صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
دورية فكرية يصدرها معهد الحياة
وجمعية التراث ــ القرارة، الجزائر
رمضان 1429هـ / أكتوبر 2008م
العدد الثاني عشر (1/1)
صفحة 2
التراث1 (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
ابتداء من هذا العدد
دورية الحياة
مجلة فكرية محكّمة
تصدر عن معهد الحياة وجمعية التراث
قواعد النشر:
*-تنشر دورية ”الحياة “ البحوث العلمية الأصيلة للباحثين من داخل القطر الجزائري ومن خارجه.
*-تهتمُّ الدورية بالبحوث والدراسات في شتَّى المجالات الفكرية والشرعية والأدبية والتراثية، شريطة أن تتميَّز بالأصالة والجدَّة، والعمق في الطرح، والأسلوب السليم، والمنهجية العلمية الدقيقة، مع الإحالة إلى المصادر والمراجع، والالتزام بالأمانة العلمية، والاعتدال في الفكر.
*-تنشر الدورية البحوث التي لم يُسبق نشرها في أيِّ مكان آخر.
*- تخضع جميع البحوث للتقويم من قِبل لجنة محكّمة، مكوَّنة من دكاترة وأساتذة يساعدهم خبراء من تخصُّصات معرفية مختلفة، وهذه اللجنة وحدها هي المخوَّلة بقبول البحوث أو رفضها.
*-لا تُعاد البحوث التي تُرسل إلى الدورية سواء نُشرت أم لم تُنشر، ولا تلتزم اللجنة المحكَّمة بذكر أسباب عدم قبول نشر أي بحث، وتُعتبر قراراتها نهائية. (1/4)
صفحة 5
*-ترتيب البحوث في الدورية موضوعيٌّ وتنسيقي، ولا يعبِّر بأي حال من الأحوال عن مكانة الباحث أو البحث.
*-تُرسل البحوث مصفَّفة بنظام ( WORD) (DOC)، أو في شكل ملف ( PDF) أو ( RTF)، على قرص مضغوط ( CD)، مع كتابة اسم الباحث وذكر وظيفته الحالية، ورتبته العلمية. على أن لا يتجاوز عدد صفحات البحث 25 من مقاس A4 بحجم خط 17، إلى العنوان البريدي:
دورية الحياة ــ جمعيةالتراث
ص، ب: 19 القرارة، غرداية، 47110، الجمهورية الجزائرية
أو البريد الإلكتروني:
info@tourath.org
وللاتصال:
فاكس: 213.29.85.40.89+
www.tourath.org
ملاحظة:
*-ما تنشره الدورية لا يعبِّر إلاَّ عن الرأي الشخصي لصاحب البحث، ولا يعبِّر بالضرورة عن راي الدورية، أو اللجنة المحكمة، أو هيئة التحرير، أو الناشر.
المحتويات
الافتتاحية ...................................... د/مصطفى بن صالح باجو ذ
دراسات قرآنية
*-مسيرة الإباضية مع القرآن
د/ إبراهيم بن بكير بحاز 14
*-إعجاز الهداية في القرآن الكريم
أ/ الشيخ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 22
*-معالم قرآنية لتحقيق ميثاق الوحدة الإسلامية
د/مصطفى بن صالح باجو 31
قضايا فقهية
*-التوثيق؛ واجب شرعي ومهمة اجتماعية واقتصادية
د/ صالح بن عبد الله أبوبكر 57
*-فقه المال العام عند الإباضية (الحلقة الثانية)
د/ محمد بن صالح حمدي 72
*-مقاربة منهجية للتنظير الفقهي
أ/ عيسى بن محمد بوراس 86
*-البدائل الحديثة في استثمار الأوقاف
أ/ محمد بن قاسم حدبون 107 (1/5)
صفحة 6
دراسات تاريخية وتراثية
*-مزاب في العهد العثماني (1510م ــــــ 1830)
أ/ الحاج موسى بن بكير ابن عمر 121
*-الحقائق الحضارية حول كتاب آراء الخوارج الكلامية (دراسة نقدية)
د/ موسى بن إبراهيم حريزي 144
*-وثائق الأرشيف التونسي المتعلقة بجماعة بني ميزاب ... (1881 ــــ 1956)
أ/ بالحاج بن باحمد ناصر 182
*-فهرسة المكتبات والمخطوطات في وادي ميزاب (دراسة وتحليل)
أ/ مصطفى بن محمد ابن ادريسو 192
دراسات أدبية واجتماعية
*-الهوية في شعر مفدي زكرياء
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 220
*-مذكرات البكري «الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي» (قراءة منهجية)
د/ محمد بن موسى باباعمي 242
*-المحافظون والمجددون في الحركة الإصلاحية الجزائرية ...
أ/ عزيز كعواش 261
*-الأسس الفكرية للنهضة الإصلاحية بوادي ميزاب
أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج 299
الرسائل الجامعية
*- توازن الموازنة العامة، دراسة مقارنة بين الفكر المالي الإسلامي والوضعي
(أطروحة دكتوراه) د/ محمد بن صالح حمدي 312 (1/7)
صفحة 7
*- منهج هود بن محكَّم الهواري في التفسير
(أطروحة دكتوراه) د/ سعاد زغيشي 318
وثيقة العدد
*- رسالة من الشيخ سعيد شريفي الشيخ عدُّون، إلى الإمام الشيخ إبراهيم
بن عمر بيوض (مؤرخة بسنة 1376هـ/1956م) 323
خُطبة العدد
*- السيدات والأونس، وأوجاع الثامن مارس
أ/ الشيخ نورالدين بن بكير الأطرش 331
واحة الشعر
*-مهرجان القرآن
أ/ الشيخ صالح بن إبراهيم باجو 337
*-يا حافظ القرآن شمر برسالة
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 341
*- «أهلُ الله وخاصَّتُه»؛ المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة 343 (1/8)
صفحة 8
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الافتتاحية
بقلم: د/ مصطفى بن صالح باجو
أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر قسنطينة
يطلُّ علينا العدد الثاني عشر من دورية الحياة كما ألفناه غنيًّا بما حوى، علمًا وحكمةً وهدى، ومتعةَ شعرٍ لم يجار أهل الهوى، ويسعدنا محيَّاه كما عهدناه في شهر المبرة والغفران، ليحمل إلينا بشائر جديدة باستكمال الدورية عدَّتها، ومرور اثنتي عشرة سنة من مولدها.
وعدة السنة في كتاب الله اثنا عشر شهرًا، {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [التوبة 36]
وباستكمال شهور العام الاثني عشر تتم دورة العام، وباستكمال اثني عشر سنة تكتمل فترة الطفولة والأحلام. ولئن كان عمر الاثني عشر بداية خطو الإنسان في مرحلة البلوغ الفطرية، فإنها للدورية رسوخُ قدم في عالم الرشد الفكري والريادة العلمية، لتنطلق المسيرة إلى أفق جديد، نشرَ علمٍ وحكمةٍ ورأيٍ سديد.
ويحملنا التفاؤل المطلوب والواقع المحسوب لنتملَّى دورية الحياة وقد أتمت سنتها الثانية عشرة، وبرزت في ثوب قشيب، وهي تتأهَّب إلى مرحلة التحكيم والإسهام الرائد، في بعث علمي واعد.
ولا غرو فما احتواه هذا العدد كفيلٌ بتأكيد هذه النظرة الراضية، وإن كان الأمل طمَّاحا إلى مستويات أعلى، والسعي حثيثًا لتحقيق أهداف أسمى، وعيا بالأصول وترسيخا لها، وتزكية لوشائج الانتماء المحلي والوطني والإسلامي وتفاعلا معها، دون انسلاخ أو انبهار، ولا استعلاء أو استصغار.
وتنفحنا الدورية بأقلام عهدناها جادة بصيرة، تنقلنا على بساط سليمان إلى نفحات القرآن الكريم، وما رسمه من معالم لتحقيق وحدة المسلمين. ولفتة إلى مسيرة الإباضية في خدمة هذا الدستور الخالد. (1/9)
صفحة 9
هذا الدستور الذي أعجز الإنس والجنس مجتمعين، وتطاولت الأزمان والعلماء يكشفون أسرار إعجازه كل حين، ولا يزال غضا طريًّا، تتجدَّد غرائبه، ولا تنقضي عجائبه.
وكان رسول الله أول من فسر القرآن، وعنه أخذ الصحابة تفسير معناه، وانطلق العلماء في إعلاء صرح التفسير عبر القرون، ولا تزال جهود العلماء تستجلي أسراره كل حين.
وعرفت الجزائر في فجر إسلامها مفسِّرًا من جبال الأوراس، هو هود بن محكّم الهواري، الذي خلَّد أول تفسير جزائري للقرآن وصلنا كاملا، وقد حظي بجهود التحقيق والدراسة والنقد، في رسائل أكاديمية محترمة، نجد صدى بعضها في ثنايا هذا العدد.
والقرآن عظيم لأنه تنزيل من عظيم، وهو كتاب هداية أولا وأخيرا، وهدايتُه وجهٌ من أوجه إعجازه، ويظل هذا الوجه بحاجة إلى وفقة تأمل وتدبر، تحمل المرء على تعظيم مُنزِّل الكتاب إذعانا، وتزيده بالله الخالق إيمانا.
كما أنه دستور استوعب مجالات الحياة، ومنح المسلمين أسباب القوة والتمكين، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها في سبيل تحقيق هذا الهدف النبيل.
وقد اهتم بميدان المعاملات ووضع معالمها، وضبط للناس أسُس قيامها، فكان معجزا في تشريعه المالي، وما سنَّه من أحكام لحفظ المال واستثماره بصورة تدعو إلى العجب؛ إعمارًا للأرض وتثمينا للجهود، وتوطيدًا للعلاقات، وإرساء لدعائم الاستقرار والعدل بين الناس.
وفقه المال كما حدَّده القرآن مجال جدير بالدراسة والبحث، نال من اهتمام علماء الإسلام جهودا طيبة، تزيد المؤمن إيمانا بعدالة نظام الإسلام، وحتميته لتحقيق توزيع عادل للثراء، وعيش كريم للبشرية جمعاء.
وقد فتح للجهاد بالمال أبوابا عديدة من أهمها مجال الأوقاف، وحبس المال لمنفعة عامة للمسلمين. وأوجه المنافع عديدة تتوزع ميادين الحياة وأصناف الناس، فقراء وطلبة علم وفدوا إلى معاهده أفواجا، ومسافرين في الأرض وحجاجا، ومرضى يبتغون علاجا. (1/10)
صفحة 10
لقد كان للوقف دور رائد في حضارة الإسلام، ولا يزال، رغم المنافسة التشريعية للأنظمة الحديثة، والمضايقات المدسوسة من المستعمر وأذنابه لتدمير الوقف، وتشويه سمعته بمختلف الحيل والأساليب.
ولا ينكر أن مؤسَّسة الوقف بحاجة إلى تطوير وسائلها، سعيًا لاستثمار أفضل لأموالها، حتى تحقق أقصى المنافع التي ارتجاها الواقفون، وابتغوا لأجلها المثوبة والفضل الجزيل.
ولم يكن نظر الإسلام إلى المال قاصرًا على شأن الفرد وحده، بل نظم مال الأمة كلها، جماعة ودولة، ووضع أسس تحقيق التوازن في هذا المال بما يحول دون العجز ودون التخمة في موارد المال، ويقضي بتوظيف هذه النعمة في تحقيق خير الأمَّة كلها.
ومن لطائف القرآن في مجال المال، إرشاده إلى توثيق المعاملات حفظا للحقوق ومنعا من التنازع والخصام، لأن المعاملات شرعت لقضاء المصالح من جهة، ولتوثيق العلاقات وتوطيد أسباب الاستقرار والتلاحم بين أبناء المجتمع من جهة ثانية. فكان فقه هذا التشريع الحكيم من أسباب ترسيخ الإيمان، ببيان ما تضمَّنه من حكم ومقاصد، وما يحقِّقه من منافع للناس قد لا يتفطن لها إلا من أوتي بصيرة ونفاذا إلى أسرار التشريع.
ثم تعطف بنا ورقات هذا العدد إلى التاريخ، وتكشف عن معالم ميزاب في ظل الحكم العثماني، وكيف كانت علاقته بـ”دايات“ الجزائر خلال ثلاثة قرون من تلك الخلافة التي كانت رحمة على بلاد المغرب، رغم ما اعتراها من وهن وقصور في بعض العصور.
ويأتي الاستعمار الفرنسي ليخيِّم ليل الظلم والجهل والاستعباد على أرض الجزائر، فيفر بعض أبنائه بدينهم وأنفسهم طلبا للأمن في بلاد مجاورة وأخرى بعيدة، وكان لتونس فضلُ احتضان عدد غير يسير من الجزائريين، وكان للميزابيين حظُّهم في هذه الهجرة، خلال حقبة الاستعمار، وكان لهم حضور ونشاط في تلك الديار، وثمة وثائق حفظت جانبا من هذا التاريخ وما فيه من أحداث وأحاديث، نجد بعضها في ثنايا هذا العدد، تتلوه كشوف لتلك الوثائق في أعداد لاحقة بإذن الله.
ثم تستذكر أقلام الدورية أمجاد رجال خلَّدوا صفحات تتيه على الزمان، وتقلب أوراق ماض تليد، لتبعث منه عزة وانبعاثا نحو غد سعيد، منها ما كان (1/11)
صفحة 11
مذكرات أحد أعلام الإصلاح في جنوب الجزائر خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، الشيخ عبد الرحمن بكلي، ومنها ما كان مراسلات إخوانية بين الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) وأستاذه رائد الإصلاح الشيخ إبراهيم بيوض، في حادثة أليمة كان فيها فقدان الشيخ عدُّون لشريكة حياته، وما تعبِّر عنه هذه الوثيقة من روح الأخوة الصافية الصادقة، والرضا التام بما قضا الله، واليقين من مثوبته ومغفرته للصابرين، ذلك الصبر الذي هو زاد السائرين في طريق الخلود.
كما تكشف ورقات هذا العدد عن المنطلقات الفكرية التي قامت عليها النهضة الإصلاحية، وهي قراءة تفسر سرَّ نجاح الحركة، وتضع النقاط على الحروف بصورة غير مباشرة لفشل كثير من محاولات النهوض في بقاع شتَّى، افتقرت إلى الرؤية الواضحة والهدف المحدد، وآليات العمل المنظم والسير المتئد الحكيم.
بيد أن هذه الحركة الإصلاحية لم تكن إلا جهدًا بشريا يروم التغيير، ويبتغي غدا أفضل للأمة والوطن، وقد تجاذبته الأفكار والرؤى، وكان له خصوم من عدوه ومن بني جلدته، ومعارضون لم يستوعبوا طروحاته، فاصطنعوا العقبات، وأطالوا ليل بلائه، وقامت جدلية المحافظين والمصلحين في الجزائر، كما قامت في بلاد أخرى، وأسفرت عن مواقف، وشكَّلت مسارًا زاخرًا وتجربة اجتماعية وفكرية هي بحاجة إلى دراسة ونقد واستثمار.
وتظل الحاجة أيضا ماسَّة إلى نقد القديم كنقد الجديد، فالتاريخ شواهد ومشاهد، وتجاربُ فشلٍ ونجاح بين إنجاد وإغوار، وقد أمدتنا كتب التراث بنصيب غير يسير من هذه التجارب، ولا ضير أن ننقد تلك المصادر التاريخية بما حوته من بصمات وآثار، رغم أن بعضها قد يكون صورة صادقة لأناس أخلصوا لله دينهم ومضى الزمن القديم بهم حميدًا، فنستنفر الخلائف أن تحذوا حذوها، مستفيدة من مبراتها، متجنبة عثراتها.
ولا تبرح الدورية ميدان الشعر دون أن تفخر بالقرآن دستورًا ومصدر عزَّة للأمة، وتشيد بأهله حفظَةً واعدين بغد مشرق للأمة، كما تحلل معالم الهوية في شعر زكرياء، الذي خلد تاريخ الجزائر وأمجادها، وأرسل شعره يسوق الخطى بساح الفداء، يوم نادى المنادي لتحرير الوطن من نير الاستعمار. (1/12)
صفحة 12
وتحاور واقع البشرية المرّ، وتيه الإنسان، بعيدا عن هداية القرآن، حين خصص العالم يوما للمرأة في العام، وأهملها سائر الأيام، فعاشت النكد والشقاء، وإن أوهموها أنها نالت حقوقها، وتبوَّأت مكانتها، بينما غدت دمية في يد العابثين، وكلأً مباحا وصيدا متاحًا، باسم الحرية والتحرير.
كما تنبه إلى ضبط علاقة الطفولة بالمجتمع، وبيان أساليب إدماجهم في منظومته حتى يغدوا عناصر فعالة وبانية، تضيف جديدا إلى تليد، ولا تغدو عبئا يئن بثقله الناس، وكانوا يرجون أن يجدوا منه العون والتأييد.
وبعد كلِّ هذا؛ أتمثل أمامي فتًى مرهف الشعور، يدعو بعد أن مرَّت يد النسيم على هذه الروضة المعطار، فأثارت عليه شذاها، فانبرى يقول: «افسحوا لنا الطريق نَنعمْ بأزهارها ونَغنمْ من ثمارها، فما أجدى العطر عن منظر الزهر الفواح، ولا أطفأ غلة الصادي إلا شربة الماء القراح».
فدونكم أعزاءنا القراء وما أردتم، ورجاؤنا أن لا يخيب ظنكم حين أملنا لكم الإفادة والإمتاع. وسعينا أن تكون الدورية شمسًا دائمة الإشعاع.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
د. مصطفى بن صالح باجو
الجمعة 12 رمضان 1429هـ 12 سبتمبر 2008م
bw0040 (1/13)
صفحة 13
مسيرة الإباضية مع القرآن الكريم
الدكتور إبراهيم بن بكير بحاز
جامعة منتوري، قسنطينة
شاءت الأقدار أن تتفرق أمة الإسلام على مذاهب متعدِّدة، اجتهد أصحابها وعلماؤها أن يكونوا قريبين من القرآن الكريم والسنة النبوية، كلٌّ على المنهج الذي ارتضاه لنفسه والفلسفة التي اعتقد أنها توصله إلى هدفه، ومن بين هذه المذاهب مذهب الإباضية الذي برز بسيرته الخاصة مع القرآن الكريم، حتى لكأني أستطيع القول إنه إن افتخر الناس بأنهم سنيون حق للإباضية أن يفتخروا بأنهم قرآنيون.
إن أول بذرة من بذور الإباضية هي طائفة القراء التي ظهرت أثناء الفتنة الكبرى (35 ـــ 40هـ) فمن يكون هؤلاء القراء؟
إن جل هؤلاء كما يقول البرادي (1) من الصحابة وكبار التابعين، لقبوا بالقراء لغزارة علمهم ومعرفتهم بما في الكتاب والسنَّة (2).
ففي لسان العرب لابن منظور: رجل قرَّاء: حسن القراءة. من قوم قرَّائين (3). فهؤلاء الذين كانوا في جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحاربوا معه ضد معاوية بن أبي سفيان، هم القراء. وماذا يمكن أن يحسنوا قراءته في ذلك العهد القريب من النبوة غير كتاب الله؟ فلم تنتشر الكتب بعدُ انتشارَها في القرنين الثاني والثالث، وما يليهما من القرون.
إن هؤلاء القراء هم سلف الإباضية مروا بامتحان عسير في
__________
(1) الجواهر، 118، 119.
(2) دبوز، تاريخ المغرب الكبير، 2: 337. وانظر هشام جعيط: الفتنة وجدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، بيروت، ص189.
(3) ابن منظور، لسان العرب، مادة قرأ (ينظر اللسان 1/ 129) نسخة إلكترونية. (1/14)
صفحة 14
معركة صفين عام 37هـ. لما رأوا مصاحف القرآن تحمل على أسنة سيوف جيش معاوية بن أبي سفيان المنهزم؛ حملوها خدعة يريدون بها افتراق الأمة وضرب وحدة الموالين لعلي بن أبي طالب.
إن هؤلاء القراء ــــ كما تؤكد مصادرنا (1) ــــ لم يبالوا بتلك المصاحف، وهم القراء. وأيقنوا أنها خدعة وواصلوا القتال لمعاوية وجنده. إلا أن عليا أرغمهم على الكف ووضع السلاح (2). فشتان بين من رفع المصاحف خدعة لبلوغ مآربه السياسية، ومن رفع القرآن حسن قراءة وواقع حياة.
إن القراء في هذه السنين الصعبة 36، 37، 38هـ، ذُكروا بكثافة في المصادر الإسلامية (3)، وإن اختلف طرحها لمسألة القراء عن المصادر الإباضية.
المهم أن هؤلاء القراء رفضوا توقيف المعركة ضد معاوية، وبرزوا بعد ذلك صارمين في موقفهم القرآني من الفتنة وأصحابها.
ووقعت معركة النهروان سنة 38هـ، التي انقطلب فيها علي بن أبي طالب ضد طائفة من أصحابه بدسائس المندسين في صفوفه، فأبادهم جميعا، إلا نفرا قليلا استطاع أن ينجو. فعن عكرمة مولى عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: حدثني قنبر مولى علي قال: «لما قتل أهل النهروان ... كب علي يبكي طويلا، فقلت ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أتدري ما صرعنا هاهنا؟ خيار هذه الأمة وقراؤها» وكررها ثلاثا (4).
ولما بدأ التشدد يتسرب إلى فصائل منهم انضوت تحت لوائهم مع تقدم الأيام، تسلل الإباضية منهم بكل هدوء، ملتزمين المنهج القرآني في الدعوة والثورة في السلم
والحرب، في
__________
(1) البرادي، الجواهر، 111 ـــ 114. وقال القرَّاء لعلي بن أبي طالب: «ما كتاب الله يريدون»، ص112.
(2) الشماخي، سير 46، 47. البرادي، الجواهر، 113.
(3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، 6: 3 وما بعدهما. ابن الأثير، الكامل، 3: 141. هشام جعيط، الفتنة وجدلية الدين، ص96 ـــ 610.
(4) البرادي، الجواهر. الشماخي، سير، 53. (1/22)
صفحة 15
الظهور والكتمان.
وشيئا فشيئا تبلور فكر الإباضية بإمامة جابر بن زيد الأزدي (ت 93هـ)، الذي قال عنه عبد الله بن العباس: «لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر لأوسعهم علما عما في كتاب الله» (1).
لقد كان جابر بن زيد عالما بكتاب الله، أنشأ تلامذته من الإباضية على ذلك العلم بالذات. ولقد قام المذهب الإباضي على مصادر عديدة، أولها على الإطلاق كتاب الله، القرآن الكريم. لا ينتقلون عنه إلى السنة إلا عند عدم وجود الحكم فيه.
ولا نغادر القرن الأول الهجري دون أن نشير إلى رسالة عبد الله بن إباض إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (65 ـــ 86هـ)، تلك الرسالة التي افتتحها بالقرآن، واختتمها بالقرآن. ولم يبحث عن الدليل والحجة فيما يدعو إليه الخليفة سلطان المسلمين إلا في القرآن، بل إنه دعا الخليفة إذا أراد أو رأى أن يجيبه، فلا تكون حجته إلا من القرآن. وهذه فقرات من تلك الرسالة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان. أما بعد: إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب وبين فيه كل أمر، وفصل فيه كلَّ حكم، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وجعله هدى ورحمة لقوم يومنون ... » (2).
ثم يذكر أن سبب الفتنة إنما هو التخلي عن كتاب الله، أو تعطيل جزء منه، إلى أن يقول: «واعلم أن علامة كفر هذه الأمة إذا تركوا الحكم بما أنزل الله ... وكتاب الله جديدٌ أبدًا، لا ينطق إلا بالحق (3)، فأنشدك الله أن تتدبَّر معانيَ القرآن، وتكون مهتديًا به مخاصمًا به» (4).
«أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لتُحِلَّ الحلال وتُحرِّم الحرام، ولا تظلموا الناس شيئا، وأن يكون كتاب الله حكما بيني وبينك فيما اختلفنا فيه ... وإنَّ هذه الأمة لم تسفك دمًا
__________
(1) عوض خليفات، الأصول التاريخية، 15.
(2) البرادي، الجواهر، 163_165.
(3) نفسه.
(4) نفسه، 163_165. (1/23)
صفحة 16
إلا حين تُرك كتاب الله وسنة نبيه» (1)، ويختم: «واكتب إلى جواب كتابي إن استطعت، وانزع لي الشواهد من كتاب الله والبيِّنة منه ... والله قدير أن يجمع بيننا وبينكم على الطاعة» (2).
ولا أطيل هنا فالنصوص صريحة واضحة تبين مدى تعلق الإباضية بكتاب الله قولا وفعلا، ولعل ما يؤكد قرآنية المجتمع الإباضي وأئمته خطبة عبد الله بن يحيى الكندي، طالب الحق (ت 130هـ) بعد انتصاره في اليمن على ولاة بني أمية سنة 129هـ، حيث قال: «إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإجابة من دعا إليهما، الإسلام ديننا ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالا لا نبغي به بديلا، ولا نشتري به ثمنا قليلا، وحرمنا الحرام ونبذناه وراء ظهورنا ... » (3).
ومثل هذه الخطبة، خطبة أبي حمزة الشاري على أهل المدينة المنورة لما خضعت له عام 130هـ، إذ سمع أهل المدينة يعيبون أصحابه لحداثة سنهم وخفة أحلامهم. فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال: «يا أهل المدينة، قد بلغني مقالتكم في أصحابي ... وما عِبتُمُوه من حداثة أسنانهم. ويْحَكُم، وهل كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وآله المذكورين في الخير إلا أحداثا شبابا؟ شبابٌ والله مكتهلون في شبابهم غضيضةٌ عن الشرِّ أعيُنُهم، ثقيلةٌ عن الباطل أرجُلُهم، أنضَاءُ عبادة وأطلاح سهر، قد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابُهُم على أجزاء القرآن، كلَّما مرَّ أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقًا إليها، وكلَّما مر بآية من ذكر النار شهق خوفًا منها، كأنَّ زفير جهنَّم بين أذنيه. قد أكلت الأرضُ جباههم ورُكَبَهم، ووصلوا كلال الليل بكلال النهار ... » (4).
لقد كان أصحاب أبي حمزة الشاري مثل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم. تقيدا بكتاب الله في الحلال والحرام، وتلاوته آناء الليل
__________
(1) نفسه، 165.
(2) نفسه، 156.
(3) الأصفهاني، الأغاني، 23: 114، 115.
(4) الأصفهاني، الأغاني، 23: 114_115. (1/24)
صفحة 17
وأطراف النهار. وعلم الله ما في قلوبهم فأزال عنهم حكم بني أمية بعد ثورتهم، وأورثهم إمامة في عمان هي إمامة آل الجلندَى عام 132هـ، ثم إمامة الرستميين بالمغرب عام 160هـ. لينظر ماذا يفعلون. وبويع الأئمة في كلتا الدولتين الإباضيتين لإقامة كتاب الله. فسارت الدولتان بسيرة القرآن وسنة نبي القرآن، ردحا من الزمن، واشتهر عن المجتمع في كلتا الإمامتين البر والتقوى. وإذا ظلت الإمامة في عُمان متصلة، فإنها في أرض المغرب قد انقطعت لتخلفها إمامة من نوع آخر، ابتكار جديد تفتق به عقل المغرب، ذلكم هو نظام الحلقة الذي أسسه أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي (1) عام 409هـ. وهو نظام دقيق لم يسبق إليه من قبل. «وإنما كانت الحلقات فيما يبدو لا تخضع لمثل هذا التنظيم المحكم الدقيق الذي تروي تفاصيله كتب السير» (2).
إنَّ المراد بالحلقة هنا هو حلقة العلم، وعلم القرآن يأتي في المقدمة، ويحدد البرادي الفئات التي تكون الحلقة منذ عهد أبي عبد الله، فيقول: «وأهل الحلقة صنفان، آمر ومأمور. فالآمر اثنان: شيخ الحلقة والعريف، والعريف صنفان: منفرد وغير منفرد، فالمنفرد اثنان: عريف أوقات الختمات والنوم، وعريف الطعام. وغير المنفرد العرفاء من حمل القرآن. منهم من يكتب عليه طلبة القرآن ألواحهم ويصححونها عليه ويحفظونها. وعريف على أوقات الدراسة، يكون واحدا، ويكون أكثر. إنما هو على قدر الاحتياج إليه. والمأمور ثلاثة: طلبة القرآن، وطلبة فنون العلم والأدب، والعاجزون. ولجميعهم أوقات يختص بها» (3).
إن هذه المجالس القرآنية التي لا تزال قائمة في وادي ميزاب إلى اليوم، كان لها أكبر الأثر في المجتمعات الإباضية.
الأثر الأول:
إن كانت قبائل الأعراب الهلالية
__________
(1) انظر معجم أعلام الإباضية، العلم رقم 803. النسخة الرقمية.
(2) د محمد ناصر، حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي. ص7.
(3) البرادي، الجواهر، 207. (1/25)
صفحة 18
قد عُرِّبت في المغرب الإسلامي، ـــ كما يقال بوفرة عددها واحتكاك من احتك من البربر بها ــــ فلا أعدو الحقيقة إن قلت: إنَّ المجتمعات الإباضية التي تجنَّبت الاحتكاك بالأعراب، تعود فصاحة لسانها وقوة بيانها إلى الاحتكاك بكلام الله ليلا ونهارا.
الأثر الثاني:
الخلق القرآني الذي تميَّزت به المجتمعات الإباضية إلى يومنا هذا.
إن نظام الحلقة قد انشأ أجيالا من القرآنيين أُشربوا حُبَّ كتاب الله والاستماع إليه يتلى، فلم يهتم بالذكور دون الإناث، بل نظم مجلسا للنساء وهو «تِمْسِرِدينْ» و «تِرِوينْ». وكما يقول الدكتور محمد ناصر: «لا يُعرف تاريخ محدود مضبوط لذلك [أي مجالس النساء]، ولكن من المؤكد أنه كان موجودا في القرن التاسع الهجري (15م) ... » (1).
وظل هذا النظام قائما، ومجالس تلاوة القرآن مستمرة جيلا بعد جيل، لم تنقطع من وادي ميزاب منذ أن غرست فيه، فتنافست الناشئة في حفظ كتاب الله عن ظهر قلب، حتى كان في القرن العشرين لما تطورت وسائل التعليم، استحدثت في هذا الوادي مدارس عصرية اتجهت إلى تعليم القرآن بطرق رأتها حديثة وأجدى وأنفع. وجعلت كتاب الله على رأس مواد التدريس. ولمَّا شعر أهل هذا الوادي المقيمون في مدن الشمال بعائلاتهم أن المدارس الرسمية لا تشفي غليلهم من القرآن استحدثوا مدارس حرَّة في أغلب مدن الشمال، كان المنطلق فيها والهدف تحفيظ كتاب الله.
إن مسيرة قرن من القرآن الكريم في وادي ميزاب يمكن أن نقرأها بسرعة فيما يلي:
مجتمع قرآني في أغلب مظاهر حياته.
- عشرات من طلبة إيروان الحافظين لكتاب الله عن ظهر قلب.
- عشرات من الطالبات الحافظات (تِرِوينْ).
- عشرات من مخطوطات القرآن كتبت
-
__________
(1) حلقة العزابة، 44. (1/26)
صفحة 19
قبل وبعد انتشار الطباعة.
- تفاسير عديدة للشيخ القطب والشيخ ابن ادريسو محمد، والشيخ بيوض إبراهيم (1) وغيرهم في عُمان والمغرب الإسلامي.
- أشرطة ترتيل للقرآن الكريم للمقرئ إبراهيم كركاشة وغيره.
- كتب التجويد وقواعد التلاوة.
- ممارسة الترتيل في كثير من المساجد، وبخاصة في شهر رمضان، شهر القرآن.
- كتاب بخط جميل باليد للدكتور محمد شريفي، نال إعجاب كل المسلمين في المشارق والمغارب وعلى رواية ورش وقد اعتمدته وزارة الشؤون الدينية (2).
- أيام مسورية لفهم القرآن الكريم ببني يزجن، استمرت خمس دورات في خمس سنوات.
- أيام أولى وثانية لتدبر القرآن الكريم ببريان وتلتها أيام أخرى.
- المطياف القرآني، هذا المفهوم الجديد الذي جمع إلى أصالة القرآن الكريم، فعالية الوسائل المعاصرة، ويصل مناهج البحث العلمي بأبعاد الدراسات الجامعية.
هذا المطياف الذي رفع شعارا حضاريا متميزا، لو تأملنا فيه وأدركنا أبعاده ومراميه، وهو «اعطونا مطيافا قرآنيا، نعطكم حضارة عالمية».
لقد قال الدكتور حسن مؤنس في كتاب «الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها» ما يلي: «إن الحضارة لا تتمثل فحسب في عِظَمِ المنشآت، كالأهرام وقصور فرساي أو العمائر السامقة التي تصعد في الجو كأنها تنطح السحاب في نيويورك، بل هي تتمثل في صورة أوضح وأصدق في صغار الاكتشافات التي تقوم عليها حياة البشر. فرغيف الخبز مثلا أنفع للبشر من الوصول إلى القمر. وبالفعل أنفقت البشرية عشرات من السنين حتى وقفت إلى صنع رغيف الخبز أو إناء من الفخار، وانتقلت
__________
(1) انظر معجم أعلام الإباضية، العلم رقم 886، 881.
(2) وزارة الشؤون الدينية للجمهورية الجزائرية، اعتمدته بتاريخ 25 صفر 1399هـ. (1/27)
صفحة 20
نتيجة لذلك من حقبة من التاريخ إلى حقبة أخرى جديدة. والعبرة في منجزات البشر بما ينفع أكبر عدد من الناس، وييسر لهم أسباب الاستقرار والأمن، لا بما يبهر العيون ويرد للإنسان الشعور بالقلق وعدم الأمن».
ثم يقول: «فرغيف الخبز وإناء الفخار مقياسان للتقدم الحق من الوصول إلى القمر وعودة بقطع من حجارته، لأن رغيف الخبز نعمة لا يأتي منها إلا خير، وإناء الفخار اختراع أدخل على الإنسان تيسيرا بعيد المدى. وكلاهما نقطة تحول في تاريخ الإنسان. أو الأهرام أو ... فماذا تعني؟ فأما الأهرام فتعني أن ألوف البشر ظلوا يعملون لعشرات السنين كي ينشئوا قبرا لإنسان واحد ... » (1).
أخيرا أقول لندخل الألفية الثالثة جميعا بالقرآن الكريم، وذلك:
- بمجالس التلاوة الخالدة للقرآن الكريم حفظا له. (على ما هي عليه في مساجدنا).
- بمجالس الترتيل للقرآن الكريم نستحدثها في مساجدنا لنرقى بقراءة القرآن إلى ما يريده منزل القرآن.
- أنواع من الأيام المسورية، وإن اختلفت التسميات على أن لا تختلف الأهداف.
- بالمطياف القرآني حفظا لكتاب الله وترتيلا وتأليفا وتفسيرًا وتدبرًا وسبرًا لأغواره، وربطًا لأمَّة القرآن ببعضها، توجيهًا للإنسانيَّة إلى خيرها لعلَّ الله يجعلنا في القرن القادم للمتقين إمامًا (2)، وللعالمين هداة.
__________
(1) د. حسين مؤنس، الحضارة. دراسة في أصول وعوامل قيامها وسقوطها. ط2، عالم المعرفة، 1988. ص11.
(2) هذا المقال عبارة عن محاضرة ألقيت في مناسبة ثقافية علمية في أواخر القرن العشرين المنصرم، ونشير هنا إلى أننا لم ندرج جهود سلطنة عُمان و علمائها في القديم والحديث في هذا المقال. (1/28)
صفحة 21
إعجاز الهداية
في القرآن الكريم
أ/عيسى بن محمد بن بابا الشيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة ـــ القرارة ــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا، قيّمًا، وجعله نورا يهدي به من يشاء من عباده. والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبد الله ورسوله، بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ قال واصفا كتاب ربه: «هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم».
لقد جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وكرمه على كثير ممن خلق تفضيلا، فحمّله الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض، وأنزل عليه كتبا تهديه، وأرسل إليه رسلا ترشده، لتستقر قدمه راسخة على الصراط السوي، ويخطو في مأمن من الزلق على طريق بيّن لا يخاف دركا ولا يخشى، فيحظى بمرضاة الرب العفو الغني.
ولقد كان آخر هذه الكتب السماوية التي نزلت لهداية البشر القرآن العظيم الذي {لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}، وقد تكفل البارئ عز وجل بحفظه ليبقى خالدا إلى يوم الدين، ويستمر حجة قائمة على العباد إلى يوم يبعثون، وقد استودع الله تعالى كتابه العظيم هذا من البينات ما فيه هدى ورحمة للمتقين، وصرّف فيه من الآيات ما فيه بلاء مبين، وجعله مهيمنا على كل ما سواه من الكتب المنزلة فقال: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. وتحدّى الخلق كلهم أن يأتوا بمثله، أو بعشر (1/29)
صفحة 22
سُوَرٍ مثله مفتريات، بل ولو بسورة واحدة فما استطاعوا، ثم قال: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}.
وإنه ليحق لك أخي المؤمن أن تتأمل بعمق صنوف التحدي التي تحف هذا الكتاب الكريم، وتتساءل بحق عن أوجه الإعجاز التي تلفّ هذا القرآن العظيم، ثم إنه ليحق لك أن ترجع البصر فتنظر بعين الخبير البصير مدى تفاعل بني البشر مع هذه الأوجه من الإعجاز المتبدّية، ومدى تأثرهم بهذه الصنوف من الآيات المتحدّية في مختلف مجالات حياتهم الدينية منها والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها .. ثم إنه ليحق لك أن ترجع البصر كرتين فتلح في السؤال؛ باحثا عن أهم وجه من وجوه الإعجاز الذي استودعه الله قرآنه، وعن أهم عنصر من عناصر التحدي الذي أودعه كتابه، فكان به رائدا، واستمر به خالدا، ودام به معجزا دائما أبدا.
ثم إنه ليتعين عليك أن تكرر بالتساؤل مرة بعد مرة عن أول ما يهمك أن تعلمه من هذا الكتاب؟ وعن ماذا يجب عليك أن تعرفه أصالة حتى تنجو من غضب الله ومقته، وتحظى بعفو الله ورحمته؟ وأنت مستيقن بأن البشر بله الثقليْن كلهم متعبدون بهذا الكتاب المقدس الذي أنزله رب الجنة والناس على من قال له ربه: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، وعلى الذي أمره أن يخاطب الناس بقوله: {قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}.
معشر السادة القراء إنه لو سنحت الفرصة لأحدنا أن يصعد على طائرة استطلاعية، ويقوم بجولة تفقدية فوق مشارق الكرة الأرضية ومغاربها لرأى بأم عينه من العجب العجاب ما {يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الاَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} من أنواع الكفر والإلحاد، وأتباع الفسق والفساد، ولشاهد جموعا من المحادين لله ورسوله، وحشودا من المستكبرين عن آيات الله وكتابه، ممن لا يرقبون في الله إلاّ ولا ذمة، في بلاد أقبلت عليهم الدنيا بكل زخارفها فتنافسوها، ونسوا ما ذكروا به ففتح الله عليهم أبواب كل شيء، فكانوا في المدنية في أعلى عليين ولكنهم في البشرية في أسفل سافلين، فحق عليهم (1/30)
صفحة 23
قول رب العالمين: {أَفَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَّهْدِيهِ مِنم بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}.
كما تجد ذلك الزَّيَغان عن العقيدة الإلهية، وذلك الرَّوَغان عن الشريعة الربانية في بلاد قد أناخ الفقر بكلكله عليها، غشيت الجهالة العمياء أهلها فهم في ضلالهم يعمهون، يعيشون على هامش التاريخ كما يقال، أو هم ليسوا جزءا من التاريخ أصلا وكأنهم ليسوا من بني البشر بل هم بقايا من سلالات وحوش البقر، لا يدرون فيما يحيون، ولا فيما يعيشون، ولا فيما يموتون، {كَمَثَلِ الذِي يَنعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمُّم بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}.
وإن تعجب فعجب أخي المؤمن إذا أنت مررت على البلاد التي كانت مهدا للرسالات ومهبطا للنبوءات، وكانت محضنا للمرسلين وموطنا للنبيئين، عبر سالف الأزمنة والقرون، وقد قامت فيها الشرائع الإلهية دهورا، واستمرت فيها الديانات السماوية عصورا حتى اصطبغ أهلها بصبغة الله {وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً}، وإذا الخلائق قد تغيرت، والأخلاق قد تبدلت، فصرت لا ترى من الديانات إلا رمسا، ولا من الصلوات إلا همسا، ولا من تصفح شرائع الله إلا لمسا، وقد أحيل كل ذلك إلى أرشيف القرون الغابرين، وصار من مخلفات القوم المتأخرين، فما الذي دها تلك الأقوام حتى صاروا كالأنعام، وما الذي تغير في مفهوم الديانة فكان اتباعها على حافة الخيانة، وما الذي جعل أفق شرع الله ينحسر حيِيَّا بعد أن كان ينتشر صفِيَّا؟
أيها القارئ الكريم ما أريد في مقالي هذا استقصاء الأسباب وهي عديدة لا تخفى عن ذوي الألباب، وإنما أود أن ألفت انتباه السادة المتأملين، وأفهام الإخوة المتتبعين إلى خطورة تطور الأحداث، وتغير المفاهيم، وتقلب الزمان من خلال ظاهرة قد تبدو في طرحها غريبة، وقد لا تنسجم مع أفكار كثير من الأحبة القارئين، ولكنني أرى – والله أعلم فيما أرى – أنها من الأسباب البعيدة ولعلها القريبة التي أودت بالأوضاع إلى هذه الحالة المزرية التي تئن البشرية جمعاء تحت وطئتها، (1/31)
صفحة 24
وتتجرع الإنسانية جمعاء مرارتها في ألم شديد، وجرح صديد، وزمن مديد، وذلك لمّا حادت الأنظار عن المقصد الحقيقي من كتاب الله، وحالت الأفكار عن المظهر الإعجازي الأول من كلام الله الذي يتمثل في الحقيقة المثلى حقيقة الهدى أو حقيقة الهداية.
إننا لن نستطيع أبدا أن ننكر قوله تعالى في وصف قرآنه: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ}، وإننا لن نقوى جميعا أو أشتاتا أن نغفل عن الوجوه العديدة المختلفة التي جاء بها القرآن الكريم على وجه الإعجاز والتعجيز إلى يوم الدين، وإنما الذي بدا في العصور الأخيرة- عن قصد أو عن غير قصد- نوع من التوجه إلى الاهتمام إلى حد المبالغة والإغراق ببعض أنواع من الإعجاز القرآني في غفلة عن أهم إعجاز فيه، بل هو أوله وأعلاه، وأعزه وأغلاه، وما جاء القرآن الكريم منزلا من قبل مولاه إلا لتجسيده في واقع البشر المعيش إبرازا لعظمته، وإجلالا لمكانته.
لقد ظهر هذا الاهتمام من طرف بعض المسلمين عن نية حسنة تظهر مدى تقديرهم لكتاب ربهم الكريم، وما يزخر به من صنوف الإعجاز التي لا تحد، وما يزهر به من أوجه التحدي التي لا تعد، تباهيا وتفاخرا على كل من طغى وتجبر، كما بدا هذا الاهتمام من قبل كثير من أدعياء الإسلام أو أعدائه المتربصين له – والله أعلم بالمقاصد والنوايا- توجيها للأنظار إلى بعض حقائق علمية، ومظاهر كونية، وظواهر فلكية، وأرقام حسابية، وأغراض بيانية، وأسرار بلاغية، ولِمَ إلى نغمات صوتية، ومسابقات دولية، وكان التركيز عليها بصورة عجيبة، وفي هذا التركيز ما فيه من تصريف الأنظار عن المقصد الأول من إنزال الكتاب وهو الهدى، وتحريف الأبصار عن الهدف الأمثل من إرسال الرسول وهي الهداية، حتى لا يكترث المسلمون بكتابهم فيزهدون في تعاليمه التي لا توجد إلا فيه، كما يصرف عنه غيرهم؛ إذ يجدون فيما عندهم من صنوف المعارف، وفنون العلوم ما فيه الغُنية والكفاية، وقد ملكوا نواصيها وصاروا روادها السابقين، وإن قد تردّوا -في نظر الوجه الإعجازي الحقيقي للقرآن الكريم- إلى أسفل سافلين. (1/32)
صفحة 25
فغرضهم من ذلك ظاهر بيّن وقد اتضح الصبح لذي عينين، إنما هو إبعاد الناس عن طريق الهداية والرشاد، وإبقائهم على سبيل الغواية ودرب الفساد، ولذلك تجد كثيرا منهم إذا ذكر لهم حد من حدود الله أو حكم من أحكامه في العبادات؛ كالتزام المرء بالصلوات المفروضات، ووجوب إخراج الزكوات، أو المعاملات كحرمة التعامل بالربا ووجوب ارتداء الحجاب والالتزام بقسمة الله للمواريث؛ تشمئز قلوبهم، وإذا ذكر وجه من أوجه الإعجاز البياني أو العلمي إذا هم يستبشرون.
و لا يتسع المجال لضرب الأمثلة -وما أكثرها- فحسبنا من هذه مقولة للداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي، من كتابه القيم «فقه السيرة» يقول فيها: «أما تحويل الإسلام نفسه إلى غناء فيصبح القرآن ألحانا عذبة وتصبح السيرة قصائد وتواشيح، وقد تم هذا التحول على حساب الإسلام، فانسحب الدين من ميدان السلوك، وتحول القرآن إلى تلاوة منغومة فحسب؛ يستمتع بها عشاق الطرب، وهذا الذي جعل اليهود والنصارى يذيعونه في الآفاق وهم واثقون بأنه لن يحيي مواتا ... فإذا ابتغى المسلمون العمل الجاد المهيب فليطلبوه من مصادره المصفاة، قرآنا يأمر وينهى ليفعل أمره ويترك نهيه، وسنة تفصل وتوضح ليُسار في هديها وينتفع من حكمتها، وسيرة تنفح روادها بالأدب الزكي والقواعد الحصيفة والسياسة الراشدة وذلك هو الإسلام» إهـ.
فالسؤال المطروح الذي لا يزال يلح بنفسه في كل حين هو: ما هو وجه الإعجاز الحقيقي الأول والأولى للقرآن الكريم، والذي من أجله أنزله الله وضمن حفظه خالدا إلى يوم تشخص فيه الأبصار؟
إننا إذا جئنا إلى الإجابة على هذا السؤال العظيم لما أمكن لنا إلا أن نقول: إن أعظم صورة للإعجاز في القرآن الكريم، وأول ما يجب أن تصرف له الأفهام، ويولى له الاهتمام هو الهدى أو الهداية، وهذا ما يؤكده منزل القرآن في كتابه، وعلى لسان رسوله في بيانه.
أخي المؤمن إنك إذا تتبعت مادة "هدى" وما اشتق منها بمختلف صيغها في القرآن الكريم لوجدتها قد تكررت حوالي ثلاثمائة مرة، أما كلمة الهدى (1/33)
صفحة 26
وحدها فتكررت تسعا وسبعين مرة، وقد وُصف القرآن بالهدى والهداية في عشرات من الآيات، وإنه لمن عجيب الأمر أن يكون أول ما يوصف الكتاب في أول آية من سورة البقرة -وهي أول سورة من كتاب الله بعد الفاتحة التي هي أم الكتاب- هو الهدى، وذلك قوله تعالى: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمِّ ذَالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}.
ويقول الله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ}.
ويقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.
ويقول: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.
ويقول: {وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا}.
وإنك لتعجب أن يشهد بهذا الوصف للقرآن؛ طائفة الجن الذين حكى الله تعال عنهم في قوله: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوِا اِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا اُنزِلَ مِنم بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
و في قوله: {قُلُ اوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَئَامَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا}.
والعجب كل العجب أن يشهد بهذا الوصف للقرآن الكريم الذين أوتوا العلم من الديانات السماوية؛ من اليهودية والنصرانية على الرغم من العداوة المستحكمة بينها وبين الإسلام، فهذا رب العزة يقول: {وَيَرَى الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.
أيها القارئ الكريم ما وصف الله تعالى كتابه أبدا بأنه كتاب طب أو هندسة أو فلك أو حساب أو أدب أو قصص أو تاريخ أو غيرها من علوم البشر الدنيوية، وإن توجد فيه إشارات وتلميحات إليها، ذلك لأن هذه (1/34)
صفحة 27
الأصناف من العلوم والفنون مما تقتضيها طبيعة الغريزة البشرية التي استودعها أصل الإنسان، يوم أن علّم آدم الأسماء كلها فتسلسلت مع نسله، فكانوا يعملون بمقتضاها تلبية لرغباتهم التي لا تعد، وإشباعا لنهماتهم التي لا تحد، ومن ثم كان الملائكة الكرام في غفلة عنها لأنها لا تتعلق بالدينونة لله والعبودية للخالق فقالوا: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، وهم من هم في عبوديتهم لله {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}.
على أن العلوم مهما تقدمت والفنون مهما تنوعت فلن تكون إلا مصدقة لما جاء في القرآن الكريم، لأنه الحقيقة الكونية الأزلية التي لا تتبدل، ولن يكون القرآن إلا حجة عليها، ولن تكون أبدا حجة عليه، وإن الزمان مهما تبدل، والمكان مهما تحول لن يغيرا من عنصر الهداية شيئا مطلقا.
وإليك أخي المؤمن هذه الصورة الرائعة التي تمثل الهدف الأول والغاية المثلى من كتاب الله، في هذا الذي قاله سيدنا جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة إذ قال: «أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف – وهذا الذي كثر وشاع في جاهلية القرن الواحد والعشرين بأكثر مما كان عليه في جاهلية القرون الغابرين - ويواصل سيدنا جعفر فيقول: فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا». (1/35)
صفحة 28
وهذا ما ينقص العالم اليوم فكان يعيش حياة الضنك في ظلمات {بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتُم بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ, لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}، لأنه يفتقد إلى النور الذي أنزله الله {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ, نُورًا فَمَا لَهُ, مِن نُّورٍ}.
هذا هو النور، نور الهداية الذي أحال عمر من مشرك جبار خرج متوشحا سيفه ليغتال الرسول الأعظم، إلى مؤمن صادق يأبى أن يعبد الله سرا في دار ابن أبي الأرقم، والذي جعل أولئك الأفذاذ الأوائل من الصحابة الأفاضل يبلغون ذرى الكمال، ويرتقون سنام المجد الذي عز ما ينال، ويكونون سادة الأنام، وتطأ سنابك خيلهم بلاد فارس، ووهاد الروم، ورحاب أفريقيا، ويتربعون على عروشها في بضعة أعوام، وتحتضنهم الأمم والشعوب حيثما حلوا ضاحكة مستبشرة، فيكونون أعظم دولة في التاريخ بلغ ملكها مغرب الشمس ومطلعها، وساسوها دهرا في أمن وسلام، في حين لم تكتشف من هذه العلوم الحديثة شيء، وما كان لهم فيها من شرك وما لهم منها من ظهير.
إنها معجزة الهداية التي حلت وطيدة في القلوب، فحولتها نفوسا أمينة وقلاعا حصينة، وأسودا هصورة، يقول الأستاذ خالد محمد خالد -صاحب الكتاب النفيس «خلفاء الرسول»، الذي أنصح كل واحد بقراءته، والذي قال عنه الشيخ بيوض رحمه الله يوم أتم قراءته: «يشترى بوزنه ذهبا» - قال في سياق حديثه عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: «ذلك لأنه ينظر حواليه فيرى إمبراطوريات تتهدم، وعروشا تنهار، وشعوبا ذليلة تصحو وتتحرر، ثم ينظر بيد من يتم هذا العمل الجليل، إنه يتم بأيدي الرجال العاديين، الأميين والفقراء والبسطاء، الذين آمنوا بمحمد واتبعوا النور الذي أنزل معه، هؤلاء إذن هم قوام الحياة الجديدة».
وسائل نفسك مرة أخرى عن حال العالم كله بل عن العالم الإسلامي اليوم، في عصر بلغت فيه العلوم غاية لم تسبق، وتمكن من أسباب الغنى بما لا يلحق، فلن ترى إلا هولا، ولا تسمع إلا فزعا، ولا تعيش إلا ضنكا، وذلك لما أبعد عن منهجه عنصر الهدى، وعن سبيله مفهوم الهداية التي جاء بها كتاب الله على وجه الإعجاز (1/36)
صفحة 29
الأعظم والتحدي الأكبر لبني البشر. ... فالهداية هي سر النجاح، والهدى هو صمام الفلاح لمن أراد السعادة في دنياه وأخراه، ألا ترى أن الهدى هو أول ما أتاه الله أبانا آدم لما أنزله من الجنة فقال في سورة البقرة: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، وقَالَ في سورة طه: {قَالَ اِهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى}، ومن ثم كان أول دعاء علمنا الله تعالى إياه أن ندعوه به في كتابه قبل أي دعاء آخر، وضمنه سورة الفاتحة التي هي أم الكتاب والتي لا تتم الصلاة إلا بها، هو قوله: {اهْدِنَا اَلصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ}.
فالهداية الهداية معاشر السادة الأفاضل، فهي الوقاية من شرور الدنيا وعذاب الآخرة، وهي الملاذ لمن أراد السلامة في المعاش، والأمن في المعاد، وإننا كلنا حولها ندندن، ولن تتحقق الهداية الحق إلا من عند خالق الهداية، {قُلِ اِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى}، {قُلِ اِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ}، ولذلك لم يوكل أمر الهداية إلى أحد من خلقه من ملك مقرب أو نبيء مرسل، لأن الكل في حاجة إلى هداية الهادي إلى سواء السبيل، وإنما تعهد بها لنفسه: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُّتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهَدِّي إِلآَّ أَنْ يُّهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
ولن تجدوا الهدى إلا في كتاب الله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ, إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَالِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}، صدق الله العظيمٍ.
اللهم اجعلنا هادين مهديين، ممن حكمت عليهم بأنهم على هدى من ربهم وأنهم هم المفلحون في قولك: {اَلذِينَ يُومِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالذِينَ يُومِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1/37)
صفحة 30
معالم قرآنية
لتحقيق ميثاق الوحدة الإسلامية
الدكتور: مصطفى بن صالح باجو
جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة
مقدمة:
تتجه الجهود الطيبة لعلماء الأمَّة ومحبِّي الخير لها إلى تجسيد مبدإ القرآن الخالد «وأن هذه أمتكم أمة واحدة»، وقد عُقدت مؤتمرات، وأنجزت بحوث ودراسات عديدة في هذا المجال.
وكثير من تلك الجهود كانت خطوة جادة نحو تحقيق حلم طالما راود الصادقين من الغيورين على هذه الأمة الطيبة، الساعين للمّ شعثها ورأب صدعها، وتجسيد وحدتها التي دعا إليها القرآن وشرف بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حين جعلها أمة واحدة، وأقام دينها على عقيدة التوحيد، ورغب في جهود التوحيد، ومساعي الإصلاح، {((خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) ([سورة النساء].
ومساهمة مني في إثراء هذا المشروع رأيت أن ألفت الانتباه إلى معالم هادية لتحقيق هذه الوحدة الشاملة من منظور قرآني مع استبيان خطوات تجسيده عمليا، ومقاربة واقعية للاطلاع على مدى تحقق هذه الوحدة في التاريخ الإسلامي وما يقوم اليوم من عوائق في سبيل إعادة الوحدة إلى الواقع المعيش.
ورأيت تقسيم الموضوع إلى المحاور الثلاثة الآتية:
المحور الأول: مرتكزات الوحدة في القرآن الكريم. «التأصيل»
المحور الثاني: مرتكزات إصلاح الفكر لتحقيق الوحدة. «التطبيق»
المحور الثالث: مشروع الوحدة تاريخا وممارسة. «العوائق» (1/57)
صفحة 31
المحو رالأول: مرتكزات الوحدة في القرآن الكريم.
"التأصيل"
عالمية القرآن:
لا يجادل اثنان في عالمية القرآن، وأنه كتاب الله الخاتم للبشرية جمعاء، لم يخص به العرب أو أمة الإجابة وحدها، بل هو دعوة للعالمين جميعا، للانضواء تحت لوائه، حتى يحققوا أمنهم واستقرارهم، وينالوا سعادتهم المشودة، وينجزوا رسالتهم في الاستخلاف والتمكين.
ولا ريب أن أمة الإجابة التي شرفها الله باسم الإسلام تكون أول محقق لعالمية القرآن حين تمثل تعاليمه واقعا معيشا، فيكون في سلوكها قدوة لغيرها، ودعوة لسائر الأمم أن تهرع إلى حمى الكتاب، وتلتزم تعاليمه وتستنير بهديه.
وهذا المنطلق العالمي يقتضي من المسلمين وعيا بأهمية دورهم، وخطورة مواقفهم، ومصيرية قراراتهم، ومرجعية سلوكهم، باعتبارهم الأمة الوسط، والنخبة الرائدة للبشرية. وهذا ما يدعوهم لتجسيد الوحدة في كل شؤونهم جليلها وحقيرها، عامها وخاصها، جليها وخفيها. وأن لا تغيب عنهم هذه الحقيقة طرفة عين، وإلا كانت غفلتهم عنها بداية الانحدار، وشرارة النار، تأتي على بنيان الأمة من القواعد، وتنفر الناس عن هذا الدين، حين يبصرون في أتباعها التمزق والتشرذم، والتواكل والتآكل، والتدابر والتناحر.
