صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 11 - موافق للمطبوع مجلة الحياة
العدد الحادي عشر
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[الافتتاحية والفهرس لم يدرج لأن الترقيم أبجدي]
كيف نعلم العقيدة
في المدارس القرآنية
د/ مصطفى بن الناصر وينتن
جامعة الأمير عبد القادر ـــ قسنطينة
مقدمة:
تستمد العقيدة الإسلامية أهميتها من اعتبارات عديدة، فكان تعلمها وتعليمها أهم واجبين على الناس، يُفرض على العالم تدريسها وتعليمها، وعليه وعلى غيره السعي لتعلمها والعمل بمقتضاها، وهكذا أصبحت أول مواد التدريس التي تهتم بها المدارس في الإسلام بعد تعليم القرآن الكريم.
وأمر الشرع الحنيف بتعليم الصغار دينهم، وتنشئتهم على حب ربهم وعبادته، وحث على تعهدهم في ذلك، يقول الله تعالى: {11111111111 الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ 111} [التحريم: 06].
وأكد العلماء على وجوب تولي أمر الناشئة وتعليمهم ما يجب عليهم في دينهم، وقرنوا هذا بحكم وجوب تعلم القرآن، فكما يجب أن يعلم الولد القرآن الكريم كذلك يجب أن يعلم العقيدة والفقه وما هو في حاجة إليه ليعبد ربه عن علم، وبل قالوا إنه يكره على ذلك (1).
ولأهمية العقيدة وتعليمها ولأثرها ودورها الكبير في حياة الإنسان، طلب ترسيخها لديه منذ صغره؛ وليس هذا مقصورا على العقيدة في الإسلام، بل إن جل الأفكار والتيارات يُختار لنشرها وقت الصبا وزمن التنشئة الأولى حتى
__________
(1) ـــ أبو غانم الخراساني، المدونة الكبرى، بترتيب الشيخ اطفيش ج1، ص 01، 02، وينتن: تجربة تحفيظ القرآن في وادي ميزاب، بحث مرقون، من أعمال ملتقى تحفيظ القرآن في الجزائر، بالجامعة الإسلامية، قسنطينة، ص 2. (1/22)
صفحة 2
تؤتي أكلها ويشب عليها النشء ويكبروا على اتباعها.
فالطفل في صغره يتميز بخصائص تجعل التلقين مثمرا ومجديا ومنتجا بما لا يتحقق له بعد هذه السن، أو يصعب التحقيق والمنال، فللعمر العقلي أثر فعال في ذلك.
ومن شأن الصغير أنه باق على فطرته التي خلق عليها ما لم يتسرب إليه شوائب الضلال والأفكار السيئة فهو على الإيمان الفطري، مما يجعله سريع التلقي والحفظ، ويسير الاقتناع، وترسخ لديه المعاني بسهولة أيضا، ويبقى على هذا العهد ما لم يتلق مؤثرا، وإن تعرض لذلك لا ينساق بسهولة، لأنه أصبح محصنا، ولو انساق مدة فإنه لا يلبث أن يعود إلى ما نشِّئ عليه.
لهذا ولغيره من الاعتبارات اهتم الإسلام بتنشئة الصغار على الهدي القرآني، وأمر به، ودأب عليه المسلمون عبر تاريخ التعليم لديهم.
ولم يعد التساؤل منحصرا في وجوب تدريس العقيدة للتلاميذ في المدارس القرآنية من عدمه، بل إن التساؤل أضحى في بحث كيفية التدريس وزمنه، وما يراعى في التدريس من أسباب تجعل الدرس العقدي مفيدا ويبلغ أهدافه بيسر ويؤتي ثماره.
ذلك أن الموضوع تكتنفه أسباب متعددة تجعل الوصول فيه إلى نتائج مرضية صعب المنال، وإن كان غير مستحيل. لتعدد الجوانب التي تفرض على دارس الموضوع أن يراعيها جميعا ويحاول التوفيق بينها، وهذه الجوانب هي:
أولا ــــ المدرسة القرآنية ووضعيتها وصلتها بالتعليم الرسمي، ومكانتها لدى المجتمع، والتلاميذ بخاصة، إذ لم تعد مثل المدرسة القديمة التي تشغل كل وقت التلميذ، فيستطيع القائمون عليها أن يبرمجوا كيف ما شاؤوا؛ وأصبح التلميذ يقضي وقته مترددا بين المدرستين، والنصيب الوافر من يومه يستغرقه في التعليم الرسمي، ولا يترك للمدرسة القرآنية إلاَّ أطراف النهار، وفي جزء يسير من الزمن لا يتجاوز الساعتين، أو يزيد قليلا.
ثانيا ــــ التلميذ وصلته بالمدرسة القرآنية، فبالإضافة إلى الوقت الزهيد الذي يحظى فيه بالذهاب إلى المدرسة القرآنية، ينتابه ما ينتاب (1/23)
صفحة 3
التلاميذ عموما، من عدم الإقبال، والميل إلى الإعراض عما يقدم له، والرغبة في التخلي عن هذا الواجب، لما يشكل لديه من ثقل وصعوبة لا يتحملهما إلاَّ الصابرون على الثقل في الدروس وكثرة الأعمال طول اليوم، وتكرار الإغراء بالتسرب من جهات متعددة، أخطرها عندما يكون الوحي من الأولياء الذين لم يفقهوا دور هذه المدرسة، ولم يتلمسوا ضرورتها في حياة الأبناء.
ثالثا ـ طبيعة مادة العقيدة، بما اكتنفها من تصنيفات، وصعوبة التلقي؛ خاصة إذا أصبحت مجالا للخلافات والجدل، مما يجعل تدريسها يستدعي الكثير من التحكم في المنهج، والعمل على تقديمها تقديما يرغبها لدى التلميذ، ويحببها إليه، ويرسخها لديه.
لذا يصبح من الأهمية أن نتدارس الموضوع من جهتين تبدوان أساس المسألة، وقد يوصلنا هذا إلى تذليل بعض الصعوبات، والإسهام في استرجاع المكانة لهذه المادة في نفوس الناشئة؛ وذلك بالجواب على سؤوالين هما:
* ـ متى ندرس العقيدة للتلاميذ؟
* ـ وكيف ندرسها؟
فالسؤال الأول يتعلق ببحث المستوى الذي يمكن فيه للتلميذ وهو في المدرسة القرآنية أن يستوعب الدرس العقدي، وينسجم معه، ويصل به إلى الهدف المرجو من الدرس.
وأما السؤال الثاني، فيتعلق بالمنهج المُجدي في تبليغ محتوى الدرس العقدي للتلميذ، وهذا حسب مستويات التدريس بالمدرسة القرآنية.
***
متى يبدأ تدريس العقيدة؟
أول ما يستوقفنا في الجواب على هذا الإشكال، أننا نجد العقيدة فطرة في الإنسان، فهل يمكن تعليمها؟ أم أن العمل مع هذه الفطرة هو إيقاظها؟
إن الإنسان في المجتمع المسلم يعيش العقيدة من أول يوم، عندما يتلقى لحظة ميلاده الأذان في أذنه كما أوصى وعلَّم الرسول جمادى ثان؛ ثم يتوالى التعليم مع مراحل النمو ليجد الولد نفسه في مرحلة متقدمة أمام معلمه في المدرسة بعد أن تدرَّج (1/24)
صفحة 4
مع معلمِيه، من الوالدين ومن في البيت والشارع والمجتمع، ويكون الكلُّ قد أدى دورا بالضرورة قصد إليه أو لم يقصد، حتى يخلُص التلميذ إلى المعلم في مدرسته.
فالتلميذ يصل إلى المعلم في المدرسة إمَّا «أمانة»، أو «ترِكَة».
هو «أمانة» إن أحسن المجتمع بكلِّ أطرافه التعليم والتعهد؛ فعلى المعلم أن يحافظ على تلميذه ويرعاه، وينمي فيه ما تلقاه، ويزيده علما.
وهو «ترِكَة» بالمعنى السلبي الذي تحمله كلمة التركة معنويا، من تناقضات تجد فيها الغث والسمين، والجيد والرديء؛ فعلى المعلم حينها أن يُخلي ويُحلِّي، ويفرز الجيد من الرديء، ويعين التلميذ فيما يُبقي وما يذر.
وفي الغالب يكون الفوج التربوي خليطا من هذا وذاك، مما يفرض وضع مخطَّط، يستجيب للوضع ويجعل الكلَّ يستفيد، ولا يضيع جانبه، فإذا كان الولد متربِّيا فليس بحيلته ولا بفهمه فهو أحوج إلى التثبيت، وإذا جاء سيئ الأخلاق منحرفها، فليس من ذنبه لأنه لم يصدر ولم ينضح إلاَّ بما وضع فيه.
وهنا يستثمر الأستاذ ما أوتي من مكانة لدى التلميذ ويعمل على الاستفادة منها في تربية النوعين، بما يقدم من علم وقدوة، يراهما التلاميذ هما المثال الذي يحتذى ولا يمكن أن يضاهيه في الوجود كله شيء.
فهل يمكن القول: إن المدرسة والمعلم لا يعلِّمان شيئًا بالمعنى الدقيق للمصطلح؟ أو أنهما لا يعلِّمان ابتداءًا، ولكن يواصلان دربا بدأ في الغالب، وسُبقا إليه، فهما ينيران سبيلا وُضع فيه التلميذ ويحتاج إلى من يبيِّن له منعطفات الطريق وبُنيَاتِه التي ينبغي تجنبها، ويذللان له الصعوبات التي تعترضه، لأن مجيء التلميذ إلى المدرسة أساسا دليلٌ على أن قاعدة الاعتقاد موجودة والنية معقودة، يجب المحافظة عليها وتشجيعها، والمساعدة على الاستمرار فيها، والوصول بها إلى شاطئ الأمان بيُسر وفي وقت مقبول.
إن هذه الرؤية بقدر ما تصدر عن حقائق السنن الإلهية في النفس (1/25)
صفحة 5
الإنسانية، في انفرادها واجتماعها، فإنها لا تغني عن الجواب الصريح المطلوب في التدريس: متى يبدأ تلقين العقيدة للتلميذ؟
***
لقد كان الشائع لدى التعليم في الكتَّاب وعلى الطرق القديمة أن تلقَّن العقائد للناشئة بعد تلقي القرآن الكريم بل حفظه كاملاً، وغالبا ما يتمُّ قبل البلوغ، فإن التلميذ إذا شارف على نهاية تلقيه القرآن الكريم يؤمر أن يكتب متون العلوم في ظهر اللوحة التي يسجل فيها قسطه الذي يحفظه من القرآن الكريم؛ ويحفظ الجميع فلا تنتهي فترة التلقي والتلقين إلاَّ وقد وعى (حفظ) القرآن الكريم وهذه المتون التي من أهمها متن العقيدة؛ ونستأنس في هذا بحياة القطب اطفيش وأبي اليقظان إبراهيم، فنجد هذا يتمُّ في حدود العقد الأول من عمر الطفل؛ فقد قال القطب لتلميذه أبي اليقظان لما اختَبَر ما عنده من العلم ليكون أهلا لتلقي العلوم وتفسيرها ومناقشتها، قال له بعد أن سرد قائمة من المتون التي يحفظها: «لقد حفظتُ هذه وفي عمري ثماني سنين» (1)، وهذا المؤشِّر وإن كان لا يدلُّ على أن الناس جميعا كانوا على هذا المستوى، ولكن يمكِّن من اعتبار أن العقيدة وغيرها من العلوم تُتلقى تلقينا خالصا بعد تلقي القرآن الكريم، ولا يتمُّ فيها شيء من المدارسة والمناقشة إلاَّ في فترة متأخرة.
فهل ينفع هذا مقياسًا لهذا العصر وللظروف التي يعيشها الإنسان المسلم الذي يرتاد المدارس القرآنية حاليا؟
إنَّ الذي يبدو واضحا في هذه الطريقة السابقة أنها أثبتت نجاحًا على مستوى الكمِّ، ولم تعدم نتائج مُرضية في الفهم ورسوخ المعلومات، والثبات على المبادئ الإيمانيَّة، مما يجعلها ذات مكانة وقابلة لأن تتَّبع في بعض جزئياتها مع الناشئة الآن، ولعل تجربة دُور القرآن الكريم لتعليم
__________
(1) ــــ أحمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته: مطابع دار البعث قسنطينة، د. ت: 22؛ مصطفى وينتن، آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص 23. (1/26)
صفحة 6
الناشئة في العاصمة التي بدأت في هذه السنوات الأخيرة ستتيح الفصل وتقدم إجابات عن ذلك، مثل «دار مالك بن نبي»، و «الإبراهيمي».
والذي درجَت عليه المدارس في الغالب أن تضع مادة العقيدة للناشئة في مستوى السنة الرابعة وما بعدها، أي عندما يكون التلميذ ابن عشر سنين من عمره؛ والذي اختلفت فيه عن المنهج القديم أنها انتقلت مباشرة إلى التعليم بالحوار والعرض والتوضيح والمناقشة، وفي الغالب تطَّرح المتون ولا تُلزم بها التلميذ نظرا لاعتبارات كثيرة.
إن الطريقة التي اتَّبعتها المدارس القرآنية أملتها الظروف، ومسايرة التطور الحاصل في المناهج الدراسية، كما أنها أثبتت أيضا نجاحًا على مستوى الكيف، ممَّا مكَّن التلميذ من أن يفهم ما يتلقاه، ويجد له تطبيقا في الواقع، ويعان بذلك على تخطي عقبات في حياته وتتكون لديه خلفية إيمانية منذ نعومة أظفاره.
ولعل الحديث عن تحديد المستوى وسن تدريس العقيدة لا يفيد كبير فائدة لأن المهمَّ هو في المنهج والطريقة، خاصة إذا انتبهنا إلى ما أثبت سابقا من أن تعليم العقيدة وتلقينها لا يحدَّد له سن معينة فالمطلوب من الإنسان أن يحافظ على فطرته. فالواجب الاهتمام بالمنهج والطرق والمحتوى والأساليب التي يتم بها هذا التعليم.
فيبقى التعليم مفتوحًا دوما وأبدًا، من غير تحديد، لكن كيف؟
فمن جانبٍ لا نستطيع الإغضاء عن التحديد الزمني لتدريس العقيدة بمعناها الاصطلاحي، ومتى تكون مادة من مواد الدراسة، التي يحدَّد فيها فصولٌ ومسائل بعينها تبدأ من التوحيد وتنتهي إلى مصير الإنسان الأخروي.
ومن جانب آخر ينبغي أن يكون كل ما يقدم في التدريس متكاملا؛ كل مادة تخدم الأخرى، ولا يمكن أن يفصل بعض الدين عن بعضه، ولا يمكن أن يثمر النتائج المرجوة منه. وبهذا المعنى تكون العقيدة حاضرة بشكل غير مُعلن ولا مقصود إليه في كل مواد التدريس من أول يوم، وتأتي (1/27)
صفحة 7
المرحلة التي تستقل فيها العقيدة بحصَّة خاصة، ووقت معين؛ وتوضع ضوابط لهذا الظرف حسب عمر الطفل ودرجة استيعابه.
يمكن من هذا المنطلق أن نستأنس بالأهداف التي وضعت لها المدارس القرآنية خاصة، والتي لأجلها يرسل الأولياء أبناءهم للتعلم فيها، وإلى الجانب الشرعي التكليفي، الذي يحدَّد الوقت الذي يجب فيه على الطفل أن يتعلم العقيدة بل يعلن عنها قولا وينتبه إلى أنه مُحاسب عليها.
فمن جانب الأهداف واضح أن الهدف الأول والأخير من إنشاء هذه المدارس والتعليم لدى المسلمين عمومًا، هو تكوين أجيال مؤمنة بربها، تفقه دينها وتفقه كيفية العيش على هدى القرآن الكريم، ويتجسد ذلك فعليا عندما يصل الطفل سن البلوغ؛ فالمدرسة مطلوب منها أن تقوم بواجب تلقين الولد ما يجب عليه من أمر دينه وعلى رأس القائمة تلقينه الاعتقاد الصحيح الواجب عليه الالتزام به إلى أن يلقى ربه.
ومن الجانب الشرعي فإن التكليف وترتُّب الواجبات على الإنسان تتحدَّد بضوابط متعدِّدة من بينها أن يكون قد أدرك البلوغ، ولا يتعدَّى سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، فهذه سن لا يُسمح بالتأخُّر عنها في الالتزام بالواجبات الشرعيَّة؛ فهل يكون هذا حدًّا لتعليم الولد العقيدة؟
والحكمة تقتضي سبق هذه السن، فلا ينتظر إلى أن يبلغها الولد بل ينبغي ألاَّ يبلغها إلاَّ وهو عالمٌ بما يجب عليه، وعندما يصل إليها فقد أصبح لزامًا عليه أن يُقرَّ بما علم، ويعلن إيمانه ويعمل بما وجب عليه شرعًا، فالعقيدة تُتَعَلَّم قبل البلوغ ولا تترك إلى يومه، وحينُ البلوغ ليس للتعلم بقدر ما هو للعمل؛ فيمكن أن تُعَلَّم في سنِّ العاشرة والحادية عشرة عندما يكون للولد استعداد للتلقي والفهم.
***
لماذا هذا التحديد؟
هذا التحديد ناتج عن الاحتراز من:
*ـــ أن يكون درس العقيدة دون مستوى إدراك التلميذ فيؤتي (1/28)
صفحة 8
نتائج عكسيَّة مما يراد منه، إذا كان قبل أوانه.
*ـــ أن يشتت الدرس عقيدة الولد الفطرية، خاصَّة إذا صحبه منهج غير سليم ولا قويم، أو إغراق في مسائل الخلاف ودقائق الغيب وما لا يكون في متناول التلميذ.
*ـــ إنَّ التلميذ معرَّض لأن يتلقى مفاهيم ومبادئ في الحياة مختلفة المشارب والاتجاهات والمصادر، الصحيح منها والسقيم الإيمان والكفر، مما يفرض السبق والتدارك، فالطفل وعاء لابد أن يملأ إما حقا أو باطلا.
وهنا ندرك أنَّ الموضوع لا يعدو أن يكون واجهة من واجهات الجهاد السرمدي الأبدي بين الحق والباطل، فلا يصبح للعمر معنى بقدر ما يكون الحديث عن المضمون والمنهج هو المجدي، فيقال: لقن الولد أي شيء هو مستعد للتلقي دوما، لكن لقن ما تضمن رسوخه، وسلامته، قبل أن تسبق إليه، فتحتاج إلى جهد مضاعف، ووقت كثير للوصول إلى المبتغى.
ويمكن بهذا أن نسلِّم أنَّ العقيدة باعتبارها إيقاظا للفطرة في الطفل أو مساعدة له على البقاء على الفطرة، أو مسارعة إلى قلبه قبل أن تعمره خرافات العصر وباطلات الزمان؛ ونُسلِّم بأنها تُدرَّس من أول يوم يطأ فيه التلميذ المدرسة إلى أن يتخرج فيها مسلمًا صالحًا مؤمنا عاملا بما علم.
فالقضية إذن تنتقل إلى مضمون ما يلقى على التلميذ وما يطلب منه حسب مستويات الدراسة وتنقله فيها.
***
مستويات التدريس:
إن تدريس العقيدة بهذا المصطلح العلمي الدقيق الذي يُراد به تناول القضايا الغيبية والعلاقات بين الله تعالى وسائر الموجودات، وبين الموجودات فيما بينها، وجعل كل ذلك خطابا يراد به الإنسان بالدرجة الأولى ينبغي أن يراعى في تدريسها المستوى العقلي والعمر العقلي والفعلي للولد. (1/29)
صفحة 9
الدرس العقدي في المرحلة الابتدائية:
لا يمكن أن يخاطب تلميذ الابتدائي ـــــ بل كل الناس ـــــ بما هو فوق طاقته وإمكان إدراكه، كما هو الشأن في التكليف، وحتى حين تقرير هذه المادة يجب التدرج في تناول مسائلها.
فمن حيث اختيار المسائل والموضوعات ليس في مقدور الولد وهو في بدايات تعلمه أن يلقن ما يتعلق بكليات من المسائل التي عجز العلماء والفلاسفة عن استيعاب بعضها فضلا عن غيرهم؛ وهذا من شأنه أن يدعو إلى تقرير المسائل الإيمانية القريبة من متناول التلميذ، حسب عمره وإدراكه في كل مستوى تعليمي، فتبدأ مثلا:
*ـــ الإيمان بالله تعالى، ومعرفة أسمائه التي يدعى بها.
*ـــ الإيمان بالرسول محمد جمادى ثان، وبيان صفاته الخلُقية.
*ـــ الإيمان بالجنة والنار وأنهما دارا جزاء بالنعيم والعذاب؛ هكذا دون الدخول في التفاصيل.
ولا يعني هذا أن المعلم في منأى دائما عن بعض الاستفسارات والتساؤلات التي يثيرها التلميذ، لكن ينبغي أن لا يكون هو المنبِّه إليها أو المشير إليها وعندما يتلقَّى السؤال يجيب عنه بحكمته ويصرف السائل بلطف.
ومن حيث توخِّي المنهج الذي يتولاه المدرس والطريقة التي يتبعها، كذلك ينبغي أن يكون دائما في مقدور التلميذ مسايرتهما، والانسجام معهما حتى لا يُحدث الدرس تشويشا على أذهان التلاميذ، كما لا يدفعهم إلى الملل، والواقع أن الدرس العقَدي في أصله حيوي ومشوِّق، لكن أحيانا ينقلب إلى طلاسِمَ ومجرَّدات وخيالات عندما لا نُحسن تقديمه؛ وقد يثير الشكوك من حيث إنه يراد منه أن يثمر طمأنينة وحياة للقلوب وفعالية في السلوك.
فالعهدة في هذا على الرسول المبيِّن والمبلِّغ، إن أحسن استعمال الطرق المؤدِّية إلى هذه الأهداف.
ثم يتدرَّج المعلم في المستويات بهذا المنهج، وبالرفق، كما كان الرسول جمادى ثان، (1/30)
صفحة 10
وكما فقه الناس الجانب الإيماني من الدين قبل أن تشوبه نظراتُ التجريد المطلق، ومتاهاتُ التفكير البشري، وتعقيدات الفلاسفة.
لذا يكون من الأجدى أن تقدم المسائل الإيمانية والعقدية في الابتدائي بغير عنوان العقيدة أصلاً، وتندرج ضمن مُسمَّيات أخرى أقرب إلى ذهن التلميذ، وأحسن تأثيرًا فيه وأسرع، وبشكل أدعى إلى قبولها، فتكون العقيدة تحت أشكال متعددة مما يبدع المبرمجون في تشكيله، مثل الذي وجدنا تحت مسمى «الإيمانيات» في مقرر مدرسة «البشرى» بالخروب بالنسبة إلى مستوى السنة الثالثة.
***
الدرس العقدي لتلاميذ مستوى المتوسط:
إذا انتقلنا إلى مستوى المتوسط، فإننا نجد أنفسنا أمام معطيات ومحيط آخر غير السابق، مما يعني أنه يتغير الدرس العقدي موضوعا ومنهجا.
إن انتقال التلميذ إلى هذا المستوى يعني تأهله لتلقي معارف فوق ما كان يتلقاه في المرحلة التعليمية السابقة، فهذه المرحلة من التعليم ومن عمر الطفل تحكمها معطيات أخرى وعوامل تجعل الدرس العقدي فيها غيره في سابقتها، من هذه العوامل:
أولا ـ بلوغ الطفل سن التكليف
أصبح مفروضا عليه ما يُفرض على كبير السن من اعتقاد أصول الإيمان، وما لا يسعه أن يجهله ــــ كما يعبر عنه في التراث العقدي ــــ ويصبح مُحاسَبا على ذلك، والمطلوب ممن تولى أمانته تبليغه هذا الواجب.
فماذا يُعلم وكيف؟
فهل نبقى على الطرق القديمة التي تلقِّن المبادئ كلها والأصول جميعا؟ كما هي مثلا في «عقيدة العزابة»، أو «خلاصة المراقي»، أو «جوهرة التوحيد»، أو «متن أبي زيد القيرواني»، أو «الطحاوية» ...
وهل ندرِّس التلميذ في هذه المرحلة كل ما يتعلق بالتوحيد (1/31)
صفحة 11
والصفات والجدل الواقع فيها ... ونعلمه مسائل الغيب بكل جوانبها ممَّا يتعلق بالله تعالى وما يتعلق بمصير الإنسان، ومآله، و ... ؟
إن النظر في هذا الموضوع يوصل إلى أن التلميذ ولو انتقل إلى مرحلة أخرى، فإن قدراته ما تزال محدودة، ويفترض دوما أن يراعى هذا في التدريس، وهو قاعدة أساسية لا يمكن تجاوزها، لأنَّ أي مخالفة لها تؤتي من النتائج ما لا تحمد عقباه، ويكون العمل هدمًا مع أنه يراد به البناء.
فلن يكون من الحكمة نقلُ التلميذ مفاجأة وبغتة من عالم المحسوس الملموس المجسد إلى عالم المثل والتجريد والغيب المطلق، فضلا عن أن الواجب مراعاة الشرع فيما يفرض على الإنسان عمومًا، سواء أكان كبيرًا أم صغيرًا.
فالمخرج في يسر الدين ولطف الله تعالى بعباده، فما كان يرسل الرسل إلاَّ بلسان الأقوام، وما كان رسله يأمرون بغير التوحيد وتصديق الرسل وما جاؤوا به، والإيمان باليوم الآخر ولم يكونوا يطلبون غير هذا. فهل يمكن الاقتصار على هذا القدر في هذه المرحلة؟
***
ثانيا ـ الانتماءات المذهبية والخصوصيات والاختلافات:
لقد دأب المسلمون على تعليم العقائد بالرؤى المذهبيَّة، وأصبحت جزءًا من التكوين الشخصي للأفراد، وفرضت نفسها واقعا غير ميسور تجاوُزُه، إن لم يكن مستحيلا، لأن أيَّ تجاوز لن يكون رجوعًا إلى أصل أكثر مما يكون إنتاجًا لاتجاه جديد ومذهب جديد، مع أنَّ الأمَّة في غنى عن هذه الإضافات، وبات من الحكمة الالتزامُ بمذهب معين والتدريس وِفْقَهُ، ليس تعصُّبا ولا تنكُّرا ولا إحياءً لنزعات قديمة ومعارك كلامية، بقدر ما هو التزام بمنهج واضح واتباع لمدرسة فكرية عن اقتناع ووفاء لجهود علماء أخلصوا في بحوثهم.
فمن حيث هذه النظرة لا يمكن للمدرسة أن تُدرِّس على غير مذهب، كما لا يمكنها أن تدرِّس على مذهب غير الذي وُضعت لتدريسه، وهذا من (1/32)
صفحة 12
الوفاء للعقود والعهود التي بين المدرسة في أشخاص هيئة التدريس، وبين من وضعوها وقفا للتدريس حسب مذهب الموقِّفين؛ وبين المدرِّسين والإدارة المسيِّرة للمدرسة والمجتمع التي تنتمي إليه المدرسة، فلا يمكن للمدرِّس أن يتخذ منهجًا غير الذي تعهَّد بتدريسه، إلاَّ أن يُنشئ مدرسة خاصَّة جديدة، و «المؤمنون على شروطهم»، كما لا يمكنه أن يتذبذب بين المذاهب الإسلامية.
وهذا يفرض على الأستاذ أن يفقه المذهب الذي يُدرِّسه ويُعلِّم آراءه ومواقفه، وحججه وأدلته وموقفه من أدلة غيره، حتى يستطيع أن يؤدي واجبه كما يُطلب منه.
لكن دائما يبقى البحث عن موقع التلميذ في هذه المرحلة من هذا البرنامج، فهل يتحمَّل الخوض في هذه القضايا، وهو في أول عهده بالبلوغ؟ وهل من واجبه أن يتعلَّمها لأنه مكلَّف باتخاذ موقف واضح بيِّن؟
لا يتوقف الأمر في هذا الحد، لأن التلميذ ليس في جزيرة معزولة عن الغير، فلو كان على حال المدارس سابقا حيث يكون التلميذ خالصا لمدرسته، والمدرسة خالصة للتلميذ، لهان الأمر وكان التحكُّم في المادة العلمية ميسورًا، ولكان في برمجتها متسعا لاختيار الموضوع والقضايا والمسائل، وكان لكلِّ مذهب مدرسته وتتجاور مع مدارس المذاهب الأخرى، ولم يكن يرى العلماء في ذلك من حرج، بل كان انتماءُ التلميذ إلى مدرسة عنوانا كافيًا وسببًا لتحديد وجهته ووضوحها، أما وقد اختلط الأمر، وأصبح الاحتكاك المذهبي والتجاوُر واقعًا منذ صغر التلاميذ، وأصبح التأثير والتأثر قريبين مما يؤدي إما إلى ذوبان مذهب في آخر، أو إلى تذبذب في الآراء، وإلى إنكار الناس أصولهم العقدية المميِّزة لهم، أو جهلهم لها تحت تأثير الوافد، والمحيط الكبير والواسع، وعادة يخشى على القليل أن يضمحلَّ ويتلاشى في الكثير.
ينبغي أن ينظر إلى هذا التخوف من جانبه الإيجابي، ولا يظن به سوء، ولا ضيق نظر، لأسباب متعددة:
*ـــ هذه المذاهب ليست كلها ناتجة (1/33)
صفحة 13
عن أهواء مؤسِّسيها، ولم يُرَدْ بها بالضرورة الفرقة بين المسلمين، بقدر ما هي قراءة ممكنة قد تكون صحيحة في فهم الشرع.
*ـــ الحق لا يمكن أن يحتكره نظر بعض دون آخرين، فليس بالضرورة أن يكون رأي الآخرين خطأً، بل قد يتوزَّع الحقُّ بين كثير من الرؤى، وتتكامل وجهات النظر لتفيدنا مجتمعة بالحقيقة والصواب، وهو ما لا يمكن أن تفعله متفرقة، أو منزوية، أو مغمورة مطموسة.
*ـــ إذا سمحنا بهذا الذوبان أو وقفنا ضدَّ الحق في الاختلاف والتميُّز نكون قد حرمنا الأمَّة من رحمة الاختلاف، ونعمة تعدد الآراء البانية، وقصرنا نظرنا إلى الحق في جهة واحدة وتركنا جهات، ومنعنا أنفسنا من الاستفادة من كلمات الله تعالى التي لا تنتهي، وأردنا أن نحصرها ونقصرها في بعض كليمات، محدودة الزمان والمكان.
فبهذه الاعتبارات لا يكون الحديث المذهبي المعاصر إحياءً لمعارك قديمة، ولا بقاء على النمط القديم في الاختلاف الذي يُقصي الآخر، ولكن يصبح اختلافا يبحث عن إظهار قوة الإسلام في استيعابه أنواعا من التفكير.
وإن الطفل في مرحلة المتوسط من جهة مُكلَّف، ومن جهة أخرى يعيش بين إخوانه المسلمين مما يولِّد تساؤلات عن الاختلافات من كل الأطراف، وهو عمر السؤال والتساؤل المُلِح عن أسباب التميُّز.
وهذا الوضع إمَّا أن يجعل التلميذ مُعقَّدا من حيث تميُّزه عن الآخرين الكثيرين، ويولِّد فيه هذا ما يولِّد من أسباب ضعف الشخصية، وإمَّا أن يسلمه دوما إلى المواجهات التي لا يحسن هو ولا أترابه من غير مذهبه كيف يديرونها، وإذا صادفت من أسرة التعليم سوء توجيه فتكون الدواهي مضاعَفة.
وهنا يُتساءل عن الحل الحكيم الذي يمكِّن التلميذ ــــ وهو المحور في الموضوع ــــ أن يساير ما يعرض عليه، ويكسبه معرفة تنفعه ولا تدخل به إلى المتاهات أو تُسلمه إلى الأحقاد، ويبدأ في تكوين شخصيته المتميزة. (1/34)
صفحة 14
لعل الأسلم في الموضوع أن تُبرمج الدروس العقديَّة عموما فيما اتفق عليه المسلمون مثل المرحلة الابتدائية، ويزاد ترسيخها لدى التلميذ، ثم يضاف إليها الآراء الخاصة بالمذهب مشفوعة بأدلَّتها، ويتوخَّى فيها الوضوح واليُسر قدر المستطاع، مع حُسن التقديم والتوضيح.
***
وهذا نموذج من المواضيع الممكن تقديمها في هذا المستوى:
أولا ـ وجود الله تعالى:
*ــــ أدلة وجود الله تعالى في الآفاق وفي الأنفس.
*ــــ وجوب الإيمان بالله تعالى
ثانيا ـ توحيد الله تعالى:
*ــــ تعريف التوحيد
*ــــ دليل وحدانية الله تعالى
*ــــ أسماؤه تعالى الحسنى
*ــــ نفي رؤية الله تعالى وأدلته من القرآن ومن الحديث.
وينبغي أن يتوقف في هذا الحد، مع وجود استدلال منطقي، قد لا يستوعبه التلميذ في هذه المرحلة ويترك للتي تليها.
ثالثا ـ الإيمان:
*ــــ تعريف الإيمان.
*ــــ الإيمان اعتقاد وقول وعمل.
رابعا ـ مصير الإنسان:
*ــــ الشفاعة: تعريفها، كونها للمؤمن الموفِّي دون العاصي.
*ــــ الجنة دار المتقين.
*ــــ النار جزاء الكُفَّار والعُصاة.
*ــــ الخلود في الدارين.
ويشفع كل ذلك بالدليل القرآني والحديث.
وينتج عن هذا المنهج المقتصر على العرض، عدم تشويش الذهن بغوامض المسائل ومعقدها، ويسهل على التلميذ الاقتناع باستعمال الأدلة من المصدرين الكتاب والسنة دون النزول إلى الدليل العقلي الخالص، لما للمصدرين المذكورين من أثر وقوة في الإقناع والرسوخ وانشراح القلوب لهما، فيكتسب التلميذ بذلك ثقة فيما يلقن له، (1/35)
صفحة 15
ويحفظ الدليل خاصة في المسائل الخلافية.
ولا يشرد ولا يعقد عليه بذكر الخلاف إلاَّ عند الضرورة المُلِحَّة، حتى يستطيع أن يستوعب ما هو من خصوصياته، وتتكون لديه شخصيته العقدية المتميزة.
وينبغي أن يكون الهدف من هذه المعارف التي تقدم للتلميذ في هذه المرحلة هو تكوينه الشخصي، وتثبيت المعلومات التي يعتقد صحتها لديه قبل أن يتشرَّب أفكارا أخرى، ولكي يتكون لديه اعتزاز ورضى بانتمائه، وعلم بأنه مؤسس على علم، وليس من قبيل الهوى والاختراع والابتداع.
وينبه إلى أن الاختلاف الذي سيجده عند إخوانه المسلمين ليس تضادًّا ولا سببًا لنيل طرف من آخر، بل لكلٍّ دليلُه، وأنَّ الشرع قد يحتمل كلَّ الأطراف إلاَّ أنه يجب الثبات على موقف واضح؛ كما يُنصح في مثل هذه السنِّ أن يتخلَّى تمامًا عن النقاش والجدل ولا يكون همُّه الجواب والمنافحة عن موقف، وأن يعلم أنَّ الخلاف والجدال له مقامه والذين يتولونه دونه.
فهذه من الأساسيات التي نأمل أن يأخذ بها المسلمون تفاديا لهدر الطاقات وتضييع الأوقات، فليس بمعقول أن تُغيَّر آراء مذاهب بُنيت على أسُس منذ قرون، كما أنه ليس الموضوع موضوع تنازل بين أصحاب آراء، بقدر ما هو كما عبَّر عنه الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله بقوله: «المعرفة و التعارف و الاعتراف».
***
ثالثا ـ التحديات المعاصرة:
إنَّ المحيط العالمي الذي يعيشه الطفل بأشكال متعدِّدة يوجب الإسراع إلى قلب الطفل وتربيته على الإيمان والعقيدة السليمة، وهنا يستوي المسلمون جميعًا، وهم يعيشون دومًا الصراع بين الحق والباطل؛ فيتطلَّب الوضع أن يُحصَّن التلميذ تباعًا حسب قدراته، بما يغرس فيه من القيم العقديَّة الصحيحة، قبل أن يتأثَّر بالوافد (1/36)
صفحة 16
الفكري الذي يغزوه في كل آن بوابل من الأفكار والتيارات؛ ويجب أن يعلَّم عقيدته بكل المناهج المشروعة المتاحة الموصلة إلى الإيمان الصحيح، ويُعمر قلبه بالجانب الروحي المعنوي، وبالاعتقاد في الغيب قبل أن يستسلم إلى نداء المادة والماديين، وقبل أن يسلِّم بنتائج البحوث والمناهج الغربية التي تدير التعليم في وسط البلاد الإسلامية، من نظريات النشوء والارتقاء، وأصل الإنسان، وبدأ الكون، ونهايته؛ ويلقى في روعه الإيمان الراسخ بإرجاع كلِّ شيء إلى الله تعالى، وأنه الخالق حقيقة، وأنَّ الساعة لا ريب فيها، والموت حقٌّ وأنه رجوع إلى الله تعالى ...
وتُقَدَّم هذه المعارف أيضا بكل منهج سليم وبتدرج مع التلميذ، ومن الأجدى أن تتأخر مثل هذه الدروس إلى نهايات مرحلة المتوسط.
وتكون فيها العناوين الآتية:
الإيمان بالغيب:
*ـــ غيب الساعة وأشراطها: دليل القرآن والسنة، بداية الكون ونهايته.
*ـــ غيب الموت: معنى الموت، بداية الإنسان، وخلق آدم، ومآل الإنسان بعده، وحياة القبر.
ومع هذا ستبدو بعض هذه المسائل مستعصية على التلميذ لكن المنهج هو الذي يذلِّل الصعاب، وليس المطلوب أن تتمَّ دائما بطريقة المعلومة ودليها النقلي مجردًا، فيمكن أن تقدَّم خارج هذا الإطار، في شكل شريط سمعي بصري، أو صور لمظاهر الطبيعة التي يستثمرها المعلم لتبليغ رسالة التوحيد عن طريقها، لأنَّ المهم هو إعطاء التلميذ المعلومة الصحيحة السليمة.
***
رابعا ـ العزوف والتسرُّب المدرسي:
ومما يفرض البرمجة المحكمة لدرس العقيدة في مرحلة المتوسط تعرُّض أغلب التلاميذ إلى التسرُّب وإنهاء علاقتهم بالمدرسة القرآنية عند نهاية هذه المرحلة أو في وسطها، فيصبح الهاجس الكبير متى يتعلم التلميذ عقيدته؟ ومتى يتوصل إلى إدراك ما يجب عليه إدراكه؟ ويظهر (1/37)
صفحة 17
هذا خصوصا في المدارس القرآنية بالمدن الكبرى، وأقل منه في غيرها.
إنه من الممكن أن يعرض القائمون على المدارس عن هذا الإشكال، ويقولون: إنَّ المهمة تفرض أن ندرس من جاء، ومن يلتزم بالحضور إلى آخر المراحل، ولسنا مسؤولين عن المتوانين والمنقطعين.
أصل القضيَّة أن يتحمل الأولياء تبعات مثل هذه الإشكالات، لكن الواقع أيضا أنَّ كثيرا من المدارس القرآنية لا تلتزم بتعليم التلاميذ بعد مرحلة المتوسط، فمن يعلِّم هؤلاء بعد هذه المرحلة؟ ولعل مردَّ ما يظهر من التيارات الجديدة في المجتمع والأفكار الغريبة أحيانا أو الطرق غير السليمة في التعامل مع مسائل العقيدة هو عدم تشرُّب كثير من الناس أو أصحاب الأفكار مثل هذه القضايا من صغرهم، وارتموا من غير أن يحسنوا السباحة في محيطات من القضايا جرفتهم فيها الأمواج، وتسبًّبوا في غرقهم وغرق غيرهم، أو في التيه فتاهوا وتيَّهُوا غيرهم، وضاعوا وضيعوا، وأسرفوا في أوقات يقضونها في قضايا جانبية هم أحوج إليها في مهمات الحياة الآخرة والدنيا.
فنظرة إلى هذا الوضع تجعلنا نفكر في تعميق الفهم العقدي للتلميذ في مرحلة المتوسط بإضافة بعض المسائل التي قد تبدو فوق مستواه، لكن ينبغي أن نذلل هذه الصعوبة بمنهج التدرُّج وحسن التقديم، واختيار الوسائط الميسرة للفهم.
فمن جهة ينبغي أن يُحصَّن بإيمان ضدَّ التيارات العالمية الوافدة، ومن جهة أخرى ينبغي أن يعرف مذهبه وخصوصيته، ويحافظ عليها ويعيها، ويثبت عليها، من غير أن يبخس الغير أشياءهم.
فإذا نجحنا في هذه المرحلة تكون النتيجة: إعداد نشءٍ عقدي، مؤمن بربه، عالم بما يجب عليه نحوه، عالم بما يخصُّه وما يميِّزه عن غيره من العالمين، وما يميزه بين إخوانه المسلمين، من غير أن يكون هذا سببًا في إثارة الضغائن أو الأحقاد؛ والنجاح في هذا يتوقَّف على طريقة المعلم وخُلُقه.
فهذه المرحلة بقدر أهميتها وخطورتها، تتطلَّب بذل جهد (1/38)
صفحة 18
مُضاعف في سبيل الوصول بالتلميذ إلى آخر المرحلة بنجاح وقد استوعب ما قُرر عليه.
فالذي انتهينا إليه في هذه المرحلة من حيث المسائل يمكن تلخيصه كالآتي:
*ـــ تقديم الدرس العقدي بالمعنى الاصطلاحي للفظ، فيكون بعنوان خاص، وحصة خاصة.
*ـــ يكون الموضوع المقدم يحقق تعليم الإيمان بما يجب على المكلف في أبسط صوره، وفي أيسرها دون تعقيد، ولا جنوح إلى غموض، وبترسيخ المعلومات بواسطة الشرح الميسر.
*ـــ الإشارة إلى المميزات المذهبية الواضحة غير الدقيقة وغير القضايا الكلامية، مشفوع ذلك بالدليل القرآني والنبوي فقط.
ويمكن أن نقترح برنامج المواضيع كما يأتي:
أولا ـ الإيمان بالله تعالى:
*ـــ وجود الله تعالى: أدلته: من الوجود العام، ومن ذات الإنسان، وما يحيط به من نعم، ومن عجزه عن التغيير في الكون وفي نفسه.
*ـــ وحدانية الله تعالى: دليلها من القرآن، ومن الفطرة في عدم استقامة تعدد الآلهة.
*ـــ أسماء الله الحسنى
*ـــ اعتقاد نفي رؤية الله تعالى: دليلها من القرآن والسنة.
ثانيا ـ الإيمان بالرسول جمادى ثان:
*ـــ اسمه، صفاته وأخلاقه، ختم رسالته وعالميتها.
ثالثا ـ الإيمان بالرسل والكتب:
*ـــ أسماء أولي العزم، الكتب المعروفة وعلى من أنزلت، العمل بما في القرآن وحده.
رابعا ـ اليوم الآخر:
*ـــ الموت، البعث والحساب، الخلود في الجنة والنار. بالدليل النقلي.
***
الدرس العقدي في مرحلة الثانوي:
وهي مرحلة قليلا ما يصبر التلاميذ إلى الوصول إليها، مع أنها أهم مرحلة من جوانب متعددة، أهمية تفرض العمل على استرجاع مكانتها لدى التلميذ وقبل ذلك لدى المجتمع. (1/39)
صفحة 19
وتظهر أهميتها من حيث:
*ـــ إنها تأتي في فترة من العمر أساسية في تشكل الشخصية العقدية لدى الناشئة.
*ـــ هي المرحلة التي يبنى فيها التوجه العلمي لدى التلميذ وفيها يرسم مسار حياته غالبا.
*ـــ هي مرحلة خطيرة، لا يمكن أن يترك فيها التلميذ يظن أنه قد علم كل شيء، فينبه إلى أنه في بداية الطريق.
*ـــ مرحلة يَفهم فيها التلميذ ويُفهَّم أنه في حاجة إلى هذه المعرفة والعلم من أجل خاصة نفسه، وليس تعلمه فيها مؤهلا له للنشر والدعوة والتبليغ بالمعنى الصحيح لهذه المفاهيم والمصطلحات؛ ويتوصل إلى هذا حسب منهج تعليمه وتدريسه والتوجيه الذي يوجه إليه.
فإذا لم يصبر إلى هذه المرحلة يصبح مصدر خطر، فلا هو استوعب استيعابا كافيا، ولا هو بقي في مرحلة عدم العلم، فقد يكون هذا سببا في ضياعه، وتضييعه غيره.
وهي مرحلة الاستعداد والانبهار بكل غريب وخاصة في العلم، يكون التلميذ فيها عرضة للاستسلام لكل مناد، وقد ينساق بسهولة لأنه لم تتكون لديه الشخصية الناقدة والممحصة.
إذا كان التلميذ في المراحل السابقة يكتفي بالتلقين والعرض، فهو في هذه كثير السؤال ومُلِحٌّ فيه، وقد لا يكفيه الجواب العارض، فتنشأ الشكوك لديه.
هذه المعطيات عن المرحلة وعن حال التلميذ تمكن من وضع اعتبارات وضوابط في تقرير الدرس العقدي.
فينبغي أن يتعلَّم التلميذ فيها دينه وعقيدته بالمستوى الذي يجعل منه شابا من الشباب الصالحين الذين يُعدُّون إعدادا لتحمل الرسالة، ويكون من الشباب الرساليين الذين هم عمدة كل فكر ومجتمع.
فيتعلَّم ويَعلَم كيف يؤمن بالله تعالى عن اقتناع وبرسوخ تعضده أنواع من الأدلة النقلية والعقلية، وكذا كيف يؤمن بالوحي واقعا وبالرسول محمد جمادى ثان خاتم النبيين، وأنه حق وأنه لا يسع العالمين إلاَّ (1/40)
صفحة 20
اتباعه، ويتعلم كيف يثبت هذا نقلا وعقلا، وتقرر له أجوبة على الشبهات المثارة في الموضوع.
ويتعلَّم الأبعاد السلوكية والحضارية للإيمان، من خلال تدريسه الأصول العقدية المتعلقة بالمجتمع والسياسة، ويقرن كل أصل إيماني بما له من ظل على السلوك، وما أنتج من حضارة في المسلمين عموما وفي مذهبه خصوصا، حتى يكون هذا أدعى للاعتزاز بإيمانه، والتشبث بالحق الذي معه.
كما يتعلم خصوصيات مذهبه بالمنهج السابق في مرحلة المتوسط، من حيث العلم بخصوصياته وإدراكها، دون غمط الآخرين حقهم.
ويحسن هنا أن يتعلم جل مميزات الإباضية في العقيدة، مما يتعلق بالإيمان بالله تعالى، وصفاته، وما يجب في حقه وما يجوز وما يستحيل، وما تعلق بالإيمان وتعريفه وكونه قولا وعملا، والخلود في الجنة للمؤمن وفي النار للعصاة والكفار، وأن الشفاعة خاصة بالمؤمنين لزيادة الدرجات وليست للعصاة، وكذا المبادئ العملية الاجتماعية وهي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية والبراءة، والإمامة.
إنَّ هذه المرحلة هي التي تؤهل التلميذ للتفاعل مع دينه وإيمانه ومجتمعه، بما تمده هذه الدروس من زاد إيماني وعملي وحضاري يلازمه ما بقي من حياته، يستلهم منه، ويبني عليه، ويكون له خلفية في مسار حياته.
لهذا كانت هذه المرحلة مهمة من حيث ضرورة بقاء التلميذ في المدرسة حتى يستكملها، ومن حيث الاهتمام بالنظام المعرفي كَمًّا وكيفًا عند تقديمه للتلاميذ، فيظهر أن مستقبل المجتمع وصورته تتجسد في مثل هذه الفترة من سنوات الدراسة.
***
ويمكن حسب هذا وضع تصور أولي للبرنامج الدراسي في هذه المرحلة وهو يمتدُّ على سنوات ثلاث من المرحلة الثانوية:
أولاـ الإيمان بالله:
صفاته، وأنواعها: الذاتية والفعلية، ونفي رؤيته. (1/41)
صفحة 21
ثانيا ـــ الإيمان:
تعريفه، علاقة العمل بالإيمان.
ثالثا ــــ القضاء والقدر:
التعريف، المقصود من الإيمان بالقضاء والقدر، عمل الإنسان بين إرادة الله تعالى ومسؤولية العبد، أثر الإيمان بالقضاء والقدر في السلوك.
رابعا ــــ المصير:
الشفاعة والخلود. أثر الإيمان بالشفاعة والخلود على السلوك.
خامسا ــــ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
التعريف، الحُكم والحِكم، شروط الأمر والنهي، درجات الأمر والنهي.
سادسا ــــ الولاية والبراءة:
التعريف، الحكم، الأنواع، كيفية التطبيق والشروط.
سابعا ــــ مسالك الدين:
التعريف، الأنواع الأربعة، شروط الإمامة.
ويراعى في كل درس التنبيه والتركيز على الواجب من الإيمان، وعلى الجانب العملي والبعد الحضاري والسلوكي فرديا واجتماعيا.
***
هذا عن الدرس العقدي من حيث المحتوى الذي ينبغي أن تحكمه العوامل المشار إليها ويراعى فيه وضعية التلميذ ومستواه، حتى يتمكن من التلقي الجيد والمتابعة المستمرة والواعية المؤدية إلى حسن الاستيعاب.
فالمتوخى في هذا التدرج والسير بتؤدة مع التلميذ حسب مستويات الإدراك لديه، لأن عامل الوقت خطير بالنسبة إلى التدريس في المدارس القرآنية لوضيعتها وصلتها بالمدرسة الرسمية أو الخاصة، فلا يسمح فيها بضياع الوقت في الجانبيات، كما أن العوامل الإنسانية والحضارية التي يحياها الناس أفرادا ومجتمعات لا تسمح بالاختيار العشوائي للمواد ولا مفرداتها؛ فينبغي أن يكون كل شيء صادرا عن حسن تدبير وتخطيط قدر المستطاع. (1/42)
صفحة 22
بيداغوجيا التدريس والتقويم
في العلوم الشرعية
(مادة الفقه المقارن أنموذجا)
الدكتور محمد دباغ
أستاذ ـــ جامعة أدرا ر ـــ
الملخص:
يهدف هذا العرض إلى بيان مختلف الطرائق المتبعة في التدريس والبحث في مجال العلوم الشرعية، مع إجراء مقارنات بينها وانتقاء ما يصلح منها لمسايرة النظم التعليمية المعاصرة مع مراعاة خصوصيات المواد الشرعية.
أضف إلى ذلك عرض نماذج من نظم التقويم البيداغوجي مدعومة بأمثلة عملية، مع محاولة ربط المادة العلمية الشرعية بما يقابلها من مواضيع الفنون الأخرى، وذلك حسب الخطة المنهجية الآتية:
تمهيد.
المبحث الأول: بيداغوجيا التدريس.
المطلب الأول: الطرق والمناهج المتبعة.
المطلب الثاني: كيفية تطويرها.
المبحث الثاني: بيداغوجيا التقويم.
المطلب الأول: نظم التقويم.
المطلب الثاني: موازنة واختيار.
المبحث الثالث: طريقة تدريس الفقه المقارن.
المطلب الأول: المحاضرات والأعمال الموجهة.
المطلب الثاني: مواضيع الامتحانات.
الخاتمة.
تمهيد
إن صلاحية الشريعة الإسلامية وشمولها واستقصاءها للوقائع زمانا ومكانا، يقتضي ضرورة كون أحكامها مسايرة للواقع الذي تطبق فيه، وإذا كانت العلوم المختلفة تسعى لتجديد مناهجها وتطورها كي تواكب العصر، فإن هذا التجديد ضروري في مناهج العلوم الشرعية باعتبارها تتناول تشريعا خالدا لايحده الزمان والمكان. (1/43)
صفحة 23
ولذلاك يمكننا في هذا البحث أن ننطلق في معالجة الموضوع من الإشكاليات الآتية:
1 ــــ هل تخضع الدراسات الشرعية إلى بيداغوجيا التدريس والتقويم المتبعة في كافة العلوم الإنسانية مطلقا أم أنها تنفرد بخصوصيات مميزة؟
2 ــــ هل يمكن الاستفادة من بعض البحوث البيداغوجية في حل المشكلات الموضوعية التي تعترض المسلك الفقهي، ومن ذلك مثلا محاولة تدريس الناشئة الفقه دفعة واحدة؟
3 ــــ ما هي أنجع الوسائل البيداغوجية والعلمية لضمان تحصيل علمي يرقى بالدراسات الشرعية إلى مستوى التحدي الذي تقتضيه ضرورة الاستجابة لمتطلبات العصر في مختلف الميادين؟
المبحث الأول: بيداغوجيا التدريس:
المطلب الأول: أهم الطرق والمناهج التعليمية:
*-الطريقة الإلقائية: وهي طريقة ترتكز على دور المعلم في عرض المادة الدراسية من بيانات ومعلومات ويكون دور المتعلم دور المتلقي والمستمع لتلك المادة (1).
وهذه الطريقة منبثقة من نظرية الملكات، حيث تفترض أن أذهان المستمعين كالأوعية الفارغة فتحاول ملأها بالمعارف.
وقد وجهت إلى هذه الطريقة عدة انتقادات منها أنها تجعل للمستمع دورا سلبيا في العملية التعليمية, ذلك بكونه مجرد متلق، ولكن هذه الانتقادات قوبلت بما يعارضها من الإيجابيات حيث إن هذه الطريقة هي الأكثر نجاعة خاصة في ميدان التعليم العالي، كما أنه يمكن تفادي سلبيات هذه الطريقة بدعمها بوسائل تربوية مكملة كالحوار والاستقراء ومطالبة المتعلمين بالتحضير المسبق وكذا المطالعة الخارجية.
وتتلخص أشكال التعليم بهذه الطريقة فيما يلي:
__________
(1) علي تعوينات، محاضرة بعنوان طرائق تدريس العلوم الإسلامية في التعليم العالي، ملتقى طرق التدريس، قسنطينة، ماي 2000، ص: 198. (1/44)
صفحة 24
المحاضرة.
العرض القصصي.
الوصف.
العروض السمعية البصرية.
* ــــ طريقة حل الإشكالات العلمية: (1)
وتتمثل هذه الطريقة في طرح الإشكال وطرح مختلف الفرضيات لحله، ثم مناقشتها وبالتالي الوصول إلى الحل باتباع الخطوات العلمية والمنطقية في ذلك.
ومن خصائص هذه الطريقة:
*-التدريب على الأسلوب العلمي في حل المشكلات.
*-تنمية ملكة النقد العلمي المنهجي عند الطالب.
لكن استعمال هذه الطريقة في تدريس العلوم الشرعية لايكون بدرجة استعمال الطريقة الأولى لاحتياج العملية التعليمية في أغلب المواضيع الشرعية إلى الدور الإيجابي للمعلم، حيث لايقتصر دوره على مجرد التوجيه، ولكن يمكن الاستفادة من هذه الطريقة في بعض المجالات كالأعمال الموجهة والحلقات الدراسية (2).
*-طرق تفريد التعليم:
وهي طرق ترتكز على مراعاة الفروق الفردية ومتابعة المتعلمين واحدا واحدا، وهذه الطريقة لئن كانت صالحة في بعض الميادين والمراحل التعليمية كنظام التدريس بالإجازة ونظم التدريس بالزوايا (3) مثلا فإن تطبيقه في ميدان التعليم العالي يكون عسيرا بالنظر لأعداد الطلبة وكثافة البرامج وغير ذلك من النظم البيداغوجية التي تفرضها طبيعة الدراسة الجامعية.
المطلب الثاني: كيفية تطويرها
يمكن تحديث المناهج التعليمية وتطويرها وفق جملة من القواعد أهمها:
__________
(1) علي تعوينات، مرجع سابق، ص: 212.
(2) محمد دباغ، محاضرة بعنوان تدريس الفقه والأصول بين العلم النظري وتحديات الواقع، ملتقى طرق التدريس، قسنطينة، ماي سنة 2000، ص: 101.
(3) لقد أثبتت طريقة مراعاة الفروق الفردية نجاعتها في طرق التدريس التقليدية خاصة في مجال حفظ القرآن والمتون الفقهية. (1/45)
صفحة 25
1 - التكوين الذاتي للأستاذ (1) حيث إن عليه أن يسعى جاهدا في اتخاذ كافة الوسائل اللازمة لتطوير الأداء وتحسينه ومن ذلك مثلا الاطلاع دوريا على ما يجدُّ في ميدان تخصصه من معارف بيداغوجية وموضوعية إلى جانب إجراء مقارنات بين مختلف الشعب والفصول التي يدرسها في فترات مختلفة حتى يمكنه تقويم التقدم في الأداء.
2 - على المدرس أن يبذل جهده في شد انتباه المتلقي بكل الوسائل المساعدة على التفاعل مع المحاضرة.
3 - استغلال الوسائل السمعية والبصرية في عرض المادة العلمية.
4 - الحرص على تقريب المصطلحات العلمية وربطها بنظائرها من مصطلحات الفنون المختلفة مع تعزيز كل ذلك بالشواهد والأمثلة الواقعية (فرض الكفاية، الجنازة، إتقان الأمة مختلف وسائل الحياة).
5 - استغلال خدمات المكتبة الإلكترونية في مجالي التدريس والبحث (2).
المبحث الثاني: بيداغوجيا التقويم:
المطلب الأول: نظم التقويم:
*ــــ النظام التقليدي: ويتميز بالمواضيع ذات الصبغة الإنشائية، كما يتميز باسترجاع المعارف بصورة بطيئة عن طريق الأسئلة التحليلية الاستنتاجية، ومن محاسنه:
1 ــــ تمكين الممتحِن من قياس القدرة التعبيرية للممتَحَن.
2 ــــ تستخدم فيه جملة من العمليات العقلية كالتفكير والتحليل والتركيب والاستنتاج.
3 ــــ اظهار شخصية الممتحن.
ومن عيوبه:
1 ــــ النسبية في السؤال وقابليته للتأويل والاحتمال.
__________
(1) نبيل عبد الحليم متولي، تقويم المعلم الجامعي، مقال بمجلة كلية الدعوة ليبيا، 1990، ص: 289.
(2) محمد دباغ، محاضرة بعنوان، المكتبة الإلكترونية ودورها في التدريس والبحث، قسنطينة، نوفمبر، 2001. (1/46)
صفحة 26
2 ــــ يساعد على التحكم في التغيرات الناتجة عن عامل الزمن.
3 ــــ محتمل لتدخل الذاتية في التصحيح (1).
* ــــ التقويم الموضوعي: (نظام الاسترجاع البسيط).
يتخذ هذا النظام أشكالا عدة منها:
* ــــ الخطأ والصواب.
* ــــ اختيار الصواب من بين عدة إجابات.
* ــــ الربط بين المعنيين المتناسبين بسهم.
ومن محاسن هذا النظام:
1 ـــ أنه لامجال فيه للذاتية.
2 ـــ تنمية بعض المواهب كالذكاء وسرعة الاستحضار.
3 ـــ التحكم في الوقت في الامتحان والتصحيح.
4 ـــ يُمَكِّنُ من استغلال الوسائل الحديثة في التصحيح.
ومن عيوبه:
1 ـــ عدم القدرة على قياس القدرة التعبيرية للممتحن.
2 ـــ لا يساعد على إظهار شخصية الممتحن.
3 ـــ تدخل عامل الحظ في مصادفة الإجابة الصحيحة (2).
المطلب الثاني: موازنة واختيار:
بعدما تعرضنا إلى محاسن كل نظام تقويمي ومآخذه ينبغي أن نشير إلى أنه في الدراسات الجامعية لابد من اعتماد المسائل الآتية:
* ــــ ضرورة محاولة إيجاد نظام تقويم متكامل يتجاوب مع تسارع تطور المعارف العلمية في مختلف المجالات مع أخذ إيجابيات كل من النظامين التقليدي والموضوعي بعين الاعتبار.
* ــــ لابد من مراعاة خصائص مجال التكوين المراد تطبيق أي نوع من أنواع التقويم عليه.
لأن ما يلائم العلوم الدقيقة والتكنولوجية مثلا ليس بالضرورة أن يكون ملائما للعلوم الإنسانية والاجتماعية.
* ــــ ضرورة الاستفادة من خدمات
__________
(1) عبد القادر قدي، أستاذ علوم التربية بالمعهد التكنولوجي سابقا، محاضرة حول التقويم التربوي، مرقون.
(2) عبد القادر قدي، المرجع السابق. (1/47)
صفحة 27
الإعلام الآلي في عمليات التقويم المختلفة.
المبحث الثالث: دراسة نموذجية:
(تدريس الفقه المقارن)
المطلب الأول:
الأبعاد البيداغوجية لمنهجية الفقه المقارن:
من المعلوم أن دراسة أي مسألة فقهية مقارنة لابد فيها من اعتماد الخطوات الآتية:
الخطوات العملية ... البعد البيداغوجي ... البعد الموضوعي
تحرير محل النزاع ... تشخيص الإشكالية ... إبعاد ماهو خارج عن موضوع البحث
ذكر الأقوال ... الفرضيات المحتملة ... الإلمام بمختلف الأقوال والآراء
الأدلة وأوجه الاستدلال ... البرهان العلمي ... بيان مآخذ المجتهدين
المناقشة ... تكوين ملكة النقد ... معرفة أوجه الاستدلال الصحيحة
الترجيح ... حل المشكلة ... التطبيق العملي
سبب الخلاف ... إدراك موضوعية الخلاف الفقهي ... رفع الملام عن العلماء
* ــــ تحرير محل النزاع.
* ــــ ذكر الأقوال.
* ــــ ذكر الأدلة مع أوجه الاستدلال.
* ــــ المناقشة.
* ــــ الترجيح.
* ــــ سبب الخلاف (1).
ويمكن تلخيص البعد البيداغوجي للفقه المقارن في الجدول الآتي:
__________
(1) الدريني، الفقه المقارن، ص:3. (1/48)
صفحة 28
المطلب الثاني:
مواضيع الامتحانات والأعمال الموجهة
يمكن في مواضيع الامتحانات والأعمال الموجهة الاستفادة من مختلف الأنظمة البيداغوجية في التقويم، وذلك باعتماد الأسئلة التحليلية في جوانب معينة، و كذا اعتماد الأسئلة المباشرة في مجالات أخرى، أضف إلى ذلك أنه في مجال الفقه المقارن يحسن التعامل مع القضايا العملية الموجهة إلى الربط بين المعلومات النظرية وتطبيقاتها العملية (1).
خاتمة:
بعد هذا العرض الموجز لبيداغوجيا التدريس والتقويم نخلص إلى النتائج الآتية:
1 ــــ إن في مواضيع البحوث الشرعية ومناهجها المختلفة إشارات مهمة إلى أهم القواعد البيداغوجية الحديثة.
2 ــــ ضرورة تطوير مناهج العلوم الشرعية وفق ما تقتضيه المناهج الحديثة في التدريس والبحث مع مراعاة خصوصيات البحث الشرعي.
3 ــــ ضرورة التدرج الكمي والنوعي في تقديم المعلومات لأن ذلك يتجاوب منهجيا وموضوعيا مع بيداغوجيا التدريس والتقويم.
قائمة المراجع
1 - الدريني، الفقه المقارن
2 - عبد القادر قدي، محاضرة حول التقويم التربوي، مرقون.
3 - علي تعوينات، محاضرة بعنوان طرائق تدريس العلوم الإسلامية في التعليم العالي، ملتقى طرق التدريس، قسنطينة، ماي 2000
4 - محمد دباغ، محاضرة بعنوان تدريس الفقه والأصول بين العلم النظري وتحديات الواقع، ملتقى طرق التدريس، قسنطينة، ماي سنة 2000.
5 - محمد دباغ، محاضرة بعنوان، المكتبة الإلكترونية ودورها في التدريس والبحث، قسنطينة، نوفمبر، 2001.
6 - نبيل عبد الحليم متولي، تقويم المعلم الجامعي، مقال بمجلة كلية الدعوة ليبيا، 1990.
__________
(1) انظر الملحق (نموذج لأسئلة امتحان كتابي في الفقه المقارن). (1/49)
صفحة 29
الملحق نموذج تطبيقي:
الامتحان الكتابي الأول في مادة الفقه المقارن
السنة الثانية فقه وأصوله
أجب عن سؤالين من الأسئلة الأربعة والمسألة إجبارية
س1: حرِّر محل النزاع في المقدار الممسوح من الرأس في الوضوء مع ذكر دليل واحد للقائلين بالتعميم مع مناقشته.
س2: بين سبب الخلاف في حكم الموالاة في الوضوء مع بيان الراجح في المسألة.
س3: اعتمد الحنفية كثيرا على قاعدة الزيادة على النص نسخ، اشرح هذه القاعدة مع التمثيل.
س4: اشرح مع التمثيل قا عدة الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
المسألة:
في مناقشة مذكرة تخرج في مجال الدراسات المقارنة شكر رئيس اللجنة الطالب الباحث على استقصائه للموضوع لكنه لاحظ عليه ميله في الفروع إلى مذهب معين، ثم تدخل الأستاذ المناقش ليسأل الطالب عن كيفية ظهور مصطلح الفقه المقارن، فأجاب إجابة كافية، ثم لاحظ عليه تركيزه على كتاب معين في أسباب الخلاف.
أما الأستاذ المشرف فبين أن الطالب تلقى تكوينه الأولي وفق مذهب معين وذلك ما أثر على تحليله الفقهي، ثم أضاف بعض الملاحظات المنهجية المتعلقة بالمصادر والمراجع.
المطلوب:
1 - اختر عنوانا مناسبا لهذه المذكرة مع وضع خطة موجزة.
2 - اذكر الكتاب الذي يمكن أن يكون الطالب قد ركز عليه في أسباب الخلاف مع ذكر كتابين من نظائره.
3 - هل يعد التفقه بمذهب معين من قبيل التعصب المذهبي، علِّل؟
4 - اذكر بعض النتائج التي توصل إليها الباحث بمثابة فوائد للدراسات المقارنة.
5 - اذكر خمسة من المصادر الأساسية لهذه المذكرة.
والله ولي التوفي (1/50)
صفحة 30
كيف تلقي درسا وعظيا في العقيدة
(الخلود نموذجا)
أ/ مصطفى بن محمد شريفي
أستاذ بمعهد الحياة ـــ القرارة
المقدمة:
يقول الله تَعَالىَ في محكم تنزيله: {1 1111 أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ 1111} (فصِّلت: 33)، لا يزال للكلمة تأثيرها المذهل في النفوس، وهي الْمَهَمَّة التي جاء بها الرسل، ثُمَّ ورَّثوها لمن بعدهم من العلماء.
وإذا كان هَؤُلاَءِ الرسل يبدؤون في دعوة أقوامهم بتركيز عقيدة التوحيد، كما قَالَ تَعَالىَ: {111111 أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ 1111} (الأنبياء: 25)، فَإِنَّ علم التوحيد هو أَوَّل وأهمُّ ما ينبغي عَلَى الوعَّاظ والمرشدين الاهتمام به.
وقال تعالى: {111111 تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا 1 وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ 1111} (إبراهيم: 24 ـــ 25)، وإذا أخذنا برأي جمهور الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الكلمة الطَّيِّبَة هي كلمة التوحيد، فَإِنَّ مفهوم كلمة التوحيد يشمل كُلَّ أركان الإيمان الستَّة، ويشمل تفسيرَها الاعتقاديَّ وتفسيرَها العمليَّ. وإذا أخذنا الكلمة الطَّيِّبَة بمعناها العامَّ، فَإِنَّ الوعظ أَوَّل ما يدخل فيها. (1/51)
صفحة 31
وإذا كان مجتمعنا الميزابي ــــ كسائر المجتمعات الإِنسَانِيَّة عُمُومًا، والإِسلاَمِيَّة خُصُوصًا ــــ يعاني من بعض الآفات الاِجتِمَاعِيَّة، والانحرافات الأخلاقيَّة ... فإنَّك قد تطرح السؤال: ما السبب في هذا؟ إنَّ أغلب الناس سيجيبونك: إِنَّهُ ضعف العقيدة.
ولكن، ألسنا نزعم أَننَا مجتمع مسلم مسجديٌّ؟ أليس الجميع يعتقد أن لا إله إِلاَّ الله وَأَنَّ محَمَّدًا رسول الله، ويؤمن بسائر أركان الإيمان الستَّة، وبالأخصِّ منها: الإيمان باليوم الآخر؟ ألسنا ندرِّس العقيدة في مدارسنا؟ أليست خطبنا ودروس وعظنا تركِّز العقيدة الصحيحة في شَتى المناسبات؟؟؟
فأين الخلل إذن؟ هل الخلل يكمن في طريقة عرضنا للعقيدة؟ ...
إِنَّني في هَذِهِ المداخلة أحاول أن أجيب عن جانب من هَذَا الإشكال، مكتفيا بالتساؤل الأخير، وهو طريقة عرض العقيدة.
سأركِّز في هذا البحث عَلَى كَيفِيَّة عرض العقيدة في درس خاصٍّ بالوعظ والإرشاد (1)؛ وملخصا إياه في العناصر الآتية:
1 - قواعد وإرشادات عِلمِيَّة عَامَّة.
2 - قواعد وإرشادات تقنيَّة عَامَّة.
3 - قواعد وإرشادات قبل إلقاء الدرس.
4 - قواعد وإرشادات أثناء إلقاء الدرس.
وتطرقت فيها إلى المنهج والوسائل، والمحتوى. وحاولت أن أربطها بموضوع الخلود ما أمكن.
5 - وفي الأخير عرض رأي الإِبَاضِيَّة وآراء غيرهم مع بعض أدلَّتهم ومناقشتها.
وأتأسَّف لقلَّة مصادري في الموضوع. ورغم لجوئي إلى الإنترنت، فَإِنِّي لم أعثر عَلَى بغيتي، عدا بعض مواقع المسيحيِّين الذين اهتمُّوا بهذا الموضوع ربما أكثر من المسلمين!!.
__________
(1) علمًا أنَّ المجال الدعويَّ أعمُّ من الوعظ والإرشاد، إذ تندرج فيه مختلف أساليب الدعوة، من التربية والتعليم، ومناهج التدريس، وتتكامل فيه مختلف المؤسَّسات: التعليمية وَالاِجتِمَاعِيَّة والجمعيات الخيريَّة ... ونظرا لسعة المجال الدعويِّ فَإِنَّهُ كان من الضروريِّ أن أقتصر على جانب الوعظ والإرشاد. (1/52)
صفحة 32
قواعد وإرشادات علمية عامة في الوعظ العقدي:
هَذِهِ القواعد عَلَى المتصدِّي للوعظ والإرشاد أن يأخذها بعين الاعتبار في دروسه عُمُومًا، وعند تناوله لقضايا العقيدة خُصُوصًا:
1 - استحضار الغاية من درس الوعظ، وهي الفوز برضوان الله تَعَالىَ؛ وبالتالي: الإخلاص لله. وليكن الواعظ همه الله تَعَالىَ، وليس أن يقال: إِنَّهُ خطيب مصقع، أو أسلوبه جذَّاب، فيجب أن يتحاشى حبَّ الظهور والنجاح الشعبيَّ الرخيص.
2 - استحضار الهدف من تناول العقيدة في المجال الدعوي، وهو في تصورنا أمران أساسيَّان:
أ ـــ تحقيق العُبُودِيَّة المطلقة لله عَزَّ وَجَلَّ، أي: تحقيق السموِّ الروحيِّ، بلا شطط ولا غلوٍّ، والعُبُودِيَّة بمعناها الشامل لِكُلِّ نواحي الحياة.
ب ـــ تفعيل العقيدة لتكون سلوكا عمليًّا، في جميع مجالات الحياة، لا مُجَرَّد أفكار يتلقَّاها ويحفظها (1)،
__________
(1) «إِنَّ عقيدة القرآن لا ترضى لنفسها أن تكون حبيسة الوجدان، منفصلة عن الحياة، معتزلة واقع المجتمع، كما ترفض كَذَلِكَ أن تُعَبِّرَ عن نفسها تعبيرا مريضا هزيلا في مجموعة من الأخلاقيات النَّظَرِيَّة، كما ترفض الانفصام في مسيرتها، وَلَكِنَّهَا تجمع كُلَّ قطاعات الحياة، سياسيًّا، واجتماعيًّا، وأخلاقيًّا، وفكريًّا، وتنظيميًّا، وهي قادرة عَلَى أن تعطي في كُلِّ هَذِهِ المجالات عطاءً لا حدَّ له، متى احتكمنا إِلَيْهَا وعوَّلنا عَلَيْهَا.
فلن يكون الإيمان عقيدة وجدانيَّة، ولا مشاعر نفسيَّة، ولا تصوُّرات ذهنية لا ترجمة لها في الحياة، كما لا يكون فلسفة أخلاقيَّة، أو شعائر تعبُّديَّة، ليس لها في حياة الناس ترجمة عَمَلِيَّة، وكما جَهَدَ أعداء الإِسلاَم عَلَى أن يحوِّلوا عقيدته إلى مُجَرَّد قيم روحيَّة لا واقع لها في الحياة، فلم يستطيعوا؛ لأَنَّ طبيعة العقيدة القُرآنِيَّة تأبى إِلاَّ أن تفصح عن نفسها في الحياة، عبادةً لله، وبناءً للمجتمع، وحكما بما أنزل الله، فهي تأبى إِلاَّ أن تكون نواة ينبثق عنها كُلُّ القيم والأعمال التي تحكم حياة المسلم، وتضبط مسيرته، فهو يأكل ويشرب ويعبد، ويحارب ويسالم، ويرضى ويغضب، ويأمر وينهى،، ويحكم ويبيع ويشتري، ويتعامل وفقا لمنهج ربَّانيٍّ، ينبثق عن عقيدة إيمانية تأبى إِلاَّ أن تبسط أجنحتها في كُلِّ مجال ظاهر أو باطن، من عالم الضمير والواقع، وَبِذَلِكَ تأخذ صفة الشمول والإيجابيَّة والتكامل». جمعة أمين عبد العزيز: التغيير عَلَى منهاج النبوَّة، إرادة العمل، ص186 ـــ187. (1/53)
صفحة 33
ومعرفة دور المسلم في هَذِهِ الحياة. لِذَلِكَ هناك من يفضِّل تسميتها بالتربية الإيمانيَّة، ولعلَّ هذه التسمية هي الأنسب.
3 - استشعار الداعيةِ أَهَمِّيَّةَ ما يقوم به، وعِظَمَ المسؤوليَّة، فهو المبلِّغ لأحكام الله، وهو القائم بمهمَّة الأنبياء والرسل، فَـ «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» (1)؛ وبالتالي يجب على الداعية أن يقدِّر عظم هذه المسؤوليَّة، وأن لا يقول شيئًا بغير علم ... خشية التقوُّل على الله، {111111 تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ 1111} (الحاقة: 44 ـــ 47).
4 - أن تكون الموعظة نابعة من القلب لتستقرَّ في القلب، أي: أن يعيش الداعية ما يدرِّسه، لا أن يعرض العقيدة كما يعرض درسا في الفيزياء أو الكيمياء، أو العلوم الطبيعيَّة ...
5 - تناول الموضوع بروح المحبَّة للمستمعين والشفقة، لا بروح التشفِّي والغلظة وَالشِّدَّة، فـ «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ» (2).
6 - تمثُّل العقيدة في سلوك الداعية أَوَّلاً، وليكن كما أمره الله تَعَالىَ: {1111111 كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ 1111} (آل عمران: 79). فقلوب الناس حسَّاسة جِدًّا، تراقب الداعية كيف يُصَلِّي، وكيف
7 -
__________
(1) أَوَّل الحديث: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا ... ». رواه الترمذي في كِتَاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه عَلَى العبادة، رقم 2682، 5/ 48.
(2) رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، رقم 2594، 4/ 2004. (1/54)
صفحة 34
يعيش، وكيف يتصرَّف، وكيف يتكلَّم، فليكن للناس قدوة، كما قال تعالى: في دعاء عباد الرحمن: {1111111111111 لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا 1111} (الفرقان: 74) ...
8 - الإيمان العميق بالفكرة؛ إذ كيف يقنع الداعية غيره بفكرة لم يقتنع هو بها، ففاقد الشيء لا يعطيه.
9 - وضوح الفكرة المراد تبليغها، في ذهن الواعظ أَوَّلاً، وفي أسلوب تبليغها ثانيا؛ وَذَلِكَ بمراعاة مستوى المخاطبين، وَهَذَا ما سأله سَيِّدنَا موسى 2، إذ قال: {1111 اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي 1111} (طه: 25 ـــ 28)، ولكن دون تسفُّل إلى الدركات الدنيا في الطرح، علما أَنَّ نسبة الثقافة تزداد في مجتمعنا بشكل مطَّرد.
ففي النموذج الذي أخذناه هنا مثلا يجب توضيح المصطلحات الْمُتَعَلِّقَة بالموضوع، ومعرفة الاختلاف الحاصل بشأنها: الخلود، الشفاعة (العظمى والصغرى)، الكبيرة، الصغيرة، الإحباط، الإصرار ...
10 - الكفاءة العِلمِيَّة، بمعرفة قواعد الاستدلال النقليِّ، كدلالات الألفاظ (من الخاصِّ والعامِّ، والمطلق والمقيَّد، والمجمل والمبيَّن ... )، ودرجات الأدلَّة (القطعيِّ والظنِّيِّ منها ثبوتا ودلالة)، وقوَّة الأحاديث (من الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والمتواتر والمشهور والآحاد ... ). وكذا معرفة القواعد الْمَنهَجِيَّة في الاستدلال العقليِّ ...
11 - الاعتماد عَلَى الأَدِلَّة اليقينيَّة من القرآن الكريم، والعقل الصريح، وَالسُّنَّة الصحيحة، مع الأخذ بعين الاعتبار أَنَّ الأحاديث الآحاديَّة ـــ وإن كانت صحيحة ـــ فهي لا تفيد اليقين.
12 - الابتعاد كُلَّ البعد عن الأحاديث المضعَّفة فضلا عن الأحاديث الموضوعة، ولو في الترغيب والترهيب، فَإِنَّ في الصحيح ما يغنينا!.
13 - الاعتراف بقصور العقل البشريِّ، وعدم الغرور به فيتجاوز
14 - (1/55)
صفحة 35
حدوده، ويقتحم ما ليس من شأنه. وتوضيح ذَلِكَ في النقطة الآتية:
15 - التفريق بين الأمور المستحيلة، وبين الأمور التي لا يمكن للعقل التوصل إِلَيْهَا لوحده لقصوره، ولقصور موارده (1). فقضايا اليوم الآخر ـــ مثلا ـــ مِمَّا لا يمكن للعقل لوحده التنبُّؤ بوقوعها، ولكن إذا جاءه الخبر من طريق موثوق فَإِنَّهُ لا يُحيل وقوعها، كأهوال يوم القيامة، وشدائدها، وعذابها، ونعيمها، وخلودها.
وبالنسبة لموضوعنا ـــ الخلود ـــ فإنَّ العقل وإن لم يستطع إدراكه، غير أَنهُ ليس مستحيلا ـــ كما سنوضحه لاحقا ـــ وَإِنَّمَا المستحيل عقلا وشرعا هو إخلاف الله وعيده، لاستحالة تبدُّل صفات الله عَزَّ وَجَلَّ، {1111 أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا 1111} (النساء: 87)، {111111 اللَّهِ حَقًّا 1 وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا 11111} (النساء: 122)، ولقوله تَعَالىَ: {111 يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ 1111} (سورة ق: 29).
16 - التمييز بين أصول العقيدة وفروعها، أي بين العقيدة وعلم الكلام. وبالتالي عدم تناول قضايا فرعيَّة لا تثمر عملا، مثل: رؤية الله، ووجود الجَنَّة والنار الآن، وتعيين مكانهما، وإذا كانتا موجودتين فهل تفنيان مع فناء الدنيا أم لا؟ ...
17 - عدم الاعتماد عَلَى أفهام خَاصَّة أو شاذَّة لبعض الآيات والأحاديث، كتأويلها بما لا يوافق القطعيَّ من النصوص، أو العلم الحديث أو العقل السليم.
18 - ليس كُلُّ ما يُعلم يقال. فمثلا: قد اتَّخذ بعض القدامى مواقفَ ظرفيَّةً، في عصور التعصُّب
19 -
__________
(1) فموارد المعلومات للعقل هي الحواسُّ، والحواسُّ قاصرة، فمثلا هي لا تستطيع ـــ بلا وسيلة ــــ إدراك الموجات المغناطيسيَّة والكهرومغناطيسيَّة، والإشعاعات غير المرئية، كالأشعَّة تحت الحمراء، وفوق البنفسجيَّة ... وعدم إدراكها لا ينفي وجودها. (1/56)
صفحة 36
والفتن بين المسلمين (1)، فاليوم لا ينبغي أن نأخذها قَضايا مسلَّمة، بل لاَ بُدَّ من مراجعتها.
20 - تصحيح بعض القضايا التي غزتنا في عقر ديارنا، من خلال القنوات الفضائية ذات اتِّجَاهات معيَّنة. مثل: حديث البطاقة، والشفاعة لأهل الكبائر، وخروجهم من النار ...
21 - عدم التعصُّب وروح العداء نحو الآخر، والحذر من الغلوِّ في التكفير والتفسيق والتضليل ...
22 - يجب أن نفهم ونتمثَّل خصائصَ العقيدة الإِسلاَمِيَّة، ومنها: الربَّانيَّة، والشموليَّة، والواقعيَّة، والوضوح، والوسطيَّة، والتوازن (2).
23 - عدم إيراد قصص شاذَّة غريبة، أو بعيدة عن واقعنا المعيش.
قواعد وإرشادات تقنية عامة:
1 - اختيار الزمن الأنسب للعظة، أي توفير الجوِّ النفسيِّ المناسب، والتحضير الذهنيِّ، وأن يسود الحاضرين جوُّ الهيبة والوقار ...
2 - إِنَّ المستمعين فئات متفاوتة ومتنوِّعة، كالسن والمعرفة والعمل والالتزام الديني ... لذلك يجب أن تكون العظة مفيدة لكلِّ هذه الفئات المتنوِّعة.
3 - يفضَّل أن يكون زمن العِظَة مضبوطا ومحدودًا؛ لذا ينبغي تجنُّب المقدِّمات الطويلة، والاكتفاء بالدخول مباشرة في الموضوع.
4 -
__________
(1) مع الإشارة إلى أَنَّ المواقف التي اتخذها بعض الإِبَاضِيَّة تجاه مخالفيهم هي أهون وأكثر اعتدالا من المواقف التي اتخذها غير الإِبَاضِيَّة تجاههم، كوصمهم بوصمة الخَارِجِيَّة، وبالتالي تترتب عَلَيْهَا أحكام قاسية، عانى الإِبَاضِيَّة من جرائها ويلات وفتنا عَلَى مَرِّ تاريخهم. فمثلا نقرأ في الاعتقاد القادري (نسبة إلى القادر بِاللهِ، 381ـــ442هـ): «من قال: إِنَّهُ [القرآن] مخلوق عَلَى حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه». ينظر: ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، بيروت، دار صادر، 8/ 109ـــ110. (نقلا عن: عبد الجَبَّار الرفاعي: الاجتهاد الكلامي، ص8).
(2) ينظر: يوسف القرضاوي: الخصائص العامَّة للإسلام. (1/57)
صفحة 37
5 - ضبط الموضوع بدقَّة، بحيث يمكن توضيحه وختامه في المدَّة الوجيزة المحدَّدة له.
6 - تحديد نقاط الدرس الرئيسة للحاضرين، وتحديد الزمن الذي يستغرقه.
7 - أن لا يكون الدرس طويلا مملاًّ، ولا قصيرا مخلاًّ.
8 - وضوح رؤية الحاضرين للواعظ، ووضوح الصوت. فعلى الواعظ مراعاة الموقع الذي يجلس أو يقوم فيه، والأجهزة السمعيَّة والبصريَّة التي يستخدمها.
9 - استغلال أدوات الشرح والتوضيح التقليديَّة، كالسبورة، والأوراق الشفَّافة، واللوحات الورقيَّة، والمطبوعات الموزَّعة، مع الوعي المسبق بما ينبغي كِتَابته والتركيز عليه، وكذا استعمال الألوان المناسبة.
10 - استعمال وسائل الإيضاح (رسوم بيانيَّة وكاريكاتوريَّة وجداول وأشكال ... ). فَإِنَّ كثيرا من المسائل العقديَّة مسائل غَيْبِيَّة مجرَّدة بحاجة إلى توضيح وتقريب للفهم بتلك الوسائل.
وهذه الوسائل الأخيرة ليست مألوفة في مساجدنا، ولكن من المفروض أن نولي اهتمامنا بها، فإنَّ من قواعد المدرِّبين في التنمية البَشَرِيَّة أنَّه يمكن للفرد أن يتذكَّر:
- 10 % مِمَّا قرأه.
- 20 % مِمَّا سمعه.
- 30% مِمَّا شاهده وسمعه في نفس الوقت.
- 70 % مِمَّا رواه أو قاله.
- 90 % مِمَّا رآه أثناء أدائه لعمل مُعَيَّن (1).
قواعد وإرشادات قبل إلقاء الدرس:
1 - لا ينسى الواعظ أنَّ القلوب بيد الله، لذا فلا بدَّ من الاستعانة به، والالتجاء إليه مخلصا لأنْ يوفِّقه إلى القيام بواجبه أحسن قيام، وأن يوصل رسالته واضحة من القلب إلى القلب، وحتَّى يؤثِّر في المستمعين تأثيرا بالغا فعَّالا، بالشكل الذي يطمح إليه، كما
2 -
__________
(1) محَمَّد عبد الجواد: صياغة الأفكار وتهيئتها للتقديم والعرض، ص79. (1/58)
صفحة 38
سأل موسى عليه السلام ذلك قائلا: {1111 اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي 1111} (طه: 25 ـــ 28).
3 - ضرورة تحديد:
- مناسبة العرض: إِمَّا وعظ دوريٌّ بمسجد، أو مصلًّى، أو حلقةِ علمٍ ... وَإِمَّا وعظ بمناسبة سارَّة، كزواج، ختان ... وَإِمَّا وعظ بمناسبة حزينة، كالمآتم ... وَإِمَّا موعظة عبر وسائل الإعلام المرئيَّة أو المسموعة. وَإِمَّا بواسطة مقال صحفيٍّ، أو كتاب مقروء.
- مستوى المخاطبين: عوامَّ أو مثقَّفين، ملتزمين أو غير ملتزمين، حضور مختلط ...
فَعَلَى الواعظ أن يضع في حسبانه هَذِهِ الأمور ليعرف طريقة الإعداد، ومستوى الخطاب.
4 - تحديد الإشكالات المطروحة في الموضوع. وهنا ـــ في موضوع الخلود ـــ لا إشكال في خلود أهل الجَنَّة، وَإِنَّمَا في خلود أهل النار؛ لِذَلِكَ يكون التركيز عَلَيْهِ.
5 - الإعداد الجَيد، انطلاقا من القرآن الكريم أَوَّلاً، ثمَّ السُّنَّة النَّبَوِيَّة الصحيحة (وهذا ما سيتمُّ توضيحه باختصار في الأخير)، والاستعانة والاسترشاد بأقوال العلماء.
غير أن هَذَا الموضوع غيبيٌّ لا حظَّ فِيهِ لنظر العلماء، ولا مجال فيه للاستدلال العقليِّ؛ لأَنَّ «أحكام تلك الدار ليست كهذه» (1). اللَّهُمَّ إِلاَّ في شرح معنى الخلود، وخلاصة قولهم: إِنَّ لفظة الخلود استعملتها العرب للمكث الطويل وللدوام الأبديِّ، وَهَذَا الأخير هو المعتمد في ما يَخُصُّ الآخرة (2).
قواعد وإرشادات أثناء إلقاء الدرس:
1 - بيان أَهَمِّيَّة الموضوع، وهو هنا: الخلود، فالقضيَّة قَضِيَّة مصير كُلِّ المكلَّفين، ولا مفرَّ لأيِّ أحد منه، {1111 لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)
2 -
__________
(1) هَذَا شطر من بيت، من منظومة النونية للشيخ أبي نصر في التوحيد وما يَتَعلَّقُ به، وتمامه: «ومن دخل النيران أخزى في السجن». الديوان، طبعة حجريَّة، ص2.
(2) ينظر: أحمد الخليلي: الحق الدامغ. (1/59)
صفحة 39
يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ 1111} (القيامة: 11 ـــ 13).
3 - التشويق في أسلوب الطرح، وطريقة العرض:
أ ـــ أسلوب الطرح: التبسيط غير المتسفِّل، (استعمال اللغة السهلة غير المعقدة. إعطاء أمثلة من الواقع المعيش ... ).
ب ـــ طريقة العرض: الحركيَّة (حركة الجسم، والحركات اليدويَّة)، النبرات الصوتيَّة، وارتسام الانفعالات عَلَى وجه الواعظ، في مواطن الإجلال والتقديس، والحزن والفرح، والإشفاق والشوق، بل حتَّى الدعابة والتمثيل المسرحي (كطريقة الداعية وجدي غنيم) ...
4 - تحاشي اللغة الهجوميَّة التي تنتقد وتعطي أوامر أدبيَّة وتؤذي المشاعر، وتنفِّر، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لَمَّا بعثهما إلى اليمن: «بشِّرَا ولا تنفِّرَا، يسِّرَا ولا تعسِّرَا» (1). ومع ذلك يجب أن يتحلَّى الداعية بالشجاعة لأن يُسَمِّي الأمور بأسمائها، وَيُوَضِّحَ مواطن النقص لدى المخاطبين، ويحاول تقويمها.
5 - التركيز على ما نريد أن يصل إلى قلوب الناس.
6 - قُوَّة التصوير والتخييل، فعند قراءة أوضاع الأشقياء في جَهَنَّم يجب أن نَتَصَوَّرَ شِدَّة الهول والعذاب الذي يلاقونه، وبالإمكان أن نربطه بِبَعْض صور التعذيب التي يتلقاها بعض السجناء في الدنيا، وربط مشاهد العذاب بِبَعْض الظواهر الطبيعيَّة التي نراها دوما، كالانفجارات البركانية، وما عند الله أعظم وأشدُّ! ... وبالعكس كَذَلِكَ تصوير حياة السعادة الأبدية، والنعيم المقيم ... فمثلا لشرح أوائل سورة الغاشية: {• 111111 يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى
7 -
__________
(1) البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجَّة الوداع، حديث رقم 4086، 4/ 1578. (1/60)
صفحة 40
نَارًاحَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ 111 ... }، {• 111111 يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ 1111} (الآيات: 2 ـــ 16)، فنقول: تصوَّر أنَّك انقطعت بك السُّبُل راجلاً في صحراء جرداء، في فترة الصيف الشديد الحرارة، مثل أيَّامنا هذه، وفي وقت الظهيرة، لا ماء، ولا ظلَّ ولا شجر ولا حجر ... ونتخيَّل شخصًا آخر في نفس الوقت يستظلُّ مستلقيا في جنانه، تهدهده نسمات العليل، والمياه العذبة الباردة تترقرق في السواقي، والأشجار الباسقة تتدلَّى بما لذَّ وطاب ... وما في الآخرة أَشَدُّ وأعظم!!. وفي الواقع لا أبدع ولا أروع من التصوير في القرآن (1)، غير أنَّ الناس يحتاجون إلى الشرح والبيان.
