهم، ويختارون لها الرؤساء الأكفاء.
وفي الخلاصة نجد أنَّ كلَّ هذه الوسائل المبتكرة في التربية تتماشى وميزات التربية الحديثة التي يدعو إليها علماء التربية الحديثة، وهي:
1 ـــ الاهتمام بالطالب وبنموه الجسمي والعقلي والوجداني والاجتماعي.
2 ـــ احترام شخصية الطالب.
3 ـــ التعليم عن طريق اللعب والتجربة والممارسة.
4 ـــ التعليم عن طريق العمل والخبرة والشخصية.
5 ـــ خلق الجو الاجتماعي الصالح لنمو الطالب وتكامل شخصيته.
6 ـــ العناية بصحة العقل والجسم.
وسيلة التقييم بمعهد الحياة:
من المعلوم أنَّ الوسيلة المشهورة والمعروفة لمعرفة مدى تحصيل الطلبة هي الامتحانات، ولكن قضية الامتحانات ما زالت مستعصية لأنَّها ــ كما يقول محمد كزما) 22 (ـــ «قضية دقيقة ومعقَّدة أكثر ممَّا يتصوره الكثيرون، وعلماء التربية والتعليم في أرقى بلاد العالم يبحثونها ويدرسونها منذ عشرات السنين. ومما ينبه إليه علماء التربية أثناء دراستهم لقضية الامتحانات هي جعل الاعتبار لما يلي:
1 ــ أساليب التعليم في المدارس (إذ أصبحت تعتني بالتعليم فقط ولا تولي الاهتمام للتربية) وهذا طبعًا يؤثر في طريقة إجراء الامتحانات.
2 ـــ انتقاء الفاحصين.
3 ـــ المواد الأساسية المعتمدة في الامتحان.
4 ـــ كيفية إعطاء العلامات.
5 ـــ الحؤول دون الحظ أن يلعب دوره.
6 ـــ إبعاد تأثير العاطفة».
ويقصد محمد كزما بهذا أنَّ هذه النواحي لا تُحظى بالعناية، وإن حظيت فلا تخلو من الانحياز، بحيث أصبح الامتحان في أكثر بلاد العالم يكاد يكون كورقة اليناصيب.
على كلٍّ لست بصدد البحث في هذا الموضوع ولكن أريد أن ألفت النظر إلى وسيلة كانت تُطبق في معهد الحياة لتقييم الطلبة ربَّما تفي بالمقصود من الامتحانات، وتنفي نوعًا من الغبن، كما (1/142)
صفحة 143
تتماشى مع ما يسعى إليه علماء التربية الحديثة؛ إذ يقول أحدهم في هذا الصدد: «لم تعد مهمة المدرسة الحديثة تلقين المعلومات والإعداد للامتحانات بل تهيئة جو الصفِّ والمدرسة ومواقف المتعلم على نحو يكفل النمو السليم لشخصيات الطلاب في المراحل المختلفة، وتجنب ما يعطل هذا النمو، وتنمية العلاقات الإنسانية السليمة القائمة على التعاون وإيثار الغير، والتسامح والمودَّة، لأجل هذا تهتمُّ المدارس الحديثة بالمتعلمين قبل أن تهتم بمواد الدروس، أي تهتم بالأحياء قبل أن تهتم بالأشياء. فالطالب هو مركز الاهتمام ومن دوافعه وحاجاته المختلفة تبدأ عملية التعلم على أساس نشاطه الذاتي، ويتمشَّى مع هذا الاهتمام بالطالب مع مراعاة ما بين الطلاب من فوارق عقلية ومزاجية على قدر المستطاع» (23).
لنقارن هذه النظرية الحديثة بما وقع في معهد الحياة؛ قال أحد تلامذة معهد الحياة القدماء في موضوع الامتحانات وكيفية تقييم الطلبة (24): «لم تكن في معهد الحياة آنذاك امتحانات كما هي الآن، كانت العلوم تُتقن بالمطالعة والمراجعة المتكررة وبحفظ المتون، وكان نضوج الطالب في العلم يظهر بأعماله كلِّها في مدَّة طويلة، ثمَّ يُجيزه الشيخ بيوض وناظر المعهد وإدارته من كبار الطلبة هم الذين يرتبون التلاميذ في طبقاتهم (سنواتهم)، فإذا ختموا الكتاب في علم أذنوا للأقوياء الناجحين بالارتقاء إلى طبقة أعلى، وأمروا الضعفاء بإعادة الكتاب أو جزءٍ منه. إنَّهم يعرفون التلاميذ معرفة تامَّة، وترتيبهم عادلٌ رشيد لا يظلم أحدًا. وكانت إجازة الشيخ لا ينالها إلاَّ الأفذاذ الراسخون في العلم ذوو النضوج في العلم والصلاح في الخُلق. إنَّها أقوى وأدل على العلم من الشهادة المدرسية التي يسفر عنها الامتحان في معاهد هذا اليوم».
بهذه الطريقة نجد أن معهد الحياة قد ابتكر طريقة لا سبيل للغبن إليها، ذلك أنَّ مقياس النجاح واضح؛ وهو إتقان المقرر والسلوك الحسن، والنضوج في العلم، أمًّا الفاحصون والممتحِنون فهم مدير المعهد وناظره والأساتذة، وهؤلاء كلُّهم لا يجيزون للطالب أن ينتقل إلى طبقة أخرى إلاَّ إذا اتفقوا كلُّهم على ذلك، ولا دخل للعاطفة ولا للآراء الشخصية في تقييم الطالب، بهذا يكون المعهد قد نفى الأسباب التي هي مظنَّة الغبن للطالب.
وسائل الإصلاح في معهد الحياة:
نجد كلمة "الإصلاح" عوضًا عن كلمة العقاب أو الجزاء، وذلك لأنَّ علماء التربية اتفقوا على أنَّ الغاية من معاقبة الطالب هو إصلاحه؛ وهذا معقول، لأنَّه إذا لم يكن كذلك فإنَّه يصبح انتقامًا، وتحاشيًا لهذا حرَّم بعض المربين العقوبات البدنية في المؤسسات التربوية؛ يقول أحد المربين في هذا الصدد ما يلي: «من المعلوم أنَّ الحكمة العدلية تقاصص المذنب أو المجرم لتنتقم منه للهيئة الاجتماعية والقوانين الدولية أوَّلاً، ولتجعله عبرة وعظة لغيره كي لا يعمل مثله ثانيًا، أمَّا المدرسة فإنَّها تقاصص المذنب كي تُحسِّنه وتُصلحه، وقد تقاصصه أحيانًا ليعتبر به رفاقه». (1/143)
صفحة 144
وهذا ما يقصده معهد الحياة، وعندما يجازي المخطئ من الطلبة فهو يقصد قبل كلِّ شيءٍ إصلاحه، لكن بعد أن يحيطه بوسائل الوقاية. وفي هذا الموضوع كتب الشيخ محمد علي دبوز ما يلي (25):
«كان المعهد يعتني كلَّ الاعتناء بالتربية الخُلقية بالأساليب العملية؛ وكان يأخذ التلميذ على السلوك الحسن ويعوِّده بالعمل كلَّ الفضائل؛ لا يكتفي بدروس الأخلاق ــ فما تلك إلاَّ وسيلة متوسطة من وسائله الأخرى القوية ـــ كان المعهد يراقب طوية التلميذ، فإن رأى دغلاً أو حسدًا أو عصبية غسلها بوسائله. إنَّ الأخوَّة والصفاء وطهارة الداخل هي شعاره الأكبر. وكان يلاحظ سلوك التلمذ في الداخل والخارج، إنَّه يقضي جلَّ نهاره وجزءًا كبيرًا من ليله في المعهد تحت المراقبة التي يقوم بها أستاذ المعهد الشيخ بيوض، وناظر المعهد الشيخ عدُّون، والتلاميذ القدماء كلُّهم، وإذا كان في داره أو في الشارع فإنَّ أسرته والمدينة كلُّها تراقب وتبلِّغ المعهد عنه، وإذا انحرف تلميذ في سلوكه، يسارع المعهد إلى علاجه بالإقناع بالوسائل اللينة، وإذا لم يرتدع يُعقد له مجلس تأديب في المعهد يحضره كلُّ التلاميذ فيُلقي الشيخ بيوض درسًا مؤثرًا في ذنبه ويبيِّن له عواقبه الوخيمة، ويجعله يعتقد أنَّه أهل للعقاب، فيُجلد اذا استوجب الجلد. إنَّ هذه المجالس التأديبية، وهذا العقاب البدني لا يُستعمل إلاَّ قليلاً في معهد الحياة، فالشيخ بيوض والشيخ عدون يستعملان شخصيتهما وحبَّ الطلبة لهما في ردعهم إذا انحرفوا».
نستنتج ممَّا قدَّمه الأستاذ محمد علي دبوز أنَّ معهد الحياة قد وُفِّق إلى أحسن وسيلة لإصلاح الطالب، وذلك بأن وافق ما ينصح به علماء التربية الحديثة اليوم في مسألة معاقبة الطلبة:
1 ـــ الغاية الأساسية من العقاب هي إصلاح الطالب.
2 ـــ الوسيلة الفعالة هي إحداث الألم في نفسه وليس في جسده.
3 ـــ وجوب تلاؤم العقاب مع نفسية الطالب واستعداده (26).
الخلاصة:
وفي الأخير نجد أنَّ معهد الحياة قد وُفِّق إلى أسس التربية الصالحة التي تتماشى والتربية الحديثة، وإذا وُفقت المؤسسة التربوية في تعليم وتربية وإصلاح طلبتها فقد حازت على النجاح، وإذا اتَّبعت في ذلك طريقة الأصالة والتفتُّح؛ لا إفراط ولا تفريط، كُتب لها الازدهار والثبات وطول العمر، وفي هذا يقول الشيخ محمد علي دبوز) 27 (:
«فما هو سبب ثبات معهد الحياة وازدهاره وهذه النتائج الباهرة منه؟
إنَّ سبب ذلك كلِّه هو إخلاص العمل لله؛ إنَّه قائم على العمل لله، وأُنشئ لأغراضٍ حسنة سامية، هي نصرة الدين وخدمة المسلمين، ولا زال هذا الهدف الأسمى هو غرضُه. لذلك يحفظه الله ويبارك في شبابه وازدهاره».
ـــــ آمين ـــــ (1/144)
صفحة 145
المراجع:
1ــــ د/ عبد اللطيف فؤاد إبراهيم: أسس المناهج، مكتبة مصر، 1962.
2 ــــ محمد كزما: التربية الحديثة. ط1. 1963.
3 ــــ د/ محمد عزت راجح: أصول علم النفس. مطبعة الشاعر. 1966.
4 ــــ محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. ج3. ط1. 1969.
5 ــــ بسام العسلي: عبد الحميد بن باديس، قاعدة الثورة الجزائرية. دار النفائس. ط2. 1986.
---------------------------
الهوامش
*) - أستاذ ونائب مدير معهد الحياة، القرارة، الجزائر.
2) - محمَّد كزما: «التربية الحديثة»، ص: 38.
3) - بسام العسلي: عبد الحميد ابن باديس، ص:212، 213.
4) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 3، ص: 95.
5) - المصدر السابق، ص: 97.
6) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ص:41.
7) - المصدر السابق، ص: 58.
8) - المصدر السابق، ص:209.
9) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة. ج3. ص:67.
10) - المصدر السابق، ص: 28.
11) - د. عزت راجح: أصول علم النفس. ص:275.
12) - المصدر السابق، ص: 294.
13) - محمد كزما: التربية الحديثة. ص: 98.
14) - المصدر السابق، ص:39.
15) - انظر تفاصيل ذلك فيما كتبه الشيخ محمد علي دبوز في كتابه، نهضة الجزائر الحديثة، ج3، ص: 09 ــــ 12.
16) - د. عبد اللطيف فؤاد إبراهيم: أسس المناهج، ص: 19.
17) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج3، ص: 63.
18) - المصدر السابق، ص: 78.
19) - المصدر السابق، ص: 80.
20) - محمد كزما: التربية الحديثة، ص: 156.
21) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج 3. ص: 119.
22) - محمد كزما: التربية الحديثة، ص: 110، 111.
23) - د. أحمد عزت راجح: أصول علم النفس. ص: 631.
24) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج3. ص: 92.
25) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة. ص: 130، 131.
26) - محمد كزما: التربية الحديثة، ص: 136.
27) - محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ص: 232. (1/145)
صفحة 146
مدخل لفهم الإبداع
جابر بن موسى باباعمي (*)
يُعتبر الإبداع والتفكير الإبداعي من أهم وسائل النمو والتطور السريع الذي يشهده العالم اليوم في كل المجالات، وقد غدا من الأبجديات التي يستعملها العلماء والاقتصاديون والسياسيون وغيرُهم في الدول المتقدمة للوصول إلى نتائج جادَّة ومعتبرة، ولهذا فإنَّ ظاهرة الإبداع والاهتمام بالمبدعين لم تُترك لمحض الصدفة، بل أصبحت من الركائز والضروريات الممهِّدة للنجاح. وعليه فإنَّ من الأولوية بمكان أن يجد الإبداع اهتماماً أكثر من الدول النامية لتصل إلى الأهداف المرجوة، وتردم الهوَّة العلمية "الإبداعية" التي تفصلها عن الدول المتقدمة. وفي هذا النسق رأيت أن أضع بين يديك عزيزي القارئ هذه المقدمة والمدخل بغية تقريب مفهوم الإبداع ثم بعد ذلك محاولة تحويله إلى أداة مدرَّة لمنافع ونتائج ميدانية.
ماذا تعرف عن الإبداع؟
كثيراً ما سألت هذا السؤال، فتلقَّيتَ أجوبة كثيرة تحمل آراء البعض واجتهاد الآخر، وقد تكون مختلطة بمفاهيم متشعبة، غير أنَّ الجواب عند المتخصصين يحدِّد معنى الإبداع ويبين بدقة شروطه وطرق تحقيقه، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
*ـــ الإبداع: هو عملية الإتيان بالجديد. (1/146)
صفحة 147
*ـــ الإبداع: هو الخروج من المعتاد (2).
*ـــ إنه الاستعداد والقدرة على الإنتاج (3).
*ـــ عملية الاختراع والصنع.
*ـــ إيجاد شيء غير مسبوق بمثله ولا بزمانه.
*ـــ وبتعريف مختصر وشامل نقول: «الإبداع هو نشاط إنساني ذهني راق ومتميِّز، ناتج عن تفاعل عوامل عقلية وشخصية واجتماعية لدى الفرد بحيث يؤدِّي هذا التفاعل إلى نتاجات أو حلول جديدة مبتكرة للمواقف النظرية أو التطبيقية في مجال من المجالات العلمية أو الحياتية وتتصف هذه المجالات بالحداثة والأصالة والمرونة والقيمة الاجتماعية» (4).
فالإبداع إذن قد يكون صنوًا في بعض مناحي معناه للاختراع، ولكنه أشمل منه، بحيث لا يقتصر على ما هو مادي بل يتعداه إلى الجانب الأدبي والفكري.
وأعظم وأجلُّ مبدع هو الله تعالى خالق الأكوان ومبدعها، فإنَّ من صفاته عزَّ وجلَّ ومن أسمائه الحسنى "البديع" {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (5)، وهذه الصفة التي وصف بها الله تعالى نفسه شاهد على قدرة الله تعالى وعظمته وروعة خلقه.
وهنا يجب أن نضع النقاط على الحروف ونقول: إنَّ عملية الإبداع البشري لا تجاري إبداع الخالق عزَّ وجل في شيء، بل هي توجيه لنعمة من أعظم نعمه تعالى وهي العقل، وتوجيهها يجب أن يكون لما فيه خير الإنسان وسعادته في الدارين. ولا يخفى على القارئ ما في كتاب الله من الحث على التأمل والتفكير، والنظر في الملكوت، وإعمال العقل لعمارة الأرض، وما فيه من ذم للتكاسل والغفلة والجهل.
فالاهتمام بالإبداع والاختراع والتطور لا يتعارض أبدًا مع ثوابت ومبادئ ديننا الحنيف، بل بالعكس فإنَّه مطلب شرعي وعقلي وحضاري في الآن نفسه، والمؤمن القوي (جسديا وفكريا) خير من المؤمن الضعيف (في ما هو معنى الحديث). ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته يجتهدون لإيجاد طرق جديدة لفعل الخير و"يبدعون" شتى الوسائل لإرضاء الله تعالى زيادة على الذكر والصلاة والجهاد والمعاملات وغيرها، وكان التسابق مثلاً بين أبي بكر الصديق وعمر الخطاب رضي الله عنهما في الإنفاق بطرقهم الخاصة. كما أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يحثُّ على الإبداع في ما يعود بالخير على المسلمين، ففي الحديث الشريف: «من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فعُمِل بها بعدَه كُتِب له مثلُ أجر من عمَل بها ولا يَنقُصُ من أجورهم شيء ... » (الحديث) (6).
القدرات المكونة للتفكير الإبداعي: (1/147)
صفحة 148
عملية الإتيان بالجديد تتطلَّب منا الخروج من السياق العادي للتفكير إلى اتباع نمط جديد في التفكير، الذي يتضمن مجموعة من القدرات العقلية تحددها غالبية البحوث والدراسات التربوية والنفسية في هذه النقاط الثلاث:
الطلاقة ـــ المرونة ـــ الأصالة
1 ـــ الطلاقة: ( Fluency):
تتضمَّن هذه القدرة الجانب الكمِّي في العملية الإبداعية، وهذا بتعدُّد الأفكار في فترة زمنية محددة، وقد يكون التعبير عنها لفظياً أو كتابياً أو بأساليب تعبيرية أخرى. وتُقاس هذه القدرة بحساب عدد الأفكار التي يُقدِّمها الفرد عن موضوع معين في وحدة زمنية ثابتة مقارنة مع أداء الأقران.
2 ـــ المرونة: ( Flexibility):
وتتضمن الجانب النوعي في العملية الإبداعية، وهي القدرة على الانتقال بين الأفكار، وعدم التصلُّب في فكرة أو موقف معين، وهي أيضًا القدرة على تغيير الحالة الذهنية بتغيُّر الموقف، وهذا ما يطلق عليه بالتفكير التباعدي. وعكسها الجمود أو الصلابة ( Rigidity) أي التمسُّك بالموقف أو الرأي أو التعصب.
3 ـــ الأصالة: ( Originality):
وهي الجانب التجديدي في العملية الإبداعية، أي قدرة الشخص على توليد فكرة جديدة أصيلة، أو إنتاجٍ غير مألوف لم يسبق إليه أحد. و تُسمَّى الفكرة أصيلة إذا كانت لا تخضع للأفكار الشائعة كما يجب أن تتصف بالتميز.
مبادئ التفكير الإبداعي:
1ـــ عدم الإفراط في تبسيط الأمور أو تعقيدها:
عليك بالتفكير الجدِّي في نمط حياتك وطريقة تفكيرك ورد فعلك، واتخذ قرارك فيما يخص أعمالك وأقوالك، وابتعد عن مُشتِّتات الأفكار والجهود، وكذا الجزئيات والمحبطات، وانظر بشمول وذكاء ومعرفة، وقوّم أفعالك، وركز على إجراءات الحل ومراحله.
2 ـــ الخبرة مُتجدِّدة و الإبداع يُعمِّقُها:
إذا كانت المشكلة غير قابلة للحل فعليك بتجريب طرق أخرى، لأن الحل الثالث دائماً موجود، وابحث عن البدائل، وابتعد عن الرفض وتقبَّل آراء الآخرين، ففيها من الخبرة والمعرفة ما يعزِّز ويجدِّد خبراتك.
3 ـــ الفهم و الاستيعاب:
قبل توضيح هذا المبدأ أريدك أن تحاول الإجابة على هذا السؤال: كم عدد أفراد كل جنس من الأجناس التي أخذها آدم عليه السلام معه في سفينته؟
عند الإجابة يقوم الدماغ بعملية البحث في ثناياه، وحتى تكون الإجابة دقيقة يجب أن تحدِّد (1/148)
صفحة 149
المطلوب بدقَّة، فهذا يُسهِّل عملية البحث، فالمعلومة التي يسأل عنها موجودة في نص السؤال الذي فيه مغالطة، فالقضية مرتبطة بسيدنا نوح عليه السلام وليس آدم، إلا أنَّ عدم فهم السؤال أو عدم قراءته بدقة والتسرع في الإجابة يعود إلى الخطأ في الفهم والاستيعاب. وممَّا يتفرع عن الفهم والاستيعاب تفادى إطلاق الأحكام القيمية أو التعميمية، فعند سماعك لمعلومة أو لنبإ ما فعليك التثبت والتبيُّن والتحقُّق كي لا تكون من النادمين.
مراحل التفكير الإبداعي:
أولا ً: مرحلة العمل الذهني ( Mental Labour) :
الاستغراق والاندماج العميق في المشكلة حيث إشغال الذهن بالمشكلة أو بالموقف المثير الذي يتعرَّض له الفرد.
ثانيا ً: مرحلة الاحتضان ( Incubation):
تتضمن هذه المرحلة من التفكير الإبداعي تنظيم المعلومات والخبرات المتعلقة بالمشكلة واستيعابها، وبعد ذلك يتمُّ استبعاد العناصر الجانبية غير المتعلقة بالمشكلة، و ذلك تمهيداً لحالة الإبداع أو الظهور بحالة فريدة. ويمكن لهذه المرحلة أن تدوم لفترة قصيرة أو طويلة، وقد يظهر الحل فجأة دون توقُّع.
ثالثاً: مرحلة الإشراق أو الإلهام ( Illumination):
يطلق على التفكير في هذه المرحلة مصطلح "الشرارة الإبداعية" ( Creative Flash) أو "الإلحاح" أو "الحث الإبداعي" ( Creative Induce). وفي هذه المرحلة يقوم المبدع بإنتاج مزيج جديد من القوانين العامة تنتظم وفقه العملية الإبداعية، وتكون النتائج بعيدة عن التنبؤ، حيث تظهر الأفكار والحلول لهذا المستوى وكأنها انتظمت تلقائياً دون تخطيط، وبالتالي تتوضَّح العمليات والأفكار الغامضة وتصبح شفَّافة وتظهر لدى المبدع على شكل مسارات محددة واضحة المعاني.
رابعا ً: مرحلة الوصول إلى التفاصيل، وتنقية الأفكار:
( Elaboration Access) (Refinement of an Ideas):
الحالة التي تتملَّك الفرد بعد وصوله إلى مرحلة إشراق الحل تُتبع بحالة توليد استثارة جديدة لحلٍّ آخر جديد، أو توليد مشكلة في جزء من الحل للوصول إلى حل أكثر تقدُّمًا وإبداعا. لذا فالمبدع لا يستقرُّ في حالة انفعالية ثابتة لسعيه المتواصل عن الحل، حيث يمثل ذلك تنقية للأفكار والخطوات بهدف الوصول إلى صورة يرضى عنها المبدع (7).
وعلينا أن نشير إلى أن الباحثين اختلفوا في شأن هذه المراحل، فهي ليست ثابتة الترتيب، وقد يكون بعضها غير ضروري أو شرطي للحصول على الإبداع، كما أننا وجدنا في البحوث التي توصلنا إليها اختلافًا بيِّنًا في السرد والوصف، ولقد أشارت بعض المراجع إلى هذا الاختلاف ومنها (1/149)
صفحة 150
"سلم الإبداع" (8).
نعم، تستطيع أن تتعلم وتُعلِّم الإبداع:
على كل متعلم أن يعرف هذه القاعدة جيداً، ويعلم أنه قادر على كسب هذه المهارة وأنها ليست مواهب وراثية أو عبقريات منحصرة في جنس دون آخر، أو ناس دون آخرين. وفي تعليم الإبداع حديث طويل سنفصل فيه إن شاء الله في بحث لاحق، ونقتصر الآن على طريقة واحدة دون باقي الطرق، وهي طريقة عملية مبسَّطة تفيدنا في جوانب كثيرة من الحياة الاجتماعية والعملية والعائلية:
طريقة العصف الذهني ( Brain Storm):
ابتكر هذه الطريقة عالم يدعى أزبورن ( Osborn)؛ وتهدف إلى تشجيع الطلاقة والمرونة والأصالة في التفكير. والتدرُّب على هذه الطريقة يتمُّ من خلال طرح مشكلة محدَّدة على مجموعة من الأشخاص، بحيث يُطلب من كل واحد منهم طرح أكبر عدد ممكن من الحلول لها. ويتمُّ تطبيق هذه الطريقة بتقسيم المشاركين إلى مجموعات صغيرة تتراوح بين (5 ـــ 10) أفراد، تجلس كل مجموعة على طاولة مستديرة ويطلب من كل فرد فيها تقديم أكبر عدد ممكن من الاقتراحات والحلول لتلك المشكلة، دون أيِّ انتقاد لأيِّ فكرة من الأفكار المطروحة. وفي النهاية يتمُّ التنسيق بين هذه المجموعات للوصول إلى أحسن حل للمشكلة.
وتقوم هذه الطريقة على تحقيق أهداف أساسية لإبداع الأفكار منها:
* يؤدي تراكم المعلومات والخبرات وازدحامها في أذهان الأفراد إلى تداخل الأفكار والحيلولة دون ظهورها، وبالتالي فتكليف الأفراد في التفكير في مشكلة محدَّدة يساعدهم في استثارة الأفكار والبحث عن الحلول.
* يخشى الكثير من الأفراد ويتحفظون على آرائهم وأفكارهم خوفا من انتقاد الآخرين لها، وبالتالي هذه الطريقة تضمن لكلِّ فرد أن يقدِّم أي فكرة مهما كانت لأنَّه لا يُسمح بالانتقاد في أثناء جلسة العصف الذهني التي تستمر من (5 ـــ 10) دقائق.
* الغزارة والكثرة في طرح الأفكار وتحريك عمل العقل تؤدي إلى النوعية والجدية والأصالة في إيجاد الفكرة المتميزة، والشكل التالي يبين العلاقة بين غزارة الأفكار والخيال وتحويلها إلى نتائج أو تركها تضمحل وتتلاشى بعدم الاهتمام بها.
--------------------
الهوامش
1) - أستاذ مادة الإبداع بالمدرسة العلمية الجديدة، الجزائر.
4) - التعليم المفتوح، 1999، علم نفس التربوي.
5) - البقرة، الآية: 117.
6) - رواه مسلم: صحيح مسلم، ج04، ص: 2059. رقم: 1017.
7) - عاقل، فاخر: التربية والإبداع، دار العلم للملايين، بيروت، 1975.
8) - انظر: نعيمة الخاجة، عبد الناصر فخور، مرجع سابق.
2) - طارق السويدان: مبادئ الإبداع.
3) - نعيمة الخاجة وعبد الناصر فخور: سلَّم الإبداع، ط1. 2000. (1/150)
صفحة 151
الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة
د/ محمد موسى باباعمي
إنَّ هذا المقال لا يعدم الجرأة على اقتحام التغيير بمفهومه الواسع، فيخاطب بالتالي كلَّ أفراد الأمَّة المسلمة، وكلَّ هيئاته وجمعياته، وأجناسه وأعماره ....
ويمكن تسمية هذه المبادرة مع مراعاة الدقة والصدق: مقاربة إلى التغيير، أو مقاربة إلى تأسيس دستور للأمَّة؛ لأنه لا يدَّعي التغيير الكامل، ولا الدستور التام.
فغايتي فيه هي: أن أنال رضا الله تعالى.
وهدفي هو: المساهمة في النهوض بأساليب التفكير لهذه الأمَّة، بجميع دوائرها: من الأسرة إلى البشرية جمعاء، مرورًا بالأمة الميزابية والأمة الجزائرية، ثم الوطن العربي والأمة الإسلامية قاطبة.
لكني، سأقتصر أولا على الأمَّة القريبة، اعتبارا للمقام وللحال، واحتراما لنوعية القراء، ولذا ستكون بعض أمثلتي موجهة إلى هذه الدائرة.
المجتمع، والأمة:
يستعمل الناس صيغا عديدة للتعبير عن الواقع بتوظيف هذا المصطلح، ولا يكاد أحد يجهله أو ينكره، فنسمع دوما عبارات فيها: أعمل للمجتمع، رضيَ المجتمع، سخِط المجتمع، فسُد المجتمع ... الخ
السؤال: متى نشأ هذا المصطلح؟ كيف نؤصِّله؟ هل في الإمكان تغييره؟
لو عدنا إلى القرآن الكريم لما وجدنا ذات المصطلح، وإنما المصطلح المعتبر المستعمل هو "الأمَّة" قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطاً} (البقرة:143)، وقال: {وَإِن مِّنُ امَّةٍ اِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}. (1/151)
صفحة 152
(فاطر: 24)
ولقد دأب الحديث النبوي الشريف على استعمال مصطلح "الأمَّة"، وفي الغالب يضيفه إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» (1).
وفي حديث رواه مسلم، نقرأ: « ... يا أمة محمد، إنْ من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمتُه. يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا، ألا هل بلغت؟» (2).
وحتى الثلاثينيات من هذا القرن كان المصطلح الغالب هو: الأمة. ومن ذلك نقرأ عنوان جريدة الشيخ أبي اليقظان: الأمَّة، ومما نطالع فيها على الخصوص: بيان الأمة الميزابية ... وهو ما نعبِّر عنه باللسان الميزابي بلفظ: "الاُمَّةْ".
ولعلَّ العهد الاشتراكي هو الذي رسَّخ مصطلح المجتمع في القاموس الوطني والمحلِّي، وإن كنت لا أدَّعي أنه هو الذي أنتجه.
من ثم أرى أنَّ تغيير المصطلحات مدخل لتغيير الواقع: فمصطلح الأمة أدق وأكثر أصالة، ونسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم: أمَّة محمد، أو أمَّة القرآن ... أفيد وأدعى للتأصيل. واعجَب لناس يرفضونه، وينهون الناس عن استعماله، لاعتبارات لا أساس لها من العلم، بل لاعتبارات سياسية ضيقة، لا تغني من الحق شيئا.
الصدق:
أمر الله تعالى عباده المتقين بالحرص على معيَّة الصادق، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة:119)، ثم بشَّر الطائعين بجوار الأنبياء والصادقين يوم القيامة، فقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (النساء:69)
ولئن كانت المعيةُ الأولى معيةَ تكليف، وهي بالتالي دنيوية، فإنَّ المعية الثانية معية جزاء، وهي بالضرورة معية أُخروية، ندعو الله تعالى أن يجعلنا من أهلها.
ولأمر ما سمَّى الله تعالى كتابه الكريم بهذا المصطلح "الصدق" فقال في سورة الزمر: {فَمَن اَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} (الزمر: 32)، أماَّ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فوصفه بـ "الذي جاء بالصدق وصدَّق به، ففي "تفسير القرطبي" «وكذَّب بالصدق، يعني القرآن»، «واختُلف في الذي جاء بالصدق وصدَّق به، فقال علي رضي الله عنه: الذي جاء بالصدق النبي» (3).
والصدق له معانٍ كثيرة: منها القولية، ومنها العملية.
ولم أجد في القاموس مصطلحا أبلغ في التعبير عن مطابقة القول والفعل للحق، من مصطلح (1/152)
صفحة 153
الصدق، فالصادق بلسانه هو الذي لا يكذب، ولا يقول كلمة تخالف واقع الأمر، أمَّا الصادق بفعله وعمله فهو الذي يتحرى الصواب والحق في كلِّ حركة وسكون، وينظر في ذلك إلى الخالق لا إلى الخلق، ولا يكتفي بالقلة والضعف، ولكنه يطلب الكثرة والقوة والكمال الإنساني.
ولذا سمي سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بـ: «الصادق الأمين».
وفي حديث واضح المعنى، أمرنا نبينا بالصدق، وبتحري الصدق، وأخبرنا عن النتيجة الفورية لهذا الخلُق الكريم، فقال: «عليكم بالصدق فإنَّ الصدق يهدي إلى البر، وإنَّ البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذَّابا» (4).
فالصدق إذن يهدي إلى البر، وهو كذلك يهدي إلى الطمأنينة، قال صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب ريبة» (5).
والصدق في العمل الاجتماعي هو الصفة الخلقية التي تجمع خصال الخير كلَّها، وهو مطلب الأمة في هذا العصر، ولا ريب أننا نعني به الصدقَ في القول والصدقَ في العمل، ولا نقصره على جانب دون آخر.
ولكن، ليس من الممكن ضبط خصائصه، وتفصيل أجزائه، دون تصنيفه إلى عناوين فرعية، تصب في الغاية العامة لهذا المقال، منها على سبيل المثال:
العلمية في العمل الاجتماعي، الغاية، الأهداف، الأولويات، التخصص، التفرغ، العمل الجماعي، التقييس، التقييم، النقد، المحاسبة، الوضوح، التداول على السطلة ...
أما ما ينقض الصدق في العمل الاجتماعي فكثير، ومنه على سبيل التمثيل لا الحصر:
العصبية، المصالح الذاتية، الانتقام، التعميم في الأحكام.
ثم يأتي النداء للصدق في النقد، تحت عنوان: من يستطيع أن يقول: لا؟
من هنا نبدأ، وعلى الله التوفيق:
العلميَّة:
ليسهل علينا فهم المغزى من العلمية، نتخذ علم الهندسة المعمارية أو الميكانيكية أنموذجا: فهل في الإمكان - مثلا - أن تنشئ دارا أو قصرا، أو نصنع سيارة أو طائرة، أو أقلَّ من ذلك أو أكثر بدون البحث العلمي، بكلِّ ما تعنيه الكلمة من معانٍ ندركها أو لا ندركها.
فالبحث العلمي ضمان صريح للنجاح، شريطة أن نؤمن ونعتقد بأنَّ العلم أفضلُ من الجهل، ولا نتَّخذ هذه العبارات شعارات، وكلمات رنَّانة مدغدغة، تطربنا جلوسا، وتقلقنا في ميادين العمل. وفي تقديري إنَّ قيمة العلم في العمل الاجتماعي باتت باهتة ذليلة، لا اعتبار لها في أغلب الأحيان ... وما لم نصحِّح هذا المفهوم في ذواتنا أولا، ثم في أمَّتنا بجميع مستوياتها ثانيا، فإنَّ الكذب على (1/153)
صفحة 154
الذات، وعلى الآخرين سيلازمنا، وسندَّعي بالضرورة أنَّه بالإمكان صنع طائرة، بل صاروخ معقَّد بدون علم.
نعم، سنصنعه: لكن بالكلمات، أو سنبنيه حقيقة، لكنه سيكون بمثابة الصاروخ الحديدي الأجوف الذي يزيِّن الجزائر العاصمة في إحدى طرقاتها السريعة.
والسؤال الدقيق هو: هل توجد مراكز للبحث العلمي في الأمَّة (للجمعيات، والنشاط الاجتماعي ... )؟ وكم من مشاريع أسِّست بعد دراسة علمية معمَّقة، معتمدة الإحصاء، والتحليل، والتخطيط ... ؟
ثم، بعد ذلك نقنع أنفسنا بأنَّ الأمَّة المسلمة اليوم متحضِّرة، وبأنَّ مشاريعنا ستنجح لا محالة، وبأنَّنا بلغنا الغاية والمنتهى، أليس هذا خطأ فادحا لا يرتكبه الصادق، الصدوق، ولا العالم الورع العامل؟.
الغاية:
كلُّ هيئة أو جمعية تفتقد الغاية هي جمعية فاشلة أساسا، ولا معنى لوجودها ابتداء، فالغاية هي المحطَّة الأخيرة التي يراد الوصول إليها من خلال هذه الحركية، وهذا الجهد.
ومن المفروض أن تكون غاية الفرد المسلم، ومن ثم الجماعة المسلمة واضحة بيِّنة، لا خلل فيها ولا تردُّد، ذلك أنَّها من الثوابت والمبادئ، تضرب جذورها في العقيدة وعلم التوحيد والإيمان.
ففي القرآن الكريم، كلُّ غاية المخلوق هي: نوال رضا الله تعالى.
{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:162)، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56).
وليس أيسر أن نتحدَّث عن هذا المعنى، ونلقي فيه دروسا مسجدية، أو محاضرات في ملتقيات ثقافية، وأصعب منه أن نرسِّخ هذا المفهوم حقيقة في حياة الفرد اليومية، وفي نشاط الجمعيات والهيئات، حتى يصير مرجعا لكل عمل يقوم به أيُّ عضو مهما علا منصبه أو سفل، بغض النظر عن أيِّ اعتبار.
فالفكر الغربي اليوم، على قوته وتفوقه، يفتقد الغاية من جميع أعماله، ولذا فهو يتخبط خبط عشواء، لا يهديه دليل ولا مرشد، فيبحث عن سر قلقه وفشله، ولا يجد، لأنَّه تنكَّر لله تعالى، فأضاع الغاية بالتبع، وأمَّا المجتمع المسلم، فهو وإن كان مؤمنا بالله تعالى، إلاَّ أنه يعاني الانفصام في الذات، فالغاية هي رضى الله تعالى في العبادات والصلوات والشعائر، وإذا التحق بالأمور التي يسميها "دنيوية" مثل الوظيف، والتجارة، والسياسة، والسياحة ... فإنه يتنكَّر لهذه الغاية، ويبني غايات أخرى من ورق أو تراب، ولذا فإنه لا يصل عادة إلى بر الأمان.
الأهداف: (1/154)
صفحة 155
يقول المفكر العالمي، والسياسي المحنك محمد مهاتير، رئيس دولة ماليزيا الفتية: «إنَّ النجاح يعتمد على وجود حكومة رشيدة، وإدارة حسنة التنظيم، تحدد أهدافا واضحة» ثم يضرب مثلا بحكومته التي حققت نجاحات كبرى في العقود الأخيرة من القرن الماضي، وقال: «لدى الحكومة الماليزية هدف واضح، نسميه "رؤيا عام 2020": أن نكون في عداد الدول المتقدِّمة عندما يحين ذلك التاريخ». وهذا ما أعطى بلده قدرة على الانطلاق، وثقة في النفس، فقال: «وسيكون بوسعنا ذلك، إذا ركِّز الناس على هذا الهدف». أمَّا الدول العربية فلم تبرح مكانها، ولا تغادر محطَّتها، ومن أبرز الأسباب: فقدان الأهداف. يقول مهاتير: «إنَّ الدولة التي لا تعرف بالتحديد إلى أين تسير لن تنجز كثيرا في الغالب» (6).
فلو طبقنا هذا المفهوم على مجتمعاتنا المحلية، وعلى مدارسنا، وعلى جمعياتنا، وعلى هيئاتنا، فإننا نطرح سؤالا صريحا واضحا هو: ما هي أهدافها، القريبة والمتوسطة والبعيدة؟
بل، هل لها أهداف واضحة أساسا؟ وهل لبعض روادها ومنشئيها أدنى فكرة عن مفهوم الأهداف، وعن طرق صياغتها، ومناهج تقييمها ... ؟
من المؤكد أنَّ منظومتنا التربوية لا تدرج مادة "تحديد الأهداف" ضمن برنامجها، لا في المدارس الرسمية، ولا في المدارس الحرة، والنتيجة المنطقية أن يتخرج طلبة وإطارات لا يفهمون في موضوع الأهداف شيئا، ولا يملكون الملكة ولا القدرة على تطبيقها في المؤسسات التي يديرونها ويترأسونها. فتنشأ بالتبع مؤسساتها معتبرة قيمة، لكن لا هدف لها، ويتأثر تبعا كل أفراد الأمة، والأمة جمعاء.
يقول المفكر عبد الكريم بكار في كتابه القيم "عصرنا والعيش في زمانه الصعب": «قضية وجود أهداف واضحة في حياة المسلم المعاصر، من القضايا الكبرى التي لا تحتمل التأخير» (7).
فمن تمام الصدق أن نعمل جاهدين على إحلال مفهوم العمل بالأهداف، طلبا للإنجاز، وابتعادا عن الادعاء والافتراء، واختصارا للجهود والطاقات، وضمانا للنتائج الإيجابية، والتفوق المبين. فإنَّ أمَّتنا في أمسِّ الحاجة إلى كلِّ ذلك، إذا أرادت أن تصل إلى مقام الانتصار والنصرة، وإلى درجة التمكين في الأرض.
الأولويات:
أبدع الفكر الإسلامي علما دقيقًا هو: فقه الأولويات. وهو مسمًّى جديد لفقه مراتب الأعمال. كما أنَّ الفكر الغربي قد أبدع علما هو: علم إدارة الأولويات، وهو من العلوم المعاصرة، التي حظيت بالقبول والنجاح الباهر في المؤسسات الغربية، وساهمت في النجاح المادي لها.
ولا يختلف اثنان أنَّ فقه الأولويات، للأسف، لم يغادر عمل "الفقهاء والأصوليين"، فبقي حبيسا عن عامة المسلمين، وعن مناهج التربية، وعن العمل السياسي والاجتماعي، وبخاصة في عصرنا هذا. «ومن نظر إلى حياتنا في جوانبها المختلفة - مادية كانت أو معنوية، فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها - وجد ميزان الأولويات فيها مختلا كل الاختلال. (1/155)
صفحة 156
نجد في كل أقطارنا العربية والإسلامية مفارقات عجيبة.
ما يتعلَّق بالفن والترفيه مقدَّم أبدا على ما يتعلَّق بالعلم والتعليم ... الخ» (8).
وبشيء من الصدق نلاحظ أنَّ عملنا الاجتماعي يكاد يخلو من الأولويات، فلا توجد لدى القائمين عليه قواعد لبناء الأولويات، ولا ضوابط لقياسها، فتجد الكثير منهم يتيه في أمور لا قيمة لها، ويغفل عن أمور جوهرية، فيتخبَّط الأتباع وراءه بلا علم ولا إدراك.
فمن ذلك مثلا، أن تؤسس جمعية ما، ثم تشتغل بالأمور التنظيمية لمدَّة طويلة، فتصوغ اللجان، وتحدد المهام، وتقسم المناصب ... ثم إذا تم لها كلُّ ذلك، كفَّت عن العمل، وقد تدخل في صراعات لا نهاية لها، لتحديد ما ينبغي أن ينجز وما ينبغي أن يترك. ولا يملك المختلفون في غالب الأحيان ولو أدنى معرفة بالأولويات سواء من الناحية الفقهية أو من الناحية الإدارية.
ومن بين المطالب العمليَّة نذكر:
*إخراج فقه الأولويات إلى دائرة الأمة، وتعليمه لجميع الناس.
*إدراج مواد مثل: "فقه المقاصد"، "وفقه الأولويات" ... في المنظومة التربوية، بمناهج معاصرة.
*الاستفادة من "إدارة الأولويات"، في إدارة المشاريع، بناء على أسس "فقه الأولويات".
*تنظيم دورات تدريبية للمشتغلين بالأمور الاجتماعية في هذه العلوم.
التخصُّص:
كم يكون مضحكا ومدعاة للعجب أن نرى طبيبا لا علم له بالحدادة ومداخلها، يلبس ثياب الحداد ويفل الحديد!
وكم يكون مقلقا ومبعثا للاستنكار أن نرى جزَّارا يقوم بعملية جراحية معقَّدة!
فالتخصص من بديهيات الحياة التي لا تفوت على عاميٍّ بله عالم أو حكيم، ولكنَّ الغريب أنَّ الناس إذا دخلت المجال الاجتماعي تغيرت عندها الموازين، وقبلت كلَّ تلفيق من كلِّ إنسان، حتى إنها لتضع قاعدة لها: لِيعمل من شاء، ما يشاء، متى يشاء، وكيفما يشاء؛ لأنَّ العمل الاجتماعي في نظرنا القريب هو نوع من الهواية، ولا يملك المقاييس الدقيقة، ولا تظهر آثاره الآنية ...
فلو صدق العزم، لعلم الناس أنَّ الضرر من الخطأ الناجم عن عدم التخصص في العمل الاجتماعي أعمق وأخطر من الضرر الناجم في كل مجال مادي آخر، وأنَّ التخصص في بعض المجالات قد يكون من قبيل الواجب، لا جائزا ولا مندوبا. فمن ترك الواجب وقع في الحرام لا ريب، ومن وقع في الحرام استحقَّ المعصية، ولا شكَّ.
وأبسط مثال على ذلك: أن يحاول أحد، وليكن رئيس هيئة عرفية أو مسؤولا في جمعية خيرية، أن يصلح بين اثنين تخاصما في قضية من قضايا "فقه المعاملات"، ويصدر أحكاما لهذا أو ذاك، وهو لا يملك أدنى معرفة أو علم بهذا الفقه، وقد يخطِّئ المصيب ويصوِّب المخطئ، كما قد يحلُّ حراما أو (1/156)
صفحة 157
يحرِّم حلالا. والمبرِّر هو: أنني أعمل متطوعا، ونيتي خالصة، فأنا معذور!
ولا أحد من العقلاء يقول بعذر الجاهل، فالقرآن الكريم مشحون بآيات يفهم منها وجوب احترام التخصص، فعلى سبيل المثال نقرأ قوله تعالى: { ... فاسْألُوا أهلَ الذِّكرِ إِنْ كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل: 43)، {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسْؤُولاً} .. (الإسراء: 36)
أمَّا الحديث النبوي الشريف فقد ضرب لنا أروع مثال في التخصص، حتى في أبسط جزئيات الحياة، مثل تأبير النخل، فجاء في مسند أحمد عن عائشة: «أنًّ النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصواتا فقال: ما هذه الأصوات؟ قالوا: النخل يؤبرونه يا رسول الله. فقال: لو لم يفعلوا لصلح. فلم يؤبروا عامئذ، فصار شيصا (9)، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإليَّ» (10).
فالقاعدة إذن هي: كلٌّ قمَّة في تخصُّصه، وقاعدة في تخصُّص غيره. حتى في حق الرسول صلى الله عليه وسلَّم، فقد اعترف - وهو الصادق الأمين - أنَّه غير متخصص في "أمور دنياهم"، وأوكل شأنها إليهم، أمَّا أمر الدين، فهو المتخصص فيه، وهو المرجع الوحيد، «وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإلي»، ويذكر السرخسي «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما يوما وقد شاورهما في شيء: قولا، فإني فيما لم يوحَ إليَّ مثلُكما» (11). وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى فكانوا يسألون الرسول في بعض الأمور: أهو الرأي والمشورة، أم هي الحرب والخديعة. فإذا كان وحيا لم يناقشوا، وإن كان غير ذلك أبدوا رأيهم.
التفرُّغ:
إنَّ العمل يستغرق الوقت الضروري الذي لا يمكن إنجازه دونه، فمن أبسط جزئيات الحياة إلى أعقدها يقف الوقت في حجر الزاوية، ويتطلب من الزمن أدناه، فمن ذلك مثلا: نضجُ الثمرة وصلاحيتها للأكل. ولو أنَّنا حاولنا استعجال العملية، فلن نحصل على النتيجة المرجوة، وستكون الثمرة مضرة غير نافعة. ومن ذلك ميلاد الجنين في مدة تسعة أشهر، وكل محاولة للاستعجال - غير الطبيعي - هو إضرار بالأم وبالابن، وإفساد للطبيعة، وتغيير لخلق الله تعالى.
وبالمقابل فإنَّ كلَّ عمل اجتماعي يحتاج إلى وقت ضروري، وإلى حدٍّ أدنى في عدد من الساعات الفردية والجماعية، ولكن بعض الجمعيات والهيئات التي تضطلع بأعمال كبرى، تحتاج إلى تفرغ وإلى وقت كبير، فتحاول أن تتعامل معها بمجرد اللقاءات المتتابعة أو المتباعدة، والأعمال الآنية والظرفية، ثم تنتظر بعد ذلك نتيجة مقبولة ومحترمة، وما ذلك إلاَّ نوع من الجهل والخبال.
فجمعية تهتم - مثلا - بالطفولة في مدينة معيَّنة، وتسطِّر برنامجا طموحا، دونه برامج الحكومات والدول، لا يمكن بأيِّ حال من الأحوال إنجازه بأقلِّ عدد من الأخصائيين المتفرغين لذلك البرنامج، (1/157)
صفحة 158
بعمل يومي متواصل، لعدد من الأشهر أو السنوات أو العقود ضروري ...
ثم إذا مرَّت مدَّة من الزمان، ولاحظ الجميع أنِّ العمل بدأ يتناقص، والنتائج لا تؤذن بالخير، حاولوا تغطية الأمر بالمبادرات الآنية الضيقة، مثل إقامة مهرجانات وملتقيات، ثم الخروج بتوصيات لا حدَّ لها ... وهكذا يدخل العمل الاجتماعي في دوَّامة لا تنتهي، ولا يحقق أقلَّ القليل من أهدافه، فيكون الفشل رائده، والقلق سمته.
ولقد نتأت ظاهرة خطيرة في بعض المجتمعات، وهي: الادعائية، وتضليل الناس بنتائج وهمية كاذبة، وتبني أعمال العاملين لملء قائمة المنجزات السنوية، ويصل الحال في بعض المجالات إلى إنشاء ما أسميه بـ: "جمعية الجمعيات". وهي محاولة مضللة لاحتواء جميع من يعمل في مجال معين، تحت عنوان كبير هو: جمعية الجمعيات، وما المسألة في حقيقتها سوى تبنٍّ سافر لجهود العاملين، وبحث واضح عن الشهرة والمكانة، بدون عمل، ولا ساعات كافية من التفاني والجهد.
العمل الجماعي:
شتان بين "عمل الجماعة" و"العمل الجماعي"، فالأول مثل تكالب عدد من الأسود مجتمِعةً على جيفة الفريسة، كل ينهش لجواره، ويسوق اللحم إلى جنبه؛ والثاني مثل تناسق النمل في حمل مؤونتها، ولو كانت أكبر منها بعشرات المرات، فهي تعمل بإيقاع عجيب، وتسعى لوجهة واحدة، تحت قيادة موحدة، بأوامر واضحة دقيقة.
وهذا ما يفسر سرعة فناء الفريسة، وطول مدة المؤونة ...
فالعمل الجماعي يمثل فكرة "توجيه الطاقة" في أعلى صورها، فهو «قوَّة في الأساس، وتوافق في السير، ووحدة في الهدف ... والتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت» (12).
ولقد بات العمل الجماعي اليوم فنًّا وعلما قائما بذاته، ساهم في تطوير المدنية الغربية، وظهرت فيه مدارس ومناهج بديعة، لعلَّ أبرزها: المدرسة اليابانية، والمدرسة الأمريكية.
وهو قبل ذلك مبدأ أصيل في الفكر الإسلامي، ومطلب شرعي يصل إلى حدِّ الوجوب أحياناً، واللزوم في بعض المواقف، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالعُدْوَانِ} (المائدة:02)، وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 159).