ومهما أطال الخطباء، وأطنب الأدباء، وأسهب الكتاب والعلماء في بيان ضرورة الوحدة، فلن يجدي هذا فتيلا إذا لم يجد الناس لهذه الكلمات تحققا على صعيد الواقع المعيش للأمة الإسلامية.
أهداف القرآن
ليس ثمة من غاية قصوى ولا من هدف قريب لهذا الكتاب المنزّل إلا هداية البشرية إلى طريق السعادة، والأخذ بأيديهم إليها، فهو دليل أتباعه التأصيلي والتفصيلي، الذي يصحبهم في مسيرتهم إلى سعادتهم (1/58)
صفحة 32
في كل المراحل، بل ويقف إلى جنبهم يذلل لهم الصعاب، ويؤمّنهم من العثار، ويحذرهم من الانحراف، ويمدّهم بالعون في كل خطوة، حتى يصلوا غايتهم سالمين.
وتعاليم القرآن كلها تتمحور حول هذه الحقيقة الناصعة.
ففي كل آية معلم من معالم الهداية، ولافتة توجه السائرين، وتنبه إلى بنيّات الطريق، وتحذر من مخاطر المنعرجات، مثلما يرى المسافر في الطرق الحديثة، لافتات آمرة، وأخرى ناهية، ونوعا آخر منبها أو محذرا، ولا يفتأ يسترشد بها حتى يصل مبتغاه، وإن أعرض عن هذه اللافتات، أو خالف توجيهاتها، لقي عنتا في سيره، أو أخطأ هدفه، أو تعرض لخطر يأتيه من سيارته، أو من طريقه، أو من السائرين، أو نالته عقوبة من حرس الطرق والموكلين بأمن المسافرين.
ولله المثل الأعلى في هذا الدستور الكامل، فقد وضعه لخير البشرية جمعاء، وأراده مرشدا ومحذرا، وداعيا ومنبها، يرقب مسيرة الإنسان في رحلته إلى الله، ويرصده في رحلته حتى يأمن العثار والانكسار، والانحراف ذات اليمين أو ذات اليسار.
وكان من تعاليم هذا الدستور وحدة المؤمنين به، باعتبارها ركنا رئيسا لضمان سير القافلة، فلا يشذ عنها راكب، ولا يتخلف عنها أحد. وإلا افترسته السباع، واختطفته الصقور.
منطق القرآن:
أما منطق القرآن، فهو المنطق المتزن، الواقعي، الوسطي، الذي أقام البرهان على ضرورة الوحدة، وخطر التفرق.
وفي غير ما آية نجد تعاليمه قائمة على الدعوة إلى الوحدة، من مثل قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا (1/59)
صفحة 33
((((((((((كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) ([سورة آل عمران]
ففي هذه الآيات حقائق ناصعات لا يجوز أن يذهل عنها كل من يهمه أمر وحدة الأمة.
وتتمثل هذه الحقائق في القضايا الجوهرية المصيرية الآتية:
- الأمر الصريح بالاعتصام بحبل الله،
- وأن يكون هذا الاعتصام موقفا موحدا من جميع من تظلهم راية الإسلام،
- ثم النهي الصريح عن التفرق؛ لما فيه من محاذير تزعزع عقيدة التوحيد،
- والتذكير بنعمة الله بهذه الوحدة، والتأليف بين القلوب، بعد أن اكتوى العرب بخاصة، والبشرية بعامة بنار الفرقة والخصام، حيث استحالت حياتهم جحيما على الأرض، ومقدمة لشقاء أبدي "وكنتم على شفا حفرة من النار". ثم أدركتهم نعمة الله فأنقذهم منها.
- بيان رسالة الأمة وهي نشر الحق وهداية البشرية إلى النور، ولكن بعد ضرب الأمثلة في هذا الاهتداء. وتخصيص فئة متميزة تتمثل حقائقه واقعا معيشا، لا شعارات وادعاء. فهم فئة يدعون إلى الخير، ويرصدون المسيرة من الانزلاق والانحراف، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ولا كالوحدة خير للمسلمين، ولا كالتفرق شر وبلاء لهم.
- بيان أن الفلاح رهن تحقيق هذه الرسالة الرائدة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالفئة القائمة بهاتين الفريضين هم المستحقون للنصر والتمكين والفوز، "وأولئك هم المفلحون" لا سواهم. ومن حاد عن نهجهم حرم نعمة الفلاح.
- التحذير من التشبه بأمم أخرى داخلها فيروس التشرذم فتفرقوا. وكان ذلك بعد قيام الحجة عليهم، وسطوع (1/60)
صفحة 34
البينات بحرمة هذا الفعل، وتبيّن خطره وسوء مصير أهله. ولكن هؤلاء الأقوام آثروا طاعة الهوى وسوّل لهم الشيطان التنازع فحق عليهم العذاب العظيم. إذ انقطعت أعذارهم حين ركبوا رؤوسهم بعد الحجة والبيان.
هذه الحقائق الناصعة كافية لترشيد كل مسلم عاقل، وتحذيره من مغبة هذه العاقبة، إن كان عمله أو دعوته خارج مسار التوحيد، إذ يعدّ سعيه زجًّا بالأمة في هذا المسير، ودفعا لها إلى هذا المصير.
ثم إن منطق القرآن الواقعي يبني القضية على الصبر، ليجلّي لنا أن الوحدة ليست باقة ورد تنال بالإهداء، ولا مائدة تنزل على أهلها من السماء، دون مرابطة ومصابرة وعناء، بل دون ذلك جهاد واجتهاد، وبدونه لا نتيجة ترتجى، ولا وحدة تتحقق، وسنام الأمر الاستعانة بالله لأن الله مع الصابرين.
وقد وضع الله أيدينا على مفتاح القضية في هذا المقام بقوله: {((((((((((((اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) ([سورة الأنفال].
فقد ربط قضية العزة بالوحدة، حين بيّن نتيجة التفريط فيها بالتنازع، إذ يفضي التنازع إلى الفشل في مقاومة العدو، وذهاب الريح، وهو زوال القوة ونزول الوهن والضعف، وزمام الأمر كله منوط بطاعة الله ورسوله.
وتعاليم القرآن والسنة حافلة بالدعوة إلى الاستمساك بحبل الله ومجانبة سبيل الهوى والشيطان.
ثم أناط التوجيه القرآني القضية كلها في عروتها الرئيسة، وركنها الركين، ألا وهو الصبر. ودونه لا طاعة لله ورسوله، ولا تلاحم ولا وحدة، بل تكون المعصية والمخالفة لنهج الله، ثم التنازع وذهاب الريح، وفقدان معية الله، لأن معيته يختص بها الصابرون. وما يعقل هذه الحقائق الناصعة، والقوانين الصارمة إلا العالمون، وما يوفق إليها إلا المهتدون.
فالتنازع مآله الفشل، وضياع (1/61)
صفحة 35
الجهود، وزوال الهيبة، وانعدام الوزن والخطر، وتجرئة العدو على الإقدام للاستيلاء على مقدرات الأمة، والاستهانة بها، وتعريض كرامتها للمزاد، ومقدراتها للابتزاز.
ودستور الوحدة الإسلامية لا يتحقق إلا بتركيز هذه المبادئ والتوجيهات في أنفس المسلمين خاصتهم وعامتهم، روادا كانوا أم تابعين، وبخاصة من يتصدر قافلة الأمة في شتى مواقع التوجيه الفكري: في منابر المساجد، ومدارج الجامعات، وقاعات الدرس في المدارس والثانويات، ومحطات التلفاز والإذاعات. ودون ذلك لن نرتجي وحدة ولا لمّ شمل ولا قوة ولا انتصارا على أعداء الأمة والدين، وما أكثر الأعداء المتربصين، والكائدين لهذه الأمة بشتى الأساليب والوسائل كل حين.
مبادئ القرآن
القرآن الكريم طوق النجاة، ودليل السعادة. هذه حقائق لا يجهلها ولا يماري فيه مسلم.
ومبادئ القرآن قائمة على ركنين أساسيين: توحيد الله، وتوحيد الصف. أو كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة.
فتوحيد الله إفراده بالعبودية والتعظيم، والدينونة له بالطاعة والقصد في كل الأعمال جليلها وحقيرها، والإيمان بيوم الجزاء موعدا لتحقيق العدل في سعي الناس في هذه الحياة. ودون الإيمان بالله واليوم الآخر لا يرتجى صلاح للبشرية ولا استقامة ولا أمن ولا استقرار.
وكل سعي خارج هذه المظلة، جهد مهدر، وعمل لا يثمر، {((((كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ([سورة الكهف]
أما من عمل لغير الله، وابتغى بسعيه مقصدا آخر فله ما نوى، {((كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) ([سورة الشورى]
والدعامة الثانية هي وحدة الصف. (1/62)
صفحة 36
وقد سبقت الإشارة إلى أهميتها، وأن القرآن أولاها مقاما عليًّا، وجعلها صنوا لتوحيد المعتقد، ولازما له، وأي خلل في هذه الوحدة فإنه ينبئ عن خلل في توحيد الله، لأنه جمع المؤمنين به في زمرة واحدة، ودعاهم إلى عبادته صفا واحدا، وأمرهم بالتضامم ليجابهوا عدوهم الأكبر "الشيطان" وحزبه، إذ لا وجود لأحزاب في معيار القرآن إلا لاثنين، حزب الله وحزب الشيطان. وقد كتب الله الفلاح لحزبه، والخسار لحزب عدوه، تحقيقا لدعوة صاحب كل حزب. فدعوة الله إلى حيث النعيم والسلام. {((((((يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) ([سورة يونس]. بينما يدعو الشيطان أتباعه إلى حيث الجحيم والشقاء: {(((الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) ([سورة فاطر].
أسلوب القرآن في ترسيخ وحدة الأمة:
يتبوأ القرآن قمة الإعجاز البياني، الذي به تحدى البلغاء، فأعجز فصحاء العرب عن مضاهاته، وثبت بذلك أنه كتاب حق من عند الله، وتحدّى الله العرب والإنس والجن قاطبة أن يأتوا بمثله، فأذعنوا لبلاغته، وكان ذلك سبب إيمانهم، إلا من اختار المكابرة حسدا وبغيا.
وكل هذه المعالم في تاريخ الدعوة مسجلة بتفاصيلها في آي القرآن، يقصر عن حصرها المقام.
ومن أجلى وجوه الإعجاز في أسلوب القرآن مزاوجته في الخطاب بين مقتضيات العقل، ومؤثرات القلب، فقد جمع في خطابه بين الإقناع العقلي والتأثير العاطفي، في أسلوب متوازن لم تعرف البشرية له نظيرا.
ومرامنا الإشارة في هذه النقطة إلى أسلوب القرآن وأدواته في خطاب المكلفين، وضرورة توظيفها في تحقيق أهدافه.
وقد وجدنا آي القرآن متنوعة، وأدواته متعددة في بلوغ الهدف وإيصال الفكرة إلى المخاطب، فتارة يستثير مشاعره، وطورا يوجه تفكيره، وأخرى يضع أمامه آية من آيات الخلق، وحينا يذكره بأصله، وأحيانا (1/63)
صفحة 37
يحذره من سوء العاقبة، وفي كثير من الأحيان يفتح أمامه مشاهد يوم القيامة. وكل ذلك لضمان الاستجابة، وتأمين الاستمرار على الهداية، وتحصين المسلم من مخاطر الانزلاق، وعقابيل النسيان.
وفي مجال الوحدة، نجد هذه الأساليب والأدوات التعبيرية والتصويرية حاضرة في آيات القرآن، وهي جديرة بالتوظيف في منهج الدعاة اليوم، لتحقيق الوحدة المنشودة.
فقد دعا القرآن البشرية إلى توحيد الله، حين ذكرهم بوحدة أصلهم، وأن الله خالقهم جميعا، من أب واحد، {(((((((((((النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا ((((((((((((لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ([سورة الحجرات]
فذكرهم بأصلهم الأول، وأبيهم آدم، وخالقهم الواحد، وجعل نسلهم في أنساب تجمعها دوائر الشعوب، وتربطها أواصر القربي ونسب القبائل، وحدد هدفهم من ذلك كله ألا وهو التعارف، وما التعارف إلا مقدمة للتعاون على البر والتقوى، ثم بين أن سنام الأمر في هذا هو التفاضل بين أبناء آدم، ولا معيار لهذا التفاضل إلا التقوى، وهو معيار خفي لا يعلمه إلا خالق الإنسان العليم بأحواله الخبير بما يجنّه ضميره، ولا غرو فهو الخالق العليم بخلقه {((((يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) ([سورة الملك]
ونجد النسق نفسه في مواضع من الذكر الحكيم، تربط بين التقوى وبين أصل الإنسان {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) ([سورة النساء].
فجعل لخلق الإنسان من نفس واحدة صلة بتقوى الله، وجعل في كثرة النسل دليلا على قدرة الله ونعمته على الإنسان، مما يدعوه إلى تقواه، ويحمله على مراعاة تلك الرحم الجامعة، فيحيي بذلك رقابة (1/64)
صفحة 38
الخالق على أفعاله وتصرفاته، فلا يسعى لتقطيعها أو توهينها.
ولا يعني رابطة الرحم إلا مقدمة لرابطة الدين، وتوطيد لحمتها بوشائج التوحيد، لتكوين الأمة الرائدة المتلاحمة، وإلى ذلك يدعو الحق عز وجل عباده بقوله: {((((هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)} [سورة:]
وقد جاء هذا البيان القرآني بعد ذكر مَن سبق مِن الرسل وذريتهم الطيبة، من إبراهيم وذريته إسحاق ويعقوب الصالحين، وداود وولده سليمان، وزكرياء وأهله وولدهما يحي، فختم قصص هؤلاء بالتنبيه إلى ضرورة ترابط لحمة النسب وقيامها على أساس الدين، حتى تتآزر الروابط، وتتحقق الوحدة المنشودة في المعتقد والموقف والسلوك، وتتلاحم وحدة الصف بكلمة التوحيد.
أما إن انتقضت كلمة التوحيد لم تشفع لأهلها روابط الدم والنسب، وكذلك كان حال إبراهيم مع أبيه، وحال نوح مع ابنه، وحال لوط مع امرأته. كما فصلتها مشاهد هذه السورة الجليلة.
وأكد القرآن هذه الصلة الوثقى بين توحيد الكلمة وتوحيد الصف، في سورة أخرى فقال: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) ([سورة المؤمنون].
فجماع الأمر من هذا التوجيه تحصيل التقوى، لأنها مناط التكليف، وبناء عليها يتحدد مصير الإنسان.
ومنهج القرآن واضح جليّ، وهدفه محدد بارز، فقد ربط الله بين معيار التقوى، وبين مصير الإنسان، ألا وهو الوقوف بين يدي الله في موعد آت محتوم {(((((((((((اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) ([سورة البقرة].
وقد ركز القرآن في غير ما آية على قضية المصير، لأنها تزيل كل أسباب التفرق والتنافر والتناحر بين البشر، وتذيب فوارق الجنس واللون والمنزلة الاجتماعية (1/65)
صفحة 39
والطبقية، حين تربط الإنسان بمستقبله المحتوم، ليقف بين يدي خالقه يسأله عن أيامه التي منحها إياه في هذه الحياة.
فسؤال الإنسان هو الغاية من الحشر، ليتحدد مصيره الأبدي بعد ذلك، إما إلى دار رضوان ونعيم، وإما إلى جحيم مقيم.
وتحديد المصير رهن بما قدم في هذه الحياة، هل قضاها في الصالحات ونفع الناس وجمعهم على الخير، يصل ما أمر الله به أن يوصل، أم قضاها في مقارفة المآثم، والسعي لقطع ما أمر الله به أن يوصل، ونشر الفساد في الأرض؟.
وقد قدم القرآن عرضا تفصيليا لدور كل فريق وما سجله في ديوانه من عمل، ثم ما ترتب على ذلك من جزاء ومصير، وعرضه في لوحة حية تأخذ بمجامع القلب، وتستحوذ على اهتمام العاقل البصير ليقرر مصيره من الآن، ويسعى لرأب الصدع ولمّ الشمل، وجمع الكلمة، ووصل ما أمر الله به أن يوصل قبل فوات الأوان:
{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) ([سورة الرعد]. (1/66)
صفحة 40
المحور الثاني: مرتكزات إصلاح الفكر لتحقيق الوحدة.
"التطبيق"
الانطلاق من الفكر إلى الممارسة:
بناء على التأصيل القرآني لقضية وحدة الأمة، ووحدة الصف، في السرّاء والضراء، {(((((اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) ([سورة الصف]
فقد أصبح لزاما أن تترجم هذه المبادئ إلى حقائق واقعة، وتنتقل من الفكر إلى الممارسة.
ولا أضمن لهذه النقلة إلى عالم التطبيق من إحياء معاني القرآن في نفوس الأمة كلها، وتركيز الجهد على توجيه الخطاب الجماهيري في شتى المنابر لإحياء هذه المعاني في النفوس، ومجاهدة النفس لترجمتها إلى سلوك عملي، واعتبار ذلك من أشرف العبادات، وأجلّ القربات، بل ومن أكبر أنواع الجهاد، لأنها سبيل محفوفة بالمثبطات، تتوالى على المرء من داخل نفسه الأمارة بالسوء، النزّاعة إلى الفرقة، ومن خارجها من وسوسة الشيطان، ومن دعاته وأنصاره من الإنس والجان. وهذا ما يدعو المسلم الرباني إلى الحذر من هذه المخاطر، واستحضار يوم المساءلة الأكبر كل حين، حتى يغالب بتذكره وسواس النفس وهمزات الشياطين.
محاور إصلاح الفكر لتحقيق الوحدة:
وإصلاح الفكر الإسلامي لينسجم وتوجيهات القرآن لتحقيق الوحدة المنشودة يكون عبر المحاور الآتية:
أولا: ربط الإنسان بخالقه، وتذكيره بنعمة الإسلام، ومساءلة الإنسان غدا عن كل أقواله وأفعاله، فلا ينطق إلا خيرا أو ليصمت.
وهذا كفيل بلجام لسانه عن التفوه بما يغضب الله، ويرضي الشيطان، وفي مقدمة ذلك الكف عن كلمات التفريق، وأسبابه، وقد حذرنا المصطفى بقوله: «إياكم وفساد ذات البين، فإنها الحالقة، لا أقول تحلق (1/67)
صفحة 41
الشعر، ولكنها تحلق الدين» (1). بل جعل دخول الجنة مشروطا بالإيمان، وبنى الإيمان على المحبة بين المؤمنين (2). فأين التفرق والتنافر من هذه التعاليم والأحكام؟.
ثانيا: التركيز على يوم الجزاء، وإحياء معاني المصير في نفس كل مسلم، حرصا على مداومة الرقابة الذاتية، فلا ينزلق به لسان أو تصرف أو مقال فيكرس به الفرقة أو يغرز بها سكينا في وحدة الصف، فيشرخها أو يقوض دعائمها.
ثالثا: عدم تقديس الآباء:
ومأتى كثير من المسلمين في تكريس الفرقة القائمة، ترديد المبدإ المنقوض بصريح القرآن {((((((وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) ([سورة الزخرف].
فما كان من خطإ في التاريخ الإسلامي لا يجوز أن يكون مرجعا للمسلمين، بل إن لكل امرئ عمله، وكل بشر يصيب ويخطئ، والحكم المرجع هو دستور المسلمين الخالد المحفوظ، وقد تبين لنا ما قرره في أمر الوحدة والتوحيد، بما ليس عليه مزيد.
ولئن أخطأ بعض من سبقنا، فلا يجوز أن نغض الطرف عن صواب كثيرين ممن مضى، وكانوا على بصيرة من دينهم وكتابهم، أفلا يجدر بنا أن نتخذ هؤلاء قدوة، لأنهم أهدى
__________
(1) – «عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ»، سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه، حديث 2509.
(2) – عن الزبير بن العوّام أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ». الترمذي، كتاب القيامة والرقائق والورع، باب منه، حديث 2510. (1/68)
صفحة 42
سبيلا، وأحسن فعلا وأقوم قيلا؟
والذي نأسى له أن نجد بعض المسلمين اليوم، وبخاصة من يتصدرون للتوجيه، من يعمد إلى انتقاء مقولات علماء سابقين، فيجعلها مستندا لتكريس التشرذم والفرقة بين أبناء الأمة، وما ذاك إلا عن عدم بصر بحقائق الدين، بل أكاد أجزم أنه استجابة لدافع سيء من النفس الأمارة بالسوء، ومن شياطين الجن والإنس ممن يزخرفون القول، ويلبسون الحق بالباطل، ويزعمون أنهم يريدون الحق وإليه يهدون، وهم عن الهدى بعيدون، وعن حقائق القرآن غافلون، وبها جاهلون.
رابعًا: عدم تحميل الأبناء تبعات السابقين:
مما يزيد الطين بلّة في مقام معالجة أسقام الأمة المكينة، وفي صدارتها داء الفرقة والتشتت، ما نجده في خطاب المنابر في مواقع شتى من العالم الإسلامي، إدانة الأجيال الحاضرة، بتصرفات بدرت من أناس مضوا في الأعصر الغابرة، وتحميل الأبناء جريرة الآباء، إن كانت تلك جريرة بحق ويقين، إذ كثيرا ما تكون روايات التاريخ مدسوسة أو مفتراة، لا تصمد أمام النقد العلمي النزيه. والحال أن القرآن في آياته، والإسلام في أحكامه، قد حسم المسألة بجلاء، حين قرر المسؤولية الفردية لكل إنسان عن عمله، في الدنيا والآخرة، فلا يعاقب أحد بذنب أحد، ولا يتحمل أحد جريرة أحد {((((نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) ([سورة المدثر].
ونص القرآن صراحة على انقضاء من سلف بما أتى من أفعال حميدة كانت أم ذميمة، قد خلت، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى (18) ([سورة فاطر].
فعلامَ الإصرار على نقض كل هذه المبادئ، والتعمية على كل هذه الحقائق، لتأريث نار الفرقة، وإشاعة سوء الظنون، وتبييت النوايا السيئة بين المسلمين، حتى تدوم حالة الوهن، وتظل أمة صالحة للاستذلال والاستغلال إلى يوم النشور.
ولو حييت معاني الإيمان الحق في النفوس، والخوف من مساءلة الله يوم (1/69)
صفحة 43
الجزاء، لعالجنا هذه الأدواء من الجذور.
خامسًا: اعتماد قاعدة «تلك أمة قد خلت»:
وهي قاعدة قرآنية قطعية، تنبني على مبدإ المسؤولية الفردية للجماعات والأجيال، تماما مثل مبدإ المسؤولية الفردية للأشخاص.
وهذا ما يقتضيه العدل الإلهي، ويقره منطق العقل والفطرة السليمة، فكما أنه لا يسأل أحد عن أحد، وكذلك لا يسأل قوم عن قوم، ولا جيل عن آخر.
بل إن الإسلام يقرر أن على المرء أن يشتغل بما لا يعنيه، وما دام ليس مسؤولا عمن مضى، فلا يجوز له أن ينفق عمره الثمين لنبش القبور ومحاكمة من أفضى إلى ربه، ولقي ما عمل.
وإن كان ثمة من مبتغى يرتجيه من دراسة الماضين فهو الاعتبار والادكار، والتأسي بالأخيار، وتجنب ما حدث من أخطاء، حتى يكون تأخره الزماني فرصة لتقدمه الإنساني في مضمار الرقي والاستقامة واتخاذ أسباب النصر والرشاد.
وتلك غاية ما قص لنا من قصص الأنبياء والأمم السابقة في القرآن، {((((((كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ([سورة يوسف]
والحال أننا ذهلنا عن مقصد القرآن من استذكار التاريخ، واتخذنا ترداد التاريخ محاكمات للغابرين، ومخاصمات للحاضرين، وشغلا للفكر عن مهمات القضايا، وإهدارا للطاقات في توافه الدعاوى، وتكريسا للعداوات والبلايا.
ولو عقلنا معاني القرآن، والتزمنا مبادئه ما كان منا ما كان.
سادسًا: الاحتكام إلى العقل والمنطق:
لا شيء ينغص على الإنسان حياته، ويضيِّع عليه فرص النجاح، والتقدم، كالاحتكام إلى منطق العاطفة بعيدا عن منطق العقل.
وقد منح الله الإنسان هذا الميزان ليضبط به مسار حياته، ويوازن بين (1/70)
صفحة 44
الأشياء، فيتضح له النافع فيقصده، ويتبين له الضار فيتقيه.
وخطاب القرآن للبشرية كان مبنيًّا على أساس الحوار العقلي وحجج العقل، وفي أحيان عديدة يمزج ذلك بالإثارة العاطفية حتى تتحرك دافعية الإنسان إلى الاستجابة والتأثر، فيترجم قناعة العقل إلى سلوك عملي.
بيد أن المسلمين في مساحات واسعة من حواراتهم، وكتاباتهم، وسلوكهم، غيبوا جانب العقل واحتكموا إلى العاطفة، فكانت نتيجة مسعاهم سلبية في أكثر الأحيان.
ووحدة الصف لن تعود إلى عافيتها دون تحكيم العقل في نتائج الوحدة على كل الأصعدة، وفي كل المراحل، وتجلية وخيم العواقب على الأمة حين تغيب الوحدة، وتستبدل بها النفرة والشقاق والتدابر، وكفى هذه العقابيل خسرانا قول المصطفى عليه السلام «فإنها الحالقة، التي تحلق الدين». وهل يرتجى خير لمن حلق دينه وزال عنه أساس سعادته في العاجل والآجل؟.
ودستور الوحدة الإسلامية يجدر به أن يركز على حقائق الوحدة، بالأرقام والإحصائيات، ويكشف عن أضرار التفرق بالأرقام والإحصائيات، ويعمم هذه النتائج على أكثر من صعيد، ويوجه المتصدرين للمنابر المتصدين لبناء العقل المسلم إلى ترسيخ هذه النتائج في وعي المسلمين حتى يستجيبوا لداعي الوحدة بكل صدق ويقين. ولا تظل الوحدة حلما يراودهم ساعة، ثم يخلدون إلى ما ألفوا من التنابز والتباغض وسوء الظن، والكيد لبعضهم، ويزعمون بعد ذلك أنهم أمة وحدة وتوحيد.
سابعًا: رفض الانسياق وراء تيارات الفرقة، والتأثر بها:
وحدة المسلمين غاية عزيزة المنال، ومما أغلى مهر تحصيلها تجار الفرقة وسماسرتها، وفي صدارتهم دعاة الشعوبية الحديثة، الذين ينعقون بالعصبية القومية، والأفكار المنافية للوحدة، مما يفرخ في عقول البشر التائهين عن هدى الإسلام. فتارة نسمع بالوطنية، وأخرى بالقومية، وطورا بالعرقية، وآخر بالمذهبية، وطورا بالديمقراطية، وآخر (1/71)
صفحة 45
بالعلمانية، وحينا بالعالمية، والقائمة مفتوحة للتكاثر.
وبعض أبناء المسلمين لجهلهم أو سذاجتهم يصدقون بهذه الشعارات فينساقون وراءها، ويضحون بوحدة أمتهم في سبيلها. ويزيدون فرقتها، بما يضيفون من جديد علل إلى أدوائها، فيطيلون ليل بلائها، ويعسر على دعاة الوحدة رأب الصدع وعلاج الداء إلا بمضاعفة الجهد، وطول الزمن، وكل ذلك تفويت لفرص ثمينة، وتضييع لطاقات ومقدرات وجهود كان أولى بها أن تصرف في تشييد مجد أمتنا المنتظر. ولكن ..
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا
فما حيلة المضطر إلا ركوبها
ثامنًًا: تفعيل منطق الاحتمال «وإنا أو إياكم»:
من المبادئ التي قررها القرآن الكريم، واتخذها منهجا لنشر دعوته بين الناس، وتقرير الصواب في المعتقد وبيان خطإ التصورات والديانات المخالفة للتوحيد الصحيح، مبدإ الحوار والإقناع، وفتح جسور الجدل الهادف، دون إقصاء أو حكم مسبق، أو إغلاق الوجه أمام الرأي المخالف مهما اشتط في الضلال، واستبد صاحبه برأيه معتقدا صوابه إلى أبعد حدود الاعتقاد.
وقد كان لهذا المسلك أثره الواضح في استلال سخائم العداوة وأسباب رفض هذا الدين من قلوب كثير من الناس، وإحلال الإنصاف والاعتراف في نفوسهم، ففتح الله قلوبهم لنور القرآن، وانضموا إلى قافلة المؤمنين فاعتز بهم الدين، واستُنقذوا من براثن الجاهلية، وأصبحوا هداة مرشدين.
ذلكم هو منطق الاحتمال، وأعني به احتمال الصواب والخطإ في الفريقين معًا، وفق إرشاد الله في كتابه الحكيم، إذ وجّه إليه المؤمنين في حوارهم مع المشركين حتى يعترفوا بالله رازقا للخلق، فيذعنوا له بالعبودية والتوحيد، فقال: {((((مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) ([سورة سبإ]. (1/72)
صفحة 46
ثم ترك المجال مفتوحا لكل امرئ وما اقتنع به، دون فرض وصاية على أحد، وإكراهه على معتقد بلا طمأنينة أو اقتناع. {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) ([سورة سبإ]. لأن الحكَم هو الله، وإليه المصير ليسأل كلا عمّا فعل: {((((يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) ([سورة سبإ:].
ودائرة الحوار لم تنحصر في إطار معين، بل شملت المشركين وأهل الكتاب جميعا، {((((تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) ([سورة العنكبوت].
ولئن كان هذا المنطق مهمًًّا وضروريا مع غير المسلمين، وقضايا الخلاف فيه جوهرية تمس أساس التوحيد، ومصيرية يتعلق بها موقف المسلمين، ومصير البشرية جمعاء، أفلا يكون الأمر أكثر تأكيدا، وأخطر تأثيرا في خلافات المسلمين أنفسهم، فيتسع الصدر لها ما دام يحتملها نص الشارع، وتحتضنها مظلة الإسلام، ولا تمس جوهر الدين ولا قطعيات الشريعة السمحاء؟
إن كثيرا من القضايا الخلافية استغلت استغلالا سيئا لا لتبيان وجه الحق، بل لتمزيق الصف، وترسيخ الفرقة، وتأريث نار العداوة والشقاق بين أبناء الأمة الواحدة. وما أكثر هذه النماذج في تاريخنا الإسلامي القديم والحديث على حد سواء.
ولا ضير أن يقع الحوار الهادئ المتزن بين المسلمين فيما وقع فيه الاختلاف، شريطة أن يلتزموا أدب الحوار وقواعد الاختلاف، ولا يتخذوا من الظنيات أصولا وكليات يفرعون عليها أحكاما تناقض القطعيات، من استباحة عرض المسلم أو دمه أو ماله، ورميه بأشنع التهم وأقسى الأحكام، دون سند من الشرع الحنيف.
وجدير بكل من أوتي مسؤولية الكلمة أن يتنبه إلى هذه الحقيقة الناصعة، ويتخذها منهجا لإعادة وحدة الصف إلى وضعها السليم. (1/73)
صفحة 47
تاسعًا: رفض الإصرار على الفكرة دون حجة قاطعة:
تماشيا مع قواعد ترسيخ الوحدة، ونبذ أسباب الفرقة، يجدر أن تترجم الرغبة في الوحدة إلى خطوات عملية حقيقية، ومن أهمها لزوم الإذعان لصوت الحق إذا دعا المتناظرين، والترفع عن المراء والإصرار على الرأي إذا عري عن الدليل، أو لم يكن له وجه حق من عقل ولا دين.
وقد كان للإصرار على الآراء النشاز دور في تعثر جهود طيبة بذلت لتقريب الشقة، وتوحيد الصف، فكان لا بد من تصحيح هذا الخلل بالاحتكام إلى منطق القرآن الذي أنصف العقل حين استعرض حجج منكري التوحيد، ومنكري الإسلام، ومنكري البعث، وغيرهم ممن ألحد في الله، أو انحرف في السلوك، فبسط الله حجج الجميع، وبيّن خطأها، ثم أقام حقائق الدين الحق، وأثبتها بالبرهان، وألزم العقلاء أن ينصفوا من أنفسهم ويصيخوا لقولته الصادقة وحجته القاطعة.
والقرآن طافح بنماذج من هذا النسق الحجاجي الرصين، نجتزئ منه آية تكون أنموذجا وافيا بالمطلوب؛ مفضية إلى الغرض المقصود. إذ يقول الحق عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) ([سورة هود].
فقد عرض دعواهم واتهامهم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم باختلاق القرآن، وردّ عليهم بلازم قولهم، أن تفضّلوا بمضاهاته فيما اختلقه، وفتح لهم فرص التحدي إلى أقصى الحدود، وأن يستعينوا بمن شاؤوا للإتيان بجزء لا يعدو عشر سور مفتريات. وإذا ثبت عجزهم لزمهم الاعتراف بكذب دعواهم أولا، ثم الإذعان لدعوى محمد وهي أن هذا وحي من عند الله، وحق عليهم الإقرار يقينا بصدق هذه الدعوى، وأن هذا كلام الله لا سواه. وهو المتفرد بالألوهية والخلق، والوحي وإرسال الرسل. (1/74)
صفحة 48
ثم جاءت النتيجة المنطقية الجلية، والخطوة العملية المرجوة: "فهل أنتم مسلمون"؟.
هكذا نريد من الحوار بين المسلمين أن يفضي إلى أمثال هذه المواقف الشجاعة المنصفة، ليقضي على أسباب الفرقة ودواعي الاختلاف والتنازع، وتضييع الجهود دون طائل ولا ثمرة ترتجى، في الدنيا ولا في الآخرة.
وكل تغييب لهذه القاعدة سيكون إطالة للأزمة الراكدة، بل ترسيخ للمصائب المتتابعة على أمة الإسلام. وحينها يصبح الجدل تهافتا وتهاترا، بل واستعراضا للعضلات، واستنزافا للطاقات والقدرات.
وقد أثبت القرآن خطر هذا المنهج على مصير الإنسان، في شؤون التوحيد، وكذلك الأمر يكون في سائر شؤون الحياة. {((((يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) ([سورة المؤمنون].
المحور الثالث: مشروع الوحدة تاريخا وممارسة.
"العوائق"
محاولة إسقاط مبادئ القرآن على الواقع التاريخي الإسلامي:
بعد هذه النظرة التأصيلية لأرضية الوحدة الإسلامية وميثاقها من منظور قرآني، يجدر بنا أن نلقي نظرة عجلى على واقعنا التاريخي لنستجلي العبرة في مسيرة أمة الإسلام من هذه الضوابط، ومدى قربها أو بعدها عنها، حتى نضع الدواء على الداء، ويمكننا تفسير ما حدث وتعليل ما جرى، دون حيرة أو تردد أو استغراب.
ومن الإنصاف أن نعجل بذكر الحقيقة المرة، وهي أن المسلمين لم يحتفظوا كلهم بالمستوى الرفيع الذي رسمت معالمه التفصيلية تعاليم القرآن وهدي المصطفى عليه السلام، وجسدته سيرة الصالحين من أئمة المسلمين منذ (1/75)
صفحة 49
عصر الصحابة الأجلاء.
فقد حدثت أخطاء عديدة في تاريخ هذه الأمة أورثت النتائج المنطقية السلبية بل المدمرة لوحدة الأمة، ولا يزال المسلمون يدفعون ضريبة هذه الأخطاء، ويتحملون أوزارها وتبعاتها، في نزيف غير محدود، لمّا ينته أمده بعد، وربما يبدو عند التشاؤم ممتدا إلى ما شاء الله من السنين أو القرون.
واللافت للانتباه أن تحدث هذه الأخطاء في منطلق مسيرة أمة الإسلام، بل إن بعضها نجم على عهد رسول الله، وقد حذر منها أصحابَه، ورفع أمامهم اللافتات الحمراء، لأنه يدرك بوحي الله أن تلك شرارة لا تلبث أن تغدو حريقا يأتي على بيت المسلمين، ويقوض دعائمه من القواعد.
وقد قطع الله العذر على الأجيال المسلمة، حين قدّر أن تقع هذه الأخطاء في زمن رسول الله، حتى يبين كيفية معالجتها، ويقدم النموذ العملي لتجاوزها، فكان في هذه النماذج حلول عملية، وخطوات رائدة تهدي الأمة للخروج من الأزمة إن وقعت.
فالنظرة التفاؤلية تحملنا على استبشار الخير بحدوث تلك السوابق، إذ كفانا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مؤنة العناء في بحث الحلول لها.
وقد زخرت سنة المصطفى عليه السلام بهذه المواقف الراشدة، تسديدًا لمسيرة الأمة، وتصويبًا لأخطاء الممارسة الواقعية لبعض الصحابة رضوان الله عليهم.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «من قال لأخيه المسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما» (1)، فبيّن خطورة هذا الحكم دون مبرر شرعي يقيني. لأن الحكم بالكفر ينتج عنه أحكام قاسية، من أخطرها استباحة الدم، ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد حين قتل الرجل الذي نطق بالشهادة تحت
__________
(1) – موطأ مالك، كتاب الجامع، باب مايكره من الكلام، حديث1844. ووري الحديث في كتب السنة بألفاظ متقاربة. (1/76)
صفحة 50
سطوة السيف في المعركة، فقال له: أقتلته بعد أن قالها» (1).
والحال أن نطق الشهادة يعصم الدم والعرض والمال: «كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه» (2).
وقد حذر المصطفى أمته بالغ التحذير من مغبة الانزلاق إلى منحدر التكفير وآثاره الوخيمة، فقال موصيًا في خطبة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم برقاب بعض» (3).
ونبه إلى خطر العصبية وأنها من أسباب التفرق، ومن قيم الجاهلية المقيتة، التي اصطلى العرب بنارها أزمانًا، وأذاقتهم الويلات والمحن ألوانا، فقال: صلى الله عليه وسلم «دعوها فإنها منتنة» (4) وأنكر عليهم إحياءها، وتوجّس خيفة من عقابيلها.
ولكن هل وعى المسلمون هذه التحذيرات، فأيقظوا في ضمائرهم نذر الخوف منها، واجتهدوا لتنقية
__________
(1) – يذكر أسامة بن زيد القصة قائلا: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَكَفَّ الأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ»، البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة. حديث 4021.
(2) – صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله، حديث 2564.
(3) – صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الإناصات للعلماء، حديث 121.
(4) – «عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِن الأَنْصَارِ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا لَلأََنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، صحيح البخاري، حديث 4527. (1/77)
صفحة 51
صفوفهم من دعاة الفتنة، وسماسرة التفرق؟ الكل يجيب والأسى ملء الحنايا: لا، وأيم الله، بل كان الأمر خلاف ما يرتجى. وقضى الله فيهم ما قضى، بما كسبت أيديهم. وهو محقق وعده لهم في الحالين استقامة أو اهتداء، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَن اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) ([سورة الأنفال]
ولتحقيق هدفنا من الوحدة لزمنا جميعا في مختلف المواقع والمنابر تمثل هذه المبادئ، فنسعى لنغيّر ما بأنفسنا من أفهام وتصورات حول بعضنا، وما بنا من أخطاء وقصور في فهم ديننا، لنعمل لتمثل مبادئه وتحقيق مقاصده في الوحدة، حتى ننال وعد الله لنا بالتمكين، وكلنا يقين بصدق الله في كتابه الحق، {((((اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (11) ([سورة الرعد].
دور كتب الفرق في تكريس الأزمة:
والذي زاد الطين بلة هو تكريس هذه الأزمة بفعل أقلام غير مسؤولة، تنقصها الأمانة في تدوين أحداث التاريخ، إذ كتبت تحت تأثير أفكار شائعة أو تيارات غالبة، فاتخذت كتاباتها مرجعا للاحقين، وغدت حقائق تعلو على النقد والتصويب، حتى أخذت طابع القداسة وكأنها تنزيل من حكيم حميد. فلا يجوز أن يتدارك عليها أو يردّ عليها بحال.
والواقع أن تلك الكتابات قد كانت إسفينا في جسد الأمة، إذ سعت إلى ترسيخ عوامل الفرقة بين المسلمين.
والأدهى في الأمر أن يغدو التحدث عن أخطاء هذه الكتب مجازفة غير مأمونة، ربما اتهم صاحبها في دينه، ورمي بكل نقيصة من الجرأة على الأئمة والسعي لإلغاء مصادر تاريخ المسلمين، وغير ذلك من التهم التي توزع بالمجان، وتكال بالجملة في كل مناسبة لنقد التاريخ وإلقاء نظرة موضوعية إلى وقائعه ووثائقه، بغية تصويب ما فيه من أخطاء وانحراف، باعتباره جهدا بشريا غير معصوم، واجتهادا يحتمل الخطأ والصواب، كما تقرر في بديهيات أحكام الإسلام.
فإذا ما أردنا رتق الفتق، كان لزاما أن نمتلك الشجاعة، ونتدرع (1/78)
صفحة 52
بالأمانة لتصحح الأخطاء التي وقعت في تلك الكتب، فيزال منها ما لا يسنده التوثيق التاريخي والواقعي، ولا يدعمه منهج القرآن في التعامل مع الأخبار. وما كان من أخطاء وقعت فإنها توضع في إطارها وظروفها الزمانية والمكانية، ولا يجوز بحال أن تسحب على الأعصر اللاحقة، أو تتخذ قميص عثمان يتباكى عليه اللاهون، وهم في دم عثمان زاهدون.
دور السياسة و وسائل الإعلام:
كما لا تبرأ ساحة أهل القرار، ممن كان بيدهم مقاليد دفة الحكم، وتوجيه دواليبه لما فيه خير الأمة، بيد أنهم رضوا بالأدنى، وفرطوا في الثمين، لأجل متاع أو غرض عاجل، فنال من تشجيعهم لأفكار منافية لأسس الإسلام ترسيخ هذا السلوك واعتباره المرجع والأصل في تاريخ المسلمين.
وما أشبه الليلة بالبارحة فيما نرى من وقائع الحاضر الأليم لبلاد مسلمة يرعى حماتها الفرقة ويبشّون لها، ويتخذونها ورقة رابحة عندما تهدد عروشهم، فيرفعون هذا، ويضعون من ذاك، ويضربون هذا بذاك، حتى يخلو لهم الجو، وينشغل المتطاحنون عن تصرفاته ومحاسبته على سلوكه في حق الأمة ومقدراتها، وتضييع حقوقها، وإهمال مقدساتها.
وتتحمل وسائل الإعلام أيضا مسؤوليتها في تأزيم الوضع في بعض الأحيان، إذ نجد لبعضها دورا بارزا ومساهمة مفضوحة في زرع الفتنة بين المسلمين، كم لا ننكر جهود بعض تلك الوسائل في رأب الصدع، بيد أن نصيبا منها كان دوره صبّ الزيت وإذكاء الخلافات، ولا هدف لها إلا استقطاب المشاهدين، وكسب الشهرة والذيوع.
ولتفعيل دور الإعلام في تحقيق الوحدة، لا بد أن يستوعب القائمون عليها دورهم في هذا المسار، ويتشبعوا بتعاليم القرآن بخصوص وحدة الأمة، ويتمثلوا مبادئه حتى يجهتدوا في ترجمتها إلى إنتاجهم وبرامجهم، وما يبثونه للجمهور العريض. وهم على يقين أن لحصة إعلامية واحدة أثر يضاهي جهود جيش من الدعاة والمرشدين في منابر معزولة لا يحضرها سوى عدد محدود من الناس. (1/79)
صفحة 53
دور منبر المسجد:
أما عن دور العلماء، وأرباب المنابر في المساجد، حيث يصنع عقل المسلم، وتبنى شخصيته، فحدث ولا حرج. فكم من عالم وواعظ وخطيب اتخذ من التشهير والتمزيق مسبحته، وجعل الحديث عن افتراق الأمة ديدنه، وتزكية فئة على حساب فئة أخرى عبادته، حتى عدّها بعضهم من أجلّ القربات، وأعظم أعمال البر التي ترضي خالق الأرض والسماوات. لأنها عندهم أولى بالاهتمام من مجابهة أعداء الأمة المتربصين بها الدوائر، ونسوا أنهم بعملهم هذا قد منحوا للأعداء سندا لا يقدر بثمن، وفتحوا لهم الأبواب ليسوموا الأمة سوء العذاب.
وقد أصبح من بدهيات الدعوة أن نجاحها رهن نجاح القائمين على هذه المنابر، وأن بناء الأمة الراشدة لن يكون دون إصلاح هذه المنابر. فهي القلب في جسد الأمة الإسلامية، إن صلحت كان الخير والوحدة والعزة والتمكين، وإلا ظلت الحال كما هي بل زادت سوءا، وأودت بنا إلى درك الذلة وحياة الشقاء.
وما لم يع رعاة الكلمة في هذه المواقع هذه الحقيقة، ولم يترجموا وعيهم فعلا في الميدان، فلن نرتجي فجرا لوحدتنا، ولا تحقيقا لغايتنا.
ودور المؤتمرات تحقيق هذا الوعي ابتداء، والسعي لتنميته وتذليل سبل تفعيله في مناهج الوعظ والإرشاد، حتى يقود الأمة إلى غاية التلاحم والاتحاد.
دور عوام الناس:
ولا ينكر دور عوام الناس ومن لا بصيرة له بحقائق الإسلام، أو استنسخ ما يمليه عليه الخطباء والموجهون، فكان صورة طبق الأصل لفكر هؤلاء، بل ربما تجاوز بعضهم بدافع الغيرة والحمية حدود ما أملي عليه، فأظهر تنطعا في الخصام، وشدة في المواقف تجاه كل من يخالف مذهب إمامه، وربما أفضى به الأمر إلى رميه بالمروق من الدين ومخالفة كتاب الله وسنة رسول الله. (1/80)
صفحة 54
وقد كان للعامة أثر سيء في مسيرة الأحداث عبر التاريخ، إذا لم يكن لهم لجام من رجال علم راشدين، يكفكفون من غلوائهم، ويهذبون من حماسهم، ويمنعونهم من تجاوز حدودهم. بل قد نجد في بعض القاصرين ممن يتزعم الركب من يعجب بحماس الجماهير فيتخذه وسيلة لتكريس الخلاف، ونصرة فريق على آخر، لحاجة في نفس يعقوب، فيزداد البلاء اشتدادا، والسبل انسدادا، وتستحكم أسباب العداوة بين أبناء المسلمين، ولا يجد المخلصون إلا أن يقولوا: اللهم اهد قومنا فإنهم لا يعلمون.
دور أعداء الأمة والمتربصين:
وأما دور الأعداء فهو الدور المنوط بهم بحكم عداوتهم لهذا الدين، أن ينسفوا جهود أبنائه، ويبعدوهم عن هدي ربهم ما استطاعوا، فيجدون في نقاط الاختلاف مرتعا خصبا لزرع بذور الشقاق، ورعايتها حتى تؤتي أكلها، وما أكلها إلا التراشق بالتهم والسباب، والخصام والاقتتال، وذهاب الريح والفشل الذريع، ليخلوا الجو لأنصار الشيطان أن يسرحوا ويمرحوا كما يشاؤون.
ولهؤلاء الأعداء خطط وتدابير جهنمية محكمة الضبط، دقيقة الحساب، يعدّون لها الخبراء والمتخصصين، وينفقون في سبيلها كل نفيس. ولكن متى صحت العزائم على مقارعة مكايدهم، فلن يفلحوا في اختراق الصف ونشر الفتنة، وجهودهم وإنفاقهم لن يكون سوى صيحة في واد، أو نفخة في رماد. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36) ([سورة الأنفال].
أخيرا:
فإن المطلوب من كل مسلم صادق الإيمان، مخلص القصد، راشد النظر، يرعى حق الله في ما يأتي وما يذر، ويدرك فريضة الوحدة إدراكه لسائر فرائض الإسلام، ويبصر جليل فوائدها، وعظيم نفعها على الأمة، وكبير (1/81)
صفحة 55
خطرها في درء المفاسد وكبت أعداء الإسلام، أن يكون سعيه لهدف واحد يستجليه في كل حركاته وسكناته، ألا وهو تركيز الجهود للعودة إلى منطق القرآن وهدي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتجسيد الوحدة الحقيقية بين أبناء أمة القرآن، وتفعيل المبادئ والقواعد التي اتضحت لنا من خلال آي القرآن الكريم.
ومعقد الأمر كيف نترجم هذا المبدأ إلى ممارسة فعلية، ونحوّله إلى سلوك عملي حتى نبرهن على صدق مدّعانا، وإخلاص قصدنا في تحقيق هذه الغاية النبيلة لأمتنا الإسلامية.
ولا يجوز الغفلة عن معاول الهدم ونواقض الوحدة المتجددة في كل عصر ومصر، فيلزم القائمين على التوجيه التنبيه إلى مكامن الداء، وتحذير المسلمين من كيد الأعداء في الداخل والخارج. وأن القضية جهاد مستمر، انطلق على يد رسول الله وصحابته، حين كان المنافقون يكيدون ويخططون لضرب وحدتهم، بكل السبل، وبالأخص الدعايات والأراجيف، ولا يزال أنصارهم وورثة فكرهم يسعون لتحقيق غايتهم، فكان لزاما على العلماء والأئمة تبصير المسلمين بأن مقاومة هؤلاء من أقدس أنواع الجهاد، ومن أوكد الواجبات، فيظل الحبل موصولا بالقرآن، ضمانا لحصانة المسلم من مكائد الشيطان، وأعوانه في كل زمان ومكان. وتجسيدا لتعاليم الوحي الخالدة بالوحدة والاعتصام بحبل الله، ففيها وحدها طوق النجاة، ولا يجوز أن يغفل أبدا عن هذه الآية الجامعة {(((((((((((((((بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ([سورة آل عمران].
تلكم أبرز المعالم التي يجب أن يتضمنها ميثاق الوحدة الإسلامية في جوهره وفحواه ليقوم حصنا شامخ البنيان، ويسعى العاملون لتجسيدها بإخلاص على أرض الميدان، وتلك من مقتضيات الصدق في الإيمان. (1/82)
صفحة 56
التوثيق
واجب شرعي ومهمة اجتماعية واقتصادية
د. صالح بن عبد الله أبوبكر
نائب بالمجلس الشعبي الوطني
لا يخفى على أي عاقل حريص ما للتوثيق من أهمية بالغة في حياة الناس عامة، فقد خلق الله تبارك وتعالى الإنسان وجعله خليفة له في أرضه وكلفه بعمارتها، فأصبح الإنسان مدنيا بطبعه مجبرا على العيش مع غيره من بني جنسه، يتبادل معهم المنافع ليشبع حاجياته الدائمة والمستمرة، عن طريق المعاملات المتنوعة والمختلفة، والإنسان بطبعه وغريزته مجبول على حب التملك والسعي الحثيث لجلب المال، وهذا الحرص يجعله في صدام دائم مع غرائز غيره، في حب التملك، مما يثير النزاعات والخلافات الحادة، التي قد تنتهي بارتكاب الجرائم، وزهق الأرواح، وقد حرصت البشرية من عصور لإيجاد وسائل الإثبات وحماية الحقوق فكان من أهمها وأبلغها التوثيق بالكتابة.
فالتوثيق زيادة على أنه فريضة شرعية أمر الله بها، له أهمية كبرى في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، وخاصة في المعاملات المالية، التي تتم بين الأفراد والجماعات، وحتى الدول، والهيئات والشركات، فإذا كان التوثيق لغة مشتق من وَثَّق يوثِّق توثيقا، أي قيَّد يقيِّد تقييدا، فيقال وثَّق الشيء وثاقه، أي شدَّه بإحكام (1)، ومنه قوله تعالى، {وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَد} (2) ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فالمقصود العام هو إحكام التصرفات بتقييد شروطها بوسيلة من وسائل التوثيق.
__________
(1) ـ ابن منظور لسان العرب، ترتيب: يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت د. ط. ت. مادة ـ وثق ـ ج3 ص 76.
(2) ـ سورة الفجر الآية 26. (1/72)
صفحة 57
ومن أبرز وسائل التوثيق المعاصرة هي الكتابة، وأقل منها الشهادة، أو البينة، أو الرهن، ثم الكفالة، وحديثنا سيكون على التوثيق بالكتابة. و الكتابة هي في نظر القانون أقوى طرق الإثبات (1)، ويقسم المشرع الكتابة كدليل للإثبات إلى قسمين هما:
أولا: الكتابة العرفية:
وهي كل الأوراق العرفية، التي يقوم بتحريرها الأفراد فيما بينهم، سواء أكانت تلك الأوراق مُعدَّةً لإثبات التصرفات القانونية من بيع وإيجار، أم تلك الأوراق العرفية، التي كتبت أصلا ولم تكن معدة للإثبات، كالدفاتر التجارية والرسائل، والبرقيات، والمذكرات الخاصة. سواء أكُتبت بخط اليد أم مطبوعة، أكتبها الشخص المعني نفسه، أم كتبها كاتب عمومي، فكلها تبقى أوراقا عرفية، لا ترقى إلى الكتابة الرسمية، التي يشترطها القانون.
ثانيا: الكتابة الرسمية:
وهي الأوراق التي يثبت فيها موظف عام، أو شخص مكلف بخدمة عامة، ومؤهل قانونا لإفراغ تلك الأوضاع القانونية في قالب وشكل معين يحدده القانون، في حدود سلطته واختصاصاته التي يحددها المشرع (2).
والتوثيق بالكتابة عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ، فقد عرف المصريون القدامى إجراءات نقل الملكية من شخص إلى آخر، سواء أكانت عقارا أم منقولا، ووضعوا لها مصلحة خاصة تقوم بإحصاء الأراضي وتسجيل التصرفات التي ترد إليها، غير أنهم لم يفرقوا بين المنقول والعقار، وجعلوا العلانية هي حجة التصرف في جميع المعاملات، كي يطلع الناس على تنقل الأموال، ولكي تتمكن السلطة من فرض ضرائبها على الأراضي، والذي أرغمهم على مسح الأراضي وتحديد خرائطها، هو فيضان النيل، وما كان
__________
(1) ـ د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، دار النشر للجامعات المصرية، د. ط.1956م ج2 ص 89.
(2) ـ المادة 324 القانون المدني. (1/73)
صفحة 58
يترتب عليه من طمس المعالم والحدود بين الملكيات.
وأما الرومان، فزيادة على العلانية في التصرفات، اشترطوا الشكلية في كل نقل للملكية سواء أكانت منقولا أم عقارا، ويتم ذلك بشهادة الشهود في أماكن عمومية بحضور الطرفين المتعاملين البائع والمشتري في طقوس دينية.
وقد عرف العرب قبل الإسلام توثيق أهم العهود ومن أبرزها حلف الفضول الذي حضره الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، ومعاهدة مقاطعة بني هاشم التي علقت في الكعبة إلى أن أكلتها الأرضة، ومزقها حمزة بن عبد المطلب.
ثم جاء الإسلام، فأقر التوثيق بالكتابة، وأمر به وبين أحكامه في أطول آية في القرآن الكريم، هي آية الدين فقال تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ اِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبُم بِالْعَدْلِ وَلاَ يَابَ كَاتِبٌ اَن يَّكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا اَوْ ضَعِيفًا اَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُّمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُم فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ اَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى ولاَ يَابَ الشُّهَدَآءُ اِذَا مَا دُعُواْ ولاَ تَسْأَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا اَوْ كَبِيرًا اِلى أَجَلِهِ ذَالِكُمُ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُم بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنَ اَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُوَدِّ الذِي اِوتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَّكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (1).وهي آية عظيمة في الأحكام، مبينة جملا من الحلال والحرام، وهي أصل في مسائل
__________
(1) ـ الآيتان 282 و283 من سورة البقرة. (1/74)
صفحة 59
البيوع، وحقيقة الدَّيْن هي كل معاملة كان أحد العِوضيْن فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة، ويقاس على الدَّيْن جميع العقود المالية، لأنها لا تقل أهمية عن الدين بل إن بعضها قد يفوق الدَّيْن أهمية كشراء العقارات وبيعها، والرهونات والتعهد بعمل وغيرها (1)، ولهذا فالأحكام الواردة في آية الدَّيْن لا تخص المداينة فقط، بل تعم جميع العقود المالية.
وقد استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم التوثيق في معاملاته، من بيوع ومعاهدات كصلح الحديبية، ومعاهداته مع يهود المدينة، وواصل الخلفاء الراشدون توثيق العقود وخاصة الخليفة عمر بن الخطاب الذي نظم الدواوين، فتواصلت الحضارة الإسلامية تشجع التوثيق في العقود والمعاملات، فقد بادرت الدولة العثمانية إلى عملية تحديد الأراضي وتقسيمها إلى أقسام ووحدات، وضعت على أساسها سجلات عقارية كانت تسمى «الدفتر الخاقاني» أي السّجل العقّاري، وصدر أول قانون ينظم شهر التصرفات في العقارات سنة 1274هـ كما أنشئت وزارة خاصة بذلك سميت آنذاك «وزارة الدفتر الخاقاني».
أما الفرنسيون فقد طوروا الإشهاد الشفوي العلني، إلى إعلان كتابي، أمام كاتب المحكمة، وبهذا تطور شهر المعاملات، إلى أن استحدث نظام الشهر العقاري في فرنسا، ومنها انتقل إلى باقي مستعمراتها.
واستمر تنظيم العقار في الجزائر على العقود الشرعية، حتى دخول الاستعمار الفرنسي وتم الاستيلاء على الأراضي واغتصابها، عنوة من غير قانون، ولا نظام إلى أن صدر قانون 1834م والمتضمن حقوق التسجيل وتنظيم مهنة الموثق والإشهار العقاري. ومنها قسمت الأراضي إلى أراضي ملك، وأراضي العرش، وأراضي مفرنسة، إلى صدور قانون 1959 م بعنوان إصلاح نظام الشهر العقاري في الجزائر (2).