8 - الربط بين المعتقد ـــ وهو هنا الخلود ـــ وبين مواقف بعض الصحابة والزهَّاد بأسلوب قصصيٍّ جذَّاب، وإلقاء رائع مقترن بالتمثيل، وَذَلِكَ عند تصوُّرهم لهذا الموضوع الخطير، فقد كان أحدهم ـــ كما يقول أبو حمزة الشاري ـــ: «كُلَّمَا مَرَّ أحدهم بذكر الجَنَّة بكى شوقا إليها، وإذا مَرَّ بذكر جَهَنَّم شهق شهقة كَأَنَّ زفير جهنم بين أذنيه» (2).
9 - استغلال العلوم الحديثة، كعلوم تطوير الذات (لتطوير المهارات لدى الداعية)، وعلوم الاتِّصَال (لمعرفة كَيفِيَّة إيصال المعلومات إلى المتلقِّي)، وعلم النفس (لمعرفة الأساليب الأكثر تأثيرا في النفس)، وعلم الاِجتِمَاع (لمعرفة سنن الله في تغيير المجتمعات)، والاستفادة من آخر الإحصائيات (مثلا: إظهار آثار عدم الإيمان باليوم الآخر في انتشار الرذائل والموبقات والجرائم، والآفات الاِجتِمَاعِيَّة ... ). إلى غير ذَلِكَ مِمَّا من شأنه إفادة الواعظ.
10 -
__________
(1) ينظر: سيِّد قطب: التصوير الفنِّي في القرآن، دار المعارف، مصر، 1956م.
(2) الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيَّة. كسكاس: العقيدة، القضية الكبرى في حياة البشر. (1/61)
صفحة 41
11 - استغلال آخر ما توصَّل إِلَيْهِ العلم الحديث، كشرح مفهوم التوبة وتشبيهها بما في الإعلام الآلي، فعند كتابة نصٍّ يحقُّ لك التراجع عن كثير من الأعمال، ما لم تُغلق الملفَّ المحميَّ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (1). (الغرغرة = إغلاق الملف وحمايته ضدَّ أيِّ تغيير)، ولا يُفتح الملفُّ إلاَّ في يوم القيامة.
12 - استغلال وسائل العرض الحديثة، كالكمبيوتر، وجهاز العرض الرقمي ( Data show) وصور وأفلام فيديو.
فمثلا لشرح معنى الخلود، وبيان نسبية الزمن يمكن الاستعانة بالأفلام الوثائقيَّة (2) ...
13 - استعمال آخر ما توصَّل إليه العلم الحديث:
ففي موضوعنا يمكن توضيح معنى الخلود ببيان أَنَّ الزمن نسبيٌّ مرتبط بالأرض، ونوضِّحه بالسفر في الفضاء، أو برسم الكرة الأرضيَّة كنقطة صغيرة وسط المجموعة الشمسيَّة، وتوضيح أَنَّ زمننا مرتبط بِهَذِهِ النقطة الصغيرة، ثُمَّ رسم مجرَّة "درب التبَّانة" ومحاولة البحث عن الكرة الأرضيَّة أين هي في المجرَّة؟ إِنَّهَا لا تظهر!. ثُمَّ بيان أَنَّ مجرتنا إن هي إِلاَّ نقطة وسط الملايين من المجرَّات. فأين هي الأرض التي يرتبط بها زمننا؟!!.
ونضيف أَنَّ كُلَّ ما نعلمه عن الفضاء لا يتعدَّى السماء الدنيا ـــ كما رجَّح الشيخ أحمد الخليلي ـــ لِقَولِهِ تَعَالىَ: {1 111111111 سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا 1 وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا 111111111111} (فصلت: 12)؛ فماذا عن السماوات الستِّ الأخرى؟ فالزمن الأرضيُّ ـــ إذن ـــ نسبيٌّ إلى أبعد ما نَتَصَوَّرُهُ من النسبيَّة، وهو ضئيل إلى أبعد حدود الضآلة.
__________
(1) رواه الترمذيُّ في كتاب الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار، رقم 3537، 5/ 547.
(2) منها مثلا: شريط علميٌّ بعنوان: «الزمن نشعر به ولا نفهمه»، بثَّته قناة الجزيرة الوثائقية في عِدَّة حلقات، خلال شهر جوان 2007م. (1/62)
صفحة 42
هذا بالإضافة إلى أنَّ الأرض التي يرتبط بها الزمن في يوم القيامة لم تعد موجودة، فما هي وحدة القياس؟ إنَّه الخلود والأبد ... {111111 تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ 1 وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ 1111} (إبراهيم: 48) (1).
14 - محاولة الجواب عن بعض الأسئلة التي قد يطرحها الفكر البشري عُمُومًا، والفكر المعاصر (الغربي والمسلم) خُصُوصًا.
ففي موضوعنا قد يُطرح هذا التساؤل: لِمَ يخلَّد العاصي في النار وهو لم يعص الله إِلاَّ أيَّامًا معدودات؟ الجواب بعِدَّة أمور، منها:
- وجوب التسليم بِأَنَّ الله تَعَالىَ عدل لا يجور، وَأَنهُ {31 يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 1111} (يونس: 44).
- أَنَّ الله تَعَالىَ قد أعطى للإنسان المهلة الكافية ليتذكَّر، وَلَكِنَّهُ لم يفعل: {11111111111 كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا 1 كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ 1 أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ 1 فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ 1111} (فاطر: 36 ـــ 37).
- أَنَّ العاصي إذا رُدَّ إلى الدنيا، فَإِنَّهُ سيبقى عَلَى كفره، كما قَالَ تَعَالىَ: {311111 تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ 1 وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 1111} (الأنعام: 27 ـــ 28)؛ فهو كالذي يدور في حلقة مفرغة لا بداية لها ولا نهاية، فليست أفعال الله تَعَالىَ من العبث بأن يَرُدَّهم ليعملوا بنفس
-
__________
(1) ينظر: بيُّوض إبراهيم: في رحاب القرآن، تفسير سورة الشورى، (مرقون). (1/63)
صفحة 43
العمل مَرَّات كثيرة، ما دامت النتيجة واحدة. وقد بَيَّنَ الله عزَّ وجلَّ إصرارهم عَلَى الإنكار بقوله: {1111 الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ 1111} (يونس: 96 ـــ 97)، وبقوله: {11 يُؤْمِنُونَ بِهِ 1 وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ 1111} (الحجر: 13 ـــ 15).
- أَنَّ رحمة الله تَعَالىَ سبقت غضبه، فقد أعطى للمكلَّف كُلَّ الفرصة ليكون من الناجين، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى ... » (1)، فقد أعطاه عقلا يميِّز به بين الحقِّ والباطل، وأعطاء ضميرا يؤنِّبه عَلَى فعل الشرِّ. وبعد ذَلِكَ وقبله، أعطى له بالحسنة عشر أمثالها، ولا يجازيه عَلَى السَّيِّئَة إِلاَّ بمثلها، {11 جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا 1 وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ 111 1} (الأنعام: 160).
- أَنَّ عظمة الله لا حدَّ لها، فعصيان العبد المخلوق الضعيف ـــ الضئيل الذي لا يكاد يظهر أمام أبسط المخلوقات، فكيف بالإله الخالق العظيم ـــ يعتبر أمرًا عظيمًا لا حدَّ له، فبالتالي يستَحقُّ عَلَيْهِ العذاب الخالد الأبدي الذي لا حدَّ له.
- وفي الأَوَّل والأخير، إِنَّ إعمال العقل في هَذِهِ الأمور الغَيْبِيَّة، وَالْمُتَعَلِّقَةِ بشؤون الله تَعَالىَ، أمر مرفوض، فأنَّى للمخلوق الضعيف ـــ إلى أقصى حدود الضعف ـــ أن يتَوَصَّلَ إلى إدراك ما يَتَعلَّقُ بِاللهِ تَعَالىَ، إذ لا نسبة ولا مناسبة بين الخالق والمخلوق؛ فالتفكير العقليُّ المحض
-
__________
(1) بَقِيَّة الحديث: « ... قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». رواه البخاري في كِتَاب الاعتصام بِالكِتَابِ وَالسُّنَّة، باب الاقتداء بسنن رَسُول اللهِ J ، رقم 6851، 6/ 2655. (1/64)
صفحة 44
في هَذِهِ الأمور لن يخرجنا بنتيجة إطلاقا؛ لذا يجب أن نفوِّض الأمر إلى الله، فهو {11 يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} (الأنبياء: 23)، وأن نهتمَّ بالعمل لأجل نيل رضوانه وجنَّات النعيم، واجتناب سخطه وعذابه الأليم، {111111 اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ 1 وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 11 11} (التوبة: 105).
15 - توضيح مبدأ رحمة الله وَشِدَّة عذابه في آن واحد، ومبدأ الخوف والرجاء، {1111 رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ 11111} (الأنعام: 165)، ومع أنَّ رحمته تَعَالىَ وسعت كلَّ شيء، غير أنَّ هَذِهِ الرحمة كتبها للمتَّقين لا للمذنبين المصرِّين، الذين ماتوا على كبيرة لم يتوبوا منها {11111 عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ 1 وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ 1 فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ 111111111 ... } (الأعراف: 156 ـــ157).
16 - لإثبات العقيدة وترسيخها في القلوب، يجب أن تكون بأسلوب يخاطب العقل والوجدان معًا، فلتكن الأَدِلَّة متنوِّعة، ما بين برهانيَّة، إلى جدليَّة، إلى خطابيَّة (1)، وَهَذَا هو الأسلوب القرآنيُّ والنبويُّ في تناول العقيدة؛ لذا فلتكن الطريقة مستولية عَلَى العقول والقلوب والمشاعر.
وفي قَضِيَّة الخلود لا مناص من اللجوء إلى الجدل في الموضوع؛ ذَلِكَ لأَنَّ وسائل الإعلام تعرض أَدِلَّة طرف واحد في الموضوع، فلا بُدَّ من ذكر أهمِّ أَدِلَّة الإِبَاضِيَّة من القرآن وَالسُّنَّة، وشرحها وتبسيطها لِلعَامَّةِ، دون إيغال في الدقائق والتفاصيل، ولا الدخول في نقاشات الإيراد والردِّ: (قالوا ...
17 -
__________
(1) ينظر درجات هَذِهِ الأَدِلَّة في مناهج الاستدلال. (1/65)
صفحة 45
قلنا ... ). وهو ما سنوضح بعضه فيما يأتي:
أدلة الخلود
أولاً: تحرير محل النزاع:
لا إشكال في خلود المؤمنين الموفِّين في الجَنَّة، وأدلَّته كثيرة جِدًّا، فمنها قَوله تَعَالىَ: {111111111 اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ 1 وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ 1111} (آل عمران: 15).
ولا إشكال في خلود المشركين في النار، {1111 لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا 1 لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 1111} (الأحزاب: 64 ـــ 65) ...
إِنَّمَا الإشكال في الموحِّد المرتكب للكبائر، فالمرجئة وأهل السُّنَّة (الأشاعرة والماتريدية والسلفيَّة) يرون أَنَّه إما أن يعفو الله عنه، أو يشفع له النبيُّ جمادى ثان فيَسْلَم من العقاب رأسًا، وَإِمَّا أن يُدخل النار بقدر ما يصفَّى من أكدار الخطايا ثُمَّ ينتقل عنها إلى الجَنَّة بعفو الله وفضله، أو مع شفاعة الرسول جمادى ثان، ولا يخلد عندهم موحِّد في النار.
أَمَّا معتقد الإِبَاضِيَّة والمعتزلة والزيديَّة والخوارج ـــ على اختلاف طوائفهم ـــ أَنَّ من مات عَلَى عصيان رَبهِ، مصرًّا عَلَى ذنبه، غير تائب منه، فلا شفاعة له، وهو مخلَّد في النار أبدًا، لا فرق في ذَلِكَ بين أحد من أهل الشرك الجاحدين لله، أو الفسَّاق مرتكبي الكبائر من أهل التوحيد، وَإِنَّمَا الفرق في دركاتهم، إذ كلٌّ معذَّب بقدر عمله. وأدلَّتهم عَلَى ذَلِكَ كثيرة من القرآن وَالسُّنَّة.
ثانيا: أدلة الإباضية على خلود الموحد المرتكب للكبيرة في النار، وأن لا شفاعة له، ومناقشتها (1):
أـ ـمن القرآن الكريم قوله تعالى:
1 - {1111111111 لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً 1 قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا
2 -
__________
(1) لمزيد من الأَدِلَّة والمناقشة ينظر في موضوع الخلود: كِتَاب الحق الدامغ لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. وفي موضوع الشفاعة: كِتَاب جواهر التفسير لسماحة الشيخ أَيضًا، عند تفسير قَوله تَعَالىَ: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُوخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (البقرة: 48). (1/66)
صفحة 46
فَلَنْيُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ 1 أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ 1 هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 1111} (البقرة: 80ـــ81). {1111111 بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ 1 وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ 1111} (آل عمران: 24).
3 - {11111 هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ 11111} (البقرة: 167).
4 - {1111 جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ 1 وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ 1 هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 11111} (البقرة: 275)، والخطاب في الآية لأَكَلَة الربا الموحِّدين.
5 - {11111 يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ 1111} (النساء: 14)، وقد وردت في سياق المواريث، فالخطاب فيها للموحِّدين.
6 - {1111 يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا 1111} (النساء: 93).
وسياق الخطاب في الآية للموحِّدين.
7 - {3111111111 أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا 1 وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ 1111} (المائدة: 37).
8 - {1111 يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ 1 وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ 11 1} (الأعراف: 40).
9 - {1 لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ 1 وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ 1 أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ 1 هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 1111} (يونس: 26)، فلا يعقل أن يَصْلَى أحدٌ النار ولو لمدَّة ثوانٍ فلا يرهقه فيها قتر ولا ذلَّة، كما قَالَ تَعَالىَ في نفس السياق:
10 - (1/67)
صفحة 47
{1 111111111 كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ 1 مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ 1 كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا 1 أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ 1 هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 1111} (يونس: 27).
11 - {31111111 أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ 1111} (الحج: 22).
12 - {31111111111 يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ 1 إِن عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا 1111} (الفرقان: 65 ـــ 66)، والغرام هو الملازم الذي لا يفارق صاحبه.
13 - {31111111111 لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ 1 وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا 1111} (الفرقان: 68 ـــ 69). والآية في سياق ارتكاب الكبائر، ولو كان سبب الخلود هو الشرك لاكتفى به.
14 - {1111 يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا 1111} (الجن: 23)، والعصيان عامٌّ، ولا يشكُّ أحد في أنَّ مرتكب الكبيرة عاصٍ.
15 - {11111 هُمْ عَنْهَا 1111111111111 1111} (الانفطار: 16).
16 - {111111 كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا 1 لَا يَسْتَوُونَ 1111} (السجدة: 18)، {1111 حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ 1 سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ 1111} (الجاثية: 21)، {111111111111 الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ 1111} (القلم: 35ـــ36)، وَبَعض الروايات توحي بِأَنَّ ما يؤول إِلَيْهِ أهل النار يكون أفضل ممن دخل الجَنَّة أوَّلاً!.
17 - (1/68)
صفحة 48
18 - {1111 يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ 1111111111} (الأنبياء: 28)، وقوله: {111 لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ 1111} (غافر: 18)، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ مرتكب الكبيرة ليس ممَّن ارتضاهم الله، ويدخل ضمن الظالمين.
ب ــ من السُّنَّة، أَدِلَّة كثيرة، منها قوله جمادى ثان:
1 - «يُدْخِلُ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لاَ مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ» (1).
2 - «مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (2).
3 - «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (3).
4 - «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ»، قَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» (4).
__________
(1) مُتَّفَق عَلَيْهِ، واللفظ لمسلم، كِتَاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجَبَّارون، والنار يدخلها الضعفاء، رقم 2850، 4/ 2189.
(2) مُتَّفَق عَلَيْهِ. رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب من استُرعي رعية فلم ينصح، رقم 6732، 6/ 2614.
(3) مُتَّفَق عَلَيْهِ. رواه البخاري في كِتَاب الطب، باب شرب السمِّ والدواء به وبما يخاف منه والخبيث، رقم 5442، 5/ 2179. ومسلم في كِتَاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ... رقم 109، 1/ 103. والترمذي بلفظ: «يتوجَّأ»، في كِتَاب الطب عن رَسُول اللهِ J، باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسمٍّ أو غيره، رقم 2044، 4/ 386.
(4) رواه الربيع في كِتَاب الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، بَاب [44] فِي الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، رقم 660. ومسلم في كِتَاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، رقم 137، 1/ 122. وابن ماجه في كِتَاب الأحكام، باب من حلف عَلَى يمين فاجرة ليقتطع بها مالاً، رقم 2324، 2/ 779. ورواه النسائي، وأحمد، ومالك ... (1/69)
صفحة 49
5 - «ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ. وَثَلاَثَةٌ لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى» (1).
6 - «مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (2).
ثالثا: استدلالات غير الإباضية ومناقشتها:
أ ـــ من القرآن الكريم:
1 - إنَّ الله يتفضَّل بمغفرة ما سوى الشرك، لقوله تعالى: {1111 اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ 1} (النساء: 48، 116).
الجواب:
أ ـــ يَغْفِرُ مَا دُونَ الشرك من المعاصي لمن شاء أن يوفِّقه للتوبة من شركه، فإنَّ الإسلام جبٌّ لما قبله.
ب ـــ الآية مجملة، وضَّحتها آيات كثيرة بَيَّنَت أَنَّ الكبيرة لا يغفرها الله إِلاَّ بالتوبة النصوح، منها قوله تَعَالىَ: {1111111 التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ 1 وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ 1 أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 1111} (النساء: 17 ـــ 18).
2 - الاستثناء بالمشيئة في قَوله تَعَالىَ: {11111 النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ 1 إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ 11111} (الأنعام: 128)، وقوله: {1111111
3 -
__________
(1) رواه النسائي في كِتَاب الزكاة، باب المنان بما أعطى، رقم 2562، 2/ 42. وأحمد، والبزار والحاكم.
(2) رواه النسائي في كِتَاب القسامة، باب تعظيم قتل المعاهد، رقم 4747، 4/ 221. (1/70)
صفحة 50
الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ 1 إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ 11 11} (هود: 106 ـــ 107).
الجواب:
أ ـــ هو مثلُ قَوله تَعَالىَ: {311111111111 فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ 1111} (الأعلى: 6 ـــ 7)، مع القطع واليقين بِأَنهُ لم ينس شَيْئًا. ومثلُ قَوله عَزَّ وَجَلَّ: {3 1111111111 الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ 1111} (الفتح: 27)، مع القطع واليقين بِأَنهُم سيدخلون المسجد الحرام، بدليل لام القسم ونون التوكيد الثقيلة.
ب ـــ المشيئة مجملة، والعقيدة لا يؤخذ فيها بالمجمل بل بالمبيَّن، وهو آيات الخلود.
جـ المشيئة واردة أَيضًا في حقِّ أهل الجَنَّة، فلَمْ يقل أحد مِمَّن يعتدُّ به بانقطاع نعيمها.
4 - تعليق الخلود بدوام السماوات وَالأَرض: {1111111 الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ 1 إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ 11 11} (هود: 106 ـــ 107).
الجواب:
أـ المراد بها ما أظلَّهم وما أقلَّهم من سماوات الآخرة وأرضها، لا أرض الدنيا وسماؤها: {11111111 الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ 1} (إبراهيم: 48).
ب ـــ تعليق الخلود بدوام السماوات وَالأَرض وارد أَيضًا في حقِّ أهل الجَنَّة أَيضًا، فلَمْ يقل أحد أيضًا مِمَّن يعتدُّ به بانقطاع نعيمها، فقد قال: {1 وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ 1 عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ 11 11} (هود: 108).
ب ـــ من السُّنَّة النَّبَوِيَّة:
1 - روايات الخروج من النار: فمنها ما رواه الشيخان: «فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ
2 - (1/71)
صفحة 51
أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدْ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ ... » الخ (1).
3 - روايات الشفاعة، ومن أشهرها: «شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (2).
الجواب:
- أَنَّهَا آحاديَّة، وأخبار الآحاد ظنِّيَّة الثبوت عند جمهور الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة (3)، لا يُستدلُّ بها في العقائد.
- أَنَّهَا معارضة لنصوص القرآن، فكيف يُترك ما رواه ملايين الرواة عن الملايين ... عن الآلاف عن الآلاف ... عن النبيِّ 6، ويؤخذ بما رواه أشخاص معدودون؟! ..
- أَنَّهَا معارضة لعدَّة أحاديث صحيحة، فَهَذِهِ بتلك، عَلَى أَنَّ هذه قد عضدها الكتاب الكريم، وتلك قد خالفته، فوجب المصير إلى القرآن.
- أَنَّ في متنها من الأمور التي يستعظمها من له أدنى معرفة بصفات الله عَزَّ وَجَلَّ، فَأَوَّلُ حديث الشيخين يبدأ بـ «أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ .... »، ففيه إثبات رؤية الله عَزَّ وَجَلَّ، وهي
-
__________
(1) البخاري، كتاب الأذان، باب فضل السجود، رقم 773، 1/ 277ـــ278. مسلم: كِتَاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم 182، 1/ 163ـــ165.
(2) رواه الترمذي في كِتَاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه، رقم 2435، 4/ 625. وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ».
(3) ينظر: سعيد بن مبروك القنُّوبي: السيف الحادُّ في الردِّ عَلَى من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد. (1/72)
صفحة 52
مستحيلة. وفيه تغيُّر صفات الله عَزَّ وَجَلَّ. وفي آخره أَنَّ رجلا يتحايل عَلَى الله تَعَالىَ ليدخل الجَنَّة، ويعلِّق المحرميُّ على هذه الرواية قائلا: «وجليٌّ ما في هذه الْخرافة من إسفاف، ووصف لله تعالى بالجهل، وأنَّ الإِنسان يغدر ... وأنَّ هذا الإِنسَان يُخلف مواعيده أكثر من مرَّة، وبدل أن يعاقبَ يكافأ بدخول الْجنَّة! والعجيب أنَّه في النهاية يتحقَّق ما أراده الإِنسَان لا ما أراد الله الذي تصوِّره القصَّة بصفات المغفَّلين البُلهاء الذين يستغفلهم الإِنسَانُ» (1).
الخاتمة
الوعظ ليس خَاصًّا بالمساجد أو المصلَّيات، بل في كُلِّ الأماكن والأزمنة. فلم لا تكون كُلُّ الأماكن مدارس للوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟!! .. كُلُّ الكرة الأرضيَّة يجب أن تكون مسجدا كبيرًا ومجالس فقه وتعاليم سمحة تدرَّس وتعاد وتتكرَّر ليتذكَّر من تنفعه الذِّكرى، «جعلت لي الأرض مسجدًا» ...
هذا وإنَّ التغييرَ منهجٌ للحياة متكامل، لا يكفي فيه الوعظ، و «إِنَّ بعض المخلصين من العاملين في حقل الدعوة الإِسلاَمِيَّة ظنُّوا أَنَّ مُجَرَّد أن يكون المجتمع إِسلاَمِيًّا من الظاهر يكفي أن يرجع إلى طريق الحقِّ بتذكيره وإرشاده إلى دينه ونبيِّه وأخلاقه، ونسوا أَنَّ الزمن قد تبدَّل تبدُّلا عظيما في مشاكله وهمومه ومظاهره وتعقيده، وَأَنَّ مجتمع أمَّتنا قد تلبَّس بالحضارة الحديثة الخانقة، في عشرات من السنين، وَأَنَّ يدًا تبني وألف يد تهدم، وَأَنَّ الهدم أسرع في هَذَا الوجود من البناء، فالأمر ليس بِهَذِهِ البساطة، وَهَذِهِ النظرة المتعجِّلة التي تَعتبِر أَنَّ التغيُّر بالرغم من هَذِهِ المشاكل المعقَّدة يأتي من خلال عظة عابرة، أو إرشاد وقتيٍّ، بينما الحقيقة أَنَّ الأمر يحتاج إلى دراسة متعمِّقة، وتحليل دقيق، ومنهاج تربويٍّ ربَّانيٍّ، تتحقَّق به الآمال الكبار» (2).
__________
(1) زكريا بن خليفة المحرمي: البلسم الشافي في تنزيه رؤية الباري.
(2) من مقال للدكتور محسن عبد الحميد، حول العمل الإِسلاَمِيِّ، مراجعة وتقديم مَجَلَّة الأُمَّة، مُحَرَّم 1405هـ. (نقلا عن جمعة أمين عبد العزيز: التغيير عَلَى منهاج النبوَّة، ص230). (1/73)
صفحة 53
قائمة المراجع
1 - الأطير، حسني يوسف: الشفاعة وأصول الوثنية العَرَبِيَّة، مكتبة الزهراء، مطبعة العمرانية للأوفست، الجيزة، مصر، 2002م (1).
2 - الجعبيري، فرحات بن علي: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ط2، نشر جمعية التراث، القرارة، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1990م.
3 - الخليلي، أحمد بن حمد: الحقُّ الدامغ، الطبعة الأولى، مطابع النهضة، سلطنة عُمان، 1989م.
4 - الخليلي، أحمد بن حمد: جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل، مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1984م.
5 - الرفاعي، عبد الجَبَّار (إعداد): الاجتهاد الكلامي، مناهج ورؤى متنوِّعة في الكلام الجديد، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1423هـ/2002م.
6 - زريق، معروف: كيف تلقي درسا (دراسة عَمَلِيَّة واقعية في التربية وأصول التدريس في المدارس الابتدائية)، الطبعة الرابعة، دار اليقظة، بيروت، لبنان، مطبعة الإنشاء، 1969م.
7 - السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، مشارق أنوار العقول، الطبعة الثانية: علَّق عليه وصحَّحه الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مطابع العقيدة، سلطنة عُمان، 1398هـ/1978م.
8 - عبد الجواد، محَمَّد أحمد: صياغة الأفكار وتهيئتها للتقديم والعرض، دار الأندلس الخضراء، جدَّة، ودار البشير للثقافة والعلوم، طنطا، 1422هـ/2002م.
9 - عبد العزيز جمعة أمين: التغيير على منهاج النبوَّة، إرادة العمل، دار الدعوة، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى، 1415هـ/1995م.
10 -
__________
(1) يستفاد من الكِتَاب بتحفُّظ من بعض الأفكار التي تحتاج إلى نقاش وإعادة نظر. (1/55)
صفحة 54
القنُّوبي، سعيد بن مبروك بن حمود: السيف الحادُّ في الردِّ عَلَى من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، الطبعة الثالثة، 1418هـ، من معالم الحق سلسة بحوث ورسائل وفتاوى (3).
11 - المحرمي، زكريا بن خليفة: قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان، 1425هـ/2004م.
12 - محمود مصطفى: الشفاعة، محاولة لفهم القديم بين المؤيدين والمعارضين، (نسخة رقميَّة، من موقع شبكة الدرَّة الإسلاميَّة www.aldura.net).
13 - هويوس، الكاردينال: الكاهن معلم الكلمة وخادم الأسرار وقائد الجماعة نحو الألف الثالث، عن مكتب دائرة الاكليروس، 19/ 3/1999 (موقع إلكتروني: http://www.latinseminary.org)
14 - وينتن، مصطفى بن الناصر: إصلاحا للفكر العقدي، 01/ 07/2007، (موقع: http://veecos.org). (1/56)
صفحة 55
المجتمع الميزابي ونسق القيم
من ضبطية التغيُّر إلى تغيُّر الضبط
د/ عبد العزيز بن محمد خواجة
المركز الجامعي ـــ غرداية ــ
المقدمة: (1/57)
صفحة 56
مرَّ علم الاجتماع بمجموعة من المراحل المتعاقبة التي عرفت الارتفاع والانخفاض، ولا تخلو هذه المراحل من حالة أزمات حادَّة جعلت هذا العلم يتقوقع على نفسه أحياناً أو يعيد إنتاج ذاته أحياناً أخرى. والفترات القوية في تاريخ علم الاجتماع يكاد لا يزيد عددها عن عدد أصابع اليد الواحدة، لكن هذا لا يعني أن المراحل الوسيطة فارغة إنّما كانت لحظات تأمُّل وبناء وتحضير لما يليها.
ولعلّ المتجول اليوم في أروقة علم الاجتماع من خلال الملتقيات العالمية وصفحات الإنترنت والمجلات المتعدِّدة، يشعر بحالة أزمة حقيقية، فهي في غالبها تفتقد لنظريات جديدة وطروحات قادرة على إحداث قطيعة مع ما قبلها كما لا نجد أسماء لامعة في مكانة «دوركايم» و «فيبر» أو حتّى «بوديو»، ومعظم الموضوعات هي إعادة بناء وإنتاج للكلاسيكية أو ما جاورها، وفي أحسن الحالات لمرحلة الستينيات والسبعينيات، فهي تجميع وإعادة تجميع للنظريات المختلفة. فهل السوسيولوجيا المعاصرة عاجزة عن خلق «باراديجمات» جديدة أم أنَّها هي الأخرى تعاني من مجرد حالة انتقالية وتحضيرية لمرحلة جديدة أكثر خصوبة وفقًا لقانون التغيُّر الاجتماعي الذي شهده هذا العلم من قبل؟
من أهمِّ الموضوعات التي طرحها "الكلاسيك" وتعاقب عليها السوسيولوجيون من بعدهم، بشكل متكرِّر موضوع "التغيُّر الاجتماعي"، رغم ذلك تبقى الدراسات الميدانية (1/103)
صفحة 57
والاختبارية للكمِّ الهائل من النظريات في هذا الموضوع في المجتمع الجزائري ناقصة بالنظر إلى بلدان أخرى.
***
1 - مدخل نظري
إن المتتبِّع للفكر السوسيولوجي في تطوره سيجد عدداً رهيباً من الثنائيات النظرية والتطبيقية، التي تتصارع فيما بينها من أجل احتواء الباحث لصفِّها ضدَّ الصفِّ الآخر، وتُحتِّم أغلب الدراسات المنهجية ضرورة الانتماء إلى إحدى الضفَّتين، وتعتبر موقع الوسط استغلاليةً وضعفاً في التكوين. ورغم بعض المحاولات التوفيقية إلاَّ أن الدراسات المنحازة هي التي تعرف الاستمرارية غالبا. نجد أنفسنا هنا أمام نفس الطرح أثناء تناولنا لموضوع التغيُّر الاجتماعي؛ فقد اعتادت الدراسات أن تضع هذه القطعة المفاهيمية في الاتجاه المعاكس لنظريات الضبط الاجتماعي أو الوظيفية في أحسن الأحوال.
نتساءل هل يمكن أن نجد بين التغيُّر والضبطيَّة موقعا يجمعهما؟ وإلى أي درجة يمكن التغيّر في الضبط والضبط في التغيّر؟ أم أن هذه المحاولة ما هي إلاَّ مجرد تلاعب بمصطلاحات لا تعرف انتماءها الجيو-سوسيولوجي؟ وفي حال النجاح في خلق التموقع المشترك ألا تصبح المحاولة سبحًا في الخيالات النظرية بعيدًا عن التطبيقية والتمثيلة الميدانية ... نحاول في هذا المدخل النظري المختصر تقريب المفهومين وفهم الممتلكات المشتركة بينهما، ومدى مشروعية كلِّ رهان يطرحه أفراد كلِّ طرف، ثمَّ البحث في إحدى التطبيقات الميدانية عن مصداقية هذا التصوُّر.
***
2 - التغيّر الاجتماعي changement social: أيُّ محتوى؟
التغيُّر الاجتماعي «هو التحوّل الذي يحمل دلالة سواء كان بشكل جزئي أو كلي للنظام الاجتماعي (1/104)
صفحة 58
بمختلف أجزائه وأنماط الفعل» (1)، وقد ارتبط التغيُّر الاجتماعي بشكل قوي بعلم الاجتماع حتّى اعتُبر علم التغيُّرات الاجتماعية، فمنذ الرواد الأوائل وموضوع التغيُّر يحتلُّ الصدارة في الدراسات السوسيولوجية، فقد أعاد سان سيمون ( SAINT-SIMON 1760 - 1825) التغيُّر الاجتماعي إلى ظاهرة التصنيع، أمَّا كونت ( A.COMTE 1798 - 1857) فربطه بقانونه للحالات الثلاث.
وفي منتصف القرن التاسع عشر يقترح كارل ماركس ( K.MARX 1818 - 1883) نموذجاً تاريخيًا ومادياً للتحليل يفرّق فيه بين التطوُّر والثورة، فالأول يقوم على الظواهر الاقتصادية المبنية والاستغلال والتنافس لصالح الأكثر قيمة، لكن تراكم هذه الظواهر وتزايد درجة التناقضات يجرُّ إلى النوع الثاني ألا وهو الثورة (2).
في نفس الإطار يقدِّم التطوريون نماذج مغايرة لحركة التغيُّر من خلال مجموعة من الميكانيزمات. وهنا يبرز سبنسر ( H.SPENCER 1820 - 1903) الذي يعتبر التغيُّر ظاهرة عالمية تتَّجه من البسيط إلى المعقد ومن المتباين إلى المتجانس، ومن العسكري إلى الصناعي، فالتغيُّر الكلي يطغى على التغيُّر الجزئي. ورغم أن دوركايم ( E.DURKHEIM 1858 - 1917) لا يندرج ضمن هذه النظرية لكنه يستغل مفهوم الاتجاه نحو المعقَّد لتفسير الانتقال من التضامن الآلي إلى التضامن العضوي عن طريق تقسيم العمل الاجتماعي. وقد بنى «لويس موجان» التغيُّر على مراحله الثلاث (المتوحشة، البربرية، المدنية) (3).
كما نجد نماذج مختلفة للتغيُّر الاجتماعي قدمها الكلاسيكيون سواء الأروبيون منهم أو الأمريكيون تتباين في أهميتها (ماكس فيبر، درندورف
__________
(1) P.ANSART, A.AKOUN, Dictionnaire de sociologie, le robert, seuil, France,1999, p.68
(2) اهتمام الكلاسيكيين بالتغيّر الاجتماعي ناتج عن مخلفات الثورتين الفرنسية والصناعية وآثارهما على تفكّك المجتمع الأوروبي، انظر: دينكن ميتشيل: معجم علم الاجتماع، تر: إحسان محمّد الحسن، ط2، دار الطليعة، بيروت لبنان، 1986، ص190.
(3) المرجع نفسه، ص191 (1/105)
صفحة 59
R.Dahrendorf، أ. توران A.touraine، ل. وارنر L.Warner وغيرهم) (1).
أمَّا في علم الاجتماع المعاصر فقد غامرت البنيوية بمختلف صورها بوضع التغيُّر الاجتماعي بين قوسين والاهتمام بالتغيّر الداخلي للبُنى، لكنَّ الانتقادات الشديدة التي وُجِّهت لها جعلتها تحاول البحث عن التغيُّرات الخارجية للبنية. فالتغيُّرات التي تقع على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والصناعية ... تجبر عالم الاجتماع بالاهتمام بمختلف العوامل المساهمة فيه إضافة إلى مختلف أشكاله (2).
فهذه النظريات تقدم التغيُّر وفق نموذج مُسبق سواء باعتباره يسير نحو مجتمع أفضل، أو أنَّه في حالة تأخُّر مستمر وفق سبب وحيد وحاسم، وأصبحت هذه الظاهرة التنميطية عامَّة في مجال علم الاجتماع يكاد لا يخلو منها كتاب مهمّ في هذا العلم، وتبقى اللائحة طويلة في تعداد النماذج لا يحصرها مؤلَّف واحد (3).
وقد حاولت مجموعة من السوسيولوجيين وضع هذه النماذج ضمن تصنيفات وفقا لعدَّة أسس من ذلك تصنيف كوهن P.COHEN ، ومور W.MOORE، وأنكليس A.Inkles وبوتومور T.BOTTOMORE ومارتينديل D.MARTINDALE ... حسب اتجاهها ومسبباتها أو دائرة التغيُّر الصغرى والكبرى للمجتمع الكلي (4).
أسبابُ التغيُّر الاجتماعي متعدِّدة وغالبا ما تكون متداخلة، فالتغيُّرات الديموغرافية التي عالجها
__________
(1) انظر مختلف نظريات التغيُّر الاجتماعي من الناحية السوسيولوجية والاقتصادية منها باختصار:
M.Forsé, Analyses du changement social, Mémo seuil, France, p.4
(2) انظر أهمّ روادها ومعالجتهم للقضايا المختلفة خاصّة التغيّر الاجتماعي:
J.P.Delas, B.Milly, Histoire des pensées sociologique, Ed. Sirey, Dalloz, Paris, 1997, pp.213 - 256
(3) ر. بودون، ف. بوريكو: المعجم النقدي لعلم الاجتماع، تر: سليم حداد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986، ص167.
(4) انظر: عبد الله محمّد عبد الرحمان: علم الاجتماع: النشأة والتطوّر، دار المعرفة الجامعية، مصر، ص357 - 359. (1/106)
صفحة 60
«مالتوس» MLTHUS والذي أشار إليه دوركايم لها تأثيرات معتبرة على المستوى الاقتصادي والصناعي أو الثقافي. كما أنَّ التحولات العلمية والتقنية تغيِّر في الآن نفسه من ظروف العمل وأنماط الاستهلاك والتي لا يمكن عزلُها عن الأسباب الثقافية. القيم والمعتقدات والإيديولوجيات هي الأخرى عامل من عوامل الاستقرار أو الصراع والتي لها تأثيرات متعدِّدة في المجالات المختلفة. وهنا تكمن المهمَّة الصعبة لعلم الاجتماع في البحث عن التغيُّرات الأكثر دلالة من خلال العلاقات بين العوامل (1).
أشكال التغيُّر ليست هي الأخرى بالأقل أهمية، والنماذج المقدَّمة منذ القرن التاسع عشر لا تبقى مطلقة في هذا الإطار؛ فيمكن داخل التعقد الذي يعيشه المجتمع المعاصر أن نشاهد أشكالاً للثورة كما نشاهد أشكالاً للتطوُّر. وفي حالات عديدة داخل بعض المنظمَّات والمؤسَّسات نرى تغيُّرات متطورة نتيجة عوامل ضدَّ وظيفية، والإخفاق عن طريق الصراعات الجانبية المتراكمة يولِّد التحوُّل أيضاً.
وتجدد التغيُّرات ذات الطابع الثوري مظاهر العنف والسرعة التي عرفتها الثورات السابقة. ولا نحتاج إلى أمثلة عن التغيُّر عن طريق التحوُّل والتي تؤثر كلية على أبعاد البنيات والممارسات الاجتماعية دون أن تأخذ طابع القطيعة الثورية المحدودة في الزمن (2).
فمفهوم التغيُّر الاجتماعي يحمل مجموعات من الإشكالات التي تطرح نفسها على السوسيولوجي في مواجهة هذا المصطلح، أهمُّها:
أ- مصطلح التغيُّر:
ألم يتم تجاوز بعض المصطلحات في علم الاجتماع المعاصر كمصطلح
__________
(1) انظر:
P.ANSART, A.AKOUN, op.cit, p69.
عبد الباسط عبد المعطي: المدخل في علم الاجتماع المعاصر، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2002، ص409 (وذلك من خلال مقالة م. كولسون، دريدل: مقدمة نقدية في علم الاجتماع).
(2) P.ANSART, A.AKOUN, op.cit, p69. (1/107)
صفحة 61
نظرية أو نظريات التغيُّر؟ ألا يحمل هذا المصطلح في ذاته كمًّا كبيراً من الظواهر (التطوُّر، الحراك، التنمية، التاريخية، التجديد، انتشار، تحول ... ) (1) تحتاج إلى تحديد ممّا يجعل المصلح الأمّ فارغا عن محتواه؟ ألا يحمل هذا المصلح انحيازاً مسبقاً وإيديولوجيات مبيّتة؟ ويظهر كلّ ذلك في أزمة تعدّد التعاريف وعدم وجود تعريف مشترك بين علماء الاجتماع رغم الإرث الكبير لهذا المفهوم تاريخيا (2).
ب - اتجاه التغيُّر:
إلى ماذا يتّجه التغيُّر؟ أإلى التحوُّل، أم التوافق، أم التطور ... ؟ وهل هذا الخط مستمرٌّ ومستقيم أم أنّه متعرِّج ومتعدِّد الاتجاهات، وهل يمكن توقعها أم لا؟.
ج - أشكال التغيُّر:
ما هي الهيكليات التي يأخذها التغيّر الاجتماعي؟
د - أسباب التغيُّر:
هل له سبب واحد مهيمن أم أسباب متعدِّدة؟ وإن كانت متعدِّدة فما طبيعة هذا التعدُّد والتساند؟ وهل هذه الأسباب داخلية أم خارجية؟
هـ - نموذج التغيُّر:
هل يسير التغيُّر وفقاً لنموذج واحد وجاهز كما حدَّده الكلاسيكيون، أم أنَّ هذه النمذجة ما هي إلاَّ ترف فكري من أجل التميز النظري؟ وهل على السوسيولوجي التقوقُع داخل نموذج واحد أو أخذ موقع براغماتي منها أو تجاوزها تمامًا؟ وهل يجب عرض هذه النماذج بشكل رياضي أم مجرَّد توصيف لها يكفي؟ (3)
__________
(1) انظر مختلف هذه المصطلحات وتحليلها:
J.M.MORIN, Précis de sociologie, Nathan, France, 1996, pp.108 - 134
(2) انظر تجميعا لهذه التعاريف: عبد الله محمّد عبد الرحمان: مرجع سابق، ص350 - 353.
الغريب أن القواميس الأساسية لعلم الاجتماع لا تقدم تعاريف للتغيّر الاجتماعي إلا بعض التلميحات بقدر ما تقدم مداخل لها عامّة لها، على خلاف الكتب الأكاديمية والمقررات المحشوَّة بالتعاريف المتناقضة والمشتتة.
(3) انظر هذه الإشكالات وغيرها: خليل أحمد خليل: المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع، دار الحداثة، بيروت، لبنان، 1984، ص74 - 76. (1/108)
صفحة 62
و - محرِّك التغيُّر:
والمحرك هنا يختلف عن السبب، فهو مفاعل يجعل الأسباب تتحرَّك وفي حال غيابه تصبح الأسباب صماء لا حركة لها، فما هي هذه المحركات؟ وهل يوجد محرِّك واحد أو محرّكات متعدِّدة؟
ز - وعي التغيُّر:
هل الأفراد المكوِّنُوين لعملية التغيُّر واعون به أم لا؟ هل يمكن التحكّم في ظاهرة التغيُّر أم أنَّها حتميَّة تَسير وفق آلياتها الذاتية خارج الفاعلين؟
***
3 - الضبط الاجتماعي Contrôle Social: بناء أم تبريرية؟
تُعرِّف معاجم علم الاجتماع الضبط الاجتماعي بأنّه «مجمل الوسائل التي تملكها مجموعة (عمومًا) من أجل جعل الأفراد المنتمين لها يرتاحون للمعايير والقواعد التي ربّتهم عليها» أو «العمليات التي من خلالها يضمن مجتمع أو مجموعة ما خضوع أفراده للنماذج السائدة فيه» (1) وتضمُّ العائلة المفاهمية لهذا المصطلح قائمة منها: «الرقابة»، «القهر»، «الضغط الاجتماعي»، «السيطرة»، «الإخضاع» ... وغيرها من المفاهيم الاجتماعية والتي تشمل كلّ العمليات والإجراءات البسيطة والمعقدة التي يمارسها المجتمع باستمرار على أفراده من أجل ضمان الحدِّ الأدنى للتوافق بينهم، ومساعدتهم على التكيُّف والاندماج داخل أنماط التفكير والسلوك والشعور بالجمعية السائدة داخل هذا المجتمع.
ولم تكن إشكالية الضبط غائبة عن الكلاسيكين فقد اهتمَّ أغيست كونت بموضوع «النظام» والدور الذي يلعبه باعتباره شرطاً للمظاهر الواقعية، للدين والأخلاق والمعرفة. أما «سبنسر» فقد استخدم هذا المصطلح في مبادئ علم الاجتماع
__________
(1) انظر:
- Gilles FERSSEL et autre; Dictionnaire de sociologie, ed: Armand colin, Paris, 1991, p. 48.
-E.WILLEMS, Dictionnaire de Sociologie, adaptation françaises par: Armande CUVILLIER, ed : librairie Marcel River et Cie, Paris , 1961, p. 57. (1/109)
صفحة 63
وعلاقته بنظريته حول «حكومة التقاليد» (1). وتكاد تشترك كلُّ دراسات «إميل دوركايم» في قاعدة أساسية هي مفهوم "الضبط" من خلال «القهر الاجتماعي» دون الاهتمام بأشكاله التطبيقيَّة، التي جلبت انتباه علماء الاجتماع الأمريكيين.
وظهر هذا الاتجاه التطبيقي بالخصوص في أعمال Edward.Alswoth. ROSS (2) بشكل مباشر ثم دراسات بارك R.E Park وبيرجس Bergess و CH. Ellwod ومنذ أنّ خصَّصت «المؤسسة الأمريكية لعلم الاجتماع» مناقشاتها حول هذا الموضوع سنة 1917 أصبح مشكل «الضبط الاجتماعي» في الولايات المتحدة أحد المبادئ المركزية، وتزايدت الدراسات مع كولي ( C.H Cooley 1864 - 1929) (3) ، ولملي FE LEMELEY (4) ودود Jeaom Cond Dawd (5) وغيرهم من الأعمال الأخرى (6) كأعمال الألماني فرناند تونيز ( F.TONNIES 1855 - 1936)
__________
(1) Principales of Sociology المجلد II ، الجزء:4 - طبعة 1893.
(2) وذلك في كتابيه:
( Social Control : A. Survey of the Foundation of Order 1901) et (Foundation of sociology, Social Psychology 1905).
(3) تنصبُّ كلُّ مؤلَّفاته تقريبا في نفس السياق:
Human nature and the Social (1909).
social organization (1902).
Social order Process (1918).
وخاصة هذا الكتاب الأخير.
(4) في كتابه وسائل الضبط الاجتماعي Means of Social Control (1925).
(5) في كتابه «الضبط الاجتماعي في الجماعات الإنسانية:
Control in Human Societies (1936)
ثمّ تزايدت الدراسات الأمريكية مع كتاب لاندس P.H. LANDIS : (Control Social Organization and Disorganization in Process ) عام 1939م، وفي نفس العام برز للوجود كتاب برنارد L.L BERNARD الضبط الاجتماعي في أبعاده الاجتماعية Control Social its Sociological Aspect .
(6) انظر مفاهيم الضبط وتتبع الدراسات السابقة في الموضوع: خواجة عبد العزيز: الضبط الاجتماعي ومعوقاته، رسالة ماجستير، معهد علم الاجتماع، الجزائر، 2000، ص17 (1/110)
صفحة 64
وجورج غيرفيتش (1) ( G.GURVITCH 1897 - 1965) وغيرهم.
***
يمكننا أن نلاحظ أن منطلقات الاهتمام بدراسة قضايا الضبط الاجتماعي في علم الاجتماع الغربي لم تكن مجرَّدة من حاجات براجماتية وخلفيات إديوـ فكرية، بل كانت تسعى غالبا إلى تثبيت نظام أو الثورة ضدَّ نظام آخر، وهو ما يعكس الاختلاف أيضا في تحديد مفهوم الضبط وتعلُّقه بمنظومة النظام السياسي والاقتصادي السائدة في المجتمع.
فالتركيز على دراسة الضبط في نهاية القرن التاسع عشر مثلا يعكس الحاجة العلميَّة المُلِحَّة للطبقة المسيطرة في الغرب لفهم أكثر عمقاً لعمليات الضبط بعد أن أثبتت الوسائل التقليدية فشل أدائها الوظيفي أمام الظروف الجديدة، وتزايد أزمة الرأسمالية في عدم تحكّمها بأعضائها.
ويرى «جولدنر» أن هذا المصطلح يرتبط بشدَّة ببعض التيَّارات النظرية والاتجاهات الفكرية المحافظة في الفكر الأوروبي كالاتجاه الوضعي والوظيفي، خاصة إذا علمنا أن غزارة الدراسات في الموضوع لم تزد إلاَّ بعد ظهور التيار البنائي الوظيفي في أمريكا، والذي يسعى إلى إخفاء الصراعات والتناقضات بين مصالح مختلف الجماعات. ولا يعني هذا عدم مصداقية دراسة الضبط لأنَّ المجتمع لا يقوم ولا يستمر إلا من خلاله، أمام هذه الخلفيات يزداد «غيرفيتش» أكثر أسى لبعض الدراسات التي ما تزال تحمل بقايا السوسيولوجيا القديمة.
4 - من تناقض الشكل إلى تقارب المحتوى:
رغم أن «كوسون» أعطى بعض معوقات الضبط الاجتماعي (2) إلاَّ أنّها محدودة جدًّا في نطاق العائلة والمجال
__________
(1) G.Gurvitch; la sociologie au XX siècle, Bibliothèque de philosophie, Tom I: les grand problème de la sociologie, P.U.F, Paris 1947, pp. 271 - 272
(2) انظر: انظر: تحليل كتاب «كوسون»: د. محمود الزواوي: عرض كتاب الضبط الاجتماعي للجريمة لـ موريس كوسون ( le controle social du crime, M. Cusson ) في مجلة الفيصل الشهرية، العدد:83، السنة السابعة، فبراير، 1984، شركة الطباعة السعودية، الرياض، ص 89. (1/111)
صفحة 65
الأخلاقي، وما عدا ذلك فقد فوجئنا حين تتبعنا المراجع التي بين أيدينا، فلم نجد من يتحدَّث عمَّا يمكن تسميته «بمعوقات الضبط الاجتماعي»، ويعود ذلك إلى سيطرة الاعتقاد ببديهية التناقض بين التغيُّر والضبط، وأنَّ الأول معوق للثاني، في حين يرفض «غيرفيتش» هذه الازدواجية ويعتبرها من مخلفات سوسيولوجية القرن XIX ولكنه ــــ فيما يبدو ــــ لم يفرق بين التطوُّر والتغيُّر هو الآخر، فقد اهتمَّ علماء الاجتماع الأوائل بالأول (التطور)، أما المعاصرون فقد اهتموا بالثاني (1).
ونحن نتساءل بدورنا: هل التغيّر الاجتماعي عائق للضبط؟
التغيُّر الاجتماعي هو كلُّ التحولات الملاحظة عبر الزمن، والتي لا تكون إلا ظاهرية ومؤقتة، تخصُّ بنية أو وظيفة التنظيم الاجتماعي الجمعي المعطى وتحويل توجهه التاريخي (2). ولا يكون التغيُّر عائقا للضبط إلا بما يحمله من قيم مقابل ما يحمله الضبط الاجتماعي، فإذا كانت هذه القيم متصارعة ومتناقضة كانت عائقا وحاجزا أمام ممارسة الضبط، أمَّا إذا كانت تسير في نفس سياقه كانت دعامة له ومساندة لمسيرته.
فقد تُحدث السلطة السياسية مجموعة تغيُّرات في نظامها وممارستها، ولكنّها دوما تهدف إلى ترسيخ ذاتها، أمَّا إذا صدرت هذه القيم من حزب معارض يخالف أيديولوجيتها يصبح حينها عائقا لها، لهذا لا يمكن الحديث عن معوقات الضبط إلاَّ بالنسبة لتنظيم معين (هيئة محدّدة) وفي فترة زمنية محدّدة، لأنّ ما يمكن أن يكون عائقًا لهيئة ما هو أداة للضبط بالنسبة لهيئة أو جماعة أو تنظيم آخر.
معوِّقات الضبط بالنسبة لتنظيم ما، بالتالي هي كلُّ جماعة، هيئة، فكرة أو تنظيم يحمل قيما تدخل في صراع مع قيم هذا التنظيم الذي
__________
(1) انظر الفرق بينهما واهتمام علماء الاجتماع بكل واحد منها في:
G.ROCHER, Le changement social, Introduction à la sociologie général, Tome: III, Ed: Paris, 1968. p.17 - 18
(2) Ibid.: p.22. (1/112)
صفحة 66
يمارس ضبطاً اجتماعياً ما، بل إن التغيُّر لا يتم إلا في ظل الضوابط الاجتماعية ونظمه.
وقد عالج العالم الاجتماعي الألماني R.DAHRANDORF ( درندورف) قضية التناقض والصراع في إطار نظريات التغيُّر الاجتماعي، واعتبرها متأصِّلة في كلِّ المجتمعات وأعادها إلى عدم المساواة في توزيع النفوذ (النفوذ هنا بالمعنى الفيبري للسلطة أي احتمال استمرار نظام في جرِّ مجموعة من الأفراد للخضوع لها)، باعتبارها ظاهرة متجذرة في النسيج الاجتماعي لكلِّ المجتمعات باختلاف أشكالها، وكل العلاقات تنبني على مبدأ قاعدي «سيطرة ـ خضوع».
ولا يمكن ملاحظة هذا المبدأ مباشرة في المجتمع بل يجب ملاحظته في جماعة معينة وفي فترة محدَّدة، وتعكس هذه الازدواجية مصالح متناقضة. وهذا يعني أن معوقات الضبط، والضبط يوجدان دوما جنباً لجنب، وحيثما وُجد الأوَّل وُجد الثاني. ويرى أن التغيُّر الراديكالي ناتج من شدَّة أو حدَّة الصراع، أما التغيُّر المفاجئ فهو ناتج من العنف في الصراع كما أنَّ النفوذ سبب الصراع فقد يكون سبباً للاندماج (1).
دون أن ننسى بأن النفوذ ليس السبب الوحيد في الصراع أو العائق الوحيد للضبط. فإلى جنبه تجلس عدَّة عوامل أخرى تدخل في إطار نظريات التغيُّر كالتزايد السكاني، التكنولوجيا، العوامل الثقافية وغيرها كما سبق (2).
من خلال الطروحات السابقة تبدو إشكالية «المحتوى» هي الأساس على حساب «الشكل» الذي يأخذ عدَّة صور، فمهما كان الشكل المقدَّم ضبطاً أو تغيُّراً فلا يحمل ذلك معنى ذا دلالة إلاَّ من خلال محتواه، والمحتوى لا يخرج عن تمركزه حول بؤرة «نسق القيم». مهما اختلفت الظواهر وتعددت أشكالها فلا يمكن فتح نقاش حولها إن لم تتضمَّن قيماً
__________
(1) Ibid.: pp.: 106 - 118. cf. Critique de cette Théorie, pp. . 118 - 127
(2) انظر هذه النظريات في: ... Ibid.: pp. 34 - 127 (1/113)
صفحة 67
معيَّنة تستفزّ طرحها للنقاش، لأنّ القاعدة الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات هي نسقها القيمي واختراقه لوحداته وعناصره المختلفة.
وتجميع هذه الإشكالات المطروحة عن التغيُّر الاجتماعي والضبط الاجتماعي تطرح إشكالية علم الاجتماع في حدِّ ذاته، وبل أحياناً مشروعيته كعلم قادر على تناول ظواهر اجتماعية بشكل موضوعي وعلمي، وقد نتجاوز هذا الطرح باعتبار علم الاجتماع علم دراسة «الأنساق القيمية» في المجتمع.
***
نحاول اختبار أطروحاتنا النظرية بمثال تطبيقي واقعي، يتمثَّل في المجتمع الميزابي، فهل يستند هذا المجتمع على التغيُّرية أو الضبطيَّة، وما العلاقة بينهما؟
5 - تاريخية مجتمع:
ميزاب منطقة تقع في الجنوب الجزائري على بعد حوالي 600كلم من العاصمة. تتشكل من عدَّة عناصر إثنيَّة أهمُّها الميزابيون البربر الأوائل، ومن الخطأ اعتبار هذه المجموعة البشرية التجأت إلى ميزاب بعد سقوط تيهرت مباشرة، لأنَّ التاريخ السلالي للميزابيين أقدم من التاريخ المذهبي المتمثِّل في الإباضية، ولكن قدوم الرعايا الرستميين إليها، وطغيان التاريخ المذهبي على السلالي كان وراء هذه النظرة الخاطئة، فالإباضية باعتبارها حركة مذهبية انتقلت إلى ميزاب بعد مؤتمر «أريغ». وقد قاتل المعتزلةُ اللاجئين الإباضية حين قصدوا ورجلان مرورا بميزاب (1).
وبعد اختيار «أبي عبد الله محمَّد بن بكر» بادية بني مصعب (ميزاب) موطنا للإباضية، هاجر إلى هذه البادية عددٌ كبير من معتنقي هذه الحركة من
__________
(1) عقد أتباع التيار الإباضي تجمُّعا (مؤتمر أريغ) على رأسه نخبة من كبارهم (442هـ)، أهمهم أبو عبد الله محمد بن بكر (مؤسس حلقة العزّابة) وأبو العباس، فكُلف حينها أبو عبد الله بالبحث عن منطقة تأوي اللاجئين الإباضيين، انظر: أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، تح: إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، ج:1 ص:183. (1/114)
صفحة 68
مختلف المناطق منها نفوسة، جربة، تيهرت، الأوراس ... إلخ، ممَّا جعل البنية الاجتماعية القديمة وحتى اللسانية تنفجر لأنَّ نظم النازحين «مختلفة باختلاف أماكنهم ونزعاتهم وقبائلهم وعوائدها، ثم إنَّ نظام تيهرت نظام دولة، ونظام القبائل المتفرقة بعدها نظام مجموعة» (1).
وفي هذا الوادي النائي الجدب البعيد عن العمران في صحراء الصحراء، على حدِّ تعبير José.Gers ، العارية والصخرية (2)، أقام الميزابيون (الإباضية) مُدُنهم الجديدة دون أن تتوفر لهم أدنى الأسباب المادية للعمران (لا زراعة ولا ماء ولا مواد صناعية أولية ... )، إنّما السبب الوحيد لتكثلهم هو "العقيدة" كمفاعل لاتحاد هذه العناصر البشرية المتباينة (3) وتجمُّعهم حول قطب أو مثال ديني أعلى يضحُّون من أجله «يضمن منطق وهدف حياتهم بل حياتهم في ذاتها» (4)، أو بعبارة أخرى حول «نسق قيمي يحكمهم ويوجههم».
فأصبحت ميزاب بمثابة بذرة حملتها الرياح التاريخية من الحضارة الرستمية ــــ حسب تعبير مالك بن نبي ــــ لتُنبِت وتتفرَّع بفضل «الإجماع» الذي ينظِّم علاقات الفرد بالجماعة والجماعة بالفرد، في وسط مشحونٍ بدفعة نفسيَّة اجتماعية شكّلت أساساً لميكروحضارة ( Micro-Civilisation) (5) ، معتقدين أن الصحراء تحمي دينهم وتضمن استقرارهم (6).
تضمُّ منطقة ميزاب سبع قرى
__________
(1) إبراهيم متياز: نظام العزّابة: مخطوط، مكتبة آل متياز، بني يزقن، ص: 2
(2) - José Gers, Au M'zab, libraire de l'oeuvre, Saint Charles, Belgique, 1936. p.61
(3) إبراهيم طلاي: ميزاب بلد كفاح، دار البعث، قسنطينة .. 1970، ص: 24
(4) J.Gers, op.cit. p. 81
(5) M.Bennabi: L'invitation du M'zab , in Révolution africaine n° : 274. 20 Mais, 1968
(6) يبدو أن القادمين إليها من ذوي ثقافة دينية عالية. يقول إبراهيم متياز إن الطلبة قصدوها من أجل مدرسة أبي عبد الله والعلماء من أجل عالمها أبي العباس الذي كان يقيم لهم مسامرات علمية في جبله المشهور، وتغلغلت أخلاقهم في أذهان العامة وامتزجت أفكارهم معهم في وحدة عرفية قوية. تاريخ ميزاب، مخطوط، مكتبة آل متياز، بني يزقن ص: 76،77. (1/115)
صفحة 69
في شكلها الحديث أولها «العطف» أو «تجنينت» بالبربرية أنشئت سنة 1011م، ثمَّ «آت بنورة» 1046م، غرداية «تغردايت» 1053م، قرية مليكة «آت مليشت» 1124م، بني يزقن «آت اسجن» 1347م، ثم تبعتها القرارة 1630م، وبريان 1679م، وهاتان القريتان الأخيرتان حديثتا العهد بالنسبة للأخريات (1).
بُنيت هذه القرى تبعا لمجموعة من الضروريات البنائية التي تضمن النسق القيمي لهذه المجموعة بداية من سلطة الفكر الديني، وسلطة الدفاع (2)، فقد كانت على سفح الجبل ثم انتقلت إلى قمته بعد الغارات المتعدِّدة عليها مستفيدة بذلك من خبراتها العسكرية الأمنية (3). وينقسم المجال مرفولوجياً لثلاثة عناصر رمزية ذات أهمية في الذاكرة الجمعية؛ تجسيدًا للتراتبية القيمية هي البئر لضمان الحياة؛ البرج لضمان السلم؛ والمصلى لضمان «المذهب» (4)؛ ويبقى التضامن والفعالية أحد المبادئ الأساسية لهذه الجماعات في قرى ذات هندسة معمارية مميَّزة (5).
تعود الحركة البشرية في إنشاء هذه القرى إلى الانفجار السكاني، سواء أكان مصدره داخليا أو خارجيا
__________
(1) انظر: يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية، غرداية، 1992، ص: 22، إبراهيم متياز: تاريخ ميزاب، ص: 11
- Moriaz. J. Origine du mon Ghardaia , Bulletin de Liaison saharienne. Vol 8. n° 25, Mars, 1957, ... p. 17 - 20
- A.Coyne, le M'zab, Adolphe Jourdan, Alger, 1879, p.14
واعتمدنا في تاريخ تأسيس المدن على بن يوسف لطابعها المنطقي وهي تختلف في المراجع الأخرى:
B.Ben youcef, La M'zab: Espace et société, Imprimerie Abou Daoud, Alger, 1992 p.33 - 34.
(2) J.Gers, op.cit, p. 77
(3) إبراهيم طلاي: مرجع سابق، ص: 20.
(4) B.Ben Youcef, Le M'zab, p. 32
(5) - B.Merghoub, op.cit. p: 33. وعن البناء العمراني لميزاب انظر:
- Pavard. c, Lumière du M'zab, Défroisse, Paris, 1974.
- Genton, Ravereau, Le M'zab m une leçon d'architecture in : technique et architecture, n° 7 au 8 juillet, Paris, 1951.
- Mercier .M., la civilisation Urbain au m'zab, sonbiron, 2éme ed, 1932 (1/116)
صفحة 70
أو إلى التحام قرى صغيرة تندمج داخل قرية واحدة (مثل بني يزقن) ... أو نتيجة هجرة مجموعة من إحدى القرى لإنشاء قرية أخرى، كما لا تخلو بعض المراحل التاريخية من صراعات بين هذه القرى (1).
وبداية من القرن XIV انتقلت إلى ميزاب جماعات عقائديَّة وإثنية مختلفة كاليهود الجربيين وبعض معتنقي المذهب المالكي والبدو (بني مرزوق 1429) (2). وانطلاقا من سنة 1950م تزايد مؤشر النمو الديمغرافي، نتيجة اكتشاف آبار البترول التي أعطت للصحراء أهمية ديناميكية، وأحدثت حركة سو سيو ــــ اقتصادية بالمنطقة.
ويعود توافق هذه الجماعات الإثنية والدينية نسبيًّا إلى تقسيم العمل الاجتماعي، فالميزابيون يشتغلون بالتجارة والزراعة؛ اليهود بالخياطة والصناعة؛ بني مرزوق بالنسيج؛ والشعانبة والمذابيح بالرعي (3). كما أَحدثت المنطقة الصناعية الجديدة بها انحدارا سكانيًّا عكسيًّا من الشمال إلى الجنوب (خاصة التجار) لاستثمار أموالهم (4).
وبعد الاستقلال وباسم الشرعية الثورية والنمط الثوري المستوحى من النسق السوفيتي-الصيني (كتصور
__________
(1) إبراهيم متياز: تاريخ ميزاب، ص: 38، 47.
(2) يرى علي يحيى معمر أنَّ السكان المجاورين للميزابين كثيرو الغارات عليهم، لذلك استخدموا وسائل لجلبهم، أهمها: عقد تحالفات معهم، السماح لهم بالتعامل في أسواقهم، الإحسان إلى ضعفائهم واستخدام أبنائهم في الفلاحة. يوسف الحاج سعيد: مرجع سابق، ص: 42. ومن هذه المراجع القليلة:
- Bounete. Y, les nomades dans le territoire de Ghardaïa, in Bulletin de liaison du service de l'artisanat, Alger, n°5 ; 1956.
- Rajhael F. , la Mémoire blessée des juive du M'zab , Dafchen, Jérusalem, 1982.
- Goutalier R. la Nation "Juive" de Ghardaïa, Imp. DAF. CHEN, Jérusalem, 1982.
(3) - B.Merghoub: Le développement politique en Algérie, "fondation nationale des sciences politique", Paris, 1972 pp.: 35 - 37.
(4) وعن النشاط الاقتصادي عموما في المنطقة انظر:
- Cohen , op.cit, p: 22.
- Chabert A., le comportement économique des musulmans: une exemption, les mozabites, in : revue d'histoire économique et social. Vol. 39. 1961, pp. 390 - 351.
- B.Merghoub, le M'zab et la notion de développement économique, thèse pour le doctorat de recherches, Paris, 1970. (1/117)
صفحة 71
مثالي) وقفت الدولة الجديدة ضدّ كلّ ما هو من العادات والتقاليد واستهدفت المؤسّسات السوسيو ثقافية بالتشويه، لتنتج بذلك قطيعة حادّة بين الماضي والحاضر. وتحول الصراع بين النسق التقليدي والاستعماري إلى تناقض بين النسق التقليدي والرسمي على أنّ الدولة تعتقد أن الموانع الدينية والتقليدية حاجز في وجه التقدّم والتطوّر، والتي يعتبرها مالك بن نبي موانع ( Gard fous) تحمي المجتمع من الانتحار في جسر نحو التطوّر ..
ورغم محاولات «التمزيق» هذه، قاومت المؤسسات التقليدية عند الجماعات الإباضية، بمفعول مجموعة آليات داخلية وبقوّة استمرارية الوعي الجمعي، كلّ تهميش فكري واجتماعي، ومن بين هذه المؤسّسات التي تنظّم الجماعة الإباضية بميزاب: العشيرة، الجماعة (الأعيان)، العرش، المعاهد التربوية ... وعلى رأس كلّ هذه المؤسسات "هيئة العزّابة" والتي تستند على الدين كفاعل أساسي في ممارساتها (1).
والدارس لتاريخ الحركة الإباضية واستقرارها في ميزاب يكاد يجزم أن هذا "التاريخ ما هو إلا تاريخ الصراع السياسي". فقد عانت هذه الحركة من حالة التهميش المستمر دينيا وسياسياً أنتجت مجتمعاً يجنح إلى «الانغلاقية البنائية»، والابتعاد ما أمكن عن النزاعات السياسية من جهة، وإلى "المركزية" الدينية التي تمثلها هيئة العزّابة من جهة أخرى، مستنداً في ذلك أو مبرراً له بخلفيته التاريخية.
تاريخية هذا المجتمع تعكس مجمل العناصر المفعّلة لحركة التغيّر الاجتماعي أمام العناصر
__________
(1) وللإضافة أكثر في موضوع تاريخ ميزاب والإباضية المراجع البليوغرافية:
جمعية التراث: دراسات وأبحاث عن الإباضية، جمع: عيسى وموسى محمد، العطف. غرداية (مرقون) 1989.
- Capitaine B.Blaudin de the: Contribution à la bibliographie, du Sahara(1953 - 1957), supplément au bulletin de liaison saharienne, n°29, Mars, 1958.
-P.Shinar: islam Maghrébin contemporain, bibliographie, Annotes, ed: CNRS, pp.: 116 - 123.
-S.Chaker: Domaine Berbère 1984 ... - 1987 :ouvrages et revues, de l'occident Musulman et de la méditerranéen, n°: 44, Rome, 1987, pp. 116 - 123. (1/118)
صفحة 72
المقاومة لها والتي تسعى لضمان الاستقرارية في مواجهة التغيّرية، فأهم العناصر التي ساهمت في حركة التغيّر الاجتماعي بميزاب:
*-التزايد السكاني.
*-الصراعات الداخلية والخارجية.
*-حركة التصنيع.
*-التناقض بين النظام الرسمي والنظام التقليدي.
ورغم تزايد هذه العناصر لكن آليات المقاومة جعلت هذا التغيّر لا يظهر بشكل بارز وواضح، وعملت على إدماج التغيّر في عملية الضبط، وهذه الضبطية للتغيّر كانت نتيجة التغيّر المستمر للضبط في حدّ ذاته.
من أجل فهم هذه الصيرورة الاجتماعية والآلية نعود إلى الهيئة المسؤولة عن توجيه المجتمع الميزابي وتنظيمه ألا وهي هيئة العزّابة.
6 ـ التاريخية وضبطية التغيير:
هيئة العزّابة مجموعة من رجال العلم والدين تقوم بدور السلطة الروحية والدينية في المجتمع الميزابي وكما يعرفها توفيق المدني هي «الهيئة العليا على الإطلاق ولها النفوذ الروحي على العامة واسع النطاق والسلطة المطلقة في كلّ ما له علاقة بالدين» (1). فهي قوة دينية عليا، منظمة ومهيكلة تعمل على ضبط العلاقات الاجتماعية ومراقبة الفاعليات الأساسية في هذا المجتمع لها سلطة التأثير النفسي (الروحي) والاجتماعي (الاتفاقيات والقرارات) على مختلف الشرائح الاجتماعية.
انطلقت هذه الهيئة (2) من مجرد
__________
(1) توفيق المدني: كتاب الجزائر، المطبعة العربية، الجزائر، 1350، ص: 110.
(2) لهذه الهيئة مؤسّسة مماثلة لها في المجتمع النسوي ناتجة استجابة لمجموعة من التغيّرات الاجتماعية التي شهدها المجتمع الميزابي في فترة معينة من أجل ضبط هذه التغيُّرات، فسبب تأسيسه يعود لما شهده ميزاب من اضطرابات أخلاقية في مرحلة زمنية معينة، فمن خلال استقراء المجالس العامة لميزاب نلاحظ الطرح المتكرر لمشاكل الزواج والمرأة المطلقة ومراقبة الزانية خلال النصف الأول من القرن 9 هـ. وقد ذُكر مجلس العزابيات (تمسردين) فيها لأول مرة سنة 811هـ/ 1409 م، وربما أنشئ أثناء هذه المرحلة لحل مثل هذه المشاكل خاصة أن العزابيات عرفن في كلّ مراحل تاريخهن بقوة التأثير على النساء الميزابيات انظر: اتفاقيات المجالس العامة لميزاب في هذه الفترة. «اتفاقيات المجالس العامة لميزاب»: تقديم: بعمارة عيسى، دار الشهاب، باتنة 1990، ص: 22 وما بعدها. (1/119)
صفحة 73
فكرة ثمَّ انتظمت على شكل مؤسَّسة تربوية ثمّ انتقلت إلى مؤسّسة المسجد فأصبحت المرجعية العليا للمجتمع في كلّ علاقاته وأنظمته الاقتصادية والدينية والثقافية وغيرها وأخذت صورة نظام يخترق جميع مكونات النظام الاجتماعي للمجتمع.
إنَّ الصيرورة التي مرّت بها هذه الهيئة في تاريخيتها زوّدها بمجموعة من الآليات التي تتمكن من خلالها من ضبط التغيّرات الاجتماعية المختلفة فإن الانتقال من الفكرة إلى الالتحام النفسي بها، ثمّ تطبيقها على شكل تنظيم معين، وجَعْلِ هذا التنظيم ذا حركية ينتج نفس الفكرة ويجمع حولها أكبر عدد ممكن من الأفراد ضمن إطار قيمي محدّد مسبقاً، وهذه المنهجية في العمل هي الآلية التي يتمّ من خلالها احتواء التغيّر الاجتماعي داخل الضبطية وتغيير الضبط للتوافق مع التغيّر باستمرار.
فمن خلال تتبعنا لتاريخية هذه المؤسّسة يبدو أن حلقة العزّابة ابتدأت بمجرد فكرة يتناقلها الأشياخ فيما بينهم ويطمحون لتحقيقها، ولكن حين اقتنع بها جمهور من الطلبة وأدركوا ضرورة تطبيقها، تأصلت في نفوسهم وتوفّر فيهم الاستعداد النفسي الكافي لتجسيدها، فانتقلوا بها من مستوى الفكرة إلى مرحلة التطبيق.
انتظموا على شكل حلقة لها قوانينها ومراسيمها ومسيروها، وبعد شوط من الزمن ترسّخت وتكونت لديهم تقاليد محدّدة فأصبحت تأخذ شكل «النموذجية» القابلة للاستيراد وانتشرت بنفوسة وجربة وورجلان وميزاب، وحيثما حلّت أوجدت حركية وديناميكية لدى أفراد ذلك المجتمع فاقتنعوا بها وسارعوا إلى تجسيدها واقعيا.
وما ساعدها على هذه الحركية الظروفُ الاجتماعية والتاريخية المواتية وتمسك أفرادها بمبادئهم إلى أقصى درجة ممكنة. إلا أن نفس هذه (1/120)
صفحة 74
الظروف عملت على تقليص نشاطها وتحديده زمنيا خاصة مع الدخول الفرنسي والاحتكاك مباشرة بدولة مركزية.
ومع حركة الاستقلال امتدت وظائف الدولة إلى عدة قطاعات من المجتمع فقلّصت أو انتزعت بعض الوظائف التي كانت من مهام هيئة العزّابة، لكن هذه الأخيرة استعادت هيبتها وتأثيرها مع نهاية السبعينيات بالتعاون مع المؤسسات الرسمية المحلية ضمن عملية احتواء التغيّر إلا أن مجموعة مؤثرات أخرى مختلفة لم تدع لها الفرصة في ممارستها لعملية الضبط الاجتماعي كضرورة وظيفية، وعلى رأس هذه المؤثرات القيمُ الجديدة الواردة إلى المجتمع والمعاكسة لإيديولوجيتها الدينية.
فقد تعاملت هذه الهيئة في عدّة مواقف مع عملية التغيّر الاجتماعي على مرحلتين:
* ـــ رفض التغيّر خوفاً من عدم التحكّم فيه وربح الوقت لفهم مضمونه.
* ـــ فهم الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا التغيير وتبنيها بشكل منظّم لاحتوائه.
ونعطي لذلك مثالين:
المثال الأوَّل: فقد وقفت العزّابة بشكل عنيف ضدَّ الهوائيات المقعرة في بدايتها مع منطلق التسعينيات واعتبرت كلَّ من يقتنى هذا الجهاز خارجاً عن نسق القيم يجب أن يقاطع، ثمّ تبنّت بعد ذلك هذه الفكرة بعد حوالي خمس سنوات وأنجزت هي في ذاتها هوائياً مقعراً يبث القنوات التي تراها ضرورية إضافة إلى قناة محلية تبثّ إيديولوجيتها الخاصة. فقد انتقلت الفكرة من الرفض إلى الاقتناع بها على المستوى النفسي ثمّ إلى مستوى التنظيم وجعل هذا الأخير وسيلة حركية لكن كلّ ذلك تمّ في إطار نسق القيم المشترك بين أفراد المجتمع. وقد حدث نفس الميكانيزم حين دخلت الكهرباء لأوّل مرة إلى ميزاب، وجهاز الراديو والتلفزيون.
أمّا المثال الثاني: فيتمثّل في الجانب السياسي أو الرسمي، فكثيرا ما تعرَّضت العزّابة لصراعات بين القرارات العرفية والقرارات الرسمية الإدارية، وكانت تحاول دوماً الهيئة تجنب المجال السياسي، ثمّ عملت على احتواء هذا العنصر الذي كان يهدّدها وذلك باختيار القائمة المرشحة من طرفها وتحريك المجتمع لمساندتها، بذلك تضمن عدم التعارض بين الجانبين، حتّى أصبح الأعضاء المنتخبون سياسيا في بعض القرى يجلسون جنبًا لجنب مع العزّابة.
فالفرد الميزابي لا ينتخب وفقا لاختياره السياسي إنّما وفقا لما تراه الهيئة يخدم مصالح المجتمع. فقد عملت هيئة العزّابة بناء على ذلك بشكل فعّال على التأثير في القرارات السياسية المتخذة فى المنطقة أو توجيهها على الأقلّ. فالانتخابات البلدية والولائية والتي لها ارتباط مباشر بالجماعة الميزابية في المنطقة لا تتمّ على أساس البرامج السياسية أو الاختيار الديمقراطي بقدر ما ترتبط بإرادة هذه الهيئة. بذلك نلاحظ مرة أخرى احتواء الفكرة وتنظيمها وجعلها مصدرا حركيا يخدم الإيديولوجية العامة، في إطار النسق القيمي العام. وكذلك فعلت مع الأنظمة التربوية المختلفة.
7 - نحو تصور نظري لضبطية التغيُّر:
ويمكن إعادة بقاء الهيئة إلى وقتنا الحاضر لمدة عشر قرون لعدّة أسباب متداخلة وبعضها نتيجة الأخرى، ولا يمكن تحديد السبب الأوّلي بسهولة، إلاّ أنّنا يمكن أن نعطي أهمّ المستويات التي نشأت على أساسها الهيئة والتي تشكّل التحاماً فيما بينها والتي ساهمت في استمراريتها، كما تعكس أيضاً عملية الضبط الاجتماعي الصادر عن الهيئة في التعامل مع التغيرات الاجتماعية، وذلك مروراً بأربعة مستويات وداخل دائرة سببيّة مترابطة كما هو موضّح في الشكل التالي: (1/121)
صفحة 75
فقد انطلقت الهيئة من مجرَّد فكرة يطمح إليها علماء الإباضية ويتداولونها فيما بينهم (وهذا ما يمكن التعبير عنه بمستوى الفكرة) (1)، إلى أن استقرّت في ذهنيتهم واقتنعوا بضرورة تطبيقها، فجنّد "أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور اليهرساني" مجموعة طلبة أقنعهم بالفكرة وطلب منهم البحث عن "أبي عبد اللّه محمّد بن بكر" ومرافقته والخضوع له مهما كانت طلباته، فشكّلت هذه النخبة من الطلبة عجينة نفسية جاهزة لاستيعاب كلّ أوامره وتوجيهاته وهو ما يمثّل "المستوى النفسي".
ولمَّا التقى الطلبة بشيخهم "أبي عبد اللّه" أبلغوه بدعوة أستاذهم وأقنعوه هو الآخر، وبل أعادوا فيه الشحنة النفسية التي كان يطمح إلى تحقيقها مع أستاذه "فصيل بن أبي مسور"، فوجد
__________
(1) يعتبر مالك بن نبي من بين الذين يرون أنّ الأفكار بداية الأزمة في العالم الإسلامي وذلك في كتابه: «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي»، تر: د. بسَّام بركة، أحمد شعبو، دار الفكر، دمشق، الجزائر، مطبعة النخلة، بوزريعة، الجزائر، 1992م. (1/122)
صفحة 76
أمامه مجموعة طلبة "يذوبون" في فكرته، فقعد لتنظيم "الحلقة" ووضع قوانينها وقواعدها الأوّلية وهذا ما يمثّل "مستوى التنظيم".
ثمَّ رسَّخ محدَّدات مضبوطة تتضمّن قائداً ومسيّراً وطلبة خاضعين له ... ولجانًا مميّزة وأوقاتًا معيّنة لكلّ أعمالهم، فبدأت تُكوِّن طلبة آخرين وتبث فيهم قِيًمًا وإيديولوجية محدّدة، وترسلهم لأخذ مراكز مميزة في النظام الاجتماعي، إضافة إلى التحامها بالمسجد حيث أصبحت "تصدِّر" قيَمَها وتبثّها في كامل المجتمع (وهو ما يمكن تسميته بالمستوى الديناميكي).
فقد انطلق نظام العزّابة من مجرَّد فكرة ذات قيم تتناقلها مجموعة أفراد فيما بينهم إلى "مؤسسة" منظّمة تبثّ هذه القيم على المستوى الاجتماعي الواسع، وتمرّ عملية الضبط الاجتماعي والتحكم في التغيّر بنفس المراحل، حيث تنتقل من فكرة إلى تنظيم شامل يمارس فعاليته على مستوى واسع. وقد ساعد مسيرة هيئة العزّابة في انتقالها من مستوى الفكرة إلى الحركيّة أو الديناميكية عاملان أساسيان هما:
أ ـــ «العامل الاجتماعي»: إذ إنَّ انتقالها من مستوى إلى آخر وبث إيديولوجيّتها يتمّ باستغلال الظروف الاجتماعيّة المحيطة بها والملائمة لذلك، ولم يَنْقُل "عبد الرحمان أبو زيد" النظامَ إلى المسجد إلاّ بعد التأكّد من أنّ المجتمع مستعدّ لهذا الانتقال، كما أنّ الهيئة كانت تَستغلّ ــــ باستمرار ــــ الظروف الاجتماعية سواء من حيث جانبها الاقتصادي أو السياسي لإعادة ضبطها الاجتماعي وترسيخ أفكارها.
ب ــــ «نسق القيم»: أمَّا العامل الثاني المساعد في مسيرة الهيئة فهو "القيم"، أو تمسّك أفرادها وتنظيماتها قدر المستطاع بالقيم التي تبثها و"الإخلاص" الشديد والمستمرّ لهذه القيم، ويتجلّى هذا التمسّك في سلوكات أفرادها بالمجتمع وتصرّفاتهم وعلاقاتهم، فكثيراً ما تحطّمت بعض التنظيمات نتيجة التناقض بين قيم أفرادها وممارساتها اليومية والاجتماعيّة، ونعتقد أنّ هذا العامل (1/123)
صفحة 77
يشكّل نقطة حاسمةً في عملية "الضبط الايجابي" وضمان استمرارية أيِّ مؤسَّسة اجتماعية كانت.
تعتبر هذه المراحل والمستويات المذكورة أعلاه متداخلة ومتشابكة في كلّية عضوية، وما وضعها على هذا الترتيب والتفصيل إلاّ من أجل هدف بيداغوجي أساسي هو تسهيل فهمها.
وإذا تتبّعنا «حركة» الإسلام في حياة الرسول محمّد 9 سنجدها مرَّت بنفس المراحل، فقد انطلقت «الفكرة» من بداية البعث بـ «إقرأ» أي مستوى الفكرة، ثمّ تمَّ تناقل الدعوة في بيت "الأرقم"، منها مرّت إلى مرحلة الاقتناع الذاتي والنفسي مع "إسلام عمر بن الخطّاب"، ووصلت مستوى التنظيم المحكم في المدينة المنوّرة، ثمّ انتقلت إلى أعلى مستوى من الحركية بعد فتح مكّة المكرّمة ونشر الإسلام على كامل الجزيرة العربية أوّلاً ثمّ إلى مختلف أقطار العالم، وما ساعدها على ذلك استغلالها للظروف الاجتماعية المواتية في كلّ مرّة ــــ وقد نزل النصّ القرآني على فترات لنفس السبب ـــــ من جهة، ولتمسُّك أفرادها بقيمهم من جهة أخرى، وقد عبّر القرآن عن هذا الانتقال من مستوى الفكرة إلى مستوى التغبير الاجتماعي الشامل بالآية الكريمة: {إِنَّ اللّه لا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم} (1).
نلاحظ أنّ عدَّة حركات عالميَّة مرّت بنفس المراحل مع تغيّر «شكلي» في درجة كلّ مستوى، لهذا نعتقد أنّ هذه المستويات تشكّل قاعدة «نظريّة جديدة» في عملية الضبط الاجتماعي للتغيّر الاجتماعي ومدى فاعليته، ويمكن تقديمها "كشبه قانون" اجتماعي وتاريخي أو قاعدة نحو نظرية سوسيولوجية تحكم عملية تطوُّر ضبطية التغيير.
9
تناولنا في هذا المقال تطوّر نظريات التغيّر الاجتماعي ثمّ ما يقابلها في الفكر السوسيولوجي من نظريات الضبط الاجتماعي، وحاولنا التقريب بين المفهومين من خلال تاريخية الظاهرة التي تساهم في
__________
(1) سورة الرعد الآية 11. (1/124)
صفحة 78
الضبطية وفي تغيير الضبط، مع تطبيق ذلك على إحدى المجتمعات الجزائرية التي عُرفت بدرجة ضبطيتها القوية، لنصل إلى شبه طرح لنظرية سوسيولوجية تحكم ضبطية التغيّر في حلقة تتصل بدايتها بنهايتها في كلّ مرّة.
إنّ هذه المحاولة للتقريب تندرج ضمن تصور أكبر هو الوصول إلى التقريب بين كلّ المفاهيم النظرية والتطبيقية التي تضعها السوسيولوجيا في طرفي نقيض، فإن رَفَضَ بيار بوديو وضع العلوم الاجتماعية في نقيض العلوم الطبيعية، فنحن نسعى أيضاً لرفض الثنائيات المصطنعة داخل هذا العلم في حدِّ ذاته ... فهل يمكن ذلك مع كلِّ المفاهيم الأخرى، أم أن ذلك مجرَّد طموح إيبستمولوجي بعيد المرمى؟ ...
قائمة المراجع
المراجع العربية:
1 - اتفاقيات المجالس العامة لميزاب ـ تقديم: بعمارة عيسى، دار الشهاب، باتنة 1990.
2 - بن نبي مالك: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، تر: د. بسّام بركة، أحمد شعبو، دار الفكر، دمشق، الجزائر، مطبعة النخلة، بوزريعة، الجزائر، 1992م.
3 - بودون. ر، بوريكو. ف: المعجم النقدي لعلم الاجتماع، تر: سليم حداد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986.
4 - جمعية التراث: دراسات وأبحاث عن الإباضية، إعداد: عيسى وموسى محمد، العطف. غرداية (مرقون) 1989
5 - الحاج سعيد يوسف: تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية، غرداية، 1992.
6 - خليل أحمد خليل: المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع، دار الحداثة، بيروت، لبنان، 1984.
7 - خواجة عبد العزيز: الضبط الاجتماعي ومعوقاته، رسالة ماجستير، معهد علم الاجتماع، الجزائر، 2000. (1/125)
صفحة 79
8 الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد: طبقات المشائخ بالمغرب، تح: إبراهيم طلاي، ج: 1 مطبعة البعث، قسنطينة، دتا.
8 - الزواوي محمود: عرض كتاب الضبط الاجتماعي للجريمة لـ موريس كوسون ( le controle social du crime, M. Cusson )، مجلة الفيصل الشهرية، العدد:83، السنة السابعة، فبراير،، شركة الطباعة السعودية، الرياض، 1984.
9 - طلاي إبراهيم: مزاب بلد كفاح، دار البعث، قسنطينة، 1970.
10 - عبد الباسط عبد المعطي: المدخل في علم الاجتماع المعاصر، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2002.
11 - عبد الله محمّد عبد الرحمان: علم الاجتماع: النشأة والتطوّر، دار المعرفة الجامعية، مصر.
12 - متياز إبراهيم: تاريخ مزاب، مخطوط، مكتبة آل متياز، بني يزقن.
13 - متياز إبراهيم: نظام العزّابة: مخطوط، مكتبة آل متياز، بني يزقن.
14 - المدني توفيق: كتاب الجزائر، المطبعة العربية، الجزائر، 1350هـ.
15 - ميتشيل دينكن: معجم علم الاجتماع، تر: إحسان محمّد الحسن، ط2، دار الطليعة، بيروت لبنان، 1986.
المراجع الأجنبية
16 - ANSART. P, A.AKOUN, Dictionnaire de sociologie, le robert, seuil, France,1999.
17 - Ben youcef. B, La M'zab: Espace et société, Imprimerie Abou Daoud, Alger, 1992.
18 - Bennabi. M, L'invitation du M'zab , in Révolution africaine n° : 274. 20 Mais, 1968
19 - Blaudin de the. B, Contribution à la bibliographie, du Sahara(1953 - 1957 ), supplément au bulletin de liaison saharienne, n°29, Mars, 1958.
20 - Bounete. Y, les nomades dans le territoire de Ghardaïa, in Bulletin de liaison du service de l'artisanat, Alger, n°5 ; 1956.
21 - Chabert A., le comportement économique des musulmans: une (1/126)
صفحة 80
exemption, les mozabites, in : revue d'histoire économique et social. Vol. 39. 1961, pp 390 -
22 - Chaker. S, Domaine Berbère 1984 - 1987 :ouvrages et revues, de l'occident Musulman et de la méditerranéen, n°: 44, Rome, 1987, pp. 116 - 123.
23 - Coyne. A, le M'zab, Adolphe Jourdan, Alger, 1879.
24 - FERSSEL Gilles et autre, Dictionnaire de sociologie, ed: Armand colin, Paris, 1991.
25 - Forsé. M, Analyses du changement social, Mémo seuil, France.
26 - Gers José, Au M'zab, libraire de l'oeuvre, Saint Charles, Belgique, 1936.
27 - Goutalier R. la Nation "Juive" de Ghardaia, Imp. DAF. CHEN, Jérusalem, 1982.
28 - Gurvitch. G, la sociologie au XX siècle, bibliothèque de philosophie, Tom I: les grand problème de la sociologie , P.U.F, Paris 1947.
29 - M.MORIN. ., Précis de sociologie, Nathan, France, 1996.
30 - Mercier .M., la civilisation Urbain au M'zab, sonbiron, 2éme ed, 1932
31 - Merghoub B, Le développement politique en Algérie, "fondation nationale des sciences politiques", Paris, 1972.
32 - Merghoub. B, le M'zab et la notion de développement économique, thèse pour le doctorat de recherches, Paris, 1970.
33 - Moriaz. J. Origine du mot Ghardaïa , Bulletin de Liaison saharienne. Vol 8. n° 25, Mars, 1957.
34 - P.Delas. J, B.Milly, Histoire des pensées sociologiques, Ed.Sirey, Dalloz, Paris, 1997.
35 - Pavard. c, Lumière du M'zab, Défroisse, Paris, 1974.
36 - Rajhael F. , la Mémoire blessée des juive du M'zab , Dafchen, Jérusalem, 1982.
37 - Ravereau Genton, Le M'zab, une leçon d'architecture, in : technique et architecture, n° 7 au 8 juillet, Paris, 1951.
38 - ROCHER. G, Le changement social, Introduction à la sociologie général, Tome: III, Ed: Paris, 1968.
39 - Shinar. P, islam Maghrébin contemporain, bibliographie, Annotes, ed: CNRS, pp.: 116 - 123.
40 - WILLEMS. E, Dictionnaire de Sociologie, adaptation françaises par: Armande CUVILLIER, ed : librairie Marcel River et Cie, Paris , 1961.