كما بيَّن للرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ أساس العمل الجماعي هو المشورة واحترام رأي جميع أفراد الجماعة، قال تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُم وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ ... }. (آل عمران: 159)
ولقد طوَّر المفكرون طرق العمل الجماعي ومناهجه، وألَّفوا فيه كتبا عديدة، وصاغوا قوانين وقواعد للعمل بديعة، فأثمر كل ذلك آثارا حميدة، ولا أدلَّ على ذلك من الاختراعات التي توصلت إليها مراكز البحث العالمية، ومن الموسوعات الكبرى التي شارك في تأليفها المئات من العلماء من مختلف التخصصات (13). (1/158)
صفحة 159
وقد سبق أن سألت صديقا لي يدرس في جامعة فرنسية بمدينة "بواتيه" عن انطباعه لأول عام، فقال: أمَّا نحن الجزائريون فأقوى في الجامعة من الفرنسيين الذين ندرس معهم فرادى، أمَّا إذا اجتمعنا فنحن أضعف منهم، فهم ينمُون ويقوَون ببعضهم بعضًا، أمَّا نحن فنتناقص ونضعُف ببعضنا بعضًا.
التقييس:
كيف نقيس كفاءة الفرد في عمل معين؟ ومن يقيس؟ وما هي المعايير؟ ...
هذه أسئلة تستتبع أخرى، تصبُّ في مفهوم التقييس، وهذا محاولة أولى لتأصيله وتقنينه.
مقياس الترشيح والتكليف:
تقوى الله تعالى: فليس من المعقول أن يرشَّح أحد لأيِّ منصب كان، سواء أكان منصبا سياسيا أم اجتماعيا وهو مستهتر في دينه، ظالم لنفسه، عاص لربِّه، ذلك أنَّ معصيته لا تقف فيه، بل ستعصف بكلَّ المجتمع الذي يترأَّسه. وقد سبق أن رشِّح أحد لمنصب سياسيٍّ، وهو مع ذلك مقترف لجرم عظيم لم يتب منه، وسارع بعض الناس لتبرير ذلك، بقولهم: إنه سياسي محنَّك، ويعرف كيف يدافع عن الحقوق! فلم يراعوا في قولهم هذا: دينا، ولا عقيدة، لا شريعة ... ولم ينتبهوا إلى أنهم خرقوا مدلول الولاية والبراءة، وهما من أصول الدين. قال صلى الله عليه وسلم: «الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان»
مقياس القوَّة {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} (القصص:26). إنَّ تولية الضعفاء أمور الأمًّة نوع من الخطل والخطأ، ووأد للنجاح والانتصار، ذلك أنَّ الضعيف بمفرده يتحمل تبعات ضعفه، أما الضعيف الذي يتحمل المسؤولية فإنَّ ضعفه يتعدَّى ذاته، ويؤثِّر في غيره.
وليس الضعف ـــ كما قد يتبادر إلى الذهن أول وهلة ـــ ضعف الجسد فقط، بل إنَّ ضعف الإيمان، وضعف الخلق، وضعف الشخصية، وضعف العقل، وضعف العلاقات والاتصال، وضعف النظر إلى المستقبل ... كل أولئك يورث المصائب والانتكاسات.
فكم من حاكم ومسؤول هوى أمام غانية أو كأس خمر، وكم من امرأة فاسدة حكمت واستبدَّت لأنَّ عاشقها يعبدها دون الله تعالى (14).
ولذا فالمطلوب اليوم ترشيح أقوياء متَّقين، أصحاب مواقف، أولئك هم الرجال حقا.
مقياس الأمانة: الأمانة بمفهومها الشمولي، تعني الأمانة بأوسع معانيها: الأمانة في المال، والأمانة في الوقت، والأمانة في المواقف ... فلا يخون أمَّته لأجل مصلحة، أو لدنيا يصيبها، أو مال يغريه، أو منصب يصبو إليه. (1/159)
صفحة 160
وفي أبسط المستويات، نلاحظ أنَّ الأمانة في الوقت، وفي احترام المواعيد قلَّت في المسؤولين، حتى لإنَّك تتعجَّب إذا بدأ اجتماع في وقته، وقد تشرق الشمس من مغربها، ولا يقع ذلك في بعض الهيئات. وما ذلك إلاَّ لضعف الأمانة، ولكم برَّر المخالفون للوعود فعلتهم هذه بأنَّهم يعملون بدون مقابل، وبالتالي لا يجوز أن ينقدوا، وهذا والله عين الخيانة. فمن ضحَّى أو جاهد فليجاهد لله مخلصا، وإلاَّ فليترك المجال فارغا، فذلك أريح له ولأمَّته.
مقياس الخبرة: حان الوقت الذي لا يرشح فيه أحد لكبرى المناصب إلاَّ بعد تمحيص، وهذا لا يتم إلاَّ بعمل جاد متواصل لهيئات متفرِّغة متخصِّصة، لها القدرة في النفاذ إلى الحقيقة؛ والخبرة هي وقود الحضارة وسببها، ذلك أنَّ الذي يفرِّق بين الدول والجماعات، ليس هو المال ولا الأرض ولا عدد الأفراد، ولكنه نسبة الخبراء وكفاءاتهم وفعاليتهم.
التقييم:
كيف نقيم النجاح، وكيف نقيم الفشل في العمل الاجتماعي؟
من يقيِّم، وما هي المواصفات، والآليات؟
متى تكون عملية التقييم؟
لا شكَّ أنَّ العمل الاجتماعي، كغيره من الأعمال، فيه الناجح وفيه الفاشل، ومقدار النجاح والفشل في كلِّ ذلك نسبيٌّ، وليس ثمَّة نجاح مطلق ولا فشل مطلق، ولذا فالتقييم ضرورة وضمان لتحقيق الأهداف وبلوغها.
والقاعدة هي: أنَّ كلَّ عمل تمَّ تقييمه بعلمية وموضوعية، هو عمل ناجح بالضرورة، مهما كانت النتيجة. وكلُّ عمل لم يتمَّ تقييمه، هو عمل فاشل ابتداءا.
ذلك أنَّ الغرض من التقييم هو اكتشاف الإيجابيات، بغرض تثمينها والتركيز عليها؛ ومعرفة السلبيات، لتفاديها ومحاولة التخلُّص منها.
ومن أخطر المظاهر الاجتماعية تخوُّف البعض من التقييم، واعتبارهم ذلك - بل، مجرّد الحديث عنه، أو طلب إجرائه - نوعا من عدم الثقة فيهم، وضربا من التشكيك في مجهوداتهم؛ وهذا هو عين الخطأ.
ولكنَّ كلَّ تقييم في حاجة إلى: علم، وموضوعية، وصراحة، وجرأة، وإلى أن يتمَّ في جوٍّ من حبِّ الخير للأمَّة أو الجماعة، لا تحت إطار التصيد، وإرادة التحطيم، أو الانتقام.
ومن أبرز وسائل التقييم استعمال لغة الأرقام، وتوظيف الإحصائيات، ورسم البيانات ...
أمَّا أساس التقييم فيتم على ضوء الأهداف المسطَّرة، لا على أساس الخيال والمثاليات، أو في ظل طلب المستحيل.
فيكون السؤال دائما: كم هي نسبة تحقُّق الأهداف المسطَّرة، لمدَّة معيَّنة؟
الوضوح: (1/160)
صفحة 161
الأصل في الحياة الفردية الخصوصية والتكتُّم، والأصل في العمل الاجتماعي الظهور والوضوح. ولذا، فحياة الذي يتولَّى مهمَّة ما مرشَّحة للنقد من كلِّ جانب، فليتحلَّ بالصبر والحلم والأناة، وليقبل كلَّ ملاحظة سواء أكانت سلبية أم إيجابية، من أيِّ طرف كان.
وعليه أن يكون واضحا في أموره كلِّها، وأن لا يخفي شيئا من شأنه الإظهار، حتى لا يفتح أبواب الشكَّ والظنِّ، وليغلق أبواب التقول والإشاعة؛ أمَّا ما من شأنه الإخفاء، مثل أسرار الناس، فلا عليه إذا أخفاها، ولا خوف عليه من كلام الآخرين.
وبالجملة «فإنَّ نوعا من التحديد للمعلومات التي يتيحها المرء لغيره، قد يكون مطلوبا» (15).
النقد:
إنَّ مفهوم محرِّك الطائرة هو المفهوم الدقيق الذي وجدتُ فيه دلالة علمية على مغزى النقد وضرورته:
فمحرِّك الطائرة في حاجة إلى ثلاثة مكوِّنات لكي يتحقَّق الإقلاع: الطاقة، الهواء، الشعلة.
والأمم لن تحلِّق في سماء الحضارة، ولن تغادر ضحضاح التخلُّف والهوان إلاَّ إذا وفَّرت: الطاقة، والهواء، والشعلة.
فالطاقة تتمثل في كلِّ شيء له دلالة موضوعية، مثل: الإيمان، والمال، والمكان، والزمان ...
والهواء، يتمثل في كل ما له دلالة منهجية، مثل: المنهج، والإدارة، والتخطيط ...
أمَّا الشعلة فهي كلُّ ما يحمل مفهوم الاحتكاك: النقد، المحاسبة، الردع ...
ومعلوم أنَّ عملية توفر العناصر الثلاثة تولِّد الطاقة، وكلُّ شعلة من النار تخرج خارج المحرِّك قد تتسبَّب في إحراق الطائرة، كما أنَّ النار إذا جاءت من خارج الطائرة، حوَّلتها إلى فحم (16).
فأمَّة بلا نقد مثل محرِّك بلا شعلة، مهما وفَّرت من طاقة وهواء، فإنَّها لن تشعل محرِّكات الحضارة، ولن تغادر أرضها، ولن تلحق بركب الحضارة.
والعديد من الهيئات الاجتماعية تجهض كلَّ محاولة للنقد، وتعتبر كلَّ ملاحظة أو توجيه أو تصحيح إنما هو انتقاد وتحطيم، بل وتعطيه مفهوم الكراهية والبغض والحسد، ومن ثمَّ تكمّم العديد من الأفواه، بشتى الوسائل والتقنيات المبتكرة، من أبرزها: تجريح الناقد، والتشكيك في نواياه، وإشعاره أنَّ نقده مكتوب في دفتر لن يفتح أبدا، وعدم فتح الرسائل بتاتا، وإنشاء حاجز بين الناقد والمنقود.
والصدق في العمل الاجتماعي يستوجب النقد المتواصل، فلو صدقت النية وصدق العزم لما رضي مسؤول - مهما بلغ شأنه - أن تمرَّ مرحلة بلا نقد، وإلاَّ اعتبر ذلك خيانة له، ورفض المسؤولية، شأن الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه يوم قال: إذا رأيتم فيَّ اعوجاجا فقوِّموني. وشأن الخليفة الثاني عمر، ومن بعده من العباقرة الأفذاذ. بل إنَّ القرآن الكريم في آيات عديدة عمد إلى نقد الرسول صلى الله عليه وسلَّم، وهو الحامل للوحي والناقل له إلى الناس، إيذانا بوجوب استثارة النقد، والدفاع عنه، وضمان حريته: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} (1/161)
صفحة 162
(لأنفال:67) {عَبَسَ وَتَوَلَّى} (عبس:1) ...
المحاسبة:
كلُّ عمل يقوم به ابن آدم لا بدَّ سيحاسب عنه، إن عاجلا أو آجلا، في الدنيا أو في الآخرة. والمحاسبة الإيجابية في الدنيا، راحة من المحاسبة الشديدة في الآخرة، فرسول الرحمة يقول: «من نوقش الحساب هلك» (17).
فكلُّ من عمل بصدق، والتزم الصراحة والوضوح، واستعان بالتقييس والتقييم، محددا غاية واضحة، وأهدافا دقيقة، وأولويات معتبرة، لا يخشى المحاسبة، بل يطلبها، ويعتبرها محكًّا إيجابيا له ولعمله، ولذا فإنَّا نجد في الدول المتقدِّمة ـــ اليوم ـــ هيئات للمحاسبة، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، ولا ينجو منها رئيس ولا مرؤوس، وفي مقدِّمتها وسائل الإعلام والاتصال، ولعلَّ هذا سرٌّ من أسرار تفوُّقهم في الأخلاق المدنية، وتحقيقهم لنسبة معتبرة من العدل الداخلي. أمَّا في المستوى الدولي، فإنَّ الأمور تختلف تماما، وثمة تصنيف لدول تحت القانون، رهن المحاسبة، وأخرى فوق القانون، تنصِّب نفسها بوليسا للعالم.
والخوف من وجود مثل هذه الصورة الخطيرة داخل الأمة، وتقسيم الناس إلى قويٍّ وضعيف، وإلى من يجب محاسبته ومن لا يمكن بتاتا محاسبته. ولا شكَّ أنَّ هذه الظاهرة هي سرطان العمل الاجتماعي.
فجماع هذا المعنى في حديث المرأة التي سرقت، فأراد الصحابة أن يشفعوا فيها، مما أثار غضبه عليه السلام. روى البخاري عن عائشة «أنَّ أسامة كلَّم النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحدَّ على الوضيع، ويتركون الشريف. والذي نفسي بيده لو أنَّ فاطمة فعلت ذلك لقطعتُ يدها» (18).
الحزم، والردع والزجر:
لا يمكن قيادة ولا عمل أيِّ مشروع إلاَّ بمفهوم السِّلم، فالتشنج، والقلق، والاضطراب، والصراعات الساخنة ... كلُّها مقدِّمات للفشل، وسبب فيه ... ولكنَّ الحزم كذلك مطلوب في مكانه، ذلك أنه يمكن لأيِّ مشكل أن يأخذ حيزا من الزمان، وأن يُتعامل معه برفق وتؤدة، ولكن إذا طال، وتحقق ضرره وجب الحزم في آنه، وإلاِّ تحوَّل المشكل إلى جزء من حياة المشروع، لا يقدِر أحد أن يفكَّه، ولا أن يوجد البديل.
ولهذا أوجب الله تعالى إقامة الحدود، وقال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ... } (البقرة: 179)، ولقد كان رسول الله عطوفا شفوقا رحيما، ولكنه في مقام الحزم، كان شديدا، لا تأخذه في الله لومة لائم، وما موقفه من بني قُرَيظة إلاَّ أنموذجًا حيًّا على هذا.
ولعلَّ من أشدِّ البلايا على الأمم أن تفقد وسائل الردع، فتصبح هيئاتُها مجرَّد هيئات مقترِحة لا (1/162)
صفحة 163
تملك القدرة على التنفيذ، ولقد عانى نظام العزابة من هذه الحال، بعدما أغلقت فرنسا "المحاكم الإباضية"، التي كانت وسائل أكيدة للردع، فصار العزابيُّ مجرَّد مقترِح لا غير، وضاعت الولاية والبراءة بمعناهما العَقَدي من كثير من المدن.
فالمطلوب إذن من الهيئات الاجتماعية أن تسعى لامتلاك وسائل للردع والزجر، إذا اقتضت الضرورة، وذلك في حدود القانون والنظام، فإنَّ ذلك أدعى لعودة هيبتها ودورها الريادي في الأمة الميزابية، ولا شكَّ أنَّها بذلك ستقدِّم خدمة جلى للأمة الجزائرية والإسلامية جميعا.
التداول على المنصب (نقد المنهج التقادمي)
تقوم بعض النظم التقليدية منذ القديم على مفهوم التقادم، فالأقدم والأكبر سنًّا هو الذي يستأهل المنصب قبل سواه، ولقد حاول بعض العلماء عبر التاريخ أن ينقدوا هذا المفهوم، غير أنهم لم يفلحوا (19)، بل السلطة التاريخية كانت أشدَّ وطئا وأكثر تغلغلا، ومن ثمَّ انتقل هذا المنهج في تولِّي المناصب إلى الجمعيات والهيئات الأخرى، فصار سمة تكاد تكون شاملة للعمل الاجتماعي في ميزاب، مع استثناء بعض المبادرات القليلة، التي لا تمثل المنحى العام.
وليس من الحكمة أن ننكر قيمة الخبرة والعمر، ولكنَّ الواجب هو تقديرها بمقدارها، وعدم الإعلاء بها إلى المقام الذي يضر بالأمة، ولنا في إقالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب للقائد الفذ خالد بن الوليد أحسن أنموذج في التاريخ، ومن قبله تولية الرسول صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد على جيش فيه قدماء وخبراء لهم مكانتهم في الإسلام.
ومن عيوب هذا المنهج في إدارة الجماعات والأمم:
أنَّ الذي يتولَّى منصبا معيَّنا يخلد فيه إلى يوم وفاته، ولا يحرِّكه أحد مهما ارتكب من أخطاء، وحتى إن فقد القدرة على الاجتهاد ألحق بالهيئة من يكون ظلاًّ له، يدافع عن خياراته، ويعطِّل الجديد بحجة غيابه، ويرفع شعارا مفاده أن لا غَناء عنه، والعمل في غيابه انقلاب محتوم ... وقد يصل الحال في بعض المؤسسات إلى تعطيل العمل كلية: لمرض، أو غياب، أو سفر، أو انشغال في مهام أخرى.
ولعلَّ أكثر عيوبه ضررا هو أنَّ الإنسان في عمر العطاء يُمنع من العطاء، حتى إذا هرم وشاخ وركبته شتى الأمراض تقلَّد المهمَّة، وطولب بالكثير، وإذ لا يستطيع الاستجابة للمتطلبات فإنَّه يُنتقد انتقادا شديدا، وما درى الجميع أنَّ الخطأ في المنهج لا في النوايا.
ومن عيوبه الأكيدة تعطيل الطاقات عن الإبداع والتجديد، بل واغتيال الآلاف من العقول المجدِّدة، والسواعد المنتجة، بحجة أنَّ الزمان لمَّا يُعلِ من شأنها، فلتتبع الطابور ولو كان بطيئا وقاتلا. وفي الغالب إمَّا أن يعود المهمَّش إلى كهفه (المنزل، العمل، المسجد)، أو إلى هواجسه (كثرة الاشتكاء، كلُّ الناس هالك، لا خير في هذه الأمة، اليأس القاتل ... ).
العصبية: (1/163)
صفحة 164
- المكان: منذ متى صار بالإمكان أن يخاطب واعظ من مدينة معينة مستمعين من مدينة أخرى ... إنَّ نظام العزَّابة (مع الكثير من إيجابياته) عرقل هذا المسار في بعض القرى، فتأسَّس فيها خطاب عصبي قروي ضيق، قد يتخذ النكتة وسيلة ورافعة ( Locomotive) له، حتى صار طابعا على تفكير بعض الأفراد، بغض النظر عن مستواهم الثقافي، وتجاوز ذلك ليصير حقائق راسخة في أذهانهم، من يكذِّبها أو ينكرها يعدُّ شاذًّا وغير مدرك لعمق الأشياء ومضامينها. ثم انتقلت العدوى إلى بعض الهيئات العامَّة للأمَّة، فصبغ هذا الطابع القروي جميع وظائفها، بما يسمَّى التمثيل الشامل، دون إبداع لمنهج لا يتنكَّر للتمثيل ولكنه يشترط المقاييس، ويمكنه أن يتحدَّث عن الكرسي الشاغر، أو تعدُّد الممثلين الأكفاء ولو من بلدة واحدة، بحثا عن المصلحة العامَّة، وعلم قياس المصالح والمفاسد، من بين العلوم التي تعيننا في الوصول إلى هذا المبتغى.
- الاتجاه: الحركي، أو الديني، أو السياسي: طابع آخر للعصبية، فاعتبار الحقِّ لا لكونه حقًّا وكفى، ولكن لأنَّه صدر من هذا الاتجاه فهو إذن حقٌّ، ولأنه نبع من الاتجاه المضاد فهو إذن باطل. ويستوي في ذلك الاتجاهات القديمة، أو الاتجاهات الحديثة (20)، وقلَّ من يعقل، ويضبط النفس حين الحكم، ويقيس الأمور بنسبتها إلى الله تعالى، لا بنسبتها إلى جهاتها الإنسانية الضعيفة، وهو ما قصدناه في حديثنا عن الغاية: وهي إرضاء الله تعالى لا غير.
المصالح الذاتية:
مصلحتان لا تجتمعان: المصلحة الفردية الذاتية الآنية الضيقة، والمصلحة الجماعية الدائمة الواسعة.
أمران لا يلتقيان في عمل اجتماعي هما: المصلحة والحق.
فالمصالح هي ....
مكاسب إنسانية النزعة، طبقية اللون، جهوية النفَس، ضيِّقة الأفق، هشَّة البنيان.
المصالح أولها صراع وآخرها فساد ... هي نتيجة للصراع بين الطبقات، «فليس التاريخ صراعا بين حقوق متعارضة، ولكنه صراع بين مصالح متعارضة، وهذا هو معنى "الصراع الطبقي" ... فالطبقة التي تخرج منتصرة في هذا الصراع تعلن مصالحها - أو إرادتها - قانوناً، ولذلك يقول الماركسيون "القانون هو إرادة الطبقة الحاكمة تحوَّلت إلى إجراءات قانونية"» (21).
ليس فيها صواب وخطأ، ولا تقبل معنى العدالة ولا الظلم، فهي مصلحة وكفى؟ فقد تغلَّف بقيمة من القيم لتوهم الناس بأصالتها، ولكنها في الجوهر فساد في فساد ...
كلُّ مصلحة لطرف هي بالضرورة مفسدة للطرف الآخر، سواء أكانت ظاهرة أم خفية، آنية أم مستقبلية ...
ويمكننا تمثيل المصالح بشكل هندسي يقرِّب المعنى، ويضبط المفهوم: خطان متقاطعان، وزوايا متناظرة: (1/164)
صفحة 165
فكلَّما اتسعت زاوية وانفرجت إلاَّ وأحدثت زاوية حادَّة، وضيَّقَت عليها الخناق، فلو أنَّ منطقة معيَّنة في البلد روعيت مصالحها، وأعطيت صلاحيات ومِيزات دون غيرها، لكان ذلك حتما على حساب مناطق أخرى، مهما كان المبرر معقولا من وجهة نظر السياسيين، فإنَّ الأخلاق والقيم ترفضها وتشجبها ....
وهذا يصدق على الحركات، وعلى الأحزاب، وعلى الشركات ... وعلى كلِّ مواطن في هذا البلد من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، ومن أنأى مشرقه إلى أدنى مغربه ...
أما الحقوق ...
فهي أعظم مظهر من مظاهر كرامة الإنسان، «ولأنها كذلك، فإنها تتجاوز الزمن والظروف والتاريخ، وتسمو إلى فعل الخلق» فهي بالتالي فطرية خُلقت مع الإنسان، وبها تميَّز عن سائر خلق الله أجمعين.
الحقوق لا تقبل التلاعب بها، فإمَّا أن تكون أو لا تكون، وهي غير مرتبطة بإرادة رئيس، ولا برلمان، ولا وزير، ولا بأيِّ هيئة مهما كان قدرها، ولا بأيِّ إنسان مهما بلغ شأوه، وعلا شأنه ... فهي أكبر من ذلك، وأعظم من أولئك.
الحقوق لا تعرف التعارض، فنهاية حقك هو بداية لحق غيرك، بغضِّ النظر عن الانتماء، والجنس، والمستوى الثقافي، والمكانة المادية، والقيمة التاريخية ...
وأقرِّب المعنى برسم هندسي متمثل في الخطوط المتوازية، التي لا تقاطُع بينها، وإنما تستمد امتدادها من المنطلق والمصبِّ، فالمنطلق لكلِّ إنسان مهما علا أو سفل هو العدم: {هَلَ اَتَى عَلَى الاِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَّذْكُوراً} (الانسان:1)، ومصير كلِّ إنسان
ــ مهما ارتقى أو انحدر ـــ هو الإياب إلى الله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (النور:42):
مفهوم الآخَر:
لأنَّ الناس يصنِّف بعضهم بعضًا إلى جهات وجماعات وحركات ... فإنَّ مفهوم الآخر قد يستحكم فيهم، ويدفعهم إلى الحكم على الآخرين من خلال أنفسهم ومواقفهم، التي يحوِّلونها عادة إلى محور للحق، ما وافقها وافقه، وما خالفها خالفه. قال فرعون لقومه {مَآ أُرِيكُمُ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمُ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} (غافر: 29)، ولهذا حذَّر رب العزة رسوله الكريم من هذا المشكل، وربَّاه على العدل والقسط، فقال: {ولاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: 08).
ومن الواجب أن لا ينطلق العمل الاجتماعي من مفهوم الآخر، وإنما عليه أن يتبنى أعمق المفاهيم الشرعية في هذا المجال، مثل: (1/165)
صفحة 166
*مفهوم: "ذات البين"، قال تعالى: {فَاتَّقُوا وَأصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم} (الأنفال: 01).
*مفهوم "الجسد الواحد": ويفسره قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (22).
*مفهوم "السفينة": قال صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها من أسفلها فنستقي. فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعا وإن تركوهم غرقوا جميعا» (23).
التعميم في الأحكام:
من العبارات التقليدية المستعملة كثيرا قولهم: «كلُّ تعميم خطأ». لكنَّا نقول: «حتى هذا التعميم خطأ»، إذ انَّ ثمة تعميمات هي عين الحقِّ، وبخاصة إذا كانت في أمور إيمانية من مصدر يقيني موثوق، مثل قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} (الرحمن:26)، أو من السنَّة النبوية الشريفة: «كلُّ كَلْمٍ يَكلَمُه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت، تفجر دما، اللون لون الدم والعرف عرف المسك» (24).
ولقد غرزت في الإنسان ميول تقليدية إلى التعميم، فانتقالنا في أحكامنا من البعض إلى الكل سببه أنه «ليس من السهل علينا في معظم الأحيان أن نختبر جميع الأفراد، الذين يتدرجون تحت النوع الواحد ... فهذا الانتقال من البعض إلى الكل ليس بالأمر الذي نطمئن إليه تمامًا»
وينصح قبل التعميم بأمرين هما:
* «افحص عددا كافيا من أفراد النوع أو المجموعة التي تريد أن تصدر بشأنها حكما عاما.
* تأكد من أنَّ الأشياء التي تفحصها تمثل النوع أو المجموعة أفضل تمثيل» (25).
ولئن كان هذا ممكنا في المجال المادي، فإنه يتعذَّر في المجال الاجتماعي، وبالتالي فإنَّ الإسراع إلى إصدار الأحكام بالإيجاب أو السلب ضعف في التفكير، وخلل في المنهج، وبخاصة إذا كانت تلك الأحكام تعميمية، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم رجلا يقول قد هلك الناس فهو أهلَكُهم، يقول الله: إنه هو هالك» (26). وفي رواية: «أهلَكَهم»، ففي الأولى بصيغة التفضيل أي أكثرهم هلاكا، وفي الثانية هو الفاعل وهو سبب هلاكهم.
والتعميم في الأحكام، وبخاصة بالسلب، ظاهرة اجتماعية تجتاح الأمَّة، وتنخر عظامها، فتذهب ريحها، وأحسن حل لها، هو الاحتكام إلى أمر الله، والتبين والتثبت، واعتبار كلِّ من يحكم على شيء بلا بيِّنة عاص لله، وظالم لعباده.
من يستطيع أن يقول: لا (1/166)
صفحة 167
إنَّ مخالفة المعتاد من أمر الناس صعب للغاية، وإنَّ مواجهة ضغط العادات المستحكمة في النفس عملية جهادية، تستلزم كثيرا من الصبر، والصدق، والصفاء ... قال كوفي: «للوصول إلى سطح القمر يتعيَّن على رواد الفضاء أن يتخلَّصوا حرفيًّا وفعليا من القوة الخارقة للجاذبية الأرضية، ويستلزم استخدام قدر زائدٍ من الطاقة في الدقائق الأولى من الانطلاق، خلال الأميال الأولى القليلة من الرحلة، ثم لا تحتاج السفينة إلاَّ إلى طاقة قليلة جدًا في باقي الرحلة» ... بهذا المفهوم يتعيَّن على العامل في إصلاح أمَّته أن يبذل جهدًا كبيرًا في المراحل الأولى للتخلص من ضغط العواطف والعادات، والانطلاق نحو وعي الضمير والعقل، فإذا تم له ذلك صار عقله معتادا على هذه الوسيلة الفعالة جدا ... فجربِّ فقط، وسيسخن العقل بعد ذلك.
فقط، كن صادقا، وابتغ مرضاة الله تعالى، وأخلص النية، واعمل على أن تشارك في بناء خير أمَّة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله.
والله الموفِّق للخير والهادي، إلى سواء السبيل.
--------------------
الهوامش
1) - رواه البخاري، كتاب المناقب، حديث رقم 3369، بسند: «حدثنا الحميدي حدثنا الوليد قال حدثني ابن جابر قال حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ... ».
2) - من حديث طويل رواه مسلم، في كتاب الكسوف، حديث رقم 1499، بسند: «وحدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ح و حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له قال حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ».
3) - الجامع؛ ج15/ص256 ..
4) - رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، رقم 721 «حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش ح و حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم».
5) - رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم 2442 حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا شعبة عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي قال قلت للحسن بن علي ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال أبو عيسى: «وهذا حديث حسن صحيح».
6) - مهاتير محمد، وشنتارو إيشيهارا: صوت آسيا، زعيمان آسيويان يناقشان أمور القرن المقبل؛ (1/167)
صفحة 168
دار الساقي، لندن؛ ط1: 1998م. ص21.
7) - أ. د. عبد الكريم بكار: عصرنا والعيش في زمانه الصعب؛ دار القلم، دمشق، الدار الشامية بيروت؛ ط1: 1424هـ/ 2000م. ص90
8) - د. يوسف القرضاوي: في فقه الأولويات، دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة؛ مؤسسة الرسالة، بيروت؛ ط1: 1420هـ/1999م؛ ص15.
9) - في مختار الصحاح: «الشيص: هو التمر الذي لا يشتد نواه، ويتشيَّص إذا لم يلقَّح النخل»، الرازي، مادة شيص.
10) - أحمد، باقي مسند الأنصار؛ رقم 23773 حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرنا ثابت عن أنس وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة.
11) - السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل (ت. 490هـ): أصول السرخسي؛ تح. أبو الوفاء الأفغاني؛ دار المعرفة، بيروت، 1372هـ؛ ج2/ص131.
12) - مالك بن نبي: شروط النهضة؛ سلسلة مشكلات الحضارة؛ ترجمة عبد الصبور شاهين؛ دار الفكر، سورية؛ 1406هـ/1986م؛ ص78 ..
13) - نذكر كمثال لذلك أنه: شارك في تأليف الموسوعة العالمية Universalis 4500 باحثا، كل في تخصُّصه. وهذا بالذات ما تفتقده المؤسسات الإسلامية اليوم ..
14) - طالع كتاب: الفضائح الجنسية لزعماء العالم، لمؤلفه: د. حسان جعفر؛ دار المناهل، بيروت، 1422هـ/2001م. ومن جملة هؤلاء أورد قصصا لزعماء من دول إسلامية وعربية.
15) - بكار: عصرنا والعيش في زمانه الصعب؛ ص281.
16) - العراق أنموذجا. فإنَّ النقد الذي لم يأت من الداخل لعقود من الزمن، على سياسة الظلم والطغيان التي انتهجها النظام، ولَّدت نقدا من الخارج، فكان أشدَّ ظلما وأكثر مرارة. وكذلك كلُّ أمَّة تقع في نفس الخطأ ستلقى لا محالة نفس المصير، إن عاجلا أو آجلا.
17) - رواه الترمذي، في صفة القيامة والرقائق والورع؛ رقم 2350، بسند: «حدثنا سويد بن نصر أخبرنا ابن المبارك عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: .... » قال أبو عيسى: «هذا حديث صحيح حسن».
18) - رواه البخاري، في كتاب الحدود، رقم 6289، بسند: «حدثنا أبو الوليد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ... ».
19) - انظر محاولات القطب اطفيش، والشيخ سليمان ابن ادريسو، والشيخ بيوض، والحاج صالح بابكر ... وغيرهم. في وثائق متفرقة طالعتها، وهي دليل على هذه المحاولات. وطالع للشيخ إبراهيم متياز نقدا صريحا لنظام العزابة في بعض جوانبه السلبية. (1/168)
صفحة 169
20) - طالع ما يُكتب في المنتدى ( Forum) التابع لموقع الأنترنات "مزاب أونلاين": ( Mzab-online): ففيه أدلَّة قوية على ما يصدره كلا الطرفين من أحكام، وفي بعضها لا يراعى أي حق ولا صدق، بل هو الكذب والتلفيق الصراح، وأحيانا يتلبَّس بلبوس العقيدة، والفقه، والمجتمع ... الخ.
21) - وانظر- علي عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب.
22) - رواه مسلم، في باب البر والصلة والآداب؛ رقم 4686، بسند: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج قالا حدثنا وكيع عن الأعمش عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم».
23) - رواه الترمذي، في كتاب الفتن؛ رقم 2099 حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» قال أبو عيسى: «قال هذا حديث حسن صحيح».
24) - رواه البخاري، باب الوضوء، رقم 230، بسند: «حدثنا أحمد بن محمد قال أخبرنا عبدالله قال أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ... ».
25) - شانر، وليم: الطريق إلى التفكير المنطقي؛ ترجمة د. عطية محود هنا، د. عبد العزيز القوصي؛ نشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة؛ 1961م؛ ص51 - 52.
26) - رواه أحمد، في باقي مسند المكثرين، رقم 7360، بسند: «حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم». (1/169)
صفحة 170
الولي في عقد الزواج
أ/ صالح بن عبد الله أبو بكر (*)
مقدمة:
تثور حول قانون الأسرة عدة مغالطات منها نسبة كل مشاكل المجتمع الجزائري إلى قانون الأسرة بينما كل المشاكل والمظاهر السلبية التي عمت بها البلوى تعود أصلا إلى عوامل أخرى، فكثرة المطلقات إلى خمسة ملايين بأولادهن، وتشرد الأبناء في الشوارع وتفكك الروابط الأسرية وارتفاع عدد الأطفال غير الشرعيين حتى بلغ مئات الآلاف ترمى يوميا في الأكياس السوداء بالمزابل
والأمهات العوانس وارتفاع معدل سن الزواج بمتوالية هندسية تجاوزت 34 سنة وارتفاع عدد العوانس إلى سبعة ملايين والعزاب وآلاف الفتيان والفتيات المخطوبين منذ سنوات ولم يتمكنوا من الزواج، فهذه المشاكل كلها ليست أبدا بسب تعدد الزوجات أو وجوب الولي في عقد الزواج أو العصمة بيد الرجل أو ميراث المرأة نصف نصيب الرجل.
إن الأسباب الحقيقية لكل تلك الظواهر هي التربية الخلقية أولا ثم البطالة وأزمة السكن وانخفاض الدخل الفردي وانتشار الفقر والتسرب المدرسي.
الولي في عقد الزواج:
وجود الولي شرط من شروط النكاح عند الجمهور ولا يصح نكاح المرأة ثيبا أو بكرا بدون إذن وليها وهو الأب أو الوصي ثم يترتب بعده الأقرب فالأقرب من عصبتها أو ذو الرأي من أهلها أو السلطان (2) وهذا مذهب الجمهور وقد أفتى الفقهاء ببطلان عقد الزواج الذي تتولاه الفتاة دون علم أبيها وهو وليها (3) باستثناء أبي حنيفة النعمان والأدلة على وجوب الولي صريحة وصحيحة منها ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نكاح إلا بولي» (4) وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي: «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل وإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي لمن لا ولي له» (5). وقال ابن قدامة "فإن لم يوجد للمرأة ولي ولا سلطان فعن أحمد على أن يزوجها رجل عدل بإذنها" (6)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة إذا نكحت بغير وليها فلا تريح رائحة الجنة» (7).
فكل هذه النصوص وغيرها أقرت وأوجبت الولاية في النكاح وأقرت بطلان النكاح بلا ولي ولم يقدح أحد العلماء في صحة هذه الأدلة، والقاعدة الأصولية تقول "لا اجتهاد مع وجود النص".
أمَّا القائلون بصحة زواج المرأة بدون ولي وأجازوا إسقاط ركن الولي فحجتهم في ذلك أن بعض الأولياء قد يضيِّقون على بناتهم فيزوجونهن عنوة ولا يتركون لهن حرية اختيار من يحببن بسبب انتشار بعض العادات والتقاليد البالية التي لا تمتُّ إلى الإسلام بصِلَة، وهناك من يرى وجود الولي صورة من صور القصور عند المرأة خاصة إذا بلغت مراتب عالية في العلم وتولي المسؤوليات والوظائف، بينما تعتبر قاصرة في عقد زواجها، وحتى إن سلَّمنا بأن هذا الحذر مشروع ومعتبر إلاَّ أنَّ الإسلام قد حسم هذا الإشكال ولم يغفل عن حق المرأة في اختيار من تحب أو ترغب الزواج به.
حدود الولاية في الزواج:
منع الإسلام العضل وهو منع المرأة أن تتزوج ممن ترغب فيه بدون عذر شرعي أو من كفء ذي خلق، أو إجبارها أن تتزوج بمن لا ترغب فيه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ص (1/170)
صفحة 171
قال: إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض، والقرآن صريح في منع عضل المرأة إذ يقول تعالى: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَّنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُومِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَالِكُمُ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (8) وروى البخاري عن معقل بن يسار قال: زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله هذه الآية فلا تعضلوهن فقلت الآن أفعل يا رسول الله فزوجها إياه (9).
ولم يجعل الإسلام ولاية الولي مُطْلَقة غير مقيَّدة أو مشروطة بل اشترط الولي العدل الذي لا يمنع موليته من النكاح، فإن كان غير عدل في ولايته كفساد دينه أو رأيه فتسقط عنه الولاية وتنتقل إلى أحد الأقارب حسب الترتيب الشرعي، أو إلى القاضي فهو ولي من لا ولي له، فسُلطة الأب على ابنته ليست مطلقة بل يقتصر وجوب رأي الولي على البنت القاصر التي لم تبلغ سن الزواج ولا تفقه مصلحتها في اختيار الرجل المناسب، وبعد البلوغ تتحول إلى ولاية مشورة ونصيحة وتوجيه وليست ولاية تسلُّط وتحكُّم واستبداد (10).
الحكمة من الولاية في الزواج:
الحكمة من نظام الولاية في الزواج هي تكريم المرأة التي تقدم على أخطر مشروع في حياتها وهو الاقتران المؤبد برجل يستحل مباشرتها وينجب منها أولاده، والزواج علاقة عائلية أبدية سامية تعني الجمع بين عائلتين وقد تكون بين عرشين أو قبيلتين أو قريتين أو مملكتين يندمج فيها الزوجان بعائلتيهما، وتتعلق به حقوق غير المتعاقدين وهم الأولاد الذين من حقهم معرفة نسبهم الصحيح، وليس الزواج مجرد عقد بين شاب وشابة فكل ما يترتب على الزواج ينسحب على العائلتين المتصاهرتين سلبا أو إيجابا فزواج ابنهما أو بنتهما قد يشرفهما أو يذلهما ويلحق بهما الإهانة، ولذلك كان حضور وموافقة الولي شرطًا ضروريًّا لعقد النكاح.
والولي في الزواج ضمان لصحة وجدية الزواج بين الفتاة والشاب، وهو الذي يحرص على مصلحتها فيوافق على زواجها بالشاب المناسب سنا ودينا وخلقا ومكانة اجتماعية فالولاية فيها صيانة المرأة عن حضور مجلس عقد الزواج الذي يحضر أقارب الزوج وحياء المرأة تاج عفتها وكرامتها (11)، فمن ذا الذي يكون أحرص على مصلحة الفتاة غير أبيها أو وليها؟ لسبق تجربته وخبرته بالحياة وأحوال الناس، طباع الرجال وأهوائهم، فيختار ويقرر دون تأثير بطيش أو هوى، ومن يكون أكثر شفقة وعطفا على الفتاة من وليها؟ و الشاذ عن هذه الحقيقة لا يُشرَّع له، فلماذا نسيء الظن بكل الأولياء؟ وحتى إن شذَّ وليٌّ وعضل وليَّته ظلمًا فالشرع والقانون أجازا للقاضي أن يزوجها بمن يصلح لها بعد أن يبحث الأمر من جميع النواحي، وبهذا يقول جميع الأئمة، وبغير (1/171)
صفحة 172
ذلك يمكن لأي كان أن يتزوج بأي كانت بسهولة تامة فما إن تنطق الفتاة بعبارة «زوجتك نفسي» فتصبح الفتاة زوجة لصديقها أو زميلها أو حبيبها ولا يبقى إلا أن يقرأ الإمام الفاتحة ثم التسجيل في مصلحة الحالة المدنية.
فالفتاة في الثامنة عشرة مازالت في فترة المراهقة وهي في الثانوية أو الجامعة قد تسقط في فخ المغريات والإغراءات المادية والعاطفية وقد يدفعها الفقر أو الحاجة أو قلة التجربة وقصر النظر وضعف عاطفتها وعدم خبرتها بشؤون الرجال وأحوالهم وأخلاقهم وأسرارهم، فتنخدع بالمظاهر البراقة والكلام العاطفي المعسول والوعود الخاوية فتنساق وراء العواطف الجياشة فتلتهمها النسور الجارحة و الذئاب المتوحشة وما أكثرها وخاصة من ذوي النفوذ والمال فتزوج نفسها في لحظة ضعف دون تَروٍّ وخفية عن أهلها فتصبح زوجة ثم حاملاً، وقد يرمى بها كالمنشفة فيطلقها الشاب بعد قضاء نزوته وانكشاف الحقيقة أو رفض أهلهما أو حتى لخلاف بسيط، فما عقد بسرعة يحل بشكل أسرع وأيسر، وتجربة المجتمع المصري ليست غريبة عنا، وقد كان المشرع السوداني يأخذ برأي أبي حنيفة ولكن الحوادث الاجتماعية الناجمة عن ذلك جعلته يعود إلى رأي الجمهور وخاصة الإمام مالك فأصدر المرسوم 35 بتاريخ 22 مارس 1953 وأكد على أنَّ الولي ركن لا يصح الزواج إلا به (12).
والولي هو الملاذ الآمن والملجأ الحصين للمرأة والولي لغة يعني الصديق والنصير، فإن لم ينجح زواجها وطلقت فأحسن مكان وأنسب بيت يحمي المطلقة وأولادها هو بيت أبيها وجد أولادها فمن الضروري أن يستأذن عند إبرام العقد، وإعادة الاعتبار والقيمة الاجتماعية للمرأة هي المطالبة ببقاء الولي في عقد الزواج حتى ولو لم تنص عليه المذاهب الإسلامية لأن الولي هو حصن الدفاع الأول والأخير عن شرف المرأة وعن مستقبلها، وإلغاء ركن الولي من الزواج لا يهدف أبدا إلى رفع مكانة المرأة ومساواتها مع الرجل كما يدعي البعض، وإنما هو احتقار لها وإهانة بسلخها عن جلدتها وأصلها، وتشجيع لها على التمرد، ورمي بها إلى الهاوية والهلاك، ثم تركها وحيدة في معركة غير متكافئة بلا سند يدعمها أو درع واق يحميها.
وحتى زواج المتعة عند الشيعة الإمامية يشترط فيه حضور الولي.
وعند اليهود في إسرائيل إلى اليوم لا يتم القران المدني والديني إلا بموافقة الولي والدولة تحاسب الأولياء بصرامة لأن القانون يمنع الزواج من غير اليهودية.
الاحتجاج برأي أبي حنيفة:
أما الاحتجاج برأي أبي حنيفة فهو احتجاج مردود وباطل لأن أبا حنيفة لم يلغ الولاية في الزواج مطلقا، بل لم يشترط الولي بالنسبة للمرأة التي ليس لها ولي، وولاية المرأة العاقلة أو الراشدة نفسها هي ولاية ندب واستحباب، ولذلك يندب ألا تتولى المرأة العقد بنفسها محافظة على مصلحتها (1/172)
صفحة 173
وصيانة لحيائها.
ورأي أبي حنيفة هذا يشبه توقيف عمر بن الخطاب تطبيق حد السرقة عام المجاعة فلم يقل أحد إن عُمرًا ألغى حدَّ السرقة بل أرجأه لانتفاء مبرراته ومسوغاته، وكذا أبو حنيفة ألغى بعض صيغ الولاية الظاهرة والمتعارف عليها، فرأي أبي حنيفة تحكمه بعض الملابسات الواقعية التي صرفته عن أصله ولذلك لا ينبغي أن يُفهم هذا إلا من خلال هذه الملابسات من غير زيادة أو تلبيس أو تأويل فاسد فلا يجوز التعامل مع الأدلة الفقهية بطريقة مقطوعة من أدلتها فتأخذ على عمومها، وقد اشترط أبو حنيفة لصحة تزويج المرأة نفسها بدون ولي شروطًا حتى لا يكون زواجها عارا أو مذلة لأهلها فقال بوجوب أن يكون الزوج كفءًا للمرأة وألا يقل مهرها عن مهر المثل، وهذا ضمان لكي لا يصبح زواج المرأة إهانة أو إساءة لأهلها فإن لم يتحقق ذلك فللولي أن يبطل الزواج وهكذا يجب أن يفهم رأي أبي حنيفة موصولا بهذه الضوابط إذ لم يكن ترخيصا على الإطلاق.
وأبو حنيفة لم يقصد من صحة الزواج بلا ولي أن يكون الزواج سرا على ما هو واقع اليوم في المجتمعات التي أخذت برأي أبي حنيفة كمصر مثلا.
ثم إن رأي أبي حنيفة بشروطه لا يقدم على رأي الجمهور والنصوص الصريحة الصحيحة التي تؤكد شرط الولي، وحتى الإمام أبو محمد تلميذ أبي حنيفة يرى إمكانية أن تتولى المرأة صيغة العقد عند إبرامه ويكون وليها راضيا بهذا الزواج (13).
مبررات إلغاء ركن الولي:
لا توجد مبررات إلغاء شرط الولي من الزواج إذ لم تعترضه عوارض أو نواقض فيجب أن يبقى على أصله. ووجود الولي في عقد الزواج لم يكن أبدًا مشكلاً للأسرة الجزائرية، فلم تشتك الأسرة الجزائرية يومًا من طريقة تزويج ابنتها، كما لم نسمع أبدا بامرأة جزائرية واحدة تستغني أو تشتكي من وجود أبيها أو أهلها في عقد قرانها، كما لم نسمع بالجزائري الشهم أنه يرغب في الزواج بامرأة في معزل عن أهلها. ولعل السؤال والتأكد من نسب الفتاة ومعرفة أهلها وحضورهم في كل مراحل الزواج سلوكٌ متجذر ومتأصل في المجتمع الجزائري منذ قرون ومن ظواهر الفخر والاعتزاز، ممَّا يضمن تماسكه وانصهاره وهو صمام الأمان من كل ما يهدد الخلية الأساسية للمجتمع.
وزواج الفتاة بدون إذن وليها عصيان وتمرُّد ..
فلماذا تستبعد الدولة الجزائرية مذهبيها المالكي والإباضي (14) اللذين يؤكدان على وجوب الولي كركن أساسي في الزواج يتفق معهما المذهبان الشافعي والحنبلي، وتراعي الخصوصيات الحضارية والواقع الاجتماعي للشعب الجزائري، فتلجأ إلى القول الشاذ غير المجمع عليه والشاذ يُحفظ ولا يقاس عليه ولم توجد الضرورة القصوى التي تلزمنا بالبحث عن مخرج فقهي كوقوع الزواج فعلا بلا ولي ونتج عنه أبناء ثم حصل التراضي بين العائلتين، فيؤخذ هنا برأي أبي حنيفة كفتوى لحالة (1/173)
صفحة 174
خاصة تنقذ بها أسرة تكونت خطأ بغفلة أو تغافل والضرورة تقدر بقدرها، والفرق كبير بين الفتوى اللاحقة والخاصة والمحدودة والتشريع السابق والساري المفعول مستقبلا.
إن إلغاء ركن الولي من الزواج ستكون له عواقب وخيمة على الفتاة والأسرة والمجتمع وقد يولد تخوفا كبيرا لدى الأسرة الجزائرية المحافظة فتخاف على بناتها من الوقوع في الفخاخ المنصوبة فتمنعها عن مواصلة الدراسة بالثانويات والجامعات، وخاصة البعيدة عن مسكن الأسرة، فغيرة الجزائري على ابنته وأخته قوية جدًّا لن يتنازل عنها بسهولة، فقد يمنعها من الخروج والسفر إلى المدينة والالتحاق بالجامعة والسكن في الحي الجامعي فتغيب عن الأسرة عَّدة شهور، وقد تجاوز عمرها الثامنة عشر، فماذا جنينا من إلغاء ركن الولي في الزواج؟ والنكاح بلا ولي هو نوع من أنواع الزواج السرِّي المنهيِّ عنه شرعا والمكروه عند الجمهور إذا اكتملت شروطه.
ومن الحجج التي صرَّح بها وزير العدل حافظ الأختام قوله «لم يعد من المعقول أن تكون القاضية التي تزوج الناس وتطلقهم مجبرة على إحضار ولي أمرها عندما ترغب في الزواج!» ...
سيدي الوزير ومن على شاكلته هل كل الفتيات الجزائريات قاضيات، ولا ننسى أنَّ السن القانوني للزواج بالنسبة للفتاة هو 18، سنة بينما لا تصبح المرأة قاضية إلا بعد 28 سنة في أحسن الأحوال فكيف نسوِّي بين نضج وثقافة امرأة بلغت 28 سنة بمراهقة قليلة الثقافة والتجربة عمرها 18 سنة والتشريع يكون للأغلبية وليس للأقلية.
* بعد حذف الركن الأساسي للزواج وهو الولي تبقى الأركان الأخرى تافهة ولا معنى لها ويمكن توفيرها في الشارع وعلى الرصيف في دقائق فالشهود وما أكثرهم وما أسهل تواطؤهم وشراءهم بأبخس ثمن، وهناك من أفتى بتعزير وتأديب الزوجين والشهود والكاتب والقارئ الذين يشهدون زواجا بلا ولي (15)، والصداق ولو بخاتم من حديد والرضاء حاصل منذ البداية بين الشاب والشابة فهل هذا الزواج مضمون النجاح؟ فمن المستحيل أن يكون هناك فرد أحرص على مستقبل البنت وسعادتها من الأب أو الولي.
* إن هذه التعديلات في قانون الأسرة لا تختلف كثيرا عن إصلاحات المنظومة التربوية، وكلها تندرج في حرب شاملة بين الحضارات؛ بين الحضارة الغربية المادية ومعاييرها وبين الحضارة العربية الإسلامية ومميزاتها وطابعها ومعاييرها، فهل من الضروري أن تتطابق الحضارات في كل شيء؟ فلماذا يعيب علينا الغرب ما نستحسنه وينسجم مع حياتنا؟
الجزائر 16 جويلية 2004
--------------------
الهوامش (1/174)
صفحة 175
*- نائب بالمجلس الشعبي الوطني، مقرر لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات، كتلة حركة الإصلاح الوطني.