__________
(1) ـ د. عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامي، ص 316.
(2) ـ الأستاذ دليمي رابح، مهنة الموثق وآفاقها، تدخل في اليوم الدراسي 20 جوان 1995. (1/75)
صفحة 60
وبعد الاستقلال استمرت نفس القوانين ما عدا ما يتعارض منها مع السيادة الوطنية (1)، ثم صدرت عدة قوانين ابتداء من 01 مارس 1961م منها وجوب إفراغ التصرفات الواردة على الملكية العقارية والحقوق العينية في شكل رسمي مع تبيان هوية الأطراف في العقد، وكذا حظر تسجيل العقود العرفية الواردة على الملكية العقارية، وإلزامية إشهار كل العقود.
ففي 15 ديسمبر سنة 1970م صدر الأمر رقم 70/ 91 المتعلق بتنظيم التوثيق، وإلغاء مكاتب التوثيق والمحاكم الشرعية، وأنشئت مكانها مكاتب للتوثيق تابعة لوزارة العدل، فكان الموثقون يشكلون سلكا من الموظفين، وفي 06 جانفي 1971م صدر القانون الأساسي للموثقين، وفي 12 يوليو 1988م صدر القانون المتضمن تنظيم مهنة التوثيق، والذي حرر المهنة وجعلها تمارس للحساب الخاص.
وتزداد أهمية التوثيق في الحفاظ على الحقوق وحماية الأموال من الضياع، وإبعاد المتعاملين عن النزاعات والخصومات، وقطع أسباب النزاع وتنظيم المعاملات وبعث الثقة بين الناس، ونجد أن الكتابة فرض شرعي وطلبه أو الأمر به تطبيق لشرع الله، وحرصٌ على إرضائه، وامتثالٌ لأوامره واجتنابٌ لنواهيه، وأمام ضعف الوازع الديني، ورخص الذمم، وفساد الأخلاق، أصبح التوثيق في كل المعاملات أكثر من واجب، فعلى المسلم الحريص أن لا يقصّر في القيام به مهما بلغت درجة الثقة، وحسن النية، والتوثيق وسيلة للإثبات، يحتج بها عند الإنكار، وقد يكون شرطا ضروريا لانعقاد بعض المعاملات التي يشترط فيها المشرع الشكلية، فالحرص على التوثيق الرسمي المعتد به حسب ما يشرعه السلطان أو الحاكم في كل عصر ومصر، هو من تمام الحفاظ على نعم الله.
__________
(1) ـ بمقتضى القانون رقم 62/ 157 المؤرخ في 31ديسمبر 1962 مدد العمل بالتشريع المعمول به قبل هذا التاريخ باستثناء ما يتعارض والسيادة الوطنية وذلك إلى غاية سن قوانين جزائرية. (1/76)
صفحة 61
تنص المادة 333 من القانون المدني على أن التصرف بالكتابة شرط ضروري إذا تجاوز المبلغ ألف دينار جزائري، «في غير المواد التجارية إذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته على ألف دينار جزائري أو كان غير محدد القيمة فلا تجوز البينة في إثبات وجوده أو انقضائه ما لم يوجد نص يقضي بغير ذلك» (1).
والموثق ضابط عمومي، يقوم بتحرير العقود وتسجيلها وبحفظ أصولها، وتمتد اختصاصاته إلى كامل التراب الوطني، كما يتولى استلام أصول جميع العقود، والوثائق للإيداع.
نظم المشرع الجزائري مهنة التوثيق بالقانون الأخير المتضمن تنظيم التوثيق ومهنة الموثق 2005م وبهذا القانون وضع المشرع القواعد العامة لمهنة الموثق وحدد كيفيات تنظيم المهنة وممارستها (2). ويخول هذا القانون لوزير العدل حافظ الأختام، صلاحية إنشاء المكاتب العمومية للتوثيق دون تقيده في ذلك بخريطة للمكاتب معدة مسبقا، وتسري على تلك المكاتب، أحكام هذا القانون والتشريع المعمول به، ويمتد اختصاصها الإقليمي إلى كامل التراب الوطني (3) أي أن الموثق يمكنه توثيق كل العقود المبرمة عبر التراب الوطني. وتنشأ وتلغى المكاتب العمومية للتوثيق وفقا لمعايير موضوعية، بموجب قرار من وزير العدل حافظ الأختام.
كما تضمنت أحكام هذا القانون تعريف الموثق بأنه ضابط عمومي مفوض من قبل السلطة العمومية لممارسة جزء من صلاحياتها المتمثلة في تحرير العقود الرسمية والعقود التي يرغب الأشخاص في إعطائها الصبغة الرسمية. (4)
كما يقرر حماية قانونية لمكتب التوثيق، فلا يجوز تفتيشه أو حجز الوثائق المودعة فيه، إلا بناء على أمر
__________
(1) ـ المادة 333 من القانون المدني الجزائري.
(2) ـ المادة 01 من القانون المتضمن تنظيم التوثيق ومهنة الموثق.
(3) ـ المادة 02 من نفس القانون.
(4) ـ المادة 03 من نفس القانون. (1/77)
صفحة 62
قضائي مكتوب، وبحضور رئيس الغرفة الجهوية للموثقين أو الموثق الذي يمثله وبعد إخطاره قانونا، ويقع تحت طائلة البطلان كل إجراء يخالف أحكام هذه المادة (1).
وتنحصر مهام الموثق في:
1 ـ يسند لكل موثق مكتب عمومي للتوثيق، يتولى تسييره لحسابه الخاص وتحت مسؤوليته، ويمكن أن يسير في شكل شركة مدنية مهنية، أو مكاتب مجمعة (2).
يجب أن يكون مكتب التوثيق خاضعا لشروط ومقاييس خاصة.
وتتمثل مهمته في توثيق العقود التي تتضمن نقل ملكية عقارية، ومحلات تجارية، أو صناعية، أو التخلي عن أسهم في شركة، وتوثيق عقود الزواج، وعقود الإيجار، وعقود تأسيس شركات، والمعدلة لها، والوصايا، والهبات، وتصفية التركات (3).
2 ـ علاوة على ما للعقود التي ينجزها الموثق من قيمة قانونية، فإنها أيضا وثائق ذات قيمة تاريخية بالغة الأهمية تستوجب الحماية من التلف والضياع وتحديد المسؤولية عنها بدقة. و لذلك فقد أوكل القانون للموثق مهمة الحفاظ على الأرشيف التوثيقي وتسييره (4).
3 ـ كما يتولى الموثق حفظ العقود التي يحررها أو يتسلمها للإيداع ويسهر على تنفيذ الإجراءات المنصوص عليها قانونا لاسيما تسجيل، وإعلان ونشر، وشهر العقود في الآجال المحددة قانونا.
4 ـ يقوم الموثق ضمن الشروط التي يحددها القانون، بتسليم نسخ تنفيذية للعقود التي يحررها أو نسخ عادية منها أو المستخرجات، والعقود التي لا يحتفظ بأصلها (5).
5 ـ يجب على الموثق أن يتأكد من صحة العقود الموثقة، وأن يقدم نصائحه إلى الأطراف، قصد انسجام اتفاقاتهم مع القوانين التي تسري عليها، وتضمن
__________
(1) ـ المادة 04 من نفس القانون.
(2) ـ المادة 08 من قانون التوثيق.
(3) ـ الأستاذ دليمي رابح، مهنة الموثق وآفاقها، تدخل في اليوم الدراسي 20 جوان 1995.
(4) ـ المادة 09 من قانون التوثيق.
(5) ـ المادة 10 من قانون التوثيق. (1/78)
صفحة 63
تنفيذها (1).
6ـ كما يعلم الموثق الأطراف بمدى التزاماتهم وحقوقهم، ويبين لهم الآثار، والالتزامات التي يخضعون لها، والاحتياطات والوسائل التي يتطلبها أو يمنحها لهم القانون لضمان نفاذ إرادتهم (2).
7 ـ يمكن للموثق أن يقدم في مجال اختصاصه وصلاحيته استشارات قانونية شفوية، كلما طلب منه ذلك، وإعلام الأطراف بحقوقهم والتزاماتهم وكذا الآثار المترتبة عن تصرفاتهم، دون أن يؤدي ذلك حتما إلى تحرير عقد (3).
8 ـ يلزم الموثق بالسر المهني، فلا يجوز له أن ينشر أو يفشي أية معلومات إلا بإذن من الأطراف أو باقتضاءات أو إعفاءات أقرتها القوانين والأنظمة المعمول بها (4).
9 ـ لا يجوز للموثق أن يمتنع، عن تحرير أي عقد يطلب منه، إلا إذا كان العقد المطلوب تحريره مخالفا للقوانين والأنظمة المعمول بها (5).
10 ـ يمكن الموثق أن يوظف تحت مسؤوليته الأشخاص الذين يراهم ضروريين لتسيير المكتب (6). وفي سبيل إنجاز هذه المهام العديدة والمتشعبة، ينص القانون على إمكانية توظيف الموثق مساعدين ضمن شروط وكيفيات يحددها القانون، الذي يتكفل بتحديد فئاتهم والمهام المنوطة بكل فئة منهم.
11 ـ يجب على الموثق أن يحسن مداركه العلمية، وهو ملزم بالمشاركة في أي برنامج تكويني، وبالتحلي بالمواظبة والجدية خلال التكوين (7).
يساهم الموثق أيضا في تكوين الموثقين المتربصين ومستخدمي مكاتب التوثيق.
__________
(1) ـ المادة 11 من قانون التوثيق.
(2) ـ المادة 12 من قانون التوثيق.
(3) ـ المادة 13 من قانون التوثيق
(4) ـ المادة 14 من قانون التوثيق.
(5) ـ المادة 15 من قانون التوثيق.
(6) ـ المادة 16 من قانون التوثيق.
(7) ـ المادة 18 من قانون التوثيق. (1/79)
صفحة 64
أشكال العقود التوثيقية ومضمونها:
العقد الذي يحرره الموثق لا يكون رسميا إلا إذا توفرت فيه الشروط التي نصت عليه المادة 324 مدني، تحرر العقود التوثيقية، تحت طائلة البطلان، باللغة العربية في نص واحد وواضح، تسهل قراءته وبدون اختصار أو بياض أو نقص. أو كتابة بين الأسطر.
وتكتب المبالغ المالية، والسنة والشهر ويوم التوقيع على العقد بالحروف وتكتب التواريخ الأخرى بالأرقام (1).
ويصادق على الإحالات في الهامش، أو في أسفل الصفحات، وعلى عدد الكلمات المشطوبة في العقد بالتوقيع بالأحرف الأولى من قبل الموثق، والأطراف، وعند الاقتضاء الشهود والمترجم.
يجب ألا تتضمن العقود أي تحوير أو كتابة بين الأسطر أو إضافة كلمات.
تعتبر الكلمات المحورة أو المكتوبة بين السطور أو المضافة باطلة. تكون الكلمات المشطوبة غير المتنازع في عددها مكتوبة بشكل لا يشوبه أي شك أو التباس، ويصادق عليها في آخر العقد. (2) تكون العقود التي يحتفظ بها الموثق تحت مسؤوليته، سواء كانت مكتوبة باليد أو بالآلة الكاتبة، أو مطبوعة، أو مستنسخة بالأجهزة وبكل وسيلة أخرى (3). دون الإخلال بالبيانات التي تستلزمها بعض النصوص الخاصة، يجب أن يتضمن العقد الذي يحرره الموثق البيانات الآتية:
1 - اسم ولقب الموثق ومقر مكتبه، وعنوانه.
2 - اسم ولقب وصفة وموطن وتاريخ ومكان ولادة الأطراف وجنسيتهم،
3 - اسم ولقب وصفة وموطن وتاريخ ومكان ولادة الشهود عند الاقتضاء،
__________
(1) ـ المادة 26 من قانون التوثيق.
(2) ـ المادة 27 من قانون التوثيق.
(3) ـ المادة 28 من قانون التوثيق. (1/80)
صفحة 65
4 - اسم ولقب وموطن المترجم عند الاقتضاء،
5 - تحديد موضوعه، البيع أو الإيجار أو الزواج أو ....
6 - المكان والسنة والشهر واليوم الذي أبرم فيه،
7 - وكالات الأطراف المصادق عليها التي يجب أن تلحق بالأصل،
8 - التنويه على تلاوة الموثق على الأطراف النصوص الجبائية والتشريع الخاص المعمول به،
9 - توقيع الأطراف، والشهود، والموثق والمترجم عند الاقتضاء (1).
لا تخضع العقود الموثقة للتصديق، إلا إذا اقتضى الأمر عرضها على سلطات أجنبية، ما لم تنص على خلاف ذلك الاتفاقيات الدولية. و يتم التصديق على العقد من قبل رئيس محكمة محل تواجد المكتب (2).
تسلم النسخة الممهورة بالصيغة التنفيذية للعقد التوثيقي وفقا للتشريع المعمول به، ويسري عليها ما يسري على تنفيذ الأحكام القضائية، ويؤشر على الأصل بتسليم النسخة التنفيذية (3).لا تسلم إلا نسخة تنفيذية واحدة تحت طائلة العقوبات التأديبية. غير أنه يمكن تسليم نسخة تنفيذية ثانية بأمر صادر عن رئيس محكمة تواجد المكتب، ويرفق الأمر الصادر بالأصل (4).
السجلات والأختام:
يمسك الموثق فهرسا للعقود التي يتلقاها بما فيها تلك التي لا يحتفظ بأصلها، وسجلات أخرى ترقم ويؤشر عليها من قبل رئيس المحكمة التي يقع مكتبه بدائرة اختصاصها. يحدد شكل ونموذج هذه السجلات بقرار من وزير العدل، حافظ الأختام (5).يسلم وزير العدل، حافظ الأختام، لكل موثق خاتما للدولة خاصا به طبقا للتشريع المعمول به.
__________
(1) ـ المادة 29 من قانون التوثيق.
(2) ـ المادة 30 من قانون التوثيق.
(3) ـ المادة 31 من قانون التوثيق.
(4) ـ المادة 32 من قانون التوثيق.
(5) ـ المادة 37 من قانون التوثيق. (1/81)
صفحة 66
يجب على الموثق تحت طائلة البطلان دمغ نسخ العقود، والنسخ التنفيذية والمستخرجات التي يقوم بتحريرها أو تسليمها بخاتم الدولة الخاص به. يتعين على الموثق أن يودع توقيعه وعلامته لدى كل من أمانة ضبط المحكمة والمجلس القضائي لمحل تواجد مكتبه، والغرفة الجهوية للموثقين (1).
المحاسبة والعمليات المالية والضمان:
يمسك الموثق محاسبة لتسجيل الإيرادات والمصاريف وكذلك محاسبة خاصة بزبائنه (2).يقوم الموثق بتحصيل الحقوق والرسوم لحساب الخزينة العمومية من طرف الملزمين بتسديدها بمناسبة تحرير العقود ويدفع مباشرة لقباضات الضرائب المبالغ الواجبة على الأطراف بفعل الضريبة، ويخضع في ذلك لمراقبة المصالح المختصة للدولة وفقا للتشريع المعمول به.
وينبغي على الموثق فتح حساب ودائع لدى الخزينة العمومية تودع فيه المبالغ التي يحوزها (3).يتقاضى الموثق مباشرة أتعابا عن خدماته من زبائنه حسب التعريفة الرسمية مقابل وصل مفصل (4).يحظر على الموثق تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات (5) ما يلي:
1. استعمال المبالغ أو القيم المالية المودعة لديه، بأية صفة كانت في غير الاستعمال المخصص لها، ولو بصورة مؤقتة.
2. الاحتفاظ ولو في حالة الاعتراض بالمبالغ الواجبة الدفع إلى قباضات الضرائب والخزينة العمومية.
3. العمل على توقيع السندات أو الاعترافات بدين دون أن يذكر فيها اسم الدائن. يتعين على الموثق
__________
(1) ـ المادة 38 من قانون التوثيق.
(2) ـ المادة 39 من قانون التوثيق.
(3) ـ المادة 40 من قانون التوثيق.
(4) ـ المادة 41 من قانون التوثيق.
(5) ـ المادة 42 من قانون التوثيق. (1/82)
صفحة 67
اكتتاب تأمين لضمان مسؤوليته المدنية (1).
أهمية التوثيق في الحياة الاجتماعية:
1 ـ تعزيز الثقة بين المتعاملين:
إن حرص الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية على إصلاح ذات البين وإبعاد كل ما من شأنه أن يثير الأحقاد والنزاعات والخلافات وإفساد العلاقات بين الناس، ومن ذلك تحريمه لكثير من المعاملات المشبوهة مثل الربا والقمار وغيرها، ومن ذلك أمر الله تبارك وتعالى بتوثيق الدين والإشهاد عليه، فالتوثيق من شأنه أن يبعد الشك والريبة بين المتعاملين، لأن المعاملات قد يهدمها النسيان والتناسي والغفلة والتغافل، والشبهة والاشتباه وطول المدة فالوثيقة المكتوبة ترفع كل ريبة وتبعد كل خلاف.
والواقع يثبت أن الكثير من النزاعات والخصومات المطروحة اليوم على المحاكم أو التي أعيت مجالس الصلح من أهل الحل والعقد، كان سببها عدم توثيق التصرفات، وتحديد الالتزامات، ويقول الشيخ بيوض رحمه الله في معرض كلامه عن الكسب الحرام: (كثير من الناس يهملون أمر الكتابة، يعتمدون على ذاكرتهم وبعد أيام من الاتفاق يتخيل كل واحد منهم: لقد قلنا كذا، لقد قيل كذا، وبعد عام أو عامين يتعقد المشكل أكثر، فيحدث الخصام، لقد قلت كذا، ولم أقل، أنا قصدت هذا ولم أقصد ذلك، فبين عبارة وأخرى فرق كبير، فيتخاصمان ودائما تعرض علي مئات من المشاكل وأول سؤال أطرحه على المتخاصمين: هل هناك كتابة للاتفاق بينكما حتى نستنطق الكلمات؟ لا لم نكتب. لماذا؟ سبحان الله إن الله تبارك وتعالى قال في الدَّيْن والذي هو أبسط من الشركة {يا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ اِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (2).
2 ـ اكتشاف العقود الفاسدة:
كثير من الناس يحررون عقودا معتقدين صحتها، أو يحوزون
__________
(1) ـ المادة 43 من قانون التوثيق.
(2) ـ سورة البقرة الآية رقم 282. (1/83)
صفحة 68
عقودا قديمة يظنون صلاحيتها للإثبات في الوقت المناسب، وعرضها على الموثق يكشف فساد تلك العقود وعدم تطابقها مع القانون، لأن من وظيفة الموثق تمحيص العقود والتأكد من صحتها ثم تقديم الإرشادات والنصائح للمتعاملين، حول الشكل القانوني الصحيح الذي يجب أن يصب فيها التزامهم، والمعلومات الضرورية التي يجب أن يتضمنها العقد الصحيح.
يقول الأستاذ الموثق حمدان بكاي «يقدم الموثق نصائح إلى الأطراف لتكون اتفاقياتهم منسجمة مع القوانين التي تسري عليها وتضمن تنفيذها، كما يعلم الأطراف بمدى التزاماتهم، وما لكل منهم من حقوق ويشرح لهم جميع الآثار والالتزامات التي سيخضعون لها، ويبين لهم أخيرا الاحتياطات والوسائل التي يتطلبها أو يمنحها لضمان تنفيذ إراداتهم» (1).
3 ـ الحجية في إثبات الحقوق:
التوثيق بالكتابة من أهم وأوكد الوسائل في إثبات الحقوق، يرجع إليها عند المنازعات لتبيين الحق المدعى به. ولكي تكون الكتابة الموثقة حجة للاستدلال بها يجب أن تستوفي الشروط القانونية، كما يجب أن تسلم من العيوب المادية كالتشطيب، والتزوير، والتهميش، والزيادات، واختلاف الخطوط.
أهمية التوثيق في الحياة الاقتصادية:
وبما أن التوثيق أداة من الأدوات الأساسية والضرورية في أي تطور اقتصادي، فإنه لابد من الاعتناء به، وذلك باعتماد أحدث الطرق في عمليات توثيق العقود الاقتصادية حيث الحاجة الماسة إلى الثقة والائتمان في تداول الأموال، فالموثق طرف فعال في الحياة الاقتصادية للبلاد يساهم بقدراته وخبراته في تنوير الأفراد ونشر الثقافة القانونية، بينهم حتى تكون معاملاتهم منسجمة مع القانون (2).
__________
(1) ـ الأستاذ حمدان بكاي، مقال العقد التوثيقي، مجلة الموثق العدد 07، جويلية 1999، ص26.
(2) ـ الأستاذ دليمي رابح، مهنة الموثق وآفاقها، تدخل في اليوم الدراسي 20 جوان 1995. (1/84)
صفحة 69
1 ـ الحفاظ على الأموال:
حفظ المال من كليات الشريعة لأنه قوام الحياة، والمال مال الله استخلفنا عليه لرعايته والتصرف فيه وفق ما يقتضيه الشرع، والتوثيق جهد يبذله المتعاقدان حرصا على الحفاظ على الأموال من الضياع، فالمال إذا قيد بعقد كتابي لا يستطيع أحد إنكاره، أو الإنقاص منه، أو تغيير محتوى العقد، أو المقصود من التصرف إلى غرض آخر.
2 ـ التداول الشرعي للأموال:
تداول الأموال من أهم مقاصد الشريعة، وبالتداول ينشط الاقتصاد وبالتوثيق تتحرك الأموال بين الناس بكل ثقة، فتتحرك دواليب الاقتصاد، وكلما تزعزعت الثقة بين الناس أحجم الناس عن التداول والاقتراض، فتتكدس وتكتنز الأموال، فتتعطل عجلة الاقتصاد (1).
ومن أهم الأموال العقار وهو أعقد وأصعب الأموال تداولا فلا يمكن ضمان النزاهة في تداول العقارات ونقل ملكيتها إلا بالعقد الموثق المستوفي للشروط القانونية كالتسجيل والشهر العقاري، والحفظ لدى المصلحة المختصة، لأن القيود الواردة على العقارات خفية وغير مرئية للعيان على العقار نفسه ولا على وثائق مدعي الملكية (2).
3 ـ التشجيع على الاستثمار:
التوثيق هو الذي يشجع كل متعامل على إفراغ إرادته في المعاملة المالية على المقصد المرجو فتتنوع العقود ويضبطها الموثق وفق القانون، فمن المتعاملين من يقصد الإقراض، ومنهم من يقصد المضاربة، ومنهم من يريد المشاركة، وغيرها من العقود المسماة أو غير المسماة؛ فالعقد شريعة المتعاقدين، والقانون يجيز للمتعاقدين إفراغ
__________
(1) ـ د. محمود الخالدي، سوسيولوجيا الاقتصاد الإسلامي، ص 58.
(2) ـ الأستاذ، كمين مسعود، عقد الشهرة ونظامه القانوني، مجلة الموثق، العدد 10 سنة 2003. (1/85)
صفحة 70
إرادتهم في القالب القانوني بعقد توثيقي.
والاستثمار بمعاملات متطورة في الصفقات والاتفاقيات والمعاملات المالية في أسواق الأسهم والبورصات، والصفقات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات، يحتاج إلى توثيق متطور يواكب حاجيات ومتطلبات الاقتصاد المعاصر، والجزائر مقبلة على تحولات اقتصادية هامة، منها استقطاب المستثمرين الأجانب، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار، مما ينتج عنه تأسيس شركات تجارية ومدنية كبرى تحتاج إلى الثقة والأمان، على أموالها وعقودها ولا يضطلع بذلك إلا الموثق الكفء.
4ـ المشاركة في هيئات اقتصادية هامة:
نظرا لأهمية الموثق في الحياة الاقتصادية العامة فهو يحتل مناصب حساسة منها:
أ ـ عضوية عن طريق ممثل دائم للغرفة الوطنية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
ب ـ العضوية في المرصد الوطني لمكافحة الرشوة.
ج ـ عضوية اللجنة الوطنية لإحصاء الممتلكات الخاصة بالإطارات السامية للدولة.
د ـ المساهمة في دراسة ومناقشة المحاور الكبرى لإستراتيجية التنمية الاقتصادية الوطنية.
هـ ـ المساهمة المباشرة في إعداد القوانين الأساسية للشركات العمومية.
5 ـ المساهمة في تحصيل الضرائب:
يقوم الموثق بإيداع أموال الزبائن لديه في حساب المكتب المفتوح بالخزينة والناتجة عن المعاملات الخاصة بالأموال العقارية والمنقولة وبرؤوس أموال تأسيس الشركات التجارية والتنازل عن الحصص ... .وغيرها. (1/86)
صفحة 71
فقه المال العام عند الإباضية
(الحلقة الثانية)
الدكتور: محمد بن صالح حمدي
ـــــ جامعة باتنة ـــــ
مقدمة:
تعرَّضت الحلقة الأولى لهذا البحث للفقه المالي في ظلِّ إمامة الرستميين، والتي قامت في تيهرت سنة: 160هـ، وتناولت أهمية المال في تعزيز وتوطيد أركان هذه الدولة، من وجهة نظر أحد المؤرخين غير الإباضيين هو ابن الصغير.
وفي هذه الحلقة سنتَّجه شرقًا إلى الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية حيث أقام الإباضية أوَّل دولة سنة: 132هـ، أي نفس السنة التي أعلن فيها العباسيون قيام دولتهم، وأُفول نجم دولة الأمويين.
ويُعتبر قيام هذه الدولة تطبيقًا لمبادئ المذهب الإباضي المتميزة في نظرتهم للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المستمدة من دولة الخلفاء الراشدين القائمة على الشورى والعدل وتطبيق الشريعة الإسلامية.
ولئن كانت هذه الإمامة لم تدمْ طويلاً، ووُئِدت في مهدها، إلا أنها تعتبر اللبنة الأولى لدولة الإمامة الإباضية التي عمَّرت لقرون عديدة، واستمرَّت إلى العصور الأخيرة، وطبعت تاريخ عمان طوال هذه الحقبة بمبادئها وقِيَمها، واستطاعت أن تُحافظ على سيادته واستقلاله. وعلى الرغم أن مؤسساتها لا تعمل طبقًا لنصوص دستورية أو قوانين مكتوبة، فإنها مع ذلك تقوم وتعمل طِبْقًا لقواعد دستورية وأعراف تقليدية شبه مقدسة، لا يُمكن تجازوها أو اختزالها (1).
__________
(1) - د. حسين عبيد غانم غبَّاش: عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث. (1400هـ/1970م). دار الجديد: لبنان. ط:1، سنة: 1998م. ص:78. (1/87)
صفحة 72
وفي هذه الحلقة سنسلِّط الضوء على الجانب المالي لأوَّل دولة إباضية في عُمان، ويتناول البحث العناصر الآتية:
1 - طبيعة وحكم الأراضي العُمانية.
2 - السياسة المالية لإمامة الجلَّنْدى بن مسعود.
3 - أهمُّ موارد بيت المال.
4 - هل الغنيمة من إيرادات بيت المال؟
5 - النفقات.
6 - العطاءات الممنوحة من بيت المال.
1 - طبيعة وحكم الأراضي العُمانية:
يُقسِّم فقهاء المال الأراضي في الإسلام إلى ثلاثة أصنافٍ:
أ أراضٍ أسلَم عليها أهلها، وتُسمَّى أراضي عُشرية.
ب أراضٍ فُتحت عُنْوة، وتُسمَّى أراضي خراجية.
ج- أراضٍ صَالَحَ عليها أهلها، وتُسمَّى أراضي صلح.
يقول أبو يوسف صاحب كتاب الخراج: «فكلُّ أرضٍ أسلم عليها أهلها، وهي من أرض العرب، أو من أرض العجم؛ فهي لهم، وهي أرض عُشر، بمنزلة المدينة التي أسلم عليها أهلها، وبمنزلة اليمن ... ، وأيُّما دارٍ من دور العجم وقد ظهر عليها الإمام، وتركها في أيدي أهلها؛ فهي أرض خراج» (1)، ويختلف الحكم الفقهي لتلك الأراضي حسب تصنيفها.
انطلاقًا من هذا التصنيف الذي أورده الإمام أبو يوسف لنا أن نقول إن الأراضي العُمانية أراضٍ عُشرية، لأنَّ أهل عُمان دخلوا الإسلام عن طواعية، وأجابوا رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بدون قتالٍ، وتسييرالجيوش وإيجاف الخيول. والأرض العُشرية هي التي يُؤدي أهلها زكاة أموالهم المقدرة عادة بالعُشر أو بأجزاء العُشر، وفي هذا الصَّدد يورد المؤرخ العُماني السالمي مقولة أبي بكر الصديق: «وقام أبو بكر خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «معاشِر أهل عُمان إنَّكم أسلمْتم طوْعًا، ولم يطأ الرسول صلى الله عليه وسلم ساحتكم بخُفٍّ
__________
(1) - أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم: الخراج. ضمن كتاب: في التراث الاقتصادي للمسلمين. تقديم: فضل شلق. دار الحداثة للطباعة: لبنان. ص:183. (1/88)
صفحة 73
ولا حافرٍ، ولا جشَّمْتُمُوه ما جشَّمه غيركم من العرب» (1)، فحكم أراضيها حكم أراضي المدينة واليمن، حيث أسلم أهلها طوْعًا، فتبقى أراضيها مِلْكًا لأصحابها، وتُجمع زكاة أموالهم من طرف الإمام أو نائبه.
2 - السياسة المالية لإمامة الجلَنْدى بن مسعود (2):
إنَّ إمامة الجلندى قامت على أعتاق رجال باعوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله، وإقامة دينه، طلَّقوا الدنيا، وزهدوا فيها، وعاشوا على الكفاف، يقول السالمي في وصفهم: «ليست الدنيا من ذكرهم، ولا جمْعُ المال من شأنهم، ولا الشهوات من حاجاتهم» (3).
إذا كانت دولة قامت على التضحيات فلا تتصور أن تجد موارد منظمة وأموالاً محصيَّة، ودواوين مسجلة، فإن بداية الإمامة تُشبه إلى حدٍّ بعيد خلافة أبي بكر الصديق في طبيعتها المالية حيث كانت الإيرادات تُوزَّع في حينها، فلا تُجمع في بيت، ولا تُحصى في سجلاَّت، فالرِّجال هم العمدة، وابتغاء الأجر عند الله هو العدَّة، والزُّهد في الدنيا هو المنهج والسيرة.
هذه هي الفلسفة التي سادت عند نشأة الدولة الإباضية في مشرقها ومغربها؛ لِذَا نجد الشأن المالي لم يُصنَّف من الأولويات والضروريات، حتى أن المؤرخين مرُّوا عليه بدون ذكر إلا من إشارات عابرة، ولا نعجب إذا لم نجد بيت مالٍ منظَّمًا، وقوائم الدُّخل والخراج كما اشتهرت عند بني العباس الذين حكموا أقاليم واسعة، وبلغوا شأوا بعيدًا في تنظيم شؤونهم السياسية والمالية.
ومع هذا التنظيم المتواضع استطاعت الإمامة الإباضية أن تحقق أهدافها، وتُحافظ على توازنها
__________
(1) - عبد الله بن حميد السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان. الناشر: زاهر وزهير. المطابع الذهبية: عُمان. ج:1، ص:63.
(2) - الجلَّنْدى بن مسعود: من آل الجلَّنْدى ملوك عُمان عند ظهور الإسلام، حمل العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وهو أوَّل إمام حكم بعُمان، بويع سنة: 132هـ، وقُتل سنة: 134هـ. (السالمي: التحفة).
(3) - السالمي: التحفة. مرجع سابق. ج:1، ص:90. (1/89)
صفحة 74
واستقلالها، وتثبِّت كيانها وخصائصها طوال عهودها.
وعن السياسة المالية لهذه الدولة يقول السالمي: «لم يأخذوا الصدقة بغير حقِّها، ولم يضعوها في غير موضعها، ولم يستحلُّوها من الناس على غير الإثخان في الأرض والحماية والكفاية والمكافحة عن حريم المسلمين» (1)، فهي سياسة تقوم على الانضباط والتزام الحق والشرع في الأخذ والعطاء، ولا تختلف عمَّا أعلنه الخليفة عمر بن الخطاب في أوَّل خطبة، وهو يشرح الخطوط الرئيسة لسياسته المالية: «وأنِّي لا أجد هذا المال (المال العام) يُصلحه إلا خلال ثلاث: أن يُؤخذ في الحق، ويُعطى في الحق، ويُمنع من الباطل» (2).
3 - العوامل المساعدة لهذه السياسة:
وممَّا ساعد العمانيين على تجسيد رغبتهم في الاستقلال عن السلطة المركزية المتمثلة في الخلافة الأموية ثم العباسية فيما بعد، ولم تتمكَّن هاتان الدولتان من السيطرة على هذا الإقليم الهام إلا لفترات قصيرة، وظلَّت الإمامة المُنْبَنِية على العقيدة الإباضية هي النظام السائد إلى العصور الأخيرة، وقد ساعد في هذا الاتجاه طبيعة عُمان الجغرافية، وموقعها الاستراتيجي على الخليج والبحر العربي، ساعدها على تنمية مواردها الاقتصادية، فاستطاعت الاعتماد على الموارد الاقتصادية المتأتيَّة عن طريق التجارة الخارجية، واستطاع العمانيون الوقوف في وجه أيِّ خطرٍ دون الخوف من أيِّ حصار اقتصادي محتمل، كما يحدث في الحجاز مثلاً (3).
أهمُّ موارد بيت المال:
إنَّ النظام المالي يقوم على جمع وتعبئة الموارد اللازمة لتسيير شؤون الدولة، والإنفاق منها على مختلف المرافق، وإشباع الاحتياجات العامة ضمن سياسة مالية معتمدة، قائمة على عقيدة ذلك النظام
__________
(1) - السالمي: التحفة. مرجع سابق. ص:89.
(2) - قطب إبراهيم محمد: النظم المالية في الإسلام: الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط:4، سنة: 1989م. ص:21.
(3) - عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية. مطابع دار الشعب: الأردن، سنة:1978م، ص:130. (1/90)
صفحة 75
ومبادئه، وإذا تتبَّعنا الوقائع التاريخية ألْفينا أن دولتنا الفتية اعتمدت في تمويلها على البنود الرئيسية الآتية:
أ- التبرعات. ب- الزكاة. ج- العشور. د- الصَّوافي. هـ- الجزية.
أ- التبرعات:
رأينا في الحلقة الأولى من البحث أن مركز الدعوة للمذهب الإباضي في البصرة قد أقام من بين مؤسساته بيتًا للمال غرضه تمويل الدعاة ومساعدتهم لإقامة إمامة الظهور، ورأينا ذلك المدد المتواصل لدعم وتوطيد أركان الدولة الإباضية، القائمة في تيهرت، ونفس الشيء يُقال لإمامة الجلندى بن مسعود، فقد تلقًّى الدعم المادي من إخوانه العمانيين المشتهرين بالتجارة سواء الموجودين منهم في عُمان أو في البصرة أو في الهند، كما تُشير المصادر التاريخية (1)، ونحسب أن المساعدات المقدَّمة كانت أكبر وأهمَّ لقربها من مركز الدعوة في البصرة وسهولة الاتصالات ولعلاقة القرابة التي تجمع بين أفراد القبيلة الأزدية المتواجدين بالبصرة مع إخوانهم في عُمان، فقد كانت قبيلة الأزد المحور الرئيس في مدِّ هذه الدولة بالمدد من الرجال والمال (2).
ب الزكاة:
هي الفريضة المالية، والركن الثالث من أركان الإسلام، وقد ابتدأ جبايتها منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذْ بعث عليه السلام عمرو بن العاص أميرًا على الصدقة، وأبَا زيد إمامًا للصلاة، واستمرَّ الأمر في عهد الخلفاء الراشدين، وبعد ذلك تولَّى الأمر الحكام بعد استقلالهم عن السلطة المركزية. إلا أنَّ المصادر التاريخية لم توضِّح ماهي أنواع المال التي تُجمع، ولا عن كيفية تنظيمها وتدوينها في بيت المال، ولا عن كيفية توزيعها، والمقادير المحصَّلة، وهذا الإشكال مطروح بصورة عامَّة على كل المسائل المالية، إذْ لم يُولِ لها المؤرخون العناية الكافية كعنايتهم
__________
(1) - أحمد بن سعود السيابي: أصول بيت المال في عُمان وآثرها الحضاري. دار الأجيال، ط:1، سنة:2005م، ص:64.
(2) - د. محمد ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية. نشر: جمعية التراث: القرارة، ط:2، سنة:2005م. (1/91)
صفحة 76
بالشؤون السياسية، إلا أنه من خلال بعض النصوص والوضعية الاقتصادية نستطيع أن نقول: أن أغلب موارد الزكاة كانت تأتي من المحاصيل الزراعية التي تشتهر بها، ومن العروض التجارية التي امتازت بها عُمان كنقطة تبادل تجاري هامٍّ، إذ يقول المقدسي عن أهمِّ مدن عمان "صُحَار": «هي قصبة عمان، ليس على بحر الصين اليوم بلدٌ أجلَّ منها، وعامر آهل حسن طيِّب نزه، ذو يسارٍ وتجار وفواكه وخيرات أسرى من زبيد وصنعاء، أسواق عجيبة، وبلدة ظريفة ... وهم سعة في كل شيء، دهليز الصين، وخزانة الشرق والعراق، ومغوثة اليمن» (1). إذا كان البلد بهذا الرخاء والنشاط التجاري فلنتصور حجم موارد الزكاة التي تتدفق على بيت المال من أهلها الذين اعتنقوا الإسلام، وتمذهبوا بالمذهب الإباضي، ودافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم.
ويدخل في باب الزكاة ما كانت تُفرض من فرائض مالية على صادرات المنتجات العمانية، كالتمور والفواكه والأسماك والماشية، وكذا ما يُفرض على الواردات من الهند وأفريقيا وفارس، وقد رأينا الأهمية التجارية لدولة عُمان نظرًا لموقعها الاستراتيجي، ولحنكة وتجربة أهله في الميدان.
ولا نتصور أن تُدرج هذه الإيرادات ضمن الرسوم على الصادرات كما ذهب البعض (2)، فالمسلم مطالب بإخراج زكاة ماله فريضة دينية مقدَّسة، ولا تُفرَض عليه فريضتان، فالزكاة فريضة دينية، والرسوم ضريبة مدنية، والتمييز بينهما أن الزكاة تفرض على المسلم في جميع أمواله الزكوية متى بلغت النصاب، ومهما كانت طبيعتها زراعية أم تجارية أم صناعية، أما الرسوم (العشور)، فتفرض على الذِّمي في أمواله التي يستوردها إلى داخل الدولة الإسلامية.
وقد اصطلح العمانيون على الرسوم التجارية صدقة البحر، وتفرَّدوا به، ولا
__________
(1) - المقدسي: محمد الشافعي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 86. السيابي: أصول بيت المال، مرجع سابق.
(2) - حسين عبيد غانم: عُمان. مرجع سابق، ص:80. (1/92)
صفحة 77
نجد له نظيرًا في المصنفات المالية، مثل كتاب الخراج، والأموال، ولا في المدونات الفقهية، حيث التجارة البحرية اشتهر بها أهل جنوب الجزيرة العربية وعُمان بصفة أخص.
ومِمَّا يَلفت الانتباه في هذا الصَّدد تورُّع وتحرُّج الإمام الجلندى بن مسعود في عدم أخذه لصدقة البحر إلا ما طاب له أنفس الناس؛ تخوُّفًا من عدم بذل جهد السلطة في حماية هؤلاء التجار.
فقد أورد السالمي وصف النَّيِّر بن النَّيِّر سيرة هذا الإمام الورع التقي للإمام غسَّان بن عبد الله: «بلغنا عنهم فيما استقام عليه رأيهم أن يرفضوا بصدقة البحر إلا ما طاب بأنفس الناس أن يبذلوه لهم، وذلك يتخوَّفون من الدُّخل عليهم في سبيل الله إذْ لم يحمُوه» (1).
ج- العشور:
ما يفرض على الكفار في أموالهم المعدَّة للتجارة إذا انتقلوا بها من بلدٍ إلى بلدٍ في دار الإسلام، وسُمِّيت بذلك لكوْن المأخوذ عُشُرًا أو مضافًا إلى العُشر كنصف العُشر، ويشترك مع الجزية في الوجوب على أهل الذمة والمستأمنين من أهل الحرب، ويفترق عنها أن الجزية توضع على الرؤوس، أما العشور فتوضع على المال (2). وأوَّل من أخذ العُشر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لَمَّا أشار إليه أحدُ وُلاته أن المسلمين إذا دخلوا بتجارتهم إلى أراضي أهل الحرب أخذوا منهم العُشر، فأذِن له بأخذ العُشر على أموال رعايا تلك البلدان معاملة بالمِثْل. ونظرًا لحجم التجارة الواردة إلى عُمان من وراء البحر، سواء من البلاد الإسلامية أو غير الإسلامية، فقد أحدث الولاَّة شبه ديوان يختص بإدارة أموال العُشور، يُسيَّر وفق تنظيمات مستوْحاة من روح الشريعة الإسلامية ضمانًا للعدالة وللضبط والرقابة على هذا الإيراد الهامِّ، وكان مقداره يُعادل مقدار الرسوم التي يدفعها العمانيون في بلدان هؤلاء التجار، أما التجار المسلمون فيدفعون فريضة الزكاة.
__________
(1) - السالمي: التحفة. مصدر سابق، ج:1، ص:89.
(2) - نزيه حماد: معجم المصطلحات، ص:198. (1/93)
صفحة 78
د- الصَّوافي:
مفردها صافية، وهي الأملاك والأراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتوا، ولا وارث لهم (1)، وقد أصْفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أراضي السواد أصنافًا منها: أراضي من قتل في الحرب، وأرض من هرب، وكل أرضٍ كانت لكسرى (2)، وتعرَّض الفقهاء بالتأصيل الفقهي لها، وأصبحت تُشكِّل موردًا هامًّا إلى جانب الروافد الأخرى. وينطبق هذا المفهوم على الأموال التي تركها الفرس بعد جلاءهم من الأراضي العُمانية، فقد شهدت عُمان في بعض مراحله التاريخية وجودًا فارسيًّا، ولَمَّا منَّ الله على البشرية ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشر الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية، أرسل النبي الكريم رسله إلى ملوك عُمان يدعوهم إلى الدين الجديد فاستجابوا، فدخلوا في الإسلام طائعين، فطلبوا من الحامية الفارسية الدخول في الإسلام أو الخروج من عُمان، فأبوا قَبُول الإسلام، ممَّا حمَلَ العمانيين على قتالهم، وإخراجهم بالقوة والسِّنان، ولَمَّا أحسن الفرس بالدائرة تدور عليهم طلبوا الأمان، وأذعنوا للاستسلام ناجين بأنفسهم وأهليهم تاركين أموالهم غنيمة، فصارت الأموال العقارية والزراعية التي خلَّفوها ملكًا لبيت مال الدولة في عُمان (3).
تُعدُّ صوافي عُمان من أوائل الصوافي في الإسلام التي كانت بسبب إجلاء الحامية الفارسية عن أراضيها بعد اعتناقهم للإسلام، وتخيير الفرس بين الإسلام والخروج، ولم يعرف المسلمون معنى الصوافي إلا في عهد الفتوحات الكبرى في العراق والشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.
تعتبر الصوافي من أهمِّ موارد بيت المال طوال الحقب التاريخية، ولا تزال قائمة، وترجع عوائدها إلى وزارة الأوقاف أو إلى الوزارة المالية، وقد أحصى أحد الكتاب هذه الأموال، ورتَّبها خمسة أصناف (4):
__________
(1) - د. الشرباصي، أحمد: معجم الاقتصاد. مرجع سابق، ص:87.
(2) - أبو يوسف: الخراج. مرجع سابق. ص:168.
(3) - السيابي أحمد بن سعود: أصول بيت المال، مرجع سابق، ص:70.
(4) - المصدر نفسه، ص:86. (1/94)
صفحة 79
أ الضواحي: مزارع النخيل، وهي عبارة عن بساتين مغروسة بالنخل، ويُطلق عليها أيضًا "المقاصير"، وتُشكِّل أهم أقسام الصوافي حيث كان بيت المال يعتمد على هذا النوع اعتمادًا كبيرًا، كمادة غذائية أساسية تتوفر صيفًا وشتاء.
ب الأراضي الزراعية: وهي أراضٍ تزرع بصنوف الخضار والحبوب والبقولات والفواكه، وفي بعض الأحيان شيء من النخل، وهذه تكون مؤجرة على المواطنين بإيجار سنوي يدخل إلى خزينة الدولة.
ت الأراضي السكنية: وهي أراضٍ بيضاء لا توجد بها عمارة في الوقت الحاضر لفساد تربتها، وهي أيضًا مؤجرة للمواطنين، ويعود ريْعُها للدولة.
ث الأراضي التجارية: هي أراضٍ تنشأ عليها محلات ومبانٍ تجارية، حيث تتميز مواقعها بالنشاط والحركة التجارية.
ج الأراضي الصناعية: وهي التي توجد في مناطق النشاط الصناعي والحرفي، وتُؤجر لأعمال التصنيع والحرف والصيانة.
وقد أدَّت هذه الإيرادات دورًا ماليًا، ورافدًا من روافد خزينة الدولة، وسدِّ جزء هام من احتياجات الدولة والمواطنين إلى جانب دورها الحضاري التربوي والاجتماعي.
و- الجزية:
مشتقة من الجزاء والمجازاة، وهي الخراج المجعول على أهل الذمة، وسُمِّيت بذلك لأنها جزاء تأمينهم وعصمة دمائهم وعيالهم وأموالهم، وتمكينهم من سُكْنَى دار الإسلام (1).
وتُؤخذ من أهل الكتاب كاليهود والنصارى وغيرهم من الطوائف والملل، ماعدا مشركي العرب الذين لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل (2).
__________
(1) - نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء. المعهد العالمي للفكر الإسلامي: الولايات المتحدة الأمريكية، ط:1، سنة:1993م، ص:116.
(2) - الكندي، محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، ج:69، ص:80/ عن أحمد السيابي: أصول بيت المال. ص:58. (1/95)
صفحة 80
ونظرًا لوجود بعض أصحاب الطوائف الدينية من غير مشركي العرب في عُمان في بعض الحقب التاريخية، فإنَّ وليَّ الأمر يقوم بأخذ الجزية، حسب ما هو مقرر في أحكام الشريعة. فقد أخذها الإمام الجلندى بن مسعود في القرن الثاني الهجري من نصارى جزيرة سقطرى، ويبدو أن مقدار هذا الإيراد كان ضئيلاً نظرًا لعدم وجود جاليات ذمِّية في عُمان إلا قليلاً، ما عدا الفرس الذين أُجْلُوا مباشرة بعد دخول الإسلام كما رأينا.
4 - هل الغنيمة من إيرادات بيت المال؟
من إيرادات بيت المال في الإسلام الغنائم التي يغنمها المسلمون في حرب مشروعة ضدَّ المشركين، وقد أجاز الإسلام أكل الغنائم بعدما كانت محرَّمة لدى الأمم السابقة، وقد اختلف المسلمون في غنائم بدر، ثمَّ نزل قرآن يُتلى في حكم الغنائم بعد معاتبته للمسلمين في خلافهم حول الأمر (1).
هذا حكم غنيمة أهل الكفر الذين حاربوا المسلمين، وناصبُوهم العداء، أما المسلمون فإن حرمة أموالهم مصُونة ومقدسة في الإسلام، ولا يجوز المساس بها: «كلُّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، وحتى في قتال البغاة لا تُستباح أموالهم، وهذا ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية باستثناء الخوارج الذين استحلُّوا دماء غيرهم من المسلمين، وأباحوا سبي نسائهم وأطفالهم، وغنيمة أموالهم.
وفي شأن الدولة الإباضية الناشئة في عُمان فإنها أقامت دولتها على أسس الإسلام الممتدة من القرآن والسنة الصحيحة، وكان دستورها يقوم على الاحترام والتكافل والمساواة في الحقوق الإسلامية، وهذا ما أكَّده دعاة المذهب الإباضي منذ نشأته، وسطَّره الفقهاء في مدوَّناتهم، وسجَّله المؤرخون في تاريخ سِيرهم، إلا أن هناك من يلبس عليه الأمر، ويربط بين الإباضية والخوارج، ويرى أن
__________
(1) -. (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله (الأنفال، آية:8، (واعملوا أنَّما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ... (، الأنفال، آية:41، (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله (, ال (1/96)
صفحة 81
الإباضية يستحلُّون دماء غيرهم، ويُبيحون غنيمة أموالهم، وهذه التهمة ما زال الإباضية يُنافحون ضدَّها، ويُثبتون بالحجة والدليل افتراقهم واختلافهم مع الخوارج اختلاف ما بين المشرق والمغرب.
غير ما يَلفِت الانتباه، ويدعو إلى العجَب أن يأتي كاتب معاصر (1) أرَّخ للدولة العمانية، وتتبَّع مراحلها، واطَّلع على مراجعها ومصادرها، وأنصف حق الإباضية، ويُحسب من الكاتبين الأكادميين الذين يلتزمون الموضوعية والبحث العلمي النَّزيه يجعل من مصادر إيرادات بيت المال: الغنيمة، فيقول وهو يُعدِّد مؤسسات الإمامة: «بيت المال، ويُقسَّم مصادر تغذيتها إلى ثلاث مصادر رئيسية للدخل:
أ الرسوم على صادرات المنتجات العمانية.
ب الزكاة: التي هي إحدى الأركان الخمس الأساسية.
ج-الضريبة (العشور) التي تفرض على التجار غير المسلمين.
ثمَّ يُضيف: «وأخيرًا هناك الغنيمة التي يأتي بها الإمام من الحروب الأهلية الداخلية، ولا سيما من الحروب ضد القبائل المعارضة، والإمام هو المسؤول الوحيد عن هذه الأموال».
وحسب هذا الكلام فإن أموال الغنيمة مقننَّنة ومنظمة من قِبل الإمام، وتُشكِّل جزءًا من إيرادات هذه الدولة الفتية، ولو قارنَّا هذا الكلام بما قاله المؤرخ العماني الذي يتحدث عن سيرة هذه الدولة ونظامها المالي، وعدالتها في أخذ وإعطاء الحقوق، وعلاقتها مع غير المتمذهبين بالمذهب الإباضي، إذ يقول: «نُؤدي الأمانة إلى من استأمننا من قومنا وغيرهم، ونُوفي بعهود قومنا وأهل الذمة وغيرهم، ونُجير من استجارنا من قومنا وغيرهم، يأمن عندنا منهم الكافُّ عن القتال المعتزل بنفسه»، إلى أن يقول: «ومن أنكر حق الله منهم، واستحبَّ العمى على الهدى، وفارق المسلمين وعاندهم فارقناه، وقاتلناه حتى يفيء إلى أمر الله، من غير أن تنزلهم منزلة عبدة الأوثان، فلا نستحل سباهم، ولا قتل
__________
(1) - د. حسين عبيد غانم غباش. مرجع سابق، ص:80. (1/97)
صفحة 82
ذراريهم، ولا غنيمة أموالهم، و إلا قطع الميراث عنهم» (1).
هذه هي العلاقة التي تربط بين الإباضية وغيرهم، علاقة تربط بينها الأخوة الإسلامية ومبادئ الدين، لا كما يتصور البعض بربطهم بالخوارج المارقين المستحلِّين لدماء وأعراض المسلمين.
5 - النفقات:
ويُقصد به النفقات العامة، وهي كل حقٍّ وجب صرفه من بيت المال في مصالح المسلمين، وتنقسم إلى نفقات راتبة (عادية)، ونفقات عارضة (طارئة) (2)، فالإيراد يُشكِّل الدخل، والنفقة تُشكِّل الخرج من بيت المال. فبقدر إحكام النفقة ووضعها في مواضعها يسود العدل والرخاء، غير أن المصادر التاريخية لا تسعفنا كثيرًا بالمعلومات عن كيفية الصرف وحجم النفقات، والسعاة والجباة وعن الدواوين، إذ إن اعتناء المؤرخين بهذا الشأن كان قليلاً، ويعود في جانب منها إلى طبيعة النفقات، إذ أن جزءًا منها مخصَّصٌ لأغراض محددة، مثل الزكاة، وهذا ما نلمسه في المصنفات المخصصة للشؤون المالية، فهي تعدد الإيرادات، وتمرُّ مرَّ الكرام على الإنفاق، ومع ذلك إذا تتبَّعنا النصوص التاريخية نلمس اعتناء أولي الأمر بشأن النفقات، واجتهادهم في جمعها وتوزيعها، واختيار الجباة والسعاة الأكفاء، وإيصالها إلى ذويها، والتورع في الأكل منها.
ويُسعفنا السالمي بنصٍّ يُنمُّ على اهتمام الإمام الجلندى بأمر الصدقة، والنفقات عمومًا، إذ يقول: «لم يأخذوا الصدقة بغير حقِّها، ولم يضعوها في غير موضعها، بل أخذوا بحقها، بعد إكمال الأمور التي تُعينهم في دين الله، وحفظ الرعية، ثم وضعوها في مواضعها، وقسَّموها على أهلها بحكم القرآن» (3). وفي اختيارهم للولاة والسعاة، واشتراطهم الأمانة والعلم يُضيف: «ولا يُولُّون أمرهم، ولا يبعثون في حوائجهم، ولا يستعملون في صدقاتهم ... إلا أهل الثقة والعلم والفهم والورع والتحرج» (4).
__________
(1) - السالمي: تحفة الأعيان. ص:81.
(2) - نزيه حماد: لغة الفقهاء. ص: 277.
(3) - السالمي: تحفة الأعيان. ص:88.
(4) - المصدر نفسه، ص:89. (1/98)
صفحة 83
6 - العطاءات الممنوحة من بيت المال:
العطاء هو ما يُعطيه الإمام من بيت المال لأهل الحقوق في وقت معلوم، وقد فرَّق بعض الفقهاء بينه وبين الرزق، فقالوا: الرزق ما يُخرج من بيت المال للجندي كل شهر، والعطاء ما يُخرج له في كل سنة مرة أو مرتين (1). وأول من نظم بيت المال، وأنشأ الدواوين، وقسَّم العطاء هو الخليفة عمر بن الخطاب، إذ كان أول الأمر تقسِّم الإيرادات من غنائم وفيء في حين ورودها. ولَمَّا كثرت هذه الإيرادات فكَّر عمر في تنظيمها، وجعلها عطاءات راتبة دورية إما شهرية أو سنوية. في وضع سجلات بأسماء المستحقين من جنود وعمال وقضاة وسائر موظفي الدولة، وكانت مقاديرها تزداد بازدياد المداخيل المتنوعة التي ترد على بيت المال، وشهدت تطوُّرًا في عهد الفتوحات، وتدفُّق الخراج بعد ذلك.
وإذا جئنا إلى دولتنا الفتيَّة نجد أن الإمام الجلندى بن مسعود وضع الأرزاق والعطاءات حسب مقدرة وطاقة بيت المال الناشئ؛ مما يدل على اهتمامه بالشؤون المالية، ووضع الدواوين وسجلاَّت المستحقين. وتدلُّ النصوص التاريخية على أن العطاءات كانت قليلة مع الغلاء في الأسعار في تلك الفترة. إلا أن المستحقين يقنعون بذلك تورُّعًا وتقشُّفًا، وإشفاقًا على بيت مال الدولة الناشئة، ويصل الأمر ببعضهم أن يرد الفضل والعفو إلى بيت المال، وهذا السلوك الحضاري لم نُسجِّله في أيِّ أُمَّة، إذْ يُعبِّر عن العلاقة الوطيدة التي تربط بين الأفراد والحُكَّام في لحمة واحدة.
يقول السالمي: «وكان المرء منهم يُرزق في الشهر الواحد سبعة دراهم في غلاء من السعر، يصبر على القوت اليسير رغبة في الآخرة والثواب من عند الله، وقد بلغنا أنه ربما بقي مع الرجل الدرهم والدرهمان فيتطوع بذلك الفضل فيردُّه في فيء المسلمين» (2).
بهذه التضحية والإيثار تُبنى المجتمعات، وتُشيد الحضارات، وبهذه الأخلاق السامية استطاع المسلمون
__________
(1) - نزيه حماد. مرجع سابق، ص:199.
(2) - السالمي: تحفة الأعيان. ج:1، ص:91. (1/99)
صفحة 84
الأوائل أن يقُودوا العالم، فالجندي والموظف والعامل والمواطن يرضى بالقليل من العطاء، ويحتسب أجره عند الله، ويُؤثر الآخرة على الدنيا، وإذا فَضَلَ له فضْلٌ لم يُنفقه على التحسينات والكماليات المباحة، وإنما يردُّه طوْعًا إلى بيت المال عِلْمًا منه أن ذلك الدرهم سوف يسُدُّ مسدًّا، ويكفي حاجة، ويقضي مأربًا.
خاتمة:
هذه نظرة ولمحة عن النظام المالي لأول دولة إباضية في عُمان، وقد حفظ لنا المؤرخون الخطوط الرئيسية له، وهو يُعبِّر بصدق عن نظام مالي مستمدٍّ من أصول الشريعة وقواعد المذهب الإباضي في إيراداته وسُبُل إنْفاقه وتنظيمه.
قائمة المراجع
1 - أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم: الخراج. ضمن كتاب: في التراث الاقتصادي للمسلمين. تقديم: فضل شلق، دار الحداثة: لبنان.
