صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 09 - مبوبة بسم الله الرحمن الرحيم
الافتتاحية
بقلم: الدكتور/ مصطفى صالح باجو
أستاذ بكلية الشريعة والقانون
مسقط ـ سلطنة عمان
نهرُ الحياة موارٌ تتدافع فيه الأمواج، وتتلاحق فيه الأجيال، وتمضي الأجيال بما حملت من طموحات ومشاريع، وما أنجزت من أعمال وحققت من آمال، ولكلِّ جيل قصَّة وحديث، ولا يبقى من كل ذلك غير جميلِ الذكرِ، وعاطرِ الثناء.
على هذا النسق تتوالى السنون وتتتابع الأحداث، وتمضي الأجيال إلى أجلها المحتوم، وتخلُدُ الأعمالُ إن شَرُفت بنُبل المقاصد وسداد المنهج، فتظلُّ معالمَ للاَّحقين، تهديهم في خِضَمِّ الحياة إلى أقوم المسالك، وتحميهم من سُوء المهالك.
والمسلمُ في خضمِّ الحياة تحملُه العقيدةُ على سفينتها، فيأمنُ غوائل الغرق، ويَصلُ برَّ الأمان بسلام، وتَحكُم وِجهَتَه الغايةُ البعيدة؛ متمثلة في رضوان الله والفوز بجنَّة النعيم، فيختصر الجهد ويصل الغاية من أقصر طريق وأيسر مجهود.
ودورية الحياة مَعلَمٌ في مسيرة معهد الحياة، ولبنةٌ أرساها أبو المعهد الرضيِّ؛ الشيخ شريفي سعيد، عليه شآبيب الرحمة والرضوان، غَرَسَه بيده المباركة، وسقاه من رُوحِه الطيِّبة، وتعهَّدَه بحرصه الدؤُوب، فاستقام دوحةً باسِقةَ الأغصان يانِعَةَ الثمار، في روضِ المعهدِ المعطار.
قبل تسع سنين كان ميلادُ باكورة دورية الحياة، وما كان أحدٌ يضمن أن يشهد الشيخ عدُّون وهو يُقارب المائة من السنين ميلادَ ثمانية أعدادٍ من هذه الدورية المبارَكة .. أجل ثمانية أعدادٍ كاملة حملت عرش المعهد عاليًا، وأبلغت رسالتَهُ إلى من كان قاصيًا ودانِيًا، وعرَّفَت بنتاج هذه القلعة الشامخة، من ثمرات أبنائِها ممَّن درج في أحضانِها، كما أسهم فيها مَن نَالَهُ عطرُهَا فانتشى بشذَا رَيْحَانِها، وانتمى إليها مُحِبًّا مُخلِصًا، ورِدءًا مُناصِرًا، فتكاملت بالجميع باقةُ الدورية في أعدادها الثمانية، وفتحت للخير أبوابَ الجنَّة الثمانية.
ومضى الشيخ عدُّون قرير العين إلى مولاه، وما سئِمَ تكاليف الحياة، بل ظلَّ يَنشُدُها ويَرتَجيها سُلَّمًا للفوز بالفردوس الأعلى، حين اتَّضحت أمامه الغاية، وصدقت لديه العزيمة، وخلص منه القصد، فظلَّ القلبُ شبابًا والجسدُ على أعتاب القرن، ولسانُ حاله ومقالِه يُنشِدان:
رَضَيتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ.:.:. مَعَ اللهِ قَرْنًا لَيْسَ يَسْأَمُ، فَاعْلَمِ (1)
أجل لقد مات الشيخ عدُّون، وما ماتَ غَرْسُهُ الذي غَرَس، ولا صَوَّحت أشجارُه التي سَقَى، بل (1/1)
صفحة 2
امتدَّ عُمُرها في مسارِ الحياة الخالدة، بعد أن ضَمِنَ لها الاستمرار حين ربطها بِوَاهِبِ الحياة، وصانها بدستور الحياة، وركَّز في القلوب أنَّ الحياة التي نَنشُدُ، ونُرَبِّي عليها الجيلَ، ونَدعُو إليها الناس، هي التي دعانا إليها ربُّ الناس في مُحكَمِ التنزيل: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: من الآية 24).
تلك هي الحياةُ التي نُريد ونقصِد، ومَن رامَها لم تَفُتهُ متعةٌ ولا منفَعة، ولم تُدرِكهُ خسارة ولا نَدَامَة، مِصدَاقًا لوعد الله الحقِّ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل:97).
وعالمنا اليوم في سرعة جنونيَّة بحثًا عن هذه الحياة، وقد أعياه السعيُ اللاهثُ وراءَ السرابِ، ولم يجنِ من ذلك غيرَ العناءِ والعذاب. وكم كان الشيخ عدُّون يردِّد على مسامعنا ـ ونحنُ بين أحضانه براعم لم نفقه بعدُ مغزى كلامه ـ أن نهتمَّ بحياة الروح، وغذاء الروح، ودواء الروح، ففي ذلك سرُّ السعادة الحقيقية، لا في المُتَع المادية. وقد يدفع نزقُ الشباب إلى الاستخفاف بتلك الدُّرر، ولكنَّه الجهلُ يجني على المرءِ من حيث لا يدري، ثم يُفيق بعد لأيٍ؛ فإن حالفه الحظُّ استدرك ما فات، وقد يفوتُ الأوان فلا يجد مناصًا إلاَّ العض على بنان الندم، ولات ساعة مندم.
أجل كم كان رحِمَه الله يقول لنا: نحن لا ندعوكم للزهد في الدنيا، ولكن خُذُوا منها ما يُبلغُكم حاجاتِكُم، واجعلُوا نَصبَ أعينكم العمل لله وللآخرة، وهدايةِ الناس إلى طريق الخير والصلاح، كُونوا عناصر طيِّبة صالحة مُصلحة أينما حَلَلتُم وارتَحلتُم، فإنَّكم القدوةُ وإليكم المَفْزَع، وأنتم مِلحُ البلد، بكم يَصلُح إن صَلَحتُم، وإن كانت الأخرى، فتلك الطامَّةُ الكبرى، والمصيبةُ القاضية.
وتمضي السنون وتُطَوِّحُ بالمرء المسافات، ليتحقَّق من صدق هذه الكلمات، ويرى شقَاءَ الأمم في انحراف قادتها في الفكر والرأي، وشراءِ علمائِها سَقْطَ المتاع بثَمِين القِيَم، ومتاجرةِ الزَّعمَاء بثوابت الأمَّة، فكان الضياعُ وكان الشقاء، وكان توالي الهزائم في كلِّ صعيد.
وإذا ذُكر الشيخ عدُّون في معرض امتداد أثره، فقد كان هو أيضًا امتدادًا لأثر من سبقه من رجال الأمَّة المخلصين، ممَّن نذروا لله حياتهم؛ فزرعوا بذرة الإصلاح في ربوع الوطن، وسقَوْهَا بمداد العلم ودماءِ الشهادة، فنَعِمْنَا بعدهم بهذا الخير العميم.
أجل، كان الشيخ عدُّون وزيرَ صدقٍ للشيخ إبراهيم بيُّوض رائدِ الإصلاح في ميزاب وجنوب الجزائر، ونُسخةً طبق الأصل لروحِهِ وتضحيته في سبيل إحياء الأمَّة وبذل النفس والنفيس لتنويرها وصونها من مفاتن الحياة الفانية، وتطعيمها بقِيَم الحياة الباقية. ومات الشيخ بيُّوض قبل ربع قرن من الزمن، وتلقَّف رايتَهُ الشيخ عدُّون، وظلَّ وفيًّا لهذه القيم، مستميتًا في سبيل تلك المبادئ، حتَّى لقِيَ اللهَ على العهد والوفاء، ومَضَى قريرَ العين إلى دار البقاء.
مع شهر رمضان المبارك يُطِلُّ علينا هلالُ الدورية بَهِيَّ الطلعة، مُبَشِّرًا بوفاء الأبناء بعهد الآباء، وأنَّ (1/2)
صفحة 3
خلائف الشيخ عدُّون على العهدِ مَاضُون، وفي النهج سائِرُون؛ لأنَّهم أُشرِبوا خُلُق الإخلاص، وأيقنوا أنَّ الأشخاص أشباحٌ، وظِلٌّ زائلٌ، وأنَّ البقاء للمبادئ؛ فلا معبود إلاَّ الله، ولا خالدَ إلاَّ هو، ولا مناص لمن أراد الفوز والفلاح إلاَّ التمسُّك بهذه الثوابت، ومن تنكَّب نهج الهدى كان سعيُهُ سُدى، ولم ينل من دهره غير الخسائر، وإن أدرك بعض ما أراد، فسوف تدور عليه الدوائر.
على هذا المحور دار فَلَكُ الإصلاح، ولهذه الغاية سارَت قافلتُه، وإليه قاد رُبَّانُه سفينَتَه، وقد كلَّفهم ذلك عَنَتًا، ولَقَوا من العراقيل والمكايِد ما لَقَوا، يدفَعُهُم الإيمانُ والتأسِّي برُسل الرَّحمن، مُرَدِّدِينَ قولة الشاعر:
وَالخُلْدُ فيِ الدُّنيَا وَلَيْسَ بِهَيِّنٍ.:.:. عُلْيَا المَرَاتِبِ لَمْ تُتَحْ لِجَبَانِ
فَلَوْ أَنَّ رُسْلَ اللهِ قَدْ جَبنُوا.:.:. لمَا مَاتُوا عَلُى دِينٍ وَإِيمَانِ
وكم كان يُطرِبُهم قولُ مفدي زكرياء في ذمِّ الجبن والجبناء:
إنَّ الجَبَانَ عَلَى البِلاَدِ مُصِيبَةٌ.:.:. عَظُمَتْ، فَيَا أَرْضُ ابْلَعِي الجُبَنَاءَ
وامتزج القولُ بالفعل في سلوكِ هؤلاء الروَّاد الأُمَناء؛ فكانوا القادة والزعماء، وإن لم يسكنُوا قصورَ الأمراء، ودانَت لهُمُ القلوبُ قبل الرقاب، وكان أثرُهُم في الأمَّة العَجَبَ العُجَاب، حين زَرعوا بقُدوَتِهِم قبل قَولَتِهِم في قلوب تلاميذهم وأحبَّتِهِم أنَّ الحياةَ الخالدة قِوامُها الإيمان، وتُرجمانُ الإيمان عزيمة تحرِّك الإنسان، ينطلق بها فارسًا في الميدان، ولكن بحكمة وأناة، لا بتهوُّر وانفلات، فيُقْدِمُ إذا لَزِمَ الإقدامُ، وينثني حين يَلزِم الإحجام، فإذا انجلت العواصف واصل المسير، لا يَصدُّه عن غايته خوفُ المصير، لأنَّه آمن بنُبل الرسالة وشرف الأمانة، وحرص على الموت فأتته الحياةُ طائعةً، ودانت له الدنيا راكعة.
بهذه الروح ستمضي دورية الحياة ثابتةَ الخطواتِ رغم العراقيل والعقبات، تفتَحُ صدرَها لكلِّ من آمن بها، مجالاً للفكر المستنير، أصيلاً في ثوابته، قويمًا في مناهجه، متفتِّحا على عصره، وما يمُورُ به من تطوُّرات، مستفيدًا من نتاج العقل البشري في شتَّى المجالات، ممدودَ اليدِ للتعاون مع كلِّ جهد مخلص لتنوير الجيل بالعلم النافع، والرأي السديد، سعيًا لترشيد الأمَّة، وإحياء مَوَاتِها، حتَّى تُحقِّق الشهود الحضاري المنشود.
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة:105).
مسقط ـ سلطنة عمان
صباح الجمعة: 05 شعبان 1426هـ
الموافق 09 سبتمبر 2005م
--------------------
الهوامش
(1) - نظمنا هذا البيت خلال كتابة المقال مُعارضَةً لبيت زهير بن أبي سلمى المشهور:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ.:.:. ثَمَانِينَ حَوْلاً لاَ أَبا لَكَ يَسْأَمِ (1/3)
صفحة 4
المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
(الحلقة الثانية)
في نقض دعوى رسم المصحف الإمام على حرف واحد
وحمل الناس على القراءة به وترك ما سواه
الأستاذ:
الشيخ بالحاح بكير بن محمد (باشعادل)
أستاذ بمعهد الحياة ـــ القرارة
إنَّ جمعَ الخليفةِ عثمان الصُّحفَ التي كُتبت وجُمعت في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ونسْخَها في المصحف الإمام ـــ كما يُسمَّى ـــ أمرٌ لا مرية فيه، وكذلك استنساخ المصاحف التي وجَّهها إلى الأمصار ليقتدي بها الناس، وعزمُه عليهم أن يُحرِّقوا ما كان لديهم من صُحف أو مصاحف حسمًا للنزاع وقطعًا لدابر الخلاف الذي نجم بين طوائف المسلمين؛ فقد تعرَّض الكُتَّاب والمصنِّفون لهذه المسألة وأفاضوا فيها، وأطنبوا بما يملأ بطون المجلَّدات ..
لكن مشكلة المشاكل، والعدَّة التي استعصى على الكثير منهم حلُّها، هي حسمُ الخلاف بين العلماء فيما إذا كانت تلك المصاحف رُسمت على ما يوافق حرفًا واحدًا من الأحرف السبعة التي أخبر الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم أنَّ القرآن أُنزل عليها؟ أم رُسمت على ما يوافق بعضًا منها من غير تعيين؟ أم على ما يوافق كلَّها؛ فهي في المصاحف بتمامها من غير ترك شيءٍ منها؟
قال الإمام ابن الجزري: « ... وأمَّا كونُ المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة فإنَّ هذه مسألة كبيرة اختلف العلماء فيها؛ فذهب جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أنَّ المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وبنوا ذلك على أنَّه لا يجوز على الأمَّة أن تُهمل نقل شيءٍ من الحروف التي نزل القرآن بها. وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر وعمر، وإرسال كلِّ مصحف منها إلى مصرٍ من أمصار المسلمين، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك؛ قال هؤلاء: ولا يجوز أن يُنهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة، ولا أن يجمعوا على ترك شيءٍ من القرآن. (1/4)
صفحة 5
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنَّ هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمُها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبيء صلى الله عليه وسلم على جبرائيل عليه السلام، متضمِّنة لها، لم تترك حرفًا منها».
«قلتُ؛ وهذا القول هو الذي يظهر صوابُه ... » (1).
كما ذكر في «منجد المُقرئين ومرشد الطالبين» عن الأئمة أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وأبي عمر بن عبد البر، ومكِّي بن أبي طالب القيسي، وأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي أنَّ المصاحف العثمانية هي بعض الأحرف السبعة ــــ عند بعضهم ـــ أو هي حرفٌ واحد ـــ عند آخرين ـــ من غير تعيين الحروف أو الحرف (2).
وقال في موضع آخر من الكتاب: «وللشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر الجعبري رحمه الله رسالة ذكر فيها أنَّ القرآن وصل إلينا متوترًا بأحرفه السبعة التي نزل بها القرآن على النبيء صلى الله عليه وسلم».
وقال [أعني ابن الجزري]: «قُلتُ: وهذا عجبٌ منه مع جلالة قدره، ولو كان هذا الكلام من غيره لقلنا عنه إمَّا أن يكون ما يدري الأحرف السبعة ما هي؟ أو ما يدري التواترَ ما هو؟ وحاشاه من ذلك» (3).
هكذا يرى الإمام ابن الجزري أنَّ المصاحف العثمانية رُسمت على ما يوافق بعض الأحرف فقط، ويتمسَّك برأيه إلى حدٍّ الإنكار الشديد على أحد الأئمة الأعلام في هذا العلم الإمام الجعبري على جلالة قدره حسبما نعته هو».
وإلى جانب هذا نجد من أكابر العلماء من يتَّخذ من قضية رسم المصاحف على حرف واحد نموذجًا للسنَّة التي سنَّها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، ويأخذها مأخذ التسليم، وكأنْ لم يرد فيها أدنى اختلاف بين العلماء.
قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي: «ويُطلَقُ أيضًا لفظ السنَّة على ما عمل عليه الصحابة، وُجد ذلك في الكتاب أو السنَّة أم لم يُوجَد، لكونه اتباعًا لسنةٍ ثبتت عندهم لم تُنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم، فإنَّ إجماعهم إجماعٌ، وعمل خلفائهم راجعٌ أيضًا إلى حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر المصلحي عندهم، فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالحُ المرسلة والاستحسان، كما فعلوا في حدِّ الخمر وتضمين الصنَّاع، وجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرفٍ واحدٍ من الحروف السبعة، وتدوين الدوواين وما أشبه ذلك، ويدل على هذا الإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين"» (4).
إنَّ الإمامين أبا إسحاق الشاطبي، ومحمد ابن الجزري من أكابر العلماء الذين خدموا الدين فألَّفوا وصنَّفوا، وحقَّقوا مسائل العلم ودقَّقوا، فهم الحجَّة فيما ألَّفوا، وقدوتنا وعمدتنا في هذه العلوم، فلا يسعُنَا إلاَّ العرفان بفضلهم والاعتراف لهم بالأسبقية والأعلميَّة، فما كان ينبغي لنا أن نتطاول (1/5)
صفحة 6
عليهم أو نستدرك، غير أنَّ الحق أحقُّ أن يُتَّبع، وقديمًا قيل ما من عالِمٍ إلاَّ وفي علمه مأخوذٌ ومتروك ما عدا المعصوم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم.
إنِّي بعد طول تدبُّر وإمعان النظر في عدد من المصنَّفات، أستعرض الأقوال، وأقرأ وأُعيد، وأتدبَّر البراهين آخذًا على نفسي التزام التجرُّد والموضوعية ـــ قدر طاقتي ـــ بالرجوع إلى جذور المسألة، وأسباب المشكلة، وباستنطاق النصوص التي صحَّت في قضية جمع الخليفة الراشد ـــ الإمام عثمان بن عفَّان رضي الله عنه ـــ الصحف في المصحف الإمام وسائر المصاحف العثمانية التي أرسلها إلى الأمصار؛ كلُّ ذلك كَشَفَ لي جملة من الحجج والبراهين التي جعلتني أميل إلى القول بأنَّ المصاحف العثمانية في جملتها رُسمت على ما يوافق جميع الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم.
وإليك أخي القارئ الكريم جملة من الحجج والبراهين على ما بدا لي واطمأنَّت إليه نفسي، وأرجو من الله أن يكون صوابًا ويعصمني من الزلل.
1 - قوله تبارك وتعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمُ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا اَيتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَ أَنُ ابَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيَ إِنَ اَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (يونس/15). قال الإمام ابن كثير في تفسيرها: «أي ليس هذا إليَّ إنَّما أنا عبدٌ مأمور، ورسول مبلِّغٌ عن الله».
وقال سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن»: «فما يكون للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبدِّله من تلقاء نفسه، إن هو إلاَّ مُبلِّغ متَّبع للوحي الذي يأتيه، وكلُّ تبديل فيه معصية وراءها عذاب عظيم». اهـ.
أقول: إنَّ رسم المصحف الإمام وسائر المصاحف العثمانية على حرفٍ واحد فقط ـــ فيما ادَّعاه بعضٌ من العلماء ـــ صورة من صُور التبديل، وحاشا الإمام عثمان وأصحابه أن يفعلوا ذلك.
2 - عثمان رضي الله عنه الذي يُنسب إليه أنَّه رسم المصاحف العثمانية على حرفٍ واحد فقط ينقل الإمام البخاري في شأنه بسنده عن ابن الزبير قال: «قلتُ لعثمان بن عفان {وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قد نسختها الآية الأخرى، فلِم تكتُبُها؟ أو تدعها؟ [يعني لِمَ تدًعُها مكتوبة ولا تحذِفُها؟] قال (عثمان): يا ابن أخي لا أُغيِّرُ شيئًا من مكانه» (5).
وشبيه بهذا ما ذكره الإمام الفخر الرازي في سياق تفسير قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} (النساء/11) إذ يقول: «روي أنَّ ابن عبَّاس قال لعثمان: بم صار الأخوان يردَّان الأمَّ من الثلث إلى السُّدُس؟ وإنَّما قال تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} والأخوان ــــ في لسان قومك ــــ ليسا بإخوة! فقال عثمان: لا أستطيع أن أردَّ قضاء قُضيَ به مِن قبلي ومضى في (1/6)
صفحة 7
الأمصار». اهـ.
أقول: هل يُعقل أن يتحرَّج عثمان ويستصعب أن يغيِّر الفتوى في مسألة فرعية من أجل ان يُقضى فيها مِن قبله، وأنَّها مضت وانتشرت في الأمصار؟ أليس القرآن قد مضى في الأمصار، وانتشر فيها بين كافة المسلمين، يحفظه منهم الكبير والصغير، الذكر والأنثى، والعالم والجاهل؟ حفظه الجميع كلَّه أو بعضه في الصدور، وحمله منهم جيلٌ عن جيلٍ، وأمَّة عن أمَّة، بل أُمم عن أُمم.
3 - تقدَّم في البحث «مراحل توثيق القرآن الكريم» (6) الحديث الذي رواه الإمام البخاري، والذي جاء فيه أنَّ أبا بكر تردَّد وتحرَّج من مجرَّد جمع القرآن حين أشار إليه عُمر بذلك، فقال: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وفيه أيضًا أنَّ زيد بن ثابت تحرَّج وقال لأبي بكر وعمر: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أيتحرَّجون من مجرَّد الجمع ولا يتحرَّجون ممَّا يشبه عملية اختصار نصِّ القرآن؟ على ما يُفهم من دعوى رسمِهِ على حرف واحد، وإن كنتُ أعتقد أنَّ القائلين بهذا لم يقصدوا شيئًا من ذلك، وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعلوه.
4 - صرَّح كثير من الأئمة الأعلام أنَّ الاعتماد في توثيق القرآن وحفظه من الضياع أو التبديل أو التغيير كان في الدرجة الأولى على الحفظ في الصدور.
قال ابن الجزري: «ثم إنَّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتُب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمَّة».
وقال أيضًا معلِّقًا على حديث رواه مسلم جاء فيه: « ... "ومُنَزِّلٌ عليك كتابًا لا يغسله الماء" فأخبر تعالى أنَّ القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تُغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمَّته "أناجيلهم في صدورهم"» (7).
5 - إنَّ الخليفة عثمان رضي الله عنه لمَّا عزم على جمع القرآن للأسباب التي سبق ذكرها أرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصُّحُف ننسخها ثمَّ نردُّها إليك، حتَّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كلِّ أُفق بمصحف ممَّا نسخوا. هكذا بالحرف الواحد في صحيح البخاري في الباب الثالث من كتاب فضائل القرآن، فمن أين علموا أنَّ عثمان كتب المصاحف على حرف واحد؟ وما مُستَنَدُ من قال بهذا؟
6 - إنَّ جميع الكتب من تفسير وحديث وغيرها، عندما تناولت قضية جمع أبي بكر للقرآن في صُحف ـــ في حدود ما اطَّلعتُ عليه ـــ لم تتحدث عن أنَّ أبا بكر اشترط على من يأتيه بشيء من القرآن مكتوب عنده أن يأتيه بشاهدين على أنَّ ذلك ممَّا تلقَّاه عن النبيء صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة، كما أنَّه لم يُنقَل إلينا أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم أمر صحابته من كان لديه شيٌ مكتوب من القرآن أن يُعارِضَه على العرضة الأخيرة ويمحو ما سواه. وإنَّما ذكرتُ (1/7)
صفحة 8
هذا ردًّا على من زعم أنَّ المصحف الإمام نُسخ على حرفٍ واحدٍ وعلى ما يوافق العرضة الأخيرة، من غير أن يقوم دليل من العقل أو النقل على ذلك.
7 - إنَّ على من ادَّعى رسم القرآن في المصاحف العثمانية على حرفٍ واحدٍ أن يعترف أنَّ الصحابة كانوا على علمٍ ويقين من هذه الأحرف، وكانت لديهم متمايزة، فاختاروا واحدًا وألغوا الستة الأخرى ... وإن كان هذا حقًّا فلماذا لم يُنقل عنهم؟ ولو وقع لَنَقَله الرواةُ وتواتر عند الناس، ولَمَا اختلف العلماء من بعدهم ذلكم الاختلاف في تأويل الأحرف.
ومن عجيب أمر الإمام الجليل الطبري ومن على رأيه أن يزعم أنَّ الحروف الستَّة قد دَرَسَت من الأمَّة معرفتُها، وتَعَفَّتْ آثارُها!
قال في سياق حديثه عن قصَّة جمع القرآن في عهد الإمام عثمان رضي الله عنه: « ... إنَّ إمام المسلمين، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه جَمَع المسلمين نظرًا منه لهم، وإشفاقًا منه عليهم، ورأفة منه بهم، حِذَارَ الردَّة من بعضهم بعد الإسلام، والدخول في الكفر بعد الإيمان، إذ ظهر من بعضهم وبمحضره وفي عصره التكذيبُ ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن مع سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله النهيَ عن التكذيب بشيءٍ منها، وإخباره إيَّاهم أنَّ المراء فيها كفرٌ؛ فحملهم ـــ رحمة الله عليه ـــ إذ رأى ذلك ظاهرًا بينهم في عصره وبحداثة عهدهم بنزول القرآن وفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم إيَّاهم، بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن على حرفٍ واحد، وجمعهم على مصحفٍ واحدٍ أو حرفٍ واحد [!!؟] وحرَّق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، وعزم على كلِّ من كان لديه مصحفٌ مُخالف للمصحف الذي جمعهم عليه أن يحرِّقه، فاستوثقت (8) له الأمَّة على ذلك بالطاعة، ورأت أنَّ فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها الإمام العادل في تركها، طاعة منها له، ونظرًا منها لأنفسها، ولمن بعدها من سائر أهل ملَّتها حتى درست من الأمَّة معرفتُها، وتعفَّت آثارُها، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها، وعُفُوِّ آثارها» (9).
أقول: حاشا الصحابة أن يكذِّبوا بشيء من أحرف القرآن، ولا أن يُجمعوا على رسمه بحرفٍ واحد؛ ثمَّ كيف عرف العلماء تأويلها بعد ذلك وتضاربت أقاويلهم وقد درست من الأمَّة معرفتُها، وتعفَّت آثارها، فلا سبيل لأحد القراءة بها، كما مرَّ بك في عبارة الإمام الطبري.
كلاَّ؛ إنَّها باقيةٌ إلى يوم الناس هذا؛ فمن المصاحف التي بلغت إلى علمائنا الأجلاَّء ووصلتهم متواترة محفوظة في القلوب، استنبطوها فعرفوها على ما ذهب إليه كلٌّ منهم، وما من وجهٍ من وجوه التأويل لهذه الأحرف في مجموع الأقاويل التي دوَّنها العلماء في مصنَّفاتهم إلاَّ وجدتَ له أمثلة ماثلة حاضرة في مصاحفنا اليوم لم يَدْرُس منها شيءٌ ولم يحرق ولم يُغسل ولم يُمزَّق (10). (1/8)
صفحة 9
8 - قال الإمام الطبري: «فإن قال فما بال الأحرف الأخر الستَّة غير موجودة؟ ... وقد أقرأهنَّ رسول الله أصحابه، وأمر بالقراءة بهنَّ، وأنزلهنَّ الله من عنده على نبيِّه صلى الله عليه وسلم، أنُسِخت فرُفعت؟ فما الدلالة على نسخِها ورفعِها؟ أم نسيَتهُنَّ الأمَّة؟ فذلك تضييعُ ما قد أُمروا بحفظه؟ أم ما القصة في ذلك؟ قيل له: لم تُنسخ فتُرفع، ولا ضيَّعتها الأمَّة وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمَّة أُمرت بحفظ القرآن، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأيِّ تلك الأحرف السبعة شاءت» (11).
هذا الكلام ـــ من الإمام الكبير الطبري ـــ كلامٌ عجيب، إن لم يكن متناقضًا، فالله أعلم بمراد هذا الإمام بقوله؛ إلاَّ أن نتصوًّر أنَّ الحروفَ ألوانٌ يُصبغ بها القرآن فاقتصر على لونٍ واحدٍ، أو أنغام يُقرأ بها فاقتصر على نغمٍ واحد.
أحسبني وأنا أقرأ كلام هذا الإمام ـــ وأنا مقرُّ له بالأفضلية ــــ على مثل حال والدٍ أُمِّي سمع ولده يقرأ «فخرَّ عليهم السقف من تحتهم»، فقال: يا بني أمَّا القراءة فلستُ بقارئ غير أنَّ السقف لا يخرُّ من تحت ...
9 - ذكر الإمام ابن الجزري عن الإمام الطبري أنَّ ما اختلف فيه القراء لا يخرجون فيه عن خطِّ المصحف الذي كُتب على حرف واحدٍ، وقال تعليقًا على هذا: «قلتُ المصحف كُتب على حرفٍ واحدٍ ولكونه جُرد عن النَّقط والشكل احتمل أكثر من حرف، إذ لم يترك الصحابة إدغامًا ولا إمالة ولا تسهيلاً ولا نقلاً ولا نحو ذلك ممَّا هو من الأحرف الستة ... » (12).
فالإمام ابن الجزري كاد أن يذهب إلى الرأي القائل ببقاء جميع الأحرف، ولكنه حام ولم يقع.
فلماذا لا يكون تجريد المصاحف من الشكل والنقط وسيلةً لجمع كافة الحروف السبعة في المصحف الإمام؛ إلا ما كان من الاختلاف في إثبات بعض الكلمات أو حذفها، أو إبدال بعض الحروف بعضها ببعض؛ مثل القراءة بحذف «من» من قوله تعالى: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الاَنْهَارُ} (التوبة/100) في قراءة وإثباتها في أخرى، ومثل القراءة بالفاء بدل الواو في قوله تعالى: {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} (الشمس/15).
10 - إنَّ قراءة القرآن على سبعة أحرف تيسير على الناس ورحمة لهم؛ فإذا احتاج العرب الذين نزل القرآن بلغتهم إلى التيسير لاختلاف اللهجات، فكيف بمن وراءهم من الأمم غير العربية من العصر الإسلامي الأول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟
أم يُقال إنَّ الأحرف السبعة كانت رحمة في حدِّ ذاتها لكن لمَّا اختلف الناس في قراءة القرآن أصبحت نقمة عليهم؟ كلاَّ! ليس العلاج في ترك الاختلاف كما أرشد إليه رسول الرحمة أصحابه حين اختلفوا واحتكموا إليه.
11 - القرآن كلام الله تعالى المُعجز فكيف يتسنَّى للناس مجتمعين أو متفرِّقين أن يحذفوا شيئًا من القرآن، أو يتصرَّفوا فيه مع الحفاظ على إعجازه وبلاغته، ولا أتصوَّر حذف بعض الحروف من (1/9)
صفحة 10
الأحرف السبعة من غير حذف بعض كلمات القرآن لأنَّهما في نظري متلازمان تلازم الصفة بالموصوف.
12 - إذا كان عثمان رضي الله عنه أمر بتحريق ما عدا المصاحف العثمانية فليس في مقدوره أن يحرِّق ما وعته الصدور وحفظته بغاية الضبط والإتقان ... فذلك ما لا سبيل إليه.
قال الشيخ محمد عبده رحمه الله «إنَّ كتابنا هو القرآن العزيز لم يوجد كتابٌ في الدنيا نُقل، ونُشر كما نُشر، فإنَّ الجماهير من المسلمين قد حفظوه عن ظهر قلب من القرن الأول إلى يومنا هذا» (13).
وقال أيضًا: « ... وما كفل تعالى حفظ كتابٍ من كُتبه بنصِّه إلاَّ هذا القرآن المجيد الذي قال فيه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر/09)، وظهر صدقُ كفالته بتسخير الألوف الكثيرة في كلِّ عصر لحفظه عن ظهر قلب، ولكتابة النسخ التي لا تُحصى منه في كلِّ عصره ... » (14).
وممَّا ذكره المفسر الكبير الإمام القرطبي في تفسيره «فاتَّفقوا على جمعه بما صحَّ وثبت في القراءات المشهورة عن النبيء صلى الله عليه وسلم واطرح ما سواه» (15).
فأنت ترى الإمامين محمد عبده والقرطبي فيما نقلتُه لك لم يشيرَا إلى رسم المصحف على حرف واحد فقط من الأحرف السبعة.
ومن عجيب أمر الإمام الطبري ـــ الذي ذهب إلى أنَّ المصحف الإمام لم يُرسم إلاَّ على حرف واحد ـــ أن ينقل حديثًا جاء فيه، «كان الكتاب الأول [يريد الكتب السماوية السابقة على القرآن] نزل من باب واحد وعلى حرفٍ واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف ... » ثمَّ يقول: «وخصَّ الله نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه بأن نزَّل عليهم كتابه على أوجه سبعة من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله ويدركون بها الفوز بالجنَّة إذا أقاموها، فلكل وجه من أوجهه السبعة بابٌ من أبواب الجنَّة الذي نزل منه القرآن ... فجميع ما في القرآن من حروفه السبعة وأبوابه السبعة التي نزل منها جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديًا، وإلى الجنَّة قائدًا» (16).
أقول: هذا الكلام يُناقض مذهبه في رسم المصحف على حروف واحدٍ من الأحرف السبعة.
وخلاصة القول في الموضوع:
إنَّ دعوى رسم المصاحف العثمانية على ما يوافق حرفًا واحدًا من الأحرف السبعة هي أصل المشكل، ولا نرتاب فيما نُقل وتواتر من حمل الإمام عثمان رضي الله عنه الناسَ على مصحفٍ إمامٍ، فإنَّ الهدايةَ والرشدَ في ذلك، وإنَّما أمر بتحريق كلِّ ما عداه من أجل أنَّه عملُ الصحابة منفردين لا مجتمعين، فلا يُؤمَنُ الخطأُ على صحابيٍّ فيما كتبه على انفراد؛ وقد نقل الطبري أنَّ (1/10)
صفحة 11
عثمان حين بلغه اختلاف الناس في القراءة وتكفير بعضهم بعضًا ... قام في الناس خطيبًا فقال: «أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون! فَمَن نأى عنِّي من أهل الأمصار أشدُّ لحنًا. اجتمِعُوا يا أصحاب محمَّد واكتبوا للناس إمامًا ... فلمَّا فرغ من المصحف كتب عثمان إلى أهل الأمصار: إنِّي قد صنعتُ كذا وكذا ومحوتُ ما عندي فامحوا ما عندكم» (17).
فلا عجب أن يأمر كلَّ من كان كتب شيئًا أن يمحوه ويتأسَّى بالمصحف الإمام، لأنَّ الثقة فيما كُتب عن ملإٍ من الصحابة على اجتماع آكد، وبهذا المصحف ينحسم النزاع لا بسواه.
وقد نال أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ومن معه من الصحابة الكرام شرف جمع الناس على المصحف الإمام، وفعله هذا أيضًا مظهرٌ من مظاهر حفظ الله لكتابه العزيز كما وعد، وبهذا أيضًا حفظه من أن يُنسب إلى أحدٍ، فيُقال: مصحفُ فلان أو فلان، فضلاً عن أن يُقال قرآن فلان أو فلان، كما قالت النصارى إنجيل متَّى وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنَّا ...
وغرضي ممَّا كتبتُ إبعاد تهمةٍ قد تُلصق بعثمان رضي الله عنه عن سوء فهم، وسدٌّ لثلمةٍ في وجه أعداء الإسلام الذين لا يفتأون يشوِّشون على أبناء دين الإسلام.
وقد نتساءل عن مصير المصاحف العثمانية؟
إنَّه ليس في معرفة ذلك كثير فائدة، وربَّما وجدنا خبرًا عن بعضها في طيِّ كتابٍ في فترة ماضية، ولا نعلم مصيره بعد ذلك، ومن هذا ما ذكره الإمام ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة من بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم في كتاب «فضائل القرآن»
قال: «وأمَّا المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي بالشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا بمدينة طبرية ثم نُقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلاً عظيمًا ضخمًا، بخطٍّ حسن مُبين قوي، بحبرٍ مُحكم في رقٍّ أظنُّه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا» (18).
يُقال يُشاع أن دولة روسيا احتفظت بمصحف عثمان الذي قُتل وهو يتلو القرآن منه فتلطَّخ بدمه، وحدَّثني من ذهب إلى طشقند ــــ حيث زَعَمَت أنَّه فيها ــــ ولكنَّه لمَّا عاد صرَّح بشكِّه من صحَّة الدعوى.
وسوف تفنى الصدور التي حفظت القرآن صدرًا بعد صدر، وستبلى المصاحف التي خُطَّت عبر العصور مُصحفًا بعد مُصحف، ويبقى كلام الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ما بقي المسلمون يحفظون كتاب الله جيلاً بعد جيل، ويكتبونه ويتناقلونه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويبقى وجه ربِّك ذو الجلال والإكرام.
هذا ما منَّ الله به عليَّ، وفتح لي في هذه القضيَّة الشائكة، فما كان صوابًا منه فبفضل الله ورحمته، وما كان غير ذلك فأرجو من الله مغفرته ..
{إِنُ ارِيدُ إِلاَّ الاِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود/88). (1/11)
صفحة 12
--------------------
الهوامش
1 ـــ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر». مج 1، ص: 31. نشر دار الكتاب العربي. (د. ت. ن).
2 ـــ م ن. ص: 48.
3 ـــ ابن الجزري: «النشر في القراءات العشر». مج 1، ص: 31. نشر دار الكتاب العربي. (د. ت. ن).
4 ـــ أبو إسحاق الشاطبي: «الموافقات». ج 4، ص: 04، وما بعدها. والحديث أخرجه أبو داود والترمذي.
5 ـــ البخاري: «صحيح البخاري». الباب الواحد والأربعون من أبواب تفسير سورة البقرة.
6 ـــ راجع البحث النشور في العدد السادس من هذه الدورية، بداية من ص: 93، رمضان 1423هـ / 2002م
7 ـــ ابن الجزري: «النشر». مج 1، ص: 06.
8 ـــ كذا، وقد رواه ابن كثير في كتاب «فضائل القرآن» بلفظ: فاستوسقت (من الانسياق)، ولعل هذا اللفظ هو الأصوب.
9 ـــ الطبري: «جامع البيان». مج1، ص: 22. المطبعة الكبرى الأميرية. بولاق، مصر. ط1. 1223هـ.
10 ـــ راجع ابن الجزري: «النشر» مج1، ص: 24 ــــ 26.
11 ـــ الطبري: «جامع البيان». مج1، ص: 20 فما بعدها.
12 ـــ ابن الجزري: «منجد المقرئين». ص: 56.
13 ـــ محمد عبده: «تفسير المنار». مج4، ص: 279.
14 ـــ م ن، ص: 14.
15 ـــ القرطبي: «الجامع لأحكام القرآن». مج1، ص: 51.
16 ـــ الطبري: «جامع البيان». مج1، ص: 23 ـــ 25.
17 ـــ م ن، ص: 21.
18 ـــ ابن كثير: «فضائل القرآن». أُلحق هذا الكتاب بآخر الجزء السابع من التفسير. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. ط2، 1389هـ/ 1970م. (1/12)
صفحة 13
الجانب الفكري في المذهب الإباضي (*)
الأستاذ: الشيخ صالح بن أحمد البوسعيدي
سلطنة عمان
إن الباحث في أدبيات المذهب الإباضي يواجه أول ما يواجهه من تساؤل في بحثه عن تصنيف المذهب الإباضي، فهل يصنفه على أنه فرقة عقدية؟ أم حركة سياسية؟ أم اتجاه فكري؟ أم مدرسة أصولية؟ أم مدرسة فقهية؟. (1)
والحقيقة أن المذهب الإباضي ليس واحدا من ذلك بعينه، وإنما هو مجموع ذلك كله، فالمذهب الإباضي حركة سياسية، وفرقة عقدية، واتجاه فكري، ومدرسة أصولية فقهية في الوقت ذاته، لا يطغى جانب من تلك الجوانب على آخر، بل كلها وبمجموعها تشكل منظومة واحدة نطلق عليها اسم (المذهب الإباضي).
فعلى عكس الكثير من المذاهب الإسلامية الأخرى التي يطغى على بعضها الجانب الفقهي، وعلى بعضها الجانب العقدي، وعلى بعضها الجانب السياسي نجد أن المذهب الإباضي قد استطاع ـــ وبعبقرية فذَّة ـــ أن يوفِّق بين تلك الجوانب وأن يستوعبها كلها، وأن يكون له موفقه المتميز فيها جميعا، وبصمته الواضحة عليها كلها.
فإذا أتينا إلى الجانب السياسي سنجد أن المذهب الإباضي حركة سياسية قائمة بذاتها لها أطروحاتها التي لا يستطيع المطلع إلا أن ينحني أمامها إعجاباً وإكباراً.
وإذا أتينا إلى الجانب العقدي سنجد أيضاً أن المذهب الإباضي له أحكامه العقدية القائمة على ركائز راسخة، وأدلة قوية.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الفقهي سنجد ثروة هائلة من الإسهام الفقهي في كل أبواب الفقه من العبادات والمعاملات وفقه الجنايات والأحوال الشخصية.
والشيء نفسه نجده في علم أصول الفقه، فللمذهب الإباضي آراؤه وتحقيقاته في هذا العلم، ومؤلفاته التي أوسعت هذا العلم تحقيقا ودراسة.
إن كل ذلك هو ما يمكن أن نطلق عليه اسم (الفكر الإباضي).
الوسطية والاعتدال في الفكر الإباضي:
لعل أهم ميزة يمتاز بها الفكر الإباضي هي الوسطية والاعتدال في الطرح بين الإفراط والتفريط، وهذه الميزة يمكن أن تلمحها بسهولة في كل زاوية من زوايا المذهب الإباضي سواء في العقيدة أم الفقه أم الفكر السياسي أم غير ذلك، وهذا ليس شيئاً متكلفاً في الفكر الإباضي لأنه مأخوذ من (1/13)
صفحة 14
نهج الإسلام نفسه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143).
والأمثلة على هذه الوسطية في الفكر الإباضي كثيرة يمكننا أن نذكر منها:
1 ـــ الوسطية بين الاستدلال بالنقل والاستدلال بالعقل: ففي حين يميل بعض الفرق في الاستدلال إلى الجانب النقلي واستبعاد العقل إلى حدٍّ كبير، كما نجد ذلك عند المحدِّثين، تفرط فرق أخرى بالتعويل على الاستدلال العقلي إلى الحد الذي ذهبت إلى تحكيم العقل على الشرع، كما نجد ذلك عند المعتزلة، غير أننا نجد الإباضية يمزجون بقدرة عجيبة في الاستدلال بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية دون تغليب جانب على آخر.
2 ـــ الوسطية بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي: وهذا وإن كان قريباً من المثال الأول إلا أنه أقرب إلى الفقه بينما الأول أقرب إلى العقيدة، فالإباضية يقفون وسطاً بين مدرستي الحديث والرأي، ففي استدلالهم بالأحاديث لا يركنون إلى التمسك بالفهم الحرفي لمضمون الحديث، كما هو شأن الظاهرية، ولكنهم في الوقت نفسه لا يحاولون رد الحديث لمجرد أنهم لم يستطيعوا فهمه أو لأنه يتعارض مع قاعدة عامة، وإنما يحاولون قبول الحديث والعمل به ما وجدوا لذلك سبيلاً.
3 ـــ في الفكر السياسي فإنهم لا يوجبون الخروج على الإمام الجائر مهما كانت الأحوال كما هو رأي الخوارج، ولكنهم في الوقت نفسه لا يحرمون الخروج عليه، حتى مع القدرة وإمكان تغييره، كمَا هو رأي بعض الفرق، وإنما يرى الإباضية أن الخروج على الإمام الجائر جائز بصورة عامة، وهذا الجواز يميل إلى التحريم عند خوف الفتنة وتغليب احتمال الفشل في تغيير الوضع القائم، ويميل إلى الوجوب متى ما كان احتمال النجاح أقوى، لأن القيام بالعدل من أسس الشريعة الإسلامية.
4 ـــ في مصطلح الحديث فإن الإباضية لا يقولون بأن الحديث الآحادي لا يجوز الاحتجاج به مطلقاً كما هو رأي بعض الفرق الإسلامية، ولكنهم في الوقت ذاته لا يقولون إنه حجة في الأمور الاعتقادية، وإنما يذهبون إلى أن حديث الآحاد يوجب العمل ولا يفيد العلم، فهو حجة في الأمور العملية وليس حجة بذاته في المسائل الاعتقادية، وهذا هو مذهب المحققين من الأصوليين والمحدثين.
موقف الإباضية من مخالفيهم:
ينقسم الناس في الفكر الإباضي إلى قسمين أساسيين: مسلمين وغير مسلمين، أما غير المسلمين فهم كل من لم يرض بالله رباً أو بمحمد رسولاً أو بالإسلام ديناً، وهي الجمل الثلاث التي يشترطها الإباضية للخروج من الشرك إلى الإيمان (شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمداً رسول الله وأن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله) فلا ينتقل غير المسلم إلى أن يكون في جملة المسلمين إلا بإيمانه وإذعانه لتلك الجمل الثلاث. (1/14)
صفحة 15
ويدخل في جملة غير المسلمين المشركون عبدة الأصنام والأوثان والملحدون وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمجوس.
ويطلق الإباضية على غير المسلمين أسماء: المشركون والكافرون والكفار، وبطريق الأولى هم مستحقون لأوصاف: الفساق والمنافقون والظالمون، وعند اقتران اسم "المشركون وأهل الكتاب" فالمراد بأهلِ الكتاب اليهودُ والنصارى، وبالمشركين غيرهم من عبدة الأصنام والأوثان، وهو إطلاق اصطلاحي لاختلاف اليهود والنصارى عن غيرهم في بعض الأحكام الدنيوية الواردة في القرآن الكريم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما المسلمون في الفكر الإباضي فهم كل من رضي بالله تعالى رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً وأذعن للجمل الثلاث التي أشرنا إليها سابقاً والتي لا يكون الإنسان مسلماً إلا بالإيمان بها.
وإذا كان الإنسان قد نشأ في بيئة مسلمة أو ولد لأبوين مسلمين فإنه لا يطالب بالنطق بتلك الجمل، بل يحكم عليه بأنه مسلم، ويعامل معاملة المسلمين، ما لم يبدر منه خلاف ذلك، أما إذا لم ينشأ في بيئة مسلمة أو لم يكن أبواه مسلمين فإنه لا يكون مسلماً في نظر المسلمين إلا إذا نطق بتلك الجمل، وكذلك إذا ارتد عن الإسلام وثبت عليه ذلك فإنه لا يرجع إلى بيت الإسلام إلا بمعاودة نطقه بتلك الجمل.
ويطلق الإباضية على المسلمين أسماء: المسلمين والمؤمنين وأهل التوحيد وأهل القبلة، وهي أسماء يدخل فيها كل المسلمين باختلاف مذاهبهم وآرائهم ومدارسهم العقدية والفقهية.
فإذا كان الإنسان مسلماً فإن له جميع حقوق المسلمين من حرمة دمه وماله وعرضه ودفع الزكاة له، ووجوب القصاص له، أو دفع الدية كاملة في حالة الاعتداء على حياته، وجواز تزويجه وتزوجه، والصلاة خلفه وعليه، ودفنه في مقابر المسلمين، إلى غير ذلك من الحقوق، ولا يفرق الإباضية إطلاقاً بين إباضي وغيره في هذه الحقوق.
وإذا حدث واعتقد غير المسلم شيئاً من العقائد المخالفة لما يعتقد الإباضية صوابه فإن الإباضية يرون أن واجبهم ومن حقوقه كمسلم إيضاح العقيدة الصحيحة له، ودفع الشبه التي جعلته يعتقد غير الحق، ولكن ذلك لا يخرجه من جملة المسلمين ولا ينقصه شيئاً من حقوقه كمسلم، فإن القاعدة التي يتمسَّك بها الإباضية أن من دخل الإسلام بيقين فلا يخرج من الإسلام إلا بيقين مثله، فما دام هذا المخالف له دليله الذي يستند عليه ولو كان أوهى من خيط العنكبوت فإن ذلك كاف في أن يبقيه في جملة المسلمين.
وفي ذلك يقول الإمام السالمي:
ونحن لا نطالب العبادا.:.:. فوق شهادتيهم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا.:.:. إخواننا وبالحقوق قمنا (1/15)
صفحة 16
إلا إذا ما نقضوا المقالا.:.:. واعتقدوا في دينهم ضلالا
قمنا نبين الصواب لهم.:.:. ونحسبن ذاك من حقهم
فما رأيته من التحرير.:.:. في كتب التوحيد والتقرير
ردُّ مسائلٍ وحلُّ شبه.:.:. جاء بها من ضلَّ للمنتبه
قمنا نردها ونُبدي الحقا.:.:. بجهدنا كي لا يضل الخلقا
لو سكتوا عنا سكتنا عنهم.:.:. ونكتفي منهم بأن يُسلِموا
ويطلق الإباضية على المخالفين لهم من المسلمين اسم: المخالفين ويقابلها الموافقون، أو القوم ويقابلها الأصحاب فيكثر في كتب الفقه: ذهب قومنا إلى ........ وذهب أصحابنا إلى ....... ، وقد يطلقون على مرتكب الكبيرة من مخالفيهم اسم المبتدع أو الكافر كفر نعمة، وهذا الاسم الأخير يطلقه الإباضية أيضاً على الإباضي المرتكب للكبيرة أيضًا، وهو لا يعني الشرك وإنما هو مجرد اصطلاح، ويقابله عند غير الإباضية اصطلاح (كفر دون كفر).
ولا يخرج الإباضية مخالفيهم من الإسلام، ولا يسقطون شيئاً من حقوقهم، كحرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ فلا يستحلون قتالهم أو غنيمة أموالهم أو سبي ذراريهم، ولا يحرمون تزويجهم والتزوج منهم، ويبيحون إعطاء الزكاة لهم، ولهم حقوقهم كاملة في الميراث والقصاص والديات، ولهم حق الصلاة لهم ودفنهم في مقابر المسلمين.
ولم يحدث قط أن حكم عالم من علماء الإباضية على أحد من المخالفين بالشرك والخروج من الإسلام إلا ما حدث من الإمام هارون بن اليمان من علماء إباضية حضرموت في القرن الثالث الهجري فإنه ألف رسالة حكم فيها على المشبهة والمجسمة بالشرك، وحجته في ذلك أن الله تعالى لا يوصف بصفات البشر من لزوم الأعضاء له، فإذا جاء من يصف الله تعالى بأن له أعضاء حسية كاليد أو الرجل أو العين أو الوجه فهذا يعني أنه يعبد إلهاً غير الذي نعبده، إذ إن الله عز وجل الذي نعبده لا يتصف بتلك الصفات، وما دام الأمر كذلك فهو إذن ليس بمسلم.
غير أن الإمام محبوب بن الرحيل وكان إمام الإباضية في ذلك الوقت رد على الإمام هارون بن اليمان برسالة أرسلها إلى حضرموت وأخرى إلى عمان فند فيهما ما ذهب إليه الإمام هارون، وقال ما ملخصه أن المجسمة والمشبهة يعبدون الله تعالى الذي نعبده ولكنهم يصفونه بصفات لا تليق به من الصورة والأعضاء معتمدين على فهمهم الظاهر لآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يخرجهم من جملة المسلمين بل هم باقون على وصف الإسلام.
ومنذ ذلك الحين لم يتغير موقف الإباضية من مخالفيهم وأن ما يعتقدونه لا يخرجهم من الإسلام، بل هم مسلمون باقون على إسلامهم، ولهم جميع حقوق المسلمين ما دام لهم دليل يستندون إليه.
الفكر السياسي عند الإباضية: (1/16)
صفحة 17
يمتاز الفكر السياسي عند الإباضية عن غيره من أنواع الفكر لدى المذاهب الإسلامية بميزتين مهمتين هما: وضوح الهدف، ووضوح الطريقة للوصول إليه.
فغاية الإباضية من أي تحرك سياسي قاموا به كان على الدوام واضحاً لديهم تمام الوضوح، ويتلخص هذا الهدف في أقصى طموحاته في إقامة دولة إسلامية تحكم العالم بأسره وفق شرع الله تعالى، بحيث يكون كل من في الأرض منقادين لشرع الله عز وجل، ويبدأ هذا الهدف بإقامة الدولة الإسلامية في أي بقعة من الأرض يمكن أن يتحقق ذلك فيها.
والدولة الإسلامية التي يسعى الإباضية إلى إقامتها هي الدولة التي يكون كل من فيها بدءاً من إمامها وعماله إلى كل رجل وامرأة منقادين لحكم الشرع الشريف وملتزمين بأحكامه.
وقد استطاع الإباضية وبذكاء ملفت أن يتجاوزوا إشكالية السعي إلى السلطة، وإشكالية الحكم على الإمام الجائر، فبالنسبة للإشكالية الأولى فإن الإباضي لا يسعى إلى السلطة من حيث ذاتها وإنما يسعى لإقامة حكم الله تعالى؛ فإذا وجد من يكفيه ذلك حمد الله تعالى وكان عليه أن يساعد ذلك الحاكم بكل ما يستطيع من جهد، أما إذا لم يجد من يكفيه ذلك كان لزاماً عليه أن يقوم بالواجب الذي كلفه الله به فهو في الحالتين إنما يقوم بشي ألزمه الله به، لا سعياً لمنصب ولا حباً في جاه.
وأما بالنسبة للإشكالية الأخرى وهي الحكم على الإمام الجائر فإن الإباضية يرون أن الحاكم المسلم مطالب كغيره من المسلمين بأن يتبع أمر الله في موقعه الذي هو فيه، فإن قام بما يجب عليه فبها ونعمت، وأما أن لم يقم بواجبه وخالف أمر الله فإن على المسلمين نصحه أولاً فإن أصر كان عليه أن يترك مكانه لمن يستطيع أن يقوم بحقه، فإن رفض هذا وذاك كان على المسلمين الأخذ بيده وإلزامه بالتنحي عن منصبه ليولوا عليهم من يقيم شرع الله تعالى فيهم.
الإمام في الفكر السياسي الإباضي:
الإمام أو الحاكم في الفكر السياسي الإباضي شأنه شأن أي مسلم يجب عليه أن يلتزم بأحكام الإسلام في كل أقواله وأفعاله، بل هو بحكم منصبه ينبغي أن يكون أحرص المسلمين على اتباع أمر الله تعالى لا يحيد عنه قيد أنملة، لأن انحرافه يؤدي إلى خلل كبير في بنية الدولة الإسلامية، ويجرئ الناس على مخالفة شرع الله عز وجل.
وإذا استقام الإمام على أمر الله تعالى وقام بكل ما ألزمه الشرع به فإن له حق السمع والطاعة والموالاة، ولا يجوز لأحد ممن تشملهم دولته أن يخالف أمره أو أن يجاهر بالعصيان، فإن فعل كان على المسلمين مساعدة الإمام في خمد ثورته وإرجاعه إلى الجماعة، ولا يحق لأحد إيواؤه ونصرته ومساعدته على بغيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من أحدث في أمرنا أو آوى محدثاً".
أما إذا خالف الإمام أمر الشرع، وتجاوز ما يحق له أو تخلى عن شيء من واجباته، وثبت ذلك عليه، فإن على الأمة رده إلى جادة الصواب، وتقديم واجب النصيحة له؛ لقوله صلى الله عليه (1/17)
صفحة 18
وسلم: "الدين النصيحة" قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم".
فإن لم تُجْدِ النصيحة معه نفعاً، وأصر على مخالفته لأمر الله تعالى، وأبى واستكبر، فإن ولايته تسقط عن المسلمين، وتصبح طاعته غير واجبة عليهم؛ لأن الحق فرع الواجب، وقد سقط حقه لعدم قيامه بواجبه، وحينئذ يكون المسلمون في حل من أمرهم في أن يولوا عليهم إماماً آخر يقوم فيهم بحكم الله، ويقيم فيهم شرعه وأحكامه وحدوده.
وهنا لا يخلو الأمر من أحد احتمالين: إما أن يكون ذلك الإمام الظالم ضعيف الشوكة قليل الأتباع، ومن السهل خلعه وإقامة إمام آخر مكانه، وهنا ما على المسلمين سوى المسارعة إلى القيام بدون تردد، وإما أن يكون ذلك الإمام الظالم قوي الشوكة كثير الأتباع والأنصار، وكان القيام عليه غير مضمون العواقب، وحينئذ فإن المصلحة تقتضي التريث واتخاذ تخطيط جديد، ولكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال الاستسلام للأمر الواقع والاستكانة لظلم الظالمين.
وهنا يأتي دور العلماء في القيام بواجبهم، وهو دعوة الناس إلى التمسك بتعاليم دينهم الحنيف، والسعي إلى إقامة الدولة الإسلامية المنشودة، والتي ستوفر لهم الأمن والأمان، وتقيم فيهم حدود الله وأحكامه وشرعه. وهذه الحالة هي ما تسمى لدى الإباضية بمرحلة الكتمان.
ولسنا هنا في تحديد صفات الإمام ومسؤولياته، فهي معروفة لدى الجميع، غير أن ما يميز الإباضية في هذا الجانب شيئان:
1ـــ عدم اشتراط القرشية: فالإباضية يرون أن كل مؤهل لإمامة المسلمين يمكن أن يكون إماماً، بغض النظر عن قبيلته وعرقه، وهذا بلا شك يتفق مع المساواة التي جاء الإسلام لترسيخها، والتي تتنافى مع هذا الشرط الذي لم يكن معروفاً حين اختلف المهاجرون والأنصار على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يدر في مداولاتهم ولم يشر إليه أحد.
والضابط لدى الإباضية في نسب الإمام إنما هو المصلحة، فإذا رأى المسلمون أن من المصلحة تولية إمام من قبيلة أو عشيرة معينة مع توافر الشروط الأخرى فيه فلا مانع من مراعاة ذلك، ويحدث أحياناً عكس ذلك تماماً، وهو أن تكون المصلحة في تعيين من لا عشيرة له، وهنا لا يتوانى الإباضية عن تعيينه، كما حدث في المغرب حين فضّل العلماء تعيين عبد الرحمن بن رستم الفارسي رحمه الله وهو فارسي لا عشيرة له، وكان هذا أحد الأسباب لاختياره إماماً، حيث رأى العلماء أن ذلك أفضل لسهولة تغييره إذا ما حاد عن الطريق السوي.
وقد عد كثير من الباحثين هذا النهج مثالاً واضحاً على النهج الديمقراطي الذي يتميز به الإباضية.
2ـــ جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل: فالإباضية يشترطون في الإمام شروطاً معروفة من حيث التقوى والورع والصفات الخَلْقية والخُلُقية، وإذا وجد أكثر من واحد تنطبق عليه تلك (1/18)
صفحة 19
الشروط فيمكن تولية أي واحد منهم ولو كان هناك من هو أفضل منه.
القتال عند الإباضية:
بما أن كُتَّاب التاريخ والمقالات قد حشروا الإباضية ضمن الخوارج، فقد ترسخت في أذهان الناس فكرة أن الإباضية يستبيحون قتال المسلمين، وهذا مما لم ولن يقوم عليه دليل، بل الأدلة ظاهرة في أن الإباضية هم أطهر الناس يداً من دماء المسلمين، وقد ذكرنا سابقاً أن الإباضية لا يبيحون قتال مخالفيهم، وهو ما طبقوه عملياً على مدى تاريخهم، فلم يحدث إطلاقاً أن قاتل الإباضية أحدا من المسلمين على أساس مذهبي، وعلى كثرة الدول التي أقامها الإباضية وطبقوا فيها مبادئهم فلم يقوموا في يوم من الأيام بشن حرب على أحد من المسلمين على أساس مذهبي، وإنما كانت الحروب التي قام بها الإباضية ضد جماعة من المسلمين إما لإقامة دولة أو دفاعاً عن دولة.
أما بالنسبة للنوع الأول وهو الحرب من أجل إقامة الدولة فإن من مبادئ الإباضية السعي الدائم إلى إقامة العدل ومحاربة الظلم، والصراع بين الإباضية والظلم لم يهدأ في يوم من الأيام، ولذلك فإن الإباضية إذا ما رأوا في أنفسهم قدرة على القيام بواجبهم كمسلمين، وإقامة الدولة الإسلامية على وفق كتاب الله وسنة نبيه فإنهم لا يتوانون عن ذلك لحظة واحدة، وفي هذه الحالة فإنه من المعتاد أن يوجد من لا تتناسب أهداف الدولة الإسلامية مع أهدافه فيقف عقبة في طريق إقامتها، ويحاول جاهداً أن يحول دون قيامها، ولذلك يجد القائمون بالقسط أنفسهم مجبرين على محاربته وإزاحته من الطريق.
ولا فرق لدى الإباضية بين أن يكون هذا الرافض لإقامة الدولة الإسلامية إباضياً وأن يكون غير إباضي، وعلى ذلك فإن المذهبية لا دخل لها هنا، وإنما هو قتال ضد أناس كان من المفترض أن يساعدوا على إقامة دولة يدعو إليها دينهم الذي يدينون به، ولكن مصالحهم الشخصية وأطماعهم الدنيوية كانت أهم عندهم من واجبهم الديني، وليتهم إذ لم يساعدوا في إقامة الدولة الإسلامية وقفوا على الحياد ولكنهم اتخذوا موقفاً معادياً لها، ولذلك حل قتالهم.
والإباضية عندما يقومون بقتال هذه الفئة فإنهم يحفظون لهم إسلامهم فلا يقاتلوهم إلا بعد إنذارهم وإقامة الحجة عليهم، ونصحهم وبيان حقيقة دعوتهم، فإن استجابوا فلا حق لأحد في قتالهم، وإن أبوا حل قتالهم في أدنى مراتبه فلا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم.
وأغلب حروب الإباضية من هذا النوع حدثت ضد إباضية من نفس مذهبهم مما يعني أن القتال لم يكن على أساس مذهبي، كما إن التاريخ يثبت أن الإباضية من أنزه الناس في قتالهم؛ فلم يكونوا يتجاوزون الحق في حروبهم، وإنما كانوا وقافين عند حد الله تعالى. (1/19)
صفحة 20
وأما بالنسبة للنوع الثاني فهو لا يختلف كثيراً عن النوع الأول، فبعد أن تقوم الدولة الإسلامية فلا بد من أن يوجد من يحاول الإطاحة بها، إذ إن كثيراً من الناس لا يروق لهم العدل الذي عادة ما يقف في وجه أطماعهم، وبلوغ غاياتهم الدنيئة؛ فيسعون إلى تدبير المكائد وتجييش الجيوش للإطاحة بالدولة الإسلامية، وهنا يجد الإمام والمسلمون من خلفه أنه لا بد من تأديب أولئك البغاة الذين يحاولون تفريق شمل المسلمين، وتحطيم وحدتهم، وهدم دولتهم؛ فيقوم الإمام أولاً بتحذير أولئك البغاة من مغبة عصيانهم وخروجهم على إمام صحت إمامته، فإن تابوا وأنابوا رجعوا إلى جماعة المسلمين ولم يمسسهم سوء، وإن أصروا واستكبروا كان حقاً على الإمام قتالهم حقناً للفتنة، وإخمادًا للثائرة، تطبيقاً لقوله تعالى: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُومِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتِ اِحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. (الحجرات/9).
ومرة ثانية فإن هذا الباغي قد يكون إباضياً وقد يكون غير إباضي، فالقتال إذن ليس على أساس مذهبي، وإنما هو قتال لباغ على دولة المسلمين أيًّا كان مذهبه.
وهذه الحروب إنما تقع بين الإباضية القائمين بالحق أو الساعين إلى إقامته وبين جماعات تقف ضد هذا التوجه، أما إذا كانت هناك دولة مسلمة غير إباضية قائمة بجانب الدولة الإباضية فإن المتتبع لتاريخ المذهب الإباضي يجد أن الإباضية ليس من فكرهم السياسي محاربة الدول المسلمة التي هي محل رضا من العلماء فيها وإن كان الإباضية غير راضين عنها، فلا يذكر في تاريخ عمان أن الإباضية قاموا بمهاجمة أي من الدول المسلمة المحيطة بهم.
سعي الإباضية إلى الوحدة الإسلامية:
لقد سعى الإباضية قديماً وحديثاً إلى الوحدة الإسلامية، وكانت هدفاً أسمى من أهدافهم، وأنقل هنا شيئاً مما قاله سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه «الحق الدامغ» حيث قال:
«ولعله ممَّا يفاجئ كثيراً من القراء أن يطلعوا لأول مرة على عناية قادة الفكر من الإباضية بلمِّ شعث هذه الأمة وجمع شتاتها بعدما أثخنتها الخلافات المذهبية، ومزقتها النزعات العصبية، وكم تمنوا أن يحس سائر أعلام الأمة بمثل أحاسيسهم، ويشاركوهم في هذه الهموم التي تنوء بها صدورهم، وتؤرق ليلهم، وتقض مضجعهم، وقد كانت منهم محاولات، للخطو في هذا الطريق والاستعداد لهذه المهمة بنفقات مالية يرصدونها من جيوبهم وجيوب المخلصين من سائر أبناء الأمة، وأصدق مثال على ذلك ما يجده القارئ في هذا السؤال الذي صدر من عالم مفكر وقائد محنك، ذلكم هو الشيخ سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني، عضو مجلس المبعوثان بالدولة العثمانية، المشهور بسليمان باشا الباروني، وهو من إباضية جبل نفوسة بالقطر الليبي، وقد توجه بسؤاله هذا إلى عالم الإباضية بالمشرق، ومرجعهم في أمور الدين، الإمام عبد الله بن حميَّد السالمي، ونص السؤال: (1/20)
صفحة 21
«هل توافقون على أن من أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟ على فرض عدم الموافقة على ذلك فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق؟ على فرض الموافقة فهل يمكن توحيدها بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدُّد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء؟ وعلى فرض عدم إمكان التوحيد فما الأمر القوي المانع منه في نظركم، وهل لإزالته من وجه؟ على فرض إمكان التوحيد فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة؟ وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر؟ وفي كم سنة ينتج؟ وكم يلزم من المال تقريباً؟ وكيف يكون ترتيب العمل فيه؟ وعلى كل حال فما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعاً وسياسة؟ مصلح أم مفسد؟ .. »
وكان هذا السؤال في عام 1326هـ
فكان من جواب الإمام له: « ... نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلاف المذاهب وتشعُّب الآراء، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع.
وللتفرق أسباب أخرى منها التحاسد والتباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها طلب الرئاسة. وجمع الأمة على الفطرة الإسلامية بعد تشعب الخلاف ممكن عقلاً مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمراً كان: {لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِي الاَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال/63).
والساعي في الجمع مُصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحضهم على التسمِّي بالإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ} (آل عمران/19).
فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال ثم يفشو شيئاً فشيئاً حتى يرجع إلى الفطرة.
وهي دعاية الإسلام التي بعث بها محمد عليه الصلاة والسلام، وتضمحل البدع شيئاً فشيئاً، فيصير الناس إخواناً {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} (يونس/108)، ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع الناس في قبوله، وكفيتم مؤونة المغرم، وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسير والمغرم كثير
وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة، ومقصد الخاص والعام، حرم الله الآمن، لأنه مرجع الكل. وليس لنا مذهب إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيباً، ونعرف الرجال بالحق، فالكبير عندنا من وافقه والصغير من خالفه، ولم يشرع لنا ابن إباض مذهباً، وإنما نُسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق». اهـ
وإذا كان الأدب مرآة تعكس ما في نفس الأديب من كوامن الأحاسيس فإن الأدب الإباضي قديمه وحديثه طافح بعصارات مشاعر الألم الذي يُحسُّون به بسبب تشتُّت الأمة وانحلال عقد نظامها، (1/21)
صفحة 22
فإليك صورة تعكس مشاعر أديب بارع وعالم جامع من أدباء هذه الطائفة وعلمائها الغابرين، وهو العلامة الكبير شاعر الإسلام والمسلمين «أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي» الذي طالما انساب يراعُه الموهوب ليصوِّر لنا بعبارته الإيمانية همومه وأحاسيسه تجاه أمته ودينه؛ ودونك هذا المقطع من قصيدة له بعنوان: «أفيقوا بني القرآن»:
فيَا لِبَنِي القُرآن أينَ عُقُولُكم.:.:. وَقَد عَصَفت هذِهِ الرِّياحُ الزَّعَازِعُ
أَمَسلُوبَةٌ هَذي النُّهى مِن صُدورِنَا.:.:. وَهَل فُقدَت أبصارُنَا والمسَامِعُ
فَلَيتَ بَنِي الإسلاَمِ قَرَّت صِفَاتُهُم.:.:. فَمَا زَعزَعَتها للغُرُورِ الزَّعَازِعُ
وَلَيتَهُم سَاسُوا بِنُورِ مُحَمَّدٍ.:.:. مَمَالِكَهُم إِذْ بَاغَتَتْهَا القَوَاقِعُ
وَلَيتَهُم لَم يَنحَرُوا بِسِلاحِهِم.:.:. نُحُورَهُم إذْ جَاشَ فِيهَا التَّقاطُعُ
لَقَد مَكَّنَ الأعداءُ مِنَّا انِخدَاعَنَا.:.:. وَقَد لاحَ آلٌ في المهَامِهِ لاَمِعُ
وَسَوْرَة بَعضٍ فَوقَ بَعضٍ وَحَملَةٌ.:.:. لِزَيدٍ عَلى عَمْرٍو ومَا ثَمَّ رَادِعُ
وَتَمزيق هَذا الدِّينِ كُلٌّ لِمَذهَبٍ.:.:. لَهُ شِيَعٌ فِيمَا ادَّعَاهُ تُشايِعُ
وَمَا الدِّينُ إلاَّ واحدٌ والذي نَرَى.:.:. ضَلالاتُ أَتبَاعِ الهَوَى تَتَقَارَعُ
وَمَا تَرَكَ المختَارُ أَلْفَ دِيَانَةٍ.:.:. وَلاَ جَاءَ في القُرآنِ هَذَا التَّنَازُعُ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
--------------------
الهوامش
(*) ــــ أصل البحث محاضرة ألقيت في ندوة بجامعة شيفيلد بأدنبرة، بريطانيا. بتاريخ: 04/ 01/1424هـ ـــــ 07/ 03/2003م (1/22)
صفحة 23
الفقه المقارن وضوابطه
العوتبي نموذجًا
محاور الدراسة:
*-المحور الأول: الفقه المقارن قواعده وضوابطه
أولاً: مفهوم التطور
ثانيًا: القواعد والضوابط
*-المحور الثاني: العوتبي نموذجًا للفقه المقارن
أولاً: شخصية العوتبي وكتابه «الضياء»
ثانيًا: معالم الفقه المقارن في الضياء
المحور الأول:
الفقه المقارن وقواعده
*ـــ مفهوم الفقه المقارن:
كان مصطلح الفقه في الصدر الأول من الإسلام يعني العلم بأحكام الدين كله، أو هو «معرفة النفس ما لها وما عليها» (1). ويندرج تحته العلم بالشريعة والعقيدة والأخلاق. ثم اقتصر الاصطلاح على معرفة الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين في مجالات العبادات والمعاملات، وتَحَدَّد تعريفه بأنه «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبُ من أدلتها التفصيلية بالاستدلال» (2).
وكان الهدف من حصر مفهوم الفقه في المجال العملي، دون قضايا العقائد والأخلاق تسهيلَ الدراسة لإمكان الإحاطة بتلك الأحكام، دون فصل في التطبيق بين ما كان عمليا وما كان عقديا أو سلوكيا، إذ لا يتصور تطبيق فقه عملي دون أرضية عقدية أو أساس من الأخلاق، وإلا غدت أحكام الشريعة نصوصا جوفاء لا تثمر صلاح الفرد الذي هو جوهر الدين مبتدأً وغاية.
أما مفهوم الفقه المقارن، فلم يُعن الفقهاء الأقدمون بتحديده، رغم ممارستهم له وكتابتهم في موضوعاته بإسهاب واف، تمثل في الموسوعات الفقهية التي دونوها، ثم ورثناها تركةً نفيسة لا تقدّر بثمن، وألفيناها منظومة متكاملة من التشريعات تميزت بالشمول في التناول والعدالة في التطبيق، بما لا يضاهيها تشريع آخر على وجه الأرض.
من تلك الموسوعات الفقهية: بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي الإباضي، في اثنين وسبعين مجلدا، وبدائع الصنائع للكاساني الحنفي، والمجموع شرح المهذب للنووي الشافعي، وبداية المجتهد لابن رشد المالكي، والمغني لابن قدامة الحنبلي، والمحلّى لابن حزم الظاهري.
وقد عرّف المُحْدَثون الفقه المقارن بأنه «تقرير آراء المذاهب الفقهية الإسلامية في مسألة معينة، بعد تحرير محل النزاع فيها، مقرونة بأدلتها، ووجوه الاستدلال بها، وما ينهض عليه الاستدلال من (1/23)
صفحة 24
مناهج أصولية وخطط تشريعية، وبيان منشإ الخلاف فيها، ثم مناقشة هذه الأدلة أصوليا، والموازنة بينها، وترجيح ما هو أقوى دليلا، وأسلمَ منهجًا، أو الإتيان برأيٍ جديد، مدعمٍ بالدليل، والأرجح في نظر الباحث المجتهد» (3).
وبعبارة أوجز، يحدد مفهوم الفقه المقارن بأنه "جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقييمها، والموازنة بينها بالتماس أدلتها، وترجيح بعضها على بعض" (4).
وواضح أن منهج الاستدلال في الفقه يقوم على أصول مشتركة وأدلة متفق عليها بين المجتهدين، مما يوحد السبيل الموصلة إلى الحكم في الغالب، بيد أن ثمة أسبابا تفضي إلى اختلاف الآراء والأحكام المستنبطة من النصوص والأدلة الاجتهادية، تتعلق بطريقة تفسير النصوص، والترتيب بين الأدلة عند التعارض، أو اعتماد بعض القواعد والأدلة التبعية عند بعض الأئمة دون بعض، كالخلاف حول مفهوم حجية المخالفة بين الحنفية وغيرهم، والاختلاف في الاحتجاج بالاستحسان أو المصالح المرسلة أو حجية قول الصحابي، وموقف الظاهرية من إنكار القياس، فضلا عن عدم الإحاطة بكل نصوص السنة النبوية أو معرفة ناسخها من منسوخها، كل ذلك وغيره من الأسباب كانت سببا لتعدد آراء المجتهدين.
فاختلاف الفقهاء لا يعني بتاتًا اختلافا جوهريا في أصول الشريعة وقواعدها، بل هو تنوع مسالك وقواعد تفسير لهذه الأصول، وهو ثمرة تفاوت بين المجتهدين في مدى اعتماد هذه الأصول، وبهذا سلمت القواعد والنظريات العامة من التناقض، بل وجدنا اختلاف الفروع نتيجة لوحدة الأصول ومصادر الاستنباط.
ورغم هذا التنوع المتكامل للثروة الفقهية فإنه بات ضروريا دراسة هذه الآراء ومعرفة راجحها من مرجوحها وقويمها من سقيمها، بمنهج علمي رصين؛ قائم على تحري الحق وتحكيم الأصول التي اعتمدها المسلمون ميزانا موثوقا للاستنباط والاجتهاد، والموازنة بين الأدلة والترجيح بينها عند التعارض.
هذا هي وظيفة الفقه المقارن مفهومًا، وتلك هي غايته ممارسةً، وهي رسالة سامية ومسؤولية ثقيلة، لأنها تهدف إلى غاية نبيلة هي التقريب بين الاجتهادات ورصد أقرب الآراء إلى مقصد الشارع الحكيم، وأوفقها بتحقيق مصالح المكلفين.
* ـــ نشأة الفقه المقارن:
كانت انطلاقة الفقه منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره المفتي الأول، فقد بيّن للناس ما نُزّل إليه من آي القرآن، ووضع للصحابة منهج الاجتهاد، ودرّبهم على ذلك في وقائع عديدة، فكان يقرّهم عندما يصيبون، ويسددهم إذا لم يحالفهم الصواب.
وقد أعلمهم بتفاوت مراتبهم في ذلك، بقوله: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ورب مبلغ إلى من هو أفقه منه» (5)، ثم ذكر أسماء لامعة في مجالات متعددة من الفقه فقال: (1/24)
صفحة 25
"أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضكم زيد، وأقضاكم علي"، وصوّب عمار بن ياسر حين تمعك في التراب بدلا عن التيمم للاغتسال، وأقر عمرو بن العاص على إمامته أصحابه في الصلاة وقد تيمم للجنابة، وقال للصحابيين اللذين صليا بتيمم ثم وجدا الماء فأعاد أحدهما الصلاة ولم يُعِد الآخر، فقال للذي لم يعد أصبت السنة، وقال للذي أعاد "لك الأجر مرتين". وأمر الصحابة إثر انتهاء غزوة الخندق بالتوجه إلى بني قريظة عاجلين وقال لهم "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، ولكنه صوّب من صلى في الطريق في الوقت، ومن صلى في بني قريظة بعد مضي الوقت. إذ التزم فريق بحرفية النص، وسلك فريق سبيل التعليل، واعتماد مقاصد الشارع الحكيم.
وامتدت هذه الدورة التدريبية الرشيدة طيلة زمن الرسالة، فلم يجد الصحابة عنتا ولا حرجا بعد رحيل المصطفى إلى الرفيق الأعلى، بل وجدوا أنفسهم مؤهلين لهذه المهمة، فحسموا مسائل طارئة أفرزتها وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتحديد مكان قبره، وتولية خليفة له، ومحاربة مانعي الزكاة، وغير ذلك من جديد النوازل.
ويمكننا القول: إن الفقه المقارن نشأ مع نشأة المذاهب الفقهية، وإن أصله يعود إلى المناظرات التي قامت بين أئمة المذاهب، مما حفظت مدوناتهم، أو سجله تلاميذهم، مثل ما دونه الإمام مالك في الموطإ من رسالته لليث بن سعد، وما تضمنه كتاب "الأم" للشافعي في اختلافه مع أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، واختلاف أبي حنيفة مع الأوزاعي. وكذا اختلاف الشافعي مع مالك، وغير ذلك.
وتنامت الثروة الفقهية باتساع أرض الإسلام وتهاطل المسائل الجديدة على الفقهاء من الصحابة، فسعوا لإضفاء صبغة الشريعة على كل ما واجههم من مشاكل دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية. وعلى سننهم سار تلاميذهم من التابعين، ثم من بعدهم من الأئمة والمجتهدين.
وثمة مدونات كثيرة رصدت هذه الحوارات العلمية بين الأئمة، وحفظتها، مثلما سجله النيسابوري في "الإشراف على مذاهب أهل الخلاف"، و"اختلاف الفقهاء" لأبي جعفر الطحاوي، و"تأسيس النظر" للدبوسي، وكذا تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، إضافة إلى كتب شروح السنة التي تضم وفرة وفيرة من حوارات الفقهاء، ومناظراتهم، وذلك هو الفقه المقارن في صورته العملية الواقعية.
ولا ينكر منصف ما امتازت به القرون الأولى لمسيرة الفقه الإسلامي من سمة تحررية في التماس الحكم الشرعي، ثم انضوائها بعد ذلك تحت قيود الالتزام المذهبي الغالي في بعض الأحيان في القرون اللاحقة، وامتدت هذه المرحلة زمنا طويلا عرف بعصر الجمود والانغلاق، وشاع بين الناس الفتوى بحرمة الاجتهاد وإغلاق بابه دون المريدين، ولو بلغ أحدهم منازل الأئمة المجتهدين. ثم رسخ مفهوم الانغلاق على المذاهب المشهورة، وحرمة الخروج عنها، واعتبار ما سواها خارجا عن نهج الحق نائيا عن الهدى والصواب.