2 - أبو بكر جابر الجزائري، منهاج المسلم ط 5 1983 مطبعة الفن القرفاوي باتنة ص431.
3 - جامع الفتاوى المعاصرة من السلف الصالح والعلماء المعاصرين منهم د. يوسف القرضاوي ومحمد متولي الشعراوي، دار ابن لقمان2001 مصر، ص219.
4 - رواه الخمسة وصححه ابن المديني والترمذي في الباب الحادي عشر من أبواب النكاح، وابن حبان. والدارمي في الباب الحادي عشر والبخاري في الباب السادس والثلاثين من كتاب النكاح.
5 - رواه الدارمي في الباب الحادي عشر من أبواب النكاح، أخرجه الترمذي في الباب الرابع عشر من أبواب النكاح وقال فيه حديث حسن، وأبو داود في الباب التاسع عشر من كتاب النكاح.
6 - ابن قدامة، المغني ج 07 ص 352.
7 - رواه ابن ماجه في الباب الحادي والعشرين من أبواب الطلاق.
8 - سورة البقرة الآية 232.
9 - رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه مع اختلاف في اللفظ.
10 - د. ناصر الدين ماروك مدير الدراسات بالمعهد الوطني للقضاء، مجلة المجلس الإسلامي الأعلى، العدد الثالث، سنة 1420هـ/2000م. ص283.
11 - د. زكرياء بري، بداية المجتهد في أحكام الأسرة الإسلامية ج1 الزواج 1991م القاهرة ص 91.
12 - د. زكرياء بري، بداية المجتهد في أحكام الأسرة الإسلامية م س ص 108.
13 - د. محمد محدَّة، الأحكام الأساسية في الأحوال الشخصية، ج الأول الخطبة والزواج دار الشهاب ص 69.
14 - فتاوى الإمام الشيخ بيوض ج2 المطبعة العربية 1988 الجزائر ص361.
15 - فتاوى الإمام الشيخ بيوض م س ص 361. (1/175)
صفحة 176
الأسرة الجزائرية في مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية الراهنة - تشريح وضع ورؤية نحو الانفراج
أ/ حُجاج قاسم
ما فتئت الأسرة الجزائرية تواجه خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة أزمة انتقالية متعدِّدة الأبعاد والمستويات مع التحوُّل الجديد الذي تشهده البلاد ممَّا جعل أسرتنا الجزائرية تعيش طيلة هذه المدَّة نهاية عشرية أوهام الرفاهية وبداية عشرية حقائق صدمة التحوُّل والرجوع إلى طبيعة الأشياء في حياتنا الاقتصادية.
لقد تمَّ هذا التحوُّل العنيف، المؤلم بعد أن تبنَّت البلاد سياسة العلاج والجراحة بالصدمة للاختلالات البنيوية العميقة للاقتصاد الجزائري المسيَّر مركزيا والذي يعاني مديونية خارجية وداخلية خانقة وعجز في ميزاني التجارة الخارجية والمدفوعات .. سياسة فرضتها علينا الدول والمؤسسات المالية الغربية الدائنة بقيادة "الأفامي" بغرض إعادة هيكلة الاقتصاد الجزائري لتسريع عملية التحول من نموذج التنمية الاشتراكية الممركزة القائم على الصناعات التصنيعية المكلفة إلى نموذج التنمية الرأسمالية في ظل عولمة نموذج الليبرالية الجديدة ذات التوجه المتمركز حول قوى السوق على حساب قوى المجتمع الأخرى ممَّا أظهر آثارا غير إنسانية زادت من غنى الغني وفقر الفقراء، بل ووسعت من دائرة الفقراء على حساب الطبقة الوسطى عبر العالم بأسره فضلا عن بلادنا.
إنه انتقال يجري - إراديا وقسريا - على نار حارَّة وأجواء ساخنة وأعصاب متوتِّرة وأوضاع متقلبة، وإرهاب دموي إجرامي أعمى أو مبرمج، طالما لبَّد سماء الجزائر بسحب سوداء من الدماء والأشلاء والأهوال والفتن التي ولدت الإحباط والأحزان واليأس والتشاؤم والحيرة وحياة الضنك والمنفى، وفقدان الكثير من معالم السير لدى العام والخاص، في ظل كوكتيل من الاضطرابات لا سابق لها.
مما يتطلب ممن يواجه هذه الأوضاع المتأزمة أن يتسلح بإيمان قوي متجدِّد، وعزيمة فولاذية عزيزة، وعقل رصين، وحكمة بالغة، وصبر جميل، مستعينًا بالله قبل ذلك وبعد؛ {وَمَنْ يَّتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (1).
{وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ للتَّقْوَى} (2).
ذلك أنَّ التغير أو التحوُّل الذي نشهده يبدو متزامنا مع - أو استجابة - لاتجاه ثقيل وقوي ( tendance lourde et fort) على مستوى الكوكب ويتمثَّل عندنا بالانتقال من اقتصاد مخطَّط، مركزي، أوامري، بيروقراطي، جامد يعتمد على القطاع العام كمحرِّك وقاطرة للتنمية إلى اقتصاد سوق رأسمالي لا مركزي، ديناميكي، يعتمد على القطاع الخاص كمحرك وقاطرة للتنمية.
اتجاه يتمظهر في شكل تقنينات سياسات نقدية، مالية، تجارية، خذماتية ... مثل الخوصصة، إزالة (1/176)
صفحة 177
الدعم الحكومي عن الكثير من الخدمات الاجتماعية-الاقتصادية كالتعليم والصحة والنقل والإدارة والثقافة والرعاية الاجتماعية والمواد الاستهلاكية الأساسية خضوعا لآلية أسعار السوق وقانون العرض والطلب.
لكنه تحوُّلٌ يتميز بالاضطراب والوحشية واللاإنسانية اللاقانونية يهزُّ أركان المنظومات القائمة مهما كانت صلبة ومنها أركان الأسرة الجزائرية.
والمؤكد أنَّ الاتجاه المذكور سيظل اتجاها مؤكدًا وثقيلا وشاملا وطويل المدى. ومن هنا شعورنا نفسيا وسلوكيا ومؤسساتيًا بنوع من الصدمة ( LE CHOC) وفقدان النظم الاجتماعية المختلفة لتوازنها واستقرارها السابق.
والحقيقة لابد من الاعتراف أنَّه رغم عدم الارتياح الذي نبديه إزاء الطريقة التي سلكتها بلادنا في الاستجابة لذلك التغير الثقيل باعتبارها استجابة وتكيُّفًا إذعانيا، غير مدروس وغير مفكَّر فيه جيدًا، .. إلا أنَّه لابد من الاعتراف أيضا أنَّ من أسباب شعورنا بتلك الصدمة أفرادا وأسرًا ومجتمعات ودولة أنَّنا كنا قد ألفنا العيش طيلة ثلاثين سنة من الاستقلال بين قوسين؛ أي على هامش الاقتصاد العالمي وديناميكيته، عِشنا فترة أوهام ولَّدتها منظومة اقتصادية اصطناعية (النظام الاشتراكي/ ونظام الحزب الواحد) لم تكن تعمل بمقتضى الفطرة الإنسانية ولا بمقتضى المقاييس الدولية ..
فولدت خلال 1985 ـ 2002 الكثير من الإحباطات والاختلافات والتجاوزات والاحتقانات والأزمات التي تعانيها الأسرة الجزائرية، وهذا رغم إيجابيات تلك المرحلة، مرحلة حققت فيها الأسرة الجزائرية تحولات بنيوية وقيمة كثيرة حيث ارتفعت مداخلها، وانفتحت على منتجات المجتمع الصناعي والاستهلاكي ولكن كنا نستورد ونستهلك مما لا ننتج في العالم، بل ونستدين كدولة ومجتمع لنحقق تنمية قائمة على الصناعات التصنيعية الثقيلة، فأُهملت الزراعة والخدمات وغيرها، فعاش الجزائري والأسرة الجزائرية وهم الثراء والثروة بالاعتماد السافر والكلِّي على المداخيل النفطية بشكل متزايد خلال الصدمة النفطية إثر حروب 1973 و1979 و1982، فقد كانت الدولة تحتكر إنتاج وتوزيع كل شيء تقريبا ابتداء من الحليب إلى الجرار، وكما كانت تدعِّم الدينار الجزائري بفضل مخزونات الذهب والاحتياطي من العملة الصعبة (البتر ودولارات) فكانت 50 سنتيمًا تساوي 1 فرنك فرنسي (50 س = 1 ف) خلال السبعينيات، وأضحى 68 دينارًا = 1 أورو، و78 دينارًا = 1 دولار في أواخر أبريل 2002، فأحسسنا واهمين أننا نتقدَّم اقتصاديا لكن دون أي مقابل من جهد وعمل وابتكار واختراع وكدٍّ جزائري معتمد على النفس أكثر من الخارج لإنتاج ثروات جديدة وقيم مضافة نصدِّرها غير الخامات النفطية والمنجميَّة، حتى تغطي صادراتنا وارداتها ومداخلنا كافة مصاريفنا. (1/177)
صفحة 178
فقد كان الاقتصاد الجزائري والأسرة الجزائرية فاقدة للمبادرة الخاصة، أسرة وفرد جزائريان متكفَّل بهما كلِّيا تقريبا ( une famille trop assistée) من طرف الدولة، والرعاية الاجتماعية ( L'état providence)، إذ أصبحنا اليوم نعيش اقتصادًا يتميز على عكس النموذج الاقتصادي الاشتراكي (قبل 1989) اقتصاد قلة العرض وكثرة الطلب في ظل اقتصاد ما بعد الاشتراكية (اقتصاد سوق حرَّة بمعنى الكلمة) بسبب ضعف المداخيل والقدرة الشرائية، ومستوى أسعار مرتفع لأسباب عديدة، أهمها ضعف الإنتاج الوطني للغذاء والدواء ومواد التجهيز.
وأعتقد أنَّ المرحلة الانتقالية الحالية ستستمرُّ إلى حوالي 2015م على الأقل، بشرط أن تتخذ سياسات حكومية تعدُّ المجتمع الجزائري للاعتماد على نفسه، وعلى عقله وذكائه، وعلى تنظيمه وعمله، وبضماناته التقليدية والحديثة، لا على النفط، استعدادًا لمرحلة ما بعد النفط لمواجهة التحدي بنضالية.
إذًا إنَّ التغير أضحى هو الثابت، وهذا التغير في محيط أسرتنا الجزائرية والمحلية كنظم فرعية ضمن النظام الوطني والنظام الكلي الكوكبي، تغير سريع، صدامي مما يتطلب حسن التفاعل والتكيف الإيجابي والمتوازن في أفكارنا وطرق عملنا وذهنياتنا وسلوكياتنا ابتداء من أرباب وربات الأسر وإلاَّ استمرت الأزمة أطول مدة.
* بعض مظاهر وخصائص الأزمة الانتقالية الحالية:
إنَّ الأزمة الاقتصادية التي تواجهها أسرُنا إحدى أبعاد الأزمة المتعددة الأبعاد التي تشهدها بلادنا وتتمثل في:
1) المستوى المعيشي: نسجل ما يلي:
ـ ارتفاع مستوى الأسعار (تضخم مرضي طويل المدى) أي غلاء معيشة مس الأساسيات من غذاء ودواء ... رغم وفرة السلع والخدمات بفضل الاستيراد الواسع (شركات استيراد/ استيراد) مع تذبذب في الأسعار يتجه حاليا نحو الاستقرار لكن في مستويات عليا لاتتناسب مع القدرة الشرائية لأرباب الأسر وعدم قدرة مداخيل 80 % منهم على تغطية النفقات الأساسية: الغذاء، النقل، الدواء، اللباس، الكهرباء، الغاز، الماء، الاستشفاء، التمدرس فضلا عن السكن وغيره.
ـ زيادة مظاهر الفقر ووتيرة التفقير الواسع، وسوء التغذية ونقص المناعة، وقصر القامة وضعف البنية الفيزيولوجية، ونقص الحديد في الدم، وبعض الفيتامينات المهمَّة وعودة ظهور الأمراض المتوطنة الوبائية/ المعدية التي طالما قضي عليها مثل: التيفوئيد والبوحمرون والسل.
2) على المستوي النفسي (الشعور العام بشدة صدمة التحوُّل):
ـ فقدان الأمل والثقة في المستقبل وانسداد الآفاق أمام العيون وانتشار مشاعر اليأس والقنوط والتشاؤم والإحباط.
ـ النزوع إلى تبني الأفكار والمواقف المتطرِّفة والمتشنجة والانفعالية، وردود الفعل المتهورة (1/178)
صفحة 179
والغضب، والاستجابة للاستثارة بسرعة والقلق بكافة أشكاله، والتوتر العصبي والتديُّن المغشوش والمنحرف، والخيارات الأيديولوجية الاستقطابية الحادة.
3) على المستوى الاجتماعي:
ـ العزوف عن الزواج تهربا من تحمُّل مسؤولية الزواج والأسرة، والتأخير الكبير والاضطراري أو الإرادي لسن الزواج وما ينجرُّ عنه من تراكم لكبت الغريزة والطاقة الجنسية، وما ينتج عن ذلك من انحرافات في تصريف تلك الطاقة في غير مصارفها الشرعية والأخلاقية والقانونية المشروعة. زاد من حدة الاستثارة الجنسية التعرُّض للتدفق الإعلامي والمعلوماتي للمواد الجنسية عبر القنوات الفضائية للبث المباشر منذ 1987 والإنترنت، مند 1995 وغيرها من الوسائط المعلوماتية والسمعية - البصرية.
ـ العنوسة الإرادية والاضطرارية اللاإرادية، والبوار في الوسط النسوي.
ـ الطلاق وتزايد آثاره وفداحة فاتورته اقتصاديًا، اجتماعيًا، ونفسيًا، وتربويا، على المطلقين والأبناء (على الأسرة).
ـ التفكُّك الأسري.
ـ غلاء المهور والمغالاة فيها وارتفاع تكاليف الأعراس، وغياب تقنيات ملائمة لذلك، وتحكم التقليد والمفاخرة والمجاملات في مراسيم الزواج وعاداته، وهذا بشكل منافٍ لتعاليم الإسلام الصحيح.
ـ تدهور ظروف وشروط الحياة الحضرية (في المدن) والريفية، تحت ضغط سكاني متزايد وتنقل حركية سكانية غير مسبوقة بحثا عن السكن، الأمن، المعيشة ... ومنه التدهور البيئي.
ـ صعوبة مهمَّة التربية والتكوين في ظرف اقتصادي وأمني متدهور، وفي وسط اجتماعي تكثر باستمرار فيه الانحرافات الفكرية والسلوكية: تدخين ومخدرات في الوسط الابتدائي، انحرافات جنسية، عنف جسدي ولفظي، .. ممَّا يُعقِّد مهمَّة الأسرة في تنشئة الأبناء والأجيال الجديدة.
ـ انحرافات سلوكية تشهد بها القضايا المطروحة أمام المحاكم مثل: السرقة، اللصوصية، والجريمة المنظمة، القتل العمدي، الانتحار، انتهاك الحرمات والأعراض، التهريب، الإدمان على المخدرات، والتدخين، والخمور، تبييض الأموال، التحايل على القوانين، البزنسة بكل شيء تقريبًا، التهرُّب الضريبي الجبائي، اللاعدالة في توزيع أعباء الجباية.
ـ ظهور أو استفحال آفات اجتماعية أخري كالرشوة، المحسوبية، التسول، التعصب والنكوص إلى الانتماءات الضيقة (قبيلة، عرش، عشيرة، جهة، دوَّار، حي، مدينة، لغة) وإحيائها بحثا عن الأمن والطمأنينة، وتعظيمًا للمنافع والامتيازات والمطامع والمصالح، حيث افتَقَد الانتماء الواسع كالانتماء الوطني والإسلامي والإنساني والعالمي أهميته وفعاليته، وأصبح لدى الكثيرين مجرَّد عاطفة (1/179)
صفحة 180
شكلية، ومشروع طوباوي مثالي ديماغوجي غير مجدٍ مادِّيًا ... وذلك شأن مفارقات العولمة المتوحِّشة الداروينية الاصطفائية الإقصائية الجارية، حيث يتَّجه الأفراد والجماعات إلى إعادة بعث الانتماءات الضيقة نتيجة إحساسها بالذوبان في محيط يزداد عولمة وحدود تزداد اختراقا ومسامية وتحوُّلا مثل الرمال المتنقلة بين الحين والأخر.
4) على مستوى الدولة الجزائرية (علاقة الحاكم بالمحكوم ... ):
ـ أزمة الدولة الوطنية، وأزمة السياسة والأحزاب والتنظيمات الوطنية ... من حيث غياب الديموقراطية وفتح أبواب المشاركة الواسعة، إضافة إلى التخبُّط الحكومي (10 حكومات تعاقبت على السلطة مدة عشر سنوات ما بين 1989/ 2002) وغياب وحدة السلطة؛ أي تشتُّت السلطة من الداخل (فالسلطة أضحت سلطات) منذ 1989م. وغياب دولة "قوة القانون" واستفحال دولة "قانون القوة"، فباتت القوانين تُفصَّل على مقاس الأطراف الأقلية المتنفذة، وليس على مقاس الأغلبية مع مراعاة مصالح الأقلية دون امتيازات احتكارية، فكان أن تمت خوصصة الدولة (كمجال عام) فأصبحت مجالاً مستباحا لآليات مصالحية ومجموعات مافيوية مسكونة بعقلية (القبيلة والغنيمة)، تعبث بمصالح الشعب وأموال الدولة كيفما تشاء، فأصبحت الدولة مستباحة من طرف المصالح الأجنبية في ظل قوانين حالة الطوارئ وعدم الاستقرار الأمني.
ـ انتشار آفات سياسية كالزبونية، والوصولية، والانتهازية السلبية، والرشوة السياسية، والتزوير الانتخابي للإرادة الشعبية، والاستخدام الميكيافيلي لآليات الديموقراطية لإقامة ديموقراطية صورية، واجهاتية، شكلية، وعدم فهم كيفية تحقيق الوحدة الوطنية ضمن التنوُّع والتعدُّد مما يسدُّ الآفاق أمام أي فرص لانفراج الأزمة.
ـ انتشار ثقافة الصراع، والتطرف، والحدِّية، والمواجهة، وطغيان التطرُّف السياسي، والإقصاء، والتعصب بكافة أشكاله فكري، لغوي، جنسي، عرقي، أيديولوجي، جهوي، اقتصادي، ديني، واستفحال الفكر الأحادي، وغياب ثقافة الحوار والمثاقفة والنقاش الهادئ والتفكير الحر المفتوح، والوعي الفردي المستقل، وانتشار صناعة الأتباع والتماثل، والتجانس في الجماعات والمجتمع، والتبرُّم من الاختلاف والتنوع، لا فرصة للثراء والتعدُّد واعتبارها ظاهرة مهدِّدة للذات.
ـ تغيُّر دور الدولة الاقتصادي وتحوُّلها من دولة راعية محتكرة ومهيمنة ومتكلفة بالمجتمع والأسرة، من دولة مستثمرة ومتدخلة في الشأن الاقتصادي والجهد التنموي عموما إلى دولة منسحبة من ساحة الاقتصاد لصالح قوى السوق الداخلية والخارجية. ورغم الشروع في البرنامج الاقتصادي (2001) وبداية تحرك وتيرة التنمية المعطَّلة من جديد، فإنَّ نسبة مشاريع الواجهة التي تنتج قيًمًا مضافة ومن ثمة مناصب شغل جديدة ضئيلة جدًّا، بل يجري تخلي الدولة عن مؤسسات عمومية وخوصصتها تدريجيا مما يوسع دائرة الفقر والبؤس الاجتماعي عبر تسريح العمال وارتفاع مؤشرات الأسعار. (1/180)
صفحة 181
5) على المستوي القيمي:
ـ نسجل انتشار القيم النفعية والمادية والاستهلاكية الصرفة: قيم الربح السريع والسهل والحرام واللامشروع واللاقانوني.
ـ التصحر الإيماني للنفوس والقلوب، وندرة قيم العزَّة والشهامة والأنفة، وسيادة قيم الذل والمسكنة، والطمع والجشع، والغش والتسول، والسرقة والرشوة، والإيمان السافر بالملموس والمادي والكفر بالغيب {وَمَنْ يَّتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} (3).
إمكانات التكيف الأسري مع مقتضيات الظرف الحالي المتوازن:
الحلول المقترحة لإعادة تأهيل مؤسسة الأسرة:
قبل التطرق إلى الحلول ينبغي التعرف على واقع الأسرة من خلال تشريح حالتها الراهنة:
1 - تشريح حالة الأسرة:
أ) من حيث الحجم:
تنتقل الأسرة حاليا ـــ تحث تأثير عدة عوامل: النمو الديموغرافي المتزايد، ضغوطات الأزمة الاقتصادية، التحوُّل نحو اقتصاد الخدمات والمعلوماتية حيث الإنتاج المشخصن اللاجماهيري ـــ من أسرة كبيرة ذات اكتفاء ذاتي إلى أسرة صغيرة نووية تابعة للبيئة الخارجية معيشيا، مما يجعلها أكثر هشاشة وأسرع تأثرا بالتقلبات الخارجية للأسرة.
ب) من حيث المداخيل:
تحث تأثير الأزمة الاقتصادية الحالية تزداد الفوارق الطبقية بين الأسر الغنية والأسر الفقيرة، من حيث المداخيل، ومستوى المعيشة، والثروة والتعليم ... ومن حيث ازدياد كتلة الأسر الفقيرة (حوالي 16 مليون جزائري من 30 مليون) بحكم انهيار مداخيل كتلة الأسر المتوسطة الدخل فما فتئت الهوَّة والفجوة الاقتصادية تزداد بين فقراء وأغنياء الجزائر، مما يولد صراعات وتوترات وانقسامات، كما نسجل ظهور أصحاب ثروات إبان الثمانينيات وخلال مرحلة الإرهاب
ج) من حيث الحاجات:
مع الزمن ومع تطور المستوى الثقافي والوعي الاقتصادي، ومع ظهور اقتصاد الوفرة المستورد من حيث كثرة، وتنوع وتعدد المنتجات في الفرع الإنتاجي الواحد، والاطلاع على الإعلام الدولي عبر البث المباشر، مما يثير الشعور بالحرمان والتفاوت بين الشمال والجنوب، وتحث تأثير الإعلام والتسويق الاقتصادي .. تزايدت وتنوعت حاجات الأجيال الجديدة إلى منتجات الرفاهية الإعلامية، الإلكترومنزلية، العمرانية، الخدماتية، الغذائية، الدوائية الاستشفائية. حيث أنَّ حاجات الأٍسرة الجزائرية لم تعد محدودة من حيث الإمكانية كما كانت عليه خلال ما قبل 1962 أو ما بين 62 ـ1991 حيث أضحى اقتناء الكومبيوتر المنزلي الشخصي اليوم حاجة أساسية من (1/181)
صفحة 182
حاجات الأسرة الجزئية المنفتحة على المنتجات الصناعة العصرية باستمرار، مما يولد ضغوطا واختلاطا في أولويات الإنفاق، ومفارقات بين من يملك ومن لا يملك، بين من يملك عن أصالة، ومن يملك بالنهب والاختلاس، رغم أنَّ الدخل الفردي الأسري الجزائري زاد بشكل مضاعف خلال العشريات السابقة، إلاَّ أنَّ تقلبات الأسعار نحو التضخم، وتقلب قيمة العملة الجزائرية وتزايد التبعية للمحروقات، جعل الأسرة لا تكاد تنفق على الضروريات مما يضطرُّها إلى الاستدانة لتلبيتها ما بقي من الشهر في انتظار الراتب الشهري القادم وهكذا ...
د) من حيث القيم:
نجد أنَّ الأسرة الجزائرية تتنازعها وتتجاذبها مجموعة فسيفسائية من القيم ذات العلاقة بعالم الماديات والاقتصاد. فهناك الأسر ذات التوجُّه الإسلامي الحداثي، وهناك الأسر ذات التوجه الإسلامي التقليدي المحافظ، وهناك ذات التوجه الحداثي المتغرب. مما يؤثر على السلوك الاستهلاكي، الإنتاجي، السلوك تجاه عالم الماديات ومنتجات الحضارة الحالية، بين رفض مطلق وتبنٍّ كامل ومطلق، وبين تبنٍّ بتحفظ وانتقائية، اختلاط مفاهيمها بالنسبة للحلال والحرام، للقانون واللاقانون، للأخلاقي واللاأخلاقي، للإنساني واللاإنساني، فأضحى المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا لدى كثيرين.
وقد تجد الصراع في هذه القيم بين أبناء الأسرة الواحدة بين جيل وجيل، منها ما يؤثر على مستقبل التماسك الاجتماعي والأسري على السواء.
هـ) من حيث العلاقة بالمحيط:
تغيرت علاقة الأسرة والمجتمع بالدولة عمومًا، بسبب الاستعمار ونموذج التنمية السابق، فكسر جميع الأصول المسماة "تقليدية" السابقة والموروثة، ولكنه لم يُقم نموذجا للعلاقة (أسرة ـــ دولة) يوزع الأدوار ويقسم الأعمال بطريقة تجعل الأسرة الجزائرية متماسكة في ظل التغير المتدرج والعقلاني ... فكسر أصل العشيرة والقبيلة والعرش والدوار والجماعة المحلية العرفية وربط أفراد الأسرة مباشرة بالدولة الحديثة، لم يكن للأسرة فرص النماء المتوازن ضمن قيمها مع إقامة منظومة حديثة للتضامن والتكافل الوطني من خلال احترام وتقديس المواطنة ودولة القانون، وإدارة في خدمة المواطن ودولة لا تعمل بأكثر من سرعة، لأنَّ وصول القافلة يُقاس بوصول أخر واحد فيها.
العلاقة بالدولة علاقة أخذ لا عطاء؛ علاقة "بروفيتاج" وابتزاز، وعلاقة "البايليك"، علاقة التابع والمتبوع لا الشريك.
2) خيارات ورؤى وحلول لمواجهة الأسرة الأزمة الاقتصادية:
إنَّ مواجهة الأسرة للأزمة الاقتصادية الحالية يتطلَّب إرادة أرباب الأسر وأرباب الدولة وأرباب الحركات الاقتصادية الخاصة. (1/182)
صفحة 183
وإنَّ تحرير وإخراج الأسرة المحلية والجزائرية عمومًا من قيود الأزمة الاقتصادية الراهنة يتطلَّب القيام بجهد متواصل لاعادة تأهيل الأسرة اقتصاديا. و هي ليست كافية وحدها إلاَّ أنَّها ضرورية وتعنينا هنا.
وهنا ينبغي التأكيد أولاً أنَّ أي تغير في البيئة يفرض التغيير في الأفكار، والتغيير الهيكلي البنيوي يبدأ من التغيير الفكري والذهني.
ومن هنا نضع بين يديكم مجموعة من الحلول المقترحة للرفع من قدرة الأسرة على مقاومة وتجاوز ضغوطات الأزمة الاقتصادية الراهنة نحو بناء جيل مستقبلي أفضل. فنحن ورثة الأجداد والمعاصرون للجيل الحالي والمتنبئون بالجيل القادم. علينا مسؤوليات يجب الوفاء بها.
ـ مسؤولية الأبوين كفاعلين اقتصاديين أساسيين داخل وخارج الأسرة، فبيدهم تسيير وإدارة شؤون الأسرة في حدود الإمكانيات المتاحة، والبحث عن بدائل تزيد من مداخيل الأسرة بحيث يتعين عليهم:
أـ التخلص من الذهنيات القديمة كالسلبية، والانتظارية، والاتكالية على الدولة كموزع للخيرات والأرباح، ومتكفِّلة بالحاجات الأساسية للأسر.
ب ـ أن يعرفوا أنَّ "خبزة" المستقبل لن تكون سهلة وباردة، بل عليهم بذل تضحيات كبيرة للوصول بأُسرهم إلى وضع اقتصادي مريح، والقيام بمبادرات للبقاء بكرامة، خاصَّة إذا علمنا أنَّ اقتصاد الجزائر يظل معرَّضًا للهزات مادام مرتبطًا فقط بسلعة وحيدة هي المحروقات.
ج ـ عمل المرأة أضحى من الضرورات، وأنَّ بطالة نصف المجتمع أمرٌ منكورٌ شرعًا وعقلاً، حتى وإن كنا غير مؤمنين بعمل المرأة خارج البيت أو إعدادها لحالات الطوارئ فلا بد من تأهيل المرأة والبنت (أم وزوجة المستقبل) لتكسب قوتَها بعزَّة دون تسول أو بيع كرامتها وشرفها وعرضها، فتأكل خبزًا نظيفًا بعِرضٍ نظيف، حتىَّ نقلِّل من مخاطر سقوطها في دائرة الحاجة المؤدِّية إلى الدعارة والفساد ... تؤكد الإحصاءات التاريخية القديمة والمعاصرة أنَّ انتشار هذه الظاهرة يرتبط بانتشار الفقر، خاصَّة في الآونة الأخيرة حيث تدخَّل الآفامي بسياساته الداعمة للرأسمالية العالمية كلما تزايدت الظاهرة ... وكاد الفقر أن يكون كفرًا، والفقر كما هو معروف في ديننا ليس آفة وعارًا ولكنه إثمٌ أيضا. و من هنا يتجسد دور الأجهزة الحكومية ومنها وزارة التضامن الوطني والعمل بأن تساند العائلة وبأن تعترف بعمل المرأة في البيت، فمن الضروري المطالبة الملحة والمستمرة عبر المنتخبين والحركة النسائية حتى يتمَّ الإقرار به والاعتراف القانوني بأهمية مساهمة المرأة في خلية الأسرة وأن تُؤخذَ بجدٍّ وتُقيَّمَ مادِّيا (بأجرة أو شبه أجرة) عمل المرأة في بيتها.
إنَّ تنشئة النشء الصالح والمواطنة الصالحة ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية الدولة أيضا ولا يعتبر من قبيل الصدقات، ولا يعني الالتفاف على حقِّ المرأة في العمل خارج البيت إن أرادت واضطرت إلى ذلك (4). (1/183)
صفحة 184
ج) ـ دعوة أبناء الأسرة القادرين على العمل إلى التخلي عن سلوك البطالة، إلى عدم اليأس من البحث عن عمل يكسبون به قوتهم، ومنه الهجرة الشرعية بحثا عن العمل والرزق داخل أرجاء الوطن أو خارجه .. {قَالُوا أَلَمْ تَكُنَ اَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} (5)، {وَمَنْ يُّهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الاَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} (6). فلماذا تبقون سجناء منطقتكم وأهلكم، امشوا في الأرض وابتغوا من فضل الله، "فرزقٌ يأتيك ورزق تأتيه"، كما يقول المثل الشعبي.
هـ) إقامة المؤسسة الاقتصادية العائلية وهي أداة العائلة المنتجة، وهي الأفضل كفاءة ومرونة خاصَّة في ظل التحول الحالي من اقتصاد مبني على المصانع الكبيرة إلى اقتصاد خدماتي، لا مادي (رمزي) يعتمد على الشبكات، والعمل عن بعد والإنتاج عن بعد، والتسوق عن بعد، والتطبيب والتعليم عن بعد، الخ ...
اقتصاد الإنتاج حسب الطلب، لا الإنتاج بالجملة ( EN SERIE)، اقتصاد قائم على المعلومات الاقتصادية اللامادي.
إنَّ المؤسسة الاقتصادية العائلية الآن في أوج ازدهارها عبر العالم مع تراجع المؤسسة الاقتصادية الكبيرة ذات البيروقراطية الثقيلة المكلِّفة ... فالأولى هي الأكثر استقرارًا أو مردودية وإبداعا وابتكارا .. فالمؤسسة الاقتصادية العائلية لا تحتاج إلى بنايات ضخمة وأموال كبيرة ووسائل اتصال كثيفة وبيروقراطية ضخمة ... بل لا توجد في العائلة أزمة اتصال بين أعضائها، ولا مشكلة تفاهم ونزاعات كما في الإدارات الاقتصادية الأخرى؛ فكلما كان التفاهم أفضل وأسهل وأسلس بين أعضاء مجموعة منتجة كلَّما قلَّت اللوائح التنظيمية الآمرة شفوية أو مكتوبة، وقلَّت الحاجة إلى وسائل الاتصال ... فلا محسوبية، ولا رشوة، وتآمر، وإنما إخلاص ومحبَّة وتضحية متبادلة وتفهُّم، وتعاون على البر والتقوى، ومراعاة الكبير للصغير، والصغير للكبير، وتوزيع متساوٍ للأعباء والأرباح، حسب الجهد المبذول في المؤسسة العائلية. ففي البيت علاقة أمومة وحنو وأبوة وتراحم وأخوة وتآزر، ولا مكان للسلَّم التصاعدي، وصراع السلطة بين القمة والقاعدة، كما في المؤسسة الكبيرة غير العائلية. وفي هذا الصدد يقول المفكر المستقبلي الأمريكي "آلفن طوفلر": «إنَّ انتعاش وازدهار المؤسسة الاقتصادية العائلية ليس عابرًا أو مؤقتا ... إننا ندخل في العصر ما بعد البيروقراطية وفيه تكون الأسرة الاقتصادية العائلية أحد أهمِّ الحلول للمشكلة الاقتصادية ... » (7).
و) مَلءُ البطاريات الروحية لأعضاء الأسرة باستمرار من خلال القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية السامية؛ كالإيمان بالله، والقضاء والقدر خيره وشره، والقناعة والصبر والإيثار والحب الصادق والتدرُّب على التخلص من الأخلاق الذميمة كالشر والطمع والحسد والكراهية والبغض .. (1/184)
صفحة 185
ز) التكوين والتعليم والتربية المستمرة لأعضاء الأسرة، حيث لا يتجمَّد أحدهم عند مستوى معيَّن من التحصيل العلمي والمهني، بل يوضع برنامج طموح مدى السنوات لتطوير التكوين والتحصيل لكلِّ فرد من أفراد الأسرة، بل الحرص على تنويع اختصاصات التكوين لكلِّ واحد حتى يمكنهم تنويع مداخلهم إلى سوق العمل الهشَّة المتقلبة والمتحولة باستمرار، وثمة ضمانُ بدائل لمداخيلهم من أعمال ومهن عديدة يتقنها الواحد. فلا يستنكف أن يشتغل أي شغل مهما بدا اجتماعيا غير مرموق، فالعمل شرف وواجب .. ومن هنا تعديد مداخيل الاستثمار الأسري لمواجهة الطوارئ.
ح) الادِّخار الطوعي والسعي مع الأصدقاء لإنشاء شركات أسهم ولو صغيرة وإسناد إدارتها إلى عليم، أمين، خبير ..
ط) الإدارة الرشيدة لميزانية الأسرة بترشيد النفقات وتخطيطها، ومكافحة التبذير بالتقيد بسلوك الاعتدال في النفقات والسعي للكسب وعدم استبطاء الرزق.
ي) الإدارة الرشيدة للمطبخ: لمحتويات الثلاجة، وخزانة المؤونة، وقفة الأسبوع، والنصف شهر، بحسب تذبذب أسعار الأساسيات في الغذاء.
ك) التعاون بين أطراف الأسرة واعتماد الشفافية والصراحة لمواجهة ضغوطات السوق. ومنه أن لا يستغل طرف هذه المصارحة والشفافية للابتزاز والتبذير والمساومة والتحايل على الطرف الآخر.
ل) التخلُّص من عادة اللجوء إلى الجيران للتسليف والتسول والابتزاز والطمع، فلا يُرِق الواحد ماء وجهه وشرفه من أجل حبَّة ثوم تنقص الأكلة، أو أعوادَ "كسبر" أو حبة طماطم .. أو استلاف طقم فناجين لاستقبال ضيوف فقط من أجل التباهي والتصنُّع .. فلنكن عاديين لا متكلفين فربما انكسر الطقم فيكون التعويض مشكلة وعدم القدرة عليه مشكلة أخرى.
م) التقليل من الاستدانة ما أمكن وإدارة المديونية بصرامة بحيث لا يصبح حجم قيمة الديون ثقيلا وخانقا لحرية مبادرة الأسرة مستقبلاً.
ن) الإنقاص من المشتهيات والملذات البطنية واللباسية والتأثيثية والتجميلية ( Les Vases مثلا) ما أمكن.
الابتعاد والإقلاع عن التدخين فهو يلتهم ميزانية خاصَّة، فضلا عن المسكرات والمخدرات.
س) الاطِّلاع على محتويات المواد الغذائية عند الشراء لتعظيم المنفعة من المنتجات المستهلكة، بحيث تشتري ما يفيد من حيث سعراته الحرارية وقيمته الصحية بعيدًا عن التقليد والتقاليد، والدعاية الإعلامية لتسويق البضائع المختلفة عبر وسائل الإعلام.
ع) إنشاء تجمعات اقتصادية: مثلا أن نؤسس شركة بـ80 نعجة يملكها العديد من العائلات، ويكون لها مصنع أو وحدة لتجميع وتحويل الحليب من البيوت ثم توزيعه وبيعه. أو القيام بالمناولة ( La sous Traitance) بحيث تقوم مجموعة من العائلات بأعمال جزئية لوحدات صناعية في البيت. (1/185)
صفحة 186
ف) الإفادة من القرض المصغَّر.
ص) تحويل حالة الفقر والحرمان إلى مصدر إلهام وإبداع وتحدٍّ بالتخلص من ذهنية الإنسان والعائلة المحرومة والمقهورة والمتخلفة والفقيرة، لأن الفقر ليس فقط مشكلة تدنِّي مستوى الدخل على أهمية الجانب الفردي أو الأسري، ولكن يكمن حسب مفكري الاقتصاد المعاصرين في الجانب السيكولوجي (النفساني) لأنَّه يدمِّر قدرات الإنجاز والإقدام والعمل والمبادرة لدى الفرد فيستسلم لحالة العوز والفقر، أو تمتلئ نفسه انتقامًا وحسدا أو كراهية للغير ولبلده، بل عليه أن يقاوم ويغيِّر حالته بالعمل والكفاءة والتعلُّم، ريثما يتحرَّك اقتصاد الدولة ليعضد جهودنا الفردية للخروج من التخلف.
فالفقر ظاهرة اجتماعية، والحرمان هو وجهه الخارجي، أمَّا وجهه الباطن فهو الجشع والإثم، وغياب القيم الإنسانية النبيلة، مثل وجود الاستغلال والاستعباد والكراهية والأنانية في النفوس فلا بد من البحث ـــ ليس فقط عن الحل الاجتماعي والاقتصادي ـــ بل عن حل "إنساني" أيضا، فالفقر نقصٌ في الضروريات التي لا يستغنى عنها، والإسلام جاء للقضاء على الفقر، لا على الغنى والأغنياء والفقراء.
إنَّ هذه الحلول كلُّها تقف على خلفية العودة إلى نموذج الأسرة السابقة المكتفية ذاتيا غير التابعة كليا للسوق الوطنية والدولية.
--------------------
الهوامش
1 - سورة الطلاق، الآيتان: 02، 03.
2 - سورة طه، الآية: 132.
3 - سورة الطلاق، الآية: 02.
4 - للمزيد عن هذا طالع مطالبة تنظيمات نسائية وما بين العائلات في كندا في ولاية كيباك بالذات مند 1989 تتعلق بإعطاء مِنَح وأجرة للمرأة التي تتعهد أبناءها في البيت وتمَّ الاعتراف القانوني بأنَّ قيام المرأة بتربية النشء في البيت عمل مجزي.
انظر مقالة في الانترنيت بعنوان:
le regroupement inter organisme pour une politique familiale au Québec : «la reconnaissance du travail de la femme a la maison une affaire d'état» par mme noèlla huot.
5 - سورة النساء، الآية: 97.
6 - سورة النساء، الآية: 100.
7 - Alvin Toffler: "les nouveaux pouvoirs, savoir , richesse , est violence a la veuille du XXI em siècle" ,Ed Fayard, Paris ,1991 P 287 - 301 surtout P 298 - 301 (1/186)
صفحة 187
تراثنا والمستشرقون (*)
أ/ عمر سليمان بوعصبانة (لقمان) (**)
(1) (2) - إذا أرادت قارتنا السمراء (3) في يوم من الأيام أن تفتخر بريادتها في مصاف الحضارات القديمة فإن أروع الأمثلة التي يمكن أن نضعها في الصدارة هي: حضارة صحراء الجزائر أيام أن كانت مروجا خضراء، وكانت الأمطار بها غزيرة، وأودية الماضي السحيق متدفقة، مثل: وادي "إغرغار" العظيم وروافده ووادي "ميه"، وعلى جوانبها مأوى الإنسان القديم في العهد الباليوليتيكي ناحتا تاريخه على جدران كهوف التاسيلي والهقار.
-إذا أراد مغربنا الإسلامي أن يفتخر أمام العالم الإسلامي بريادته في إنشاء دول إسلامية، قائمة على أسُس حضارية متينة، فإن أسبق الدول نشوءًا: "الدولة الرستمية" التي قامت على أرض الجزائر مادَّةً أجنحتها تحت الجنوب التونسي، وفوق جبل نفوسة بليبيا معلنة بذلك ميلاد الدولة الجزائرية لأوَّل مرَّة في بداية تشكُّلها.
-إذا أراد الدعاة الجزائريون أن يفخروا بريادتهم في نشر الإسلام في جنوب غرب إفريقيا بواسطة التجَّار والعلماء، فلا أروع من الحضارة الورجلانية الموجودة، وسدراته الموؤودة التي نشرت الإسلام في تلك الربوع.
فقد فاقت وارجلان بغداد عاصمة الدولة العباسية بمدارسها وعلمائها، وضاهت سدراته حضارة الأندلس بِدُورها وقصورها، فانطلقت منهما ومن تاهرت، كما انطلقت من تميجار (4) ونفوسة طلائع الدعاة إلى دين جديد.
وإنَّ الصحراء الجزائرية لتُعدُّ القلب النابض، الذي مُدَّ في صدر الإسلام بدم الإسلام الصافي، فقد تلقته من أفاضل العرب الفاتحين، فأضفت إليه حرارة الأمازيغ المخلصين، ثم دفعت به مع قوافل التجار في مسالكها، فكانت شرايين الدم الصافي يسري في جسم إفريقيا فغدت قارةً فيحاء بعطر (1/187)
صفحة 188
الإسلام، تلهج بأفضل كلمة على الإطلاق وهي: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فسقط الفاصل الحدودي، والنعرة القبلية، والتفاضل العرقي، فإذا بالمسلمين تتَّحد ألسنتهم وتتوحَّد قلوبهم، وإذا بالأمازيغي يسعى إلى تعلُّم اللغة العربية لفهم دينه في جد واجتهاد، وإذا بالعربي الآتي من الجزيرة العربية يجد أرضا طيِّبة في شمال إفريقيا بعد أن ذاق الصحابةُ الفاتحون الأوائل الشهادة على أرضها، وامتزجت تربتها الطاهرة بدمائهم المباركة الزكية فأنبتت أجيالا لا تعرف غير الإسلام دينا، واللغة العربية لسانًا، والجزائر الموحدة وطنا وملاذًا.
وكأن بولاية قلب الجزائر - ولاية غرداية - أرادت أن تُذكّر العالم كله هذا اليوم، بأيام عزّها وكرامتها، وأرادت أن تُفهم جميع الناس، أنَّ لا عزة ولا كرامة إلا بالتذكير بالماضي المجيد، ضاربة عرض الحائط كل الخلافات الهامشية مثبتة دعائم الود والتآخي تحت جناح رحمة الإسلام وحده.
ثراثنا:
تراثنا في الحقيقة والواقع يتمثَّل فيما ورثناه من آبائنا وأجدادنا، من عقيدة صحيحة لا تزيغ، وعمل بالأوامر والنواهي الربَّانية، محافظين على ديننا من لدن البعثة النبويَّة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
غير أن المرسِّخ لعقيدتنا يتمثل في كلمةٍ نقولها، أو أسطر نخلد به آثارنا.
فإذا كان العرس اليوم عرس الوادي السعيد - وادي ميزاب - فلا مندوحة من أن نتكلم عن الروَّاد الأوائل فيه، إذ إنَّ القاصي والداني يبحث عن معرفة آثارهم. ولا يعقل أن يغفل أهالي المنطقة ليعرِّف بهم غيرُهم، فميزاب ذو شِعابٍ، وأهلُ مكَّة أدرى بشعابها.
الكمُّ الهائل للتراث الإباضي المغاربي:
قبل أن ننوِّه بهذا التراث، يليق بنا أن نفهم سبب تعلُّق الإباضية بالتأليف والتدوين، وذلك على شكل وَمَضات وإشارات تُنير الطريق للباحثين الذين يريدون الاستزادة من هذا المنهل الصافي العذب.
إن إباضية المشرق والمغرب يمكن أن نصفهم برواد التأليف والتدوين في الإسلام؛ ونصف مذهبهم بالرائد للمذاهب الإسلامية جمعاء.
فهذا إمامهم جابر بن زيد الأزدي (5) العُماني الجوفي رضي الله عنه من فَرَق؛ قرب نزوى. وهو عربيُّ الأصل عريق المحتد (ولد 18 هـ/ توفي 93 هـ). أدرك عائشة رضي الله عنها وأدرك سبعين بَدريًّا شهدوا غزوة بدر مع الرسول (فحَوى ما في صدورهم. ويقول عن نفسه: "أدركتُ سبعين بدريًّا فحويتُ ما في صدورهم إلاَّ البحر"؛ يعني به ابن عباس رضي الله عنه.
فكان من رُواة الحديث والثِقات لدى كافَّة علماء الإسلام، وكان من المؤلفين الأوائل في صدر الإسلام. فقد كتب ديوانًا ضخمًا حوى فتاواه ومرويَّاته (6).
ويُعدُّ جابر بن زيد إمام المذهب الإباضي بحق ورائد أئمَّة المذاهب الإسلامية جمعاء (7). (1/188)
صفحة 189
ومن رواد أئمَّة الدولة الرستمية في التأليف بالمغرب العربي من الفرس: عبد الرحمان بن رستم (ت 171 هـ) فقد ألَّف كتابًا ضخمًا في تفسير القرآن الكريم.
وكان الإمام الثاني للدولة الرستمية: عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم (ت 208هـ) من المُغرمين بحبِّ المطالعة والاستزادة من العلم فقد أرسل إلى أهل البصرة ألف دينار لشراء الكتب، لكن أصحابه رأوا بثاقب فكرهم أن يشتروا بها أقلامًا وحبرًا فنسخوا له بها ديوانا عظيمًا فبعثوا به إليه، فقال: «الحمد لله إذ ليس فيه مسألة عزبت عني إلاَّ مسألتان، ولو سئلتُ عنهما لأجبت قياسًا على نظائرهما ووافقتُ الصواب» (8).
كما دارت حوله حلق العلم ووردت إليه أسئلة من جبل نفوسة بـ"ليبيا"، فأجاب عنها، وسُمِّيت: بـ"نوازل نفوسة" (9).
وحَذَا حذوَه أئمَّةُ الدولة الرستمية، إذ ألَّف الإمام أبو اليقظان كتابًا عالج فيه مسألة خلق القرآن، والإمام أفلح قبله في فنِّ الجدل، وهكذا ...
أمَّا الريادة من أبناء المغرب العربي من أصل أمازيغي فقد كانت أصلا: لابن سلاَّم اللواتي (ت 273هـ/ 887م) إذ ألَّف كتاب: "بدء الإسلام وشرائع الدين". وأظهره حديثا كلٌّ من المحققين: الشيخ سالم بن يعقوب الجربي - رحمه الله - والدكتور فرنر شفارتز الألماني، ووصفاه في المقدمة بأنَّه أقدم مؤلِّف تاريخي للمغرب الإسلامي بأسره، كما وصف: "تاديوش ليفتسكي" المؤلف ابن سلام بأنه أقدم مؤرِّخي الإباضية. ووصفه حسن حسني عبد الوهاب: بأنه أقدم المؤرخين الإفريقيين (10).
والذي يدلُّ على حبِّ البربر لتلقِّي العلم، ما كان يفعله: عمر بن يمكتن (11)، حينما كان يعترض السابلة من العرب ليحفظ القرآن الكريم، و كان يتعلَّم منهم الآية والآيتين، وكان ذلك بطريق "مغمداس"، ولما حفظه أسَّس أوَّل مدرسة لتحفيظ القرآن بمنزل "إيفاطمان".
وهكذا ينطلق التدوين والكتابة إلى أن يكثر الطلبة وحلق العلم، فيؤلف: الأشياخ والعزابة الكتب الضخمة والموسوعات الفقهية التي لا تزال إلى حدِّ الآن موزَّعة بين الخزائن الخاصة والعامة ومشتَّتة بين الأقطار العربية والأوربية.
وإذا أردنا أن نقرِّب صورة الكمِّ الهائل للمؤلفات قديمًا على سبيل المثال نلاحظ قول: أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر، الذي كان يعيش بين آجلو (12) ووارجلان وبادية بني مصعب (13)، أشكل عليه الأمر في مسألة فقهية ووقع الخلاف بينه وبين أستاذه الشيخ سعدون، فذهب من أجل ذلك إلى مكتبة (ولَّّم) بجبل نفوسة، فوجد فيها أكثر من ثلاثة وثلاثين ألف جزء وصلت من المشرق تخيَّر أكثرها فائدة فقرأها في أربعة أشهر؛ كان لا ينام الليل والنهار إلاَّ ما بين أذان الصبح وطلوع الفجر (14). (1/189)
صفحة 190
كما نجد بين طيَّات الكتب، أيام الحروب العمياء، الأخبار التي تصف كيفية إحراق مكتبة المعصومة من طرف العبيديين إثر سقوط تاهرت سنة 296 هـ، وكيف أُبيدت مكتبة "درجين". هذا إن دلَّ على شيءٍ فهو يدلُّ على تراثٍ إسلاميٍّ زاخر، وكيف ضاع بأيدي المسلمين تارة، وبأيدي أعدائهم تارة أخرى.
وإذا أردنا أن نطَّلع على الباقي منه، وعلى ما أُلِّف بعد الرواد الأوائل فعلينا بطيِّ الأحداث والصفحات في وقت لا يمكن فيه سردُ القوائم، إذ أن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة متأنية في الموضوع.
بل إنَّ كتب الدارسين وفهارس المحققين قد أبدت الكثير مما ألَّفه هؤلاء الأفذاذ سواء أكانوا من الإباضية، أم من المالكية، أم من الأحناف في القطر الجزائري، وإنَّ مما تزخر به مكتبات ميزاب، ووارجلان، وأدرار، وملوكة، والمطارفة وتمنطيط، وعلى طول طريق القوافل، لمما يحارُ من وصفِه الإنسان.
فهناك مكتباتٌ توجد وسط الصحراء بين كثبان رملية علت على سطوحها الرمال فطمرتها، وتسابقت إليها أسنان "الأرضة" فنخرَتها.