888 (1/127)
صفحة 81
التنشئة السياسية
أولوية حضارية ومستقبلية
الأستاذ: قاسم بن حمو حُجاج
ـــ جامعة ورقلة ـــ
مقدمة
إن هذا الموضوع يحتاج وحده إلى أيام دراسية، لذلك من الصعب الإحاطة بجوانبه كلها في هذا البحث. ولأنه يتطلب منهجيا وعلميا تعريفا بمفاهيم عديدة ذات علاقة بالموضوع كـ: مفاهيم الإنسان والإنسان السياسي، الرجل السياسي والعمل السياسي، المجتمع والمجتمع السياسي والمدني، السلطة والنخبة السياسية، السلطة السياسية والدولة، السياسة العقلانية المكيافيلية والسياسة الشرعية، التنظيم السياسي الرسمي والتنظيم اللارسمي، العولمة والعولمة السياسية، الديمقراطية والشورى، التنمية السياسية ومكوناتها: الهوية السياسية، والثقافة السياسية، والتنشئة السياسية، المشاركة السياسية، والتكامل السياسي، والتغلغل السياسي، والتوزيع السياسي للموارد وغيرها.
وأؤكد في هذا الاستهلال أنه لا تنمية حضارية بدون تنمية شاملة ولا تنمية شاملة بلا تنمية سياسية ولا تنمية سياسية بلا تنمية اقتصادية ولا تنمية اقتصادية بلا تنمية ثقافية وأخلاقية وذوقية راقية. كما أنه لا ديمقراطية سياسية بلا ديمقراطية اجتماعية، بلا ديمقراطية ثقافية. ولا ديمقراطية وطنية إن لم تكن محلية وكوكبية في آن واحد.
ومن هنا سنحاول الاقتراب من الموضوع المقترح من خلال المحاور التالية:
أولا: أهمية موضوع التنشئة السياسية في ظل العولمة.
ثانيا: بعض فرص ومخاطر العولمة وأثرها على التنمية السياسية (1/128)
صفحة 82
1) -بعض مميزات وفرص العولمة (العولمة السياسية خاصة)
2) -بعض مخاطر العولمة (العولمة السياسية خاصة)
ثالثا: التنشئة السياسية: تعريف وأهداف ومستلزمات
***
يُبدي علماء علم النفس السياسي وعلم النفس التربوي وعلم الاجتماع السياسي وعلوم الاتصال والإعلام فضلا عن علم السياسة المعاصر، اهتمامًا كبيرا ومتزايدا بالقيم والانتماء والهوية والسلوك البشري وبآليات انتقالها وتوريثها للأجيال الجديدة ضمن الجماعة الوطنية الحديثة، وبدورها في تشكيل خزان الدوافع المعيارية التي تشكل الفعل ورد الفعل، السلوك والسلوك المقابل، اهتمامها بالنظم التربوية والتعليمية وتكوين الرأي العام واتجاهاته ودور وسائل الإعلام والدعاية والاتصال وبالتصويت السياسي والنظم الانتخابية وبالتنمية الشاملة ـــ ومنها التنمية السياسية ــ وما تطرحه على صناع القرار من مواجهة مشكلاتها المتعلقة أساسا ببناء الهوية السياسية الوطنية، وبالمشاركة السياسية الديمقراطية في صنع واتخاذ القرارات، وبالاندماج السياسي ضمن مؤسسات الجماعة الوطنية، وبالتوزيع السياسي الديمقراطي للموارد الاقتصادية بحيث تحقق آلياتها نوعا من العدالة والمساواة والديمقراطية الاجتماعية. إذ لا ديمقراطية سياسية بلا ديمقراطية اجتماعية ... كما تهتم تلك العلوم بما تتطلبه تلك العملية من اعتماد استراتيجيات وبرامج ومناهج ومؤسسات للتنشئة الاجتماعية ومنها ـــ فيما يعنينا هنا ــــ التنشئة السياسية.
وللتذكير فإن هذا الاهتمام العلمي البحثي والعملي تنامى خلال الفترة التي أعقبت نجاح الثورات الصناعية والإعلامية منذ بداية القرن العشرين وخاصة بعيد الحرب العالمية الثانية. ولكن يزداد هذا الاهتمام بتلك الجوانب المتعلقة بتوجهات الفئات الاجتماعية المختلفة إزاء العملية السياسية مع تسارع وتيرة ديناميكية التغيير الاجتماعي ومستويات الاعتماد (1/129)
صفحة 83
المتبادل بين الدول وتداخل وتشابك المجالات الوطنية واختراق الحدود الجيوـ سياسية والجيو ــ ثقافية والجيوـ معلوماتية والجيو ـ اقتصادية، أي مع ما أصبح يسمى بالعولمة ــ أو بالأحرى العولمات ــ بكل تداعياتها وأبعادها وأشكالها: ثقافية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية وعلمية واجتماعية وروحية واستراتيجية وبيئية ... الخ.
أولا: أهمية موضوع التنشئة السياسية في ظل العولمة:
إذا، يكتسي إثارة هذا الموضوع حاليا أهمية خاصة لما لتنشئة الأجيال من أهمية حيوية خاصة في بلداننا النامية التي تشهد انفجارا ديموغرافيا وحركية سكانية سريعة، مصحوبة بأزمات تنموية وسياسية جعلتها تدور في حلقة مفرغة للتخلف، مما يقتضي ضبط استراتيجيات مستقبلية محكمة للتنمية الشاملة والسياسية للناشئة عامة وللشباب خاصة. هذا الشباب الذي يشكل الغالبية العظمى للتركيبة البشرية لمجتمعاتنا والتي تراهن عليها قوى عديدة في الداخل والخارج تنتمي إلى عالم السياسة والمال والدين والفن والرياضة والاستخبارات والتسويق والإعلام والتجارة والإجرام والإرهاب (1).
__________
(1) تشير الأرقام التي نشرها بعض الخبراء الجزائريين ــــ منهم الباحث محمود بوسنة من جامعة الجزائر ــــ خلال أشغال الملتقى الدولي حول الإرهاب خلال 28 ـــ 29/ 10/2002 بالجزائر إلى أن المنتمين إلى الجماعات المسلحة كانت نسبتهم حسب أعمارهم كما يلي:
*- أقل من 25 عاما ... ? ... 07%
*- 26 إلى 30 سنة ... ? ... 21.94%
*- 31 إلى 35 سنة ... ? ... 42 %
*- أكثر من 35 سنة ? ... 25.49 %
(انظر يومية الخبر عدد 3614. 28/ 10/2002. ص 02)
مما يدل على أن فئة الشباب هي الفئة الأغلب بين المنتمين لهذه الجماعات إذا اعتبرنا الفئة الشبانية تمتد من سنة 15 إلى سن 35 سنة على اعتبار أنها تمتد على طول هذه السنين بسبب ظاهرة النضج المبكر جنسيا وفكريا في مرحلة المراهقة ونظرا أيضا لتمدد فترة الشباب إلى مراحل متأخرة بسبب طول مدة التمدرس والتكوين فالخدمة الوطنية وطول فترة العزوبية وتأخر غشيان عالم الشغل أزمة البطالة المزمنة ومن ثمة تأخر دخول الأجيال الجديدة عالم الراشدين المستقرين اجتماعيا المشاركين سياسيا بتبني خط سياسي تغييري سلمي عقلاني معتدل .. (1/130)
صفحة 84
والحركات المتطرفة والأصوليات المختلفة تسعى للتلاعب ببنياتها العقلية والإدراكية والسيكولوجية وقيمها عن بعد مسوقة أوهام وأحلام ومشاريع بعض قوى العولمة.
حيث إن العولمة في أحد تعريفاتها المتكاثرة والمضاربة تعبر عن: «تقاطع/ convergence عالمي للمواقف والقيم التي تساهم في إقامة أجواء نفسية، روحية، وجدانية متداخلة للمجموعة البشرية العالمية بشكل غير مسبوق فيما مضى» (1).
ثانيا: بعض فُرَص ومخاطر العولمة وأثرها على التنمية السياسية:
ومن هنا فإن العولمة السياسية بفرصها ومخاطرها تعرف من مجموعة من مكوناتها الأساسية وهي:
أ) - بعض مميزات وفرص العولمة و (العولمة السياسية خاصة):
1) - إعادة تعريف مفاهيم سياسية كلاسيكية (2) مرتبطة
__________
(1) تعريف العولمة من صياغة الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان ورد في دراسة فرنسية ينظر:
William D. Angel, «Les Jeunes et La Mondialisation : Acteurs et Victimes», in :Agora .. N°19. 1er trimestre 2000. pp17 - 29. voir: p18.
(2) مثل مقولات: نهاية التاريخ ونهاية السياسة ونهاية الخصوصية ونهاية النيوليبيرالية (بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية) ونهاية الأيديولوجيا، ونهاية الفلسفة، ونهاية الدولة الوطنية، ونهاية المكان، ونهاية الجغرافيا، ونهاية المدرسة، ونهاية المدرِّس، ونهاية الكتاب، نهاية الورق، ونهاية الفيزياء، ونهاية المكتبة، ونهاية العمل، ونهاية الخطية، ونهاية الوسطاء، ونهاية الذاكرة، ونهاية المونولوج وبداية الديالوج ... التي هي في الواقع بدايات لتحولات جديدة غير مسبوقة تاريخيا.
ومقولات: ما بعد الحداثة، وما بعد الصناعة، وما بعد القومية، وما بعد التيلورية، وما بعد الكينيزية، وما بعد الكتابة، وما بعد البترول، وما بعد عصر المعلومات، وما بعد الإنترنت، وما بعد الفوردية ... الخ
ومقولات مصانع بلا عمال، وتعليم بلا معلِّمين، وبرمجة بلا مبرمجين، ومركبات بلا سائقين، وطيارات بلا طيارين، ومدرسة بلا أسوار، واتصالات بلا خيوط، وموظفون بلا مكاتب، وسياسة بلا نواب، وتَرحال بلا انتقال، وجيرة بلا قرب ... الخ من المقولات التي تبدأ ببادئة مثل متعدد اللغات، متعدد الجنسيات، ومتعدد الاختصاصات، وعابر للحدود، وعابر للقوميات، وعابر للاختصاصات، وعابر للقارات، وعابر للأقاليم ... الخ
للمزيد انظر: نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، العدد 265 من سلسلة عالم المعرفة، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. يناير 2001م. ص 14 ــــ 19. (1/131)
صفحة 85
بالظروف التاريخية الحضارية لظهور الدولة الوطنية الحديثة مثل: السيادة الوطنية، الهوية الوطنية، الحدود الوطني، الاقتصاد الوطني، السوق الوطنية، الهوية الوطنية، اللغة الوطنية ... بحيث تنسجم مع التحولات التي تدفع إليها ديناميكية العولمة الاتصالية والاقتصادية ...
2) - تنامي أدوار ووظائف المجتمع المدني وطنيا وعبر الأوطان وتزايد الوعي المواطني بأهمية المشاركة السياسية محليا ووطنيا وكوكبيا للحيلولة دون تداعي عدوى الأزمات والأمراض العابرة للحدود الوطنية وحلها ضمن شروط ممارسة الديمقراطية المحلية والوطنية عن طريق الحركة الجمعوية.
3) - الأخذ بمبدأ الحكم الصالح والشفافية والنظافة السياسية في إدارة الشأن العام وتنمية الموارد الاقتصادية بعيدا عن المحسوبية والرشوة والمحاباة والغموض واللصوصية وإهدار الموارد في مشاريع ترفيهية بذخية ترهن مستقبل الأجيال القادمة وتحول دون تحقيق تنمية مستدامة حقيقية.
3) - زيادة درجة التسييس لأوساط واسعة من البشر بعد طول احتكار للمجال السياسي من طرف السياسيين وأساليبهم السرية في إدارة الشأن العام وانكشاف الكثير من ممارساتهم عبر السلطة الرابعة ومواقع الإنترنت والقنوات الفضائية والمعارضات السياسية وهذا أتاح فسحة أكبر من المشاركة العامة والاهتمام بالشأن العام للمدينة والدولة وقلص من حدة تهميش أو هامشية الدور السياسي لقطاعات سكانية كثيرة.
4) - تزايد وتيرة الحراك الجيلي وسرعة تنضيج وعي الصغار والشباب من الأجيال الجديدة التي عاصرت (1/132)
صفحة 86
ثورة المعلومات والاتصالات والدمقرطة مما يضغط في اتجاه التجديد الجيلي والتداول الجيلي على السلطة والقيادة ـــ على أساس الإدارة عبر الفريق والذكاء الجماعي ــ على المستويات المحلية والمركزية، خاصة لما أضحى يتطلبه الفعل السياسي من مهارات لا تكفي فيه القدرة الخطابية وكاريزما الشخصية والإنجازات البطولية لقيادات الجيل المخضرم من الأجيال الشبانية السابقة.
5) - تعقد العمل السياسي وتزايد تكاليفه المعنوية والمادية على المستوى الفردي والمحلي والوطني والدولي مما يتطلب تكوينا مستمرا للنخب السياسية وتعبئة للذكاء الجماعي الوطني والتقليل من نموذج الدولة الشديدة التدخل في التفاصيل والمشكلات الصغيرة لمواجهة تعقدية وتسارع وتيرة الأنشطة الإنسانية المتدفقة عبر الحدود الهلامية.
6) - انتشار ثقافة حقوق الإنسان ومفاهيم المواطنة والديمقراطية السياسية والتعددية السياسية، وتزايد المطالبة المجتمعية بالمزيد من الشفافية والشرعية والإدارة الديمقراطية للحكم والشؤون العامة بحيث تطالب بجهاز دولي فعال اقتصاديا.
7) -تزايد الأخذ بمبدأ النسبية الثقافية والتعددية الثقافية في بناء الجماعات المحلية والوطنية والتكتلات الإقليمية الكبرى لتلافي انفراط رابطة العقد الوطني ولتعبئة جميع الموارد البشرية الوطنية المتاحة بكافة ألوان طيفها بعيدا عن السياسات والنماذج المفرطة في التجانسية التنميطية للهوية الوطنية.
***
ب) - بعض مخاطر العولمة السياسية و (العولمة السياسية خاصة):
يمكن أن نوجز مجموعة من المخاطر والتغيرات السلبية التي تصاحب العولمة السياسية وهي كما يلي:
1) انهيار دولة الرفاهية الاجتماعية في ظل سيطرة أيديولوجيا الليبرالية الجديدة، وغياب طريق ثالث أو حلول بديلة مستقلة عن الفكر الأحادي السائد، (1/133)
صفحة 87
ما عدا محاولات محتشمة لما يسمى باقتصاد السوق التضامني / الإنساني وتجارب أخرى تعيش الحصار تستند إلى الأطروحة الاقتصادية الإسلامية.
2) أزمة تماسك الدولة الوطنية (الدولة الأمة) وابتذال سيادتها بسلطة التكنولوجيات القديمة والجديدة خاصة، وانكشافها الأمني (الاستخباراتي)، وانطماس الحدود بين الداخل والخارج (كثافة التفاعلات العابرة للأنساق الوطنية وتزايد الاعتماد المتبادل وتلاعب الأقوياء بالتبعية المتبادلة وتسارع عمليات التدويل)، اختراق القيم الأخلاقية والدينية والثقافية والتلاعب بها باستغلال التناقضات الداخلية وإعادة تكييف المنظومات والمؤسسات الاجتماعية والدينية والقانونية الوطنية تحت ستار الإصلاح والشراكة والتعاون.
3) التوظيف الذرائعي المصلحي التبريري والكيل بمكيالين إزاء قضايا حقوق الإنسان والديموقراطية.
4) تفكيك البنى الوطنية والتقليدية لحساب القوى الكوكبية بتأليب إحداها على الأخرى وضرب الاقتصاديات الوطنية عبر ضرب منظومة القيم.
5) تنامي نفوذ قوى العولمة من شركات كوكبية ولوبيات ضاغطة وحكومات ومنظمات نافذة وإمبراطوريات كوكبية (شموليات جديدة) اقتصادية، إعلامية علمية، خاصة تستخدم تكنولوجيات الفضاء والإنترنت ـــ التي تتجه إلى التصغير والإتاحة والشبكية والرخص ــــ للتلاعب بالبنيات العقلية والإدراكية والسيكولوجية وتعلب وتسوق قيم السوق الاستهلاكية عن بعد وتضبط الأجندات السياسية لشعوب بأكملها ـــ بحكوماتها ـــ وفق مشيئتها.
6) انتشار الجريمة المنظمة والفساد الاقتصادي والسياسي والرشوة الدولية والوطنية مما يضفي على النشاط السياسي في أي بلد حالة من الشك وعدم الثقة.
7) استحواذ البيروقراطية والتكنوقراط على القرار السياسي الوطني وتوظيف المعرفة والخبرة (1/134)
صفحة 88
التقنية والفنية في إدارة الأزمات والملفات بالتنسيق مع مثيلاتها دوليا بعيدا عن الرقابة الشعبية الوطنية والمحلية ديمقراطيا على قراراتها المصيرية.
كما أن هذا الوضع النخبوي الوطني في البلاد العربية الإسلامية متأزم، ومن مظاهر أزمته حالة الاختراق والاستتباع لأجزاء هامة من النخب الاقتصادية والإعلامية والسياسية والعلمية الوطنية، فأصبحت تشكل ـــ شعوريا أو لاشعوريا ـــــ تلك الفروع والامتدادات للنخبة البورجوازية الكوكبية التي تتلاقى مصالحها العابرة للقوميات (منتديات كرون مونتانا، ودافوس ومنظومة الأمم المتحدة ومنظومات الشركات المتعددة الجنسيات) بحيث تنقطع عن الهموم الوطنية وتنغلق في عالمها الخاص الوظيفي.
8) تزايد مخاطر خوصصة الدولة ــــ كمجال عام ــــ إلى جانب خوصصة الشركات العامة، على يد بعض النخب المتنفذة من مافيات المال والسياسة وتحويل قوى العولمة الاقتصادية للحكومات الوطنية إلى مجرد حكومات محلية تقوم بإدارة ملفات محلية عن طريق المناولة والشراكة والدبلوماسية الاقتصادية بحيث تحول الوطن إلى"مشروع شركة" على حد تعبير ضياء رشوان (1). وتحولت الحكومات إلى إدارات أعمال محلية للشركات الكبرى الدولية.
9) تزايد عمليات توحيد وتنميط وتدويل المقاييس والمعايير عبر العديد من المنظمات والتكتلات العابرة للقوميات التي تعد مجالا حيويا للتأثير والنفوذ الحضاري للخصوصية الغربية واتساع تلك العملية من المجال التكنولوجي، البيئي، العلمي، الاقتصادي إلى المجال السياسي والتربوي ـــ التعليمي، الإعلامي والديني مما يهدد الخصوصيات الوطنية والحضارات
__________
(1) انظر: ضياء رشوان، «الخطاب العربي الكوكبي الجديد وممارساته» (3من3)، «تحويل الوطن إلى مشروع شركة يدمر معنى الوطنية»، جريدة الحياة اليومية اللندنية. العدد 12585. 14 أوت 1997م. ص 07. (1/135)
صفحة 89
غير الغربية بالسحق الحضاري. ومن أمثلة ذلك الاتجاه دفع الولايات المتحدة الأمريكية بمشاريع «إصلاحية» للمنظومات التعليمية والدينية والثقافية إلى البلدان العربية تحت ستار مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه (خطة ابنة ديك اتشيني ــــ باول لدمقرطة مجتمعات الشرق الوسط).
10) سهولة استثارة النزعات الأقلياتية وصناعة الهويات الانفصالية عبر التوظيف الذرائعي المصلحي لثقافة حقوق الإنسان لتهيئة الأجواء للمزيد من النهب والاستحواذ على الثروات الوطنية التي أساءت بعض النخب المحلية إدارتها لصالح تنمية وطنية متوازنة ودائمة ناجحة لصالح الأجيال الصاعدة الجديدة.
11) ترهُّل الرابطة الوطنية وامتهان رموزها وتحول الخطاب الوطني إلى نوع من الضحك على الأذقان، وممارسة التضليل السياسي على الممارسات اللاوطنية واللاديموقراطية عبر انتشار لغة الخشب والرقابة على الفكر الحر والتضييق على الحريات الفردية والجماعية وتنامي القيتو الجهوي والطائفي وألوان من التعصب القبلي والعروشي واللغوي والمذهبي والأيديولوجي والحزبي الضيق كتعويض عن فشل الانتماء الوطني التنميطي الذي ساد خلال تطبيق نظم الحزب الواحد، وخاصة فشله في تحقيق المساواة والحريات والإشباع الكافي للحاجات الإنسانية الأساسية في الغذاء والصحة والتعليم والسكن ... بما يحفظ الكرامة الإنسانية.
ذلك أن الانتماء مُطمئن للقلق الأساسي، ومعزِّز للأمن مع الذات ومع الآخرين، ولا يترسخ الأمن إلا بالمقدار الذي تتكامل فيه حلقات الانتماء ويتسع مداها، لكن الأمن يضيق عندما تتأخر وتتصارع حلقات الانتماء وتبرز التناقضات بينها، تناقضات تغذيها قوى ذات طموحات ضيقة ومصالح ومآرب معينة في الداخل والخارج. فيصبح الانتماء في حلقاته الأضيق ــــ خلال الأزمات ــــ ملاذا للكثيرين ومنطلقا لتشكيل (1/136)
صفحة 90
قوى المعارضة السياسية التي يمكن في أيِّ لحظة أن توظف من قوى العولمة.
حيث إن مشكلة أزمة الانتماء الوطني ليس في الواقع ناتجة عن التمايزات الطبيعية المتأتية من التمايز في السن والكفاءة والجنس ومكان الميلاد، لأن التعددية والتنوع ثراء للذات الفردية والجماعية وليست تهديدا لها، إذ التمايز ضروري لإغناء الذات، ويُمكِّن من التكامل والتفاعل طالما أنه لا يشكل وسيلة لزيادة الامتيازات، ومن ثمة الإخلال بالعدل والمساواة مما يؤدي إلى تزايد الخلل والمظالم الاجتماعية ومنه إلى التباعد والتفكك فالانفجار إذا لم تتحرك قوى الاندماج السياسي ــــ الاجتماعي الإيجابي والوفاق الديموقراطي مع النفس ومع الآخرين ضمن الوطن الواحد (1).
12) صعود نفوذ وسلطة التكنوقراط والأدوكراسي / L'ah-docratie على حساب السياسة والسياسيين في تقرير مصير الحياة العامة للدولة ـــ الأمة. ومن هنا أطروحة نهاية السياسة وأزمة السياسة التي تتغذى ــــ من وجهة نظر الفلسفة السياسية ـــــ من فرضية نهاية الحداثة وبداية ما بعد الحداثة. إذ الأمر يتعلق بخفوت وهج السياسة وهامشيتها خاصة مع انتعاش الخطاب النيوليبيرالي مع العولمة الجارية منذ الثمانينيات الأخيرة وصعود التقنوقراطية الوطنية والدولية التي تدافع عن ضرورة استقلال المؤسسات الدولية عن السياسة لضمان فاعليتها في أداء وظائفها على أكمل وجه بعيدًا عن نزعة التمركز حول الذات التي تميز السياسة والسياسيين ... علما أن الخطاب التقنوقراطي يستند إلى مطلبين أساسيين:
__________
(1) انظر: د. نزار الزين، «إنماؤنا النفسي الوفاقي» محاضرة ضمن ندوة الدراسات الإنمائية بعنوان الإنماء والوفاق الوطني المؤتمر الوطني التاسع في 28ــــ29/ 03/1980 ببيروت لبنان تحت إشراف د. رياض الصمد ط1. 1401هـ/1981م نشر المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت. ص 59 ــــ 76. انظر الصفحات 72 ــــ 75. (1/137)
صفحة 91
أ) -إزالة الهالة عن السياسة وعن قدرتها الأسطورية الحالمة وتحويل وظيفتها إلى مجرد وظيفة تسييرية لأمور المدينة (الدولة).
ب) -التخفيف الأقصى من تأثير السياسة على المؤسسات المتعددة الأطراف. فالخبير كفيل بإيجاد الحلول والإجابة اللائقة تقنيا على المشكلات القائمة.
كما يرى الوظيفيون والبنيويون أن السياسة فقدت من جوهر وظيفتها بسبب تحكم الاحتكارات في الزمن العالمي، فالخيارات السياسية الوطنية تجد نفسها محكومة بمنطق الأسواق المالية المعولمة. وحتى من جهة السياسات الاجتماعية الوطنية نجد النخب الوطنية تتبنى استراتيجيات تضفي مرونة على سوق العمل والمنظومة الاجتماعية الموروثة عن الثورة الكينيزية ودولة الرفاهية الاجتماعية بهدف حفز الاستثمارات الأجنبية المباشرة للدخول إلى الأسواق الوطنية.
كما أن نهاية أزمة السياسة ترتبط بنهاية الإقليم الوطني ونهاية الدولة الأمَّة ونهاية الحدود بمفهومها التقليدي الذي طالما كان فضاء تنمو وتنتعش فيه الرابطة الاجتماعية الوطنية الواحدة، ذلك أن الإقليم طالما شكل المخيال السياسي للإنسان خلال القرون الثلاثة الأخيرة. لكن التبادلات والتدفقات والاتصالات المادية واللامادية العابرة للقوميات والحدود قد فجرت الهوية المتماسكة للإقليم الوطني ومن ثمة للوحدة الوطنية بمفهومها التنميطي الموروث عن التجربة الأوروبية منذ عصر الأنوار.
مما سبق نفهم كيف يحدث ابتعاد السياسة والسياسيين عن المواطن العادي بحيث تصبح السياسة مجالا وامتيازا تحتكره اللوبيات الوطنية المتحالفة مع اللوبيات والطبقات والهيئات الدولية الكبرى التي لا تعبأ بآراء ومواقف ومصالح المواطن المحلي والوطني كثيرا (1)،
__________
(1) Hakim Ben Hammouda, «Perspectives structurelles sur la Mondialisation», in: Bulletin du Cordesria. Dakar-Sénégal .. N°01. 2000. p30 - 39. surtout p31.
Voir aussi:
http://www.sas.upenn/african-studies/cordesria/codes-menu.html. (1/138)
صفحة 92
والتي باتت تشكل طبقة كوسموبوليتية كوكبية لها تقاطعاتها الأيديولوجية والمصلحية.
ومن هنا نفهم أيضا ـــــ حسب نظرية يورغن هابرماس حول السيطرة ــــ كيف تحدث أزمة الدافعية وهي أزمة تكامل اجتماعي تضاف إلى أزمة العقلانية التنويرية في المجتمعات الغربية الرأسمالية بالذات. وهي إحدى أزمات التكامل في النسق (النظام الاجتماعي عامة) ومصدر أزمة الشرعية حيث إن الدولة لا تصبح في هذا الوضع أداة للتوفيق بين المصالح المتضاربة لمواطنيها الذين تحكمهم ويصبح مبرر وجودها محل تساؤل وجدل.
وإذ يؤثر طغيان الدولة وزيادة سيطرة الطبقة التكنوقراطية، تلك السيطرة اللازمة لإدارة الأزمات، على وظائف الدولة وعلى فعالية الفعل السياسي، فإنه يؤثر على إضعاف دافعية الناس للمشاركة السياسية مشاركة فعالة في النظام على أي وجه من الوجوه. بل إن الملاحظ هو تراجع الدافعية عن المشاركة في الحياة العامة عموما (1).
إذا كانت أزمة الدولة ــ الأمة في المراكز الغربية حقيقة تشهد بها القوى المناهضة للعولمة داخل الغرب نفسه، وتشهد بها الدراسات الأكاديمية ـــ مثلا دراسات يوغان هبرماس الاجتماعية النقدية ـــــ التي تنبه على وقوع الدول الوطنية والديمقراطية الغربية والرأسمالية البورجوازية رهينة قوى إنتاجية متطورة متمركزة بيد أقلياتية ذات روابط شبكية كوكبية تتذرع بسلطة بيروقراطية وإيديولوجيا بورجوازية تقنوية علموية شمولية قمعية ذات بنيات معرفية تعمل مستقلة عن الأهداف والغايات العليا التي رسمت لها ابتداء فأضحت بلا مبرر أخلاقي إذ هي بعد أن سيطرت على الطبيعة تسعى إلى بسط سلطتها على الإنسان كنوع.
__________
(1) إيان كريب، تر: محمد حسين غلوم، النظرية الاجتماعية من بارسونز على هابرماس، العدد 244 من سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. ذو الحجة 1419هـ/ أفريل 1999م. ص357 - 359. (1/139)
صفحة 93
وهنا تبرز أهمية وأولوية التنشئة السياسية. فأي تعريف لها وما هي أهدافها ومستلزماتها علما بأننا نعيش في مجتمعات تعاني أزمات هيكلية وقيمية عديدة.
***
ثالثا: التنشئة السياسية:
تعريف وأهداف ومستلزمات
إنَّ التنشئة السياسية في أبرز تعريفاتها هي: «تعليم القيم والتوجهات السياسية بواسطة أدوات التنشئة كالأسرة والمدرسة وجماعات الأصدقاء ووسائل الإعلام [والجمعيات والنقابات والأحزاب وغيرها]، وهي العملية التي يتم من خلالها نقل الثقافة السياسية للمجتمع من جيل إلى جيل، وترتبط كمفهوم بمفاهيم أخرى مثل الشرعية والهوية والولاء والمواطنة، وتهدف لتحقيق الاستقرار في العلاقة بين الشعب والدولة» (1).
وتتحقَّق أهداف التنشئة السياسية باستبطان الفرد للقيم السياسية السائدة في المجتمع والعالم الذي أصبح قرية اتصاليا، ومن هنا إدراكه لمعاني الحق والعدالة والخير والشر والحوار والصراع.
ونظرا لأهمية التنشئة السياسية كمدخل أساسي من مداخل عملية التنمية الشاملة، فإني أعتقد أن الخروج من أزمة التنمية الشاملة ومنها أزمة التنشئة السياسية التي تشهدها مجتمعاتنا يتوقف على كفاءة عملية إصلاح النظام الوطني والعربي والإسلامي التي تتوقف على مستوى النسق الكلي على حل حقيقي وجذري لأزمات ثلاث كبرى هي: أزمة الهوية والتعايش والقيم، وأزمة الشرعية وبناء المؤسسات ودولة القانون، وأزمة التنمية والتحديث.
لكن ينبغي التأكيد على أن أول خطوط المواجهة الجديدة في ظل طوفان العولمة الجارف يكمن في إصلاح الداخل، بتمتين حدودنا من الداخل، ابتداء من الإنسان ـــ الفرد إلى الإنسان ـــ الجماعة، من الحارة
__________
(1) هبة رؤوف عزت، المرأة والعمل السياسي، رؤية إسلامية، رسالة ماجستير مطبوعة، صادرة عن دار المعرفة. الجزائر. 2001. ص206 ــــ207. (1/140)
صفحة 94
والحي إلى البلدية إلى الولاية إلى الجهة إلى الوطن، ومنه يمكن أن نأمن على أجيالنا الجديدة السباحة في أمواج العولمة العاتية.
لذا فإن توفير بعض مستلزمات التنشئة السياسية في ظل التغيرات المذكورة يتطلب إقامة التنمية السياسية المحلية والوطنية والمغاربية والعربية ... ابتداء من مدخلها الرئيسي وهو مدخل التنشئة السياسية للأجيال الجديدة. على أن تضطلع كل خلية اجتماعية بمهمتها في التنشئة ابتداء من الأسرة إلى الروضة إلى المدرسة إلى الجامعة إلى المسجد على مؤسسات الإعلام إلى الأحزاب إلى البرلمان إلى البلدية إلى الولاية إلى النقابات إلى الجمعيات إلى مؤسسة الخدمة الوطنية إلى مؤسسة الجيش وغيرها. ومن تلك المستلزمات نذكر ما يلي:
*- تكييف منظوماتنا الوطنية المعنية ـــ مباشرة أو بشكل غير مباشرـ بالتنشئة السياسية أن تؤكد أي عملية تنمية على مجموعة من البدائل والخيارات الجديدة ضمن أولوية تعزيز منظومة القيم الثقافية والأخلاقية التالية وهي قيام التنشئة السياسية والتنمية الشاملة عامة على:
أ) -الحرية بديلا عن النزعة التسلطية.
ب) -المعرفة بديلا عن الامتلاك المادي.
ج) -العمل عوضا عن الحظوة من السلطة والمال.
د) -العمل الجماعي عوضا عن الانفرادية.
هـ) -حرية المرأة ـــــ في حدود القيم والضوابط الشرعية ــــــ بديلا عن تسلط الرجل.
و) -المؤسسات بديلا للفردية.
ز) -الإبداع عوضا عن الاتباع.
ح) -التعاقد الاجتماعي بديلا عن الولاءات الضيقة.
ط) -الكفاءة بديلا للمحسوبية (1).
__________
(1) راجع التقرير العربي حول التنمية الإنسانية، لسنة 2001م الصادر عن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية تحت إشراف الدكتور نادر الفرجاني. أنظر التقرير المنشور كاملا - بفصوله الثمانية وملاحقه الثرية- على موقع الإنترنت التالي:
http://www.undp.org/rbas/ahdr/abychapter.htm (1/141)
صفحة 95
*- تجسيد القائمين على شؤون الحكم للقدوة السياسية والأخلاقية العملية لا الخطابية في التصدي للشؤون العامة باعتبار هذا أول شروط التعليم السياسي للأجيال الجديدة، وهذا شرط أساسي لتجسيد فكرة الحكم الصالح. وذلك لحماية الأجيال الجديدة من آفات: الكذب السياسي وأشكال من الرشوة والزبونية والنفعية والمحاباة والمحسوبية والعنصرية والتعصب والخيانة والغدر والأنانية السلبية والوصولية والانتهازية والنفاق والتملق والانهزامية وعبادة الأشخاص ...
*-فهم ديناميكية العولمة بمفارقاتها وفرصها ومخاطرها وتطوير سياسات لإصلاح منظوماتنا الاجتماعية المحلية والوطنية والأسرية، كما بيناه أعلاه.
*-ضبط القيم الأساسية المرجعية التي يقيم عليها النظام السياسي ـ الاجتماعي تنميته المستقبلية بحيث تقام التنشئة السياسية (إدارة العنف الاجتماعي رمزيا / التربية = إدارة العنف سلميا) على قيم الإسلام المعتدل وقيم الوطنية المعترفان بالخصوصيات والناشدان للعالمية والقيم الإنسانية السامية التي تكرم الإنسان بلا تمييز مطلق وتروم إسعاده عبر الحوار السلمي والديمقراطية الشاملة الحقة ونشدان الوحدة والائتلاف في ظل التسامح والتعدد.
*-إدراك أهمية المشاركة السياسية ومنها العمل السياسي من منظورهما الإسلامي الذي يتلخص في ما يسمى في فقه السياسة الشرعية بالواجبات العينية والكفائية. ويعد مفهوم «العمل» أحد أهم المفاهيم القرآنية الأساسية، مرتبطا بمفاهيم الإيمان، التقوى، الاستخلاف، الابتلاء، الشكر ... فجعله الله شرطا من شروط الإسلام وسببا في الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، وعليه بنى الله الجزاء والتفاضل بين العباد في الدرجة والمنزلة لا على النسب والقومية والجنس. وينقسم الفعل التكليفي إلى خمسة: واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح. وينقسم الواجب إلى عيني وكفائي: فالعيني هو ما طلب الشارع (1/142)
صفحة 96
فعله من فرد من الأفراد المكلفين ولا يجزئ قيام مكلف به عن آخر. وأما الواجب الكفائي فهو ما طلب الشارع فعله من مجموع الملكفين لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض الملكفين فقد أدى الواجب وسقط الإثم والحرج عن الباقي، وإن لم يقم به أي فرد من الأفراد أثموا جميعا بإهمال الواجب. ويختلف الواجب الكفائي عن الواجب العيني في أن الأول هو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين، لا من كل فرد منهم، لأن مقصود الشارع حصوله في الجماعة ... فالطلب في هذا الواجب منصب على إيجاد الفعل لا على فاعل معين.
ومن أمثلة الواجب الكفائي:
الجهاد والقضاء والإفتاء والتفقه في الدين وأداء الشهادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1) وإيجاد الصناعات والحرف والعلوم التي تحتاجها الأمة وإعداد القوة بأنواعها وغيرها مما يحقق مصلحة عامة الأمة.
والمهم هنا هو أنه إذا تعين فرد لأداء الواجب الكفائي كان واجبا عينيا عليه. والمحك هنا ليس في الكم وإنما كفاية غرض وقصد.
وضمن هذه الواجبات الكفائية يدخل العمل السياسي فهو إما فرض عين كالبيعة والشورى العامة، أو فرض كفاية كالجهاد والولايات العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2).
وإذا كان تعريف «السياسة» في علم السياسة الغربي هو «فن الممكن» و «فن التلاعب بمتغيرات القوة»، أي هو مفهوم يستبطن قيم الصراع والتكيف والحلول الوسط وتحكيم العقل والواقع، فإن مفهوم «السياسة» في علم السياسة الإسلامي هو «القيام على الشيء بما يصلحه»، أي أن السياسة حسب تعريف ابن عقيل الحنبلي في كتابه (الفنون)، هي: «ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى
__________
(1) (*) إنَّ النهيَ عن المنكر فرضُ عينٍ على كلِّ من رأى منكرًا، وليس فرض كفاية، فالرسول ربيع ثان يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره ... » (الحديث)، و «من» تفيد العموم. [المُراجع، هيئة التحرير].
(2) هبة رؤوف عزت، مرجع سابق. ص 87 ـــ 95. (1/143)
صفحة 97
الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي» وقد جاء قوله هذا معقبا على قول شافعي ادعى فيه أنه: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع»، فإن أردت بقولك «إلا ما وافق الشرع» أي «لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح. وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة» (1).
إذًا تعريف السياسة في المنظور الإسلامي يعني في النهاية: «إصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة»، مستبطنا قيم تكريم الإنسان والعدل، وهو تكليف عام كفائي يخاطب به جميع أفراد الأمة.
إن جوهر المسألة الأساسية في التنمية السياسية وفي العمل الإسلامي هو ضرورة انضباط المتصدين للعمل السياسي بأحكام الشريعة وأخلاقيات الإسلام ومراعاة مقاصد الشريعة والمصالح المرسلة وفقه الموازنات وفقه الأولويات وفقه مراتب الأعمال وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقه الاختلاف وفقه السنن، بالإضافة إلى ضرورة الاطلاع على القوانين الحاكمة للدولة الوطنية الحديثة ومنطق عملها في ظل علاقات دولية متعولمة.
ويرتبط العمل السياسي بالمسؤولية الفردية، فهو واجب شرعي مطلوب من الجميع إما على وجه العينية أو الكفائية. فالعمل السياسي ليس سنة ولا نافلة ولا تطوعا بل فريضة تتأسس على مفهوم الاستخلاف الذي هو مصدر الالتزامات الإيجابية والسلبية التي تقع على عاتق المسلم ذكرا وأنثى "القادران" = اشتراط القدرة والأهلية.
وكما أن المشاركة السياسية والعمل السياسي مسؤولية فردية فهو مسؤولية جماعية تضامنية، إذ على غير المتفرغين للعمل السياسي إعانة المتفرغين له وإعانة الدولة التي يناط بها ببعض الفروض كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الواجب على الأمة مراقبة الحكومة
__________
(1) يوسف القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط01. 1421هـ/ 2000م. ص 32. (1/144)
صفحة 98
وأجهزتها ورجال السياسة وحملها وحملهم على القيام بالواجبات الكفائية وإلا أثمت الحكومة وأثمت الأمة. لأن وجوب العمل السياسي يدخله ضمن مفهوم «الواجب» و «الأمانة» و «المسؤولية الفردية والجماعية» وليس فقط تحت مفهوم «الحق» الذي يستعمله البعض للتمسك بحقهم في الإعراض عن المشاركة السياسية في كثير من الدول العربية والإسلامية متسببين بسلبيتهم في استمرار أزمة الشرعية.
*- الفصل النهائي في مسألة الجدل حول الهوية الوطنية بتنشئة الأجيال الجديدة على اكتشاف الآخر والمعرفة والتعارف والاعتراف على حد قول المفكر علي يحيى معمر. فالجزائريون يحملون عن بعضهم البعض العديد من الصور النمطية التمييزية والكليشيهات الراسخة منذ آماد سحيقة في الذاكرات الجماعية والثقافة الشعبية والتي تُوَرِّثُ للأجيال الناشئة ألوانا من الكراهية للآخر والتبرم من التنوع والاختلاف واعتباره تهديدا للأنا المحلية أو الوطنية. وهذه من مهام الأسرة والمدرسة والإدارة والأحزاب والخدمة الوطنية وغيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية.
*-تصحيح أخطاء التفكير الشائعة والقاتلة في تربيتنا الأسرية والاجتماعية والسياسية عموما، والتي تنعكس على مستوى تنميتنا ومشاركتنا السياسية التي لم ولن تتماشى مع مستلزمات ومقتضيات بناء مجتمعات المستقبل أي مجتمع المعلومات، منها:
ضعف التفكير العلمي والمنهجي، التعميم الخاطئ، الربط الخاطئ، الميل إلى الراديكالية والغلو والتطرف، القطع في الظنيات أو الأمور الاحتمالية، المبالغة في التبسيط، النظرة الأحادية، افتراض خيارين لا ثالث لهما، الخلط بين الآراء والحقائق، التعامل الخاطئ مع الأخبار من خلال الخلط بين الرواية والتقويم ومن خلال تأثير العاطفة على قبول الخبر ورفضه، الاعتراض بالمثال، الغلو في اعتقاد المؤامرة، الجهل بأساليب التخطيط والبرمجة (1/145)
صفحة 99
والاستشراف والتطلع إلى مستقبلات بديلة للخروج من مآزق الحاضر وتجاوز مستقبلات متشائمة، افتقاد العلاقة الصحيحة بين الأسباب والنتائج، تأثير الخبرة الشخصية المحدودة، الدفاع عن واقع المجتمع، تضخيم الانحراف والفساد، الانشغال بالمصالح الخاصة، الانشغال بالنقد على العمل، انتظار البطل والمخلص القادم ... الخ
*-التنشئة على مبدأ تحمل المسؤولية وعدم التهرب من تحمل تبعاتها بدل تحميل المسؤولية وتلفيقها للآخرين، وذلك بتنمية ثقافة الاعتذار والاستقالة والتنازل والاعتراف بالخطأ والتقصير عند تأكد حدوثه حتى لا تتكرر الأخطاء وتقل الفضائح المتعلقة بالحق العام.
*-الاهتمام المبكر بالإدراكات السياسية للناشئة من خلال المناهج المدرسية التي ينبغي أن تتضمن قيم الشورى والديمقراطية وقيم التسامح والأخوة والصدق والوفاء والوطنية الصادقة وغيرها من القيم الاجتماعية والسياسية العالية.
*-ضرورة تكامل أدوار الأسرة ومؤسسات التنشئة السياسية الأخرى في ترقية الوعي لا تزييفه، وربط الفرد بهموم وطنه وأمته وهموم الإنسانية جمعاء.
*-بناء إنسان مشارك مبادر يقدم المصلحة العامة على الخاصة إذا تعارضتا، ويفرق بين المجال العام والخاص لممارسة الحقوق والمسؤوليات دون خلط مع الاستعداد للدفاع عن الوطن وحمايته من أنواع الفساد والظلم الاجتماعي عبر تقديم ثقافة أداء الواجب ـــ على حد تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي ــــ لأنه بأدائها تتحقق الحقوق تلقائيا.
*- التنشئة على مقتضيات فكر عصر المعلومات والعولمة. فمما ينبغي أن تتخلص منه منظومات التنشئة عامة تلك الخصائص النمطية للفكر السائد في الوطن العربي بالعمل على غرس الخصائص النمطية للفكر والثقافة التي يتطلبها عصر المعلومات والعولمة، كالتفكير الابتكاري بدل التقليدي، والمفهومي بدل السطحي، والخلافي (1/146)
صفحة 100
بدل الدوغماتي، والنقدي التفنيدي الإبداعي بدل الاستسلامي الاتباعي الإمعي، والعلمي السنني بدل الخرافي المصادم للسنن، المنظومي بدل الدمجي، الاستشرافي البدائلي بدل الماضوي والحاضري الأحادي الحتمي، الحدسي بدل القاطع، المبادر بدل السلبي، الجماعي أو الفريقي بدل الفردي الأناني، العولمي بدل المنغلق على المحلي، الحوسبي بدل السردي، التواصلي بدل الانطوائي، التوليدي بدل فكر التذرع بالأمثلة لإبداء المعارضة لأي فكرة جديدة، ... الخ.
*-ضرورة التحديد والفهم الصحيح لجملة من المفاهيم الإسلامية الأسرية والاجتماعية الدالة على العلاقة السلطوية مثل مفاهيم: القوامة والشورى والديمقراطية والوطن والشهادة والمواطنة والالتزام والمسؤولية والحرية والقانون و الشريعة والأمانة والأخوة العالمية (1). ونصرة المظلوم والتكامل والتدرج في التغيير والعفو والاعتذار والقيام بالواجبات مع المطالبة بالحقوق والتعاون ... وغيرها من المفاهيم والقيم.
*- نشر الثقافة السياسية الإسلامية الصحيحة في أوساط الشباب من غير غلو ولا تعصب، والانفتاح العقلاني على الثقافات والأديان من غير كراهية للآخر لأنه آخر. وهنا يؤكد واقع التنشئة
__________
(1) (*) الأخوة بمفهومها الشرعي هي أخوَّة الإيمان، {9999999 الْمُؤْمِنُونَ • 9999999}. إمَّا مصطلح «الأخوَّة العالمية» فهو من آثار العولمة والأمركة، فالمنطلق العقيدي هو: {999999 كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا 9 لَا يَسْتَوُونَ 9999}، هذا مبدأ أساسيٌّ، وهو لا يتعارض مع مبدأ إحسان المسلم لأخيه الإنسان {8888888888 لِلنَّاسِ 8888888} ما لم يقع الاعتداء، {99 يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ 9 إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ 9 وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 999}، فالأخوة بمفهومها الشرعي العقيدي لا يستحقها إلا المؤمن. [المُراجع، هيئة التحرير]. (1/147)
صفحة 101
السياسية في مستوياتها المختلفة عندنا على غياب البعد الحضاري الذي يستهدف إعداد إنسان تتشكل علاقته بالخالق والكون والحياة الدنيا والحياة الآخرة والبشر طبقا للرؤية الإسلامية الصحيحة المتزنة. وهذا يتوقف بدوره على حل المشكلات الحيوية الأساسية للأجيال الجديدة المتعلقة بالتعليم والشغل والسكن والزواج وإلا كانت الشروط الموضوعية متوفرة لتفريخ السلوك السياسي المتطرف.
*- تطوير الإعلام السياسي الشباني نحو المزيد من التفاعلية والمباشرة بما يثقف فكره ويحرر عقله ويخلّق سلوكه ويهذّب ذوقه بدل ما تشهد مثلا جل أكشاكنا وقنواتنا الفضائية من غزو لصحافة الإثارة والميوعة والعنف الجنسي والغناء والرقص الماجن.
*- استعادة مكانة الطبقة المتوسطة في المجتمع لدورها الأساسي في رفع سقف الثقافة السياسية للطبقات الدنيا ولدورها في التقريب بين الطبقات وزيادة التماسك الاجتماعي ورفع نسبة المشاركة السياسية وتفعيل منظمات المجتمع المدني لتجسير الفجوة بين النخب السياسية المعزولة عن المجتمع العام ...
*- تنمية أهمية بناء مجتمع وثقافة "الوحدة في ظل التنوع والتعدد" السياسي، الثقافي، الحزبي، الفكري، اللغوي، الحضاري ...
*- ترقية ثقافة التداول على السلطة والعمل الجماعي ضمن فريق بعيدا عن الأنانية أي بعيدا عن ظواهر تضخم الذوات واستفحال الأنوية أي التمركز حول الذات.
*- إقامة المنظومة التعليمية على أسس تنمي الإبداع والابتكار والعصامية في التكوين وتحويل العلاقة أستاذ ـــ تلميذ أو طالب إلى علاقة شراكة لا علاقة تبعية وأبوة ووصاية. وأيضا التوقف عن طرق التلقين والحفظ عن ظهر قلب وترديد المعلومات وإملاء المعارف في ظل اكتساح الذاكرة الصناعية والعقول الصناعية لعالم المعرفة، مع إهمال العناية بقدرات الطالب على التحكم في زمام المعرفة. (1/148)
صفحة 102
فبدل تعليم يغلب عليه أسلوب التركيز على تكديس المعلومات وأكوام متفرقة من الحقائق لا رابط بينها، بغرض استعادتها عند الطلب، فإنه ينبغي التركيز على التعليم بالأهداف ينتهج أسلوب تعليم مهارات التعلم الذاتي والتعلم للتعرف وللعمل ولتحقيق الكينونة ولمشاركة الآخرين. لأنها الطريقة التي تتماشى مع عصر المعلومات والتفاعلية بين الآلة والإنسان. أما الطريقة الأولى فمن نتائجها على السلوك الفردي والاجتماعي تكريس الاعتماد على الآخرين، بينما التفكير فعل مستقل، والعمل الاجتماعي ــ ومنه العمل السياسي ــ فعل مُنبَنٍ على الوعي المستقل بالذات وعلى المسؤولية الشخصية إزاء المشاركة في تقرير المصير ولا يتنافى هذا مع الالتحام بهموم الأمة والمجتمع الصغير والكبير.
كما أنَّ التعليم القائم على الحفظ تعليم يدرب على الاعتماد على السلطة والخضوع للأمر الواقع وإعادة إنتاج النماذج السلطوية القائمة وتغييب الفكر النقدي، وتضخيم الفكر النقلي، وهي طريقة صالحة فقط لصناعة الأتباع والمُتَكفَّل بهم وغير المستقلين في شخصيتهم. إنه تعليم لا يراعي الاختلافات والفروق بين الناشئة والمناطق والثقافات ويشجع على الامتثالية والتجانسية والجماعية ويؤكد على المركزية بدل اللامركزية، وعلى القيم الأحادية بدل قيم التنوع، وعلى الجماعية بدل التوازن بين الجماعية والفردية، وعلى الطاعة والاتباع بدل الاختيار الحر ...
خلاصة القول: من خلال ما سبق يمكنني القول إن العمل السياسي من الفروض الكفائية التي تظل مجتمعاتنا ـــ ومنها مجتمعنا المحلي ــــ مقصرة في العناية به سواء من خلال مدخلاته فضلا عن مخرجاته. وتعتبر التجربة الديمقراطية الصاعدة في بلادنا فرصة لأجيال الغد للتدرب على القيادة السياسية والتكوين السياسي في التنظيمات المختلفة مع اشتراط التركيز فيها على الالتزام بالثوابت الكلية للإسلام والوطنية والقيم الإنسانية والانتصار للمصلحة العامة، كلما حدث الخلط بينها وبين متغيراتها. (1/149)
صفحة 103
(موقف سكَّان وادي مزاب
من التجنيد الإجباري في الجيش الفرنسي (ما بين 1912 و 1925) (*)
بالحاج بن باحمد ناصر
باحث ـــ ماجستير تاريخ
(1) عرفت الجزائر مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, نهضة وحركة وطنية ظهرت بأشكال جديدة واعتمدت أساليب مختلفة, حيث تحولت تدريجيا من العمل العسكري إلى العمل السياسي تحت تأثير العديد من العوامل، لاسيما قضية التجنيد الإجباري الذي أرادت الإدارة الفرنسية فرضه على الجزائريين, والذي يضاف إلى القوانين الاستثنائية التي كانت تثقل كاهلهم، وعلى رأسها: قانون مجلس الشيوخ، قانون الأهالي, المحاكم الرادعة, وغيرها.
وقبل ذلك كله فإن التجنيد الإجباري في الجيش الفرنسي يُنافي عقيدة الجزائريين المسلمين, إذ يُجبرهم على القتال تحت علم غير إسلامي, ليحاربوا إخوة لهم في الدين, كما أنه يناقض اتفاق 05 جويلية 1830 الذي نص على احترام فرنسا الكامل للدين الإسلامي والقوانين والأعراف الجزائرية.
وقد عبر أغلب الجزائريين ومن بينهم سكان وادي مزاب عن رفضهم للتجنيد الإجباري بأشكال عديدة وهي: المظاهرات الشعبية والعرائض والوفود، وكتابة المقالات الصحفية.
__________
(1) (*) لأكثر تفاصيل انظر: بالحاج ناصر، موقف سكان وادي ميزاب من التجنيد الإجباري 1912 ــــ 1925، مذكرة ليسانس في التاريخ المعاصر، مرقون، إشراف الدكتور حباسي شاوش، جامعة الجزائر، السنة الجامعية 2000 ــــ 2001. (1/150)
صفحة 104
1 - فرض التجنيد الإجباري وبداية معارضة المزابيين:
بعد إصدار السلطات الفرنسية لمرسوم 03 فيفري 1912، الخاص بتجنيد الأهالي الجزائريين في الجيش الفرنسي، تعالت أصوات المعارضة والاحتجاج من مختلف المدن الجزائرية، فبعض الأهالي سلكوا مسلك التظاهر إلى حد الشغب والبعض الآخر بعث بالوفود، وبعضهم لجأ إلى الجبال والمناطق النائية، وآخرون هاجروا البلاد كلية هروباً من نير التجنيد. وما كان من السلطات الفرنسية إلا أن استعملت القوة والقسر لاقتياد الشبان الجزائريين المعنيين بقانون التجنيد (أي البالغين سن الثامنة عشرة سنة) إلى الثكنات العسكرية.
أمَّا منطقة وادي مزاب فالأمر لم يكن يعنيها بعد، ذلك أن مرسوم التجنيد كان يخص الإقليم المدني فحسب (المناطق الشمالية من الجزائر)، لكن المرسوم كان يمس أبناء المنطقة المستقرين في مدن الشمال لأنه ينص في المادة الثامنة منه على ما يلي:
«يسجل على قوائم الإحصاء لكل بلدة أو قرية الأهالي الجزائريون البالغون سن الثامنة عشر غير المولودين بها، شرط أن يكونوا مقيمين بها منذ أكثر من سنة».
وهذا يمسُّ عددا كبيرا من المزابيين المستقرين في مدن الشمال ــــ على عادة أجدادهم منذ القديم ــــ قصد التجارة التي يعتمدون عليها أساسا في كسب قوتهم وقوت أهليهم الذين يتركونهم في بلادهم القاحلة. وبهذا بدأت معارضة المزابيين للتجنيد الإجباري، فشرعوا في تهريب أبنائهم البالغين سن التجنيد من مدن الشمال إلى الجنوب بعدما لم يجدوا خيارا غير العودة إلى بلادهم وهم مكرهون على ترك مصدر رزقهم الأساسي، ومن خلال الوثائق التي اطلعنا عليها في مكتبة الأستاذ الباحث حواش عبد الرحمان بغرداية، اكتشفنا وجود تنسيق كبير بين قصور وادي مزاب وبين أعيان المزابيين في شمال البلاد لهذا الغرض، وهنا يبرز أحد أعيان قصر بني يزقن بنشاطه الحثيث في هذا المجال وهو زكريا زكري بن سعيد الذي كان لعدة سنوات محور معارضة المزابيين (1/151)
صفحة 105
للتجنيد الإجباري، ففي أواخر سنة 1912 تنقل إلى باريس على رأس وفد ممثل لسكان وادي مزاب والتجار في مدن الشمال، وكان الوفد متكونا من السادة: الحاج بكير بن حاج قاسم، يحيى بن قاسم، والحاج محمد بن حمو بوجناح، واتصل هؤلاء بمن سبق لهم التعامل والتنسيق معهم من محامين وغيرهم من رجال القانون الفرنسيين أمثال المحامي هنري مورنارد ( Henry Mornard)، وقابلوا وزير الداخلية وسلموا له العريضة باسم سكان وادي مزاب والتجار في الشمال في ديسمبر 1912.
2 - وادي مزاب خلال الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918):
لم تكن منطقة وادي مزاب خلال الحرب العالمية الأولى معنية بأمر التجنيد لأنها كانت من مشمولات الإقليم العسكري (الجنوب الجزائري)، لكنها كانت بالمقابل ملجأ الفارين من التجنيد والثائرين على فرنسا مثلما يؤكده هذان التقريران الإداريان:
أولا: تقرير الحاكم العام لوتو ( Lutaud) الذي وصف حالة الجنوب كله في تلك المرحلة بقوله: «( ... ) لقد كانت باقي مناطق الجنوب تدين بولائها لنا بشكل واضح، ( ... ) وهو ليس حال غرداية التي صيَّرها المزابيُون بؤراً للعناصر الثائرة والخطيرة، ومصدراً للأخبار السيئة فقط (1). فرغم عدم قدرتهم على مواجهتنا مباشرة بالسلاح إلاَّ أنهم يشكلون خطراً غير مباشر علينا، لذلك لا بد من فرض عقوبات وقيود جدُّ صارمة وقاسية تجاه العناصر المعادية لنا بتلك المنطقة للحدِّ من تنقُّل العدوى الثورية إلى المناطق المجاورة. وربَّما قد تنامت هذه الروح العدائية لنا بعد زيارة السناتور التركي سليمان الباروني في جوان 1914، الذي ترك في المزابيين آثاراً بليغة جدا» (2).
__________
(1) هنالك تقارير عديدة في أرشيف ما وراء البحار بفرنسا تؤكد الدور الذي كان يلعبه الميزابيُّون في تمويل وإيواء الثوار. (للمزيد انظر: Carton 22h 25).
(2) Bruno Charles Dominique, La Propagande Anti-Française au M'zab au Début des Années 1920, Mémoire de Maîtrise d'act., U. de Provence, Aix-Marseille, 1988, P.26. (1/152)
صفحة 106
ثانيا: تقرير السيد جونار ( Jonnar) الذي جاء فيه ما يلي: «شهدت هذه السنوات فوضى وإجراماً خطيراً، ممَّا أدى إلى أزمة سنة 1918، فرغم وسائل القمع الشديدة، إلاَّ أن مزاب كان دائماً في الواجهة بسبب مشاكله الخاصة والمتميزة، فعلى خلاف المناطق المجاورة التي أظهرت ولاءها لفرنسا، كان المزابيون متعنِّتين ومتمسِّكين بمواقفهم تجاه السلطات الفرنسية، خاصة في قضية التجنيد الإجباري، ( ... ) فلما أرادت الإدارة الفرنسية في سبتمبر 1918، أن تجنِّد أبناءهم أبدت جماعاتهم رفضها وتحفظها تجاه القضية» (1).
3 - انطلاق عمليات التجنيد في وادي مزاب ومعارضة السكان لها:
أصدرت السلطات الفرنسية في شهر ديسمبر من عام 1918، أمراً يقضي بتجنيد 238 شاباً من منطقة غرداية لدفعة سنة 1919، وتركت أمر إحصائهم للقياد، الذين حددوا بدورهم يوماً لإجراء القرعة، وأعلنوا قائمة الشبان المعنيين بالجندية في 01 جوان 1919، وأرسلوا لهم أوامر الحضور إلى الثكنة في اليوم المحدد. لكن لم يلتحق أي شاب في الموعد (2)، وهو ما اعتبرته الإدارة الفرنسية تمرداً صريحاً، يستوجب التدخل، وأول إجراء قامت به هو اعتبارها هؤلاء الشبان الفارين من التجنيد، متمردين على الحكم، وهو ما يخول لها تسليط عقوبات قانونية صارمة عليهم. في حين كان هؤلاء الشبان، يتنقلون بين مختلف مدن التل، هروبا من التجنيد، وهو ما دفع بالحاكم العسكري لمقاطعة غرداية إلى أن يرسل تقريراً إلى الحاكم العام آنذاك آبيل ( Abel Jean Baptiste) (3) يخبره فيها بحقيقة الوضع بالمنطقة.
ومع مرور الوقت، تطورت قضية التجنيد الإجباري في وادي مزاب الذي رفض أهاليه أن يخضعوا لقانون 3 فيفري 1912، فدخلت القضية
__________
(1) Bruno Ch. D., op. cit., P. 206.
(2) Haouache, B. : Le Conscription des Indigènes Mozabites Par Le Décret de 03 Février 1912, Mémoire de D.E.A Université de la Sorbonne, Nouvelle Paris, 1993, P 52.
(3) آبيل: هو حاكم الجزائر العام من 31/ 07/1919 لغاية 28/ 07/1921. (1/153)
صفحة 107
مكاتب مجلس الحرب في العاصمة، ليفصل في وضع بعض الشبان الموقوفين في حالة هروب من الجندية، لكنه وجد أن الفصل في هذه القضية صعب جداً، بسبب عدم وضوح حالة سكان وادي مزاب من الناحية القانونية، وبالتالي فقد عجز عن إصدار أي حكم تجاه هؤلاء الشبان، فترك الأمر معلقاً.
وفي نفس الأثناء، تعددت الاجتماعات بوادي مزاب، مثل ذلك الاجتماع الذي نظم ببني يزقن بزعامة قاضي البلدة الحاج محمد بن الحاج حمو يدر في 19 مارس 1921 لمناقشة تطورات الأمور مع جماعة من وجهاء البلدة. وفي 25 من نفس الشهر (مارس) اجتمع كافة أعيان مدن مزاب السبع، لدراسة عدة قضايا أهمها دراسة تطورات قضية التجنيد الإجباري في المنطقة، خاصة وأن الإدارة أصبحت تستعمل القوة والزجر في اقتياد الشبان إلى الثكنة لإجراء عملية القرعة، وبالتالي تجنيد الحصة السنوية المطلوبة قسراً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد ناقش المجتمعون قرار 5 مارس 1921 الخاص بتطبيق مرسوم 03 فيفري 1912، في مناطق الحكم العسكري (الجنوب) (1). لكن الهدف الأول للاجتماع، كان محاولة تحرير عريضة مطالب، لتقديمها إلى الحاكم العام، الذي كان من المقرر أن يزور المنطقة في نهاية الشهر، ولكن الزيارة ألغيت لظروف خاصة.
لقد كان سكان وادي مزاب مستعدين للتضحية بأي شيء من أجل إعفائهم من التجنيد الإجباري، بل وكانوا متحمسين لإيصال قضيتهم إلى أعلى الهيئات في الدولة الفرنسية.
لكن في يوم 01 جويلية 1921 أعلم كافة قياد وادي مزاب أن الحصة المقررة لدفعة 1921 هي (150) رجلاً ولابد من تقديم هذا العدد قبل نهاية نفس العام، وهو الأمر الذي دفع بالقياد إلى الضغط على العشائر لتقديم العدد اللازم من المجندين، فجُنِّد سنة 1921 واحد وعشرون شاباً لكن بصيغة التعويض، وقبل نهاية السنة تم تجنيد ستَّة وثلاثين بنفس الصيغة.
__________
(1) Bruno Ch. D., op. cit., P. 33. (1/154)
صفحة 108
وفي الأشهر الأولى من سنة 1922 تقدم (62) اثنان وستون شاباً (عوضاً) جلهم من اليهود والبدو من أصل 283 شاباً مطلوباً، من بينهم (132) مائة واثنان وثلاثون شاباً مزابياً تم تجنيدهم قسراً من طرف اللجنة المكلفة بذلك.
أكَّد تقرير اللجنة المكلفة بالإحصاء وإجراء القرعة ــــ عند مرورها لإجراء القرعة من 06 إلى 13 جوان 1922 ــــ أن سكان المنطقة غير مستعدين إطلاقاً لأداء فرض الجندية. وهو ما دفع بالإدارة إلى الضغط على القياد وضمان العشائر لإقناع الأهالي بالقبول بالتجنيد.
وينقل لنا نص برقية القائد العسكري بمنطقة غرداية التي بعث بها إلى الحاكم العام بالعاصمة بتاريخ 20 جوان 1922 صورة عن معارضة سكان وادي مزاب للتجنيد والتي يقول فيها: «إن معارضة الأهالي للتجنيد الإجباري مستمرة دائماً، فكلُّ الشباب في مزاب يختفون بمجرد ظهور عساكرنا ( ... ) إن التجربة أكدت هذه السنة أن كل التعليمات والمراسيم القانونية الخاصَّة بالتجنيد واجهت عراقيل عويصة عند محاولة تطبيقها. وذلك بسبب الدعاية المضادة التي نواجهها من طرف الأهالي، وكذلك تلك التجمعات التي ينشطها ويعقدها أعيانهم» (1).
استمر الأمر كذلك خلال السنوات من 1922 إلى 1925 حيث تواصل إرسال العرائض إلى السلطات الفرنسية على مختلف المستويات، فجاء الرد من طرف مجلس الشورى (2) بتاريخ 16 أوت 1922 رافضاً فيه كل ما تقدم به سكان واد مزاب من حُجج. ثم أصدر مجلس الدولة قراره في 15 ماي 1925 رافضا كل الحجج التي تقدم بها المزابيون، وهو القرار الذي خيب آمال سكان واد مزاب في الحصول على إعفاء من الجندية، رغم مساعيهم الحثيثة والجادة التي تبينها الوثائق.
__________
(1) Haouache, op.cit
(2) Ibid. (1/155)
صفحة 109
4 - أسُس معارضة المزابيين للتجنيد الإجباري:
منذ صدور مرسوم 03 فيفري 1912، رفع سكان وادي مزاب عقيرتهم بالشكوى من هذا القانون الجائر، على غرار الكثير من الجزائريين على أساس أنه خرق واضح لما جاء في معاهدة 05 جويلية 1830.
لكن المزابيين استغلوا الوضع الخاص الذي يتميزون به عن غيرهم، وهو تمتعهم بالحماية والاستقلال الذاتي بموجب معاهدتي 1853 و1882 مع السلطات الفرنسية، وعلى هذا الأساس اعتبروا أن تطبيق مرسوم 03 فيفري 1912 عليهم أمر غير مشروع قانونياً؛ لأنه خرق للمعاهدتين من جهة، ومن جهة أخرى فإن فرض الجندية على أهالي وادي مزاب تهديد لمستقبلهم لأنهم يعتمدون على فئة الشباب في تجارتهم وكسب قوتهم نظراً لقساوة طبيعة المنطقة، بالإضافة إلى ما في ذلك من مخالفة للشريعة الإسلامية.
1 ـ الأساس السياسي والقانوني في معارضة التجنيد:
1 ـــ 1 ـــ الوضع السياسي للمزابيين:
بعد زحف القوات الفرنسية على الجنوب الجزائري ودخولهم إلى مختلف المدن الجنوبية عقد سكان وادي مزاب معها معاهدة بتاريخ 29 أفريل 1853 بالأغواط وهي المعاهدة التي جعلتهم تحت حماية الفرنسيين مقابل دفع ضريبة سنوية قدرها خمس وأربعون ألف فرنكا فرنسيا (45000) قيمة الخراج الذي كانوا يدفعونه إلى العثمانيين من قبل، وبالتالي فان مرسوم 22 جويلية 1834 الذي تم بموجبه تنظيم الجزائر إلى ثلاثة عمالات إداريا وكذا تعيين حاكم عام على أملاك فرنسا في شمال أفريقيا لم يكن يعني مزاب (1) الذي كان يتمتع بنظام الحماية.
*-معاهدة 29 أفريل 1853:
بعد سيطرة القوات الفرنسية على مدينة الأغواط في ديسمبر 1852
__________
(1) Omar Ben Aissa, Question Mozabite, Le Service Militaire Conséquence de Son Application au M'zab, La typographie d'art, Alger, 1930, P.23. (1/156)
صفحة 110
توقع المزابيون الانتقام العسكري منهم ومن دورهم البارز في مقاومة الاحتلال بمدن الشمال فأرسلوا وفدا إلى الحاكم العام راندون ( Randan) (1) ، الذي عرض على جماعات بني مزاب في رسالة مؤرخة في 24 جانفي 1853 حماية تجارتهم وتنقلاتهم عبر مدن التل الواقعة تحت الاحتلال الفرنسي مقابل دفعهم ضريبة سنوية مقدارها 45000 فرنك فرنسي (2). فانقسم المزابيون بين مؤيد ومعارض لعقد المعاهدة وفي الأخير تم الاتفاق والتعاقد مع السلطات الفرنسية يوم 29 أفريل من نفس السنة.
ونصت المعاهدة ــــ مما نصت عليه ـــ على حماية فرنسا للمزابيين واحترام دينهم وأن لا تتدخل مطلقاً في أمورهم الداخلية وتترك لهم حرية تقسيم القسط الذي تتحمله كل مدينة من الضريبة السنوية مثلما جاء في المعاهدة: «إننا لا نريد بأية صفة التدخل في أموركم الداخلية وأنكم ستبقون من هذه الجهة مثلما كنتم في الماضي، إننا لا نشتغل بأعمالكم إلاَّ إذا مست الراحة العامة» (3).
وبالتالي لا يمكن اعتبار سكان وادي مزاب رعايا؟ أضف إلى ذلك أنَّ القوانين الدولية تمنع إلحاق أي أذى بالشخصية السياسية للبلد المحمي خاصة إذا ما بقي هذا الأخير على الحياد حيال أي حرب بين الدولة الحامية وأي دولة أخرى (4).
* ـــ التقرير المؤرخ في 21 ديسمبر 1882:
صرح أحد المسؤولين السياسيين الفرنسيين وهو أوغستان برنارد بما يلي: «باستيلائنا على مزاب قضينا على عشِّ الثورة الدائم والمستودع الذي كان يجد فيه الثوار ضدنا الأسلحة والعتاد والتموين» (5) وهو ما يوضح سبب حمل السلطات الفرنسية على إلحاق مزاب بفرنسا
__________
(1) الاكسندر راندون كان حاكماً عاماً على الجزائر من 11 ديسمبر 1851 إلى 24 جويلية 1858.
(2) Merghoub. B, op, cit. , p. 51 - 52.
(3) بالحاج ناصر، المرجع السابق، ص 39.
(4) K. E. « Mozabite », La Cause Du Peuple Mozabite, I.M.P. Prolétariat, Alger, 1924,P 13
(5) يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني ميزاب، المطبعة العربية، غرداية 1992، ص 113. (1/157)
صفحة 111
من طرف الحاكم العام لويس تيرمان (1) حيث تم إحلال حامية عسكرية وتنصيب مكتب عربي في ميزاب للسيطرة عليه بشكل أضمن وتم عقد المعاهدة في 30 نوفمبر 1882 (2)، وصادق عليها رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك وهو قريفي ( Greffy) في 21 ديسمبر 1882 والتي نصت على أن المزابيين ولأنهم لم يحفظوا العهد الذي تم التعاقد عليه في 29 افريل 1853 القاضي بعدم تمويل الثوار، بتركهم أسواقهم مفتوحة أمام الثائرين على السلطات الفرنسية، فعليه تفرض عليهم حامية عسكرية لتراقبهم عن قرب. ولكن أقرت المعاهدة أيضا على إبقاء الحماية الفرنسية على مزاب وترك سكان المنطقة أحرارا في تسيير أنفسهم داخلياً اعتمادا على تعاليم الدين الإسلامي والمذهب الإباضي وفقه مشائخهم (العزابة)، وبالتالي تم الحفاظ على الاستقلال الذاتي للمنطقة.
إذا لا يمكن من الناحية القانونية فرض وتطبيق مرسوم 03 فيفري 1912 على مزاب لأنه بلد محمي بموجب معاهدتي 1853 و1882 التي لم يأت ما يناقضها. أكثر من ذلك وبعد عريضة من جماعات مزاب رفعوها إلى الحاكم العام تيرمان في العاصمة بتاريخ 7 فيفري 1884 جاء الرد عليها كالآتي: «( ... ) لقد استندتم في مُكاتَبَتِكُم على الوعد الصادر منا لكم في 29 أفريل 1853 والذي جددناه لكم في 21 ديسمبر 1882 عند احتلال مزاب، وأن الأمل الذي وضعتموه في الحكومة الفرنسية لا يخيب لان فرنسا تتذكر دائما المعاهدة التي عقدتها معكم» (3) وفي هذا أكثر من اعتراف على أن مزاب كان مستقلاًّ ذاتياً عن الحكم الفرنسي الذي لم يكن يتدخل إلا عندما يتعلق الأمر بحفظ الأمن العام.
1 ـــ 2 ـــ حفاظ المزابيين على الأنظمة التقليدية والاجتماعية المحلية:
رغم الاحتلال الفرنسي لمنطقة وادي مزاب، إلاَّ أن المزابيين حافظوا على نظامهم الاجتماعي الخاص بموجب المعاهدتين المذكورتين آنفا، ورغم ما جاءت به معاهدة 1882
__________
(1) لويس تيرمان حاكم عام من 26/ 11 / 1881 إلى 18/ 04 / 1891.
(2) بالحاج ناصر، المرجع السابق، ص 40.
(3) Prunelle A, op. cit., P.70. (1/158)
صفحة 112
بإحلال حامية عسكرية على المنطقة إلا أنها لم تلغ شرعية النظام الاجتماعي للمزابيين.
أمَّا في الجانب الديني والاجتماعي فقد كان ولاء الأهالي في هذه المرحلة لمجلس العزابة ومجلس عمي سعيد، حيث زادت سلطتهما في المجتمع المزابي خصوصا بعد فقدان القائد لمصداقيته اتجاه العامة بسبب تدخل الإدارة الفرنسية في صلاحياته حيث أصبح منصبه بمرور الزمن شكلياً فقط.
أما من الناحية القضائية فقد كان المزابيون مستقلين عن القضاء العام في الجزائر بعد أن أصبح قاضي الصلح الفرنسي يتحكم في جل وأغلب الأحكام (1). فالإباضية (سكان وادي مزاب) وفي 07 نوفمبر 1887 أصدر الحاكم العام أمرا يتضمن إحداث سبعة محاكم إباضية في مدن مزاب وإنشاء مجلس استئناف بغرداية وهو مجلس عمي سعيد، وبفضل مساعي المزابيين وطلباتهم الكثيرة أصدر رئيس الجمهورية الفرنسية كارنو ( Carno) مرسوماً يوم 29 ديسمبر 1890 يقضي بإنشاء ثلاث محاكم إباضية في كل من الجزائر العاصمة وقسنطينة ومعسكر، ثم حولت هذه الأخيرة إلى وهران، بالإضافة إلى خمسة محاكم فرعية تحكم بين الإباضيين في قضايا الأحوال الشخصية وتقسيم التركات يسيرها «باش عدل» بترشيح من أهالي وادي مزاب (2). فهذا الامتياز القضائي يؤكِّد الاستقلال الذاتي للمزابيين عن الإدارة الفرنسية في كل المجالات الإدارية والاجتماعية والقضائية.
1 ـــ 3 ـــ قضية يهود مزاب:
جنَّس قانون أدولف كريميو ( Crémieux) الصادر في 14 اكتوبر 1870، يهود الجزائر بالجنسية الفرنسية، ولكن في مزاب كان اليهود يرزحون تحت الوضع الخاص للمزابيين (الحماية)، وعلى هذا الأساس، وعندما أصدر قرار تجنيس اليهود في سائر الأراضي الجزائرية لم يشمل هذا القرار يهود مزاب لأنَّهم كما ذكرنا يحسبون ضمن وضع
__________
(1) توفيق المدني، كتاب الجزائر، ص335.
(2) Zeyes E., Législation Mozabite, Son Origine, Ses Sources, Son Avenir, Adolph Jordan, Alger, 1886. P. 05. (1/159)
صفحة 113
المزابيين الخاص والمتميِّز (1). وهو ما أثار جدل مسألة الوضع القانوني لمزاب من جديد.
كما أن ما يثبت الوضع المتميز ليهود مزاب عن سائر اليهود في الجزائر هو بعض القرارات حول قضايا مختلفة أصدرتها المحاكم الفرنسية اتجاه بعض اليهود المنتمين لمزاب والتي أكدت بموجبها أن هذه المنطقة لم تكن من ملحقات الإدارة الفرنسية، مثل إصدار قرار بتاريخ 16 جانفي 1909 يقضي بتجنيس يهودي أصله من مزاب ــــ مولود بغرداية في سبتمبر1876 ــــ اسمه كوهان إبراهيم بن يوسف (2) ممَّا يدل دلالة واضحة أن الإدارة الفرنسية كانت تعتبر يهود مزاب غير مجنسين بعد بالجنسية الفرنسية.
1 ـــ 4 ـــ قضية الضريبة:
كما هو معلوم فان المزابيين كانوا بموجب معاهدة 29 أفريل 1853 يدفعون ضريبة سنوية قدرها 45000 فرنك فرنسي مقابل حماية الدولة الفرنسية لهم ولتجارتهم وحرية التصرُّف في أمورهم الداخلية وعلى هذا الأساس فلا يمكن فرض قانون التجنيد الإجباري على بلد محمي يدفع ضريبة سنوية، وفي هذا يقول أحد رجال القانون الفرنسيين وهو الدكتور المحامي برونيل ( Prunelle) «( ... ) إن الأمة المستقلة التي تدفع خراجاً لا تجب عليها الخدمة العسكرية إلا إذا التزمت بمقتضى اتفاق على ذلك مع الدولة الأخرى التي تعاقدت معها وهذه ليست حالة المزابيين، وبالتالي ليس من العدل فرض التجنيد عليهم» (3).
2 ــ الأساس الديني في معارضة المزابيين للتجنيد:
رغم تعهد الدولة الفرنسية للجزائريين عند احتلالها لبلادهم باحترام معتقداتهم ودينهم الإسلامي
__________
(1) Huguet J., Les Juifs du M'zab, Ecole de Médecine, tome IV, Paris, 1902, P.06.
(2) عمر بن عيسى حاج محمد، مذكرات ووثائق رسمية عن وادي ميزاب من ناحيته الدينية والسياسية والاجتماعية من سنة 1853 إلى سنة 1951، مطبعة النهضة، تونس، 1951، ص77.
(3) Prunelle.A, op,cit, p.70. (1/160)
صفحة 114
إلا أنها تعدت على حرمات هذا الدين الحنيف في عدة مناسبات وبعدة أشكال وفي مختلف مناطق البلاد خاصة عند فرضها للتجنيد على المسلمين الجزائريين.
لذا فقد اعتمد سكان وادي مزاب في شكاياتهم كثيراً على قضية منافاة الجندية للدين الإسلامي باستنادهم على الدلائل الشرعية من القرآن والسنة وهي:
1 ــــ إن المجند الجزائري في الجيش الفرنسي سيضطر إلى قتل عدوه وإلا فسيقتل، وفي كلا الحالتين هو آثم، لأنه لا يجوز للمسلم أن يقتل مشركا إلا بعد أن يدعوه إلى كلمة التوحيد، فإن أقر بها فقد عصم منه دمه وماله، وبالتالي فلا يحل قتاله إلا بموجب شرعي، والله تعالى يقول عن هذا: {5 55 أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ 55555555} (1). ثم إنَّ المجند الجزائري في الجيش الفرنسي سيضطر أيضا إلى قتال إخوة له في الدين وذلك بمشاركته في الحرب الفرنسية على المغاربة، أو في حالة الحرب الوشيكة على العثمانيين حلفاء الألمان، وقد جندت فرنسا آلاف الجزائريين لإتمام احتلال المغرب الأقصى سنة 1911 على الخصوص، وفيها قتل الإخوة في الجنس والدين بعضهم بعضا في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، والله سبحانه وتعالى يقول: {5555 يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا 5555} (2).
وكما روي في الأثر أن المسلم إذا أعان الظالم ولو بمدة قلم فهو ملعون إلى يوم الدين، وقال تعالى: {555555555555 فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا 5 إِن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ 555 5} (3).
وحتى في حالة التعويض (إيجاد البديل) فإن الأمر سيَّان، لأن
__________
(1) سورة المائدة، الآية، 32.
(2) سورة النساء، الآية، 93.
(3) سورة النساء، الآية، 93. (1/161)
صفحة 115
الجزائري المسلم القادر يستأجر بماله من يعوضه، وبالتالي فهو يستأجر يقتل أحداً بدون موجب شرعي، والقاتل بنفسه وماله سواء. لذلك رفض المزابيون مرسوم 3 فيفري 1912 من الأساس فالقاتل بنفسه أو بماله سواء.
3 ــــ لا يحل للمسلم أن يقاتل أو يقتل أخاه المسلم مختاراً أو مجبراً دفاعاً عن كيان دولة مشركة بأي وجه من الوجوه فالمجندون في الجيش الفرنسي (طوعا أو كرها) يرغمون ويساقون إلى القتال في الصفوف الأمامية في حروب فرنسا وحلفائها، فهي ترغمهم على قتال قوات العثمانيين في الحرب العالمية الأولى والثانية دفاعا عن فرنسا، كما أجبرت فرنسا الجزائريين والمغاربة والتونسيين على الوقوف بجانبها ضد ثورة عبد الملك بن عبد القادر الجزائري التي قام بها ضد فرنسا سنة 1915 في تازة بفاس ودامت إلى غاية 1924 وكذا ضد ثورة الريف المغربي بزعامة البطل عبد الكريم الخطابي في حروبه ضد الإسبان سنة 1920 ثم ضد فرنسا لتحرير مراكش من جرثومتي الإسبان والفرنسيين؛ ودليل ذلك هو تلك الرسالة التي بعث بها عبد الكريم الخطابي إلى الجزائريين والتونسيين (1) والتي تحدث فيها وأكد وجود أبناء الجزائريين والتونسيين ضمن الجيوش الفرنسية المواجهة له.
وبالإضافة إلى كل ما مضى فإن الجندية تضطر الجندي المسلم لترك ركن عظيم من أركان دينه وهو الصلاة، فقد قال الرسول 6: "ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة"، كما يجبر الجندي المسلم في الجيش الفرنسي على أكل ما لا يُحِلُّ له دينُه أكلَه، وعلى شرب ما لا يُحِلُّ له شربه؛ فالسلطة الفرنسية كافرة وبذلك فهي لا تفرق بين حلال أو حرام كما أن الجندي ليس له من سبيل غير أكل ما يقدم له، وبالإضافة إلى ذلك فان الجندي
__________
(1) انظر نص رسالة عبد الكريم الخطابي في كتاب: محمد قنانش ومحفوظ قداش، نجم الشمال الأفريقي وثائق وشهادات لدراسة الحركة الوطنية الجزائرية، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1994، ص 26، 30. (1/162)
صفحة 116
المسلم يعاشر في الجيش الفرنسي من لا خلاق لهم من كحوليين وشواذ (1). وعن هذا جاء في عريضة لسكان وادي مزاب: "إن الصلاة أهم فرض يوجبه علينا ديننا, فهي كما قال النبي 6 مدار الدين, والصلاة لا تكون صحيحة إلا في شروط محدودة من نظافة جسم وفراغ بال, وتكون في أوقات معلومات ( ... ) فلا يمكن إذا توافقها مع لوازم الجندية كما هي معروفة في العسكر الفرنسوي". (2)
لهذا قال المحامي برونيل في كتابه عن تجنيد الجزائريين ما يلي: «يستحيل تحقيق إجراء الخدمة العسكرية دون اعتداء على الفرائض الدينية بمقتضى الدين الإسلامي الذي يُوجب خمس صلوات في اليوم والليلة مع وضوءاتها» (3).
من خلال ما مضى نستنتج أن السبب الرئيس في رفض المزابيين للخدمة العسكرية الإجبارية هو العامل الديني وليس الخوف من العمل العسكري الحربي حيث لم يتوانَ المزابيون أبدا في تلبية نداء الوحدة الوطنية عبر التاريخ مثلما فعلوه في عهد مولاي حسن باشا في سنة 1541م بشهادة حمدان بن عثمان خوجة وكذا في حملة صالح رايس نحو الجنوب سنة 1552م، ثم الدفاع عن السواحل الجزائرية عام 1830 كما كانوا بقوة وراء أسوار قسنطينة عند احتلالها.
3 ـ الأساس الاقتصادي في معارضة المزابيين للتجنيد:
تتميز منطقة وادي مزاب أو بلاد الشبكة بقسوة الطبيعة، لذا فإن ظروف المعيشة بها صعبة والحياة قاسية، فالفلاحة مثلا تتطلب رؤوس أموال كبيرة (4) لاستصلاح الأراضي وحفر الآبار التي يصل عمقها إلى خمسين متراً لتوفير المياه، لذلك
__________
(1) فساد أخلاق المجندين كان الشغل الشاغل للأولياء في كل المناطق الجزائرية وهو ما نستشفه من خلال أغلب الشكاوى والعرائض مثل الشكوى المؤرَّخة في 24 جوان 1912 بعين توتة، للمزيد انظر:
Meynier.G, op, cit, p.98 .
(2) من إحدى عرائض وادي ميزاب التي اطلعنا عليها.
(3) Prunelle.A, op, cit, p.67
(4) تبلغ رؤوس الأموال 25000 فرنك، انظر عمر بن عيسى، بيان حقيقة التجنيد، ص23. (1/163)
صفحة 117
فهي بحاجة إلى سواعد قوية للقيام بكل ذلك وقد رأى المزابيون أن تجنيد الشباب لمدة ثلاث سنوات يعني انهيار النشاط الفلاحي في المنطقة، وكذلك الأمر بالنسبة للتجارة حيث يجبر المزابي على ترك وطنه في سن مبكرة للعمل في التجارة بمدن الشمال ويبقى من خمس إلى سبع سنوات دون العودة إلى أهله، وبعودته يصرف كل ما جمعه في تلك السنوات. وبالتالي فإن تجنيد الشباب المزابي يؤدي إلى عواقب خطيرة من أهمها:
*-تعطيل الأشغال الفلاحية مدة التجنيد مما يؤدي إلى تلف الأراضي.
*-ضياع تجارته وقت أدائه فرض التجنيد وتلف أشغاله بها وربما توقفها نهائياً، وضياع أموال الناس وحقوق كل من له علاقة به في تجارته.
*-إن نقل الشبان الجزائريين إلى فرنسا لتأدية الخدمة العسكرية قد يؤدي إلى ضياعهم في نمط الحياة الجديد الذي يعتبر أحسن ــــ ماديا على الأقل ــــ من حمل الفأس وحرث الأرض وأفضل من العمل المضني في التجارة, وإذا ما تبدلت أخلاق هؤلاء الشباب وعاداتهم فسيكون من الصعب ترك ذلك النمط الجديد والعودة إلى الحياة الصعبة, وهو ما يترتب عنه ضياع عائلته وأولاده ومن يتعلق به من أهله, لأن أبواب اللذائذ والشهوات انفتحت أمامه في أوروبا, وتعوّد على الأكل من كل غلة والتنقل بكل حرية عكس بلاده (1). وهذا ليس بمجرد حديث دون دليل بل هو ما دلت عليه التجربة وواقع الحال آنذاك فقليلون هم من عادوا إلى بلدهم (2).
وقد جاء في عريضة من بني يزقن بوادي مزاب ما يلي:
«نحن أمة فقيرة ضعيفة ووطننا وطن الفقر والمجاعة ليس فيه ضرع ولا زرع ( ... ) ومعيشتنا فيه مكدَّرة شاقة ولذلك تجدنا مقيمين متفرقين في بلاد التل نسعى بالكد والجهد على تحصيل القوت وجلب المعيشة لنا ولأولئك القوم أهلينا
__________
(1) كلُّ الشكايات والعرائض التي بعث بها سكان وادي ميزاب إلى السلطات الفرنسية لا تخلو من هذه القضية.
(2) عمر بن عيسى، المرجع السابق، ص37. (1/164)
صفحة 118
الضعفاء العاجزين من النساء والشيوخ والصبيان». (1)
وقد قال المحامي برونيل في كتابه عن التجنيد الإجباري ما يلي: «إن المزابيين مراعاة لفقر أرضهم نجد غالبهم تجاراً في الخارج، والخدمة العسكرية التي تجبرهم على ترك تجارتهم حصة من الزمن تكون محطمة وقاضية بالموت بلا شك على حالتهم الاقتصادية» (2).
5 - بعض وجهاء المعارضة المزابية للتجنيد الإجباري
برزت عدة شخصيات في مرحلة العشرينيات من القرن العشرين، عملت على رفع عرائض وشكايات سكان منطقة مزاب إلى السلطات الفرنسية العليا في الجزائر وباريس. وفيما يلي أبرز هؤلاء الأعلام الذين لعبوا دوراً بارزاً في معارضة سكان وادي مزاب للتجنيد الإجباري:
1 - زكريا زكري بن سعيد بن إسماعيل (1852 ـ 1948):
تعلَّق اسم زكري بن سعيد بأغلب الوثائق الخاصة بمعارضة سكان وادي مزاب للتجنيد الإجباري، وإنه لأكبر دليل على نضال هذا الرجل العظيم والدبلوماسي الذكي الذي لم يدخل يوماً معهد السياسة.
يعتبر زكري بن سعيد من وجهاء القوم في مزاب عامة، وبني يزقن خاصة، فكثيراً ما تطلب مشورته ويُؤخذ برأيه في مختلف القضايا الاجتماعية. عُرف بشخصيته القوية، وشدة تمسكه بمواقفه، لقد كان له فضل كبير في توصل سكان وادي مزاب إلى الحصول على الإعفاء من التجنيد عام 1947، نظراً لمساعيه الحثيثة في هذا الشأن، في حين لم يُكتب عنه إلا الشيء الهزيل في بعض المقالات، وهو أمر غير كاف في حق الرجل، كان زكري بن سعيد تاجراً بقالمة، وكان إنسانا بسيطاً ومتوسط الحال، حسب ما أكده لنا حفيده الدكتور زكريا محمد في إحدى الاستجوابات الشخصية معه، وحسب ما روي عنه في بعض المخطوطات التي تعود إلى تلك المرحلة،
__________
(1) عريضة حصلنا عليها من الأستاذ الباحث عبد الرحمان حواش.
(2) Prunelle. A, op,cit, p.67. (1/165)
صفحة 119
فقد كان شخصاً يعيش للجماعة ولخدمتها، وهو الأمر الذي جعل تجارته بقالمة تضعف حتى أصبح من التجار الصغار. برز زكري بن سعيد في قضية رفض التجنيد منذ سنة 1912، حيث كان ــــ دون مبالغة ــــ محور معارضة المزابيين للتجنيد الإجباري، وذلك ما تدل عليه الوثائق الخاصة بالموضوع، وكانت له علاقات وطيدة مع شخصيات فرنسية هامة ساهمت كثيرا في الدفاع عن قضية سكان وادي مزاب، كما كانت له مراسلات مع أبرز شخصيات المنطقة خاصة الشيخ إبراهيم أبو اليقظان وعبد العزيز الثميني وصالح بن يحيى المعروفين بعلاقاتهم مع حزب الدستور التونسي. كما كانت له اتصالات مع الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض وغيره من معارضي السياسة الفرنسية في المنطقة.
2 ـ موقف الشيخ أبو اليقظان بن الحاج عيسى (1888 ـ 1973)
المفكر الجزائري المعروف وصاحب الجرائد والمقالات الصحفية المؤثرة، كتب عن القضايا الوطنية والعربية السياسية والاجتماعية والدينية.
