صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 10 - مبوبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
دورية فكرية يصدرها معهد الحياة بالقرارة، الجزائر
العدد العاشر
رمضان 1427هـ / أكتوبر 2006م
رئيس التحرير
د/محمد بن موسى باباعمي
نائبا رئيس التحرير الأستاذان
أ/ صالح بن أحمد حدبون
أ/ محمد بن أحمد جهلان
مراجعة وتدقيق:
أ/ مصطفى بن محمد شريفي
الموقع على الأنترنت:
www.tourath.org (1/1)
صفحة 2
المحتويات:
الافتتاحية ............................... د/صالح بن عبد الله أبو بكر 05
قبل البدء، عددٌ عاشر ٌ، ومرحلةٌ عاشرة .... أ/ محمد بن أحمد جهلان 12
تاريخ وعبر
*-من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة د/ محمد بن موسى باباعمي 18
*-الشيخ بيُّوض وصلاحيَّة الخطاب لزمانه ومُستقبَل الأجيال البعيد أ/ محمد بن سليمان أبو العلا 30
*-الشيخ حمُّو بن عُمر فخَّار وفكرُه السياسي د/صالح بن عبد الله أبو بكر 48
*-الحركة الإصلاحيَّة في ميزاب تحت مجهر الإدارة الفرنسية أ/ ابن عمر الحاج موسى بن بكير 73
مناهج وحلول علمية
*-الاستثمار المحلِّي وسياسة الاعتماد على الذات (بلدية القرارة نموذجًا) أ/ محمد بن صالح حمدي 91
*منهجُ العدِّ والإحصاء وأهميتُه في العلوم الاجتماعية أ/ بشير بن الحاج عمر مرموري 104
*-منهجُ التخريج العلميِّ للحديث (دراسة تطبيقية) أ/ صالح بن محمد حمدي 118
دراسات أدبية
*-الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العُماني الحديث د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 139
*-فنُّ الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان د/ محمد زغينة 157
الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي الشيخ عدُّون (رحمه الله) ــــ ما قاله وما قيل عنه ــــ
*-الشيخ عدُّون في سطور 183
*-الشيخ عدُّون الأستاذُ المربِّي د/ محمد بن صالح ناصر 189
*-آخرُ ما قاله الشيخ عدُّون أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 205
*-الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين د/ مصطفى بن صالح باجو 231
*-الشيخ عدُّون معدنُ التجديد والتطوير د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 255
*-الشيخ عدُّون وجمعيةُ قدماء التلاميذ أ/ محمد بن سليمان أبو العلا 262
الرسائل الجامعية
*- سِيَر الوسياني، دراسة مجموعة الوسياني وتحقيق الجزء الأول منها. د/ عمر بن لقمان حمو سليمان بوعصبانة 274
*-الجريمةُ السياسية بين الفقه الإسلاميِّ والقوانين الوضعية د/ صالح بن عبد الله أبو بكر 288
خُطبة العدد
*-الهجرة مفهومٌ وحقيقة أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 299
قطوف شعرية
*-في وداع رمضان ....................... د/ محمد بن صالح ناصر 309
*- «عدُّونُنا» فوق السِّمَاكِ الأعزل ..... أ/ عيسى بن سليمان قرقر 311
*- «أهلُ الله وخاصَّتُه»؛ المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة 314
*-فهارس الأعداد التسعة السابقة من دورية الحياة 320
*-دورية الحياة مجلَّة فكرية مُحكَّمة 333 (1/2)
صفحة 3
افتتاحية الحياة في عددها العاشر
د. صالح بن عبد الله أبو بكر (*)
طُلب منِّي ـ أو بصراحة ـ كلِّفت بكتابة افتتاحية دورية الحياة، في عددها العاشر، فحاولتُ الاعتذار والتهرُّب من هذا التكليف، شعورًا بثقل المسؤولية من جهة، وانشغالاً بالمهام الكثيرة التي كبَّلني بها المواطنون من جهة أخرى، وهي بعيدةٌ كل البعد عن الكتابة الأدبية والبحث العلمي.
لكنِّي تيقَّنت أن لا ملجأ ولا مناص إلا الرضوخ وتلبية الطلب، خصوصًا وأنِّي قد تصفَّحت الأعداد السابقة، فوجدتُ أن أغلب كتَّاب الافتتاحيات فيها ـ وهم أرسخ مني قدما في الأدب والبلاغة، وأكثر مني مسؤولية وأشغالاً في المجتمع ـ لم ينفعهم لا اعتذارٌ ولا تملُّص.
وأكيدٌ أن الاعتذار والتهرب عن كتابة الافتتاحيات، يكمن في تقدير المكانة العالية لدورية الحياة، ومعهد الحياة، منبر الأدباء وأصحاب البيان، مما جعل الكثير يتحرَّج من قول عبارة أو تحرير فقرة، أمام سيبويه المعهد الشيخ عدُّون ـ رحمه الله ـ وحتى في حضرة تلاميذه من بعده.
وانطلاقا من ثوابت معهد الحياة ورصيده ومنهجه، في معالجة القضايا الوطنية والإسلامية، فمشايخ المعهد كانوا ممن لا تهدأ صيحاتهم لمناصرة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، من أمثال الشيخ أبي اليقظان، والشيخ بيُّوض، والشيخ عبد الرحمن بكلِّي، ومن مشايخ المعهد من لم يحجم قلمه يوما عن تحرير المقالات البليغة، والقصائد النارية، للدفاع عن عزة الإسلام وكرامة المسلمين .. فعلى سبيل المثال لا الحصر، اسمعوا الشيخ أبا اليقظان وهو يحدِّد معالم الوطنية عنده فيقول: «إنما الوطنية شرارة ناريَّة يقذفها الله في النفس فيلتهب بها الدماغ، وترسل أشعَّة نورها إلى القلب فتحرك حرارتها الأعضاء، وتنير الأشعة الساطعة أمامها سبيل العمل. إنَّما الوطنيةُ الحقَّة أن يسعى الإنسان قدر جهده لجلب الخير العميم لوطنه ودفع الضرر عنه، بمقتضى العقل والحكمة والشرع والقانون. إنَّ الوطنية الحقَّة أن يفنى الإنسان في مصلحة العموم لا مصلحة الذات، ويضحِّيَ بهذه لأجل تلك. إنَّ الوطنية الحقَّة أن يشقى الإنسان ليسعد وطنُه، ويَذِلَّ ليعزَّ، ويفقر ليستغنِيَ، ويموتَ ليحيَى» (1) (1/3)
صفحة 4
إنَّ في تراث الشيخ أبي اليقظان من المقالاتِ والقصائد الناريَّة التي يتحدَّث فيها وبكلِّ جرأة وشجاعة عن قضايا الأمَّة العربيَّة والإسلامية، ما نعجز اليوم عن سردها و قراءتها فقط، فله مثلاً قصيدة طويلة تجاوزت الثلاثمائة بيت حول فلسطين، يتحدَّث فيها عن كلِّ أطوارها (2).
ففي هذا الصيف الحارِّ حاولتُ جاهدًا أن اكتب حرفًا، فراودتُ قلمي علَّه يُسعفني فيجود عليَّ بعبارات مناسبة، لكنَّه وبكلِّ وقاحة اعتذر بدعوى أن نقابة الأقلام منحت له عطلةً مدفوعة الأجر طيلة شهر أوت، ولما عصرتُ أفكاري وترجَّيتها أن تسعفني بأفكار وآراء أرصِّع بها افتتاحية الحياة، فإذا بأفكاري المتمرِّدة أكثر وقاحة من قلمي العنيد، فقد اشتاطت غضبًا، وكشَّرت أنيابها في وجهي قائلة: عن أيِّ أفكار تبحث، وأيِّ افتتاحية تريد أن تخط، وأيِّ دورية تشارك في إصدارها، أما تستحي أن تطلب الحياة، وإخوانك في جنوب لبنان وفلسطين، يطلبون الشهادة، ألا تخجل من كساد سلعة الكتابة والكتاب، والبلاغة والبيان، فما جدوى البيانات والتنديدات، وما فائدةُ الاستنكار أمام القصف الهمجيِّ ليلاً و نهارًا، وسفك دماء الأبرياء في الضفَّة و القطاع، وتدمير المدن والقرى في الجنوب والبقاع؟!
إنَّ ما يجري في هذه الأيام، وفي هذا الجو الحار من صيف 2006، لعجبٌ عُجاب {يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الاَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم:90]، ويكادُ عقل الإنسان أن يتحجَّر عن التفكير بانقلاب المفاهيم، وازدواجية الموازين، والمفارقات العجيبة والغريبة.
فلولا العقيدة التي تغمر قلبي، لتنكَّرت لديني ولوطني ولقوميَّتي، ولعنتُ كلَّ ما يُسمَّى جامعة عربية، أو اتحادًا مغاربيًّا، أو أمما متحدة، أو مجلس أمن، وكفرتُ بكلِّ تحالفٍ أو عروبة، وتبرَّأتُ من كلِّ انتخاب، أو سياسة، أو حاكم، أو سلطان ...
فقد أصبح المدافع عن وطنه إرهابيًّا، وقاتلُ الأطفال ومُدمِّر الجسور مدافعًا عن نفسه، و صار قاتلُ المدنيِّين بطلاً للسلام، والبادئُ بالظلم والعدوان لهُ حقُّ الدفاع عن نفسه، والمظلومُ ما عليه إلاَّ الاضطجاعُ وتسليم نحرِه لسكِّين السفَّاح.
فأسرُ جُنديَّين غازيين مرفوضٌ عالميا وأُممِيًّا، وأمَّا سجن آلاف المدنيين بدون محاكمة فجائز و مسكوتٌ عنه ولا حرج، وسجن جنديين يُبيح قتلَ الأبرياء، من الصبيان والنساء ... أيُّ منطق هذا، وأيُّ قانون دولي هذا الذي بلَغَتهُ الإنسانية والحضارة؟!!
فهل أصبح البياض سوادًا، وهل تحوَّل العسل علقمًا؟ وربَّما صار الباطل حقًّا والحقُّ باطلاً ..
فوالله لو كان هذا منطقُ إسرائيل ومن حالفها لهان الخطب، وأمَّا أن يُقنَّن هذا المنطق المقلوب في قرارات الأمم المتكالبة ـ عفوا المتحدة ـ، وتصريحات أصحاب الجلالة، وأصحاب المعالي، محاولين تبرير خيانتهم باجترار ما يُملَى عليهم، فيتسلَّطون باللوم على الفريسة بدعوى أنها هي التي (1/4)
صفحة 5
أسالت لعاب الأسد، ويتهجَّمون على الضحيَّة، لأنها أزعجت راحة المجرم فخدشت كبرياءَه، فهي إذن المسؤولة على مغامرتها غير المدروسة كما صرَّح كبيرهم.
والأغرب والأعجب في صور الذلِّ والتخاذُل، أن يغري جلالته أشباه الفقهاء، لينبشوا الكتب الصفراء، باحثين عن شرعيَّة نصرة الشيعة، و ما هي إلاَّ إضاعة للوقت في "فقه دم البعوضة"، لمساندة المقاومة وشرعيتها، أو نصرة الصهاينة، أو التزام الصمت حتى تنتهي المعركة، وبعدها يُعلن جلالته عن الرأي الرسمي ـ بمنطق الجزائريين ـ "دائما مع الواقف" ...
هذه هي مواقف من نصَّبوا أنفسهم ولاة لأمورنا، بين حكام العمالة، أو الصمت حتى النهاية. وقد تنبأ الشيخ أبو اليقظان لخيانة العرب وحُكَّامهم للقضية الفلسطينية منذ سنة 1936 (أي منذ سبعين سنة)؛ فقال عن القضية الفلسطينية:
« ... خذلها أصحابُها، وجيرانها، وأشقاؤُها، والعالمُ أجمع، وظاهر أعداؤُها كلَّ قوَّة، وهبَّ نحوهم كلُّ ريح» (3).
فمنذ متى تعوَّد هؤلاء الحكام العودة إلى الرأي الشرعي في تشريع قوانين شعوبهم، أو أخلقة سياستهم المسلَّطة على الضعفاء، و إصلاح المنظومة التربوية التي جرعوها لشعوبهم، أمَّا في نصرة المقاومة اللبنانية فقد بدا لهم البحث عن دم البعوضة حلال أم حرام، وهنا فقط تذكروا أن في الأمَّة فقهاء ومُفتين!
إن جلا لتهم لم يستطيعوا حتى عقد قمَّة عادية لجامعتهم، للتباكي وسماع قصائد التفاخر، ثم إصدار بيانات التنديد والشجب والاستنكار، ولعلَّه لكثرة انشغالاتهم، في حلِّ مشاكل تنمية اقتصاد بلادهم. وحتى وزراؤُهم للخارجية ـ وطبعًا ليسوا وزراء الشعوب ـ فقد أزعجتهم المسيرات وشعاراتها النارية، فتسارعوا لبيروت التي لم ينزلوا مطارها إلاَّ بعد استئذان إسرائيل، فتنافسوا كعادتهم على فنادقها الفخمة ليزاحموا اللبنانيين فيما بقي لهم من ألذِّ الطعام، وبعد شخير ونخير كذبوا صادقين بأنهم حريصون على مصلحة الشعب اللبناني.
يقول "موسى" الأمين العام للفارقة العربية ـ عفوًا الجامعة العربية ـ، «لقد خدعونا بكذبة السلام»، فمتى يستفيق الحكَّام العرب من غيبوبتهم، فأين صواريخ "طُزْ في أمريكا"، وأين جيوش الاستعراضات وحرَّاس الأنظمة التي أُنفقت عليها الملايير من أموال الشعوب والضرائب المسلَّطة عليه، وقد كانت ميزانيات الدفاع أكبر من ميزانيات التعليم والزراعة والصناعة، وسُلِّحت الجيوش العربية بأفتك الأسلحة التي لا تُستغل إلاَّ لقمع الشعب إذا خرج في مسيرات، أو قامت معارضة لحكَّامه المعصومين الذين لا يخطئون، أمَّا الشعب فهو غبيٌّ ومتخلِّف لا يعرف مصلحته فلا بد له من وصي. (1/5)
صفحة 6
إنَّ من تسمَّوا بحكام العرب، أو نصَّبوا أنفسهم عليه بالقوة، أو التزوير، أو ورثوا العروش بالتعصيب لا بالفرض، يخشون مجرَّد التنديد بما تقترفه آلات دمار التتار والمغول المعاصرين، ويتحرَّجون من مساندة "حزب الله" أو "حماس الفلسطينية"، ومنهم من يستقبل وزراء إسرائيل ولا يستقبل وزراء حماس، الذين اختارهم الشعب بديمقراطية لا غبار عليها، وحزب الله الذي يدافع نيابة عن العرب والمسلمين، وهو الخط الدفاعي الأخير عن كرامة وعزَّة الأمة العربية والإسلامية، لأنه ـ ولا قدَّر الله ـ بعد انهزامه لن تقوم للعرب والمسلمين قائمة.
إنَّ السكوت الرهيب الذي التزمته الحكومات العربيَّة وانتظار الأمم المتحدة، التي تبحث عن الوقت المناسب لإعلان وقف إطلاق النار، وحتى توفِّر لإسرائيل الوقت الكافي لتعزيز موقفها للتفاوض وارتكاب مزيد من الدمار والمجازر التي كان 90% من ضحاياها مدنيين عُزَّل، وثلثهم أطفالاً أبرياء. وحتى القرارات المتداولة في كواليس وأروقة الأمم المتحدة، جاءت لتقدم خدمة سخية لإسرائيل، ولتمنح لها وبما يسمَّى الشرعية الدولية، ما عجزت عن تحقيقه عسكريًّا وميدانيًّا.
هؤلاء هُم ـ وللأسف ـ حُكَّامنا، أسودٌ علينا وفي الحروب نعامات، شعوبهم في وادٍ وهم في واد، وبينهم وبين شعوبهم أودية سحيقة، فما هو الخير المنتظر إذا كانت تصريحات "نانسي" أبلغ من تصريحاتهم، ومواقف رئيس "فنزويلا" "شافيز" أشجع من مواقفهم، فنحن لا ننتظر منهم دخولا عسكريًّا للدفاع عن لبنان وفلسطين، لأننا نعلم أن هذا من المستحيلات السبع، ولكن نترجَّاهم أن يتحركوا بمواقف سلمية وحضارية، وهي كثيرة ومتاحة، ولا تضرهم قيد أنملة.
فما يمنعهم أن يجتمعوا ويندِّدوا كعادتهم، وما يضرُّهم لو هددوا ـ دون استعمال ـ سلاح النفط، أو على الأقل إنقاص بعض البراميل من إنتاجهم، تصوروا لو أنهم أغلقوا قناة السويس، يومًا واحدا، وما يمنعهم من تنظيم مناورات مشتركة في أراضيهم؟ وماذا يخسرون لو أن متطبِّعيهم المخدوعين بالسلام المزيف سحبوا سفراءهم من تل أبيب، كما فعل رئيس "فنزويلا"؟ وماذا يحدث لو أنهم أغلقوا مكاتب إسرائيل التجارية التي فتحوها في أغلب عواصمهم خفية وسرا؟ وما يلحقهم من ضرر لو أنهم سحبوا ممثليهم من الأمم المتحدة؟ .. كل هذه المواقف السلمية الحضاريَّة لا غبار عليها وليست عنفًا، ولا إرهابًا، ولها وقع كبير على الساحة السياسية العالمية.
هذا ما يمكن أن نخطَّه في هذه السطور راجين من الله العلي القدير نصرة المسلمين، في مشارقِ الأرض ومغاربها، وأن يُلهم حكَّامنا الغيرة للدفاع عن الإسلام المعتدل، إسلام الحضارة وإسلام التعايش، وإسلام التسامح، حتَّى وإن كلَّفهم ذلك التنازل أو التزحزح عن عروشهم وكراسيِّهم.
القرارة؛ الثلاثاء 21 رجب 1427هـ
15 أوت 2006 م
--------------------
الهوامش
(*) - نائب بالمجلس الشعبي الوطني. مقرر لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات
(1) - جريدة وادي ميزاب، العدد 52، 07/ 10/1927.
(2) - د. محمد صالح ناصر، أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 141.
(3) ـ جريدة الأمة، العدد 78، تاريخ 09/ 06/1936. (1/6)
صفحة 7
قبل البدء ... عدد عاشر .. ومرحلة عاشرة
أ. محمد أحمد جهلان
- لجنة التحرير في دورية الحياة -
أستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها
المركز الجامعي، غرداية.
هذه تسعُ سنواتٍ طُويت منذ أن صدر العدد الأوَّل من هذه المجلَّة المباركة، تسعُ سنوات حملت فيها راية الفكر المستنير، وانبرى كتَّابها الأوفياء لإعلاء كلمة الحق، وتبليغ العلم الرفيع، ونشر الفن البديع.
ونحن على عتبات العدد العاشر وهذه السنة العاشرة، نستوقف التاريخ نسائله عن مؤسسي هذه المجلة، ونستلهم العبر من مآثرهم، ونستشفُّ الفِكَر من تضحياتهم وخالص جهادهم.
فالمجلة بالنسبة لمؤسسة "معهد الحياة" ــــ كما أقرَّ الأديب الدكتور صالح الخرفي (رحمه الله) ـــــ «هي ذاكرة أمجادها على مرِّ الزمن وعبر الأجيال، ومرصد وقائعها وأحداثها، الناس يغدُون ويروحون وذاكرة المرء إلى نضوب، ويبقى ما يرصُدُ الكتَّابُ، أو تُسجِّلُه المجلَّة همزة وصلٍ بين الغادي والرائح».
صدقتَ ـــ والله ـــ يا صالحنا، فقد مضيتَ إلى بارئك بعد سنة واحدة من خطابك هذا في العدد الأوَّل من "الحياة"، وبقي ذكرُك الصالحُ صلاحَ أعمالِكَ ونَفْعَ تآليفِكَ وكتاباتِكَ، كما بقي حرصُك على أن تكون افتتاحية العدد الثاني من المجلَّة بقلم شيخك وأستاذك الشيخ عدُّون (رحمه الله) فكان ذلك، وكتب متواضعًا كعادة العظماء أمثالكما: «أبى إلاَّ أن تكون الافتتاحيةُ لهذا العاجز البالغ من الكِبر عتيًّا، والذي أثقلت كاهِلَه التسعونُ وتوابعُها، وبينه وبين أن يطرق باب المائة خطواتٌ قلائل، إن أمهله الأجل، وإن كان ـــ والحمد لله ـــ لم يسأم تكاليف الحياة كما سئمها صاحب الثمانين ... »
هكذا ياشيخنا عدُّون افتتحتَ العدد الثاني من "الحياة" .. فلم يكن موضوع «معهد الحياة (1/7)
صفحة 8
ورسالتُه» كغيم المعرِّي كما قلتَ متواضعًا:
والمَرءُ إِنْ لم تُفِدْ نَفْعًا إقَامَتُهُ.:.:. غَيمٌ حَوى الشَّمسَ لَم يُمطِر وَلَم يَسِرِ
بل كان غيثاً نافعاً، وسحابة رشيديَّة العطاء، أمطرت وما زال خراجُها يُثقِل صحيفة أعمالك من مشرق الأرض ومغربها. وظللت حانيا على هذه المجلة راعيًا لها رعاية الأب المربي لولده .. يُسعِدُك صدورُ العدد منها كلَّ فِطْرٍ سعادةَ الأطفال بالجديد يوم العيد، فتسارع إلى تصفُّح فهرس بحوثها، فلا يشفي غليلك إلاَّ قراءتُها إلى آخرها، وهي لمَّا تصلْ بعدُ أيادي كثير من القراء، كما كان يؤرِّقك تأخُّر الكتاَّب أو تقاعُسُهم عن الكتابة فيها، فلا تنفكُّ تحرِّض أبناء "معهد الحياة" وأساتذته للاهتمام بها والإعلاء من شأنها.
نعم يا شيخنا؛ فلا يَقْدُرُ عظمة الأمانة حقَّ قدرها، وثِقَلَ مسؤولية بقاء هذه المجلة إلاَّ من عرف قيمتها، ونُبلَ رسالتِها، وسموَّ مطمحِها ... فقد كنتَ كذلك حريصًا على سالفتها «جريدة الشباب» قبل سبعة عقود، وأنت الذي كتبت حامدًا لله في افتتاحية العدد الأوَّل من المرحلة العاشرة سنة 1936 بلسان عربي فصيح وأسلوب أدبي رفيع: «ونحن إذا انتصبنا لنشكر الله على ما أولانا من نعمة الاهتداء إلى إنشاء جريدتنا "الشباب" استنفذنا كلَّ جهدٍ دون أن نحصل على أدنى مَرَام؛ وإذا تذكَّرنا ما رَزَقَنا من التأييد على الاستمرار على إصدارها، وعلى القيام بما يقتضيه هذا الإصدارُ من جهودٍ وأتعاب، اتَّسع أمامَنا أفُقُ الحمد والشكر ...
نعمة ٌجَلَّت علَى الوَصفِ كَمَا.:.:. أَنَّها جَلَّتْ عَلَى أَن تُشكَرَا».
وأستسمحُك يا شيخنا أن أنقل إلى قارئ اليوم رجاءك حينها متفائلا بمستقبل واعد بتطور الجريدة ورقيِّها إلى مصافِّ الصحف الكبرى، لتضاهيَ مثيلاتها المطبوعة في شمال إفريقيا!، ومحرِّضًا الكتاب على إثرائها والاستمرار في رعايتها، فكنت تقول: «على الكتاب أن يحقِّقوا ظننا فيهم باستفراغ جهدهم في خدمة أنفسهم بخدمة هذه الجريدة ... فنمدُّ أيدينا لرفع مستوى هذا المشروع الجليل، إلى سماء لا تطاولها سماء، وما ذلك على الله بعزيز».
عزيزي القارئ، تذكَّر أنَّ الشيخ عدُّون (رحمه الله) قد قال هذا الكلام قبل سبعين سنة كاملة، وبالضبط في العدد الأول من السنة العاشرة لجريدة «الشباب» الصادر بتاريخ 23 أفريل 1936 ... (انظر صورته في آخر هذا المقال)؛ فعزيمته الراسخة وحرصه على استمرار صدور «الحياة» هو الحرص نفسه على استمرار صدور «الشباب» قبل سبعة عقود، فهل اعتبر الشباب بأهمية الثبات على المبدأ بعد الاقتناع بنُبل الفكرة والإيمان بها؟، وهل انتفت المسؤولية المنوطةُ بنا نحن كتَّاب اليوم تجاه هذه المجلة المباركة أم أنَّها غدت أثقل وأوكد؟.
فارَقتَنَا يا شيخنا "عدُّون"، وخلَّفت بإذن الله رجالا على المحجَّة البيضاء، يحملون الراية، ويرفعون لواء التغيير وخدمة الأمَّة، واعلم بأنَّك تركت كتيبة علَّمتها أن تهب نفسَها للعلم، في عصر وهب (1/8)
صفحة 9
الناس فيه أنفُسَهم للمال، وتيقَّن بأن مِن خَلَفِكَ جيل وأجيال، أنشأتها لتكون من حزب الله، في وقت يتربَّص بها الغربُ ليضُمَّها إلى حزب الشيطان ...
وقبل سنةٍ فارقنا أحدُ أقطاب هذه المجلة وسالِفَتها «الشباب»، فارَقَنا الشيخ الأديب حمو بن عمر فخار والرفيق الأعلى اختار، بعد أن رصَّع ـــ في شبابه ـــ صفحات «الشباب» بأروع المقالات، ولم تكن افتتاحيته للعدد الأول من هذه المجلة سنة 1998، إلاَّ لؤلؤة العقد، أدبًا رائقًا، وتاريخًا شيِّقًا، مُعبِّرًا عن حنكة الحكيم الذي عرك الحياة وعركته، فتخطَّى العقبات، واستخلص العبر من النكسات والنكبات، عزمًا جديدًا متجددًا، متمثلاً قول الشاعر:
لا َتَحْسَبِ المجْدَ ثَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ.:.:. لَن تَبلُغَ المجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا
فارقتنا قبل سنة تاركًا وصيتك الغالية لأبنائك الكتاب، بنصرة لغة القرآن وذَود الأعداء عنها، قلت حينها: «واعشقوا يا رجال الغد لغتكم عشق المجنون ليلاه، وارفعوا بها عقيرتكم في اعتزاز كما رفعها في بَيْدَاه، ( ... ) وفجِّروا يا مسلمين ينابيع لغتكم تفجير عدُوِّكُم فرنسا قنبلتها الذرية في أرضكم. وبدون ذلك لن يسلم دينُكُم ـــ والله ـــ ولا لسانكُم».
ثق يا شيخنا أن «الحياة» تقف اليوم مرابطة في هذا الثغر، وهي على عهدكم وعهد سلفكم الشيخ عدُّون والشيخ بيُّوض ما استطاعت، وكُتابها وإن اختلفت مشاربُهم وانتماءاتُهم فغايتهم واحدة واضحة وضوح المنهج والسبيل الذي رسمتم، حريصون على هذا الكنز الثمين، ممتثلون لقولك: «ألا فلتكونوا بمجلتكم يا خلفاءنا على الميراث الثمين بالمرصاد للهادمين، أوفياء للغة رب العالمين، ورسول خير المرسلين؛ وإلاَّ تكونوا فلا كنتم ولا كنَّا ـــ لا قدَّر الله ـــ».
عزيزي القارئ، هذه وقفة فرضتها مناسبة العدد العاشر «للحياة»، أردنا أن نطرزها بِدُررٍ من العدد الأول من السنة العاشرة «للشباب» "حتى لا يظن المتأخر أنه نَبَتَ كالكمأة في الأرض لا جذور له يستمد منها الغذاء والنماء" .. ووقفنا مع ثلاثة رجال كانوا دعائم لهذا المشروع العظيم، "الدكتور صالح الخرفي"، و"الشيخ عدُّون"، و"الشيخ حمو فخار".
وإذا كنَّا قد عقدنا للأول ملتقى درسنا فيه بعضا من أدبه وتاريخه، كما أقمنا للأخير في هذه الصائفة مهرجانًا يستعرض بعضًا من محطَّات جهاده وكفاحه، فإنَّنا ـــ في هذا العدد الذي نرجوه ممتازًا ـــ نرى في عقدِ فصلٍ حول الشيخ عدُّون جُهدَ المُقلٍّ وأضعفَ الإيمان، متفائلين بأنَّ الله سيوفِّق الخلف لما هو أنسب بمقام الشيخ ومرتبته العالية، متبلِّغين بقول الشاعر:
تَفَاءَلْ بِمَا تَهوَى يَكُن، فَلَقَلَّمَا.:.:. يُقَالُ لِشيءٍ كَانَ إِلاَّ تَكَوَّنَا
عزيزي القارئ، هذه كلماتٌ مبعثرة أوحت بها المناسبة، فاسأل الله معنا أن يرحم مشايخنا وعلماءنا، ويغفر لنا زلاتِنا وأخطاءَنا، إنهَّ سميع مجيب.
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (سورة التوبة: 105) صدق الله العظيم (1/9)
صفحة 10
من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة
(مسيرة الإمام الشيخ حمُّو بن عمر فخَّار)
د. محمد بن موسى باباعمي
معهد المناهج، الجزائر
تمهيد:
إنَّ الحركات التغييرية إذا افتقدت المواجهة، وعدمت خوض غمار الحياة، تحوَّلت إلى قطعان من البشر لا خير فيها، ولا أمل جرَّاءها، ولقد عانى وادي ميزاب - في السنين الأخيرة - من دعوة للوحدة قاتلة للمبادرة، ومن اعتبارات ولَّدت عبارات كلُّها مداهنة، فصدق في بعضها قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (سورة القلم: 9) ...
لا خير في إصلاح لا يبدع الجديد بلا توان، ولا يحارب القديم بلا هوادة، ذلك أنَّه إذا لم يفعل فقَدَ مبرِّر وجوده، وخسر مساحته ومكانته ... ولا خير في محافظة لا تدافع عن الثوابت والأصول، ولا تنصِّب نفسها حامية للقديم، ومحامية على التراث.
ولا يخلو بلد من البلدان المتقدِّمة في عالم اليوم من حزبين رئيسين هما: حزب المحافظين، وحزب الإصلاح؛ ذلك أنَّ التوازن يولد من رحم الاحتكاك، وأيُّ إقصاء لطرف لحساب آخر سيدفع بالأمم - لا محالة - إمَّا إلى جمود وركود، وإمَّا إلى اندفاع وانسلاخ؛ فيا مرحبا بالاختلاف في ربوع وادينا، ويا مرحبا بروح النقد تزهر وتورق فتثمر حضارة فريدة، وتدفع التخلف والانهزام ...
بل إنَّ الدارس لسيرة الصحابة رضوان الله عليهم، ولتاريخ الأمَّة الإسلامية في أعلى مراقيها، ليتعجَّب من الاختلاف الذي يميز الناس ويسم حياتهم كلَّها بسمة من الإبداع، فولدت بذلك المذاهب الفقهية، والحركات السياسية، والتيارات الفكرية ... ولا عيب في ذلك البتة؛ بل العيب والعار في حشر الناس تحت راية واحدة، ونشر الفرعونية في سياسة البلاد والعباد، ألم يقل فرعون في الغابرين: «ما أريكم إلاَّ ما أرى وما أهديكم إلاَّ سبيل الرشاد».
فالمطلوب بحقٍّ هو روح المرأة العظيمة بلقيس، التي لو كان لنا اليوم من أمثالها امرأة لعيناها - على رأي الإمام محمد الغزالي - إماما على المسلمين، ولوليناها الإمامة الكبرى، لا الصغرى كما قد يظنُّ البعض خطأ ... ألم تقل لقومها في صراحة لا مثيل لها: {مَا كُنتُ قَاطِعَةً اَمْرًا حَتَّى (1/10)
صفحة 11
تَشْهَدُونِ} (سورة النمل: 32) ... فطلبت رأيهم، واعتبرت رؤاهم، فما كانت النتيجة إلاَّ أن قالوا: {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالاَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ} (سورة النمل: 33).
نعم، إنَّ الرأي الحصيف لا يعني إقصاء الآخر، ولا التملق للآخر، بل الرأي الحصيف هو احترام وسماحة، وهو مواجهة وصراحة ...
ومما اشتكى منه الشيخ حمو بن عمر فخَّار في نهاية عمره، هذا الركون إلى الوَحدة المزيفة، وذلكم السكوت عن الباطل باسم «مراعاة العواطف»، ولَكَم اشتكى لي في الخلوات همَّه هذا، ولكم آسفه ما آل إليه بعض المصلحين في أواخر أيامهم، حتى صار البعض منهم، حسب تعبيره: جامدين فوق اللزوم ...
ولقد آثر الشيخ حمُّو فخَّار المواجهة والصراحة، وكان واضحًا في مواقفه، مخلصا لاختياراته، لا يرى في ذلك ظلما ولا حيفا، بل إنَّ ما يفعله هو عين الحقِّ ولبُّ الصلاح ... أمَّا الوحدة المزيفة فهي الفساد بعينه، والانهزام بروحه ...
علينا أن نفرِّق - بدقَّة - بين الوحدة الحقَّة الصادقة، والوحدة الزائفة الكاذبة؛ أمَّا الأولى فتبنى على الدفاع عن المواقف، واحترام مواقف الآخرين، وتؤسَّس على روح من الخُلق الحميد، والحوار الرصين ... ولا يعني الاختلافُ أن يؤول الناس إلى شقاق أو نزاع مذموم، قال تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (سورة الأنفال: 46).
أمَّا الوحدة الزائفة، فأساسها السكوت عن مواطن الاختلاف، وغضُّ الطرف عن مواضع التباين، مراعاةً للعواطف حين الاجتماعات واللقاءات، أمَّا إذا غادر المتوحِّدون مجالسهم فإنهم يتحولون إلى أعداء ألِدَّاء، ويصرِّحون تصريحات خطيرة في الحكم على بعضهم البعض، ولا يراعون في ذلك إلاَّ ولا ذمَّة ...
وحسب تقدير الشيخ، وإنَّا لنوافقه في ذلك، فإنَّ بعض الهيئات في وادي ميزاب، وبعض الأشخاص في تلكم الهيئات، يعملون تحت مظلَّة النوع الثاني من الوحدة، وهم في ذلك مخطئون ومنحرفون ...
ولا ينفي هذا الحكم وجودَ العديد من العلماء والسياسيين ممن صدق في موقفه، وآثر الوحدة بمدلوها الإيجابي البنَّاء، غير أنَّ منهم من استطاع أن يتناسق مع اختياره، ومنهم من لم يستطع ...
وقراءة متأنية لتراث الشيخ حمُّو فخَّار، تفتح لنا آفاقا واسعة في معنى الوحدة، وفي مدلول الجهاد والاجتهاد، نُصرة للفكرة وللحركة ...
ولعلِّي أكتفي في هذه العجالة بما ورد في مراسلاته، التي هي طور الطبعِ، ولقد توفي رحمه الله تعالى وهي تنتظر التصحيح الأخير منه، ومن حسن القدر أنَّه قد كتب مقدَّمة لها، أدعو الله أن ييسر السبل لطبعها في أقرب الآجال ... (1/11)
صفحة 12
ولقد برز الشيخ حمُّو فخَّار أديبا ومفكِّرا في رسائله، وكان أستاذًا فريدًا في فقه المراسلة، ولم يكن أقلَّ قدرا في فقه المواجهة والمنافسة، صادقا في مواقفه، واضحا في أفكاره، يكره الغموض، ويهزأ بالمترددين، يحبُّ الصدق والصفاء، ويمقت المتلوِّنين الإمَّعات، فنَذَر حياتَه كلَّها لهذا السبيل، فلقي الله تعالى عليه، فلم يبدِّل قيد أنملة، ولم يغيِّر شرو نقير ...
وسنحاول في هذه العجالة أن نسبر غور هذه المراسلات، بحثا عن مواطن المواجهات، في موضوع اخترنا له عنوانًا يحمل بعض الإثارة، وهو: «من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة».
جهاد الفحول:
في المقدَّمة التي أعدَّها الشيخ لكتاب المراسلات، أبان الشيخ عن الغرض الذي من أجله خطَّ تلك الكتابات، ومن أجله سعى وحرص على طباعتها، وإفادة الناشئة بها، فقال: وغرضها - أي المراسلات - «أن ترفع الحجاب عن جهاد الفحول ومعاناتهم في مضمار الحياة المليئة باختلاف الغايات وتشابك الأهداف، حتى صاح رائدُهم:
فلا تحسبنَّ المجدَ زِقًّا وقينةً.:.:. فما المجدُ إلاَّ السيفُ والفتكةُ البكرُ
وتضريبُ أعناقِ الملوكِ وأن تُرى.:.:. لك الهبواتُ السُّودُ والعسكرُ المجرُ
وتركُك في الدنيا دويًّا كأنَّما.:.:. تَدَاوَلَ سمعَ المرءِ أنملُه العشرُ
وكم في تاريخ أوائلنا الأقربين والأبعدين من مواقف حافلة بالرجولة الحقَّة، مليئة بالروائع الأدبية التي تستحق السجود، سجود الاعتراف للمخلوق، لا سجود العبادة للخالق. لكنها لا تزال مطمورة تحت رُكام الإهمال والنسيان، كالكنوز المدفونة تحت رمال وارجلان، من مخلفات الدولة الجزائرية الذائعة الصيت في تيهرت. والتي لا عيب فيها ولا في ملوكها الأفذاذ إلاَّ ما سجله الشاعر القديم عن قومه حيث قال:
وَلاَ عَيبَ فِيهِم، غَيرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ.:.:. بِهَا مِن قِرَاعِ الدَّارِعِينَ فُلُولُ
فأيُّ تهاون في إبراز تلك الكنوز -حيثما كانت -يعرِّضها حتمًا لدابَّة الأرض التي أكلت منساة سليمان، وللجاهلية تمزِّقها وتحرِّقها. فما أجدر بنا أن نتخلَّق بالحكمة المشهورة الذائعة: «غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون». بل ما أحرانا أن نرقى إلى سماء الحكماء ولب الحكمة، فينادي خلفُنا مباهيا بعصره: «كم ترك الأوَّل للآخر»، وعندها يسلَم ونسلم معه من معرة المعرات «ما ترك الأول للآخر»».
وإنَّ اختلاف الغايات، وتشابك الرؤى والأهداف، طبيعةٌ في الحياة، وهي لعمري مسيرة الأنبياء والمرسلين، من لدن آدم عليه السلام، إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، محمَّد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ... ولولا هذا التنازع، والاختلاف، والمواجهة، لما كان لإنزال الأنبياء والرسل معنى، ولما احتاج العالم إلى مصلحين ومغيرين، ولاستحالت الحياة إلى رتابة قاتلة، وخمود مهين ... وهذا (1/12)
صفحة 13
الذي سمَّاه القرآن الكريم "سنَّة التدافع"، فقال جلَّ من قائل: {وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الاَرْضُ} (سورة البقرة: 251) وفي آية أخرى: {وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (سورة الحج: 40) ...
الهجمات النووية ... (إلى الشيخ أبي اليقظان):
وهذا أنموذج آخر لروح المواجهة، برز في مراسلة بعث بها الشيخ حمُّو فخَّار إلى أستاذه ومرشده، العلامة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، جاء فيها:
«أستاذي الكريم، لا شيء يُذكر، فالأهداف هي نفس الأهداف، فلتوالُوا الهجمات النووية، فنصر الله قريب، وهزيمة القوم الظالمين قاب قوسين أو أدنى. شاهت الوجوه، إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين.
وتفضلوا بقبول أحر دعواتنا لكم ولنا بالعون والتوفيق. وإلى لقاء آخر. ابنكم البار، فخَّار حمُّو بن عمر».
وممَّا يلاحظه القارئ استعمال الشيخ لمصطلح الأهداف، على أنها هي محلُّ الاختلاف، فإن اتفقت الأهداف بين إنسان وآخر، وبين جماعة وأخرى، كان الجميع في صيغة وفاق واتساق، أما إذا تباينت الأهداف فهي الدليل على أنَّ الاختلاف بات ضرورة، وذلك ما رمزنا إليه في كتاب «فيكوس» " veecOs" بالحرف " O"، ولقد أثبتنا علميا أنَّ الرؤى vision (v)، والجهود effort(e)، وطرق التقييم evaluation (e)، والاتصال communication (c)، والنظام system (s) ... كلُّها متغيرات، وليست باعثًا من بواعث الاختلاف، وإنما الواجب أن تكون متباينة متكاملة، أمَّا إذا كانت الأهداف غير متوافقة، فهنا وجب الحسم: إمَّا أن توحَّد بعمل علميٍّ شاقٍّ، وإمَّا أن يفترق الجمعان ...
وهذا ما طبَّقه الشيخ رحمه الله في جميع أطوار صراعاته ومواجهاته، فنجده يحترم الرؤى، ويقدِّر الجهود، ويسعى إلى الاتصال؛ ولكنه يقف وقفة رجل شامخ أمام الاختلاف في الأهداف؛ لأنَّه يعلم أنَّ السكوت في هذا المقام سيأتي على الأخضر واليابس، وسيترك الجماعة في حيرة واضطراب ... وفي مثل هذه الحال يجب اتخاذ الأسباب لتحمُّل أتعاب المجابهة، وتبعات المواجهة ... وهذا بحقٍّ ما نفتقده في بعض القضايا المصيرية لأمتنا اليوم، جراء زرع روح الوحدة الزائفة التي شرحنا مدلولها وأبعادها من قبل.
الشعر سيفٌ في رقاب العِدا:
ومن أبرز مظاهر المواجهة، ما يفرِّق بين الإباضية والمنصفين للتراث والفكر الإباضي من جهة، والمتعصِّبين الناقمين على كلِّ ما له صلة بالإباضية، من جهة ثانية، فلا يقبل الشيخ، -شأن الحركة الإصلاحية بعامَّة-أيَّ نوع من أنواع التعصُّب المذهبيِّ، لكنَّه مع ذلك، لا يسكت عن حملات (1/13)
صفحة 14
التشويه والتزييف التي يتعرَّض إليها الإباضية من عصر لآخر، ومن مصر لآخر ... ففي رسالة بعث بها إلى زميله في الدراسة العلاَّمة «علي يحيى معمَّر» نقرأ قوله في هذا الصدد:
«لقد أكبرتُ والله غيرتكم على الحقِّ المهضوم، ومنافحتكم على التراث الإسلامي والإباضيِّ بالتبع، بكلِّ ما تملك من بديع السحر والحجة والبيان، حاشا الشعر فقد هضمت جانبه، وأضعت حقَّه، وأحسبه ينشد مع القائل قوله:
أَضَاعُونِي وَأَيُّ فَتًى أَضَاعُوا.:.:. لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدَادِ ثَغْرِ
وله الحق أن يندب حظَّه معك، لأنَّك لم تكن ممَّن يشكو شرود رئيِّه عنه، ولا كان نزع ضرس أحبَّ إليه من قول بيت ... لقد أسلس لك المسكين قياده، وألقى بين يديك زاده وعتاده، ولكنك أنت هجرته من غير ما ذنب جناه ... ».
ويدعو الشيخ حمُّو فخَّار صديقه إلى أن يسلَّ سيف الشعر مرَّة ثانية، ذلك أنه الفرس المقدام في ساح الوغى، والبطل الباسل يوم الكريهة، فقال له بأدب رفيع، وتسامٍ بالنقد بديع: «إنّي أُجلّك فقيها ومؤرخا، لكنِّي إلى أدَبِك أشدُّ حنينا، وأعظمُ شوقًا، لأني كذلك عرفتُك ... وما تزال أناشيدُك البليغة الرائعة زينةَ حفلاتنا ...
فهل أنت مُصرٌّ حتَّى الآن على الصدود والهجران؟ لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. لا أقول: « ... فكأنما قتل الناس جميعا». ولكن: «ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا».
حقَّا، إن أعظم سلاح غزونا به حزب العوام، ودفعنا به في صدورهم، وألفتنا به أنظار الجمهور إلى حزب الإصلاح حتى تمركز فشقَّ طريقه، إنما هو الأناشيد بمعانيها الرائعة، وألحانها الرائقة، وفي مقدِّمتها أناشيدك التي لها طابع خاصٌّ، وطابعها هو أنها لا تُملُّ، وأنا إذ أكرر القول في هذا وأعيد، وإن كنت أعلم أنك تضحك ملء أشداقك على هذه الرجعية التي أحملك عليها، إنما أسدي جميلا لليبيا والجزائر، وللجبل وميزاب كليهما؛ لأنَّ النهوض بقوم إلى المكارم ومعالي الأمور، قد يتاح بترنيمة في بيت شعريٍّ أكثر بكثير مما يتاح بخطبة جمعة أو درس جامع.
وإذا كان هذا فأيُّ خير أضعناه بطمس مورد عذب زلال، وكسر قيثارة طالما هدهدت فأنامت، وغرّدت فأقامت وأقعدت. وأشعلت حربا وأطفأت .. ؟»
رحم الله الأديب، فقد كان صادقًا وصريحا وواضحا، حتى مع أعزِّ أصدقائه، فلم يركن إلى التبرير والتزوير، وإنَّما وقف له بالمرصاد مذكرا وموجها، ذلك أنَّ الودَّ لا يدوم مع المداهنة، وأنَّ النقد هو بحقٍّ وقود الحضارة ومحرِّكها، فبه تنمو الأمم وترقى الحضارات، وبدونه يستمرئ الناس السكون والركون والهوان ...
فهل نعي - نحن كذلك - هذه المعاني الرفيعة، أم أننا سندافع عن وحدة لا تخدمنا، وعن حوار للطرشان لا ينفعنا، بل -والله - يضرُّنا؟ (1/14)
صفحة 15
الأيام كفيلة بالإجابة على هذا السؤال الصعب والعميق ...
التمرُّس بالآفات ...
ومن أشدِّ ما كان الشيخ يخشاه، أن ينشأ الشباب ضعافا، لا يقدرون على شيء، وهم كلٌّ على مولاهم، أينما يُوجَّهون لا يأتون بخير، ولطالما ردَّد قول الشاعر في خطبه ومحاضراته، وهو يصف هذا النوع من الشباب:
خَطَرَاتُ النَّسِيمِ تُدمِي خَدَّيْهِ.:.:. وَلمسُ الحَرِيرِ يُدمِي بَنَانَه
فبات هذا البيت من شواهده، ومن أكثرها ورودا في مؤلفاته؛ وإنه لدليل على كرهه للدعة والرفاهية والسكون، وحبه للبطولة والإقدام ومقارعة السِّنان ...
وهو مع هذا يعتذر إلى هؤلاء -الشباب -بأنه ينقُدهم حتى لا يتحولوا إلى ملهاة للهجَّائين، وعرضة للمتندِّرين ...
وفي رسالة بعثها الشيخ إلى طلبة العلم، يقول فيها: «ما أحوج شبابَنا إلى التمرس بالآفات، حتى يسلموا في زمنهم من العثرات، والنكسات ... ولن يسلموا - ورب العرش العظيم- من الأزمات، ما لم يصطحبوا في حلِّهم وترحالهم زاد التقوى، ويتدثَّروا ويتمنطقوا بتاريخ الرسل والأنبياء، والصحابة وأفذاذ العظماء والنبغاء، من كلِّ جنس في كلِّ حين.
أولئِكَ الذِينَ مِن نَارِهِم.:.:. نَأتِي بِالقَبَسِ لَدَى الغَلَس
وَعَلَى نُورِهِم نَجِد الهُدَى.:.:. فَلاَ تَخمِين وَلاَ حَدَس
فإن فعل خلائفنا ما يؤمرون به، هتفت الدنيا بأجمعها معهم:
زَعَمَ الفَرزْدَقُ أَن سَيَقتُلُ مَربَعًا.:.:. أَبشِرْ بِطُولِ سَلامَةٍ يَا مَرْبَعُ
وإن لم يفعلوا، غدوا -لا قدّر الله-أضحوكة زمنهم بين معاصريهم، وسخرية وألعوبةً بين لِداتهم وأقرانهم، ومضغة في أفواه منافسيهم من شانئيهم. وعندها -والدهر ليس يصاحب من لم يقرأ العواقب - يحقُّ فيهم قول أبي فراس:
سيذكُرُني قَومِي إذَا جَدّ جدّهُمُ.:.:. وَفي الَّليلَةِ الظَّلْمَاءِ يُفتَقَدُ البَدْرُ
فَلَو سَدَّ غَيرِي مَا سَدَدْتُ اكْتَفَوا بِهِ.:.:. وَمَا كَان يَغْلُو التِّبْرُ لَو نَفَقَ الصّفْرُ
وَنَحنُ أُنَاسٌ لاَ تَوَسُّطَ بَيْنَنَا.:.:. لَنَا الصَّدْرُ دُونَ العَالمَينَ أَوِ القَبْرُ»
فما أعلى هذه الهمَّة، وما أعظم صاحبها!! وحريٌّ بشبابنا اليوم أن يقتفوا آثارها، ويصبروا في تحصيلها، ويدافعوا عن حصنها، فالخير كلُّ الخير في شباب قويٍّ، تخذ العلم سلاحا، والتقوى زادا، والجهاد في سبيل الله منهجا، والحبَّ في الله عقيدة، والبغض لله وسيلة ... أولئك مستقبل الأمَّة وأملها، وهم عينها وفؤادها، فأولى بها ثم أولى أن تعمل في تكوينهم وتدريبهم ليوم الكريهة، وسداد الثغر ...
محنة علي يحيى معمَّر: (1/15)
صفحة 16
في سنة 1393هـ/1973م أصاب الشيخ علي يحيى معمَّر عَنَتٌ شديد، وابتلاه الله بمحن عصيبة، فكان مثالا للصبر، وقدوة في الثبات على المبادئ ... وبهذه المناسبة أرسل إليه الشيخ حمُّو فخَّار رسالة يواسيه فيها، ويوجِّهه إلى ما يراه صلاحا في سبيل الدعوة، وإنها بحقٍّ لرسالة تاريخية، وقطعة أدبية في أدب الدعوة إلى الله، وفي فنِّ الجهاد والاجتهاد في سبيل الله، ومما جاء فيها قوله: «أخي، لقد أسِفت لِما أصابك بعدنا من تعب وإرهاق، جعله الله في ميزان الحسنات. ورثيت لحال شعرك ومأساته التي هي مأساة لنا، ولو كنتُك لتفجرت باكيا عليه نادبا في إلياذة أين منها إلياذة هوميروس، ونُحتُ عليه نواح الخنساء على صخر:
يُذكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا.:.:. وَأذْكُرُهُ لِكُلِّ غُرُوبِ شَمْسِ
لكنَّك آثرت التجلد للشامتين، فرحت تتمثَّل بقول الشريف الرضي ـ فيما بقي بذهني ـ للمطوقة:
لقد كُنتُ أُولِي مِنكَ بِالدَّمعِ مُقلَةً.:.:. وَلَكِنَّ دَمعِي فيِ الحَوَادِثِ غَالَي
فهنيئا لك المنحة الغالية، الرضا بالمقدور، ولْنَلْوِ عنان الأمل في شعرك إلى نثرك الفني، ففيه كلُّ الغُنية، سائلين المولى عز وجل أن يبارك في ذلك القلم السيال، حتى يترك للأجيال ما ينقع الغُلة من بليغ العظة والسحر الحلال.
غير أني هذه المرة أحب أن ألفت نظرك إلى استعمال لسانك بالإضافة إلى يراعك، وأعني بذلك العملَ على تكوين حلقة دروس لثلة من الطلبة تطبعها بطابعك الإسلامي الحنيف، تستقل معهم في زاوية مسجد، أو منزل ناءٍ، أو غار كغار مجماج أو غار أبي عبيدة، فيتفرَّقون على القطر الليبي وفي قرى الجبل، ثم على سائر البلاد الإسلامية، مثلما تفرَّق طلبة الشيخ بيوض الذين أنت واحد منهم في الحاضر، وتفرق تلاميذ أبي عبيدة في الغابر. وقد تكون أو أكون من سلالة أولئك الفحول الأمجاد.
هكذا تنشأ الخلائف وتشاد النهضات، فلا بد من مريدين يا أخي علي، يتسلَّمون الراية بجدارة وحماس، ولن يعجزك تكوين باقة تنتخبها من سائر قرى الجبل، كخطوة أولى، تضمن لهم جماعةٌ خيرية السكنَ بطرابلس، فتُفرِغ في روعهم أنهم أبناء أولئك الشراة، وأنهم المؤتَمنون بعدنا على التراث، وأنَّ الإسلام وشيك العودة إلى الظهور، فليكن إبراقه على أيديهم الكريمة، وازدهاره على منارتهم السامقة، منارة المذهب الإباضي الراسخ الشامخ، على مرِّ الأجيال والقرون، أين منه أبو الهول الذي خلَّده شوقي بقوله:
أَبَا الهَولِ طَالَ عَليكَ العَصْرُ.:.:. وَبَلَغتَ في الأَرْضِ أَقْصَى العُمُرْ
إِلاَمَ رُكُوبُكَ مَتْنَ الرِّمَالِ.:.:. لِطَيِّ الأَصِيلِ وَجَوْبِ السَّحَرْ
تُسَافِرُ مُنتَقِلاً في القُرُونِ.:.:. فَأَيَّانَ تُلقِي غُبَارَ السَّفَرْ
قل لأهل مصرك وعصرك: إنَّ قرية «بريان» لما عقدت العزم على أن تحيى، آل قادتها أن يهَبُوا (1/16)
صفحة 17
أبناءهم للعلم، فكان بُودي، وأوراغ، ومحمد علي، وتربح، وبرياني، وصفوف رديفة من بعدهم، روح القرية وريحانه، بحيث لم يبق بها أثر للجمود ولا للأمية، فليكونوا كذلك أو لا يكونوا.
ثم قل لعقلك وفكرك، أو لقلمك ولسانك، إنَّ أحدكما للدعوة بمثابة صحف أبي اليقظان، والآخر لتكوين الدعاة بمثابة أفلح، فكن كذلك أو لا تكن ... »
ولقد كان الشيخ - رحمه الله - واعيًا أشدَّ الوعي بما يترتَّب عن هذا الاختيار من معاناة، ومن محن وإحن، لكن يفضل هذه المعاناة وتلك المحن على الاستكانة والخضوع، ويؤثرها على الذلة والركوع، ولذا راح يذكِّر علي معمر بهذا المعنى، في آخر الرسالة قائلا:
«أخي علي، إننا ذاهبون ولا محالة [وقد مات الاثنان اليوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد]، ومن يدري لعلنا وشيكي الزوال، فلنحمل أثقالا مع أثقالنا اليوم أمراضا ومطاردات ومضايقات، حتى ننجوَ منها غدًا، وإلاّ بُؤْنا لا قدر الله بإثم المقصِّرين، وكلٌّ يحاسبه الله على قدر ما أولاه من نعم، وحباه من عطاياه اللدنية» ...
وإلى كلِّ واحد منَّا يساق الحديث؛ فلنسأل أنفسنا، ولنصدق أمَّتنا، ولنتَّق في ذلك ربَّنا: هل نحن اليوم ممن يحمل الأثقال، ويُجهد النفس على الصبر وتحمُّل شديد المحال، عسانا - بعد أن نغادر دنيانا كما غادرها المحتفى به- ننالُ المغفرة والقبول والرضوان، من الملك العزيز الديان؟
فاللهمَّ لا تكتبنا في زمرة المخلَّفين والمتخلِّفين، واكتبنا مع الشهداء والمجاهدين ... يا ربَّ العالمين.
خاتمة:
ما أضرَّ العالم الإسلاميِّ اليوم إلاَّ جهله لعدوِّه، أمَّا اليهود والأمريكان فأعلنوها صراحة: معنا أو ضدنا؛ فصنعوا عدوَّهم بإتقان، وعرفوه فحاربوه بغير توان ...
وما أضرَّ الميزابيين اليوم إلاَّ اختلاط المواقف والأهداف، وتخاذل الكثير منهم عن قول الحقِّ، وخوفهم من التبعات، بحثا عن الدعة والراحة ...
وكذلك يقال عن باقي الجزائريين، ممن استمرأ النفاق والمداهنة، وآثر المصلحة الخاصة والآنية، على المصلحة العامَّة والمتأنية.
فالقويُّ هو الذي يستطيع أن يقول: لا ... وهو الذي يدافع عن حقوقه بجرأة وشجاعة وصبر، حتى وإن كلَّفه ذلك الكثير من التعب والعنت، أو أرداه مريضا في الماريستان، وألقى به وراء القضبان ... وقد يسبب في موته في بعض الحالات؛ غير أنه لا يبيع عزَّته وعزَّة وطنه، ولا يساوم في كرامته وكرامة دينه ...
ولننصت جميعا إلى الشهيد الفقيد، عمرو خليفة النامي، في قصيدته العصماء: أمَّاه ... ومن خلاله إلى إمام الأدباء وواسطة عقد المجاهدين، الشيخ حمُّو فخَّار رحمه الله ..
لننصت إليه وهو يقول في مطلع النشيد: (1/17)
صفحة 18
أُمَّاهُ لاَ تَجْزَعِي فَالحَافِظُ اللهُ.:.:. إِنَّا سَلَكْنَا طَرِيقًا قَدْ حَفِظْنَاهُ
في مَوكِبٍ مِنْ دُعَاةِ الحَقِّ نَتْبَعُهُم.:.:. عَلَى طَرِيقِ الهُدَى أَنَّى وَجَدْنَاهُ
إلى أن يقول:
إِنَّا شَمَخْنَا عَلَى الطَّاغُوتِ في شَمَمٍ.:.:. نَحنُ الرِّجَالُ وَهُمْ يَا أُمُّ أَشْبَاهُ
نُذِيقُهُم مِنْ أَسيَاطِ الصَّبْرِ مِحْنَتَهُمْ.:.:. فَلَم يَرَوا لِلَّذِي يَرْجُونَ مَعْنَاهُ
أُمَّاهُ لاَ تُشْعِرِيهِمْ أَنَّهُمْ غَلَبُوا.:.:. أُمَّاهُ لاَ تُسْمِعِيهِمْ مِنْكِ (أَوَّاهُ)
فينهي القصيد بقوله:
أُمَّاهُ بَايعتُ رَبِّي وَاعْتَصَمْتُ بِهِ.:.:. مَا كُنْتُ أَعرِفُ دَربَ الخَيْرِ لَوْلاَهُ
أُمَّاهُ ذَلِكَ دَرْبِي قَدْ أَمُوتُ بِِهِ.:.:. فَلاَ يَسُوؤُكِ كَأْسٌ إِنْ شَرِبْنَاهُ
لاَ تَجْزَعِي لِفَتًى إِنْ مَاتَ مُحْتَسِبًا.:.:. فَالموتُ فيِ اللهِ أَسْمَى مَا تَمَنَّاهُ
أُمَّاهُ لاَ تَجْزَعِي فَالْحَافِظُ اللهُ.:.:. وَهُوَ الوَكِيلُ لَنَا بِالغَيْبِ أُمَّاهُ
بمثل هؤلاء تسود الأمم، وتشاد الحضارات، وتنتصر المبرات، فتنمو الخيرات ...
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص18 - 29.
ونشر في الموقع بتاريخ: 15 ماي 2010.
الشيخ بيوض وصلاحية الخطاب لزمانه ومستقبل الأجيال البعيد
تأملات في خطاب الشيخ بيُّوض في المؤتمر التأسيسي لجمعية القدماء (05 أوت 1948)
أ/ محمد بن سليمان أبو العلا
نائب أول رئيس جمعية قدماء التلاميذ
أستاذ بمعهد الحياة، القرارة
بحثًا في تاريخ نشأة جمعية قدماء التلاميذ بالقرارة، اطَّلعتُ على خطابين هامَّين أُلقيا في المؤتمر التأسيسي للجمعية، الذي عُقد يوم 05 أوت 1948. أوَّلهما افتتاحي للشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) مدير معهد الحياة (رحمه الله)، وثانيهما اختتامي للشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر (رحمه الله)، وكلاهما خطاب قيِّم، نشرتُ الأول للجمهور في مناسبات سابقة، وفي فصل دور الشيخ عدُّون في جمعية القدماء من هذا العدد من مجلة الحياة.
ولإفادة القراء بالخطاب الثاني، لما فيه من فوائد تاريخية وتوجيهية، وما يحمل من عمق التفكير وبعد النظر، وفصاحة اللسان، وبلاغة البيان، أريد أن أعرض مشاهد من هذا الخطاب للقراء الأعزاء، وأُخرج إليهم هذا الكنز من بين صفحات الأسفار، مشفعا بتعليقات متواضعة وقصيرة، تُلفت الانتباه إلى بعض المواطن الهامة التي قد يمر عليها القارئ مرَّ الكرام.
لقد ألقى الشيخ بيُّوض هذا الخطاب الختامي أمام نخبة من المثقفين والأعيان من مختلف مدن وادي (1/18)
صفحة 19
ميزاب، في مؤتمر تأسيس جمعية القدماء ــــ كما أسلفت ــــ وتناول فيه أهم قضايا الأمة الميزابية في ذلك العهد؛ قضايا تربوية واجتماعية واقتصادية وسياسية .. واعتبرته ـــ بحق ـــ دستورًا للأمة.
وأستسمح الشيخ بيُّوض (رحمه الله) في قبره المعطَّر، وأستسمح جميع القرَّاء إن كنت متجرِّئًا ومتطاولا في اقتحام أبواب الخطاب لأنقل منه ما ينفع الجميع، ولكنني أخشى من جهة أخرى أن أكون مقصِّرًا وعاجزًا في إيصال الرسالة وتبليغ الأمانة.
أخي القارئ: إن كان الشيخ بيُّوض قد ألقى هذا البيان منذ أزيد من نصف قرن، فإنك بلا شكَّ ستجد حديثه صالحًا لزمانه وصالحًا لحاضرنا نحن، ومستقبلنا، وستتصور الشيخ بيُّوض وتستشعره ــــ إن تتبعت باهتمام ــــ حاضرًا بين أيدينا ويحدِّثنا هو نفسه، خاصَّة عندما تؤوِّل بعض القضايا الماضية بمثيلاتها المستجِدَّة.
لقد كان فعلاً آية في التفكير والنظر، آية في حكمة الإرشاد والتوجيه، آية في البلاغة والبيان.
أخي القارئئ؛ استحضر معي الظرف الذي عُقد فيه المؤتمر؛ أي في (05 أوت 1948)، وهو ظرف تكالب فيه الصراع بين حركة الإصلاح والجمود، جمود الدين والفكر والعلم، وظرف اشتدَّ فيه خناق المستعمر الفرنسي على الشعب الجزائري عامَّة، لمحو شخصيته العربية الإسلامية، ويبقيه في ظلمات الجهل والفقر حتى لا يعرف بصيصًا من النور يعرِّفه حقوقه وكيف تؤخذ، وطرق الحرية وكيف تُنتزع، وما أحداث 08 ماي 1945 الأليمة ببعيدة عن ذلك الزمن.
في هذه الظروف الحالكة يُعقد مؤتمر في القرارة يدوم ثلاثة أيام، رغم أنف العدو، ويخرج بتأسيس جمعية اجتماعية ثقافية، تحمل راية الحركة الإصلاحية والنهضة الفكرية في وادي ميزاب، ويدوِّي فيه الشيخ بيُّوض بخطاب جذب الأسماع والأنظار، وتمنَّى الحاضرون ألاَّ ينتهي.
نستخلص من هذا الخطاب مجموعة من النقاط، نقف عندها وقفة تأمُّل مبتدئين من أوَّله.
النقطة الأولى:
إنَّ افتتاحية الخطاب تُشعرنا بهذه الظروف الصعبة التي أشرت إليها، وتصور لنا الشيخ بيُّوض، الأستاذ المربي الحكيم، المتواضع في مقامه العلمي العظيم، ومنصبه الاجتماعي الذي خضعت له الأعناق، والمحب العطوف على تلاميذه، الشاكر لمساعيهم، المقرِّ بفضلهم، وأن لا نجاح له بدونهم. يقول بعد حمد الله:
"أبنائي الأعزاء: إنَّ أول وأولى من نتوجَّه له بالشكر الجزيل والثناء الجميل، هو الحق جلَّ جلاله، الذي أخذ بأيدي بعض أبنائنا البررة وهداهم السبيل، وأشعرهم واجبهم نحو أمتهم في هذا الظرف العصيب، حتى كان من نتائج سعيهم اجتماع هذا الحفل البهيج.
ثمَّ نتوجَّه بالشكر إلى الذين استجابوا لداعي الحق في نفوسهم، فأرسلوا الدعوات، ثمَّ إلى الذين (1/19)
صفحة 20
استجابوا لدعوات إخوانهم ولم يبالوا بالصعوبات، ثم الذين اعتذروا وقدَّموا ما لديهم من اقتراحات ( ... )
أبنائي الأعزاء: إنَّ التآمر في هذه الأيام من أعظم الأعمال، إنه لتاريخ سيسجله في صفحاته البيضاء، إنَّ هذا المؤتمر كان في منعطف من منعطفات التاريخ، أو مفترق الطرق، فلست ألقي الكلام على عواهنه، أو أستعمل الكلمة في مجازها، بل أقصد معنى الكلمة الحقيقي، وسيتبين لكم ذلك ممَّا سأشرح به هذه النقطة، فتعرفون أننا في نهاية عصر قديم مضى بما فيه من أوضاع عتيقة، وأساليب بالية، وبداية عصر آت، تتطور فيه كلُّ الأساليب والأوضاع في شتى شؤون الحياة، ما من ذلك بد، وفي ذلك خيرٌ وشرٌّ، نفعٌ وضُر، سعادة وشقاء.
أبنائي البررة: إنَّ سروري باجتماعكم اليوم أضعاف ما تشعرون به، لأنَّ كلَّ غبطتكم وانعطافكم على بعضكم، كليهما منسكبان في نفسي على عدد أشخاصكم، وما ذلك إلاَّ لأمرين ربَّما كان أحدها عاطفيًّا لا صلة بينه وبين ما أرجوه وآمله منكم ولكم، إذ أشعر في أعماق قلبي بحب شديد أحمله لكل من اتصل بي، وتلقَّى عني ولو زمنًا قصيرًا.
إنَّ القلب ليخفق لكلمة اسمعها من أحدكم في الهاتف، ويخفق للرسالة القصيرة، واللقاءات الخفيفة، ولو علمتم ما أحمل من هذا الحب في نفسي لواصلتم إليَّ الكتب، ولو كنتم تُحسون مثل هذا الإحساس لخلقتم الفُرص للاتصال بي بالحديث، وبالكتاب، وبالزيارة.
أبنائي الأعزاء: إنَّ سروري أكثر من كلِّ سرور يكنه بعضكم لبعض، والحب الشديد الذي يربط بينكم، وإني لأعزو ذلك إلى أثر حبِّي الذي أفضته عليكم، وأعزو إليه كلَّ ما يستقبلكم من فوز ونجاح.
إنَّ هذا الحب وهذه الصداقة بين أبنائي من أعظم ما أفخر به، ومن أقوى الدعائم التي أبني عليها آمالي في مستقبلهم".
ما أروع تواضع العلماء، وما أجمل محبَّة المربين لتلاميذهم، وما أشوق كلمة متواضعة يجلب بها المربي تلامذته إليه، إنَّه لخلق عظيم، وشعور نبيل غمر به كلَّ من عاضده.
كما أنَّ غرس الشيخ الحب والصداقة بين نفوس تلامذته لهو الرباط الذي يضمن به وحدة الأمة، فلا حسد بين العلماء، ولا بغض ولا شنآن، ولا تنافس بينهم إلاَّ في مجال خدمة الدين والأمة إذا أرادت الجماعة الصلاح لنفسها. وفي هذا يقول أيضًا:
"إنه ليسرُّني أن تتوالى الرسائل والهدايا بينهم في مختلف المناسبات، ويسرني تعلُّق بعضهم ببعض حتى إذا رأى أحدهم زميله هشَّ له وبشَّ كأنه رأى شقيقه ابن أمه وأبيه، وهما حقًّا شقيقان!
إنَّ لهذه المحبة أثرًا كبيرَا في تزكية النفوس، وتطهير الضمائر، إنَّ لها لأثرًا بليغًا في سعادة الأفراد والجماعات، إنها لا تترك في النفس ضغينة ولا حقدًا ولا حسدًا.
إنه ليسُرُّني أن أرى قلوبكم قد أُشربت هذا الحب المكين، ونفوسكم قد أُشعرت هذه العاطفة (1/20)
صفحة 21
النبيلة، لا يَنفُس أحد على أخيه شهرة ينالها، ولا يحسُده على مكانة يتبوَّؤها، بل يرى ذلك عزًّا ومفخرة له، فيزداد حبًّا ويباهي به الناس، ثم يتعاونون معه في صفاء ووفاء على خدمة الأمة".
هذا ما يجب أن يكون بين علمائنا، وما يجب أن يكون بين مثقفينا، وبين موظفينا، وبين أعياننا، فهل نحن على هذا الخُلق؟؟
النقطة الثانية:
إنَّ القاعدة الصلبة التي يُكوِّن عليها الشيخُ تلامذته، ويحرص عليها لئلاَّ تتصدَّع الأمة، هي التعاون والاتحاد؛ فماذا قال الشيخ؟:
"الأمة جماعات متعاقبة، وكلُّ جماعة في عهد تسمَّى جيلاً، وإنَّ من غرضنا أن ننشئ لهذه الأمة في طورها الجديد جيلاً كامل العدَّة للنظال والكفاح في شتى الميادين، فيحدث في الأمة انقلابًا كبيرًا، ويدفع بها في خطوات كبيرة نحو مطمحها الأسمى، ولن نستطيع ذلك ولن نبلغ غرضنا منه حتى نضيف إلى تنوير العقول بالعلم، وتزكية النفوس بالدين، التأليفَ بين القلوب بالحب الراسخ والود المكين! فألفُ مثقَّف في أمَّة تنافرت قلوبهم، وتخالفت أغراضهم، وتوزَّعتهم الأهواء والشهوات، لن يكونوا على الأمة إلاَّ وبالاً، ومن سعادتها أن لا يكونوا! لكن مائة متعلم جمع الله شملهم، وألَّف بين قلوبهم، فأحبَّ بعضهم بعضًا، فاتَّحدت مبادئهم وغاياتهم، وإن اختلفت منازلهم وبيئاتهم، يُحيي الله بهم الأمَّة، ويُخرجها من الظلمات إلى النور، ويرفعها مكانًا عليًّا، إنَّ أرجى عمل نتقرَّب به إلى الله، ونتقدَّم به إلى الأمة هو إنشاء مثل هذا الجيل الذي يسود بين أفراده الحب والوئام، يتعارفون فيتآلفون، ولا يتناكرون فيتخالفون، يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان، وإنِّي لأرجو أن تكونوه! إننا بهذا وحده يمكننا أن نطمئن إلى أننا بنينا لعز الأمة ركنًا قويا، ووضعنا لسعادتها دعامة متينة، وأننا قدَّمنا لها عملا سيظهر أثره قريبًا أو بعيدًا".
فحياة الأمة وسعادتها في وحدتها، وشقاؤها وزوالها في تشتتها واختلافها، لذلك كان الاتحاد والوحدة أهم ما جاهد الشيخ بيُّوض طيلة حياته في سبيل توطيده وتمكينه، ورفع راية هذا الجهاد الشيخ عدُّون رحمه الله من بعده، فنحمد الله على هذا الفضل والنعمة، ونسأل الله دوامها.
النقطة الثالثة:
إنَّ سرور المربي المكوِّن عندما يلمس آثار أعماله ويجني ثمار جهوده لَعظيم جدًّا، فكم تكون فرحته وراحاته عظيمة عندما يرى أبناءه متحابين متعاونين مجاهدين في خدمة الدين والأمة، ومجتمعين ولو لمجرد اللقاء، ألم يقل الشيخ عدُّون مرارًا: "ليكن اجتماعكم ولقاؤكم ولو على كأس شاي ففي ذلك خير كثير".
قال الشيخ بيُّوض: "إنَّ توافدكم اليوم من مختلف أنحاء البلاد، واجتماعكم في هذا المؤتمر يذكِّركم بالعهد الذي قضيتموه معًا في حجر الدرس، ومجالس البحث والمناظرة، وحقول الأعمال وميادين (1/21)
صفحة 22
الرياضة ومغالي الاستجمام، ويجدد عهد الألفة والمحبة والصفاء والوفاء، ثم يربط الصلات بينكم وبين إخوانكم الذين خلفوكم في معهدكم، وساروا على هديكم، وتقدَّموا بالمؤسسات التي أنشأتموها لهم، بذا تتحكَّم الصلات بين جميع الطبقات. إنَّ سروري واغتباطي بهذا الأثر البليغ عظيمان جدًّا، ولو لم يكن في ائتماركم اليوم إلاَّ هذا وإلاَّ الاستماع إلى خطاب زعيمكم الشيخ عدُّون الذي ألقاه في جلسة الافتتاح، وإلى ما أحدثكم به الليلة لكفى وكفى.
لكن هناك ناحية أخرى ليست أقل أثرًا، ولست بها أقل اغتباطًا وسرورًا، تلك هي برامج، يسرني أن يتعهد الأعضاء بالقيام على تنفيذها كلٌّ في دائرة اختصاصه وحدود سلطته. والذي أرشدكم إليه هو نشر المقررات، وإرسال نسخ منها إلى الذين لم يسعدهم الحظ بحضور مؤتمركم، كما أطلب إليكم أن تنشروا بينهم خطاب الشيخ عدُّون، فإنَّه دستورٌ لهم.
أبنائي الأعزاء: إنَّ العمل الذي اجتمعتم من أجله لعظيم، وإنَّ الظرف الذي تخيَّرتموه لائتماركم لعصيب".
فها نحن ننشر بينكم ـــ أيها الإخوة القراء ـــ عملاً من أعمال المؤتمر، وقد نشرنا خطاب الشيخ عدُّون كذلك، وهذا أقل وفاء نقوم به نحو شيوخنا.
النقطة الرابعة:
إنَّ التطوُّر سنَّة الحياة، والاستعداد لمواجهته بحكمة وتخطيط أمرٌ واجب، وإلاَّ غرقت الأمة في أوحال المدنية، وذوَّبها أنواع الغزو الفكري والديني والاجتماعي والسياسي، وبمختلف الوسائل والطرق، فما هو السبيل الأنجع لمواجهة ذلك في رأي الشيخ بيُّوض؟؟؟
يقول الشيخ:
"إنَّ أمتكم على أبواب تطوُّر خطير، وانقلاب كبير لا بد لها في وضعه، ولا قِبل لها بدفعه. إنَّ وسائل العلوم الآلية والصناعة العصرية وأساليب التعمير والإنشاء الحديث، قد غشيت البلاد، وأظلتها من مختلف جهاتها بما تحمل معها من مفاسد وشرور، وللأمة تراث غزير من خُلق ودين لا تودُّ أنَّ لها به ملء الأرض ذهبًا، قد حفظه عليها زمنًا طويلاً هذا الانزواء في هذا الركن البعيد من هذه الصحراء الجرداء، ولكن العلم الحديث أفسد عليها وسيلتها هذه، إذ ألقى بها في بحر الحياة المدنية الهائج المائج.
ومن أفن الرأي أن يُظن أنَّ في مقدور الأمة أن تبقى منزوية منكمشة في جُحرها، أو تغلق حدودها وتحصن ثغورها حتى لا يتسرب إليها التمدُّن والعمران، وحتى لا تتدفق على وطنها موجات بشرية متتالية ممن يطلبون الرزق في كل مكان.
وإنَّ من خطل الرأي أن يُظن أننا بكلمة (لا نريد) هكذا جامدة جافَّة يابسة نستطيع أن ندفع غائلة المتسلط المتحكِّم، إنَّ التحجُّر والجمود لا يدفعان خطرًا، وإنَّ تجاهل الخطر الواقع لا يردُّ بلاءة ولا يُصيِّره غير واقع. (1/22)
صفحة 23
إنه سيل عارم لا نستطيع مجابهته، ولكننا نستطيع أن نداريه، وأن نصرفه أحسن تصريف بحذق ومهارة وبراعة، إذا شعرنا به وأعددنا له عدَّته، فننتفع بخيره ولا نصاب بشره، ونستضيء بنوره ولا نحترق بناره".
أما ما يتعلق بالعمل مع الحكام المستعمرين فلا بد للشيخ من سياسة حكيمة يعاملهم بها، ويدعو إليها في كثير من المناسبات في ذلك العهد. اقرأ قوله:
"لو كنا حصفاء حكماء لسلكنا من التحكمين من ذوي السلطان سياسة المراوغة واللف والدوران، وأعملنا موازين القسط من العقول الراجحة، فعرفنا خير الخيرين وشرَّ الشرين، ودفعنا الأثقل بالأخف، وقنعنا بالبعض إن تيقَّنَّا أنَّ الكل ذاهب، فلا المقاومة المطلقة العنيدة ولا الاستسلام المطلق المُخزي بمفيدنا في سياستنا مع المتسلط القوي، لكن التبصُّر وحسن التصرف والمرونة السياسية وحسن استغلال الظروف والأشخاص والمناسبات، هي أحكم سياسة للضعيف الأعزل مع القوي المدجَّج".
النقطة الخامسة:
إنَّ رؤية الشيخ بيُّوض إلى الناحية الاقتصادية في ميزاب معتمدة على ما يزخر به الوادي من خيرات الأرض ووفرة المياه، ولهذه الميزة أثرٌ سلبي إن لم نستغلها؛ قال الشيخ:
"أما في الميدان الاقتصادي فإنَّ هذا النهر العظيم من المياه العذبة الغزيرة الذي كشف العلم الحديث أنه يجري تحت أراضي ميزاب والمناطق التي حوله، قد لفت الأنظار إلى هذه البلاد، والجهود مبذولة في إدارات الحكومة ولدى هيئات التعمير لدراسة وسائل تفجيره واستغلاله. وقد أشار إليه الوالي العام في خطابه في المجلس الجزائري، وبفرنسا حاجة شديدة إلى الإنتاج للنهوض باقتصادها وإنقاذ عملتها، وقد قال وزير المالية: (بول رينو) أمام المجلس الوطني: "إمَّا الإنتاج أو الموت"، ومن المعلوم أنَّ أكثر ما تتجه إليه الأنظار عند ذكر الإنتاج هو الأرض البكر كأرضنا، وإنَّ أراضي واحات ميزاب وما حوله تتمتع بثروة طبيعية هائلة لا تخفى عن أنظار الطامعين، هي جودة التربة وشعاع الشمس. وقد رأيتم أنه لمجرد نجاح التجارب الأولى بادروا لتأسيس شركة استغلال لهذه المياه، وأدخلوا في نطاق امتيازها جنوب المقاطعة الجزائرية كلُّه، وهم يحاولون عرقلة المشاريع الأهلية المحلية.
إنَّ ميزاب سيصبح بعد قليل بلادًا منتجة مصدِّرة بحكم عذوبة مائه وطيب تربته ونشاط أهله، وهذا يقتضي بطبيعته مؤسسات وهيئات للتصدير، فإنَّه لا يستهلك عشر نتاجه، وسواء كانت المشاريع فيه أهلية أم أجنبية، فإن طبيعة العمران ستجلب إليه أخلاقًا من مختلف العناصر والجماعات من طلاب الأعمال ورواد الاستغلال، يفدون إليه بمنازعهم وأهوائهم، وبعوائدهم وأدوائهم، ولا بدَّ من الاحتكاك والاختلاط فلا محيص إذٍ من العدوى، فبأيِّ وسيلة يحافظ ميزاب (1/23)
صفحة 24
على تراثه العزيز؟ أكِلُ الجواب عن هذا إليكم، لكنني أتعجل القول بأنه إن لم يكن عمل عظيم جدٍّي سريع لكسب الناشئة حصانة دينية خلقية قوية، كان الذوبان والانحلال لا قدَّر الله".
النقطة السادسة:
إذا كان واجبًا على البلدة أن تنهظ نهظة كبيرة في الاستثمار الفلاحي لخصوبة التربة وعذوبة المياه، فإنَّ استغلال كل المشاريع والمناصب التي تمنح للبلدة يجب أن تكون لأبناء البلدة قصب السبق فيها، ولا يتولاها إلاَّ أصحاب العلم والفن والاختصاص؛ يقول الشيخ بيُّوض:
"وأمَّا في الميدان الثقافي فقد فتحت مدرسة في غرداية للصناعات اليدوية، وستفتح في شهر أكتوبر الآتي 1948 مدرسة تجارية، ستتلوها بعد قليل مدرسة فلاحية، [قس على ذلك المعاهد والجامعات] فهل من سداد الرأي أن يتركها أبناء الوطن ليحتلَّها غيرهم؟ وهل يتولَّى إدارات الأعمال بعد اليوم لغير المثقفين؟ وهل يكون الإنتاج بغير علم؟ ثم إنَّ طبيعة العمران تقتضي اختصاصيين كثيرين في شتى فنون العلم، فمن يكون هؤلاء في ميزاب في الغد القريب؟ إننا إن لم نندفع إلى العلم بقوة واعتناء عاد الأمر علينا وبالاً. إننا نطلب أن يكون أمر بلادنا بأيدينا، فهل أعددنا له مدربين وهيَّأنا له مديرين؟
لقد مُهِّدت سُبل وعبدت طرق، وسيُمهَّّد غيرها ويعبَّد، وقد قرَّبت وسائل النقل كلَّ بعيد، وتلك لمن أحسن استغلالها أسباب رفاهية وسعادة، ولمن أساء استغلالها بؤس وشقاء".
النقطة السابعة:
يتناول الشيخ في عالم السياسة الجانب السياسي الإسلامي العالمي والإفريقي والجزائري، فإن اختلفت بعض المظاهر في 1948 عن حاضرنا فإنَّها تتفق مصدرًا وهدفًا ومستهدفًا. إذا كانت قضية فلسطين هي الشغل الشاغل آنذاك وكذلك القضية الليبية مع إيطاليا ومخططات الدول الكبرى والمسيطرة، فإنَّها لا تختلف اليوم عن فلسطيننا الحالية، ولبنان والعراق، وأفغانستان والسودان ... وغيرها في آسيا والمشرق العربي وإفريقيا، وكلُّها تعاني ضعف المسلمين أمام القوى العاتية المعادية.
يقول الشيخ في هذه النقطة: "وأمَّا الميدان السياسي فإنَّ التطور فيه واقع كذلك لا محالة، لأسباب ومؤثرات منها القرب المباشر، ومنها البعد غير المباشر، منها الأحداث العالمية العامة، ومنها الأحداث الأوروبية، وأقرب من ذلك ما يتصل بالعالم العربي والإسلامي وأحداثه وتطوراته، ولا سيما شمال إفريقيا، والقطر الجزائري على الأخص، ثم ما يتصل بفرنسا ونظم الحكم فيها واتجاه سياستها.
أمَّا العالم العربي أو المشرق، فإنَّه قبلة المسلمين في المشارق والمغارب، ولا بدَّ أن يتأثر كل جزء من أجزاء العالم الإسلامي، حتى أصغر جزء فيه كميزاب بالوضع الجديد لدول العرب بعد انجلاء محنة فلسطين. (1/24)
صفحة 25
لم يمتحن العرب والمسلمون في تاريخهم الحديث بمثل محنة فلسطين، فلم يمر على جامعة دولهم يوم أصعب من هذا اليوم، تحالف ضدهم المختلفون، وتصادق المتعادون، وتآلبت عليهم قوى الشر من الشرق والغرب، وقد أظهروا قبل هذه الظاهرة شمما وإباءً وأنفة وكبرياء، فتصلبوا في ميدان السياسة، وثبتوا في مواطن الكفاح، لكنهم تراجعوا أخيرًا بعد هذه الظاهرة الغريبة، ولم يزالوا إلى اليوم بين جزر ومدٍّ، وأخذ ورد، مع قوى الشر العالمية مجتمعة. وما ندري عمَّ تتكشَّف هذه المحنة القاسية؛ أعن فوز للعرب في الميدان السياسي أم انهزام؟ وعن انتصار في الميدان الحربي أم انكسار؟ إنَّنا لا نعلم شيئًا من ذلك والأمر غيب، والغيب بيد الله، لكننا نعلم أن العالم الإسلامي كلَّه سيتأثر بالوضع الجديد لدول العرب بعد انكشاف المحنة، ما من ذلك بدٌّ، لا سيما شمال إفريقيا، البلاد المقيَّدة بأغلال الاستعمار، والتي ترجو فكاكها على يد دول العرب، بعد أن أيست من إنصاف دول الغرب".
نقول للشيخ: قم الآن وزد بكاء على فلسطين والعالم الإسلامي كلِّه، فليس حاضرُه أفضل من ماضيه، والتاريخ يعيد نفسه. إنَّ قوى الشر تتسلَّط على البلاد الإسلامية يومًا بعد يوم وتزيد، والمسلمون في ضعف يتفرَّجون ويتحمَّلون جرع الغصص؛ فانتفاضة قليلة منهم لا بدَّ أن تُحدث في العدو انقلابًا، وليس أدلَّ على ذلك من انتفاضة المسلمين في لبنان التي قهرت العدو الصهيوني وحققت انتصارًا، سيؤثر لا محالة لا في المشرق العربي وحده، بل في العالم الغربي والعالم الشرقي معًا.
يضيف الشيخ بيُّوض في عالم السياسة قوله: "وهناك ظاهرة أخرى لها أثرها البالغ في سياسة المغرب العربي الذي منه الجزائر وميزاب، تلك هي قضية مستعمرات إيطاليا التي منها طرابلس الغرب، حلقة الاتصال بين المغرب العربي وبين مصر قلب العالم الإسلامي ودماغه ومفتاح الشرق العربي، والقضية على بساط المناقشة بعد أن قدمت لجنة البحث تقريرها، وسيفضُّ أمرها قريبًا، والظاهرة التي نسجِّلها هنا بكل أسف هي موقف الدول التي كانت بالأمس القريب ألدّ أعداء إيطاليا، حتى فرنسا التي لم تتورع إيطاليا عن ضربها بخنجر من وراء ظهرها في ساعة محنتها القاسية، أصبحت تدعو إلى ردِّ ليبيا إلى إيطاليا. ولا ننخدع بالعناوين الخادعة كالانتداب والوصاية، فإنَّها ليست إلاَّ الاستعمار في أبشع وأفضع صوره، وما ذلك إلاَّ مخافة أن تسري العدوى من هذا القطر إذا تحرر إلى جارته القريبة فالجزائر فالمغرب الأقصى.
ومهما يكن فإن شمال إفريقيا سيتأثر إلى حدٍّ بعيد بالوضع الجديد الذي يفرض على القطر الليبي، هذا كلُّه بدءُ انقلاب خطير سينالنا منه حظٌّ كبير، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرَّا فشرٌّ".
ويقول الشيخ: "ولأنتقل بكم إلى ما هو أقرب من جميع ذلك: هذا الدستور الذي وضعته فرنسا للجزائر، وأنشأت به هذا المجلس الجزائري، ووضعت به الجزائر في وضع جديد له حسناته وسيآته، هو بدءُ انقلاب كبير، وهو خطوة أولى في طريق تطور الجزائر إلى أوضاع مختلفة متتالية ستجتازها (1/25)
صفحة 26
البلاد حتمًا قبل أن تصل إلى غايتها" [مع العلم أنَّ الشيخ بيُّوض قد انتُخب عضوا في هذا المجلس سنة 1948، وأعيد انتخابه أيضًا سنة 1951.
ويواصل الشيخ قوله:"إنَّ لهذا المجلس ـــ رغم عيوبه الكثيرة ـــ لخطرًا وأثرًا، ولا أدلَّ على خطره ممَّا ارتكبته الإدارة لإقحام صنائعها فيه، لو وجد رجالاً أكفَّاء مخلصين لخدموا به البلاد خدمة جلَّى. تعجبني كلمة قالها السيد فرحات عبَّاس في المجلس عند المناقشة على لقب العضو: أنا لا أقبل كلمة نائب "ديبيتي" لا لأنَّ المجلس ليست له أية سيادة، فإنَّ المجلس الوطني قد تنازل له عن بعض سيادته قطعًا، بل لأنَّ كثيرًا من أعضائه لم يُنتخب انتخابًا، وإنَّما عُيِّن تعييناً.
حقًّا إن للمجلس سيادة في ميادين شتَّى، سيكون له فيها الأثر البليغ، وستتناولنا مقرراته، ويمسُّنا من قريب لا من بعيد في شتى شؤوننا الحيوية، وإنه لم يخرج عن اختصاصه إلاَّ أمورٌ معدودة.
( ... ) إنَّ الذي ينالنا في الصميم من حياتنا من الدستور الجزائري هو نصُّه على إلغاء نظام الحكم العسكري في الجنوب، وتفويضُه الأمر إلى المجلس ليختار له نظامه الجديد، وسوف يتفاوض المجلس في ذلك في دورته المقبلة، كما نظنُّ؛ هنا يدقُّ موقفنا، فنحتاج إلى كثير من اليقظة والانتباه والحدز، وإلى تدقيق الملاحظة في كلِّ مادَّة ممَّا يُسَنُّ من النظام الجديد، حتى نستطيع التوفيق بين النظام المشترك وبين الخصائص والمميزات، ويكون بينهما تلاؤم وانسجام".
نرى في هذه الفقرة من الخطاب دعوة الشيخ الصريحة إلى المشاركة والمزاحمة في كلِّ المجالس السياسية الوطنية والمناصب التي نجلب منها الفائدة للبلاد والأمة، وهي فُرص ثمينة ينبغي لا نضيِّعها فنبقى غرباء متفرِّجين، يَسُنُّ غير المخلصين وغير الأكفَّاء قوانين تضرُّنا دينا واجتماعًا ووطنًا لأننا تركنا لهم المجال لفعل ذلك.
قال الشيخ: "إنَّنا وطنيون جزائريون! لسنا أجانب كما يدَّعي بعض المتهوِّسين، فلا يمكننا أن ننفصل عن إخواننا في النظم العامة المشتركة، ولا أن نتحلل أو نذُوب ونتنازل عن الخصائص والمميزات، على أنَّ للوطن حقوقًا مشتركة يساوى فيها أبناؤه وإن اختلفت مذاهبهم. إنَّ لنا خصومًا أقوياء من ذوي السلطان وضعت الأقدار مقدَّراتنا بين أيديهم، فعلينا أن نعلم أننا لا ننال منهم شيئًا إلاَّ بالحكمة والتبصُّر والأناة والديبلوماسية، والمرونة السياسية، وعلينا أن نعلم أنَّ سياسة "زم حقائبك واخرج" سياسة خرقاء غير رشيدة، إنَّ أوانها لم يحن بعد! وأنَّ سياسة الانزواء والانكماش "وأننا نريد أن نبقى على ما نحن عليه في كلِّ شيء" سًفًهٌ في العقل وأَفَنٌ في الرأي".
النقطة الثامنة:
لقد انتُخب الشيخ بيُّوض نائبًا في المجلس الجزائري ـــ كما أسلفنا ـــ فما هي في نظره مسؤولية النائب؟ ولنقس عليها مهمَّة كلِّ مُنتخب من طرف شعبه، ولأيِّ عضوية كانت. يقول الشيخ: (1/26)
صفحة 27
"أعيذكم بالله أن تظنُّوا ـــــ كبعض الجهلة ـــــ أنهم قد استراحوا، وسقط عنهم كلُّ واجب لمَّا قدَّموا عنهم نائبًا، إنَّ عمل النائب خاص في ميدان محدود، على أنه لا يستطيع أن يصول في المجلس إلاَّ بصوت الأمة الداوي من ورائه، فعلى الأمة من وراء نائبها واجبات ثقال، ليس للقب النائب عندي قيمة إلاَّ بقدر ما أجلب لقومي من خير أو أدفع عنهم من ضر.