وإنَّ موضوع التراث بصفة عامة لَيحتاج إلى تحسيس ذوي الفضل حتى يرقوا به إلى مصافِّ المهتمين بتراثهم في الدول المتطورة.
بعض صانعي التراث:
إضافة إلى الحديث عن الرواد الأوائل فإنَّنا نذكُر بعض المشايخ على سبيل المثال لا الحصر، فكتب السير أغنت بذكر أسمائهم فهم بالمئات إن لم نقل بالآلاف.
فإنَّ الإباضية مع ذلك في المغرب أقلُّ نتاجًا عنهم في المشرق، إذ إنَّ إباضية المشرق وهم عربٌ أقحاح بحكم تضلُّعهم في اللغة العربية وصفاء قرائحهم، ألَّفوا آلاف الكتب والجوامع والموسوعات الفقهية والأراجيز قديما وحديثا (15).
وإذا قلنا إنَّ بربر شمال إفريقيا أقلُّ تأليفا، فقد كان ذلك بحكم كونهم بربرًا، إذ عانَوا في تعلُّمهم اللغة العربية، وإلى عهد قريب لا يزال هناك ما يُؤلَّف بالبربرية ويحتاج إلى ترجمة.
ولكي يؤلِّف بعضهم كان عليه أن يقترب من الأوساط العربية، فهذا الشيخ "أبوعمار" سافر إلى تونس قبل أن يبرع في التأليف، وكان له الفضل في إثراء المكتبة الإسلامية بتآليفه، كما أثراها كل من الشيخ أبي يعقوب يوسف بن ابراهيم الورجلاني (ت 570 هـ)، والشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر (ت 504 هـ) ابن مؤسِّس نظام "حلقة العزابة" وغيرهم كثيرٌ في تأليف المئات من الكتب في شتى الفنون التي لها علاقة بالدين والعقيدة من قريب أو بعيد.
وحتى الكتب التي يمكن أن تكون دنيوية بحتة، كما ينظر إليها البعض، فقد نظر إليها الإباضية من زاوية دينية بحتة. لقد كانت بعض كتب العمارة في الإسلام تُعنى بجمال البناء والهندسة المعمارية (1/190)
صفحة 191
من أشكال وألوان، بينما كتب العمارة لدى الإباضية تهتمُّ بالجانب الديني البحث من حقوق للجوار؛ من هواء ونور وسترة ... فكتاب: "القسمة وأصول الأرضين" لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر، يتألَّف من ثمانية أجزاء، فهو خير مثال لذلك (16).
فإذا كانت هناك بعض كتب التاريخ في العالم الإسلامي تخدم ركاب القادة العسكريين أو تمجِّد تاريخهم الذاتي، فإنَّ كتب السير لدى الإباضية تشيد بالعلماء أكثر وتتناول أخلاقهم وسيرتهم وتهتمُّ حتى بالكرامات التي تحثُّ قارئها على التعلُّق بالأخلاق الفاضلة والتأسِّي بهم.
ولقد أحصى بعض المؤلفين التراث الإباضي دون أن يحيط به كله. وذلك مثل ما فعله الشيخ البرادي في كتابه: الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات (17)، ومثل ما فعله بعض المستشرقين (18).
المستشرقون وبداية التعرف على التراث:
في بداية الكلام عن جهود المستشرقين لا يسعُنا إلاَّ أن نقف في اندهاش أمام ما قاموا به من أعمال جليلة من تأليف وتحقيق وطبع ونشر.
كما ندين لهم بالشكر لحفظهم كثيرًا من الوثائق والمخطوطات من أن تأكلها "الأرضة" أو يُفرِّقها الورثة ... فعالجوها بالأدوية وحفظوا صورها بالميكروفيلم أو الميكروفيش أو في ذاكرة الحاسوب.
ولكن هذا لا يعني رضاءنا التام عمَّّا قام به القادة العسكريون من سلب لمقوماتنا، وطمس لهويتنا، و ما كان غرضهم أوَّل الأمر إلاَّ دراسة مجتمعاتنا، والتعرُّف على خبايانا حتى يستطيعوا قهرنا وإذلالنا من جهة، والتعرُّف على أماكن الضعف وشقة الخلاف بيننا وبين غيرنا حتى يُوسعوا فيها.
لقد فهمت فرنسا أنَّ ميزاب لا يدين لها بالولاء مثل ما كانت تعتقد من قبل، وأنَّ ميزاب في الحقيقة منبتٌ للمجاهدين، وملاذ للثائرين، ومصنع للأسلحة والذخيرة، ولذلك قرَّرت قهره وإلحاقه عسكريا.
فقبل أن تفعل ذلك رأت أن تتعرَّف أوَّلاً على المزابيين وماذا يعتقدون، وكيف يتصرَّفون؛ فأرسلت العيون إليهم كما أرسلت إلى كل مسالك الصحراء حوله.
فأرسلَت إميل ماسكراي " MASQUERAY "،(19) في شهر جوان 1878 عينًا وجامعا لما كتبه المزابيون وأسلافهم بأقلامهم. واستطاع أن يطَّلع على بعض المخطوطات وأن يُرحِّلها من ميزاب إلى الجزائر، ولعل ذلك كان في غفلة من أهلها.
وكان أقدمها وأكملها، كتاب: "السيرة وأخبار الأئمة" لأبي زكرياء يحي بن أبي بكر الورجلاني (ت بعد 474 هـ)، وكان اختيار ماسكراي منصبًّا حسبما يبدو على الكتب التي تدرس الحياة الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية على الخصوص.
وبعد أن تعرَّفت فرنسا على ميزاب وعلى تاريخه وأهميته الاقتصادية والاستراتيجية، وعلى خطر (1/191)
صفحة 192
علمائه ونواياهم ومعتقداتهم، أرسل الحاكم العام بالجزائر تيرمان " TIRMAN" رسالة تهديد إلى ميزاب حتى يبرِّر إلحاق المنطقة عسكريا؛ يقول فيها:
« .. لقد أعطى ميزاب منظرًا قاتمًا؛ لقد صار ميزاب ملجأ آمنا لكلِّ المجرمين الذين يلاحقهم قانُونُنا، وصارت أسواقُه مفتوحة لكل المهاجمين من الجنوب، تمدُّهم بذخائر حربيَّة بكثرة ... رغم أنَّنا لم نقصِّر عليكم بنصائحنا ولا بتأييدنا المعنوي فإنَّكم لم تريدوا أو لم تستطيعوا!
اليوم وتلبية لنداء المظلومين من هذه المناكر جئنا لاسترجاع النظام والسكينة والأمن عندكم ... ».
الجزائر: فاتح نوفمبر 1882م
توقيع: الحاكم العام بالجزائر ـ تيرمان ـ
وبهذا أطبق الاستعمار بكلتا يديه على غرداية فأنشأ فيها ثكنة عسكرية تمَّ ربطها بطريق بري وخط هاتفي في نفس الوقت.
وفي ذلك الوقت كانت فرنسا قد أرسلت بعثاتها لوضع يدها على نفائس سدراته (20) ولعلَّ أبرز بعثة هي: بعثة هارولد طاري " HAROLD TARRY" عام 1881، للتنقيب عن قصورها الجميلة وعين الصفا، وقد جلبت لها سيارات حملت أعضاء البعثة وآلات التنقيب مارة وسط العاصمة الجزائرية مُحدثة الذعر والاستغراب لرؤية هذه الآلات العجيبة.
علمت فرنسا أنَّ هذه الأتعاب لن تضيع سُدى فواصلتها إلى سنة 1952 حيث أتت "مارغريت فان برشم"" M. VAN BERCHEM" على أغلب اللقى الأثرية وضمَّتها إلى متحف الجزائر ومتاحف فرنسا ربما أيضا إلى منزلها الخاص.
علما بأنَّ فرنسا أيضا في نفس السنة 1881م بعثت لاكتشاف الصحراء الواسعة بعثات انتحارية، وعلى سبيل المثال فقط نذكر رحلة "فلاتر" " FLATTERS"(21)، التي غادرت ورقلة إلى أمجيد 19/ 01/1881م، فذاقت هذه البعثة وحشية الصحراء وتعرض الطوارق لها، فنفدت مؤونتها ومياهها وأشرفت على الهلاك وتساقط أفرادها قتلا وجوعا، فصار الباقون يأكلون الكلاب التي اصطحبوها معهم، فلما أتوا عليها صاروا يأكلون كلَّ فرد مات منهم مباشرة، فينهشون لحمه قبل أن يبرد، وحينما أتى الناجون بالأخبار تلقَّتها باريس بالأسى من جهة، وبالامتعاض والتقزُّز من جهة أخرى، وهذا ما جعلها تخجل من ادِّعائها نشر الحضارة والرقي، ففشل هؤلاء بينما نجحت وحوش الغاب والحيوانات المفترسة التي تأنف من أكل الجيف، ويقول المثل العربي: «تجوع الحرَّة ولا تأكل بثدييها».
ويريد الحاكم العام التعرُّف على لهجات المنطقة أكثر فيكلف "رينيه باسيه" " BASSET RENE "(22)؛ كي يقوم بجولة في ميزاب، وورقلة، ووادي ريغ، فيستغل زيارته التي قام بها سنة 1885م ويطلع على محتويات المكتبات: بزاوية عين ماضي، وزاوية تماسين ومكتبات ورقلة (1/192)
صفحة 193
فيصفها ويعلق عليها.
كما نقل:"مونتيلنسكي"
" C. MOTYLINSKI"(23) نسخة من مخطوط طبقات الدرجيني (24) سنة 1905 م قصد دراسة خصائص المجتمع الإباضي، إذ أنَّ هذا المخطوط أشمل بكثير من سير الأئمة لأبي زكرياء، حيث أن الأوَّل كما أسلفنا عاش حوالي 474 هـ، والثاني حوالي 670 هـ؛ فيكون الثاني قد تحدَّث عن وارجلان وعن بادية بني مصعب ودرس العلاقة بين المنطقتين أكثر.
كما اهتمَّ أيضًا "بوسترو" " BOUSSOUTROT "(25) بتهريب المخطوطات، ومن بينها نسخة أخرى لمخطوطة أبي زكرياء، هرَّبها من ميزاب إلى تونس إبان مشاركته الهجومية على ميزاب، ومن تونس نقلها إلى فرنسا حيث وجدها المحقِّق التونسي: عبد الرحمان أيوب في تركة المستشرق مع مجموعة أخرى من المخطوطات.
وهكذا نجد الاهتمام بهذا الكتاب التاريخي بالغًا، وكما نجد نُسخًا منه لدى المستشرقين في أماكن أخرى من أوروبا وآسيا. نجد نسخة أخرى كاملة وفي غاية الوضوح في مكتبة الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة (تحت رقم: 9030 ح) مع مجموعة أخرى من كتب السير.
ولا شك أن كتب السير أفادت جميع الدارسين فيما بعد بأحوال المشايخ وأعمالهم، وطرق تدريسهم، كما أفادت الجانب الاقتصادي، ويسَّرت لمن أراد التوغل في الصحراء التعرُّف على المدن وأحوالها وثرائها وفقرها، وحاجتها إلى واردات بعينها، كما فتحت أعيُن الطامعين على تِبر غانة وأماكن استخراجه، وغير ذلك من الفوائد الجمَّة، سواء أكانت ثقافية أم اقتصادية أم اجتماعية.
كما نجد "هنري دوفيريي" " DUVERIER HENRI"(26) أيضًا يتجوَّل في الصحراء، ويمرُّ بغرداية، ويزور سدراته ويتوغَّل في الصحراء في زيٍّ عربي وهذا ما فعله كثير من أمثاله حتى يندسُّوا في الأوساط التي يريدون التعرف عليها أكثر.
ويذكِّرني التقرب والتزلف أو التنكر عند هؤلاء حتى ينالوا مبتغاهم، ما كان يفعله "زيغمونت سموجورفسكي"، فأنا أعدُّه أخطر جامع للمخطوطات من أيدي المزابيين.
والحديث عن: "زيغمونت سموجورفسكي" و"موتلنسكي" البولونييَّن، يجعلنا نحار كيف دخل هؤلاء الجزائر في ظل الحكم الفرنسي، وكيف اندسُّوا في الجيش مترجمين تارةً وسيَّاحا أو مبشِّرين تارة أخرى، ولعلَّهم أيضًا يخدمون ركاب الصهيونية العالمية من حيث لا ندري؛ إذ توحي أسماؤهم بأنَّهم من أصل يهودي.
فمن هو: "زيقمونت سموجورفسكي" وأين انتهت به الرحلة وبصناديق مخطوطاته؟. (1/193)
صفحة 194
قبل الحديث عن أعمال "زيقمونت سموجوفسكي" والتعريف به نقول إنَّ مجموعة كبيرة من علماء بولونيا وروسيا سبقوه في الاهتمام بالعالم الإسلامي على الإطلاق، فترجموا كتبًا عربية إلى الروسية والبولونية واستفادوا من الموروث الحضاري العربي والإسلامي قبل وبعد سقوط الدولة العثمانية. فأخذوا المخطوطات العربية إلى خزانات عواصمهم، فهذه: سانت بطرسبرغ (أي لينينغراد) تضمُّ مكتباتها العدد الهائل من المخطوطات العربية والفارسية الإسلامية، وكذلك مكتبة المتحف الآسيوي أيضا.
لقد كان هذا كما أسلفنا كله في حال ضعف المسلمين ونهب ثرواتهم، ومن أهمها: مصحف عثمان رضي الله عنه وعليه قطرات من دمه، وهو في صندوق من الزجاج.
كما عني: "كراتشكوفسكي" " KRATCHKOVSKI" بترجمة القرآن الكريم إلى الروسية، وقد صدرت سنة 1964م (27)، كما عنيت "كراتشكوفسكيا" زوجته بآثار ونقوش حضرموت.
وقائمة العلماء تطول مع ما كتبوه وترجموه، والوقت لا يتَّسع لذلك، علمًا بأن في بولونيا علماء مسلمين، درسوا أيضا تراثهم الحضاري الإسلامي عن أجدادهم.
وعُني: "شوموفسكي" " CHOMOVSKI" بنشر الأراجيز الثلاث: لأحمد بن ماجد البحار العُماني المشهور (28).
"زيغمونت سموجورفسكي"
" z. SMOGORZEWSKI" (1884 - 1931) م:
سافر إلى الجزائر وإلى ميزاب مرتين؛ المرة الأولى كانت سنة: 1913م، والمرة الثانية كانت سنة: 1926م حينما أحسَّ بدنوِّ أجله. وبفضل التزكية التي نالها ـــ كما قال ـــ من الباروني في القاهرة قبل وفاته: 1914، استطاع أن يستفيد من العُمانيين وعلى رأسهم الشيخ السالمي (29) والمزابيين وعلى رأسهم الشيخ أطفيش (30)، والسيد: داود إبراهيم قاضي غرداية (31)، والسيد: ابراهيم بن بنوح شيخ المسجد الإباضي بالجزائر، الذي سهَّل له التعرُّف على الوثائق النادرة. واستطاع أن يزور مواطن الإباضية بميزاب، والجزائر، ونفوسة، وزنجبار وعُمان.
ونقل ــــ حسب ماقاله "تاديوش ليفسكي"، في لقاء معه بكركوفيا ــــ مخطوطات نادرة داخل صناديق متعدِّدة إلى (الفوف L VOVE) حينما كانت بولونية قبل سقوطها في الأيادي الروسية إبان الحرب العالمية الثانية، وأن يصطحب معه عربيًّا من تونس قيل لنا إن اسمه: حربي، بعد أن طلب من إبراهيم متياز اليزجني السفر معه ليكون أستاذًا محاضرا بجامعة (الفوف)، فرفض ذلك لعدم قبول والده.
ولقد زار "زيغمونت" أيضا وارجلان، وزار قبر أبي عمَّار، ويقصُّ ذلك الشيخ إبراهيم أعزام الوارجلاني (ت 1965) - من خلال أوراق بخطِّ يده قائلا: «لقد طلب مني "زيغمونت (1/194)
صفحة 195
سموجورفسكي" زيارة قبر الشيخ أبي عمَّّار؛ فذهبنا سويا إلى قبره، فجثا على ركبتيه، وخلع قبعته في خشوع لا يتحرَّك، وكان كلَّما ذكره يقول: "قال أستاذنا"، واعتَقَدَ الشيخ أعزام ذلك منه منتهى الأدب والأخلاق الفاضلة» (32).
قد تكون حقًّا أخلاقا فاضلة إن لم ترتبط بمصلحة خطيرة مثل هذه؛ وهي أخذ المخطوطات؛ ولكن حيث أعقبها عمل كهذا فإنه لا يعدو أن يكون نفاقًا واستغفالا.
ويسافر "زيغمونت سموجوفسكي" إلى سوريا، ويُلقى القبض عليه، ويفقد الكثير من مخطوطاته، وحسب ظنه أنها نقلت إلى المكتبة الظاهرية (33).
ويأتي بعده تلميذه "تاديوش لفيتسكي" " LEWICKI TADEUDZ" ويصف تهريبه للمخطوطات إلى داخل بولونيا أيام الحرب العالمية الثانية قائلا: «جمعتُ كثيرًا من المخطوطات حملتُها معي إلى كراكوفيا، ولقد اختبأتُ أكثر من ثلاثة أيام داخل مواسير المياه قبل أن أنجو من الروس» (34).
ويستفيد تاديوش ليفتسكي أيَّما استفادة من المخطوطات التي نقلها. أمَّا الباقي فيقول ربما قد احترقت باصطلاء الناس بها أيام البرد القارس (35).
وحينما نطَّلع على ما ألفه من كتب ومقالات بالفرنسية والبولونية نلمس الجدية والموضوعية في كتاباته، ولا نجد أدنى تحيُّز أو غمز - حسبما يبدو -.
أضف إلى ذلك ما نلمسه من عمق في التفكير ومقارنات يخرج في أغلبها بنتيجة قلَّما يتفطَّن لها القارئ العادي (36).
وحينما زرناه في داره كان بطيء الخطو يحمل بين يديه المرتجفتين آلته الراقنة فيقول: «أنا أحرِّر كل يوم ثلاث ساعات بنفسي على هذه الآلة، والآن بما أنَّني لا أقوى على السير أكثر من ثلاث لفَّات حول بيتي في الحديقة، لم أترك ما تعودت عليه، وكانت زوجته ليفيتتسكايا أيضا عالمة فقد كتبت عن بعض الدول الإفريقية دراسات سيسيولوجية. وقبل أن نودِّعها أخرجت لنا من دولاب قاعة الاستقبال مصحفين شريفين قالت: «هذا أغلى ما تركه لي والدي قبل وفاته».
وكانت آخر كلمة "تاديوش لفيتسكي" قبل توديعنا له: «لا تنسوا إبلاغ سلامي الحار إلى أعضاء حلقة العزابة».
لستُ أدري هل وقعتُ أيضا في الشراك التي وقع فيها الشيخ أعزام من تصديق حسن نوايا هؤلاء؟ وهل يختلف "تاديوش" عن "زيغمومنت" حيث إنَّه لم يقم بترحيل المخطوطات بل عني بحفظها ودراستها؟.
ومع ذلك فإنَّ ما وجدت من كتابة على بعض المخطوطات يجعلني ألومه إن لم أتَّهمه أيضًا لعدم إرجاعها إلى أصحابها، حيث كتب عليها: «هذا وقفٌ في سبيل الله لمسجد كذا أو لمكتبة فلان، لا يجوز إخراجه أبدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها». (1/195)
صفحة 196
هكذا تنتابك الحسرة وأنت تُرجع المخطوطات إليهم وهي فلذةٌ من فلذات كبدك، وريحٌ عطرٌ من أريج أجدادك، وكتبٌ فيها آيات بيِّنات، لأناسٍ ليسوا من المطهَّرين، ولا من الأولياء المقرَّبين، وبهذا تترك بطاقة هويَّتك في جيب غيرك، يتصرَّف بها كيفما يشاء! ...
ونتساءل إزاء هذا؟:
1 - أين مخطوط: البراهمي في سلوك المذهب الإباضي، للشيخ إبراهيم بن بانوح الذي ذكره "جون ليثيو" " JEAN LETHIELLEUX " في كتابه: "ورقلة مدينة صحراوية" " OUARGLA cit sahsaharienne" وهذا المخطوط المذكور يتحدَّث عن سدراته ويتألَّف من خمسة أجزاء؟.
2 - لقد زار المستشرق "زيغمونت سموجورفسكي" السيد: محمد الباروني في القاهرة حتى يتوسَّط له ـــ حسب قوله ـــ لدى المشايخ المشارقة والمغاربة؛ هل صادف وأن رأى الجزء الأوَّل من كتاب "الأزهار الرياضية"؟ أم ضاع قبل ذلك التاريخ؟.
3 - أين كتاب "تاريخ المغرب" للشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش (37) الذي ذكره في مقدمة كتاب الوضع لأبي زكرياء يحيى بن الخير الجناوني، ألم يطلع عليه أحد؟.
4 - أين ما جمعت "مارغريت فان برشم" من اللوحات الجصية؟ أين ملاحظاتها وأعمالها المخطوطة؟.
5 - أين ترِكةُ "زيغمونت سموجوفسكي" إذ أنه كان - كما لاحظت - يبيع المخطوطات لمكتبة (الفوف) بالأقساط ليس مرَّة واحدة، بل في أيام متباعدة، وبدراهم معدودة وكان فيها من الزاهدين، وبالعملة البولونية «الزلوطي» أي أنَّه لم يبعها مرَّة واحدة، وهذا يعني أنه كان يبيع حينما يحتاج.
ثم توقَّف البيع. وبالتالي، هل كفته تلك الصفقات وأحجم بعد أن درَّت عليه بالأموال؟.
أم أنه قد باعها لغير المكتبة التي زرناها، إذ أنَّ "تاديوش ليفتسكي" قال بأن المخطوطات كانت في صناديق متعدِّدة؟.
6 - أين المخطوطات النفيسة مثل تفسير أبي يعقوب الورجلاني، وكتابه التاريخ الكبير لسدراته ووارجلان ووادي ريغ؟.
7 - أين المخطوطات التي جمعتها أخت: "جون دوني بوسترو" القاطنة بجنوب فرنسا؟ وهل حلَّت المشكلة العائلية بينهما، حتى يُفصحا عمَّا عندهما من المخطوطات من تركة أبيهما: "جون أوغست بوسترو"" JEAN-AUGUSTE BOUSSOUTROT" ؟.
8 - أين مخطوط "الأنساب" الذي أعطاه أحد شيوخ مسجد حادور لأحد الآباء البيض للاطلاع عليه ولم يرجعه إليه؟ وهل يليق بأب مسيحي زاهد أن يستولي عليه؟. (1/196)
صفحة 197
9 - لقد أعطى شيخ أنقوسة لـ"هارولد تاري" مخطوطتين مهمتين تضمَّان تاريخ سدراته كما قالت "مارغريت فان بارشم" (38)، أين هاتان المخطوطتان؟.
هل هناك طريقة للتعرُّف على أماكن تركات هؤلاء مع وجود الأنترنت ووسائل الاتصال الحديث؟.
كلُّ هذا ممكن إن خلصت النيَّات والعزائم والعمل لوجه الله تبارك وتعالى.
للتذكير:
1 - للجزائر على طريق التجارة مكتباتٌ ضخمة علتها الرمال.
2 - وجنوبًا في موريتانيا ومالي آلاف المخطوطات طواها الإهمال.
3 - وفي تركيا تحت الأرض أنفاق على جانبيها المخطوطات بالكلومترات.
4 - وفي اليمن عُثِر في سقف مسجدٍ عتيق على مصندقات بها عدد هائل من المخطوطات.
5 - في روسيا، ألمانيا، فرنسا، بولونيا، إيطاليا، تشكوسلوفاكيا، إسبانيا، إنجلترا وغيرها ... بها من المخطوطات الإسلامية ما يندهش لعدِّها ووصفها الإنسان.
هل فكَّر العالم الإسلامي باسترجاعها وبعقد مؤتمرات تراثية كلَّ عام على غرار الأوبك المهتم بالذهب الأسود؟ ألا نفكِّر في الذهب الأبيض النوراني الخالد؟.
أين الحل؟:
والآن وقد أتينا إلى نهاية العرض بقي أهمُّ شيء على الإطلاق، وهو كيف نتصرَّف نحن الخلف إزاء ما تركه السلف؟
ونقول أوَّلاً:
1 - هل عَمَلُ أفرادٍ يفي بالمقصود، أليس هذا عمل جمعيات ثقافية؟ أليس هذا عمل دولة؟.
2 - أين دولتنا الفتيَّة من مدينة سدراته؟، تلك المدينة التي ما إن سمعت بها فرنسا، و ما إن وضعت أقدامها على الرمال الصحراوية المحرقة حتى سخَّرت لها أحدث السيارات، في وقت ينعدم فيه البنزين، والإسفلت، وحفارات المياه للكشف عن "عين الصفا" بسدراته.
وأتت امرأة ضعيفة وقهرت الرمال وحملت صناديق الألواح الجصيَّة إلى حيث ندري ولا ندري، ومنذ سنة 1952م إلى حدِّ اليوم لم يحرِّك أحدٌ ساكنا!!!
ألا يمكن أن تتأسَّى دولتنا الفتية في ظلِّ العزة والكرامة، واسترجاع تراثنا الضائع بعمل هؤلاء الأجانب الغرباء؟.
3 - ألا يمكن لدولتنا على ضوء حنكة السياسيين المثقفين أن تنشئ وزارة للتراث على غرار بعض الدول الإسلامية الرائدة في هذا المجال؟ (39). (1/197)
صفحة 198
هذا كلُّه لا يعني أن يبقى الشباب الطموح يستجدي الدولة، في وقت ربَّما هي بحاجة فيه إلى إرساء قواعدها، وترميم جدرانها. فعلى كل مستطيعٍ أن يسبق الصوت شرقًا، وشعاع الشمس غربًا، مُنفقًا ما جمع، وباذلا شبابه وكهولته للبحث عن قطرات عرقٍ سقطت من جبهة جَدِّه من أجل إعلاء شأنه.
إنَّ النوايا الطيبة موجودة ولله الحمد، بقي لنا أن نسأل الله الهداية والتوفيق، فهما كفيلان للوصول بنا إلى أعلى المراتب وأحسن النتائج.
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
(التوبة 105)
(
والحمد لله رب العالمين.
المراجع
أ ـ بالعربية:
1 - أحمد بن سعيد (أبو العباس) الدرجيني: «طبقات المشائخ بالمغرب»، تحقيق: ابراهيم طلاي، مطبعة البعث. قسنطينة. الجزائر د. تا.
2 - اسماعيل العربي: «الصحراء الكبرى وشواطئها». المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر. 1983م.
3 - جمعية التراث (د. محمد ناصر، وآخرون): «دراسات وابحاث عن الإباضية». بيبلوغرافيا. غرداية. مرقون. 15 جوان 1989م
4 - الحبيب الجنحاني: «دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي»، دار الطليعة، بيروت، لبنان. 1980م.
5 - يحي بن أبي بكر (أبو زكرياء): «كتاب السيرة وأخبار الأئمة»، تحقيق عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية. سنة: 1405 هـ/1985م.
ب ـ بالفرنسية:
1 - BASSET . RENE: Les manuscripts arabes des bibliotheques de Zaouia de Ain Madhi. Et Temacine et de Ouargla et d Adjedja. Alger - I.A.O.F. 1887.
2 - LETHILLEUX . JEAN : Ouargla Cite Saharienne, des Origines au debut du XX Siecle. Paris, Paul Geuthner, 1983.
3 - LEWICKI . TADEUDZ: Etudes magribines, Soudanaises. (1/198)
صفحة 199
Edition Scientifique de Pologne.Varsovie. 1976.
ج ـ مقابلا ت:
1 - تاديوش ليفتسكي -كراكوفيا، بولونيا 1989م.
2 - فرنر شفارتز -ألمانيا الغربية، 1989م.
--------------------
الهوامش
*- أصل هذا البحث محاضرة أُلقيت بقاعة ابن خلدون بالعاصمة الجزائرية بمناسبة ملتقى ألفية بني مزغنة وبني ميزاب، تحت شعار القافلة الثقافية والاقتصادية الغرداوية بمحافظة الجزائر الكبرى، من 01 إلى 05 جويلية 1999.
**- أستاذ بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية، جامعة وهران.
3 - صادف تاريخ إلقاء هذه المحاضرة انعقاد المؤتمر الخامس والثلاثين لمنظمة الوحدة الإفريقية بالجزائر.
4 - تميجار: قريةٌ بجبل نفوسة، وُلد فيها الشيخ: علي بن يخلف بن يخلف التميجاري، واشتهر: بأنه أدخل ملك مالي الإسلام وتبعه شعبه وكان ذلك سنة: 575 هـ/80 ـ 1179 م، ينظر الدرجيني: الطبقات، ج2، ص 517.
T. Lewicki , Les Historiens ... p.23.
5 - انظر: يحي محمد بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد. ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب 4/ 12. الذهبي، تذكرة الحفاظ 1/ 23. ابن حبان، الثقات 6/ 230. من مجلة الحياة، عمر أحمد بازين، الإمام جابر بن زيد ص 136.
6 - انظر كتاب: فقه الإمام جابر بن زيد، يحي بكوش ط/2 ـ 1988، ص:11.
7 - إذا رتَّبنا أئمة المذاهب زمنيا يكون ترتيبهم كالآتي:
أ ـ جابر بن زيد، إمام المذهب الإباضي 18 ـ 93 هـ.
ب ـ واصل بن عطا، إمام مذهب الواصلية 80 ـ 171 هـ.
ج ـ أبو حنيفة النعمان، إمام الحنفية 80 ـ 150 هـ.
د ـ مالك بن أنس، إمام المالكية 93 ـ 179 هـ.
هـ ـ محمد بن إدريس الشافعي، إمام الشافعية 150 ـ 204 هـ.
وـ أحمد بن حنبل، إمام الحنابلة 164 ـ 241 هـ.
8 - أبو العباس أحمد الدرجيني، طبقات ج1 ـ ص 57. (1/199)
صفحة 200
9 - ينظر كتاب: مسائل نفوسة، للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم، تحقيق: ابراهيم طلاي، المطبعة العربية، غرداية.
10 - ابن سلام، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، المقدمة تحقيق: الشيخ سالم بن يعقوب، د. فرنر شفارتز ص6.
-حسن حسني عبد الوهاب، ورقات، قسم 1، ص 80. المقدمة.
11 - ينظر: سير الشماخي ص: 142، طبعة حجرية.
12 - بلدة أعمر حاليا وهي تابعة لولاية ورقلة (وارجلان).
13 - القبيلة التي تسكن شبكة وادي ميزاب.
14 - الدرجيني، طبقات، ج2، ص 445.
15 - على سبيل المثال نذكر الشيخ محمد بن شامس البطاشي، الذي توفي السنة الماضية، فقد ألف في الفقه أرجوزة تبلغ 124 الف بيت، وسألت يومًا ابنه وقد كان أحد طلبتي بعُمان عن حاله فقال: لقد كلَّت حافظته الآن ولا يحفظ أكثر من ثلاثمائة بيت في اليوم فقط ... !!!
16 - يُنظر: أبو العباس، القسمة وأصول الأرضين، تحقيق: الشيخ بكير بن محمد الشيخ بالحاج، د. محمد ناصر، ط: 2، نشر: جمعية التراث، القرارة، غرداية، 1418 هـ/1997م.
17 - ولقد قامت أيضا جمعية التراث بالقرارة مشكورة، بعمل جبَّار فقد أحصت أكثر من 13 مكتبة خاصة بوادي ميزاب تضمُّ أكثر من ثلاثة آلاف (3000) مخطوط نفيس، وبقي الكثير ينتظر المزيد من الجهد.
18 - ينظر:
MOTYLINSKI , Les livres de la secte Abadite I.A.O. Alger 1885.
19 - ينظر:
MASQUERAY , E. Les chroniques du Mzab 1878.
20 - تبعد سدراته عن وارجلان بـ: 14 كلم، بها آثار إسلامية رائعة خُربت سنة: 626 هـ، على يد ابن غانية الميورقي، وهي الآن مغمورة بالرمال.
21 - ينظر تفاصيل الرحلة من كتاب الصحراء الكبرى وشواطئها، لإسماعيل العربي، م. و. ك. الجزائر، 1983، ص: 100 ـ 107.
22 - BASSET RENE , Les Manuscrits arabes des bibliothèques de zaouia de Ain Madhi et de Tamacine et de Ouargla et D adjadja , Alger I.A.O. 1886.
23 - موتيلنسكي: مترجم في الجيوش الفرنسية من أصل بولوني. (1/200)
صفحة 201
24 - هو أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، عاش إلى ما بعد 670 هـ، له كتاب: طبقات المشايخ بالمغرب يتألف من جزئين، حققه الأستاذ: طلاي ابراهيم، مطبعة البعث قسنطينة.
25 - جان أوغشت بوسترو، Jean Auguste BOUSSOUTROT ولد في الجزائر العاصمة سنة: 1852 م، شارك في المعارك قرب ميزاب أفريل سنة 1881 م وفي نفس السنة شارك في احتلال تونس 1881م مع الجيوش الفرنسية واستقر بها إلى أن قضى نحبه 1937 م. ينظر مقدمة: عبد الرحمان أيوب، سير أبي زكرياء.
26 - ولد هنري دوفريي سنة 1840 في باريس زار الجزائر 1857 أول مرة، ثم الصحراء، وتعلم لغة التوارق: تماشق، والكتابة التيفيناغية. وفي سنة 1859 زار الجزائر مرة أخرى ومنها إلى غرداية واتجه إلى المنيعة، واستفاد من أوراق المكتشف الألماني بارث، ومات منتحرًا، وله صورة بالزي العربي.
27 - هو كراتشكوفسكي اغناطيوس (1883م ـ 1951م). لقد سبقه العالم بوزاكي بن الحاج يعقوب بوزاكي في بولونيا إلى ذلك سنة 1858م.
28 - عاينتُها في مكتبة لينيغراد.
29 - هو الشيخ نورالدين أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي - رحمه الله - ولد ببلدة الحوقين 1286 هـ/1868م، وتوفي سنة 1332 هـ/1914 م، من مشايخه: الشيخ راشد بن سيف اللمكي، وعبد الله بن محمد الهاشمي، ومن تلاميذه: الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، الإمام سالم بن راشد الخروصي. ينظر: مقدمة منظومتي أنوار العقول وكشف الحقيقة.
30 - هو الشيخ أمحمد بن يوسف اطفيش اليزجني ـــ رحمه الله ـــ قطب الأئمة، ولد في سنة 1237 هـ - ت 1332 هـ /1818 - 1914م. من مشايخه: أخوه الأكبر: إبراهيم بن يوسف، الحاج أمحمد بن عيسى ازبار، تبلغ مؤلفاته أكثر من ثلاثمائة مؤلف.
31 - سماه د. الحبيب الجنحاني: بمحمد بن إبراهيم بوفارة، القاضي الإباضي بغرداية. ينظر: د. الحبيب الجنحاني، دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في المغرب الإسلامي، دار الطليعة، بيروت، ط/1، 1980، ص، 98.
32 - ورقات بخط المؤرخ الشيخ أعزام الوارجلاني.
33 - ولقد مررت بدمشق إلى سلطنة عُمان (ترانزيت ليوم واحد؛ شتاء 1997م)، قصدت المكتبة الأسدية حيث ضُمَّت المكتبة الظاهرية إليها فوجدت في قوائمها ستَّ مخطوطات إباضية، لم أتمكن من تصويرها أو رؤيتها لضيق الوقت، وربما هي من مقتنيات زيغمونت ... .
34 - لقاؤنا معه في منزله بكراكوفيا سنة 1989م مع السيد: الحاج سعيد محمد، والحاج الناصر مختار.
35 - ولحسن الحظ وجدناها سليمة، بعد التقصي الشاق والمضني، كما ندين بالفضل للأستاذ: إبراهيم بن يحي ناصر، موظف بالسفارة الجزائرية بموسكو، ولا ننسى فضل السفارة الجزائرية على رأسها سعادة السفير: الحاج محمد يعلى.
36 - M. CANARD., Les travaux de T.Lewicki. R.A. vol. 103, Alger 1959.
وينظر أيضا: محمد عيسى موسى (المدير السابق للمكتبة الوطنية الجزائرية)، مقال: الإباضية في أعمال المستشرق البولوني تاديوش ليفتسكي، مجلة عالم الكتب، مج/ 5، ع/1، 1984م.
37 - هو أبو إسحاق إبراهيم بن الحاج محمد اطفيش، ولد سنة 1886م ببني يزجن، وتوفي سحر يوم 20 شعبان 1385 هـ الموافق: 13 ديسمبر 1965م ـ رحمه الله ـ ترك آثارا جليلة، وخصه د. محمد ناصر بكتاب كامل، عنوانه: الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي. جمعية التراث، القرارة. م. و. ف. م. رغاية، الجزائر 1991م.
38 - M. V. BERCHEM deux compagnes de fouilles a SADRATA 1951 - 52 p. 124.
39 - وزارة التراث بسلطنة عمان، قامت بأعمال جليلة، من طبع للمخطوطات، وترميم للقلاع والحصون، ولقد ميَّزت هذه الأعمال الجريئة السلطنة الفتية بطابع خاص. (1/201)
صفحة 202
جولة مع الكتب التراثية المطبوعة في فقه العمران
د/ لطف الله قاري (*)
في العقدين الأخيرين ظهر علم جديد، هو إحياء وتحديث لعلم قديم. وهو فقه البناء أو فقه العمران. كان موجودا منذ القدم عند الفقهاء المسلمين. ولكن لم يبدأ الاهتمام بدراسته بشكل مكثف وعصري، وربطه بالعلوم المعاصرة، وتطبيقه على الواقع من حيث دراسة الأحياء القديمة وكيفية تخطيطها والمباني الأثرية وكيفية تغيرها مع الزمن، وتدريسه في بعض الجامعات لتطبيقه على تخطيط المشاريع الجديدة، لم يبدأ هذا كله إلا قريبا. فألّف فيه بعض الفقهاء المعاصرين، وبحث فيه المهندسون، وقام بدراسته بعض مختصي الآثار. واستفاد منه المختصون بعلم الاجتماع في بحوثهم. فصار مجالا يتلاقى فيه أصحاب الاختصاصات المختلفة في ساحة واحدة.
(1) ولكنه ما زال مجالا خصبا يمكن أن يخرج منه الكثير. فمسائل البناء وتنظيم العمران هي بعض (1/202)
صفحة 203
مجالات الفقه الإسلامي. جاءت أحكامها مبثوثة في كتب الفقه العامة. وأحيانا خصصت لها أبواب وفصول في تلك الكتب، بحيث تكوّن تلك الأبواب كتابا كبيرا لو طبع منفردا. وشغلت تلك المسائل أقساما كبيرة من كتب النوازل (2) والفتاوى، وكثيرا من أقسام كتب علم الشروط والوثائق (3)، وكتب الأقضية والأحكام (4)، كما شغلت حيزا كبيرا من كتب الحسبة العملية (5). ونجد ثروة من المعلومات في الوثائق الباقية من العصور الماضية (6).
ولم يكتف علماء السلف بجعلها ضمن تلك الكتب. وإنما أفردوا لها الكتب والرسائل المستقلة. فإذا علمنا أن الكثير من كتب التخصصات التي ذكرناها لم يطبع، بل ولم يكتشف بعد، يتضح لنا أن هذه الكتب لم تتم دراستها. وبالتالي فالمجال واسع لإضافة الكثير على ما نشر من أبحاث معاصرة. علما بأن أكثر الأبحاث المعاصرة أبحاث قيمة بحد ذاتها.
المؤلفات المبكرة:
عرف المسلمون منذ فجر دعوة الإسلام التخطيط والتنظيم في البناء والتعمير، حيث وردت الأحاديث النبوية الشريفة العديدة حول اتساع الطرقات وأحكام تخطيط الأحياء. وأتى بعدها أحكام الخلفاء الراشدين العملية في هذا المجال. فكان أن بنيت الأمصار الأولى مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان على أسس التخطيط. فتم الاعتناء بتنظيم المباني والشوارع والميادين العامة.
ومن ثم أعطى الفقهاء أحكام البناء عناية في مؤلفاتهم الفقهية. فبيّنوا منها أسس تنظيم العمارة، ووضحوا حقوق الارتفاق. وهي في الشرع حق مقرر على عقار لمنفعة عقار لشخص آخر. وهذه الحقوق هي: حق الشرب وحق المرور وحق المجرى وحق المسيل وحق التعلّي. وبالتالي لا نستغرب أن وضع بعض الفقهاء رسائل مستقلة في هذا المجال. فأقدم ما وصل إلينا خبره ثلاثة مؤلفات مفقودة في الوقت الحاضر، لعلماء من الجيلين الأولين للمالكية. وهم عبد الله بن عبد الحكم (ت 191هـ/816م) من مصر، وعيسى بن دينار (ت 212هـ/827م) وعبد الملك بن حبيب (ت 238هـ/853م)، وهما من الأندلس.
ورد ضمن مؤلّفات ابن عبد الحكم كتاب "القضاء في البنيان" عند من ترجموا له. ونقل عنه ابن أبي زيد في كتابه "النوادر والزيادات" قائلا: "من كتاب القضاء في البنيان، قال عبد الله بن عبد الحكم".
أما عيسى بن دينار فيحمل كتابه عنوان "الجدار". وينقل عنه التطيلي وابن الرامي الآتي ذكرهما في هذه المقالة.
وأما ابن حبيب فمن مؤلفاته كتاب "البنيان والأشجار والمياه والأنهار". ذكره ابن سهل (ت 486هـ/1093م) في نوازله (7) مرتين صراحة، ونقل عنه بعض المسائل. وهذا الكتاب لم يذكره قبل الآن الباحثون الذين كتبوا في هذا المجال.
كتاب التطيلي: (1/203)
صفحة 204
عيسى بن موسى التطيلي (ت 386هـ/996م) من علماء تطيلة Tudela بالأندلس، وسليل عائلة من الفقهاء. ألّف كتابه "الجدار" معتمدا على كتب المالكية الذين سبقوه. فجاء كتابا نفيسا في موضوعه. اشتمل على واحد وخمسين مبحثا، كلها في البنيان ومتعلقاته. ويعبّر عن كل مبحث بقوله: "القضاء في كذا". ومن أمثلة ذلك: (*) القضاء في المرفق في المباني ونفي الضرر، (*) القضاء في الدار تكون بين الرجلين، والبئر، فتنهدم ويأبى أحدهما من بنائها، (*) القضاء في الرفوف تخرج على أزقة المسلمين وبنيان السقوف عليها، (*) القضاء في فتح الأبواب والكوى في الدار، والرجل يعلي بنيانه فيمنع جاره الريح والشمس، (*) القضاء في الجدران وقسمتها، (*) القضاء في الأفنية والطرق والتوسع فيها وما يجوز من ذلك وقدر سعة الطريق، (*) القضاء في إحداث أبرجة الحمام والعصافير واتخاذ النحل والإوز.
فنجد في الكتاب مباحث في شئون البنيان اشتراكا وجوارا وارتفاقا، ومستتبعات ذلك من أحكام الاشتراك في الملك وأحكام الجوار وأحكام الارتفاق، ومباحث في شئون البنيان وفي استعمال العقار واستغلاله بالكراء ونحوه، وفي الاختلاف على مرافقه، وفي عيوبه. ويتسع المقصود بالبناء ليشمل كل إنشاء وتعمير. فنجد مباحث حول الجوار في الأراضي والتداعي في تخومها، وفيما يكون فيها من عيون وآبار. ويتحدث المؤلف عن الإجارة وتكاليفها، وعن قسمة العقار بنيانا وأرضا، وما يتبع ذلك من مياه وغيرها، والمنشآت الزراعية مثل الأندر (أي المكان المخصص لدرس الحبوب) والأرحية (الطواحين) والأفران وما تسببه من أضرار وما يسببه الجيران من إضرار بها، وعن حكم المرور إلى أرض محاطة من كل أطرافها بأراضي الغير، وعن أحكام الطريق عامة، والتداعي في شئونها، وعن أحكام التشجير، وما تسببه من أضرار للأفراد أو للمصلحة العامة، والاعتداء عليها أو الاعتداء بإنشائها في ملك الغير. ويتحدث عن الشفعة (8) في المشترك من المرافق، وعن حقوق سكان الأدوار العليا والسفلى، وعن إفساد المواشي والحمام والنحل للزرع.
وقد اعتمد ابن الرامي الآتي ذكره على كتاب التطيلي كثيرا. ونقل عنه نقولا طويلة، واقتبس من بعض عناوينه.
طبع الكتاب بتحقيقين: في الرياض (9)، وفي الرباط (10). ونجد في كلتا الطبعتين اعتناء بمقارنة النسخ وبشرح المفردات وترجمة الأعلام. وتمتاز طبعة الرياض باعتمادها العنوان الصحيح للكتاب، وباعتماد أربع نسخ مخطوطة، هي كل نسخ الكتاب المعروفة. ولكن يلاحظ عليها عدم التقيد بمتطلبات الفهرسة الأبجدية. ففي فهرس الأعلام نجد رقم صفحة واحدة أمام اسم الشخص، بينما نجد هذا الشخص ورد ذكره عدة مرات في الكتاب.
أما طبعة المغرب فتمتاز بالفهارس الأبجدية الوافية: فهناك فهرس للمصطلحات، وللكتب، وللأعلام، ولمرافق البنيان، وغير ذلك. ولكن يلاحظ عليها عدم وجود معلومات عن طبعات (1/204)
صفحة 205
الكتب التراثية في هذا المجال. فطبعة الرياض من هذا الكتاب والطبعتان الحديثتان من كتاب ابن الرامي الآتي ذكره لا نجد لها ذكرا. ويلاحظ عليها كذلك عدم اعتماد العنوان الصحيح للكتاب. فالمحقق يعتمد تسمية بعض النسخ المخطوطة، فيسميه "القضاء في المرفق في المباني ونفي الضرر". وهذا عنوان الفصل الأول من الكتاب. أما الذين نقلوا عنه كابن الرامي الآتي ذكره وابن هشام في كتابه "المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام" فيسمونه "كتاب الجدار" حسب ما اعتمد محقق طبعة الرياض.
ومن الملاحظات على طبعة المغرب عدم تعريف بعض المصطلحات، مثل الأندر والزنقة. والزنقة (أي الشارع الفرعي الضيّق) معروفة عند الأشقاء المغاربة. ولكنها غير معروفة عند غيرهم من الناطقين بالعربية. بل لها معنى مختلف تماما في بعض الأماكن، فهذه الكلمة تعني بعامية بعض بلدان المشرق العربي (الضيق في المال أو الوقت).
كتاب المرجي الثقفي:
هذا الكتاب تناوب في الاشتراك في تأليفه أربعة من أعلام الفقه الحنفي. فأولهم المرجي الثقفي الذي لا نجد له أية ترجمة في كتب التراجم، إلا أننا نستنتج ممن أتى بعده وشرح كتابه أنه من أهل القرن الرابع الهجري، أو الخامس على أبعد تقدير. ثم شرحه الإمام محمد بن علي الدامغاني الكبير من بغداد
(ت 478هـ/1085م) شيخ الحنفية في زمانه. ثم أتى بعدهما الصدر الشهيد عمر بن عبد العزيز بن مازة من بخارى (ت 536هـ/1141م). فنجده يصف عمله قائلا: " .. وبعد، فإنني وجدت مسائل دعوى الحيطان والطرق ومسيل الماء من أصعب المسائل مراما، وأعسرها التياما. وكان يتلجلج في صدري أن أجمع ما تفرق في كتب أصحابنا من مسائلها، حتى وجدت جمعا فيها للشيخ المرجي الثقفي بشرح قاضي القضاة الدامغاني أبي عبد الله، لكنه مفتقر إلى التهذيب والتنقيح وذكر التفاصيل، فتممت ما هنالك".
وعندما سئل الحافظ قاسم بن قطلوبغا السودوني (ت 879هـ/1474م) عن مسألة من مسائل الحيطان وقع نقاش بحضوره حول هذه المسائل، وطُلب منه أن يكتب شيئا حول الموضوع. وأحضر له ما كتبه الصدر الشهيد، وما ألفه الدامغاني قبل تنقيح الصدر الشهيد. فرأى ابن قطلوبغا مناسبة لأن يزيد في أبواب الكتاب بعض ما استجد من المسائل، وينبه إلى أقوال أخرى، ويورد إيضاحات من شرح الدامغاني للكتاب، وهي التي لم يوردها الصدر الشهيد. وقد وجد محقق الكتاب أن ابن قطلوبغا لم يزد في أبواب الكتاب إلا تعليقات قليلة ومسائل معدودة، تقع في ورقتين وبضعة أسطر، من أصل عشرين ورقة ساهم بها الثلاثة الآخرون (11).
انقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، فجاء تحت كل قسم أبواب، وتحت كل باب فصول. ففي القسم الأول يتحدث المؤلف عن المسائل المتعلقة بالحيطان: من استحقاق، واتصال في البناء، وستر، (1/205)
صفحة 206
واشتراك في حائط بين دارين، ونحوها في الجذوع المتصلة والشاخصة، وما يتصل بالحيطان من أحكام في حالة التنازع، والتعلي في البناء. فجاءت هذه المواضيع في أربعة عشر بابا بترتيب المؤلف.
وفي القسم الثاني مسائل مسيل الماء والسقي والزرع. وهي في بابين. وفي القسم الثالث نجد مسائل الطرق والأبواب المطلة عليها. وهي أربعة أبواب. فمجموع الأبواب عشرون بابا.
حقق هذا الكتاب بزيادات ابن قطلوبغا ونشر في دبي وبيروت. وحقق عمل الصدر الشهيد بدون الزيادات المذكورة ونشر في جدة (12). ويلاحظ على طبعة دبي خلوها من الفهارس الأبجدية الكشافة التي هي من متطلبات التحقيق الجيد. أما طبعة جدة فتمتاز بفهرس للأعلام وآخر للمصطلحات، وثالث للقواعد الفقهية. ولكن يلاحظ عليها عدم التقيد بمتطلبات الفهرسة الأبجدية. ففي فهرس الأعلام مثلا نجد رقم صفحة واحدة أمام اسم الشخص، بينما نجد هذا الشخص ورد ذكره عدة مرات في الكتاب.
كتاب الفرسطائي:
على بعد ست مائة (600) كيلومترا جنوب مدينة الجزائر العاصمة تقع مدن وادي مزاب التابعة لولاية غرداية. وهذه المدن هي بريان وغرداية ومليكة وبني يزقن وبنورة والعطف والقرارة. والمذهب السائد هناك هو المذهب الإباضي. وعلماء هذا المذهب تركوا تراثا علميا غزيرا، لم ينشر منه إلا القليل مما نُشر في الشقيقة عُمان.