وعليه فقد راح يهاجم بصراحة مشروع التجنيد الإجباري الذي عزمت الإدارة الفرنسية على تطبيقه على سكان وادي مزاب بالقوة. وهو المشروع الذي كان من الأسباب المباشرة الدافعة لأبي اليقظان لخوض معترك الصحافة (1). وفي مقال له نشرته جريدة الإقدام سنة 1922 اعتبر التجنيد إعداماً للمزابيين، كيف لا وهو يسلب من المجتمع الإسلامي أبناءه لقتال إخوانهم المسلمين لفائدة الكافر والمستعمر، كما أنه خرق واضح لمعاهدتي 1853 و1882 اللتين تَعتَبِران مزاب بلداً محمياً لا مستعمرا، وقد قال عن الحكومة الفرنسية ما يلي: «أما موافقتنا لها في ذلك الاختيار فمستحيل، وأما جبرا فإننا ندعها تفعل ما تشاء ولكننا نحتج ضد صنيعتها هذا بكل ما لدينا من الحجج الشرعية ونحاكمها أمام الرأي العام الفرنسي، وأمام التاريخ ما بقي فينا من الحياة» (2). وقد كانت له مواقف وآراء واتصالات مع زكري بن سعيد منذ أن
__________
(1) محمد ناصر، أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص 94.
(2) الإقدام، عدد 86، 07/ 07/1922. (1/166)
صفحة 120
كان طالباً في تونس، وهي في مجملها تحفيز من زكري بن سعيد لأبي اليقظان لنشر قضية التجنيد في الصحف التونسية. وبعد دخوله الجزائر سعى وجاهد بقلمه في سبيل كل القضايا الوطنية على حد سواء، فأبو اليقظان رمز للوطنية والانتماء الإسلامي مهما كان العرق أو الجنس.
3 ـ موقف الشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر (1899 ـ1981):
قال الشيخ بيوض (أحد أعلام الإصلاح في الجنوب الجزائري) عن التجنيد الإجباري في القرارة (إحدى قرى مزاب السبعة) ما يلي: «وقد تقوت الحركة الإصلاحية في الجزائر ومزاب بعد الحرب العالمية الأولى، وفي أول عام 1919 قام الناس في القرارة ومزاب لمناهضة التجنيد الإجباري، وقد جندت فرنسا جماعة من شباب الإصلاح انتقاماً منهم ومن آبائهم المصلحين وتجريداً لمعاهد العلم من طلبتها النجباء، وفي هذا العام ارتكب الاستعمار وأذنابه فظائع كثيرة في المصلحين بالقرارة لإخماد جذوة الإصلاح ( ... ) لقد قتلوا جماعة من المصلحين ( ... ) وسجنوا الحاج العنق والسيد حمو بن إبراهيم أبا العلاء أحد صناديد الإصلاح ومصلحين كثيرين امتلأت بهم السجون في القرارة ومزاب" (1).
وهذا دليل قاطع على القهر الذي استعملته السلطات الفرنسية في تجنيد الشبان بمنطقة وادي مزاب، حيث كان الشيخ بيوض رحمه الله ممن أخذ بالقوة، وبعد الإفراج عنه سارع إلى كتابة شكاية عن التجنيد الإجباري وما صاحبه من فضائح، وعرضها على ثلاثة وسبعين رجلاً أمضوها، فدُعُوا إلى غرداية كلهم فسألهم الحاكم العسكري عمن كتب الشكاية، ولكنهم لم يدلوا بشيء، وقد تأثرت الولاية العامة بهذه الشكاية التي هزت الحكام العسكريين الطغاة في غرداية والأغواط خاصة (2). واستمر الشيخ بيوض في رفع راية الإصلاح مستغلاً أي فرصة لكتابة المقالات اللازمة ضد الجندية وغيرها.
__________
(1) محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر 1921 ـــ1975، ج2، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1980، ص 181، 182.
(2) محمد ناصر بوحجَّام، الشيخ بيوض والعمل السياسي، ط1، المطبعة العربية، غرداية، 1991، ص 35، 36. (1/167)
صفحة 121
خاتمة:
عارض سكان وادي مزاب قانون التجنيد الإجباري على غرار أغلب الجزائريين، وأسسوا معارضتهم على أسس سياسية وقانونية ودينية واقتصادية، وبذلوا في سبيل ذلك كل ما يلزم، وكانت نتيجة كل تلك الجهود هي الإعفاء من التجنيد في سنة 1947، وقد اقتصرنا في بحثنا هذا على نصف الفترة تقريباً نظرا لأهمية الموضوع الذي لا تكفي هذه الدراسة لتناول جميع حيثياته، ونترك ما تبقى منها إلى بحث أوسع في المستقبل إن شاء الله.
وضرب بذلك سكان وادي مزاب مثالا بارزا في معارضة السياسة الاستعمارية، وتبقى تجربتهم جديرة بالدراسة والتحليل والاستنتاج لاستخلاص العبر والاستفادة منها.
قائمة المراجع
المراجع العربية:
15 - أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر.
16 - جريدة الإقدام، عدد 86، 07/ 07/1922.
17 - بالحاج بن باحمد ناصر، موقف سكان وادي ميزاب من التجنيد الإجباري 1912 ــــ 1925، مذكرة ليسانس في التاريخ المعاصر، مرقون، جامعة الجزائر، 2000 ــــ 2001.
18 - حمو محمد عيسى النوري، دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديمًا وحديثا، مج1، نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية، من سنة 1505م إلى 1962م. دار البعث، قسنطينة.
19 - عمر بن عيسى حاج محمد، مذكرات ووثائق رسمية عن وادي ميزاب من ناحيته الدينية والسياسية والاجتماعية من سنة 1853 إلى سنة 1951، مطبعة النهضة، تونس، 1951. (1/168)
صفحة 122
20 - محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر 1921 - 1975، ج2، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1980.
21 - محمد قنانش ومحفوظ قداش، نجم الشمال الأفريقي وثائق وشهادات لدراسة الحركة الوطنية الجزائرية، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1994.
22 - محمد ناصر بو حجَّام، الشيخ بيوض والعمل السياسي، ط1، المطبعة العربية، غرداية، 1991.
23 - محمد ناصر، أبو اليقظان وجهاد الكلمة. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1980.
المراجع الأجنبية:
24 - Bruno Charles Dominique, La Propagande Anti-Française au M'zab au Début des Années 1920, Mémoire de Maîtrise d'act., U. de Provence, Aix-Marseille, 1988.
25 - Haouache, B. : Le Conscription des Indigènes Mozabites Par Le Décret de 03 Février 1912, Mémoire de D.E.A Université de la Sorbonne, Nouvelle Paris.1993.
26 - Huguet J., Les Juifs du M'zab, Ecole de Médecine, tome IV, Paris, 1902.
27 - K. E. « Mozabite », La Cause Du Peuple Mozabite, I.M.P. Prolétariat, Alger, 1924.
28 - Omar Ben Aissa, Question Mozabite, Le Service Militaire Conséquence de Son Application au M'zab, La typographie d'art, Alger, 1930.
29 - Zeyes E., Législation Mozabite, Son Origine, Ses Sources, Son Avenir, Adolph Jordan, Alger, 1886. (1/141)
صفحة 123
كيف نتعامل مع التراث؟
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام
أستاذ ـــ جامعة باتنة ـــ
حقيقة التّراث أنّه عصارة فكر الأمّة، ومجموعة عقائدها، ونتاج جهدها العقلي والرّوحي. هو بهذا المفهوم يمثّل ما تركه الأسلاف من مخطوطات وآثار أدبيّة وعلميّة في مختلف جوانب المعرفة، كما يشمل مخلّفات ماديّة؛ متمثّلة في الأبنية، وما شيّد على طراز معيّن، ونمط متميّز، جاء استجابة لظروف خاصّة، وقام ليؤدّي مهمّة معيّنة، تكشف عن نوع تفكير ساد في فترة معيّنة، وتبرز دور هذا الفكر، وهذا العمل في الحرص على المحافظة على الكيان والهيئة، وحمايتهما من الذّوبان والتّلاشي في خضمّ الصّراع الحضاري والتّنازع على البقاء,
التّراث يمثّل المواقف والبطولات والتّاريخ والمبتكرات والإسهامات في مسيرة الفكر، وسيرورة التّاريخ، ويشمل الحِرفَ والصّناعات اليدوية والتّقليدية ...
التّراث يشكّل عناصر القوّة والوحدة؛ حين يُرتبَط ويُتعلَّق به, إنّه القاعدة الأولى الصلبة والرّئيسة التي يُنْطلق منها لبناء قواعد أخرى في الحياة ... وهو أيضًا الأرضية التي تقوم عليها الثّقافة، وبه تتشكّل.
من هنا يعدّ التّراث ركيزة أساسية في بلورة كيان الأمّة، وتحديد هويّتها، وتسجيل خصوصيتها ومميّزاتها. فنحن: «نلتمس في التّراث بعض العون؛ لتأكيد شخصيتنا، ولإثبات وجودنا الحضاري، وتأثيرنا القويّ الممتدّ منذ القديم» (1).
من هذا التّحديد تتبيّن قيمة المنتمين إلى هذا التّراث، ودورهم في المحافظة عليه، والإضافة إليه؛ بما
__________
(1) الدكتور سيِّد حامد النسَّاج، رحلة التّراث العربي، ط3، دار المعارف، القاهرة، 1987م، ص: 10. (1/142)
صفحة 124
يضمن له الاستمرارية والبقاء. في هذا المعنى يقول «بسكال»: «كلّ نسل لابدّ أن يستفيد أوّلا من الفكر الذي تركه من سبقوه، ثمّ يزيده، إن كان له استعداد لذلك، ولا تستطيع أمّة ما أن تحيد عن هذا القانون». ويقول «جاك بيرك»: «إنّ مستقبل العرب يتمثّل في إحياء الماضي، لأنّ المستقبل في كثير من الحالات هو الماضي أو الحاضر، الذي وقع إحياؤه وعيشه من جديد». ويقول جبرا إبراهيم جبرا: «الماضي لدى المجدّدين جذر ومنبت وجذع، تستمدّ منها اللّغة طاقتها، وتستمدّ منها الإبداعَ عُصارة الدّيمومة، فيصبح كلّ جديد فرعًا آخر في دوحة عظيمة، دون أن يعيد الفرع شكل الفرع الآخر. وهنا سرّ حيوية هذا الجديد». (1)
إنّ هذه النّظرة صحيحة، بخاصّة حين نعلم أنّ تراثنا يتفرّد بمميّزات خاصّة، تحمل عناصر القوّة والغناء والثّراء، وهو ما جعله يصمد في وجه كثير من الهجمات عليه ومحاولات تشويهه، كما أنّه يتميّز بالتّنوّع والشّمولية لمختلف المعارف الإنسانية، وتعدّد مظاهر بروزه، وأنّه مصدر إلهام واستفادة كثير من المفكّرين غير العرب والمسلمين، إنّه سبب ازدهار كثير من الثّقافات، وتطوّر كثير من الحضارات الإنسانية.
لهذه الخصوصيّة ولأهميّة التّراث في بناء صرح الأمّة، والمحافظة على كيانها وشخصيتها، عمد الاستعمار والعدوّ في البلدان التي وجد فيها أو احتلّها، عمد إلى هدم هذه القاعدة الصّلبة (التّراث) أو النّيل منها على الأقلّ؛ ليؤسّس هو قواعده، ويفرض وجوده، ويحوّل وجهة أبناء هذا البلد أو ذاك إلى وجهته هو، بعد أن يقطع صلة الأجيال المتعاقبة بماضيهم، وينبشهم من تراثهم، وينشئهم ويصنعهم على عينه.
غير أنّه لم يفلح في هذا المسعى، ولم ينجح النّجاح الذي كان يرجوه، إذ إنّ تميّز تراثنا بالقوّة والأصالة حال دون وصول الاستعمار إلى غاياته، كما كان يخطّط ويرسم, يقول الأستاذ «أنور الجندي»: «إنّ أبرز مقوّمات التّراث أنّه حيّ متّصل
__________
(1) عثمان حشلاف، التّراث والتّجديد في شعر السيَّاب، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986م، ص: 12. (1/143)
صفحة 125
بالتّاريخ المطّرد, إنّ جذوره ما تزال عميقة الجذور في التّربة، تنبض بالقوّة في مختلف مجالات اللّغة والتّاريخ والثّقافة والتّشريع والأدب والعقائد والأخلاق ... وما تزال هذه الجذور قائمة كالدّعائم والأعمدة الضّخمة، تحمل البناء، وتمتصّ من الثّقافات دون أن تفقد ذاتيتها، وهي تأخذ من الثّقافات وتترك، وتحوّل ما تأخذ إلى كيانها بالهضم والتّمثّل، دون أن تقع في الازدواجية».
نتساءل بعد تقرير هذه الحقيقة عن دور التّراث وعن أهميّته؟
إنّ دور التّراث في المجتمع هو دور المحافظ على الكيان، وتثبيت الهوية، والحامي من التّلاشي والذّوبان، والمحصّن من فقد الجذور وخسارة الأصول، والمتكفّل بحفظ التّوازن النّفسي والاجتماعي، وضمان فرض الوجود؛ لأنّه يساعد على إبعاد الاضطراب النّفسي والتّذبذب والحيرة والقلق من طريق أبناء ذلك الإرث.
كما أنّ للتّراث دورَ فرزِ الأصيل من الدّخيل، والوقوف بثبات على أرض صلبة لاستشفاف المستقبل، والوثوب إليه بكلّ اعتدادٍ وعزّة وكرامة، من دون عقدة الرّضوخ أو الوقوع أسير فكرة تفوّق غيرنا علينا، وكوننا عالة عليه. وهو ما يجنّبنا بنيّات الطّريق، التي تسلم إليها التّبعية والتّقليد والمحاكاة غير الواعية. والتي تحصل في غياب الصّلة والتّواصل مع التّراث أو تغييبه، وتكون في حال التّنكّر له وعدم الاعتراف به وبدوره وأهميّته ومكانته.
التّراث الإسلامي بخاصّة يزرع خلق الوقوف بثبات وتحدٍّ أمام كلّ صور التطّويع والتّليين والتّحييد والتّذليل ... لأنّه ببساطة يمثّل مواقف الصّمود والصّلابة، ويعطي دروسًا في طريقة قهر المعتدي، وإفشال كلّ مؤامراته ومناوراته ومناوءَاته، ويقدّم الدّليل على النّجاح في الانقلاب على الظّلم والعدوان، وقلب موازين النّصر المدّعَى والمتبجّحَ به ...
بمعنى أوضح: إنّ للتّراث ــــ حين يستلهم ويتعلّق به، ويرتبط به ــــ دورًا كبيرًا وفاعلاً في بلورة الكفاح الإسلامي القويّ لمنع العدوّ من التّآمر على الهويّة الإسلامية وعلى الثّقافة الإسلامية وعلى الأمّة (1/144)
صفحة 126
الإسلامية. لقد تعاقبت على هذه الأمّة ــــ وما تزال ــــ غزوات بالسّلاح والفكر، فلن يكون المخرج منها والمنقذ سوى هضم فكرها الحقيقي، المتمثّل في تراثها الأصيل.
دور التّراث يكمن ــــ أيضًا ــــ في الحقيقة التي أكّدها الواقع، وهي: إنّه لم تقم نهضة جادّة في أمّة من الأمم إلاّ سبقتها دعوة ملحّة إلى إحياء الماضي، وبعث التّراث بعثًا صحيحًا، والبناء عليه والإضافة إليه». ... والمستقبل ما هو إلاّ الماضي، مرورًا بالحاضر، والوجودُ الشّخصي هو ثمرة لخبرات الماضي وتجاربه وأحداثه» (1).
من أدواره المهمَّة في المجتمع أنّه الملاذ والمنقذ من الحيرة والتّردّد، والمغيث في وقت الهزائم والنّكبات والضعف؛ لأنّ ما ينطوي عليه التّراث من ثراء وغنى وتنوّع، وما يتضمّنه من قوّة وصلابة وتماسك ... هو الكفيل بأن يرجع الثّقة في النّفوس الخائرة، ويبعث الأمل في القلوب المنقبضة، ويعين على حسن التّصرّف في المواقف الحرجة؛ وذلك بمراجعة التّاريخ واستنطاقه واستلهامه في مواقفه وبطولاته، وقراءة سير العظماء والزّعماء.
ما أحوجنا في هذا الزّمن المغبرّ المتغيّر المتردّي، وفي هذا الوقت العصيب المتدنّي، الذي تباينت فيه المواقف، وتضاربت الرّؤى، وتتابعت الهزائم، والذي نعيش فيه أسوأ نتائج التّبعيّة الفكريّة، وأخطر تقليعات التّخلّي عن الأصول، والتّحلّي بأخلاق الغير، ونحيا فيه حياة التّشكيك في مقوّماتنا، والنّيل من هويّتنا ... ما أحوجنا إلى الرّجوع إلى التّراث، وتمثّله وتوظيفه في حياتنا اليوميّة، واستلهامه في تصحيح مسارنا الذي يبدو عليه الانحراف عن الجادّة، واستثماره في دفع عجلة حركتنا نحو الإبداع والعمل الحادّ المثمر. لكن من دون الذّوبان فيه، إلى حدّ التّقديس والتّغاضي عمّا ينتقد فيه. فالإخلاص للتّراث يقتضي الوقوف على نتاج الماضين، والإحاطة به: فحصًا وتدقيقًا واستيعابًا ونقدًا ... قصد استلهام الجوانب الفاعلة فيه.
__________
(1) محمَّد ناصر بوحجام، ملاحظات حول تاريخنا القديم، ط2، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1998م، ص: 40. (1/145)
صفحة 127
يقول عثمان حشلاف عن الشّعراء مثلاً: «ولم يكن اهتمام الشّعراء المحدثين بالتّراث لذاته، أو لأنّ التّراث شيء عظيم فحسب، بل لأنّه الوسيلة الأساسية التي تمكّن الشّاعر في نظرنا من الاستمرار في الإبداع والكتابة، إذ بواسطته يتاح له نقل أحاسيسه الوجدانية، وتجربته الشّعرية دافئة ثرّة إلى الجمهور المتلقّي؛ لِما للتّراث من لغة مشتركة، وقيم متّفق عليها، ورموز وصور عرفت دلالتها الأولى، على نطاق واسع، وبذلك يحدث الشّاعر إثارة ومتعة في الجمهور، وتتمّ له المشاركة في فهم الشّعر وتذوّقه» (1).
هناك حقيقة لابدَّ من الإقرار بها والاعتراف بسلبيتها، يجب أن تصحّح لنستثمر هذا التّراث استثمارًا إيجابيًا، وهي: «حين نتأمّل في واقعنا المعيش، نجده ــــ في أغلبه ــــ إفرازات لتوجيهات معيّنة، واجتهادات بعض المؤرّخين الذين يفتقدون كثيرًا من الشّروط المطلوبة في كتابة التّاريخ، لذلك نجدهم يقولون ويتقوَّلون، مرتكزين على منطلقات فكريّة معيّنة، وربّما ضيّقة، فيقوّمون بعض المواقف، ويقرّرون بعض الأحكام الخاطئة، فتتناقلها الأجيال قضايا مسلّمة، ويسير في ركابها من يأتي بعدهم من المؤرّخين، فيتأصّل الخطأُ، فتنتج عنه هذه المظاهر المزرية التي نلحظها بين أبناء الأمّة الواحدة.
أغلب هذه الأخطاء التي نرتكبها ناتج عن هاجس الخوف من الوقوف في وجه التّاريخ الذي كتبته أقلام منصفة ومغرضة، محايدة ومأجورة، كُفأة وغير قادرة؛ دون تكليف أنفسنا مهمّة نقد الوقائع والوثائق والنّصوص، وتمحيص الأخبار، وغربلة الأحاديث المنقولة، والقيام بالمقارنة التّاريخية .. » (2) فالتّراث الذي سجّل بهذه الطّريقة، ستجني دراسته جناية كبيرة على الأمّة. فلا بدَّ من العمل على معرفة أو حذق طريقة التّعامل مع هذا النّوع من التّراث، إنّها إحدى المشكلات التي تعوق البحث في التّراث ودراسته دراسة موضوعية، واستلهامه استلهامًا جيّدًا أو صحيحًا.
__________
(1) التراث والتّجديد في شعر السيّاب، ص: 15.
(2) محمّد ناصر بوحجام، «نخاف من التاريخ فَنجْنِي عليه»، حريدة النّصر، قسنطينة، الجزائر، عدد: 13/ 01/1988م. (1/146)
صفحة 128
فما هي أهمّ المشاكل الأخرى التي يعاني منها تراثنا؟
أهم المشاكل التي يعاني منها تراثنا هو افتقارُ النّشء إلى تذوّقه، وبرودةُ التّحمّس له، بل وتنكّر بعضهم له، وإهماله من بعض القائمين على الثّقافة في بعض البلدان العربية؛ فنتج عن ذلك جهل الأجيال لهذا التّراث. هذه المشكلة أوجدت مشكلة أخرى، تمثّلت في عدم التّفريق بين ما هو تراث أصيل وما هو إرث دخيل، كما لم يُعَد يفرّق بين ما هو ثقافة وما هو تهريج وتشويه وهذيان وسخافات ...
أصبحنا مثلا نشهد بعض التّقليعات في الألبسة والأزياء، فيها العري والتّبرّج والتّفسّخ والتّخنّث ... تقدّم للأغرار والسّذّج والبسطاء من النّاس على أنّها مستمدّة من أصالتنا وتراثنا. قس على ذلك أنواع السّلوك والمعاملات البعيدة عن أصالتنا، كما أصبح التّراث ــــ أحيانا ــــ طعمًا يصطاد به الشّباب ويخدّرون، وصار فرصة ووسيلة لتمرير بعض الأفكار والآراء والأهداف المغرضة الخاصّة النّاشزة الغريبة عن مجتمعاتنا، الهدّامة لقيمنا وتقاليدنا.
من المشاكل أيضًا تسلّط داء الجهوية والطّائفية والمذهبيّة ... وهيمنة وباء الإقصاء لتشويه التّراث، الذي ينسب إلى طائفة ما، أو فرقة أو جماعة، وطمس بعضها الآخر ... ؛ لغرض ضرب تلك الطّائفة أو هذه في العمق، أو تهميشها على الأقلّ. كم كان لهذا الصّنيع من أدوارٍٍٍ ومواقف ووقائع، سبّبت مشاكل، عاقت بروز تراثنا على حقيقته.
من المشاكل أيضًا تحكيم مناهج تغريبية وافدة عليه في التّعريف به، وتقديمه للأجيال، سواء في مجال الأدب والتّاريخ أم في مجالات أخرى.
من المشاكل عدم توفّر الوسائل الكافية والإمكانات المادية المناسبة المساعدة على خدمة هذا التّراث، إلى غير ذلك من المشاكل التي يمكن التّغلّب عليها، إن صدقت نيّاتنا، وتحلّينا بروح التّضحية والعمل الجادّ، وشعرنا بالمسؤولية، وأحسسنا بالأمانة التي نحملها نحو الأجيال القادمة الصّاعدة الواعدة، والتي هي معنا تعيش وتحيا وتدرج.
بالإضافة إلى ضياع الكثير من هذا التّراث لعوامل مختلفة، فإنّ اعتماد (1/147)
صفحة 129
أوائل رجال الأمّة الإسلامية، وصنّاع تاريخها، وواضعي تراثها، كان على الرّواية، قبل أن يكون لهم تدوين وتأليف، ممّا أوجد ثغرات وفجوات في هذا التّراث، سبّبَ غموضًا ولبسًا في بعض جوانبه، أعاق إبرازه بطريقة صحيحة سليمة.
فكيف يمكن إبراز هذا التّراث والمحافظة عليه؟
أوّلا: يجب الإيمان به، والاعتراف بقيمته وقوّته، والتّحلّي بروح الحماسة نحوه، والحميمية والهوى والغرام به، ثمّ الحنين إليه، والاستعداد للكشف عنه، والمحافظة عليه، وتوفّر التّعبئة العامّة من كافة أفراد المجتمع وفئاته، من دون استثناء.
ثانيّا: العمل بكلّ جدّية، وبمنهجية محكمة على تعريف الأجيال به تعريفًا صحيحًا، بعيدًا عن التّشويه والمزايدة والتّشنّج والمبالغة في إضفاء نوع من الهالة والقدسيّة عليه، أو على جانب منه، مقابل تزييف جوانب أخرى؛ لأسباب وعوامل، يعرفها من يتعامل مع التّراث، ومن يلتقي مع مواقف في هذا السّبيل.
ثالثًا: التّفريق بين ما هو ثقافة وفكر وإبداع ونشاط إنساني، وما هو بعيد عن كلّ ذلك. ممّا يعدّ فسخًا للثّقافة، ومسخًا للتّراث، ونسخًا للأصالة.
رابعًا: الابتعاد عن الفولكلورية والمهرجانية والتّهريج والعرض الشّكلي في أثناء القيام بتقديم التّراث والتّعريف به.
أمّا طرق إبرازه فهي كثيرة متنوّعة تنوّع المجالات التي يشملها هذا التّراث. المهمّ أن يتمّ الكشف عنه ضمن برامج ومخطّطات مسطّرة، تكون قصيرة المدى وطويلة المدى، تأخذ بعين الاعتبار كلّ جوانب التّراث، يتمّ ذلك ضمن مجهودات جماعية وفردية منسّقة، تتضافر وتتعاون على العمل الحادّ الشّامل، يقول الدّكتور سيّد حامد النّسّاج: «فدارسو التّاريخ والاقتصاد والاجتماع والفقه والعقائد والقانون والنّظريات السّياسية والفلسفية والفنون وغيرها، يستطيعون الإسهام بشكل إيجابي وفعّال في تنفيذ فكرة إحياء التّراث بمعناه العام. نحن في حاجة إلى جهود جماعية متضافرة (1/148)
صفحة 130
متّحدة ومتعاونة، حتّى لا تكون نظرتنا إلى التّراث قاصرة على ما يتّصل منه باللّغة، أو بالشّعر، أو بالفقه أو بالاجتماع، ليس غير» (1).
إحياء التّراث أو إبرازه يجب أن لا يغفل المناسبات، ولا يُهمل إشراك المؤسّسات التّربويّة والثّقافيّة والاجتماعيّة في التّعربف به، أو التّعامل معه.
بالنّسبة للمخطوطات، يعمد إلى إحصاء المراكز والمكتبات التي تحتوي على مخطوطات، وفهرستها وإعداد أدلّة لها. العمل نفسه يُقامُ به مع الشّخصيات العلميّة والتّاريخيّة، وذلك بوضع معجم للأعلام؛ للتّعريف بهم وبأعمالهم، وتوفير كلّ ذلك بين أيدي الباحثين والدّارسين. يتمّ هذا بالتّنسيق بين المراكز الثّقافيّة في مختلف البلدان في العالم الإسلامي والعربي (2).
في مجال الحرف التّقليدية وبعض الآثار الماديّة: من أدوات ومخلّفات في الألبسة والأواني ... يجب جمعها وصيانتها، والتّعريف بها؛ بوضع بطاقات فنّيّة لها وإيداعها في متاحف؛ صونًا لها، وتسهيلَ الاطّلاع على من أراد التّعرّف على هذا الجانب من التّراثِ. هذا الحفظ يمنحها صفة الشّاهد على التّأريخ، وفضل التّحدّث عن الماضي، وفرصة الدّعوة إلى استلهامه، والمنبّه إلى التّحرّك لمزيد العمل على الإضافة، وتطوير ملكة الإبداع.
في ميدان المأثورات الشّعبيّة: من أناشيد وأمثال وأقوال ... يجب النّهوض إلى جمعها، والقيام بأعمال تسهّل فهمها، وإدراك دلالاتها ورموزها، والاستفادة منها، ثمّ وضعها في متناول الأيدي، وبخاصّة أمام الأجيال النّاشئة الصّاعدة الواعدة.
في مجال الآثار الماديّة: من مبانٍ ومساجد وقصور وقلاع وحصون وأبراج وأسوار ... يجب إحصاؤها، والتّعريف بها، والحرص على صيانتها، وتشجيع النّاس على زيارتها؛ ليتعرّفوا على تاريخهم وبطولات آبائهم وإبداعاتهم، عساهم يأخذون منها دروسًا وعبرًا.
كما يُشجَّع القيام برحلات جماعية إلى الأماكن التّاريخيّة
__________
(1) رحلة التّراث العربي، ص: 9.
(2) نسجّل أنّ كثيرًا من المؤسّسات والهيئات والجمعيات، وبعض الأشخاص ... قام بهذا العمل، لكنّ العمل يبقى كبيرًا وممتدًّا. (1/149)
صفحة 131
والمواطن التي سجّلت بطولات وأمجادًا، والتي تتوفّر على آثار؛ لينغرس في النّفوس أنّ ذلك من اهتمامات المُواطن وانشغالاته وواجباته الدّينية والوطنية. كما يُحثّ على القيام بجولات استكشافية، تدخل ضمن البرامج التّربوية والتّعليمية والتّثقيفية والكشفية ... ويُسعَى إلى إقامة ندوات ومحاضرات ومعارض دوريّة، تشمل مختلف مجالات التّراث، ويُعمَدُ إلى إجراء مسابقات على كافّة المُستويات، وفي مختلف المناسبات، تدور حول التّراثِ، تكون موجّهةً إلى التّكوين والتّثقيف والتّعرّف على الإنّيّة والذّات والهُوِية؛ بتسخير وسائل إعلامنا لخدمة التّراث، بواسطة الصّحيفة والكتاب والإذاعة والتّلفاز والأنترنت وإحياء الذّكريات ... إلى غير ذلك من الوسائل العديدة التي يمكن استغلالها في سبيل إحياء التّراث، واستلهامه في تجديد الصّلة بالماضي، واستشفاف المستقبل، واسترجاع الثّقة بالنّفس، والمعاهدة على النّهوض للعمل بجدّية في مجال الإبداع والإضافة لضمان البقاء والاستمرارية.
بهذه الطّريقة ننفخ في النّاشئة روح الحماسة، التي تزرع روح البطولة فيهم ليواجهوا ويصدّوا كلّ الأخطار التي تمسّ كيانهم وشخصيتهم. يقول الأستاذ عبد العزيز الرّفاعي: «ولست أشكّ أنّ روح البطولة الكامنة في النّفس العربيّة، تحتاج إلى إيقاظ وتعبئة وتحميس. وَلِمَ أذهب بعيدًا؟ وها هي قصص الفدائيّين ملء الأذن والعين، وما على رجال الفكر إلاّ أن يغذّوا مثل هذا الاتّجاه البطولي؛ لتحويل الشّعب العربي في كلّ مكان إلى شعب فدائي، يستسهل الموت لتحقيق عزّته وكرامته واستعادة أرضه» (1). بمعنى أوضح يجب الاهتمام بالتّاريخ وسرد البطولات والمواقف القويّة، وسرد قصص الكفاح والصّراع والمقاومة.
لتحقيق هذا الهدف لابدّ من توثيق الارتباط بالتّراث توثيقًا جيّدًا، بطريقة محكمة وخطّة مدروسة. نقترح فيما يأتي بعض هذه الخطوات والملاحظات:
__________
(1) عبد العزيز الرِّفاعي، توثيق الارتباط بالتّراث العربي، ط4، مطابع البلوي، جدّة، ربيع الأوّل 1393هـ، ص: 22. (1/150)
صفحة 132
1 ــــ تحبيب نفوس النّشء إليه، وتعويد الأجيال على الاقتراب منه، وتصفّحه والنّظر فيه.
2 ــــ إحياء روائع الفكر الإسلامي القديم، وتوفيرها بين أيدي الأبناء والنّابتة. أعني أن تكون نقطة البداية والارتكاز التّعرّف على هذا التّراث.
3 ــــ العناية بالتّراث؛ إخراجًا وتحقيقًا، تمحيصًا وتدقيقًا، تصحيحًا ونقدًا ومراجعة، استلهامًا واستثمارًا وتثمينًا ...
4 ــــ تسخير مختلف وسائل الإعلام والنّشر لخدمته: صحافة وكتابًا، إذاعة وتلفازًا، أندية وجمعيات، محافل واجتماعات، معارض وورشات، وإحياء ذكريات الأعلام ...
5 ــــ إشراك الجمعيّات المختلفة، وفسح المجال للفئات المتعدّدة في عملية النّشر وخدمة التّراث: البيت، المدرسة، المسجد، النّادي، مراكز التّكوين المختلفة ...
6 ــــ التّخطيط المحكم لربط الأجيال بتراثها، عن طريق إنشاء مراكز ومؤسّسات تَتَخَصّصُ في المجال، وتتحرّك بمنهجية مدروسة، وخطّة عمل مهيّأة.
7 ــــ المواصلة والاستمرارية في العمل، من دون توقّف، ما دامت الحياة في تجدّد وتطوّر.
8 ــــ تقويم المسيرة من حين لآخر، لترشيد العمل، ونقد المنجزات.
بالنّسبة للتّراث الفكري الإباضي، فبصفته تراثًا إسلاميًّا وإنسانيًا، تميّز بالثّراء والتّنوّع، ولكون أغلبه ما يزال مخطوطًا ... فإنّه في حاجة إلى اهتمام خاصّ، ودراسة متميّزة، بل إلى عناية مركّزة؛ لأنّه غير معروف عند الباحثين والدّارسين بشكل جيّد، وقد شكّل عند بعض بني آدم مصدر قلق وانزعاج، لأنّه قدّم لبعض النّاس بمختلف مستوياتهم وفئاتهم، وفي مختلف العصور بطريقة مشوّهة، اسْتَعْدَتْ عليهم مختلف طبقات المجتمع، وألّبت عليهم كثيرًا من الفرق الإسلاميّة.
لم يجد بعض الدّارسين حرجًا في الاعتماد على هذه المراجع؛ رغم اعترافهم بقصورها في تقديم (1/151)
صفحة 133
الحقيقة (1)؛ لذا يحذّرنا الدّكتور عوض محمّد خليفات من التّسليم بكلّ ما جاء في هذه المراجع التي تناولت جماعة الإباضية وتراثها، وبخاصّة ما عرف بكتب أصحاب المقالات؛ لما فيها من مغالطات وتأويلات خاطئة. يقول: « ... ويجب أن تستخدم هذه المؤلّفات بحذر شديد لأنّ أصحابها تنقصهم الموضوعيّة، ويعوزهم الحياد عندما يتكلّمون عن فرق مخالفة لمعتقداتهم، ولا تزوّدنا هذه الكتب بمعلومات قيّمة عن نشأة الحركة الإباضية وتنظيماتها السّرّية، وما أوردته هذه المصادر من معلومات لا تمتّ في معظمها للإباضية، ولا علاقة لهم بها» (2).
بالإضافة إلى مشكلة تناول تراث الإباضية بطريقة غير سليمة من بعض الكتّاب غير الإباضية، التي أساءت إليه عن قصد أو غير قصد، فإنّ دراسة الإباضية لتراثهم في حاجة إلى مزيد من الجهد الكبير والممنهج، مع تقديرنا لمن أسهم بفعالية في هذا السّبيل.
من مظاهر النّقص في هذه المبادرات، عدم التّعرّض لكلّ المجالات التي ألّف فبها الإباضية، فاقتصر في كثير من الأحيان على جوانب معيّنة، واجترار التّأليف فيها، إنّ: «اهتمامات كتّابنا ودارسينا بالجوانب الفقهية والعقدية والتّاريخية في التّراث الإباضي شيء بارز ومهمّ ومقبول ومطلوب، وقد أدّت هذه الدّراسات دورها، وأتت أكلها إلى حدّ بعيد. والحاجة إلى تطوير هذه الدّراسات ودفع عجلتها إلى الأمام، بنظرة جديدة في البحث، ومنهجية
__________
(1) ينظر لمزيد من التّفاصيل، الدكتور مصطفى حلمي، الخوارج، الأصول التّاريخيّة لمسألة تكفير المسلم، ط1، مطبعة التّقدّم، القاهرة، 1977م، ص: 16، 17.
(2) الدكتور عوض محمد خليفات، نشأة الحركة الإباضية، عمَّان، الأردن، 1978، ص: 12. ينظر النّظرة نفسها الدكتور محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي، ط1، دار العودة، بيروت، 1976م، ص: 6. وكتابنا: «ملاحظات حول تاريخنا القديم كيف ندرسه وكيف نحققه»، ص: 12 - 25. (1/152)
صفحة 134
أكثر فاعلية في التّناول، وخطّة أكثر دقّة وإحكامًا في العرض والتّحليل، الحاجة إلى ذلك أكيدة وملحّة، كما قال العلاّمة مصطفى الزّرقاء، مخاطبًا الشّعب العُماني، في ندوة الفقه الإسلامي سنة 1988م: «نحن نريد أن تخدموا فقهكم، وأن تستعينوا بكلّ من يستطيع أن يخدمكم في هذا الموضوع؛ لأنّه يخدم الشّريعة، ولا يخدم أشخاصكم فقط، نريد أن تنشروا فقهكم، وتنفخوا فيه الرّوح. ولديكم دفائن كثيرة، وكلّها مخطوطات ومطبوعات. لماذا يا إخواني الكرام! هنا فقهكم مدفون هذا الدّفن؟ لم يكن يسمع به أحد؟ وعندما بدأ يظهر، أخذ يطبع بدون خدمة؟ ثمّ نحن نريد أن يكون هذا الفقه موضع تطبيق. نحن نريد أن يقنّن نظامكم في هذا البلد من فقهكم» (1).
إن الدّكتور مصطفى الزّرقاء يدعو إلى ضرورة إخراج هذا التّراث؛ ليستفيد منه المسلمون، ويطلب أن يكون له دور عملي بتقنينه وجعله موضع تطبيق في الحياة العمليّة؛ لأنّه زاخر وغنيّ بما يفيد النّاس. وفي الوقت نفسه ينتقد الوجه الذي أُظْهِرَ به ما طبع منه. معنى ذلك: إنّ هذا التّراثَ في حاجة إلى خدمة أكثر منهجيّة وأكثر جديّة.
إنّ الاهتمام بالجوانب المذكورة شيء مهمّ، إلاّ أنهّ: «يجب ألاّ يكون مبالغًا ومفرطًا فيه، إلى درجة تكرار الموضوعات، وتكديس البحوث، واجترار الدّراسات، وإعادة التّأليف، والتّنافس في كتابة المطوّلات، والشّروح والحواشي ... على حساب جوانب أخرى، تبرز حقيقة التّراث الإباضي، وحقيقة إسهامه في الفكر الإسلامي بخاصّة، والفكر الإنساني بعامّة، وعلى حساب ما يساعد على مزيد من الكشف عن فحوى هذه المسيرة الطّويلة الثّرية، الضّاربة في أعماق التّاريخ» (2). فالفكر لا يعني
__________
(1) الدكتور محمَّد ناصر بوحجام، «دعوة إلى دراسة الفكر الإباضي»، مجلَّة الزهراء، جامعة آل البيت، المفرق، الأردن، المجلَّد الثّالث، العدد الثّالث عشر، صفر 1417هـ/ تموز/ يوليو 1996، ص: 54.
(2) المرجع السابق، ص: 55. (1/153)
صفحة 135
ـــــ فقط ـــــ الجوانب التي اهتممنا بها، إنّما هو أشمل وأعمّ، هو يتعدّاها إلى كلّ ما أنتجته القريحةُ، وأعطاه العقل. وعلماء الإباضية ومفكّروه أنتجوا أكثر ممّا قمنا بعرضه ودراسته، وأبدعوا في أكثر من مجال، وبحثوا في أكثر من جانب.
فمن يتصفَّح بعض الأدلَّة التي قام بإعدادها بعض الباحثين، وما قدّمته بعض الجمعيّات والمؤسّسات، يقف على ثراء التّراث الإباضي، وفي الوقت نفسه يشعر بالتّقصير في خدمته، وتقديم المساعدة لأبناء الإسلام للإفادة منه. يكفي أن نشير إلى الآتي:
1 ــــ ما قام به الشّيخ أبو القاسم البرّادي في إحصاء بعض مؤلّفات الإباضية في بعض تآليفه.
2 ــــ الشّيخ عبد الله بن حميد السّالمي، في كتابه «اللّمعة المرضية عن أشعَّة الإباضية».
3 ــــ الشّيخ سالم بن حمد الحارثي، في كتابه «العقود الفضية في أصول الإباضية».
4 ــــ الدّكتور عمرو خليفة النّامي، في كتابه «دراسات عن الإباضية».
5 ــــ الدّكتور عوض محمّد خليفات، في كتابه «نشأة الحركة الإباضية».
6 ــــ أعمال جمعيّة التّراث بالقرارة:
أ ــــ دليل مخطوطات وادي ميزاب.
ب ــــ معجم أعلام الإباضية.
ج ــــ معجم مصطلحات الإباضية .. وغيرها.
7 ــــ ما قامت به جمعيّة «أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التّراث» بغرداية من أعمال كثيرة في جمع هذا التّراث من مختلف المناطق في العالم، وتوفيره أمام الباحثين، وإعداد مشروعات للعمل لخدمة هذا التّراث، ومساعدة الباحثين على دراسته ...
8 ــــ خلفان الحجِّي، في رسالته التي خصَّصها لفهرسة مخطوطات بعض المكتبات في سلطنة عمان، والتّعليق على محتوياتها.
9 ــــ ما قامت به وزارة التّراث والثّقافة العُمانية. وبعض الدّارسين في سلطنة عُمان.
وغيرها من الأعمال الفردية والجماعية التي تبرز غنى هذا التّراث وتنوّعه، وشموليته لكثير من جوانب المعرفة وما أنتجه هذا الفكر ... (1/154)
صفحة 136
إذن يجب ألاّ تبقى الدّراسات التي تتناول حقيقة التّراث الإباضي محصورة في جوانب محدودة، وإلاّ عدّ هذا التّراث أو الفكر قاصرًا عن تأسيس حضارة، وعاجزًا عن مواكبة التّطوّر، ومن ثمّ يفشل في الصّمود، والاستمرار. مع أنّ الحقيقة التي لا مِراء فيها أنّه بقي خالدًا وثابتًا وصامدًا وفاعلا في مختلف مراحل حياة المسلمين، ومؤثّرًا في الحركة الفكرية الإسلاميّة.
إنَّ العمل على إبراز التّراث الإباضي، ودراسته دراسة علميّة موضوعية، ما يزال كبيرًا. يقول الدّكتور عمر با: « ... وعلى كلّ فإنّ قضيّة الوجود الإباضي في أرجاء العالم الإسلامي بصفة عامّة، ودورهم في بناء وتشييد الحضارة الإسلامية، وإثراء الفكر الإسلامي، أعتقد أنّه ما زال بعيدًا أن يكون قد نال حظّه الوافر من الاهتمام من قبل الباحثين والدّارسين بصورة علمية، نائية عن الاعتبارات المذهبية، والنّزعات الطّائفية» (1).
بناء على هذه الملاحظات نقدّم فيما يأتي بعض المقترحات في طريقة التّعامل مع الفكر الإباضي، أو دراسة التّراث الإباضي:
1 ـــــ العمل على توثيق الارتباط بهذا التّراث، وإيجاد سبل الاهتمام به وتذوّقه. لذا يجب الحرص على جذب النّفوس لقراءة كتب المذهب الإباضي. وتوفير عوامل فسح المجال لورود المذهب أو آرائه في المؤلّفات العامّة.
2 ـــــ ملء الثّغرات الموجودة في التّراث الإباضي، وبخاصّة في الجانب التّاريخي منه.
__________
(1) ندوة الفقه الإسلامي، جامعة السّلطان قابوس، مسقط، 1988م، ص: 238. ينظر الملاحظات التي قدّمتها جمعيّة الشّيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التّراث حول ضرورة دراسة الفكر الإباضي بمنهجيّة علمية واضحة، تضاف إلى جهود الدّارسين لهذا الفكر، وهي قليلة بالنّسبة لما يجب نحو هذا الفكر، ينظر في ذلك الرّسالة التي أرسلتها الجمعيّة إلى الباحثين: «استشارة علميَّة حول إنشاء مشروع معجم لتآليف علماء الإباضية». (1/155)
صفحة 137
3 ـــــ دراسة كيفية تقديم المذهب لأبنائه بطريقة منهجيّة، تضع في الحسبان التّطوّرات الحاصلة في العالم، والتّغيّرات التي شهدتها العلاقات الدّولية، ومناهج التّفكير التي ما تزال في تطوّر، والتّوجّهات والنّظرات التي أفرزتها الأحداث المتسارعة. كما يجب مراعاة تقديم هذا التّراث بطريقة تهتمّ بالمنهج أكثر من التّركيز على المعلومة والتّاريخ.
4 ـــــ الرّجوع في مواقف الإباضية وسلوكهم وتحرّكاتهم وتنظيماتهم ... الرّجوع في هذا إلى أصولهم في العقيدة والاجتماع والسّياسة؛ لمعرفة ما يملكون من فكر، ثمّ لفهم حقيقة ما يتبنّونه؛ لأنّ غياب هذا العنصر في بعض الدّراسات أوقع الدّارسين في كثير من الأخطاء، والالتباس والأوهام، أضرّت بالتّراث الإباضي كثيرًا (1).
5 ـــــ الحرص على الوقوف أو اكتشاف الخطّ الفكري الذي ينتظم مسيرة الفكر الإباضي، من زعيم الشّراة أبي بلال مرداس بن حدير، مرورًا بجابر بن زيد مؤسّس المذهب، وعبد الله بن إباض الزّعيم السّياسي، إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، منظّم حركة الدّعوة عند الإباضية ... ثمّ إلى ما بعد ذلك عبر مراحل مسيرة الدّعوة الإباضية إلى اليوم. فإنّ هذه المعرفة تساعد على فهم حقيقة هذا المذهب، ورصد التّطوّر الذي حصل له في المراحل المختلفة، ولفهم كثير من المواقف الآنية بخاصّة في هذا المنحى، يقول الدّكتور يوسف جعفر سعادة: « ... فالأحداث الرّاهنة هي نتيجة لأحداث وظروف ولّت وانتهت، وما لم نفهم الموقف أو
__________
(1) بقيت عدّة قضايا معلّقة، في حاجة إلى الحسم، وكثير من الأسئلة، تتطلّب إجابات مقنعة، ونظرات في حاجة إلى توضيح الرّؤى فيها، وكثير من المواقف في حاجة إلى تفسيرها على الأصول التي تحكم الفكر الإباضي ... ينظر على سبيل المثال كتابنا: «ملاحظات حول تاريخنا القديم كيف ندرسه وكيف نحقّقه»، ص: 31 ــــ 45. (1/156)
صفحة 138
الأساس الذي قام عليه الموقف الحاضر فإنّ الوضع المعاصر يصبح سرًّا مغلقًا» (1).
6 ـــــ العمل على الإضافة إلى هذا التّراث، وإغنائه وإنمائه بالرّوافد الجديدة، من الفكر الإنساني؛ حتّى يساير التّطوّر، ويواكب التّغيير، ويلاحق النّهوض, فإنّ هذا هو الذي يبعد عنه الجمودَ، وينأَى به عن الانفصال عن الفكر العالمي، والانقطاع عن الواقع، فلا يبقى محبوسًا في زاوية الدّراسة لأثر مضى، أو قراءة لتراث أمّة أثرية. لا يصلح ما تركته إلاّ أن يحتلّ مكانًا في متحف، أو موضعًا في مزار. يقول الأستاذ عثمان حشلاف عن الشّاعر المبدع، وعلاقته بالتّراث، وطريقة تعامله معه (والأمر ينطبق على كلّ من يستلهم التّراث ويتعامل معه): «لكنّ الاقتصار على التّراث القومي وحده في عملية الإبداع، لا يغني عن التّراث الإنساني، مهما كان منهج الشّاعر في الإفادة من موروثه، ومهما كانت طاقته الإبداعية. بل لابدّ من أن يمتدّ خياله إلى ما عند الآخرين، ويتّخذَ من ثقافته الواسعة للتّراث الإنساني كلّه مصدرًا يستمدّ منه ما يراه ضروريًّا لإكمال النّقص الذي يشعر به في تراث أمّته. فعلاقة الشّاعر بالتّراث الإنساني علاقة إثراء لتراثه، وإغناء لشخصية قومه، بإضافة تجربة إنسانية جديدة، سبق إليها شعب آخر من شعوب العالم المتحضّر، يتمثّلها الشّاعر تمثّلاً فنّيًا نقديًا، فيسقط منها ما لا يتلاءمُ والتّكوين الفكري والنّفسي والحضاري لأمّته، أو يطبعها بطابعه الخاصّ، ويكسبها من نفسه وتراثه أصالةً ومرونة، وتصبح تجربة جديدة في جسم التّراث القومي، وجزءًا أصيلاً منه» (2).
7 ـــــ التّخطيط لتزويد المراكز العالمية، والمؤسّسات الثّقافية بهذا التّراث، والتّنسيق بينها وبين مراكز الوجود الإباضي في العالم.
8 ـــــ البحث عن الوسائل الكفيلة بتصحيح المفهومات الخاطئة عن المذهب الإباضي.
__________
(1) الدكتور يوسف جعفر سعادة، دور القراءات الخارجية في تدريس التّاريخ، النّاشر مؤسّسة الخليج العربي، القاهرة، 1985م، ص: 17.
(2) التّراث والتّجديد في شعر السيَّاب، ص: 16. (1/157)
صفحة 139
9 ـــــ إعادة غربلة الكتب التي كتبت عن التّراث الإباضي وأصوله ومواقفه، وبخاصّة التي كتبها غير أبنائه المنتسبين إليه، وتمحيص التّأويلات التي قدّمت لبعض المواقف، والتّفسيرات التي أخذت من بعض الأصول، والإضافات التي سجّلت لبعض الثغرات في التّطوّر التّاريخي، والتّحليل الذي أعطي لبعض المصطلحات، وبعض النّتائج التي تُوُصِّلَ إليها ... فإنّ هذه الأخطاء التي ارتكبت في هذه الحقول المعرفيّة، أو في هذه الجوانب أورثت أو أفرزت نتائج خاطئة وخطيرة على مسيرة الفكر اٍلإسلامي.
10 ـــــ ربط الصّلات بين الجهات المختلفة، التي يوجد فيها الإباضية، لتنسيق الجهود في العمل على إبراز تراثهم وخدمته (1). ثمّ بين هذه الجهات والجهات الأخرى العالميّة، لربط الفكر الإباضي بالفكر اٍلإسلامي، ثمّ الإنساني.
11 ـــــ الرّبط بين التّراث القومي والإنساني، المذهبي والإسلامي، الخاصّ والعام ...
هذه مجموعة من الأفكار، عرضناها للمناقشة والإثراء؛ إسهامًا منّا في إخراج التّراث الإسلامي إخراجًا، يرقى إلى مستوى مكانته السّامية بين أنواع التّراث الإنساني. كما وقفنا في هذه الملاحظات عند بعض الخصوصيات التي تميّز التّراث الإباضي، من حيث مضمونه، والطّريقة التي تُنووِل بها، وما ينقصه من ناحية التّعريف به، والأخطاء التي ارتكبت في حقّه، والتّقصير الذي سجّل على المنتمين إليه في فهمه، وطريقة التّعامل معه، ومنهجية تقديمه لأبناء الإسلام؛ بصفته نتاجًا إسلاميًّا، من حقّ المسلمين أن يعرفوه، بل من واجبهم أن يتعرّفوا عليه، ويوجدوا له مكانه في الدّراسات العامّة، ليتمّ التّعارف بين أبناء الأمّة الإسلامية؛ حين يخدم كلّ التّراث الإسلامي، من دون تمييز أو إقصاء، وتهميش أوتغييب ... هذه وجهة نظرنا
__________
(1) للوقوف على أهميّة هذه الملاحظة، ينظر كتابنا: «التواصل الثقافي بين عُمان والجزائر»، ط1، مكتبة الضامري النشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان، 1423هـ/ 2003م. (1/158)
صفحة 140
المقترحة في كيفية التّعامل مع التّراث، فإلى ملاحظات القرّاء الكرام ونقدهم وإضافاتهم، نحن ننتظر منهم هذا الإكرام ونترقّب، ففي صدرنا لذلك مكان أرحب، ونتيجة هذا العمل كبير مغنم ومكسب.
قائمة المراجع
30 - سيّد حامد النّسّاج، رحلة التّراث العربي، ط3، دار المعارف، القاهرة، سنة 1987م.
31 - عثمان حشلاف، التّراث والتّجديد في شعر السّيّاب، ديوان المطبوعات الجامعيّة، الجزائر، 1986م.
32 - عبد العزيز الرّفاعي، توثيق الارتباط بالتّراث العربي، ط4، مطابع البلوي، جدّة، ربيع الأوّل 1393هـ.
33 - عوض محمد خليفات، نشاة الحركة الإباضية، عمّان، الأردن، 1978م.
34 - مصطفى حلمي، الخوارج، الأصول التّاريخيّة لمسألة تكفير المسلم، ط1، 1397هـ/ 1977م.
35 - محمّد ناصر بوحجام، ملاحظات حول تاريخنا القديم كيف ندرسه وكيف نحقّقه، ط2، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1998م.
36 - يوسف جعفر سعادة، دور القراءات الخارجية في تدريس التّاريخ، النّاشر مؤسّسة الخليج العربي، القاهرة، 1985م.
37 - ندوة الفقه الإسلامي، جامعة السّلطان قابوس، مسقط، سلطنة عمان، أفريل 1988م.
38 - جريدة النّصر، قسنطينة، الجزائر، عدد: 13 جانفي 1988م.
10 - مجلّة الزّهراء، جامعة آل البيت، المفرق، الأردن، المجلّد الثّالث، العدد الثّالث عشر، صفر 1417هـ/ يوليو 1996م. (1/159)
صفحة 141
الحياة العلمية بمنطقة أريغ
من القرن الرابع إلى السادس
للهجرة النبوية المشرفة
الدكتور: عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة
أستاذ ــــ جامعة وهران ـــ
لم يكد يأفل نجم الدولة الرستمة في تاهرت سنة 296هـ حتى عجَّت منطقة أسوف وأريغ ووارجلان بالعلماء، خاصة بعد اهتمامهم بإنشاء حلقات العلم والتأليف التي تطورت إلى نظام العزابة ليصبح بعد زمن نظامًا علميا واجتماعيا متكاملا. ولقد كانت وارجلان في هذه الفترة الممتدة من القرن الثالث إلى السابع للهجرة مركزًا تجاريا وعلميا يربط المغرب الأوسط الإسلامي بجنوب الصحراء وحتى أقاصي غرب إفريقيا.
على أنَّ تخصيص هذا البحث بمنطقة أريغ بالتحديد لاعتبارات أهمهما أنها كانت مهد نظام العزابة العظيم، وأنها كانت القلب العلمي النابظ لمنطقة وارجلان وما يليها غرباً و منطقة أسوف وما يليها شرقًا.
التعريف بالمنطقة:
*- أريغ: تُنسب المنطقة إِلىَ قبيلة بني ريغة، وبنو ريغة يَتَّصِلُ نسبهم ببني مغراوة، ويَتَّصِلُ نسبهم بزاكيا، مثل قبيلة بني يفرن وبني واسين، وجدُّهم الأَوَّل الديرت بن جانا، أي: جاناتن، أي زناتة (1).
وقد امتاز أهلها بأخلاقهم الحسنة، ونرى ذَلِكَ جليا في شهادة أبي عبد الله محَمَّد بن بكر (ت: 440هـ)، وكانت سببا في حلوله بينهم إذ قال بعد أن استخار الله واستشار أصحابه قائلا لهم: «إِنَّ هاهنا ناسا رقاق القلوب، أرجو أن ينتجع فيهم الإِسلاَم ويتلقَّوا ما نَحْنُ عَلَيْهِ بالقبول، ويكونوا لهذا الخير أهلا، وهم مغراوة ريغ، فما رأيكم في الانتقال إِلىَ جهتهم؟» (2).
__________
(1) ينظر: محَمَّد بن عميرة: دور زناتة، ص19.
(2) الدرجيني, الطبقات, ص 169. (1/160)
صفحة 142
قالوا: في رأيك اليُمن والبركة، فسرُّوا بِذَلِكَ سرورا عظيما، واغتبطوا أيَّ غبطة (1).
ويختلف ياقوت الحموي مع ابن خلدون، إذ ذهب إِلىَ أَنَّ ريغ يقصد به بالبربريَّة السبخة، فَكُلُّ من كان منها فهو ريغي (2).
بينما يذهب ابن خلدون إِلىَ أَنَّهُم بطن من مغراوة، مثل: بني سنجاسن، والأغواط، وبني ورا. ونزل الكثير منهم بين قصور الزاب وواركلا، فاختطُّوا قرى كثيرة في وادٍ ينحدر من الغرب إِلىَ الشرق (3).
*- تُقرت:
تعتبر تقرت من المدن العريقة فلقد ذكرها ابن خلدون على أنها كانت قاعدة بلاد ريغة.
وذكرها الدرجيني فى كتاب الطبقات و أَنَّ الشيخ عبد الرحمن بن المعلى أسَّس حلقة العلم بها. يقول عنه الدرجيني: «هو أَوَّل من أسس الحلقة بمسجد توقورت، وأنهج طرقها، وأحكم عقودها وأوثقها، وقيَّدها ووقتها. وحجر عَلَى تلامذتها أزقتها، وقسط موازينها، وحقق قوانينها، فتخلَّق كُلُّهُم بحميد هَذِهِ الأخلاق» (4).
يَتَبَيَّنُ لنا من خلال هَذَا ما فعله الشيخ عبد الرحمن بن المعلى في تأسيسه الحلقة من جهة، واستخدامه لضوابط محكمة يسير عليها الطلبة. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى نجاح نظامه اشتهاره في الآفاق، ومجيء طالبي العلم من أماكن بعيدة، وإضافة الدرجيني قائلا:
«وتيمَّمها طلاَّب الخير من جميع الآفاق، يشاهدون البراهين والعبر، ويشهدون المنافع الكبيرة، ويأخذون السنن عن التُّقاة والسير، ويصدِّقون الخبر والمخبر» (5).
ومن مشايخ منطقة تقرت الذين ذكروا في كِتَاب السير نذكر أبا عبد الله محَمَّد بن الخير بن أحمد. صنَّفه الدرجيني ضمن الطبقة العاشرة (450ــــ500هـ/1058ـــ1106م). أخذ العلم في كدية مغراوة، وكان من تلامذة أبي عبد الله محَمَّد بن بكر. وقد اهتم إِلىَ جانب العلم بالفلاحة، واستصلح أرضا بـ «تَلاَ عيسى» (6).
__________
(1) ينظر: الدرجيني: طبقات، 1/ 170.
(2) ياقوت الحموي: معجم البلدان، مج3/ ص113.
(3) ابن خلدون: تاريخ، مج13/ ص96 - 98.
(4) الدرجيني: طبقات، 2/ 457 - 458.
(5) المصدر نفسه.
(6) «تَلاَ» تعني: عين ماء، وَلَعَلَّ المنطقة بها ينابيع اشتهرت بهذا الاسم. (1/161)
صفحة 143
*- بلدة اعمر:
تين باماطوس، آجلو الغربي، آجلو الشرقي.
تكاد هَذِهِ الأسماء تشكِّل مدينة واحدة، حيث تداخلت حسب ذكر الحقائق عنها.
لقد اهتمت المصادر التَّارِيخِيَّة بِهَذِهِ العاصمة الثَّقَافِيَّة اهتماما كبيرا، لقد كان فضلها عَلَى المنطقة والمناطق المجاورة مثل وارجلان وبادية بني مصعب كبيرا جِدًّا.
التعريف ببعض مشايخها:
الشيخ أبو عبد الله محَمَّد بن بكر الفرسطائي
هو أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي, ولد سنة 345هـ وتوفي سنة 440 هـ بتين اسلي (بلدة عمر) ودفن بها (1).
نشأ بفرسطا بجبل نفوسة شرق كباو, أخذ العلم عن الشيخين: أبي نوح سعيد بن زنغيل (2) وأبي زكرياء بن أبي مسور (3) , ولمَّا مات أبو نوح انتقل إلى القيروان للاستزادة من علوم اللسان, وفي طريقه إلى تاجديت ــ للاستزادة من علم الفروع على الشيخ أبي عمران موسى بن زكرياء ـــ وفد إليه أبناء شيخه أبي زكرياء فصيل: زكرياء ويونس, وابن أخته أبو بكر بن يحيى (4) و من معهم طالبين منه أن يعقد لهم الحلقة.
فامتنع وراودوه أيّاما, ولمّا كان في المسجد سمع رجلا يودع صاحبه ويقول له: «يافلان اجعلها لله لا تخب». فتفاءلوا بذلك جميعا, واشترط عليهم أربعة أشهر ليردّ الجواب.
وبعد مدّة من التفكير تقرُب من أربعة أشهر وضع أبو عبد الله نظام الحلقة ملبّيا رغبة شيخه أبي زكرياء بن أبي مسور في تينسلي في
__________
(1) د. عمرو خليفة النامي, محاضرة (مرقونة): ملامح عن الحركة العلمية في وارجلان, ملتقى وارجلان 1977, ص 7.
(2) أبو نوح سعيد بن زنغيل من الطبقة الثامنة (350هـ/400هـ) , الدرجيني, ص 143،353.
(3) أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور يسجا بن يوجين اليهراسني من الطبقة الثامنة, الدرجيني, طبقات, مج 2, ص 361.
(4) أبو زكرياء, كتاب السيرة, ص 252. (1/162)
صفحة 144
الغار (1) الذي أعدّه له أبو القاسم يونس بن ويزكن الوليلي لدى مغراوة ريغ.
و كان لكثرة تنقُّله مع تلامذته أن قال فيهم عبد الله بن الأمير: «عجبا لهذا الشيخ وأصحابه, إنّما مثلهم كمثل الحواريّين لعيسى بن مريم» (2) أمّا سبب مجيء أبي عبد الله إلى وارجلان فهو الظلم الذي حدث من بني وَرْزمَارْ إذ قطعوا الطريق, وأكثروا الأذى, فجمع أبو عبد الله جماعة أهل أريغ وحثّهم على دفع الظلم, ولكنّهم أجابوا بقولهم "لا طاقة لنا وما عسانا أن نقدر عليه؟ " فأجابهم "نحن نقدر على أنفسنا (3) حينئذ قرّر الذهاب إلى وارجلان فنزل بإيفران, فأقام بها عاما, وكان هذا القرار من أريغ لعاملين:
1 ـــ لدفع جماعة أريغ لتغيير المنكر بأنفسهم عن منطقتهم.
2 ـــ لتأمين الطريق للعزابة الذين يفدون إليه, ويقتلون بأريغ.
و كانت له رحلات أيضا إلى بادية بني مصعب إبّان الربيع لمآرب كثيرة منها طلب راحته وراحة طلبته حيث الجوّ ألطف والهواء أنقى (4) و له في الميدان العلمي الآثار الكثيرة, وقد ألّف في الحجج والبراهين, وفي الأخلاق (5) ولكن لم يصل إلينا شيء منها بل تذكر كتب السير جميعها عناوين كتبه. ومات رحمه الله في غاره في تين يسلي وقبره قبالة الغار وقال عبد الرحمن بن عمر جعلت علامته شجرة يقال لها العنظوان وهي بالبربرية تاعقايت (6) وترك من الأبناء: أبا العباس أحمد بن محمد: صاحب التآليف. وأبا يعقوب يوسف بن محمد، وإبراهيم بن محمد.
__________
(1) يسمى الغار بالتسعي ويسمى أيضا التسعر, نسبة إلى سنة 409هـ التي أسّس فيها نظام الحلقة, وبالمناسبة وقع الاحتفال بذكراه الألفية في غرداية عاصمة ميزاب سنة 1409هـ, وقد كتبت في الموضوع رسائل جامعية ودراسات قيّمة, اطلبها تحت عنوان: الحلقة ــــ العزابة.
(2) الدرجيني، طبقات, ج 1, ص 186.
(3) المصدر نفسه, ج 2, ص 386.
(4) المصدر نفسه, ج 1, ص 183.
(5) المصدر نفسه, ج 2, ص 377.
(6) نقلا عن مخطوط قديم من لفوف, مجهول المؤلف، تحت رقم 277. ينظر:
T. LEWICKI, Mélanges - Ibadites, R. E. I. Paris. PAUL GEUTHNER, 1936. T, X, P. 277. (1/163)
صفحة 145
ومن الذين درسوا على ابن زنغيل وكان لهم الفضل في ترتيب الحلقة أيضا في بدايتها أبو الخطاب عبد السلام بن منصور بن أبي وزجون المزاتي (1).
و كانت رحلته الأخيرة من قلعة درجين سنة 440هـ إلى سوف ثمّ إلى آجلو مع قبيلة ورتزيلن أمام هجمات الصنهاجيّين فوجد أبا عبد الله محمد بن بكر في آخر أيّامه, ويحتمل جدّا أنّه واصل المسيرة التي بدأها ولو أنّ المصادر سكتت عن ذلك. (2)
التنظيم الإداري للتعليم:
لم تكن الحلقة منظمة بنفس الطريقة التي استحدثها أبو عبد الله محمد بن بكر, إذ إنّ الحلقات الموجودة في المساجد حول المشايخ أو في أماكن خاصة للتدريس أقلّ إحكاما من حيث نظام أبي عبد الله الجديد.
فأبو عبد الله رأى أنّ على الطالب أن يلزم أماكن الدراسة كامل أوقاته أو بالأحرى كامل فترته الدراسية، فجمع بين الدراسة والسكن والعبادة وطلب العلم.
و أسند للطلبة وظائف, فكوّن منهم عرفاء فصاروا يشعرون بالمسؤولية وبالتالي يلتزمون بآداب خاصّة حتّى ينالوا احترام غيرهم ويخففوا عن الشيخ أعباء كثيرة لا يستطيع القيام بها وحده.
وهذا النظام نظام الحلقة, أي نظام العزابة سيأخذ شكلا آخر على مرور الزمن، فهو يتمثل الآن في الهيئة الساهرة على الأمور الدينية مثلما يسهر على حياة المجتمع في شتّى مناحيه, في جوّ من الترابط والتلاحم.
أ- الشيخ:
بعد أن نلقي نظرة خاطفة على الهيكل العام لأعضاء الحلقة نلاحظ أنهم ينقسمون إلى صنفين: آمرين ومأمورين, وفي أعلى الهرم بالنسبة للآمرين نجد الشيخ، والشيخ وحده هو الذي تنتهي إليه المسائل العويصة للفتوى وهو المرجع الوحيد والأخير لدى كلّ الأمور التنظيمية وهو وحده الذي يستطيع أن يصدر العفو
__________
(1) ينظر:
FEKHAR. (Brahim Ben Moussa, Docteur), Les Communautés Ibadites en Afrique du Nord depuis Les Fatimides, thèse, Sorbonne, Paris III, 1971, P, 64.
(2) الدرجيني, طبقات, ج 2, ص 407. (1/164)
صفحة 146
بعد الخطة والهجران (1) ولا يصل إلى هذه المرتبة إلاّ بعد أن يبلغ مبلغا عظيما في العلم والورع والتقوى ولا يجلس إلى الحلقة إلاّ بعد أن يأنس من نفسه ذلك ولا يردّ المسألة إلى غيره من المشايخ إلاّ على سبيل الاحترام والتقدير.
و تتلخّص مهامه التربوية في الحلقة على الآتي:
- الجلوس لطلبة فنون العلم في وقت معلوم ليأخذوا عنه الدرس.
- الاستفتاح وهو قيامه في الثلث الأخير من الليل أو الربع الأخير، فيفتتح التلاوة حيثما وصلوا ليلة البارحة, بعضهم يقرأ وبعضهم يدرس وحده إلى الفجر.
- الجلوس بأثر الختمات للجواب على الأسئلة في أي فنّ كان, ويذاكر تلاميذه فيما حصلوه. (2)
- الحكم بين المختلفين والمختصمين من التلاميذ.
مهام الشيخ خارج أوقات الدراسة في الحلقة:
يجمع التلاميذ يوم الاثنين والخميس فيعظ ويذكّر ويحذّر ويسألهم عن أحوالهم فمن عيب عليه شيء, فالخطة والهجران للكبير والزاوية والجلد للصغير.
يأذن لعابر السبيل في الإقامة أيام حلوله كضيف ويأكل من غير المدّخر, أو الدخول في الحلقة بعد الاستفسار عن سيرته لدى أهله وذويه.
يأذن فيما يشترى أو يباع من الأقوات وما يدّخر وما لا يدّخر منها.
يأذن في قسمة ما يفتح الله من رزق أو أوقاف على التلاميذ.
و مع ذلك فالشيخ لا يستنكف أن يقوم بأعمال يرى فيها الأجر والثواب. (3)
__________
(1) البرادي، أبو القاسم بن إبراهيم, الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلّ به كتاب الطبقات, طبعة حجرية، مصر 1302هـ/1884م، ص 209.
(2) ينظر: الدرجيني, طبقات, ج 1, ص172.
(3) قد يقوم بها العزابة دونه، وهذا ما يرويه أحد تلاميذه قائلا: كنّا في حلقة أبي عبد الله نقرأ عليه فكان العزابة أرادوا كنس الغار فكنس معهم الشيخ أبو عبد الله, وجعل يرفع معنا الكناس على عاتقه, فقال له يوما بعضنا وهو ينقل معنا: أقعد يا شيخ فإنّ العزابة يكفونك. قال: أو يحملون عليّ ذنبي؟
ينظر: الدرجيني, طبقات, ج 2, ص 392. (1/165)
صفحة 147
ب ـــ العرفاء (1):
يختار الشيخ عرفاء من خيرة الطلبة اجتهادا وذكاء وإخلاصا فيصنّفهم صنفين: صنف لأعانته في التدريس وهم من حملة القرآن.
وصنف لمراقبة (الداخلية) وهذا يكفي فيه واحد للختمات والنوم وآخر للطعام.
فالمجموعة الأولى: ترتبط بجماعة الألواح من طلبة القرآن فيملون عليهم ويصحّحون ألواحهم, وكلّ واحد يختصّ بمجموعة لا تقلّ عن اثنين ولا تزيد عن عشرة إلاّ في حالة الضرورة عند كثرة الطلبة وقلّة العرفاء (2).
أمّا العريف المكلّف بالختمات والنوم فمهامُّه تنحصر فيما يلي:
- عليه ارتصاد الحزب للمذاكرة فينبّه الشيخ في الغد إلى مكان الحزب بالأمس.
- عليه أن ينادي بنوم الهاجرة, ويلزم من لا عذر له على النوم.
- عند غروب الشمس ينادي للختمة.
- بعد صلاة العشاء وقراءة القرآن ينادي بالدعاء.
- بعد قراءة بعض المواعظ على الشيخ ينادي بالنوم.
و من خالف هذه الأوامر يتعرّض للعقوبة المتمثّلة في الخطة والهجران للكبير والزاوية والجلد للصغير, أو الطرد إن اقتضى الأمر (3).
أمَّا العريف المكلّف بالطعام: فهو الذي ينبّه الطلبة والعزابة على ملازمة حسن الآداب إذا كان الطعام خارج إقامتهم عند شخص عامّي, وذلك بشعار حسّان, أو حسّان بن ثابت, أو أحسنوا آدابكم. وإذا كان الطعام عند عزابي فيميلون إلى الانبساط من اقتراح ما يحسن طعامهم.
والعريف يرتّب جلوسهم، ويأمر بالماء ليغسلوا, وبعد الطعام ينادي بالدعاء.
و إذا كان الطعام يحتاج إلى إعانة ومعالجة فلا يشغل الطلبة المنشغلين بدراستهم بل يعفيهم ويميل إلى غيرهم (4).
و لعلّ أجمل ملحظ نراه في أكلهم: أنّهم يُقسَّمون إلى طوائف
__________
(1) يبدو أنّ العريف قديما كان من كبار العزابة, لما له من سلطة الأمر والنهي.
(2) البرادي, الجواهر, ص 212.
(3) الدرجيني, طبقات, ج 1, ص 177.
(4) البرادي, الجواهر, ص 210. (1/166)
صفحة 148
ويكون في كلّ طائفة عريف عليها أكبر المجموعة سنّا وأكثرهم تضلّعا في الشريعة والعلوم, فيلقي ثلاث مسائل في فنون مختلفة ويكون الجواب عليها ميامنة فإن عثر أحدهم أمسك يده عن الطعام تلقائيا إلى أن يتذكّر الجواب.
وبهذا نرى أن هذا النظام محكم ويستغلّ جميع وسائل الزجر والترغيب ويصل الحدّ به إلى أن يحرم الطالب من الأكل وهو يشتهيه, وخاصّة وقت الخصاصة, وقد لا تروق علماء النفس هذه الطريقة الآن ولا يجرؤون على تطبيقها أيضا ولو علموا جدواها.
ولعلّ من أهمّ تأثيراتها حين يدعى طالب الحلقة لهذا النظام أنّه يحضّر نفسه قبل كلِّ طعام يوميّا تحضيرا ينصرف ذهنه كلّيا إلى حفظ المسائل وإلى الاختبارين الصعبين: الجواب على المسائل أو الإمساك عن الطعام إلى أن يمنَّ الله عليه بالجواب.
ج ـــ الطلبة أو (العزابة):
يُعرِّف الدرجيني كلّ من طلب العلم ولازم الطريق وسير أهل الخير, وحافظ عليها وعمل بها بالعزابي، وإن حصَّل العلم دون السير لم يسمّ به (1).
أي أنّ طالب العلم تُشترط فيه شروط معلومة لكي يصل إلى العزّابي, تجمع بين طلب العلم والالتزام بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف والاقتداء بعمل الصالحين من قبله.
ومجموع العزابة مع شيخهم يكوّنون الحلقة, وبهذا تغير اسم الحلقة من نظام في الجلوس حول الشيخ إلى مجموع العزابة مع الشيخ كيفما كان وضعهم أو مكانهم, فالعزابة اسم لجماعة تشتمل على الشيخ يعلّمهم العلم ويلقّنهم السير ويبصّرهم في الدين بحسب ما يفتح الله على كلّ واحد منهم .... فكأنّهم محلّقون ولو أنّهم مفترقون (2).
يتألّف الطلبة حسب السنّ من كبار وصغار، والكلّ يجتهد في طلب العلم والالتزام بالضوابط التي رسمها المشايخ حتّى لا يتعرّض لعقوبات صارمة, وإن كانت الرغبة التي دفعته لطلب العلم وطاعته لمشايخه تحدوان به إلى الابتعاد عن العقاب المعنوي أو المادي.
__________
(1) الدرجيني، طبقات, ج 1, ص 3.
(2) المصدر نفسه، ج 1، ص 4. (1/167)
صفحة 149
فالسنّ إذًا لا يشترط في طالب العلم ما دام الهدف هو معرفة الشريعة الإسلامية والفرد المسلم يحتاج إليها في كامل أطوار حياته بل يعدّ ذلك عبادة لا تعدلها عبادة.
والطلبة صنفان: كبار وصغار.
والكبار منهم المجدّ ذو المواهب الحسنة ومنهم المجدّ ذو المواهب المتوسّطة وأمّا الطلبة الذين لا يبذلون جهدا فعادة ما يتعرّضون للخطة والهجران أو الطرد إذا كانوا كبارا، والزاوية والجلد أو الطرد إذا كانوا صغارا.
والمجدّون من ذوي المواهب الحسنة عادة ما يكون منهم العرفاء, وأمّا ذوو المواهب المحدودة فينبغي أن تكون خدمة الطعام من هؤلاء الذين لم يفتح الله عليهم بشيء, ولم يشرح صدورهم للعلم, لكن ينفعهم الله بخدمة أهل الخير ويوفيهم فيها أجورهم (1).
ومن أمثلة هؤلاء تلميذ من تلامذة أبي عبد الله محمد بن بكر اسمه «بلغن»، كان يخدم العزابة في تين يسلي ويخبز لهم الرغائف وكان يتعنَّى في خدمتهم ويحتسب ما عند الله (2).
و قد يعجب البعض من تقصير هؤلاء أوّل الأمر إن جهل أنّ الكبير عادة ما يتخبّط في مشاكل اجتماعية تكون سببا في انشغال باله, وتشتت ذهنه رغم انقطاعه عن التعليم (3).
و أمّا الصنف الأخير: فهم الزمنى والعميان فقد نطق بعذرهم القرآن.
ونرى هذا النظام من التعليم يعذر كلّ إنسان قاصر في فهمه ملتزم بالنظام والحضور علّه يستفيد شيئا ينفعه لدنياه وآخرته.
*-ومثلما يلتزم بالحضور والانضباط يشترط عليه هندام خاصّ وهيئة خاصّة. منها:
*-لبس البياض, وعدم السماح بالثوب المصبوغ.
*-حلق شعر الرأس.
*-إذا لبس العمامة فعليه بالتلحي (4).
__________
(1) البرادي, الجواهر, ص 216.
(2) أبو زكرياء, السيرة, ص 349.
(3) الدرجيني, طبقات, ج 1, ص 180.
انظر ما لاحظه الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني حينما دخل حلقة وارجلان، عند أوّل صومه في شبابه. (أورده البرادي أيضا في جواهره, ص 215).
(4) الدرجيني, طبقات, ج 1, ص 171.
الوسياني، سير, ذكر التلحي, ص 4 ـــ7. (1/168)
صفحة 150
د) أماكن التدريس:
ليست المساجد أماكن لتأدية الشعائر الدينية فقط مثل الأديرة والكنائس والبيع, بل هي المكان الذي يتقاضى فيه الناس, وتعقد فيه ألوية الجهاد, وتعقد فيه حلقات الذكر والعلم, فهي مراكز إشعاع لجميع مناحي الحياة البشرية ما دامت هذه الحياة مطية المسلم إلى دار سعادته الأبدية.
ومن أمثلة ذلك مسجد الشيخ جنون بن يمريان حيث كان الشيخ أبو نوح سعيد بن زنغيل يعقد فيه حلقته. ويقول الدرجيني: «وكانت جماعة أهل وارجلان تجتمع عند مسجد الشيخ جنون فمنهم المستفيد علما, ومنهم المتبرّك بمشاهدته والمشارك فيما يعرض من أمور دنياه ودينه والمقتني خُلُقا يتحلّى به والمستزيد من معرفة سبب السير, فكلّهم منقلب بخير وفضل» (1).
وقد تعقد حلقات الدراسة في دار يبنيها الشيخ خصيصا لذلك, وقد تكون مجاورة لدار سكناه، وذلك رمز للقرابة الروحية. ويروي الدرجيني (2) حديثا عن جدّه يصف فيه دار الشيخ أبي سليمان (3) أيوب المخصّصة للعلم فيقول: «حدّث جدّي يخلف بن يخلف التميجاري رحمه الله قال: كان شيخنا أبو سليمان أيوب بن إسماعيل كثير الإبرار بتلاميذه, وكانت له داران بوارجلان متقابلتان يفصل بينهما طريق, وفوق الطريق ساباط وصل بين الدارين من علو, فإحدى الدارين دار سكناه والأخرى مطلقة للتلامذة والأضياف».
وقد تكون الغيران أماكن لعقد الحلقات مثلما تكون مقرّا لسكنى المشايخ والطلبة. فقد عقد أبو صالح الياجراني (4) حلقة للعزابة في غيران بني أجاج خارج وارجلان.
وهذا شبيه أيضا بما فعله أبو عبدالله في آجلو حيث أُعِدَّ له غار (5)
__________
(1) الدرجيني، طبقات, ج1, ص 144.
(2) نفسه, ج 2, ص 459.
(3) أبو سليمان أيوب بن إسماعيل: هو شيخ أبي يعقوب يوسف الوارجلاني وقد رثاه بعد وفاته بقصيدته البائية المشهورة. (من الطبقة الحادية عشر 500 ـــ 550).
(4) أبو صالح الياجراني من الطبقة الثامنة (350 ـــ 400هـ).
(5) لقد زرت هذا الغار ولا يزال إلى حدّ الآن في آجلو «بلدة اعمر» وهو على شكل سراديب ينزل إليها الإنسان مقسمة إلى غرف من صنع الإنسان، يحيط بها كثبان من الرمال من جميع الجهات حيث قبر الشيخ ويزار الآن باسم سيدي السائح لكثرة تجواله كما مرّ في تعريفه. (1/169)
صفحة 151
خصّيصا لذلك كما مرّ.
وقد تكون المدرسة متنقّلة, فيسافر العلماء بتلاميذهم بالقوافل التي تحمل المؤونة والحُصُر, وحينما يجدون المكان اللائق ينصبونها, وتتألّف المدرسة من أقسام: قسم للصلاة, قسم للشيخ, قسم للنساء, وبيوت للتلاميذ (1).
وهكذا يجد الشيخ عبد الرحمن بكلّي في مقدّمة كتاب الطبقات للدرجيني تعليلا رائعا لهذا التنقّل الدؤوب, وهو التعوّد على عقد رحلات للدعوة إلى الله وتفقّد أحوال المسلمين مع التدرّب على خشونة العيش وترك حظوظ النفس إرضاء لله.
وبالفعل فقد نتج عن ذلك تزاور في الله, فصار أهل المشرق يزور أهل المغرب, وأهل المغرب يزور أهل المشرق (2).
ومن أهداف هذه الرحلات تتبّع المشايخ حيث يقيمون ولو كانوا في أمور دنياهم.
فأبو عبد الله رحمه الله ينتقل بحلقته إبّان الشتاء إلى أبي سليمان فيقيمون حتّى يسمعوا صيَّ البعوض فينزل إلى ضيعته (3).
وكذا كان ينتقل إلى بادية بنى مصعب في الربيع حيث الهواء المنعش فرارا من تعكّر الجوّ.
وبهذا تتعدّد أسباب التنقّل بالطلبة ودائما في صالح الجوّ الدراسي من تعقّب المشايخ في مزارعهم وأماكن رعيهم لاستغلال علمهم حيث إنّ الحياة القاسية لم ترحمهم فيجلسوا كلّهم للتدريس.
ومن جهة أخرى فقد أرادت هذه الطريقة أن تبرهن أنّ الدراسة لا يجب أن ترتبط في ذهن الطالب بالجدران والمكان المعروف, بل حياته كلّها من الغيران المظلمة إلى الفضاء الفسيح كلّه مدرسة, ومن تقلّبه في فراشه إلى جلوسه أمام الشيخ كلّه, أوقات لا يجب أن يغفل
__________
(1) بكلي عبد الرحمن, مقدمة طبقات الدرجيني, ج1, ص: د.
(2) مقرين بن محمد البغطوري, سير نفوسة, مخطوط, ص 6.
(3) أبو سليمان داود بن أبي يوسف (ت 462هـ)
وإن كان الشماخي يرى أنّ أبا محمد ماكسن هو الذي ينتقل بحلقته إلى أبي سليمان انظر الشماخي ــ سير، ص 418. الدرجيني, ج 2, ص 437. (1/170)
صفحة 152
فيها عن الالتزام بالآداب والمبادئ الإسلامية.
وقد يتبادر إلى ذهننا أنّ الطالب يملّ من تلقّي العلم وإن وجد متنفّسا للراحة أخلد إليها.
بل على العكس فإنّنا نجدهم هم الذين يتعقّبون مشايخهم حيثما حلّوا وارتحلوا.
ومن الطريف ما يقع للشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (1) أنّه حينما يدخل مسجد وارجلان ويضع مفتاحه وَسِفْرَهُ وعمامته ثمَّ يدخل المطهرة وحينما يخرج منها يجد أنّ التلاميذ قد حاز كلّ منهم شيئا تركه فيقول: «ردّو عليَّ علائقي» فيشترط كلّ منهم أن يجيبه عن مسألة تهمّه, سواء أكانت في النحو أم في الفرائض أم في الفقه وبعد أن يجيبهم يردّون إليه ما أخذوه منه (2).
وهكذا فلا نجد الشيخ هو المستدعي لطلبته في وقت معيّن مضبوط فقط, بل إنّ الطالب الذكيّ هو الذي يستغلّ أيضا الظرف المناسب لأخذ العلم.
هـ - أماكن الاستراحة وأوقاتها:
لم يغفل هذا النظام أماكن الاستراحة فقد حدد شروطا تعود بالنفع على أخلاق الطلبة إذ إنّ الطالب يتأثّر بالمحيط الذي يعيش فيه كامل الأوقات.
فيأذن النظام بالانصراف آخر النهار إلى مواضع المياه والأشجار لما فيها من هدوء وراحة بعد يوم مليء بالعمل والجدّ.
ويمنع النظام: الذهاب إلى الأسواق والمرور أو الجلوس في الطرقات خاصّة المسدودة إلاّ إذا ألجأت الضرورة لذلك أو كان الطريق نافذا (3).
ولعلّ أغلب النظم التربوية اليوم تغفل هذا الجانب المهمّ وتحدّد مسؤوليتها بزمن الدراسة وبجدران المؤسّسة, فهناك سلبيات تنعكس أساسا على دراسة الطالب وسلوكه الفردي وقت الراحة.
أمّا أوقاتها فيبدو أنّ لها أوقاتا قصيرة, فنجدها:
__________
(1) هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني «السدراتي» (500 ـــ 570هـ).
(2) الدرجيني, طبقات, ج 2, ص 492.
(3) البرادي, الجواهر, ص 216. (1/171)
صفحة 153
*-في الضحى عند استكمال كتابة الألواح (1).
*-وبعد العصر حينما تتوقف الدراسة لتوزيع التمر، ومدّة ذلك محدّدة بمقدار ما يقرأ فيه اللوح مرّة أو مرّتين. هذا أثناء الدراسة, أمّا بعد توقّف الدراسة فتكون عادة لنوم الهاجرة ويشدّد في ذلك لغرض قيام الليل.
*-وآخر النهار قبل غروب الشمس بعد عناء اليوم كما أسلفنا, وبعد صلاة العشاء.
النظام الدراسي:
من خلال النصوص في كتب السير يتبيّن لنا أنّ نظام الحلقات يخضع بالنسبة لأطوار الدراسة إلى ثلاثة أطوار:
*-الطور الأول: طور التلقين والحفظ وتخزين المعلومات في الذاكرة مع شيء من دروس الأخلاق, وفي مقدّمة التلقين تحفيظ كتاب الله الكريم.
*-الطور الثاني: دراسة اللغة العربية والتمكّن فيها كأداة ووسيلة لفهم النصوص واستنباط الأحكام.
*-الطور الثالث: طور التفقّه في الدين والبحث والغوص في العلوم الشرعية, وبعدها يمكن العطاء إمّا على شكل الجلوس إلى الحلقات أو الإفتاء لعامّة الناس أو الشروع في مرحلة التأليف.
ويصف الدرجيني هذه المستويات بقوله: «وكان يتولّى التدريس وإعداد الطلبة في هذه المرحلة ثلاثة شيوخ فكان أبو يعقوب وهو شيخ بنفوسة أمسنان مقصدا للمبتدئين, فإذا انتظموا في حلقته علّمهم السير وآداب الصالحين، ثمّ ينقلهم إلى محمد بن سودرين فيجرون قراءة القرآن ويتعلّمون اللغة والإعراب, ثمّ ينتقلون إلى أبي عبد الله محمد بن بكر فيعلّمهم أصول الدين والفقه» (2).
النظام الدراسي اليومي: (أو البرنامج)
لا نكاد نجزم أنّ هذا البرنامج الذي سنذكره الآن هو المتّبع حرفيّا، فهو جمع شتات من هنا وهناك واستطعنا أن نصبّه في قالب أكاديمي
__________
(1) م. س, ص 212.
(2) د. عمرو خليفة النامي, ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان, محاضرة ملتقى 1977, ص 8. (1/172)
صفحة 154
حديث وإن كان المشايخ حسب اعتقادنا لهم كامل التصرّف آنذاك حسب الأزمنة والأمكنة التي ينتقلون إليها, وحسب حالة إقامتهم وظعنهم.
واستطعنا أن نرسم صورة ولو باهتة تتعانق فيه الحياة الفكرية مع الحياة الروحية فصار البرنامج ممتزجا بها:
يبدأ اليوم باستيقاظ المشايخ والطلبة في الهزيع الأخير من الليل وبه يبدأ التوقيت.
الجزء الأخير من الليل: يستفتح الشيخ، والطلبة مخيَّرون في مدارسة القرآن معه أو يطالعون ما شاءوا.
بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس: قرآن وختمة.
من شروق الشمس إلى وقت الضحى: سكتت المصادر عن الحديث عنها ولعلّها وقت ذهاب المشايخ والعزابة إلى حقولهم أو لمآربهم الخاصّة.
الضحى: كتابة تحت إشراف النقيب، وبعد الحفظ يكون الإملاء, وتفقّد الألواح ثمّ الدعوة إلى الطعام.
بين الظهر والعصر نوم الهاجرة ثم قراءة الألواح وجوبا, وبعد العصر استحبابا, ثمّ تفقّد الألواح ثمّ الدعوة إلى الطعام.
وبين صلاة الجمعة والعصر: قراءة المواعظ.
المساء عند الغروب: قراءة القرآن والختمة, ثم الدعاء.
العشاء: قراءة المواعظ من طرف التلاميذ ثمّ يقوم الشيخ بعد دعاء الختمة (1).
علاقة أفراد أسرة التعليم:
بعد تتبّعنا خطوات هذا النظام الفريد الذي وضعه المشايخ رحمهم الله نشعر لأوّل مرّة أنّ كلمة أسرة التعليم تنطبق اسما على مسمّى لما بين أفرادها من ترابط فنلمس فيها أُبُوَّة الأب الحاني في الشيخ، وبُنُوَّة الابن البار في طالب العلم والاخوَّة الصادقة فيما بين الأنداد من الصنفين.
وكتب السير مليئة بالمبرّات ولا يسع المجال لذكرها كلّها, فنجد هذه العلاقات في الله تتّسع وتشمل الأسر التعليمية بالامتزاج والترابط.
يبدو أنّ أعلى مثل رأيناه للكرم وحبّ العلم والعلماء هو أبو صالح جنون بن يمريان لما قدّمه من أيادٍ بيضاء.
فحينما قدم الشيخ أبو نوح سعيد بن زنغيل أعطاه أبو صالح بيتا
__________
(1) البرادي, الجواهر, ص 209 ــــ 213.
أبو زكرياء، السيرة, ص 255. (1/173)
صفحة 155
مملوءة إلى السقف تمرا, وأجرى عليه مائدة بُكرةً وأخرى عشيَّة, وحينما قعد في وارجلان لم يبخل عليه بشيء من ماله بل طلب منه المكوث فيها وأن لا يرحل, على أن يقاسمه كلَّ ما يملك (1).
أمّا علاقة المشايخ بطلبتهم فتتعدّى أوقات الدراسة ومكانها, فقد ينفق الشيخ على طلبته من ماله الخاصّ, مثل ما فعله أبو إسماعيل أيوب (2) وهذا شبيه بما كان يفعله علماء نفوسة من الجود على طلبتهم في ذلك الحين, بل يتجاوزون إلى إكسائهم صيفا وشتاء بكساء جديد (3).
وقد يضمّ الشيخ أحد طلبته إلى زمرته العائلية ويقترح عليه الانتقال مع أغنامه إلى البادية إبّان الربيع حتّى لا يفوته لبن ذلك الفصل, ويكلّف من يأتيه بمعيشته يوميّا (4).
ويتعدّى الإبرار من الغذاء المادّيّ إلى الروحيّ فنجد المشايخ حريصين كلّ الحرص على الإرشاد والنصح.
ومن خلالها تتبيّن لنا أهدافهم ورغباتهم التي من أجلها سهروا الليالي الطوال جنبا إلى جنب مع تلاميذهم منقطعين عن أهليهم في كثير من الأوقات.