لا يهمُّني أن أبرز في المجلس في غير ما يتصل بقومي ووطني الجزائر! وإني لأنفع أمتي بهذا اللقب خارج المجلس كذلك، فإنَّ الحامل للقب النائب تُفتَح في وجهه أبواب كانت موصدة، وتصغي إليه آذان كانت تتصامم.
إنَّني أعدكم أنني لن أنتفع بهذا اللقب لشخصي إلاَّ بقدر ما يعينني على أداء مهمَّتي، فما تقبَّلت النيابة لغرض شخصي، ولا لنفعٍ مادي، إنني وقفت حياتي فيما مضى على أمتي، وإنني أقف عليها ما بقي من أيامي، والله حسبي! ".
هكذا يجب أن يعاهد كلُّ مسؤول منا وكلُّ منتخَب، وهكذا يجب أن يتحلَّى بهذه الصفات والأخلاق العالية.
النقطة التاسعة:
مَن الرجلُ الذي يُعتمد عليه لفك البلاد من المحن المحيطة بها، والبلايا الخانقة؟ إنَّه بالطبع هو الغيور على وطنه وأمَّته، ولهذا الرجل يوجِّه الشيخ بيُّوض إرشادات قيمة، فيقول:
"فهل أدركتم الآن ما بنا من حاجة شديدة إلى قادة أكفَّاء ذوي عقول راجحة وأفكار واقعية لا خيالية، لهم بصر بالعواقب، ونفاذ إلى أسرار الحوادث، ينقذون الأمة في محنتها، ويهدونها السبيل، ويوجِّهونها الوجهة الصالحة، فإنَّها اليوم في مفترق طرق مشتبهة الأعلام، لا ضوء فيها ولا منارات.
أيها الشباب المتعلمون: إنَّ الدولة دولتكم، وإنَّ الدور دوركم، وإنَّ اليوم لكم، فبيدكم مقاليد المستقبل، وأنتم أقدر الناس على تحويل اتجاه الأمة إلى حيث تريدون، إنَّكم الأئمة والأمة لكم تَبَع، بل إنكم الأمَّة لو عرفتم أقداركم.
أيها الشباب المثقفون: لقد آن لكم أن تنتزعوا قيادة الأمة من أيدي الجهلة الأميين والطلبة الجامدين، فكفانا ما جرَّت علينا قيادتهم من بلايا ومحن؛ خمودٌ في الفكر، وجمود في العمل، وأفنٌ في الرأي، وجهل مطبق بأساليب الحياة، ولقد دفعوا بعربة الأمة إلى الهاوية، فتداركوها وروح القُدُس معكم".
إنَّ الشيخ بيُّوض يقرُّ أنَّ الفضل للشباب في تحمُّل المسؤوليات والعمل الخيري الموجَّه، ويضرب مثلا لهم بالفوز في معركة الانتخابات لعضوية المجلس الجزائري؛ إذن فالمسؤولية على عاتق الشباب المثقف في كلِّ عصر ومصر. (1/27)
صفحة 28
قال الشيخ: "لقد قضيتم في معاهد الدراسة سنوات، وتلقيتم فيها ما أهَّلكم للكفاح في ميادين الحياة، وفي هذه السنوات عركتكم الأحداث وعركتموها، سيما في سنوات الحرب الأخيرة؛ ثمَّ جاءت معركة الانتخابات التي كانت للناس فتنة كشفت عن معادنهم، فأشعرتكم قيمتكم، وأظهرت للناس خطركم .. إنَّ الفضل في الفوز الذي أحرزه الإصلاح في الانتخابات يرجع أكثره إلى جهود الشباب. لقد اشتدَّت أعضادُكُم، واستَدَّت سواعدُكُم بعد النصر الذي أحرزتموه في المعركة، أفلا تنتزعون الراية لتتولوا القيادة المطلقة؟! ألا ليس لكم بعد اليوم من عذر ولا تعلَّة، لئن كانت المسؤولية عليكم قبل الفتنة كبيرة فإنَّها اليوم أعظم وأكبر! .. "
ثم يواصل الشيخ في توجيه الإرشادات إلى روَّاد الشباب، وهي صالحة لنا اليوم مثل أمسنا بل أكثر؛ يقول:
"أريد من كلِّ واحد منكم أن يكون له أثرٌ في المركز الذي يوجد فيه، لا أريد أبدًا أن يكون شخصية مُهملة، تمرُّ الشهور والأعوام ولا يُرى له أثر، ولا يُسمع له صوت، ولا يظهر له عمل.
المشاكل في ميدان الحياة كثيرة، والخلافات بين الأفراد والجماعات تحدث كلَّ يوم في كلِّ قرية وفي كلِّ مدينة؛ فاقتحموا ميادين الإصلاح، فُضُّوا المشاكل بالحلول المُرضية، وسَوُّوا الخلافات بالعدل والحكمة، فإنَّكم بذلك تفرضون وجودكم، وتُعرِّفون بأنفسكم، وتحملون الناس على احترامكم، وتُعلِّمون الأمة كيف تنقاد للمثقفين، وهذا لا يكون إلاَّ بصفاء القلب، وطهارة الضمير، وإخلاص النية في القول والعمل وإيَّاكم والعنصرية فإنَّها الداء العضال!
سرَّني ـــ والله ـــ أن أرى بعضًا منكم رأس جماعات، وتصدَّر مجالس ولمَّا يطر له شارب، وما ذلك إلاَّ لحسن خلقه وحكمته ورصانته، لقد سئمنا والله من تصدُّر الأميين لجماعاتنا في مدن الشمال بسبب أموالهم، لقد أظهرت التجارب والامتحانات أنَّ حليف المخلصين النجاح، وإن قلَّت أموالهم، وأنَّ عاقبة الذين يتَّكلون على أموالهم الخسران المبين!
لا تكن غايتكم أن تسودوا ولا أن تتصدَّروا، وإنَّما عليكم أن تعملوا الخير لأنَّه خير وكفى، فإذا حُمِلتم على صدارة أو رئاسة أو سيادة، فلا تدفعوها فرارًا من المسؤولية إن استشعرتم الكفاءة، بل أقدموا غير هيَّابين ولا وَكِلِين.
ذلك هو الخلق الكامل وصاحبه هو المثل الأعلى، وذلك هو سر السعادة في الحياة وسبب المجاح في العمل واسأل به خبيرًا .. ".
النقطة العاشرة:
من أراد من المربين أو الدعاة أو الأولياء أن يؤثِّر في مربيه، عليه أن يكون القدوة ويعطي المثال من واقعه ونفسه، عملاً وسلوكًا، فلم يغب عن الشيخ بيُّوض ذلك، فها هو يستعرض على تلامذته حياته الجهادية اليومية المليئة بالتضحية والعمل الجليل، يقول الشيخ: (1/28)
صفحة 29
"لقد كنت في فجر حياتي العملية أقوم بواجبي في المدرسة خير قيام، مواضبة على الوقت، ومحافظة على النظام، وحسن اعتناء بالدرس، ثمَّ أخرج إلى ميدان المسجد والسوق والعشيرة، والميادين العامَّة، والمشاكل الخاصة، فأفضُّ الخلافات، وأحلُّ المشاكل، وأصلح بين المتخاصمين، وأواسي كلَّ ذي حاجة، مدفوعًا بعاطفة حب الخير للناس، وعاطفة الشفقة والرحمة التي أحسُّ بها في نفسي قوية، قوية إلى أن لا أقول معها "لا" لمستغيث أو مستعين أو مستنجد في كلِّ ما أستطيعه، وكأني والله أقوم بهذه الأعمال بطريقة آلية مطَّردة الحركة، لا أشعر بكلفة ولا مشقَّة، وإنَّما عليَّ أن أعمل بياض يومي وسواد ليلي حتى آوي إلى فراشي وكفى، لا أسأل عن عملٍ أجرًا، ولم تخطر ببالي سيادة ولا رئاسة ولا زعامة، أسير بمقتضى الفطرة والطبيعة، أحب الخير لأعدائي، وأشفق عليهم، وأحسن إليهم، ووالله ما قلت مرَّة "لا" لمن سألني حاجة منهم، مرتاح الضمير دائمًا، لا أحسُّ بحرارة حقد ولا ضغينة والحمد لله، ما تملَّقتُ غنيًّا، ولا تذلَّلتُ لقوي، بل صارحت الظَلَمة منهم العداء، وناصبتهم الحرب غير آبه لما يملكون من قوة ومال.
كذلك أريد أن تكونوا ذوي كرم وأريحية وشمم وإباء وهمَّة عالية، أحسنوا إلى من أساء إليكم، وارفقوا بالجهلة والأغبياء وضعفاء الناس، وألينوا القول لهم، فإذا جدَّ الجدُّ فاغضبوا غضبة مُضريَّة لا تلين لكم فيها قناة، ولا يفلُّ حدٌّ؛ إنَّكم إذا فعلتم امتلكتم القلوب، وتحكَّمتم في النفوس، فسلس لكم قيادها".
النقطة الحادية عشرة:
قبل أن يختم الشيخ بيُّوض خطابه ركَّز على نقطة أساسية رآها الدعامة الأولى لتأثير النفوذ في أمَّته، وتأثيره في قومه وأتباعه، وهي الثقة التي يُحضى بها المصلح والعامل في محيطه الاجتماعي، فلا المال وحده، ولا العلم وحده، ولا العقل والفكر، يستطيع إقناع الأتباع.
قال الشيخ: "أريد من كلِّ واحد منكم أن يكون ذا أمانة عند قومه، وذا مقام في المركز الذي يعمل فيه، ويتمتَّع بثقة تامَّة لدى معارفه ومعاشريه وجمهور الناس، حتى يستطيع أن يؤثِّر فيهم ويوجِّههم الوجهة التي يريد، وإن لم يفهموا حقيقة ما يدعو إليه، فإنَّ الداعي لا يعتمد أبدًا على الإقناع بالحجة والبرهان في كلِّ وقت، إنَّما يعتمد على الثقة؛ والثقة والحجة هما الدعامتان القويتان لقيادة الأمة، فإذا حصلتم على هذا مع ما بينكم من الروابط والصلات أمكننا أن نقول إنَّنا قد أنشأنا أمَّة لا جيلاً".
هكذا نأتي على مُجمل الخطاب الذي قال عنه الشيخ محمد علي دبوز: "ألقى الشيخ بيُّوض خطبته ارتجالاً بالعربية الفصحى بالأسلوب البليغ ... وقد دامت مدَّة طويلة شعر بها التلاميذ لحظة، بوُدِّهم أن يحدِّثهم بهذه البلاغة وبهذا الحنان والحب الأبوي، وبهذا التوجيه الحكيم العبقري أيَّامًا متصلة، وكانوا كلُّهم إلى الشيخ يُصغون في نشوة وحماس، إصغاء الحديقة الظمأى في نشوة بالغة إلى مُزنٍ كبيرٍ ينهمر عليها بالحياة! ". (1/29)
صفحة 30
ولا يسعنا في النهاية إلاًّ أن نترحَّم على صاحب الخطاب القيم، وندعو بالخير والبركة وطول العمر لشيخنا "الشيخ دحمان سعيد بن عبد الله" الذي نقل الخطاب كتابة حرفيًّا، ونترحَّم على شيخنا "محمد علي دبُّوز" الذي حافظ على هذا التراث بين دفتي كتابه (1). آمين.
قيل في الشيخ بيُّوض:
المجدُ أنتَ مُجَاهِدًا وَمُوَسَّدًا.:.:. وَالحُبُّ أنتَ غِنَاؤُهُ وَبُكَاءُ
في كُلِّ قَلْبٍ خَفْقَةٌ لَكَ تَفْتَدِي.:.:. ذِكْرَاكَ إِنَّا لِلْفِدَا نُصَرَاءُ
الشَّمسُ أَنتَ مُعلِّمًا وَمُفَسِّرًا.:.:. لَكَ في القُلُوبِ مَحَبَّةٌ وَدُعَاءُ
وَالسَّيفُ أَنْتَ إِذَا اعْتَدَى خَصْمٌ مَضَيتَ.:.:. إلى الجِهَادِ بِجَانِبَيْكَ مضَاءُ
وَالبَحرُ أَنتَ سِيَاسَةً كَالموجِ آوِنَةً.:.:. وَأُخرَى في السُّكُونِ سَمَاءُ
النَّهرُ صَوْتُكَ هَادِرًا أَو هَادِئًا.:.:. وَالأَرْضُ شَعْبُكَ أَنتَ فِيهِ الماءُ
رَوَّيتَنَا آيَ البَيَانِ مِنَ الكِتَابِ.:.:. فَشَبَّ في وَاحَاتِنَا البُلَغَاءُ
فَهُمُ النَّخِيلُ أَصَالَةً وَتَفَتُّحًا.:.:. وَهُمُ الغَدِيرُ تُحِبُّهُ الصَّحرَاءُ
شعر د/ محمد صالح ناصر
--------------------
الهوامش
1 - المرجع: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، محمد علي دبوز، ج3، من الصفحة 196 إلى 208. (1/30)
صفحة 31
الشيخ حمو فخار وفكره السياسي
(دروس لشبابنا وحلول لواقعنا)
د/ صالح بن عبد الله أبو بكر
نائب بالمجلس الشعبي الوطني
مقرر لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات
مقدمة:
الشيخ حمو بن عمر فخَّار من مواليد غرداية 1917م توفي في 18 جوان 2005م؛ أحد أقطاب الحركة الإصلاحية في الجزائر، فتح عينيه على أهم التطورات السياسية في الجزائر والعالم، فقد عايش في فترة شبابه أوضاع العالم قبل الحرب العالمية الثانية، ثم تتبع مع أقرانه من الطلبة كل مراحل الحرب العالمية الثانية بما تضمنته من صراع النازية، وتكتل دول الحلفاء، ومشاركة الجزائريين في تحرير فرنسا، وله خطبة رائعة ألقاها سنة 1945 بمناسبة تحرير باريس من الاحتلال النازي (1)، ولا شك بأن تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في 1931 ومشاركة أستاذه الشيخ بيوض، في وضع قانونها الأساسي، كل ذلك كان له الأثر البالغ في تكوين الروح الوطنية الإصلاحية، في بناء الشخصية الجزائرية المسلمة، فقد تتبع الشيخ حمو فخَّار كل تطورات الحركة الوطنية في الجزائر، وكل الإرهاصات التي أدت إلى اندلاع الثورة الجزائرية.
وبعد الاستقلال وبتبني الجزائر الفكر الاشتراكي، أصيب أبناء الحركة الإصلاحية بنكسة لعدم تحقق آمالهم في قيام الدولة الجزائرية المنشودة، التي نص عليها بيان نوفمبر، وقد كان للأوضاع السياسية في غرداية ووادي ميزاب ــــ من صرا عات محلية مفتعلة، ومن اختراق أشخاص مغرضين للحزب الواحد ومنظماته من مجاهدين، وشبيبة ــــ أثر بالغ في فكر الشيخ حمُّو فخَّار ودفاعه عن مقومات الأمة الميزابية وخصوصياتها، ضمن الثوابت الوطنية، ثم عايش الشيخ حمو فخَّار الثمانينيات والتحولات السياسية والتجربة التعددية، فكان له رأي وفكر صرح به في خطبه العديدة للجمع، والأعياد والمناسبات.
ولهذا يعتبر الشيخ حمو فخَّار مدرسة سياسية متميزة بالتفتح، والاعتدال وحب الوطن والعالمية، ولعل منصبه كرئيس جمعية، وخطيب منبر، وأديب بليغ، وشاعر مرهف الإحساس، جعلت خطبه أكثر واقعية و مواكبة للأحداث السياسية، فخطبه لا تخلو أبدا من التصريح أو التلميح لكل الأحداث المحلية والوطنية والعالمية، وخصوصا العالم العربي والإسلامي. فكانت السياسية بمفهومها الواسع تشغل حيزا كبيرا من كتاباته.
وهذه مقتطفات من آراء الشيخ حمو فخَّار ونماذج تمكنت من الحصول عليها في عجالة فقد تكون هناك أقوال للشيخ حمو فخَّار أبلغ وأوضح للتعبير عن فكره السياسي وهذا جهد المقل ولا أدعي أني قمت بمسح لكل إنتاج الشيخ، بل هي محاولة لفتح الشهية فليواصل الباحثون هذا المشوار.
المحور الأول: الحس الوطني:
1 - الحس السياسي عند تلاميذ الشيخ بيوض:
إن البعد السياسي في فكر الشيخ بيوض قد انعكس على تلاميذه وخاصة النجباء منهم فقد لقنهم حب الوطن، وأوقد فيهم الحس الوطني وحب الجزائر والدفاع عنها وخدمة الشعب بداية من إنقاذه من براثين الجهل والتخلف، والخرافات والبدع، وذلك بإصلاح عقيدته وأخلاقه، وتحبيب اللغة العربية له، فقد كان الشيخ بيوض يلاحظ التفاوت الواضح بين أبناء الجزائر وأبناء الاستعمار الفرنسي الذي استحوذ على كل خيرات البلاد، ويقول:
«الاستعمار قد سلب منا كل شيء إلا القرآن الذي نحفظه في قلوبنا، ولا يمكنه أن يسلبه ما دمنا نحافظ عليه حفظا وقولا وعملا» (2). (1/31)
صفحة 32
وبهذا الحس الوطني العميق غرس الشيخ بيوض، أساليب الإصلاح والتغيير في تلاميذه، فقد درسهم أستاذهم دوريات المشرق العربي، وكتاب العروة الوثقى للأفغاني، وآثار محمد عبده، وطبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد للكواكبي، و بهذا خرَج الشيخ بيوض رجالا صالحين ومصلحين يؤمنون بالتغيير من الجذور؛ بإصلاح العقيدة والدين، وإصلاح التعليم والنهوض بالأمة، في كل المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، فلا فصل بين كل هذه الجوانب المترابطة والمتداخلة، وهو دائما يقوم بتوظيف البعد الديني في كل إصلاح، فالإسلام هو جوهره ولا فرق بين العبادة والسياسية، فلولا جهود الإصلاح الذي قامت به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لما نما حس وطني، ولا ثارت ثورة نوفمبر الخالدة، فتذكير الشعب بهويته ولغته ودينه، بعد قرن من الاستعمار، هو الوقود الفعال الذي أشعل الثورة التحريرية.
فهاهو يصرح في البيان الذي ألقاه بعد فرض الإقامة الجبرية عليه، وهو يحرض تلاميذه ومن أبرزهم الشيخ حمو فخَّار، فيقول لهم:
«أيها الشعب الكريم إن لك ماضيا مجيدًا، وتاريخا بالعظائم حافلا، وإن لك في سجل تاريخ الجهاد الوطني والكفاح الاجتماعي، والاقتصادي صفحات مشرقة بيضاء نقية، إن من أفظع أنواع الظلم أن يساس شعب مثلك سياسة عسكرية غاشمة مستبدة» (3).
ويعتبر الفكر السياسي للشيخ بيوض امتدادًا لفكر الشيخ أطفيش الذي يرى بأن الاستعمار مظهر من مظاهر الشرك والكفر، ولذلك تجب محاربته مهما كانت الظروف الاقتصادية، و الاجتماعية، ولذلك يرى وجوب القطيعة التامة، مع المستعمر وعدم التعامل معه، وعدم تقليده سلوكا، أو ثقافة أو لباسا وتجب البراءة من الكافرين، كما أوجب مقاومة الاستعمار بالجهاد، ومن هذا المنطلق فقد عارض الشيخ أطفيش معاهدة 1853م بين فرنسا ووادي ميزاب للحفاظ على الأمور الداخلية فقد اعتبرها لعبة سياسية، ومراوغة لربح الوقت، حيث كان رحمه الله يقول:
«إن تشييع ثمانين جنازة في اليوم من بني يزقن أحب إلي من أن يطرق سمعي أن فرنسا وضعت قدمها على حجر واحد من «تِضَفْتْ» وهو مكان معروف في المدينة» (4).
هذا هو الفكر السياسي الذي ترعرع فيه الشيخ حمو فخَّار تلميذا وطالبا.
وكان لجمعية الشباب أثرها البالغ في التكوين السياسي لطلبة الشيخ بيوض، فلم تكن مجرد ميدان للتكوين العلمي التطبيقي، والتدريب على تملك القواعد النظرية، وممارستها في ما يكتب أو يقال، فحسب، بل كانت فوق ذلك ميدانا لترويض العقل على البحث والنظر، والنقاش والحوار، والأهم من هذا كله، أنها كانت مجالاً لعمل أخطر وأعظم، ومضمارا لتحقيق غاية أسمى، غاية تتمثل في بعث الروح الوطنية ومقارعة الاستعمار، إذ تُعرض في أحضان تلك اللقاءات قضايا الحرية والاستقلال، وعزة المسلمين، وفداء الأوطان، والسعي لإنقاذها من براثن الكافرين، وكانت جلسات هذه الجمعية سرية، لا علم للإدارة الفرنسية بها، ويتعهد أعضاؤها بكتم أمرها، وعدم (1/32)
صفحة 33
إفشائه ولو لأقرب الناس وأعز الأصدقاء.
أثمرت جمعية وجريدة الشباب ــــ التي حمل رايتها الشيخ عدُّون ــــ تراثا أدبيا بليغا مما دوّنه الطلبة من مقالات وقصائد، وأناشيد بلغت العشرات، كلها تشيد بالوطن وتدعو للسعي إلى تحريره من نير الاستذلال، وجاءت في أسلوب حماسي صادق، ولكنه ذكي حكيم، تدك قنابله معاقل المفسدين، ولا يُدان قائله من قبل الكائدين.
وتلك صفحة بحاجة إلى دراسة مستفيضة تجلي فضل الجمعيات الأدبية بمعهد الحياة، في إيقاظ الروح الوطنية في الشباب، ومحو خرافة أن فرنسا ستبقى في الجزائر إلى يوم الحساب.
2 - حب الجزائر:
ورث الشيخ حمو فخَّار حب الجزائر عن مشايخه، وتفانى في حب ونصرة القضايا الوطنية بإخلاص، فكان همه أن يرى الجزائر رائدة بين الأمم، وقد تخلصت من التخلف والجهل ومن كل الآفات الاجتماعية، فحب الجزائر في فكر الشيخ حمو فخَّار خريج المدرسة الميزابية الإباضية الإصلاحية، يتميز بحب بريء من أية مصلحة، أو أي مطامع مادية أو مصالح جهوية ضيقة، أو تعليق الأوسمة والنياشين.
فأمل الشيخ حمو فخَّار كما يوضحه في قوله:
«يا شباب الإصلاح إن كلمة حقي» لا تحيا في السياسية إلا إذا وضع قائلها حياته فيه (5) أي أنه يقول إن التضحية من أجل الوطن وأداء الواجبات قبل المطالبة بالحقوق، هذه هي الوطنية عند الشيخ حمو فخَّار.
ويظهر حب الشيخ حمو فخَّار للجزائر في حرصه الشديد على مصيرها المجهول، لما دخلت الديمقراطية قبل أوانها، وحزنه العميق على ما وقع للجزائر في بداية التسعينيات، إذ يقول «اليوم نشاهد جزائرنا الحبيبة ــــ مضرب الأمثال، في السياسة والنضال ــــ ما تشهده من تفكك بين عناصرها، منذ بزوغ الأحزاب السياسية، في سمائها وانفتاحها على الديمقراطية قبل أوانها، ما هو إلا بداية ليس يدري إلا الله كيف تكون النهاية» (6).
فينادي الشيخ حمو فخَّار في سنة 1990:
«أيها الإخوة الفطناء، إننا في الجزائر على شفا جرف هار يكاد ينهار بنا في جهنم الحياة وجهنم الممات».
وفي دعوته للتمسك بأخلاق الأنبياء والرسل، يقول:
«إننا لفي حاجة أكيدة إليها في هذه الأيام أكثر من أي عهد مضى، لمجابهة التناقضات الطارئة، في جزائرنا الحبيبة ذات الصيت الذائع، في المحافل الدولية» (7).
ويكرر الشيخ في أغلب خطبه الدعاء لله كي ينصر الجزائر، ويجنبها الفتن والمصائب، فيقول: (1/33)
صفحة 34
«فيارب جنب جزائرنا هذا المصير الأليم» (8)، ويارب جنبها الفتن ما ظهر منها وما بطن.
3 - استقبال الشخصيات السياسية:
كان الشيخ حمو فخَّار رحمه الله، حاضرا في كل المناسبات الرسمية، وخاصة منها استقبال الشخصيات السياسية التي تزور غرداية، وكان يستغل كلمة الترحيب بضيف غرداية، دون تملُّق أو خنوع، ونفاق فكان يستغل الفرصة، لتمرير رسائله الإصلاحية مبتدئا بحسن الاستقبال، ثم التعريف بالشخص الضيف للجمهور الحاضر وإبراز اختصاصه، ومجال نشاطه، ثم يستغل الشيخ الفرصة بالتعريف بمدينة غرداية، وخصوصياتها التاريخية والاجتماعية، كما يتعمد في خطابه أن يقدم للضيف نصائح وتوجيهات تتناسب مع مركزه، ومكانته السياسية، وتتمحور نصائحه دائما، حول حب الوطن والإخلاص في نصرة الجزائر والعربية والإسلام.
ففي استقباله للوزير الفرنسي (ارسيل أدرون نيجلان) سنة 1946 طلب منه بناء ثانوية بغرداية، ويلح عليه تسريع إجراءات الموافقة على حفر الآبار الارتوازية في ميزاب مذكرا إياه بتعطيل ملف المصادقة على حفر البئر الارتوازية في القرارة. وطلب توزيع الأراضي في زلفانة على جميع سكان ميزاب الأصليين، بدون فرق ولا تمييز. ولم ينس الشيخ حتى مطالب البدو الرحل في الصحراء فطلب من الوزير تقديم مساعدات، وإعانات لأصحاب المواشي، بعد أن فتك القحط والجفاف بمواشيهم، وطلب كذلك بإنشاء المرافق الصحية العمومية لمكافحة الأمراض مذكرا إياه بارتفاع نسبة الوفيات، وبوجود طبيب واحد مقابل عشرات الآلاف من المواطنين (9).
وفي كلمة استقبال للوزيرين عبد الرحمن شيبان وزير الثقافة، وأحمد توفيق المدني وزير الأوقاف، يوم 24 ماي 1963 ضمن كلمته رسائل واضحة غير مشفرة، للاعتزاز بالإسلام ومبادئه، فيقول مثلا:
«أجل لقد حقَّ لنا أن نطمئن على الإسلام وتعاليمه الخالدة في عهدكم، يا وزيري الثقافة والأوقاف، بما أبديتم من غيرة وحماس على الدين» (10).
وهو يستقبل الإمام غالب بن علي، يقول له:
«أود أن أذكركم سيدي الإمام، والذكرى تنفع المؤمنين، أنه لأمر ما قد انتدبكم الله واختاركم لقيادة الأمة العُمانية، في سلمها وحربها .... ويا ملهم النفوس فجورها وتقواها، اعصمنا وإياه من الزلل والخطإ، وألهم حكومتنا وحكومته الرشد وصدق القول والعمل، واحفظهما من الأنانية وتعشق الزعامة، وافتراق الكلمة، فإن ذلك آفة الجماعات والدول» (11).
وفي كلمته التي كتبها باسم أصحاب المصانع، لاستقبال رئيس مجلس الثورة والوزراء هواري بومدين، يوم 27 جانفي 1970 يستغل الفرصة ليوضح للرئيس الصعوبات التي تعاني منها الصناعة في الصحراء كحرارة الجو، وهروب الإطارات إلى الشمال، وبعد المسافة وتكاليف نقل مواد البناء، (1/34)
صفحة 35
والمواد الأولية، وعدم وجود بنوك في المنطقة، وعزوف الأخصائيين عن الاستقرار هنا، ولهذا قدم له مجموعة من المطالب كالتخفيف من سعر الأرض والإعفاء من الغرامة (12).
وفي استقبال رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد، يوم 16 جانفي 1984 فقد سدد له جملة من النصائح نرى من أهمها جرأته الحازمة، في مراجعة الأخطاء الفارطة، وانتهاج أسلوب حكيم في تصحيحها، مشيرا بذلك إلى التراجع عن التوجه المفرط إلى الاشتراكية، والتأميم، والثورة الزراعية، وإعادة هيكلة الاقتصاد. مذكرا إياه بتهميش الولاية، بقوله:
«عن شوق الجميع إلى زيارتكم، التي حظي بها أغلب القطاعات في الشمال والجنوب، وبقينا لوحدنا ننتظر دورنا وأعيانا الانتظار» (13).
وفي استقبال الشيخ عبد الله جاب الله سنة 1991 فبعد الترحيب ذكر الحضور بتاريخ نضال العالم والداعية، وكفاحه من أجل كلمة الحق والدعوة إلى الإصلاح، وحتمية الحل الإسلامي، بقوله لقد شرفتم الإسلام والإصلاح والجزائر والعلماء، ورفعتم لواء القرآن والسنة، بالاستشهاد بهما، ونصرتم العربية وجمهرة الغيورين عليها بلسانكم العربي المبين، فقد أعجبنا أيما إعجاب يوم لقاء الصحافة معكم حيث بدوتم في شخصية الداعية الملهم، فتصديتم للإجابة عن الأسئلة المطروحة عليكم بالحجة المقنعة وفي اعتداد الواثق بما عنده، الشجاع المؤمن، بقضيته ومتسما بالصراحة والوضوح والنزاهة، العدة التي تعوز الكثير من العارفين، وكل ذلك بأسلوب حكيم، مستعل عن القدح والتجريح بالآخرين، ناء عن الحط من كرامة السائلين.
ويدعو الشيخ حمو فخَّار للشيخ عبد الله جاب الله قائلا:
«وإنكم أيها الأخ الكريم، ومن على شاكلتكم من المؤمنين الصادقين، الأمل كل الأمل، في وضع قوافل أجيالنا الصاعدة في المسار الفطري، صراط الله المستقيم. أرانا الله منكم ما يحقق الأمل المنشود، ورعانا وإياكم من كل شانئ حقود» (14).
كما كان الشيخ حمو فخَّار حريصا على حضور كل الاحتفالات الرسمية التي تنظم في الولاية، مستغلا بذلك فرصة الاعتزاز بالأعياد الوطنية والمناسبات الدينية، فمن عيد النصر والحرية، إلى المهرجانات الثقافية، وافتتاح المدارس والمساجد والنوادي، والتظاهرات الكشفية، و كان رحمه الله يتوج تلك الاحتفالات بخطب رائعة أدبا وسياسية وتوجيها.
المحور الثاني: القضايا الدولية:
1 - نصرة المسلمين::
الفكر السياسي للشيخ حمو فخَّار تجاوز الحدود السياسية لوطنه الجزائر، فكانت تتجاذبه الروح الإسلامية إلى أقاصي العالم الإسلامي، وتشده الروح العربية إلى كل الوطن العربي، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم «من لم يشغله أمر المسلمين فهو ليس منهم»، فقد كان يضمن خطبه شعوره (1/35)
صفحة 36
العميق بالفرحة والسرور في كل الانتصارات التي يحققها المسلمون، في مشارق الأرض ومغاربها، كما كان يأسف ويتحسر لواقع المسلمين والعرب، في كل فاجعة تحل بهم أو في التمزق والتفرق الذي أصاب المسلمين والعرب.
وقد كان الشيخ حمو فخَّار يربط كل تلك الأحداث حلوها ومرها بمدى التزام المسلمين حكاما ومحكومين بشر ع الله، فكلما انتشر الفساد الخلقي واستفحلت الآفات الاجتماعية، كان الخراب والدمار وانتشرت الفتن والحروب والانقلابات، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (سورة الرعد: 11)، وكان الشيخ شديد الحسرة على خيانة الحكام العرب، لشعوبهم وقضيتهم الجوهرية فلسطين، وذل الرؤساء و الملوك الذين يقفون موقف المتفرج من تجاوزات الصهاينة، وأذنابهم من الغرب، وكلنا يتذكر مذلة إخراج رجال المقاومة الفلسطينية من لبنان، ووقوف الدول العربية والإسلامية على كثرتها مكتوفة الأيدي ضد الغزو الإسرائيلي للفلسطينيين، وإخراج رجال مقاومتها من لبنان وعددهم سبعة آلاف بقولهم «أخرجوا من لبنان وانتم مجردون من أسلحتكم ... » (15) والله إنها لإهانة ما بعدها إهانة.
وفي كل تلك المواقف كان الشيخ يعتز بالوطنية الجزائرية، ويتخذ الثورة التحريرية، نموذجا ومثالا على العرب والمسلمين أن يقتفوا أثرها، كي يحققوا الانتصار على الاستعمار والاحتلال الصهيوني، فاسمعوا خطبته ليلة نوفمبر الخالدة:
«وها نحن نهب لإحياء الذكرى الثلاثين لاندلاع الثورة التحريرية ... في اعتزاز وأريحية وانتشاء ألا يكفي هذا الكبد شكرا لله من عباده الجزائريين؟ أم يراد منا أن نشد الرحال إلى الشرق العربي لدحر اليهود وتحرير فلسطين ... ؟ أم إلى العراق وإيران لنقاتل الفئة التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله؟
أم نتجه إلى أفغانستان لنصرتها على الروس القيصرية؟ أم إلى الجماهيرية لفكها من جنون القذافية ... ؟»
انظروا إلى الحس السياسي العميق، الذي يرى بأن شكر الله على النصر في الثورة الجزائرية لا يكفي باللسان فقط، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى المساندة المادية، لو سمحت الظروف لنصرة الشعب الفلسطيني، وقتال الفئة الباغية من الشعبين العراقي والإيراني، ونصرة الشعب الأفغاني من الاحتلال السفياتي. وكما لا ينسى نصرة الإخوة الإباضية في ليبيا وما لحقهم من ظلم واضطهاد.
وها هو الشيخ حمو فخَّار يناصر أطفال الحجارة الأبطال الذين قلبوا موازين العالم، وأسمعوا صوت قضيتهم التي تجاهلها العالم، أربعين سنة، فالانتفاضة هي التي أرغمت أمريكا والغرب للجلوس إلى طاولة المفاوضات وسماع صوت الشعب الفلسطيني، ويقول الشيخ: «إن الجاليات الفلسطينية راحت تتيه في الأرض أربعين سنة، منذ وعد بلفور المشؤوم فلم يسمع لهم صراخ، ولا آسى عليهم في البسيطة أحد من العالمين. (1/36)
صفحة 37
فلما عقدوا العزم أن يعيشوا عيش الأحرار، وشفعوا صراخهم بأحجار، قد لا تعدو حصيات الجمار ... التفت العالم كله إليهم وتحدثت الإذاعات والصحف عن عدالة قضيتهم، ثم ها هي أمريكا تفكر في حل، ولا تدع إسرائيل من أمرها حلا إلا اقترحته للخروج من محنتها».
2 - السياسية العالمية ودور الجزائر فيها:
إن وطنية الشيخ حمو فخَّار جعلته دائم الاعتزاز بالمواقف السياسية، والإنجازات الحضارية التي تشرف الجزائر، فالكبار منا يذكرون دور الدبلوماسية الجزائرية، في الإفراج على رهائن الطائرة الكويتية المختطفة حيث كانت الجزائر محط أنظار العالم كله، مدة شهر فالشيخ المتتبع للأحداث والمستثمر للوقائع الوطنية والعالمية، في خطبه يشير إلى تلك الحادثة بروح عالية ووطنية فياضة، فيقول:
«أيها المقبلون هل تذكرون محنة رهائن الطائرة الكويتية المفجعة، التي شغلت العالم نصف شهر من الزمن؟
وهل تذكرون كيف خرجوا يلهجون بشكر الجزائر، التي أنقذتهم من أنياب الموت بأعجوبة وردتهم إلى أهليهم سالمين؟»
هكذا كان الشيخ حمو فخَّار يحبب الشباب لوطنه ويعلمه النقد البناء، لا النقد الهدام الذي يرفض كل ما تنجزه السلطة ويضع نفسه دائما في المعارضة من أجل المعارضة، فالشيخ حمو فخَّار حتى وإن أشاد بالمواقف البطولية للجزائر، وثمن إنجازاتها لن يستنكف أن ينتقد البيروقراطية المحلية والفساد الإداري، وهذا ما نراه في المحور الموالي.
المحور الثالث: القضايا المحلية:
1 - محاربة الفساد والإرهاب الإداري:
لقد عاش وادي ميزاب فترات تاريخية عصيبة، استغلها بعض الإنتهازيين أيام الحزب الواحد وأيام السياسية الاشتراكية والفكر الشيوعي، وعاثوا في الأرض فسادًا مستغلين مناصبهم ومراكزهم الإدارية والحزبية، للظلم والحقرة، فكثرت السرقات والاعتداءات، والإهانات، والعنصرية الصاخبة، والجهوية النتنة. والشيخ حمو فخَّار ما كان ليداهن، أو يتملق، بل كان دائم النقد والتوجيه وإثارة الهمم، حتى قبل أن تهب رياح الديمقراطية على الجزائر سنة 88 فها هو في سنة 84 ينتقد الأوضاع ويقترح الحلول، التي يجب أن يكون مرجعها دائما الدين والأخلاق فيقول:
«الدينُ أن تختفي السرقات من مؤسساتنا الخاصة والعامة، وتتقلص روح الانتهازية، والاستغلال من المخططات، مثناها وثلاث ورباع وخماس ....
الدين أن تُمحى المحسوبية المستشرية، والرشوة المستأسدة المستعلية ... ، الدينُ أن تسود النزاهة، وتقدم الكفاءة، ويُطبق مبدأ الالتزام، ويطبق في التعيينات والترقيات، والترشيحات ... » (16). (1/37)
صفحة 38
2 - تولِّي المناصب:
يرى الشيخ حمو فخَّار أن أزمة المواطن في ولاية غرداية خصوصا، وفي الجزائر عامة، هي تولي الرجال غير الأكفاء المناصب الإدارية، فاسمعه وهو يحث الشباب على تولي المناصب بمناسبة ترقية دائرة غرداية، إلى ولاية سنة 1984 فيقول:
«آن والله للصالحين الأكفاء أن يتقدموا إلى المناصب الحساسة لا حُبًّا في الرئاسة، لكن حفاظا على المكاسب الكثيرة، العزيزة النادرة، وتوطيدا لدعائم الدولة، بالخبرة والنصح، والهمم الثائرة ...
وأخص من بين شباب الجزائر بالدعوة لتحمل المسؤولية، شباب الوادي الطاهر الأمين ... ، ألا إن الواجب يناديكم، ويسلط الأضواء عليكم، ولا يعني إلا إياكم.
فحيَّا الله من تحلَّى منكم بروح المبادرة دائما، وحياه بصفة خاصة في هذا الظرف الذي تؤسس فيه ولايتكم الجديدة ... » (17).
«فلتتحملوا مسؤوليتكم التاريخية، أمام الله وأمام أمتكم بمسقط رأسكم، بأن يتقدم للمكان المناسب الرجل المناسب، فإن كل تقصير أو تهاون في هذا المنعطف التاريخي، وكل غفلة وكل سنة من نوم، ستجنون عواقبها الوخيمة لا محالة إن عاجلا أو آجلا» (18).
نعم يا شيخنا ها نحن نجني العواقب الوخيمة، ونتجرع المرارة، ونبكي دما، لأننا لم نسمع بنصائحك، منذ أكثر من عشرين سنة، لتولي المناصب الإدارية في ولايتنا. يقول الشيخ:
«نشتكي من ضياع حقوقنا وأولادنا يتهربون من تحمل المسؤوليات، في الإدارات» (19).
وعليه فأين نحن من المسؤولية في دولتنا وفي بلدتنا اليوم؟ وهل نحن في منعة من التدهور والاختلال في مجتمعنا؟
لا شك ولا ريب أننا نعيش أزمة حادَّة منذ الاستقلال، بل نعيش أزمة مركبة محدودبة، بعيدة القعر.
أزمة تتمثل في تذمر الجميع، من سوء المعاملة التي يلاقونها في كل ميدان.
كل من تلقاه يشكو دهره ليت شعري هذه الدنيا لمن؟
وأزمة في عدم جرأة الأكفاء في الوثوب إلى المناصب، ووقاحتهم في التشبث بها، ما ترك الجماهير العاجزة عن التغيير تموت هما وكمدًا، وتعلف مع الحمير التبن والشعير، إن وجدت التبن والشعير.
وأزمة تهرب الأكفاء الأمناء من تحمُّل المسؤوليات، جبنا وتواكلا وتخاذلا فخلا الجو للقبرة تبيض وتصفر.
وَمن رَعَا غَنَمًا في أَرضِ مَسْبَعَةٍ.:.:. وَنَامَ عَنهَا تَوَلَّى رَعْيَهَا الأَسَدُ
فنحن ومن يتولى المناصب في دولتنا غثاء كغثاء السيل، إلا أنهم يفضلوننا بشجاعة طبعوا عليها، وحسن تفهم للأوضاع وتجاهلنا نحن عواقبها وأبعادها ... » (20).
3 - الدفاع عن الحقوق لرفع المظالم (1/38)
صفحة 39
الشيخ حمو فخَّار عايش الظلم أو الإرهاب الإداري، فحاول أن يستنهض الهمم، ويعلمنا كيف نناضل ونعيش معززين مكرمين، في وطننا؛ كفانا استسلاما، واستكانة كفانا ذلا وإهانة، والرضا بالعيش الوضيع، والخوف من التقدم إلى الإدارات، والتنقل بين المكاتب، وكتابة الشكاوى، ومجابهة الظلمة، ولنتعلم الأساليب الحضارية والقانونية للمطالبة بحقوقنا: اسمعوا كلام شيخنا إذ يقول:
«وفي مجال الإدارة والحكم، سادت الفوضى، واستشرى الإجرام، إذ وُسدت الأمور إلى غير أهلها، الأمر الذي ترككم، وأنتم الأغنياءـ مسلوبي الحقوق في أراضيكم، مهضومي الكرامة في قعر داركم، منكسي الرؤوس في أوطانكم، وما ذلك إلا أنكم مسالمون مستسلمون، لا ترفعون في مظلمة شكوى، وإذا رفعها بعضكم، ورفضت قالوا: عظمت البلوى، وأسروا النجوى.
وفيكم من يهاب الدخول لأي قاعة، وإذا تشجع وأوصد دونه الباب لعن الشجاعة، إلى يوم الساعة، وقدم للبواب شواهد الإخلاص والطاعة».
كما يتحسَّر الشيخ حمو فخَّار على من مزَّق أوراق جهاده ونضاله، فظلم أمته قبل أن يظلم نفسه: فيقول:
«وفيكم من مزَّق أوراق نضاله لسوء معاملة في القاعة، وإذا قيل له: عجلت يا هذا أجاب: لا أمل في القمَّة وكل صاعدة لا محالة للأرض عائدة.
وفيكم من تعرض للتأديب أو هُدِّد بالفصل والزج به خارج الفصل، تلا قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَولٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ} (21).
وفيكم وفيكم و وفيكم .......
فبربكم تلك حالكم ولما يمسكم سوء، كيف كنتم تكونون لو يصاب أحدكم كما أصيب نبيكم في الجسد، وفي العرض والزوج والمال والولد، آمنتُ ربي بما أنزلت في سورة البلد: {لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ فِي كَبَد}» (22).
المحور الرابع: الاعتدال:
1 - القول للمحسن أحسنت:
من فكر الشيخ حمو فخَّار التصريح بقوله للمحسن أحسنت، وقوله للمسيء أسأت، وهو عين مبدإ الإباضية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشكر المسؤولين لا يعني التزلف والتملق، أو غيرها من المصطلحات والتصنيفات، التي يتداولها البعض في يومنا هذا حتى برمجت أفكار شبابنا بكره كل المسؤولين، وحقد كل من يتعامل مع المسؤولين، ولعن كل من يشكر مسؤولا، فأصبحنا نسمع آبلوز السلطة أو لبوفوار، أو إزيزاون، أو الشياتة ... » ألخ.
فالشيخ وهو يشكر السلطات المحلية، التي نظمت حفلات فنية بمناسبة ليالي رمضان يقول:
«وأقول إن ذلك من أجل نعم الله علينا ... والفضل ... بعد الله إلى الإطارات الرشيدة، في سلطاتنا المحلية، كالسيد الوالي، والمحافظ، ورئيس المجلس الشعبي البلدي ... (1/39)
صفحة 40
فلهم خالص شكرنا، وصادق تهانينا، وعميق دعواتنا، على الإبقاء على طابعنا الديني المحض، في محيطنا، وعلى احترام عواطف سكانه المحافظين، على التقاليد النظيفة والتعاليم الإسلامية الخالدة ... » (23).
2 - منهج جمعية الإصلاح:
وفي السياسة الداخلية للمجتمع يوضِّح الشيخ حمو فخَّار منهج جمعية الإصلاح، في تصحيح المفاهيم وكيف تتعامل مع معارضيها، وأنها تنهج منهج الإسلام في اليسر والوضوح، ونبذ الخرافات وتقدير الكفاءات، وتوزيع المسؤوليات، فاسمعوا شيخنا يقول:
«ثم ليتأتى للإصلاح تصحيح المفاهيم في نفوس المضللين الظانين به ظن السوء، والواقفين في الوسط مذبذبين، تنهش قلوبهم الحيرة وتتوزع أهواءهم الدعايات المغرضة، ثم ليتأتى للإصلاح من بعد ذلك أن يبين للناس بطريقة عملية تطبيقية بعيدة عن النعرات والادعاءات، أنه لا يضمر لأحد من خلق الله عداوة ولا بغضاء، ولم يخرج هيأته الدينية، إلا لإبراز النموذج الخير الذي يمثل يسر الإسلام، ووضوحه وصفاء تعاليمه، من كل خرافة، ويظهر تفتحه وإيجابيته، وسموه وتواضعه، وتقديره للكفاءات، والديمقراطية في توزيع المسؤوليات، والاستفادة من جميع الطاقات» (24).
3 - حرية الرأي وديمقراطية القرار:
ومن منهج الشيخ حمو فخَّار في تعامله مع الرأي الآخر، وقبوله كل أساليب النقد، والنصح فهو يطلب من المجتمع المشورة والنصح، وهذا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين} من بعده فاسمعوه يقول: «لا ندَّعي أن الحق دائما في جانبنا، فمن كان غالب أمره الحق والصدق فانصروه، ومن وجدتم غالب أمره الادعاء والنفاق، وحب الظهور والاستعلاء، فانصرفوا عنه واتركوه، واخذلوه ... ، وإنا والله لسائلوكم يوم القيامة إن نصرتمونا ونحن على باطل، كما أننا سنُنَاقشُكُم الحساب، ونطلب الله لكم شديد العقاب، إن خذلتمونا ونحن على حق ...
لا يتوصل إلى تطبيق القرارات الناجعة، بشأنها إلا باجتماع الكلمة، وإن لم يمكن اجتماع الكلمة فباتفاق أغلبية الأمة، حول جماعة خيرة لها الفعالية والكلمة المسموعة، والرأي السديد» (25).
فها هو الشيخ يقر منهجه في اتخاذ القرارات، بكل شورى وديمقراطية فالصواب يكون بالإجماع، وإن لم يحصل الإجماع، فالصواب مع الأغلبية من خيرة الأمة، طبعا فيما لا نص فيه.
ويقرُّ الشيخ أسلوب التسامح، وتقبل الرأي الآخر والتمسك بالأصول، والتسامح في الفروع فيقول: «فالقوة القوة يا شباب، والوحدة الوحدة، في الأصول، والسماح السماح، في الفروع» (26). ويحرص الشيخ كذلك على التضحية لخدمة المجتمع وعدم فرض الآراء الخاصة على المجتمع فيقول: «أخدموا الناس يطيعوكم ولا تفرضوا عليهم آراءكم».
كما كان رحمه الله يُحسن السماع وينصت إلى من يتكلم أمامه منفردًا أو في جماعة؛ كان رحمه (1/40)
صفحة 41
الله يترك الكلام يدور بين الحضور وكله تركيز وآذان صاغية لمحدثه وهو آخر من يتكلم ويعطي رأيه في الأخير ولا يفرضه على أحد.
المحور الخامس: الإسلام والسياسية:
1 - الإسلام ليس عبادة وطقوسًا فحسب:
لقد لاحظ الشيخ حمو فخَّار تقوقع بعض المسلمين، وانزواءهم في إسلام الطقوس والعبادات فحسب، وزهدهم عن تولي المناصب، ومزاحمة الرجال في المنابر والمحافل، وممارسة التجارة، وخوض أسواق المعاملات، ويهاجم الشيخ كل هؤلاء فيقول: «لقد كان من تعاليم قائد المصلحين وسيد المرسلين: "أن القابض على دينه كالقابض على الجمر" (27) فهل فهم المسلمون معنى هذا القول الرفيع؟
كأني بهم يفهمون أنه يعني الحفاظ على الرواتب من العبادات، كالصوم والصلاة والحج والزكاة، ثم لا شيء بعد ذلك ...
كأني بالمسلمين يرون أن أروع الناس وأزهدهم في الحياة هم المشتغلون بالذكر في المساجد القابعون في الصوامع والمعابد، المرتدون لباس الصوف في الشتاء والصيف القانعون من العيش بفضلات الموائد.
إن كان هذا فهمنا للدين فياخيبة المسلمين ويا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا.
كلا أيها الإخوة المؤمنون ليس من الدين في شيء هذا الفهم الساذج السقيم.
القابض على دينه كالقابض على الجمر، معناه أن تثب وثب النمر إلى المناصب، وتقتحم اقتحام الأسد العقبات إلى عليا المراتب، وتزاحم مزاحمة الفحول الرجال بالمناكب، وتجاري الأنداد والأضداد مجاراة السادات في حلبات المسؤوليات، وتحطم الأرقام القياسية تحطيم العمالقة في مجال القيادات، ثم تحتفظ مع ذلك بدينك احتفاظ الشيخ بماله، وتحنو عليه بين ضلوعك حنو المرضعات على الفطيم».
2 - لا فصل بين الدين والسياسية:
وانطلاقا من تكوين الشيخ، ومرجعيته الثقافية والحضارية، يصرح أن صلاح الدنيا مرتبط بصلاح الدين، فلا فصل بين الدين والدنيا، لأن ذلك يذكرنا بأيام الاحتلال، الذي أورثنا لائكيته، فما لله لله وما لقيصر لقيصر، فقد ترسَّخت هذه الأفكار في بعض أبناء الجزائر، فمازالوا يحاولون إقناعنا بأن التطور والتقدم والحضارة لا يمكن أن تكون إلا بترك الدين ورجال الدين والابتعاد عن شريعة الله. فاسمعوا الشيخ حمو فخَّار يقولها مدوية، و لا يخاف في الله لومة لائم ولا يراوغ ولا يحابي أحدا. يقول الشيخ:
«كما أن أسانا وحسرتنا من تقاعس الأكفاء، إنما خوفا أن توسد الأمور إلى غير أهلها فتقوم الساعة ... ، وقد قال المشرع الحكيم: "إذا وسدت الأمور إلى غير أهلها فانتظر الساعة" (28). (1/41)
صفحة 42
وحقا ما قال: لأن صلاح دنيانا مرتبط بقيام ديننا وصلاح ديننا متوقف على صلاح دنيانا، ومن يحاول فصل الدين عن الدولة فذلك رجعي، يريد أن يعود بنا إلى عهد الاستعمار البغيض، يوم كان يطمس في نفوسنا معالم الدين ليدوم له في أرضنا التمكين .. » (29).
3 - كيف يكون الحكم في الجزائر:
بعد التحول السياسي والاقتصادي للجزائر سنة 1988 استغل الشيخ حرية التعبير والتعددية لينفس عن همومه المكبوتة، فيصدح برأيه عاليا ومدويا، يعن فيه رأيه في التوجه الجديد، للحكم في الجزائر وكيف تكون التعددية، للخروج من الأزمة فيسدي نصائح جليلة للحكومة وللشعب، فاسمعوه يقول وقوله أبلغ وأفصح، من كلماتي وعباراتي؛
يقول الشيخ:
«أيها الإخوة المؤمنون:
بما أننا مقبلون على عهد جديد كل ما فيه يتحرك ويطالب بالإنصاف، والعدل والحرية والإصلاح وينادي هل من مزيد ...
فمن الجدير بمنابر بيوت الله أن تجهر بكلمة الحق، وتلح عليها وتحث الجمهور المسلم، في جزائرنا المسلمة العربية على التحري فيمن تقدمه للصدارة باحترام الكفاءة، إذ هي وحدها القادرة على رعاية الثوابت وصيانتها، وعلى رأس الثوابت شريعة الإسلام، التي أثبتت تجاريب البشرية، أن ليس إلا فيها نجاة البشرية واللغة العربية، التي قال عنها نبي الإسلام: "الإسلام باق ما بقيت العربية"» (30).
ويضع الشيخ حمو فخَّار ضوابط الخروج من الأزمة، وكيف يتصور أن يكون الحكم في الجزائر فيقول:
«عندما يتوفر في أبناء الجزائر حكومة وشعبا عاملان أساسيان: عندما يكف الشعب عن التسرع إلى الحكم قبل إرساء قواعد القرآن في النفوس، وعندما ترتفع الدولة الجزائرية من حضيض الدول النامية المستجدية إلى مصاف الدول المصنعة المستغنية ...
وما ذلك على همة الجزائر، والدولة الجزائرية بعزيز ...
ولكن العاملان كلاهما مفقود.
ويوضح الشيخ حمو فخَّار أن إقامة الدولة الإسلامية لا يكون بالتسرع إلى الاستيلاء على السلطة قبل تحضير النفوس؛ فيقول:
«أيها الشعب الكريم إن إقامة دولة القرآن وتنفيذ الأحكام، وهو حلم جميل، ومطمح نبيل، يحتاج إلى إعداد طويل الأمد، لأن سنة الله في التغيير لا تعرف الطفرة، بل امتلاك القدرة، قبل الإقدام على أخذ الزمام ... (1/42)
صفحة 43
وبالتالي يجب أن لا ننسى أن المستعمرين عمدوا قبل رحيلهم إلى هدم كل مقوماتنا الروحية، مثلما هدموا ممتلكاتنا الحيوية، فتركوا النفوس خرابا من الغيرة والمروءة والحياء، والقلوب خالية من تقديس رموزها من الأموات والأحياء ـ {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ} (31) فإذا هم معاول أشد من الأجنبي الراحل، حتى ضج من خياناتهم وعمالاتهم المرأة والصبي، والذكي والغبي.
فما أصعب بلوغ قمة الهرم، في أمة منيت بخراب الذمم واندراس القيم، ربع قرن ونيف من عمر الزمن ـ يقصد بها فترة الاستقلال ـ
المحور السادس: اختيار الرجال:
1 - اختيار الرجال للمجالس الإدارية والسياسية:
إن حرص الشيخ حمو فخَّار على تجسيد المجتمع الإسلامي المعاصر والمتحضر، لا يمكن تحقيقه إلا من خلال اختيار الأشخاص الأكفاء، لتولي المناصب وخاصة الذين نختارهم للمجالس المنتخبة، ليمثلوا مجتمعهم أحسن تمثيل؛ فاسمعوه يقول:
«فدعوتنا لاختيار الأكفاء لتمثيلنا في المجالس الإدارية والسياسية، إنما كان حرصا على مقوماتنا الروحية، التي نستقي منها المثل العليا، والتوجيه الأسمى للدين والدنيا» (32).
2 - محاسبة المسؤولين وكل من تحمل الأمانات، والوفاء العهود:
إن الشيخ حمو فخَّار الرجل الحريص والنشيط، والذي تحمل مسؤولية المجتمع لن يغفل عن محاسبة الأشخاص الذين تحملوا المسؤوليات عن كل الوعود التي وعدوا بها شعبهم قبل تولي المناصب، فاسمعوا الشيخ أيها المسؤولون، الذين حملكم الشعب مسؤوليات أنتم طلبتموها. يقول الشيخ:
«فيا من رشحتكم الطبيعة للأمانات .... إياكم من النكوص، ويامن تقدمتم للحلبة .... إياكم من الغياب، ويا من صعدتم إلى خشبة المسرح ... حذار حذار من الغفلة، حذار من التثاؤب واجعلوا عدتكم: {وَلَيَنصُرَنَّ الله ُمَنْ يَّنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (33).
أيها الأمناء، من حقكم علينا أن نذكركم بأنكم:
*-طالما تغنيتم بحب الوطن، فلتترجموا تلك الأناشيد اليوم إلى وقائع ملموسة، وإلا كنتم كاذبين.
*-وطالما بكيتم وتأوهتم على وضعيتكم المفجعة في ماضيكم، فلتبرهنوا اليوم أنكم كنتم بالأمس صادقين ...
*-وطالما ادعيتم وقت الرخاء أنكم الجديرون دون غيركم بالإدارة والحكم ... ووعدتم بإقامة قسطاس العدل، وإشاعة الخير والفضل، فهاقد جد الجد ووصل دوركم، وبزغ نجمكم، فأرونا منكم ما يسر الصديق، ويرد في النحر كيد الشانئين، ويخيب ظن الشامتين.
*-وطالما كتبتم بأقلامكم وخطبتم بأفواهكم أنكم في بلدكم كاللاجئين الفلسطينيين مبعدين مستعبدين، فها قد تحررتم من القيد وأكثبكم الصيد .. وخير ما نزودكم به من نصح أن نردد على (1/43)
صفحة 44
مسامعكم مقالة موسى عليه السلام لقومه: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الاَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (34). فإن قلتم كبني إسرائيل: {أُوْذِينَا مِنْ قَبْلِ أَن تَاتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} (35) أجابكم لسان حالنا بجواب نبيهم الصارم: {عَسَى رَبُّكُمُ أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الاَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (36)» (37).
المحور السابع: التعددية الحزبية:
1 - موقفه من التعددية الحزبية في وادي ميزاب:
إن المعاناة التي عاناها المجتمع الميزابي، من مظالم بعض المنتسبين إلى الحزب الواحد، ومنظماته الجماهيرية، لم تندمل جراحه بعد و لن ينساها العقل الفطن، فما التعددية السريعة الذي جاءت بها رياح التغيير، ما هي إلا مساحيق على وجه عجوز شمطاء، وما الانبهار بالتعددية الحزبية، وألوانها البراقة، ووعودها المعسولة، إلا سراب يحسبه الظمآن ماء، فالشيخ ينبهنا وينبه المنبهرين وراء سراب الأحزاب صفرائها، وحمرائها، وخضرائها، شرقيها وغربيها، فالشيخ يقول لنا اتخذوا تلك الأحزاب وسيلة، ولا تتخذوها غايات، فيستحيل أن نستبدل عشرة قرون بعشرة أيام: يقول الشيخ في خطبة الجمعة يوم 16 جوان 1989 (38):
«تعديل الذهنيات والرجال قبل تعديل الدستور؛ أريد أن أقول إن إصلاحات الدستور وما تلاها في عدة مجالات، قد أنست بعض الإمَّعات في لحظات ما عانيناه في عشر سنوات مضروبة في ثلاث، من هضم وإجحاف وهدر للكرامات، واقتنعوا بما شاهدوا من بصيص الأمل في انفراج الأزمة، يشبه السراب والبرق الخلب (39) في الجهام (40) من السحاب».
2 - التعددية في الجزائر:
يتأسف الشيخ حمو فخَّار كثيرا عما وصلت إليه الجزائر من فتن وتمزق في العشرية الحمراء، ويتنبأ بمصير مجهول للجزائر، وينتقد الأحزاب السياسية التي تتسابق إلى السلطة، وهي ضعيفة لا تملك برامج قوية، تخرج البلاد من محنتها، وقد حصل فعلا ما تنبأ به الشيخ في سنة 1990 وبعد فترة وجيزة من هذه المقولة المبنية على فراسة المؤمن، دخلت الجزائر في دوامة من العنف والدماء، سلخت خمس عشرة سنة من الفتنة.
ويقول الشيخ:
«وكذلك اليوم ما نشاهده في جزائرنا الحبيبة، مضرب الأمثال في السياسية والنضال، ما نشهده من تفكك بين عناصرها، منذ بزوغ الأحزاب في سمائها وانفتاحها على الديمقراطية، قبل أوانها ما هو إلا بداية ليس يدري إلا الله كيف تكون النهاية» (41).
أجل، أيها الإخوة الفطناء، إننا في الجزائر على شفا جرف هار، يكاد ينهار بنا في جهنم الحياة وجهنم الممات ... (1/44)
صفحة 45
فقد غدت بلادنا الجزائر المسلمة تمر بمنعطف حاد من تاريخها تتلاطم فيه أمواج الحقد الصليبي عليها من السواحل، وتعصف بها الخلافات الحزبية من الداخل، فلسان حالنا يقول مع القائل:
مَا حِيلَةُ الريحِ إذَا مِنْ دَاخِلٍ
هَبَّتْ وَفُلْكٍ أَتَتْ مِنْ سَاحِلِ
كل الأحزاب عندنا إلى السلطة تهفو، وأغلبها ضعيف ما برح يحبو، فهو يستجدي النصرة من الجماهير لينمو، لكن الثقة فيها منعدمة.
وكلٌّ يدَّعي وَصْلاً بِلَيْلَى
وَلَيْلَى لا تُقِرُّ لَهُم بِذَاكَ
وبقي الأمل في أربعة، لكن كلما برزت للميدان، ظهر أمرها للعيان:
فجبهة الإنقاذ راحت تختال في صلف وعنف، مستكثرة سوادها بإلهاب العواطف في رجل الشارع، ورجل الشارع ريشة في مهب الرياح، سريع التحول قليل الغناء.
وجبهة التحرير غدت تحتال على القانون مستنصرة بمضاعفة عدد الدوائر، وبإيقاظ أصحاب الكهف والرقيم من زوايا في الحواضر والمداشر. وإنه لمن الإفلاس أن يستجير المرء في كربته بالمغمى عليهم والغرقى في النعاس.
وَالمسْتَجِيرُ بِعَمْرٍو عِندَ كُرْبَتِهِ
كَالمستَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ
أما حماس والنهضة الإسلاميتان بحق، فخيبة الأمل فيهما في عدم تحالفهما، فكلاهما كطائر اللقلق تقف على رجل واحدة، ولو اتحدتا لقضي الأمر، واستوت سفينة الأمة على الجودي، وقيل بعدا للقوم الظالمين ...
ومن أجل هذا الوضع السائد اختار من اختار قائمة المترشحين الأحرار ... وربك يخلق ما يشاء ويختار» (42).
ويعبر الشيخ بكل صدق على العشرية الحمراء وما آلت إليه الجزائر من فتنة وتفرق، مستنكرا وضع الجزائر تحت ظلم الحزب الواحد وفتنة التعددية المستعجلة وغير الناضجة فيقول:
«لم نكن يوما في الجزائر بخير ولكن ما أصبحنا نعيشه اليوم من تناقضات دل على أن ما مضى في عهد الحزب الواحد كان أرفق وأحسن حالا:
رُبَّ يَومٍ بَكَيتُ فِيهِ، فَلَمَّا
صِرْتُ في غَيْرِهِ بَكَيْتُ عَلَيهِ (43)
3 - التواجد في الساحة:
الشيخ حمو فخَّار حريص على تدوين المذكرات وتسجيل الأحداث لأن التاريخ لا يرحم فرب تهاون في كتابة التاريخ ستتناقل الأجيال تقاعس الآباء والأجداد، فالشيخ يحرض على التواجد في (1/45)
صفحة 46
الساحة والعيش أحياء مع الأحياء، وإلا فسنكون قبورا تمشي على الأرض. فيقول الشيخ:
«اعلموا غير معلَّمين أنكم بتدوين وقائع زمانكم تحفظون تاريخكم، وتثبتون وجودكم وتحفظون كرامة خلائفكم ....
وبكلمة واحدة تبرهنون حقا على أنكم من زمرة الأحياء، أما إذا تهاونتم في ذلك لحظة واحدة فسوف يسجل التاريخ أنكم في عداد الموتى، وما أنتم إلا قبورا تمشي على ظهر الأرض ....
وكان رحمه الله يرى ويتعامل مع كل أبنائه الشباب المنخرط في الأحزاب السياسية، دون تهميش أو إقصاء، فهو مع النخبة الفاعلة في المجتمع مهما كان انتماؤها السياسي. والعمل الاجتماعي دون اعتبار للون السياسي.
4 - الانخراط في الأحزاب والمشاركة في الانتخابات:
يثمن الشيخ حمو فخَّار حملة الانخراط في الحزب ولكنه يحث الشباب المنخرط على مواصلة النضال لإثبات الذات والتواجد في الهيكلة وتحمل المسؤوليات؛ فالشيخ حمو فخَّار يرفض سياسية الكرسي الشاغر، أو حتى الكرسي الذي يحمل «زيرًا متَّكي لا يضحَّك ولا يبكي»، فلا بد من المنافسة واليقظة، سواء في أيام الحزب الواحد أو في حالة تعدد الأحزاب، فلا يمكن أن نقف موقف المتفرجين ونترك كراسينا يملؤها من لا يتألم بآلامنا، «فما حك جلدك مثل ظفرك»، «فيعوم العوام وما ينساش كساتوا» ـ يقول الشيخ:
«أيها الأبناء الأعزاء:
إن عاصفتكم الهوجاء التي أثرتموها في مرحلة الانخراط، وشاع أمرها إكبارا وإعجابا في جميع الأوساط، لا تزال بحاجة ماسة إلى عاصفة مماثلة في مرحلة الهيكلة والانضباط، وهي مرحلة أدق من الصراط، تحتاج منكم إلى عدة كافية من اليقظة والمبادرة والاحتياط ... فهل أنتم مستعدون لمواصلة المشوار؟
كما إن الشيخ يحرض على المشاركة في الانتخابات بمنطق التفاؤل وعدم اليأس والاستسلام، ويقول:
«تَفَاءَلْ بِمَا تَهوَى يَكُنْ فَلَقَلَّمَا.:.:. يُقَالُ لِشَيءٍ كَانَ إلاَّ تَكَوَّنَا (44)
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، «يعجبني الفأل الصالح، الكلمةُ الحسنة»
5 - وحدة الأمة:
رغم جرأة الشيخ حمو فخَّار في خوض المجال السياسي وحب الوطن الجزائر عامة إلا أنه حريص على الحفاظ على وحدة الأمة الميزابية الإباضية الجزائرية كلبنة ضرورية لبناء وحدة الوطن كله، فتراه يذكِّر بالأخطار التي تهدد تفتيت شمل الأمة الميزابية، و هذه الوحدة لا تكمن في التقوقع والجمود على ما تركه الأجداد، والتفاخر بالتراث والقديم، كما أنه لا ينبغي الانسياق وراء الأحزاب السياسية وأفكارها ونكران خصوصيات المجتمع الميزابي الإباضي فكان يقول: (1/46)
صفحة 47
«السياسة رداءٌ، لا يعني أن ترتد عندما ترتديه».
بل بالتخطيط والتشاور وتقبل الرأي الآخر وفتح قنوات الحوار وتنظيم المجتمع بآليات معاصرة من تقنين وتنظيم وتوزيع المسؤوليات، فاسمعوا شيخنا يقول:
«لابد من الإشارة في هذه العجالة إلى أننا نجتاز ظرفا عصيبا من تاريخنا الإصلاحي، وإن من التواصي بالحق بعد التواصي بالصبر أن نتنبه إلى أن وحدتنا في خطر وفي خطر محدق في وقت أحوج ما نكون فيه إلى الالتحام والالتئام ووحدة الصف لنقوى على مصارعة المتربصين بنا ــــ وما أكثرهم ــــ تربُّص الذئاب الجائعة الماكرة بفريستها وأعيذكم بالله ونفسي من التهاون في تدعيم البقية الباقية من وحدتنا المقدسة، بما توحيه الحكمة من تريث لا يعقبه ندم، وتخطيط لا يشينه ارتجال ومشورة يباركها الله والناس» (45).
وَفِتيَانُ صِدقٍ مَنْ عَدَى عَلَيهِمُ.:.:. صَفَائِحُ بُصرَى عُلِّقَت بِالعَوَاتِقِ
إِذَا مَا دُعُوا لَمْ يَسأَلُوا مَن دَعَاهُمُ.:.:. وَلَم يُمسِكُوا فَوقَ القُلُوبِ الخَوَافِقِ
وَطَارُوا إِلَى الجُردِ العِتَاقِ فَأَلْجَمُوا.:.:. وَشَدُّوا عَلَى أَوْسَاطِهِمْ بِالمنَاطِقِ
أُولَئِكَ آبَاءُ الغَرِيبِ، وَغَاثَةُ الصَّـ.:.:. ــــرِيخِ، وَمَأوَىَ المرمِلِينَ الدَّرَادِقِ
أَحَلُّوا حِيَاضَ المجْدِ فَوقَ جِبَاهِهِمْ.:.:. مَكَانَ النَّوَاصِي مِنْ وُجُوهِ السَّوَابِقِ
--------------------
الهوامش
1 ـ انظر كتاب «وقفات ومواقف» ص 109.
2 ـ أوعوشت بكير، «الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي»، ص 69.
3 ـ البيان 1944: عن بكير أوعشت، «الإمام إبراهيم بيوض وجهاده الإسلامي»، ص 74.
4 ـ أوعشت بكير، «قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش»، ص 96 و97.
5 ـ «من خطب الأعياد»: خطبة عيد الفطر 1401هـ 1981، ص06.
6 ـ «من خطب الأعياد» ص 93.
7 ـ «من خطب الأعياد» ص 211.
8 ـ «من خطب الأعياد» ص 95.
9 ـ «وقفات ومواقف» ص 277.
10 ـ «وقفات ومواقف» ص 282.
11 ـ «وقفات ومواقف» ص 288.
12 ـ «وقفات ومواقف» ص 291.
13 ـ «وقفات ومواقف» ص 294. (1/47)
صفحة 48
14 ـ «وقفات ومواقف» ص 306.
15 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر 1401هـ 1981، ص 15.
16 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر المبارك، 1404هـ جويلية 1984، ص 25.
17 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر المبارك، 1404هـ جويلية 1984، ص 29.
18 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر المبارك، 1404هـ جويلية 1984، ص 29.
19 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر المبارك، 1404هـ جويلية 1984، ص 48.
20 ـ خطبة الجمعة 26 صفر، 1409هـ/ 7 أكتوبر 1988م ص 134 و135.
21 ـ سورة الطارق الآيتان 13 و14.
22 ـ سورة البلد الآية 4.
23 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر المبارك، 1404هـ جويلية 1984، ص 30.
24 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر المبارك، 1404هـ جويلية 1984، ص 35.
25 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر المبارك، 1404هـ جويلية 1984، ص 38.
26 ـ «من خطب الأعياد» ص 06.
27 ـ لفظ الترمذي: «الصابر على دينه كالقابض على الجمر» في الفتن 73 أبو داود في الملاحم 17، أبن ماجة في الفتن، أحمد ج2/ 39.
28 ـ رواه البخاري بلفظ: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» وهو صحيح فيض القدير. ج1 وفي رواية «إذا أسند». أنظر جامع الشمل ج4 ص 250.
29 ـ خطبة الجمعة، مسجد حواشة، يوم 12 ذي القعدة، 1409هـ 16 جوان 1989م. ص 140.
30 ـ خطبة الجمعة، مسجد حواشة، يوم 12 ذي القعدة، 1409هـ 16 جوان 1989م. ص 139.
31 ـ سورة مريم الآية 59.
32 ـ خطبة الجمعة، مسجد حواشة، يوم 12 ذي القعدة، 1409هـ 16 جوان 1989م. ص 139.
33 ـ سورة الحج، الآية 40.
34 ـ سورة الأعراف الآية 128.
35 ـ سورة الأعراف الآية 129.
36 ـ سورة الأعراف الآية 129.
37 ـ خطبة الجمعة، مسجد حواشة، يوم 12 ذي القعدة، 1409هـ 16 جوان 1989م، ج2 ص 141.
38 ـ خطبة الجمعة، مسجد حواشة، يوم 12 ذي القعدة، 1409هـ 16 جوان 1989م.
39 ـ البرق الخلب هو البرق الذي يكون كثير الومضات ولكنه خادع لا مطر فيه ويقال لمن يعد ولا ينجز وعده: إنما أنت كبرق خلب.
40 ـ الجهام جمع الجهم السحاب الذي لا ماء فيه.
41 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر المبارك، 1410هـ 1990، ص93.
42 ـ خطبة عيد الأضحى 1411هـ/ 22 جوان 1991م ص 212 و213.
43 ـ «من خطب الأعياد» ص 218.
44 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الفطر 1402هـ 1982، ص 09.
45 ـ «من خطب الأعياد» خطبة عيد الأضحى المبارك، 1397هـ نوفمبر 1977، ص 121. (1/48)
صفحة 49
الحركة الإصلاحية في مزاب تحت مجهر الإدارة الفرنسية
أ/ ابن عمر الحاج موسى بن بكير
قسم التاريخ، جامعة الجزائر
الحركة الإصلاحية في الساحة الجزائرية:
لقد كانت توجهات أعلام الجزائر المصلحين منذ مطلع القرن العشرين إلى عشية الاستقلال من خلال أفكارهم التي صدعوا بها وآرائهم التي ضمنوها مراسلاتهم أو الصحف التي كانت تصدر في هذه الفترة يتوزعون إلى توجهات يمكن أن نصَّبها في ثلاثة أطوار:
الطور الأول ويمتد إلى نهاية الحرب العالمية الأولى وتطبعه الدعوات الملحة إلى الإقبال على المدارس الحكومية الفرنسية، والدعاية المستمرة لتعليم لغة السلطة الحاكمة ولقد كان أغلب هؤلاء من خريجي المدارس الحكومية الفرنسية الذين تم تكوينهم وفق الطلب الذي يلبي حاجة الوظيف الحكومي للسلطة الفرنسية بالجزائر ونعني به سلكي القضاء والترجمة وبعض الوظائف الإدارية التي يقتضي إسنادها إلى الأهالي (1).
صورة لبعض أساتذة ومشايخ الحركة الإصلاحية بميزاب، {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}
ولعل الذي دفع هؤلاء إلى هذا التوجه هو مظاهر الجهل السائدة، والفكر الخرافي الذي أصاب عقل (1/49)
صفحة 50
الأمة، وأمات ضميرها وشل حركتها. ثم إن حاجة الناس إلى لغة الحاكم باتت أكيدة تُحتِّمها الظروف السياسية والاجتماعية الخاضعة لسلطان الاستعمار القاهر (2).
على أن أصواتا كانت في هذا الوقت المبكر ترفض كل ما من شأنه أن يكرِّس ثقافة المستعمر وينشئ جيلا متنكرا لهويته، مبهورا بثقافة الغرب، فظلت هذه الأصوات تصدع بفكرها القومي والديني والوطني. وكان صوت عمر راسم مثالا حيا لمقاومة التميع والذوبان (3). ومن هؤلاء أيضا عباس بن حمانة وأعضاء جمعيته الصديقية بتبسة التي بادرت إلى إيجاد بديل بفتح أول مدرسة نظامية عصرية في الجزائر في سنة 1913 وكانت تختم مراسلاتها بخاتم «الجمعية الصديقية لإحياء اللغة العربية بتبسة» (4).
والطور الثاني يغطي فترة نهاية الحرب العالمية الأولى إلى 1930، وسمتها النداء الحثيث لرفع همة الأمة الجزائرية، ورفع التحدي لكسر أغلال الجهل والتماس نور العلم والمعرفة، والعمل الجاد بكل طبقات الشعب - على إنشاء المدارس وفتح أبوابها لكل أبناء الأمة، ونشر التعليم العربي والفرنسي. (5)
لقد كان الشعب الجزائري في هذه الفترة بحاجة إلى عناية مركزة بعد طول غيبوبة، فهي حالة إنعاش تقتضي إعادة الحيوية إلى إحساسه وضميره، حتى يفضي التنبيه إلى استجابة.
ويجمع أعلام الجزائر العاملون أن المنبه الذي تستعيد به الأمة وعيها وحركيتها هو التعليم (6) بمحتواه الذي يحيي النفوس وبمنهجه الذي تستنير به العقول. في عمل جماعي يرتكز على المبادرة والإحساس بالواجب محليا، وعلى التعاون والتنسيق وطنيا.
أما الطور الثالث فتبلور مع مناسبة الاحتفال المئوي للاحتلال في 1930 وامتد إلى الاستقلال. وقد كان أبرز ملامحه هو تأسيس جمعية العلماء المسلمين التي جمعت العلماء العاملين على بعث الشخصية الجزائرية بملامحها الحضارية من خلال الحقل الثقافي المعتمد على التربية والتعليم، بتعدد منابرها، من المدرسة والمسجد إلى النادي والصحافة والتاريخ، ومن خلال التوعية والتجنيد، ومن خلال الحقل السياسي بمختلف وسائله وأدواته من الأحزاب والنقابات والدعاية إليها، وشغل المناصب الإدارية.
وكان لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ولحركتهم الإصلاحية هدفان هامان: أحدهما فوري، يتمثل في جمع القوى المثقفة بما في ذلك المحافظون، تحت راية الإصلاح الاجتماعي، والثاني طويل المدى يرمي إلى فصل الجزائريين عن فرنسا باسم لواء الوطنية.
يدعو هذا الفكر الوطني إلى استقلال الجزائر، ويعمل على تحريرها، «فالحرية عند قادة هذا التيار ورموزه, جزء لا يتجزأ؛ فإما أن يكون كله وإما أن يذهب كله, وهي بطبيعتها تؤخذ ولا تعطى ... وهي كالشمس لابد منها للحياة». (1/50)
صفحة 51
ويتميز هذا الفكر بإدراكه لهدف فرنسا الآجل في الجزائر؛ ولجميع أبعاد الاستقلال ومضامينه, ويبرز هذا الإدراك في الشعار الذي اعتمده العلماء وهو: «الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا» (7).
وتتمثل الخطة المسطرة في إحياء المقومات التي اندثرت أو طالها الوهن والطمس, من دين وأخلاق ولغة وتاريخ وجنس وتقاليد, بتصحيح قواعدها في النفوس, ثم المطالبة بالحقوق الضائعة في منطق وإيمان, ثم الإصرار على المطالبة في قوة وشدة, ثم التصلب في الإصرار في استماتة وتضحية, مع اختيار الفرص الملائمة لكل حالة (8).
بعث التعليم العربي الحر
لم يقف علماء الجزائر موقف المتفرج إزاء المحاولات الاستعمارية التي كانت ترمي إلى مسخ ثقافة شعب الجزائر وإلى تحطيم شخصيته الوطنية بل كافحوها بكل قواهم وكان من أهم أسلحتهم في هذه المعركة المصيرية هو التعليم العربي الحر الذي احتضنه الشعب ورعاه وأمده بكل أسباب الحياة متحديا أساليب الاحتلال في محاربته والتضييق عليه (9).
وفي الجنوب الجزائري، كان المجتمع يرزح تحت طائلة الحكم العسكري وقوانينه العرفية. وما كان يزيد الحالة الاجتماعية سوءا أن العلماء الصالحين وتلاميذهم كانوا يلاقون الصعاب الجسام والأضرار بالغة الأذى.
لقد كانت الحكومة الفرنسية ترى "الطلبة " مصدر تشويش وتعكير للأمن، وأنهم أعداء فرنسا من الدرجة الأولى ويكفي للقائد لينكَّل بأحد منهم أشد تنكيل أن ينعته للحكومة الفرنسية أنه " طالب " (معلم)، ففي تقرير للشيخ بيوض سجل فيه تلك المعاناة في قوله: «تعاقبت الحركات الثلاث التعليمية والاجتماعية والسياسية، وكان قادتها وموجهوها هم العلماء والعزابة وكبار الطلبة، وأصبح الطلبة في نظر المحتلين هم أعداء فرنسا رقم 1، وهم المشوشون المعكرون لصفو الأمن، يجب التنكيل بهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم، وكانت كلمة "طالب" مرادفة عندهم لكلمة خلاط ( Agitateur) فيكفي أن يقول القائد أو الآغا أو الباشا لسيده الحاكم العسكري في شخص ما: «نعم سيدي هذا خلاط» لجره إلى السجن والتنكيل به.
لذلك سُلِّطت الأضواء على دور التعليم واعتُبرت مراكز تشويش وعداء لفرنسا. ولا تسأل بعد ذلك عما وقع من تغريم وسجن وتعذيب وأشغال شاقة لشهور عديدة في "تعظميت" مركز التعذيب في الجنوب الذي يشبه "تازولت" و"البرواقية" في الشمال، سيق إلى هذا المركز كثير من كبار الطلبة والأعيان، وسيق إليه مرة أعضاء هيئة عزابة القرارة كلهم جميعا ... «(10).
وفي شمال البلاد كان المحيط السياسي والقانوني والاجتماعي الذي مساعدا إلى حد ما على الإقدام على اتخاذ خطوة جريئة واعدة، فلقد أضفت الحركية ــــ التي برزت في عهد حاكم الجزائر العام شارل جونار بظهور الصحافة والجمعيات والنوادي في المدن الكبرى سيما الجزائر وقسنطينة (1/51)
صفحة 52
ــــ طابعا جديدا على الحياة الثقافية والاجتماعية في الجزائر، وزادها نشاطا زيارة الشيخ محمد عبده، وانعقاد مؤتمر المستشرقين، واصطبغت باللون السياسي بإقرار التجنيد الإجباري على الشبان الجزائريين سنة 1912 حيث احتدم النقاش حول هذا القانون بين ألوان الطبقة المثقفة من أبناء الجزائر، بين مؤيد بشروط ومعارض بإطلاق (11).
وعلى الجانب الآخر من الحدود الشرقية كانت تونس تشهد نهضة تعليمية ناجحة بتأسيس مدرسة الشيخ بشير صفر سنة 1907، تلتها مدرسة السلام، وكلتا المدرستين كانت حديثة الطراز وتدرس مختلف العلوم (12).
لقد تحمس بعض الجزائريين، وأخذتهم الغيرة على الهوية الجزائرية المستهدفة باستهداف الإسلام ولغة القرآن، فأسسوا أول مدرسة قرآنية عصرية حرة في تبسة سنة 1913 (13).
لقد كان أحد رواد هذا المشروع هو الشيخ عباس بن حمانة الذي ترأس جمعية خيرية باسم (الجمعية الصديقية الخيرية للتربية الإسلامية والتعليم العربي والإصلاح الاجتماعي) وتولى أمانة المال الشيخ الحاج عمر العنق، وكان أخوه الشيخ الحاج بكير العنق أحد أعضائها النشطين. (14)
ويصف محمد علي دبوز المدرسة الصديقية هذه، نقلا عن أحد مؤسسيها الشيخ الحاج بكير العنق، وأحد تلامذتها السيد الصديق السعدي، ونقلا كذلك عن صحيفة (الصديق)، بأنها كانت تحتوي على مكتبة وصيدلية ومطبخ، وبكونها ذات أربعة طوابق تبرع بها للجمعية السيد الحاج بكير بن عمر المرموري.
وأما عن منهاجها التعليمي فكان حديثا يشمل مواد القرآن والتربية الإسلامية والأخلاق والتاريخ الإسلامي بما فيه تاريخ الجزائر وكذا الجغرافيا والمواد الرياضية إلى جانب الرياضة البدنية واللغة الفرنسية. وينص برنامج المدرسة على ثماني سنوات مدة للدراسة.
ومن حق التلاميذ القادمين من بعيد ــــ في نظام هذه المدرسة ــــ الاستفادة من إقامة داخلية على أن يدفع التلميذ مبلغا ماليا بسيطا، ويجمع قانون داخلي مطبوع في تونس البنود التنظيمية لهذه المدرسة (15).
وسرعان ما تراجعت السلطات الفرنسية عن إرخائها الحبل فشدت الخناق من جديد، فأصدرت الأمر بغلق المدرسة بعد ستة أشهر من فتحها، وحل الجمعية الخيرية صاحبة المبادرة، ونفت المعلمين وشردت التلاميذ وسجنت رئيس الجمعية، ثم أمرت بتصفيته بعد إطلاق سراحه بضربة فأس على أم رأسه. (16)
ويَعتبِر مالك بن نبي الذي نشأ في تبسة أن عباس بن حمانة هو أول جزائري عمل على بعث اللغة العربية في البلاد (17) في حين يصفه دبوز نقلا عن الحاج بكير العنق بكونه شخصا جديرا بأن يكون رجل دولة، وبأنه نظير الشيخ عبد العزيز الثعالبي في تونس لو ساعدته الظروف. وقد لقي (1/52)
صفحة 53
بن حمانة دعمًا قويا لمشروعه من تجار مدينة تبسة المزابيين (18).
البعثات العلمية المزابية:
انتقلت البعثة المزابية الأولى إلى تونس في ماي 1914 وكانت تضم حوالي 10 تلاميذ (19) وتولاها بالرعاية الشيخان أبو اليقظان والحاج عمر العنق وكانت نواة هذه البعثة تلاميذ المدرسة الصديقية بتسبة التي أغلق الاستعمار أبوابها، وقد حرص القائمون على التعليم في مزاب على أن يكون هؤلاء التلاميذ في إطار منظم يكفل سلامة أخلاقهم ويضمن جودة تحصيلهم الدراسي، ولذلك وضع المشرفون على البعثة بعد الاستقرار في تونس نظاما داخليا دقيقا يكفل انضباط التلاميذ في كامل فترات اليوم والأسبوع والشهر حركة وسكونا، عملا وراحة، وكان إمام البعثة هو أبو اليقظان وقد كان حمو بن عيسى المرموري أحد أبرز تلاميذ هذه البعثة (20).
ولقد حظي تلاميذ هذه البعثة بمقاعد في مدرسة السلام القرآنية التي أسسها الشاذلي المورالي بمدينة تونس، غير أن ظروفا قاسية دفعت أبا اليقظان إلى أن يعود ببعثته إلى البلد في 1915، ويؤسس في ذات السنة مدرسة قرآنية عصرية في القرارة على غرار مدرسة السلام بتونس حيث علم فيها العلوم العصرية والرياضة البدنية (21).
وسافرت البعثة الثانية إلى تونس بقيادة أبى اليقظان أيضا، وكان من بين عناصرها محمد علي دبوز وإبراهيم اطفيش ومفدي زكريا ورمضان حمود ومحمد الثميني، وقد قدر لهؤلاء أن يتبوؤوا مكانة مرموقة في الحياة الفكرية والثقافية في المشرق والمغرب. ثم التحقت بعثة أخرى إلى تونس برئاسة محمد الثميني في 1919، وأخرى بقيادة الحاج صالح بن باعلي، فالتقت في تونس ثلاث بعثات مزابية في آن واحد (22).
وبمناسبة زيارة الشيخ عبد الحميد بن باديس تونس في صيف 1921 استضافته البعثة المزابية هناك بدار السيد باعلي بن الحاج محمد اليزجني الكائنة بنهج المدرسة السليمانية، كعادتها استضافة أعلام الجزائر أو أولياء التلاميذ الذين يزورون تونس، بإقامة حفل أدبي يتبارى فيه التلاميذ ويعرضون فيه بعض نشاطهم (23).
وحضر الحفل شخصيات جزائرية بارزة من مزاب منهم الشيخ أبو اليقظان والشيخ أبو إسحاق اطفيش والشيخ محمد الثميني والشيخ يوسف بن بكير والشيخ الحاج محمد بابانو والشيخ أحمد بن عيسى قزريط والأخوان محمد وموسى الشِّقْمة وصاحب الدار المذكور وغيرهم (24).
ولقد نشر الشيخ عبد الحميد ابن باديس ما جرى في هذا الحفل في مقال بجريدة النجاح (25) بانطباعات وطني غيور، ومن ذلك ما يلي: «حللت بتونس فاستدعتني جماعتهم (الجماعة المزابية) إلى الحضور عندهم في دارهم ليلا, فلما فرغنا من العشاء, خرجت إلى صحن الدار شبيبتهم المتعلمة بالمدارس التونسية على الأسلوب الحديث الذي يجمع بين العلوم الدينية والدنيوية واللغة (1/53)
صفحة 54
العربية والفرنسوية مع حفظ القرآن الكريم, فاصطفوا بنظام, وشنفوا أسماع الحاضرين بالأناشيد الوطنية والمدرسية, وتحاوروا بالمناظرة السيفية القلمية, كل ذلك باللغة الفصحى والألسن الذلقة, والجأش الثابت, فرأينا منهم أهلة توشك أن تكون أقمارا, وغروسا طيبة توشك أن تجنى ثمارا, وكنت أنا إزاء ذلك بين عاملين متناقضين؛ عامل سرور وأمل بمن أرى من بني ملتنا ووطننا, من تلك الشبيبة المتنورة بأنوار العلوم، وعامل حزن وأسف من حالة أبنائنا الآخرين الذين منهم من أهملهم آباؤهم فقتلهم الجهل, والتهمتهم الشوارع وأهلكتهم المفاسد والمنكرات، ومنهم من تعلموا وأهملوا حتى المبادئ الدينية, وحرموا اللغة العربية لغة الجنس والدين, لغة الآباء والأجداد» (26).
وإضافة إلى ما كان يدرس التلاميذ في المدارس الأهلية التونسية، فإن دروسا وحصصا إضافية كانوا يتلقونها في دار البعثة، ففي مادة القرآن كان يتولى التدريس في بداية العشرينيات الشيخ الفقيه علي بن يعقوب النفوسي. وفي الحديث كانوا يتلقون الأربعين النووية للنووي، وفي العقيدة متن التوحيد الذي عرَّبه أبو حفص عَمرُو بن جُميع (27) مع شرحه, ويتولى ذلك رئيس البعثة الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش, كما يتناولون بالحفظ متن الآجرُومية وألفية ابن مالك في النحو وأرجوزة الرحبية في علم الميراث (28).
ولدى عودة أبى اليقظان إلى الجزائر في سنة 1925 استخلف السيد قاسم بن الحاج عيسى على البعثة، ليتفرغ أبو اليقظان لمشروعه التاريخي في مجال الصحافة العربية الحرة (29).
وتواصلت البعثات المزابية إلى تونس بين الحربين وازدادت توسعا في عدد الملتحقين بها بفعل النتائج العلمية التي كان يتحصل عليها الطلبة هناك فيخبرون زملاءهم في الجزائر، وكذلك بفعل مشاركة المزابيين في الحياة السياسية بتونس خاصة في الحزب الحر الدستوري برئاسة عبد العزيز الثعالبي، وكذا بفعل المساهمة في النشاط الأدبي التونسي، فلم يقتصر حينئذ الأمر على المزابيين بل شمل مناطق مختلفة مع التفاوت في الدرجات (30).
وبعد نشأة معهد الحياة بالقرارة بمزاب في سنة 1925م الذي يشمل المرحلة الإعدادية والثانوية فكر مسؤولوه وعلى رأسهم الشيخ بيوض والشيخ عدون إرسال بعثة إلى تونس لمواصلة الدراسة. ويذكر محمد علي دبُّوز أنه كان أول تلاميذ البعثة عن هذا المعهد، ثم إنه ترأس بعثته سنة 1942، فأخذت الدفعات تلحق بتونس في السنوات التالية (31).