كل هذا كان تضييقا لواسع، وحجرا على العقول، ما نزل به كتاب، ولا ارتضاه الله للناس. حين (1/25)
صفحة 26
دعاهم للاحتكام إلى كتابه وسنه رسوله عليه السلام، ولم يجعل الحق ولا الحجة إلا فيهما، وكل الناس محجوجون به، مفتقرون إليه، وكل عالم يؤخذ برأيه ويرد عليه إلا صاحب الرسالة المصطفى، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (6).
وإنصافا لجهود مباركة تواصلت في عصر النهضة نَذْكُرُ بالخير أعلاما سعوا لإزالة هذه الجفوة بين أبناء المذاهب، فنصحوا لله والرسول، وبنوا جسور التواصل بين المسلمين، ودعوا للاستفادة من نتاج فقهاء الإسلام، باعتبار فقههم وليد نظر مشروع في أدلة الأحكام، ولم يكن وليد هوى جامح أو شهوة طاغية، أو مصلحة شخصية آنية.
فكلُّهم من رسول الله ملتمسٌ
غرفًا من البحر أو رشفًا من الدِّيم (7)
وعرفت الجامعات في العالمين العربي والإسلامي تدريس الفقه المقارن في كليات الشريعة والحقوق، وتوالت الدراسات الجامعية الرصينة تُجَلِّي هذا الفقه من منابعه، وتنصف جهود العلماء في إرساء قواعده، وتُقَدِّم للعالم منظومة تشريعية تضافرت جهابذة الفكر على نسجها وتقنينها، فشرفت أهلها، وأثبتت سموها وعدالتها، ولا غرو، فمنهلها وحي ربها وسنة نبيها.
* ـــ أسباب اختلاف الفقهاء:
لماذا كان الاختلاف بين فقهاء الإسلام؟ ما دام المصدر التشريعي وأصول الاستنباط واحدة؟
سؤال مشروع، ينتظر جوابا شافيا، وهذا الجواب خطوة ضرورية لإزالة غشاوة رانت على أفكار فريق من الناس يروم تفسير هذه الظاهرة، وربما أوحى إليه بعض المغرضين أن هذا الاختلاف دليل على عدم صلاحية الفقه الإسلامي لمواكبة العصر، وأنه ليس جديرا بتبوُّؤ مكانه شريعة حاكمة، ونظاما مقننا لتسيير شؤون الحياة، وإصلاح أوضاع المجتمعات. إذ يتحير المقنِّن أيَّ قولٍ يختار، وكيف يميّز بين الصواب والخطإ في هذا الكم الهائل من الأقوال والاجتهادات.
والحقيقة أن الاختلاف طبيعة بشرية فطر الله الناسَ عليها، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (8)
فقد شاءت إرادة الخالق عز وجل أن يبلو الناس بهذا الاختلاف، لحكمة تجلت بعض أسرارها، وخفي على العقول كثير منها.
ولكن الاختلاف لا يستلزم بالضرورة الخطأ ومجانبة الصواب، فقد تحتمل القضية أنظارا، وكلها صواب باعتبارات شتى، ويمكن استثمارها في ظروف ومناسبات متعددة.
وقد أسهب الأصوليون في تحليل قضية الصواب والخطإ في الاجتهاد، وخلصوا إلى أن الأمر واسع في مجال الفروع، ولا يحجر على أحد اختلاف الاجتهادات فيها، بل ربما كان ذلك أوفق بمقصود الشارع من التخفيف على المكلفين واختيار ما يناسب ظروفهم وبيئتهم، وتنوع أعرافهم وتحقق مصالحهم (9). (1/26)
صفحة 27
وتعود أسباب اختلاف الفقهاء إلى عوامل موضوعية كذلك، أوفاها العلماء والدارسون بحثا، وتتلخص أساسا في العناصر الآتية:
*-الاختلاف في القراءات القرآنية.
*-الاختلاف في العلم بالسنة النبوية.
*-الاختلاف في إثبات السنة وقبول الأخبار.
*-الاختلاف في تفسير النص لاحتماله دلالات متعددة. وما يتعلق بها من قواعد أصولية لتفسير النصوص.
*-الاختلاف في الناسخ والمنسوخ.
*-الاختلاف بسبب القياس، أو تحديد العلة، وتوفر شرائط القياس.
*-الاختلاف بسبب المصادر الاجتهادية، كالاستحسان والعرف، والمصالح المرسلة. (10)
وقد بذل الفقهاء المجتهدون وسعهم لبيان الأحكام للناس، وإن اختلفت بينهم الآراء والاجتهادات.
والقاسم المشترك بين هؤلاء الأعلام أنهم كانوا متصدرين مجتمعاتهم، ومتفرغين لمهمة البلاغ بحكم تكليف القرآن لهم مهمة النذارة والبيان {فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (11) ثم أوجب الله على المكلفين سؤال العارفين فقال: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (12) وخص الله هؤلاء بمعرفة الفقه والقدرة على الاستنباط {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم} (13)
وانطلقت مسيرة البناء الفقهي بجهود متضافرة من قِبل أئمة مجتهدين نذروا حياتهم لهذا الدين، وتعلق بهم تلامذة مخلصون، خدموا تراثهم تدوينا وتعليما، ونشرا وتأصيلا، فترسخت تلك الفتاوى وتكاملت مناهجها، وعرف المجتمع المسلم مدارس فقهية متنوعة، تنهل من معين الكتاب والسنة، وتتعدد وجهات نظرها بناء على اختلاف مسلك كل مجتهد وتلامذته في التعامل مع النصوص والأصول، تفسيرا وبيانا، وترجيحا وميزانا، وقياسا واستحسانا.
ثم جاءت جهود للموازنة بين تلك الآراء والمفاضلة، لغرض التعرف على أقربها للحق وأعدلها في ميزان الشرع، فنشأ مصطلح الفقه المقارن. (14)
*-الفقه سِجلُّ الواقع:
الفقه الإسلامي سِجِلُّ الواقع وصورة للمجتمع، بما يحويه من متابعة تفصيلية لوقائع الحياة اليومية للفرد المسلم والمجتمع على حد سواء، وتقص لعلاقاته المختلفة لصبغها بأحكام الشرع الحنيف.
وكتب الفتاوى بالخصوص نموذج حيّ لهذه الصورة، بيد أننا نجد لها نظائر في كتب الفقه العامة، وقد رأينا في كتاب الضياء مثالا دقيقا لذلك، إذ لم يكن مجرد مصنف لأحكام الفقه النظرية، بل (1/27)
صفحة 28
وجدنا فيه تسجيلا وافيا لقضايا تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية عرفها المجتمع العماني حيث عاش المؤلف كل حياته، وفيه تسجيل لمراسلات بين العلماء حول ما يشكل عليهم من تلك القضايا والنوازل.
وأحسب أن تلك اللمحات الوافية تصلح مادة لدراسة تاريخية متأنية تكشف عن أهمية دور الفقهاء في تدوين التاريخ، وحفظ ذاكرة المجتمع ولو لم يكن ذلك هدفهم ولا منطلقهم في ما كتبوا، بل تلك طبيعة عملهم باعتبارهم روادا للمجتمع وهداة له حتى يتبوأ منزلته تحت مظلة أحكام الإسلام وشريعته السمحاء (15).
وبما أن بحثنا سيطرق العوتبي نموذجا للفقه المقارن، فمن المناسب الإشارة إلى أن كتابه "الضياء" يمثل صورة حية لمعالجة الواقع الاجتماعي في عرض أحكام الفقه، فقد أفتى بأن من خرج لمعاونة القرامطة على جند الإمامة في صحار، فأفطر، فإن عليه قضاء ما أفطر، وليس عليه غير ذلك، وعليه التوبة من بغيه (16).
وهذا الحكم قائم على رأي الإباضية أن سفر المعصية لا يمنع استعمال الرخصة، خلافا لمن قال إن المعاصي لا تبيح الرخص، فمن سافر في غير طاعة أو مباح لزمه إتمام الصلاة ولم يبح له الفطر في رمضان.
* ـــ علم الفقه المقارن وعلم الخلاف:
قد يبدو أن ثمةَ تشابها بين الفقه المقارن وعلم الخلاف، بيد أنهما مختلفان وظيفة وإن اشتبها وسيلة.
فعلم الخلاف يعرّف بأنه "علم يُقتدر به على حفظ الأحكام الفرعية المختلَف فيها بين الأئمة، أو هدمها بتقرير الحجج الشرعية وقواعد الأدلة" (17).
أما الفقه المقارن فهو كما ذكرنا يعرض آراء الفقهاء ثم يدرس أدلتها، ويمحصها، ويخلص في النهاية إلى ترجيح ما يعضده الدليل.
فهما يلتقيان في عرض الآراء الفقهية، والموازنة بينها، ويختلفان في صفة الموضوعية التي يتسم بها الفقه المقارن، ويفتقد إليها علم الخلافيات، فكان لزاما أن تختلف النتائج بينهما، وإن أمكن اتفاقها أحيانا على سبيل الصدفة ووقع الحافر على الحافر ليس إلا، لأن الغاية في الخلافيات نصرة رأي الفقيه أو المذهب وتقريره، والغاية في الفقه المقارن نصرة ما أيده الدليل، مهما كان قائله، سواء احتواه حضن المذهب أم كان خارج دائرته.
*-أهمية الفقه المقارن وغايته وقواعده:
تتجلى أهمية الفقه المقارن باعتباره منهجا لإعادة صياغة المنظومة الفقهية وفق الأصول المتفق عليها، وإزالة الجفوة المصطنعة بين أتباع المدارس الفقهية، وتثمين جهود أعلام الإسلام في فقه النص وفقه الواقع، والتمييز بين آرائهم وفق ما يصلح للعصر، لا بناء على نسبة القول إلى شخص أو جماعة أو مصر. (1/28)
صفحة 29
ومن هنا تتجلى لنا معالم الفقه المقارن، وضوابطه التي ترسم مساره وتحدد اتجاهه، وهي أن يقوم على أساس الموسوعية في الاطلاع، والموضوعية في الحكم، والشجاعة في الموازنة والترجيح، ولن يتم هذا إلا لمن توافرت لديه آليات الاجتهاد وأدواته الفنية والموضوعية، وفق ما فصله علماء الأصول في شروط المجتهد، وقواعد عملية الاجتهاد.
وتقوم عملية الاجتهاد على أربعة أركان، تتمثل في العناصر الآتية:
*-الواقعة المعروضة للبحث أمام المجتهد بما يحتف بها من ظروف وملابسات، فيبذل جهده لمعرفة حكم الشرع فيها، سواء أكانت منصوصا عليها أم غير منصوص.
*-الدليل الذي يستند إليه المجتهد لبناء الحكم المناسب لتلك الواقعة محل الاجتهاد، وتتنوع الأدلة بين نص يثبته ثم يفسره، أواستدلال بقياس على أصل منصوص، أو مصلحة يراعيها، ويقيمها على معقول جملة نصوص تعتبرها، أو أصل كلِّي شهد لها بالاعتبار.
*-الملكة الاجتهادية الراسخة، وهي قدرة المجتهد على التعامل مع الواقعة والدليل، والمواءمة بينهما أو الربط بينهما، للوصول إلى الحكم المطلوب، وهو ما يتطلب دربة ومرانا، وخبرة تكون وليدة طول ممارسة ومعايشة لنصوص الشريعة فهما وتأويلا، واستنباطا وتنزيلا.
*-تطبيق الحكم تطبيقا سديدا، وهو الثمرة العملية لعملية الاجتهاد، بمراعاة كل ما يحيط بالقضية من ظروف وملابسات، لما لها من أثر هام على الحكم النهائي، ومآل عملي على المستوى التطبيقي، وهذا ما اصطلح عليه بالاجتهاد التطبيقي القائم على مراعاة المآل والنتائج النهائية لهذا التطبيق (18).
وانطلاقا من هذه الأركان يمكننا أن نحدد أهداف الفقه المقارن في هذه الغايات:
أولا: التعرّف على كيفية تناول كل مجتهد المسألة المعروضة للبحث، وكيفية تصوره لها، أو تكييفه لها، وما هي الأدلة التي اتخذها أساسا لحكمه، وطريقة توجيهه لتلك الأدلة. وفي هذا التعرف نتوصل إلى تصور واقع الفقه الإسلامي من أيسر طرقها وأسلمها، وتقييم ذلك الواقع تقييما موضوعيا.
ثانيا: إثراء مدارك الباحث نتيجة للتبحر وسعة الاطلاع على ما صدر في المسألة المختلف فيها من آراء اجتهادية.
ثالثا: التمكن من الموازنة الموضوعية الدقيقة بين الأدلة التي صدر عنها المجتهدون، موازنة تعتمد النظر الأصولي في دليل كل مجتهد، لتبيّن مدى قوته، كما تعتمد على مدى صحة استدلاله.
رابعا: التعمق في فهم وتحديد "منشأ الخلاف" أو سببه، وتركيز البحث في هذا المنشأ لبيان موطن الضعف أو القوة فيه، ليكون ذلك عونا له كخطوة أولى، أو مقدمة لترجيح الرأي الذي يستند إلى السبب القوي، وبيان وجه هذا الترجيح.
خامسا: القدرة على التوفيق بين الآراء التي تبدو متعارضة ظاهريا، دون تكلف أو اعتساف، (1/29)
صفحة 30
لغرض تضييق هوة الخلاف بين المجتهدين، ويفضي إلى تبين وجه الحق في غالب ظن الباحث المجتهد.
سادسا: فسح المجال أمام الباحث المقتدر لإبداء رأي اجتهادي جديد مدعَّم بدليل يراه أقوى سندًا من كل ما عير عليه من أدلة للمجتهدين، وبخاصة مع ملاحظة اختلاف الظروف، التي لها أثر بالغ في تشكيل علة الحكم، فتختلف نتائج التطبيق باختلاف ملابساته، والمآل معتبر مقصود شرعًا في تشريع الحكم، وتكييف الفعل مشروعيةً أو بطلانًا. وهذا ما يدفع بالدارسات الفقهية خطوات مباركة في سبيل التأصيل والتطوير، ومواكبة الواقع المعيش.
سابعا: إشاعة روح التسامح بين أتباع المذاهب، بدءًا بالباحثين وانتهاء بالعامة المقلدين، وبذلك يتم القضاء على عوامل التعصب المذهبي والنزعات العاطفية التي سادت الفقه الإسلامي لأمد بعيد.
ثامنا: تكوين أصالة الفكر الاجتهادي، وصقل الملكة الراسخة، وتحقيق الشخصية العلمية النزيهة، إظهارا لحقائق الشرع، ومحافظة على قصد الشارع، وتحريا له، باتباع مقتضيات الأدلة جملة وتفصيلا.
تاسعا: إحياء التراث الإسلامي الأصيل والثمين، وهو من أنفس ما أنتجته حضارة الإسلام، وتوظيف هذا التراث ميدانيا في حاضرنا ومستقبلنا (19).
ودونما إسهاب في قضية تجزؤ الاجتهاد، فإن منطق الواقع يقضي بحسم المسألة وموافقة القول بجواز تجزؤ الاجتهاد، وهو رأي جمهور علماء الأصول، فلا يشترط فيمن يتصدى للمقارنة بين آراء الفقهاء أن يكون ملما بالفقه كله على ضخامة حجمه، وتشعب مسائله، بل يكفي أن يكون على دراية وافية بالموضوع الذي يطرقه حتى يستطيع الموازنة بين الآراء عن علم وبصيرة، ويكون رأيه في النهاية سديدا، أو قريبا من الحق الذي هو مقصود المجتهدين أولا وأخيرا.
إسهام الإباضية في الفقه المقارن:
أسهمت المدرسة الإباضية مثل نظيرتها من المدارس الفقهية الإسلامية بجهود طيبة في مضمار إثراء الفقه عن طريق عقد المقارنات بين آراء الفقهاء، سواء داخل المدرسة الواحدة، أم بين المذاهب المختلفة، وهو منهج جرى العمل به منذ عهد مبكر لتدوين المؤلفات الفقهية لدى هذه المدرسة.
وبيان ذلك أن إمام المذهب جابر بن زيد كان يعوّد تلاميذه على النظر المستقل، فلم تكن متابعتهم له تقليدا مقدسا، بل اتباعا للحجة والدليل، وكانوا لذلك لا يقفون عند آرائه، بل يخالفونه في عديد منها إذا وجدوا العدل فيما سواها. كما نشأ حوار علمي رصين بين تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أيضا، وحفظت لنا المدونات الفقهية الأولى هذا الحوار في مواقف كثيرة.
وفي كتاب "المدونة" التي وضعها أبو غانم بشر بن غانم الخراساني في القرن الهجري الثاني، نماذج (1/30)
صفحة 31
وفيرة وطيبة لحوارات علمية شيقة بين هؤلاء التلاميذ، ومدى التزامهم الحيدة والموضوعية في ترجيح الآراء بعد النقاش، ولو كانت آراء غير أئمة المذهب كجابر وأبي عبيدة والربيع وغيرهم.
ثم وجدنا مدونات لاحقة مفعمة بهذه الروح العلمية المتفتحة، وطافحة بسرد آراء أئمة فقهاء الإسلام دون تميز أو تحيّز، وبعملية تصفح سريعة لتلك المدونات نجد تردد تلك الأسماء كثيرا في كتب الإباضية الأوائل، من مثل كتاب "الجامع" لابن بركة البهلوي (القرن الرابع الهجري)، و"المصنف" لأحمد بن عبد الله الكندي، (ق6هـ)، و"بيان الشرع" لمحمد بن إبراهيم الكندي (ق6هـ)، و"العدل والإنصاف" و"الدليل والبرهان" لأبي يعقوب الوارجلاني (ق6هـ) و"أجوبة ابن خلفون" لأبي يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي (ق6هـ)، وانتهاء بكتب المتأخرين، كـ"التاج" لعبد العزيز الثميني (ت:1223هـ/1808م) و"شرح النيل" لقطب الأئمة امحمد بن يوسف اطفيش (ت 1332هـ/1914م)، و"معارج الآمال" و "شرح مسند الربيع" و"جوابات الإمام السالمي" لنور الدين عبد الله بن حميد السالمي، (ت 1332هـ/1914م)، وفتاوى المعاصرين، كـ"فتاوى الشيخ إبراهيم بيوض" (ت1401هـ/1981م) و"فتاوى البكري" للشيخ عبد الرحمن بكلي (ت 1406هـ/1986م)، و"الفتاوى" لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله.
وينتظم كتاب "الضياء" للعوتبي في سلسلة هذا الجهد الطيب، ويتصدر نتاج العلماء الأوائل لهذه المدرسة، إذ حوى آراء فقهاء الإسلام منذ عهد الصحابة إلى عصر المؤلف، يوردها ويذكر أدلتها ومستندها، ومبنى استدلالها بتلك الأدلة، ثم يوازن بينها، ويرجح منها ما اعتضد بالدليل، وقد يوافق بعضها، وقد ينقضها، ويختار رأيا غيرها، سواء أكان لأئمة الإباضية أم لغيرهم، دون خوف أن يقال عنه وافق مذهبه أو خالفه، إنما غايته أن يقال وافق الحق، ولم يجانب الصواب.
وقد نص الإمام السالمي على هذا المنهج حين علل عدم نسبة المذهب للإمام جابر بن زيد، والعدول عن ذلك إلى نسبته لابن إباض نظرا لشهرته بين الناس بسبب مواقفه السياسية من بني أمية حين حولوا الخلافة إلى ملك عضود. بينما لم ينسب الإباضية أنفسهم لإمام يقلدونه، إذ لا يجوز تقليد أحد يكون حجة عند الله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المحور الثاني:
العوتبي نموذجا للفقه المقارن:
* ـــ تعريف العوتبي:
هو العلامة الفقيه اللغوي البارع، النسَّابة، أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم الصحاري العوتبي، نسبةً إلى عَوْتَب بلد من أعمال صُحار في عُمان. (1/31)
صفحة 32
ويتفق الباحثون على غموض الفترة الزمنية التي عاشها العوتبي، نظرا لندرة المعلومات المتوفرة عنه، وعن كثير من نظرائه من علماء عمان، الذين تشتهر أعمالهم وتُغفل أشخاصهم، بناء على رغبةٍ ملحة في البعد عن الأضواء وتركيز الاهتمام على الأعمال لا الأشخاص، مما ولد فقرا في مصادر التاريخ العماني لأخذ صورة وافية عن أعلامها وعلمائها.
ونتيجة لهذا اختلفت التقديرات حول زمن العوتبي فنسبه بعضهم إلى القرن الرابع الهجري، بينما اعتبره الشيخ شامس البطاشي من علماء النصف الأول من القرن الخامس الهجري (20).وقد يُستأنس لهذا بما انتهى إليه في كتابه "الأنساب" عند عرض الأحداث التاريخية، إذ توقف في وقائع تعود إلى بداية القرن الخامس الهجري (21).
أما الشيخ أحمد السيابي فيرى أنه عاش في أواخر القرن الخامس وبدايات القرن السادس، استنادًا إلى نقول له عن كتاب "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم الأندلسي الذي توفي سنة 456هـ (22). وهو رأي الشيخ الخليلي أيضا استدلالا بنقوله نصوصا من مؤلفات أبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ (23).
من أشياخه القاضي الفقيه أبو علي الحسن بن سعيد بن قريش العَقري النزوي، المتوفى سنة 453هـ.
كما ذكر الشيخ أحمد الخليلي أن من شيوخه ابن بركة البهلوي، ولكنه شيخه بالواسطة، إذ يقول عنه "قال شيخنا أبو محمد"، وقد عاش ابن بركة بالمنطقة الداخلية في بهلا، وانتشر تلاميذه في أرجاء عمان، فتعلم عنهم العوتبي. كما كان الشيخ أبو مالك الصلاّني شيخا لابن بركة، وهو من صلاّن من قرى صحار (24).
ويعكّر على هذا الاستنتاج ما ورد في كتاب الضياء من نص منسوب لأبي عبد الله عثمان الأصم المتوفى سنة 621هـ (25). وفي هذه النصوص صيغة الترحم على الأصم، فهل عاصره أم جاء بعده؟ أم إنها نصوص مدرجة في الكتاب؛ على عادة بعض النساخ مما خلط الأوراق على الدارسين (26).
والمتفق أنه أشهر علماء زمانه في عمان، ومن المؤلفين المجيدين المكثرين في التأليف (27). وكان شخصية علمية أدبية وفقهية وموسوعية، نسابةً وعالما ضليعا في اللغة والفقه والعقيدة (28).
* ـــ آثار العوتبي:
خلد العوتبي اسمه بما خلف من تراث علمي رصين، في علوم اللغة والفقه والأنساب، وقد وصل إلينا من تلك الكنوز كتبه الآتية:
*-أولاً: كتاب الإبانة في اللغة. وهو معجم لغوي يؤصل لمعاني الألفاظ مع عنايته بالجانب الصوتي والدلالي، وقد حققه الدكتور عبد الكريم خليفة، مع أساتذة أفاضل برعاية وزارة التراث بعمان، وطبع في ثلاثة مجلدات كبيرة. (1/32)
صفحة 33
*-ثانيا: كتاب الماء. وهو معجم طبي لغوي. يعد الأول من نوعه في التراث العربي، وقد صدر أيضا محققا في ثلاثة مجلدات.
*-ثالثا: كتاب الأنساب. ويتضمن الكتاب تفصيلا مهمًّا لأنساب القبائل العمانية، فضلا عن المادة التاريخية للأمم السابقة من مبدإ الخلق إلى عصر الإسلام.
ويعتبر كتاب الأنساب الكتاب الأوحد الذي عُني بأنساب القبائل العمانية، واشتمل على كثير من هذه القبائل وإن لم يستقصها كلها، فهو بحق مصدر هام وأصيل للأنساب العمانية (29).
وقد نال الكتاب شهرة واسعة وانتشرت مخطوطاته في مكتبات العالم، وصار حجة لمن جاء بعده من المؤرخين العمانيين، «فما من مؤلف في التاريخ العماني إلا وأصل مادته في الأدوار الأولى من التاريخ العماني من كتاب العوتبي، وما من مؤلف في الأنساب العمانية أو مهتم بالأنساب إلا والعوتبي إمام له» (30).
*-رابعا: كتاب الضياء. وهو كتاب فقهي سنفرده بكلمة أوسع، باعتباره مجال بحثنا حول الفقه المقارن.
* ـــ معالم كتاب الضياء:
يعد كتاب "الضياء" موسوعة فقهية استوعبت أبواب الفقه الإسلامي مقارنة بين آراء الإباضية وغيرهم من فقهاء الإسلام. ويمكن اعتباره من أقدم الموسوعات الفقهية المقارنة في التراث الإسلامي.
وعلى اقتدار العوتبي العلمي وسعته المعرفية، وأصالة مؤلفاته وسبقه في ما كتب، فقد ظل طي النسيان لم تنله جهود الدارسين إلى عهد قريب، حين نُشرت هذه الكتب فأدرك الباحثون أيَّ عالم كان العوتبي، وأيَّ نفيس تراث خلّفَ للأجيال.
ومن الجهود المبذولة للتعريف بالعوتبي وبتراثه الندوة العلمية التي أقامها المنتدى الأدبي التابع لوزارة التراث القومي والثقافة بعمان تحت عنوان "قراءات في فكر الصحاري العوتبي" (31) ألقت ضوءًا حول هذه الجهود، وفتحت أبوابا لمزيد من الدراسات والبحوث لمن أراد.
بيد أنه يلحظ قصور تناول الجانب الفقهي في فكر العوتبي رغم ضخامة الجهد الذي بذله فيه، في حجمه، إذ بلغ مجموع مؤلفه "الضياء" أربعة وعشرين مجلدا، طبع منها تسعة عشر جزءا، حتى الآن. ولعل السبب يعود إلى تأخر نشر هذا الكتاب، وصدوره بصورة متقطعة مما حال دون تصور كامل للعوتبي الفقيه المجتهد، وغلبة صور العوتبي اللغوي الأديب.
وجدير بالتنويه أن كتاب الضياء ليس كتاب فقه فحسب، بل يعدّ مصدرًا للتعرف على آراء العوتبي الأصولية، فقد كشف فيه عن قدرة على الاجتهاد بوأته مقام المقارنة بين آراء الفقهاء، وخصص لقضايا الأصول معظم الأجزاء الثلاثة الأولى، ثم أفرد للفقه الأجزاء الباقية. (1/33)
صفحة 34
وقد تناولنا آراءه الأصولية ضمن أطروحة الدكتواره "منهج الاجتهاد عند الإباضية" وتجلى لنا من خلالها أصالته وشخصيته الأصولية مقارنة بأئمة الإباضية، ومدى إسهامه في تطور علم الأصول لدى هذه المدرسة. (32)
* ـــ نسبة كتاب الضياء للعوتبي:
تجمع المصادر الإباضية على نسبة كتاب الضياء للعوتبي، ولم يختلف في ذلك القدامى ولا المحدثون، وقد طبع الكتاب في تسعة عشر مجلدا، ولا ندري هل اكتمل طبعه أم لا تزال بقية منه لم تر نور الطباعة بعدُ.
وقد ذكر الشيخ الخليلي عن البرادي تحديده أجزاء الكتاب وأنها بلغت خمسين جزءا، واحتمل للبرادي عذرا، إذ ربما رأى بعض أجزائه فحزر مجموعها ولم يطلع عليها كاملة (33).
بيد أن ثمة مشكلة منهجية في داخل الكتاب نفسه، تتمثل في إدراج نصوص من غير الضياء من قِبل النُّسَّاخ، ومن نماذج هذه الإدراجات، عبارة "من غير الضياء" (34)، "ومن كتاب أبي المؤثر" (35). "ومن غير الضياء وعن زكاة الفطر"، وأحيانا نجد عبارة "رجع إلى كتاب الضياء" (36).
لهذا أصبح من الضروري التنبه لهذه القضية من قِبل الدارسين حتى يستوثقوا من نسبة الأقوال والآراء لصاحب الكتاب دون غيره.
* ـــ سبب تأليف الضياء:
ذكر العوتبي سبب وضعه لكتابه قائلا: «أما بعد، فهذا كتاب دعاني إلى تأليفه، وحداني إلى تصنيفه ما وجدته من دروس آثار المسلمين، وطموس آثار الدين، وذهاب المذهب ومتحمّليه، وقِلّة طالبيه ومنتحليه، فرأيت الإمساك عن إحيائه، مع القدرة عليه، ووجود السبيل إليه، ذنبًا وشؤما، وذمًّا ولؤما، فألّفته على ضعف معرفتي، ونقص بصيرتي، وكلّة لساني، وقلة بياني، طالبا للأجر لا للفخر، وللتعلم لا للتقدم، وللدراسة لا للرياسة، غير مدّعٍ للعلوم تصنيفا، ولا مبتدع للفنون تأليفًا، لكن لأحيي به نفسا، وأفزع إليه أنسًا، وأرجع إليه فيما أنسى، ولأستصبح بضيائه مهتديا، وأصبح بما فيه مقتديا، إذ التشكك معترض والنسيان ذو عنون، والحفظ خؤون، ولكل شيء آفة، وآفة الحفظ النسيان» (37).
* ـــ حجم كتاب الضياء:
نص العوتبي أن حجم كتابه كبير، وأنه كلما كبر حجم الكتاب كثرت فوائده ونفعه (38)، وبيّن هدفه من ذلك قائلا: «فلا غرو إن كبر الكتاب وكثرت فيه الأبواب، ولعمري إن الإكثار والإطالة موجبان للترك والملالة، لكن لا في كل مكان يحسن الاختصار، كما لا في كل مكان يحسن الإكثار، وقيل لأبي عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم، ليُسمع منها، قيل: فهل كانت توجز؟ قال: نعم، ليُحفظ عنها» (39).
وقال: «وقد فسرت جميع ما ذكر في هذا الكتاب من لفظ غريب ومعنى عجيب ليكون مستغنيا (1/34)
صفحة 35
بتفسيره عن الرجوع فيه إلى غيره، على أن الغرض المقصود به، والغرض الموضوع له هو الفقه الذي هو أصل العلوم وأولها وأفضلها وأجلها وإمامها وأكملها، ومنه تستنبط كل معرفة وعنه تضبط كل صفة» (40).
ويود العوتبي لو جعل من كتابه موسوعة شاملة لكل العلوم، ولكن هذا هدف غير مروم، وقد أعجز السابقين، واعتذر بذلك لنفسه، حكاية عن «محمد بن إسحاق أنه ألف كتابا في الشروط يزيد على أربعة آلاف ورقة، وهو فن واحد، وكم مثل هذا أو أكثر أو أقل، وأكثر من العلوم المصنفة والكتب المؤلفة، فلو استطعت أن أجمع كل العلوم في هذا الكتاب لفعلت، لكن ذلك ما لم يكن لمتقدم ولا يكون لمتأخر» (41).
والكتاب بمضمونه ومنهجه وموسوعيته غدا مصدرا للمؤلفات العمانية اللاحقة، بل استفاد منه المغاربة أيضا، إذ ورد ذكره في كتاب شرح النيل للقطب اطفيش في واحد وعشرين موضعًا، ولكن دون ذكر اسم العوتبي، بل يرد بعبارة: "وفي الضياء"، "وقال في الضياء من كتب أصحابنا"، "وهو قول صاحب الضياء" (42).
* ـــ محتوى الكتاب:
تناول في أول الكتاب موضوع العلم باعتباره مقدمة منهجية، تعرض فيها لمباحثه تفصيلا، بدءًا بمعناه وفضله وشرف أهله، وذم الجهل وأهله، وخصص بابا للعقل وآخر لمراتب العلماء، ووجوب إكرامهم وتبجيلهم، وبابا للحث على طلب العلم وآداب المعلم والمتعلم لتحصيل ثمرة العلم، ثم أعقبه بأدب الفتيا والمفتي والمستفتي، ومن يجوز استفتاؤه، وخصص بابا للتقليد وخطره.
ثم انتقل إلى الجانب العملي وهو التكليف، انطلاقا من أساسه وهو التوحيد ووجوب قيامه على العلم والبصيرة، إذ لا يصح في توحيد الله جهل ولا تقليد.
ثم خلص إلى أبواب التوحيد بدءًا بصفات الله عز وجل وبيان ما فيها من حقيقة ومجاز، وما يجوز منها وما لا يجوز، وفصل القول في مباحث الصفات المختلف فيها بين المسلمين، كقضية رؤية الباري، كما تولى تفسير كلمة التوحيد وما تتضمنه من دلالات وتقتضيه من تبعات.
وعرّج إلى الحديث عن القضاء والقدر وبيان الرزق وطلب المعاش.
ورجع إلى أحكام القرآن، وما تعلق به من قضايا أصول الفقه، من المحكم والمتشابه، والأوامر والنواهي والأخبار عن النبيء صلى الله عليه وسلم، وما يسع جهله وما لا يسع جهله.
كما تناول مباحث الأصول والقياس، ثم خصص فصولا لبيان مصطلحات الدين والإيمان والإسلام، والكفر والشرك والفسوق والردة وأحكامها، وهو ما اصطُلح عليه بالأسماء والأحكام.
ثم دلف إلى موضوعات الفقه بدءًا بالطهارات وأحكامها، ثم الصلاة وأبوابها الكثيرة، فسائر أركان الإسلام الخمسة من الصوم والزكاة والحج، وما فيها من أقوال وأفعال وبيان أنواعها من (1/35)
صفحة 36
مفروضات ومسنونات ومستحبات، ومكروهات ونواقض.
وخصص كتبا وأبوابا مفصلة ومطولة لأحكام العبيد والنكاح، والفرق الزوجية، وما يتبعها من حقوق، وأحكام القضاء والدعاوى وكيفية قضاء الحقوق والخلاص منها، والكفالة والحوالة، وأحكام المضار والضمانات والمنازعات، وأحداث الصبيان، والإقرار بالحقوق والزكاة والحج والصيام والنذور والعتق، وأحكام الوصايا والمواريث بتفاصيل مسائلها.
ثم خلص إلى باب المضاربة وأحكامها والتجارة والشركة والسلف والسلم والرهن والكفالة والحوالة والبيوع وأحكام ذلك تفصيلا، ثم الخيار في البيوع، والغش فيها والغبن، والعيوب التي يُردُّ بها البيع، وبيع الجبابرة والغصب، وختمها بباب الربا ثم عيوب الدواب والعبيد والإماء.
وتناول أحكام اليتيم ونفقته وماله، والوصايا فيه وما يجوز للوصي والوكيل والمحتسب في مال اليتيم، وبلوغ اليتيم ورشده وأحكام الصبي وناقصي الأهلية.
ثم تحدث عن الشركة بين الناس في الأموال والمنازل والأفلاج وحقوق أصحابها، ثم خلص إلى القسمة وأحكامها.
وفصل في الطرق وأحداثها وأحكامها وحريمها، والأودية والمساجد والقبور وأرض السيل.
وختم بعمل الأرض والعمال في الأموال والفسل والبناء، وأحكام العمال في الأجر والإجارات وأهل الصناعات.
معالم الفقه المقارن في الضياء:
*ـــ منهج العوتبي في تقسيم الضياء:
ترسَّم العوتبي أثر ابن بركة في صدر الكتاب حين كان يؤسس لقضايا علم الأصول بعد أن أحكم سبك المدخل العقدي وتحديد قضاياه، ثم انطلق في موسوعته مستوعبا أبواب الفقه الإسلامي كما تبين لنا من العرض السابق كيف استوعب أبوابه من الطهارات فالصلاة فسائر العبادات، ثم المعاملات من الأنكحة فالبيوع والمعاوضات والشركات، فالتوثيقات، ثم الدعاوى والأقضية، والحقوق والمنازعات.
أما منهجه في عرض الموضوعات فيمكننا أخذ صورة نموذجية عنه في باب الأذان، إذ بدأ بإيراد معاني اللفظة لغةً واستعمالاتها، مع شواهد ذلك، من آيات القرآن وشعر العرب (43)، ثم عرض للأحاديث الواردة في لفظ الأذان، وفصّل معانيها (44) وبيّن بإسهاب تأويل حديث "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة" (45)، ثم ذكر أسماء المؤذنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بلال وابن أم مكتوم وأبو محدورة، وأورد شيئا من سيرة بلال رضي الله عنه (46)، ثم كيفية بدء الأذان ورؤيا عبد الله بن زيد (47)، وعرج بعدها لبيان معاني الأذان في الاصطلاح، وصيغ الأذان (48)، وأعقبه بأحكام الأذان والاختلاف في كونه فرضا أم سنة (49)، ثم فصل شروط المؤذن وما يؤمر به وما يكره له (50)، وتحديد وقت الأذان، وهل يجوز قبل دخول الوقت (1/36)
صفحة 37
أم لا (51)، وأوسع مسائله بحثا وتفصيلا، مع ذكر الآراء والأدلة وترجيح ما يراه صوابا (52).
وفي باب الصلاة سار على نفس النسق إذ افتتحه ببيان أهمية الصلاة (53) ثم بين فضلها ومقامها، وعقب بعظم جرم من تهاون بها (54)، وفضل من حافظ عليها (55)، ثم عرّج إلى بيان أحكامها تفصيلا (56).
ولم يختلف النهج في باب الصيام إذ افتتحه ببيان فضله وما ورد فيه من أحاديث، وسبب نزول آية الصيام وتفسيرها، ثم انتقل إلى أحكام هذه الفريضة (57)، ولكنه لم ينقطع عن تخليلها بفقرات فيها إرشاد لجوهر هذه العبادة وتجلية لحكمتها التشريعية في ثنايا تفصيله لمسائل الصيام (58).
فقد كان حريصًا على ربط أحكام التكاليف بأسسها الإيمانية وأهدافها التربوية لتهذيب النفس وإصلاح الإنسان.
* ـــ الضياء معلمة بأسماء فقهاء الإسلام:
يصرح العوتبي بقصده إلى المقارنة بإيراد أقوال العلماء من الإباضية وغيرهم، فيقول: «وقد ذكرت شيئا من أقاويل قومنا الموافقة لنا والمخالفة لأقاويلنا في مواضعها، من الكتاب، إذ العلم بذلك خير من الجهل به» (59).
ويفهم من هذا أنه لم يرد الاستقصاء، بل قصد العلم بها وتوسيع دائرة الاطلاع، حتى لا يظل القارئ حبيس نظرة واحدة، أو اتجاه محدود.
بناء على هذا ترددت في ثنايا الكتاب أسماء علماء الإسلام من عصر الصحابة فالتابعين إلى أئمة المذاهب، دون تخصيص أو حصر، ونجد من تلك الأسماء الصحابي الجليل ابن عباس (60)، وإبراهيم النخعي (61)، والشافعي (62)، وأبا حنيفة النعمان (63)، وأبا يوسف صاحب أبي حنيفة (64).
كما يورد الأخبار التاريخية ويستند إلى روايات مختلف المصادر، ومن مصادره التاريخية محمد بن إسحاق (65).
ويرجو العوتبي المعذرة من القارئ على ما يورده وعدم التسرع لتخطئته رغم حرصه على الدقة والأمانة: «فمن وقف على هذا الكتاب فلا يعجلنّ بالجهالة عليّ، ولا يرسلنّ هجر المقالة إليّ ليتصحح ما قلته، وليتصفّح ما قدمته، عساه يجد لي سعة وعذرًا، وليتبين صحته أمرا، ثم لا يستثقله رائيا، ولا يمله قارئا، فإن الكتاب كلما كبر حجمه كثرت فوائده» (66).
* ـــ قضايا الوفاق وقضايا الخلاف:
استوعب العوتبي مسائل الفقه الأكبر في كتابه، وخصص للعقيدة أجزاء كاملة من موسوعته، وقرر مواقف الإباضية فيها، وأوضح المسائل الخلافية ومبنى الاستدلال لها، من نصوص الكتاب والسنة وشواهد اللغة وكلام المفسرين للقرآن. كما تعرض للأقوال المخالفة من شتى الفرق كالأشعرية (1/37)
صفحة 38
والمعتزلة والمشبهة والقدرية وردّ عليها ردًّا مطوّلاً، وخصص الجزء الثاني من الكتاب كاملا لهذه المسائل (67).
ولئن كان العوتبي متسامحا ليّنا في مسائل الفقه، باعتبارها مسائل رأي مبناها الظن والاجتهاد، فقد كان صارما في قضايا العقيدة لأن مبناها القطع واليقين، وهي دين لا مجال فيها للاجتهاد. والحق فيها واحد ومع واحد، والمخطئ فيها آثم غير معذور [في نظره].
وحرص العوتبي على مزج العقيدة بالأخلاق، وصبغ الفقه بهما معًا، باعتبارهما أساسا لا تثمر الأحكام من دونهما، ولا يجدي غيابهما نفعا على الإنسان ولو التزم بكل أحكام الإسلام (68).
* ــــ عرض الآراء بين الترتيب والاختصار:
إن كانت المسألة محل وفاق أو راجحة عن الجمهور بدأ بالرأي المتفق عليه، أو الرأي الراجح، وإن كانت محل خلاف بدأ بذكر الخلاف، ثم يخلص إلى ما رجح عنده من تلك الآراء (69).
ومن شواهد هذا الترتيب مسألة استقبال الكعبة، إذ بدإ بإجماع الأمة على فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى تجاهها وصفّ الناس خلفه مستديرين حولها، فدل على أن حال أهل الآفاق جميعا مثل حال أهل مكة يصلون تلقاء الكعبة، ثم ذكر الاختلاف حول وجوب استقبال عين الكعبة أم جهتها (70). وفي حكم الأذان بدأ بذكر الاختلاف وناقش الأقوال ثم خلص إلى الرأي الراجح (71).
كما يجنح العوتبي في عرضه للآراء إلى الاقتصاد وإيراد الأهم البارز في مسائل الخلاف، مع نسبة الرأي لصاحبه، وذكر الرأي بكل أمانة، موضحًا وجهة نظر صاحبه ومبنى دليله، ثم يناقشه. بيد أنه قد يورد الرأي بصيغة المجهول، أو يُغفل اسم صاحبه، بعبارة: ويرى بعضهم، وقال بعضهم، وقيل، ورُوي ... (72).
وإن كان الخلاف غير مُجْدٍ أعرض عن تفصيل الرد عليه، وقد صرح بهذا المسلك بقوله: «السكوت خير من الكلام العاري من البرهان، والخرس أفضل من قول بغير بيان» (73).
* ـــ ترتيب العوتبي بين الأدلة:
واضح من منهج العوتبي حرصه البالغ على استقصاء الأدلة النقلية الصحيحة من الكتاب والسنة وأقوال السلف. ومن عادة العوتبي إيراد الأدلة بالتسلسل من أعلاها إلى أدناها، يبدأ بآيات القرآن الكريم، وما قال فيها المفسرون، ثم أدلة السنة، وينص في المسائل قائلا: والحجة في ذلك قول النبيء صلى الله عليه وسلم كذا .. (74)، ثم دليل الإجماع (75) ثم أقوال الصحابة (76). والمجتهدين، وغيرها من الأدلة الاجتهادية كالقياس والاستصحاب (77). ودليل العقل (78). ويدعمها بشواهد اللغة ما أمكن (79).
وقد يستأنس بكلام الحكماء ولو من غير أهل ملة الإسلام، إيناسا للقارئ، وترسيخا لمعنى الصواب (1/38)
صفحة 39
والحكمة التي هي ضالة المؤمن، حتى يوقن أن أحكام الإسلام تطابق منطق الفطرة والحكمة الرشيدة، وتحقق مصلحة الإنسان في كل زمان ومكان (80).
وقد برز هذا التوظيف الشامل لشتى الأدلة في عدة أبواب من الكتاب، منها أبواب العلم بصورة خاصة، لأن العلم محل اتفاق بين الناس، وقد أجمعت العقول والرسالات على قيمة العلم وفائدته وضرورته.
* ـــ قوة الدليل أساس قبول الآراء:
ذكر عن موسى بن علي قوله "ثلاثة لا يجوز في النكاح، رجل تزوج امرأة وشرط عليها أن لا ميراث لها، أو يعزل عنها في الجماع، أو لا نفقة لها عليه، وشرط الله قبل شرطه" (81).
وأكد ما جاء في الأثر أن من تزوج على أن لا جماع فيه ثم أراد الجماع فذلك هو له، وإن كان أنقصها من صداقها لذلك فعليه تمامه" (82).
ومن شرط أن لا نفقة ولا كسوة ولا سكنى، فالنكاح تام، ولها النفقة والكسوة والسكن، إذا أرادت نقض الشرط، وإن طلقها على أن لا كسوة ولا نفقة لها عليه في العدة إذا كانت حاملا، أو طلقها ثلاثا، فهذا أيضا فاسد، إذا أرادت نقضه" (83).
وإن تزوجها على أن لا صداق لها عليه، فهذا تزويج فاسد، بدليل أن الفروج لا تُستباح بالنكاح إلا بصداق، فلما شرط في النكاح ما يبطله فسد، وشبهه بنكاح الشغار الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم (84).
وفي باب الصلاة ذكر قول جابر بن زيد بكراهة الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحبابها على كل ما أنبتت الأرض، وما لم يكن منها فلا يجوز السجود عليه إلا بدليل، لحديث «جعلت لي الأرض مسجدا» (85)، وأما الذهب والفضة والثياب وإن كانت مما أنبتت الأرض فهو مكروه كراهة تأديب، لأنه منافٍ للتواضع والتذلل لله تعالى في حال السجود، وهي مدعاة للخيلاء والفخر (86).
ولا يعني هذا التزام العوتبي بإيراد الأدلة لكل الأقوال التي يذكرها، فأحيانا يورد العوتبي أحكاما متسلسلة دون ذكر أدلتها، وقد تكون قائمة على القياس، أو على دلالة نصوص عامة، فلا يشير إلى ذلك، وربما أورد شواهد لبعض المسائل دون البعض الآخر، ومن نماذج هذا ما ذكره من أحكام المساجد والنوم فيها ونزع الأذى منها، وحفر بئر فيها وموضع العريش في فنائها، فدلل على بعض الآراء وترك الآخر غفلا عن الدليل (87).
وفي الحديث عن زكاة الفائدة وهل تتبع أصلها، أم يستأنف لها حول جديد، ذكر قول الإباضية بأنها تبع لأصلها، وقول الإمام مالك باحتساب حول جديد لها، ورجحه على غيره، ومستنده الحديث النبوي: "لا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول" قال: «والفائدة مال مخاطب صاحبها (1/39)
صفحة 40
فيها بوجوب الزكاة كخطابه في النصاب، والموجب في الفائدة الزكاة بعد شهره عند دخول الزكاة محتاج إلى دليل» (88).
كما انتقد ما «يوجد في آثار أصحابنا أن حق المؤلفة قد سقط اليوم إلا أن ينزل قوم في عصرنا أو في عصر من الأعصار منزلة المؤلفة. ولا أعرف وجه قولهم في إسقاط حق المؤلفة، وفي قولهم: "إلا أن ينزل قوم منزلة المؤلفة" دليل على أن حق المؤلفة باقٍ عندهم، وأظن معنى قولهم "إن حق المؤلفة اليوم ساقط" لعلمهم بأن أحدا في عصرهم لم يكن مستعصيا عليهم فينقاد بمال، فلذلك قالوا ما قالوا، والله أعلم.
والنظر عندي يوجب أن حق المؤلفة باق على كل حال في كل عصر وُجِدوا ووُجِد الإمام، واحتاج إلى تأليفهم، لعدم النسخ لذلك من الكتاب والسنة والإجماع» (89).
وهذا توجيه سليم لمبنى الاجتهاد، ونقد متأدب لاجتهادات العلماء.
*ـــ الاعتماد على الأحوط عند تشابه الأدلة:
تعرض العوتبي في قضية صلاة الوتر إلى خلاف العلماء حول كونها ثلاثا بتسليمة واحدة، أم واحدة بعد ركعتين أي بتسليمتين، ونقل نص ابن بركة إذ قال: «واختلف أصحابنا في صلاة الوتر، فقال بعضهم: يصلّي ثلاثا بإحرام واحد وتسليمة واحدة؛ وقال آخرون: يصلي ثلاثا بإحرام واحد وتسليمتين، وخيَّر صاحب هذا القول فقال: إن شاء وَصَلَ وإن شاء فَصَلَ، وقال آخرون: الوتر واحدة بعد ركعتين. والنظر يوجب عندي إجازة الواحدة والثلاث، والمصلّي مخيَّر بين فعل الواحدة والثلاث، وما فعل من ذلك فقد وافق السنة، لأن النبيء صلى الله عليه وسلم قد نقل عنه فعل الواحدة والثلاث ... وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة» (90).
وبعد إيراد نص ابن بركة أضاف العوتبي قائلا: «وروي عنه صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عمر أنه قال عليه السلام "صلاة الليل مثنى مثنى، وقيل: الصلاة مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة"، وهذا الخبر الذي تعلق به من قال بالركعة الواحدة من أصحابنا وغيرهم، فيحتمل أن تكون هذه الركعة موصولة بغيرها على ما ذهب إليه من قال بالركعة، ويحتمل أن تكون مفردة لأجل الصبح لأن فيه شرطا إذا خاف المصلي أن يفاجأ بالصبح، ومن احتج بجواز الواحدة، ولا حجة له مع وجود الشرط، فاسم الوتر يقع على الواحدة والثلاث، ومن أتى بواحدة فغير خارج من الاختلاف، والذي قلناه أكثر احتياطًا» (91).
* ـــ عدم الترجيح عند فقدان الدليل المرجح:
إذا أشكل على المجتهد ترجيح أحد الأقوال لتساوي الأدلة في المسألة كان مخيرا بينها، وذلك ما فعله العوتبي في بعض المسائل، مثلما فعل في قضية تحديد المقصود بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: (1/40)
صفحة 41
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} (92) فقد أورد الأقوال ممن يرى أنها العصر، ومن يرى أنها الصبح، ومن يرى أنها الظهر، والأحاديث المستدل بها لكل قول، ثم ختمها بقوله: والله أعلم. (93).
وفعل مثل ذلك في مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة والصلاة بالثوب المغصوب، بين من قال ببطلانها لكونها أفعالا كائنة في مكان لا تصح فيه، ومن قال إنها صحيحة، ويتوب من غصبه، ولا يقضي صلاته. ولم يرجح بين هذه الأقوال (94).
* ـــ بين الموضوعية والمذهبية:
تعتبر المذهبية سمة لازمت المذاهب الإسلامية طويلا، ولا تزال آثارها طاغية على مستوى التفكير والفعل في معظم المجتمعات الإسلامية، ولها أسبابها التاريخية والاجتماعية، وتعزيزها من قِبل بعض الفقهاء، رغم حيادية بعضهم، وسعيهم للتقليل من آثارها، وقد ذكر الدكتور الدريني عن كتاب «بداية المجتهد» بأنه "من أنفس ما كُتِب في الفقه الإسلامي المقارن، دقةً علمية وموضوعية، ونزاهةً، وتبدو عنايته واضحة في تحرير "مناشئ الخلاف"، والموازنة بين الأدلة أصوليًا، وكثيرا ما يرجّح الرأي الأقوم، وقد يأتي برأي جديد، في حين أننا نجد في كتب الحنفية مثلا نقلاً للآراء الضعيفة لفقهاء المذاهب الأخرى، ثم يشرعون في الرد عليها، متجاهلين الآراء القوية لمخالفيهم، مما يشعر بتجافي "الحق العلمي" بدافع نزعة حب الانتصار على المذهب المخالف، وهو لون من التعصب المذهبي الذي ينبغي أن يكون القضاء عليه غاية من غايات الفقه المقارن" (95).
ومن أهم ضوابطِ الفقه المقارن وشروطه: الموسوعيةُ والموضوعيةُ، ليتسنى للناظر الاطلاع الكافي على الآراء وأدلتها، والشجاعة الكافية لترجيح ما يعضده الدليل. وقد حظي العوتبي بنصيب موفور من هاتين الصفتين، بما نجده واضحا في كتبه بعامة، وفي الضياء بصفة خاصة.
ومن حرص العوتبي على الموضوعية قدر المستطاع ذكر الأقوال وأدلتها، كما فعل في قضية ما يقطع الصلاة مما يمر بين يدي المصلّي، إذ قال: «قالت طائفة من قومنا: لا يقطع الصلاة شيء، وهو قول الشعبي والزبير ومالك وسفيان الثوري والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم. واحتج أصحاب الشافعي بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا يقطع صلاة المسلم شيء"، وعن عليّ أنه قال على المنبر: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يقطع الصلاة إلا الحدث" وإني لا أستحيي مما لم يستحي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: الحدث أن يفسُوَ الإنسان أو يضرط.
وقال أبو حنيفة فيما حُكي عنه: لا تقطع الصلاة إلا الحائض» (96).
وفي رأي وجيه يظل العوتبي وفيا للواقع في تقرير الأحكام إذ يقول: «وإذا مرت امرأة بين يدي المصلّي فليس عليه أن يسألها طاهر هي أم لا، ولا نقض عليه حتى يعلم ذلك، لأن من شأن المرأة (1/41)
صفحة 42
وأكثر عادتها الطهارة، والحيض حادث، فحتى يعلم حدوثه، ولا يعلمه أحد غيرها، وليس لها أن تمرّ أمام المصلّي، فإن مرّت فلا قطع عليه، حتى يعلم ذلك، والله أعلم» (97).
كما يؤيد رأي الحنفية في نقض الصلاة والوضوء بالقهقهة في الصلاة، واعتبارها حدثا ناقضا. بينما لا يعتبره الإمام مالك ناقضا للصلاة ولا للطهارة. والرعاف عند مالك كالقهقهة، لأنه لا يعتبر الحدث إلا ما كان متفقًا عليه، ولكنه قال: من دخل الصلاة بتيمم، ثم رأى الماء وهو في الصلاة انتقضت طهارته، وهذا حدث عنده.
وانتقده بأن هذا ليس حدثا متفقا عليه، فلِم اعتبره ناقضا، وكان عليه أن يسويه بالقهقهة والرعاف (98). ثم ناقش رأي أبي حنيفة ورأي الشافعي في المسألة (99). واحتج لقول الإباضية والحنفية بأحاديث تقضي بنقض القهقهة للوضوء والصلاة (100).
ومن نماذج موضوعية العوتبي ما ذكره في مسألة «السجود على كور العمامة (101)، فجوّزه بعضهم، وهو قول أبي حنيفة، وكرهه آخرون، ولم يُقْدِم بالأمر بإعادتها، وأفسدها بعضهم، وبه قال الشافعي، واحتج بحديث أبي رفاعة عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثم يسجد ويُمكِّن جبهته بالأرض حتى تطمئن مفاصله".
والذي يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجد على كور العمامة خبر ضعيف، ولا يجوز قياس الجبهة على الركبتين، لأن الركبة تستر في العادة، والجبهة تكشف في العادة، فوجب كشفها في حال السجود .. » (102)، واستشهد بما يعضد هذا القول كقوله تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُود} (103) وهو مدح لهم، ومن لم يسجد على جبهته وأدام السجود على كور العمامة لم يكن في وجهه أثر السجود، ولكن لا يجوز أن يقصد إظهار هذه العلامة فيكون رياء وضربا من النفاق (104).
الاستقلال الفكري في آراء العوتبي:
*-آراء انفرد بها العوتبي:
طفح كتاب العوتبي بأسماء أعلام الإباضية منذ نشأة المذهب إلى عصره، بين من يكثر وروده ومن يقل حسب ثقله العلمي ومدى ما أورثه من تراث وآراء، فمنهم جابر بن زيد (105)، وأبو عبيدة مسلم (106)، والربيع بن حبيب (107)، وابن محبوب (108)، وموسى بن أبي جابر (109)، وموسى بن علي (110)، وأبو الحواري (111)، وأبو المنذر بشير (112)، وأبو زياد (113)، وأبو المؤثر (114) وأبو سعيد (115)، وأبو الحسن (116)، ومحمد بن موسى، وأبوه موسى بن محمد (117)، وأبو مالك الصلاّني (118)، وأبو عبد الله
محمد بن عثمان (119). كما أورد رأيا للشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي المغربي (120) مما يزكي قوة التواصل العلمي بين المشرق والمغرب.
ويذكر الشيخ الخليلي أن العوتبي لم يميز في إيراد آراء المذهب بين علماء المدرسة النزوانية المتساهلة (1/42)
صفحة 43
في أمر موسى بن موسى وراشد بن النضر، وقد تزعمها الإمام ابن بركة، وبين علماء المدرسة الرستاقية المتشددة في القضية، وزعيمها الإمام أبو سعيد الكدمي، فإن الاختلاف السياسي بين المدرستين لم يؤثر على الاستفادة المتبادلة بينهما، وإن كان بَاعُ المدرسة الرستاقية أوفر وأفضل في علوم اللغة وعلم أصول الفقه (121).
والذي نال نصيب الأسد من الأثر على الضياء هو أبو محمد عبد الله بن بركة، ينقل عنه بقوله: قال أبو محمد، في مواضع عديدة من الضياء (122). وقد حاز ابن بركة هذه المكانة بفضل كتابه الجامع "الجامع" الذي غدا موئلا لكل من كتب في الفقه من الإباضية منذ القرن الرابع حتى عصرنا الحاضر. حتى اصطلح عليه لدى العمانيين باسم "الكتاب"، فهو مثل كتاب سيبويه عند النحويين.
ولم يكتف العوتبي بالاقتباس المتكرر من جامع ابن بركة، بل جاراه حتى في طريقة التضييق وتقسيم الموضوعات، وبخاصة في أجزائه الأولى حيث تناول القضايا الأصولية على نسق وأسلوب ابن بركة حذو النعل بالنعل، كما نقل كلامه حرفيا في مسائل فرعية عديدة (123).
وقد يتحرى العوتبي الدقة أكثر في نقل الخبر، مثل ذكر اسم الراوي في حديث استشهد به ابن بركة ولم يذكر راويه (124).
ولئن اهتم العوتبي أساسًا بآراء أئمة الإباضية فلم يكن حبيسها أو مقدسًا لها، بل ربما رجح غيرها، مما يراه أفضل وأولى بالاعتبار، كما قد يستقل بآراء خاصة كقوله بحصول الإجماع على أن أقل الحيض يوم وليلة، والحال وقوع الخلاف في ذلك، ومشهور الشافعية أن أقله دفعة واحدة، بينما يرى الإباضية والحنفية أن أقله ثلاثة أيام (125)، ولذلك انتقد الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي على العوتبي ادعاء هذا الإجماع (126).
ومما انتقد عليه أيضا رأيه في مسألة: هل تلزم العدة المرأة إن طلقت بعد أن أرخى عليها زوجها الستر، وادعت أنه لم يطأها، وصدّقها الزوج؟
فقد نقل العوتبي الإجماع على وجوب العدة، وأنهما لا يُصَدَّقان في عدم المسيس، ولكن الخلاف واقع فيها بناء على الخلاف في اعتبار العدة حقًّا لله لا يجوز التنازل عنه، أم هي حق للزوج يجوز إسقاطه. والمسألة مبسوطة بأدلتها، وقد انتقد الشيخ أبو نبهان على العوتبي حكايته الإجماع في هذا المقام (127).
وفي عدة المرأة المفقودة يرى العوتبي أن على زوجها أن ينتظر حولا كاملا حتى يستطيع أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها، خروجا من محذور الجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها.
وانتقد الشيخ جاعد الخروصي هذا الرأي لتفريقه بين الرجل والمرأة بلا دليل، فإما أن ينتظر الرجل أربع سنين ثم يحكم بوفاة زوجته، وإما أن يطلقها فيحسب عدة الطلاق، ثم يتزوج بعد انتهائها، (1/43)
صفحة 44
وإن احتملنا كون زوجته حاملا انتظر حتى يتيقن وضع حملها، على خلاف بين الفقهاء في أقصى مدة الحمل (128).
كما انفرد برأي متشدد في بيع الأرقّاء، ومنع صحة هذا البيع إلا بعد اعتراف الرقيق بنفسه أنه مملوك لبائعه (129).
وهو قول وجيه تسنده مقاصد الشريعة وحرصها على تضييق أسباب الرق وتشوفها إلى الحرية، إذ ربما يقع إنسان تحت الرق دون موجب شرعي، فيضطر إلى الرضا بمصيبته استسلامًا للأمر الواقع، ويكون سكوته بعد ذلك غير كاف لإثبات عبوديته، لأنه سكوت غير معبّر عن رضى حقيقي، فلزم البيان باللسان والاعتراف بصريح اللفظ، بما يدفع الشكوك، ويقيم الحق على أساس من الحجة والبرهان.
* ـــ الاستدلال بالسنة ونقد الرواية:
اعتمد العوتبي على السنة كثيرا في الاستدلال على الآراء الفقهية، ونقد الروايات متى دعت الضرورة إلى ذلك.
وكان يحكم بفساد العمل إن كان مخالفا للسنة، فقد ذكر عن ابن بركة قوله: "أكره لمن يصلّي وحده فريضة أن يسبّح في ركوعه وسجوده ثلاثين تسبيحة أو خمسين تسبيحة، ولو أراد بذلك الفضل، وإن فعل لم تفسد صلاته، إلا أنّا نكره ذلك، ولا يخالف السنة، لأن السنة جاءت بأنه يسبّح ثلاثًا" (130).
ثم ذكر أخطاء المصلين في أقوال التسبيح والتكبير في الركوع والسجود انتقاصا أو زيادة في العبارة أو العدد، وأنه لا نقض فيها عند الخطإ، أما إن كان عامدا فصلاته منتقضة، لأنه تقدم على خلاف السنة، وأشار إلى قول بعض علماء الإباضية بعدم النقض ولو مع العمد (131).
بيد أن العوتبي لم يلتزم ذكر سند الرواية دائما بل كثيرا ما يورد الحديث عاريا عن راويه.
ومن نماذج رواياته للسنة الأحاديث الآتية:
عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه «ما أنفق منفق ولا تصدق متصدق بأفضل من كلام الحكمة، إذا تكلم بها الحكيم والعالم ينال كل مستمع عنه منفعته» (132).
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيء صلى الله عليه وسلم رأى امرأة عليها سواران من ذهب فقال: أتحبين أن تُسوَّري بسوارين من نار يوم القيامة؟ قالت: لا، قال: أدّي زكاة هذين السوارين" قالت: هما لك يارسول الله، فضعهما حيث شئت (133).
وعن عائشة أنها قالت دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدي فتخات من ورِقٍ، أو قالت: من ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ فقلت: أتزين لك بهن. فقال: أتؤدين زكاته؟ قلت: لا، فقال: حسبك من النار، اعلمي أن الزكاة تلزمه" (134).
وعنه من طريق ابن مسعود: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته في (1/44)
صفحة 45
الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (135).
وعن النبيء صلى الله عليه وسلم من طريق أنس بن مالك أنه قال: «الحكمة تزيد الشريف شرفا وتضع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك» (136).
أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال: «للأنبياء على العلماء فضل درجتين، وللعلماء على الشهداء فضل درجة» (137).
عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد» (138).
فلا يلتزم إيراد سند الحديث أو درجته من الصحة اكتفاء بقبول الفقهاء له، وربما كان الحديث ضعيفا أو موضوعا فلا ينبه عليه، مثلما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بسم الله الرحمن الرحيم تيجان الكتب» (139).
وروى حديثا عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ نقطة، فنظرت إلى نفسها فتصاغرت فتواضعت لله تعالى فصارت همزة، فلما رأى تواضعها طوّلها فصارت ألفا ... » (140). ثم تستمر الحكاية في مسلسل طريف لتشكل الحروف بصورة لافتة، ولكن لا يعضدها توثيق السند بطريق صحيح.
وفي حديث آخر عن علي بن أبي طالب «ما من كتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم ملقًى في بقعة من الأرض إلا بعث الله من يرفعه، وإذا رفعه أدخله الله الجنة وخفف عن والديه العذاب وإن كانا مشركين» (141). فهذا الحديث تناقضه الأصول وقطعيات الدين، وليس بحاجة إلى نقد الناقدين.
وأحيانا يتعرض للخلاف حول ثبوت الخبر ونقد الرواية، ويستثمره في الموازنة بين الآراء.
ومن شواهد ذلك مسألة نقض الصوم بالكذب، وهي مسألة خلافية بين الإباضية أنفسهم، مع اتفاقهم على أن الكذب ينقض الوضوء دون طهارة الاغتسال من الجنابة، واستندوا إلى حديث رواه أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النميمة الكاذبة والكذب ينقض الصيام وينقض الوضوء»، ثم أورد انتقاد المخالفين في المسألة لعدم ثبوت الحديث عند بعضهم، وتأوله من أثبته منهم بالحرمان من ثواب الصوم دون نقضه، واعتبره العوتبي تأويلا فاسدا، واستدل لصحة مذهبه بأحاديث أخرى، كقوله (: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع له طعامه وشرابه»، وقال: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش»، وأورد روايات عن عمر وعلي وأنس بن مالك قالوا: فيمن كذب أو اغتاب أنه قد فسد صومه (142).
ويؤكد هذا التوجه أيضا ما أورده من روايات عديدة في حكم الخمر، بلفظ «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وردّ بها على من أجاز النبيذ (143).
وفي مسألة زكاة الخيل قال: «وقال الشافعي لا زكاة في الخيل، وقال أبو حنيفة: تجب في الخيل السائمة إذا كانت إناثا أو إناثا وذكرانا، في كل فرس دينار أو ربع عشر قيمته. الحجة عليه قوله (1/45)
صفحة 46
عليه السلام: "ليس على المسلم في عبيده ولا فرسه صدقة"، ولأنه حيوان لا تجب الزكاة في ذكورها إذا انفردت، فلم تجب في ذكورها وإناثها، كالبغال والحمير، وعكسه المواشي. فأما قوله عليه السلام: "في الخيل السائمة في كل فرس دينار" فهو خبر ضعيف رواه عورل السعدي (144)، وهو مجهول لا يحتجّ بخبره، على أنه محمول على الخيل السائمة إذا كانت للتجارة» (145).
وفي قضية الصيام عن الميت، ذكر الأقوال فيها، وهي آراء الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وداود الظاهري، وأدلتها وناقشها، وأورد سند أحاديثها، وتضعيف بعض رواياتها، وتأويل معانيها، ثم رجح في النهاية ما رآه منها صوابا (146).
ولم يكن يألو جهدًا لتوجيه الأحاديث واستثمارها أصوليا لاستنباط الأحكام منها وجوبا أو ندبا أو حرمة أو كراهة أو إباحة. ومن شواهد هذا الاستثمار توجيهه لأحاديث النهي عن اتخاذ المساجد طريقا وعن نشدان الضالة فيها، وعن البيع فيها، فبعضها قال: إنها تفيد الكراهة والتأديب، وبعضها يفيد التحريم، ويرخِّص لأصحاب الضرورات عند الحاجة (147).
وإذا عجز عن نقد الحديث احتمل له وجوها من التأويل، كما فعل في حديث "لا توَطّن المساجد للصلاة والذكر لرجل إلا يبشبش الله به حين يخرج من منزله كما يُبشبش أهل البيت بغائبهم إذا قدم عليهم".
قال: «ومعنى ذلك المسرّة به، ويقال: قد تبشبش فلان بفلان إذا أسرّه وانبسط إليه. فإن كان الحديث صحيحا فتأويله على المجاز لا على الحقيقة، لأن السرور والبشاشة ليس من صفات الله عز وجل» (148).
* ـــ القياس بين الإفراط والاقتصاد:
كان القياس أساسا اعتمده جمهور المجتهدين لاستنباط الأحكام، وضمان شمول الشريعة لتجدد الحياة وتدفق القضايا التي يعيشها الإنسان، ولم يفرط العوتبي في هذا الدليل، بل استند إليه في كثير من آرائه أسوة بسائر المجتهدين.
ولكنه كان يلتزم شرائط القياس حتى يثمر اجتهادا صحيحا، ويرفض ما خالف قواعده، أو لم يستوف شرائطه.
فقد وافق إجماع الإباضية أن الظهر والعصر تصلى بالفاتحة وحدها دون السورة، استنادا إلى الإجماع على أن كل الركعات السرية تصلى بالفاتحة وحدها، بينما يُقرَأ في الركعات الجهرية بالفاتحة والسورة. وأورد الحوار مع المخالف في هذه المسألة، واحتج بالقياس وانتصر للقول بعدم السورة في الظهر والعصر (149).
ومن ذلك مسألة تحريم الموطوءة في الحيض على زوجها، وهو قول مأثور عند الإباضية، وألحقوا بها الموطوءة في النفاس. وكان رأي العوتبي رفض هذا القياس لاختلاف الصورتين، إذ إن القرآن ورد (1/46)
صفحة 47
بتحريم الوطء في الحيض نصًّا، فناسب تشديد الحكم على منتهكه، ووردت أحاديث تشنع على فاعل ذلك، وتلزمه دينار الفراش، وهي وإن كانت أحاديث مضطربة عند نَقَدَةِ الروايات، فقد عمل بها كثير من الصحابة والأئمة. ولم يرد مثل ذلك في باب النفاس، فرأى العوتبي عدم حرمة الموطوءة في النفاس لهذا الاعتبار (150).
وينكر العوتبي على من قاس الزكاة على الصلاة في كل شيء، لأن الصلاة عمل بدني يتعلق بالمكلف، فيختص بشروطه، والزكاة عبادة مالية تتعلق بالمال، فاختلفت حقائقهما، وإن كانتا جميعا عبادات وأركانا للدين.
ويرى العوتبي مع الإباضية والجمهور أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون، ولا ترفع عنهما، وهو قول عدد من الصحابة أيضا، استنادا إلى عموم أدلة وجوب الزكاة، بينما ذهب أبو حنيفة إلى اشتراط العقل والبلوغ لوجوبها، قياسا على الصلاة. وأكد العوتبي هذا التمييز بأن الصلاة تخص المكلف، والزكاة يتعلق بها حق الغير، فلا تقاس الزكاة على الصلاة (151).
كما ناقش أبا حنيفة إجازته أن يعطي الدائنُ غريمَهُ زكاتَهُ، ثم يطالبه بدينه، ولم يجز أن تعطي المرأة زوجها من زكاتها، ورأى العوتبي جواز ذلك لتساوي الصورتين، وطالب أبا حنيفة بدليله، وناقش القضية باستفاضة (152).
* ـــ المقاصد والضرورة:
لم يغفل العوتبي في عملية الاجتهاد والموازنةِ بين الآراء الاحتكامَ إلى مقاصد الشريعة للتعرف على أهدى الآراء سبيلا، وأقربها لتحقيق مقاصد الشارع الحكيم، إذن إن الدين كله جاء لمصلحة المكلفين، كما استقر باستقراء تام لأحكام الشريعة الغراء (153).
وقد ذكر حكم بناء المساجد وما يعتريها من أحوال، كأن يريد أحد بناء مسجد فيخرب بسببه مسجد آخر مجاور، فهل يباح له ذلك؟ قال: إن لم ينو الضرار فلا بأس. رغم وجود قول بوجوب تباعد المساجد بقدر قضاء حاجة الإنسان والتوضؤ بعد سماع الأذان ولحوقه الجماعة بعد ذلك. وأما ما دون هذه المسافة فيحق للسلطان منع بناء المساجد. وعقب قائلا: «وما أحب أن يبني أحد مسجدا بقرب مسجد إلا أن يكون لا يقدر أن يصل إلى ذلك المسجد، فله أن يبني»، وذكر أن المسلمين عرفوا تجاور المساجد فلم ينكروا على أهلها، وهو أمر مشهور في عمان في زمن العوتبي (154).
وذكر أن من وطئ امرأته وهو يرى أنها غير امرأته بقصد الزنا، أو صلى في ثوب طاهر وهو يرى أنه نجس، أو شرب شرابا حلالا يظنه خمرا، أو قتل رجلا عمدًا عدوانا، وهو ممن يحل قتله، وما أشبه هذه الصور أنه آثم بالقصد، ولكن لا ضمان عليه، وتلزمه التوبة والاستغفار، وإن مات كان في البراءة لقصده ارتكاب الكبيرة (155). (1/47)
صفحة 48
واتساقا مع واقعية الفقه ومراعاته لظروف المكلفين كان اعتبار الضرورة حاضرا في منهج العوتبي، فنجده يرعاها ويبني عليها عددا من الأحكام.
وتقوم قاعدة الضرورة على أساس تعلق الخطاب الشرعي بالاستطاعة وقدرة العبد على الامتثال، وحين تقصر قدرته عن الوفاء بكامل الطاعة لزمه أن يأتي منها بما يستطيع، لقوله عز وجل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (156). وقوله (: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (157)، وبناء على هذه القاعدة قال العوتبي في الذي له ثوب نجس لا يقدر على طهارته أنه يصلي به ولا يصلي عريانا، وهذا قول الإباضية خلافا للشافعي وأصحابه من أهل الحجاز، واستدل للقول الأول ورجحه (158). أما من افتقد ثوبا للصلاة فإنه يصلي عاريا ولا يترك الصلاة، ولكنه يصلي قاعدا، لأنه أستر له، وفصّل أحكام صلاة العراة جماعة عند الضرورة (159).
وأورد أحكام أصناف من المكلفين، أمثال:
*-من صلى للقبلة ثم تبين خطؤها بعد صلاته.
*-إذا وجد العاري الثوب وهو في الصلاة.
*-إذا وجد المتيمم الماء وهو في الصلاة.
*-إذا أعتقت الأمة وهي تصلي حاسرة الرأس.
*-إذا قدر العاجز عن القيام في الصلاة وهو يصلي قاعدا.
فهؤلاء جميعا يبنون ولا يجددون ولا يستأنفون صلاتهم، لأن ما وقع منها أولاً كان وفق استطاعتهم، ثم تجددت لهم استطاعة أخرى فلزمهم العمل بما تقتضيه والانتقال إلى ما توجبه (160).
ومن تطبيقات ذلك واجب استقبال القبلة للمصلي حين يتعذر امتثاله، قال: «وإذا خفيت عليه الدلالة سقط عنه فرض التوجه، وكان عليه فرض التحري نحوها، فإذا صلى بعض الصلاة ثم انكشفت الدلالة على الكعبة توجه إليها، وبنى على ما مضى من صلاته، لأن فرض التوجه لزمه عند علمه بالجهة»، واستشهد بخبر تحويل القبلة الذي بلغ الصحابة وهم في الصلاة فاستداروا من بيت المقدس نحو الكعبة، وأقرّهم النبيء صلى الله عليه وسلم على ذلك (161).
وفي مقام آخر يقول: «وللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة إذا خشي من التوجه إليها من تلف على نفسه من خوف أو مرض أو غيره، ويصلي كما أمكن له، وكذلك يجوز له أن يصلي راكبا وراجلا من طريق الإيماء، قال الله عز وجل: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانا} (162)، وكذلك الخائف المطلوب دمه الهارب يصلي خمس تكبيرات، ويصلّي حيث كان وجهه، قال الله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (163)» (164).
* ـــ أثر اللغة على فقه الضياء: (1/48)
صفحة 49
مكّنت ثقافة العوتبي الأدبية ووفرة زاده من علوم اللغة، فجعل من الأدب وعاءً للفقه (165)، فجاء كتابه الضياء فريدًا في نسجه، تعلوه مسحة لغوية أدبية ظاهرة، تضفي عليه نضارة تنأى به عن روح الفقه الجافة، بحكم طبيعة الأحكام وما توحي به من صرامة والتزام، ونجد في الضياء عناية فائقة بالتعاريف انطلاقا من استعمالات اللفظة عند أهل اللسان، واستحضارا بارعا وغزيرا لشواهد اللغة وأهلها، ولا غرو فإن القرآن مصدر علوم اللغة، وقاموس اللغة ووعاؤها الخالد. منه نهل اللغويون والفقهاء على حد سواء.
ولئن تميّز العوتبي باتجاه واضح إلى التأصيل اللغوي فإنه كان مع الاقتصاد في استعمال هذا المنهج حتى لا يخرج عن مجال الاختصاص وهو بيان الأحكام.
ومن شواهد توظيف العوتبي للغة ما ذكره من قول أهل اللغة في سبب تسمية المعرفة والنكرة، وعلة ذلك، بناء على أن المعرفة لا تحتاج إلى علامة؛ خلافا للنكرة (166). ودلل لذلك بقول النابعة:
أَبَى اللهُ إِلاَّ عَدلَهُ وَوَفَاءَهُ
فَلا النُكرُ مَعرُوفٌ وَلاَ العُرفُ ضَائِعُ (167)
وقال في شرح حديث النبيء صلى الله عليه وسلم: "إن المسجد لينزوي في النخامة"، أي يجتمع وينقبض من كراهيته لها. قال الأعشى:
يزيد بِغضِّ الطرف دوني كأنما
زُوِي بين عينيه على المحاجم (168) (169).
ونجد أشعارا للخنساء وعنترة (170) كما يستدل بأقوال أهل اللغة مثل قطرب (171)، والفراء (172)، وابن الأنباري (173)، والمبرد (174).
ولا يكاد يطرق مسألة فقهية لها علاقة بالمصطلح قبل أن يفتتحها ببيان المعنى اللغوي مدعما بشواهد من كلام العرب (175).
ففي تعريف المدبَّر قال: «التدبير مأخوذ من الدبر، لأن السيد أعتقه بعد مماته، والممات دبُر الحياة، فقيل: مُدبَّر، ويقال أيضا أعتقه عن دُبر، ولا يقال ذلك في غير العبيد، ولو جعل فرسا في سبيل الله أو نخلا أو دارًا بعد وفاته لم يَجُز في اللغة أن يقع على هذا اسم تدبير، ولا يقال فرس مدبَّر ولا نخل مدبَّر. وليست اللغة بقياس» (176).
وفي حديثه عن حكم الأرض المغصوبة نص على عدم صحة الصلاة فيها، كما لا تصح بالثوب المغصوب، «ولا يجوز أن يغتصب المسجد، وليس لمغتصبه أن يصلّي فيه، ومن اغتصب أرضًا وبنى فيها مسجدا فلا ثواب له، ولا تجوز صلاته فيه، وفي صلاة غيره اختلاف. واختُلف أيضا في حكم الأرض، فقال قوم: الأرض لصاحبها ويُهدَم المسجد، ويستعمل أرضه، ومنهم من قال: يرجع على المعتدي في أرضه فيؤخذ منه قيمتها فقد استهلكها. والله أعلم. (1/49)
صفحة 50
وليس للغاصب ثواب فيما يتقرب به ويفعله معصية. وقال الشاعر في هذا المعنى:
بَنَى مَسجِدًا لله فيِ غَيرِ حِلِّهِ وَكَانَ بِحَمْدِ اللهِ غَيرَ مُوَفَّقِ
كَمُطْعِمَةِ الزَّمْناءِ مِنْ كَسْبِ فَرْجِهَا
لَكِ الوَيْلُ، لاَ تَزْنِي، وَلاَ تَتَصَدَّقِي» (177)
وللعوتبي مناطق كثيرة يتحرك فيها من حيث التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والإيجاز والإطناب، والإيضاح والإبهام، ومن حيث التصريح والتضمين، وغير ذلك مما يكون له أثر في الدلالة. (178)
وهو في أسلوبه محكم السبك سلس العبارة، تلتحم فيه الألفاظ التحاما قويا حتى لا يوجد بين أجزاء الكلام تنافر أو اضطراب.
ونجده أحيانا يعنى بتصوير المعنوي في ثوب المحسوس، ويقدمه في كيان حي ماثل للعيان.
وتتعدد لغته في تقرير المسائل وكثيرا ما يستعمل لغة الحوار: فإن قال قائل كذا .. قيل كذا .. (179).