فمن وصايا المشايخ نختار ما أوصى به أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي طلبته قائلا: «إذا وصلتم منازلكم فإيّاكم أن تستقبلوا الدنيا بوجوهكم لئلاّ تغرنّكم. وعليكم بالألفة والنصيحة والتزاور وحفظ مجالس الذكر. وإيّاكم وأمور الناس وإيّاكم والتقصير فيمن يرد من أهل دعوتكم» (5).
ذهب أبو عبد الله إلى جربة زائرا فأوصى طالبا بخصال منها: «قراءة القرآن والمواظبة عليه، والرغبة إلى الله، والرأفة بالضعفاء».
وقال له: «احمل نفسك على مالك يحملك» (6).
وأوصى أحدهم قائلا: «اذهب إلى منزلك فإن وجدت من تقدّمه في
__________
(1) ينظر: أبو زكرياء, السيرة, ص 223.
(2) د. عمرو خليفة النامي، محاضرة: ملامح عن الحركة العلمية, ص 11.
(3) الدرجيني, طبقات, ج 2, ص 417.
(4) هذا ما فعله الشيخ أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عيسى العباسي (من الطبقة الثانية عشرة 550 ـــ 600هـ) مع أحد تلاميذه.
ينظر: الدرجيني, طبقات, ج 2, ص 508.
(5) الشماخي, سير, ص 412.
(6) أبو زكرياء, السير, ص 360. (1/174)
صفحة 156
الأمور فاتبعه فإن لم تجد ووجدت من تتعاون معه فتعاونوا على البرّ والتقوى, فإن لم تجده ووجدت من يسعى في الخير فكن إمامه, فإن لم تجد أحدا من هؤلاء فاستقم على الطريقة وحدك» (1).
وهذه النصائح القليلة ما هي إلاّ قطرة من بحر وغيض من فيض، ولعلّ التأسّي بأعمالهم بعد ذلك من أحسن النصائح العلمية لا القولية فقط.
* أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر
(ت 504هـ/1111م)
هو أبو العباس أحمد بن محمّد بن بكر, أبوه هو أبو عبد الله محمّد بن بكر الفرسطائيّ النفوسيّ صاحب نظام العزّابة.
وقد ربّاه أبوه على الصلاح والتقوى, وأدخله مع تلاميذه في حلقته مع أخيه أبي يعقوب يوسف بن محمّد.
وكانا في طلب الخير فرسي رهان مشتركين في كلّ فضيلة شركة عنان, فلعلّ أحدهما أعلم والآخر أزهد (2).
وقد أخذ العلم أيضا عن شيخه وأحد البارزين في حلقة أبيه وهو أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي.
قضى شبابه في تمولست في الجنوب الشرقيّ للقطر التونسيّ حيث كتب جلّ كتبه ثمّ زار قابس (3).
وفي سنة 471هـ/ 1078م وقعت فتنة ببلاد أريغ بين خيران وتاغمارت، وهي أوّل فتنة وقعت بين وهبية أريغ, ففرّ أخوه أبو يعقوب إلى وارجلان فكانت وفاة أبي يعقوب بتماواط بوارجلان سببا لمجيء أخيه أبي العباس لقضاء فترة زمنية لتنفيذ وصية أخيه ولرعاية أيتامه.
ويسكت الدرجينيّ وغيره من المؤرّخين للسير وكذا المستشرق البولونيّ ليفتسكي, ــ إذ يعدّ هذا الأخير من أقدر المستشرقين في التحرّي والتدقيق ــــ عن الفترة ما بين 471هـ/1078م و504هـ/1110م فيذكرون مباشرة وفاته, ولعلّ هذه الفترة قضاها متنقّلا بين آجلو وتماواط بوارجلان إلى أن يموت ويدفن وذلك في ضحوة يوم الخميس 9 ذي الحجة سنة 504هـ بآجلو الغربية.
__________
(1) م. ن, ص 363
(2) الدرجيني, طبقات, ص 442/الشماخي, سير, ص 423.
(3) ويرى ليفتسكي أن تعلم أبي العباس على أبي الربيع من باب الاحتمال.
T. LEWICKI, LES HISTORIENS ... P. 21 (1/175)
صفحة 157
منزلة أبي العباس العلمية:
يُعدّ أبو العبّاس من أشهر علماء منطقة المغربين الأدنى والأوسط فقد ترك لنا مؤلّفات عديدة يصعب على الباحث حصرها.
وقد قيل إنّه رأى في منامه ما يبشّره بأخذ العلم الغزير (1) و قد تفرّغ للمطالعة والدراسة أربعة أشهر في مكتبة قصر «ولَّم»، لم يذق فيها طعم النوم إلاّ ما بين أذان الصبح إلى طلوع الفجر واختار من الكتب ـــ التي وصلت من المشرق البالغة ثلاثة وثلاثين ألف جزء ـــ أكثرها فائدة (2) وسبب ذهابه إلى مكتبة قصر «ولَّم» ما قاله هو بنفسه: «كنت أقرأ على الشيخ سعد وأحضر مجالسه, فأوّل ما وقعت فيه المذاكرة عنده مسألة ذبيحة الأقلف هل تؤكل أم لا؟ وقال: في المسألة قولان ولم يزد على هذا شيئا».اهـ
ولا نستطيع الجزم في شأن تفرّغه للمطالعة بالضبط هل هو معرفة جواب هذه المسألة بالتحديد؟ أم عدم اقتناعه بجواب شيخه الذي ينقصه التوضيح الكافي إمّا بسبب منهجيّته في التدريس أو بسبب مستواه الثقافيّ فأراد أن يبزّه في العلم ولعلّ السبب الثاني هو المعقول وذلك ما يفهم من قوله: «ولم يزد على هذا شيئا».
آثار أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر:
لقد ترك لنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر تراثا قيّما وضخما من الكتب في شتّى الاختصاصات سواء أكانت فقهية أم أخلاقية أم في العمارة الإسلامية وشروطها وضوابطها الشرعية.
و نذكر من مؤلّفاته:
كتاب أبي مسألة: و سبب تأليفه أنّ أبا عبد الله محمّد النفوسيّ كتب إليه من «أبديلان» يرغب إليه في مختصر مشتمل على مسائل الفروع ورأى في منامه قائلا يقول له: «اذكر أبا مسألة» فسمّاه العزّابة أبا مسألة ويسمّى أيضا بالجامع.
كتاب في مسائل التوحيد: ممّا لا يسع الناس جهله وغير ذلك من
__________
(1) ينظر تفصيل ذلك عند: الدرجيني، طبقات ج 2, ص 444.
(2) الدرجيني، م، س, ص 445.
نشر كتاب أبي مسألة في زنجبار سنة 1318هـ وقد حشّاه محمد اطفيش.
ينظر:
T.LEWICKI,Les Historiens.22. (1/176)
صفحة 158
مسائل الكلام (1).
كتاب تبيين أفعال العباد: يتألّف من ثلاثة أجزاء (2) توجد نسخ من المخطوط في ميزاب وجربه (3).
كتاب القسمة وأصول الأرضين: يتألّف كتاب القسمة من جزئين, وأصول الأرضين يتألّف من ستّة أجزاء.
يتحدّث الأخير عن الحريم بين البناءات والطرق, وعن دفع الضرر عن الجار، وعن الحريم فما يغرس من النخيل والأشجار وغير ذلك، وقد حققه فضيلة الأستاذ بكير بن محمد الشيخ بالحاج والدكتور محمد بن صالح ناصر.
كتاب الألواح: هذا الكتاب تركه الشيخ أبو العبّاس قبل وفاته على الألواح فعرضه ابنه على المشايخ بإيفران بوارجلان وهم: إسماعيل, حمو بن المعز، أيّوب بن إسماعيل, داود بن واسلان, وأبو سليمان الزواغي (4).
كتاب مسائل الأموات (5).
كتاب الجنائز (6).
كتاب السيرة في الدماء. وقد حققه الأستاذ عبد الرحمن بن إبراهيم طبَّاخ ضمن رسالة ماجستير سنة 1422هـ/ 2002م.
وبهذا نجد أن الحركة العلمية بأريغ كانت قد بلغت أوجها من العلم والعطاء إلى جانب كبير من الورع والتقوى فكونت رجالا صالحين علماء، فقهاء، فألفوا الكتب الكثيرة منها ما وصل إلينا ومنها ما عرفنا عنوانه ولم يصل إلينا ومنها ما لم نسمع به ونحتمل أن يكون كثيرا وثمينا.
__________
(1) توجد منه نسختان في جربة, الأولى في المكتبة البارونية والثانية في مكتبة البعطور. والغ.
ينظر:
A.K.ENNAMI, A description of new Ibadi manuscripts from north Africa. Journal of semetic studies vol. 15 No 1, spring 1970. P.73.(extrct)
(2) Ibid,P.74
(3) حقق الجزأين الأولين منه طالبان بمعهد الحياة بالقرارة، في إطار بحث التخرج، الثالث لا يزال طور التحقيق من قبل طالب ثالث في الإطار نفسه.
(4) الدرجيني, طبقات, ج 2, ص 444.
(5) كان في عداد المفقودات وبعد البحث وجدت نسخة مخطوطة في المكتبة المغمورة لآل الفقيه بوارجلان ترجع إلى سنة أربع وسبعين وتسعمائة لهجرة النبي عليه السلام. (974هـ/1566م)
(6) يذكرهما ليفتسكي بالتتابع وهذا يعني أنّ كتاب الأموات مضمونه غير كتاب الجنائز كما يظن البعض. (1/177)
صفحة 159
وهكذا فالمنطقة لا تزال بحاجة إلى عناية فائقة من أصحابها ومن ذوي الاختصاص كما أن الخزائن التي تكدست فيها الوثائق والمخطوطات ستغير بعد فتحها كثيرا من الحقائق التاريخية.
قائمة المراجع
صالح باجية:
1 ــــ الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى. دار بوسلامة للطّباعة والنشر والتوزيع. تونس سنة 1396هـ/ 1976م.
الجعبيري فرحات
2 ــــ دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية. دار الجويني. تونس. سنة 1988م.
3 ــــ نظام العزّابة عند الإباضية الوهبية في جربة. المطبعة العصرية. تونس. سنة 1975م.
ابن خلدون عبد الرحمن (ت: 808هـ/ 1406م)
4 ــــ كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. دار الكتاب اللبنانيّ بيروت سنة 1981م.
خليفات عوض محمد
5 ــــ النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقيا في مرحلة الكتمان. ط. شركة المطابع النموذجية. عمّان 1982م.
الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد (ت 670هـ)
6 ــــ طبقات المشايخ بالمغرب. تحق. إبراهيم طلاّي. مطبعة قسنطينة الجزائر. د. تا. (1/178)
صفحة 160
أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الورجلاني
7 ــــ كتاب السيرة وأخبار الأئمّة. تحق عبد الرحمان أيّوب. الدار التونسية للنشر. تونس. 1405هـ/ 1985م.
الشماخي أحمد بن سعيد (ت 928هـ/ 1521م)
8 ــــ كتاب السير. طبعة حجرية. القاهرة 1304هـ/1884م.
9 ــــ كتاب السير. تحق. أحمد بن سعود السيابيّ، مطابع النهضة. سلطنة عمان. سنة 1407هـ/ 1987م.
ابن عميرة محمد
10 ــــ دور زناتة في الحركة المذهبية بالمغرب الإسلاميّ. المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر. سنة 1985م.
محمد محفوظ
11 ــــ تراجم المؤلّفين. ط. 1. دار الغرب الإسلاميّ. بيروت. 1982م.
معمر علي يحيى
12 ــــ أضواء على الإباضية. المطابع العالمية. روي سلطنة عمان. سنة 1984م.
13 ــــ الإباضية في موكب التاريخ (الحلقة الثانية) الإباضية في ليبيا (القسم الثاني). مطبعة الاستقلال الكبرى. مصر، 1384هـ/ 1964م
14 ــــ الإباضية في موكب التاريخ (الحلقة الثالثة) الإباضية في تونس. دار الثقافة. بيروت سنة 1385هـ/ 1966م.
15 ــــ الإباضية في موكب التاريخ (الحلقة الرابعة) الإباضية في الجزائر. المطبعة العربية غرداية. الجزائر. سنة 1986/ 1985م
النامي عمرو خليفة
16 ــــ ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان. الأصالة: مطبعة البعث. قسنطينة الجزائر. عدد 42 ــــ 43. صفر 1397هـ/ 1977م. (1/179)
صفحة 161
الأستاذ: زياد بن طالب المعولي
مدير معهد العلوم الشرعية (سلطنة عُمان)
ترجع بداية الاتصال العُماني بالساحل الأفريقي إلى حقبة مبكرة في التاريخ أرجعها البعض إلى مرحلة تسبق ظهور الإسلام، إلاَّ أن الحدث البارز والأكيد لشرق أفريقيا هو هجرة الأميرَين العُمانيَّين من أبناء الجلندى.
وقد حدثت هذه الهجرة نتيجة للصراع الدائر بين عُمان الطامحة للاستقلال الذاتي من جهة والدولة الأموية في دمشق الراغبة بإخضاع جميع الأقاليم المحيطة سلطة الدولة من جهة أخرى. وقد حدا ذلك بالحجاج بن يوسف الثقفي عامل بني أمية، إلى توجيه جيش لقمع ثورة سعيد وسليمان ابني عباد بن عبد الجلندانيين في الفترة الأخيرة من القرن الأول للهجرة، ونتيجة لعدم تكافؤ الجيش الثائر مع حملة الحجاج، خرج هذان الأميران فرارا من بطش جيش الحجاج متوجهين إلى إفريقيا، وكانت تلك الهجرة عام 82هـ إذ توجها إلى أرخبيل «لامو» الكائن حاليا في كينيا على الساحل الأفريقي (1).
ويعزو البعض سبب توجه الأميرين للساحل الأفريقي ـــــ دون غيره من السواحل ــــ إلى سبب يؤكد معرفة العُمانيين بالطريق البحري الجنوبي، وكذلك وجود علاقات تجارية ــــ بحرية ضاربة في القدم يرجعها بعض المؤرخين إلى القرن الأول للميلاد (2).
__________
(1) محمد النقيرة، انتشار الإسلام في شرق أفريقيا.
(2) أحمد حمودي المعمري، عُمان وشرق أفريقيا، ص46. (1/180)
صفحة 162
إن ارتحال هذين الأميرَين إلى ساحل أفريقيا وما تبعه من هجرة لأنصارهما، ساعد على توالي الهجرات إلى الساحل الأفريقي، وكان ذلك بداية الطريق لتعرف الأفارقة على الدين الجديد الذي حمله هؤلاء الوافدون.
وقد أكد أحد الباحثين على أن التجار العُمانيين ومنذ القرن العاشر للميلاد، هم أول من نشر الإسلام داخل القارة الأفريقية، وأن التاجر العُماني حمل إسلامه مع سلعته، فكان تاجرا وداعية في نفس الوقت (1).
وقد ساعدت الهجرات العُمانية إلى أفريقيا على ازدهار المدن الساحلية وأصبحت هناك مدن متناثرة على طول الساحل الأفريقي كمقديشو، وممباسا، ومالندي، وبمبا، وزنجبار، وكلوة، كل هذه المدن تجمع بين السكان الأفارقة إضافة إلى العرب الوافدين القادمين بديانتهم ودعاتهم، سواء من الساحل العُماني أم غير ذلك من سواحل البلدان المجاورة كما هو عليه الحال لسكان اليمن وحضرموت.
وقد أشار المؤرخ المسعودي إلى دور العُمانيين في القرن الرابع الهجري حيث بين اتصالهم بلاد الحبشة وبحر الزنج وصولا إلى جزيرة قنبلو (مدغشقر حاليا). وقال: إنَّ «هؤلاء القوم الذين يركبون هذا البحر من أهل عُمان عرب من الأزد» (2).
كما يشير ابن بطوطة الرحالة المشهور إلى رحلة بحرية حملته من جزيرة كلوة إلى ظفار، وذلك حوالي عام 731هـ (3).
ونعود للمؤرخ المسعودي الذي ركب هذا الخطَّ البحري بنفسه من جزيرة مدغشقر إلى عُمان عام 304هـ (4) حيث تحدث عن وجود ربابنة عُمانيين.
كما وصف المسعودي «سفالة» (موزنبيق) فقال: هي أقاصي بلاد الزنج، وإليها تقصد مراكب العُمانيين (5).
__________
(1) د. رجب محمد عبد الحليم، العُمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام، ص188.
(2) المسعودي، مروج الذهب، ج2، ص107.
(3) ابن بطوطة، ص 285.
(4) المسعودي، مروج الذهب، ج2، ص108.
(5) المصدر نفسه، ص6. (1/181)
صفحة 163
ويبدو أن تجارةً نشطت بين الساحل الأفريقيِّ وعُمان، وأن عُمان كانت معبرًا لتصدير عاج الفِيَلَة إلى الهند والصين (1).
إن اتصال العُمانيين المبكر مع الساحل الأفريقي قد ساعد على وجود هجرة منتظمة للقبائل العُمانية، وقد اتخذ بعضها خيار الهجرة إما لدوافع سياسية أو لدوافع تجارية، وهو الأمر الذي ساعد على وجود مجتمعات عربية على طول الساحل الأفريقي.
ويتحدث المؤرخون عن استيطان قبيلة الحرث في مقديشو بين عامي 291 و301هـ حيث أسست هذه القبيلة دولة خاصة بها استمرت في حكمها حتى قدوم البرتغاليين (2). ونظرا لطول مدة حكم هذه الأسرة فقد بذلت جهدها في تعريب الكثير من القبائل الصومالية، وخاصة الساحلية التي دخلت الإسلام على أيديهم (3) وعليه فتكون هذه الهجرة تالية لهجرة الأسرة من آل الجلندى إلى «لامو» بـ «كينيا».
وقد أشارت كتب التاريخ إلى هجرة لقبيلة عُمانية أخرى هي قبيلة النباهنة في أوائل القرن السابع الهجري إذ أقامت تلك القبيلة سلطنة إسلامية لها في «بات» ظلت موجودة حتى عام 1861م (4).
ويبدو أن قبيلة النباهنة في «بات» في أرخبيل «لامو» (كينيا حاليا) قد جاءت متزامنة مع حكم هذه الأسرة لعُمان خلال الفترة من عام 500هـ وحتى قيام الدولة اليعاربة أي عام 1024هـ.
ويشير بعض المؤرخين إلى أن قدوم الأمير سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني إلى «بات»، هو بداية هذه الدولة النبهانية عام 599هـ حيث تزوج هذا الأمير بأميرة سواحلية هي ابنة إسحاق حاكم وقتذاك، وعلى
__________
(1) د. عبد الرحمن عبد الكريم العاني، تاريخ عُمان في العصور الإسلامية، ص198.
(2) جيان، وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن أفريقيا الشرقية، ص160.
(3) رجب محمد عبد الحليم، العُمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام، ص220.
(4) عبد الرحمن زكي، الجغرافيون والرحالة، ج3، ص360. (1/182)
صفحة 164
أثر هذا الزواج نقل الأمير النبهاني بلاطه من عُمان إلى الساحل الأفريقي الشرقي (1).
إن هذا النزوح والاندماج العربي قد تكرر في أكثر من مدينة على طول الساحل الأفريقي كما هو الحال عليه في ممباسا حيث استوطنتها عائلات من قبيلة المناذرة العُمانية وكذلك قبيلة المزاريع حيث تسلسلت الريادة والحاكمية في بعض هذه الأسر إلى عدد من السلاطين والزعماء، فقد وصل عدد الحاكمين من أسرة بني نبهان إلى اثنين وثلاثين سلطانا حتى عام 911هـ أي مع وقت قدوم البرتغاليين (2).
وقد نقل العرب العُمانيون عقيدتهم الإسلامية إلى السواحل الأفريقية كما نقلوا معهم عاداتهم ولغتهم العربية محدثة اندماجا فريدا مع لغة السكان الأصليين، فنتج عنها لغة جديدة عرفت بالسواحلية تتغلغل فيها المفردات العربية إلى ما يقارب 45% ولكن هذه العربية هي بطابع عُماني ملحوظ حتى وقتنا هذا، يلمسه الزائر ويحسُّ به بمجرد التعرُّف على سكان تلك الشعوب من المواطن الساحلية من مقديشو وحتى جزر القمر.
إن الحدث البارز في العلاقات العُمانية الأفريقية قد تُوِّج بأمرين بارزين يجدر الإشارة إليهما، ونهرج على ذكرهما كالآتي:
أولا: مساندة العُمانيين لإخوانهم الأفارقة في إنهاء الوجود البرتغالي:
وذلك أنَّ الساحل الأفريقي قد تعرض لاحتلال برتغالي تام كما جرى لعُمان والسواحل العربية والإسلامية الأخرى حيث قاوم العُمانيون هذا العدوان على أراضيهم مدة قاربت المائة والخمسين عاما.
وقد تمكن العُمانيون في ظل الدولة اليعربية من دحر الدخلاء البرتغاليين، ومطاردة فلولهم، وكذلك تصفية وجودهم حتى من الساحل الأفريقي. وتُعَدُّ الفترة من عام 1498م وحتى عام 1730م فترة
__________
(1) حسن أحمد محمود، انتشار الإسلام في القارة الأفريقية، ص399.
(2) رجب محمد عبد الحليم، مصدر سابق، ص 273. (1/183)
صفحة 165
الصراع بين البرتغاليين من جانب، وأئمة عُمان من جانب آخر، وذلك منذ لحظة وصول «فاسكو دي جاما» إلى «مُمْبَاسَا» عام 1498م (1).
وعندما حلَّ الاستعمار البرتغالي في شرق أفريقيا استنجد الأفارقة بإخوانهم العُمانيين للقضاء على هذا الاستعمار، وجاء دور اليعاربة الذين قاوموا الاستعمار البرتغالي واستخلصوا منهم القلعة التي كانوا يسمونها قلعة "يسوع" وتتبعوا خروجهم من السواحل الأفريقية (2).
وقد كلف تحرير ممباسا العُمانيين جهدا كبيرا حتى يمكن القول: إنه من الإنجازات البارزة التي تسجل لتاريخ الدولة اليعربية (3).
لقد استطاع العُمانيون الاستيلاء على قلعة يسوع بعد حصار دام ثلاثة وثلاثين شهرا أي من 13مارس 1696 وحتى 14ديسمبر 1698م، وبسقوط ذلك الحصن المنيع وضعت دولة اليعاربة النهاية لتفوق البرتغاليين في شرق أفريقيا (4).
وقد جاءت استجابة الحاكم العُماني الإمام سلطان يوسف بن سيف اليعربي لنداء الاستغاثة الموجه له من سكان ممباسا فأرسل قوة بحرية مكونة من سبع سفن حربية، وعشرة زوارق وحوالي ثلاثة آلاف جندي لإنقاذ المدينة من طغيان البرتغاليين (5)، وقد جاءت أبيات الشاعر بشير بن عامر الفزاري معبرة عن هذا الفتح بقوله:
هَذَا هُوَ الفَتْحُ العَظِيمُ الأَزْهَرُ
هَذَا هُوَ النَّصْرُ المبِينُ الأَكْبَرُ
فَالحَمْدُ للهِ الذِي نَصَرَ الوَرَى
بِإِمَامِ صِدْقٍ فَضْلُهُ لاَ يُنْكَرُ
عَدْلٌ أَبِيٌّ يَعْرُبِيٌّ خَاشِعٌ لِِلـ
ــــهِ لا يَزْهُو وَلاَ يَتَكَبَّرُ
بَعَثَ الجُيُوشَ إِلَى النَّصَارَى غَازِيًا
دُوَلاً لَهُمْ بِالكُفْرِ كَانَتْ تَعْمُرُ (6)
__________
(1) د. فهمي جدعان، د. توفيق مرعي، عُمان والحضارة الإسلامية، ص286.
(2) أحمد بن حمد الخليلي، العُمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية في شرق آسيا، ص180.
(3) عائشة علي اليسار، دولة اليعاربة، ص119.
(4) المصدر السابق، ص120.
(5) وندل فيليبس، تاريخ عُمان، ص66.
(6) سعيد بن علي المغيري، جهينة الأخبار، راجع ص203. (1/184)
صفحة 166
لقد كان الحكم البرتغالي للساحل الأفريقي فترة مظلمة من الاستعباد والتسلط وقد كانت سياسة فتح البلاد لديهم التدمير بلا رحمة، اعتمادًا على مدافعهم البالغة الأهمية، ولقد صور ملك «مُمباسا» الذي شهد تدمير مدينته على يد البرتغاليين صورة معاناة شعبه في رسالة موجهة إلى جاره ملك ماليندي قائلا إن الغازي «لم يكتف بقتل الرجال وحرقهم، بل أسقط الطيور في السماء» (1).
وعليه فإن الفتح العُماني للساحل الأفريقي يعد بحق بمثابة الرحمة التي أنقذت الساكنين من نير الطغيان الذي عصف بهم فترة من الزمن.
ثانيا: نشوء السلطنة العُمانية في زنجبار على الساحل الأفريقي:
إنَّ الحدث الذي ذكرناه آنفا قد مهد الطريق لنشوء الدولة العُمانية، فبعد أن تم تطهير الساحل العُماني من الوجود البرتغالي زادت الهجرة العُمانية من جديد إلى الساحل الأفريقي، واتسع مدى الاتصال البحري تجاريا واجتماعيا بين الجانبين حتى اقتضت الحاجة نشوء دولة عُمانية على الساحل الأفريقي كانت مركزا للإشعاع الحضاري والإسلامي والعربي واستمر لعصور طويلة.
ويعد حكم السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي 1804_1856م تحولا بارزا في سماء العلاقات العُمانية الأفريقية، فقد حول عاصمة ملكه من مسقط إلى زنجبار، وبدءا من عام 1832م أصبحت زنجبار عاصمة الإمبراطورية العُمانية، وقد أدى ذلك إلى انتقال طائفة من العُمانيين إلى شرق أفريقيا (2).
كما امتدت سلطة السيد سعيد إلى جميع الجزر الأفريقية الشرقية وكان نفوذه يمتد شمالا وجنوبا حتى قبل: إنه إذا ضرب السيد سعيد طبله في زنجبار، رقصت عليه كل غابات أفريقيا (3).
__________
(1) وندل فليبس، مصدر سابق، ص48.
(2) أحمد بن حمد الخليلي، مصدر سابق، ص181.
(3) فهمي جدعان، مصدر سابق، ص291. (1/185)
صفحة 167
هذا النفوذ في الشرق الأفريقي أدى بدوره إلى قيام دولة إسلامية عربية لها تاريخها وتراثها فطبعت الساحل الأفريقي بطابعها الإسلامي- العربي المتميز وهو ما سهل انتشار الإسلام كدين جديد بين السكان المحليين، سواء في الجزر أم على امتداد المدن الساحلية.
وقد أدى استقرار الحاكم السيد سعيد بن سلطان في زنجبار إلى قيام نهضة زراعية وتجارية، فقد جلب شجر القرنفل من جزيرة موريشوس واعتنى بزراعته الأمر الذي زاد من ثروة البلاد وانتعاش اقتصادها، وأصبحت زنجبار من أغنى البقاع بسبب زراعة القرنفل وتجارته (1).
وكدولة ذات كيان ومكانة بارزة، فقد ارتبطت بمعاهدات واتفاقات مع الدول الكبرى ذات النفوذ آنذاك، كما هو الحال مع ألمانيا وفرنسا وبريطانيا (2).
كما أوفد السيد سعيد سفيره أحمد بن نعُمان الكعبي إلى أمريكا سنة 1840م ليصل إلى نيويورك على السفينة سلطانة (3).
ويذكر صاحب كتاب "جهينة الأخبار" كيف أرست هذه الدولة أسس التعايش السلمي بين المذاهب الإسلامية القائمة في زنجبار آنذاك، فقد صدرت أوامر من السيد سعيد بعد التعرض للمذاهب الدينية وأن كل مذهب يتبع حكم مذهبه (4).
وقد بلغ الأمر ذروته في ظهور الإسلام وعلو شأنه، حتى إنَّ زنجبار وشقيقتها الجزيرة الخضراء (بمبا) ضمتا 357مسجدا، وكانت الدروس تلقى في أروقة المساجد على يد نخبة من الرجال الأفذاذ الذين بلغوا أعلى المستويات الدينية (5).
وقد أصبحت عاصمة الدولة العُمانية على الساحل الأفريقي مركز إشعاع للدين الإسلامي في
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) يمكن الرجوع إلى الاتفاقيات المبرمة بين السلطنة العُمانية والدول الأخرى إلى كتاب «تقسيم الإمبراطورية العُمانية (1856 ـــ 1862)» لمؤلفه د. سلطان بن محمد القاسمي.
(3) سعيد بن علي المغيري، جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، ص268.
(4) المصدر السابق، ص271.
(5) محمد أحمد الحداد، حقائق تاريخية عن العرب والإسلام، ص123. (1/186)
صفحة 168
كل ما جاورها على البر الأفريقي إذ أشرق نور الإسلام لأول مرة في المناطق الداخلية من البر الأفريقي، واستشرف آفاقا جديدة في ربوع أوغندا وأعالي نهر الكونغو وفي رواندا وبورندي وذلك فضلا عن تنجانيقا (تنزانيا حاليا) ومنطقة نياسا (مالاوي) وزامبيا وموزنبيق (1).
العُمانيون ونشر الإسلام والثقافة العربية:
ليس خافيا على أحد الأثر الذي أحدثه العُمانيون بنشر الإسلام على الساحل الأفريقي وكيف كان ذلك بفعل الاستيطان السكاني واندماج العُمانيين مع السكان الأصليين فكان أن نقلوا ثقافتهم ولغتهم، إضافة إلى عقيدتهم الإسلامية إلى غيرهم من الأفارقة.
ولم يكن أمر نشر الإسلام ليمر دون تضحيات ومصاعب تصدى لها هؤلاء الوافدون، لكن الإصرار والعزيمة كانا من عوامل النجاح فأمكن للإسلام أن يرفع رايته، ويعلو صوت آذانه، وتخشع لقرآنه قلوب المؤمنين في جزر الساحل والأراضي المتاخمة لها.
إن العرب العُمانيين هم أوَّل من اكتشف أفريقيا وجاس خلالها إلى حوض نهر الكونغو، وهم الذين أخبروا عن البحيرات والجبال المعممة رؤوسها بالثلوج على الرغم من مشاق الأسفار، وعلى الرغم من وحشية الأهالي الذين يأكل بعضهم بعضا. وقد توغلوا في الغابات المظلمة وسط الضباع الضارية مخاطرين بأرواحهم وأموالهم. كما ثبت أن الأوروبيين اعتمدوا على عرب شرق أفريقيا في ارتياد مجاهل القارة الأفريقية ومداخلها (2).
حقا لقد كانت التضحيات المبذولة عظيمة، ولكن الإنجاز كان أعظم إذ تسنى لنور الإسلام أن يضيء سناه هذا الجزء الهام من القارة الأفريقية.
وقد شهد لنتائج تحول الساحل الأفريقي إلى الإسلام ابن بطوطة عندما زار هذا الساحل عام 731هـ،
__________
(1) د. إبراهيم الصغيرون، الإسهام العُماني في المجالات الثقافية، ص194.
(2) سعيد بن علي المغيري، جهينة الأخبار، ص 247. (1/187)
صفحة 169
فقرر أن كل الناس الذين رآهم في المدن التي زارها كانوا مسلمين (1).
كما أثار ذلك دهشة «فاسكو دي جاما» عندما وفد على هذا الساحل الأفريقي عام 904هـ فوجد أهلها قد تطبعوا بطابع العرب من العُمانيين في عاداتهم ولباسهم، ووجد في إحدى المدن شيخا بالثياب الحريرية متقلدا السيف والخنجر، وفي معيته أقوام في أفخر الثياب (2).
ولعلنا نتعرض إلى دورهم في نشر الإسلام من ناحيتين:
الناحية الأولى من دور الدعاة العُمانيين في نشر الإسلام:
لربما يحاول البعض تشويه صورة العرب والمسلمين في دخولهم لأفريقيا، وحصر هذه الصورة في قضايا الرق والاستعباد واستغلال الأرض، دون الإشارة إلى هدف حقيقي هام يعول عليه، ولا غرابة في أن يصدر هذا القول من أعداء الإسلام الذين هالهم ما وصل إليه الدين الإسلامي في شرق القارة من تمكن ونفوذ.
إن العُمانيين الداخلين إلى لبلاد الأفريقية وإن كان منهم الذي تدفعه روح المغامرة للكسب والغنى، إلا أن انتماءهم العقدي لدينهم الإسلامي هو الذي تحكم في حركتهم وتجولاتهم، وندلل على ذلك بالقصة التي يوردها الكاتب جراي عن الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري التاجر العُماني الذي وصل من زنجبار إلى بلاط الملك (سنا) بمملكة يوغندا عام 1260هـ/1843م، حيث أبدى هذا الشيخ شجاعة فائقة في بلاط الملك كانت سببا في إسلام أهل يوغندا (3).
فقد جرت العادة وفق الطقوس التي يعتنقها أهل يوغندا آنذاك وعلى رأسهم «الكباكا» (الملك)، تقديم عدد من الرعايا الأبرياء كقرابين للآلهة؛ وذلك بذبحهم وسفك دمائهم، فما كان الشيخ أحمد ــــ وقد وفد على «الكباكا» في يوم مشهود لتقديم هؤلاء القرابين ــــ إلا أن وقف متحديا «الكباكا»، وذلك وسط دهشة
__________
(1) د. نايف عيد جابر السهيل، الإباضية في الخليج العربي، ص196.
(2) جيان، وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن أفريقيا الشرقية، ص320.
(3) كما يرجع إلى:
GRAY.J.M, AHMED BIN IBRAHIM (1/188)
صفحة 170
المشاهدين مخاطبا ومعاتبا له قائلا: «مولاي إنَّ هؤلاء الرعايا الذين تسفك دماءهم كل يوم بغير حق إنما هم مخلوقات الله ــــ سبحانه وتعالى ــــ الذي خلقك وأنعم عليك بهذه المملكة». وقد كرَّر الشيخ ذكر قدرة الله خالق الكون، وأنه الواحد الأحد ... ورويدا رويدا انفتح عقلُ «الكباكا» وقلبه لكلام الشيخ إذ أقنعه بالدين الجديد الذي جاء يحمل مبادئه.
وقد أسفرت صحبة الشيخ للكباكا عن تعلم الأخير لأربعة أشياء من القرآن الكريم، وكذلك مبادئ الدين الإسلامي قبل وفاة الكباكا عام 1237هـ/ 1856م، وبهذه الخطوة انفتح الباب على مصراعيه للإسلام فانتشر في أوغندا والمناطق المجاورة لها (1).
هذه القصة التي جرت مع حاكم يوغندا لم تكن الوحيدة التي سطرها التاريخ، بل هنالك حوادث أخرى تدل على دور الدعاة العُمانيين في نشر الإسلام. وقد أخبرني غير واحد من العُمانيين القادمين من شرق أفريقيا ـــــ الذين نشأ عدد من العاملين الأفارقة الوثنيين في مزارع آبائهم ـــــ عن دور العُمانيين في نشر الإسلام بين هؤلاء المزارعين من خلال تعليمهم مبادئ الدين الإسلامي وكذلك تسميتهم وتنشئتهم وتزويجهم على أسس الإسلام وتعاليمه.
كما عمل الدعاة العُمانيون على مقاومة نشاط الجمعيات الكنسية، وعارضوا حركة الإرساليات. ومن الأسماء التي ترددت في وثائق الكنيسة أسماء عُمانيين قاوموا هذا النشاط كمثل الشيخ سليمان بن زاهر الجابري، وهو من سكان يوغندا المقربين للسلطان برغش بن سعيد سلطان زنجبار، كما جرى ذكر عدد آخر من التجار العُمانيين الذين تصدوا لحركة الكنيسة في تنصير الساكنين الأفارقة (2).
الناحية الثانية من دور العلماء العُمانيين في نشر الإسلام:
وقد تميَّز هذا الدور بنواح عدة جمعت بين القيام بواجبات الإفتاء
__________
(1) إبراهيم الصغيرون، الإسهام العُماني، ص 197.
(2) إبراهيم الصغيرون، الإسهام العُماني، ص198.- (1/189)
صفحة 171
والقضاء، والنواحي الرسمية بما يمليه واجب الدولة ومسؤولياتها، وكذلك التدريس والتأليف ونشر العلم حيث دل عليه وجود الكتب والمؤلفات ونشاط المدارس العلمية والفقهية.
وتعد زنجبار بعد قيام الدولة البوسعيدية قصبة العلم التي هوت إليها أفئدة العلماء، فهاجروا إليها من عُمان واستقروا فيها، فكانوا أن أسهموا في نهضتها العلمية والفكرية، الأمر الذي عد فخرا لسكانها وقاطنيها.
وقد تنوعت الأسباب والدوافع التي حدت ببعض العلماء للهجرة نحو الساحل الأفريقي، كما عاود البعض منهم حنينا إلى بلدهم الأصلي فترددوا بينها وبين موطنهم الجديد كقول العالم الشاعر أبي مسلم البهلاني متشوقا لموطنه عُمان:
تِلكَ المعَاهِدُ مَا عَهْدِي بِهَا انْتَقَلَتْ
وَهُنَّ وَسْطَ ضَمِيرِي الآنَ سُكَّانُ
نَزَحْتُ عَنْهُمْ بِحُكْمٍ لاَ أُغَالِبُهُ
لاَ يَغْلِبُ القَدَرَ المحْتُومَ إِنْسَانُ (1)
ويبدو أن ترحيب سلاطين زنجبار بهؤلاء العلماء، ومدهم بالعون والمؤازرة والاعتماد عليهم في ترسيخ قدم الدولة وبسط نفوذها شجع على الهجرة والاستيطان على الساحل الأفريقي، نذكر من بينهم العلامة المشهور الشيخ ناصر بن أبي نبهان الذي انتقل بصحبة السلطان سعيد بن سلطان إلى شرق أفريقيا، ومع تردده على عُمان، إلا أنه استقر بعُمان وتوفي فيها عام 1263هـ ولا يزال قبره معروفا هناك (2).
وللشيخ ناصر المذكور مؤلفات مشهورة كمؤلفه «الحقُّ اليقين» في العقيدة، وكذلك كتابه المسمى «لطائِفُ المِنَن في أحكَامِ السُّنَن» وقد بوب فيه الشيخ «الجامع الصغير» للإمام جلال الدين السيوطي.
وللشيخ أيضا كتاب في الطب سمَّاه: «السرُّ الجلي في ذكر أسباب النبات السواحلي» حيث شرح فيه فوائد النبات والأشجار الموجودة بالساحل الأفريقي، وقارن أسماءها مع ما هو معروف منها في البلاد العربية.
__________
(1) يراجع ديوان أبي مسلم البهلاني، طبعة وزارة التراث القومي بسلطنة عُمان.
(2) أحمد بن حمد الخليلي، العُمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية، ص181. (1/190)
صفحة 172
ونجد كذلك من بين علماء زنجبار الشيخ محمد بن علي المنذري، وكان رئيسا للقضاء في عهد السلطانين سعيد بن سلطان وولده ماجد بن سعيد، ولهذا الشيخ مؤلف في العقيدة هو «الخلاصة الدامغة» وقد توفي عام 1314هـ/ 1869م. وقد تولى ابنه الشيخ علي بن محمد المنذري منصب قاضي زنجبار في عهد السيد خليفة بن حارب، وله كتاب في التربية تحت مسمى "اختصار الأديان" (1)، وله كتب أخرى كمثل "نور التوحيد" وكذلك كتاب "الرد على النصراني الكندي" الذي رد فيه على أحد النصارى في عهد الخليفة المأمون.
ومن بين العلماء الذين تقلدوا قضاء «مُمباسة» الشيخ علي بن عبد الله المزروعي الذي برز في عهد السلطان ماجد بن سعيد (1856 - 1870م) وكذلك ابنه الشيخ الأمين بن علي المزروعي، وللمزروعي الأب مؤلفات منها: مخطوطة "الدروع السابغة" و «السبل الواضحة في شرح دلائل الخيرات».
أما المزروعي الابن فهو قاضي قضاة كينيا وقد اهتم بالصحافة والنشر، وله دورية أسماها "الصحيفة" ظهرت عام 1930م، وكذلك جريدة الإصلاح الصادرة في شوال 1350هـ/1932م باللغتين العربية والسواحلية.
ومن العلماء البارزين في ساحة العم على الساحل الأفريقي، العالم الشاعر أبو مسلم بن ناصر سالم بن عديم البهلاني الذي له عدة مؤلفات مشهورة مثل «نثار الجوهر» وهو كتاب في الفقه، وكتاب «النور المحمدي» و «الكنوز الصمدية في المفاخر المحمدية»، وكتب أخرى في العقيدة، وله ديوان شعر مطبوع في وزارة التراث لسلطنة عُمان تظهر فيه براعته في الصياغة الشعرية فهو يمتاز بنفس شعري عميق، وحس مرهف، وبلاغة قلما يشهد لها مثيل. ويجمع الشيخ بين مواهب متنوعة في القضاء والشعر والصحافة والنثر. ففي مجال الصحافة نجد المجلة التي أنشأها بعنوان «النجاح»، وقد تولى تحريرها، فقد كان متابعا لما عليه حال المسلمين في أنحاء العالم، يدل على ذلك قصيدته التي نشرها
__________
(1) عبد الله بن صالح الفارسي، البوسعيديون حكام زنجبار، ص73. (1/191)
صفحة 173
وأرسلها للمؤتمر الإسلامي برئاسة رياض باشا في مصر، حيث أثيرت قضية مصر الفرعونية وقتذاك.
ومما يدلنا على فكر العلامة أبي مسلم في استيعابه لمقتضيات العصر تلك الرسالة التي وجهها إلى الإمام سالم بن راشد الخروصي (حكم 1331 ــــ 1338هـ) في عُمان بتاريخ 14 ربيع الثاني 1333هـ التي حملت أفكارا تفصح عن بعد النظرة لما هو الحال الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة.
وقد أشار الشيخ على الإمام بإنشاء مطبعة لبيت مال المسلمين وضرورة فتح المدارس بل والأخذ بمبدأ التعليم أو التعليم الإجباري حيث جاء فيها: «وأحثك سيدي على فتح المدارس العلمية في بلادك، وحث أهل الخير على التبرعات في سبيل هذا المشروع العظيم، فإنَّ مصرك عُمان لم يسقط هذه السقطة العظيمة إلا من جهة الجهل، والجهلُ أمُّ المصائب في الدين الدنيا، وبِوُدِّي لو ساعدني العلماء هناك على الرأي الذي أراه، وهو جواز جبر الأولاد على التعلُّم، وهي لعمري مصلحة عظيمة في الأمَّة، ثم تجعل نفقة الفقراء منهم على بيت المال، ونفقة الأغنياء منهم على آبائهم، وهي طريقة سياسية دينية تدل لها أصول من الكتاب والسنة» (1).
ونستخلص من هذه الأفكار التي قدمها أبو مسلم بُعد النظرة وعميق الفكر لديه، وكيف أن مكوثه في زنجبار في الساحل الأفريقي قد أتاح لهذا العالم تكوين نظرة عصرية تسبق في توقيتها الزمني الواقع الذي يعيشه الوطن الأم عُمان آنذاك.
وكذلك نجد أن لديه أفكارا تربوية بنيت على استنباط فقهي قد تحلُّ أزمة التعليم القائمة في دول كثيرة من بلداننا إذ نجد أن أبناء الأغنياء يحصلون عل نفس ميزات أبناء الفقراء في التعليم، والمفاضلة تكون فقط على أسس النتائج الدراسية في القبول في الجامعات والمدارس، ولا اعتبار مطلقا لدخل الأسرة، وقدرة الآباء على نفقات التعليم وما إلى ذلك.
وفي هذه الرسالة يدعو أبو مسلم الإمامَ سالم أيضا إلى وجوب المصالحة مع الدول المحيطة والمهادنة معها لما فيها من صالح للمسلمين وصالح
__________
(1) د. محمد صالح ناصر، أبو مسلم الواحي حسان عُمان، ص203. (1/192)
صفحة 174
للرعية، أي إقامة علاقات جوار ودية، وهو أمر ينمُّ عن بعد النظرة والوعي السياسي حيث تنبه لما فيه صلاح الأمة وقوتها.
لقد عززت حركة النشر والتأليف من ارتباط عرب الساحل بغيرهم من إخوانهم المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي من جهة، وأكدت على ربط هذه الأواصر بحال إخوانهم من الأفارقة الذين نقلوا إليهم إسلامهم وثقافتهم، ولم يكن التأليف قاصرا على اللغة العربية، بل تعداها إلى اللغة السواحلية التي مزجت مفرداتها بكلمات ومعان من اللغة العربية، ومن ذلك نجد العناية بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة السواحلية التي بدأت بترجمة سورتي الفاتحة والبقرة بواسطة الشيخ الأمين بن علي المزروعي. ثم جاءت ترجمة كاملة للقرآن بواسطة الشيخ عبد الله بن صالح الفارسي الذي تبوأ منصب قاضي القضاة بكينيا. وللشيخ عبد الله مؤلفات عدة باللغة السواحلية كمثل: شعائر الصلاة، والصوم، وأحكام الزواج، وتاريخ السيرة النبوية، وتاريخ السيد سعيد بن سلطان وكذلك أحكام المواريث.
ومن العلماء العُمانيين في عهد السلطان برغش بن سعيد بن سلطان العالم الشيخ يوسف بن ناصر الخروصي الذي هاجر إلى أفريقيا عام 1300هـ، وكان قاضيا ومُفتِيًا لزنجبار ومن مؤلفاته «الجامع لأركان الإسلام».
ومن بين العلماء صاحب المقامات العُمانية والصحارية الشيخ محمد بن علي بن خميس البرواني الذي برع في أدب المقامة. وفيهم كذلك العلامة سالم بن سعيد الشعبي وهو شافعي المذهب وله كتاب في علم الفرائض "أسمى المقالب المبهمات".
وقد عُنِي بعض العلماء العُمانيين عناية خاصة بالتاريخ، كمثل الشيخ سعيد بن علي المغيري صاحب كتاب «جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار» الذي ولد في عُمان ثم ارتحل إلى زنجبار عام 1300هـ وقد عينته الحكومة عضوا في المجلس التشريعي بزنجبار عام 1351هـ (1).
__________
(1) مقدمة الطبعة الأولى لكتاب جهينة الأخبار، ص13. (1/193)
صفحة 175
إن من ذكرناه من علماء الساحل الأفريقي ومثقفيه هو غيض من فيض يطول ذكرهم علماء الساحل الأفريقي ومثقفيه هو غيض من فيض يطول ذكرهم وذكر مآثرهم التي تنوعت بين مؤلفات وصحف، وشعر ونثر. ولقد عنيت بطبع البعض منها وزارة التراث القومي بسلطنة عُمان، وبقي جزء آخر مخزونا في مخطوطاته ينتظر جهود الباحثين والمثقفين، والكتاب والمحققين حتى يعنوا بإبرازه وكشف كنوزه وهو ما يدلنا على عمق الأثر العلمي الذي أحدثه نقل الإسلام والحضارة العربية الإسلامية إلى الساحل الأفريقي. هذا الأثر الذي أينع ثمره وزكى بعد سنين دأبت من الاتصال الحضاري والتبادل الثقافي والتمازج المكاني والسكاني بين العرب العُمانيين وإخوانهم من الأفارقة على مر التاريخ.
لقد أحدث ولوج العُمانيين للساحل الأفريقي نهضة علمية وثقافية واسعة المجال كما أن اهتمام السلاطين العُمانيين بنشر العلم، وتشجيع العلماء زاد في هذا الجانب حيث رسخ جذور اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وطبع اللغة المحلية (السواحلية) بطابع العربية تحدثا وكتابة.
ولعل من أبرز ما يجدر ذكره في هذا الجانب، إنشاء المطبعة السلطانية التي دفعت إلى قيام الصحافة العُمانية إبان حكم السيد برغش بن سعيد بن سلطان خلال الفترة من (1287ـــ1306هـ) (1870ــــ 1888م). ويذكر الشيخ سعيد المغيري صاحب كتاب «جهينة الأخبار» أن السيد برغش أنشأ مطبعة لطبع الكتب الدينية والأدبية قد طبعت عددا من كتب الفقه الإباضي كقاموس الشريعة، وهميان الزاد، ومختصر البسيوي (1).
وبوجود هذه المطبعة برزت حركة تأليف وطباعة، كما ازدهرت صناعة الصحافة إذ برزت صحف عدة كالنجاح، والفلق، وجريدة زنجبار، وغيرها.
ولعلنا نقف لنمر سريعا على دور الصحافة العربية التي أسسها العُمانيون في أرض المهجر لندرك أن هذه
__________
(1) سعيد المغيري، جهينة الأخبار، ص237. (1/194)
صفحة 176
الصحافة قد حملت على عاتقها دورا إصلاحيا لواقع البلاد الأفريقية هذا مع وجودها كمنبر ثقافي لنشر الثقافة العربية الإسلامية في تلك البقاع.
وقد جاءت في شعار جريدة الفلق مثلا أنها "جريدة أدبية سياسية، أخلاقية، زراعية" هذه الموضوعات تعكس هموم الشارع الأفريقي آنذاك إضافة إلى الفكر الذي حاول القائمون للصحيفة أن يروجوا له" (1).
كما أن رواد هذه الصحف العُمانية وكاتبيها لم يغيبوا عن النشاط الصحفي في أجزاء من العالم العربي نستدل على ذلك من نشر مجلة الهلال المصرية في عددها الصادر في 29 جمادى الأولى 1324 هـ لمقال أسهم به الشيخ ناصر بن سليمان اللمكي كموضوع افتتاحي تحت عنوان "أشهر الحوادث وأعظم الرجال: حميد بن محمد المرجبي فاتح الكونغو" وتعد هذه الدراسة توثيقا لأحد المغامرين العُمانيين الذين توغلوا في أصقاع الكونغو وكانت لهم فتوحات مشهودة في هذا الجانب (2).
ونعود إلى جريدة الفلق التي قاومت في مقالات لها سياسة الإدارة البريطانية في زنجبار لتحويل الكتابة من الأحرف العربية إلى الأحرف اللاتينية بالنسبة للغة السواحلية حيث نشر الكاتب مسلم بن حميد الرحبي مقالا يدعو فيه إلى الاهتمام باللغة العربية في عددها الصادر في 11/ 07/1956م (3).
وتعد صحيفة النجاح التي أصدرها الشيخ أبو مسلم البهلاني من أُولًى الصحف العُمانية فقد أصدر عددها الأول في 09 شوال 1330هـ/12 أكتوبر 1911م، وقد اهتمت بنقل أخبار العالم الإسلامي والعالم من حوله، فمثلا تمت تغطيتها لحرب الدولة العثمانية مع الطليان، وكذلك أخبار أخرى جرت في العالم الإسلامي.
ومما يزيد من قيمة هذه الصحيفة شأنا أسلوب أبي مسلم
__________
(1) جريدة الفلق، العدد 532، صادر بتاريخ 25 مارس 1939م، كما يرجع إلى بحث محمد بن سليمان الحضرمي، الصحافة العُمانية في زنجبار، مخطوط.
(2) يرجع في ذلك إلى بحث محسن بن حمود الكندي، الصحافة العُمانية المهاجرة.
(3) محمد بن سليمان الحضرمي، الصحافة العُمانية في زنجبار. (1/195)
صفحة 177
الأدبي وقدرته العلمية في تأليف المقالة، كذلك وجود كُتَّاب آخرين إلى جانبه كمثل الشيخ ناصر بن سليمان اللكمي الذي تناوب على رئاسة تحريرها مع الشيخ أبي مسلم.
وقد امتدت نهضة علمية لتعليم مبادئ الدين والقرآن الكريم قراءة وتجويدا في كل مدن الساحل وصولا إلى جزر القمر، حتى إن سكان مدينة مدغشقر كانوا يكتبون بالأحرف العربية قبل احتلال فرنسا لها (1).
وقد انتشرت المدارس التي تعنى بتدريس علوم الدين على يد مشايخ عُمانيين وغيرهم من العرب الحضارمة، وكذلك بعض المسلمين من الهنود.
اللغة العربية واللغة السواحلية:
إن وجود العرب العُمانيين في الساحل الأفريقي مدفوعين بدينهم وتراثهم، وكذلك لغتهم، كل ذلك أدى إلى امتزاج حضاري مع الواقع المعيش للإنسان الأفريقي لاسيما في ثقافته ولغته.
ويلاحظ أن معظم البقاع التي انتشر فيها الدين الإسلامي كتركيا، والهند، وإيران، وأندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وغيرها قد امتزجت لغاتها الأصلية باللغة العربية لغة القرآن والرسالة المحمدية.
إلا أننا نلاحظ في الشرق الأفريقي ملحظا خاصا وهو أن العربية امتزجت باللغة الأفريقية السائدة وقت هجرة العُمانيين، وكونت اللغة السواحلية، وقد حملت طابعا خاصا، وهو المفردات العُمانية المستخدمة في اللغة العربية.
فالزائر إلى دول الشرق الأفريقي ككينيا وتنزانيا مثلا تقابله عبارة الترحيب باللغة السواحلية (كريبو karibu) إذ وجدتها شخصيا عند نزولي في مطار «دار السلام» وقد كتبت بخط واضح للترحيب بالقادمين. هذه الكلمة هي ذات الكلمة العربية المستخدمة لدى مجموع العُمانيين تقال عند الترحيب بالضيف أو القادم "قرب" بالتشديد على الراء وهي بمعنى إقرب وتفضل واقترب معنا.
__________
(1) جهينة الأخبار، سعيد المغيري، ص526. (1/196)
صفحة 178
وعندما يتجول السائح العربي في شوارع دار السلام عاصمة تنزانيا أو نيروبي عاصمة كينيا، ويقترب متّأمِّلا العبارات التي كتبت باللغة السواحلية بأحرفها اللاتينية اليوم، لا شك أنه سيقف مندهشا أمام الكم الهائل من مفردات العربية المتغلغلة في السواحلية.
وعندما يدقق النظر في لافتات كتبت للدعاية والإعلان مثلا سيسترعي باله منتج ما روج له بكلمات مثل ladha kamali, sifa thabiti أي بمعنى صفة ثابتة ولذة كاملة بأسطر كاملة لمفردات عربية تبدو من النظرة الأولى سواحلية ولكنها عند تدقيق النظر تنجلي عن صفحتها العربية، فتشعُر حينها بعزَّة الصناعة الحضارية التي أوجدتها دون تذكر للتضحية الكبرى لمن ركبوا أهوال البحر للوصول إلى تلك المناطق من أجداد العُمانيين.
بل إن اللافت للنظر أن هناك كلمات كان يرددها العُمانيون في لغتهم العربية منذ السالف وقد تخلوا عنها اليوم، إلا أنها حفظت في اللغة السواحلية، أذكر على سبيل المثال لا الحصر كلمتي sahihi بمعنى صحيح أو signature أي توقيع باللاتينية فعندما يقال في الكتب القديمة صححه فلان أي أمضاه أو بتوقيع فلان.
وكذلك من الكلمات المستخدمة biashara أي بيع وشراء، وهي اللفظة المستخدمة عند العُمانيين بمعنى التجارة.
وهكذا تجول متأملا المفردات المستعملة في اللغة السواحلية، فتدرك غزارة الاستخدام للمفردات العربية المنبثة في السواحلية، وقد قامت بحوث تبين هذه العلاقة بين اللغتين (1) إلا أن مرادي هو تبيين هذه الخصوصية إي طبيعة العلاقة مع العربية التي حملها العُمانيون لتلك الديار.
ويقرر الدكتور إبراهيم الصغيرون أنه «من الحقائق التاريخية المهمة والجديرة بالتسجيل أن انتشار اللغة السواحلية وتوغلها في أواسط أفريقيا قد ارتبط بمرحلة النفوذ العُماني في
__________
(1) راجع علي محمد الطيواني: العُمانيون ودورهم في تطوير اللغة السواحلية، جريدة عُمان، عدد1408، رجب 1405هـ/ 23 مارس 1985م. (1/197)
صفحة 179
شرق أفريقيا وبخاصة في عهد السيد سعيد بن سلطان الذي أرسى قواعد الدولة البوسعيدية» (1).
وغاية القول: إن السواحلية قد غدت لغة جميع الساحل الشرق الأفريقي انطلاقا من زنجبار، بحيث أصبحت زنجبار هي المصدر لهذه اللغة بكل مفرداتها وآدابها، كما أنها صارت المصدر لمعلمي السواحلية الذين استعانت بهم جميع مدن الساحل، وكذلك البر الأفريقي المجاور.
ويمتلئ الأدب السواحلي ــــ كما يقول أحد الباحثين ــــ «شعره ونثره بالإشارات إلى الفقه الإسلامي، وفي ترغيب المؤمنين في كل كلمة من كلماته، وتشكل معرفة الشريعة الإسلامية مطلبا أساسيا لفهم الأدب السواحلي، وخصوصا فيما يتعلق بتشريعات الزواج والتشريعات العائلية (2).
وقد نشطت حركة الترجمة من العربية إلى السواحلية بحيث تم نقل مؤلفات عدة إلى اللغة السواحلية، ومع ذلك فإنَّ تعليم العربية ظل منتشرًا في المدن الساحلية بوصفها لغة القرآن والدين الإسلامي. وقد ازداد عدد المتحدثين باللغة العربية طرديا مع انتشار الدين الإسلامي بين مدن الساحل الأفريقي.
الثقافة والعمران في الساحل الأفريقي:
إن دخول الإسلام والنهضة العلمية والفكرية التي أحدثتها هجرة العرب من العُمانيين إلى الساحل الأفريقي قد أثر أيما تأثير في الثقافة الأفريقية السائدة، فاصطبغت وانطبعت بالطابع الذي حمله هؤلاء الوافدون، فغدا أثرها واضحا على عاداتهم وتقاليدهم وكذلك فنون العمران والملابس والأزياء.
وقد زاد في ذلك الانصهار والاندماج بين العرب والأفارقة، سواء بالمجاورة أم الزواج، فأوجد نمطا متآلفا من العيش والتقاليد العربية والإسلامية. فالزائر إلى مدن الساحل الأفريقي سوف يلحظ التجانس في
__________
(1) إبراهيم الصغيرون، حصاد أنشطة المنتدى لعام 91/ 92، ص 215.
(2) عبد الله الحراصي (ترجمة)، السواحلية لسان شعب أفريقي وهويته، مجلة نزوى، العدد السابع، يوليو 1996م، ص120. (1/198)
صفحة 180
الأزياء ذات الجذور العربية والإسلامية بدءا من مقديشو وانتهاء بجزر القمر، بل إنه وحتى بعد أن غير الاستعمار الأوروبي هذا الملمح سوف يجده القادم متمثلا في المناسبات واللقاءات ذات الطابع الإسلامي.
فيوم الجمعة يؤدي المصلون صلاتهم وقد اتشح غالبيتهم بالأثواب العربية التي تحاكي الثوب العربي المستخدم في عُمان، وكذلك القبعة التي توضع على الرأس، بل إنه في مناسبات الزواج وعقد القرآن لن تفاجأ إذا رأيت العريس وقد تقلد سيفا، عربيا وتمنطق خنجرا عربيا، ثم لف على رأسه العمامة الذي تذكر بعرب شمال البحر.
كذلك هو الشأن بالنسبة لزي المرأة الأفريقية التي أخذت طابعا من ملابس المرأة العربية، ولنستمع إلى وصف تاريخي يسوقه صاحب كتاب «جهينة الأخبار» عن زي المرأة قائلا: «وأما لباس المرأة في ذلك الزمن، فخمارٌ على رأسها، وقميصٌ وسراويل، وشيلةٌ تعمُّ سائرَ جسدها، وجواربٌ وحُقٌّ» (1)، وهو يشير إلى زمن السلطنة العُمانية قبل السيطرة الاستعمارية وقبل دخول العادات الغريبة التي جلبها الأوروبيون.
امتد هذا التأثير أيضا إلى العادات والآداب بدءا من الاستقبال والترحيب إلى القيام بواجبات الضيافة الأخرى. وقد نتج كل هذا بفعل التعايش والاندماج بين العرب الوافدين والسكان المحليين.
أما فيما يتعلق بالعمارة الإسلامية فتجدها ماثلة للعيان في معظم مدن الساحل الأفريقي وبصفة خاصة في المساجد والقلاع والبيوت القديمة حيث هي تنبئ عن هويتها العربية.
وعلى سبيل المثال لا تزال هناك آثار وشواهد دالة على هذه الآثار العمرانية كما هو حال الرسم بالمسجد الموجود ببلدة شوكة في الجزيرة الخضراء، حيث يبدو جليا الرسم الذي هو على شكل خنجر عربي في المحراب القديم لهذا المسجد، ويعود تاريخ هذا المحراب إلى سنة 812هـ/1412م (2).
__________
(1) سعيد المغيري، جهينة الأخبار، ص544.
(2) سالم بن أحمد الطيواني، زنجبار منذ دخول الإسلام حتى قيام دولة اليعاربة، بحث مخطوط، ص122. (1/199)
صفحة 181
ومن بين المساجد القديمة التي عثر عليها في مدينة مقديشو مسجد نقشت عليه كتابة تبين تاريخ تأسيسه وهو عام 637هـ في عصر السلطنة الحارثية، أي قبل مرور ابن بطوطة بها بنحو من الزمان.
وبنظرة على طريقة بناء بعض المساجد القديمة في الساحل الأفريقي نتعرف على مدى التشابه بين أسلوب عمرانها مع تلك الموجودة في عدد من البلدان العُمانية، أذكر مثلا زيارتي لبلدة كجمبوني في ناحية من ناحية دار السلام عاصمة تنزانيا حيث يوجد بناء لمسجد قديم، وقد لاحظت أن محراب المسجد الذي بني قبل أربعة مائة عام يماثل في بنيانه المحاريب المبنية في المساجد القديمة في عُمان حيث يكون المحراب بدون تجويف.
بل إن شواهد القبور القائمة والمحاذية للمسجد قد اتخذت طابعا وشكلا يماثل عددا من شواهد القبور القديمة في عُمان، هذه الآثار كلها تصور لنا هذا التأثير الثقافي الذي ظلت دوارسه وآثاره شاهدة على سنين من التعايش والاندماج الثقافي والعمراني
قائمة المراجع
1 - إبراهيم الزين الصغيرون: الإسهام العُماني في المجالات الثقافية والفكرية والكشف عن مجاهل القارة الإفريقية في العهد البوسعيدي، المنتدى الأدبي، حصاد ندوة 1991 ـ 1992م، وزارة التراث القومي، سلطنة عُمان،1993.
2 - ابن بطوطة (779هـ/1377م): محمد بن عبد الله اللواتي، تحفة الأنظار في غرائب الأمصار، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 1985م.
3 - أحمد بن حمد الخليلي (سماحة الشيخ): العُمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق إفريقيا، المنتدى الأدبي، حصاد ندوة 1991 ـ 1992م، وزارة التراث القومي، 1992م.
4 - أحمد حمود المغيري: عُمان وشرق إفريقيا، ترجمة محمد أمين عبد الله، وزارة التراث القومي، سلطنة عُمان، ط2، 1992م.
5 - جيان (ربان سفينة): وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن إفريقيا الشرقية، كتبه عام 1865م، نقله إلى العربية ملخصا يوسف كمال، القاهرة، ط، 1345هـ/1962م.
6 - حسن أحمد حمود: انتشار الإسلام في القارة الإفريقية، مكتبة النهضة المصرية، ط2، 1984م. (1/200)
صفحة 182
7 - خالد ناصر الوسمي: عُمان بين الاستقلال والاحتلال، مؤسسة الشراع العربي، الكويت، 1993م.
8 - رجب محمد عبد الحليم: العُمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام، مكتبة العلوم، سلطنة عُمان، 1929م.
9 - سالم بن أحمد الطيواني: زنجبار منذ دخول الإسلام حتى قيام اليعاربة، مخطوط بمكتبة معهد العلوم الشرعية، سلطنة عُمان، 2000م.
10 - سعيد بن علي المغيري: جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، وزارة التراث القومي، ط4، سلطنة عُمان، 2001م.
11 - سلطان بن محمد القاسمي: تقسيم الإمبراطورية العُمانية، مؤسسة البيان للصحافة والنشر، دبي، ط2، 1989م.
12 - عائشة علي السيار: دور اليعاربة في عُمان وشرق آسيا، مطابع دار الصحف الوحدة، أبو ظبي، ط3، بدون تاريخ.
13 - عبد الرحمن عبد الكريم العاني: تاريخ عُمان في العصور الإسلامية الأولى، دار الحكمة، لندن، 1999م.
14 - علي بن الحسين بن علي المسعودي، أبو الحسن (ت346هـ/957): مروج الذهب ومعادن الجوهر، 4 أجزاء، دار الكتب العلمية، بيروت، ط، 1986م.
15 - فليبس وندل: تاريخ عُمان، ترجمة محمد أمين عبد الله، وزارة التراث القومي، سلطنة عُمان، 1981م.
16 - فهمي جدعان وتوفيق مرعي: عُمان والحضارة الإسلامية، وزارة التربية والتعليم، سلطنة عُمان، 1984م.
17 - محمد بن سليمان الحضرمي: الصحافة العُمانية في زنجبار، مخطوط بمعهد العلوم الشرعية، سلطنة عُمان، 2001م.
18 - محمد صالح ناصر:
أ) أبو مسلم الرواحي حسَّان عُمان، سلطنة عُمان، 1996م.
ب) منهج الإباضية في الدعوة، مكتبة الاستقامة، سلطنة عُمان،1997م.
19 - محمد عبد الله النقيرة: انتشار الإسلام في شرق إفريقيا ومناهضة العرب له، دار المريخ للنشر، 1402هـ/1982م.
20 - نايف عيد وجابر السهيل: الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين، دار الوطن، الكويت، 1994م.
21 - وزارة الإعلام: عُمان في التاريخ، سلطنة عُمان، 1995م. (1/184)
صفحة 183
المنهج الإسلامي
في التوازن بين واجبات المسلم المُعاق واحتياجاته الخاصة
الدكتور: مصطفى بن صالح باجو
جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة
قضية العناية بذوي الاحتياجات الخاصة، أضحت قضية بالغة الأهمية لدى المهتمين بشؤون المجتمع بصورة عامة، وشؤون التربية والرعاية الاجتماعية بصفة خاصة. فتجندت لها الهيئات والمؤسسات، وخصصت لها الميزانيات، ووجهت لها البحوث والكفاءات، بغية إخراج هذه الفئة من عالمها الخاص، ومنحها ما تستحق من عناية وتكريم، حتى تعيش حياتها في كنف الكرامة الإنسانية المنشودة.
والموضوع يتعلق بقضية يومية يعيشها المجتمع بأفراده وهيئاته، ويتعرض لتحدياتها في كل لحظة نظرا لتباين الفرص الممنوحة لأبنائه، ووجود فئة تعاني نقصا في هذه الفرص المتاحة، والتي تعرف بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة.
فما المراد بهذا الاصطلاح "ذوي الاحتياجات الخاصة"؟ وما موقع هذه الفئة في المنظومة التشريعية للإسلام؟ وكيف تعامل الإسلام معها اعتبارا وتكليفا، منحا للحقوق وتكليفا بالواجبات؟
تمهيد حول خصائص التشريع الإسلامي:
تتلخَّص رسالة الإسلام وغايته الأساسية كلها في تحقيق استقرار الإنسان، وطمأنينته، وتأمين عيش كريم يناسب مقامه وقدره عند الخالق الكريم.
ومن خصائص رسالة الإسلام الشمول والعموم، فقد جاءت رسالة شاملة لكل مناحي الحياة، لا تغفل جانبا مما تمس إليه حاجة الناس، كما أنها تضم تحت مظلتها كل نشاط الإنسان الروحي والمادي، (1/186)
صفحة 184
الفردي والاجتماعي، الفكري والاقتصادي، فضلا عن كونها نظاما عاما لكل فئات المجتمع، لا يقصي أحدا، ولا يستثنيه، ذكرا كان أم أنثى، صغيرا كان أم كبيرا، سليما كان أم سقيما، فأحكام الشريعة لا تحرم أي فئة من رحابها، لأن الإسلام دين الجميع وليس دين النخبة. بل إنه يتناول الإنسان قبل مجيئه إلى المجتمع وهو ينمو في بطن أمه جنينا، إلى أن يغيب عن الأحياء ويصبح في التراب دفينا.
فلكلِّ شخص موقعه في هذه المنظومة التشريعية، إثباتا للحقوق، وتكليفا بالواجبات، بما يحقق التوازن والعدالة، ويكفل كرامة الإنسان، هذه الكرامة التي جعلها الخالق وصفا لصيقا بهذا الكائن، لا يجرؤ أحد على المساس بها أو انتزاعها مهما كانت الدوافع والمبررات.
وتتجسد مقاصد الشريعة في الحفاظ على الكليات الخمس كما قررها علماء الإسلام، وهي حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال.
وقد أفاض علماء الشريعة في بيان هذه المقاصد، وما تنضوي عليه من جلب للمنافع ودفع للمفاسد والمضار، بحيث يشعر الإنسان معها أنه يعيش حياته الإنسانية الحقة، ويتمتع بما أفاض الله عليه من تكريم أصيل، لا يمتن به بشر، ولا يتهدد بسلبه منه أحد.
وأصل تكريم الإنسان مقرر في آي الذكر الحكيم: {5 وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا 55 5} [سورة الإسراء:70].
وقد قضت الشريعة الإسلامية بمنح الإنسان حقوقه الأساسية المتمثلة في الحرية والكرامة والمساواة والعدالة، وضمان ضروريات العيش بقطع النظر عن جنسه ولونه ومعتقده وانتمائه الاجتماعي أو الجغرافي، لأن أساس التشريع الإسلامي إقامة الحق والعدل بين الناس، وتحقيق التوازن في الربط بين الحقوق والواجبات، ووضع الضمانات الحقيقية الكفيلة بنيل كل صاحب حق حقه بصورة ميسورة، وعند الاقتضاء يلجأ إلى الإحسان حسب الحالات الخاصة والظروف الاستثنائية. (1/187)
صفحة 185
من هذا المدخل المنهجي الأساسي ننطلق إلى الموضوع المقصود ألا وهو تحديد واجبات المسلم المعاق في الإسلام، وبيان التناغم الموجود بين قدراته وتكاليفه.
ونبدأ بمفهوم الإعاقة وأسبابها، وعناية الإسلام بهذه الفئة ضمن أحكامه، ثم نعرج على واجبات المعاق ودوره الاجتماعي، وأهمية عنصره لتحقيق رفاه المجتمع وتماسك أفراده، وضمان تضافر فئات المجتمع وتواصل أجياله مهما تباينت بينهم المسافات العمرية، أو المراتب الاجتماعية، أو الفرص الصحية، أو الإمكانات العلمية، أو غير ذلك من الاختلافات التي يقع بسببها الخلاف بين الناس، بينما هي في الواقع عوامل تقارب واستفادة تجارب، ولكن أنانية الإنسان وقصوره جعل منها عوامل فجوة وجفوة، وسبب صراع ونزاع؛ فأورثت اختلالا في بناء المجتمع، وأفضت إلى القطيعة والجفاء، والظلم والشقاء.
مفهوم الإعاقة:
لكل فرد على هذه الأرض وجوده وكيانه، وشخصيته المتميزة، وهو يُسهم بدوره في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والوظائف العملية، وبناء على مستوى وعيه بمهمته يكون أثره وفاعليته في المشاركة في الحياة العامة إيجابا أو سلبا، تأثُّرًا وتأثيرا.
وفي كل مجتمع فئة خاصة تتطلب تكيفا خاصا مع البيئة التي تعيش فيها، وذلك نتيجة لوضعها الصحي الخاص، نظرا لخلل أصابها في فترة من فترات حياتها (1).
__________
(1) الجوع وسوء التغذية والفقر تُخلِّف الإعاقات، وفي الوقت ذاته تُعَدُّ الاعاقة أحد أسباب الفقر وسوء التغذية والجوع. ومن الأمثلة على ذلك:
* تقول مصادر منظَّمة العمل الدولية: أن هناك 386 مليون مُعاقاً ممن هم في سن العمل في العالم، ويملك الكثير منهم القدرة والرغبة في العمل، ولكن كثيرا ما يتمُّ إستبعادُهم. لذلك فان البطالة بين المعاقين تفوق كثيراً مثيلتها بين عدد السكان بشكل عام.
* 70 ـــ 80 في المائة من المعاقين في آسيا ومنطقة المحيط الهادي مزارعون، أو عُمال ريفيون، أو جنود معاقون عادوا الى المناطق الريفية. ومن الدول التي تعاني الإعاقات بشكل خاص كمبوديا حيث يوجد فيها 1.4 مليون إنسان (من بين عدد سكانها الاجمالي البالغ 8 مليون نسمة) أُصيبوا بإعاقات نتيجة للفقر والحرب وانتهاكات حقوق الانسان.
* تعد الصراعات المسلحة والألغام الأرضية والأمراض مثل مرض التهاب السحايا من أهم أسباب الاعاقات في جميع أنحاء العالم. ففي أفغانستان أُصيب حوالي 800000 شخص ـــ أي حوالي 4 في المائة من السكان ــــ بالاعاقات نتيجة للحروب والفقر بشكل رئيسي.
* يصاب ما بين 250.000 و 500.000 طفل بالعمى كل عام نتيجة لنقص فيتامين (أ).
* هناك أكثر من 16 مليون معاقٍ عقليٍّ، وحوالي 50 مليون شخصاً يعانون تلفًا أقل خطورة في الدماغ بسبب الاضطرابات الناجمة عن نقص عنصر اليود.
* أكثر من نصف النساء الحوامل في العالم يعانين فقر الدم، 90 في المائة منهن يعشن في البلدان النامية. (1/188)
صفحة 186
فما هي سمات وملامح هذه الفئة؟ ومتى نصف السلوك بأنه سلوك معاق؟ وما حقيقة الإعاقة في المنظور الإسلامي؟ وماذا يجب على المجتمع تجاه هذه الفئة؟ وما هي حقوقها وواجباتها في الشريعة الإسلامية؟ وهل تتناسب تلك التكاليف ووضعيتهم وقدراتهم؟ أم هم في ذلك كسائر المكلفين سواء؟
وللأسف فإن الناس اصطلحوا على عزل هذه الفئة وتواطؤوا على وضعها تحت الحجر النفسي والاجتماعي بما يحيطونها به من عبارات الانتقاص والإقصاء، من مثل كلمة «المعوقين» و «أصحاب الإعاقات».
لذلك وجدنا هذه الفئة قد اتخذت لها نمطا في السلوك ووضعا متميزا بين فئات المجتمع، يتسم بالانعزال والانطواء، والبعد عن الأضواء لما يرمقها به الناس من نظرة شزراء، فيها مزيج من الشفقة والازدراء.
نظرة الإسلام للإعاقة:
من الطريف الإشارة في البدء إلى المفهوم الخاص للإعاقة في الإسلام، المتمثل في تعطيل الإنسان الحواس السليمة عن وظيفتها بمحض إرادته، مع قدرته على توظيفها فيما خُلقت له، دون أن يكون بها خلل أو عطَل حقيقي، لأنَّ العجز حالة مرفوع فيها الحرج، وليس على صاحبه ملام.
فالإنسان المَعُوق في المفهوم القرآني ليس من كان به عجزٌ أصيل أو طارئ منعه من استعمال حواسه وجوارحه في قضاء حوائجه وأداء مهمته في (1/189)
صفحة 187
الحياة، ولكنه الفرد السليم الذي عطَّل هذه الحواس عن العمل وأهملها فلم يقم بحق الله فيها، من التأمل في خلق الله وشكر أنعم الله، واستعمالها فيما يرضي الله. قال الله عز وجل: {55555555 يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا 5 فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ 5555} [سورة الحج: 46].
وعذرُ المعوق قائمٌ بصريح نصوص القرآن الكريم: في قول الله عز وجل: {555555 عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ 5 وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ 5 وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا 5555} [سورة الفتح:17].
فمدارُ المسؤولية قائمٌ على القدرة، ومدى توظيف طاقة الإنسان في طاعة الرحمن، ومن فقد القدرة فلا حرج عليه، ومن أهملها كان متولّيا ومدبرًا عن تحمل المسؤولية، وذلك مستتبع للجزاء وسوء المصير.
ومن جهة أخرى فإن إهمال الأسوياء الأصحاء للمعوزين المعوقين يعتبر إعاقة بالمنظور الإسلامي، وتقصيرًا في قيام هؤلاء بواجباتهم الشرعية من رعاية هؤلاء العاجزين حتى يحيوا حياة كريمة كسائر فئات المجتمع. ولذلك ذهب البعض إلى القول بأنه لا يوجد فرد معاق، بل هناك مجتمع معاق.
ولذا كان من الضروري تصحيح هذا الخطإ وتدارك هذا القصور بفتح أعين الناس لرؤية هؤلاء المحرومين ووجوب القيام بحقوقهم لزاما لا امتنانا ولا تطوعا.
وتكيّف هذه الفئة لا يقع على عاتقها نفسها، بل يقع على كواهل الهيئة الاجتماعية ومن يحيطون بها، ويتم ذلك بتوفير الاهتمام المناسب لهم، واعتبارهم بشرا كسائر الناس الآخرين، لهم وجودهم وشخصيتهم، ولهم الحق أن يمارسوا حياتهم الإنسانية الكريمة.
أسباب الإعاقة:
شاع في قاموسنا اليومي استعمال كلمة «مُعاق» وهى من أصل «عوق» الذي يدلُّ على المنع والاحتباس، فكلُّ (1/190)
صفحة 188
ما يمنعك عن فعل أي شئ تريده، فهو عائق لا يُمَكّنك من ممارسة حياتك على الشكل السوي، وخاصة الأنشطة اليومية من خدمة النفس الذاتية، والأنشطة التعليمية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى الاقتصادية أيضا.
وقد جاء في الإعلان الخاص بحقوق المعوقين تعريف المعوق بأنه «أيُّ شخص عاجز عن أن يؤمن بنفسه، بصورة كلية أو جزئية، ضرورات حياته الفردية و/أو الاجتماعية العادية بسبب قصور خلقي أو غير خلقي في قدراته الجسمانية أو العقلية» (1).
ويمكن تصنيف أسباب الإعاقة إلى ثلاثة:
أسباب وراثية، وأسباب مرضية، وأسباب تعود إلى حوادث الحياة المختلفة منذ مولد الإنسان إلى وفاته.
1 ــــ الأسباب الوراثية: وهى التي تنتقل بالوراثة من جيل إلى جيل، أي من الآباء إلى الأبناء عن طريق الجينات الموجودة في الخلايا. وإن كانت الأسباب الوراثية تسهم بنسب أقل من الأسباب البيئية إلا أنها موجودة، وتمثل نسبة معتبرة من حالات الإعاقة، ومن هذه الحالات: الضعف العقلي، مرض السكري، والنقص الوراثي في إفرازات الغدة الدرقية مما يؤدى إلى نقص النمو الجسمي والعقلي.
2 ــــ الأسباب البيئية، وتكون بسبب مرض أو حادث.
وهذه الأسباب أو العوامل البيئية لا توجد داخل الكائن الحي، وإنما تأتيه من خارج نطاق جسده لكنها تسير جنباً إلى جنب مع العوامل الوراثية وتسير في علاقة تفاعلية معها.
والعوامل البيئية كثيرة جدا، فمنها ما يعود إلى فترة الحمل، بسبب استعمال الأدوية والتعرض للأشعة وتناول المواد السامة كالتدخين والخمر وأمثالها، مما يؤدي إلى تشوهات خلقية في الجنين. وثمة عوامل أثناء الولادة: بسبب نزيف في الولادة، أو كبر في حجم الولد مما يعسر ولادته، أو إهمال في نظافته فيعقبه إعاقة ما.
__________
(1) المادة رقم 1 من «الإعلان الخاص بحقوق المعوقين»، اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3447 (د ـــ 30) المؤرخ في 9 كانون الأول/ديسمبر 1975. (1/191)
صفحة 189
وقد تكون هذه العوامل بعد الولادة فيصاب بالأمراض المختلفة بسبب الإهمال في مواعيد التطعيم، والإنسان بعد هذا معرض طيلة حياته لإصابات الحوادث المختلفة، سواء في المنزل أو في العمل أو حوادث المرور. أو الحروب التي تشتعل نيرانها في بقاع شتى من العالم. وتعتبر حوادث الطرقات والحروب من أكثر العوامل إصابة بالعوق لملايين الناس في العالم سنويا.
تعامل الإسلام مع أسباب الإعاقة:
يتركز تعامُل الإسلام مع أسباب الإعاقة بالسعي للتضييق منها والتقليل من آثارها، وجل تشريعات الفقه الإسلامي تسعى لتحقيق هذا الغرض.
ويمكن إيجاز هذه الإجراءات في النقاط الآتية:
* ــــ منع العدوان على النفس: وذلك بالنهي عن قتل النفس وعن الإلقاء بها إلى التهلكة. فقد جاء في الذكر الحكيم قول الحق عز وجل: {5555 تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ 5 إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا 5555} [سورة النساء:29]. وقال: {5555 تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ 5} [سورة البقرة:195].
وتوعَّد رسول الله 6 من أهلك نفسه وعيدا شديدا في ما رواه أبو هريرة: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ 6 قَالَ «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ، وَاَلَّذِي يَقْتَحِمُ نَفْسَهُ يَقْتَحِمُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ، وَاَلَّذِي يَطْعَنُ نَفْسَهُ يَطْعَنُ نَفْسَهُ فِي النَّارِ». وقَالَ أيضا «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا, وَمَنْ تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا, وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» (1).
*ـــ منع العدوان على الغير، والنهي عن القتل والعدوان الجسدي، وهذا ما يجسده الفقه الجنائي، وما يحتويه من تشريع العقوبات على هذه الاعتداءات إما قصاصا وإما تعويضا بالدية أو الأروش في جنايات الجروح فيما دون النفس.
__________
(1) البخاري، كتاب الطب، باب شرب السم والدواء، حديث 5333. (1/192)
صفحة 190
ففي وعيد القتل قال الله عز وجل: {5555 يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا 5555} [سورة النساء:93]. هذا عن الجزاء الأخروي، أما عن عقوبة هذه الجريمة الدنيوية فقال تعالى: {55555555 فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 55555} [سورة البقرة: 179].
وفي جزاء العدوان على الإنسان بأنواعه: قال الله عز وجل: {55555555555 عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [سورة المائدة: 45].
وينتظم تحت هذه التعاليم قوانين المرور؛ وهي في مجملها تحقق مقاصد الشريعة وتنسجم مع قواعدها في حفظ النفس من الموت ومن الضرر والعطب، ذلك لأن حوادث المرور تذهب بأرواح الملايين سنويا، كما تسبب أعدادا كبيرة من حالات الإعاقة، فيكون امتثال قوانين المرور واجبا شرعيا، لا قانونيا فقط، لما له من دور في الحفاظ على أرواح الناس وأبدانهم، وعلى أموالهم كذلك.
*ـــ تجنب أسباب المرض، وينتظم هذا الطب الوقائي الذي سنه الرسول 6 «عَن أَبِي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (1). فقرر اجتناب أسباب المرض فيما ثبت فيه انتقال الجراثيم، وهي الأمراض المعدية، حتى يقلل من الإصابة بها، ويسلم سائر الناس، ويوضع المرضى في الحجر الصحي إلى حين شفائهم.
ولكن هذا لا يعني حشر المعوقين كلهم في هذه الخانة، بل هم فئة حرمت نعمة الصحة والعافية، ولا يلزم من ذلك عدواهم لغيرهم بالضرورة، ولذلك ورد الحديث النبوي الشريف بخصوص هذه الحالة تثبت أن العدوى بقضاء وقدر. فعَن أَبِي سَلَمَةَ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ
__________
(1) البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة، حديث 5328. (1/193)
صفحة 191
وَلا هَامَةَ، وفِرَّ مِن الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِن الأَسَدِ» (1).
وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلَى الشَّامِ , حَتَّى إذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ التُّجَّارُ فَقَالُوا: الأَرْضُ سَقِيمَةٌ; فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فَعَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ, فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرَ: لَوْ غَيْرُك يَقُولُهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة , نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَك إبِلٌ فَهَبَطْت بِهَا وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إحْدَاهُمَا خَصِيبَةٌ وَالأُخْرَى جَدِيبَةٌ أَلَسْت إنْ رَعَيْت الْخَصِيبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْت الْجَدِيبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ عَوْفٍ فَقَالَ: عِنْدِي مِن هَذَا عِلْمٌ , سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ, وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ وَانْصَرَفَ» (2).
وتقرير الإسلام أن العدوى لا تكون إلا بقدر الله تعالى جعل المسلمين لا يفرون من المعوقين بل يقتربون منهم ويعاملونهم معاملة حسنى، خلافا لما كان شائعا في مجتمعات كثيرة من عزل المعوقين في أماكن محصورة خشية من عدواهم.
*ــــ العلاج من المرض، بعدم ترك الأمر يتفاقم فيفضي إلى مضرة أكبر تتمثل في وفاة أو زمانة وإعاقة مستديمة. فقد أمر النبي 4 بالتدواي، وتداوى أيضا، وأقرّ الصحابة على ذلك.
وفي كتب الفقه والسنة دلائل عديدة تشهد لهذا المنهج النبوي الصارم في محاربة الآفات ومنع أسباب الإعاقة والهلاك.
فقد جاء في كتاب المصنف لابن أبي شيبة: «عَن هِلالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: جُرِحَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اُدْعُوا لَهُ الطَّبِيبَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , هَلْ يُغْنِي عَنهُ الطَّبِيبُ؟ قَالَ: نَعَمْ ; إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلاَّ أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً»، وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
__________
(1) البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة، حديث 5328.
(2) أبو بكر الجصَّاص، أحكام القرآن، ج1، ص614 - 615. (1/194)
صفحة 192
«مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِن دَاءٍ إلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً إلا الموت» (1).
معاملة المعاق في الإسلام
يتَّجه الإسلام في تعامل الناس عموما، وهذه الفئة خصوصا إلى مراعاة الجوانب النفسية والمعنوية فضلا عن الجوانب المادية الجسدية، فحرم النبز بالألقاب وذكر الإنسان بما يكره من الصفات، واعتبره غيبة محرمة، فقد روى أبو هريرة «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (2).
هذه الكلمة قاسية جداً على نفس الشخص الذي تنقصه قدرات أو مهارات لاستخدام كل ما منحه الله من إمكانيات بالشكل الطبيعى والسليم، ولنحذر أن نكون نحن المعاقين بتصرفاتنا الخاطئة تجاه هؤلاء الأشخاص، بل نعاملهم كأنهم أشخاص عاديون، رغم احتياجهم للمساعدة، فلا نؤزم أوضاعهم بإشعارهم بالدُّون لأنهم حُرموا بعض نعم الله التي أسبغها علينا ابتلاء لا تفضيلا وتشريفا.
ومن الإنصاف أن نذكر أن الوعي بهذه القضية أخذ يتنامى في السنوات الأخيرة، فلم يعد يستخدم العوق Handicapped في العديد من المؤسسات والهيئات والأفراد والعاملين في مجالات الرعاية الصحية والتربوية والسلوكية والاجتماعية لهذه الفئة، وأصبح الاسم المستساغ هو أنهم من «ذوي الحاجات الخاصة» التي تعني وجود اختلاف جوهري عن المتوسط أو العادي الذي يتمتَّع به سائر الأفراد.
إن كلمة «معوق» تجرح قلب صاحبها فكان إطلاقها محظورا في المنظور الإسلامي، بل يجب اختيار أحسن الأوصاف وأحبها إلى قلبه. وتلك بعض حقوق المسلم العامة.
وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ 6: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ
__________
(1) المصنف لابن أبي شيبة، ج5، ص421، 422.
(2) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة، حديث 4690. (1/195)
صفحة 193
فِي حَاجَتِه، ِ وَمَنْ فَرَّجَ عَن مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ كُرْبَةً مِن كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (1).
ومن حُقُوقُ الْمُسْلِمِ على أخيه أن يُحِبَّ لَهُ مِن الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ , وَيَكُفَّ عَنهُ شَرَّهُ مَا اسْتَطَاعَ , فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ , وَيَبْذُلَ لَهُ مِن خَيْرِهِ مَا اسْتَطَاعَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ , فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ فَكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ. فَإِنْ كَانَ مِن الْقَرَابَةِ فَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ حَقُّ صِلَةِ الرَّحِمِ بِالإِحْسَانِ وَالزِّيَارَةِ وَحُسْنُ الْكَلامِ وَاحْتِمَالُ الْجَفَاءِ، وإن كان من ذوي الاحتياجات الخاصة كانت حقوقه أولى وأوكد، والاهتمام به أهم وأعظم.
وقد راعاه الرسول 6 حتى في صلاة الجماعة، فأوصى الأئمة بالتخفيف إشفاقا بهم: «عَن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلانٌ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِن يَوْمِئِذٍ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ» (2).
واعتبر وجود الضعفاء خيرا وسببا للرزق والنصر واستجابة الدعاء، ولذلك كان يقول: «أَبْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ» (3).
وجوب رعاية المحتاجين من ذوي الاحتياجات الخاصة
من المتفق عليه بين الفقهاء وجوب إعانة المضطر إلى الطعام والشراب بإعطائه ما يدفع عنه المضرة والهلاك، ويحفظ عليه حياته، ويتهددها من غرق أو حريق أو سبع أو غير ذلك، وقد يكون الواجب عينيا على القادر، أو كفائيا إذا وجد غيره للقيام بهذا الواجب، وإن
__________
(1) صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، حديث رقم 2262.
(2) البخاري، كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، حديث 88.
(3) مسند أحمد، مسند الأنصار، باقي حديث أبي الدرداء، حديث رقم 20738. (1/196)
صفحة 194
تركوه جميعا بلا عذر حتى هلك المضطر أثموا جميعا «لِمَا رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا وَرَدُوا مَاءً فَسَأَلُوا أَهْلَهُ أَنْ يَدُلُّوهُمْ عَلَى الْبِئْرِ فَأَبَوْا , فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُعْطُوهُمْ دَلْوًا , فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ , فَقَالُوا لَهُمْ: إنَّ أَعْنَاقَنَا وَأَعْنَاقَ مَطَايَانَا قَدْ كَادَتْ أَنْ تُقَطَّعَ, فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُمْ, فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ رضي الله عنه, فَقَالَ لَهُمْ: فَهَلاَّ وَضَعْتُمْ فِيهِم السِّلاحَ؟ , وَمِثْلُ ذَلِكَ إعَانَةُ الأَعْمَى إذَا تَعَرَّضَ لِهَلاكٍ, وَإِعَانَةُ الصَّغِيرِ لإِنْقَاذِهِ مِن عَقْرَبٍ وَنَحْوِهِ» (1).
ويدخل هذا في عموم أمر الله تعالى بالتعاون على البر ودفع الضر قال الله عز وجل: {55555555555555 عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى 5 وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سورة المائدة:2].