2 - عبد الله بن حميد السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان. ج:1، الناشر: زاهر وزُهير، المطابع الذهبية: عُمان.
3 - أحمد بن سعود السيابي: أصول بيت المال في عُمان وأثرها الحضاري في عهد دولة البوسعيد. ط:1، سنة:2005م، مطبعة عُمان.
4 - د. أحمد الشرباصي: المعجم الاقتصادي الإسلامي. دار الجيل، سنة:1402هـ/1981م.
5 - د. نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء. المعهد العالمي للفكر الإسلامي: الولايات المتحدة الأمريكية، ط:1، 1414هـ/1994م.
6 - د. حسين عبيد غانم غباش: عُمان الديمقراطية الإسلامية، تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث (1500 - 1970م). دار الجديد، ط:1، سنة:1997م.
7 - قطب إبراهيم محمد: النظم المالية في الإسلام. الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط:4، سنة:1989م.
8 - د. محمد ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية. نشر: جمعية التراث: القرارة، سنة:2005م. (1/100)
صفحة 85
مقاربة منهجية للتنظير الفقهي
الأستاذ: عيسى محمد بوراس
ــــــ جامعة أدرار ــــــ
مقدمة:
إذا سلمنا ابتداء بضرورة وجود نظريات وأنظمة في الفقه، فمعنى ذلك أنّ الإسلام دين كامل له أنظمته المختلفة وقابليته على صياغة الأنظمة، ودعوته إلى اكتشاف هذه الأنظمة في إطار الاجتهاد والتفقّه (1).
من ناحية أخرى فإنّ المنهج الاستقرائي قائم على حساب الاحتمالات، فإنّ آراء الفقهاء ستكتسب قيمة إحصائية صرفة من حيث تأييدها أو تعارضها مع النظرية المقترحة، وهكذا فإنّ الفتاوى المخالفة في فقه الأحكام لن تكون ذات طابع سلبي في فقه النظريات المتميّز بمجال استنباطي أوسع.
ولقد وردت عدّت مبادرات في هذا المجال، فمن نظرية أخلاقية لدى محمد عبد الله دراز، إلى نظرية جنائية لدى عبد القادر عودة، إلى نظرية حقوقية لدى عبد الرزاق السنهوري، إلى نظرية اقتصادية لدى محمد باقر الصدر (2)، وهكذا توالت الكتابات في هذا الاتجاه وتطوّرت حتّى وصلنا إلى مرحلة منهجة هذا الاتجاه التنظيري.
طرح الإشكالية:
هل للتنظير الفقهي منهج؟ هل النظريات التي حررها العلماء يمكن بتحليلها أن نصل إلى إثبات وجود منهج خاص للتنظير الفقهي؟ كيف يمكن أن نتصوّر منهجًا بتوظيفه نستطيع أن نصل إلى وضع نظريات فقهية جديدة.
المنهج المتبع:
المنهج هو رأسي تحليلي كشفي، أي الكشف عن وجهة نظر الإسلام، منطلقا من البناء العلوي إلى أعماق البناء لاكتشاف الطابق
__________
(1) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، 204.
(2) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، 119. (1/87)
صفحة 86
الأساسي (1)، ينطلق من الرأس ليصل إلى الأرضية التي يقف عليها البناء، مع توظيف المنهج الأفقي الذي يبحث في الأبواب والأقسام المختلفة للفقه والقانون لأجل إيجاد عنصر من عناصر هذه النظرية والرابط بينهما علاقة فقهية خاصة.
وسوف ننطلق من فرضية أنّ للتنظير الفقهي منهج قائم، ومع نهاية البحث نصل إلى إثبات أم نفي هذه الفرضية جزئيا أو كلّيا.
المبحث الأول: التعاريف
تعريف التنظير الفقهي:
التنظير مشتق من النظر وهو في اللغة: تأمل الشيء بالعين أو بالعقل أو بهما معًا.
تعريف د. جمال الدين عطية: التصوّر المجرّد الجامع للقواعد العامة الضابطة للأحكام الفرعية الجزئية (2).
هو تصوّر يقوم بالذهن، سواء استنبط بالتسلسل الفكري المنطقي، أم استمد من استقراء الأحكام الفرعية الجزئية.
ويتّصف هذا التصوّر بالتجريد، إذ يحاول أن يتخلّص من الواقع التطبيقي لينفذ إلى ما وراءه من فكرة تحكم هذا الواقع.
وهو تصوّر جامع يحاول أن يحيط بجميع جوانب الموضوع، ويبحث كافة مستوياته وأبعاده (3).
وهو في هذا الصدد يقف عند كلّ ظاهرة أو حكم يتعلّق بها ملاحظا الصفات المشتركة بين كافة الظواهر والأحكام التي يبحثها، دون تلك التي تخصّ بها ظاهرة معيّنة أو حكم محدد، وذلك سعيا وراء التعرف إلى القواعد العامة (4).
تعريف باقر برّي:
الصيغة الفكرية المركّبة من مجموعة من المبادئ والأسس والرؤى والمفاهيم والأحكام والنصوص الإسلامية التي يرتبط بعضها ببعض في إطار التعبير عن المذهب الإسلامي في مجال من مجالات الإنسان والكون والمجتمع (5).
__________
(1) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، ص 206.
(2) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، 204.
(3) - المرجع السابق.
(4) - المرجع السابق، ص: 204.
(5) - المرجع السابق، ص: 205، باقر بري، فقه النظرية من الشهيد الصدر (قضايا إسلامية معاصرة) عدد 11/ 170. (1/88)
صفحة 87
إنّها صيغة ونسيج منسجم وموحّد، قصد من جمع خيوطه في اطراد واحد، والتوليف بينها، أن نصل إلى الموقف الإسلامي العام في مجال من مجالات الحياة وخاصة المجالات الاجتماعية.
أو بمفهوم آخر، هو عمل فقهي فكري تركيبي واع ومتخصص، يتمّ في ضوئه اكتشاف النظرية على أساس مقاييس ومعايير محدّدة.
تعريف سعيد رحيمان:
النظرية: هي مجموعة أحكام متقاربة في موضوع له مبناه الخاص وهدفه المعيّن وأرضيته الواحدة، ومن الممكن أن يكون هذا الموضوع بابا فقهيا، كنظرية القصاص أو نظرية الضمان، أو جزءا من باب أو عدّة أبواب من الفقه، كنظرية الإرادة، أو نظرية الضرورة الشرعية، أو نظرية الخيارات، وغيرها (1).
مفهوم مصطفى الزرقاء للتنظير (2):
نريد من النظريات الفقهية الأساسية تلك الدساتير والمفاهيم الكبرى التي يؤلف كلّ منها على حدة نظاما حقوقيا موضوعيا منبثا في تجاليد الفقه الإسلامي، كانبثاث أقسام الجُملة العصبيّة في نواحي الجسم الإنساني، وتحكم ذلك النظام في كلّ ما يتّصل بموضوعه من شعب الأحكام. مثال ذلك: كفكرة الملكية وأسبابها، وفكرة العقد وقواعده ونتائجه، وفكرة الأهلية وأنواعها ومراحلها وعوارضها، وفكرة النيابة وأقسامها، وفكرة البطلان والفساد والتوقّف، وفكرة التعليق والتقييد والإضافة في التصرّف القولي، وفكرة الضمان وأسبابه وأنواعه، وفكرة العرف وسلطانه على تحديد الالتزامات، إلى غير ذلك من النظريات الكبرى التي يقوم على أساسها صرح الفقه بكامله، ويصادف الإنسان أثر سلطانها في حلول جميع المسائل والحوادث الفقهية.
وهذه النظريات هي غير القواعد الكلّية، فإنّ تلك القواعد إنّما
__________
(1) - سعيد رحيمان، منهج اكتشاف الملاك وأثره في تغيير الأحكام، مجلة القضايا الإسلامية ع: 9 ص 179. (من تفعيل المقاصد، ص 207)
(2) - التنظير الفقهي، جمال الدين عطية، 210، 212. (1/89)
صفحة 88
هي ضوابط وأصول فقهية تراعى في تخريج أحكام الحوادث ضمن حدود تلك النظريات الكبرى.
فقاعدة، العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، مثلا، ليست سوى ضابط في ناحية مخصوصة من ميدان نظرية العقد، وهكذا سواها من القواعد.
المبحث الثاني: الفروق
الفرق بين النظرية العلمية والفقهية:
النظرية العلمية قضية تثبت بالبرهان، وجمعها نظريات، وهي عبارة عن طائفة من الآراء تفسّر بها بعض الوقائع العلمية أو الفنية، أو هي: جملة تصوّرات مؤلّفة تأليفا عقلياً تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات (1).
الفرق بين القاعدة والنظرية:
القاعدة: هي حكم كلّي يشتمل على أحكام متعدّدة في باب أو أبواب مختلفة من الفقه، وبعبارة أدق هي مصدر أو أساس الأحكام في أبواب المعاملات أو العبادات في الفقه، كقاعدة لا ضرر، وقاعدة لا حرج، وغيرها.
النظريات الفقهية تندرج تحتها القواعد الفقهية، فتكون بمنزلة الجزء من الكل، وقد تصلح النظرية قاعدة كبرى لقواعد كثيرة يجمعها رابط، مثل نظرية الضرورة، فإنّ تحتها قواعد كثيرة، ونظرية العرف تندرج تحتها قواعد كثيرة.
وقد تأتي القاعدة الفقهية من النظرية الفقهية بمنزلة الضابط الفقهي، فمثلا: قاعدة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، ليست سوى ضابط من ناحية مخصوصة من أصل نظرية العقد، وهكذا سواها من القواعد (2).
الفرق بين النظام الفقهي والنظرية:
النظام: يشير إلى هيكل تنظيمي من مجموعة من الأحكام، ويتعلق النظام الفقهي بمختلف أبواب الفقه، ويتكفّل الإفصاح عن الأهداف الكلية للشريعة وروح النصّ الفقهي ذي الصلة بتلك المجموعة من الأحكام. وللتمثيل يمكن ذكر النظام
__________
(1) - د. محمد بكر إسماعيل، القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، ص: 11.
(2) - المرجع السابق، ص: 12. (1/90)
صفحة 89
الاقتصادي في الإسلام، أو النظام الجزائي في الإسلام، وغيره (1).
رجال القانون والتنظير الفقهي:
لما اختلط رجال الفقه الإسلامي برجال القانون اكتسبوا منهم الخبرة في التنويع والتقسيم والتحليل، فسلكوا مسلكهم في تأصيل الفقه الإسلامي، وتقنينه على نحو يُشبه ما فعله رجال القانون الوضعي، ليثبتوا للغير أنّ الفقه الإسلامي غنيّ كلّ الغنى بقواعده وضوابطه وقوانينه ولوائحه، وأنّ التشريع الإسلامي يصلح للتقنين والتطبيق في كلّ زمان ومكان دون أن يتعارض مع المصالح العامة، أو أن يتخلّف عن ركب الحضارة والتقدّم، بل هو الذي يوّجه مسيرة العالم إلى تحقيق سبل الأمن والرخاء والرقيّ في جميع المجالات (2).
ومن المهمّ أن نشير إلى أنّ التشريع الإسلامي، شريعة ومنهجا يبقى متميّزا وذا خصوصيات يتفرّد بها عن باقي الشرائع الوضعية.
المبحث الثالث: الاستنباط
منهج استخراج النظريات الفقهية:
المنهج العام لاكتشاف النظريات عبارة عن اقتراح نظرية، بعد استقراء النصوص والأحكام ودراسة ما يؤيّد هذه النظرية وما يعارضها، ثمّ إجراء حسابات الاحتمالات لتعيين درجة اليقين أو الظنّ الاطمئناني للنظرية. وتتوافر الحجية لهذا المنهج عن طريق الاستدلال العقلي، لأنّ الفقيه استند في هذا المنهج على الاستقراء الذي يلتزم أساليب دقيقة بعيدة عن الطريقة الانتقائية وما إليها من الطرق غير العلمية (3).
النظرية الفقهية هي عبارة عن موضوعات فقهية لها أركان وشروط وتجمع بينها روابط فقهية تجمعها وحدة موضوعية تحكم عناصرها جميعا. فمثلا: نظرية الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي، تتألّف من عدّة عناصر، هي المواضيع التالية: حقيقة الإثبات، الشهادة، شروط الشهادة، كيفية الشهادة، الرجوع عن الشهادة، مسؤولية الشاهد، الإقرار، القرائن، الخبرة، معلومات القاضي، الكتابة،
__________
(1) - المرجع نفسه، ص 206.
(2) -محمد بكر إسماعيل، القواعد الفقهية، ص: 12.
(3) - سعيد رحيمان، منهج اكتشاف الملاك، قضايا إسلامية معاصرة، ع، 9، 190. (1/91)
صفحة 90
اليمين، القسامة، اللعان. فهذا مثال للمنهج التنظيري الذي يسلكه المؤلفون في النظريات العامة في تكوينها، إذ كلّ عنصر من عناصر هذه النظرية تندرج تحته فصول، والرابط بينها علاقة فقهية خاصة (1).
إنّ البحث عن النظريات الفقهية ليس من السهولة بالصورة التي نبحث بها عن الأحكام الفرعية للمسائل الفقهية، فكتب الفقه زاخرة بأحكام الفروع، وقلّما تجد فيها بحوثا عن نظريات فقهية، إذ إنّ هذه النظريات متناثرة بين العديد من المصنفات، وهي بحاجة إلى اكتشاف وتجميع وترتيب.
إلى جانب النظريات الفقهية الأساسية، توجد نظريات أخرى فرعية على مستوى أقسام الفقه وأبوابه، كما توجد فوقها نظرية عامة للشريعة ككل.
وقد يسهل الاكتشاف أحيانا إذا اقتصر على الوجود المادي ولكنّه في أحيان كثيرة يحتاج إلى جهد علمي لاستخراجه من الأحكام الفرعية التي تختفي وراءها النظريات. فبالرغم من أنّ بعض النظريات لم يفصح عنها الفقهاء ولم يبلوروها، إلاّ أنّ تتبّع الأحكام الفرعية التي جاؤوا بها تقطع بوجود نظرية في ذهن الفقيه تنتظمها، والمطلوب هنا هو استخراج هذه النظرية من الأحكام الفرعية (2).
يكون الترتيب سهلا أحيانا إذا كانت مباحث موضوع معيّن متكاملة في كتب التراث، أمّا إذا كانت المباحث غير متكاملة، فإنّه يستلزم وضع هيكل للنظرية وإنزال المباحث المتفرّقة عليه، ومحاولة سدّ الثغرات بتوظيف العلوم التي تحكمها تلك النظرية لأجل التوصّل إلى نظرية متكاملة (3).
ومن الضروري الإشارة إلى تجديد منهج تفسير القرآن الكريم إلى ما يسمّى بالتفسير الموضوعي للوصول إلى النظريات الأساسية والتصوّرات الرئيسة التي تمثّل وجهة نظر الإسلام، لا أن يكتفي بالبناءات العلوية والتشريعات التفصيلية، وبذلك نصل إلى مجموعة من المفاهيم التي تمثّل نسقًا كليًا مترابطاً (4).
__________
(1) - محمد بكر إسماعيل، القواعد الفقهية، ص: 11.
(2) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، 207.
(3) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، 207.
(4) - باقر بري، قضايا إسلامية معاصرة، ع 11، 177. (1/92)
صفحة 91
الفنون المساعدة لاستنباط النظريات الفقهية:
يستدعي البحث عن النظريات الفقهية وفي كتب التراث، وعدم الاقتصار على كتب الفقه التي غالبا ما تهتمّ بالأحكام الفرعية التي وضعت أساسا لعرضها، وإنّما الاتجاه إلى كتب أصول الفقه، وعلم الكلام، والفلسفة، والسياسة الشرعية، والأحكام السلطانية، والقضاء، والحسبة، والقواعد الفقهية، والقواعد الكليّة، والفروق، والأشباه والنظائر، وتخريج الفروع على الأصول، ومقاصد الشريعة، واختلاف الفقهاء، وغيرها ...
فعلم القواعد لا شكّ في أهمّيته لحركة التنظير خاصة إذا صنّفناها حسب درجة تجريدها، واستخدامها كل مستوى منها فيما يقابله من مستويات التنظير.
وكذا علم اختلاف الفقهاء يسدّ ثغرة هامة في مجال التنظير إذ يعين على تصوّر النظرية على مستوى مذهب فقهي بعينه أو على مستوى الفقه الإسلامي بمجموع مذاهبه، وهو ما يؤدّي إلى إثراء النظرية وتنوع وجهات النظر فيها، والحلول التي تقدّمها، وبالتالي تكون النظرية أكثر تمثيلا لمجموع الفقه الإسلامي (1).
إنّ فنّ الفروق يُعين على تبيّن الفروق الدقيقة التي تتميز بناء عليها المسائل بعضها عن بعض، وهذا من أهمّ ما يلزم كذلك لحركة التنظير.
إنّ أهمية فنّ الجمع في تكوين مادة النظريات الأساسية والفرعية، فهو إن بدأ جهدا موسوعيا متمثّلا في الجمع الموسوعي للمادة المتعلّقة بالموضوع من الأبواب المختلفة، إلاّ أنّ ذلك يؤدّي في معظم الأحيان إلى استخراج القواعد والضوابط التي تعين على تكوين النظريّة (2).
__________
(1) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، 211.
(2) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، 211. (1/93)
صفحة 92
الفعل ... الفن
قاعدة ... قاعدة فقهية
أصل ... أصول الفقه
ضابط ... ضوابط فقهية
شبيه ... أشباه فقهية
نظير ... نظائر فقهية
فرق ... فروق فقهية
مقصد ... مقاصد شرعية
نظر ... نظريات فقهية
ما يستبعد من التنظير الفقهي:
لكي نحصر بحثنا فيما هو تنظير فقهي، ينبغي أن نستبعد أمورا قد تختلط به وليست منه.
إنّ الأحكام الفقهية الفرعية، أي التي تتعلّق بمسألة محدّدة لا تدخل في باب النظريات الفقهية، حتّى ولو أخذت صورة القاعدة، إذ إنّ صياغتها التقنينيّة في صورة قاعدة لا تخرج بها عن كونها قاعدة فرعية تنطبق على مسألة محدّدة مهما تعدّدت التصرّفات والوقائع التي تنطبق عليها (1).
كما لا يعتبر تنظيرا فقهيًا فتوى المفتي في تصرّف معيّن أو واقعة معيّنة. وكذلك حكم القاضي في نزاع محدّد، فهذا وذاك من قبيل إنزال الحكم الشرعي على واقعة محدّدة أو تصرّف محدّد، وليس من باب التنظير الفقهي.
ويمكن أن نضع جدولا نرتّب فيه القواعد التنظيرية وفقا لدرجة تجريدها من ظروفها الجزئية، مع استبعاد ما ليس من القواعد التنظيرية (2).
__________
(1) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، 209.
(2) - نحو تفعيل المقاصد، جمال الدين عطية، 204. (1/94)
صفحة 93
قواعد تنظيرية ... قواعد ليست تنظيرية
1 ... قاعدة أصولية أو كلامية أو لغوية ... قاعدة فرعية، هي مجرد صياغة تقنينيّة لحالة فردية متكرّرة.
فتوى المفتي، وحكم القاضي.
قاعدة مشتركة بين عدّة أبواب من أقسام فقهية مختلفة. ... 2 ... قاعدة مشتركة بين عدّة أبواب من قسم فقهي واحد (نظرية العقد) ... الوقائع والتصرفات محلّ الأحكام الشرعية.
قاعدة عامة لباب واحد. (باب البيع) ... 3 ... 4
علاقة النظريات بالعلوم الشرعية:
وضع الدكتور جمال الدين عطية مخططا يحدّد فيه العلاقة التي تربط النظريات الفقهية بالعلوم الشرعية المختلفة، ورسمه على شكل دوائر من أصغر دائرة إلى أكبر منها، كالتالي:
- ففي المركز توجد العقيدة لأنّها الأساس والمنشأ لكلّ العلوم.
- ينبثق منها القيم الأخلاقية.
- ثم النظرية العامة للشريعة التي تحكم جميع فروع الشريعة.
- تليها القواعد والنظريات المشتركة بين عدّة أبواب من أقسام مختلفة أو بين عدّة أبواب من نفس القسم.
- ثم النظرية الخاصة لكل باب من أبواب الفقه.
- فالأحكام الفرعية الجزئية للفقه.
هذا هو التصوّر الشامل كما يراه الدكتور، لتنظيم مادة الفقه وتقسيم أجزائه مع ربط هذه الأجزاء بشكل منطقي، مع مراعاة الأولويات والعلاقات الوظيفية للقواعد المختلفة، وهو تصوّر يفيد في اكتشاف (1/1)
صفحة 94
الفراغات التي مازالت بحاجة إلى جهد تنظيري، وفي عقد المقارنات مع الأنظمة الوضعية، وفي إعداد التقنيات الإسلامية التي تزداد الحاجة إليها.
فوائد التنظير الفقهي:
بعد استلهام وصياغة النظرية الفقهية، تتمثّل فيما تقدّمه من نسق نظري ومواقف ومرتكزات وإطار عام للتحرّك في المجال الذي تتطرّق له، ضمن الخطوط والضوابط والمقاييس العامة للشريعة.
إنّ كلّ نظريّة لا نستطيع أن نستلهمها إلاّ بعد الفهم الدقيق لمجالها الذي سترشدنا إلى الإطار المذهبي للتحرّك فيه، ولأنّها ستعلن موقفا بديلا للمذاهب والنظريات الموجودة في الميدان، فلا بدّ أن تنطوي على المفارقة بينها وبين هذه المذاهب، وإعمال نقد موضوعي للمذاهب الأخرى.
لا يمكن أن تبرز النظرية الإسلامية للذين ندعوهم إلى تبنيها إذا امتلكنا وعيا نقديا بالنظريات الموجودة في الميدان، وأثبتنا لدى التحليل مدى صمودها أمام النقد.
إنّ النظرية الإسلامية لا يمكن لها أن تنضج وتتبيَّن مثالبها ومحاسنها إلاّ بوضعها على المحك، وبالتطبيق العملي للنظرية والاسترشاد بها في مجالها المعين يرتفع بها إلى مستوى المساءلة والتجربة، ويفتح على العقل الاجتهادي كوىً ونوافذ بصيرة جديدة تؤدي إلى التعديل فيها وتطويرها.
المبحث الرابع: المناهج
منهج باقر الصدر في التنظير:
صدرت عدّة دراسات حول منهج الشهيد محمد باقر الصدر، ويمكن أن نحلّل بعض تصوّراته (1).
أ_ الانطلاق عند التنظير يكون من الواقع إلى النصوص وليس العكس.
ب_ استقراء الأحكام الشرعية الخاصة بالمسألة موضوع التنظير.
ج ـ عملية الانتقال من الجزئيات إلى القاعدة الكليّة المشتركة بينها.
د ـ الحفاظ على الموضوعية والابتعاد عن الذاتية.
هـ اعتبار مقاصد الشريعة عند اكتشاف النظرية.
__________
(1) - باقر الصدر، السنن التاريخية، ص 34، من نحو تفعيل المقاصد، 212. (1/1)
صفحة 95
نحلّل النقاط بالترتيب.
كتب باقر بري ملخّصا النقطة الأولى: على الممارس في المرحلة الأولى أن يسعى إلى استيعاب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع الخارجي من المشاكل، وما قدّمه من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ونقاط فراغ.
كل ذلك ليشكل لديه نقطة انطلاق مبدئية يتّجه بعدها إلى درس الموضوع الذي تبنّاه وتقييمه تقييما شاملا من وجهة نظر الإسلام، وفق معطيات القرآن الكريم والسنة الشريفة من أحكام ومفاهيم وأفكار للوصول أخيرا إلى اكتشاف النظرية الإسلامية الشاملة فيه.
إنّ التفسير الموضوعي هو الذي يطرح موضوعا من موضوعات الحياة العقدية أو الاجتماعية أو الكونية، ويتّجه إلى درسه وتقييمه من زاوية قرآنية للخروج بنظرية قرآنية بصدده، .. ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائما بتيار التجربة البشرية، لأنّها المعالم والاتجاهات القرآنية، لتحديد النظرية القرآنية بشأن موضوع من مواضيع الحياة.
أماّ النقطة الثانية فيحلّلها الأستاذ: سعيد رحيمان (1):
على صعيد الاستقراء يرى الشهيد الصدر أنّ المواد الأولية التي ينبغي جمعها للاستقراء هي النصوص والأحكام والآراء الفقهية المنتشرة في مختلف تأليفات الفقهاء وعلماء الإسلام.
فالخطوتان الرئيسيتان لتكوين النظرية تتمثلان في الوهلة الأولى بجمع وتشذيب النصوص، والتعامل معها بالطريقتين التجزيئيّة والشموليّة، وهكذا فإنّ النصوص تنقسم إلى ثلاث فئات، من حيث صلتها بالنظرية التي ستتكوّن لاحقا في ذهن الفقيه:
1. النصوص الصريحة في تأييدها للنظرية.
2. النصوص الصريحة في عدم تأييدها للنظرية.
3. النصوص غير الصريحة (في الموافقة أو عدم الموافقة).
وفيما يتعلّق بالفئة الأخيرة يحتاج
__________
(1) - سعيد رحيمان، منهج اكتشاف الملاك .. ، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، ع: 9 و10/ 190 _ 194. (1/2)
صفحة 96
فهم النص والكشف عن مضمونه إلى كفاءة اجتهادية فائقة.
وفي الوهلة الثانية يتمّ تركيب الحالات وتحليلها، وتكوين نظرة كليّة لانتزاع البنية الأساسية ـ وبتعبير الشهيد الصدر البناء العلوي ـ من خلال مجموع النصوص والأحكام، ثمّ اكتشاف القواعد الكلية على أساس ذلك البناء العلوي.
وإذا سلّمنا ابتداء بضرورة وجود نظريات وأنظمة في الفقه، فمعنى ذلك أنّ الإسلام دين كامل له أنظمته المختلفة وقابليته على صياغة الأنظمة، ودعوته إلى اكتشاف هذه الأنظمة في إطار الاجتهاد والتفقه، ومن ناحية أخرى لأنّ المنهج الاستقرائي قائم على حساب الاحتمالات، فإنّ آراء الفقهاء ستكتسب قيمة إحصائية صرفة، من حيث تأييدها أو تعارضها من النظرية المقترحة، وهكذا فإنّ الفتاوى المخالفة في فقه الأحكام لن تكون ذات طابع سلبي في فقه النظريات المتميّز بمجال استنباطي أوسع (1).
إنّ سرّ كفاءة الجهاز الاجتهادي في الإسلام وقدرة قيادته على توجيه الحياة الاجتماعية، يكمن من وجهة نظر الشهيد الصدر في التركيب المناسب بين هذين العنصرين، الثابت والمتحوّل، ضمن كيان واحد وباتجاه أهداف مشتركة. وهذا التركيب يحتاج ثلاثة أمور:
1. فهم العنصر الثابت.
2. فهم متطلّبات وطبيعة كل مقطع من مقاطع الحضارة الإنسانية.
3. تعيين صلاحيات وحدود تدخّل وليّ الأمر.
وهو يرى أنّ مفهوم (منطقة الفراغ) يقع إسلاميا في سياق العنصر الثالث. فمنطقة الفراغ ليست نقصا أو هوّة في الشريعة، وإنّما هي من نقاط قوّة الشريعة ... حيث تترك هذه المناطق ـ مناطق الفراغ ـ إلى جانب الحكم الأولي والأصلي لتكون مجالا لصلاحيات وليّ الأمر، كي يملأها بالتشريعات والأحكام. إذن فالحكومة تملأ الفراغ الذي تركته الشريعة تحسّبا لمتغيّرات
__________
(1) - المرجع السابق. (1/3)
صفحة 97
الزمان والمكان (1).
وتتعلق النقطة الثالثة بالانتقال من الجزئيات إلى القاعدة الكلية: يقول الشهيد عن هذه الممارسة التي توصل إلى فقه النظريات الإسلامية: إنّها تحتاج إلى المزيد من الوعي للأحكام والمفاهيم الإسلامية التي قد تبدو متناثرة في الموضوع الواحد، في الوقت الذي تكون فيه منسجمة ومتكاملة فيما إذا توافرت النظرة العميقة الواعية الشمولية للأسس والمنطلقات والمقاصد والأهداف، ولهذا فإنّ الاجتهاد على صعيد فقه النظريات يحتاج إلى المزيد من الجهود كما يحتاج إلى المزيد من الإبداع، لأنّ المسألة ليست استحضارا للنصوص وتجميعها في مجال معين فحسب، بل هي عملية اجتهاد معقّدة تتجمع فيها شخصيّة الفقيه والمكتشف (2).
أمّا النقطة الرابعة فينبّه الشهيد الصدر إلى أنّ خطر الذاتية على عملية اكتشاف النظرية أشدّ من خطرها على عمليّة الاجتهاد في أحكام جزئية.
وأهمّ أسباب الذاتية هي:
- تبرير الواقع.
- دمج النص ضمن إطار خاص.
- تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه.
- اتخاذ موقف معيّن بصورة مسبقة تجاه النص.
- خداع الواقع التطبيقي.
ولم يفت الإمام الصدر اعتبار مقاصد الشريعة في النقطة الخامسة، التي يحتاج إلى معرفة الأمور الأربعة التالية:
1 - معرفة التوجّهات العامة للشريعة.
2 - فهم الأهداف المنصوصة للأحكام الثابتة.
3 - أخذ القيم الاجتماعية بنظر الاعتبار.
4 - فهم الأهداف المحدّدة لولي الأمر، والتي تعين له مجالات إعمال ولايته.
ونلاحظ هنا أنّ إشارة الإمام الصدر إلى المقاصد جاءت عامة، لم
__________
(1) - المرجع نفسه.
(2) - محمد باقر الصدر، السنن التاريخية، ص: 36، اقتصادنا، 358. (1/4)
صفحة 98
يحدّد دورها في عملية التنظير، كما لم يضع آلية أداء هذا الدور (1).
منهج أسلمة العلوم عند الدكتور الفاروقي:
وجه التقارب بين عمليتي التنظير وأسلمة العلوم، هو تحقيق هدف الأسلمة وإقامة العلاقة الخلاّقة بين الإسلام ومجالات المعرفة المختلفة، ليس على المستوى الجزئي، وإنّما على المستوى التنظيري، يتفاعل فيه الفكر الإسلامي مع العلوم الحديثة.
وقد رسم الفاروقي خطة عمل لتحقيق أسلمة المعرفة تتضمّن عددا من الخطوات نأخذ منها ما يمسّ موضوع التنظير (2):
1 - إتقان العلوم الحديثة والمسح الشامل لها، وتحديد مشاكل الأمة والإنسانية.
2 - التمكّن من التراث وتحليله.
3 - التقييم النقدي للعلم الحديث، والتقييم النقدي للتراث الإسلامي، والتحليلات والتركيبات المبدعة.
4 - المبادئ الأساسية للمنهجية الإسلامية، والمتمثّلة في وحدانية الله، ووحدة الخلق ووحدة الحقيقة، ووحدة المعرفة، ووحدة الحياة، ووحدة الإنسانية، لأجل إعادة تشكيل العلوم ضمن إطار الإسلام تعني إخضاع نظرياتها وطرائقها ومبادئها وغاياتها لهذه المبادئ (3).
منهج الدكتور جمال الدين عطية:
بالاستفادة من المناهج السابقة، الصدر والفاروقي، وإضافة حسن الترابي في بحثه تجديد أصول الفقه، وعبد المجيد النجار في كتابه: في فقه التديّن، وضع خطوات عملية على النحو التالي (4):
1 - معرفة المقاصد التي تنطبق عليها الشروط التي أشار إليها الغزالي بدرجتيها:
__________
(1) - جمال الدين عطية، نحو تفعيل المقاصد، ص: 217.
(2) - الفاروقي، أسلمة المعرفة، 93، 108.
(3) - المرجع نفسه.
(4) - جمال الدين عطية، نحو تفعيل المقاصد، ص، 219. (1/5)
صفحة 99
- ما عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها، ووقع موقع القطع.
- وما عرف ولو بأصل غير معيّن، ولم يعارضه معارض مقطوع به.
2 - أن تصنّف هذه المقاصد وتركّب في بناء فكري تجمع فيه الأشباه والنظائر، وتقسّم إلى مجموعات وفقا لموضوعاتها حتّى تستبين معالم التصوّر الشرعي في كلّ موضوع، حسب تقسيمات الكتابات الفقهية المعاصرة.
3 - أن تضاف إلى كلّ مقصد من هذه المقاصد الوسائل الموصلة إلى تحقيقه، ويستعان في ذلك بأدوات العصر وأساليبه التي لا تتعارض مع أصل شرعي.
4 - أن تضاف إلى مقاصد ووسائل كلّ مجموعة ما يخصّها من القواعد الشرعية، وكذلك القواعد الشرعية العامة التي تنطبق عليها، وتعتبر هذه القواعد بنوعيها جزءا أساسيا من هيكل بناء كل مجموعة، لأنّها تمثّل الأحكام الشرعية المتوصّل إليها بالأدلة الشرعية الأخرى.
5 - أن يتمّ بناء نظرية متكاملة في كلّ مجموعة تصلح للتفريع عليها والاستمداد منها، بما يحقّق التوصّل إلى المقاصد، وينسجم مع القواعد في نسيج واحد.
6 - وفي خصوص المقاصد الخاصة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والكونية، أن يضاف إلى المرحلتين (4،5) ما يخصّ كلاّ من هذه العلوم:
- من السنن الإلهية المتعلّقة بموضوعه.
- ومن الحقائق العلمية اليقينية التي توصّل إليها العلم حتّى يكون بناء نظرية كلّ علم مشتملة على جميع العناصر المعيارية والموضوعية الخاصة به. ويدخل في العناصر المعيارية:
- التصوّر الإسلامي لله والكون والإنسان والحياة.
- القيم الأخلاقية العامة، والخاصة بالعلم.
- مقاصد الشريعة الخاصة بالعلم.
- القواعد الشرعية (1/6)
صفحة 100
- الضابطة للعمل.
ملامح الكتابات المعاصرة في النظريات:
اتّجهت معظم هذه الدراسات ـ والتي تمّت في إطار أطروحات جامعية للحصول على درجة دكتوراه ـ اتجاها يتّسم بسمات واضحة يمكن تلخيصها في: التحديث، والمقارنة، والتنظير، والتطوير (1):
1 - التحديث:
باختيار موضوعات من واقع الحياة المعاصرة والمشاكل التي يواجهها المسلمون، ومحاولة معرفة وجهة نظر الإسلام فيها، وإذا كانت نتيجة هذه الأبحاث لا تصل إلى درجة الاجتهاد من جانب هؤلاء الباحثين لقصور استعدادهم عن أداء هذا الدور، إلاّ أنّ جهودهم في البحث في التراث الإسلامي، واستخراج ما يتعلّق بموضوع بحثهم من بطون عشرات، بل مئات كتب التراث، قد أدّى خدمة كبيرة في تيسير مادة التراث وتقريبها إلى غيرهم من الباحثين.
2 - المقارنة:
بعقد المقارنة في الموضوع محل البحث بين آراء علماء الإسلام بمختلف مدارسهم الفقهية، وبين النظريات الأخرى قديمها وحديثها في الموضوع نفسه، وقد ساعد استخدام منهج الدراسات المقارنة الباحثين في اكتشاف الكثير من الكنوز التي لم تكن تخطر على بالهم، لولا الحرص على توفية المقارنة حقّها.
3 - التنظير:
بتحاشي طريقة التأليف التي اتبعت في معظم الكتب القديمة من جمع المسائل الفرعية. وتحديد النظرية التي تكمن وراء هذه المسائل، وذلك ببيان التعريفات والخصائص والشرائط والأركان والآثار، وغير ذلك من الأمور العامة التي تأتي المسائل الفرعية كأمثلة تطبيقية لها.
وقد نجحت معظم الدراسات في هذا الأمر بحيث أصبحت من هذه الناحية إضافات حقيقية في مجال النظريات الفقهية.
4 - التطوير:
لم يحظ اتجاه التطوير بمثل ما حظيت به اتجاهات التحديث والمقارنة والتنظير من اهتمام، ونقصد
__________
(1) - جمال الدين عطية، نحو تفعيل المقاصد،222. (1/7)
صفحة 101
بالتطوير، السير بالعلوم الشرعية إلى الوجهة التي كانت ستتّجه إليها لو لم يقف الاجتهاد والإبداع الفكري عموما عند العلماء في القرون الأخيرة (1).
النتائج:
من الواضح أنّ الدراسات في هذا المجال لا تسير بالسرعة والشمول والعمق نفسه في كافة الجوانب فمثلا: لقد حظي بعضها بعناية واضحة من المعاملات المالية والأحوال الشخصية، والبعض الآخر لم يلق الاهتمام اللازم مثل: العلوم السياسية، والإعلامية والفنون، أو العلوم المستحدثة كالإدارة والتسيير والتخطيط والبرمجة الزمنية ... وغيرها.
ومن أهم ما ينبغي الاهتمام به وإعطاؤه الأولوية، هو الأعمال المساعدة لتيسر الدراسات المطلوب إنجازها:
تحقيق ونشر العديد من أمهات التراث الإسلامي التي لم تر النور.
القيام بالأعمال الموسوعية أو المعجمية والفهرسة، لتيسير رجوع المختصين في العلوم المعاصرة إلى كتب التراث.
حصر القواعد الفقهية وتصنيفها بصورة شاملة للانطلاق منها إلى وضع النظريات العامة على مستوى الشريعة ككل، وعلى مستوى كل قسم، وكل باب منها.
حصر النظريات الفقهية التي تمّ تحريرها وتطويرها في فهارس ليسهل على الباحثين معرفة الفراغات الباقية.
نشر هذه الإنجازات على مواقع الإنترنت الخاصة بالحوارات العلمية RIP لإثرائها ووضع إشكالات وفرضيات جديدة، ولتكون وسيلة صلة علمية فعالة بين الباحثين والمختصين أينما وجدوا.
السعي إلى إصدار تشريعات تقنن الفقه الإسلامي، وهذا بمعرفة حاجات وعادات وأعراف ومشاكل كل بلد إسلامي، والتي تختلف من بلد لآخر.
وقد حاولت الدول العربية توحيد التشريعات في مجال الأحوال الشخصية والقوانين المدنية والتجارية والجزائية، ولم تصل إلى أي نتيجة.
__________
(1) - المرجع السابق، ص:223. (1/8)
صفحة 102
ويقترح جمال الدين عطية الاستفادة من تجربة السوق الأوربية المشتركة التي نجحت في التقريب بين تشريعاتها، بوضع الأطر التوجيهية ( directives) التي تصدرها الأجهزة المشتركة للمنظمة، مما أدّى إلى نشوء ما يسمّى بالقانون الأوروبي، وهو في الحقيقة ليس قانونا موحدا، وإنّما مجموعة ضابطة من الأطر التوجيهية في كل فرع، وتلتزم الدول بتعديل قوانينها، بما يتّفق مع هذه الضوابط (1).
إنّ النظرية الإسلامية لا يمكن لها أن تنضج وتبين مثالبها ومحاسنها إلاّ بوضعها على المحك، وبالتطبيق العملي للنظرية، والاسترشاد بها في مجالها المعّين، ليرتفع بها إلى مستوى المساءلة والتجربة، ويفتح على العقل الاجتهادي كوىً ونوافذ بصيرة جديدة تؤدي إلى التعديل فيها وتطويرها.
ولا نحكم عليها بالصحّة والنجاعة إلاّ إذا أثبتت فعاليتها في الواقع وغيّرت حال المسلمين من التخلّف والتبعيّة إلى الحضارة والريادة.
الملاحق:
قائمة النظريات الفقهية:
إنّ الدراسات الحديثة تدعو بإلحاح إلى الكتابة ضمن إطار النظرية، برهان ذلك دعوة الدكتور وهبة الزحيلي إلى الكتابة في هذا المجال في كلّ جزئية من الأجزاء الفقهية. كما تشهد ذلك رسائل الدكتوراه والماجستير، المطبوعة وغير المطبوعة. وهذه جملة ما استطعت جمعه من النظريات (2) من غير تصنيف أو تبويب.
1 - نظرية التمويل الإسلامي.
2 - نظرية الدولة.
3 - نظرية الإثبات في الفقه الجنائي الإسلامي.
4 - نظرية الأجل.
5 - نظرية الاشتراك في الجريمة.
6 - نظرية الإلتزام.
7 - نظرية التعسف في استعمال الحقّ.
8 - نظرية الظروف الطارئة.
9 - نظرية الحرب.
__________
(1) - المرجع السابق، ص: 226.
(2) - بحث مرقون للطالب بن يمينة محمد، استقراء النظريات الفقهية، كلية العلوم الاجتماعية والاسلامية جامعة أدرار. (1/9)
صفحة 103
10 - نظرية الحكم القضائي.
11 - نظرية الخطأ.
12 - نظرية الدعوى.
13 - نظرية الدعوى والإثبات.
14 - نظرية الربا المحرّم.
15 - نظرية الشخصية الاعتبارية.
16 - نظرية الضمان الشخصي (الكفالة).
17 - نظرية الضمان أو المسؤولية المدنية والجنائية.
18 - نظرية الظروف العامة للظروف المخفّفة.
19 - نظرية الظروف العامة للظروف المشدّدة.
20 - النظرية العامة للموجبات والعقود.
21 - نظرية العقد الموقوف.
22 - نظرية النيابة.
23 - نظرية تحمّل التبعة.
24 - نظرية فسخ العقود.
25 - نظرية التملّك.
26 - نظرية الإبراء والإسقاط.
27 - نظرية نفي الضرر.
28 - نظرية ملك المنفعة.
29 - نظرية المال المثلي والمال القيمي.
30 - نظرية الشكل في الفقه الإسلامي وأثره في العقود المالية.
31 - نظرية الشكل وأثره في العقود والتصرفات.
32 - نظرية العجز.
33 - نظرية المال الشرعي.
34 - نظرية السعر.
35 - نظرية الأجور.
36 - نظرية الأرباح.
37 - نظرية الثمن.
38 - نظرية العقد.
39 - نظرية التابع.
40 - نظرية المصالحة في الدعوى.
41 - نظرية التوثيق.
42 - نظرية الإتلاف.
43 - نظرية التعويض.
44 - نظرية الإذن في التصرف.
45 - نظرية خيار الشرط.
46 - نظرية الأهلية.
47 - نظرية الإقرار.
48 - نظرية المساواة.
49 - النظرية العامة لضمان العيوب الخفيّة في المبيع.
50 - نظرية استغراق الذمة بالمال الحرام.
51 - نظرية الذمة.
52 - نظرية الغبن.
53 - نظرية الضرر.
54 - نظرية الخيار.
55 - نظرية الأعذار الطارئة.
56 - نظرية الإيثار.
57 - نظرية السقوط.
58 - نظرية بطلان التصرف. (1/10)
صفحة 104
59 - نظرية الإقالة.
60 - نظرية الاشتراك في الدين.
61 - نظرية الغلط.
62 - نظرية المعاملة بالمثل في الحرب.
63 - نظرية التوكيل في الدعوى بين المتخاصمين.
64 - نظرية الاستحقاق.
65 - نظرية الاشتباه.
66 - نظرية الاستهلاك.
67 - نظرية القصاص.
68 - نظرية الحق.
69 - نظرية المسؤولية التقصيرية والعقدية.
70 - نظرية التعبير عن الإرادة.
71 - نظرية الولاية.
72 - نظرية الشروط الجعلية في العقود.
73 - نظرية البطلان والفساد.
74 - نظرية الاستحسان.
75 - نظرية العرف.
76 - نظرية الجهل.
77 - نظرية الجهالة.
78 - نظرية التدليس.
79 - نظرية التقادم.
80 - نظرية الإذن.
81 - نظريّة موجبات الأحكام.
82 - نظرية الإفساد.
83 - نظرية الغرر.
84 - نظرية الاستغلال.
85 - نظرة الفسخ.
86 - نظرية التبعيّة.
87 - نظرية المسؤولية.
88 - نظرية الضمان.
89 - نظرية الغصب.
90 - نظرية القسامة.
91 - نظرية التخفيف.
92 - نظرية الإباحة.
93 - نظرية الضرورة الشرعية.
94 - نظرية القضاء.
95 - نظرية التشديد.
96 - نظرية الحكم الشرعي.
97 - نظرية المصلحة.
98 - نظرية الاستحسان.
99 - نظرية الاجتهاد.
100 - نظرية المقاصد الشرعية.
101 - نظرية الإكراه.
102 - نظرية الاستصحاب.
103 - نظرية الأصل والظاهر.
104 - نظرية التعارض والترجيح.
105 - نظرية التقريب والتغليب.
106 - نظرية الشورى.
107 - نظرية الملكية.
108 - نظرية الخيارات.
109 - نظرية الأعذار الطارئة.
110 - نظرية المؤيدات الشرعية. (1/11)
صفحة 105
قائمة المراجع
- د. جمال الدين عطية، نحو تفعيل المقاصد، دار الفكر، دمشق، ط1، 2001.
- د. جمال الدين عطية، التنظير الفقهي، 1987.
- د. محمد بكر إسماعيل، القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، دار المنار، القاهرة، 1997.
- باقر بري، فقه النظرية عند الشهيد الصدر، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، ع: 11 - 12/ 165 – 202.
- رحيمات سعيد، منهج اكتشاف الملاك وأثره في تغيير الأحكام، قضايا إسلامية معاصرة، ع: 9 – 10/ 174 – 198.
- الفاروقي إسماعيل، أسلمة المعرفة، الكويت، دار البحوث العلمية، ط1، 1984.
- محمد يحيى، نظرية المقاصد والواقع، قضايا إسلامية معاصرة، ع: 8/ 127 - 174.
- محمد الزحيلي، النظريات الفقهية، دار العلوم.
- د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلّته، الجزء الخامس.
من المكتبة الرقمية، الأنترنت:
ـ كتاب: معالم تجديد المنهج الفقهي نموذج الشوكاني.
www .ISLAMWEB.NET (1/121)
صفحة 106
البدائل الحديثة في استثمار الأوقاف
ضرورة اجتماعية مُلِحّة، نحو عمل مؤسَّسيٍّ مقنَّن
الأستاذ محمد بن قاسم حدبون
1. توطئة: نظام الوقف في الإسلام.
أدّى الوقف دورا هاما في البناء الحضاريّ الإسلاميّ، إذ به ابتكرت الحضارة الإسلامية العديدَ من آفاق الخير في مختلِف مجالات الحياة؛ "فما تعوز العالِِم ولا طالبُ العلم، ولا المريضُ ولا الفقير ولا اليتيم، ولا ابن السبيل؛ ولا الإنسان ولا الحيوان، ولا الحي ولا الميّت".
وحين قُزِّم وغُيّب دور الوقف في العالم الإسلاميّ منذ فترة ليست بالوجيزة، واعتدى على أمواله وممتلكاته المعتدون، كما سيطر على إدارة ما بقي منه مَن ليس أهلا لذلك، ضاع منه الكثير والكثير". وبهدْر أعيان الأوقاف عمّت الحاجةُ، وتفشَّت في الناس المسكنة، وضاعت كثير من الحقوق".
وسنحاول من خلال هذا العرض المقتضب في موضوع الأوقاف، أن نسلط الضوء على بعض البدائل الحديثة في استثمار الأوقاف، لنرى إلى أيِّ حدّ بات الأمر ضرورة اجتماعيَّة مُلِحّة، عسانا نصل إلى عمل مؤسَّسي مقنَّن، تتحقق فيه مقاصد الوقف، التي من أجلها شُرِّع.
وفي ظل ظروف اقتصادية واجتماعية متسارعة التغيُّر، نقدِّم بين يدي موضوعنا هذا التساؤل العام:
أيُّ دور لأوقافنا في تنمية حياتنا؛ اجتماعيا واقتصاديا وعلميًّا في وقتنا الحاضر، وأيُّ مستقبل ينتظرها؟ (1/122)
صفحة 107
لكن .. قبل الشروع في خوض جانب الموضوع، لا بد من شدِّ أحزمة أمان تحفظ القارئ من أن تشتطَّ به أفكار تنأى به عن المقصود من تناول هذا الموضوع.
2. منطلقات الاهتمام بالموضوع:
يقول الفيلسوف الفرنسي باشلار: « ... قد يتساءل القارئ الكريم: ما الدافع إلى التطرق لهذا الموضوع؟»
1) قيام جهود عارمة في بعث دور الوقف في كثير من الدول الإسلاميّة: دول الخليج، الأردن، مصر، السودان .. ليبقى الوقف دوما عطاء ماديا متدفقا.
2) الاهتمام المتزايد بالموضوع على مستوى الهيئات المالية والدوائر العلمية: مجمع الفقه الإسلاميّ، وزارات الأوقاف، البنوك الإسلامية (بنك فيصل، البنك الإسلامي للتنمية ... )
3) الحاجة الملحة لإحياء دور الوقف بعد تدنى مستوى المعيشة، أمام تعقّد المتغيرات الاقتصادية في ظل نظام العولمة الذي ابتلع اقتصاديات دول بأكملها، ورهَن مصير شعوب بِيَد شركات احتكارية عملاقة.
4) انكماش دور الدولة تجاه سياسة الدعم وتحرّر الأسعار، وبالتالي تضاؤلُ دورها في علاج مشكلة الفقر وإحلال التوازن. لذلك وغيرِه كان الحتم لازمًا في البحث عن مصادر تمويلية غير حكومية، ومنها تفعيل دور الوقف. (1/123)
صفحة 108
3. في الحقل المفاهيمي:
1 - الوقف ومحله:
الوقف لغة: الحبس والتسبيل.
اصطلاحا: "تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة وإطلاقها".
فالوقف يعني: حبس العين المسبلة، لا يتصرف فيها بالبيع أو الرهن، أو الهبة، ولا تنتقل بالميراث، أما منفعة المال الموقوف فإنها تصرف لجهات الوقف على مقتضى شرط الواقف.
محل الوقف:
1) كل مال يبقى ولا يستهلك بالانتفاع، ويُحصل منه على منافع وعوائد.
2) والمال من حيث الانتفاع قسمان: عُروض ينتفع بأعيانها، ونقود لا ينتفع بأعيانها بل تمثل وسيلة لتحقيق المقصود. وفي وقفها خلاف.
3) العُروض، منها ما يتحقق النفع بها باستهلاك عينها فور الانتفاع بها، وهذه لا يصح وقفها كالطعام، ومنها ما تبقى منها من الزمن ينتفع بها، وهي إما منقولات (أواني، تجهيزات، سيارات ... ) أو ما يقابلها من عقارات (مباني، عمارات، أراضي)، والمشكل في النقود هو هلاك عينها.
4) العقارات في صورة أراض للزراعة، مبانٍ للإجارة، والعقارات هي الأصل في الوقف لتحقق الحبس والانتفاع البعيد.
5) مسألة وقف النقود لم يرد فيها نص صريح بالمنع، فالأمر فيها يبقى محل الإباحة والجواز، والمسألة محل اجتهاد في ضوء حقيقة النقود اليوم.
6) للعرف والعادة دور في تحديد نوع المال الموقوف، واليوم النقود من الأموال التي يمكن استثمارها وتحقيق العائد منها، يتم وقفها (1/124)
صفحة 109
في صورة صناديق وقفية، وأسهم وقفية، كما هو في الكويت وعُمان.
2 - الاستثمار: تعريفه، خصائصه:
الاستثمار investissement ، أو التنمية development مفاهيمُ اقتصادية معاصرة غايتها الرفع من مستوى الدخل لضمان حياة كريمة.
وعند القدامى هو التثمير أي طلب الثمر، ويراد به استخدام الأموال في الإنتاج؛ إما مباشرة بشراء الآلات والمواد الأولية، وإما بطريق غير مباشر كشراء الأسهم والسندات.
والهدف من الاستثمار سلامة رأس المال مع حصول الربح. وفي الأوقاف المحافظة على عين الوقف، لأن المحافظة على الأصل مقدم على الفرع وهو الثمرة.
ويتنوع الاستثمار بحسب القطاعات الاقتصادية، وبحسب نوعية النشاط الاستثماري متاجرة أو مشاركة ...
ومن خصائصه: أنّ الاستثمار مخاطرةٌ، أي النتيجة تكون مجهولة نظرا لتقلبات السوق، وللمصاعب الميدانية .. ، والحكم بغلبة الظن في حصول العائد ومقداره، وحاجة الاستثمار لمدة حتى يتحقق العائد.
من هنا وجب التقيد في استثمار أموال الوقف بـ: محاسبة ومتابعة مستثمِر الوقف، وحماية الوقف قدر المستطاع من المخاطر، ودراسة الجدوى الاقتصادية بشكل متكامل ودقيق، والمرونة تغييرا وتعديلا في استثمار مال الوقف.
3 - الاستثمار والوقف:
جاء في قرار م. ف. إ /د15/ مارس2004 ما نصه:
"يقصد باستثمار أموال الوقف تنمية الأموال الوقفية، سواء أكانت أصولا أم ريعا، بوسائل استثمارية مباحة شرعا"
وفي تناولنا لعلاقة الوقف بالاستثمار، سنتطرق إلى مسألتين: (1/125)
صفحة 110
أوّلاً: استثمار الوقف: الذي هو بمعنى استخدام مال الوقف للحصول على منافع، أو الغلة التي تصرف في أوجه البر الموقوف عليها، وهنا يكون الوقف مموِّلا.
ثانيا: الاستثمار في الوقف: هو بمعنى إنشاء الوقف، والإضافة إليه، والمحافظة على قدرته الإنتاجية بإصلاح ما خرب منه التجديد، أو استبداله بوقف آخر (الإحلال)، وهو ما يمكن أن نطلق عليه تنمية الوقف؛ وهنا يكون الوقف طالبا للتمويل.
ومن الضروري التنبيه إلى أنّ الاستثمار في الأوقاف من القضايا المعاصرة حتى على مجمع الفقه الإسلاميّ والهيئات الاجتهادية عموما، وبالتالي فليس الهدف من هذه المقالة الفصل وإصدار الأحكام، بقدر ما هو: عرضٌ لجوانب الموضوع وبعضِ تفريعاته وتصوراته الحديثة؛ ومحاولة تقريب القضية للمهتمين (مسؤولي هيئات الأوقاف، مدراء الجمعيات الخيرية والتعليمية، اقتصاديين، قانونيين، أرباب الأموال ... )، ومن ثم أخذ قرار علمي عملي مؤسس بعد دراسة وتمحيص وعمق تفكير، وذلك ما يحتاج إلى مهتمين جادين في عمل دؤوب متواصل.
4. أساسياتٌ في فهم استثمار الأوقاف:
1) تنمية الأوقاف أصل شرعي ومقصد كلي: والانطلاق من الأفق المقاصدي يسعفنا أكثر التقيد بإطار المذهب، إذ الأصل في المعاملات أنها قائمة على التيسير ورفع المشقة، لذا وجب على الهيئات القائمة على الأوقاف الارتقاء بالفهم المناسب المعاصر لفهم استثمار الأموال، وذلك ما يحتاج إلى دورات شرعية واقتصادية.
2) أصل الأوقاف قائم على تحري المصلحة: يكتسي الوقف سعة اجتهادية لأنه من المعاملات القائمة على الاجتهاد والنظر؛ وعليه فإن المجتهدين في عصر ما، مطالبون بتحري ما فيه مصلحة للأوقاف، ولا يحصل ذلك إلاّ بالاجتهاد والنظر. (1/126)
صفحة 111
3) أموال الأوقاف قائمة على تعظيم الربح والمنفعة: فمن الخطأ اعتبار الوقف كالأموال الخيرية من حيث نفاد العين، إذ الوقف محبَّس لغرض ما، والأموال الخيرية للصرف على غرض ما، فالوقف ينبغي أن يبقى، ويتم تعظيم الربح بأمثل تنمية واستثمار.
4) التخصص والكفاءة في إدارة شؤون الأوقاف: "إننا نؤمن إيمانا جازما بأن نجاح المؤسسات الوقفية المعاصرة يكمن في القدرة التنظيمية لها، وأن تفشي الفساد وضعف الذمم لدى نظار ومتولي الأوقاف قد أثر كثيرا في الأوقاف .. واليوم حيث هناك علم الإدارة والتنمية والاقتصاد .. يساعد هذا كله على دفع عجلة الوقف واستثماره وتنميته".
5) الاستراتيجية والتخطيط للمؤسسة الوقفية: لا ريب أنه لا استثمار ولا تنمية بدون استراتيجية وتخطيط محكم للمؤسسة الوقفية، بأن يكون للمؤسسة الوقفية قدرة على التعاطي مع معطيات الواقع ضمن رؤية واضحة، وفعالية. المؤسسة الوقفية يكمن في حسن إدارتها، لا في ملكيتها وأموالها.
6) الابتعاد عن المعوقات: لا بد من اعتبار الشخصية المعنوية للأوقاف، وتمكينها من الإعفاء الضريبي، وذلك ما يحتاج إلى سياج قانوني يحمي هذه الأوقاف، كونها من الرصيد العام للدولة، ولعلّ الموضوع يشهد عندنا في الجزائر، نقصا وفراغا قانونيا قياسا على دول الخليج؛ والأمر أشبه بموضوع البنوك وشركات التأمين ذات التوجه الإسلامي.
وخلاصة كلّ ذلك، أن نقرر أنّه إذا تم أخذ هذه الأساسيات الضرورية في تعاملنا مع الوقف، فالمحصل أن يكون مجتمعُ الوقف مجتمعَ التكافل والاستقرار. (1/127)
صفحة 112
5. التطبيقات الميدانية:
فيما يلي، تفصيل بعض من صور الاستثمار في موضوع الوقف.