كما نجد مثالا لهذا التلوين في أساليب الحديث؛ في بيانه لآداب المسجد وما يلزم الداخل إلى المسجد من آداب (180).
وقد يتخذ من دليل اللغة مرجحا لرأي يختاره بين آراء الفقهاء، مثل اعتماده على معنى المال لغةً لترجيح الرأي بعدم الرغبة في المال شرعًا، (181) وكقوله بوجوب السترة والدنو منها في الصلاة لحديث: "من صّلى إلى سترة فليَدْنُ منها"، وفي رواية "إذا صلى أحدكم إلى شيء فليُرهقه"، وفسر الإرهاق بالغشيان في استعمال أهل اللغة (182)، وتحريم الخمر بناء على أن من أسمائها في اللغة "الإثم" وقد حكم القرآن أن فيها إثمًا كبيرا, {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} (183) وحرّم الإثم بقوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ} (184) (185).
كما رجح وجوب الخُمُس في الركاز بدلالة اللغة، وذكر أنه قد «جاءت السُّنّة عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في الركاز الخُمُس". قال أصحابنا: الركاز كنوز الجاهلية، ووافقهم على ذلك أهل الحجاز، وأما أهل العراق فعندهم أنه المعادن. والقول عندي ما قال أصحابنا لأن اسم الركاز مأخوذ من ركز الرمح فأثبت أصله، فإذا استخرج المال ذهب أصله، وكذا الرمح إذا خرج ذهب أصله» (186).
وعلى نفس النسق رجح قول جمهور الفقهاء من أن الواجب على المصلي استقبال جهة الكعبة، ولا يعنّت عليه بالاتجاه إلى عينها إذا لم تكن أمام بصره، وكان من بين استدلالاته معنى الشطر في اللغة، وقد أمر الله بالتوجه إليه {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} (187). لأن من معاني الشطر في اللغة الجهة (188). (1/50)
صفحة 51
وقد كان العوتبي وفيًّا لنهجه الذي اختطه في صدر كتابه بالعناية باللغة حين قال: «وقد فسّرت جميع ما ذكرت في هذا الكتاب من لفظ غريب، ومعنى عصيب، ليكون مستغنيا بتفسيره عن الرجوع فيه إلى غيره، على أن الغرض المقصود به والغرض الموضوع له هو الفقه» (189).
ووفى بما وعد فاتخذ اللغة خادما للفقه، ولم يطغ جانب على آخر، فقامت اللغة بدورها الوظيفي على أحسن الوجوه، ولم يكن الضياء نسخا للإبانة، لأن لكل من الكتابين دوره ورسالته (190).
ومن هنا ترتسم من قراءة الضياء صورة طيبة في ذهن القارئ عن أسلوب العوتبي في تناول المسائل الفقهية بقدرة الفقيه المتمكن واللغوي الضليع والأديب المرهف، يصوغ المسائل في أسلوب سلس واضح العبارة، ويورد الأقوال وينسبها لأهلها، ويحاورهم بأدب جمٍّ، ويوازن بين آرائهم بإنصاف واعتدال، ينتقل من الخطاب إلى التقرير، ومن الإخبار إلى الحوار، في انسيابية لا تشعر القارئ بالملل أو الضجر، وفي نفَس أدبي طليّ كأنه نسمات السحر.
الخاتمة:
بعد هذه الومضات عن الفقه المقارن ومسيرته في تاريخ الإسلام، تجلى لنا كيف كانت نشأته من مناظرات الفقهاء، للتعرف على الرأي الأهدى، وتقليص شقة الخلاف بينهم، ثم تنامت الكتابة فيه فدونت الموسوعات الفقهية المقارنة، وأسهم في بنائها مختلف الفقهاء من كل المذاهب الإسلامية، وسعوا لإقامة دعائم الفقه المقارن على أساس الحجة والدليل، وابتغاء الوصول إلى الحق فيما اختُلف فيه، وسيلتهم في ذلك الموسوعية والموضوعية.
وتبين لنا كيف كان العوتبي نموذجا للعالم الضليع، والموسوعي المقتدر، وأن تراثه العلمي شاهد على خصاله، ويعتبر كتابه "الضياء" نموذجا طيبا للفقه المقارن المتسم بالموضوعية إلى حد كبير، مع ما اصطبغ به من مسحة أدبية طلية، جعلت قراءته لونا من المتعة تنعش القارئ، فتنسيه أنه في ميدان الفقه والأصول حيث ترهق الاختلافات والاستدلالات العقول، ويصيب رأس الإنسان الدوار، بل يشعر في رحاب "الضياء" أنه في روضة تأسر الأنظار، وتعبق بأريج الأزهار.
مسقط مساء الجمعة
23 محرم 1426هـ / 4 مارس 2005م
مصادر البحث:
1. أحمد بن حمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ضمن بحوث ندوة "قراءات في فكر العوتبي الصحاري، أقامها المنتدى الأدبي، بسلطنة عمان، من 16ـــ17 رجب 1416هـ الموافق 9ـــ10 ديسمبر 1995م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1418هـ/1998م، صفحات 64ـــ76
2. أحمد بن سعود السيابي، العوتبي نسابة، ضمن بحوث ندوة "قراءات في فكر العوتبي الصحاري، (1/51)
صفحة 52
أقامها المنتدى الأدبي، بسلطنة عمان، من 16ـــ17 رجب 1416هـ الموافق 9ـــ10 ديسمبر 1995م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1418هـ/1998م، صفحات 77ـــ86.
3. أحمد بن موسى الكندي، النزوي. (ت557هـ/1162م) ـــ المصنّف. المجلد الأول (ج1ـــ2) تحقيق عبد المنعم عامر. طبع مطبعة عيسى البابي الحلبي. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. د. ت.
4. امحمد بن يوسف اطفيش، شرح النيل وشفاء العليل. ط.2. دار الفتح. بيروت لبنان. 1393هـ/1973م.
5. جاد محمد طه، (دكتور) العوتبي مؤرخا، ضمن بحوث ندوة "قراءات في فكر العوتبي الصحاري، أقامها المنتدى الأدبي، بسلطنة عمان، من 16ـــ17 رجب 1416هـ الموافق 9ـــ10 ديسمبر 1995م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1418هـ/1998م، صفحات 87ـــ102.
6. سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي، كتاب الضياء. (19مجلدا) ط1. طبعت خلال سنوات 1411هـ ـــ 1496/ 1990 ـــ 1996م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
7. سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، نشر مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان قابوس للشؤون الدينية والتاريخية، ط2، 1425هـ/2004م.
8. عبد الحفيظ محمد حسن (دكتور)، كتاب الضياء منهجا وأسلوبا ولغةً، ضمن بحوث ندوة "قراءات في فكر العوتبي الصحاري، أقامها المنتدى الأدبي، بسلطنة عمان، من 16ـــ17 رجب 1416هـ الموافق 9ـــ10 ديسمبر 1995م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1418هـ/1998م، صفحات 103ـــ145.
9. عبد الله بن محمد، ابن بركة، كتاب الجامع، تحقيق عيسى يحي الباروني، دار الفتح لبنان،1974م.
10. فتحي الدريني (دكتور)، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414هـ/1994م.
11. محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، المطبعة الحديثة للنشر والتوزيع، ط1، 2002.
12. محمد رأفت عثمان (دكتور)، وآخرون، بحوث في الفقه المقارن، ط1، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، الكويت، 1409هـ/ـ1989م.
13. مصطفى صالح باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، نشر مكتبة الجيل الواعد، مسقط، 1426هـ/2005م. (1/52)
صفحة 53
--------------------
الهوامش
(1) - هذا تعريف مشهور للإمام أبي حنيفة، ينظر: التلويح على التوضيح، 1/ 5.
(2) - هذا تعريف ابن الحاجب، وثمة تعاريف أخرى متقاربة، انظر: مختصر المنتهى، لابن الحاجب، 1/ 18.
(3) - د. الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي واصوله، مؤسسة الرسالة، ط1، 1414هـ -1994م، ص17.
(4) - أ. د. محمد رأفت عثمان، وآخرون، بحوث في الفقه المقارن، ص 21.
(5) - سنن الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله، باب ما جاء في الحث على تبيلغ السماع، حديث رقم 2582، ترقيم العالمية.
(6) - سورة النجم، آية 3.
(7) - البيت للبوصيري في قصيدة البردة في مدح النبيء صلى الله عليه وسلم.
(8) - سورة هود، الآيتان 118 - 119.
(9) - وقد بحث الأصوليون هذه القضية في مبحث الصواب والخطإ في الاجتهاد ضمن مباحث الاجتهاد.
(10) - ينظر في اختلاف الفقهاء مصادر أصول الفقه، كما وضعت مؤلفات مستقلة في ذلك، منها: اختلاف الفقهاء، للطبري، وغيره. وعلى سبيل المثال: د. فتحي الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص 23 - 25؟؟؟؛ أ. د. محمد رأفت عثمان، وآخرون، بحوث في الفقه المقارن، ص 33 - 66.
(11) - سورة التوبة، آية122.
(12) - سورة النحل، آية43.
(13) - سورة النساء، آية83.
(14) - يراجع حول نشأة الفقه المقارن، مقدمة ابن خلدون.
(15) - ينظر في الضياء على سبيل المثال، بعض أبواب الزكاة، منها "ما يؤخذ من أموال الحرب من المشركين إذا قدموا بها إلى بلاد المسلمين" ج6، ص191 - 193.
(16) - انظر العوتبي، الضياء؛ 6/ 353.
(17) - أ. د. محمد رأفت عثمان، وآخرون، بحوث في الفقه المقارن، ص 21.
(18) - ينظر حول هذه الأركان: د. فتحي الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص 22. (1/53)
صفحة 54
(19) - ينظر حول هذه الأهداف: د. فتحي الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص 23 - 25؛ أ. د. محمد رأفت عثمان، وآخرون، بحوث في الفقه المقارن، ص 22.
(20) - البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، 1/ 350.
(21) - انظر عن تسلسل الأحداث التاريخية ومحتوى كتاب الأنساب للعوتبي، د. محمد قرقش، المنهج التاريخي عند العوتبي، ص 162.
(22) - أحمد السيابي، العوتبي نسّابةً، ص83.
(23) - أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص66.
(24) - أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص66؛ د. إبراهيم الدسوقي، معجم الإبانة للعوتبي، المنهج؛ اللغة؛ المادة المعجمية، طبيعتها؛ مصادرها، ص 15.
(25) - انظر ترجمة الأصم في: البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 439. وذكر أنه ختم تأليف كتابه "التاج" سنة 601 وعقب قائلا: أي قبل وفاته بعشرين سنة.
(26) - جاء في الضياء، 5/ 15 «مسألة: قال الشيخ الفقيه عثمان بن أبي عبد الله الأصم رحمه الله "أجمع المسلمون أن المساجد لله كلها، أرضها ومالها، وما أوقف عليها من المال لصلاحها في ذلك، وما استُغلَّت المساجد من جميع هذه الأمور المتقدم ذكرها لا يجوز التصرف فيها، ولا في شيء من علمها إلا بحق وعلم؛ كما يوجبه الحق من ذلك في صلاح تلك المساجد، والله أعلم".
وفي 5/ 38 جاء «قال الشيخ الفقيه عثمان بن عبد الله الأصم رحمه الله: إن من زاد في المسجد زيادة من ماله لا من مال المسجد فجائز له ذلك ... »
وفي نفس الصحيفة جاء: «ومن كتاب التبصرة: وعن المسجد إذا كانت له صرحة مهجورة لا جدار عليها ولا حصن يمنع عنها الدواب، وللمسجد دراهم في يد رجل، هل له أن يبني على هذه الصرحة جدارًا من مال المسجد؟ ... »
(27) - البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، 1/ 350.
(28) - أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص66.
(29) - أحمد السيابي، العوتبي نسّابة، 86.
(30) - أحمد السيابي، العوتبي نسّابة، 84.
(31) - نظمت هذه الندوة أيام من 16 - 17 رجب 1416هـ الموافق 9 - 10 ديسمبر 1995م. ونشرت أعمالها وزارة التراث القومي والثقافة، في كتاب خاص، بالعنوان نفسه سلطنة عمان، ط 1، 1418هـ/1998م، وتضمن البحوث الآتية:
*-معجم الإبانة للعوتبي، د. إبراهيم الدسوقي.
*-العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، سماحة الشيخ أحمد الخليلي.
*-العوتبي نسَّابةً، للشيخ أحمد السيابي. (1/54)
صفحة 55
*-العوتبي مؤرخا، أ. د. جاد محمد طه.
*-الضياء منهجًا وأسلوبا ولغة، د. عبد الحفيظ محمد حسن.
*-المنهج التاريخي عند العوتبي، د. محمد قرقش.
(32) - ينظر كتابنا: منهج الاجتهاد عند الإباضية، نشر مكتبة الجيل الواعد، مسقط 1425هـ 2005م.
(33) - الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص76. وما ذكره الشيخ الخليلي توجيه معقول يشبه ما فعله البرادي نفسه مع تفسير الوارجلاني إذ حزره بسبعين جزءا حين اطلع على تفسيره لسورتي البقرة وآل عمران، الذي بلغ سبعمائة ورقة.
(34) - انظر: العوتبي، الضياء، 16/ 138.
(35) - انظر: العوتبي، الضياء، 16/ 248.
(36) - يعدّ الإدراج في المخطوطات العمانية ظاهرة بارزة أرهقت المحققين. إذ نجد في صلب الكتاب زيادة من النساخ مبدوءة بعبارة: ومن غيره، ومن الكتاب (أي جامع ابن بركة). ومن الضياء، ومن المصنف. الخ ... ولهم في ذلك فتوى متداولة بجواز الإضافة مع شرط التنبيه إلى أنها زيادة على النص الأصلي، بشرط الضبط وعدم الإيهام. وتنسب هذه الفتوى إلى الشيخ أحمد بن عبد الله الكندي صاحب "المصنف".إذ أفتى بجواز الزيادة في الكتاب من غيره دون تغيير المعنى أو تلبيس الأمور، مع الإشارة إلى أنها من غير الكتاب (انظر الكندي، المصنف 1/ 31). والذي عقّد المسألة عدم الالتزام بالشرط الذي وضعه من قال بجواز هذا الإدراج، أو عدم الوفاء به كاملا، إذ يشيرون إلى بداية النص المدرج دون نهايته، أو إلى النهاية دون البداية، فوقع اللاحقون بعدهم في عنت وإحراج.
(37) - العوتبي، الضياء، 1/ 15 - 16. وذكر النص أيضا: البطاشي، إتحاف الأعيان، 1/ 351.
(38) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 19.
(39) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 17.
(40) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 17.
(41) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 19.
(42) - ينظر: امحمد اطفيش، شرح النيل، في القرص المدمج "جامع الفقه الإسلامي" إصدار شركة حرف، وإشراف وزارة الأوقاف بالكويت.
(43) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 53 - 54.
(44) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 54 - 56.
(45) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 57 - 85. (1/55)
صفحة 56
(46) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 58 - 59.
(47) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 59 - 60.
(48) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 62.
(49) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 63.
(50) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 64 - 65.
(51) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 67.
(52) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 67 - 78.
(53) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 81 - 82.
(54) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 85.
(55) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 86.
(56) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 88.
(57) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 268 - 271.
(58) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 276، 6/ 278، 6/ 280
(59) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 18.
(60) - يرد اسم ابن عباس كثيرا في الكتاب، وعلى سبيل المثال؛ العوتبي، الضياء: 2/ 74، 2/ 75، 2/ 77، 2/ 80 - 83.
(61) - انظر العوتبي، الضياء: 1/ 37.
(62) - انظر العوتبي، الضياء: 1/ 195؛ 5/ 50.
(63) - انظر العوتبي، الضياء: 1/ 37؛ 5/ 50، 5/ 195.
(64) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/ 195.
(65) - انظر العوتبي، الضياء: 1/ 36.
(66) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 18.
(67) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 2/ 133 فما بعد.
(68) - انظر: العوتبي، الضياء؛5/ 24.
(69) - د. محمد قرقش، المنهج التاريخي عن العوتبي، ص129 - 130.
(70) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 9 - 10.
(71) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 63.
(72) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 15 في قضية خبر الواحد في التعرف على القبلة، لم ينسب الأقوال لأصحابها.
(73) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 20.
(74) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 111 - 112. (1/56)
صفحة 57
(75) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 9، 5/ 12، 5/ 203.
(76) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 15.
(77) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 203.
(78) - انظر: العوتبي، الضياء، 4/ 188. حيث وظف دليل العقل للرد على من قال بجواز شرب قليل المسكر الذي يسكر كثيره.
(79) - انظر نموذجا لهذا المنهج في الاستدلال: العوتبي، الضياء؛1/ 59 - 64.
(80) - انظر نموذجا لهذا المنهج في الاستدلال: العوتبي، الضياء؛1/ 59 - 64.
(81) - انظر العوتبي، الضياء؛ 8/ 378.
(82) - انظر العوتبي، الضياء؛ 8/ 378.
(83) - انظر العوتبي، الضياء؛ 8/ 378.
(84) - انظر العوتبي، الضياء؛ 8/ 379.
(85) - صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب قول الله تعالى "ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا"، حديث رقم 323 ترقيم العالمية.
(86) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 207.
(87) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 41 - 42.
(88) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 158 - 159.
(89) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 102.
(90) - ابن بركة، الجامع، 1/ 581.، وانظر العوتبي، الضياء، 5/ 119.
(91) - العوتبي، الضياء، 5/ 119.
(92) - سورة البقرة، آية 238.
(93) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 101 - 103.
(94) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 292.
(95) - د. فتحي الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص17.
(96) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 310.
(97) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 310
(98) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 290.
(99) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 291.
(100) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 281 - 282.
(101) - يقال: كَارَ العمامة على رأسه أي لاثَها، وكلّ دَوْر كَوْرٌ. انظر: الرازي، مختار الصحاح، مادة: كور. (1/57)
صفحة 58
(102) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 208 - 209.
(103) - سورة الفتح، آية 29.
(104) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 208 - 209.
(105) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 1/ 33، 1/ 36، 5/ 207.
(106) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/ 112، 5/ 193.
(107) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 112.
(108) - انظر: العوتبي، الضياء؛5/ 192، 5/ 195، 5/ 207.
(109) - انظر العوتبي، الضياء؛5/ 112، 5/ 205، 13/ 141.
(110) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/ 205.
(111) - انظر العوتبي، الضياء؛ 13/ 141.
(112) - انظر: العوتبي، الضياء؛5/ 192، 5/ 204، 5/ 205.
(113) - انظر العوتبي، الضياء؛ 13/ 143.
(114) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/ 195، 5/ 202.
(115) - انظر العوتبي، الضياء؛ 13/ 143.
(116) - انظر العوتبي، الضياء؛ 5/ 24؛ 5/ 25؛ 5/ 50؛ 5/ 201؛ 5/ 207
(117) - انظر العوتبي، الضياء؛ 13/ 149.
(118) - انظر: العوتبي، الضياء؛5/ 204.
(119) - انظر العوتبي، الضياء؛ 13/ 42؛ 13/ 102.
(120) - انظر العوتبي، الضياء؛ 13/ 147.
(121) - أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص68.
(122) - انظر للتمثيل: العوتبي، الضياء؛ 5/ 191 - 192 - 193 - 194 - 195 - 205 - 207.
(123) - انظر على سبيل المثال: العوتبي، الضياء؛ 5/ 70؛ وابن بركة، الجامع؛ 1/ 442.
(124) - انظر العوتبي، الضياء؛ 5/ 119؛ وابن بركة، الجامع؛ 1/ 581.
(125) - أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص69.
(126) - انظر: أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص69.
(127) - أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص69.
(128) - انظر: أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص72.
(129) - ذكر هذا الرأي الشيخ أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص74. وقال بأنه موجود في الجزء الرابع من كتاب الضياء. ولم أتمكن من مراجعته بعدُ. (1/58)
صفحة 59
(130) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 194.
(131) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 194.
(132) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 56.
(133) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 153.
(134) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 153.
(135) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 56.
(136) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 56.
(137) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 106.
(138) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 107
(139) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 28.
(140) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 32.
(141) - انظر: العوتبي، الضياء، 1/ 28.
(142) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 320.
(143) - انظر: قرقش، المنهج التاريخي، 113 نقلا عن العوتبي، الضياء، 4/ 188.
(144) - انظر: كتب الستة.
(145) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 60، ثم ذكر في مسألة لاحقة أنه لا زكاة في الخيل ولا البغال ولا الوحوش كلها: الضياء، 6/ 60.
(146) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 361 - 362.
(147) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 25.
(148) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 48.
(149) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 172.
(150) - أحمد الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص73.
(151) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 82.
(152) - انظر: العوتبي، الضياء، 6/ 101.
(153) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 12.
(154) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 32 - 33.
(155) - انظر: العوتبي، الضياء، امحمد اطفيش، شرح النيل، 16/ 528.
(156) - سورة التغابن، آية 16.
(157) - صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم. 2380 ترقيم العالمية. (1/59)
صفحة 60
(158) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 322 - 323.
(159) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 339 - 340.
(160) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 353 - 354.
(161) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 12.
(162) - سورة البقرة، آية 239.
(163) - سورة البقرة، آية 115.
(164) - انظر: العوتبي، الضياء، 5/ 12
(165) - الخليلي، العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص67.
(166) - انظر العوتبي، الضياء؛1/ 48.
(167) - انظر العوتبي، الضياء؛1/ 49.
(168) - جاء في هامش الضياء، ديوان الأعشى، في قصيدة "نفضة ومظالم". قيلت في هجاء يزيد بن مهر الشيباني، ص198.
(169) - انظر: العوتبي، الضياء5/ 29؛.
(170) - انظر العوتبي، الضياء؛ 1/ 51.
(171) - انظر العوتبي، الضياء؛ 2/ 75؛ 2/ 81؛ 2/ 85.
(172) - انظر العوتبي، الضياء؛ 2/ 67.
(173) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/ 191.
(174) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/ 191.
(175) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/ 275.
(176) - انظر العوتبي، الضياء؛ 8/ 77.
(177) - انظر: العوتبي، الضياء؛5/ 36.
(178) - د. محمد قرقش، المنهج التاريخي عند العوتبي، ص126.
(179) - انظر: العوتبي، الضياء؛ الجزء الثاني في مواضع عدة حيث قرر قضايا العقيدة.
(180) - انظر: العوتبي، الضياء؛5/ 24.
(181) - انظر: العوتبي، الضياء؛1/ 165.
(182) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/ 17.
(183) - سورة البقرة، آية 219.
(184) - سورة الأعراف، آية33.
(185) - انظر: العوتبي، الضياء؛4/ 179.
(186) - انظر: العوتبي، الضياء؛6/ 76. (1/60)
صفحة 61
(187) - سورة البقرة، آية144.
(188) - انظر: العوتبي، الضياء؛ 5/ 5 - 6. وانظر أيضا إسهابه في شرح كلمة الاستعاذة واستعمالاتها في اللغة: الضياء، 5/ 160.
(189) - انظر: العوتبي، الضياء؛1/ 17.
(190) - قام الدكتور محمد قرقش بإجراء مقارنات دقيقة لإثبات هذه الحقيقة، وهي أن كتاب الضياء فقهي خدمته اللغة، وليس كتاب لغة مثل كتاب "الإبانة". ينظر: محمد قرقش، المنهج التاريخي عند العوتبي، صفحات 137 - 143. (1/61)
صفحة 62
الحضور المشرقي في فقه المغاربة (*) قراءة في المنهج
(شرح النيل نموذجا)
الأستاذ:
الدكتور: محمد بن موسى باباعمي
باحث متفرغ، مكتب الدراسات العلمية، الجزائر
هذه المداخلة لا تعدو أن تكون مقاربة أوَّلية، لدراسة مدى التأثير والتأثر، في جميع الحقول المعرفية، بين المشرق والمغرب الإباضيَّين، بداية من نشأة المذهب، وانتقال سلمة بن سعد الحضرمي (2) إلى بلاد المغرب، ثم تفرُّغ حَمَلَة العلم المغاربة في غار أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لمدَّة لا تقل عن خمس سنوات، لينقلوا العقيدة والفقه والسيَر، وغيرَها من علوم العربية والشريعة، إلى مواطنهم الأصلية بالمغرب الإسلامي، وانتهاءً بقطبي المشرق والمغرب في بدايات القرن الماضي: قطبِ المغرب العلاَّمة امحمد بن يوسف اطفيش (3)، وقطبِ المشرق الإمام نور الدين السالمي (4).
وهذا الملتقى المبارك مظهرٌ من مظاهر الاتصال والتواصل العلميٍّ والفكريِّ والدعويِّ، الذي لا بدَّ منه لتحقيق مفهوم العالمية للدين الإسلامي، بما تعنيه هذه الكلمة، وبخاصَّة أنَّ قوى الفساد تبسط يدها على ثلَّة من المسلمين الأمازيغ في شمال إفريقيا، وتعمل جاهدة لتنصير السفهاء والبسطاء منهم، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} (سورة البقرة، 11).
ولعلَّ أهمَّ الأسئلة التي تصبُّ في إشكالية التأثير والتأثر، هي:
*هل يوجد بحقٍّ فقه يسمَّى: الفقه المشرقي، وفقه آخر يعرف بالفقه المغربي، داخل المدرسة الإباضية؟
* وبعبارة أخرى: هل معالم وخصائص كلِّ فقه مختلفةٌ عن معالم الفقه الآخر، أم أنهما مجرَّد فقه واحد، بينهما بعض أوجه الاتفاق والاختلاف، ولا يمكن البتة أن نتحدث عن مدرستين متباينتين في الفقه؟
وللجواب على هذه الأسئلة جاءت هذه المداخلة، وبالله نستعين:
لا اختلاف في العقيدة والدين:
إنَّ المتتبع لمصادر التراث المشرقي والمغربي على السواء يلاحظ بداية أنَّ ثمَّة وحدة عضوية تجمع بين علماء الإباضية، وهي أنَّهم غير مختلفين فيما لا يجوز الاختلاف فيه، وفيما لا يعذر فيه المخالف، ذلك أنَّهم يجمعون على أنَّ الديانة بمعنى العقيدة «اسم يشتمل على ما بانت به كل فرقة من صاحبتها، مما اعتقدوه دينا يدان لله تعالى به، وقطعوا فيه عذر من خالفهم، سواء كان ذلك حقا أم باطلا، أو عمدا أو خطأ» (5)
وبالتالي، فلا نكاد نطالع مسألة اختلفوا فيها وهي مما يقطع فيه عذر المخالف، ولقد نستثني مسألة (1/62)
صفحة 63
"خلق القرآن الكريم"، التي وقع فيها جدل في كامل التراث الإسلامي، ومن جملة من لفحته نارها الوافدِة من البصرة، أهل عمان في بداية القرن الثالث الهجري، ثم انتقلت المسألة بعد ذلك إلى المغرب.
ولقد عُرف بعض التشدد من بعض العلماء في المسألة، حتى اعتبر صاحب الرأي المخالف قد جانب الطريق، وحكم عليه بأحكام المتأوِّل بالخطأ، إلاَّ أنَّ المحققين اعتبروا المسألة مجرد خلاف لفظي، لا غير، ومردُّ الحكم فيها إلى تحديد مصطلح الكلام، هل هو الكلام النفسي؟ أم هو الكلام المتلو باللسان، والمحفوظ في المصاحف؟
فإن قصدنا به الأول، فهو ولا شكَّ قديم، وإن قصدنا المعنى الثاني، فهو مخلوق، ولا مشاحة في الاصطلاح (6).
ولا نجد أيَّ مسألة أخرى من العقيدة، أو من علم الكلام، وقع فيها الاختلاف بين المشارقة والمغاربة، فهم في خطِّ واحد، وموقف واحد من المجاز، والتأويل، والتنزيه، واعتبار حجية خبر الآحاد في العمل دون العلم ... وغير ذلك مما هو منشأ الاختلاف في هذا الحقل الجوهري من التقسيم المذهبي لدى المسلمين.
إنما الاختلاف في الفروع:
قال الشيخ اطفيش: "والأصل يَقطع فيه عذرَ مخالِفه والفرع بخلافه، وهو ما طريقه غلبة الظنِّ والاجتهاد. والحق في الأصل في واحد ومع واحد، والفرع الحقُّ فيه مع واحد وفي واحد، ولا يضيق على الناس خلافه" (7).
ويضيف في هذا المعنى قوله:"حتى إذا سئلنا عن مذهبنا في القوم ومذهب المخالفين وجب علينا أن نقول: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب؛ لأنَّك لو قطعت القولَ بأنَّ مذهبنا صواب فقط، ما صحّ قولنا: المجتهد يخطئ ويصيبُ، وإذا سئلنا عن ديانتنا وديانة المخالفين وجب أن نقول: الحقُّ ما نحن عليه، والباطل ما عليه مخالفونا، لأنَّ الحقَّ عند الله واحد" (8). والديانة هنا تعني العقيدة.
هذا التوسُّع في الفروع، والتسامح والتساهل فيها، ليس مما أُلف في التراث الإسلامي إلاَّ في بعض مظاهره الحضارية الراقية (9)، حيث ظلَّ المسلمون لقرون عدَّة يخطِّئون من يخالفهم في المذهب، لأجل جزئية فرعية لا تدخل في مسائل التوحيد، ولم تثبت بكتاب أو سنَّة متواترة، ومن جملة ذلك: اختلافهم في المسح على الخفين، وفي الرفع والقبض في الصلاة ... وغيرها.
هذا بين مذهب ومذهب، ولقد ثبت الاختلاف داخل المذهب الواحد، بل عند العالِم الواحد، فيفتي بما يحقِّق، ثم يثبت له نقيض ذلك، ولا حرج عليه.
وكذلك كان مجتهدو الإباضية داخل مذهبهم، يسرَحون بأريحية، ويسمحون لأنفسهم بالاجتهاد دون قيود معجزة، حتى أبدعوا حركية علمية فقهية، تُوائِمُ مقتضيات الزمان والمكان، وفي هذا (1/63)
صفحة 64
الإطار ولد ما يعرف بفقه المشارقة، وفقه المغاربة، ونكاد اليوم لا نطالع كتابا متخصصا في الفقه الإباضي، إلاَّ ويصادفنا هذا المصطلح.
ومما يلاحظ في هذا الشأن أنَّ الفقهاء الإباضية بداية من ابن خلفون، وابن بركة، وأبي ستة، ونهاية بالعلاَّمة السالمي في شرح الجامع، والمعارج وغيرها، وبالقطب اطفيش في الذهب الخالص وشرح النيل وغيرها من المؤلفات، كلُّ هؤلاء أسَّسوا لفقه مقارن بمفهوم واسع، جمع بين فقه الإباضية وفقه المذاهب الإسلامية الأخرى. ومن جهة أخرى لا نعرف كتبا من "الفقه المقارن" اعتبرت الفقه الإباضي، ووضعته في الحسبان، فبقيت المقارنة بالتالي داخل إطار مذهبيٍّ محدَّدٍ مسبقا، ولقد نستثني بعض المحاولات المحتشمة التي لا ترقى إلى المستوى الشمولي الواسع، الذي يستجيب لخصوبة وثراء التراث الفقهي الإسلامي، مشرقا ومغربا.
شرح النيل نموذجا:
وفي محاولة من الباحث للولوج إلى هذا الخضم المنهجي العميق، عمل على دراسة نسبة حضور الفقه المشرقي في مصادر الفقه المغربي، واختار "شرح النيل وشفاء العليل" للقطب اطفيش، نموذجا، لعدَّة أسباب، أهمما:
*كونه المعتمد الأساس والأول في فقه المغاربة اليوم.
*كونه أكبرَ موسوعة فقهية في المغرب، على الإطلاق.
*اعتماده الكلي على من تقدمه من الفقهاء المغاربة، فهو بالتالي قد استوعب ما عندهم وزاد عليه.
*الكثير من النصوص الفقهية المغربية المتقدمة متضمنة في شرح النيل، ومستشهد بها، فتحليلنا للشرح هو في ذاته تحليل لهذه النصوص.
*هو كتاب في الفقه المقارن، وبالتالي فاهتمامه بالجدلية، وبالرأي ونقيضه، وبالحجَّة والحجَّة المخالفة ... من أبجديات هذا العمل العلميِّ الشامخ.
*كونه آخر موسوعة فقهية إباضية اشتملت على جميع أبواب الفقه، في التراث الإباضي الحديث والمعاصر، حسب علمنا، مع أنَّ الإمام السالمي قد ألَّف المعارج في نفس الفترة، ولكنَّه لم يتمَّه.
*كون الثميني قد اختصر أهمَّ الكتب المغربية السابقة، في كتابه "النيل وشفاء العليل"، فجاء القطب اطفيش ليشرح هذا الاختصار مرَّتين، كانت المرَّة الأولى أكثر تطويلا وإطنابا، إلاَّ أنها لم تتمَّ، أمَّا الثانية فهي التي تقع بين أيدينا، وهي أقلُّ تطويلا وأكثر ضبطا، وأوسع ارتباطا وأكثر استفادة من الكتب المتقدمة، بما فيها الموسوعات الفقهية المشرقية.
الثميني المؤسس، والقطب الشارح:
وضعتُ صورة افتراضية تقرِّب لنا الفهم في علاقة القطب بالموسوعات الفقهية العمانية، وهي كالآتي: (1/64)
صفحة 65
قرر القطب أن يضع موسوعة في الفقه، شاملةً لجميع أبوابه، وافيةً مستفيضة، فاهتدى إلى فكرة شرح كتاب النيل، الذي أبدع صاحبه الثميني في الاختصار والإلغاز، حتى صعب على المتمرس المنتهي، بله المتعلِّم المبتدي، فأوَّلُ ما واجهه هو كون صاحب النيل قد سبقه إلى مثل هذه الموسوعة، ولكن بالاطلاع عليها، وجد أنها مجرَّد اختصار لموسوعة عمانية كبيرة، وليس فيها زيادات، ولا حضور مغربي، وتفتقر إلى الدليل في كثير من الحالات، وإلى الفقه المقارن في أغلب أبوابها (10) ... ولذا فضَّل الاستقلال بما يؤلف، فوضع كتابه الجديد: شرح كتاب النيل وشفاء العليل.
ولكن، والحال هذه، لا بدَّ أن تكون الموسوعات المشرقية المتوفرة في مكتبته، وفي مكتبة الحاج محمد بن عيسى ازبار، قد ألقت بثقلها عليه، وأغرته باختصارها، أو وضع الحواشي عليها ... لكنه، كان واضح المنهج، وباختصار: يريد الاستقلال بمؤلف أصيل وجديد.
إلاَّ أنَّ هذه الموسوعات لا ولن تغيب من مؤلفه هذا، بل إنها من المواد التي استوعبها، ووعى ما فيها، فاتخذها مصادر أساسية لكتابته، وهذا ما يفسِّر استشهاده بها في كثير من الأحوال. وهذه المداخلة حَرية بتبيين ذلك.
المشارقة والمغاربة:
لسائل أن يسأل: هل هذا التباين المشرقي المغربي، مما وضُحت معالمه في شرح النيل، أم هو مجرد ذكر عابر، ليس إلاَّ؟
في مقدِّمة النيل قال الثميني: «فَدُونَكَهُ كِتَابًا جِمَاعًا مَعْرُوضًا عَلَى الأُسْتَاذِ (11)، مَجْمُوعًا لا مَقْطُوعًا فَضْلُهُ عَن الْعِبَادِ، وَلا مَمْنُوعًا» وفي شرح هذه العبارة يوضِّح، القطب أنَّ المقصود بكلمة "مجموعا" هو: «(مَجْمُوعًا) جَمَعْتُ مَسَائِلَهُ كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَة فِي مَحَلِّهِ» ثم قال: «لا كَكُتُبِ الْمَشَارِقَةِ الطِّوَالِ، جَزَاهُمْ اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا بِالتَّطْوِيلِ»
من هنا نستنتج استحضار القطب في ذهنه لكتب المشارقة، ولطريقة تقسيمهم، ولأبواب الكتب عندهم، حتى إنه وظَّف هذه المعلومة في شرحه لما ذكره الثميني، وقد يكون الثميني لم يعنِ هذا الاستثناء بالذات.
وهذا الذكر والاستحضار يبين لنا مدى التباين الذي يتصوَّره القطب بين كتب المشارقة وكتب المغاربة، في المنهج على الأقلِّ، وهي معلومة أولى تفيدنا في الإجابة على السؤال المطروح.
أمَّا من حيث المحتوى، فالمطَّلع على شرح النيل، باستعمال وسيلتين اثنتين يسَّرهما لنا الله تعالى في هذا العصر، ولم تكونا ممكنتين من قبل:
* أولاها- فهارس شرح النيل، من إنتاجنا في جمعية التراث، والذي طبع في سلطنة عمان.
* ثانيهما- برنامج الكمبيوتر المعنون بـ"جامع الفقه الإسلامي" الذي أدرج ضمن مصادره شرح النيل كاملا، مما يسهِّل البحث فيه بالكلمة، أو بجزء منها، أو بالعبارة، وهذه من النعم التي حبانا (1/65)
صفحة 66
الله تعالى بها، وكلُّ أملنا أن نطالع يوما ما جميع الموسوعات الفقهية الإباضية، في برنامج علمي دقيق، يسهِّل لنا الكثير من الخطوات في الإجابة على السؤال الجوهري لهذه المحاضرة وغيرها.
قلت بالاطلاع على هاتين الوسيلتين، نلاحظ ما يلي:
* أنَّ مصطلح "المشارقة" قد ورد معرفا في شرح النيل 64 مرة، في أغلب أبواب الكتاب، ويعني بالمشارقة في الغالب: فقهاء الإباضية من المشرق الإسلامي، عبر العصور، باستثناء أعلام المذهب أصحاب مرحلة النشأة، أمثال: جابر بن زيد، وأبي عبيدة، والربيع بن حبيب، وابن محبوب (12). فإنَّ هؤلاء يعتبرون وكأنهم ملك مشترك بين المشرق والمغرب.
إلاَّ أنَّ القطب نقض هذا التعريف مرَّة واحدة في شرح النيل، في قوله: «(عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ) أَهْلِ نَفُوسَةَ وَأَهْلِ تيهرت وَأَهْلِ سِجِلْمَاسَةَ وَمَا بَيْنَهُنَّ، وَذَلِكَ مَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدَةَ مِنْ الْمَشَارِقَةِ» (11/ 356).
* والصيغ المستعملة كلها تجعلنا في يقين أنَّ ثمة وضوح كبير في ذهن المؤلف بالتباين المشرقي المغربي، وهو حريص على إظهاره، وشرح حيثياته، إلاَّ أنه أحيانا يذهب إلى رأي المغاربة، وأحيانا أخرى يرى رأي المشارقة، وقد ينفرد بمذهبه.
من الأمثلة على ذلك:
* في ذكر نواقض الوضوء، يرى المغاربة أنَّ قلع الشعر من أصله ينقُض الوضوء، وكذا بعض المشارقة، قال: «وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَارِقَةِ: نَاقِضَةٌ وَإِنْ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ» (ج1/ص 150). ولم يعيِّنهم.
* في باب التيمم، قال: «وَيَتَيَمَّمُ لِلْوُضُوءِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُضُوءِ، أَوْ لَمْ يَجِد الْمَاءَ , وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا تَيَمَّمَ لِلْوُضُوءِ دُونَ النَّجَسِ، كَمَا لا يَتَيَمَّمُ لِلثَّوْبِ الْمَنْجُوسِ, وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَشَارِقَةِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِلثَّوْبِ بِنَشْرِهِ عَلَى الأَرْضِ, وَظَاهِرُ إيجَابِهِمْ التَّيَمُّمَ لِلاسْتِنْجَاءِ وُجُوبُهُ لإِزَالَةِ النَّجَسِ حَيْثُ تَعَذَّرَتْ ثُمَّ لِلْوُضُوءِ» (1/ 367).
* وهل تجوز الصلاة فوق المسجد، أم هي مكروهة، يجيب القطب: «(وَكُرِهَتْ فَوْقَ مَسْجِدٍ) , وَقِيلَ: فَسدَتْ إلاَّ عَلَى الضَّرُورَةِ, وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَشَارِقَةِ أَنَّهُ تَجُوزُ الصَّلاةُ فَوْقَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهَةً, وَمُرَادُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - جَوَازَهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ حَمْلاً لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَجَمْعًا بَيْنَ الْكَلامَيْنِ لأَنَّهُ الأَصْلُ مَا أَمْكَنَ, وَالْجَوَازُ لاَ يُنَافِي الْكَرَاهَةَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي سِتَّةَ» فنلاحظ هنا أنه استطاع أن يجمع بين القولين، وصرَّح بأنَّ الجمع هو الأصل. (2/ 74).
* في حكم صلاة الجماعة، قال: «(صَلاةُ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) ... (عَلَى الصَّحِيحِ) , مُقَابِلُهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا سَنَّةُ كِفَايَةٍ، وَتِلْكَ الأقْوَالُ بَعْضُهَا مِنْ كُتُبِ الْمَشَارِقَةِ وَبَعْضُهَا مِنْ كُتُبِ غَيْرِنَا، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَبُو سِتَّةَ رضي الله عنه» يلاحظ قوله: «وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَبُو سِتَّةَ رضي الله عنه»، مما يبيِّن أنَّه تتبع ما قاله في الحاشية، وذكر ما يفهم منه أنَّه لم يطلع عليها، (1/66)
صفحة 67
فعلَّق القطب بهذا التعليق المفيد.
* في اتخاذ الوطن للمسافر، قال: «وَفِي " الأثَرِ ": لِمُسَافِرٍ وَطَنٌ وَاحِدٌ يَتَّخِذُهُ، وَقِيلَ: وَطَنَانِ, وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَارِقَةِ» (2/ 379).
* في الجهل ببعض أحكام الصلاة والصوم، ولزوم الكفر والكفارة على ذلك، قال: «وَهَكَذَا الْمَشَارِقَةُ يَعْذِرُونَ الْجَاهِلَ فِي الْكُفْرِ وَالتَّكْفِيرِ، فِي مَوَاضِعَ مِن الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْفُرُوعِ فَافْهَمْ» (2/ 396)
* في عدد التكبيرات في صلاة العيدين، يبين القطب الفرق بين رأي المشارقة ورأي المغاربة، ويعبِّر عن ذلك بمصطلح جديد هو "الطريق"، فيقول: «قَالَ فِي التَّاجِ: وَهُوَ الأصَحُّ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا الأوَّلُ. وَمَا فِي التَّاجِ طَرِيقُ الْمَشَارِقَةِ» (2/ 536)
* في باب ما لا يفعله المحرم، قال: «(كَمِسْكٍ) , ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمِسْكَ طَاهِرٌ جَائِزُ الاسْتِعْمَالِ إنَّمَا يُمْنَعُ لِلإِحْرَامِ فَقَطْ, وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي حَفْصٍ وَأَبِي زِيَادٍ وَأَبِي عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَشَارِقَةِ وَالْمَغَارِبَةِ, وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَلِيٍّ وَسَلْمَانَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "أَطْيَبُ الطِّيبِ الْمِسْكُ"» (4/ 84).
*في حكم إخفاء المذهب عن المعلِّم طلبا للعلم، قال القطب بجوازه، ثم قال: «وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَارِقَةِ إنَّهُ لا يَحِلُّ أَخْذُ الْعِلْمِ عَنِ الْمُخَالِفِ، إلاَّ إنْ عَلِمَ أَنَّكَ مُخَالِفُهُ» (5/ 177).
* في شهادة الصفة، التي هي شهادة على شهادة بصفته من غير معرفة عينه، يورد القطب قول المشارقة، فيقول: «وَقِيلَ: لا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّفَةِ وَلا يَحْكُمُ بِهَا, وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَارِقَةِ, وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا جَوَازُهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ» (13/ 188).
* قال في وجوب دفع الإنسان عن نفسه: «فِي أَثَرِ أَصْحَابِنَا الْمَشَارِقَةِ وَالْمَغَارِبَةِ خِلافٌ فِيمَنْ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى التَّوْبَةِ وَلَمْ يَكُنْ مُصِرًّا فَقَدْ قِيلَ: تُعَدُّ حَسَنَاتُهُ فَإِنْ غَلَبَتْ سَيِّئَاتِهِ فَازَ, وَكَيْفَ إنْ قَصَدَ التَّوْبَةَ, وَلا يَبْعُدُ أَنْ يَعْظُمَ فَضْلُ الْجِهَادِ حَتَّى يُغْفَرَ بِهِ تَبِعَاتُ الْخَلْقِ مَعَ أَنَّ الْمُذْنِبَ لَمْ يَعْتَقِدِ الإصْرَارَ فَيُرْضِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عِنْدِهِ صَاحِبَ الْحَقِّ» (14/ 493).
* فيما لا يسع الناس جهله، قال: «وَاَلَّذِي لا يَسَعُ جَهْلُهُ عِنْدَ أَكْثَر أَصْحَابِنَا الْمَشَارِقَةِ وَعَمْرُوسِ بْنِ فَتْحٍ وَأَبِي خَزَرٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتُمَ هُوَ الْجُمْلَةُ الَّتِي يَدْعُو إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» (17/ 11).
إنَّ الأمثلة التي أوردناها صريحة في تميز المغاربة عن المشارقة في فقههم، ولا يعني هذا أنهم مختلفون في الكثير من الأمور، ذلك أنَّ جلَّ المسائل الفقهية بينهم لها حكم واحد، فالمصدر واحد، ومنهج استنباط الأحكام واحد، والمرجع في الحديث النبوي الشريف واحد.
ابن بركة، وكتابه الجامع: (1/67)
صفحة 68
لا يخفى أنَّ الإمام أبا محمد عبد الله ابن بركة (13) يُعرف بـ"شيخ المغاربة"، ولا شكَّ أنَّه صاحب الحضور الأكبر في الكثير من الفقه المغربي عبر القرون، ولعلَّ علماء المغرب من أمثال القطب يجدون نوعا من الاحترام الخاص له، فهو صاحب الفضل عليهم، وهو المعلِّم الأوَّل، بتعبير الفلاسفة، وكلُّ تلميذ هو بالضرورة محب لمعلِّمه فوق غيره.
إضافة إلى القيمة العلمية لكتابه الجامع، الذي لم يسبِق إلى مثله أحدٌ من العلماء، سواء في تمكنه من أصول الفقه، ومن القواعد الأصولية والفقهية، أو في تمكنه من ناصية الفقه المقارِن، والنقد العلمي المنهجي، وهذا أقرب ما يكون إلى روح قطب الأيمة، ومن قبله الثميني.
جميع هذا يفسر كون ابن بركة حاضرا، وبقوَّة في النيل، وفي الشرح، فلقد أحصينا ذكره بالاسم 60 مرة، ولم يذكر اسم الكتاب بلفظ الجامع في كامل الشرح، ذلك أنَّ الجامع في شرح النيل إذا ذكر عني به كتاب أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر المعروف بـ"أبي مسألة".
والملاحظ أنَّ أغلب اعتماد القطب على ابن بركة لم يكن في فقه العبادات، وإنما في فقه المعاملات، ففي الجزء الأول - مثلا - وهو في الطهارات، ورد اسم ابن بركة في متن النيل أربع مرات، ولم يرد في الشرح ولو مرَّة واحدة، أما في أجزاء البيوع والرهن والإجارات من الثامن إلى الثالث عشر فتُمثل نسبة اعتماد ابن بركة أكثر من 80 في المائة، وفي الجزء الثامن وحده ورد ذكره 11 مرة.
وقد ظنَّ القطب أنَّ الثميني إذا ذكر الكتاب يعني به ديوان العزابة أو جامع ابن بركة، فتتبع ذلك في المصادر، وخرج باستنتاج رائع، يفيد كلَّ قارئ للتراث الفقهي الإباضي، ويرشد كل باحث في مصطلحاته، قال: «وَهَذَا الْقَوْلُ نَسَبَهُ الشَّيْخُ لِلْكِتَابِ, وَنُسِبَ فِي "الدِّيوَانِ" لِلدَّفْتَرِ أَيْضًا, وَكَأَنَّهُمَا وَاحِدٌ, وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمَا كِتَابُ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ مُوسَى ابْنِ زَكَرِيَّاءَ (14) , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْكِتَابِ حَقِيقَةُ الْكِتَابِ لا كِتَابٌ مَخْصُوصٌ, وَبِالدَّفْتَرِ حَقِيقَةُ مَا قُيِّدَتْ فِيهِ مَسَائِلُ وَلَمْ يَكُنْ تَأْلِيفًا, لا دَفْتَرٌ مَخْصُوصٌ, فَإِذَا قِيلَ: قَالَ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي الدَّفْتَرِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وُجِدَتْ فِي الأثَرِ أَوْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ, وَلَيْسَ الْمُرَادُ كِتَابَ أَبِي عِمْرَانَ، وَلا كِتَابَ ابْنِ بَرَكَةَ لأَنَّهُ كَثِيرًا مَا لا تُوجَدُ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تُذْكَرُ» (3/ 193 - 194)، وللعلم أنَّ المشارقة المتأخرين إذا ذكروا مصطلح "الكتاب" فينصرف إلى "جامع ابن بركة" دون غيره:
ومن أمثلة ما نقل عن ابن بركة في شرح النيل:
* في حكم كفارة اليمين، قال: «قوله تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} , فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَمِينٌ تَجِبُ عَلَيْهِ التَّحِلَّةُ، وَهُوَ الْفَكُّ بِالْكَفَّارَةِ الْمُرْسَلَةِ الْمَعْهُودَةِ لِلْيَمِينِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ, كَمَا أَدْخَلَ ابْنُ بَرَكَةَ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ كُلَّ يَمِينٍ، فَلَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ الْمُغَلَّظَةِ فِي يَمِينٍ إلاَّ فِي الظِّهَارِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ» (4/ 287). (1/68)
صفحة 69
* تحت باب "في أمر المساجد"، نقل القطب بالنص من ابن بركة قوله: «لا يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ شَيْءٌ مِن الآيِ أَوْ مِن الْمَوَاعِظِ، وَلا يُجْعَلُ فِيهِ تَصَاوِيرُ» (5/ 248).
* وكثيرا ما نقل القطب الحدود والتعاريف من ابن بركة، ومن ذلك: «وَعَرَّفَ ابْنُ بَرَكَةَ (الْعُهْدَةَ) بِأَنَّهَا: تَعَلُّقُ الْمَبِيعِ بِضَمَانِ الْبَائِعِ» (8/ 454)
* وقد يختلف القطب مع ابن بركة، فلا يتردد في نقده، إلاَّ أنَّ هذا قليل جدا، مقارنة بالاتفاق معه، وتبني آرائه، ومن أمثلة الاختلاف، ما روي فيمن أحدث في صلاته بما لا يبني معه مما يفسدها، قال القطب: «"تَنْبِيهٌ" إنْ بَانَ شِرْكُ الإِمَامِ أَعَادُوا وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ, وَقِيلَ: لا إنْ خَرَجَ, فَلا اتِّفَاقَ وَلَو ادَّعَاهُ ابْنُ بَرَكَةَ, إلاَّ إنْ أَرَادَ اتِّفَاقَ الأصْحَابِ» (2/ 255)، ويعني بالأصحاب الإباضية، وكأنَّ القطب يجعل لفظ الاتفاق عامًّا لجميع أيمة المسلمين، بينما يخصِّصه ابن بركة في الإباضية.
الضياء للعوتبي:
من المصادر الأساسية لشرح النيل كتاب "الضياء" للشيخ أبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي (ق5/ 6هـ) (15)، فقد ورد ذكره 21 مرة في كامل الكتاب، متنا وشرحا. ولم نجد أي ذكر للمؤلف بنسبته: العوتبي. وذكره بكنيته "أبو المنذر" مرة واحدة.
ومن جملة ما نقرأه:
* في بيان حكم فقهيٍّ من أحكام التيمم، قال: «وقال في الضياء، من كتب أصحابنا» (1/ 381) وهو أول ذكر للكتاب، كما يصطلح عليه في كتب المناهج، ولذلك عرَّفه بقوله: هو من كتب أصحابنا.
* ومن باب أركان الدين، نقرأ تعريفا للقدر، جاء فيه: «"فِي الضِّيَاءِ": الْقَدَرُ الْخَلْقُ وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ اللَّهُ عَلَى الْمَقْدُورِ لا عَلَى الْقَدَرِ».
* في باب ما يباح وما لا يباح في الانتفاع، نقل ما يلي: «وَكَانَ أَبُو الْمُنْذِرِ يَجْلِسُ عَلَى دَكَاكِينِ الدُّورِ وَالأسِرَّةِ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ, وَأَبْوَابِ الدُّورِ لِسُكُونِ النَّفْسِ, وَيَقُولُ بِجَوَازِ ذَلِكَ». (12/ 239).
بيان الشرع:
إنَّ الدارس لدليل مخطوطات الإباضية يلفت نظره وجودُ موسوعتين كبيرتين هما: بيان الشرع للشيخ محمد بن إبراهيم الكندي (16)، وقاموس الشريعة للشيخ جميل بن خميس السعدي، في مكتبتين مختلفين من بني يسجن بميزاب، وهما: مكتبة القطب اطفيش، ومكتبة الشيخ محمد بن عيسى ازبار (17)، وهي حاليا مكتبة عشيرة آل خالد (18)، والغريب أنَّ الموسوعتين كاملتين بأجزائهما في كلا المكتبتين، فقاموس الشريعة اختصت به مكتبة القطب، وبيان الشرع كان من حظ مكتبة ازبار، إلاَّ أنَّ الملفت هو كون جزء تمت مقايضته بينهما، بحيث يوجد جزء من (1/69)
صفحة 70
القاموس في مكتبة ازبار، وجزء من البيان في مكتبة القطب، مما يدل على أنَّ القطب رحمه الله لم يكن يملك بيان الشرع، ويفسر هذه القلة في الذكر.
فلم يذكُر بيانَ الشرع على سعته إلاَّ ثماني مرات، بعضها كان نقلا عن "مختصر بيان الشرع للشيخ خميس" أي عن "منهاج الطالبين وبلاغ الراغبين"، ومما نقرأ من هذه الاستشهادات:
* في بيان مقدار زكاة الفطر: «وَفِي بَيَانِ الشَّرْعِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ تَمْرًا مَكْنُوزًا فَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَن الصَّاعِ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا , وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ , وَعِنْدِي أَنَّ التَّمْرَ الثَّقِيلَ كَالْبَلْعَقِ وَنَحْوِهِ , وَزْنُ الصَّاعِ مِنْهُ ثَلاثَةُ أَمْنَانٍ» (3/ 294).
* وفي أحكام السلام والاستئذان، يقول عن سلام المرأة: «وَتُسَلِّمُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَالرَّجُلِ كَمَا فِي بَيَانِ الشَّرْعِ, وَلا بَأْسَ بِسَمَاعِ الرَّجُلِ صَوْتَهَا فِي السَّلامِ, كَمَا لَهَا أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي فَرَائِضِهَا وَمُبَاحَاتِهَا الرِّجَالَ عِنْدَ الْحَاجَةِ» (5/ 401).
المصنَّف والكندي:
على خلاف ما كان مع جامع ابن بركة، لم يرد ذكر كتاب المصنَّف لأبي بكر أحمد الكندي (19) في شرح النيل إلاَّ ثلاث مرَّات، وذكر الكندي بنسبه مرَّة واحدة، والواضح أنه لا يعني بالمصنَّف الموسوعة الفقهية العمانية المشهورة، ولا بالكنديِّ الشيخ أبا بكر أحمد بن عبد الله الكندي (ت.557)، فنستنتج من ذلك أنَّ القطب لم يعتمد هذا الكتاب في تحريره لشرح النيل، ولا نعرف السبب في ذلك.
ففي باب الحب والبغض والتأديب، نقرأ تعريفا للصديق نقله بلفظه، فقال: «قَالَ الْكِنْدِيُّ: الصَّدِيقُ إنْسَانٌ هُوَ أَنْتَ إلاَّ أَنَّهُ غَيْرُكَ» (16/ 496).
وفي باب نكاح الطفل والمجنون، نقرأ: «وَقِيلَ: لا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى ذَاتِ أَرْبَعِ سِنِينَ فَصَاعِدًا, وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ النَّكَّارِيُّ: لا تَلْزَمُ نَفَقَةُ طِفْلَةٍ وَكِسْوَتُهَا إنْ كَانَ لا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، وَالصَّحِيحُ: مَا ذُكِرَ فِي الْمُصَنَّفِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ قَوْلِهِ: بَابُ قَدْ عَرَفْت مِمَّا مَرَّ نَفَقَةَ النِّسَاءِ إلَخْ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ» (16/ 380). وقوله "كما سيأتي" دليل على أنَّ المصنَّف في هذا السياق هو متن النيل للثميني، لا كتاب المصنَّف.
قاموس الشريعة:
رغم كون "قاموس الشريعة" (20) من الموسوعات العمانية التي لا تندرج في الحقبة المحدَّدة لهذا الملتقى، فهو متأخِّر جدًّا، إلاَّ أنَّ ظاهرة عدم اعتماد القطب عليه، وهو يملك نسخة منه، تسترعي الانتباه. ففي كامل شرح النيل ورد ذكرُ القاموس مرَّة واحدة فقط، ولقد تتبعت لفظ القاموس معرَّفا في كامل الكتاب، فوجدت أنه يقصد به القاموس اللغوي، لا قاموس الشريعة. أمَّا قاموس الشريعة فجاءت الإشارة إليه في الجزء الثالث، ضمن أحكام الصوم. فلو أنَّ القطب لم يعتمده (1/70)
صفحة 71
كلية، لقلنا: إنَّه ألَّف شرح النيل قبل الحصول على نسخة من القاموس، ولكن، ما دام قد أورده في الجزء الثالث، فهذا يجعلنا في لغز ينتظر فكَّه، ولعلَّ المزيد من البحث كفيل باستجلاء الجواب.
*جاء في أحكام قضاء الصوم، نقلا عن الشيخ جميل السعدي فقال: «وَفِي قَامُوسِ الشَّرِيعَةِ: رُخِّصَ أَنْ لا يَنْهَدِمَ قَضَاؤُهُ خِلافًا لِلْحَسَنِ» (3/ 380)
حاجة المذهب الإباضي اليوم إلى الاجتهاد الجماعي:
هذه نبذة عن العلاقة المغربية المشرقية في الفقه الإسلامي عبر التاريخ، غير أنَّها لم تكن في يوم من الأيام علاقةً مباشرة، لانعدام الظروف، ولبعد المسافة، ولكثرة الفتن في بعض الأحقاب التاريخية، ولفعل المستعمر في العصور المتأخِّرة ... أمَّا اليوم فإنَّ الظروف مواتية للتفكير جديا في إحياء هذه العلاقة، بصياغة مجمع فقهي، يتعامل مع النوازل بسرعة وذكاء وفطنة، ذلك أنَّ السمة الجوهرية لهذا العصر هي "عدم الاستقرار"، فالواجب على الفقه أن يقود الركب، لا أن يستجيب للواقع باستحياء، وبإيقاع بطيء ...
فالشريعة توجب على العلماء أن يضبطوا الفتوى حسب تغير الزمان والمكان، والعرفِ والحال، لا أن يجيبوا على أسئلة مستجدَّة بأسلوب قديم غير مفهوم، وبديهي أنَّ ذلك يتم وفق ضوابط علمية ومنهجية رصينة، لا بليِّ أعناق النصوص، والتلفيق، والتبرير ... والمقرَّر شرعا وعقلا أنَّ الفقه هو القاعدة والواقع هو التابع، وليس العكس.
«وإذا كان الاجتهاد - بصفة عامَّة - في هذا العصر ضرورةً ملحَّة، فإنَّ الاجتهاد الجماعيَّ أشدُّ حاجة، وأكثر إلحاحاً» (21) لأسباب أهمُّها:
*-تشعُّب مجالات الفتوى بما يستعصي على العالِم الواحد استيعابه.
*-وظهور التخصُّصات الدقيقة، وكثرة الخلافات والاختلافات في بعض المستجدَّات.
*-غياب التصور الكامل للموضوعات الشائكة من ذهن المفتي، ورغم وجود مجامع فقهية إسلامية، فإنَّ الإباضية - بالخصوص - في حاجة إلى مجمع يوحِّد فتواهم، ويمنحها المرجعية، فيكونوا رفدا وسندا للمجامع الإسلامية العالمية، وعونا لمشايخنا وعلمائنا في البحث والتدقيق.
وهذا لعمري، من أوكد النتائج التي ينتظر من مثل هذا المتلقى المبارك أن يحققها، نظرا لمرونة مذهبنا، ولقدرته على مواكبة العصر، وقيادة الأمَّة إلى الخير والصلاح.
النتائج:
هذه المداخلة هي مجرَّد مدخل لدراسات أعمق في جدلية التأثير والتأثر بين المشرق والمغرب، ولقد خلصت منها إلى بعض النتائج الهامة، أبرزها:
لا اختلاف بين علماء الإباضية في مسائل الديانة، مما لا يسع الناس جهله، وبالتالي فإنَّ المسألة الوحيدة التي تباين فيها المشارقة والمغاربة هي مسألة خلق القرآن، وهي من فروع العقيدة، والخلاف فيها لفظيٌّ لا محالة. (1/71)
صفحة 72
لم يقيد الإباضية مفهوم الاجتهاد، ولم يجعلوه حكرا على جنس دون آخر، ولا على فئة دون أخرى، بل كانوا متسامحين جدًّا في الفروع، ولهذا ولد ما يعرف بفقه المشارقة وفقه المغاربة.
إنَّ المتتبع لمصادر الفقه المغربي، وللأمثلة التي أوردناها، يجد تميزا صريحا بين المغاربة والمشارقة في الفقه، مما يجعل من كلّ واحد منهما مدرسة مستقلة، ذات خصائص ومواصفات بارزة.
كان الفقه المشرقي حاضرا في مصادر الفقه المغربي، وبالذات الموسوعاتُ الفقهية الكبرى، للقرنين الخامس والسادس الهجريين، ولقد اعتمد القطب على العديد منها.
يأتي كتاب الجامع للإمام ابن بركة، على رأس قائمة المصادر أهمية وحضورا في فقه المغاربة، وبخاصة في مجال فقه المعاملات.
يسترعي الانتباه عدم اعتماد القطب على أكبر الموسوعات الفقهية المشرقية: بيان الشرع، وقاموس الشريعة، مما يستلزم بحثا علميا معمَّقا ودقيقا، محاولة لإبجاد الجواب على هذا الإشكال.
هذه المداخلة في المنهج، هي مدخل لدراسة جدلية التأثير والتأثر بين المشرق والمغرب الإباضيين، ونرى ضرورة الاهتمام بتحليلها من مختلف المداخل المعرفية، في بحوث أكثر توسعا وتعمقا.
يجب التفكير جديا في إنشاء "المجمع الفقهيٍّ الإباضي" ليكون سندًا للمجامع الفقهية العالمية، وهذه أهم توصية يمكن الخروج بها من هذا الملتقى المبارك.
--------------------
الهوامش
(*) ـــ أصل البحث مداخلة قُدمت في إطار ملتقى الفقه الإباضي، من تنظيم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط، سلطنة عُمان، بتاريخ:
29 محرم 1426هـ/3 مارس 2005م.
(2) ـــ هو سلمة بن سعد بن علي بن أسد الحضرمي اليمني (حي حوالي 135هـ/752م)، أول من نقل المذهب الإباضية إلى المغرب الإسلامي. انظرـ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، ج2/ص391، ترجمة رقم 418.
(3) ـــ هو قطب الأيمة امحمد بن يوسف اطفيش (1237ـــ1332هـ/1821ـــ1914م)، أشهر علم في المغرب الإسلامي في العصر الحديث، وانظر ترجمته كاملة في معجم أعلام الإباضية، ج3/ص835، ترجمة رقم 864.
(4) ـــ هو الإمام نور الدين بن عبد الله بن حميد السالمي (ت. 1332هـ)، قطب المشرق في العصر الحديث، وانظر ترجمته في أعلام المشرق، نسخة إلكترونية، رقم 776.
5 ـــ انظرـ الوارجلاني: الدليل والبرهان؛ 2/ 05، 37، 58، 47؛ 3/ 36، (1/72)
صفحة 73
41ـــ42. اطفيش: شرح النيل؛ ج17/ص7.
6 ـــ الوارجلاني: الدليل والبرهان، 2/ 60، 2/ 82. العوتبي: الضياء، 2/ 121، 2/ 208.
7 ـــ شرح النيل، ج17/ص43.
8 ـــ نفس المرجع، ج17/ص447.
9 ـــ رغم أنَّ بعض الباحثين في المناهج الفقهية يقررون أنَّ هذا الاختلاف «مارسه الفقهاء المسلمون عبر العصور الإسلامية بحرية تامة دون انغلاق، أو انفلات، أو تقديس للأشخاص، أو تنقيص للمخالفين، أو اتباع للأهواء» غير أنَّ هذا الحكم قد يكون صادقا في دائرة مغلقة، وبطريقة انتقائية، ذلك أنَّ كلَّ جهة تستثني الجهة الأخرى من إمكانية الحق والصواب، وتصمها بالبدعة، والخروج من الدين، وترفض ما يأتي منها بأسماء وعناوين مختلفة، ولعلَّ أكثر المذاهب معاناة من هذا الوضع، هو المذهب الإباضي، الذي ألغي من القائمة عبر العصور، وهمِّش كلية، وذهب الكثيرون إلى تكفير أتباعه ولا يزالون. وحري بنظرة واحدة في مواقع الأنترنات أن تثبت لنا هذا الحكم. فمثلاـ الدكتور أبو سليمان صاحب كتاب "منهج البحث في الفقه الإسلامي" أورد هذا الحكم بالتسامح، ولكنه هو نفسه ينقل عن ابن حجر قوله في كتاب "كف الرعاع": «إنَّ كثيرين من المجتهدين الخارجين عن الأئمة الأربعة لا يجوز تقليدهم، كما هو مقرر في كتب الفقه والأصول» فيستثني صاحبنا بالتالي وبطريقة سطحية ساذجة كلَّ ما خالف المذاهب الأربعة، من محور التسامح، ولا يرى في ذلك أيَّ حرج ... وهذا ما لا يقر به الحق. انظرـ أبو سليمان، عبد الوهاب إبراهيم: منهج البحث في الفقه الإسلامي، خصائصه ونقائصه؛ المكتبة المكية، دار ابن حزم؛ مكة المكرمة؛ 1416هـ/1996م.
10 ـــ انظرـ الثميني، عبد العزيز: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم؛ تحقيق محمد باباعمي ومصطفى شريفي؛ ط. سلطنة عمان، 8 مجلدات.
11 ـــ يعني بالأستاذ شيخه أبا زكرياء يحيى الأفضلي. انظرـ معجم أعلام الإباضية.
12 ـــ دليلنا في هذا الاستثناء أنه أحيانا يذكر قول أحدهم، ثم يذكر قول المشارقة منفصلا، ومثال ذلك ما جاء في حكم قراءة الفاتحة خلف الإمام، ومعلوم أنَّ مشهور المذهب قراءتها، قال القطب: «(وَقِيلَ: لا تَلْزَمُهُ) هُوَ مَشْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ, وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ, وَقَالَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ, وَرَجَعَ عَنْهُ, وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَارِقَةِ: جَمْرَةٌ فِي عَيْنِهِ أَحَبُّ مِنْ قِرَاءَتِهَا خَلْفَ الإِمَامِ» (2/ 131)
13 ـــ عبد الله بن محمد السليمي ابن بركة (ق: 4هـ): هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي، الشهير بابن بركة، من كبار علماء القرن الرابع الهجري. كان أصوليا وفقيها ومتكلما، وكان ذا معرفة كبيرة بالعربية. كان من أشد المتحمسين إلى الفرقة الرستاقية، وإليها ينسب. يعتبر أول من كتب في أصول الفقه من الإباضية. (1/73)
صفحة 74
ترك أبو محمد آثارا جليلة، ويقال إنه ضاع منها الكثير، وصلنا منها كتاب الجامع المشهور، حتى قيل: "إذا وجدت في شيء من كتب المشارقة قولهم (من الكتاب) فالمراد به الجامع لابن بركة". والكتاب المعروف بمنثورة أبي محمد، ورسالة التعارف والتقييد، وكتاب المبتدأ في خلق السماوات والأرض. تتلمذ عنده خلق كثير بمدرسته التي أنشأها ببهلا، ووقف عليها أموالا. ومن تلاميذه أبو الحسن علي بن محمد البسيوي، وقد قصده الكثير من طلبة العلم من خارج عمان .. انظر ترجمته في د. محمد ناصر: معجم أعلام المشرق؛ ترجمة رقم 833.
14 ـــ كتاب أبي عمران موسى هو جزء من ديوان العزابة، لأنه يعد أحد الذين شاركوا في تأليفه، «وكان رأس من اجتمع في غار أمجماج بجربة، فهو الذي خطه بيده، فنسب إليه» جمعية التراث: معجم أعلام الأباضية، ج4/ص896. ترجمة رقم 923.
15 ـــ سلمة بن مسلم العوتبي أبو المنذر (ق5ـــ6هـ): هو أبو المنذر سلمة بن مسلم من أهل عوتب، إحدى نواحي صحار، وإليهما ينسب. عاش بين القرن الخامس والسادس الهجري، وهو من بني طاحية من الأزد. كان من العلماء البارزين، فهو فقيه ولغوي ونسابة، يجمع في قراءاته بين الأصالة والتفتح على إنتاج الآخرين من غير علماء المذهب. ترك لنا أبو المنذر ثروة علمية طائلة، فمن آثاره: موسوعته الفقهية "الضياء" في أربعة وعشرين جزءا. د. محمد ناصر: معجم أعلام المشرق؛ ترجمة رقم 569.
16 ـــ محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي، أبو عبد الله (ت: 508هـ): هو العالم المحقق والفقيه البارع أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبد الله بن المقداد الكندي. من أهل سمد نزوى. من آثاره: ما وجد بخط يده كتاب الصلت بن مالك إلى جنده عند تحرير سقطرى. ألف موسوعته المشهورة بيان الشرع، وهي في نيف وسبعين جزءا، حوى فيها أصول الشرع والأحكام والأديان. وله كتاب "اللمعة المرضية في أصول الشرع وفروعه" توفي الشيخ محمد بن إبراهيم عشية الثلاثاء لعشر ليال خلون من رمضان سنة: 508هـ، وقيل: ليلة 23 شعبان 507هـ. د. محمد ناصر: معجم أعلام المشرق؛ ترجمة رقم 1090.
17 ـــ هو محمد بن عيسى بن عبد الله، اَزْبَارْ (حي في: 1301هـ / 1883م): من علماء بني يسجن بميزاب، تولَّى مهامَّ علمية ودينية معتبرة. جمعية التراث: معجم أعلام الأباضية، ج4/ص896. ترجمة رقم 847.
18 ـــ فهرسها فريق بحث جمعية التراث، ضمن مشروع دليل مخطوطات وادي ميزاب.
19 ـــ هو أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي، أبو بكر (ت: 557هـ): هو العالم المجتهد الفقيه أبو بكر أحمد ابن عبد الله بن موسى بن سليمان بن محمد بن عبد الله بن المقداد الكندي الأفلوجي، من سمد نزوى. تلقى العلم على يد الفقيه أبي بكر النزواني وأحمد بن محمد بن صالح (1/74)
صفحة 75
الغلافقي. وقد ترك لنا آثارا في شتى العلوم والفنون، كان أهمها: كتاب "المصنف" في الأديان والأحكام يقع في اثنين وأربعين جزءا، وله كتاب "التخصيص" في الولاية والبراءة. وتوفي رحمه الله عشية الاثنين 15 ربيع الآخر 575هـ، ودفن بموضع المض، وقبره موجود إلى يومنا هذا. د. محمد ناصر: معجم أعلام المشرق.
20 ـــ هو جميل بن خميس بن لافي السعدي (ق: 13هـ): شيخ وعالم وفقيه، من أهل القرط، من بلدان آل سعد، من الباطنة، من عمان. كان أبرز علماء عصره، وكان صاحب اعتناء واسع واطلاع جامع، وهمة بارزة. من مؤلفاته "قاموس الشريعة" في تسعين جزءا، في الفقه والأدب والحوار والجدل، وهو أشبه بدائرة معارف. د. محمد ناصر: معجم أعلام المشرق.
21 ـــ شعبان محمد إسماعيل: الاجتهاد الجماعي، ودور المجامع الفقهية في تنظيمه؛ دار البشائر، ودار الصابوني، بيروت؛ 1418هـ/1998م (1/75)
صفحة 76
تقويم العروض الخاضعة للزكاة
الأستاذ: محمد بن صالح حمدي
أستاذ بكلية العلوم الإسلامية
جامعة باتنة
مقدمة:
أوجبت الشريعة الإسلامية الزكاة في الأموال المعدَّة للنماء، وتنقسم هذه الأموال إلى صنفين؛ صنفٍ فُرضت الزكاة في عينها، وتخرج الزكاة بجزء منها، مثل الثروة الحيوانية والثروة النباتية والنقدين، فيُعرف فيها نصاب الزكاة دون الرجوع إلى التقويم. والصنف الثاني: أموال تحتاج إلى تقويم لمعرفة النصاب أولاً، ثم مقدار الزكاة الواجب فيها؛ مثل عروض التجارة؛ فتاجر الأقمشة وصانع الأحذية لا يعرف نصاب زكاته إلاَّ إذا قام بعملية التقويم.
فالعروض أنواع متعدِّدة ومختلفة لا حصر لها، فلا يمكن تحديد نصابٍ معيَّن في كلِّ صنف، لذا انعقد الإجماع على أنَّ نصاب الزكاة فيها هو نصاب الذهب أو الفضة، وقد مال بعض الفقهاء المعاصرين إلى الاقتصار على الذهب وحده كأساس للتقويم لما يتَّسم به من الثبات النسبي (1).
وهنا يُثار التساؤل: كيف تتم عملية التقويم؟ وما هي الأسس المعتمدة في ذلك؟ وهل يؤخذ بسعر التكلفة التاريخية؟ أم بسعر السوق؟ أم بسعر الشراء؟ علمًا أنَّ التغيُّر في تحديد هذا السعر له تأثير على نصاب الزكاة، وعلى حجم وعائها؛ فكلَّما ارتفع سعر التقويم كلما زاد مقدارها، والعكس.
تعريفات:
تنقسم الأموال بشكل عام إلى: نقود، وعروض، وديون، ومنافع.
*- العروض: جمع عرْض (بسكون الراء)؛ تنقسم إلى قسمين: عروض قُنية، وعروض تجارة.
أ- عروض قُنية: هي الأموال التي يقتنيها الإنسان بقصد الاستعمال الخاص أو العائلي أي بقصد سد الحوائج الأصلية، ولا زكاة فيها.
ب - عروض التجارة: هي ما يُعدُّ للبيع والشراء، لأجل الربح.
*- التقويم: هو التقدير: بأن يجعل للسلعة قيمة تقديرية بالنقد، والتقويم ليس خاصًّا بزكاة العروض، بل يدخل في كثير من أبواب الفقه.
الهدف من التقويم في زكاة العروض:
(1) - معرفة إن كان المال قد بلغ النصاب أم لا؛ لأنَّ شرط وجوب الزكاة في المال أن يبلغ نصابًا، فإذا كان المال ذهبًا أو فضَّة أو حيوانًا عُرف ذلك دون تقويم، وإن كان عروضًا فلا يمكن معرفته إلاَّ بالتقويم.
(2) - معرفة القدر الواجب من الزكاة: بعد التحقُّق من بلوغ النصاب من خلال عملية التقويم يُعرف الواجب من الزكاة بضرب مقدار المال المقوَّم في نسبة الزكاة. (1/76)
صفحة 77
وقبل عرض مختلِف الآراء نشير إلى أنَّ تطوُّر استعمال النقود على نطاق واسع في التبادل، ودفع الحقوق في الوقت الحاضر، يُضيف أهمية كبيرة لعملية التقويم، خلافًا لما كان عليه الحال في الصدر الأول من الإسلام؛ حيث كانت المقايضة هي الأسلوب الشائع في المبادلة وأداء الحقوق، ومنها الزكاة. ونشير إلى تشجيع النبيء صلى الله عليه وسلم على توسيط النقود في هذه المبادلات حرصًا على إقامة العدل ورفع الغبن عن المتعاقدين.
وسنعرض لآراء الفقهاء الأجلاَّء قديمًا وحديثًا، وآراء المحاسبين للاستئناس برأيهم، أخذًا بمبدأ تحكُّم العرف في مجال تعامل الناس فيما لا يتعارض مع النصوص الشرعية، ثمَّ نأخذ بالرأي الذي نرجِّحه بما يتناسب وتقنيات المحاسبة ودراسة الميزانيات.
وحصرًا لمجال التقويم نقدِّم قائمة لما يدخل في نطاق التقويم وما لا يدخل فيه:
ما يدخل في التقويم وما لا يدخل من العروض:
1 - ما يدخل في التقويم (2):
(أ) البضاعة؛ سواء أكانت في المخازن أم في المحل أم في الطريق أم لدى الموزعين بصفتها أمانة.
(ب) البضائع في المؤسسات الصناعية، المشتراة بغرض تصنيعها وبيعها، وكذا البضائع قيد التصنيع.
(ج) الحلي لدى التاجر أو الصائغ، المعدَّة للتجارة.
(د) الأسهم المشتراة بنية المتاجرة فيها.
(هـ) الأراضي والعقارات وكل منفعة اشتريت بنية التجارة.
2 - ما لا يدخل في التقويم:
(أ) الأصول الثابتة.
(ب) الجودات المعنوية من اسم المحل وشهرته، وكذا الخلو.
(ج) المواد والأثاث والأشياء التي تُتَّخذ للاستعمال دون البيع؛ كالرفوف، وكذا الآلات والأدوات المعدَّة للإنتاج الصناعي.
(د) مواد التعبئة والتغليف؛ إن كانت تُعطى للمشتري مع السلعة، فإنَّ المخزون منها يدخل في التقويم، أمَّا إذا كانت لمجرَّد الحفظ لدى البائع فلا تُقوَّم.
(هـ) المواد والمكونات التي تدخل في تركيبة الإنتاج؛ فإنَّ المخزون منها يُقوَّم في نهاية السنة، وكذا المواد المساعدة في العملية الإنتاجية كالوقود وقطع الغيار.
أولاً: آراء الفقهاء:
يقول أبو القاسم بن عبيد في كتابه الأموال (3):
«حدَّثنا يزيد بن حبيب عن عمر ابن هرم عن جابر بن زيد (4) أنَّه قال في مثل ذلك: "قوِّمه بنحو ثمنه يوم حلَّت فيه الزكاة ثمَّ أخرج زكاته"».
وعن ابن عباس كان يقول: «لا بأس بالتربُّص حتى تبيع والزكاة واجبة عليه». (1/77)
صفحة 78
حدَّثنا كثير بن هشام عن جعفر ابن برقان عن ميمون بن مهران، قالوا: «إذا حلَّت عليك الزكاة فانظر ما كان عندك من نقد أو عرض للبيع فقوِّمه قيمة النقد، وما كان من دين على ملاءة فاحسبه، ثم اطرح منه ما كان من الدين ثمَّ زكِّ ما بقي» (5).
وذكر ابن رشد: أنَّ بعض الفقهاء قالوا: «يزكي الثمن الذي اشترى به السلعة لا قيمتها» (6).