ورغم قساوة الظروف التي طبعت سنوات الحرب العالمية الثانية، وكانت تونس أحد ساحاتها فقد ظل الطلبة يغامرون بالسفر إلى هناك فكان منهم محمد لعساكر، وصالح الخرفي، وعلي يحيى معمر النفوسي الليبي الذي درس بالمعهد المذكور. وهكذا استطاع معهد الحياة أن يواصل مسيرة الشيخ اطفيش التعليمية ويربط الحركة التعليمية العصرية في مزاب بمثيلتها في الجزائر وتونس والمشرق (32). (1/54)
صفحة 55
ولما كثر التلاميذ والطلبة في سائر مدن وادي مزاب، وعاد العديد من خريجي المعاهد التونسية، فكر المصلحون وشرعوا في تأسيس جمعيات خيرية تتولى أمر التربية والتعليم، فتأسست لذلك جمعيات في كل قرية منظمة حسب ما هو معروف من قانون أساسي ومجلس إدارة وأعضاء مشتركين وانتخابات دورية لأعضاء الإدارة ومكتبها، إلا أنها كانت سرية، أي أنها لم ترسم نفسها حسب قانون جويلية 1901 خوفا من تدخل السلطة الحاكمة في شؤونها بمالها من حق المراقبة والتفتيش (33).
لقد تأسست هذه الجمعيات سرا، ثم اقتضت ظروف أخرى أن تعلن عن نفسها فاعتمدت جمعية الإصلاح بغرداية في 1928، ثم جمعية الحياة بالقرارة سنة 1937 ثم جمعية النهضة بالعطف في 1945 وجمعية النور ببنورة في 1945 فجمعية الاستقامة ببني يزقن سنة 1946 فجمعية الفتح بريان 1947 ثم جميع النصر بملكية في 1960 (34).
المراقبة الفرنسية للحركة الإصلاحية وجمعية العلماء:
أدركت فرنسا أن العلماء قادة هذا الفكر، فبدأوا يعدون لمعركة فاصلة بينهم وبين الفرنسيين, واستيقنت أن مشروعهم يمثل أكبر الخطر على مستقبل فرنسا في الجزائر؛ لأن «مدارسهم عبارة عن خلايا سياسية، والإسلام الذي يمارسونه هو مدرسة حقيقية للوطنية».
من أجل ذلك راحت فرنسا تسطر خططها, وتنفذ مكرها بشكل مستمر للقضاء على هذا التيار تنظيما وأفرادا, ومن ذلك:
* إغلاق مدارس الإصلاح قبل تأسيس الجمعية مثل المدرسة الصديقية بتبسة في 1914، وبعد تأسيس الجمعية مثل مدرسة الحديث بتلمسان، ولم تكتف فرنسا بغلق المدارس؛ وإنما سجنت العلماء والمدرسين، وحرم التلاميذ من التعليم بغلق المدارس.
* منع العلماء من التجول في الجنوب الجزائري الخاضع للحكم العسكري. وفي هذا السياق كتب ابن باديس محتجا على منشور الحاكم العام الموجه إلى حكام الجنوب بالقبض كل طالب (معلم) منسوب إلى الجمعية وسجنه حال جولانه باسمها أو دعوه إليها. (35)
* منع العلماء من الوعظ والإرشاد في المساجد التي كانت تحت إشرافها وسيطرتها.
* منع جرائد العلماء من الصدور, ابتداءً بجرائد أبي اليقظان الثمانية, إلى جرائد "السنة" و"الشريعة" و"الصراط" (36).
* إنشاء جمعيات منافسة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين, ومن هذه الجمعيات نذكر جمعية علماء السنة , وجمعية الزوايا, وغيرهما.
* السعي والضغط لتغيير قيادة جمعية العلماء, مرة بمحاولة إخراج الإمام ابن باديس منها؛ ومرة بمحاولة فرض شخص لقيادة الجمعية بعيد وفاة ابن باديس. ولعل محاولة فرنسا التدخل لفرض رئيس على الجمعية أو إبعاده عنها لم يعرفها أي تنظيم في الجزائر, سوى جمعية العلماء المسلمين (1/55)
صفحة 56
الجزائريين.
* فرض الإقامة الجبرية على العلماء, مثل ابن باديس، الإبراهيمي، بيوض، التبسي .. وغيرهم.
* ارتكاب جرائم قتل واتهام "العلماء" بالتحريض عليها, ومن ذلك اغتيال الشيخ كحُّول, واتهام الشيخ الطيب العقبي. وإطلاق النار على الشيخ أحمد الحبيباتي، لاتهام الإمام ابن باديس بالتحريض على اغتياله, وذلك في شهر أوت سنة 1936م, بعد أسبوع من اغتيال الشيخ كحُّول.
تدبير محاولات اغتيال قادة هذا التيار قبل تأسيس الجمعية, كما وقع للشيخ ابن باديس, وبعد تأسيسها كما وقع للشيخ إبراهيم بيوض (37)؛ فلقد حاولت السلطة العسكرية تصفيته ثلاث مرات. (38)
ولقد استمرت هذه المصارعة بين الجمعية والإدارة الفرنسية إلى قيام الثورة في سنة 1954، ولكن بدرجات متفاوتة وأساليب مختلفة. (39)
وفي مزاب كون الشيخ بيوض حوله نخبة من المصلحين المخلصين، ينظرون فيما جد من الأحداث، ويقاومون الظلم بتحرير الشكاوى والاحتجاجات لحماية الحركة الإصلاحية وبخاصة الحركة العلمية ويمدون جسور الاتصال مع العلماء العاملين في مختلف أنحاء القطر لفك العزلة التي ضربها الحكم العسكري.، ولم يزد ذلك، ولا المعارضة التي كان يلقاها من خصومه، إلا تحفيزا على العمل والمضي قدما إلى الأهداف التي حددها (40)
ومما أثار انتباه عيون الاستعلامات الفرنسية في مزاب كثرة تحركات الشيخ بيوض الذي لم يتوقف من الذهاب والإياب من وإلى كل أنحاء الجزائر وحتى إلى تونس، ومن أهم الشخصيات التي نسق معها الشيخ بيوض نشاطه في مزاب نجد الشيخ أبا اليقظان والشيخ صالح بابكر والسيد عيسى خبزي.
هذا الأخير الذي أُسنِدت إليه رئاسة جمعية الحياة التي تأسست في سنة 1937 بدعم مالي منه. وهكذا كان مقر جمعية الإصلاح بغرداية ومقر إقامة السيد عيسى خبزي ببسكرة مخاض تأسيس هذه الحركة الإصلاحية التي أثمرتها جهود من العمل الجاد في أقاليم الجنوب، وتمكنت من أن تمد جذورها في أعماق إقليمي غرداية وتوقرت العسكريين، وهو ما لم يحدث في إقليمي عين الصفراء والواحات (41).
وحسب شهادة الخصوم فإن مقرات جمعية الإصلاح تحولت إلى أماكن تعقد بها اجتماعات سياسية «وكثيرا ما يوجه انتقادات إلى السياسات الفرنسية تجاه الأهالي، وخاصة في "موضوع تموين المواطنين أثناء الحرب العالمية الثانية"»، حيث انتشرت الخصاصة وعمت الندرة في مجال المواد الغذائية على وجه الخصوص لما وجهت كل مقدرات الجزائر ومنتوجاتها الغذائية لتموين جيوش فرنسا في ساحات القتال، ومن ذلك أيضا أنها كانت «تعارض قرار رفع مبلغ الضرائب على (1/56)
صفحة 57
المواطنين ... وتطلب الجمعية من المواطنين عدم الإسراع في أداء ما عليهم من ضرائب ورسوم لفرنسا، وكذلك عدم المشاركة في العمل الإجباري لتنظيف المدينة» (42).
وتخلص الوثيقة إلى أن جمعية الإصلاح بما أن رئيسها تكون في تونس فإن التعليم الذي ينشر تحت إشرافها «له طابع وطني صرف يغرس في نفوس تلاميذ مدرسة الإصلاح (ذلك التوجه)، ويُحفِّظهم أشعارا تتغنى بالحرية، الشيء الذي جعل هؤلاء الطلبة منذ 1932 ــــ خاصة من تعلم منهم بمعهد الحياة عند الشيخ بيوض في القرارة ــــ ينشطون مع الأنظمة الداعية إلى انفصال الجزائر عن فرنسا، والأنظمة المتواجدة بشمال الجزائر» (43).
وهكذا تشكل الحلف الرباعي من الشيخ بيوض والشيخ أبي اليقظان والشيخ بابكر والسيد عيسى الخبزي صاحب الثروة والنفوذ بمنطقة بسكرة الذي بسط عليهم حمايته وتغطوا بغطاء الجمعيتين الخيريين "الإصلاح والحياة". وفي تنسيق محكم سعى الحلف إلى أن يكون مصدر إشعاع للمنطقة واستغل كل الفرص المتاحة لاحتواء المجتمع المزابي دون إعلان المواجهة مع السلطة العسكرية الفرنسية (44).
ولقد شهدت سنة 1937وصول دعامة أخرى من دعائم الإصلاح إلى مزاب وهو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش قادما من القاهرة حيث استقر بعد أن تم نفيه من تونس بتهمة معاداته لفرنسا، وقد استقبله بمدينة الجزائر صديقه أبو اليقظان قبل وصوله إلى مزاب في جويلية من نفس السنة وفي جدول أعماله هناك عقد لقاء مع الشيخ بيوض للتداول في قضايا الساعة (45).
لقد أبرزت تقارير الأمن الفرنسي (46) نشاط جمعية العلماء في منطقة مزاب، وخاصة منذ ديسمبر 1936. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن نشاط الميزابيين ضمن هذه الحركة كان منذ تأسيسها في مطلع الثلاثينيات بالمناطق الشمالية التي تمتاز بهامش أكبر من الحركة في ظل الحكم المدني وهو ما مكن عددا من التجار هناك من الانخراط ضمن صفوف الجمعية.
وحسب المصادر الفرنسية فإن الحركة الإصلاحية لجمعية العلماء المسلمين تتطلع إلى أن ترسخ جهودها في منطقة مزاب وفي قلوب المزابيين لكونها منطقة غنية ويتميز سكانها بالانتشار في كل أنحاء الجزائر. ومن خصوصياتها أيضا خلوها من الطرق الصوفية المنحرفة الخصم التقليدي للحركة الإصلاحية كل ذلك ساهم في تنامي آمال الحركة الإصلاحية «ليكون مزاب حليفها الثمين والفعال» أما الاختلاف المذهبي بين المالكية والإباضية فليس له أهمية تذكر، فكان هذا مصدر قلق حقيقي للإدارة الفرنسية (47).
ولقد كان أبو اليقظان وهو في هذه السنة نائب أمين المال في هذه الجمعية، وصاحب جريدة الأمة وكذا إبراهيم بيوض المنشط القديم "لكل مؤسسات التشويش والإثارة" (حسب التقرير الفرنسي) هما من ينشط الدعاية في مزاب لهذه الحركة (48). (1/57)
صفحة 58
ومما سجلته تقارير الأمن الفرنسية أيضا، ما أسمته "بالمفاهيم الوهابية" التي أصبحت متداولة في مدن مزاب بشكل متفاوت الانتشار (49). ولعل المقصود بتلك المفاهيم ما شنته وسائل الدعوة الإصلاحية في هذه الفترة من حملات على الأفكار الخرافية، وتنبيه العامة إلى خطورتها على الدين، والتحذير من التزلف إلى الأضرحة والقبور والقباب ومن التوسل إلى الموتى والتماس نفع الجن (50).
وبالرغم من عدم لزوم الرخصة للتنقل بين بلديات الملحقة العسكرية الواحدة فقد غدا ذلك لازما إذا تعلق الأمر بزمن عصيب على فرنسا مثل سنة1940 إحدى سنواتها الحالكة في غمرة الحرب العالمية الثانية، ويكون الأمر أخطر إذا كان هذا التنقل هو لغرض اجتماع شخصيتين تحملان أفكارا ومشاريع إصلاحية وتحظيان بنفوذ شعبي واسع مثل الشيخ بيوض ابراهيم والشيخ بن يوسف سليمان بن الحاج داود. فعلى إثر سفر هذا الأخير إلى القرارة أرسلت السلطات الفرنسية قوة على إثره وألقت القبض عليهما، فلما حضرا أمام حاكم الملحقة بغرداية بحضور قواد مزاب، أثنى باللائمة على القواد لتقصيرهم في "واجب" السهر على أمن الدولة الفرنسية، وأصدر الحاكم أمرا بوضع الشيخ بيوض تحت الإقامة الجبرية ثلاث سنوات في القرارة ونفي الشيخ بن يوسف سليمان إلى قسنطينة لنفس المدة (51).
من الآثار الجانبية للإصلاح:
لقد أنتجت هذه الحركية التي كانت تنشد الإصلاح الاجتماعي والتربوي جملة من الاختلافات في صفوف المجتمع في مزاب بلغت في بعض الأحيان إلى مواجهات عنيفة، فمن تراشقات كلامية إلى معارك إعلامية صاخبة (52)، إلى رسائل الوشاية لدى سلطة الاحتلال (53)، إلى الحظر على بعض الشخصيات البارزة دخول بعض مدن مزاب، وحتى إلى تدبير مؤامرات الاغتيال (54).
كما كانت الاختلافات المتشنجة سببا في «ارتفاع (حالات) الطلاق من جراء ذلك بين الأزواج» (55) حين تختلف العائلات المتصاهرة في مواقفها من هذا التجديد الاجتماعي الذي جعلت منه الحركة الإصلاحية أمرا واقعا.
وطبيعي أن تلعب السلطة الاستعمارية في هذا الشأن دور المضخم والنافخ في الكير والمهول لكل الاختلافات التي تبدو أحيانا غير ذات شأن، لتسود وتتقمص بعد ذلك دور الحكم.
غير أن الإرادات الخيرة في رأب الصرع وتقريب هوة الخلاف وجمع الأطراف للتحاور والتصالح كانت حاضرة دائما، ومن ذلك ما تتبعته بعض التقارير الفرنسية في 15 فيفري 1938 حين دعا بعض أعيان التجار المزابيين في التل إلى لقاء جمع ممثلي القصور السبع في مسجد با عبد الرحمان الكرتي «بهدف عقد الصلح بين حزب الطلبة (العزابة) وحزب بيوض ووضع حد للنزاع القائم» ويضيف التقرير أن عدد الحضور كان قد بلغ حوالي 95 شخصية دون التوصل إلى اتفاق وأعيد (1/58)
صفحة 59
عقد لقاء آخر في 22 من نفس الشهر، وانفض اللقاء بدون نتيجة (56).
كما سجلت كثير من المبادرات الخيرة لجمع الشمل وتوحيد الصف، وخاصة بعد الاستقلال، بعد أن تبين أن مصالح الإدارة الفرنسية كانت في الغالب وراء تكريس الفرقة والتشتت، وإذكاء نيران الفتنة والشنآن، ولقد توجت هذه الجهود بإعادة إحياء مجلس عمي سعيد الجامع لمشايخ قرى مزاب ووارجلان.
ومجمل القول فإن تجربة حركة الإصلاح في الجزائر عموما وفي مزاب على وجه الخصوص، بينت أن مضامين مناهج التربية والتعليم والتكوين في إطار واع من الوحدة والكفاح والتحدي لحماية مقومات الشخصية الحضارية، هي التي تحدد مصائر الأمم والشعوب والمجتمعات وتدفع عنها السقوط والاستلاب. وعندما تجمع المنظومة التربوية مقومات الأمة وتطلعات الشعب وواقع المجتمع ومقتضيات العصر، حينها يصبح في الإمكان توقع وثبة نوعية للمجتمع تقلب حسابات العولمة والاستعمار الجديد، تماما مثلما أفسدت حسابات الهيمنة والاستعمار القديم.
--------------------
الهوامش
(1) - د. محمد صالح ناصر: المقالة الصحفية الجزائرية، من 1903 إلى 1931، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1980، ج2، ص 31 - 32.
(2) -نفسه، ص32.
3 - نفسه، ص 32.
4 - رصيد مكتبة الشيخ عبد الرحمن حواش ملف enseignement رقم1/ 1342، مراسلة من الجمعية إلى السيد يحيى بن عمر بن يحيى مؤرخة في 22 جانفي 1914.
5 - د. محمد ناصر، المرجع السابق، ج2 ص 31 - 32.
6 - د. محمد ناصر، المرجع السابق، ج. 2، ص 32.
7 - أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية، ج2. ط3. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1983. ص 420. وهو ينقل عن المجلة الجديدة الفرنسية لما وراء البحار، ع جويلية 1955.
8 - محمد الهادي الحسني، الحركة الوطنية الحضارية، كتاب الملتقى الأول حول فكر الإمام الشيخ إبراهيم بيوض، نشر جمعية الحياة 2001، ص29 وما بعدها.
9 - د. تركي رابح، التعليم القومي والشخصية الجزائرية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1981، ص323، محمد ناصر بوحجام، الحمعيات الخيرية بوادي ميزاب، المجاهد ع 1452، 3 جوان 1988، ص 52.
10 - الشيخ بيوض، تقرير حول التعليم الحر. (1/59)
صفحة 60
11 - د. سعد الله، المرجع السابق، ج3، ص 242.
12 - نفسه، ص 242.
13 - د. سعد الله، المرجع السابق، ص 241.
14 - نفسه، ص242.
15 - محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج2 ص 269/ نفسه، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج 3 ص 142. د. سعد الله، المرجع السابق، ج 3 ص 242.
16 - د. سعد الله، المرجع نفسه، ص243.
17 - سعد الله، المرجع السابق، ص 245.
18 - محمد علي دبوز، نهضة، ص 263 - 264/ د. سعد الله، نفسه، ص 245.
19 - يذكر بيير كيبرلي أن العدد حوالي 15، انظر رصيد مكتبة ش. عبد الرحمن حواش ملف Aboulykzane رقم2074/ 25.
20 - أبو القاسم سعد الله، المرجع نفسه، ج3، ص 273 - 274.
21 - نفسه، ج3، ص 274.
22 - نفسه، ج 3، ص 274.
23 - حمو بن عمر فخار،,إبراهيم بن بابا بوعروة بابا ثامر، إعداد وتقديم د. مصطفى باجو, نشر جمعية التراث، ص42.
24 - نفسه، ص42.
25 - ابن باديس، نهضة جزائرية بالحاضرة التونسية. النجاح عدد ل 19/ 09/1921م.
26 - د. محمد ناصر مفدي زكرياء, شاعر النضال والثورة, المطبعة العربية غرداية ص8 / حمو عمر فخار, بوعروة, المرجع السابق ص43 - 44.
27 - كان مخطوطا باللغة الأمازيغية وعرَّبه ابن جُميع ولم نعثر على النسخة الأمازيغية إلى الآن.
28 - حمو بن عمر فخار, المصدر السابق, ص44.
29 - د. سعد الله، المرجع السابق، ج3، ص 274.
30 - نفسه، ص 274.
31 - سعد الله، تاريخ ... ، ج3، ص275.
32 - المرجع نفسه.
33 - الشيخ إبراهيم بيوض، تقرير حول التعليم،/ د. تركي رابح، التعليم القومي والشخصية الوطنية، ص 422.
34 - محمد علي دبوز، نهضة الجزائر ... ، المصدر السابق، ج2 ص 229 وما بعدها / محمد ناصر بوحجام، الحمعيات الخيرية بوادي ميزاب، المجاهد ع.1452، 3 جوان 1988، ص 52. (1/60)
صفحة 61
35 - عبد الحميد بن باديس، ماذا في الجنوب: اندجينا جديدة بعد 108 سنوات، البصائر، ع. 13 ماي 1938.
36 - محمد الهادي الحسني، المرجع السابق، ص 30 - 31.
37 - محمد الهادي الحسني، المرجع السابق، ص31.
38 - الشيخ القرادي. حياته وآثاره، تقديم د. محمد ناصر، نشر جمعية النهضة، العطف، 1990، ص123.
39 - د. سعد الله المصدر السابق، ج 3 ص 257.
40 - الشيخ القرادي، المصدر السابق، ص123.
41 - رصيد مكتبة الشيخ عبد الرحمان حواش ملف Islah رقم 1/ 1312 المصدر السابق ص 8.
42 - ر. م. ش. ع حواش ملف Islah رقم 2/ 1312/ رسالة موجهة إلى الوالي العام للجزائر مؤرخة في 12/ 11/52.
43 - نفسه، ورقة رقم1، الوثيقة لها نسختان، فرنسية وعربية.
44 - رصيد مكتب الشيخ عبد الرحمان حواش ملف رقم 1/ 1312، المصدر السابق، ص 8.
45 - نفسه ص 7.
46 - رصيد مكتب الشيخ عبد الرحمان حواش ملف Ishah رقم 1/ 1312، تقرير من توقيع قاردال Gardel ص 7.
47 - نفسه، ص 8.
48 - نفسه ص 7. رقم 1/ 1312
49 - رصيد مكتب الشيخ عبد الرحمان حواش، ملف رقم 1/ 1312.
50 - نفسه رقم 1/ 1213.
51 - الحاج سعيد ... 167 - 168.
52 - تضمنت جريدتا "الأمَّة" اليقظانية و"الروح" المحافظة مقالات نارية بين الطرفين.
53 - ومنها رسالة إلى السلطة الحاكمة، رصيد مكتب الشيخ عبد الرحمان حواش ملف 2/ 1312، المصدر السابق.
54 - سبقت الإشارة إلى ما ذكره الشيخ القرادي أن الشيخ بيوض تعرض إلى ثلاث محاولات اغتيال، انظر الشيخ القرادي، المصدر السابق، ص123.
55 - رصيد مكتب الشيخ عبد الرحمان حواش، ملف 2/ 1312 المصدر السابق.
56 - رصيد مكتب الشيخ عبد الرحمان حواش ملف رقم 3/ 1312: Rapport mensuel fevrier 1938 ورقتان. (1/61)
صفحة 62
الاستثمار المحلي وسياسة الاعتماد على الذات
-- بلدية القرارة أنموذجا --
أ/ محمد بن صالح حمدي
كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة
مقدمة:
إن الحياة الاقتصادية تعد من أهم مقومات تقدُّم الأمم وازدهار الحضارات، فلا نهضة ولا رقي لأمة إذا كانت تقتاتُ مما ينتجه الآخرون، وتستعمل من الوسائل والأدوات ما يخترعه الغير. فالعمل الاقتصادي المبدع يعبر عن شخصية الإنسان وهويته الحضارية؛ لأنه يختار بنفسه ماذا ينتج، وكيف ينتج، ولماذا ينتج؟
إن العالم اليوم تتجاذبه فكرتان؛ الأولى: العولمة التي ترمي إلى تكوين نمط إنساني موحَّد في فكره ومعيشته وسلوكه، مستمد من الفكر الغربي. ثانيهما: المحلية التي تتمسَّك بالذاتية، وعدم إلغاء المميزات والخصائص الحضارية لكل أمة، مع الاستفادة من تجارب الآخر بالتعاون والتكامل.
فما هو النهج الأمثل الذي نختاره لنهضتنا كأمَّة إسلامية؟ وما هي الوسائل والأدوات التي نوظفها لتحقيق أهدافنا؟
إن هذا البحث المختصر لا يمكنه الإجابة عن هذه الأسئلة الكبيرة، وإنما يحاول أن يبين إحدى الوسائل لتجسيد هويتنا وتوظيف إمكاناتنا، ألا وهي الاستثمار المحلي، بناء على فرضية أننا نختار النهج الثاني كمسلَّمة بديهية.
وقد اخترت "بلدية القرارة" ـ نموذجًا ـ في استثمارها المحلِّي، رافعة بذلك شعار تحدي العولمة ـ وبدون شعور منها ـ، باعتمادها على الذات، وتسخير إمكانياتها الطبيعية والبشرية والمالية، في توفير الغذاء الضروري لأبنائها، وتصدير الفائض منه إلى المناطق المجاورة.
وقسمتُ البحث إلى هذه العناصر:
*-مقدمة.
*-العولمة الاقتصادية.
*-الصناعة الغذائية مفتاح التنمية الاقتصادية.
*-التجربة الجزائرية في التنمية الاقتصادية.
*-تجربة بلدية القرارة في الاستثمار المحلي. (1/62)
صفحة 63
(أ) النموذج الأول: الاستثمار في تكييف التمور وتحويلها.
(ب) النموذج الثاني: الاستثمار في تنمية الثروة الحيوانية.
(جـ) النموذج الثالث: الاستثمار في غرس النخيل وتربية المواشي (تجمُّع خرفي- سعد الله).
*-خاتمة.
العولمة الاقتصادية:
سادت في العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية مصطلحات سياسية واقتصادية مثل القومية، الوطنية، الاعتماد على الذات، الحوار شمال جنوب، والتي تعبر عن مرحلة تحرُّر أغلب دول العالم الثالث من ربقة الاستعمار الغربي ومحاولة إقامة تنميةٍ اقتصادية، وتلبية حاجيات المواطنين، وبناء كيانها السياسي والاجتماعي، غير أنَّ هذه المصطلحات اختفت في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي وأوائل عقد التسعينيات بسبب متغيرات جديدة ظهرت على المسرح العالمي، أهمُّها: انتهاء الحرب الباردة بسقوط المعسكر الشيوعي، وسيادة القطب الأحادي، فاستُبدلت بها مفاهيم جديدة، أهمُّها: العولمة بما تحمله من أبعاد اقتصادية وثقافية وسياسية، فدخلت إلى أدبيات العلوم الاجتماعية، فسيطرت على الأكاديميين ورجال الفكر والسياسة والاقتصاد، واحتلَّت حيزا كبيرا من الأبحاث بالتحليل والنقاش. فالعالم وهو على عتبة القرن الواحد والعشرين يحمل هذا التيار الجارف الذي يحطم كلَّ الحواجز، ويسمح بتنقل رؤوس الأموال والسلع بكلِّ حرية، ويختزل المسافات، حتى غدا العالم وكأنه قرية كونية واحدة، ويسعى لتشكيل إنسان موحَّد في فكره ونمط معيشته وسلوكه، ويكون منبعُه الفكر الغربي والأمريكي خاصَّة، ومصبُّه في أطراف المعمورة.
والناس إزاء هذا التيار ما بين مؤيد ومعارض، فالمؤيدون يبدون انبهارًا شديدًا بمدى كفاءة التقنية الحديثة، وقدرتها على تحقيق الارتفاع بمستوى المعيشة للجميع، ويقللون من آثارها السلبية، ومنهم من يرى بأنها من قبيل الحتميات الاقتصادية الشبيهة بالأحداث الطبيعية التي لا يمكن الوقوف في وجهها، وأمَّا المعارضون للعولمة والانفتاح الشديد على العالم فيخشون ما ينطوي عليه من تهديد لثقافتهم وهويتهم وأصالتهم (1)، فيميلون إلى المحلية والمطالبة بالاستقلال الذاتي. ويعزز هذا الاتجاه، الواقع المر الذي تعيشه المجتمعات في الدول المتخلفة في ظل العولمة وعدم قدرة الدولة على تحقيق التنمية، وإحجام المجتمعات الغنية عن تقاسم الموارد مع جيرانها الأقل غنى، زيادة على تعميق الإحساس بالانتماء إلى ثقافة وحضارة معنية في عالم تقوم فيه العولمة بهدم الاختلافات الثقافية.
والسؤال المشروع الذي ينبغي على الاقتصاديين طرحه اليوم: ما هو الدور الذي يمكن للاقتصاد الوطني أن يلعبه تحت ظروف العولمة؟ وما هي فُرص النجاح أو الفشل؟.
إن العالم الثالث اليوم في حاجة ـ أكثر من أي وقت ـ إلى تعبئة طاقاته الذاتية، واستغلال موارده، والتأكيد على النهضة بالإنتاج والمشاركة والتعاون، وإرساء قواعد التكافل والتضامن، (1/63)
صفحة 64
بدءًا من أصغر وحدة إدارية؛ متمثلة في القرية أو المدينة إلى أكبر تجمُّع إقليمي لصَدِّ هذا السيل الجارف الذي يمثل تكتَّل الأقوياء، من الأنظمة والمنظمات والشركات الكبرى، الذي لا هدف له إلا مصالحه المادية، ولا يرعى للقيم والأخلاق أيَّ قيمة أو اعتبار.
الصناعة الغذائية: مفتاح التنمية الاقتصادية:
إذا سلَّمنا بالتنمية الاقتصادية كسبيل للنهوض بالأمة، فإنَّ التصنيع هو الوسيلة الأساسية في ذلك، فلا يمكن تحقيق أي رفع لمستوى الحياة أو أية تنمية في بلدان العالم الثالث بدونها، والميزة الكبرى للصناعة أنها تسمح بتجسيد عمل الإنسان طول السنة، وبتوسيع وكثافة الإنتاج بواسطة الآلة التي ما فتئت تتطور جيلا بعد جيل، مع اتباع أساليب فنية، وهي تختلف عن الزراعة التي تتميز بالموسمية، وبطء دورة إنتاجها، مع عدم إمكانية تحديد الكميات المنتجة مسبقا، لكن هذا ليس حجَّة لإهمال الزراعة وإعطاء أولوية للصناعة، كما حصل في أغلب تجارب الدول السائرة في طريق النمو (2).
والواقع أنه يجب إيجاد ترابط وثيق بين التقدم الزراعي والتقدم الصناعي، وإقامة صناعة زراعية تكون القاعدة والمحفزة لحركة التصنيع في مختلف القطاعات. ولنا الشواهد من التاريخ الاقتصادي الذي كان فيه للنشاط الزراعي الدور الفعال في مراحل التنمية المختلفة في كثير من بلدان العالم المتقدمة، وتاريخ الحضارة الإسلامية خير مثال على ذلك، فقد كانت الزراعة هي القطاع الحيوي والأساسي، فهو المصدر للغذاء والكساء، وعمل على زيادة الإنتاج القومي بسلع حقيقية، كما وفَّر وظائف العمل لفئات عريضة من المجتمع، وله الدور الأكبر في تنشيط الحركة التجارية بين الأسواق الداخلية، فأصبحت القوافل تنقل المنتجات الزراعية من الطائف والشام والعراق، وامتدت إلى الأسواق الخارجية للبلدان المجاورة، وأصبح لهذا القطاع دور تمويلي أساسي لخزينة الدولة بالأموال الواردة من وظيفة الخراج التي أقرَّها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (3) كما شهد النشاط الحرفي ومختلف الخدمات تطوُّرا تُزوِّد هذا القطاع بمختلف الوسائل والمستلزمات.
ولسوء الحظ نلمس حركة مختلفة في تجربة بلدان العالم الثالث المعاصرة التي ركزت على الصناعة وأهملت الزراعة، فلم يتحقَّق أي تقدم في الريف، فنتج عنه هروب الفائض السكاني الذي لا تستوعبه الحقول من الحياة الريفية باتجاه التجمعات السكانية في المدن، وأصبح هؤلاء عاطلين عن العمل بشكل دائم، يفتقرون إلى أية قدرة شرائية، ويستتبع هذه الحالة ضرورة استيراد الغذاء، الذي كان من الإمكان توفيره ذاتيا مما تنتجه الحقول المهجورة، والطاقات المعطلة، مما يتطلب توفير أرصدة هامَّة من العملة الصعبة.
التجربة الجزائرية في التنمية الاقتصادية:
تبنت الجزائر من سنة 1967 استراتيجية التصنيع، التي تستهدف تعزيز الاستقلال الوطني وتحسين (1/64)
صفحة 65
مستوى المعيشة لجميع أفراد المجتمع، وقد تم العمل على إيجاد صلة بين الصناعة والزراعة بهدف بلوغ نسبة عالية في عملية الاكتفاء الذاتي في ميدان الغذاء، وهذا يشكل رمزا عالي الدرجة للاستقلال الوطني (4).
وقد سُطرت هذه السياسة عبر النصوص الأساسية الرسمية التي حددت نموذج التنمية الاقتصادية الجزائرية، وتبنت هذه السياسة العامة فأصبحت تمثل مرجعا ثابتا لتحديد السياسة الاقتصادية، منها: برنامج طرابلس سنة 1962، ميثاق الجزائر سنة 1964، ميثاق الثورة الزراعية سنة 1971، والميثاق الوطني سنة 1976، وأخيرا الدستور الجزائري. إلا أن هذه الأهداف الطموحة لم تجسد على أرض الواقع، بل حققت التجربة نتائج عكسية، لاعتمادها شبه الكلي على القطاع العام، وعلى الصناعة الثقيلة التي كان يعول عليها لتحفيز مختلف القطاعات، وكان الفشل الذريع في سياسة الثورة الزراعية في التأمين الغذائي والاكتفاء الذاتي مما جعلها في النهاية تتخلى عن هذه السياسة في نهاية عقد الثمانينيات وتتحول نحو اقتصاد السوق تحت ضغط التغيرات الداخلية والخارجية.
وللوقوف أكثر على مدى عبء الفاتورة الغذائية التي يتحملها الاقتصاد الجزائري نورد هذا الجدول ولاستنطاق أرقامه التي تبين تبعية الجزائر في هذا المجال.
تطور الفاتورة الغذائية (5): (الوحدة: مليون دولار أمريكي)
السنة | 2000 | 2001 | 2002 | 2003 | 2004
الصادرات (المواد الغذائية) | 30 | 30 | 35 | 47 | 66
الواردات
(المواد الغذائية) | 2356 | 2346 | 2572 | 2516 | 3385
من هذا الجدول نلاحظ ضآلة حجم الصادرات في المجال الفلاحي الذي يرتكز على التمور، وبعض أنواع الخضر، مع أننا لا ننكر تطورها من 30 مليون دولار سنة 2000 ليتضاعف إلى 66 مليون دولار سنة 2004، بفضل سياسة ترقية الصادرات الفلاحية التي تبنتها السلطات العمومية، من خلال منح مزايا جبائية ودعم التصدير، وبفضل المخطط الوطني للتنمية الفلاحية PNDA الذي أحدث إقبالا ملموسا على النشاط الفلاحي، إلا أنه لا يزال دون المستوى، فهو لا يساهم إلا بنسبة 10% من الناتج الوطني الخام، ويأتي في المرتبة الثالثة بعد قطاعي المحروقات والخدمات (6).
فالجزائر ما تزال تستورد شهريا ما يعادل 10 ملايين دولار من اللحوم المجمدة، ومن الحليب ما قيمته 483 مليون دولار في سنة 2004، لتغطية الاحتياج من هذه المادة الحيوية، حيث يغطي الإنتاج الوطني نسبة الثلثين (7).
فهل يعقل أن الجزائر بثرواتها الطبيعية: النباتية والحيوانية والمائية أن تلجأ إلى استيراد هذه المواد (1/65)
صفحة 66
الأساسية، في حين أنها كانت سلَّة أوروبا من هذه المواد أثناء وقبل الاحتلال الفرنسي؟.
فالخلل يكمن في التسيير، وأسلوب تعبئة الموارد المتاحة. وبالمقابل نجد تصاعد حجم الواردات من المواد الغذائية، بوتيرة متزايدة، تلتهم مزيدا من الموارد الوطنية من العملة الصعبة، التي كان بالإمكان توفيرها لاقتناء الاحتياجات التي لا يمكن إنتاجها محليا.
تجربة بلدية القرارة في الاستثمار المحلي:
تعد بلدية القرارة ثاني وأهم بلدية بتراب ولاية غرداية، تتربع على مساحة إجمالية تقدر بحوالي 3760 كلم2، يبلغ عدد سكانها حوالي 58226 نسمة، بكثافة سكانية بـ 48.15 نسمة/كلم2، ونمو ديمغرافي يقدر بـ 4.3 %، وبموقعها الاستراتيجي الهام تشكِّل همزة وصل ومفترق الطرق تربط بين ولايات الشمال والجنوب، وولايات الشرق والغرب، وبميزة الطابع الفلاحي؛ بمساحة فلاحية شاسعة صالحة للزراعة تقدر بـ 16000 هكتار، وعلى موارد مائية جوفية وسطحية هامَّة، وبمنطقة صناعية قابلة للتوسع (8).
كل هذه العوامل الطبيعية والبشرية والاقتصادية تقدم إمكانيات هامة لنهضة اقتصادية.
وقد ركزت في هذه الورقة على الزراعة والصناعة الزراعية بمفهومها الواسع الذي يشمل الثروة الحيوانية، مع عدم إهمال الصناعة التحويلية القائمة بالقرارة منذ نشأة حركة التصنيع في أواخر الستينيات من القرن الماضي، والتي تساهم بقسط وافر من الدخل المحلي وتوفير مناصب الشغل. غير أن الزراعة والصناعة الزراعية لها بعد استراتيجي، وتراثي تاريخي لارتباطها بالأرض، واعتمادها على عناصر ومواد محلية، وتقوم بتوفير أساسيات الحياة الإنسانية، وأن تنميتها يقطف ثمارها الجميع، وعلى رأسهم الفلاحون وعمَّال الأرض، وقد اخترت ثلاث نماذج لهذا الاستثمار:
1 - الاستثمار في تكييف التمور وتحويلها.
2 - الاستثمار في تنمية الثروة الحيوانية.
3 - الاستثمار في غرس النخيل وتربية المواشي (تجمُّع الخرفي، سعد الله).
النموذج الأول:
الاستثمار في تكييف التمور وتحويلها:
كان اقتصاد مدينة القرارة شأنها شأن مدن وقرى وادي مزاب، -ولعدة قرون - قائما على زراعة النخيل, فهو محور النشاط العمراني, فسرى المثل الشعبي «أَغَرْمْ يُلِيْدْ أَسْتَزْدَايْتْ» أي: العمران قائم على النخلة, ثم تغيرت المعطيات بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية, فتراجع دور النخلة, فأصبح لا يشكل إلا نسبة 15% إلى 20% من اقتصاد البلدة (9).
ومع دخول الجزائر مرحلة التصنيع في أوائل السبعينيات من القرن الماضي فكرت مجموعة من رجال الأعمال في القطاع الخاص, بإنشاء وحدة لتكييف التمور فقد اقتبس أصحابها الفكرة من دولة (1/66)
صفحة 67
العراق التي لها تجربة رائدة في هذا المجال. فأنشأت المؤسسة التي تحمل اسم «صناعة التمور لوادي زقرير» ( I.D.O.Z). فاستفادت من قطعة الأرض في المنطقة الصناعية, فاستبشر الجميع بميلاد هذه الوحدة, خاصة الفلاحون, فهي الأمل في تصريف منتوجهم وتشجيعهم على المزيد من الإنتاج, مع توفير العلف المكيف, غير أن الآمال خابت, بعدم إدارة عجلة هذه الوحدة التي كان يؤمل منها أن تدير عجلة اقتصاد البلدة, ويُرجع القائمون عليها إلى أسباب: تقنية في الدراسة وإلى أسباب سياسية بتطبيق الثورة الزراعية واحتكارها لهذا النشاط.
وقد قامت وحدة أخرى على أنقاض الوحدة الأولى سنة 1994 لإنعاش وبعث المشروع من جديد. تحمل اسم: ( AGRO PALM) لكنها لم تنطلق أيضًا. بسبب ضعف رأسمالها, وتدهور سوق التمور.
لكن هل نبقى تحت تأثير التجارب التي أخفقت في السابق, ولا نحاول إعادة وبعث الفكرة من جديد؟
علينا أولا التخلُّص من عقدة الإخفاق وتوظيف التجارب الفاشلة بالاستفادة من الأخطاء, وتحويلها إلى نجاحات, فالإيمان بالفكرة والإصرار على النجاح هو السبيل الوحيد للانفلات من عقدة الفشل, والانطلاق إلى فسحة الأمل.
ثم إن المعطيات المستجدة في الحقبة الأخيرة, وبروز المؤشرات الإيجابية كلها تصبُّ في صالح نجاح الفكرة؛ منها:
أولا: التوسع في زراعة النخيل, واستصلاح مزيد من الأراضي في محيط مدينة القرارة, وغيرها من المحيطات المجاورة, تستلزم التفكير الجديَّ في إقامة وحدات لتكييف التمور, وإلاَّ سيعاني هذا القطاع الحيوي مشاكل التصريف والتسويق مستقبلاً.
ثانيا: الدعم الواسع الذي تقدِّمه الدولة لهذا القطاع, مع المحفزات الجبائية والإعفاء من الضرائب بمختلف أنواعها, وإعانة النقل، ومنحة التصدير، مما يستلزم استغلال الفرصة قبل فوات أوانها, وإذا كانت التجارب السابقة فشلت بسبب عرقلة القطاع العام -كما أشرنا- فإن الدولة تتجه سياستها إلى الخصخصة ودعم الاستثمار الخاص.
ثالثا: انفتاح الأسواق العالمية وتشجيع التصدير وتبسيط إجراءاته؛ فالثروة البترولية آخذة في النفاد, والدولة تبنت سياسة ترقية الصادرات خارج المحروقات، وتنوع الصادرات. والجزائر تتمتع بميزة نسبية في هذا المجال.
رابعًا: توفر رؤوس الأموال التي تنتظر الأيادي الأمينة لاستثمارها وتوظيفها, وهذا أفضل مجال لها, لما يعود على البلدة بتوفير مناصب العمل, واستقرار الفلاح في أرضه, وعدم التفكير في الهجرة إلى مدن الشمال.
النموذج الثاني: (1/67)
صفحة 68
الاستثمار في تنمية الثروة الحيوانية:
تعتبر تنمية الثروة الحيوانية حتمية تفرضها الحاجة الملحة لتغطية النقص الحالي في المنتجات الحيوانية، التي تمثل الركيزة الأساسية في قضية الأمن الغذائي.
ولبلدية القرارة تجربة رائدة في الميدان إذ كانت الانطلاقة في بداية التسعينيات من القرن الماضي, بتزايد عدد رؤوس الأبقار التي وصلت حاليا ما يربو على ألف وسبعمائة رأس, منها حوالي ثمانمائة بقرة حلوب, والباقي موجَّه كمصدر للحوم الحمراء (10).
ومما شجع على تطوير هذا القطاع وتوسيعه العوامل الآتية (11):
(1) الدعم المادي للإنتاج من قِبَل الدولة.
(2) وجود وحدتين لاستقبال المُنتَج وتحويله.
(3) وجود تغطية في الرعاية الصحية والمتابعة الميدانية.
(4) وجود تسهيلات من بعض الخواص في طريقة اقتناء الأبقار.
(5) تكوين جمعيات لمربي الأبقار.
(6) استيراد السلالات الجيدة, والأعلاف الجيدة.
إن الآفاق مفتوحة أمام هذا القطاع للتوسُّع بناء على المحفزات السابقة الذكر, ففي جانب البقر الحلوب يمكن تدعيم وحدات استقبال الحليب أفقيًّا بزيادة أعدادها, وعموديا, بتنوع مُنتَجاتها لتشمل مشتقات الحليب الأخرى مثل: الحليب المجفف, والزبادي ... الخ, أما جانب البقر الموجه لتوفير اللحوم الحمراء, فمجاله أوسع لتلبية الحاجات من هذا المصدر والتقليل من توريد اللحوم المجمَّدة, وكلا الجانبين يحتاج إلى مزيد من الاستثمار والتمويل.
وينبغي أن نقف وقفة إكبار وتقدير - في إطار الجهود الذاتية - لما تقوم به وحدتا تحويل الحليب: ملبنة «الأصيل» لصاحبها: خبزي محمد وأولاده, وملبنة «الشيحية» لآل سليمان بوعصبانة, فالفضل يعود إليهما في تطوير تربية البقر الحلوب, وتشجيع المربين, ونأمل أن تكونا مثالين ناجحين لرجال الأعمال لاستثمار أموالهم في مثل هذه المجالات التي تخدم التنمية المحلية، وتوفر بعضًا من موارد الدولة من العملة الصعبة، فإن نجاحهما يفتح الآفاق لمزيد من الاستثمار.
تطور إنتاج دجاج اللحم ودجاج البيض في القرارة (12):
السنة
2002
2003
2004
2005
دجاج اللحم/طن (1/68)
صفحة 69
25100
16100
17900
19500
دجاج البيض
5800 (دجاجة)
4800 (دجاجة)
7800
(دجاجة)
7800
(دجاجة)
وإلى جانب تربية البقر, فقد برزت تربية الدواجن الموجَّهة لإنتاج البيض واللحوم البيضاء, فهي في تطور مستمر, رغم التقهقر الذي أصابها في المدَّة الأخيرة, إذ أن هذا النوع حساس للتطورات المناخية، فلا تستطيع التأقلم مع ارتفاع درجة الحرارة صيفًا, مما جعل المربين يحجمون عن الإنتاج في هذا الفصل.
النموذج الثالث:
الاستثمار في غرس النخيل وتربية المواشي (تجمع الخرفي ـ سعد الله):
إنَّ تجمع (الخرفي ـ سعد الله) يعدُّ من التجمُّعات الأولى التي اقتحمت ميدان استصلاح الأراضي خارج محيط القرارة, وضفاف وادي زقرير, واستخدم سياسة الاعتماد على الذات في التزود بالمياه الجوفية, فقام بحفر بئر ارتوازية بطاقة تدفق 180ل/ثا، فبدأ في العمل سنة 1988 بتهيئة 180 هكتار لتتوسع في الآونة الأخيرة إلى 1900 هكتار، ثم استفاد بالتزود بالطاقة الكهربائية لتشغيل المعدات والمرشَّات المحورية، فاستخدم سياسة موازنة بين الفلاحة وتربية المواشي، فخصص حوالي أربعين هكتارًا لزراعة النخيل التي تحتوي على ما يربو على أربعة آلاف نخلة, وستين هكتارًا لزراعة الحبوب, المروية بالرش المحوري, ومساحات لمختلف الخضر.
أما في تربية الأبقار والأغنام, فيتوفر المجمع على ما يناهز مائة رأس من البقر, وحوالي ثمانمائة رأس غنم, وخصص لها (13) 120 هكتار مغروسة بالأعلاف, لغرض الاكتفاء الذاتي.
ويقوم على خدمة هذا المجمَّع خمسون عاملا منهم عشرة موسميون.
وللمجمَّع برنامج طموح للتوسع, إذ استطاع أن يحقق الأهداف المسطرة, ويحوِّل في مدة قياسية أراضي قاحلة جرداء إلى رقعة واسعة خضراء, حتى ليخال القادم من الناحية الشرقية للبلدة وهو يشرف على التجمُّع على بعد خمس وعشرين كلم عن القرارة وكأنه في سهل من سهول المتيجة (1/69)
صفحة 70
أو الهضاب العليا, حيث الخضرة تتحدَّى رمال الصحراء على مدِّ البصر؛ إنها الإرادة الإنسانية التي تستحقُّ التشجيع, والتجربة التي ينبغي أن تتعدَّد وتتوسع.
خاتمة:
إن التنمية الاقتصادية لبناء الحضارة الإنسانية فريضةٌ دينيةٌ قبل أن تكون ضرورةً اقتصاديةً، أو ردَّ فعل لمواجهة غول العولمة الذي يتحدى الجميع، ولما كانت الطبيعة تأبى الفراغ -كما يقال- فإذا لم نقم باستغلال مواردنا وتعبئة طاقاتنا بأنفسنا انطلاقا من عقيدتنا ومقوماتنا، فسيأتي من يقوم بإدارة مصانعنا، وتشغيل مزارعنا، وتربية أبنائنا، بما يحقق مصالحه ولو على حساب قيمنا وبيئتنا وأجيالنا المستقبلية.
فالتنمية لا تشمل الجانب المادي فحسب بل تمتدُّ إلى كل مناحي الحياة، كما أنها لا تتحملها الدولة فقط، بل هي على عاتق الجميع أفرادًا، ومجتمعًا، وهيئات، ومؤسسات، كلٌّ حسب طاقته وحسب مسؤوليته.
--------------------
قائمة المراجع:
1 - د/خلف بن سليمان بن صالح النمري: الخصائص والقواعد الأساسية للاقتصاد الزراعي في الاقتصاد الإسلامي. مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية، سنة 1999، بدون عدد الطبعات.
2 - موريس غورنييه: العالم الثالث ثلاثة أرباع العالم، ترجمة سليم مكسور، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، ط:1، سنة 1982.
3 - د/ زيد بن محمد الرماني: اقتصاد العولمة، انبهار أم انهيار، مكتبة الرشد الرياض، ط:1 سنة 1424هـ، 2003م.
4 - د/ جمال الدين لعويسات: التنمية الصناعية في الجزائر، ترجمة: الصديق سعدي، ديوان المطبوعات الجامعية (بدون التاريخ، وعدد الطبعات).
5 - بنك الجزائر: تقرير سنة: 2004، التغيرات الاقتصادية والنقدية. جويلية: 2005.
6 - المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي: التقرير التمهيدي حول الظرف الاقتصادي، السداسي الأول، سنة 2004، الدورة الخامسة والعشرون.
7 - أوراق اليومين الدراسيين حول الاستثمار المحلي بالقرارة، جمعية القدماء، القرارة يومي 13 - 14 جويلية 2006.
--------------------
الهوامش
1 - د: زيد بن محمد الرماني، اقتصاد العولمة، انبهار أم انهيار، مكتبة الرشد، الرياض، ط: 1، سنة 1424 - 2003، ص: 36. (1/70)
صفحة 71
2 - موريس غورنييه: العالم الثالث ثلاثة أرباع العالم، ترجمة سليم مكسور، المؤسسة العربية للدراسات- بيروت، ط: 1، سنة: 1982، ص: 79.
3 - د/ خلف بن سليمان النمري: الخصائص والقواعد الأساسية للاقتصاد الزراعي، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، سنة 1999، ص: 11.
4 - د/ جمال الدين لعويسات، التنمية الصناعية في الجزائر، ترجمة الصديق سعدي، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر (بدون التاريخ، وعدد الطبعات)، ص: 19.
5 - المصدر: بنك الجزائر، تقرير 2004، التغيرات الاقتصادية والنقدية، جويلية 2005، ص:177.
6 - المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، التقرير التمهيدي، حول الظرف الاقتصادي، السداسي الأول، سنة 2004، الدورة: الخامسة والعشرون، ص: 77.
7 - د/ حمدي عيسى إبراهيم: الورقة المقدمة إلى اليومين الدراسيين -جمعية القدماء- جويلية 2006، تحت عنوان: الاستثمار في ميدان تربية الحيوان.
8 - الأستاذ: الشيخ بالحاج أحمد بن محمد: رئيس بلدية القرارة، الورقة المقدمة، إلى اليومين الدراسيين حول الاستثمار، مصدر سابق، تحت عنوان: تقرير حول فرص الاستثمار المتوفرة ببلدية القرارة.
9 - المهندس: ناصر إبراهيم بن يحيى، الاستثمار في التمور، ورقة مقدمة إلى اليومين الدراسيين، جمعية القدماء، مرجع سابق.
10 - أ/ الشيخ بالحاج أحمد، مرجع سابق
11 - أ/ أبو بكر مصطفى: تطور إنتاج الحليب، ورقة مقدمة إلى اليومين الدراسيين.
12 - المصدر: د/ حمدي عيسى إبراهيم: الاستثمار في ميدان تربية الحيوان، مرجع سابق.
13 - الاستثمار المحلي في مجال الفلاحة، ورقة مقدمة إلى اليومين الدراسيين. (1/71)
صفحة 72
منهج العد والإحصاء وأهميته في العلوم الاجتماعية
أ/ بشير بن الحاج عمر مرموري
قسم علم الاجتماع والديموغرافيا، جامعة أدرار
مقدمة:
الإحصاء قديم قدم المجتمع البشري؛ جرى استخدامه عند الفراعنة المصريين بصيغة العد, حيث كانوا يحصون الأفراد والأراضي والمنتجات من أجل بسط وتمكين النظام السياسي للدولة الفرعونية
من التحكم والسيطرة على الموارد البشرية والمادية؛ وتوجيهها لخدمة الحضارة المصرية وتطويرها وتوسيعها والحفاظ على مقوماتها.
ولفظ الإحصاء وارد بكثرة في التراث الإسلامي والعربي , ففي القرآن الكريم هو وارد في أكثر من موضع؛ ومثال ذلك قوله تعالى:
{وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن/28]، {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة/06]، {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلآَّ أَحْصَاهَا} [الكهف/49]، {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم/34].
من هنا يمكننا القول: إن التراث الإسلامي أصلٌ من أصول الفكر الإحصائي، بمناهجه وطرائقه، سواء من حيث العدُّ أو القياس؛ ومن دلائل ذلك إسهامات علماء المسلمين في علوم الرياضيات، ومنهم البيروني في علوم الفلك والرياضيات، والتي كانت أساسا لعلم الإحصاء فيما بعد.
كما لا ننكر ما للحضارة الغربية من دور في تطوير علم الإحصاء وإرساء العديد من المعالجات والاستخدامات لذلك العلم في العديد من أوجه الحياة الإنسانية، وبدأ هذا الاتجاه على يد المؤرخ الدانماركي Ankerson عام 1741.
هكذا أصبح علم الإحصاء لغة مشتركة وضرورية في كافة الفروع والتخصصات العلمية، لما يقدمه من تبسيط وسهولة ووضوح وإدراك لأبعاد المتغيرات والظواهر المختلفة، وعلاقاتها المتنوعة، وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الإنسان.
لكن الإحصاء كما يفهمه أغلب الناس لا يخرج عن كونه جمع المعلومات وعرضها في جداول ورسوم بيانية، وقد تفهمه طائفة قليلة من الناس في إطار حساب المتوسطات والنسب المختلفة.
إلا أن الإحصاء في صورته الحديثة هو أحد الدعامات الرئيسية التي تقوم عليها الطريقة العلمية للبحث في العلوم الاجتماعية والعلوم المتصلة بأي لون من ألوان الحياة.
علم الإحصاء وأهميته:
تاريخ علم الإحصاء:
كان استخدام الإحصاء في البداية مقصورا على الأعمال الخاصة بشؤون الدولة كما يدل ذلك الأصل اللغوي في الإنجليزية Statistics وهو مشتق من كلمة state أي الدولة؛ ومعناه مجموعة الحقائق الخاصة بشؤون الدولة.
أما في اللغة العربية فيعني العد الشامل. ويحدث كثيرٌ من الخلط بين كلمة إحصاءات وبين كلمة إحصاء، حيث إن كلمة إحصاءات تعني مجموعة من البيانات العددية التي تصف ظاهرة معينة، ومثال ذلك إحصاءات المواليد والوفيات والإحصاءات السكانية. أما كلمة إحصاء فهي تعني مجموعة من الأدوات في متناول الباحث، ويطلق عليها الطرق الإحصائية والتي يقصد بها الأساليب المتَّبعة لتلخيص وتصنيف وتحليل البيانات العديدة، وإيجاد العلاقة بينها. (1/72)
صفحة 73
وفكرة الإحصاء بالمعنى العادي المألوف عبارة عن جمع بيانات عن المجموعات والظواهر المختلفة، والتعبير عنها في صورة رقمية؛ وهي بهذا المعنى ليست فكرةً حديثةً بل إنها كانت موجودة مند أقدم عصور التاريخ، وفكرة الإحصاء بمعنى الحصر والعد فكرة قديمة ترجع إلى عصر بعيد في تاريخ المدنية الإنسانية، وقد قام بتطبيق هذه الفكرة واستخدامها في تدبير سياسة الدول قدماء المصريين حيث قام بناة الأهرام بعمل تعداد لسكان مصر وثروتها، واستخدموا النتائج في تنظيم مشروع البناء. وفي العصور الوسطى نجد أن الملوك ورؤساء القبائل قاموا بمثل هذه العملية ليتعرفوا على عدد ما لديهم من الرجال ومقدرتهم على الدفاع عن أوطانهم أو مهاجمة الغير.
أمَّا علم الإحصاء الآن فهو علم مستقل له نظرياته وقواعده وله مناهج وتقنيات يعمد عليها لحل الكثير من المشكلات الاجتماعية وغيرها. ويستند علم الإحصاء في بُناه النظرية والمنهجية على النظريات الرياضية وبذلك استطاع أن يخطوا خطى واسعة نحو الدقة والموضوعية والبناء العلمي، ومن هذا الارتباط ترتب ظهور علوم جديدة هي: علم الإحصاء الرياضي، الميكانيكا الإحصائية، وعلم النفس الإحصائي، علم الحياة الإحصائي، وعلم الاقتصاد الإحصائي، والديمُغرافية الإحصائية.
تعريف الإحصاء:
الإحصاء هو العلم الذي يدرس كيفية جمع المعلومات من المجتمعات الإحصائية المختلفة سواء بالعد الشامل أو بالمعاينة، وكيفية تحويل هذه المعلومات إلى بيانات رقمية في جداول إحصائية بالإضافة إلى الأساليب المختلفة التي يمكن استخدامها لتحليل هذه البيانات تحليلاً رياضيًّا لاستنتاج المقاييس المختلفة مثل المتوسط والانحراف المعياري. وعند حساب المقاييس أو المعاملات، مثل معامل الارتباط ومعامل الانحدار ومعامل الاختلاف, أو المؤشرات التي تدلُّ على الاتجاهات الزمنية؛ مثل الأرقام القياسية المختلفة. ثم كيفية إجراء الاختبارات المختلفة على المقاييس والمعاملات المستنتجة من عينات الحكم على معنوياتها وتحديد أخطائها عند درجات الثقة المختلفة, وأخيرا كيفية تفسير النتائج التي نصل إليها باستخدام هذه الأساليب في التحليل، ثم توضيحها في تحرير نهائي عن موضوع الدراسة الذي أردنا دراسته باستخدام الطريقة الإحصائية (1).
يتبين لنا بذلك أن علم الإحصاء يعنى بالأساليب الإحصائية التي يلجأ إليها الباحث سواء في العلوم الطبيعية أو الاجتماعية للتعرُّف على الحقائق الخاصة بالظواهر والمشاكل موضع البحث ....
أهمية علم الإحصاء:
الإحصاء عند عامَّة الناس لا يخرج عن كونه جمع معلومات وعرضها في جداول ورسوم لكنه في صورته الحديثة هو أحد الدعامات الرئيسية التي تقوم عليها الطريقة العلمية للبحث في العلوم الإنسانية وغيرها, وهذه الطريقة لا تخرج عن مجموعة من الخطوات (2). هي كالتالي:
1 - القيام بإجراء ملاحظات وتجارب موضوعية. (1/73)
صفحة 74
2 - استخلاص النتائج الموضوعية التي تؤدِّي إليها تلك التجارب.
3 - صياغة القوانين والنظريات التي تفسِّر نتائج التجارب المختلفة.
ويرتبط الإحصاء بالخطوتين الأولى والثانية, ذلك لأنَّه يحدِّد الشروط الأساسية لموضوعية التجارب وخطتها ووسيلتها ومنهجها, وهو أيضا يحدِّد طُرق التحليل الأساسية لكلِّ تجربة ومدي التقييم الذي تنطوي عليه نتائج تلك التجارب, وتظهر أهمية الإحصاء فيما يلي:
1 - الإحصاء يساعد على تقييم أيِّ نوعٍ ممكن من الوصف للمعطيات التي نحصل عليها. كما أن الوصف الدقيق من أهداف العلم الذي يسعى إلى وصف الظاهرات التي يدرسها, فالوصف الإحصائي أكثر دقة وأكثر صحَّة من الوصف اللفظي، والدقة والموضوعية من سمات العلم.
2 - إنَّ المناهج الإحصائية تدفعنا إلى التعوُّد على الدقة والتحديد في خطوات البحث وفي تفكيرنا, فالمعاني والنتائج تصبح محدَّدة ومعرفة تعريفا كمِّيًّا.
3 - تساعد الوسائل الإحصائية في تلخيص نتائج البحث بطريقة ذات معنى ودلالة وبطريقة سهلة ومريحة, فالمعلومات المبعثرة التي يحصل عليها الباحث تظلُّ في حوزتها عديمة المعنى حتى تنالها مهارة الباحث الإحصائية.
4 - يجعلنا الإحصاء نرى الأشياء واضحة ومنظَّمة, بل إنه ينشئ نظاما واضحا للأشياء والعلاقات بينها، ويساعدنا على رؤية النتيجة وفهمها من مجرد نظرة عابرة.
5 - يساعد الإحصاء الباحث في استنتاج النتيجة العامة, ويخضع هذا الاستنتاج لقواعد ثابتة وقوانين رسمية ومقبولة من جميع العلماء والباحثين، بل إن الإحصاء يساعدنا في مدى الثقة التي نعطيها لما نحصل عليه من النتائج وإلى أي مدى يمكن تعميم ما نحصل عليه من نتائج.
6 - نستطيع أن نتنبَّأ بحدوث ظواهر معيَّنة عن طريق الوسائل الإحصائية.
7 - يُساعد الإحصاء على معرفة علل وأسباب بعض الظواهر وذلك عن طريق ضبط العوامل والمتغيِّرات ومعرفة أثر كل عامل على حدة.
الوظائف الأساسية لعلم الإحصاء:
حتَّى نتعرَّف على خصائص علم الإحصاء يجدر بنا أن نعرف وظائفه، وهي تتلخَّص في الآتي:
1 - وظيفة الوصف والتحليل البياني وهي الوظيفة الأوَّلية لعلم الإحصاء، وتستخدم في تلمُّس حقائق الظواهر المختلفة حيث يمكن تحديد خصائص الظاهرة تحت الدراسة عن طريق الأشكال البيانية التي تمثل بيانات ظاهرة بطريقة علميَّة تشمل تحديد خصائص الظاهرة واتجاهاتها العامة.
ويعتمد الوصف في الإحصاء على استخدام المقاييس والمؤشرات الإحصائية.
2 - وظيفة الاستدلال (الاستقراء) فهي ذات أهمية في مجال البحث العلمي فمثلا إذا كانت الظاهرة موضع الدراسة والتحليل ممثلة للمجتمع الذي تنتمي إليه فإنه يمكنك الحصول على نتائج (1/74)
صفحة 75
معنوية عن المجتمع بتحليل بيانات هذه الظاهرة وهو ما يُعرف بالاستدلال، ويعتمد هذا الأسلوب في البحث على الشروط التي يجب توفرها حتى يكون هذا الاستدلال سليما.
3 - وظيفة اختبارات الفروض الإحصائية حيث يتمُّ وضع فروض إحصائية بسيطة أو معقَّدة تمهيدا لاختبارها وللتأكد من صحَّتها حتى يمكن استخلاص النتائج واتخاذ القرارات، ويتمُّ ذلك من خلال المشاهدات المتكررة للمتغير في الظاهرة موضع الدراسة وحقيقة هذا التغير بالفروض الموضوعة، فإذا ما توصلنا إلى عدم وجود فرق جوهري بين المشاهدات وما تمَّ افتراضه فإن الفرض يكون صحيحًا إحصائيا في حدود خطأ مسموح به عند مستوى معيَّن وفي حالة توصلنا إلى وجود فرق جوهري وحقيقي بين ما تمَّ تسجيله من واقع المشاهدات وما تم افتراضه فإن الغرض يكون غير صحيح لأن المشاهدات الواقعية لا تؤيِّد ما كان يتوقع في تغير الظاهرة موضع التحليل، وتعتبر الاختبارات الإحصائية للفروض الأسلوب العلمي في استخلاص النتائج بطريقة نوعية دقيقة بمقارنتها بالطرق العلمية التي تكثر معها الأخطاء عند استخلاص النتائج (3).
4 - وظيفة التنبُّؤ أو التوقع ويقصد بها في علم الإحصاء تلك التغيرات التي حدثت لظاهرة في الماضي وليس في المستقبل وذلك لتأكيد وجود الظاهرة من خلال المشاهدة والقياس واختبار الفروض وتفسير التغيرات واستخلاص النتائج.
تعتمد دقَّة التنبؤ على الحتمية في الظاهرة موضع التنبؤ والتي تؤدِّي إلى استخلاص نتائج مشابهة تحت ظروف مشابهة.
أنواع البحوث الإحصائية وخطوات القيام بها:
البحوث الإحصائية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع وهي:
1 - البحوث الوصفية وهي التي تجمع المعلومات عن ظاهرة لا لخدمة هدف بذاته محدد سلفا وإنما بقصد توفير بيانات من الممكن أن تخدم أغراضًا متعددة لباحثين فيما بعد مثل تعدادات السكان والتجارة والصحة.
2/ البحوث الإحصائية التحليلية والتي تجمع فيها المعلومات التي تقدم هدفًا معينًا أو تساعد في تفسير مشكلة معينة لاحظها الباحث، أو لاختبار صحة فرض معين.
3/ البحوث الإحصائية التجريبية ويستخدم هذا النوع من البحوث في ميادين مختلفة كالطب والنواحي الاجتماعية والاقتصادية.
ثانيا: البيانات الإحصائية وتحليلها
خطوات البحث الإحصائي:
نقصد بالبحث الإحصائي دراسة أي موضوع أو مشكلة في أي من المجالات العلمية، الاجتماعية أو الطبيعية، باستخدام الطريقة الإحصائية منهاجا للبحث وأداة للتوصل إلى إجابات عن الأسئلة (1/75)
صفحة 76
المختلفة التي يطرحها الباحث في دراسته وإلى التأكُّد من الفرضيات النظرية التي بدأ بها بحثه لقبولها إذا تبيَّن من البحث معنوياتها، أو استبعادها إذا تبين عدم معنوياتها، ولإجراء مثل هذا البحث تجرى دراسة استقصائية ميدانية لجمع المعلومات التي يرى الباحث ضرورتها، وعند إجراء مثل هذه الدراسة تتبع الخطوات التالية (4):
1 - تحديد موضوع البحث تحديدًا واضحا من جميع النواحي بحيث يكون مفهوما مقدما المشكلة التي يرغب الباحث في دراستها أو الفرضية النظرية التي يرغب في اختبارها والحكم عليها.
2 - جمع المعلومات إمَّا بطريقة المسح الشامل وإمَّا بالمعاينة.
3 - إعداد استمارة البحث.
4 - المراجعة الأخيرة للمعلومات المدوَّنة في الاستمارات للتأكد من صدقها.
5 - تحليل البيانات الإحصائية في المعلومات بعد تصنيفها وتبويبها وتفسير النتائج التي تترتَّب على هذا التحليل.
مصادر البيانات الإحصائية:
هناك عدَّة مصادر للحصول على البيانات الإحصائية تختلف باختلاف موضوع الدراسة والغرض منها ومن أهمها:
1 - التعدادات العامة:
توجد مؤسَّسات على غرار مصلحة الإحصاء في أغلب الدول تقوم بتعدادات عامَّة، الغرض منها حصر إمكانياتها المختلفة البشرية والزراعية والاقتصادية؛ وذلك للحصول على بيانات تستخدم نتائجها في التخطيط للشؤون المختلفة لنشاطات الدول وغالبا ما تنجز هذه التعدادات كل 10 سنوات لأنها تكلِّف الدول أموالاً ضخمة (5).
2 - الاستبيان:
هو عبارة عن استمارة إحصائية تحتوي على مجموعة من الأسئلة تؤدِّي الإجابة عليها إلى الحصول على البيانات المطلوبة.
3 - الدوريات العلمية والنشرات والسجلات:
في كل مجالات المعرفة تصدر مجلات علمية بطريقة دورية سنوية أو نصف سنوية .. كما تقوم المؤسسات العامة والجهات الرسمية بإصدار نشرات تتضمَّن معلومات عن أنشطتها المختلفة, إضافة إلى ذلك تقوم بعض الجهات الرسمية بتسجيل بياناتها في سجلاَّت رسمية مثل سجلاَّت المواليد والوفيات والطلاق والزواج ...
4 - التجارب:
تعدُّ من المصادر الهامة في الحصول على البيانات الإحصائية .. وقد تكون التجربة معملية أو حقلية وذلك كما هو الحال في العلوم التطبيقية بمجالاتها المختلفة أو خارج المعامل كما هو في العلوم (1/76)
صفحة 77
الإنسانية والعلوم الإدارية والتجارية.
أنواع البيانات الإحصائية:
يمكن تقسيم البيانات الإحصائية إلى قسمين: بيانات كمية وبيانات وصفية (كيفية).
1 - البيانات الكمية:
هي التي تكون مفرداتها مقيسة بمقياس كمِّي، وقد تكون هذه البيانات منفصلة مثل عدد العمَّال في مختلف القطاعات، وقد تكون متصلة مثل الأطوال والأوزان ودرجات الحرارة.
والبيانات الكمية هي بيانات عن ظواهر يمكن التعبير عنها عدديا وهي تنقسم إلى قسمين هما: المستمر والمنقطع.
2 - البيانات الوصفية:
وهي التي يتمُّ تصنيف مفرداتها وفقا لخاصيَّة معينة في تلك البيانات, فمثلا: تصنيف الإنتاج لمصنع من حيث المطابقة للمواصفات المطلوبة أو عدم المطابقة أو تصنيف الطلاَّب حسب تقديراتهم, وقد تكون البيانات قابلة للترتيب مثل تقديرات الطلاب أو المستوى الاقتصادي وقد تكون غير قابلة للترتيب مثل الجنس أو أنواع الأمراض فالبيانات النوعية هي بيانات عن ظواهر لا يمكن التعبير عنها عدديا حيث تكون الظاهرة قيد الدراسة مقسَّمة إلى صفات أو أنواع أو أزمنة.
طرق جمع البيانات الإحصائية:
يتم جمع البيانات الإحصائية بإحدى طريقتين:
طريقة الحصر الشامل أو طريقة المعاينة.
1 - طريقة الحصر الشامل:
يتمُّ فيها تجميع البيانات من كلِّ عنصر من عناصر المجتمع وتستخدم غالبًا في الحالات التالية:
أ -إذا كان المجتمع قيد الدراسة صغيرًا.
ب-إذا كان المطلوب الحصولُ على بيانات على مستوى عالٍ من الدقَّة، كما هو الحال في التعدادات العامَّة، سواء كانت سكَّانية أو زراعية أو اقتصادية أو غيرها.
ج-إذا تعذَّر الحصول على إطار لمفردات المجتمع فالإطار هو عبارة عن قوائم أو خرائط دالَّة لعناصر المجتمع قيد الدراسة.
2/ طريقة المعاينة:
إذا تعذَّر استخدام طريقة المسح الشامل في الحصول على البيانات الإحصائية لأسباب عمليَّة أو اقتصادية يتمُّ اختيار جزء (عينة) من عناصر المجتمع قيد الدراسة بأسلوب علميٍّ سليم، وبتحليل بيانات العينة إحصائيًّا يمكن تعميم نتائجها على المجتمع ككل، مع ملاحظة أنَّ نتائج العيِّنة المختارة تكون قريبة من حقائق المجتمع كلَّما زاد حجم العينة وكلَّما تمَّ اتباع الأسلوب العلمي السليم في اختيارها. ومن دواعي استخدام طريقة المعاينة مايلي: (1/77)
صفحة 78
1 - الحدُّ من التكاليف اللازمة لإجراء البحث.
2 - الحدُّ من الخطأ الناتج عن عدم الدقة في القياس وذلك لمحدودية مفردات المجتمع المختارة.
3 - إذا كان المجتمع الإحصائي لا نهائيًّا, مثل متوسط أعمال الطلبة الذين التحقوا بالجامعة في الماضي والحاضر والمستقبل ...
العمليات الأساسية في معالجة الإحصاءات:
هي ثلاث عمليات كما في هذا الشكل (6).
جمع وتحصيل البيانات --> تصوير ووصف البيانات، تحليل البيانات
1 - جمع البيانات:
تأتي البيانات من نشاطات العمليات العادية للمؤسسات والشركات ومن مصادر أخرى, وهذه المؤسَّسات تعمل على معالجة هذه البيانات ونشرها عبر قنوات متعدِّدة أو على الرأي العام.
تعتبر مرحلة جمع البيانات والمعلومات والحقائق عن المتغيرات والظواهر موضوع الدراسة من أسس العمل الإحصائي التي لها أهمية خاصة لا يمكن إغفالها في أي دراسة علمية منظمة, وتأتي أهمية هذه المرحلة وخطورتها في أنَّ أي أخطاء في هذه العملية تؤدِّي إلى مجموعة أخطاء متعاقبة في العرض, في التحليل وفي التخطيط وفي اتخاذ القرارات.
ومن الأهمية أن نعطي عناية فائقة لتقليل الأخطاء بقدر المستطاع, بل ومحاولة التحكُّم فيها وتلافيها إن أمكن في أول المراحل وذلك حتَّى يتسنَّى لنا جمع البيانات بدقة عالية.
وقبل الشروع في عمليَّة جمع البيانات يجب الإلمام بعدَّة خطوات هامَّة وضرورية (7)، تمليها طبيعة الدراسة:
1 - تحديد المشكلة العلمية أو تعيين مجال الظاهرة المراد دراستها وبحثها.
2 - الاتفاق على وحدة القياس التي ستستعمل في عمليَّة جمع البيانات.
3 - تعيين المتغيرات التي ستتناولها عملية القياس وحصر المصادر التي يعتمد عليها في الحصول علي البيانات.
4 - تحديد الأسلوب أو الطريقة التي تتبع في جمع البيانات والمعلومات.
2 - تصوير ووصف البيانات:
بعد جمعنا للبيانات يمكننا البدء بتنظيمها وهذا يسمح لنا بالحصول على صورة عن المعلومات الإجمالية التي تتضمَّنها البيانات لنكون قادرين على وصف خصائصها الأساسية, وهذه القدرة تتعزَّز باستعمال الرسوم البيانية المستمدة من علم الإحصاء التصويري (علم تنظيم الإحصاءات في أشكال ورسوم) وتصوير البيانات بهذه الطريقة يعزز قدرتنا علي تفسيرها وفهمها.
3 - تحليل البيانات:
بعد جمع وتنظيم البيانات يمكننا تطبيق بعض أساليب علم الرياضيات التي تعطينا الإحصاءات (1/78)
صفحة 79
النهائية، وهي عبارة عن أرقام تصف جوانب محدَّدة أو صفات محدَّدة في مجموعة البيانات (8).
المراحل القبلية لعملية العرض البياني:
تأتي عملية عرض المعلومات في مرحلة تالية لمرحلة تحديد الظاهرة المدروسة والمجتمع ونوع المتغير وطبيعة السحب (سحب العيِّنة) وعملية تحضير الاستبيان وعملية الفرز، ثم تفريغ المعطيات الأولية في جداول أوَّلية، وأخيرا توضع المعطيات
الأولية في جداول نهائية تسمَّى جداول المعطيات والمخطط التالي (9) يبين مختلف المراحل الهامة القبلية لعملية العرض الجدولي:
تحديد الظاهرة المدروسة
تحديد المجتمع المدروس
طبيعة الدراسة (الحصر الشامل، اختيار العينة)
طبيعة المجتمع (غير متجانس عينة طبقية، متجانس عينة عشوائية)
طبيعة المتغير المدروس (كيفي غير قابل للقياس مستمر، كمي قابل للقياس منقطع)
وضع الاستبيان: استمارة تحتوي على أسئلة واضحة وغير مُحرجة
فرز الاستمارات
العرض الجدولي
العرض البياني
--------------------
المراجع العربية:
1. أحمد محمد الطبيب: الإحصاء في التربية وعلم النفس، المكتب الجامعي الحديث، الأزاريطة، الإسكندرية، د. ت. ن، 340 ص.
2. أمجد إبراهيم سعادة وعلي إبراهيم سعد ومحمد رياض علي: الإحصاء والاحتمالات في التطبيقات الهندسية، دار الفجر للنشر والتوزيع 2005. 415 ص.
3. جاريت لويين: الإحصاء، الدار العربية للعلوم، 1997، 112ص.
4. جلاطو جيلالي: الإحصاء، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 2002، 205 ص.
5. عبد الكريم بوحفص: الإحصاء المطبَّق في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 4/ 2005، 295 ص.
6. علي عبد السلام العماري: علي حسين العجيلي، الإحصاء والاحتمالات، النظرية والتطبيق، منشورات ELGA ، فالينا مالطا 2000، 837 ص.
7. محمد محمود مهدلي: تطبيقات علم الإحصاء في العلوم الاجتماعية، المكتب الجامعي الحديث (1/79)
صفحة 80
الازاريطة الإسكندرية 2002، 367 ص.
المراجع الأجنبية:
8 - Hamdani Hocine: Statistique descriptive et expression graphique, OPU Alger 1988, pp: 381.
--------------------
الهوامش
1 - أمجد إبراهيم سعادة وآخرون. الإحصاء والاحتمالات في التطبيقات الهندسية، دار الفجر للنشر والتوزيع 2005. ص: 14.
2 - محمد محمود مهدلي , تطبيقات علم الإحصاء في العلوم الاجتماعية، المكتب الجامعي الحديث الإسكندرية 2002، ص: 14.
3 - حمد حمود مهدلى: تطبيقات على الإحصاء في العلوم الاجتماعية. 2002. ص 09.
4 - أمجد إبراهيم سعادة، ص 21, 24.
5 - علي عبد السلام الهادي العجبلي: الإحصاء والاحتمالات, ص 14.
6 - الإحصاء , جاريت لوبين , ص 14, 15, 16.
7 - محمد محمود، تطبيقات علم الإحصاء في العلوم الاجتماعية ص 23، 24.
8 - المرجع السابق، ص16.
9 - جلاطو جيلالي, الإحصاء، 2002, ص: 8. (1/80)
صفحة 81
منهج التخريج العلمي للحديث
(دراسة تطبيقية)
أ/ صالح بن محمد حمدي
المتوسطة العلمية الجديدة، الحميز - الجزائر
إن معظم العلوم الإسلامية التي ترتكز على النقل والرواية، هي في مسيس الحاجة إلى علم الحديث؛ إذ أنَّ أهم فوائده: اكتشاف الأخطاء والأوهام التي تقع من الرواة بشكل طبيعي - مهما فاقت قدراتهم في حفظ الحديث وضبطه - كما يكشف بهذا العلم افتراء المغرضين المتروكين من الرواة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أو فيما ينقلونه من الآثار (1).
لكن هذه الفوائد لن تجنى ما لم تمارس على الرواية: القواعد الحديثية التي مارسها المحدثون في عصر الرواية ونظّرها المتأخرون في كتبهم المعروفة بكتب علم مصطلح الحديث. هذه الممارسة ينبغي أن تكون بشكل منهجي متكامل يشمل كل نواحي علم الحديث؛ وهو ما يمكن تسميته اليوم: التخريج العلمي للحديث.
فما هي حقيقة التخريج؟ وهل هناك تخريج علمي وآخر غير علمي؟
ذلك ما سنحاول الإجابة عنه من خلال النقاط الآتية:
*أولا: مفهوم التخريج والهدف منه؟
*ثانيا: الخطة العملية المقترحة للتخريج؟
أولا: مفهوم التخريج والهدف منه
لفظ التخريج في اللغة؛ له معانٍ عدَّة؛ القاسم المشترك بينها وبين ما يستخدمه المحدِّثون هو معنى الإظهار والإبراز عموما (2).
(أ) عند المحدِّثين القدامى:
أطلق هؤلاء مصطلح التخريج وأرادوا به مفاهيم شتى؛ فمن بينها:
رواية الحديث وإخراجه:
بمعنى إبرازه للناس بذكر مخرجه، أي رجال إسناده الذين خرج الحديث من طريقهم، فيقولون مثلا: هذا حيث أخرجه البخاري أو خرّجه البخاري، أي رواه وذكر مخرجه بسنده (3).
عزو الحديث إلى مصادره الأصلية (4):
وذلك بذكر من رواه من المصنفين مع إشارة موجزة إلى أحوال إسناد الحديث؛ كما فعل السيوطي في كتابيه: الجامع الصغير والكبير، والهيثمي في كتابه: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، وغيرهما ممن حذا حذوهما (5).
انتقاء الأحاديث الغرائب أو الصحاح أو كليهما من كتاب معين:
مع عزوها إلى أصحابها، أي بيان من رواها من المتقدمين كأصحاب الصحاح والسنن وغيرها، وذلك ما نلحظه مثلا في كتاب: الفوائد المنتخبة من الصحاح والغرائب، لأبي القاسم المهرواني، تخريج الخطيب.
(ب) التخريج عند المعاصرين:
عرَّف محمود الطحان - أستاذ الحديث بجامعة الكويت - مصطلح تخريج الحديث بقوله: «هو الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده؛ ثم بيان مرتبته عند الحاجة» (6).
وعند النظر إلى حقيقة التخريج وأغراضه العلمية؛ نجد بعض الخلل في هذا التعريف: إذ حصر وظيفته في مجرد الدلالة على مظان الحديث الأصلية؛ وذلك أن التعريف لم يفرق بين التخريج الفني والتخريج العلمي، فما ذكره الأستاذ إنما يخدم الجانب الفني الشكلي للتخريج فحسب (7)، فهل يكتفى بهذا الجانب؟ (1/81)
صفحة 82
والحديث درجات وأصناف من حيث قوة سنده وضعفه، ومن حيث ثبوت متنه وعدمه، وغير ذلك مما يتعلق بأصول السند وفقه الحديث. وهل بعد ذلك يُعزل بيان مرتبته عن ذكر مصادره؟ فما هو التخريج العلمي وما الهدف منه؟
التخريج العلمي والهدف منه:
إن التعريف الذي نراه مناسبا هو تعريف حمزة الليباري - أستاذ الحديث بجامعة الإمارات - إذ يقول عن التخريج العلمي: «هو كشف مظان الحديث من المصادر الأصلية التي تعتمد في نقله على الرواية المباشرة، لمعرفة حالة روايته من حيث التفرد أو الموافقة أو المخالفة» (8).
لقد جعل التعريف الهدف الأساس للتخريج: هو معرفة حال الرواية وملابساتها، ـــــ سندًا ومتنًا ـــــ والتي لا تخلو من إحدى حالات ثلاث:
(1) التفرد: والحديث المتفرد هو: «الحديث الذي يتفرد فيه بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره، إما في متنه وإما في إسناده» (9).
(2 و3) الموافقة أو المخالفة: لروايات رواة الحديث ذاته؛ وتتوقف معرفة هذه الأمور على جمع الروايات، ثم إجراء المقارنة بينها؛ للوصول أخيرا إلى تصنيف الحديث في إحدى درجاته، وهنا تكمن أهمية التخريج العلمي.
ثانيا: الخطة العلمية المقترحة للتخريج
حتى تتَّضح هذه الخطة، نقوم بدراسة تطبيقية على حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- عن النبيء عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم».
الخطوة الأولى: جمع طرق الحديث:
لتحقيق الهدف من التخريج ينبغي جمع أقصى ما يمكن من طرق الحديث من مصادره؛ بالاستعانة بالفهارس المتنوعة التي تدل عليه (10) وذلك للوقوف على حال الرواية.
(أ) مرحلة استخراج الطرق من مظانها: تجدر الإشارة إلى أنه خلال هذه المرحلة: إذا وجد الباحث نصا نقديا لأحد المحدثين - ذا صلة بحديثه - فلا يتوان في تسجيله؛ حتى يوظفه في مرحلة والتقييد للروايات والمقارنة بينها (11).
بالنسبة للحديث - محل الدراسة - استخرجنا له الطرق الآتية:
*- قال الإمام البخاري في كتاب العتق/باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه: (12)
(1) حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم».
- وقال في كتاب الطلاق/باب الطلاق في الإغلاق ... : (13)
(2) حدثنا مسلم عن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال (1/82)
صفحة 83
النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم».
- وفي كتاب الأيمان والنذور/ باب إذا حنث ناسيا في الأيمان (14):
(3) حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا مسعر حدثنا قتادة حدثنا زرارة بن أوفى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم».
- وقال الإمام مسلم في كتاب الأيمان/ باب تجاوز الله عن حديث النفس (15):
(4) حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة ابن سعيد ومحمد بن عبيد الغبري؛ واللفظ لسعيد؛ قالوا حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به».
- وقال ابن ماجه: في كتاب الطلاق/باب طلاق المُكرَه والناسي (16):
(5) حدثنا هشام بن عمار حدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم به وما استكرهوا عليه».
- بعد أن جعلنا للحديث سبعة طرق وهو جمع - باعتباره أنموذجا فحسب - غير مستوعب لكل الروايات؛ ننتقل إلى المرحلة الموالية وهي:
(ب) مرحلة رسم شجرة الإسناد: وشجرة الإسناد عبارة عن رسم بياني لطرق الحديث؛ يبين بجلاء الراوي المدار والرواة المدارات؛ الذين تدور عليهم الروايات وتتفرع عنهم، وذلك يعين الباحث على إجراء المقارنة بين هذه الروايات بشكل منهجي.
وهذا رسم لشجرة حديثنا:
النبي (
أبو هريرة
زرارة بن أوفى
قتادة
أبو عوانة هشام مسعر
سعيدبن منصور قتيبة بن سعيد محمدبن عبيد مسلم بن إبراهيم خلاد بن يحيى سفيان بن عيينة
الحميدي هشام بن عمَّار
مسلم البخاري ابن ماجه
(ج) مرحلة المقارنة بين الطرق:
من خلال الرسم الشامل لكافة الأسانيد التي جمعناها، نلاحظ ما يلي: (1/83)
صفحة 84
1 - أن قتادة مدار الروايات كلها، حيث أخذ الحديث عنه كل من:
هشام، مسعر وأبو عوانة، ثم تفرعت عن هؤلاء بقية الطرق، فقتادة مدار أصلي.
2 - أنَّ أبا عوانة كان مدارا فرعيا لمجموعة من الروايات، وهي رواية كل من:
سعيد بن منصور، قتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبيد الغبري.
3 - أنَّ مسعرا كان مدارا فرعيا لروايات كل من: خلاد بن يحيى، وسفيان بن عُيَينة.
4 - أنَّ سفيان بن عُيَينة كان مدارا فرعيا لكل من رواية الحميدي وهشام بن عمار.
*-بعد أن عرفنا المدار الأصلي والمدارات الفرعية لهذا الحديث آن الأوان لإجراء المقارنة تدريجيا بين الروايات المتشعبة عن هذه المدارات. «ومن الجدير بالذكر أنه كلما تعددت الروايات عن شيخ فقد أصبحت المقارنة بينها ضرورة ملحة ليعرف مدى الاتفاق بينها أو الاختلاف» (17).
*-نبدأ أولا بالمدار الفرعي: أبو عوانة، ذكر مسلم خلال سياقه للحديث الرواة الثلاثة الذين رووا عن أبي عوانة؛ في مقام واحد، وأورد المتن الذي رواه سعيد دون ما رواه قتيبة ومحمد، بقوله: «واللفظ لسعيد» مما يفهم منه حال الاتفاق بين رواة المدار: أبي عوانة.
*-حين قارنا بين الحميدي وهشام بن عمار اللذين أخذا عن سفيان وجدنا لفظ «وما استكرهوا عليه» فهل تقبل هذه الزيادة باعتبارها صحيحة؟ أو ترد باعتبارها علة أو خطأ في المتن؟ وإذا رُدَّت فما وجه العلة فيها؟
وقد وجدنا مبدئيا ما يفيد ردّ هذه الزيادة؛ وهو نص للحافظ ابن حجر يقول فيه: «وقد وقع في رواية هشام بن عمار عن ابن عُيَينة عن مسعر في هذا الحديث بعد قوله (أو تكلم به): وما استكرهوا عليه، وهذه الزيادة منكرة من هذا الوجه ... » (18).
*-بالمقارنة بين مجموع الروايات الصادرة عن المدار الكلي: قتادة ـــــ باستثناء رواية الزيادة ـــــ وجدناها متفقة فيما بينها، اللهم إلا اختلاف يسير في المتن غبر مؤثر ولا مُعتَبر، يفيد مضمونها: نفي الحرج والإثم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيما يخطر في قلوب أفرادها من أحاديث النفس ووساوس الصدر، حتى يقع العمل على وِفْقها بالجوارح أو باللسان.
الخطوة الثانية: نقد طُرق الحديث:
بعد جمع أقصى ما يمكن من الطرق؛ يتعين على الباحث اختيار طريق واحد للدراسة - توفيرا للجهد - فإن وجد رواة الحديث الصحيح أو الحسن، ووجد الاتصال بينهم - تاريخيا - ثابتا، وانتفت العلة، استطاع على ضوء ذلك الحكم على الحديث من ذلك الطريق ولا حاجة له إلى الانتقال لطريق آخر بغرض نقده؛ إلا إذا لم تتوفر أحد تلك الشروط المذكورة في صحة السند، وفقا لما هو متعارف عليه عند المحدثين في شروط الصحيح وهو «الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ومعللا» (19)، أو في (1/84)
صفحة 85
شروط الحديث الحسن وهو «الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خَفَّ ضبطه غير شاذ ومعلل» (20).
- مما سبق يمكن تقسيم هذه الخطوة إلى ثلاث مراحل:
(أ) نقد الرواة، (ب) نقد الاتصال بين الرواة، (ج) نقد العلة (إن وجدت).
*-في نقد كل راو نتطرق إلى ثلاث نقاط رئيسة وهي: دراسة الهوية، دراسة العدالة، ثم الضبط؛ فأول ما يدرسه الباحث: هوية الراوي المتضمنة: لاسمه، نسبه، لقبه، كنيته، تاريخ ميلاده ووفاته، ونسبته (إلى البلاد أو القبيلة أو الحرفة)، ويهم الباحث أيضا معرفة ثقافة الراوي: حديثية، أم فقهية أم تاريخية ... وتكمن أهمية معرفة الهوية في التمييز بين الرواة؛ إذ كثيرا ما تشتبه أسماء الرواة أو والديهم ووفياتهم؛ مما يؤدي عدم التدقيق بينها إلى خلط الثقات بالضعفاء أو حتى الكذابين، كما تفيد معرفة الهوية في المراحل التالية من الدراسة؛ وهي نقد الاتصال ونقد العلة.
*-النقطة الثانية والثالثة التي يدرسها البحث في الراوي هي العدالة والضبط؛ أو من حيث الجرح والتعديل.
فالعدالة تمثل الجانب الذاتي والسيرة الدينية للراوي؛ لأن الرواية كالشهادة تتطلب استقامة الدين والخلق، أما الضبط فيمثل السيرة الروائية للراوي؛ وهي حفظه وإتقانه لمروياته.
ويشترط المحدثون في الضبط أن يكون الراوي يقظا غير مغفل حال سماعه وأدائه للحديث، عالما بما يحيل الحديث من معان إن كان يحدث بالمعنى لا باللفظ (21).
*-وتراجم الرواة التي نجدها مبثوثة في كتب رجال الحديث - على اختلاف تصانيفها - من أهم وسائل الوقوف على خطئهم ووهمهم؛ أو ضبطهم وصوابهم فيما رووه؛ حينما لا نجد تنصيص النقاد على ذلك، كما أنها تسعف الباحث في التثبت من دقة الأحكام التي يصدرها النقاد على أحاديث هؤلاء الرواة (22).
*-وقد اصطلح علماء الجرح والتعديل على استعمال ألفاظ يعبرون بها عن وصف حال الراوي من حيث القبول أو الرد، ويَدُلون بها على المرتبة التي ينبغي أن يصنف فيها من مراتب الجرح والتعديل (23)، ضمن ما يسمى بسُلم الرواة، هذه المراتب يمكن حصرها في ثلاثة أصناف: صنف اتفق النقاد على قبول رواية أصحابه وهو أصحاب المراتب العليا من التعديل، وصنف اتفقوا على رد روايته وهم أصحاب المراتب الدنيا من الجرح، وصنف بين ذلك؛ يختلف الحكم عليه (24).