وَكُلَّمَا كَانَ هُنَاكَ رَابِطَةُ قَرَابَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ كَانَ التَّعَاوُنُ بَيْنَهُمْ أَوْجَبَ (2).
جوانب العناية بذوي الاحتياجات الخاصة:
تتمُّ العناية بهذه الفئة من الجانب المادي أولا، وذلك بتوفير الوسائل المناسبة لهم، والتكفل بأعباء المعوق علاجا ورعاية، وهو عبء واقع بصفة إلزامية على الأسرة أو الكافل الشرعي، وعند العجز تنتقل المسؤولية إلى المجتمع أو الدولة، عن طريق فريضة الزكاة، وبيت المال، والأوقاف.
ويتوازى مع العناية المادية الجانب النفسي والاجتماعي، وهو على درجة بالغة الأهمية والأثر, وعلى المجتمع دور أساسي في الرعاية النفسية والاجتماعية للمعوق وإدماجه في الحياة وكسر حاجز الطوق النفسي الذي يعزله عن مجريات الأحداث ومشاركة الناس أفراحهم وأحزانهم، وتتمثل هذه العناية في دوائر منداحة تبدأ من نطاق الأسرة وهي المحضن الأصلي والطبيعي للإنسان السوي وذي الاحتياجات الخاصة على السواء، ثم تنداح الدائرة إلى نطاق المدرسة، ثم المجتمع العام، بمؤسساته المختلفة الرسمية والأهلية. وكل يقوم بدوره تجاه هؤلاء المحرومين.
__________
(1) الموسوعة الفقهية، مادة: إعانة.
(2) المصدر السابق، مادة إعانة. (1/197)
صفحة 195
التخفيف النفسي على المريض:
أولى الإسلام عناية بالغة بالمرضى وحث على زيارتهم ووعد عليها أجرا جزيلا، وانتظمت كتب الفقه أحكامه فيما عرف بحقوق المريض وآداب زيارته.
فمن آداب الزيارة التخفيف على المريض بتسليته وتذكيره بجزاء الصابرين، وتبصيره بالجوانب الخفية للمرض من تكفير الذنوب وتعظيم الأجر وتقوية صلة العبد بربه، وتفكره في أنعمه الأخرى وهي عديدة، وعدم التركيز على تلك العاهة أو المرض، وهذا جانب مهم في تحقيق الراحة والانسجام للمريض، وتقبل حالته عند استعصاء تحسينها أو علاجها. لئلا يصاب بالانطواء وفقدان الأمل، فينظر إلى الحياة وإلى الناس نظرة سوداء، مما يزيد من تعقيد مرضه وتأزيم وضعيته النفسية.
وفي التاريخ الإسلامي صفحات ناصعة من جهود المسلمين وقيامهم بواجب العناية الاجتماعية والرعاية النفسية لهذه الفئة من أبناء المجتمع، فيما عرف بالبيمارستانات، أو المستشفيات المخصصة لذوي الأمراض المزمنة والعاهات المستديمة، إذ أقيمت في مناطق جذابة على ربوات خضراء، تمر بها المياه والجداول، وتزهر فيها الورود والخمائل، ويقوم بالعناية بالمرضى فيها أطباء وخدم يقدمون العلاج المادي والنفسي ويروحون عن المهمومين، وذلك كله بدون مقابل، لأن تلك المستشفيات كانت أوقافا تبرع بها المحسنون لرعاية هؤلاء المحرومين.
واجبات المسلم المُعاق
*ـــ من خصائص الإسلام التوازن في نظامه وتشريعه، وفي مبادئه وأصوله، إذ لا نجد قسما نال حظا موفورا، وقسما أغفل ولم ينل حظه من العناية والرعاية.
فقد جمع بين الدنيا والآخرة، وبين مطالب الجسد وأشواق الروح، ووازن بين الحقوق والواجبات للرجل والمرأة على حد سواء، كما عني بتحقيق التوازن في كل حالات المكلف بما يفي بإقامة العدل والإنصاف.
من مميزات هذا التشريع تناظر الحقوق والواجبات، وتكافؤها في الأساس، فنجد أزاء كل حق من الحقوق الممنوحة نظائره من الواجبات المطلوبة أو الشروط المستلزمة، وبين هذين الطرفين تكافؤ وتعادل دقيق. (1/198)
صفحة 196
ففي شأن النساء يقول الله عز وجل: {5 555555 مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ 5 وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ 5 وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 55555} [سورة البقرة:228]. فللنساء حقوق هي واجبات على الرجال، وعلى النساء واجبات هي حقوق للرجال، ثم خصَّص مزيد درجة للرجال ليست تمييزا بقدر ما هو تحميل لمسؤولية أكبر هي قيادة المركبة وتأمين المسار، وحماية الركب من الأخطار.
*ـــ لا يقع التكليف على الصغار: ومن واجبات الآباء تجاه الأبناء؛ حقُّ الرعاية والتربية، ويتأكد هذا إذا كان بالولد عائق يمنعه من ممارسة نشاطه ومناولة نفسه على الوجه المعتاد.
وليس على الطفل في الأساس مسؤولية ولا تبعة شرعا ولا عرفا ولا قانونا. ما لم يبلغ سن التكليف الشرعي أو الرشد القانوني. وهو في هذه المرحلة يأخذ حقوقا ولا يكلف بواجبات، إلا ما كان تدريبا أو تأديبا حتى ينشأ على الاستقامة والفضيلة. ويهيأ لتحمل كامل مسؤولياته عند البلوغ.
وإذا تجاوز هذه المرحلة تحمل عبء التكاليف الشرعية ما توافرت فيه شروطه المحددة في كتب الفقه والأحكام. وإن ثبت به عجز كان مرفوعا عنه القلم، سواء بصورة مؤقتة أو دائمة، كما قال 4: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَن ثَلاثَةٍ: عَن النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَن الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَن الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (1).
وعدم تكليف الصبي لعدم الاستطاعة، التي هي أساس كل تكاليف الإسلام، لأنه قائم على المنطق والمعقول وهو التكليف بما في وسع الإنسان رحمة وتفضلا من الرحيم الرحمن، واستجابة لدعاء علمنا أن نقوله في القرآن: قال الله عز وجل: {55 يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا 5 لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ 5 رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا 5 رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا 5 رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ 5} [سورة البقرة: 286].
__________
(1) سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا، حديث 3825. وورد الحديث في كتب الصحاح والسنن بألفاظ متقاربة. (1/199)
صفحة 197
والحق أن قائمة التكاليف في الإسلام تشمل كل من توافرت فيه الاستطاعة، ثم يقع التخفيف حسب الأعذار والحالات، ولا تنضبط بعدد أو أمثلة محدودة، فلكل حالة حكمها، وما يناسبها، وضابطُها تَعَلُّقُ التكليف بالقدرة على الامتثال. وعند العجز يسقط من الأمر ما لا يمكن المكلف من أدائه، ويبقى في ذمته ما يقدر عليه وفق الميزان القرآني الخالد: {55555555555 اللَّهَ مَا 55555555555555} [سورة التغابن:.16.].
وقد فسر الرسول 4 هذا المبدأ القرآني بقوله: «إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (1).
وهذا الحديث الشريف يعتمده الفقهاء في بيان أحكام الضرورة وأحوال المعوقين، ومن عجز عن الإتيان بالأمر الشرعي من عبادة ونحوها.
فعند عجز الإنسان عن تحمل الواجبات بعذر مشروع، فإن الإسلام يتنازل عن مطالبته بذلك الواجب، ولكن لا يمنعه حقه مقابل ذلك الإعفاء، بل يؤكد على تمكينه من حقه، ومساعدته على ذلك إن كان به عائق يحول دون حصوله عليه.
وفئة ذوي الاحتياجات الخاصة قد وفّر الإسلام لها مزايا تشمل جانب المنح وجانب الإعفاء، وعدم التكليف بما كلف به غيرهم من الأسوياء، وتسويغ ما لا يسوغ لغيرهم، وذلك بقدر الحاجة الدافعة، والمصلحة المقصودة.
والنصوص التي تتناول هذه الفئة تقوم على معايير عامة لتشمل كل أنواع الفئات ذات الاحتياجات الخاصة، ولا تنحصر في فئة معينة، تحقيقا لشمول الإسلام وعمومه للزمان والمكان. واستيعابه لما تفرزه الحضارات وأحوال المجتمعات من حالات لم تكن معروفة زمن التنزيل. ولذلك نجد في الفقه الإسلامي التعبير بكلمة «الزَّمْنَى» وهم ذوو الأمراض المزمنة التي تتسم بالاستمرار والدوام. علما بأن النصوص الشرعية التي تناولت هذه
__________
(1) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ربيع ثان، حديث 6744. والحديث مروي بألفاظ عدة وبطرق كثيرة في كتب الصحاح والسنن. (1/200)
صفحة 198
الفئات جاءت على سبيل التمثيل لا الحصر، وتركت اعتبار ما يستجد بناء على الحاجة أو الضرورة وعلة التخفيف وهي الضعف. وهو ما استقر في علم أصول الفقه بقاعدة «العبرة بعموم النَّص لا بخصُوص السبب».
من هنا تأتي رعاية الإسلام لذوي الاحتياجات الخاصة، بكل صنوفهم سواء كانوا مرضى بالوراثة والخلقة، أم بعاهة طارئة، أم بحادث مروري أو عملي، أو لكبر سن وهرم، فهؤلاء وضعتهم ظروف الحياة في هامش الميدان، فلزم إشراكهم في نمط الحياة اليومية وإدماجهم في النشاط الاجتماعي قدر المستطاع.
التوجه العالمي اليوم يدعو إلى الرعاية الأسرية للمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، لتعذر القيام بهم في المراكز العامة وفقدان الرعاية النفسية الطبيعية فيها، وهو ما لا يوجد إلا ضمن الجو الأسري الحميمي، ومن هنا ندرك أهمية توجيه القرآن للعناية بالوالدين، وبخاصة في مرحلة الكبر، لما لها من أثر خطير على استقرارهما النفسي، وبالتالي على صحتهما الجسدية، {5 وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا 5 إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا 5555} [سورة الإسراء:23]
أنماط من التشريعات تخص المعوق في الفقه الإسلامي
*ــــ التشريعات الخاصة بالمعوقين في الإسلام يضبطها الأصل العام في قول الله عز وجل: {55 يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا 555555555} [سورة البقرة:.286.]. وقوله عز وجل: {55555 جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [سورة الحج:78].
ومن هنا وُضعت قاعدة أساسية من قواعد الفقه الإسلامي، وهي أن «المشقَّة تجلب التيسير» وحدد الفقهاء مسائل كثيرة تحت «نظرية الضرورة» و «رفع الحرج».
ويضمُّ القرآن والسنَّة وكتب الفقه طائفة من هذه الأحكام، منها: (1/201)
صفحة 199
- أنَّ القرآن الكريم نصَّ على التخفيف على المريض بإباحة التيمم عند العجز عن استعمال الماء.
- جواز الصلاة قاعدًا لمن عجز عن القيام.
- إباحة الفطر بسبب المرض وقضائه عند القدرة.
- جواز الجمع بين الصلاتين للمستحاضة، والمصاب بسلس البول، وللمبطون الذي أصابه الإسهال، لتعذر الحفاظ على الطهارة وقتا طويلا.
- سقوط وجوب الجُمعة عن العاجز عن المشي للصلاة.
- كما يسقط الحجُّ عند العجز البدني.
- وراعى الفقه حالة الأصمِّ في تكاليفه بما يتناسب وقدراته.
- وأسقط عن الأخرس فرض القراءة في الصلاة، فيجزئه الإيماء، وكذا شهادته وعقوده تصح بما يكشف عن مقصوده بالإشارة الموضحة.
- وعفا عن الأعمى فلم يوجب عليه ما أوجب على المبصرين.
نماذج من رعاية التخفيف على المعوق والعاجز عن التكاليف
*ــــ جواز التيمم عند فقد الماء والعجز عنه:
كمن فقد الماء للصلاة فإن التيمُّم يكفيه، ولو طال به الأمد، وكذا المريض الذي يضره الماء. وهو صريح نص القرآن الكريم: {55555 كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ 555555555555 أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا 55555555} [سورة النساء:43].
جاء في كتاب المحلَّى لابن حزم: «وَمَنْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ بِحَيْثُ لا يَجِدُ تُرَابًا وَلَا مَاءً أَوْ كَانَ مَصْلُوبًا وَجَاءَتْ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ كَمَا هُوَ وَصَلاتُهُ تَامَّةٌ وَلا يُعِيدُهَا, سَوَاءٌ وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَمْ يَجِدْهُ إلاَّ بَعْدَ الْوَقْتِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا} وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ (1/202)
صفحة 200
عَلَيْكُمْ إلاَّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ} فَصَحَّ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّهُ لا يَلْزَمُنَا مِن الشَّرَائِعِ إلاَّ مَا اسْتَطَعْنَا, وَأَنَّ مَا لَمْ نَسْتَطِعْهُ فَسَاقِطٌ عَنَّا , وَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْنَا تَرْكَ الْوُضُوءِ أَو التَّيَمُّمِ لِلصَّلاَةِ إلاَّ أَنْ نُضْطَرَّ إلَيْهِ , وَالْمَمْنُوعُ مِن الْمَاءِ وَالتُّرَابِ مُضْطَرٌّ إلَى مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ أَو التُّرَابِ , فَسَقَطَ عَنَّا تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصَّلاَةِ بِتَوْفِيَتِهَا أَحْكَامَهَا وَبِالإِيمَانِ , فَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ , فَإِذَا صَلَّى كَمَا ذَكَرْنَا فَقَدْ صَلَّى كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى , وَمَنْ صَلَّى كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ» (1).
وفي نفس المصدر جاء «مَنْ عَجَزَ عَن بَعْضِ أَعْضَائِهِ فِي الطَّهَارَةِ: مَنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ أَوْ رِجْلاهُ أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ سَقَطَ عَنهُ حُكْمُهُ , وَبَقِيَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا بَقِيَ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَإِنْ كَانَ فِي الْجَسَدِ جُرْحٌ سَقَطَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ فَرْضُ غَسْلِ سَائِرِ الجَسَدِ أَو الأَعْضَاءِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ, فَإِنْ عَمَّت القُرُوحُ يَدَيْهِ أَوْ يَدَهُ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ وَجْهَهُ أَوْ بَعْضَ جَسَدِهِ, فَإِنْ أَخْرَجَهُ ذَلِكَ إلَى اسْمِ المَرَضِ وَكَانَ عَلَيْهِ مِن إمْسَاسِهِ الْمَاءَ حَرَجٌ تَيَمَّمَ فَقَطْ , لأنّ هَذَا حُكْمُ المَرِيضِ , وَإِنْ كَانَ لا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي المَاءِ غَمَسَهُ فَقَطْ وَأَجْزَأَهُ , أَوْ صَبَّ عَلَيْهِ المَاءَ وَأَجْزَأَهُ , وَإِنْ كَانَ لَمْ يُخْرِجْهُ إلَى اسْمِ المَرَضِ غَسَلَ مَا أَمْكَنَهُ وَسَقَطَ عَنهُ مَا عَلَيْهِ فِيهِ حَرَجٌ فَقَطْ كَثُرَ أَوْ قَلَّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ» (2).
*ـــ العجز عن الركوع والسجود في الصلاة:
وقال في العاجز عن الركوع أو السجود: «فَمَنْ عَجَزَ عَن الرُّكُوعِ أَوْ عَن السُّجُودِ خَفَضَ لِذَلِكَ قَدْرَ طَاقَتِهِ فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرَ مِن الإِيمَاءِ أَوْمَأَ. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ لِلزِّحَامِ أَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ لِلسُّجُودِ فَلْيَسْجُدْ عَلَى رِجْل مِن أَمَامِهِ, ... وروينا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ آذَاهُ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيَبْسُطْ ثَوْبَهُ وَيَسْجُدْ عَلَيْهِ , وَمَنْ زَحَمَهُ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى لا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الأَرْضِ فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ ... وعَن نَافِعٍ عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا كَانَ
__________
(1) ابن حزم، المحلى، ج1، ص363.
(2) ابن حزم، المحلى، ج1، ص363. (1/203)
صفحة 201
الْمَرِيضُ لا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ وَلا عَلَى السُّجُودِ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ» (1).
* ـــ صلاة المريض:
وجاء في كتاب المبسوط حول صلاة المريض «الأَصْلُ فِي صَلاةِ المَرِيضِ قوله تعالى: {355555555 يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى 55555555555} [سورة آل عمران:191]. قَالَ الضَّحَّاكُ فِي تَفْسِيرِهِ: هُوَ بَيَانُ حَالِ الْمَرِيضِ فِي أَدَاءِ الصَّلاَةِ عَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ «وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: كَيْفَ أُصَلِّي فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: صَلِّ قَائِمًا, فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا , فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً , فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ» أَيْ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنكَ , وَلأَنَّ الطَّاعَةَ عَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا} ولقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. فَإِذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: الْمَرِيضُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ يُصَلِّي قَائِمًا, فَإِذَا عَجَزَ عَن الْقِيَامِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ, وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَن الْقُعُودِ يُصَلِّي بِالإِيمَاءِ; لأَنَّهُ وُسْعُ مِثْلِهِ , فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فِي أَوَّلِ الصَّلاَةِ وَعَجَزَ عَن الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ» (2).
* ــــ المحصر في الحج والعمرة:
شُرع التخفيف عن المحصر وهو المحرم الذي يقصد الحج أو العمرة فيمنعه عدوٌّ أو مرض عن الوصول إلى البيت الحرام، فيباح له التحلُّل من إحرامه ــــ على خلاف في التفاصيل بين الفقهاء ــــ وعذره قيام المانع العائق عن الوصول إلى الحرم لأداء النسك. وأساس المسألة قوله عز وجل: {55555555555 الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ 5 فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ 5} [سورة البقرة:196].
ومعتمد هذا القول لدى الفقهاء ما روي «أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ فَكَيْفَ أَقُولُ؟ فَقَالَ: قُولِي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَمَحِلِّي مِن
__________
(1) ابن حزم، المحلى، ج2، ص297.
(2) السرخسي، المبسوط، ج1، ص212. (1/204)
صفحة 202
الأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (1).
*ـــ يمين الأبكم واستثناؤه:
قال ابن حزم في يمين الأبكم واستثنائه: «وَيَمِينُ الأَبْكَمِ وَاسْتِثْنَاؤُهُ لازِمَانِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ مِن صَوْتٍ يُصَوِّتُهُ أَوْ إشَارَةٍ إنْ كَانَ مُصْمَتًا لا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ, لِمَا ذَكَرْنَا مِن أَنَّ الأَيْمَانَ إخْبَارٌ مِن الْحَالِفِ عَن نَفْسِهِ, وَالأَبْكَمُ, وَالمُصْمَتُ, مُخَاطَبَانِ بِشَرَائِعِ الإِسْلامِ كَغَيْرِهِمَا ... فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مَا اسْتَطَاعَاهُ, وَأَنْ يُسْقِطَ عَنهُمَا مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِمَا, وَأَنْ يَقْبَلَ مِنهُمَا مَا يُخْبِرَانِ بِهِ عَن أَنْفُسِهِمَا حَسْبَ مَا يُطِيقَانِ وَيَلْزَمُهُمَا مَا الْتَزَمَاهُ» (2).
* ـــ طلاق الأبكم:
وفي طلاق الأبكم ومن لا يحسن العربية: قال ابن حزم أيضا: «وَيُطَلِّقُ مَنْ لا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ بِلُغَتِهِ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُتَرْجَمُ عَنهُ فِي العَرَبِيَّةِ بِالطَّلاقِ وَيُطَلِّقُ الأَبْكَمُ وَالمَرِيضُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن الصَّوْتِ أَو الإِشَارَةِ الَّتِي يُوقِنُ بِهَا مَنْ سَمِعَهَا قَطْعًا أَنَّهُمَا أَرَادَا الطَّلاقَ» (3).
* ـــ توثيق الديون للعاجز عن ذلك:
للمعوق كامل شخصيته وذمته المالية وأهليته للتعامل وإبرام العقود بيعا وشراء، ودينا ورهنا، وأخذا وعطاء، لا فرق بينه وبين سائر الأسوياء. ويتحمل تبعات تصرفاته المالية ما لم يكن محجورا لسفه فيتعلق الأمر بإجازة وليه منعا للضرر عنه وعن ماله، الذي يعود على المجتمع في النهاية فيصبح هذا السفيه عبءا عليه بعد ذلك.
ومن نماذج هذا آية الدَّين التي أوجبت توثيق الديون على جميع الناس، حفظا لأموالهم من الضياع، ولديونهم من الإنكار، ونصت على شمول الحكم للعاجزين عن إجراء هذا التوثيق، فيستعينون بمن يساعدهم على ذلك، حرصا على مصلحتهم في النهاية.
فقد جاء في آية الدين قول الله عز
__________
(1) المنتقى شرح الموطأ، لأبي الوليد الباجي، ج2، ص277.
(2) ابن حزم، المحلى، ج6، ص306.
(3) ابن حزم، المحلى، ج6، ص306. (1/205)
صفحة 203
وجل: {55555555555 الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ 5 وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ 5 وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ 5 فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا 5 فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ 55555555555} [سورة البقرة: 282].
فعجز السفيه والضعيف لعلة في عقله أو سمعه أو نطقه عن إملاء الدين لا يسوغ هضم حقه، إذ جعل الله له وليًّا يملي الدين بالعدل، منعا لاستغلال ضعفه بزيادة في دَينه أو إضاعة لماله.
***
من خلال هذه النماذج الفقهية لبعض أحكام العاجزين والضفعاء من ذوي الاحتياجات الخاصة يتجلى لنا عدل الإسلام وسعته في شمول كل أحوال الإنسان سعيا لانتظام حياتهم تحت مظلته السمحاء، ودفعا لهم للقيام بأعبائهم كسائر الأصحاء، فلا يشعرون بعزلة وإقصاء، بل يسهمون قدر مستطاعهم في تحمل الأعباء، ومشاركة المجتمع مجالات الحياة عبادة كانت أم معاملات أم علاقات اجتماعية في الأسرة وغيرها. فيحيون إيجابيين متمتعين بكامل حقوقهم وقائمين بدورهم المرتجى في تحقيق سعادتهم وسعادة من حولهم.
ومن نافلة القول أن نعرج بعد هذا إلى عرض بنود الإعلان الخاص بحقوق المعوق الذي تبنته الأمم المتحدة، لندرك مدى ملاءمته مع ما قرره الإسلام لهذه الفئة قبل أربعة عشر قرنا من الزمان، ونؤكد ضرورة تجسيد هذه البنود على أرض الواقع، إنصافا لهذه الفئة وتحقيقا للعدل الذي جاء به الإسلام في توزيع الحقوق والواجبات على جميع المكلفين وفق قاعدته الذهبية {لاَ يُكَلِّفُ اللهَ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}. (1/206)
صفحة 204
الإعلان الخاص بحقوق المعوقين (1):
إنَّ الجمعية العامة، إذ تذكر العهد الذي قطعته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على أنفسها، بموجب الميثاق، بالعمل جماعة وفرادى، وبالتعاون مع المنظمة، على تشجيع رفع مستويات المعيشة وتحقيق العمالة الكاملة وتهيئة ظروف تتيح التقدم والنماء في الميدان الاقتصادي والاجتماعي، وإذ تؤكد من جديد إيمانها بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وبمبادئ السلم، وكرامة الشخص البشري وقيمته، والعدالة الاجتماعية، المعلنة في الميثاق،
وإذ تشير إلى مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، وإعلان حقوق الطفل، والإعلان الخاص بحقوق المتخلفين عقليا، وكذلك المعايير التي سبق إقرارها للتقدم الاجتماعي في دساتير واتفاقيات وتوصيات وقرارات منظمة العمل الدولية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، ومنظمة الصحة العالمية، ومؤسسة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة، وغيرها من المنظمات المعنية،
وإذ تشير كذلك إلى قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي 1921 (د ـــ 58) المؤرخ في 6 أيار/مايو 1975 بشأن الوقاية من التعويق وتأهيل المعوقين،
وإذ تنوه بأن إعلان التقدم والإنماء في المجال الاجتماعي نادى بضرورة حماية المعوقين جسمانيا وعقليا، وتأمين رفاهيتهم وتأهيلهم،
وإذ تضع نصب عينيها ضرورة الوقاية من التعويق الجسماني والعقلي، وضرورة مساعدة المعوقين على إنماء قدراتهم في أكبر عدد من ميادين النشاط المتنوعة، وضرورة العمل قدر المستطاع على إدماجهم في الحياة العادية.
وإذ تدرك أن بلدانا معيَّنة لا تستطيع، في المرحلة الحاضرة من نموها، أن تخصص لهذه الغاية سوى جهود محدودة،
تُصدر رسميا هذا الإعلان بشأن
__________
(1) اعتمد ونشر علي الملأ بموجب قرار الجمعية العامَّة للأمم المتحدة
3447 (د ـــ 30) المؤرخ في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1975. (1/207)
صفحة 205
حقوق المعوقين، وتدعو إلى العمل على الصعيدين القومي والدولي، كيما يصبح هذا الإعلان أساسا مشتركا لحماية هذه الحقوق ومرجعا موحدا لذلك،
1 ــــ يُقصد بكلمة «المعوق» أي شخص عاجز عن أن يؤمن بنفسه، بصورة كلية أو جزئية، ضرورات حياته الفردية و/أو الاجتماعية العادية بسبب قصور خلقي أو غير خلقي في قدراته الجسمانية أو العقلية.
2 ــــ يتمتع المعوق بجميع الحقوق الواردة في هذا الإعلان، ويعترف بهذه الحقوق لجميع المعوقين دون أي استثناء وبلا تفرقة أو تمييز علي أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو بسبب أي وضع آخر ينطبق على المعوق نفسه أو على أسرته.
3 ــــ للمعوق حق أصيل في أن تحترم كرامته الإنسانية وله، أيا كان منشأ وطبيعة وخطورة أوجه التعويق والقصور التي يعاني منها، نفس الحقوق الأساسية التي تكون لمواطنيه الذين هم في سنه، الأمر الذي يعني أولا وقبل كل شيء أن له الحق في التمتع بحياة لائقة، تكون طبيعية وغنية قدر المستطاع.
4 ــــ للمعوق نفس الحقوق المدنية والسياسية التي يتمتع بها سواه من البشر، وتنطبق الفقرة 7 من الإعلان الخاص بحقوق المتخلفين عقليا على أي تقييد أو إلغاء للحقوق المذكورة يمكن أن يمس المعوقين عقليا.
5 ــــ للمعوق الحق في التدابير التي تستهدف تمكينه من بلوغ أكبر قدر ممكن من الاستقلال الذاتي.
6 ــــ للمعوق الحق في العلاج الطبي والنفسي والوظيفي بما في ذلك الأعضاء الصناعية وأجهزة التقويم، وفي التأهيل الطبي والاجتماعي، وفي التعليم، وفي التدريب والتأهيل المهنيين، وفي المساعدة، والمشورة، وفي خدمات التوظيف وغيرها من الخدمات التي تمكنه من إنماء قدراته ومهاراته إلى أقصى الحدود (1/208)
صفحة 206
وتعجل بعملية إدماجه أو إعادة إدماجه في المجتمع.
7 ــــ للمعوق الحق في الأمن الاقتصادي والاجتماعي وفي مستوى معيشة لائق، وله الحق، حسب قدرته، في الحصول على عمل والاحتفاظ به أو في مزاولة مهنة مفيدة ومربحة ومجزية، وفي الانتماء إلى نقابات العمال.
8 ــــ للمعوقين الحق في أن تؤخذ حاجاتهم الخاصة بعين الاعتبار في كافة مراحل التخطيط الاقتصادي والاجتماعي.
9 ــــ للمعوق الحق في الإقامة مع أسرته ذاتها أو مع أسرة بديلة، وفي المشاركة في جميع الأنشطة الاجتماعية أو الإبداعية أو الترفيهية. ولا يجوز إخضاع أي معوق، فيما يتعلق بالإقامة، لمعاملة مميزة غير تلك التي تقتضيها حالته أو يقتضيها التحسن المرجو له من هذه المعاملة. فإذا حتمت الضرورة أن يبقي المعوق في مؤسسة متخصصة، فيجب أن تكون بيئة هذه المؤسسة وظروف الحياة فيها على أقرب ما يستطاع من بيئة وظروف الحياة العادية للأشخاص الذين هم في سنه.
10 ــــ يجب أن يُحمى المعوق من أي استغلال ومن أية أنظمة أو معاملة ذات طبيعة تمييزية أو متعسفة أو حاطَّة بالكرامة.
11 ــــ يجب أن يُمَكَّن المعوق من الاستعانة بمساعدة قانونية من ذوي الاختصاص حين يتبين أن مثل هذه المساعدة لا غنى عنها لحماية شخصه أو ماله. وإذا أقيمت ضد المعوق دعوى قضائية وجب أن تراعى الإجراءات القانونية المطبقة حالته البدنية أو العقلية مراعاة تامة.
12 ــــ من المفيد استشارة منظمات المعوقين في كل الأمور المتعلقة بحقوقهم.
13 ــــ يتوجب إعلام المعوق وأسرته ومجتمعه المحلي، بكل الوسائل المناسبة، إعلاما كاملا بالحقوق التي يتضمنها هذا الإعلان.
مقارنة:
من العرض الوجيز لبعض تعاليم الإسلام بخصوص واجبات المسلم المعاق يتجلَّى لنا بوضوح (1/209)
صفحة 207
مدى عدالة الإسلام، ورحمته بالمكلفين، ورعايته لأحوالهم وتفاوت قدراتهم واستطاعتهم، فلم يحمّلهم ما لا يطيقون، وتماشت تخفيفات الإسلام متناسبة مع حالات الإنسان وأوضاعه بصورة متوازنة عادلة، ولم تحرمه حقوقه لعجز منعه من القيام بواجباته، بل ضمنت له حقوقه كاملة غير منقوصة، كما هو الحال في الصبي والمجنون والمعتوه. وأمثالهم.
وهكذا يتجلَّى لنا سبق الإسلام لوضع تشريعات عادلة لرعاية المعوقين. قبل أن يتفطن له الراشدون من عقلاء الإنسانية فوضعوا ميثاق حقوق المعوق سنة 1975م.
U
1 - ابن أبي شيبة: المصنف، ج5.
2 - ابن حزم: المحلى، ج1.
3 - أبي داود: سنن أبي داود.
4 - أحمد (الإمام): مسند أحمد.
5 - الباجي، أبو الوليد: المنتقى شرح الموطأ.
6 - البخاري (الإمام)، صحيح البخاري.
7 - الجصَّاص، أبو بكر، أحكام القرآن، ج1.
8 - مسلم (الإمام): صحيح مسلم.
9 - وزارة الأوقاف (الكويت): الموسوعة الفقهية. (1/210)
صفحة 208
آثار النهضة العلمية التونسية
في فكر الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب
خلال القرن العشرين
الأستاذ: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
ــــ جامعة الجزائر ـــ
لا شك أن لكل حركة إنسانية في التاريخ من مرتكزات ومرجعيات تستند إليها وتبني عليها آمالها في الإصلاح والتغيير، وتستلهم منها قيمها وروحها، ثم تنطلق على ضوئها في تشكيل تجربتها وخبرتها، وبناء صرحها وفق المعطيات الميدانية الواقعية التي تصادفها في مسيرتها.
نحاول في هذه الدراسة أن نسلط الضوء على ما عرف في الجزائر بالحركة الإصلاحية؛ وبالذات في منطقة وادي ميزاب؛ لنبحث في أصول هذه الحركة ونكشف على مرجعياتها الخارجية ومستنداتها التي مكنتها أن تبني نهضتها الإصلاحية. فنكشف عن الأوساط التي استفادت من أفكارها وتأثرت بتجاربها. وذلك بعودتها إلى المسار التكويني لقادتها وأقطابها، ومن خلال تحليل الخطاب الدعوي والخط الفكري الذي حملته وسعت لتجسيده على أرض الواقع.
لا شك أن هنالك أكثر من جهة تشربت منها الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب الفكر والمنهج؛ إلا أننا سنحصر الكلام في هذه الدراسة فيما نراه أهم منبع أو مصدر لاستلهام الفكر الإصلاحي، والذي يتمثل في النهضة العلمية التونسية.
نريد أن نشير قبل ذلك إلى أن الإصلاح في وادي ميزاب مر بمراحل إعدادية مهدت له السبل، ويسرت له الطرق، وهيأت له النفوس، وخصبت له العقول، فقامت بأدوار هامة في محاولة تغيير الأوضاع العامة على مختلف الأصعدة.
وقد احتلت حلقة العزابة وعلماؤها في هذه العملية الإصلاحية دور الريادة (1/211)
صفحة 209
الدينية والاجتماعية فسجلت حضورها القوي وتأثيرها الإيجابي على المجتمع محافظة على كيانه ودفعا للمفاسد عنه.
لذا يحق أن نعتبر أن المرجعية الأساسية للإصلاح الذي شهده وادي ميزاب تتمثل في العوامل الداخلية التي بني عليها المجتمع، والتي يمكن أن نجملها في العنصرين الآتيين:
*-الإيمان الراسخ بالفكرة الإصلاحية والاقتناع العميق بها، والسعي لاحتضان المجتمع لها، والشعور بمسؤولية تحملها ومواصلة طريقها، وإعلاء صرح بنيانها. بعد جهود العلماء السابقين في هذا الميدان.
*-امتلاك المجتمع لنظام حلقة العزابة الذي شكَّل الشرايين الناقلة للدم في جسد الإنسان، وشكل نظام المناعة فيه؛ الحافظ لكيانه من الأمراض والمدافع عن الأجسام الغريبة التي تتطفل عليه.
بناء على ذلك فإن الحركة الإصلاحية ضمنت شطر نجاحها وتمكنها في المجتمع بفضل هذين السندين المتينين اللذين ساهما معا في تهيئة تربة خصبة لنضج بذور أفكار الإصلاح وضرب جذورها في الأعماق، إذ أضحى المجتمع يحمل قابلية احتضان حركة الإصلاح وقابلية تبني مشاريعها والدفاع عن أفكارها التجديدية قبل أن تظهر هذه الحركة إلى الوجود إطلاقا.
والفضل في ذلك يعود إلى أولئك العلماء والعزابة والأعيان السابقين بما بذلوه من جهود مضنية جبارة في مختلف مناحي الحياة للحفاظ على كيان المجتمع. فسهل العمل للمصلحين ومكنهم من تمرير أفكارهم وبث مشاريعهم عن طريق تلك القنوات المهيكلة للمجتمع والموصلة للخطاب فيه.
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: «إن الفضل الأكبر لشباب نهضتنا يرجع إلى أولائك العلماء المصلحين، فهم الذين ثقفوا الأمة، وأصلحوا نفوسها، فبثقافة العقول تحسن الإدراك، وبإصلاح النفوس تحسن العمل» (1).
__________
(1) محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج2، دار البعث، قسنطينة، ص2. (1/212)
صفحة 210
إذن فالحركة الإصلاحية في وادي ميزاب مدينة بقوة لجهود العلماء والعزابة السابقين الممهدين للإصلاح، ويكفيهم فخرا أن كل قادتها هم خريجو مدارس هؤلاء العلماء والمشايخ ومعاهدهم، وأنهم من صنع أيديهم وبنات أفكارهم. فهي بذلك ذات جذور أصيلة وعميقة تحمل ثلاثة أبعاد متكاملة ومتداخلة فهي إسلامية في دينها وعقيدتها، وإباضية في فقهها ومصادرها، وميزابية في أعرافها وعمرانها واقتصادها، كما امتزجت فيها المرجعية العلمية المتمثلة في جهود العلماء بالمرجعية الاجتماعية المتمثلة في جهود العزابة والأعيان؛ مكونة هذا المنتوج الجديد الذي عرف بالحركة الإصلاحية.
***
بعد هذا ينبغي الإشارة إلى أن هذه المرجعية القاعدية الصلبة يلاحظ عليها نوع من الانغلاق الداخلي ويسجل عليها نوع من التقوقع المحلي؛ فأضحت بذلك في حاجة أكيدة وماسة لتبحث لها عن مرجعيات جديدة تتولى تلقيحها وإنعاشها وتفعيل الحركة والتغيير فيها. فوجدت لها ذلك في الأوساط الإسلامية المجاورة المتمثلة في البيئة العلمية التونسية.
فكيف كان ذلك؟
إن المتتبع للحركة الإصلاحية في مرحلة نشأتها ثم في مراحل قوتها وتمكنها يلاحظ بوضوح ذلك الخط الموصول والحبل المتين الذي كان يربطها بالنهضة العلمية والحركة السياسية التي كانت تشهدها تونس خلال العقود الأولى من القرن العشرين. مما يقتضي التوقف مليا مع هذه العلاقة ومحاولة تأملها وتفكيك رموزها وفهم دوافعها واستخلاص أبعادها وتحديد معالمها.
إن أوضاع وادي ميزاب التعليمية جعلت الكثير من أبنائه لا يكتفون ولا يقتنعون بما يتزودون به من علوم، بل يتوقون إلى الاستزادة في التحصيل بالتفكير في السفر إلى البلدان المجاورة ذات الحظائر العلمية الزاهية لأجل الاستفادة من علومها، والاغتراف من معينها، والجلوس إلى حلق علمائها. (1/213)
صفحة 211
وتمثل ذلك خاصة في جامع الزيتونة بتونس والمدارسة المحيطة بها.
لقد كان تفكير شباب وادي ميزاب في ذلك بعد حصولهم على القسط الضروري الأول من قواعد العلوم ومفاتيحه على أيدي مشايخهم، وبعد تشربهم بخصائص الحياة الدينية والاجتماعية لوادي ميزاب وتشبعهم بالقيم الاجتماعية والعرفية له، مما يمكنهم من الحفاظ على شخصيتهم المسلمة الإباضية الميزابية، ومما يحميهم من الذوبان في المجتمعات الأخرى أو الانغماس في شوائبها.
في حقيقة الأمر إن الحظائر العلمية الزاخرة في البلاد العربية ــــ خاصة منها تونس ومصر ــــ قد ألقت بظلالها على الجزائر عامة وعلى شعبه وعلى طموحات الأجيال الناشئة فيه؛ نظرا للأوضاع الاجتماعية والتعليمية المتردية التي كانت عليها الجزائر خلال هذه الفترة، فأصبح حلم الشباب المنشود هو الانفلات من هذه الأوضاع والالتحاق بإحدى هذه الحظائر لمزاولة الدراسة بها أو إكمال المشوار العلمي الذي ابتدؤوه في أوطانهم. إذ كانت تصلهم تباعا أصداء نشاطها العلمي، وتمكُّن علمائها، وتطور مناهج التربية والتعليم فيها، عن طريق حركة التجارة ونقل البضائع بين الجزائر وتونس التي امتهنها عدد لا بأس به من الجزائريين، وعن طريق رحلات الحج والعمرة التي كانت تمر بالبلاد التونسية وتشهد كل ذلك الجو المفعم بالحركة العلمية والاقتصادية (1).
لذا فقد كانت الكثير من الأسر الجزائرية الميسورة الحال تبادر إلى إرسال أبنائها إلى هذه المدارس والمعاهد للتكوين فيها والنبوغ في علومها، والتخرج بشهاداتها وإجازاتها العلمية المعتبرة.
يقول الدكتور محمد صالح الجابري: «ولعل قرب مدينة تونس من الحواضر الجزائرية الشرقية ... هو الذي اختصر كلفة الرحلة إليها،
__________
(1) محمد صالح الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس، الدار العربية للكتاب، 1983، ص17 – 56. محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص146 - 150. (1/214)
صفحة 212
فتعدد المقبلون على جامع الزيتونة وعلى المدارس الأخرى التي تكاثر عددها خلال هذه الفترة. وقد نبغ في رحاب هذا الجامع الأعظم مئات العلماء الجزائريين، وأسهموا في حركته العلمية إسهاما مرموقا، فكانوا من تلاميذه النبغاء، ثم أصبحوا من علمائه ومدرسيه وفقهائه وخطباء منابره» (1).
لم يشذ شباب وادي ميزاب عن هذه القاعدة، بل كانوا يفكرون جديا في شد الرحال إلى هذه الأوساط رغم صعوبة التنقل آنذاك وظروف المعيشة القاسية التي كانت تحول بينهم وبين مواصلة مشوارهم العلمي، مما يجعل الكثير منهم ينقطع في بداية الطريق أو في وسطه في أحسن الأحوال، لينتقل إلى الحياة العملية: تجارة أو فلاحة أو مهنا تحت ضغط الفاقة والمسؤوليات الأسرية والعائلية.
انطلقت هذه الحركة بادئ الأمر فردية أتيحت لبعض الطلبة دون البقية لظروف اجتماعية مساعدة، أو لطموح قوي تحدى وتعدى كل الصعاب للوصول إلى الهدف المنشود، ثم تحولت مع مرور الزمن إلى حركة مؤطرة ومنظمة، ثم إلى انشغالٍ حَمَلَتْهُ الحركةُ الإصلاحية واعتبرته أحد الجبهات التي ينبغي التصدي لها والعناية بها معنويا وماديا.
حيث تحملت على عاتقها مسؤولية هذه البعثات العلمية؛ بالنفقة عليها وتعيين مديريها والإشراف على إدارتها وضبط النظام فيها، وبإرسال الدفعات المتتالية من الطلبة في كل سنة لمواصلة التكوين والدراسة في مدارس تونس ومعاهدها (2).
ذلك إيمانا منها بأهمية هذا الرافد الحضاري وحاجتها إليه في تطعيم وادي ميزاب بكوادر وإطارات تحمل روحا ونَفَسًا جديدا تدفع حركة الإصلاح إلى الأمام في مسيرة نهضتها وتجديدها لدواليب المجتمع في كافة مناحي الحياة.
__________
(1) الجابري: النشاط العلمي، ص25
(2) الجابري: النشاط العلمي، ص98. دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، قاسم الشيخ بالحاج: أقلام الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية، مجلة الحياة، عد9، 2005، ص236 – 253. (1/215)
صفحة 213
يقول الشيخ البكري عن دوافع فكرة البعثات الطلابية لدى الحركة الإصلاحية: « ... فشعرت إذ ذاك بشدة حاجتها إلى عدة الكفاح، وهو التزود بالعلم الصحيح في صبغته الحديثة، والتمرس بالعناصر الحية خارج حدود الوطن، لتأليف جيش مثقف يحمل راية الكفاح عن جدارة واستحقاق، ويجابه الحياة عن دراية وخبرة، ويستغلب على مشاكلها بسلاح العلم وقوة العقيدة. فأرسلت البعثات إلى تونس» (1).
ويضيف الشيخ أبو اليقظان في الصدد نفسه: «ونحن إنما أسسنا البعثة تحت تأثير ودوافع الحاجة الملحة إلى ذلك لما توجسنا من تطورات الحياة وشيكا بما تدفع إلى ميادينها الزاخرة أبناء المدارس والكليات والجامعات، وخشينا نحن من الذوبان وتلاشي كياننا بصفتنا أمة لها كيانها وطابعها الخاص في الميدان الاقتصادي والاجتماعي بالقطر الجزائري شمالا وجنوبا، نحن نعد أنفسنا قد تأخرنا بيقظتنا عن الوقت اللازم» (2).
لقد كان أول المستفيدين من هذا الينبوع العذب المستلذ لدى الحركة الإصلاحية هم قادتها وأقطابها، ويبدو أن إعجابهم بهذه الأوساط العلمية والسياسية وتأثرهم بها كان كبيرا، مما انعكس بقوة على شخصيتهم وعلى أفكارهم وعلى توجيههم للحركة الإصلاحية عموما.
فلقد هاجر كل من الشيخ أبي اليقظان والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ محمد الثميني والشيخ عبد الرحمن بكلي وغيرهم إلى هذه الربوع، ومكثوا فيها مدة طويلة دامت عدة سنوات خالطوا فيها هذه الحياة بكل أبعادها، والتحقوا بمعاهدها ــــ خاصة جامع الزيتونة ــــ وانكبوا على التحصيل فيها، وواصلوا مشوارهم العلمي، فجلسوا إلى علمائها ومشايخها وحضروا مجالسهم وحلق علمهم، واستفادوا
__________
(1) عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل، نشر مكتبة البكري، المطبعة العربية، غرداية، 2004، ص90.
(2) إبراهيم أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان، دار هومة، 2003، ص14. (1/216)
صفحة 214
من المناهج العلمية والتربوية، وما توصلت إليه تونس من إبداعات جديدة في هذا المجال.
لقد ابتدأت هذه البعثات في وقت مبكر جدا عند الميزابيين، ولعل أول بعثة جزائرية إلى تونس كانت بعثة ميزابية في سنة 1913م، على إثر غلق السلطات الاستعمارية للمدرسة الصديقية القرآنية العربية بمدينة تبسة (1) التي كان يديرها الشيخ عباس بن حمانة (2)، فكان من الأولياء الميزابيين الذين لهم أبناء يدرسون فيها أن يفكروا في نقلهم إلى تونس لأجل متابعة دراستهم العربية الإسلامية في مدارسها كرد فعل على قرار السلطات الاستعمارية التي حرمتهم من هذا الحق. وفعلا تمكنوا من ذلك فسجلوا أبناءهم في المدرسة القرآنية التي كان يديرها الشيخ محمد اصفر، ثم انتقلوا إلى مدرسة السلام التي كان يديرها المربي الشيخ الشاذلي المرالي (3).
وقد تزامن ذلك مع وجود الشيخ أبي اليقظان في تونس يتابع دراسته في جامع الزيتونة، فكلفه هؤلاء الأولياء برعاية أبنائهم ومراقبة أخلاقهم ومتابعة دراستهم بضمهم في دار واحدة يتولى الإشراف عليها، وبذلك تشكلت أول بعثة ميزابية في تونس (4).
ثم توسعت هذه البعثات بعد الحرب العالمية الأولى لتضم أعدادا كبيرة من التلاميذ الوافدين من وادي ميزاب وتلحقهم بالمدارس والمعاهد التونسية، وتطور نظام تسييرها وإدارتها، وشهدت نشاطا علميا وثقافيا متميزا استطاعت أن تشرف على تكوين أجيال من الرواد في الحركة الإصلاحية، عادوا إلى وادي ميزاب بعد أن أنهوا تكوينهم، فكانوا رافدا قويا لها في مجال التربية والتعليم والدعوة وإصلاح المجتمع.
__________
(1) انظر تفاصيل عن جمعية الصديقية ومدرستها في: دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص143 – 150.
(2) أحد المصلحين الأوائل في مدينة تبسة بالشرق الجزائري.
(3) دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص151 - 183.
(4) أحمد فرصوص: أبو اليقظان كما عرفته، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1991، ص32. (1/217)
صفحة 215
ولعل جل إطارات حركة الإصلاح في جيلها الثاني هم من خريجي معاهد تونس ومدارسها، وبذلك قاموا بعملية التطعيم على أكمل وجه.
يقول الشيخ البكري موضحا هذا الدور الحضاري للبعثات: «واصلت البعثات سيرها فتخرج منها أساتذة نبهاء سدوا ثغور المساجد والمدارس، وكتاب نحارير أنشأوا صحافة هنا وفي مصر؛ تردد صدى ما يعتلج في صدور دعاة الإصلاح، ويرمون إليه ويرومونه من تطور تساير به أمتنا ــــ في حدود دينها وذاتيتها ـــ قافلة الحياة، وتحافظ به على كيانها رغم الأنواء والأعاصير» (1).
ويقول الشيخ أبو اليقظان في الصدد نفسه: «أخذ يظهر بعد ذلك في التلاميذ نبوغ وذكاء وتربية وتهذيب وآداب ونضوج فكرة وتثقف عقل واتساع مدارك وتفنن في العلوم فبدأت تتكون في ذلك طبقة مستنيرة أخذت تظهر بها لشعبنا النبيل حياة جديدة وحركة فكرية وروح عملية لم يكن ليحلم بها من قبل» (2).
بلا شك أن معايشة أقطاب الإصلاح للنهضة العلمية في تونس ومعاينتهم لها كان له الأثر العميق في نفوسهم وفي شحذ هممهم وتحريك عزائمهم لنقل كل ذلك إلى وادي ميزاب وإفادة النهضة الإصلاحية به. فظهر ذلك التأثر والتطعيم على أشكال كثيرة وفي ميادين عديدة، لعل أوضح وجوهه تمثلت فيما يلي:
*-فتح مدارس التعليم العربي العصري على نمط المدارس التونسية.
*-إنشاء النوادي الأدبية على شاكلة ما عايشوه في تونس.
*-متابعة الصحافة التونسية مطالعةً ومدارسةً، لنقل تلك الأجواء والاهتمامات إلى وادي ميزاب.
*-نقل أنماط الدراسة والإدارة في الزيتونة وجَوِّهَا العلمي إلى معهد الحياة.
__________
(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 100.
(2) إبراهيم أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، دت، ص7. (1/218)
صفحة 216
*-نقل خبرة إدارة البعثات ونظامها إلى بعثة معهد الحياة.
إلا أن التأثير الأكبر والاستفادة العظيمة من النهضة العلمية التونسية يبقى متمثلا في تلك الأجيال المتعاقبة من الطلبة؛ التي أصبحت تعود إلى وادي ميزاب في كل سنة وتلتحق بمناصبها في التعليم والتربية والدعوة والإرشاد. فملأت الحياة الاجتماعية نشاطا وحيوية وتجديدا وأصبحت جزءا من قيادة الحركة الإصلاحية وطرفا في صناعة قراراتها وإنجاز مشاريعها.
بذلك نصل إلى القول: إن حركة النهضة الإصلاحية في وادي ميزاب قد نالت تكوينا وتطعيما نوعيا هاما جدا بواسطة النهضة العلمية التونسية فصبغتها بصبغة جديدة ميزتها عما كان سائدا في وادي ميزاب آنذاك من أفكار ورؤى، وأعطتها طابعها المتميز.
***
على صعيد آخر تمثل النوع الثاني من تأثر الحركة الإصلاحية بالأجواء التونسية فيما كانت تعيشه من حراك سياسي قوي، استفاد منه أقطابها وطعموا به إصلاحهم لوادي ميزاب، والذي لم يعهد لديهم من قبل كذلك، ويمكن أن يعد سابقة جديدة في فكر إباضية الجزائر وطرق نضالهم وجهادهم.
إن تواجدهم في تونس في مرحلة شبابهم مكنهم من هذا التكوين، ووفر لهم فرصة سانحة لم تتح للكثير من أقرانهم، فاحتكوا بالطبقة السياسية الوطنية التونسية وتأثروا بها، وبالذات الحزب الدستوري التونسي بقيادة الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي أسس حزبه في مطلع العشرينيات، وانضم إليه الكثير من الجزائريين المقيمين في تونس طلبة ومثقفين وتجارًا (1).
عاشروا هذا الزعيم الوطني ــــ صاحب التوجه العربي الإسلامي ــــ ورفاقه، ولازموا مجالسهم وتعلموا على أيديهم معنى النضال الحزبي،
__________
(1) الجابري: النشاط العلمي والفكري، ص187. أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، لشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976،ج1، ص157. (1/219)
صفحة 217
وفقهوا قواعد اللعبة السياسية في التعامل مع المستعمر. وشاركوهم في نشاطاتهم وناصروهم بالرأي والمعونة المادية والمعنوية (1)، فنالوا منهم تجربة وتكوينا وخبرة، وتخرجوا من مدرستهم السياسية الوطنية.
تعلموا طرق التعامل مع المستعمر، وطرق محاورته ومراوغته، ولعبة شد الحبل معه، لأجل المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية عن طريق الأحزاب والجمعيات والصحف. ولأجل الدفاع على مقومات الأمة وثوابتها، ومن أجل دفع الحركة الوطنية إلى الأمام.
يقول الشيخ أبو اليقظان عن هذا التكوين الذي حظي به وعن أثر الشيخ الثعالبي وحزبه في شخصيته: «لقد وسع الشيخ الثعالبي فكري، وغير نظرتي في الحياة، وصيرني نارا على الاستعمار والجمود» (2). ويقول أيضا: «لما انغمست في الوسط التونسي في سنة 1914م ... وقد انطلقت الصحافة التونسية إذ ذاك من عقالها فكانت تبرز بألوانها الزاهية وفصولها الممتعمة. وزاد اللهب شعوري حركة الدستور بها وبلوغها عنفوانها وأعلى ذروتها منذ 1917م إلى 1920م» (3).
ويقول الدكتور محمد ناصر عن تأثر الشيخ أبي اليقظان بالجو السياسي التونسي: «فقد حركت تونس في نفسه أحاسيسه الوطنية، وألهبت نزعته تلك ما كان يراه على أعمدة صحافتها من نضال قومي، وشعور وطني ... وينغمس فيما بين سنة 1917 ــــ 1920 في حركة الثعالبي السياسية» (4).
__________
(1) دعم الميزابيون الحزب الدستوري التونسي وزعيمه الشيخ الثعالبي معنويا بالدعاية له ولأفكاره في تونس وفي الجزائر، وماديا بجمع التبرعات من تجارهم في تونس وفي الجزائر وصبها في صندوق الحزب. انظر في ذلك: أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، ج1، ص157 ــــ 158. الجابري: النشاط العلمي والفكري. دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص225 ــــ 283. قاسم الشيخ بالحاج: أقلام الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية، مجلة الحياة، عد9، 2005، ص236 ــــ 253.
(2) دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص238.
(3) أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان، ص12.
(4) محمد ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص15. (1/220)
صفحة 218
إن هذا التكوين على يد الزعيم الوطني لتونس ورفقائه في هذه الفترة سمح لأقطاب الحركة الإصلاحية الذين كانوا رؤساء للبعثات الطلابية من نقل هذا الحس الوطني السياسي إلى طلبتهم، فربوهم على حب الوطن والاستعداد للتضحية في سبيله، والدفاع عن أرضه وحماه، والنضال من أجل دينهم وقيمهم. كما أنشأوهم على كره الاستعمار، وعلى مناهضته بشتى الوسائل المتاحة، وعلى الاستعداد لمجابهته العلنية بالقوة والسلاح مستقبلا (1).
بعد انتقال هؤلاء الأقطاب وطلبتهم إلى أوطانهم، أذكوا وادي ميزاب بهذا الحس والشعور الوطني الذي بدأ ينتشر بين الناس بجهود المصلحين السابقين، وبوصول أصداء الحركة الوطنية الجزائرية إلى الجنوب. فدفعوا بهذا التوجه إلى الأمام وأولوا له العناية والاهتمام، ونقلوه إلى شرائح المجتمع بعد ما كان منحصرا عند طائفة من الناس فقط.
بذلك أصبح يشكل ميزة نوعية أخرى في حركة التغيير والإصلاح، وجبهة من الجبهات التي تصدت لها الحركة الإصلاحية المتمثلة في إنماء روح الوطنية في الشعب، والعمل على مناهضة الاستعمار باستعمال لعبة السياسة بمعناها الواسع والعام
من جهة أخرى ساهم هذا التكوين في رفع سقف الاهتمامات والانشغالات في وادي ميزاب عند نخبتها وقادتها؛ من القضايا المحلية إلى القضايا الجزائرية الوطنية، ومن المسائل المذهبية إلى المسائل الإسلامية. فتوسع التفكير والعمل من المستوى المحلي الميزابي إلى المستوى الوطني والمغاربي والإسلامي.
فأصبح قادة الإصلاح يطرحون القضايا الجزائرية والقضايا الإسلامية في نقاشاتهم ويتحدثون عنها في منابر مساجدهم، ويشتغلون بها في مجالسهم ومنتدياتهم، ويعتبرونها جزءا من جهادهم ودعوتهم؛ مثل قضية فلسطين، وقضية وحدة المسلمين، وقضية تحرير البلاد العربية والإسلامية، والدفاع عن مقومات الشعب الجزائري، والمشاركة
__________
(1) دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص233 ــــ 283. أبو إسحاق: الدعاية إلى سبيل المؤمنين، دت، ص17 ــــ 18. أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، ص6 ــــ 7. (1/221)
صفحة 219
في نهضته وتحريره من المستعمر، وربط العلاقات مع المحافل الوطنية والمغاربية والإسلامية (1).
هكذا يحق أن نقول: إن أفضال تونس على الجزائر عموما وعلى وادي ميزاب خصوصا أفضال عظيمة، حيث مثلت الينبوع المتدفق الذي شرب منه أقطاب
الحركة الإصلاحية وكوادرها الفكر الإصلاحي في جانبه العلمي والثقافي والسياسي، ثم عادوا إلى أوطانهم فجسدوا ما فقهوه في مجتمعاتهم بعد أن مزجوه وطوعوه مع أصولهم وخصائصهم وأعرافهم.
قائمة المراجع
1 - إبراهيم أبو اليقظان: إرشاد الحائرين في أمور الدنيا والدين.
2 - إبراهيم أبو اليقظان: تاريخ صحف أبي اليقظان، دار هومة، 2003.
3 - إبراهيم اطفيش أبو إسحاق: الدعاية إلى سبيل المؤمنين، دت
4 - إبراهيم بن عمر بيوض: أعمالي في الثورة. نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، 1990.
5 - أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976.
6 - أحمد فرصوص: أبو اليقظان كما عرفته، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1991.
7 - عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل، نشر مكتبة البكري، المطبعة العربية، غرداية، 2004.
8 - قاسم الشيخ بالحاج: أقلام الميزابيين في الصحافة الوطنية التونسية، مجلة الحياة، عد9، 2005.
9 - محمد صالح الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس، الدار العربية للكتاب، 1983.
10 - محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر من عام 1340هـ/1921م، إلى عام 1359هـ/1975م، دار البعث، قسنطينة الجزائر، 1980.
__________
(1) انظر في ذلك: الشيخ بيوض: أعمالي في الثورة. دبوز: نهضة الجزائر. محمد ناصر: الشيخ أبو إسحاق اطفيش في جهاده الإسلامي. محمد ناصر: الشيخ أبو اليقظان وجهاد الكلمة. (1/222)
صفحة 220
فقه المال العام عند الإباضية
(الحلقة الأولى)
الأستاذ: محمد بن صالح حمدي
ـــــ جامعة باتنة ـــــ
المقدمة:
إن المال عصب الحياة به تبنى الحضارات وتقوم عليه حياة الأفراد والمجتمعات، وبه تسود الدول، لذا عده الشرع الحنيف مقصدا هاما من مقاصده، وحدد أسس كسبه وطرق تملكه، وسبل إنتاجه وتوزيعه، وكيفية استثماره واستهلاكه.
صنف الفقهاء أبوابا للمال في مدوناتهم المطولة والمختصرة، ورتبوا أنواعه وأقسامه. وبينوا أحكامه وميزوا حلاله من حرامه، ومن أهم أقسامه: المال العام الذي يتناول موارد الدولة من تبرعات وزكاة وخراج وجزية وعشور، وسبل إنفاقها على مصارفها المخصصة والعامة، وإدارة بيت المال أخدًا وعطاءً، دخلاً وخرجًا، ومسؤولية ولي الأمر في تصريف شؤونه.
تطور المال في الفقه الإسلامي:
صاحَبَ المالُ العامُّ ميلادَ الدولة الإسلامية التي أقامها الرسول 6 بالمدينة، وأنشأ نواة للملكية العامَّة، واتسع نطاقها بانتشار الفتوحات، وزيادة الموارد واتساع رقعة الدولة، فقام عمر بن الخطاب بتنظيم المال العام بإقامة الدواوين، وتخصيص جهاز متكامل. فاتضحت ملامح النظام المالي الإسلامي في عهده. وما إن جاء عصر التدوين، حتى شغل المال العام حيزا معتبرا في المدونات الفقهية فلا يخلو منه أي كتاب من أمهات الكتب الفقهية للمذاهب الإسلامية. وإلى جانب ذلك خصصت مصنفات تناولت المال من الناحية الفقهية والتنظيمية والإدارية والتاريخية. فهذا كتاب الخراج لأبي يوسف الذي ألفه تلبية لرغبة الخليفة العباسي هارون الرشيد في بيان أهم موارد (1/221)
صفحة 221
الدولة وكيفية أخدها بحقها، وطرق توزيعها، ووضع له خطة مالية لإدارة أموال الدولة، فغدا هذا الكتاب المصدر الأساس في النظام المالي الإسلامي.
ويعد أبو يوسف ـــ الحنفي ــــ من السباقين لإرساء قواعد علم المالية العامة، ونسج على منواله من جاء من بعده من أمثال يحيى بن آدم في خراجه، والماوردي ــــ الشافعي ــــ وابن رجب ــــ الحنبلي ـــــ في الأحكام السلطانية. وهذا كتاب الأموال لأبي عبيد ــــ الفقيه والمالي والنحوي ـــــ الذي أصّل فيه القضايا المالية وبيَّن أحكامها، ومن مصادرها الأساسية الكتاب والسنة والإجماع، وكل من ألف في هذا الفن من بعده. فقد أخذ عليه واعتمد عليه، منهم الإمام الداوودي الذي صنف كتابًا في الأموال من وجهة نظر المذهب المالكي وغيره من المصنفات العديدة.
وإذا تتبعنا هذه المصادر نجد أن المذاهب الإسلامية قد أسهمت وأدلت بدلوها في هذا المجال الهام من النظم الإسلامية السياسية والقضائية والإدارية والمالية. فما هو إسهام الفقه الإباضي والدول التي أقيمت على أساس هذا المذهب في إثراء هذا الجانب الهام من مجالات الشريعة الإسلامية؟
وهذا الإسهام يندرج في تعريف تاريخ الأمة الفكري، الذي يشكل رصيدا في ذاكرة تاريخ الأمة، فإن بناء حاضر الأمة ومستقبلها يؤسَّسان على تراثها، وبهذا يكون تاريخ الأمة مترابطًا لا مقطوع الصلة بماضيها. وتأكَّد مدى إسهام الحضارة الإسلامية إسهامًا مبكرًا في جميع النظم، منها النظام المالي، وتبرهن ــــ بما لا يدع الشك ــــ أن الدين الإسلامي يقوم على تنظيم العلاقات الفردية والأسرية والاجتماعية والدولية، ولا ينحصر مجاله في دائرة ضيقة كما يريد أعداؤه أن يكون.
المال العام في الفقه الإباضي:
إن عدتنا في تكوين نظرة حول الفقه المالي عند الإباضية، مصدران أساسيان.
الأول: أـ كتب السير التي أرّخت للإباضية وأئمتهم بأقلام إباضية.
ب ــــ كتب التاريخ العام التي أرخت بأقلام غير إباضية. (1/222)
صفحة 222
الثاني: أ- المدونات والمصنفات الفقهية التي صنفها فقهاء الإباضية في القرون الأولى لتكوين المذهب.
وإذا أجرينا مسحا عاما لهذه المصادر الإباضية وغيرها نجد أن الاهتمام بالجانب الاقتصادي والمالي اهتمام ضئيل جدا، وهي سمة تتقاسمه كل المصادر الإباضية وغيرها. فقد أولت الاهتمام الأكبر بالجانب السياسي وبحياة الأمراء والخلفاء على حساب الجوانب الأخرى من الحياة الحضارية، وإذا أضفنا ــــ بالنسبة للإباضية ــــ الظروف السياسية التي مروا بها في الشمال الإفريقي من ظلم واضطهاد، فضاع كثير من ثراتهم في خضم النزاعات والفتن، وما بقي منه ضنوا به، حفاظا عليه من الضياع والتلف.
ونفس الكلام يقال عن الجانب الفقهي، ونضيف ملاحظة أخرى هامة هي أن فقه المال العام ينمو ويترعرع في ظل دولة ذات سيادة، في حين نجد أن إياضية المغرب بعد زوال دولتهم الرستمية في القرن الثالث الهجري، لم يفكروا في إقامة «إمامة الظهور» بل انتقلوا إلى مرحلة جديدة هي الإمامة الصغرى المنضوية تحت نظام العزابة. فقد تحول اهتمامهم من فقه المال العام إلى فقه المال الخاص، ونجد هذا الطابع بارزًا في مصنفاتهم الفقهية العامة والمخصصة، أهمها ما صنفه الإمام أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي في كتابه الهام «القسمة وأصول الأرضين» وهذه الميزة تختص بإباضية المغرب. أما في المشرق فقد استمرت الإمامة تقوى وتضعف حسب الظروف، إلى العهود الأخيرة. فقد صاحبها اهتمام الفقهاء بالمال العام، وخصصوا له حيزا من مدوناتهم الفقهية المطولة والموسوعات التي يتميزون بها.
تكوين بيت المال الأول في البصرة:
إذا كان التاريخ يحفظ لنا أن أول دولة إباضية مستقلة عن مركز الخلافة، كانت في سنة 132 هـ بعُمان. ثم تلتها دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بطرابلس الغرب، ثم دولة الرستميين في المغرب الأوسط، إلا أنه تم الإعداد لإنشائها قبل ذلك بمدة غير يسيرة من الناحية الفكرية، ومن الناحية المادية بإعداد الرجال وتوفير الأموال اللازمة لإمدادها بالحياة والاستمرارية، ومن (1/223)
صفحة 223
أهم خطط الإعداد، إنشاء بيت المال في البصرة في وقت مبكر، هدفه إمداد الدعاة ومساعدتهم على نشر المذهب الإباضي، وإقامة «إمامة الظهور» في المناطق البعيدة عن السلطة المركزية، وكانت موارد بيت المال تأتي من مصدرين (1):
المصدر الأول: عبارة عن ضريبة أو رسم أو اشتراك فرضه الإباضية على الأتباع في البصرة، ويتفاوت هذا الرسم حسب ثراء المكلف به ودخله.
المصدر الثاني: التبرعات السخية التي يدفعها أثرياء الإباضية، ويبدو أن التجار الإباضية كانوا من الأغنياء المعدودين، وكانت تجارتهم تتجاوز البصرة وما جاورها وتصل عن طريق الخليج إلى الصين والشرق الأقصى.
وسنلمس الأثر القوي لبيت المال هذا، عند نشأة الدولة الرستمية في تيهرت. ونصل إلى نتيجة هامة: أن مصادر تمويل الدولة أثناء التكوين والنشأة يعتمد على التبرعات والمساعدات، وعندما يشتد ساعدها تمول من مصادرها الذاتية. فالنبي 6 أثناء دعوته للدين الجديد في مكة كان يعتمد على تبرعات الصحابة الذي آمنوا برسالته، وعلى رأسهم أقرب الناس إليه زوجته خديجة رضي الله عنها، وصديقه أبو بكر الصديق 6. كما اعتمد بصفة أساسية على هذا المورد وهو يضع اللبنات الأساسية لدولته في يثرب، وكان تجار الصحابة المرموقون من أمثال عثمان بن عفان وعبد الرحمان بن عوف 9م من الممولين الرئيسيين.
أولا: المصادر التاريخية: نطاق هذا البحث لا يمكن أن يستوعب كل المصادر التاريخية، لذا فنكتفي بعرض نص من المصادر غير الإباضية ونص من المصادر الإباضية، لإعطاء صورة عن الوضعية المالية للدولة الرستمية.
المصدر غير الإباضي: كتاب أخبار الأئمة الرستميين، لابن الصغير (2).
وصف ابن الصغير في كتابه الموجز والقيم الحالة المالية والاقتصادية للدولة الرستمية، في عهدها الأول
__________
(1) عوض خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الإباضية. د. نايف عيد السهيل: الإباضية في الخليج العربي.
(2) ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق وتعليق: د. محمد ناصر و د. إبراهيم بحاز، ص: 35 وما بعدها. (1/224)
صفحة 224
تحت إمامة مؤسسها عبد الرحمن بن رستم، وقد كان جزءٌ من إيرادات هذه الدولة الفتية في شكل مساعدات تبرع بها إباضية المشرق.
من خلال بيت المال الذي أنشؤوه في البصرة ــــ كما أشرنا ــــ لإدراكهم لحاجة الإمام إلى هذه الأموال لتوطيد أركان دولته، وتواصلا للعلاقات التي تربط بين إباضية المشرق والمغرب في الدين والمذهب. ويذكر ابن الصغير أخبار الوفد القادم محملا بالأموال، واشترط قادة البصرة على أعضاء الوفد تفقد أحوال الإمام الجديد قبل دفع تلك الأموال. ولما حطوا رحالهم بتيهرت، تأكدوا من خلال المشاهدات التي صادفتهم، من تواضع الإمام وبساطة عيشه وسيرته في رعيته، وزهده في المال العام، أنه أجدر بالإعانة والوصال.
فكيف تعامل الإمام بهذه الهدية الثمينة والمنحة السخية؟ فقد استشار أهل الحل والعقد فأشاروا عليه بقبولها: «هذا رزق ساقه الله إلينا من طوع إخواننا بلا سؤال منا، فنرى أن ترسل إلى هذا المال وتحضره بين يديك فتجعل منه: ثلثا للكراع (الخيل) وثلثا في السلاح وثلثا في فقراء الناس وضعفائهم» (1).
هكذا تعامل مؤسسو الدولة الفتية بالمال كما كان يتعامل الصحابة رضوان الله عليهم بأموال الغنائم، حيث تحضر إلى المسجد وتقسم بالسوية على مستحقيها. فكانت الأولوية لمرفق الدفاع وحماية الثغور، وتوطيد أركان الدولة حتى يهابها العدو، ويستأمن في ظلها الغريب، ويمهد الطريق للعمارة والبناء. وقد ظهر أثر هذا العدل والقوامة في الأموال. «قوي الضعيف وانتعش الفقير وحسنت أحوالهم وخافهم جميع من اتصل به خبرهم ثم شرعوا في العمارة والبناء وإحياء الأموات، وغرس البساتين وإجراء الأنهر، واتخاذ الرحاء والمستغلات، واتسعوا في البلاد وتفسحوا فيها حتى أتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار» (2).
فهذا النص يدل على تسارع عجلة التنمية الاقتصادية بعد استتباب الأمن والاستقرار في أرجاء الدولة،
__________
(1) ابن الصغير: مرجع سابق ص: 30.
(2) المرجع نفسه، ص: 31. (1/225)
صفحة 225
وكانت البداية تنمية زراعية، بغرس البساتين وإجراء الأنهر، وانتهت بتنمية صناعية باتخاذ ورشات لتحويل المحاصيل الزراعية وإقامة المستغلات، التي هي عبارة عن مستثمرات لطحن وتصبير وعصر وتحويل المحاصيل الزراعية.
ويتابع ابن الصغير تطور الحالة المالية والاقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة، وسد كل احتياجات المواطنين إلى درجة أنها استغنت عن المساعدات الخارجية التي كان يجود بها أهل المشرق أبان عهودها الأولى، حيث أصبحت بيوت الأموال ممتلئة، فالسعاة وعمال الصدقات يقومون بجباية الزكاة وسائر الواجبات المالية الأخرى من جزية وخراج الأرضين، وتوزع توزيعا عادلا دوريا في مطلع هلال كل شهر، بعد حصرها وإحصائها وتحويل ما كان منه عينا إلى نقود. وما كان طعاما يجمع في الأهراء، ويوزع على الفقراء والمحتاجين، وإن فَضلَ عَفْوٌ صُرِفَ في مصالح المسلمين. مما يدل على أن الرخاء والكفاية سادا في تلك الربوع.
ويصور ابن الصغير موقف الإمام من المدد الثاني من مساعدات أهل المشرق، ورأيه الحازم في التعفف والاستغناء عند الكفاية، فقد استشار مجلسه الشوري، فرد الأمر إليه فقال: «فأرى أن ترد هذه الأموال إلى أهلها، فيدفعونها لمن يستحقونها من فقراءهم وضعفائهم، فإذا كنا قبلنا منهم في أول بدء أَمْرِنَا للحاجة التي كانت بنا إليه والفاقة التي لزمت عوام إخواننا، فالآن إننا مستغنون عن أموال غيرنا» (1). بهذه القيم العالية والمثل السامية، وأخلاق الإيثار والتسامي عن أعراض الدنيا ومتاعها الزائل أقيمت أسس هذه الدولة، فهفت إليها الأفئدة، وتسارع إليها المستضعفون للتفيؤ تحت ظلال تسامحها وتراحمها، فارتفع قدر قائدها في نفوس رعيته.
بين الخليفة عمر بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن رستم:
تناقل المؤرخون وأجمع القصاص على أخبار عدالة وسماحة الخليفة الأموي الزاهد عمر بن عبد العزيز، حتى عده البعض خامس الخلفاء الراشدين، فقد أحيَى السنن وأمات البدع، وأعاد النظر في مسؤولية ولي
__________
(1) المرجع نفسه ص: 34. (1/226)
صفحة 226
الأمر، بورعه وتورعه في المال العام، وسرعان ما ظهر أثر ذلك في أحوال رعيته، فعمَّ الأمن والرخاء كافة الأقاليم الإسلامية، وامتلأت بيوت المال وفاضت بخيرها، فكفيت الحاجات وسُدّت الخلات، ولم يجد الولاة من يقبض الزكاة استغناءً وتعففًا.
هذه الصورة الناصعة للنظام الإسلامي عندما يطبق بحق وعدل، تجد مثيلتها في عصر الإمام عبد الرحمن بن رستم التي لا تقل إشراقا وصفاءً، ومما ساقه المؤرخون وأجمع عليه أهل السير والتراجم، ما وصل إليه الأمر من عدل وحكم بالقسط وزهد في الدنيا، فقد رد ــــ كما أشرنا ــــ إعانات وردت إليه من إخوانه المشارقة، فقبل المدد الأول لتوطيد أركان سلطته، وتحصين ثغور دولته. غير أنه امتنع عن قبول المدد الثاني لما اشتد ساعد دولته فلم تغره تلك الأحمال من الأموال المكدسة. فرأى أن هناك من هو أولى منه إليها، فقد لمسنا أثر هذا العدل والتسامي في أحوال رعيته بانتشار الرخاء وكفاية أهل الفاقة والحاجة، وامتلاء الخزائن والأهراء.
أسباب رخاء الدولة:
إن هذا الرخاء والاستقرار الذي عم أرجاء البلاد هو نتيجة العدل والقسط والخطة المالية التي اعتمدها الإمام، فيقول ابن الصغير: «ثم لم تزل الرسل تختلف وتطلع الأخبار عن الأحوال والبلد زائدة عمارتها في ذلك كله، والسيرة واحدة، وقضاته مختارة، وبيوت أمواله ممتلئة ( ... ) وأهل الصدقة على صدقاتهم يخرجون في أوان الطعام فيقبضون أعشارهم ( ... ) من أهل الشاة والبعير، فإذا حضر جميع ذلك صُرِفَ الطعام إلى الفقراء، وبيعت الشاة والبعير، فإذا صارت أموالا دُفع منها ذلك إلى العمال بقدر ما يستحقون على عملهم» ويضيف قائلا: «ثم ينظر إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأرضين، وما أشبه ذلك فيقطع لنفسه وحشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم في سنتهم» (1)، أما ما فاض عن ذلك فيوجهه إلى مصالح المسلمين (2).
__________
(1) المرجع نفسه، ص: 35.
(2) المرجع نفسه، الصفحة نفسها. (1/227)
صفحة 227
من هذا النص يتبن لنا أن أسباب الرخاء كان بسبب العدل والقسط والتنظيم والمحكم التي يقوم عليها رجال أكفاء أمناء يسترشدون بالتعاليم الإسلامية في التنظيم المالي. وهو ما طبقهُ الرسول 6 والخلفاء من بعده، بحيث يميز بين أموال الصدقات ويخصص لها بيت مال خاص، لأنه يصرف على جهات محددة من النص الشرعي المبين في آيات الصدقات (1).
ويستدل من النص أن عمال الصدقات كانوا يأخذون نصيبهم نقدًا لا عينا، أي الجمع بين العينية والنقدية في تصريف أموال الصدقات، وهذه خاصية أخرى من خصائص النظام المالي الإسلامي.
أما الصنف الثاني من الأموال فهي أموال الفيء: من خراج الأرضين والجزية والعشور، فللإمام الحق في صرفها على مصالح المسلمين بدون تحديد. ومن أولاها وأهمها الإنفاق على مصالح الدولة ومرافقها من أجور الولاة والقضاة، ورجال الشرطة، وكل القائمين بأمور الإمامة، فيخصص لهم كفاية سنة، أي أن أجور هذه الفئة كانت تصرف سنويا، أو أنها تخصم من بيت المال ثم تصرف عليهم دوريا ــــ كما هو الأمر بالنسبة لأموال الصدقات ــــ، وأما الفائض بعد استيفاء كل الحقوق فيوجه إلى مصالح المسلمين، فهذه العبارة تؤكد ما ذهب إليه ابن الصغير من امتلاء الخزائن وكفاية الأغراض.
اختلاف الفقهاء في تصريف فائض بيت المال:
وهنا نثير قضية اختلف فيها الفقهاء في شأن التعامل بالفائض في بيت المال، فذهب فريق منهم وهم الشافعية والمالكية (2) إلى تصريف الفائض على مصالح المسلمين وعدم ادخاره، بينما يرى الأحناف وبعض الشافعية أنَّ الفائض يدَّخر لوقت
__________
(1) {9 إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ 9 فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ 9 وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 99 9}. [التوبة آية 60]
(2) الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الرئيسية، ص 266. (1/228)
صفحة 228
الحاجة والاستظهار به لمواجهة الطوارئ. ومن خلال النص الذي بيننا نرى أن موقف الإباضية إلى جانب الشافعية والمالكية على الرغم من أنها قضية اجتهادية وسياسة شرعية تخضع للظروف الاقتصادية والاجتماعية، فقد يكون الإنفاق الفوري كما يرى الشافعية والإباضية هو الأنسب في بعض الظروف، ويكون الادخار هو الأولى في ظروف أخرى.
وفي ختام تحليلنا لهذا النص التاريخي لابن الصغير، الذي سلط الضوء على الوضعية المالية للدولة الرستمية، إلا أنه كان مختصرا ومقتضبا فلم يزودنا بأنواع الخراج وعن نسبته. وما هي الأراضي الخاضعة لهذا الرسم؟ فقد ثار جدل بين الفقهاء، فهل تعتبر أراضي المغرب فُتحت عنوة فيأخذ منها الخراج شأنها شأن أراضي العراق والشام، أم أسلم عليها أهلها فتؤخذ منهم الصدقات، أم تصالحوا مع الفاتحين على قدر معلوم من إنتاجها؟ (1).
كما سكت عن شأن الجزية وعن حجمها ومن هم الجالية من الذميين الخاضعين لها، كما لم يزودنا بتفاصيل شافية عن بيت المال والقائمين عليه وكيفية جمع الإيرادات وحجمها وكيفية توزيع النفقات، فلا ابن الصغير ولا غيره استطاعوا أن يرسموا صورة متكاملة لهذه الجوانب.
ولعل السبب يكمن في عدم انطلاق حركة التدوين في تلك العهود، وما سجل ودون قد ضاع مع ما ضاع من التراث الإباضي.
ومن هذا التحليل لهذا النص نصل إلى النتائج الآتية:
1 ــــ أن الإمام كان يتولى جمع وتوزيع الأموال العامة (الزكاة، الجزية، الخراج ... ).
2 ــــ الزكاة كانت منتظمة وتوزع في هلال كل شهر.
3 ــــ أجور ومرتبات الموظفين والعمال كانت سنوية، تقتطع من بيت المال.
4 ــــ عملية الإحصاء تتطلب أن تدون الدواوين وتسجل فيها أسماء المستحقين.
__________
(1) الداوودي أحمد بن نصر الداوودي: الأموال، تقديم وتحقيق رضا محمد سالم، مركز إحياء التراث المغربي، الرباط. (1/229)
صفحة 229
5 ــــ يرى الإباضية أن الفائض من بيت المال يوزع في مصالح المسلمين ولا يدَّخر.
6 ــــ كان يعتمد في بداية الأمر على المساعدات الخارجية.
7 ــــ العدل والقسط في التسيير من العوامل الأساسية المعينة على كفاية بيت المال.
9
هذه نظرة حول المال العام عند أئمة الدولة الرستمية، كما رآها المؤرخ ابن الصغير، وسنواصل البحث في حلقات لاحقة ــــ بحول الله ــــ برصد ملامح النظام المالي من خلال كتب السير التي كتبت بأقلام إباضية، ثم نعرض الجانب الفقهي للمال العام عند الإباضية حتى تكتمل الصورة وتتضح الرؤية حول المال العام عند الإباضية.
U
22 - ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق وتعليق د: محمد صالح ناصر ود: إبراهيم بكير بحاز. نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر.
23 - الداوودي: أحمد بن نصر: الأموال، تقديم وتحقيق رضا محمد سالم مركز إحياء التراث المغربي، الرباط.
24 - الفرسطائي، أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر: القسمة وأصول الأرضيين (فن العمارة الإسلامية). ط2، تحقيق د: محمد ناصر، أ: الشيخ بالحاج بكير- نشر جمعية التراث. القرارة غرداية، الجزائر. 1418هـ/ 1997م
25 - الماوردي: الأحكام السلطانية والولايات الدينية.
26 - الوارجلاني، أبو يوسف إبراهيم بن يعقوب: الخراج: دار التراث العربي. (1/230)
صفحة 230
الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ مصطفى بن الناصر وينتن
(أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر ـ قسنطينة)
كتاب شرح أصول الدين
للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش
دراسة وتحقيق القسم الأول
هذه دراسة وتحقيق لكتاب في التراث الفكري الإسلامي العقدي الكلامي، وهو "شرح أصول الدين" للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش الإباضي الجزائري من أعلام القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين.
تظهر أهمية هذا الكتاب من حيث مضمونه، وطريقة تأليفه، فهو الكتاب الذي ألَّفه الشيخ خاصا في هذا المجال، واعتنى به، وذكره في مؤلفاته مرارا، وهو مرجع أساسيٌّ في معرفة آراء الشيخ وآراء الإباضيَّة.
كتاب «شرح أصول الدين»، متنه وأصله للشيخ تبغورين بن عيسى الملشوطي من علماء المغرب في القرن الخامس الهجري، يضم قسمين:
الأول منهما في الأصول العقدية.
والثاني في مسائل وقضايا كلامية تابعة لهذه الأصول.
و ينقسم البحث إلى قسمين:
الأول: يدرس الآراء الكلامية عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش من خلال هذا الكتاب، ويقدم تحليلا لها.
والثاني: تحقيق النص من خلال النسخ الخطية المتوفرة في المكتبات. (1/255)
صفحة 231
في القسم الأول منه حاول الباحث إثباث الأطروحة الآتية:
أصول الدين في حقيقتها واحدة، وما جرى من خلاف بين المسلمين يمكن تجاوزه بإعادة صياغة أصول الدين، وتحديد المفاهيم حولها، فالأصول المذهبية هي أصول مميِّزة لكل مذهب عن غيره، وليست هي أصول الدين، وكان للاختلاف حول هذه الأصول أثره الواضح على تاريخ المسلمين الفكري والسياسي والاجتماعي.
وأما في القسم الثاني من البحث فالعمل فيه هو إثبات النص الحقيق بأن ينسب إلى الشيخ اطفيش من ضمن اختلاف النسخ الموجودة.
فالأول (قسم الدارسة)، خصصناه لتقديم دراسة عن علم الكلام لدى الإباضية وكتاب "شرح أصول الدين"، في أربعة فصول:
الفصل الأول: في التعريف بكتاب أصول الدين ومؤلفه الشيخ تبغورين.
والفصل الثاني: في التعريف بالشيخ امحمد بن يوسف اطفيش.
والفصل الثالث: تعريف بكتاب "شرح أصول الدين" ونسبته إلى المؤلف، ودراسة مصادر الشيخ في الشرح، وطريقة تعامله معها، ومنهجه في الشرح، والاستدلال، وموقفه من المخالفين له في الرأي.
والفصل الرابع: دراسة شرح الشيخ للأصول العشرة وتحليله.
وأنهينا هذا القسم بخاتمة بيَّنا فيها النتائج التي توصلنا إليها في الدراسة والتحليل، ومكانة كتاب "شرح أصول الدين" وأهميته.
وفي القسم الثاني: وهو قسم تحقيق النص، تناولنا في مبحث منه تقديم وضعية نسخ الكتاب ووصفها والمكتبات التي تحتفظ بها، وقارنا بينها للوصول إلى النسخة التي اعتبرناها أصلا، ورمز كل واحدة منها.
وفي الأخير الفهارس التي تقتضيها طبيعة الدراسة والنص المحقق، وهي تسهل الدخول إلى النص، وتيسر التعامل معه.
واقتضت طبيعة قسم الدراسة اتباع ما تتيحه المناهج العلمية للدراسة حسب القضايا التي يتناولها (1/256)
صفحة 232
كتاب شرح أصول الدين، مثل المنهج الوصفي؛ والمنهج التحليلي، مع الاستعانة بالمقارنات خاصة في المقارنة بين الإباضية وبين الأشاعرة، وبينهم وبين المعتزلة، وكذا الاستعانة بالمنهج التاريخي.
أمَّا في قسم التحقيق، فقد اخترنا تتبع منهج الاستقصاء الذي عرف في المدرسة الرمضانية (1)، ويقوم على خدمة النص المحقق بأقصى ما يمكن حتى الوصول به إلى أقرب صورة تركها عليه المؤلف أو يرجى أن يرتضيها.
ولم نقف على دراسة سابقة ولا تحقيق لكتاب «شرح أصول الدين»، سوى ما استفاده بعض الدارسين من نسخة مكتبة القطب ببني يزقن، وهي غير كاملة، وكانت ضمن مصادرهم في دراسة الفكر الإباضي، أو فكر الشيخ اطفيش خصوصا، كما أن هذه الدراسات لم تقدم شيئا تحليليا عن الكتاب سوى إشارات عامة، منها:
- «الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش»، لعدون جهلان.
- «حاشية أصول الدين» ليوسف بن محمد المصعبي، دراسة وتحقيق حمو الشيهاني.
- «البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية»، لفرحات الجعبيري.
- «دراسات عن الإباضية»، لعمرو خليفة النامي.
- « Introduction a l’étude de l’ibadisme et de sa théologie» للمستشرق بيار كوبرلي
- « La théologie ibadite, histoire genèse, formation, et formulation définitive » لمنصف خوجة.
وكانت أهم مصادر الدراسة والتحقيق مؤلفات الشيخ اطفيش، والأعمال التي أنجزت في إطار المذهب الإباضي من الإباضية أو غيرهم، وكتب التراث الإسلامي عموما خاصة كتب الفرق، ومصادرها، ومصادر اللغة العربية، ومصادر تاريخ المغرب الإسلامي خاصة.
__________
(1) نسبة إلى صاحبها الدكتور رمضان عبد التواب، ينظر كتابه، مناهج تحقيق التراث. (1/257)
صفحة 233
وخلصت الدراسة إلى نتائج أهمها:
يعتبر كتاب «أصول الدين» للشيخ تبغورين بن عيسى من المصادر الإباضية الأساسية، لأهمية مضمونه ومكانة مؤلفه وعصره.
تناوله بالدرس أربعة أعلام في خمسة أعمال آخرهم هذا الكتاب الذي أتممنا تحقيق جزئه الأول للشيخ اطفيش.
اختصر كتاب «شرح أصول الدين» مسيرة المذهب في تسعة قرون، من أصله ومتنه الذي يعود إلى القرن الخامس الهجري إلى شرحه الذي انتهى في القرن الرابع عشر الهجري.
وأظهر تحقيق كتاب «شرح أصول الدين» جوانب متعددة من مظاهر الاهتمام بالبحث العقدي والكلامي عند الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش.
العنوان المختار للكتاب لم يكن من وضع المؤلف، فقد أثبت البحث أن الشيخ اكتفى في الإشارة إليه بقوله: «شرح تبغورين»، وهي طريقة معهودة في شروحه، يحيل بها على اسم صاحب أصل الكتاب المشروح، واخترنا العنوان العلمي المعبر عن حقيقة الكتاب وهو: «شرح أصول الدين»، بناء على أن عنوان الأصل هو «أصول الدين».
عدَّد الشيخ من مصادره في الشرح، منها مصادر إباضية وغير إباضية خاصة: «مسند الربيع بن حبيب»، و «الموجز» لأبي عمار عبد الكافي، و «حاشية أصول الدين» للمصعبي يوسف بن محمد؛ و «المواقف» لعضد الدين عبد الرحمن الإيجي، وشرحه للجرجاني، وشرح المقاصد للتفتازاني مسعود بن عمر، يضاف إليها كتب التفسير والحديث.
كثيرا ما نقل منها بالنص، خاصة من حاشية المصعبي، وأوضحت الدراسة أن كثيرا من نقوله استفادها منه.
وتميز منهج المؤلف في تعامله مع نص تبغورين بجملة من الخصائص، منها:
- الشرح الوافي المستفيض، والمتوسع فيه.
- الاستطرادات الكثيرة خارج موضوع الكتاب.
- التدقيق والاستدراك على ما أورده تبغورين من أدلة على الأصول العشرة.
- (1/258)
صفحة 234
- تلخيص المسائل، وسبق المؤلف إلى ذكر النتائج.
- الاهتمام بالشرح اللغوي لألفاظ المتن والاستشهاد، والرجوع إلى مصادر اللغة.
- التوسع في الاستدلال، وإيراد الروايات المتعددة للدليل الواحد خاصة في الاستدلال من السنة.
- اتبع المدرسة الإباضية، ولم يخرج عنها، وكان عمله في إطارها؛ فمصدر الدليل هو السمع من قرآن وسنة، والعقل يعتبر عنده ذا وظيفة محدودة في إطار النص، يفهمه، ويوضحه، ولا يكون حَكَمًا عليه.
- أخذ بالتأويل تحقيقا للتنزيه كما هو عند الإباضية.
ومن جهة أخرى أظهرت دراسة الأصول التي شرحها الشيخ اطفيش في هذا الجزء من الكتاب نتائج منها:
1 ــــ إن مصطلح الأصول ما زال يحتاج إلى ضبط وتدقيق، فقد تداوله العلماء المسلمون، لكن بغير اتفاق على مدلول واحد، فهو من جهة قابل لاستعمالات متعددة لا يحددها إلاَّ السياق الذي يرد فيه، ومن جهة أخرى يوحي بالرجوع إلى مصدر واحد، مما يحمل معنى التوحد والاتفاق، والواقع غير ذلك؛ فإن الأصول التي درسها الشيخ اطفيش وشرحها هي من جنس ما تفرد به كل مذهب ليتميز عن غيره.
2 ــــ هذه الأصول وإن كانت تظهر مواقف الإباضية وأقوالهم، إلاَّ أنها ليست وافية بكل القضايا العقدية، وغير متفق عليها بينهم، فالبحث يظهر أنها من استنباط الشيخ تبغورين واجتهاده، ووافقه عليها بعض العلماء.
3 ــــ لم تكن هذه الأصول عند الشيخ مجسدة لرأيه في عددها ولا في تعيينها ولا في مقاييس تحديدها كما هي في مؤلفاته الأخرى، مما يستدعي مزيد بحث ودراسة، وهذا في سبيل الوصول إلى أصول عقدية مجسدة لوحدة الدين، والتوحيد.