يقول الشيخ القرضاوي (7):
المشهور أن تُقوَّم بالسعر الحالي الذي تُباع به السلعة في السوق عند وجوب الزكاة. ثم استدلَّ بقول الإمام جابر بن زيد، وأورد قول ابن عباس رضي الله عنه، وقال: إنَّ المقصود بالتربص هو الانتظار حتى يتم البيع فعلاً للتأكد من أنَّ التقويم يتمُّ على أساس السعر الحقيقي الذي تُباع به.
وقول ابن عباس رضي الله عنه يمكن تطبيقه في تجارة المحتكر عند المالكية، أمَّا في تجارة الإدارة فلا يمكن بيع كلِّ المخزون السلعي في نهاية السنة المالية، فالتجارة تشتمل على: مخزون سلعي وديون ونقود سائلة، أمَّا إذا تحوَّلت كلُّها إلى أصول سائلة فقد زال الإشكال.
يقول الإمام أحمد بن حمد الخليلي: «تُزكَّى عروض التجارة بقدر قيمتها في الوقت الذي تجب فيه الزكاة» (8).
خلاصة القول: إنَّ هناك رأيين في تقويم العروض:
الأول: وهو المشهور أن تقوَّم بالسعر الحالي الذي تُباع به السلعة في السوق عند وجوب الزكاة.
الثاني: أن تُقوَّم بسعر الشراء؛ وهو قول ابن رشد.
وسنناقش هذين الرأيين بعد استعراض رأي المحاسبين.
ثانيًا: رأي المحاسبين:
هل يعتبر في التقويم سعر السوق أم سعر التكلفة (9)؟
اختلفت النظريات المحاسبية بالنسبة لتقويم المخزون السلعي من أجل احتساب أرباح المنشآت، بين تقديره بسعر السوق أو أسعار التكلفة؛ واستقر الأمر عند المنظِّرِين تقريبًا على تقويم المخزون على أساس: سعر السوق أو سعر التكلفة أيهما أقل، فإذا كان سعر التكلفة أقل من سعر السوق لم يجز أن يقوَّم بسعر السوق.
نستنتج من رأي المحاسبين ما يلي:
(أ) أبعدوا مبدأ التقويم على أسعار الشراء، بل تبنوا سعر التكلفة الذي يأخذ بعين الاعتبار تكاليف إيصال السلعة من منبعها إلى مكان البيع، وهو ملحظ دقيق في تقييم السلعة.
(ب) جمعوا بين سعر التكلفة وسعر السوق، وأخذوا بأيِّهما أقل، وقالوا في تحليل ذلك:
لأنَّ التقويم بسعر السوق يؤدي إلى ظهور أرباح وخسائر بسبب التقويم، ويؤدي ذلك إلى تعديل الربح التجاري الناتج عن الاستثمار الطبيعي للمؤسسة. (1/78)
صفحة 79
ومن جهة ثانية، فإنَّ تحديد سعر السوق ليس ميسَّرًا دائمًا؛ لأنَّ تحديده يحتاج إلى الكثير من الأبحاث والمعلومات التي قد تختلف من سلعة لأخرى.
وأيضًا فإن التقويم بسعر السوق يؤدي إلى تسجيل الأرباح محاسبيًّا قبل تحققها بشكل فعلي؛ وبالتالي يؤدي إلى توزيع أرباح وهمية، وفرض زكاة على أموال لم توجد أصلاً، فالربح لا يتحقق إلاَّ إذا تم البيع وتحوَّل العرض فعلاً إلى نقد، وقبل ذلك ليس هناك ربح إلاَّ في الخيال. وقد يعود سعر السوق إلى الانخفاض عمَّا قدِّر، بل ربَّما يتدنَّى عن سعر التكلفة، فيكون ما وُزِّع من أرباح وما دُفع من ضرائب وما أخذ من الزكاة مبنيًّا على وهم وظنون.
أمَّا إذا كان سعر السوق أقل من سعر التكلفة، فلا بدَّ من التقويم بسعر السوق لئلاَّ تُخفي الميزانية خسارة محقَّقة.
مناقشة الآراء:
عند معالجة قضايا فقهية معاصرة يجب الاستعانة بأهل الاختصاص ــــ كلٌّ في مجاله ـــــ لاستجلاء كل عناصر الموضوع، ودراسة جزئياته وتفاصيله والاستئناس بآرائهم فيما لا يتعارض مع النصوص الشرعية، فبحكم خبرتهم واطِّلاعهم الواسع على الموضوع يسهلون مهمة الفقيه في الخروج برأي سديد وقول رشيد.
فمن خلال استعراضنا لقضية التقويم رأينا عند الفقهاء مفهومًا عامًّا لمسألة سعر السوق وسعر الشراء، بينما رأينا في تفصيلات المحاسبين وتحليلاتهم ما يؤيد الجمع بين القولين حسب أحوال السوق وتغيُّر القيم.
1 - تفسير مفهوم سعر السوق:
يقول الشيخ القرضاوي: «والمراد بسعر السوق سعر الجملة؛ لأنَّه الذي يمكن أن تُباع به عند الحاجة بيسر فيما أرى» (10).
نرى أنَّ هذا المفهوم يكتنفه الغموض، فبأي سعر يقوِّم بائع الجملة؟ هل بسعر بيعه أم بسعر شرائه؟ إذا ما سلَّمنا أن سعر الجملة بالنسبة لبائع التفصيل هو سعر السوق كما ذهب الشيخ.
وتوضيحًا لهذه المسألة نبيِّن أنَّ قنوات التجارة تكون على ثلاث محطات أو مستويات:
*-المستوى الأول: المنتج في المصنع أو المستورد من الخارج.
*-المستوى الثاني: تجَّار الجملة أو الوكلاء المعتمدون في التوزيع في أنحاء البلد، وهم يحصلون على السلع من المنتج أو المستورد.
*-المستوى الثالث: تجَّار التفصيل أو التجزئة، وهم يحصلون على السلع من تُجَّار الجملة.
وقد يكون التجَّار في بعض البلدان على مستويين أو على مستوى واحد فقط.
فأيُّ سعر في التقويم يطبَّق على هذه المستويات؟ أهو سعر الجملة كما ذهب الشيخ القرضاوي (1/79)
صفحة 80
وفهمه؟
وفي بعض الفتاوى الصادرة في هذا العصر أنَّ على تاجر التجزئة أن يقوِّم سلعه بسعر التجزئة، وتاجر الجملة بسعر الجملة (11).
2 - سعر السوق مختلف عند مستوى واحد:
فإنَّ تجار التجزئة يشترون من مورد واحد، وهو تاجر الجملة، وكلهم يبيع بسعر مختلف، وقد يصل الاختلاف إلى النصف أو الضعف، فأيُّ سعر يُعتمد في التقويم؟ وبالتالي يصعب اتخاذ سعر البيع كمقياس لتحديد سعر السوق.
3 - نفترض أنَّ تاجرًا أخرج زكاته عينًا من جنس تجارته في الألبسة والأقمشة، وقد ذهب أغلب الفقهاء إلى جواز ذلك، وقد أورد الشيخ القرضاوي قولاً لشيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه وعلَّله تعليلاً نستدلُّ به في معرض حديثنا عن سعر السوق.
سُئل عن التاجر (12): هل يجوز أن يُخرج قيمة ما وجب عليه من بعض الأصناف عنده، فذكر في الجواب عن ذلك أقوالاً:
(أ) يجوز مطلقًا
(ب) لا يجوز مطلقًا.
(ج) يجوز في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة. قال: وهذا القول هو أعدل الأقوال، فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري كسوة، فاشترى رب المال بها كسوة، فقد أحسن إليه. وأمَّا إذا قوَّم هو الثياب التي عنده وأعطاها، فقد يقوِّمها بأكثر من السعر، وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها، بل يبيعها فيغرم أجرة المنادي (الدلاَّل)، وربَّما خسرت فيكون في ذلك ضرر على الفقراء.
نرى كيف أنَّه في هذه الحالة فإنَّ التقويم بسعر السوق قد يضرُّ بالفقراء بالمغالاة في تحديد سعر السوق، اللهم إلاَّ إذا قلنا: إنَّ التاجر يقوِّم بسعر السوق في حال إخراج الزكاة نقدًا، وبسعر التكلفة إذا أخرجها عينًا، وهذا تمييز لا مبرِّر له. لذا فينبغي الخروج بمعيار واحدٍ في كِلتَا الحالتين. كما أنَّه ينبغي مراعاة مصلحة الفقير الذي يأخذ الزكاة، ومصلحة التاجر الذي يدفع الزكاة، فلا يُلزمه بإخراج الزكاة عن أرباح ظنِّية لم تتحقَّق بعد.
4 - اعتماد سعر التكلفة لا يعفي التاجر من إخراج الزكاة عن الأرباح:
إذا ما اعتمدنا سعر التكلفة في تقويم المخزون السلعي، لا يعني ذلك أنَّنا أعفينا التاجر من إخراج الزكاة عن الأرباح ممَّا يخفِّض من القيمة الإجمالية للزكاة ويعرِّض مصالح الفقراء للضياع، فإنَّ تلك الأرباح سوف يزكي عنها عندما تتحقَّق فعلاً خلال السنة المقبلة ضمن مبيعاته من سلع جديدة سوف يشتريها، كل ما في الأمر أنَّنا تركناها حتى تُباع فعلاً ويتحقَّق الربح الفعلي. كما أنَّ ذلك يفيد من الناحية المحاسبية في الفصل ما بين الميزانيات للسنوات المختلفة، فلا تحمل الميزانية الحالية أرباحًا غير محقَّقة، فيحصل سوء التقدير كما أنَّها لا تحمل أعباء ومصاريف عن سنوات سابقة أو (1/80)
صفحة 81
لاحقة.
وإنَّما توزع حسب نظام معروف في الأنظمة المحاسبية، وذلك ممَّا يؤيد رأي ابن عباس رضي الله عنه في التربص حتى يتم البيع وتُخرج الزكاة.
5 - سعر السوق قد يحتمل مفهوم سعر التكلفة:
إنَّ الجمهور الذي يرى أن تُقوَّم السلعة بسعر السوق اعتمد على رأي الإمام جابر بن زيد ـــــ وهو من التابعين ـــــ الذي يرى أن تُقوَّم السلعة بنحو سعرها يوم حلَّت فيه الزكاة؛ فقد فسَّرها الشيخ القرضاوي بسعر الجملة، ويعلِّل لذلك بكون السلعة يمكن أن تُباع به عند الحاجة بيُسر؛ وهذا تعليل هام جدًّا لو أنَّ الشيخ عمَّمه على كافة المستويات في قنوات التجارة، فيكون ذلك هو عين سعر التكلفة.
الرأي الراجح عندي:
بعد استعراض آراء الفقهاء والمحاسبين وبيان حقيقة سعر السوق أرى أن يقوَّم المنتج في المصنع أو المصدر بسعر تكلفة إنتاجه، والموزعون أي تجار الجملة بسعر التكلفة أي بسعر الشراء من المنتج أو المصدر تضاف إليه تكاليف النقل وما يترتب عنه من أعباء، وكذا تجَّار التجزئة يقوِّمون بسعر التكلفة الذي يشترون به من الموزعين أو تجار الجملة.
فتكون القاعدة: أن يقوِّم كلُّ تاجر سلعه بالسعر الذي يستطيع أن يشتري به سلعًا مماثلة تمامًا لسلعه في يوم التقويم، وهو سعر التكلفة بالنسبة إليه، ما لم ينقص سعر السوق عمَّا اشترى به، وإلاَّ فعليه أن يقوِّم بسعر السوق.
وهذا الرأي هو ما رآه الدكتور "محمد سليمان الأشقر" في كتاب: أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة. نسأل الله أن يفقِّهنا في ديننا، ويرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه واتِّباع أهله، ويرينا الباطل باطلاً ويجنِّبنا اتِّباعه واتِّباع أهله، آمين.
المراجع:
(1) «أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة»: مجموعة من الباحثين، منهم: د/ محمد سليمان الأشقر.
(2) «الأموال»: أبو القاسم بن عبيد.
(3) «بحوث في الزكاة»: د/ رفيق يونس المصري.
(4) «بداية المجتهد ونهاية المقتصد»: ابن رشد.
(5) «الفتاوى: الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج»: أحمد بن حمد الخليلي.
(6) «فقه الإمام جابر بن زيد»: جمع وتحقيق يحيى بكوش.
(7) «فقه الزكاة» د/ يوسف القرضاوي. (1/81)
صفحة 82
--------------------
الهوامش
(1) أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة: د/ محمد سليمان الأشقر، وباحثون آخرون، ج1.
(2) محمد سليمان الأشقر، أبحاث فقهية، مرجع سابق، ص: 39.
(3) الأموال: أبو عبيد، ص: 13.
(4) الإمام جابر بن زيد، إمام المذهب الإباضي، توفي سنة 93 هـ.
(5) الأموال: أبو عبيد، مرجع سابق.
(6) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ابن رشد. ج1، ص: 260
(7) فقه الزكاة: القرضاوي، ج1، ص: 336.
(8) الفتاوى؛ الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج: أحمد بن حمد الخليلي. الكتاب الأول، ص: 276.
(9) أبحاث فقهية، مرجع سابق، ج1، ص: 42، 43.
(10) فقه الزكاة: القرضاوي، ج1، مرجع سابق.
(11) الندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة المنعقدة بالقاهرة، نقلاً عن بحوث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة، مرجع سابق.
(12) فتاوى ابن تيمية، ج1، ص: 299.
نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 09، 1426هـ/2005م، ص96.
ونشر بالموقع بتاريخ: 29 أفريل 2010م. (1/82)
صفحة 83
خصم الأوراق التجارية
(دراسة اقتصادية شرعية)
الدكتور: سليمان ناصر
أستاذ بكلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير
جامعة وارجلان
مقدمة:
يستخدم التجار ورجال الأعمال في معاملاتهم التجارية اليومية صيغاً وعمليات مصرفية عديدة، إلاّ أن من بين هذه الصيغ ما يتم تطبيقه بشكل أكبر، ويتم التساؤل عن الرأي الشرعي فيها بسبب شبهتها والبديل الشرعي لها، و لعل من أهم تلك الصيغ المصرفية إثارة للجدل خصم الأوراق التجارية بصفتها صيغة تمويل قصير الأجل للنشاط التجاري أو الصناعي، فما هو الخصم؟ وكيف يتم في معاملات البنوك؟ وما سبب ربويته؟ وما هو البديل الشرعي له بالنسبة للتعامل بالكمبيالة أو السند الإذني؟ وكيف يمكن تفاديه عند التعامل بالشيك؟. ذلك ما سنحاول الإجابة عنه من خلال هذا البحث المختصر.
تعريف الخصم ( L'éscompte):
الخصم يعني أن يقوم العميل الحامل للورقة التجارية بتظهيرها تظهيرًا ناقلاً للملكية إلى البنك قبل حلول أجلها، في مقابل أن يعطيه البنك قيمتها بعد أن يخصم من هذه القيمة الأجر الذي يستحقه عن العملية ويتكون من ثلاثة عناصر:
1ـ الفوائد المستحقة عن قيمة الورقة التجارية في الفترة من ميعاد عملية الخصم إلى ميعاد عملية استحقاق الورقة وتُحسب بمعدل يسمى بسعر الخصم.
2ـ العمولة: مبلغ يتقاضاه البنك حسب قيمة الكمبيالة وقدر المخاطرة والمدة، وأحيانًا لا تكون لها علاقة بهذه الأخيرة.
3ـ مصاريف التحصيل: وتختلف باختلاف البنوك والأنظمة الداخلية لها ومكان الوفاء ... الخ.
وقد يُضاف إلى هذه المصاريف رسم أو ضريبة مثل الرسم على القيمة المضافة ( T.V.A) عندنا في الجزائر، و تسمى هذه المصاريف مجتمعةً بالآجيو ( Agio).
أما الأوراق التجارية التي تتعامل بها البنوك فهي:
أ ـ الكمبيالة ( La traite) أو ( La lettre de change): وتسمى أيضًا السّفتجة، وهي أمر صادر من شخص يسمى السّاحب ( Tireur) إلى شخص يسمى المسحوب عليه ( Tiré) بدفع مبلغ من المال عند الإطلاع أو في تاريخ معين إلى شخص ثالث يسمى المستفيد ( Bénéficiaire).
ب ـ السند الإذني ( Le billet à ordre): وهو تعهّد كتابي من شخص بأن يدفع مبلغًا من (1/83)
صفحة 84
المال إلى شخص آخر في تاريخ معين، وهو في الأصل ورقة مدنية، لكنه يصبح ورقة تجارية إذا كان أحد طرفيها تاجرًا أو كان موضوعها عملية تجارية.
وكلّ من الكمبيالة والسند الإذني عبارة عن ورقة ائتمان قابلة للتداول عن طريق التظهير ( Endossement) أي التوقيع على ظهر الورقة.
جـ ـ الشيك ( Le chèque): وهو أمر صادر من شخص وهو المحرّر إلى شخص آخر أوجهة معينة بدفع مبلغ من المال بمجرد الإطلاع إلى شخص ثالث وهو المستفيد.
د ـ سند إيداع البضاعة ( Le warrant): وهو الوثيقة التي تسمح برهن البضاعة مقابل الحصول على قرض، ويكون ملحقًا بوصل إيداع البضاعة في المخازن العمومية، وقد يتحول إلى ورقة تجارية بالتظهير والقابلية للخصم.
وهناك أدوات أخرى قد تُطبق عليها عملية الخصم مثل السندات خاصة منها الحكومية. وقد كانت الأوراق التجارية منذ نشأتها أداةً للتحويل، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر أصبحت تطبَّق عليها عملية الخصم والتي أصبحت أهم ميكانيزم لتحريك الحقوق التجارية (1).
وقد ساعد على انتشار عملية الخصم في العصر الحديث ما تتميز به من مزايا تحققها لطرفي العلاقة، فبالنسبة للمؤسسة التي تتمتع بسمعة حسنة وحالة مالية جيِّدة فإنها تجد في خصم أوراقها التجارية الطريقة المثلى لتغذية خزينتها والقيام بأعمالها، كما أن تكلفة هذه الطريقة تكون أقل من تكلفة الطرق الأخرى لتحريك الحقوق التجارية، وبالنسبة للبنك تعتبر هذه العملية مجزيةً خاصة إذا توفرت الثقة الكافية لأنها تكون عادة لأجل قصير، حيث يستطيع البنك أن يعيد خصم الورقة لدى بنك آخر أو لدى البنك المركزي بتكلفة أقل.
وفي مقابل ذلك فإن العملية لا تخلو من بعض الأخطار، فعملية الخصم تعني تقديم البنك قرضًا لعميله على أن يُدفع في تاريخ الاستحقاق من طرف آخر، لذلك تطلب البنوك عادة شروطًا معيّنة في الورقة التجارية حتى تقبل خصمها كأن تكون مقبولة من المسحوب عليه، أو أن يكون أجلها لا يتجاوز مدة معينة، أو أن تحمل توقيعين على الأقل أوثلاثة، أو أن يكون مكان الوفاء بها هو أحد فروع البنك، وقد تستمهل البنوك العميل زمنًا قبل أن تصدر قرارها بقبول الخصم تتحرّى فيه عن الموقعين عليها.
ففي فرنسا مثلاً نجد أن كل ورقةٍ تجارية حُرِّرت في فرنسا، وموقّعة بثلاث توقيعات، ولها أقل من 90 يومًا من التداول، تمثل ورقة قابلة لإعادة الخصم لدى البنك المركزي الفرنسي (2).
يبقى أن نشير إلى أن الأوراق التجارية الأكثر قابلية للخصم هي: الكمبيالة والسند الإذني، أما الشيك فهو وسيلة سحب من الحساب أي وسيلة دفع في الحال وليست أداة ائتمان أي دفع مؤجل، ولكن بعض الممارسات التجارية والمصرفية في بعض الأقطار تسمح بأن يكون استحقاق (1/84)
صفحة 85
الشيك بعد فترة معيّنة من الزمن، وعندئذ يصبح أداة ائتمان - أي دين مؤجل الوفاء - قابلة للتداول، أو أن يكون تحصيل الشيك يستغرق مدة طويلة نسبياً لا تتماشى وسرعة المعاملات التجارية كما في بعض البلدان مثل الجزائر، و في كلا هاتين الحالتين يصبح قابلاً للخصم (3).
الرأي الشرعي في عملية الخصم:
إن الجانب الشرعي لعملية الخصم قد أثار جدلاً كبيرًا ولا يزال عند الفقهاء، وهذا رغم وضوح الطريقة التي تتم بها العملية.
لقد أجاز بعض الفقهاء عملية الخصم على أساس أنها حوالة بأجر، والحوالة هي تحويل الدين من ذمة الأصيل إلى ذمة الكفيل المحال عليه على سبيل التوثق به (4). وهي جائزة عند الفقهاء بالإجماع وذلك استنادًا إلى ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" مطل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فليتبع" (5).
لكن الردّ على هذا الرأي هو أن الحوالة الجائزة يجب ألاَّ تتعارض مع محظور شرعي والذي يتمثّل هنا في عدم التساوي بين الدّين المحال به والدين المحال عليه، فالورقة التجارية تمثّل أداة تحويل لنقودٍ خطية أو كتابية، والمال الذي يتحصل عليه الخاصم هو نقود ورقية أو خطية أيضاً، وبالتالي فالعملية هي بيع نقد آجل بنقد عاجل أقل منه، لذلك فالخصم إذا تمّ بنفس العملة ففيه ربا الفضل والنسيئة، وإذا تمّ بعملة أخرى ففيه ربا النسيئة، ولكنه ربا في كل الأحوال.
وهناك من أجاز الخصم على أساس أنه بيع الدين بالنقد لغير المدين، والذي أجازه المالكية وفي المشهور عند الشافعية. ولكن المتأمل في رأي من أجازوا هذه العملية يجد بأنهم وضعوا لها شروطًا عدة، والذي يهمنا من هذه الشروط هو:
ـ أن يكون الثمن من غير جنس الدّين أو من جنسه مع التساوي حذرًا من الوقوع في الربا (6).
وهذا الشرط لا يتوفر في عملية الخصم كما رأينا.
وهناك من أجاز الخصم على أساس أنه وكالة بأجر، والوكالة هي إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف جائز له حال حياته ... والوكالة شرعًا جائزة سواء أكانت بغير أجر ـ وذلك هو الأغلب ـ أم كانت بأجر (7).
وهذا الرأي أيضًا لا يمكن أن نستسيغه، لأننا إذا اعتبرنا أن الخاصم للورقة التجارية يوكّل البنك في تحصيل هذه الورقة في تاريخ الاستحقاق مقابل أجر وهو الآجيو، فقد رأينا أن هذا الآجيو يتكون من عدة عناصر أهمها: الفائدة والعمولة ومصاريف التحصيل. فإذا اعتبرنا العمولة هي أجرة البنك، فماذا نعتبر الفائدة؟ خاصة وأنّ كلاً منهما محدد بنسبة معينة مع العلم أن هذه الأخيرة هي أكبر بكثير من الأولى. كما أن الوكيل (البنك) يقوم هنا بدفع الدين قبل أن يقوم بتحصيله. (1/85)
صفحة 86
وأخيرًا هناك من أجاز عملية الخصم قياسًا على قاعدة:"ضع وتعجّل" والتي شرحها ابن رشد قائلاً:" أما ضع وتعجل فأجازه ابن عباس من الصحابة وزفر من فقهاء الأمصار، ومنعه جماعة منهم عمر من الصحابة ومالك وأبو حنيفة والثوري وجماعة من فقهاء الأمصار، واختلف قول الشافعي في ذلك فأجاز مالك، وجمهور من يُنكر ضع وتعجّل أن يتعجّل الرجل في دينه المؤجل عرضًا يأخذه وإن كانت قيمته أقل من دينه. وعمدة من لم يجز ضع وتعجّل أنه شبيه بالزيادة مع النظرة المجتمع على تحريمها، ووجه شبهه بها أنه جعل للزمان مقدارًا من الثمن بدلاً منه في الموضعين جميعاً، وذلك أنه هنالك لما زاد له في الزمان زاد له عوضه ثمنًا، وهنا لما حطّ عنه الزمان حطّ عنه في مقابلته ثمنًا. وعمدة من أجازه ما رُوي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بإخراج بني النضير جاءه ناس منهم فقالوا: " يا نبي الله إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضعوا وتعجلوا» (8).
لكن الردّ على هذا الرأي هو أن من أجاز هذه القاعدة رأي فيها نفع الطرفين: الدائن بتعجيل حقه والمدين بإبراء ذمته، أما في الخصم فلم تبرأ ذمة المدين بل تغير دائنه فقط، والدائن الجديد عادةً هو البنك (9).
كما أن هناك من يرى أن قاعدة:" ضع وتعجّل " قول غير صحيح، فلم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيء في هذا، وإنما هو خبر غير صحيح الإسناد (10).
وبالإضافة إلى هذا كله فإن عملية الخصم بالنسبة للمصرف تعتبر قرضًا بفائدة، وكل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا، والخاصم للورقة شريك في الإثم.
ومن خلال كلّ ما سبق يتبيّن لنا بأن الخصم عملية ربوية وهي حرام بيّن رغم بعض الآراء التي تحاول إجازتها بأسباب ومسمّيات مختلفة.
البديل الشرعي لعملية الخصم في حالة التعامل مع البنوك الإسلامية:
يمكن للبنك الإسلامي أن يتعامل مع الورقة التجاريَّة أو أن يدفع قيمتها قبل تاريخ الاستحقاق على أحد وجهين (11):
1 ـ أن يدفع قيمة الكمبيالة كاملة ويتَّفق مع المدين على أن يكون المبلغ الذي قام البنك بسداده بمثابة تمويل يشارك المدينَ في ناتجه على شروط أحد العقود الصحيحة في الإسلام، وهو الاقتراح الذي تقدَّمت به الدراسة المصريَّة لإقامة نظام العمل في البنوك الإسلاميَّة سنة: 1391هـ 1972م.
2 - إذا كان المستفيد من الكمبيالة عميلاً للبنك وله حساب جار فيه فإنَّ البنك يستطيع أن يصرف لهذا المستفيد قيمة الكمبيالة كاملة بغير أن يخصم من قيمتها ما تخصمه البنوك الأخرى عن مدَّة الانتظار وليس في ذلك غبن على البنك، وتحقيق ذلك أنَّ البنك يستثمر الحساب الجاري لهذا المودع ولا يؤدِّي إليه أي عائد فلماذا لا يصرف كمبيالة إلاَّ بعد خصم فائدة من قيمتها؟، وهو (1/86)
صفحة 87
الاقتراح الذي قدَّمه المرحوم الدكتور محمَّد عبد الله العربي.
وبهذا فإنَّ شرط جواز هذه العمليَّة في البنك الإسلامي يكون مرهونًا بثلاثة شروط:
أ ـ أن يكون للعميل المستفيد من الكمبيالة حساب جار في البنك.
ب ـ أن يكون رصيد هذا الحساب في المتوسِّط السنوي لا يقلُّ عن ثلث أو نصف قيمة الكمبيالة التي تُقدَّم للبنك لصرفها، وذلك حتَّى لا يُساء تقديم الكمبيالات للبنوك لدفع قيمتها بكثرة قد تعرقل سيولة رصيدها النقدي.
جـ - أن يُرفق بالكمبيالة الفاتورة أو المستند الدّال على موضوعها ضمانًا للجدِّية.
و يجوز للبنك الإسلامي في هذه العملية أن يخصم عمولة تكون بمثابة أجر على القيام بالعملية ولتغطية المصاريف الإدارية الخاصة بها.
وهناك طريقة أخرى يطبّقها بنك البركة الجزائري وتكون أيضا على أحد وجهين (12):
ـ إمَّا بالمرابحة: حيث يقبض البنك الورقة التجاريَّة ويسأل التاجر عن السلعة التي يرغب في شرائها بقيمة هذه الورقة فيشتريها ويبيعها له مرابحة على أن يكون معدَّل ربح البنك مساويًا تقريبًا لسعر الخصم السائد في السوق، وهذا بضمان الورقة التجاريَّة.
فإذا سدَّد التاجر قيمة السلعة قبل تاريخ استحقاق الورقة أُعيدت له، وإذا لم يسدِّد صُرفت الورقة التجاريَّة في تاريخ الاستحقاق وسُدِّد بها هذا الدين.
ـ وإمَّا بالسَّلم: حيث يقبض البنك الورقة التجاريَّة بعد أن يسأل التاجر عن السلعة التي يرغب في شرائها بقيمة هذه الورقة، فيعطيه هذا المبلغ على أساس أنَّه رأس المال السّلم والبضاعة هي المسلَّم فيه، فيشتريها التاجر لحساب البنك ثمَّ يأمره هذا الأخير ببيعها بيعًا بالوكالة على أن يكون معدَّل الربح مساويًّا تقريبًا لسعر الخصم السائد في السوق.
فإذا سدَّد التاجر هذا المبلغ إلى البنك قبل تاريخ الاستحقاق أُعيدت له الورقة، وإذا لم يسدِّد كانت الورقة التجاريَّة ضمانًا لسداد الدين في تاريخ الاستحقاق بعد صرفها وتحصيلها.
وقد أثارت قضيَّة تحديد سعر البيع بعد تحديد هامش الربح للتاجر حفيظة بعض الفقهاء حسب مسؤولي بنك البركة الجزائري.
لكن المشكل في نظرنا ـبعد استعراض هذه الاقتراحات هو أنَّ حاجة التاجر إلى خصم الورقة التجاريَّة لا يكون دائمًا لتمويل عمليَّة معيَّنة أو شراء سلعة بذاتها، فقد يكون لتغذية السيولة الآنية في خزينته الخاصَّة، ممَّا يجعل اقتراح الدكتور العربي بضمان الحساب الجاري هو الأصلح للتطبيق.
كيف يتم خصم الشيكات في البنوك غير الإسلامية؟
إن البديل الشرعي الذي اقترحناه لخصم الأوراق التجارية لا يمكن تصوّر تطبيقه إلاّ في البنوك الإسلامية، كما أنه متعلق بالسفتجة والسند الإذني، أما الشيك فلا يُتصور أن يقدّمه المسلم إلى (1/87)
صفحة 88
البنك غير الإسلامي إلاّ على سبيل التحصيل لا الخصم. لكن مع ذلك ونفياً لأي لبس أو جهالة فإن خصم الشيكات في البنوك غير الإسلامية يتم بالشكل الآتي:
ـ لا يتم خصم الشيك من طرف البنك إلا بطلب من العميل لأنه بمثابة قرض، كما أنه لا يُوافَق عليه للعميل إلا بعد تقديم ملف طلب قرض dossier de crédit .
ـ يُمنح للعميل وصلاً بإيداع الشيكات Avis de dépôt لدى البنك الذي يتعامل معه كإجراء أولي، وذلك إذا لم يبلغ العميل البنكَ برغبته في كيفية التعامل مع هذه الشيكات هل هي عل سبيل التحصيل أم الإيداع، وهو الوصل الذي يبيّن أرقام الشيكات ومبالغها مع تاريخ تقديمها إلى البنك.
ـ إذا تقدم العميل بطلب خصم للشيكات المدفوعة للبنك فإنه يُمنح وصلاً بالقرض Avis de crédit مبيناً كل التفاصيل المتعلقة بالعملية، فبالإضافة إلى المعلومات التي رأيناها في وصل الإيداع فإنه يبيّن تاريخ استحقاق كل شيك date de valeur مقابلاً لتاريخ تقديمها date d'opération، وهو ما يعني أن المدة الفاصلة بين التاريخين تمثل عدد الأيام التي تُحسب على أساسها الفوائد والتي تُطرح من قيمة الشيك.
ـ بما أن الشيك ليس له تاريخ استحقاق، وبما أن الشيكات تكون صادرة من بنوك مختلفة ومتواجدة في أماكن متعددة، فإنه يُحدَّد لها تاريخ تقديري حسب طبيعة كل منها، فعلى سبيل المثال فإن التواريخ المطبقة بهذا الشأن لدى البنك الوطني الجزائري BNA هي كما يلي:
الحالة
المدة التقديرية
قابض الشيك ومحرّره يتعاملان مع نفس البنك أو بنكين مختلفين ولكنهما موجودين في نفس المدينة.
05 أيام
القابض والمحرر يسكنان مدينتين مختلفتين ويتعاملان مع بنكين مختلفين ولكن بنك القابض له فرع في مدينة المحرر.
10 أيام
القابض والمحرر يتعاملان مع بنكين مختلفين ويسكنان مدينتين مختلفتين، ولكن بنك القابض لا يوجد له فرع في مدينة المحرر. مثلاً: القابض يتعامل مع BNA القرارة والمحرر دفع له شيك لـ BADR الحجيرة، وبما أنه لا يوجد فرع لـ BNA في الحجيرة فإن BNA القرارة سوف يحصّل هذا الشيك عن طريق BADR القرارة بعد أن يخصمه للقابض.
15 يوماً
المصدر: وثيقة شروط البنك Conditions de banque الخاصة بالبنك الوطني الجزائري (1/88)
صفحة 89
والتي دخلت حيّز التطبيق في: 02/ 02/2005.
تجدر الملاحظة هنا إلى أن هذه المدد تحتسب بعد مرور يوم (24 ساعة) على تاريخ تقديمها إلى البنك للخصم وهو ما عبّرنا عنه سابقاً بـ date d'opération، وهي العادة المطبقة في البنك الوطني الجزائري وفي كثير من البنوك.
كيف نتفادى خصم الشيكات في حالة التعامل مع بنك غير إسلامي؟
يجب على المتعامل المسلم بالشيكات مع بنك غير إسلامي أن يراعي في تعامله ما يلي:
ـ أن لا يقدم الشيكات إلى البنك إلاّ على سبيل التحصيل وإن طالت مدته، ولا يطلب خصمها وإن كان مبلغ الخصم زهيداً، وقد تبيّن لنا أن المبلغ المخصوم رباً محرماً لا لبس فيه ولا غموض.
ـ قد تقوم بعض البنوك بإضافة مبلغ الشيك إلى حساب العميل لديها، ويبدو هذا المبلغ المضاف كاملاً دون خصم لكن سحبه قبل تاريخ الاستحقاق قد يؤدي إلى خصمه، فيجب على العميل في هذه الحالة أن يراعي تاريخ استحقاق الشيك، وإذا تطلّب الأمر عليه أن يطّلع على جدول هذه التواريخ الخاص بالبنك الذي يتعامل معه كما هو موضح سابقاً.
ـ يتعيّن على العميل أن يضع حداً أدنى للرصيد (يُترك له تقديره) في حسابه الجاري لدى البنك لا ينزل عنه عند السحب، وذلك حتى لا يضطر إلى سحب قيمة الشيك المحصّل قبل تاريخ الاستحقاق إذا كان حسابه لا يحتوي على غير قيمة هذا الشيك، وكان العمل في البنك يتم بالنظام المذكور سابقاً.
نذكّر في الأخير بأنه سعياً من السلطات إلى تحديث أنظمة العمل في جهازنا المصرفي؛ فمن المحتمل أن تُلغى طريقة خصم الشيكات مع بداية سنة 2006 بحيث لا يتم تقديمها إلاّ على سبيل التحصيل، مع تحديد مدة قصوى لهذا التحصيل لا تتجاوز الخمسة أيام مهما كانت طبيعة الشيك، كما أن عمليات المقاصة Compensation التي تجري بين حسابات البنوك لدى البنك المركزي سوف تكون مرتين عوض مرة واحدة، وعندها قد ينتفي أهم عذر لمتعاملينا عند اللجوء إلى خصم الشيكات وهو التأخر في تحصيلها.
الخاتمة:
إن الثراء والخصوبة اللذين يتميز بهما الفقه الإسلامي يجعلانه قادراً على مسايرة المستجدات في الحياة المعاصرة، وكفيلاً بإيجاد البدائل الشرعية للمعاملات المحرّمة و منها خصم الأوراق التجارية كما رأينا من خلال هذا البحث، وهذا من ثراء الإسلام وقابليته للتطور، وصلاحيته لكل العصور والأمصار.
لذا نرى أن من واجب التاجر أو رجل الأعمال المسلم أن يتحرى الحلال في معاملاته التجارية والمصرفية، وأن يطالب بتطبيق الصيغ الشرعية في تعاملاته مع البنك حتى ولو كان بنكاً إسلامياً، فقد تحدث من هذه البنوك بعض التجاوزات وهي عن غير قصد غالباً، ولهذا يجب أن يكون لدى (1/89)
صفحة 90
المتعامل الاقتصادي المسلم الحد الأدنى من الثقافة الاقتصادية الإسلامية.
مراجع البحث:
الكتب:
1ـ ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1371هـ1952م.
2ـ د. أحمد عبد العزيز النجَّار: المدخل إلى النظريَّة الاقتصاديَّة في المنهج الإسلامي، (بدون دار النشر ولا تاريخ).
3ـ د. شاكر القزويني: محاضرات في اقتصاد البنوك، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1989م.
4ـ د. علي أحمد السالوس: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار، دار الثقافة، قطر ـ دار الاعتصام، القاهرة، 1990م.
5ـ د. محمد صلاح محمد الصاوي: مشكلة الاستثمار في البنوك الإسلامية وكيف عالجها الإسلام، دار الوفاء، المنصورة/ مصر، 1410هـ 1990م.
6ـ مصطفى عبد الله الهمشري: الأعمال المصرفية و الإسلام، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، القاهرة، 1405هـ1985م.
7ـ د. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ط1، دار الفكر، الجزائر، 1412هـ1992م.
8 - Bruno MOSCHETTO et Jean ROUSSILLON: La banque et ses fonctions , (Que sais ـ je?), P.U.F, Paris, 1988.
الوثائق:
*-وثيقة شروط البنك Conditions de banque الخاصة بالبنك الوطني الجزائري BNA والتي دخلت حيّز التطبيق في: 02/ 02/2005.
المقابلات:
*-ناصر حيدر (مدير مركزي ببنك البركة الجزائري): لقاء معه في مكتبه بالمديرية العامة للبنك، بالجزائر العاصمة، بتاريخ: 25/ 03 / 1997م.
--------------------
الهوامش
- (1) Bruno MOSCHETTO et Jean ROUSSILLON: La banque et ses fonctions , (Que sais-je?), P.U.F, Paris, 1988. ., p : 49.
- (2) Bruno MOSCHETTO et Jean ROUSSILLON : La banque et ses fonctions , op.cit .. p : 49. (1/90)
صفحة 91
(3) - د. شاكر القزويني: محاضرات في اقتصاد البنوك، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1989، ص: 95.
(4) - د. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ط1، دار الفكر، الجزائر، 1412هـ1992م، ج: 5، ص: 162.
(5) - رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة. (المليء: الغني، أُتبع: أُحيل).
(6) - مصطفى عبد الله الهمشري: الأعمال المصرفية و الإسلام، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، القاهرة، 1405هـ1985م، ص: 191.
(7) - المرجع السابق، ص: 187.
(8) - ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مطبعة الاستقامة، القاهرة،، ج: 2، 1371هـ1952م، ص: 142، 143.
(9) - د. محمد صلاح محمد الصاوي: مشكلة الاستثمار في البنوك الإسلامية وكيف عالجها الإسلام، دار الوفاء، المنصورة/ مصر،1410هـ1990م، ص: 471.
(10) - د. علي أحمد السالوس: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار، دار الثقافة، قطر - دار الاعتصام، القاهرة، 1990م، ص: 172.
(11) - د. أحمد عبد العزيز النجَّار: المدخل إلى النظريَّة الاقتصاديَّة في المنهج الإسلامي، (بدون دار النشر ولا تاريخ)، ص: 167، 168.
(12) - ناصر حيدر (مدير مركزي ببنك البركة الجزائري):لقاء معه في مكتبه بالمديرية العامة للبنك بالجزائر العاصمة، بتاريخ: 25/ 03 / 1997م. (1/91)
صفحة 92
من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان
الدكتور: محمد بن صالح ناصر
مؤلف وباحث ـ الجزائر
مدخل:
من خلال قراءاتي المتعددة لمراسلات المشايخ فيما بينهم، ولاسيما ما كتبوه وتداولوه بينهم إبان الحركة الإصلاحيَّة ونهضتها ما بين (1925 - 1962) أصبحت عندي قناعة ازدادت مع الأيَّام رسوخًا، بأنَّ هذه المراسلات تعد من أهمِّ الوثائق المؤرِّخة لتلك الفترة، ذلك لما تحتوي عليه من أهميَّة كبرى تكمُن في غناها الفكري المتنوِّع، وهو ما يؤهِّلها لتكون دون مبالغة من أهمِّ الوثائق التاريخيَّة لمن يرغب في الاطلاع على مصادر الحركة الإصلاحيَّة وأعلامها وروادها وأحداثها، وهي جزءٌ حيوي من تاريخ الجزائر المعاصرة، ولاسيما في المجالات الدينيَّة، والاجتماعيَّة، والتربويَّة، والسياسيَّة.
فإنَّه إضافةً إلى ما تحتوي عليه "الرسالة" بطبيعتها من عفويَّة، وصدق، ومتابعة تضمُّ في ثناياها خصائص المذكِّرات، واليوميات، والتقرير، والوصف الخبري، والتحقيق الصحفي، والنقد الصريح للمواقف والأفكار، فإنَّها تنِمُّ قبل هذا وذلك عن نفسية كاتبها دون تزييف أو تجميل، لأنَّ هذه المراسلات تتمُّ غالبا بين أصدقاء أوفياء تربط بينهم زمالة دراسيَّة أو مهنيَّة أو أُسريَّة، ومن ثمَّ فهي تجمع بين خصائص الكاتب الشخصيَّة صاحب الرسالة، كما تصبح في الوقت نفسه مرآةً عاكسة لأحداث الحياة الجماعيَّة في هذا الوطن أو ذاك.
وقد فهمتُ من خلال قراءتي لهذه الرسائل سرَّ اهتمام أصحابها بها كتابةً وردًّا، ولا سِيَمَا عند مشايخ الحركة الإصلاحية وأدبائها الذين غدا هذا النوع من الأدب الرفيع صنفًا لهم، ورباطًا أخويًّا متينًا بينهم، وأدركت ـ كما لم أدرك من قبل ـ سرَّ احتفالهم هذا الاحتفال العظيم بهذه الرسائل.
والحق إنَّ الفضل الأكبر ـ بعد اللهـ يعودُ إلى الحظِّ الذي ساقني إلى الإطِّلاع على مجموعات مراسلات الشيخ أبي اليقظان (رحمه الله)؛ فهو معروفٌ بعنايته بهذا الجانب كتابةً، وجمعًا، وحفاظًا. كان الشيخ في مراسلاته المتعدِّدة إلى خارج الوطن وداخله كالمنارة الشامخة في لجَّة البحر توزِّع النور وتنشُره إلى كلِّ الآفاق، فتكون بذلك مُرسلةً للنور، هادية للسفن القادمة من مشارف الأرض ومغاربها.
لقد كان الشيخ أبو اليقظان بما أوتي من همَّة عاليَّة، ودأبٍ على الكتابة والمواظبة عليها، ومتابعةٍ دائبةٍ حثيثةٍ للأحداث من حولهـ رغم مرضه آخر العمر ـ مركزا مشعًّا لمشايخه، والأستاذة، والطلاَّب، والمستفتين، ومن ثمَّ كثرت مراسلاته وتنوَّعت، وهو ما جمع بين يديه رسائل كثيرة من أمثال، الشيخ عدُّون، الشيخ علي معمَّر، الشيخ أبي إسحاق، الشيخ محمَّد علي دبُّوز، الشيخ حمُّو (1/92)
صفحة 93
فخَّار، من عُمان، ومن جربة، ومن تونس، ومن القاهرة، ومن دمشق، ومن أمريكا، ناهيك عن داخل القطر شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبا، ممَّا لا أحصيه عدًّا ولا حصرًا (1).
ويأتي في الصفِّ الأوَّل ممَّن كانوا يُراسلون الشيخ أبي اليقظان، تلميذُه وزميلُه وصديقُه الوفي الحميم: الشيخ عدُّون، ولا سيما في الفترة التي كان فيها الشيخ أبو اليقظان مستقرًّا في العاصمة فيما بين (1926 - 1940)، وهي فترة ما بين الحربين العالميتين التي طبعت الحياة في الجزائر، بل في العالم بطابعها الخاص. وقد رأيتُ أن يكون هذا البحث متناوِلا لرسائل الشيخ عدُّون إلى الشيخ أبي اليقظان في الفترة المذكورة للأسباب التالية:
أوَّلاً: يُعدُّ الشيخ عدُّون من أهمِّ صانعي الأحداث أو من المشاركين فيها في تلك الفترة، ممَّا يؤهِّله ليكون شاهدًا على عصره، أمينًا على أحداثه، ودقيقًا في أخباره.
ثانيًا: صِدقُ الشيخ عدُّون وإخلاصُه ووفاؤه لما آمن به من قيم ومبادئ، وثباتُه في الميدان الإصلاحي؛ لم يتردَّد، ولم يتغيَّر، ولم يَشكُ قطُّ طوال عمره المديد الذي بارك الله له فيه فتجاوز المائة بخمس سنوات، وهو كالطود الشامخ رسوخًا وثباتًا.
ثالثًا: في هذه الفترة (1930 - 1940) كان الشيخ عدُّون في عنفوان شبابه، ونضارة عمره، وقمَّة عطائه، وحيويَّة تحرُّكاته ونشاطه (في العقد الرابع من عمره).
رابعًا: عملُه المهني في التدريس، ومسؤوليتُه في الإشراف على الحركة التربويَّة والتعليميَّة، وقربُه الحميم الدائم من أستاذه الشيخ بيُّوض ـ زعيم الحركة ـ في المدرسة، والمعهد، والنادي، والمسجد (2)، وملازمته اللاصقة به حتَّى كان يُطلق على نفسه (التَّانْبَرْ) أي طابع البريد الذي لا تُرسل الرسالة بدونه، ممَّا أهَّله ليكون مقرِّرا وفيًّا، وشاهدا أمينا على كثير من الأحداث (3).
خامسًا: مشاركته الفعَّالة في صحافة أبي اليقظان بالمقالات الكثيرة، والرأي والتدبير وكتابة افتتاحيات كثير من جرائد أبي اليقظان: النور، المغرب، الأمَّة، النبراس، ولا سيما موضوع الحركة الإصلاحيَّة ممَّا يؤهِّله ليكون مطَّلعا على خلفيات الكثير من تلك المقالات ودواعي كتابتها، وما وراءها من أسباب مباشرة أو غير مباشرة.
سادسًا: كانت هذه المراسلات أسبوعيَّة تصل إلى القرارة يوم الخميس، وتغادرها يوم السبت، وهي قلَّما تخلَّفت عن موعدها، ممَّا يجعلها سِجِلاًّ تاريخيًّا حافلا يكاد يكون يوميًّا لكلِّ مجلات الحياة بالوادي، في مناحيها السياسيَّة، والدينيَّة، والاجتماعيَّة، والثقافيَّة.
ومن هنا نلحظ كيف أنَّ هذه الرسائل تتوزَّعها عدَّة محاور؛ فهي أخبار ذات طابع ديني؛ مثل ما يلقى في المسجد من دروس، أو طابع سياسي؛ مثل حركة الحكَّام العسكريين والقيَّاد، أو طابع تربوي؛ مثل أخبار التلاميذ والمدرسة والمعهد، أو ذات طابع اجتماعي؛ مثل الوفيات والنزاعات، أو ذات طابع اقتصادي؛ مثل غلاء المعيشة أو رخصها والقحط والخصب وحملات "زقرير" وغير (1/93)
صفحة 94
ذلك، أو ذات طابع إخواني أُسري؛ مثل جلسات النادي، وقدوم الإخوان من ميزاب، والنجاحات والإخفاقات وغير ذلك.
سابعًا: تُمثِّل هذه الرسائل جانبًا أدبيًّا مهمًّا لمن شاء دراسة هذا الجانب، لأنَّها كانت تجدُ اهتمامًا كبيرًا من كُتَّابها ومن قرائها على السواء، ومن ثمَّ كانوا يحتفلون بصياغتها، كما كانوا يعقدون الجلسات الحميميَّة لقراءتها والتعليق على ما فيها، وكثيرًا ما كانت تلك الجلسات في النادي، أو في منزل أحد الإخوان يصحب كلَّ ذلك: الظرف والشاي؛ ففي إحدى الرسائل نقرأ ما يلي:
« ... قد اتَّصل الكتاب بيد الأخ بوحجَّام ومعه الخيَّاط، واستبشروا به لضخامته فظنُّوه حافلا بالأخبار، وارتقبوا خروجي من المسجد قبل الزوال، فاختطفوني لمجرَّد خروجي، واشترطتُ عليهم ألاَّ يُقرأ إلاَّ عشيَّة بين هالة من الإخوان حيث يطيب المجلس والشاي ... » (4).
ومن ثمَّ نلحظ أنَّ إلحاح الشيخ عدُّون على أستاذه كان كلَّ مرَّة قويًّا ليداوم على المراسلة الأسبوعيَّة، ويفصِّل فيها تفصيلا، وبقدر ما كان يطير فرحا لكلِّ بريد يصله، بقدر ما كان يتأسَّف تأسُّفا حارًّا لتأخُّر أجوبة أستاذه عنه، فقد جاء في الرسائل ما يأتي:
«وَدِدْنا لو أطلقتَ العنان لقلمك السيَّال فيفيض علينا بالتفاصيل، إجابةً لرغبتك في إتحاف إخوانك بكلِّ جديد، ولعلَّنا لا نَعْدِمُ هذا القلم وهذه الرغبة منك بعد أن استقرَّ بك المقام (5)، واتَّجه سير الأعمال في الطريق المعبَّد، واطمأنَّ بك البال، فقد بقينا منقطعين في جوف الصحراء؛ لا وِرْدَ ولا كلأ، فاعطفوا على مساكينكم فهم أحقُّ الناس بالعطف ... » (6).
ونظرًا لتزاحم الموضوعات التي تحتوي عليها هذه الرسائل، وهي حوالي خمسين رسالة فإنِّي أكتفي ـ لأنَّ المقام لا يسمح بغير ذلك ـ بفهرست في آخر البحث أُورد فيه قائمة بتاريخ هذه الرسائل، وأستخرج منها أهمَّ الأحداث والأخبار المحتوية عليها (7). كما أنِّي سألحق البحث ببعض النماذج التي تقدِّم صورة وافية عن طبيعة هذه الرسائل وأسلوبها واهتماماتها. ولكنِّي قبل هذا وذاك سأتناول بالدراسة شخصية الشيخ عدُّون كما تبدو لي في رأيي المتواضع من خلال هذه الرسائل.
فكيف يتجلَّى لنا الشيخ عدُّون من خلال هذه الرسائل؟
1 ـ الإخلاص:
لعلَّ أوَّل صفةٍ يتميَّز بها الشيخ عدُّون وهو في فورة الشباب، ونظارة العمر هو الشيخ عدُّون نفسه بعد أن تجاوز المائة من عمره! ثباتًا على المبدأ، ووفاءً للصداقة، وتفتُّحا على كلِّ جديد لا يتنافى مع القيم والثوابت الدينيَّة والأخلاقيَّة، وهو الناظر إلى المستقبل دومًا، المتسامح الذي يفتح قلبه لكلِّ أصدقائه وأبنائه وتلامذته وزملائه، لا يحمل غلاًّ ولا حقدًا ولا حسدًا. وهذه الصفة أي ميزة الإخلاص، وحسن النيَّة التي طالما عُرف بها الشيخ عدُّون واشتهر، حتَّى قال فيه الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلِّي: «إنَّه الإخلاص يمشي على رجليه»؛ ومن أجل هذه الخاصيَّة ظلَّ الشيخ عدُّون في (1/94)
صفحة 95
الثلاثينات هو الشيخ عدُّون في التسعينات محبوبًا من الجميع، ومسيطرًا على الأفئدة لدى الكبار والصغار، الشباب والشيَّاب. ونضرب لذلك مثلا: فعندما وقع خلاف حادٌّ في أوائل الخمسينيات بين الشيخ بيُّوض وأحد زملائه وتلامذته حول قضيَّة من قضايا الإصلاح الاجتماعي تتعلَّقان بسفر المرأة وإصلاحات المسجد، وكادت وحدة القرارة تتصدَّع من جرَّائها، كان ضمن المساعي أن تدخَّل الشيخ أبي اليقظان بين الشيخ بيُّوض ومن اختلف معه في تلك القضيَّة، فكتب إليه الشيخ عدُّون في رسالة مؤرَّخة بـ 11 جمادى الأولى 1373 هـ موافق لـ 27 جانفي 1953 قائلا:
« ... بلغني كتابُك بعد الأخير للإخوان بعد غيبة طويلة، وانتظار طويل وقد سرَّ الإخوان، وجماعة العزَّابة بسعيكم المبرور في القضيَّة الشائكة، نسأل الله تعالى أن يمدَّكم بروح منه ويصل بكم إلى نتيجة مُرضِيَة يرتضيها الجميع، تحفظ كيان الإصلاح من التصدُّع، وتغسل ما علق في القلوب من أدران، ولا شكَّ أنَّ الله تعالى سيصل بنا إلى هذه الغاية ما دام الإخلاص والنيَّة الحسنة رائد الجميع ... ».
2 ـ التواضع:
عادةً ما يكون التواضعُ صفةً مرتبطة بالإخلاص؛ لأنَّ التكبُّر مرضٌ نفسيٌّ يعاني منه مرضى القلوب فقط، ومن ثمَّ فإنَّ ممَّا يلفت النظر في خِلاَلِ الشيخ عدُّون تواضُعُه المذهل أمام أبنائه وتلامذته دون افتعال أو تكلُّف، لأنَّ تصرُّفاته تَنِمُّ عمَّا يحمل في قلبه الأبيض النقيِّ الصافي، ولأنَّه يصدُرُ عن أخلاق إسلاميَّة عاليَّة، وإذا كان ذلك ديدنُه مع تلامذته فأولى أن يكون ذلك تصرُّفه مع أساتذته وزملائه، وهذه صفةٌ نفسيَّة بارزة أخرى نستجليها من رسائله إلى أستاذه الشيخ أبي اليقظان، فقد لاحظتُ في رسائله كيف يوجِّه الخطاب الموشَّح بالخلق الرفيع: لينُ جانبٍ، وصفاءُ طويَّة، واحترامُ مقام، على الرغم من أنَّ تَتَلمُذَ الشيخ عدُّون للشيخ أبي اليقظان يُعدُّ اعتباريًّا، فهو لم يتلقَّ عنه دروسًا في فصلٍ، إلاَّ ما كان بينهما من جلسات حميميَّة أدبيَّة في النادي أو في السهرات الخاصَّة، أو المراسلات، أو ما جمعهما من زمالة طويلة في إطار الصحافة، فهي ـ إن شئنا القول ـ علاقة صداقة وزمالة أكثر منها علاقة تلمذة أو أستاذيَّة، ولكنَّ تواضع الشيخ عدُّون أبى عليه إلاَّ أن يخاطب أستاذه وشيخه بما يليق بمقامه العلمي الرفيع: «أستاذنا الجليل العلاَّمة»، أو «أستاذي العزيز المجاهد الكبير»، وما انصرف عن هاتين الصيغتين قطُّ في كلِّ رسائله، ومن تواضعه أنَّه كان يطلب من أستاذه دومًا أن يصحِّح له (الفصول) التي كان يحرِّرها لجرائده: «النور»، «الأمَّة»، «المغرب» وغيرها، ويفوٍّضه في اختيار عناوينها، ويلحُّ عليه ألاَّ ينشر شيئًا ممَّا يَكتُب دون أن يفحصه فحصًا دقيقًا، على الرغم من أنَّ الشيخ عدُّون كان كثيرًا ما يعرض تلك المقالات على الشيخ بيُّوض قبل إرسالها للنشر. (1/95)
صفحة 96
وممَّا يدلُّ على تواضعه تعليقُه على الافتتاحيات التي كان يكتبها في بداية الثلاثينات لجريدة «النور» عندما كان الشيخ أبو اليقظان مشغولا بإعداد المطبعة العربيَّة يقول في رسالة مؤرَّخة بـ 20 رجب 1350 هـ.
« ... لقد وُفِّقت كلَّ التوفيق في ذلك النسج البارع، وهكذا جميع ما يجري به قلمكم الذهبي، فلو كان يقوم بواجبه أيضًا في تحرير الافتتاحيات لكان نورًا على نور، وأرى اقتصاركم فيها على هذا القلم الجاف ممَّا يزري من شأن الجريدة ... ».
ويقول من رسالة مؤرَّخة بـ: 21 محرَّم 1355 هـ 01 أفريل 1936:
« ... بلغني جوابك الكريم يستحثُّني على المواظبة على الكتابة؛ حسنُ ظنٍّ منك بهذا العاجز، حقَّقَ اللهُ ظنَّك، ولا أراك منِّي إلاًّ ما يسرُّك، ويُبهج خاطرك، ولقد ختمتَ ذلك المقال المتواضع بذلك التعليق الخطير الذي ألبس المقال حلَّة قشيبة من الإبداع تركَها تختال تيهًا وعجبا، وهو في الحقيقة لا يستحقُّ شيئا ممَّا خلعتَ عليه، لولا ثقتك الكبيرة التي تقيس الأشياء على حسبها، فتراها كبيرة وهي صغيرة، جليلة وهي حقيرة».
ويقول من رسالة مؤرَّخة بـ: 27 محرَّم 1355: « ... أرجو إعادة النظر في الفصل فقد مرَّ عليه الأستاذ مرًّا دون أدنى تأمُّل فيه، فلم يُنقِّح فيه شيئا.
« ... إليك فصل اليوم وعَنْوِنهُ بعنوان لائقٍ لا كسابقه ... »
3 ـ سموُّ النفس وعزَّتُها:
من أهمِّ الخلال التي طبعت أخلاق المشايخ رواد الحركة الإصلاحية؛ تفانيهم من أجل ما آمنوا به، وتضحيتُهم المستميتة في سبيل رسالتهم الإصلاحيَّة، فقد سخَّروا لها كلَّ ما يملكون من وسائل ماديَّة ومعنويَّة، وبذلوا في سبيلها كلَّ نفس ونفيس، وعلى الرغم من تعدُّد جبهات الخصوم ضدَّهم؛ من حُكم عسكريٍّ غاشم، وتزمُّت فكري متخلِّف، وعامَّة جاهلة مقلِّدة، فإنَّ ذلك كلُّه لم يفت في عضدهم، ولم يثبِّط من عزمهم.
ومن أمثلة التفاني والتضحية النادرة المخلصة شخصية الشيخ عدوُّن الذي ظلَّ ذلك الجندي المجهول المجاهد الصابر طوال عمره الطويل، كان في بعض مراحله جنديًّا في الصفوف الأماميَّة، وأصبح في مراحل أخرى قائدًا مبرزًا يحمل الراية ويختضن الأمانة.
هذه الروح المتوثِّبة إيمانًا وثباتًا هي التي تطالعنا من خلال رسائله إلى أستاذه أبي اليقظان، الذي الذي طالما اعتبره نموذجا فذًّا في الجهاد والمصابرة فكان لا يحلو له إلاَّ أن يُطلق عليه في كلِّ رسائله "أستاذي الجليل المجاهد الكبير". وما من شكِّ في أنَّ الشيخ أبي اليقظان كان يبادل تلميذه الإعجابَ؛ فكان ينوِّه بهذه الخِلاَلِ المتميِّزة في تلميذه الشيخ عدُّون؛ فكان كثير الإشادة بهذه الخلال في شخصيَّة تلميذه وزميله وصديقه الحميم. وهو ما أوضحه وركَّز عليه في ترجمته للشيخ عدُّون في كتابه (مُلحق السِّيَر) حيث يقول عنه: «أوتي حظَّا موفورًا من الخُلُق الكريم؛ من تواضع، وصبر، (1/96)
صفحة 97
وثقة بالله واتِّكال عليه، وتقوى له، وإيمان كامل به، وعزَّة نفس، وهمَّة عاليه، ولين عريكة، وحسن نيَّة، وصفاء قلب، وصدقٍ وإخلاصٍ، ووَرَعٍ، وزُهدٍ، ومحافظة على سمت السلف الصالح، وحزم، وعزم، واقتدار على إدارة ما يُناط به من المهام بأمانة، وجدٍّ، لا يَعرِفُ كللاً ولا سأمًا، ولا تزعزعا في مبدئه ... » (8).
وممَّا يدلُّ على سموِّ نفس الشيخ عدُّون وثباتُه على المبادئ التي آمن بها موقفُه المشرِّف من أستاذه أبي اليقظان، حيث نشر الشيخ مقالاً في جريدة «الثبات» ردًّا على أحد الطاعنين، وأمضاه باسم الشيخ عدُّون (9) دون أن يستأذن منه ذلك، ويبدو أنَّ الشيخ بعد صدور المقال أراد أن يعتذر من الشيخ عدُّون عن تصرُّفِهِ هذا دون أخد رأيه أوَّلا. فما كان من الشيخ عدُّون إلاَّ التأكيد لأستاذه على رضاه الكامل بتصرُّفه الذي شرَّفه به، بل اعتبر ذلك تقديرًا من أستاذه له؛ حيث يقول:
« ... يظهرُ لي كأنَّك أردتَ أن تعتذر أو تتنصَّل من إمضاء المقالة باسمي، فهل كان يخطرُ ببالك أن يقع لي في نفسي منه شيء، أم تظنُّ أنَّني أكره شيئًا أو أرهب من أمرٍ ينالني في سبيل أمرٍ يعود علينا بالنفع؟ لقد تلقَّيتُ ذلك بكلُّ فرح، واستبشار، وافتخار، ومرحبًا بمثل هذه المبرَّات التي تجيءُ عفوًا بدون أدنى حركة، وإنَّني مستعدٌّ لأمثالها دائمًا، ولِمَا ينتجُ عنها من بلاء وشقاء ...
مَرْحَبًا بِالخَطْبِ يَبْلُونِي إِذَا
كَانَتِ العَلْيَا فِيهِ السَّبَبَا» (10)
وكان من منطلق هذه الأخلاق العالية، والخِلاَل الكريمة يترفَّع عن مخاطبة الجاهلين بأسلوبهم المقذع، ويرى السكوتَ عنهم أحيانًا هو الموقف الحكيم والردُّ المُسكِت، وكان ذلك موقفُه من إحدى الجرائد التي ظهرت في بداية الثلاثينيات، مُنتَهِجَةً منهج السباب والشتم والنيل من الأعراض، وأبدى رأيه المندِّد بأسلوبها وطريقتها حيث يقول:
« ... أمَّا الورقة الزرقاء (11) فقد أدخلت علينا كدرًا لا مزيد عليه، فهي فكرةٌ فاسدةٌ، ورأيٌ خطل، وإنَّنا نتوقَّع فسادًا عظيمًا تجرُّه لنا نحن في غنى عنه، فما لنا وللشخصيات ونَبْزِها، وتَتَبُّع العورات وكشْفِهَا للملإ، ففي الانتقاد النزيه الصريح مجالٌ ومُتَّسع ... ».
وقد يكون مثل هذا الموقف المتسامي المتسامح منه يخالف به شخصًا يُكنُّ له التقدير والاحترام الدائمين، ويقف معه في صفٍّ واحد لمواجهة الخصوم؛ مثل أستاذه الشيخ بيُّوض، وذلك ما نقرأه له في رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان في معرض الحديث عن ردود الشيخ بيُّوض على بعض معارضيه حيث يقول:
« ... ولقد ابتُلي الأستاذ بهذه الكلاب العاوية فاضطرَّ ـ عفا الله عنهـ لمجاراة بعضهم، ولو كنتُ مكانه ما أَرَقْتُ في سبيلهم قطرة مداد.
بلاءٌ لَيسَ يُشبهُهُ بلاَءُ
عداوة غيرِ ذٍي حَسَبٍ ودِينِ (1/97)
صفحة 98
يُبيحُكَ منه عِرضًا لَمْ يَصُنْهُ
وَيَرتَعُ مِنكَ في عِرضٍ مَصُونِ» (12)
4 ـ التحمُّس للإصلاح:
يُعتبَرُ الشيخ عدُّون أحد الركائز الأساسيَّة للإصلاح بوادي ميزاب، شارك في إعلاء بُنيانه بجهده، وفكره، وكتاباته، ومرابطته الطويلة المستمرة في واجهة التعليم والثقافة، وإنَّنا لا نُعَدُّ مبالغين إن زعمنا أنَّ التعليم ـ ولاسيما بالقرارة، وكثيرٍ من مدن التل ـ ما كان ليبلغ ما بلغ لولا جهود الشيخ عدُّون الشخصيَّة، ممَّا يستدعي دراسة جادَّة معمَّقة لهذا الجانب من شخصيته.
وأحسب الشيخ عدُّون شاهد عصره، والدليل عليه لأنَّه ممَّن أطال الله عمره في هذا الجهاد وبارك فيه، وقد تبيَّن لنا من خلال رسائله في الثلاثينيات تحمُّسُه الشديد للإصلاح، وموقفُه الحازم من قضاياه، ونصرتُه الدائمة لزعيمه وشيخه الشيخ بيُّوض، ومن ثمَّ نعتبر هذه الرسائل وثائق مهمَّة لا يمكن الاستغناء عنها لمن أراد الدقَّة والتفصيل في معالجة موضوع الحركة الإصلاحيَّة.
ومن حماسته تلك هذه المتابعة المستمرَّة الدائمة لكلِّ قضايا الحركة إبَّان صراعها المرير ضدَّ خصومها داخلا وخارجا، سواء أكانوا من المعارضين بوادي ميزاب، أو من المتسلطين من الحكَّام العسكريين والقيَّاد المحلِّيين.
وقد اتَّخذ هذا التحمُّس عند الشيخ عدُّون مظاهر شتَّى، تبيَّنت من خلال مواقفه من بعض القضايا الحسَّاسة التاريخيَّة التي تعدُّ من أهمِّ القضايا الفكريَّة والدينيَّة التي ميَّزت حركة إصلاح الشيخ بيُّوض وأنصاره. وعلى رأس هذه القضايا التي عرفتها الساحة الفكريَّة في وادي ميزاب ما يُعرف بقضيَّة الصوم والفطر بالتلفون، ولها علاقة مباشرة برؤية الهلال صومًا وفطرًا، والعمل بهذه الرؤية عندما يكون مصدرها خبرًا تلفونيًّا، وهل يلزم العمل بها؟ أم لا؟
فإنَّ الشيخ بيُّوض وأنصاره من الحركة الإصلاحيَّة يعملون بها ويصدِّقون خبرها، أمَّا المعارضون أو المحافظون فأنَّهم يرفضونها ولا يرونها مُلزِمَة للصوم أو للإفطار عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلُّ بلدٍ ورؤيَته».
ويبدو أنَّ الشيخ بيُّوض قد ألقى في القضيَّة بمسجد القرارة عدَّة دروس وضَّح فيها الوجه الشرعيَّ توضيحًا جيدا، كما عُقدت من أجل هذه القضيَّة جلسات، وكُتبت رسائل ومقالات من كلا الطرفين، ولعلَّ أبرزها ما كتبه الشيخ بيُّوض والشيخ أبو إسحاق اطفيَّش من الإصلاح، والشيخ الشريف الأزهري والشيخ محمَّد بن باحمد من المعارضة.
وقد أثَّرت هذه القضيَّة في العلاقات العامة والخاصَّة بين أهالي وادي ميزاب ما بين المعسكرين، حتَّى قال فيها الشيخ الثميني محمَّد بن الحاج صالح في رسالة مؤرَّخة إلى الشيخ بيُّوض « ... ولي كلامٌ طويلٌ أرجأتُه إلى اللقاء إذا حفظني الله من شرِّ التلفون لعنها الله، ولا نزال نعاني منها منذ (1/98)
صفحة 99
سنوات ما لا يَعزِبُ عنك، ولولا أنًَّني من القائلين بوجوب العمل بها، لأعلنت البراءة منها ومن جميع التلفونيين، ولكن الواجبات أغلال في أعناق الرجال ... » من رسالة مؤرَّخة بـ: 9 أوت 1939.
والذي يبدو أنَّ المسألة ظهرت على واجهة الأحداث بالوادي في شوَّال من سنة 1354 هـ[الموافق جانفي 1936م] وذلك ما نستشفُّه من رسالة الشيخ عدُّون لأستاذه أبي اليقظان مؤرَّخة بـ 18 شوَّال 1354 هـ يقول فيها:
«تطوَّرت اجتماعات الوادي حول مسألة التلفون ... مأساة الاجتماع السابق على المسألة في وادي ميزاب يكرِّرها نفس أولئك المجتمعين في السابق، لأجل الغرض السابق، وبتلك الصفة والهيئة، ليت شعري هل لهؤلاء عقولٌ تُرشدهم إلى السبيل الأقوم ... ».
وممَّا يدلُّ على أنَّ القضيَّة شهدت ذروتها في القرارة على الأقل في شهر شوَّال من سنة 1354هـ ما نقرأه في رسالة مؤرَّخة بـ 25 شوَّال من سنة 1354 أي بعد أسبوع تقريبا من الرسالة المشار إليها سابقا:
« ... وصل فصلُ الأستاذ (13) فكان على القرارة بردًا وسلامًا، وقد أطفأ في نفوسنا ونفوس أكثر الناس ما بها من لوعة وظمأ، أمَّا من يكون عليهم قنبلة ونارًا ملتهبة فلم نسمع لهم حسيسًا، ولم نر أدنى إشارة في شأنه، رغم أنَّه لم يبق أحد له أدنى إلمام بالمسألة لم يطَّلع عليه ولم يقرأه ويستقرأه، وقد تهافتوا عليه بكلِّ نَهَم واختطفوه من ساعته، وكثر طلبهم له؛ لو وُجدت عشرات لنفِّدت في ساعتها، أمَّا موقعه في ميزاب فلم نسمع له أثرًا إلى هذه الساعة ... ».
ويقول في رسالة مؤرَّخة بـ 9 ذو القعدة 1354هـ معلِّقا على مقال كتبه الشيخ أبو اليقظان ونشره بجريدة «الأمَّة»:
« ... وصل العدد (60) وفيه القنبلة الثانية التي لا تقلُّ شدَّة عن سابقتها أمدَّكم الله ونصركم وردَّ عنكم كيد الكائدين، ولا يحيق المرء السيِّئ إلاَّ بأهله، القوم مصرُّون الإصرار الكلِّي على رفض العمل بالتلفون حتَّى ولو اجتمعوا بالأستاذ وأقنعهم بالعمل بها، وهو من رابع المستحيلات».
وبعد سنة كاملة شهدت تطوُّرات في هذه المسألة نقرأ من رسالة مؤرَّخة بـ 17 ربيع الأنور 1355 هـ ما يلي:
« ... مسألة التلفون خمدت أو سكنت تمامًا تقريبا، وأصبح أكثر الناس متشوِّقين إلى الرسالة [الإشارة هنا إلى رسالة للشيخ بيُّوض في المسألة] فالأعناق مشرئبَّة إليها، بعد أن يئسوا من حلَّها من ناحية الاجتماع، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. الأستاذ منهمكٌ في خدمة الرسالة بزيادة فصول ضروريَّة لها، فلا ينصرف عنها إلاَّ للدروس الضروريَّة والأشغال التي لا محيد عنها، وقد بلغ منها إلى نحو 90 صفحة، بينما وصل في الأخذ من الأولى 17 صفحة فقط، وبقيت له منها نحو 100 سيتناولها بالتحرير والزيادة، والمَظْنُونُ أنَّها تتجاوز 300 صفحة، وستكون كتابا لا رسالة (1/99)
صفحة 100
(?).
5 ـ ذهنُه المتفتِّح وشغفُه بالمطالعة:
على الرغم من مشاغله الكثيرة، ومسؤولياته المتعدِّدة ولا سيما في إطار الحياة الدينيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، فقد عُرف الشيخ عدُّون طوال حياته الطويلة محبًّا للقراءة، شغوفًا بكلِّ جديد في الفكر والثقافة، متابعًا لكلِّ ما يجدُّ في ميدان الطباعة من كُتُب ودوريات ومجلاَّت؛ لا يُرى إلاَّ مصاحبًا لكتاب أو مجلَّة أو جريدة. كان يضع ـ كلَّما سمح له وقتُه بذلك ـ للمطالعة برنامجا يوميًّا دقيقًا، ما انفكَّ يحافظ عليه حتَّى في أيَّام مرضه، ولم يغيِّره في كلِّ حالاته وظروفه، سواء أكان مُقيمًا أم مسافرًا، وقد تجلَّى ذلك في مكتبته الضخمة التي جلب إليها الكتب الكثيرة من مختلف البلاد العربيَّة، والقارئ لرسائله يلمس هذا الشغف بالجديد في الفكر من إلحاحه الدائم على أستاذه أبي اليقظان بأن يرسل إليه ما يسميه في رسائله «تحائف الشرق»؛ فقد كان شديد الحرص على قراءة: «الرسالة»، و «الفتح»، و «الشباب»، و «المنار»، و «العلم»، و «كلُّ شيء» و «الدنيا»، وغيرها من المجلاَّت المشرقيَّة، فكان كثيرًا ما طلب بإلحاح من أستاذه أبي اليقظان أن يوافيه بها، حريصًا على اقتناء كلِّ أعدادها، فكان يتأسَّف أسفا شديدًا إذا ما انقطع أحد أعدادها عنه، أو تخلَّف عنه بانقطاع البريد الأسبوعي لسبب أو لآخر.
« ... إنَّني بقيتُ وحيدًا محتاجًا إلى المؤانسة، وإلى من يطرفني بالأشياء، ويشاركني في السرَّاء والضرَّاء، محتاجًا إلى ما عندَكُم من تحائف الشرق، غير «الرسالة» أو «كلُّ شيء»، فلا تظن أنَّنا نستغني عنها ونزهد فيها، فإنَّ رغبتنا منها هي هي، ولا يأتينا من تونس غير تينك المجلَّتين بالفلوس العزيز ... إنَّنا نترقًّب بريد اليوم بفارغ صبر، مساكين نحن مساكين، ومن أولى منَّا بالعطف والرثاء؟». رسالة مؤرَّخة بـ 25 شوَّال 1354 هـ جانفي 1936.
ومن رسالة أخرى وجَّهها إلى أستاذه أبي اليقظان وهو في بسكرة قادما إلى القرارة « ... نرجو لك رحلة مباركة موفورة النتائج، ميسَّرة الأسباب، فاملأ وطابك منها فنحن في عزلة تامَّة عن العلم، وجدُّ متعطِّشين إلى ما ينقع غلتنا، وإن عثرتَ في طريقك على بعض تحائف من مجلاَّت مصوَّرة وغيرها فلا تضنَّ بها عنَّا». (15 مارس 1940).
وتَفتُّح ذهن الشيخ عدُّون لا يقف به عند حدود الاطلاع على مجريات الأحداث من حوله أكانت أحداثا محليَّة في إطار الوادي وفي الإطار القطري، بل كان يهتمُّ اهتمامًا شديدًا بمجريات الأحداث في العالم الإسلامي والعربي من منطلق الغيرة على هذا الوطن الواسع الذي كان يعاني منه الاستعمار الغربي، فكان يمدُّ ببصره إلى ما يجري فيه ويحرص على مشاركة إخوانه هناك.
من رسالة مؤرَّخة بـ: 20 رجب 1350 يقول:
«قرأنا فصلكم في النور، وقبل ذلك قرأتُ فصل شكيب في الجامعة، فاستغربتُ كثيرًا من هذا (1/100)
صفحة 101
الإجحاف المخلِّ في فصلٍ ألمَّ فيه بجميع أدوار الحركة وأسبابها ونتائجها، فإنَّ مكانة شكيب أرسلان في العالم العربي، وقلمه المعروف لم يمنعاه من أن يقول رأيه في مقاله بكلِّ صراحة فيما رآه استنقاصًا من حقِّ الوطن العربي وحركاته القوميَّة آنئذ».
ويقول من رسالة مؤرَّخة بـ: 5 جويليت 1937:
«لقد ابتهجنا من (الفتح) تقريضه للأمَّة (14) لما نشرته في عددها الممتاز ...
استحسن أن تعتنوا بتلخيص أخبار العالم الإسلامي، فإنَّ للقراء شوقًا إليها كثيرًا وخصوصًا أحوال فلسطين، فقد اشتهرت جريدتُنا دون جرائد الشمال الإفريقي بالاعتناء بها والعطف عليها، ونالت بذلك سمعة طيِّبة في الشرق».
قد دفعته روحه المتفتِّحة الغيور هذه إلى أن يكتب رسالة لأحد الكتَّاب المشارقة «علي محمَّد الجمالي» ردًّا على مقال نشره بالأمَّة فأرسل إليه رسالة شكر من القرارة مؤرَّخة بـ 18 ذي الحجَّة 1355 هـ[مارس 1937] جاء فيها ما يلي:
« ... نرحِّب كثيرًا بأمثال هذه الفصول الرائعة الموافقة لمشرب جريدتنا التي لم نؤسِّسها إلاَّ لخدمة العرب والمسلمين أينما كانوا، كما نرحِّب بكلِّ ما توافونا به من نفثات قلمكم البليغ، فما أشوقنا وأشوق قرَّاءَنا إلى أخبار تلك الديار النائية، ونستقبل كلَّ ما يأتينا منكم بالبشر والارتياح ... ».
6 ـ ذائقةٌ أدبيَّة ونقدٌ صريح:
من خلال ما رأيناه سابقًا من شغف الشيخ عدُّون بمطالعة الكتب والمجلات الأدبيَّة يتجلَّى ذوقُه الأدبيُّ الرفيع، الذي ينهل من منابع أمَّهات الكتب التي كانت من مقرَّرات الدراسة ومناهجها في تلك الفترة المزدهرة؛ فهو يُثير في إحدى رسائله إلى الشيخ أبي اليقظان بأنَّ الشيخ بيُّوض أضاف إلى منهج دراسة الطلاَّب بمعهد الشباب كتبًا جديدة هي: «المغني اللبيب» لابن هشام، و «الأمالي» لأبي علي القالي، و «دلائل الإعجاز» للجرجاني (15). إضافة إلى حِرص الشيخ بيُّوض على قراءة المجلاَّت الثقافيَّة بل على إقرائها على طلاَّبه مثل «الرسالة»، و «الفتح»، و «الشباب»، وغيرها. وكان الشيخ عدُّون يحضر هذه المجالس كلِّها مع تلامذته.
ومن يقرأ رسائل الشيخ عدُّون لا يفوته الوقوف على عنايته الفائقة بالتعبير الأدبي الرفيع حتَّى في عرضه لبعض الأحداث اليوميَّة، وتناوله للقضايا العاميَّة، فهو قلَّما استخدم مفردات غير فصيحة إلاَّ عندما يكون الأمر متعلِّقا بالأسلوب، أو بما يفرضه المقام؛ كأن يكون في المقام دعابة ساخرة، أو نكتة اجتماعيَّة، عندها يكون استخدام المفردة ذات الطابع العامِّي توظيفًا مقصودًا يكمل المنهج الرفيع الذي ألزم نفسه على اتِّباعه ومراعاته.
يقول من رسالة مؤرَّخة بـ 21 محرَّم 1355 هـ[أفريل 1936]، تعليقًا على رائعة الشيخ أبي اليقظان «يا من يحنُّ إليكِ فُؤادي» (16). (1/101)
صفحة 102
« ... لقد شنَّفتَ أسماعَنَا وأطربتنا بذلك النشيد البديع، معنى ومبنى ولحنًا، فجاء كاملاً من كلِّ جهة، فلا غروَ فقد صاغته قريحة ممتلئة شعورًا فياضةً غيرةً وإحساسًا، فذابت فيه نفسه ذوبانًا، وامتزجت بحروفه امتزاجًا، ولقد وصل من نفوسنا ومجالسنا ومحافلنا محلاًّ لائقا بمكانته السامية، فلا زالت نبعًا فيَّاضًا للإحساس الوطني، ولا زالت ماءً زلالاً تسقي النفوسً القاحلةَ من هذا الإحساس، وتُفعِمُ القلوبَ الناضبةَ من ماء الغيرة ... ».