وفي بداية الثمانينيات الميلادية من القرن العشرين، أي قبل حوالي عشرين عاما، تأسست جمعية التراث بمدينة القرارة، من أجل صيانة تراث المنطقة على اختلاف أنواعه، على أن يشمل النشاط كل المدن المزابية. ومن جملة ما عزموا عليه جمع التراث المكتوب وترميمه وصيانته وتنظيمه، والعمل على تصويره بالوسائل الحديثة كالحاسوب والميكروفلم، ثم فهرسته، وبعد ذلك تحقيقه ونشره، ليكون في متناول المجتمع العلمي بين كل قراء العربية (13).
ومن جملة ما أصدرته هذه الجمعية كتاب "القسمة وأصول الأرضين" لأبي العباس أحمد بن محمد الفرسطائي
(ت 504هـ/1110م). وهو ابن عالم إباضي شهير. فأبوه أبو عبد الله محمد بن بكر (ت 440هـ) الذي وضع نظام العزابة (نظام تعليمي يتطلب الانقطاع إلى دروس الشريعة، مع التربية الدينية، بدون الامتناع عن الزواج والعناية بالأسرة). وهو -أي الوالد -الذي نشر المذهب الإباضي في وادي مزاب، بعد أن كان السكان هناك يتبعون مذهب الاعتزال. وكان لهذا التحول أثره الكبير فيما بعد. فقد أصبح ذلك الوادي ملجأً للإباضية، يهاجرون إليه إذا تعرضوا للمجاعة أو الفتن الداخلية أو طلبا للعلم (14). (1/206)
صفحة 207
نستطيع تلخيص مباحث كتاب الفرسطائي في الآتي: (1) الشراكة والقسمة، قسمة الأموال وقسمة الماء (2) حول الطرق وإصلاحها وإنشاء القناطر، أي الجسور، عليها (3) إنشاء القصر وأحكامه. والقصر في العمارة البربرية يعني القرية المحاطة بسور. وهو يشبه ما يسمى اليوم المجمع السكني أو القرية السكنية المخصصة لأعضائها من السكان (4) القول في ماء المطر وتصريفه وأحكام سقي الأراضي المختلفة به (5) حقوق حراثة الأرض، واشتراك الحرث في أكثر من قطعة أرض، أو في أرض مشاعة (6) نزع المضرات وإثباتها (7) حريم (15) الأشجار والطرق والساقية والعيون والآبار والبحر والمدينة والمغارات. (8) أحكام الغراس (أي زرع النباتات) بين الأراضي المختلفة الملاك (9) أحكام أرض المشاع، أي التي لا يمكن تملكها مثل الأوقاف والمحميات (16).
يمتاز هذا الكتاب بثرائه بالمعلومات عن العمارة الإسلامية التي عرفتها بيئة المؤلف في زمانه. فتحدث المؤلف عن القصر، الذي هو نمط خاص للعمارة البربرية الصحراوية، حيث ما زالت هذه الكلمة تطلق على كثير من القرى المنتشرة في المنطقة. ويتحدث المؤلف عن الشارع والزقاق والسكة، مميزا بينها. ويذكر الغرف والبيوت والفنادق والمسجد والقنطرة والجسر والزروب، فيحدد مراده من كل ذلك. ثم يبيّن ما يتعلق بها من حقوق وأحكام، معتمدا في ذلك على القواعد الفقهية المعتمدة عند جمهور علماء الشريعة الإسلامية.
لكن يلاحظ على الكتاب قول المحققين: "لم نر في حدود اطلاعنا المتواضع على التراث الفقهي الإسلامي كتابا خاصا بالعمارة الإسلامية .. "!! فهذا يجعل من الضروري نشر مثل هذه المراجعات لكتب التراث، ليطلع عليها القراء من كافة الميول والاهتمامات.
ويلاحظ كذلك خلو الطبعة التي بين أيدينا من الفهارس الأبجدية للأعلام والمصطلحات المختلفة من أدوات ومبانٍ وخلافها. فهذه الفهارس الأبجدية من متطلبات التحقيق الجيد لأنها تسهل على القارئ الاستفادة من الكتاب، بدلا من إعادة قراءته كاملا في كل مرة يريد فيها البحث عن لفظة أو اسم.
كتاب ابن الرامي:
مؤلف هذا الكتاب محمد بن إبراهيم اللخمي الملقب بابن الرامي (ت حوالي 750هـ/1350م). وهو معلم بناء، أي خبير بالأمور الفنية والمصطلحات اللازمة للكتابة والبحث في هذا المجال. وكان يعمل طوال عقود من الزمن مستشارا فنيا لقضاة بلده تونس. أي أنه واسع الاطلاع على القضايا المتعلقة بالبناء مما عرض على المحكمة في عصره. وقد جمع إلى هذه الخبرة اطلاعا واسعا على كتب الفقه المالكي، وقدرة على الترجيح بين الأقوال الفقهية واستنباط الحكم الصحيح من بينها.
فيمتاز هذا الكتاب بعدة مزايا تجعله في مقدمة كتب فقه البنيان التراثية بلا منازع. فقد بيّن محقق طبعة الرياض من هذه المزايا: (1) كثرة المصادر التي اعتمدها وتنوعها (2) قدرته على جمع أطراف (1/207)
صفحة 208
هذا الموضوع الواسع من مواطنه المتفرقة وترتيب موضوعاته والتنسيق بين النقول الواردة فيه (3) تلخيص المسائل وحسن عرضها وترتيبها عند تقديمها (4) ربطه الأحكام بالقواعد وبالوقائع معا. فيقوم بربط الأحكام بأدلتها المنقولة وقواعدها العامة الفقهية. ثم يسرد وقائع تطبيقية حصلت من تجاربه مع الحالات التي أشرف عليها. (5) قدرته على الاستنباط والمناقشة والترجيح. فهناك عدة مسائل أشار فيها على القضاة بعكس ما أشار به أهل النظر (أي أعضاء اللجنة الفنية الاستشارية الذين ينتدبهم القضاة للوقوف على طبيعة البناء ويأخذون برأيهم) من زملائه معلمي البناء. وكان رأيه هو الأرجح. (6) حديثه المفصل عن صفة العقد vaults في الجدران، وعن مرافق الحائط، وعن عيوب الدور، وعن لوازم السقف، وعن كيفية هندسة المواجل (أي خزانات تجميع المياه)، وعن علامات الأرض التي يخرج منها الماء المالح والماء الحلو. الأمر الذي يجعله كتابا تقانيا أكثر من غيره من كتب فقه البناء التي نستعرضها هنا.
اشتمل الكتاب على مائة واثنين وخمسين (152) مبحثا، تناولت جوانب شتى وقضايا كثيرة. وترتبط كل مجموعة من هذه المباحث بموضوع واحد. وهذه هي مواضيع الكتاب كما بيّنها محقق طبعة الرياض:
1 - أحكام الجدار: وفيه تقسيم الجدار إلى أنواع من ناحية من هم مالكوه.
2 - نفي الضرر: ومنه ضرر إحداث دخان أو رائحة أو إيذاء الجار بأنواع أخرى من الإيذاء، والإضرار بالطرقات، بتضييقها وإرسال الفضلات إليها.
3 - العيوب في الدور وأنواعها.
4 - أحكام الساكن السفلي والساكن العلوي في بناية واحدة.
5 - أحكام القنوات والمجاري.
6 - تخوم الأرض وحكم تغييرها.
7 - الآبار: ومن مواضيعها حريم الآبار والاشتراك في البئر وحفر الآبار وأجورها.
8 - القسمة: أي قسمة الدار والبناء والساحة.
9 - الأنادر أي أماكن درس الحبوب واستخراجها من سنابلها بفصل التبن عنها. فيبحث أضرار الأندر على الجيران وما يمكن أن يسببه الجيران من أضرار على الأندر.
10 - الغصب: ومن مسائله من يبني في أرض غيره بإذنه أو بغير إذنه.
11 - الغروس: أي أحكام أضرار النباتات بالجيران.
12 - أحكام الأنهار والسقي: ومنها أحكام مصائد الأسماك.
13 - أحكام الأرحية، أي الطواحين التي تدار بالماء.
14 - أحكام الشفعة: أي حق الجار في تملك العقار على مشتريه، بالشروط التي حددها الفقهاء.
15 - أضرار الحيوانات الداجنة كالمواشي والطيور والنحل. (1/208)
صفحة 209
والكتاب مليء بالمصطلحات المعمارية، الأمر الذي يجعله ثروة فقهية ولغوية ومعمارية وأثرية.
طبع الكتاب طبعة حجرية بالمغرب بتاريخ رمضان 1332هـ (1914م). ثم طبع بالرباط (17) طبعة خالية من متطلبات التحقيق مثل مقارنة النسخ وشرح الكلمات والفهارس الأبجدية. ولكنها طبعة تمتاز بمقدمة مفيدة فيها دراسة جيدة عن ابن الرامي المؤلف.
ثم حقق بالرياض لرسالة ماجستير سنة 1404هـ/1983م. وطبع هذا التحقيق بالرياض 1416هـ/1995م (18). وتمتاز هذه الطبعة بالتحقيق الجيد للنص، وبمقدمة طويلة اشتملت على دراسة مفصلة عن الكتاب والمؤلف، وعن المؤلفات التراثية والحديثة في هذا المجال، استغرقت أكثر من مائة صفحة. ولكن هناك ملاحظتين على هذا التحقيق: الأولى أن الكتاب طبع بعد اثني عشر (12) عاما من مناقشة الرسالة. وفي هذه الفترة طبع العديد من الكتب التي يشير إليها المحقق على أنها مخطوطة. فالمحقق على ما يبدو لم يراجع رسالة الماجستير من أجل تحديث المعلومات بها. والملاحظة الثانية خلو فهرس الأعلام وفهرس الكتب من ذكر الصفحات التي ورد فيها اسم الشخص أو عنوان الكتاب، ما عدا ذكر صفحة واحدة أمام اسم الشخص أو عنوان الكتاب. فمثلا عبد الملك بن حبيب ورد ذكره خلال الكتاب في حوالي مائة وعشر (110) صفحات. ولكننا لا نجد أمام اسمه إلا رقم صفحة واحدة!
كتاب أبي حامد المقدسي:
بنيت المدن الإسلامية في الأصل مخططة واسعة مريحة. قال أبو يعلى في كتابه "الأحكام السلطانية": "مصّرت الصحابة البصرة على عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وجعلوها خِططا لقبائل أهلها. فجعلوا عرض الشارع الأعظم ستين ذراعا، وعرض ما سواه من الشوارع عشرين ذراعا، وعرض الأزقة سبعة أذرع. وجعلوا وسط كل خِطة رحبة فسيحة لربط خيولهم وقبور موتاهم". فإذا كانت مدينة عسكرية متقشفة يكون عرض شارعها الأعظم ستين ذراعا (30 متراً) فبالتالي يكون اتساع ميادين المدن التي بنيت لتكون عواصم ملكية كالقاهرة وبغداد أكبر. وهذا ما بينته الدراسات التاريخية والأثرية.
ولكن مع ازدحام الناس ومرور فترات ضعف واضطراب في السلطة، يغفل بسببها المسؤولون عن التعديات على الشوارع والميادين العامة، يزحف العمران العشوائي وتوسعة المباني على حساب تضييق الشارع، فيتشوه الهيكل الأصلي للمدينة. ثم يأتي حاكم حازم فيأمر بهدم هذه البيوت العشوائية وإعادة الساحات والشوارع إلى ما كنت عليه من السعة والتنظيم. حدث هذا عدة مرات في التاريخ العربي الإسلامي.
فمنذ عهد عمر بن الخطاب نقرأ أن الخليفة الراشد رضي الله عنه مرّ على باب رجل بالسوق، وقد وضع الرجل على بابه جرة. فأمر بها أن تقلع. فخرج إليه الرجل وقال: "إنما هذه جرة يسقى فيها (1/209)
صفحة 210
الغلام الناس". فنهاه عمر أن يحجر عليها أو يحوزها. فلم يلبث أن مرّ عليها وقد ظلل عليها، فأمر عمر بالجرة والظل فنزعهما. وقد بيّنت كتب الحسبة بعض القوانين الواجب اتباعها حول تضييق الشوارع. حيث يمنع تضييق أي شارع في أي مدينة خلافا لتصميمها الأصلي. فإذا كانت تلك المدينة من عهد الرومان مثلا فيجب ترك الشوارع كما وجدت منذ أيام الرومان (19). ولا يخفى أن الرومان كانت شوارعهم وساحاتهم فسيحة.
وفي عام 690هـ/1291م أمر حاكم دمشق من قبل المماليك (واسمه علم الدين سنجر الشجاعي) بهدم ما على جسر الزلابية بدمشق من الحوانيت، وهدم جميع ما بني على نهر بانياس ونهر المجدول، من تحت القلعة إلى باب الميدان الأخضر، باستثناء المساجد. فهدمت مبانٍ كثيرة، بعضها يخص الأفراد، والبعض الآخر يخص الدولة. وتبع ذلك توسيع الميدان الأخضر وتسويره إلى النهر (20).
وفي القاهرة الفاطمية حصل نفس الشيء. حيث قام أصحاب المباني بتوسعتها على حساب تضييق الشوارع. فبنيت الربوع (21) والرواشن (22) والسقائف (23) والسوابط (24) والمصاطب (25) والحوانيت وغيرها بشكل غير شرعي، إلى أن أظلمت الشوارع الواسعة وضاقت. وظلت التعديات تتزايد عبر القرون باطراد، إلى أن وصل الأمر بالشارع الأعظم (شارع المعز حاليا) أن صار مزدحما بشكل مزعج، بعد أن كان فسيحا يسر المرء أن يتمشى فيه. وفي عام 882هـ/1477م أمر الأمير يشبك الداودار بإزالة كل ما بني زيادة على المباني الأصلية. وأمر بتزيين المساجد وواجهاتها وأبوابها، وجلي رخامها، وتبييض حيطانها، وحيطان المباني الأخرى المطلة على الشوارع الرئيسية. وبنى عدة مباني خيرية في أماكن أخرى لنفع عامة المحتاجين. وانقسم الناس بين مؤيد ومعارض لهذا المشروع. ومن بين المؤيدين من كتب قصيدة يبين فيها أن المدينة أضاءت بعد الظلمة. ومن بين ما قاله (26):
كَانَت كَصُبحٍ تَعَالَتْ فَوقَهُ ظُلَمٌ.:.:.شَتَّى فَفَاجَأَهَا بالنُّورِ إِسْفَارُ
كَانَت كَشَمسٍ تَغَاشَاهَا الغَمَامُ.:.:.ضُحًى، فَمَزَّقَتهُ مِنَ الأَريَاح اعصَارُ
ومن المؤيدين للمشروع كان أبو حامد المقدسي الشافعي الذي ألّف رسالة بعنوان "الفوائد النفيسة الباهرة، في بيان حكم شوارع القاهرة، في مذاهب الأئمة الزاهرة". وهي طبعت بتحقيقين مستقلين: ضمن دورية بالرياض (27)، وفي كتاب بالقاهرة (28). فهو يقدم في رسالته نبذة عن أوضاع شوارع القاهرة عند إنشائها، ثم أثر التعديات عليها وتضييقها. ثم يجمع آراء علماء المذاهب الأربعة وأقوالهم التي تتفق على استحسان ما قام به الأمير يشبك من التوسيع على الناس. والكتاب إسهام جيد في بيان أصول العمارة في الإسلام من حيث السعة والعرض وأماكن إقامة المرافق العامة كالمساجد والأسواق والميادين. (1/210)
صفحة 211
وفي الكتاب آراء متطورة حتى بمقاييس عصرنا. فهو يذكر أن الفقهاء يمنعون ليس فقط إبراز البناء على الشارع، وإنما منعوا أيضا استعمال الأرصفة وساحات المساجد لعرض البضائع وبيعها، كما يفعل الباعة المتجولون الذين يسميهم أصحاب الطبليات أو الطبالي (29).
نجد في طبعتي الكتاب كليهما عناية بالتحقيق والشرح والتعريف بالأعلام. وتمتاز طبعة مصر بدراسة أثرية مصحوبة بصور للمنشآت العمرانية المملوكية بالقاهرة. وهي تمتاز أيضا بالفهارس الأبجدية الفنية: فهرس للأعلام والأمم، وآخر للأماكن والآثار والمصطلحات والوظائف.
كتاب كامي أفندي:
هذا الكتاب يأتي في آخر حلقات التأليف في هذا المجال. فمؤلفه القاضي كامي محمد أفندي بن أحمد الأدرنوي (من مدينة أدرنة التركية، ت 1136هـ/1723م) جمع فيه آراء الفقهاء الأحناف من عدة كتب يذكر عناوينها باختصار بعد كل فقرة من فقرات الكتاب العديدة. وهو كتاب كبير الحجم نسبيا (30). فأكبر الكتب التي نراجعها هنا هي كتاب ابن الرامي وكتاب الفرسطائي وهذا الكتاب. قسمه المحقق إلى عشرة أقسام، بعد أن أعاد ترتيب أبوابه ليجمع كل مجموعة من المسائل المتشابهة مع بعضها. وهذه هي أقسام الكتاب حسب تبويب المحقق:
1 - القسمة، أي توزيع ما يمكن تقسيمه من العقار على الورثة أو غيرهم من الأشخاص حسب استحقاقهم
2 - في تحديد العقار والحساب والمساحة
3 - الجوار والاشتراك، وكيفية معالجة إضرار الجار بجاره
4 - المسيل والمرور: ومنه التعدي على الشارع
5 - الحسبة والضمان والتقصير: حول أحكام المحتسب وضمان الصناع من بنائين ونجارين وغيرهم والمسؤولية في حالة إخماد حريق.
6 - أحكام الأوقاف
7 - مسائل المنازعات
8 - الأراضي والأشجار والمياه
9 - عقود البيع والهبة والمزارعة والمساقاة
10 - فيما يتعلق بالكنائس وأهل الذمة والقسامة.
فيمتاز الكتاب (1) بتوسعه واقتباسه من مصادر عديدة (2) باستخدام أشكال توضيحية بلغ عددها 12 شكلا، معظمها عبارة عن مخطط أو كروكي للوحدات السكنية والطرق التي يتحدث عن حق المرور فيها. وفي أحد هذه الأشكال نجد رسم آلة الكونيا المستخدمة كميزان لمعرفة استقامة الجدار عموديا (3) في الكتاب أمور حسابية وهندسية: فمن ذلك تعريف وحدات الذراع والمساحة، ومنها تعريف الأشكال الهندسية، ومنها كذلك وصف كيفية وزن الأرض (أي إيجاد (1/211)
صفحة 212
انخفاض قطعة من الأرض وارتفاع أخرى) لإسالة الماء على سطحها (ص 123 - 134) (4) في الكتاب مباحث جديدة أو تعتبر من الأمور التي يتم بحثها في زمننا المعاصر. منها عدم تلويث مياه الأنهار والآبار بمياه البالوعات. ومنها الأحكام القانونية المتعلقة بإطفاء الحرائق.
والتحقيق عموما جيد. ولكن هناك بعض الملاحظات التي لا تقلل أبدا من قيمة العمل. وإبداؤنا الملاحظات حول كتاب لا يقلل من قيمة ما بذل لإعداده. لأن العمل البشري لا يخلو من نقص صغير أو كبير. وبالتالي فإن أي كتاب أو مقال جدير بالقراءة هو أيضا جدير بالمراجعة والنقد. والملاحظات التي يبديها المراجعون لا تنفي بأية حال الجهد القيم المشكور الذي قام به المحقق والباحث. وإنما الهدف من المراجعة هو نفس الهدف الذي توخاه المحقق: أي خدمة العلم في المجال الذي كتب فيه، وإبداء اقتراحات تزيد من نفاسته عند اعتمادها فيما بعد عند إعادة نشر الكتاب.
فهناك عبارات تجدر مراجعتها في الطبعات القادمة. فمثلا ورد في النص قول المؤلف (ص 414): "وقال ابن قدامة في المعنى". فعلّق المحقق في الهامش على هذه العبارة قائلا: "ذكر صاحب الجواهر المضية ستة أعلام بهذا الاسم، وهم ... الخ". فهو يبحث عن ابن قدامة في كتاب "الجواهر المضية في طبقات الحنفية". وطبعا لم يحدد أيا منهم المقصود بعبارة المؤلف. ولو دقق في النص لعرف أنه ابن قدامة الحنبلي صاحب كتاب "المغني" (وليس المعنى كما ورد في النص).
والفهارس الأبجدية بآخر الكتاب بحاجة إلى مراجعة. ففي فهرس الكتب الواردة عناوينها في النص لا نجد أرقام الصفحات، مع أن الغرض من وضع هذه الفهارس هو مساعدة القارئ الباحث على أن يجد المعلومة بسهولة ويسر داخل الكتاب. وفي فهرس الأعلام نجد رقم صفحة واحدة أمام اسم الشخص، بينما نجد هذا الشخص ورد ذكره عدة مرات في الكتاب.
ويلاحظ على مقدمة التحقيق عدم ذكرها عددا من طبعات الكتب التي نراجعها هنا. فمثلا يذكر عن كتاب التطيلي ترجمته الفرنسية التي نشرت في دورية قبل مائة عام، ولا يذكر أيا من طبعتيه العربيتين. ويقول عن التطيلي أنه من مواليد طليطلة ( Toledo)، بدلا عن تطيلة ( Tudela).
الخاتمة:
لا يزال كما قلنا العديد من الرسائل والكتب في هذا المجال -وفي المجالات الأخرى التي ذكرناها في مقدمة المقالة- مخطوطا لم يطبع بعد (31). وبالتالي فالمجال واسع لإضافة الكثير.
وقد لاحظنا في الأسطر السابقة أن المحققين لم يطلعوا على الطبعات المختلفة للكتب التي راجعناها. وهذا ناتج عن عدم التوزيع الجيد للكتاب، وبالتالي عدم وصوله إلى القارئ في الأقطار العربية المختلفة. فما ينشر في المشرق العربي لا يعرفه الأشقاء المغاربة، والعكس صحيح. ونحن هنا فقط نعرض المشكلة ولا نطرح الحل، لأن بعض الحلول يتطلب قرارا سياسيا بتأمين نسخة من كل كتاب في كل مكتبة وطنية. فليس كثيرا أن يتبرع الناشر من كل كتاب باثنتين وعشرين (22) (1/212)
صفحة 213
نسخة، هي عدد الدول العربية.
وأدى عدم اطلاع بعض الباحثين على عمل الباحث الآخر إلى أن صار كل كتاب يصدر بتحقيقين أو طبعتين مختلفتين. رأينا ذلك في أربعة من الكتب الستة التي استعرضناها. وهذا الأمر يختلف فيه الباحثون: فمنهم من يعتبره هدرًا للجهود وازدواجية لا لزوم لها. ومنهم من يعتبره أمرا جيدا، ليعوض النقص الحاصل عن عدم توزيع الكتب توزيعا جيدا، وبالتالي عدم وصولها إلى القارئ في الأقطار المختلفة. فالحل في رأي هذا الفريق الأخير أن يعمل كل واحد بطريقته منفردًا عن الآخر (كل مين إيده إلُه)!!
الأمر الذي لا يختلف فيه الباحثون هو أن نشر مؤلفات فقه العمران ضروري من أجل تاريخ العمارة والهندسة، ولاكتساب ثروة من المصطلحات، وللاستعانة به من أجل تحديث قوانين العمران المعاصرة التي اقتبس كثير منها من بيئات مختلفة عن بيئتنا، ومن أجل إثراء الدراسات التي ذكرناها في الأسطر الأولى من هذه المقالة.
--------------------
الهوامش
(*) -باحث سعودي، حاصل على الماجستير في الهندسة البيئية من جامعة وسط فلوريدا، سنة 1983. من مؤلفاته: «الوراقة والوراقون في التاريخ الإسلامي» (1982)، «نشأة العلوم الطبيعية عند المسلمين» (1986)، «إضاءة زوايا جديدة للتقنية العربية الإسلامية» (1996)، «القمباص والخرائط البحرية العربية» (1997)، «العرب قبل كولمبس» (1999) ... له محاضرات وبحوث عديدة في مجالات البيئة، وتاريخ العلوم الطبيعية والتقنية، وحول التراث العلمي العربي الإسلامي.
2 - كتب النوازل والفتاوى هي الكتب التي وردت فيها الأحكام الصادرة عن الفقهاء من قضاة وغيرهم، في الوقائع الجزئية، ليسهل الأمر على القاصرين من بعدهم. وأكثر ما يستعمل اصطلاح "نوازل" في الغرب الإسلامي، واصطلاح "فتاوى" في بلاد المشرق.
3 - علم الشروط والسجلات أو علم الوثائق هو علم يوضح كيفية صياغة العقود أو المخاطبات في المحاكم أو غير ذلك من المعاملات الرسمية والقانونية.
4 - كتب الأقضية والأحكام أو كتب أدب القضاة هي كتب إرشادات للقضاة ليستعينوا بها على إصدار أحكامهم.
5 - كانت الحسبة مهنة المحتسب. وهو مراقب الأسواق والشوارع. وتكون مراقبته لعدم مخالفة الشرع، سواء من الناحية الأخلاقية والتعبدية أو من ناحية إتقان الصناعة. ويدخل في المجال الأخير عدم التعدي على تخطيط الشوارع وعدم تلويثها. وتجد قائمة شاملة لكتب الحسبة العملية في هذا البحث: (1/213)
صفحة 214
قاري، لطف الله، "كتب الحسبة وكتب الحِرف في التراث"، مجلة "المأثورات الشعبية"، (قطر)، عدد أبريل 1994. وأعيد نشر البحث في كتاب "إضاءة زوايا جديدة للتقنية العربية الإسلامية"، نشر مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1416هـ 1996م.
6 - انظر مثلا: (1) أمين، محمد محمد، فهرست وثائق القاهرة حتى نهاية عصر المماليك، نشر المعهد العلمي الفرنسي بالقاهرة، 1981 (2) أمين، محمد محمد وليلى علي إبراهيم، المصطلحات المعمارية في الوثائق المملوكية، نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 1990 (3) بن حموش، مصطفى، فقه العمران الإسلامي من خلال الأرشيف العثماني الجزائري، نشر دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي، 2001.
7 - ابن سهل، أبو الأصبغ عيسى بن سهل الأسدي الأندلسي، الإعلام بنوازل الأحكام (نوازل ابن سهل)، تحقيق نورة التويجري، طبع بالرياض سنة 1415هـ/ 1995م، ص 823 و834.
8 - الشفعة هي حق الجار في تملك العقار على مشتريه، بالشروط التي حددها الفقهاء.
9 - التطيلي، عيسى بن موسى، كتاب الجدار، تحقيق إبراهيم الفايز، نشر المحقق، الرياض، 1417هـ/1996م، 413 صفحة، النص في 256 صفحة.
10 - التطيلي، عيسى بن موسى، القضاء بالمرفق في المباني ودفع الضرر، تحقيق محمد النمينج، نشر المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسسكو)، الرباط، 1420هـ/ 1999م، 253 صفحة، النص في 143صفحة. وقد حصلت على نسخة من هذه الطبعة بمكرمة مشكورة من قبل مدير عام الإيسسكو الدكتور عبد العزيز التويجري.
11 - المرجي الثقفي، كتاب الحيطان، تحقيق محمد خير رمضان يوسف، مطبوعات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، 1994، 203 صفحات، النص في 174 صفحة، ص 7 - 9.
12 - الصدر الشهيد، برهان الأئمة حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاري، كتاب الحيطان، تحقيق عبد الله نذير أحمد، نشر جامعة الملك عبد العزيز بجدة، 1416هـ/1996م، 278 صفحة، النص في 200 صفحة.
13 - عوفي، عبد الكريم، "جمعية التراث بالقرارة ومشروعها الطموح في منطقة وادي ميزاب"، آفاق الثقافة والتراث، دبي، العددان 29 و30، 1421هـ2000م، ص 117 - 136. يلاحظ هنا كتابة اسم الوادي "ميزاب" بإضافة ياء المد. بينما تكتب بدون الياء في المراجع الأخرى بالمغرب العربي. وتكتب بالحروف الإفرنجية في المراجع الغربية، بل وعلى الخرائط الرسمية للجزائر، هكذا Mzab، أي كما كتبناه في هذه المقالة.
14 - الموسوعة الإسلامية، الطبعة الجديدة ( EI2)، مادة "إباضية" ومادة "حلقة".
15 - الحريم هو حدود المساحة المناسبة حول كل واحد من الأشياء المذكورة، الكافية لوقايتها من (1/214)
صفحة 215
الضرر.
16 - الفرسطائي النفوسي، أبو العباس أحمد بن
محمد بن بكر، "القسمة وأصول الأرضين، كتاب في فقه العمارة الإسلامية"، تحقيق بكير الشيخ بلحاج ومحمد صالح ناصر، الطبعة الثانية المزيدة المنقحة، نشر جمعية التراث بالقرارة، ولاية غرداية بالجزائر، 1418هـ1997م، 635 صفحة، النص في 554 صفحة. وقد حصلت على نسخة من الكتاب بمكة المكرمة مشكورة من الدكتورين يوسف عتيق وأبو بكر خالد سعد الله من الجمعية الجزائرية لتاريخ الرياضيات.
17 - "كتاب الإعلان بأحكام البنيان، لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم اللخمي"، بتقديم عبد الله الداودي، مجلة "الفقه المالكي والتراث القضائي بالمغرب"، الأعداد 2،3،4 السنة الثانية، 1982م، التقديم ص 259 - 273، نص الكتاب مع فهرس المحتويات ص 274 - 490.
18 - "الإعلان بأحكام البنيان"، تأليف ابن الرامي البناء، تحقيق عبد الرحمن الأطرم، نشر مركز الدراسات والإعلام - دار إشبيلية، الرياض، 1416هـ/1995م، 800 صفحة، النص في 598 صفحة.
19 - قاري، لطف الله: "السلامة الصناعية في تراثنا العلمي"، "أبحاث الندوة العالمية الخامسة لتاريخ العلوم عند العرب" (التي عقدت في غرناطة سنة 1412هـ/1992م)، نشر معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب، 1415هـ/1995م. وأعيد نشر البحث في كتاب "إضاءة زوايا جديدة للتقنية العربية الإسلامية"، نشر مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1416هـ 1996م.
20 - النويري، أحمد بن عبد الوهاب: "نهاية الأرب في فنون الأدب"، الجزء 31، تحقيق الباز العريني ومراجعة عبد العزيز الأهواني، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992م، ص 222. لابدوس، إيرا، "مدن إسلامية في عهد المماليك"، تعريب علي ماضي، نشر الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1987، ص 110.
21 - الربوع جمع ربع. وهو البناء المتسع الذي تشترك في سكناه عدة عائلات بأجر يسير.
22 - الرواشن جمع روشن، وهي الشرفة أو ما نسميه بالعامية البلكونة.
23 - السقائف جمع سقيفة، وهي مساحة مسقوفة لا جدار لها، تقوم على أعمدة أمام البيت، ملتصقة به وبارزة عنه.
24 - السوابط أو الساباطات جمع ساباط. وهو ممر مسقوف علوي بين دارين، يقوم فوق الشارع مثل الجسر.
[عندنا في ميزاب عكس التعريفين بالضبط: السقيفة، والساباط] [التحرير].
25 - المصاطب جمع مصطبة. وهي المنصة أو الدكة.
26 - ابن إياس، محمد بن أحمد: بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى، نشر جمعية (1/215)
صفحة 216
المستشرقين الألمانية و الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط3، 1982 - 1985، ج3 ص 127 - 129.
27 - النملة، علي بن إبراهيم: "كتاب الفوائد النفيسة الباهرة، في بيان حكم شوارع القاهرة، في مذاهب الأئمة الزاهرة لأبي حامد المقدسي"، مجلة "العصور" (نشر دار المريخ بالرياض)، المجلد3، العدد 2، 1988م، ص 313 - 358، النص في الصفحات 317 - 336.
28 - المقدسي الشافعي، أبو حامد: الفوائد النفيسة الباهرة، في بيان حكم شوارع القاهرة، في مذاهب الأئمة الزاهرة، تحقيق آمال العمري، نشر هيئة الآثار المصرية، القاهرة، 1988. 103 صفحات، النص في 18 صفحة.
29 - الطبليات أو الطبالي هي الطاولات الخشبية المستديرة التي تعرض عليها البضائع.
30 - القاضي كامي محمد بن أحمد الأدرنوي الحنفي أفندي، رياض القاسمين، أو فقه العمران الإسلامي، تحقيق مصطفى بن حموش، نشر دار البشائر بدمشق، 1421هـ2000م، 590 صفحة، النص في 530 صفحة.
31 - الفايز، إبراهيم بن محمد: البناء وأحكامه في الفقه الإسلامي، نشر المؤلف، الرياض، 1418هـ/1997م. وانظر أيضا مقدمة التحقيق لكل واحد من الكتب التي راجعناها في هذه المقالة. (1/216)
صفحة 217
المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
د/ محمد زغينة
جامعة باتنة
أ ـــ المفهوم والمصطلح:
«المحاورة: هي المجادلة، وتدور حول اعتقادات وقناعات معينة، وتتميز بطابع التضاد، معتمدة في ذلك على تعارض المعايير القيمية أدبيًّا» (1).
فالحوار إذن: تبادل الكلام بين اثنين فأكثر، وهو نمط تواصلٍ، حيث يتبادل ويتعاقب الأشخاص على الإرسال والتلقي (2). بينما يرى الدكتور شوقي عبد الحكيم صاحب موسوعة الفلكلور والأساطير العربية أنَّ «الثنائية في تراثنا: مؤثر آري؛ فارسي، وهي مأخوذة من الصراع المتصل بين إله الخير ـــ في المجوسية ـــ أهوزمزدا، وإله الشر إهريمن، وكان هذا منذ أكثر من أربعة آلاف عام» (3).
وتذهب بعض الآراء إلى أنَّ الحوار، أو الثنائيات أبعد من ذلك إذ تعود إلى اليونان بل إلى أسطورة الحسين والأصيل، وأسطورة نعناعة، والإله والحمار، مرورًا بصراع إبراهيم عليه السلام والنمرود، بل أعمق من ذلك إذ تمتدُّ إلى حوار ابني آدم عليه السلام قابيل وهابيل (4). وعلى العموم فإنَّ الحوار أسلوب حضاري في التعامل والإقناع، ووسيلة استخدمها القرآن الكريم، كما التجأ إليها الكثير من العقلاء.
ب ـــ الحواريات الثنائية «المناظرات» عند أبي اليقظان:
هذه الحواريات الثنائية التي صب فيها أبو اليقظان فكره وأدبه الإصلاحي يمكن تصنيفها في خانة المناظرات، لأنَّها تشبه المناظرة حسب أحمد الشايب الذي يعرِّفها بقوله: «ضربٌ من الكلام يشترك فيه اثنان على الأقل، يحاول كلُّ منهما إثبات رأيه وإبطال رأي خصمه بالحجَّة والبرهان» (5).
وهذا ما نلمسه في حواريات أبي اليقظان التي يُجري فيها حوارًا بين شيئين أو قيمتين أو مؤسَّستين، أو شخصين، أحدهما ـــ عادة ـــ يمثل الماضي والآخر يمثل الحاضر، أي أنَّ أحدهما يمثل السلبية والآخر يمثل الإيجابية. ويحاول أبو اليقظان عن طريق هذا الحوار معاضدة «الإيجابي» لترسيخه في المجتمع، وقطع دابر «السلبي»، أو ألاَّ ينتصر للمتحاورين وذلك بأن يدع أحدهما يعترف بذلك، أو يحاول أن يوفِّق بين حسنات هذا، وحسنات ذاك، ثم تكون النهاية بالتكامل.
وهذه الحواريات عبارة عن حشد من المعلومات المتراكمة عبر التاريخ حول القصية التي حولها المتحاوران أو المتناظران. والمتأمل في الأدب الجزائري الحديث يجد أن بعض الأدباء قد كتبوا هذا النوع من الأدب كما يقول الركيبي: «بالنسبة للنثر فإنَّنا لم نعثر على هذا الشكل الأدبي قبل مناظرة الشيخ عبد الرحمن الديسي (6)، التي أطلق عليها: مناظرة بين العلم والجهل، على أنَّنا لا نستبعد إطلاقًا أن يكون هناك من كتب مناظرات قبل هذا الأديب» (7)، وهذه المناظرة كانت من ألطف أدبه (8). وإذا عدنا إلى القواميس الأدبية فإنَّنا نجدها تعرٍّف هذه الظاهرة أو الفن الأدبي: «المناظرة نوع من المحاضرة يشترك فيها اثنان أو أكثر ويتَّخد كلٌّ موقفًا معيَّنا يدافع عنه بالأدلَّة والبراهين، ويحاول قدر استطاعته ومهارته أمرين واضحين: تأييد رأيه، وتخطئة رأي الفريق الآخر» (9). كما أنَّ هذه المحاورات تشبه ما يسمى بالمناقشة ( Discussion) أو المجادلة التي تعني «مجادلة في موضوع وبحث يشترك فيه خصمان على الأقل، يكونان عادة غير متَّفقين على رأي واحد عند الانطلاق، وقد تنتهي المناقشة إلى موقف مشترك، أو يبقى كلٌّ من المتجادلين محتفظًا بقوله وبرأيه» (10). (1/217)
صفحة 218
أمَّا إذا تأملنا الأدب العربي فإنَّنا نجد أنَّ المناظرات من أهم الفنون النثرية، إذ ازدهرت في القرن الثاني للهجرة بسبب المتكلمين وبخاصة المعتزلة الذين اتَّخذوا الجدل والمناظرة وسيلة للدفاع عن آرائهم ومنهجًا لنشر مبادئهم (11).
والمناظرة لها تاريخ أبعد ممَّا يمكن ان نصل إليه، ولعلَّ أقربها إلينا محاورات الفلاسفة اليونانين، ولكننا نكتفي بهذا القدر إذ أنَّ المناظرة قديمة قدم الإنسان نفسه، ولذلك اشتهرت في القرون الوسطى في الأدب الغربي (12). كما أنَّ هذا النوع يمكن أن يشبه كذلك بعض رسائل الجاحظ الجدلية (13)، ولهذا أطلقنا عليها «الحواريات الثنائية»، أو المناظرات، لأنَّها نوع من الجدل الذي يدل عند جمهور الفلاسفة على مخاطبة بين اثنين يقصد كلٌّ منهما غلبة صاحبه بأيِّ نوع اتَّفق من الأقاويل (14). ويلتجئ الكتَّاب إلى الجدل لأنَّه في رأيهم أكثر إقناعًا من الشعر والخطابة، وأفضل ما تثبت به الأمور النظرية. ومهما يكن فإنَّ الحوار هذا نجد له شبيهًا في الأدب العربي قديمه وحديثه، ومن ذلك مقالة لميخائيل نعيمة على لسان رئيسي الملائكة والشياطين (15).
وأمَّا في الأدب العربي القديم فإنَّنا نجد كثيرًا من هذا النوع لدى أدباء عصر المماليك في كتاب محمود رزق سليم «عصر سلاطين المماليك» (16)، والذي أطلق عليه الموازنات والمفاخرات، ويُعرِّفها بهذا التعريف: «الموازنة أو المفاخرة نعني بها مقالة مسطورة على نمط ما رأينا في المقالات والرسائل، غير أنَّها تفترق عن المقالة بأنَّ موضوع الوصف فيها اثنان أو أكثر، يتبادل الحديث عنهما أو منهما، ويتناوب بالتتابع، وكثيرًا ما يكون الحديث فيها حوارًا ومناظرة على لسان الأداتين أو الشيئين اللذين هما موضوع الحديث والوصف، فيتكلَّم كلٌّ منهما على نفسه مبينًا إحدى محاسنه وخصوصياته ويشيد بها ويصفها وصفًا جميلاً مؤثرا، وهدفه الفخر والبروز والتغلب على خصمه ... وقد يقلب إحدى محاسن خصمه عيبًا، ومن هنا تثور الحماسة ويندلع لهيب المفاخرة بين المتخاصمين، ويردُّ الآخر بدوره، فيشيد بخصوصية أخرى من خصوصياته، ويبالغ في وصفها إبرازًا لمحاسنها، ويجمل في تصويرها، وينعي على زميله عيبًا آخر من عيوبه، وهلمَّ جرًّا، حتى تنتهي المفاخرة والحوار بمصالحة بين الطرفين، أو يتغلب طرفٌ على آخر» (17).
غير أنَّ الكاتب لا يلبث أن يناقض نفسه في الجزء السادس إذ يقول: «رأينا في الأبواب السابقة ألوانًا من المناظرات وهي المحاورات المعقودة بين اثنين أو أكثر من الأدوات أو الأشخاص أو الأشياء الأخرى، وذلك كالموازنة بين السيف والقلم، والمحاورة بين الأزهار ... » (18)، ويرى عبد القادر دامخي أنَّ هذا الفن اشتهر به الأندلسيون حتَّى نُسب إليهم (19). إلاَّ أنَّ الحقيقة تقول: «إنَّ الأمم عرفت هذا النوع من قبل وسمَّته محادثة أو محاورة أو مناظرة أو مناقرة، وقد يكون الأندلسيون قد تأثروا بمحاورات الغربيين في القرون الوسطى» (20). ومهما يكن فإنَّ الحواريات يمكن اعتبارها مناظرات لأنَّها تأخذ طابع الجدل والمنطق، وحشد الأدلة والبراهين، والتحليل (1/218)
صفحة 219
والتعليل، رغم التجاء الكاتب فيها إلى إبراز مشاعره عن طريق المتحاورين، وإلى الخيال وحسن التصوير والتخييل، والميل إلى الأحاسيس والهواجس.
ومن أهم الحواريات في نثر أبي اليقظان:
بين الماضي والحاضر (21)، بين العلم والمال (22)، بين القهوة والمسجد (23)، بين الشدة والرخاء (24)، بين الحانوت والمدرسة (25)، بين القوة والحق (26)، بين الجريدة والجواق (27)، بين شيخ وشاب (28).
وهي حواريات أو مجموعات تمثل الحداثة أو التقليد، أي أنها عبارة عن طرح سنني بين القديم والحديث، بين الروحيين والماديين الذين لا يعتبرون القيم الروحية ولا يعترفون بها، وهذه المجموعة تحتوي على محاورات: الحانوت والمدرسة، والمسجد والقهوة، لأنَّ هذه المؤسسات الاجتماعية تتصارع من أجل التحكم في سير المجتمع، فالحانوت يمثل التجارة والجاه والمال .. بينما تمثل المدرسة ـــ في عرف الناس ـــ لا شيء، لأنَّها ترمز إلى الكتابة والقراءة، وربما إلى قراءة القرآن على الأموات والتمائم التي يأتي بها «الطالب» أو حفظ المتون والجدل، ممَّا يؤدي إلى الفاقة. أما المسجد فيمثل الربانية والتقوى والعبادة والأخلاق ـــ أي المثالية الدينية ـــ بينما لا تمثل القهوة سوى الإفلاس وسوء الأخلاق وضياع الوقت، هذا من حيث الوجهة الأولى، أمَّا وجهته المتحررة فتعكس الحقائق حسب المتحاور الأول: فتكون القهوة أفضل من المسجد لأنَّها تمثل الاجتماع والتحرُّر. أمَّا المجموعة الثالثة فهي مجموعة القيم والمثُل «العلم والمال، القوة والحق»، وهذه المجموعة هي من أهم الأمور التي يحدث صراعها في المجتمع ـــ من جميع الوجوه ـــ فالعلم والمال مسألة كبرى يحدث حولها النقاش ويشتدُّ، وبذلك يصبح العلم يمثل النور والإيمان والحق والعدل واليقين، بينما لا يمثل المال سوى الفساد والتعجرف والاستطالة، وقد يكون كل شيءٍ في نظر الناس، ويصبح العلم لا شيء، وهكذا حسب مقاييس المجتمعات ورأيها العام، وهذا ما سنراه من خلال هذه المحاورات.
1 ـــ محاورة الجريدة و"الجوَّاق" (29):
هذه المحاروة أجراها أبو اليقظان على النحو التالي:
«الجريدة: أنا متعة النفس، وغذاء الروح، وأنيس الجليس، والنحلة السارحة بين الرياض والمروج، أنقل من هنا وهنا أريج النواوير والرياحين لتغذية الأرواح بالعسل المصفى لشفاء أسقام الأشباح. (30)
الجوَّاق: دعي عنك أيتها الجريدة التافهة، هذه المفاخر الفارغة، والخيلاء الكاذب أمامي، فأنا الذي أروِّح عن النفوس همومها، وأنا الذي أدخُلُ مِنَ الآذان بغير استئذان، فأضرب على أوتار القلوب، وأهزُّ أعصاب النفوس، وأترك الجوارح ترقص من تلقاء نفسها، فلا يخفق دوي الصداح إلاَّ وأترك (1/219)
صفحة 220
الأفراد والجماعات نشوى بخمري الحلال (*)، وسحري الخلاب للنفوس والعقول» (31).
هكذا يرى الجواق أنَّه أحق بالشكر لأنَّ الأديبَ أرهَفُ الناس نفسًا، وأقدر على تصوير إحساس القرويين تجاه الجواق، ولهذا تكون هذه المحاورات «تنزع نزعة أدبية عمادها الوصف وحسن التشبيه لإبراز الجميل أكثر ممَّا تنزع نزعة فكرية عمادها سلامة المنطق وقوة الحجَّة ووضوح الدليل والرغبة في الإقناع» (32). وهذا ما نراه في قول الجواق: «أنا الذي أخذت من الحمام هذيله، ومن البلبل تغريده، ومن الهزار صدحه، ومن العصفور زقزقته ... فإذا ركبت بنان اللاعب كما يركب العندليب متون الغصون، فهناك حدِّث عن السحر الحلال ولا حرج، سيما إذا كانت أصابع البدوي هي التي تلعب بي أمام خيمته في ذلك الجو الرقراق والفضاء الواسع، والهواء الصافي اللامع حيث جمال الطبيعة جالس على عرشه، والفطرة الصافية متكئة على أريكتها» (33).
بهذه الروح الرومانسية يحلق أبو اليقظان في سماء عاشقي الناي لأنَّ الأديب دقيق الحس، قوي الشعور بما يعتلج في النفوس من الآلام، وما يختلج في صدورهم من أحلام. وهذه في حقيقة الأمر من أهم خصائص أدب الجدل الذي يمتاز بالفصاحة الأخَّاذة، والبيان الرفيع، والعقل الناضج، والحكمة الصافية التي كانت تجري زلالا ذلولا على ألسنة القوم، فضلاً عن سرعة البديهة في الرد والقدرة على الإفحام والمحاورة (34)؛ لأنَّ أبااليقظان يحاول من خلال هذا الأسلوب جذب القارئ إليه ليغرس فيه ما يريد، ولذلك تراه يردُّ على لسان الجريدة بقوله: «كفى كفى أيُّها الجواق من هذا الهدر، وهذا الهذيان، أنت تفتخر بمحاسن غيرك، وأنا أفتخر بمحاسن نفسي، أنت تفتخر بالهواء الفارغ، أو الشقاشق الجوفاء ... وهل أنت إلاَّ كنعيق الغراب لا يُحسُّ له صدى إلاَّ في خربات الجعل، ومستنقعات الخرافات والأوهام، أما أنا فبين أيدي الملوك والأمراء، وبين أعين العلماء والعظماء، كفاك ذُلاًّ ومهانة أنَّك لا توجد بين القصور وعرصات العروش، ولكنك لا توجد إلاَّ في المداشر والقرى والأكواخ والخيام .. » (35).
يتضح لنا أنَّ أبااليقظان ينحاز إلى الجريدة على أنَّها وسيلة من وسائل تفاهم الأمم، وينعي على الجواق أنَّه آلة من آلات التخلف والجهل، ولا يزدهر رواده إلاَّ في مستنقعات الجهل، وبيئات الأوهام، ومجالس الخرافات، وأعراس البدو، ويجعل الجريدة ميزة من مميزات المجتمعات الراقية، وأنَّ الجواق سمة من سمات المجتمعات المتخلفة، وبذلك يقول أبو اليقظان على لسان الجريدة مخاطبًا الجواق: «لو كان فيك أدنى فائدة لما رغبت الطبقات الراقية عنك، وأقبلوا إليَّ، ولما زهدوا فيك ورغبوا فيَّ» (36).
ولكن الجوَّاق لا يستسلم لمثل هذا المنطق، إذ يرى الأفضلية تعود إلى شعبية كل واحد، ولذا يطلب من الجريدة مناظرة واقعية، لتكون هذه المناظرة حية في أسواق المدينة وبين روادها لتتأكَّد الجريدة أنه أكثر شعبية وأرسخ قدمًا في ذهن العامة منها. يقول أبو اليقظان على لسان الجوَّاق: «مهلا أيتها (1/220)
صفحة 221
الجريدة فقد تطاولت عليَّ كثيرًا بما أجحفت من حقي بلا اكتراث، وبلا مبالاة، فإذا أردت حقيقة الواقع، فهيَّا بنا نأخذ الميزان من شهود العيان، ليقف الصحافي، وصاحبي الجواقي أمام دكان تاجر أو صانع مقهى أو أي مجمع كان، وليأخذ كلٌّ منهما في ترويج بضاعته بما أوتي من بلاغة وسحر بيان، ثم ننظر كم يلتفُّ حول الصحافي من الأفراد، وكم يلتفُّ حول الجواقي من الأتباع والجماهير» (37).
غير أنَّ أبا اليقظان يرى أنَّ هذا المنطق مقلوب، وأنَّ حكمه لا قيمة له، ولا أساس له من الصحة، لأنَّه من البله الحكم على الشيء بكثرة الملتفين حوله من الغوغاء وسواد الناس؛ إنَّما العبرة بما يقدمه الشيء للأمة من فوائد. ولذلك كان الرد على لسان الجريدة بكل استخفاف قائلة: «عجبًا غرورك؟ فمتى صحَّ الاستدلال بإقبال عامَّة الجهلة والأميين على الشيء؟ وهل قيمة الشيء الحقيقية بنفعه الجزيل الذي اعترف به الدين والعقل والعلم أم بإقبال الدهماء من العامة؟» (38).
هكذا يكشف أبو اليقظان عن وسائل الاحتجاج عنده وهي: والدين والعقل والعلم؛ هذه الثلاثية الخطيرة التي يريد أن يبديها لنا عن طريق هذه المحاورة بين قيمتين مختلفتين أو بين رؤيتين مختلفتين: رؤية سواد الأمة، ورؤية العلماء الأجلاَّء.