*-وتطبيقا لما سبق؛ نختار إحدى طرق حديثنا - محل الدراسة- لنقد رواته راويا راويا، وليكن طريق: البخاري عن الحميدي عن سفيان بن عيينة عن مسعر عن قتادة، عن زرارة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
*-لكن قبل ذلك تجدر الإشارة إلى ملاحظتين:
الأولى: أن كبار المصنفين لكتب السنة من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد؛ قد استفاضت بين (1/85)
صفحة 86
العلماء؛ عدالتهم وضبطهم ومعرفتهم بالعلل والرجال، فلا حاجة لنا إلى الترجمة لهم، وكذلك الحال - بل وأكثر - بالنسبة للصحابة (رضوان الله عليهم) لثبوت عدالته بالوحي (25).
الثانية: إن كافة المعلومات التي يجمعها الباحث عن الراوي؛ يسجلها في مسودته ويقوم بتحليلها؛ ولا يقدم في عرضه المنهجي إلا خلاصة الحكم على الراوي، مع شيء من التعليل.
(1) ترجمة الحميدي:
هو عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي، القرشي المكي، ترجم له البخاري (26) وابن أبي حاتم الرازي (27) ومحمد بن طاهر القيسراني (28) وغيرهم.
وقد اتفق النقاد على توثيقه وتصنيفه في أعلى درجات التعديل؛ ثقة، ثقة - حسب سُلم ابن حجر - «قال أحمد بن حنبل: الحميدي عندنا إمام» (29).
وقال ابن حجر: «ثقة حافظ فقيه» (30).
(2) ترجمة سفيان:
هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران أبو محمد الكوفي، ترجم له البخاري (31) ومحمد بن حبان البَستي (32) وغيرهما.
وقد اتفق النقاد على تصنيفه في أعلى درجة: ثقة، ثقة.
قال فيه ابن حبان: «كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والدين».
وقال فيه ابن حجر: «ثقة حافظ فقيه إمام حجة» (33).
(3) ترجمة مسعر:
هو مسعر بن كدام بن ظهير أبو سلمة الهلالي الكوفي، ترجم له ابن حبان (34) وعبد الرحن المزي (35) وغيرهما.
قال سفيان بن عيينة: «كان مسعر عندنا من مَعادن الصدق» (36).
وقال عبد الله بن داود الخريبي: «كان مسعر بن كدام يسمى المصحف لقلة أخطائه وحفظه» (37).
*- واتفق كبار النقاد على توثيقه أمثال: ابن حنبل، ويحيى بن معين وابن أبي حاتم الرازي.
(4) ترجمة قتادة:
هو قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي البصري، ترجم له كل من: محمد بن سعد (38) وشمس الدين الذهبي (39) واتفق النقاد على توثيقه.
قال فيه محمد بن سعد: «كان ثقة مأمونا حجة في الحديث» (40).
وقال في الذهبي: «كان من أوعية العلم وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ» (41).
(5) ترجمة زرارة:
هو زرارة بن أوفى؛ أبو حاجب العامري البصري، ترجم له ابن حجر (42) والمزّي (43) (1/86)
صفحة 87
وغيرهما، واتفقوا على توثيقه أيضا.
«قال النسائي: ثقة، وذكره بن حبان في كتاب الثقات» (44).
*- والآن نخلص إلى الحكم على الحديث - مبدئيا - من خلال نتائج دراسة رجال هذا السند؛ وبسير أحوالهم - عدالة وضبطا- وهو أنهم كلهم ثقات؛ وعليه يأخذ الحديث أعلى مرتبة وهي: الصحيح؛ من هذا الطريق.
(ب) مرحلة نقد الاتصال بين الرواة:
يقوم الباحث في هذه المرحلة بدراسة اتصال كل راو؛ بمن فوقه في السند (الشيخ) وبمن دونه (التلميذ)؛ إذ يقوم كل راو بعمليتين: تحمّل الحديث من شيخه ثم أدائه لتلميذه؛ وبالتالي يتحقَّق الاتصال الذي ندرسه في نقطتين:
*-الأولى: دراسة طريقة الأداء والتحمل وصيغته.
*-الثانية: دراسة السلامة من عوارض الاتصال.
النقطة الأولى:
طريقة الأداء والتحمل وصيغته:
إن تحمل الحديث وأداءَه يحتاج إلى أهلية خاصة؛ إذ اشترط المحدثون في صحة التحمل والسماع: شرط التمييز؛ الذي يعقل به الناقل ما يسمعه ويضبطه؛ ولو كان صبيا؛ لكنهم شددوا في صحة الأداء؛ فاشترطوا فيه: البلوغ والإسلام، وينتج عن هذا صحة سماع الكافر والفاسق؛ بحيث يُقبل أداؤه لما يرويه بعد الإسلام والتوبة النصوح، وهذه كتب السنة تحمل بين طياتها كثيرا من سماعات الصحابة لأقوال النبي قبل دخولهم الإسلام (45).
ولتحمل الحديث طرق أخرى؛ منها: العرض والإجازة والمناولة ... وغيرها؛ لكن أرفع درجات التلقي -عند الجمهور -: السماع من لفظ الشيخ وهو ينقسم إلى: إملاء، وتحديث من غير إملاء، وسواء أكان تحديث الشيخ من حفظه أو من كتابه.
*- وكل راو يستعمل في أدائه صيغا يعبر بها عن طريقة تحمله؛ إذ لكل طريقة صيغة خاصة بها؛ بالنسبة لطريقة السماع؛ يعبر عنها المحدثون بصيغ منها:
حدثنا، أخبرنا، أنبأنا، سمعت فلانا ... (46).
فإذا وجد الباحث في إسناده هذه الصيغ تأكد من الاتصال، لكن توجد صيغ أخرى موهمة؛ تحتمل السماع وعدم السماع، مثل صيغ:
(فلان عن فلان ... ) أو (فلان أن فلانا ... ) أو (قال ... ) فما حكمها؟
ذهب الجمهور إلى اعتبارها صيغ اتصال لكن بشرطين.
*-الأول: إمكانية لقاء الراوي بمن روى عنه بإحدى تلك الصيغ.
*-الثاني: أن يكون بريئا من وصمة التدليس (47). (1/87)
صفحة 88
والتدليس: أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه؛ موهما أنه سمعه منه، أو يروي عمّن سمع منه لكن يُسمّيه - في السند - بما لا يُعرَف به كي لا يُعرف (48).
- فإذا تحقق الشرطان: أفادت (عن) الاتصال؛ وإذا اختل أحدهما: بأن كان الراوي مُدلسا - مثلا - فيشترط لقبول روايته تصريحه بالسماع من طريق آخر.
*-حين عدنا إلى إسناد حديثنا؛ وجدنا فيه صيغة (حدثنا) المفيدة للاتصال كما وجدنا صيغة (عن) الموهمة؛ في المقطع التالي:
« ... مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة ... »
فلا مناص من دراسة شرطي قبول تلك الصيغة، الأول (إمكانية اللقاء) ندرسه في النقطة الثانية، أما الشرط الثاني (انتفاء التدليس) فنبحثه في كل من مسعر وقتادة وزرارة.
*-حين نظرنا في تراجم هؤلاء وجدناهم سلموا من التدليس، عدا قتادة.
*-المدار الأصلي للروايات، والذي صنفه ابن حجر في طبقات المدلسين، فقال عنه: « ... وهو مشهور بالتدليس وصفه به النسائي وغيره» (49).
فالأصل أن تُحمل (عن) منه، على الانقطاع؛ لكن قد شفع فيه تصريحه بالسماع من زرارة بن أوفى؛ من طريق آخر عند البخاري، وهو قوله: (أي البخاري) في كتاب الأيمان والنذور؛ باب إذا حنث ناسيا في الأيمان (50).
«حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا مسعر حدثنا قتادة حدثنا زرارة بن أوفى ... »؛ وقد وجدنا الذهبي يؤيد هذا المعنى بقوله عن قتادة: «حافظ ثقة ثبت لكنه مدلس ... ومع هذا فاحتج به أصحاب الصحاح؛ لاسيما إذا قال: حدثنا» (51).
بعد تأكدنا من سلامة التحمل والأداء ننتقل إلى:
النقطة الثانية:
السلامة من عوارض الاتصال:
*-وعوارض الاتصال نوعان: عوارض تاريخية وأخرى روائية.
(أ) العوارض التاريخية:
يحتل التاريخ مكانة مهمة عند المحدثين، في معرفة اتصال الأسانيد وانقطاعها، وفي الكشف عن أحوال الرواة؛ وذلك بضبط مواليدهم ووفياتهم وتواريخ رحلاتهم؛ من أجل التحقُّق من اللقاء والمعاصرة بين كل شيخ وتلميذ (52).
*- وبين كل شيخ وتلميذه في السند أحد ثلاثة أنواع من اللقاء، ــــ على الدارس بحثها ــــ إما لقاء ثابت أو مستحيل أو ممكن.
*-اللقاء الثابت، أو الفعلي: وهو أن يتأكد لنا أن التلميذ التقى بشيخه؛ بطرق مختلفة، إمَّا بذكر علماء الجرح والتعديل في كتبهم، أن فلانا التقى بفلان/ أو بذكرهم التلميذ ضمن تلامذة الشيخ - (1/88)
صفحة 89
في ترجمته - أو ذكر الشيخ ضمن شيوخ التلميذ - في ترجمته - وإما بتنصيص النقاد في كتب علل الحديث على ثبوت اللقاء.
*-اللقاء المستحيل: ونتأكد منه بتنصيص علماء الجرح على عدم اللقاء؛ ولأجل هذا الغرض؛ صنفوا كتبا باسم: (المراسيل) أي الاحاديث المنقطعة سندا، ككتاب المراسيل، لأبي داود السجستاني، وإما أن نعرف ذلك بقرائن؛ كقرينة التاريخ وتباعد الطبقات؛ بأن يكون الشيخ قد توفي قبل ميلاد من روى عنه - مثلا - أو أن يعرف ذلك بتتبع البلدان والرحلات التي قام بها كل من الشيخ والتلميذ، فلا نجدهما التقيا في مكان واحد أبدًا.
*-اللقاء الممكن: إذا لم نتأكد من ثبوت اللقاء ولا من عدمه بدليل نصِّي، عدنا إلى قرينة التاريخ؛ فإن وجدنا كلا من الشيخ والتلميذ - بتتبع المواليد والوفيات والرحلات العلمية - قد عاشا في عصر واحد، وأمكن اجتماعهما في بلد واحد، ولم يكن التلميذ مدلسا؛ عُدَّ اللقاء ممكنا ومقبولا، يُحكم به على اتصال السند.
*-بالنسبة إلى إسناد حديثنا حين بحثنا في كتب بالجرح؛ وجدنا اللقاء بين كل حلقة وحلقة من النوع الثابت: إذ أن كل راو في السند قد ذكر في ترجمته من فوقه ضمن شيوخه؛ ومن دونه ضمن تلامذته.
(ب) العوارض الروائية:
هذه لها علاقة مباشرة بالرواية، كيف روى الراوي حديثه؟ هل رواه عن الشيخ المذكور في السند مباشرة؟ أم بواسطة - بينه وبين الشيخ المذكور - ولم يُسمّها؟.
فإن كان رواه بواسطة ولم يسمها، فقد وقع ما يسمى بالسقط أو الانقطاع في السند، وحكم المنقطع الردّ، للجهل بحال الراوي المحذوف (53).
وهو أنواع، فقد يكون السقط في أول السند أو في وسطه أو في آخره، ولكل نوع مصطلحه الخاص عند المتأخرين؛ لكن المتقدمين جعلوه نوعا واحدا وهو المرسل أو المنقطع (54).
*-عند التحقيق في إسناد حديثنا لم نجد انقطاعا؛ فقد روت كل حلقة عمن فوقها مباشرة؛ إذ لم نقف عند نقاد الحديث وشراحه على ما يشير إلى وجود مثل هذا الانقطاع، في سند البخاري هذا.
وبعد نقدنا لصيغ الأداء والتحمل، وتحققنا من سلامة السند من عوارض الاتصال يمكن الحكم عليه بأنه: إسناد متصل.
(ج) نقد العلة:
العلة: أمر خفي وغامض يطرأ على الحديث في سنده أو متنه؛ فيقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منه؛ هذا الأمر إما زيادة وإما إبدال.
وهو يدل على خطأ الراوي ووهمه؛ سواء أكان ثقة أم ضعيفا، بل خطأ الثقة أخفى وأدق، إذ أنّ (1/89)
صفحة 90
وثاقته تجعل القلب يميل إلى الاعتماد عليه (55).
*-فبعد دراسة الباحث للأمور الظاهرة في الحديث لا يتعجل الحكم عليه؛ حتى ولو كان إسناده مسلسلا بالثقات، بل يجب عليه التدرج إلى مرحلة ثانية وهي: بحث الأمور التي تخفى عليه لأنها تتصل بواقع الرواية وملابساتها؛ الواقع الذي يشهده المتقدمون من نقاد الحديث وتكلموا فيه وخصصوا له كتبا باسم: (كتب علل الحديث) وأصبحنا نحن المتأخرين عالة عليهم في هذا الفن، فإذا توصل الباحث إلى سلامة إسناده من التعليل؛ فقد آن له الأوان للحكم على الحديث - من خلال ذلك السند - حسب المعطيات المتقدمة؛ وإلا توقف في الحديث من ذلك السند؛ وانتقل إلى البحث في إسناد آخر له.
*-لدراسة العلة يمكن اتباع المنهج التالي (56):
أولا: تحديد نوع الظاهرة السندية (تفرد، أم اتفاق، أم اختلاف).
ثانيا: في حال الاختلاف تحديد نوعه (زيادة أم إبدال)
ثالثا: الموازنة بين الطرق المختلفة في حل الاختلاف؛ وتحقيق العلاقة بين الشيخ والتلميذ الذي تفرد عنه؛ في حال التفرد.
رابعا: اتباع منهج الجمع بين الروايات المختلفة، أو الترجيح بينها، أو التوقف في حال الاضطراب.
وبالنسبة للتفرد استخراج قرائن قبول التفرد أو رده.
خامسا: تحديد العلة، أو الوهم والخطأ الذي وقع فيه الراوي.
*- حين عدنا إلى إسنادنا -محل الدراسة -وجدنا الظاهرة السندية التي تميزه هي الاتفاق في المقطع المشترك فيه من السند مقارنة مع الطرق المتفرعة عن المدار الكلي (قتادة)، أو مع الأسانيد المتفرعة عن المدار الفرعي (مسعر)، كما أن الاتفاق حاصل أيضا مع الطرق الأخرى في متن الحديث: إذ ورد بلفظ مقارب، فيمكن الحكم على إسنادنا بالسلامة من العلة.
*-وتوضيحا لمنهج دراسة العلة، نتناول سندا معلولا لهذا الحديث بالتطبيق؛ وهو طريق ابن ماجه عن هشام بن عمار عن سفيان ابن عُيينة عن مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها ما لم تعمل به أو تكلم به؛ وما استكرهوا عليه» (57).
أولا: الظاهرة السندية لهذا الطريق: هي الاختلاف في متنه مع متون الطرق الأخرى.
ثانيا: نوع الاختلاف هو الزيادة؛ زيادة لفظة في آخر الحديث هي: «وما استكرهوا عليه».
*-هذه الزيادة قد تكون واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة الرواية بالمعنى؛ أو نتيجة التفاوت بين الناقلين للحديث بين من يسمعه كله ومن يسمع بعضَه، أو بين من يرويه بكامله ومن يختصره ... وغير ذلك من الأسباب.
*-وقد تكون الزيادة وهما وخطأ من أحد الرواة فإن كانت كذلك فهي علة من نوع المدرج، و (1/90)
صفحة 91
«هو الحديث الذي أدرج فيه الراوي ما ليس منه، سواء أكان من كلام الراوي أم من حديث آخر مرفوع؛ من غير أن يفصل بينهما؛ بحيث يتوهم أنه طرف من هذا الحديث الذي رواه» (58).
*-والفيصل في معرفة الإدراج من عدمه؛ هو جمع الروايات والمقارنة بينها؛ إضافة إلى الحفظ والمعرفة وإلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية (59).
*-وعليه فكي نعرف؛ هل زيادة «وما استكرهوا عليه» هي من أصل الحديث أم أنها مدرجة فيه؟ ننتقل إلى الخطوة الثالثة.
ثالثا: بالموازنة بين طريق ابن ماجه والطرق الأخرى التي حصرناها لحديث أبي هريرة هذا، وجدنا الطرق الأخرى كلها بدون هذه الزيادة.
رابعا: فإما أن نجمع بين رواية ابن ماجه وسائر الروايات، وإما أن نرجح، وإما أن نتوقف:
*-بالنسبة للجمع: نجمع بشرط وجود نص لأحد النقاد - الذين عايشوا الرواية - على ورود الحديث على الوجهين - أي بالزيادة وبدونها - لكن هذا الشرط لم نقف على تحققه على الحديث - فيما اطلعنا -.
*-بالنسبة للترجيح: حتى نرجح إحدى الروايتين؛ لابد من اعتبار مستَنَد الترجيح وهو أمران (60).
(1) خصائص الرواة:
علماء الجرح والتعديل؛ في ترجمتهم للرواة؛ يتحدثون عن ضبطهم من وجهين: الضبط العام، والضبط الخاص، فالضبط العام هو الحال العامة لحفظهم وإتقانهم للحديث، كأن يقولوا في الراوي: «حافظ ثبت متقن لحديثه».
والضبط الخاص يقصد به: إتقان الراوي لحديثه من شيخ معين لملازمته له أكثر من شيوخه الآخرين؛ أو إتقانه لما يحدثه به من كتابه وقلة ذلك فيما يحدّث به من حفظه؛ أو جودة حفظه في صغره، وتغيره في آخر عمره ... وهكذا.
وكل هذه المعلومات التي يجدها الباحث في كتب الجرح أو العلل، عليه اعتبارها مستندا للترجبح وتقديمها على الضبط العام للراوي.
*-نعود إلى حديثنا: حين قارنا بين شيخ البخاري: الحميدي، وشيخ ابن ماجه: هشام بن عمار، اللذين أخذا عن مدار واحد، وهو سفيان بن عيينة؛ لكن مع ذلك وجدنا تلك الزيادة عند هشام، ولم نجدها عند الحميدي؛ بإعمال خصائص الرواة في هذا الاختلاف؛ وجدنا للحميدي ضبطا خاصا عن شيخه سفيان؛ إذ قال فيه الرازي - أحد كبار النقاد - «أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي» (61).
وقال فيه ابن حجر - بالجمع بين الضبط العام والخاص -: «ثقة حافظ فقيه؛ أجل أصحاب ابن عيينة» (62). (1/91)
صفحة 92
نفهم من هذين النصين؛ شدة ملازمة الحميدي لشيخه سفيان بن عيينة، إذ لا يكون أثبت الناس فيه إلا إذا لازمه طويلا، حتى يتقن أحاديثه من تكرار سماعها منه.
*-بل قد أورد البخاري في تاريخه نصا للحميدي ذاته، يحدد فيه مدة ملازمته لشيخه، «قال: جالست ابن عيينة تسع عشرة سنة أو نحوها» (63).
*-فهذه النصوص - ببيانها للضبط الخاص - كافية لأن تعتبر مستندا لترجيح رواية البخاري؛ باعتبارها ثابتة على رواية ابن ماجه؛ باعتبارها شاذة أو منكرة.
(2) مستند الترجيح الثاني:
ملابسات الرواية:
يعتبر النقاد في دراستهم للعلة ملابسات وقرائن عدة تحتف بالرواية؛ ومن بينها (قرينة العدد): عدد الرواة الموافقين مقارنة بمن خالفهم (64)، ويسمى ذلك في مصطلحهم بالمتابعات والشواهد؛ وعلى ضوئها يرجحون - أحيانا - رواية الأكثرية الملازمة لشيخها؛ على الأقلية المخالفة لها.
- بالنسبة لحديثنا ... كيف أنّ كل الطرق المتفرعة عن قتادة - وفيها من الحفاظ من له طول ملازمته لشيخه - تروي الحديث بدون الزيادة؛ إلا واحدا (هشام بن عمار) يتفرد عنهم بالزيادة؟! فهذا دليل خطأ هشام، إذ لو ثبتت الزيادة؛ لسمعها ونقلها من هو أثبت منه.
خامسا: بعد وقوفنا على العلة في سند ابن ماجه عن هشام؛ وهي من نوع الإدراج؛ تتساءل الآن ما سبب هذه العلة، أو وهم هشام في حديثه؟
والجواب أنَّ هشامًا؛ اختلط عليه الأمر فأدخل حديثا في حديث آخر، وجعلها حديثا واحدا - وَهْمًا منه - إذ أدرج في حديث أبي هريرة طرفا من حديث ابن عباس؛ قال ابن حجر: «وقد وقع في رواية هشام بن عمار عن ابن عيينة عن مسعر في هذا الحديث بعد قوله (أو تكلم به) وما استكرهوا عليه، هذه الزيادة منكرة من هذا الوجه، وإنما تُعرف من رواية الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، بلفظ: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد أخرجه ابن ماجه عقب حديث أبي هريرة من رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي؛ والحديث عند هشام بن عمار عن الوليد، فلعله دخل له بعض حديث في حديث» (65).
- هذا وإن دراسة هذا السند المعلول؛ إنما هو توضيح لمسألة العلة فحسب؛ - كما ذكرنا - إذ أن سند البخاري الذي بحثناه قد سلم من التعليل، وعليه ننتقل إلى آخر خطوة في التخريج العلمي وهي:
الخطوة الثالثة: الحكم على الحديث:
*-الحكم على الحديث هو المقصد الأصلي من كل إجراءات التخريج، فهو تلخيص للأحكام التي سبق استنتاجها في المراحل السابقة.
وقد دَرَج المحدثون على تقسيم الحديث من حيث قوته إلى ثلاث مراتب: (1/92)
صفحة 93
الصحيح والحسن والضعيف (66)، ثم إن كل مرتبة منها تنقسم إلى درجات؛ تتفاوت بينها - قوة - بحسب توفُّر الشروط السابقة في الحديث، فإن كانت الروايات كلها متقاربة وكان إسنادها متَّصلاً، وانتفت العلة، حُكم على الحديث بأعلى درجات الصحة.
*-وتنزل درجة الحديث بعد ذلك؛ كلما نزلت درجات الرواة، أو اختل الاتصال بينهم.
*-وحديثنا محل الدراسة باستجماعه لشروط الصحة؛ يمكن الحكم عليه: أنه صحيح من طريق البخاري عن الحميدي عن سفيان بن عُيينة عن مسعر عن قتادة عن زرارة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
*-وحسبُنا - تأييدًا - لهذا الحكم؛ تخريج البخاري ومسلم لهذا الحديث في جامعيهما، واللذين اشترطا على أنفسهما تخريج الصحيح فقط.
--------------------
الهوامش
(1) - الأساسيات في علوم الحديث، حمزة الليباري، مجلة الأحياء، كلية العلوم الإسلامية والعلوم الاجتماعية، باتنة، العدد: 02، 1421هـ/2001م، ص: 178.
(2) - يرجع إلى معاجم اللغة للوقوف على المعاني اللغوية للفظ التخريج.
(3) - محمود الطحان، أصول التخريج ودراسة الأسانيد، ط 3، مكتبة المعارف، الرياض، 1996، ص: 09.
(4) - المصادر الأصلية: هي كتب السنة التي جمعها مؤلفوها عن طريق تلقيها عن شيوخهم بأسانيد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كالكتب الستة والمسانيد المختلفة وغيرها ...
(5) - محمود الطحان، المرجع السابق.
(6) - المرجع السابق، ص: 10.
(7) - حمزة الليباري وسلطان العكايلة، كيف ندرس علم تخريج الحديث، ط1، دار الرازي، عمّان، الأردن، 1998، ص: 27.
(8) - حمزة الليباري، المرجع السابق، ص: 28.
(9) - زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، التقييد والإيضاح لما أُطلق وأُغلق من مقدمة ابن الصلاح، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1996، ص:213.
(10) - للإطلاع على أنواع هذه الفهارس يمكن العودة إلى كتاب: أصول التخريج ودراسة الأسانيد، لمحمود الطحان، من ص: 39 - 131.
(11) - حمزة الليباري، كيف ندرس علم تخريج الحديث، ص: 64.
(12) - المكتبة الألفية للسنة النبوية، مركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي، عمّان، الأردن، إصدار (1/93)
صفحة 94
1.5، 1999م، صحيح البخاري، 02/ 894.
(13) - المصدر السابق، 05/ 2020.
(14) - المصدر السابق، 06/ 2454.
(15) - المكتبة الألفية، صحيح مسلم، 01/ 116 - 117.
(16) - المكتبة الألفية، سنن بن ماجه، 01/ 659.
(17) - حمزة الليباري، كيف ندرس علم تخريج الحديث، ص: 66.
(18) - المكتبة الألفية، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري، 11/ 552.
(19) - زين الدين العراقي، المصدر السابق، ص: 20.
(20) - نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحدبث، ط3، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1997م، ص: 264.
(21) -زين الدين العراقي: المصدر السابق، ص114
(22) - حمزة الليباري، كيف ندرس علم تخريج الحديث، ص: 99.
(23) - نور الدين عتر، مرجع سايق، ص: 105.
(24) - سُلّم ابن حجر العسقلاني؛ في تصنيف الرواة هو آخر ما استقر عليه المحدثون، يمكن مراجعته من مقدمة كتابه: تقريب التهذيب.
(25) - نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 121.
(26) - التاريخ الكبير، 05/ 96، ونشير إلى أن كافة المصادر التي اعتمدناها في نقد الرواة مستقاة من المكتبة الألفية.
(27) - الجرح والتعديل، 05/ 56.
(28) - تذكرة الحفاظ، 02/ 413.
(29) - المصدر السابق.
(30) - تقريب التهذيب، 01/ 303.
(31) - التاريخ الكبير، 04/ 94.
(32) - الثقات، 06/ 404.
(33) - تقريب التهذيب، 01/ 245.
(34) - الثقات، 07/ 508.
(35) - تهذيب الكمال، 27/ 461.
(36) - الجرح والتعديل، 08/ 369.
(37) - الثقات، 07/ 508.
(38) - الطبقات الكبرى، 07/ 229. (1/94)
صفحة 95
(39) - سير أعلام النبلاء، 05/ 270.
(40) - الطبقات الكبرى، 07/ 229.
(41) - سير أعلام النبلاء، 05/ 270.
(42) - تقريب التهذيب، 01/ 215.
(43) - تهذيب الكمال، 09/ 341.
(44) - المصدر السابق.
(45) - نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 211 - 212.
(46) - زين الدين العراقي، المصدر السابق، ص: 136.
(47) - نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 351.
(48) - العراقي، المصدر السابق، ص: 79 - 81.
(49) - ابن حجر، طبقات المدلسين، 01/ 43.
(50) - صحيح البخاري، 06/ 2454.
(51) - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، 05/ 466.
(52) - نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 142 - 143.
(53) - نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 375.
(54) - المرجع السابق، ص: 367.
(55) - حمزة الليباري، الحديث المعلول، قواعد وضوابط، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، د. ت، ص: 13.
(56) -عبد الحكيم فرحات، مجموعة محاضرات في «دراسة العلة» ألقاها على طلبة السنة الرابعة ليسانس، كتاب وسنة، بكلية العلوم الإسلامية والعلوم الاجتماعية ببانتة، خلال السنة الجامعية 2000م-2001م.
(57) - سنن ابن ماجه، 01/ 659.
(58) - حمزة الليباري، الحديث المعلول، ص: 105.
(59) - المرجع السابق.
(60) - عبد الحكيم فرحات، المرجع السابق.
(61) - الجرح والتعديل، 05/ 56.
(62) - تقريب التهذيب، 01/ 303.
(63) - التاريخ الكبير، 05/ 96.
(64) - عبد الحكيم فرحات، المرجع السابق.
(65) - فتح الباري، 11/ 552.
(66) - نور الدين عتر، المرجع السابق، ص: 240 - 241. (1/95)
صفحة 96
الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ
د/ محمد ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة باتنة
تمهيد:
الجوانب التي تحتاج إلى الدّراسة في الشّعر العماني الحديث ما تزال كثيرة، رغم صدور عدّة دراسات فيه، أماطت اللّثام عن كثير من الغموض في هذا الشّعر. مع ذلك فإنّ هذا الشّعر لم يصبح واضح المعالم عند كثير من الباحثين، وما يزال الجهل به يخيّم على عقول كثير من الدّارسين. وما تزال بعض الأحكام الصّادرة في حقّه محلّ جدل ونقاش، له أو عليه. من هذه الجوانب جانب الموسيقى في الشّعر المحافظ، الذي ارتأينا الكتابة فيه.
لاحظنا أنّ الانطباع السّائد عند كثير من الدّارسين الشّباب أنّ هذا الشّعر لا يرقى إلى مستوى الشّعر الجيّد؛ لأنّه يفتقر إلى مظاهر الإبداع، وتنعدم فيه عناصر الجودة. نسي هؤلاء أن يدرسوا هذا الشّعر في إطاره الزّماني والمكاني، وأن يبحثوه في سياق التّطوّر التّاريخي للحركة الشّعرية العمانيّة، وأن يقرؤوه في ضوء الظّروف التي عاشتها عمان. كما أنّ بعضهم أعطى لهذا الشّعر أكثر ممّا يستحقّ، من حيث القيمة الفنّيّة، والبعد التّاريخي، وأهميّة المضمون، فغالوا في تقديره، عن سذاجة، أو عن جهل بحقيقة الشّعر والفنّ، أو بدافع التّعاطف مع ناظميه، احتراما وتقديرا وتعظيما ...
نحاول في هذه الصّفحات تقديم فكرة عن تعامل الشّعراء ذوي الاتّجاه المحافظ مع موسيقى الشّعر، فنبيّن كيف اعتنى الشّعراء به اعتناء خاصّا، وفهموا الموسيقى جزءا مهمّا في العمل الشّعري، وعدّوها شطرا لا ينفصل عن التّصوير، بل من دونها لا يعدّ التّصوير شيئا. لقد كان تركيزهم على الإيقاع أكثر. من هنا كان الحديث عن الموسيقى مركّزا أيضا على هذا الجانب. مع كلّ هذا نقول للقارئ الكريم إنّ محدوديّة الدّراسة، التي هي مقالة تنشر في مجلّة، لم تمكنّا من الاستقصاء والاستقراء اللاّزمين لتنفيذ الخطّة التي أردناها إسهاما في إنصاف هذا الشّعر، وبيان ما له وما عليه.
إذا اعتنى الفنّان بالموسيقى فلأنّها تترجم عن أفكاره، وتنوب عن عواطفه ومشاعره؛ بما توفّره له من ظلال، وما تهيّئه من الأجواء، كي يعبّر، وللمستمع كي يفهم ويعي، إذ أنّها تعبّر بصدق عن الأحاسيس. قالوا: إنّ الموسيقى الحقّة هي التي تساير موضوع القصيدة، أو تتلاءم مع التّجربة الشّعريّة. إنّ هذا يؤكّد العلاقة الوطيدة بين الموسيقى والعمليّة الإبداعيّة. يقول سبنسر: «إنّ خير (1/96)
صفحة 97
الموسيقى ما تتماشى مع الأفكار، وتتساوق مع المعاني، وتتجاوب ألوان نغماتها ونبراتها مع حالات النّفس، فالشّاعر في اهتياجه وغضبه وغيظه يكون تعبيره الموسيقي عالي النّغمة، وفي حزنه يكون منخفضها، وفي تعجّبه وفرحه وهدوئه واطمئنانه تكون المسافات الصّوتيّة قصيرة، وأمّا في بثّه وألمه فتكون مسافات الصّوت طويلة، وهكذا تساير النّغمات حالات النّفس، كما تساير موضوع القصيد وفكرته» (1).
إنّ الإبداع في الشّعر والتّأثير في الغير - باستغلال عنصر الموسيقى - يحصل حين يحسّ الشّاعر بانسياب الموسيقى في شعره وسريانها في تجربته الشّعريّة عن فطرة وسجيّة (2)، من هنا عدّت الموسيقى جنديّا من جنود التّعبير الشّعري (3)؛ فكانت أساسًا في التّعبير الفنّي.
نتساءل بعد هذا التّمهيد كيف تعامل الشّعراء العمانيّون ذَوُو الاتّجاه المحافظ مع موسيقى الشّعر؟
إنّ موسيقى الشّعر جرس وإيقاع ووزن. والشّاعر المحافظ اهتمّ بكلّ هذه النّواحي في شعره. ولقد أعطى للإيقاع أهميّة كبرى؛ ربّما لأنّ موسيقاه تتميّز بالحماسة، وهو يقصد إلى شعر يدغدغ به العواطف، ويتوجّه به إلى من يهتزّ ويرقص له، وهو أصلا يؤمن بأنّ الشّعر يجب أن يحمل طابع الخطابيّة, وصفة المنبريّة، وما يحقّق ذلك هو الإيقاع، الذي يوجد موسيقى داخليّة، تبعث على التّجاوب مع مشاعر الفنّان «فالإيقاع يشيع في الصّورة الشّعريّة نوعا من الاتّساق والمساواة فيها، ممّا يتناسب مع الحالة النّفسيّة، وهذا بدوره يكسب الصّورة الأدبيّة حيويّة، تنسجم مع حيويّة الإنسان في تكوينه التّركيبي، الذي يقوم على النّظام والاتّساق الجميل، ويتلاءم مع ما يبغيه في تصرّفاته من الانسجام والتّوافق في كلّ أموره في الحياة ... كلّ ذلك في إيقاع رتيب، يصدر عن الإنسان المستقيم في طبعه وذوقه، المعتدل في تفكيره وخلقه، فينجذب بعقله وعاطفته إلى نظائره من الأشياء والمخلوقات، التي تقوم على نظامه واتّساقه وغيرهما من الأمور التي ركّبت على مثاله في خلقه وخلقه. ومن هذه الأشياء الصّورة الأدبيّة في إيقاعها وموسيقاها الدّاخليّة والخفيّة» (4).
قد يعمد الشّاعر إلى إيجاد الإيقاع من تكرير صيغة معيّنة، يراها معبّرة عمّا يريده معنى، وتستجيب لعواطفه موسيقيّا، من حيث إنّها تولّد موسيقى رتيبة، تطرب النّفس، وتحرّك الجوارح. قال أبو مسلم البهلاني (ت 1339هـ/ 1920م) في «النّونيّة» وهو يصف أئمّة الدّين:
صيد سُراة أباة الضّيم أسد شرى.:.:. شُمْس العزائم أوّاهون رُهْبانُ
سُفْنُ النّجاةِ هُداةُ النّاس قادتَهم.:.:. طُهْرُ السّرَائِر للإسلامِ حِيطانُ
صُعبُ الشّكَائِمِ في ذَاتِ الإلَهِ فَإِنْ.:.:. حنَاهمُ الحقُّ عن مَكْروهِهِ لانُوا (5).
أوجد الشّاعر الإيقاع من الكلمات الآتية، التي كانت على صيغ متشابهة، من دون تكلّف أو تعسّف على العمليّة الإبداعيّة (صيد، أسد، شمس، سفن، طهر، صعب)، (سراة، أباة، هداة)، (العزائم، السّرائر، الشّكائم) زيادة على تكرير حروف معيّنة كـ (السّين والصّاد) وهي من (1/97)
صفحة 98
حروف الصّفير، التي لها وقع خاصّ في النّفس. وحرف (الهاء والرّاء) فالهاء تتميّز بالهمس، والرّاء تعرف بالذّلاقة. إنّ ذلك ينسجم مع حروف الصّفير، فتتناغم لتكوّن لوحة موسيقيّة، تعبّر عن الإعجاب بهؤلاء الأئمّة، والتّغنّي بفضائلهم. والهمس والذّلاقة والرّخاوة، تساعد على إيجاد جوّ من الارتياح والاطمئنان، يشعر به من يظهر إعجابه وتقديره لمن يتحدّث عنهم، كما فعل أبو مسلم الرّواحي مع هؤلاء الأئمّة.
يميل أبو مسلم كثيرا إلى انتهاج هذا الأسلوب في الكتابة الشّعريّة، حين يتعلّق الأمر بالتّغنّي بالأمجاد، وذكر محاسن الأجداد, فنجده يلجأ إلى إيجاد موسيقى مطربة، طربه للمكارم، فيحاول رسم لوحة من الإيقاعات، مكوّنة من كلمات متكرّرة في صيغها وهيئتها، كما نجد ذلك في اللّوحة الآتية وهو يسرد مجموعة خلال تميّز بها أسلافه، معاتبا الموت وقد انتقر خيار الأمّة، قال ذلك بمناسبة وفاة الشّيخ نور الدّين السّالمي (1332هـ/ 1914م):
يا صرعةَ الموت انْتَقَرْتَ خِيارَنَا.:.:. وَتَرَكْتَ أمّتنا بِغَيْر ِخِيَارِ
أَسْرَعْتَ في الأَغْواثِ وَالأَقْطَاب.:.:. وَالأَعْلامِ والأَبْطَال والأَخْيَارِ
مَهْلا فَمَا أبْقَيْتَ ثَمَّ بقيّةً.:.:. نَزَحَ القطينُ وجَفَّ رَوْضُ الدَّارِ
أَفْقَدْتَني شُهُبَ الفَضائلِ كُلَّهم.:.:. وَيْلاهُ منْ شُهُبيِ ومِنْ أَقْمَارِي
وَيْلاهُ أَيْنَ سَمَاؤُها ونُجومُها.:.:. وَشُموسُها، ذَهَبُوا كَأَمْسِ الجارِي
أَنْضاهُمُ التّسْبِيحُ والتَّرْتيلُ.:.:. وَالتَّهْجيدُ بَيْنَ جَوانِحِ الأَسْحارِ
خُبْتٌ إذَا جَنّ الظّلامُ رَأَيْتَهُم.:.:. طَارُوا إلى المَلَكُوتِ بِالأَسْرارِ
غُرٌّ إذَا سَجَدَ الظّلام على الفَضَا.:.:. سَجَدُوا على الثَّفَنَاتِ وَالأَحْجِارِ
قَطَعَ النَّحيبُ صُدُورَهُم وكَأنّمَا.:.:. وَضَعُوا السّحَائِبَ مَوْضِعَ الأَشْفَارِ (6).
بنى الشّاعر صيغه على أوزان معيّنة، وكأنّه عمد إلى المجموعات في التّركيب؛ ليحدث موسيقى من الإيقاع الرّتيب. فهناك صيغة (أفعال) (الأغواث، الأقطاب، الأعلام، الأبدال، الأخيار, الأسحار، الأسرار، الأحجار، أقمار ... ) وهذه الصّيغة تكرّرت في معظم أبيات القصيدة. وصيغتا (تفعيل وفعول) (التّسبيح، التّهجيد، التّرتيل، نجوم، شموس ... ) وصيغة (فُعْل) (خبت، غرّ شهب ... ) يلاحظ التّشابه بين اللّوحتين في النّصّين السّابقين في ذكر صفات الممدوحين.
ممّا يدلّ على رغبة الشّاعر في إحداث الإيقاع في أبياته، أو على الأقلّ استجابته لفورة مشاعره، التي ترغب أن تخرج في ثوب قشيب من التّلوين الموسيقى. ممّا يدلُّ على ذلك، إطلاقه العنان لقريحته كي تردف الصّيغ المتشابهة في سلسلة طويلة، كما جاء في البيت الثّاني. إنّ هذا الموقف يكشف عن الحالة الشّعوريّة المتوتّرة عند الشّاعر، وهو يلاحظ الموت ينتقي الأخيار والأقطاب والأعلام ...
هو حين وجد هذه الصّيغة مستجيبة لعواطفه، أردف كلمات أخرى على منوالها، متساوقة، وأحيانا غير ذلك، وقد التزم بذلك في كامل القصيدة. والإيقاع يصنع ذلك في الصّورة الشّعريّة، (1/98)
صفحة 99
لأنّ له علاقة بالتّوتّر الشّعوري. وفي هذا تبدو براعة الشّاعر. «والإيقاع مظهر عبقريّة الشّاعر، ومجال التّفوّق على الغير، واستقلال الشّخصيّة بالعمل الأدبي، فمن الممكن أن يتصرّف الشّاعر في الإيقاع، حيث يختار للصّورة الوقف المناسب لها، سواء كان سكونا أو حرف لين، حسب الغرض من الصّورة ... » (7).
في قصيدة مدح بها ابن شيخان السّالمي (ت 1346هـ/ 1927م) السّلطان فيصل بن تركي (ت 1332هـ/ 1913م)، ركّز كثيرا على صيغ (مَفْعَل، الأَفِعَل، مُسْتَفْعِل، مُفَعَّل، مُفْتَعِل، فَعْلَة ... ) أحدث من خلالها موسيقى ذات إيقاع رتيب، دفعته إليه رغبة في المبالغة في وصف الممدوح، واستجابة لدافع إيجاد موسيقى داخليّة، تساعد على ترجمة ما يعتمل بداخله، وتشدّ المتلقّي إليه:
سلطانُنَا (فيصلٌ) مَنْ صِيتُهُ.:.:. قَدْ سَارَ في المَشْرق والمَغْرِبِ
ملَكِ ٌعَظيمُ الحِلْمِ ذُو هَيْبَةٍ.:.:. يَغْدُو لَهَا الرِّئْبَالُ كالثّعْلَبِ
مُتَّسعُ المَجْلِسِ ذُو حَضَْرةٍ.:.:. تُبْدِي شَذَا الأَفْضَلِ وَالهَنْجَبِ
مَشَيّد المَجْدِ، لَهُ رِفْعَةٌ.:.:. حَكَتْ سَمَا (كِيوَانَ) بِالمَنْكِب
بَحْرُ العَطَا وَالفَضْلِ، ذو مِنَّةٍ.:.:. تَأْتِي عَلَى الأَبْعَدِ وَالأَقْرَبِ
مُسَدَّدُ السَّعْيِ مَليءُ الثَّنَا.:.:. مُسْتَحْسَنُ الطَّلْعَةِ وَالمَذْهَبِ
يَهْتَزُّ مُرْتَاحًا لِفَيْضِ النَّدَى.:.:. مِثْل اهْتِزَازِ الصَّارِمِ الأَقْصَبِ
تَقُولُ كَفّاهُ لِراجِي الغِنَى:.:.:. كَمْ لَكَ مِنْ أَهْلٍ وَمِنْ مَرْحَبِ
مُسْتَبْحِرُ الفِكْرَةِ غَوَّاصُهَا.:.:. مُسْتَخْرِجُ الحِكْمَةِ لَمْ تُثْقَبِ
مُسْتَيْقِظٌ حامِي حِيَاضِ الحِمَى.:.:. مُقْتَحِمُ الأَهْوَالِ وَالأَصْعَبِ (8).
قد يحدث الشّاعر الإيقاع في شعره؛ بإيجاد توازن وتوازٍ وتساوٍ بين فقرات تراكيبه التي يصوغها، وهو ما يساعد على إيجاد تقابل بينها، ويعين على توفير عمليّة التّماسك في نسيج الكتابة. قال ابن شيخان:
العَدْلُ بَاقٍ وَالعَزَائِمُ تَصْعَدُ.:.:. وَالبَغْيُ فَانٍ وَالصَّوَارِمُ تَشْهَدُ (9).
زيادة على التّرصيع الذي أسهم في إحداث الإيقاع, نلاحظ هذا التّوازي بين كلمات الشّطرين: العدل والبغي، باق وفان، العزائم والصّوارم، تشهد وتصعد.
في البيت الآتي نجد التّركيبة نفسها، والصّياغة ذاتها, قال الشّاعر نفسه:
فَأَسْبَلَ بَحْرًا دُونَهُ كُلُّ زَاخِرِ.:.:. وَأَقَبْلَ بَدْرًا دُونَهُ كُلُّ طَالِعِ (10).
فأسبل وأقبل، بحرا وبدرا، دونه وكلّ في الشّطرين، زاخر وطالع. الإيقاع أسهم فيه أيضا حروف مكرّرة في الكلمتين المتقابلتين: (الهمزة واللاّم) في الكلمتين (أقبل وأسبل) , (الباء والرّاء) في الكلمتين (بحرا وبدرا) (1/99)
صفحة 100
الملاحظة نفسها تنطبق على البيت الآتي، وقد تعوّد ابن شيخان على هذه الصّياغة:
فَهوَ الغَيْثُ الغَمَامُ المُرْتَجَى.:.:. وهوَ اللَّيْثُ الحُسَامُ الُمْنتَضَى (11).
تعاون التّقابل بين حالين، يكون عليهما السّلطان تيمور بن فيصل (ت 1383هـ/ 1963م)، حال الإحسان في السّلم، وحال البطش والقوّة في الحرب، والتّوازي بين كلمات شطري البيتين، وتكرار حروف معيّنة في بعض صيغها، تعاون كلّ ذلك على إيجاد إيقاع مطرب راقص، معبّر عمّا يجيش في حنايا الشّاعر نحو الممدوح. وما تلا هذه الأبيات كان على هذا المنوال من التّوازن والتّساوي في الكلمات، والتّوازي في الصّيغ وفي النّهايات، نهايات الأشطر:
صاحبُ الشّكرِ إذَا عَمَّ الرّجَا.:.:. صاحبُ الصّبرِ إذَا حُمَّ القَضَا
جامعُ الصّبرِ إذا احتَفَّ المَلاَ.:.:. واسعُ الصّدْرِ إذا ضَاقَ الفَضَا
صاحبُ الخَيْلِ إذَا اشْتَدّ المََدى.:.:. سَاكِبُ الخَيْرِ إذَا الخَيْرِ انْقَضَى
كذلك عمل التّقابل بين الأحوال التي يكون عليها المتحدّث عنهم، وتكريرُ حروف معيّنة، ذات علاقة بمشاعر الشّاعر ... عمل هذا على إحداث إيقاع جميل، هادف إلى الإفصاح عن المكنون، كما في قول أبي مسلم الرّواحي:
صُعْبٌ شكَائِمُهُم، سُحْبٌ مكارِمُهم.:.:. إِنْ حاربُوا صَعُبُوا، أَوْ أَكْرَمُوا لانُوا
شُمٌّ إذا حَزَمُوا، نَارٌ إذَا عَزَمُوا.:.:. شُهْبٌ إذا رَجَمُوا، للفَضْلِ هَتَّانُ
لله مَا جَمَعُوا، لله ما تَرَكُوا.:.:. لله إنْ قَرُبُوا، لله إن بانُوا (12).
يلاحظ في أبيات ابن شيخان وأبي مسلم، بعض التّشابه في الصّفات التي خلعاها على الممدوحين، في أثناء العمد إلى المقابلة بين أحوالهم، والتّشابه برز أيضا في تكرير حروف معيّنة، كحروف الشّين والصّاد والرّاء ...
قال أبو سرور حميد بن عبد الله الجامعي عن أمجاد عمان، في قصيد عنوانه " عمان المفاخر":
فَقَرَّتْ بِهِمْ عَيْنًا، وَطَالَتْ بِهِمْ يَدًا.:.:. وَتَاهَتْ بِهِمْ فَخْرًا، وَزَانَتْ بِهِمْ ذِكْرَا (13).
إنّ حسن التّقسيم أوجد موسيقى رتيبة داخل البيت، كانت ناتجة عن الإيقاع الجميل المطرب المعبّر. (قرّت عينا، طالت يدا، تاهت فخرا، زانت ذكرا).
قال ابن شيخان، وقد سباه التّفنّن في التّصوير، فاختار حسن التّقسيم، أو التّرصيع، كما يعبّر عنه القدماء شكلا لتركيبة نظمه:
وَما غُصْنُهَا إلاّ الْتَوَى، ومَا بَدْرُهَا.:.:. إلاّ انْزَوَى، ومَا طَيْرُهَا إلاّ انْهََوى (14).
يلاحظ في البيت التّقسيم، الذي انبنى على التّساوي في عدد الفقرات في الشّطرين، وعلى التّوازي بين هذه الفقرات في عدد الكلمات وصيغها, وعلى السّجع داخل البيت, ممّا ولّد نغما موسيقيّا، هو الإيقاع الذي أضفى على الصّورة جمالا وروعة وجلالا.
اللّوحة الآتيّة غنيّة بالمصادر، التي ولّدت الإيقاع الجميل، والذي بدوره ساعد على التّصوير، وعلى (1/100)
صفحة 101
شدّ المتلقّي إليه، والتّأثير فيه شعوريّا. فيها حسن التّقسيم، فيها التّوازي بين فقرات النّصّ، وفي عدد الكلمات في كلّ فقرة، وفي الصّيغ التي حكمت هذا النّسيج من التّصوير، وفي تكرير حروف معيّنة، وفي التّقابل بين المعاني، بما يعرف بالثّنائيّة في الكتابة. نترك للقارئ فرصة الكشف عن المتعة والجمال ـ في هذه اللّوحة ـ النّاتجين من هذا الإيقاع. وله أن يقول رأيه فيها بعد ذلك. قال ابن شيخان في حقّ السّلطان فيصل بن تركي:
هوَ الهُمامُ ابنُ تُرْكِي، مَنْ لَهُ خَضَعَتْ.:.:. شَوَامِخُ الدّهرِ وَانْقَادَتْ لِخِدْمَتِه
الدّافعُ الخطْبَ في إِزْعاجِ طَارِقِِهِ.:.:. والفَارِجُ الكَرْبَ في إِدْلاجِ شِدَّتِه
وَالوَاهِبُ الصّمْعَ عَفْوًا غَيْرَ مُكْتَرِثٍ.:.:. والهَازِمُ الجَمْعَ بَأْسًا يَوْمَ زَحْفَتِه
والقَاسِمُ المالَ إِحْسَانًا ومَكْرُمَةً.:.:. والمالِكُ الحَمْدَ مَخْتُومًا بِجُمْلَتِه
مَنْ أَوْسَعَ الأرْضَ عرْفا وَقْتَ نَائِلَةٍ.:.:. وَأَلْبَسَ الأُسْدَ خَوْفًا وَقْتَ سَطْوَتِه
وانْهَلّ سَيْلُ العَطايَا في تَبَسُّمِه.:.:. وَانْهَدّ سَيْبُ المنَايَا في عَبُوسَتِه
والنّاسُ صنْفانِ: مَغْبوطٌ بِنِعْمَتِه.:.:. فَضْلاً, وَآخرُ مَسْخوطٌ بِنِقْمَتِهِ
وللنّهَارِ دَليلٌ مِنْ مَشَارقِها.:.:. وللظّلامِ دَليلُ مِنْ كَتِيبتِهِ
مَنْ ذَا يَعودُ خَلِيًّا مِنْ مَكارِمِهِ؟.:.:. مَنْ ذَا يَكُونُ غَنِيًّا عَنْ مُروءَتِهِ؟ (15).
إنّ ممّا يسهم في إحداث الجرس؛ لإبراز المعنى المراد تبليغه تكرير الصّوت. فإنّ ذلك يعين على تصوير الموقف وتجسيمه أو تشخيصه. يستغلّ الشّاعر الخصائص الصّوتيّة، التي تتميّز بها بعض الحروف، فيوجّهها لتكشف عن إيحاءات الصّوت أو اللّفظة أو الجمل المكرّرة.
التّكرار من مصادر الإيقاع عند الشّاعر العماني المحافظ، تكرار الحرف، تكرار الكلمة, تكرار الجمل، تكرار الصّيغ ...
حرف (الرّاء) تكرّر في القصيدة الآتية بشكل لافت للنّظر، سواء في العدد، أم في تقفية شطري البيت به، أم في مجاورته لبعض الحروف، أم في توليده من كلمات ... قال ابن شيخان السّالمي في مدح السّلطان فيصل بن تركي:
بَرَزَتْ بِشَمْسٍ فَوْقَ غُصْنٍ مائِِر.:.:. وَبِجيدِ ظَبْيٍ تَحْتَ طَرْفٍ فَاتِرِ
وَبِرَوْضِ وَرْدٍ بَيْنَ سَيْفٍ بَاتِرِ.:.:. وَبِظَلْمِ خَصْرٍ مِنْ كَثِيبٍ جَائِرِ
فَتَقَمَّصَتْ بِقَميصِ حُسْنٍ بَاهِِر.:.:. وَتَعَطّرَتْ بِنَسِيمِ مِسْكٍ عَاطِرِ
وَغَدَتْ تَرَى مَا فَوْقَ رَأْسِ النّاظِرِ.:.:. شَيْبًا، فَوَلّّتَ عَنْ ضِيَاءِ النّاظِرِ
بِاللهِ يَا لُبَّ السّقِيمِ الحَائِرِ.:.:. ماكَانَ إلاّ كَالسّليم السّاهِرِ
رِفْقًا بِصَبٍّ مِنْكَ شَاكٍ شَاكِر.:.:. وَبِمُسْتَهَامٍ مِنْكَ قَاصٍ قَاصِرِ
فَبَهِيمُ فَرْعِك في المُحيّا النّائِر.:.:. خِدَاعُ صَبٍّ فيهِ سَارٍ سَائِرِ (1/101)
صفحة 102
قَسَمًا بِخَالِقِكَ القَوِيّ القَادِرِ.:.:. مَا أَنْتَ إلاّ بَهْجَةٌ لِلنّاظِرِ (16).
تبدو في اللّوحة رغبة الشّاعر الملحّة على توليد معانٍ من حرف الرّاء، واشتقاق كلمات اعتمادا على الحرف نفسه، كما يَبْرُزُ شغفُه بالإيقاع الرّتيب، فأكثر من إيراد كلمات تشتمل على حرف الرّاء. يدلّ على ذلك عمده إلى إنهاء شطري كلّ بيت بحرف الرّاء.
إذا بحثنا عن أثر هذا الإيقاع في المعاني التي أراد الشّاعر تبليغها، لا نجد لذلك كبير أثر، لا نجد لحرف الرّاء الذي يتميّز بالجهر والتوسّط بين الشدّة والرّخاوة ويقترن بالذّلاقة []. إنّ هذه الأوصاف تسهم في إظهار الشدّة والطّلاقة في التّخفبف من هذه الشّدّة، عن طريق التّعبير عنها بذلاقة، أي تيسير إرسال الصّوت. فنحن لا نحسّ بأنّ الشّاعر يشعر بعسر أو بضيق يلجئه إلى اعتماد صوت (الرّاء) بهذه الكثافة، إلاّ الرّغبة في إيجاد إيقاع، يطمح ويطمع أن يساعده على إحداث موسيقى داخليّة في القصيدة. فالشّاعر في مقام مدح، في حالة انبساط وارتخاء. يبحث عن الأصوات التي تبعث على التّطريب كحروف الصّفير التي نجد لها حضورا في هذه الأبيات، مثل السّين والصّاد والزّاي.
الملاحظة نفسها تنطبق على أبيات لأبي سرور، وهو يتحدّث عن استمرار النّبوغ والتّفوّق؛ مسجّلاً أنّ عمان ما تزال بخير؛ لأنّها أرض ولود، فالعقم مقبور في أرضها؛ لأنّ المجد له من صلبه عقب:
مَزَارِعُ النّخْلِ لَوْ أَبْصَرْتَهَا انْقَرَضَْت.:.:. لَكِنْ نَوَاهَا سَيَكْسُو أَرْضَهَا الثَّمَرَا
مَا مَاتَ مَجْدٌ لَهُ مِنْ صًلْبِهِ عَقِبٌ.:.:. لَكِنَّما العُقْمُ لاَ دَانَاكَ قَدْ خَسِرَا
يَا دَارَ فَخْرِي إِنّ الخَيْرَ مَا كُفِرَتْ.:.:. فينَا أَيَاديهِ لَوْ تَحْتَ الثّرَى قُبِرَا (17).
نحسّ بالإيقاع المتولّد من تكرار حرف (الرّاء) لكنّنا لا نقرأ له أثرا في المعنى، أو نفهم له مغزى من إيراد كلمات اشتملت على هذا الصّوت، إذ أنّ الكلمات التي ساقها يبدو عليها التّكلّف، ولا تقدّم أيّ شيء لبناء صورة شعريّة.
قال أبو سرور أيضا:
لِلمَجْدِ هيّا بِنَا، بِالصّارِمِ الذّكَرِ.:.:. بِالَمَدْفَعِيّةِ، بِالصّارُوخِ بِالبَتْرِ
بالجدّ، بِالموْتِ، بِالإيمَانِ نَطْلُبُهَا.:.:. أَعْني المَعَاني، لا بِالنّوْمِ في السّحَرِ (18).
يعلّق الأستاذ سعيد بن سليمان العيسائي على هذه الأبيات قائلا: «فقد كرّر حرف (الباء) عشر مرّات، وحرف (الرّاء) رويّا خمس مرّات؛ ليضفي على القصيدة حالة إيقاعيّة، انسابت في عفويّة تلقائيّة، ليؤكّد على الحالة الشّعوريّة التي جسّدها (الباء) الذي تلازمه في صورته المعنويّة؛ باعتباره دالاّ على الاستعانة، حين استقرّ في ذهن الشّاعر واختزن في ذاكرته أنّ المعالي والمجد لا يتحقّقان إلاّ بملازمة ما ذكر، إذ جاء تكرار (الرّاء) حرف رويّ في القصيدة خمس مرّات ليمنحها نبرة إيقاعيّة معنويّة» (19).
يبقى هذا التّعليق وجهة نظر، في حاجة إلى مناقشة. بالفعل نحسّ بالإيقاع متولّدا من تكرار الحرفين (1/102)
صفحة 103
(الباء والرّاء) وبالعفويّة والانسيابيّة والتّلقائيّة في إيرادها. لكنّنا لا نظفر من خلال ذلك بمعنى يعبّر عن الحالة الشّعورية التي مرّ بها الشّاعر, ولا نحسّ لهذا التّكرار دورا في العمليّة الإبداعيّة.
الشّاعر نفسه كتب مطوّلة عنوانها: «هذي عمان» لاحظنا عَمْدَهُ فيها إلى تكرير الحروف في كثير من أبيات القصيدة؛ قصدا إلى إحداث إيقاع رتيب فيها، يعين على استثارة المتلقّي، بجذبه لكي ينتبه إليه ويعي ما يقول، وأحيانا يطلق العنان لتداعي المعاني فتسوق الكلمات بعضها بعضا، مرصوفة بأصوات متكرّرة، كقوله وهو يصف الخروصيّين الذين لهم دور كبير في الحكم في عمان:
هُمْ أَسَّسُوا وَوَفَوْا، هُمْ أَلَّفُوا وَصَفَوا.:.:. هُمْ أَنْصَفُوا النّاسَ، بِالميثَاقِ مُوفُونَا (20).
نلاحظ تكرار حرف (الفاء) في البيت بشكل لافت للنّظر، وفي بقيّة الأبيات، من دون أن يبدو التّكلّف في هذا التّكرار، بل جاءت المعاني المولّدة منه بديعة معبّرة عن الأحوال التي كان عليها هؤلاء الحكّام، كما تروي كتب التّاريخ. زيادة على الإيقاع الجميل الذي أحدثه هذا التّكرار.
دأب الشّاعر العماني الكلاسيكي على توليد المعاني من الحروف المكرّرة في الكلمات المتجاورة، التي تستدعيها ظاهرة التّداعي والرّغبة في التّلاعب بالكلمات، والشّغف بإحداث الإيقاع, الذي يستجيب لطبيعة القصيدة التي تلقى وتسمع، على خلاف القصيدة التي تقرأ وتنشر. نمثّل لذلك بنماذج للشّاعر أبي مسلم البهلاني، نترك للقارئ التّعليق عليها:
زَمَان زَهتْ فِيهِ أَزَاهيرُ زَهْرَةِ.:.:. الشّبَابِ وَحبِّي لا يَعِزّ بِزَوْرَةِ
سَلامٌ عَلَى دَهْرٍ مَضَى بِسُلافَةِ السْـ.:.:. ـسُرُورِ، وَسَهْلاً بَعْدَ ذَاك بِشِدّةِ
طَبِيِبِي وَمَطْلُوبي وَطِبِّي وَطيبَتِي.:.:. وَمُعْتَمَدِي في الأَمْرِ سَاكِنُ طيبَتِي (21).
هُمْ وَسِعُوا الكَوْنَ حُلُومًا وَهُدًى.:.:. وَصَائِلاً وَنَائِلاً وَمُحْتَدَى
هُمْ أَمْجَدُوا وَأَنَجَدُوا وَأَوْجَدُوا.:.:. وَأَفْقَدُوا وَطَوّلُوا البَاعَ الوَزَى
هُمْ جَرَّدُوا وَشَرّدُوا وَطَرَّدُوا.:.:. وَأوْعَدُوا وَأَوْرَدُوا بَحْرَ الجَدَى (22).
قد ينشئ الشّاعر الإيقاع من تكرير كلمات على صيغة واحدة، استجابة لرغبة النّفس في التّنغيم والتّطريب، قال أبو مسلم البهلاني:
مجرِّس مضرّس ممارس.:.:. يَمْترِسُ الخَطْبَ إِذَا الخَطْبُ شَحَا
وقال:
إلى مَتَى نَهْطَع في طَاعَتِهِمْ.:.:. وَنتّقِي، وَلَيْتَهَا تُجْدِي التُّقَى
إلىَ مَتَى نَهْرَعُ في أَذْنَابِهِمْ.:.:. لا مُلْتَجَى، لا مُنْتَهَى، لا مُنْتَحَى (23).
زيادة على الإيقاع المتولّد من الكلمات المتماثلة في الصّيغة: (مجرّس، مضرّس، ممارس)، (ملتجى، منتهى، منتحى)، فإنّ الإتيان بجملتين متساويتين متوازيتين في التّركيب، وتكرير بعض الحروف، أسهم في إحداث الإيقاع: (إلى متى نهطع في طاعتهم، إلى متى نهرع في أذنابهم). (1/103)
صفحة 104
وعلى صيغة (متفعّل) كتب ابن شيخان أبياتا يمدح بها السّلطان فيصل بن تركي، مترنّما بهذه الصّيغة، مكرّرا لها؛ لتحدث له إيقاعا تطربه أوّلا، وتربط المتلقّي به؛ فيتجاوب مع مشاعره:
مُتَفَرٌّد بِالحِلْمِ، لَ.:.:. كِنْ حلمُه مَعَهُ اقتدارْ
مُتَوَحّدٌ بالرّأي، لا.:.:. يُفْضِي إِلَى نَظَرِ الُمشَارْ
مُتَقَسِّم مَعْرُوفهُ.:.:. مُتَبِسِّمٌ وَقْتَ الكرَارْ
مُتَقَدِّمٌ في مَوْضِعٍ.:.:. مِنْهُ الشُّجَاعُ رَأَى الفِرَارْ
مُتَوَاضِعٌ للنّاسِ يَحْـ.:.:. نُو للصّغار وللكبارْ
مُتَفَرِّسٌ فِيهِم، فَلَمْ.:.:. تَحْجِبْهُ غَامِضَةُ اخْتِبَارْ (24).
أمّا عبد الله بن عليّ الخليلي (ت1421هـ/ 2000م) فيحدث في أبياته إيقاعا، بتكرير كلمات جاءت على صيغة واحدة. لكنّ ذلك أضرّ بالعمليّة الإبداعيّة، وأساء إلى الجانب المعنوي، إذ أبقى هذا التّناولُ الشّاعرَ في الوصف الخارجي، دون الولوج إلى الدّاخل؛ ليقدّم لنا حقيقة الشّخصِ المتحدّث عنه، ودون النّفاذ بنا إلى عالمه النّفسي؛ لنطّّلع على مشاعره، بمعنى: إنّ الإيقاع بقي في حدود الاستجابة الشّكليّة، وهي الرّغبة في إيجاد موسيقى داخليّة، تطرب، من دون أن تؤثّر في المعنى. قال وهو يتحدّث عن الأماكن المقدّسة في الحجاز، وما لها من مكانة ساميّة في نفوس المؤمنين، وما تحمله من معان ساميّة:
وَثَمَّ مَقَامَاتٌ يَلُوحُ بِهَا الخَفَا.:.:. لَهَا خلْفَ أَسْتَارِ الغِطَا مُشْرِقٌ سَانِي
خَلائِقُ رَحْمَنٍ، حَقَائِقُ رحْمَةٍ.:.:. رَقَائقُ آيَاتٍ، دَقائِقُ تِبْيَانِ
عَوَالِمُ تَوْحِيدٍ، مَعَالِمُ وَحَْدَةٍ.:.:. طَلاَئعُ قرَّاءٍ، مَطَالِعُ قُرْآنِ
لَفَائِفُ أَحْكَام, لَطَائِفُ حِكْمَةٍ.:.:. مَجَامِعُ إيقَانٍ، جَوَامِعُ إِيمَانِ
شَوَاهِدُ إِنْعَامٍ، مَشَاهِدُ نِعْمَةٍ.:.:. ظَوَاهِرُ أَلْوَاحٍ، مَظَاهِرُ أَلْوَانِ
مَحَاضِرُ تَنْزيهٍ، حَظَائرُ نُزْهَةٍ.:.:. فَضَائِلُ غَفَّارٍ، فَوَاضِلُ غُفْرَانِ
مَدَارِجُ إيصَال، مَعَارِجُ وَصْلَةٍ.:.:. فَوَائِدُ مَنَّانٍ، عَوَائِدُ حَنَّانِ (25).
ما يدلّ على رغبة الشّاعر في إحداث إيقاع مطرب ومرقص، اعتناؤه بتوليد المعاني من الكلمات المعتمدة في صنع نسيج تعبيره، ففي كلّ كلمة يأتي بها في كلّ شطر، إلاّ ويحاول أن يولّد منها معنى، بالتّغيير في ترتيب حروفها، وهو ما يسهم في إيجاد الإيقاع. زيادة على إنهاء الشّطر الأول بكلمات على صيغة واحدة (فعلة) (رحمة، وحدة, حكمة، نعمة، نزهة، وصلة) وقد تكرّرت بعض الحروف في هذه الكلمات عدّة مرّات: (الحاء) ثلاث مرّات. (الميم) ثلاث مرّات. (الواو) مرّتين ...
كلّ ذلك أسهم في إحداث إيقاع عال جميل، أظهر مهارة الشّاعر في التّصرّف في فنون القول, غير (1/104)
صفحة 105
أنّ هذا يبقى في مستوى الشّكل، من دون أن يتعدّى إلى الجانب المعنوي؛ لأنّ الرّغبة في توفير الموسيقى الدّاخليّة كانت مسيطرة على اهتمام الشّاعر، فكان ذلك على حساب المضمون.
أمّا تكرير المقاطع فظاهرة عامّة في الشّعر العماني الكلاسيكي, لا تخطئها عين القارئ؛ يكاد لا يخلو منها أيّ ديوان من الدّواوين. وهي ظاهرة تتلاءم مع القصيدة المسموعة، وتستجيب لطبيعة الشّعر عند هؤلاء الشّعراء، الذي يهدف أوّلا إلى أداء رسالة. هذه الأمانة تقتضي أحيانا التّأكيد والتّفصيل والتّوضيح ... والتّكرار يساعد على أداء هذه المهمّة. لهذه الكثرة لم نأت بأمثلة لهذا الجانب.
يؤكّد ذلك شبّر بن شرف الموسوي: «وتغلب على قصائد هذا الاتّجاه طبيعة الإنشاد الخطابي، فتسيطر على قصائدهم النّبرة الحادّة من ناحيّة الموسيقى. وهي ظاهرة عامّة في الشّعر الكلاسيكي قديما وحديثا» (26).
من المجالات التي استغلّها الشّعراء في إحداث الإيقاع مجال القافيّة. إنّ دورها في بعث جوّ من الموسيقى كبير، ومهمّ في البناء الشّعري؛ نتيجة هذا الإيقاع المنتظم الرّتيب، الذي يتكرّر في فترات زمنيّة مناسبة، فيحدث فواصل موسيقيّة، تطرب السّامع، وينتشي بها، وهو نفسه يتوقّع تردّدها وتكرّرها، فيستعدّ لتلقّيها. كما أنّ للقافيّة ارتباطا بالمضمون الوارد في البيت الشّعري، يتمّم معناه، معنى ذلك: إنّ القافية تعدّ جزءا من البيت, لا ينفصل عنه.
القافيّة التي تؤدّي هذا الدّور يجب أن تنسجم مع التّجربة الشّعريّة والحالة النّفسيّة للفنّان، بحيث تكون له القدرة على التّصرّف فيها والتّكيّف مع الأشكال المختلفة والألوان المتباينة من الأساليب.
نحاول تقديم أمثلة لتعامل الشّعراء مع القافيّة موسيقيّا، بحسب المعطيات السّابقة.
أبو مسلم الرّواحي من الشّعراء الذين يحسنون التّصرّف مع القوافي, ويجيدون اختيار ما يتناسب مع موضوع القصيدة. فالنّونيّة التي كتبها بعد انتخاب الشّيخ سالم بن راشد (ت 1337هـ/ 1919م) إماما على عمان سنة 1331هـ/ 1913م، أثارت فيه شجونا وخواطر، غلب عليها طابع الحسرة والأسى على حاله، وعلى حال عمان؛ بسبب التّخلّف والتّخاذل والتّقاعس ... وقد رأى في شخص الإمام فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووجد في المناسبة مجالا لتذكير النّاس بواجباتهم نحو وطنهم ودينهم. فأرسلها زفرات حرّى وآهات تترى، فاختار لقافية القصيدة حرفي الألف والنّون. وهما حرفان يستجيبان لمشاعر الشّاعر، ويرتبطان أشدّ الارتباط بمضمون القصيدة، زيادة على الإيقاع الرّتيب والمنسجم مع عواطف الشّاعر.
فحرف النوّن حرف جهري ذلقي, يتميّز بالغنّة، التي تحدث صوتا خاصّا، بتسرّب الهواء من الأنف من اللّثّة العليا، يجاور النّون ألف ممتدّة، تمدّد النّفس، الذي ترسله إلى الخارج، لتساعد الشّاعر على إخراج ما يحسّ به من كمد إلى خارج نفسه، فيتنفّس قليلا ممّا يضيق به صدره. هذا بالنّسبة له شخصًا له مشاعره يريد إطلاع المتلقّي عليها. أمَّا بالنّسبة للقارئ والمستمع، فهما يترنّمان بهذا (1/105)
صفحة 106
الإيقاع، ويتجاوبان مع الشّاعر؛ بفضل هذه الموسيقى المنبعثة من هذه الأصوات المتناغمة.
يقول الدّكتور سمير هيكل: « ... حيث وفّق في اختياره (أي أبو مسلم) لحرف الرّويّ ليكون الحرفَ الأخير، وليكون له موسيقى، فيها ذبذبات صوتيّة متناسبة مع نغمات الحرف الطّويل، ومن هنا كان أفضل هذه الحروف لموضوع القصيدة هو حرف النّون الذي يتردّد بأنفاس الأنف والحلق ... ويبدو أنّ الشّاعر قد تنبّه إلى ما في الألف والنّون من تأثير موسيقي فوظّفهما التّوظيف المثالي في نونيّته» (27). بداية القصيدة كالآتي:
تِلْكَ البَوَارِقُ، حَاديهِنّ مِرْنانُ.:.:. فَما لِطَرْفِكَ يَا ذَا الشّجْوِ وَسْنَانُ
شَقَّتْ صَوَارِمُهَا الأَرْجَاءَ وَاهْتَزَعَتْ.:.:. تُزْجِي خَمِيسًا لَهُ في الجَوِّ مَيْدانُ
تَبَجَّسَتْ بِهَزِيمِ الوَدْقِ مُنْبَعِقًا.:.:. حَتَّى تَسَاوَتْ بِهِ أَكْمٌ وَقِيعَانُ (28).
على القافية المنتهية بهاء موصولة بياء السّكت، نظم الشّاعر ابن شيخان السّالمي قصيدة في مدح السّلطان فيصل بن تركي، جمع فيها بين الحسرة والفرحة. الأسى على البعد عن الممدوح، واستبطاء الوصول إليه، والابتهاج بالقرب منه والإعجاب بمحاسنه وأفضاله ... الياء حرف لساني، صفته الجهر، والهاء حرف حلقي، صفته الهمس والخفوت. نسجّل في الانتهاء السّلاسة والسّهولة في النّطق، اللّذين وفّرهما تباعد المخرجين وتقابل الصّفتين؛ بحيث ينقطع النّفس مع (الياء) المجهورة لشدّة الحسرة التي أصابت القلب - ولو كانت متكلّفة، وكانت توطئة لتسجيل مشاعر المحبّة والغرام بالممدوح - ثمّ ينطلق مع (الهاء) المهموسة؛ حتّى لا يبقى في القلب كمد.
بهذا تكون النّهاية معبّرة بإيقاعها، مطربة بجرسها، فتتكوّن رنّة، تنجذب إليها النّفس لتعي حقيقة ما يشعر به الشّاعر, سواء صدّقه فيما ذهب إليه أم لم يفعل ذلك، المهمّ إنّ الشّاعر قصد أن يحدث في نظمه إيقاعا، يوفّر له الموسيقى، التي تجمّل شعره. بداية القصيدة كالآتي:
أَمْلَى النّسيمُ على القٌلُوبِ الصّادِيَه.:.:. خَبَرَ الحِمَى سَحَرًا، فَأَضْحَتْ رَاوِيَه
وَتَمَايَلَتْ طَرَبًا غُصُونُ البَانِ إِذْ.:.:. فَهِمَتْ مَعَانيهِ، وَكَانَتْ خَافِيَه
وَتَلَطَّفَتْ أَحْشَاؤُنَا بِسُؤَالِهَا.:.:. إِيَّاهُ عَنْ ظَبْيَاتِهِ المُتَجَافيَه (29).
لاحظنا تأثّر الشّعراء بالفاصلة القرآنيّة في قوافيهم، فقد حاولوا استلهام القرآن في هذا المجال، وحرصوا على توفير الإيقاع في شعرهم بواسطة القافيّة، وربطه بمضمون القصائد. الشّواهد على هذا أكثر من أن تحصى.
الخلاصة:
الأمثلة على هذا الأسلوب في الكتابة كثيرة جدّا (أعني الإيقاع) لا يمكن التّطرّق إليها في هذه الدّراسة المحدودة. حسبنا تسجيل بروز هذه الظّاهرة في الشّعر المحافظ بشكل جيّد في نماذجه، تنويعا في مصادر الإيقاع، وتلوينا في مظاهره، واعتماده ركنا أساسا في الصّياغة والبناء. وربطا (1/106)
صفحة 107
محكما بين المعاني والوسائل المنتقاة لإيجاد هذه الموسيقى. هذا يدلّ على الوعي في عمليّة البناء الفنّي، وعلى التّمكّن في مجال الإبداع، وعلى التّحكّم في قواعد الكتابة، وعلى فهم الرّسالة التي هم موكلون بها ـ معنى وفنّا ـ، وهم يكتبون. وقد قرأنا نماذج جيّدة في هذا المجال. وسجّلنا ضعفا في بعضها؛ بسبب التّكلّف الذي ظهر عليها، أو العجز عن بناء عمل فنّي من الموسيقى، التي هي جزء مهمّ في الكتابة الشّعريّة.
إنَّ الشّعر العماني المحافظ أسهم إسهاما مهمّا في دفع عجلة الإبداع خطوات إلى الأمام، أو ـ على الأقل ـ كان مرحلة مهّدت الطّريق للتّجديد، وذلك بتغيير ـ ولو كان بسيطا ـ في أسلوب الكتابة، وتنميّة المعجم الشّعري، الذي ساعد على تطوير الصّورة الشّعريّة، وتطويع الإيقاع لتلبيّة مشاعر الشّعراء، حتّى تبرز.
كان الاهتمام بتوفير الموسيقى في أشعار الشّعراء بارزا، إلى حدّ التّكلّف أحيانا. لذا حرص شعراء الاتّجاه المحافظ على التفنّن في توفيرها فيما يكتبون، بتعديد مصادرها، والتّنويع في مظاهرها، وكان للإيقاع حظّ كبير في هذا المجال. وقد حالفهم الحظّ أحيانا، وخالفهم التّوفيق مرّات.
--------------------
الهوامش
1 - مصطفى عبد اللّطيف السّحرتي، الشّعر المعاصر على ضوء النّقد الحديثـ ط2، مطبوعات تهامة، جدّة، المملكة العربيّة السّعوديّة، سنة 1404هـ/1984م، ص: 113. ينظر أيضا ص: 107.
2 - الدّكتور محمّد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 344.
3 - الشّعر المعاصر على ضوء النّقد الحديث، ص: 107.
4 - الدّكتور عليّ عليّ صبح، البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر, ط2، المكتبة الأزهريّة للتّراث، سنة 1416هـ/ 1996م، ص: 258.
5 - ديوان أبي مسلم ناصر بن عديّم الرّواحي العماني، تحقيق وتدقيق عبد الرّحمن الخزندار، مطابع دار المختار، 1406هـ/ 1986م، ص: 302.
6 - المصدر السّابق، ص: 400 - 401.
7 - البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر, ط2، ص: 244.
8 - ديوان ابن شيخان السّالمي، ط2، جمع محمد بن عبد الله السّالمي، مراجعة الدّكتور عبد السّتّار أبو غدّة، نشر المجموعة الصّحفية للدّراسات والنّشر، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 1416هـ/ 1995م، ص: 34، 35.
9 - المصدر السّابق، ص: 47. (1/107)
صفحة 108
10 - المصدر السّابق، ص: 73.
11 - المصدر السّابق، ص 119. الصّورة نفسها تتكرّر عنده في البيت الآتي:
كالغَيْثِ يومَ النَّدَى، كاللّيْثِ يوْمَ الوَغَى
كَالدّهْرِ مُحْتَفلاً، كالبَدْرِ مُنْتَزِحَا
المصدر السّابق، ص: 108.
12 - ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 303، 311.
13 - ديوان أبي سرور حميد بن عبد الله الجامعي، المجلّد الأوّل، ط1، النّاشر مكتبة الفردوس، سمائل، سلطنة عمان، 1419هـ/ 1998م، ص: 88.
14 - ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 25.
15 - المصدر السّابق، ص: 41.
16 - المصدر السّابق، ص: 61. للشّاعر نفسه قصيدة، تعدّ تسعة عشر بيتا، أنهى شطري كلّ بيت فيها بحرف (الدّال) تفنّنا في الكتابة، ورغبة في إيجاد موسيقى داخليّة من السّجع داخل القصيدة.
17 - ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 266. ينظر مثال آخر المصدر نفسه، ص: 263.
18 - سعيد بن سليمان العيسائي، تطوّر الأبعاد العربيّة الإسلاميّة في الشّعر العماني الحديث، ص: 122. ينظر أبو سرور وديوانه باقات الأدب, ص: 137.
19 - ص: 122.
20 - ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 78.
21 - ديوان أبي مسلم الرّواحي, ص: 287.
22 - المصدر السّابق، ص: 348.
23 - المصدر السّابق، ص: 344، 345.
24 - ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 64.
25 - عبد الله بن عليّ الخليلي، ديوان وحي العبقريّة، ط2، مطابع دار جريدة عمان للصّحافة والنّشر، رُويّ، سلطنة عمان، 1410هـ/ 1990م، ص: 125.
26 - شبّر بن شرف الموسوي، اتّجاهات الشّعر العماني المعاصر، مطابع النّهضة، مسقط، سلطنة عمان، سنة 2000م، ص: 107.
27 - الدّكتور سمير هيكل, «بين أبي مسلم البهلاني الرّواحي وأبي البقاء الرّندي, جوانب فنّيّة مقارنة»، قراءات في فكر البهلاني الرّواحي, ط1، وزارة التّراث القومي والثّقافة, سلطنة عمان، إصدار المنتدى الأدبي، سنة 1418هـ/1998م، ص: 79. تُراجَع القصيدة في: ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 299 - 315.
28 - ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 299
29 - ينظر ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 95. تراجع القصيدة، ص: 95 - 97. (1/108)
صفحة 109
فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان
د/ محمد زغينة
قسم اللغة العربية -جامعة باتنة
تمهيد:
إن المقال نوع أدبي محدد بحيز الجريدة، أو المجلة، يعالج مجموعة معينة من الأفكار وهو تقليد يعود إلى ظهور الصحافة (1) وقد اعتبر كثير من الأدباء بأنه جنس أدبي (2) رغم تعريفاته التي تختلف من كاتب إلى آخر حسب تصوره، ومذهبه، ومنابع مصادره (3)، ورغم ذلك يبقى المقال من أهم الأجناس الأدبية الحديثة التي يمكن أن يرتكز عليها الأدب الإسلامي المعاصر ليقاوم الفكر المادي؛ لأن الأمة الإسلامية تقف أمام أعتى الأعداء الذين تحصنوا بكل ما يمكن أن يتحصن به العدو، بل تقف أمام الحركة المضادة لأسلمة الأدب، إنها حركة العلمانيين، والانتهازيين، أذيال الاستعمار القديم، وأعوان الاستعمار الحديث، وهذه الحركة راسخة الأصول، مشبعة الفروع، تغذيها قوة عالمية لا يمكن مقاومتها إلا عن طريق توحيد الجهود وجمع ما تشتت من القوى، وما بذر من المواهب، ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام، أو بمجرد القول، وفوار الفم، ولكنه يحصل بتوجيه العزائم، وتحريك الهمم، وصدق الطلب، والإخلاص في العمل، والصبر والثبات على المبدأ، لأن الأدب الإسلامي الآن له مجالات عديدة يجب سدها، وبخاصة مجالات النثر الذي أهمل في معظم كتابات الأدباء الإسلاميين الذين ركزوا على الشعر والقصة، والمسرح عموما، كما أن أعداء أسلمة الأدب يشنون حروبا طاحنة عن طريق المقال الذي لبس مسوح التقدمية، والشعبية والحداثة، وما بعد الحداثة، فهذه الحداثة التي تعني عندهم التطرف، والتغالي في رفض الموروث الحضاري الأدبي -وغيره- وذلك بفصل الدين عن الأدب، ومعارضة كل فكرة أصيلة، ورفض الرؤى الإسلامية والإيمان بالدعوة إلى التعددية اللغوية، وتبني مواقف مشبوهة إزاء اللغة العربية، والترويج للنزعات العرقية والانحلالية والاستقلالية ...
إلخ، وكل ذلك لعزل الأديب الإسلامي عن الميدان وتنفيره من أفكاره، ومبادئه، وقلب موازين الرأي العام الإسلامي.
كل هذا استلزم مني أن أقف وقفة محتشمة أمام أدب رجل مسلم مجاهد، مات مشلولا وهو يعبر (1/109)
صفحة 110
عن أحاسيسه الصادقة، استجابة لفطرته النقية التي كانت مصدره، ولحمته، وسدى أدبه في مقاله الخاطري، في تجليات إسلامية رائدة، ورؤى جليلة، في تصور شمولي للكون والحياة والإنسان تتوغل في فيافي حيرتنا، ومهامه افتراقنا، ومفاوز وجودنا، بإيمان راسخ، وعقيدة صلبة الجذور، عريقة الأصول، وارفة الظلال، بعيدة الأغوار، نقية في جوهرها، سامية في مطلبها، متوازنة في رؤيتها، ملتزمة بالقيم الإسلامية: العدالة، والإخاء، والحرية. متناغمة مع القيم الجمالية: الجمال، والحق، والخير، فكانت المقالة الخاطرية عنده: نبض حياة، ودفقة شعور، تستمد إشعاعاتها من تصوره الإسلامي الشامل، وإيحاءاتها من تجاربه اليومية، وأصالة أفكاره، بذوق رفيع، وإحساس عميق بدوره الرسالي وبحرية المؤمن، وطلاقة المدلج في ليالي الهم الحضاري؛ لا تيه، ولا ضياع؛ تعطره السنة، وسمو الآيات الربانية، وسبحات المتصوفة النقية؛ باستلهام المواقف الكبرى، ومعاضدة المؤمنين أينما كانوا، والترجمة العفوية لخلجات النفس، والتدرج في دوائر تتسع شيئا فشيئا حتى تشمل هموم أمته.
وإذا كان الأمر كذلك فما هي الخاطرة وما هي أهم خصائصها عند هذا الأديب المسلم الذي وعى حركة الفكر الحديث وصراع الأفكار في المجتمعات الإنسانية؟ هذا ما سنرى في هذا البحث.
2 - مقال الخاطرة:
الخاطرة أو الخطرة هي الذكرة، ومنها خطرت خاطرة على القلب من ذكراك وهنا فما استطعت مضيا (4) وهي من الخاطر أي ما يخطر بالقلب من تدبير، أو أمر، أو رأي، وهو الهاجس (5) وجمعه خواطر، وهو ما يذهب إليه القدماء والمحدثون (6).
وهي «لمحة ذهنية خاطفة لحادث عرض، تحمل مشاعر الكاتب إزاءه، وتخلو من الأسانيد، ولا تحتاج إلى حجج على صحتها، ولا تتجاوز ـ غالبا ـ عمودًا في صحيفة» (7) بل هي موجة كهربائية تسري في المبدع، وإحساس مفاجئ، أو إعجاب معيّن، بل سُحُب تأتي وتمضي، لأنها «تجسد إحساسا مفردا حيال أحد الموضوعات ـ ما يقابل الفكر المركب ـ يتسم بالتأمل السريع لإحدى الظواهر، مع تسليط ضوء فكري مركز عليها، وحصرها في نطاق محدد من التناول، وتصاغ وفق عبارة «قصيرة» «مصورة» أي ذات انتقاء صوتي إيقاعي من حيث تجانس وتآلف الحرف والمفردة والفقرة، وذات عنصر تخيلي يعتمد الصورة أو المأثور اليومي تعبيرا عن الإحساس الذي تقوم عليه الخاطرة» (8) أو كما يقول المتصوفة: «ما يرد على القلب والضمير من الخطاب» (9).
وهناك فرق بين المقالة والخاطرة، فالخاطرة مقالة صغيرة تقوم على الانفعال الوجداني بالتجربة أو الموقف خالية من التقريرية، والمقالة تميل عادة إلى التقريرية؛ لأن الخاطرة تعبير عن تجربة شعورية خاصة، ينساب فيها الأديب مع أحاسيسه وانفعالاته بهذه التجربة، بينما المقالة تجمع بين المشاعر (1/110)
صفحة 111
والانفعالات الذاتية والمشاعر والانفعالات العامة حول تجربة عامة، كما أن الكاتب في الخاطرة يتخير التعبير والصورة بظلالها ومعانيها حسب الجو الشعوري، والحالة النفسية التي خالجته عند الانفعال، كما أن الخاطرة لا توجد في نفس الكاتب فكرة مسبقة عما سيكتب، وإنما هو يصور لحظة شعورية فجائية أو انفعال ذاتي فجائي، أما المقالة فهي فكرة قبل كل شيء وموضوع يتطرق إليه الكاتب بوعي وفق عناصره المرسومة في ذهنه وليس وفق الانفعال الوجداني (10) وهذا اللون من المقال نشأ في ظل الصحافة (11) وهو على الرغم من صغر حجمه، عمل ميسر للذهن، وممتع في الوقت نفسه، فيه من الشعر خاصية التركيز، وعمق النظرة، وحدة الشعور بالأشياء (12) ويحتاج «إلى الذكاء وقوة الملاحظة، ويقظة الوجدان» (4) ويتناول «الحياة والعيش والانطباعات الذاتية والأحداث .......
وتصوير الشخصيات، أو الذكريات، والأمور التي تتعلق بأحداث السياسة، والكون والاجتماع» (13) وعلى العموم إن المقالة نوعان «يتشابهان في الظاهر، ويختلفان في الحقيقة، فإحداهما انفعالية والأخرى تقريرية، ولعل من الأنسب أن نفرق بينهما في الاسم بدل أن نفرق بينهما في الوصف فنقصر لفظ المقالة على النوع الثاني، ونسمي النوع الأول «خاطرة» (14) وهذا النوع الأخير نبغ فيه كثير من الأدباء في العصر الحديث نتيجة لازدهار التعليم، وانتشار الصحافة، وانفتاحها على الموضوعات الإبداعية الحرة من جراء حركات التحرر والتنافس الإبداعي واستقرار الأوضاع نوعيا، ومن أشهر هؤلاء: مصطفى صادق الرافعي (15)، أحمد أمين (16)، والمازني (17)، ومحمد البشير الإبراهيمي (18)، وغيرهم كثير منهم «أحمد محمد الصاوي، وأنيس منصور، ومحمد زكي عبد القادر، وإبراهيم الورداني، ونعمان عاشور، ومختار الوكيل، وعبد الرحمن فهمي، وصلاح منتصر ... » (19) وأيضا: ميخائيل نعيمة في «النور والديجور»، ومي زيادة، وكثيرٌ ممن كتبوا المقالة الخاطرة، لأن الخاطرة أصبحت في العصر الحديث ملح الجرائد، لأنها تقف في منزلة وسطى بين المقالة الجادة، والقصيدة الشعرية الكاملة لأنها تشكل نوعا أدبيا يعتمد الصياغة الجميلة بعبارات قصيرة مصورة مشرقة، تتناول حركة الإنسان، والمجتمع، والبيئة في شرائحها اليومية بنمو خاطف وعابر (20)، وهذه سمة العصر.
تلكم نظرة في الخاطرة، عند أولئك الذين يتسمون بانفعالية جمالية، ورؤية إنسانية تحررية عميقة، ولذا كانت الخواطر تلون بعض الجرائد: «كوادي ميزاب»، و «الأمة» بالجزائر إذ فيها مقالات تقترب من الشعر المنثور، لأن هذه المقالات ثمرة الذكرى، أو التأمل أو هي حصاد البحث والإيغال في عالم الكون والحياة، والسفر في مسامات التاريخ، موحية لنا بروح كاتبها المرحة، العاشقة للجمال، الباحثة عن الراحة الأبدية الولهانة إلى الحرية، المنطلقة إلى الفجر الآتي، وبخاصة حين تتحرر ألفاظه من المعنى القاموسي، فتفاجئك، وتدهشك، فتحس إزاءها بالانبعاث العاطفي (1/111)
صفحة 112
المتأجج.
أما أبو اليقظان (*) فقد كتب بعض المقالات (21) التي نحس فيها لونا خاصا من ألوان المعانات، والمكابد الأدبية، ومنها، مقالات الذكريات الإسلامية سواء مولده صلى الله عليه وسلم، أو هجرته، أو الحج ... ومن ذلك قوله: «في أرض الحجاز القاحلة، في بطن مكة المكرمة، تنفس صباح الإنسانية المعذبة عن أبرك مولود، أعز كل موجود، وأسعد كل مجدود، تنفس صباح هذا اليوم عن غلام اهتزت له السماوات والأرض، وامتلأ به سمع الدنيا، وردد صداه فم العالم؛ طلع فجر هذا اليوم عن محمد صلى الله عليه وسلم فكان بهجة للإنسانية، ويوم العرب، ومهرجان قريش، وعرس بني هاشم وزفاف بني عبد المطلب ... » (22).
فالمتأمل في المشهد السابق يحس بتفاعل الكاتب بالموقف، وابتعاده عن تقرير الحقائق، ولذا نستشف منه المشاعر الإنسانية الفياضة والعواطف الوهاجة، وهي تتدافع وفق دفقات الشعور وانسياب الأحاسيس نتيجة لإلحاح الكاتب، وتكراره للفظة تنفس «القرآنية» وما لها من ظلال ورؤى، وإيغال في عالم الإشراق بمدلولاتها الصوفية الحرة. إذ أنها توحي بالفجر، والنور وزوال الهم، وقدوم نهار المستضعفين وفجر المقهورين في أرض الجزائر، كما كان فجر مستضعفي الأمس، مما يعمق الرؤية، ويرفع اللفظة إلى الرمز الصوفي في تجلياته، ولذلك كانت رحلة أبي اليقظان إلى عالم المثل عالم البراءة، والطهارة، هاربا من واقعه المرير، بكل مصوغات التسامي الروحي في مثل هذه المواقف الاستثنائية، حين يكتوي أديب محترق بنار الاستعمار، والغربة في موطن النبي العربي المحرر الأول للإنسانية من عبودية الإنسان.