وذائقته الأدبيَّة الرفيعة لا تقف به عند حدود الإعجاب الذي قد يكون وليد احترام وتقدير لأستاذه، بل يأتي من خلال قراءة أدبيَّة متعمِّقة، وتذوق لمكامن القوَّة في القصيدة أو المقال فكرةً وأسلوبًا؛ وذلك ما نلحظه في رسالة بعث بها إلى شيخه أبي اليقظان، مُبديًا رأيه حول قصيدة كان الشيخ أبي اليقظان قد شارك بها في مهرجان جمعية العلماء المسلمين بمناسبة تبرئة الشيخ الطيِّب العقبي ممَّا اتُّهم به من أعدائه (17). ولم يمنعه إعجابُه وتقديرُه لأستاذه الشاعر أن يُبدي رأيه في القصيدة، وقد لاحظ ضعف شاعريَّتها، ولكن بأسلوب مهذَّب راقٍ، يقول:
« ... جاء جوابُكم للأستاذ (الشيخ بيُّوض) وبطِّيه القصيدة، وصادف وجود الأخ عبد الرحمن (بكلي) هنا، وقرأناهما معًا، وقرأنا القصيدة إذ ذاك قراءة عجلى، ثمَّ أعدنا قراءتها في جمعيتنا نحن بإمعان ونظر فأعجبنا بوقعها الجميل في النفوس، وبإصابتها المحز، وإلمامها بالموضوع، وإحاطتها بكلِّ ما يقتضيه المقام إحاطة حكيمة، حازمة، أبيَّة، غير أنَّ روح الشاعريَّة فيها ضعيفة، على خلاف ما نعهد في شاعريَّة أبي اليقظان، فهل تراكمت عليها أصداء الإهمال وعدم التعهُّد بالجلاء والصقل؟
إن كان كذلك فيجب صقلها بين آن وآخر ببعض الروائع حتَّى تظهر أشدَّ مضاءً ونصاعةً، ولقد أحسنتَ الإحسانَ كلَّه، ورفعت رأس الأمَّة عاليًا أمام الأمَّة الجزائريَّة باهتدائك إلى صوغها وإلقائها في ذلك المحفل الحاشد الرهيب، ففضلُك العظيم علينا لا يُقدَّر، ولا يقابل الوفاء، فبارك الله فيك وفي مواهبك الجليلة ... ».
وقد كان حريصًا على أن يُبدي رأيه في كلِّ ما ينشر بجرائد الشيخ أبي اليقظان من قصائد ومقالات؛ فإذا لاحظ ما يستحقُّ التنويه والإشادة نوَّه وأشاد، وإذا لاحظ فسادًا في المعنى أو ركاكة في الأسلوب انتقد بكلِّ صراحة ونزاهة، يقول معلِّقا على قصيدة لحمُّو بن محمَّد (النوري) منوِّها بشاعرية صاحبها، متفرِّسا فيه، شاعرًا موفقًا إن واصل درب التعليم والكتابة ولم ينقطع عن مسيرته العلميَّة، فِعْلَ الكثير من أبناء الوادي، الذين سرعان ما تلتهمهم الحياة الماديَّة فتبعدهم عن الميدان الأدبي والعلمي، يقول:
« ... أعجبتني قصيدة حمُّو بن محمَّد التي تفيضُ شعورًا (18)، وتنبُّئ عن شاعرية أصيلة، فبارك الله في أنفاس ناظمها، فليت شعري كيف يكون مستقبلُ هذا الشاعر الفتيِّ الذي يُرفرف النبوغُ على رأسه؟ فهل يستمرُّ في الورود من منهل العلم فيتوَّج به، أم يكون نصيبه نصيب من تقدِّمه ممَّن (1/102)
صفحة 103
اقتُطِفَ فجًّا، فما انتفع ولا نفع؟!».
وبقدر ما كان يُبديه من إعجاب بالنبغاء من التلامذة، كان لا يثنيه مقامُه من أستاذه أن يبدي رأيه فيما تنشره جرائده من نقد صريح، وقد يكون لاذعًا قاسيًا أحيانا إذا كان يمسُّ اللغة العربيَّة الفصحى، أو يَزري بمقام الجريدة، وذلك ما نقرأه في إحدى رسائله إلى أستاذه حيث يقول:
« ... قد تظهر بعض المقالات تزري بمقام الجريدة كمقالة [فلان] ... ركيكة الأسلوب فاسدة التراكيب، والمعاني والجمل والمفردات، فهذه إمَّا أن تُنقَّح وتُحوِّر، وإمَّا أن تُلقى في سلَّة المهملات، فالجريدة أرفعُ أن يتَّسع صدرُها لمثلها ... » (19).
ويقول من رسالة أخرى في الاتِّجاه نفسه:
« ... وأستحسن أن تعتنوا بتصحيح كتابة (معروف) (20)، فقد وردت في المقال السابق كلمات عاميَّة، وتعابير ركيكة، تترفَّع عنها الجريدة».
رسالة بـ 5 جوليت 1937.
وحرصه على المستوى الرفيع للجريدة هو الذي يجعله يؤكِّد ويلحُّ دومًا على أستاذه بأن يصحِّح له مقالاته بعد أن يكون قد عرضها على شيخه بيُّوض، كما أشرنا إلى ذلك سابقا.
7 ـ روح الدعابة والتفكُّه:
على الرغم من التقدير العظيم الذي كان يحمله الشيخ عدُّون لأستاذه أبي اليقظان، فإنَّ هذا لم يكن يمنعه أن يخرج عن إطار المتزمِّت الوقور إلى إطارٍ من الدعابة الحيِيَّة المحتشمة التي تدخل في إطار الظرف والتفكُّه الذي طالما عرفت به مجالس المشايخ، ولا سيما إذا كانت الجلسة حميميَّة بين الأصدقاء، أو حتَّى بين الأستاذ وطلاَّبه، ولا سيما لدى الطبقات الدراسيَّة العليا. وقد عُرف الشيخ عدُّون في الأوساط الأدبيَّة والثقافيَّة بحبُّ النكت الظريفة، يَطرب لها ويتفاعل معها، ويهوى سماعَها، وأحسب أنَّ ذلك ما يستوجبه الودُّ الصافي، والمحبَّة التي تكون بين الأب وبنيه في نوع من الإمحاض والتظرُّف الذي يروِّح عن النفس حتَّى لا تكلَّ ولا تمل، أكان ذلك في مجالس الدراسة أو من خلال المخاطبات الكتابيَّة.
وقد يكون محلُّ الدعابة والتفكُّه شخصًا أو صديقًا عُرف لدى الجماعة بروحه المرحة المتبسِّطة؛ مثل السيِّد «تعموت عيسى» رفيق الشيخ أبي اليقظان وصديقه الحميم في مسيرته الصحفيَّة. ومن ثمَّ تجد أخبار السيِّد تعموت عيسى وأخبار لقمان الحكيم وغيرهما من إخوان الصفاء ترِد من حين لآخر في هذه الرسائل. ولنأخذ لهذا مثلا ما جاء في إحدى رسائل الشيخ عدُّون إلى أستاذه حيث يقول:
« ... أمَّا الأخ تعموت الذي يريد أن يُقَرْقِشَ إلينا بدعوى الاستحمام في الرمل، فإنَّ الرمال هذه السنة باردة جدًّا لا تصلح للاستحمام على قلَّتها بحيث لا يمكن الاستحمام بها، فإنَّ الرياح والزعازع المتوالية في هذه السنة جوفيَّة، وألقت الرمال كلَّها في (تقرت) (ووادي سوف)، فاقترح (1/103)
صفحة 104
عليه أن يحجَّ إليها وسيشفيه الله ... » (21).
ويقول معتذرًا عن تأخُّره في الكتابة مقدِّما ذلك في أسلوب ظريف وطريقة متفكِّهة:
« ... سيدي آسف جدًّا أن أوجِّه إليك هذا المكتوب هزيلاً فارغًا غير مشفوعٍ بفصل كالعادة، ولقد حرصتُ كثيرًا على إرساله كاملا، وأخَّرته طويلا لأجل ذلك فأبى لي تساوفي وتثاقلي وفلول إرادتي إلاَّ أن أخيب في رجائي، فرأيتُ أن أكتب هذا الكتاب الفارغ، إيصالا لما انقطع، وتنبيهًا على أنَّني حيٌّ أُرزَق، فهذا خيرٌ من مدِّ حبل التسويف، والاستمرار على الإعراض والسكوت المطلق الدالاَّن على عدم الاكتراث في الظاهر، والعياذ بالله ... » (22).
وممَّا جاء في إحدى رسائله لأستاذه، وقد بشَّره بقرب مقدمه إلى القرارة بعد طول غياب، يقول: «بلغني جوابك القصير المبشِّر بقدومك، فكان بشارة عظمى طال شوقنا إليها، عجَّل الله تحقيقها ... غير أنَّه يسر أن تجد الغيث مستهلا ليتيسَّر لنا أن نجد معك ليالي ساهرة هانئة، وإن كانت قلقلة [كذا ولعله: قليلة] بالنسبة إليك، فعجِّل بالقدوم على كلِّ حال ولا تخشى شيئًا، واطلب حظَّك ونحن نطلب حظَّنا لنرى أيُّهما الغالب ... » (23).
8 - الخصائص الفنِّيَّة:
يمكننا إجمال الخصائص الفنِّية التي تتميَّز بها رسائل الشيخ عدُّون بما يمكن أن نطلق عليه (التنوُّع) في رسائل تحتوي على جوانب مختلفة من الأغراض؛ إذ تجمع غالبا بين الخبر، والحدث، والتحقيق الصحفي، والمطالب والحاجات، ومن ثمَّ يأتي أسلوب كتابتها متَّسما بالإحاطة والشمول والتفصيل، وبيان الجزئيات، يُشعرك أسلوبُها وطريقتها برغبة كاتبها في أن يكون مرآة صادقة عاكسة للواقع المعيش، وتلك هي الروح السائدة في رسائل الشيخ أبي اليقظان إلى الشيخ عدُّون أيضًا.
وسيلحظ القارئ الكريم هذا التنوُّع من خلال فهرست سنخصِّصه في آخر البحث لأهمِّ الأخبار والأحداث والتحقيقات التي سنستخرجها من جملة هذه الرسائل. (24)
ولعلَّ من تمام الفائدة أن نقدِّم هنا بعض الأمثلة والنماذج للتنوُّع المشار إليه سابقا:
الوصف الدقيق أو التحقيق الصحفي يتجلَّى في عرضه لبعض الأحداث الكبرى سواء أكان طابعها دينيًّا أو اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا، ولا سيما إذا كان هذا الحدث درسا من دروس الشيخ بيُّوض في المسجد، ممَّا يجعل الشيخ عدُّون حريصًا على أن يقدِّم خلاصة وافية للدرس بكلِّ عناصره، حتَّى يجعل أستاذه أبا اليقظان وكأنَّه حاضر في تلك الدروس.
من ذلك ما جاء في وصفه لدروس قام الشيخ بيُّوض بإلقائها في رحلة إلى بريان دامت أسبوعًا، وشهدت أحداثا إصلاحيَّة كبرى حيث يقول: (1/104)
صفحة 105
« ... وألقى عليهم الأستاذ درسًا في الاتِّحاد ووجوب الترابط، وإزاحة كلِّ حاجز يؤثِّر في هذه الوحدة، ومن ذلك وجوب مراعاة ميزاب حوزةً واحدة، والأخذ بقول من يراها وطنًا واحدًا يجب فيه إتمام الصلاة، وبَسَطَ الموضوعَ بسطًا وافيا شارحا كلَّ إشكال، وناعيا على الذين أثاروا الضوضاء من جرَّاء هذه المسألة حسَدًا من عند أنفسهم، فاقتنع القومُ أيما اقتناع بوجهة نظره، آخذين بقوله، عازمين على تطبيقه، وطلبوا منه بعد ذلك إلقاء بعض الدروس في الجامع بين صلاتي الظهرين والعشائين، وشرع في التنفيذ منذ أوَّل يوم شارحا حديث «بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ»، وكانت الأربعة الدروس الأولى في الركن الأوَّل في التوحيد، وما يؤثِّر فيه من زيغ في العقيدة من دعاء الأموات، وإشراك غير الله في العبادة وبِدع المقابر، وكان الدرس الأخير في مسألة القراءة على الأموات، فكان قريبا من درس ليلة عاشوراء [بالقرارة] والقوم يُصغون إليه في جميع دروسه بكلِّ نَهَم وشغف، ويتلقَّونه بالإذعان والقبول، فكان لها وقعٌ عظيم في نفوسهم ... فكأنَّهم فتحوا فتحًا جديدًا، أو خرجوا إلى عالم جديد لا عهد لهم به ... » (25).
ومن رسالة أخرى يتناول بالأسلوب نفسه هذه الرحلة التي كان من جرَّائها تطوُّرات خطيرة أخذت بعدًا سياسيًّا واجتماعيًّا خطيرًا، دفعت بالسلطة الفرنسيَّة الحاكمة إلى استدعاء الشيخ بيُّوض إلى غرداية، واستجوابه، والتضييق عليه، وأمره بالعودة إلى القرارة في أوَّل سيَّارة، بدعوى أنَّه مشوِّش يثير القلاقل والنزاعات:
« ... تعَّرض الأستاذ في دروسه الأولى في تصحيح العقائد إلى ما يعتقده العامَّة في الأولياء من النفع والضرِّ، وإلى تمسُّحهم بالقباب والتقرُّب بها، والذبح لغير الله، إلى غير ذلك ممَّا يؤثِّر في العقيدة، وأنكر على من يبني القباب ومن يُجصِّصها مستقبلاً، وما أكثر ذلك في بريَّان، وغضَّ النظر عمَّا هو موجود منها، وعن بانيها قائلا: تلك أمَّة قد خلت. كما أنكر ما يجعلونه على القبور من حزمات الجريد، والشِّنن البالية والقرع والحجارة الأمر الذي صيَّر المقبرة مزبلة ... وبعد يومين من ذلك أصبحت بضع قباب مهدَّمة، فثارت العامَّة أو قُل الرأي العام وهاجت الجماعتان [العزَّابة، والضمَّان] وماجتا، وذهبتا إلى القائد ترعدان وتبرقان، وتطالبان باستعمال كلِّ وسيلة في إظهار هؤلاء المجرمين الظالمين الذين فعلوا هذا بآلهتهم ... » (26).
ونقرأ في الاتِّجاه نفسه وبالأسلوب عينه رسالة أخرى يصف فيها تأثير درس عاشوراء على الرأي العام القراري وفحواه ومغزاه، وما كان له من أثر في نفوس الحاضرين بالمسجد وغير الحاضرين، في موضوع له مساس بالعقيدة وهو: «القراءة بالأجرة على الأموات»:
« ... درسُ عاشوراء له صدى كبير، ووقع عظيم في النفوس، وإنَّه وجد رؤوسا متعطِّشة إلى ارتواء الحقيقة فأرواها، ونقع غُلَّتها، فكان إرشادًا من حيرة، وهدى من ضلال، أزال كلَّ شكٍّ وأوضح كلَّ شبهة، وجاءت الحجَّة تتبختر اتٍّضاحا، أوضح لهم منشأ المسألة ودرس (الشريف) (1/105)
صفحة 106
(27)، وكيف استثمره دعاة الفتنة لبذر الشقاق، وأن لا رائحة للبراءة المشاعة (?)، هذا كلُّه بعد أن سرد أدلَّة لا تقبل النقض في إبطال القراءة بالأجرة من الحديث وكتب الشيخ اطفيَّش، والشيخ السالمي، وشرَحَها شرحًا شافيًا، وقد فهمها جميع الناس فهما جيِّدا، إلاَّ من طمس الله على بصيرته ممَّن في قلوبهم مرض من الكاديشونيين (28) ومن لفَّ لفَّهم من بعض قدماء التلاميذ، الذين يخافون انقطاع (خُبْزتهم) من هذا المورد، وهم في أقليَّة بحيث لا يُسمع لهم همس ... » (29).
9 ـ التفصيل والشمول:
حرص الشيخ عدُّون على أن ينقل لمراسله وأستاذه الصورة بكلِّ جزئياتها وتفاصيلها، وكأنَّه يراها مجسَّدة بعينه، يجعله يتناول تفاصيل الشيء وأبعاده بكلِّ صغيرة وكبيرة فيه حتَّى أنَّ القارئ يتساءل أحيانا، وما الذي يضيره لو أنَّه غفل عن هذه الجزئيات؟ ولعلَّ جواب ذلك نتلمسه من خلال أنفسنا عندما تكون في غُربة، وتأتينا رسالة من الأهل فإنَّ الواحد منَّا ليتمنَّى أن لا تنتهي الرسالة من ذكر التفاصيل والجزئيات، ولا سيما إذا كان موضوع الوصف أو الحدث أمرًا يتعلَّق بمن تحبُّ من الأهل، والولد، والوطن، والصديق.
من هنا نفهم حرص الشيخ عدُّون على تناول الأشياء بمثل هذا الأسلوب. وبما أنَّ الأمثلة كثيرة فإنِّي أكتفي بمثالين أو ثلاثة.
المثال الأوَّل:
يستعرض فيه الشيخ عدُّون حملة وادي زقرير إلى القرارة بعد أن مرَّت على القرارة سنوات من القحط القاسي المميت، حتَّى إنَّ الناس بلغ بهم اليأس مبلغًا عظيما (30). وبقدر ما كان جزعُ الناس من القحط أليما بقدر ما كان فرحهم بالخصب وزيارة وادي زقرير عظيمًا، وهو ما يفسِّر اهتمام الشيخ عدُّون بذكر التفاصيل حيث يقول:
« ... شرع الناس في قطع التمر وكادوا ينتهون. الماء لا يزال على حاله في الغابة لم يظهر من المصارف في (النوادر) غير نحو بوصتين أو ثلاث. الماء في دكاكين الناحية الغربيَّة يصل إلى نحو الإبط وأقل وأكثر. لا تزال الناس منهمكة في الحرث داخلا وفي الصحراء. جاء واد ثالث منذ نحو عشرة أيَّام فزاد في الغابة نحو 15 سنتيما وإلى الآن لم ينزل إلى الحد الذي وصل إليه القديم، وسيضطرُّون إلى إخراجه من الغابة وإلاَّ وخمت، ولكن ما الحيلة و"الشيحيَّة" الخارجيَّة لا تزال على حالها، ولم تنزل عن مستوى الغابة إلاَّ بشيء قليل. كثرت هذه الأيَّام الأرياح والزوابع ولم تُحدِث أيَّ ضرر يذكر ... » (31).
المثال الثاني:
يتناول فيه الشيخ عدُّون الحالة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والأمنية أثناء الحرب العالميَّة الأولى إذ يركِّز على الجانب الاقتصادي والمعيشي اليومي في القرارة حيث يقول: (1/106)
صفحة 107
« ... الأحوال عندنا هادئة مطمئنة، ليس عندنا ما يكدِّر، ولم يكن أثر للحرب عندنا إلاَّ ستَّة عشر جنديًّا جاؤوا أخيرًا للاحتياط وهم مرابطون في دار (البايليك)، وإلا نقصان بعض المواد وفقدانها كالسكَّر، وما سوى ذلك فالحالة قبل الحرب هي هي اليوم، والذي زاد القلوب اطمئنانًا وسكونًا توارُد القوافل يوميًّا تحمل عشرات القناطير زرعًا، ويدخل غالبا في السوق ما لا يقلُّ عن 100 قنطار قمحًا وشعيرًا، ولا يبقى في العشيَّة منه شيء، ويُحجَر على من يشتري للخارج. سعرُ الشعير من 9 إلى 11 (للقلبة) والقمح من 29 إلى 33، ولولا أن فتح الله علينا بهذه القوافل التي لم تُعهد منذ عشرات السنين لكنَّا في ضائقة شديدة لا يعلمها إلاَّ الله، نظرًا لانسداد أبواب التل، وضغط (التاكسي). والحمد لله على نعمه ... » (32).
المثال الثالث:
ويتناول فيه عرضًا دقيقا مفصَّلا عن دروس رمضان في المسجد بصفة عامَّة، ويركِّز على درس ليلة العيد ويومه وأمسيته. وإذا كان في المثالين الأوَّلين يعتمد على ما تلتقطه العينان، فإنَّه في هذا المثال الأخير يعتمد على ما تلتقطه الأذنان ويستوعبه الفكر والجِنَان، حيث يُلخِّص درس الشيخ بيُّوض في هذه المناسبة الدينيَّة العظيمة قائلا:
مضى رمضانُ على أحسن ما يرام من دروس المسجد في تفسير «عبدُه» من «عمَّ» إلى «الغاشية» مع خلعه الثغرات في كثير من الأحيان إلى الميدان الذي يبدع الجولان فيه، إلى أن كان اليوم الأخير، فكان ممتازًا بوعظه الممتاز من بارحته إلى مسائه، فمن درس بديع ليلة العيد في تزكية النفس في قوله تعالى: {قَدْ اَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} فأظهر نتن النفوس الدنسة وأطال في الموضوع. ودرس آخر بعد ختمة السحر من صبيحة العيد في عمارة المسجد، وفي الطلبة الذين لا يعرفون المسجد إلاَّ في رمضان، وفي عدم محافظتهم على القرآن قولاً وعملاً. ودرس في تفسير سورة «الغاشية» وتسرب منه إلى من يهجر المسجد حتَّى في يوم العيد، ويأنفون من غشيانه، والوقوف جنبا إلى جنب مع عمَّاره، فهم يسعون إلى مجالسة الفسَّاق والسكِّيرين والقمَّارين، بتزلُّف الحكَّام إلى رؤسائهم، وبتجنب المسجد وكلِّ ما يتَّصل بالدِّين، وهم يعلمون أنَّ حكَّامهم أنفسهم يُكبِرون الأماكن المقدَّسة ويتباهون بعمارتها الخ الخ ... فكان الدرس قاسيًا على حكَّامنا المساكين، ودرس عشيَّة العيد في وجوب المشاركة في الأعمال الوطنية بكلِّ الوسائل. وفي الليل سهرة ممتعة في دهليز الأستاذ حضر فيها كلُّ من تتمنَّى أن يحضرها سواك ... عوَّض الله لك بخير منها في القريب، وبالمجالس الدائمة في دار الخلد ... » (33).
وبالأسلوب نفسه نقرأ له عدَّة رسائل في موضوعات ذات طابع سياسي، ولا سيما تلك التي تتناول الصراع المرير بين الإصلاحيين والسلطات المحلِّية الموالية للاستعمار من قيَّاد، وقضاة، وموظَّفين وغيرهم (34).
10 ـ المشاعر والمطالب: (1/107)
صفحة 108
بحكم العلاقة الحميمة التي ربطت بين الشيخين أبي اليقظان وعدُّون فإنَّ رسائلهما المتبادلة لتُلمَسُ فيها هذه المودَّة العميقة بينهما، وإنَّها لترقى إلى أخوَّة أصيلة، وصداقة مستديمة، لم تشملهما وحدهما بل تطوَّرت إلى أن تصبح علاقة أسريَّة ومحبَّة عائليَّة. ومن ثمَّ نلاحظ كيف أنَّ الحواجز (البرتكوليَّة) ـ التي قد تكون أحيانا بين التلميذ وأستاذه، أو الشيخ ومريديهـ لم يعد لها وجود في هذه الرسائل إطلاقا، على أنَّ مسحة الاحترام والتقدير بين الرجلين ظلَّت تغطِّي هذه العلاقة، وتضفي عليها هالات من الوقار والجلال.
وأحسب أنَّ العمل الإصلاحي، والميدان الصحفي، والمجال التعليمي والأدبي كان له دور أساسي في هذه الرابطة المتينة التي دامت بين الشيخين إلى أن فرَّق بينهما الموت.
والذي يتتبَّع هذه الرسائل، ولا سيما المرسلة من الشيخ عدُّون إلى الشيخ أبي اليقظان، يشعر بهذا الدفء الحميم الذي يربط بينهما، يتجلَّى ذلك واضحا في المشاعر الفيَّاضة التي يحملها الشيخ عدُّون لأستاذه؛ وفي النموذج الذي سننشره ملحقًا بهذا البحث غُنية وغَناء لمن أراد الوقوف على أمثلة واقعيَّة.
ومن أمثلة التعاون الثقافي بينهما ما جاء في رسالة مؤرَّخة بـ: 13 محرَّم 1359 الموافق 23 فيفري 1940م حيث يقول:
«بلغني كتابكم الكريم وبطيِّه مقالة (للشباب) (35) الممتاز، فكنتم أوَّل من لبَّى دعوتنا، وخير من وفَّى، فالشباب يشكركم هذه المرَّة، ويُكبر اهتمامكم به ورعايتكم له، ويسجِّل هذا الشكر على صفحاته، فحيَّاك الله وبيَّاك من أب رحيم، وأستاذ مخلص ومرشد نصوح. أمَّا الموضوع فهو «الحلقة المفقودة» في المواضيع؛ وكيف لا يكون كذلك ومُبتكرُه، والمعالج له هو من درس أطوار الشباب، وسبر غوره، وخبر مكامن الضعف فيه؛ حقَّق الله آمالكم فيه، ووفَّقه للعمل بإرشاداتكم وآرائكم الأصيلة».
وقد اتَّسعت دائرة المحبَّة بين الرجلين لتشمل أسرتيهما كم أشرتُ؛ فإذا حدث ما يستوجب التهنئة أو التعزية (36) أو المساعدة لم يبخل أحدهما على الآخر بذلك، وقد لمستُ في هذه الرسائل ذلك التعاطف والاهتمام. ولأضرب لذلك مثلا؛ فقد حدث يومًا ما عكَّر صفو الشيخ أبي اليقظان من تصرُّف قام به ابنه عيسى في حدود المطبعة العربيَّة، وسافر إلى القرارة، وترك عمله في المطبعة مُغضبًا، فما كان من الشيخ عدُّون والشيخ بيُّوض ولقمان إلاَّ أن سارعوا إلى رأب الصدع، والإصلاح بين الوالد وولده، ودلَّت رسالتان من الشيخ عدُّون على اهتمامه الكبير، اهتمامٌ يُشعرك أنَّ المسألة تهمُّه شخصيًّا.
وعندما رُزق الشيخ عدُّون بولده «محمَّد» أخبر شيخَه وبشَّره بطلعة الولد الذي ولد في ربيع الأنوار «في غرَّة الشهر الميمون بزغ في سماء جلالتي مولودٌ ميمونٌ سمَّيته محمَّدًا، وأرجو من المولى تعالى أن يوفِّقه لانتهاج منهج سميِّه، وأن يجعله قائدًا لجيش العاملين المجاهدين في سبيل إعلاء كلمة (1/108)
صفحة 109
الله ... » (37).
وما كان من الشيخ أبي اليقظان إلاَّ أن سارع بإرسال هديَّة إلى صديقه بهذه المناسبة. وكان الردُّ جميلاً رائعًا لا يدلُّ على الصداقة الوفيَّة وحسب، بل على فراسة الشيخ عدُّون في ولده وفلذة كبده، وكيف ربط بين الهديَّة والمُهدِي والمُهدَى إليه بأسلوب أخَّاذ وعبارات مؤثِّرة حيث يقول:
« ... كانت هذه الكسوةُ طالعَ سعدِهِ، وشارةَ مجدِه، ودليلَ يُمنِه، فافخَرْ بها من حظوة حظِيَ بها في مستهلِّ حياته، وأكرِم بها من كرامة واتته منذ حداثته، فسيعرف لها ـ إذا مدَّ الله في عمرهـ شأنها وخطرها ويقدِّرها حقَّ قدرها، وسيعرف قيمةَ نفسه ومقامها الممتاز، ويتحقَّق أنَّه محلُّ رجاء وأمل عظيمين إذا عقل وعلم أنَّ أبا اليقظان في جلاله وشرفه وزعامته ومركزه الأسمى من الأمَّة راعى له ذلك، واعتبره وشرَّفه بهذه الكرامة، برهانا على هذا الاعتبار، فبارك الله فيك، وفي إحسانك وإخلاصك، وحقَّق آمالك، وأمدَّ في عمرك حتَّى ترى آمالك في هذا الكوكب البازغ محقَّقة بأقصى حدودها، وأوسع أطرافها ... » (38).
أمَّا ما نعنيه بالمطالب فهي هذه الحاجات الضروريَّة التي تمثِّل تعاونا وثيقًا بين الرجلين في ميدان التعليم والصحافة بصفة خاصة (?)، فقد كان الشيخ أبو اليقظان بحكم وجوده في تلك الفترة بالعاصمة محطَّ قضاء حاجات المدرسة، والجمعية، والتلاميذ، وكانت المكتبة، ثمَّ المطبعة محطَّ ركاب الشيوخ والأساتذة.
ولكي نتصوَّر معاناة هؤلاء المشايخ إبَّان الأزمة الاقتصاديَّة، واشتداد خناق الحاجة أمامهم، يذكر الشيخ عدُّون في إحدى رسائله أنَّ الأزمة آخذة بالخناق إلى حدِّ (الزَّلْط) وأنَّ (التانبر) [هكذا] الذي أرسل به الجواب إنَّما أخذتُه سَلَفًا من أحد الإخوان!؟ (39).
يقول من رسالة في هذا الصدد:
« ... أين مطالبنا فقد مسَّت الحاجة إليها، فالمدرسة في أزمة شديدة من جرَّاء الأضواء، فقد كادت تنشف أعين الأولاد من رداءتها، وكدنا نعطِّل الدروس من أجل ذلك، ليكن كلُّ ضوء مصحوبًا ببلارة أخرى للاحتياط، فقد تكسَّرت لنا واحدة فلم نجدها هنا ولا في غرداية، فتعطَّل الضوء، وكذلك بعض المنشورات، لا تنسى اليوميات وبقيَّة المطالب ... » (40).
« ... إليكم وصولات الجزائر نرجو من الأخ تعموت أن يتجوَّل بها لقبضها من أصحابها ... وقد انعقد المجلس الإداري ورجا منه أن يقوم بالمهمَّة أحسن قيام، وفي أسرع وقت، فلا يخيب رجاءه، وليبادر بالقبض من اليوم فإنَّ الكيس أفرغ من فؤاد أمِّ موسى .. فأنجدونا من عندكم فقد قدَّمنا طلبا لنحو عشرين طاولة للمدرسة وليس عندنا شيء نسدُّ به الطلب، والنجَّار يطالبنا أن نسبِّق له شيئًا، وسنضطرُّ لتأخير قسم في المدرسة حتَّى تتهيَّأ (الطوابل) وهذه لا تأتي بغير (قَدُّور) فالرجاء الإسراع ... » (41). (1/109)
صفحة 110
النموذ ج (1):
نموذج من رسائل الشيخ عدُّون إلى أستاذه الشيخ أبي اليقظان
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد.
القرارة 15 صفر 1352هـ = [أوت 1933م].
أستاذي العزيز، المجاهد ا لكبير، العلاَّمة الشيخ أبي اليقظان أيَّده الله ورعاه؛ السلام عليكم ورحمة الله.
سيدي استلمت مكتوبك الكريم، فإذا هو نفثةُ مصدورٍ، فرأيتُ فيه موقفَك أزاء الأمَّة وموقف الأمَّة أزاءك، وإن كنتُ لأجهله من قبل، رأيتُ ما تُعانيه من أتعاب تشقُّ المرائر، وما تقاسيه من همٍّ ناصب في ليل بطيء الكواكب، من جرَّاء أمَّة نبهتك فنامت ملء جفونها، غير حاسبة لسهرك عليها حسابًا. وليس
-سيدي- هذا ببدع من أمَّة لا تزال حاسَّةُ الشعور فيها بالواجب ضعيفة أو مفقودة منها بالمرَّة، كما أنه ليس ببدع أن تبقى إلى اليوم ضعيفةً أو مفقودة إذ أننا حديثو عهدٍ بهذا النوع من الحياة، وأوَّلُ نافخ في بوقها هو أبو اليقظان بقلمه ولسانه، وبضعُ سنيه التي قضاها في هذه الدعوة - بقطع النظر عن مجهوداته السابقة إذ هي من نوع آخر- غير كافية لتنمية حاسَّة الشعور فيها إلى الحدِّ المطلوب، وإنَّ الحياة دبَّت في أُمم الشرق اليوم قد نفخ روحها جمال الدين الأفغاني منذ أكثر من نصف قرن؛ فأنت ترى أثر نمو هذه الروح بعد هذه المدَّة الطويلة، وهل الأمَّة الميزابية إلاَّ تلميذة في السنة الابتدائية، أستاذُها (وادي ميزاب) وخلائفُه؛ فكيف تريد منَّا بعد مضيِّ بضع سنين أن نشعر شعورَ من تتلمذ نصف قرن في مختلف المدارس، وأن نقوم بما يقوم به من واجبات، أو نقاربه أو نناصفه، فإذا وجدتَ من هذه الأمَّة بعد هذه المدَّة القصيرة من يعرف ما هي الجريدة - بقطع النظر عن العاملين المخلصين - ويقرأها ويقول لك: أحسنتَ، بارك الله فيك (42) .. فأبشر بالنجاح وناهيك من ربح.
إنَّ أبا اليقظان في أمَّة -تداركها الله - كصالحٍ في ثمود، فلا توحشنَّه غربتُه، فهي شعار النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وطوبى للغرباء.
إنَّ أبا اليقظان خُلق جنديًّا، وحييَ، وسيحيا إلى ما شاء الله جنديًّا وسيموت جنديًّا، وسيبعث لا جنديًّا ولكن قائدًا يجرُّ وراءه جنوده من أمَّته حاملا ًراية الجهاد أمامهم.
تساءِلُ أبو اليقظان مع من؟ ولأجل من يعمل؟ نعم هذه الأمَّة النائمة الغافلة الناكرة للجميل المستهينة بعظمائها، فإنَّ مثل هذه الأمَّة في ضعفها وجهلها وغفلتها هي التي تحتاج إلى مثل أبي اليقظان في عمله وصبره وقوَّة إيمانه وجهاده وغرابته (وغربته)، لو لم تكن أنت إياك وهي إياها لاستغنَت عنكَ ولتَبَدَّل موقفا كُمَا، وإنَّ من يعلم أنه خُلق ليشقى لتسعَدَ أمَّته، ويُهَان لتعِزَّ، ويبأس (1/110)
صفحة 111
لتنعم، ويفتقر لتغنَى، ويتغرب لتتمدن، فلا يطمع في راحة أو نعيم، ولا يقول: «ولكن إلى متى؟!» فليدأب، وليصبر، وليرابط، حتَّى يأتي نصر الله {أَمْ حَسِبْتُمُ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ معَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلآَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [سورة البقرة: 214].
اخْلِقْ بِذِي الصَّبرِ أَن يحْظَى بِحَاجَتِهِ ومُدْمِنِ القَرْعِ لِلأَبْوَابِ أَنْ يَلِجَا
إن من قال عن صدقٍ ويقين، وأثرُ المداد لا يزال رطبًا:
أنتِ يا أزمة ُعُودِي فَهُنَا نفسٌ قوية
تَستَمِدُّ العَونَ والتَّو فِيقَ بالذَّات العليَّة
لجديرٌ بأن يتحمَّل كل بأساء وضراء، وبأن يتحمَّل أعباء الزعامة، ولا يسأم تكاليفها الشاقَّة التي تنوء بالعصبة أولي القوة، وإنَّ نفسًا قوية تستمدُّ العونَ والتوفيق من الله يستحيل أن يدعها الله تسقطُ في ميدان الشرف تنشحط بدمها، وإذا فرضنا المستحيل وإذا أراد الله أن ينتقم من هذه الأمَّة بإسقاط قائدها لا قدَّر الله فمن واجب هذا القائد أن لا يضع السلاح من يديه وينفضهما آيِسًا من صلاح هذه الأمَّة، إلاَّ إذا بقي وحيدًا في الميدان وانفضَّ من حوله كلُّ ساعد وكل مواسٍ، وإلاَّ إذا انسدَّت أمامه أبواب الرجاء بعد أن يُعييه طرقُها، وأبو اليقظان القوي النفس المتين الإيمان لم يبلغ هذه الغاية ولا قاربها والحمد لله، فإنَّ أبواب الرجاء مفتَّحة على مصاريعها، وإنَّ نصر الله قريب، وحوله مساعدين أقوياء، وعاملين مخلصين، ووراءه جنودًا مطيعة، والله من ورائهم يمدُّهم بقوَّته، ويلحظهم بعنايته.
قوةُ اللهِ إن تَوَلَّت ضَعيفًا تَعِبَت في مِرَاسهِ الأقوياءُ
ولا بأس بالاستراحة، والتربُّص، مدَّة شهر أو شهرين ريثما يصفو الجو، وبعد ذلك فلا غنى لنا عن "نبراس" (43) نستضيءُ به في حوالك الخطوب ونهتدي به إلى سبيل الرشاد، على أنَّ هذه الاستراحة اعتبارية وإلاَّ فليس هناك استراحة، وإنَّما انتقال من ثَغرٍ إلى ثغر، ومن سِرجٍ إلى سِرجٍ، إن لم نقل أنَّ أتعاب هذا الأخير من حيث التحرير أشقُّ من الأول؛ ففيه إبداعٌ وأي إبداعٍ، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنَّ أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وكلاهما في المعالي مفرق، وكلاهما ضروريٌّ، فلا الأوَّل يسدُّ مسدَّ الثاني، ولا الثاني يسدُّ مسدَّ الأوَّل ...
النموذج (2):
خلاصة وافية لدرس من دروس الشيخ بيُّوض
في المولد النبوي لسنة 1354هـ
كانت ليلةُ المولد عندنا الفريدة الزهراء في سلك الليالي، فقد احتفلنا فيها بالمولد كالعادة، وامتازت حفلتُها عن باقي الحفلات بدرس الأستاذ بعد أن تَلَونا بعض القصائد، وقام إلى محلِّ الوعظ من (1/111)
صفحة 112
سطح الجامع فتلا قصَّة المولد بصوت بهيج، واتبَعَها بدرس استغرق ساعةً ونصف، افتتحه بالتعريف بالليلة وحكمة احتفالنا بها وشيء مما أنعم الله به علينا فيها برسالة خير الخلق، وشيء من معجزاته وفي مقدمتها القرآن، وبوجوب التأسِّي به والتزام سنَّته وهجر كل ما ابتدع في الدين مما ليس منه، وتمرين النفس على قبول الحق ورد الباطل، ثم ذكر شيئا من صفاته صلى الله عليه وسلم البارزة ومن صفة الرجولة وإننا خلوٌّ منها تماما بحيث لا نجدها في حالة من أحوالنا كلها، ومن هنا تسرَّب إلى الداء الدويِّ الذي أُصِبْنَا به وهو الخوفُ والجزعُ والجبنُ أمام صدمات الباطل، والتقاعد عن إظهار الحق. وأعطى في الموضوع بسطة طويلة ونزل على رؤوس الذين يستمعون لإرجاف المرجفين فيخافون ويهلعون لأدنى إشاعة تلقى إليهم، بينما العاملون لا يأبهون لذلك مُقدِمُون في مهمتهم لا يثنيهم شيءٌ من ذلك؛ لا وعيد من سجن أو غرامة أو موت، إذ أن ذلك طريقة الرسول وصحابته، وأنزل الصواعقَ المحرقة على الوشاة الساعين بالمصلحين في إفساد إصلاحاتهم ومشروعاتهم، يعملون بكل وسيلة لإطفاء نور الله بإغلاق المدارس وحرمان الأولاد من التعلُّم وتصوير المصلحين لدى الدوائر بصورة أعداء للدولة مشوشين إلخ .. وأن وشاياتهم ومساعيهم لا يزدادون بها إلاَّ حقارة ومهانة، ولا ينالون بها إلاَّ الخزيَ والعار، وإنَّ المصلحين يزدادون بذلك مضاءً وإقداماً وشجاعة، وشواهد التاريخ معلنة بذلك.
ولم يترك ناحيةً حول الموضوع إلاَّ جاس خلالها، فكان يُلقي درسه في حماسٍ وشدَّة، والصحن مكتظٌّ رجالاً وأطفالا ونساء، فصوَّر الخونة في صورة كلابٍ أرجاسٍ في جلودٍ محشوَّة خبثاَ ورذيلة، ثم عرَّج على الشبَّان العاطلين المتخنثين المشتغلين باللهو والبطالة وإتحاف الهندام وتصفيف الطرر وقص اللِّحى، وبسَطَ في الموضوع بسطة ًطويلة، فكان لهذا الدرس صدىً كبيرًا في جميع الطبقات، فكانت ليلة زهراء، ورحمة في قلوب المؤمنين الصادقين، وليلة سوداء وعذاب في قلوب المنافقين ... ».
د/محمد صالح ناصر
الجزائر في 26 رجب 1426هـ
-------------------------
الهوامش
1 ـ حبَّذا لو تقوم دراسة أكاديميَّة بهذا الموضوع لأهمٍّيته.
2 ـ يذكر في إحدى رسائله (14 مارس 1935) أنَّه يقوم بتسجيل دروس الشيخ ولا سيما في التفسير في مذكِّرات خاصَّة يلخِّصها بعد ذلك. يقول: «ولي مذكِّرات أقيِّدها أثناء الدرس أستخلص منها أكثر الدرس بعد ذلك». ألا تدعونا هذه الإشارة المهمَّة إلى البحث عن هذه المذكِّرات لإكمال ما نقص من دروس التفسير ما قبل استخدام الآلة المسجِّلة للصوت.
3 ـ كانت له مذكِّرات خاصَّة يسجِّل فيها دروس الشيخ، ولاسيما درس التفسير الذي بدأ في (1/112)
صفحة 113
فاتح محرَّم من سنة 1354هـ والأمر جدير بالبحث للعثور على هذه المذكِّرات في مكتبته.
4 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 9 جوان 1948.
5 ـ كان الشيخ أبو اليقظان فيما بين (1940 - 1948) مستقرًّا بالقرارة، ثمَّ غادرها لبعض الأعمال إلى العاصمة.
6 ـ الرسالة السابقة.
7 ـ نظرًا لطول الفهرست المخصَّص لرسائل الشيخ وموضوعاتها، فإنَّنا رأينا عدم نشره في هذا العدد لأسباب تقنية تتعلَّق بحجم الدورية، راجين المولى عزَّ وجل أن يرى هذا البحثُ بملاحِقِه النورَ في صيغة كتاب قشيب في أجلٍ قريب.
(لجنة التحرير).
8 ـ ملحق السير (ج الثالث) ص 445 (مخطوط).
9 ـ لم نهتد إلى هذا المقال المنشور في جريدة «الثبات».
10 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 25 أبريل 1935.
11 ـ لم نهتد إلى ما يقصد بالورقة الزرقاء.
12 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 21 محرَّم 1355 هـ / أفريل 1936م
13 ـ الإشارة هنا إلى مقال للشيخ بيُّوض صادر بجريدة «الأمَّة» عدد 58 بتاريخ (14/ 01/1936) عنوانه: «مسألة الصوم والفطر بالتلفون (كتاب مفتوح من بيُّوض إبراهيم إلى الشيخ محمَّد بن باحمد والشريف الأزهري)، وانظر الأعداد: 60، 61، 62 من «الأمَّة».
(?) ـ المنشور منها والموجودة الآن عدد صفحاتها.
14 ـ كانت هناك صداقة حميمية بين الشيخ أبي اليقظان ومحبِّ الدين الخطيب الداعية الإسلامي الشهير؛ وهو صاحب (الفتح) و (الزهراء) المشهورتين الصادرتين بالقاهرة، وكثيرًا ما أعادت (الأمَّة) نشر مقالاتها ولاسيما فيما يتعلَّق بمحاربة التنصير.
15 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 21 محرَّم 1355 هـ موافق [أفريل 1936].
16 ـ نشر هذا النشيد لأوَّل مرَّة بجريدة الأمَّة بعنوان: «هل تشعرين يا بلادي؟» ع 68 (31/ 03/1936) بإمضاء (أنا).
17 ـ تُراجَع القصيدة التي أُلقيت بنادي الترقِّي بهذه المناسبة يوم 12 جويلية 1939. وقد نشرناها بديوان أبي اليقظان، الجزء الثاني ص 39. تحت عنوان «الله أكبر حزب الله قد عظما» نشر جمعية التراث 1989.
18 ـ نشرت هذه القصيدة بجريدة الأمَّة ع 67، (25/ 3/1936) تحت عنوان: «الكون وربيع سنة» (1936)، وقد أصبح حمُّو بن محمَّد النوري شاعرًا ممتازًا، وله ديوان شعري ضخم (مخطوط) يتميَّز برقَّته وحداثته. (1/113)
صفحة 114
19 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 9 ذو القعدة 1354 هـ[1936].
20 ـ يراجع الأمَّة ع 126 (27/ 6/1937).
21 ـ رسالة مؤرَّخة هكذا (13 جوليت، دون ذكر السنة) غير أنِّي أقدر حسب بعض القرائن الواردة بالرسالة أنَّها تعود إلى بداية الثلاثينيات أي حوالي (1935) وما قبلها.
22 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 25 جمادى الثانية 1354 هـ[1936].
23 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 10 مارس 1940.
24 ـ انظر الهامش رقم (07)، في الصفحة الرابعة من هذا البحث. [لجنة التحرير].
25 ـ رسالة مؤرَّخة: بريان ماي 1935م [1354 هـ]
26 ـ رسالة ضافية من خمس صفحات مؤرَّخة بماي 1935م. ومنذ هذه الحوادث اقترح حاكم غرداية العسكري على حاكم الأغواط أن يطلب من الولاية العامَّة بالجزائر لتسجيل اسم (بيُّوض إبراهيم) في دفتر (ب) وهو خاص بالمشوِّشين والمضادِّين للحكم الفرنسي في الجزائر. (ينظر كتابنا "الشيخ بيُّوض مصلحا وزعيما (قسم الوثائق).
27 ـ الإشارة هنا إلى زعيم المعارضة.
? ـ الإشارة هنا إلى ما أشيع بأنَّ عزَّابة وادي ميزاب أعلنوا البراءة من الشيخ بيُّوض لآرائه ومواقفه.
28 ـ لم نفهم ما دلالة هذه الكلمة.
29 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 25 أبريل 1935 = [محرَّم 1354 هـ].
30 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: جمادى الأولى 1354 = [أوت 1935] يقول فيها وصفا لهذه الحالة «الأنظار مشرئبَّة إلى زقرير يسقي الأرض القاحلة، والآبار المعطَّلة، والنفوس الصادئة، والقلوب الآيسة، وقد بلغت الروح التراقي، وصارت عند الغلصمة ... ».
31 ـ رسالة مؤرَّخة في 30 أوت 1937
32 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 23 شعبان 1358 هـ[1939].
33 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 03 شوَّال 1358= [1939].
34 ـ تراجع مثلا: رسالة مؤرَّخة بـ: فاتح محرَّم 1354 هـ. عند تنصيب خليفة جديد بالقرارة، وما جرى حول ذلك من صراعات
35 ـ الإشارة هنا إلى مجلَّة الشباب التي كان معهد الشباب يصدرها، وهي مشهورة معروفة.
36 ـ رسالة تعزية للشيخ أبي اليقظان مؤثِّرة بعد وفاة أخيه محمَّد مؤرَّخة بـ: 10 نوفمبر 1940. وأخرى في وفاة السيد الزيتون عمر بن إبراهيم بالبليدة مؤرَّخة بـ: 25 ماي 1956م.
37 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 15 ربيع الأنور 1354 هـ = [جوان 1935]. (1/114)
صفحة 115
38 ـ رسالة تاريخها: 23 ربيع الثاني 1354 هـ.
?
ـ مثل جمع اشتراكات الجمعية من أصحابها. ومثل شراء بعض مستلزمات للمدرسة كالكراريس، والطباشير، والنشَّاف، والإتيكات، والمصابيح، والدويهات، وحتَّى كرة القدم، أي والله كرة القدم في هذا الزمن المتقدِّم!. وكان السيد عيسى تعموت هو المكلَّف غالبا بهذه الأشياء.
39 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 7 أكتوبر 1937.
40 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 20 ديسمبر 1939م.
41 ـ رسالة مؤرَّخة بـ: 23 شعبان 1358 [1939].
(42) ـ يشير هنا إلى مقال صدر بجريدة «البستان» عنوانه: «أي بارك الله فيك» «سخرية ممن يكتفي بالشكر دون المساعدة الفعلية».
(43) ـ الإشارة هنا إلى جريدة «النبراس» التي كانت تصدر أثناء كتابة هذه الرسالة خلفًا لجريدة «البستان» ذات الطابع الفكاهي، وقد صدر منها عشرة أعداد. (1/115)
صفحة 116
الشيخ عدون والكتابة الصحفية
مدخل إلى مقالاته في صحف الشيخ أبي اليقظان (من 1926م إلى 1938م)
الأستاذ:
محمد بن أحمد جهلان
ـ الجزائر ـ
إنَّ الدارس لشخصية الشيخ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون) رحمه الله، يلفت نظره تميُّز خصالها وتعدُّد اهتماماتها ومواهبها بحيث تستحقُّ كلُّ موهبة منها وقفة متأنية فاحصة. وإنَّ إفراد بعض السطور لناحية هامة من نواحي جهاد الشيخ العظيم - وبالخصوص في ميدان الكتابة الصحفية- ليس إلاَّ جُهد المقلِّ الذي لا يفي للعالم بحقِّه، ولا يُغني المتعلِّمَ النَّهِم من مزيد البحث والتدقيق.
فالشيخ سعيد شريفي رائدٌ من رواد الحركة الإصلاحية في الجزائر، جمع بين الإيمان بالفكرة، والعمل الدؤوب المتواصل، والكلمة الصادقة الصريحة، كان حريصًا على إبلاغ فكرته ومبادئه السامية إلى الآفاق، ولا يقنع بما تتلقَّفه الآذان من منابر التبليغ في ميزاب، فكان من الكتَّاب الأوائل الذين أثروا الصحافة الوطنية بكتابتهم الثمينة، وصحافة الشيخ أبي اليقظان بوجه خاص.
لقد كان الشيخ عدُّون من مؤيدي الشيخ أبي اليقظان في مسعاه وجهاده رغم ما عاناه من إدبار الجزائريين عن القراءة، وميلهم إلى حبِّ المادَّة وملذات الحياة فإنَّه تحمَّل تكاليف ومشاق طباعة أولى جرائده "وادي ميزاب" في تونس، وتوزيعها كلَّ أسبوع في الجزائر.
قال الشيخ أبو اليقظان متأثرًا بالحالة المزرية التي تمرُّ بها الصحافة الإصلاحية تأليفًا وقراءة:
«إذا ذاب مخُّك في تجهيز الجريدة بما لذَّ وطاب من فصولٍ مُمتعة ... وبذلتَ لمصاريفها من حرِّ مالك المئات والآلاف ... ثمَّ توقَّفتَ بمحفظتك على باب حضرة المشترك الكريم تسأله معلوم الاشتراك، فأجابك بكلِّ سخرية واستهزاء بأنِّي لا أقرأ الجريدة ولا أعرفها ولا أشتغل «بالبوليتيك» ونحن نَجري وراء الخُبزة والخبزة طايرة ... !
فما هو صنيعُك معه .. ؛ وهل تشرب من ماء البحر ... ؟»
"أسئلتي" (جريدة الأمَّة. العدد: 10. 20/ 11/1934)
ولكنه كان يجد الشيخ عدُّون بجنبه دائمًا مستعدًّا لمؤازرته ورفع معنوياته، ومن السبَّاقين والمداومين على الكتابة في صحفه، وقد تجاوزت مقالاته في هذه الصحف المائة (100) مقالة، في مواضيع مختلفة واتجاهات متعددة تصبُّ جميعها في بوتقة إصلاح المجتمع وبعثه من رقدته الطويلة.
الشيخ عدُّون والكتابة الصحفية:
إنَّ أوَّل مقال نشره الشيخ عدُّون في صحف الشيخ أبي اليقظان كان بعنوان:
«جولة في وادي ميزاب» نشره في العدد السابع (07)، من صحيفة وادي ميزاب الصادر بتاريخ 12/ 11/1926، ثم ما انفكَّت المقالات تترى تباعًا، والكاتب الألمعي يشقُّ طريقه في الميدان (1/116)
صفحة 117
بخطى ثابتة، وما إن شهد وادي ميزاب والجزائر بشكل عام قيام الجمعيات الإصلاحية، والصحوة الدينية والاجتماعية، حتَّى كان الشيخ عدُّون من أبرز الكتَّاب رفعًا لرايتها وإعلاءً لكلمتها، فقد كان تأسيسُ "جمعية الحياة" بالقرارة سنة 1931 نقطةَ تحوُّل في سيرورة المجتمع، وفي تفكير الشيخ عدُّون الصحفي بشكل خاص، ويبدو ذلك جليًّا في نمط العناوين التي صدَّر بها جريدتي "المغرب" و"النور" فتطالعنا عناوين مثل:
دعاةُ الإصلاح وما يجب عليهم | المغرب ع:34 | 26/ 02/31
دعاة الإصلاح وما يجب عليهم (الحلقة الثانية) | المغرب ع: 35 | 05/ 03/31
إذا مِتُّ ظمآنا فلا نزل القَطرُ! | النور ع: 13 | 08/ 12/31
الأفكار المستعبِدة بالأوهام والخرافات | النور ع: 14 | 22/ 12/31
الأوهام وأثرها في النفوس | النور ع: 15 | 29/ 12/31
موقفُنا إزاء الواجبات العمومية | النور ع: 16 | 05/ 01/32
كانت هذه المقالات والتي تليها تُقرأ في المدن الكبرى للبلاد، وفي ميزاب، وكان لنوعية المواضيع التي يعالجُها الشيخ عدُّون وطريقة تناوله إيَّاها السبب المباشر الذي جعل الشيخ أبا اليقظان يُنيط بكاتبنا مسؤولية وضع المقال الافتتاحي لجريدة "النور"، وجميع الإعلاميين يعرفون قيمة المقال الافتتاحي لأي جريدة، فهو الوجه الذي يطَّلع من خلاله القرَّاء ليس على المواضيع الهامَّة والرئيسة فحسب، بل وعلى التوجُّه والمنحى العام للجريدة، وإذا علمنا أنَّ جريدة "النور" قد رأى النور منها 78 عددًا (من 15/ 09/31 إلى 02/ 05/33)، فإنَّ الشيخ عدُّون قد كتب في كلِّ أعدادها مقالات وصاغ المقال الافتتاحي لـ 38 منها، وبذلك نلمس قيمة كتابات الشيخ ووزنها. فما هي المواضيع التي عالجها الشيخ عدُّون في مقالاته، وكيف كان يعرض أفكاره؟
المواضيع والاهتمامات:
لقد كان الإصلاح بشتَّى فروعه ونواحيه الهاجس الأول والدافع الأكبر للكتابة عند الشيخ عدُّون وفي هذا يقول:
«إنَّ الأمَّة الجزائرية المغلوبة على أمرها المبتلاة بأنواع الشرور في حاجة شديدة إلى الإصلاح في جميع نواحي حياتها؛ من دينية واجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وإصلاح ناحية من هذه النواحي يستلزم طبعًا إصلاح النواحي الأخرى ( ... ) فيجب أن يتناولها الإصلاح دفعة واحدة ( ... ) لكن مع تخصيص جانب الأهم منها بالعناية لاختلاف مراتبها بالتأكيد».
("الأمَّة". عدد: 103. 29/ 12/1936).
ومن هذا المنطلق نجد جلَّ كتابات الشيخ عدُّون تتناول قضايا الإصلاح حسب ما يراه الأهمَّ ثم المهم؛ وهو يصوغ نظرته لمراتب الإصلاح بقوله: (1/117)
صفحة 118
«بيد أنَّ النواحي المهمَّةَ فيه [أي الإصلاح]: تتناول ناحية التعليم في مقدِّمة ما تتناول، بالسعي في فتح المدارس وتهذيب الأساليب، وناحية التربية بتهذيب النفوس، وتنوير العقول بالوعظ والإرشاد، وناحية الدين بإظهار محاسنه ( ... ) وبمحاربة البدع التي شوَّهت جماله وحجبت جلاله، وناحية الاجتماع بتوثيق العلائق وبث روح التضامن بين الأفراد والجماعات والهيئات». ("الأمَّة". عدد: 55. 17/ 12/1935).
إذًا، فالمواضيع التي يرى الشيخ عدُّون ضرورة معالجتها أولاً، وهو بالتالي أشدُّ تركيزًا في التأليف حولها هي:
*-إصلاح التعليم
*-تصحيح الدين
*- إصلاح التربية
*-إصلاح العلاقات الاجتماعية
أـ إصلاح التعليم:
لقد ساء الشيخ عدُّون ـ وجميع المصلحين ـ الحالة المزرية التي آل إليها التعليم في ميزاب؛ وبدائية المناهج وطرق التدريس مقارنة بما تعرفه دول المشرق العربي، ومصر بالخصوص من تطور جليٍّ في مناهج التعليم وأهدافه، فكان يتحرَّق لرؤية أبناء قومه متفتحي العقول، مقبلين على العلم الصحيح غير مدبرين، ينهلون من منبعه الصافي يَروي نهَمَهُم المعرفي عن دينهم الحنيف ومذهبهم القويم ولغتهم العربية الجميلة، وكان يأسف إذا رأى أبناء الأقوام الأخرى تتدافع في طلب العلوم وتتزاحم في كلِّ بداية موسم دراسي أمام أبواب المدارس بينما يلوذ أبناءُ قومه بالتجارة وطلب المال؛ وهم مع ذلك لم يوفَّقوا لا في العلم ولا في التجارة لجهلهم بأمور دينهم وكيفية تسيير أمور دنياهم.
يقول الشيخ عدُّون في مقال عنونه بـ: "هذا موسم الدراسة على الأبواب فماذا أعددنا له؟ " ما يلي:
« ... يسوؤُنا - والله - أن نبقى عاكفين على هذه الحالة المزرية نعالج هذه المواضيع عشرات السنين ولم نبلغ منها وطرًا، وقد أصبحت لدى أكثر الأمم من المفروغ منها منذ عشرات ومئات السنين، ( ... ) فإذا انشغلنا اليوم بهذه الأبحاث فإنَّنا ننشغل بها مضطرِّين ونعالجها مُكرهين ونركب متنها منشدين:
وما عن رضًا كان الحمارُ مطيَّتِي
ولكنَّ من يَمشِي سيرضى بما رُكب
أيَّة نفس تعرف للعلم قيمة تشاهد أبواب المدارس النظامية تتفتَّح والتلاميذ تعجُّ بهم الأزقة بأزيائهم المدرسية ( ... ) والآباء مغتبطون بحال أبنائهم ينظرون إلى المستقبل السعيد بأعين ملؤُها آمالاً بعيدة، وخططًا مرسومة، وهناءً موفورًا ( ... ) أيَّة نفس تشاهد هذا وتشاهد آثاره ونتائجه في كلِّ (1/118)
صفحة 119
شيءٍ، ولا يقضي عليها الأسى ولا تتقطَّع حسرات حين تلتفت إلى أمَّتها فتجدها في معزل عن هذه الحياة التي عمَّت كلَّ ناحيةٍ سوى ناحيتها ... ».
("الأمَّة". عدد: 90 ـ 15/ 10/1936).
وقد كتب الشيخ عدُّون في التعليم أكثر ما كتب من مقالات، وبالخصوص بعد تأسيس الشيخ بيوض لمعهد الحياة بالقرارة، فكان تطوير التعليم وإصلاح مناهجه من أولى أولويات الحركة الإصلاحية، خاصَّة وأنَّ تفشي ظاهرة التسرب المدرسي والانفصال عن الدراسة في السنوات الأولى من التعليم، وانتقال اليافعين من أبناء ميزاب إلى التجارة في التل كان ظاهرة مَرَضِيَّة تستفحل وتزداد انتشارًا مع مواتاة رياح الأزمة الاقتصادية الخانقة التي مرَّ بها الجزائريون في الثلاثينيات. فانبرى الشيخ عدُّون إلى هذا المشكل بحزمٍ وتفانٍ.
وقد أُعجب بنموذج رائع لشابٍّ لم يَنَل من التعليم في المدارس والمعاهد الراقية شيئًا، وإنَّما نشأ عصاميًّا معتمدًا على نفسه، محبًّا للعلم يطلبُه أينما وجده، ولا يغفل عنه آناء الليل وأطراف النهار، وقد نشر هذا الشاب - واسمُه: «أبو عامر قاسم» - سلسلة مقالات هامة في جريدة "الأمَّة" عنونها بـ «نصيحة حب وعتاب إلى الشباب المسلم»، فتأثر به الشيخ عدُّون أيّما تأثُّر، واستغلَّ الفرصة لإذكاء شعلة الغيرة والمثابرة في نفوس الشباب المتعلِّمين والمتمدرسين، فكتب بدوره مقالاً في الموضوع:
«إلى الشباب الحيِّ: صرخةٌ داوية صرخ بها مثالُ الشباب؛ فهل من مذَّكرٍ وهل من مُجيب!؟».
"الأمَّة". عدد: 81. 30/ 06/1936
ومن المقالات التي كتبها الشيخ عدُّون في مجال التعليم نورد ما يلي:
الأزمتان الجهل والفقر | عدد: 20 | 02/ 02/32
إعراض الأمَّة عن ثمار عقول أبنائها | عدد: 31 | 03/ 05/32
من هم الجناة على العلم | عدد: 39 | 28/ 06/32
أعداء العلم الألدَّاء | عدد: 40 | 05/ 07/32
دروس ومحاضرات بدل الأجواق والعوادات | عدد: 99 | 17/ 10/36
ب - إصلاح التربية:
إنَّ الشيخ عدُّون من خلال مطالعاتنا ـ التي لا ندعي عمقها ـ لكتابته الصحفية شديد الحساسية تجاه قضايا التربية وإصلاح الأنفس والعقول، حريصٌ على بناء الأصالة الذاتية للأمة الميزابية الجزائرية المسلمة؛ خاصَّة وإنَّ السلطة الاستعمارية آنذاك لا تُرضيها هذه الصحوة وهذا الاعتزاز بالشخصية الميزابية الجزائرية المسلمة؛ ولا يروقها وجود هذا النوع من التربية بين من هو تحت نفوذها، فهي ترى هذه الصحوة منافية لخطَّتها، وتُسمِّي هذا الصنف من الغيرة على الدين أو الملَّة (1/119)
صفحة 120
أو الوطن «تعصُّبًا ذميمًا» ليزهد أصحابها فيها فيخلصُوا منها، فيتسنَّى للمستعمر بسط أفكاره، وتربيته، وأخلاقه، ومبادئه، على كافة فئات الشعب.
لقد انبرى الشيخ عدُّون للآفات التربوية، والأخطاء التي يمارسها المربون عن علم أحيانًا، وعن جهل في أحيانٍ أخرى كثيرة.
أمَّا من يمارس التوجيه التربوي الخاطئ والمقصود عَيانًا فهم أذناب المستعمرين الذين وصفنا خطَّتهم لمحو شخصية الإنسان الجزائري المسلم الغيور على دينه وأمته ووطنه ولغته العربية، أمَّا من يُعنى بتربية الأجيال وتنشئتهم وفق الطرق الموروثة دون تمحيصٍ وإعمال عقل، فهم في غالب الأحيان علماءُ غيورون على الأمَّة ومستقبلِها ولكنهم انكفؤُوا على تراثهم لا يبرحونه إلى ما يستجدُّ من وسائل وأساليب، وهم يشكلون خطرًا على الأمة خطورة سابقيهم أو أشد؛ فالتربية عن جهل تورث العقد والتشرذم في نفوس الأبناء؛ «وهكذا شأن العامي المسكين؛ إذا بُلي بهذا النوع من العلماء ممَّن سُلبوا نعمة التفكير أو مُنحوها ولكنَّ الأهواء طمست بصائرهم فلم ينتفعوا بها، وليس الذنبُ ذنبَ هذا العاميِّ المنكود الحظِّ الذي ألقته المقادير بين أحضان هذا الجامد فضرب على عقله قُبَّةً من حديد ( ... ) ولكنَّه ذنب المفرِّطين من العلماء والأحرار والمصلحين الأبرار الذين قصَّروا في واجب الدعاية إلى الحق».
«من منطقهم تعرفهم؛ جمود العلماء وأثره في نفوس العامَّة».
("الأمَّة". عدد: 71 ـ 21/ 04/1936).
إنًّ مهمة العالم المصلح في مجال التربية مهمَّةٌ خطيرة وحسَّاسة، فعليه تهذيبُ العقول من شوائب التقاليد البالية التي لا تستندُ إلى أساسٍ صحيح من الدين أو سِيًر الصالحين، وقد تتناقض مع شرائع الدين وأهدافه السامية. وعليه أن يصوغ الأفكار التربوية الجديدة التي يرى ملاءمتها لخصوصيات الأمة باستخدام العقل والدليل الميداني الملموس، وينتقي من أفكار الآخرين ما لا يتعارض مع المبادئ الأساسية لتفكيره.
يقول الشيخ عدُّون: إنَّ «أعظم نكبةٍ تُصاب بها أُمَّةٌ أن تُصاب في عقولها فتتوقف عن أداء وظيفتها من التمييز بين النافع والضار، والحقِّ والباطل، فترى حسنًا ما ليس بالحَسَن، تستسمن ذا ورم، وتستورم ذا سمن؛ ما أعظم بلاء هذه الأمَّة وما أشدَّ محنتها، وما أشقَّ محنةً يضطلع بها مرشدوها، ومصلحوها، إنَّ ذلك لمن عزم الأمور».
"من هم حماة الدين ومن هم الخاذلوه!؟ " ("الأمَّة". عدد: 81. 30/ 06/1936)
ج- تصحيح الدين:
لقد أدرك المصلحون وعلى رأسهم الشيخ عدُّون أنَّ إصلاح المجتمع وتطوُّره لا يمكن أن يتم بمعزلٍ عن الأساس الديني، فإذا كان هذا الأساسُ صحيحًا وراسخًا سهل بناء المعارف وتطوير العقول، (1/120)
صفحة 121
أمَّا إذا كان الأساس مترجرجًا انهار جميع ما يقوم به المصلحون من جهود:
«إنَّ من لم يبلغ الإدراك إلى الاعتراف عن يقين بأنَّه لا يُصلح هذه الأمَّة إلاَّ دينُها وإنَّ كلَّ حركةٍ لا يُقرُّها الدين هي منبع الفساد ( ... ) والواقع الملموس ينادي: أن لا صلاح لآخر هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أوَّلُها؛ فكلُّ مُصلح كان دينيًّا أو سياسيًّا أو اقتصاديًّا لم يتشبَّع بهذا المبدأ القويم ولم يكن إصلاحه على مقتضاه وسَنَنِه وجب أن يُطرد من ميدان الإصلاح ويُضرب بإصلاحه عرض الحائط».
"يجب أن يكون الدين أساس كلِّ أصلاح"
("الأمَّة". عدد: 103 ـ 29/ 12/1936).
وفي ميدان الإصلاح الديني برع كتَّاب حركة الإصلاح بوجه عام، والشيخ عدُّون كان من أبرزهم، وتستوقفُنا في هذا الميدان سلسلة مقالات بعنوان: «مواقف الأمَّة إزاء حركة الإصلاح في ميزاب»؛ نشرها الشيخ عدُّون في جريدة "الأمَّة" تِباعًا لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر، وكانت مقالات شجاعة، دقيقة، صريحة .. وضعت الإصبع على الجرح الذي ما فتِئت الأمَّة تعاني منه.
وقد تمَّت هذه السلسلة بعشر مقالات كاملة كان أوَّلها بتاريخ: 17/ 12/1935 وآخرها بتاريخ: 31/ 03/1936.
لقد كان لهذه المقالات صدى واسعًا في نفوس القرَّاء؛ حتَّى إنَّ الشيخ أبا اليقظان عقَّب في آخر مقال في هذه السلسلة مُهنِّئا الشيخ عدُّون على أن وفَّقه الله لإتمام الموضوع، ومبديًا إعجابه بأسلوب الكاتب وبراعته، فقال: «حيَّاك الله وبيَّاك أيُّها الكاتب المجيد؛ لقد أعطيت الموضوع حقَّه، ووفَّيتَه حظَّه بأسلوبٍ سهل عذب المذاق، سائغٍ لدى أرباب الأذواق ( ... ) وهكذا فلتكُن الأقلام، نرجو أن يكون لها أثرًا في نفوس من يتحامى الداء ويطلب الدواء ممَّن جاءه به».
("الأمَّة". عدد: 68. 31/ 03/1936)
د- الإصلاح الاجتماعي:
إنَّ المتتبِّع لتاريخ الحركة الإصلاحية في الجزائر يلاحظ أنَّها كانت تهدف أساسًا إلى إصلاح الجانب الداخلي للفرد أوَّلاً وقبل كلِّ شيء؛ بتربيته التربية الصحيحة والعلم النافع وتنشئته على الطريق السوي، ثم يليه - بطريقة آلية - إصلاح الجماعات بوجه عام، بتحسين الروابط بينها، ومعرفة كيفية توجيهها إلى الى الأهداف والغايات المنشودة. أمَّا وسائل تحقيق إصلاح الأفراد فقد رأينا بعض صورها في مجال التربية والتعليم وتصحيح الدين، أمَّا وسائل إصلاح العلاقات بين الجماعات - وإن كانت في الأساس لا تختلف عن وسائل إصلاح الأفراد - فيمكن إيجازها في النقاط التالية:
1 - مكافحة الآفات الاجتماعية؛ كالتدخين، والقمار، والفواحش، وغيرها.
2 - مكافحة الخرافات والأوهام والعادات البالية، ومحاربة الجهل والدعوة إلى التعليم.
3 - تحرير النفوس من الأهواء والأغراض الذاتية وزرع روح التكافل الاجتماعي. (1/121)
صفحة 122
4 - تقديم المسؤولين والمشايخ أمام العامَّة مثالاً للنزاهة والاستقامة.
5 - القضاء على النعرات الطائفية، والإحن المذهبية، وإرساء أسس الاتحاد بين كل الجزائريين.
6 - التحريض على العمل المنتج في جميع الميادين، الماديَّة والأدبية، والتنديد بمظاهر التسيب والكسل واللامبالاة.
وقد سلَّ الشيخ عدُّون سيفه في وجه الآفات الاجتماعية، ونضى قلمه في سبيل توحيد صفوف الأمَّة وتمتين أواصر الأخوَّة الإسلامية بين جميع الجزائريين، ودعا إلى التكافل الاجتماعي بين جميع أفراد المجتمع كلٌّ حسب مجاله وصِفته: الغني يأخذ بيد الفقير يعلِّمُه الحِرف ويردُّ عنه شبح الفاقة، والعالم يأخذ بيد الجاهل يُخرجه من الظلمات إلى النور، وهكذا؛ فليست النِّعم والوسائل بذي قيمة لذاتها وإنَّما بحسب ما يوظِّفها الإنسان في ما يعود عليه وعلى أمَّته بالخير:
«إنَّ العلم والمال والجاه والشهرة مثلاً وسائل صالحة لها قيمتُها، ولكن لا لذاتها بل لما يترتَّب عليها من المقاصد الشريفة ( ... ) لو كان لنا حظٌّ من الشجاعة الأدبية لنقف موقف المحاسب المنتقد نناقش المتعلِّم ونسائلُه ماذا عَمِل فيما عَلِم؟ هل قام بواجبه تجاه نفسه ونحو أمَّته ووطنه؟ ( ... ) وإذا كان الجواب سلبيًّا بأن كان دعيًّا في العلم أو كان عالمًا ولكن ليس له منه إلاَّ اسمُه، فلم يكن له منه أثرٌ في نفسه ولا في أمَّته، أو كان له أثرٌ فيهما ولكن عكس المقصود، في الشر لا في الخير .. رفضناه بكلِّ شجاعة ونفضنا منه أيدينا وفَرَرْنا منه فِرَارَنَا من الأجرب. ونقفُ من الغني مثل هذا الموقف؛ فإن وجدنا في ماله حقٌّ معلوم للسائل والمحروم، وللنائبات النازلة على الأمَّة، وللمشاريع الخيرية، كان جديرًا باحترامنا حريًّا بكلِّ احترام وتقدير واعتبار، وإن لم نجد له أثرًا في كلِّ ذلك وكان بماله شحيحًا يكنزُه ولا يُنفقه في سبيل الله كان مرمى احتقارٍ وازدراء ومصبَّ اللعنات».
("الأمَّة". عدد: 96. 27/ 10/1936)
هكذا يتَّخذ الشيخ عدُّون موقفا حازما أمام من يفكر في اتجاه واحد يخدُم نفسه ولا يهمُّه أمر مجتمعه وأمَّته. ويعالج القضايا الاجتماعية برويَّة وتحكيم عقل.
وقد يتطرَّق إلى مواضيعَ لا تخطر على بال القارئ في هذا العصر، ولكنَّها تُصيب في الحقيقة لبَّ المجتمع وتُوجِّه مسيرته إلى التطور والرقي، أو إلى التردي والانحطاط. ومن هذا القبيل معالجتُه موضوعَ اليأس والقنوط، وأثره في هدم الجهود وإفشال العزائم، فبعد أن يحلِّل هذه الآفة الاجتماعية ويكشف أعراضها يصف لنا العلاج قائلاً:
«ولا سبيل لعلاج هذا المرض المنتشر بيننا والمتمكِّن في كثير من النفوس إلاَّ بتقوية الإيمان فيها، وترديد النظر في الأمم الغابرة والحاضرة ودرس أطوارها وتقلُّباتها، والمثَلُ الأعلى هنا الأمَّةُ الإسلامية التي أعطت للأمم الضعيفة المنحطَّة أعظم الدروس في تاريخ النهضات والانقلابات الخطيرة، وأرَتْهُم كيف يصير العبد سيِّدًا، والمملوك مالكًا والقوي ضعيفًا، والمنحطُّ راقيًا، وعلًّمتهم كيف يكون (1/122)
صفحة 123
الإنسان عزيزًا أبيًّا كاملاً في إنسانيته، قويًّا في رجولته كريمًا في نفسه. ( ... ) متى نرجع إلى هذا النبع الصافي فيروينا من ظمإٍ كاد يودي بنا، ويشفينا من علَّة الإياس ( ... ) فإذا استطعنا القضاء على هذه العلَّة والتخلُّص منها استطعنا حينئذ القضاء على جميع الآفات، ولا أحسبُ مسلمًا مُصدِّقًا بالقرآن يترك أثرًا لهذه العلَّة في نفسه وهو يقرأ فيه: {إِنَّهُ لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [سورة يوسف: 87]».
«من أمراضنا الاجتماعية: آفة الإياس الفتَّاكة».
("الأمَّة". عدد: 89. 08/ 09/1936)
إنَّ المتأمل في كتابات الشيخ سعيد شريفي (الشيخ عدُّون) في المجال الاجتماعي يلمس روح حكيمٍ خبيرٍ بخفايا المجتمع، عليمٍ بأذواء الأمَّة، يخترق بتفكيره الحُجُب ويرصد الآفات التي تهدِّد كيان المجتمع، والتي قد تبدو للبعض غير ذي أثر، ولكنَّها في الواقع تسري سريان النار في الهشيم، تَخفَى على الكثير ولكنَّها لا تخفى على عين المنتقد الفاحص الخبير؛ راجع إن شئت المقالات التالية التي كتبها:
نظرة في حالة شبابنا المتمدنين | وادي ميزاب: 19 | 11/ 02/27
هل نحن مستيقظون | وادي ميزاب. ع: 38 | 2/ 07/27
التعاون الاجتماعي | وادي ميزاب. ع:69 | 10/ 02/28
المصلحة الشخصية آفة مبيدة للمشاريع | المغرب. ع:32 | 13/ 01/31
الأفكار المستعبدة بالأوهام والخرافات | النور. ع:14 | 22/ 12/31
الأوهام وأثرها في النفوس | النور. ع:15 | 29/ 12/31
الأزمتان الجهل والفقر | النور. ع:20 | 02/ 02/32
إنكار الذات في سبيل المصلحة العامة | النور. ع:35 | 31/ 05/32
ما نورث أبناءنا بعدنا من أسباب التعاسة؟ | النور. ع:55 | 01/ 11/32
خاتمة:
إنَّ جهاد الشيخ عدُّون (رحمه الله) في ميدان الصحافة وما كتبه من مقالات افتتح بها الشيخ أبو اليقظان جرائده الثمانية منذ 1926 إلى 1938، لا يُمكن أن يُرصد ويعالج في هذه السطور البسيطة، وأعترف كما بدأت أوَّل الموضوع أنِّ هذا جهد المقلِّ، ولم أطَّلع بعد على جميع مقالاته، وإنِّي لأرجو الله أن يوقفني إلى جمع مقالاته العظيمة من بطون الجرائد اليقظانية التي فعل فيها الزمن فعلته، ونالت الأرضة منها ما نالت، حتى ترى النور بإذن الله؛ ودراستها وتحليلها تحليلاً متأنِّيًا، لتكون شهادة للتاريخ عن رأيٍ وفكرٍ مستنير قلَّما نجد مثاله بين الكتاب، ولتكون مرجعًا للباحثين والطلبة الذين يطَّلعون من خلالها على أمال وآلام مفكري الإصلاح، واستنبطوا صورًا ساطعة (1/123)
صفحة 124
لجهاد أبائه ومشايخه العظام.
ملاحظات:
*- كان الشيخ عدُّون وأغلب قادة الحركة الإصلاحية يمضون مقالاتهم باسم مستعار؛ وكان الشيخ عدُّون يمضي مقالاته، باسم: (سعيد) أو (عدُّون).
*-كتب الشيخ عدُّون في أغلب جرائد الشيخ أبي اليقظان، ولا نستبعد إن تكون له كتابات في جرائد حركات الإصلاح في الجزائر، وعلى رأسها: الشهاب، والبصائر، وغيرها، ممَّا يستدعي المزيد من الجهد لاكتشافها ونفض الغبار عنها.
*-لم نعثر للشيخ على مقالات في ثلاث جرائد للشيخ أبي اليقظان؛ وهي: «ميزاب»، و «البستان»، و «الفرقان»؛ أمَّا «ميزاب» فالسبب واضح، هو أنََّ الجريدة صدر منها عددٌ واحد فقط وأوقفتها السلطة الاستعمارية. أمَّا «البستان» فربَّما لكون أسلوب الجريدة الساخر والفكاهي الذي تبنته شعارًا لتوصيل أفكارها لم يناسب جديَّة الشيخ في طرح قضاياه وانشغالاته، ولأنَّها هي وجريدة «الفرقان» لم يصدر منهما سوى أعداد قليلة: عشرة للبستان، وسبعة للفرقان؛ مقارنة بالجرائد المعمِّرة أمثال: «الأمَّة» التي صدر منها مائة وسبعين عددًا.
فهرس لمقالات الشيخ سعيد شريفي (الشيخ عدُُّّون)
في صحف الشيخ أبي اليقظان (*) (1)
ملاحظة: المقالات مرتَّبة حسب تاريخ الصدور، بداية من جريدة "وادي ميزاب" إلى "الأمَّة". ولقد وضعنا للمقال الذي كتبه الشيخ افتتاحية للعدد من الجريدة علامة النجمة: (*) لتمييزه.