وحين يصل الحوار بينهما إلى قمة الجدل يتدخَّل العقل الذي هو الوسط بين الدين والعلم، وبين الداعية والمجتمع، فينهي الحوار لصالح الجريدة، بقوله: «لقد سمعتُ تحاوركما، ووعيتُ مغزاه، وعندي أنَّ الحقَّ أحقُّ أن يتَّبع، ولا دليل البتة للجواق على فضله لأجل إقبال العامَّة والأميين عليه، وإنَّما الفضل كلُّ الفضل للجريدة وإن أدبر الجمهور عنها؛ مادامت تخدمه خدمة صادقة بكل وفاء» (39).
من خلال هذا الحوار نستنتج أنَّ الهدف من هذه المناظرة هدف تربوي إعلامي اجتماعي؛ إذ يهدف الكاتب من ورائه إلى كشف بعض المظاهر الاجتماعية التافهة التي تنال حظًّا وافرًا من أفراد المجتمع، وأصبحت كأنها حقيقة ثابتة نتيجة لترسبات تاريخية طويلة، ممَّا أفسد الذوق الاجتماعي العام، فانحرف من جرَّائها تفكير الأمة، وانقلبت موازين المجتمع، وأصبح الباطل حقًّا، والحقُّ باطلاً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ أبا اليقظان يريد أن يرسِّخ مفاهيم جديدة مثل حبِّ الجريدة، والاهتمام بها، وإحلالها محلَّها الذي يليق بها، لا أن ينظر إليها الناس على أنها سبب كلِّ بلاء، فيتهرَّبون منها كما يتهرَّب المجرم من صحيفة أعماله يوم القيامة. ومنها إحلال طرق قياس جديدة ليست هي طرق الغوغاء والدجَّالين الذين قتلوا العقل والدين الصحيحين في الأمَّة بخرافاتهم، وأقيستهم الممجوجة. ومن جهة ثالثة فإنَّ هذا الحوار دعوة إلى الحداثة والنهضة بطريقة غير مباشرة، وذلك بإبراز المعايير الاجتماعية التي أفسدت المجتمع ووقفت حجر عثرة أمام تقدُّمه. (1/221)
صفحة 222
إنَّ هذا النص هو حوار أفكار؛ لأنَّ أبا اليقظان يحاول أن يمكِّن فكرة ويستأصل فكرة أخرى، بطريقة جدلية لا بطريقة فنِّية أو وعظية أو إرشادية؛ ممَّا يدل على أنَّ الكاتب وعى الواقع وابتعد عن لغة الإصلاحيين الوعظية التي تعتمد أسلوب الترغيب والترهيب، وذلك باعتماده على المفاضلة المنطقية العقلية، لا عن طريق المغالطات المنطقية، ممَّا جعله صاحب فكر جدلي منطقي من حيث المصدر الذي يستقي منه هذا الإصلاح، والهدف الذي يرمي إليه وهو التحرر من كثير من المفاهيم الجامدة التي أدت إلى انكماش المجتمع وانزوائه وموته الحضاري.
كما أبرز لنا هذا الحوار كيف تتصارع الأفكار في المجتمعات المنحطَّة، وكيف تكون المعايير، وكيف تسود الأحكام المسبقة فيه، وكيف تنتشر المغالطات المنطقية، ولذلك يقول الجواق للجريدة: « ... وهنا حدِّث عن السحر الحلال ولا حرج، ولا سيما إذا كانت أصابع البدوي هي التي تلعب بي أمام خيمته .. » (40).
فمثل هذه الأحكام المسبقة تلحق ضررًا كبيرًا بالمجتمع، وتصبغه بصبغة المسلمات بالأحكام المسبقة ـــ وإن كانت خاطئة ـــ ممَّا أدى بأبي اليقظان إلى أن يعالجها معالجة واقعية عن طريق الحوار، لأنَّ الأفكار الفاسدة أصبحت حجر عثرة أمام المصلحين لا يمكن تجاوزها إلاَّ بعد سحبها من أذهان أفراد المجتمع، وهذا يحتاج إلى الوقت والوسيلة والرجال، وهو ما يؤمن به أبو اليقظان الذي يسلِّم بنظرية الإفراغ والإملاء، التي يوضحها في مكان آخر حين يقول: «العلم كالعسل، لا يوضع إلاَّ في إناء نظيفٍ، وإلاَّ سرى الوسخ إلى العسل فأفسده» (41).
فهو يؤمن بتنقية النفوس أوَّلاً من الزيغ والضلال والعادات الفاسدة، وإعداد الفرد لتلقي العلوم الصحيحة، وهذا لا يتم إلاَّ عن طريق غسل الأمَّة من الأدران التي علقت بها من جرَّاء ما مرَّت به من انحطاط.
فأبو اليقظان لم ينظر إلى الإصلاح على أنه مشكلة اجتماعية أو سياسية فقط، وإنما نظر إلى الإصلاح من خلال إصلاح الفرد وبنائه بناء إسلاميا متكاملاً، بغرس العقيدة غرسًا صحيحًا صالحًا لكل زمان ومكان، لأنَّ منهج الإفراغ عنده مبني على بناء الفرد من الداخل، ولذلك ركَّز على العقيدة قبل غيرها بمحو الشوائب الأخلاقية ومحاربة البدع والخرافات، وهذا يشبه ما ذهب إليه الطيب العقبي حين قال: «وخواص كلِّ أمَّة هم المسؤولون عن دهمائها، والمكلَّفون بإرشادها وهدايتها إلى ما فيه خيرها وسعادتها» (42).
كما أنَّ الالتجاء إلى مثل هذه الحواريات منهج وعاه أبو اليقظان واختاره عن دراية لأنَّ الأمَّة إذا أصيبت في عقيدتها تسمح بانتزاع روحها منها ولا تسمح بانتزاع عقيدتها من بين جنبيها (43). ومن هنا كانت بعض فئات الأمة تحارب المصلحين اعتقادًا منها أنَّهم على باطل، وهذا ما جعل أبا اليقظان يتتبع مسارب الجهل إلى جسم الأمَّة محاولاً مكافحته بأساليب عقلية علمية، لأنَّه يؤمن بأنَّ هذا هو الذي يقلِّص الجهل وينشر أنوار العرفان (44). (1/222)
صفحة 223
ولعل كل ذلك هو الذي جعله يناقش في جريدة النور كثيرًًا من هذه القضايا مناقشة حوارية بعد أن اكتسب تجارب في الإصلاح والاجتهاد وما جابهه به الأعداء؛ فكان هذا الحوار نوعًا من الأسلحة الأدبية التي جابه بها الواقع لأنَّ «الأشكال الأدبية تظهر لحاجة ملحة في نفس الكاتب من أسباب ظهور هذا اللون أو ذاك جديدة للتعبير بعد أن يملَّ الناس الطريقة المألوفة في عصر الأديب، فتصبح لا تثير في النفوس انفعالاً، وكذلك السياسة تلعب دورًا في وجود شكل معين غير معروف من قبل للضغط ومصادرة الرأي» (45).
وخلاصة القول فإنَّ هذه الحواريات كانت وسيلة للتعبير عن الواقع الاجتماعي وتبيانًا للصراع بين الصحيح والفاسد من القيم وإبراز الازدواجية التي طبعت الحياة في الواقع الجزائري.
وتمتاز هذه الحوارية بالإطالة والاستقصاء، والإصرار على جمع الأدلة وتتبُّع الحقائق ورصدها، وسرد المواقف وحصرها، والإكثار من الحجج والبراهين، وكأنَّما تهيَّأت له أدوات الخطيب والمؤرِّخ والفقيه.
ولعل الإطالة وكثرة الشرح والتفصيل تعود إلى هذا الركام المتنوع الذي ترسَّب في أعماقه، أو تعود لطبيعة الجدل الذي سيطر على كلِّ هذه الحواريات. ورغم هذه الإطالة يظلُّ متمكنا من أسلوبه الذي وزعه بين تصوير وتقرير بطبيعة هادئة، فكان منسقا بإيقاع صوتي متميِّز وكأنني به الجاحظ (46).
ومن خلال أسلوبه تبدو لنا مصادر ثقافته، ومناهل فكره التي تنوعت؛ فإذا هو أديب ناقد يجمع بين شواهد الأدب القديم، وشواهد الأدب الحديث، وإذا به فقيه من طراز متميِّز، متمكِّن من عرض الحدث، وتناول الموقف في ثوب اللفظ المنتقى، والمعنى الجيد، والنسيج الهادئ؛ فكانت عنايته باللفظ والمعنى على درجة من خصوصية الأداء بما يكفي للكشف عن تمكُّنه من لغته على أهمِّ مستوياتها، وذلك على منوال القدماء، وبخاصة كتَّاب العصر العباسي.
2 ـــ محاورة الشدَّة والرخاء (47):
في هذه الحوارية يحاول أبو اليقظان أن يبرز أنَّ المحن هي محك الشعوب، ومحرِّكُها للنهوض؛ إذ لولاها لركن الناس إلى الدَّعة والكسل، ولذلك نسمع هذا الحوار:
«الشدَّة: أنا نذير من النذر الإلهية، وشواظٌ من غضبه ونقمته نحو البشرية المتمرِّدة، بعثني الله إليها في أحوال خاصَّة وظروف استثنائية لتذكيرها في ما هي عليه من العتو والغي والطغيان، عسى أن ترعوي وتنزجر فتثوب إلى رشدها وتعود إلى صوابها.
الرخاء: إليك عني يا هذه، فأنت دليل الغضب، وأنا دليل الرحمة، أنت جحيم العذاب، وأنا نعيم الثواب، شتان ما بين هذا وذاك؛ أنا أبو الضعيف والفقير واليتيم والمسكين، ورفيق العامل الحازم، والتاجر النشيط، والفلاح المجاهد، وسمير الملوك والأمراء والأغنياء، وأنت معول الهدم، ونذير (1/223)
صفحة 224
الخراب، فبك أصبحت الدنيا مقفرة، والقصور متدهورة، والقرى خالية، والبلاد خاوية على عروشها، لم يسلم منك لا الملوك ولا الأمراء، ولا الأغنياء، ولا العمال، والتجار والفلاحون، بله الفقراء والمساكين، وكفاني فضلاً عليك ما شهد الله تعالى على نفسه: "رحمتي سبقت غضبي" (48).
الشدَّة: لقد تطاولت عليَّ يا هذا، وأطنبت في منَّتك ومزاياك، وأسهبت في مثالبي ومساوئي، ونسيت أنِّي لم أكن لأخرب عمرانًا أو لأهدم حضارة إلاَّ وأنت الذي وضعت في أساسها "ديناميت" التخريب، فبفضلك يتيه البشر، وبسببك يطغون، وفي حضيرتك يعبثون ويتمرَّدون، فأنا أصلح منهم ما أفسدت، وأقوِّم ما أعوجت، ومنزلتي منهم منزلة الطبيب، ونسبتك منهم نسبة باعث العلَّة ومنعشها ...
الرخاء: مهلا أيَّتها الطامَّة، فلقد أسرفت في الكلام، وتطاولت في هذا المقام، إنَّ عهدي هو عهد ازدهار الحضارة، ونضوج المدنيات، وازدهار العمران، فالمؤسسات في حضانتي تُشاد، والجمعيات في رعايتي تُنشأ، والمدارس في حضيرتي تؤسس ... » (49).
وهكذا يستمر هذا الحوار في أخدٍ ورد إلى النهاية، حيث يتدخَّل الرخاء قائلاً: «أعترف بفضلك عليَّ أيتها الأزمة، فأنت المؤسسة، وأنا المكمِّل، وأنت الغارسة وأنا المستثمر، ولكن أرجو من الله أن يقصِّر من عمرك ويُطيل بقائي» (50).
ففي هذا الحوار يكشف لنا أبو اليقظان عن شخصيته الموسوعية، كما يكشف لنا عن ثقافته الجدلية، وعن فكره ومفهومه للإصلاح، ونظرته إلى الشدَّة والرخاء.
وعلى العموم فهذا الحوار بين الشدة والرخاء، يكشف لنا الفكر الإصلاحي عند أبي اليقظان؛ الذي يؤمن بأنَّّ التقدم الحضاري وليد الحاجة وأنَّ الرخاء إذا طالت حدَّته أدَّى إلى الانحطاط، إذا أمعن مترفو الأمَّة في ترفهم.
كما يوضح لنا هذا الحوار أنَّ الشدائد محكُّ الرجال، وأنَّ الشدة والرخاء متعاقبان وضرورة حتمية اجتماعية، لأنَّ الشدة تدفع إلى العمل، والرخاء يدفع إلى الحضارة، إذا لم ينحرف المجتمع بسبب الرخاء، ومن هنا فكلَّما انحرف الناس كانت الشدة لإعادتهم إلى النهج القويم.
فالشدة والرخاء رذيلتان، والأجدر أن نجد الفضيلة بينهما، وهذه الفكرة خلاصة حوارياته، إذ أنَّ الشدة والرخاء، والعلم والمال، والحاضر والمستقبل، والمدرسة والحانوت، والشباب والشيوخ ... ما هي إلاَّ ثنائيات الحياة، بجميع مشاربها، ولذا يرى أنَّ الوسط بين هذه الثنائيات هو الحلُّ للقضاء على هذا الصراع الثنائي، لأنَّ الشطط إلى جهة أو إلى أحد الطرفين يؤدي بالضرورة إلى الانحراف الاجتماعي، ومن ذلك فإنَّ الشدَّة رغم ما فيها من إيقاظٍ للشعوب، وتحريك للهمم، إلاَّ أنها إذا طالت أدَّت إلى الاستعباد، ومن هنا لا بد من التوازن بين هذه الثنائيات، وهذا ما سنراه في (1/224)
صفحة 225
حوارية العلم والمال بكلِّ وضوح.
3 ـــ محاورة العلم والمال (51):
يبرز لنا الكاتب في هذه الحوارية الجانب السلبي للعلم والمال في حالة الشطط، وذلك من خلال حوار طويل في حلقتين متتاليتين، بعدها يتدخل الكاتب مباشرة، ويحسم الخلاف بينهما بطريقة التوفيق؛ يقول: «إنَّ لكلٍّ منكما محاسن ومثالب، إلاَّ أنَّ محاسن العلم أكثر، ومثالب المال أعظم وأخطر، وأرى في كلٍّ منكما شدَّة احتياجه إلى الآخر، وبقدر تآلفكما تظهر محاسنكما وتتوفر، وبقدر تنافركما تبدو مساوئكما وتتعدَّد، فلا مناص لكما إذن من عقد الخناصر بينكما على الصدق والإخلاص والولاء، وتوزيع الأعمال الكبيرة بينكما، فالعلم يتولَّى وضع الخطط، وحسن الرعاية والتدبير، والمال يتولَّى تنفيذ الأعمال وإنجازها، فيعيش كلٌّ منكما وفي قوَّته قوة الآخر، ويطير بالجناحين: المادي والأدبي إلى شواهق العزِّ والكمال» (52).
هذه هي مهمة العلم والمال في بناء المجتمع، فبالعلم نخطط وبالمال ننفِّذ لأنَّهما جناحا النهضة الأدبية والمادية، ورغم أنَّ المال له سلبيات كثيرة إلاَّ أنَّها تصير حسنات حين يسيِّره العلم، فحياتهما لا تتم إلاَّ بالتعاون والتعاضد والتكاتف، كما يذهب إلى ذلك أبو اليقظان.
وإذا تأملنا هذه المناظرة نجد فيها حشدًا من الأدلَّة وكأنَّها مناظرة فقهية ممَّا يجعل الحوار يفقد معناه الأدبي، ممَّا يحوِّلها إلى صورة من صور التكلُّف والصنعة، فتكون أقرب ما تكون إلى أسلوب المقامة؛ لأنَّ أبا اليقظان أبرز فيها ثقافته المالية والعلمية والدينية، وألمَّ بمعظم الأدلة التي تُساق في هذا المجال، كما يبدو، وكأنَّها وسيلة من وسائل إقناع أصحاب الأموال بالمشاركة والمساهمة في المشاريع الاجتماعية الإصلاحية بجانب العلماء العاملين في حقل الدعوة؛ ولذا يقول على لسان المال مخاطبًا العلم: «أفتُنكر أنَّك أصبحت الآن أداة تدمير وتخريب للعالم بما يتوصل بواسطتك علماء الكيمياء من الاكتشافات والاختراعات المهولة من الغازات السامَّة والمواد المفرقعة والقنابل المدمِّرة الفتاكة ببني الإنسان؟» (53).
إنَّ هذه المناظرة تطرح أزمة العالم المعاصر التي تتحكم فيها تقنيات الذرَّة والأسلحة الفتاكة بأنواعها المختلفة وبخاصة الجرثومية؛ فهي إشكالية الفكر الحديث، ومدار النقاش العالمي؛ إذ يرى البعض أنَّ العلم هو معجزة العصر ـــ إن لم يكن معبوده ـــ إذ يمكن للإنسان أن يشقَّ طريقه نحو الحضارة الحقَّة، وأنَّ الخوف والفزع من (غول) العلم سيزولان متى عمل الإنسان بقواعد العلم وأخلاقياته؛ وهذا ما نراه في إجابة العلم للمال بقوله: «مسكين أنت أيها المال، تسوق بجهلك من النصوص والأدلَّة ما لا يفيدك، ولا ينهض بحجَّتك، وربما عاد عليك بالمضرَّة. إنَّ ما أوردته من النصوص في النعي عليَّ ـــ على زعمك ـــ إنَّما هو في النعي على ترك العمل بي، وهل يذم ترك العمل بي إلاَّ لما لي من الفضل والمكانة العليا؟» (54). (1/225)
صفحة 226
ومهما يكن فإنَّ هذه تساؤلات مطروحة في مجال النقاش العالمي، ولذلك نرى المال يقول للعلم: «أفتُنكر أنَّك اليوم الشباك الوحيد في أيدي أصحابك لإغواء العقول الراكدة، واقتناص الأمم والشعوب الغافلة، فانزعج بسببك الآمنون في أوطانهم، بل وفزعت بذلك حتى الطيور في وكناتها، وسباع الفلا في مغاورها» (55)، ولكن العلم يجيب المال ويفنِّدُ ادِّعاءه بأنَّه صار ضارًّا للإنسانية، فيقول له: «إنَّ ما ادَّعيته من أني أصبحت الآن أداة تدمير وتخريب، فذلك ليس عائدًا عليَّ في شيء وإنَّما عائد على جهلهم بكيفية استعمالي والاستفادة بي، فالعار على الجهل وترك العمل المفيد بي، لا عاري في كلِّ حال» (56).
فهذه المناظرة تشتدُّ أحيانًا بين المتحاورين إلى حدِّ الصراع المسرحي الذي ينمي الفكرة ويطور الحوار ـــ كما رأينا سابقًا ـــ وقد يكون الحار فيها فاترًا أحيانًا، وبخاصة حين يلتجئ الكاتب إلى السرد. وعلى العموم فإنَّ هذه المحاورات هي نظرة الكاتب إلى الحقائق والقضايا الاجتماعية والسياسية والعلمية، لأنَّ أبا اليقظان أديب فكرة وصاحب قضية، ولذلك نراه دقيق الملاحظة، عميق النقاش، صادق التصور، واضح المعالم، ولذا كان ذلك الحوار السابق انعكاسًا لحالته النفسية، ولونًا من ألوان الاعتراف بإشكالية الفكر المعاصر، والصراع بين الثنائيات الخطيرة في واقعنا المعيش، لأنَّ أبا اليقظان كان مصلحًا يحمل في ذهنه مشروع أمَّة أتى عليها الانحطاط، محاولاً إحياءها وإقناعها بالعلم والمال معا، وما إلى ذلك، وهو ما سنراه في الحوارية الآتية أيضًا.
4 ـــ محاورة الظهور والخمول (57):
في هذه المحاورة يشتدُّ الصراع بين فكرتي الإصلاح والجمود، إذ يكون الحوار وسيلة من وسائل وصف الظهور أو الخمول، فنرى مثلاً الظهور يميل إلى التسرُّع والعجرفة، أمَّا الخمول فيميل إلى الدَّعة والغفلة، ممَّا يبرز لنا بأنَّ المقصود به هم الطرقيون الذين يذعنون لكلِّ شيءٍ، بينما أولئك المصلحون فهم الروافض الذين لا يعترفون إلاَّ بما هو ثوري تحرُّري، ممَّا يحمل المناظرة إلى واقع آخر، وإلى تصوُّرين آخرين للحياة والوجود وتديُّنين؛ جمودي ومثالي، بل تصور عقلي إلى حدِّ الشطط، ولذلك نرى الخمول يقول للظهور: «أنا أنسُ العلماء، وسمير الأدباء، وبهجة العباد وخلوة الزهَّاد ... أنا لباس الفقراء، وكهف المساكين، وملجأ العجزة، وجمال الفتيات، وزينة النساء» (58).
فهذه الظاهرة التي يحاول أبو اليقظان تضخيمها لاستئصالها وجدت بسبب تضافر عوامل كثيرة أهمها: عصر الانحطاط، والتديُّن التقليدي، والجمود المنحرف في بعض مظاهره بسبب فعل رجال بعض الطرق، وكذلك الدجَّالين.
ممَّا دفع أبا اليقظان إلى محاولة إيجاد حلٍّ عن طريق الحوار لأنَّه مستساغ لدى الناس بعد أن عمَّهم اليأس، وغزاهم الخمول، ولفَّهم التواكل، ممَّا جعل الجميع جثَّة هامدة لا قيمة لها، ولا مبادئ ولا ردَّ فعل اجتماعي أو سياسي. ولذلك نرى الظهور يردُّ على الخمول بقوله بعد أن سمع قول (1/226)
صفحة 227
الخمول السابق: «أعوذ بالله السميع العليم منك يا طالع النحس،
ويا رائد الشقاء والبؤس، ويا علَّة كلِّ هوان،
ويا سبب كلِّ خسران وحرمان» (59). لأنَّ أبا اليقظان يؤمن إيمانًا صادقًا بأنَّ الجدَّ والعمل هما أساس النجاح في كلِّ المشاريع الاجتماعية، ولذلك يسخر من هذا التفكير الأجوف الأخرق، الذي لا يمت بصلة إلى الفكر "الرجولي" فيقول على لسان الظهور رادًا على مزاعم الخمول: «فأين أنت أيها المخنَّث وقت طلوع شمس الإسلام، وظهور الدين الحنيف في أرجاء المعمورة؟ ومن ذا الذي حمل سيوف الجهاد، ورفع أعلام الانتصار، ونشر ألوية الدين ما بين الصين والأندلس؟».
إنَّها أسئلة تكشف لنا عن فكر أبي اليقظان، وعن وجهة أدبه عمومًا، إذ أنَّه يدعو إلى الفعالية في جميع ميادين الحياة، ويرفض تلك الأساليب الانطوائية التي كانت سببًا هامًّا في انحطاط الأمَّة الإسلامية، وتخريبها من الداخل بكل وسائل التثبيط، ممَّا جعل أفرادها ينعزلون ويعيشون مستوحشين، في عزلة تامَّة، كالمسجونين أحيانًا، حتى أصبح العالم في هذه الأمَّة قانعًا بالقابلية للاستعمار، «وهو لا خيرًا جلب له ولا لأمَّته، ولا ضرًّا دفع ... حتى صار مضرب المثل، وأصبح الناس يتندَّرون بالمسلمين قائلين: "أوَلَم أقُل لك دع عنك المسلم، وألم أحذرك من كلِّ ذي برنوس؟!! "» (60).
هكذا يرى أبو اليقظان ظاهرة الانحطاط والانكماش حين يشعر المرء بالمنبوذية فيتعدى الإحباط إلى الزي، وهذه كارثة عظمى لم ينتبه إليها كثير من العلماء المسلمين المصلحين، ولذلك يركز أبو اليقظان على الفعالية في العمل الحركي، لأنَّه يراها هي التي مكَّنت الأجداد من الانتشار من الجزيرة العربية إلى الصين وإلى الأندلس، وهذا لا يكون عن طريق الخنوع والخمول، وادِّعاء الزهد، والتديُّن الممقوت عن طريق التظاهر، ولذا صبَّ أبو اليقظان فكرته هذه في هذه الحوارية، لأنَّه يؤمن بالجدل والمناقشة، كما أنَّ هذه الأفكار تشف لنا عن حنكة وتجربة الكاتب في الحياة لأنَّ الناس لا يؤمنون إلاَّ بما يقنعهم، ولا يتَّبعون إلاَّ ما يشدُّهم إليه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ أبا اليقظان يحاول أن يناقش هذه الأفكار السقيمة ـــ الخمول ـــ مناقشة علمية رصينة منطقية باعتماده على مبادئ وأدلة مسلَّم بها.
لأنَّه يرى هذه الأفكار التي عششت في المجتمع وجعلت منه جثة مريضة تتقبل كلَّ الأوضار والأوبئة، ومنها قوله: «الظهور يقصم الظهور» و «كن حلسًا من أحلاس بيتك» و «عليك بخويصة نفسك» و «كُل الحشَف والبس القشَف وارقد على الخُرشف» (61).
كلُّ هذه الأفكار لا تدعو إلاَّ إلى الخمول وسلب طاقات الناس، وتحويلهم إلى مجموعات من العبيد، إنَّها أفكار تدعو إلى الغفلة والانتكاس، كما تدلُّ على جهل القائلين بها من بعض الزهَّاد. (1/227)
صفحة 228
فالنصُّ إذًا يصوِّر الصراع بين الفكر الإسلامي التحرُّري والفكر الطرقي الانطوائي، ولذا يخاطب الظهور الخمول قائلاً: «لمَّا أصيب البشر بك وتطبَّعوا بطباعك من الخنوثة والأنوثة، وأصبحت أنت المتحكم في مقدورات الأمم والشعوب، جاء عصر التدلِّي والتدهور والسقوط والاضمحلال، حيث جريت في مفاصل حياة الأمم الدينية والدنيوية جريان الموت من عروق جسم المريض، وهم لا يزالون يعانون آلامًا وأسقامًا من جرَّائك» (62).
كما أننا نلاحظ أنَّ هذا الحوار، هو حوار القيم، من حيث الزمان والمكان أو ما يسمى بصراع الأجيال، وهذا ما يدل على أنَّ أبا اليقظان كان واعيًا بصراع الأفكار، مدركا لخطورتها، ممَّا جعله يبسطها بهذه الطريقة الحوارية، بكل جلاء ودون مواربة، وهذا في حدِّ ذاته نوعٌ من تسمية الأشياء بأسمائها، وليس تحويمًا حول هذه الأفكار، لأنَّ أبا اليقظان يؤمن بالقطع في الشيء مباشرة، وليس بالتحويم حوله، فهو القائل: «الدواء الناجع لا يكون ولن يكون بالدهن على الوبر، وإمراره على ظهر الجرح، فإنَّ هذا لا يزيد المرض إلاَّ خطورة واستفحالاً، فهلاكا وموتًا، وإنَّما يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع المطهِّرات وإزالة ما فسد منه، ثم وضع الدواء عليه، وتضميده، وهكذا المرض الاجتماعي إنَّما تكون مداواته بالجهر والصراحة، ولكن بالحكمة والسداد» (63).
وهذا الصراع هو ما سنراه بكل وضوح أيضًا في محاورة بين الماضي والحاضر.
5 ـــ محاورة بين الماضي والحاضر:
وتدور هذه المحاورة حول اعتبار الماضي هو سبب الفضائل ومصدر الحضارة والأعمال الشريفة، بينما لا يمثل الحاضر بالنسبة إليه سوى المساوئ، والمخازي، والانحراف. وبينما يرى الحاضر عكس نظرة الماضي، إذ يرى أنَّه صاحب رسالة ثورية تحرُّرية، إذ يمثل سوى قبسة من قبسات العلم، والنور، فهو روح جديدة ممَّا فتح المجال على يديه للاكتشاف والاختراع والتقدم بأنواعه المختلفة، وأنَّه القاعدة لكل هذا، ولذا يقول الحاضر:
«صه يا أيها الناقص، وأطرق كرىً، فأنا ما جئتُ إلاَّ لأتمِّم نقصك، وأستُرَ عيوبك، جئت لأفكَّ أسرى جمودك، وأطلقهم من سجن العبودية والتقليد إلى فضاء الحرِّية، والتقيُّد بما أفيضه عليهم من أنوار العلوم والعرفان، وأمدُّ إليهم من هدايا المخترعات والاكتشافات المدهشة، ما سخَّروا به البرَّ وطأطأوا إليهم رأس الهواء ... » (64).
بينما يردُّ الماضي على هذه الأفكار ردًّا مقذعًا، متعلِّلاً بأنَّ هذه العلوم والمعارف ما هي ثمار العلوم العتيقة، وأنَّها لولا الماضي لما كانت لتوجد في العصر الحاضر، يقول: «مهلا يا هذا، ودع عنك الطيش والغرور، واعرف من هو مصدر نعمتك، ومنبع ما تدَّعيه من أنوار العلم وأشعَّة العرفان، تمنُّ عليَّ بما يحقُّ أن أمُنَّ به عليك، وتعيِّرني بأشياء هي ألصق بك مني، أولا تعلم أنَّه بعلومي الغزيرة الدافقة وبحكمتي العالية تسنَّى لك أن تكون تلميذا نبيها، ومفكِّرًا بارعًا، فلولاي لكنت الآن من (1/228)
صفحة 229
الجهلة الأغبياء، ثمَّ بعد هذا تنكَّرت لي» (65).
من خلال هذه المحاورة نطَّلع على فكر أبي اليقظان الذي يؤمن أنَّ الماضي قاعدة للحاضر، وأنَّ الحياة تقتضي الأصالة والمعاصرة، أي أنَّ الإنسان لا يتقدَّم ولا يتحضَّر إلاَّ إذا تمسَّك بفضائل ماضيه، وأخذ محاسن حاضره، ولهذا نجد الماضي حين يردُّ على الحاضر يرى أنَّ المقلد الحقيقي هو الحاضر الذي ذهب كلَّ مذهب في التقليد، متناسيًا أصالته، غير مدركٍ لذلك إلاَّ عندما يأتي المستقبل، وحينئذ يجد نفسه ماضيًا، ولا تنفعه حاضريَّته.
كما أنَّ الماضي يرى ما يسميه الحاضر بالجمود هو جمود تمسُّك بالأصالة، وتمكين للفضيلة، وإرساء لروح العقل، فهو جمود على الصدق والإخلاص، والأمانة والوفاء، والمروءة والحياء، جمود على عدم الانفساخ والتهوُّر، إنَّه جمود حكمة ورويَّة في تغليب الحقيقة على الخيال، والعقل على الطيش، وهذا خير من تذبذب الحاضر واندفاعه، وخلاعة سلوكه، ولذا يخاطب الماضي الحاضر بقوله: «إليك عنِّي أيها الحاضر، اختف عن مكاني هذا، وابتعد عن محضري، ولا تجاورني فتمسخ كلَّ ما بي من الفضائل، وجلائل الأعمال، بمساوئك وقبائح أفعالك» (66).
ويضيف قائلاً: «تعيِّرني بالجمود والعكوف على القديم، وتناسيت أنَّك أشدُّ جمودًا وأقبحه، وسيأتيك تلميذك المستقبل بعد حين، فهنالك تعرف معنى الجمود، نعم أنا جمدت لكن جمدت على الدين، جمدت على مكارم الأخلاق، جمدت على الصدق والإخلاص ... جمدت على عدم الاندفاع وراء الأهواء، والاستهتار بالموبقات، والانهماك في المكايد، أمَّا أنت فإنَّك جامدٌ وجامدٌ جدًّا، جمدت عمَّا جاءت به الأنبياء والرسل من قِبَل الله من الإيمان الصحيح والشرائع الحكيمة، وانقبضت نفسُك عمَّا تأمر به العقول الراجحة، والأذواق السليمة من الأوصاف الأدبية العالية» (67).
ولكن الحاضر لا يقبل ذلك فيردُّ عليه قائلاً: «لقد تطاولت أيُّها الشيخ الهرم، وأطلت في الكلام، تفتخر عليَّ بفضائلك وعلومك الغزيرة وهدوئك وسكونك، وتناسيت ما كنت عليه من الجهل المطبق، والظلام الحالك، والفوضى وسوء النظام والعكوف على الخرافات والأوهام، ولئن كان لك فضلُ السبق في مبادئ العلوم فإنَّه لا يستر عنك فضيحة الجمود، والكسل والتواكل ... ».
ويبقى التناقض؛ كل واحد منهما يحاول أن يبرهن أنَّه أحق من صاحبه إلى أن يتدخل العقل، الذي يقرر أن الماضي اشتطَّ في محاسنه، وأن الحاضر غالى في محاسنه أيضًا، ويجب على الاثنين أن يتَّحدا وأن يتخلَّيا عن غطرستهما وأنانيتهما لصالحهما، فيقول: «إذ من الواجب لكما لجمع شملكما، وتوطيد العلائق الودية بينكما والمحافظة على تلك الصلة الكبرى التي تربط بينكما أن يعترف كلٌّ منكما بفضل الآخر، ويتخلَّى عن مساوئه، وهنالك تعيشان وراية المحبة والوئام ترفرف على الجميع» (68). (1/229)
صفحة 230
هكذا يحاول أبو اليقظان أن يربط الحاضر بالماضي؛ الأصالة بالمعاصرة، لأنَّ الماضي عنده قاعدة الانطلاق، والحاضر نافذة نطلُّ من خلالها على العالم، ولذا فالحاضر يتمِّم الماضي، فهو يأخذ بأخلاقية الماضي وتقنية الحاضر، لأنَّ أبا اليقظان رجلٌ يؤمن بتلاقح الأفكار وتكامل الأجيال، فالماضي عنده لا يمثل إلاَّ القيم والفضائل، والحاضر وليد المخترعات والعلوم المختلفة، ولذا فهما يحتاجان لبعضهما، وكأنَّ الماضي هو الروح، والحاضر هو البدن؛ وهذان لا يتَّحدان إلاَّ إذا طهَّرا نفسيهما ممَّا علق بهما من شوائب الماضي ومثالب الحاضر.
وبهذا يبدو لنا أبو اليقظان رجلاً محافظًا على التراث، مصرًّا على إحيائه والتمسك بما فيه من قيم نبيلة، ومسايرة الحاضر، والأخذ بالعلوم العصرية، وذلك بتحديث المعرفة ووسائلها، ومن هنا فهو رجلٌ محافظ متفتح في الوقت نفسه، فهو رجل عقل ودين يبحث عن الوسطية في كلِّ شيء.
فهذه الحواريات أو "المناظرات" هي توفيق بين شيئين أو قيمتين متكاملتين، لأنَّ المجتمع جعل إحداهما تتغلب على الأخرى، لذا يحاول أبو اليقظان أن يعيد الأشياء والقيم إلى نصابها بعد استعراض رأي المجتمع فيها، ولعلَّ هذا يتجلَّى بكل وضوح في حوارية الحانوت والمدرسة (69)، وكذلك حوارية المسجد والقهوة (70)، والقوة والحق (71). ونركز في هذا التحليل على حوار المدرسة والحانوت.
6 ـــ محاورة المدرسة والحانوت:
هذه الحوارية اجتماعية، لها قيمتها الاجتماعية والأدبية والتاريخية، يقول الحانوت: «أنا معدن المال، ومنبع الكمال، وكعبة الآمال، وقبلة النساء والرجال، في حضانتي تشبُّ الأطفال والصبيان، وبين جدراني يطوف الفتيان والشبان، وإليَّ يركع الكهول، ويحجُّ الشيوخ في سائر الأحيان، بفضلي بُنيت القصور وشُيِّدت الدور، ورحمت القبور، وملكت القلوب، وحصل ما في الصدور .. » (72).
نرى أنَّ هذا الرأي هو رأي التجار الذين يؤمنون بأن الحانوت هو أساس بناء المجد الاجتماعي، لأنَّ التجارة توفر المال، وبالمال نستطيع أن نشتري ما نريد، ونستطيع أن نتقدم وأن نتحضَّر، وهذا الرأي فيه شطط، لأنَّ التجارة أو الحانوت لابدَّ لها من علمٍ ومعرفة، وإلاَّ كانت تجارة يخبط أصحابها في تيه وعماء، أذًا لا يمكن أن توجد تجارة ناجحة بدون مدرسة، ولذا ترى أبا اليقظان ينقل لنا الرأي الآخر، وهو رأي المدرسة قائلاً: «أنا مهبط العلم والحكمة، أنا كعبة الأدب والفضيلة، أنا فجر الهداية، ومنبع النور، أنا مهد الصبيان، وروضة الأطفال، وأستاذ الشبان، وتاج الكهول، ومفخرة الشيوخ، أنا مستشفى العقول، وطبيب حاذق لكلِّ مريض ومعلول، من حجري امتدَّت أشعة الاختراعات والاكتشافات، وبفضلي حلَّق الإنسان في الهواء، وغاص تحت الماء، وطوى الأرض في الظلماء» (73).
فهذه رؤية المصلحين والعلماء والمثقفين، الذين يؤمنون بأنَّ العلم هو مفتاح كلِّ الأمور، وبذلك (1/230)
صفحة 231
يجب أن يكون البذرة الصالحة الأولى في كلِّ المشاريع، ولكل الأعمال، لأنَّه قبسة روحية تحرِّك الهمم، وتفتح عيون البشر على الحكمة وحسن التخطيط.
وإذا أمعنَّا النظر في هذه الحواريات عمومًا وفي هذه خصوصًا نرى أن هذه الحواريات تحمل قيمة تربوية تثقيفية تطويرية للمتلقي، فهي تفتح النوافذ على الآفاق أمام الناشئة، وتزودهم بمادة علمية أدبية اجتماعية هامَّة، كما تُطلع الناس على تلك الآراء الجدلية، وعلى تلك الثقافة العربية الإسلامية، وتراكماتها عبر العصور الثقافية في الأدب العربي، ممَّا يكوِّن في النشء والأفراد عمومًا روح التحليل والتعليل والموازنة، واكتساب آلية المناقشة والحوار والجدل عمومًا، ومعرفة الواقع بكل تناقضاته وزيفه وسقمه وحقائقه، ومما فيه من شروح مضللة، ممَّا يحتِّم على المصلح إعادة تشكيل هذا الواقع، ولعل ذلك ما يقوم به أبو اليقظان من خلال هذه المناظرات.
وفي هذه الحوارية تقول المدرسة للحانوت: «أتفخرين بأنَّك معدن المال، والمال لا يحصل إلاَّ بي، ولا يُكسب إلاَّ بإشارتي، ولا يُدَّخر إلاَّ بإرشاداتي، أفتظنين أنك بدوني يَعمُرُونَك؟ وبِسِوَايَ يُديرونك؟ كلاَّ وألف كلاَّ!!!.
أولا ترين ما حاق بكِ من الخراب والدمار عندما تركني أبناؤكِ، وأهملوا شأني في السير بكِ؟ فلو اتَّبعوا آرائي ووقفوا عند حدودي ومعالمي، فهل يصلون بك إلى ما وصلوا إليه من التباب والهلاك؟» (74).
بينما ترى الحانوت أنَّ رواد المدرسة هم الغفلة والفقراء والبلهاء! الذين لا حظَّ لهم ولا فضل ولا قيمة، فحيثما كانوا كان الفقر والبؤس والشقاء، ولذا فهم يفرون منها إلى الحانوت، مهد الأموال والأحلام، وهذا ما نقرأه في السطور التالية على لسان الحانوت: «إنَّك مقرُّ الفقر ومثابة التعاسة، وعنوان البؤس والشقاء، ولو وجد الناس فيكِ بغيتهم وزهور مُناهم لما تركوكِ وأعرضوا عنكِ، وفيهم من قطع إليك مراحل من الطريق، وبذل آلافًا من الأموال التي هي من عرق جبيني، وعندما يئس منك وخابت آماله فيك، ووجدكِ ممَّا لا يسمن ولا يُغني من جوع، عاد إليَّ ورجع إلى حِجري تائبًا من غلطته، وهو في أقصى ما يكون من القصور والفتور، وآويته فهاهو أصبح من أرباب الآلاف وملاَّكي القصور، ولو لم يفعل ذلك لبقي من البائسين أو المخنَّثين» (75).
إنَّه الواقع المر، حين يهون العلم ويهوي علماء الأمة حتى يصبحوا لا يساوون شيئًا في نظر أصحاب الأموال، إنَّه الحس المأساوي الذي عشش في ذهن أبي اليقظان، وجعله يتألَّم من هذا الوضع المقلوب، إذ يصبح العالم مخنَّثًا لا لعلمه وإنَّما لقلَّة ذات يده، إنَّها لفتة من أبي اليقظان عظيمة أذ يحاول أن يستلَّ من أذهان العامَّة والخاصَّة هذه التصورات اللاإنسانية، تصورات الماديين التي تتنافى ومجتمعنا الإسلامي. (1/231)
صفحة 232
ومهما يكن فإنَّ هذا رأي اجتماعي له دوره، وقيمته عند الذين يرون أنَّ العلم لا يقدِّم إلى الإنسان ما يحتاجه من المال، ولا يفرِّج كربة، وبخاصة حين نرى أرباب التجارة والحِرَف أصحاب مكانة رفيعة في المجتمع، بل استطالوا في بناء القصور والدور، بينما نرى المعلمين في ذلٍّ ومهانة، إذ لا يستطيعون أن يحصلوا على قوت يومهم، فيعتقدون أنَّ العلم والمعرفة وسطٌ للفقر والبؤس، وأنَّ التجارة هي أساس الحياة والملك والغنى والتقدُّم، ولذا فهم يوجِّهون أبناءهم إلى التجارة بدل التعليم، أو الالتزام بالمدرسة في إطار تعليم الطفل شيئًا معيَّنًا من العلم ليلتحق بالحانوت بعد ذلك. وهذا الرأي يرفضه أبو اليقظان كمصلح رفضًا باتًّا، إذ يقول على لسان المدرسة: «وأيُّ عزَّة لك؟ وأيُّ مفخرة في ولد كان في مقدِّمة أقرانه لديَّ، وفي صفوف الناجحين بين أقسامي، يصبح لديكِ في مؤخِّرة الأميين من أبنائك، يتولَّى الكنس والطبخ والغسل وما إلى ذلك؟ وهل بعد هذه المهانة من هوان؟ وهل بعد هذه الخسارة من خسران؟ ... فالذنبُ في هذا ليس ذنبي، ولكن ذنبك إذ أغريتِهم بزخارفك الخلاَّبة، ومناظرك الجذَّابة، وإذا كان لك من شكٍّ في ذلك فانظري بين ذلك البائس وبين من أتمَّ دروسه تحت رعايتي».
يتَّضح لنا عن طريق هذا السرد للصراع الفكري الاجتماعي معاناة الأديب، ومدى امتداد تجربته في عمق الواقع بكلِّ تناقضاته وتحوُّلاته، ومدى انعكاس ذلك على تفكير السواد الأعظم من الأمة، وتلك مهمة الفنان الأديب الذي يوغل في الواقع، وينفذ إلى أعماقه ليصوره، خاصَّة إذا رآه مهزوزًا محشوًّا بقيم شاذَّة تقلقه، وهذا ما نراه حتى آخر هذه الحوارية، التي يفضِّل في آخرها أبو اليقظان المدرسة على الحانوت، رغم دعوته إلى تكاملهما؛ حيث تعترف الحانوت بنفسها بفضل المدرسة فتقول: «حقًّا أيتها المدرسة، لقد تراءى لي من بيانك الساحر وجه الحقِّ والصواب، ولاح لي نور الحقيقة وجوهر اللُّباب، فإليك يرجع في سير الأمم والأفراد في الصراط المستقيم، ولكن لا غنى لك عنِّي في تشييد خُططك وبرامجك، فهيَّا بنا نتَّحد ونتعاون، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» (76).
إنَّ هذه الحواريات عمومًا هي عبارة عن رموز لقضايا اجتماعية أرَّقت الكاتب، وهي أفكار تروج في المجتمعات العربية عمومًا، وتكرَّرت مناقشتها في الحياة اليومية للمواطن منذ أمد بعيد، ولمَّا حاول المصلحون إعادة القطار إلى جادَّته وقفت هذه الإشكاليات أمامهم حجر عثرة، ممَّا استلزم من أبي اليقظان أن يناقشها بأساليب مختلفة؛ ومن هذه الأساليب أسلوب المناظرة أو المحاورة، لأنَّ الحوار محبب إلى النفوس، مشوِّق لها، ومثيرٌ للعامَّة، ووسيلة أكثر نجاعة من المقال الجاد، أو المقال الساخر ـــ ربما ــ حسب فهم أبي اليقظان. وكلُّ ذلك ليُزيح الستار عن الرأي الاجتماعي العام، والرأي الاجتماعي الآخر، ولذلك ظهرت لنا رؤية الكاتب وبان اتجاهه الفكري الإصلاحي، كما كشفت هذه الحواريات عن ثقافة الكاتب وعن مدى استيعابه للتراث خاصَّة، وهذا ما لمسناه (1/232)
صفحة 233
في آراء الرموز المتحاورة في أدلتها الجاهزة أحيانًا، وسبل احتجاجها. كما نلاحظ دور العقل في هذه الحواريات، إذ أصبح هو المسير والحكم والسلطة الترجيحية، لأنَّ العقل لا يمثل في الحقيقة إلاَّ أصحاب النهى الراجحة، والعقول الكبيرة، والمنطق السليم، وبذلك استطاع أن يلتزم بمنهج معين في هذه المناظرات، كما استطاع أن ينقل إلينا الواقع بطريقة بسيطة لا تحتاج إلى جهد كبير من طرف المتلقي، وبمادة علمية دسمة ممَّا جعل هذه المناظرات وسيلة لإيصال معلومات معينة إلى الأمة، وإن كان حوارها لا يرقى إلى أسلوب الحوار المسرحي أو القصصي مثلاً، لأنَّه أميل إلى أسلوب المقامات من حيث حشد الألفاظ والمحسنات البديعية، ومن ذلك السجع والجمل المتساوية، يقول: «أنا أنسُ العلماء، وسمير الأدباء، وبهجة العبَّاد، وخلوة الزهَّاد، أنا مهد الراحة، وفراش العافية، ووسادة الهناء، وغطاء السكينة، مهيَّأة لمن يريد النعاس ... » (77).
ومثل هذا الأسلوب نجده في معظم مناظراته، إذ يلتجئ إليه أبو اليقظان من حين إلى آخر لكنه لا يلتزمه، ومن ذلك مناظرة الحانوت والمدرسة التي يقول فيها: «أنا معدن المال، ومنبع الكمال، وكعبة الآمال، وقبلة النساء والرجال، في حضانتي تشبُّ الأطفال والصبيان، وبين جدراني يطوف الفتيان والشبان، وإليَّ يركع الكهول، ويحجُّ الشيوخ في سائر الأحيان، بفضلي بُنيت القصور وشُيِّدت الدور، ورحمت القبور، وملكت القلوب، وحصل ما في الصدور .. » (78).
كما يلتجئ فيها أبو اليقظان إلى تكرار حرف معيَّن أو كلمة لإحداث الجرس الموسيقي الذي يبحث عنه، من مثل قوله: «أعوذ بالله السميع العليم منك يا طالع النحس، ويا رائد الشقاء والبؤس، ويا علَّة كلِّ هوان، ويا سبب كلِّ خسران وحرمان» (79). أو قوله في مناظرة القهوة والمسجد، إذ يقول على لسان القهوة: «أنا سلوة النفس، وراحة البدن، فإليَّ يهرعون، وبين جدراني يستريحون، وعلى كراسيَّ يتجاذبون أعنَّة الحديث في كلِّ ما يهمُّهم من الأمور، ويتبادلون كؤوس الأنس والبهجة والحبور» (80)، أذ نرى كيف يحاول إحداث جرس موسيقي هو أشبه ما يكون بالقافية.
وقد يلتجئ فيها إلى الترادف أو الكلمات المتقاربة المعنى، وخاصة الأفعال والمصادر المتقاربة الحدث لإيجاد نوع من الموسيقى والتلوين الداخلي للنص، ومن ذلك قوله: «فأين أنت أيها المخنَّث وقت طلوع شمس الإسلام، وظهور الدين الحنيف في أرجاء المعمورة؟ ومن ذا الذي حمل سيوف الجهاد، ورفع أعلام الانتصار، ونشر ألوية الدين ما بين الصين والأندلس؟» (81)، وحين نلاحظ أسلوب أبي اليقظان وهو يحشد الألفاظ المتقاربة المعنى نحسُّ بتوالد الأفكار وتضافرها، ممَّا يجعل الجمل تتوازن، والموسيقى تترى متصاعدة، وهذه خاصية عامة في أدبه، كما تعتمد على الخيال وحسن التعبير. (1/233)
صفحة 234
كما نلاحظ اهتمامه بالتقاط الأمثال والحكم من المجتمع؛ إذ إنه يحوِّل أسلوبه الجميل الرصين إلى أسلوب قريب من أساليب العامة، ومن ذلك قوله: «يا لطيف، "حوالينا ولا علينا" (82) لقد سردت عليَّ سلسلة من آثارك وأعمالك وحسناتك ومزاياك وبيَّنت مساويك وما قيل فيك إنَّ الظهور يقصم الظهور (83)، فهل تتجاهل ما ورد في ذكري والحث على اتخاذي شعارًا من سادتنا العلماء من قولهم: "كن كابن لبون لا ضرع يُحلَب ولا ظهر يُركب، كن حلسًا من أحلاس بيتك، عليك بخويصة نفسك، كل الحشف والبس القشف، وارقد على الخرشف .. » (84).
إنَّ هذا التراكم في الأمثال العربية والعامية يوحي بأنَّ أبا اليقظان لا يهدف من وراء ذلك إلاَّ لسرد فكرة هؤلاء المشعوذين بأسلوبهم، ممَّا حوَّل أسلوبه ــ أحيانًا ــ إلى أسلوب أشبه بأسلوب أولئك الأيمة الذين لا يعرفون إلاَّ الأساليب التقليدية التي تعتمد الحشو، وحشد الأدلَّة والبراهين. ولعل هذا يعود من جهة أخرى إلى أنَّ المناظرة تقتضي ذلك؛ لأنَّ من اهم خصائصها حشد الأدلة والبراهين لإقناع الطرف الثاني، وهذا ما نراه في الحواريات إذ تمتاز بذلك الحشد الهائل من المعلومات، وبخاصة حين تتحول إلى مناظرة بين المصلحين وأعداء الإصلاح، إذ يكثر فيها أدلة الطرفين من جميع الوجوه ويبرز حُججهم، ثمَّ يفنِّد كلَّ ذلك ويحاول إقناع الأمة بصحَّة رأيه.
ونرى أحيانًا أنَّ أسلوبه يتحول أحيانًا إلى أسلوب واعظٍ مسجدي، إذ يُكثر من إيراد الأدلة من القرآن الكريم، والسنة الشريفة، فتتراكم وكأننا نقرأ خطبة جمعة كتبها بعض أيمة عصور الانحطاط، ومن ذلك قوله: «أيها الجاهل لا تتجرأ على الشريعة الغرَّاء، فإنَّ الله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (85)» (86).