إضافة إلى ذلك نحس كيف «ينسجم الأسلوب مع مضمونه ويتنفس بأنفاسه، ويتحرك بتحركه الفني، فنحن في ذروته الفنية الجمالية .. نحن أمام الكلمة التي تعيش على مستوى الفنون الجميلة .. في إطارها الذاتي وحقائقها الرؤيوية» (23)
إن هذا الهاجس -الحرية- هو الذي جعل الكاتب يحدق في التاريخ، ويلقي ببصره بعيدا، فإذا به أمام قوافل الأنبياء وهي تتلاحق «مرت مواكب الأنبياء والرسل كالكواكب والأقمار، وقد استنارت منها البشرية في مراحل حياتها كما يستنير الساري في مراحله منها، وتخللتها فترات تقف بالإنسانية أحيانا كما تقف بالساري تلك الفترات التي تخللتها لمعان البروق!!!
ثم أعقبتها دياجير حالكة كانت على الإنسانية أشد ما تكبدته من الأهوال والأخطار منذ خلقها الله، وقد سفلت بها إلى أحط من حضيض الحيوانات في عموم بقاع الأرض، فكانت تجأر إلى بارئها، وتستغيث به مما حاق بها من إطباق الظلم» (24).
هكذا يرحل أبو اليقظان يستحث الخطى، ويترسم التاريخ البشري بكل شفافية وإيمان بحثا عن أسرار النبوة، بعاطفته، وخياله، وهواجسه، ولذلك لا يملك إلا أن يرسم الرسول صلى الله عليه (1/112)
صفحة 113
وسلم واقفا وصفوف الأنبياء تمر من بين يديه: «تتابعت صفوف الأنبياء والرسل أمام محمد صلى الله عليه وسلم كما تتابعت صفوف الجند وأمراؤها أمام مواكب الملك، فكان خاتم النبيين، وسيد المرسلين» (25).
فهذه الصورة متخيلة ناتجة مما وعته المخيلة، وما ارتسم فيها عبر الأيام من خلال دراسة السيرة، ولذلك كونت مشاعر الإعجاب، والحب، والشوق: «وفي وسط هذا الظلام الحالك، لاح من وراء الأفق شعاع النبوة، فبزغت شمس الرسالة المحمدية، فأضاءت الأكوان، وتشعشعت منها الأرجاء، فبعثت البشرية من جديد، وسرى ماء الحياة في كافة عروق الإنسانية» (26). إن أبا اليقظان تشي صوره عن انفعالاته: «ولا شك أن نفاذ الحس ليساعد على إطلاق الخيال، فهو غذاؤه وجناحه، يعمق الفكرة بأن ينور الإحساس بها فيشب بها الخيال، وتتداعى صور الحياة المتقاربة فيزيدها الحس نفاذا، وتتم بذلك الدورة، الحس يغذي الخيال، والخيال يغذي الحس» (27).
إن أبا اليقظان لا يقرر حقائق، ولا يمنطق ولا يحاجج، إنما هو يصور، ويرسم الصورة التي وعاها تاريخيا وتخيلها، ويصبو إليها في مثل ظروفه تلك، وظروف الاستعباد، ولذلك فهو يهفو إلى الحرية بكل ما فيها من بزوغ الشمس، والإضاءة، والتشعشع والبعث، والانبعاث، وسيران ماء الحياة، إنه البحث عن الحياة الإسلامية الحرة النبيلة الكريمة، حياة يتمناها من يعيش في ذل، ولذلك كان الموقف هنا، كالموقف «هنالك» إنه موقف المعانقة للحقيقة الربانية في عالم الاستبداد؛ لأن الواقع لم يسمح له بذلك، فعاشها فنيا (*)، ولذا فهو لا يعيش الواقع، ولا يقرر حقائق، فهو في حالة شعورية، حالة خواطر تنثال كما تنثال تلك الأفعال الاستشراقية متناسلة، متوالدة لتكون الصورة المثلى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليوم مولده، ويروح الكاتب في تجليات صوفية قائلا: «في مثل هذا الشهر ربيع الأنوار عام الفيل سنة 571 طلع إلى العالم في ذلك اليوم فجران في آن واحد: فجر اليوم الذي لو لم يطلع لما قدر أحد غير الله أن يأتيه بضياء إلى يوم القيامة، وفجر الرسالة الذي لو لم يشرقه الله لما استطاع أن يرسل شعاعا منه إلى يوم القيامة؛ أضاء بالأول عالم الأجسام، وأضاء بالثاني عالم الأرواح فأصبح العالمَان منغمسين في بحرين من الأضواء بعدما كانا حقبة من الزمن غريقين في بحرين من الظلام» (28).
بهذا التصور الإسلامي تغدو السيرة النبوية خواطر وأشواقا إيمانية، وتطلعات روحية، وشعورا فياضا، وإعجابا منقطع النظير؛ لأن «الجمالية في العمل الأدبي ليست مسألة شعر أو نثر، إنما هي الرؤية الفنية المجسدة بأسلوب تشكيلي إيجابي يجلو رؤية المحتوى، وفنية المضمون وبقدر ما تتكاثف هذه الفنية محتوى وشكلا في عمل أدبي يقترب العمل بهذا القدر من دائرة الفنون الجميلة» (29). (1/113)
صفحة 114
لهذا ابتعد أبو اليقظان عن المفهوم الفقهي الظاهري، وراح يستشرف الماضي، ويحلق في أجوائه بلغة جديدة ذات علاقات إيجابية، وليست لغة السقوط الذهني على الأشياء؛ لأن الخاطرة في النثر تقابل القصيدة الغنائية في الشعر، وتؤدي وظيفتها في عرض التجارب الشعورية التي تناسبها حين ينساب الكاتب مع أحاسيسه، وانفعالاته، وتجميع المشاعر المتناثرة حول هذه التجربة، والاهتداء إلى الصورة اللفظية التي تتفق بظلالها ومعانيها مع الجو النفسي، والشعور الذي يخالج الكاتب (30) فهذا التصور الانفعالي هو الذي جعل أبا اليقظان يتخيل وجود حقيقتين لوجود محمد صلى الله عليه وسلم، أو قل هو وجودان لحقيقته صلى الله عليه وسلم، حقيقة وجوده الظاهري، وحقيقة وجوده الباطني، أنه نور الأنوار، ومشكاة الحقائق، وأول الخلق، خلقه الله، ثم أفاض عليه بنوره، فظهر بعده آدم ثم انحدرت بقية الشجرة، وهذا ما يوضحه أبو اليقظان حين يوغل منسابا في تاريخ الإنسانية في خاطرته هذه «فتق به قلب الدنيا، فأخرجه رسولا إليها، وأسرجه بنوره، فأضاءها، وكان كمشكاة (*) فيها مصباح المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري، أرسله إلى العالم وقد انعكس النور الإلهي في مرآة قلبه، فأشرقه بنوره، وأضاءه بدينه؛ فعاش وهو يمرح في بحرين من النور واليقين» (31).
إن أهم ما يلاحظ على الصورة السابقة هي الصورة النورانية لمحمد صلى الله عليه وسلم المستمدة من القرآن، من خلال توظيفه توظيفا استيعابيا إضافة إلى تأثر الكاتب ببعض الصوفية كالبُوصَيري (**) في مدائحه، وبخاصة في الهمزية الشهيرة، مما يجعل هذه الخواطر عاطفة إسلامية إنسانية سياسية تدل على عالمية التصوير، ولذلك يؤكد أبو اليقظان هذا التصور قائلا: «وإن يوما كان للعالم مطلعا لفجرين، ومنبعا لسعادتين، جدير بالعالم كله أن يحتفل بذكراه كلما تجدد عليه مرآه، وليس خاصا بصنف من البشر دون سواه، فهو شمس طلعت من السماء على الأرض فأنعشتها، وأحيت مواتها، وألبستها ثوبا من العمران جديدا» (32).
وتتوالى أنوار هذا اليوم على نفسه كالبروق في اتصالها في الليلة الظلماء، فإذا به في رحلة للتجلي لأن «المحبوب في حب الصوفي متعاليا لا يدرك، وكان مثل هذا الحب حافلا بالأفكار والمعاني والأذواق» (33). ولعل هذا ما جعل أبا اليقظان يرسم مآثر الرسول صلى الله عليه وسلم بأسلوب عذب، رقيق، فتضافرت الصور والصيغ الشاعرية الأنيقة فإذا بنا أمام مشاهد تترى على الذهن، وتتابع وجدانيا مع حسن السبك، وبراعة التركيب مما يجعل المتلقي ينتشي ويعيش ذلك الواقع الوجداني بكل إيحاءاته، وظلال صوره ورؤاه، لأن أبا اليقظان كان في حالة روحية مشبعة بالخواطر والمشاعر، وبذلك فجر ما بداخله فأحدث إنزياحا في الفكر الديني الفقهي، فكان فنانا ذا إيمان قوي، ورؤية أدبية جميلة مما جعل الفن والدين في نثره يتناغمان، ولم يأبه بأولئك الذين يرون أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، لأنه انساق وراء عواطفه وذكرياته، وتعالى على كل الأفكار (1/114)
صفحة 115
المسبقة المحرمة للموقف، فعاش حيث كان يصبو أن يعيش، وراح يدعو الخلق لأن يحتفلوا بمولد سيد الخلق، لأنه نور الله، وشمسه، فهو كما يشرق على الكل يجب على الكل أن يحكموا بشريعته «أرسله بنظام العالم ودستور الأمم، وقانون الإنسانية الأساسي في سائر نواحي الحياة، صالحا لجميع البقاع، ملائما لكل العصور، لا تقدر ولن تقدر برلمانات العالم، ـ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ـ أن تنقض حكما من تشريعه، أو تأتي بآية خير من آياته» (34).
إن أبا اليقظان في هذه الفقرة يقرر حقائق مما أسقطه في فخ النثرية والمباشرة، فهوى بخاطرته إلى الفكر السطحي الخالي من التصوير المجنح، وهذا بسبب تحكم الثقافة التقليدية في العنان حين يستيقظ الرقيب مما يزيل تلك اللمسة الغامضة التي كنا نراها سابقا ولكنه لا يلبث أن يحاول العودة إلى الخيال، والانسياق وراء العاطفة فيقول: «أخرجه من أشد العالم جدبا وأقساها تربة، وأشحها نبتا، فعلَّم الناس أن الشرف، والسؤدد والعزة، والفضيلة الحقة لا تنبت على حافات الأنهار والبحيرات، وبين المزارع والحقول، وإنما تنبت حيث البساطة، وسلامة الفطرة، وطهارة الطبيعة ... » (35).
وعلى كل فإن العاطفة، والانسياق وراء المشاعر إحدى خصائص الخاطرة في الأدب الذاتي بخاصة، ومن أهم ما يفرق بين المقال العام، والمقال الخاطرة.
ومهما يكن فإن لأبي اليقظان فلتات شعورية في كثير من مقالاته الخاصة بالمولد النبوي الشريف؛ لأنه الفجر المنتظر في حسه بالجزائر، فإذا به في تلك اللحظات يلتجئ إلى الانسياح في ينابيع النور بلغة رقيقة، وشعور فياض، كما نجد عنده أحيانا سبحات حين يعجب بموقف من المواقف، ومن ذلك هذا الشعور الفياض المستدر للتأمل، والمستدعي للإعجاب، الذي هزه من خلال إحياء إبراهيم بيوض لسنة العيد فيقول أبو اليقظان: «قاموا للصلاة صفوفا متراصة، وهم بأزياء العيد البيض كالملائكة حافين (36) حول أمر ربهم، وأمر رسوله، ولا تسأل عما غمر، ومازج القلوب، وفاض على الجوارح هناك من السكينة والوقار والروعة، والجلال، فإن ذلك أدق وأجل عن متناول القلم» (37).
بهذا الشعور يصور الكاتب أحاسيسه؛ لأن مقال الخاطرة لا يقتضي حشد المعلومات، ومناقشة الفكرة من جميع الوجود لإقناع الناس، وإنما هي عبارة عن نقل خواطر وهواجس خطرت على ذهن الكاتب في فترة من الفترات، حول قضية من القضايا، أو موضوع من المواضيع أو إبداء ملاحظة "خاطرة"، ذاتية عفوية، حيث ترد بسيطة ثم تنمو وتكبر حتى تصير خاطرة كاملة أشبه ما تكون بالمقال الأدبي الإنشائي إزاء موقف خاص، أو تأثره بسبب مشهد ما» (38). وهو ما نراه في بعض انطباعات أبي اليقظان إذ تتعانق فيه العاطفة والخيال، ويلفها الخوف، ويتخللها الترقب بخاصة تلك القضايا الإسلامية والوطنية الكبرى، ومن ذلك مقالته الخاطرية التي عنونها بـ: «من (1/115)
صفحة 116
الجزائر إلى باريس» (39) حول المؤتمر الإسلامي (40) وسفر الممثلين الجزائريين إلى العاصمة الفرنسية: يقول أبو اليقظان: «بعد استفحال الظلم، وطيلة استمرار العسف على المسلمين الجزائريين، استفحلت في نفوسهم الآلام، وتراكمت في صدورهم الرغائب والآمال، ولهذا لا عجب -إذا كُسِّرت القيود، ورفعت الأغلال في عهد الكتلة الشعبية والجمهورية الديمقراطية- والمسألة هذه أن يكون سلكهم التواء وتعاريج ولا عجب أن يكون في صلب تلك الرغائب الغث والسمين، شأن المحبوس المكبوت حين تباغته تباشير الفرج وتفاجئه هزات الفرح دفعة واحدة، فإنه من شدة التأثر والانفعال النفسي، ومن شدة احتقان النفس بلواعج الآلام، ومن تدافع الآمال على جوانب الصدر تختلط أمامه الآلام الممِضَّة، بالآمال المنعشة فيقدِّم ما حقه التأخير، ويؤخر ما حقه التقديم، ويعظِّم ما حقه التصغير، ويصغِّر ما حقه التعظيم، ويقلِّل ما حقه التعظيم، ويكثِّر ما حقه التقليل، ويقلِّل ما حقه التكثير، ولا يعلم ماذا يقصد ولا ماذا يريد؟!!» (41).
تبدو -في هذا المقطع- الاعترافات جلية لأنها هواجس، وخواطر وليدة الشعور المصاحب بالأمل والقلق، والرجاء، والخوف، لأن الأديب المسلم مدرك لخطورة الموقف، وصعوبة المهمة الملقاة على أعناق الوفد وهي حالة انفعالية، ولذلك تكون مقالته بوحا بعيد الأغوار، بسيط التناول، تتعمق به التنمية الشعورية لأنه يفتح قلبه لأمته قائلا: «نحن لسنا -والحالة هذه- في حاجة إلى شرح هذه الخواطر فلها وقتها، وإبانها، وإنما نقصد من هذه كمال التنويه بهذا التصور الإسلامي الجزائري الجديد، وإلفات النظر، وتنيبه الهمم إلى اندفاعاته واتجاهاته» (42).
رغم هذه الاعترافات إلا أنه لا يستقر على حال، ولا يهدأ له بال إلا إذا حلق مع الوفد وسافر معه روحيا؛ لأن وساوسه تتدافع، وهواجسه تتلاحق، فلا يمكن أن يكف عن التحليق: «على بركة الله، وحسن عونه ... امتطى متن البحر، وجهته باريس؛ الألم يدفعه، والأمل يقوده، آذان باريس مرهفة، وأعناق الجزائر مشرئبة، وأرواح المظلومين عليهم ترفف في حلهم وترحالهم؛ الموقف ـ والله ـ جلل، والمسؤولية خطيرة والمسألة ليست مسألة سياحة، ولكنها مسألة شعب، مسألة مستقبل، مسألة أجيال، فعسى الرؤساء والزعماء قد أدركوا هذا جيدا، فلا يخطئوا التقدير في تقرير المصير، وعسى الله أن يكلأهم برعايته وأن يحفهم بعزه ونصره، وأن يعززهم بتأييده، وتوفيقه ... » (43).
هكذا تبدو مخاوف أبي اليقظان، ولذا كان جسمه في الجزائر وروحه ترافق السفينة إلى باريس، وترفرف على الجميع، وبذلك «تصبح الخاطرة عملا مثيرا للذهن، وممتعا في نفس الوقت نفسه، ففيه من الشعر خاصية التركيز، وعمق النظرة، وحِدَّة الشعور بالأشياء» (44)، ومن النثر القالب، والصياغة، وهنا يكمن الفرق بين المقال العام، والمقال الخاطرة، ولهذا نجد بعض المقاطع أشبه ما تكون بالشعر لأنها «شكل حر لا قالب له، ويعتمد تماما على حرية إحساس المقالي وعفويته ونجد (1/116)
صفحة 117
هذا الشكل الحر في المقالات التي تغلب عليها العاطفة وتموج بتداعيات الوجدان، ولا شك أن نزعات العاطفة ونفثات الشعور لا يسهل إخضاعها لشكل محدد ... » (45).
وهذا ما نراه لدى أبي اليقظان في بعض خواطره نحو الحج ومنها مقالته التي عنونها بـ: «ذكريات رائعة، وشعور فياض» (46). يقول فيها: «عدنا - والعود غير أحمد- من الحجاز مهبط الوحي، ومهوى الأفئدة، ومراح الأرواح؛ بقلوب كبيرة، ونفوس حزينة، وعيون تفيض عبرات، عدنا من أشرف البقاع، وأقدس الأودية، وأصفى الأجواء، من مقام إبراهيم، والبيت الحرام، ومأوى سيد الخلق وأشرف المرسلين، رجعنا بإيمان غامر، وشعور فيَّاض، ولوعة تتقد بها الأحشاء» (47). بهذه الهواجس ينقلنا أبو اليقظان من أرض الجزائر ليغرسنا في أرض الحجاز، بشعور فياض، وحس رقيق، لأن الموقف في ذهنه رهيب، والذكرى أعمق لأنها ذكريات الوحي، والتحرر، ومدينة السلام والأمن والعدالة، ولذلك يقدم إلينا وصفا لرحلته هذه كله نفثات، يقول: «فقد فاجأنا شعور غريب، غمر نفوسنا بأول نظرة رميناها على تلك الفجاج، وبأول خطوة خطوناها في تلك التربة الطاهرة؛ أحسسنا لأول مرة في حياتنا بعظمة الإسلام تدب في جسمنا وبخطرة تملأ نفوسنا روعة وجلالا حين علمنا أننا نزلنا أول تراب مس جلد نبينا العظيم، ونطأ أرضا وطئتها قدماه الشريفتان وننظر إلى مناظر اكتحلت بها عيناه الكريمتان، ونجول في شعاب أشرقت بطلعته الشريفة، ونستن بسنن سنها، ونقف مواقف وقفها، ونطوف مطافه حول أول بيت وضع للناس مباركا، وهدى للعالمين» (4).
إنه إحساس المؤمن المغلوب على أمره تحت وطأة الظلم والجبروت؛ إحساس المؤمن نحو أرض الرسالات، والأسرار، والذكريات، والانبعاث، والحلم الرباني الأبدي، والسياحة في ملكوت الله، ولذلك حمل في طياته دلالة مكثفة ذات أبعاد انفعالية أثيرية يقول: «تلك هي الذكريات الرائعة التي كانت ولا تزال مجال أفكارنا، ومسرح أرواحنا، ومتعة أنفسنا ولا تنفك تغمرنا بجلالها، أما المناظر التي تستفز المشاعر، وتأخذ بالألباب فهي هذه الأفواج من الخلائق الذين تسيل بهم بطحاء مكة، ويغص بهم المسجد الحرام، وتكتظ بهم عرفات ويفيض بهم المشعر الحرام، ويتماوج بهم منى، فلا ترى في هذه المواقف إلا لباس الإحرام على الأجسام، ورؤوسا حاسرة، وأشكالا من الخلائق مختلفي الألسنة والألوان، ولا تسمع إلا أصوات الملبين تشق أجواء الفضاء، وأدعية الذين ترتفع إلى عنان السماء، ونحيب المنتحبين تردده الأرجاء.!!» (48).
إنا أبا اليقظان وصاف ماهر، وتلك متطلبات الخاطرة، لأن «الوصف الحي ... ينقل أحاسيس الكاتب، ومظاهر الطبيعة كما تتراءى في نفسه بصدق وأمانة، وإخلاص» (2) وتلك هي إسلامية الأدب وبخاصة حين يكون الكاتب أمام تيار متدفق من المعاني، والحقائق، والخواطر التي تسبح في ذهنه فيترجم بذلك عن وجدانه، وأحاسيسه بحسن الصياغة، ودقة التعبير وشمولية التصوير، ولذا (1/117)
صفحة 118
كانت خواطر أبي اليقظان حديثا للنفس المؤمنة تفيض بمكنوناتها في لحظات الأشواق والتوهج فتبدو الهواجس، وتلوح الآمال، وتفيض الآلام، وتنبعث الأحلام على صفحات أوراقه، فإذا «الشعور الذي طما على كل شعور، وغمره، وبعث فينا النخوة العربية، وروح العزة الإسلامية، والذي تسكن إليه النفس، وتجد فيه اطمئنانها وراحتها وبهجتها وسعادتها إلى ما شاكل هذه الأوصاف النادرة الحصول، فهو شعورنا منذ ألقت الباخرة مراسيها في ميناء جدة بأننا تحت راية خضراء تشع على رقعتها كلمة التوحيد يحميها سيف منصلت، ويسهر عليها العاهل العربي ملك المملكة العربية السعودية، شعرنا لأول مرة - وعسى أن لا يكون آخرها - براية دولة إسلامية ذات سيادة عظمى واستقلال مطلق، تخفق فوق رؤوسنا، وتقع عليها أنظارنا أينما التقينا وحيثما توجهنا» (49) وفي مثل هذه الذكريات يتساوق الكاتب بشعوره مع الذكرى التي استوقفته بأسلوب مكثف، وألفاظ مفعمة بالمشاعر، والرذاذ الانفعالي الذي يسبح في النص كاشفا فرحته التي تمزق جدار الظلم، وتفتت أجواء الظلام، وتبدد مخاوف النفس بشعور فياض وعفوية بريئة، وآلام جسام، ورؤية شمولية.
وهناك نوع آخر من الخواطر عند أبي اليقظان، هي خواطر وذكريات ثورية تمتد إلى عمق مرحلة الشباب والدراسة في تونس، وتعرفه على عبد العزيز الثعالبي، وتتلمذه على يديه سياسيا، ومن ذلك المقال التي عنونها ب: «زعيم شمال إفريقيا المنتظر» (50) يستقبل بها عبد العزيز الثعالبي بعد عودته من منفاه: «عاد الزعيم الجليل إلى وطنه -وبلاد الإسلام كلها وطنه - بعد أن قضى في الشرق نحو خمس عشرة سنة وهو يتنقل في عواصم الإسلام كالبدر في أبراجه!!! عاد وهو يحمل صدرا يسع بلاد الإسلام، وعواصم الشرق!!! عاد! ... فكرا استنار من حكمة جمال الدين الأفغاني، وأشعة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وتجاريب عظماء الشرق، وأساطين الإسلام!!! عاد وهو يحمل نفسا تعتز بعظمة الإسلام، ومجد العرب وسيادة الشرق!! عاد وهو يحمل بين جنبيه تجاريب الشيوخ، وقوة الكهول، وطموح الشباب» (51).
نحس بانثيال العواطف والرؤى وتلاحق الصور من هذا التكرار التصاعدي لفعل «عاد» الذي يحمل الأمل، والرجاء، وشروق الفجر، وغروب الظلام؛ لأن الأمل أشرق في سريرة أبي اليقظان من خلال هذه العودة للرمز مما جعله يحلق في أجواء لا تلونها إلا المبادئ والقيم الإنسانية الخالدة؛ لأن الأدب ... تعبير موح عن قيم حية، ينفعل بها ضمير الفنان ... لذلك من العبث محاولة فصل تلك القيم عن التصور الكلي للحياة والارتباطات فيها بين الإنسان والكون ... لأن هذا قائم في نفسه .. وهو الذي يحدد قيم الحياة في نظره، ويلون تأثراته بهذه القيم» (52).
ولذا انثالت عواطف الكاتب، وتوالت أحاسيسه بإيقاع تصاعدي، وتصور مبالغ فيه، وتلك إحدى خصائص الخواطر لأن الفنان لا يخضع إلا للأطياف، والرؤى ولغة المشاعر يرسلها كالجذوة (1/118)
صفحة 119
ملتهبة شوقا، وحنينا وبخاصة حين تكون الذكرى تُدَوِّي بقوتها في نفسه، كما هي في ذهن أبي اليقظان وهو يستقبل شيخه وأستاذه، ومعلمه الإسلامي الذي رباه وغرس فيه هذه النار المتأججة.
ومهما يكن فإن أبا اليقظان في بعض مقالاته الخاطرية يعانق عنان الأمنيات بالحنين، ويرفرف بروحه في فضاءات واسعة، وآفاق رحبة، ومن ذلك قوله مضيفا في استقبال الثعالبي: «وليس ببدع أن يهتز لعودته الشمال الإفريقي أجمع من أقصاه إلى أقصاه، وأن تتيه "تونس" بعزيزها، وتلبس حلل الزينة الفاخرة بمقدمه الكريم، وتمشي في مواكبه الفخمة عشرات الآلاف من الشباب والكهول والشيوخ، وليس ببدع أن تهتف أسلاك التلفون، وتنبض عروق البرق، ويركض بريد البر، والبحر والجو، وتتحلى صدور الصحف والمجلات، وتهتز أعواد المنابر احتفاء بمقدم الزعيم الجليل الأستاذ الثعالبي» (53).
فهذه المبالغة ضرورية في مثل هذه التداعيات الحرة لأن أبا اليقظان كان مؤرقا بليل الاستعمار مُجهَدًا بدائه، فمن البدهي أن يكون الثعالبي هو المنقذ الإسلامي الذي كان ينتظره، والضالة التي افتقدها منذ سنوات، ولذلك يضيف أبو اليقظان قائلا: «قضيتم خمس عشرة سنة وأنتم تنتقلون بين أطباق المحن، وآلام العباد صامدين لكل ما يعترض أمامكم من العقبات بقوة الفولاذ، وقضى الشمال الإفريقي هذه الفترة وهو يتقلب بين جمرات العسف، والجبروت كالشحمة في المقلاة، ويتمايل بين أمواج الحوادث فيطفو تارة، ويرسب أخرى، فها أنتم أولاء قد عدتم إليه، وها هو ذا قد قام إليكم يستصرخ ويستغيث ويناديكم أن أفيضوا (*) علينا من الماء أو ومما رزقكم الله» (54).
هكذا تحوِّل العواطفُ المنفعلةُ المواقفَ، فيغالي الأديب إلى حد أن يصبح الثعالبي، وكأنه من أهل الجنة، والشعب من أهل الجحيم، يحترق ولا يرجو من الثعالبي إلا أن يفيض عليه بشيء من الماء لإطفاء حريقه وظمئه، وهذا هو طابع الخواطر الذكرياتية، حين تمتدُّ الأحاسيس صورًا إنسانية تشع عليها أضواؤها العجيبة لأن أرض الخواطر «أرض الفنية الجمالية الخصبة بالدرجة الأولى، وسماؤها سماء الانطلاق الشعري الصافي، ... وهذا النوع الوجداني ممكن في قالب الشعر، وممكن في قالب النثر على حد سواء، وعليه فالفنية الشعرية لم تعد رهنا بالوزن والقافية، بل رهن الموقف الذي يقفه الأديب الشاعر من الأشياء، وبرؤيته لهذه الأشياء، أهي رؤية ذاتية داخلية وبالتالي فنية؟ أم هي رؤية موضوعية تقريرية وبالتالي فكرية أو علمية؟» (55). هذا الذي جعل أبا اليقظان يكتب عن أستاذه بكل انفعالية ومبالغة لأن ينابيع الإبداع لا تكتسي خلودا إلا إذا كانت منبثقة عن تلك المبالغة الروحية التي تعانق سرمدية الوجود.
ومن أهم مقالاته الخاطرية تلك المقالات التي اتخذ فيها أبو اليقظان الموت منطلقا لعواطفه، واستكناه الحياة، وأسرار الفناء، يقول: «لم يخشع البشر أجمعون لقوة في الدنيا خشوعهم للموت، (1/119)
صفحة 120
ولم يرهبوا موقفا من مواقف الحياة رهبتهم لجلال الموت، وموقفه الرهيب، يختلف الناس في الأديان والمذاهب والثقافات، وفي سائر منازع الحياة، ويختلفون كذلك في مصير الإنسان فيما بعد الموت ولكنهم يتفقون جميعا على جلال الموت ويستسلمون أمام موقفه الرهيب» (56).
فهذا النوع من المقالات الخاطرية التأملية «تعتمد على تأمل المقالي لمشكلات الحياة، وتتبعه لمجريات حوادثها وهي تنمي هذا التأمل بالوصول إلى نتائج مبنية على تحليل المقال لهذه المشكلات وتتعرض - عادة - لموضوعات الحياة والموت والوجود والعدم ... » (57) وهذا النوع يقوم على تصوير ما يقع تحت حس الكاتب وبصره في العوالم المحيطة به حيث يثير في الإنسان مشاعر الحزن، ويعبر عن أحاسيسه تعبيرا صادقا، فهو أعمق وجدانا وأصدق حسا؛ لأن هذا اللون نبضة حية من نبضات الحزن والألم على فراق عزيز، ودمعة صادقة من دموع الوفاء لرحيله ولذلك تكون بكائية حزينة، ومعزوفة شجية تتميز بالألفاظ الرقيقة الشفافة ذات الظلال القاتمة الحزينة (58)، ومثل هذه المواقف الإنسانية يمكن أن نطلق عليها "المقالة التأبينية" والتي تعتبر «حلم القلة القليلة من عظماء البشر الذين تغريهم ولا تقنعهم كل هبات الواقع، إن نفوسهم تطمح إلى ما هو أعمق، وأعظم إلى شيء يكسب الحياة معناها الأسمى والأجل هناك على الطرف الأقصى من العالم حيث ينابيع الخلق والنور المقدس الأبدي والذي بعناية يكتسي الفاني خلودا والعدم وجودا، هناك في الأباعد حيث يعانق الموت الحياة» (59).
ولذا يرى أبو اليقظان في خاطرته هذه أن الموت سبب من أسباب التوحيد ولا عجب في هذا «فكل تأمل هو إدراك أو محاولة لإدراك طبيعة العلاقات الكونية أو الإنسانية، وتوكيد الصلة بين الخالق والمخلوق أو بين مفردات هذا الوجود (60)»، ولذلك نرى أبا اليقظان يكرر هذا الموقف إذ يقول على جنازة أحد الأعيان: «فقد كان لروعته وجلاله - الموت - ما جمع حوله قلوب أمة موسى وأمة عيسى، وأمة محمد، وما ألف إزاءه بين قلوب ساكني ميزاب إباضيتها، ومالكيتها، وجعلها كتلة واحدة تحس بإحساس واحد، وتشعر بشعور واحد، ولو لم يكن للموت من النتائج الكبيرة إلا هذه لكفاه عظمة وجلالا، فقد بلغ من توحيد العناصر وتأليف النفوس، والتحام القلوب، وما عجز عنه الحكماء النطاسيون فهل من متعظ؟ وهل من مدكر وهل من مستفيد؟» (61).
هذه هي الصورة الإنسانية كما رآها أبو اليقظان أمام جلال الموت حين يتخلص الإنسان من ترابيته، وتذوب فيه الأنانية، وتغيب المسائل الاختلافية، فإذا الجميع ملتحم أمام جلال الموت ورهبته، دون اعتبار لأجناسهم ومذاهبهم، وهذا من الأدب الإسلامي، لأن الموت: «يمتد صداه العظيم، ويتغلغل في لفائف القلوب المتحجرة فيفعل فيها أفاعيل "الديناميت" في الجلاميد الصلدة، وتتلاشى أمامه الكبرياء، والغطرسة، والجبروت، وتذهب إزاءه سائر الفروق التي ألبست فطرة (1/120)
صفحة 121
الإنسان الصحيح، فيبقى الإنسان في تلك اللحظة إنسانا على الفطرة التي فطره الله عليها لولا ما يلابسها بعد من العوارض والأمراض» (62).
إن أبا اليقظان يهزه الموت في خواطره إلى حد التوتر والانفعال الدافع إلى البكاء والتشنج؛ لأنه يدرك ما يفعله الموت، وما فعله به فعاش يتيما، وفقد أبناءه في أعز أيامهم؛ الواحد تلو الآخر أكثر من عشرة أفراد، إضافة إلى أن الوضع العالمي الإسلامي كان وضعا سيئا؛ لأن معظم الدول كانت تحت الاحتلال الأجنبي، ولذلك تراه إذا مات داعية أو أديب مسلم كبير إلا وملأ الدنيا ضجيجا وعويلا؛ لأن الموت يضخم أمامه الأشياء، ويهول الوقائع في حسه، ويضاعف الصور في مخيلته فلا يحتمل ذلك ويصبح عاجزا، حينذاك يروح معبرا عن تجربته محاولا توسيع أفق الحياة ولكنه لا يستطيع فتكون صرخاته المؤلمة؛ ومن ذلك هذه البكائية على محمد رشيد رضا (63). «خطب جلل، ورزء عظيم، ومصيبة فادحة، ونكبة أليمة، وداهية دهياء، لم تختص بها مصر أو الشام، ولكن أصيب بها العالم الإسلامي عامة!!
كيف لا يحزن كل فرد من أربعمائة وخمسين مليونا من المسلمين وقد سقط ذلك المنار الذي كان يرسل أشعته إلى قلب كل مسلم؟ كيف لا يبكي كل ناد إصلاحي، وكل معهد علمي، وكل مجلس شرعي، وكل منبر، وكل محراب في المشرق والمغرب وقد انهار طود من أطواده طالما اهتدى به في ظلمات المشاكل، واندكَّ عَلَمٌ من أعلامه طالما استضاء به دياجير المدلهمات، وغار بحر من أبحره طالما أمده بماء الحياة كما يمد النيل مصر والسودان في وقت أظلمت فيه السبل، والتوت طرق الحياة، وازداد لهف الإسلام إلى أمثاله من لفيح هذا العصر؟» (64).
إن الخواطر تتوالى، والعواطف تتدفق، والأحاسيس تنهمر، واللغة تتضوع في هذا النص لأن مثل هذه الخواطر صورة لذلك التوتر النفسي الذي عاشه الكاتب وهو يسمع الخبر، ويكتب عنه إلى قرائه الذين طالما قرأوا أفكار هذا "الركن" الذي خر راكعا ركوعه الأخير، فهز هذا الحادث أبا اليقظان، هزا عنيفا، فكان الحضور الكلي لحقيقة الموت، حضور الفاجعة في زمن الضيم، والاستعباد؛ فاجعة من كان أريجه يتضوع على كافة المسلمين، إنها فاجعة الذهول الكلي، وما ينبعث عنها، ولذلك يقف أبو اليقظان، وقفة تأملية عاطفية هي أقرب إلى الطابع الغنائي الحزين، فيقول عن مواكب الموت: «يمر الناس العاديون قوافل من هذه الدار إلى تلك الدار من غير أن يكون لمرورهم دوي في سمع الدنيا، بل يخرجون منها كما دخلوا، في سهو وغفلة من الناس؛ لأن آلافا من الأصوات المتتابعة ما هي إلى صوت واحد خافت لا يسمع له ركز، ولكنه مكرر!!!
ثم إذا مر من هذه إلى تلك رجل كبير ذو شخصية بارزة جمع إليه ما تفرق من آلاف غيره .. وكان لمروره دوي عظيم في سمع الدنيا يصم الآذان، لأنه صوت تجمع في خدمته آلاف الأصوات؛ (1/121)
صفحة 122
فالأصوات المتتابعة لمرور الأولين في خفوتها كطلقات البنادق لا تستدعي نظرا، ولا تهز شعورا إلا بمقدار دائرة ضيقة لا تتجاوز آل الراحل ... » (65).
بهذا التأمل الممزوج بالعاطفة والحزن تكتسي الخاطرة بعدا إنسانيا، وموقفا من الكون والحياة في قالب نثري قريب من الشعر، إذ بواسطتها -الخاطرة - يدخل روح العصر بآلامه، وأحزانه مما يؤدي به إلى الخروج عن الأدب المألوف، فتجيء خواطره تقطر ألما، وتنساب فكرا، وتحلق خلف أسرار الحقيقة التي نعيها ونحياها؛ كل ذلك بلغة رقيقة، موحية بسيطة لا تعقيد فيها، ولا ركاكة، ولا هنات؛ لأنها لغة الوجدان في انسيابها وانزياحها الغني بكل خلجات النفس، ووساوسها حين يلفها القلق، أو يعتمرها هجير الحياة، أو يهزها الفرح؛ كل ذلك لأن الخاطرة ابنة النفس، والوجدان، والشعور، ولهذا تعتبر من أدق ألوان الأدب الذي يكشف خبايا صاحبه روحيا، ووجدانيا، إذ يبدو كما هو في الواقع دون مواربة، لأن الانفعال يسربل عقل الكاتب، ويستولي على شعوره بكل حدة في تلك اللحظات الإنسانية، مما يجعله ينفعل انفعالا إبداعيا كله خوف، وقلق، وهذه حقيقة إنسانية وبخاصة حين يشعر الإنسان بالقلق، والظلم، يقول أبو اليقظان: «مسكين أنت أيها الإسلام، ما قل أنصارك، وأكثر أخصامك، جئت لإسعاد البشرية جمعاء، فرموك بالضيق والجمود، جئت لتضع عن الإنسانية إصرها والأغلال التي كانت عليها، فقالوا إنك جئت بالسلاسل والأغلال لتقيدها بها، جئت لتؤسس لهم تشريعا حكيما يلائم كل زمان ومكان؛ ينيلهم السعادتين الدنيوية والأخروية، فقالوا إنك دين الزهد والتواكل، والتقشف والبداوة، ولا تلائم غير أمة واحدة في عصر واحد في مكان واحد.
حسبوا حسناتك سيئات، وهناتهم حسنات، سلبوك مجدك وعظمتك، وألبسوك خرقهم البالية، وأسمالهم المرقعة، ظلموك وما أنصفوك، أجحفوا بحقك، وما احترموك، فلو كانت لك أنصار لقالوا: إنك دين المدنية، دين الحضارة، ودين العمران ولكن الله وليك، وكفيلك ونصيرك» (66).
نرى أبا اليقظان يحاور الإسلام محاورة عاقل لأن المبدع يخص المعنويات، ويجسمها فتبدو حية ناطقة تكلمه، وتسمع حواره مما يعمق فكرته، ويحرك انفعال الكاتب، وبذلك تكون هذه الموضوعات ذاتية تعبر عن هوية الكاتب، وتعبر عن شعوره في صفائه ونقائه، وبخاصة حين يمتزج بموضوعه، فتكون الأطياف الإسلامية السامية ويكون البوح العاطفي الرقراق المؤثر، بلغة هي أقرب إلى لغة النجوى والأسرار، والبوح منها إلى اللغة العادية، لأن الكاتب في مثل تلك اللحظات يقتات من نفسه، ويستقي من معين العاطفة، ويغرف من منابع الخيال، ويمزج الجميع بالحقيقة الخالدة، فتكون الخاطرة ابنة النور والديجور، ووسيلة الخلود والفناء، ولكن أبا اليقظان في الخاطرة السابقة هوى إلى النثرية، والتقريرية والمباشرة.
ومهما يكن فتلك رحلة في بعض مقالات أبي اليقظان التي نراها مقالات خاطرية في عمومها ـ (1/122)
صفحة 123
رغم انزياحها أحيانا إلى النثرية ـ لما امتازت بها من ذاتية، ووجدانية وانفعالية، ومبالغة، وسرحات، خيالية، واعتمادها، على الدفقات الشعورية، وامتزاج عناصر الكون فيها بالنفس الشاعرة، التي تحترق من وهج الحياة، ونار الاستعمار والغربة، مما جعلها تهتز لنسيم الحرية، وتطرب للذكرى، وتتألم لوفاة أولئك الرجال الدعاة، وكل ما يسكب في جوانحه حسا شاعريا، وقد امتازت خواطره هذه ـ إضافة إلى ذلك ـ بأنها فقرات ومشاهد قد لا تجمعها وحدة عضوية، وإنما مربوطة بخيط شعوري رقيق. ولذلك كانت توغل بنا برفق، بأسلوب متموج كأمواج النفس العاتية وبخاصة في «المولديات» التي تفيض عاطفة، وتقطر وجدانا، وتلتهب شعورا، وتتدفق معاني، وتغزر أفكارا، وتتسربل خيالا؛ لأن موقف «المولديات» لا يضن عليه بأسراره بل يوحي إليه بكل الرؤى ويفيض عليه خيالا، ويمنحه قوة الاستجابة، وذلك بلغة رقيقة، وكلمات ثرة خصبة، مرهفة ثرية بالدلالات، والتدفق العاطفي، مفعمة بالذكريات، وصور تلتف حول الألفاظ والمعاني.
ولكنها قد تهبط أحيانا إلى النثرية، والتقريرية فتصبح أقرب إلى المقال العادي.
وعلى العموم فالخاطرة عند أبي اليقظان فن من فنون النثر عبر بها عن شعوره وإحساسه في المناسبات الكبرى، فكانت بذلك مرآة كبرى تعكس أعماقه، وهو يحترق بصهد الحياة، كما تعكس أهم اهتماماته الفكرية، والروحية التي تضرب بنسيجها في عمقه، وما يمليه على قلمه إحساسه بالأحداث.
--------------------
الهوامش
(1) - د/سعيد علوش، معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة عرض وتقديم وترجمة، مطبوعات المكتبة الجامعية، الدار البيضاء المغرب 1984 ص105.
(2) - انظر المرجع السابق، وانظر معظم الدراسات المقارنة، وكذلك دراسات نظرية الأدب، ويطلق الجنس حينا على مصطلح نوع أدبي، وحينا آخر يؤتى بالمصطلح نفسه (جنس)؛ فمثلا؛ انظر؛ د/عبد المنعم تليمة مقدمة في نظرية الأدب، دار الثقافة للطباعة والنشر مصر 1973 ص146،
وانظر د/شكري عزيز الماضي، محاضرات في نظرية الأدب، دار البعث قسنطينة 1984 ص81.
وانظر د/ شفيق البفاعي، الأنواع الأدبية، مذاهب ومدارس، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر مصر 1973 ص146.
وانظر د/ فخري أبو السعود، في الأدب المقارب الهيئة المصرية للكتاب مصر 1997 ص55.
وانظر د/ محمد حامد الحضري، ماهية الأدب ومهامه دار الفكر الحديث مصر ط2، 1997 ص55. (1/123)
صفحة 124
وانظر روبارت شواتزوا وآخرين، نظرية الأجناس الأدبية، تعريب عبد العزيز شبيل، النادي الأدبي الثقافي السعودية ط1994 إلخ ...
(3) - انظر تعريف المقال؛ د/ محمد يوسف نجم، فن المقالة، دار الثقافة بيروت لبنان ط 4: 1966 ص94، 95.
د/ عبد العزيز شرف، فن المقال الصحفي في أدب طه حسين، الهيئة العامة للكتاب بمصر 1982 ص22، 23 ... إلخ.
د/ سالم المعوش، في الأدب الحديث، الجامعة المفتوحة ليبيا 1993 ص90 وما بعدها.
د/ عبد القادر رزق الطويل، المقالة في أدب العقاد، الدار المصرية اللبنانية ط (1987) ص28 وما بعدها.
د/ جبور عبد النور، المعجم الأدبي، دار العلم للملايين ط1984 ص280.
عبد القادر محمد حسين، سيد قطب حياته وأدبه، الوفاء للطباعة والنشر المنصورة مصر 1986 ص 268.
د/ السيد مرسي أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، دار المعارف مصر 1981 ص09 وما يعدها.
د/ نبيل راغب، فنون الأدب العالمي، الشركة المصرية للنشر لونجمان 1996 ص81 وما بعدها.
(4) - أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، ج2دار الفكر للطباعة والنشر ط9، 1997، ص199.
(5) - د/ جبور عبد النور، المعجم الأدبي، دار العمل للملايين بيروت ط1979، ص101.
(6) - انظر د/ إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، مكتبة القاهرة، مصر، دون تاريخ، ص243.
وانظر كذلك، أحمد رضا، معجم متن اللغة، المجلد الثاني، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، ط 1958، ص 298.
(7) - د/ السيد مرسي، أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، دار المعارف، مصر، 1982، ص 331.
(8) - د/ محمد البستاني، الإسلام والفن، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد إيران، ط1409، ص 165.
(9) - ابن عربي، الفتوحات المكية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1 دون تاريخ، 2/ 132.
(10) - انظر د/ عبد اللطيف السيد الحديدي، فن المقالة في ضوء النقد الأدبي، دار السعادة، مصر، ط1، 1996، ص 93 وما بعدها.
وانظر أيضا سيد قطب، النقد الأدبي أصوله ومناهجه، دار الشروق، بيروت القاهرة، ط4، (1/124)
صفحة 125
1980، ص 92 وما بعدها.
(11) - د/ السيد مرسي، أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص331.
(12) - د/ عز الدين إسماعيل، الأدب وفنونه، دار الفكر العربي، مصر، ط1983، ص 229.
(13) - د/ السيد مرسي، أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص358.
وكذلك؛ رابح لطفي جمعة، فن كتابة الخواطر، مجلة المجلة العربية ع63 س06 1983 السعودية ص16،17.
(14) -سيد قطب، النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، ص 91.
(15) - انظر مصطفى صادق الرافعي؛
أ-حديث القمر، مطبعة الاستقامة، مصر 1953.
ب-رسائل الأحزان، مطبعة الاستقامة، مصر 1955.
ج-السحاب الأحمر، مطبعة الاستقامة، مصر 1955.
د-وحي القلم، مطبعة السعادة، مصر 1961.
هـ-أوراق الورد، مطبعة السعادة، مصر 1961.
(16) - انظر؛ أحمد أمين، فيض الخاطر، دار موفم للنشر، الجزائر 1989.
(17) - إبراهيم عبد القادر المازني: حصاد الهشيم، مطبعة الشعب، القاهرة، مصر 1969.
(18) - انظر؛ محمد البشير الإبراهيمي: جريدة البصائر الثانية أو آثاره، ج1، أو ج2، الجزائر.
(19) - د/ السيد مرسي أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص 331.
(20) - د/ محمود البستاني، الإسلام والفن، ص 50.
(*) - هو إبراهيم أبو اليقظان (1888/ 1973)، كاتب وصحفي، وشاعر من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأحد أقطاب الدعوة الإصلاحية بالجنوب الجزائري، عاش أهم أحداث الأمّة الإسلامية؛ كتابة ومشاركة بالفكر والمال، وكان من أبرز الجزائريين في جمعية مساعدة فلسطين، منذ الأيام الأولى لاحتلالها، له أكثر من خمسين مؤلفا، كما أسس ثماني جرائد أغلقها المستعمر كلها ... إلخ.
(21) - انظر أبا اليقظان، من سنة إلى سنة، وادي ميزاب: عدد: 65/ 20/01/ 1928.
المصدر السابق نفسه، الحج في هذه السنة، عدد: 85/ 02/06/ 1928.
المصدر السابق نفسه، ذكرى المولد النبوي الشريف، عدد: 98/ 25/08/ 1928.
وقعت الواقعة؛ مات شوقي!!، النور، عدد: 55/ 01/11/ 1932.
من رياض الجنة إلى بربروس!! البستان، عدد: 03/ 16/05/ 193
اليوم العالمي العظيم، المغرب، عدد: 11/ 05/08/ 1930.
شقاء الصحفي!! المغرب، عدد: 24/ 11/11/ 1930. (1/125)
صفحة 126
نظرة اعتبار في حادث انتحار! النور، عدد: 23/ 0102/1932.
عيدان في أسبوع، الأمة، عدد: 17/ 15/01/ 1935.
يوم مشهود بالقرارة، الأمة، عدد: 18/ 19/01/ 1935.
(22) - يوم النبي، الأمة، عدد: 122/ 25/05/ 1937.
-مولد الوجود، الأمة، عدد: 29/ 18/06/ 1935
-وفد الله يسافر إلى بيت الله، الأمة، عدد: 64/ 25/02/ 19363.
-أبو اليقظان، الهجرة النبوية، الأمة عدد: 68/ 31/03/ 1936.
-أبو اليقظان، ماذا نستخلص من الهجرة من المواعظ، الأمة، عدد: 69/ 07/04/ 1936.
-أبو اليقظان، من الجزائر إلى باريس، الأمة، عدد: 82/ 21/07/ 1936.
- أبو اليقظان، مهرجان العالم الإسلامي، يوم النبي، الأمة، عدد: 122/ 25/05/ 1937.
- أبو اليقظان، زعيم شمال إفريقيا المنتظر، الأمة، عدد: 130/ 20/07/ 1937.
-أبو اليقظان، وعنت الوجوه للحي القيوم، الأمة، عدد: 134/ 17/08/ 1937.
-أبو اليقظان، العالم الإسلامي يحتفل بمولده الكريم، الأمة، عدد: 167/ 17/05/ 1938.
(23) - د/ ميشال عاصي، الفن والأدب، مؤسسة نوفل، لبنان، ط5 1980، ص 156.
(24) - أبو اليقظان، مهرجان العالم الإسلامي، الأمة، عدد: 122/ 25/05/ 1937.
(25) - أبو اليقظان، مهرجان العالم الإسلامي، الأمة، عدد: 122/ 25/05/ 1937.
(26) - أبو اليقظان، ذكرى المولد النبوي، وادي ميزاب، عدد: 98/ 25/08/ 1928 ..
(27) - الكريم الأشتر، النثر المهجري، دار الفكر، دمشق، سوريا، لبنان، ط4. 1984، ص 192.
(*) - «لأن المحب الصادق من انتقل إلى صفة المحبوب لا من أنزل المحبوب إلى صفته». ابن عربي، الفتوحات المكية 2/ 596.
(28) -أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 98/ 25/08/ 1928.
(29) - ميشال عاصي، الفن والأدب، ص 85، 86.
(30) - انظر سيد قطب، النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، ص 91،92.
(*) - انظر النور/35. «بدأ الخلق الهباء، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية،» ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/ 118، وهذا مصداقا لحديث جابر: «وأول ما خلق الله ... إلخ».
(31) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 98/ 28/08/ 1928.
(**) - إن همزية البُوصيري والميمية، كانتا في المغرب العربي تُحفظان كما يحفظ القرآن، يقول الإمام البُوصيري (608 - 698هـ): (1/126)
صفحة 127
وكل آي أتى الرسلُ الكرامُ بها.:.:. فإنما اتصلت من نوره بهم
فإنه شمسُ فضلٍ همُ كواكِبُها.:.:. يُظهرن أنوارَها للنَّاس في الظُّلَمِ
انظر البُوصيري، الديوان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1995، ص 168.
(32) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 98/ 25/08/ 1928.
(33) - د/ عبد الكريم اليافي، دراسات فنية في الأدب العربي، مطبعة دار الحياة، دمشق، سوريا، ط 1972، ص 306.
(34) - أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 98/ 25/08/ 1928.
(35) - أبو اليقظان، الأمة، عدد: 122/ 25/05/ 1937.
(36) - {وَتَرَى الملاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ} [الزمر:75].
(37) - أبو اليقظان، سُنَّة تُحيَى وبدعة تُغيَّر، الأمة، 112/ 09/03/ 1937.
(38) - د/ سيد مرسي أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص96.
(39) -أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82/ 21/07/ 1936.
(40) - انظر: د/سعد الله أبو القاسم، الحركة الوطنية الجزائرية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986 (انعقد المؤتمر يوم: 07/ 07/1936م)
(41) -أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82/ 21/07/ 1936.
(42) - أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82/ 21/07/ 1936.
(43) - أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82/ 21/07/ 1936.
(44) - د/ عز الدين إسماعيل، الأدب وفنونه، دار الفكر العربي، مصر، 1983، ص 229.
(45) - د/ محمود الشريف، فن المقالة، مكتبة دار العربية، الكويت، د. ت، ص 115،116.
(2)، (3)، (4) -أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82115/ 30/03/ 1937.
(48) (2) -أبو اليقظان، الأمة، عدد: 130/ 20/07/ 1937.
(49) - سيد قطب، في التاريخ فكرة ومنهاج، دار الشروق، ط 04، 1980، ص 12.
(50) -أبو اليقظان، الأمة، عدد: 130/ 20/07/ 1937.
(51) -أبو اليقظان، الأمة، عدد: 130/ 20/07/ 1937.
(52) -سيد قطب، في التاريخ فكرة ومنهاج، دار الشروق، ط 04/ 1980، ص 12.
(53) -أبو اليقظان، زعيم شمال إفريقيا المنتظر، الأمة، عدد: 130/ 20/07/ 1937.
(*) - انظر الآية الكريمة: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنَ اَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ اَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} الأعراف، الآية: 50. والفيض، الإملاء، الكتابة الآلية المتحررة، الانسيابية ... إلخ.
(54) -أبو اليقظان، زعيم شمال إفريقيا المنتظر، الأمة، عدد: 130/ 20/07/ 1937.
(55) -د/ ميشال عاصي، الفن والأدب، ص 150. (1/127)
صفحة 128
(56) -أبو اليقظان، الأمة، عدد: 134/ 07/08/ 1937.
(57) -د/ محمود الشريف، فن المقالة، ص 125، 126.
(58) - انظر د/ عبد اللطيف السيد الحديدي، فن المقالة في ضوء النقد الأدبي، ص 45 وما بعدها.
(59) - د/ عبد الكريم الشريف، الرغبة المستحيلة، محاضرة بمدرج معهد الآداب جامعة باتنة، سنة: 1997 مخطوطة.
(60) -سيد قطب، في التاريخ فكرة ومنهاج، ص15.
(61) -أبو اليقظان، وعنت الوجوه للحي القيوم، الأمة، عدد:134/ 17/08/ 1937.
(62) -أبو اليقظان، وعنت الوجوه للحي القيوم، الأمة، عدد:134/ 17/08/ 1937.
(63) -انظر حياته محمد كامل حسين المحامي، سطور مع العظماء، دار البحوث العلمية، بيروت، لبنان، 1969، ص 45.
(64) -أبو اليقظان، الأمة، عدد:41/ 10/09/ 1935.
(65) -أبو اليقظان، وعنت الوجوه للحي القيوم، الأمة، عدد:134/ 17/08/ 1937.
(66) -أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 89/ 29/06/ 1928. (1/128)
صفحة 129
الشيخ عدون في سطور
الاسم: سعيد بن بالحاج بن عدُّون بن الحاج عمر.
اللقب: شريفي.
تاريخ الميلاد: 1319 هـ / 1902 م.
مكان الميلاد: القرارة ولاية غرداية.
1910 - 1912: زاول التعليم الابتدائيَّ في كُتَّاب السيِّد إسماعيل بن يحكوب، وفي المدرسة الرسميَّة بإشراف المعلِّم: الطالب محمَّد بالقرارة.
1912: توفِّيَ والده وبيعت دار سكناه، وبقي تحت كفالة خاله أحمد بن الحاج سعيد جهلان. فسافر إلى مدينة سريانه بولاية باتنة للكسب والعمل تحت طائلة الفقر والعوز وعمره عشر سنوات.
1912 - 1915: دخل المدرسة الرسميَّة في مدينة سريانة، وكان طالبا نجيبا ومتفوِّقا، ولكنَّ ظروف العمل في الدكَّان لم تسعفه لإجراء الامتحانات.
1915: عاد إلى القرارة إثر قيام الحرب العالميَّة الأولى ودخل مدرسة الشيخ محمَّد بن الحاج إبراهيم قرقر المعروف بالشيخ الطرابلسي، ووصل في حفظ القرآن إلى سورة يس.
1915: عاد إلى مدينة سريانة ليتفرَّغ للعمل فقط دون التعلُّم، فكان حاذقا لبيبا كسب ثقة زبائنه ومستخدميه.
1919: عاد إلى القرارة للزواج، ودخل مدرسة الشيخ الطرابلسي مرَّة ثانية، وبعد سبعة أشهر استظهر القرآن الكريم.
1920: دخل حلقة «ِإيرْوَانْ».
1920: تُوفِّيَ وليُّ نعمته خاله أحمد بن الحاج سعيد، فاشتدَّ به الأمر وازدادت متاعبه الماليَّة وهو ربُّ أسرة، وكان كارها للغربة والعمل التجاريِّ، إذ كان يطمح إلى حياة العلم وخدمة المجتمع.
1920: دخل معهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى طالبا، وشكا له حاله وعوزه ورغبته في التعلُّم فطمأنه فقام ببعض ما يصلح حاله ليواصل تعلُّمه، وهناك ازدادت معرفته واشتدَّ اتِّصاله بزعيم الأمَّة ورائد الإصلاح الشيخ بيُّوض رحمه الله.
1923: شارك في جلسات متوالية لإصلاح التعليم بإنشاء معهد على النُّظُم الحديثة للتعليم بعد وفاة شيخه الحاج عمر بن يحيى سنة 1921.
1925: تأسَّس معهد الحياة (معهد الشباب سابقا) تحت إشراف الشيخ بيوض، وعيِّن الشيخ عدون ن مديرا له إلى يوم وفاته. ويقول الشيخ عدُّون: «إنَّ أحسن عمل أتقرَّب به إلى الله تعالى هو سعيي وأثري في تأسيس المعهد، وأعتقد أنه لو لم أكن حاضرا يوم ذاك لبقيت حالة التعليم على حالها جيلا أو أكثر». واستمرَّ أستاذا بالمعهد إلى سنة 1988 مدرِّسا للموادِّ الشرعيَّة والعربيَّة خاصَّة مادَّة النحو. كما كان رئيس جمعيَّة الشباب التي تُعْنَى بالتكوين الثقافيِّ والاجتماعيِّ للطلبة، وتُعِدُّهم في ميدان الخطابة والشعر والمقالة، وكذا رئيس مجلَّة الشباب التي يصدرها طلبة المعهد أسبوعيًّا.
1926: شارك بأوَّل مقال في جريدة وادي ميزاب بعنوان: «جولة في وادي ميزاب».
1930: خَلَفَ الشيخَ أبا اليقظان في إدارة الجريدة لمدَّة شهر في الجزائر لَمَّا جاء إلى القرارة لتزويج ابنه عيسى.
1936 - 1937: بقي سنة كاملة في الجزائر لإدارة الجريدة والإشراف عليها إشرافا كاملا خلفا للشيخ أبي اليقظان لَمَّا استقرَّ بالقرارة.
1937: شارك في تأسيس جمعيَّة الحياة التي تشرف على الحياة العلميَّة في القرارة، فعيِّن عضوا في إدارتها، ثُمَّ صار رئيسًا لها إلى يوم وفاته. وكان الشيخ بيُّوض يقول كلَّما جرى تجديد انتخابات إدارة الجمعيَّة: «غيِّروا من شئتم إلاَّ الشيخ عدون».
1938: عُيِّن عريفا لحلقة إيروان وللعريف مقامه يومذاك.
1938: شارك في تأسيس نادي الحياة الذي يعدُّ ميدانا لفرسان الخطابة والشعر والتمثيل. (1/129)
صفحة 130
1940: قام بأوَّل جولة لجمع الاشتراكات لصالح جمعيَّة الحياة، ثمَّ توقَّفت الجولة سنتي 1940 - 1941 لظروف الحرب العالميَّة الثانية، ثُمَّ استؤنفت بعد ذلك، ولم تنقطع منذ ذلك التاريخ.
1943: دخل حلقة العزَّابة عضوا، ثُمَّ صار رئيسا لها إلى يوم وفاته.
1943: أسهم في تأسيس فرع الكشَّافة الإسلاميَّة في القرارة.
1948: شارك في تأسيس جمعيَّة قدماء التلاميذ العتيدة التي تضمُّ كلَّ الطلبة الذين درسوا في معهد الشيخ بيُّوض رحمه الله (معهد الحياة) وتعنى بالنظر في الشؤون العامَّة الاجتماعيَّة منها والثقافيَّة.
1948: عيِّن مفتِّشا عامًّا للمدارس الخاصَّة بوادي ميزاب وبقيَّة مدن القطر بعد أن بدأ الميزابيُّون بالاستقرار بأُسَرِهِم خارج ميزاب.
1981: عيِّن خَلَفًا للشيخ بيوض في رئاسة جمعيَّة الحياة ومؤسَّساتها وزعامة حركة الإصلاح.
1989: عيِّن رئيسا لمجلس عمِّي سعيد خَلَفًا للشيخ عبد الرحمن بكلِّي ولم يزل إلى آخر عمره.
2003:يوم الجمعة 14 فيفري، تم تكريمه بمسقط رأسه القرارة، في حفل بهيج شهدته البلدة كلّها، بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده.
2003: وضع الحجر الأساسي لبناء معهد الحياة وداخلية الحياة الجديدين (مشروع الحياة).
2004: يوم الخميس 10 جوان، تَمَّ تكريمه بالجزائر العاصمة، وأُسندت إليه الرئاسة الشرفية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريِّين.
مهامُّه التي كان يتولاَّها وهو في سنِّ السادسة بعد المائة:
ـ رئاسة مجلس عمِّي سعيد ـ رئاسة مجلس باعبد الرحمن الكرثي ـ رئاسة حلقة العزَّابة بالقرارة ـ رئاسة جمعيَّة الحياة وفروعها بالقرارة ـ رئاسة جمعيَّة القدماء بالقرارة ـ رئاسة جمعيَّة التراث ـ إدارة معهد الحياة ـ أمين مال جمعيَّة الحياة ـ القائم بجولة جمع الاشتراكات لصالح جمعيَّة الحياة ـ رئاسة عشيرته آل كاسي والناصر ـ رئاسة دورية الحياة ـ الموجِّه العامُّ لجميع الأنشطة العلميَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة بالبلدة ـ الرئاسة الشرفيَّة لجمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين بعد وفاة الشيخ سحنون، رحمهما الله.
نتاجه الفكري:
*- عشرات المقالات التي كان يرصِّع بها جرائد الشيخ أبي اليقظان، ويتحف بها جريدة الشباب بمعهد الحياة.
*- مئات الرسائل القيِّمة التي تعدُّ وثائق تاريخيَّة لحركة إصلاحيَّة واجتماعيَّة وعلميَّة جاوزت الثمانين عاما.
*- آلاف من المتخرِّجين على يده ممَّن صاروا شموسا ينيرون درب الحياة في مختلف المجالات، وقد صاغهم على سننه، وغذَّاهم بفكره، وأشبعهم من إخلاصه، داخل الوطن وخارجه.
*- مئات الدروس التي كان يلقيها في المسجد والمناسبات العامَّة والخاصَّة.
*- كتاب: «معهد الحياة نشأته وتطوُّره».
ميزاته الخاصَّة:
تقوى الله عزَّ وجلَّ، الورع الشديد، التضحية والإخلاص، التواضع الكبير، التفاني في الحفاظ على مقوِّمات الأمَّة، الدفاع المستميت عن اللغة العربيَّة، الشغف الشديد بالمطالعة، تشجيع المبادرات البناءة والتطور الإيجابي، السعي الحثيث الجادُّ في وحدة المسلمين.
وفاته
تُوُفِّيَ في سحر يوم الثلاثاء 19 رمضان 1425 هـ / 2 نوفمبر 2004 م وعمره 106 سنة، وترك زوجة وأربعة ذكور وثلاث إناث، وشُيِّعت جنازته صبيحة الأربعاء 20 رمضان، في موكب مَهيب، بحضور آلاف المشيِّعين من مختلف أنحاء القطر الجزائري.
ـ رحمه الله، وأسكنه فسيح جنانه ـ (1/130)
صفحة 131
الشيخ عدون الأستاذ المربي
د/ محمد صالح ناصر
باحث مؤلف، ورئيس جمعية التراث
ينقسم الأساتذة ـ فيما أحسب ـ إلى أربعة أقسام؛ قسم يربي ويعلم، وقسم يربي ولا يعلم، وقسم يعلم ولا يربي، وقسم لا يربي ولا يعلم. وقد نجد في المؤسسة التعليمية الواحدة ـ ولا سيما في الثانويات والجامعات ـ هذه الأقسام كلَّها.
وقد عرفت مؤسساتنا التعليمية في الجزائر هذه الأنواع كلَّها، ولا سيما بعد الاستقلال، حين غدت تلك المؤسسات حقلاً للتجارب، ومشتلة للأيديولوجيات الشرقية والأفكار الحزبية، والتجاذبات الفكرية؛ ما بين إسلامية وعلمانية، ولست بهذا المقال لأحلل تلك الأوضاع، فليس هنا مجال ذلك، ولست أهلا له، ولكني أحببت أن أتخذ هذه الأسطر مدخلاً للتحدث عن أبينا الروحي وأستاذنا المربي الشيخ عدون (رحمه الله)، الذي لم أر من العناوين ما يليق بشخصيته بصدقٍ وحق مثل القول عنه: إنَّه «الأستاذ المربي».
لقد كان الشيخ عدون من السابقين لإصلاح نظام التعليم بوادي ميزاب عمومًا والقرارة خصوصًا، وقد استفدت من رسائله للشيخ أبي اليقظان وأجوبة الشيخ أبي اليقظان له، كيف كانوا يفكرون في طرق ذلك الإصلاح، منذ بداية العشرينيات، ويتململون في تحسس الطرق المؤدية إليه، لما يجدونه من معارضة عامة وخاصة، ولا أحسب أحدًا من عارفي الشيخ عدون عمومًا وطلابه (1/131)
صفحة 132
خصوصًا، يجادلني القول فيما ذهبت إليه.
وسأحاول هنا أن أوضح ما ذهبت إليه من خلال علاقتي به طالبًا بمعهد الحياة مدَّة ست سنوات (1954 ـ 1959) وأستاذًا خمس سنوات (1966 ـ 1971)، وسأدلل على خصائص هذه الأستاذية عند شيخنا من خلال مواقفه وآرائه.
إنَّ الذين تخرَّجوا في معهد الحياة ـ هذه المؤسسة العلمية العظيمة من لدن تأسيسها سنة 1925 حتى يومنا هذا ـ يعترفون ولا شكَّ بالآثار الروحية والمعنوية التي تركتها في أعماق نفوسهم شخصية أستاذنا الشيخ عدون المهيبة إخلاصًا وورعًا، وتفانيا وتضحية، وحبًّا وغرامًا بلغة القرآن الكريم، وهدي الدين الإسلامي الحنيف؛ لقد كان المبدأ الذي ما فتئ الشيخ عدون يغرسه في أبنائه الطلاب منذ يومهم الأول من التحاقهم بهذه المؤسسة وهم يجلسون أمامه في (درس الأخلاق العام) حتى حفلة تخرُّجهم، هو: أنَّ طلب العلم ينبغي أن يكون الهدف الأسمى منه رضا الله سبحانه وتعالى أولاً، ونفع المجتمع الإسلامي، والنهوض به ثانيًا. وما كان الشيخ في حاجة إلى تأكيد ذلك بلسان فصيح، أو أدب بليغ، أو شعارات تعلَّق في الردهات والجدران، لأنه كان يعظ الطلاب بسلوكه وأخلاقه، قبل أقواله ومواعظه.
لقد تجسَّد في شخصيته بحقّ ذلك الشعار الذي كان يُحفِّظه للطلاَّب ويروضهم عليه في جمعياتهم الأدبية والتربوية وهو: «الأخلاق قبل الثقافة، ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد»، وهما الشعاران اللذان يهدفان أساسًا إلى غرس الفضائل الإسلامية في نفوس النشء الصاعد؛ حتى يتوجَّه في كلِّ أعماله إلى العبادة والعمارة، إذ الشعار الأول يدعوه إلى إصلاح نفسه قبل إصلاح غيره، ليكون القدوة والمثل، كما يدعوه الشعار الثاني إلى التعالي عن الأخلاق الفردية الأنانية، وليكون بعلمه وثقافته نافعًا لأمته ومجتمعه، قبل أن يكون الغرض من ذلك نفع نفسه.
إنَّ من أهم عوامل نجاح هذه المؤسسة التعليمية التي تجاوزت في عمرها الثمانين سنة حافلةً بالمآثر والمفاخر، أن يكون فضيلة المرحوم الشيخ عدون مديرًا لها، ثم مشرفًا عليها حتى آخر أيام حياته، فإنَّ الخصال التي تحلَّى بها بوَّأته ليكون ـ بحق ـ المعلِّم القدوة، والأستاذ المربي؛ إخلاصًا وانضباطًا، حزمًا ونظامًا، جدًّا واجتهادًا، تسييرًا وتطويرًا، فقد أعطى لها كلَّ ما يملك من نفسٍ ونفيس، حتى غدت جزءًا من نفسه، وكائنًا حيَّا، اسمُ الشيخ عدُّون أحدُ أسمائها، ومَعْلَمًا إسلاميا حضاريًّا شريفي سعيد في مقدِّمة بُناته.
وما زلت أتذكر ـ وكل إخواني الأساتذة يتذكرون ـ ذلك اليوم من سنة 1995 حين استنفرنا للنظر والبحث في النهوض بمعهد الحياة؛ مناهج وبرامج، وقال لنا بالحرف الواحد: «لو أموت والمعهد على هذه الحال فإني أموت بغصَّة».
ومن هنا كان طلاَّب المعهد يرون فيه الأب الحاني حبًّا وإخلاصًا، والمدير الحازم انضباطًا ونظامًا، (1/132)
صفحة 133
والمربي الناجح سلوكًا وأخلاقًا، فما هي خصائص هذا المربي العظيم؟
أولاً: الإخلاص:
لو يُسألُ آلاف المتخرجين من الطلاب أو من الناس الذين يعرفون الشيخ عدُّون، وقد أفضى إلى ربه بعد عمر حافل جاوز المائة سنة، لو يُسألون عن أبرز خصال الشيخ عدون لما اختلفوا ـ على كثرتهم ـ حول القول بداهة: إنَّه الإخلاص.
إنَّ هذه الصفة في حدِّ ذاتها هي مفتاح شخصيته، ونواة نفسه، وحبة قلبه، عليها تدور كلُّ صفاته المتجلية الأخرى، ومنها تستمد إشعاع الورع والتقوى، فتضيء كل جوانب نفسه، وتشيع هالات نورانية من حوله، فتحببه إلى قلوب الناس من معاشريه وعارفيه وإخوانه وأبنائه.
إنَّ الإخلاص، وصفاء القلب، وعفَّة الضمير، وسلامة المقصد، جعلت الشيخ عدُّون يحتل من القلوب شغافها، ومن النفوس أعماقها، حتى قال فيه المرحوم شيخنا بكلِّي عبد الرحمن قولته الحكيمة: «إنه الإخلاص يمشي على رجلين».
كنَّا ندرك ونحن طلاَّب صغار خصلة نكران الذات التي تميَّز بها الشيخ عدُّون ونحن نسمع ونرى تلك الشهرة الواسعة التي اكتسبها أستاذنا الإمام الشيخ بيوض (رحمه الله) في مجال الحركة الإصلاحية، إنَّ الناس داخل ميزاب وخارجه منبهرون بشخصية الزعيم القائد الإمام الشيخ بيوض، ولكن القليل منهم فقط هم الذين يعرفون الجندي المجهول الشيخ عدُّون، الذي رابط معه طوال حياته في الصف الأمامي، يجود بدمه وأنفاسه، ويسخو بمهجته وحشاشة قلبه، ويُزجي الكتائب واحدة تلو الأخرى في هذه المؤسسة، ويصل ليله بنهاره في سبيل متطلباتها المادية والمعنوية، ويقطع من أجلها المسافات من شرق إلى غرب، ومن شمال إلى جنوب، وهو حين يسلك هذا المسلك الإنساني الإسلامي الرائع يقدِّم أمام أعيُننا نحن الطلاَّب مثلاً ناصعًا لما يجب أن يكون عليه الطالب من أستاذه؛ تبجيلاً وتقديرًا، إخلاصًا ووفاءً.
كنَّا صغارًا ولكننا كنا ندرك بعمق هذه المكانة التي يحتلها الشيخ عدون من المجتمع الإسلامي الجزائري عمومًا، والحركة الإصلاحية خصوصًا، فيزداد في نفوسنا إجلالا وحبًّا، ويكبر في أعيننا احترامًا وتشريفًا.
ثانيًا: الاستقامة:
الأستاذ المربي المسلم الناجح هو الذي يجسد بسلوكه مصداقية الآية الكريمة: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (سورة الأحزاب: 21) أي هو الذي يُصلح نفسه أولاً ثم يُصلح غيره، فقد دلَّت تجارب المربين على أنَّ التربية الناجحة هي التربية بالقدوة، وذلك هو السر الذي جعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابَتَهُ الأبرار يؤثِّرون في الناس، ويبنون حضارة أصيلة شعَّت بأنوارها على بقاع العالم. (1/133)
صفحة 134
ولقد كان شيخنا (رحمة الله عليه) حريصًا كل الحرص على أن يجسد الاستقامة بسلوكه العملي قبل أن يدعو إليها بدروسه ومواعظه، ومن ثمَّ كانت لدروسه فعل السحر لدى تلامذته، على أنَّه لم يكن ـ مقارنة بغيره ـ يملك أسلوبًا وعظيا راقيا أو فصاحة آسرة، أو بيانًا عاليا.
ولقد عُرف الشيخ عدُّون واشتهر بهذه الاستقامة التي بوَّأته تلك المنزلة الرفيعة في المجتمع، ولا أدلَّ ولا أصدق من شهادة من عاشره وخَبَرَهُ سنين طويلة عن قرب، واحتكَّ به على بصيرة في الميادين العلمية والعملية معًا، من أمثال الشيخ أبي اليقظان، حيث يعرِّفه قائلا:
«أوتي حظًّا موفورًا من الخلق الكريم؛ من تواضع، وصبر، وثقة بالله واتِّكال عليه وتقوى له، وإيمان كامل به، وعزَّة نفس، وهمَّة عالية، ولين عريكة، وحسن نية، وصفاء قلب، وصدق وإخلاص، وورع وزهد، ومحافظة على سمت السلف الصالح، وحزم وعزم واقتدار على إدارة ما يناط به من المهام بأمانة وجد لا يعرف كللا ولا سأمًا ولا تزعزعًا في ميدانه» (1).
ومن الأمثلة الحية الواقعية على هذه الخصوصية عند الشيخ عدُّون دعوته المستمرة إلى المحافظة على صلاة الجماعة؛ ما ينفكُّ يدعو إليها في دروسه العامة والخاصة، ولا يتردَّد في اتخاذ طرق عملية تنفيذية لمن لا يستجيب لهذه الدعوة ولا يقيم لها وزنًا. فكل تلامذته يتذكرون كيف كان يعاقب بالضرب المتخلِّفين عن صلاة الجماعة، ولا سيما صلاة الفجر، ولكن الشيخ عدون كان قبل هذا وذاك مثلاً حيًّا لهذه المحافظة، وهذا الدأب المستمر على أن يكون في الصف الأمامي دومًا في كل الصلوات. والعجيب في الأمر أنه قد يسهر حتى الثانية صباحًا، ولكنه لا يتخلَّف عن صلاة الفجر في المسجد أبدًا، وما زال منظره ـ وهو يخفُّ سريعًا في شارعهم صعدًا إلى المسجد ـ محفورًا في ذاكرتنا، كنا نراه كذلك بردائه الأبيض الزاهي ونحن صغار حيث نصادفه ذاهبين أو آتين إلى مدرسة الحياة.
ومن مظاهر استقامته، التزامُه بالسمت الإسلامي سلوكًا وأخلاقًا، فهو طالما وقف مواقف صارمة حازمة ضد بعض المنحرفين من الطلبة، وقد كان يتَّخذ لمعاقبتهم ـ إن لم ينفع معهم التذكير والنصح، ولا سيما إذا كان الانحراف كبيرة من الكبائر ـ قلت كان يتَّخذ للمعاقبة مناسبة خاصَّة يجمع فيها كلَّ الطلبة من كلِّ السنوات في قاعة المعهد الكبرى (قاعة إيروان) كما كانت تُسمَّى، ليكون الطالب المُعاقب عبرة للطلاَّب الآخرين. وعلى الرغم من أنَّ هذه المواقف كانت معدودة على الأصابع، إلاَّ أنها ـ فيما أحسب ـ كانت تترك أثرًا بالغًا في نفوس الطلبة قبل المُعاقَب نفسه.
ومن مظاهر استقامته عزَّة نفسه، وعفَّة يده، لأن الاستقامة تتجلَّى عند الفرد المؤمن في عدم انصياعه للرغبات الدنيوية المغرية، جاهًا أو نفوذًا أو مالا، وكل من درس حياة الشيخ عدُّون ولا سيما في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، يدرك كيف كان يواجه قلَّة ذات اليد بعزَّة وورع وتقوى. ويكفي أن نعلم أنه درَّس ثلاث عشرة سنة دون أن يتقاضى أجرًا على ذلك!.
فقد حدَّثني في آخر جلسة معه في بيته بالقرارة عن هذه النقطة بالذات، حيث قال: «لقد مررت في (1/134)
صفحة 135
حياتي بمراحل صعبة مواجهًا شظف العيش (2) بصبرٍ وإيمان، ولكن الله فتح عليَّ أبواب رزقه منذ بداية الخمسينيات إلى اليوم، وإنَّي والله لأخشى أن يحاسبني الله على هذه النعم التي تترى عليَّ من كلِّ جانب».
قلت له إني أتذكر كلمتك في عرس ابنك بكير التي قلت فيها: «إني أخاف أن ألقى الله فيقول لي: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} (الأحقاف: 20)؛ وها أنت تكرر نفس التوجُّس يا شيخ، اطمئن بالا واهدأ خاطرًا، فإنَّك المثل الذي نحتذيه، استقامة سلوكٍ، ورجاحة إيمانٍ، لأنك ممن استطاع أن يجمع بين العمل الدنيوي والأخروي، ولا أحسب إلاَّ أن جزاءك عند الله سيكون جنة الفردوس بحول الله، فإنَّ ألسنة الخلق أقلام البارئ ..
ثالثًا: الأبوة الحانية:
من أهم الخصائص التي تميَّز بها الشيخ عدُّون المربي، أبوَّتُه الحانية التي أكسبته محبَّة أبنائه الطلبة، وأزعم لو أنَّك سألت المئات من الذين تخرجوا على يديه ما اختلف واحد منهم في الاعتراف بهذا الفضل، وخصيصته هذه هي التي جعلت أولئك التلاميذ يتعلَّقون به ويقدِّرون فضله، ويسبغون عليه آيات الاحترام والتبجيل، فقد كان (رحمه الله) لأبنائه الطلبة أبا حقيقيًّا بكل ما تحمل كلمة الأبوة من معان، وكنَّا حريصين على أن ندعوه «الأب الروحي»، وكان هو حريصًا على أن يخاطبنا بـ «أبنائي الأعزاء»، ولقد كان ذلك تعبيرًا عن هذه العاطفة الجياشة حيث يضفي على كلِّ أبنائه الطلبة من حنانه الفياض، ويعطف عليهم باهتمام شديد ومتابعة دائمة، سواء كانوا متمدرسين بالمعهد أو مشايخ وأساتذة في ميدان الحياة العلمية والعملية بعد تخرُّجهم.
ويتجلَّى هذا الحنو الأبوي من خلال مراسلاته التي كانت بينه وبين أبنائه الطلبة وهي تفيض عواطف ومحبة وتوجيهات ونصائح.
لقد كان دومًا الأب الحاني الذي يلجأ إليه الطلاَّب على مختلف السنوات والأعمار ليحل مشاكلهم التربوية والعائلية، متعاليا على الخلافات والنزاعات العشائرية في سبيل هدف نبيل وغاية مثلى.
ومن مظاهر هذا الارتباط الروحي بينه وبين أبنائه الطلبة حرصه على حضور أفراحهم وأعراسهم، ومناقشات أطروحاتهم، وهو حتى إذا حال بينه وبين تلك المناقشات ـ التي غالبًا ما كانت في شمال الوطن ـ حائل فإنه لم يكن ليفوِّت فرحة التهنئة برسالة أو مكالمة هاتفية، وغالبًا ما تكون هذه المحطات فرصة للتذكير بمبادئ المعهد عقيدة وسلوكًا وأخلاقَا والتأكيد على الروابط الاجتماعية والعلاقات الحميمية.
ومن مظاهر أبوته الحانية حضوره الدائم في ندوات أبنائه الطلبة التي يقيمونها هنا وهناك، فيكون ذلك الحضور دليلا على تواضعه، وعلامة على تشجيعه، ورافدًا لأولئك الأبناء ليستمروا في عطائهم العلمي، ويواصلوا مسيرتهم الثقافية قدمًا إلى الأمام. (1/135)
صفحة 136
وما كان يغفل عند تلقِّي ما يهديه له أبناؤه من مؤلفاتهم ليصمت فلا يردُّ التحية بأحسن منها كما يغفل الكثير، بل كان يغتنم هذه الفرص ليؤكد على الرابطة الأبوية القوية بينه وبينهم، ويذكر بالقيم والمبادئ التي نشَّأهم عليها معهدهم التي ربما يغفل عنها بعض الأبناء في زحمة المناصب والمراتب الدنيوية، والشهرة الآنية سياسية كانت أم اجتماعية.
يقول في رسالة بعث بها إلى أحد أبنائه بعد مناقشة أطروحة الدكتوراه: «نهنِّئك مبتهجين مستبشرين بهذا النصر العزيز الذي حباك الله بعد جهود مصنية بذلتها في سبيل خدمة العلم، وجهاد كبير ينوء بالعصبة أولي القوة قمت بها تشريفًا وتكريمًا للعاملين المخلصين، ورفعا لشأن قومك وأمتك على مستوى العالم العربي والإسلامي، وتضحيات جسام قدَّمتها في البحث والتنقيب بدون كلل أو ملل، ولقد زادك وزادنا عزًّا وشرفًا أن تتولَّى الجامعة طبع الأطروحة والإشراف عليها ممَّا يزيد في قيمتها، ويرفع من مكانتها، وإنَّنا نترقب بكل شغف وبفارغ صبر صدورها في القريب العاجل.
رعاك الله وحفظك ومدَّ في أنفاسك وزادك عزًّا وعلما وشرفا وتوفيقًا وسدادًا، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرًا، ودمت عزيزًا مشرِّفا لإخوانك الأساتذة الأوفياء، ولعزيزك الكاتب شريفي سعيد» (3).
رابعًا: الحلم والتسامح:
ويرتبط بهذه الأبوة الحانية ما يتصف به من حلم وتسامح، ومرونة وكياسة، لا تراه يحمل حقدًا، ولا يبيت على ضغينة لشخص، ولا يَزْوَرُّ عن أبنائه الطلاَّب حتى ولو عصوا أو تمرَّدوا، حرصا منه على أن يُبقِىَ شعرة معاوية بيده يجذبها متى شاء، ويرخيها كما شاء. ولقد أفلحت كياسته ومرونته هذه فجمع القلوب على حبه، وكان السبب في أن يؤوب كثيرون ممن نأوا عن الجماعة، أو شذُّوا عنها، وهذا لا يعني أبدا أنه لم يكن يتَّخذ من المهاجرين بالتمرد أو العصيان مواقف حازمة حاسمة وهو يختار لها الوقت المناسب والمكان المناسب.
وقد رأينا كيف كان يحافظ على تلك الشعرة التي تربطه بأبنائه، ولا سيما في الأوقات العصيبة والظروف المتأزمة التي تفعل فيها السياسة والأغراض الشخصية فعلها.
على أنَّ بعض المشايخ ـ الذين كانوا إلى القطيعة وقطع حبال الودِّ أسرع ـ قد ينتقدون على الشيخ عدُّون مرونته تلك، ويحسبها بعض المتسرعين من قبيل سياسة الكيل بمكيالين، والسكوت عن هذا والتنديد بذاك.
ولكنهم بعد مرور الأيام يُسَلِّمون له بما رأى ويوافقونه على ما ذهب إليه؛ لأنَّ الشيخ (رحمه الله) كان يضع مصلحة الأمة والجماعة قبل مصلحة الأفراد، ويتَّقي فتنة التفرُّق والتحزُّب، بغضِّ النظر عن بعض الأخطاء والهفوات التي ترتكب، والكمال لله وحده.
وكان لهذه السياسة الرشيدة التي يتبعها في التعامل مع بعض المتمردين والناكثين الفضل في أن يعود (1/136)
صفحة 137
كثير منهم إلى جادة الصواب، وينضووا تحت حمى الجماعة من جديد بعد أن بان زيف التقلبات السياسية، وبهرجة الكراسي الوظيفية (4).
أتذكَّر أننا كنا أساتذة معهد الحياة ذات عشية في آخر السنة الدراسية لمتابعة المقرَّرات استعدادًا للسنة الموالية، ودار نقاش حاد بين الأساتذة حول إنقاص حصَّة بعض المواد، وكان رأي الأغلبية ومنهم الشيخ عدُّون مع إجراء ذلك التعديل الذي طال مادة أحد الأساتذة. وقال الشيخ إنَّ ساعتين لتلك المادة تكفيان ولا حاجة لأربع ساعات، فما كان من أستاذ تلك المادة أن قهقه ضاحكًا بصوت عالٍ لفت إليه أنظار كل الحاضرين، وسأله الشيخ عدُّون عمًّا يُضحكه؟ فأجاب: «إني أضحك على من يقول إنَّ ساعتين لهذه المادة تكفيان»، هنا تغيَّر وجه الشيخ عدُّون وتهدَّج صوته، وقال بتأثُّر شديد: «عوض أن تضحك عليَّ يا فلان وأنا ذو شيبة، فإنَّ الأولى بك أن تُقنعني أو تقتنع برأي الجماعة».
ووالله ما زلت أتذكر تلك اللحظة الحرجة التي أصابت الجميع بالوجوم والخرس تأثُّرًا بهذا الموقف، فما نبس أحدٌ ببنت شفة، ولا علَّق بحرف، هيبةً من الشيخ عدُّون. ورُفعت الجلسة على هذا النحو المؤثر، حتى إذا كانت عشية الغد لاستئناف الأعمال كان أول من تكلم هو ذلك الأستاذ نفسه مقدِّمًا عذره إلى الشيخ عدُّون عمَّا بدر منه أمس .. وإذا بالشيخ يجيب قائلا: «إنَّ ما مضى في جلسة أمس طويته معها، هاتوا أعمال اليوم ... »!.
وكان هذا الموقف من الشيخ ممَّا زاد له في نفوسنا تعظيمًا وتبجيلاً، ورفعة وتقديرًا، ولم أدر أكان إعجابنا لحكمته أم لتسامحه، غير أني أدركت شخصيًّا سببًا آخر من أسباب محبة أبنائه له، ومهابتهم لشخصه، واعترافهم بفضله، وتقديرهم لسجاياه وأخلاقه.
خامسًا: التواضع:
عادة ما يكون التواضع صفة مرتبطة بالإخلاص، لأنَّ التكبر الذي هو مضاد للتواضع مرض نفسي، ويعاني منه مرضى القلوب فقط، ومن ثم فإنَّه ممَّا يلفت النظر في خلال الشيخ عدُّون تواضعه المذهل أمام أبنائه وتلامذته، دون افتعال أو تكلُّف؛ لأنَّ تصرفاته معهم تنمُّ عمَّا يحمله في قلبه من الأبيض النقي الصافي، من حبٍّ وود لكل مسلم، ولأنه يصدر في ذلك عن أخلاق إسلامية عالية، وإذا كان هذا ديدنه مع تلامذته فأولى أن يكون ذلك مع أساتذته وزملائه كما يدلُّنا ذلك من خلال رسائله إلى الشيخين بيُّوض، وأبي اليقظان (5).
ومن تواضعه باعتباره أستاذًا مربيا أنه كان في اجتماعاته لا يرفض رأيًا، أو يتشبث بقرار إلاَّ بعد أن يستمع إلى آراء كل الحاضرين، رأينا ذلك منه وعرفناه في إدارة معهد الحياة، وقدماء التلاميذ، وجمعية التراث، وحلقة العزابة، وغيرها من المجالس. والأعجب في الأمر أنه كان لا يتمسَّك برأيه إذا رأى الأغلبيةَ لا توافقه، بل كان يقول صراحة: أنا مع الجماعة فيما ترى ولو خالفت رأيي (1/137)
صفحة 138
الشخصي، ومن ثمَّ نفهم نقده الشديد وتوبيخه المتكرر لبعض أبنائه الطلبة والأساتذة الذين يتمسَّكون بآرائهم الشخصية، أو يستنكفون عن الخضوع لرأي الأغلبية، أو يعجبون بمواقفهم الانفرادية.
ومن مظاهر تواضعه أنه كان كثيرًا ما يعرض ما يكتب من مقالات أو رسائل على تلامذته، ويستمع بكل اهتمام لما يبدون من ملاحظات، بل إنه كثيرًا ما كلف أبناءه الطلاب للرد على بعض مراسليه مفوضا لهم الأمر في الرد بما يرون، ثقةً منه في أبنائه، وتواضعًا صار جِبِلَّة في أحنائه.
أتذكر جيدًا يوم دعاني إلى منزله بالقرارة ليضع بين يدي مخطوطة عن نشأة الحركة التعليمية بوادي ميزاب، وطلب مني أن أطلع على المخطوط وأجري عليه ما يجعله جاهزًا للطباعة. وقال لي: «اعتبر هذا المؤلِّف ـ إن جاز التعبير ـ من تأليفك، وإنِّي فوضتك أن تُصلحه على النحو الذي تراه إضافة أو حذفًا، أو تقديمًا أو تأخيرًا، وحبَّذا لو تكتب له تقديمًا». سمعت ذلك من شيخي وأستاذي وشعرت بشعورين مختلفين؛ خجلي من مسؤولية ما حُمِّلت، وإعجابي الشديد من تواضع شيخ أمام تلميذه. وزاد خجلي أكثر يوم أنهيت العمل وعرضته عليه على النحو الذي طلبه مني، فقال متهللا بعد الاطلاع عليه: «إنَّ قيمة التقديم في نظري أحسن من محتويات الكتاب نفسه، وأراك قد بالغت في تقديرك لهذا العبد الضعيف»! قلتُ: «سبحان الله لهذا التواضع المخجل!، وما كنت أحسب أنَّ من التواضع ما يُخجِل»!.
سادسًا: الحزم والانضباط:
من أهم خصائص المربي الناجح أن يكون حازمًا في أوامره، منضبطًا في أموره، وإلاَّ ساد المؤسسة التي يقودها الفوضى والتسيُّب، فنحن نرى اليوم أنَّ من أسباب ضعف المردود الثقافي، والتحصيل العلمي في مؤسسات التعليم في الجزائر، بل إنَّ التذبذب الاقتصادي والانحراف الاجتماعي يعود إلى عدم أخذ ولاة الأمور بزمام مؤسساتهم بالحزم والانضباط، لا لشيء إلاَّ لأنهم يفقدون هذه الخصائص في أنفسهم.