عنوان المقال العدد تاريخ الصدور الجريدة
(1) جولة في وادي ميزاب 7 12/ 11/26 وادي ميزاب
(2) نظرة في حالة شبابنا المتمدنين 19 11/ 02/27 وادي ميزاب
(3) مرحبا بك يا أبا اليقظان 20 18/ 02/27 وادي ميزاب
(4) هل نحن مستيقظون؟ 38 2/ 07/27 وادي ميزاب
(5) التعاون الاجتماعي 69 10/ 02/28 وادي ميزاب
(6) رياض الأدب (اللغة العربية) (شعر) 1 26/ 05/30 المغرب
(7) رياض الأدب (بني أوطاننا هل من قيام؟) (شعر) 14 2/ 09/30 المغرب
(8) احتقار النفس 29 16/ 12/30 المغرب
(9) المصلحة الشخصية آفة مبيدة للمشاريع 32 13/ 01/31 المغرب
(10) دعاة الإصلاح وما يجب عليهم 34 26/ 02/31 المغرب (1/124)
صفحة 125
(11) دعاة الإصلاح وما يجب عليهم 35 05/ 03/31 المغرب
(12) التشاؤم 36 12/ 03/31 المغرب
(13) التسويف ومثال المفرطين 5 13/ 10/31 *النور
(14) الحياة السافلة وكيفية التوقي منها 6 20/ 10/31 * النور
(15) الشعور بالخطر باعث على درئه 7 27/ 10/31 * النور
(16) الشعور بالخطر باعث على درئه 8 9/ 11/31 * النور
(17) المطمح الأسمى ونتيجة إعراض الناس عنه 9 10/ 11/31 النور
(18) المطمح الأسمى ونتيجة إقبال الناس عليه 10 17/ 11/31 * النور
(19) إذا متُّ ظمآنا فلا نزل القطر! 13 08/ 12/31 * النور
(20) الأفكار المستعبدة بالأوهام والخرافات 14 22/ 12/31 * النور
(21) الأوهام وأثرها في النفوس 15 29/ 12/31 * النور
(22) موقفنا إزاء الواجبات العمومية 16 05/ 01/32 * النور
(23) هذه خصائصنا فهل آن لنا أن نعرف كيف نستثمرها 18 19/ 02/32 * النور
(24) المؤتمر الإسلامي بالقدس ونتائجه 19 26/ 01/32 * النور
(25) الأزمتان الجهل والفقر 20 02/ 02/32 * النور
(26) المثل الأعلى وكيف يجب اتخاذه علما في مفازة الحياة 24 08/ 03/32 * النور
(27) هذه مقدمة الحرب تفتك بنا فهل آن لنا أن نزدجر ونرعوي 25 18/ 03/32 * النور
(28) هذه مقدمة الحرب تفتك بنا فهل آن لنا أن نزدجر ونرعوي 26 22/ 03/32 النور
(29) الإفلاس الديني جسرٌ إلى هوَّة الإفلاس المادي 27 29/ 03/32 * النور
(30) كِتاب الجزائر؛ وما هو موقف الأمة إزاءه 30 26/ 04/32 * النور
(31) إعراض الأمة عن ثمار عقول أبنائها 31 03/ 05/32 * النور
(32) الجزائر المسلمة يجب أن يكون لإسلامها صوت مسموع 32 10/ 05/32 * النور
(33) المبادئ الصحيحة ومواقف البسطاء والمغفلين إزاءها 34 24/ 05/32 * النور
(34) إنكار الذات في سبيل المصلحة العامة 35 31/ 05/32 * النور
(35) جمعية العلماء المسلمين (بين أمس واليوم) 36 07/ 06/32 النور
(36) إنكار الذات في سبيل المصلحة العامة 37 14/ 06/32 * النور
(37) من هم الجناة على العلم 39 28/ 06/32 * النور
(38) أعداء العلم الألداء 40 05/ 07/32 * النور
(39) ماذا يلاقي الصحافي عندنا 40 05/ 07/32 النور
(40) رحلة الأستاذ الجليل الشيخ بيوض لعمالة وهران 44 02/ 08/32 * النور (1/125)
صفحة 126
(41) الجمود 46 16/ 03/32 النور
(42) الجمود وكيف يجب على الأمة الاتقاء منه 47 23/ 08/32 النور
(43) حافظوا على الصلوات 48 30/ 08/32 * النور
(44) ما نورث أبناءنا بعدنا من أسباب التعاسة؟ 55 01/ 11/32 * النور
(45) متى يجب الإصلاح؟ 56 08/ 11/32 النور
(46) إذا لم يكن الإصلاح لدفع الإفساد، فمتى يكون ولماذا يجب إذا .. ؟ 57 15/ 11/32 * النور
(47) إذا لم يكن الإصلاح لدفع الإفساد، فمتى يكون ولماذا يجب إذا .. ؟ 61 13/ 12/32 النور
(48) إذا لم يكن الإصلاح لدفع الإفساد، فمتى يكون ولماذا يجب إذا .. ؟ 62 20/ 12/32 * النور
(49) إذا لم يكن الإصلاح لدفع الإفساد، فمتى يكون ولماذا يجب إذا .. ؟ 63 27/ 12/32 * النور
(50) إذا لم يكن الإصلاح لدفع الإفساد، فمتى يكون ولماذا يجب إذا .. ؟ 64 10/ 01/33 * النور
(51) كيف يكون الإصلاح وما هي وسائله؟ 65 17/ 01/33 * النور
(52) ضعف الإيمان بالله إنما هو أصل كلِّ علَّة 67 07/ 02/33 * النور
(53) مأدبة فاخرة بنادي الترقي 68 14/ 02/33 * النور
(54) دمعة وادي ميزاب الحارة .. 69 21/ 02/33 * النور
(55) خلل كبير في صحافتنا يجب على الكُتَّاب سدُّه؛ فهل من مجيب؟ 73 21/ 03/33 * النور
(56) الغرور وأعراضه، أو الطبل الأجوف 75 04/ 04/33 النور
(57) خطورة الهجرة على مستقبل ميزاب 76 18/ 04/33 * النور
(58) كيف ينتقدون بين الجدران وفي ظلام الليل البهيم 76 18/ 04/33 النور
(59) خطورة الهجرة على مستقبل ميزاب 77 25/ 04/33 * النور
(60) كيف يفهمون الانتقاد النزيه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) 77 25/ 04/33 النور
(61) ثلاث ليال بالصحراء (أو درس تطبيقي في الأدب العربي) 01 21/ 07/33 النبراس
(62) الانتقام السافل (علله وأسبابه ونتائجه) 05 17/ 08/33 النبراس
(63) الانتقام السافل (علله وأسبابه ونتائجه) 06 25/ 08/33 النبراس
(64) صحافتنا وموقف الأمة إزاءها في الحالة الراهنة 04 09/ 10/34 الأمَّة
(65) صحافتنا وموقف الأمة إزاءها في الحالة الراهنة 05 16/ 10/34 الأمَّة (1/126)
صفحة 127
(66) صحافتنا وموقف الأمة إزاءها في الحالة الراهنة 08 06/ 11/34 الأمَّة
(67) صحافتنا وموقف الأمة إزاءها في الحالة الراهنة 11 27/ 11/34 الأمَّة
(68) صحافتنا وموقف الأمة إزاءها في الحالة الراهنة 12 04/ 12/34 الأمَّة
(69) هل المعارضة إلا من لوازم الإصلاح 32 09/ 07/35 * الأمَّة
(70) موقف الصلحين من المعارضين 37 13/ 08/35 * الأمَّة
(71) من هم حماة الدين ومن هم الخاذلوه 39 27/ 08/35 * الأمَّة
(72) الشرع في الحكم قبل التروي مصدر الخطأ 50 12/ 11/35 الأمَّة
(73) موقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 55 17/ 12/35 الأمَّة
(74) موقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 56 24/ 12/35 الأمَّة
(75) موقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 58 14/ 01/36 الأمَّة
(76) مواقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 59 21/ 01/36 الأمَّة
(77) مواقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 60 28/ 01/36 الأمَّة
(78) مواقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 62 11/ 02/36 الأمَّة
(79) مواقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 64 25/ 02/36 الأمَّة
(80) مواقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 65 03/ 03/36 الأمَّة
(81) مواقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 66 17/ 03/36 * الأمَّة
(82) مواقف الأمة إزاء حركة الإصلاح بميزاب 68 31/ 03/36 الأمَّة
(83) من منطقهم تعرفهم (جمود العلماء وأثره في نفوس العامة) 71 21/ 04/36 * الأمَّة
(84) هذا هو الداء فما هو الدواء؟ ما هي الوسائل المبيدة لجراثيم الجمود؟ وما هي طرق الوقاية منها؟ 73 06/ 05/36 * الأمَّة
(85) إلى الشباب الحي: صرخة داوية يصرخ بها مثال الشباب فهل من مذكر وهل من مجيب؟ 82 21/ 07/36 الأمَّة
(86) حول صحافتنا (أجل صحافة بلا شعب .. فمتى تؤدي مهمتها؟) 83 28/ 07/36 * الأمَّة
(87) من صور حياة الجزائر. المؤتمر الإسلامي الجزائري. (استقبال الأمة لوفدها) 84 04/ 08/36 * الأمَّة
(88) حول صحافتنا (أجل صحافة بلا شعب .. فمتى تؤدي مهمتها؟) 84 04/ 08/36 الأمَّة
(89) يوم مشهود في الملعب البلدي؛ بيانات وفد المؤتمر 85 11/ 08/36 * الأمَّة
(90) على هامش اعتقال الأستاذ العقبي (معيار النضوج الفكري في الأمم) 86 18/ 08/36 الأمَّة
(91) حول الإفراج عن الأستاذ العقبي (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) 87 25/ 08/36 (1/127)
صفحة 128
الأمَّة
(92) على هامش الحوادث الأخيرة: إلى قادة الإصلاح ورؤساء حركته والمنضوين تحت علمه 88 01/ 09/36 * الأمَّة
(93) من أمراضنا الاجتماعية: آفة الإياس الفتاكة كيف السبيل لتطهير مجتمعنا منها 89 03/ 09/36 * الأمَّة
(94) حول التعليم: ها هو موسم الدراسة على الأبواب فماذا أعددنا له؟ 90 25/ 09/36 * الأمَّة
(95) التاريخ يعيد نفسه: المطبعة العربية تُقتَّش للمرة الثانية 90 25/ 09/36 الأمَّة
(96) حول التعليم: ها هو موسم الدراسة على الأبواب فماذا أعددنا له؟ 91 22/ 09/36 الأمَّة
(97) لا عطف لا مواساة! 92 29/ 09/36 * الأمَّة
(98) الاجتماع الخامس العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. نظرة عامة 93 06/ 10/36 * الأمَّة
(99) نجاح العاملين في مسعاهم يتوقف على اعتراف الأمة بجهودهم 94 13/ 10/36 * الأمَّة
(100) إنما الرجال بأعمالهم لا بما يملكون من وسائل العمل 96 27/ 10/36 * الأمَّة
(101) عبث المنافقين بكرامة بيوت الله 99 17/ 10/36 الأمَّة
(102) دروس ومحاضرات بدل الأجواق والعوادات 99 17/ 10/36 الأمَّة
(103) اعتراف بالجميل للأمَّة 101 08/ 12/36 الأمَّة
(104) الاحتفال السنوي لجمعية الشبيبة الإسلامية بالجزائر 101 08/ 12/36 الأمَّة
(105) المتطفلون على موائد العلماء هم أصل الفساد ومنبع الشقاق 102 05/ 12/36 * الأمَّة
(106) يجب أن يكون الدين أساس كل إصلاح 103 29/ 12/36 * الأمَّة
(107) ليس الحق تنازل ولا هوادة "الحق أحقُّ أن يتَّبع" رأي صريح في أسباب انحطاط مدينة غرداية من الناحية العلمية 105 12/ 01/37 * الأمَّة
(108) مصر العربية تحمل لواء العروبة 107 26/ 01/37 * الأمَّة
(109) حول قضية الحج إلى م العبث بكرامة وفد الله؟ 109 09/ 02/37 * الأمَّة
(110) ألم يأن للصحافة المصرية أن تنزع عن كبريائها وتتنازل لمبادلة زميلاتها؟ 110 16/ 02/37 * الأمَّة
(111) الفضلاء الزيتونيين يخطون خطوة موفقة بتأسيس "جمعية الرابطة الزيتونية" 111 02/ 03/37 * الأمَّة
(112) ذكرى الهجرة: عبرة الدهر الخالدة وآية الله الكبرى فهل من مذَّكر 113 16/ 03/37 * الأمَّة (1/128)
صفحة 129
(113) حول بعثة البرلمان 114 23/ 03/37 * الأمَّة
(114) الشباب المصري يعلن جهاده الديني 116 06/ 04/37 * الأمَّة
(115) في سبيل الحياة: الاجتماع العام لجمعية الحياة بالقرارة 145 23/ 11/37 * الأمَّة
(116) ليلة زهراء في غرة الحياة: الاحتفال البهيج لجمعية الحياة 146 30/ 11/37 * الأمَّة
(117) وادي ميزاب: تحتفل جمعية الحياة برأس السنة الهجرية 159 22/ 03/38 الأمَّة
(118) ذكرى الفيلسوف الكبير الشيخ إسماعيل الجيطالي: الاحتفال بختم كتابه "القناطر" في مسجد القرارة 162 12/ 04/38 الأمَّة
(119) النهضة الإسلامية في فرنسا: اللجنة الجزائرية العامة تعمل بكل نشاط لإحياء اللغة العربية ونشر الهدى الإسلامي بالديار الباريسية 162 12/ 04/38 الأمَّة
(120) ذكرى الفيلسوف الكبير الشيخ إسماعيل الجيطالي: الاحتفال بختم كتابه "القناطر" 163 19/ 04/38 الأمَّة
(121) ذكرى الفيلسوف الكبير الشيخ إسماعيل الجيطالي 166 10/ 05/38 الأمَّة
(122) الاجتماع العام لجمعية الحياة بمناسبة رأس سنتها الأولى 168 24/ 05/38 الأمَّة
(123) من المشرق إلى المغرب: من إمام المسلمين بعُمان إلى إخوانه الإباضية بالمغرب 169 31/ 05/38 * الأمَّة
--------------------
الهوامش
(*) ـ اعتمدنا في صياغة هذا الجدول بشكل أساسي على العمل الجبار الذي أنجزه الدكتور محمد صالح ناصر بفهرسة مقالات ومواضيع جرائد الشيخ أبي اليقظان، في كتابه: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة». الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر. 1980. (1/129)
صفحة 130
الرجل الصالح أساس الأسرة الصالحة
الدكتور: عبد العزيز بن محمد خواجة
أستاذ بقسم علم الاجتماع
جامعة تلمسان
مقدمة: يتشكّل المجتمع من مجموعة مؤسّسات اجتماعية تضمن استقراره واستمراريته، ولعلّ أهمّ هذه المؤسّسات مؤسّسة "الأسرة"، فصلاح المجتمع يقاس بمدى صلاح هذه الهيئة القاعدية. كما أنّ الأسرة تتكوّن هي الأخرى من عناصر تربطها بداية بالأب والأم ثم الأطفال. ويعتبر "الأب" المحور الرئيس والمركزي لكلّ العناصر الأخرى.
انطلاقاً من هذا التصوّر، ما هي أهمّ مقومات الأب الصالح، وكيف يستطيع أن يجعل من المؤسّسة التي يقوم عليها صالحة وفعّالة وأداة لبناء المجتمع الإسلامي لا هادماً له؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه من وجهة نظر اجتماعية في هذه المداخلة.
تنطلق المداخلة من تعريف الأسرة، والوظائف التي تقوم عليها، ثمّ تعريف مفهوم الأبوة وما هي أهمّ واجباتها في علاقتها بالزوجة ثم الأبناء، وما هي أهمّ طرق معالجتها للخلافات داخل الأسرة.
1 - تعريف الأسرة:
تعتبر الأسرة الوحدة الأساسية المكوِّنة للتركيبة الاجتماعية، ويعرّفها برجس ولوك في كتابهما "العائلة" «على أنّها جماعة من الأفراد تربطهم روابط قوية ناتجة من صلات الزواج، الدم والتبني وهذه الجماعة تعيش في دار واحدة وتربط أعضاءها (الأب والأم والأبناء) علاقات اجتماعية متماسكة أساسها المصالح والأهداف المشتركة» (1). وهي «جماعة حاصرة منحصرة، ذات بنية خاصة وحاجات وظروف معيشية، تشكّل بذاتها ملاذاً نفسياً، واجتماعياً لأفرادها، وتقدّم بمناشطها الداخلية والخارجية، أصغر صورة نموذجية عن مجتمع جزئي» (2).
ويعتبر تعريف ميردوخ أكثر التعاريف شهرة وشمولية، إذ يرى بأنّها «جماعة اجتماعية تتميّز بمكان إقامة مشترك وتعاون اقتصادي، ووظيفة تكاثرية ويوجد بين اثنين من أعضائها على الأقل علاقة جنسية يعترف المجتمع بها، وتتكوّن على الأقل من ذكر بالغ وأنثى بالغة وطفل، سواء كان من نسلها، أو عن طريق التبني» (3).
من خلال هذه التعاريف نلاحظ أن أهمّ مكونات الأسرة هي:
1ـ تتكوّن مادياً من أفراد كالزوج والزوجة والأطفال يعيشون في مكان واحد.
2ـ وحدة اجتماعية اقتصادية ثقافية تربط بين أفرادها علاقات تعاون روحية.
3ـ لها وظائف بيولوجية (إنجاب) وتربوية (التنشئة) واقتصادية (ضمان الحاجات المادية).
4ـ لها مراكز وأدوار من أب، وأطفال، زوجة، وأخ، وأخت بينهم علاقات تفاعل.
5ـ للأسرة نمط معين من المعايير والقيم الموجّهة لسلوك أفرادها وعلاقاتهم.
وللأسر عدّة أنواع فهناك الأمسية والأبسية، الممتدة والنووية، الحضرية والريفية. كما قد تقسّم حسب نمط التنشئة الاجتماعية السائدة فيها من أسرة متسلّطة، وأسرة متساهلة، وأسرة ديمقراطية (4) وغيرها.
2 ـ خصائص الأسرة ودورتها: (1/130)
صفحة 131
وقد حدّد بيدج وماكيفر خصائص الأسرة في:
1ـ العمومية: فهي موجودة في كلّ المجتمعات باختلاف الأشكال التي تأخذها.
2ـ الأساس العاطفي والانفعالي.
3ـ التأثير الشكلي والتشكيلي: فهي تكوّن الأفراد على الشكل الأمثل الذي يرسمه لها المجتمع وتشكيل الأفراد للاندماج فيه.
4ـ الحجم المحدّد: فهي ذات حجم محدّد الجوانب.
5ـ موضع النواة في الهيكل الاجتماعي: وتهتم بها كلّ المجتمعات وتشكل الوحدة الأولية لكلّ مجتمع وأصغر حجم فيه.
6ـ مسؤولية الأعضاء: فلكلّ عضو مهامه ومسؤولياته فيها.
7ـ التنظيم الاجتماعي: إذ تخضع لتشريعات المجتمع ومقاييسه وشرعيته بداية من الزواج.
8ـ طبيعتها الدائمة والمؤقتة: فهي من حيث أعضائها تزول، أمّا من حيث الشكل فهي دائمة ومستمرة في كلّ المجتمعات لا تزول بزوال أفرادها (5).
وقد حدّد سوركين Sorokin أربعة مراحل لدورة الأسرة:
1ـ مرحلة الزوجين المستقلين اقتصادياً.
2ـ زوجان مع طفل.
3ـ زوجان مع طفلين أو أكثر.
4ـ زوجان تقدّمت بهما السنّ (6).
3 ـ وظائف الأسرة:
وغالبًا ما تحدّد المراجع العلمية وظائف الأسرة المعاصرة في:
*ـ الوظيفة البيولوجية وإنجاب الأطفال والتناسل وتنظيم السلوك الجنسي.
*ـ الرعاية الصحية لأفرادها والمحافظة الجسدية على أعضاء الأسرة.
*ـ منح المكانة الاجتماعية.
*ـ ممارسة الضبط الاجتماعي ومنع الانحراف.
*ـ توجيه الطفل لطرق التعامل مع الآخرين وتوثيق الصلة بين الفرد والمحيط وتعليم الطفل توقعات الآخرين.
*ـ نقل التراث الثقافي في نماذج سلوكية.
*ـ غرس المهارات والخبرات الاجتماعية المساعدة على استغلال القدرات الكامنة.
*ـ التدريب على تمييز الخطأ والصواب وإعطاء صورة مصغرة عن العالم الخارجي.
*ـ توفير جو سليم لتحقيق الحاجات (7).
*ـ التوافق الاجتماعي. (1/131)
صفحة 132
*ـ التنشئة الاجتماعية والعناية بالأطفال وتربيتهم.
*ـ التعاون وتقسيم العمل (8).
*ـ إضافة إلى وظيفة جديدة لم تهتم بها التحاليل السوسيولوجية من قبل هي "الوظيفة العاطفية" للأسرة، فالأسرة توفر المحبة، والإصغاء، والثقة بالنفس والعاطفة المحترمة، والسلطة المبنية على حزم خير، و تنمية الاستقلالية الذاتية لدى أفرادها (9).
فوظائف الأسرة بالتالي متعدّدة تمسّ الجوانب الجسمية، والعاطفية، والخلقية، والدينية، والعقلية، والاجتماعية، والبديعية، والقومية والجنسية (10).
4ـ مكونات الأسرة:
تتكوّن الأسرة من جيلين:
*ـ الأبوان: وهما الأب والأم؛ بدونها تتفكّك الأسرة أو على الأقل تتعرّض للاهتزاز والتصدع. ويعود لهما التوجيه والضبط وتعديل السلوكات، وتربية الأطفال، وتمثيل ثقافة المجتمع ونقلها.
*ـ الأبناء: هو منتوج الوالدين، ويختلف عددهم حسب تشكيلة الأسرة ومستواها الاقتصادي والثقافي وموقعها الجغرافي من ريفية وحضرية، ونمط الأسرة الممتدة أو النووية.
*ـ الجد والجدة: وذلك في الأسرة الممتدة وقد يعود لهما دور الإدارة (11).
5ـ أنماط التنشئة في الأسرة:
أهمّ اتجاهات التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة هي:
*ـ الاستقلال/ التقييد.
*ـ التسامح / التسلط.
*ـ الحماية الزائدة / الإهمال.
*ـ التقبل / الرفض.
*ـ الاتساق / التذبذب.
*ـ المساواة / التفرقة.
*ـ التشجيع على الإنجاز / التثبيط.
*ـ الضبط الايجابي / الضبط من خلال الشعور بالذنب.
*ـ الاندماج/ التباعد (12).
6 ـ الأبوة:
لغة: الرابطة الطبيعية أو الشرعية بين الأب والأبناء.
اصطلاحا: هي العلاقة القرابية التي تقوم على الدم أو المصاهرة في الجماعة الذكورية سواء أكانت داخل العائلة أم العشيرة أم القبيلة، قصد تحقيق أغراض اجتماعية محدّدة. وتنقسم القرابة هنا إلى روحية (العائلة، الدين، الطوائف ... ) واجتماعية (مصاهرة) وحقوقية (التبني) وأسطورية (القيم (1/132)
صفحة 133
المشتركة، الجد الأسطوري) (13). والسلطة الأبوية هو الحق الذي ينسبه الفرد لنفسه كَمُرَبٍّ وصاحب قيادة في أسرته بمتابعة سلوكات أفراد الأسرة من خلال ممارسة وظيفة التوجيه والإرشاد والإنفاق (14).
وقد استخدمت الكلمة لأوّل مرّة في مجال الانثروبولوجية من قِبَلِ المفكر ديبلييو توماس بدل مصطلح حقّ الأب، وقد وسّع من هذا المصطلح العلامة راد كليف براون في دراساته حول القرابة.
ويتحدّد مفهوم الأبوة وفقاً لثقافة المجتمع الذي يوجد فيه وحسب الأدوار التي تعطيها له هذه الثقافة، ففي بعض جزر ميلنزيا يعتبر الأب الفرد الذي يدفع نفقات القابلة، فهو الأب الشرعي، وزوجته هي أم الطفل، وفي أجزاء نفس الجزيرة يصبح الرجل أبا بزراعة شجرة السيكاس أمام باب بيته (15).
كما يختلف هذا المفهوم حسب المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ففي الطبقات العليا تتداخل أدوار الأب والأم، في حين أنهما يختلفان عن بعضهما في الطبقات الدنيا.
ويقصد بالمجتمع الأبوي ( Patriarcale) المجتمع القائم على سلطة الأب دون الأمّ، وهو يعزى تاريخياً إلى التجمع البطريركي الذي يحكمه كبير العائلة والقوم من حيث السن والمال والرجولية والسلاح، فالتفوّق يعود إلى التركيبة الجسدية للرجل على المرأة ونسبية الأولاد تعود لهم، والزوجة تابعة دوماً لزوجها والمسكن زوجي أبوي، وكلّ الأنظمة الاستبدادية سياسياً تقوم على هذه التشكيلة في سيطرة النمط الأبوي داخل تركيبة القبيلة وشيخها (16).
وقد أثبت هنري أن النظام الأبوي وجد منذ العصور القديمة على عكس ما قال به باختين (17). وتنقسم الأبوة إلى أبوة فعلية (الأب الحقيقي للفرد)، وأبوية متوهّمة (وهو ما يتصوّره الفرد نموذجياً عند الأب، أو ما يجب أن يكون عليه الأب)، وأبوة رمزية (اعتبار بعض الرموز أباً كالوطن والدين وغيرهما) (18).
7 ـ واجبات الأبوة:
تربط الأب داخل الأسرة مجموع علاقات، بداية بعلاقته مع الزوجة والتي تفرض واجبات معينة، وعلاقاتة مع الأبناء التي تحتّم هي الأخرى واجبات أخرى.
أـ علاقة الأب / زوجة:
للزوج والزوجة واجبات وحقوق، بعضها مشترك وبعضها الآخر خاص بالأب فقط نحو زوجته:
1ـ الواجبات المشتركة بين الزوجين:
أهمّ واجب هو أن يقضي الواحد للآخر ويسمح له بما لم يكن مسموحاً به قبل الزواج من جماع ووطء، وهدف ذلك الاستئناس من الوحشة والإحصان ودفع ضرر الشهوة عنهما، كما يحفظ الروابط الزوجية من التفكك وآفة الزنا. وقد ورد في المادة 36 من قانون الأسرة واجبات الزوجين (1/133)
صفحة 134
كما يأتي:
«يجب على الزوجين:
1ـ المحافظة على الروابط الزوجية وواجبات الحياة المشتركة، وذلك بتوفير الود والاحترام كما جاء في الآية: {وَمِنَ ـ ايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنَ اَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} {الروم/21}. {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} {البقرة/187}.
2ـ التعاون على مصلحة الأسرة ورعاية الأولاد وحسن تربيتهم.
3ـ يجب المحافظة على روابط القرابة والتعامل مع الوالدين والأقربين بالحسن والمعروف» (19).
2 ـ واجبات الزوج نحو زوجته:
رغم ظهور نمط من المساواة حالياً في كثير من المجتمعات إلاّ أن وتيرة تحرّك المجتمع نحو هذه الغاية مختلفة، وتتقيد بالجماعات والقطاعات المختلفة داخل المجتمع، ففي المجتمع الواحد نجد الأزواج الذين يميلون إلى ممارسة دورهم الأبوي الحديث في مقابل آخرين يحتفظون بالدور التقليدي، والتعميمات المعطاة الآن تضمّ خاصة المجتمعات المتقدّمة ويزداد انتشارها في المجتمعات الأخرى (20).
وأهمُّ واجبات الزوج:
1ـ الزوج كعائل أول لأسرته: ما زال يُنتظر منه هذا الدور وكثيرًا ما يتمّ الطلاق في حالة عدم وجوده، إلاّ أن خروج الزوجة أو المرأة للعمل غيّر هذا المفهوم، وأصبح الزوجان يتقاسمان هذا الدور.
2ـ الأب رئيس الأسرة: رغم أنّ الزوج ما زال رئيس الأسرة إلاّ أن هذه الرئاسة لم تعد تستند على التسلّط والعنف الذي كان في الأسرة الممتدة، نظراً لارتفاع المستوى التعليمي وخروج المرأة للعمل. إلاّ أنّ ذلك يعود أيضاً إلى الطبقات، فالطبقات العليا تسمح للزوجة بمشاركة زوجها في الرئاسة ولو لم تكن عاملة، أماّ الطبقات الدنيا فنجد فيها الرئاسة المطلقة للرجل.
3ـ دور الزوج كأب بيولوجي: لم يعد يقتصر دور الأب في السيطرة والضبط الصارم لأبنائه، بل إن الكثير منهم يحاول فهم مشاعر أبنائه والتعاطف معها، ويلعب دوراً هاماً في رعايتهم، وقد يضطر الأب لقراءة بعض الكتب أو الالتحاق ببعض المدارس قصد تعلم طرق تربية ورعاية الأبناء، وأصبح البيت لا محل مأوى فقط بل مكاناً للحياة المشتركة، وانهار تقسيم العمل بين الجنسين في المنزل (عمل المرأة، وعمل الرجل). إلاَّ أنَّ بعض النساء يرفضن تدخل الرجل في أعمالهن المنزلية لعدّة أسباب، قد تكون لوجود خادمة في المنزل أو وجود وقت فراغ للزوجة، أو لاستخدامها وسائل حديثة تغنيها عن مساعدته أو لوجود أولاد يساعدونها، أو لعدم رغبتها في تدخل الرجال (1/134)
صفحة 135
في أعمالها في كلّ صغيرة وكبيرة ممّا يضيق عليها.
4ـ مشاركة الزوج زوجته في أوقات الفراغ: تقلّصت مساحة التسلّط ليشارك بذلك الزوج زوجته في أوقات فراغه أنشطة اجتماعية وترفيهية، وفتح أبواب التقارب العاطفي أكثر، والحرص على إشباع رغبات الزوجة النفسية والجنسية ومشاركتها الحبّ ... كما أصبح مقياس معرفة نجاح الزوج درجة شعور زوجته نحوه، وهذا ينبع من فروض ثقافية خالصة كمدى انضباط الزوج للمعايير الاجتماعية، ومكانته الرفيعة في المجتمع وتحليه بالأخلاق الحميدة، ممّا يجعل الزوجة راضية به، وفي حالة عدم استمرار الحبّ بينهما تصاب الأسرة بالفشل (21).
ومن الناحية الشرعية والقانونية تتمثّل واجبات الزوج في:
1ـ النفقة الشرعية: وهي الطعام والكسوة والسكن الواجب على الزوج لزوجته جاء في القرآن الكريم {اَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّنْ وُّجْدِكُمْ} (الطلاق/6) {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة/233) {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا اِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا} (الطلاق/7). وقال صلى الله عليه وسلم: «ديناراً أنفقته في سبيل الله وديناراً أنفقته في رقبة، وديناراً تصدّقت به على مسكين، وديناراً أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك». وعن معاوية القشيري قال: أتبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: «ما تقول في نسائنا؟» قال: أطعموهن واكسوهن ممَّا تكسون، ولا تضربوهن ولا تقبحوهن».
وتعطى النفقة وجوباً دخل بها أو لم يدخل بها، ما دامت محتبسة فعلاً بعقد صحيح لأنّ آثار عقد الزواج تنجر بمجرد العقد. وكما نصت عليه المادة 74 «تجب نفقة الزوجة بالدخول بها أو دعوتها إليه ببينة مع مراعاة أحكام المواد 78، 79، 80 من هذا القانون»، بهذا فالإنفاق واجب للزواج الصحيح وما دامت المرأة لم تخرج من حق الحبس (22).
2ـ العدل: العدل في حالة الزواج بأكثر من واحدة.
3ـ الزيارة: زيارة أهلها من المحارم وضيافتهم بالمعروف.
4ـ مالها: حرية تصرف المرأة في مالها (23).
ب ـ علاقات الأب/ أبناء:
يُصبغ سلوك الطفل بأساليب التربية الوالدية، وما تصرفات الطفل إلاّ نتيجة لأدوار الآباء داخل الأسرة، لأنّ الأسرة تُكسب الطفل المعايير الأساسية وتتكوّن شخصيته بداخلها. وللأسرة عامة واجبات نحو الأبناء هي:
*ـ احترام الطفل وآرائه والاستماع لها.
*ـ الاعتراف بقدراتهم وميولاتهم ولو اختلفت عنا. (1/135)
صفحة 136
*ـ إعطاؤهم حرية التعبير والتفكير والاختيار في إطار المبادئ العامة.
*ـ تفهمهم والتعاون معهم.
*ـ العدل بينهم ونشر المودة بينهم (24).
وقد أثبتت دراسة سميت Smith ومارتن Martin تأثير الآباء في أبنائهم، فمعظم الأطفال متذبذبون بين تحقيق رغبات آبائهم واستعداداتهم، لهذا يصابون بالتأخر الدراسي بنسبة 52% من العينة، أو بأحلام اليقظة بنسبة 32%، ويصابون بكثرة الضجر والشكوى (25). ولا تتوقف الوالدية الرشيدة على المدّة التي يقضيها الأب مع الطفل إنّما على نوعية تلك العلاقة دون إفراط أو تفريط.
فعدم إعطاء الحرية للأبناء يؤدي إلى التمرّد والفشل التعليمي، وعدم العناية بهم يجعلهم يبحثون عن رفيق آخر، قد يكون صالحاً كما قد يكون طالحاً ـ وهو أغلب الحالات ـ قصد الانتقام من الأب.
وأهمّ واجبات الأب نحو أبنائه (26):
*ـ انتقاء الأم: قال صلى الله عليه وسلم: «تخيّروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم» (27)، وعن ابن عدي: «تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس»
*ـ الحمل السليم والوضع السعيد.
*ـ إحسان التسمية: اختيار التسمية المناسبة والمحترمة والتي لا تولد له مشاكل مع المحيط.
*ـ الإنفاق عليهم: قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك» (28).
*ـ تقبّل الطفل (29): عن عبد الله ابن شدّاد بن الهاد عن أبيه «إنّي رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر النبي وهو ساجد، فرجعت في سجودي فلمّا قضى الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني الصلاة سجدة قد أطلتها فطننّا أنّه قد حدث أمر أو أنّه يوحي إليك، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم "كلّ ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحَلَني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته».
*ـ تقبيل الأبناء: «أبصر الأقرع ابن حابس رضي الله عنهم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يقبل الحسن والحسين فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم!! فقال رسول صلَّى الله عليه وسلَّم: من لا يرحم لا يُرحم»
*ـ الهدهدة واللعب: قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «عرامة الصبي في صغره زيادة في عقله في الكبر» (30). (1/136)
صفحة 137
*ـ العدل بين الأبناء ماديا ومعنويا: وذلك مهما اختلف الجنس، عن طريق أبي هريرة أن صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أعينوا أولادكم على البرّ والإحسان عليهم، وعدم التضييق عليهم والتسوية بينهم في العطية من ثناء استخرج المعقود من ولده» (31). وعن أنس أنّ رجلاً كان جالساً مع النبي فجاء ولده فقبله وأجلسه في حجره ثم جاءته ابنته فأخذها وأجلسها جنبه ولاحظ الرسول ذلك وأنكر هذه المحاباة قائلا: فما عدلت بينهما.
وقد بينت إحدى البحوث (32) أن غياب الأب عن البيت للعمل خارج المنطقة يجعل الطفل:
*ـ لا يراجع دروسه بنسبة 66.66 %.
*ـ يتغير سلوك الطفل داخل المدرسة بنسبة 53 % نحو السلب.
*ـ يتحول سلوكه داخل الأسرة بنسبة 72 %.
*ـ وحين يزيد غياب الأب عن شهرين تزيد مشاركته في الفوضى بنسبة 34 %.
*ـ ويزيد تخريب الطفل في الحي مع جماعات الرفاق في غياب الأب بنسبة 53.33%
8 ـ معالجة النزاعات:
غالباً ما نخاف النزاعات ويبدو ذلك في رفضها أو تجاهلها، مع أنّ النزاع ليس سلوكاً سلبياً، بل هو طبيعي داخل الأسرة، إنّما ما يجب رفضه في النزاع هو حلّه عن طريق العنف.
وعدم وجود نزاع ظاهر يدل على وجود آلية حوار فعّال بين أفراد الأسرة، وهذه حالة نموذجية يندر وجودها واقعياً، أو وجود قهر وقمع يرفض كلّ الإرادات الأخرى داخل الأسرة.
فنزاع الأولاد مثلاً إيجابي لأنّه يدلّ على بداية تكوّن شخصية الطفل، وهذا ليس مخيفاً لأنه يعكس قدرة الطفل في التعبير عن رغباته المختلفة. فليس المطلوب حذف النزاع إنّما الابتعاد عن العنف، ومعالجته عن طريق مقاربة غير عدائية.
أهمّ عناصر هذه المقاربة غير العدائية حسب غودون هي:
*ـ اختيار الكلمات غير النزاعية، بدل القول "هذا كذب" نقول "هذا غير صحيح".
*ـ استعمال ضمير "أنا" بدل "أنت"، لا نقول "أنت مزعج" بل "إنني انزعج من الراديو".
*ـ أسلوب "الرابح الرابح" حسب غودون، والذي يؤمن مصالح متناقضة وله 6 مراحل:
? تحديد المشكلة من منطلق الحاجات المتناقضة.
? سرد الحلول الممكنة.
?تقييم الحلول.
?اختيار الحلّ المقبول لدى الجميع.
? تحديد طرق تطبيق الحلّ وتعديله.
* ـ ويتطلب هذا الأسلوب قدرتين هما:
? القدرة على الإصغاء للآخر. (1/137)
صفحة 138
? القدرة على وضع النفس مكان الآخر لفهمه.
*ـ عدم الخوف من بروز إرادة مخالفة، إنّما التعبير عنها بسلام واحترام وتعليم ذلك (33).
الخاتمة
رغم أن الطفل مادة خام في بداية تكوينه، لكن التربية ليست قولبة للآخرين، إنَّما قيادة نحو استقلالية ذاتية يصبح فيها الفرد مبتكراً لحياته، فهي عملية ترقية الطفل إلى صورة "إنسان".
-----------------
الهوامش
(1) - دينكن ميشيل: معجم علم الاجتماع، تر: إحسان محمّد الحسن، ط.02، دار الطليعة، بيروت، 1976. ص97
(2) - خليل أحمد خليل: معجم المصطلحات الاجتماعية، دار الفكر اللبناني، بيروت، 1995، ص38.
(3) - صلاح الدين ميدروخ: علم الاجتماع التربوي، دار العلوم، عنابة، الجزائر، 2004، ص64
(4) - مجموع مؤلفين: من العائلة إلى العائلة ... أية عائلة؟، وقائع المؤتمر الثلاثين، منشورات جامعة سيدة لويزة، لبنان، 2002، ص79.
(5) - ماكيفر. م. و شارلز بيدج: المجتمع، تر: السيد محمّد العزاوي وآخرون، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، 1981، ص461 - 463.
(6) - خواجة عبد العزيز: مبادئ في التنشئة الاجتماعية، دار الغرب، وهران، 2005، ص127.
(7) - مصباح عامر: التنشئة الاجتماعية والسلوك الانحرافي لتلميذ المدرسة الثانوية، دار الأمة، الجزائر، 2003، ص84 - 86.
(8) - عاطف غيث، إسماعيل على سعد: المشكلات الاجتماعية: دراسة نظرية وتطبيقية، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2003، ص159 - 165.
(9) - مجموع مؤلفين: من العائلة إلى العائلة ... أية عائلة، مرجع سابق، ص80.
(10) - صلاح الدين شروخ: مرجع سابق، ص68 - 71
(11) - المرجع نفسه، ص79.
(12) - المرجع نفسه، ص96 - 106.
(13) - خليل أحمد خليل: مرجع سابق، ص38.
(14) - سناء الخولي: الأسرة والحياة العائلية، النهضة العربية، بيروت، 1979، ص39.
(15) - دينكن ميشيل: مرجع سابق. ص98
(16) - خليل أحمد خليل: مرجع سابق، ص8. (1/138)
صفحة 139
(17) - عاطف غيث، إسماعيل على سعد: مرجع سابق، ص150.
(18) - مجموع مؤلفين: من العائلة إلى العائلة ... أية عائلة، مرجع سابق، ص108.
(19) - محمّد محدة: الخطبة والزواج: دراسة مدعمة بالقرارات والأحكام القضائية، مطابع عمار قرفي، باتنة، 1994، ص347 - 352
(20) - سناء الخولي: الزواج والعلاقات الأسرية، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، د. تا، ص85.
(21) - المرجع نفسه، ص86 - 89.
(22) - أنظر تفاصيل النفقة: محمّد محدة: مرجع سابق، ص353 - 390.
(23) - المرجع نفسه، ص391 - 404
(24) - أحمد هاشمي: الأسرة والطفولة، دار قرطبة، الجزائر، 2004، ص23.
(25) - مصباح عامر: مرجع سابق، ص83
(26) - أنظر: أحمد هاشمي: مرجع سابق، ص53 - 59.
(27) - رواه بن ماجة والديلمي.
(28) - رواه مسلم.
(29) - أنظر: زكريا الشربيني، يسرية صادق: تنشئة الطفل: وسبل الوالدين في معاملته ومواجهة مشكلاته، دار الفكر العربي، مصر، 2000، ص211.
(30) - رواه الطبراني البيهقي.
(31) - رواه الطبراني.
(32) - بحوث قام بها مجموعة من الطلبة في قسم علم الاجتماع (علم الاجتماع التربوي) بجامعة تلمسان هذه السنة.
(33) - مجموع مؤلفين: من العائلة إلى العائلة ... أية عائلة، مرجع سابق، ص72 - 73. (1/139)
صفحة 140
معالم منهجية لتطوير التعليم
الأستاذ: قاسم بن حمو حُجاج
قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية
جامعة وارجلان
مقدمة:
إن النقاش والتجارب (2) التي تشهدها أوساطنا حول واقع ومصير التعليم القرآني والتعليم الرسمي العام والخاص بكل مراحله، بمدخلاته ومخرجاته، يندرج ضمن ديناميكية صحيَّة لتطوير أداء مؤسسات التربية والتعليم والتكوين الجارية هنا وهناك داخل ميزاب وخارجه. نقاش وتجارب يتطلبان من القائمين عليهما، الخائضين فيهما، المزيد من العلم والإخلاص والعمل المتواصل والتنسيق والتخطيط للوصول بها إلى نتائج ترضي الله وتساهم في صنع حضارة إنسانية، إنسانية الجوهر، ربانية المصدر والغاية، وترفع مردود العملية التكوينية في أوساطنا، لأن المنظومات التربوية عبر الأمم المتقدمة تعمد للتطوير المستمر، الدوري، لتلك العملية في مختلف مستوياتها وأبعادها، لأن البشرية عموما بصدد استعدادات حثيثة لمواجهة المنافسة الشديدة بين المنظومات المجتمعية.
ألم يكن الرسول (قدوتنا في ذلك عندما قام بصفقة مربحة استراتيجية لنصرة الإسلام وبناء دولته وحضارته، عندما قايض بعيد معركة بدر الكبرى، تحرير أسرى المشركين بتعليم كل واحد منهم القراءة والكتابة لعشر مسلمين. لقد أدرك أن المعركة بين الإسلام والكفر معركة معرفية، علمية بالأساس، ومن يريد حسمها لصالحه فعليه أولا بتحرير الإنسان أولا من أغلال الجهل والأمية بكافة أشكالهما. لأن تكلفة الجهل على الأمم أكبر من تكلفة التعلم.
واليوم يقول ليستر ثارو مدير المعهد الدولي للتسيير بواشنطن: " في عصرنا أصبحت المهارات والمعرفة هما المصدر الوحيد للتفوق النسبي." لأن عناصر القوة والتفوق تشظت ولم تعد متركزة لدى أي قوة في العالم.
كما عنونت منظمة اليونيسكو أحد تقاريرها الأخيرة بهذه العبارة المعبرة: "التعلم مدى الحياة". ويتداول اليابانيون مقولة معبرة مفادها: "تعليم أفضل ينتج حكومة أفضل" ويقول: بيل غيتس في كتابه "الأعمال بسرعة الأفكار": إن "الإنترنت يغير كل شيء: أسلوب العمل والحياة والتجارة والتعلم".
ولا ننطلق في عرض أهم معالم منهجية تطوير التعليم قبل أن نضع مسألة التطوير ضمن إطار التحول الحضاري الجديد الذي تشهده البشرية منذ حوالي ثلاثة عقود وهو ما يعبر عنه البعض: بـ"ديناميكية العولمة" وآخرون بـ"بناء مجتمع المعلومات" (انظر على الإنترنت محاضرات المؤتمرين الدوليين اللذين عُقدا على التوالي في سويسرا وتونس حول مجتمع المعلومات مؤخرًا).
وآخرون سموا هذه الديناميكية الجديدة بالتحول إلى "اقتصاد المعرفة". وآخرون يتحدثون عنه (1/140)
صفحة 141
بعبارة: التحول على "المجتمع ما بعد الصناعي" حسب دانيال بيل، و"مجتمع ما بعد الرأسمالية" حسب بيتر دراكر. و"العصر الرقمي أو السيبري" حسب بيار ليفي مثلا.
ولكني لا أجد من تعبير أدق عن التحول الجاري أفضل من الرؤية المستقبلية لعالم المستقبليات الصناعي الأمريكي ألفن طوفلر الذي عبر عن هذا التحول الحضاري الجاري بـ"الانتقال إلى الموجة الحضارية الثالثة (التي رمز لها بثورة الحاسوب التي انطلقت منذ حوالي 1945م) تمييزا لها عن الموجة الحضارية الثانية (والتي رمز لها بالإنتاج النمطي الكبير، والمنطلقة منذ ثلاث قرون) وأخيرا بل أولا الموجة الحضارية الأولى (والتي رمز لها المحراث الخشبي، التي عرفتها البشرية منذ حوالي 10.000 سنة). وما تشهده المجتمعات المعاصرة من صراعات وتوترات وتغيرات ترجع بالأساس إلى الصدام بين هذه النماذج من الحضارات الثلاث التي تطبع بمميزاتها عوالم الاقتصاد والحروب والسياسة والإدارة والتعليم والإعلام والنقل والاتصال والأسرة والثقافة والدين.
وإذا تأكد لدينا أن التحول محسوس في مجتمعنا بدوره بمخاضاته وصراعاته، بفرصه ومخاطره، فإننا نتساءل بين يدي هذه المداخلة سؤالان اثنان نحاول الإجابة عنهما:
- ما هي أهم خصائص هذا الانتقال في ميدان التعليم والتربية والتكوين والتطوير والتنمية البشرية؟
- ما هي أهم معالم التطوير في منظومة التعليم استجابة لتحديات التحول الحضاري الجاري؟
أولا: أهم خصائص التحول الكبير الانتقالي في ميدان التعليم:
1ـ من المعارف الموضوعية شديدة التجزئة والمتخصصة 1ـ إلى المعارف التركيبية المتكاملة العابرة للاختصاصات
2ـ من مجتمع صناعي يرتكز على المواد الطبيعية ورأس المال والعمل العضلي كمصدر للقيمة المضافة 2ـ إلى مجتمع ما بعد صناعي يرتكز على المعارف كأكبر مصدر للقيمة المضافة
3ـ من القيام بالتدريس في عملية التعليم 3ـ إلى القيام بالتعلم خلال عملية التعليم
4ـ من تدريس بوسائل كلاسيكية غير تفاعلية 4ـ إلى تدريس بتكنولوجيات متفاعلية رقمية متعددة الوسائط
5ـ من الهياكل التنظيمية هرمية جامدة، في طور الاندثار 5ـ إلى الهياكل التنظيمية شبكية، في طور الاستكشاف
6ـ من تكاليف مرتفعة ومردودات ضعيفة 6ـ إلى تكاليف مرتفعة في البداية ثم مردودات متزايدة
7ـ من الرتابة والانغلاق على المحلية (اللاتفاعلية) 7ـ إلى الحيوية والانفتاح على العولمة (التفاعلية)
8ـ من البطء والجمود في البرمجة الزمنية 8ـ إلى السرعة والمرونة في البرمجة الزمنية
9ـ من تعليم جماهيري نمطي (ساحق للتعدد الثقافي) 9ـ إلى تعليم لا نمطي مشخصن (منفتح (1/141)
صفحة 142
على التعددية الثقافية)
10ـ من تعليم مرتكز على التلقين والحفظ والتلقين للمعلومات 10ـ إلى تعليم مرتكز على الفهم والتفكير المنهجي الإبداعي
11ـ من تعليم مرتكز على المعلم والأستاذ والبرنامج 11ـ إلى تعليم قائم على مبدأ الشراكة: أستاذ ـ طالب، معلم ـ تلميذ
12ـ من التعلم تحت الكفالة في مكان وزمان محدد 12ـ إلى التعلم الذاتي في كل مكان وزمان
13ـ من موارد تعلم محدودة 13ـ إلى موارد تعلم هائلة ( www)
14 ـ من قطاع عام + خاص 14ـ إلى قطاع خاص + عام
ثانيا: غايات وتحديات وإشكاليات التعليم في ظل مجتمع المعلومات:
2ـ1) ـ الغايات الأربعة الكبرى للتعلم في عصر المعلومات حسب تقرير اليونيسكو المعنون " التعليم: ذلك الكنز المكنون" الصادر أواخر التسعينيات:
1ـ تعلم لتعرف
2ـ تعلم لتعمل
3ـ تعلم لتكون
4ـ تعلم لتشارك الآخرين
2ـ2) ـ التحديات الرئيسية التي تواجه تطوير التعليم في مجتمعنا:
1ـ الاقتصاد والتمويل
2ـ التكنولوجيا
3ـ المناهج والمحتويات التدريسية
4ـ الفلسفة والغايات
5ـ التدريب
6ـ التغيير التنظيمي والفعالية الإدارية
7ـ أساليب التدريس
8ـ التوجيه والتشغيل
9ـ التعلم الذاتي من خلال الإفادة من إمكانات غير محدودة للتعلم الإلكتروني الذي يعرف بأنه: " حالات حيث الحوار والتعاون الاجتماعي وتكنولوجيا الاتصالات المعلوماتية لها دور رئيسي في التعلم واكتساب المعرفة" (3)
2ـ3) ـ إشكاليات تواجه تعليم وتربية المستقبل: (تعليم وتربية المستقبل لا مستقبل التربية والتعليم الحالي)
هي إجمالا إشكاليات الإصلاح المعرفي والهيكلي والتمويلي والوسائلي .. الخ، لكن يمكننا أن نعدد (1/142)
صفحة 143
بعضا منها:
1ـ إشكالية ديمقراطية التعليم: المساواة الاجتماعية والثقافية (الداورينية الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية) وأهمها المساواة في الفرص/ L'égalité des chances
2 ـ تطوير البحث العلمي التربوي
3ـ إشكالية التوجيه والموجهين
4ـ إشكالية القطاع العام والخاص
5ـ إشكالية التعليم العام والتقني
6ـ إشكالية التسرب المدرسي والجامعي
7ـ إشكاليات تمويل التعليم (التعليم مشروع اقتصادي أيضا)
8ـ السياسات الحكومية: التربية قضية دولة
9ـ التعليم والأيديولوجيا والسياسة والدين (العلمنة + الدين)
10ـ التفاوتات الجغرافية والجهوية
11ـ إشكالية لغة التعليم واللغات الأجنبية
12ـ دور وسائل الإعلام وشبكات المعلومات في التعليم والتربية (الإنترنت: مخاطر وفرص)
13ـ الاقتصاد والتربية والتعليم: إشكالية صناعة التربية والنشر والإعلام (سيطرة الاحتكارات ولغة الربح ومنطق التنميط)
14ـ دور البيت أو الأسرة في دعم المجهود التربوي والتعليمي
15ـ إشكالية الإدارة التعليمية
16ـ رهانات التخرج والتشغيل (سوق العمل: إشكالية المنافذ)
17ـ إشكالية الجنس والتعليم: المساواة ذكور وإناث+ التعليم والتثقيف الجنسي
ثالثا: أهم معالم التطوير في منظومة التعليم استجابة لتحديات التحول الحضاري الجاري:
يمكن الاستناد إلى نظرية تبلورت لدى التربويين الغربيين المعاصرين: وهي نظرية الأركان التسعة لتطوير التعليم (4) وتلخص بالأرقام بنظرية: 1+ 4 + 4 وفيما يلي بيان لها:
(1) = الرؤية الاستراتيجية الواضحة +
+ (4) = الأركان الأربعة للعملية التكوينية = المكون + المنهاج + الإدارة + الطالب +
+ (4) = الأركان الأربعة للقدرة التنافسية = تدريب المكونين + التكنولوجيا + الخدمة المتميزة + الإبداع.
وهذا شرح مفصل عن مكوناتها:
أولا: الرؤية الاستراتيجية+: وهي الغاية الكبرى التي ينشدها أي مشروع إنساني وينبغي أن تفصل على أهداف إجرائية/ عملية / جزئية دقيقة. (1/143)
صفحة 144
والهدف الإجرائي هو الهدف المرحلي الجزئي العملي الذي توضع بموجبه الرؤية الاستراتيجية موضع التجسيد العملي وتظهر ضمن مفاصل العملية التعليمية.
ومن شروط الهدف الإجرائي: أن يكون واضحا، محددا، واقعيا، قابلا للقياس.
ثانيا: الأركان الأربعة للتعليم = المكون (ة) + المنهاج + الإدارة + الطالب (ة) +
2ـ1) ـ المكون: (المعلم أو الأستاذ):
المكون أول أركان العملية التعليمية. ونحن نعلم أول مكون لأي إنسان هي الأم ابتداء من الأم الحامل: ففي عقد التاسع من القرن العشرين بدأت الأمهات " المدرسات" [اليابانيات] يتحدثن عن " التعليم في الرحم" حيث يفضي ترديد الأم الحامل للأرقام والكلمات إلى إعطاء الجنين ميزة بداية تعليمية مبكرة. وفي اليابان حيث التعليم ما قبل المدرسي إجباري بدأت تظهر للوجود مراكز خاصة بالفئة العمرية من عام إلى عامين.
وفي حصة بثتها مؤخرا قناة المجد القرآنية خلال ظهر يوم الثلاثاء 19 أفريل 2005م تم التعريف بالقراء النوابغ ومنهم طفلة في سن السادسة حفظت القرآن حفظا جيدا مع إتقان قواعد التلاوة وقد كانت دراستها ما قبل المدرسية في دار الأرقم بن أبي الأرقم القرآنية بالقاهرة وقد أثارت دهشة أمها ومعلميها حيث أنها كانت تحفظ القرآن على أمها التي تلقنها بدورها مرة إلى مرتين فتحفظ بداية الثمن والجزء وكانت تقول لأمها أنها كانت تشاهد حصة القرآن خلال منامها وترددها.
التعليم خلال اللعب والمفروض أن يكون الطالب هو أولها لأن العملية التعليمية في مدرسة المستقبل أصبحت ترتكز على الطالب وإن شئنا الدقة أكثر أصبحت علاقة شراكة: أستاذـ طالب.
ولابد للمكون من تكوين خاص حتى يتمكن من أداء مهمته النبيلة والحساسة على أفضل وجه، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. إذا، إن أول ضمانات وشروط النجاح والتفوق للتلاميذ والطلبة هو المعلم الذي ينبغي أن يتخرج من مدرسة خاصة بتعليم المعلمين والأساتذة والتي عليها أن تزودهم بعلوم ومهارات التكوين اللازمة من تكوين نفسي تربوي تربويـ اتصالي تربويـ اجتماعي. كما تقتضي المتابعة الجيدة لمردود المكون التعليمي والتربوي خضوع المعلم للتفتيش المفاجئ الدوري. كما تقضي معايير التعليم المعاصرة تجديد الترخيص بالتعليم باستمرار كل أربع سنوات.
وكما تعتمد أعلى الشهادات لتدريس المستويات الأولى لكل مرحلة تعليمية فلا يقبل أدنى من شهادة الليسانس للتعليم الابتدائي (في سويسرا وفنلندا وسنغافورة يشترط مستوى أعلى من الليسانس للتعليم في المدارس الابتدائية كـ: الماستر والدكتوراه). كما تختص فئة المعلمين في مختلف المستويات التعليمية من الروضات إلى الجامعات بأعلى الرواتب مع توفير مستلزمات الاستقرار الأسري والتأمينات الاجتماعية والاستزادة العلمية المستمرة خلال ممارسة مهنته. (1/144)
صفحة 145
2 ـ 2) ـ المنهاج: إن المنهاج هو الطريق الموصلة إلى الهدف المرسوم. ويبنى المنهاج على فلسفة محددة ويوضع من طرف اختصاصيين في شتى الاختصاصات مع اشتراط تحكمهم في علوم التربية والاتصال واللغة.
فالمنهاج ليس هو الكتاب التعليمي كما يسود الفهم عندنا. إن الكتاب لا يمثل من المنهاج التعليمي سوى حوالي 40%، أما الباقي منه فيتمثل في الوسائل البيداغوجية التي تمكن المتعلم من التعلم الذاتي والتعلم باستخدام الأجهزة والتكنولوجيات التعليمية.
والهدف من المنهاج هو تمكين المتعلم من طرق وكيفيات التعلم الذاتي (تعلم التعلم والتعلم للمعرفة) حاليا تهتم مناهجهنا بـ" ماذا؟ " و تهتم قليلا بـ "لماذا؟ " وبـ " كيف" أي تهتم مناهجنا بنقل المعلومة على المتعلم عبر المعلم لا بالهدف الوظيفي للمعلومة وبكيفية تيسير وصولها إلى المتعلم أو بالأحرى تيسر سبل وصول المتعلم إليها بتعليمه أساليب التعلم الذاتي. وتمكنه من مهارات استخدام وسائل التعلم الإلكترونية وغير الإلكترونية كالتجهيزات المخابر والكومبيوتر والإفادة الفعالة من الإبحار عبر الأنترنت.
2ـ3) ـ الإدارة التعليمية:
من عادة المؤسسات التربوية في منظومتنا التربوية أنها توظف في مناصب الإدارة التربوية معلمين وأساتذة قدماء فتنصبهم في منصب الناظر والمدير والمستشار التربوي دون أن يحصلوا على أي تكوين عال في علوم الإدارة والتنظيم التعليمي والتربوي (ماجستير). ومن معايير الإدارة التربوية المعاصرة أنها تمنع إسناد المهام التربوية إلى شخص تربوي.
2ـ4) ـ الطالب:
وهو محور العملية التكوينية، هو المدخل وهو المخرج، هو المادة الأولية الخام وهو المنتوج النهائي المنشود. إن المتكون إنسان متفرد رغم أنه عالمي، ينبغي أن ترعى الفروق النفسية والعقلية والاجتماعية والثقافية التي يتميز بها. وكما أن التكفل الاجتماعي الشديد به يجعله كسولا متراخيا على التحصيل، فإن توفير الشروط الأساسية للتفوق في التحصيل تقع على كاهل المجتمع: أسرة وعشيرة وجمعيات ومدرسة ووسائل إعلام وحكومة.
كما أن نظام القبول والانتقال من مستوى إلى آخر ينبغي أن يخضع لمقاييس موضوعية لا إلى المجاملات والمحسوبية والغش والعصبية. وهذا مشروط بصرامة مماثلة في عالم التوظيف والتشغيل أيضا. مع ضرورة الانتقال إلى إجراء الامتحانات عبر الحاسوب لتدريب التلاميذ على امتحانات القبول الحقيقية.
كما أن الأساس في الطالب أن يتعلم التعلم الذاتي ولا يهم حفظ المعلومة أكثر من أهمية معرفته أين توجد وكيف يصل إليها، لأن الإحصائيات أثبتت أن الطالب الحفاظة لا يتذكر مما تعلم بعد شهر (1/145)
صفحة 146
إلا حوالي 15% مما حفظ فما بالكم بسنة وسنتين وأكثر. كما أن أسلوب التعليم المرتكز على التلقين والتحفيظ وإملاء المعارف (التعليم = نقل المعرفة) وتكديس أكوام من الحقائق المتفرقة التي يطلب منهم ترديدها واستعادتها عند الطلب كالببغاوات والمسجلات الإلكترونية البلهاء. إن تعليما مبني على هذا الأسلوب ينتج مواطنين (قطيعا) تابعين معتمدين على الآخرين وعلى السلطة القائمة. بينما التفكير فعل استقلالي إبداعي ابتكاري يعتمد على قدرات الخرجين الذين تعلموا التفكير المستقل والعصامية واستقلالية الشخصية والثقة في النفس مع عدم الرقابة المفطرة على الذات وتركيب عقدة الذنب إزاء ما يفكرون فيه. فالنهضات الحضارية تحتاج إطلاق عنان الطاقة التفكيرية إلى مديات قصوى حتى يتم الإقلاع وتجاوز حلقات تنمية التخلف التي ترزح فيها مجتمعاتنا.
إن السر في استمرار النهضة الأوروبية منذ حوالي ثمانية قرون وريادة الأوروبيين لقيادة قاطرة العلم والتكنولوجيات هو: التفكير الحر المفتوح حسب طوبي هف، صاحب الدراسة المقارنة المهمة حول تاريخ وسوسيولوجية العلم في الحضارات: الصينية والإسلامية والغربية: كتاب: فجر العلم الحديث، الصينـ الإسلامـ الغرب. 1993م.
إذا، المنافسة القائمة بين الأمم هي في بناء المنظومات التي تتيح لمتعلميها تنشئة وتنمية وتربية وتعليما يحفز وينمي شخصيتهم الفردية الحرة ولا يمسخهم نسخا مكررة نمطية، شخصيتهم تذوب في الجماعة التي يراد لها الاستمرار في التفكير على شاكلة تفكير السلف. فشخصية الطالب والاهتمام بالبعد الإنساني له أولوية على الامتحانات، وتعليم يتيح الاختيار وينمي روح الإبداع والمبادرة ويحرر الفكر ويحترم التنوع والتعدد ويتسامح مع المختلف.
لماذا؟ لأن التعامل مع عالم شديد التحول والتغير والترابط والتعقيد والتشابك والتفاعلية يتطلب خصائص فكرية تتلاءم مع طبيعة عصر المعلومات الذي نلجه رويدا رويدا. فمما ينبغي أن تتخلص منه منظومة التنشئة عامة تلك الخصائص النمطية للفكر السائد في الوطن العربي بالعمل على غرس الخصائص النمطية التي يتطلبها عصر المعلومات والعولمة (5).
عينة من أنماط فكر عصر المعلومات والعولمة || عينة من أنماط الفكر العربي السائد
فكر ابتكاري Creative || فكر تقليدي Traditional
فكر مفهومي Conceptual || فكر سطحي Superficial
فكر خلافي Controversial || فكر دوجماتي Dogmatic
فكر تفنيدي Contradictive || فكر استسلامي Submissive
فكر علمي Scientific || فكر لا علمي Non scientific
فكر منظومي Systemic || فكر دمجي Monolithic
فكر استشرافي Progressive || فكر رجعي Retrospective (1/146)
صفحة 147
فكر حدسي Intuitive || فكر قاطع Deterministic
فكر مبادر Initiative || فكر سلبي Passive
فكر محدد Concrete || فكر غير محدد Non concrete
فكر متوازن Concurrent || فكر توفيقي Compromising
فكر جمعي Collective || فكر فردي Individualistic
فكر عولمي Global || فكر محلي Local
فكر بدائلي Combinatorial || فكر أحادي One ـ dimensional
فكر حوسبي Computational || فكر سردي Narrative
فكر تواصلي Communicative || فكر انطوائي Introversive
فكر توليدي Generative || فكر الأمثلة Exemplative
ثالثا: الأركان الأربعة للقدرة التنافسية = تدريب المكونين + التكنولوجيا + الخدمة المتميزة + الإبداع
3ـ1) ـ تدريب المكونين:
إن التدريب والتكوين المستمر أضحى ضرورة حيوية للجميع. وهو أمر استراتيجي أكثر حيوية بالنسبة للمنظومة التعليميةـ التربوية. فالمعارف متجددة باستمرار، وكمها متضاعف في مدد قصيرة، مما يعرض ما يكتسبه المعلمون والأساتذة للاهتلاك والتقادم. ومن هنا، فإن التربويين يضعون معيارين لقياس مدى اهتمام المؤسسات التعليمية بقضية تكوين المكونين وهي:
أ) ـ معيار الميزانية الخاصة لتكوين المكونين: وهي مقدار المال المخصص لتدريب المعلمين والأساتذة وهو مقدار لا حدد حده الأدنى بنسبة 3% من ميزانية التعليم الإجمالية. ولكن تشير الإحصائيات في العالم العربي أنه من النادر أن تزيد ميزانية التدريب أكثر من 0.5% من مصاريف التعليم.
ب) ـ معيار الحجم الساعي المخصص للتدريب: ويحدده المختصون بمعدل 3 دورات تدريبية كل سنة. على أن لا يقل المتوسط الزمني لدورة 3 أيام مدة كل دورة أربع ساعات يوميا. أي بمجموع سنوي يصل حوالي: 36 ساعة.
بينما الحصيلة عندنا في العالم العربي هو متوسط دورة كل ثلاث سنوات وأحيانا دورة لكل 10 سنوات.
3ـ2) ـ التكنولوجيا:
إن تكنولوجيات التعليم والإدارة والتدريب والإعلام والمعلومات في تطور متزايد تصغيرا وتوفرا من حيث التناقص المستمر لأسعارها وسهولة ومرونة استخدامها. فقد أضحت التكنولوجيات امتداد لعضلات الإنسان وذكائه وذاكرته وزمانه، وأصبحت أداة لزيادة فعالية المنظومات الاجتماعية (1/147)
صفحة 148
المختلفة وخاصة منظومة التعليم، سواء في إدارة المدرسة وفي علاقة المدرسة بالبيت أو علاقة الأستاذ بالتلميذ والطالب.
وبدأ العمل بالتعليم عن بعد وبالتعليم الإلكتروني والتفاعلي والمحاكاتي (التعلم بمحاكاة الواقع الخائلي/ الافتراضي)، وأضح الوصول على تعليم نوعي وكمي فوري سهل متاح في كل مكان وزمان، بوسائط تكنولوجية مكتوبة، سمعية، وسمعية بصرية بمختلف المؤثرات، أمرا متاحا بشكل متزايد: إجابات فورية على الامتحانات في الكومبيوتر، الواجبات، الشهادات، التواصل مع الأولياء، مع المكتبات الإلكترونية عبر العالم بكل اللغات المتاحة لدى المتعلم والمعلم والإدارة مما يعزز قدرات التعلم للجميع.
3ـ3) ـ الخدمات المتميزة:
يقصد بها الخدمات المرتبطة بالتعليم والتكوين: فالمؤسسات التعليمية تقدم خدمة أساسية لمرتاديها هي التعليم والتربية. ولتقدمها تقديما نوعيا تساهم في رفع مردودها أو مخرجاتها فينبغي أن تهتم بـ:
أ) ـ المبنى والمرافق الأساسية: لابد أن يتوفر الهيكل المعماري الذي تتم فيه العملية التعليمية، على مواصفات تقنية وجمالية تعزز العملية التعليمية ولا تعيقها مثل: الاتساع والتهوئة وملعب ومساحات خضراء ومخابر ومقهى ومطبخ وقاعة للفنون والمسرح والمنظر الجمالي والإنارة والمياه ودورات المياه الكافية والمصلى والمكتبة متعدد الوسائط (مكتبة الطلبة ومكتبة للمعلمين) ومساكن للمعلمين والإداريين ورواتب مزجية وخدمات تأمين لهم وغيرها من الخدمات كالنقل المدرسي.
فمثلا حدد المعدل العالمي لعدد للكتب التي ينبغي إتاحتها في متناول المتمدرسين في مؤسستهم هو: 200 كتاب لكل طالب، بينما عندنا المكتبة بـ 300 طالب بينما المكتبة بـ 500 كتاب. في معظم مدارسنا لا تجد في مكتبة المدرسة الخاصة بالطلبة حوالي 50 كتاب على الأكثر. طبعا المشكلة هي توفير كم الكتب ونوعية أفضل ووسائط متنوعة للمطالعة والتثقيف الذاتي للمتعلمين مع التركيز على الكتاب التعليمي فالتثقيفي. وإجراء مسابقات لتحبيب المطالعة وتدريبهم في دورات خاصة على فنون المطالعة الفعالة لتكوين أجيال من القراء الأوفياء للكتاب الذين يكتسبون المعرفة ذاتيا بعيدا عن المنطق السائد وهو المطالعة النفعية الاضطرارية من أجل تحصيل نقطة والتفوق في المعدل دون التمتع بملكات أدبية ولغوية وتأليفية وإبداعية تحصيلية ذاتية.
ب) ـ خدمة الأخصائيين: الاجتماعيين والنفسانيين والصحيين: حيث تحدد المقاييس الدولية متوسط أخصائي لكل 200 متعلم. مع تمكن من اختصاصه ومتابعة فعلية للحالات الاجتماعية والنفسية والصحية لكافة المتمدرسين.
ج) ـ خدمة تقوية الضعاف: بالمتابعة الفورية للحالات التي تكشف عن تخلف تحصيلي وسلوكي، فقد دلت الدراسات المقارنة أن منظومة التربية والتعليم الفنلندية من أقل المنظومات من حيث عدد (1/148)
صفحة 149
المكررين والمتسربين لا يتجاوز حوالي 6 في المائة. والحال يكشف عندنا كوارث التسرب بنسب مخيفة ومن لم يصدق فلينظر لعدد المسجلين كل سنة في التعليم الابتدائي والذين يتخرجون من التعليم الثانوي.
ومن هنا أهمية تقديم خدمة المدارسة الجماعية لمشكلات الطلاب المتأخرين في جميع أو بعض المواد، حيث ينبغي أن يتشكل الفريق من: الطالب المتأخر دراسيا+ المعلمين المدرسين + الناظر + الأخصائي الاجتماعي أو النفساني + الولي.
3ـ4) ـ الإبداع:
يقول المفكر الفرنسي دانتون: " إن الهدم يتم بالمعول، ولكن البناء لا يتم إلا ببركان من الذكاء والعبقرية". ونقول بدورنا إن تخريج جيل من المبدعين والعباقرة والمفكرين والمجددين والمرجعيات والرواد (حملة العلم) رجال علم ودعوة ودولة وحضارة أمر استراتيجي حيوي آخر يلقى على كاهل المؤسسة التعليمية التي يتهمها الكثير من خبراء التربية والإبداع بأنها أضحت مقابر للإبداع والمبدعين الافتراضيين في سن الطفولة اليافعة.
فالتعليم المتمركز على المعلم لا على الطالب، على الوسائل والبنايات لا على تنمية شخصية المتعلم، على الحفظ لا على التفكير الحر ... لا يمكن إلا أن ينتج بضاعة مكررة، مفتقرة للثقة بنفسها، جبرية، مستسلمة للأمر الواقع. وهو تعليم يكرس منطق إعادة إنتاج الوضع القائم ولا يتجاوزه لأرقى منه أو أبدع.
ومن الطرق التي تمكن المؤسسات التعليمية على زيادة القدرات الإبداعية الابتكارية الاكتشافية الاختراعية القيادية لدى الخرجين:
1ـ إنشاء بنك للمعلومات في المؤسسة التعليمية.
2ـ ربط التعليم بالواقع الاقتصادي والإداري والإعلامي والسياسي بإيجاد فرص الاحتكاك الميداني بالعاملين النشطاء في جميع ميادين صناعة الحياة.
3ـ العمل مع كل طال على رسم خطة بناء الشخصية وضبط برنامج سنوي لمتابعة إنجازه للوصول بهم إلى مستويات من الإنجاز للخطة.
4ـ إنشاء نوادي متخصصة في فنون التحرير الصحفي والإعلاميين السمعي والبصري ونادي الأنترنتيين والتدريب على استخدام الكومبيوتر وعلى الإبحار بكفاءة في الإنترنت وتصميم موضع مؤسساتية وشخصية ومتخصصة على الويب وتكوين نوادي الفلكيين نادي المستقبليين وآخر للمخترعين الشباب وربطهم بالصناعيين والمستثمرين .. الخ
وغيرها من الوسائل المحفزة على إطلاق الحرية والخيال المبدع لرجال ونساء الغد. لأن الاستعداد لمجتمع 2030 إلى 2050م يقتضي المراهنة المخططة على جيل يكسب التحدي بجدارته ومهارته وإيمانه وتوكله. (1/149)
صفحة 150
في الأخير نقول إن هذا غيظ من فيض و"أحلام اليوم حقائق الغد، وأحلام الأمس حقائق اليوم"، كما يقول الإمام الشهيد حسن البنا. فنحلم بتعليم مغاير للنمط السائد في مجتمعاتنا، ولنسع دون خلفيات إلى نقاشات جادة حول مصيرنا التربوي والتعليمي. ولنعط الفرصة لتتنافس التجارب الجديدة مع المتجددة والجديدة مع الجديدة. ولكن لنضع الأساس المشترك للنماذج التي يجري تجريبها هنا وهناك من خلال الاتفاق على الحد الأدنى لخصائص إنسان المستقبل، مستعينين بخبراء تطوير الشخصية المسلمين والغربيين، علنا نصل على ذلك الحد الأدنى من الاتفاق حول خصائص الفرد الإباضي 2050م ذكرا وأنثى بنظرة شاملة متكاملة بين دوائر هويته المتعددة الأبعاد بحيث لا يغلب بعد بعدا آخر. لأن المنعطف الذي يمر به المجتمع الإباضي الجزائري وتمر به البشرية كلها يلح على ضرورة الإصلاح بل التثوير لمنظومات التعليم والتربية حتى نتلافى مستقبلات متشائمة لا قدر الله. والله المستعان.
--------------------
الهوامش
(1) - الموضوع عبارة عن محاضرة ألقاها الكاتب خلال الأسبوع الثقافي الرابع والعشرين لجمعية الوفاق ببسكرة، خلال أيام 15 - 20 ربيع الأول 1426هـ/22 - 29 أفريل 2005م، تحت شعار: التعليم والتعلم ... واقع وطموح، بنفس هذا العنوان.
(2) - تجربة المدرسة العلمية الجديدة بالحميز وكلية المنار للدراسات الإسلامية وكلية الدراسات المنهجية بالحميز ومعهدي الحياة بالقرارة والإصلاح وعمي سعيد بغرداية والمعهد الجابري ببني يزقن وغيرها من المحاولات التجديدية الكائنة والمرتقبة والمأمولة في ميزاب وخارجه.
(3) - انظر على الإنترنت: أنيتا فيورك. " تحديات التعلم الإلكتروني"، محاضرة لها في مركز التعليم عن بعد، الندوة الدولية، أوسلو- السويد، 5 يونيو 2001م.
(4) - انظر حوار خاص مع الدكتور طارق سويدان. حول موضوع تطوير التعليم. حصة آفاق. قناة اقرأ الفضائية. يوم 27 ديسمبر 2004م. بتصرف وإثراء من المحاضر.
(5) - د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، العدد 265 من سلسلة عالم المعرفة، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. يناير 2001م. ص166. (1/150)
صفحة 151
السر الأول في عبقرية الأستاذ وزعامته
للمرحوم الشيخ:
حمو بن عمر فخَّار
تقديم الأستاذ الشيخ: بالحاج بن سعيد شريفي لمقال المرحوم الشيخ حمو فخار الذي كان ينشر مقالاته باسم: "فريد":
وَفاءً لأصدِقائِنا وزُملائَنِا الأدباء الذين لبَّوا نداء ربِّهم راضين مرضيًّا عنهم إن شاء الله ننشُرُ في هذا العددِ من المجلَّة المباركة بعض ما كان يُنشَر في سَلفَهِا وفي سالف عهدِها: "جريدة الشباب" التي أصبحت فيما بعدُ "مجلَّة الشباب"، ثم "مجلَّة الحياة". وسيرى أبناؤُنا طلبة المعاهد الثانويَّة وخرِّيجُو الكلياتِ التفكيرَ السديدَ لأسلافِنَا في مدرسة الشيخ بيُّوض، وأسلوبَهُم الأدبيَّ الرفيعَ الذي كانوا يُحلُّون به مقالاتهم ومراسلاتِهم، وكثيرًا ما كانت تُقدَّم مقالاتهُم تلك وخُطبُهم عفوًا، وتنُظَمُ قصائِدُهم ارتجالاً بنت يومِها أو ساعتها؛ مثل قصيدة صدِيقنا الأستاذ: قرادي إبراهيم (الحاج أيوب إبراهيم بن يحي) لمَّا كان في الأربعينيات طالبا في "معهد الشيخ بيوض" سابقاً، "معهد الحياة" الآن بالقرارة.
رحمهم الله جميعا ونَفَعَنا بما خلَّفوا من آثار طيِّبة كانوا يَرجُون بها إعلاء كلمة الله، ونصر كتابه الكريم، ونشر لسانه المبين.
ـ بالحاج بن سعيد شريفي ـ
السر الأول في عبقرية الأستاذ وزعامته (1)
تفاؤلاً بمستقبل هذه المجلة العربيَّة التي وُفِّقَت جمعيةُ الشباب إلى إصدارها من جديد للمبرزين من أبنائنا بمعهدنا البيوضيِّ الزاهر ـ نصطفي لغرَّة أعدادها، ونختارُ لافتتاحية مقالتنا بها درَّة من ترجمة حياة الأستاذ حفظه الله، تيمُّنًا بطالعه السعيد، وذكرهِ العاطر؛ وهي درةٌ لا تزال إلى اليوم مكنونةً في أصدافها لم تقع عليها عينُ ناظر، ولم تعثر عليها يدُ غوَّاص ... !!! كأنَّ الله أخفاها، وأسدل عليها الأستار - وهو كذلك بلا ريب - ليزدانَ بها عِقدُ هذه العروسِ الحسناءِ في ليلة زِفَافِها، ويكونَ قلمُنَا هو الذي يتشرَّف بتحلية جيدِها بعِقدِ هذا المقال المرصَّع بتلك الدرَّة الغالية .. !!!
وحياةُ الأستاذ كلُّها عِقدٌ ثمين، لا يحوي سِلكُه غير الدُّرر الغوالي من روائع الآيات التي تُنافِسُ كلُّ واحدة منها الأخرى، وترى أنها بواسطة العقد أولى ... ولكن الذي يحدو بنا إلى اقتطاف هذه اليتيمة من بينهن في هذه المناسبة الجميلة مناسبةِ إصدار أوَّل عددٍ من مجلَّتنا، وأن نزفَّها تحفةً سنيَّة لقرائنا، أنهَّا الشرارة الأولى التي انشقَّ منها روح حياة الأستاذ، والبذور التي نجمت عنها دوحة زعامته الزاهية، والنبع الذي انفجر منه نمير عبقريته الصافية. والمؤرِّخ الذي يتصدَّى لتدوين تاريخ الأستاذ ولا يجعل أساسَه هذه اللَّبِنَة النورانية ـ التي هي في بناءِ تاريخه العظيم بمثابة الحجر الأسعد في بناء الكعبة ـ لا يصنع شيئاً ... (1/151)
صفحة 152
سألتُ الأستاذ حفظه الله يومًا عن جَدِّه - القائد كاسي- الشهير، وكان يحدّثني عن حُسن رعايته له، وشدَّة حبِّه إياه، ويقُصُّ عليَّ من مظاهر دهائه وذكائه، وسياسته ونفوذ سلطانه، ما جعلني من شدَّة الإعجاب به أحسبه يحدِّثني عن داهية العرب، وأوَّل ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان.