أولا: استثمار الوقف
ويتم هذا بالعمليات الآتية:
1) الإجارة:
تناسب الإجارة الأوقاف العقارية، وكذا الأعيان المنقولة السيارات، الحافلات، السفن ... ، ومحل الإجارة طبعا منفعة العين المؤجرة، وتكاد تكون الإجارة الصيغة الوحيدة لدى الفقهاء قديما؛ لاستثمار مال الوقف، ولها شروط وضوابط.
2) استثمار الأراضي الزراعية بالمزارعة والمساقاة والمغارسة:
وهي من عقود الاستغلال الزراعي المنصوص عليها.
• المزارعة: أرض زراعية لجهة الوقف، وعمل على الزارع (أفراد ومجموعات) وبذر مشترك بينهما، واقتسام الناتج بينهما.
• المساقاة: تعاقد بين جهة الوقف وغيرها، يتعهد فيها الغير بالسقي والعناية بالأشجار (نخل، أشجار مثمرة ... ) والناتج بينهما.
• المغارسة: تعاقد جهة الوقف مع الغير لغرس أشجار وخدمتها، ويقسم الناتج بينهما.
3) الاستثمار بأسلوب المشاركة والمضاربة:
• المقصود بالشراكة: إسهام جهة الوقف بنصيب مع نصيب من يدير العمل، ويتم توزيع الأرباح، أو الدخول بمال وقف مقارضة في شركات ناجحة. (1/128)
صفحة 113
• المضاربة: التمويل هنا يكون لجهة الوقف والطرف الآخر يقدم الخبرة والإدارة.
وهذان الأسلوبان يُعتمدان "في التعامل مع المهنيين والحرفيين وصغار التجار للإسهام في مشكلة البطالة" واستيعاب المتخرجين من شهادات عليا، الصيدلة مثلاً، بشرط دراسة جدوى العملية اقتصاديا، والخبرة والأمانة.
4) شراء مصانع أو مشروعات تجارية قائمة وإدارتها:
يكون ذلك بواسطة إدارة فنية متخصصة، وتمكن هذه الصيغة من استثمار أموال الوقف بعد دراسة الجدوى الاقتصادية المتكاملة. مثلما قامت هيئة الأوقاف المصرية بشراء شركة سجاد دمنهور، لتوفير السجاد اللازم لفرش المساجد، وبيع باقي منتجاته لتحقيق ربح للوقف.
5) الإيداع المصرفي) حسابات الاستثمار): والإيداع في البنوك الإسلامية طبعا، بفتح حساب استثماري. والعوائد من الاستثمارات لا الفوائد الربوية، وهنا تطرح مشكلة نقص البنوك الإسلامية عندنا في الجزائر؛ بالنسبة للمشرق مع محدودية تجربتها. وبالتالي فالسؤال المحصّل إلى أي حد يمكن ولوج الأسواق الإسلامية في الخليج أو بعض الدول الصاعدة في جنوب شرق آسيا؛ ماليزيا مثلاً؟ الأمر يحتاج إلى اهتمام بالغ!!
6) الاستثمار في الأوراق المالية، وتتعدد هذه الأوراق إلى:
- الأسهم: وهي وثيقة تثبت حقا في حصة في ملكية شركة مساهمة، مع الحق في نصيب من الأرباح التي تحققها الشركة.
- صكوك المرابحة والسلم والإجارة والمقارضة: أوراق مالية تصدرها بعض المؤسسات المالية الإسلامية، وبعض الحكومات، بل وبعض الجهات الوقفية. (1/129)
صفحة 114
ملاحظة: تنطوي الاستثمارات من هذا النوع على كثير من المخاطر، فلا بد من أخذ احتياطات عدة؛ ضبطها مجمع الفقه الإسلامي.
ثانيا: الصناديق الوقفية لإنشاء وقف جديد
لاستيعاب الفكرة يمكن أن نعرض نموذجا بخطواته، حتى يكون سهل التصور.
* إذ يمكن تحديد مشروع وقفي خيري، الأمة في حاجة ماسة إليه نحو: إنشاء صندوق وقفي لتدعيم الدواء، الأمراض المزمنة للضعفاء، العمليات الجراحية، للاستشفاء المجاني، ولدعم التعليم المدرسي للعائلات المعوزة.
* تحديد قيمة المشروع وحجم التمويل اللازم، وليكن خمسة ملايين دينار (بعد دراسة اقتصادية متخصصة).
* إنشاء صندوق وقفي لهذا الغرض، وإصدار صكوك ذات قيمة، مثلا ألف دينار.
* طرحها للاكتتاب العام ببيعها للراغبين في الوقف حسب إمكان كل واحد. وجائز شرعا تعدد الواقفين في وقف واحد لغرض أو عدة أغراض.
* وقد تم تنفيذ هذه الفكرة في عدة دول منها: الصناديق الوقفية بسلطنة عمان، الأمانة العامة للأوقاف في الكويت، وفي السعودية.
- صيغ التمويل الذاتي:
1) تمويل من غلة الأوقاف: سواء من غلة نفس الوقف إن كان محلا لكراء مثلاً، أو من فاضل غلةِ وقفٍ آخر.
2) تمويل من عين الوقف بالإبدال والاستبدال: تتفق جل المذاهب على ضرورة التصرف في الوقف بما فيه مصلحة الوقف والموقوف عليهم، وينطبق هذا على الوقف متى خرب وتعذر الانتفاع به، ويتم التمويل (1/130)
صفحة 115
3) بطريق الاستبدال بمبادلة عين الوقف الخرب بآخر يحقق الغرض من الوقف، أو ببيعه وإنشاء آخر بثمنه.
4) الإبدال: إخراج العين الموقوفة عن جهة وقفها ببيعها، والاستبدال: شراء عين أخرى تكون وقفا بدلها، ويأخذ ذلك طرقا منها:
أولا/ الحكر:
حقيقته أن يوجد وقف لا يدر دخلا، (أرض، عقار موقوف خرب)، ولا يوجد تمويل ذاتي لإعماره، ثم يتفق مع مموِّل يقوم بإعمار الوقف من ماله (زراعة، بناء)، ويبرم معه عقد إجارة طويلة الأمد، يدفع بموجبه قيمة إيجارية لأرض الوقف، عبارة عن جزأين: مبلغ كبير يعادل تقريبا قيمة الأرض؛ مبلغ رمزي يدفع دوريا طوال مدة الحكر، (أهميته ليست قيمته؛ بل حقيقته تذكير بملكية الوقف للأرض).
تظل الأرض ملكا للوقف، وما أقيم عليها حق ملك للممول، (المحتكر) يتصرف في هذا الحق تصرف المالك في ملكه بيعا وهبة وإرثا، وليس للمسجد إلا احتساب الأرض ضمن ممتلكاته.
الأرض تبقى بقيمتها في ملك (المسجد مثلاً)، بعد انقضاء مدة الحكر، وثمن الكراء المقدم يعالج بصفته غلة يوزع، أو يرسل في صورة إنشاء وقف جديد.
ثانيا/ المرصَد:
المرصد: ج. أرصاد، وحقيقته دين على الوقف لعمارته، يسدد لمموِّل من غلة الوقف الحاصلة بالتأجير؛ فالوقف يُصلَح، والغلة تتجدد، والناس ينتفعون.
مثال: تجهيز محلات في وسط المدينة في بعض المدن التجارية على أراضٍ وقفية [محلات تجارية في طابق، أقسام تعليمية في طابق، دور للكراء في طابق ثالث]. (1/131)
صفحة 116
ثالثا/ صكوك المقارضة:
هي صيغة تقوم على عقد المضاربة الشرعي بين جهة الوقف بصفتها مضاربا، وحملة الصكوك بصفتهم أرباب أموال.
التفصيل:
وجود أرض وقف غير مستغلة ولا يوجد تمويل ذاتي لإعمارها، يتم إعداد دراسة جدوى يتحدد فيها المشروع اللائق مع الكلفة، وتوقع الإيرادات.
يتم تقسيم مبلغ الكلفة إلى فئات صغيرة؛ تُصدر بها جهة الوقف صكوكا، كل صك بقيمة اسمية لمبلغ.
يتم طرحها للاكتتاب العام، ومن مجموع المبلغ المحصل يتم إقامة المبنى وتأجير وحداته.
من القيمة الإيجارية المتجمعة؛ يتم دفع عائد لحملة الصكوك بمن فيهم جهة الوقف، مع استحقاق جهة الوقف حصة مضارب مقابل الإدارة.
يتم في نفس الوقت دوريا استرداد جهة الوقف للصكوك عن طريق دفع قيمتها لأصحابها من العائد الذي تحصل عليه حتى تنطفئ الصكوك (تستهلك)، وتصبح ملكية المباني بجانب الأرض خالصة لجهة الوقف.
ملاحظة: أجاز مجمع الفقه الإسلامي هذا الشكل من التعامل في مؤتمره الرابع، وأصدر حوله القرار رقم 30 (5/ 4).
رابعا/ الاستصناع:
ويسمى في التطبيق المصرفي الإسلامي المعاصر (الاستصناع والاستصناع الموازي)، أو (الاستصناع التمويلي). (1/132)
صفحة 117
تطبيق هذه الصيغة في إعمار الوقف تتلخص فيما يلي:
تتفق جهة الوقف مع مقاول لبناء عقار على أرض وقف، ثم تلجأ الجهة إلى طرف ثالث يكون مموِّلاً في إطار عقد استصناع؛ يبرم بين جهة الوقف بصفتها مستصنعا، والمموِّل بصفته صانعاً.
يقوم المموِّل بإبرام عقد استصناع موازٍ مع المقاول للبناء، ثم يدفع له قيمة البناء، على أن تكون قيمة الاستصناع الأول أكبر قيمة من الاستصناع الموازي، والفرق بينهما بمثابة ربح للموِّل.
تقوم جهة الوقف بالسداد للمموِّل على أقساط من عائدات تأجير المبنى، مع إبقاء جزء منها للمستحقين.
ويذكر أن هذه الصيغة طبقت في مصرف قطر الإسلامي، وفي تمويل إعمار الوقف الأردني، وأجازته هيئة المحاسبة والمراجعة للبنوك الإسلامية، ووضعت له معايير.
خامسا/ المشاركة المنتهية بالتمليك: أو المشاركة المتناقصة
وفيها يتم الاتفاق بين جهة الوقف وممول، إنشاء مبنى على أرض وقف، ويتم استغلاله بالتأجير، ويقسم العائد بحسب الاتفاق، وتتعهد جهة الوقف بشراء حصة الشريك الممول دوريا، من حصتها من الإيجار إلى أن تنتهي مدة الشركة لتنتقل كامل الملكية للوقف.
ملاحظة: أجازته هيئة المحاسبة والمراجعة للبنوك الإسلامية، ووضعت له معايير.
وفي الأخير، وبعد سرد صور الاستثمار، من المهم أن ننبّه تنبيهات لا بد منها، في مجال استثمار الأوقاف:
• لا توجد صيغة استثمار واحدة تصلح لكل أنواع الأموال الموقوفة: العقارات (1/133)
صفحة 118
• المبنية بالتأجير، والأراضي المستغلة بالتأجير، وطرق الاستغلال الزراعي من المزارعة والمساقاة، كما أن المنقولات مثل وسائل النقل من سيارات وطائرات وسفن تكون بالتأجير للشحن، وأما النقود فتكون بالإيداع في المصارف الإسلامية والاستثمار في الأوراق المالية.
• يتم الاستثمار بواسطة ناظر الأوقاف، وينبغي أن يأخذ اليوم شكل مكتب خبرة وليس شخصا واحدا، ومن المستحسن أن تسند الاستثمارات المتطورة إلى الهيئات المالية المتخصصة ذات الكفاءة.
• لا بد من وجود ضوابط حاكمة ورقابة محايدة صارمة، وواضح أن الأمر يشكل فراغا؛ وهذا ما قرره الفقهاء قديما بواجبات الناظر ومسؤولياته، والرقابة القضائية على الوقف، وحدود سلطة الموقوف عليهم.
لكن ... من يقوم بالاستثمار؟
مع الأخذ بعين الاعتبار لخصائص أوقافنا في الجزائر عموما، التابع منها للزوايا أو الجمعيات أو العائلات ... فإنه من لا مناص من قولنا إن الواجب في استثمار الأوقاف يكون ضمن إطار مؤسسي، وفريق عمل ذي رؤية واضحة، وعليه يصح لنا إطلاق تعريفٍ للمؤسسة الوقفية بأنها:
"مؤسسة مستقلة تسعى لتقديم خدمات تنموية من خلال الصبغة الإسلامية، وبفريق عمل ذي ولاء وكفاءة والتزام ديني، بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والتكافل الاجتماعي داخل المجتمعات الإنسانية"
ختام ... وتوصية:
تقوم اليوم في العالم الإسلامي نهضة مباركة في بعث الدور الريادي للوقف، وتعقد لذلك دورات ومؤتمرات وبحوث، ويفرغ لها طاقات من أجل استفادة أمثل من الوقف. (1/134)
صفحة 119
ونحن بدورنا، بالإمكان تفريغ مجموعة باحثين تجمع بين التمكن العلمي والعمليّ، تنظِّر لقانون الأوقاف، يصاغ في شكل مواد قانونية، ممكنة التطبيق، وتأخذ بعين الاعتبار الجانب الفقهي والاقتصادي والقانوني والمحاسبي والاجتماعي في الجزائر، وتستفيد منه كلُّ الأوقاف عبر الوطن. استفادةَ محافظةٍ وإنقاذٍ، ثم تطويرٍ واستثمارٍ.
وفي ظل غياب منهج وقفي واضح، يُبنى على العلميّة في التفكير، بعيدا عن الخلط، والجماعية في القرار بعيدا عن الفردانية، والمستقبلية في النظر بعيدا عن الآنية ... ستلتهم العبثية والفوضى مزيدا من أموال الوقف.
فعلى من تقع مسؤولية ضياع أوقاف المسلمين؟ ومن الخاسر؟!، آباؤنا الذين سبّلوا، أم أبناؤنا الذين لم يأتوا، فإن كان آباؤنا قد فكروا فينا، فلنفكر لأنفسنا، ولنخطط لأبنائنا!
قائمة المراجع
مجلة دراسات اقتصادية إسلامية، المعهد الإسلامي للبحوث؛ البنك الإسلامي للتنمية/المجلد 1/، العدد2/، التمويل والاستثمار في مشاريع الأوقاف، محمد أنس الزرقا، ص65 - 73.
• مجلة جامعة الملك عبد العزيز/المجلد18/ العدد2/ عام:1426، سامي الصلاحات: مرتكزات أصولية في فهم طبيعة الوقف الاستثمارية والتنموية، ص47 - 81.
• مجلة مجمع الفقه الإسلامي/الدورة15/، العدد15/، الجزء3/، بحوث الاستثمار في الوقف وفي ريعه وغلاته، مجموعة باحثين، ص523 - 223 .. (1/135)
صفحة 120
مزاب في العهد العثماني
1510 - 1830
الأستاذ الحاج موسى بن بكير بن عمر
قسم التاريخ ــــــ جامعة الجزائر
لما كان المزابيون يهاجرون إلى المناطق الشمالية للجزائر و إلى البلاد التونسية، فقد اعترفت هيئات بلاد مزاب منذ فجر الوجود العثماني بالجزائر بالتبعية للنظام، بموجب اتفاق (1) يكون قد أبرم مع آل بربروس حوالي سنة 1510م حماية لتجارتهم و ممتلكاتهم في مختلف أنحاء شمال الجزائر و صونا لقوافلهم التجارية التي كانت تنتقل عبر بلاد الجزائر و تونس و المغرب.
و يمكننا القول إن هذا الارتباط بالدولة العثمانية بالجزائر يعتبر أول وثيقة سياسية ربطت الصحراء الجزائرية بالوطن الجزائري بصفة طوعية قبل وصول السلطة العثمانية إلى منطقة الزيبان و أريغ (بسكرة و تقرت) وقبل وصول صالح باي إلى الأغواط سنة 1785م.
والملحوظ أن السلطة المركزية العثمانية في الجزائر كانت تحتفظ لأهل مزاب بمكانة متميزة وتخصهم بمعاملة راقية، ومرد ذلك إلى مواقف مشهودة وفي مواقع مشهورة سجلها لهم تاريخ الوجود العثماني بالجزائر وتونس.
المزابيون في تونس
كان للشيخ باحيو بن موسى العطفاوي (2) وفرقته
__________
(1) وجدنا آثاره، لكننا لم نعثر عليه، وقد وردت في فقرات نص وثيقة معاهدة الحماية (29افريل1853) في زمن الاحتلال الفرنسي ما يدل على ذلك.
(2) الشيخ باحيو بن موسى (حي في: 916 هـ / 1510م) كان من أهل الحرب والبيان، أوتي قوَّة وفصاحة دافع بهما عن الحقِّ. وقد استدعاه خير الدين بربروس إلى قصره، بعد إحساسه الخطر المحدق على العاصمة، فكانت له المهمة الرئيسة في تكوين مجموعة من الفدائيين المزابيين، وهزموا الإسبان بحيلة بتاريخ 925ه/24 أوت 1518م، أطنبت المصادر في ذكر تفاصيلها. وذكر أبو اليقظان أنه كوَّن جيشاً من الصحراء الجزائرية، وقاده للمشاركة في الحرب ضدَّ الإسبان لمَّا استولوا على جزيرة جربة عام 927ه/1520م. نظم قصيدة موجودة في وقائع هذه الحرب أورد منها الشيخ أبواليقظان في ملحقه تسعاً وعشرين بيتاً. وبالعطف مسجد يحمل اسمه يزار للعبرة والذكرى. انظر معجم أعلام الإباضية، أعلام المغرب، (1/136)
صفحة 121
الفدائية من الفرسان الميزابيين المرابطين على السواحل الجزائرية اتصالات بعروج آل بربروس بتونس، إذ كانت لهذه الفرقة وقائدها مشاركة في مقاومة غارة الإسبان على جزيرة جربة التونسية سنة 916 هـ / 1510م. وقد كان يحكمها وقتداك أبو زكريا يحيى السمومني (1)، ويترأس سلطتها الروحية شيخ حلقة العزابة بها أبو النجاة يونس بن سعيد (2) ولقد
__________
(1) أبو زكريا يحي السمومني من مشايخ الحُكم بجزيرة جربة بتونس. استعان الشيخ يونس بن سعيد الصدغياني بأسرته لكفاءتها السياسيَّة والقياديَّة. قاد معركة ضدَّ الإسبان، بصفته شيخ الجزيرة، عام 916هـ/1510م، أثناء هجومهم على جربة وسواحل المغرب الإسلامي. انظر: سالم بن يعقوب، تاريخ جربة، ص114،/ الجعبيري، نظام العزَّابة، ص 213 و 310، / الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب، ص 78/.معجم أعلام الإباضية، أعلام المغرب، ص
(2) أبو النجاة يونس بن سعيد بن يحيى بن تعاريت الخيري الجربي (ق: 10هـ / 16م) اشتهر من بين علماء جربة وأبطالها المجاهدين بابن تعاريت. أخذ العلم عن الشيخ أبي القاسم زكرياء بن أفلح الصدغياني، وأبي محمَّد عبد الله بن أبي القاسم البرادي. ورحل إلى جبل نفوسة فدرس على الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح التندميرتي. ثمَّ رجع إلى الجزيرة وتولَّى التدريس في جامع تجديت، بحومة «فاتو» من جهة صدغيان. تخرَّج على يديه جمع من الأعلام، كانت لهم يد في إصلاح المجتمع في جربة ونفوسة ومزاب، منهم: أبو يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي شيخ أبي العباس الشمَّاخي، وإبراهيم بن أحمد أبو الأحباس، وسلامة بن يوسف الجناوني، وأبو عثمان سعيد بن علي الجربي، الذي أُرسِل لنشر العلم بميزاب، بعد أن أطبق عليه ظلام الجهل. تولَّى أبو النجاة رئاسة حلقة العزَّابة في جربة سنة 908هـ/1497م. وكانت له السلطة العليا في شؤون أهل الجزيرة، لا يقضى بأمر دون مشورته، وتحت إشرافه تعقد المجالس وتتَّخذ القرارات. قاد الجيش الذي صدَّ هجوم الإسبان على الجزيرة، وكان يومئذٍ شيخَ الحكم بجربة أبو زكرياء السمومني، وذلك سنة 916هـ/1511م. وقد دحر الجربيون الإسبان، وحطَّموا 18 سفينة من أسطولهم، وغنموا من الأموال الكثير، وكان الإسبان قد استولوا قبل ذلك على وهران وبجاية. ترك الشيخ أبو النجاة فتاوى وأحكامًا، سجَّلها تلميذه سلامة الجناوني، وجمعها بعنوان: «تقييدات مسائل». وله «تعاليق على كتاب شرح الجهالات» لأبي عمَّار عبد الكافي. لا تزال مخطوطة. وهو مِمَّن جازت عليه سلسلة نسب الدين، التي تعتبر نوعا خَاصًّا من الإجازة لدى علماء الإباضية. انظر معجم أعلام الإباصية، م. س. ص. (1/137)
صفحة 122
أسفرت هذه المقاومة عن تحطم أسطول دون قارصيا دو طليطلة الإسباني.
فبعد معركة برج الجماجم التي خاضها سكان جزيرة جربة التونسية ضد الغزاة الإسبان سنة 835 هـ / ق15م الذين تلقوا فيها ضربة موجعة فانصرفوا بعدها لغزو مدن ساحلية أخرى. واستطاعوا في ظرف ست سنوات ابتداء من 1505م أن يحتلوا أهم المدن الساحلية بالشمال الإفريقي.
ويذهب المؤرخون الإسبان إلى أن دوافع عدوانهم على بلاد المغرب كانت دينية حصرا، وأن الرغبة في نشر المسيحية في تلك البلاد هو ما حرك الملكة إيزابيلا والملك فيرناندو الكاثوليكيين للتوجه نحو ما يسمى بالسياسة الإفريقية.
وحتى سنة 1501 لم يستول الإسبان إلا على مدينة مليلة المغربية. غير أن ثورة المورسكيين في جبال البشرات أعطت الذريعة للمتعصبين الإسبان لحث ملوكهم على غزو بلاد المغرب.
وأراد الإسبان أن يعيدوا الكرة على جربة، فهاجمها القائد البحري بيدرو نافارو بأسطول قوامه 120 سفينة و بتعداد جيش قدره 20 ألف مقاتل، فاستطاع الإنزال على سواحل الجزيرة في 24 جمادى (1/138)
صفحة 123
الأولى 916هـ/ 1510 م، لمواجهة السكان الذين لا يتجاوز القادرون منهم على المقاومة الثلاثة (3) آلاف رجل.
وفي هذه الظروف العصيبة وصل مدد بفرقة من الفرسان الميزابيين يقودهم الشيخ باحيو بن موسى المعصبي. وقد كان الشيخ باحيو بن موسى و فرسانه يباشرون أعمالهم الجهادية على سواحل المغرب الأوسط.
وقد دون الشيخ باحيو في منظومة من 29 بيتا (1) بعض التفاصيل عن هول المعركة و شراستها و كثرة جيوش العدو التي قدرها بأزيد من ثمانين ألفا، بالإضافة إلى وفرة العتاد لديه، ومحاولته العنيدة للاستيلاء على الجزيرة كما تعرض إلى هزيمة جيش العدو الفادحة.
ويذكر حمو عيسى النوري أن الشيخ باحيو موسى تناول من جملة معاركه العديدة مع العدو الإسباني ثلاثا منها بالتفصيل، غنم فيها أكثر من عشر بواخر حربية، محملة بغنائم كثيرة، وافتك من الأسر سبعمائة امرأة كان أخذهن العدو سبايا ليبيعها في سوق النخاسة.
أهل مزاب وآل بربروس في الجزائر:
كان الاتصال جاريا بين خير الدين بربروس وبعض الأعيان من أصول مزابية بجزائر بني مزغنة، فبعد استيلاء القائد الإسباني بيدرو نافارو على الجزر الأربع المقابلة لسواحل مدينة الجزائر (2)، بنى على إحداها قلعة تعرف بالبنيون ( Pénion) لمراقبة المدينة و رصد تحرّكات سكانها فغدا احتلال المدينة وشيكا.
و كانت هذه المدينة تحت حكم هيئة بلدية مستقلة كان يرأسها الشيخ سيدي عبد الرحمن الثعالبي, ثم خلفه بعد وفاته سالم
__________
(1) نص المنظومة بأبياتها الثلاثين نشرها حمو عيسى النوري في كتابه نبذة من حياة الميزابيين ج1 ص 224 - 225.
(2) كانت تسمى بجزائر بني مزغان في عهد الزيريين حسب ابن حوقل وهي أصل تسمية المدينة في العهد العثماني. (1/139)
صفحة 124
التومي في تعداد سكاني قدره ستون ألف نسمة يشكلون جماعات متنوعة من بربر و عرب و أندلسيين و يهود وأوروبيين.
و على وقع هجمات الإسبان سنة 925هـ/1518م واحتلال كدية الصابون بمرتفعات الجزائر، استدعى خير الدين بربروس وفدا من المزابيين على رأسهم المجاهد الشيخ باحيو بن موسى وأمين المزابيين بمدينة الجزائر بكير بن الحاج محمد بن بكير المليكي (1) يستشيرهم في الأمر، فأشاروا عليه بالقيام بعملية فدائية لإحباط التحصينات الإسبانية، والتزموا بالقيام بالمهمة، فاختاروا 70 نفرا من الشبان المتطوعين وقرروا خطة يؤخذ فيها العدو على حين غرة، تقضي بحمل السلاح على نعش والسير به إلى المعسكر الإسباني، فذهبوا بالتهليل والتكبير بصفة المشيعين لجنازة، مخترقين قوات العدو تحت سمعه وبصره على طول الطريق.
ولما بلغوا بالجنازة الوهمية المكان المحدد، صلوا عليها إيهاما للعدو، ثم أقدم أحد الفدائيين مخفيا سلاحه الناري تحت لباسه ودخل المعسكر فنسف مستودع السلاح والذخيرة وسقط شهيدا، فالتحم الطرفان وأشعل الفدائيون النار في المعدات الحربية وفي القوارب التي تصل الأسطول الإسباني بالساحل.
ولقد أكمل الفزع الذي ظهر في صفوف العدو مراحل المعركة بعد أن فتح المجاهدون أبواب المدينة وهجموا على الحامية الإسبانية التي فر قائدها (دون هوقو) مع من بقي من رجاله، وقد سجلت المعركة سقوط شهداء من عناصر المقاومة.
__________
(1) هو من مليكة بمزاب، كان أمين المزابيين بالجزائر العاصمة، ورئيس جماعتهم. وقد استدعاه خير الدين بربروس (ت: 953ه/1546م) إلى قصره في مهمَّة سياسية، وذلك عند هجوم الإسبان وإحاطتهم بالعاصمة، فساعده بتكوين فرقة من الفدائيين المزابيين، فتمَّ النصر لهم -بالحيلة - على عدوِّهم بتاريخ 925ه/24 أوت 1518م، ذكره الشيخ أبو اليقظان في ملحق السير، انظر معجم أعلام الإباضية، ص. (1/140)
صفحة 125
ويذكر صاحب "حرب الثلاثمائة سنة" هذه الواقعة التي لجأ فيها خير الدين إلى «حيلة حربية غريبة» حيث أرسل جماعة من المجاهدين الجزائريين بكل سرعة إلى ساحل البحر يقدرها المؤرخون بخمسمائة 500 رجل وما كادت الفرقة الفدائية تحل بالموقع الذي اتخذه الإسبان معسكرا لهم، والذي لم يتركوا لحراسته إلا عددا قليلا، حتى أخذوا يدمرون المعسكر ويشعلون النار في القوارب التي تصل الأسطول بالبحر، ويهددون سفن الأسطول.
وكان الإسبانيون يرون من كدية الصابون تطورات هذه العملية الخطيرة التي كادت أن تقضي على خط مواصلاتهم البحري، فوقعوا في المكيدة وارتدت قوات كثيرة منهم نحو البحر لمحاولة إنقاذ السفن والقوارب. وهكذا انقسمت قواتهم نصفين، ففتح المجاهدون أبواب المدينة فجأة فانطلقوا يهاجمون الإسبان من كل جهة، فاختل نظامهم وفقدوا مواصلاتهم ثم شلت حركة قيادتهم فأصبحوا كقطعان الغنم السائمة بين أيدي المجاهدين واخترطتهم السيوف من كل جانب وانصب عليهم وابل الرصاص فمات منهم جمع كبير ووصل الباقون منهم إلى الساحل.
وما يلاحظ هنا أن الشيخ توفيق المدني لم يخص المزابيين بالذكر، وشملهم بالهوية الجزائرية الجامعة. لكن عيسى حمو النوري يضيف أن «ما يرويه التاريخ المتواتر أبا عن جد وما ذكره مؤرخو ذلك العصر ونصوص المخطوطات فيه تفصيل لأهم ما جرى في هذه الواقعة بحيث لا يستشف من ورائه شك.»
ويعزز النوري قوله بمقولات متوارثة والتي حسبه مازال بعضها متداولا، منها «واردا المورو بورتي لوقندورا دي كولورو» ومعناها: احذر من العربي الذي يلبس عباءة ملونة، والمقصود به المزابي. (1)
__________
(1) لا يزال أفراد وعناصر الفرق الفولكلورية للبارود بمزاب يلبسون هذه العباءة المزركشة والملونة. (1/141)
صفحة 126
وإذا سلمنا جدلا بما اعتمده النوري من روايات شفوية متناقلة جيلا عن جيل، فإننا لا نعرف المؤرخين الذين يقصدهم ولم نعثر بعد على نصوص المخطوطات التي يعنيها وذلك ما لم يحدده.
حملة الإمبراطور الإسباني:
تواصل تعاون المزابيين المعبر عن صدق الولاء للدولة العلية وإيالتها بالجزائر، فبعد أن خضع عرش الحفصيين بتونس والزيانيين بتلمسان للإسبان، استرسلوا في غزوهم للسواحل المغربية بتوجيه ضربة قاضية للجزائر ما دامت وحيدة مقطوعة المدد من الشرق والغرب. فإذا تم النصر خلا الجو لهم في الحوض الغربي من البحر المتوسط وسهل عليهم بعد ذلك حصار فرنسا حليفة العثمانيين.
ورغم الاستعدادات الكبيرة التي قام بها الإسبان التي استغرقت خمس سنوات ابتداء من احتلال الإمبراطور شارلكان (شارل الخامس) لتونس سنة 1535م. وفي 1540 جاءه الدعم المالي من البابا، واستطاع الإمبراطور أن يؤلب الشعوب المسيحية على المسلمين حتى أعد جيشا ضخما من المتطوعين، وأسطولا حربيا بلغت قطعه 450 قطعة.
وفي الوقت الذي حاول فيه شارلكان وقائد حملته (أندريا دوريا) تنفيذ هجومه على الجزائر في 20 أكتوبر 1541م كان الجزائريون بقيادة حسن آغا (1) قد أكملوا كل استعداداتهم لمواجهة العدوان، فتصدوا للعدو بكل ما أوتوا من قوة وإيمان، وأمدهم الله بقوة الرياح والأمواج إلى جانبهم، واضطرب البحر حسب ما تثبته الروايات بما لم يعهد مثله، مما تسبب في عطب الكثير من سفن العدو وانحرافها، وفساد ذخيرته الحربية. وترجع امتيازات الميزابيين فيما رواه
__________
(1) حسن آغا ولد في1466م وتوفي في 1560م، أصله من جنوة الإيطالية وهو أشهر حكام الجزائر بعد خير الدين بربروس في القرن السادس عشر للمزيد انظر عبد الحميد بن أبي زيان بن أشنهو، دخول الأتراك العثمانيين للجزائر، الجزائر، بدون تاريخ، ص.191. (1/142)
صفحة 127
الجنرال داماس (1) إلى حادثة مفادها أنه «عندما أبحر الملك شارل الخامس خائبا بعد حملته الفاشلة، راجعا إلى إسبانيا ومخلفا وراءه نحو 4000 قتيل من جيشه، بالإضافة إلى خسائره الفادحة في المعدات الحربية والزاد والخيام، ترك في قلعة الإمبراطور (2) حامية تقدر بحوالي 1000 إسباني، وكانت تقذف يوميا نيران مدافعها على مدينة الجزائر بحيث إن الداي والسكان أصبحوا يعيشون في ضيق كبير، وعندئذ قرر بعض مئات من المزابيين رفع هذه المحنة عن المدينة، وقد اقتحمت هذه المجموعة من المزابيين المسلحين الحامية بعد أن تقمصوا زي النساء الجزائريات (3)،وقتلوا جميع الإسبانيين».
ويذكر داماس أخبارا من روايات شفوية متواترة تتحدث عن اقتحام بعض من رجال إباضيين لحصن الإمبراطور سنة1541م، وتعطي -في نظره- أدق فكرة عن محافظة المسلمين على تخليد وقائع التاريخ.
ويمضي داماس في سرد تفاصيل الأحداث بدءا بالتحصينات التي اتخذها الإسبان تحت إشراف ملكهم شاركان على التلال المشرفة على المدينة جنوبا بعد أن تمكنوا من الإنزال على ساحل الجزائر. وشرع الإسبان في قنبلة المدينة بمدافعهم
__________
(1) الجنرال داماس مدير الشؤون الجزائرية في وزارة الحرب الفرنسية
(2) ويطلق عليها اسم برج بوليلة إشارة إلى سرعة إنجازه، وسينسب فيما بعد إلى مولاي حسن الذي أعاد بناءه حسن باشا سنة 1573، في الموقع الذي أقام عليه الإمبراطور شارل الخامس مقر قيادته عام 1541 للاستيلاء على مدينة الجزائر. انظر الحاج سعيد ص 93.
(3) تقول الرواية في تفاصيل الواقعة التي سماها بفايفر بالأسطورة: فأرسلوا ذات مساء عددا من النساء الجزائريات إلى باب القلعة ولما وصلن إليه أخذن ينحبن ويصرخن طالبات من رجال الحامية الإسبانية أن يسمحوا لهن بالدخول إلى البطارية وإلا فإنهن سيهلكن لأنهن فررن من سوء معاملة أزواجهن القساة عليهن. فتأثر الإسبان ببكائهن وفتحوا لهن الباب ... انظر: س. بفايفر المصدر السابق، ص.164 (1/143)
صفحة 128
مسببة أضرارا مهولة في الأرواح والممتلكات. وأصبح سقوط مدينة الجزائر محتملا في أي وقت تحت وقع وابل القذائف.
ويذكر داماس أن مجموع المقيمين في المدينة آنذاك من أهالي الجزائر والتجار والحرفيين المزابيين كان وافرا. ويذهب (سيمون بفايفر) إلى تقدير عددهم بحوالي ثمانية آلاف مزابي كانوا مقيمين في مدينة الجزائر، يمارسون، في نشاط كبير، أعمالا مختلفة، فعزم بعض الرجال منهم على إنقاذ مدينة الجزائر من هجمات الإسبان، فتوجهوا إلى الباشا حاكم المدينة وأفصحوا له عن عزمهم فرحب بالمبادرة ووعدهم بامتيازات ومكافآت.
عمد هؤلاء الشبان المزابيون إلى حيلة- وفق الرواية المشار إليها- مفادها تنكر هؤلاء الفدائيين في لباس نسوة متنقبات بنقاب كالذي تضعه النساء المغربيات، وتذكر الرواية أنهم حملوا تحت الحياك التي ارتدوها مسدسات مشحونة وخناجر محدودبة النصال مسننة الأشفار. وغادروا مدينة القصبة من "الباب الجديد" في موكب متجهين نحو الموقع المقصود. وعندما رآهم الإسبان من مواقعهم، كفوا عن إطلاق النار، ظانين أن سكان المدينة قرروا الاستسلام وطلب الأمان.
تمكن المهاجمون المتسترون من دخول الحصن دون مشقة، وما إن وطئت قدما آخرهم أرضيته، حتى انقلبوا فجأة إلى الهجوم الخاطف، فأفرغوا أسلحتهم على رجال الحامية من الإسبان، فكانت معركة رهيبة.
وفي حمأة الاشتباك استخدمت شتى أساليب المصارعة بشراسة أسفرت نهايتها عن مقتل آخر مدافع محتل لهذا المركز الحصين، ومصرع العديد من رجال بني مزاب المنتصرين عندئذ وسادة الحصن الجدد، وكان للمزابيين في هذه المقاومة دور هام تمثل في نسف دار البارود وقتل قيادات هامة من الجيش الإسباني المغير.
المزابيون من مرتبة «البَرّانِيّة» إلى دور الحلفاء:
في ولاية حسين باشا سنة 1633، تزعم الكراغلة (1) تمردا يهدف
__________
(1) – الكراغلة هم عناصر تركية من أمهات جزائرية. (1/144)
صفحة 129
إلى الإطاحة بالباشا ووضع الجزائر تحت سلطتهم باعتبارهم أقرب إلى السكان الأصليين في الجزائر، فاعتصموا ببرج مولاي حسن (1).
ويذكر صاحب المرآة أن الباشا حسين عندما بلغته أخبار التمرد استعان بعدد من أهل مزاب المقيمين بالمدينة لإحباط المؤامرة بأن يلبسوا لباس نساء المدينة، ويخفوا السلاح والذخيرة تحت ملاحفهم ثم يتقدموا لدخول البرج. وعند دخول هؤلاء المتنكرين البرج هاجموا المتمردين على حين غفلة بمساعدة من كان يتبعهم عن كثب، فأجهضوا التمرد وأحبطوا المؤامرة.
ويبدو من خلال ما عرضنا أن خلطا وقع بين الروايات التاريخية، فتداخلت تفاصيل الوقائع. وأبرز ما يعزز هذا الرأي هو تكرار استعمال حيلة التزيي بزي النساء في أكثر من واقعة.
ولكن ما يؤكد الدور العسكري الهام للمزابيين بالجزائر المحروسة، إلى جانب دورهم الاقتصادي، و يثبت مساهمتهم في إنتاج الذخيرة الحربية، ما تشير إليه عبارة "مصنع البارود المزابي" التي تضمنها مخطط لمدينة الجزائر في بداية الفترة الاستعمارية (2).
ونتيجة لذلك كله أقرت الولاية العثمانية بالجزائر بفضل هؤلاء فتنازلت لهم عن الإشراف على بعض المرافق العمومية مثل المسالخ والرحوات والمخابز والحمامات، منها حمام فويطة وحمام سيدنا وحمام سركاجي وحمام كتشاوة، علاوة على إعطائهم جنان الفحام الكبير المحادي لسور القصبة بمدينة الجزائر. وقد كان ذلك مكافأة لهم ولأحفادهم على هذا العمل البطولي، وقد احترم الحكام الذين تداولوا على الحكم هذه الامتيازات فبقيت متوارثة بينهم، ولا يزال عدد من الحمامات بالجزائر العاصمة
__________
(1) بناه حسن باشا سنة 1573، في الموقع الذي أقام عليه الإمبراطور شارل الخامس مقر قيادته عام 1541 للاستيلاء على مدينة الجزائر. انظر الحاج سعيد، المرجع السابق، ص 93.
(2) – جاءت هكذا بالفرنسية: Poudrière mozabite . (1/145)
صفحة 130
إلى اليوم ملكا للمزابيين، بالإضافة إلى منحهم صفة العضوية الكاملة والدائمة لأمينهم بمدينة الجزائر لحضور المجالس الاستشارية (1).
ومن خلال وثائق الأرشيف الجزائري فإن عدد الحمامات التي أمكن التعرف عليها بلغ 74 حماما منها 62 حماما بخاريا و 12 عاديا، أغلبها كانت تسير من قِبل أفراد من جماعة بني مزاب التي اشتهرت باحتراف هذه المهنة. أما أبناء البلد الأصليين فقد كان معظمهم مشتغلا بالزراعة والتجارة. (2)
وحسب سيمون بفايفر، فإن حكام الجزائر منحوا للمزابيين منذ قرون امتيازات خاصة مثل إدارة الحمامات والطاحونات، والاشتغال بالخبازة والقصابة وصناعة الحلوى، ويدفعون لأمين المزابيين إتاوة شهرية مهمة يقدم منها ما يسمى بالعوائد إلى الخزينة العامة (3).
وبحكم أن المجتمع الجزائري في العهد العثماني مؤسس على اعتبار الطبقات، فإن النازحين (أو "البرانية" كما كانوا يسمون بالتعبير الدارج) إلى العاصمة ابتغاء العمل يشكلون
__________
(1) سيمون بفايفر، مذكرات جزائرية عشية الاحتلال، ترجمة وتقديم وتعليق د. أبو العيد دودو، دار هومة، الجزائر،1998، ص164. والشيخ القرادي المرجع السابق، ص 176
(2) ومن أهم هذه الحمامات نذكر على سبيل المثال لا الحصر حمام سيدي بوقدور بالقرب من سيدي محمد الشريف وحمام سيدنا بالقصبة وحمام البلي بالقصبة وحمام الآغا بالقصبة العليا وحمام حمزة خوجا وحمام خويطة (أو حمام عبدي باشا) وحمام السبوعه (أوالأسود) وحمام كوشة موسى وحمام باب الوادي، وحمام سيدي عبد القادر وحمام الصباغين وحمام الصغير وحمام المالح وحمام الجنينة وحمام باب عزون وحمام سوق الكتان وغيرها. انظر: د. ناصر الدين سعيدوني، ورقات جزائرية ط1 دار الغرب الإسلامي بيروت 2000 ص 415 - 416
(3) سيمون بفايفر، المصدر السابق، ص.163، ود. ناصرالدين سعيدوني النظام المالي للجزائر في الفترة العثمانية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر،1979، ص 41 ود. عمار بوحوش، التاريخ السياسي للجزائر، ط1، دارالغرب الاسلامي، بيروت 1997. (1/146)
صفحة 131
الفئة الرابعة بعد الأتراك والكراغلة والحضر (سكان المدينة). وإذا كان لكل مدينة عمالها، فإن العاصمة خلال العهد العثماني كان لها عمال غير مقيمين بصفة دائمة، وقد كان توفير اليد العاملة للعاصمة يتم من ثلاث مناطق من الجزائر هي زواوة (القبائل) ومزاب والزيبان (بسكرة).
ويعدد (بفايفر) في مذكراته ضمن هذه الطبقة غير هذه الجهات مثل المتيجة والأغواط. ويبدو أنه كان يدخل ضمن زواوة كل العمال القادمين من المنطقة الجبلية المجاورة لمدينة الجزائر، كما كان يدخل ضمن وصف البسكري كل من جاء من جهة الصحراء الشرقية وكان أسمر أو أسود البشرة سواء كان من الزيبان فعلا أو من أهل تقرت ووادي سوف وغيرهم. أما وصف الميزابيين فالمقصود بهم أتباع المذهب الإباضي القادمون من مناطق مزاب وورقلة،. وهؤلاء يتعاطون- حسب بفايفر- أكثر المهن الجيدة في المدينة، ويذكر بعض المؤرخين (1) أنهم عثروا ضمن الأرشيف العثماني ما يؤكد أن عددا من أهل مزاب يعملون في قطاعات تجارية هامة في العاصمة.
وعلى صعيد آخر يذكر الحسن الوزان أن مزاب تقع في مفترق الطرق التجارية التي يسلكها تجار الجزائر وبجاية حيث يلتقون بتجار السودان.
ويتبين مما ذكر، أن أفراد هذه الجماعة من الجزائريين ليسوا مجرد عمال نشطين يحركون دواليب النشاط الاقتصادي في الجزائر، بل تعدوا ذلك فوقعوا موقع الثقة من النظام فتشكل ما هو أشبه بالحلف، أو العصبية حسب التعبير الخلدوني، دون أن يندرجوا على الأرجح ضمن قبائل المخزن التي تعتبر اليد الطولى للسلطة المركزية في الريف الجزائري.
ولعل أحسن من يصور لنا طبيعة العلاقة التي تربط المزابيين بالسلطة ناطق باسمهم من تجار بيلك التيطري بالمدية في رسالة
__________
(1) منهم الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله. (1/147)
صفحة 132
إلى السلطات العسكرية الفرنسية حين يقول: «فنحن بنو مزاب على ما نسمع من أوائلنا أنهم دخلوا الجزائر (العاصمة) مع الترك في يوم واحد، فصاروا يخدم (كذا) صنائعهم ويعمرون بلادهم، فنسبت تلك البلاد إلينا كما نسبت إلى الترك، فصار بيننا وبينهم حسن المعاشرة والمحبة العظيمة، فصاروا لا يأمنوا (كذا) في تلك العمالة إلا بني مزاب، ولا نباع عندهم لا بالقليل ولا بالكثير، سلطان عن سلطان، ديوان عن ديوان، لأننا كالجسد الواحد، فمن أراد شرهم أراد شرنا».
وإذا كان تجار بني مزاب وعمالهم قد وجدوا الطريق للعيش في العاصمة وقسنطينة والمدية وغيرها من مدن الشمال، فإن علماءهم قد ظلوا ينتجون علوما مختلفة ويؤلفون تآليف متنوعة (1)
__________
(1) أبرز علماء هذا الزمان امحَمَّد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن إسماعيل بن محَمَّد بن عبد العزيز بن بكير الحفصي، اطفيَّش (و: 1237هـ / 1821م - ت: السبت 25 ربيع الثاني 1332هـ / 1914م).من عائلة شهيرة بالعلماء من بني يسجن، من عشيرة آل بامحمَّد، وينتهي نسبَه إلى عمر بن حفص الهنتاتي، من العائلة الحفصيَّة المالكة بتونس بين (625 - 983هـ/ 1229 - 1574م)، ولد بغرداية لَمَّا انتقل إليها والده، وعاش بها طفولته الأولى، وفي الرابعة من عمره توفِّي والده، وتركه يتيما تحت كفالة والدته. توسَّمت فيه بوادر النبوغ، فعهدت به إلى أحد المربِّين لحفظ القُرْآن، فختمه وحفظه وَهو ابن ثمانِ سنوات، ففتح له مجال العلم، وسارع إلى دور العلماء وحِلَق الدروس بالمسجد. فأخذ مبادئ النحو والفقه عن أخيه الأكبر: إبراهيم بن يوسف. وتلقَّى مبادئ المنطق عن الشيخ سعيد بن يوسف وينتن. وكان يحضر حلقة الشيخ عمر ابن سليمان نوح مع أخيه إبراهيم، وحلقة الشيخ الحاج سليمان بن عيسى في دار التلاميذ اليسجنيِّين. كما كان يحضر دروس الشيخ بابا بن يونس في مسجد غرداية.
بعد أخذه لِهذه المبادئ، شمَّر على ساعد الجدِّ والتحصيل، بعزيمة لا تعرف الملل، يؤازره ذكاء حادٌّ، وذاكرة وقَّادة، ورغبة في العلم لا تعرف الحدود. نشأ عصاميًّا، لم يسافر للدراسة خارج موطنه، وجعل دأبَه الحرصَ على اقتناء الكتب واستنساخها، يجتهد في طلبها واشترائها من كُلِّ البلدان، رغم قِلَّة ذات اليد، وصعوبة الاتِّصَال. فتجمَّعت لديه مكتبة غنيَّة، تعتبر فريدة عصرها بالنظر إلى ظروف صاحبها، وبُعده عن مراكز العلوم والعمران. وَمِمَّا ساعده على التحصيل: اقتناؤه لبعض خزائن العلماء، منها خزانة الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني، وقد تَزَوَّجَ امرأة علِمَ أنَّهَا تملك مكتبة ثريَّة ورثتها عن أبيها. وما كاد يبلغ السادسة عشرة، حَتَّى جلس للتدريس والتأليف، وَلَمَّا بلغ العشرين أصبح عالِمَ وادي ميزاب، ثمَّ بلغ درجة الاجتهاد المطلق في كهولته، كما يذكر ذلك بنفسه في كِتَابه: «شامل الأصل والفرع».
أنشأ القطب معهدا للتدريس ببني يسجن، تخرَّج فيه علماء ومصلحون ومجاهدون، انبثُّوا في أقطار المغرب والعالم الإسلاميِّ،
له منهج في التدريس يعتمد على استغلال الوقت،. تستمرُّ دروسه طيلة أَيَّام الأسبوع، من الضحى إلى الزوال، إِلاَّ يوم الجمعة، ثمَّ دروس في المساء بعد العصر. ولا يدرِّس في اللَّيل إِلاَّ الغرباء والنجباء والمتفوِّقين؛ لأنَّه كان يخصِّص اللَّيل للتأليف والإجابة عن الرسائل والاستفتاءات المتهاطلة عليه؛ وكان غزير المَادَّة، طويل النفَس، متفانيا في العلم، يدرِّس أحيانا أحد عشر درسا مختلفا في اليوم الواحد.، ويولي عناية خَاصَّةً لأسئلة تلاميذه، فيكتبها ويحقِّق مسائلها، ولا يعجز عن الرجوع إلى المصادر، ولو أثناء الدرس.
بهذا المنهج في التعليم، والسعة في العلم، انهال عليه الطلبة من مختلف الأقطار الإسلاَمِيَّة، وصدروا عنه، وكلُّهم رجال عاملون في مختلف مواقع الحياة: تأليفا، وتعليما، وقيادة، وقضاء، وإصلاحا. وبلغ عدد تلاميذه العشرات، من أشهرهم:
من ميزاب:
إبراهيم اطفيَّش، أبو إسحاق: نزيل القاهرة العالم المحقِّق، إبراهيم الابريكي. إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان رائد الصحافة العَرَبِيَّة في الجزائر. اعمارة بن صالح بن موسى. بابكر بن الحاج مسعود. داود بن سعيد بن يوسف. صالح بن عمر لعلي. عمر بن حمُّو بكلِّي. عمر بن يحيى ويرو المليكي. محَمَّد بن سليمان ابن ادريسو. الناصر بن إبراهيم الداغور. يوسف حدبون.
أَمَّا من ليبيا: فيُذكَر المجاهد بالسيف والقلم الداعية: سليمان باشا الباروني.
ومن تونس: المؤرِّخ سعيد بن تعاريت.
ومن المدينة المنوَّرة: أحمد الرفاعي.
وغيرهم كثير مِمَّن بلغ المشيخة.
تآليفه:
ومن أهمِّ آثار الشيخ اطفيَّش تآليفه التي أغنى بها المكتبة الإِسلاَمِيَّة، كمًّا ونوعا، إذ تبلغ الثلاثمائة مؤلَّف، ما بين كِتَاب ورسالة.
وصفه تلميذه أبو اليقظان بِأنَّهُ «لا يُعرف إِلاَّ في تدريس علم، أو تأليف كتب»، فألَّف في بني يسجن، والقرارة، ووارجلان، وبريان، والحجاز، وَفي السفينة قاصدا الحجَّ. وشملت تآليفه مختلف فروع المعرفة، في المنقول والمعقول:
في تفسير القُرْآن، و في التجويد وفي الحديث وفي السيرة النَّبَوِيَّة وفي التوحيد وعلم الكلام و في أصول الفقه وفي الفقه: وَهو أوسع مجالات تأليفه و في البلاغة وفي المنطق وفي الطبِّ والفلك والحساب وفي الشعر و في الخط. أما-في التاريخ فقد ألف
«إزالة الاعتراض عن محقِّي آل إباض»، (مط).
«الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان»، (مط).
«الرسالة الشافية في بَعض تواريخ وادي ميزاب»، منه نسخة مختصرة (مط)، وأخرى موسَّعة (مخ).
«السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة»، (مط).
«الغَسول في أسماء الرسول»، (مط).
وله تآليف في مواضيع أخرى مختلفة منها:
«تفسير ألغاز»، (مط).
«خطبتا العيدين»، (مخ).
«شرح المخمَّسة»، (مخ).
«شرح لغز الماء»، (مط). وَهو حلٌّ للغزٍ نال به وساما عالميًّا، عجز عن حلِّه علماء العالم.
له من الأجوبة والفتاوي عدد هائل، جمع بَعضها الشيخ عمر بن يوسف اليسجني، ولا يزال أغلبها مخطوطا، ومتفرِّقا بين المكتبات، وتعدُّ مرجعا فقهيًّا هامًّا، خَاصَّةً في نوازل عصره، نذكر منها ما يلي: «أجوبة لأهل عُمان»، (مخ). «جواب أهل زوارة»، (مط).
«جواب إلى محَمَّد بن عبد الله الخليلي»، (مخ). «جواب مشايخ مَكَّة»، (مط). راسل القطب علماء من مختلف مدن الجزائر، ومن= =خارجها. راسل شخصيَّات من البحرين، والحجاز، وعُمان، ومصر، وتونس، وجبل نفوسة، وجربة، والجزائر، وفاس، والقسطنطينيَّة، وَبَعض العواصم الأوروبيَّة. ولو جُمعت هذه الرسائل لألَّفت مُجَلَّدات فيها من أنواع العلوم، والأخبار التَّارِيخِيَّة الهامَّة، ما يصلح لدراسات أكاديميَّة متخصِّصة، نذكر منها على سبيل المثال: «رسالة إلى الوالي العام الفرنسي بالجزائر»: مؤرَّخة في ربيع الأَوَّل 1304هـ بقسنطينة، محفوظة في أرشيف إكس أون بروفونس. و «مجموع الرسائل»، (مخ).و «مجموع رسائل بين القطب والإدارة الاستعماريَّة»، (مخ). ولم يقصر الشيخ جهوده في هذا المجال، بل اهتمَّ بالإصلاح الاجتماعيِّ، ومحاربة الجهل والبدع، وَتولَّى= =رئاسة مجلس العَزَّابَة ببني يسجن. كما تولَّى منصب القضاء، ثمَّ اعتزله لَمَّا بسط الاستعمار الفرنسيُّ نفوذه على منطقة ميزاب سنة 1882م. وكان القطب عدوًّا عنيدا لفرنسا، وَمِمَّن وقف بقوَّةٍ في وجه الاحتلال، ودعا إلى مقاطعة المستعمر وعدم التعامل معه، وكان مؤيِّدا للخلافة العثمانيَّة ــ على ما داخل نظامها من انحراف ــ لأنَّهَا كانت تمثِّل وحدة المسلمين. له مراسلات مع السلطان عبد الحميد الثاني
شهد له بالرسوخ في العلم علماء كثيرون: منهم الشيخ محَمَّد عبده، والشيخ زيني دحلان، وَبَعض علماء الحجاز.
ولقَّبه الشيخ نور الدين السالمي ــ مجدِّدُ العلم بعُمان ــ بـ «قطب الأيمَّة».
توفِّي بمرض دام أسبوعا، بعد أن قضى قرابة قرن في الجهاد العلميِّ، والإصلاح الاجتماعيِّ. للمزيد انظر معجم أعلام الإباضية، المرجع الساب (1/148)
صفحة 133
[صفحة كلها تهميش] (1/149)
صفحة 134
[صفحة كلها تهميش] (1/150)
صفحة 135
في يزجن وغيرها من مدن مزاب. كما تجدر الإشارة إلى أن أهل مزاب ظلوا محافظين على طابع مدينتهم الإسلامي والعتيق وعلى مذهبهم الإباضي، رغم وجود بني جلاب بتقرت من الشرق، والسعديين من الغرب.
ويذكر صاحب طلوع سعد السعود أن محمد بن عثمان الكبير باي الغرب قد فتح مزاب ضمن ما فتح من «بني الأغواط و الشلالتين وعين ماضي وأبا الضروس». غير أن ما هو مشهور أن بعض الحملات العثمانية وصلت إلى تقرت ووادي سوف و ورقلة، وكان مزاب حينها مواليا للعثمانيين منذ مجيئهم إلى بلاد المغرب في أول الأمر في العقد الثاني من القرن السادس عشر، وبل كانت تربطهم اتصالات بعروج منذ 1510م تاريخ حلوله بجربة التونسية كما ذكرنا سابقا.
ويلاحظ أن هذا الولاء لم يكن أمرا نفعيا عارضا، بل كان خيارا إستراتيجيا، فلقد تم تأكيده للباشا صالح رايس سنة 960هـ/1552م لما توجه إلى تقرت ثم إلى ورقلة لإخضاع أميريهما الرافضين دفع الخراج (1).
__________
(1) - بعد دخول صالح رايس المدينتين أصبحتا تدفعان الخراج، حيث حدد خراج تقرت ب 15أمة، وخراج ورقلة ب30عبدا، ... أما خراج مزاب فقد حدد ب 12عبدا و12 أمة. (1/151)
صفحة 136
وتوالى تجديد بني مزاب لولائهم للدولة العثمانية عندما قام كل من محمد الكبير (1) باي معسكر، وصالح باي قسنطينة، ببسط سلطتهما نحو الجنوب فقد دخل الباي محمد الكبير مدينة الأغواط في28 ربيع الأول 11 فيفري 1199هـ/ 1785م، فانقادت له جميع القبائل المجاورة والتزمت طواعية بدفع الخراج.
وتجسيدا لهذا الولاء و إحقاقا للتبعية السياسية فقد التزم مزاب بواجب دفع خراج للسلطة المركزية. ويصف توفيق المدني هذه التبعية للعثمانيين بأنها «اسمية فقط ... فكان استقلالهم مطلقا في بلادهم». وكان الاتفاق بينهم وبين أهل مزاب على الولاء والطاعة على أن يتولوا بأنفسهم شؤونهم الداخلية.