4 ــــ يمكن تصنيف الأصول التي وضعها تبغورين وشرحها الشيخ اطفيش حسب موضوعها إلى ثلاث مجموعات:
أ ــــ الأصلان المتعلقان بالألوهية والغيب: وهما: أصل «التوحيد» وأصل «الأسماء والصفات»، وبيَّن في شرحهما تفَرُّد الله تعالى عن خلقه في (1/259)
صفحة 235
كل شيء، ووحدة الصفات والذات، من غير تعطيل، ولا نفي.
ب ــــ الأصول المتعلقة بالإنسان ومصيره: وهي ستة: أصل القدر، وأصل العدل، وأصل الوعد والوعيد، وأصل المنزلة بين المنزلتين، وأصل لا منزلة بين المنزلتين، وأصل الأسماء والأحكام.
وهذه الستة تقدم منظومة من أسس التعامل بين البشر وبين المسلمين خصوصا، وظهر فيها الاهتمام الكبير بصاحب الكبيرة ومصيره.
كما ظهر من خلال دراسة هذه الأصول أن الاختلاف في أغلبها لم يكن بالقدر الذي تصوره البحوث الكلامية، ولا الجدل الواقع، ومن بين الأسباب في ذلك عدم تحرير موطن الخلاف بدقة، وعدم تحديد المفاهيم، ولو تم هذا لزالت كثير من مظاهر الاختلاف.
ج ــــ الأصول المتعلقة بالمجتمع والسياسة: وهي ثلاثة: أصل الأسماء والأحكام، وأصل الولاية والبراءة، وأصل الأمر والنهي.
وهذه الأصول اهتمت ببيان العلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية التي تضبط المجتمع المسلم، وفيها تحديد للمواقف في مظهر الولاية بين المسلمين والبراءة من الكافرين، وكيف تتجسد كل منهما، وكان موضوع النقاش الأوسع حول الموقف من صاحب الكبيرة من حيث ولايته أو البراءة منه، كما أن الجانب السياسي كان محوره إثبات وجوب إقامة الإمامة ومدى صلتها بالإيمان والعقيدة.
ونظرة إلى هذه الأصول كما قدمها الشيخ اطفيش تبين أنه قدم من خلالها المذهب الإباضي وآراءه كما استقرت إلى عهده؛ وكان له بتأخره فضل الإحاطة بما انتهى إليه المذهب في البحث العقدي، وأمكنه بذلك أن يقدم فكر غيره من علماء الإباضية إلى عهده.
ونقد أقوال علماء الإباضية، خاصة فيما ظهر فيه اختلاف، مثل الجبر والاختيار والجبل، ومسألة تعميم مصطلح النفاق على إظهار التوحيد وإضمار الشرك، وعلى إضمار التوحيد وفعل المعاصي بالنسبة إلى صاحب الكبيرة.
كما قارن بين أقوال الإباضية وأقوال غيرهم من الفرق الإسلامية خاصة منها المعتزلة والأشاعرة، والخوارج، فأظهر أوجه الاتفاق (1/260)
صفحة 236
والاختلاف في كل مسألة شرحها من مسائل المتن؛ كان ميَّالا إلى إظهار الاتفاق بين الإباضية والأشاعرة خاصة.
لقد كان عمل الشيخ فيما يخص المقارنات الداخلية بين الإباضية مصححا للمفاهيم ومدققا لاختيار الأدلة في المسائل خاصة فيما خالف فيه الشيخ تبغورين.
بينما تمثل عمله في المقارنات الخارجية في إظهار ما يراه هو الصواب، ومشيرا إلى الخلل الذي يراه في مواقف غير الإباضية.
وبذلك شكل الكتاب نموذجا من المناظرات والجدل بما فيه من إيجابيات وسلبيات في الفكر الإسلامي، ولم يخرج الشيخ اطفيش في هذا عن الانتصار لمذهبه، وكذا لم يتمكن أحيانا من تجاوز هذه العصبية رغم ما عرف عنه من تقدير العلم والتطلع إلى وحدة المسلمين والحث عليها.
وإذا كان الشيخ وفيا لمذهبه في هذا الشرح في حدود المنهج، وفي العمل في إطار روح التفكير فيه، فإنه لم يكن أسير ما قاله سابقوه، بل ظهر جليا رأيه، وموقفه، وسعة اطلاعه، ومحاولته التوفيق أحيانا بين الأقوال خارج المذهب.
وهذه الميزات مما يكسب الكتاب أهميته من حيث عمله على إثراء الفكر الإسلامي بوجهة نظر مخالفة أحيانا للمعهود بين المسلمين، يستفاد منها، وتُعين في الجواب عن كثير من الأسئلة العالقة.
إلاَّ أنه من جانب آخر فإن الشيخ اطفيش لم يخرج عن المعهود القديم منهجا وقضايا إلاَّ في القليل، مما تعامل فيه مع قضايا عصره، واتخذ فيها مواقف تصدر عن إيمان وتوظيف للرصيد العقدي لديه، لكن في البحث تبدو الحاجة ملحة إلى مزيد عمل لتجسيد الوجه المشرق لمثل هذه الأصول بما يحقق المقاصد الشرعية، والأهداف الشريفة منها، في إطار وحدة المسلمين، والسعي في الإسهام للتمكين لدين الله تعالى في الأرض.
وإن تحقيق التراث بدراسات موضوعية وهادفة إلى الاستفادة منه أحسن استفادة، لمن السبل الكفيلة بالاستجابة إلى مثل هذه الغاية، دون الوقوع في التكرير، أو إحياء موات الخلافات واستثارة ضغائن عصور ربما كان لها ما يبررها في وقتها. (1/261)
صفحة 237
الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ يحيى بن صالح بوتردين:
(أستاذ بالمركز الجامعي لغرداية)
تعليمية النص القرآني
في إطار التكوين الجامعي المتخصص
في اللغة العربية وآدابها
يدخل موضوع هذه الأطروحة ضمن إطار اللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات، ويهدف إلى الإسهام في حل مشكلة ضعف مستوى الخرّيجين في أقسام اللغة العربية وآدابها سواء في الجزائر أو في العالم العربي، في محاولة للعودة إلى النص القرآني ـــــ الذي ظل يزحزح شيئا فشيئا بعيدا عن مقرّرات تعليم العربية ـــــ من أجل اعتماده من جديد لحل هذه المشكلة، باعتباره إحدى المرجعيات النصيّة الهامة للغة العربية.
وانطلاقا من خصائص النص القرآني اللغوية من جهة، وما تجمّع للباحث من معطيات علمية وأسس منهجيّة تعليمية من جهة أخرى، فإنّ الأطروحة تحاول التأسيس لرؤية منهجية أصيلة في تعليمية العربية، تنطلق من الواقع وتستند إلى قواعد علمية عالمية متعارف عليها.
أسباب اختيار الموضوع و إشكاليته:
لم تأت فكرة هذا الموضوع من فراغ أو تقليد لقالب جاهز أو معتاد، وإنّما فرضته جملة من الظروف والعوامل كانت بمثابة الدوافع لمطارحته، نذكر منها: (1/262)
صفحة 238
- كون الموضوع جديدا في بابه وذا خصوصية من ناحيّتين؛ تعليمية (ديداكتيكية) تعنى بمشكلة تأخّر تعليم العربية باعتماد المنهج العلمي، ولسانية اجتماعية (سوسيولسانية) تعني بمشكلة انحصار العربية في ظل الصراع اللغوي لدى كثير من الشعوب الإسلامية.
- كونه يتناول مشكلة ضعف مستوى التكوين في اللغة العربية في الطور الجامعي الذي يعد مجال تخصّص وتعمّق. ويؤسّس لحلها انطلاقا من معالجة أسبابها، والتي من أهمّها ضعف العناية بالمحتوى التعليمي.
- كونه محاولة للإسهام في إثراء المكتبة العربية، بدراسة تتناول الموضوع من زاوية اختصاصية علمية، تجمع بين صلة العربية بالقرآن الكريم من جهة، والشروط التعليمية المتعارف عليها عالميا من جهة أخرى.
- كون النص القرآني يمثل أهمّ المرجعيات النصية في تعليم اللغة العربية، وأولاها اعتبارا. وأكثرها استجابة لميول المتعلّمين واتجاهاتهم. وترجمة لأهداف التكوين وغاياته.
- كون القرن الواحد والعشرين الذي نعيش فيه، يستدعي تحيين التكوين بصفة عامّة، وتعليم اللغة العربية بصفة خاصّة، سواء في شكله أو مضامينه، كي يستجيب لتحديّات العولمة واقتصاد السوق من جهة وشروط تعليمية اللغات من جهة أخرى.
- كون الباحث يميل إلى مثل هذا النوع من الدراسات التي تقوم على التأصيل ونبذ التقليد، ولا سيّما وأنّ المعطيات العلمية والواقعية تعزّز موقفه.
ومع هذا وذاك فإنّ فكرة الموضوع تعود إلى سنين عديدة (1)، تكوّنت
__________
(1) لقد كان موضوع البحث يراود الباحث منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، وبالتحديد أثناء التربُّص الذي قاده إلى جامعة (غرونوبل) Grenoble بفرنسا (جويلية 1992)، في موضوع ديداكتيك العربيَّة، حيث أثيرت مسألة النص القرآني، باعتباره نصًّا لغويا يدخل ضمن مرجعيات تعليم العربية، ممَّا جعله يضع تساؤلا جوهريا كانت هذه الأطروحة بمثابة الإجابة العلمية عنه. (1/263)
صفحة 239
خلالها جملة من التساؤلات المختلفة حول راهن تعليم العربية وأسباب التخلّف أو التعثّر الذي مُنِي به، تمحورت كلّها حول تساؤل جوهري لإشكالية الدراسة، مفاده: ما هي الأسباب الحقيقية لتدنّي مستوى التكوين في العربية؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن يسهم اعتماد النّص القرآني في تحسين هذا التكوين؟
ولقد دعت هذه الإشكالية الباحث إلى وضع فرضيات للحل، منها ما يتعلّق بضرورة تنويع المرجعيات النصّية في التكوين، بهدف اختبارها في الواقع والنظر في علاقتها بالشروط العلمية التعليمية المتعارف عليها. حتى اهتدى إلى أنّ الافتراض القويّ لحل هذه المشكلة يكمن في العودة إلى النص القرآني بالدرجة الأولى، باعتباره النص الذي يحفظ للعربية أعلى درجات قوّتها، فضلا عن كونه يمثّل أصالتها وسرّ بقائها.
وبالرجوع إلى راهن مناهج ومقرّرات التكوين الجامعي في اللغة العربية، سواء على مستوى العالم العربي بصفة عامة، أوعلى مستوى الجامعة الجزائرية بصفة خاصّة، تبيّن أنّ الذي يغلب عليها عامة هو الطابع التراكمي للمعرفة اللغوية من جرّاء التركيز على المرجعية النصيّة الأدبية خاصّة، مما أدّى إلى غياب شبه كلّي للنص القرآني وغيره من النصوص اللغوية الوظيفية العلمية الأخرى، التي تدخل ضمن المرجعيات النصيّة للغة العربية. مما يعود ــــ فيما يبدو ــــ إلى غياب المنهجية الصارمة في بناء المقرّرات، الأمر الذي يجعل الباحث أمام مشكلة تعليمية (لسانية تطبيقية) تستدعي الدراسة والنقد الموضوعيين، والبحث عن الحلول اللازمة لها.
وبناء على السؤال الجوهري الذي بنيت عليه الإشكالية، والفرضات المذكورة، يمكن تصوّر جملة من التّساؤلات الجزئية المساعدة للوصول إلى الحل، نذكر منها:
- السؤال عن جدوى معالجة هذا الموضوع، وما أهميّته، وهل يمثّل خصوصيّة ما؟
- السؤال عن أصول العلاقة بين النص القرآني وتعليم اللغة العربية، معرفيا وتاريخيا ودينيا؟
- السؤال عن مدى استجابة النص القرآني للأسس المنهجية في اختيار
- (1/264)
صفحة 240
المحتوى، وماذا يمكن أن يضيفه لراهن التكوين في العربية وآدابها؟
أمّا الإجابة عن كلّ سؤال من هذه الأسئلة فقد استلزمت من الباحث بناء خطّة للبحث تقوم على العديد من الفصول والمباحث والمطالب. بحيث يتم خلالها مناقشة الموضوع، وحلّ مشكلاته، وتعزيز ذلك بما توفّر له من معطيات علمية وما اتخذه من أدوات بحثية إجرائية وأسس علمية منهجية.
ولقد انطلق البحث في معالجته للإشكالية من مسلّمة مفادها أنّه ما دام القرآن الكريم قد أُنزل باللسان العربي، وكان ذلك سببا في بقاء هذه اللغة إلى اليوم، فلا يُتصوَّر أن يقوم تعليم للعربية إلاّ إذا ارتبط في الأساس بالنص القرآني. وهي حقيقة تعزّزها الوقائع التاريخية والأدلّة العلمية والمنطقيّة. وتعزّز من جهة أخرى الفرضية المطروحة وتقوّيها. إذ إنّه باعتماد النص القرآني في تعليم العربية وتكوين المتخصّصين فيها، يمكن أن يتحسّن مستوى الخرّيجين ويتحصّلوا تكوينا متخصّصا رفيع المستوى. ومع ذلك فقد حاول البحث أن يخضع هذه الفرضيّة إلى الاختبار العلمي، من خلال أدوات بحثية مختلفة.
المنهج المتبع والخطة:
وحيث إنّ طبيعة الاختصاص الذي ينتمي إليه هذا البحث تقتضي أن يكون النظر إلى الموضوع من زاوية لسانية تطبيقية تعليمية (ديداكتيكية)، فقد حاولت الدراسة أن تلتزم بذلك وتعتمد على أسس التعليمية ( Les principes de la didactique)، كمنهج للدراسة. مع الاستعانة ما أمكن ببعض الأدوات البحثية الإجرائية المساعدة.
أمّا من حيث منهج الدراسة، فقد تمّ التركيز على جانب المحتوى ( Le contenu) الذي يمثّل أحد أقطاب المثلّث التعليمي (الديداكتيكي)، بما يتضمّنه من أسس عملية خاصّة في اختياره وتحديده. خاصة وأنّه منهج يأخذ به كثير من اللسانيين التطبيقيين والتعليميين، وعلى رأسهم البريطاني س. بيت كوردر. ومن بين هذه الأسس ضرورة استجابة المحتوى المختار لشروط ومعايير خاصة لها علاقة بالأبعاد اللسانية واللسانية الاجتماعية واللسانية النفسية ... إلخ. (1/265)
صفحة 241
كما حاول البحث من جهة أخرى أن يؤصّل للموضوع في أبعاده المختلفة: الدينية والتاريخية والمعرفية، وهو ما حمله على اعتماد أدوات منهجية إجرائية مثل: التاريخ وذلك في تتبّع بعض الآثار الإيجابية الناجمة عن العلاقة بين النص القرآني واللغة العربية في زمن نزول القرآن وظهور اللحن خاصّة وما يلي ذلك قليلا، ولجوء الدولة في عهد الخلافة خاصّة إلى حماية العربية وتدبيرها كنوع من التخطيط اللغوي أو السياسة اللغوية، والمقارنة التي تمّ اعتمادها في الموازنة بين أقسام اللغة العربية المختلفة على مستوى الجامعات العربية، من حيث نسب اعتمادها النص القرآني وطريقتها في تعليمه وغير ذلك، في حين كان لأداة التحليل حضور في سائر أجزاء البحث، إذ لا تقوم خطوة من البحث في سبيل استجلاء حقائقه وغوامضه إلاّ والتحليل يكون سبيلا إلى ذلك بما يعزّزه من أدوات بحثية مساعدة كالوصف والتصنيف والاستقراء والاستدلال، دون إهمال الإحصاء في أبسط تطبيقاته المتعلّقة بحساب النسب المئوية، لما للأرقام من دلالات إيجابية تضمن للبحث الدقّة والوضوح والمصداقية. وقد كان ذلك خاصّة عند التعرض لحساب نسب اعتماد النص القرآني في المناهج الجامعية الراهنة على المستوى العربي، وقياس ميول الطلاب واتجاهاتهم نحو النص القرآني ... إلخ.
لقد كان الاعتماد في هذه الدراسة إذن على منهج علمي واضح المعالم هو المنهجية التعليمية، ... ( La méthodologie didactique) باعتبارها أساس الدراسة. كما استعان البحث بأدوات بحثية إجرائية متعدّدة ومتكاملة في وظيفتها، تفرضها طبيعة الموضوع في جزئياته وتفاصيله، وهو ما أفضى إلى بناء خطّة للموضوع قوامها ثلاثة أقسام ومقدّمة وخاتمة.
أمّا القسم الأوّل والذي عنوانه: الدراسة التمهيدية، فقد كان بمثابة المدخل الذي لا بد منه للولوج إلى عالم الموضوع، من خلال الحديث عن خصوصيّته وأبعاده، ومصطلحيّته ومرجعياته، وقد كان ذلك في فصلين أوّلهما بعنوان: خصوصية الدراسة ومصطلحيّتها، إذ تعرّض البحث فيه لخصوصية الموضوع من (1/266)
صفحة 242
حيث بعداه التعليمي (الديداكتيكي) والسوسيولساني. وأفرد مصطلحي التعليمية والنص القرآني باعتبارهما يمثّلان الأساس في مصطلحية الموضوع. أمّا الفصل الثاني فقد كان عنوانه: أصول الدراسة ومرجعيّاتها. وتعرّض الباحث فيه للدراسات السابقة بالعرض والنقد أحيانا، كما بيّن أهمّ المراجع التي اعتمدها، وأوضح وجه الاستفادة منها ومكانتها بالنسبة للدراسة.
أمّا القسم الثاني من الدراسة فقد جعله بعنوان: الدراسة التأصيلية، وكان متضمّنا فصلين اثنين. أوّلهما بعنوان: التأصيل المعرفي والاختصاصي للموضوع حاول البحث من خلاله أن يضع الدراسة في إطارها العلمي الاختصاصي الذي هو اللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات. وثانيهما بعنوان التأصيل الديني والتاريخي للموضوع. إذ تطرّق فيه إلى مسألة نزول القرآن الكريم باللسان العربي، ومدى تأثير ذلك في المجتمع، على المستوى الفكري والثقافي بصفة عامّة وتعليم العربية بصفة خاصّة، وقد توقّف عند بعض المحطّات التاريخية التي تشهد لمتانة العلاقة بين النص القرآني وتعليم العربية، من خلال جهود الأوائل في الدرس اللساني العربي بوجهيه التعليمي والعلمي وما صاحب ذلك من ممارسات لسانية تطبيقية ولسانية اجتماعية تؤكّد هذه الفكرة وتعزّزها.
وأمّا بالنسبة للقسم الثالث، فقد كان بعنوان: الدراسة التأسيسية، إذ اعتبرناه بمثابة محطّة لاختبار فرضيّة الدراسة، وبالتالي التأسيس للموضوع، اعتمادا على مبدأ الشك العلمي المؤدّي إلى التثبّت. وقد حاول مبدئيًّا أن يقف موقفا إيجابيا من الموضوع، فاحتمل مبدئيّا سلامة موقف من يرى إبعاد النص القرآني من مناهج تعليم العربية، ثمّ عمد إلى اختبار ذلك من خلال امتحان مدى استجابة هذا النص للشروط التي تضعها تعليمية اللغات في الاختيار، وهو ما يعتبر من جهة أخرى اختبارا لفرضيّة الدراسة، وقد جعل هذا القسم كغيره مشتملا على فصلين؛ كان أولهما بعنوان: النص القرآني ومرجعيّات اختيار المحتوى، وأفرده لمناقشة مدى صلة اختيار النص القرآني بالمرجعيات الأساسية لاختيار المحتوى والمتمثّلة في: المرجعية اللسانية النظرية، المرجعية اللسانية (1/267)
صفحة 243
الاجتماعية، والمرجعية اللسانية النفسية. وذلك، من خلال السؤال عن مدى سلامة الاختيار وصحّته في إطار هذه المرجعيّات. أمّا الفصل الثاني الذي عنوانه: النص القرآني وشروط اختيار المحتوى. فقد حاول من خلاله تتبّع أهم الشروط (المعايير) المنهجية في الاختيار، لمعرفة مدى استجابة النص القرآني لها؛ كمعيار الشيوع ومعيار الاهتمامات ... إلخ
وبقصد التيسير على القارئ فقد رأى الباحث أن يذيّل الدراسة بأدلّة علمية مساعدة. فبالإضافة إلى دليلي المراجع والموضوعات.
المراجع المعتمدة
- إنّ طبيعة هذا الموضوع قد فرضت تنويع مصادره، فمنها ما هو من الوثائق التقليدية التي تتمثّل في الكتب القديمة والحديثة والدوريات والمحاضرات العلمية وأعمال الندوات والملتقيات المختلفة وغير ذلك ... مما يمكن أن يصنّف ضمن نوع المصادر الورقية، ومنها ما هو من الوثائق العصرية التي تتمثّل في المكتبات الإلكترونية (أقراص مدمجة من أجل القراءة فقط CDROM)، والمقالات والنشرات الإلكترونية التي توفّرها شبكة الإنترنت العالمية ... إلخ. وهو ما يمكن أن يصنّف ضمن نوع المصادر الإلكترونية. ومنها بالإضافة إلى ذلك، ما ليس من الوثائق، وإنّما هو من قبيل المعلومات التي تستقى من الميدان بواسطة طريقة الاستبيان، على شكل بيانات ومعطيات عددية لها دلالاتها في تفسير ظواهر الدراسة ومعالجة مشكلاتها، وهو ما يمكن أن يصنّف ضمن نوع المصدر الميداني.
وبالنظر إلى المراجع من حيث المواد العلمية التي أفادتها الدراسة منها، فقد تنوّعت هي الأخرى بين عربية وأجنبية ومترجمة وقديمة وحديثة ودراسات مطوّلة ومقالات أو محاضرات ومداخلات وتوصيات ... إلخ وقد اعتمد على بعض المراجع أكثر من غيرها لكونها أساسية في الموضوع، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، ما كتبه أمثال: س. بيت كوردر وعبده الراجحي ورشدي طعيمة وميشال زكرياء، وبخاصّة في المسائل المتعلّقة باللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات، وإن كنّا لم نهمل غيرهم (1/268)
صفحة 244
ممن عالج الموضوع قديما وحديثا، كـ: ابن خلدون مثلا في مسائل الاكتساب اللغوي خاصّة، بينما جعل بعض المصادر العربية وعلى رأسها القرآن الكريم وبعض التفاسير وكتب الحديث، إضافة إلى بعض الدراسات الحديثة سببا إلى معالجة مسائل التأصيل للموضوع تاريخيا ودينيا. أمّا فيما يتعلّق بما سوى ذلك من المسائل الجزئية فقد كانت أية وثيقة بمثابة الضالّة للبحث، بحيث رجع الباحث إلى مقالات ومداخلات عديدة منها ما يرقى إلى مستوى المراجع الأساسية مثل ما كتبه محمود فهمي حجازي ونهاد الموسى وعبد الرحمن الحاج صالح وغيرهم. ومنها ما هو للاستئناس والدعم. كما أنّ البحث قد أفاد من المعاجم المتخصّصة والقواميس اللغوية، وبخاصة عند ضبط بعض المفاهيم، وهو ما أضفى على قائمة المراجع والمصادر صفة التعدّد والتنوّع.
هذا وقد اعترضت طريق هذا البحث صعوبات، وبخاصة عند اعتمادنا وسيلة الاستبيان. إذ إنّ كثيرا من المستجوبين من الطلاب خاصة، لم يتعاونوا إيجابيا مع البحث، سواء بعدم استجابتهم بملء الاستبيان، أو باحتفاظهم به وعدم ردّه. إذ تمّ إعداد ما يزيد عن 250 استمارة استبيان، ووزّعت منها 210، حيث لم يعد منها إلينا سوى العدد القليل (48 استمارة)، فلم تتعدّ المشاركة نسبة 22.86 %. وقد كانت عيّنة البحث من المستجوبين عشوائية من الطلبة والأساتذة ينتمون إلى جامعات مختلفة، وطنية وعربية؛ أربعة منها داخل الجزائر، هي أقسام جامعة الجزائر ووهران وقسنطينة وورقلة وثلاثة في دول عربية، هي جامعة آل البيت بالأردن، وجامعة دمشق بسورية وجامعة محمد الخامس بالدار البيضاء بالمغرب.
نتائج الدراسة:
وبعد هذا العرض لحيثيات المعالجة العلمية للموضوع، يمكن أن نجمل ما انتهت إليه الدراسة من نتائج فيما يلي:
ففي الفصل الأوّل من القسم الأوّل، المتعلّق بأهميّة الموضوع ومصطلحيّتة نسجّل الآتي: (1/269)
صفحة 245
- أنّ الدراسة تكتسي أهميّة خاصة، في بعدها التعليمي، من حيث كونها تمثّل خصوصيّة. إذ تؤسّس لرؤية منهجية أصيلة في تعليم اللغة العربية، تأخذ بخصائص اللغة العربية من جهة، والأسس التعليمية المنهجية المتعارف عليها عالميا من جهة أخرى، وتتلخّص هذه الخصوصية في اعتبار مفهوم "الاتصال الإنسإلهي" الذي يمثّل هدفا أساسيا ومتميّزا في تعليم العربية وتعلّمها، لا يمكن أن يفهمه أو يحقّقه إلاّ من آمن بوجود هذا النوع من الاتصال في الواقع وهم المسلمون، أي الناطقون بالعربية أصالة أو افتراضا.
- أنّ الدراسة تكتسي أهميّة أيضا من حيث كون الموضوع يمثّل خصوصية في بعده اللغوي الاجتماعي (السوسيولساني)، إذ تسعى الدراسة لجعل تعليم العربية سببا لتحقيق الوحدة الروحية والفكرية بين أبناء الشعوب الإسلامية، من خلال اعتماد النص القرآني الذي هو القاسم المشترك بينهم، وبالتالي التخفيف من حدّة الصراع الحاصل من جرّاء ظهور الجهود العاملة على إحياء اللغات المحلية وترقيّتها، والتي تمثّل في بعدها السياسي والثقافي نوعا من الإعاقة لانتشار العربية وترقيتها.
- أنّ الدراسة تميل إلى اعتماد المفهوم الذي يجعل مصطلح التعليمية عبارة عن عملية إجمالية تعنى بتدبير جميع أمر تعليم اللغة، بما في ذلك من سياسات لغوية ومنهجية علمية ومرجعيات متعدّدة، تخدم كلّها جانب اختيار المحتوى لأهميّته في تعليم اللغة وتعلّمها، وهو المفهوم الذي يقول به أغلب الدارسين وعلى رأسهم البريطاني: س بيت كوردر.
- أنّ الدراسة تميل إلى اعتماد المفهوم الذي يجعل مصطلح النص القرآني يفيد كونه نصا لغويا ودينيا بما يحمله من خصائص لغوية متفرّدة في العربية من جهة، وخصائص موضوعية وقيم حضارية وأخلاقية راقية من جهة أخرى. وهو كلّ ما يهمّها من ذلك باعتبارها دراسة ذات طابع تعليمي لساني تطبيقي، تعنى بما يحقّق هدفها الذي هو تعليم اللغة والتخصّص فيها.
- (1/270)
صفحة 246
- وفي الفصل الثاني المتعلّق بأصول الدراسة ومرجعيّاتها، فقد انتهى البحث إلى:
- أنّ بعض الدراسات السابقة قد قدّمت للبحث إضافات قيّمة وأساسية، وبخاصة تلك التي قاربت الموضوع بصفة مباشرة. خاصّة وأنّ أغلب هذه الدراسات تتفق مع الأطروحة في اعتبار النص القرآني أساس تعليم العربية. ولا بد من العودة إليه.
- أنّه على الرغم من الصعوبات التي انجرّت عن اعتماد الاستبيان، فقد أفاد البحث من نتائج هذه الطريقة في عدة مواضع من البحث، لا سيما في تحديد ميول الطلاب إلى النص القرآني، ومعرفة مجتمع البحث بالأهداف ... إلخ
أما في القسم الثاني من الدراسة، والذي كان خاصا بالتأصيل للموضوع في أبعاده المختلفة، فقد انتهى البحث في فصله الأول إلى:
- أنّه مادام تعليم اللغات مسألة لسانية تطبيقية، فإنّ تعليمية النص القرآني باعتبارها محورا أساسيا في تعليمية العربية، تعد من الناحية المعرفية النظرية قضية لسانية تطبيقية.
- أنّه ما دام النص اللغوي يعدّ من مواد التطبيق في تعليمية اللغات، والنص القرآني من هذه الناحية جزء من مواد التطبيق في تعليمية العربية، فإنّ تعليمية النص القرآني تعدّ مسألة تعليمية منهجية.
- أنّه مادام اختيار المحتوى يتطلّب اعتماد جملة من الشروط تعرف بشروط الاختيار ومعاييره، فإنّه لابد من إخضاع مسألة اختيار النص القرآني لهذه العوامل والمعايير. وهو ما تهدف إليه الدراسة، وقد حقّقته في الفصول اللاّحقة.
أمّا الفصل الثاني، والذي يعنى بالتأصيل للموضوع في بعديه الديني والتاريخي، فقد انتهى البحث فيه إلى:
- أنّ العلاقة بين النص القرآني واللغة العربية، علاقة جدلية لا يمكن أن يتجاوزها أو ينكرها إلاّ جاهل أو مكابر، وهو ما أكّده القرآن الكريم من خلال آيات كثيرة، وصدّقها الرسول 6 بالقول والفعل، ثم عزّزها بعد ذلك الصحابة والتابعون وسائر العلماء.
- (1/271)
صفحة 247
- أنّ علاقة النص القرآني باللغة العربية في بعدها الديني كانت سببا في تمسّك المسلمين الأُوَل بالعربية وتقديسهم لها، وبالتالي تعليمها وتعلّمها ونشرها في العالم. و لم تكن حديث الفقهاء وعلماء الدين فقط، وإنّما كانت مسألة تشغل بال اللغويين أيضا. كما أنّها كانت سببا لقيام حركة علمية وفكرية حول اللغة العربية، مما رفع من شأنها داخليا وخارجيا.
- أنّ العلاقة التاريخية بين النص القرآني واللغة العربية، هي نتيجة للعلاقة الدينية بينهما. إذ كانت سببا في قيام دولة الخلافة بسياسات تخطيطية لغوية راشدة، من أجل حماية اللغة العربية وترقيتها. كما كانت شاهدا على نشأة الدرس اللغوي العربي بصفة عامة، سواء في شقّه التعليمي العملي أم في شقّه العلمي النظري.
- أنّ التأكيد على صلة العربية بالنص القرآني، وأولويّته في التطبيق التعليمي، لا ينفي ولا يتعارض مع اعتماد المرجعيات النصية الأخرى التقليدية (النصوص الشعرية والنثرية) أو غيرها من نصوص اللغة ذات الاستعمال الواسع (النصوص العلمية والإعلامية)، بل يعزّزه ويدعو إليه.
هذا وأمّا في القسم الثالث من البحث، الذي كانت العناية فيه بالتأسيس للموضوع، فقد انتهى البحث في فصله الأوّل إلى أنّ النص القرآني يعد جديرا بالاختيار والاعتماد في تعليم العربية عامة وتكوين المتخصّصين فيها تحديدا، وذلك للاعتبارات الآتية:
- كون النص القرآني يمثّل المرجعية النصيّة الأولى والأساسية التي دفعت القدامى خاصة، إلى الاهتمام بالبحث اللساني العربي وتعليم العربية. وإن انصرف الاهتمام بعد ذلك -ولضعف الوازع الديني وتغيّر نمط التفكير لدى المجتمعات الناطقة بالعربية- إلى النص الأدبي دون غيره.
- كونه يمثّل المرجعية النصية التي تحمل خصائص لغويّة تتفرّد بها العربية. لاتصالها بالقرآن الكريم من حيث أسلوبه وبناؤه ومضامينه. وهو ما أدّى إلى تفرّد العربية بعلوم لغوية
- (1/272)
صفحة 248
كثيرة متّصلة بالنص القرآني، لا توجد في غيرها من اللغات. مثل علم الصوتيات القرآنية (التجويد)، علم الدلالة القرآني (التفسير)، علم البلاغة القرآنية (الإعجاز) ...
- كونه يمثّل انتقالا للمتعلّم من محدودية النص الأدبي في قدراته التعبيرية إلى لا محدودية النص القرآني في إمكانياته الأسلوبية، لكون هذا الأخير يجمع بين العاطفة والمنطق، وبين الوصف والتحليل والمقارنة والجدل ... إلخ. كما ينقل المتعلّم من نطاق الإقليمية الضيّقة (البيئة العربية) إلى النطاق الإنساني والكوني الرحب، بل إلى ماوراء الطبيعة (عالم الغيب) كذلك. وذلك من خلال موضوعات القرآن الكريم على اختلافها واتساع آفاقها.
- كون الموضوع يمثّل عودة إلى المنهج العلمي في اختيار المحتوى، وذلك، بتطبيق مبادئ تعليمية اللغات، فيما يخص البعد السوسيولساني، بما في ذلك الأخذ بالمعطيات السياسية والثقافية التي لها صلة باللغة العربية، وتفرض اختيارا متميّزا لمحتوى تعليمها.
- كونه يساعد على اكتشاف وظيفة لغوية أساسية هامّة، هي الوظيفة اللسانية التعبدية، والتي هي ناتجة عن مفهوم الاتصال الإنسإلهي، وهما مصطلحان يخصّان استعمال العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، اقترحهما الباحث ولم يقل بهما غيره من قبل، سواء في إطار تعليمية اللغة أو البحث فيها. ولا يمكن فهمهما أو إدراكهما إلاّ بالعودة إلى تعليمية النص القرآني.
- كون النص القرآني يمثّل السبب الذي يوحّد كثيرا من الناطقين به أصالة وافتراضا ويقضي على أسباب الفرقة بينهم، مما يؤدّي إلى الاستقرار السيّاسي والاجتماعي للشعوب والدول المعنية بتعليم العربية، والتي تعاني من التعدّد اللغوي كالجزائر.
- كونه يعد أقرب النصوص العربية إلى اتجاهات المتعلّمين من خلال تأكيد الدارسين على ذلك من ناحية وتصريح المعنيين به عند استجوابهم. مما يعزّز احتمال إفادتهم منه في التحصيل أكثر من غيره.
- (1/273)
صفحة 249
- كونه يستجيب أفضل من أي نص لغوي آخر لمعطيات اللسانيات النفسية المتعلّقة بتعلّم اللغة، وبخاصة على منهج السلوكيين، باعتبار ما يطبع النص القرآني من خصوصية تجعله قابلا للحفظ وغير ممل عند تكرار ممارسته ومدارسته. على أنّ دوره في تعلّم اللغة لا ينحصر في آلية الحفظ فقط، بل يجمع بينها وآلية التحليل القائم على تنشيط العلاقات القائمة بين أجزاء النص، وذلك، بفضل آلية التدبّر التي هي من خصائص القراءة في النص القرآني.
هذا فيما يخص جانب علاقة اختيار النص القرآني بالمرجعيات اللسانية المختلفة، أمّا ما يتعلّق باستجابته لعوامل الاختيار ومعاييره أو شروطه، فقد سجّلت الدراسة النتائج الآتية:
- أنّ النص القرآني باعتبار عامل الأهداف، يتلاءم وأهداف التكوين، إذ يعدّ غاية ووسيلة في آن واحد، بالنسبة لتعليم العربية وتعلّمها بصفة عامة، وتكوين المتخصّصين فيها بصفة خاصة، وذلك من حيث كونه يحمل كافة خصائص اللغة العربية ويعد سببا لحفظها وانتشارها وإثرائها. كما يتضمّن من الخصائص اللغوية والأدبية ما يعتبر من أساسيات تكوين الطالب المتخصّص، سواء في المعرفة باللغة العربية أو المهارة بها. وإن كانت الدراسة تسجّل إهمالا واضحا لجانب الأهداف من قبل أقسام اللغة العربية على المستوى العربي. مما صعّب من مهمّتها في معالجة هذه النقطة.
- أنّ هذا النص باعتبار عامل نوع المؤسّسة التعليمية، يعد من النصوص التي يفترض لها أن تكون حاضرة في كافة أقسام اللغة العربية على المستوى العربي، لكونها مؤسّسات مسلمة في الأساس ولا يضرّها اعتماد النص القرآني في شيء، على أنّ التوجّه التحرّري (العلماني) لأغلب الجامعات العربية، جعلها تقلّص من حجم النص القرآني لحساب النص الأدبي بنسب مئوية ملفتة للنظر، وكأنّها غير معنية بهذا النص، مما يعد ــــ برأينا ــــ انحرافا عن الأسس العلمية في تعليم اللغات. إذ تدعو الدراسة إلى ضرورة تصحيح
- (1/274)
صفحة 250
الوضع بالرجوع إلى النص القرآني من جديد وإحداث توازن في اعتماد المرجعيات النصّية لتعليم العربية، بما في ذلك ما يتّصل منها بالتراث والدين، وما يتصل منها بالعصر والحداثة.
- أنّه باعتبار عامل الوقت ومستوى المتعلّم، يعدّ ملائما جدّا للاختيار، وذلك لكونه من حيث شكله ملائما لكي يتناوله الدارس في خلال ثلاث أو أربع سنوات، والتي يمكن للطالب أن يكتسب خلالها معرفة بالنص ولغته وأدبه وموضوعاته، وبخاصة إذا تم تعديل نسبة اعتماده في البرامج، كما أنّه من حيث أسلوبه ولغته يعد في متناول الطلاب أيضا، لكونهم لا يبلغون الجامعة إلاّ وقد تحصّلوا من القدرات اللغوية والمنهجية ما يخوّل لهم أن يدرسوا هذا النص بسهولة ويسر.
- أنّه يستجيب لمعيار الشيوع أكثر من أي نص آخر عربي، وذلك لما يمتاز به من خصائص، جعلته واسع الانتشار في العالم، فهو القاسم المشترك بين سائر المسلمين في العالم.
- أنّه يستجيب لمعيار التوزيع، الذي هو مرتبط بالشيوع، ويعني قوّة حضور هذا النص في نواحي الحياة المختلفة للمتعلّم، وقد تبيّن للباحث أنّه يعد أكثر النصوص العربية الفصيحة حضورا في حياة المتعلّم، لأنّ مقاربته تتكرّر لدى المتعلّم باعتباره مسلما خاصة، خمس مرّات في اليوم على الأقل، قياسا على أوقات الصلوات، فضلا عن أيّة مقاربات أخرى من تلاوة أو تحليل أو مطالعة في التفاسير ... إلخ والتي هي من الأنشطة اللغوية المفترضة لطالب التخصّص في اللغة العربية. بينما لا نجد لأي نص آخر ـــ أدبيا كان أم غيره ــــ مثل هذا الحضور القوي في حياة الطالب اليومية.
- أنّه باعتبار صلته الوطيدة بثقافة المتعلّم (الطالب) ومعتقده الديني من جهة، وكونه نصّا متعبَّدا بتلاوته وواجب التدبّر والتجويد ... إلخ، بالإضافة إلى كونه من حيث شكله ومضمونه ميّسرا للذكر والحفظ والتدبّر. فإنّه (النص القرآني) يعد مستجيبا للمعايير ذات البعد النفسي التعليمي، مثل معياري القابلية للتعليم والتعلّم، ومعياري
- (1/275)
صفحة 251
الميول والاهتمامات. ومعيار القابلية للاستدعاء، وهو ما تؤكّده تجارب الواقع في علاقة القرآن الكريم بالتحصيل اللغوي والفصاحة.
- أنّ هذا النص، باعتبار خصائصه الأسلوبية، يستجيب لمعيار الأهميّة، أي فائدة المتعلّم من مقاربته، إذ تبيّن من خلال البحث أنّه على الرغم من تنوّع المرجعيات النصّية في تعليم العربية، يبقى القرآن الكريم المعين الذي لا ينضب ولا يخلق عن كثرة الرد، إذ يجد فيه طالب التخصّص ــــ بالإضافة إلى ما يشترك فيه من الخصائص مع غيره من النصوص ــــ سببا لتحصيل ملكة لسانية فريدة تقوم على مهارات لغوية أساسية لها علاقة مباشرة بخصائص هذا النص دون غيره، ونعني بذلك ما يتعلّق بمهارات الاستماع والإنصات والترتيل والتجويد والتدبّر ... إلخ.
وبعد هذه القائمة المختصرة من النتائج لا بأس أن نشير إلى أنّنا قد أعقبنا خاتمة البحث بجملة من المقترحات العمليّة، لعلّها ستجد من يوليها الاهتمام اللازم. وهي تتمثّل في:
1 - مقترحات لتطوير منهجية التكوين الجامعي في اللغة العربية:
إنّ ما أفرزه النظام العالمي الجديد (العولمة) من جهة وما أحدثته ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال بصفة عامة، من خلخلة في المفاهيم والوسائل المتعلّقة بالتعليم ولا سيما تعليم اللغات، يفرضان علينا أن نطوِّر مناهج تعليم العربية والتكوين المتخصّص فيها حتى تستجيب لتحديات العصر ورهاناته، أخذا بمبدأ الأصالة والتفتّح. وعليه نقترح:
- ضرورة أن تتحرّر بيداغوجية التعليم الجامعي خاصّة سواء في الجزائر أو في البلاد العربية من نظام الوصاية الممارسة عليها من قبل الإدارات المركزيّة عادة، لتفتح المجال للتنافس العلمي الخلاّق والمبدع بين الجامعات وتتلاقح التجارب، لأنّ ذلك وحده الكفيل بمسايرة وتيرة التطوّر العلمي والتعليمي في العالم. على أن يبقى للدولة دور الرقيب على مدى احترام ثوابت الأمّة وقوانين الدستور، ضمانا لعدم حصول أية تجاوزات مخلّة بالنظام.
- (1/276)
صفحة 252
- ضرورة أن يعيد المسؤولون على مستوى الجزائر بصفة خاصّة والعربي بصفة عامّة، النظر في السياسات اللغوية التي تحكم مصير اللغة العربية. من أجل تدبير علمي موحّد لأمر تعليمها. وذلك، من خلال برامج وخطط وآليات تمكّنها من الصمود والتفوّق لمواجهة المدّ الكبير للغات الأجنبية في عقر دارها وعلى حساب الاستقرار الاجتماعي.
- ضرورة أن تعيد الجامعات العربية بصفة عامّة، النظر في منهجيّات تعليمها وتكوينها، في سبيل إحداث انسجام بين برامج التكوين وخطط التنميّة في البلاد، سواء من حيث فروع المعرفة والتخصّصات العلمية والمهنيّة، أو أشكال التكوين ونظام الشهادات. وعلى الرغم مما بدأته بعض الجامعات من محاولات للتجديد والتطوير، كتطبيق نظام الـ: ل. م. د مثلا، فإنّ كثيرا من أقسام اللغة العربية لا يزال بعيدا عن حركة التطوير ويتوجّس خيفة منه، ويكرّس نظما ومناهج تقليدية في التعليم، ولا سيما في جانب المحتوى، لا تتناسب مع قانون السوق وتحديات العولمة.
- ضرورة أن ينفتح تعليم العربية والتكوين فيها، على المجتمع، فيستجيب من جهة لثوابته من حيث اختيار محتوياته ومن جهة أخرى لتحديات العصر وقواعد نظام السوق من حيث التكوين والتشغيل، وذلك، من خلال استحداث تخصّصات وفروع مرنة تربط المتخرّج بأصوله الدينية والثقافية من جهة وتسمح له بولوج عالم الشغل بسهولة من جهة أخرى. لاسيما عند تطبيق نظام الـ: ل. م. د. إذ لم يعد معقولا الانغلاق على التخصّص الأدبي الفنّي وحده، الذي أصبح معدودا عند العام والخاص نوعا من الترف العلمي في عصر لا يؤمن إلاّ بالنفعيّة. وذلك، مثل أن يرتبط التكوين بالإعلام أو التجارة أو الإدارة أو الترجمة ... إلخ
وحيث إنّ موضوع الدراسة يتعلّق بمعالجة مشكلة تعثّر تعليم العربية، فإنّنا نحاول ههنا أن نقترح بعض الآليات التي نراها كفيلة بالخروج بهذا التعليم من أزمته، وهي كما يلي: (1/277)
صفحة 253
- أن ننتقل في بناء مناهج لسانس اللغة العربية من فلسفة التكوين للتكوين، إلى فلسفة التكوين حسب الطلب أو بأهداف، بحيث يؤسّس على استراتيجية محكمة، تأخذ بمعطيات الواقع وتستجيب لميول الطلاب واتجاهاتهم.
- أن يعتمد هذا النوع من التكوين ــــ تبعا لما ذكر ـــ الأسس العلمية في تخطيطه، من أجل مراعاة الملاءمة والموضوعية في اختيار المحتوى.
- أن يكون الهدف الأساس من التكوين هو التركيز على تنميّة مهارات الطلاب اللغوية المكتسبة ليتمكّنوا منها باعتبارهم متخصّصين، وهذا يستدعي إدخال النص القرآني وجوبا في أي تكوين بهدف التخصّص، إلى جانب غيره من النصوص الأدبية وغيرها، وذلك، في صورة مقاييس عمليّة تطبيقية تفيد تحقيق مثل هذا الهدف. وبخاصّة وأنّ النص القرآني يعد أكثر النصوص العربية خدمة للمهارات اللسانية الجهرية والصامتة، أي القراءة الجهرية التي تنمّي مهارة الحديث الشفوي والإنصات الذي ينمّي مهارة الفهم.
- إن يتم التركيز على النص القرآني في التخصّص، باعتباره الكفيل بإكساب الطالب المهارات المساعدة على تحقيق الوظيفة اللغوية التعبّديّة على أحسن وجه، من قراءة بترتيل وتجويد وتدبّر ... إلخ، وهي حاجات عامّة لكلّ الناطقين بالعربية، مما يجعل المتخصّص في لغة القرآن أولى بها، فضلا عما لهذه المهارات من صلة مباشرة بالفصاحة واللّسانة.
هذا وتبقى هذه الدراسة محاولة للإسهام في معالجة هذا الموضوع الشائك ولو بجهد المقل المتواضع، على أن تتضافر جهود الخيّرين من هذه الأمّة في سبيل البحث عن الحلول العلمية الصحيحة لمشكلات تعليم العربية وغيرها من المشكلات التي تعرقل مسيرة الأمّة، وتمنع تحقيق شهودها الحضاري المنشود. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. (1/278)
صفحة 254
وثيقة العددحياة من أجل القرآن
الأستاذ: صالح بن أحمد حدبون
مدير «داخلية الحياة» ــــ القرارة
في ليلة الأحد 04 أفريل 1971 م بمناسبة زفاف نجل أبينا الروحي الشيخ عدُّون ـــ رحمه الله ـــ الدكتور شريفي يوسف بن سعيد أُقيمت حفلة أدبية في رحاب مدرسة الحياة وحضرها الإمام الشيخ بيّوض إبراهيم ـــ رحمه الله ـــ وألقى فيها درسا قيِّما أشاد فيه ببعض خصال الشيخ عدُّون، وهذا مُلخَّص هذا الدرس:
ما كان في قصدي أن أُلقي درسا هنا ما دمتم تسمعون إلى دروسي في المسجد دائما وكذلك خطب الجمعة بعد أن وفّقنا الله تعالى لإقامتها.
رأيت من واجبي أن أحضر معكم مثل هذا الحفل رغم أنّ حضوري في حفلات الأعراس قليل جدّا وخاصّة في القرارة، وقديما قيل: إذا لم تستطع أن تسوّي بين الناس في العطاء فسوّ بينهم في المنع. ولكن بعض الأعراس تستثنى لضرورة خاصّة. فلكلِّ قاعدة شواذّ.
وعرس اليوم من الشواذِّ وهي مناسبة كريمة يجب أن أحضرها وأشهدها ولو حبوا، ولماذا يا ترى؟ الجواب: لأمرين اثنين: الأول يتعلَّق بماضي الوالد، والثاني يتعلَّق بمستقبل الولد. فللوالد ماض ناصع مليء بالخير وبفعل الخير، وله حاضر سعيد، ونتمنَّى أن يطول حتى يلقى الله وهو عنه راض.
وإن نسبة 99 في المائة من التكريم اليوم إنَّما هو للوالد فعلى الولد العريس أن يعتبر حتَّى ينال مثل هذا التكريم في مستقبل حياته.
كان الخطيب البارع الأستاذ فخَّار والشاعر المبدع الأستاذ باجو والقصيدة العصماء التي سمعناها الآن للأستاذ بربوشة أشادت بذكر مناقب الشيخ عدُّون، وهو يستحقُّ آلاف المرَّات أكثر ممَّا قيل فيه. ولا (1/279)
صفحة 255
أظنُّ أنَّ أحدًا في هذا الحفل يعرف حقيقة الشيخ عدُّون وبلاءه مثل ما أعرفه أنا. وبودّي لو كان لي قلم سيّال أو لسان قوَّال لكتبت وكتبت ولقلت وقلت. ومجيئي إلى هذا الحفل وحضوري فيه معكم إنّما كان لهذا القصد. ولم يكن يمرُّ بخاطري أن يسبقني ممَّن سبقني إلى ما سأقول. فالشيخ عدّون ركيزة هذه الحركة الإصلاحية والنهضة العلمية ــــ مع تجوُّز في الوصف ــــ وإن كانت مطامحنا أبعد ممَّا وصلنا إليه ولكن مع ذلك فهي نهضة لا تنكر ولقد أعطت بعض ثمرات هذا الإصلاح. فالشيخ عدّون ـــ في القرارة على الأخصّ ـــ هو الركيزة، وأضغط على هذه الكلمة، فهو العمود الفقري أو السارية التي يرتكز عليها كلّ ما فوقها.
فالتعليم الابتدائي والثانوي وما حفَّ بهما من مشروع البعثات الطلابية وكلها مراكز مفيدة نرجو برَّها وذخرها عند الله. هذه المنشآت كلها كان الشيخ عدّون الركيزة التي تعتمد عليه. فقد أعاننا الله تعالى على مدّها وتوسيعها بحسب ما منحنا من إمكانيات وما أزاح الله أمامنا من عقبات.
والحركة تسلَّمناها في 27 رمضان 1339 هـ ــــ شهر جوان 1921م ــــ فإذا اعتبرنا التاريخ الهجري فلقد أكملنا 51 عامًا وندخل في 52، وإذا حدَّدت هذا التاريخ فلأنَّه تاريخ وفاة مربِّينا الشيخ الحاج عمر بن يحيى ــــ رحمه الله ــــ الذي دفن يوم 27 رمضان 1339 هـ ـــ ومن ذلك التاريخ لا تزال ـــ بفضل الله ـــ الراية بأيدينا مرفوعة. وفي ذلك الوقت كان الشيخ عدّون طالبا من الطلبة تبدو عليه مخائل الإخلاص وحبِّ العلم وهي الميزة التي امتاز بها.
وأذكر أمرين متمايزين ــــ وهي من غرائب الصدف ــــ بين طبعي وطبعه وخلقي وخلقه. فأنا: والدي ــــ رحمه الله ــــ توفي في 25 رجب 1339هـ، قبل وفاة الشيخ الحاج عمر ابن يحيى ــــ رحمه الله ــــ بشهرين وترك ديونا وأمورا ثقيلة وكنتُ قضيت قرابة عام في العمل بالمتجر في «سانطارنو»، وكانت لوالدي تجارة هناك، ولقد وقعت تطوُّرات كبيرة في التجارة بسبب الحرب العالمية الأولى، وانهارت التجارة فبعثني والدي لإنقاذ تجارته. ولما توفي الوالد ــــ رحمه الله ــــ اتّصلت بشركائه لتصفية التركة وبعد ذلك رجعت إلى القرارة (1/283)
صفحة 256
إلى الميدان العلمي ولكن كتب إليَّ الإخوان من سانطارنو يطلبون منّي وبكلِّ إلحاح أن أعود إلى دكَّان والدي لإنقاذ التجارة مع شركائه وكان عمري يبلغ 21 سنة. ولكن كتبت إليهم معتذرًا ورافضًا طلبهم لأنَّني أشعر في قرارة نفسي أنِّي خُلقت لإنقاذ أمَّتي، وكانت لي عقيدة راسخة في نفسي لا تتزحزح وتحمَّلت جرَّاء ذلك أشياء كبيرة ملأتني من مفرق رأسي إلى أخمص قدميَّ بأنَّني خُلقت للعلم، وهذا الشعور هو الذي دفعني إلى ذلك الموقف الجريء الذي اتَّخذته يوم وفاة شيخي الذي فارقته على الساعة 11 ليلا وتوفِّي هو على الساعة 12، ووقع النبأ علينا وقتئذ كالصاعقة، فسار فكري إلى كيفية الحفاظ على هذا الحمل الثقيل الذي تركه الشيخ، إنَّه حمل المسؤوليات التي كان يشرف عليها في الأمَّة. إنَّها أثقال سياسيَّة واجتماعية وإصلاحية كلّها كانت ملقاة على رأسه. وأتذكَّر عندما كان الغسَّالة يهيئون جثمان الشيخ ناديت أحد الطلبة ليطوف بجميع زملائه الطلبة فيخبرهم أنَّ اللقاء العامَّ لكلِّ الطلبة سيكون بعد الجنازة مباشرة فمن المقبرة إلى المدرسة. ولقد شعرت بقوّة الاهتمام لحمل هذه الراية في الوقت الذي كان الناس كلُّهم يبكون بالدموع الغزيرة وأتذكَّر تأثُّر الشيخ الحاج محمَّد المؤذِّن لما خرجنا من دار الشيخ قبيل وفاته، وكان يبكي ويقول: إلى أين نذهب إذا مات الشيخ وتركنا؟ وأجبتُه على الفور: «لا تخف لقد ربَّانا لمثل هذا اليوم».
رجع الطلبة كلُّهم من الجنازة إلى دار القراءة فوقفتُ فيهم خطيبا وعزَّيتُهم في فقيدنا الشيخ المرحوم. وقلتُ لهم: إنَّ أيَّام العزاء ثلاث تتعطَّل فيها الدراسة، ومن بعدها يعود النظام الدراسي كما كان ولا ينقصه شيء إلاَّ وجود الشيخ ـــ رحمه الله ـــ وكان ما كان، ورجعت المياه إلى مجاريها.
وكان للشيخ عدُّون الفضل الأكبر في ذلك. ولقد كان قبل ذلك في التجارة بمدينة «سريانة»، ولكنَّه رجع إلى طلب العلم، ولكن عرضوا عليه مُلحِّين أن يرجع إلى التجارة وهو في حالة شديدة من الفقر وطلب الرزق، وهو يتيمٌ طالب نجيب وطال الإلحاح عليه ولكنَّه أصرَّ على البقاء في ميدان العلم وقال لهم: لا أترك العلم أبدًا. ومن الغريب أن تتلاءم أخلاقه وطباعه معي. ومن تلك اللحظة كان هو حامل للراية (1/284)
صفحة 257
معي وكان الحمل عليه ثقيلاً وأنا أزيد له الأثقال لأخفِّف عن نفسي. وقد مضت على ذلك خمسون عامًا.
ولقد فتح المعهد من جديد في 21 ماي 1921، وكان له منذ ذلك الوقت حلقة يدرِّسها، وله دور في تأسيس المعهد وإدارته، ولا شكَّ أنَّ أكثر من في الحفل من الضيوف كانوا وقتئذ طلبة وتخرَّجوا في هذا المعهد، ولقد تفرَّقت بهم الآن سبل الحياة شرقًا وغربًا، وكلُّهم تحمَّلوا مهامّ مختلفة في الحياة ولأجل ذلك ربّيناهم ليكونوا في هذه الوظائف. فأولادنا منبثّون في كامل القطر الجزائري و99 في المائة منهم صالحون والحمد للّه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من هو على قيد الحياة أمثال «الشيخ حمُّو فخَّار» الذي لا يزال يعمل في حقل الإصلاح، فكم من أجيال جاءت وتربَّت، ونشكر الله على صلاح أغلبهم، وما شذَّ إلاَّ القليل ممَّن زلَّت به قدمه، وهؤلاء يُعدُّون على اليد الواحدة، والبقية كلُّهم صالحون يقومون بواجبهم في كلِّ الجهات. لكن من بقي بجانبي من أوَّل لحظة إلى اليوم وكلُّ شيء مرتكز على كاهله هو الشيخ عدُّون. فهو حامل لأثقال المعهد والطلبة على ظهره وكلَّما جاءني طالبٌ يطلب عذرًا أو يشكو شيئا أقول له اذهب إلى الشيخ عدُّون وأنا أقدِّر ما عليه من أثقال وما بقي لي الآن شيء من هذه المسؤوليات إلا ما قلَّ وندر، والباقي كلُّه على كاهل الشيخ عدُّون.
والشيء الذي يقضُّ مضجعي الآن كلَّما مرَّ بخيالي ـــ ونحن بشر مُعرَّضون للخطر ـــ هو إذا مرض الشيخ عدُّون أو مات، من يحمل بعده هذه الأثقال؟ وإنَّ هذا الهمَّ يمرُّ عليَّ كلَّ حين؛ ففي العام الماضي مرض الشيخ عدُّون وحملت همًّا كبيرا وهذه الفكرة أظلمت الدنيا أمام عيني، وأنا إلى هذه اللحظة لم أجد من يطمئنُّ إليه خاطري، وحسبي الله فهو الذي أحسن إلينا في الماضي وهو الذي سيحسن إلينا في الباقي. ومنذ الخمسينيات فإنَّ كلَّ من تعلَّم شيئا إلا وكان بفضل الشيخ عدُّون، وهذا الجمع الحاشد كلُّه اعتراف بهذا الجميل فمثل هذه المشاركة في العرس هو عنوان الشكر الذي لا يقدَّر بقيمة. ونحن لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، بل نحن نُسَبُّ ونُشتَمُ من طرف أناس نريد لهم الخير ويريدون لنا غير ذلك من أنواع المكر إلى درجة الاغتيال، وهذا ما يتبعنا إلى اليوم (1/285)
صفحة 258
ونحن نعلم أنَّ الله يتولَّى أمرهم، ونقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل». وما كان ينبغي لمن قضى مثل هذا العمر الطويل أن يخاف إلا ما شاء الله، لهذا أريد أن أقرِّر هذا في هذا الحفل لعلِّي لا أدرك عرس ابنه الآخر، وأنا عمري خمسة وسبعون سنة، وقد كنت أعتذر من الحضور في هذا الحفل، ولكن من واجبي الحضور وتأدية التهنئة لعلِّي لا أدرك أعراس بقية الأبناء، وعجَّلت بهذا الكلام لتسجيل ماضي الوالد وهذا هو ماضيه بأخصر ما يُمكن أن يُقال وهو عبرة للمعتبر وخاصَّة الطلبة.
***
وأمَّا الأمر الثاني فهو يتعلّق بمستقبل الولد ونرجو أن يكون مثل أبيه ولو أنَّه سلك طريق مداواة الأبدان وأبوه سلك طريق معالجة الأديان! فلنا من دارٍ واحدة مُعالج للبدن ومعالجٌ للرُّوح. ومُعالج البدن يجب أن يكون صحيح الروح يعالج ضميره أوَّلا كي يكون له ضميرٌ دينيٌّ لا ينظر إلاَّ لمستقبله ومصيره المحقَّق وهو لقاء الله. أمَّا المصير الذي يتغنَّى به الناس فإنَّنا نجهل أعمارنا كلَّنا. فالواجب أن نجعل نصب أعيننا لقاء ربِّنا والله لما نعى على الظالمين قال: {5555 يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ 555} [المطففين:4،5]. وهذا هو سرُّ النجاح ولا ينجح في دنياه إلاَّ مَن جعل لقاء الله نصب عينيه. فنرجو لابننا العريس مستقبلا زاهرًا، ولقد اختار هذا النوع من العلم. ولقد سمعنا العلماء يقولون في كتاب: «العلم يدعو للإيمان»، وليس مرادهم هو علم الشريعة بل مرادهم هو علم الطبيعة والحياة وتشريح الإنسان، وفي ذلك اطِّلاع على أسرار الكون وعلى عجائب الله في هذا الجسم الإنساني. ونحن نعرف الظواهر ولكن الأطبَّاء يطَّلعون على خبايا القلب والكبد وغيرها من الأجهزة العجيبة ودورها داخل الجسم، وهذا شيء عجيب حقًّا، والأطباء يطَّلعون على هذه الأسرار ولا يقفون على سرِّها، والحياة كلُّها سرٌّ من أسرار الله والروح من أمر ربِّي وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلا.
وأحقُّ الناس بتقوى الله هم الأطبَّاء وعلماء الطبيعة والباحثون، فهم يطَّلعون أكثر منَّا على كلِّ حركة، ويقولون: سبحان الله، لا إله إلا أنت سبحانك، فهم باطِّلاعهم على هذه الأسرار أحقُّ الناس بالإيمان وتقوى الله، والويل لهم إن لم يَدْعُهم (1/286)
صفحة 259
علمهم للإيمان. فعلى أطبَّائنا أن يستجيبوا لله فإنَّ العلم يدعو للإيمان ومن حقِّ الأطبَّاء أن يكونوا أقوى إيمانًا منَّا، لأنَّنا نتلمَّس العلوم تلمُّس الأعمى ممَّا نقرأ من كتابات العلماء الذين اطَّلعوا على أسرار العلم ودوَّنُوها، ولكنَّهم يطَّلعون ويرون كلَّ ما في الإنسان من العجائب.
أنجب الشيخ عدُّون أربعة أولاد ذكورا، وكلُّهم سلموا وتجاوزوا مرحلة الخطورة. تُرى إذا حضر أجل الشيخ عدُّون ــــ حفظه الله ــــ فأنا أقول لشريفي بالحاج أن يترك كلَّ ما في يده لثقتي به، فهو نُسخة من أبيه.
وعلى الأثر نجد ابنه محمَّدًا الذي سلك طريق الفنِّ والخطِّ فهو بارع في هذا الفنِّ؛ فنِّ الرسم والخطِّ، ولا أظنُّ أن يوجد من هو أبرع منه في الجزائر، فهو يكتب أجمل الخطوط. والفنونُ يتّصل بعضها ببعض كفنِّ الخطِّ والرسم والنحت. والحمد لله أنَّه لم يجتذبه الفنُّ الآخر الذي قد يرديه كالذي يصوِّر الصور العارية وينحتها بأي مادَّة كانت، وهذا حرام في الشريعة، وهو ما يميل إليه أكثر الرسَّامين. وأذكر رسومًا كثيرة ومن أبرعها رسم في غلاف مجلَّة العربي عدد يناير الماضي وهي صورة فنِّية لشيخ هرم يتفكَّر في الحياة، ونظرتُ إليها عشرات المرَّات أتأمَّل في براعة تصوير رجل اشتعل شيب رأسه متَّكئ وعيناه كيف تحدقان؛ وهي صورة من أغرب ما يكون، وأمثال هذه اللوحات تُقوَّمُ بالملايين، ومنها الصور الخليعة التي تستهوي الكثير من المصوِّرين.
ولقد تكلَّمت مع الابن محمَّد، وأحمد الله أن جعل فيه الميل إلى الخطِّ، والميل إلى رسم القرآن، ولعلَّ هذا سرٌّ من أسرار تربيته، وظهر هذا في سَمْتِه وهيئته، ولقد عاش في القاهرة ولم يستهوه شيءٌ ممَّا استهوى الكثير من الشباب أمثاله. ونرجو من هذا الولد الثالث أن يسلك طريق أبيه وطريق أخويه، وهما لم يجلبا عارًا لأبويهما، ونرجو أن يسلك طريقهما، وطوبى له إن سلكه.
أمَّا كون طلب العلم أو المداواة أو تثقيف الأذهان كما نرى في شريفي بالحاج وهو معلِّم أو أخيه محمَّد رسَّاما للخطوط فالكلُّ نافعٌ والسرُّ إنّما هو في القلب حين يكون عامرا ملآن بالعقيدة وضاربة جذورها فيه، وهي الكلمة الطيبة التي شبَّهها الله بالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي العقيدة المتمكِّنة في القلب، فيظهر أثرها في الجوارح فاللسان لا يقول إلا صدقا، واليد لا تكسب إلا حلالا، وهذه من (1/287)
صفحة 260
فروع الشجرة المغروسة في القلب.
تعلَّموا يا شباب كلَّ علم وطيروا إن استطعتم إلى السماء وليكن دينكم معكم واحذروا من سخافات بعض الشباب إذا أمر أحدهم بمعروف أو نهي عن منكر قال: إيه! الناس طلعوا إلى القمر وأنتم لا زلتم هنا بأفكاركم القديمة.
ويلك يا هذا! إنَّك تفتخر بعلم غيرك وهل يتغيَّر دين الله بصعود الناس إلى القمر؛ فما قيمة علمك بالنسبة لعلم رواد الفضاء؟ وهل شاركتهم في اكتشافاتهم؟ فلا فضل لك أبدًا، إنَّما أنت سمعت خبرهم كما سمعه البلداء والناس جميعا وأنت تكفر بربِّك لأنَّ فلانا صعد إلى القمر! فاحذروا يا شباب من هذه الانزلاقات الخطيرة.
وبعد؛ فلقد أطلت عليكم، ولا بدَّ أن نعرف فضل أهل الفضل حتى نعتبر ونسعى لتكون أواخر أيَّامنا خيرا من أوائلها، ونطلب من الأبناء أن يسلكوا طريق أبيهم. وإن كان للأبناء العبرة من أبيهم فليوسف العبرة من أبيه وأخويه والكلمة لكم جميعا أيُّها الشباب لتعتبروا.
أبدا ما تعلَّمنا لنيل درهم ولا دينار وما كان يخطر ببالنا أن نسأل من أين نأكل، ومن الغريب أنَّ هذه الفكرة لا تأتينا، والله سبحانه يرزقنا من طرق شريفة فلا نتذلَّل لمخلوق ولا لغنيٍّ أبدا. ومشايخنا يحرِّضوننا على طلب العلم ويقولون لنا: «لطالب العلم رزقان؛ رزقٌ له ورزق لكتابه».
وأذكِّركم بهذه النكتة، فليس كلُّ الطلبة يتفوَّقون في العلم، وهذه من تجارب حياتنا، مَنْ أظهر الله فيه موهبة صلاحه للتعليم وعرض عليه أساتذته وطلبوا منه أن يبقى في ميدان العلم فإذا مالت نفسه للدنيا فإنه لا ينال من دنياه إلاَّ ما كتب الله له، فالذي بهرته الدنيا لا ينال منها شيئا، ولقد مرَّت علينا أمثلة كثيرة وكم طلبنا من بعض الآباء أن يُسبِّلوا ابنا من أبنائهم لله فمنهم المستجيب ـــ وما أكثرهم ـــ ومنهم من يصرُّ ويمتنع. ولكن مرَّت علينا نماذج للاعتبار، فالذي رفض الاستجابة لغرض دنيوي دنيء يتعب في مسعاه ولا ينال من دنياه شيئًا، ولولا الاحتفاظ بأسرار الناس لذكرنا أمثلة كانت حالتهم في وقت التعليم أحسن من الحالة التي هم فيها الآن. وقد ينفح الله عبده بنفحات فيفتح له أبواب الخير فإن دخلها أخذ الله بيده، وإن أعرض عنها وكله الله إلى نفسه، والويل لمن وكله الله إلى نفسه! (1/288)
صفحة 261
الزواج عقد مقدَّس ولقد ضلَّ الذي ظنَّ أنَّه عقد مدنيٌّ وهو من العقود الشرعية، كاشتريتُ وبعتُ، بل عليه مسحة من القداسة، ومن شروطه الخُطبة مثل ما في صلاة الجمعة، وليس شرطه الصفقة بعد الاتفاق كما هو في البيع كما يباع الحمار مثلا. وعقد الزواج مهما وقع فيه من تراض واتِّفاق فلا بدَّ من تشهير وقراءة خطبة وشهود حاضرين أثناء قراءة القاضي أو العالم لخطبة النكاح. والخطبة شرط مثل خطبة صلاة الجمعة وصلاة العيد وإذا تمَّت خطبة الزواج تمَّ الزواج. هكذا كان العرب والسلف وعمل الرسول جمادى ثان. والرسول جمادى ثان عندما خطب خديجة ورضيت قبل أن يعلم عمُّه، وبعد أن علم عمُّه وقع الاجتماع وبدأ عمُّه يخطب خديجة للرسول جمادى ثان من جديد وتمَّت الخطبة والموافقة في العلن؛ فلا بدَّ من المحافظة على قداسة الزواج الشرعي والنبي افتخر بنسبه النقي فليس فيه سفاح، وجاء الإسلام وأقرَّ هذا ودعا إليه. ولذلك تؤدَّى الشروط وتُقام الحفلات للتشهير. ويجب أن لا يكون في تلك الحفلات ما يُسخط الله لكي يبارك الله في هذا النكاح ويؤتي بذريَّة طيبة، كما دعا سيدنا زكرياء جمادى أول: {11111 رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً 1 إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ 1111}. ودعائه: {111111111111 رَبِّ رَضِيًّا 111}؛ أي ترضى عنه وأرضى عنه. فما الفائدة من أن نلد أولادًا ونرميهم في النار، ولو عرف أحد منَّا هذا لدعا لنفسه بالعقم. ولكي يستجيب الله دعاءنا يجب أن نقدِّم بين أيدينا ما يجعل دعاءنا مستجابًا عند الله ليكون أبناؤنا صالحين. فحفلاتنا في الأعراس ترضي ربَّنا ولا نحصرها في أصحاب الصحراء فقط بل يجب أن نقيم أمثالها في التلِّ. ولقد سمعنا أنَّ فينا شبابا تزوَّجوا في التلِّ فأحضروا المحرَّمات، ولكن لم تمض على زواجهم إلا أيَّام فكان ما كان، فكيد الله ومكره شديد لمن حاد عن طريق الله.
وهذا ما ندعو إليه؛ ندعو إلى النكاح المبكِّر، واختيار الزوجة الصالحة، وإقامة الحفلات على النقاء والصفاء، حتى يبارك الله لنا في أمورنا كلِّها.
وهذا ما يمكن أن يقال في هذا العرس المبارك الميمون.
وإنَّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/289)
صفحة 262
خطبة عيد الفطر المبارك
يوم الثلاثاء فاتح شوال 1427هـ
الموافق ل 24 أكتوبر 2006م
للأستاذ:
يوسف بن سليمان كرشوش
معهد الحياة ـــ القرارة
الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسُبحانَ الله بُكرَةً وأصيلاً.
الحمدُ لله الذي بنعمته تتِمُّ الصالحات، وبفضله وآلائه تَتَنزَّلُ الرَّحمَات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحمدُه سبحانه وتعالى، شرَع لنا الأعياد وأفاضَ السرور، ونوَّر قلوبنا بنور التقوى والحبور، لنشعُر بالبهجة والإكرام، ونَشكُرَه على إتمام فريضة الصيام، {555555555555555 الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 55555}. وأشهد أنَّ سيدَنا مُحمدًا عبده ورسُولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما تعاقب الليلُ والنَّهار، أمَّا بعد؛
أيُّها الإخوة المؤمنون، اتقوا الله حقَّ التقوى، واشكروه جلَّ وعلا على ما حباكم به من الفضائل والنعمى، وبلوغ هذا اليوم الذي ميزه وشرَّفه، وجعله عيدًا سعيدا لأهل طاعته، يفيض عليهم فيه سبحانه وتعالى من جوده وكرمه، وبرِّه وإنعامه، فاشكروه على عدَّة الصيام، واذكروه وكبِّروه على ما منَّ به عليكم من نعمة الإسلام، واعبدوه حقَّ عبادته، وأخلصوا له الدين وحده، {555555555 اللَّهَ (1/290)
صفحة 263
حَقَّتُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 55 55} [آل عمران: 102]،تمسكوا بكتاب ربكم، واتبعوا هدي نبيكم رمضان فذلك سبيل سعادتكم في دنياكم، وفلاحكم في أخراكم، يقول الرسول رمضان «أيها الناس، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنَّتي».
أيها الإخوة المؤمنون، ها قد انتهت الأيام المعدودات وهل هلال العيد، فخرجنا إلى مصلانا متحللين من قيود رمضان، تحلُّل الحاج من إحرامه، فهنيئًا لنا أننا أتممنا شهرنا صيامًا وقيامًا، وامتدَّ بنا العمر لنشهده مع أهالينا في صحة وعافية وهناء، وننال جزاءنا الموعودَ رحماتٍ ومغفرة، ونعمة أعظم وأجل أننا أصبحنا بمشيئة الله وفضله من عتقاء النار، فلقد ثبت في السنة أنَّ لله في كل ليلة عتقاء من النار، وأنَّ له يوم العيد من العتقاء قدر ما أعتقه في كامل رمضان. ويروى عن النبيء رمضان أنه قال: «إذا اصطف الناس في مصلاهم باهى الجليل جلَّ جلاله ملائكته فيقول: يا ملائكتي، انظروا إلى عبادي كيف صاموا وقاموا ابتغاء مرضاتي، ثم خرجوا إلي يرجون رحمتي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم»، فهنيئا لكم أيها المكرَّمون في هذا اليوم السعيد، صمتم شهركم كاملا غير منقوص، وغنمتم فيه ما غنمتم من ذكر تطمئن به القلوب، وعلم تصلحون به أمور دينكم ودنياكم، وأعمال خيرية حزتم بها رضى ربكم، فاحمدوه حق حمده، واشكروه أولاً وقبل أي أحد، واسألوه القبول والمزيد، وبعد ذلك ادعوا بالبركة في العمر والعلم لكل مشايخنا وأئمتنا وخطباء الجمعة الذين أحيوا لنا ليالي رمضان بما آتاهم الله من علم وحكمة؛ أذانًا وإمامة وتدريسا وفتوى، يركزون العقيدة وينشرون الفضيلة ويعالجون أمراض القلوب، بحلول مستقاة من تعاليم ديننا الحنيف؛
وكُلُّهُم مِن رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ غَرْفًا منَ البَحْرِ أو رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ (1/291)
صفحة 264
جزاهم الله عنا أوفر الجزاء ورفع درجاتهم في الجنة، وإنه لمما يثلج الصدر وتقرُّ به العين ـ أيها الإخوة المومنون ـ ويستحق كلَّ التشجيع، هذه القفزة النوعية في إمامة التراويح، والتي بادر بها مجموعة من معلمينا وطلبتنا الأعزاء، دفعهم إلى ذلك حبهم وغيرتهم على كتاب ربهم، فتوزعوا على المساجد، يرتلون القرآن ترتيلا، يشدون إليهم أسماع المصلين وقلوبهم، بما أوتوا من حافظة جيدة، وقراءة طيبة، وإن تفاوت البعض على البعض في الاثنتين، وهذا لا ينقص من أهمية المبادرة شيئًا، فهي لا تزال في بدايتها، وأصعب الأمور ـ كما تعلمون ـ مباديها.
والصورة الرائعة والمؤثرة التي قد لا يدرك بعضكم قيمتها، ذلكم الوقوف لمشايخنا الأجلاء ـ ومنهم من تجاوز الثمانين من عمره ـ مأمومين خلف أحفاذهم الروحيين بين العاشرة والعشرين من أعمارهم، يتبعونهم في حركاتهم، ويؤمنون على دعائهم، إنه حقًّا مثالٌ للأبوة الرحيمة المتواضعة، والبنوة البرة الوفية الطموحة؛ وبورك في الشباب الطامحينا؛ أئمة شباب في العمر والتجربة، وشيوخ شباب في قلوبهم وأفكارهم! ثبَّت الله حفظهم، وزادهم علما، وجعلهم خير خدم لدينه وكتابه، وترحَّمَ وبارك على والديهم ومعلميهم الذين بلَّغوهم ذلكم المرتقى الكريم؛ فلك الحمد ربنا حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسُبحَانَ اللهِ بُكرَةً وأصيلاً.
أيها الإخوة المومنون؛
لقد تخرَّجتم في مدرسة رمضان برصيد هائل من الطهر والنقاء، كما يخرج المستحم من الحمَّام، لقد استلطفتم مجالسة الأخيار، واطمأنت قلوبكم بالأذكار، (1/292)
صفحة 265
وأزيل ما تراكم على ظهوركم من الأوزار، ذلكم هو مكسبكم الثمين من الراحل رمضان، فما هو واجبكم بعده يا إخوة الإيمان؟ إنَّ واجبكم هو شكر المولى على هبة العفو والغفران، بالاستمرار على ما تعودتم عليه من طاعة واستقامة وانقطاع عن مواطن الرذيلة ومسببات الخزي والندامة، الحذرَ الحذرَ من النظر الحرام، والفروج الحرام والأموال الحرام؛ فإنها مفرقات الأسر والمجتمعات، ودركات الإفلاس للأنظمة والشركات، اجتنبوا كبائر الذنوب كالشرك بالله، وعقوق الوالدين، والدماء الحرام، وشهادة الزور، وترك الصلاة والزكاة، وتضييع حقوق الأزواج والأقارب والجوار، يقول الله تعالى: {555 تَجْتَنِبُوا 5555555555 مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا 5555} [النساء: 31]، ويقول: {5555555 مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى 5555} [النازعات: 39].
أبناء هذا الوطن العزيز، وهذه البلدة الطيبة خصوصا، إنَّ الإسلام هو حبل الله المتين، وإنَّ التفاخر بالأنساب والأجناس والألوان والأفكار سلوك باطل مردود، لأن الخلق كلهم من آدم وآدم من تراب، فاتقوا الظلم بقلوبكم وألسنتكم وأيديكم وأجهزتكم السمعية البصرية، ووسائل نقلكم، وامتثلوا لدعوة ربكم الخالدة {5555555 الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ 5 وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 55 5} [الحجرات:10]، وإلى حديث نبيكم: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، وقد سئل جمادى ثان عن العصبية فقال: «أن تعين قومك على الظلم» فاتقوا فتنتها، إنها نار، دعوها تأكل بعضها ولا توقدوها فتأكلنا، وإنها نائمة، اترُكوها تغطُّ في نومها العميق، ولا توقظوها فتُهلكنا، طهِّروا منها قلوبكم وأحياءكم وشوارعكم ومؤسساتكم وملاعبكم، إنها قذرة منتنة، واغرسوا بدلها بذور المحبَّة والتآخي والسلام، فلا خير ولا تقدُّم ولا ازدهار يرجى لنا وللأجيال إن انعدم صفاء القلوب واتحادُها، وغاب صدق الكلمة واجتماعها، وهُدِّد أمن البلدة وعافيتها. (1/293)
صفحة 266
اخوتي الأعزاء، اسمحوا لي أن أذكركم ـ لا للتباهي والافتخار، ولكن للوفاء والتأسي والاعتبار، وربي وربكم الله تعالى يقول {555555 كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ 4} [يوسف:111]ـ أذكركم بأنكم أحفاذ جدود عباقرة أطهار أمجاد، وإن جذوركم لراسخةٌ في معين الدين والخلق الكريم، وإن بلدتكم قلعة من قلاع العلم والقرآن، وما أشرفها من صفة وما أعظمها من مسؤولية، فكونوا في مستوى هذه الميزة النبيلة تفلحوا، ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا الأمانات التي تركها لكم أسلافكم الطيبون عليهم رحمة الله أجمعين، لقد ورَّثوكم نظامًا دينيا واجتماعيا بديعا، ومؤسسات عرفية وأوقافا متميزة داخليا ووطنيا ومن خارج الوطن تستفيدون من خدماتها وقتا ومالا وأمنا ما لا يقدَّر بثمن، عُضُّوا عليها بالنواجد تضمنوا استمرارها لأولادكم وللأجيال من بعدهم، كفوا ألسنتكم وأقلامكم عما قد تلاحظون من هفوات، فالكمال لله وحده تعالى، وكل ابن آدم خطَّاء، وخيركم الذي يتخذ الحوار النزيه ومرونة التحرك والكلمة الطيبة والإقناع والاقتناع أسلوبا للإصلاح الناجح.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كَثيرًا، وسُبحَانَ الله بُكرَةً وَأَصيلاً.
أمَّا أنتم يا إطاراتنا وموظفينا المخلصين في مختلف الخدمات والمهن العمومية والخاصة، فشكرا لكم على جهودكم من أجل تخفيف متاعب الحياة اليومية على مواطنيكم، فأحسنوا استقبالهم، واصبروا على ما قد يصدر منهم من تجاوزات، والله يُوَفِّي الصابرين أجرهم بغير حساب.
إن دوركم أساسي وحسَّاس، أنتم يا مسؤولي الجمعيات الثقافية والرياضية والأحياء في حماية أبنائنا من السقوط في مستنقعات الانحراف والرذيلة بما تملأون به فراغهم من برامج مفيدة ومتنوعة، فاتقوا الله فيهم (1/294)
صفحة 267
وتجنبوا إشغالهم في أوقات الصلاة خاصة الجمعة، وخلال فترات الامتحانات، أعانكم الله وأخذ بأيديكم وجعلكم صالحين مصلحين.
تجارنا وعمالنا الأعزاء، واسمحوا لي أن أخص المغتربين، فأقول: إن مدينتكم للتتشوَّق إليكم الشوق الكبير، وتفرح بكم الفرح الشديد، عند عودتكم إليها في كل حين، وخاصة في المناسبات السعيدة كيومنا هذا، وإننا لندعو الله أن يحرسكم بعينه التي لا تنام كلما قَدِمتُم إلينا أو عُدتم إلى مقرات أعمالكم، ويرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا، ويبارك لكم في صحتكم وأهليكم وأموالكم فتحروا الكسب الحلال، وكونوا صورًا طبق الأصل لأجدادكم الطيبين الذين ضربوا أروع الأمثلة في الاستقامة والأمانة والعمل الجاد، أدهشوا الصديق والغريب وجعلتهم محل ثقة الجميع، جعلكم الله سحائب رحمة تسقي البعيد والقريب، وأنهارًا غزيرة عذبة تروي ظمأ المؤسسات والمشاريع العلمية والخيرية، وأخلف لكم ما تنفقون أضعافًا مضاعفة عاجلة شاملة من خزائنه التي لا تنفد، إنه سميع واسع الجود والعطاء.
وأنتم يا أولياء التلاميذ، أستثني القليل منكم، ما زلتم مقصرين كثيرًا في متابعة مسار أبنائكم التربوي والأخلاقي، ألزموهم الجلوس إلى طاولة المذاكرة وإنجاز الأعمال المنزلية في كل يوم، بالتحفيز والترغيب، وإن لزم الأمر فبشيء من الصرامة والتشديد، زوروا مؤسساتهم بصفة دورية، واطلعوا على أحوالهم من مصادرها، لبوا نداء إداراتها وجمعيات أوليائها، مالكم لا تتحركون إلاَّ بعد فوات الأوان!، راقبوا سمتهم وسلوكهم، فلقد بدأ بعضهم يتنكر للباسه الأصيل، ويستبدل به آخر غريبًا عنه، ذا صور ورموز وألوان أقل ما يقال عنها: إنها إشهار مجاني لمنتجيها، وقد يكونون أعداءً لدينه ووطنه، أما البعض الآخر فقد زحزح طاقيته البيضاء الجميلة قليلا إلى الخلف ليُبرز ناصيته المدهونة الممشوطة تباهيا، وزملاء لهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك فتركوها في منازلهم وبالغوا في المشط والدهن، وآخرون مضَّاغون للعلك، وآخرون حمَّالون للهاتف النقال ... «ما هكذا (1/295)
صفحة 268
تورد الإبل يا سعد»، أليس من الأصلح لكم أبناءنا الأعزاء أن تصرفوا هذا الاهتمام المبالغ فيه بمظاهركم إلى الانشغال بما هو أسمى وأنفس؟ تدهنون أدمغتكم بمختلف المواد الدراسية التي تتلقونها فتمضغها عقولكم لتستخرج منها العصارة التي ستوصلكم إلى النجاح، وتقطعون كلَّ الخطوط الخارجية لتبقوا في اتصال مستمر ومجَّاني مع مصادر المعرفة أمامكم من أساتذة وكتب ودفاتر وسبورة؟ أم أنكم قد غرقتم إلى الآذان في أوحال التقليد التي تشاهدونها في وسائل الإعلام المرئية خصوصًا؟ ... إنَّ المسؤولية لكبيرة أيها الأولياء، فكلكم راعٍ، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته.
جعلني الله وإياكم من {555555555 يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ 5 أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ 5 وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ 5555} [الزمر:18]، وحسبي وحسبكم من هذه الوقفات، ومعذرة إن نغصت عليكم فرحة العيد، وإلاَّ ففي القلب المزيد ... تقبل الله منكم الصيام والقيام، وأعاد عليكم رمضان وأمثال أمثاله، ومتَّعكم بفرحتكم الأولى في هذا العيد السعيد، والعقبى للفرحة الثانية في جنَّات الخلود، ورحم الله موتانا الذين رحلوا عنَّا من قريب أو بعيد، وشفى مرضانا، وهدى ضالَّنا، ووفق شبابنا، وبارك لنا في علمائنا وشيوخنا، وحفظ مشاريعنا، وعزَّز أمننا، وأيد بالحقِّ ولاة أمورنا، وأصلح ذات بيننا، ونصر ديننا، وخذل عدوَّنا، وأعتق رقابنا من النار، وأدخلنا الجنة مع الابرار، إنه عزيز غفَّار. آمين وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. (1/296)
صفحة 269
عميد التاريخ الوطني (1)
للأديب الدكتور محمد بن صالح ناصر
كلية المنار ـ الحميز ـ الجزائر
إخوة الإيمان، السلام عليكم،
إلى جمعكم المبارك بعامَّة، وإلى صديقي المحترم الدكتور: أبو القاسم سعد الله، أهدي هذه الأبيات التي نظمتها ويدي ممدودة إلى آلة تصفية الدم، لتكون قصيدتي موقَّعة بنبضات قلبي حسًّا ومعنى.
أقول:
حَيِّ جَمْعاً بِحُبِّ أَحْمَدَ يَهْنَا ... وَاجْتِمَاعاً يُمَجِّدُ العِلْمَ رُكْنَا
وَوُجُوهًا بِنُورِ رَبِّيَ شَعَّتْ ... نَقْبسُ الهَدْيَ، فِيهِ تَحْيَى وَتَفْنَى
وَمُحِبِّينَ فِي رِضَا اللهِ عَزُّوا ... تَخِذُوا ظِلَّهُ رِيَاضاً وَأَمْنَا
يَتَبَاهَى بِهِمْ مُحَمَّدُ جُنْداً ... وَمِنَ الحَوْضِ يَرْتَوُونَ فَيَهْنَا
وَأَصِيلاً (أَباً وَعمًّا) (2) وَفِيًّا ... وَهَبَ العُمْرَ لِلثَّقَافَةِ حِضْنَا
بَاع للهِ نَفسَهُ فَاشْتَرَاهَا ... فَزَكَا بَيْعُهُ وَأَثْمَرَ عَدْنَا
وَبِنَاءً (لِمَنهَجِ) (3) اللهِ يَدعُو ... فَازْدَهَى فِي حِمَاهُ مَبْنًى وَمَعْنَى
فَهوَ لِلنَّاشِئِينَ حَوْضُ رَسُولٍ ... وَهُو لِلبَاحِثِينَ مِحْرَابُ حُسْنَى
__________
(1) ألقيت في الحفل الذي أقيم تكريما للدكتور: أبو القاسم سعد الله، بمعهد المناهج، في 14 ربيع الثاني 1428هـ الموافق لـ 02 مايو 2007م.
(2) الإشارة هنا إلى الدكتور محمد بن موسى باباعمي، مدير معهد المناهج.
(3) الإشارة إلى معهد المناهج، الذي دشِّن بالمناسبة. (1/297)
صفحة 270
فِي حِمَى اللهِ هَبَّ يُنْشِئُ جَيْلاً ... أَحْمَدِيَّ الخُطَى، ويُسْرِجُ لُسْنَا
شَادَهُ المُحسِنُونَ للهِ ذُخْراً ... فَسَمَا بَدْرُهُ وَأشْرَقَ حُسْناً
أَيُّهَا الخَيِّرُونَ، وَالمالُ يَفْنَى ... أَقْرِضُوا اللهَ كَي يَزِيدَ وَيَغْنَى
غَرْسُكُمْ لِلإلَهِ بَذْرَةُ خَيْرٍ ... عِنْدَهُ قَد زَكَتْ ثِمَاراً وَغُصْنَا
6666
إِيهِ يَا جَمْعُ، وَالقَصِيدُ كَلاَمٌ ... كَيْفَ أَبْنِي، وَالفِعْلُ أَبْنَى وَأَبْنَى
غَيْرَ أنِّي بِنَبْضِ قَلْبِيَ أَشْدُو ... وَكَفى الحُبّ مِنهُ أَعزِفُ لَحْنَا
صُغتُهُ ـ إذْ دَمي يُصفَّى ـ بِقَلْبِي ... فلَكُم نَبْضُهُ شُعُوراً وَوَزْنَا
لَيْسَ كَالحُبِّ لِلبَرِيَّةِ أَمْنًا ... لَيسَ كَالدِّينِ لِلأُخُوَّةِ حِصْنَا
لَيْسَ كَالآيِ لِلقُلُوبِ شِفَاءً ... يَمْلأُ النَّفْسَ رَاحَةً حِينَ تَعْنَى
لَيْسَ كَالضَّادِ قُربَةً لِنُفُوس ... فِي ظِلاَلِ التَّوحِيدِ تَنْشُدُ أمْنَا
لَيسَ كَالعِلْمِ فِي المَجَالِسِ تَاجًا ... يُكْسِبُ المَرْءَ هَيْبَةً حَيثُ أَسْنَى
يَهَبُ العَقْلَ حِكْمَةً وَسُمُوًّا ... وَيُزَكِّي النُّفُوسَ سَهْلاً وَحَزْنَا
أَيْنَما حَلَّ فَاضَ خَيْرًا وَنُعْمَى ... وَسَقَى الوَارِدِينَ شَهْدًا وَمَنَّا
مَوْكِبُ العِلْمِ هَلَّ (سَعْدًا) وَ (حُسْنًا) ... (يَقْسِمُ) (1) الخَيْرَ حَيْثُمَا حَلَّ أَغْنَى
(مُوسَاويُّونَ) (2) كُلُّنَا في التَّلَقِّي ... نَتبَعُ الخَضِرَ، نَبْذُلُ العُمْرَ رَهْنَا
6666
__________
(1) الإشارة هنا إلى الأساتذة الكرام: د. سعد الله، أ. محمد الهادي الحسني، د. عبد الرزاق قسوم. وقد شرفوا الحفل بحضورهم وكلماتهم.