سألته: هل كان لجدِّه حظٌّ من الثقافة بجانب هذه المواهب الجبَّارة أعانت على تهذيبها، وساعدت على ظهورها ونضوجها وكمالها ... ؟
فقال حفظهُ الله: لم يَذق جدِّي طعم الثقافة بمدرسة نظامية، ولا تتلمذ لأيِّ إنسانٍ قطُّ. نعم: كان شغوفًا بالمطالعة في أوقات الفراغ، لكن الذي هذبه وكوَّنه- وهو أعظم أستاذ- إنما هو التجارب والحوادث.
غير أني لم أقتنع، ولم تطمئن نفسي فسألتهُ ثانيًا: عمَّا إذا كانت له علاقة بشخصية مثقَّفة في عصره ينادمها، أو يجاذبها أطراف الحديث أحياناً في المسائل العلميَّة، ويستسقي منها ناضج الآراء، وتمدُّه بسامي الأفكار ... ؟
فقال: لا .. لم تكن له بأي إنسان علاقة من هذا النوع قطّ. وحتى في تدبير أموره السياسية ما كان يستشير أحدًا فيما يفعل أو يدر، لِمَا رُزق من سعة الحيلة، وفَرط الدهاء، وشدَّة المعرفة بطُرق السياسة وتلوُّناتها وتقلُّباتها، بحيث لا يُعجزه وضع خطَّة، ولا يحيِّره مرَّة حلُّ مشكلة مهما تعقَّدت، واستعصى أمرها .. اللهم إلاَّ ما كان من أمره مع (القطب) رحمه الله؛ فقد كان - رغم بُعدِهِ عنه في المسافة والقُربى - شديدَ الحبِّ والاحترام له؛ يُكرم وِفادته، ويبالغ في تعظيمه كلَّما زار بلدته القرارة. وكان هو الوحيدَ الذي أخلص له الودَّ، واعترف له بالشرف وعلوِّ المكانة في العلم من بين قواد الوادي وأغلب زعمائه.!!!
ولم تقِف به مروءتهُ وأريحيتهُ إزاءه، وصدقُه في حبه وإخلاصه في تقديره عند مجرَّد الاعتراف بعلمه، والكف عن مناوأته، وعدم مشاركة الأعداء في مطاردته فحسب؛ بل كان يستزيره أحياناً ويستفتيه، ويستضيء برأيه، وربما حماه وناصر فكرته، وتعصَّب لرأيه، ووقف بجانبه حتى في جمهور من النوَّاب والقواد، غير مبالٍ بمصادمتهم، ولا آبه بغضبهم وحنقهم، الأمر الذي كان ذوو المقامات والوظائف الرسمية يتحاشاه ويحذره كل الحذر خورًا وجبناً!!!
قال الأستاذ حفظه الله: وبلغ يوماً في مناصرته له ومعاضدته إياه أن ضمَّت (القطبَ) وبعض قوادِ الوادي وأعيانه جلسة فرأى أن يغتنم فرصة اجتماعهم، فيعرض عليهم فكرةً مما كان يختلج في صدره ولا يستطيع إبدائه وبثه لِمَا كان يُعامَل به في بلده وفي أغلب القرى من الجفاء، ويُقابل به من هجر ومطاردة واضطهاد خُنقت به أنفاسُه، ورُمي بالكفر والزندقة والإلحاد في كل ناد.
رأى أن يعرض عليهم فكرة لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويرجعون عن ضلالهم القديم فيعتنقوها، وتتحقق على أيديهم - وهم أهل الحل والعقد- فتنتشر في كامل البلاد ... غير أنه ما كاد يبوحُ (1/152)
صفحة 153
بها بينهم، ويسألهم عما إذا كانت ممكنة التنفيذ؟ حتى تحزَّب الحاضرون ضدَّه، وتنكروا له، ولم يبق في المجلس من يناصرُه أو يسرِّي عن قلبه، إلاَّ القائد كاسي؛ فقد انبرى فيهم كالأسد الهصور، وأنقد الموقف بما أكبتهم وأخزاهم بقدر ما رفع من قدر (القطب) وأعلاه، قائلا بكل صراحة وتأييد: " إنما نحن لرأيك أيها الشيخ متبعون، وبه على مرِّ الزمان آخذون".
قال الأستاذ: ذلك هو كل من عرفه جدِّي من الشخصيات العلمية البارزة في عصره، ودان بها، واعترف لها ... فقلت له وأنا شديد الإعجاب بما أسمع: حُقَّ -والله - للنفس العظيمة أن لا ترتاح إلا لمثيلتها في العظمة، وصنوِها في التفوُّق، فكلُّ قرين إلى شكله، وكلُّ زعيم إلى كُفئه؛ فلعمري ما كان يليقُ بتلك الشخصية السياسية البارزة إلا هذه الشخصية الدينية الفذَّة. وما مَثلُهما في صداقتهما وعظمتهما إلا كمثل النجاشيِّ الملك، ومحمد الرسول .. !!!
ثم استأنف الأستاذ حديثه في غبطة وارتياح، فقال:
وهنا نقطة تاريخية جديرة بالاعتبار، رويتهُا عمن أثق به ممن حضر تلك الجلسة - وهي النقطة الوحيدة التي لا يعرفها اليوم أحد سواي ...
فقلت في نفسي: بُشرى! هذه هي الحقائق التي أنشدُها، والأسرار التي أنقِّب عنها في تاريخ هذا العبقري العظيم. مما يكشف عن أسرار عظمته، ويزيح الغموض عن كُنه شخصيته، فقد طالما عظم شغفي بها، وتاقت نفسي إلى استكناه دقائقها وتتبع جزئياتها.
ثم تابعت إقبالي عليه أسأله بكل لهف وشغف؛ وما ذاك أبت العزيز ... ؟
فقال: لم يكد جدي يفرغ من جوابه الحاسم للقطب في هذه الجلسة التي حدَّثتك عنها، حتى انطلق لسانه [أي القطب] رحمه الله انطلاق السجين من الأسر يردِّد هذه الكلمة ويعيدها:"اللهم ارزقه من صُلبه ولدًا يُحيي العلم، اللهم ارزقه من صلبه ولدًا يحيي العلم ... !!! ".
فما سمعتُ هذا النبأ العظيم ... حتى طفقتُ أكرِّر بيني وبين نفسي: لله العجب ما أشبه هذه الدعوة بدعوة إبراهيم.
نعم؛ إن هذه الدعوة التي بعث بها القطب - يرحمه الله - وهو يرفع قواعد الدين، وينشر مبادئ الإيمان بين المسلمين، لَعَينُ تلك الدعوة التي بعث بها إبراهيم وهو يرفع القواعد مع البيت وإسماعيل {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمُ ءَايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 128 - 129] فذهبت مجللة تدوي في عالم السماوات تتلقاها الملائكة بأجنحتها الخضراء، واحدًا واحدًا، إلى أن بلغت ذروة العرش، فما برحت أن انقلبت من الملكوت الأعلى، وقد أذن الله لها بالقبول، روحاً زكية طاهرة، وعادت من المحل الأرفع نفسًا حرة كاملة، وآبت إلى الناس رحمة شاملة، في شخصية (1/153)
صفحة 154
محبوبة سامية ... هي شخصية محمَّد صلى الله عليه وسلم في المرسلين، وشخصية "أفلح" رعاه الله في العلماء العاملين!!! فاعجب لها دعوة يدعو بها إبراهيم فتنجبُ محمَّدا، واعجب لها كيف يدعو بها محمَّدًا فتُنجب إبراهيم .. !!!
لله أنت أيها العظيم ما أعظم منَّتك على الأمَّة الميزابية والجامعة العربية، والدولة الإسلامية .. !!
ما أسعد نفسك وأيمن ناصيتك، وأكرمك على ربك يا "أفلح"! وما أوفر أجرك، وأعلى مقامك، وأهنأ سعادتك في الخلد يا منجب "أفلح"!!
هذه هي شخصية "أفلح" التي أُخرجت للناس مثالاً من الطهر والنبل في الأخلاق، تُشيد أرفع حصنٍ في المملكة الإسلامية بالسنة والقرآن، وتدرِّب على اللغة العربية أعظم فيلقٍ من جنود الإسلام ...
هذه هي الشخصية التي ألقت إليها بمقاليد الزعامة أمَّة كاملة في أمور دينها ودنياها، كما ألقت بها لموروثه المصطفى محمد بن عبد الله!
هذه هي شخصية "أفلح" الذي كان دعوة "القطب"، كما كان "أحمد" دعوة "الخليل"، والذي نشأ في حضانة امرأة تدعى "حليمة" كما كانت تدعى حاضنة المختار ... وشبَّ وترعرع في كفالة جده سيد القرية، ورئيس القواد، وسلطان الوادي كما شبَّ صلى الله عليه وسلم في كفالة جدِّه عبد المطلب سيدِّ البطحاء، وزعيم قريش، وأمير البيت ... !!! فهل كان عجيباً ممن طابت مثله مغارِسُه، وكرُمَت أصولهُ وفروعُه، أن يكون في أمته، الإمامَ "أفلح" في دولته؛ يشيد بنيانها، ويُعلي كيانها، ويحمي ذمارها، ويُرجع سلطانها ... ؟ بلى، وإنه لجدير ببلوغ منزلة محمد في مملكته إذا وجد من أبنائه أجنحة يطير بها مثل جناحي الأنصار والمهاجرين والحواريين.!!!
لبيك "أفلح" لبيك، كلنا أجنحةٌ تَقيكَ، وتُعليكَ، وتَفديك، وما هذه المجلَّة إلا لِنشرِ دعوَتِك وآرائك في الأصقاع وإبلاَغ صوتِك، ونشر صِيتِكَ في الآفاق؛ فروِّ - يا رعاك الله - بالبلاغة النبوية أقلامها، وثقِّف بالبيان الساحر والحكمة البالغة لسانها، وادعُ ربك أن يثبِّت على الصراط السوي أقدامها، ويجعل الحقَّ والصبرَ شعارَهَا ودِثَارَهَا؟؟؟، وأن يمدَّ في حبل حياتك حتى تراها وقد بزغت كالشمس في سماء القُطر، وتبوَّأت بين مصافِّ المجلات الرفيعة في الأمم العربية مقعدَهَا، ورفعت باستقلال الشمال نداءها، وأعلنت بإمامتك العظمى عليه فوافتك تجرُّ أذيالها ..
فريد
تعليق الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) رحمه الله على مقال المرحوم الشيخ حمو فخار في "جريدة الشباب":
"الشباب": ولله أنت يا فريدًا في الغوص على حِكم الله وأسراره في خلقه، ما أبدع هذه المقارنات، وما أعظم توفيقك واهتداءك إليها، وما وفَّقك الله إليها وأجراها على قلمك إلاَّ ليجعل من هذه المقارنات حقائق نؤمن بها وتُرينا عجيب أمر الله، وتُطلعنا على حكمته في خلقه، وتزيدنا إيمانًا بعبقرية الأستاذ وعظمته. سبحانك اللهم ما أعظم شأنك وما أعزَّ سلطانك ..
عدُّون
------------------
الهوامش
(1) هو أستاذنا الجليل الإمام الشيخ إبراهيم بيوض -رحمه الله -. (1/154)
صفحة 155
الشيخ عبد الرحمن بكلي شاعر الإصلاح
الدكتور: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
أستاذ بمعهد المناهج ـ الجزائر ـ
إنَّ الشيخَ عبد الرَّحمن بن عمر بكلِّي متعدِّد النشاط والجهاد، فهو ضليع في ميادين الشريعة ومصادرها، وهو مرشد ومربٍّ يؤدِّي رسالة المعلِّم الحقيقيَّة؛ حيث لا يكتفي بتقديم المعارف، بقدر ما يحاول إسداء النصائح والإرشادات التي تسهم في بناء النُّفوس وتكوين الرجال، وإعداد النَّشء لتحمُّل أعباء الحياة الثقيلة ومسؤوليَّاتها الخطيرة؛ يبدو ذلك جليَّا في التقارير التي كان يُعدِّها نهاية كلِّ سنة دراسيَّة عن مدرسة لفتح بمدينة بريَّان.
وهو مؤرِّخ محقِّق، يُعنَى بتسجيل الأحداث، وتدوينها في مذكِّراته، وقدير على استنطاق الوقائع والوصول إلى نتائج مهمَّة، تفسِّر كثيرًا من الأمور. كما له اطِّلاع كبير على التاريخ، بِخاصَّة سير الرجال العاملين، تشهد بذلك المقدِّمات التي كان يضعها لبعض الكتب التي حقَّقها، والإجابات التي كان يسعف بها كلَّ من سأله، وكذا بعض مؤلَّفاته ومقالاته.
وهو مُفتٍ مقتدر، يبصِّر الغافل ويهدي الضَّال، يظهر ذلك في فتاواه، حيث يتَّصف بروح عالية من أخلاق المفتي، كالسماحة والبعد عن التعصُّب المذهبي، والشجاعة في إبداء الرأي في المسائل المستجِدَّة والقضايا المستعصية، يُقَدِّم كُلَّ ذلك بفكر متفتِّح متنوِّر.
وهو مصلح ديني واجتماعي، أسهم مع زملائه في إصلاح المجتمع، ومحاربة البدع والخرافات، وبثِّ الوعي الديني بالوعظ والإرشاد في المساجد والمناسبات، والتعليم في المدارس، والكتابة في الصحف، والتأليف والتحقيق.
وهو أديب، ينظم القصائد الرّائعة، ويحرّر الفصول الأدبيّة المطوّلة، ويدبّج الخطب البديعة، وينقد (1/155)
صفحة 156
الأدباء الكبار ويناقشهم مناقشة، تكشف عن إلمامه الواسع بالأدب، وامتلاكه حِسًّا مرهفًا وذوقًا أدبيّا رفيعا.
في هذه الصّفحات نحاول التّعريف بشعره تعريفا متواضعا، وتقديم صورة أوليّة عنه؛ لأنّنا نفتقر إلى معطيات كثيرة تساعدنا على دراسته دراسة موضوعية وافية. منها عدم توفّر كلّ ما نظمه بين أيدينا، وغياب كثير من المعلومات عمّا ورد في شعره، وعجزنا عن فكّ بعض الألغاز فيه، ومنها عدم توفّر الوقت الكافي لدراسته دراسة نقديّة.
ومن جملة المجالات المجهولة في شخصيّة الشّيخ الجانبُ الأدبي، وبِخاصّة ميدان الشّعر، فقرّرنا الكتابة فيه. بما أنّ تناول هذا الجانب كلّه غير ممكن للأسباب التي ذكرناها سابقا، فإنّنا اقتصرنا على موضوع الإصلاح في هذا الشّعر، وضيّقنا من حيّز الدّراسة فركّزنا على ما تناوله في شخصيّة الشّيخ بيّوض؛ لكثرة ما نظمه عن هذه الشّخصيّة، ولأنّها تمثّل الجانب الإصلاحي الذي يريد الشّيخ عبد الرّحمن الكَشفَ عنْه، وتُجَسّدُ الأفكار التي يهدف إلى إبرازها. وقد تناولنا بعض ما كتبه عن الشّيخ بيّوض، ودرسناه دراسة موضوعيّة متواضعة، ولَمْ نَدْرسه دراسةً فنيّة معمّقة. سيكون للدّراسة الشّاملة مناسبة أخرى إِن شاء الله.
نشير إلى أنّنا أطلنا في عرض بعض النّصوص لإطلاع القارئ على أدب الشّيخ؛ لأنّه غير متداول ولا معروف، ولا هو في المتناول. كما سمحنا لأنفسنا بتفكيك بعض ما جاء في الأبيات المستشهد بها، أي نثرناها لمساعدة القارئ على معرفة الأفكار التي يريد الشّيخ إيصالها له. نرجو أن يكون هذا العمل بداية لدراسة أكثر عمقا وتحليلا، وذلك حين تتهيّأ الظّروف.
الشّيخ بكلِّي شاعر الإصلاح:
يستغلّ الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي (1901 - 1986م) بعض المناسبات، وحصول بعض الأحداث، فيتحدّث عن بعض الشّخصيّات، ويسجّل بعض مواقفها، وينوّه ببعض خصائصها، ويعدّد بعض صفاتها. يستغلّ كلّ ذلك ليفصح عن الواقع الذي تعيشه الأمّة، ويكشف عن الحالات التي تستحقّ المعالجة، ويشير إلى القضايا التي يجب التّصدّي لحلّها، وينبّه إلى المسائل التي يجب أن تُولَى الاهتمام. وبذلك فهو يتّخذ الشّعر وسيلة للإصلاح والتّوجيه والإرشاد والتّوعية. من هنا فإنّ الشّعر عنده رسالة يجب أن يسخّر لخدمة الأمّة والنّهوض بالمجتمع. وهو شأن زعماء الإصلاح وشعراء الحركة الإصلاحيّة في الجزائر؛ فالشّعر عندهم رسالة مقدّسة وأمانة يجب حملها والاضطلاع بها في سبيل النّهوض بالمجتمع. وكانوا ينظرون إلى الشّعر بأنّه وسيلة للإصلاح والإحياء والتّقويم والتّوجيه والتّعليم والتّهذيب والتّكوين ... (1) وفي هذا يقول محمد الهادي السّنوسي الزّاهري (ت 1974م) عن الشّاعر الحقيقي: «إنّه ذلك الفذّ القادر الذي أوقف نفسه على بني جلدته أو بني الإنسان أجمعين ... يجاهد بفكره في سبيلهم ليهدي الضّال، ويعلّم الجاهل، ويضرب لأبناء البشر (1/156)
صفحة 157
المثل العالية في السّعادة وكمال الإنسان» (2). فالشّيخ عبد الرّحمن بكلّي لم يخرج عن هذا المفهوم، ولم يتخلَّف عن هذه النّظرة في شعره.
فحين تَفْقِدُ القرارة (بالجزائر) أسَدها الشّيخ بكير العنق (3) وحين يأخذ الحين رجل ميزاب (4) يبكيه الشّاعر؛ يرثي فيه صفاته الحميدة، ينعى فيه وطنيّته ونضاله، ومقارعته الجمود والفساد والاستعمار، ويندب فيه ما كان يحمله في قلبه من حبّ للخير وغيرة على الوطن، ويتحسَّر على ما كان يتحمّله من غصص وعذاب في طريق جهاده ضدّ كلّ أشكال الذّلّ والهوان، وكلّ أنواع الخنوع والخضوع ... ويرثي فيه ما يحمله في جَنْبه من ألوان التّضحيّة والفداء في سبيل إصلاح المجتمع.
لقد غاب أسَد القرارة -كما كان يلقّب - سنة 1934 م، في وقت عصيب على الجزائر، فترة اشتداد الصِّراع بين الإصلاح والجمود، فترة تكالب قوّات كثيرة على الجزائر: هجوم على الحركات الإصلاحيّة، تضييق عل الحركات الوطنيّة، محاصرة للمقوّمات الإسلاميّة الوطنيّة؛ من دين ولغة وتاريخ ... وسنّ قوانين إجهاض كلّ حركة، واقتراح مشروعات التّجنيس والاندماج وغيرها. (5)
في هذا الوقت الحرج الصّعب، وفي هذا الظّرف العصيب، الذي بدأت فيه الحركة الإصلاحيّة تشقّ طريقها، وتمهّد سبيلها، وتنظّم صفوفها، وتجمع شملها، وتطوّر وسائلها لإصلاح ما فسد، وتغيير الوضع نحو الأحسن. في هذا الوقت تفقد القرارة ووادي ميزاب أحد رموزها، وأبرز مفكّريها، وأحد أقوى زعمائها.
يقوم الشّاعر ليسجّل مشاعره، ويقدّم عواطفه نحو هذا المصاب الجلل:
مَا لِجَمْعِ الإِصلاِحِ يَبدُو حَزِينَا.:. ولِدَمْعِ البِلاَد ِيَجْرِي سَخِينَا
وَلِصَوتِ الإِرشَادِ مِن بَعدِ مَا كَا.:. نَ بَشيرَ الحَيَاةِ، أَمسَى أَنِينَا
وَلِرُوحِ الإِخْلاصِ مِن بَعدِ مَا كَا.:. نَ مُثيرَ الشُّعُورِ، عَادَ دَفِينَا
وَلِرَوْضِ الأَخلاَقِ مِن بَعدِ مَا كَا.:. نَ نَضِيرًا، أَمَال عَنهُ العُيُونَا
وَلِوَجهِ الوَفَاءِ وَالنُّبلِ وَالإِقـ.:. ـدَامِ وَالاِهتِدَاءِ، صَارَ مَشِينَا
وَلِوَردِ الصَّفَاءِ مِن بَعدِ مَا كَا.:. نَ زُلاَلاً، أَضحَى لَنَا غِسْلِينَا (6)
إذن إنّ الإصلاح أصبح منكوبا، بسبب انتكاسة المنجزات التي كان قد حقّقها؛ في الإرشاد والإخلاص والأخلاق الفاضلة، والوفاء والنّبل والإقدام والهداية والصّدق، وغيرها من المظاهر التي كانت قواعد يبني عليه الإصلاح بنيانه، ويؤسّس هيكله. هذه القواعد وهذه الأسس أصابها الوهن والضّعف، أو على الأقلّ هي مهدّدة بذلك؛ بسبب غياب بُنَاتِها، وذهاب أحد حماتها، ورحيل أحد المعوّل عليهم في تطوير هذه الحركة. (1/157)
صفحة 158
فالدّمع كان سخينا، والبِشر صار أنينا، والشّعور بات دفينا، وروض الأخلاق أضحى ذابلا، بعدما كان نضيرا غضّا، والشّين عوّض ما كان من الأخلاق زينا، والغسلين اسْتُبْدِلَ بالماء الزّلال ... وبالأحرى إنّ الحال تغيّرت، والأوضاع تبدّلت. قدّم الشّاعر كلّ ذلك بأسلوب التّشاؤم الممزوج بالحسرة والأسى والدّهشة. كما عمد إلى أسلوب المقابلة بين الأحوال. واعتمد وسيلة الثّنائية، التي تُعين على الكشف عن الحقائق. والتّكرار الذي يساعد على التّأكيد والتّركيز على ما يراد الإفصاح عنه. ثمّ يقول:
وَيْكَ مَا لِي كلَّما اجتَزتُ بَابًا.:. سَمِعَتْ أُذنِي البُكَا وَالرَّنِينَا
مَا أصَابَ " القَرَارَةَ " اليومَ رَبِّي.:. مَا دَهَاهَا؟ وَمَالَهُم وَاجِمِينَا؟
لا تَسَلْهَا فَقَد أُصيبَتْ بِرُزْءٍ.:. يَالَهَا نَكبَةً تَهُدُّ المتُونَا
إِنَّهَا فَقَدَتْ هُمَامًا كَرِيمًا.:. دَاعيًا لِلحَيَاةِ، دُنيًا وَدِينَا
فَقَدَت رَمزَ عِزِّهَا وَعُلاَهَا.:. وَعَزِيزَ مِيزَابَ وَالمصلِحِينَا! (7)
ثمّ يتوجّه بالخطاب إلى أسد القرارة، ويقول له: كيف تغيب عنّا؟ وكيف تبدّل بالهبوب والوثوب سكونا وهمودا؟ وكيف تتوارى عنّا وعن عرينك، وبلادُك يعيث فيها المفسدون، ووطنك يسومه الأعداء خسفا، ويحاولون له خطفا. أتختفي وقومك في حاجة إلى من ينفض عنهم غبار الكسل والرّكون؟ وإلى من يزيل عنهم أسباب الذّلّ والانهزام؟
في هذا الحديث والخطاب تعبير عن حالة العسر التي كانت تعيشها الأمّة، وإفصاح عن الوضعيّة العَصيبة التي كانَ يمرّ بها الشّعب، عبّرت عن ذلك الكلمات الآتيّة (مهينا، هونا، ذليلا، العذاب، الدّونا، انهزاما ... ):
إِيهِ يَا «أسَدَ القرارة» مَهْلاً.:. كَيفَ تَعتَاضُ بِالوُثُوبِ سُكُونَا؟
أَينَ تَذهَبُ أيُّها «العُنقُ» الفَحْـ.:. ـلُ وَهَذِي البِلادُ تُبدِي حَنِينَا؟
أَتَصُدُّ عَن البِلادِ وَقَد عَا.:. ثَ بِهَا اللُّؤَمَاءُ والمفِسِدُونَا؟
وَأرَادُوا - وَمَا أرَادُوا رَشَادًا -.:. سَلْبَهَا حَقَّهَا العَزِيزَ الثَّمِينَا؟
وَأرَادُوا -وَمَا أَرَادُوا صَوَابًا -.:. أَن يَعِيشَ الفَتَى ذَلِيلاً مَهِينَا؟
مَا عَهِدنَاكَ سَاكِتًا عَن ضَلاَلٍ.:. أَوَتَرضَى لَنَا العَذَابَ الهُونَا؟
قَد عَهِدنَاكَ لا تُقِرُّ انهِزَامًا.:. مَالَكَ اليومَ تستَلِذُّ الرُّكُونَا؟
لاَ! وَحَقُّ الإِبَاءِ وَالفَضْلِ مَا كُنْـ.:. ـتَ مُقِرًّا - لولاَ المنُونَا - الدُّونَا؟ (8)
ثمّ ينتقل ليعدّد المناقب والخصال التي كان يتّصف بها الفقيد، منها إيواء الأيتام، وإغاثة المعوزين، والإنفاق في سبيل الله، وعدم اللّين للجور، وَإباء الرّضوخ للغير. بل كان حربا على الظّلم وريحا على الضّيم، مذيقا عبيد العصا عذابا مهينا، وكان شجًا في حناجر الظّالمين ...
أيُّهَذَا الفَقِيدِ حُزتَ صِفَاتٍ.:. بَوَّأَتْكَ العُلاَ وَكُنتَ قَمِينَا (1/158)
صفحة 159
مَنْطِقًا صَائِبًا وَفِكرًا سَدِيدًا.:. وَإِبَاءً وَعِفَّةً وَيَقِينَا
وَسَخَاءً وَنَجْدَةً وَحِفَاظًا.:. وَشُعُورًا وَرَأفَةً وَاللِّينَا
فَسَخَوْتَ بِهَا لِخَيْرِ بِلاَدٍ.:. وَرَجَوتَ بِذَاكَ أَجْرًا مُبِينَا
وَصَدَعْتَ بِالحَقِّ غَيْرَ مُبَالِ.:. وَقَمَعْتَ خِيَانَةَ الخَائِنِينَا
وَأَهَبْتَ بِالقَوْمِ لِلْعِلْمِ حَتَّى انْـ.:. تَشَرَ العِلْمُ وَاهتَدَى الجَاهِلُونَا
وَنَهَجْتَ بِهِمْ إِلَى الغَايَةِ المثـ.:. ـلَى، فَأنتَ الإِمَامُ للسَّالِكِينَا
وَوَفَّيْتَ بِمَا تحمّلْتَ مِنْ عَهْدٍ.:. فَكُنتَ بِذَاكَ حَقًّا أَمِينَا
فَسَلامٌ عَلَيكَ مُذْ كَنتَ طِفْلاً.:. وَسَلاَمٌ عَلَيْكَ في الذَّاهِبِينَا
وَسَلامٌ عَلَيكَ يَا مُوقِظَ الحِسْ.:. سِ وَمُحيِي الشُّعورِ في المبعثِينَا (9)
إنّ الفقيد بما يتّصف به من خصال كريمة، وما يتميّز به من خلال عظيمة هو مبارك، كما بورك الصّالحون والتّقيّون. ما أفاد ذلك الصّورةُ القرآنيّة التي اقتبسها الشّاعر، وضمّنها البيت ما قبل الأخير. الآية المقتبسة هي التي ذكرها الله عنْ عيسى عليه السّلام: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} (10) ثمَّ إنَّ هذه الصّفات التي سجّلها للشّيخ هي ما تنسب للمصلحين، وهي المميّزات التي يَتميّز بها من يسير في طريق الإصلاح والتّغيير نحو الأحسن. وكأنِّي بالشّاعر يبرز دور المصلحين في خضمِّ معركة الحياة، وفي الوقت نفسه يشير إلى من بقي على قيد الحياة، وإلى الأخلاف السّير في نفس السّبيل، والبقاء أوفياء لنهج الشّيخ " العُنُق"، والإيماء لهم إلى تحمّل المسؤوليّة، وحمل الأعباء في النّضال والجهاد؛ للقضاء على أسباب التّخلّف والفساد، والعمل الجادّ في النّهوض بالمجتمع، والأخذ بيده إلى حيث الفلاح والنّجاح وتبوّؤ المكان العالي، وتسنّم المكانة السّاميّة. دليل ذلك ما ورد في الأبيات التي أنهى بها القصيدة:
نَمْ هَنِيئًا فَقَدْ رَحَلْتَ بِوَقتٍ.:. تَسْتَلِذُّ الأحرَارُ فِيهِ المنُونَا
وَتَركتَ الأشبَالَ بَعْدَكَ تَقْفُو.:. هَديَكَ المستَقِيمَ، تَحْمِي العَرِينَا
وَتُذِيقُ الأَنْذَالَ سُمًّا زُعَافًا.:. وَتَشِيدُ لِلدِّينِ حِصْنًا حَصِينَا (11)
كما يغتنم الشَّاعر فرصة زيارة أحد المشايخ (يبدو أنّه الشّيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض) (12) الجزائر العاصمة كما يبدو، فيعلن فرحته بهذه الزّورة الميمونة المثمرة: لقاء مع الأحبّة وتوطيد أواصر الأخوَّة، وغرس أخلاق الصّفاء والحبّ الصّادق ... يستغلّ المناسبة ليشيد بمآثر الشّيخ ومناقبه الكثيرة، التي أحلّته مكانة عليا سامقة بين قومه والعارفين للفضل:
وَأسْعَدُ أيَّام الصَّبَابة عِندَهُ.:. لَيوم يفوزُ مِنكَ بِالبَسَمَاتِ
كَيَومٍ أرانَا اللهُ فِيهِ شَمْسَ سَمَائِهِ.:. يَفِيضُ سُرُورًا وَالزَّمَانُ مُوات
فَيَالَكَ مِن يَوْمٍ سَعِيدٍ مُبَارَكٍ.:. كَخَالٍ عَلاَ يَومًا سَمَا الوَجْنَاتِ (1/159)
صفحة 160
كَواكُبُ غَيثِ السَّعدِ فِيه طَوَالِعٌ.:. وَلَيسَت لَعَمْرِ الحَقِّ بالآفِلاَتِ
وَلِمْ لاَ وَفِيهِ كَانَ شَمْلُ جَمِيعِنَا.:. نَظِيمًا بِأستَاذٍ أَخِ الحَمَلاَتِ
سَمِيُّ خَلِيلِ اللهِ مَن كَانَ مَوْئِلاً.:. لأُمَّتِهِ إِنْ تُرْمَ بِالنَّكَبَاتِ
يُنَاضِلُ عَنْهَا وَالخُطُوبُ جَسِيمَةٌ.:. بِجَأشٍ رَبِيطٍ صَادق العَزَمَاتِ
مَآثِرُهُ مَشْهُورَةٌ وَكَثِيرَةٌ.:. مَوَاقِعُهُ مَشْهُودَةُ الوَثَبَاتِ (13)
رغم الضعف الذي اتَّسمت به الأبيات، إذْ غلبت عليه التّقريريّة والمباشرة، واستعمال كلمات مبتذلة، واللّجوء إلى صور مستهلكة، والإتيان بتشبيهات عادية متداولة -وهو الطّابع العام الذي يتّسم به شعر الشّيخ عبد الرّحمن - فإنّ الشّاعر كان هادفا من خلال هذا العرض وهذا الوصف إلى مباركة جهاد الشّيخ بيّوض في طريق الإصلاح، وفيها نقرأ أيضا رغبة الشّاعر الكشف عن تضايق الإصلاح من خصومه، وصبر الشّيخ ومن معه على هذا المضايقة. يومئ إلى ذلك بقوله:
سَمِيُّ خَلِيلِ اللهِ مَن كَانَ مَوْئِلاً.:. لأُمَّتِهِ إِنْ تُرْمَ بِالنَّكَبَاتِ
ما يدلّ على ذلك إشارته إلى خصومه ممّن كان يصارعهم المحتفى به في الميدان:
سَلُوا (الأَرْضَخَ) المعلُومَ عَنهُ يُجِبْكُمْ.:. بِمَوْقِفِهِ المعرُوفِ بِالصَّولاَتِ
فَيَا لَكَ مِن يَومٍ شَهِيدٍ مُسَجِّلٍ.:. عَلَى الجَامِدِينَ الخِزْيَ وَالوَصَمَاتِ
هُوَ البَحْرُ إِنْ يَغضَبْ، هُوَ اللَّيْثُ إِنْ سَطَا.:. هُوَ الطَّوْدُ لاَ يَعتَدُّ بِالصَّدَمَاتِ
هُوَ البَطَلُ المِغْوَارُ وَاللَّسِنُ الذِي.:. إِذَا قَالَ أَجْلَى الشَّكَّ بِالبَيِّنَاتِ
فَهَذِي صِفَاتٌ قَد حَبَاهُ إِلَهُهُ.:. بِهَا، وَهُوَ مُعِطِي الخَيرِ وَالرَّغَبَاتِ (14)
إنَّ في النص إشارة خفيّة إلى الصّراع الذي كان سائدا بين الشّيخ بيّوض وخصومه، فالشّيخ تلقّى منهم وصمات وصدمات ... ومِنه كانت الصّولاتُ، فَكان ليثا لايجارى، ومغوارا لا يدانى، ولسنا لا يبارى. وفي هذا الوصف الأخير يلتقي الشّاعر مع "إيّاس" (الشّيخ بيّوض) في بيان انهزام خصومه في ميدان البيان والفصاحة، فهما يتحدّثان عن "الأرضخ" أحد أبطال "جلسة المخذولين" (15) قال إيَّاس على لسان "الأرضخ"، مدافعا عن الشّيخ الذي كتب مقالا يردّ فيه على المصلحين بأسلوب ركيك وفكر ضعيف، ينمُّ عن الإخفاق في صولاته: «فإنّ الشّيخ والحمد للّه في غزارة العلم وقوّة البيان ورجحان العقل واتّساع دائرة الفكر، بحيث لا يدرك له شأو، ولا يشقّ له غبار، ولو شاء لأتى بما يعجز الإنس والجنّ، ولكنّه اختار تلك الطّريقة في كتابته عن قصد وتعمّد. وكثيرا ما كانت تتساقط عليه الأساليب البليغة العالية، فيدفعها عن نفسه، ويختار من بينها الأركّ الأضعف لحكمة لا يفهمها إلاّ الرّاسخون في العلم. ذلك كلّه لحبّه الخمول الذي هو أصل كلّ خير، وكراهيّته الشّهرة، التي هي رأس كلّ خطيئة. فهو يبتعد عنها ابتعاد أحدكم من النّار. كان يخاف إذا كتب بمثل ذلك الأسلوب العالي إن ينتشر صيته، وتتّجه إليه الأنظار. فربّما داخله العجب بذلك، فأضرّ بآخرته. هذا غرضه ومقصده، شأن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم (1/160)
صفحة 161
يحزنون ... » (16).
«يعرّض الكاتب بالشّيخ، ويتندّر به، بطريقة ذكيّة خفيّة، ملمّحا إلى حقيقة شخصيّته، التي تتّصف بالضّعف والعجز عن الكتابة، والفقر إلى الأفكار السّليمة، إلى غير ذلك ممّا تتّصف به الشّخصيّة الكبيرة والزّعيم، الذي يتصدّر قومه». (17)
ما كتبه الشّيخ بيّوض يوضّح ما أثبته الشّيخ عبد الرّحمن في أبياته. ويعضد ما كان يرمي إليه من مناصرة الحركة الإصلاحيّة التّصحيحيّة، ويكشف عن الصّراع الذي كان مفتوحا على جميع الأصعدة.
وتحت عنوان "ذكرى" أو "ذكرى وترحيب" كتب قصيدة، تَعُدّ اثنين وتسعين ومائة بيت (192) تُعَدّ إحدى مطوَّلاته - رحّب فيها بقدوم الشّيخ بيّوض لزيارة مدينة بريّان بمنطقة وادي ميزاب (18). استهلَّها بقوله:
اشرَب عَلَى نَخْبِ الزَّعِيمِ وَحِزبِهِ.:. كَأسًا دِهَاقًا مِن رَحِيقِ وَلاَءِ
وانثُرْ أَزَاهِيرَ المسَرَّةِ غَضَّةً.:. فَرَحًا بِأفْلَحَ سَيِّدِ العُلَمَاءِ (19)
القصيدة كلُّها إشادة بمكانة الشّيخ بيّوض، وتعديد لخصاله، وتسجيل لأعماله، وتنويه بأفضاله، وتذكير بجهوده، وتعريف بجهاده:
عَفْوًا شَقِيقَ الرُّوحِ، صِنوُكَ عَاجِزٌ.:. وَالاعْتِرَافُ مَظَنَّة الإِغضَاءِ
عَظُمَ السُّرُورُ بِكُم فَقَيِّد مَقُولِي.:. في أَنْ يَنَالَ مَدَاكَ بِاستِقرَاءِ
فَرَأيتُ أَن أعنَى بِرِحلَتِكَ التِي.:. تَركَتْ دَوِيًّا في البِلاَدِ النَّائِي
فَأُقيِّضُ فِيهَا القَولَ أَجعلُهَا صَدىً.:. وَنمُوذَجًا يُحكَى مَدَى الآنَاءِ
فاقبَلْ وَغُضَّ الطَّرْفَ مِنكَ تَفَضُّلاً.:. وَأَعِر شِعرِي كَامِلَ الإِصْغَاءِ
وَإلَيكَ مَوعدَتِي فَهَاأَنَا شَارِعٌ.:. فِيمَا أُفَصِّلُ مِن سَنَى وَسَنَاءِ (20)
واضح أنّ الغاية التي يرمي إليها الشّاعر من تسجيل هذه الرّحلة هو بيان ما كان قدّمه الشّيخ بيّوض من أعمال جليلة إلى الشّعب الجزائري، ومن خلال ذلك يكشف عن جهود المصلحين في سبيل التغيير والتّجديد والتّطوير إلى ما هو أصلح بالأمّة. وغير خفيّ أنّ من أهداف سرد وقائع الرّحلة شحذ عزائم الشّباب لمزيد من العمل وبذل الجهد للنّهوض بالوطن، وتذكيرهم بأنّ الحياة كفاح وصراع ومعارك وتضحيّات ... للقضاء على الفساد والإجهاز على الضّلال، وإجلاء السّكون والجمود عن الحياة، والهمود والرّكون عن المسيرة. وهو بهذا الرّصد للرّحلة يقول للنّشء لكم في الشّيخ بيّوض إسوة حسنة لمن كان يرجو النّجاح في الدّنيا والفوز في الدّار الآخرة:
يَا يَومَ يَناير عَدَتْكَ كَوَارِثٌ.:. وَبَقَيتَ في الأيَّامِ كَالطَّغْرَاءِ
خَلَّدْتَ في التَّارِيخِ ذِكرَ زَعِيمِنَا.:. مُتَلألِئًا كَالكَوْكَبِ الوَضَّاءِ (1/161)
صفحة 162
تُوحِي إِلَى الأَجيَالِ مَجْدَ جُدُودِهِم.:. وَتَقُودُهُم لِلعِزّةِ القَعْسَاءِ
وَتُريهِم كَيفَ السَّبِيلُ إلى العُلاَ.:. كَيفَ الرُّقَيُّ لِرُتبَةِ العُظَمَاءِ
كَيفَ الحَيَاةُ وَإِنَّهَا لَمَعَارِكٌ.:. شُجْعَانُهَا تَقضِي عَلَى الجُبَنَاءِ
تَتَقَطَّعُ الأَعنَاقُ دُونَ بُلُوغِهَا.:. إِلاَّ لِصَاحِبِ هِمَّةٍ شَمَّاءِ
لاَ تَنثَنِي عَزَمَاتُهُ أو يَنثَنِي.:. جَيشُ الضَّلال مُبَعثَرَ الأَشلاءِ
لاَ تَنقَضِي وَثَبَاتُهُ أَو يَغتَدِي.:. جِسمُ الفَسَادِ مُفَكَّكَ الأَجزَاءِ
لاَ تَنتَهِي صَرَخَاتُه أو يَنجَلِي.:. لَيلُ الجُمُودِ بِهَاتِهِ الأَرْجَاءِ
لاَ يَرتَضِي دُونَ النَّجَاحِ نِهَايَةً.:. وَلَو أَنَّهَا تَقْضِي عَلَى الحَوْبَاءِ (21)
الأبيات تذكر صراحة أنّ هذه الرّحلة توجّه نداء حارّا للشّباب كي يسير في ركاب الشّيخ بيّوض في الجهاد والعمل، وأن يقتفي أثره في النّضال، وان يتّخذه أسوة في التّحرّك ومعرفة كيف السّبيل إلى تسنّم ذروة المجد. لقد ساعد تكرار المعاني والكلمات والتّوازن الموسيقي الذي أحدثه الشّاعر في الأبيات، وبِخاصّة في الأبيات الأخيرة ساعد ذلك على تثبيت المعاني التي أشرنا إليها، وعلى تأكيد المغازي التي رمى إلى تحقيقها. وبذلك تحمل هذه الوصفة رسالة بالغة الأهميّة في ذلك الوقت العصيب الذي تحتاج فيه الحركة الإصلاحيّة إلى معاضدة، وإلى توضيح الرّؤى، وإلى توجيه وترشيد ...
يستمرّ الشّاعر في هذا السّبيل فيشدّ من أزر الشّيخ بيّوض وصحبه المصلحين، ويشجعه على المضيّ في جهاده، وعدم الاستماع إلى أحاديث الخصوم أو الاكتراث بما يقومون به لعرقلة مسيرته وتثبيط عزمه، والوقوف في طريق نضاله. في هذا الهمس وهذه النّجوى وهذا الإيماء فضح لبعض مخازي خصومه، وسرد مؤامراتهم ضدّه وضدّ الإصلاح:
بَيُّوضُ يَا فخرَ البِلادِ وَذُخرَهُ.:. وَمَلاَذَهُ في اللَّيلَةِ اللَّيلاَءِ
لاَ تَرهَبَنْ كَيدَ الخُصُومِ وَدَسَّهُم.:. وَجُمُوعَهُم فَالوَيْلُ لِلخُصَمَاءِ
إِن يُجمِعُوا أو يَكتُبُوا أَو يُبِرِقُوا.:. أَو يَعمَدُوا مَكرًا إِلَى الإقصَاءِ
مَا حَطَّ ذَلِكَ مِن مَقَامِكَ إِنَّمَا.:. مِن قَدرِهِم ْحَطُّوا لَدَى العُقَلاَءِ
لَم يَخذُلُوا مَسْعَاكَ لَكِنْ أَيَّدُوا.:. عَمْيَ القُلُوبِ وَشِرْعَةَ الأَهْوَاءِ
مَا حَارَبُوا مَبْدَاكَ لَكِنْ حَارَبُوا.:. مَبَدَا الصَّلاحِ وَمِلَّةَ الحُنَفَاءِ
مَا سَفَّهُوكَ وَإِنَّمَا قَدْ رَسَمُوا.:. خُطَطَ الفَسَادِ بِهَاتِهِ الأَنْحَاءِ
مَا أَبْعَدُوكَ وَإِنَّمَا قَد سَجَّلُوا.:. خِزْيَ الدُّهُورِ وَلَعْنَةَ الآنَاءِ
مَا أَنْكَرُوا جَدْوَاكَ لَكِن أَنكَرُوا.:. شَمسَ الحَيَاةِ وَمَصدَرَ الأَضْوَاءِ (1/162)
صفحة 163
مَا ضَرَّهُم - َنقضُ الإِلهِ صُفُوفَهُم -.:. أَن يُقْلِعُوا عَن هَذِهِ الغَلْوَاءِ
وَيُبَيِّضُوا صُحُفًا أَطَالُوا مَسْخَهَا.:. بِالإِفْكِ وَالتَّزْويرِ وَالبَغضَاءِ
هَذا هُوَ الدَّاءُ العَيَاءُ فَمَنْ لَنَا.:. بِمُحَنَّكٍ يَأتِي عَلَى الأَدْوَاءِ (22)
في مقابلة الشّاعر بين ما كان يدبّره خصوم الشّيخ بيّوض له، وما يحصلون عليه من نتائج سلبيّة، وما يظفرون به من عواقب وخيمة. في مقابل انتصار حزب الإصلاح، وتمكّن الشّيخ بيّوض من احتلال مكانة مرموقة بين أهل الفضل، وتقدّمٍ في جهاده، وتطوّرٍ في عمله. في هذا الأسلوب الذي لجأ إليه الشّاعر يكمن الهدف من وصف الرّحلة. يستطيع القارئ أن يقرأ أفكار الشّاعر، ونزعته وتوجّهاته التي تأبى إلاّ أن تبرز النّظرات الإصلاحيّة، وتظهر حزب الإصلاح هو المنتصر، وترشد الشّباب إلى أن يكونوا بجانبه دائما؛ مساندين مؤازرين مدافعين، مناضلين عنه، مبشّرين بأفكاره فإلى جانب المقابلة عمد الشّاعر إلى أسلوب التّكرار والتّوازن الموسيقي، كما اعتاد ذلك كثيرا، حتّى غدا ذلك ظاهرة ميّزت شعره. هذه الأبيات تذكّرنا بما قاله الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان (ت 1973م) في حقِّ الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش (ت 1965م) حين نفته فرنسا من تونس بعد أن أخرجته من الجزائر؛ القصيدة تحت عنوان «نفي النّفي إثبات» فأبيات الشّيخ عبد الرّحمن تحمل روح قصيدة الشّيخ أبي اليقظان، وكثيرا من معانيها.
ثمّ يتّجه إلى أبناء جلدته وأفراد أمّته، يبيّن لهم سفه ما يقومون به، وضلال ما يمارسونه، ويعدّد لهم أسباب ذلك، ويحصي لهم نتائج كلّ ذلك على الأمّة. وهو بذلك يناشدهم الإفاقة من هذه الغفلة والخروج من هذه المتاهات:
أَبنَاء جِنسِي وَالحَوَادِثُ جَمَّةٌ.:. هَل تُدرِكُونَ مَعِي رُسُوخَ الدَّاءِ؟
أوَمَا عَلِمتُم أنَّ أَصلَ شَقَائِنَا.:. وَبَلاَئِنَا مِن هَاتِه الشَّحْنَاءِ!
لَولاَ تَطَاحُنُنَا وَسُوءُ سُلُوكِنَا.:. وَذَهَابُنا شِيَعًا مَعَ الأَهوَاءِ
لَولاَ تَخَاذُلُنَا وَنَبْذُ كِتَابِنَا.:. وَهَديِ الرَّسُولِ وَسِيرَةِ العُظَمَاءِ
لَولاَ تَعَصُّبُنَا المبِيدُ وَطَاعَةُ السْـ.:. سُفَهَاءِ وَالغَوْغَاءِ فيِ العُلَمَاءِ
لَولاَ تَنَكُّبُنَا المحَجَّةَ جَانِبًا.:. وَلِوَاذنَا بِالجَهْلِ وَالجُهَلاَءِ
وَصُدُودُنَا حُمقًا وَفَرطَ جَهَالِةٍ.:. عَن عِلمِ مَا يَهدِي إلى العَلْيَاءِ
لأَظَلَّنَا سِترُ الإلهِ وحِفظُهُ.:. وَحَمَى حَقِيقَتَنَا مِنَ الدُّخَلاَءِ
نَجفُو الهُدَاةَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُم.:. رُسْلُ السَّلاَمِ وَمَصدَرُ النَّعَمَاءِ
وَنَسُدُّ عَن أَقوَالِهِم آذَانَنَا.:. وَنُصِيخُ لِلغَوغَاءِ وَالخُبَثَاءِ
وَنَرَى العُلُوم بِضَاعَة الكُسَلاءِ وَالنْـ.:. نَوْكَى أُولِي التَّضْيِيع وَالسَّخْفَاءِ
فَمَتى يُوافِينَا النَّجَاحُ وَهَذِهِ.:. صِفَةُ العُمُومِ وَشَارَةُ الكُبَرَاءِ؟ (23)
إنّ هذه الأبيات صريحة في فضح تصرفّات الخارجين عن سواء الصّراط، من مبتدعة ومنحرفين، (1/163)
صفحة 164
ومعرقلين حركة التّغيير، والمناهضين عمل المصلحين. وهي تحمل صفة الحملة ضدَّ هذه التّصرّفات، وَوَصْفة الدّعاية للإصلاح. وربّما كانت مندرجة في إطار الصّراع الذي كان سائدا بين الأفكار والعقليّات والنّزعات.
ويرى الشّاعر أنّ خير من يعين على تحقيق النّصر على هذه المشاكل، وأفضل من يأخذ بالأيدي نحو الأصلح، وأحسن من يمسك بحبل النّجاة من هذا الضّلال والتّيه هو الشّيخ بيّوض. وهو بذلك يعبّئ الشّباب كي يلتفّوا حول الزّعيم، رمز الإصلاح وأسّه ومنارة الإنقاذ ... :
يَا أيُّهَا الأُستَاذُ والبَطَلُ الذِي.:. يَسمُو بِهِمَّتِهِ عَلَى الجَوزَاءِ
هَذِي حَقِيقَتُنَا وَهَذَا دَاؤُنَا.:. فَاحسمْ هَدَاكَ اللهُ أَصلَ الدَّاءِ
قُدْ لِلحَيَاةِ فَمَا هُنَاكَ مُعَارِضٌ.:. جُندُ الشَّبَابِ وَأُسرَةُ الصُّلَحَاءِ
وَاجمَعْ عَلَى خَيرِ البِلاَدِ قُلُوبَهُم.:. فَالإِتِّحَادُ أَسَاسُ كُلِّ بِنَاءِ
وَاطبَعْ نُفُوسَهُمْ بِطَابعِ حِكْمَةٍ.:. فَسَلاَمَةُ العُقْبَى مَعَ الحُكَمَاءِ
وَاغرِسْ بِهِم حُبَّ الطُّمُوحِ فَإِنَّهُ.:. المِعْرَاجُ نَحْوَ الوَثْبَةِ العَلْيَاءِ
وَانفُثْ بِهِم رُوحَ الإِخَاءِ فَإِنَّمَا.:. تَحيَا البِلادُ بِوَحدَةٍ وَإِخَاءِ (24)
لم ينس الشّاعر - وهو يسجّل مآثر الشّيخ بيّوض وجهاده في سبيل النّهوض بالمجتمع وإصلاح ما رآه فاسدا في دينه ودنياه - أن يذكر للحاضرين، ويسجّل للأجيال ما قام به من أعمال كبيرة؛ كتقديم مطالب أهل الصّحراء ووادي ميزاب إلى الحكومة الفرنسيّة. وإطلاع الإخوة خارج منطقة وادي ميزاب والأشقّاء في شمال الجزائر على ما يعانيه سكّان الوادي من شظف العيش وعسر الحياة. ثمّ عمد إلى استنطاق التّاريخ، للكشف عن كيفية قدوم الأجداد إلى هذه المنطقة القاحلة الجرداء، التي سرعان ما حوّلوها إلى جنّة نضرة خضراء. في هذا تنبيه الأجيال إلى أفضال آبائهم عليهم، ومن ثمّ شحذ هممهم لمقارعة الصّعاب، ومقاومة العقبات. ومصارعة الطّبيعة والحياة، بكلّ ما تفرزه أو تفجأ به الإنسان من طوارئ ومفاجآت؛ لأنّ الواحد منّا في هذه الحياة في صراع دائم دائب مع التّعب، إن غلب التّعبَ نجح وانتصر، وإن غلبَهُ خاب واندحر:
يَا وِقْفَةً جَنبَ الرَّئِيسِ شَرِيفَةً.:. رَفَعَتْ مَكَانَتَنَا إِلَى الخَضْرَاءِ
كَانَت عَصَا مُوسَى بِكَفّكَ سَاعَة الـ.:. إِدلاَءِ بِالتَّصرِيحِ لِلخُبَرَاءِ
فَتَلَقَّفَتْ سِحرَ الجُمُودِ وَأظْهَرَتْ.:. أَنَّ الجُمُودَ لأَصْلُ كُلِّ بَلاَءِ
وَكَشَفْتَ لِلأَقْوَامِ حَالَةَ قُطْرِنَا.:. بِصَرَاحَةِ وَلَبَاقَةٍ وَجَلاَءِ
وَأَقَامَ في الصَّحْرَاءِ يَعْمُرُ قَفْرَهَا.:. حَتَّى غَدَتْ كَالرَّوْضَةِ الغَنَّاءِ (1/164)
صفحة 165
يَتْلُو عَلَى الأَيَّامِ سُورَةَ مَجْدِهِ.:. وَيُفَاخِرُ الأَجَيَالَ في الإِنْشَاءِ
وَيُهِيبُ بِالهِمَمِ الرَّكِيدَةِ صَارِخًا.:. إِنَّ البَطَالَة مَيْتَةُ الأَحيَاءِ
مَا انفَكَّ فيِ وَسْطِ الجَزَائِر وَاصِلاً.:. بَيْنَ التَّلُولِ وَسَاحَةِ الصَّحرَاءِ
مُتَحَمِّلاً شَظَفَ المعِيشَةِ كَادِحًا.:. مَنأَى البِلادِ يُسِيغُ كُلَّ عَنَاءٍ
وُيُكافِحُ الأَمْحَالَ طُولَ حَيَاتِهِ.:. مُتَقَلِّبًا في شِدَّة الَّلأْواء (25)
يشيد الشّاعر أيضا ببراعة الشّيخ بيّوض في الخطابة وإلقاء الدّروس، وينوّه بنجاحه في استمالة الشّباب وجذب النّفوس إلى حديثه (26) ويسجّل نبوغه في اللّغة العربيّة وامتلاكه ناصيّتها.
في ذكر هذه الجوانب دعوة للشّباب لكي يعتني بهذا المجال، الذي يعدّ من وسائل النّجاح في العمل الإصلاحي والدّعوي. وقد حقّقت فيه الحركات الإصلاحيّة نجاحا كبيرا. وفي الوقت نفسه إشادة بتفوّق الشّيخ بيّوض على خصومه في هذا الميدان، وتعريض بهم وبِإِخفاقهم في هذا المضمار. بدليل أنّه عاد مرّة ثانيّة ليعدّد مخازي خصوم الشّيخ (27) ويصفهم بأوصاف، تكشف عنْ شدّة تذمّره وتضايقه منهم ومن مواقفهم، التي هي كلّها عرقلة لحركة التّغيير والإصلاح. وتؤكّد القوّة التي ظهر بها زعيمها الشّيخ بيّوض بأعماله ومآثره. أي يريد أن يقول إنّ حزب الإصلاح في انتصار وخصومه في اندحار.
تسجيل الرّحلة بهذا الرّصد الدّقيق لمراحلها، وبهذا التّفصيل الواعي الهادف لمحطّاتها، وبهذا الوصف البديع والشّاعري لما دار فيها من أحاديث، وما صدر فيها من مواقف، وبهذه التّعليقات والتّأويلات والتّفسيرات والإيضاحات، وبهذه الحماسة المفرطة، وبهذا الولاء لشخص الشّيخ بيّوض، واللّوم والتّوبيخ لخصومه، والانتقاص منهم ومن مكانتهم وقدرهم. وتقديم هذه الرّحلة بهذا التّوجيه لأحداثها؛ بما يخدم الحركة الإصلاحيّة، وبما يصرف همم الشّباب إلى الشّعور بمسؤوليّتهم نحو وطنهم ونحو قيمهم ومبادئهم. وإلى ما ينمّي في الأجيال روح التّضحية والفداء، وروح الانتماء إلى أصول ثابتة، لا يمكن التّخلّي عنها، وإلى ما يقوّي العزائم، ويعزّز الإرادة، ويبعث الأمل في النّفوس ...
تقديم الرّحلة بهذه الكيفية، وبهذه المواصفات يكشف عن التّوجّه الإصلاحي والتّعبوي الذي دفع الشّاعر إلى نظم القصيدة. من هنا نقول إنّها حملت رسالة خاصّة. نشير فقط إلى أنّ هذه القصيدة في حاجة إلى دراسة فنّية نقدية؛ لما تضّمنته من أساليب متنوّعة، وظواهر فنيّة وخصائص، في حاجة إلى وقفات.
وفي سنة 1946م يسافر الشّيخ بيّوض إلى الجزائر العاصمة على رأس وفد، ليقدّم مطالب الأمّة إلى الوالي العام " شاتينيو "، بعد عودته استقبله الشّاعر بقصيدة عنوانها «أهلا وسهلا ومرحبا»، استهلَّها بقوله: (1/165)
صفحة 166
اشرَبْ عَلَى نَخْبِ الإِمَامِ كُؤُوسًا.:. وَانْعَم بِمَرْآه البَهِيِّ نُفُوسا
واقرَأْ عَلى الدُّنيَا مَحَاسِنَ فَضْلِهِ.:. وَاسجُد لَدَى مِحرَابِهِ تَقْدِيسًا (28)
التزم الشّاعر في هذه القصيدة التي تعدّ ثلاثة وخمسين ومائة بيت (153) بما عهدناه عنه كلَّما كان الحديث عن الشّيخ بيّوض، وجاء النّظم بعد قيام الشّيخ بعمل ما، حيث يطول نفسه في الكتابة، ويكون التّركيز على إنجازات جماعة الإصلاح، ويحلو الكلام على فضح مخازي خصومه، وتكون الفرصة مناسبة لتوجيه الدّعوة للنّاس، للقوم، للشّباب ليأخذوا بأسباب الحياة والتّقدّم، ونبذ الكسل والخمول والتّفرّق والتّقاعس ...
يركِّز كثيرا على صنيع خصوم الشّيخ بيّوض، الذي لا يوصل إلاّ إلى نتيجة واحدة وهي تخريب هذا الوطن وتفريغه من كلّ معاني الحياة، وإبعاده عن كلّ مظاهر التّعمير، بل الإبقاء به يرزح تحت وطأة التّخلّف، ويقبع أسير التّبعيّة والقهر.
القوم يقولون إنّ بيّوض خنجر مغروس في جسم الدّين، وهو أصل كلّ داء؛ لأنّه يريد أن يصون المنطقة من الحكم الفرنسي العسكري الغاشم، ولأنّه يسعى إلى التّمدّن والتّحضّر والتّطوير. إنّه مبتدع ومبدّل ومبدّد وعاقّ لنا ولديننا؛ لذا:
قُومُوا حُمَاة الدِّينِ صُونُوا أَمْرَهُ.:. ثُمَّ ابذُلُوا نَفْسًا لَكُم وَنَفِيسَا
وابنُوا السُّدُودَ أَمَامَهُ أو أَبرِقُوا.:. بِالإِحْتِجَاجِ لِنَدْفَعَ التَّهْوِيسَا (29)
هكذا تحتفظ القصيدة بهذا الخطّ العام الذي انتهجته قصائده الأخرى، تسير فيه في اتجّاه مستقيم لا تحيد عنه إلى السّبل، حتّى لا تضلّ عن الهدف وهو الحديث عن الإصلاح ونصرته، والدّعاية له. ويكون في هذه القصيدة التّركيز على خطر الحكم العسكري، وتبيان وجهة نظر الشّيخ بيّوض وحزب الإصلاح في القضيّة، وهو رفض هذا الحكم رفضا تامّا. ومن ثمّ ينبّه الشّاعر النّاس ليتفطّنوا إلى مكائد الأعداء ودسائس المغرضين، ويومئ إليهم أن لا يسمعوا إلى من هو قاصر في تفكيره وعاجز في تدبيره وساذج في توجيهه:
لاَ مَرْحَبًا بِالعَقْلِ إِنْ لَمْ يَنْتَصِبْ.:. عَلَمًا يَدُلُّ إِلَى الرَّشَادِ نُفُوسًا
وَيُمَيِّزَ الحُسْنَى فَيتْبَعهَا الَّذِي.:. يَبْغِي الهُدَى خَدَنًا لَهُ وَأَنِيسَا
مَا بَالُنَا - أَفَنًا - نُنَاصِرُ خَصْمَنَا.:. أَنُرِيدُ تَصيِرَ الحِمَى نَاوُوسَا (30)
ثمّ استعرض مجموعة من المشاكل التي يتخبّط فيها الشّباب وأبناء منطقته، وهم خارج دائرة مساقط رؤوسهم يعيشون آلام الغربة ومتاعبها، ويحيون حياة التّمزّق والتّفرّق والتّشرذم والتّشتّت وغيرها. تساءل بعد ذلك متى تنجلي هذه الظّروف العصيبة؟ منى تتغيّر الأوضاع؟ متى تنفرج الأزمة وترتقي البلاد وتتطوّر؟ متى تأخذ الصّناعة مكانها في المجتمع؟ لن يحصل ذلك إلاّ حين تأخذ الأمّة بأسباب الحياة الحقيقيّة (31) وحين يتحقّق ذلك يكون الإصلاح قد تمكّن من الأمّة ويفرح ويزهو (1/166)
صفحة 167
ويزدهي:
فَهُنَا نَرَى الإِصلاَحَ يَطْفَحُ بِشْرُهُ.:. وَنَرَى الخُصُومَ يُطُأطِئُونَ رُؤُوسَا (32)
هذا البيت يترجم المشاعر الحقيقيّة التي يحملها الشّاعر، ويفصح عن الغرض الحقيقي من نظم هذه القصيدة، وهي نصرة الإصلاح، ومباركة خطواته وأعمال زعمائه، على رأسهم الشّيخ بيّوض. إنّ القصيدة تحمل آيات الحسرة والتّذمّر على الأوضاع الفاسدة، والقلق والضّجر من تطوّر الحياة السّياسة، التي أفرزت عرض مشروعات خطيرة على مستقبل الشّعب الجزائري بعامّة وعلى سكّان الصّحراء بخاصّة. منها مشروع فصل الصّحراء عن شمال الجزائر. ومنها تطوّر أساليب الكفاح والنّضال، الذي أدّي أحيانا إلى الصّدام والاختلاف في طريقة المواجهة، والغاية من النّضال. وعلى صعيد العالم تفاعل نتائج الحرب العالميّة الثّانيّة، وانعكاسها على الجزائريّين. وفيما يخصّ الشّيخ بيّوض المعنيّ بقصيدة الشّيخ عبد الرّحمن، فإنّ فترة الأربعينيّات - التي قيلت فيها القصيدة - هي فترة حرجة بالنّسبة إليه. ففيها فرضت عليه الإقامة الجبريّة، وفيها تعرّض لمحاولات الاغتيال، وفيها عَرَض كثيرا من آرائه السّياسيّة والاجتماعيّة والتّربويّة الخطيرة، التي كان لها تأثير خاصّ في الحياة العامّة، وفيها كان محور الحركة الإصلاحيّة بكلّ جوانبها وتطوّراتها ... (33)
تنظر في هذا السّياق قصيدته التي استقبل بها الشّيخ بيّوض في مدينة بريّان يوم 16 من شوّال 1363هـ /04 من أكتوبر 1944م (34) فهي تحمل الأفكار نفسها، والرّسالة ذاتها، والمشاعر عينها، والرّؤى نفسها، حتّى العبارات والتّراكيب والأوصاف الواردة في هذه القصيدة لا تختلف عمّا ورد في القصائد الأخرى التي تناولت الموضوع نفسه.
خلاصة القول إنَّ شعر الشّيخ عبد الرّحمن يكاد ينحصر في مجال واحد هو مجال الإصلاح؛ حتّى في هذا الميدان، يكاد لا يخرج عن دائرة الرّثاء على الأوضاع المتردّية، المتمثّلة في ضعف التّعليم وانتشار الجهل وزهد النّاس في العلم، واستفحال الجمود الفكري، وسيادة التّخاذل والتّقاعس، وضعف التّفكير السّليم والتّدبير السّديد - عند بعض النّاس - في مستقبل الأمّة والوطن. كلّ ذلك جعل أعداء الدّين، وخصوم الإصلاح والتّطوير يسيطرون في توجيه الشّباب إلى عواقب وخيمة، ويدفعون بالبلاد إلى مصائر مجهولة. وهو ما دعا الشّاعر إلى أن يرحّب بكلّ عمل يناهض هذه الأفكار، ويقف سدّا منيعا أمام كلّ تحرّك يعرقل النّهضة. لذا كان يكثر من سرد مخازي المعرقلين والمغرضين، ويكرّر الدّعوة إلى ما ينهض بالمجتمع وينوّع في هذه الأساليب، ويحارب ما يناهض هذه الدّعوات. ويلحّ على الإشادة بزعيم الأمّة والإصلاح الشّيخ بيّوض، واتّخاذه محور شعره في هذا المجال؛ تسجيلا لأعماله، تنويها بأفضاله، دعوة للاقتداء به، إلحاحا على مؤازرته ... لأنّه وجد في التّركيز عليه تحدّثا عن الإصلاح، وكشفا عن أفكاره هو. من هنا كان الشّيخ عبد الرّحمن بكلِّي شاعر الإصلاح بحقّ. (1/167)
صفحة 168
-----------
الهوامش
(1) ينظر محمّد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية (الجزائر) سنة 1992 م، ص: 33 - 38.
(1) محمد الهادي السّنوسي، شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج2، مطبعة النّهضة، تونس، سنة 1927 م، ص: 16.
(2) أحد أركان الإصلاح في مدينة القرارة، وهو سياسي محنّك، وداهية دوّخ الاستعمار الفرنسي، لذا كان يلقّب بأسد القرارة، توفّي سنة 1934م.
(4) وادي ميزاب منطقة تقع في الجنوب الجزائري.
(5) عن فترة ثلاثينيات القرن العشرين في الجزائر والتّطُوّرات التي حدثت فيها ينظر على سبيل المثال: الدّكتور صالح الخرفي، الشّعر الجزائري الحديث. والدّكتور عبد الله ركيبي، الشّعر الدّيني الجزائري الحديث. ومحمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث، و السّخرية في الأدب الجزائري الحديث ...
(6) ديوان الشّيخ عبد الرحمن بكلّي (مخ)، ص: 7. نشرت القصيدة في جريدة الأمّة (الشّيخ أبو اليقظان) ع: 20 (12/ 02/ 1935م)
(7) م. ن.
(8) م. س، ص: 7، 8.
(9) م. س، ص: 8، 9.
(10) سورة مريم، الآية: 15.
(11) الدّيوان، ص: 9.
(12) الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (1316 - 1401هـ / 1899 - 1981م) ركن من أركان الحركة الإصلاحيّة بالجزائر، عضو إدارة جمعيّة العلماء المسلمين الجزائرييّن، مؤسّس معهد الحياة (القرارة) سنة 1343هـ/1925م. من آثاره تفسير القرآن الكريم؛ تدريسا في مسجد القرارة ما بين 1935 _ 1980م. وشرح كتاب: "فتح الباري شرح صحيح البخاري" تدريسا في معهد الحياة ما بين (1931 - 1945م).
(13) م. س، ص: 1، 2. القصيدة تحت عنوان "فأهلا وسهلا بالحبيب ومرحبا" نشرت في جريدة وادي ميزاب (أبو اليقظان) ع: 35 (27/ 05/ 1927).
(14) الدّيوان، ص: 2.
(15) عنوان مقال نشره الشّيخ بيّوض في حلقات. ينظر جريدة وادي ميزاب (1926 - (1/168)
صفحة 169
1929م) الأعداد: 61، 62، 64، 72، 79، 81.
(16) إيّاس، "جلسة المخذولين"، جريدة وادي ميزاب، ع: 79 (20/ 04/1928م)
(17) محمد ناصر بوحجام، السّخرية في الأدب الجزائري الحديث: 1925 - 1962م، رسالة دكتوراه (مخ) جامعة الجزائر، معهد اللّغة والأدب العربي، السّنة الجامعيّة: 1404هـ/ 1993 - 1994 م، ص: 239.
(18) تمّت الزّيارة يوم 03 جانفي (يناير) 1944م، والقصيدة نظمت في شهر ربيع الأنور 1362هـ/مارس 1944م.
(19) الدّيوان، ص: 25. " أفلح " هو الشّيخ إبراهيم بيّوض.
(20) م. س، ص: 25، 26.
(21) م. س، ص: 26.
(22) م. س، 26، 27.
(23) م. س، ص: 27، 28.
(24) م. س، ص: 28.
(25) م. س، ص: 28، 29.
(26) م. س، ص: 30، 31.
(27) م. س، ص: 32.
(28) م. س، ص: 37.
(29) م. س، ص: 40.
(30) م. س، ص: 41.
(31) الدّيوان، ص: 43.
(32) م. س، ص: 44.
(33) ينظر كتابنا "الشّيخ بيّوص والعمل السّياسي" وكتابنا "الشّيخ بيّوض وقضيّة فصل الصّحراء عن الشّمال" وخطبة الشّيخ بيّوض، التي ألقاها سنة 1948م، بمناسبة اختتام مؤتمر قدماء التّلاميذ، الذي انْعَقَدَ في نادي الحياةِ بالقرارة (الجزائر).
(34) الدّيوان، ص: 47 - 50. (1/169)
صفحة 170
نشاط الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية
أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
أستاذ بكلية الشريعة وأصول الدين
ـ الجزائر ـ
تقديم:
تحاول هذه الدراسة أن تكشف عن صفحات بيضاء من مساهمة أقلام الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية خلال القرن العشرين، وبالذات في فترة الحراك السياسي الذي شهدته دول المغرب العربي الإسلامي في مقاومته للاحتلال الفرنسي.
لا شك أن الصحافة الوطنية آنذاك لعبت دورا محوريا أساسيا في إيقاظ الضمائر ورفع الهمم وتوعية العقول وتهذيب النفوس، فكانت صفحاتها ميدانا مسيحا للتعبير عن مطالب الشعوب والنضال وراء استرجاع حقوقها المغتصبة، ورفع الغبن والظلم الذي كانت تلاقيه من المستعمر في كافة مجالات الحياة.
فكانت فعلا صحافة رأي وموقف وكلمة ...
لقد انبرت أقلام الكتاب الغيورين على وطنهم ودينهم؛ من أدباء وشعراء وسياسيين وفقهاء وعلماء ـكل في تخصصهـ تنافح وتدافع عن مصالح الأمة وتشاكس العدو الذي كان يستعمل أسلوب القهر والقمع وإسكات الأصوات الحرة المجاهرة بنداء الحق وتعرية الأمور على حقيقتها أمام الرأي الوطني الداخلي والرأي العالمي الخارجي (1).
لذا فقد لاقى هؤلاء في سبيل نصرة هذا المسلك الوعر ـ الذي ارتضوا به طريقاـ ألوانا من العذاب والتنكيل والسجن والتغريم والإبعاد والنفي.
إذن ... نحن الجيل الحاضر؛ ينبغي علينا في تناولنا لهذه الصحافة ودراستنا لها أن نضع في حسباننا كل هذه المعطيات، ونستحضر كل هذه الأبعاد الوطنية والعالمية، حتى ننصف هؤلاء حقوقهم ونعرف جهودهم وتضحياتهم في سبيل إصدار مجلة أو جريدة ثم الثبات عليها في تلك الظروف السياسية والاقتصادية العصيبة الحرجة.
انطلاقا من هذه القناعات وتجسيدا لهذه الأفكار حاولت القيام بجهد متواضع متمثل في جمع إسهامات الأقلام الميزابية ـ شعرا ونثراـ في الصحافة الوطنية التونسية، لأجل وضع المادة العلمية بين يدي الباحثيين والدارسيين في مجال الأدب والإعلام والتاريخ، قصد دراسة هذا المنتوج الفكري ورسم مكانته ضمن الحركة الوطنية التونسية، ومعرفة أبعاده في الحركة الوطنية الجزائرية والإسلامية بصفة عامة.
تقتضي هذه الدراسة التعريج ولو باختصار على النشاط السياسي والثقافي الذي قام به الميزابيون في الساحة الوطنية التونسية خلال القرن العشرين. (1/170)
صفحة 171
1ـ لمحة عن النشاط السياسي للميزابيين في الحركة الوطنية التونسية:
قام الميزابييون في تونس بدور محوري هام في مناصرة القضايا الوطنية التونسية والإسلامية ومجاهدة الاستعمار الفرنسي بالنضال في محافل السياسية والصحافة والإعلام.
برز في هذا الميدان عدة أعلام لامعة جمعت بين الشخصية العلمية والشخصية الاجتماعية.
نخص بالذكر أربعة منهم: الشيخ محمد الثميني والشيخ أبا اليقظان إبراهيم والشيخ أبا إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ صالح بن يحيى آل الشيخ (2).
هاجر هؤلاء إلى تونس في العقود الأولى من القرن العشرين لأجل التعلم أو لأجل العمل والتجارة، ومع مرور الوقت اكتسبوا خبرات ومهارات وربطوا علاقات وطيدة مع طبقات المجتمع التونسي، حتى أصبحوا جزءا منه.
قاد هؤلاء فيما بعد أفواج الطلبة الميزابيين القادمين من الجزائر لأجل الالتحاق بالدراسة في المدارس والمعاهد التونسية بداية من الزيتونة إلى الصادقية إلى الخلدونية.
فأسسوا لهم بعثات علمية ضمتهم في جو من الحزم والتربية والحرص على تلقي العلوم والمعارف، واستطاعوا أن ينفخوا فيهم روح الإسلام والوطنية.
فخرجوا أجيالا متعاقبة جمعت بين الخلق والعلم والعمل وكان لها أفضال عظيمة على تنوير الجزائر ووادي ميزاب بالمعارف والعلوم التي عادوا بها بعد التحصيل والاجتهاد.
ربط هؤلاء الأعلام الأربعة علاقات وطيدة مع أقطاب الحركة الوطنية التونسية منذ نشأتها، فكانوا أعضاء قياديين في التنظير والتنظيم والتمويل، ومجاهدة الاحتلال والدفاع عن حقوق الشعب التونسي وحقوق الجزائر ودول المغرب الإسلامي المحتلة (3).
كانوا جنبا إلى جنب مع زعيم الحركة الوطنية التونسية الشيخ عبد العزيز الثعالبي، فعزروه ونصروه بالفكرة والمال في تأسيس حزبه؛ الحزب الدستوري التونسي، وتحقيق آمال التونسيين من ورائه.
يذكر المؤرخ الجزائري أحمد توفيق المدني أن الشيخ صالح بن يحيى كان له فضل تمويل الحزب بأموال الميزابيين، التي كان يجمعها من الجولات التي تقوده إلى دكاكين الجزائريين في الشرق الجزائري من تبسة وسوق أهراس وقسنطينة وعنابة وغيرها من المدن ويصبها في صندوق الحزب، ليتمكن من التحرك السياسي، وقد تمكن الشيخ الثعالبي بفضل أموال الميزابيين من السفر إلى فرنسا وسويسرا والإقامة فيهما طويلا لأجل عرض القضية التونسية في المحافل الفرنسية والدولية في عصبة الأمم التي كان مقرها في جنيف، والدفاع عن حقوق التونسيين والمطالبة بالاستقلال (4).
كما كان الشيخ أبو اليقظان عضوا قياديا في الحزب، حيث عين في اللجنة الأدبية له (5)، تولى مهمة الدعاية للحزب وكسب أتباع له، وشارك بقلمه الجريء في الصحافة التونسية نصرة لتيار الحزب.
كما لعب الشيخ أبو إسحاق دورًا خطيرا في الدعاية للحزب في تونس والجهر بمعاداة فرنسا (1/171)
صفحة 172
وكشف فضائحها وجرائمها، حتى اعتبرته العدو اللدود لها والمهدد لأمنها واستقرارها فأصدرت حكمها بنفيه من تونس إلى مصر بعد أن نفته من الجزائر، وكان المبعوث الرسمي للشيخ الثعالبي إلى الأمير خالد بالجزائر ثلاث مرات لأجل تنسيق الجهود وتبادل التجارب والسعي لتوحيد الصفوف لمجابهة العدو المستعمر (6).
كما كان الشيخ الثميني رجلا محوريا بين قيادات الحركة الوطنية التونسية في التنسيق والتنظيم والإدارة، وكان دكانه في قلبه العاصمة تونس في سوق العطاريين محفلا للاجتماعات واللقاءات التنسيقية التنظيمية.
فاعترف بذلك الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بعد استقلال تونس وكان يتعهد زيارته كل سنة في السابع والعشرين من شهر رمضان بعد خروجه من جامع الزيتونية ويقول: لا أقبل أن تمسوا هذا الرجل بسوء لأن دكانه كان معقل الأحرار (7).
هذه صورة مختصرة عن نشاط هؤلاء الزعماء الذين جندوا معهم عشرات من الشباب الواعي المثقف ودفعوهم إلى حلبات الجهاد والنضال في مجالات الصحافة والسياسة والإعلام، ومنابر الخطابة والكتابة والدعوة.
2 ـ فكرة رحلة البحث:
تولد لدي الاهتمام بموضوع الحركة الوطنية للميزابيين في تونس مع بداية التسعينيات أيام كنت طالبا في الجامعة الجزائرية في السنوات الأولى، ويرجع فضل نفخ روحها فيَّ إلى فقيدنا الدكتور الشاعر صالح الخرفي رحمه الله، أيام كان يزور وادي ميزاب والقرارة في مناسبات الأعياد والأفراح، فكان يتحف المجتمع بمسامراته السجية وأحاديثه الطرية التي يلقيها على الملإ في اجتماعات العشائر ومناسبات الأعراس، فكنا نتشوق إلى سماع أخبار الأوساط الثقافية والدبلوماسية التي يعمل فيها في رحاب الجامعة العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بين تونس والقاهرة، ولقاءاته الأدبية والفكرية في الملتقيات والمنتديات الدولية مع أعلام الفكر والأدب في أرجاء الأقطار العربية من بلاد الشام إلى المغرب الأقصى.
ومما كان يحدثنا عنه تلك الحركة الوطنية الإسلامية التي عاشتها تونس خلال القرن العشرين وبالذات حركة الزعيم الوطني الإسلامي الشيخ عبد العزيز الثعالبي في الحزب الدستوري التونسي. ويحدثنا عن أبحاثه وجهوده في جمع هذا التاريخ الناصع وتقديمه للأجيال وطبع كتب عنه لحفظ ذاكرة الأمة وتاريخها المجيد (8).
في هذا الموضوع كان يركز الحديث على نشاط الميزابيين في هذا الحزب ويبرز جهودهم في نصرة هذه الحركة والوقوف مع زعيمها بالمساندة المادية والمعنوية.
كان يروي لنا مشاهد من أعمال الشيخ صالح بن يحيى آل الشيخ في جمع الأموال من الميزابيين (1/172)
صفحة 173
لأجل تمويل صندوق الحزب وكذا مساعدة الشيخ الثعالبي للسفر إلى فرنسا للنضال من أجل القضية التونسية، كما كان يحدث عن الشيخ محمد الثميني والشيخ أبي اليقظان إبراهيم والشيخ أبي إسحاق اطفيش وما قاموا به من جهود ونشاط في هذا الميدان.
بعد ذلك يوجه الدعوة بإلحاح وحرقة للشباب المثقف والطلبة الجامعيين للاهتمام بهذا التاريخ، وذلك بالبحث في الصحافة التونسية وجمع ما كتبه الميزابيون وما كتب عنهم تخليدا لتلك الأعمال الجليلة.
هكذا بقيت الفكرة ترن في ذهني كلما تذكرت المرحوم، وأستشعر وكأنه يوجه الخطاب إلي مباشرة ويحملني هذه المسؤولية.
توالت الأيام وكان انشغالي في البحث في الدراسات العليا بمجالات ليست من صميم هذا التخصص، ولكن لا تبتعد عنه كثيرا، إلى أن أعددت دراسة عن الشاعر المرحوم صالح الخرفي بمناسبة تنظيم أول ملتقى وطني عنه في مسقط رأسه القرارة في شهر جويلية من سنة 2004 وطبعتها في كتاب بعنوان: «الشاعر صالح الخرفي، صفحات في مساره الفكري والأدبي».