وقد نلحظ وجود نوعين من الأساتذة في المؤسسة الواحدة، هذا ناجح وهذا فاشل، وعندما نبحث عن الأسباب نجدها في الأغلب الأعم تعود إلى وجود هذه الخصيصة أو فقدانها، أما إذا كانت الإدارة لا تتحلَّى بها فإنَّ المؤسسة غالبًا ما تكون مجالاً للاَّمبالاة، أساتذةً وطلابًا، ممَّا يؤثر سلبا على نتائجها العلمية والأخلاقية.
وفي معهد الحياة طالما لاحظنا وجود هذين النوعين من الأساتذة في وقت واحد، ممَّا يجعل الحازم المنضبط مثار الإعجاب والتقدير للطلاب، ويكون الثاني مثار السخرية والنكتة، ولولا أن بعض هؤلاء قد أفضَوا إلى ربهم لضربت لذلك الأمثال، وهي على كلِّ حال محفورة في ذاكرتنا نحن الطلبة إلى يوم الناس هذا. (1/138)
صفحة 139
وكان شيخنا عدُّون يستحوذ على إعجابنا لاتصافه بالحزم والانضباط.
فهو في الفصل عند بداية الحصة لا يتأخر دقيقة عن موعد الدرس، كما كان لا يتخلَّف عن دروسه إلاَّ لضرورة قصوى، وهو قلَّما يفعل ذلك. وكنَّا نعجب كيف يحضر إلى المعهد للتدريس وقد عاد من سفره توًّا! ودع عنك انضباطه في التوقيت بداية ونهاية، فهو أول من يحضر إلى المعهد وآخر من يغادره. وما كان من عادته أن يتخلَّف عن درس من أجل سفر أو حضور عرس هنا أو هناك، كما يفعل بعضهم، وحرصه هذا على قدسية التدريس هو الذي جعله لا يسمح للطلبة أن يُقيموا أنشطتهم الثقافية إلاَّ خارج أوقات الدراسة، فإنَّ الجمعيات الأدبية، ما كانت تقام إلاَّ ليلا، والأنشطة الرياضية والكشفية إلاَّ أيام العطلة الأسبوعية.
وهذه الخصيصة فيما أحسب، من أهم ما أكسب المعهد في ذلك العهد الاحترام والتقدير في الأوساط الاجتماعية، بل وأعان المؤسسة على أن تحقق النتائج العلمية والثقافية والأخلاقية الباهرة، وما زلنا نحن المتخرِّجين في الجامعات نحمل الامتنان لتلك الجمعيات، ونتذكَّر أيامها باعتزاز وفخر.
سابعًا: الدعابة والظرف:
من سمات الأستاذ المربي أن يكون اجتماعيًّا، متفتِّحا على الآخر، ميَّالاً للتظرُّف والتفكُّه والمباسطة، وتلك صفات كان شيخنا متَّصفًا بها، معروفًا بالارتياح لها، والحقَّ إنَّ أغلب مشايخنا من ذلك الجيل النقي الصفي كانوا كذلك، لا ترى في مجالسهم إلاَّ أسارير متهلِّلة، ووجوهًا مشرقة، ولا تسمع إلاَّ نكتا أدبية طريفة، أو مداعبات حميمة أنيسة، يحب بعضهم بعضًا، ويخفضون جوانحهم للأخوة الإسلامية التي تربط علاقاتهم، يتفقَّدون أُسرهم، ويزورون مرضاهم.
ومن منَّا لا يتذكر مجالس الشيخ بيُّوض والشيخ أبي اليقظان ولقمان وتاعموت عيسى والشيخ عبد الرحمن بأدبها الرفيع وأسلوبها العالي؟ ومن منَّا ينسى مجالس الظرف والفكاهة مع الشيخ القرادي والشيخ حمو فخار والشيخ بوحجام عيسى والشيخ محمد علي دبوز وإخوان الصفا من معلمين في دائرة مدرسة الحياة ومعهد الحياة؟.
وقد عرفنا شيخنا في مجالسه كيف كان يمازح بعض أبنائه الطلبة الذين عُرفوا بالمفاكهة والدعابة وخفَّة الروح، من أمثال المرحوم تاعموت إبراهيم، وطيِّب الذِّكر باجو صالح، فقد كانت تلك الممازحات تُضفي على الجلسات الجدية غلالة لطيفة من الانبساط، وتلقي على المجلس رذاذًا لطيفًا من الألفة والمحبة.
وما زلنا نتذكر كيف كان أستاذنا يعقد جلسات خاصة ليروِّح عن نفسه مع من يأنس فيهم هذه الروح، وربما عقد لذلك رحلة خلوية في مراح صحراوي أو روضة بهيجة بين أحضان الطبيعة. ومن منَّا لا يتذكر جلساته مع المرحوم أحمد فرصوص، ومداعبته للحاج محمد الخياط، وارتياحه لمطارحات الدكتور صالح الخرفي (رحمهم الله جميعًا).
وهكذا فإنَّه عندما يكون الشخص اجتماعيًّا متوازنا ترى من سماته انطلاقة أساريره، وبشاشة (1/139)
صفحة 140
وجهه، يحبه الناس ولا يملُّون مجالسته، وغالبًا ما يكون هذا الشخص ميَّالاً إلى المداعبة والملاطفة مع معاشريه وجلسائه، يحبُّ النكتة ويطرب لها، ويضحك لها من أعماقه، كما يفعل الأطفال البريئون.
ذلك لأنَّ هذا الشخص عادة لا يضيق قلبه بالحسد والظن السيئ، إذا علم الله من مؤمن صفاء الطوية ألقى محبته في القلوب فأنست لمعاشرته ومالت إلى مجالسته.
وما كان شيخنا في هذا إلاَّ مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تروي عنه كتب الحديث والسيرة أنَّه كان يمازح الصحابة، ويبسم للطرفة، ولا يقول إلاَّ حقًّا.
ثامنًا: حب القراءة والتفتح على الآخر:
لم أر فيمن عرفت من المشايخ أستاذًا محبًّا للكتاب مدمنا على القراءة بعد ـ الشيخ محمد علي دبوز ـ مثل الشيخ عدُّون؛ فقد كان له غرام بالمطالعة شديدًا، كنَّا لا نراه خارج حصص التدريس إلاَّ منكبَّا على كتاب أو مجلَّة، وحرصه هذا كان خصيصة من خصائصه، وحصة مقدَّسة في برنامجه اليومي لا يصدُّها عنه إلاَّ ضرورة قصوى، وظلَّ مداومًا عليها طوال حياته المباركة، ونلحظ في مراسلاته للشيخ أبي اليقظان كيف كان حريصًا على أن يطلب منه أن يرسل إليه الجديد الصادر من المشرق كتبًا ومجلات ودوريات، ويعتبر نفسه بحكم وجوده الأغلب في القرارة محرومًا من هذه النعمة التي يسمِّيها «تُحَف المشرق» (6).
وقد أدركنا نحن الطلبة هذا الحرص منه، إذ كان يسأل دوما عن الجديد في عالم الفكر والثقافة كلما عاد أحدنا من سفر، وكان يبتهج أيما ابتهاج حين تكون الهدية المقدمة إليه كتابًا جديدًا أو مجلَّة ذات قيمة علمية.
وأتذكر كلَّما زرته بعد سفر كان أول سؤال يبادرني به: «ما الجديد من تأليفك؟»، بل ويسألني أحيانًا عمَّا أنوي التأليف فيه، حبًّا منه للاستزادة المعرفية، وتشجيعًا على متابعة التأليف والبحث، وأشهد أن ذلك منه كان لي زادًا معنويا ونفسيًّا كبيرًا. إنَّ حرصه على متابعة ما يجِدُّ في عالم الفكر والثقافة يدفعنا إلى ذكر حقيقة قد يجهلها الكثير وهو ما يتميز به شيخنا من تفتُّح على كلِّ جديد مفيد، وكرهه للتحجر والتزمُّت، لقد كان يملك من الخصال ما ساعده على السير قدما بمعهد الحياة في طريق التطوير والتجديد، والمتتبع البصير يدرك بجلاء كيف كان الشيخ عدُّون يقف أبدًا وراء ذلك التطور المستمر بما يملكه من ذهنية متفتحة، ونفس مرنة، ورغبة ملحاح في أن يكون المعهد أبدًا في مصاف الثانويات الناجحة التربوية تثقيفًا، لا على مستوى القطر وحسب، بل على صعيد العالم الإسلامي، لِيؤدي رسالته المنوطة به.
وهو على الرغم من تقدُّمه في السن ظلَّ محافظًا على تلك العادة الشريفة، وكأنَّ الله حين علِم منه صدق النية وثبات العزيمة حباه نظرًا قويًّا وبصرًا حديدًا يساعدانه على القراءة والمطالعة بدون نظَّارة وقد تجاوز المائة من عمره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء!. (1/140)
صفحة 141
وحرصه هذا يتجلَّى في إدراجه مادَّة (المطالعة) الحرَّة والمقيَّدة في برنامج الدراسة بالمعهد، وتُعدُّ من أوليات المواد في الامتحانات لجميع السنوات.
فكان يحاسبنا نحن الطلبة على أنشطتنا تلك من خلال ما نستعيره من كتب من مكتبة المعهد التي كان يشرف على شراء كتبها بنفسه، وهو ما أضفى على مكتبة الحياة قيمة علمية وثقافية كبيرة، كما كان يحاسبنا محاسبة شديدة على الأخطاء النحوية واللغوية أثناء امتحاناتنا في هذه المادة، وكان لا يتسامح إطلاقًا، فكلُّ خطأ بنقطة، فإن كانت الأخطاء عشرًا جاءت الحصيلة صفرًا.
تلك هي أهم خصائص الأستاذ المربي القدير الأب الروحي الشيخ عدُّون (رحمه الله) ولا أحسبني أتيت عليها أو فيها بالشمول والتفصيل، وحسبي أن أقول بكل تواضع، لقد خبرت أستاذي الشيخ عدُّون وأنا طالب بمعهد الحياة ست سنوات، واقتربت منه أكثر وأنا أستاذٌ به خمسًا أخرى، فما عرفت منه طوال هذه المدَّة إلاَّ أنه المشجِّع الأقوى لكل المبادرات الساعية إلى الرفع من مستوى المعهد، ماديًّا ومعنويًّا، مناهج وبرامج، لا يتحجَّر على طريقة تقليدية متبعة، ولا يجمد على مقرر معيَّن، ولا يتصلَّب لرأيه ونظريته، بل كان يشجع بكل حماسة كل المبادرات الرصينة التي يتقدم بها الطلاب والأساتذة، واقفا أبدًا إلى صفِّ المجدِّدين ضدَّ كلِّ متعنت معاند، عاملا دومًا بالمثل القائل: «دع الزهور تتفتح»، ولكنه بقدر تفتحه ذاك على التطور والمعاصرة بقدر ثباته أمام كل ما يُشتمُّ منه ريح المساس بالمقومات الإسلامية الأصيلة، لغةً ودينًا، رافضًا كلَّ فتنة تؤدي إلى تمزيق وحدة الصف الوطني، يصحبه دومًا إيمان قوي بالقيم والثوابت، ورأس شامخ أمام العواصف السياسية التي كثيرًا ما هبَّت من هنا وهناك.
وبهذه الخصال العالية، وبهذه النفس المسلمة الكريمة، نجح في تخريج آلاف الطلبة في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، وبثَّهم في نواحي القطر الجزائري، بل والعالم الإسلامي، يبلِّغون الأمانة، ويجاهدون في سبيل الدعوة إلى الله على بصيرة.
وقد سلَّم الأمانة كاملة إلى أبنائه الشباب ليتحمَّلوا المسؤولية من بعده، ويرفعوا الراية خفَّاقة في مسيرته، وتلك أمانة ثقيلة تلقى اليوم على عاتق المعهد الجديد في مشروعه الجديد (بحول الله)، فهل يعيها المسؤولون إدارة أساتذة، ويقدروها حقَّ قدرها، ذلك هذا السؤال الذي لا يجيب عنه إلاَّ المخلصون الأوفياء، الصابرون الأمناء، بأعمالهم العلمية والثقافية والسلوكية في الميدان، وليست كلُّها في الهياكل والجدران، والتعالي في البنيان.
نسأل الله التوفيق والسداد للخلف الصالحين، والرحمة والرضوان للسلف المرحومين.
--------------------
الهوامش
1 - ملحق السير، ج3، مخطوط، 445.
2 - يمكن الرجوع إلى بعض رسائله إلى الشيخ أبي اليقظان؛ حيث يذكر فيها أنه لا يملك حقَّ طابع البريد، وإنَّما استعاره من أحد أصدقائه. انظر مجلَّة الحياة، نشر جمعية التراث، العدد 9، نوفمبر 2005، ص: 141.
3 - الرسالة مؤرخة بـ أكتوبر 1983 في حوزة الباحث.
4 - لست بحاجة لذكر أمثلة حتى لا نُحرج من لا يزالون أحياء.
5 - يراجع، الباحث: من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان، مجلَّة الحياة، العدد9، (مصدر سابق)، ص: 122.
6 - يراجع مجلة الحياة، (مرجع سابق)، ص: 129. (1/141)
صفحة 142
آخر ما قاله الشيخ عدون
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
معهد الحياة - القرارة
أيُّها القارئ الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنَّ الإنسان عندما يقف في أعقاب تاريخٍ حافل، ليقلِّب صفحات مجد آثل، ويرجع البصر في أمجاد مغوارٍ باسل، لَتَستوقفُه محطَّات رائعة، وتستفزه خبايا ناصعة، وتثيره ذكريات ذائعة، عبر حقب من الزمان، تولَّت من غير نسيان، لتبقى في أذهان الناشئة خالدةً، خلود مجد صانعها، وتستمرُّ في الآفاق مُشرقة إشراقة مُسرجها؛ تلكُمُ المعالم البهيَّة، والمغانم السنيَّة التي على السلف حفظُها للخلف، استمرارًا لِسَنَا نور الحياة خالدًا يُنير دروب السالكين، ودائبًا يُبهج نفوس الخالدين.
وإنَّ المرء ليتمثل نفسه على شفى جبل شاهق يُشرف من عليائه على روض غنَّاء، قد سقاه ماء الغوادي فهو ريَّان، مُزهر بجميل الورود، مونع بجليل الأثمار، يمدُّ فيه بصره ثم يُرجعه فلا يرى فطورًا، ويطير فوق أريجه فلا يشمُّ إلاَّ مسكًا، ويحطُّ على زهوره فلا يجني إلاَّ شهدًا. وقلَّ من يرقى هذا المقام السامق، ويعتلي هذا المجد الشاهق، إلاَّ من كان لربِّه تقيا، وعلى دينه وصيَّا، ولأمته وفيَّا، وما أقلَّهم في هذا الزمان الذي لانت مضاجعُه، ودانت مطامعُه، وكثُر بُغاثُه، ونَزَر عُقابُه، وقد تغيرت الدنيا وكان أهلها يرون متون العيس ألين مضجع. ولعلَّ من أبرز من يجب على الأمة جمعاء ترسُّم خطاه، والاستنارة بسناه؛ فقيد الإسلام والعربية فضيلة الشيخ شريفي سعيد بن بالحاج (الشيخ عدُّون) رحمه الله، الذي بصر بالراحة الكبرى فلم يرها تُنَال إلاَّ على جسر من التعب، فقد عاش سرمدًا لربِّه نجيًّا، لدينه وفيًّا ولأمته أبيًّا، إلى أن مات بعد أن بلغ من الكبر عِتِيا، وخلف في الآخرين لسان صدق، وفي الخالدين في مقعد صدق. (1/142)
صفحة 143
وأنَّى لي في هذه العجالة أن أستوعب هذا العلم في صفحات معدودات، وأن أستجلي العبر من سيرته في نفحات محدودات، فذاك ما ستُبين عنه ضخام المجلَّدات، ممن يُحيُون ذكره في ديوان الخالدات. غير أنِّي وفي مساهمتي هذه في هذا العدد الممتاز الذي ركَّز على أن يَضُمَّ بين دفَّتيه "ما قاله الشيخ أو ما قيل عنه"، رأيتني أنحو جانبًا ربما قد يَغفَل عنه الغافلون، أو يتقحَّمه العاجزون مثلي، فقصدتُ إلى آخر ما قاله الشيخ في آخر حياته، في عديد من المحافل والمناسبات -لا كلها - والتي كان يتبوَّأ صدارتها، ويرصِّع واسطة عقدِها، فاستنسختُها من الأشرطة العديدة، بعد تصحيحها، وإعادة شيءٍ من صياغتها، وحَبْكِ ربطها، لتكون مقالات مقروءة بعد أن كانت كلماتٍ مسموعة، ولم أرد أن أُعمِل فيها فِكري، أو أُدمِع فيها قلمي حتىَّ لا أُفسِد روعتها، أو أُعكِّر نغمتها، أو ألوِّث فِطرتها، كي تفعل في نفوس قارئيها ما فعلت في نفوس سامعيها، كما أردتُها جواهر في أصدافها، وقوالب ذهب في خامها، يصوغُ منها الصائغون الماهرون أسنى الحُلَل، وفق مذاق رفيع، وشكلٍ بديع، وللناس فيما يعشقون مذاهب، كذا لآلئ أفكار الشيخ أترُكُها نديَّة لمن يملكون أعنَّة البيان، وأزمة البرهان، ولمن أوتي الحكمة وفصل الخطاب، يطلعون عليها من فوق السحاب، وينظرون إليها بعين عقاب، ويستنبطون منها خفايا الصواب، إنَّ في ذلك لعبرة لأولي الألباب. ولعل فرصةً سانحة أخرى تسمح بقراءة متأنِّية فيما قال، في خطاب أو مقال، إن أنسأ المولى تعالى في الآجال.
وإليك عزيزي القارئ هذه الكلمات مرتَّبة حسب الترتيب الزمني، وبالعد التنازلي، إلى حين الوفاة، فاقرأها بقلبك قبل لسانك، وتأمَّل فيها ببصيرتك قبل بصرك، واسأل المولى جل في علاه أن يُلهمك الرشد والاعتبار، كما تسأله لمن تقرأ له المثوبة والاستغفار. ولقد أسميتُ هذه الكلمات: «آخر ما قاله الشيخ عدُّون» وتضمُّ ثماني كلمات:
1 - الكلمة التي ألقاها بمناسبة حفل المعايدة في مقر البلدية.
2 - الكلمة التي ألقاها في حفل مهرجان القرآن.
3 - الكلمة التي ألقاها في ندوة الشيخ عبد الرحمن (رحمه الله).
4 - الكلمة التي ألقاها في يوم المعايدة الذي يجمع أعيان ميزاب ووارجلان.
5 - الكلمة التي ألقاها في حفل توزيع الجوائز على طلبة معهد الحياة.
6 - الكلمة التي ألقاها في لقائه بأساتذة معهد الحياة.
7 - الكلمة التي ألقاها في الاجتماع السنويِّ العامِّ مع طلبة معهد الحياة.
8 - الكلمة التي ألقاها في الاجتماع العام مع طالبات متوسطة وثانوية الحياة.
1) الكلمة التي ألقاها فضيلة الشيخ عدُّون رحمه الله في حفل المعايدة الذي تقيمه بلدية القرارة كل عيد لأعيان البلدة ومسؤوليها في مقر البلدية
يوم: 2 شوال 1423هـ / 6 ديسمبر 2002م (1/143)
صفحة 144
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله:
كلمتان أفتتح بهما هذا الحفل المبارك:
أولا: أعتذر أن كنت آخر من يلتحق بالحفل، لأن الموعد على حسب الاستدعاء كان على الرابعة والنصف، وقد كنت جاهزا للمجيء في الوقت لولا قدوم بعض الأضياف من بعيد لزيارتي، ولكنني صرفتهم من أجل الحضور إلى الموعد، ثم جاء بعض الإخوان من البلدة لتقديم التهنئة فتأخرت هذه المدة الوجيزة، ولما حضرت وجدت الحفل ينتظر حضور هذا الشخص الضعيف، وهذا ما يُلزِم علي تقديم الاعتذار.
ثانيا: كان الواجب أن أتتبع جميع الحاضرين واحدا واحدا بالمصافحة والمعايدة، ولكنني تعلمون ضعفي، وتُغنيني عن ذلك الكلمة التي سألقيها عليكم مختصرة جدا، فأقول في هذا الجمع المبارك:
أيها الأبناء الأعزاء، ولا بأس أن أعتبر نفسي أبا الجميع لأنني أعد نفسي أكبركم سنا، ومن هذه الناحية فقط أكبُرُكم، وليست لي ناحية أخرى أتميز بها عنكم إلا َّّهذا العمر الطويل الذي أرجو أن يكون الله تعالى قد بارك فيه، وبارك في عقلي لأنه من العادة أنه إذا ضعف الجسد ضعف معه العقل، ولكن والحمد لله العقل كامل وعادي، وهذه نعمة كبرى من نعم الله تعالى، لهذا أعتبر نفسي أبا الجميع كما يعتبرني الكثير أبا لهم.
أبنائي الأعزاء: حقيقة أنتم أعزاء وجميع المسلمين، وبخاصَّة سكان هذه البلدة، وبخاصة الحاضرون في هذا الاجتماع من أعيان البلدة، رئيس الدائرة، رئيس المجلس الشعبي البلدي، رئيس الدرك، ورئيس الأمن، وجميع الموظفين، وجميع الإداريين، والعزابة، والمشايخ والأساتذة والحاضرين من كل الطوائف التي تمثل القرارة، فالقرارة اجتمعت كلها في هذه الوجوه، في هذه العشية المباركة للمعايدة، وفي المعايدة تأليف للقلوب.
نحمد الله تعالى على هذا العيد الذي جاء بعد موسم رمضان المعظم الذي أ نزل فيه القرآن، أعظم كتاب في الدنيا، وأعظم سعادة نزلت إلى البشر إنما نزلت في هذا الشهر المبارك، فنرجو أن نكون قد قمنا فيه بمختلف أعمال البر من صلوات وصدقات وسبحات خالصة لوجه الله تعالى، وختمناه بهذا بالاحتفال بعيد الفطر المبارك أمس. والحمد لله أن كان يوم العيد في أغلب العالم الإسلامي موحدا يوم الخميس إلاَّ قليلا ممن شذ. وللعيد مقام محمود عند الله وعند الملائكة، فنرجو أن يكون الله تعالى قد تقبله منا قبولا حسنا، وها نحن نجتمع ليهنئ بعضنا بعضا تهاني قلبية صادقة، فكلنا مسلمون، وكلنا يحب الخير لأخيه، وكلنا قلب واحد ويد واحدة تسعى إلى الخير، وتعمل الخير، وتجتمع على كلمة الخير والحمد لله، وهذه نعمة من أعظم النعم أن تكون القرارة مجتمعة بجميع هيئاتها، وجميع فئاتها في مكان واحد، وكلهم على قلب رجل واحد، يتوادون ويتحابون ويرحب (1/144)
صفحة 145
بعضهم ببعض، وهذا مكسب عظيم، ومثل هذا المنظر لا يوجد في غير القرارة - فيما أحسب وأظن-.
لابد أن تكون هناك سلبيات، ونحن جميعا نسعى لإزالتها، وهي شيء طبيعي في البشر، وإنما قصارى جهدنا شكر الله على هذه النعم التي أنعم الله بها علينا، ومِن شُكرِ ها إصلاحُ ما في هذا الوسط من بعض المفاسد والسلبيات، وأقول بعضا لأن الإيجابيات وما يرضي الله تعالى هي السائدة الغالبة، فالمساجد عامرة، والعشائر عامرة، والمشاريع سائرة في التعليم العام والحر، وهذه نعمة نشكر الله تعالى عليها.
لا أطيل عليكم أكثر، وأرجو أن تكونوا كلُّكم على هذا النمط، وإنما أحقق وأقول إن جميع الحاضرين والغائبين على قلب رجل واحد. وبعد هذا أرجو من بعض الإخوان خاصة الشيخ الناصر أن يزيدنا كلمة في الموضوع، وأنتم تعرفونني قاصرٌ جدًّا في الكلام، واعذروني فيما قصًّرت. والحمد لله رب العالمين.
2) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله) في حفل مهرجان القرآن الذي أقيم بعشيرة البلات بالقرارة لمستظهري كتاب الله العزيز
يوم الثلاثاء: 3 ربيع الثاني 1424هـ الموافق لـ03 جوان 2003م
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم:
ليس عندي ما أقوله، وكلّ ما زورته في نفسي أو تذكّرته إلاّ وقد سبقني إليه مَن تحدث قَبلي وأجاد، فلا أجد ما أقول إلاّ أن أقول:
أبنائي الأعزّاء! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خذوا من هذا العجوز الماثل أمامكم ما يجود به من كلمات قصيرة مقتضبة في هذا الوقت الضيّق.
نحن في نعمة كبرى، وحفل عظيم، ويوم مبارك، وما كنّا نتوقّع أن يكون الحفل على هذه الصورة البديعة، خاصّة ما تمّ من وضع الحجر الأساسي لمشروع الحياة العظيم، الذي نسأل الله تعالى أن يعيننا ويوفّقنا لإتمامه، بصورة تعجب وتسرّ الجميع.
إنّنا نقوم بهذا الاحتفال العظيم، احتفاء بالقرآن الكريم، وبالمستظهرين لكتاب الله، وكلّ كلمة تقال في هذا المجال قليلة، لأنّه احتفال بالقرآن وحفظته، ولا أرى مقارنة بين هذا الاحتفال وغيره من الاحتفالات الأخرى، وإنّه الاحتفال بالكتاب الذي طبق السماوات والأرض ذكره، ولا أحد يستطيع أن يصف قيمة الكتاب.
إنّنا في نعمة كبرى لما نراه من مبرّات ومباهج تثلج الصدور، وتطلق الألسنة بالثناء والحبور، وإن كنّا في حزن شديد، بسبب الزلزال الذي ضرب الجزائر يوم 21 ماي، والذي تأثّرت به كلّ قلوب (1/145)
صفحة 146
الجزائريّين، وقام الناس جميعهم للمواساة، ولكن رغم شدّة المحنة، فنحن صبورون، وشأن المؤمن الصبر والشكر، وبالصبر الجميل تنقلب المصيبة نعمة، لذا يثيب الله الصابر على صبره أجرا بغير حساب، ومن ثمّ عجب الله لشأن المؤمن إذ أمرُه كلّه خير، وليس ذلك إلاّ للمؤمن. إذا أنعم عليه شكر فكان خيرا له، وإذا ابتلي صبر فكان خيرا له، ولنشكر الله تعالى على كلّ حال، ولنعلم أنّه ما من مصيبة إلاّ وهناك مصيبة أعظم منها، وأعظم المصائب أن يصاب المرء في دينه.
وبعد هذا لا بدّ من كلمة أقولها لأبنائي الأعزّاء، المستظهرين لكتاب الله العزيز اليوم أو قبله.
عليكم بالمحافظة على هذا الكنز العظيم، الذي تحصّلتم عليه، داوموا على مدارسته وقراءته، واعلموا أنّ من قرأ القرآن، فله بكلّ حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، فكيف بمن كرّره ويكرّره مرّات ومرّات.
إنّها نعمة عظيمة أنعم الله بها عليكم، فحافظوا عليها حتّى لا تندموا كما نحن نندم على ما ضيّعنا من المحافظة على هذا الكنز، فاعتبروا بنا، فلقد كنّا نحفظ القرآن عن ظهر قلب، حفظا جيّدا، ولكنّا ضيّعناه، فإيّاكم والتضييع، وإنّ أوّل ما يوصَى به المستظهر، المحافظة على ما حفظ، ولكنّا لم نعمل بالنصيحة.
لا تقتصروا على الحفظ فقط، فالحفظ يقتضي الفهم، والفهم يقتضي العمل، ولا يتحقّق الفهم إلاّ باكتساب آلاته، بالعربيّة وعلومها، وهذا ما تجدونه في معهد الحياة، ثمّ عليكم بالعمل بمقتضى هذا الفهم، وذلك بالإتيان بالأعمال الصالحة، والتزوّد للآخرة، وخير الزاد التقوى، فنرجو الله تعالى أن ييسّر أمورنا ويحفظنا من كلّ بلاء.
كما نشكر الحاضرين الذين وفدوا إلينا من بعيد، تاركين أهليهم وأشغالهم، وليعذرونا فيما قصّرنا في حقّهم، فهم يستحقّون منّا كلّ حفاوة وإكرام، ولا نستطيع مكافأتهم إلاّ بالدعاء إلى الله تعالى، أن يجازيهم أحسن الجزاء في الدنيا والآخرة. والحمد لله ربّ العالمين.
3) كلمة فضيلة الشيخ عدّون (رحمه الله)
في آخر جلسة حضرها في ندوة الشيخ عبد الرحمن (رحمه الله) وذلك في الجلسة الختامية بدار السيد الكريم بكلّي صالح بن عبد الرحمن
يوم الأربعاء 04 ربيع الثاني 1424هـ/ 04 جوان 2003م
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
مجمع مبارك وخيّر إن شاء الله، ومشروع كبير وضروري في هذا الوقت خصوصا.
نترحّم على فضيلة الشيخ عبد الرحمن الذي كوّن هذه الندوة الخيّرة، وأسّس هذا المشروع العلميّ الهام، كما نذكر بالفضل الشيخ أحمد أوبكة الذي كان أوّل من لازم الشيخ عبد الرحمن رفقة الشيخ بكير أرشوم - رحمه الله - كما أشكر كلّ الذين جاؤوا من بعدهم وانضمّوا إلى ركب الندوة ورحاب هذه الجلسة. (1/146)
صفحة 147
إنّ هذه الندوة الشرعية ضرورة ملحّة، وأعدّها من المؤسّسات الكبرى، وإنّني أدعّمها بكلّ قواي، وأدعو بعض الغائبين لحضورها، خاصّة من له ثقافة شرعية، فحافظوا على هذه الندوة، وإيّاكم والتخلّي عنها في موعدها من كلّ أسبوع، ومن كان لا يرغب في الحضور فليترك مكانه لغيره، وإذا كان في الإمكان أن يحضرها بعض إخواننا المحافظين فليحضروا، توحيدا للصفّ والفتوى، كما هو الشأن في مجلس عمّي سعيد ومجلس باعبد الرحمن الكرثي.
كما نشكر آل بريّان الذين يعود إليهم الفضل في احتضان هذه الندوة ورعايتها والحفاظ عليها.
أمّا ما يقع في هذه الندوة من فتاوى، فأرى ضروريّا تسجيلها بعد تلخيصها وتمحيصها، ولو بتعيين موظّف يقوم بها، ولا مانع من طبعها وإصدارها للعالم الإسلامي للاستفادة منها، لأنّ المسائل التي تبحث معيشة في ميدان الواقع، وكلّها تستدعي حلولا.
فأوصيكم جميعا بالإخلاص والصدق، وبالمواظبة وعدم التفريط في هذه الندوة، فهي مشروع حياة أو ممات، وليكن مجلسكم هذا مجلسا إسلاميا خالصا، وإنّنا لنرى ثمار هذا المجلس يانعة.
كما أشكر صاحب المحلّ الابن صالح بكلّي وإخوته جميعا، على استضافة الندوة الختامية السنوية في محلّهم، وإنّني لأرى روح والدهم ترفرف علينا في هذه الجلسة الطيّبة، والله تعالى نسأله العون والتوفيق، والحمد لله ربّ العالمين.
4) كلمة فضيلة الشيخ عدّون (رحمه الله)
في يوم المعايدة الذي يجمع أعيان ميزاب ووارجلان
ثالث يوم كل عيد فطر أو أضحى بالقرارة
بدار عشيرة أولاد جهلان
صبيحة الخميس 03 شوال 1424هـ / 27 نوفمبر 2003م
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أيّها المشايخ الأفاضل! أبنائي الأعزّاء! أعيان الوادي ووارجلان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عيد مبارك، وهنيئا لنا هذا العيد السعيد، في هذا اليوم المبارك.
إنّه حقّا لمجمع عظيم، ضمّ هذه النخبة الممتازة، سعادة كبرى تغمرنا في هذا المقام، وفي هذا اليوم السعيد، بوجود هذه الوجوه النيّرة التي جاءت للتهاني والتزاور والتناصح والمحبّة، وأوّل ما يجمعنا في هذا المقام، محبّة الله ورسوله، مصداقا لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وجبت محبّتي للمتحابّين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتجالسين فيّ» وإنّني لأرى هذه الخلال كلّها حاضرة وموجودة بأجلى مظهر في هذا المقام. (1/147)
صفحة 148
وددت لو كان لي لسان فصيح، أستطيع أن أعبّر به عمّا يجيش في صدري من الخوالج والشعور والأحاسيس، وإذن لسمعتم كلاما عجيبا، ولكن اعذروني، فأنتم تعرفون قصوري وتقصيري، وهذا شيء طبيعي فيّ، ويكفيكم هذا التعبير الصادر من أعماق القلب، موجّهة للجميع، وفاء ومحبّة وصدقا، ووفاء لهذه العزائم، وهؤلاء الرجال الموفّين بالعهود، الذين دأبوا على هذه العادة الطيبة، جعلها الله سنّة حميدة.
بارك الله في الجميع، وأثابكم بكلّ خطوة خطوتموها في هذا السبيل، جنّات الفردوس الأعلى.
لا أستطيع أن أزيد أكثر من هذا، والله تعالى أسأله أن يحفظكم ويجمعنا وإيّاكم في رحمته الواسعة، ويشملنا بالسعادة والاستقرار في وطننا العزيز الجزائر، وأن يرفع هذا البلاء المسلّط على العالم الإسلاميّ والعالم العربي خصوصا، وبالأخصّ في الجزائر، وأن يعمّنا الله بالهناء والسرور، ويجعل كلمة الله هي العليا، وينصر المسلمين حيثما كانوا، ويردّ كيد الأعداء والكافرين في نحورهم.
ولنصدق لله الدعاء، وإنّه متى اجتمعت هذه الدعوات وارتفعت صادقة، كانت من الله الاستجابة.
إنّ في قلبي شجونا وفنونا، ولكن لا ينطلق بها لساني، فاعذروني ولكم الشكر، والحمد لله ربّ العالمين.
5) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله) في حفل توزيع الجوائز على طلبة معهد الحياة
في حفل الجوائز المقام بصحن المسجد الكبير بالقرارة
مساء الأربعاء 27 ربيع الثاني 1425هـ / 16 جوان 2004م
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه.
أبنائي الأعزّاء! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا أخصّ شيخا بعينه ولا أستاذا ولا معلّما ولا طالبا، وإنّما كلّكم أبنائي الأعزّاء، أقولها مفعمة بصادق الحبّ من أعماق قلبي، وقد اعتبرني كثير من الناس أبا روحيّا لهم، وإنّني لأشكرهم على هذه العاطفة الطيّبة، وهذا التقدير الذي لا أستحقّ منه شيئا، ولكن النفوس الكريمة تأبى إلاّ أن تعتبرني أبا لها، أرجو الله تعالى أن يحقّق لهم رجاءهم وأمانيهم.
أريد أن أركّز على كلمة واحدة تخصّ الجميع، وهي نعمة الله تعالى التي أنعمها علينا، والتي لا توجد في الدنيا أصلا على هذه الطريقة من التنظيم والعمل الصالح، ألا وهي نعمة هذا التعليم الحرّ، الذي نتمتّع به والحمد لله، رغم النكبات والعراقيل، ولكن الله تعالى معنا، يؤيّدنا بنصره ويمدنا بعونه وتوفيقه، وإنّها لعمري لمن أعظم النعم، فهي أكبر من أيّ نعمة بعد نعمة الإيمان والحياة.
ولذلك يجب علينا شكر الله تعالى على هذه النعمة، وذلك بالمواظبة على العمل والإخلاص لله تعالى، فلله الشكر الجزيل في الدنيا والآخرة.
أمدّكم الله بعونه وتوفيقه، وزادكم إيمانا على إيمان، وإخلاصا على إخلاص، هذا ما أستطيعه، واعذروني فيما قصّرت من الكلام في هذا المقام، لما أعانيه من التعب والضعف. والحمد لله ربّ (1/148)
صفحة 149
العالمين.
6) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله)
في لقائه بأساتذة معهد الحياة
بالقاعة السفلية من عشيرة أولاد جهلان
مساء السبت 11 شعبان 1425هـ / 25 سبتمبر 2004م
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أبنائي الأعزّاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنّني جدّ مسرور بالاجتماع إليكم، في أوّل افتتاح السنة الدراسية، هذا الاجتماع الذي يجمع أساتذة المعهد من أجل تقويم ما تقدّم والنظر والتفاؤل في المستقبل الذي يتقدّم.
إنّها لمبرّة كبرى، أن يعقد اجتماع للمعلّمين بمناسبة افتتاح السنة الدراسية في هذه المؤسسة العتيدة.
و إنّها لنعمة كبرى أنعمها الله تعالى بها على القرارة وعلى المسلمين أن يوجد في هذه البلدة مثل هذه المؤسّسة ومثل هذا المشروع. وهل يوجد في العالم مثل هذا المجتمع ومثل هذه المؤسسة التي تعمل من أجل السعادة الأخروية والدنيوية بالروح التي تلقّن للدارسين في المعهد، ونراها مجسّدة بالمحسوس في كلّ منتمٍ إلى هذا المعهد.
وإنّه لمن أكبر المنن والنعم أن نكون هداة مبشّرين ومنذرين متحمّلين لرسالة الأنبياء والرسل وإنّه لتشريف لنا في الحياة الدنيا رجاء التشريف الأعظم في الحياة الأخرى.
إنّني أعتبر جلسة افتتاح المعهد كأنّها باب الجنّة فتح لنا، فلندخل الجنّة بقلوب ملؤها المودّة والمحبّة، وليست سمعة المعهد مقتصرة على ما كان يتمتّع به بالأمس فقط، بل هو يزداد في كلّ يوم سمعة وانتشارًا في جميع المؤسّسات العالمية، فصار يفتخر به العالم الإسلاميّ بأسره، وأعظم بها نعمة تتميّز بها القرارة.
وهذه النعمة الكبرى تستحقّ منّا كلّ الشكر، والشكر الحقيقيّ إنّما يكون بالعمل والاجتهاد والنصيحة والتضحية، ونحن نريد أن نعمل أكثر ونجتهد أكثر ونضحّي بكلّ شيء في هذا السبيل حتّى يتضاعف عدد الناجحين.
إنّ عملنا لا يقوم على أساس اعتبار النجاح في الشهادة فقط، فالشهادة جوهرة في الطريق.
ولو كانت لنا إمكانيات ووسائل لكان عدد الطلبة في المعهد آلافا وملايين، ولكن في وسع هذه الكوكبة من أبناء المعهد أن تكون ذلك العدد: الواحد كألف، فعوّلوا على أنفسكم، فالأنظار متّجهة إليكم، فالنجاح في الشهادة نجاح ظاهريّ، إنّنا نريد الوصول إلى ما هو أكبر وأسمى من ذلك، إلى مرضاة الله تعالى، فهنالك مسافات كبرى علينا أن نقطعها.
إنّنا لا نحقّق آمالنا إلاّ بالتضحية الكاملة والعمل الخالص لله، ومن لم تكن له روح التضحية والعمل في سبيل الله فليترك المجال وليغادر إلى حيث الكسب المادّي الدنيوي. (1/149)
صفحة 150
نحن مسرون جدّا بالنتيجة التي حقّقها المعهد في شهادة البكالوريا هذا العام، إذ بلغت نسبة النجاح 64 % وتحصّل على المرتبة الأولى على مستوى ثانويات الولاية، وهي أوّل نتيجة يحصل عليها منذ تأسيسه، وإذا كان هذا النجاح يخصّ التلاميذ النجباء والأذكياء، فإنّ المعهد في استطاعته إنجاح كلّ تلاميذه من ناحية الروح والدين والأخلاق والتربية، وهذا هو الأساس والأصل في رسالة المعهد، ولا يتأتّى ذلك إلاّ بإصلاح أنفسنا أوّلا، ثمّ إصلاح تلاميذنا ثانيا، ولتكن لنا عزيمة صادقة وإرادة قويّة وتضحية خالصة في كلّ مسلك وسبيل، بالنفس والمال والأفكار.
إنّكم أيّها الأساتذة جئتم لتدرّسوا لوجه الله لا لأجل المال، كما كان الحال بالنسبة لمشايخنا الذين تقدّموا، إذلم يكن أحدهم يأخذ راتبا، ومن بينهم الشيخ الحاج عمر بن يحيى، الذي كان يلقي حوالي عشرين درسا في اليوم ولا يأخذ أجرًا، وهناك من يوفّر له شيئا من ضروراته وحاجياته، ولذلك بارك الله في علمه فخلف رجالات الأمَّة الأفذاذ الشيخ بيّوض والشيخ أبا اليقظان وغيرهم.
والرجال الذين أسّسوا معهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى لم يكن لهم علم كثير، لكن كان لهم إخلاص كبير وإيمان راسخ، وما معهد الحياة إلاّ امتداد لمعهد الحاج عمر.
ولقد أدركت الشيخ الحاج عمر سنة واحدة، وكان عمله تعليميا واجتماعيا، وحّد البلدة وأصلح ما فيها من فساد وذابت العشائرية والجهوية، وكانت هناك أفكار مغرضة مفرّقة قُضِيَ عليها بفضل إخلاص المشايخ.
وإنّنا في هذا الوقت لفي نعمة كبرى، ولا يدرك عظمتها إلاّ المخضرم الذي عاش الزمانين مثلي، وإنّ الفرق بين العهدين لكبير.
أرونا الفخر في الدنيا والآخرة، وليكن عزّنا الفخر في الآخرة وهذه غاية المنى، ولنستمرّ في هذه الطريق ولا نرتب، ولنزد لله شكرا وذكرا، ولنجاهد أنفسنا ونحملها على ما تكره، ولنسلّط عليها قوّة العقل الفطريّ الرشيد الذي يقودها إلى الطريق القويم.
وإنهَّ لمن النعم الكبرى أن نعمل في أمَّة مثل هذه، أمَّة خيِّرة مطواعة وأنا منذ سنة 1939م أجول لجمع الاشتراكات والتبرّعات للجمعية، وإنّني أشعر والحمد لله بالزيادة عاما فعاما، رغم اشتداد الأزمة المالية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، ولكن تضحيات المحسنين كانت الأقوى والأغلب، ولقد تخلّفت عن الجولة هذا العام بسبب المرض والعجز، وكنت أخشى أن تتأخّر الجولة أو يبخل الناس بعدم وجودي، ولكن والحمد لله لم يزدد الناس إلاّ نشاطا وتضحية؛ لأنّهم إنّما ينفقون في سبيل الله وابتغاء مرضاته لا من أجل فلان أو فلان.
ومشروع الحياة العظيم الذي يشمل المعهد والداخلية مشروع لا تقوى عليه إلاّ الدول، ولكن الأمّة تقوم به، وسيقوم بإذن الله وبفضل سخاء المحسنين من الأمّة، وإنها لنعمة كبرى ولنقابلها نحن الأساتذة بشكر أعظم، بالتضحية ببعض أوقاتنا، والجنديّ المثاليّ هو الذي يقوم بواجبه أحسن قيام في الميدان. (1/150)
صفحة 151
إنها كلمات صادقة أنحتها لكم من صميم الفؤاد، وأقولها لكم خالصة من أعماق قلبي، وربّما لا ألقاكم بعد لقائي هذا، وهي ذكرى أذكّركم بها والذكرى تنفع المؤمنين.
نرجو الله تعالى أن يوفّقنا إلى كلّ خير وييسّر لنا كلّ أمر عسير، وأن نكون نحن الأساتذة وأبناؤنا التلاميذ مباركين في كلّ أعمالنا، ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتّقين إماما.
7) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله)
في الاجتماع السنويّ العام مع طلبة معهد الحياة
وذلك بالناحية الشرقية من المسجد الكبير
صبيحة الأربعاء 06 رمضان 1425هـ / 20 أكتوبر 2004م
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
أبنائي الأعزّاء: إنّني دائما أخاطبكم بهذه الكلمة العزيزة عليّ، وإذا قلت لكم أبنائي الأعزّاء فأنتم أعزّاء لديّ، لأنّكم تحملون أمانة الله العظمى التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها. إنّني أحبّكم لوجه الله تعالى خالصا كما قال الشاعر:
والله يعلم أنّي لا أحبّكم إلاّ لوجهك دون العمِّ والخال
أحبّكم حبّا عقليّا لا حبّا عاطفيّا، لأنّكم القائمون بأمانة الله، وأحبّكم لأنّكم القائمون خير قيام بمشروع قلّ مثله في العالم، وأنا أبذل كلّ جهد أستطيعه في سبيله.
إنّها لنعمة كبرى لا تقدّر بعد نعمة الإيمان بالله ورسله وكتبه وما يجب الإيمان به، إنّها نعمة العلم وخدمة العلم، لا العلم التقني المادّي المعروف في العالم، وإنّما العلم الحقيقي الأوّل والأولى، إنّه علم الله، ومن بعده العلوم الأخرى التي تأتي عرضا امتثالا لقوله تعالى: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}.
فالعلم الذي نزاوله في المعهد هو العلم الذي قال الله تعالى في أصحابه: {هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}، وقال فيهم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، هذا العلم الذي يرفع به الله الإنسان إلى درجة الملائكة، العلم الذي يجعل أصحابه شهداء على الله بالقسط. {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، هذا هو العلم الذي نشأ عليه سلفنا الصالح ونشأنا عليه، فمن منكم جاء إلى هذا المعهد طالبا لغير هذا العلم فليخل السبيل لغيره.
إنّه العلم الذي يوصل إلى الجنّة، إنّه الطريق المحفورة إلى الركبة نسلكها لا نحيد عنها لنصل الجنّة.
وعلى كلّ طالب جاء إلى المعهد أن يعتقد عقيدة راسخة أنّه إنّما جاء ليعرف الله حقّ المعرفة، ويؤمن به حقّ الإيمان، ويعمل من أجله كلّ عمل صالح، إنّه علم زاخر وبحر لا ساحل له ويا (1/151)
صفحة 152
سعادة من رزق هذا العلم، ويا سعادة من رزق هذا السبيل، لنكون بعد ذلك خالدين مخلّدين في جنان الفردوس.
هذه غايتنا الأولى والمثلى والقصوى من هذا العلم، معرفة الله والعمل بما يأمر، القرآن وحفظه وفهمه والعمل به، السنة المطهّرة فهمها والعمل بمقتضاها، وإنّني أكرّر وأؤكّد هذه الحقيقة والكلام في هذه النقطة يستحقّ الإطالة أكثر.
ألا فلتعلموا جميعا أيّها الطلبة، وخصوصا الذين التحقوا بالمعهد جُدُدًا، أنّكم إنّما جئتم لطلب هذه الغاية لا لنيل الشهادات، وإنّما الشهادات جواهر في الطريق المرسوم، نتوصّل بها إلى الحياة العليا في الدنيا - إن كانت في الدنيا حياة عليا - وعلينا أن نبذل كلّ الجهد في هذا العام بالفوز بنجاح أكبر في الشهادات، ولكن الجهد الأكبر إنّما نبذله في العلم الذي يوصلنا إلى الجنّة وإلى مرضاة الله، في العلم الذي يزيدنا إيمانا بعد إيمان، ويزيدنا حبّا لله {وَالذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}، فلنكن ممّن يحبّ الله، وحبّ الله يتجسّد بتقواه والعمل بما يحبّ، ومن اتقى الله حقّ تقاته فقد أحبّ الله وأحبّ رسوله ولنحمل نفوسنا على هذا السبيل.
إنّ للطلبة لشرفا كبيرا بالتحاقهم بهذا المعهد، وللأساتذة الذين بذلوا كلّ جهد لترقية المعهد، وإنّنا لنقدّر مجهوداتهم ولا ننكر فضلهم أبدا، وقد تكون منهم بعض زلاّت تعدّ في حقّهم صغائر وهي لا ينجو منها أحد، وهي الصغائر التي تمحى بالحسنات، ولعلّه من كمال الإنسان أن يلم ببعض الصغائر ثمّ يتوب منها {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}.
على الطلبة أن يعلموا أنّهم يطلبون نفيسا لا يوجد في غير هذا المعهد، وأقولها جازما، قد يوجد مثل هذا في بعض النفوس الطيّبة، أو في بعض الكتب القيّمة، ولكن أن يوجد مثل هذا المجتمع، ومثل هذه المشاريع العلمية، والكفاءات المهنيّة، والنوايا الصادقة فهذا ما لا أظنُّ وجوده.
أيّها الميزابيّون ويا أيّها القائمون على هذه المشاريع العلمية، إنّنا لا نفرّق بين مزابي وغيره، ولا بين إباضي وسواه، فالمعهد للجميع وهو يعلّم الجميع الإسلام الصحيح الخالي من كلّ غثّ، إنّه الإسلام الذي نطبّقه وندعو إليه.
هذا هو المعهد الذي جئتم لتتزوّدوا منه خير زاد، خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، ولتعلموا أنّه سواء كان مجيئكم برغبة منكم أو برغبة أوليائكم فأنتم سعداء، لأنّكم ـــ من اليوم ـــ في بحبوحة الجنّة بطلبكم هذا العلم، فأعظم بها من نعمة سابغة عليكم وعلى أوليائكم.
للأساتذة الفضل الكبير في تحمّل هذا الثقل العظيم، وهذه الأمانة العظمى، فبارك الله فيهم وفي صحّتهم وعائلاتهم وأولادهم، إداريين وغير إداريين قدماء وجددا.
أمّا هذا العاجز الماثل أمامكم فإن هو إلاّ واحد منهم، تحمّل ما تحمّل ولا يزال، أرجو أن يكون من الذين كان يصفهم، وأرجو أن يكون قد قام بواجبه أحسن قيام.
كنت أرجو أن تكون جلسة أخرى معكم، أجد فيها نشاطا أكبر، ومجالا للكلام أوسع، ولكن (1/152)
صفحة 153
حالتي الصحية لا تسمح بذلك، وأنا أرى الاهتمام بمثل هذه الجلسات واللقاءات من أعظم الواجبات والضروريات، ومن أفضل القربات التي أتقرَّب بها إلى الله تعالى، أرجو أن يتقبّلها منِّي.
والمشاريع العلمية والاجتماعية بقدر ما هي قائمة على الأساتذة والطلبة، ولكنّها قائمة كذلك على مجهودات المحسنين المساهمين بأموالهم، والذين يضمنون سير الجمعية ومؤسّساتها مثل المعهد والمدرسة، والداخلية والنادي ...
إنّها حقّا لَلحياةُ السعيدة التي دعا الله تعالى إليها ورسوله، {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، فاللهمّ إنّنا نستجيب لما دعوتنا ولما يحيينا، فتقبّل منّا هذا العمل واجعله في ميزان حسناتنا، ويا سعادتنا إن تقبل منّا هذه الأعمال الصالحة التي نعدّها من أعظم القربات.
وإنّ أعظم عمل نتقرّب به إلى الله تعالى تلقين أبنائنا معرفة الله، وهي قربة تحتاج إلى تديّن وفقه وإخلاص محض، نرجو أن نحيا جميعا هذه الحياة لتصفو القلوب من الأدران، والأعمال من الرياء وحبّ المحمدة وحبّ التقدّم بغير حقّ وسبب، وغير ذلك من المثالب التي تذهب بالمشاريع وتقضي عليها.
ما أكثر المشاريع التي كانت قائمة وظاهرة قضى عليها الرياء وحبّ المحمدة وحبّ الزلفى، وما قام مشروع وسقط إلاّ وسببه الرياء وعدم الإخلاص لله، إذ لو كان الإخلاص قائمًا لما وقع شنآن، ولولا الآفة الماحقة للحسنات لكنّا في سعادة وهناء، {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}، والدينُ غير الخالص هو الذي يشاركه الرياء وحبّ المحمدة، وهما السوس الذي يأكل المخزن، كما قال ذلك العابد في حال الاحتضار، وقد قال له من كان معه، لقد فعلتَ الخيرات وقدّمتَ أعمالاً فلا تخش، فقال: أخاف من المخزن أن يأكله السوس، وسوسةٌ واحدةٌ كافية للإتيان على المخزن.
هذه مبادئي أرجو أن أركّز عليها، أيّها القاصدون المعهد، وفي النفس كلام طويل ونقاط أخرى ولكن بعضها حضر وبعضها لم يحضر، وقد ابتليت بآفة النسيان وما أنسانيها إلاّ الشيطان لعنه الله.
أيّها الطلبة الأعزّاء، إنّنا في حاجة ماسّة إلى التزوّد من العلم، والتفاني في تحصيله، وبذل كلّ جهد عملي وبدني، فاحرصوا واجتهدوا وإلاّ فما ينفع الأساتذة إذا لم تحسنوا التلقّي عنهم، وتحسنوا السؤال وتحفظوا الجواب، فعلى التلميذ إذا أشكل عليه أمر أن يسأل، وفي سؤاله فائدة لنفسه ولزملائه ولأستاذه، والعلم إنّما يحصل بالمناقشة بين الطرفين، والحقيقة بنت البحث، وما فائدة الطالب جالسا جامدا في القسم كالصنم لا يسأل ولا يعي، وجوده ضرر ومضايقة لغيره.
أحسنوا المراجعة والمطالعة، طالعوا الكتب التي تدرسونها وغيرها، خاصّة كتب اللغة العربية التي تحتاج إلى إحياء وبعث من جديد، وقد كانت العربية في المعهد قوية، وإنّني لأرى لها اليوم ضعفا، ويجب أن يعود إليها مجدها من أساتذة أكفاء يتقنونها، فنّا وإلقاء، وكلّما ازداد الأستاذ بحثا كلّما (1/153)
صفحة 154
أتقن درسه واستفاد التلميذ.
ولقد اشتهر المعهد بالأدب واللغة العربية، وأرى هذه الشهرة بدأت تضمحلّ وتتقهقر، وعلى المعهد أن ينهض ويتقدّم بالتركيز على كتب الأدب والنحو ودواوين الشعر، ولو سئل تلميذ في مستوى البكالوريا عن بعض الشعراء لتلعثم، وهذا ضعف كبير.
لقد فتحنا القسم العلميّ في المعهد، وهذا أمر حسن، ولكن علينا أن نركّز في المعهد على رسالته الأولى، على العقيدة والعربية أوّلا.
علينا أن لا نغترّ بالنسبة المرتفعة التي حصل عليها المعهد، إذ الشهادة وسيلة لا غاية، وإنّما الغاية معرفة الله حقّ المعرفة - وعلى المرء كلّما ازداد علما أن يزداد إيمانا - ولعلّ نجاح هذا العام كان فلتة من فلتات الزمان، أن تبلغ 64%.
إنّنا نريد أن يزداد المعهد نجاحا واشتهارا، ولكن لتلقين مبادئ المعهد الأساسية، وهي معرفة الله حقّ المعرفة والإيمان به.
ولقد كثر الدكاترة وحاملو الشهادات الذين يتربّعون على مناصب عليا، وكلّ ذلك إنّما هي وسيلة لا غاية. فعلينا ببذل جهدٍ أكبر، للوصول إلى مصاف الرقيّ والتقدّم، فأرونا منكم إرادة ًوعزيمة ًونجاحًا في سبيل الله أكبر.
يبدو في هذا كفاية، أرجو أن يكون لهذه الكلمة أثر في الظاهر والباطن، إنّها كلمة صدرت من القلب، وستقع في القلب، وتنشّطها الجوارح، وفي ذلك سعادتنا الدنيوية والأخروية، ويا سعادتنا لو اتبعنا هذه المبادئ.
إنّني لا أظنّكم تشعرون بما أشعر به من الغبطة والبهجة، وإنّني لآسف كلّ الأسف أن أفارق هذا المشروع، وأرجو أن أكون قد أخذت حظا من الحياة، وأدعو الله تعالى أن يتقبّل عملي إن كان هناك عمل صالح، وأن أكون من المتّقين الذين يتقبّل الله منهم {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
قلبي يجيش بالعواطف، كيف أفارق المعهد وهذه الجلسات معكم، وجلسات الإدارة، خاصّة مثل هذا الاجتماع الذي أراه أعظم المجالس، نرجو أن يتقبّله الله تعالى منّا.
لقد وقفت سنة 1948م بعد عودة زعيم الأمّة الشيخ بيّوض من سفر طويل، وقد احتشد الجمع، بصحن المسجد، وألقيت خطابا كبيرا، وقمت أمام الجميع مبايعا الشيخ بيّوض، وقلت له: أعاهدك باسم المعهد والمدارس في قرى ميزاب ووارجلان وبسكرة وباتنة وحيثما كانت مدرسة أفتّشها، أبايعك على التفاني في خدمة العلم والإصلاح، وبكى الناس كلّهم ممّا سمعوا، ولقد تحقّقت هذه المبايعة، فازداد طلبة المعهد، وتوسّعت المدارس إلى آلاف التلاميذ، ونشط الإصلاح والحركة العلمية والحمد لله، والله تعالى يتقبّل منّا، نرجو أن يجمعنا الله تعالى في رحمته الواسعة على سرر متقابلين، كما جمعنا اليوم في الدنيا في رحاب هذا السجد العامر. (1/154)
صفحة 155
إنّكم كلّكم تعرفون الأستاذ الكبير محمّد الهادي الحسني، إنّه يحبّ الإباضيّين والميزابيّين أكثر ممّا يحبّ الميزابيّون أنفسهم، إنّني أقرأ دائما كتاباته، خاصّة ما ينشره في البصائر والشروق اليومي والأسبوعي، وقد نشر مقالات عديدة عن الإباضية، خاصّة مقاله الذي سمّاه - حبّ عقلي - إذ هو يحبّ الإباضية عقلا لا عاطفة، إذ ما نفعه الإباضية بشيء مادّي ولا بخير، إنّه صديق لبعض الذوات والمثقّفين، خاصّة الدكتور محمد ناصر.
له مقالات ممتعة، من أمتع ما يقرأ ويطالع الإنسان، منشورة في كتابه الصادر له هذا الأسبوع تحت عنوان (من وحي البصائر) أكثرها صدر في هذين العامين الماضيين، وكلّ مقال يجتذبك إلى قراءة المقال الموالي، كما قال مقدّم الكتاب الدكتور محمّد ناصر الذي قدّم له بمقدّمة نفيسة، ومطالعة الكتاب تبيّن مقام الكاتب، وإنّني أقول هذا الكلام في حقّ صاحب الكتاب عقلا لا عاطفة، إنّه كتاب عزّ له نظير، ويجب علينا أن نمدّ لهذا الشخص يد العون، بشراء هذا الكتاب وترويجه، وهو في غاية الأناقة من حيث التجليد والصفحات والكتابة، وأسلوبه من أروع الأساليب، إذ هو صادر من كاتب من أعظم الكتّاب في الجزائر، ولقد كنت أقرؤه، ولكن سرعان ما يتملّكني التعب أو يطرأ شغل يشغلني، كتاب نفيس، فيه تاريخ، فيه سياسة، فيه أدب، فيه أخبار.
إنّني لا أفرض الكتاب على الطلبة، ولكن لي كلّ الثقة في الأساتذة أنّهم لا يردّون طلبي، فأسجّل في حساب كلّ واحد منهم قيمة الكتاب، وإن كنت لا أدري إلى الآن سعره، ولست بهذا مرغما أحدا، ومن لم يقبل فله الخيار، ولا يؤثّر ذلك في نفسي شيئا، وإنّما أريد أن يأخذ كلّ واحد الكتاب عن رضا وطيبة نفس، وهذا أحسن ما يهدى ويكافأ به الأستاذ الفاضل، وفي الحقيقة هذه إعانة لنا للتمتّع بالكتاب، لا إعانة مادّية للأستاذ، وبودّنا لو قمنا نحن بتوزيع وترويج الكتاب، ويا سعدنا لو كنّا نحن القائمين بذلك.
و الحمد لله رب العالمين.
8) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله) في الاجتماع العام
مع طالبات متوسطة وثانوية الحياة
المنعقد بعشيرة البلات بالقرارة
صبيحة الأحد 17 رمضان 1425هـ / 31 أكتوبر 2004م
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أبنائي الأساتذة الأعزّاء! بناتي الطالبات العزيزات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية من عند الله مباركة طيّبة، أزفّها إليكم من صادق صاف يودّ السعادة لبنيه وبناته، سلام عاطر من قلب يحبّ الجنّة لكلّ الناس، خصوصًا من كان تلميذا في دائرة العلم، وبالأخصّ في دائرة هذا التعليم الحرّ الذي حبانا الله تعالى به، وهو من أعظم نعم الله، قلّ من ينعم بها، نعمة لا نقدّر قدرها ولا نؤدّي شكرها إلاّ بالتفاني في سبيل هذه النعمة. (1/155)
صفحة 156
فاشكروا الله تعالى أيّها الأعزّاء، فإنّكم لتسبحون في رياض الجنّة، تقطفون أزهارها وتأكلون ثمارها، واسألوا الله أن يتمّها عليكم.
وإنّني لأكرّر وأعيد وأؤكّد على شكر الله على هذه النعمة، ولا تشعر واحدة منكنّ بعظم هذه النعمة إلاّ إذا قارنت نفسها بمن حرم مثل هذا التعليم.
أيّتها البنات الفضليات! إنّكنّ لم تخلقن لهذه الحياة الدنيا، وإنّما لحياة أخرى دائمة، ولا تعتبر الحياة الدنيا بالحياة الآخرة شيئا، وهذا ما يجب أن يرسخ في القلوب، والعلم الذي يضمن لنا المستقبل الدائم إنّما هو علم الله تعالى ومعرفته حقّ معرفته، والإيمان به وبكتبه ورسله واليوم الآخر وكلّ ما يجب الإيمان به من أصول الدين، هذا الذي يجب الإيمان به والعمل بمقتضاه {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، والحياة التي نستجيبها لله وللرسول إنّما هي الحياة الحقيقية التي نعيشها في الآخرة، وذلك بسلوكنا وخلقنا، ومعرفة الله حقّ المعرفة خالقا مدبّرا حكيما محييا مميتا.
هذا هو العلم الذي أريد أن أركّز عليه، والذي يجب أن يتعلّمه كلّ واحد، وكلّ علم خلا من هذا العلم فإنّما علمه يضرّه ويخلد صاحبه في النار.
لقد خلقنا للبقاء والحياة، ولكن لا في الدنيا وإنّما في الآخرة، ولقد مضت القرون ولم يبق منهم أحد، وكلّ من ولدوا إلاّ وقد ماتوا وقضوا وصاروا إلى الله.
خُلِق الناسُ للبقاءِ فضلَّت أُمَّة ٌ يحسبونهم للنَّفَادِ
إنَّما يُنقَلُون من دَارِ أَعمالٍ إلى دَارِ شَقْوَةٍ أو رَشَادِ
هذا العلم الذي يجب أن يأخذ جزء كبيرا من حياتكم، وهذا الذي نطلبه من الأبناء الأعزّاء، وما تقوم هذه المشاريع كلّها إلاّ لأجل هذا العلم، ولأجل هذه الحياة، والناس الذين يبذلون الملايير في سبيل هذا العلم، كان بإمكانهم أن ينفقوها في سبل أخرى، لكنّهم آثروا الإنفاق في سبيل علم الآخرة، بارك الله فيهم وأثابهم أجرا كبيرًا.
أيّتها البنات! إنّ ما قلته أو أقوله قد سمعتُنَّه مرارًا في لقاءات سابقة، وإن هو إلاّ تكرار، ولكن لا بأس بالتكرار، والله تعالى يقول: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُومِنِينَ}، فهو يدعو إلى التذكير والتفكير والتدبُّر، وما نزل القرآن إلاّ ليُتدبَّر.
جئتنَّ إلى هذه المؤسّسة لتتعلَّمن العلم الدينيَّ أوَّلا، ثمّ مختلف العلوم الدنيوية الأخرى والمهنية، والعلم الدنيويُّ إذا أردناه لوجه الله كان عبادة لله، بشرط العمل بما نتعلَّم، وهذا ما نريده بقولنا دائما: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، أي إنّنا نخضع لألوهيتك وإرادتك، ونستعين في كلّ الأمور وفي هدايتنا للسير في الطريق المستقيم.
أيّتها البنات العزيزات! ويا نساء المستقبل! إنّ هذا المجتمع لا يقوم إلاّ عليكنّ، نعم هو يقوم على جناحين، على الرجل والمرأة، ولكن على المرأة أكثر. (1/156)
صفحة 157
فخدمة البنت في دارها عبادة. عملها في المجتمع عبادة إذا كانت أحسنت التعلّم وأحسنت التعليم، وإنّها متى تتزوّج تأتي بأولاد ذوي أخلاق وإدراك يكونون من عمّار الحياة السعيدة الفاضلة، يقومون بواجبهم في المجتمع، حتّى إذا قيل ممّن الرجال؟ فيقال من بنات تعلّمن في مدرسة الحياة. فالأمّ إذا قامت بواجبها فلأنّ مدرسة الحياة قد قامت بواجبها نحوهنّ، وبذلك يصبح المجتمع كلّه مدرسة يعلّم ويتعلّم.
هناك تضحيات كبرى تبذل لإقامة هذه المشاريع، ومنها مشروع الحياة العظيم الذي يقام من أجل هذا العلم، لأجل أن تكون هناك قوّة عقلية وروحية عظيمة، وبهذه القوى نسعد في الحياة.
حافظن على الواجبات المدرسية، وعلى أوقات الدراسة، فهي بالنسبة إليكنّ قليلة إذا ما قيست بالنسبة للذكور، فللذكور أوقات طويلة في التعليمين الرسميّ والحرّ، وأمّا أنتنّ فلكنّ وقت في التعليم الحرّ فقط، فحافظن عليه، ولنستثمره ونربحه ونعمل كلّ عملنا بجدّية للتحصيل ولتتفتّق القلوب، ولننكبّ على المطالعة والمدارسة، إنّكنّ لا تكسبن من هذا ذهبا ولا فضّة، ولكن تكتسبن أغلى من ذلك، عزَّ الحياة وعزَّ الممات.
لا تضيِّعين الوقت في القيل والقال، ركِّزن على الاستماع وقت التحصيل، لا تخونن أوقاتكنّ بالالتفات وعدم الإصغاء، ثمّ قمن بواجبكنّ لا بالإكثار من المعلومات، وإنّما باستعمالها فيما يَصلُح ويُصلِح.
حسِّنَّ أخلاقكنّ مع أنفسكنّ، مع والديكنّ، وهذا أمر واجب، وطاعة الوالدين من طاعة الله، ثمّ مع المجتمع كلّه.
على الفتاة أن تقوم بكلّ واجباتها، سواء هي في بيت أبويها أو بيت زوجها، وندعو الله تعالى أن يرزق كلّ واحدة منكنّ بعائلات طيّبة جديدة، فأحسنوا العشرة بأخلاقكنّ الطيّبة، وهذا ما تتعلّمنه هنا.
هذه كلمة صادقة أرجو أن تعملن بها، وإنّني متعب كثيرا ولا أستطيع أكثر من هذا، ولولا إلحاح من الإدارة واستجابة لنداء الواجب، فافتحن قلوبكنّ لله يفتح لكن باب الرّزق والعلم والسعادة في الحياة.
و الحمد لله رب العالمين
----------------
شهادة للتاريخ
قال الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض: «إن كل ما أنجزته من أعمال في الميدان التربوي والاجتماعي يعود فيه الفضل إلى الشيخ عدون».
وكان يوصي في كل مرة يجدد فيها مكتب جمعية الحياة: «غيروا من شئتم إلا الشيخ عدون».
--------------- (1/157)
صفحة 158
الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين
الدكتور: مصطفى بن صالح باجو
أحد تلاميذ الشيخ عدُّون
كلية الشريعة، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة
تمضي الحياة سيلاً موّارًا بالأحداث الجسام، وتلف الأيام ما لا يحصى من الأنام، قضوا على ظهر هذه الأرض عدد سنين، ثم مضوا إلى عالم آخر، فتطوى مع أنفاسهم آثارهم، ويصبحون في خبر كان.
وثمة فئة من الناس أدركت حقيقة الحياة، فاستمسكت بواهب الحياة، وتشبثت بأسباب الخلود، فكان له من أعمالها وآثارها ما أحياها بعد مماتها، وظلت حاضرة وإن غابت أشخاصها عن النواظر، وحية وإن رمّت جسومها في المقابر، ومن هؤلاء شيخ الشباب الصالح، الولي الرضي، أبونا الشيخ سعيد شريفي، الشهير بالشيخ عدُّون عليه شآبيب الرحمة والرضوان.
لقد مضى الشيخ عدُّون إلى دار الخلود، وما انقضى ذكره وأثره من الوجود، بل هو حاضر بيننا مشهود، يتمثله الأحفاد قبل الأبناء، ويأتسون به مثلا في الإخلاص والمضاء، والتضحية والوفاء.
أجل لقد ودعنا هذا الأب العظيم، وودعته الجزائر والعالم الإسلامي قبل أزيد من عام ونصف، فودّعت فيه علمًا بارزا من أعلام النهضة الإصلاحية، والحركة العلمية المباركة التي شهدتها أرض الجزائر طوال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
كانت جنازة مهيبة يوم الإربعاء 20 رمضان 1425هـ/ الثالث من نوفمبر 2004م، بمسقط رأس الفقيد بمدينة القرارة، حضرها آلاف المشيعين من مختلف جهات القطر الجزائري، من العلماء والزعماء، والقادة وعامة المسلمين، جاؤوا من كل حدب وصوب ليودعوا رجلا كان أمة يمشي بين الناس، ويغدقوا عليه من خالص الدعاء ما يكون شفيعا له عند رب الناس، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
وشهدت الجموع الوافدة على القرارة لحظات مهيبة خالدة، وموقفا مشهودا في التاريخ، فيه تخرس الكلمات، ويقصر البيان، فينعقد اللسان، ويكبو فرس اليراعة دون المرام، لجلال الموقف وهيبة المقام. (1/158)
صفحة 159
ويتساءل السائلون: من هو الشيخ عدُّون؟ وماذا يقول عنه الواصفون والعارفون؟ وما موقعه بين مقامات أعلام التاريخ؟ ممن صنعوا أمجاد الدول، وبنوا شوامخ القلاع، أو فتحوا الأقطار، وسحروا الأنظار، وعرفتهم ساحات النجوم في دنيا المال والفن والسياسة. واحتضنت أسماءَهم موسوعاتُ الأعلام، وتزينت بها صفحات الجرائد وشاشات الإعلام؟
لا شيء من هذا كان، إلا نزرا يسيرا لا يعدو تعريفا في جريدة محلية أو وطنية، وحفلة تكريم ووفاء إخوانية، بعيدا عن الأضواء الساطعة، وصخب الإثارة الإعلامية الصارخة.
فمن هو الشيخ عدُّون؟ وأي رجل يكون؟ وهل يستحق أن يحج لجنازته المشيعون؟ ويذكره بين الزعماء الذاكرون؟ أو يكون له لسان صدق في الآخرين؟
أما عن مسيرة الشيخ عدُّون، ومنطلقه، فقد نشأ في وادي ميزاب بالقطر الجزائري، حيث كان مولده بمدينة القرارة التي تبعد مسافة 630 كلم جنوب الجزائر العاصمة، رأى بها نور الحياة سنة 1319 هـ/ الموافق لـ 1902 ميلادية.
عرف الفقر والعوز في خطوات حياته الأولى، ففقد والده في بواكير العمر، وكشرت له الأيام عن أنيابها، حين لم يخلف الوالد الراحل ما يرثه الأبناء من متاع الحياة، إلا زادا من التنشئة على الفضيلة والاستمساك بأهداب الدين، وديونا بذمة الأب عاجله الموت دون قضائها، فكانت تركته مغارم لا مغانم، تحمّلها الابن سعيد عن رضى بقضاء الله في اجتماع ألَمِ اليُتْم وهَمِّ الدَّيْن، وما كان أمامه من خيار إلا أن يسافر مغتربا إلى مدينة سَرْيَانة وهو صبي دون العاشرة من عمره، فعمل أجيرا لسداد دين أبيه، وقضى بتلك القرية النائية في جبال الأوراس ذات الشتاء القارس والثلوج بضع سنين.
ولكن شغفه بالعلم كان قد ملك عليه أقطار نفسه، ورأى نفسه ثمرةً اختُضِرت قبل تمام نضجها، وازداد لهفه للعودة إلى منابع العلم ليشفي غليله، وظل يتحين الفرص بالانكباب على ما يجده في محيطه من قصاصات أوراق فيها بعض الكتابة، فيقرؤها ويسلّي نفسه بها.
وظلت نفسه الطماحة طُلَعَةً إلى العلم تهتبل منه فرصا نادرة، ولحظات سانحة، حتى بلغ سن الثامنة عشرة فرجع إلى بلدته الأم، وانضم إلى طلبة العلم في حلقة شيخ المدينة الصالح الحاج عمر بن يحيى المليكي، رحمه الله.
وكان قد برز نجم إبراهيم بيوض في حلقة هذا الشيخ، فتآلفت روح الطالب الجديد مع الطالب القديم، وكانت نقطة انطلاق مسيرة حافلة مباركة تركت أثرها في ميزاب والجزائر وفي مواطن شتى من العالم الإسلامي.
وحين توفي شيخ الحلقة الحاج عمر بن يحيى كانت مؤهلات الشيخ بيوض القيادية قد اختارته زعيما للحركة العلمية ثم النهضة الإصلاحية في القرارة، وفي جنوب الجزائر، وقضى في هذا الجهاد ستين سنة كاملة من عام 1921م إلى وفاته سنة 1981م.
كان الشيخ عدُّون طيلة هذه الفترة الحافلة وزير صدق للشيخ إبراهيم بيوض في جهاده الإصلاحي (1/159)
صفحة 160
ومشاريعه العلمية والتربوية. لم يتخل عنه يوما، ولم يتوان عن نصرته ساعةً، حتى لحق الشيخ بيوض بربه قريرا مطمئن البال، فخلفه في ريادة الحركة الإصلاحية، ومضى بالسفينة رُبَّانًا لها على امتداد ربع قرن من الزمان، إلى أن فاضت روحه إلى بارئها، ولحق بالرعيل الأول من رجال العلم السابقين، الذين كانوا معه فريقا متلاحما متضامنا، عاهدوا الله على نصرة الدين وتنوير الأمة، وإخراجها من ظلمات الجهل، وإنقاذها من براثن الاستعمار، فتحقق للجزائر النصر والاستقلال، ونعمت بظلال الأمن والازدهار، ثم شاءت الأقدار أن يودع الشيخ عدُّون الجزائر وهي في غمرة احتفالات الذكرى الخمسين لاندلاع ثورة التحرير الكبرى.
تاريخ حافل أَرْبىَ على قرن من الزمان، ومسار زاخر بجلائل الأعمال، قطعه الشيخ الراحل بعزيمة وإيمان، وصبر ويقين، لم يحِدْ عنه قيدَ أنملة، على تقلب الأحوال، واشتداد وطأة المستعمرين، وأعوانهم الطامحين، وأذنابهم الطامعين، وبرغم اشتداد الفتن، وتنكر عشاق التسلق في غفلة من الزمن، وقَلْبِ بعضِ اللئام ظهر المجن، فقد ظل وفيّا صامدا، لم تزعزعه الأعاصير، ولم تفتّ من عزمه حُبليات الليالي وطوارق الأيام.
أجل؛ كانت بداية المشوار من حلقة العلم مع رفاقه تلاميذ الشيخ الحاج عمر بن يحي، ثم تطور نشاطه فكان العضو الرئيس في تأسيس «مدرسة الشباب» بزعامة الشيخ بيوض، سنة 1921 إثر وفاة شيخهما المليكي، وكانت مدرسة حديثة تعلم النشء علوم الشريعة واللغة العربية وفق المناهج العصرية، تطورت بعد فترة من الزمن لتأخذ اسم «معهد الحياة».
معهد الحياة:
يعرف الناس في وادي ميزاب أن معهد الحياة هو الشيخ عدُّون، وأن الشيخ عدُّون هو معهد الحياة. تلازَمَا تلازُمَ الظل والإنسان، وما ذكر أحدهما إلا ورد الآخر على اللسان.
كان معهد الحياة أملَ الشيخ الأوحد، وهمّهُ المقيم المقعد، فهو عصارة عمره، وروح رسالته منذ نشأته إلى يوم وفاته.
في رحاب معهد الحياة تولى الشيخ عدُّون تدريس قواعد اللغة العربية وظل أستاذا لها ما يربو على خمسين سنة، كما أسند الإمام الشيخ بيوض إليه أمور تسيير المعهد منذ الأيام الأولى إذ شغلت الإمامَ قضايا الأمة العامة، فكان الشيخ عدُّون المديرَ الفعلي، والشيخ بيوض المدير الشرفي.
أجل لقد كان الشيخ عدُّون رجل الميدان وأساس البنيان، وإن لم يبدُ للعيان، وكان للشيخ بيوض وزيرَ صدق في ميادين الجهاد والكفاح، وكم مرةٍ صرح فيها أنه لولا الشيخ عدُّون لما حسم أمورا مصيرية عديدة في مسيرة الإصلاح الحافلة.
لكن هذا الوزير آثر البقاء في الظل، موقنا أن السفينة لا تحتمل إلا قائدا واحدا يزجيها، وإلا غرقت بمن فيها وما فيها. وكم من زعامات قامت بينها نزاعات بسبب شهوة السلطة وحب الرئاسة، (1/160)
صفحة 161
فتآكلوا بداء التحاسد والتكاثر، وقضوا على الأمة في أتون التناحر.
في أحضان هذا المعهد لم يكن الشيخ رأسا في الإدارة يرقب المسيرة على الأوراق، مَحَاضرَ وتقارير تتلى عليه أو تملى، بل كان الأستاذ المربي، والمراقب الموجه، وفوق ذلك المديرَ المسؤول، يرعى كل صغيرة وكبيرة من شؤون الطلبة والمعلمين، رعاية الأم الحنون لفلذات أكبادها، يرقب مسارهم على مدار السنين، يسبق إليه الفرح والحزن الذي أصابهم، ويناله منه أضعاف ما نالهم.
في ظل رعاية الشيخ عدُّون مضت من عمر المعهد أكثر من ثمانين عاما، في مسيرة مباركة، أثمرت ثمارا طيبة في تنوير الأمة، وبناء الأجيال، ولا يزال -بحمد الله- حصنا شامخا في سماء العلم والثقافة الأصيلة، يمدّ الجزائر وأمة الإسلام بأجيال من الهداة والدعاة الراشدين المرشدين.
ظل الشيخ عدُّون مشرفا مباشرا على أنشطة المعهد التعليمية من برامج ومقررات، وساعيا لتطوير مناهجه وتحديث أنظمته في الامتحانات وتحديد مستويات الدراسة، لم يأل جهدا في مده بكل جديد مفيد مما عرفته المدارس والمعاهد الحديثة في ربوع العالم العربي. إذ كان يحث الأساتذة وخريجي المعهد الذين توزعوا في بلدان شتى، على إمداده بكل نافع من هذه البرامج والكتب. ونجحت جهوده فعرف المعهد تطورا متسارعا، حتى عده الباحث السوري بسام العسلي تجربة رائدة في العالم العربي، يحق للعرب أن يفخروا بها أمام العالم كما يفخر الروس بتجربة المربي الشهير بافلوف.
وكان لحصة الأخلاق نصيب الأسد في منهج المعهد، ولا يزال يحمل شعاره الخالد: «الدين والخلق قبل الثقافة، ومصلحة الجماعة والوطن قبل مصلحة الفرد».
وتولى الشيخ عدُّون مهمة البناء الخلقي في دروس منتظمة للطلبة الجدد، توطئة لهم للانخراط في منظومة المعهد المتميزة، حتى يتخرجوا متميزين وممتازين في نتائج الأخلاق، قبل ما يسطرون من معارف في الأوراق. وقد يهون الرسوب في الامتحان، ولا يباح أن يرسب في السلوك أي إنسان، وإلا فهو الوبال والهمّ والهوان.
وظل هذا الدرس آخر ما تمسك به الشيخ حتى حال دونه ثقل السنين، فأسند الأمر لخلَف أمين، والموكب سائر بتوفيق رب العالمين.
وما ميز نظام المعهد قيامه على الربط بين الجانبين النظري والعملي في مجال التربية، إذ لا يكتفي بمنح الطالب معارف مجردة في دروس رتيبة، بل يشفعها بحصص تطبيقية في ما عرف باسم "الجمعيات الأدبية" كان الشيخ عدُّون قد ابتكرها، واتخذها مضمارا لاكتشاف المواهب وتشجيعها، وتفجير طاقات الشباب في ميادين الخطابة والكتابة، والشعر والأدب. فضلا عن التطبيق الأساسي الذي يرونه في أساتذتهم، استقامة والتزاما بتعاليم الإسلام، فيسلكون نهجهم ويتأسون بهم، ويكون لكلمتهم أثرها البالغ وصداها الخالد في أنفسهم، إذ عاينوها واقعا ملموسا، لا دعوى جوفاء، مما يردده بعض المربين الفاشلين، فيتعللون معتذرين: «خذوا علمي ولا تعملوا (1/161)
صفحة 162
عملي».
وكان الشيخ عدُّون في هذا المنهج الرائد والحارس، يربي تلاميذه على الأخلاق والفضيلة، ويحرص أن يكونوا نماذج عليا في تمثّل قيم الإسلام بين الناس، يحاسبهم على التقصير فيما يستهين الناس به من الهفوات، ويغرس في وعيهم أنهم قدوة للناس، فلا يجوز أن يغفلوا عن هذه الحقيقة يوما، ويجسد لهم معنى الحكمة الشهيرة: «حسنات الأبرار سيئات المقربين».
علاقتُه بتلاميذه:
كانت علاقة الشيخ بتلاميذه علاقة الوالد الرؤؤف والأم الرؤوم بأبنائهما، يُعنى بهم ويسأل عن أحوالهم، ويسعى لحل مشكلاتهم، ويمدهم بالعون الأدبي والمادي لتجاوز عقبات التحصيل، وكان لا يكبر أمامه عائق في طريق العلم، ويبذل المستحيل ليذلله، وكان يعقد الجلسات العديدة، يقضي فيها الساعات الطوال، لحل تلك المشكلات، وإزاحة المعوقات، كي يواصل هؤلاء مسارهم حتى بلوغ الغايات، ونيل أعلى الدرجات.
من هنا كان اهتمامه البالغ بالطلبة النجباء، مثل اهتمامه بالمتمردين على حد سواء، هذا بالتشجيع والتأييد، وذاك بالتقويم والتسديد. وفي هاتين الجبهتين جهاد جليل، وفي بيانهما كلام يطول، يقتضي بسطا تبخل به هذه الومضات وتقصر عنه هذه الصفحات.
وكان أكبر همه انقطاع الطالب عن العلم، بل كان يعدّ ذلك فرارا من الزحف، ويغضب لذلك أشد الغضب، ويردد على مسامع طلبته حُكم الفقهاء أن الفار من الزحف يقتل، تأكيدا منه على خطورة الأمر وفداحة العواقب ليس إلا. ولا غرو فقد ذاق مرارة الانقطاع عن التعليم، ورأى مصير الصغار حين يختضرون من رياض العلم، فيُرمَى بهم إلى أوحال الاستذلال والامتهان، فتُرزأ الأمة في قدراتهم ومواهبهم، ويضيع حاضرهم ومستقبلهم، ويخسرون دنياهم وآخرتهم، وذلك هو الخسران المبين.
وحنوُّ الشيخ على تلاميذه وحبه لهم ترك بصمات خالدة في ضمائرهم، وما رأيت أحدا ممن حظي بالتلمذة على يديه إلا أحبه حبًّا جمًّا لما كان يغْذُوهم به من هذا الحب والحنان، حب ينضح صدقا وإخلاصا ورغبة في أن يحقق كل طالب في مستقبله نجاحا كبيرا، ويكون بين الناس شيئا مذكورا.
أما جو الدرس فهو درس لمن رام نموذجا لطريقة التعليم المثلى، توضيحَ حقائقَ علمية، وزرعَ قيمٍ خلقية، وتوطيدَ محبةٍ ومودةٍ وتوقيرٍ واحترامٍ بين المعلم والتلاميذ، وفي تلك العلاقة سر التفوق وحافز على الجد في التحصيل، وفيه تختزل كثير من طرق التدريس العقيمة التي قصَرَتْ نظرها على الوسائل والشكليات، وأغفَلَتِ القدوة، وهي أُولىَ الأولويات، وأساس كل الخطوات.
ولكل طالب قضى عمرا في معهد الحياة، ذكرياتٌ عن حصص الدرس بين أحضان الشيخ عدُّون، لو جمُعت لكانت موسوعة ونبراسا يهتدي به المربون. وصدق من أرسلها قولةً حكيمة: (1/162)
صفحة 163
«حتى عصاه لمن عصاه رحيمة».
وبفضل معهد الحياة امتد نور الإصلاح فعم وادي ميزاب ومدن الجزائر، وتفيأت ظلاله بلدان أخرى مثل تونس وليبيا وعمان وتشاد ومالي وزنجبار. وغيرها من الأقطار.
وسطع نجم خريجي معهد الحياة حيثما حلوا وارتحلوا، وكانوا شموسا مضيئة، شرَّفوا المعهد وشرفوا أنفسهم وأوطانهم، وتبوؤوا مقاعد سامية في هيئات حكومية وخاصة، تعليمية وإدارية، ورصعوا صدور الجامعات والمؤسسات المختلفة، ونجحوا في شتى ميادين الحياة التجارية والصناعية والمهنية. وذلك بعض أثر بركة الإخلاص التي نفح بها الشيخ عدُّون ورفاقه أبناءهم في رحاب معهد الحياة.
ويكفيه شرفا في تشجيعه للنشاط الفكري والتأليف والطباعة والنشر، أن ينجب أمثال الشيخ علي يحيى معمر، داعية الوحدة الإسلامية، ومنصف الإباضية من تهم أصحاب المقالات. والمؤرخ الكبير الشيخ محمد علي دبوز، والأديب الشيخ حمو فخار، كهف الحكمة والوقار، والفقهاء الشيخ الناصر المرموري والشيخ محمد ابن الشيخ والمرحوم الشيخ بكير ارشوم، وشاعر الجزائر والعروبة الدكتور صالح الخرفي، وشاعر المعهد الخالد وأنعم به من مرب ووالد؛ صالح باجو، والأديب الشاعر والباحث الإسلامي الدكتور محمد ناصر وبلبل الوادي وحكيم أم القرى الشيخ إبراهيم قرادي. ومن تلاميذه إطارات سامية بأرض عمان، أمثال سعادة الشيخ سعيد بن ناصر المسكري، والشيخ محمد بن ناصر الريامي، والشيخ يحي بن سفيان الراشدي، والدكتور خلفان بن محمد المنذري، وآلاف مؤلفة من الخريجين والنابهين، يقصر عن تعدادهم المقام، ويثقل بأثرهم ميزان الشيخ بين الأعلام.
جمعية الشباب وأثرها:
أما الجمعيات الأدبية التي عرفتها أنشطة الطلبة، فلم تكن مجرد ميدان للتكوين العلمي التطبيقي، والتدريب على تمثل القواعد النظرية وممارستها في ما يكتب أو يقال، فحسب، بل كانت فوق ذلك ميدانا لترويض العقل على البحث والنظر، والنقاش والحوار، والأهم من هذا كله، أنها كانت مجالاً لعمل أخطر، ومضمارا لتحقيق غاية أسمى، غاية تتمثل في بعث الروح الوطنية ومقارعة الاستعمار، إذ تُعرض في أحضان تلك اللقاءات قضايا الحرية وعزة المسلمين، وفداء الأوطان، والسعي لإنقاذها من براثن الكافرين، وكانت جلسات هذه الجمعية سرية لا علم للإدارة الفرنسية بها، ويتعهد أعضاؤها بكتم أمرها، وعدم إفشائه ولو لأقرب الناس وأعز الأصدقاء.
ومضت الجمعيات الأدبية في مقدمة القطار، تقود عرباتها من محطة نصر لأخرى، حتى كانت شرارة حرب الخلاص، فثار شعب الجزائر بتضافر جهود رجال الإصلاح العاملين في الشمال والجنوب، ووقف الشعب صفًّا واحدا يقول للمستعمر: (1/163)
صفحة 164
يَا فَرَنسَا قَدْ مَضَى وَقْتُ العِتَابْ.:.:. وَطَوَيْنَاهُ كَمَا يُطْوَى الكِتَابْ
يَا فِرَنْسَا إِنَّ ذَا يَومُ الحِسَابْ.:.:. فَاستَعِدِّي وَخُذِي مِنَّا الجَوَابْ
إِنَّ فيِ ثَوْرَتِنَا فَصْلُ الخِطَابْ.:.:. وَعَقَدْنَا العَزْمَ أَنْ تَحْيَا الجَزَائِرْ
فَاشْهَدُوا فَاشْهَدُوا فَاشْهَدُوا ...
وتركت لنا هذه الجمعيات في أرشيفها كنوزا من النتاج الفكري والأدبي يكشف عمّا كان يجري في رحمها من مخاض عسير أفرز هذه الروح الوطنية الواعية، وينم عن مدى الرشاد الذي اتسمت به قيادة الشباب في هذه اللقاءات، حمل رايتها الشيخ عدُّون وأثمرت في ما دوّنه الطلبة من مقالات وقصائد، وأناشيد بلغت العشرات، كلها تشيد بالوطن وتدعو للسعي إلى تحريره من نير الاستذلال، وجاءت في أسلوب حماسي صادق، ولكنه ذكي حكيم، تدك قنابله معاقل المفسدين، دون أن تناله أعين المخبرين، فتصيدَ قائله شراك المستعمرين، أو تسجل عليه إدانة في تقارير العسكريين الفرنسيين.
وتلك صفحة بحاجة إلى دراسة مستفيضة تجلي فضل الجمعيات الأدبية بمعهد الحياة في إيقاظ الروح الوطنية في الشباب، ومحو خرافة أن فرنسا ستبقى في الجزائر إلى يوم الحساب.
علاقة الشيخ بالأساتذة:
أما عن علاقة الشيخ عدُّون بالأساتذة في المعهد فشيء فوق الوصف مما كان يفيضه عليهم أيضا من نبع المحبة والتقدير، ويشعرهم أنهم قلب المعهد وقدوة الطلبة، ويشيع في أوساطهم علاقة مودة تسامت عن المطامع والمصالح، وترسخت فجعلت منهم أسرة متلاحمة ضربت مثالا لنجاح الأسرة التعليمية وتعاونها، وتضحياتها وعملها بروح الفريق الواحد، لغاية واحدة هي بناء الأجيال ونشر النور، وإرضاء الله وراحة الضمير، لا مجرد أداء الواجب وانتظار موعد الأجور.
وما تقدم إليه أستاذ بشكوى إلا أشكاه، ولا في حاجة إلا أغناه، وقد بلغوا جميعا غايتهم منه ونال كلٌّ ما تمناه، وفازوا منه بدعوات الخير، ورضى الأمة وما عند الله خير وأبقى.
وكذلك كانت صلته بالمعلمين في مدارس التعليم الحرة التي أنشأتها جمعيات الإصلاح في مدن ميزاب وخارجه على امتداد القطر الجزائري، يهتم بهم ويتابع أخبارهم ويسأل عن أحوالهم، ويبذل قصارى جهده لتوفير الجو المناسب لهم حتى يقوموا برسالتهم أحسن قيام. ويدعو مَن حولهم من الناس وأهل اليسار لمؤازتهم ومدّ يد العون لهم، ويهيب بالأولياء أن يعضدوا جهود المدارس، مركّزًا على دورهم الأساس في إنجاح عملية التعليم. كما يغرس في ضمائر الناس وأذهانهم شرف ومقام المعلم، وأنه المنقذ الذي يقود الأمة ويتقدم القافلة في طريق الجنة، فعليهم أن يعرفوا مقامه ويقدروه حق قدره.