أما صالح باي قسنطينة فيبدو أنه لقي من حسن باشا الدولاتلي (2) داي الجزائر قبولا لطلبه إلحاق مزاب إلى ولايته بيليك الشرق ووضعهم تحت سلطته، و كان ذلك سنة 1206 هـ/ 1792م. وسببه سوء تفاهم حدث بينه وبين رعاياه من التجار، على حجم الضرائب الواجب دفعها لخزينة الباي، ومن هؤلاء تجار مزاب بقسنطينة.
وسارع الداي الجديد إلى عزل صالح باي قسنطينة بعد أن عين إبراهيم بوصباع مكانه. غير أن أشياع صالح باي اغتالوا خلَفه فور وصوله المدينة، فعين الداي لبيلك الشرق بوحنك بايا جديدا مرفوقا بجيش لمعاقبة صالح باي وشيعته، وتمكن بوحنك باي من ذلك وتم إعدام الباي المخلوع.
وبعد مراسلة المجلس الأعلى لوادي مزاب الداي حسن باشا في هذا الشأن بواسطة أمين المزابيين بمدينة الجزائر إبراهيم بن صالح، انتهت بإبطال السلطة المخولة إلى صالح باي وعزله ومعاقبته. وفي هذا الصدد يقول الشيخ إبراهيم بن بيحمان (3) في
__________
(1) – محمد الكبير باي معسكر وفاتح وهران في 1792،
(2) حسن الدولاتلي خلف الداي محمد عثمان باشا إثر وفاته في ذي القعدة 1205هـ /12 جويلية 1791م بعد أن رشحه لهذا المنصب. انظر: رابح بونارر، المغرب العربي تاريخه وثقافته، ط3، دار الهدى، الجزائر، 2000، ص.379.
(3) - إبراهيم بن بيحمان ابن أبي محمد بن عبد الله بن عبد العزيز الثميني اليسجني من علماء بني يسجن البارزين، أخذ العلم عن خاله الشيخ عبد العزيز الثميني (ت: 1223ه/1808م)، وعن الشيخ أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي (ت: 1202ه/1787م).هو من أنصار النهضة الإسلامية الحديثة، والدعاة لها بالخطب والوعظ والإرشاد، فكان يتنقَّل بين مدن وادي ميزاب يدعو إلى العلم ويحارب الجهل والبدع. له تلاميذ كثيرون، وكانت له صلات وثيقة بعلماء الجزائر والمغرب وعُمان، فكان يراسل الإمام سليمان بن عبد الله الإسماعيلي إمام سلطنة عمان؛ كما أنَّ له مراسلات إلى البايات والدايات الأتراك - باسم مجلس عمِّي سعيد، الذي كان كاتب تقاريره - منها رسالة بتاريخ 1206ه/1791م أرسلها إلى داي الجزائر الحسن الدولاتي، يستعطفه فيها، طالبا منه التدخُّل والحيلولة دون قبول الطلب الذي تقدَّم به باي قسنطينة - الباي صالح - لبسط نفوذه على الرعايا الميزابيين. وقد حُفظت لنا كلُّ هذه المراسلات في مخطوطات بخطِّ يده. وهو شاعر تمتاز قصائده بقيمتها التاريخية، وإن لم ترق إلى مستوى الشعر الجيد من الناحية الأدبية. له مؤلفات عديدة، نذكر من بينها:
*تفسير آيات النور من سورة النور، وتفسير سورة الفاتحة، وتفسير سورة العصر سماه: «أصداف الدر وأكمام الزهر الموضوعة على سورة العصر» (مخ).
* «حاشية على تفسير أنوار التنزيل وأسباب التأويل» (مخ)، منها نسخة بمكتبة الاستقامة. ... * «شرح موازين القسط» لأبي مهدي عيسى بن إسماعيل (مخ). ... * «الرحلة الحجازية» نثرًا ونظما (مخ).
* شرح مجموعة من الأحاديث (مخ).
*تلخيص عقائد الوهبية في نكتة توحيد خالق البرية» (مخ)
*قصائد عديدة منها: قصيدة البردة في مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - طبعت سنة 1387م/1967م. وقصيدة في رثاء شيخه عبد العزيز الثميني، وأخرى إلى حاكم الجزائر الحسن باشا الدولاتلي (مخ).انظر: معجم أعلام الإباصية (1/152)
صفحة 137
مخطوطه « ... فبعث حسن باشا الدولاتلي إليه باعتزاله وبمن يقوم بدله في مكانه، فاحتال ... إلى قتل القادم عليه وجمع من أصحابه ... فجدد إليه الدولاتلي رؤوس مملكته، فأخذوه ومزقوه تمزيقا عظيما ... وفعلوا به وبدائرته ما يعتبر به جميع الأنام».
الحياة الثقافية في الجزائر:
تطورت الثقافة في الجزائر العثمانية داخل مؤسسات المسجد والمدرسة والزاوية والمكتبة. وأغلب هذه المؤسسات كان لغرض التعليم. وكانت مؤسسة الأوقاف ترعى وتموّل هذه المؤسسات جميعا.
وقد عرفت الحياة الثقافية خلال معظم فترات الوجود العثماني ركودا ملحوظا خاصة في فنون الأدب وعلم الأنساب والتاريخ. وإذا كان جميع الجزائريين الذكور قبل الاحتلال يحسنون القراءة والكتابة، إلا أن ذلك لم يخلف حركية علمية لمسايرة النهضة الأوروبية القائمة في الفكر والصناعة. وكان غياب مؤسسة جامعة للمشتغلين بالتعليم العالي عاملا في افتقار الأدب والفكر في الجزائر إلى وحدة الأسلوب ووحدة التوجيه، إذ كانت مصادر التأثير من خارج الجزائر تبعا لمشرب كل عالم ومنهله.
وكان النشاط الفكري في مؤخرة اهتمامات الحكام الجزائريين في هذا العهد، فبغض النظر عن الجهود التي قام بها بعض البايات أمثال محمد الكبير أو صالح باي وهي فردية ونادرة وليست قائمة على سياسة مستمرة ومرسومة، وقد دام حكم محمد باشا خمسا وعشرين سنة، دون أن يعرف عنه أنه قدم شاعرا أو أجاز كاتبا على تأليف أو كافأ مبدعا، أو شجع حركة التعليم. ونفس الشيء يقال عن حسين باشا الذي بقي في الحكم اثنتي عشرة سنة.
وبالإضافة إلى ضعف مستوى الثقافة، وإلى منافسة اللغة التركية، بل واللغات الأوروبية (1/154)
صفحة 138
الأخرى، (1) للغة العربية في الدواوين وفي المجالس الرسمية وفي التجارة، فإن هناك بعض اللهجات المحلية التي كانت أيضا تزاحم اللغة العربية، فبعض مناطق الأوراس وجرجرة ومزاب كانت تتكلم اللهجات المحلية ولم يكن هذا مقصورا على الطبقة العامة، بل كان موجودا عند العلماء أيضا.
وفي الإشارة إلى أهمية بعض المكتبات الريفية المتفرقة في أنحاء البلاد لابد لنا من التنويه بمكتبات مزاب التي كانت يزجن بالخصوص تشتهر بها والتي حافظ عليها أصحابها كعائلتي الثميني وأطفيش بكل غيرة وعناية وقد كانت تْوَاتْ مركزا هاما لحركة الكتاب في غرب الجزائر وجنوبها، وكذلك كان الحال في مكتبات زواوة وبجاية وورقلة وغيرها. ووفرة الكتب في الجزائر حتى في المناطق النائية فيها يدل دلالة واضحة على أن الإنسان الذي حافظ على كل ذلك القدر من المكتبات كان على درجة كبيرة من التحضر خلافا لزعم الفرنسيين عند احتلالهم للجزائر.
العدوان الفرنسي على الجزائر
وعلى إثر العدوان العسكري الفرنسي والإنزال الذي شهدته شبه جزيرة سيدي فرج بالضواحي الغربية لمدينة الجزائر، راسل الباشا حسين دا ي الجزائر سائر النواحي الجزائرية. وقد تولى الآغا أفندي إبراهيم قيادة الجيش الجزائري الذي كان ينضم إليه في كل يوم بضعة آلاف من العرب والقبائل والأعراش بقيادة باياتهم وشيوخهم أو خلفائهم فوصل باي قسنطينة إلى سطح الوالي (سطاوالي) مع حوالي 12000، وباي التيطري مع 8000 وخليفته مع 3000 و خليفة باي وهران مع6000، ومع شيوخ القبائل (2) مابين 16000 و 18000، وأمين الميزابين مع حوالي 4000
__________
(1) كان بعض الباشوات يتكملون لغات أوروبية لأنها لسانهم الأم.
(2) يطلق لفظ القبائل في هذه الفترة على سكان الجبال المحيطة على الجزائر المحروسة (دار السلطان) من الشرق والغرب والجنوب. (1/155)
صفحة 139
مجاهد. وهذا حسب تقديرات الطبيب الألماني (سيمون بفايفر). ولا ندري ما معتمد الشيخ توفيق المدني في تقدير تعداد مساهمة المزابيين في جيش المتطوعين، حين أحصى عددهم بألف رجل.
وهكذا أصبح الجيش الجزائري بإضافة حرس الآغا أفندي وسكان الجزائر الذين تواصلوا إلى المعسكر بدفعات كثيرة، يضم 50 ألف رجل على الأقل. ويبدو أن لا الداي و لا الآغا إبراهيم يعرف مقدار القوات الجزائرية المحاربة
وتذكر بعض الروايات والمراجع أن المجاهدين المزابيين استماتوا في الدفاع في الساعات الأولى من الهجوم على الجيش الفرنسي، وقد سقط منهم عدد كبير في ميدان الشرف، ولهؤلاء مقبرة في سطاوالي اختفت معالمها.
ويورد الشيخ النوري شهادة غريبة يتعين التحقق منها، نقلا عن الجنرال (فيفان) وزير المستعمرات الفرنسي في قوله: «نحن الفرنسيين نعلم أن الجزائر لم يدافع عنها بحق إلا المزابيون، فإن آخر قوة بقيت تدافع بعد استسلام الداي، استمرت ترسل نيران مدافعها هي قوة المزابيين بجبل سيدي بنور (1)».
و سقوط مدينة الجزائر في الخامس من جويلية 1830 في يد الجيش الفرنسي امتد وقع الخبر إلى مزاب، فأضرب السكان هناك عن إيقاد النار في بيوتهم ثلاثة أيام، تقديرا لفداحة الخطب وهول الكارثة، واستعدادا لمواجهة المرحلة الجديدة.
ولا نستغرب استماتة المزابيين في الدفاع عن البلاد التي تعتبر موردا لأرزاقهم، فضلا عن أنها بلاد إسلامية، وهذا قبل أن تتبلور معاني الوطنية الجامعة التي توحد مشاعر الشعب وتحدد أهدافه في إطار الحركة الوطنية الشاملة.
__________
(1) إحدى مرتفعات مدينة الجزائر المطلة على البحر. (1/156)
صفحة 140
قائمة المراجع
1. الآغا بن عودة المزاري، طلوع سعد السعود في أخبار وهران والجزائر وإسبانيا وفرنسا إلى أواخر القرن التاسع عشر، تحقيق ودراسة د. يحي بوعزيزج1، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990.
2. أبو اليقظان ابر هيم، ملحق السير، مخ.
3. بن بيحمان إبراهيم، مجموع قصائد الشيخ ورسائله (مخ)
4. بفايفر سيمون، مذكرات جزائرية عشية الاحتلال، ترجمة وتقديم وتعليق د. أبو العيد دودو، دار هومة، الجزائر،1998.
5. جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، أعلام المغرب. دار الغرب الإسلامي، بيروت.
6. خوجة حمدان، المرآة، تعريب د. محمد العربي الزبيري، ANEP، الجزائر 2005.
7. رصيد مكتبة الشيخ عبد الرحمن حواش، ملف Occupation، رقم18/ 1324، مجهول، رسالة من أحد أعيان المدية المزابيين إلى السلطات الفرنسية، (غير مؤرخة لكن يرجح أنها كتبت في أواخر الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات من القرن الـ19)، ورقتان.
8. مجهول، غزوات عروج وخير الدين، تحقيق نور الدين عبد القادر، الجزائر، 1934م.
9. وثيقة، نهاية صالح باي كما أثبتها أحد الكتاب القسنطينيين، نقلا عن د. ناصر الدين سعيدوني ورقات جزائرية، دار الغرب الإسلامي، بيروت،2000
10. وثيقة بتاريخ 1237هـ/ 1821م في دفتر محكمة المدية أواخر العهد العثماني 1821 - 1839، نقلا عن د. أبو القاسم سعد الله، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج2، دار الغرب الإسلامي، بيروت،1990.
11. وثيقة نص معاهدة الحماية (29 افريل1853)
12. الوزان الحسن، وصف إفريقيا، ج 2.
13. ابن أشنهو (عبد الحميد بن أبي زيان)، دخول الأتراك العثمانيين للجزائر، الجزائر، بدون تاريخ.
14. ابن يعقوب سالم، تاريخ جربة. (1/157)
صفحة 141
15. بوحوش (د. عمار)، التاريخ السياسي للجزائر، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1997
16. بونار رابح، المغرب العربي تاريخه وثقافته، ط3، دار الهدى، الجزائر، 2000.
17. الجعبيري (د فرحات)، نظام العزَّابة في جربة.
18. الحاج سعيد (يوسف بن بكير)، تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية، غرداية.
19. سعد الله (د. أبو القاسم)، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج2، دار الغرب الإسلامي، بيروت،1990.
20. سعد الله (د. أبو القاسم)، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998.
21. سعيدوني (د. ناصر الدين)، النظام المالي للجزائر في الفترة العثمانية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر،1979.
22.،ورقات جزائرية ط1 دار الغرب الإسلامي بيروت 2000.
23. النوري حمو عيسى: نبذة من حياة الميزابيين السياسية والعلمية، ج1، دار كروان، باريس.
24. فركوس صالح، تاريخ الجزائر من ما قبل التاريخ إلى غاية الاستقلال، دار العلوم للنشر والتوزيع، عنابة، 2005.
25. القرادي (الشيخ)، الشيخ القرادي حياته و آثاره , تقديم د. محمد ناصر، نشر جمعية النهضة.
26. المدني (أحمد توفيق)، حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا، ط3،المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،1984م
27. كتاب الجزائر، المطبعة العربية،1931.
28. محمد عثمان باشا.
29. مؤنس (د. حسن)، تاريخ المغرب وحضارته، ج 3، ط1، العصر الحديث للنشر والتوزيع، بيروت، 1992.
30. Damas,Mœurs et coutimes d’Algerie, Hachette,1835
31. Haedo, Histoire des Rois.
32. Ravenet, Une épisode de l’expédition de1541 contre
33. Alger in Revue africaine, 3&4ème trim.1931. (1/158)
صفحة 142
الحقائق الحضارية حول كتاب
آراء الخوارج الكلامية
(دراسة نقدية)
الدكتور: موسى بن إبراهيم حريزي
أستاذ محاضر، جامعة ورقلة
مقدمة:
إن لهذه الدراسة أهمية علمية وتاريخية وحضارية من حيث إبراز الحقائق الفكرية والحضارية العريقة والمغمورة في منطقة وادي ميزاب، وإطلاع الناس جميعا على أنه ليس كل ما يكتب على علماء المنطقة وتاريخهم ومعتقداتهم يمثل الحقيقة المطلقة ولو كان البحث مفعما بالمصادر، وأن الكتابة التاريخية ليست بالعمل السردي الهين دون تمحيص، وأن الحديث عن التراث الإباضي بالخصوص يحتاج إلى ترو، وتفكير، وذكاء من أي باحث كان، وبالأخص الحديث من طرف من لم يعايش المنطقة، أو يعيش مذهبه وواقعه، وما يكتب عنه من طرف الغير يحتاج إلى مراقبة وغربلة، وفرز الحق من الباطل المدسوس فيه.
إن هذه الدراسة تهدف إلى أهداف لا تقل حضارة عن التحضر والمشاركة في التنمية الفكرية والثقافية، كما تهدف إلى تصحيح بعض الأفكار المسبقة العتيقة الزاحفة من الشرق، والمعششة في أذهان بعض العامة والخاصة، كما ترمي هذه الدراسة إلى محو تلك الأفكار التي تفرق أكثر مما توحد. وتدعو إلى التنافر المستمر بين المذاهب الشقيقة بدل التلاحم والتآخي (1/144)
صفحة 143
بينهما في الله والدين والوطن كما تبين هذه الدراسة بعض الحقائق التي كثيرا ما أغمط المؤرخون حق المذهب الإباضي حقه، بالإمعية، وأحيانا يتعمدون الغمط قسرا وتعنتا، مما جر بعض الفتن والمحن عبر التاريخ نتيجة تلك التعميمات والأكاذيب المغرضة، والمبغضة لكثير من الأطراف المعنية، ومنها التجني على المذهب الإباضي وعلمائه في هذا المؤلف الغريب الذي لا يختلف أصلا عن مؤلفات المشارقة على أهل الشرق المنقرضين، ولا تنسحب على غيرهم في المغرب في هذا العصر. حيث أن الأزارقة الخوارج قد انقرضوا تماما في سنة 77هـ.696 م.
كما يؤكد ابن الاثير. (الآراء/ ص: 109) فالفارق الزمني بين هذا الزمن، وذاك هو 1310 أي 13 قرنا ونيفا، والمفكرون يحيون الموتى في كتبهم الآن.
الأسباب والدواعي لنقد وتصحيح أفكار المؤلف:
عندما قرأت ذلك المؤلف "آراء الخوارج الكلامية" [المنقرضين منذ 13 قرنا ونيفا] المرفق بتحقيق "الموجز" لأبي عمار الكافي الإباضي في مجلدين من تأليف الدكتور عمار الطالبي، قرأته منذ زمن طويل حين صدوره سنة1978، والباحث على أنه متخصص في الفلسفة ومتطلع فيها، وهو معروف برجاحة عقله، وسيولة قلمه وأفكاره المتشعبة. وحينما سجلت في هوامشه بعض الملاحظات والانتقادات على تنكبه عن الحقائق الكثيرة في المذهب، والتحريفية القسرية والامعية أحيانا، وسأقدمها هنا دون تحيز أو تعصب، أو مغالطات متعمدة للقارئ.
لأول وهلةـ عندما اطلعت عليه ـ اندهشت للعنوان، وتساءلت حينها، كيف يمكن أن يسمح المفكر لنفسه أن يعنون المؤلف كتابه بهذا العنوان المحرج للحساسيات التي يمكن أن يثيرها في الوطن، حيث كان الوطن حينها في أوج اشتراكيته، وهو في حاجة إلى الوحدة، والتضامن الاجتماعي ... وما تدعو إليه
الاشتراكية آنذاك؟!
وعندما قرأته لم أستطع أن أضفي عليه آية صبغة لا تجاهاته، أو مخصص محدد. فوجدت فيه الحشد الهائل من المعلومات المتحفية والتفاصيل الميتة لأفكار من التاريخ، والسياسة، والفلسفة، والعلوم الشرعية، والغيبيات، (1/145)
صفحة 144
وافتصالها (النقل من موضعها) وتنكب الباحث عن الفصل بينها، وهو ما نكبه عن المنهج الدراسي العلمي، وعن هدف دراسته الخاصة. بتحقيق كتاب أبي عمار الإباضي.
وقد سبق في علمي أن دراسة التاريخ، أو السياسة ـ وهو غير مختص فيهما، يحتاج الباحث فيهما إلى الموضوعية والحكمة، والكياسة، واستعمال التفكير والتدبير في انتقائه للأقوال والاستشهادات، وأكثر من ذلك فإن الباحث عليه أن يعتمد المنطق والمعقول في تقرير الأحكام، وتمحيص الحقائق المروية من الخرافات، والمهاترات الباطلة لكي لا يتيه عن جادة الصواب والحق والصدق في الروايات، ويجتنب الحساسيات والتفرقة في الوحدة والأخوة، ولا يقع في المحذورات التي حذر ابن خلدون المؤرخين منها (1406 - 1332م/808 - 732هـ) فقال: " .... وكثيرا ما وقع للمؤرخين، والمفسرين، وأيمة النقل من المغالط بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا على الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، لاسيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر، إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب، ومطية الهذر، ولابد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد ... "/ (المقدمة/ ص: 10). وسيتبين لنا خلال هذا النقد كيف وقع الباحث في هذه المحذورات.
ويشير في صفحات أخرى إلى طبيعة التغير النفسي والسلوكي، وتبدل أفكار البشر في السياسة والاجتماع، وما يواجهه فكر المؤرخ من جمود، وأفكار مسبقة، فقال: " ... ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الاعصار، ومرور الأيام وهوداء دوي شديد الخفاء، إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم، ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة والدول. سنة الله التي قد خلت في عباده ... «/ (نفس المصدر/ ص31) و بعد أن ذكر هذا التغير والتبدل وعدم دوامها على وتيرة واحدة بيَّن بعض أسباب ذلك التبدل والتغير، منها ما قاله: "وأن عوائد كل جيل تابعة لعوائد (1/146)
صفحة 145
سلطانه .... والناس على دين الملك" ... ثم قال: " .... ثم لا زال التدرج في المخالفة حتى تنتهي إلى المباينة بالجملة، فما دامت الأمم، والأجيال تتعاقب في الملك والسلطان، لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة، والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة، ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده، وتعوج به عن مرامه، فربما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين، ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها فيجربها لأول وهلة على ما عرف، ويقيسها بما شاهد، وقد يكون الفرق بينهما كثيرا فيقع في مهواة من الغلط" / (نفس المصدر/ ص:32).
يستطيع القارئ لهذه الأفكار الخلدونية عندما يطلع على المحذورات التي وقع فيها الكاتب أن يتصور طبيعة منهجه في البحث عند كتابته ومقدار سقوطه في المحذورات الخلدونية عند تحقيقه لأعظم كتاب وكاتب في الشريعة الإسلامية وفلسفته. (أبي عمار الإباضي)
مشكلة الدراسة:
إن الدراسات التاريخية معظمها لا تستند إلى معيار واضح غير معيار الوقائع والأحداث الملموسة في الحين مقرونة بالأدلة المنطقية والعلمية، وقد نلاحظ ذلك في بعض الدراسات ولكن قد تكون مفهومة بصورة خاطئة، أو بدليل تلفيقي وما شابه ذلك، ومن بينها مثل هذا الكتاب الذي حاد كثيرا عما نصت عليه مبادئ ابن خلدون السابقة، وقد لا يتصور البعض مقدار حجم المشكلة عندما يطلعون على بعض المؤلفات التي لا تميز بين المذهب الإباضي المتميز في عقائده الربانية والسنية، وبين الخوارج المتميزين في عقائدهم بصورة مختلفة تماما، حيث أن بين المذهبين مفارقات جذرية واضحة وضوح الشمس، ومعتقدات متضادة ووجهات نظر في السياسة متناقضة، كما أن المشكلة تبدو أكثر تعقيدا عندما يخلط بعض المؤرخين العرب في المشرق بين أصول نشأة المذهبين، حيث أن المؤرخين العرب للسياسة والسياسيين ينسبون عن خطأ متوارث إلى أن المذهب الإباضي ينتمي إلى الخوارج وهنا منشأ الخطأ الأول، كما ينسبون المذهب إلى عبد الله بن إباض وخاصة فيما يتعلق بالسياسة وهو منشأ الخطأ الثاني الأهون من الأول، بينما الحقيقة التي يعتمد عليها الإباضيون بأن منشأ (1/147)
صفحة 146
وأصل المذهب يرتبط أصلا وفصلا من الناحية الدينية والفقهية إلى الإمام جابر بن زيد، وعلى مدونته السنية والفقهية، والبعيدة عن السياسة والفتن، وقد نسب المذهب الإباضي إلى عبد الله بن إباض من طرف السياسيين غير الإباضية واشتهروا بذلك من غير رضاهم بذلك، واسمهم الحقيقي كمذهب هم "جماعة المسلمين" و"أهل الدعوة والاستقامة".
والمشكلة البارزة أكثر في هذه الدراسة هي أن الكتب التاريخية والفلسفية المشرقية التي تصدر إلى حد اليوم لا زالت سارية على ذلك النحو من الخطأ التاريخي السياسي من غير رجاء في حدها، وخاصة من المؤرخين العرب، ولم يتجرأ أحد منهم للمعارضة الشديدة وانتقاد هذه الأخطاء التقليدية، والمتعمدة أحيانا.
ومن بين هذه المؤلفات التي تجسد مشكلة هذه الدراسة هو هذا الكتاب النموذجي في الأخطاء التاريخية التقليدية عن الإباضية هو كتاب "آراء الخوارج الكلامية" الصارخ على اعتماده على أخطاء المؤلفات المشرقية المفتنة أحيانا. والمشكل الآخر والأخطر من كل ذلك هو تلك الأحكام القاسية والمنحرفة عن الشرع التي تطلق على المذهب الإباضي وأهله بأفكار مسبقة جوفاء عن حقيقة المذهب الإباضي، فمن مثل هذه المشكلات تنشأ إشكاليات الدراسة في التساؤلات التالية:
- إشكاليات الدراسة:
نطرح هنا بعض الإشكاليات التي ستكون محور المناقشات والانتقادات المؤسسة على المنطق وواقع الحياة المعيشية وبالتالي ستكون جوابا لها من خلال مضامينها.
هل كل ما كتب عن الإباضية من غير الإباضيين كان صادقا ونزيها؟ وهل ما كتب في هذا الكتاب "آراء الخوارج" كان علميا ومنهجيا وموضوعيا يتقبله العقل؟ وهل هذا الكتاب يمثل ولو قليلا مضمون ما ذكره ابن خلدون في النصوص السابقة ... وغيرها؟ وهل ذهنه استطاع أن يميز بين الخوارج فعلا عن المذهب الإباضي؟ وهل توصل إلى أن يفرق بين العرب الخوارج هناك في المشرق والبربر الأمازيغ الإباضية هنا في المغرب؟ وهل استطاع الكاتب أن يفرق بين الجهات المشرقية بمدنها وقبائلها، وأزمانها، وبين الجهات المغربية كذلك بمدنها وقبائلها وأزمانها، وجميع مكوناتهما؟ (1/148)
صفحة 147
كالفرق بين الأهواز في إيران وبين وارجلان، أو بين صنهاجة، وبني تميم ... وغير ذلك؟ وهل أعطى لمؤلف كتاب "الموجز" حقه في توضيح أصله وبيئته وبلده وزمانه ومذهبه؟ وهل نسبة استعماله للمراجع المشرقية تماثل نسبة استعماله لكتب الإباضية وخاصة الجزائرية منها؟ وما نسبة ذلك لكلا النوعين؟ وهل طرح الكاتب لنفسه مثل هذه الإشكاليات؟ وهل تصور بدائل أخرى لطروحاته في كتابه؟ ولماذا لم ينطلق في تأليفه لكتابه من البداية من "الموجز" ثم يحقق في قضاياه ومضامينه؟ ولماذا مزج بين قضايا الخوارج الخارجة عن موضوع الإباضية، وبين مضمون كتاب الإباضية الذي هو أساس التحقيق؟ وما هو غرضه من كل ذلك؟ وغير ذلك مما لم يذكر.
إن مثل هذه الإشكاليات سنحاول الإجابة عليها عندما نمحصها، ونميط اللثام عما تنم عنها، وستتضح لنا حقيقتها، وحقيقة ما ذهب إليه الكاتب من آراء شخصية وأفكار غريبة في طروحاته سواء منقولة من غيره، أو معبرة أصالة عن نفسه، وسيظهر كل ذلك بعد أن نصف كتابه وكتاب: "الموجز" بجزئيهما لكي تكون لدينا صورة تقريبية عما نتحدث عنه من انتقادات منطقية وموضوعية.
وصف كتاب آراء الخوارج الكلامية، للدكتور عمار الطالبي:
قبل أن تدخل في تقديم الحقائق الحضارية والانتقادات على المغالطات والأخطاء التي وقع فيها الباحث في كتابه آراء الخوارج. سواء من الناحية المنطقية أو المنهجية أو التاريخية، أو الأحكام المسبقة الجامدة، أو المحذورات التي حذر ابن خلدون المؤرخين منها. نصف الكتاب شكلا ومضمونا بإيجاز:
يتألف كتاب الباحث عمار طالبي المعنون بـ: "آراء الخوارج الكلامية/ الموجزة لأبي عمار عبد الكافي الإباضي" من مجلدين من المقطع الكبير (17×24) يحتوي المجلد الأول على436 صفحة. أما المجلد الثاني فيحتوي على309 صفحات، ومجموع الصفحات للمجلدين745 صفحة ـ الطبعة الأولى ـ وهو صادر من الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، وذلك في سنة: (1398هـ/1978م) بالجزائر.
محتويات المجلدين: حسب فهرس الموضوعات ومضمونه، فإنه خال من تحديد الفصول، وإنما يتألف من (1/149)
صفحة 148
عناوين رئيسية وأخرى فرعية في بعضها. فالمجلد الأول من البحث يتضمن موضوعات مختلفة عن الخوارج، مستهلا بمقدمة ومفهوم الخوارج، ونشأة مذهبهم، والفرق الأخرى، وأخطأ كثيرا حين ضم المذهب الإباضي إلى تلك الفرق الخارجية، والإباضية بريئة منها بالمرة، ثم تحدث عن الإنسانيات والإلهيات، والعقل والنقل. وعدد صفحات هذه الموضوعات 193 صفحة، بينما المذهب الإباضي لم يخصص له سوى 20 صفحة، ولسيرة أبي عمار 04 صفحات فقط، ثم وصف مخطوط أبي عمار كاملا (ج1و2) في 32 صفحة. وخصص لتحقيق الجزء الأول من مؤلفه181 صفحة للجزء الأول للمخطوط (الموجز). أما المجلد الثاني من الؤلَّف فقد خصصه المؤلِّف، لتحقيق الجزء الثاني من (الموجز) لأبي عمار بكامله فهو يشتمل على 294 صفحة، وباقي الصفحات خاصة للمراجع والفهرس.
وصف كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي الإباضي:
يتألف كتاب (الموجز) من جزءين في علم الكلام، وعنوانه الأصلي: "كتاب الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الردِّ على أهل الخلاف". قد ألفه العالم أبو عمار عبد الكافي البربري المغربي الإباضي قصد الردِّ على المخالفين لملة الإسلام، من الفلاسفة، واليهود والنصارى الملحدين، وضمّ المشبهة إلى أهل الإلحاد، وغيرهم.
ويهدف الكتاب إلى إثبات التوحيد. أما الجزء الثاني منه فقد خصصه أبو عمار للردّ على المخالفين من أهل القبلة في علم الكلام، كإثبات القدر، وصفة الإرادة، والعدل والوعد والوعيد، والكلام على أهل الكبائر من الموحدين، والجنة والنار، والإمامة، وغير ذلك .... وكان الغرض السامي للمخطوط هو بيان أصول الديانة، والعقائد، وأمهات المسائل المتعلقة بهما، والاستدلال عليها بعيون الأدلة الشرعية.
أما حياة أبي عمار عبد الكافي، فلم يخصص الباحث للحديث عن حياته، ـ وهو محور الكتاب وأصله ـ سوى (03) ثلاث صفحات من (06) صفحات المحددة للعنوان "أبو عمار عبد الكافي: حياته .... ". وفحوى تلك الصفحات الثلاث الأخرى كلام خارج عن موضوع حياته تماما. (1/150)
صفحة 149
وصف المخطوط بناء على ما وصفه الكاتب عمار طالبي: فقد اعتمد الكاتب لتحقيقه ثلاثة مخطوطات، ونحن نصف واحدة منها: (تقع النسخة الأولى في 267 صفحة، وفي كل صفحة 21 سطرا، وحجمها بمقياس 16/ 22 سم، ويقع المخطوط في جزءين، وذيل، فالجزء الأول من ص: (01) إلى صفحة (118).
ويبتدئ الجزء الثاني بما فيه الذيل من صفحة (119) إلى صفحة (267) وهما في مجلد واحد، وقد رمز لهذه النسخة بـ: (د) باعتبار أنها نسخة دار الكتب المصرية، تحت رقم (21787 ب) ثم وصف النسخ الأخرى. وانتهى بتحليل مضمون المخطوط في29 صفحة، من صفحة 223 إلى صفحة 252.
هذا ما يمكن وصفه بإيجاز عن هذه الموضوعات الثلاثة: كتاب الباحث، والمؤلف أبو عمار عبد الكافي، وكتابه "الموجز" المعتمد لتحقيق، ويستحسن الرجوع إلى كتاب الباحث للإطلاع على تفاصيل ذلك، درءا من الخروج عن الموضوع.
وأبو عمار عبد الكافي الإباضي بإيجاز هو: أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي البربري الإباضي الوارجلاني (ب. ت) نشأ فيها في القرن السادس الهجري، وأخذ العلم عن شيخه أبي يعقوب يوسف الوارجلاني (ت570هـ/1174م).
ثم ارتحل أبو عمار إلى تونس حيث درس هناك في عهد الموحدين، وغرضه من الدراسة هناك إصلاح لسانه بالعربي الفصيح، والإبتعاد عن شواغل الأهل وقد وصفه الشماخي، بأنه آية في علم الكلام. ووصف الدرجيني موجزه بقوله: "وهو الذي أزرى [غطى] بموجزه الماضين، وأتعب الحاضرين والآتين".
وقد توفي قبل شيخه أبي يعقوب الوارجلاني ولم يعرف بالضبط تاريخها (عمار طالبي/أراء ... /ص 215، 219) بتصرف.
نقد آراء الخوارج الكلامية بالحقائق الحضارية:
إنّ عنوان هذا المؤلف باقترانه مع "الموجز" لأبي عمار الإباضي يدعونا إلى إبراز كثير من الانتقادات وتصحيحها في هذا المؤلف المعاصر، وبيان تنكبه عن الصواب والحقيقة واعتماد الوهم، في حقيقة الإباضية ولم يراع حكم ابن خلدون السابق، ونحن ندلي بتلك (1/151)
صفحة 150
الملاحظات والانتقادات باختصار:
1. الانتقاد الرئيسي الأول يتعلق بعنوان البحث، وفيه ملاحظات منطقية في تلفيقه.
أ. كلمة "آراء": إنّ الرأي في الفلسفة كما يقول: م. روزنتال، و آخر (1985) "هو معرفة ذاتية ناقصة، تتميز عن المعرفة الأصلية الموضوعية، وعن الحقيقة. إنّ السفسطائين قد أزالوا الحد الفاصل بين الرأي والحقيقة «كل شيء حقيقة كما يعتقده أي فرد، مما أدى بهم إلى الذاتية، والفردية المتطرفة». وقد ميز أرسطو (384 - 322 ق. م) بين الرأي والمعرفة العلمية التي تتخذ من الجوهر الكلي (الذي لا يقوم سببه وأساسه على شيء آخر، وإنما على ذاته: الله، العقل الكلي، الفكرة ... الخ) موضوعاتها." / (الموسوعة الفلسفية/ص:226)
حتى ولو أن الباحث قصد من وراء كلمة "الرأي" أي الآراء المعرفة العلمية التي تتخذ من الجوهر الكلي موضوعاتها، بمعنى الفكرة أو الأفكار المتعلقة بالخوارج، فإنها تعني: معنى شيء أو أشياء يمكن ردها إلى إحساسات خاصة، أو انطباعات الذات، وقد تعني الفكرة كذلك عبارة عن صورة أو تصور حسي ينشأ في الذهن كانعكاس موضوعات حسية. (م. روزنتال/ المرجع السابق/ ص:336) ومع ذلك فإن تلك المقاصد في الآراء والأفكار بعيدة عن الحقيقة والجوهر، وإنما هي مرتبطة بانطباعات الذات، والتطور الحسي للشخص. والمفهوم اللفظي للرأي، أو الآراء، فإن الشخص يدلي برأيه ولا يلتزم بالحقيقة، أو بالنص الشرعي، أو بقاعدة أو القانون. وهذا المفهوم بعيد جدا عن الحق أو الحقيقة. ويظهر من خلال مضمون العنوان -بناء على أصل المفهوم السابق- وعناوين البحث في الآراء تعني أن جميع ما يعتقدون به راسخا في الذهن والاعتقاد لا يعتد به، بل هو عبارة عن آراء فقط وخارجة عن الشرع، وتخرص من غير دليل. ونربأ بالباحث أن يحيد بقصده إلى مفهوم السفسطائيين في الرأي ليزيل الحد الفاصل بين الرأي والحقيقة، لتصبح الأفكار ذاتية تميل إلى الفردية المتطرفة التي تؤدي إلى تشنج وتعصب، «وما أريكم إلا ما أرى» وتصبح الحقيقة الحضارية خارج المنطق والمعقول. ويبدو من خلال مضمون كتابات الباحث في بحثه أن الآراء التي استعرضها للخوارج، (1/152)
صفحة 151
وكذلك استعراض آرائه انطلق من مبدإ "الرأي العام" أو الآراء العامة والشائعة في انحرافها عن مفهوم الحقيقة الإباضية وانطلق في استعراضها من أفكار مسبقة زاحفة من الشرق الأوسط، والتي تعبر عن مواقف مجموعة، أو عدة مجموعات (فرق) اجتماعية اتجاه أحداث ومظاهر من الحياة السياسية والدينية، في مكان وزمن معين لعبت فيها ظروف خاصة، ثم زالت واضمحلت بأناسها الخاصين المحددين فماتوا جميعا في ذلك الزمان والمكان، فغير معقول أن تنسحب تلك الآراء إلى أناس آخرين بعيدين جدا زمانا ومكانا عنهم، وقد ذكر الباحث نفسه في مؤلفه. صفحة 109 أن الأزارقة الخوارج قد انقرضوا تماما في سنة77هـ أي منذ 13 قرنا ونيفا وقد ذكر ابن خلدون كذلك أسباب البون الشائع بين زمان وزمان فقال: "والسبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد، أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الأمثال الحكيمة، الناس على دين الملك، وأهل الملك والسلطان إذا استولوا على الدولة والأمر، فلابد أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم، وياخذوا الكثير منها، ولا يغفلوا عوائد جيلهم مع ذلك، فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول، فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم، ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشيء، وكانت للأولى أشد مخالفة، ثم لا يزال التدريج في المخالفة حيث ينتهي إلى المباينة بالجملة." / (المقدمة/ص:32)
فهذا هو أساس النظر و التمحض بالعقل في كتابة التاريخ وإبداء الآراء في أسباب الأحداث الواقعة.
والرأي كذلك هو ما تنظر فيه بعقلك لوحدك، وتفكر فيه لوحدك، وتتدبر فيه لوحدك، وما تراه أنت لوحدك، إنه الظن، وما يتراءى لك لوحدك، بناءً على قوله تعالى: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله.} /48/الأنفال. والشاهد في قوله "أرى ما لا ترون" أرى لوحدي. ولكن عندما تتفق جماعة معينة على رأي واحد في قضية محددة أو أمر معين فيتحول حينذاك ذلك الرأي أو الآراء جميعها إلى ما يسمى بالإجماع. وقد قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوك} /62/الأنفال. وقال (1/153)
صفحة 152
كذلك: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب} /15/يوسف.
إن الرأي أو الآراء لا تنطبق إلا على الموضوعات الفلسفية التي لا يكون لها اتصال بالنص الشرعي، كما أن الآراء تحمل معنى الجدال الحر، وما لا يحدث حوله الاتفاق والإجماع. بينما الحق والحقيقة، أو العقيدة والإيمان بالشيء يحدث حولها إجماع واتحاد وتضامن للدفاع عن قضية الحق والحقيقة، والعقيدة الشرعية. إن الأصل في بحث عمار طالبي يهدف إلى تحقيق كتاب "الموجز" وفحواه أصلا متعلق بالعقيدة والإيمان والدين، في المذهب الإباضي، فما دخل الرأي والآراء في "الموجز" إن المذهب الإباضي نشأ من خلال النص القرآني والسنة والإجماع والقياس، وكل هذه الأصول لها مبادئ وقواعد علمية وعقلية مبنية على عقيدة راسخة وثابتة ونابعة من حكم إلهي تعبدي، لا يحتاج إلا آراء أو إبداء الرأي.
والرأي هو ما فكر فيه الشخص، واعتقد لوحده أنه يجب أو لا يجب مثلا، ولا دخل للنص الشرعي الصحيح فيه. فالرأي فكرة من الأفكار، وقد تبني تلك الفكرة على الظن والتخمين والوهم في الفهم ولا يجوز العمل في الأحكام الشرعية إلا ما نتج بالدليل القطعي كما قال محمد جواد مغنية في أصول الفقه/ ص:220، والعمل بالظن حرام: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} /66/ يونس. وكما في الحديث الشريف: "الظن أكذب الكذب" كما أن الظن، أو الرأي يتنافى مع الحقيقة والحق.
إذاً "فالموجز" حقيقة إيمانية محمدية مذهبية إباضية هو بريء تماما من عنوان الكتاب آراء الخوارج.
بناء على ما تقدم فإن المذهب الإباضي إذا تمذهب بمذهب -سمه بأي إسم شئت- لا يتمذهب إلا بالقرآن و السنة، وإذا قال بشيء فإنه لا يقول إلا على أساس النص الشرعي، أو بالإجماع، ولا يعمل بالرأي ولكن أحيانا كما يذكر المؤلف "للآراء" يعبرون عن «القياس والإجماع بالرأي» أنظر إبراهيم بحاز/ ص:78/ ص:160. ولكن لهذين المصدرين في التشريع شروط وقواعد مضبوطة لا دخل للرأي الفلسفي فيهما، ولا لآراء الخوارج فيها.
وعليه فإن استعمال كلمة "آراء" غير منطقية ولا تعبر عن فحوى الكتاب المحقق لأبي عمار عبد الكافي. (1/154)
صفحة 153
ب. كلمة "الخوارج": وهو الخطأ المنطقي الثاني في العنوان، حيث يعنى بهم "الإباضية" حسب مضمون الكتاب، واقتران هذه الكلمة بتحقيق كتاب إباضي "الموجز" وهي زلة لا تغتفر من جاهل فكيف بعالم مثله، وقد ذكر ابن خلدون مثل هذه الزلات بقوله: " ... فقد زلت أقدام كثير من الأثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الأحاديث والآراء، وعلقت أفكارهم، ونقلها عنهم الكافة من ضَعَفة النظر والغفلة عن القياس، وتلقوها هم أيضا كذلك من غير بحث ولا رواية، واندرجت في محفوظاتهم حتى صار فن التاريخ واهيا مختلطا، ناظره مرتبكا، وعد من مناحي العامة، فإذن يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع والإعصار في السير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب ... ... حتى يكون مستوعبا لأسباب كل خَبَره، وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول، فإن وافقها، وجرى على مقتضاها كان صحيحا، و إلاّ زيفه واستغنى عنه ... "/ (المقدمة/ص:31)
فعلا إن زلة الباحث الكبيرة وقعت في استغلاله هذه الكلمة ومفهومها التي لا تمت بصلة إلى الإباضية فبالإضافة إلى ما سبق من خطأ فظيع آخر، وهو خلط بين الخوارج والإباضية، وظن المتخيل أن بينهما علاقة، وهو الشيء الذي جعله يسقط في الخلط بين المشارقة والمغاربة، والخلط بين الأصول العربية والأصول الأمازيغية! فلماذا يخلط الكاتب بين هذه كلها كمتطفل في التاريخ، ورأي ابن خلدون السابق كاف بأن "يصبح التاريخ واهيا مختلطا، وناظره مرتبكا، وعُدَّ من مناحي العامة". وذلك واضح في عنوان الكتاب المحدد بعبارة"آراء الخوارج الكلامية"/ الموجز لأبي عمار عبد الكافي الإباضي، وكان من الأوفق أن يعنون كتابه بعبارة "عقائد الإباضية" بدل آراء الخوارج. وقد سبق في علمه أن الخوارج مشارقة -قد انقرضوا جميعا- كانوا متمركزين أصلا في الجزيرة العربية والعراق، والأهواز بإيران، والآن قد اندثروا جميعا، بينما أبو عمار عبد الكافي الإباضي الوارجلاني السدراتي مغاربي من إباضية المغرب، فهل هناك في الجزيرة العربية أو في العراق أو الأهواز وارجلان أخرى مشرقية؟ ثم لماذا يصر على أن يلحق الإباضية بالخوارج قسرا وعمدا (1/155)
صفحة 154
عن سبق إصرار، أثناء حديثه، أو خلال كتاباته في التساؤل الذي طرحه: "هل الإباضية خوارج؟ " وأجاب نفسه بنفسه، وذكر بعض المعلومات المشرقية أي من خلال المراجع المشرقية القديمة بينما الإباضية أبعد الناس، وأبرئهم من الخوارج وأشدهم عليهم من جهة (أنظر ص:202 من كتابه) ومن جهة أخرى فإن الخوارج تبرأوا من الإباضية-كما ذكر الأشعري /ص: 203 من الكتاب- فكيف لمفكر أن يسوق مثل هذه الحقائق الثابتة تاريخيا، ويتساءل مثل ذلك التساؤل!.
مع الأسف أن الباحث تنكب عن الحقيقة والصواب، حينما أصدر أحكاما بأفكار مسبقة بالية فقال: "ولكن هل يمنع هذا كله أن يسموا خوارج، وأن يكونوا فرقة معتدلة قريبة من أهل السنة تشققت وتفرعت عن المحكمة الأولى"/ (آراء الخوارج/ج1/ص: 203).
إن هذا هو رأيه الخاص وفكره المتصلب، وخياله وتصوره المتميز، فسقط في محذورات ابن خلدون السابقة لاعتماده على مجرد النقل، وما نقله الناقلون من الغث والسمين، وتاه في بيداء الوهم والغلط، فجعل الأعداء أصدقاء (أحدهما تبرأ من الآخر) كما جعل من استحل دماء المسلمين، وأموالهم، ... كمن حرمها البتة بالنص الشرعي. {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} / (93/النساء)، وكأنه لا يعرف أن الإباضية تعمل بالسنة عندما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى" رواه البخاري ومسلم.
كما جعل الاتفاق في السياسة أو الاختلاف فيها، هو بالضبط كالإختلاف أو الإتفاق في العقيدة والأحكام الشرعية، فالخوارج كتلة من السياسة والآراء فيها، بينما الإباضية كتلة من العقيدة والمبادئ الشرعية السمحة.
الخلط بين خوارج المشرق، وإباضية الغرب: الخلط المؤسف بين المشارقة الخوارج، والمغاربة الإباضية، ففي اعتقاد الباحث أنه إذا وجد إباضي في وارجلان أو في أي مكان آخر في الجزائر، فهو نفس الخارجي في المشرق العربي، والحقيقة لا توجد صلة بينهما (1/156)
صفحة 155
بالمرة؛ لا في النسب ولا في العقيدة، فالمشرقي في الأصل مشرقي سواء كان إباضيا، أو خارجيا، والمغاربي مغربي إباضي بربري (أمازيغي) محض، ولم يختلط معهم الخوارج -كما سنوضح- مع العلم أن الخوارج قد سحقوا في الشرق الأوسط، وانقرضوا منذ سنة 77هـ/حوالي 653م، كما سنبين، فلا وجود لهم الآن في الخريطة العربية بكاملها لا بين أنفسهم كجماعة ولا بين الإباضية في أي مكان، وحتي المذهب الإباضي لم ينتشر إلا بعد انقراضهم بحوالي 83 عاما أي منذ إنشاء الدولة الرستمية كما أنه زيادة للاطئنان والوثوق- أن المذهب الإباضي لم ينتشر على أيدي المشارقة، بل انتشر وتوسع على أيدي المغاربة حملة العلم الأربع، حيث ذهبوا من المغرب الأوسط والأدنى إلى منبع المذهب الإباضي النظيف ليجلبوه إلى المغرب نظيفا عن أبي عبيدة مسلم، وعن جابر بن زيد، ثم رجعوا بخمسة نفر، فكان ذلك، وما دُخل الخوارج هناك، بعد انقراضهم. فليتأمل القارئ هذا النص ليحدد بنفسه الأصول الأساسية والسياسية لإباضية المغرب عموما، كما ذكره أبو زكريا في تاريخه، تحقيق إسماعيل العربي (1984) فقال: " ... فاتفق رأيهم جميعا (جماعة من المسلمين من أهل النظر منهم) على توليته (أي عبد الرحمن بن رستم)، ومبايعته، فبايعوه على الأمانة بكتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وآثار الخلفاء الراشدين المهتدين، فقبل عبد الرحمن أمانتهم"/ (سير الأئمة وأخبارهم/ص: 83) فليتأمل القارئ في المبايعة على: كتاب الله، وعلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آثار الخلفاء الراشدين، أي جميعهم بدون استثناء. فهل هذه الأصول تناقض أصول المذاهب السنية الأخرى؟
ومن هنا نفهم أن العالم أبا عمار عبد الكافي لا علاقة له، ولا بكتابه "الموجز" بأية فرقة من الخوارج على الإطلاق.
2. الانتقاد الرئيسي الثاني: عدم التمحيص والتمييز لإباضية الجزائر.
لقد ميز بعض الأخصائيين في التاريخ حرصا على الدقة العلمية بين الإباضية في المشرق، والإباضية في المغرب منهم عدون جهلان (ت1988م) في مؤلفه: الفكر السياسي عند الإباضية، نؤكد في البداية أن التمييز والتفرقة (1/157)
صفحة 156
بالكلام بين إباضية المشرق، وإباضية المغاربة ليس الهدف من ذلك، هو التمييز أو العنصرية بقدر ما يكون الهدف هو غربلة الأمور المتداخلة التي جلبت بالخلط بعض الانعكاسات السلبية والفتن في عدم الفصل بينهما وبين الخوارج. ونقر من البداية كذلك أن إباضية المشرق، والإباضية المغاربة كلهم شربوا من منبع واحد للمبادئ الإسلامية الأساسية، وهي: القرآن والسنة، و آثار الخلفاء الراشدين ومن الرجال الثقاة من الصحابة والتابعين من أمثال جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وسلمة بن سعد ... وغيرهم، ومن أمثال الرجال المغاربة حملة العلم المشهورين، ولكن السياسة و السلطة تريد أن تخلط الحابل بالنابل لأنهم ليسوا تحت سلطانها، وأن تتهم وتسمى الإباضية بالخوارج، وهم ليسوا كذلك على الإطلاق.
وهذا الخلط والخطأ الرابع الذي وقع فيه الكاتب لآراء الخوارج، ولم يفرق بين الخوارج الذين هم كلهم من أصل عربي في الجزيرة العربية والعراق والأهواز، ومن قبائل عربية أصيلة في العروبة أمثال بني تميم وكندة وربيعة، وتغلب، وقريش، والأزارقة والنجدات وغيرها، وهم مختلطون هناك في المشرق عرب إباضية نظيفة في العقائد والمبادئ، وعرب خوارج.
أما هنا في المغرب العربي، فهم إباضية برابرة (أمازيغ) ليسوا عربا، بل هم من أصل أمازيغي محض، إلا ما قل ونذر أن نجد عربيا إباضيا، فالعربية في قبائل البربر يتعلمونها تعلما كلغة ثانية بعد لغة الأم الأمازيغية. إذن فلغة أبي عمار عبد الكافي الإباضي هي اللغة الأمازيغية، وليس هو بعربي أصلا ولا ينتمي أصلا إلى الخوارج المنقرضين منذ سنة 77هـ/653م والفرق بين انقراضهم وحياته بالتقريب (05) خمسة قرون، فهل هذه القرون معدية لمرض الخوارج أو قابلة للتوريث قسرا وجبرا؟
فباعتراف الباحث نفسه على بربرية أبي عمار ينفي عنه تناقض عنوان الكتاب، فلنستمع لما يقوله المؤلف نفسه، وهو يتحدث عن الدرجيني، في سبب سفر أبي عمار إلى تونس التي أقام بها أعواما للدراسة يعود إلى أمرين: الأول: الابتعاد عن شواغل الأهل، والثاني أنه أراد إصلاح لسانه، وتقوية ملكته في اللسان العربي بالابتعاد عن اللسان (1/158)
صفحة 157
البربري [الأمازيغي] الذي يتحدث به أهل بلده في وارجلان، والواقع كتابه "الموجز"يشهد له بقوة الأسلوب وجزالته، وصفاء عربيته، ومتانة ألفاظها، ودقة دلالتها على معانيها/ (أراء الخوارج/ص: 218)
والآن يتساءل المرء أزاء هذا الخلط والمغالطات، فهل اللسان البربري الأصيل في المجتمع، والإنسان الأمازيغي الوارجلاني الجزائري المغاربي مصدره ومنبعه هو المشرق العربي العدناني القحطاني؟ فهل وارجلان توجد في اليمن أو الجزيرة العربية أو العراق أو الأهواز، أو توجد في الجزائر، وصحرائها ذات الأصل الأمازيغي؟
الأدلة العلمية والواقعية على ذلك.
إمعانا على منطقية ما قلنا - وهو واضح إلا لمتنطع – للتمييز بينهما، نورد بعض الفقرات التاريخية لنحكم بالمنطق والواقع الفرق بين الإباضية في المغرب، والخوارج العرب في المشرق. فقد قال أبو زكرياء يحي بن أبي بكر (670هـ/حوالي 1271م) في تاريخه ما يلي: " ويبدو أن نشاط سلمة [بن سعد] وجد أرضا بكرا، فنالت دعوته نجاحا ملحوظا، حيث أنه لم يكد يمض على دخوله إلى المغرب عشرون سنة حتى تكونت جماعة معتبرة [أي من البربر] من الإباضية في طرابلس يتزعمها رجل يدعى عبد الله بن مسعود التجيبي (قبل 131هـ)، فكانت تسانده قبيلة هوارة/ (سير الأئمة/ص:16) وأضاف جهلان عدون قائلا:"قبيلة هوارة التي اعتنقت المذهب الإباضي، ثم تبعتها قبيلة زناتة في طرابلس، ونفوسة في الجبل ... (وزناتة من المناطق الغربية لطرابلس. وبفضل هذه القبائل البربرية انتشر المذهب الإباضي في شمال أفريقيا / (الفكر السياسي ... /ص: 42).
ولم تذكر مصادر التاريخ أن سعد بن سلمة (ب. ت) من الخوارج المشارقة أبدا، وإنما هو من إباضية المشرق وهو داعية للاسلام الحنيف، كما أن التاريخ لم يذكر أن جماعة أخرى نزحت إلى شمال أفريقيا (الجزائر) في هذه الفترة، أو في فترة الدولة الرستمية، بل تفرعت إلى جنوب العراق والأهواز بإيران كما لم يذكر التاريخ أن قبيلة هوارة، وزناتة، ونفوسة، على أنها عربية من المشرق، بل هي بربرية محضة.
والدليل الآخر على ما نقوله نأخذه من الفقرة التي ثبتها المؤرخ المعاصر، (1/159)
صفحة 158
ابراهيم بحاز (1983م)، حيث وصف كيفية بناء مدينة تيهرت، حيث أن مكانها كان خاليا من أية قبيلة عربية أو بربرية فقال: "كان الموضع غياطيل [محتمل: غيطان] وأشجار ملتفة كثيفة، مرتعا لأنواع من السباع والوحوش، بحيث اقتضت الضرورة اقتلاع ذلك كله ... وبعد ثلاثة أيام حرقت الغابة، واستوت بالأرض، كأن لم تكن بالأمس، وهناك فكروا بادئ ذي بدء بتأسيس المسجد ... الخ"/ (الدولة الرستمية/ص: 86) وفي رواية أخرى للبكري (ت487هـ) كان الموضع غيضة أشبه ملتف الأشجار، وكان المكان لقوم مستضعفين من مراسة وصنهاجة، واتفق معهم ابن رستم على أن يؤدي إليهم خراجا من الأسواق، بعدما امتنعوا من بيعه لهم، وفي الحين شرعوا في بناء المسجد الجامع"/ (نفس المرجع السابق. ص:87)
ثم أضاف: "هذه هي الأسباب التي دفعت عبد الرحمن وأصحابه إلى اختيار موضع تيهرت عاصمة دولتهم الناشئة دون غيرها من المدن في المغرب الأوسط، إضافة إلى وفرة المياه، والحلف القائم بين عبد الرحمن وقبيلة لماية القريبة من تيهرت"/ (نفس المرجع /ص:88).
وذكر في صفحة أخرى ما يؤيد اعتباراتنا بما يلي: "أما الإباضية فقد كانوا ينتشرون في المغرب الأدنى إلى المغرب الأوسط، إذ اعتنقت الإباضية قبائل نفوسة، وهوارة، ولماية، وزناتة، وسدراتة، وزواغة، ولواتة"/ (نفس المرجع /ص:63).