ومهما يكن فإنَّ هذه المناظرات تمتاز بالمبالغة والاعتداد بالنفس والشطط في وصف محاسن المتحاور، كما «ينقلب أسلوبها إلى نمط من الأساليب الخطابية قوامه الدفاع والمجادلة والمحاججة وسَوق البراهين، ومحاولة التأثير، والوصول إلى الكسب والانتصار، وفي سبيل ذلك قد تُقلب الحقائق، ويُزوَّق الباطل، ويُبهرج الزيف، وتروق التهويلات، ويسرح الخيال الشعري بسرحاته الممتعة، ويعود بكل تصوير مبتكر، وتعبير جميل» (87). وهو ما رأيناه في بعض السرحات الخيالية في الجوَّاق والجريدة، والمدرسة والحانوت.
وعلى العموم فإنَّ هذه الحواريات الثنائية تدلُّنا على ثقافة أبي اليقظان وعلى ثقافة عصره، كما تكشف لنا عن الأسلوب النقدي الذي اتَّبعه أبو اليقظان ودافع عنه ومكَّن له.
ونستنتج أنَّ أبااليقظان قد التزم بالواقعية الأسلوبية أحيانًا، إذ كان لا ينطق المتحاور إلاَّ بلغته، وثقافة حرفته، وكلُّ ذلك بحوار هادئ في معظم الحالات، وبلغة جاهزة في معظمها، فهي مرة الجدل في العصر العباسي ـــ بخاصة ـــ ولهذا السبب اتَّسم أسلوبه بالجدل والاحتجاج، (1/234)
صفحة 235
والتحليل والتعليل والإقناع.
أمَّا من حيث البناء الفني:
فإنَّ هذه المناظرات يختلف بعضها عن الآخر، ففي كلِّ مناظرة يتبع المؤلف بناء معيَّنا، بحيث تلاحظ في حوار المدرسة والحانوت ـــ مثلاً ـــ أنَّ أبا اليقظان يعطي نتيجة الحوار مسبقًا، ثم يورد الحوار من البداية، فبناء هذه الحوارية يشبه بناء بعض أنواع الروايات والمسرحيات الحديثة. وهناك مناظرات أخرى تبتدئ بالحوار الذي يفضِّله، وتنتهي بعد تدرُّجها في الحوار باعتراف أحد المتحاورين بفضل محاوره، كما في الشدَّة والرخاء، إذ يعترف الرخاء بفضل الشدًّة. أمَّا في بعض المناظرات الأخرى مثل مناظرة الخمول والظهور، فإنَّ الكاتب لا يتدخَّل مباشرة، ولكنه يتدخَّل عن طريق شخصية العقل الذي يُصدر حكمه لصالح أحد المتحاورين، وقد يتدخَّل الكاتب صراحة كما في حوارية العلم والمال، ويدلي برأيه الذي يراه صائبًا.
وأمَّا الشخصيات فلم تُستخدم في الحواريات أكثر من ثلاث شخصيات، حيث تتحاور شخصيتان، وفي الأخير تتدخَّل الشخصية الثالثة، أو قد لا تتدخل إذ تعترف إحدى الشخصيتين بأهمية الأخرى.
وعلى العموم فإنَّ أفكار هذه الحواريات أو المناظرات واضحة متسلسلة، مأخوذة من الواقع المعيش، ومستلَّة من التاريخ الجدلي عند المذاهب الفقهية والكلامية، وعند المعتزلة خصوصًا. أمَّا من حيث الأسلوب فإنَّ هذه الحواريات تمتاز بوضوح الأسلوب وبقصر العبارات عمومًا، والمسجوعة من حين إلى آخر، وفيها التجاء إلى المحسنات البديعية. وهي من حيث المعنى والمبنى تكشف لنا عن ثقافة العصر، وعن أمراض الأمَّة، وعن أهم المسائل التي يدور حولها الحوار والنقاش، أي ـــ قضايا العصر ـــ، كما تُبرز لنا ثقافة الكاتب الأديب، ومدى التزامه بقضايا وطنه، وما يهدف إليه في سبيل إصلاح هذا المجتمع، كما تمتاز بالتهويل والشطط في كثير من المواقف الجدلية، ومراعاة الترتيب المنطقي للأفكار ومقام المجادل والمُناظر، وتشخيص الموضوع الذي يتحاور حوله هذان المتناظران.
ـــ انتهى ـــ
--------------------
الهوامش
1) - سعيد علوش: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، مطبوعات المكتبة الجامعية، الدار البيضاء، المغرب. 1984، ص: 35.
2) - انظر: المرجع السابق نفسه، ص: 46.
3) - شوقي عبد الحكيم: موسوعة الفلكلور والأساطير العربية، ص: 274. (1/235)
صفحة 236
4) - المرجع السابق نفسه، ص: 274 ـــ 280.
5) - د/ أحمد الشايب: الأسلوب، دراسة بلاغية تحليلية، مكتبة النهضة المصرية، ط7، 1979، ص: 100. وانظر كذلك: د/ عبد العزيز عتيق: الأدب العربي في الأندلس، دار النهضة العربية، بيروت، ط2، 1976، ص: 496.
6) - انظر حياته عند عمر بن قينة: الديسي حياته وآثاره وأدبه، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1977.
7) - د/ عبد الله الركيبي: تطور النثر الجزائري الحديث، ص: 108.
8) - انظر عمر بن قينة: الديسي حياته وآثاره وأدبه، ص: 40.
9) - جبور عبد النور: المعجم الأدبي، ص: 266، 267.
10) - المرجع السابق، الصفحة نفسها.
11) - د/ محمد عبد الغني الشيخ: النثر الفني في العصر العباسي الأول، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص: 64.
12) - د/ ناصر الحاني: المصطلح في الأدب الغربي. منشورات المكتبة العصرية، بيروت، ط 1968، ص: 16.
13) - انظر: الجاحظ: الرسائل، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1991، ص: 42 ـــ 27.
14) - انظر: أبو الوليد بن رشد: تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الجدل، تحقيق محمد سليم، الهيئة المصرية للكتاب، مصر، 1980، ص: 05، 06.
15) - انظر: د/ عبد الكريم الأشتر، النثر المهجري، ص: 85، 86. نقلا عن ميخائيل نعيمة «مرداد» الفصل الرابع عشر.
16) - انظر: محمود رزق سليم، عصر سلاطين المماليك، المجلد الخامس والسادس، في النثر الفني، مكتبة الآداب ومطبعتها، الجماميز، مصر، 1955. ص: 261 ـــ 264 ... الخ.
17) - انظر: المرجع السابق، ص: 261.
18) - المرجع السابق، ص: 261.
19) - دامخي عبد القادر: النثر الفني في الأندلس في القرن الخامس الهجري، رسالة ماجستير، جامعة دمشق، 1987، ص: 128.
20) - انظر: د/ ناصر الحاني، المصطلح في الأدب الغربي، ص: 16.
21) - أبو اليقظان: النور، عدد 02، 22/ 09/1931.
22) - المصدر السابق، عدد 03، 29/ 09/1931.
23) - المصدر السابق، عدد 54، 25/ 10/1932. (1/236)
صفحة 237
24) - المصدر السابق، عدد 53، 18/ 10/1932.
25) - المصدر السابق، عدد 55، 01/ 11/1932.
26) - المصدر السابق، عدد 57، 06/ 11/1932.
27) - أبو اليقظان، البستان، عدد 01، 27/ 04/1933.
28) - أبو اليقظان، المغرب، عدد 03، 10/ 06/1930.
29) - أبو اليقظان: البستان، عدد 01، 27/ 04/1933.
*) - السحر الحلال، مناظرة مشهورة لجلال الدين السيوطي، وأسماها رشق الزلال من السحر الحلال. انظر محمود رزق سليم، عصر سلاطين المماليك. ج5، ص: 283.
31) - المرجع السابق.
32) - محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك، مج 6، ص: 06.
33) - أبو اليقظان: البستان، عدد 01، 27/ 04/1933.
34) - انظر: د/ مصطفى الشكعة: الأدب في موكب الحضارة الإسلامية، كتاب النثر، الدار المصرية اللبنانية، ط3، 1993، ص: 29.
35) - أبو اليقظان: البستان، عدد 01، 27/ 04/1933.
36) - المرجع السابق.
37) - المرجع السابق.
38) - المرجع السابق.
39) - المرجع السابق.
40) - المصدر السابق.
41) - أبو اليقظان: جريدة البصائر "الأولى"، سنة1، عدد1 الجمعة 27/ 09/1935. الجزائر. ص: 05.
42) - الطيب العقبي: هل نحن في حاجة إلى الإصلاح اليوم؟ السنًّة، عدد 03/ 24/1933.
43) - أبو اليقظان: جريدة البصائر الأولى، سنة 01، عدد 01، الجمعة 27/ 09/1935، الجزائر، ص: 05.
44) - المرجع السابق، الصفحة نفسها.
45) - د/ عبد الله الركيبي: النثر الجزائري الحديث. ص: 108.
46) - انظر: د/ عبد الله التاطوي: مستويات الحوار في العصر العباسي. ص: 81 وما بعدها.
47) - أبو اليقظان: "النور"، عدد: 53، 18/ 10/1932.
48) - حديث متفق عليه.
49) - أبو اليقظان: "النور"، عدد: 53، 18/ 10/1932. (1/237)
صفحة 238
50) - أبو اليقظان: "النور"، عدد: 53، 18/ 10/1932.
51) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 06، 20/ 10/1931.
52) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
53) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
54) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
55) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
56) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
57) - أبو اليقظان: "النور". عدد 58، 22/ 11/1932. وقد رجَّحت أنَّ المقالة لأبي اليقظان لأنَّها غير موقعة في الجزء الثاني الصادر في عدد 06، 06/ 12/1932. كما أنَّ أفكارها هي أفكار أبي اليقظان.
58) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
59) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
60) - أبو اليقظان: وادي ميزاب، الثقة بالنفس، عدد 17، 21/ 01/1927.
61) - أبو اليقظان: بين الظهور والخمول، "النور"، عدد 58، 22/ 11/1932.
62) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 60، 06/ 12/1932.
63) - أبو اليقظان: "وادي ميزاب"، عدد 102، 18/ 09/1928.
64) - أبو اليقظان: بين الماضي والحاضر، "النور"، عدد 02، 22/ 09/1931.
65) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
66) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
67) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
68) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
69) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 55، 01/ 11/1932.
70) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 54، 25/ 10/1932.
71) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 57، 15/ 11/1932.
72) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 55، 01/ 11/1932.
73) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
74) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
75) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
76) - أبو اليقظان: المرجع السابق.
77) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 58، 22/ 11/1932. (1/238)
صفحة 239
78) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 55، 01/ 11/1932.
79) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 58، 22/ 11/1932.
80) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 54، 25/ 10/1932.
81) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 58، 22/ 11/1932.
82) - مثل يُضرب في حالة التشاؤم من مسألة ما، إذ يقصدون منه استبعاد ذلك.
83) - مثل شعبي يُضرب لكل مختال جبَّار، ولكنه استعمل من طرف رجال الطرق ليحطُّوا من قيمة كلِّ من يريد أن يرفع رأسه، أو يعتمد على نفسه، أو أن يُبرز مكانته، ليقتلوا الهمم.
84) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 58، 22/ 11/1932.
85) - التغابن، الآية: 16.
86) - أبو اليقظان: "النور"، عدد 60، 06/ 12/1932.
87) - محمود رزق سليم: عصر سلاطين المماليك، المجلد الخامس، ص: 264.
فإننا لو تأملنا الكثير من فنون العلم سنجد أن اليراع العماني ساهم بشكل فعال في تلك الفنون، وبشكل متقن ومتمكن ينمُّ عن قوة علمية وملكة عقلية؛ في نجد لهم المؤلفات في التفسير والحديث وعلوم القرآن والفقه وأصوله والتوحيد وعلوم اللغة والتاريخ والطب والفلك وعلوم البحار وغيرها (1/239)
صفحة 240
حركة التأليف عند العمانيين في القرون الثلاثة الهجرية الأولى
مهنَّا بن راشد بن حَمَد السعدي (*)
إنَّ الحديث عن التاريخ العماني حديث ذو شجون، فقد حوى الكثير من العبر والعظات، وبه الكثير من الأفراح والأتراح، والتراث العماني تراثٌ واسعٌ ومتنوع، يحتاج من الباحثين جهدًا جبارًا ومُضنيًا لجمع شتاته وتسوية أوراقه.
ولقد ترك لنا أئمة عُمان وعلماؤها الكثير من المؤلفات والبحوث التي تحتاج إلى الأيدي الفتية من أبناء الأمة الإسلامية لإماطة اللثام عنها، ولنفض غبار الزمن ونسيان الأجيال لها.
وممَّا يتميز به التراث العماني التنوُّع والاتساع في التأليف، فقد اهتم العمانيون بالكثير من فنون العلم، فطرقوا أبوابها وولجوا ميادينها، وتسنَّموا ذراها، فأبدعوا في التأليف وأضافوا الجديد على ما تركه من سبقهم من العلماء من فنون العلم، فألفوا في هذه العلوم المختصرات والمطولات التي زاد بعضها عن التسعين مجلدًا، وبل وقاموا بنظم بعض العلوم وأقرب مثال لذلك «جوهر النظام» للإمام عبد الله بن حميّد السالمي (ت: 1332هـ/1914م)، و «سلاسل الذهب» للشيخ محمد بن شامس البطَّاشي الذي نظم «شرح كتاب النيل» للإمام محمد اطفيش في 124 ألف بيت، وانتهى من ذلك في سنة 1390هـ (1).
وأيضا فإننا سوف نجد أنَّ لليراع العماني لمسته الخاصة به، فهو غير مقلِّد أو مقتات على ما تناثر من موائد الآخرين العلمية، بل إنه يراع ناقدٌ فاحص معلِّق، يأخذ المفيد ويترك السقيم بعد أن يُعلِّق عليه ويتعقَّبه.
دعونا من الكلام العام، ولنأت إلى الأمثلة الحيَّة لنستشهد بها على ما ذكرنا قبل قليل، وسأكتفي بذكر أمثلة على مؤلفات عمانية ظهرت في القرون الهجرية الثلاثة الأولى:
لقد اهتم العمانيون بالتأليف منذ القرون الهجرية الأولى بل من القرن الهجري الأول، فالإمام المؤسس للمذهب الإباضي الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي (18 ـــ 93هـ) ترك لنا موسوعة علمية نفيسة تعرف بـ «ديوان الإمام جابر» في سبعة أحمال، وقد عدَّه بعض الباحثين أوَّل من جمع الحديث في ديوان، وعُدَّ من أوائل المؤلفين في الإسلام، إلاَّ أن هذا الديوان ضاع بسبب الفتن والحروب (2).
ولكن بقيت بين أيدينا نصوصٌ من تآليفه وهي: «كتاب الصلاة» لا يزال مخطوطا بجزيرة جربة بتونس، ولعله جزءٌ من ديوانه المفقود، وقد ذكر عنه د/ عمرو خليفة النامي معلومات هامة في أطروحته، وحقَّقه تحقيقا أوَّليا، ومنه نسخة مخطوطة بالمكتبة البارونية. ومن مؤلفاته التي حفظتها لنا يد القدر أيضا «كتاب النكاح» وهو كذلك لا يزال مخطوطا بجربة، ولعله أيضا جزءٌ من ديوانه، وقد فهرسه د/ النامي في أطروحته؛ ومن آثاره كذلك مراسلات ومكاتبات وأجوبة لتلاميذه وأصحابه، منها سبع عشرة رسالة موجهة إلى الإباضية في عدة مواطن. ومن آثاره كذلك «فقه الإمام جابر بن زيد» جمع وتحقيق الأستاذ يحيى بكوش، وقد طُبع مرتين، وأخيرا «من جوابات الإمام جابر بن زيد» ترتيب الشيخ سعيد بن خلف الخروصي وقد طبع بعمان (3).
وقد ذكر الأستاذ بكوش أن الشيء المؤكد أن للإمام جابر رحمه الله رسائل متفرقة موجودة اليوم في خزائن الكتب، فمنها ما هو في دار الكتب المصرية، ومنها ما هو في وزارة التراث والثقافة بعمان، ومنها ما هو في بريطانيا، وفي المكتبة البارونية بجربة، ولعلها جزء أو بعض جزء من ديوان الإمام جابر (4).
والإمام المحدث الربيع بن حبيب الأزدي (ولد بين سنتي 75ـــ80هـ، وتوفي بين 175ـــ180هـ) (5) الذي تسلم إمامة المذهب الإباضي بعد وفاة شيخه الإمام أبي عبيدة (1/240)
صفحة 241
مسلم بن أبي كريمة (ت: 145هـ)، كذلك ترك لنا آثارًا مهمة وقيِّمة فممَّا تركه لنا:
1 ـــ مسند الإمام الربيع: وهو عمدة الإباضية في الحديث، ويحوي حوالي (743) حديثا، ويعتبر سنده من أصح الأسانيد وأعلاها، حيث أنه يروي فيه عن شيخه
أبي عبيدة عن الإمام جابر بن زيد عن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد يخرج عن هذا السند في القليل النادر.
2 ـــ كتاب العقيدة: ويضم حوالي (140) أثرا، وهو يشكل الجزء الثالث من ترتيب أبي يعقوب الوارجلاني (ت: 570هـ) المطبوع تحت اسم " الجامع الصحيح ".
3 ـــ روايات الإمام محبوب بن الرحيل (150 ـــ 200هـ) عن الإمام الربيع، وهي تشكل بعض الجزء الرابع من " الجامع الصحيح ".
4 ـــ آثار الربيع: كتاب ألفه تلميذه أبو صفرة عبد الملك بن صفرة (150 ـــ 200هـ) جمع فيه روايات الإمام الربيع عن ضمام بن السائب (100ـــ 150هـ) عن الإمام جابر.
5 ـــ آراؤه وأجوبته الفقهية: وهي مبثوثة في كتب تلامذته ومن بعدهم كأبي غانم الخرساني (220هـ) صاحب المدونة (6).
والإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل (عدَّه الدرجيني من الطبقة الرابعة: 150ـــ 200هـ) (7) ذكرت المصادر كالجواهر للبرادي (حي في: 810 هـ) أن له كتابا ولم تشر إلى اسم الكتاب أو محتواه (8)، وقد أشار إليه د/ النامي ولم يذكر له عنوانا، ولكنه اكتفى بذكر "كتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل" وأشار إلى أنه يحتوي على آراء الإباضية في الخوارج (9)، وذكر د/ الراشدي أن له كتابا في السير يروي عنه الدرجيني (ت: 670هـ) والشماخي (ت:928هـ) سير الإباضية الأوائل، ولكن للأسف الكتاب مفقود (10)؛ والظاهر أن الكتاب الذي أشار إليه الراشدي هو نفسه الذي أشار إليه النامي، حيث إننا نجد د/ النامي يقول مشيرًا إلى اعتماد كل من الدرجيني والشماخي على كتاب أبي سفيان للحصول على معلومات عن الإباضية الأوائل فقال: " ... فيما احتفظ الدرجيني في "طبقاته" بمعلومات مفيدة عن علماء الإباضية الأوائل من كتاب أبي سفيان محبوب" اهـ، ثم علق في الهامش: "ذكرت المعلومات نفسها تقريبا عن أبي سفيان في سير الشماخي، غير أنه لسنا نعلم هل يستخدم الدرجيني فقط أم أنه استطاع الحصول على عمل أبي سفيان الأصلي" إهـ (11).
وبالفعل فإننا نجد الدرجيني في كتابه الطبقات يذكر نصوصا نقلها عن أبي سفيان، فيكاد ألا تخلوا صفحة من ذكره (*)، والذي يظهر أنه ينقل تلك المعلومات من سيرة ابن محبوب التي كتبها في التابعين ومن بعدهم من أئمة الإباضية، وقد أشار الدرجيني إلى هذه السيرة ووصفها وصفا دقيقا (1/241)
صفحة 242
ينم عن اطلاعه عليها حيث يقول: " ومنهم محبوب بن الرحيل العبدي رحمه الله، أحد الأخيار الأبرار، وممن سبق إلى تخليد سير السلف الأخيار، وألف مما يحصل عنده عنهم من الآثار، وجمع ذلك في سلك واحد بين غرائب الفقه، وعجائب الأخبار، وذكر مناقب المجتهدين من مجاهدين في سبيل الله وأنصاره، نبه على مثالب من بدا منه إقصار، والمشعرين التدابر، والمولين الأدبار، واعتذر عمن قام عذره واستحق قبول الاعتذار " (12).
ونجد محقق الطبقات إبراهيم طلاي أشار إلى أن الدرجيني يقصد هنا سيرة أبي سفيان وأنه نقل عنها، فيقول: "يعني بهذا سيرته التي كتبها في التابعين ومن بعدهم من أئمة الإباضية رحمهم الله، وقد اعتمدها صاحب الطبقات، ونقل عنه كثيرا وهو المعني بأبي سفيان " (13).
ولن نذهب بعيدا عن الإمام محبوب بن الرحيل، فإن ابنه الإمام أبا عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل (توفي سنة: 260هـ) (14) ترك ثروة علمية ضخمة، فمن مؤلفاته "كتاب الجامع" في الفقه يقع في سبعين جزءا، و"سيرته إلى أهل المغرب" (مخطوط) وهي مختصرة (15)، وله كذلك كتاب في السنة ومصطلح الحديث تحت عنوان "أبواب مختصرة من السنَّة " (مخطوط)، وقد أشار إليه د/ مصطفى باجو في بحثه "تطور علم الأصول في المصادر العمانية " (16).
ولا زلنا مع أسرة آل الرحيل، فممَّن نبغ من هذه الأسرة العلمية الشيخ العلامة بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل (توفي تقريبا: 273هـ) (17) فترك لنا كتبا ومؤلفات عديدة منها "كتاب البستان" في الأصول، "وكتاب الرضف" في التوحيد، "وكتاب أحكام القرآن والسنَّة"، وكتاب "الإمامة"، وكتاب "الخزانة" يقع في سبعين جزءا، وله كتب أخرى عديدة (18).
والشيخ العلامة موسى بن أبي جابر الإزكوي (توفي: 181هـ) (19)، وقد أشار الشيخ البطَّاشي إلى أنه يفهم من مؤلفات أصحابنا أن للشيخ موسى بن أبي جابر مؤلفات في الفقه لكن لم تصل إلينا (20).
ومن العلماء الذين ذكرت المصادر لهم مؤلفات الشيخ موسى بن علي الإزكوي (177 ـــ 231هـ) (21)، فمن مؤلفاته كتاب "الجامع" المسمى جامع موسى بن علي، والظاهر أنه مفقود كما ذكر الشيخ البطاشي (22).
والشيخ الفضل بن الحواري الإزكوي (توفي: 278هـ) (23)، من مؤلفاته كتاب "الجامع" المسمى بجامع الفضل بن الحواري، وقد طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان في ثلاثة أجزاء (24).
والشيخ أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي من علماء القرن الثالث الهجري (25)، من مؤلفاته كتاب "الأحداث والصفات"، وكتاب "البيان والبرهان" وله سير أخرى، وله قصيدة في الولاية والبراءة (26).
ومع اهتمام أئمة وعلماء عمان الأوائل بالتفسير والحديث والفقه والعقيدة، فقد كان كذلك لهم (1/242)
صفحة 243
الباع الأطول في علوم اللغة، ومن أشهر علمائهم بل من أشهر علماء المسلمين في اللغة إمام اللغة والأدب
الخليل بن أحمد الفراهيدي عاش في القرن الثاني الهجري (100هـ ـــ بين: 160 و175هـ) (27)، وقد ترك لنا العديد من المؤلفات في اللغة منها: معجم "العين"، وكتاب "النحو"، وكتاب "العروض"، وكتاب "الشواهد"، وكتاب "النقط والشكل"، وكتاب "النغم"، وكتاب "العوامل" وغيرها (28).
والمبرِّد أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي عاش في القرن الثالث الهجري (29) كذلك من علماء اللغة العُمانيين الأفذاذ في تلك الفترة وقد ألف الكثير من الكتب فذُكِر أنه ألف أكثر من أربعين كتابا، منها: كتاب "الكامل"، وكتاب "الروضة"، وكتاب "المقتضب"، وكتاب "الرد على سيبويه"، وكتاب "معاني القرآن"، وكتاب "إعراب القرآن" وغيرها من كتب اللغة (30).
ومنهم إمام اللغة أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي العماني (توفي: 321هـ) (31)، ترك لنا ثروة ضخمة من المؤلفات أوصلها بعضهم إلى خمسة وعشرين كتابا منها: "الاشتقاق" و"الملاحن" و"الخيل الكبير" و"الخيل الصغير" و"الأمالي" و"المقصور والممدود" و"الأنواء"، وأشهرها على الإطلاق كتاب "الجمهرة في اللغة" وغيرها من المؤلفات (32).
وأكتفي بهذا القدر خوفا من الإطالة والملل، وإلا فإن الحديث عن حركة التأليف عند العمانيين حديث ذو شجون لا تستوعبه هذه العجالة، ويحتاج إلى دراسات وبحوث موسعة، وفيما ذكرت الكفاية للتمثيل على ما لم أذكر من مؤلفات أئمة وعلماء عُمان، وقد استمرت حركة التأليف عند العمانيين إلى يومنا هذا بلا انقطاع.
وأخيرا أقول إنه مما يؤسف له ويندى له الجبين أن هذه المؤلفات الضخمة والمتنوعة لم تنل حظَّها وحقَّها من العناية سواء من ناحية المحافظة عليها من عوادي الزمن، أو من ناحية التحقيق والشرح، أم من ناحية الطباعة والنشر، وذلك يعود لأسباب كثيرة ليس هذا محل طرحها، فعسى الله تعالى أن يقيض لها من ينتشلها من تحت الركام ويلبسها الثوب القشيب الجديرة به ...
المصادر:
1 - أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج1، تح: إبراهيم طلاي.
2 - أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاه، طبعة حجرية.
3 - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، كتاب سير الأئمة وأخبارهم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2: 1402هـ / 1982م. (1/243)
صفحة 244
4 - إسماعيل بن موسى الجيطالي، قواعد الإسلام، ج1، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط2: 1413هـ / 1992م.
5 - بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، ج2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2: 1421هـ/2000م.
6 - د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ، الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا، بحث " تطور علم الأصول في المصادر العمانية "، د/ مصطفى باجو، منشورات جامعة آل البيت، الأردن، 1423هـ/ 2002م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمَّان.
7 - سعيد بن مبروك القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط1: 1416هـ/ 1995م.
8 - سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، ج1، مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، سلطنة عمان، مسقط، ط2: 1419هـ / 1998م.
9 - صالح البوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط1: 1420هـ / 2000م.
10 - عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط2: 1983م.
11 - علي أكبر ضيائي، معجم مصادر الإباضية، مؤسسة الهدى، طهران، إيران، ط2: 1424هـ.
12 - عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1: 2001م.
13 - فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، مسقط، سلطنة عمان، 1408هـ / 1987م.
14 - فرحات الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، مسقط، سلطنة عمان، ط1: 1412هـ / 1991م.
15 - مبارك بن عبد الله الراشدي، الإمام أبو عبيدة مسلم وفقهه، مطابع الوفاء، المنصورة، مصر، ط1: 1413هـ / 1993م.
16 - المبرد، الكامل في اللغة والأدب، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، ط1: 1420هـ / 1999م.
17 - يحيى محمد بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، ط1: 1407هـ / 1986م. (1/244)
صفحة 245
--------------------
الهوامش
(*) ـــ مهنا بن راشد بن حمد السعدي، خريج معهد العلوم الشرعية، سلطنة عُمان.
(1) ـــ علي أكبر ضيائي، معجم مصادر الإباضية، مؤسسة الهدى، طهران، إيران، ط2: 1424هـ، ص322.
(2) ـــ أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، كتاب سير الأئمة وأخبارهم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2: 1402هـ/ 1982م، ص143ـــ 145 ـــ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ج1، ت: إبراهيم طلاي، ص81ـــ 82 ـــ يحيى محمد بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، ط1: 1407هـ/ 1986م، ص75 ـــ بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 2/ 109 رقم الترجمة: 230، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2: 1421هـ/ 2000م.
(3) ـــ بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، ص75ـــ بحاز وآخرون، معجم أعلام الإباضية، 2/ 109 رقم الترجمة: 230.
(4) ـــ بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد، ص75.
(5) ـــ سعيد بن مبروك القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان، ط1: 1416هـ/ 1995م، ص16، 19ـ صالح ألبوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عمان، ط1: 1420هـ/ 2000م، ص49، 59.
(6) ـــ القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، ص49ـــ 50 ـ ألبوسعيدي، رواية الحديث عند الإباضية، ص56.
(7) ـــ الدرجيني، الطبقات، 2/ 278.
(8) ـــ أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، الجواهر المنتقاه (مخ)، ص 218 ـــ عبد الله بن حميد السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ط2: 1983م، ص19.
(9) ـــ عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1: 2001م، ص50.
(10) ـــ مبارك بن عبد الله الراشدي، الإمام أبو عبيدة مسلم وفقهه، مطابع الوفاء، المنصورة، مصر، ط1: 1413هـ/ 1993م، ص243.
(11) ـــ النامي، دراسات عن الإباضية، ص51. (1/245)
صفحة 246
(*) ـــ انظر مثلا 2/ 206، 225، 275 وغيرها من الطبقات.
(12) ـــ الدرجيني، الطبقات، 2/ 278ـــ 279.
(13) ـــ الدرجيني، الطبقات، 2/ 278 الهامش.
(14) ـــ سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، ج1، مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، سلطنة عمان، مسقط، ط2: 1419هـ/ 1998م، ص251.
(15) ـــ البرادي، الجواهر المنتقاه (طبعة حجرية)، ص218 - إسماعيل بن موسى الجيطالي، قواعد الإسلام، ج1، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، ط2: 1413هـ/ 1992م، ص54 الهامش، 55ـــ 56 الهامش ـــ النامي، دراسات عن الإباضية، ص50 - فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، مسقط، سلطنة عمان، 1408هـ/ 1987م، ص107 الهامشـ فرحات الجعبيري، علاقة عمان بشمال إفريقيا، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، مسقط، سلطنة عمان، ط1: 1412هـ/ 1991م، ص30ـــ الراشدي، الإمام أبو عبيدة، ص27 الهامش، ص50 الهامش.
(16) ـــ د/ إبراهيم بحاز و د/ حسن الملخ، الملتقى العلمي حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا، بحث "تطور علم الأصول في المصادر العمانية "، د/ مصطفى باجو، ص122 الهامش، منشورات جامعة آل البيت، الأردن، 1423هـ/ 2002م، جمعية عمال المطابع، الأردن، عمَّان.
(17) ـــ البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 255.
(18) ـــ السالمي، اللمعة المرضية، ص19ـــ البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 254.
(19) ـــ البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 223.
(20) ـــ المصدر السابق، 1/ 223.
(21) ـــ المصدر السابق، 1/ 238، 240.
(22) ـــ المصدر السابق، 1/ 248.
(23) ـــ المصدر السابق، 1/ 258، 261.
(24) ـــ المصدر السابق، 1/ 259.
(25) ـــ المصدر السابق، 1/ 263.
(26) ـــ السالمي، اللمعة المرضية، ص27ـــ البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 266.
(27) ـــ البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 106.
(28) ـــ المصدر السابق، 1/ 90.
(29) ـــ المبرد، الكامل في اللغة والأدب، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، ط1: 1420هـ/ 1999م، ص5 ـــ البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 112.
(30) ـــ البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 111ـــ 112.
(31) ـــ المصدر السابق، 1/ 113، 180.
(32) ـــ المصدر السابق، 1/ 141.
السويق، سلطنة عُمان
15 من رجب 1425هـ
31 من أغسطس 2004م (1/246)
صفحة 247
الجراد ... جند الله الأعظم!!!
الأستاذ: الشيخ بالحاج عيسى بن محمد
(1) الحمد لله {الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (2). نحمدك اللهم يا من سجدَت له الأكوان خضوعًا لعظيم سلطانه، وحفدت له الخلائق خشوعًا لجليل نعمائه، وخضعت له النفوس جزوعة لشديد عقابه، وخشعت له القلوب طَلُوعة لجزيل ثوابه. {مَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (3)، وأشهد أن لا إله إلا الله {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} (4)، {لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ َإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِنْ وَّالٍ} (5).
يا رب ظهر الفسادُ فنجِّنا، يا رب قَهَر العدا فانصُرنا، يا رب طمَّ البلاءُ فأغثنا، يا رب عمَّ الغلاءُ فأغننا، يا رب قلَّ الحياءُ فاستُرنا، يا رب طفح الرياءُ فأخلص أعمالنا ابتغاء مرضاتك.
قَصدتُ باب الرجَاءِ والناسُ قد رَقدُوا.:.:.وَبِتُّ أشكُو إلى مَولاَيَ مَا أجِدُ
وقلتُ يَا أملِي في كلِّ نائبةٍ.:.:.يَا مَن عليه في كَشفِ الضُّرِّ أعتمِدُ
أشكُو إِليكَ أمورًا أنتَ تَعلمُهَا.:.:.مَا لِي على حملِها صبرٌ ولا جَلَدُ
لقد مَدَدتُ يَدي بالذُّل مُفتَقِرًا.:.:.يا خَيرَ مَن مُدَّت إليه يَدُ
فلا تردَّنها يا رب خائبة.:.:.فبحرُ جودِك يَروِي كلَّ من يَرِدُ (1/247)
صفحة 248
وأشهدُ أنَّ سيدنا وعظيمنا وحبيبنا محمداً رسول الله، مبعوثُ العناية الإلهية رحمةً للعالمين، ورسولُ الهداية الربانية سراجًا للسالكين، صاحبُ الخُلُق الأسنى، ونسيبُ المقام الأسمى، وربيبُ الشفاعة العظمى، القائل وما ينطق عن الهوى: «والذي نفسُ محمد بيده ما من خدشِ عودٍ، ولا اختلاجِ عِرقٍ ولا عثرةِ قدم إلا بذنبٍ، ويعفو الله عن كثير».
بِك يا بن عبدِ اللهِ قامَت سَمحَةً.:.:.بِالحقِّ مِن مِنَن الهُدى غَرَّاءُ
لَو أنَّ إنسانًا تخيَّر مِلَّةً.:.:.مَا اختَارَ إلاَّ دِينَكَ الفُقَرَاءُ
المصلِحُونَ أصابِعٌ جُمِعَت يَدًا.:.:.هِي أنتَ بَل أنتَ اليدُ البيضَاءُ
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبيئك وخيرة خلقك، وعلى آل بيته الأطهار، وصحابته الأخيار، وعلى من استنَّ بهديه وسار، واقتبس من نوره واستنار، إلى {يَومَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِِلاَّ مَن اَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيم} (6).
أيها الإخوة المؤمنون الساعون إلى ذكر الله، ويا أيها المتنسِّمون برد الطمأنينة في جوار الله، ويا أيها المتفيِّئون ظلال السكينة في بيوت الله، وقد ادلهمَّت الخطوب، واحلولكت الآفاق، واشتدَّت الأعاصير، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، واغبرَّت السماء بدخان مبين، فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، كيف لا وذي الدنيا تسلَّط عليها شياطين الإنس في كل مكان، يدرؤهم فيها مردة الجان في كل آن، تستفز الموحِّدين لتفسد راسخ إيمانهم، وتجلب على الصالحين لتُذهِب خالص أعمالهم، وتدفع بالمكابرين دفعًا لاستظهار باطلهم، وتدع الجاهلين دعًّا إلى استكثار شرورهم، فدها البشر من الانحراف بأكثر مما دها الترب من الانجراف، وتلوَّثت سماء الفضيلة بالآثام بأشد ممَّا تلوث به فضاء البسيطة من غاز سام، وتحوَّل العالم المتمدِّن الماجن عن مواطن الفضيلة ليرتع في معاطن الرذيلة، واستقل الورود من معين الخلال ليكرع هيمًا من مستنقع الضلال، فصال في ميدان السوء وجال، فجاء فيه من الصنوف بما لا يخطر على بال، ولكأني به يردِّد قول القائل:
وكُنتُ امرءًا مِن جُندِ إبليسَ فارتَقَى.:.:.بِيَ الحالُ حتَّى صارَ إبليسُ مِن جُندِي
فَلَو ماتَ قبلِي كنتُ أُحسِن بَعدَهُ.:.:.طَرائِقَ فِسقٍ لم يَكُن لِيُحسِنَهَا بَعدِي
وما ثَقَبَ الأوزونَ، ودمَّر أكسيجينَ الأمازون، ونشَّط إعصارَ "الإننوي" المجنون، وأثارَ الحرب الأتون، وأوجدَ من الأوبئة والأمراض التي لم تكن قبل قرون. إلاَّ ما كسبته أيدي الناس من المعاصي والمنكرات، والمظالم والموبقات. وما نعرف التعبير بما كسبت الأيدي في القرآن يطلق إلاَّ على ما تكسبه الأيدي من الذنوب والآثام التي يعلَّق عليها الجزاء الأوفى {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (7). (1/248)
صفحة 249
ولقد ظهر الفساد في البر والبحر بما لم يكن يحدث في غابر الزمان، بل ولا في قاصده. وإن البشرية لتمرُّ بأحلك أيامها، وإنَّ الأرض لتعيش أتعس ساعاتها، في حين تألُّهِ العلم وتقدُّمِه، حتى صار المرء يرى أقصى ملكه كما يرى أدناه، وطار الناس في الفضاء استكبارًا لعلهم يبلغون أسبابها، أو يطلعون إلى إلهها، وقد ضاقت الأرض بما رحبت على من فيها، ولأن يسير الناس على الأرض وهم أطهار خير لهم من يطيروا في السماء وهم فجَّار، ورغم تطور المدنية واخضرار دمنتها حتى ازيَّنت الأرض وأخذت زخرفها فظن أهلها أنهم قادرون عليها، وقد فتح الله عليهم أبواب كل شيء، فطغى فراعنة الزمان الحاضر بأكثر مما طغى به فراعنة الزمان الغابر، فكان الواحد منهم اليوم يقول احتقارًا: أليس لي ملك الأرض وهذه القطعان من البشر في قبضتي، بينما ادَّعى فرعون موسى افتخارا فقال أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي.
ولقد صار المرء اليوم إذا مرَّ على القبور يتمنَّى أن لو كان مكان أصحاب القبور، أو يصعد إلى السماء زافرا وهو يقول:
يَا ليتَ السماءَ على من تحتَهَا هَبَطت
وانشقَّت الأرضُ فانجابَت بِمَن فِيهَا
وما الآفات والعاهات، والمخافات والسنوات، والحشرات والفيروسات، التي تصيب الناطقَ من الحيوان والعجماوات إلاَّ نُذُر ونقم، يصرفها في كل يوم، ويفصلها في كل قوم من لا تأخذه سنة ولا نوم، ويجريها رتيبة في المعاد من هو قائم بالمرصاد، {فَكُلاًّ اَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنَ اَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنَ اَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَرْضَ وَمِنْهُم مَّنَ اَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (8).
وهذا الذي دفعني اليوم إلى أن أقف في هذا المقام ـــ ولعله في غفلة من الذين {يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً اَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} (9) ـــ متسائلا عن الآفة التي أصابت بلادنا ولا تزال، والجائحة التي دمَّرت خيراتِنا ولا تبُال، بعد سنين من القحط والجدب، أعقبها عام من المطر والخصب، فاستبشر الناس في غير شُكر، وتطلَّعوا في غير ذكر إلى عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون، وإذا بمالك جنود السماوات والأرض يُصدر أوامره العسكرية إلى فرقة من جنوده بالتحرك فورا إلى بلاد تسمى الجزائر غازيا، فاقتحم الحدود جوا وبرا، بكل عدده وقيادته، وبكامل عتاده وعدته، ممتثلا تعليمات ربّه الأعلى، لا تصد زحفَه مدفعية ميدان، ولا توقف تحركه كتائب فرسان، ولا تقيد غارته أسراب طيران، فأقام قواعده العسكرية في ربوع البلاد، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، استعدادًا ليشنَّها حربًا شعواء، فراح يديرها كما أراد، زمانا ومكانا، ويُغِيرُ كما يشاء زرافات ووحدانا، تدمر كل شيء بأمر ربها، لا يترك حبّا، ولا عنبا ولا قضبا، ولا فاكهة ولا أبّا، (1/249)
صفحة 250
كالريح العقيم ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم. وما خلفه هذا الجند من دمار في شهر مايو من هذا العام في الأجنة والنباتات، ليشبه ما خلفه الزلزال من دمار في شهر مايو من العام الماضي في الأبنية والبيوتات. فلله ما أتعس شهر أيار على البلاد وما أشقاه على العباد {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الاَنْبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} (10).
أيها المستمعون الأفاضل: لا شك أنَّ كل واحد منكم قد أدرك في نفسه، وتيقن في قلبه المقصودَ من هذا الجند، إنه الجراد. هذا الجند الذي يبسطه الله كيف يشاء {فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّنْ يَّشَآءُ} (11) عبرةً لأولي الأبصار. فما ذا تعني كلمة الجراد؟ وهل هو من جند الله حقا؟ وهل يسلطه الله على من شق عصا طاعته فبغى على عباده وطغى في أرضه؟
للإجابة عن هذه التساؤلات أيها الإخوة المؤمنون تعالوا أصحبكم معي في هذه الجولة القصيرة في رحاب كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فيما أثبته العلماء في أقوالهم ممَّا استنبطوه من عميق فكرهم، وسديد نظرهم.
فالجراد إنَّما سُمي جرادًا لأنه يجرُد ما على الأرض ولا يدع شيئا، وهو من جنود الله يسلطه الله على من يشاء من عباده. والأرض المجرودة هي التي أكل الجراد نبتها، واحتنك ما عليها من نبات فلم يبق منها شيئا.
وإذا جئنا إلى كتاب البارئ جل في علاه لننظر مواقع ورود كلمة الجراد في محكمه، وكم تكررت في بديع نظمه، نجد ها قد ذكرت مرتين اثنتين، وفي موقعين مختلفين لا ثالث لهما، وفي كل موقع منهما مشهد جلل يهدُّ الجنان، ويدكُّ البنيان، وتخشع الأصوات فيه للرحمن، فلا تسمع إلا همسًا:
أمَّا المشهد الأول فوَرَد في سياق صنوف الآيات التي أرسلها العزيز الجبار على فرعون موسى الذي {كَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الاَعْلَى} (12) فقال عز من قائل: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} (13) فأكل الجراد كل ما على ظهر الأرض من نجم وشجر، حتى الأبواب والدسر. وقد كتب على صدر الجراد جند الله الأعظم. ويا ما أشد وقع كلمة "أرسلنا" في كتاب الله على النفوس، فهي قرينة بعذاب الله وإنزال سخطه في كثير من آيات الذكر الحكيم، ففي قوم {عَادٍ اِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ التِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} (14) يقول الشديد المحال: {وَفِي عَادٍ اِذَ اَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ اَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} (15). ويقول في ثمود {الذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي} (16) {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} (17). وفي {الْقَرْيَةِ التِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} (18) يقول {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا اِلاَّ ءَالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} (19). وحين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر إذ تحزبت (1/250)
صفحة 251
الأحزاب على عهد رسول الله يوم الخندق يقول: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمُ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} (20).
فالجراد معاشر السادة المستمعين جندٌ من جنود الله التي قال فيها من له جند السماوات والأرض {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} (21). وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال: «أكثر جنود الله؛ لا آكله ولا أحرمه» (22)، وقال: الجرادُ خلقٌ عظيم يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم (23). وكان عليه الصلاة والسلام يدعو على الجراد فيقول: «اللهم أهلك الجراد؛ أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء». فقال رجل يا رسول الله كيف تدعو على جند من جنود الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنها نثرة حوت في البحر» (24). وقال ابن عباس رضي الله عنه وقد سئل «لماذا لا تأكل الجراد؟ فقال لأنه رجز وعذاب، وهو جند الله الأعظم الذي يُعذِّب به». وتغذى ابن عباس يومًا وقد كفَّ بصرُه عند مولاه عكرمة، فسقطت جرادةٌ على الخوان فناولها عكرمةٌ ابنَ عبَّاسٍ فقال ابنُ عباس:
«يا عكرمة، إنه مكتوب عليها بالسريانية، إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، الجراد جند من جندي أسلِّطه على من أشاء من عبادي» (25). وقال المنذري: «أكثر جنود الله الجراد؛ إذا غضب على قوم أرسل عليهم الجراد ليأكل زرعهم وأشجارهم ويظهر فيهم القحط إلى أن يأكل بعضهم بعضا فيفنى الكل» (26). وسئل شريح القاضي عن الجراد فقال: قبح الله الجراد، فيها خلقة سبعة جبابرة: رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد, وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجل جمل، وذََنَبها ذَنَب حيَّة، وبطنُها بطن عقرب (27).
أيها الإخوة المؤمنون: إنه لمن عجيب غفلة الإنسان، وعظيم غبائه أن يقصر نظره، ويجمع تفكيره في هذه الحشرة التي اكتسحت الأراضي، وأعيت الطبيب الذي يداوي في حجم جسمها، وطول ذيلها، وفي توالدها وتكاثرها، ومدة بقاء بيضها جاهزًا للإخصاب، وعن تحركها في نظام عجيب تحرك الجنود في المعارك والخطوب، وعن طرق مقاومتها وإبادتها، والأعجب من هذا أن يخرج كثير منا لنتسلى بمشاهدت طيرانها، ونمتع فضولنا الغبي بمنظر تحركها، وربما نزحف خلفها محاولين اصطيادها لنشبع بها نهمنا، أو نصبّ عليها جام غضبنا، ثم نحاول بعد ذلك تلفيق الأسباب عن سبب وجودها، ودافع مجيئها بعيدا عن التأمل القلبي، والنظر العقلي، والربط الإيماني لهذه الآية بالواقع المعيش المؤلم الذي نعيشه منتهكين محارم الله، والدرب المظلم الذي نسلكه بعيدين عن تعاليم الله، منحرفين عن سنة رسول الله, وكأن قلم القدرة قد خط لنا في أزله صكا ألا يصيبنا عذاب من عنده أو بأيدينا مهما اقترفنا، كلا {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنُ اُوْلَئِكُمُ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ} (1/251)
صفحة 252
(28). أم لأننا نحسب العذاب بعيدا وقوعُه عنا نحن المنتسبين إلى أمة محمد أن كنا خير الأمم، كلا فما هي من الظالمين ببعيد.
فما بالنا لا تأخذنا البأساء والضراء،، وقد سفكنا الدماء فكان بعضنا يضرب رقاب بعض جهارا، لا نرجو من الله وقارا، واستحللنا الأموال فصار بعضنا يسطو على أموال البعض نأكلها بالباطل استمراء، وكيف لا نأذن بحرب من الله ورسوله ونحن قد ولجنا أبواب الربا بمصراعيه نتعاطاه انتهاكا لا قهرا. واستبحنا الأعراض نغشاها فجورا وفخرا، بطنا وظهرا، علنا لا سرا، واستطبنا المسكرات تغتالنا حشيشا وخمرا، عشية وبكرا، فما ترى من القوم ـ إلا من رحم ربي ـ نهيا ولا أمرا، والله تعالى قد ربط الأسباب بالمسببات والنتائج على حسب مشيئته، فما يتعرض له الناس من آفات زراعية وغيرها فبسبب أعمالهم. {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ اِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (29). أَمِن بعد هذا نقول هكذا الطبيعة شاءت، وهكذا الجراد جاءت؟
فاللهم لا تؤاخنا بما كسبت أيدينا ولا بما فعل السفهاء منَّا، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. أقول قول هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكُم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
الحمد الله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على رائد الفالحين، وعلى من اتبع هداه من المفلحين.
أمَّا المشهد الثاني الذي وردت فيه كلمة الجراد في محكم التنزيل معاشر السادة فمشهد كلنا ناظره، ومصير كلنا وارده، وباب كلنا والجه، مشهد تصطك لسماعه الآذان، وترتعد لهوله الأبدان، ويخسأ لشدته الثقلان، فاسمعوا بقلوب خاشعة وعيون دامعة إلى العزيز المقتدر وهو يقول: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَّرَوَا -ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الاَنْبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعًا اَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} (30).
معاشر السادة المستمعين إذا كان الحديث في الخطاب الأوَّل قد دار حول آفة الجراد الحشري، وما يخلفه من دمار في الأرض بإذن رب السماوات والأرض، وقد تبين لنا أنه جند الله الأعظم الذي يسلطه على من يشاء، وأنه يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم، وأنه إنما ضرره لا يجاوز الحياة الدنيا، التي سيأتي عليها وعلى كل شيء سوى الله هلاك وإن طال أمدها، واستطابها عابدها،، فما بالكم إخوتي الأعزاء بالجراد الفتَّاك والحيوان السفَّاك، الذي يسعى في الأرض فسادًا، يُبارز ربَّه عنودا، ويعرض عن دينه صدودا، لا يلوي على ناصح ينصحه، أو عاذل يَعذِله, إنَّه الجراد البشري المتولِّد عن التسيُّب الأُسري، والتسلُّل الهجَري، جميعًا وأشتاتًا، صيفًا وشتاءً، يجوس خلال الأجنَّة والديار، يستبيح النخيل والأشجار، ويفسد الفواكه والثمار، ويخرِّب الأحواض والآبار، ولا يسلم (1/252)
صفحة 253
منه حتى الغنم والأبقار. فسلوا إن شئتم الفلاح المسكين، وما يزفره من أنين، واستمعوا إلى ما تتناقله الأخبار في كل حين، تدركوا الواقع عين اليقين. على أنَّ الجراد البشري لا يأتي فقط على ما تُقلُّه الأراضي من نبات، وما تغله الأشجار من خيرات كما يفعل الجراد الحشري، بل هو ينتهك في طريقه كذلك الأعراض، ولا تسل عما يقع بين الأحداث، في الهواجر والعشيَّات، في غفلة من الآباء والأمهات، وفي سعة من الجِدَة والأوقات.
ومن رعَى غنَمًا في أرضِ مَسْبَعَةٍ
وَنَامَ عنهَا، تَوَلَّى رَعيَهَا الأسَدُ
ولعمري وكأني بهم عن الآخرة غافلون، وبعذاب ربك غيرُ موقنين، {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (31)، ألا يتقون يوم يبعثون {خُشَّعًا اَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} (32). فيا لهول ذلك اليوم، ويا ما أفظع عاقبة الظلم. {وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (33).
ألا أيها الناس فلنهبّ لمقاومة الجراد البشري قبل محاربة الجراد الحشري، فالجراد الحشري إلى أمد، والجراد البشري إلى الأبد، والجراد الحشري بلاء وابتلاء ما نحن عنه بغائبين، ولا عن فساده بمسؤولين، ولكن الجراد البشري إن لم نقم بمقاومته وتقويمه كنّا معه جميعا وقود نار الجحيم {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ} (34).