وكانت استجابة الناس مثالية لهذه التعاليم فاحتضنوا هذه المدارس بمعلميها وتلاميذها، وناصروها فانتشرت واتسعت وتطورت، ولا تزال نجوما تنير طريق الأجيال في كل مدينة وقرية. (1/164)
صفحة 165
وَمَدَارِسٌ بُثَّتْ نُجُومًا لِلسُّرَى.:.:. في القُطْرِ مِن بُعدٍ يَرَاهَا القَاصِدُ
وفيها يستيقظ الصبي وهو دون البلوغ مع أذان الفجر يقصد المدارس لتلاوة القرآن لا يثنيه برد ولا زمهرير، ثم تشرق الشمس فيتجه إلى المدارس الرسمية ثم يقفل راجعا مساء إلى مدارس القرآن يختم فيها يومه بهدي الكتاب وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتاريخ الإسلام، وأنعم به مسكا للختام.
جمعية الحياة:
وفي جبهات الشيخ عدُّون العديدة تتوارد إلى الأذهان جمعية عتيدة كانت محور الأحداث في القرارة وميزاب منذ نشأتها سنة 1937م، إنها جمعية الحياة التي أسسها الشيخ بيوض، لتكون مظلة لحركة التعليم، بما تقتضيه تنظيمات القوانين آنذاك، وكان صدور رخصة الجمعية في ظرف عصيب بعد مساع مضنية، ومماحكات السلطات الاستعمارية، ثم غدت الجمعية موئلا لأنصار العلم والإصلاح، تتولى الجانب المادي والتنظيمي للحركة العلمية في مدارس التعليم الحرة بالقرارة، على اختلاف مستوياتها من الابتدائي والإعدادي والثانوي والعالي. وتشرف على البناء والتجهيز والتسيير والتنظيم. وكان قلب الجمعية الشيخ عدُّون، لم يتخل عن موقعه فيها إلى آخر حياته، رغم ثقل السنين، واشتداد وطأة المرض، ولم يكن يعجبه قولة الشاعر:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ.:.:. ثَمَانِينَ حَوْلاً لاَ أَبَا لَكَ يَسْأَمِ
ويقول: أما أنا فلم أسأم بعد تكاليف الحياة.
ولا عجب، فتلك ثمرة الإيمان، وبركة الإخلاص. وأنى أن يسأم الحياة من ظل عمره يتمثل قولة المصطفى عليه السلام: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله»؟.
وظل مسؤولا عن جولات جمع المال لجمعية الحياة يقطع لأجلها آلاف الكيلومترات، لا يرده عن ذلك إنجاد ولا إغوار، ويتلقى في سبيل ذلك ما لا يعلمه إلا الله من الأخطار، ولم يتخل عن هذه المهمة إلى آخر عمره، رغم انعدام الأمن وخطورة الأسفار، بعد أن خيم ليل الفتنة على أرض الجزائر، وخشي الناس أن يبرحوا ديارهم، ولكنه واصل مسيره وأسفاره في إصرار وتحد عجيب، لا يفسره إلا تمام التوكل وقوة الإيمان.
دار البعثات العلمية:
حين ذاع صيت معهد الحياة في ربوع الوطن تداعى الناس لإرسال أبنائهم للنهل من معينه، فأقبل طلبة العلم على القرارة يستسقون، وكان رائد النهضة بها الشيخ إبراهيم بيوض على وعي بأهمية نشر الفكرة بواسطة هؤلاء الطلبة، فأولاهم عناية منقطعة النظير وآواهم إليه، وخصص لهم دارا يقيمون بها، ثم تتابعت وفودهم وتكاثرت أعدادهم، فكان ميلاد نظام دار البعثات العلمية، وتطور عبر السنين، وكان للشيخ عدُّون اهتمام بالغ بأبنائه الوافدين. (1/165)
صفحة 166
وإدراكًا منه بما يحسه غريب الأهل من وحشة الغربة والشوق إلى الديار، بذل جهده ليعوض هؤلاء التلاميذ الوافدين ما يأنسون به، بل يجدون أنفسهم بين أهلهم وذويهم. وكان رحمه الله يكلؤهم بعناية خاصة، ويؤثرهم بجلسات متميزة، فملك عليهم قلوبهم وكان لهم رائدا في معترك الحياة، ومثالا ظلوا يشرئبون للسمو إلى مقامه السامق، جدّا وتحصيلا، وتواضعا وإخلاصا، فعمّ فيض هذه القدوة على أوطانهم، وسعدت الأمة بخيرهم، ونسبت للوالد المربي الشيخ عدُّون، سبب هذا الفضل المبين. وكلهم يلهجون بالثناء عليه قائلين: لولا أيام تلمذتنا بالقرارة ما بنينا لأمتنا هذه الحصون، من جمعيات ومؤسسات، ومدارس ومعاهد للبنين والبنات، فبفضل القرارة كنا شيئا مذكورا، وبفضل الله كان سعينا مشكورا.
وواصل الشيخ اهتمامه بتطوير المعهد ودار البعثات، على امتداد السنين، حتى دعت الحاجة لبناء جديد يسع أعداد الطلبة الوافدين، من أبناء المسلمين، وانطلق المشروع العملاق ثابت الخطى، وشاءت الأقدار أن يزوره قبل وفاته بيومين، ويسرّ باستمرار المشروع واطراده، ومات وكله أمل أن يكتمل ولو لم يشهده بجسده، فروحه ترعاه من شرفات عليين.
موقفه من تعليم المرأة:
ظلَّت قضية تعليم المرأة تثير جدلا بين سدنة القديم وأنصار التجديد في العالم العربي، وأسالت من حبر الكاتبين أنهارا، وتوزع الفريقين سبيلان، اشتطّا بين متزمت متحجر وبين مندفع متحرر، فمنهم من رآها نسخة طبق الأصل للرجل إلا فوارق لا تغير من جوهر التطابق بينهما، مرددا دعوات غربية، أملتها أفكار شيطانية، فأطلق للمرأة العنان في كل ميدان، وتركها نهبا للثيران، وفريق آخر رآها فتنة مكنونة، واتخذها أمَة أمينة، أو متاعا للزينة، وحظر تعليمها خوفا عليها ومنها، وإلا أفلتت من الزمام، وشقيت بها الأنام. فتركها فريسة للجهل وصيدا للشيطان، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
وضاعت بين النقيضين أجيال، واصطرعت لأجلها الرجال، وقال الشيخ عدُّون فصل المقال، فرفض تجهيل المرأة خوفا من انحرافها، وتبنى تطبيق أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، وأخذ بتفسير الراسخين من العلماء، أن خطاب التكليف يستوي فيه الرجال والنساء، وأمْرُ الله بالقراءة في قوله «اقرأ»، ليس خاصا برسوله، بل يعم أمته جمعاء.
ورغم معارضة فريق عريض من الناس لفكرة الشيخ عدُّون، ومنهم بعض رجال الإصلاح، إلا أنه أصرّ على رأيه، واقتنع أنه صواب ورشاد، وبدأ التطبيق منفردا بإدراج بنته في المدرسة، ولم يأبه بقوة المعارضة، ثم استبان للناس رشد ما فعل، فاقتدوا به وعمرت المدارس بالبنين والبنات، وحمد الناس غب سراهم بعد قرون الجهل الحالكات.
وفي وادي ميزاب اليوم مدارس عصرية نموذجية لتعليم البنت بأفضل المناهج، في محيط نقي كله طهر وعفاف، فيه تلقن البنت كل ما ينفعها من علوم الشريعة وعلوم العربية، وما يعضدها من (1/166)
صفحة 167
علوم العصر، فضلا عما يؤهلها للقيام بمهمة تربية الجيل، من علم النفس والتربية، ومهارات الحياة التي تجعلها ربة بيت ذات خبرة ويد صناع، بأسلوب عز له نظير فيما عرف الناس من مناهج التعليم الحديث.
تطوُّر المدارس:
من ثمار معهد الحياة تخريج نخبة من المثقفين توزعوا في مدن القطر الجزائري وخارجه، فسعوا لنشر هذا النور في أوساطهم، وتحركوا تدفعهم وصايا الشيخ عدُّون ومشايخ المعهد ليعم خيرهم مَن حولهم، وكان من نصائح الشيخ بيوض لأحد تلاميذ مودّعًا: "أنِر البقعة التي أنت فيها"، فتنافس الناس في إنشاء المدارس القرآنية العصرية، واطمأن الآباء على مستقبل أبنائهم بعد أن كان مهددا بمخططات المسخ الاستعماري، ومعاول الانحلال الخلقي الذي أفرزته الحضارة المادية الماجنة.
وكنت تسمع بين الحين والآخر عن ميلاد مدرسة في هذه المدينة أو تلك، حتى بلغ تعدادها مبلغا مباركا، دعا أهل النظر فيها إلى توحيد الجهود وتنسيق الخطط للقيام بالعمل التربوي، وتحقيق أفضل النتائج. فكان الشيخ عدُّون رئيسَ هيئة "وحدة التعليم"، واختير مشرفا ومفتشا عاما لمدارس الوحدة في وادي ميزاب ومدن الجزائر المختلفة.
وأهّلَته خصال الحزم والجد لحمل هذه الراية أكثر من ثلاثين سنة، فكان يقوم كل عام بجولة عامة لتفتيش هذه المدارس، وتقديم تقرير مفصل عن نشاطها ومستوى طلبتها وكفاءة أساتذتها، وهي مهمة غير يسيرة وأيم الحق، تقتضيه أسفارا بعيدة تبلغ آلاف الكيلومترات، من شرق الجزائر إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، لا يقوى عليها إلا أولو العزم من الرجال، ولم يتوقف عن هذا العمل الشاق، إلا حين أقعده العمر المبارك وقد جاوز الثمانين.
وفي تقاريره الشاملة حول هذه المدارس صفحة ناصعة لجهاد الأمة وجنود الخفاء في هذا الثغر الهام من ثغور الإسلام.
جمعية قدماء التلاميذ:
في سنة 1948 تأسست بميزاب جمعية قدماء التلاميذ من خريجي معهد الحياة المنتشرين في مدن وادي ميزاب، كانت رابطة للتواصل بينهم وتنسيق نشاطهم العلمي والاجتماعي، وأبرزت ثمارا طيبة في سنيها الأولى، ولكن يدا ماكرة حاولت وأدها لما رأت من خطرها على مصالح بعض المتنفذين، فتقلص نشاطها، واقتصرت على مدينة القرارة، وظلت مشرفة على النشاط الثقافي والاجتماعي في المدينة، برعاية الشيخ عدُّون، ولا تزال إلى اليوم.
الشيخ عدُّون والصحافة:
آزر الشيخ عدُّون رائد الصحافة العربية في الجزائر وعميدها الفقيد الشيخ إبراهيم أبا اليقظان في جهاده الصحفي، في أحلك ليالي الاستعمار، وبذل جهده لنصرته بالتشجيع والاكتتاب والكتابة (1/167)
صفحة 168
والتحرير، في متابعة أخبار وادي ميزاب ومجريات حركة الإصلاح، ثم انتدبه الشيخ أبو اليقظان ليتولى تحرير افتتاحية إحدى جرائده الثمانية التي توالى صدورها طيلة اثنتي عشرة سنة، من عام 1926 إلى عام 1938م، كلما وأد المستعمر واحدة، دكّ أبو اليقظان في عرش المستعمر أخرى.
وكان الشيخ عدُّون يوقع مقالاته في تلك الجرائد باسم "سعيد"، وتبلغ تلك المقالات ما يقرب من مائة وخمسين مقالا، تشهد على ضلوعه في الأدب، وتملكه ناصية البيان.
وفي صحافة أبي اليقظان ـ تاريخًا وكفاحًا ومقالاتٍ ـ شواهدُ عن سفر ذهبي من جهاد «سعيد» في مقارعة الاستعمار العسكري والجمود الفكري.
دفاعُه عن اللغة العربيَّة:
عرف الشيخ عدُّون بأنه مدافع مستميت عن لغة القرآن، قضى العمر يبني النفوس عليها وينشئهم على قواعدها، نحوًا وصرفا، وأدبا وبلاغة، وتاريخا وفكرا، مؤمنا أن العربية وعاء القرآن، وإذا ضاع الوعاء ضاع ما فيه، ويرى الحفاظ عليها واجبا دينيا قبل أي اعتبار، ورأى ببصيرته ما يخططه الاستعمار للقضاء عليها في الجزائر، وما بذله من مساع جبارة لجعلها لغة ثانوية لا أصيلة، جاهدا ليستبدل بها لغته الدخيلة. وآتت جهوده في ترسيخ العربية في القلوب، فأحبها الناس وتعلقوا بها، ولمع فيهم شعراء وأدباء، وخطباء بلغاء، وغدت ميزاب قلعة العربية في أحلك ليالي الاستعمار، ولا تزال بحمد الله نموذجا رائدا في نصرة الضاد، رغم تكالب أعدائها لمواصلة المشروع الاستعماري لفرنجة لسان الشعب الجزائري.
واشتهر الشيخ عدُّون في الأوساط العامة والخاصة أنه مدافع عنيد عن اللغة العربية، لا يرضى في شأنها مساومة ولا موازنة، ولو مع اللغة الأمازيغية لغة الآباء والأجداد، ويرى أن هذه لغة المصالح الآنية، تشكل جزءًا من الهوية، ولكنها في مأمن وعافية، أما العربية فلغة الدين، ولغة القرآن، ومفتاح سعادة الإنسان، وعليها يقع الرهان، وإن فقدناها كانت القاضية!
مع أنشطة الشباب:
كانت للشيخ عدُّون اليد الطولى في تشجيع الأنشطة الشبانية في الجمعيات الأدبية، والرياضية، والكشفية، والنوادي العلمية والثقافية، والمجموعات الصوتية ذات الفن الأصيل، يسندها ويشجعها، ويصوب مسارها، ويقوم اعوجاجها، لا ينفك مهتما بها غاية الاهتمام، وكأنها همه الأوحد، ومشكلته الأساسية، وهي في الواقع رقم في عدد كبير، وعنصر ضمن قائمة طويلة من ملفات المجتمع وقضايا الأمة، ولكنه الإخلاص والصدق، يمنحان الفرد الوحيد قوة جيش عتيد.
وتميز بفكره الذي ظل شبابا، لم تؤثر في مضائه واتقاده السنون، ولم يدركه المشيب، فكان إلى آخر عمره مشجعا لأنشطة الشباب داعيا للتطوير، وابتغاء الجديد من كل نافع مفيد، منكرا الجمود على القديم وتقديسه لمجرد أنه قديم. وشرطه الوحيد في مضمار التطوير التمسك بالثوابت (1/168)
صفحة 169
من قضايا العقيدة وقيم الأمة، ثم البحث عن الأجدى والأفضل في كل ما أنتجت قرائح البشر في مشارق الأرض ومغاربها، لأنه من الحكمة التي أُمِرْنا بالبحث عنها والأخذ بها.
وعرف الشيخ عدُّون لدى الجميع بأنه شيخ الشباب، ورائد التجديد، وأنه سباق بفكره لكثير ممن يَصغُرُونه في السن بعقود، ولا غرو، فقد سبقهم إلى الحياة بأمد بعيد.
جمعية التراث:
وفي سنة 1989 أنشئت بوادي ميزاب جمعية علمية حملت اسم «جمعية التراث» هدفها العناية بالتراث الفكري للمنطقة حفظا ودراسة وتحقيقا ونشرا، وتشجيعا للبحوث العلمية الجادة في مجال الفكر الإباضي وتاريخ أعلامه، وكان على رأس الجمعية الشيخ عدُّون، وقطع الوليد الجديد خطوات مباركة في هذا المضمار، وأنتج للأمة نتاجا طيبا من البحوث والدراسات، والكتب والكنوز، وعرّف الأجيال بتراثها وتاريخها، وما هي أصولها وهويتها، ولا تزال جهود العاملين متواصلة في سبيل هذه الغاية النبيلة، بفضل توجيهات رئيسهم الشيخ عدُّون، مؤمنين بأن هذا مشروع حضاري واعد، سوف يحقق تقاربا محمودا بين المسلمين، وإزالة لغشاوة الشك وسوء الظنون، وتصحيحا للرؤية القاتمة التي صنعتها كتب المقالات عن أهل الاستقامة، وتلك خطوة لازمة لتوحيد الصف ومواجهة العدو المشترك للمسلمين.
مجلس باعبد الرحمن الكرثي:
في ميزاب هيئات عرفية قديمة كانت ولا تزال تقوم بدور هام في الرعاية بشؤون المجتمع، ومنها مجلس يعرف باسم "مجلس باعبد الرحمن الكرثي" يعنى بقضايا العمران والاجتماع، واتخاذ المواقف المناسبة المتعلقة بمصير المجتمع، ومواجهة الأخطار ومستجدات الحياة. كما أن له اهتماما بقضايا السياسة التي أفرزها تطور المجتمع الحديث.
وقد ركن هذا المجلس العرفي إلى الظل أمدا طويلا، فدعا الغيورون إلى إحياء نشاطه، وكان للشيخ عدُّون يد طولى في ذلك، فعاد لمواصلة جهوده، وتصدَّر المجلس قيادة أحداث كثيرة عرفتها المنطقة في السنوات الأخيرة.
رئاسة مجلس عمِّي سعيد:
يتميز المجتمع الميزابي بأنه مجتمع مسجدي، تقوده هيئة العزابة من مقرها في المسجد، والمسجد يمثل قمة الهرم في بناء المدينة بوادي ميزاب، كما تمثل هيئة العزابة قمة البناء الاجتماعي، وتعمل جاهدة لتحوط المجتمع بالرعاية، وترقب استقامته وسلامته، وتحرص على أن تصطبغ حياة الناس بشريعة الإسلام، أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر. ولكل مدينة ممثل للهيئة في مجلس أعلى لمساجد وادي ميزاب ووارجلان يعرف باسم "مجلس عمي سعيد" نسبةً إلى الشيخ عمي سعيد الجربي الذي أحيا العلم بميزاب في القرن الثامن الهجري.
ودور المجلس فقهي ديني، يعنى بالقضايا الدينية أساسا، وقد أحيا نشاطه الإمام الشيخ بيوض إثر (1/169)
صفحة 170
استقلال الجزائر، سنة 1962م، وترأّسه إلى حين وفاته، ثم تلاه في رئاسة المجلس شيوخ أجلاء، كان آخرهم الشيخ عدُّون استمر على رأسه منذ وفاة شيخه السابق الشيخ الحاج محمد بابانو سنة 1989 إلى آخر حياته.
ولهذا المجلس جلسات أسبوعية لتداول مستجدات الحياة الدينية وما يحتاج إلى بت وفصل من قضايا الفقه والفتوى في ميزاب.
كما يُعنى المجلس برعاية أوقاف الميزابيين في ربوع الجزائر وخارجه، وبخاصة في البقاع المقدسة، ومتابعة ما يهم هذه الأوقاف من تنظيم وترسيم وتسيير.
الشيخ عدُّون وقضايا المسملين:
كان الشيخ عدُّون داعية حريصا على وحدة المسلمين، يبث ذلك في نفوس طلبته وفي دروسه ومواعظه للعامة والخاصة، لا يَنِي يذكّر بقضاياهم الأساسية وهمومهم الكبرى، وفي مقدمتها قضية فلسطين، ويذكر أن حلها لن يكون إلا على يد من يحمل راية التوحيد، ويعمل لدين الله أن يسود، وما سوى ذلك محاولات بائسة فاشلة.
كما ظل عُمْرَه يدعو لرأب الصدع وتقريب الشقة بين أبناء الأمة الواحدة، ومن نافلة القول الإشادة بواحدة من ثمراته، وهو تلميذه الفقيد الشيخ علي يحيى معمر، رحمه الله، الذي أثرى المكتبة الإسلامية بسِفره الخالد "الإباضية بين الفرق الإسلامية" أزاح فيه النقاب عن أسباب التفرق، ووضع دستور الوحدة المنشودة بين المسلمين.
وكانت له جهود حميدة لإطفاء نار الفتنة التي اندلع لهيبها بأرض الجزائر، وأتت على الأخضر واليابس، وألح على وحدة صف المسلمين، وحرمة اتخاذ الاختلاف المذهبي سببا لشق الصف وإيقاد نار الفتنة، فما المذاهب إلا مدارس اجتهادية تنهل من معين الكتاب وسنة المصطفى عليه السلام.
غرامُهُ بالمطالعة:
ذاق الشيخ عدُّون فقد العلم ومرارة الحرمان أول عمره، فانتصر للقراءة إلى حد الإدمان طول عمره، وأكب عليها بلهف منقطع النظير، وظل الكتاب أنيسه وسميره، لا يعوقه عنه سهر ولا سفر، ولا ينفك عن المطالعة مهما بلغ به الإعياء، وكان يختم ليله بقراءة تستمر على الأقل ساعة من الزمن، إن سبقها سهر، وإذا خلت ليلته من جلسة عمل - وقليلا ما تخلو -كان نصيب القراءة فيها موفورا، فاستمرت لعدة ساعات.
وكان حريصا على الكتابة والتأليف، حرّض عليهما تلاميذه، فأبدعوا فيما كتبوا، وله مراسلات أدبية معهم في هذه المجالات. كما دون صفحات ناصعة من تاريخ الحركة الإصلاحية ومن دروس الشيخ بيوض في التفسير، لعل الله يقيض من ينشرها لتنصف الرجال العاملين، وتكشف حقائق ثمينة عن هذه الحقبة الذهبية من تاريخنا المعاصر. (1/170)
صفحة 171
وكان يتابع ما تصدره دور النشر من كتب وبحوث ودراسات، وما ينفحه به أبناؤه وأحباؤه من إنتاجهم، ولم يعجزه كثرة ما يرده عن استيعابه، فكان إذا بلغه كتاب وجدته قد أكمل قراءته بعد يومين أو ثلاث أو بضعة أيام حسب حجم الكتاب، وفوق هذا فما فتئ متابعا حريصا للصحف والدوريات تأتيه من داخل الوطن وخارجه، بصورة مستمرة، متابعة يومية قد يعجز عنها المتخصصون أو المتفرغون.
يقرأ كل ذلك الإنتاج وينقده نقدا موضوعيا ببيان ما له وما عليه، في الفكر والمنهج، والتحليل والأسلوب.
وقد حدث أن كان لجمعية التراث -وهو رئيسها- مشروع "معجم أعلام الإباضية" وقدمت له النسخة التجريبية للملاحظة عليها، كما وزعت على عدد من المشايخ والمفكرين للهدف نفسه، ولم يَرِدْ إلى لجنة المعجم جواب بالملاحظات إلا من قِبله. فأخبرته بذلك، شاكرا حرصه وجوابه، بعد أن نقد الكتاب بأجزائه، وصوب ما فيه من أخطاء، وعلقت قائلا: أرى أن أعجز الناس عن الكتابة عندنا هم المثقفون. فأجابني على الفور: وأنا إمام العاجزين.
وتعجب لقدرته وجلده، وطول نفسه في القراءة رغم كبره، فلم تضعف السنون من بصره، حتى فتحها على رياض قبره، رحمه الله.
وكان له من الأسفار مدرسة أفادته في رسالته المقدسة، بما نال منها من اطلاع على أحوال المسلمين واتصال بعلماء الإسلام، وقد زار معظم الدول العربية والأوروبية، في جولات عديدة، وكانت حميمة بعلماء المسلمين في مواطن عدة، داخل الجزائر وخارجها، نذكر منهم الشيخ أحمد سحنون أحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وسماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي عام سلطنة عُمان.
تقديسُه للمواعِيد:
من خلال الشيخ الحميدة التي ندرت في زماننا، تقديس المواعيد، واحترام مواقيتها، فهو دائما مع أول الحاضرين وآخر المنصرفين، لا يعرف الأعذار ولا الاعتذار، إلا ما كان قاهرا منها، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
ومن حرصه على المواعيد حضوره لدروس تفسير القرآن الكريم للعلامة الشيخ بيوض في مسجد القرارة، وقد استمرت تلك الدروس خمسا وأربعين سنة من عام 1935 إلى 1980م، لم يتخلف عنها وهو في المدينة إلا يوما واحدا لضرورة قاهرة، وما عدا ذلك فلم يكن يغيب عنها مهما كانت الشواغل والأعراض، تقديرا منه لأهميتها القصوى، ورغبة في فوائدها الجُلّى، فكان أسوة لطلبة العلم في الجد والتحصيل، وقدوة لعامة الناس في علو الهمة وقطع الأعذار.
خفَّة رُوحِه:
لم يكن الشيخ عدُّون ممن يتصنع الوقار المتكلف وإن جلله المشيب، وما كان يخيم على مجلسه (1/171)
صفحة 172
داكن السحاب الكئيب، بل يشيع فيه جو الأنس وتنطلق من أسارير وجهه بشائر الابتهاج والحبور، فتتفتح له القلوب، وتأنس إليه النفوس، وما زاده وقار المشيب إلا خفة روح تأسر الحاضرين، فيودّون أن لو امتد لقاؤه عدد سنين.
حقًّا، لقد كانت مجالسه باقةً أدبية زاهية الألوان، زكية الشذى، يمازج فيها الجلالَ جمالُ الأدب، وتقترن الحكمة والنصيحة بالابتسامة الوديعة، تراه يتصيد المُلحة ويطرب لها، وينتشي للدعابة البريئة انتعاش الزهر في الروض النضير، إذا سقاه السحاب أو جرى في عروقه ماء الغدير.
بَرَكة العمر والولد:
منح الله الشيخ عدُّون بركة العمر والبدن، فكان نسيجا فريدا عجز الطب في استكناه أسراره، إذ جاوز القرن من الزمان، وما هدّت السنون من تماسكه وسلامته، إلا في شهوره الأخيرة، وقد أجريت له عملية جراحية في رأسه في سنواته الأخيرة، وتعجب الأطباء كيف سلم له مخه، وحفظ من التلف وقد كان يشكو ضغطا لا يتحمله الإنسان العادي في مقتبل العمر.
أجل، لقد خرق الشيخ عدُّون كل قوانين الصحة ومحظورات الشيخوخة، وكانت صحته مثار دهشة الأطباء، لا يعرف تحرزا من ماء مثلج، ولا وليمة دسمة، ولا شراب معسول، والدسوم والسكريات قاصمة الصحة في نظر الأطباء، وخبراء العلل، وكأنّه سبر أغوار العلة في قواعد اللغة العربية، وقد قضى في تدريسها سنوات عمره الذهبية، فنفعته لقاحًا واقيا للصحة البدنية، وقد يكون ذلك بعض جزاء الله العاجل في هذه الدار. ولله في خلقه شؤون، وأي شؤون!
وإن تعجب فعجب من طول نفَسه في الجلسات الطويلة، تستمر طول النهار ويمكث فيها على هيئة واحدة من مفتتح الجلسة إلى نهاية اللقاء، بينما ترى بعض الحضور من الكبار، بل ومن الصغار، في تململ من طول الاصطبار، حتى يصرّح مغلوبهم بالاعتذار لقضاء حاجة أو استراحة، والشيخ يخرس بهيئته الجميع، ويجيبهم بحجة صامتة هي أبلغ من أي كلام بديع.
وتلك بعض معاني البركة في الصحة والعمر، كما ناله منها نصيب في المال والولد.
وأفاض الله عليه من متاع الحياة ما قضى به شطرا من دهره ميسورا، وكان مثال الأب الحاني على أبنائه من الصُّلب، كما كان مع أبنائه من الروح، وتَمثَّلَ في بساطته وحدبه على أهل بيته، وبذله قصارى جهده ليسعدهم، رغم توزع جهوده في مهام المجتمع المتكاثرة، فكلل الله سعادته بذرية طيبة، كانوا رجالا لامعين في شتى ميادين الحياة، أحدهم أستاذ جامعي قدير، قضى العمر في تفسير كلام العليم الخبير، وآخر طبيب ماهر خبير، نذر طبه لنفع الأرملة والفقير، وثالثهم خطاط بارع كتب المصحف الشريف ثلاث مرات، صار معتمد العالم الإسلامي في قراءة ورش بين القراءات، وخاتمة العنقود معلم رابط في البلد وظل لوالده سندا، ولنهجه في بناء الأجيال مددًا.
الإخلاص ثم الإخلاص:
كان الشيخ عدُّون إخلاصا يمشي على قدمين، وقد لخَّص تجربته في الحياة في كلمتين نصح بهما (1/172)
صفحة 173
الشباب قائلا:
بعد طول عمر بلغ مئة من السنوات
*ـ ما رأيت مشروعا قام على الإخلاص وعاقت دون تمامه العقبات.
*ـ وما رأيت أحدا أعطى درهما لله ولم يخلف الله عليه بالنماء والبركات.
ومن نظراته السديدة ونصائحه التي يزود بها الشباب؛ ضرورة ثقة الفرد بنفسه، وبالله أولا، وإخلاص القصد له دائما، والتزود بالصبر لبلوغ الغايات وتحقيق النجاح، ودون ذلك ستذهب جهوده أدراج الرياح، ولن يكون له دور فعال في التغيير والإصلاح.
إنكار التكريم:
ويأبى تواضع الشيخ إلا التنكر للذات، ونسبة الفضل لغيره، واستصغار ما بذل، واعتبار جهاده طيلة قرن من الزمان مجرد قطرة في محيط جهود العاملين، ونكرة في قاموس أعلام الإسلام السامقين.
وقد رغب منه أبناؤه إقامة حفل تكريم له احتفاء بجهوده في خدمة العلم والصالح العام، فأبى ذلك، وأصر على رفض الفكرة، ولكنه غلب على أمره تحت إلحاح أبنائه، الذين كانوا قد أعدّوا كل الترتيبات، فرضخ للأمر الواقع، وقَبل به على مضض، والدموع تنهمر من عينيه خشية أن تذهب تضحياته هباء. وكان ذلك يوم 14 فبراير من عام 2003م.
كما حظي بتقدير جميع فئات الشعب الجزائري من رئاسة الجمهورية ووزراء الدولة إلى مختلف السلطات الرسمية، واتفق الكل على توقيره وتقديره، والاعتراف بفضله وسابقته.
ثم حملته قلوب علماء الجزائر فاختاروه رئيسا شرفيا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، اعترافا بفضله وأياديه، وقد كان من مناصري الجمعية والداعين لمباركة جهودها لإيقاظ الشعب الجزائري من ظلمات الجهل، والسعي لتحريرها من نير الاستعمار قبل سبعين سنت خلت، فكافأته حين وضعته تاجا على مفرقها، جزاء وفاقا.
مسيرة قرن وخمس سنين، حفلت بآلاف وآلاف، من حلقات علم تقام، ومجالس فكر وذكر تنصب، وجلسات صلح تعقد، وتتواصل أحيانا ليالي وأياما عديدة، ويمتد السهر فيها إلى منتصف الليل أو يزيد. كانت سعيا دؤوبا لصالح الأمة والدين في مختلف المناسبات والميادين، لا انتظارا لشكر ولا ثناء، ولا نيشان ولا شهادة، إلا رضوان الله وفردوسه الموعود.
وبلغ به الجهد أشده وانهارت قواه البدنية، بيد أنه ظل محتفظا بكامل قواه العقلية رغم إجراء عملية جراحية في رأسه قبل بضع سنين إثر حادث سيارة أليم، ظل نجاح العملية لغزا بمقاييس علم الأطباء، وحفظ الله له وعيه وقلبه وبصيرته، ثم كانت له لقاءات وداع لأبنائه وبناته في مختلف المؤسسات في أواخر أيامه في هذه الحياة، أوصاهم فيها بالتمسك بأهداب الدين، والحفاظ على الوحدة، والاستمساك بالإخلاص والصبر والتضحية، حتى ينالوا رضوان الله رب العالمين.
ومضت تلك السنون في صمت عجيب، قضاها الشيخ عدُّون يصنع مجد الخلود حتى أتاه اليقين، فمضى إلى ربه في شهر القرآن المشهود، مستبشرا بإذن الله بجزائه الموعود، ليلقى الأحبة محمدا وصحبه.
أجل، لقد مضى الشيخ عدُّون إلى وعدٍ طالما تمناه، وقضى العمرَ يعمل له، فما تأفف ولا توانى، ولا تقهقر ولا تنكر، وصدق ما عاهد عليه ربه، وما زادته السنون والأسقام إلا يقينا ومضاء، ودعا ربه وما خاب من أخلص لربه الدعاء ...
{يَآ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر: 27 - 30). (1/173)
صفحة 174
الشيخ عدون معدن التجديد والتطوير
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة باتنة
نبأ عظيم نزل كالصّاعقة على الرّؤوس، وخطب جليل وقع كالصّخرة على النّفوس، هزّ الأركان، وَأزّ الكيان. زعزع القلوب، وزلزل الجنوب. إنّه نبأ وفاة والدنا وشيخنا وأستاذنا الشّيخ عدّون (سعيد بن بالحاج شريفي) رحمه الله. ففي سحر يوم الثّلاثاء: 19 من رمضان 1425هـ الموافق لـ: 02 نوفمبر 2004م. نعي إلينا انتقال شيخنا إلى مثواه الأخير، ونَهَى إلينا رحيلُه عنّا إلى الرّفيق الأعلى، إلى جنّة المأوى، إلى جوار أولياء الله الصّالحين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، إلى حيث يقال له {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ـ امِنِينَ} (سورة الحجر: 45 - 46) {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (سورة الرعد: 24) إنّا لله وإنّا إليه راجعون، {يَآ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر: 27 - 30).
إنّ شيخنا المرحوم كان ركنا ركينا في الحركة الإصلاحيّة، التي حمل لواءها شيخنا المغفور له الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض. بل كان نقطة الارتكاز في هذه الحركة، وحجر الزّاوية فيها، وقطب الرّحى في تلك النّهضة، وقد أسهم إسهاما كبيرا وفعّالا في مختلف مجالات الإصلاح: العلميّة والثّقافيّة والاجتماعيّة والسّياسية .. وقد صرّح الشّيخ بيّوض نفسه أنّ كثيرا من الأعمال والإنجازات التي كانت تنسب إليه، هي في الحقيقة من أعمال الشّيخ عدّون، وبعضها كان الأداة الفعّالة فيها. (1/174)
صفحة 175
يكفي أنّه كان العضد الأيمن للشّيخ بيّوض في كامل مراحل جهاده وكفاحه ونضاله ... وأنّ الشّيخ أعطى فيه الثّقة، بعد أن قال عنه: "إنّ الشّيخ عدّون إخلاص يمشي على رجلين " فسلّم له مقاليد كثير من الأمور بعد أن كثرت أعماله، واتّسع نطاق نشاطه، وحين دخل معترك السّياسة في الأربعينيّات. وبخاصّة إدارة معهد الحياة, وشؤون التّعليم بعامّة.
يكفي أنّه المسجّل والحافظ الدّقيق الأمين لمسيرة الشّيخ بيّوض الدّعوية والإصلاحية، فقد كان يرافقه في أغلب أسفاره، ويشاركه في معظم أعماله، وكان يرصد نشاطه، ويسجّل ما دقّ وما كبر وما صغر من هذه الأعمال. لقد كان المصدر الوحيد لكثير من الخطب التي كان يلقيها الشّيخ بيّوض في المناسبات المختلفة - وما أكثرها - إنّ الشّيخ بيّوض كان يرتجل خطبه، والشّيخ عدّون يتابعه بدقّة، ويسجّل كلّ ما يتفوّه به بسرعة فائقة، وبمهارة الصّحفي المحترف المسؤول، الذي يرى نفسه مَعْنِيًّا بنقل الواقعات ورواية ما يُنْطَقُ به بأمانة ودقّة. فمعظم خطب الشّيخ بيّوض التي أثبتها أستاذنا المرحوم الشّيخ محمد علي دبوز في كتبه، كانت من تسجيل الشّيخ عدّون بخطّ يده.
إنّ الشّيخ عدّون كان يحمل لواء التّجديد والتّطوير والتّغيير، ويرفع شعار المضيّ بالمسيرة نحو الأحسن، ويسير في العمل بالأفضل من الوسائل، ويختار للنّشاط الأنجع من السّبل. يأخذ بأيدي الشّباب، ويشجع المبادرات الهادفة، ويفسح المجال للمحاولات الجادّة، ويفتح قلبه للنّوايا الطّيّبة، ويبعث الثّقة في أبنائه، ويزرع فيهم المودّة والعطف، ويتلقّاهم بروح الأبوّة الرّحيمة الشّفوقة على البنوّة الضّعيفة الوديعة.
دليل ذلك إسهامه الكبير في تأسيس معهد الشّباب (معهد الحياة) فقد حصل ذلك نتيجة ملازمته أستاذه الشّيخ بيّوض، ومطالبته بالتّجديد في أساليب التّعليم، بعد أن ضاق ذرعا بالطّرق العقيمة المتّبعة في التّدريس في المعهد الذي كان يتعلّم فيه مع بقيّة زملائه، وبخاصّة وقد آنس من جانب شيخه القدرة على التّطوير، لكنّه كان يتلكّأ لدواع وأسباب، لم تقنع الفتى الطّموح، ولم تكبح رغبة النَّهِم الجموح. فطالبه بكلّ إلحاح، وصل إلى حدّ التّلويح بالانفراد بالمبادرة، التي قد يندم الشّيخ بيّوض بعدها على عدم الاستجابة للمطلب الشّرعي والطّبيعي للطّالب الألمعي والفتى اللّوذعي. فقام الشّيخ فلبّى رغبة تلميذه، فأسّس المعهد في شوّال 1343هـ/ ماي 1925م.
ويقف شاهدا على ما أشرنا إليه ترؤسّه لجمعيات الشّباب، التي كانت تضمّ طلبة معهد الشّباب في جلسات أسبوعيّة، يلتقون فيها للتّباري والتّدريب على الخطابة والنّقد وقرض الشّعر، والمناظرات الأدبيّة والعلميّة ... فكان يترأسّ ويوجّه ويصوّب وينقد ويشجّع ... كما كان يتولّى رئاسة تحرير جريدة الشّباب المخصّصة لنشر المقالات والقصائد الشّعريّة والفصول النّقديّة والمسرحيّات والقصص والمناظرات الأدبيّة والعلميّة ... وقد كان دور الشّيخ بارزا في توجيه الطّلبة، والأخذ بأيديهم نحو التّكوّن. وقد تخرّج في هذه الجريدة أدبيّا مجموعة من الأدباء الذين أصبحوا أعلاما متميّزة في سماء الأدب، وأقلاما بارزة في فضاء الكتابة. أمثال الأدباء والمشايخ: عليّ يحيى معمر، (1/175)
صفحة 176
محمد علي دبوز، حمّو بن عمر فخار، محمد بن سعيد كعباش، محمد الحاج النّاصر، إبراهيم بن يحي الحاج أيّوب (القرادي) صالح بن صالح الخرفي، الأخضر السّائحي ...
ويسند عرضنا هذا تشجُّع كثير من أصحاب المبادرات في المضيّ قدما في مبادراتهم، بفضل تشجيع الشّيخ عدّون لهم وتوجيههم، ومباركة خطواتهم، بل محاسبتهم -أحيانا - على تقصيرهم فيما بادروا به، وما تبنّوه من مشروعات وأساليب ووسائل ... وكان يدافع عن المبادرات وعن المحاولات، ويردّ عنها جَهْلَ النّاس بها وبأهمّيتها وأهدافها، وتَنَكُّر آخرين لفضلها ودورها، ووقوف بعضهم حجر عثرة في سبيل تحقيقها ... الأمثلة على ذلك كثيرة، نجدها في قيام الجمعيّات الأدبيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة وأداء عملها: كجمعيّة الحياة وجمعيّة قدماء التّلاميذ وجمعيّة التّراث وأنغام الحياة ... ونقف عليها في سير معهد الحياة ومدرسة الحياة، إذ نجد الشّيخ عدّون واقفا -دائما- بجانب الدّاعين إلى التّطوير والتّجديد والتّغيير، يردّ عنهم دعاوي المعارضين لذلك، ويصدّ عنهم هجومهم ووأدهم لطموحهم. فإذا تفوّه أحدهم - حين يدعى إلى اتّباع أساليب جديدة في التّدريس، ومتابعة العصر في تطوّره - بقوله: «تلك مشية لا أعرفها» يكون الرّدّ عمليّا بلسان حال الشّيخ عدّون -رحمه الله -: «تأكّد أنَّك ستألفها والزّمن طويل».
ونعثر على الدّليل والبيان في الإسهامات الفرديّة والجماعيّة، التي تعتمد التّغيير نحو الأحسن، والبحث عن الأفضل، والتي تتّجه نحو البديل عن الموجود العقيم، والقائم السّقيم، وما يفيد الحصول على الخير العميم. فقد كان الشّيخ عدّون يرعى هذه المحاولات ويهتمّ بها، ويساير سيرورتها، وبتابع مسيرتها، ويرقب نتائجها، ويحاسب على التّقصير فيها؛ إيمانا منه أنّ كلّ فرد أو جماعة معنيّة بالعمل والحركة والقيام بالواجب، وأنّ كلّ من يملك طاقة من حقّه أن يستثمرها في سبيل الخير والعمل للرّفع من المستوى، والخروج من التّخلّف. متيقّنا أنّ المسؤولية منوطة بالجميع، لا تخصّ سنّا معيّنة، ولا ترتبط بفئة خاصّة، ولا توكل بشريحة متعيّنة، كلّ يشارك بما يمليه الواجب، ويقتضيه المقام، ويفرضه الواقع، وتدفع إليه الكفاية، وتدعو إليه المصلحة، ويسوق إليه الطّبع ...
لقد سمح هذا التّوجّه ببروز كفايات، والكشف عن مؤهّلات، واستثمار طاقات، واحتضان مبادرات، وتوزيع مسؤوليات، واحترام تخصّصات، واحتواء محاولات ... وكان نتيجة كلّ ذلك ارتياح السّراة والأعيان والمشايخ واطمئنانهم على استمرارية النّهضة ومواصلة المسيرة، وضمان الوفاء للمبادئ والأصول؛ لأنّ الشّيخ عدّون وأمثاله ساروا بهذا المنهج، وكافحوا بهذه الطّريقة، وقادوا العمل بهذه النّظرة، ومن بقي بعيدا لم يسلك هذا الدّرب، ولم يقتفِ هذا الضّرب، وجد نفسه بحلّق في غير هذا السّرب.
ممّا يسجّل للشّيخ عدّون استماتته في الدّفاع عن الإصلاح، إصلاح الدّين، إصلاح النّفوس، إصلاح المناهج، إصلاح التّربيّة والتّعليم، إصلاح العادات والتّقاليد، إصلاح العلاقات، إصلاح الفكر، (1/176)
صفحة 177
إصلاح طرق التّعامل مع الحياة المتجدّدة المتغيّرة ... لذا كان مسهما ومرابطا - بخاصّة - في الحركة الإصلاحيّة التي قادها الشّيخان إبراهيم بن عمر بيّوض وإبراهيم بن عيسى أبو اليقظان ـ رحمهم الله ـ. وكان منافحا ومدافعا عنها بكلّ ما أوتي من قوّة، وكان حريصا على رصدها، وإطلاع الأجيال المتلاحقة على تفاصيلها: منطلقا وهدفا وسيرورة وصيرورة، وقوّة وضعفا، وعراقيل ومطبّات، ومنجزات وآفاقا وأعلاما ورجالا عاملين. لا يفوّت أيّة فرصة تتاح له فيقدّم للشّباب نبذا من هذه المسيرة، تبعث فيهم روح التّضحيّة والعمل، وتنهض بهم من الخمول والخمود والهمود والجمود.
ممّا يشهد له به في هذا السّياق حرصه الشّديد على تطبيق شرع الله، بداية من أسرته و تربية أبنائه، مرورا بمعهد الحياة والمدارس التي يشرف عليها، وتوجيه تلاميذه ونصح المعلّمين والأساتذة، وإظهار السّخط والغضب على كلّ انحراف يلاحظه في الميدان، في السّلوك أو المنهج, وصولا إلى المجتمع بكلّ شرائحه وطبقاته. فقد كان يوجّه الصّغار، وينصح الكبار, ويذكّر المسؤولين حتّى في المستويات العليا من الحكم، عملا بتوجيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: النّصيحة لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم.
من هذه المجالات التي أعطى لها نَفْسَه، وأنفق نفيسه، وأطال فيه نَفَسَه، مجال اللّغة العربيّة. فإلى جانب إطالة مدّة تدريسه اللّغة العربيّة، قواعد ونصوصا أدبيّة، كان الحامي للّغة من العابثين بها، والخاذلين لها، والرّافعين لواء الهجوم عليها والاستنقاص منها، وتهميشها في الحياة العامّة. فكان متعصّبا لها؛ حين أبدى زائغو العقيدة، وضعفاء الإيمان، ومهزُوزُو الكيان، احتفاءهم باللّهجات المحليّة، على حساب لغة القرآن، ولغة الدّين، واللّغة الجامعة للقلوب، والحامية للأصالة، والبانية للكيان، والضّامنة للبقاء ... حين سار هؤلاء في هذا الدّرب تصدّى لهم بقوّة بخطبه وتقريعاته ورفضه الإنشاد بغير اللّغة العربية، وكتابة القصائد بغيرها. إنّ ذلك هو شعور المؤمن الصّادق الذي يضع الدّين فوق كلّ اعتبار، ويصرّ على ذلك كلّ الإصرار، مهما يلحقه من جرّائه من أضرار، وهو يعلم أنّه يؤوب بالانتصار وأيّ انتصار. وفي هذا يقول الدّكتور محمد بن صالح ناصر مخاطبا الشّيخ عدّون:
وَقَوَافِلُ الأَجْيَالِ كَمْ وَرَدَتْ بِحَوْضِك تَنْهَلُ الفُصْحَى كُؤُوسًا أَحْمَدِيَّه
ماذا نقول وماذا نُبقِي في حياة مربّي الأجيال، وماذا نبدي وماذا نعيد في مسيرة صانع الرّجال. حسبنا تقديم نبذة من ذلك، نبرّ بها شيخنا، إن كان هذا يشفع لنا ما له علينا من حقّ، ولا أظنّه يشفع. ويكفينا عذرا تحسيس الأبناء بقيمة هذا الرّجل العظيم، وتوجيههم كي يقتفوا أثره، ويتتبّعوا خبره، وينشروا فكره، ويذيعوا ذكره، وما أَحسبُنِي بلغت بهم هذا الهدف، فما يزال الجوهر مكنونا في الصّدف. فما عليهم إلاّ أن يغوصوا في هذا البحر، ففي أحشائه درر وغرر. نختم هذه الخواطر بأبيات لأستاذنا الدّكتور محمد بن صالح ناصر، من قصيدة طويلة قالها في حقّ الشّيخ عدّون بعد أن (1/177)
صفحة 178
تجاوز المائة من عمره:
الوَعظُ عِندَكَ لَيسَ قَولاً، إنَّهُ مُثُلٌ تَجَسَّدُ في سُلُوكِكَ سَرمَدِيَّه
وَالجِدُّ عِندَكَ في التَّعلِيمِ فِطْرَةٌ مَوصُولَةُ الأَنفَاسِ صُبْحًا بِالعَشِيَّه
عَلَّمْتَنَا أَن لاَ نَرَى غَيرَ السَّمَاءِ تَدَيُّنًا، وَتَسَامِيًا فَوْقَ الدَّنِيَّه
وَتَطَلُّعًا لِلعِلْمِ لَيسَ بِمُنْتَهٍ، مَا لَمْ يُشَوِّهْ مِن أَصَالَتِنَا الغَنِيَّه
لَقَّنْتَنَا قِيَمَ الصَّلاةِ، فَحوَّلَتْ مِنَّا النُّفُوسَ مَآذِنًا شَعَّتْ سَنِيَّه
عَوَّدْتَنَا فَرْضَ الجَمَاعَةِ، فَانْصَهَرْنَا في الجَمَاعَةِ لاَ نَدِينُ بِطَائِفِيَّه
فَتَّحْتَ أَعيُنَنَا بِنُورِ الفَجْرِ، فَانْجَابَتْ دَيَاجِي كُلِّ مُشكِلَةٍ عَصِيَّه
وَأَضَأْتَ مِن نُورِ الكِتَابِ طَرِيقَنَا، فَتَوَجَّهَتْ نَحْوَ المعَالِي مَسْجِدِيَّه
وَتَوَحَّدَتْ خَطَوَاتُنَا نَحوَ الغَدِ البَسَّامِ، نَمْضِي في طَرِيقٍ سُنْدُسِيَّه
الدِّينُ أَرضَعَنَا، فَآخَى بَيْنَنَا، وَالدِّينُ لِلأَفْكَارِ رَابِطَةٌ قَوِيَّه
رحمك الله -شيخنا - رجلا أصلح نفسه، ثمّ دعا غيره. ورحمك شهما عاش أبيّا، وملّك المجتمع أمره، ورحمك مجاهدا عمل مع زعيم الأمّة، وشدّ أزره، ورحمك عظيما أحسن إلى نفسه، وعرف قدره، ورحمك امرأ عمّر طويلا، وأهدى للنّاس خيره، ورحمك أبا عطوفا، رعى محيطه وغيره ... ورحمك ورحمك. سلام عليكم في الأوّلين والآخرين، وسلام عليكم في علّيّين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص255 - 261.
ونشر في الموقع بتاريخ: 28 ماي 2010.
الشيخ عدون وجمعية قدماء التلاميذ
إعداد الأستاذ: محمد بن سليمان أبو العلا
النائب الأول لرئيس جمعية قدماء التلاميذ
للشيخ عدُّون ـ رحمه الله تعالى ـ دور رئيس في إنشاء جمعية قدماء التلاميذ وتسييرها وتنشيطها؛ بقيت بصماته فيها خالدة إلى اليوم ـ بعد وفاته ـ وسيبقى أثره ما دام وجود هذه الجمعية.
إن هذا الدور لجدير أن يعرف في لمحة موجزة، عرفانا بصنيع الشيخ، وتخليدا لمآثره في هذا الحقل الثقافي والاجتماعي الهام، واعتبارا واقتداء بما فعل مشايخنا. (1/178)
صفحة 179
الشيخ عدُّون ونشأة الجمعية:
للشيخ عدُّون الفضل الأول على جمعية قدماء التلاميذ بدءا بتأسيسها. كيف ذلك؟ وللجواب على هذا لا بد من العودة إلى تاريخ نشأة جمعية قدماء التلاميذ.
لقد ارتبطت بين طلبة معهد الحياة ـ من مختلف قرى ميزاب وغيرها ـ كل أواصر المحبة والإخاء والصفاء، ودامت عراها موثوقة بينهم ولو بعد تخرجهم، فهم يفرحون كثيرا بلقاءاتهم في مناسبات واجتماعات في أيام معينة، يتبادلون فيها عواطفهم وآراءهم وانشغالاتهم الدراسية والاجتماعية العامة، هذا زمن دراستهم، فكذلك بعد تركهم مقاعد الدراسة يتوقون إلى مثل تلك الاجتماعات، ويَحِنُّون إلى مهدهم التربوي والتعليمي، لما وجدوا فيه من آثار طيبة في نفوسهم وعقولهم وحياتهم العامة، ومن جهة أخرى أن الشيخ بيُّوض ـ رحمه الله تعالى ـ الذي تحمل أعباء ثقيلة، وخاض معارك كبيرة في جهاده الإصلاحي، هو في حاجة إلى وقوف أبنائه جميعا وراءه صفا مرصوصا، وقوة صامدة يعينونه في جهاده ويحفظونه في معاركه. ما الذي يُحقِّق هذه الغايات؟ إنشاء جمعية موحدة.
هذا كله من العوامل التي جعلت بعض قدماء تلاميذ الشيخ بيُّوض تراودهم فكرة جمع الشمل وتوحيد العمل، وذلك بعقد اجتماعات عامة، أو تكوين جمعية تقوم بهذه الواجبات، على رأسهم الشيخ عدُّون رحمه الله تعالى.
خطرت في ذهن الشيخ عدُّون فكرة جمع الطلبة المتخرجين من معهد الحياة، واستثمار جهودهم وطاقاتهم وأفكارهم، فحانت فرصة ذلك في اجتماع لأعيان وادي ميزاب وقدماء الطلبة في القرارة لما أقام الشيخ عدُّون عرس ابنه البكر بالحاج في شهر ماي سنة 1948، فتداول المجتمعون فكرة إنشاء جمعية لهم، واعتبر هذا الاجتماع قدح الزند لتحقيق الرغبة، عرض الشيخ عدُّون الفكرة على الشيخ بيُّوض ـ كان حينذاك عضوا في المجلس الجزائري ـ فرحب بها وشجعه على العمل.
تحمس الشيخ عدُّون وسارع إلى تنفيذ المشروع بتوجيه الدعوة إلى عدد كبير من قدماء الطلبة من مختلف المدن لاجتماع عام لأول مرة في يوم 29 رمضان 1367 هـ الموافق لـ 05 أوت 1948م، وتم بتوفيق من الله تعالى هذا المؤتمر في دار الشيخ بيُّوض المقر القديم للمعهد، ومقر الذكريات التلمذية والتعليمية لهؤلاء المدعوين.
كان يوما مشهودا قال عنه الشيخ محمد علي دبوز: «وكان اليوم عيدا عظيما للقرارة التي تستقبل أبناءها الذين أحبتهم، ولأسرة المعهد من المشايخ والتلاميذ الذين يجتمعون بأبنائهم وإخوانهم بعد غياب طويل، و عيدا عظيما ترقص به قلوب التلاميذ القدماء، وهم يدخلون القرارة أمهم الرؤوم، ودار المعهد الذي هو أعز مكان عندهم في الوجود» (1). ويواصل الشيخ محمد علي دبوز وصف حالة المدعوين المشاركين النفسية، وبهجتهم بلقائهم:
«والفضل الثاني للشيخ عدُّون في هذا المؤتمر بعد فكرة انعقاده هو خطابه الأول والقيم الذي ألقاه (1/179)
صفحة 180
بعد افتتاح الجلسة من طرف الشيخ بيُّوض، وكان خطابا في غاية الأهمية موضوعا، وفي أعلى المراتب بلاغة وبيانا» (2). قال عنه الشيخ محمد علي: « ... خطبة المدير (أي الشيخ عدُّون) التي تفجرت من أعماقه وألقاها بكل جوارحه، وكان القدماء يرون معانيها في وجهه وبريق عينيه قبل أن يلفظ بها، فتأثروا بها تأثرا بالغا حتى سالت دموع الكثير منهم» (3)، وحكم عليه الشيخ بيُّوض بأنه «دستور الجمعية».
عاش المؤتمرون ثلاثة أيام يتبادلون الخطب والكلمات، والآراء والمقترحات، توجت بخطاب هام للشيخ بيُّوض، فإذا قال الشيخ بيُّوض عن خطاب الشيخ عدُّون إنه دستور الجمعية، فإن خطاب الشيخ بيُّوض كان دستور الأمة. (يطالع في نهضة الجزائر الحديثة ج3).
استمر هذا المؤتمر في الأخير عن تسمية الجمعية باسم جمعية قدماء التلاميذ، وانتخاب مجلس إداري لها يرأسه الشيخ عدُّون ـ بحكم عضوية الشيخ بيُّوض في المجلس الجزائري ـ ووضع قانونها الأساسي يتضمن أغراض الجمعية وتشكيلها ولجانها.
وتركزت أغراض الجمعية في بدايتها على ما يلي:
1. توجيه التلاميذ المتخرجين من المدارس إلى صالح الأعمال، وتحقيق غايتهم من طلب العلم.
2. إرشاد من ظهر منه انحراف عن الصراط السوي اللائق بمقام المتعلمين.
3. معاضدة المشاريع العلمية ببث الدعاية إليها، وإعانتها بكل ممكن.
4. العمل للإصلاح العلمي والاجتماعي بكل الوسائل الممكنة على حسب الاستطاعة.
5. إعانة التلاميذ الفقراء العاجزين عن إتمام دراستهم. (4)
ولتحقيق هذه الأغراض قُسِّم الأعضاء على ثلاث لجان رئيسية هي: لجنة التربية والتعليم، لجنة الاجتماع، اللجنة الاقتصادية.
وتحصلت الجمعية على الرخصة من الحكومة الاستعمارية بعد جهود جهيدة، ومساع عظيمة قام بها الشيخ بيُّوض وبعض أعضاء الجمعية.
ثم اتسعت دائرة عضوية الجمعية من المتخرجين في المعهد، فعمت كل تلميذ تخرج من مدرسة نظامية خاصة أو عامة، واتخذت الجمعية مقرها الرسمي بالقرارة، وفروعها في مدن وادي ميزاب والجزائر العاصمة، لذلك تشكلت إدارتها من ممثلين لمدن الوادي والعاصمة، وعينت لجنة دائمة قائمة في المركز (القرارة) تباشر أعمالها، كما احتضنت الجمعية لجنة توحيد التعليم التي قد أسست قبل جمعية قدماء التلاميذ بسنتين، فاندمج فيها مؤتمر المعلمين التابع للجنة التوحيد، فكانت جمعية قدماء التلاميذ مشرفة على التعليم الابتدائي في مدارس الإصلاح في ميزاب وفي الشمال، وعين الشيخ عدُّون مفتشا عاما لها يجول عليها سنويا.
وهنا نجد التمازج والتكامل بين مهام جمعية الحياة سابقة التأسيس في سنة 1937 وجمعية القدماء (1/180)
صفحة 181
الحديثة، إذ سارتا جنبا إلى جنب واشتركت مهامهما؛ لأن رئيسهما واحد هو الشيخ عدُّون وأغلبية أعضاء إدارة الجمعيتين مشتركون بين الإدارتين، فلا اختلاف بينهما إلا ترسيما ونظاما، ومع ذلك اختصت جمعية الحياة بشؤون التعليم الحر التابع لها برمجة وتسييرا وتمويلا، بينما اهتمت جمعية قدماء التلاميذ بكل أمور وقضايا المجتمع.
استمرت جمعية قدماء التلاميذ في نشاط جاهد تحت رئاسة الشيخ عدُّون تنفذ أغراضها التي تأسست لأجلها وزيادة، ولعبت دورها أثناء الثورة التحريرية بكل ما في وسعها، تحت مسؤولية الشيخ بيُّوض وكبار تلامذته توعية ودعاية وتنظيما وتموينا، وهكذا في تقدم مطرد وعمل دؤوب، إلى سنة 1963 بعد الاستقلال، حاول بعض أعداء الجمعية وأعداء إصلاح الشيخ بيُّوض القضاء على نشاطه ومؤسساته وهياكله، منها هذه الجمعية وحركتها؛ فأوعزوا إلى السلطات الحزبية والعسكرية على منع اجتماعها العام المبرمج، وشل سيرها فكان لهم ذلك، ووصلوا بعض هدفهم، غير أنهم لم يستطيعوا أن يقضوا عليها نهائيا؛ يريدون أن يطفئوا نور الله والله متم نوره ...
جدد تأسيسها وبعث نشاطها غير أنها اقتصر تسييرها هذه المرة على مدينة القرارة، فقامت مقام الأعيان، وشمل نشاطها كل انشغالات وتطلعات المجتمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وتقوم بدور التنسيق والوحدة بين الهياكل العرفية في البلدة، وجدد انتخاب أعضاء إدارتها انتخابا يمثلون زبدة أبناء البلدة ـ كما يصفهم الشيخ عدُّون دائما في حديثه ـ واستمرت رئاسة الشيخ عدُّون لها كذلك بدون منافس أو منازع طيلة حياته، يفوز بالرئاسة في كل تجديد.
قد يقول قائل: إنك أطلت الحديث في نشأة الجمعية واستمراريتها ـ وقد كتب الله تعالى لها البقاء ـ ذلك لأني في كل مرحلة من مراحل حياة الجمعية ألمس أثر الشيخ عدُّون فيها، وبصماته وفضله واضحة لا ينكرها إلا جاحد.
خصائص الشيخ عدُّون في تسيير الجمعية:
لقد عاشرت ـ شخصيا ـ أستاذي الشيخ عدُّون في إدارة جمعية قدماء التلاميذ سبعة عشر (17) عاما، وهي مدة متواضعة وقليلة بالنسبة لغيري من مشايخي وإخواني، واستحضرت من خلال هذه الفترة بعض مزايا الشيخ عدُّون في إطار هذه الجمعية باختصار وهي قطرة من فيض:
1. الريادة والفضل الأول في إنشاء هذه الجمعية، كما تقدم بعض التفصيل فيه.
2. طول مدة إدارته لها ورئاسته مع تجديد انتخابه رئيسا في كل مدة انتخابية، والتي دامت ستا وخمسين 56 سنة، وهي مدة رئاسية مثالية نادرة.
3. الجد والنشاط المنقطع النظير في تسيير أعمال الجمعية وإدارتها دون أن يؤثر فيه العجز ولو في آخر أيامه، علما أنه كان يحضر جلساتها وينشطها في آخر حياته وعمره تجاوز مائة وخمس (105) سنوات.
4. عدم تخلُّفه عن حضور الجلسات مهما كانت الظروف إلا بعذر السفر، وهو شديد الغضب (1/181)
صفحة 182
على الأعضاء إذا تهاونوا عن الجلسات في غيابه.
5. روح البساطة والتواضع والمرح التي تسود الجلسة مما يخفف على الأعضاء ثقل الجلسات.
6. طول نفسه في استمرارية الأعمال الذي تميَّز به، إذ تدوم الجلسات أحيانا أربع ساعات وأكثر، من بعد العصر إلى العاشرة ليلا صيفا، ومن بعد العشاء إلى الواحدة ليلا شتاء، ومن الخجل جدا أن يشكو أحد الأعضاء السهر والتعب؛ فيرد الشيخ بكلامه الهادئ: إذا شكوتم التعب وأنتم أصغر مني؛ فماذا أقول أنا، فما على الشاكي إلا أن يذعن ويصبر ويقتدي.
7. مسؤولية التنفيذ لكل القرارات التي تخرج بها المداولات ومتابعتها، وقد يشعر غيره بها صعوبة وثقلا، لكن حكمة الشيخ وحرصه يجعلانها عليه سهلة.
8. التشاور وعدم الاستبداد بالرأي، فلا يتبنى أي قرار إلا بعد النقاش الحر ومعرفة رأي الجماعة، وكثيرًا ما يتنازل عن رأيه الخاص إن رأى غيره أغلب وأصوب.
9. مساواته بين الجميع، فكل أعضاء إدارة الجمعية سواسية في التفكير والنقاش، لا يعلي شأن كبير، ولا يستصغر شأن صغير.
10. تذكيره الأعضاء دون ملل بأنهم زبدة البلدة فلا بد من حسن السيرة والمثل، ولا بد من التضحيات في سبيل صالح المجتمع، ويعتبر هذا العمل من أعظم الجهاد.
11. حث الكاتب في كل جلسة على: ضبط موضوعات المتابعة، وتسجيل الأعمال الجديدة في بداية الجلسة، وضبط حضور وغياب الأعضاء.
12. افتتاحه الجلسة دائما بما تفتتح به مجالس القرآن من الدعاء "استفتحنا بذكر الله وآياته وهو خير الفاتحين ... " اعتبارا أن كل أعمال الجلسة فيما يرضي الله تعالى والدين ولو كانت دنيوية.
13. متابعة الأخبار والمستجدات وهذا ما يخصص له بعض الوقت قبل الافتتاح الرسمي للجلسة مستغلا وقت تناول الشاي، وهذا بسبب حرصه وشوقه إلى معرفة أخبار الوطن والبلدة ومسايرة الأحداث.
14. رغبته دائما أن تعقد الجلسات في الدور الخاصة، أي في محلات الأعضاء الذين تفضل الله عليهم بالخير وسعة المحل، ويرفض اتخاذ مقر مستقر للجلسات، وحكمة ذلك هي التبديل والترويح في الأماكن، وإكرام أهل الخير إخوانه الأعضاء بما جاد الله ابتغاء أجر الإكرام، وتبرك المضيف بحضور إخوانه في محله، ولهذا بقي قوله في نهاية كل جلسة خالدا مأثورا: أين ومتى؟ أي متى موعد الجلسة القادمة وأين.
هذه جملة من خصائص وليست كلها رأيتها جديرة باطلاع القارئ عليها، وهي التي علمتنا ـ كثيرا ـ التفاني والانضباط والتحمل، جزاه الله عنا كل خير، وأثابه الثواب الأوفر.
مصادر المقال: (1/182)
صفحة 183
1. «نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة»: محمد علي دبوز، الجزء الثالث.
2. «معهد الحياة نشأته وتطوره»: الشيخ عدُّون سعيد شريفي (رحمه الله تعالى).
3. المعاشرة الشخصية في جمعية قدماء التلاميذ.
4. مراجعة الشيخ الأستاذ شريفي بالحاج بن الشيخ عدُّون.
نص خطاب الشيخ عدون
في الاجتماع التأسيسي لجمعية القدماء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الهادي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على من جاء بالهدى والدين القويم، وعلى آله وأصحابه الذين آووه ونصروه وجاؤوا بكل أمر ٍحكيم.
أمَّا بعد فإننا نشكر الله تعالى على أن يسَّر لنا هذا الاجتماع العظيم في هذا اليوم الميمون الطلعة، في هذا المكان المقدَّس، أمام أستاذنا العظيم ومربِّينا الوحيد الشيخ بيُّوض، وما كان هذا الاجتماع استجابة لغرض دُنيوي، واتباعا للهوى، وإنَّما هو استجابة لله ورسوله، وخدمة للدين والأمَّة، وإعلاءً لكلمة الله، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
ثم نتوجَّه إلى إخواننا الوافدين إلينا بأطيب السلام، ونحييهم تحيَّة مباركةً طيبة ونرحِّب بوفادتهم ترحيب الحبيب بالحبيب، ونستبشر بحلولهم في هذا الربع المقدس استبشار الودود بالودود، ونهنئهم ونهنئ أنفسنا بهذا الاجتماع النادر المثال، الذي ضمَّ بين أجسام مؤتلفة الأرواح، متَّحدة المنبت والمبدأ، متَّحدة الأجواء والأهواء، متحدة الآمال والمطامح، ونشكرهم ـ إن صح الشكر في هذا المقام ـ على تلبيتهم لنداء الواجب، واستجابتهم لداعي الحق، مُكْبِرين فيهم هذه العاطفة النبيلة التي حملتهم على هذه الأتعاب التي عانوها، والتضحيات التي قدموها في هذا السبيل، حتى تيسَّر لنا هذا الاجتماع الذي نرجو بعده كلَّ خير.
ونتشرف جميعا باجتماعنا في هذا المكان المقدس، في هذا المعهد الشريف، لتحقيق الغاية الكبرى التي وجَّهنا إليها أستاذنا ومربينا الجليل الشيخ بيُّوض لما زودنا بالقوة العتيدة التي تضمن لنا إدراكها وتحقيقها إن شاء الله.
إنها ذكريات نبيلة، وعهود جميلة يستعرضها أمامنا هذا المعهد الذي يروع القلوب ويبعثها حيَّة تسعى، هذا المشهد الحافل الذي يثير الشهامة والعظمة في النفس، وينشر عبيرها الفواح، هذه الروح الطيبة التي تغمر الجو، ويعيدها أياما زاهرات، مجلس أستاذنا العظيم اليوم بيننا كمجلسه أمس، ونحن تلاميذ يُعدِّنا لمثل هذا اليوم، ويخلق منا بالتهذيب والتثقيف والتربية الصحيحة إخوانا أصفياء، ورجالا أقوياء، وجنودًا أوفياء ومصلحين مبشرين ومنذرين، وخير أمة أخرجت للناس، فسقيا لتلك لأيام الخاليات، والعهود الخالدات، بما فيها من طهر وصفاء وإخلاص ووفاء، وآمال باسمة وسعادة وارفة الظلال. (1/183)
صفحة 184
إخواني الأعزاء، نجتمع اليوم في هذا المجلس الحافل أمام أستاذنا لا كتلاميذ يتلقون عنه الدروس والتهذيب والتثقيف، ويتولاهم بالحضانة والتربية كما كنَّا معه في سالف العهود، وإنما نجتمع كجنود وضبَّاط مدرَّبين مزوَّدين بالقوة الكافية للنزول إلى ميادين الكفاح أمام قائدهم الأعلى، يشرف على أعمالهم عن كثب، ويستعرض برامجهم في الكفاح، ويرسل التعاليم اللازمة، ويتولاَّهم بالرعاية والتسديد.
نجتمع اليوم بصفة معتبرة لها مركزها ومكانتها، بصفة جمعية قدماء التلاميذ التي يضم إطارُها كلَّ تلميذ تلقَّى دروسه عن الشيخ بيُّوض على تفاوت في مدَّة هذا التلقِّي، على اختلافٍ في درجاتهم ومواهبهم.
نجتمع اليوم في مؤتمر عامٍّ لهذه الجمعية لننفذ أغراضها الأساسية، من جمع شتات الأعضاء، والمحافظة على الروابط المتينة التي تكوَّنت في زمن الدراسة، وبث تعاليم الأستاذ في نفوسهم، وفي المجتمعات التي يتصلون بها، وخدمة المشاريع العلمية بجميع الوسائل، والمشاركة في الإصلاح العام بقدر الاستطاعة، والنزول في ميادين الكفاح والجهاد الوطني في نظام وخطط مرسومة، تحقِّق الغاية المطلوبة، وتضمن النتيجة المرغوبة.
ذلك هو الغرض الذي حملنا على عقد هذا المؤتمر العام، ودعَونا إليه من قريب وبعيد كلَّ من يستطيع القيام بمهمة هذا المؤتمر، ويتحمَّل تكاليفه الشاقة.
أيها الشباب المنتسب إلى أفلح (1)، كلُّكم تعلمون بطولته في جميع الميادين التي خاضها أو سيخوضها في الجهاد والكفاح، وتعلمون مكانته الممتازة في جميع الأوساط وبين جميع الطبقات، وتعلمون صيته الذائع في الآفاق، وكلكم تلاميذ لهذا البطل الفذ، وجميع الدروس التي تلقيتموها عنه تغرس في نفس كل تلميذ بذور هذه البطولة وتسقيها وتتعهدها بالتربية والنماء، فتجعل منه بطلا إن لم يكن كأستاذه فقريبا منه، ونحن بهذه النسبة وبهذه التلمذة مسؤولون أمام الله والناس والتاريخ عن هذه النسبة بما نظهره في ميادين الحياة من بطولة كبطولة أستاذنا العظيم، يجب أن تشهد لنا أعمالنا بأننا أبناء ذلك البطل لا أن نكتفي باللسان وحده بأننا أبناؤه وأعمالنا لا تشبه أعماله، إن هذا يورثنا السبة والعار.
يجب أن يكون كلٌّ منا بطلا ممتازا كما كان معلمنا ومهذبنا بطلا ممتازًا، وإذا خرج هذا عن طاقتنا منفردين ففي استطاعتنا أن نكون ذلك البطل وأمثاله مجتمعين، نملأ ميادين الحياة بالبطولة والكفاح كقائدنا العظيم.
إخواني وأبنائي الأعزاء، لم يتيسر لهذه الجمعية قبل اليوم أن تبرز إلى الوجود في إطارها الواسع لأنه لم تتفتح لنا ميادين الأعمال كما تفتحت اليوم، ولم تحملنا الظروف على النزول إلى الميدان كما تحملنا اليوم، ولم نأنس من أنفسنا قوة واستعدادًا على الخوض فيها كما أنسنا اليوم، إنه لم يبق لنا عذرٌ للتقصير، ووقتٌ للانتظار. (1/184)
صفحة 185
إخواني الشباب، لقد أصبحنا اليوم أمام انقلاب خطير يقلب الأمة رأسا على عقب، وتفتحت لنا ميادين للعمل لم تفتح من قبل، إنه انقلاب كبير يعمُّ جميع نواحي الحياة في الجزائر وميزاب.
إن هذا الانقلاب الكبير الذي يقع بعد الحرب العالمية الثانية في بلادنا من أسبابه حدوث المجلس الجزائري، وإدخالنا الشيخ بيُّوض فيه، يجب أن نقدم لأستاذنا الجليل رجالاً أكفَّاء من أبنائه البررة، يؤازرونه، ويؤازرون قادة الإصلاح في الجزائر وميزاب، يجب أن نُنشئ رديفًا قويًّا للعاملين اليوم من تلاميذنا الذين نربيهم في المدارس فيسدُّون الثغور بكفاءتهم، ويصلون بنهضتنا غايتها المثلى.
إخواني، لقد برهنتم أنتم وإخوانكم الغائبون في هذه السنة بالخصوص بما قمتم به من أعمال باهرة ـ استوجبتم بها الثناء والحمد ـ عن كفاءة وقوة، وأنتم أفرادٌ موزعون، فكيف إذا انضمت أعمالكم في هيئة منظَّمة كهذه الجمعية، توجهها قيادة حكيمة، إننا لا شك ناجحون بإذن الله، ومحققون كل ما نصبو إليه.
إخواني الأعزاء، تعلمون أن من الأغراض التي تهدف إليها هذه الجمعية خدمة هذا المعهد ببث الدعاية له، وإرشاد الناس إليه، ونشر تعاليم أستاذنا ومبادئه الإصلاحية؛ إن بثها في الناس واجبٌ علينا، ولا ننجح في التبشير بها إلا إذا رأى الناس إصلاحه في أخلاقنا وسلوكنا، إنه عار الدهر أن لا نتَّصف بالإصلاح ونحن ننتسب إلى إمامه وقائده.
إنَّ السلوك الديني الحميد هو الأساس المتين والركن الركين الذي نبني عليه نهضتنا، وهو الضمان الوحيد الذي يضمن لنا النجاح في مهمتنا ويحقِّق لنا الوصول إلى أهدافنا.
هذه كلمة ٌمختصرة تعجلتُ بها، لأن المقام يقتضيها، وهو واجب أكيدٌ عليَّ، فهي الأساس الذي نبني عليه أعمالنا، نسأل الله سبحانه متضرعين أن يقينا شرَّ أنفسنا وشرَّ القوم الظالمين، وأن يهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، ويكلأنا وأستاذنا برعايته وحفظه، ويهدينا إلى الصراط المستقيم، والحمد لله رب العالمين، و السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
--------------------
الهوامش
(1) محمد علي دبوز:.نهضة الجزائر الحديثة ج3/ ص 189.
(2) ينظر هذا الخطاب الهام في آخر هذا البحث.
(3) محمد علي دبوز. نهضة الجزائر الحديثة ج3/ ص 194.
(4) ينظر كتاب "معهد الحياة نشأته وتطوره" شريفي سعيد (الشيخ عدُّون) ص 69.
(1) ـ أفلح بن عبد الوهاب: ثالث الأئمة في الدولة الرستمية، اختار اسمه الشيخ بيُّوض لقبا له يمضي به مقالاته في جريدة وادي ميزاب، وجريدة الأمة فأصبح لقبا له يسميه به تلاميذه في كتاباتهم. (1/185)
صفحة 186
الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ عمر بن لقمان حمو سليمان بوعصبانة:
سير الوسياني
دراسة مجموعة الوسياني،
وتحقيق الجزء الأول منها
الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام علَى من لا نبيَّ بعده، أرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذنه، وجعل سيرته العطرة مثالا يحتذى به. فكانت سيرته لدى العلماء عبيرا يتنسَّمونه، وعِبرة تهفو إليها أفئدتهم، وتختلج بها حواسهم. كما صارت سيرة العلماء أنفسهم محطَّ أنظار العامَّة والخاصَّة من الناس. فدوَّنها أترابهم، وامتلأت بها صفحات كتبهم.
إن علينا معاشر الخلف، أن نحيي ما اندرس منها أو انطمس، حتى نحافظ على شعلة الإيمان، كي نستنير بها في دياجي هذه الأزمان. وقد أراد المستغربون أن يمحوا رسمه، ويطفئوا نوره {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمٌّ نُّورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (1). صدق الله العظيم.
لقد اهتمَّ كلُّ بلد مسلم برجاله، وكلُّ مذهب بعلمائه، مشيدا بماضيهم الناصع، وآثارهم التي حاول الزمن أن يطويها بين طيَّات النسيان.
ولا شكَّ أنَّ رجال المذهب الإباضي يعدّون مثل غيرهم من الذين سعوا جاهدين للتعريف بعلمائهم وفضلائهم. ورغم هذا كلِّه نجد أنَّ كتبهم السِّيَريَّة لا تزال بحاجة إلى عمل شاقٍّ وجهد متواصل مقرون بالرغبة الجارفة، والحبِّ الصادق، وتسخير كلِّ الإمكانيات المادِّية والأدبيَّة، حتَّى نتحصَّل على الرؤية الواضحة لما تحتويها من أسرار تراثيَّة، وفوائد تربويَّة، تفيد الشبابَّ المسلم المتعطِّش لمعرفة ماضيه المجيد.
وإنَّ تحقيق ما ألَّفه الوسياني يعدُّ من هذا القبيل شيئا ذا أهمِّيَّة بالغة.
ومن الدوافع إلى البحث في الموضوع ما يلي:
*ـ التوجيه المبكِّر من ذوي الاختصاص؛ فقد كان الذهاب إلى ليبيا لأداء واجب التعزية مع وفد هامٍّ من مشايخ ميزاب، إثر وفاة المؤرِّخ الفقيه الشيخ علي يحيى امعمَّر رحمه الله سنة 1400هـ/1980م، سببا في إشعال جذوة البحث والتنقيب. وقد أشار عليَّ آنذاك الدكتور (1/186)
صفحة 187
عمرو خليفة النامي بتحقيق سير الوسياني. وكان تعرُّفي على اسم هذا الكتاب لأوَّل مرة مثيرا لعدَّة أسئلة معه، فأشار عليَّ بالبحث عنه في كراكوفيا ببولونيا، إذ كان مغمورا بعد في الجزائر عامَّة، وفي ميزاب خاصَّة، فرأيت ذلك حينئذ ضربا من المستحيلات. وذلك قبل تسجيلي في مرحلة الماجستير.
*ـ كون الكتاب يشكّل حلقة تكمّل سلسلة كتب السير لدى الإباضية؛ حتى تتضح الرؤية لدى المؤرخين عامة لما بين فترة أبي زكرياء والدرجيني. ويثري المكتبة الإسلامية بكتاب مصدري، يضيف معلومات جديدة تفيد البحث في الحضارة الإسلامية.
*ـ كون كتب السير الأخرى لم تحظ بالتحقيق الدقيق، خاصَّة لِما وقع فيها من خلط بين الأسماء والتواريخ، وهو ما أشرنا إليه خلال هذه الدراسة.
*ـ كون البحث مغاربيا، يبيّن العلاقة الوطيدة بين الأقطار الشقيقة: ليبيا وتونس والجزائر. في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى معرفة ماضينا المشترك المجيد.
*ـ تكرار التحسر الكبير من أغلب الدارسين ـ مسلمين ومستشرقين ـ على بقاء الكتاب دون تحقيق بعد استفادتهم منه مخطوطا.
*ـ الرغبة الجارفة في استرداد ما ضاع من التراث الإسلامي من ديار الغرب، والاطِّلاع عليه قبل أن يزول إلى الأبد.
كل هذه الدوافع وغيرها مع تسخير الله للأسباب جعلني أنساق إلى هذا المنحى، بعد الاستخارة والاستشارة.
ومن أهدافنا من وراء تحقيق هذا الكتاب ودراسته ما يأتي:
*ـ نفض الغبار عن مخطوط له من العمر ما يقرب من تسعة قرون خلت، حتى يحذو الباحثون هذا المنحى، وهو التصدي لتحقيق التراث الإسلامي الزاخر بما يفيد المسلمين والإنسانية جمعاء، حتى ولو كان التحقيق على الأغلب أصعب بكثير من البحث في موضوع مَّا.
*ـ كون الموضوع يهدف إلى تربية النشء تربية إسلامية صحيحة، حيث إنَّه يذكِّره بمناقب أسلافه وحفاظهم على الأخلاق الحميدة.
ولموضوع سير المشايخ أهمِّيَّة بالغة، إذ يعدُّ من جهةٍ إحياءً لِمَا اندرس ولما انطمس وطواه النسيان، ومن جهة أخرى باعثا على الاعتزاز بهم، في وقت أراد الغرب إضفاء الأهميَّة البالغة، ومسحة العبقريَّة والذكاء على رجاله، ومختلف مدارسه واتجاهاته، كي يُقنع الناشئة بعلوِّ كعبه في كلِّ المجالات، ويبعث فيهم حبَّ الغرب ورجالاته، ويصيبهم بالإحباط؛ فيرون أن لا مجال لها إلا بالاعتراف بعبقرية الإنسان الغربيِّ، وتخلُّف أجدادهم المسلمين؛ فيسهل لهم التبعيَّة والانقياد، بل يكفونه كلَّ دعاية له وترويج لأفكاره وإنكار لماضيهم. وبهذا صار العمل في هذا الاتجاه واجبا ودافعا قويًّا، رغم كون إقناع هؤلاء المستغربين أضحى صعبا وشاقًّا. والوصول بالمقتنعين بعد ذلك (1/187)
صفحة 188
للتأسِّي بهؤلاء المشايخ، من أسمى الغايات والأهداف.
وقبل كل شيء نطرح عدة تساؤلات هي بمثابة إشكاليات حول مجموعة الوسياني قيد الدراسة:
*- هل هذا الكتاب يضيف شيئا جديدا إلى المكتبة الإسلاميَّة؟.
*- ما قيمة سير الوسياني، مع وجود سير أبي زكريا، قبله والدرجيني بعده؟
*- هل يسدُّ فعلا الثغرة التي توجد بينه وبين أبي زكرياء حتى يستحق التحقيق؟.
*- لماذا طلب العمانيُّون من الدرجيني، إعادة صياغة كتاب أبي زكرياء مع وجود سير الوسياني في ذلك الحين؟ وكان من مطالبهم جودة التعبير، وسلامة الأسلوب، مع الرغبة الملحَّة أن يكون كتابُ أبي زكرياء هو المصدر، ولم يطلبوا إعادة صياغة سير الوسياني فيما نعلم. والسؤال المطروح: لماذا لم يطلبوا من الدرجيني نفس العمل بالنسبة لكتاب الوسياني؟
*- هل الأجزاء الثلاثة المجموعة في مجلَّد واحد، هي كلُّها للوسياني، أم إنَّ هناك خلطا بينها؟
*- هناك فقرات اشترك فيها الوسياني مع مقرين بن محمد البغطوري في كتابه "كتاب سير أهل نفوسة"، المؤلَّف في أواخر ربيع الآخر سنة 599هـ/1203م، والوسياني عاش في نفس الفترة تقريبا. هل نقل أحدهما من الآخر؟ أم نقلا من مصدر واحد؟ أم إنَّ المصادر الشفويَّة كانت هي السائدة في ذلك الوقت؟.
*- نلاحظ أنَّ في مجموعة سير الوسياني جمعًا بين التاريخ والشريعة الإسلامية (عقيدة وفقها)، هل يزيد هذا للكتب السِّيَريَّة التاريخيَّة قيمة؟ أم أنَّ هذا يزري بالمنهج المتَّبع في كتابة التاريخ؟.
لا شكَّ أنَّ هذه التساؤلات المطروحة تحتاج إلى إجابات مبدئيَّة هي بمثابة فرضيَّات، لا يكون فيها الجواب نهائيًّا إلاَّ بعد الدراسة وعرض النتائج المحصَّل عليها في الأخير، ومن هذه الفرضيَّات ما يأتي:
يمكن أن نقول:
إنَّ لِمؤلَّف الوسيانيّ قيمةً متميِّزةً من حيث وجود فترة قد يكون فيها هو المصدر، بعد أبي زكرياء وقبل الدرجيني.
- حينما طلب العمانيُّون في عصر الدرجيني إعادة صياغة سير أبي زكرياء، فلا شكَّ أنَّهم علموا مسبقا بارتفاع المستوى العلميِّ للدرجيني، وإلاَّ لما تجشَّموا المشاقَّ إليه من عمان إلى المغرب؛ فعمد الدرجينيُّ إلى تخليص كتاب أبي زكرياء من الشوائب؛ فغلب عليه أسلوب السجع والمحسِّنات البيانيَّة والبديعيَّة.
ربما لأنَّ لغة الوسياني كانت أسلم من لغة كتاب أبي زكرياء فلم يطلبوا تحسينه من الدرجيني.
وإمَّا لأنَّهم لم يسمعوا به مطلقا، لكون الفترة بين الوسياني وأبي زكرياء أضيق مما هي بين أبي زكرياء والدرجيني، مما جعل ذلك كافيًا لذيوع أخبار كتاب أبي زكرياء دون التعرف على سير (1/188)
صفحة 189
الوسياني. فهذا السؤال يبقى مطروحا إلى أن نجد له جوابا من أهل المشرق.
- نجد في منهج الوسياني ميولاً إلى الفقه أكثر، ولعلَّ ذلك لكثرة تداول تلك المسائل بين العزَّابة - أي طلبة العلم-، خاصة مع انتشار الديوانين، ديوان الأشياخ، وديوان العزَّابة. وهذا لا يعاب على المؤرِّخين المسلمين لأنَّهم متعلِّقون بدينهم مثل جميع العلماء. إذ الهدف الأسمى والغاية النبيلة خدمة الدين. وهم بهذا قد قدَّموا خدمةً بما انتقوه من المسائل، مما - ربَّما - قد أغفله الفقهاء. ونكون بتَرْكِنا تحقيق مثل هذه الكتب قد جهلنا كثيرا مما ورد فيها من أخبار كانت ممتزجة بالعلوم الشرعية قد لا نجدها في غيرها من كتب التاريخ.
للتحقُّق من صحَّة هذه الفرضيَّات، يقتضي منِّي البحث انتهاج خطَّة سليمة؛ ولذلك قسَّمته إلى شقَّين:
تناولت في الشقِّ الأول جانب الدراسة، وفي الشقِّ الثاني جانب التحقيق.
بدأت البحث بمقدمة عرضت فيها بواعث اختيار الموضوع، وأهميته، والإشكاليات المطروحة، وعرَّفت بالمنهج المتبع في الدراسة، وبكيفية ضبط النص وترقيمه. وبينت كيفية وضع الفقرات ورموزها، وكيف جمعت النسخ وقابلت بينها، مع عرض للدراسات السابقة ونقدها. وأنهيتها بالحديث عن الصعوبات التي اعترضتني.
قسَّمت قسم الدراسة إلى مدخل وبابين وفصول:
تناولت في المدخل عرضا ونقدا للدراسات السابقة التي تناولت سير الوسياني، باللغتين العربية والفرنسية.
تناولت في الباب الأول الحديث عن المؤَلِّف، وهو يشمل فصلين:
كان الفصل الأوَّل خاصًّا ببيئة المؤلِّف المؤثِّرة فيه، وقسَّمته إلى خمسة مباحث: البيئة الطبيعية، والدينية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية والاجتماعية.
والفصل الثاني كان عن حياته ويتناول مبحثين: حياته الشخصيَّة، وحياته العلميَّة.
أما الباب الثاني فكان الحديث فيه عن كتابه الذي ألَّفه، ويتناول ثلاثة فصول:
فالفصل الأوَّل: يحتوي على مبحثين:
حاولت في المبحث الأوَّل الإجابة عن إشكاليَّة نسبة الكتب الثلاثة في المجموعة إلى الوسياني.
وفي المبحث الثاني قدَّمت وصفًا للنسخ الخطِّيَّة.
أما الفصل الثاني: فكان الحديث فيه عن مكانة الكتاب وموقعه بين المصادر الإباضية المغاربيَّة السِّيَريَّة السابقة والمتزامنة واللاحقة.
أمَّا الفصل الثالث: فعن المنهج والمحتوى. يتضمَّن مبحثين: الأول عن المنهج والأسلوب، والثاني عن المحتوى.
وبهذا ينتهي قسم الدراسة. (1/189)
صفحة 190
وبالنسبة للقسم الثاني (قسم التحقيق) قمت بتحقيق الجزء الأوَّل بعد ضبط نصِّه، وإجراء المقابلة عليه بين عَشْر نُسخ مختلفة. قمت بتخريج الآيات والأحاديث والأبيات الشعريَّة، وتعريف البلدان والأماكن، والتراجم والقبائل، وما غمض من الكلمات والمصطلحات. معتمدا في ذلك كلِّه على المصادر قبل المراجع.
وبعد إتمام تحقيق الجزء الأوَّل ـ وهو المعنيُّ فقط عند تسجيل الموضوع للبحث ـ وبإشارة من المشرف وموافقة منه، لم يُترك الكتاب الثاني دون ضبط لنصِّه أو مقارنة. فكانت المقارنة بين خمس نسخ خطِّيَّة، زادت الباحث عناء وللبحث فائدة. وتُرك الكتاب الثالث مدرجا في الملاحق دون مقارنة أوَّل الأمر؛ ثقةً منا في عمل الأستاذ عبد الرحمن أيوب، إذ أنجزه في إطار أكاديمي، ولكن حين اتَّضح أنَّ المحقِّق كان بتحقيقه الجزء الثاني من كتاب سير أبي زكرياء (وهو ما يقابل الكتاب الثالث من مجموعة الوسياني)، قد شوَّهه بالأخطاء المتكرِّرة، وتغيير في الأسماء، وتصرُّف شخصيٍّ بعبارات قد تؤثِّر حتَّى في المعنى. وكم نوَّهتُ بعمله في عدَّة مناسبات، ولكن بعد مقارنات مع ما قرأت في الكتاب الثالث من مجموعة الوسياني، تبيَّن لي أنه من الضروريِّ تصحيحه، مع تحقيق إسماعيل العربي لكتاب سير الوسياني ـ المنسوب خطأً إليه (2) ـ وما فيه كذلك من سرعة في التحقيق، رأيت لزاما أن أقارن هذه الأعمال ببعض النسخ الخطية المعتمدة لديَّ، والتي تضمُّ الكتاب الثالث؛ مع الإشارة إلى أنَّ هذا الكتاب الثالث غير موجود في جميع النُّسخ.
وفي هذا البحث المتشعِّب رأينا لزاما أن تتعدَّد المناهج كالآتي:
*- الرُّجوع إلى الأحداث واستنطاق ما فيها من نتائج، يُعدُّ منهجا استرداديًّا، تحليليًّا.
*- جمع أجزاء مجموعة الوسياني، ومقارنة ما فيها من أسانيد، وتواريخ، يعدُّ منهجا تحليليا مقارِنا استقرائيًّا.
*- وصف البيئة الطبيعيَّة، والاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، في عصر الوسياني. ووصف النسخ المخطوطة، يعدُّ منهجا وصفيًّا.
فإذا لزم الأمر أن ننفرد بمنهج دون سواه كان ذلك، وإن لزم الأمر أن تتضافر كلُّها كان ذلك أيضا؛ إذ المقصود اتِّباع أقوى الطرق والمناهج، للوصول إلى الغاية المرجوَّة.
وتفصيلا للمنهج في ميدان التحقيق كانت استفادتي من جانبين:
أ- الجانب النظري، وذلك بالرجوع إلى أهمِّ المصادر في تحقيق المخطوطات، مثل: كتاب "مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين" لرمضان عبد التواب. و"تحقيق النصوص ونشرها" لعبد السلام هارون، و"قواعد تحقيق المخطوطات" لصلاح الدين المنجد، و"محاضرات في تحقيق النصوص" لأحمد محَمَّد الخراط، وغيرها ...