هذه حقائق واقعية وتاريخية حضارية، تواجهنا فما نحن فاعلون تجاهها؟ فهل فمحقها من الوجود، أو نصبغها بالسواد، ونحل محلها الباطل و الاتهامات التعصبية؟ فهنا يتساءل المرء ما إذا كان مكان تيهرت الأصلي غابات موحشة، معناه أن الخوارج المنقرضين في الشرق الأوسط قد نبتوا أو بعثوا هنا في تيهرت أشجارا وغابات موحشة؟ أو في صورة حيوانات؛ سباع وضباع؟ غير معقول! ويتساءل المرء كذلك: هل كانت تلك القبائل البربرية المحضة التي عددها أكثر من عشرة بفروعها وبطونها هي أصلها عربي من بين قحطان وعدنان وبني كعب، وبني تميم وبني مرة ... وغيرها قد حولها الله بقدرته، ومعجزته إلى قبائل بربرية مغاربية؟ شيء غير معقول! وحقيقة أخرى نذكرها هنا للتمييز بين إباضية المغرب من البربر، وغيرهم، كما ذكر (1/160)
صفحة 159
ذلك أبو زكرياء يحي بن أبي بكر (ت:471هـ) في تاريخه هذه الحقيقة، حيث قال: "يبدو أن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ويلقب بالقفاف، ينحدر من أصل فارسي (فيما يقول صاحب الأغاني) مثل تلميذه عبد الرحمن بن رستم وأن انتماءه: أي أبو عبيدة إلى قبيلة تميم! إنما كان بالولاء [أي كان مولى لهم]، على أن الأصل الفارسي، أو البربري لا يؤخذ في الاعتبار عند الخوارج [العرب] لدى أو عند النظر في اختيار الإمام"/ (تاريخ أبي زكرياء/ص: 12)
بالمعنى الحقيقي والنفسي أن الخوارج العرب المشارقة كانت لهم جذور القبلية والعصبية والعنصرية حتى وإن كانوا مسلمين، فماذا نفهم من هذا التمييز أنه يستحيل أن يخضعوا لحكم إمامة البربر المغاربة وبالتالي يستحيل أن يهجروا تلك الأراضي المشرقية ليعيشوا تحت حكم إباضية المغرب بل هاجرو إلى الأهواز بإيران، ولا يتأقلم مع الإمامة والحكم إلا من كان بربريا إباضيا. وبذلك نحكم على أن الأراضي المغاربية البربرية و (الجزائر) كانت خالية تماما من الخوارج، كما نحكم من جهة أخرى أن الخوارج العرب في المشرق كانوا لا يعملون أو لا يؤمنون بآية: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} /13/الحجرات، وحديث النبيء - صلى الله عليه وسلم - "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى". بينما القبائل البربرية المغاربية الإباضية هي على خلاف تلك الملة الخارجية العربية، بل هي مع القرآن والسنة متسامحة لا تفرق بين هذا وذاك، إلا بالتقوى والعمل بالقرآن. وعليه فإن هناك فرقا بين إباضية المغرب، وغيرهم من كثير فرق العرب المشارقة، وينفصلون عنهم براء منهم بالنص القرآني وليس بالرأي والعصبية.
ودليل آخر مهم جدا في عدم اختلاط خوارج عرب المشرق بإباضية البربر في المغرب، وخاصة منذ، أو قبل إنشاء الدولة الرستمية، هو كتاب: أخبار الأئمة الرستميين لابن الصغير حوالي سنة (290هـ) وهو العلوي الشيعي المعتدل، والمفترض أن يكون متعصبا عندما صرح ببغضه للرستميين، ولكن كان نظيفا ونزيها وأمينا في تاريخه ولم يذكر ولو مرة واحدة كلمة الخوارج في كتابه وتاريخه، وهذا دليل على صفاء أرض تيهرت البربرية الإباضية من أي (1/161)
صفحة 160
خارجي أو فرقة للخوارج، ومعنى ذلك أنه لا توجد أية صلة على الإطلاق بين الرستميين البربر الإباضية في المغرب الأوسط (الجزائر) وخوارج العرب في المشرق. وما ينسب إلى البربر الإباضية من شائعات ماهي إلا فتنة، وكذب، وسياسة متلونة للسيطرة.
ولكن من الملاحظ حسب "فهرس القبائل والمذاهب والأمم" في دليل كتاب تاريخ ابن الصغير ذكرت لفظة الخوارج (07) سبع مرات، وبالرجوع إلى صفحاتها، وجدنا أنها خارجة عن دائرة نص الكتاب، وإنما هي كلمات للمحققين والمعلقين على كتابه وهي ليست لابن الصغير، وهذا راجع للتساهل في التعبير أو مجاراة لتوهمات المشارقة رغم انقراض الخوارج إلى ذلك العهد بحوالي83 عاما، مع العلم أنهم انقرضوا منذ عام77هـ/653 م أي إلى الآن حوالي 1350هـ ثلاثة عشر قرنا ونصف القرن، سبحان الذي يحيي الموتى في الخيالات والتوهمات المتعصبة.
نحن لم نكن نذكر هذا كله إلا إحقاقا للحق، وبيان حقيقة إباضية المغرب، وإباضية وبربرية وأمازيغية بني ميزاب، وسدراتة ووارجلان. ونفي التهمة بالباطل من أنهم خوارج لخلق الفتن بين الإخوة المسلمين وبيان حقيقة خوارج عرب المشرق في الأزمان الغابرة والذين ابيدوا فانقرضوا عام77هـ. ولا يزال الباحث يتحدث عنهم في كتابه وكأنهم أحياء!، ويحكم بأفكار مسبقة وتصورات خيالية بالية، ومنطق سفسطائي ويربط الشرق بالغرب بدون رابط يذكر في التاريخ كما بينا.
ولا زلنا في انتقاد عنوان كتابه "آراء الخوارج الكلامية/"الموجز" لأبي عمار عبد الكافي الإباضي" يتضمن إيحاءين مغالطين للمنطق و الفهم و العقل: الأول منهما: أن الباحث ربط بين كلمة الخوارج بموضوع عالم بربري أمازيغي إباضي، فإنه يوحي للقارئ بأن العالم الإباضي البربري عبد الكافي هو من جملة الخوارج في آرائه، وهو الغلط الفظيع بحذافره. كما أن كتابه "الموجز" لم يتضمن آراء بل عقائد وإيمانا بالجوانب التي يتناولها. كما يتضمن عنوانه -أي آراء الخوارج- إيحاءً نفسيا آخر، وهو ظاهرة الترابط القديمة في علم النفس مفادها هي أنك إذا أردت أن تذكر أو تعرف شيئا معينا فعليك بربطه بواسطة التجاور في الزمان والمكان، أو التشابه أو التضاد، أي أن تجاور أبي عمار عبد الكافي (1/162)
صفحة 161
الإباضي بكلمة الخوارج، إذن ف "موجزه الجليل" وهو كذلك من جملة الخوارج ومرتبط بهم في أزمنتهم وأمكنتهم المختلفة، وهو عين الخطأ في المنطق والمعقول والخطل في التفكير والخلط في التصور، كما بينا سابقا، فالإباضية المغاربة برابرة، ولم يجاوروا الخوارج العرب في المشرق لا في أي زمان ولا أي مكان، بل بينهما تنافر في كثير من الأوجه، وكل واحد منهما قد تبرأ من الآخر، بالإضافة إلى انقراضهم قبل ميلاد أبي عمار بحوالي 493 سنة أي حواي (05) قرون إذن فالإيحاء فاشل في أغراضه ونواياه.
فالعنوان إذن تشوبه كثير من الأفكار المسبقة، وتصورات ميتة، ومنطق سفسطائي، مرتبط بعقدة المشارقة والسياسيين المتسلطين في ذلك الزمان فقط.
هذا ما يتعلق بالعنوان (ولا زالت فيه بقية في النفس لم نفصح عنها) فإذا تعمقنا في المحتوى، ومضمون المجلد الأول، وفي القسم الأول منه، قبل دخول الكاتب في الحديث عن أبي عمار وكتابه كما يقول المثل: "كل الصيد في جوف الفرا أي في جوف حمار الوحش. فقد أشبعه بالجدال والهذر والمقارنات التي لا طائل من ورائها من حيث اجترار الأقاويل القديمة الميتة مع أصحابها في سنة 77هـ، نقل الأحاديث والأكاذيب الجافة من غير منطق، وبدون محاولة تحليل أو تفسير، أو تعليل للظروف المحيطة بالحدث والدوافع للأحداث والوقائع: فذلك القسم من مجلد الكتاب الذي هو خاص للخوارج يعتبر من الناحية المنهجية، والمنطقية تجريح للمذهب الإباضي البربري في الجزائر، إن لم نقل طعنا فيه، فكله خروج عن الموضوع، ولا صلة له بتحقيق كتاب "الموجز"، فقد اشتمل ذلك القسم على 193 صفحة من 227 صفحة التي هي تمهيد لتحقيق "الموجز" وهي كلها خارجة عن هدف البحث وهو التحقيق وهذا العدد الضخم من الصفحات يمثل 85.02%، أي لم يبق للموضوع: تمهيدا "للموجز"، ومؤلفه أبي عمار عبد الكافي سوى 34 صفحة وهي تمثل 14.98% فقط، ومنطق البحث ومنهجيته يدعو إلى عكس ذلك، حيث أن الموضوع متعلق بالمذهب الإباضي ومعتقداته، وبالخصوص إباضية وارجلان ووادي ميزاب والدولة الرستمية فبانقلاب المفاهيم والمغالطات انقلب مخطط (1/163)
صفحة 162
البحث بخروجه عن الموضوع تماما وقد يعلل خروجه عن الموضوع، وهروبه منه هو اعتماده الكثير على المراجع المشرقية والأجنبية التي تعالج كثيرا الخوارج العرب في المشرق، ولا تعرف الكثير عن الإباضية المغاربة الذين ينفرون من بربريتهم أي أمازيغيتهم ومراجعهم كما مر ذكره. في حين أن مكتبات وارجلان ووادي ميزاب تعج بالمراجع الإباضية البربرية الرستمية والمغاربية فلم يعتمد إلا على القليل منها سنبين نسبتها بعد حين.
3. الانتقاد الرئيسي الثالث: المنهجية التي تناول بها بحثه.
نتطرق لهذه النقطة للوصول إلى أن الخلل في المنهجية يؤدي بالتبع إلى نتائج وأحكام خاطئة، وعليه فإن هذا الكتاب يتضمن كثيرا من الأخطاء في المنهجية والمنطقية والعلمية. سنتعرض لها بصفة إجمالية.
إذا فتشنا عن منهجية المجلدين كليهما فسنجد أنه ذكر المنهجية للبحث في موضعين: الموضوع الأول: ذكره في صفحة 13 من الجزء الأول، وهو خاص بتحقيقه "للموجز"، أما الموضوع الثاني فقد ذكر في صفحة 101 - 102. وهو خاص للخوارج في نفس الجزء.
بعد استعراضه لبعض الأسباب والدواعي ومحتويات البحث: فقال: "أما الجزء الثاني، فهو عبارة عن تحقيق لكتاب "الموجز" لأبي عمار عبد الكافي الإباضي الجزائري (من أهل القرن السادس الهجري) وتحليله ... ... ثم شرع المحقق في تحليل الكتاب مجملا، ثم تحليل الجزء الأول منه مفصلا، ثم الثاني وانتهى بتحليل ذيل الكتاب وهو باب الإمامة"/ (آراء الخوارج/ص: 13) وبالرجوع إلى المتن ابتداء من صفحة 255 فلم نجد هناك أي تحليل بل هناك تحقيق وتعاليق فقط. ولم يوضح بأي منهج يتناول به قسم الخوارج إلا بعد أن وصل إلى صفحة 102 تذكر كيف يتناول منهجية موضوع الخوارج، وسنذكر ذلك بعد حين.
في علمنا أن منهج التحليل كما يذكر م. روزنتال (1985) منطقيا يقوم بتقسيم الموضوع الجاري دراسته إلى أجزائه المكونة له، وهو منهج للحصول على معرفة جديدة. ويتخذ التحليل أشكالا مختلفة طبقا لطبيعة الموضوع الجاري دراسته، وتعد التحليلات شرطا للمعرفة الشاملة بموضوع (1/164)
صفحة 163
ما، وتقسيم الموضوع إلى أجزائه المكونة له يكشف عن بنيانه، وتقسيم ظاهرة معقدة إلى عناصر أبسط تمكن الباحث من فصل الجوهر [في الموضوع] عن غير الجوهري فيها، ومن تحويل المركب إلى بسيط.
ومن أشكال التحليل تصنيف الأشياء والظواهر. ويكشف التحليل عملياتهما المتطورة، ومراحلهما المختلفة واتجاهاتهما المتناقضة، وخلال نشاط التحليل يتقدم الذهن من التركيب إلى البسيط، ومن العرضي إلى الحتمي، ومن تعدد الأشكال إلى الوحدة والهوية. والغرض من التحليل إدراك الأجزاء كعناصر لكل مركب، وإقامة الروابط بينها، والقوانين التي تحكم الكل المتطور، ومع ذلك فإن التحليل يفضي إلى عزل خصائص لم ترتبط بعد بالأشكال المتعينة لمظاهرها. إن وحدة تظل مجردة لا تتكشف كوحدة في حالة تنوع."/ (الموسوعة الفلسفية/ ص:114)
إن حدود هذا التعريف لمفهوم التحليل لظاهرة تدرس بمقارنتها بكلام الكتاب، وعرضه تبين لنا أنه لم يطبق أي شيء من هذا، وإنما هو تصحيح للنص، وإكمال النص والمقارنة للكلمات التي وردت في نسختين إن اختلفت، وبعض التعليقات ... وغير ذلك. فهذا ليس بتحليل بقدر ماهو تحقيق بسيط. وقد ذكر الباحث في ص:11 من بحثه "أنه سيسلك في هذا البحث منهاجا تاريخيا موضوعيا نقديا مقارنا في نطاق الفرق الإسلامية، ويحاول أن يلتزم بالموضوعية، وأن لا يتجنى على مذهب لحساب آخر، [وهنا نصب نفسه حكما وقاضيا] وإنما قصدنا إلى إجلاء الحقيقة بقدر المستطاع" ولم يظهر ذلك المنهج في الكتاب، ولم يبين أهذا منهج عام لجميع فصول بحثه، في قسم التحقيق، أم في قسم الخوارج فقط؟ ونسي أن يذكر ذلك إلا لما وصل إلى ص:101تذكر أنه سيكون ذلك خاصا لقسم الخوارج، ولم يبين كيف يحقق في قسم التحقيق فقال:"ولذلك فإننا سنحاول أن نسلك في بحث آرائهم (الخوارج) منهجا ليس تاريخيا محضا ولا موضوعيا صرفا وإنما هو تاريخي موضوعي مقارن في آن واحد، معتمدين في ذلك على النصوص، لا على الفروض الوهمية التي لا صلة لها بالواقع التاريخي"ثم فصل في الهامش تلك المناهج في ص:102.وقد جانبه الحظ والصواب في إتباع ذلك المنهج في (1/165)
صفحة 164
تحقيق (الموجز) ففي الصفحة الأولى منه قد ذكر أبو عمار عبد الكافي ثلاث فرق ولم يحلل الكاتب ولم يقارن ولم يؤرخ لها، (كأهل الزيغ) من هم مثلا؟ ومن يقصدهم المؤلف (والملحدين)؟، وأهل (الدهر)؟ وكثير من العبارات وردت فيها، ولم يبين الباحث مقصدها، وهذا يعد خللا بالمنهج الذي ألزم نفسه به ولم يلتزم. وكان التحقيق كله تقريبا على هذا المنوال المجحف.
قلت من حيث المنهجية كان المفروض أن يخصص مجلديه لتحقيق "الموجز" وهو المهم في الموضوع، يلغى ذلك القسم الخاص بالخوارج، ولكن عندما يتعرض "الموجز" لفرقة من فرق الخوارج العرب في المشرق هنا يتدخل بالتعليق والتحقيق والتدقيق والتحليل، فبذلك يكون موضوعيا. ومحققا أصيلا. ومؤرخا ومقارنا.
كما أن المنهجية تجبره على أن يحقق في إباضية المغرب البرابرة، في تيهرت وسدراتة، ووارجلان ومنطقة وادي ميزاب، ويمعن بالوصف الظروف البيئية والدينية والسياسية، والاقتصادية التي واكبت حضارة البربر والمذهب الإباضي، ثم يوسع دائرة مناقشته إلى أمكنة أخرى، بشرط أن تكون على شريحة زمان أبي عمار وأماكن معينة ومحددة للإباضية المغاربة، أي في القرن السادس الهجري فقط. وإن شاء فليقارن أو يساير خطة مخطوط أبي عمار، أما أن يوسع البحث لجميع الأزمنة وجميع الأمكنة فيعتبر ذلك منهجا غير علمي وحشر للمعلومات والمغالطات، وكلام مشوش للفكر والمنطق كحاطب ليل.
وعليه في الحديث عن الخوارج العرب في المشرق والروايات السياسية الغريبة والحكايات المتعصبة لا معنى لها في موضوع البحث، فالإباضية المغاربة كما اعترف الباحث نفسه بأنه من أشد الأعداء للخوارج العرب في المشرق بالجملة، وأن الخوارج كذلك أشد الأعداء ومتبرئون منهم صراحة. ونحن ننقل هنا ما قاله بنفسه وبلسان قلمه بحق الإباضية: "ينكر الإباضيون المتأخرون [وماذا عن المتقدمين كما حققنا آنفا] أن يكون مذهبهم مذهبا خارجيا أشد الإنكارـ وهذا المقال برهان على ذلك ـ ويتبرأون من الخوارج أشد البراءة معارضين في ذلك ما قاله أصحاب المقالات، وما كتبه المؤرخون القدماء، منهم المحدثون [من ضمنهم هذا الباحث] مما تواتر نقله إلى عصرنا (1/166)
صفحة 165
هذا. [يجب تحليل هذا التواتر في النقل]، فرفضوا أن يطلق لفظ الخوارج على الإباضية، ونسبوا ذلك إلى المغرضين المخالفين إلى دعايتهم الناشئة عن التعصب السياسي والمذهبي"/ (آراء الخوارج ... /ص:201ـ202)، ولا ضرورة للحديث عن الخوارج بعد انقراضهم في سنة77هـ أي منذ أكثر من 13قرنا.
وبالنسبة للتخطيط المنهجي لفصول البحث كذلك قد جانبه الصواب في إتباع المنهج المتعارف عليه عالميا من تحديد الفصول، والتوازن فيما بينها، أو بين العناوين، و التركيز على الأهم في الموضوع و الموضوعية وما شابه ذلك، وبتحليل إحصائي وجدنا ما يخالف ذلك، وسنبين ذلك بعد حين.
فالبحث خال تماما من الخطة البحثية، ومن أبواب وفصول، إلا من موضوعات فيها نوع من التسلسل التاريخي ولم يكن هناك توازن في الحديث عن الموضوعات الأساسية أو الفرعية، أو الخارجة عن الموضوع.
والموضوعات الموضوعية في نظري هي: الإباضية ونشأتها، وأصولها وعقائدها، والإباضية تواجدهم في الأمكنة والأزمنة. الفرق بين الفرق الإباضية، والفرق بينهما وبين الخوارج، وصف لعصر ومكان تواجد الإباضية في الجزائر، الإباضية الرستميين، والإباضية في سدراتة ووارجلان ووادي ميزاب، وأماكن أخرى في الماضي وحاضر الجزائر. أسباب اضمحلال الدولة الرستمية وضعفها، الإمامة والفكر السياسي. أنواع الإمامة، أو مسالك الدين، نظام العزابة، وديوانهم، النظام الإجتماعي للإباضية حاليا. وأسباب استمرارهم وتماسكهم من جميع النواحي.
ثم وصف لعصر ومكان تواجد أبي عمار عبد الكافي، الفكر السائد في عصره، التعريف بأبي عمار وسيرته الذاتية، وتأثره وتأثيره، وآثاره وصف كتابه "الموجز" الذي هو محور الدراسة والتحقيق، موضوعاته ومكوناته ... أسباب تأليفه، والمصادر التي اعتمد عليها في تأليفه ... وغير ذلك، ثم يضيف المنهج الذي يتبناه في التحليل والتحقيق معا. والهدف الذي يرمي إليه من هذا التحقيق، وما فائدة هذا التحليل؟ وما دوره في تنقية أصول الدين من الشوائب والطوائق الملحدة والنصرانية ... وما شابه ذلك. ومن خلال هذه الموضوعات يحلل و يستنبط (1/167)
صفحة 166
ويستنتج ويربط، ويفرق ويقارن بين الطوائف والفرق الأخرى المفارقة لأصل الدين، أو لأصل عقائد الإباضية.
في نظري هذا هو المنهج الموضوعي الذي يمكن أن يتقيد به، وقد يزاد فيه، أو ينقص منه حسب كفاءة الباحث.
وفي المقابل ماذا وجدنا في البحث واقعيا وبالإحصاء في عدد الصفحات الخارجة عن الموضوع، والموضوعية المحجفة. لقد خصص 09 صفحات للمقدمة، وفيها ما يقال حيث أسهب كثيرا في ذكر المراجع، والمقالات وخاصة الأجنبية منها [ص:07] والمفترض منهجيا توضع في الأخير مع المراجع الأجنبية. ونسبة صفحات المقدمة الخارجة عن موضوع الإباضية هي: 88.89 % كلها خارجة عن الموضوع حسب عنوان البحث الخاطئ والمنحرف والمدسوس. أما حقيقة حديثه عن الخوارج، فهو خروج عن الموضوع بالمرة، كما بينا في العناوين للفقرات الموضوعية، ولم يتحدث بموضوعية في المقدمة عن الإباضية، وكتاب " الموجز" اللذين هما أساس البحث. إلا بنسبة صفحة واحدة وبنسبة 11.11 % وهو قليل جدا وقد خانه التوفيق في ذلك.
كما خصص صفحات لخروجه عن الموضوع للحديث عن الخوارج 178 صفحة، واعتبرها صلب الموضوع أي يتألف من 234 صفحة أي بنسبة 76.07% وهي اكبر نسبة للخروج عن الموضوع أي أكثر من ثلاثة أرباع الموضوع 4\ 3. وخصص 14 صفحة للخوارج والإباضية معا أي بنسبة 05.98% كما خصص لآراء الإباضية ـ ولا رأي لهم كما بيناه إلا باعتبار القياس والإجماع ومن هنا تبدأ الموضوعية ـ 07 صفحات أي بنسبة 02.99% ولأبي عمار عبد الكافي وسيرته وآثاره 05 صفحات ـ علما بأن صفحة واحدة خارجة عن الموضوع يتحدث فيها على أستاذه أبي يعقوب يوسف الوارجلاني. ونسبتها 02.14% وخصص لوصف مخطوط أبي عمار ـ وهو صلب التحقيق 30 صفحة أي بنسبة 12.82%، ومجموع ما هو خاص بالإباضية محضا.42 صفحة أي بنسبة 17.95% والباقي 192 صفحة لا تمت بصلة إلى الإباضية أي بنسبة 82.05% ومن هذا التحليل النسبي لصفحات صلب الموضوع قبل الدخول في تحقيق الكتاب يتبين لنا حجم إجحاف حق الإباضية في هذا البحث (1/168)
صفحة 167
بالنسبة للموضوعات والفرق الأخرى، وقد قال في: ص11 من بحثه:" انه يسلك في هذا البحث منهجا تاريخيا موضوعيا نقديا مقارنا في نطاق الفرق الإسلامية وحاولنا أن نلتزم الموضوعية، وأن لا يتجنى لمذهب لحساب مذهب آخر، وإنما قصدنا إجلاء الحقيقة " فهل تتجلى الحقيقة بنسبة 17.95% أو بنسبة 82.05%؟ وهل هذه هي الموضوعية، وصلب الحديث عن الإباضية، و"الموجز" فهل 82.05% يعتبر تجنيا، أو تحيزا أو أفكارا مسبقة أو عدم التزام في المقارنة والنقد؟ أو ماذا؟.
وإذا حسبنا نسبة صفحات تحقيق "الموجز" بجزئية [1و2] نجد صفحاتهما مع التحقيق 469 ومجموع الصفحات هذه بالإضافة إلى المقدمة وما كتبه على الخوارج والإباضية 248 يصبح المجموع 717 صفحة وعليه فنسبة الصفحات تلك تتعلق بتحقيق "الموجز" والإباضية هي: 65.41 % ونسبة الباقي: 34.59% أي حوالي الثلث، للحديث خارج عملية التحقيق فإذا أضفنا للتحقيق الصفحات الخاصة للحديث عن الإباضية 42 ص يصبح المجموع 511 صفحة ونسبة ما هو خاص بالإباضية 71.27% والباقي لغيرهم 28.73 % ومع ذلك فهو قليل في حق تحقيق كتاب خاص بالإباضية
هذه هي حقيقة المخطط المنهجي لهذا البحث فإذا أمعنا النظر في تلك النسب فسنجد مواضع الخلل في المنهجية والبحث بكامله، كيف أن الباحث لم يلتزم بالموضوعية ولا بالمنهج الملائم وهذا ما يضفي على البحث صفة الإجحاف والتجني على فرقة على حساب الفرق الأخرى نتيجة الأفكار المسبقة الخاطئة النظرة على أن الإباضية خوارج، وهو حكم خاطئ من أساسه ونتائجه.
إن معظم أحكامه وأقواله منبعثة من فكرة أن الإباضية خوارج، ولا أدل على ذلك ما ذكرناه في البداية من حكمه الاعتباطي حيث قال:"هل يمنع هذا كله أن يسموا خوارج (أي الإباضية) وأن يكونوا فرقة معتدلة قريبة من أهل السنة تشققت وتفرعت عن المحكمة" / (ص:203) وهو حكم ميت على الأموات، وقد نسي أنه ذكر في صفحة 139 في قوله " يمتاز الخوارج عن سائر الفرق الإسلامية بأنهم أكثرها امتشاقا للسيف، واندفاعا للجهاد، وللبلاء الحسن في سبيل المبدأ، حتى (1/169)
صفحة 168
الاستشهاد " فهو يتحدث عن ذلك في النصف الأول من القرن الهجري (41 هـ) وعن الخوارج العرب في الجزيرة العربية، بينما الإباضية لا يؤمنون بالسيف، ولا بأحلية دماء المسلمين، بل يؤمنون بالحوار والإقناع كما أورد هو نفسه مثالا لإباضية العرب في المشرق وهي رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان (65 هـ/685 م) (أنظرها صفحة 197) وسنقدم رأينا فيها بصورة مقتضبة حيث هو استنكف عن ذكرها كاملة، أو على الأقل وللأمانة العلمية ينشرها كملحق في بحثه.
ومجمل محتوى الرسالة هو دعوة عبد الله بن إباض العربي المشرقي (ت. نحو 86 هـ/705م) الملك بن مروان العربي المشرقي إلى الله، والعمل بالقرآن وسنة رسوله، والعمل بأوامرهما، والانتهاء بنواهيهما، والبراءة الكلية الصريحة بفرق الخوارج كلها، والنظر والتفكير في فتنة قتل عثمان رضي الله عنه والمطالبة بدمه. وكل ذلك مشبع بالأدلة من آيات قرآنية واضحة لموقفه هو في تلك الظروف السياسية، ولم يكن معبرا في مجملها عن جميع الإباضية مشرقهم و مغربهم، عربهم و بربرهم الذين سيأتون من بعده في المغرب بحوالي 75 سنة.
بينما الباحث بأفكاره المسبقة والقسرية اشبع ما ساقه فقط خلطا ـ وليس بكاملها ـ حيث اقتضب منها (05) استشهادات قصيرة."أشبعها خلطا كبيرا في المنطق. حيث ذكر أن فيها شرح مستفيض لأنظار الخوارج، (والإباضية ليسوا خوارج) " وتشتمل هذه الرسالة على آراء الخوارج، فقال:" وبفحصها تبين أن الآراء التي جاءت فيها لا تختلف عن آراء الإباضية " / (ص 197) بينما الصواب: تختلف كثيرا وخاصة ما يتعلق بالسياسة، وفتنة قتل عثمان رضي الله عنه. وقال:"فيها شرح مستفيض لأنظار الخوارج جملة وتفصيلا (ص: 199) وهو الخطأ الصراح جملة و تفصيلا، فهو يهرف بما يعرف عن سبق إصرار و ترصد. وهو الذي ساق الفروقات بينهم. وسنبين ذلك، وقد خلط بين ما يراه عبد الله بن إباض المشرقي في أمر عثمان وفتنة الثورة عليه، وبين الخوارج الذين كان زعيمهم نافع بن الأزرق (ت.65 هـ/ 685م) الذي قال فيه الباحث:"إن هذا الزعيم قد تبرأ من عبد الله بن إباض على أنه قصر، حينما لا يكفر من (1/170)
صفحة 169
يحالفه (أي ابن إباض) لا يستحل دماء المسلمين ولا يجعله مشركا، ويجعل مناكحهم ومواريثهم حلال طلق" (ص.107) فالإباضية في حقيقة الأمر هم على مبدأ عبد الله بن إباض، وهم كلهم في براءة الخوارج ولا صلة لهم بالخوارج (خوارج عرب ذلك الزمان وإباضية عرب ذلك الزمان) في الجزيرة العربية والعراق وإيران. فلماذا هذا الباحث يخلط بين المذهب الإباضي القرآني السني وبين الخوارج، ويقول:"تبين أن الآراء التي جاءت فيها لا تختلف عن آراء الإباضية"، جملة وتفصيلا، فهل الذي يوالي المسلمين، ويحرم دماءهم وأموالهم ويحلل مناكحتهم وتوريثهم، كمن يحرم كل ذلك ويستبيح الدماء والأموال؟. والله إنه لتجني كبير، وحكم خطير مسبق. فهل المنطق السليم هذا هو مبدؤه، والمنهجية والتحليل التاريخي الناقد هو الذي يخلط المبرئين من بعضهم: فالخوارج قد برئوا من الإباضية، والإباضية أنفسهم بريئون منهم أصلا وفصلا، ويقول الأشعري:"أن الخوارج تبرأوا من الإباضية". فلا يوجد في رسالة عبد الله بن إباض أي رأي لا بالجملة ولا بالتفصيل، بل اعتقاد إباضي مشارقي عربي قديم، ولم يشر في رسالته تلك إلى أي مذهب للخوارج العرب، ولا رأي لهم فيها، إلا ما ذكره مرة (أي عبد الله) في رسالته، وهو ليس من تعبيره ولا من كلامه بل هو من تعبير عبد الملك، فقال: "و ... كتبت تعرض بالخوارج، وتزعم أنهم ... ولم يقل وتزعم أننا، وهو دليل على أن هناك فرقا بينهم، وقال في رسالته:" ... إنني أبين لك سبيلهم أنهم أصحاب عثمان (تأمل تعبيره سبيلهم، ولم يقل سبيلنا، .. وهم أصحاب علي ... وفارقوه، ولم يقل وفارقناه، أي الإباضية مع علي. بخلاف الخوارج العرب في زمانه. وبيت القصيد في بيان الخلاف والفرق بين الخوارج العرب، وإباضية العرب في تلك الأزمنة والأمكنة في قول عبد الله بن إباض في رسالته تلك حين قال:"فهذا خبر الخوارج (ولم يقل أخبارنا) فشهد الله والملائكة .... أنا براء إلى الله من ابن الأزرق، وأتباعه من الناس، لقد كانوا خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر، ولكنهم ارتدوا عنه، وكفروا بعد إيمانهم، فنبرأ إلى الله منهم"/ (ص:135) من أصل الرسالة (عبد الله سالم بن حمد/العقود الفضية في أصول الإباضية) (1/171)
صفحة 170
لاحظ أن الفرقة الإباضية مستقلة تماما عن غيرها من الفرق التي خالفت كتاب الله ورسوله، والخلفاء الراشدين، أو من يؤيدهم، أو من يكون سلطانا كعبد الملك بن مروان، والجدير بالذكر فإن عبد الملك بن مروان ليس ضعيفا أمام عبد الله بن إباض والمذهب الإباضي الضعيف في ذلك الزمان، فلو شك قليلا أن مذهبهم خارجي وليسوا أهل الحق لسرطهم لقمة سائغة بجيشه الباسط نفوذه في كل مكان، ولما حاوره عبد الله بن إباض، وقبل منه رده الجريء.
فالرسالة تحتاج إلى تحليل رصين، وتفكير عميق، وفهم للسياسة والرسالة، وتحديد مفاهيم ألفاظها لفهم المذهب الإباضي النظيف الاتجاه في الدين الحنيف، فهم ليسوا ضد الخلفاء الراشدين منهم: عثمان وعلي، وليسوا أصحاب خروج، أو اعتراض، أو قتل أوسبي، ولا تحليل شيء ولا تحريمه، إلا ما أحل أو حرم الله ورسوله، وما ورد عن أحد الخلفاء الراشدين، وليسوا غلاة ـ إلا من تصورهم بخياله كذلك ـ وليسوا أهل تكفير لأي مسلم كان ـ إلا المرتد ـ ... وليسوا ... وليسوا (راجع سليمان بن داود بن يوسف (1983) /الخوارج هم أنصار علي رضي الله عنه) هذه هي الحقائق الحضارية الصادقة التي تمثل الواقع التاريخي. فالغلاة والمتعصبون المفتنون هم من لا يرون حقيقة عقائدهم، ولا يتفهمون مقاصدهم الشرعية بالكتاب والسنة والإجماع. وما أفتى به الخلفاء الراشدون.
فالرسالة تحتاج إلى وقت أطول لبيان مضامينها ومقاصدها ومصدرها الحقيقي، ففيها الكثير مما يقال في الحقائق التاريخية ومن النزاهة العلمية والدينية إظهار الحقائق وعدم غمط الحق. والموضوع ليس هو موضوع الرسالة وإنما القصد هو بيان بعض المغالطات والأحكام الجزمية الفارغة من الحقائق التي تفرق أكثر مما توحد، وتشحن الضغائن أكثر مما تنظفها من أحقاد أمثال هؤلاء.
فتأمل قوله مثلا:"ولكن عبد الله بن إباض والإباضية عامة لم يبرأوا من جميع الخوارج أصلا، ولا كفروهم، بل والوهم، واعتبروهم أسلافهم"/ (ص:204)،قد كذب عندما قال الإباضية عامة، ولم يفرق بين إباضية ذلك الزمان، وهذا الزمان ولم يفرق بين إباضية المشرق العرب، وبين (1/172)
صفحة 171
إباضية المغرب البربر، فهذا هو منهجه في التحليل ومنهجه في التجني، ولم يقرأ في الرسالة أن عبد الله بن إباض قد تبرأ من ابن الأزرق زعيم الخوارج ـ كما مرـ وإتباعه، وحكم عليهم بالكفر، أنهم غير مسلمين، ويذكر هو بقلمه أن الإباضية المتأخرين ينكرون أشد الإنكار أن يكون مذهبهم مذهبا خارجيا ويتبرأون من الخوارج اشد البراءة معارضين في ذلك ما كتبه أصحاب المقالات، وما كتبه المؤرخون القدماء منهم والمحدثون مما تواتر نقله إلى عصرنا هذا، فرفضوا أن يطلق لفظ الخوارج على الإباضية" / (ص:201ـ202) فهل هذا استهزاء بأقوالهم واعتقاداتهم وتاريخهم؟ والتشبث بالأفكار المسبقة على غرار الحكاية الفرنسية "طبيب رغم أنفه" أو على غرار المثل"ماعزة ولو طارت"؟ شيء يؤسف له أن تلك التعابير الذاتية، والألفاظ القضائية؟ مثل لفظه: ينكرون أشد الإنكار ـ معارضين في ذلك ما كتبه المؤرخون: قديمهم وحديثهم ـ مما تواتر نقله إلى عصرنا هذا فرفضوا أن يطلق لفظ الخوارج.
هي ألفاظ قضائية، وكأن الإباضية شخص في قفص الإتهام، ومتهم بالضعف والباطل، وغير الإباضي يجب أن يكون وصيا ودكتاتوريا عليه، وما يقوله هو الحكم، ومن تكون أنت أيها المتهم حتى يحق لك أن ترفض ما تخرص عليك المؤرخون قديمهم وحديثهم، وكذب عليك السياسيون، والمغرضون على حياتك وما قيل عليك أيها المتهم فهو متواتر تواتر القرآن والسنة النبوية لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلماذا ترفض أراجيف مؤرخينا البشر، تقبل أيها الرافض ما نسبناه إليك، واخرص! فالمتواتر نقله عنا هو فوق كل الحقيقة منك أيها الإباضي الخارجي، ولو كنت بربريا أمازيغيا!!!
مع الأسف الشديد أن نجد باحثا عالما في هذا المستوى من الفوقية الجامدة والمتعصبة والمتحيزة للعرب قديمهم وحديثهم ـ وسنبين ذلك بعد حين بالإحصائيات ـ فهم لا يؤرخون إلا المتواتر السياسي على الإباضية، ولو لم يعيشوا حياتهم ومذهبهم ـ كما أشار إلى ذلك ابن خلدون ـ بينما الإباضية المغاربة بالخصوص إذا كتبوا على أنفسهم، وعلى ما يعيشون عليه من حقيقة معتقداتهم وحياتهم وشعورهم الديني فهم على باطل دائما، وتاريخهم (1/173)
صفحة 172
الحقيقي مشكوك فيه! هكذا تصورت الموقف.
مع الأسف أن البحث هذا ـ آراء الخوارج ـ مفعم بهذه العقدة التسلطية والفوقية والعظمة.
نقول أن البحث العلمي نزيه من هذه التجنيات، ومن الأفكار المسبقة المتواترة، فالتواتر مع السياسة ومن يحكم على نفسه أنه مجابه للعدو أو الخصم، نقول له إنك لست قاضيا ولا إلها، وتواتر ما تنقله أنت، ليس بقرآن ولا سنة، ولا بأحد من الكتب السماوية الأخرى التي يدخل عليها التزييف والتحريف عن الحقيقة. كلامك يحتاج إلى رصانة وتعقل في الحكم والتغيير كما يحتاج موضوعك بالذات إلى الاعتماد الكلي على المراجع الإباضية الأصلية.
4. الانتقاد الرئيسي الرابع على مراجع البحث والتعليقات المتحيزة.
يخضع الباحث أحيانا في التأليف أو التحقيق في التاريخ للا شعوره والتخيلات والتأويلات والتهيئات والأحكام المسبقة والذاتية الشبيهة بالعقلية الفرعونية:"وما أريكم إلا ما أرى" ويستكين للعاطفة والتصورات الشاعرية، وبينما الحقائق التاريخية والواقعية والعلمية والمنطقية لا تستكين للعاطفة، ولا تتحكم فيها أبدا، وإنما تخضع أصلا للحقائق المعيشة، والمعطيات الواقعية في الميدان وتخضع كذلك للحسابات والتكرارات والأرقام الإحصائية، وتحليل المحتويات للاستدلال بها للحكم على نسبة موضوعية أو ذاتية الباحث، ولا شعوره، أو ميوله وتحيزه.
غرضنا من هذه العملية الإحصائية لمراجع، وتعليقات هذا الباحث هو اكتشاف بالدليل و البرهان عن مدى مصداقية وموضوعية سياق موضوع الإباضيةً "تحقيق الموجز"ً و دمجه مع موضوع الخوارج الخارج عن الموضوع في نظرنا، واكتشاف بالملموس كم كانت تعبيراته، وأحكامه عن الإباضية المغاربة قاسية في سياق البحث. إنها قد تكون صادرة عمن صدّقه وقرأ عنه، وهو الافتراض القريب إلى تعليلنا، ولو أنه هو عالم معتبر ومفكر مستقل له رأيه الخاص. ومع ذلك لاحظنا أن ميولا ته تؤيد أقوال المؤرخين العرب المشارقة للتاريخ القديم زمانا و مكانا مشرقيا. وقد ولى ذلك التاريخ ومضى و فني بأهله، و الأدهى من ذلك كان التأييد (1/174)
صفحة 173
الملاحظ من غير تمحيص و لا تحليل علمي دقيق، و لا تفسير منطقي يذكر ـ كما قدمنا في الانتقادات السابقة ـ وقد شبهت علاجه ومعالجته وتحقيق "ًالموجز" كإنسان مريض يطلب علاج مرضه في البيطرة و صيدلياتها. أو يطلب التحليل النفسي بقراءة الكف و الفنجان، أو يتنبأ بالأحوال الجوية بالتنجيم والإبصار في الأبراج واستبصار الغيب بالتكهنات والكهنوت. إن هذا يحدث عن خطأ في التصور من أي باحث في أي موضوع إنساني تاريخي أو علمي، متوسط الثقافة، وقد يتنكب عن طريق الحق عن غير قصد نتيجة الظروف البيئية والعوامل الداخلية، ولكن نحن نربأ من أي باحث أصيل أن تتحكم فيه هذه التخبطات العشوائية اللاعلمية و اللامنطقية. إن هذا البحث الذي بين أيدينا ـ قد جلب انتباهنا إليه عنوانه الغريب وقد ناقشناه ـ تفحصنا مضمونه وحواشيه لمعرفة مصادر الأحكام المسبقة التي يعبر عنها ويتلفظ بها من غير ثبات على غير حقيقة واضحة وأحيانا تصدر عن سبق إصرار، وما لفت نظرنا إليه أكثر هو أن الموضوع هو موضوع تحقيق "الموجز" لأبي عمار عبد الكافي الإباضي المغاربي البربري الوارجلاني الميزابي، و لكن التحيز والإصرار متكرر على أن يسمي الإباضية المغاربة البرابرة أمثال أبي عمار خوارج، نلجأ حينها للنظر في مراجع بحثه، وهي صورة لميول و اتجاهات الباحث، كما لجأت للنظر في هوامش الكتاب وهي صورة ثانية و لاشعورية للاهتمامات الخاصة أو الاهمالات و الغمط عامة. وذلك للاستعانة بها للبرهنة على ما أريد اكتشافه بالعدّ و الإحصائيات و النسب المئوية، وبعد إجراء العمليات و جدت ما يلي:
تتضمن قائمة المراجع بعد عدها (173) مرجعا عربيا وأجنبيا، ولم يضمنها مرجع " الموجز " لأبي عمار، ومراسلاته للإباضية وبإحصاء نوعية تلك المراجع وجدت من ذلك المجموع:
16 مرجعا للإباضية المشارقة و المغاربة الجزائريين مع إهمال ذكر مرجع "الموجز" ضمن المراجع، وهو أصل البحث و الموضوع. وتمثل هذه النسبة 09.25 % منها ((05) لإباضية الجزائر وهي تمثل نسبة 02.89% و (07) للإباضية المغاربة وهي تمثل نسبة 04.05 % و (04) للإباضية المشارقة وتمثل نسبتها 02.31 %) ومجموع (1/175)
صفحة 174
نسبتها قليلة جدا وهي تمثل أقل من 10 % من مجموع نسب المراجع بالنسبة لأهمية موضوع الإباضية، وقيمة و مكانة "الموجز" على المستوى الديني والإسلامي و الفكر المغاربي في ذلك العصر.
أما بالنسبة للمراجع الأجنبية بمختلف مشاربها وهي (10) والمراجع المشرقية وعددها (147) ومجموعها (157) و نسبتها 90.75 % إن هذه النسبة الضخمة من المراجع غير الإباضية ومعظمها تعمل سيفها في الخوارج والإباضية حسب رأيها مثل الباحث المحقق "للموجز" فإنه بدون شك أن تحدث خلطا و لخبطة و مغالطات بين المذهبين بصورة غير منطقية مما لا يقبله العقل الناضج، والتفكير السليم، ولو كان المجال فسيحا لاستعرضت تلك التناقضات، ولقدمت العشرات من الأمثلة و النماذج التي تبين ذلك التضارب في العرض والأحكام المتناقضة، فإلى فرصة أخرى.
قلت إن تلك اللخبطة تجعل من هذا البحث غير معتبر، ولا يعتد به، وأبرز التضاربات دمج موضوع الخوارج العرب الخارج عن الموضوع تماما مع موضوع كتاب إباضي بربري مغاربي، تنافر تام بين الموضوعين كما وضحنا، وذلك ما جر الباحث إلى استدلالات لا أساس لها من الصحة، و بمنهج تعتريه كثير من الركاكة، مما يوصله إلى أحكام و نتائج لا تتمتع بالتحليل العلمي الرصين.
فماذا استفدنا من ذلك الاستعراض، وحشو الكتاب ببعض النصوص التي لا صفة للتحليل فيها ولا للإستنتاج العلمي الذي يضيف شيئا جديدا، للتماسك الإجتماعي، والوحدة القومية أو للأمة الإسلامية و حتى الأفكار القديمة الميتة زاد فيها خبالا، وزاد للطين بله كما يقولون، وإن مثل هذه الأبحاث الصورية لا تخدم الوحدة الوطنية لا في المنطلق، و لا في المسيرة، ولا في الهدف.
ويبقى السؤال الموضوعي في الأخير. هل مثل هذه الأخطاء تلقى على عاتق الباحث، أو على عاتق المشرف الذي أيده في خطة البحث و مضمونه؟ ونعتقد أنه هو بدوره لا يختلف عن أي مرجع من مراجع البحث القديمة التي لا تصور لها بصورة واضحة عن حضارة المذهب الإباضي البربري المغاربي المتمثل في "الموجز" و لم يكن له تصور واضح لأصل المعتقد الإباضي الضارب (1/176)
صفحة 175
جذوره في الكتاب و السنة و الخلفاء الراشدين و التابعين، و تابع التابعين، و السلف السني الصالح إلى يومنا هذا، ذلك مما جعل المجتمع الإباضي البربري متماسكا محافظا على مقومات الأمة الجزائرية: من دين و لغة عربية قرآنية، و أرض و آمال مشتركة تحققت بفضل علمائها المتميزين في ظل الحفاظ على المذهب، و الاحتفاظ بحضارته إلى أن يشاء الله.
فهل هذه الحضارة المغمورة كنوزها في هذا الوادي تبقى أصيلة أمام تلك الضخامة من الكتب المشرقية الزاحفة إلينا، والتي لا تفرق بين الماضي والحاضر، ولا بين المشارقة و المغاربة، ولا بين العرب و البربر، ولا بين الجمود و التخلف ولا بين الأصيل و الدخيل ولا بين الإباضي البربري، والخارجي العربي، ولا بين الثابت والمتغير ... وغير ذلك، فهل من متعقل يميز ويغربل ويفرز بين هذا و ذاك، بلا إضافات في مثل هذه البحوث؟.
فتلك هي المراجع المستعملة في البحث، وبيان رجحان استعمال كتب المشارقة غير الإباضية بنسبة عالية وهي 90.75 % كلها غير إباضية. فتلك هي الفتنة في حقيقة أصل إباضية البربر الأمازيغ بالمغرب.
فإذا رجعنا إلى معرفة حجم استعمال هذه المراجع، واستغلالها في المضمون البادية في التعليقات والهوامش، فإنه سيذهلنا الأمر إذا استعملنا الإحصائيات.
ففي القسم الأول من البحث الذي هو خاص بالخوارج و يشتمل على 193 صفحة و جدنا 845 تعليقا منها: 804 تعليقا راجعا لكتب المشارقة، و34 تعليقا فقط مستعمل من كتب الإباضية ولم يستعمل في تلك الصفحات سوى 07 تعاليق تابعة لأبي عمار من كتاب الموجز. وباستخدام النسب المئوية لهذه الاستغلالات يتبين لنا حجم الإجحاف و هي على التوالي 95.15 % تابعة لكتب المشارقة و 04.02 % فقط استغل منها كتب الإباضية جملة. ومن المصدر الرئيسي للتحقيق "الموجز" لأبي عمار لم يستغل منه سوى نسبة 0.83% وهنا يكمن عجب عجاب هذا البحث الذي انقلب من موضوع إباضي مغاربي بربري إلى موضوع آخر يختلف بالتمام وهو موضوع خوارجي عربي مشرقي قديم جدا ميت في الأساس فالخوارج انقرضوا و أبيدوا في سنة 77هـ، والإباضية و الموجز حيان إلى يومنا هذا أي حوالي (1/177)
صفحة 176
خمسة قرون إلى حينذاك و أكثر من ثلاثة عشر قرنا إلى يومنا هذا.
وإذا تأملنا في القسم الخاص للإباضية و أبي عمار و تحليل مؤلفه سنجد أنه يحتوي على 57 صفحة من ص194 إلى ص251 ومجموع صفحات ما قبل بداية التحقيق في الكتاب هو 250 و النسبة الخاصة بالخوارج هي 77.02 % و نسبة الخاصة بالإباضية: 22.8 % هذا هو الإجحاف المدخلي الأول، فماذامن إجحاف آخر في مضمون 57 صفحة الخاصة بقسم الإباضية؟ وجدنا مجموع التعليقات 145 تعليقا خليطا من جميع المراجع. كما وجدنا أن مجموع التعليقات من كتب الإباضية 64 تعليقا. أي بنسبة 44.14 % وتعليقات من كتاب الموجز 18 مرة وذلك بنسبة 12.41 % و الباقي من المراجع الأخرى أي 63 تعليقا، وذلك بنسبة 43.45 %.إن نسبة استغلال المراجع الإباضية في هذا القسم الخاص بالإباضية قليل جدا بالنسبة لكثير من المراجع الأخرى في الموضوعات الأخرى، أي بنسبة 36.99 % حيث أن صلب الموضوع هو الإباضية و البربر وليس الخوارج العرب في المشرق. كما أن نسبة استغلال الموجز في هذا القسم: 12.41 % قليل جدا إذ هو العمدة في أصول الإباضية.
ومن الملاحظ كذلك أن استغلاله لمصدر "الموجز" للتعليقات خلال ما سماه في بحثه بوصف المخطوط و تحليله قليل جدا، وليس للاستشهاد منه في تحليل أصول الإباضية، و المقارنات المنهجية التي ادعاها عند ما قال سألتزم بها. و ذلك شيء غير منطقي وغير منهجي في البحث العلمي، فهل "الموجز" تبناه في التحقيق هو ديكور أو ماكياج لتمرير البحث؟ فإذا كان الباحث لا يستعمل أصل التحقيق و الاستشهاد به في كامل البحث من أوله إلى آخره فإنه يعد ذلك تلفيقا، ومخادعه للوصول إلى أغراض نفسيه خفية، الله يتولى أمر نتائجها.
فمادام البحث مخصصا للتحقيق في مصدر إباضي من أهم المصادر الرئيسية للمذهب الإباضي وهو مصدر مغربي إباضي وار جلاني، وليس بمصدر مشرقي، فلماذا أجحف الباحث في حق المذهب ولم يعتمده في التحقيق مع المصادر و المراجع الإباضية المغاربية قديمها و حديثها وهو نفسه الذي ذكرها في كتابه هذا "آراء الخوارج الكلامية" / ج1 من ص: 189 - 193. (1/178)
صفحة 177
وهي تعد بالآلاف حاليا لو راجع كتاب مجموع ستة كتب، وأضاف إليه ما في كتاب تاديوس ليفيتسكي "المؤرخون الإباضيون" بكامله. ولم يستعمل منها إلا القليل النادر وهي قريبة من ثلث المراجع المشرقية القديمة التي مال إليها الباحث لاشعوريا، وهي لا تتحدث إلا على إقليم الشرق الأوسط (العراق والأهواز)، وتتحدث عن الخوارج و العرب إباضية المشرق في القديم، ولا تتحدث عن إباضية المغرب البرابرة، و أحيانا تتجاهلها، أو تجهلها بالمرة وهو الشيء الذي يتعارض تماما مع العلم و الدقة و الأمانة العلمية في موضوع التحقيق.
أما صفحات البحث الخاصة بجزئيه (1و2) "للموجز" فهي 468 وتمثل مجموع ما كتب في التحقيق و نسبته 65.27 % أي ثلثي البحث بكامله و ذلك قليل جدا من الناحية العلمية و التحقيق لا يحمل من التعليقات عليها في الهامش إلا بعض التصحيحات و المقارنات بين النسخ ... وغيرهما مما لم نستفد منه كثيرا، ومما ينزل من قيمة التحقيق إلى أدنى مستوياته العلمية.
الخلاصة العامة
نتيجة لما كنا نتحدث عنه من إجحاف للمذهب الإباضي في هذا البحث من خروج عن الموضوع بموضوع الخوارج و خطأ عنوان البحث، ومنهجيته، وعدم استغلال كتب إباضية المغرب " الموجز " بالخصوص لتحليل أصوله و عقائده فإننا نجد بحث هذا الباحث عارٍ من حقيقة الإباضية الأصيلة وانحرافه عن التعريف به، وهو العارف في الأصل أن الإباضية لا ينتسبون بصلة إلى الخوارج، وأن تسميتهم الحقيقية هم أهل الدعوة والاستقامة، وجماعة المسلمين وأن أصلهم المذهبي العقائدي ليس هو عبد الله بن إباض، وإنما معارضوهم هم الذين أطلقوا عليهم ذلك الاسم، وأن أصلهم الحقيقي هو جابر بن زيد الذي استقى جميع فقه و عقائد الإباضية عن أنس بن مالك و عائشة رضي الله عنهما عن الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، و هو يعرف ذلك بالتأكيد كما عرضه في بحثه صفحة 194، و قد تتلمذ على جابر أبو عبيدة مسلم، الفارسي الأصل، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة هل كان معلما لعبد الرحمن بن رستم الفارسي مع حملة العلم المشهورين في (1/179)
صفحة 178
المغرب الأوسط. وقد تأكد في الأخير ما افترضناه من نتائج خاطئة في بداية العنصر الأخير من هذه الانتقادات الموضوعية. والبحث يحتاج إلى انتقادات أخرى أصيلة.
وليس كل ما يقال في التاريخ صحيحا أو خاطئا مائة بالمائة، وإنما يوجد فيه كثير من الشبهات التي أشار إليها ابن خلدون في مقدمته، فعلى العلماء العدول استعمال منطقهم وتفكيرهم وتحليلاتهم بذكاء، بعيدا عن الأفكار العامة والأفكار السابقة والعواطف والميول والحمية العصبية، لكي يفرزوا ويميزوا بين الحق لتقبله، والباطل المزيف لينبذوه، وكل ذلك خدمة للوحدة الوطنية والتآزر الإجتماعي، والابتعاد عن الأغراض الشخصية والمصالح الفئوية.
فالشباب المثقف اليوم سلاحه الذكاء والمنطق لنفي الشبهات والأراجيف على أقوامهم وقد صدق الشاعر حينما قال:
فمن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم.
فالتاريخ يحتاج اليوم إلى غربلة من جديد، وإعادة تحليله بمنطق من جديد، وتصنيفه من جديد، وفهمه بظروفه المتعددة من جديد، قصد الاستفادة من أخطاء المؤرخين، وعدم الوقوع فيها من جديد، لأن لها آثارا إجتماعية سلبية خطيرة في نتائجها. ولكي يعيش الجميع في الأخير في ظل السلام والأمان. والله أعلم وأحكم.
مراجع البحث
1. القرآن الكريم.
2. أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر /سير الأئمة و أخبارهم / (محقق) /ط1 /سنة1984/ديوان المطبوعات الجامعية /الجزائر.
3. أبو عمار عبد الكافي /"الموجز"/ضمن مرجع عمار طالبي الآتي ذكره.
4. ابن خلدون / المقدمة /ط؟ /سنة؟ /دار الجيل / بيروت.
5. ابن الصغير / أخبار الأئمة الرستميين / (محقق) /ط1/سنة 1985/المطبوعات الجميلة/ الجزائر. (1/180)
صفحة 179
6. بحاز إبراهيم بن بكير /الدولة الرستمية /ط1/سنة 1985 /مطبعة لافوميك / الجزائر
7. سليمان بن داود بن يوسف / الخوارج هم أنصار علي /ج1/ط1/سنة1983/دار البعث/قسنطينة/الجزائر.
8. عبد الله سالم بن حمد الحارثي العماني الإباضي/ العقود الفضية في أصول الإباضية/ ط؟ / سنة:1974/ دار اليقظة/ سوريا.
9. عدون جهلان/ الفكر السياسي عند الإباضية /ط1/سنة (ت.1988) /جمعية التراث/القرارة /الجزائر.
10. علي يحيى معمر/الإباضية في موكب التاريخ/ج1و2/ط1/سنة 1964/مكتبة وهبة/القاهرة.
11. عمار طالبي/ آراء الخوارج الكلامية "الموجز" لأبي عمار عبد الكافي/ ج1و2/ ط1/سنة: 1978/الشركة الوطنية للنشر والتوزيع/الجزائر.
12. م. روزنتال، وآخر /الموسوعة الفلسفية /ترجمة: سمير كرم /ط5/سنة 1985/دار الطباعة/بيروت.
13. مهدي فضل الله / أصول كتابة البحث و قواعد التحقيق /ط2/سنة: 1998/دار الطليعة/بيروت. (1/181)
صفحة 180
وثائق الأرشيف التونسي المتعلقة بجماعة بني مزاب
الموجودين بتونس خلال عهد الحماية الفرنسية
(1881 - 1956)
(القسم الأول)
أ/ ناصر بالحاج بن باحمد
المركز الجامعي بغرداية
بعد الزيارة العلمية التي قمت بها إلى تونس خلال شهر فيفري 2008، تمكنت من الاطلاع ـــــ في مركز الأرشيف الوطني التونسي ــــ على مجموعة وثائق تخص جماعة بني مزاب الذين كانوا موجودين في تونس خلال عهد الحماية الفرنسية. فصورت بعضا منها ـــــ في حدود الإمكان ــــ أحاول في هذا القسم الأول من الموضوع تعريفها، وتبيين أهم ما احتوت عليه، على أن أقوم في القسم الثاني في عدد مقبل - إن شاء الله - بعرض نبذة عن النشاط الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي للمزابيين في تونس خلال عهد الحماية، من خلال هذه الوثائق.
1ــــ التعريف بالوثائق: أغلب الوثائق المتعلقة بجماعة بني مزاب في تونس، عبارة عن مراسلات إدارية وملاحظات وتقارير (1)، كانت تصدر عن المقيم العام الفرنسي بتونس، أو المراقب المدني، أوالباي التونسي، أو كانت ترد عليهم من شيخ المزابيين، وهو الممثل الرسمي لجماعة بني مزاب بتونس.
وتوجد هذه الوثائق مصنفة في الأرشيف الوطني التونسي في عشرة ملفات (2)، كما يوضحه الجدول التالي:
__________
(1) - الملفات التي نقصدها بالدراسة هنا، هي تلك التي تعني جماعة بني مزاب في تونس بصفة مباشرة، لأن هنالك الكثير من الأمور التي تتعلق بالمزابيين عامة في ملفات أخرى، لا يتسع المجال هنا لحصرها، لذا نرجئ تناولها إلى مناسبة أخرى بحول الله تعالى.