هذا ما جعل من الفكرة تراودني من جديد ويشتعل لهيبها في قلبي، وعاودني نداء المرحوم الخرفي وكأني أراه ماثلا أمامي يرفع عقيرته مجددا الدعوة ومحملا المسؤولية.
فما كان لي إلا أن أولي الموضوع الأهمية والأولوية وأن أحمله محمل الجد، وأعد له الزاد والمتاع لبذل جهد المقل فيه ولو بطرق بابه، ليأتي من بعدي ليواصل المسير ويعطي للموضوع حقه ويستوفي جوانبه. فيكتمل البناء وتتحقق دعوة الفقيد الخرفي، وما ذلك على الله بعزيز.
3ـ وصفة للمادة العلمية:
ينبغي الإشارة أن الباحث الذي أولى للموضوع الأهمية وأعد حوله دراسة أكاديمية جامعية هو الدكتور محمد صالح الجابري التونسي، فهو متخصص بالبحث في العلاقات الثقافية بين تونس والجزائر من خلال الصحف التونسية. وقد أعد حول ذلك دراسة قيمة بعنوان:
«النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس».
اهتم الدكتور في دراسته بجهود العلماء المسلمين الجزائريين وعلى رأسهم الإمام ابن باديس في الحركة الثقافية التونسية، ثم تعرض بالتفصيل إلى دور البعثات العلمية في تحريك الثقافة التونسية من خلال دراستها في مدارس تونس ومعاهدها من الزيتونة إلى الصادقية إلى الخلدونية. ومن خلال إسهاماتها الأدبية والفكرية في المجلات والجرائد التونسية. ومن خلال مشاركاتها في الأحزاب والحركات السياسية.
ثم زودنا الباحث في الأخير بجداول مفصلة (9) عن ألمع الكتاب الجزائريين الذي كانت لهم إسهامات في الصحافة، بأسماء الصحف وتواريخ صدورها وعناوين مشاركاتهم شعرا أم نثرا.
ارتكز عملي على استثمار هذا الجهد العلمي بضبط قائمة الكتاب الميزابيين وضبط قائمة الصحف (1/173)
صفحة 174
والمجلات، وضبط عناوين المقالات والقصائد. فكانت كما يلي:
قائمة الكتَّاب:
1 - الشيخ أبو اليقظان إبراهيم
2 - الشيخ محمد الثميني
3 - الشاعر مفدي زكرياء
4 - الشاعر صالح الخرفي
5 - الشاعر صالح خباشة
6 - الأستاذ بكير بابهون
7 - الدكتور محمد لعساكر
8 - الأستاذ إبراهيم اطفيش
قائمة الصحف:
1 - المنير
2 - الصباح
3 - الفكر
4 - الندوة
5 - الزيتونة
6 - اللغات
7 - الإلهام
8 - الإرادة
9 - لسان الشعب
10 - النهضة
11 - الوزير
12 - النديم
13 - طلبة شمال إفريقيا
14 - تونس
15 - الشباب
16 - الوطن
17 - صبرة
18 - الأسبوع
19 - الاستقلال
20 - العرب (1/174)
صفحة 175
21 - البلاغ
قائمة المقالات:
1 - الجزائر والإسلام: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 19 أوت 1920
2 - الجزائر والإتحاد: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 02 سبتمبر 1920
3 - الجزائر والعلم: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 16 سبتمبر 1920
4 - حياتنا بحياة أخلاقنا: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 14 أكتوبر 1920
5 - مستقبل الأمة: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 29 جانفي 1921
6 - شكوى الجزائر: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 11 فيفري 1921
7 - حياة الأمة بحياة لغتها: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 25 فيفري 1921
8 - شكوى الجزائر: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 25 مارس 1921
9 - امزاب يستغيث: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 20 جوان 1921
10 - كتاب إلى الوالي العام: || للشيخ أبي اليقظان || المنير || 18 نوفمبر 1921
11 - ابن الشيخ سليمان الباروني: || للشيخ أبي اليقظان || الإرادة ـ 24 فيفري 1934
12 - نقد على نقد: || لمفدي زكرياء || الوزير ـ 07 جويلية 1925
13 - ميت حي: || لمفدي زكرياء || النديم ـ 06 ماي 1932
14 - رسالة من بربروس: || لمفدي زكرياء || صبرة ـ 09 نوفمبر 1937
15 - ذكرى ابن باديس: || لمفدي زكرياء || الفكر ـ مارس 1960
16 - الحرية في الشعر الجزائري، ج1: || لصالح الخرفي || الفكر ـ مارس 1962
17 - الحرية في الشعر الجزائري، ج2: || لصالح الخرفي || الفكر ـ أفريل 1962
18 - حادث بوعرريج: || لإبراهيم اطفيش || الوزير ـ 17 ماي 1920
19 - الانتقاد: || للشيخ محمد الثميني || المنير ـ 10 مارس 1921
20 - حقائق عن وادي ميزاب: || للشيخ محمد الثميني || العرب ـ جانفي 1923
قائمة القصائد:
1 - الصحافة مرقاة الحياة: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 22 جويلية 1920
2 - الحياة: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 23 سبتمبر 1920
3 - الدستور: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 14 جانفي 1921
4 - تحية الشيخ الرئيس: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 05 جوان 1921
5 - تهنئة الجزائر: || للشيخ أبي اليقظان || المنير ـ 22 جويلية 1921
6 - إلى الريفيين: || لمفدي زكرياء || لسان الشعب ـ 6 ماي 1925 (1/175)
صفحة 176
7 - بدر النجاح: || لمفدي زكرياء || || النهضة ـ 26 ماي 1925
8 - الوداع: || لمفدي زكرياء || طلبة شمال إفريقيا ـ 1932
9 - قطار البين: || لمفدي زكرياء || طلبة شمال إفريقيا ـ 1932
10 - إلى الأستاذ شوا: || لمفدي زكرياء || الوزير ـ 12 جانفي 1933
11 - تحية الحزب الوطني الجزائري: || لمفدي زكرياء || تونس ـ 25 ديسمبر 1936
12 - صوت الجزائر، ج1: || مفدي زكرياء || الشباب ـ 05 مارس 1937
13 - صوت الجزائر، ج2: || مفدي زكرياء || الشباب ـ 07 أفريل 1937
14 - الشمال الإفريقي يتحد، ج1: || لمفدي زكرياء || الوطن ـ 15 أوت 1937
15 - الشمال الإفريقي يتحد، ج2: || لمفدي زكرياء || الوطن ـ 22 أوت 1937
16 - محمد الخطاب: || لمفدي زكرياء || الأسبوع ـ 09 جانفي 1950
17 - رثاء الشابي: || لمفدي زكرياء || الأسبوع ـ 02 نوفمبر 1952
18 - غني للأرض: || لمفدي زكرياء || الإلهام ـ جانفي 1956
19 - من وحي الثورة: || لمفدي زكرياء || الفكر ـ ديسمبر 1957
20 - ليلة القدر الكبرى: || لمفدي زكرياء || الصباح ـ 14 ماي 1958
21 - افريقيا: || لمفدي زكرياء || الفكر ـ مارس 1960
22 - هلال نوفمبر: || لمفدي زكرياء || الإذاعة ـ 25 جوان 1960
23 - عيد الهداية: || لبكير بابهون || العمل ـ 17 ماي 1957
24 - هذى الجزائر صممت: || لصالح خباشة || الصباح ـ 24 أوت 1956
25 - هذى الجزائر صممت في عزمها: || لصالح خباشة || الزيتونة ـ 08 سبتمبر 1956
26 - ذكرى الأمير عبد القادر: || لصالح خباشة || الصباح ـ 09 مارس 1957
27 - مصير الطاغية فروجي: || لصالح خباشة || الصباح ـ 27 أفريل 1957
28 - مصير غي موللي: || لصالح خباشة || الصباح ـ 30 ماي 1957
29 - المؤتمر الخطير في الصومال: || لصالح خباشة || الصباح ـ 12 نوفمبر 1958
30 - النصر لا يعطى: || لصالح خباشة || الصباح ـ 22 نوفمبر 1961
31 - رمضان أقبل: || لصالح الخرفي || الندوة ـ أفريل 1956
32 - مأساة تبسة: || لصالح الخرفي || الندوة ـ ماي 1956
33 - أيا غي موللي استقل: || لصالح الخرفي || الزيتونة ـ 06 ماي 1956
34 - الواقع الرهيب: || لصالح الخرفي || الزيتونة ـ 29 جوان 1956
35 - الجزائر المكافحة: || لصالح الخرفي || الندوة ـ أكتوبر 1956
36 - سلاحنا وسلاحهم: || لصالح الخرفي || الندوة ـ 4 ديسمبر 1956 (1/176)
صفحة 177
37 - الثائر الجزائري: || لصالح الخرفي || الصباح ـ 19 جانفي 1957
38 - فتاة العروبة: || لصالح الخرفي || الندوة ـ جانفي، فيفري 1957
39 - عيد ولا عيد: || لصالح الخرفي || الصباح ـ 11 ماي 1957
40 - سقوك في موللي: || لصالح الخرفي || الصباح ـ 21 ماي 1957
41 - واصل الحرب: || لصالح الخرفي || الصباح ـ 02 مارس 1958
42 - تحية الجزائر: || لصالح الخرفي || الفكر ـ فيفري 1959
43 - جميلة بوحيرد: || لصالح الخرفي || الفكر ـ مارس 1959
44 - يوم الجزائر: || لصالح الخرفي || الفكر ـ جوان 1959
45 - نوفمبر: || لصالح الخرفي || الفكر ـ جانفي 1962
46 - الجرح المتجاوب: || لصالح الخرفي || اللغات ـ جانفي 1962
47 - أطلس المعجزات: || لصالح الخرفي || الفكر ـ فيفري 1962
48 - عيد بلا أم: || لصالح الخرفي || اللغات ـ مارس 1962
49 - موجة الحرية: || لصالح الخرفي || اللغات ـ ماي 1962
50 - العيد في الجزائر: || لمحمد العساكر || الصباح ـ 01 جويلية 1957
51 - تحية الحكومة الجزائرية: || لمحمد العساكر || الصباح ـ 08 نوفمبر 1958
ما قام به الأستاذ الجابري هو جهد مشكورٌ وعمل جبار وهام، بلا شك أنه قد كلفه الكثير من الوقت والكثير من العناء والمشقة، التي لا يعرفها إلا من اطلع على هذه الصحف والوثائق وحاول تتبع القديمة منها، والبحث عن هذه المقالات في ثناياها، والسعي وراء الحصول على الأعداد المفقودة والصفحات المخرومة. هذه الصحف التي تعود إلى العقود الأولى من القرن العشرين.
لكن هذا لا يعني أن قوائم الجابري كاملة ومضبوطة ضبطا نهائيا، فمن خلال رحلتي هذه لجمع هذه المشاركات من الأرشيف الوطني التونسي ومن قسم الدوريات التابع للمكتبة الوطنية التونسية. وجدت الكثير منها كما ضبطها الجابري في مواضعها من الصحف، كما خانه الضبط أحيانا في بعض المواضع، إذ عدت إلى تلك الصحف بتواريخها وأعدادها كما ضبطها الأستاذ الجابري ولم أجد أثرا لها.
ومن ناحية أخرى وجدت مشاركات لأقلام ميزابية لم يشر إليها الجابري في جداوله.
هذا ما أيقنني من وجود مشاركات أخرى في هذه الصحف تستدعي التقصي والتفرغ أكثر والجهد والوقت لاكتشافها وضبطها، وهو ما لم يكن متاحا لي في هذه الرحلة.
هذا عما كتبه الميزابيون أما ما كُتب عنهم فإن الأستاذ الجابري لم يهتم به لأنه ليس محل دراسته، وهذا ما يستدعي جهدا كبيرا آخر للوصول إلى مواطنه وضبطها بين ثنايا هذه الصحف. وبلا شك فهو لا يقل أهمية عن الشق الأول، لأنه سيعبر عن آراء كتاب وسياسيين خبراء وشخصيات (1/177)
صفحة 178
لها ثقلها ووزنها داخل تونس وخارجها في أعمال الميزابيين وجهودهم وتاريخهم تقييما ونقدا وإنصافا.
قمت بجهد متواضع بسيط في هذا المجال بالعودة إلى ما بين يدي من مصادر تناولت تاريخ الحركة الإصلاحية والنهضة المعاصرة في الجزائر ووادي ميزاب فأحصيت عدة مقالات كتبت عن الميزابيين في الصحافة التونسية (10)، وهي بلا شك نزر قليل جدا مما هو موجود.
إن عملية البحث في هذا الموضوع تتمثل في تتبع وتصفح الجرائد والمجلات صفحة بصفحة، التي لها علاقة واهتمام بإبراز نشاط الجزائريين في المحافل التونسية، والاهتمام بأحداث الجزائر والقضايا الوطنية فيها. لأجل الوصول إلى مواطن هذه المقالات واكتشافها كما تكتشف المعادن والذهب في بطون الأرض والجبال.
هذه المقالات هي:
1 - فتنة لعن الله من أيقظها: || لنور الدين بن محمود || الأسبوع ـ 19 سبتمبر 1955
2 - نداء: || للزعيم صالح بن يوسف || الصباح ـ 09 أكتوبر 1955
3 - الاعتداء على التجار الميزابيين || لنور الدين بن محمود || الأسبوع ـ 10 أكتوبر 1955
4 - إلى أبناء الجزائر العربية المسلمة || لمحمد الحفيظ || البلاغ ـ 21 أكتوبر 1955
5 - الجزائر تتحرر بالاتحاد: || لمحمد الشاذلي النيفر || البلاغ ـ 21 أكتوبر 1955
6 - نداء إلى الوحدة: || لصالح فرحات || الاستقلال ـ 21 أكتوبر 1955
7 - إليكم يا أبناء الجزائر: || لطلبة الدول العربية || البلاغ ـ 22 أكتوبر 1955
8 - نداء استنكار وتحذير: || لعلال الفاسي || البلاغ ـ 04 نوفمبر 1955
9 - لا خوارج إلا من تواطأ مع الاستعمار || لأبي حفص || الأسبوع ـ 26 ديسمبر 1955
4ـ خلاصة رحلة البحث:
كانت الرحلة في تاريخ 10 إلى تاريخ 17 جويلية 2005. حيث استغرقت فترة العمل خمسة أيام بين ثلاثة مراكز: المكتبة الوطنية التونسية، قسم الدوريات التابع للمكتبة الوطنية، مركز الأرشيف الوطني التونسي التابع للوزارة الأولى أي رئاسة الحكومة.
حيث توجد في هذه المراكز الصحف التونسية محفوظة في دفاتر كبيرة، مصفف بعضها وموجود بعضها في علب خاصة. كما أن جلها مخروم الأعداد، وأحيانا مخروم السنوات.
كما يوجد في أحد هذه المراكز ما لا يوجد في الثاني من الوثائق والأرشيف، كما يوجد الشيء نفسه في المركزين. (1/178)
صفحة 179
كم يصاب قلب المرء بالحزن والأسى عندما يسأل عن مجلة أو جريدة وينتظر بلهف الإطلاع عليها وبشوق أكثر الوصول إلى بغيته في ذلك المقال أو القصيد الذي يبحث عنه. فإذا به يجد العدد مخروما، أو الجريدة مفقودة في تلك السنة أو ذلك الشهر.
وكما أن من المتاعب والأسى الذي ينتاب الباحث أن يسأل عن جريدة مسجلة في المراجع والكشوف فإذا سأل عنها لاقتنائها قيل له: هذه مما لا يعار نظرا لقدمها أو أن المصالح المعنية منعت تداولها ريثما تصفف وتعالج. على كل حال هذه هي طبيعة البحث والتقصي، ولعل لذتها في متاعبها، حيث تحصل للإنسان الفرحة وراء كل موضوع اكتشفه ثم استطاع اجتثاثه من موضع في الصحيفة نسخا بالصورة أو خطا باليد. ومما أزعجني أن تونس في هذه الفترة تتبع نظام الدوام الواحد الخاص بفصل الصيف، إذ يبتدئ وقت العمل على الساعة الثامنة صباحا وينتهي على الساعة الثانية زوالا، فهو وقت عمل مخفف؛ هذا ما يجعل المرء في عراك من الزمن.
لا أنس أن أشيد عموما بالمعاملات الإدارية التي لاقيتها من العمال والموظفين والإطارات على مستوى هذه المراكز. وقد أتعبت كاهلهم بطلباتي الكثيرة والمتنوعة في سبيل الحصول على هذا الأرشيف، فكان صبرهم معي جميلا.
كما تضمنت الرحلة لقاء مع الدكتور محمد صالح الجابري في مقر عمله بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ الأليكسو ـ، فرع الجامعة العربية بتونس لأجل التداول حول الموضوع وتيسير السبل للوصول إلى هذا الأرشيف.
أفادني الدكتور بتجربته وكلمني عن عمله أثناء إعداد دراسته وما قام به من جهد في البحث عن مشاركات الجزائريين في الصحافة التونسية، كما حدثني عن أماكن وجود الأرشيف أيام بحثه في بداية الثمانينيات، وأعلمني بتحويل هذا الأرشيف من مكان لآخر.
وقد زودني مشكورا بقصائد شعرية لكل من الشاعر رمضان حمود ومفدي زكرياء وصالح الخرفي والشيخ أبي اليقظان نشرت في الصحافة التونسية.
ومما أطلعني عليه العمل الذي يشرف عليه في منظمة الأليكسو وهو إعداد موسوعة أعلام العرب والمسلمين من فجر الإسلام إلى الوقت الحاضر، وقد طبع منها أربعة مجلدات وأربعة أخرى قيد الطبع، وقد ترجم لشخصيات إباضية وميزابية وجزائرية كثيرة بالاعتماد على الباحثين الجزائريين وبالعودة إلى المصادر الأصيلة.
5 - نتائج رحلة البحث:
بتوفيق من الله تعالى تمخضت الرحلة عن جمع هذه الإسهامات وفك أسرها وتحريرها وإعادتها إلى قلاعها بأرض الوطن، كما هي موضحة في الجدول الآتي:
اسم الكاتب العنوان المساهمة الصحيفة والتاريخ
الشيخ أبو اليقظان ابن الشيخ سليمان الباروني مقال الإرادة ـ 24 فيفري 1934 (1/179)
صفحة 180
الشيخ أبو اليقظان الصحافة مرقاة الحياة شعر المنير ـ 22 جويلية 1920
الشاعر رمضان حمود نعم الجدود ولكن بئس ما تركوا شعر تقويم المنصور ـ 1926
الشاعر مفدي زكريا نقد على نقد مقال الوزير ـ 07 جويلية 1925
الشاعر مفدي زكريا عش مع الخالدين شعر الفكر ـ ماي 1961
الشاعر مفدي زكريا الذكرى العشرون لابن باديس مقال الفكر ـ مارس 1960
الشاعر مفدي زكريا رسالة الشعر في الدنيا مقدسة شعر الصباح ـ 12 أكتوبر 1961
الشاعر مفدي زكريا من يستهين بالتاج من أجل شعبه يعش خالدا شعر الصباح ـ 13 نوفمبر 1961
الشاعر مفدي زكريا التحيات أيهذا الإمام شعر الصباح ـ 26 جويلية 1961
الشاعر مفدي زكريا ادفعوها شعر الصباح ـ 01 سبتمبر 1961
الشاعر مفدي زكريا عش مع الخالدين شعر الصباح ـ 06 أفريل 1961
الشاعر مفدي زكريا فكرة المغرب العربي الموحد مقال الفكر ـ نوفمبر 1960
الشاعر مفدي زكريا تحية العلم الجزائري شعر الإذاعة ـ 1960
الشاعر مفدي زكريا أنا ثائر شعر الإذاعة ـ 1960
الشاعر مفدي زكريا إلى الريفيين شعر لسان الشعب ـ 06 ماي 1925
الشاعر مفدي زكريا بنيت بروح شعبك عرش ملك شعر الصباح ـ 02 مارس 1961
الشاعر مفدي زكريا رسالة من بربروس مقال صبرة ـ 1937
الشاعر مفدي زكريا نقد على نقد مقال الوزير ـ 07 جويلية 1925
الشاعر مفدي زكريا غني للأرض تساجلك السماء شعر الإلهام ـ جانفي 1956
الشاعر مفدي زكريا ليلة القدر الكبرى شعر الصباح ـ 14 ماي 1958
الشاعر مفدي زكريا إفريقيا أنت عروس الدنا شعر الفكر ـ مارس 1960
الشاعر مفدي زكريا الشمال الإفريقي يتحد شعر الوطن ـ 15 أوت 1937
الشاعر مفدي زكريا من وحي الثورة شعر الفكر ـ ديسمبر 1957
الشاعر مفدي زكريا الشمال الإفريقي يتحد شعر الوطن ـ 22 أوت 1937
الشاعر مفدي زكريا صوت الجزائر شعر الشباب ـ 05 مارس 1937
الشاعر مفدي زكريا هلال نوفمبر شعر الإذاعة ـ 1960
الشاعر صالح الخرفي فتى العروبة شعر الندوة ـ جانفي، فيفري 1957
الشاعر صالح الخرفي نوفمبر شعر الفكر ـ17 جانفي 1962
الشاعر صالح الخرفي سلاحنا وسلاحهم شعر الندوة ـ ديسمبر 1956
الشاعر صالح الخرفي الجنون الذري شعر اللغات ـ ديسمبر 1961 (1/180)
صفحة 181
الشاعر صالح الخرفي الجرح المتجاوب شعر اللغات ـ جانفي 1962
الشاعر صالح الخرفي عيد بلا أم شعر اللغات ـ مارس 1962
الشاعر صالح الخرفي موجة الحرية شعر اللغات ـ ماي 1962
الشاعر صالح الخرفي أيا غي موللي استقل شعر الزيتونة ـ 06 ماي 1956
الشاعر صالح الخرفي الثائر الجزائري وميلاد المسيح شعر الصباح ـ 19 جانفي 1957
الشاعر صالح الخرفي عيد ولا عيد شعر الصباح ـ 11 ماي 1957
الشاعر صالح الخرفي الجزائر المكافحة شعر الندوة ـ أكتوبر 1956
الشاعر صالح الخرفي رمضان أقبل شعر الندوة ـ أفريل 1956
الشاعر صالح الخرفي مأساة تبسة شعر الندوة ـ ماي 1926
الشاعر صالح الخرفي أطلس المعجزات شعر الفكر ـ فيفري 1962
الشاعر صالح الخرفي تحية الجزائر شعر الفكر ـ فيفري 1959
الشاعر صالح الخرفي يوم الجزائر شعر الفكر ـ جوان 1959
الشاعر صالح الخرفي جميلة بوحيرد شعر الفكر ـ مارس 1959
الشاعر صالح الخرفي الحرية في الشعر الجزائري المعاصر، ج1 مقال الفكر ـ فيفري 1962
الشاعر صالح الخرفي الحرية في الشعر الجزائري، ج2 مقال الفكر ـ مارس 1962
الشاعر صالح الخرفي الحرية في الشعر الجزائري، ج3 مقال الفكر ـ أفريل 1962
الشاعر صالح الخرفي الحرية في الشعر الجزائري، ج4 مقال الفكر ـ ماي 1962
الأستاذ بكير بابهون الجزائر والذكرى الخالدة شعر الفكر ـ ديسمبر 1957
الشاعر صالح خباشة هذي الجزائر صممت في عزمها شعر الزيتونة ـ 08 سبتمبر 1956
الشاعر صالح خباشة ذكرى الأمير عبد القادر شعر الصباح ـ 09 مارس 1957
الشاعر صالح خباشة مصرع الطاغية فروجيي شعر الصباح ـ 09 مارس 1957
الأستاذ محمد لعساكر تحية الحكومة الجزائرية شعر الصباح ـ 08 نوفمبر 1958
الأستاذ صالح فرحات نداء للوحدة مقال الاستقلال ـ21 أكتوبر 1955
6 - ملاحظة وتوصية:
لا يمكن أن أدعي أن كل ما جمعته غير موجود ولا متداول بين أيدي الباحثين في الجزائر، فإن فيه -خاصة القصائد الشعرية- ما هو معروف محفوظ متداول، وفيه النادر والمفقود.
ويبقى جهد الباحثين المطلعين على تراث هؤلاء الكتاب وعلى إنتاجهم الفكري هو الذي باستطاعته تحديد ما هو موجود مما هو مفقود.
بعد ذلك فإنه لزاما علي أن أضع بين يدي إخواني الباحثين والدارسين هذا العمل في أقرب وقت، بعد ضبطه وتصفيفه وترتيبه. للاستفادة منه والعودة إليه وقت الحاجة. (1/181)
صفحة 182
ثم أنه يلزم مواصلة البحث والتنقيب لجمع ما تبقى مما لم يجمع، ثم تأتي عملية استثمار هذه المادة العلمية تحليلا ونقدا ومقارنة في الدراسات التاريخية والفكرية المعاصرة لرسم صفحات مشرقة من نضال هذا المجتمع في سبيل دينه ووطنه على الصعيد الداخلي والخارجي.
--------------------
الهوامش
(1): انظر: محمد ناصر: الصحف العربية الجزائرية، 1847ـ 1939، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1980، ص7 - 18
(2): انظر ترجمتهم في: معجم أعلام الإباضية، ط1، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1999م.
(3): حمو عيسى النوري: نبذة من حياة الميزابيين، دار الكروان، باريس، 1984، ج1، ص358 - 360.
(4): أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976، ج1، ص157 ـ 158
(5): أحمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1991 ص33
(6): حمو عيسى النوري: المصدر السابق، ج1، ص358 - 364.
(7): إبراهيم حاج أيوب: الشيخ القرادي حياته وآثاره، تق: محمد ناصر، المطبعة العربية، غرداية، 1990، ص190
(8): اهتم الدكتور صالح الخرفي في أخريات حياته بشخصية الشيخ الثعالبي وأعد حولها عدة بحوث، منها: ـ الشيخ عبد العزيز الثعالبي، من آثاره وأخباره في المشرق والمغرب. ـ تحقيق كتابي: الرسالة المحمدية، خلافة الصديق والفاروق للشيخ الثعالبي.
انظر ترجمة مفصلة لشخصية وأعمال الشاعر صالح الخرفي في كتاب: الشاعر صالح الخرفي، صفحات في مساره الفكري والأدبي، إعداد: قاسم الشيخ بالحاج.
(9): أنظر: محمد صالح الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس، الدار العربية للكتاب، 1983، ص 375 وما بعدها.
(10): انظر في ذلك: الحاج سعيد يوسف: تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية، غرداية، 1992، ص 214
القبة ـ الجزائر ـ 24 جويلية 2005 (1/182)
صفحة 183
معهد الحياة .. ثمانون عاما من العطاء
(1343هـ/1925م ـ 1426هـ/2005م)
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة ـ القرارة ـ
الحمد لله الذي أشرقت بنور وجهه الظلمات، واستنارت بفيض سناه السماوات، وخضعت لجلال سلطانه الكائنات، وازدانت بقبس هديه النفوس المطمئنات، يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، يخلق ما يشاء ويختار، ويصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، وأصلي وأسلم محبا متيما، على من بعث للناس معلما، ولمكارم الأخلاق متمما، ولشتات الأمة ململما، الرسولِ الأمي الذي لولاه لم تزل الدنيا عدما، محمدِ بن عبد الله القائل دوما، صدقًا من الحديث وبلسمًا: «العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورَّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، وأثني على خير القرون، والثلة الأولين السابقين، من الأنصار والمهاجرين، الذين اختارهم ربُّ الخلائق لآخر رُسله صحبةً وبناةً، ولخير أممه نجومًا وهداة. فكانوا خيَر من ابتغوا إلى ربهم الوسيلة، وصفوةَ من زينوا سماء الفضيلة، وجاؤوا من الخيرات بكل جليلة، والذين لو أنفق أحدنا ملءُ الأرض ذهبا ما بلغ مُد أحدهم ولا قليله.
أيها الملأ الكريم من قومي السراة، ويا حظوةَ الأمة الأباة، ويا صفوةَ الأحبة الهداة، ويا أبناءنا الأعزة الأبرار، وفلذات أكبادنا الأطهار، ويا خلفنا الصالح بعد طول أعمار، سلام عليكم تكنه الجوانح من رب غفور، ورحمة شاملة تحفها المدائح من برّ شكور، وبركة سابغة تذروها الصفائح من قوي قدير، في ذكرى يوم غابر من أيام الله، وحدثٍ باهر قضى في ملكوت الله، يوم أضاء فيه وهاجا مشعل الهداية في القرارة، وارتفع فيه سراجا مصباح الرشاد والطهارة، واهتدت بالاقتباس من مشكاته نفوس حيارى، واستنارت بسنا نوره القلوب مرارا، وسارت بعاطر ذكره الركبان، وشدت إليه الرحال من كل البلدان. إنه يوم تأسيس معهد الشباب، أو معهد الحياة، بله معهد الشيخ بيوض ومعهد الشيخ عدون، الذي جرت مراسيم افتتاحه قبل اثنتين وثمانين سنة وبالتحديد يوم الجمعة 28 شوال 1343 هـ الموافق ل 21 ماي 1925مـ في وليمة أقامها الشيخ بيوض رحمه الله في داره، تقدمتها ختمة للقرآن، حضرها أعضاء حلقة العزابة، وأعيان البلد وأبطال الحركة الإصلاحية. كما نصّ على ذلك فضيلة الشيخ عدون رحمه الله في الصفحة 54 من كتابه معهد الحياة نشأته وتطوره الذي خصصه لتاريخ مراحل تأسيس المعهد.
ويقول المؤرخ العبقري الكبير الشيخ محمد علي دبوز في كتابه القيم «نهضة الجزائر الحديثة» الذي (1/183)
صفحة 184
أرَّخ فيه للحركة الإصلاحية بكل دقة وأمانة في الجزء الثالث صفحة 16: «وكان ميلاد المعهد في الربيع في شهر ماي، فولد مع الزهور الفواحة، والعراجين المباركة، ومع شباب الدنيا الذي يجددها ويورثها حسنَها ونتاجَها، فازدانت النفوس تفاؤلا بميلاد المعهد، في يوم الجمعة المبارك، في شهر العيد، في موسم الربيع، وشعَر الطلبةُ بالعيد الأكبر، هذا اليوم العظيم الذي يتحقق فيه أمل من أعظم آمالهم، فينفتح هذا المعهد العظيم الذي رأوه أوسع باب للمستقبل الزاهر الذي يرجونه لدينهم وأمتهم». اهـ
وإننا إذ نقوم في ذكراه اليوم احتفاء بهيبته، واحتفالا بأوبته بعد اثنتين وثمانين حجَّة، فلأنَّ إشراقته كانت علينا حُجَّة، وطريقته صارت لنا محجَّة، نسلكها كما سلكها سلفنا طائعين، نبتغي بذلك النجاة يوم ترجُّ الأرضُ رجًّا. معهد وضع قواعدَه سلفٌ صالح، وصنع فرائدَه جيلٌ فالح، ورفع مقامه نشْءٌ ناصح، ابتغاء ما عند المولى من أجر طافح، لا يغريه إقدامًا ثناء مادح، ولا يثنيه إحجاما عواء قادح. لأنه آمن يقينا صادقا أنَّ معهدهم هذا وريثُ أمجاد تقدمته، وحفيدُ معاهد سبقته، فهو امتداد لمعهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى نور القلب، والذي هو فرع من معهد علم الأمة الفذ الشيخ محمد بن يوسف اطفيش القطب، الذي يستمد وجوده من معهد الشيخ محمد بن بكر بن أبي بكر الفرسطائي واضعِ نظامِ الإمامة الصغرى في المغرب، والذي يضرب بجذوره عميقة في تاريخ المذهب، ليصل إلى معهد أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في غار البصرة على شط العرب، ومن ثم فهو موصول الأحقاب، موثوق الأسباب بمدرسة الرسول الأعظم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، منها يتفجر نبعه، ويستمد فيضه، ويجدد قوته، ومنها يمتص رحيق الإيمان، ويرضع لبان التقوى في كل آن، ويستلهم سبيل الرشاد مدى الأزمان، إنه بحق يومُ عيد سعيد سعدت بطلعته السماوات، وفجرُ قوم مجيد شعت أنواره في الخافقات، وخبيئةُ عمل صالح ابتغته النفوس المؤمنات، فغدت لهم ذكرا حسنا في الباقيات ولسانَ صدق في الخالدات.
معشر السادة النبلاء، ويا ثلة الإخوة الأساتذة الفضلاء، ويا جمع أبنائنا الطلبة الأعزاء:
إنكم وإيانا جميعا نتقاول في سريرة، ونحن وأنتم كلنا نتساءل في حيرة: ما بال القومِ اليومَ في وُجُوم، ولِم الجمعُ تغشاه مسحة من الغموم، ولم المكان تظلله سحابة من الهموم، ولم البسمة لا تفتر بها زاهية شفاه الحاضرين، ولم الألحان لم تنطلق بها شادية أفواه المنشدين؟
إيه معشر الأكرمين إنها الذكرى في الميعاد تُقام، لعزيزٍ افتقدناه على فاقة منذ أيام، ومدير واكب المعهد مرابطًا منذ أن قام، وراعيا ظلَّ مسجيا لنا على الدوام، طواه الدهر في جدث، وأبقانا بعده في عنت، وقلوبنا شوقا إلى لقياه في لهث.
إي وربي إنه ذلكم الذي بذكره تنزل الرحمات، وبدعائه تحُل البركات؛ من صدَق فيه قول الحبيب المصطفى: «خيارُكم من ذكَّرَكم بالله رؤيتُه، وزاد في علمِكُم منطقُه، ورغَّبكم في الآخرة عملُه». (1/184)
صفحة 185
إنه الأب الشغوف، والمدير العطوف والشيخ الألوف «سعيد شريفي الشيخ عدون». عدون في مراقد العدناء، شريف في مراصد الشرفاء، سعيد في مقاعد السعداء.
فكيف يطيب اللقاء دونك يا سعيد، وكيف تسكن النفوس بعدك يا شهيد، وقد كنت في عمرك المديد دوما لنا الأملَ البعيد، ولا زلت حتما في الأفقَ الفجر الجديد، والسراجَ الذي ينير الدرب في اليوم الشديد، وأنت القائل في آخر كتابك الذي ألَّفته عن معهد الحياة بعد أن عشت ثمانين حولا، وقد وهن العظم منك، واشتعل الرأس شيبا، ولكنك لم تسأم الحياة ولم تكن بدعاء ربك شقيا: «تلك نتائج المعهد في ماضيه وحاضره، فماذا أعددنا لحياته المقبلة التي نرجو أن تكون أوفى وأسعد وأطيب وأزهر، وأن تكون ممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ماذا أعددنا من أبنائنا إذا أردنا لهم السعادة الحق، وماذا أعددنا من إمكانياتنا إذا أردنا أن نكون مجتهدين في سبيل الله، هل نحن على استعداد للتضحية ببعض ما ضحى به سلفنا من المؤسسين والمرابطين في هذا المعهد؟؟؟» اهـ.
كأنَّ بني نبهان يومَ مُصابِه.:. نجومَ سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ
كنا كأنجم ليل بينها قمر.:. يجلو الدجى فهوى من بينها القمر
ألا رحماك أبانا، لكم كنت ظلا على القوم ظليلا، ويا بشراك مديرنا لكم حنوت على النشء عطفا جزيلا، وسقيت البنوة ماء الحياة سلسبيلا، ويا سعداك مولانا لكم أسديت إلى المحفل رأيًا جليلا، وتحمَّلت مما تنوء به أولو العصبة من القوة عبئا ثقيلا. لقد كنت الملاذ في معترك الأهواء، والفصل في مشتجر الآراء، والبلسم في موضع الداء، فيا سماء ما طاولتها سماء، ما كانت تصدر إلا عن ضوئك الأضواء.
ذَهبَ الصوابُ برأيِهِ فكأنَّما.:. آراؤُه اشتُقَّت من التأييد
فإذا دجَا خطبٌ تبلَّج رأيُهُ.:. صُبحًا من التوفِيقِ والتأييد
فهل نرى لك من باقية، تكون لنا من بعدك واقية، ولأسقامنا من نفثك راقية، ولعطاشنا من وردك ساقية. هذا الذي تهفو إليه نفوسنا، وترنو إليه قلوبنا، وتسعى إليه جموعنا، مستمسكة بحبل الله المتين، معتصمة بنور كتابه المبين.
إذا ذكرتك يوما قلت واحزنا.:. وما يردُّ عليك القول واحزنا
يا سيدي ومزاجَ الرُّوح في جسدي.:. هلا دنًا الموتُ منِّي حين مِنكً دنا
يا أطيًبً الناس روحًا ضمَّهُ بَدَنٌ.:. أستودعُ الله ذاكَ الروح والبَدَنا
لو كنتُ أُعطَى به الدُّنيا معاوَضَةً.:. منهُ لما كانَت الدُّنيا له ثَمَنَا
أيها الأحبة الأكرمون: (1/185)
صفحة 186
قد يبدو لمن لا يستمطر الأخبار أنَّ إقامة هذا الحفل في مثل هذا اليوم كان أمرا عجيبًا، ولمن يجهل تاريخ ماضيه أن إقبال القوم إلى مثل هذا المقام بات شيئا غريبا، وقد يراه من لا يعي من قدر الله شيئا أنه كان من قبيل المصادفة لا أمرًا رتيبا، و يشتدُّ التساؤل إلحاحا، لِمَ اختير اليوم الثامن والعشرون 28 من شهر شوال ليحيي أساتذةُ وطلبةُ معهد الحياة فيه ذكرى مديرهم فضيلة الإمام الشيخ عدُّون رحمه الله؟ ولِمَ كان الجمعُ بين الذكرى الثانية والثمانين لتأسيس معهد الحياة، والاحتفال بمدير معهد الحياة؟ أوليس الأفضل أن يفصل بين الذكريين فتُخصَّ كل منهما باحتفال مستقل يخلد كلا المعلمين بما يليق به، وتشيد بما يجدر به؟
و لكن يا معشر الإخوة الألباء، ويا حظوة البنوة النجباء، هل يوجد فرق بين مؤسَّسة معهد الحياة ومديره الفذ الشيخ عدون؟ أوليس معهد الحياة هو الشيخ عدون والشيخ عدون هو معهد الحياة، ألم يرتسم هذا التزاوج في ذاكرة كل من انتسب يوما إلى هذا المعهد العتيد، وتعرف على هذا المدير الفريد، الذي تغلب على نفسه صفة الأبوة الحانية على سلوك الأستاذية الصارمة؟ أوليس الفصل بينهما كالفصلِ بين زوجين، والقطيعةِ بين حبيبين؟ والتفرقةِ بين شِقَّين؟ وإنه لعمري قد لا ندرك نحن الأحفاد، الذين لم نعش مرحلة شد الأوتاد، قداسة هذه الحقيقة، وروعة هذه الصلة الوثيقة، ولكن يدرك ذلك من كان يقف فارعا بالمرصاد، أو يشتد بارعا في الجهاد، أو يتابع البحث مستقصيًا في عناد.
فهذا الدكتور محمد صالح ناصر أحد أفذاذ خريجي معهد الحياة، وأخلصِ طلبة مدير معهد الحياة، يقول في الصفحة 6 من المقدمة التي صدر بها كتاب «معهد الحياة نشأته وتطوره»: والواقع لا نُعَدُّ مبالغين إذا قلنا إن فضيلة الشيخ عدون هو العمود الفقري لهذه المؤسسة التعليمية في كل مراحلها التي مرَّت بها، فهو المخطِّط، والراعي، والموجه، والمنفذ ماديا وأدبيا، فهو أحد الذين وضعوا حجر التأسيس في بنائه، وتابع بناءه بنبضات قلبه، وحبات عرقه، ولم تغفُ عينه عنه لحظة من ليل أو نهار. وإن الخصال العالية التي يتحلَّى بها بوَّأته ليكون بحق المعلمَ القدوةَ إخلاصًا وانضباطًا، حزمًا ونظامًا، جدا واجتهادا، أعطى لهذه المؤسسة كل ما يملك من نفس ونفيس، حتى غدت جزءًا من نفسه، وكائنا حيا، الشيخ عدون أحد أسمائها».
أما المؤرخ الإسلامي الكبير الشيخ محمد علي دبوز الذي عايش مراحل نشأة المعهد وتطوراته طالبا وأستاذا ومؤرخا وباحثا فيقول في كتابه «نهضة الجزائر الحديثة» الجزء 3 الصفحة 28: «وكان مع الشيخ بيوض في هذه الخصائص ناظرُ المعهد في أطواره الأولى، ومديرُه بعد ذلك، أستاذُنا الجليل الشيخ عدون بن بالحاج، إنه الذراع الأيمنُ للشيخ بيوض في جهاده العلمي، وفي بناء المعهد وتسييره، ولقد أحبه التلاميذ كلَّ الحب، وتفتحت له نفوسهم فانصاعوا لمواعظه، ولازموا صراطه المستقيم الذي يأمرهم به، وهو من الأسباب الكبرى في نجاح معهد الحياة في التربية، فلولاه (1/186)
صفحة 187
لتعب الشيخ بيوض، وكانت نتائجُ المعهد أقل، وعمرُه أقصر، وشبابُه وصعودُه أقلَّ بكثير مما هو الآن».
و يقول في الجزء 2 صفحة 202 من نفس الكتاب: «من جزاء الله العظيم للشيخ بيوض على حسن نيته وعمله لوجه الكريم أن وهب الله له الشيخ عدون بن بالحاج، فكان من الطلبة الأولين في معهده، وهو ممن سعى في إنشاء معهد الحياة، وألحَّ على الشيخ بيوض في إنشائه، وهو أكثر اختلاطًا بالطلبة لأنه ناظرُ المعهد، يرابط فيه كلَّ أوقاته، ويمتزج بالطلبة معظمَ النهار والليل فتأثروا به، وهو من أكبر أسباب نجاح الشيخ بيوض في التربية والتعليم، فلولاه لعظمت أثقاله في المعهد فلا يستطيع أن يتفرَّغ في جزء كبير من وقته لقيادة النهضة ومشاكل الإصلاح. وإن ما يشدني إلى هذا المعهد العظيم فآثرته ميدانا للجهاد في سبيل الله، لنيل رضا الله أسباب كثيرة قوية، منها قيام الشيخ عدون بإدارته .... إنه من أكبر أسباب تقدُّم معهد الحياة وازدهاره في كل عهوده، ولا زال نشاطُه فيه وطموحُه في شبابه وهو في شيخوخته. وإن هاتين الشخصيتين العظيمتين شخصيةَ الشيخ بيوض وشخصيةَ الشيخ عدون من أكبر العوامل التربوية في المعهد.» اهـ.
وأعتقد أنّ أصدق ما يبرز هذه الحقيقة التاريخية شهادة محتفانا اليوم نفسه وهو يقول في صدق وتواضع متحدثا بنعمة الله في مقابلة خاصة: «إن أحسن عمل أتقرَّب به إلى الله تعالى هو سعيي وأثري في تأسيس المعهد، وأعتقد أنه لو لم أكن حاضرا يوم ذاك الوقت لبقيت حالة التعليم على حالها جيلا أو أكثر».
ويزيد بيانا في الصفحة 41 من كتابه «معهد الحياة»: «وكان المراقب (الشيخ عدون) الباعثُ لهذه الحركة والمسيرُ لها الشخصَ الوحيد الذي يهتم بهذه الجلسات وتحديدِ مواعيدها وتعيينِ أماكنها، ويتولى دعوة المشاركين فيها، وكم كان يعاني في ذلك من همٍّ وجهد وعناء، وكم كان يلاقي في سبيله من موانعَ وعراقيلَ ومماطلات».
ويؤكد على هذا الإقرار زعيم الأمة بحق ومؤسس الحركة الإصلاحية ورائدها بصدق الشيخ بيوض رحمه الله بقوله: «إن كلَّ ما أنجزته من أعمال في الميدان التربوي والاجتماعي يعود الفضل فيه إلى الشيخ عدُّون، ومن ثمَّ كان يوصي في كل مرة يُجدد فيها مكتبُ جمعية الحياة: غيروا من شئتم إلا الشيخَ عدُّون».
أما رفيق المحتفى في النهضة القرارية، عميد الصحافة الجزائرية، وشيخ البعثات العلمية الشيخ أبو اليقظان رحمه الله، فيسهم بشهادته في حق الشيخ عدون فيقول:
«كان الشيخ عدون من تلاميذ الشيخ بيوض وملازميه طول حياته إلى أن صار يدير باقتدار معهد الحياة، فتخرج منه تلاميذ نبغاء بارعون في كل الميادين، أوتي حظًّا موفورًا من الخلق الكريم، من تواضع وصبر وثقة بالله واتكال عليه وتقوى له وإيمان به، وعزة نفس وهمة عالية ولين عريكة (1/187)
صفحة 188
وحسن نية وصفاء قلب وصدق وإخلاص وورع وزهد ومحافظة على سمت السلف الصالح وحزم وعزم واقتدار على ما يُناط به من المهام بأمانة، وجِدٍّ لا يعرف كللا ولا مللا، ولا سأما ولا تململا في مبدئه، وهو بارع إذا كتب لا سيما في المواضيع الاجتماعية والأخلاقية، ويرجع إليه الفضل في تحرير افتتاحيات جرائدنا خصوصًا وادي ميزاب، المغرب، النور، الأمة، والذي يذيل مقالاته بإمضاء «سعيد» فقد ساعدنا بذلك جزاه الله خيرًا مساعدة جليلة.
وتعجبني شهادة غالية نقلها الدكتور صالح الخرفي خريج معهد الحياة، وحِبُّ مدير معهد الحياة، وأحد فحول الشعر العربي في العصر الحديث في كتابه «من أعماق الصحراء» عن الدكتور عبد الكريم خليفة رئيسِ مجمعِ اللغة العربية الأردني بعمَّان تظهر شراسة المعارك التي نشأ في وسطها معهد الحياة والجهود التي بذلها مَن كانوا على قيامه ساهرين، إذ قال:
«معهد الحياة، أحد حصون العربية في مغرب الوطن العربي، حمل لواء العربية لغةِ القرآن الكريم، ونازل الغزاة المستعمرين الذين حاولوا القضاء على هوية الشعب الجزائري البطل، وذلك من خلال محاربة العربيةِ والقضاءِ عليها في صدور أبنائها وعلى ألسنتهم، فخرج هذا الحصن العلمُّي بحمد الله وتوفيقه، وبجهود مؤسِّسيه، والعاملين فيه، من الجلة العلماء ظافرا ترفرف على أسواره رايات النصر، كما رفرفت على حصون العربية لغةُ العروبة والإسلام في أرجاء الوطن العربي» اهـ.
فما زادت شدة المضايق للنفوس إلا نباتا، وما زادت ضراوة المعارك للبنيان إلا ثباتا. ولكأني بأبي الطيب يعنيهم يوم رفع عقيرته مادحًا سيف الدولة وهو يبني قلعته على تخوم الروم وقد حمي الوطيس، وجاد الجند بالنفس والنفيس فقال:
بنَاها فأعلى، والقَنَا يقرِعُ القَنَا.:. وموجُ المنايَا حولَها متلاطِمُ
أتَوكَ يَجرُّون الحديدَ كأَنَّمَا.:. سَرَوا بِجِيادٍ مَا لَهنَّ قوائِمُ
فكيف ترجو الرومُ والرُّوس هَدمَها.:. وذَا الطَّعن أساسٌ لها ودَعَائِم
كما أن اختيارنا هذا اليومَ لإقامة هذا الاحتفالِ إنما نريد به تخليدَ ذكرى مديرِنا الشهيد خلودَ معهد الحياة العتيد، فتكون ذكراه متجددة في الأذهان ما وطأت قدما عبد رحابه الطاهر، ونهل من معينه الغامر، فيصير ذكره في القلوب مرتبطا بحدث روحي كبير، ارتباط ذكرى الإمام الشيخ بيوض رحمه الله بيوم ختم التفسير، وهو أعظم يوم له في حياته ولا مراء، وأجل مأثرة له في جهاده ولا افتراء، فالمؤسسات تبقى والأشخاص تفنى.
على أن الشيخ عدُّون لم يكن دوره مقتصرًا على مرحلة تأسيس المعهد فقط، بل كان المطور لكل أنظمته الإدارية، وبرامجه التعليمية، وأنشطته الثقافية، فهو المؤسس لجمعية الشباب ناديا أدبيا يتبارى فيها الطلبة على المنابر شعرًا ونثرا، وهو المؤسس لجريدة الشباب التي يتفانى فيها الطلبة على المحابر كتابةً ونشرًا، وهو الوحيد من بين مؤسِّسي المعهد العتيد الذي رابط أطول مدة فيه مدرسا ومراقبا (1/188)
صفحة 189
ومديرا، والوحيد ممن مدَّ الله في أنفاسه فدخل العشرين السادسة ليضع بيده الشريفة الحجر الأساسي لمبنى المعهد الجديد، وقد تجاوز من العمر قرنا، فحاز بذلك فضل الحال المرتحل، ويشاء اللطيف الخبير أن يكون آخرَ عملٍ يقوم به الشيخ عدون في حياته تفقُّدُ «مشروع الحياة»، قبل يومين من وفاته، لينام قرير العين، وقد صحب معه الصورة المستقبلية، والنظرة المتفائلة مرتسمةً في هذا المشروع الناشئ الذي به ضمان استمرار السعادة لمن بعده في الحياة.
أيها المحفل الكريم إن تخليدكم هذه الذكرى في يومكم هذا وشهركم هذا وعامكم هذا وفي بلدكم هذا ليفتح للنفس الطموحة مجالا رحبا لحديث الأيام، ويفتق الذهن بأفكار جياشة تستحق منا كل إطناب في الكلام، وتستوجب على كل وفيّ رضع الحياء، وكرع الولاء، ورتع الوفاء أن يقف سرمدًا موليا وجهَه شطر من كانوا له سببًا في الحياة، داعيا لهم بحسن المثوبة وكامل الجزاء، ومنشدًا في غير منَّة ملحمة الخلود، مردِّدًا في غير تكتُّم سيرة غابر العهود، التي عاشها في مض وتعب خيرة الجدود، فكانوا في الوغى صائدي الأسود.
فَصَارُوا دُيونًا للمَنَايَا ومَن يَكُنْ.:. عَلَيه لَهُم دَيْنٌ قَضَاهُ عَلى عُسْرِ
فَحسبُكَ مِنهُم مُوحِشًا فَقْدُ بِرِّهِم.:. وَحسبُكَ مِنهُم مُسلِّيًا طَلَبُ الأَجْرِ
ولكن أنَّى يتسنى ذلك الآن والوقت لا يسمح بالمزيد، والكلام مشاع لمن يريد، فحسبي أني قد بلغت من القصد ما أريد، وفي فرصة أخرى سانحة سأعود، إن أنسأ الله في الأجل وقدر بعمر مديد.
غير أني وفي نهاية الكلام، وقبل أن أترك المقام، أريد أن أعرض عليكم جوهرة ثمينة تشيع ضياء لأولي الألباب، استخرجتها من أعماق جريدة الشباب، التي شن الطلبة عليها الإضراب، حتى دسَّاها في الرفوف التراب، فكاد أمرُها أن يؤول إلى يباب، وعلى أنفسنا نلقي بكامل اللوم والعتاب، إنها مقتطفات من مقال كتبه المدير بخطِّ يمينه قبل ثمانين عاما وبالتحديد يوم 14 شعبان 1445هـ/ 17 فيفري 1927م فاسمعوا إليه في اهتمام: « ... إنني أجد في نفسي انشراحًا وارتياحًا لا يوصفان إذا رأيتكم في سُلَّم النجاح ترتقون ... وللناس فيما يعشقون مذاهبُ، ومذهبي في العِشق نجاحُكم وسعادتُكم ... لا يستقرُّ بيَ قرارٌ ولا يطيبُ ليً مقعدٌ إلا مقعدي أمامَكم أستمطرُ عليكم سحائب فكري لإخصاب أرضكم وانتعاشها ... إذا علمتم علم اليقين أنَّ ذلك منِّي صدقُ وودادُ، وإخلاص لا تشوبه شائبة رياءٍ وغرضٍ نفساني، وكنتم ممَّن يقر بالإحسان ويعترف بالجميل فإنكم تسارعون في مجازاتي، وتتساءلون عن جائزة تليقُ بي فتمنحونيها جزاءً لخدمتي، وشكرًا لما قمتُ به نحوكم؛ وهنا يجب علي أن أرشدكم إلى الجائزة التي تجازونني بها؛ إذا جئتم بها فقد قمتم بواجبكم وكنتم من الشاكرين ألا وهي العمل بما أقول لكم ...
أولا: الإتحاد: لقد تفتَّحت عيونكم في عُشٍّ واحد، ورضعتم من ثدي واحد، وحلقتم في جو واحد، ورتعتم في روضة واحدة، فعضوا على هذه الوحدة بالنواجذ. (1/189)
صفحة 190
ثانيا التخلي عن رذائل الأخلاق كالحسد والحقد والكذب والاحتقار والاستئثار، والتحلي بفضائلها كالحلم والصدق والكرم والنصح والأخذ بيد العار والإيثار.
ثالثا: التفاني في سبيل مهنتكم والتفرغ لها والمثابرة عليها بكل جد، من غَير ضجر ولا ملل، فآفة العلم هي الملل، ومن يعرف المطلوب يحقر ما بذل.
رابعا: صرف الشطر الأكبر من وقتكم في شحن أدمغتكم من مختلف الفنون بقدر استعدادكم ومواهبكم، وفي الاعتناء بالحفظ ومطالعة نفائس الكتب.
خامسا: أرفع أكف الضراعة بالدعاء إلى الله وأبتهل واضرع إليه أن يمدكم بروح منه، ويسدد خطاكم ويلحظكم بعين عنايته، ويوفقكم لما فيه رضاه إنه سميع مجيب».
إيه يا شيخنا المرحوم، ويا أبانا الرحيم، كم كان الرجاء فيك حثيثا لحضور يوم التمام، وكم كان الأمل فيك صادقا لشهود الحفل يُقام، وأنت تدشِّن بيمينك المباركة هذا الصرح العلمي الهام، وتدلف بقدمك الطيبة عتبة هذا المَعلَم الديني السامْ، الذي وضعت أسسه في العشرينيات، ورفعت قواعده من جديد وقد تجاوز العمر منك مائة عام. بركة في العمر تالدة، وخَبِيئة من العمل رائدة، زاد ادخرته للخالدة، فنم إلى جوار الصحب آمنا، واستمتع بصفو النعيم في رياض القبر مطمئنًّا، ولتقرَّ عينك بما قدمت، ولتهنأ نفسك بمن خلَّفت، فذكرك صار عمرًا ثانيا في الخالدين، وحمدك أضحى لسان صدق في الآخرين.
ولئن لم يكتب لك شيخَنا حضورُ ذلك اليوم الموسوم، والبقاءُ إلى ذلك الوقت المعلوم، وقد عالجك الأجل المحتوم، وغادرتَ وفي نفسك لهفة وهموم، فثق بأنا على العهد ذائبون، وعلى الدرب باقون، وعلى المشعل محافظون، وللراية السمحاء مُعلُون، وللسيادة القعساء ماضون، وسيكتمل بإذن الله شموخ هذا الصرح، وستعلو منارته فوق السطح، و سيُنشد أبناؤك الجنود بلحن شجي لحن الخلود، ويؤوبون بصوت ندي أنشودة الحفاظ على العهود، وسيردِّد المعهد صدى اللحن، وترجع الجبال مدى الصوت، فيغشاك لحنًا سنيًّا في قبرك وقبر من تنام بجواره زعيم الأمَّة الشيخ بيوض، وصنوه الشيخ أبي اليقظان، وكل من يرقب بعين بصيرة مسيرة هذا المغوار، ويتابع درب هذا المشوار؛ فالهناء الهناء لك شيخنا، والسعادة السعادة أبانا، لقيانا معك في دار الخلود، هناك يحلو السمر ويطيب السهر في الرياض مع الحور، فتعج الأفئدة بالشكر أبد الدهور.
معهدَ الرُّشدِ لا عدِمتُك صدرًا.:. كم رَعى نَاشِئًا، وأيقَظ ذِهنَا
أنتَ في شَاطِئِ العُلُوم مَنَارٌ.:. أنتَ في بَحرِهَا اللآلِئُ تُجْنَى
مُذ ثَمَانِينَ وَالمرَاكِبُ تَرسُو.:. سُفُنٌ تَختَفِي فَتحْضُنُ سُفْنَا
مَعهَدٌ للشبابِ كُنتَ ومَا زِلتَ.:. شبَابَا والعُمرُ أوشَكَ قرنا
عَدُّونُ ما أنتَ الموسَّدُ في الثَّرى.:. بل أنتَ في دارِ الخُلدِ الخَالِدُ
وَليتَ المنيَّة إذ فَدَت عُمْرًا بِخَارِجَةٍ.:. فَدَت سَعيدًا بِما شَاءَت مِنَ البَشَر
فحفل مبارك أيها المحفل السعيد، وعمر طويل في حسن عمل مديد، وعهد صادق ينفضُّ عنه الجمع رشيد، ويقين تثبت به الأقدام على الصراط والبصر يومئذ حديد، ورضوان من الله أكبر ما نرجو بعده من مزيد.
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة/105).
القرارة يوم الاثنين 30 شوال 1425هـ
13 ديسمبر 2004م (1/190)
صفحة 191
أقوال صريحة تعبر عن قلوب جريحة ... !
أ/أحمد بن عمر أوبكة
قل للمكارم جُوبي في مغانينا.:. .:. واستنطقي الدهرَ عن أسمى معانينا
وسائِلِي عن مدى أمجادِنا حِقبًا.:. .:. واستشهدي الفضلَ هل خابَ الرَّجا فينا
وسائِلِي الكوكب الدُّريَّ كم لمحت.:. .:. عينٌ له في الدُّجى إعجازَ وادينا
وسائِلِي الشمس في الأيام سائرةً.:. .:. هل فَلَّ يومٌ عصيبٌ من مواضينا؟
هذي مِزابُ مدى الأيام صامدةٌ.:. .:. رغم العواصف لم تعرف لها لِينا
هذي مِزابُ مدى الأيام راسخةٌ.:. .:. بل زادها عنتُ الأزمان تمكينا
هذي مِزابُ تحدَّت كلَّ نائبةٌ.:. .:. بل لقَّنتها دروس الصبر تلقينا
هذي مِزابُ لدى الصحراء جوهرةٌ.:. .:. قد زيَّنت جيدها في الخلق تزيينا
أرضُ الجزائر لا مينٌ ولا كذبٌ.:. .:. منها مِزابُ، فَذا في الفخر يكفينا
لقد تباهت بها الدنيا مُفاخرةً.:. .:. فلا سبيل لمغرورٍ يُمارينا
خابت مساعي الذي رام انفصالَهُما.:. .:. إفكًا وزورًا، وما يدري عوادينا
رُدَّت مكايدُه في نحره رَهقًا.:. .:. فكيف يُفلح من قد جاء يُقصينا
ميزابُ أوراس هقَّارٌ وجرجرةٌ.:. .:. والونشريسُ فكلٌّ من مغانينا
والأطلسان وما ينسابُ بينهما.:. .:. منبات النخل لا تنس الزياتينا
مَهَامِهُ البيد في الصحراء شاسعةً.:. .:. سماؤُنا ماؤُنا أملاكُ أيدينا
وكلُّ شبرٍ بها يتلو ترانيمُه.:. .:. من ذكريات الفِدا يشدو بماضينا (1/191)
صفحة 192
وكلُّ شبرٍ بها غنَّت له شُهبٌ.:. .:. مهدَ البطولة يا من فجَّرت تشرينا
والشعبُ يجمعُه في كلِّها سببٌ.:. .:. زادت له مِحنُ الأيام تمتينا
لكن ـ ووا أسفاه ـ زاغَت بصائرُنا.:. .:. صِرنَا ـ ويا ويلنا ـ للعهد ناسينا
كنَّا بعهد الفدا نرمي لواحدةٍ.:. .:. هي التحررُّ من أيدي أعادينا
لذا بدلنا لها الأرواح غاليةً.:. .:. حتَّى ظفرنا على أغلى أمانينا
تعدَّدت بعدها كُفرًا مشاربُنا.:. .:. وبالمظاهر أخفينا مضامينا
ألم يكن قد مضى عهدُ التفاضل في.:. .:. زمانٍ كان الهوى في الحكم قانونا؟
هذا نعدِّله فينا نشجِّعه.:. .:. هذا نجرِّحه مقتًا وتوهينا
هذا نقدِّمه حبًّا وتكرمة.:. .:. هذا نؤخِّره في الناس قالينا!
شالت بنا كفَّة الإنصاف طائشة.:. .:. واختلَّ تصنيفنا هذا موازينا
أجاهلية شركٍ في حميَّتها؟.:. .:. فتلك رجعيَّة ممقوتة فيناـ
أمَّا الشراهة والأطماع فهي لنا.:. .:. نعم الموارد تمويلاً وتموينا
لا لا أعمُّ معاذ الله إنَّ لنا.:. .:. من طاب مسلكُهم ظلُّوا مُوفِّينا
بقوا على المنهج المرسوم، رائدُهم.:. .:. إخلاصهم والوفا للعهد راعونا
هم الطليعة لولاهم لما بَلَغت.:. .:. أرض الجزائر شأوًا من معالينا
أخوَّة الدين في الإسلام كافلةٌ.:. .:. تعايش الأمن في أقوى تآخينا
فالمؤمنون برب الناس بعضُهمُ.:. .:. لبعضٍ أولياء كلاًّ مُساوينا
يسعى بذمَّتهم أدناهمُ وهمُ.:. .:. حرب على من سِوى مجموعهم دينا
فيم التنكُّر والإعراض؟ ذا عمل.:. .:. دليل شؤمٍ لنا يبغي مهاوينا
توبوا إلى رشدكم، عودوا إلى عهدكم.:. .:. نبلُغْ بأوطاننا أقصى مرامينا
واسترجعوا ثقة كيما تعود لنا.:. .:. مقومات القوى عشنا بها حينا
ولتضربوا خائنًا فوق اليدين فلا.:. .:. نراه جرثومة تؤدي فتُردينا
وكلُّنا فليكن فيما يناسبه.:. .:. من الأماكن وليعمل كما دينا
قد قالها «بن جديد» في صراحته.:. .:. على التزام لها خوضوا الميادينا
واستكملوا النقص إنَّ النقص يُكمِله.:. .:. إخلاص قصد، دعونا والعناوينا
ألا التفاتًا بني قومي لمشرقنا.:. .:. كيف الخلاص به من أيدي عاثينا
إلى م يرزح في قيد يعيث به.:. .:. أسافل الناس بالعدوان بادونا
قومٌ يقودهم للغدر حقدُهمُ.:. .:. يحالفون على الشر الشياطينا
إبليس يملي لهم من كيده رهقا.:. .:. حتى غدوا كلُّهم حقًّا ملاعينا
نصدق الله في إنشائنا بشرًا.:. .:. من طينة صاغنا أصلاً وتكوينا (1/192)
صفحة 193
وآدما جدَّنا بالعقل كرَّمه.:. .:. وبالخلافة إعزازًا وتمكينا
أمَّا الصهايين فالهبَّار جدُّهم.:. .:. يؤيد الدينُ في هذي «دراوينا»
عاثوا فسادًا بأرض الله من قِدم.:. .:. وهم لئام وقالوا من يدانينا!؟
توارثوا اللؤم كنزًا من كنوزهم.:. .:. لأجله قتلوا سبعًا وسبعينا
من النبيين لا تعجب إذا زعموا.:. .:. أن هم على رُشد ليسوا بغاوينا
تلك السفاهة لا تعجب إذا زعموا.:. .:. أن هم بنو الله يُدنيهم ويُقصينا
لؤم الطباع على أصحابه خطرٌ.:. .:. يودي بهم في مهاوي الخزي كابينا
ألم يكونوا ـ بني قومي ـ ذوي خطر.:. .:. كمثل أسلافهم دومًا مُعادينا؟
قُرَيظة الخزي إذ حقَّ القضاء بهم.:. .:. أن ذبحوا كلُّهم عدلاً قرابينا
نُضَير غدر، قَينُقاع الخيانة والـ.:. .:. إسفاف إذ شاقَقَتْ في الناس هادينا
فعوقبوا بالجلا والأرض تلعنهم.:. .:. وكلُّ شبرٍ بها يأباهمُو شينا
كذا مواطؤهم في كلِّ آونة.:. .:. تهوى وتطلب لو دكَّت بهم حينا
تشتتوا في الدُّنا كالتبن إذ عصفت.:. .:. به الرياح، فها صاروا ثعابينا!
إذا بأيدٍ لها في الإثم سابقة.:. .:. تأتي فتُسكِنهم غصبًا فلسطينا
إذا بهم يدَّعون الزور أنَّهمُ.:. .:. صاروا على شعبها حتمًا سلاطينا
قد خُوِّلوا مثطلق التصريف لا أحدٌ.:. .:. يُحصي أفاعيلهم، صاروا فراعينا
فالقدس والمسجد القصى وصخرته.:. .:. مقدَّساتٌ أهانوا لا يُبالونا
بحقها حرمة لله واجبة.:. .:. ولا الكرامة في شخصٍ يراعونا
ويوم «صبرا» و «شاتيلا» وما تركت.:. .:. آثامهم شاهدًا في الناس يكفينا
وقبلها داهموا «بيروت» في حنق.:. .:. وقبلها فاسألوا ماذا «بسخنينا»
وبعدها ما اكتفوا من كلِّ موبقة.:. .:. لقبحهم سمموا أبناء «جينينا»؟
فهل يضيع بنا ثأرٌ لنا هدرًا.:. .:. أو قد نكون نسينا أو تناسينا؟
وكيف نُدعى إلى أمنٍ موادعة.:. .:. والغيظ في جسمنا يفري الشرايينا؟
كلاَّ وربك إن كنَّا على ثقة.:. .:. من أمرنا وإبا أسلافنا فينا
فلا يظل لنا في العالمين دمٌ.:. .:. والحقُّ أعظم موتور ينادينا
فلتذكروا لصلاح الدين صولته.:. .:. وكيف خلَّص بالإقدام «حِطِّينا»
وكيف أنزل من غلوائه بطلاً.:. .:. يبغي اعتلاءً فأمسى في الأذلينا
فكيف نخشى بعوض اليوم نرهبه؟.:. .:. عارٌ علينا نخاف اليوم «بيقينا»
وكيف نتركه يُدمي لنا مُقلاً.:. .:. عارٌ علينا نهابُ اليوم «شارونا»
لكن ضعفنا على الأيام فاجترأت.:. .:. بويعضات بها كانت مآسينا (1/193)
صفحة 194
صدودنا عن كتاب الله أقعدنا.:. .:. عن النهوض كذاكم جهلنا الدينا
أليس نور كتاب الله ينقدنا.:. .:. إذا تلاطم موج الكفر يغشينا؟
أليس هديُ رسول الله يُسعفنا.:. .:. إذا بريق الهوى والجهل يُعشينا؟
بني العمومة إنَّ الدين شرَّفكم.:. .:. به تبوَّأتم الجوزاء عالينا
به عظمتم وكان القول قولكمُ.:. .:. واليوم لم تضمنوا في الناس تأمينا
الدين نحسبه قيد ورجعية.:. .:. وما تعاليمه للعيش تُغنينا
أنُسخِط الله في أعمالنا بطرًا.:. .:. كذا ونُمعن في الإفساد عادينا؟
ولم نراع حدود الله نهتكها.:. .:. بلا حياء تجنَّبناه باغينا
مقدمات لها حتمًا نتائجها.:. .:. لذا أنزلنا أذلاَّ من صياصينا
وقد فقدنا وأيم الحق ذاتية.:. .:. والكون أجمعه فيها يعزِّينا
أسلافنا انتصروا بالدين وامتلكوا.:. .:. أقصى البلاد كما قد أطبقوا الصينا
أسلافنا انتصروا بالدين وانتزعوا.:. .:. حقَّ الزعامة في الدنيا أساطينا
أسلافنا انتصروا بالدين واقتحموا.:. .:. صروح كسرى وقد عاشوا مُهابينا
لا الفسق لا الرقص لا كأسٌ تدارُ بهم.:. .:. ولا تراهم على مال مُرابينا
ولا الليالي إذا احمرَّت بلذَّتها.:. .:. حول المعازف توقيعًا وتلحينا
ولا سمعنا لهم إثمًا يدنِّسهم.:. .:. ولم يكونا عن الإيمان ساهينا
الجِدُّ منهجهم، والنصح مبدأهم،.:. .:. على سباق هم للخير ساعونا
ووحدة الصف لا تعدوهمُ أبدًا.:. .:. هي المِلاك بها ظلُّوا معاوينا
نحن ـ ماذا بني قومي؟ ـ ويا أسفى.:. .:. على المبادئ قد ضاعت بأيدينا
بني عمي على م الخلف يقتلنا؟.:. .:. إلى م نهدم جمعًا من مبانينا؟
إلى متى والدما من جسم أمَّتنا.:. .:. مستنزفاتٌ بها تسقى أراضينا؟
فيم التنازع والأعداء ساخرة.:. .:. تذكي العداوة تزيينا وتحسينا؟
فيم التنازع والأعداء جاثمة.:. .:. على الصدور وشدَّت من تراقينا؟
فيم التناحر والأعداء شامتة.:. .:. لفرط آلامنا هزءًا تغنِّينا؟
أفعالكم يا بني الإسلام مهزلة.:. .:. إنا ظفرنا بكم عيشوا مساكينا
الهمُّ يلهب في أكبادنا حرقًا.:. .:. كذاك مُرُّ البكا يُدمي مآقينا
طال الزمان ولم نحفل بطيلته.:. .:. سبع كسبعين أو تسعُ كتسعينا!
نشكو ونشكو، وما الشكوى بمُجدية.:. .:. وما ارعوينا وقد ناحت بواكينا
ورددت نوحها بالحزن صارخة.:. .:. من كلِّ غور ومن أعلى روابينا
أضحى التنائي بديلاً من تدانينا.:. .:. وناب عن واجب اللقيا تجافينا (1/194)
صفحة 195
ومن أجل ذاك تجرَّعنا الأسى غُصصا.:. .:. مستضعفين وويلات أفانينا
ونحن في لجَّة الأحداث سابحة.:. .:. نفوسنا ورياح البؤس تزجينا
فالبعض منا يرى في الشرق منقذه.:. .:. فقالها جاهلاً هذا مُحامينا
والبعض منا يرى في الغرب ملجأه.:. .:. فقالها طامعًا هذا يواسينا
ما الشرق؟ ما الغرب؟ ما جدوى السراب وهل.:. .:. يوما يشفينا به غلات صادينا؟
إذا أردنا حياة العز نطلبها.:. .:. فلنتخذ سببا للعز ينهينا
فلا الربيلات تستهوي ضمائرنا.:. .:. عن المراد، ولا الدولار يُغرينا
هي الأصالة لا نبغي بها بدلاً.:. .:. ولو مُنحنا بها الفردوس يُؤوينا
لنا أصالتنا من ديننا انبثقت.:. .:. وكلُّ خير لنا منها يوافينا
ما الكوثر العذب في خلدٍ يَلذُّ لنا.:. .:. بذلَّة وبه رضوان ساقينا
والحور تُطعمنا حلوى وفاكهة.:. .:. ونحن في حضنها نحيا مُهانينا
وإن يكن عيشنا بالعزِّ نرض به.:. .:. ولو يكون الغِذا مُهلاً وغسلينا
إن لم نكن هكذا فالموت أولى بنا.:. .:. والقبر أحسن ستَّار يوارينا
فلنلتمس قوَّة عظمى تُعزِّزنا.:. .:. وليس غير حمى الرحمان حامينا
ومن تكن بإله العرش نُصرته.:. .:. خابت عداه ولو عُدُّوا ملايينا
فإن تكن لسبيل الله نُصرتنا.:. .:. وعدًا على ربنا حقًّا يوالينا
والله يمنحنا حتمًا معيَّته.:. .:. ويُنجز الوعد في العقبى ويُعلينا
ألقيت في المهرجان الثقافي الخامس لبلدية غرداية
الليلة التاسعة من المهرجان، بنادي الإصلاح
يوم: 09 رجب 1403هـ/ موافق لـ 22 أفريل 1983م
نشرت القصيدة بدورية الحياة، العدد: 09، 1426هـ/2005م، ص266.
ونشرت بالموقع بتاريخ: 13 ماي 2010.
القرآن يتألم فيتكلم ...
الأستاذ: الشيخ صالح بن إبراهيم باجو
أستاذ بمعهد الحياة
أنا صوت الإله، أبلغ قول.:. .:. .:. سمعته الأنام في الآباد
أنا نور الإله أشرق في الكو.:. .:. .:. ن، مُبيدًا للشرك والإلحاد
قد طويتُ السماء مخترقًا.:. .:. .:. سبعًا طباقًا إلى النبي الهادي (1/195)
صفحة 196
فدعاكم إلى الهدى فأجيبو.:. .:. .:. هُ، ولبُّوا نداء خير مناد
فهلمُّوا إليَّ واصغوا بقلبٍ.:. .:. .:. ينشد الحقَّ، للهدى مُنقاد
سبقتني إلى الوجود رسالا.:. .:. .:. تُ النبيين بالسَّنا الوقَّاد
بشَّرتكم بمقدمي فأراني.:. .:. .:. بمجيئي مصدِّقًا روَّادي
جئتكم داعيًا إلى الله بالحـ.:. .:. .:. ـق أنجِّيكم و من الإلحاد
تنبذون الأصنام حسًّا ومعنى.:. .:. .:. تعبدون الإله ربَّ العباد
إن دعتكم إلى الشرور شياطيـ.:. .:. .:. ـن وجرَّتكم و إلى الإفساد ...
فانبذوا صوتها، وأصغوا إلى.:. .:. .:. من ظلَّ يدعوكمو إلى الإرشاد
إن هذا القرآن يدعو إلى الأقو.:. .:. .:. م، من كلِّ منهج مُناد
حرَّر العقل من عبادة وَثْنٍ.:. .:. .:. ظلَّ "للاَّت" أخلص العبَّاد
يعبد "اللاَّتَ" وهو يعلم حقًّا.:. .:. .:. أنَّها بعض صخر الوادي
لن تنيل الإنسان نفعًا وإن كا.:. .:. .:. نت كمثقال ذرَّة من رماد
------
إنَّ هذا القرآن يدعوا إلى الخيـ.:. .:. .:. ـر، لدار الدُّنا ودار المعاد
فأشرِبوه قلوبَكم ثمَّ روُّوا.:. .:. .:. من هداهُ الندِيِّ كلَّ فؤاد
إنَّ هذا القرآن يدعو إلى الأخـ.:. .:. .:. ـلاق والنُّبلِ شيمةِ الأمجاد
يمقت الحقد والضغينة والبغـ.:. .:. .:. ـي، وتلكم طبائع الأوغاد
إنَّ هذا القرآن يرسم للنا.:. .:. .:. س طريق النجاة والإسعاد
يغمر الأرض بالسناء، فيسمو الـ.:. .:. .:. ـمرء بالروح نحو رب العباد
فـ"صهيب" و"ياسر" و"بلال".:. .:. .:. وهمو يرصفون في الأصفاد
لم يُلينوا الجبين قطُّ لغير الله، رغم العذاب والجلاَّد
إنَّ هذا القرآن صيَّر منهم مُثُلَ.:. .:. .:. الصبر، عند كلِّ اضطهاد
آيه المحكمات عذبٌ فراتٌ.:. .:. .:. هنَّ ريٌّ لكل قلب صاد
هو دستور أمَّة رامت المجـ.:. .:. .:. ـد، تسامت إلى العلا باطِّراد
حفظه أوَّلاً، وفهمٌ وتطبيـ.:. .:. .:. ـقٌ لما جاء طيُّه من مبادي
أمةُ الوحي أعرضت عنه حتَّى.:. .:. .:. ذاقت الويل بالخطوب الشداد
من جثوم العداة فوق ثراها.:. .:. .:. وجيوش رهيبة وعتاد
فدهى المسلمين ذلٌّ وخزي.:. .:. .:. سُلبوا فيه عزَّة الأجداد
أصبح "الأمرِكان" في كلِّ شبر.:. .:. .:. من بلاد الإسلام كالأوتاد
راسخات جذورها تملأ الأر.:. .:. .:. ض فسادًا، فيالهم من جراد (1/196)
صفحة 197
بين قتلٍ للأبريا واغتصابٍ.:. .:. .:. مُلهبٍ للقلوب والأكباد
لم يراعوا مساجد الله كلاَّ.:. .:. .:. لا ولا من بها من العُبَّاد
دنَّسوا المصحف الشريف وداسو.:. .:. .:. ه عُتوًّا ينمُّ عن أحقاد
أو يُرمى الكتاب وسْطَ مراحيضَ.:. .:. .:. لآمٍ أخسَّةٍ أنكاد!
من] هن مُصحف الإله ينلهُ.:. .:. .:. من ما نال قبله قومُ عاد
أصبحوا جاثمين بين ديار.:. .:. .:. خاليات خُلوًّ بطن الوادي
إنَّ هذا القرآن يشكو إلى الله اعتداء الأنذال والأوغاد
وشعوب الإسلام شبه سكارى.:. .:. .:. وحيارى بغفلة ورقاد
وهو يشكو سكوتهم عنه جُبنًا.:. .:. .:. واتِّقاءً لنقمة الأجناد
أتطيب الحياة يا قوم والمصحـ.:. .:. .:. ـف يشكو، وما له من فاد؟
وإذا دُنِّست كرامة شعب.:. .:. .:. وأهينت رموزهُ والمبادي ...
وغدا للعداة حلسًا مهينًا.:. .:. .:. مستساغًا لدى حلوق الأعادي
فارتقب غضبة الإله عليه.:. .:. .:. إنَّ ربي له لبالمرصاد
------
أمَّة الوحي ويحنا لحِقتنا.:. .:. .:. لعنات الأباء والأجداد
أمَّة الوحي ما الذي قد دهانا.:. .:. .:. فغدونا نُعدُّ بالآحاد
وانقسمنا، وفي انقسام قُوانا.:. .:. .:. كلُّ خِزيٍ، ونكبةٍ، وحصاد
أمَّة الوحي أصبحت فرقًا شتَّى.:. .:. .:. أراها تموج بالأضداد
أمَّة كاللهيب تقذف جمرًا.:. .:. .:. تتحدَّى العدوَّ باستشهاد ...
بينما قمَّة الملوك تُهاديـ.:. .:. .:. ـه سلامًا وباقة الأوراد
طبقاتٌ يُذل بعضهم البعض.:. .:. .:. كإذلال العبيد للأسياد
كيف نرجو من الإله خلاصًا.:. .:. .:. وانتصارًا على جيوش الأعادي
وعُداة الإسلام منَّا، وفينا.:. .:. .:. من يَمُدُّون للعدو الأيادي
فهمو بالنفاق سادوا وعاشوا.:. .:. .:. لقوات العدو خير سناد
لن تردُّوا العداة عنكم بإرعا.:. .:. .:. دٍ يهزُّ الدُّنا وبالإزباد
فارجعوا للإله والتمسوا.:. .:. .:. النصرة منه يُجركمو من عوادي
وانصروا دينكم بصدق.:. .:. .:. يزدكم ربُّكم عزَّة مدى الآباد
ألقيت في حفل تكريم مستظهري القرآن الكريم بالقرارة
يوم: الأربعاء 08 ربيع الثاني 1426هـ/ موافق لـ 15 جوان 2005م (1/197)