(2) الإشارة إلى الأستاذ الكريم: د. أحمد موساوي، الذي شارك بمحاضرة بالمناسبة. (1/298)
صفحة 271
يَا رُبَى العِلْمِ حفَّكِ (السعدُ) بشراً ... بِعَمِيدِ التَّأْرِيخِ مَبْنًى وَمَعْنَى
قَدْ تَشَرَّفَت باحتِضَانِكَ بَدْراً ... كَمْ أَضَاءَ السُّرَى وَنوَّرَ حُسْناً
هُو كَالبَدْرِ رِفْعَةً وَاعْتِزَازاً ... بَلْ هُوَ البَدْرُ بِالتَّوَاضُعِ أَحْنْى
وَهُوَ بِالشِّعْرِ مُرْهَفُ الحِسِّ كَالطَّـ ... ـــيْرِ إِذَا حَنَّ أَشْجَى فَغَنَّى
بَيْنَ حُبَّين (ثَائِرٌ وَمُحِبٌّ) (1) ... لِبلادٍ أَضْنَتْهُ عِشْقاً فَحَنَّا
غَاصَ فِي لُجَّةِ التُّرَاثِ فَحَلَّى ... جِيدَ أمٍّ، كَمْ عَقَّهَا مَنْ تَدَنَّى
رِحْلَةُ العُمْرِ كَمْ تَمَلَّتْهُ بَدْراً ... نَيِّراً فِي السَّمَاءِ عِلْماً وَفَنًّا
فَسَلِ النَّخْلَ وَهْوَ يَحْضُنُ طِفْلاً ... حَالِمًا، بِالرِّمَالِ يَلْهُو مُعنَّى
يَعَْشَقُ البَدْرَ وَالنَّخِيلَ (بِوَادٍ) (2) ... رَافِعَ الرَّأسِ فِي السَّمَا مَا تَمَنَّى
وَسَلِ المَعْهَدَ العَتِيقَ (بِِسِرْتَا) (3) ... عَن مُجِدٍّ مَعَ المُتُونِ تَثَنَّى
وَاسأَلِ الذِّكْرَيَاتِ تُونِسُ تُنْبي ... عَنْ مُحِبٍّ يُغَازِلُ الكُتْبَ هَوْناً
عَن غَرِيبٍ يَمُضُّهُ البُؤْسُ يَمضِي ... مُشْرِقَ القَلْبِ شَاحِبَ الوَجْهِ مُضْنَى (4)
وَاسْأَلِ النِّيلَ (دَرْعَمِياّ) (5) مَكِينًا ... حَازَ عِلْماً بِهِ فَأْغْنَى وَأَقنَى
وَاسْأَلِ النَّادِي الذِي كَان يَهْفُو ... لِمُحَيَّاهُ بَاحِثًا عَزَّ شَأْنَا (6)
وَاسْأَلِ النَّاطِحَاتِ كَيْفَ تَسَامَى ... فَهوَ كَالنَّاطِحَاتِ مَعْنًى وَمَبْنَى (7)
__________
(1) الإشارة إلى ديوان سعد الله: (ثائر وحبُّ).
(2) الإشارة إلى (وادي سوف) مسقط رأس الدكتور.
(3) الإشارة إلى معهد عبد الحميد بن باديس، بقسنطينة، حيث تعلم.
(4) كان يمر بفترة عصيبة، كما أشار إلى ذلك في كتابه (هموم حضارية).
(5) الإشارة إلى دار العلوم التي تخرَّج فيها، وكان طالبا متميزا.
(6) الإشارة إلى نادي طلاب المغرب العربي بالقاهرة.
(7) الإشارة إلى دراسته بالولايات المتحدة الأمريكية. (1/299)
صفحة 272
لَمْ تُهَجِّنْهُ لَوْثَةٌ لِشِكَسْبيرٍ ... فآيُ الكِتَابِ تُنْجِبُ لُسْنَا (1)
أَو تُدَجِّنْهُ دُمْيَةٌ وَهوَ يَهْوَى ... وَطَنًا قَدْ بَرَاهُ عِشْقًا وَأفْنَى
فَاسْأَلِ الجَامِعَاتِ فِي كُلِّ صَقْعٍ ... تَجِدِ (السَّعْدَ) فِي المَجَامِعِ عَيْناً
وَاسْأَلِ المَكْتَبَاتِ شَرْقًا وَغَرْبًا ... تَنْبَرِي الكُتْبُ تَحْمِلُ الاسْمَ مَعْنَى
أَهِيَ سَبْعُون؟ أَمْ ثَمَانُون؟ كَلاَّ ... لَيْسَ بِالكَمِّ يَحْمِلُ العِلْمُ وَزْنَاً
هِيَ سَبْعٌ مِثْلُ السَّنَابِلِ أَعْطَتْ ... مِائةً، فِي الحَصَادِ تُنْتِجُ مَثْنَى
عِنْدَ رَبِّي حِسَابُهَا، وَرَقَاتٌ ... قَدْ نَمَتْ فِي الجِنَانِ ظِلاًّ وَمَجْنَى
فَهيَ فِي الذَّاكِرِينَ فِكْرٌ وَشُكرٌ ... وَهيَ فِي الخَالِدِينَ أَجْرٌ وَحُسْنَى
أَنْتَ ألَّفْتَ كَيْ نَعِزَّ وَنَهْنَا ... فَسَنَدْعُو لِكَي تَعِزَّ وَتَهْنَا
رَبِّ إِنَّا بِظِلِّ عَرْشِكَ لُذْنَا ... يَشْهَدُ الحُبُّ مَا بِغَيْرِكَ عُذْنَا
فَأَمِتْنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَاجْعَلْ ... مُلْتَقَانَا بِحَوْضِ أَحْمَدَ عَدْنَا
6666
__________
(1) كان محاضرا جيدا بالإنجليزية، ولكنه كان يعتزُّ أبدا بلغته العربية. (1/300)
صفحة 273
فجر الكرامة
الشاعر الدكتور: مصطفى بن صالح باجو
جامعة الأمير عبد القادر ـ قسنطينة
شاركنا في فعاليات المؤتمر الدولي التاسع عشر للوحدة الإسلامية المنعقد بطهران (إيران) بتاريخ 26 رجب 1427هـ/الموافق ل 20 أوت 2006، وكان المؤتمر حول موضوع: «الأقليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية، حقوقها، واجباتها، مشكلاتها، وحلولها». وقد ألقينا هذه القصيدة في لقاء المدعويين مع قائد الثورة الإسلامية آية الله علي خامنائي.
نَطَقَ الرَّصَاصُ فَأَخْرَسَ الأَقْلاَمَا ... وَأَتَى اليَقِينُ فَبَدَّدَ الأَوْهَامَا
شَمَخَتْ بِحِزْبِ اللهِ أَلْوِيَةُ الهُدَى ... تُعلِي بِسَاحَاتِ الفِدَا الأَعْلاَمَا
أَهْلاً بِجَيشِ الحَقِّ يَنشُرُ فِي الدُّنَا ... عِزًّا، يُشِيعُ سَنًا، وَيَرْفَعُ هَامَا
مَرْحَى صَلاَحَ الدِّينِ تَغْسِلُ عَارَنَا، ... تُحْيِي مَوَاتًا بَيْنَنَا وَنِيَامَا
وَسَرَى نَسِيمُ الفَجْرِ يَنْثُرُ زَهْرَهُ ... بِالنَّصْرِ آتٍ يَمْحَقُ الأَصْنَامَا
نَصْرُ الإِلَهِ عَلَى الجِهَادِ قَوَامُهُ ... مَهْمَا يَهُودٌ أَضَلَّتِ الأَفْهَامَا
6666
كَمْ ذَا شَكَوْنَا مِنْ مَظَالِمٍ غَاصِبٍ ... أَكَلَ التُّرَاثَ، وَشَرَّدَ الأَيْتَامَا
كَمْ ذَا دَعَوْنَا لِلعَدَالَةِ عَالَمًا ... بَاعَ الضَّمِيرَ، وَقَدْ أَحَلَّ حَرَامَا
قَالُوا اصْبِرُوا، وَتَدَرَّعُوا بِيَقِينِكُم، ... مَهْلاً، فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا الأَعْوَامَا
لِحِمَى السَّلاَمِ فَسَارِعُوا لأَمَانِكُمْ ... أَوْ لاَ، فَرُومُوا فِي السَّمَاءِ جَهَامَا
وَعَدَ المُنَجِّمُ بِالسَّلاَمِ شُعُوبَنَا ... فَقَضَتْ سِنِينَ تُرَاوِدُ الأَحْلاَمَا (1/301)
صفحة 274
قَالَ اسْلُكُوا لِلسِّلْمِ نَهْجَ خَرِيطَةٍ ... تَهَبُ التَّحَرُّرَ مِنْحَةً؛ إِكْرَامَا
أَنْعِمْ بِخَارِطَةٍ تُؤَمِّنُ غَاصِبًا ... وَتُحِيلُ قَبْرًا دُورَنَا وَحُطَامَا
أَنْعِمْ بِخَارِطَةٍ تُحِيلُ حُقُوقَنَا ... نَهْبَ اللُّصُوصِ وَتَزْرَعُ الأَلْغَامَا
أَنْعِمْ بِخَارِطَةٍ تُقِيمُ كَرَامَةً ... لِبَنِي اللِّئَامِ وَتَقْلِبُ الأَحْكَامَا
وَتُكَبِّلُ الأَحْرَارَ دُونَ جَرِيرَةٍ ... وَبَنُو اليَهُودِ تَسُوقُنَا أَغْنَامَا
قَدْ أَحْكَمُوا بِالغَدْرِ نَسْجَ خُيُوطِهَا ... لِتُقِيمَ عَدْلاً بَيْنَنَا وَسَلاَمَا
عَدْلاً يُذَبِّح أُمَّةً، وَعَلَى الدِّمَا ... ـ غَصبًا ـ يُقِيمُ هَيَاكِلاً وَنِظَامَا
وَبَنُو اللَّقِيطَةِ سَادِرُون كَأُمِّهِمْ ... عَشَقُوا الخَنَا وَالبَغْيَ وَالإِجْْرَامَا
6666
«مَاءُ الحَيَاةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّمٍ ... وَجَهَنَّمٌ بِالعِزِّ طَابَ مُقَامَا»
وَجَحِيمُنَا ذُلٌّ أَنَاخَ بِأُمَّتِي ... فَغَدَت بِهِ لِلخَانِعِينَ إِمَامَا
أَقْدَارُنَا رَهْنُ الِّلئَامِ تَسُوقُهَا ... وَحُمَاتُنَا مَلأُوا الكُهُوفَ نِيَامَا
وَنَشِيدُنَا ـ وَيْحَ النِّيَامِ ـ مُفَاخِرٌ ... بِتَلِيدِ مَجْدٍ لِلنُّجُومِ تَسَامَى
أَسْمَارُنَا رَجْع النُّواحِ مَوَاجِدٌ ... تَدَعُ الفُحُولَ ثَوَاكِلاً وَأَيَامَى
فِي كُلِّ نَائِبَةٍ نُؤَمِّلُ فَجْرَنَا ... لَكِنَّ لَيْلَ الظُّلْمِ زَادَ ظَلاَمَا
وَنَلُوذُ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ تَفَاؤُلاً ... فَإِلَى مَ نَمْضِي صَابِرِينَ؟ إلى مَا؟
مَا رَوْضَةُ الصَّبْرِ الجَمِيلِ وَقَدْ غَدَتْ ... أَشْوَاكَ ذُلٍّ تَسْلَخُ الأَقْدَامَا؟
وَالوْغْدُ يَدَّرِعُ السَّلاَمَ بِبَسْمَةٍ ... فَمَتَى غَدَا سَبْعُ الفَلاَ بَسَّامَا؟
6666
خَمْسُونَ عَامًا وَالوُعُودُ بَوَارِقٌ ... مَا أَمْطَرَتْ إِلاَّ الحِمَامَ زُؤَامَا
خَمْسُونَ عَامًا فِي البَيَادِي تَيهُنَا ... وَرُعَاتُنَا تَخِذُوا السَّرَابَ مَرَامَا
وَتَوَالَتِ النَّكَسَاتُ تَقْرَعُ رَأْسَنَا ... عَبَثًا تُحَاوِلُ لِلمَوَاتِ قِيَامَا (1/302)
صفحة 275
وَغَدَتْ سِنُونُ اليأس تَزْرَعُ أَرْضَنَا ... شَوْكًا، وَتَغْرِزُ فِي القُلُوبِ سِهَامًا
صَبْرَا وَشَاتِيلاَ، وَأَلْفُ مَثِيلِِهَا، ... وَالقَوْمُ سَكْرَى خَمْرَةٍ، وَنَدَامَى
وَاشْتَدَّ لَيْلُ الظَّالِمِينَ، وَبَغْيُهُمْ ... أَرْبَى، فَعَاثُوا فِي الدُّنَا إِجْرَامَا
يَا شَعْبَ إِسْرَائِيلَ غَرَّكَ صَمْتُنَا ... فَحَسِبْتَ آسَادَ الشَّرَى أَنْعَامَا
حَتَى انْبَرَى جُنْدُ الإِلَهِ مُهَلِّلاً ... فَأَتَى الحُصُونَ وَزَلْزَلَ الأَقْدَامَا
6666
لُبْنَانُ يَا رَمْزَ الكَرَامَةِ وَالإبَا، ... أَرْغَمْتَ أَنْذَالاً، وَصُنْتَ ذِمَامَا
ذَبَحُوكَ جَهْرًا، وَالأَشِقَّةُ قَدْ غَدَوا ... صُمًّا، وَبُكْمًا، وَالبَصِيرُ تَعَامَى
سَامُوكَ خَسْفًا، وَالعُرُوبَةُ زَعْمُهُمْ ... تُقرِيكَ مِنْ كَهْفِ النِّيَامِ سَلاَمَا
تَخِذُوكَ قُرْبَانًا، وَقَالَ شَقِيُّهُم: ... «مَنْ رَامَ نَطْحَ الصَّخْرِ صَارَ حُطَامَا»
وَغَدَا لِسَانُ السُّوءِ يَنْفُثُ سُمَّهُ ... «لاَ تَنْصُرُوا مُتَهَوِّرًا غَشَّامًا»
فَتَأَذَّنَ الجَبَّارُ يُرْسِلُ جُنَْدَهُ ... شُهُبًا تَنَزَّلُ بِالطُّغَاةِ حِمَامَا
وَقَوَافِلُ الأَبْطَالِ تَصْنَعُ مَجْدَنَا ... تَأْبَى سَلاَمًا لَيْسَ يَرْفَعُ هَامَا
6666
يَا مُلتَقَى الفِكرِ الرَّصِينِ تَؤُمُّنَا ... نَحْوَ الرَّشَادِ تُسَدِّدُ الأَفْهَامَا
جِئْنَا حِمَاكَ مَلاَذَ وَحْدَةِ أُمَّةٍ ... فَشَتَاتُنَا ـ وَيْحَ المَصِيرِ ـ إِلَى مَا؟
يَا مَجْمَعَ التَّقْرِيبِ ضُمَّ صُفُوفَنَا ... فَلَقَدْ كَفَانَا فُرْقَةً وَخِصَامَا
تَهْفُو السُّرَاةُ إِلى نَشِيدِكَ حَادِيًا ... رَكْبَ الخَلاَصِ، مُبَشِّرًا وَإِمَامَا
فَابْعَثْ مِنَ الإِيمَانِ جُنْدَ مُحَمَّدٍ ... أُسْدَ الشَّرَى يَومَ الفِدَا مِقْدَامَا
وَامْلأْ حَنَايَا الجِيلِ عِزَّةَ أَنفُسٍ ... يَغْدُو بِهَا صَرْحُ الشُّمُوخِ مُقَامَا
وَيُبوِّئُ الإِسْلاَمَ عَرْشَ صَدَارَةٍ ... فِكْرًا، وَخُلْقًا زَاكِيًا، وَمَقَامَا (1/303)
صفحة 276
وهل يضيرُ نُباحٌ نجمةً سطعت؟
الشاعر الأستاذ الشيخ صالح بن إبراهيم باجو
معهد الحياة ـ القرارة
ألقيت هذه القصيدة بدار الحياة في 13 فيفري 2006 م، بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لختم الإمام الشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر تفسير القرآن الكريم. وهي ردٌّ على جريدة دانمركية نشرت رسوما كاريكاتورية مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد أثارت ضجَّة صاخبة لدى الرأي العام فأُقيمت من أجل ذلك مسيرات استنكار حاشدة في كثير من دول العالم منددة بهذه الفعلة الشنعاء.
مَاذَا دَهَى الغَربَ يَا وَيْلاَهُ انْتَصَبَتْ ... أَقْلاَمُهُ ضِدَّنَا ظُلمًا وَعُدْوَانَا
أَمَا كَفَاهُ الذِي قَاءَتْ مَطَابِعُهُ ... مِنَ الشَّتَائِمِ لِلإسْلاَمِ بُهتَانَا
قَدْ شَوَّهَتْ سُمْعَةَ الإِسْلاَمِ فِعْلَتُهُمْ ... وَأَسْفَرَتْ عَنْ دَفِينِ الحِقْدِ إِعْلاَنَا
أَيَهْزَؤُونَ بِخَيرِ الخَلْقِ كُلِّهِم ... وَقَد حَبَاهُ إِلَهُ العَرْشِ قُرْآنَا؟
أَيَسْخَرُونَ بِهِ؟ وَاللهُ فَضَّلَهُ ... عَلَى البَرِيَّةِ أَخْلاَقًا وَإِيمَانَا
وَهَلْ يُضِيرُ رَسُولَ اللهِ كَيْدُهُمُ ... وَعِصْمَةُ اللهِ تَرْعَاهُ وَتَرْعَانَا؟
وَهَلْ يُضِيرُ نُبَاحٌ نَجْمَةً سَطَعَتْ ... فِي الأُفْقِ، تَغْمُرُنَا نُورًا وَتَغْشَانَا؟
أَمَا لَهُمْ مِنْ «شَارُون» النَّذْلِ مُعتَبَرٌ؟ ... إِذْ ظُلْمُهُ مَلأَ الأَكْوَانَ طُغْيَانَا
وَإِنَّهُ فَوقَ النَّعْشِ مُنتَظِرٌ ... جَزَاءَهُ، قَبْلَ أَن يَّكْسُوهُ أَكْفَانَا
6666 (1/304)
صفحة 277
يَا أُمَّة الوَحْيِ لاَ، لاَ تَجْزِعِي أَبَدًا ... بِرَسْمِ قِرْدٍ، غَدَا فِي الخُبْثِ شَيْطَانَا
شُلَّتْ يَمِينُكَ يَا رَسَّامُ، وَانْطَمَسَتْ ... عَيْنَاكَ، تَبًّا لِمَنْ سَمَّاكَ فَنَّانَا
يَا مَن تَعدَّى عَلَى المُختَارِ فِي سَفَهٍ ... فَسَوْفَ تَلْقَى ـ وَأَيمُ اللهِ ـ نِيرَانَا
أَقْصِرْ، فَإنَّكَ لَمْ تَمسَسْ بِرَسْمِكَ مَنْ ... قَصَدْتَهُ مُفْرَدًا لَكِنَّا وِحْدَانَا
فَإِنَّهُمْ رُسُلُ الرَّحْمَنِ قَاطِبَةٌ ... فِي شَخْصْ خَاتَمِهِمْ، أَعْلاَهُمُ شَانَا
حُرِّية الرَّأيِ، قَادَتْهُمْ لِفِعْلَتِهِمْ ... فَرَدَّدُوهَا شِعَارَاتٍ وَأَلحَانَا
يَدْعُونَهَا ـ كَذِبًا ـ «حُرِّيَةٌ»، وَمَتَى ... كَانَ التَّعَرُّضُ لِلأَعْرَاضِ بُرهَانَا؟ ...
بُرهَانُ زُورٍ عَلَى حُرِّيةٍ شَمَلَتْ ... شَتَّى المَيَادِينِ أَصْنَافًا وَأَلوَانًا
يَدعُونَهَا ـ سَفَهًا ـ «حُرِّيََّةٌ»، وَهُمُ ... ـ بِاسْمِ التَّحَرُّرِـ فَاقُوا الوَحْشَ أَحْيَانًا
بِاسْمِ التَّحَرُّرِ شَقَّ الوَحشُ بَذْلَتَهُ ... رَمَى بِهَا، فَبَدَا للنَّاسِ عُرْيَانَا
رَأَوا الزَّوَاجَ قُيُودًا لاَ تُنَاسِبُهُمْ ... فَالمَرْءُ حُرٌّ بَأن يَخْتَارَ أَخْدَانَا
رَأَوا العَقِيدَةَ أَحْكَامًا مُقَيِّدَةً ... يَعدُو بِهَا النَّاسُ لِلخَلاَّقِ عُبْدَانَا
قَالُوا الشَّرِيعَةُ أَغْلاَلٌ تُكَبِّلُهُمْ ... يَرَوْنَهَا ـ وَيْحَهُمْ ـ قَيْدًا وَقُضْبَانَا
فَالمَرْءُ حُرٌّ فَلاَ قَانُونَ يَضْبِطُهُ ... وَرَأْيُهُمْ دُونَ شَرْعِ اللهِ سُلْطَانَا
وَالأَنْبِيَاءُ فَلاَ تُرْعَى قَدَاسَتُهُمْ ... وَلَو غَدَوا مَلَكًا طُهْرًا وَرَوْحَانَا
حُرِّيَةُ الرَّأيِ تِلكُمْ، لاَ مَسَاسَ بِهَا ... فَقَدَّمُوا دُونَهَا الأَخْلاَقَ قُرْبَانَا
6666
يَا مُسْلِمِينَ، فَهَذِي فِتْنَةٌ ظَهَرَتْ ... فِي الغَرْبِ أَوْقَدَهَا مَنْ كَانَ فَتَّانَا
أَجْمِلْ بِنَا أَنْ نَرَى الإِسْلاَمَ مُنْتَفِضًا ... وَقَدْ تَصَدَّى لَهَا شِيبًا وَشُبَّانَا
فِي يَقْظَةٍ هَزَّت المِلْيَارَ فِي نَسَقٍ ... آخَتْهُمُ وَحْدَةٌ رُوحًا وَأَبْدَانَا
عَلَى مَا نَشْكُو اعْتِدَاءَ الغَرْبِ مُنْتَهِكًا ... «قَدَاسَةَ المُصْطَفَى» ظُلْمًا وَعُدْوَانَا؟
وَنَحْنُ أَنْفُسُنَا لَمْ نَرْعَ ذِمَّتَهُ ... وَكَمْ رَدَّدْنَا أَحَادِيثًا قُرْآنًا (1/305)
صفحة 278
نَعَمْ لَدَينَا غِيرَةً حَرَّى نُؤَجِّجُهَا ... ـ ضِدَّ الصَّلِيبِيَّة الحَمْقَاءِ ـ نِيرَانَا
أَعزِزْ بِهَا وِحدَةً، لَو وُجِّهَتْ سَلَفًا ... لِنَقْدِ أَنْفُسِنَا سِرًّا وَإِعْلاَنَا
مَا أَجْمَلَ المُسْلِمَ المِغْيَارَ مُنْتَصِبًا ... لِلذَّوْدِ عَن دِينِهِ صِدْقًا وَإِيمَانَا
فَأَينَ غِيرَتُنَا وَالدِّينُ مُنتَهَكٌ ... وَالأَرْضُ نَمْلَؤُهَا غَيًّا وَعِصْيَانَا؟
وَأَينَ غِيرَتُنَا، وَالوَحيُ مُنتَبَذٌ ... وَرَاءَ أَظْهُرِنَا، صَدًّا وَنِسْيَانَا؟
وَأَينَ غِيرَتُنَا وَالمُحْصَنَاتُ رَمَتْ ... عَنهَا الجَلاَبِيبَ إِغْرَاءً وَإفْتَانَا؟
وَأَينَ غِيرَتُنَا وَالخَمْرُ مُتْرَعَةٌ ... كُؤُوسُهَا تَأسِرُ الفِتيَانَ إِدْمَانَا؟
إِنَّا لَنَشْكُو اعتِدَاءَ الغَرْبِ مُنتَهِكًا ... «قَدَاسَةَ المُصْطَفَى» زُورًا وَبُهتَانَا
مَسُّوا رَسُولَكَ يَا رَبِّي وَغَرَّهُمُ ... أَنْ كَانَ عَيْشُهُمُ رَغْدًا وَآمَانَا
فَاشْدُدْ قُلُوبَهُمُ وَاطْمِسْ عُيُونَهُم ... فَقَد غَدَوا عَنْ سَبِيِلِ الحَقِّ عُمْيَانَا
6666
يَا أُمَّةَ الوَحْيِ يَكفِينَا تَفَرُّقًا ... فَالخُلْفُ أَورَثَنَا ذُلاًّ وَخُذْلاَنَا
فَلتَرفَعُوا مِشْعَلَ القُرْآنِ سَاطِعَةً ... أَنْوَارُهُ، تَمْلأُ الأَكْوَانَ إِيمَانَا
ضُمُّوا الصُّفُوفَ وذُودُوا عَن حِيَاضِكُمُ ... يَزِدْكُمُ رَبُّكُمْ عِزًّا وَسُلْطَانَا
أَرْوَاحُنَا لِفِدَى الإِسْلاَمِ نَبْذُلُها ... رَخِيصَةً، إِنْ مُنَادِي الحَقِّ نَادَانَا (1/306)
صفحة 279
شعرأفارسٌ أم حمَّارٌ .. ؟ (1)
الشاعر الأستاذ:
الدكتورمصطفى محمد الغماري
المركز الجامعي - غرداية
إلى ملكة بريطانيا العظمى، التي ضلَّ عنها من يُكرَّم ومن تُخلَعُ عليه الألقاب إلاَّ مُلحِدًا في دينه، مُغتالا لقيم الخير والجمال والحقّ
فيه باسم الفن والحرية .. !
سَمَّوهُ فَارِسَ فَنِّهِ وَلَطَالَمَا ... دُعِيَ ابنُ غَيَّةَ مُعرِقًا وَنَجِيبَا!
وَرَمَوا بِهِ مَتْنَ السَّمَاءِ فَأَخْطَأُوا ... مَا كَانَ مَنْ يَرمِي السَّمَاءَ مُصِيبَا!
وَتَسَوَّرُوا أَوْهَامَهُمْ فَهَوَتْ بِهِمْ ... وَهَوَوا وَأَمْسَى حلْمُهُمْ مَحْرُوبَا!
وَتَقَحَّمَتْ خَيْلُ الضَّلاَلِ ظِلاَلَهُمْ ... هَلْ غَيْرُ أَطْلاَلٍ حَكَيْنَ نَعِيبَا!
غَرْبِيَّةٌ بِغُرَابِ بَيْنٍ نَاعِقٍ ... نَعَبَتْ فَلَوْلاَ أَرْسَلَتْهُ نَحِيبَا!
مَا كَانَ أَوَّلَ نَاطِحٍ أَو نَابِحٍ ... يَلوِي قُرُونًا أَو يَسِنُّ نُيُوبَا!
مَا كَانَ أَوَّلَ نَابِزٍ أَو لاَمِزٍ ... زُهْرَ النُّجُومِ يُرِيغُهُنَّ غُرُوبَا!
مَا كَانَ أَوَّلَ مُلحِدٍ فِي دِينِهِ ... يَتَوَسَّلُ التَّجْدِيفَ وَالتَّغْرِيبَا!
لِيَنَالَ مِن مَدَد المُلُوكِ بَرِيقَهَا ... وَيُقِلَّ مِن عَدَدِ الذُّنُوبِ ذُنُوبَا!
__________
(1) - إشارة إلى الروائي ـ الهندي الأصل البريطاني الإقامة ـ المرتد عن الإسلام ”سلمان رُشدي“، صاحب رواية «آيات شيطانية» التي أثارت عند صدورها المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لما فيها من تهكُّم بالرسول ربيع ثان والقرآن الكريم. وبطريقة استفزازية لمشاعر المسلمين قامت ملكة بريطانيا ”إليزابيث الثانية“ في السادس عشر من جوان 2007 بمنحه لقب «فارس» لكتاباته الفنية المتحرِّرة!! (هيئة التحرير). (1/307)
صفحة 280
سَمَّوهُ فَارِسَهُمْ وَبِئْسَ مُمَلَّكٌ ... أَوْفَى، وَلَم يَعُدِ الحِمَارُ رَكُوبَا!
مَا زَالَ يَأخُذُ مِنْهُمُ وَتُمِدُّهُ ... مِنهُم جُيُوبٌ تَسْتَمِدُّ جُيُوبَا!
يُورِي الحَنِينَ إلَى الضَّبَابِ عِبَادَةً ... وَلَرُبَّمَا كَانَ الإِلَهُ صَلِيبَا!
وَيَرُومُ فِي الغَسَقِ المُقَدَّسِ وَجْدَهُ ... أَتَرَى ابْنَةَ السَّعْدَانِ تَفْهَقُ طِيبَا!
وَلَبِئْسَمَا بِيعَ الهُدَى بِضَلاَلَةٍ ... يَغْدُو بِهَا ذُو لَوْثَةٍ مَوْهُوبَا!
أَهْدَوهُ مِن حَدَقِ العُيُونِ لأَنَّهُ ... مِنْهُمْ وَبِئْسَ عَمَى العُيُونِ نَصِيبَا!
فَتَقَرََّتِ الآفَاقَ عَينٌ مَيْتَةٌ ... تَبْنِي وَتَهْدِمُ أَنْفُسًا وَقُلُوبَا!
آيَاتُ رَبِّكَ مَا أَجَلَّ وَلَمْ يَكُنْ ... لِيَنَالَهَا مَنْ نِيلَ أَو مَن نِيبَا!
مَن كَادَهُ الشَّيطَانُ فِي آيَاتِهِ ... فَأَتَى بِهَا حَمَأً ـ يُقَالُ ـ صَبِيبَا!
مَا كَانَ مُغْتَرف النُّفُوسِ بِصَيِّبٍ ... أَبَدًا وَلَم يَكُ شِرْبُهَا مَشْرُوبَا!
إِن كُنتَ مِنهَا فِي عُلاَلَةِ يَائِسٍ ... أَو كَانَت المَشْمُومَ والمَشْبُوبَا!
مَا لَفْظُ «سَلْمَانٍ» يُعِيذُ سَمِيَّهُ ... فَلَرُبَّما دُعِيَ الدَّعِيُّ حَسِيبَا!
وَلَرُبَّمَا تَشْقَى بِمَا تَغْنَى بِهِ ... وَتَخَالُ ضِغْثًا فِي يَدَيْكَ رَطِيبَا!
شَقِيَ ابنُ آدَمَ بِالفُنُونِ وَلَمْ يَزَلْ ... يُدْعَى نَسِيٌّ فِي الفُنُونِ أَدِيبَا!
مَا زَالَ يَنمُو فِي الفَرَاغِ سَوَادُهُ ... حَتَّى تَمَلَّى لَونَهُ غِرْبِيبَا!
فَجَرَتْ بِهِ وَثَنِيَّةٌ وَتَفَجَّرَتْ ... فِيمَا يَجِنُّ مُريبَةً وَمُرِيبَا!
إِن يَغْتَبِقْ مِنْهَا يَفُزْ بِمُدَامَةٍ ... سَطَعَتْ وَمَا كُلُّ المَجَامِرِ طِيبَا!
هَلْ غَيرُ مُرتَكَضِ الضَّلاَلِ بِصَفْصَفٍ ... جُرُزٍ تُرِيهِ العَين مِنهُ ضُرُوبَا!
أَمُعَلِّمَ الإِفْرَنْجِ كُنْهَ رِوَايَةٍ ... نُشِرَتْ وَلَو طُوِيَتْ لَكُنْتَ أَرِيبَا!
نُشِرَتْ بِرَسْمِ الذُّلِّ فِيكَ وَلَم يَزَلْ ... رَاوٍ بِمنْكِبِ ذُلِّهِ مَنكُوبَا!
مَن رَامَ أَحْمَدَ بِالأَذَى فِي بَيتِهِ ... رَامَ المُحَالَ وَأَخْطَأَ التَّصْوِيبَا!
هُوَ إِنْ يُعَدّ الأَنبِيَاءُ سَرِيُّهُمْ ... مَا زَالَ يَنقُفُ مَنْ عَدَاهُ الحُوبَا! (1/308)
صفحة 281
مَا عَابَ أَحْمَدَ عَائِبٌ إِلاَّ غَدَا ... مِِمَّا يَعِيبُ بِهِ الكَمَالَ مَعِيبَا!
تَرْتَدُّ عَابَتُهُ عَلَيهِ وَإِنْ غَدَا ... مَلِكًا يُدِيرُ قَبَائِلاً وَشُعُوبَا!
كَادُوا الصَّلِيبَ بِسَامِرِيٍّ لَمْ يَزَلْ ... سَمَرَ السِّنِين وَقَصَّهُ المَجْلُوبَا!
وَسَعَوا لَهُ وَلَرُبَّ سَاعٍ سَعْيُهُ ... مَا كَانَ مَحمُودًا وَلاَ مَحْبُوبَا!
أَعْطَوهُ مِن وَعْدِ الوُعُودِ وَجُودِهِ ... أَعْطَوهُ مَنَّا الكَرْمَ وَالخَرُّوبَا!
أَعْطَوْهُ حَتَّى قَالَ قدْنِي كَاذِبًا ... وَلَكَم عَهِدْنَا السَّامِرِيَّ كَذُوبَا!
لَو حَلَّ مِنْ بَشَرٍ دَمٌ لَتَفَكَّهُوا ... مِنَّا وَمَا تَرَكُوا الغَدَاةَ عَرِيبَا!
يَا أُمَّةً مَا زَالَ يَنقُضُ هَمَّهَا ... خَوَرُ المُلُوكِ وَإِن أَطَلْنَ وُثُوبَا!
قَعَدَتْ بِهَا حُكَّامُهَا فَاسْتَسْلَمَتْ ... تَصِفُ الرِّيَاحَ وَمَا تُثِيرُ هُبُوبَا!
تَرْوِي عَنِ الأَمْجَادِ قِصَّةَ فَاتِحٍ ... مَا كَانَ إِنْ غَلَّ المُلُوك نَهُوبَا!
وَتُعِيدُ مِن سَمَرِ الجُدُودِ وَفَنِّهِمْ ... مَا يُعجِزُ المُتَفَنِّنَ المَوْهُوبَا!
وَتَقُولُ وَاهًا أَيْنَ ذَيَّاكَ الحِمَى؟ ... مَا كَانَ مَسْلُوبًا وَلاَ مَغْصُوبَا!
لاَ تَنْفَعَن «وَاهٌ» وَإنْ فَغَرَتْ فَمًا ... أَوْ سَلْسَلَتْ بَينَ الضُّلُوعِ وَجِيبَا!
وَتَقُولُ أَيْنَ؟ وَأينَ أَين؟ وَلَمْ تَكُنْ ... لِتَرُدَّ «أَيْنٌ» فَائِتًا مَطْلُوبَا!
لُغَةٌ تَنَاسَلُ فِي الضَّيَاعِ وَلَمْ تَكُنْ ... لُغَةً تَنُثُّ لَدَى الغَرَامِ نَسِيبَا!
مِن كُلِّ «جَاكُوبٍ» رَأَيْنَا فِعْلَهُ ... فِيمَنْ تَسَمَّى عِنْدَنَا «يَعْقُوبَا»!
شُرِمَتْ شُيُوخُ الأَشْرَمِينَ وَلَمْ يَزَلْ ... ذُو «الشَّرْمِ» فِيهَا الأَشْرَمَ المَغْلُوبَا!
السبت 08 جمادى الثانية 1428هـ
الموافق 23 جوان 2007م (1/309)
صفحة 282
(*)
بقلم: يوسف بن أحمد بن سعيد امبوعلي (**)
الخوض، مسقط ـــ سلطنة عُمان
(1) (2) لعل الكلمات التي سأكتبها لا تستوفي الحق الذي لك علي، ولا تكاد تصف عشر معشار ما في قلبي لك من محبة ومودة، ويعلم الله ــــ سيدي ــــ إنني لم أجلس على شرفة الأدب، ولم أرتشف قهوة الخيال الأدبي، ولم أفتش في حديقة الكلمات عن أسلوب الكتابة إليك، فلم أتكلَّف القول ولم أدبج الكلمات وألوي أعناقها حتى تكون رسالتي إليك آخذة بالألباب ساحرة للعقول، ولكنها رسالةٌ عفويةٌ ساذَجة تحوي مشاعر حبٍّ وإخاء كنتَ تسكبها في نفسي طيلة وجودك بيننا، فلما رحلت عنا وتركتنا هيَّجت برحيلك مشاعري التي لم يرقها الفراغ الذي خلَّفته فينا فانفلت زمامها ناثرة كلمات الصدق والوفاء على هذه الصفحات القليلة الخجلة التي أتقدم بها إليكم.
ولو كانت هذه الكلمات موجَّهة إلى ندٍّ لي أو نظير؛ لهانت المهمَّة في نفسي ولكتبت كلماتي وأنا عاصب
__________
(1) (*) هو الأستاذ محمد ناصر قاسم بوحجام ولد في الجزائر عام 1951م، ونال شهادة الليسانس في الآداب ثم على الماجستير من جامعة الجزائر وعلى الدكتوراه عام 1994م، أعير إلى عمان للعمل كأستاذ في الأدب العربي في كلية التربية بنزوى، واستقال منها عام 2004، وهو الآن أستاذ بجامعة باتنة في الجزائر، له كثير من الكتابات منها على سبيل المثال:
*أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث.
*السخرية في الشعر الجزائري الحديث.
*الشيخ بيُّوض وقضية فصل الشمال عن الصحراء.
*التواصل الثقافي بين عُمان والجزائر.
(2) (**) يوسف امبوعلي، شاب من مواليد سنة 1973م، بمدينة «فرق» بـ «نزوى»، من سلطنة عُمان الشقيقة، موظف في المستشفى بـ «الخوض» في العاصمة «مسقط». (1/310)
صفحة 283
العينين، غافي الفؤاد، إذ ليس فيها لمثلي كبير عناء، ولكني حين أخاطب البحر واقفا على شاطئه الهادر، حافي القدمين، عاري الصدر، كان لا بد لي أن استفز قدراتي واستنطق كوامني، مستعدا بكل جارحة من جوارحي التي ما فتئتْ تسبِّح الله خالقها وتلهج بذكره ليوفقها في مُهمَّة كانت تبدو لوهلة مستحيلة.
وَشيخًا في الشَّبَابِ وَلَيسَ شَيْخًا
يُسَمَّى كُلُّ مَن بَلَغَ المشِيبَا
قَسَا، فَالأُسْدُ تَفْزَعُ مِن يَدَيهِ
وَرَقَّ، فَنَحنُ نَفْزَعُ أَن يَذُوبَا
أَشَدُّ مِنَ الرِّيَاحِ الهُوجِ بَطْشًا
وَأَسرَعُ فيِ النَّدَى (1) مِنْهَا هُبُوبَا
فَلاَ زَالَتْ دِيَارُكَ مُشْرِقَاتٍ
وَلاَ دَانَيْتِ يَا شَمْسُ الغُرُوبَا
سيدي ...
إنَّ الذكريات التي مازالت محفورة في مخيلتي والتي تداعب خلجات صدري بين الفينة والأخرى، تنقلني في يومياتها الحالمة إلى عالمٍ طالما تمنيت أن أعيشه عالم أمثالكم ساكنوه، عالم أنتم معلموه، وتلامذته، وأنتم تجاره وساسته، وأنتم نبلاؤه وعامته أنتم زراعه وحاصدوه، أنتم الكون والكون أنتم مازلت ــــ سيدي ــــ أذكر هذا العالم الذي رسمت له ملامحه وخطوطه وأنا واقف على شواطئكم الناعمة والشمس آية للسقوط، ما أجملها وهي تلقي بأشعتها الذهبية الرائعة على كل نسمة في الوجود، تمد خطوطها الحريرية لتضرب في صدور العالمين، تعانق خيالات العشاق، ترسم في وجوههم الأمل بلقاء الحبيب، تودع الدنيا في يومها، علها تشرق في يوم جديد على عالم أفضل، وحياة أجمل، ونفوس أزكى، وأحلام أرقى، عالم تسود فيه المحبة على النفوس وتتوج المودة ملكة القلوب.
سيدي ...
إن الأيام دول والسنين قُلَّب، ولولا يقيننا بالمعاد لبكينا تقلب الزمان وشكونا فراقك لنا، ووالله لو كان الزمان ناقة تقوم وتبرك لتكالبت الأيدي لتمسك زمامها فتنيخها فترة من الزمان، نظفر بك لحظة وننعم بك لمحة، ولكن كما ــــ قلت ــــ هو يقيننا باللقاء مهما طال الزمان
__________
(1) الندى= الكرم. (1/311)
صفحة 284
وبعد المكان، ناهيك أنك يطيب خلقك وخلاصة محتدك (1) أخذت ــــ حين رحلت ـــــ قلوبنا معك.
كثير من الذكريات تضيع في غياهب النسيان، ويطويها الدهر في حافظة الزمان، فلا تفتح ولو كد المرء عقله، ونخل فكره، وما أكثرها! ولكن تبقى في النفوس قلائل من الذكرى عوالق النفس لا يزيلها دوران الزمان ولا كر الأيام، وإن ذكرياتنا معك لا نزال نمسي ونصبح على رحيقها العذب السلسال.
سيدي ...
ألتمس المعذرة على تقصيري في حقك واستسهالي الكتابة إليك، على غير مقدرة مني أو كفاءة، ولكني علمت منك جميل الخصال ورائع الصفات والخلال، تسامح المذنب في حقك، وتغفر زلة المخطئ في جنابك، وعلمت أن علمك يسبق جهلي وحلمك يسامح نزقي.
إِذَا مَرِضْنَا أَتَينَاكُمْ نَزُورُكُمْ
وَتُذْنِبُونَ فَنَأْتِيكُمْ فَنَعْتَذِرُ
وأنت تعلم، أنَّ بداية خطأ التلميذ تظهر عند أستاذه، ومعلمه، وأنت دوما تدفعني إلى الكتابة وتحضني عليها؛ ليستسهل قلمي الطريق بالنقد والتحقيق، وها أنا ذا بعد لأي (2) أكتب إليك وأسأل عليك. فإن وجدت في قولي ما لا يفهم وفي تعبيري ما لا يعلم، فإني أسألك نقدي بالكتابة إلي كي أعلم المستحسن من المستهجن.
لا يزال لقاؤنا الأول يمثل أمامي وكأنه الساعة (3)، لم أدر أن الأيام ستصنع من ذلك اللقاء القصير باكورة صداقة حميمة، قل أن يجود الزمان علي بمثلها، وكيف لا تكون كذلك وأنت عمودها الضارب بأطنابه في عمق الأرض الشامخ بجريده في عنان السماء؟ كيف لا وأنت المناجي للخصال الحسنة، المناوي لكل فكر يحاول أن يلبد سماء صداقتنا بفاحم غيومه وشائن عيوبه؟
لم أكن أعرف شخصك الكريم، ولكنني كنت أسمع عن اسمك يتردَّد في الساحة الثقافية، ويقرع آذان
__________
(1) المحتد= الأصل.
(2) بَعْدَ لأْيٍ= بَعدَ جُهد وتَعَب.
(3) كان ذلك عام 2000م. (1/312)
صفحة 285
المنصتين فعل الداخل لسوق الصفارين في الحارة القديمة، فلا يستطيع أن يتجاهل الصوت ولو أدخل أصبعيه في أذنيه.
كنت يومها أعمل خلف طاولتي في الصباح الباكر، في قسم الأشعَّة في المستشفى (1) حينها وقفت أمامي وسلَّمت عليَّ بوجه صبوحٍ ندي، وناولتني ورقة كتب لك فيها طبيبُك طلبا بتصويرٍ صوتي (2) لجسدك الملائكي، تنبَّهتُ حينها من الاسم المكتوب على الورقة فقمتُ من مقعدي ...
وقلت لك أنت الدكتور محمَّد بوحجام؟
قلتَ: نعم أنا هو ...
قلت: إذن اسمح لي بأن أصافحك بشوق ونفس طالما تمنت لقاءك، فأهلا وسهلا يا أستاذ ...
طالما سمعت عنك، وعن أخبارك، وعن أثرك في الساحة الثقافية ــــ المتواضعة ــــ في عُمان عامَّة، وفي نزوى (3) خاصة، فاسمح لي أن أدعوك إلى جلسة أدبية أقيمها ــــ على استحياء ــــ في بيتي.
قلت لي: ومتى ذلك إن شاء الله؟
قلت في اليوم الفلاني وعلى الساعة العلانية.
وكان ذلك اليوم واجتمعنا وكان لقاء مباركا مع نخبة من أساتذة الشعر والنقد والأدب.
أذكر من بينهم الشاعر العماني الأديب الشيخ أبو سرور الجامعي (4) والأستاذ الدكتور علال الغازي (5) والأستاذ الدكتور رشيد بلحبيب (6)،
__________
(1) مستشفى نزوى.
(2) أي بالموجات فوق الصوتية.
(3) نزوى مدينة تاريخية قديمة كانت عاصمة عُمان في الماضي تبعُد عن مسقط 145كلم.
(4) هو الشاعر الفقيه القاضي عبد الله بن حميد الجامعي له ديوان شعر مطبوع وله مؤلفات منها:
*بغية الطلاب.
*الفقه في إطار الأدب.
*الفقه في النحو.
(5) الأستاذ الدكتور علاَّل الغازي أستاذ النقد الأدبي في جامعة محمد الخامس بالرباط وكلية التربية بنزوى وله كتابات كثيرة في النقد والبلاغة.
توفي في شهر ديسمبر سنة 2006م
(6) الأستاذ الدكتور رشيد بلحبيب أستاذ النحو والصرف في جامعة وجدة بالمغرب وكلية التربي1ة بنزوى وله كتب:
* التقديم والتأخير في المبتدإ والخبر.
* المنظومة.
* تحقيق ... النكت على كتاب سبويه. (1/313)
صفحة 286
والأستاذ الدكتور إبراهيم قنديل (1)، والدكتور صلاح شحاتة (2)، والأستاذ الدكتور محمد عبد المنعم (3)، والأستاذ الدكتور محمد ناصر بوحجام (4) وغيرهم.
وهكذا سيدي مضت مسيرة اللقاء والتصاحب تكلؤها رعاية الله وتوفيقه، مضت كعروس مثقلة بالحلي والجواهر، تتهادي بين المهنئين، والبسمة تملأ شدقيها، والفرحة تغمر قلبها وكيانها، واثقة تمام الثقة باختيارها، داعية مولاها أن يظلل عليهما سعادة الدنيا وحب الآخرة.
مضت خمس سنوات كاملات أسمن ــــ في ما أحسست ــــ من سبع يوسف عليه السلام، عشنا فيها أياما أصدق من الصدق، وأحلى من الشهد، وأجمل من خيوط الشمس الأولى حين ترسلها على بساط أخضر مبتل بندى الليل في يوم خريفي بارد على جبال صلالة (5) الرائعة.
لم تكن السنوات الخمس إلا كنسم معطر زكي مر على آنافنا لحظة ساوت زمانا، رحلنا فيها بمخيلتنا إلى عالم المحبة الصادقة.
لم أحس بالأيام، ولم أشعر بمرورها، كان كل يوم فيها محطة للتزود فيها بوقود الطاقة الكامنة التي لم نكن ندري أننا نملكها.
انتهت السنوات الخمس، وفوجئنا بأستاذنا الفاضل يخبرنا عن إنهائه لعقده مع كلية التربية، وإنها السنة الأخيرة في البلاد.
ثُمَّ انْقَضَتْ تِلْكَ السِّنُونُ وَأَهْلُهَا
فَكَأَنَّهُم وَكَأَنَّهَا أحْلاَمُ
لم نكن نستغرب الفعل، فقد كان واقعا لا محالة، فكل طائر هجر عشه لا بد له يوما من عودة إليه.
__________
(1) الأستاذ الدكتور إبراهيم قنديل أستاذ الأدب العربي في جامعة المنصورة، وكلية التربية بنزوى.
(2) الأستاذ صلاح شحاتة أستاذ البلاغة في جامعة أسيوط، ورئيس قسم اللغة العربية في كلية التربية بنزوى سابقا.
(3) الأستاذ الدكتور محمد عبد المنعم أستاذ البلاغة في كلية التربية بنزوى.
(4) سبق التعريف به.
(5) صلالة: مدينة في جنوب عُمان تكون في أيام الصيف جنة الدنيا، تكسوها الخضرة وتتخللها العيون وتغيب عنها الشمس ولا تزال حبَّات الندى تتساقط. (1/314)
صفحة 287
ولكن الذي أحزننا ما علمنا من مآلنا بعده، وفعلنا في عدمه.
فأطرقنا إطراق المغلوب عل أمره، المتأسف أسف الذي بارت تجارته وضاعت صناعته، وفي ذهنه البداية من الصفر ... ! فودَّعنا أستاذنا ولسان حاله يقول:
فَأَلقَتْ بِهَا عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى (1)
كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإِيَابِ المُسَافِرُ
وكانت الأيام الأخيرة ... ، وفيها حاولنا أن نستغل كل دقيقة في قربه وكل لحظة في حضرته؛ آملين التزود منه بقدر المستطاع، والعب من معينه الصافي الزلال ــــ وكي أكون صادقا ــــ ليس في العلم والأدب وحسب، بل في كل مناحي الحياة، فقد كنا نطرح أمامه تصوراتنا وأفكارنا وخطوطنا العريضة في عالم التناقضات الذي نعيشه، ثم هو يعمل مبرد النقد والتهذيب لكل ما نطرحه، حتى ما يعن لنا في حياته الخاصة، ثم ما نلبث أن نجد الإجابة الكافية والشافية.
لا أدري ــــ سيدي ــــ هل أطلتُ في خطابك حدا تجاوز بي إلى الثرثرة والهذر وملء الفراغات، أم قصرت فيه؛ فلم أوف حقك علي ولم أجاوز في شأوك (2) أوله.
وليست الكتابة السبيل الوحيد لتفريغ شحنة العواطف المستكنة في القلوب، لكنك ــــ سيدي ــــ حلفتني إلا الكتابة إليك، ثم إنها حرفة أهل الأدب.
منذ ومن، وأنا أفتش عن قدوة صالحة لي، كنت أرسم لها في مخيلتي صورة، كنت أفقد الأمل بوجودها في أرضنا، وكنت أرسم لها روحا سامية صافية، لكني لم أجد كيانا يملأها أو جسدا يملكها حتى رأيتك وتعرفت إليك، ثم إن المدهش في الأمر، أنني عرفت بعد ذلك أنك واحد من جماعة وبعض من كل، فجميع من عرفت في طريقك كانوا يحملون المعاني الكريمة التي أدهشتني فيك وشدتني إليك.
ها أنت ــــ سيدي ــــ قد رحلت عنا، معلنا فراغا واسعا في حياتنا بعدما كنا ملأناه بك ومعك.
لم يعنا على تحمل فراقك يومها إلا قولك لنا:
__________
(1) النوى البعد وهو مصدر لنأى ينأى.
(2) قدرك (1/315)
صفحة 288
«لن نفترق طويلا فلعلي أعود للزيارة أو أعود أستاذا زائرا» حينها استطعت ــــ سيدي ــــ أن تصب في قلوبنا الملتهبة المشوقة بعض ما يبردها ويزيل عنها ألم الفراق.
والآن وقد قارب انقطاعك عنا السنة ونحن نراه دهرا، أصبحنا نحس وكأننا حبسنا غيث السماء، والأرض عطشى، والناس هلكى ينظرون ري السماء، وَجُودَ السحاب.
أَلَمْ تَرَ أَيُّهَا الملِكُ المُرَجَّى
عَجَائِبَ مَا رَأَيتُ مِنَ السَّحَابِ
تَشْكِي الأَرْضُ غَيْبَتَهُ إِلَيهِ
وَتَرْشِفُ مَاءَهُ رَشْفَ الرِضَابِ
ووالله ــــ يا سيدي ــــ ما حللنا مجلسا ولا خرجنا في رحلة وما ضَمَّنا محفل إلا وذكرناك وتمنيناك بيننا ولسان حالنا يقول:
يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا
وَأَذْكُرُهُ لِكِلِّ غُرُوبِ شَمْسِ
ما زلنا نذكر الرحلات الرائعة التي قمنا بها معا تجمعنا فيها دفء المحبة وحلاوة الصحبة ونقاوة القلوب الصادقة.
أذكر ــــ سيدي ــــ رحلتنا معا إلى الشرقية (1)، وكان يصحبنا فيها أستاذي العزيز والمربي الفاضل الدكتور رشيد بلحبيب، كانت رحلتنا يومها رحيقا من عسل مصفى، تشربه الحناجر الصادقة، ليزيدها رسوخا وعمقا ويغذيها صلابة وقوة.
رحلنا يومها للمضيى، وسناو، والحوية، وصور، ووادي بني خالد، وإبرا، والمضيرب (2) وغيرها ... ، لم أحص ما تعلمته منكما يومها، فقد كنت أمسي في علم وأدب وأصبح عليهما. واذكر أنَّ زيارتنا تلك ضمت زيارة منتظرة إلى الأستاذ الباحث والشيخ المحقِّق سالم بن حرث الحارثي (3) ــــ رحمه الله ــــ ومتَّعنا بعلمه.
والرحلة الأخيرة لدولة الإمارات، والتي كنَّا فيها بصحبتك وصحبة
__________
(1) الشرقية منطقة في الجنوب الشرقي من عُمان وهما قسمان جنوب وشمال.
(2) بلدان ومناطق في المنطقة الشرقية لعُمان.
(3) الشيخ المحقق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي له كتابات ومؤلفات كثيرة منها «العقود الفضية في الأصول الإباضية»، «المسالك القويمة»، توفي في مايو من عام 2006م. (1/316)
صفحة 289
أساتذتنا الكرام حافظ (1) ومروان (2) وسعيد (3)، وفيها ــــ أصدقك القول ــــ تعلمتُ الكثير من الأمور التي ما فتئت تعلمنا إياها فعلا أو قولا أو تقريرا.
وما زلتُ أذكر تلك الكلمة التي أصبحت كلمة السر بيننا والتي نحن فقط نعي ما تعني، لأننا نحن من ربطها بمعناه في نفوسنا ربطا خالدا بين كل معاني الجمال الكوني والنقاء الروحي والتحليق في عالم المدينة الفاضلة والتي نتعلم فيها وبها كيف نحب وكيف نسمو بمشاعرنا إلى مقام علوي رفيع نقلب أعطافنا فيه بين أغصانٍ فَيْنَانَه وقلوبٍ حنَّانه، ونفوسٍ زاكيه وعيونٍ باكيه.
هل أذكرك بها ــــ سيدي ــــ إنها (الرخام).
تُلاحِظُكَ العُيُونُ وَأنتَ فِيهَا
كَأَنَّ عَلَيكَ أَفْئِدَةَ الرِّجَالِ
مَتَى أَحصَيتُ فَضْلَكَ فيِ كَلاَمٍ
فَقَدْ أَحْصَيْتُ حَبَّاتَ الرِّمَالِ
هكذا أصبحنا، نستدعي الذكريات الرائعة معك لتضفي على عالمنا الكسول مسحة تفاؤل بلقائك ورؤيتك. وأصبحنا نتسمع أخبارك بين يوم وآخر من إخواننا وأصدقائنا الميزابيين (4) الذين ــــ والحق أقول ــــ كانوا نعم العون والسند ونعم الصديق والرفيق وعلى رأسهم أستاذي الفاضل الدكتور مصطفى باجو (5).
سيدي ...
حين كنتَ بيننا، كنا نعرف عن صحتك بأنها تتأثر بين الحين والآخر بما ابتلاك الله به من مرض السكري ــــ شفاك الله ــــ وإذ كنت بيننا كنا نعلم ما يجد معك صحةً وسقما، لكنك منذ فارقتنا لم نسمع عنك شيئا ولم تذكر لنا حين هاتفناك خبرًا جديدًا عن صراعك مع هذا المرض العضال.
وقبل عشرة أيام من كتابتي لرسالتي هذه، فاجأني أخي الجليل
__________
(1) حافظ بن أحمد أمبوسعيدي: أستاذ اللغة العربية ومفتش في وزارة التربية.
(2) مروان محسن الذهلي: أستاذ اللغة العربية في مدارس عمان.
(3) سعيد بن علي البطراني: أستاذ اللغة العربية في مدارس عُمان.
(4) نسبة إلى وادي ميزاب بالجزائر.
(5) الأستاذ الدكتور مصطفى باجو أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة قسنطينة بالجزائر وكلية الحقوق في عُمان، سابقا. (1/317)
صفحة 290
الأستاذ إسماعيل عبود (1) بأنه قد بترت أطراف قدمك كلها، في الحقيقة فاجأني الخبر مفاجأة لم تكن في الحسبان، فنضحت في نفسي لواعج الشوق إليك والألم من أجلك، واختلطت في نفسي مشاعر لم أعد أميز طريقها، ولم أفسر مفرداتها، لكنها كانت تصب في مصب القلق عليك والحنين إلى نعرفة حالك وأحوالك.
فقرَّرتُ من فوري الكتابة إليك، ثم ما لبثت أن فترت الهمَّة عن نفسي حين سمعتُ أنك ستأتي لزيارة البلاد بعد أيام.
وحدث فعلنا ما أملناه (2)، وتلقيناك بصدور وامقة، وقلوب عاشقة، وجلسنا معك أياما أعدنا فيها ذكريات الأمس الغائب، وذكرت لك ما هاج في نفسي من شوق إليك وما التاعت في نفسي من خواطر القلق عليك، وأخبرتك عن نيتي الكتابة إليك في صفحات الورق، فاستحلفتني إلا كتبت، وما عزمت عليه مضيت؛ لتبقى ذاكرة الورق حافظة لمشاعر الود والحب، ولكن ما حيلتي وقلمي عيي لا يسيل مداده، ولكن هاهي رسالتي إليك على استحياء.
سيدي وأستاذي الكريم الدكتور محمد ناصر بوحجام ... ؛
نبأ إلي خبر لم أستطع معه حبس كوامن نفسي؛ فانطلقت تنثر على هوامش الورق الأبيض مدادًا أسودَ، يشبه إلى حدٍّ بحيرة الحزن التي أعيش فيها منذ سمعت الخبر الأليم.
أَرَقٌ عَلَى أَرَقٍ (3) وَمِثلِي يَأْرَقُ
وَجَوىً (4) يَزِيدُ وَعَبْرَةٌ (5) تَتَرَقْرَقُ
جُهْدُ الصَّبَابَةِ أَنْ تَكُونَ كَمَا أَرَى
عَيْن ٌمُسَهَّدَةٌ وَقَلْبٌ يَخْفُقُ
مَا لاَحَ بَرْقٌ أَو تَرَنَّمَ طَائِرٌ
إِلاَّ انْثَنَيْتُ (6) وَلِي فُؤَادٌ شَيِّقُ
ولكن مهلا!! كيف أعجب وأنا أعرف جوارحك التي اشتكت كثرة
__________
(1) إسماعيل عبود مدرِّس قرآن وإمام مسجد تخرج من معهد القضاء الشرعي (العلوم الشرعية حاليا) بسلطنة عُمان.
(2) كان ذلك في شهر سبتمبر 2005م.
(3) الأرق: عدم المقدرة على النوم.
(4) الجوى: الشوق.
(5) العبرة: الدمعة.
(6) انثنيت: رجعت. (1/318)
صفحة 291
الجهد منك؟ وعدم عنايتك بها والتفاتك إليها بالسكون والراحة؟ وكما قال القائل:
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا
تَعِبَتْ في مُرَادِهَا الأَجْسَامُ
وكنت أتذكر الأيام التي كنت كثيرا ما تراجع فيها المشفى للعلاج والاستطباب، وكان أهلك في كل مرة يرجونك العناية بنفسك ورعايتها، ويحضونك على الراحة والسكون، وأنت في كل مرة ترفض فكرة الراحة وعدم الخروج من البيت وكنت تصر على بذل الجهد وإتعاب النفس.
كل ذلك في سبيل الدعوة الصادقة التي آليتَ (1) إلا أن تحمل ثقلها، وتربية النشء الصالح الذي تحمل همه وخطوط مستقبله، وإيصال الفكر السليم إلى مريديه وطالبيه.
هنيئا لك سيدي هذه الروح الوقادة، هذه النفس الزاكية، وهذه الهمة العالية، والأمل المشرق الذي تحمله بين جوانبك.
هنيئا لهذه الأمة هنيئا لها بفارس شق غبار الجهل بسيف علمه المضاء، وأنار دروب الكون بنور وجهه الوضاء، فحق على الأمة والأميين أن يفخروا بك أستاذا مجاهدا في سبيل إحقاق الحق وإزهاق الباطل من أول باب ولجته.
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ
وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
وَتَعْظُمُ فيِ عَيْنِ الصِّغَارِ صِغَارُهَا
وَتَصْغُرُ فيِ عَيْنِ الصَّغِيرِ العَظَائِمُ
يقيني سيدي وأنا أخط لك هذه الكلمات ــــ حزينا على ما جرى لكم ــــ أن أصابعك التي بُترت عجزت أن تواصل مسيرة العطاء وكانت ببعد أن أمضت نصف قرن معك لا تراوح إلا بين جهاد وسجال وتعليم ودعوة وإرشاد وتوجيه وتربية.
وَمَا فيِ طِبِّه أَنِّي جَوَادٌ
أَضَرَّ بِجِسْمِهِ طُولُ الحِمَامِ
تَعَوَّدَ أَنْ يُغَبَّرَ فيِ السَّرَايَا
وَيُدْخَلَ مِنْ قَتَامٍ فيِ قَتَامِ
أنا على يقين أن أصابعك الشريفة ودعتك إلى عالم الآخرة
__________
(1) حلفت و عزمت. (1/319)
صفحة 292
لتلحق بها في نعيم الجنة وأنس المتن في دار الخلد بعد أن تكتمل صفحات المسيرة وتضوي شمعة الألف (1) الذي طالما اشتعل بين جنابتك فأنار به أصقاع الدنيا وعرفه من عرفك.
هنا وقفت إجلالا وإكبارا لروحك الشريفة ونفسك الأبية وألزمتُ نفسي الأدب بحضرتك.
هنا تذكرت ما ردَّده شاعر الجزائر الكبير مفدي زكرياء (2):
شَغَلْنَا الوَرَى وَمَلأْنَا الدُّنَا
بِشِعْرٍ نُرَتِّلُهُ كَالصَّلاَةِ
* تَسَابِيحُهُ مِنْ حَنَايَا الجَزَائِرْ *
آه سيدي ... ؛ كلما رأيت نفسي وقد سموت بها إليكم أحسست بقربي من مثالكم وارتشافي في رحيقكم، إذا بي أكتشف أني مازلت بعد على ساحلكم ومازال ماء بحركم البارد يقرص أطراف أصابعي فأفزع، ثم ما ألبث أن أعود، علَّ الله يكتب لي الإبحار في بحركم الواسع بكل ثقة واطمئنان.
أبت نفسك ــــ سيدي ــــ إلا أن تضارع الأولين من الدعاة والمجاهدين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل تحقيق حكمة الله في أرضه.
إن ما خفف عني الألم في مصابكم، واستل نوازع الشفقة من نفسي عليكم، أنني تذكرت ابتلاء الله لأوليائه الصالحين، وتذكرت قول الرسول جمادى ثان: «أشد الناس ابتلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
وعلمت أن جائزة الله العظمى، ومنة الله الكبرى، لا تستحصل بالتواني والكسل، والخمول وترك العمل، لا والله.
يَا سَلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَسْتِ رَخَيصَةً
بَل أَنْتِ غَالِيَةٌ عَلَى الكَسْلاَنِ
لله درك! ما أعلى ما أملك! وما أضنى عملك! تعبت وأتعبت من جاء بعدك، أن يلتزم قافيتك، ويعزف على موسيقاك، ويرقص على نغمك.
ها أنت في جزائر الخير، تواصل العطاء، وتقطع من نفسك لتسدَّ ثغرة من ثغور الإسلام، وتُعنى بالدعوة كما عهدناك وعهدك من عرفك لا تكلُّ ولا تَمَل.
__________
(1) كناية عن عزيمة الألف رجل.
(2) شاعر الثورة الجزائرية الكبير. (1/320)
صفحة 293
عَفْوًا بَني قَوْمِي فَلَستُ بِشَاعِرٍ
يُمْلِي عَلَى الكَلِمَاتِ أَمْزِجَةَ البَشَرْ
هَذِي جِرَاحُكُمُ التِي أَصْلَى بِهَا
أَشْدُو بِهَا شَدْوًا يُخَالِطُهُ ضَجَرْ
سَأَظَلُّ أَعْزِفُهَا عَلَى لَحْنِ الأَسَى
حَتَى أَرَى فيِ الأُفْقِ تَلْوِيحَ الظَّفَرْ
بَينِي وَبَيْنَ الشِّعْرِ عَهْدٌ صَادِقٌ
أَنْ نَجْعَلَ الإِسْلاَمِ مَبْدَأَنَا الأَغَرْ
سيدي ...
نحن نعدك من هنا، من بلدنا الحبيب عمان، أننا سنواصل المشوار، ونكمل المسيرة، وننفذ البرنامج الكامل حتى يأذن الله لنا بالرحيل إليه والقدوم عليه. نعدك أن ننشر الخير ونحقق مراد الله في أرضه، ولن نألو جهدا في استنبات الصالحات، وإنجاب الأحرار، واستزراع الخير، لا في عمان وحدها وإنما في كل مكان وجدنا فيه، وفي أي أرض وصلناها.
سيدي ...
في نهاية كتابتي إليك، لا أقول لك إلا أن تسامح قلمي على لعثمته، وقلة فصاحته، ونبو لفظه، وتهلهل معناه، وضمور قافيته، وفقر بلاغته ومسكنة أدبياته.
فما أنا ــــ سيدي ــــ بابن العميد (1)، ولا صاحبت يوما عبد الحميد (2)، وإن
__________
(1) هو أبو الفضل محمد بن الحسين المعروف بابن العميد فارسي الأصل من أهل مدينة "قم"، كان أبوه مترسلا بليغا يتولى الكتابة لنوح بن نصير السامرائي ملك بخارى فنشأ على الأدب ودربه على الكتابة وغذَّاه بالعلم فبرع في الإنشاء والترسل وتوسع في الفلسفة والنجوم حتى سمى بالأستاذ ولقب بالجاحظ الثاني، رحل إلى ملك آل بويه فاستوزره ركن الدولة وقصده العلماء فكان هو والصاحب بن عباد والوزير المهلبى روحا لنهضة العلم وقطبا لدائرة الأدب في ذلك العصر مدحه المتنبي في قصيدته التي مطلعها:
بَاءٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أَمْ لَمْ تَصْبَرٍ
وَبُكَاكَ إِنْ لَمْ تُجْرِ دَمْعَكَ أَوْ جَرِيْ
(2) هو أبو غالب عبد الحميد بن يحيى الكاتب نشأ في الشام من سلالة غير عربية ونسب إلى بني عامر نسبة ولائية تقف الكتابة على سالم مولى هشام بن عبد الملك ثم أخذ يمارس تعليم الصبية، حتى استكتبه مروان بن محمد على أرشيقة ثم كاتبا له أيام خلافته حتى زوال دولته ومقتله قتل في عام 132هـ وكان صديقا حميما لابن المقفع. توفي سنة 160هـ. (1/321)
صفحة 294
كان في خطابي بعض حسن وتصوُّغ، فما ذلك إلا لأنني كتبته صادق المشاعر، متقد العاطفة. قد أخذني الخيال إلى عالمه بفضل هيامي بك وذكرياتي معك، فكانت خلاصة ما أحسست ونصوح ما شعرت به. فلك الحمد ربي على ما أوليتني من لطفك وأسبلت علي من عطفك.
وأسألك ــــ سيدي ـــــ ومن قرأ كتابي هذا إن وجد فيه ما لا يليق أو كان بالتصحيح حقيق إلا نبهني إليه ودلني عليه.
سبحانك ربي لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ربنا فافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين
*- كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: «اللهم استُر عيبَ شيخِي عنِّي، ولا تُذهِب بَرَكة عِلمِه مِنِّي».
*-وقال الإمام الشافعي: «كنتُ أُصَفِّحُ الورقةَ بين يدي مالكٍ صَفْحًا رفيقًا هيبةً له لئلاَّ يَسْمَع وقعَها».
*-وقال الربيع بن سليمان: «والله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشافعيُّ ينظر إليَّ هيبةً له».
*- ومن وصايا الإمام الشافعي لطالب العلم:
اِصبِر عَلى مُرِّ الجَفا مِن مُعَلِّمٍ ... فَإِنَّ رُسوبَ العِلمِ في نَفَراتِه
وَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً ... تَذَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِه
وَمَن فاتَهُ التَعليمُ وَقتَ شَبابِهِ ... فَكَبِّر عَلَيهِ أَربَعاً لِوَفاتِه
وَذاتُ الفَتى ـ وَاللَهِ ـ بِالعِلمِ وَالتُقى ... إِذا لَم يَكونا لا اِعتِبارَ لِذاتِه (1/322)
صفحة 295
(*)
بقلم: محمد بن بكير الشيخ بالحاج
طالب بكلية المنار المسائية، الحميز، الجزائر
بسم الله أبدأ كلامي ... (1) (
وللحبيب المصطفى أُهدِي صلاتي مع سلامي ...
وللملإ الكريم أُكنُِّ احترامي، وأُسدي تحيَّتي مع إكرامي ...
وبسؤال النبيِّ موسى ربه اقتدي، وبدعائه المتلوِّ أبتدي:
{1111 اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي 1111}.
الحمد لله الذي لمَّ شملنا على الطاعة، وأنعم علينا بمثل هذه الساعة ...
فلقد أنار مجلسنا بالعلم رحمة، وكشف ظلمة الجهل عنا نعمة، فله الحمد والمنَّة ...
أيها الأساتذة المحترمون، أيها الإخوة المُكرَمُون:
لا أذرُ الفرصة تفوتني، ولا المناسبة تضيع مني، لآخذ من وقتكم ـ بعد إذنكم ـ هذه اللحظات لتسمعوني، فإن لم تأذنوا لي فاحتملوني، فلستُ أحسنكم فتقدِّموني، ولا ألسَنَكُم فتفوضوني، ولا أعلمكم فتؤثروني، ولكنِّي أدناكم يقوم بذمتكم، والناطق باسمكم.
__________
(1) (*) محمد بن بكير الشيخ بالحاج، من مواليد القرارة سنة 1962، تخرج من معهد الحياة، واشتغل بالتجارة وإدارة الأعمال، غير أن الحنين إلى الدرس والاستزادة من العلم ظل يلازمه أكثر من ربع قرن، إلى أن افتَتَح مركَّبُ المنار بـ «الحميز» «كليةَ المنار المسائية» سنة 2006، فكان من منتسبيها ومن نجبائها. ألقى هذه الكلمات على إخوانه الطلبة في حفل نهاية السنة الدراسية الثانية (2006 ـ 2007). (1/296)
صفحة 296
فإن أعجبتكم مقالتي، وأحسنتُ التعبير عن فكرتي، فذاك، وإلا فلتعتبروا نيَّتي، فتُقِيلوا عثرتي، وتصفحوا عني هفوتي، وتتجاوزوا عن جرأتي ...
إنَّ المناسبة لتوحي بكلمات ثلاث:
أوَّلُها: أذكر فيها أساتذتي بخير
وثانيها: أذكِّر بها إخواني بالأمر
والثالثة: تواصٍ بالحق وتواصٍ بالصبر.
أيها الأساتذة الأفاضل، إنِّي لأجدني عن الإفصاح من العاجزين، لولا أن تعذرون ...
فلا أحمد إلا الله الذي يسَّر الأسباب، وهوَّن الصعاب، فانفتحت من الكلية الأبواب، ليتحقَّق بذلك ما كان في الخيال مثل السراب ...
أن نجلس إلى أساتذة كنا نراهم في السماء كواكبَ وأقمارًا
لا نحدث أنفسنا بلقياهم وسماعهم جهارًا
فهانحنُ أمامهم لتواضعهم تلاميذ صغارًا
زيَّنهم الحلم، وعظَّمهم العلم ...
أخذوا على أنفسهم العهد فأدركوا وفاءه، وتحمَّلوا العبءَ فبلغوا به منتهاه ...
فكان منهم المريضُ لا يختلق الأعذار.
والبعيد يواصل الأسفار.
والمشغولُ يحضر مرارا وتكرارا ...
تولَّى الله عنا لهم الجزاء، وجعل منا الطلبة النجباء، لتقرَّ بنا أعينهم في البدء والانتهاء.
هذه أولى كلماتي ...
أما الثانية فإليكم زملائي، أنتم الذين خُضتم هذه النِّعم وكل هذه الآلاء ...
هؤلاء العلماء وأنتم المتعلمون. لا تكونوا غير ذلك أنكم ستهلكون.
إخوتي: إنِّي لأجد ريح التخاذل لولا أن تُفنِّدون ... (1/297)
صفحة 297
مالي أرى بعضكم عن النِّعم مُعرضون، وعلى مرارة وذُلِّ التعلم لا يصبرون، بل حلاوة العلم لا يتذوَّقون، وعن طريقه يتنكبون، وجهد الأساتذة لا يُقدِّرون؟!
إني أمسك أذن كل مُنقطع أقرُصُها! ...
أذكِّره بهذه النعمة عساه يَذكرُها، فيسمع نداء العقل يتَّبعه، لا يستكين للنفس يُطيعها ... وأربأ بأي واحدٍ منكم أن يكون للكليَّة بانقطاعه سبَبَ فشَلِهَا، فيحمِلَ بذلك وِزرَهَا، ويبُوءَ بإِثمِها.
أيها الإخوة الكرام: لا أشكُّ في حبكم للعلم، وفي غيرتكم على كلِّيتكم، هذه التي رأت النور بكم، وعلى أيديكم.
فلنأخذ بأيدي بعضنا، نَشدُدْ أزرنا، ونُثبِّتْ أقدامنا، نواصل المسير إلى خير مصير ...
أيها الزملاء الكرام: ها قد انقضت السنة الثانية، مرَّت الأيام وتلاحقت الشهور، وها قد أنهينا الامتحانات، وتحصلَّنا بعون الله على أحسن العلامات، وأعلى المعدلات، ولكن سؤالي عمَّا هو آت، هل انتهت الدراسة واقتصر التحصيل على ما فات؟ ننظر السنة القادمة نكرِّر العمل نفسه مرَّات ومرَّات، ثم تنقضي السنوات؟ وتنتهي السداسيات؟ لنقول حصلنا على العلم؟ هيهات ثم هيهات ... إننا بذلك لم نزد على أن عاودنا أخطاء ارتكبناها زمن التحصيل الأوَّل، حين اتخذنا الدراسة مغرمًا، وحسبناها ملهاة ... إننا نعوذ بالله أن نُلدَغ من جُحرٍ مرتين ومرَّات ...
فلنأخذ للعلم أُهبَتَه، ولنعرف له حقَّه، سالكين طريقه، لا ننشغل عنه بما دونه إلى أن ننال رضا ربِّنا، ونسكن فسيح الجنات. (1/298)
صفحة 298
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 24 جمادى الأولى 1427 هـ / 20 جوان 2006 م
إلى تاريخ: 26 جمادى الأولى 1428 هـ/ 12 جوان 2007 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخ الميلاد ... المدينة
1 ... حاجي سميه بنت عمر بن الحاج إبراهيم ... 24 جمادى الأولى 1427 هـ 20/ 6/2006 م ... 86/ 11/30 ... القرارة
2 ... قيرع الحاج بن محمد بن عبد الرحمن ... 24 جمادى الثانية 1427 هـ 20/ 7/2006 م ... 91/ 10/1 ... مليكة
3 ... بابا عمي يسين بن محمد بن عمر ... 02 رجب 1427 هـ ... 27/ 7/2006 م ... 87/ 11/6 ... العطف
4 ... كفوس مسعودة بنت علي بن حمو ... 04 رجب 1427 هـ ... 29/ 07/2006 م ... القرارة
5 ... الشيخ أحمد عيسى بن علي بن عيسى ... 07 رجب 1427 هـ ... 01/ 08/2006 م ... 88/ 1/22 ... القرارة
6 ... وعلي إسماعيل بن بكير بن دواد ... 08 رجب 1427 هـ ... 02/ 08/ 2006 م ... 88/ 2/13 ... القرارة
7 ... خطارة منير بن عيسى بن أحمد ... 09 رجب 1427 هـ ... 03/ 08/ 2006 م ... 93/ 7/16 ... غرداية
8 ... خياط جابر بن عمر بن الحا ج محمد ... 11 رجب 1427 هـ ... 05/ 08/ 2006 م ... 86/ 9/25 ... القرارة
9 ... معيز الحاج أحمد عبد المالك بن مصطفى ابن باحمد ... 16 رجب 1427 هـ ... 10/ 08/ 2006 م ... 87/ 2/9 ... مليكة
10 ... سليمان بوعصبانة يسين بن علي بن إبراهيم ... 22 رجب 1427 هـ ... 16/ 08/ 2006 م ... 88/ 3/7 ... القرارة (1/299)
صفحة 299
11 ... معيز الحاج أحمد بابا بن عمر بن باعمور ... 28 رجب 1427 هـ ... 22/ 08/ 2006 م ... 89/ 7/13 ... مليكة
12 ... بلعيدي مصطفى بن أحمد بن بكير ... 29 رجب 1427 هـ ... 23/ 08/ 2006 م ... 86/ 1/5 ... القرارة
13 ... الشيخ صالح عبد العزيز بن عمر بن أحمد ... 29 رجب 1427 هـ ... 23/ 08/ 2006 م ... 91/ 12/24 ... غرداية
14 ... كربوش حسن بن عيسى بن عمر ... 01 شعبان 1427 هـ ... 25/ 8/2006 م ... 89/ 7/9 ... غرداية
15 ... الشيخ بالحاج كمال بن أيوب بن محمد ... 02 شعبان 1427 هـ ... 26/ 8/2006 م ... 86/ 3/3 ... القرارة
16 ... ابن عمر يوسف بن موسى بن الحاج بكير ... 03 شعبان 1427 هـ ... 27/ 8/2006 م ... 85/ 3/16 ... القرارة
17 ... كرشوش سليمان بن محمد بن الحاج بكير ... 04 شعبان 1427 هـ ... 28/ 8/2006 م ... 84/ 1/1 ... القرارة
18 ... الحاج موسى رضا بن علي بن إبراهيم ... 05 شعبان 1427 هـ ... 29/ 8/2006 م ... 87/ 1/18 ... غرداية
19 ... مجاهد آسية بنت نور الدين بن بابا ... 06 شعبان 1427 هـ ... 30/ 8/2006 م ... 91/ 10/14 ... القرارة
20 ... نجار يسين بن مصطفى بن حمو ... 07 شعبان 1427 هـ ... 31/ 8/2006 م ... 91/ 8/6 ... مليكة
21 ... أبي سحابة سعيد بن قاسم بن محمد ... 08 شعبان 1427 هـ ... 01/ 9/2006 م ... 82/ 6/4 ... القرارة
22 ... شخار سليم بن صالح بن عمر ... 20 شعبان 1427 هـ ... 13/ 9/2006 م ... 90/ 6/29 ... غرداية
23 ... قري أسماء بنت الناصر بن صالح ... 23 شعبان 1427 هـ ... 16/ 9/2006 م ... 87/ 7/17 ... القرارة
24 ... نجار إبراهيم بن عيسى بن محمد ... 24 شعبان 1427 هـ ... 17/ 9/2006 م ... 86/ 4/1 ... غرداية (1/300)
صفحة 300
25 ... الشيهاني سلبمان بن محمد بن صالح ... 25 شعبان 1427 هـ ... 18/ 9/2006 م ... 89/ 5/15 ... غرداية
26 ... قري عبد العزيز بن لخضر بن علي ... 26 شعبان 1427 هـ ... 19/ 9/2006 م ... 87/ 10/8 ... القرارة
27 ... خياط الحاج حمو بن محمد بن الحاج حمو ... 05 رمضان 1427 هـ ... 28/ 9/2006 م ... 85/ 12/22 ... القرارة
28 ... مجاهد توفيق بن نور الدين بن بابا ... 06 رمضان 1427 هـ ... 29/ 9/2006 م ... 87/ 12/5 ... القرارة
29 ... بولدون ليلى بنت محمد بن الناصر ... 07 رمضان 1427 هـ ... 30/ 9/2006 م ... 83/ 10/7 ... القرارة
30 ... بابكر عبد الله بن عمر بن إبراهيم ... 08 رمضان 1427 هـ ... 01/ 10/2006 م ... 89/ 9/22 ... غرداية
31 ... الشيخ بالحاج عمارة بن أحمد بن محمد ... 09 رمضان 1427 هـ ... 02/ 10/2006 م ... 86/ 3/15 ... القرارة
32 ... حمدي عمر علي بن بكير بن عمر ... 12 رمضان 1427 هـ ... 05/ 10/2006 م ... 89/ 8/17 ... القرارة
33 ... بابكر رستم بن صالح بن يوسف ... 13 رمضان 1427 هـ ... 06/ 10/2006 م ... 92/ 1/25 ... غرداية
34 ... بابا وأيوب باحمد بن يونس بن أيوب ... 14 رمضان 1427 هـ ... 07/ 10/2006 م ... 90/ 3/5 ... غرداية
35 ... مصباح عبد الرحمن بن إبراهيم بن بنوح ... 19 رمضان 1427 هـ ... 12/ 10/2006 م ... 91/ 12/5 ... غرداية
36 ... ابن فضة عبد الله بن إبراهيم بن محمد ... 20 رمضان 1427 هـ ... 13/ 10/2006 م ... 93/ 8/4 ... ورجلان
37 ... ابن إسماعيل فتيحة بنت بكير بن علي ... 24 رمضان 1427 هـ ... 17/ 10/2006 م ... 83/ 5/21 ... القرارة
38 ... رابح محمد بن عبد الوهاب بن حمو ... 25 رمضان 1427 هـ ... 18/ 10/2006 م ... 90/ 9/7 ... غرداية (1/301)
صفحة 301
39 ... قلتة يسين بن سعيد بن يحيى ... 27 رمضان 1427 هـ ... 20/ 10/2006 م ... 88/ 5/15 ... غرداية
40 ... شريفي توفيق بن عمر بن إبراهيم ... 28 رمضان 1427 هـ ... 21/ 10/2006 م ... 86/ 4/21 ... القرارة
41 ... ثمينة عبد العزيز بن محمد بن بالحاج ... 29 رمضان 1427 هـ ... 22/ 10/2006 م ... 87/ 1/13 ... غرداية
42 ... ناصر بوحجام حسن بن محمد بن قاسم ... 29 رمضان 1427 هـ ... 22/ 10/2006 م ... 86/ 5/31 ... القرارة
43 ... قزريط توفيق بن سليمان بن إبراهيم ... 21 شوال 1427 هـ ... 13/ 11/2006 م ... 90/ 1/24 ... غرداية
44 ... قلمونة إدريس بن عبد الرحمن بن أحمد ... 28 شوال 1427 هـ ... 20/ 11/2006 م ... 88/ 4/14 ... غرداية
45 ... ابن الشيخ سليمة بنت بكير ببن محمد ... 07 ذو القعدة 1427 هـ ... 28/ 11/2006 م ... 85/ 12/17 ... القرارة
46 ... كفوس حمزة بن سليمان بن الناصر ... 09 ذو القعدة 1427 هـ ... 30/ 11/2006 م ... 90/ 10/30 ... القرارة
47 ... قري مسعودة بنت يوسف بن محمد ... 19 ذو القعدة 1427 هـ ... 10/ 12/2006 م ... 86/ 9/16 ... القرارة
48 ... بجلمان رستم بن عيسى بن سلمان ... 05 ذو الحجة 1427 هـ ... 25/ 12/2006 م ... 88/ 2/14 ... غرداية
49 ... عاشور رقية بنت محمد بن أحمد ... 06 ذو الحجة 1427 هـ ... 26/ 12/2006 م ... 81/ 2/23 ... القرارة
50 ... أبو العلا ماما بنت إبراهيم بن عيسى ... 09 ذو الحجة 1427 هـ ... 29/ 12/2006 م ... 91/ 3/19 ... القرارة
51 ... عشور الحاج عمر بن حمو بن محمد ... 16 ذو الحجة 1427 هـ ... 05/ 01/2007 م ... 86/ 12/20 ... القرارة
52 ... الشيخ أحمد إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ... 18 ذو الحجة 1427 هـ ... 07/ 01/2007 م ... 91/ 1/31 ... القرارة (1/302)
صفحة 302
53 ... حريز رضوان بن مصطفى بن عبد الله ... 21 ذو الحجة 1427 هـ ... 10/ 01/2007 م ... 89/ 9/27 ... القرارة
54 ... الحاج عشور الناصر بن سليمان بن الناصر ... 27 ذو الحجة 1427 هـ ... 16/ 01/2007 م ... 89/ 11/20 ... القرارة
55 ... تاجرونه إبراهيم بن سعيد بن عيسى ... 29 ذو الحجة 1427 هـ ... 18/ 01/2007 م ... 94/ 7/16 ... غرداية
56 ... شريفي يوسف بن الناصر بن بكير ... 06 محرم 1428 هـ ... 25/ 01/2007 م ... 90/ 9/4 ... القرارة
57 ... بغباغة خالد بن الحاج بكير بن الحاج حمو ... 21 محرم 1428 هـ ... 09/ 02/2007 م ... 90/ 9/21 ... غرداية
58 ... موسى المال زهير بن باحمد بن أيوب ... 28 محرم 1428 هـ ... 16/ 02/2007 م ... 92/ 1/26 ... بريان
59 ... الشيخ أحمد محمد بن عيسى بن الحاج إبراهيم ... 03 صفر 1428 هـ ... 21/ 02/2007 م ... 89/ 6/1 ... القرارة
60 ... كاسي وموسى قاسم بن إبراهيم بن الحاج محمد ... 08 صفر 1428 هـ ... 26/ 02/2007 م ... 90/ 3/6 ... بريان
61 ... أبي إسماعيل حجوجة فافة بنت عبد العزيز بن الحاج داود ... 22 صفر 1428 هـ ... 12/ 03/2007 م ... 88/ 8/12 ... القرارة
62 ... قري نانة بنت محمد بن بكير ... 25 صفر 1428 هـ ... 15/ 03/2007 م ... 85/ 11/14 ... القرارة
63 ... خرفي هشام بن إبراهيم بن يوسف ... 29 صفر 1428 هـ ... 19/ 03/2007 م ... 88/ 12/2 ... القرارة
64 ... سليمان بوعصبانة محمد بن الهاشمي بن سليمان ... 22 ربيع الأول 1428 هـ ... 10/ 04/2007 م ... 90/ 6/20 ... القرارة
65 ... حني يسين بن بايوب بن الحاج إبراهيم ... 28 ربيع الأول 1428 هـ ... 16/ 04/2007 م ... 88/ 8/16 ... بنورة
66 ... ألجون مريم بنت عمر بن محمد ... 03 ربيع الثاني 1428 هـ ... 21/ 04/2007 م ... 79/ 8/20 ... القرارة (1/303)
صفحة 303
67 ... مجاهد صلاح الدين بن إبراهيم بن عمارة ... 04 ربيع الثاني 1428 هـ ... 22/ 04/2007 م ... 90/ 3/7 ... القرارة
68 ... ناصر خالد بن محمد بن عمر ... 08 ربيع الثاني 1428 هـ ... 26/ 04/2007 م ... 88/ 11/20 ... القرارة
69 ... الشيخ بالحاج قاسم بن عمر بن قاسم ... 09 ربيع الثاني 1428 هـ ... 27/ 04/2007 م ... 88/ 5/25 ... القرارة
70 ... حمدي عيسى بشير بن محمد بن أحمد ... 12 ربيع الثاني 1428 هـ ... 30/ 04/2007 م ... 90/ 5/8 ... القرارة
71 ... الحاج أيوب يسين بن إبراهيم بن إسماعيل ... 18 ربيع الثاني 1428 هـ ... 06/ 05/2007 م ... 85/ 3/16 ... العطف
72 ... كاسي وموسى إلياس بن إبراهيم بن محمد ... 22 ربيع الثاني 1428 هـ ... 10/ 05/2007 م ... 92/ 1/12 ... بريان
73 ... ابن يامي توفيق بن مصطفى بن حمو ... 23 ربيع الثاني 1428 هـ ... 11/ 05/2007 م ... 90/ 5/25 ... بريان
74 ... الشيخ أحمد أسماء بنت يحيى بن أحمد ... 25 ربيع الثاني 1428 هـ ... 13/ 05/2007 م ... 92/ 3/19 ... القرارة
75 ... مجاهد إبراهيم بيوض بن بكير بن محمد ... 03 جمادى الأولى 1428 هـ ... 20/ 05/2007 م ... 89/ 7/13 ... القرارة
76 ... أبو العلا عائشة بنت حمو بن عيسى ... 03 جمادى الأولى 1428 هـ ... 20/ 05/2007 م ... 89/ 1/29 ... القرارة
77 ... خليلي بنوح فاطمة بنت الناصر بن صالح ... 05 جمادى الأولى 1428 هـ ... 22/ 05/2007 م ... 89/ 5/21 ... القرارة
78 ... بابا حمو حمو بن سليمان بن حمو ... 06 جمادى الأولى 1428 هـ ... 23/ 05/2007 م ... 83/ 8/31 ... ورجلان
79 ... رمضاني نعيمة بنت الحاج علي بن سليمان ... 06 جمادى الأولى 1428 هـ ... 23/ 05/2007 م ... 79/ 6/16 ... القرارة
80 ... بوراس صلاح الدين بن خالد بن إسماعيل ... 08 جمادى الأولى 1428 هـ ... 25/ 05/2007 م ... 87/ 11/10 ... القرارة (1/304)
صفحة 304
81 ... جهلان بشير بن عيسى بن بكير ... 09 جمادى الأولى 1428 هـ ... 26/ 05/2007 م ... 88/ 3/4 ... القرارة
82 ... أبو العلا طه بن مصطفى بن قاسم ... 12 جمادى الأولى 1428 هـ ... 29/ 05/2007 م ... 90/ 12/10 ... القرارة
83 ... مجاهد حفيظة بنت عيسى بن بابا ... 16 جمادى الأولى 1428 هـ ... 02/ 06/2007 م ... 87/ 11/28 ... القرارة
84 ... حماني فردي حسين بن بهون بن باحمد ... 19 جمادى الأولى 1428 هـ ... 05/ 06/2007 م ... 88/ 10/28 ... القرارة
85 ... حاجي رقية بنت مصطفى بن محمد ... 19 جمادى الأولى 1428 هـ ... 05/ 06/2007 م ... 89/ 1/18 ... القرارة
86 ... ابن الناصر عمر بن حمو بن إبراهيم ... 20 جمادى الأولى 1428 هـ ... 06/ 06/2007 م ... 88/ 1/09 ... القرارة
87 ... أبو العلا فائزة بنت أحمد بن عبد الله ... 20 جمادى الأولى 1428 هـ ... 06/ 06/2007 م ... 85/ 10/25 ... القرارة
88 ... كروم علي بن الحاج أحمد بن بكير ... 21 جمادى الأولى 1428 هـ ... 07/ 06/2007 م ... 90/ 10/12 ... القرارة
89 ... شريفي سليمة بنت عمر بن إبراهيم ... 23 جمادى الأولى 1428 هـ ... 09/ 06/2007 م ... 82/ 5/20 ... القرارة
90 ... بهون بكير بن حمو بن محمد ... 26 جمادى الأولى 1428 هـ ... 12/ 06/2007 م ... 82/ 12/10 ... بنورة (1/305)