أيها الإخوة الأعزاء: لنستعمل ما شئنا من مُبيداتٍ فتَّاكة تقضي على الجراد، ولنعدّ له ما استطعنا من قوة لمقاومة ما يسببه من الفساد، فإنه لا محالة في النهاية غالب، كيف لا وهو جند الله وقد سبقت كلمته بغلبة جنده {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (35)، ولكنا إن أردنا أن يرفع عنا العفو الغفور هذا البلاء، ويدفع عنا القوي العزيز هذا الوباء، فعلينا أن نعدُّ المبيدات التي تقضي على زيغ العقيدة في القلوب، والمعدات التي تفتك بوساوس النفس في الصدور، والعزيمة التي تدمر أعشاش المعصية في العقول، ومن ثم نكون قد نصرنا الله فحققنا الشرط واستحققنا الجزاء ومن شرط كل شرط جزاء {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ} (36). وإنه لا نجاء من بلاء طافح سوى خبيئة من عمل صالح. وإذا كان الجراد يتجرد من ثيابه إذا اشتد ليطير بجناحيه فيزداد ولوعا بالفساد، فهلا تجردنا نحن معاشر عباد الله من دثار الآثام، وسرابيل المعصية إذا ذُكّرنا لنطير بأجنحة من نور إلى سبيل الرشاد؟ فنأمن بذلك مكر الله {فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} (37). {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (38). {وَلَوْ يُوَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِنْ يُّوَخِّرُهُمُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} (39) صدق الله العظيم. (1/253)
صفحة 254
{رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (40)، {اَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ} (41).
اللهم آمن روعاتنا واستر عوراتنا، اللهم احفظنا من الآفات والمخافات، الله حصن نساءنا، واهد شبابنا، وأحسن عاقبتنا، ووفق ولاة أمورنا، وتول أمرنا، {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (42).
اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين وأخذل الشرك والمشركين، لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين. {اِنَّ اللَّهَ وَمَلآَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (43). صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (44).
--------------------
الهوامش
* ـ أصل المقال خطبة جمعة ألقيت بالمسجد الكبير بالقرارة، ميزاب، الجزائر. والكاتب أستاذ بمعهد الحياة. القرارة.
2 ـ الشورى، الآية: 25.
3 ـ الشورى، الآية: 30.
4 ـ الرعد، الآية: 09
5 ـ الرعد، الآية: 11
6 ـ الشعراء، الآيتان: 88، 89.
7 ـ غافر، الآيتان: 16، 17.
8 ـ العنكبوت، الآية: 40.
9 ـ التوبة، الآية: 126.
10 ـ القمر، الآيتان: 4، 5.
11 ـ النور، الآية: 43
12 ـ النازعات، الآيات: 21 ـــــ 24.
13 ـ الأعراف 133.
14 ـ الفجر، الآيات: 06 ــــ 08.
15 ـ الذاريات، الآيتان: 41، 42.
16 ـ الفجر، الآية: 09
17 ـ القمر، الآية: 31.
18 ـ الفرقان، الآية: 40. (1/254)
صفحة 255
19 ـ القمر، الآية: 34.
20 ـ الأحزاب، الآية: 09.
21 ـ المدثر، الآية: 31.
22 ـ ابن ماجه، السنن، باب صيد الحيتان والجراد، ح3218، ج2، ص: 1073.
23 ـ القرطبي، التفسير، ج7، ص: 268.
24 ـ الترمذي، السنن، باب ما جاء في الدعاء على الجراد، ح 1823، ج 4، ص: 268.
25 ـ الأصبهاني، حلية الأولياء، ج1، ص:223.
26 ـ أبو الطيب أبادي، عون المعبود، ج10، ص:206.
27 ـ ابن كثير، التفسير، ج2، ص:241.
28 ـ القمر، الآية: 43.
29 ـ هود، الآية: 102.
30 ـ القمر، الآيات: 01 ـــــ 08.
31 ـ المطففين، الآيتان: 04، 05.
32 ـ القمر، الآية: 07.
33 ـ الشعراء، الآية: 227.
34 ـ التحريم، الآية: 06.
35 ـ الصافات، الآيات: 171 ـــــ 173.
36 ـ محمد، الآية: 07.
37 ـ الأعراف، الآية: 99
38 ـ هود، الآية: 117.
39 ـ فاطر، الآية: 45.
40 ـ الأعراف، الآية: 23.
41 ـ الأعراف، الآيتان: 155، 156.
42 ـ البقرة، الآية: 128.
43 ـ الأحزاب، الآية: 56.
44 ـ الصافات، الآيات: 180 ـــ 182. (1/255)
صفحة 256
الجراد {وما يعلم جنود ربك إلا هو}
د/ إبراهيم بن محمد حمدي عيسى
مقدمة:
لقد اجتاحت بلادنا في الآونة الأخيرة أسرابٌ كبيرة من الجراد، فأتت على الأخضر واليابس، وتضررت من جرَّاء ذلك العديد من مناطق الوطن، رغم الإجراءات الوقائية التي اتُّخذت لذلك من تجهيزات ومعدَّات وشاحنات وطائرات، وإطارات، وكذلك الملايين من الدينارات، والكميات الهائلة من الأدوية والمواد الكيمياوية التي خُصِّصت لمكافحة هذه الحشرة (1)، في مدة ما يقارب ستة أشهر من العمل المتواصل. ولكن كان أمر الله مفعولا، فمضت هذه الحشرة ونفَّذت مهمَّتها بإحكام وبلا هوادة.
فلنلق نظرة على هذه الحشرة ولنتعرَّف على بعض خصائصها:
1 ـــ تعريف الجراد:
الجراد ينتمي إلى عائلة الحشرات. ويوجد من أنواع الجراد أصناف متعدِّدة يُنسب بعضها في التسمية إلى المنطقة التي اعتاد التكاثر والانتشار فيها؛ فهناك الجراد الإفريقي، والجراد المصري، والجراد الإيطالي، أمَّا النوع المعروف في بلادنا فهو الجراد المغربي.
ـــ الجراد المغربي: ( Dociostaurus Maroccanus)
(Le criquet Marocain):
وهو نوع ينتمي إلى صنف يُعرف بـ ( Acrididae)؛ وقد أحصى العلماء في هذا الصنف أكثر من 400 نوع.
وهو يجتاح أكثر من ثلاثين دولة، وأغلبها على شريط البحر الأبيض المتوسط، في مساحة تقدَّر بـ 1000 كلم طولاً، و200 كلم عرضًا.
وينقسم جسم الجراد بشكل عام إلى ثلاثة أجزاء: الرأس، والصدر، والبطن، وجسمه مزوَّد بثلاثة أزواج من الأرجل يستعمل الخلفية منها للقفز. كما لها زوجين من الأجنحة، وقرني استشعار فائقي الحساسية.
2 ـــ أطوار حياة الجراد:
يمكن تقسيم دورة حياة هذه الحشرة إلى ثلاثة مراحل أو أطوار:
أ ـــ طور البيضة:
تضع أنثى الجراد في العادة بيوضها مرَّتين أو ثلاث مرَّات في السنة، وتمتدُّ فترة وضع البيوض من شهر يناير إلى نهاية شهر ماي.
رسم يصور أنثى الجراد وهي تضع بيوضها في جيوب داخل التربة. (1/256)
صفحة 257
وتشبه بيضة الجراد حبة الأرز، ويكون طولها بين 5 و 5.5 ملم. (الشكل أدناه).
ــــ صورة مجهرية لبيض الجراد ـــ
وتوضع هذه البيوض في جيوب أو عناقيد أسطوانية الشكل قليلة التقوس، وحجمها ما بين (16 ـــ 42ملم) طولاً، و (4 ـــ 6ملم) عرضًا. وتكون محاطة بمادة لزجة في غشاء سميك يحمي البيوض من التأثيرات الخارجية (2)، وهو عبارة عن خليط من التراب والسليس ( silice) وبعض الإفرازات التي يفرزها الجهاز التكاثري للأنثى. ويمكن أن يحتوي العنقود الواحد من 40 إلى 120 بيضة، ويمكن أن يصل عدد عناقيد البيوض في المتر المربع الواحد إلى 8000 عنقود، وهذا حسب كثافة سرب الجراد.
ب ـــ طور اليرقة (3):
أغلب العلماء يقسم هذه المرحلة إلى خمسة مراحل زمنية من عمر اليرقة، ومدة هذه المراحل مجتمعة هي من 25 إلى 50 يومًا، ويراعى في تقسيم هذه المراحل البنية المورفولوجية لليرقة، ولونها، وطبيعة أجنحتها.
اليرقات عادة ما تتجمع على أغصان الأشجار أو تحتها طيلة الليل، وتكون صباحًا متجهة نحو ضوء الشمس لتستمدَّ منها الحرارة، وببلوغ درجة حرارة الجو 34°م فإنَّها تبدأ في التحرُّك، فتقطع في سبيل إشباع نهمها المسافات الكبيرة، ويمكن لليرقة أن تأكل مرتين أو مرتين ونصف أكبر من وزنها، أي ما يعادل 200 إلى 500 غ، وهذا خلال مراحل نموها.
ــــ طور اليرقة ـــ
(لاحظ عدم اكتمال نمو الأجنحة)
وتشير بعض المراجع إلى أنَّ مجموعة من اليرقات (التي لا تتمكن من الطيران) تغطي مساحة 100م2 بإمكانها أن تلتهم ما بين 2500 إلى 5000 كلغ من النباتات والحشائش.
كما أنَّ بإمكان اليرقة العيش وتتحمل انعدام الغذاء لمدة تتراوح ما بين يومين وخمسة عشر يومًا، وفي أوضاع مثل هذه فإنَّ اليرقات تتحول إلى آكلة للحوم، إذ تأكل الحشرات الصغيرة، واليرقات الميتة، وقد تتغذى على فضلاتها (4).
جـ ـــ طور البلوغ:
يتميز هذا الطور بظهور اللون الأصفر/ البني، وكذا ظهور الأجنحة بعد الانسلاخ (5). ومهمة الحشرة في هذه المرحلة تنحصر في: التهام الغذاء، والطيران، والتزاوج.
أمَّا الطيران فإنَّه يكون بعد ثماني أو عشر ساعات من الانسلاخ، وهذا بعلوٍّ يتراوح من متر إلى عشرة أمتار على أكثر تقدير.
أمَّا التزاوج فيكون ـــ لحكمة أرادها الله ـــ سريعًا ابتداءً من اليوم الثاني، وقد يتأخر إلى اليوم الخامس بعد الانسلاخ. وبعد خمسة أيام من التزاوج تقوم الأنثى بحفر الأرض ووضع بيوضها (1/257)
صفحة 258
(6).
والملاحظ أنَّه من النادر أن تضع الأنثى بيوضها في المناطق الخالية من الغطاء النباتي، وذلك لتضمن وفرة الغذاء لصغرها.
أمَّا الطيران والتنقل فيكون بعد أسبوع من الانسلاخ، وعادة ما يتمُّ بالمساء. وفي التنقُّل المحلِّي يقطع الجراد مئات الأمتار بعلو يتراوح من عشرة إلى عشرين مترًا، أمَّا عند الهجرة فإنَّه بإمكانه أن يطير لمسافة تتراوح من 75 إلى 100 كلم.
وتشير الدراسات إلى أنَّ الجراد في تنقله المحلِّي يفضِّل الحقول المزروعة بالقطن والحبوب والبرسيم، وقد أحصى العلماء ما يربو على 158 نوعًا من النباتات تنتمي إلى 33 عائلة يمكن أن تكون غذاءًا للجراد.
وقد يغطي السرب الواحد من الجراد مساحة تتراوح بين 4هكتارات و 4 أو 5 آلاف هكتار، كما يمكن لهذه الحشرة أثناء هجرتها الاستراحة على سطح البحر والطفو دون أن تغرق، وبالتالي الاستعداد لغزو مساحات أرضية جديدة.
وقفة للاعتبار من حياة هذا المخلوق:
إنَّ استعراضنا لأطوار نمو وتكاثر الجراد وإن كان الغرض منه علميًّا، بتقديم صورة موجزة لنوع من الكائنات الحية، فإنَّ الغرض الأساسي من هذا العرض يتمثَّل في التأمل في خلق الله والتدبر في بديع صنعه، فقد أمرنا عزَّ وجلَّ بالنظر في خلقه والإيمان به بتأمُّل آياته: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لآَيَاتٍ لِّلْمُومِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (الجاثية: 3، 4)، وقال: {سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53)، والآيات في الحضِّ على التفكير والتدبر في ملكوت الله كثيرة، كما أنَّ آيات النهي عن الغفلة وعدم إعمال الفكر عديدة منها قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فيِ الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوَ اذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ التِي فيِ الصُّدُورِ} (الحج: 46).
ومن هنا أردنا أن نعرض لبَّ موضوعنا وهو الجراد على ما ورد في كتاب الله لنرى الحكمة من خلقه وكيفية تكاثره، وعلى من يسلِّطه الله تعالى.
مواضع ورود الجراد في القرآن الكريم:
لقد ورد ذكر الجراد في القرآن الكريم في موضعين مختلفين:
الأول: قال فيه تعالى: {وَقَالُوا مَهْمَا تَاتِنَا بِهِ مِنَ -ايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُومِنِينَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} (الأعراف: 132ـــ133). (1/258)
صفحة 259
فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية يُخبرنا عن تمرُّد قوم موسى وعن عتوهم وإصرارهم على الباطل، فأرسل عليهم الآيات المفصَّلات وهي دلائل على قدرته وسلطانه، ولكن مع هذا استكبروا، فكلَّما كشف عنهم الرجز ورفع عنهم العذاب إذا هم يعودون إلى ما كانوا عليه من الغي والمعصية، ولمَّا تبيَّن تمرُّدهم وظهر إجرامهم في كلِّ مرَّة انتقم منهم العلي القدير فأغرقهم في اليم؛ {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (الأعراف: 135ـــ 136).
فعلى المسلم أن يعتبر من قَصص الأوائل ويعلم أنَّ عذاب الله قريب من الظالمين، وليعتبر الفلاحون الذين أقاموا حقولهم ومزارعهم بأموال الربا، وكذا الذين يستولون على حقوق غيرهم: من الماء ابتداءًا وإلى البذور والشتائل والدواب مرورًا لا انتهاءًا .. ليعتبر جميع هؤلاء وغيرهم ممَّا يلحقه الجراد من خراب ببساتينهم فينطبق عليها قوله تعالى: {حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الاَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً اَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالاَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس:24).
أمَّا الموضع الثاني الذي ورد فيه ذكر الجراد فهو في قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعًا اَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} (القمر، 6ـــ8).
هذه الآيات جاءت في سورة القمر المكية، والتي من مطلعها إلى آخرها تجسِّد صورًا مرعبة لجزاء المكذبين بالنذر، والعاصين للرسل. فذكر الجراد في المشهد الأول بعد ذكر اقتراب الساعة وانشقاق القمر، ففي كلتا الصورتين جسد لنا القرآن الكريم إعراض الكافرين عن الآيات وإنكارهم لها، فحادثة شقِّ القمر معروفة في السيرة النبوية حين سأل المشركون الرسول صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية أو معجزة تثبت لهم نبوءته، فشقَّ الله لهم القمر فلقتين (7)، ولكنهم بعد أن أستيقنوا ما رأوا بأمِّ أعينهم أعرضوا وقالوا إن هذا إلاَّ سحر، فجاءت في شأنهم الآيات: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَّرَوَا -ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} (القمر: 1 ـــ3) ثمَّ يأمر الله تعالى رسوله الكريم بالإعراض عن الكافرين وتركهم ليوم رهيب ينتظرهم وهو يوم القيامة، ويقدِّم للإنسان في السورة نموذجًا يجسِّد مشهدًا من مشاهد ذلك اليوم العظيم، يوم يقوم الناس جميعًا من قبورهم خُشَّعًا أبصارهم من الذلِّ والهول، مسرعين إلى الداعي الذي يدعوهم لشيءٍ شديد، فيُشبِّه الله سبحانه مشهد الخروج من الأجداث بصورة نراها اليوم مجسَّدة أمام أعيننا وهي خروج يرقات الجراد عند فقس البيوض من الجيوب المدفونة في الأرض، وزحفها بسرعة وبلهف في اتجاهات مختلفة، وبأعداد مهولة، كلُّها تسعى إلى شيءٍ واحد يشغلها .. إنَّه لمشهد رهيب، وتشبيه بليغ ... !! (1/259)
صفحة 260
وليتصور كلٌّ منا 8000 مجموعة من البيض في المتر المربع، وكلُّ مجموعة من البيض تحتوي على حوالي 120 بيضة، تفقس كلُّها مرَّة واحدة، وتخرج من "مدافنها" إلى سطح الأرض تبحث عن شيءٍ تلتهمه، إنَّها إشارة بليغة، فلنتمعَّن جيدًا هذا المنظر ولنكُن من المدَّكرين، ولنقدِّم من الأعمال الصالحة ما يُنجينا من هول وعذاب ذلك اليوم الأخروي، ونفوز بالوعد الجميل الذي ختم به تعالى هذه السورة الزاجرة المعنفة: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} (القمر:54 ـــ55).
المراجع:
1 ـــ القرآن الكريم.
2 ـــ تفسير في ظلال القرآن، لسيد قطب.
3 ـــ مختصر تفسير ابن كثير.
4 ـــ القاموس الفلاحي ( Larosse Agricole).
5 ـــ كتاب: ( Zoologie) علم طبائع الحيوانات. لـ: F. Villeneuve et Ch. Desiré.
6 ـــ القرص المرن:
Literature collection for loctus and grasshopper pests. Oct 2003.
من إنتاج:
( FAO): المنظمة العالمية للتغذية.
( ISPI): المنظمة العالمية لجمع المعلومات عن الآفات.
( CIRAD): مركز التعاون العالمي في البحث الفلاحي من أجل التنمية.
(القرص يضمُّ ما يزيد عن 150 بحثًا ومقالة حول الجراد وأماكن انتشاره، وطرق مقاومته).
7 ـــ موقع ويب: www.afric.com.
--------------------
الهوامش
(1) - هنالك العديد من الجمعيات البيئية عالميًا تنادي بتجنب هذه الأدوية التي تضر بصحة الإنسان والحيوان، خاصَّة إذا علمنا أنَّها تهاجم الجهاز العصبي، وبالتالي فإنَّ هذه الجمعيات تحثُّ على استعمال الطرق التقليدية لمكافحة الجراد، وكذا الطرق البيولوجية، منها:
ـــ تقليب الأرض أين تضع الأنثى بيوضها وإتلافها.
ـــ المساعدة على تكاثر الحشرات والطيور التي تتغذى على الجراد ويرقاته وبيضه في المناطق الموبوءة. (1/260)
صفحة 261
ـــ العمل على تصنيع مقاوم بيولوجي من بعض الطفيليات التي تعشش في جنين اليرقة مثل: Les rematodes. وكذا بعض الفطريات التي تعشش داخل جسم الحشرة مثل: Fusarium.Sp و Fusarium acridiorum.
ـــ حفر خنادق كبيرة وتوجيه اليرقات إليها ثمَّ حرقها.
ـــ استعمال النار والدخان والتصفيق لطرد الحشرة الطائرة.
ـــ أكل الجراد البالغ إذا لم يتعرض للأدوية، حيث يُعتبر غنيًّا بالمادة البروتينية.
طبعًا هذه الطريقة تتطلب العمل الجماعي، وتضافر الجهود، مثل ما كان يعمل أجدادنا قديمًا، حيث ينظمون حملات لمكافحة هذه الحشرة.
(2) - يتأثر بيض الجراد بشكل كبير بدرجة حرارة الجو، والمناخ الرطب أكثر ملاءمة له، ومن بديع صنع البارئ أنَّ البيوض تكون في حالة سبات لمدة قد تطول ولا تفقس حتى يكون المناخ ملائمًا لحياة ونمو يرقات الجراد.
(3) - وهي ما يعرف محلِّيًا باسم: المراد. لتحركه زحفًا أو قفزًا، فهو في هذه المرحلة لا يقدر على الطيران لعدم نمو الأجنحة لديه بعد.
(4) - تُعتبر فضلات الجراد سمادًا مهمًّا للتربة، فقد شوهدت أراضٍ مزروعة أصابتها أسراب الجراد، وبعد زمن أنبتت الأرض من جديد وبشكل أفضل ممَّا كانت عليه.
(5) - وقد يكون الكثير منا قد شاهد هذا المنظر المميز حين تنسلخ الحشرة من جلدها وتتركه معلَّقا على أغصان الشجرة أو الشوك، فتظهر بمظهر مغاير تمامًا في اللون والطول والشكل، وتظهر أجنحتها بشكل بارز، وتبدأ من يومها في التمرُّن على الطيران.
(6) - تفقس البيوض حين تكون درجة الحرارة معتدلة أي بين 25 و30 درجة، كما أنَّ الأنثى يجب أن تُلقح ثلاث مرات على الأقل حتى تضع أول بيوضها، أماالتزاوج فيكون في الصباح.
(7) - انظر سيد قطب: في ظلال القرآن، تفسير سورة القمر، وهذه المعجزة وردت في مختلف كتب الحديث الصحيحة، كصحيح البخاري، ومسلم. (1/261)
صفحة 262
باقة شعر إلى الأب الروحي شريفي سعيد وهو يتجاوز المائة
أبقاه الله ذخرًا وسندًا للأمَّة الإسلامية
للشاعر: د/ محمد صالح ناصر
ملاحظة:
نظم الشاعر هذه القصيدة قبل وفاة الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدون) رحمه الله يوم: يوم الثلاثاء 19 رمضان 1425هـ/ 2 نوفمبر 2004م
أبتاه ...
أبتاه مهما حلَّقتْ بالشعر أخيِلتي فدون سَماكَ آفاقٌ عليَّة
مهما تسامَى الشِّعرُ لن يَرقَى إليكَ مُعلِّمي فَلأنتَ أشرَفُ أفضَليَّة
مهما تُطاوعُني القوافي لن تُعبِّر أو تُصوِّر ما يَجيشُ بأصغَريَّة
أنا في مَغَانِيكَ ازدهى رِيشِي فطارَ بِيَ الجناحُ إلى السمَاءِ الجامِعيَّة
إن ينطلِق قَلمِي، فإنَّ الفضلَ فيه مُلقِّني يَومًا حُروفَ الأبجَديَّة
والنخلةُ الفيحاءُ غَرسُكَ والِدِي ووقارُ صوتِك لم يَزَل في مَسمَعَيَّة
أنَا في رياضِ المعهدِ الغنَّاءِ سَاجَلْتُ الهذيلَ حمائمَ الشِّعرِ الشَّجِيَّة
كَم لذَّ لِي في أيكِه سَجْعُ الحَمَائِمِ وهِيَ تَهتِفُ بِالأصَالَةِ عَبقَرِيَّة
يَا مَعهَدًا ذِكراهُ رغمَ تَعاقُبِ الأَعوامِ تَنبِضُ في صَمِيمِ القلبِ حَيَّة
وَالذِّكرياتُ كَنُورِ وَجهِكَ أشرَقَتْ في النَّفسِ تَقبِسُ من أُبُوَّتِكَ الوَفيَّة
وتَلُوحُ مِن عَينَيكَ أَنوارُ التُّقَى فتُضيءُ في دربِ الحياةِ لَنَا الطَّويَّة
يَا لَلأَحادِيثِ العِذَابِ تَفيضُ مِن أَعمَاقِ نَفسِكَ بِالهُدى أَبدًا سَخِيَّة
الوعظُ عِندَكَ ليسَ قولاً، إنَّه مُثُلٌ تجسَّد في سُلُوكِكَ سَرمَدِيَّة
والجِدُّ عندَكَ في التَّعلِيم فطرةٌ مَوصُولَةُ الأنفَاسِ صُبْحًا بِالعَشِيَّة
علَّمْتَنا ألاَّ نَرَى غير السَّماء تَديُّنًا، وتَسَاميًا فوق الدنيَّة
وتَطلُّعًا للعلم لَيسَ بِمُنتَهٍ، مَا لَم يُشوِّه مِن أَصَالَتِنَا الغَنِيَّة
لقَّنتَنَا قِيمَ الصَّلاة فَحوَّلتْ مِنَّا النفوسَ مَآذنًا شَعَّتْ سَنِيَّة
عَوَّدْتَنَا فَرضَ الجماعَةِ، فانصَهَرنَا في الجماعَةِ لا نَدِينُ بِطَائِفِيَّة
فَتَّحتَ أَعيُنَنَا بِنُورِ الفجرِ فَانْجَابَتْ دَيَاجِي كُلِّ مُشكِلَةٍ عَصِيَّة
وَأَضَأْتَ مِن نُورِ الكِتَابِ طَريقَنَا فتَوَجَّهَت نَحوَ المعَالِي مَسجِدِيَّة
وَتَوحَّدَت خَطوَاتُنَا نَحو الغدِ البَسَّامِ نَمضِي في طريقٍ سُندُسيَّة
الدِّينُ أرضَعَنَا فَآخَى بَينَنَا والدِّينُ لِلأفكَارِ رَابِطَةٌ قَوِيَّة
حَتَّى عَصَاكَ لِمَن عَصَاكَ تَسِيلُ إِشفَاقًا فَيرتَدِعُ الضَّمِيرُ وَلا أَذِيَّة
في كُلِّ قَلبٍ مِن بَنِيكَ مُسَجَّلٌ "إنِّي شَرِيفٌ" لاَ أَبيتُ عَلى الدَّنِيَّة
بِكَلامِنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ، أو عِظَاتُ النَّاشِئِينَ سَمَتْ إلى أُفُقٍ عَلِيَّة (1/262)
صفحة 263
العُرسُ عُرسُكَ أيَّةُ حَفْلَةٍ مَهمَا احْتَفَتْ سَتَظَلُّ رَمزًا أو تَحِيَّة
مَهما احتَفَيْنَا أو أَشَدْنَا لَن نَفِي لِمُعلِّم الأَجيَالِ حَقَّ الأبْجَدِيَّة
أَرَأيتَ أَفضَلَ أو أَجَلَّ مِنَ الَّذي يَبنِي النُّفُوسَ لتَبلُغَ الرُّتَبَ العَلِيَّة
يَبنِي النُّفُوسَ بِعَقلِهِ وَبِقَلبِهِ، مَنْ ذَا يُقَدِّرِ في البُنَاةِ لَهُ المزيَّة
سِتُّونَ عَامًا يُنشِئُ الأجيَالَ في حِضنِ الجزائِر بِالكِتَابِ محمَّدِيَّة
الفارِسُ المجهُولُ أنتَ تَصُولُ سِرًّا في سَبِيلِ الله تَسْتَبِقُ السَّرِيَّة
مِائَةٌ خُطَاكَ وأنتَ تَحضِنُ في النَّوادِي رَايَةَ القُرآنِ خَافِقَةً عَلِيَّة
مِائَةٌ وَخَطْوُكَ في سَبيلِ الله قُرآنٌ وَسُنَّةُ أَحمَدٍ نَبَتَت قَوِيَّة
الضَّادُ عَهدُكَ كَم نَشَرتَ لهُ المدَارِسَ للشَّبِيبَةِ تَحمِلُ الفُصحَى قَضِيَّة
جَلَّ الَّذي أعطَاكَ فِكرًا نَيِّرًا، وَبَصِيرَةً في العِلمِ شَعَّتْ جَابِريَّة
وَعَقِيدَةً سَمحَاءَ مِن حَوضِ النَّبيءِ كُؤُوسُ شِرْعَتِهَا تَفِيضُ مُنىً طَلِيَّة
مِائةٌ وَمَا تَشكُو الحيَاةَ مَسَرَّةً، وَمِنَ الشَّبابِ مَن يُصَوِّحُ سَوْدَوِيَّة
كَالطِّفلِ قَلبُكَ بِالبَراءَةِ مُفعَمٌ، وَالشَّيبُ يُهدِيكَ التَّجَارُبَ عَبقَرِيَّة
وَقَوافِلُ الأجيالِ كَم وَرَدَتْ بِحَوضِكَ تَنْهَلُ الفُصحَى كُؤوسًا أَحمَدِيَّة
وَفي كِلِّ شِبرٍ مِن بِلادِي أَوفِيَاءٌ لِعهدكَ الزَّاكِي تَضُمُّهمُ حميَّة
الضَّادُ في لَهَوَاتِهِم، والبَربَرِيَّة في لِبَانِ الأُمَّهَات لهم سَجيَّة
عَشِقُوه وَحْيًا سَلسَبِيلاً مُتْرَعَ الحَسَنَاتِ عَن رَبِّ البَريَّة
وَكلامُ رَبِّ العالمينَ هُدىً وَبُشرَى لِلخَلائِقِ رَحمَةً فَاضَتْ سَنِيَّة
جَلَّ الذي أعطَاكَ مِنْ بَرَكَاتِهِ، وَأفَاضَ كأسَ الخَيرِ حَولَك حلقيَّة
لَقَّاكَ مِن رَبِّي نَعِيمٌ دَائِمٌ في جَنَّةٍ أفيَاؤُهَا أَبَدًا سخيَّة
أَبَتَاهُ، مَهمَا حلَّقَتْ بِالشِّعرِ أَخْيِلَتِي فَدُونَ سَمَاكَ آفاقٌ عَلِيَّة
أَهدَيْتُ شِعرِي بَاقَةً لَكَ يَا أَبِي .. هَلاَّ قَبِلْتَ مَع اعتِذَارَاتِي الهَدِيَّة؟
حَسْبِي شَفِيعًا أَنَّنِي مِن رَوضِكَ الفَيْنَانِ أَقطِفُ بَاقَةً لَكَ شَاعِريَّة
الجزائر يوم: 07 جوان 2004
نُشرت القصيدة بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 241.
ونشرت في الموقع بتاريخ: 20/ 04 / 2010م.
جاء بالأمر عود ... !
للدكتور: محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/263)
صفحة 264
ألقيت هذه القصيدة في الحفل الذي أقامه زملائي أساتذة قسم اللغة العربية بكلية التربية بـ"نزوى" (سلطنة عُمان)، لتكريمنا وتوديعنا، في يوم السبت: 02 من ربيع الثاني 1425هـ/ 22 من مايو 2004م. وقد كرِّمتُ في الحفل أنا وزميلي الدكتور محمد التاقي (من المملكة المغربية).
زَمَمتُ حقائِبِي إذْ حانَ عَوْدُ.:.:.إلى بَلَدِي، فنِعمَ هُوَ المرَدُّ
ففي وَطَنِي مَغانٍ، كُنتُ أَسْرَ.:.:.حُ فيها، وأُبَارِي الطَّيرَ أشدُو
مراتِعُ، كُنتُ أعصِرُ نَبْتَهُا، دَا.:.:.نَ لِي جَنيٌ مُصَفَّى، هُوَّ شَهْدُ
مَنازِلُ، كُنتُ أدرَجُ وَسْطَهَا، كَا.:.:.نَتِ المنبِتَ، مَا عَنْها أُصَدُّ
مَعاهِدُ، كُنتُ أَغرِفُ مِن رُبَاها.:.:.نَمِيرَ مَعَارِفٍ دَأبًا أَجِدُّ
مَرَاضِعُ، كُنتُ أشربُ مِن لماها.:.:.لِبَانَ شَمَائِلٍ مَا لا أَعُدُّ
مَجالِسُ، كُنتُ أمتُحُّ فَيضَها، نَا.:.:.ئِلاً غَدَقًا، فَنِعْمَتْ لِيَ رِفْدُ
مَرَابِضُ، أُسْدِ غابٍ، عَلَّمَتنِي.:.:.بِأنَّ العَيشَ مُغَالَبَةٌ وَصَيدُ
فَهذا هُو رَبْعِي وَمِهَادِي.:.:.لَه في القَلبِ حُبٌّ لاَ يُحَدُّ
تَرَكتُ رُبُوعَهُ صَوْبَ عُمانٍ.:.:.إِليهَا الرِّحلَةُ الكُبْرَى تُشَدُّّ
أَهَالِيهَا لَهُم بِالمغرِبِ العَـ.:.:.ــرَبيِّ وَشائجٌ أَمَدًا وَعَهْدُ
رَحَلْتُ إلى مَزُون فَنَالَنِي مُزْ.:.:.نُهَا مُتَتَابعًا، والعَيْشُ وِرْدُ
فَزَورَتُها علينَا وَاجِبٌ قَا.:.:.ئِمٌ، وَصلُ أَهَالِيهَا أَشَدُّ
عُمانٌ مَعْدَنُ الخَيرِ كَمِينُ الـ.:.:.ــمَكَارِم، طَالَهَا أَدَبٌ ورُشْدُ
مَجَانٌ، مَنْبِتُ الأُدَبَاءِ، مَشْتَـ.:.:.ــلَةُ الشِّعْرِ، لَهُ مَدَدٌ وَحَشْدُ
أَقْمْتُ بِهَا السِّنينَ السَّبْعَ، كَانَتْ.:.:.سِنِي مصرَ السِّمَانَ، فَيَا لَحَمْدُ
بِصُحَبَةِ ثُلَّةٍ مُختَارَةٍ، مَا.:.:.بِمِثْلِ خِصَالِهِم زَمَنٌ يَمُدُّ
بِمَعشَرِ رُفْقَةٍ مُمتَازَةٍ خُـ.:.:.ــــلُقًا وَكِيَاسَةً، دَأَبَتْ تَجِدُّ
تُنافِسُ في المطَامِحِ أَنْجُمًا، لَيْـ.:.:.ـــسَ تَرضَى عَن مُنَاهَا مَا يَصُدُّ
رِجَالٌ كُرَمَاء غَطَارِفٌ، مَا.:.:.تَقَاعَسَ مِنهُمُ شَهْمٌ وَنَجْدُ
وَمِنهُمُ الشُّعَراءُ حَكَوْا فُحُولاً.:.:.مَضَوا في الشِّعرِ شَوْطًا لاَ يُشَدُّ
وَفِيهِم مَكرُمَاتٌ، لَيسَ يَدْرِي.:.:.بِهَا غَيرَ كَرِيمِ النَّفْسِ نِدٌّ
أَقمْتُ مَدًى حَيَالَهُم فَلَمْ ألْـ.:.:.ــقَ غَيرَ جَمِيلِ إِحْسَانٍ يَجِدُّ
جَزَاؤُهُمْ مِنَ اللهِ الْعَلِيِّ.:.:.عَظِيمٌ في غَدٍ لَيْسَ يُحَدُّ
وَدَاعًا أَيُّهَا الإِخْوَانُ، قَدْ قَـ.:.:.ـــرُبَ الوَعدُ، وَجَا بالأَمْرِ عَوْدُ (1/264)
صفحة 265
رسالة إلى ولدي ..
أ. باحمد بن محمد ارفيس
شوارد أفكار جالت بخاطري لما تلقيت رسالة من ولدي يروي فيها أحواله وهو يتخطَّى عقبة يصعب تخطِّيها على الكثيرين من أمثاله الطلبة، وذلك صعوبةُ اختياره للجامعة والشعبة ...
فكتبتُ إليه الجواب؛ منه أقتطف بعض ما جادت به قريحتي من نصائح، أهديها لكل شاب مسلم رجاء أن ينتفع بما هو صالح فيها ويَدَعَ غير ذلك.
كل من أراد أن يصبح مرموقًا ويبلغ مستوى أعلى بإمكانه تحقيق أهدافه بتطوير صحَّته الجسدية والنفسية والخلُقية، لكن شريطة أن يحذر من بناء أسوارٍ وهمية حول نفسه!
أنَّ سور الصين العظيم الذي يحوي 25 ألف قلعة، ويمتد على طول 3000 كلم، لما يزيد على 2000 سنة خلت، وفَّر حماية تامَّة ضد هجمات الأعداء، لكن في الوقت ذاته منع حضارة من أعرق الحضارات في العالم من التوسُّع والانتشار؛ ففي القرن الثالث قبل الميلاد بلغت الصين حدَّ الاكتفاء الذاتي تمامًا، لكنها حرمت العالم من الاستفادة من تقدُّمها الباهر في ميادين الطباعة، والنسيج، والمعادن، والمتفجرات، وأدوات الفلك، والأدوية، والتوابل ...
لكن الشعوب الأخرى، اكتسبت مع الزمن نفس العلوم وطوَّرتها بما حدا بإمبراطور الصين - منعًا لتسرُّب كنوزه العلمية والحضارية - إلى حرق آلاف الكتب والمؤلَّفات!
إنَّ كل إنسان إمبراطور مثل إمبراطور الصين! إنه إمبراطور يتربَّع على عرش أفكاره وعواطفه وقناعاته وطموحاته ...
كم من ناسٍ بنوا حول أنفسهم أسوارًا وهمية حجزت عنهم التطور والانبعاث، والكتب التي لا يقرؤها هؤلاء الناس هي بمثابة الكتب التي أحرقها الإمبراطور سواء بسواء.
إذن فلتعمل على بناء ذاتك بما تتحصل عليه من معارف، وتطوِّر من قناعات، وابدأ بناء نفسك من الداخل ثم اطلب المساعدة من الخارج.
ابحث بنفسك عن طريق النجاح وستجده حتمًا، ثم سِر فيه واثقًا متفائلاً، وصابرًا مثابرًا!
ولتجد المساعدة من الخارج لا بدَّ أن تبحث عنها حولك.
أمَّا من الداخل: فابدأ بتغيير شخصيتك باكتساب طبائع جديدة وأفكار صحيحة عمَّا حولك من معارف ونظريات ... واسأل نفسك:
* هل أقمتَ حول نفسك أسوارًا حجبت عنك نور التفكير والتغيير وتركتك تتخبَّط في الأوهام؟ (1/265)
صفحة 266
إذا كان كذلك فاعمل جادًّا على إزالة تلك الجدران وتحطيمها إلى الأبد، سيساعدك على ذلك معرفة قدراتك ومؤهِّلاتك، وسترى أنَّها كثيرة وقويَّة وفعَّالة، وإنَّك تستطيع أن تحقِّق بها المستحيل بحول الله.
إنَّ الفشل من أقوى الحوافز إلى النجاح، شريطة تحويل الأفكار السوداء القاتمة إلى أفكار نيِّرة إيجابية دافعة إلى العمل بجدٍّ لتحقيق ذلك النجاح، تمامًا كبطل الملاكمة ـــ الذي هُزم في بطولة العالم ـــ وهو " loyal Patterson"، وتناقلت الصحف خبر هزيمته وأنَّه يستحيل عليه ــــ نظرًا لسنِّه ــــ أن يسترجع لقبه مرَّة أخرى، فكان ذلك حافزًا له على مضاعفة الجهود ليُتوَّج بلقب بطل العالم في عامه المقبل، وأثناء لقائه الصحفيين قال:
«إنَّ كاميراتكم لن تستطيع تصوير الشيء الأهم: إنَّه التفكير الإيجابي الطموح الذي أملكه».
من المفيد جدًّا أن يتأمل المرء وضعيته إزاء المستقبل، وإزاء الحياة، ومهما تكن هذه الوضعية، ومهما تكن الظروف، فإنَّ أيَّ إنسان بإمكانه أن يكون ما يريد أن يكون هو، وبعون الله.
إنَّه كالرُّبان (قائد السفينة) الذي يحدِّد وجهته ويقرِّر على أيِّ رصيفٍ يرسو، وأثناء عبوره عباب البحر قد يتعرَّض للعواصف الهوجاء، والأمواج العاتية، لكنه لا يترك الدفَّة أبدًا، بل يُحكِم القبض عليها ويكافح حتى يصل إلى برِّ الأمان وإلى الوِجهة التي حدَّدها قبل انطلاقه.
إذن كلُّ شيءٍ تحدِّدُه قوَّة الإرادة، والشجاعة الكافية، والاستعانة بالله .. !!
إنَّه من المآسي الحقيقية أن تجد امرأً مؤهَّلاً من جميع النواحي، لكنه يفقد شيئًا واحدًا وهو الأساس: قوَّة الإرادة ..
وهذه القوة لا تُعطى بل تُكتَسب، من داخل النفس أوَّلاً، ثمَّ من المحيط: من القرناء ومن الكتب التي نقرأ فيها كيف نبني شخصيتنا ونكتسب أحسن العادات ونحقِّق أسمى الغايات. مع اليقين أنَّ قيمة القرين الصالح، والكتاب المفيد، تكمن في المسارعة في التطبيق، وإلاَّ فإنَّ الأحلام والمنى رؤوس أموال المفلسين.
ويأتي قبل ذلك وبعده، ارتباط الإنسان بربه، والدعاء ...
إنَّ الدعاء سرٌّ من أسرار الله وهو يفعل الأعاجيب، ويحوِّل الضار إلى نافع، والعسير إلى يسير.
تذكَّر جيِّدًا أنَّك نتاج نمطك الوراثي، ومحيطك، وبنية جسمك، وعقلك الظاهر، وعقلك الباطن، وتجاربك في الحياة، ووضعيتك بالنسبة لأسرتك، ومجتمعك، والعالم من حولك، والطاقاتِ الكامنة فيك سواء علِمتها أم لم تعلمها.
كل هذه العوامل بإمكانك التأثير عليها والاستفادة منها والتحكُّم فيها؛ وبإمكانك إعطاء معنى لأفكارك والتحكُّم في عواطفك وتوجيه مسارك المستقبلي.
إنَّها قناعتي، وستقنع بها بمجرَّد أن تفهم هذه المعاني وتعمل على تطبيقها. وبمجرَّد أن تفعل ستتعلَّم كيف تكتسب المعارف الضرورية، وستتوجَّه أفكارك نحو الخير في عزمٍ وتفاؤل، وسيتغيَّر مجرى (1/266)
صفحة 267
حياتك. وستحوِّل أفكارك عمَّا يعيقك ويثبِّط عزائمك إلى ما يفيدك ويرفع من شأنك. بذلك تتخطَّى مشاكلك، وتغيِّر من قناعاتك الداخلية وتكتسب الإيحاء النفسي العميق الذي يوعزك إلى فعل الخيرات، وتوقِّي الشرور والسيئات.
إنَّ الوازع الداخلي أقوى من كل الحواس الخارجية، من سمع، وبصر، ولمس ...
إنَّ العقل الباطن ينمِّي فينا قوى خارقة تمكِّننا من السيطرة على نفوسنا في كلِّ حين.
فهناك ثلاث أنواع من الإيحاءات:
* الإيحاء الخارجي.
* الإيحاء الذاتي النابع من الوعي.
* الإيحاء النفسي الباطن المنبعث من اللاوعي.
وممَّا سيساهم في تكوين هذا الإيحاء الأخير الإكثار من ذكر الشيء؛ فالذي يذكر باستمرار بينه وبين نفسه أنَّ ذلك الشيء حرامٌ لا ينبغي فعله ... وأن ذلك الشيء ضروري واجب لا بدَّ من مجاهدة النفس على فعله ... ويكرِّر ذلك، يكتسب هذا النوع من الإيحاء. فإذا ما سولت له نفسه فعل الحرام انبعث من قرارة نفسه هذا الإيحاء ليمنعه ... وإذا ما تكاسل عن الواجب والضروري أوعز إليه الإيحاء بفعل الواجب، وهكذا ...
وسيساعد على تكوين هذا الإيحاء حُسن التدبُّر في الأمور وعواقبها؛ فالذي يتدبَّر في عاقبة الطعام اللذيذ الضار - كمريض السكَّري مثلاً - لا بدَّ وأن يمتنع عنه، لأنَّه يذكِّر نفسه دائمًا بمرارة المغص والآلام المبرحة والأدوية، وأعراض المرض من جفاف الحلق وصداع الرأس والإعياء ...
إن من يُقنِع نفسه بهذه الحقائق ويكرِّرها، يكتسب الإيحاء الذي يكبح رغبته العارمة في تناول السكَّريات ... وقس ما لم يُقَل على ما قيل.
إذن؛ كرِّر مع نفسك: "سأعمل وسأنجح"، "سأتغلَّب على مشاكلي"، و"سأكتسب قوَّة الإرادة" .. كرِّر ذلك مرارًا كلَّ يوم، وبعمق وإيمان، وسترى كيف تتغيَّر أحوالك، وتكتسب الإرادة التي بها تقف بصمود أمام الرغبات المهلكة.
إنَّ العالم برمَّته ما اكتسب قيمته ومزاياه إلاَّ بفضل الناس الذين يقفون في وجه شهواتهم السيئة ويمنعونها، بل ويقضون عليها مع مرور الأيام!
بل كم من ناسٍ بلغوا أسمى مراقي العز والشرف والنجاح، وكان سبب رقيِّهم شعورُهم بالذنب ورجوعُهم إلى الجادَّة في تحدٍّ وإصرار.
ومهما يكن الشخص فإنَّه لا بدَّ أن يقضَّ مضجعه شعوره بالنقص، وهذا الشعور بالذات هو الذي يدفعه نحو الكمال. وكم من أعمال جليلة قدَّمها أناسٌ عظماء عبر التاريخ، كان حافزهم شعورُهم بالنقص، لكن شعورهم كان إيجابيًّا أنتج عملاً وسباقًا نحو الخيرات، لا شعورًا سلبيًّا، سالبًا للإرادة، مكرِّسًا لليأس والقنوط. إذن كلَّما شعرت بنقصٍ فلتعلم أنَّك تتحرَّك نحو الكمال، وسَتُعمِل كلَّ إمكاناتك حتمًا لبلوغ ما تصبو إليه.
وأخيرًا؛ لبناء الشخصية لا بدَّ من العمل.
وللمحافظة على الصحَّة لا بدَّ من العمل.
ولاكتساب الرزق الحلال لا بدَّ من العمل.
ولاكتساب معارف جديدة، والرفع من المستوى العلمي لا بدَّ من العمل.
ولتلقي التجارب والخبرات المفيدة ... لا بدَّ من العمل!
وهذا العمل يصبح متعة لا مشقَّة، بمجرَّد أن تفهم هذه المعاني، وتعمل على تطبيقها.
وفَّقك الله بني وفتح عليك وأعانك.
أبوك الداعي لك بالخير
باحمد
العاصمة يوم: 06 مارس 2003
والحمد لله رب العالمين. (1/267)
صفحة 268
نقطة ماء ... !
للشاعر: أحمد لزعل
شفتيَّ لا تَنِيَا عن الإِثنَاءِ.:.:.:.أَبدًا على المنَّان بالآلاَءِ
قالوا ومن أمسَى بسِجنٍ دامسٍ.:.:.:.ما عاش، هل يلتذُّ بالنَّعماءِ؟
ذهبت حياةُ الأكمَهِ المسكين في.:.:.:.همٍّ مُقيمٍ مُقعِدٍ وعناءِ
عجبًا لهم حكموا بما تُملِي لهم.:.:.:.عينٌ، وكم للعين من أخطاءِ
ذو اللُّب ليس بقانعٍ بالسطح لا.:.:.:.بل غائصٍ في لجَّة الأشياءِ
في أبحر الآلاء إنِّي سابحٌ.:.:.:.هل ضرَّني فقدانُ نقطةُ ماءِ؟
أنا قائمٌ والفضلُ فضلُ مقوِّمي.:.:.:.هل فيَّ مِن أمْتٍ ومن إِحناءِ
لولا أيادي اللهِ قد سانَدنَنِي.:.:.:.لانهرتُ أو لصرختُ من إعياءِ
بأصابع عينان خير قوارئٍ (*) 1 (.:.:.:.ما لا يكون بمستطاع الرائِي
المسمعان سلوهما فلديهما.:.:.:.خيرٌ كثير معجز الإحصاء
وصلاَ حبالي بالورى لولاهما.:.:.:.لهمدتُ تمثالا من الصمَّاء
قاما مقام الناظريْن فأحسنا.:.:.:.سبحان ربي فاطر الأشياء
بهما انتشيتُ وطرت فوق عوالم.:.:.:.سحرية فاضت بآي رواء
من صادحٍ بين الغصون يهزُّني.:.:.:.أو سلسبيل حديقةٍ غنَّاء
من وَشْوَشَاتٍ للجريد تصبُّ في.:.:.:.صدري انشراحًا في سكون مساء
من نغمةٍ سحريةٍ من آلةٍ.:.:.:.أو من حناجرَ حلوةٍ لظباءِ
بشرٌ أنا في دمعتي، في بسمتي.:.:.:.ما كنتُ بدعًا من بني حوَّاءِ
كَسِوَايَ لي بفمي لسانٌ مفصحٌ.:.:.:.عمَّا أُكنُّ، ألا تَعُونَ نِدائِي؟
حمدًا له كَسِوَايَ لِيَ جوارحٌ.:.:.:.في خدمةٍ مِطواعةٍ كإمائي
إن حطَّ في وجهي قذى.:.:.:.هبَّت له بالمحْق فهو يشعُّ في لألاء
إن شئت كان الخير منها كوثرًا.:.:.:.لأحبَّتي والويل للأعداء
أو شئت قلت لها اكدحي فتُجيبني.:.:.:.لبيك في الإصباح والإمساء
حسبي من الزهر الشدى ولتذهبوا.:.:.:.إن شئتم بقدودها الهيفاء
وبكلِّ ألوان لها فاتنة.:.:.:.زرقاء أو خضراء أو سوداء
الله صوَّرني فأحسن صورتي.:.:.:.لو لم يشأ لخجلت من شوهاء
متمتِّعٌ أنا في بساط سلامة.:.:.:.ما كان عندي آهة الشكَّاء
مهما التقمت أو ارتشفتُ فشاعرٌ.:.:.:.بحلاوةٍ ورَضِيَّةٌ أمعائي
لُبِّي بحمد الله أغلى درَّة.:.:.:.نقَّادة للحسن والأسواء
من لي بخير مواهب وبصيرة.:.:.:.أشياء قد تخفى عن الزرقاء
هي كلُّها جلَّى ولكن تنحني.:.:.:.ليتيمة بالقمَّة الشمَّاء
إن مدَّ لي ربي هدى من فضله.:.:.:.فإذا أنا بمحجَّة بيضاء
زد أنَّ في قلبي يقينًا راسخًا.:.:.:.إن فاتني شيءٌ بدار ... بلاء
فالله ليس بمخلفٍ ميعاده.:.:.:.للصابرين غدًا بدار جزاء
هي بعض أوراق فقط من دوحتي.:.:.:.من لي بمُحصٍ منبع الأفياء
حسبي فما الآلاء عريٌ كلُّها.:.:.:.كلاَّ فأغلبهن طَيُّ خفاء
ما لي يدٌ في كونها أو صونها.:.:.:.الفضلُ فضلُ البارئ المعطاء
-------------
الهوامش
*) - أحمد لزعل من بلدة بريان بميزاب، خريج معهد الحياة بالقرارة، وهو شاعر كفيف البصر، يستخدم أصابعه للقراءة. (التحرير). (1/268)