ب- الجانب التطبيقي، وذلك بخبرة الباحث المتواضعة منذ 25 سنة في البحث عن المخطوطات عبر (1/190)
صفحة 191
العالَم القديم (آسيا وأوروبا وإفريقيا)، وجمعها، وفهرستها، وإلقاء المحاضرات في عدَّة ملتقيات، وتدريس مقياس تحقيق المخطوطات، والإشراف على عدد من الطلبة في هذا المجال.
فبدأت العمل بالنسبة للوسياني، وفق الخطوات الآتية:
1 - جمعتُ النسخ الخطيَّة، وقرأتها عدَّة مرَّات، حتى أتعوَّد على خطوطها المتنوِّعة.
2 - رقَّمت النصَّ، فوضعت النقاط والفواصل وعلامات التنصيصِ، وما يتلاءم والطّرق المنهجيَّة المطلوبة.
3 - أجريت بعض التعديلات من الخطِّ المغربي القديم، إلى الرسم المتعارف عليه حديثا، تيسيرا للقارئ، مثل تعديل رسم الفاء والقاف.
4 - تفاديا لإثقال الهوامش بالتعليقات، وفي خلال المقارنة بين النسخ، لم أشر إلى ما وجدته من الاختلافات في رسم الكلمات بين النسخ الخطية، والتي لا تغيِّر المعنى، مثال ذلك:
ـــــ واو العطف والفاء في حال الحذف أو الاختلاف.
ـــــ الاختلاف بين الهمزة والواو، مثل: أولف = أؤلِّف.
ـــــ الاختلاف بين الهمزة والياء، مثل: المسايل والفضايل = المسائل والفضائل / ليلا = لئلا.
ــــ الاختلاف في رسم الهمزة وفق الرسم الإملائي الحديث، مثل: بإحياءه = بإحيائه.
ــــ إثبات الألف وسط الكلمة: روايت = روايات.
ــــــ الاختلاف بين الألف المقصورة والألف الممدودة، مثل: انتها = انتهى.
ــــــ ضبط الإعجام وفق الرسم الإملائي الحديث، مثل: التلوج = الثلوج.
ـــــ الاختلاف في الترضِّي والترحُّم ...
5 - قسّمت النصّ إلى فقرات، والمخطوط في حدِّ ذاته يضع ما يوحي ببدايتها، مثل كلمة: «وذكر»، وغيرها. فبها وبأشباهها أمكنني ضبط كل فقرة.
6 - استحدثت عنوانا للروايات الأولى «روايات نفوسة»، على غرار العناوين اللاحقة، والضرورة توحي بذلك ووضعته بين معقوفين.
7 - اتخذت للعناوين الكبرى ـ أي الروايات ـ رموزا، وللفقرات المندرجة تحتها أرقاما، وهذه الطريقة اقتبستها من المحقِّق عبد الرحمن أيوب في تحقيقه «كتاب السيرة وأخبار الأئمة»، فهي مفيدة جدًّا لعدَّة أمور:
*-أولها: بقاء رمز الفقرة ورقمها مستقرين أمام عمل الحاسوب في حالة إضافة بعض السطور، وتغير أرقام الصفحات مرَّات عديدة.
*- ثانيها: إمكانية الإحالة إلى رمز الفقرة ورقمها أثناء العمل دون انتظار النهاية للعمل. وحتى لو تغيَّرت الطبعة وتغيَّر الخطُّ والصفحات تبقى الإحالة ثابتة. (1/191)
صفحة 192
*- ثالثها: كون الإحالة على الفقرة أدقَّ وأضبط، من الإحالة على الصفحة؛ لأنَّ الصفحة الواحدة تحتوي على عدَّة فقرات.
*- رابعها: تسهيل وصول القارئ إلى المعلومة بأسرع وقت ممكن، وهذا شبيه بالطريقة الغربية التي تحيل على السطر في الصفحة الواحدة.
ووضعتُ لكلِّ رواية من الروايات رمزا، على الشكل الآتي:
*-روايات نفوسة = (ن). اندرج تحتها اثنا عشر عنوانا.
*-روايات جربة = (ج). واندرج تحتها سبعة عناوين.
*-روايات أهل القصور = (ق) واندرج تحتها خمسة عناوين.
*-روايات أسوف وأريغ = (س) واندرج تحتها ثمانية عناوين.
*-روايات وارجلان= (و) واندرج تحتها ثلاثة عناوين.
*-روايات ملتقطات منثورات = (ر) واندرج تحتها خمسة عناوين.
*-روايات مشايخ شتَّى = (ش) واندرج تحتها عنوانان.
*-الجزء الثاني = (ث) واندرج تحتها اثنان وثلاثون عنوانا.
ولتوضيح ذلك نأخذ نموذجا لرمز ورقم فقرة من الفقرات.
فعلى سبيل المثال: الفقرة الثالثة من روايات أبي معروف ويدرن بن جواد، وهو من نفوسة، وترجمته كانت الثانية من رجالاتها.
- اتخذت رمز حرف النون (ن) ليرمز إلى روايات نفوسة.
- اتخذت حرف (ن) + رقم (2) لكونه الترجمة الثانية = (ن2).
وحيث إنَّ الفقرة هي الثالثة، فيكون الرمز النهائي للفقرة هو (ن2/ 3) مع وجود سطر مائل للفصل بين الرقمين.
ومع هذا فقد اعتمدنا في الفهارس زيادة الإحالة على الصفحات، لكون طريقة ترقيم الفقرات ـ مع دقتها، والجهود التي بذلناها في إثباتها ـ لا تزال غير مألوفة بعد.
8 - وبالنسبة لجمع النسخ والمقارنة بينها:
تمكنت بفضل الله وحسن عونه وتوفيقه، أثناء رحلاتي داخل الوطن وخارجه، من جمع عشر نسخ للمقارنة، فاعتمدت الأقدم فجعلتها أمًّا لقدمها، ما دامت سليمة من الخطأ؛ فهي ترجع إلى سنة956هـ/1549م، وأيضا لكون ناسخها متمكِّنا، كما أنها الأسلم من السقط، ورمزت إليها بحرف (أ). واخترت نسخة أخرى أوضح نصًّا وأسلم من حيث التآكل، لتكون المكمِّلة للنصِّ، والمرمِّمة له قبل المقارنة، ورمزت لها بحرف (ب) (3)، ووضعت الإضافات منها بين معقوفين.
وفي حالة وجود خطأ في النسخة (أ) المثبتة في المتن، فإنَّنا ننتقي أصوب الاحتمالات من النسخ الأخرى، ونثبته في المتن، وسمَّينا هذا المنهج بالطريقة الانتقائيَّة، على أن لا تعدو التصويبات ما هو (1/192)
صفحة 193
موجود في النسخ المعتمدة. وقد اعتمدت هذه الطريقة لكون القارئ غالبا لا يكلِّف نفسه عناء قراءة الصواب في الهامش. ثمَّ وجدت أنَّ الدكتور أحمد بن محمَّد الخرَّاط قد دعا إليها، وسمَّاها بالطريقة التلفيقيَّة (4).
10 - أشرت في الهوامش إلى السقط الواقع في النسخ الأخرى بفعل انتقال النظر أو السهو.
مثال ذلك: «وطلّقت نفسها واحدة بعد واحدة ثلاثا، ثمّ جاء بعد ذلك، فبدا لهما في الرجوع، فسأل أبو عبد الله والدها أبا العبّاس، /24 و/ فقال له: ليس هناك إلاَّ واحدة، فرجعت إليه» (5). يلاحظ هنا انتقال نظر من واحدة الأولى إلى الثانية. وهذا الخرم موجود في نسخة (ب) وغير موجود في نسخة (أ).
وكانت المقابلة بين النسخ المخطوطة من أشقِّ الأعمال بالنسبة لي، كما أنَّ الفترة التي قضيتها في سلطنة عمان أوَّل الأمر كانت مرهقة جدََّا، وذلك لاعتمادي على النسخة التي جلبتها من بولونيا، وقد تآكلت حوافها واحتاجت إلى ترميم وإضافات، واعتمادي على النسخة العمانية التي امتلأت بالأخطاء لكون كاتبها لم يألف - حسبما يبدو - الألفاظ والأسماء البربرية، وكذا النسخة الجزائرية - من بني يزجن - القديمة ذات الخطِّ الدقيق مع ما فيها من خرم. وكان هذا كلُّه مصدر تعب وقلق لي وكاد صبري ينفد، وكانت استعانتي ببعض الزملاء نادرة، و كان العمل بطيئا جدًّا؛ وذلك لنفاد صبر من يقرأ معي الصفحة والصفحتين. وكنت أواصل ـ مع ذلك ـ العمل دون كلل أو ملل.
ولما رجعت إلى أرض الوطن، صرت أستعين بذوي البصر الحادِّ على المقابلات، من الأصدقاء أساتذة كانوا أم طلبة، وذلك لتكاثر النسخ، وإن كان الأمر يحتاج إلى جلد وصبر متواصلين طوال الوقت، مع إدامة النظر في كلِّ وقت وآن، غير ناس الاستعانة بالله بالدعاء المتكرِّر.
- أثبتُّ داخل النص ما يشير إلى رقم الورقة في النسخة الخطية الأم - وجها أو ظهرا - ومثال ذلك:
/5 و/ يعني وجه الورقة الخامسة
/5 ظ/ يعني ظهر الورقة الخامسة
- خرَّجت كلَّ ما يمكن تخريجه من مختلف المصادر والمراجع، فعرَّفت بالتراجم الإباضيَّة، سواء من المصادر الأولى التي سبقت الوسياني، مثل سير أبي زكرياء، أو التي أتت بعده، مثل: طبقات الدرجيني، الذي أخذ عنه رواياته، وصنَّف رجالها إلى طبقات. وغيرهما من المصادر والمراجع الإباضية وغير الإباضية كثيرة. وتعدُّ الإحالات إلى الهومش لهذه التخريجات مع إحالات المقابلات بالآف، إذ بلغ عددها: 6640 إحالة (دون قسم الدراسة، والذي يبلغ عدد الإحالات فيه 400 إحالة)، والمجموع هو: 7040 إحالة. (1/193)
صفحة 194
12 - تلا ذلك تخريج أسماء المدن، خاصة المندثرة منها، وانقسم العمل إلى عمل مكتبي وعمل ميداني:
فبالمكتبي أمكن اللجوء إلى مؤلفات أبناء منطقة نفوسة بليبيا. وجربة، والجريد، بتونس، وأسوف، وأريغ، بالجزائر.
وبالميدانيّ أمكن السفر إلى ليبيا، وجربة ومنطقة الجريد بتونس. والالتقاء بالمثقفين والمسنّين الذين يعرفون المنطقة جيِّدًا، وحفظوا أسماءها أبا عن جد.
أمَّا غيرها من المصادر العامَّة، المتحدِّثة عن التراجم والأماكن فيكفي للاستدلال عن ذلك إلقاء نظرة بسيطة في الهوامش والفهارس لمعرفة المعتمد عليها.
13 - حوَّلت كلَّ ما وجدته من التواريخ الهجرية إلى ما يوافقها بالتواريخ الميلاديَّة، في كامل قسمي الدراسة والتحقيق.
وفي الأخير، لست أدري بعد هذا الجهد المرير الذي قضيته وراء البحث والتنقيب يمكن أن أعدَّ نفسي ضمن الذين أفادوا غيرهم، إذ العبرة بالفائدة المرجوَّة. غير أنَّ ما يشفع لي هو راحة الضمير بعد الاستقصاء في بذل كلِّ الجهد من مال ووقت، ووقوف على كلِّ ما يمكن الوقوف عليه، غير عابئ بالأخطار، ولو كان ذلك على حساب الصحَّة والأهل والمال. وأملي في الله وأجره وثوابه ورضاه، ورضا أحبَّائه وأخياره.
ويبدو أنَّ أهمَّ شيء هو واجب أداء الشكر لله الواحد القهَّار، الذي ذلَّل لي الصعاب التي ما كنت أستطيع أن أتخطَّاها لولا عونه وتوفيقه، فهي كثيرة ومضنية، لا يمكن في بعض الأحيان ذكرها وربما حتَّى تذكُّرها.
وعلى سبيل المثال لا الحصر:
*ـ بذل الجهد في جمع النسخ الخطية، والتي فاق عددها العشرة، من مختلف جهات العالم: بولونيا، وألمانيا، والجزائر (شمالا وجنوبا، شرقا وغربا)، وتونس، وجربة، وليبيا، ومصر، وعُمان، وروسيا (التي مُنِعنا من جلب مخطوطاتها). وكان من الممكن الاكتفاء بالنسخ الثلاثة الأولى فقط؛ وهذا ما أدَّى إلى الإرهاق الماديِّ، والصحِّيِّ، والأدبيِّ والنفسيِّ.
*ـ التنقُّل بين وهران حيث العمل، والقرارة حيث الكاتب، وقسنطينة حيث المشرف، والرجوع إلى وهران، خاصَّة أيام البرد والثلوج، وقطع ما يربو عن ألفي كيلومتر في كلِّ مرَّة، مع أخطار الطريق المختلفة، لَهُو الباعث على الإرهاق كلِّه لولا الصبر الجميل.
*ـ المزج بين العمل وتحضير المحاضرات والبحث، هذا ما يضطرُّني لهجر كثير من المتع، كالبقاء مع الأهل، والاستمتاع بالعطل الأسبوعيَّة والسنويَّة، والراحة والنوم.
*ـ الأسفار الطويلة للالتقاء بالعلماء داخل الوطن وخارجه من أجل تحقيق معلومة (6)، أو فهم (1/194)
صفحة 195
معنى، حتى ولو كلمة أمازيغية لا يعرفها إلاَّ المسنُّون في نفوسة. أو الوقوف ميدانيًّا على قوانين تقسيم المياه على جداول مياه قصطالية، وأدوات ذلك في متاحفها القديمة.
*ـ تحول سيارتي في كلِّ سفر إلى الجنوب إبَّان العطل أو إلى الشمال، إلى مكتبة متنقِّلة أخاف عليها من المغيرين، فأرهقني طول الأسفار، وثقل الأسفار.
إضافة إلى ذلك، هناك أخطار كثيرة حصلت لي لا يحسن بي أن أذكرها فهي متعدِّدة ومتنوعة لأنها لا تفيد كثيرا. غير أنَّ ما يستحسن أن يذكر هو ما يستفيد منه القارئ الباحث حتَّى يحذر منه:
*ـ إنَّ ما يلاحق الباحث العربيَّ المسلم هو كثرة الشكوك التي تحوم حوله، لكونه عربيًّا أو جزائريًّا أو مسلما، أو حتَّى ملتحيا!.
إنَّ ما هزَّني وكاد أن يصيبني بالإحباط، أخذ جزء من بحثي ـ من أطراف مجهولة ـ بعد ضبطه وإجراء المقابلة عليه، بعد أن تركته في خزانة المصاحف لأداء صلاة الجماعة في بلد شقيق، لعلَّ ذلك كان رغبة في الاطِّلاع عليه إن كان يمتُّ إلى حركة سياسيَّة أو اتِّجاه إسلاميٍّ معيَّن، فلو سئلتُ من طرف مَّا، وأعيد إليَّ بحثي لهان الأمر، ولكن كيف الحصول على النسخ الخطِّيَّة في بلد غريب لا يقدِّر قيمة العلم والعلماء؟!.
كما أنَّ التقنيات الحديثة لها محاسن جمَّة، فلها عيوب أيضا وقاسية في بعض الحالات، فكلُّ أعمالي الموجودة في الحاسوب ذهبت أدراج الرياح بلمسة واحدة، أصابت المهندس الحاذق بالذهول إبَّان محوه لذاكرة الحاسوب لتغيير برنامجه، وكلَّفني ذلك وقتا تحت وطأة القلق النفسي، والتحسُّر على أمر، لولا لطف الله، وإخلاص المهندس، لتصحيح خطئه لكانت أزمة خانقة لا حلَّ لها.
وكلُّ ما أرجوه بعد هذا كلِّه، أن يتقبَّل الله منِّي هذا العمل، وممن أسدى إليَّ نصحه وإرشاداته، وأن يجعل كلَّ ذلك في ميزان حسناتنا جميعا.
وأرجو من الله السداد، والله من وراء القصد. والله وليّ التوفيق.
--------------------
الهوامش
(1) سورة الصف: 8.
(2) ينظر: الملحق رقم 6: «كتاب السير هل هو للوارجلاني أم للوسياني؟» جريدة الواحة، العدد 15، الخميس 24 ربيع الأول 1412هـ/ 3 أكتوبر 1991م.
(3) ينظر بقية رموز النسخ الأخرى في الصفحة الخاصة بالرموز.
(4) يقول الدكتور الخرَّاط: «وإن فُقدت نسخة المؤلف فما بقي من النسخ مهما كانت منزلتها فإنَّك تعاملها على أساس: أنتم رجال ونحن رجال، فنختار منها الكلمة التي نراها تناسب المتن ... فلا تقل: أثبت في مجموع المتن نسخة (أ) التي تمتاز بكذا وكذا؛ لأنَّ الناسخ مهما أوتي من علم فقد يضلُّ ... ولا يجوز للباحث أن يعتمد على شخصيَّته العلميَّة فيسمح لنفسه أن يكتب كلمة لم يجدها في مجموع النسخ، إنما يجوز له أن يلفِّق بين هذه النسخ لاختيار ما يراه مناسبا للوصول إلى النصِّ السليم ... ». الخراط أحمد محمَّد: محاضرات في تحقيق النصوص، المنارة للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1404هـ/1984م، ص45.
(5) ينظر: فقرة: س3/ 4.
(6) ينظر: الملحق رقم 7: زيارات لمراكز دولية وشخصيات علمية. (1/195)
صفحة 196
الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ صالح بن عبد الله أبو بكر:
الجريمة السياسية بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية
إن من أخطر المشاكل التي تعاني منها أغلب دول العالم اليوم، ظاهرة الإرهاب والاضطرابات السياسية، من مظاهرات ومشادَّات وشغب ناتجة عن المعارضة السياسية العنيفة، التي قد تصل إلى الإرهاب، والجريمة المنظَّمة العابرة للحدود.
هذه المشاكل قد يطول أمدها، فتوقع الحكومات في مواقف حرجة، سياسيا وقانونيا، فهي من جهة تريد الحفاظ على كيان الدولة وهيبتها، ومؤسساتها الشرعية، ومن جهة أخرى تريد إخماد الفتنة، وإسكات المعارضة، بأية طريقة، لأن مجرد الاعتراف بها وبشرعية مطالبها، وبوصف جرائمها بأنها سياسية، يعني زحزحتها عن الحكم، وفسح المجال للمعارضة كي تتولَّى الحكم بدلا منها.
فإمَّا أن تتساهل مع المشاغبين الثائرين، وسيؤدي ذلك حتما إلى زعزعة مواقفها والتنازل عن سلطتها، فتنهار الحكومات ويستقيل أو يقال الرؤساء وتُحل الأحزاب، ويجمد الدستور فتعلن حالة الطوارئ، ويتدخل الجيش فتنهار الثقة بين الشعب والسلطة، فتدخل السلطة في مرحلة اللاشرعية، وقد تطول مدتها، وهذه هي حال الكثير من دول العالم، ومنها دول العالم الإسلامي.
وإمَّا أن تتصلب السلطة الحاكمة، وتتشبث بالحكم وتتعامل مع المعارضة بكل قوة ووحشية، مستعملة القوة الأمنية والعسكرية والإعلامية، معتبرة أن تلك المعارضة هي معادية للأمَّة ومقوماتها، وهي خطر على المصالح العليا للبلاد، وأنها تهدد كيان الدولة، وهي عدو للشعب والإنسانية وضد الحضارة، وليس لها أي مطالب سياسية، بل هدفها التخريب والتقتيل فقط، فتصفها بكل الأوصاف، التي تؤلب عليها الرأي العام الداخلي والخارجي، مما يبرر لها غلق كل أبواب الحوار (1/196)
صفحة 197
والنقاش والتسامح أو التنازل أو حتى الاعتراف بوجودها، فترصد لذلك أجهزة الأمن والمخابرات والجيوش والأسلحة والإجراءات الصارمة والشديدة أبشع مما تواجه به أعداءها الخارجيين، وهكذا تستمر الأزمة لعقود عديدة، إلى أن تتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية فينتج عنها:
1 ـ استمرار الأزمة بين السلطة والمعارضة عدة سنوات، مما يعرقل التنمية والتطور في جميع المجالات.
2 ـ اختراق المعارضة من قبل العصابات والمجرمين، فتتشوَّه مطالبها السياسية التي كانت مشروعة.
3 ـ قد تتعاطف مع المعارضة قوى أجنبية مغرضة، للتدخل في الشؤون الداخلية.
4 ـ تدخل المنظمات والهيئات الدولية، باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الأقليات.
5 ـ تبعا لمنظمات حقوق الإنسان قد تساندها المنظمات والهيئات السياسية والمالية والاقتصادية الدولية.
6 ـ تسيطر السلطة الحاكمة على الجيش والإعلام فتوجه الرأي العام وتكيف جرائم المعارضة تكييفا يخدم موقفها.
أمام هذا الموقف المتصلب، تجد السلطة نفسها في مأزق سياسي وقانوني، فتبحث عن المبررات للخروج من الأزمة التي طالت وأتت على الأخضر واليابس، وفي النهاية وبعد عدة عقود من الخراب والدمار، والخسائر التي يصعب عدها في الأرواح والأموال، وبعد تغير أو تغيير رجال السلطة، وأنظمة الحكم، يضطر هؤلاء الحكام الجدد أو القدامى، إلى الاعتراف بحقوق المعارضة السياسية، وتبدأ التنازلات بالمفاوضات السرية، وعبر الوساطات، فتصل إلى تدابير المصالحة، والعفو الشامل، وهكذا تضطر السلطة إلى أن تعامل المعارضة معاملة أخف وأرحم، من قوانين العقوبات العادية، معترفة في النهاية أن الإجرام السياسي يختلف عن الإجرام العادي.
وإذا كانت الدول المتقدمة التي عانت من الإجرام السياسي قديما، وتعاملت معه بقسوة وشدة قد تداركت هذا الخلل السياسي والقانوني منذ النهضة الأوربية، وخصوصا بعد الثورة الفرنسية، حيث اضطر المشرِّع الأوروبي أمام كثرة الثورات، وبفضل جهود الفلاسفة والمفكرين، فاعترف بوجود الجريمة السياسية، التي تختلف عن الجريمة العادية، فوضع لها نصوصا خاصة وعقوبات متميزة، معتبرًا أنَّ المجرم السياسي رجل نبيل، وفاضل ذو أخلاق ومبادئ يناضل من أجلها ويضحي بمصلحته الخاصة من أجل مصلحة وطنه وشعبه، حتى وإن أخطأ في الوسائل وأحرق المراحل، واستعجل النتائج، فالمجرم السياسي قد يصبح حاكما في المستقبل، ولعل أغلب المصلحين والمجددين والزعماء والقادة في العالم كانوا مجرمين سياسيين، في نظر الحكم القائم في عهدهم.
فإذا كانت الدول الأوروبية قد خرجت من هذه المعضلة السياسية والقانونية بتعديل دساتيرها وقوانينها الوضعية، فما هو موقف الشريعة الإسلامية من الإجرام السياسي؟ وما هي آراء الفقهاء (1/197)
صفحة 198
المسلمين في المجرمين السياسيين؟ وكيف تعامل الحكام المسلمون مع المعارضة السياسية العنيفة؟ وهل يميز الفقه الإسلامي بين الجريمة السياسية والجريمة العادية؟
رجعتُ إلى كتب الفقه الإسلامي فاطَّلعت على أبواب البغي والبغاة فوجدت فيها بحوثا مستفيضة لأحكام جرائم البغاة انطلاقا من قوله تعالى {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُومِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتِ اِحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (1).
ومن تفسير هذه الآية، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعمال الخلفاء الراشدين، وآراء الفقهاء واجتهاداتهم، تكونت ثروة فقهية ضخمة، في موضوع جريمة البغي، وشروطها، وضوابطها، وأحكامها، وتمييز البغاة عن غيرهم من المجرمين، كل هذا مبسوط في كتب الفقه بشكل يحق للمسلمين أن يعتزوا به أمام فقهاء العالم، ولكن هذه الثروة تحتاج إلى دراسة علمية أكاديمية مستفيدة من تجارب الإنسانية، وأحدث ما توصلت إليه القوانين المعاصرة في التعامل مع الإجرام السياسي.
أمام هذا التراث الإسلامي الكبير والثروة الفقهية الزاخرة، وهذا البعد التشريعي الذي سبقت به الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية بثلاثة عشر قرنا؛ إذ لم تعترف القوانين الفرنسية بالجريمة السياسية إلا بعد الثورة الفرنسية، وجدت نفسي معتزًا و منبهرًا، من جهة، وحائرًا متحسرًا، من جهة أخرى، على مواقف الأنظمة السياسية العربية والإسلامية اليوم، فلا هي أخذت بالقوانين الوضعية، وما توصلت إليه من ديمقراطية وحرية الرأي، والمعارضة السياسية السلميَّة، التي تمنع الوصول إلى الإجرام السياسي، الذي وإن حصل فقد قنن المشرع تدابير وإجراءات لمحاكمة المجرم السياسي، محاكمة تليق بمقامه، كما أنَّ تلك الأنظمة لم ترجع إلى الشريعة الإسلامية التي اعترفت بالجريمة السياسية منذ نزول الوحي.
هذا هو الدافع القوي الذي جعلني أختار هذا الموضوع لجدته، وأهمية، فهو يفيد السلطة السياسية، كما يفيد المشرع والقاضي، وخاصة في هذه الظروف التي تعاني فيها أغلب الدول الإسلامية، من عنف المعارضة السياسية، وها هي السلطة الجزائرية مثلا تنتقل من التعامل الأمني الصارم إلى قانون الرحمة، ثم قانون الوئام المدني ثم إلى المصالحة الوطنية وهي تدعو اليوم إلى العفو الشامل.
وفي هذا البحث سنميز بين الجريمة السياسية، وكفاح الشعوب، وبين غيرها من الجرائم الوحشية والإرهابية، بضوابط وشروط، حتى نزيل الشبه والالتباس الحاصل لدى الكثير من السياسيين، مستخلصين ذلك من النصوص الشرعية وآراء الفقهاء ومن تاريخ الإجرام السياسي.
وتهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن الإشكاليات التالية وهي: (1/198)
صفحة 199
1 ـ ما هو مفهوم الجريمة السياسية في الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية؟ وما هي نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف؟
2 ـ كيف حدد الفقهاء شروط جريمة البغي حتى لا يستغلها المجرمون للاعتداء على الحقوق العامة والخاصة مستفيدين بذلك من الصبغة السياسية.
3 ـ إبراز أسبقية الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية في التمييز بين الإجرام العادي والإجرام السياسي.
4 ـ توضيح مواقف الفرق المعارضة للسلطة ومدى صحَّة أو خطإ تأويلها للخروج على الإمام.
5 ـ إثراء الفقه الإسلامي حتى يسعف المشرِّع في الدول الإسلامية كي يضع نصوصًا يضبط بها الجريمة السياسية فتستفيد منها السلطة الحاكمة للخروج من الأزمة.
6 ـ تحديد الشروط والضوابط الواجب توافرها في الجريمة السياسية حتى توصد الأبواب أمام الاتهامات التي توجه ضدَّ الشريعة الإسلامية بأنها تشجع الإرهاب أو لا تحاربه ولا تُدينُه، للخلط الحاصل بين كفاح الشعوب للحصول على حريتها، والإرهاب الهمجي على الحضارة والإنسانية.
ومنهج الدراسة يقتضي عرض الآراء الفقهية والقانونية ثم مناقشتها بتوظيف المنهج التحليلي مع تأصيل المسائل الفقهية ثم اعتماد المنهج النقدي، لأعمال الحكام المسلمين، ولثورات المعارضة، وبيان الصحيح وغير الصحيح منها. أما المنهج المقارن بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، فسأوظفه في المقارنات التي أجريتها في نهاية كل باب، وهي خلاصة مركزة أظهر فيها أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف بين موقف الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية من الإجرام السياسي، مضيفا إليها ما أستنتجه من المقارنة والأمثلة الواقعية في نظم الحكم الإسلامي والنظم المعاصرة.
وسأعتمد في هذا البحث غالبا على مراجع فقه أهل السنة، باعتباره الفقه الغالب على الأمة الإسلامية، وأنظمة الحكم الإسلامي قديما، كما سأعتمد على كتب الفقه الإباضي، باعتباره من الفرق السياسية المعارضة الأولى في التاريخ الإسلامي، كما أن أهل السنة والإباضية لهم تقارب في أهم الآراء السياسية، وذلك بحكم انتمائهم جميعا إلى منهج أصولي واحد وهي التعامل مع النصوص بالنقل والعقل، باستثناء اختلافهم في مسألة الشرط القرشي والخروج على الإمام.
ولهذا فسوف لن أتعرض كثيرا للفقه الشيعي وفرقه العديدة؛ لأن الشيعة تتميز بفقه سياسي مغاير يستند كثيرًا على النقل، مما روي عن آل البيت، ويستبعد الشيعة ما رواه غيرهم، مما جعلهم يشتهرون بمبدإ النقل واستبعاد العقل، فجاءت نظريتهم السياسية خاصة ومتميزة، تحتاج إلى دراسة خاصة ومستقلة، فالخلافة عندهم بالنص، وهي في أبناء علي بن أبي طالب، والإمام عندهم معصوم عن الخطإ، فلا يجوز الخروج عليه.
ولا يخفى على باحث في الدراسات المقارنة، بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، صعوبة هذا (1/199)
صفحة 200
العمل وخاصة في نظم الحكم والإدارة التي لم يُولِ لها الفقهاء المسلمون عناية كبيرة، في القرون الأولى، حيث كان جهدهم الكبير منصبًّا على فقه العبادات والمعاملات، وقد أهمل الفقه الدستوري، والسياسي والإداري، وبقيت المادة الخام من مبادئ في القرآن والسنة تراوح مكانها، ولعل انحراف السلطة بعد الخلافة الراشدة، كان السبب الرئيس في تخلف وجمود الفكر السياسي الإسلامي، وتحول الكتاب إلى تأصيل وتأويل، وتبرير أعمال السلطة، في كتب قليلة عرفت بالأحكام السلطانية والسياسية الشرعية.
كما أن الفارق الزمني بين الفقه الدستوري الإسلامي النظري والمثالي، وبين الدساتير المعاصرة العملية والواقعية، يصعّب الدراسة المقارنة بين ما بقي نظريا، ولم يطبق إلا نادرًا، كمبدإ الشورى، والبيعة، والحسبة، وقضاء المظالم، وبين الدساتير والقوانين المعاصرة، التي ورغم ظلمها واستبدادها قديما، إلا أنها بفضل جهود المفكرين وثورات الشعوب، فقد هذّبت وعدّلت بشكل كبير خلال التجارب التي شهدتها كثير من دول وشعوب العالم، فأكسبتها واقعية، وزودتها بآليات التطبيق، مما يجعلها تتعامل مع المعارضة السياسية بآليات وقنوات شرعية كالصحافة والأحزاب والمجالس المنتخبة، وتضمن حقوق وحريات الشعوب بأجهزة دستورية توفر حرية التعبير والنقد والمحاسبة بأساليب تمنع العنف وتحمي السلطة من الإجرام السياسي.
ويمكن حصر تلك الصعوبات في النقاط التالية:
1 ـ النصوص القطعية في الشريعة تقيِّد الاجتهاد خاصة في المجال الجنائي كالحدود والقصاص.
2 ـ في النصوص الظنية، أو حيث لا يوجد النص، من يجتهد؟ وكيف؟ وأين؟
3 ـ اختلاف المصطلحات الفقهية بين الشريعة والقانون يصعِّب إسقاط بعضها على البعض.
4 ـ التداخل بين السيادة والحاكمية؛ فالأولى للأمَّة والثانية لله، يمارسها الحاكم نيابة عن الشعب وليس نيابة عن الله.
5 ـ اختصاص الشريعة الإسلامية بمصطلحات، لا تعرفها القوانين الوضعية كالجهاد والردَّة والقصاص.
6 ـ اختلاف الشريعة والقانون، في مبدأَي التجريم والعقاب.
7 ـ اختلاف الفِرق والمدارس الإسلامية، حول شروط الخروج على الإمام، ومن هي الفرقة الباغية؟
8 ـ الفارق الزمني المقدر بأربعة عشر قرنا، بين نظامين لم يعيشا، ولم يطبقا في عصور متقاربة.
9 ـ المصادر التاريخية كيف كُتبت؟ وهل كل الأخبار الواردة فيها تفيد اليقين؟ وهل يجوز أن نبني عليها أحكامًا؟ (1/200)
صفحة 201
وأما المصادر والمراجع التي سبقتني في دراسة هذا الموضوع ففي الجامعة الجزائرية و في حدود علمي، لم أعثر على دراسة متخصصة للجريمة السياسية في الفقه الإسلامي مقارنة مع النظم الوضعية، بينما توجد في جامعات المشرق العربي كثير من الدراسات حول الجريمة السياسية في الفقه الإسلامي أو مقارنة مع القوانين الوضعية وسأذكرها لاحقا.
وأهم المصادر التاريخية لنظم الحكم والإدارة التي استفدتُ منها: كتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي فهو كتاب نفيس يجمع نظريات فقهية في الحقوق العامة الدستورية والإدارية والمالية والجنائية، إلا أنه يغلب عليه الطابع النظري، ولأبي يعلى الفراء كتاب مماثل يعتقد أنه منقول عنه.
وبما أن موضوع البغي والبغاة، هو موضوع فقهي حسب المؤلفات القديمة، فقد وجدت له مادة غزيرة، في أغلب كتب الفقه الإسلامي، من كل المذاهب الإسلامية، أذكر منها «المبسوط» للسرخسي، و «المغني» لابن قدامة، و «نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» للرملي، و «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» لابن نجيم، و «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي، و «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» للكاساني، و «حاشية ابن عابدين»، و «حاشية الشلبي على شرح الزيعلي على كنز الدقائق». و «الشرح الكبير» لمحمد الدسوقي، و «التاج والإكليل لمختصر الشيخ خليل» لأبي عبد الله محمد الغرناطي، و «المهذب» للشيرازي، و «كشاف القناع» للبهوتي، و «شرح النيل» لمحمد بن يوسف اطفيش، وغيرهم.
ولكن هذه الموسوعات الفقهية لا يخلو أغلبها من عيوب وأخطاء في موضوع الحكم والإمامة فهي آراء فقهية ليست ملزمة لأي عصر ولا لأي مصر، ونذكر من هذه العيوب:
1 ـ أن يكون رئيس الدولة من قريش.
2 ـ عدم قابلية الخليفة للعزل إلاَّ إذا كفر أو أقر بالكفر أو ترك الصلاة.
3 ـ تنعقد البيعة بخمسة أو ستة أو أربعين.
4 ـ إقرار النظام الو راثي.
5 ـ إقرار حكم الوالي المتغلب.
وأمَّا المراجع الحديثة، التي تناولت موضوع الجريمة السياسية، فنذكر منها، «التشريع الجنائي الإسلامي» للدكتور عبد القادر عودة، وكتاب «الجريمة والعقوبة» للشيخ محمد أبو زهرة، ومجموعة كتب الدكتور فتحي بهنسي، و «الجرائم والعقوبات»، للدكتور توفيق علي وهبة، و «الإسلام وأصول الحكم» للدكتور محمد عمارة، و «الفقه الجنائي الإسلامي»، للدكتور بهجت عتيبة، و «عبقرية الإسلام في أصول الحكم» للدكتور منير العجلاني، و «القانون والعلاقات الدولية في الإسلام» للدكتور صبحي محمصاني، وغيرهم.
وأمَّا الكتب المتخصصة في موضوع الجريمة السياسية فهي في المشرق العربي كثيرة أذكر منها:
كتاب «الجرائم السياسية وأوامر الاعتقال» للدكتور عبد الحميد الشواربي، و «التمهيد لدراسة (1/201)
صفحة 202
الجريمة السياسية» للدكتور محمد عطية راغب، و «الإجرام السياسي» للدكتور عبد الوهاب حومد، و «الجريمة السياسية وضوابطها» للدكتور محمد الفاضل، و «الجرائم السياسية» للدكتور جاك يوسف الحكيم، وكتاب «مبدأ عدم تسليم المجرمين في الجرائم السياسية» لإلهام محمد العاقل.
ومن الأطروحات الجامعية التي تناولت الجريمة السياسية بدراسة منهجية وأكاديمية نذكر منها:
1 ـ رسالة الدكتوراه سند نجاتي سيد أحمد، بعنوان «الجريمة السياسية دراسة مقارنة»، نوقشت بجامعة القاهرة كلية الحقوق سنة 1983 فقد تناولت هذه الرسالة الجريمة السياسية مقارنة مع التشريعات العقابية في جمهورية مصر.
2 ـ رسالة الدكتوراه لمنذر عرفات توفيق زيتون، تناولت «الجريمة السياسية في الفقه الإسلامي»، ونوقشت بكلية الدراسات العليا سنة 1998 في الفقه وأصوله، تعرض فيها الباحث إلى تعريف الجريمة السياسية وخصائصها وأنواعها في الفقه الإسلامي.
3 ـ رسالة دكتوراه لأحمد محمد عبد الوهاب «الجريمة السياسية دراسة مقارنة من نطاق التجريد القانوني إلى مجال التطبيق العملي»، نوقشت في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، بدون تاريخ، تعرض فيها الباحث إلى التطور التاريخي للإجرام السياسي، قبل الثورة الفرنسية وبعدها، ثم تطرق إلى نطاق التجريم السياسي، باستعراض نظريات تمييز الجريمة السياسية عن غيرها من الجرائم كما بحث أسباب الإجرام السياسي، وضمانات المتهم بالإجرام السياسي من التحقيق إلى المحاكمة.
4 ـ رسالة الماجستير، لهيثم سليمان سعيد العطروز، «الجريمة السياسية وتطبيقاتها في الأردن»، نوقشت بالجامعة الأردنية، كلية الدراسات العليا سنة 1998 وقد تضمنت تاريخ الجريمة السياسية، ثم تطرق الباحث إلى الجريمة السياسية في التشريع الأردني.
وسيرا مع منطق البحث وأهميته فقد قسَّمتُ الدراسة إلى فصل تمهيدي، وثلاثة أبواب على النحو التالي:
الفصل التمهيدي:
أوضحت فيه مبادئ أساسية اعتبرتها سببا للمعارضة العنيفة والإجرام السياسي وهي شرعية السلطة وحدود المعارضة السلمية، التي إن تحولت إلى العنف أصبحت جريمة سياسية وهي موضوع بحثنا.
الباب الأول:
خصَّصتُه لتعريف الجريمة السياسية وبيان أركانها في الفقه الإسلامي وفي القوانين الوضعية، وذلك في فصلين تحدثت في الأول على تعريف الجريمة السياسية، وشروطها وتمييزها عن غيرها من الجرائم المشابهة لها في الفقه الإسلامي.
أما الفصل الثاني فتناولت فيه تعريف الجريمة السياسية في الفقه والتشريع والقضاء، ثم أركان الجريمة السياسية وشروطها، في القوانين الوضعية.
الباب الثاني: (1/202)
صفحة 203
تناولت فيه أنواع الجرائم السياسية وتطورها في الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية، خصَّصت الفصل الأول منه لأنواع الجرائم السياسية في الفقه الإسلامي، بما فيها جرائم الرأي والجرائم الفعلية، وأنواعها في القوانين الوضعية بما فيها الجرائم السياسية البحتة والنسبية.
أمَّا الفصل الثاني فتتبعت فيه تطور الجريمة السياسية، عبر تاريخ البشرية منذ العصور البدائية، إلى اليوم، بما في ذلك تأثير الثورة الفرنسية، ومواقف المدارس الإسلامية من الإجرام السياسي.
الباب الثالث:
تحدثت فيه على أحكام الجرائم السياسية في الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية؛ خصَّصت الفصل الأول منه لأحكام البغي والبغاة في الفقه الإسلامي، بما في ذلك من يساعد البغاة.
وأمَّا الفصل الثاني فذكرت فيه باختصار أحكام الجريمة السياسية في القوانين الوضعية، بداية من المسؤولية السياسية، والجنائية والمدنية للمجرم السياسي، بما في ذلك التدابير والعفو، والإعدام، وتسليم المجرم السياسي.
وقد أنهيت كل باب بخلاصة لأهم نتائج المقارنة بين موقف الشريعة والقوانين المعاصرة من الجريمة السياسية.
--------------------
الهوامش
1 - سورة الحجرات، الآيات 09 و10. (1/203)
صفحة 204
الهجرة مفهوم وحقيقة
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
معهد الحياة ـ القرارة
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، يخلق ما يشاء ويختار، سبحانه هو الواحد القهار.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، هو صاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والموقف المشهود، والحوض المورود.
اللهم صل عليه، وعلى آل بيته الطيبين الذين واسوه ونصروه، وصحابته المجتبَين الذين آووه وعزروه، فكانوا للورى مثالا يقتفى، وحديثا يصطفى، وذكرا يحتفى، وعلى الذين سلكوا نهج الرشاد بعدهم ممن آتاهم الله رشدهم، فزادهم الله هدى وآتاهم تقواهم.
أيها الإخوة المؤمنون، إن لله تعالى أياما تترى علينا طوال العام دواما، نعيش أحداثها تباعا، ولا نستطيع عنها انفصاما، اصطفاها المولى جل في علاه بما خلد فيها من مآثر، وجلاها بما ورد فيها من مفاخر، جعلها منازل على قارعة الطريق يتفيأ ظلالَها كلُّ راكب أعياه المسير، وأقامها موارد يرد معينها كلُّ سارب أظمأه الهجير، ونصبها منابر يأنس بنورها الساري في ظلمة الليل البهيم، لعل الغافلَ يستذكر، والضعيفَ يستنصر، والضالَ يستبصر، حكمة بالغة فما تغني النذر. فلقد مرت علينا من هذه الأيام الخالدات قبل زمن يسير يومُ التاسع من ذي الحجة، أعظم يوم في العام، يومُ عرفة الذي أنزل الله تعالى فيه قوله الخالد: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} (سورة المائدة: 3)، والذي قال فيه المصطفى عليه السلام الحج عرفة، وصومه لغير الحاج يكفِّر سنة ماضية وسنة آتية. ومن بعده حلَّ علينا يوم عيد النحر، وهو يوم الحج الأكبر، يوم التضحية والفداء، ويوم الإخلاص والوفاء، للواحد الديان الذي يعلم السر وأخفى.
ونحن على بعد أيام من حدث جليل، ومعلم أثيل، يكر علينا كل عام من غير أن يحيي فينا مواتا، ويحل علينا على الدوام من غير أن يزيل عنا سباتا، وقد ضربت على المسلمين من الذلة مسحة، وغشيتهم من المسكنة نفحة، حدث قدسه الأسلاف فكانوا في أعلى عليين، ودسه الأخلاف فكانوا في أسفل سافلين، حدث صنعه الأجداد فكانوا غرة في جبين الورى، وضيعه الأحفاد فكانوا ذرة في مهين الثرى، ولاشك أن هذا اليوم قد يدور في خلد بعض المسلمين فما يقيمون له في نفوسهم خُلدا، ويسهو عنه أكثر الغافلين فيمر عليهم مرور الوابل على صفوان فيتركه صلدا، وقد لا أجشم نفسي عناء التدليل عليه، ولا أرهق أفكاركم مشقة السؤال عنه، فهو عند الأولين مرقوم بيوم الهجرة للحياة، فاتخذوه بداية تأريخ لأمة الإسلام مجيد، وهو عند الآخرين موسوم بيوم العطلة للسُّبات، فرفعوه شعارًا لا يذكي في النفوس شيئا ولا يجيد.
أيها الإخوة الأعزاء، ويا بني قومي الأوفياء، تعالوا معي نتصفح على استحياء منا مقامَ أولئك الذين صنعوا هذا الحدث العظيم، وخلدوا ذكرهم في آي الذكر الحكيم، فكان لهم لسانُ صدق في الآخرين، ومقعدُ صدق عند مليك رب العالمين، لننظر كيف أمسى حال المسلمين اليوم بعد مضي مئين من السنين، وكيف أضحى أمرهم بعد أن ضننا على أنفسنا بسلوك نهج الرشاد، وخلدنا إلى دار المعاش في غفلة عن دار المعاد، فاكتفينا من الثمرة بالقشور فاستبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولقد امتدح الله تعالى أولئك الأفذاذ من صفوة مُبدع الخَلق، وصُحبة خير الخلق مدحا لم يرق إليه غيرهم، وخلع عليهم من الصفات ما لا مطمع فيها لأحد بعدهم، فاصطلح على تسميتهم (1/204)
صفحة 205
بالمهاجرين، وصفا غالبا عليهم دون سواهم، فكانوا موضع رضاه، وموطن توبته، وموئل محبته، ووارثي جنته {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنَ اَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (سورة التوبة: 111) وقد يتعجب المرء حقا من المكانة الرفيعة بم استحقوها، ويتساءل عن المرتبة الشريفة كيف حققوها؟. ولكن لا عجب، فما ذاك بسر في كتاب مكنون، ولا بخبر في حرز مصون، فالأمر باد للعيان يراه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ويدركه كلُّ إنسان دان نفسه واستعد ليوم الوعيد. فلا نلهثْ وراء سراب بحثا عن الأسباب، أو طلبا للجواب في غير آي ربك في مكنون الكتاب، فهي اصدق لهجة وأبلغ خطاب.
فاستمعوا إلى ربكم كيف يفصل القول، ويعدد الفضل فيقول: {فَالذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} (سورة آل عمران: 195)؛ وقال في شأنهم: {الذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمُ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا اِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (سورة التوبة: 20 - 22).
إنها الهجرة إذن من دار الكفر إلى أرض الله الواسعة حفاظا على دين المولى، وإيثارا للآخرة على زهرات الحياة الدنيا، فكان البر الرحيم جل في علاه وليا لهم ونصيرا. وإنه الإخراج من الديار جبرا، والطرد من الأوطان قسرا، فهذا رسول الله يقف على مشارف مكة يوم أخرجه قومه قائلا لمكة: «ما أطيبك من بلدة وأحبك إليَّ، ولولا أنَّ قومك أخرجوني ما سكنت غيرك». وقال في حجته وهو واقف على راحلته: «والله إنك لخير الأرض وأحب الأرض إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت». وإنه الاستيلاء على الأموال قهرا في واضحة النهار جهرا، فهذا صهيب الرومي رضي الله عنه لما أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ربح صهيب، ربح صهيب. وإنه الإيذاء بلغ أشنعه، والعذاب أدرك أبشعه، بما لا طاقة للبشر تحمله، ما نجا منهم أحد ولو رسول الله، فما زادهم إلا إيمانا وتسليما، فهذا بلال رضي الله عنه يخرجه سيده أمية بن خلف إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صلبه، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: «أحد أحد». (1/205)
صفحة 206
وإنه القتال في سبيل الله في بسالة وشهامة، طلبا للشهادة والكرامة، في غزوات متواليات، وفتوحات متتاليات، لم تعرف فتورا ولا خفة، بل هي تزداد مع مرور الأيام شراسة وضراوة، في شظف من العيش، وشدة من قلة ذات اليد، حتى قال قائلهم: إنَّ هما إلا الأسودان، والعدو قائم، والسيوف على أعتاقنا، فما زادوا على أن قالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (سورة آل عمران: 173)، وإنه القتل في سبيل إعلاء كلمة الحق، والموت من أجل نصرة وعد الصدق، شهداء يسعون إلى الشهادة سعيا، ويستسيغون المنية ريا، {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (سورة آل عمران: 146) في بطولة نادرة، وشجاعة فاقرة، فهذا جعفر بن أبي طالب أحد قادة غزوة مؤتة، عقر فرسه ودخل المعركة فأخذ اللواء بيمينه فقُطعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعَضُدَيه حتَّى قُتِل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، بعد أن ضربه أحد رجال الروم فشطره نصفين. وإنه الإيثار في ملحمة المؤاخاة، والإنفاق في سبيل الموالاة، فهذا ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدما جهز جيش العسرة بصُرَّة فيها ألف دينار فوضعها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّبها ويقول: «ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد هذا اليوم» يردِّدها ثلاثا. وإنه وإنه مما لا يمكن عده ولا حصره، ولا جمعه ولا حشره، فقد صار في ذهن كل أحد معروفا، وفي قلب كل فرد موصوفا.
في ورع مشهود، وشرف محمود، ووقوف عند الحدود، امتثالا لأمر الرب المعبود، فأكرم بهم من قومٍ {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة المائدة: 54). تلك ملحمة خالدة خلودَ الدهر، صنعها أولئك الصحب الأماثل، فحق لهم دون سواهم هذا الفضل الذي اكتسبوه قبل أن يُسَدَّ بابُه يوم أن ارتفع نداء بلال من فوق الكعبة مرددا «الله أكبر! الله أكبر!» في إجلال وخشوع، رددت صدى نَداه جبال مكة وشعابها في إذلال وخضوع، وإذا بالحبيب المصطفى يعلنها مدوية بأعلى صوته، ويطلقها مجلجلة وقد دالت دولته، وشمخت عزته، وخشعت الأصوات له فلا تسمع إلاَّ همسا، وقد نزلت عليه سورة النصر يوم الفتح قائلا: «الناس حيز وأنا وأصحابي حيز. ألا إنه لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية».
أيها الإخوة الأوفياء تلكم حقيقة الهجرة في ذلك الزمان الفذ، وذلك مفهومها في أولئك الذين تسلقوا ذرى المجد، فكان مَن بَعدَهم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه، فكيف حال المسلمين اليوم يا ترى وقد تغير مفهوم الهجرة وصار نوعا آخر مما يعم شأنه مهما اشتط المكان، ويستمر حاله مهما امتد الزمان، فلم تعد الهجرة في مفارقة الأهل والولدان، ولا في مباعدة الأموال والأوطان، وإن شاع هذا في هذا الزمان فكان كثير المسلمين يؤثرون ترك بلاد الإسلام (1/206)
صفحة 207
ويستطيبون في بلاد الكفر المقام، فكانوا من حيث يشعرون أو لا يشعرون عونا لأعداء الإسلام. وإنما الهجرة ما حدده الحبيب المصطفى في حجة الوداع مخاطبا أعظم حشد للمسلمين في زمان النبوءة قائلا: «أأنبئكم من المهاجر؟ المهاجر من هجر السيئات ممَّا حرم الله عليه». وقال: «ألا إن المهاجر من هجر السوء». ولا أدلَّ على مفهوم كلمة السيئات والسوء من كثرة ترددهما في القرآن الكريم عشرات المرات بمعنى الكفر والعصيان، والعناد والفسوق، والظلم والجحود، وكلها تبعد المرء عن الصراط المستقيم، وتنيله سخط الواحد القهار، في سواء الجحيم وبئس القرار. ومن عجيب أمر الله تعالى في كتابه أن يرتب على آيات الهجرة والجهاد نهيَه عن كثير من المعاصي والموبقات، وحكمَه في كثير من الحدود والحرمات، فاقرؤوا إن شئتم قوله من سورة البقرة: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (سورة البقرة: 218 - 219)، إلى آخر الأحكام المتعلقة بالأموال واليتامى، والنكاح والحيض، واليمين، والإيلاء والطلاق، والرجعة والرضاع، والخطبة والمتعة، ثم العدة والصلاة وغير ذلك،.
ولترتيب آي القرآن بعضِها على بعض أسرار وحكم يدركها العلماء ويستنبطها الحكماء.
معاشر السادة الأكارم؛ تلكم حقيقة الهجرة، التي أرادها الحق جلَّ جلاله من جميع المسلمين والمسلمات، وهي التي ارتضاها لهم سببًا لنيل رضوانه والخلود في الجنات، فما مدى وفائهم لأهدافها، وتحقيقهم لغاياتها حتى يستحقوا مثوبة الهجرة فيكونوا من المهاجرين؟ إنها أسئلة تترى على الذهن كثيرا ولا نستطيع عدها، وصور من عدم الوفاء تتراءى عيانا ولا نستسيغ حصرها، فهي حسرة تذيب الفؤاد، وتُدمي القلب، وتنكئ النفس، وتُدمع العين، إلاَّ ما رحم ربِّي.
* فهل هاجر المسلمون طُرق البدع وسبل الضلال فأخلصوا العبادة لله، وابتغوا إليه الوسيلة دون سواه؟ ألسنا نرى براثن الشرك تخدش جسد الأمة في كثير من مظاهر العبادة، التي تخرج صاحبها من دائرة الإيمان فتوقعه في حفر النفاق والشرك، بالتوسل إلى الأضرحة والأموات، والتمسح بالقباب والعتبات المنبثة في جميع بلاد الإسلام؟
* هل هاجر المسلمون ربقة الشقاق والخلاف، واعتصموا بحبل الله القويم جميعا فكانوا صفا واحدا في مواجهة الأعداء؟ ألسنا نرى بأسهم بينهم شديدا، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، في صراع لا يتناهى، وقد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف في مذلة وهوان، وألبسهم شيعا يذيق بعضهم بأس بعض؟
* هل هاجر المسلمون إضاعة الصلاة واتباع الشهوات، فحافظوا على الصلاة كاملة أركانها، وجاؤوا بها تامة في كل أوقاتها؟ ألسنا نرى الصلاة كيف صارت عبئا ثقيلا، لا يقيمها المسلمون غالبا إلا في المناسبات كالجنائز والجمعة والأعياد؟
* هل هاجر المسلمون شرب الخمور والمسكرات، وتعاطي المفتِّرات والمخدرات، وهل هاجروا (1/207)
صفحة 208
الميسر والقمار؟ ألسنا نرى ذلك أمرا مباحا، وعملا مستساغا، بل ومما تشجع عليه كثير من الحكومات، فانهمك شباب المسلمين في غمار الجريمة فكانوا في أسفل سافلين؟.
* هل هاجر المسلمون الفسق والفجور، وانتهاك حرمات ربات الخدور؟ ألم يعد الزنا مباحا، وعملا مقننا، تبنى له البيوت بل القصور، وصارت في أعين متعاطيه تجارة لن تبور، فارتطم الفتيان والفتيات في مهاوي الرذيلة لا يلوون على شيء حتى نادوا بالويل والثبور؟.
* هل هاجر المسلمون الربا؟ ألم تقم لممارسته مؤسسات في كل مكان، وتعالت لشأنه البنوك في كل ميدان، تغري الغافلين بالوقوع في حمأته في كل آن، مؤذنة بحرب من الله ورسوله، وفتنةٍ لا تصيبنّ الذين ظلموا خاصة، تشيب لها الولدان، وتدع الحليم حيران؟.
* هل هاجر المسلمون تقليد اليهود والنصارى، فخالفوهم في نمط معاشهم، امتثالا لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «خالفوهم ولو في شراك نعلهم»؟ ألسنا نرى كيف أقبلوا عليهم يقلدونهم في كل شيء، ظاهرا وباطنا، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، فانتزعت سيما الإيمان من الوجوه، وانسحبت حقيقة الإسلام من الوجود، فكانوا في الأهواء سواء، وما الاحتفال التي أقاموه بمناسبة رأس السنة الميلادية ببعيد!.
* هل هاجر المسلمون موالاة اليهود والنصارى والكفار الذين اتخذوا دين الله هزؤا ولعبا؟ وهل هاجروا اتخاذهم أولياء من دون الله، ألسنا نرى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فكانوا يعوذون بهم فزادوهم رهقا، وما كان لهم من الله من واق؟.
* هل هاجر المسلمات مظاهر التبرج السفور، والتعري على شواطئ الأنهار والبحور؟ ألسنا نرى المرأة كيف راحت تنسلخ من حيائها، وتتجرد من ثيابها، وتبدي مفاتنها، على غير استحياء وقد استشرفها الشيطان فهو لها قرين في مراتع التحلُّل والفسوق؟.
هل هاجر المسلمون فحش القول وتجنبوا حصاد الألسنة التي تكب أصحابها على مناخرهم في النار؟ ألسنا نسمع ونرى ما تلوكه الألسنة، وتقيئه الأفواه والمطابع والشاشات من فحش وسباب، وبهتان ونميمة، وغيبة وافتراء، فجاؤوا {شَيْئًا اِدًّا يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الاَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} (سورة مريم: 89 - 90)!
* هل هاجر المسلمون مظاهر الغش والغرر والاحتكار؟ وتجنبوا أكل أموال الناس بالباطل وابتعدوا عن طرق الكسب الحرام؟ ألسنا نرى أكل الأمانة باد للعيان، وتتداولَ مختلف صور البيع المحرمة في كل مكان، ابتغاء الربح السريع من أي طريق كان، فأنبتت أموالهم نكدا، جسدا غدي بسحت فكانت النار أولى به!
* هل هاجر المسلمون الكسل والخمول؟ وانتهوا عن الركون إلى الدعة واللهو والمجون؟ ألسنا نراهم (1/208)
صفحة 209
في سباتهم يغُطُّون، وفي ضلالهم يعمهون، يأكلون من فتات أسيادهم، ويلبسون من نسيج غيرهم، ويحاربون بسلاح أعدائهم، فكانوا من الأراذل والمستضعفين، ومن بادي الرأي المستعبدين؟ ...
ماذا عساي أن أحصي مما لا يمكن إحصاؤه من السيئات، وماذا عساي أن أعدد مما لا يمكن عده من أعمال السوء، مما كان لزاما على المسلمين أن يهاجروه، وهم على بينة من أمرهم حتى يكونوا من المهاجرين حقا، ولعمري لهذه هي أفضل طريقة للدفاع عن حرمة رسول الله الذي يتعرض للمهانة هذه الأيام، ولن يضروه شيئا، وأنجع وسيلة للذود عن حمى خيرة خلق الله يخشاها العدو المتربص على الدوام، فما تجرأ أعداء الله على العبث بقداسة رسول الإسلام، والاستهزاء بعزة خير الأنام إلا لأنهم يعلمون أن أكثر أتباعه اليوم من المسلمين هم {كَمَثَلِ الذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} (سورة البقرة: 171)، فما أجمل هذه الهبة التي فاهت بها لهوات المسلمين تنديدا وإنكارا، ودانتها حكومات المسلمين مقاطعة واستنفارا، وإننا لنحيِّي من أعماق قلوبنا كل المواقف المعبرة التي قامت بها الشعوب والحكومات تجاه هذه الفعلة الشنعاء، التي تمخَّض بها أحفاد السامري كرها وجحدا، واستبضعها أولاد قلب الأسد بغضا وحقدا، غير أننا نعد الرد المبين على أعداء رسول الإسلام، لا يجليه فحسب مقاطعة بضائع الأفاك الكذوب، بل مقاطعة طبائع أتباع الصليب، والحب الثمين لخير الأنام لا يجسده مسيرات في الشوارع تجوب، بل في اتباع سنة النبيء الحبيب؛
أَتَعْصِي الإِلَهَ وَأنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ.:.:. هَذا لَعَمْرِي فِي القِيَاسِ بَدِيعُ
لَو كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ.:.:. إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ
فهيهات هيهات أن يتحقق لهم هذا ما لم يوطدوا العلاقة بخالقهم، ويعاودوا ربط الصلة بربهم، ويعتصموا بحبله، ويستمسكوا بعروته، {إِلاَّ الذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُومِنِينَ وَسَوْفَ يُوتِ اللَّهُ الْمُومِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (سورة النساء: 146). فما كان أسرع تحقيقَ النصر للأولين بعد هجرتهم، فما كادت تمر سنتان على ذلك حتى تحقق لهم أعظمُ نصر في تاريخ الإسلام يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، في غزوة بدر الكبرى، {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمُ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (سورة آل عمران: 123). ألا إن نصر الله قريب يا مسلمون إن نحن هاجرنا. إنه لن يتحقق إلا على أساس السنَّة الإلهية القائمة على مبدإ التغيير، ومبدإ التغيير فقط؛ {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (سورة الرعد: 11)، وأين هجرتنا من هجرتهم. فحقِّقُوا الشرط يحقَّق لكم الجزاء؛ {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ} (سورة محمد: 7) .... {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (سورة الحج: 40). (1/209)
صفحة 210
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تجْديدُ
فما أعظم حظ الأولين وقد تعبوا فسعدوا، وما أبخس حظ الآخرين وقد لعبوا فشَقَوا، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. هذا وعدُ الله؛ {وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (سورة النور: 55 - 56) صدق الله العظيم.
اللهم إنا نعوذ بك من زوالِ نعمتك، وتحوُّلِ عافيتك، وفجاءةِ سخطك، وجميعِ غضبك، وهنيئا لنا حلول العام الهجري معشر المسلمين، فاللهم اجعلنا ممن يعيشه طاعة فيرقى، ولا تجعلنا ممن يعيشه معصية فيشقى.
{اِنَّ اللَّهَ وَمَلآَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (سورة الأحزاب: 56) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة الصافات: 180 - 182).
--------------------
الهوامش
هذه خطبة ألقيت أول مرَّة في مسجد الشيخ محمد علي دبوز يوم الجمعة 19 ذو الحجة 1246هـ / 20جانفي 2006م (1/210)
صفحة 211
في وداع رمضان ...
الشاعر الدكتور:
محمد صالح ناصر
إِيهِ يَا شَهرُ كَم وَدِدْنَاكَ دَهرَا.:.:. كَيفَ والدهرُ فيِ حِمَاكَ عَشِيَّة
أَنتَ مَجْلَى القلوبِ للمَلإِ الأَ.:.:. عْلَى تَفِيضُ فيِ بُروجٍ عَلِيَّة
اُسْمُ بالنَّفسِ بُكرةً وَعشيَّة.:.:. وارفعِ الروحَ للرياضِ البَهِيَّة
رَفَّ بِي في سَمَاكَ حُرًّا طليقًا.:.:. واغسِل الروح من دنَايَا دَنِيَّة
أنا ما دُمتُ في حِمَاكَ مَلاكٌ.:.:. لا يَرى في الدُّنى حياةً هَنيَّة
بِجنَاح التُّقَى أرِفُّ عَليًّا.:.:. قَائدي آيةُ الكتابِ السنِيَّة
عَذبَةٌ في الضميرِ سالَتْ وذَابَتْ.:.:. حُلوةٌ في اللسان شَهدًا شَهيَّة
إيهِ مَرحَى لمن تَلاَ فتَسَامَى.:.:. فغَدَا للجِنَانِ نفسًا رضِيَّة
ينحنِي خاشِعًا مع الآيِ يتلُو.:.:. فتفيضُ الدموعُ سَحَّتْ سَخيَّة
من بَشيرٍ يَفيضُ بِشْرًا ونُورًا.:.:. ونَذِيرٍ يهُزُّ نفسًا عَصِيَّة
وجِنانٍ سَلسَبيلٍ وَحُورٍ.:.:. وَجحيمٍ تَصْلاَهُ نَفسٌ شَقيَّة
يغسِلُ الوِزرَ والذُّنوبَ فتَغدُو.:.:. ذَهبًا خَالصًا وَنَفسًا زَكيَّة
********************
إيهِ يا شَهرُ وَدِدْنَاكَ دهرًا.:.:. كيفَ والدهرُ في حِمَاكَ عشيَّة؟
كيفَ تمضِي ومَا شبِعنَاك أُنْسًا.:.:. وطريقُ الحياةِ صَحْرَا عَصِيَّة
وَتَقِيُّ الديارِ فيها غريبٌ.:.:. ورَسُولُ الإلهِ فيه الضحيَّة
وَبنُو آيةِ الجهادِ نِعاجٌ.:.:. يفتِكُ الذئبُ كلَّ يومٍ قَصيَّة
وَيحَهَا أُمَّةٌ تُغازِل عِلْجًا.:.:. يَستبِيحُ البلادَ صُبحًا عَشيَّة
نَسِيَت آيةَ الجهادِ فذلَّت.:.:. واستَكانَت للغربِ تَرجُو العطيَّة (1/211)
صفحة 212
كيف تمضِي وأمَّتي ما استفَاقَتْ.:.:. والصَّليبُ اللعينُ يَطغَى أذِيَّة؟
وَإذَا جَنْدَلَ الرَّصاصُ شَهيدًا.:.:. حَسِبَ الحَاكِمُونَ تِلكَ مَزِيَّة
********************
إِيهِ يَا شَهرُ كَم وَدِدْنَاكَ دَهْرًا.:.:. كَيفَ والدهرُ في حِمَاكَ عَشِيَّة؟
رِيحُكَ العذْبُ سَجدَةٌ ودُعاءٌ.:.:. وَتراوِيحُكَ النَّسيمُ رَخِيَّة
وَقِيامٌ مع الملاَئِكِ يَغْشَا.:.:. هُ سُكُونٌ ورَحمةٌ وتَحِيَّة
لَيلةُ القدرِ في حَنَايَاكَ مُزْنٌ.:.:. تَهَبُ المؤمنينَ منهَا الشَّهِيَّة
لَيلُها روضةٌ إلى الخُلْدِ فَيْحَا.:.:. وسلامٌ لمطلَعِ الفَجْرِ حَيَّة
وَحِجَابٌ من الجحِيمِ وَعِتْقٌ.:.:. لِرِقابٍ في الَنِعْمَ العَطِيَّة
أنتَ نُورٌ مِن الجِنانِ مُطِلٌّ.:.:. يَقْبِسُ المتَّقُونَ مِنهُ الرَّمِيَّة
فِيكَ بَدْرٌ وَفتحٌ وَحطِّيـ.:.:. ــــنُ تُثِيرُ النفوسَ تُذْكِي الحَمِيَّة
تَنفِضُ البُؤْسَ عَن زَوَايَا نُفُو.:.:. سٍ لَفَّهَا الذُّلُّ فاسْتَكَانَتْ رَضِيَّة
أَحْيِهَا أيُّها المبارَكُ فِينَا.:.:. قَد عَهِدْنَاكَ يَا كَرِيمُ سَخِيًّا
ألقيت بمسجد «سيدي بنور» بالجزائر العاصمة يوم: الخميس 17رمضان 1426هـ/ موافق لـ 20 أكتوبر2005م (1/212)
صفحة 213
عدُّونُنا فوق السِّماكِ الأعزل
الشاعر الأستاذ: عيسى بن سليمان قرقر
من قدماء بعثة تونس الخضراء
إنَّ المثقف الضليع، ولا سيما الحصيف، شاعرًا أو ناثرًا، مهما حاول التعبير عن مزايا الشيخ عدُّون بن بالحاج شريفي (رحمه الله)، وعن فضائله، ومكرماته، فإنه لا يفيها حقها من البيان ولو بمعشارها، ناهيك بها كلّها، وها أنا قد حاولت بعض ذلك ولكن وجدتُني في خضمٍّ لا تطاق السباحة فيه، فاكتفيت بهذه الباقة الشعرية، مُهداة إليه، وإلى أهله، وإلى رعيله الأحمدي، وهي من شعوري الخالص المخلص فيه، عساها تُرضيه بعض الرضا، فإن فعلتُ فحبَّذا، وإلاَّ فهي من غَزْلِ متقدِّمٍ في السن ... فمعذرة فمِغزلُه في تهاوٍ وتَردٍّ، وتلك سنَّة الله في عباده، والعذر عند كرام الناس مقبول.
*************
زَمنُ العجائِبٍ قَد أتَى لاَ تَذهَلِ.:.:. فإِذا ذَهلتَ فأنتَ غيرُ مُؤَهَّلِ
لاَ تَذهَلنَّ لِهاتِفٍ مُتَنَقِّلٍ.:.:. فَسِوَاهُ أذهَلُ للنُّهى لَم يُنقَلِ
يُدنِي البعيدَ إلى القَريبِ بِسُرعةٍ.:.:. وَيُريكَ منهُ مَا تَشاءُ بَأسهَلِ
فبِهِ البَريَّةُ في اتِّصالٍ عَاجلٍ.:.:. وَكأَنَّها في قَريَةٍ لاَ المَوصِلِ
عَجَبًا لَها ولِمَا لَديهَا مِن ذَكَا.:.:. سُبحان مَن يَهدِي بِها لِلأعْجَلِ
فَزَمَانُنَا زَمَنُ العَجائِبِ كُلِّهَا.:.:. فَالشَّيخُ مِنهَا في المقامِ الأَوَّلِ
لاَ تَذهلَّ لِبَاقَةٍ حَمَلَت لكُم.:.:. شَهْمًا رَفيعًا في السِّمَاكِ الأَعْزَلِ
فَلقَد حَوَتْهُ وَقلبُها مُتَلَهِّفٌ.:.:. لِلِقائِهِ لُقْيَى الخَميسِ الجَحْفَلِ
فالقَلْبُ إِن ضَمَّ الحَبِيبَ جَلاَلَةً.:.:. وَجَدَ الحَبِيبُ لَدْيهِ أَطْيَبَ مَنزِلِ
فَالشَّيخُ تَعشَقُهُ الضَّمَائِرُ كُلُّها.:.:. وَكَأنَّهُ مَلَكٌ أَتَاهَا مِنْ عَلِ! (1/213)
صفحة 214
فَغَرامُهَا يَزدَادُ فِيه تَلَهُّفًا.:.:. فَلَهَا بِهِ مَا لِلنَّبِيءِ المُرْسَلِ
عَدُّونُنَا نَالَ المَحَبَّة جَمَّةً.:.:. أَفَلاَ يَنَالُ بِتلكَ أَفْضَلَ مَوْئِلِ؟
سُبْحَانَ مَنْ ذَرَأَ المحَبَّةَ في الوَرَى.:.:. فَحَبَاهُ مِنهَا بِالنَّصِيبِ الأَكْمَلِ
لَو كُلِّفَ المشتَاقُ فَوقَ غَرَامِهِ.:.:. لَهَوَى إِلَيهِ البَدْرُ دُونَ تَمَهُّلِ
بَدْرٌ لِبَدرٍ وَالمحَبَّةُ هَالَةٌ.:.:. تَحوِيهِمَا مِثْلَ الإِطَارِ الأَجْمَلِ
يَالَلْجَلاَلَةِ وَالفَخَامَةِ وَالعُلاَ.:.:. بَدْرُ السَّمَا يَشْتَاقُ بَدْرَ المحْفَلِ
لاَ تَذْهَلَنَّ فُكُلُّ أَمرٍ وَارِدٌ.:.:. مَا دُمتَ تَحيَى في الزَّمَانِ المُذهِلٍ
لَولاَ التَّخَيُّلُ والخَيَالُ حَدِيقَةٌ.:.:. غَنَّاءُ فِيهَا مَا يَرُوقُ لِبُلْبُلِي
كَمْ طَارَ فكر للبرِيَّة طَائِرًا.:.:. حَتَّى أَنَاخَ عَلى المجَرَّةِ مِنْ عَلِ
فامْنَحْ خَيَالَكَ مَا تَشَاءُ مِنَ الفَضَا.:.:. فَمِنَ الخَيَالِ يَجِيءُ كُلُّ مُؤَمَّلِ
فَالشَّيخُ نَفسُهُ بِالخَيَال تَأَلَّقَتْ.:.:. آدَابُه بَأَنَاقَةٍ لَمْ تُوصَلِ
فَبِهَا أَطَلَّ عَلَى البَرِيَّةِ نَجمَةً.:.:. وَضَّاءَةً شَعَّتْ كَضَوءِ المشْعَلِ
مِنهَا اهتَدَينَا سَائِرِينَ إِلَى العُلاَ.:.:. حَتَّى ظَفرْنَا بِالمقَامِ الأَفْضَلِ
بُشرى لَنَا مِمَّا حَوَاهُ مِنَ الحِجَا.:.:. وَمِنَ الخَيَالِ السَّاحِرِ المتَأَهِّلِ
فِيهِ تَجَلَّى وَجْهُ بَدرٍ كَامِلٍ.:.:. سَحَرَ الوَرَى بِجَلاَلِهِ المُتَرَفِّلِ (1/214)
صفحة 215
فَلِسِحْرِهِ هَبَّتْ إِليهِ مَشَاعِرِي.:.:. جَيَّاشَةً تَهْوِي إِلَيْهِ كَمَنْهَلِ
تَهْدِي إِلَيهِ هَدِيَّةً شِعْرِيَّةً.:.:. مَا غَيْرُهَا مِنْهَا بَأَرقَى مَنْزِلِ
نَرجُو القَبُولَ لَدْيهِ دُونَ كَفَالَةٍ.:.:. عَذْرَاؤُنَا مِنهُ بِغَير تَكَفُّلِ
رَيحَانُهَا مِنْ عِطْرِهِ وَزُهُورِهِ.:.:. وَقِطَافُهَا مِنْ رَوْضِ ذَاكَ المنزِلِ
نَفَحَاتُهَا تَسْبِي العُقُولَ نَفَاسَةً.:.:. وَقَدَاسَةً أَكْرِمْ بِهَا في المحْفَلِ
شَتَّانَ بَينَ رَوَائِحٍ مِنْ هَديِهِ.:.:. وَرَوَائِعٍ مِنْ سَوْسَنٍ وَقُرُنْفُلِ
فَالشَّيخُ أَدْرَى بِالَّتِي تُجدِي الفَتَى.:.:. فَعَنِ الخَبِيرِ وَعِطْرِهِ لاَ تَسْأَلِ
إِنْ غَابَ عَنَّا في العُيُونِ فإِنَّه.:.:. دَوْمًا نَرَاهُ في الفُؤَادِ المُقْفَلِ
مَا غَابَ مَنْ قَادَ الجَحَافِلَ مُفْرَدًا.:.:. أَعْظِمْ بِهِ مِن مُفْرَدٍ في جَحْفَلِ
يَا رَبِّ طَيِّبْ مَا عَلَيهِ مِنَ الثَّرَى.:.:. وَاجْعَلْهُ رَوْضًا ذَا بِسَاطٍ مُخْمَلِ
فَلَقَدْ أَتَاحَ لَنَا الحَيَاة خَمِيلَةً.:.:. خَضْرَاءَ تَأبَى أَنْ تُدَاسَ بَأَرْجُلِ
لَوْلاَهُ مَا عَرَفَ اليَقِينُ سَبِيلَهُ.:.:. لِقُلُوبِنَا فَهَدَاهُ مِثْلَ المِشْعَلِ
فَبِهِ عَرَفْنَا عُمْقَ مَا حَمَل الهُدَى.:.:. مِنْ رَوْعَةٍ في شَرْعِهِ المتَأَصِّلِ
وَبِهِ عَرَفْنَا مَا يُرَامُ مِنَ الدُّنَا.:.:. وَمِنَ العُلاَ، وَبِدُونِ أَيِّ تَوَاكُلِ
وَبِهِ عَرَفْنَا اللهَ في أَوْجِ الدُّجَى.:.:. إِذْ قَدْ جَلاَهُ لَنَا بِدُونِ تَوَغُّلِ
وَلِذَا نُحِبُّ لَهُ جَزَاءً كَامِلاً.:.:. يَوْمَ الجَزَاءِ مَعَ الرَّفِيقِ الأَمْثَلِ (1/215)
صفحة 216
فِرْدَوْسُ رَبِّكَ لَنْ يَكُونَ سِوَا الجَزَا.:.:. لِجُهُودِهِ وَجِهَادِهِ المسْتَبْسِلِ
يَا رَبِّ بَارِكْ جُهْدَهُ وَجِهَادَهُ.:.:. وَاجْعَلْهُ مَقْبُولاً لَدَيْكَ كُمُرْسَلِ
فَهُوَ العَزِيزُ لَدَى الأَعِزَّةِ كُلِّهِمْ.:.:. إِذْ صَانَهُمْ بِعَزِيمَةٍ لَمْ تَبْخَلِ
فَارْحَمْهُ رَبِّي رَحْمَةً مِغدَاقَةً.:.:. يَزْهو بِهَا عِنْدَ المقَامِ المُعْتَلِي
وَاجْمَع بِهِ الصَّحْبَ الكِرَامَ جَمِيعَهُمْ.:.:. وَاجْعَلْ لَهُمْ في الخُلْدِ أَعْلَى مَنْزِلِ
بِهِمُ الفَلاَةُ تَتِيهُ فَخْرًا بِالهُدَى.:.:. وَكَذَا العُلاَ، وَهُمَا رِهَانُ الأَجْدَلِ
وَصَلاَةُ رَبِّي لِلحَبِيبِ المصْطَفَى.:.:. ذَاكَ المفَدَّى بِالأَعَزِّ الأَكْمَلِ
مَا لاَحَ مِنْ نُورِ الصَّبَاح بَشَائِرٌ.:.:. وَمِنَ الرَّوَاحِ هِلاَلُ سَعِدٍ مُقْبِلِ
وَإلَى الرَّعِيلِ الأَحْمَدِيِّ تَحِيَّتِي.:.:. وَمَحَبَّتِي مَا عَاشَ حَوْلَ المَنْهَلِ
يَرْتَادُهُ مِن خَيْلِهِ وَرِكَابِهِ.:.:. مَا قَدْ يَكُونُ بِهِ الأَذَى فيِ مَعْزِلِ
يَرجُو لَهُ وَلأَهْلِهِ خَيْرَ الهَنَا.:.:. يَرْجُو لَهُ مَا قَدْ رَجَاهُ مِغْزَلِي
وَإَلَى اللِّقَاءِ أَحِبَّتِي في جَنَّةٍ.:.:. نُحْظَى بِهَا بَعْدَ الجَزَاءِ الأَعْدَلِ
وَجَمِيعُنَا فَوقَ الأَرَائِكِ شَاكِرٌ.:.:. نِعَم الإِلَهِ الوَاهِبِ المُتَفَضِّلِ
عَدُّونُنَا مِنْ بَيْنِنَا مُتَهَلِّلٌ.:.:. هَلِّلْ بِهِ في المكْرُمَاتِ وَجَلِّلِ
عَدُّونُنَا مِنْ بَيْنِنَا مُتَبَسِّمٌ.:.:. زَيِّنْ بِهِ دَارَ النَّعِيمِ وَجَلِّلِ
*************
وهران 04 ربيع الأول 1427هـ
الموافق لـ 02 أفريل 2006م (1/216)
صفحة 217
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 21 جمادى الأولى 1426 هـ / 28 جوان 2005 م
إلى تاريخ: 18 جمادى الأولى 1427 هـ/ 14 جوان 2006 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخ الميلاد ... المدينة
1 ... حميد أوجانه مسعودة بنت علي بن الناصر ... 21 جمادى الأولى 1426هـ 28/ 6/2005 م ... 10/ 12/86 ... القرارة
2 ... شريفي أيوب بن عدون بن الحاج امحمد ... 06 جمادى الثانية 1426 هـ 13/ 7/2005 م ... 21/ 11/88 ... القرارة
3 ... بانوح توفيق بن إبراهيم بن داود ... 23 جمادى الثانية 1426 هـ 29/ 7/2005 م ... 15/ 10/89 ... غرداية
4 ... أوجانه علي بن أحمد بن إبراهيم ... 25 جمادى الثانية 1426 هـ 1/ 8/2005 م ... 11/ 5/85 ... القرارة
5 ... الوارث مصطفى بن قاسم بن إبراهيم ... 28 جمادى الثانية 1426 هـ 4/ 8/2005 م ... 21/ 11/87 ... القرارة
6 ... أداود توفيق بن حمو بن باحمد ... 28 جمادى الثانية 1426 هـ 4/ 8/2005 م ... 12/ 10/89 ... غرداية
7 ... دودو حسين بن محمد الهادي بن بكير ... 05 رجب 1426 هـ ... 10/ 8/2005 م ... 03/ 8/86 ... بنورة
8 ... بحماني الراعي إبراهيم بن محمد بن صالح ... 12 رجب 1426 هـ ... 17/ 8/2005 م ... 20/ 4/85 ... القرارة
9 ... حميد أوجانه ياسين بن عبد العزيز بن إبراهيم ... 14 رجب 1426 هـ ... 19/ 8/2005 م ... 01/ 9/82 ... القرارة
10 ... عجرود عمر بن علي بن عبد الله ... 20 رجب 1426 هـ ... 25/ 8/2005 م ... 18/ 3/74 ... غرداية (1/217)
صفحة 218
11 ... حمودة محمد بن محمد بن قاسم ... 20 رجب 1426 هـ ... 25/ 8/2005 م ... 19/ 3/87 ... القرارة
12 ... عيسى بن يحي عبد الرحمن بن بايوب بن محمد ... 20 رجب 1426 هـ ... 25/ 8/2005 م ... 01/ 8/87 ... بنورة
13 ... ابن عبد الله سعيد بن سليمان بن حمو ... 10 شعبان 1426 هـ ... 14/ 9/2005 م ... 04/ 1/90 ... القرارة
14 ... بوعروة حسين بن داود بن إبراهيم ... 11 شعبان 1426 هـ ... 15/ 9/2005 م ... 13/ 2/91 ... غرداية
15 ... أوبكة عبد الوهاب بن علي بن باحمد ... 12 شعبان 1426 هـ ... 16/ 9/2005 م ... 06/ 3/86 ... غرداية
16 ... بابكر عبد العزيز بن موسى بن مسعود ... 12 شعبان 1426 هـ ... 16/ 9/2005 م ... 25/ 5/89 ... غرداية
17 ... أبي إسماعيل خالد بن عيسى بن محمد ... 21 شعبان 1426 هـ ... 25/ 9/2005 م ... 25/ 5/88 ... بنورة
18 ... علوط محمد بن يوسف بن أحمد ... 21 شعبان 1426 هـ ... 25/ 9/2005 م ... 27/ 12/87 ... غرداية
19 ... حني الأمين بن موسى بن محمد ... 25 شعبان 1426 هـ ... 29/ 9/2005 م ... 06/ 5/91 ... بنورة
20 ... أوعيسى سكوتي ياسين بن صالح بن عمر ... 26 شعبان 1426 هـ ... 30/ 9/2005 م ... 01/ 7/88 ... مليكة
21 ... حني داود بن باحمد بن عمر ... 26 شعبان 1426 هـ ... 30/ 9/2005 م ... 08/ 2/86 ... بنورة
22 ... الشيخ دحمان محمد بن سليمان بن يوسف ... 01 رمضان 1426 هـ ... 04/ 10/2005 م ... 21/ 7/87 ... بنورة
23 ... شريفي مصطفى بن أحمد بن بالحاج ... 09 رمضان 1426 هـ ... 12/ 10/2005 م ... 10/ 3/87 ... القرارة
24 ... نجار ياسين بن منصور بن سليمان ... 10 رمضان 1426 هـ ... 13/ 10/2005 م ... 20/ 2/92 ... غرداية
25 ... حني عبد الرحمن بن بايوب بن إبراهيم ... 11 رمضان 1426 هـ ... 14/ 10/2005 م ... 15/ 2/90 ... بنورة (1/218)
صفحة 219
26 ... الغول الصديق بن عبد الحميد بن قاسم ... 14 رمضان 1426 هـ ... 17/ 10/2005 م ... 07/ 7/87 ... مليكة
27 ... الشيخ أحمد يمينة بنت يحي بن أحمد ... 26 رمضان 1426 هـ ... 29/ 10/2005 م ... 14/ 7/89 ... القرارة
28 ... خرفي الحاج يوسف بن أحمد بن الحاج يوسف ... 04 ذو القعدة 1426 هـ ... 6/ 12/2005 م ... 22/ 2/93 ... القرارة
29 ... بوعبون محمد بن إبراهيم بن بكير ... 06 ذو القعدة 1426 هـ ... 8/ 12/2005 م ... 28/ 4/89 ... القرارة
30 ... إتبيرن يونس بن إبراهيم بن محمد ... 10 ذو القعدة 1426 هـ ... 12/ 12/2005 م ... 06/ 7/90 ... غرداية
31 ... ابن زايط داود بن صالح بن باحمد ... 16 ذو القعدة 1426 هـ ... 18/ 12/2005 م ... 01/ 3/87 ... بنورة
32 ... حميد أوجانه مسعودة بنت عبد الوهاب بن محمد ... 23 ذو القعدة 1426 هـ ... 25/ 12/2005 م ... 05/ 7/85 ... القرارة
33 ... حدبون خالد بن صالح بن محمد ... 24 ذو القعدة 1426 هـ ... 26/ 12/2005 م ... 01/ 6/85 ... غرداية
34 ... أولاد الحاج مسعود بكير بن عيسى بن صالح ... 27 ذو القعدة 1426 هـ ... 29/ 12/2005 م ... 12/ 2/90 ... القرارة
35 ... ابن عيسى عيسى بن محمد بن عيسى ... 28 ذو القعدة 1426 هـ ... 30/ 12/2005 م ... 30/ 1/87 ... القرارة
36 ... جهلان حفيظة بنت سعيد بن بكير ... 04 ذو الحجة 1426 هـ ... 4/ 1/2006 م ... 05/ 12/89 ... القرارة
37 ... العنق مريم بنت إبراهيم بن الحاج قاسم ... 23 ذو الحجة 1426 هـ ... 23/ 1/2006 م ... 13/ 6/84 ... القرارة
38 ... أولاد داود بكير بن صالح بن حمو ... 24 ذو الحجة 1426 هـ ... 24/ 1/2006 م ... 26/ 6/84 ... بريان
39 ... معيز الحاج أحمد حمزة بن داود بن باعمور ... 26 ذو الحجة 1426 هـ ... 26/ 1/2006 م ... 20/ 12/87 ... غرداية
40 ... دبوز الشيخ محمد بن بيوض إبراهيم بن الشيخ ... 02 محرم 1427 هـ ... 01/ 2/2006 م ... 19/ 9/89 ... بريان (1/219)
صفحة 220
41 ... أوجانه منة بنت عمر بن بكير ... 05 محرم 1427 هـ ... 04/ 2/2006 م ... 02/ 3/86 ... القرارة
42 ... حاجي حليمة بنت أحمد بن عدون ... 15 محرم 1427 هـ ... 14/ 2/2006 م ... 27/ 9/84 ... القرارة
43 ... بولرواح صلاح الدين بن علي بن عمر ... 21 محرم 1427 هـ ... 20/ 2/2006 م ... 22/ 4/86 ... القرارة
44 ... راس النعامة أحمد بن داود بن إبراهيم ... 24 محرم 1427 هـ ... 23/ 2/2006 م ... 12/ 1/88 ... غرداية
45 ... ابن عمر سارة بنت بكير بن صالح ... 26 محرم 1427 هـ ... 25/ 2/2006 م ... 10/ 1/86 ... القرارة
46 ... ابن الشيخ حسن بن صالح بن عمر ... 06 صفر 1427 هـ ... 06/ 3/2006 م ... 8/ 8/85 ... القرارة
47 ... عبد العزيز لالة بنت بالحاج بن إسماعيل ... 11 صفر 1427 هـ ... 11/ 3/2006 م ... 10/ 2/79 ... بنورة
48 ... أولاد الحاج مسعود جابر بن عيسى بن صالح ... 13 صفر 1427 هـ ... 13/ 3/2006 م ... 25/ 3/89 ... القرارة
49 ... حمدي أبو اليقظان سمية بنت محمد بن الحاج إبراهيم ... 14 صفر 1427 هـ ... 14/ 3/2006 م ... 03/ 3/83 ... القرارة
50 ... حشحوش عبد الحكيم بن يحي بن إبراهيم ... 15 صفر 1427 هـ ... 15/ 3/2006 م ... 23/ 9/87 ... القرارة
51 ... حجاج عبد الرحمن بن بكير بن حمو ... 16 صفر 1427 هـ ... 16/ 3/2006 م ... 25/ 1/87 ... غرداية
52 ... عاشور قاسم بن حمو بن قاسم ... 19 ربيع الأول 1427 هـ ... 18/ 4/2006 م ... 10/ 12/88 ... القرارة
53 ... لطرش محمد بن بكير بن يحيى ... 20 ربيع الأول 1427 هـ ... 19/ 4/2006 م ... 03/ 5/88 ... بريان
54 ... علواني إسماعيل بن إبراهيم بن محمد ... 24 ربيع الأول 1427 هـ ... 23/ 4/2006 م ... 28/ 12/91 ... مليكة
55 ... الشيخ بالحاج إبراهيم بن عمر بن بكير ... 02 ربيع الثاني 1427 هـ ... 30/ 4/2006 م ... 21/ 10/86 ... القرارة (1/220)
صفحة 221
56 ... شريفي زينب بنت محمد بن بالحاج ... 09 ربيع الثاني 1427 هـ ... 07/ 5/2006 م ... 19/ 8/85 ... القرارة
57 ... شريفي خديجة بنت صالح بن الحاج امحمد ... 10 ربيع الثاني 1427 هـ ... 08/ 5/2006 م ... 11/ 2/82 ... القرارة
58 ... سليمان بوعصبانة إبراهيم بن عمر بن بهون ... 13 ربيع الثاني 1427 هـ ... 11/ 5/2006 م ... 10/ 6/89 ... القرارة
59 ... بوقرينات محمد بن البشير بن صالح ... 14 ربيع الثاني 1427 هـ ... 12/ 5/2006 م ... 22/ 6/86 ... القرارة
60 ... حريز طه بن مصطفى بن عبد الله ... 20 ربيع الثاني 1427 هـ ... 18/ 5/2006 م ... 16/ 5/88 ... القرارة
61 ... بورورو رستم بن محفوظ بن الناصر ... 21 ربيع الثاني 1427 هـ ... 19/ 5/2006 م ... 06/ 5/86 ... غرداية
62 ... الحاج مسعود أسماء بنت بكير بن محمد ... 22 ربيع الثاني 1427 هـ ... 20/ 5/2006 م ... 22/ 5/89 ... القرارة
63 ... كرشوش أسماء بنت أحمد بن سليمان ... 23 ربيع الثاني 1427 هـ ... 21/ 5/2006 م ... 13/ 1/87 ... القرارة
64 ... فرصوص زكرياء بن يونس بن محمد ... 25 ربيع الثاني 1427 هـ ... 23/ 5/2006 م ... 09/ 4/87 ... مليكة
65 ... فخار توفيق بن الحاج بن عيسى ... 29 ربيع الثاني 1427 هـ ... 27/ 5/2006 م ... 05/ 11/84 ... القرارة
66 ... عاشور فاطمة بنت حمو بن أحمد ... 05 جمادى الأولى 1427 هـ 01/ 6/2006 م ... 31/ 7/83 ... القرارة
67 ... بوسعدة خير الدين بن محمد بن خير الدين ... 12 جمادى الأولى 1427 هـ 08/ 6/2006 م ... 17/ 2/84 ... القرارة
68 ... خرفي وفاء بنت بكير بن أحمد ... 13 جمادى الأولى 1427 هـ 09/ 6/2006 م ... 30/ 4/86 ... القرارة
69 ... بولرواح أحمد بن محمد بن إبراهيم ... 17 جمادى الأولى 1427 هـ 13/ 6/2006 م ... 24/ 4/88 ... القرارة
70 ... بوصوفة عبد الوهاب بن إبراهيم بن أحمد ... 17 جمادى الأولى 1427 هـ 13/ 6/2006 م ... 19/ 2/87 ... بنورة
71 ... الخن حسين بن سليمان بن إبراهيم ... 17 جمادى الأولى 1427 هـ 13/ 6/2006 م
26/ 4/96 ... بريان
72 ... بابا حمو أبو بكر بن محمد بن بكير ... 18 جمادى الأولى 1427 هـ 14/ 6/2006 م ... 24/ 12/84 ... (1/221)