(2) - أنظر على سبيل المثال صورة غلاف الملف الإداري لباحمد بكير بن محمد في الملحق رقم 01. (1/183)
صفحة 181
أهم الملفات التي تخص جماعة بني مزاب في الأرشيف الوطني التونسي
السلسلة ... الحافظة ... الملف ... عدد الوثائق ... التاريخ ... المحتوى ... ( série) ... (carton) ... (dossier) ... (nombre de pièces) ... (date extrême) ... (titre dossier)
A ... 0001 ... 17/ 1 ... / ... ملف إداري للحاج علي بن عمر بن بكير
A ... 17/ 2 ... 19 ... -1926 ... ملف إداري لحمو بن محمد بن موسى شيخ المزابية
A ... 17/ 3 ... ملف إداري لعلي بن محمد بن ابراهيم بوعروة شيخ المزابية
A ... 0001 ... 17/ 4 ... 24 ... -1936 ... ملف إداري لعمارة الناصر بن يوسف بن عمارة شيخ المزابية
A ... 0001 ... 17/ 5 ... -1936 ... ملف إداري لمحمد بن موسى شيخ المزابية
A ... 0001 ... 17/ 6 ... ملف إداري لباحمد بكير بن محمد شيخ المزابية (1/184)
صفحة 182
A ... -1922 ... شكاوى موجهة من المزابيين بتونس إلى المقيم العام يعترضون فيها على رجوعهم بالنظر إلى قاضي الصلح لفض نزاعاتهم
A ... 0001BIS ... 0004 ... -1966 ... ملف إداري لأحمد التجاني بن محمد بن قاسم المزابي عامل باب سويقة
MN ... 0019 ... -1923 ... مذكرات وتقارير حول العلاقة بين الأهالي الجزائرين (الإباضيين، المزابيين الجزائريين) والشبان التونسيين
E ... -30/ 15 ... 2943 ... بن عيسى سليمان
إن أهمية الوثائق التي نحن بصدد دراستها، تكمن في طبيعة المادة التي تحتويها، وتنوع الموضوعات التي تتعلق بها، فبالرغم من أنها تهم الحياة السياسية والمسائل الإدارية بالدرجة الأولى، إلا أنها تمس من قريب أو من بعيد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمزابيين بتونس. إن غزارة المادة، وكثرة الأحداث، وتفرق الموضوعات وتداخلها، يجعل عملية دراسة هذه الوثائق واستثمارها أمرا ليس باليسير، ودراستنا هذه لا تتعدى مجرد عرض عام لأخذ فكرة مبسطة (1/185)
صفحة 183
عن مضمون تلك الوثائق وطبيعة مادتها.
تشكل هذه الوثائق مصدرا من المصادر الأساسية لكتابة تاريخ هذه الفترة، وتاريخ الحركتين الوطنيتين التونسية والجزائرية، اللتين عرف تاريخهما تداخلا كبيرا. كما أن هذه الوثائق تقدم للمؤرخ المادة الخام، والحجر الأساس لإقامة دراسات تاريخية موضوعية تتسم بالدقة والعمق، وتمكن من تكوين فكرة واضحة، ومعرفة دقيقة لتاريخ النشاط الثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي لفئة نشيطة من الجزائريين، الذين كانوا موجودين بأعداد كبيرة، ومنذ أزمان بعيدة، بمدينة تونس، مركز الحكم، ومقر الإدارة، ومحور النشاط الاقتصادي، وبوتقة التفاعل الاجتماعي، ومجال الاحتكاك الفكري والعطاء الثقافي بالبلاد التونسية.
نبذة عن تواجد المزابيين بتونس في عهد الحماية من خلال الوثائق:
مما تطلعنا عليه الوثائق التي بين أيدينا، الوضعية القانونية للمزابيين في تونس، فقد كانوا قبل عهد الحماية الفرنسية - وكغيرهم من الجزائريين، والمسلمين القادمين من مختلف البلدان الإسلامية - عبارة عن رعايا للباي، وكانت لهم نفس حقوق المواطن التونسي وعليهم نفس الواجبات، وأكثر من ذلك فقد كانوا يتلقون تحفيزات مادية من طرف الباي للاستقرار في تونس، نظرا لنشاطهم وحركيتهم. لكن عندما حل عهد الحماية، تحول العديد من هؤلاء إلى "محميين فرنسيين"، وذلك بعد أن فقد الباي الكثير من صلاحياته، وضعفت سلطته، بالإضافة إلى الضرائب التي كان يثقل بها كاهل رعاياه، ففضل الكثير من الجزائريين –والمزابيون منهم- التحول إلى محميين فرنسيين. لكن بالرغم من ذلك، تم تسجيل سنة 1936 طلبا للمدعو التجاني المزابي، يطالب فيه بالحصول على الجنسية التونسية، (1/186)
صفحة 184
بعد أن كان أبوه وجده محميين فرنسيين (1).
بلغ عدد المزابيين المتواجدين بتونس سنة 1921، 395 نسمة، وأخذ في التناقص إلى غاية سنة 1926 ليبلغ 205 نسمة، ثم عرف بعد ذلك تزايدا معتبرا، ليصل سنة 1939 إلى 765 نسمة، أي بنسبة تزايد عامة تقدر بـ 5.2% سنويا (2).
أغلب الملفات الوثائقية التي تخص المزابيين، عبارة عن ملفات إدارية تتعلق بالأشخاص الذين تولوا منصب شيخ المزابيين في تونس. والشيخ هو الممثل الرسمي لأفراد جماعته لدى السلطات (3)، كما كان يقوم بأدوار سياسية عديدة، يتم اختياره من طرف المقيم العام، أو المراقب المدني، ويتم تعيينه رسميا بمرسوم من البايليك (4). ويكون الاختيار على أساس الكفاءة، والمكانة الاجتماعية بين أفراد الجماعة، بالإضافة إلى الثروة المادية. فنجد مثلا أن أول شيخ تم تعيينه سنة 1919، وهو الحاج علي بن عمر بن بكير (5)، كان صاحب حمّام في باب
__________
(1) - تحتوي العلبة رقم 278 مثلا على العديد من الوثائق التي تتعلق بهذه القضية.
(2) - Haggui Jamel, Les algériens originaires du sud dans la ville de Tunis pendant l'époque coloniale (1881 - 1956) (Mozabites, Souafas, et Ouarglias), Mémoire de DEA en histoire contemporaine, Université de Manouba, Faculté des lettres Manouba, Département d'Histoire, Année universitaire 2003 - 2004, p. 55.
- يشير الأستاذ حقي في دراسته، إلى صعوبة تحديد المصادر للعدد الحقيقي للجزائريين القادمين من الجنوب ـ ومنهم المزابيون ـ نظرا لعدة أسباب، منها أن كثيرا من هؤلاء كانوا يصرحون عند إحصائهم بأنهم تونسيون.
(3) - كان لكل فئة شيخ يمثلها لدى السلطات، فنجد مثلا: شيخ المزابيين، شيخ السوافة، شيخ الورقلية. ونفس الشيء بالنسبة للتونسيين.
(4) - أنظر نسخة من تولية علي بن الحاج محمد بن الحاج ابراهيم بوعروة شيخا على بني مزاب، في الملحق رقم 02.
(5) - من مواليد غرداية سنة 1852، كان شيخ المزابيين منذ 1912، تم تعيينه بمرسوم 02 جويلية 1919، توفي سنة 1920. (1/187)
صفحة 185
منارة، مثل الشيخ علي بن الحاج محمد بن الحاج ابراهيم بوعروة (1)، الذي كان مالكا لحمّام كذلك. أما الشيخ عمارة الناصر بن يوسف بن عمارة (2) فقد كان تاجرا ومالكا لعقارات بتونس والجزائر.
ولأخذ فكرة عن معايير اختيار الشيخ، نقتطف بعض الفقرات من تقرير حول اقتراح تعيين الشيخ حمو بن محمد بن موسى، موجه من المراقب المدني إلى المقيم العام، بتاريخ 19 أفريل 1920، جاء فيه ما يلي: " ( ... ) بعد وفاة شيخ المزابيين الحاج علي بن بكير مؤخرا، لي الشرف بأن أقترح عليكم كخليفة له حمو بن محمد بن عمي موسى. هذا المترشح شخص جدي وذكي. إنه من عائلة من مزاب. أحد أقربائه قاضي بن يسقن، والآخر قاضي غرداية. أبوه كان شيخ جماعة بن يسقن. تاجر بشارع الكنيسة رقم 41، ويحظى بتقدير أفراد جماعته، ويملك عليهم بعض التأثير.
كانت مهمة وكيل حبوس بني مزاب في تونس منوطة به، وهذه الثقة دليل على التقدير الذي يحظى به.
وهو يمتلك ثروة هامة، حيث يبلغ رأس مال تجارته حوالي 60.000 فرنك ( ... ) " (3).
بالإضافة إلى ما ذكر، تبين لنا وثائق ملفات شيوخ المزابيين مدى تعارض خدمة مصلحة فرنسا من جهة، والتفاعل مع النشاط الوطني المعادي للاستعمار من جهة أخرى (4)، ففي 1919 كانت تحركات الحاج علي بن عمر تحت الرقابة الشديدة للمقيم العام، بسبب علاقته مع الدعاية المضادة لفرنسا، والتي كانت منتشرة بشكل كبير في وادي مزاب آنذاك (5). ومثل هذه الظروف الحرجة، قد تفسر استقالة الشيخ حمو بن يوسف من مهامه سنة
__________
(1) -من مواليد القرارة سنة 1882، تم تعيينه بمرسوم 27 أفريل 1927.
(2) -من مواليد القرارة سنة 1883، تم تعيينه بمرسوم 09 أوت 1927.
(3) -انظر نسخة التقرير كاملا في الملحق رقم 03.
(4) -أنظر ملف الحاج علي بن عمر بن بكير مثلا.
(5) - لمزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع أنظر:
- Bruno Charles Dominique, La Propagande Anti-Française au M’zab au Début des Années 1920, Mémoire de Maîtrise d’act., U. de Provence, Aix-Marseille, 1988, P.26. (1/188)
صفحة 186
1927، وكذلك الأمر بالنسبة للشيخ عمارة الناصر سنة 1934.
سأحاول في القسم الثاني من الموضوع، التطرق إلى تفاصيل أكثر، نظرا للنشاط الكبير الذي تميز به المزابيون في تونس، ولكن بعد أن نطلع على المزيد من هذه الوثائق، خاصة الملف الذي يحتوي على مذكرات وتقارير حول العلاقة بين المزابيين والشبان التونسيين. وبالتأكيد، فإن هذه الوثائق، ستضيف الكثير من المعلومات والحقائق، لأنها كما قلت سابقا، تعتبر من المصادر الأساسية لكتابة تاريخ الحركة الوطنية المعاصرة في كل من الجزائر وتونس، وذلك على أساس المنهج العلمي، والنظرة الموضوعية. (1/189)
صفحة 187
الملحق 02: نسخة من تولية علي بن الحاج محمد بن الحاج ابراهيم بوعروة شيخًا على بني مزاب (1/192)
صفحة 188
الملحق 03:
اقتراح المراقب المدني تعيين حمو بن محمد بن موسى شيخا على بني مزاب
NACER Annexe 03 page 01 (1/193)
صفحة 189
فهرسة المكتبات والمخطوطات
في وادي ميزاب
” دراسة وتحليل “
أ/ مصطفى بن محمد ابن ادريسو
ــــ جامعة أدرار ــــ
مقدمة:
بعد إتمام فهرسة كثير من مكتبات وادي ميزاب من قبل الباحثين والمؤسسات، يستدعي الأمر وصف الأعمال المنجزة، وتتبع أهم الإصلاحات التي توخاها كل فريق عمل، ونقدها، وهذا لإمكانية الاستفادة من هذه التجربة في خدمة المخطوطات التي تركها لنا أجدادنا أمانة في أعناقنا، وشاهدة على كدهم وصبرهم.
وجدير بنا أن نذكر أن مكتبات المخطوط في وادي ميزاب تتنوع حسب أصلها؛ فمنها المكتبات التابعة للمسجد، أو للعشيرة، أو لدور التلاميذ (أقسام تابعة للمسجد)، أو لدور العلم (أملاك لبعض المحسنين تبرعوا بها إلى العلماء للتدريس فيها، وعقد حلقاتهم العلمية فيها)، أو هي تابعة للخواص (حفدة علماء أو غيرهم)، أو هي مكتبات تابعة لمؤسسات تربوية من إيداعات بعض المحسنين والعلماء. كما نلاحظ أن المفهرسين لم يتحدوا في إطلاق مصطلح الخزانة والمكتبة؛ فيوجد من يعتبر الخزانة هي المجموعة الصغيرة من المخطوطات، ومنهم من يعتبر لفظ الخزانة خاصا بمجموعات الإيداعات في بعض المكتبات، لذلك آثرت أن أستعمل ما اعتمده كل مفهرس.
وسأستعرض الجهود المبذولة بداية بالقوائم الأولية في الفهرسة، ثم أعمال جمعية التراث بالقرارة، وأعمال قسم التراث والمكتبة التابع (1/195)
صفحة 190
لمؤسسة الشيخ عمي سعيد بغرداية، وأعمال بعض الباحثين.
المبحث الأول: القوائم الأولية للفهرسة
تعتبر قوائم الفهرسة لبعض خزائن المخطوطات في وادي ميزاب من الجهود الباكرة في فهرسة المخطوط، وهي عبارة عن عميلة جرد لأهم عناوين المخطوطات البارزة، وتدوينها في سطر واحد مقسم إلى خانات متعددة، مع عدم الاهتمام بتدوين الكتب الفرعية في المجلد، وعدم إيراد التفاصيل الببليوغرافية للمخطوط، وعدم ترتيب المخطوط المختلط-في الغالب-، وعدم البحث عن مجهول العنوان أو المؤلف أو الناسخ، وقد تكون هذه القوائم محتوية على كتب مطبوعة ومخطوطة في نفس الوقت.
تركزت أغلب إنجازات القوائم على قيمي المكتبات قبل التسعينيات، أو على بعض الغيورين على المخطوطات للحفاظ عليه من الضياع، إلا أنه لا يعدم أن نرى بعض الأساتذة الذين لا يزالون إلى حد الساعة يستعملون هذه الطريقة بغرض التعريف بالمكتبة للباحثين، أو لتشجيع الجمعيات والمؤسسات المهتمة بالفهرسة لتولي أمرها، أو لإقناع أصحاب المكتبة بتموين عملية الفهرسة الحديثة.
وسنقدم بعض المعلومات عن القوائم في الجدول التالي:
جدول المكتبات المقيدة في قوائم أولية للفهرسة
(الطريقة التقليدية)
الرقم ... المكتبة ... عدد المخطوط ... سنة ... صاحب الإنجاز ... أعيدت فهرستها ... المدينة ... مقر المكتبة ... الإنجاز
1 ... المدرسة الجابرية ... 45 ... بني يزقن ... ؟ (1/196)
صفحة 191
2 ... ببانو محمد بن يوسف ... 136 ... * ... بني يزقن ... مكتبة لعلي
3 ... مكتبة الشيخ اطفيش، القطب ... 550 ... القيمون ... بني يزقن ... مستقل
4 ... الاستقامة ... - ... بكاي سليمان ... * ... بني يزقن ... مستقل
5 ... سيدي عيسى عبد العزيز ... 06 ... بني يزقن
6 ... ازبار ... 79 مجموعا ... * ... بني يزقن ... مكتبة آل خالد
7 ... معهد الإصلاح ... 84 ... غرداية ... مستقل
8 ... الحاج سعيد محمد بن أيوب ... - ... * ... غرداية ... مستقل
9 ... حمو عبد الله عيسى ... 22 ... غرداية ... مسجد الغفران
10 ... البكري ... 30 ... كروم أحمد ... * ... العطف ... مستقل (1/197)
صفحة 192
11 ... دار التلاميذ ... 234 ... * ... العطف ... مستقل
12 ... مدرسة عمر بن مسعود ... 93 ... كروم أحمد ... القرارة ... المدرسة نفسها
13 ... ابن عمر ... 33 ... كروم أحمد ... القرارة ... ؟
14 ... مكتبة الشيخ بالحاج ... 192 ... القرارة ... مستقل
15 ... مطهري امحمد بن سليمان ... 67 ... مليكة ... ؟
16 ... باعمارة يحيى بن صالح ... 35 ... مليكة ... مستقل
المجموع ... 1606
وإذا تمعنا الجدول فسنلاحظ أنه هناك مكتبات أعيد فهرستها حديثا، وأخرى لم تفهرس إلى حد الساعة –حسب علمنا- (ونخص بالذكر مكتبة السلف بمليكة العليا فهي من المكتبات الثرية)، مما يتطلب جهودا جبارة في الفهرسة، وبخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الإحصاء الذي أنجزه الأستاذ المهتم بالمخطوط في وادي ميزاب الأستاذ: الحاج سعيد محمد بن أيوب سنة 1992م فإننا نجد أن المنجز من القوائم لا يمثل إلا نسبة 18.24 % من 114 مكتبة خاصة وعامة في وادي ميزاب (1).
__________
(1) انظر: مقدمة فهرس آل يدر. (1/198)
صفحة 193
[صفحة غير موجودة في المطبوع] (1/2)
صفحة 194
المكتبات التي لم تفهرس فهرسة حديثة
الرقم ... المكتبة ... عدد المخطوط ... سنة الإنجاز ... المدينة
1 ... الجابرية ... بني يزقن
2 ... القطب ... بني يزقن
3 ... سيدي عيسى ... بني يزقن
4 ... معهد الإصلاح ... غرداية
5 ... حمو عبد الله ... غرداية
6 ... مدرسة عمر بن مسعود ... القرارة
7 ... ابن عمر ... القرارة
8 ... الشيخ بالحاج ... القرارة
9 ... مطهري ... مليكة
10 ... باعمارة ... مليكة
11 ... السلف ... ؟ ... مليكة
المجموع ... 1127
وأمام هذا الكم الهائل من المكتبات، إضافة إلى انتشار الوعي الثقافي والديني بضرورة خدمة تراث الأجداد بفهرسته وتنظيمه، بدل الاستحواذ عليه وغلق الأبواب في وجه المنتفعين منه، بدأت فكرة خدمة المخطوط تدب في صفوف المجتمع؛ من أصحاب المكتبات والأساتذة والطلبة الجامعيين، فأسفر ذلك عن توجيه جمعية التراث الفتية (1) بالقرارة جهودها إلى فهرسة المخطوطات بطريقة تستجيب إلى كثير من المتطلبات العلمية في التعامل مع فهرسة المخطوط، وهو ما سنراه في المبحث الموالي.
__________
(1) تأسست الجمعية سنة 1984، واهتمت بطباعة الكتب وتحقيقها وترجمة الكتب الأجنبية، وذلك بالإشراف العلمي لـ د/ محمد ناصر (1/3)
صفحة 195
المبحث الثاني: جهود جمعية التراث في الفهرسة.
بعد أن تقلد الأستاذ باباعمي محمد الأمانة العامة لجمعية التراث بالقرارة في 1992 اجتهد بكل جد ومثابرة لتجسيد فكرة مشروع "نحو دليل مخطوطات وادي ميزاب"، واختار له مساعدا نشيطا، الطالب شريفي مصطفى، فعملا معا في إدارة هذا المشروع الضخم.
استطاع المشروع أن يقنع كثيرا من أصحاب المكتبات بفتح خزائن المخطوطات أمام المفهرسين والباحثين لأنه مُزكَّى من قبل رئيس جمعية التراث، الشيخ شريفي سعيد بن بالحاج المعروف بالشيخ عدون –رحمه الله- والذي كان رئيسا كذلك لمجلس عمي سعيد -أعلى هيئة دينية في وادي ميزاب-، وأثمرت هذه الجهود المجتمعة بتغيير الذهنيات، وتحميل المسؤولية لأصحاب المكتبات في ضياع موروث أجدادهم، وترهيبهم بالوزر الذي يستحقونه يوم القيامة بتضييعهم للعلم.
وساند المشروعَ محسنون من ذوي الفضل أنفقوا في سبيل الله، واجتمعت ثلة من الطلبة والأساتذة الذين قدموا جهدهم للتراث، وولجوا عالم المخطوطات بداية بالفهرسة، ليتعمقوا فيه دراسة وتحقيقا في أبحاثهم الأكاديمية.
وأما الطريقة المتبعة غالبا في فهارس جمعية التراث فهي:
* ... تنظيف المخطوط.
* ... ترتيب وتنسيق ما اختلط منه إن وجد.
* ... ترقيم أوراق المخطوط بقلم الرصاص.
* ... ضبط المعلومات في استمارة المخطوط، وهي:
الرقم في المكتبة / عنوان المخطوط / المؤلف / تاريخ وفاة المؤلف / موضوع المخطوط /
أوَّل المخطوط / آخر المخطوط / الناسخ / تاريخ النسخ / مكان النسخ / رقم الجزء / عدد الأوراق/ عدد الأسطر / المقاس / كمال المخطوط أو خرمه / حالة الخط، (1/198)
صفحة 196
ويكون إما واضحا أو مقروء أو رديئا / نوع الخط، مشرقي، أو مغربي / لون المداد / الملاحظات الأخرى، مثل ترتيب المخطوط ضمن مجموع، التمليكة، معلومات في الغلاف ...
* تصنيف المخطوط وترتيبه في المكتبة ترتيبا جديدا.
* ... استنساخ أهمِّ المخطوطات في المكتبة والتي يخاف تلفها، بعد موافقة صاحب المكتبة.
* ... ترتيب استمارات المخطوط ومراجعتها.
* ... محاولة استخراج المجهول من العناوين والمؤلفين، وتواريخ الوفيات، مستعينين بالمصادر الأساسية مثل: معجم أعلام الإباضية، دليل المخطوطات، كشف الظنون لحاجي خليفة وذيله، هدية العارفين، الأعلام للزركلي، أعيان عمان ...
* ... تصفيف معلومات الاستمارات في الكمبيوتر حسب المواضيع التالية في الغالب: التفسير وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، وأصول الدين، وأصول الفقه، والفقه، وعلوم اللغة، والحكم، والعلوم الطبيعية، ومواضيع مختلفة، والشعر والنظم، وينقسم هذا الأخير إلى نفس المواضيع السابقة، فصارت المكتبة كأنها منقسمة إلى أعمال نثرية، وأخرى نظمية، وفي كل محور مجموعة من المواضيع على حسب محتوى المخطوط. ويعطى لكل موضوع حرف يرمز إليه على وفقه يتم ترقيم المخطوط، فيقال مثلا: ف01، أي رقم واحد في التفسير.
* ... إنجاز الكشافات التالية:
1 - كشاف العناوين
2 - كشاف المؤلفين
3 - كشاف الناسخين
4 - كشاف المالكين
5 - كشاف مقابلة أرقام المجلدات في المكتبة بأرقام العناوين في الفهرس.
* كتابة مقدمة للفهرس
* أخيرا السحب النهائي للفهرس.
* تصوير بعض المخطوطات بالميكروفيلم.
ويتم عرض معلومات الاستمارة في الفهرس بترتيب منضبط، مع مراعاة الرجوع إلى السطر عقب بعض المعلومات، وفق نموذج البطاقة التوضيحية التالية: (1/199)
صفحة 197
464 (1) حاشية المصعبي على أصول تبغورين (2)
يوسف بن محمَّد المصعبي (3) (ت: 1079هـ/ 1669م) (4)
وبعد، فلما كان علم أصول الدين من أجلِّ العلوم قدرا لاشتماله على معرفة ما به السعادة (5)
مع رده في كلام المصنف في بحث الأصل الثاني في القدر، والله أعلم (6)
عيسى بن أبي القاسم البروني (7) - د. م. ن (8) - أوائل ربيع 2 - 1178هـ (9)
كامل (10) / مغربي مقروء (11) - أسود وأحمر (12) / 38 ق (13) - 25 س (14) - 218×158 مم (15)
الثاني ضمن مجموع به 205ق من 21و إلى 58ظ. (16) م165/ ب 455/ =~ 85 (17)
رقم الميكروفيلم التسلسلي في الموضوع
__________
(1) - الرقم في الفهرس
(2) - عنوان المخطوط
(3) - المؤلف
(4) - تاريخ ميلاد المؤلف ووفاته، أو تاريخ وفاته
(5) - أوَّل المخطوط
(6) - آخر المخطوط
(7) - الناسخ
(8) - مكان النسخ
(9) - تاريخ النسخ
(10) - كامل أو ناقص
(11) - نوع الخط وحاله
(12) - لون الحبر
(13) - عدد الأوراق
(14) - عدد الأسطر في الصفحة
(15) - مقاس الورق بالمسليمتر
(16) - ملاحظات عامَّة.
(17) - رقم المخطوط في المكتبة، يليه رقم التسلسلي في الموضوع، ثم رقم الميكروفيلم. (1/200)
صفحة 198
بدأت أول عملية تطبيق هذه التقنيات من قبل مجموعة من أربعة عاملين اشتغلوا بإخراج الفهرس الأول لعشيرة آل يدر، لينضم إليهم مشاركون آخرون في إنجاز بقية الفهارس، فيصل عدد المساهمين في الفهارس الأخرى إلى عشرين مشاركا، يتعاقبون في حضور الدورات المغلقة التي تدوم يومين أو أكثر، ويعملون فيها بإخلاص وتفانٍ، فيرقمون المخطوط، ويملؤون الاستمارات، ليأتي بعد ذلك فريق المراجعة والتصفيف بإشراف شريفي مصطفى، فكان العمل متكاملا ومرتبا ويتعامل وفق ما تمليه التكنولوجيا في تلك السنوات (لم تتطور خدمات الكمبيوتر بالشكل المعهود حاليا).
تعتبر الفهارس المنجزة من قبل جمعية التراث فتحا لمكتبات ميزاب، ومفخرة للجزائر، وملاذا للباحثين في الوصول إلى مبتغاهم بسهولة ويسر، وهذه الفهارس هي:
1 - فهرس مكتبة عشيرة آل يدر (بني يزقن):
صدر أول فهرس من إنجاز جمعية التراث في رمضان 1414هـ/ فيفري 1994، فكان حدثا خاصا، وجهدا ميدانيا معتبرا، ويتميز بضبط فريق المراجعة لمعلومات استمارات المخطوط المنجزة.
يرجع أصل المكتبة إلى الشيخ اشريف محمد بن باحمد (حي 1351هـ)، ويدر باحمد بن حمو (حي 1352هـ)، وتكمن أهميتها التاريخية في احتوائها على نسخة لكتاب مسند الربيع بن حبيب (المعروف بالجامع الصحيح) مؤرخة في سنة 815هـ، وإلى وجود منسوخات لعلي بن سالم بن بيان (حي 1115هـ).
2 - فهرس مكتبة الشيخ عمي سعيد (غرداية):
نسبة للشيخ سعيد بن علي الجربي، الشهير بعمي سعيد (ت: 858هـ/ 1492م)، من قرية أجيم بجزيرة جربة في تونس، جاء إلى وادي ميزاب ليحيي العلم، فقدم إليها في سنة 854 هـ.
تمتاز المكتبة بمنسوخات الشيخ عمي سعيد، وباحتوائها على سجل أقضية تابع للمحكمة الشرعية بغرداية. وأنجز الفهرس في إطار (1/201)
صفحة 199
الأعمال الجماعية، والتصحيح والمراجعة من قبل فريق مصغر.
ينتهي الفهرس بـ 04 ملاحق؛ الأول به قائمة مخطوطات مدونة في جلد غزال، والثاني الكتب الموجودة في المكتبة والمذكورة ضمن القائمة السابقة، والثالث منسوخات خاصة بالشيخ عمي سعيد، وأما الأخير فصفف فيه النص الكامل لرسالة الربيع بن حبيب إلى أهل المغرب.
3 - مكتبة البكري (العطف):
المكتبة إرث للشيخ بكلي عبد الرحمن، المعروف بالبكري (ت: 1406هـ/ 1986م)، حبسها ورثته لعشيرة آل عبد الله، لتصير مكتبة عمومية في 1989م بعدما أن ضمت إليها خزانة الشيخ بكلي سليمان بن حاجو (ت: 1351هـ/ 1933م)، وخزانة بكلي باحمد بن يحيى (ت: 1400هـ/ 1980م).
من أهم مخطوطات المكتبة نسخة قديمة لكتاب جامع ابن جعفر، نسبة إلى أبي جابر محمد بن جعفر الإزكوي منسوخة في 749هـ، وينتهي الفهرس بالتراث الأدبي للشيخ البكري.
4 - مكتبة إيروان (العطف):
مصطلح إيروان يطلق على التلميذ الذي حفظ القرآن واستظهره، فينضم إلى هيئة إيروان التابعة للمسجد ليتعلم في حلقات العلم، وكانت لهم مكتبات للمطالعة في غالب قصور وادي ميزاب، ومكتبة إيروان بالعطف إحداها.
تميز فهرس هذه المكتبة بتصفيفه في برنامج آلي خاص بالمخطوطات أنجزته جمعية التراث بالتنسيق مع مركز الإعلام العلمي والتقني ( CERIST) فرع غرداية، يتمتع بإمكانية البحث عن العناوين أو المؤلفين أو النًُسَّاخ أو مؤلفات عالم خاص بطريقة آلية، لكن يعاني المصفف للاستمارات من صغر حجم بعض الخانات، مثل خانة الملاحظات، مما يضطر إلى اختيار بعض الملاحظات المدونة في استمارة المخطوط وترك بعضها، كما أنه وقع اضطراب في الترتيب التسلسلي لأرقام الفهرس عند السحب بالنسبة لهذا الفهرس فقط، ومردّ هذه الإشكالات إلى عدم وجود مهندس يتابع حل (1/202)
صفحة 200
الإشكالات التي تعترض عملية التصفيف في سنة 1995.
وأُتبع الفهرس بملحقين؛ الأول منهما فيه نماذج توضيحية عن نتائج البحث عن أحد المؤلفين، أو نوعية تأليف مثل: الحواشي أو الفتاوى، والثاني دونت فيه وثيقة من المكتبة، فكان الملحقان أكبر من حجم فهرس البطاقات.
5 - مكتبة آل افضل (بني يزقن):
وأسهم في إثراء المكتبة مجموعة من العلماء وذوي الفضل، هم: الشيخ أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي، (ق12هـ)، ويعقوب موسى بن عمر (ق12هـ)، الذي له منسوخات بخط يده في المكتبة تفوق 30 نسخا. وتواصل أبناؤه وأحفاده في إثراء المكتبة أيضا، لتنتقل المكتبة بعد ذلك إلى دار العشيرة.
تميز الفهرس عن سابقيه بمواصفات في الإخراج النهائي، وفي طريقة الإنجاز عموما، ويمكن حصر التميز فيما يأتي:
1 - أنجز الفهرس كاملا بوراس يحيى، وتمثل عمل الجمعية في الإشراف والتوجيه.
2 - اهتم المفهرس كثيرا بترتيب المخطوط المختلط، فيقول في المقدمة: «هي العملية الأكثر تعقيدا، إذ استغرق إنجازها وقتا طويلا، وساعات طوالا ... تتمثل في تحديد مواصفات المخطوط من حيث الموضوع، ونوع الخط، ومقاسات الأوراق، وعدد السطور في الصفحة الواحدة، ولون المداد، وأحيانا الاستعانة بالعلامات المائية لمعرفة الأجزاء المتفرقة والمكملة للكتاب الواحد».
3 - رقم المخطوطات حسب الحجم، "ك" للمخطوط الكبير، و"م" المتوسط، و"ص" للصغير، و"د غ" للمخطوط غير المغلف.
4 - وضع المخطوطات في الخزائن أفقيا.
6 - مكتبة عشيرة آل خالد (بني يزقن):
تحتوي المكتبة على خزانة الشيخ أزبار محمد بن عيسى (ت: 1296هـ/ 1872م) التي كانت لدى أحفاده ثم سلمت إلى العشيرة. (1/203)
صفحة 201
والشيخ قد استقر في عمان مدة طويلة فجلب منها كتبا لعلمائها.
وما يميز الفهرس عن غيره أن معلومات المخطوط لم تعرض حسب المواضيع، وإنما تم عرضها تباعا، مع وضع كشافٍ مستقلٍّ للمواضيع، يأتي فيه الموضوع وأمامه أرقام المخطوطات التي تندرج في موضوعه، وهي طريقة عملية، ومساعدة في البحث، فلا تكثر من التصنيف والترتيب حسب العمل النثري أو النظمي، ثم التكلف في وضع كل عنوان مخطوط في موضوع معين، مع عدم دراية المفهرسين في بعض الأحيان بمحتوى المخطوط، فضلا عن أن المخطوط الواحد قد يحتوي على أكثر من موضوع.
7 - مكتبة الشيخ ابن ادريسو (بني يزقن):
تتميز المكتبة بمؤلفات الشيخ ابن ادريسو محمد بن سليمان (ت: 1313هـ/ 1896م) التي تبلغ 18 مؤلفا، وتحتوي المكتبة على خزانتين كبيرتين لحفيدي الشيخ، الأولى ترجع لحفيده صالح بن سليمان، والثانية للحفيد عمر بن صالح.
وتعتبر المكتبة ثالث وآخر عمل يصفف في البرنامج الآلي لتسيير المخطوطات لجمعية التراث، والفهرس مقسم إلى قسمين كل خزانة وضع لها فهرس مستقل بعناوينه وكشافاته.
بعد سنتين تقريبا من إنجاز فريق البحث في الجمعية لاستمارات المخطوط، لم تكمل بقية الخطوات، فآثرت أن أُكملها حتى لا تحرم المكتبة من صدور فهرس خاص لها.
8 - مكتبة بوعيسى عيسى (بني يزقن):
تعود هذه المكتبة إلى بوعيسى عيسى (و: 1913، ت: 1990م) أحد التجار المولعين بشراء الكتب والمخطوطات التي كانت تباع في سوق الدلالة ببني يزقن.
وإيثارا للاقتصار ندرج معلومات فهارس المكتبات السابقة في الجدول التالي: (1/204)
صفحة 202
جدول يوضح خزائن المكتبات وعدد عناوين المخطوطات
(إنجاز جمعية التراث)
الرقم ... اسم ... الخزانات ... المكان ... تاريخ إنجاز الفهرس ... عدد العناوين ... المكتبات
1 ... عشيرة آل يدر ... الشيخ اشريف محمد ... بني يزقن ... رمضان 1414هـ/ فيفري 1994 ... يدر باحمد
2 ... الشيخ عمي سعيد ... الشيخ عمي سعيد ... غرداية ... هـ/ سبتمبر 1994،
3 ... البكري ... بكلي عبد الرحمن ... العطف ... (1414هـ/ 1994م) ... الشيخ بكلي سليمان، وباحمد
4 ... إيروان ... إيروان ... العطف ... 1995
5 ... عشيرة آل افضل ... الشيخ يحيى بن صالح الأفضلي ... بني يزقن ... رمضان 1416هـ/ فيفري 1996م ... يعقوب موسى بن عمر وأبناؤه
6 ... عشيرة آل خالد ... الشيخ أزبار محمد بن عيسى ... بني يزقن ... ذو القعدة 1417هـ/ مارس 1997
7 ... الشيخ ابن ادريسو ... ابن ادريسو صالح بن سليمان ... بني يزقن ... رمضان 1419هـ/ ديسمبر 1998 ... 32 ... ابن ادريسو عمر بن صالح
8 ... بوعيسى عيسى ... بوعيسى عيسى ... بني يزقن ... رمضان 1415هـ/ فيفري 1995
08 ... 2208 (1/205)
صفحة 203
جدول للمعلومات المختلفة عن فهارس المكتبات
(إنجاز جمعية التراث)
الرقم ... اسم المكتبات ... المنجزون ... المقدمة ... ملاحظات حول الفهرس ... أقدم نسخة ... صفحات الفهرس ... عدد الملاحق ... مقر المكتبة
1 ... عشيرة آل يدر ... باباعمي وشريفي ... تميز بالضبط ... هـ ... دار العشيرة
2 ... الشيخ عمي سعيد ... جماعي ... باباعمي وشريفي ... منسوخات الشيخ عمي سعيد ... ملاحق ... العائلة
3 ... البكري ... جماعي ... باباعمي وشريفي ... مؤلفات الشيخ البكري (بكلي) ... هـ ... ملحق ... مستقل
4 ... إيروان ... جماعي ... باباعمي وشريفي ... أول تصفيف في البرنامج الآلي الخاص لتسيير مخطوطات الجمعية ... ملحقان ... مستقل
5 ... آل افضل ... بوراس يحيى ... بوراس يحيى ... تميز بترتيب المخطوط المختلط ... هـ ... مستقل ... رقم المخطوطات حسب الحجم ... رتب المخطوط أفقيا في الخزانة
6 ... آل خالد ... جماعي ... باباعمي وشريفي ... مؤلفات عمانية ... هـ ... ؟؟ ... مستقل ... ثاني مكتبة تصفف في البرنامج الآلي ... لم تعرض العناوين حسب المواضيع
7 ... الشيخ ابن ادريسو ... جماعي ... ابن ادريسو مصطفى ... مؤلفات الشيخ ابن ادريسو ... هـ ... العائلة ... ثالث مكتبة تصفف في البرنامج الآلي ... بها خزانتان لكل خزانة فهرس مستقل
8 ... بوعيسى عيسى ... ملحق01 ... مكتبة إبراهيم أوزكري
681 (1/205)
صفحة 204
9 - مكتبات لم تكتمل بعد فهرستها:
تسع مكتبات أنجزت جمعية التراث استماراتها في التسعينيات ولم تطبع بعد، وربما يرجع السبب إلى تعثر مسألة تمويل المشروع، وهو ما نستشفه من قول الأمين العام للجمعية بعد عرضه لقائمة المكتبات التي لم تفهرس «غير أنَّ الذي ينقص مثل هذا المشروع ليس إلاَّ تموين قوي للتفرغ والتنقل والتجهيز ... إلخ، فنرجو أن يجد أذنا صاغية، ويجد المدعِّم المناسب بإذن الله تعالى».
والمكتبات التي أنجزتها الجمعية ولم تكمل خطواتها هي:
الشيخ متياز إبراهيم (بني يزقن)
الشيخ محفوظ (بني يزقن)
القطب (بني يزقن)، جزء منها.
مدرسة الإصلاح (غرداية)
الشيخ باسة (ورقلة)
بومعقل عيسى (ورقلة)
باحماني عمر بن سليمان (مليكة)
الشيخ باباواموسى حمو (راجعها وصففها قسم التراث بمؤسسة الشيخ عمي سعيد).
الحاج سعيد محمد بن أيوب (غرداية) (راجعها وصففها قسم التراث بمؤسسة الشيخ عمي سعيد).
ملاحظات:
المتمعن في قائمة المكتبات التي لم تكمل الجمعية فهرستها (09)، بعد الشروع في إتمام المرحلة الأولى الصعبة -وهي ملء استمارة المخطوط- يجد أنها أكثر من عدد الفهارس المنجزة كلية (08)، مما يتطلب من الجمعية تجديد مراجعة هذا الأمر بجدية، وتفريغ باحثين مهتمين لمواصلة المشوار.
ومما يسجل للجمعية أنها كانت تسعى في كل دروة من دوراتها الجماعية إلى اكتشاف طاقات جديدة، وباحثين غرست فيهم حب التعامل مع المخطوط، وهو ما لوحظ من خلال اختياراتهم الأكاديمية، إلا أن هذا التنوع في الأعضاء سبب ضعفا في جمع معلومات المخطوط، وبخاصة حينما يتعلق الأمر بمشاركة الطلبة في الدورات، ويتضح النقص أكثر (1/206)
صفحة 205
حين لا يستهلك جهدا معتبرا في عملية المراجعة والتصحيح.
وقد تعذر الجمعية في بعض النقائص في جهدها؛ ذلك أن فهارسها جاءت في فترة متقدمة من الدراسات الأكاديمية حول التراث الإباضي، كما أن كثيرا ممن تمكن في الفهرسة بعد ذلك فإن الفضل يرجع إلى تكوينه الصحيح في جمعية التراث، واكتسابه الخبرة من التعامل مع المخطوط، ولذلك أقترح إعادة مراجعة هذه الفهارس واستخراج المجاهيل، وتصحيح ما ينبغي تصحيحه.
لم تتوحد طريقة الترقيم في الفهرس، فهناك الفهارس التي بها رقم المجلد في المكتبة، ثم الرقم التسلسلي في الموضوع (مواضيع الفهرس)، ويليه رقم الميكروفيلم (انظر فهرس رقم: 1، 2، 3، 5)، والفهارس التي اقتصرت على ذكر رقم المجلد في المكتبة فهي: (4، 6، 7)، أما مكتبة بوعيسى فاعتمدت على ذكر رقم المجلد في المكتبة، والرقم التسلسلي فقط.
أنفقت الجمعية جهدا مشكورا في متابعة مستجدات التكنولوجيا، مع بساطتها آنذاك (1995م)، فأثر ذلك على مردود العمل مع المخطوط.
لم تهتم الجمعية بتسجيل تواريخ الدورات المتوالية التي تنظمها الجمعية، ولا أسماء فريق البحث المشاركين في كل مكتبة على حدة.
المبحث الثالث: جهود مؤسسة الشيخ عمي سعيد - بغرداية - في الفهرسة
بعد أفول نجم جمعية التراث في إكمال فهرسة المخطوطات، وإتمام مشروعها "نحو دليل مخطوطات وادي ميزاب" ظهرت جهود فردية منها فهرسة مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، إحدى أهم المكتبات في وادي ميزاب، حيث تفرغ للعمل فيها الأستاذان بوراس يحيى –إضافة إلى فهرسته مكتبة لمكتبة آل أفضل- وبنْقة أيوب ففهرسها فهرسة دقيقة، ثم انضم بوراس إلى قسم التراث والمكتبة التابع لمؤسسة الشيخ عمي سعيد بغرداية، لتبدأ حلقات متواصلة من الإصدارات في قسم التراث الذي يديره الأستاذ الحاج موسى بشير. (1/207)
صفحة 206
وقبل الشروع في عرض المكتبات نجمل خصائص فهرسة المؤسسة -علاوة على ما رأينا في فهرسة جمعية التراث- ونذكر بعض الملاحظات النقدية:
- اقتصر إنجاز الفهارس في الغالب على الأستاذ بوراس يحيى، وبإشراف الحاج موسى بشير.
- قسّم الفهرس إلى أعمال نثرية وأخرى نظمية، مع وضع كشافات لكل قسم.
- رتبت المخطوطات في الخزائن أفقيا، ورقمت حسب الحجوم.
- يستطرد المفهرس كثيرا في الملاحظات، وبالخصوص الفهارس الأولى.
- أضيفت ملاحظة عن حالة حفظ المخطوط؛ جيدة، أم متوسطة، أم رديئة.
- كل الفهارس المنجزة إلى حد الساعة اقتصرت على مدينة غرداية فقط.
- أضيفت كشافات جديدة مثل: أماكن النسخ، النسخ المؤرخة، ونسخ بخط مؤلفيها.
- وضعت المصاحف في ملحق الفهرس.
- تكفل بالمقدمة -في الغالب- الأستاذ الحاج موسى بشير.
توحيد الرموز المستعملة في عرض العنوان المختصر، أو المضاف من قبل المفهرس.
- لم يحدد ضابط لحجم إيداع المخطوط في المكتبة حتى يعلم هل هي خزانة مستقلة؟
وننتقل إلى عرض المكتبات المفهرسة، وهي:
1 - الخزانة العامة:
أصلها مكتبة مدرسية تابعة إلى مؤسسة الشيخ عمي سعيد، وعرفت بتزويدات مختلفة من الأساتذة والشخصيات، يقول القائم بأعمال قسم التراث: «غالب المخطوطات جاءت إلى المكتبة في صورة غير سليمة ولا لائقة بها، مما جعل الكثير منها مخروما».
أنجز الفهرس في دورتين مغلقتين، ثم تمت مراجعته وتوحيد المنجز، وأُتبع بملحقين؛ أحدهما للمصاحف، والآخر للمخطوطات المُصوّرة.
2 - خزانة الشيخ باباوموسى حمو (غرداية):
تعود إلى الشيخ باباوموسى حمو (و: 1279هـ/ 1863، ت: 1376هـ/ 1957م)، مفتي ميزاب بعد وفاة القطب اطفيش. كانت المكتبة (1/208)
صفحة 207
في مقر معهده بجوار دار سكناه، ثم انتقلت إلى مؤسسة الشيخ عمي سعيد في أكتوبر 2000م، أثريت المكتبة بكتب مختلف الشخصيات.
تتميز الخزانة باحتوائها على 81 عنوانا للشيخ باباوموسى، و99 عنوانا من منسوخات يده، منها ما نُسِخ في 989هـ وهو كتاب شرح شذور الذهب لابن هشام الأنصاري (ت: 761هـ).
فهرسة هذه المكتبة من منجزات جمعية التراث التي لم تكمل مراجعتها وتصفيفها، فجاء قسم التراث فتكفل بـ «إكمال نقص بعض المعلومات الببليوغرافية، واكتشاف المجاهيل؛ من عناوين المخطوطات، ومؤلفيها وناسخيها». ويتبع الفهرس ملحق ببليوغرافي عن أعمال الشيخ باباوموسى، وما كتب عنه.
3 - الخزائن الثلاث (غرداية):
وهي خزائن مودعة حاليا في مؤسسة الشيخ عمي سعيد.
الأولى: للشيخ ابن كاسي صالح (ق13هـ)، تقلد مشيخة حلقة العزابة، ثم استقر في تونس.
الثانية: للشيخ بوكرموش بكير بن قاسم (ت: 11 مارس 1958م)، شهد حلقات القطب اطفيش.
الثالثة: للشيخ أشقبقب باحمد بن قاسم (ق13هـ) جلس إلى حلقات الشيخ بهون بن موسى.
ترجع أقدم نسخة في هذه الخزائن إلى سنة 880 هـ وهي كتاب قواعد الإسلام للجيطالي (ت: 750هـ). ويلي الفهرسَ ملحقٌ بالمصاحف الشريفة.
4 - مكتبة الحاج سعيد محمد (غرداية):
تميزت مقدمة هذا الفهرس ببيان قيمة المكتبة التي جمعها أحد المعاصرين الشغوفين بالمخطوط السيد: الحاج سعيد محمد بن أيوب، إذ في ظرف لا يتجاوز 30 عاما استطاع أن يجلب إليه أنظار الباحثين والدارسين لما جمعه من نفائس المخطوطات من هنا وهناك، من داخل الوطن وخارجه، من العالم الإسلامي ومن دول أوروبا، وقد استمد نشاطه في المخطوط من توجيهات الشيخ بزملال صالح رحمه الله، وأسس صاحب المكتبة بعد ذلك جمعية تكمل مسيرته تسمى جمعية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التراث بغرداية. (1/209)
صفحة 208
بعد توقف جمعية التراث –القرارة- من الوصول إلى مرحلة الإخراج النهائي لفهرس المكتبة، طلب صاحبها من قسم التراث التابع لمؤسسة الشيخ عمي سعيد أن يتولى إصداره، فقام بمراجعة الاستمارات المنجزة وصففها.
من بين نفائس المكتبة كتاب غصن البان في تاريخ الرستميين وعمان، وأقدم مخطوط كان مؤرخا في 918هـ للقاموس المحيط للفيروزآبادي.
مقدمة الفهرس من إنجاز الحاج موسى بشير، وبوراس يحيى، ويلي الفهرسَ ملحقٌ بالمصاحف الشريفة، وآخر بالمخطوطات المصورة.
5 - خزانة دار التعليم (غرداية):
دار العالمة بباز مامة بنت سليمان للتعليم (ت: 1349هـ/ 1931م) في دار التعليم، وقد اقتنت مجموعة من المخطوطات، وأضاف إليها ابنها الشيخ موسى واعلي بكير بن عمر (ت: 1377هـ/ 1887م) مجموعة أخرى.
6 - خزانة القاضي أبي بكر بن مسعود الغرداوي (غرداية):
بقيت المكتبة على الشياع في يد أبناء الشيخ أبي بكر بن مسعود المعروف بالحاج بابكر يحولونها من مكان إلى آخر حرصا عليها، ورجاءً أن تسلم إلى من يخدمها وينتفع بها، فاستقر بها المقام في يد جمعية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التراث سنة 1992، فشرعت في تنظيمها وفهرستها، لكن الجمعية لم تتمكن من إنهاء المهمة، فأوكلتها إلى قسم التراث والمكتبة التابع لمؤسسة الشيخ عمي سعيد، فتولى إخراجها النهائي بعد مراجعة الاستمارات المنجزة وإكمال ما نقص.
نشأ صاحب المكتبة في وارجلان (ورقلة) وانتقل بعدها إلى غرداية فعين قاضيا شرعيا للمحكمة الشرعية الإباضية بغرداية، وبقي كذلك حتى وفاته في 1325هـ / 1907م.
تضم المكتبة نسخة فريدة من نوعها لكتاب المستصفى لأبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ، ويعود تاريخ النسخ إلى 05 صفر 552هـ، فإن لم يكن خطأ من الناسخ فإن هذا التاريخ يحتاج أكثر من قراءة، وناسخه علي بن أبي القاسم نصر بن محمد بن أحمد العنزي. (1/210)
صفحة 209
وهذا الفهرس آخر إصدار لقسم التراث، نسأل الله أن يعينه في عمله، ويقيّض له باحثين كثُرًا لمواصلة المشوار الطويل.
جدول يوضح خزائن المكتبات وعدد عناوين المخطوطات
(من إنجاز قسم التراث والمكتبة)
الرقم ... اسم المكتبة ... الخزانات ... المكان ... تاريخ إنجاز الفهرس ... عدد العناوين
1 ... الخزانة العامة ... غرداية ... شعبان 1423هـ/ أكتوبر 2002م
2 ... الشيخ باباوموسى حمو ... إثراءات مختلفة منها: ... غرداية ... شعبان 1424هـ/ أكتوبر 2003 ... شطار سليمان بن سعد الله ... دار التلاميذ بغرداية
3 ... الخزائن الثلاث ... ابن كاسي صالح ... غرداية ... ربيع الثاني 1426هـ/ ماي 2005. ... 60 ... بوكرموش بكير بن قاسم ... 135 ... أشقبقب باحمد بن قاسم
4 ... الحاج سعيد محمد بن أيوب ... غرداية ... ذو القعدة 1426هـ/ ديسمبر 2005
5 ... دار التعليم ... بباز مامة بنت سليمان ... غرداية ... موسى واعلي بكير بن عمر
6 ... القاضي يابكر بن مسعود ... غرداية ... رجب 1428هـ / أوت 2007. (1/211)
صفحة 210
3229
جدول للمعلومات المختلفة عن فهارس المكتبات
(من إنجاز قسم التراث والمكتبة)
الرقم ... اسم المكتبات ... المنجزون ... المقدمة ... ملاحظات حول الفهرس ... أقدم نسخة ... صفحات الفهرس ... عدد الملاحق ... مقر المكتبة
1 ... الخزانة العامة ... جماعي ... الحاج موسى بشير ... نسخة بخط مؤلفيها ... ملحقان ... قسم التراث ... قسم التراث
2 ... الشيخ باباوموسى حمو ... جمعية التراث ... الحاج موسى بشير ... من مؤلفات الشيخ باباوموسى ... هـ ... ملحق ... قسم التراث ... قسم التراث ... 99 من منسوخات الشيخ
3 ... الخزائن الثلاث ... الحاج موسى ... الحاج موسى بشير ... فهرس واحد للخزائن الثلاث، ولكل خزانة رمز خاص لمخطوطاتها ... هـ ... ملحق ... قسم التراث ... بوراس يحيى
4 ... الحاج سعيد محمد ... جمعية التراث ... الحاج موسى بشير ... مكتبة حديثة وثرية ... هـ ... منزل
قسم التراث ... بوراس يحيى (1/212)
صفحة 211
5 ... دار التعليم ... الحاج موسى ... الحاج موسى بشير ... نسخا من موسى واعلي بكير ... دار التعليم ... بوراس يحيى
6 ... القاضي بابكر بن مسعود الغرداوي ... جمعية الشيخ أبي إسحاق ... الحاج موسى بشير ... احتمال احتوائها على أقدم نسخة في وادي ميزاب ... هـ ... جمعية الشيخ أبي إسحاق ... قسم التراث
1550
المبحث الرابع: جهود بعض الباحثين في فهرسة المكتبات:
بعد أن رأينا جهود جمعية التراث بالقرارة، وجهود مؤسسة عمي سعيد، نعرج إلى الحديث عن مكتبات تعاقدت مع بعض الأساتذة المهتمين بالفهرسة، فأنجزوا لها فهرسة حديثة، على غرار المعمول به في الواقع، وسنتعرض هذه الفهارس حسب تاريخ صدورها، وهي:
1 - مكتبة الشيخ صالح لعلي (بني يزقن):
تعود المكتبة إلى الشيخ لعلي صالح بن عمر، (1287 - 1347هـ/ 1870 - 1928م) تلميذ الشيخ اطفيش القطب، وهي مكتبة نفيسة، (1/213)
صفحة 212
وبها درر ثمينة من مخطوطات تعود إلى القرون الثلاثة الهجرية الأولى. ولما عزمت إدارة المكتبة على فهرستها اتصلت بالأستاذين: بوراس يحيى، وبنْقة أيوب وأسندت لهما مهمة الفهرسة، فاهتما كثيرا بمقابلة خطوط النساخ لاكتشاف الناسخ وتاريخ النسخ، وبالبحث عن كتب الأوراق المبعثرة.
وتبنّى المفهرسان مسألة تقسيم الفهرس إلى 03 مجلدات، اختص المجلد الأول بالأعمال النثرية، ويليه المجلد الثاني في الرسائل والأجوبة والردود، والثالث للقصائد والنظم والأراجيز، وكل قسم رُتّبت مخطوطاته حسب المواضيع، وهو ما أثقل الفهرس في نظرنا، ويتعب الباحث للوصول إلى مبتغاه، ويختتم الفهرس بملحق للأشكال وصور لوضع المخطوط في الخزانة، وصور رقمية لمنسوخات قديمة.
2 - مكتبة إبراهيم أوزكري (بني يزقن):
أوكل إلي صاحب المكتبة السيد: الحاج الناصر مختار إدارة المكتبة، فسعيت إلى الإشراف العلمي على فهرسة كتبها المطبوعة، ثم أتبعناها بفهرسة وثائق مهمة يبلغ عددها 5000 وثيقة، وهي مفهرسة بدقة في 04 مجلدات، المجلدان الأوّلان للوثائق العربية، والمجلدان الآخران للوثائق بمختلف اللغات الأجنبية، وتعتبر –حسب اطلاعنا- أول فهرسة شاملة للوثائق في مكتبات وادي ميزاب –، ثم انتقلنا إلى فهرسة مخطوطات المكتبة.
باشر عمل إنجاز فهرس مخطوطات المكتبة الأستاذ: ابن ادريسو مصطفى بن محمد بن داود (1)، وتبادلنا معًا طريقة الفهرسة فكانت كالتالي:
تم سرد المخطوطات دون التقيد بإدراجها تحت مواضيعها، ووضع كشاف للمواضيع، وقسمت صفحة العرض إلى قسمين تجنبا لبقاء الفراغ في أسطر عرض معلومات المخطوط.
تعود أقدم نسخة في المكتبة إلى 18 رجب 741هـ لكتاب تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي، بنسخ محمد بن أبي بكر بن أحمد الشافعي.
__________
(1) - يختلف معي في اسم الجد، فهو ابن لداود، وأنا لصالح. (1/214)
صفحة 213
3 - مكتبة الاستقامة (بني يزقن):
تعود المكتبة إلى عشيرة بامحمد ببني يزقن، وهي مكتبة عمومية تفتح أبوابها مساء كل يوم، أسندت الفهرسة إلى الأستاذين بوراس يحيى والحاج موسى بشير، لكن دون أن يكون تحت إطار قسم التراث، إلا أنهما اتبعا نفس طريقة الفهرسة في القسم.
وتنقسم المكتبة إلى خزانتين، ولكل واحدة فهرسها الخاص، تحت مسمى واحد، فهرس مكتبة الاستقامة. أنجز الفهرس الأول باسم الخزانة الأولى، التي تحوي إيداعات مختلف المشايخ، وهم:
الشيخ الثميني عبد العزيز (و: 1130هـ/ 1798، ت: 1223هـ/ 1808م).
الشيخ إبراهيم بن بِحْمان (ق12هـ/ 18م).
الشيخ الثميني محمد بن صالح (ت: 1390هـ/ 1970م)، استقر في تونس، وفيها توفي.
ومن نفائس الخزانة كتب لعبد الله بن يزيد الفزاري (ق3هـ)، وبخاصة كتابه القدر.
أما الفهرس الثاني فهو للخزانة الثانية التي تحتوي على مجموعة مخطوطات تكرم بها ورثة المشايخ والأساتذة، الآتية أسماؤهم:
زكرياء زكري بن سعيد (ت: 1367هـ/ 1948م)، ممن احتج كثيرا على السلطات الفرنسية في قضية التجنيد الإجباري لأبناء المسلمين في الجيش الفرنسي.
بكاي محمد بن عمر (ت: 1911م)، فقيه.
تزقغين محمد بن صالح (ت: 1964م)، أستاذ ثانوي.
الثميني عبد العزيز بن يوسف (ت: 1974م)، مساعد الثميني محمد بن صالح في إدارة البعثات العلمية الميزابية إلى تونس إبان الاحتلال الفرنسي.
بزملال صالح بن عيسى (ت: 1999م)، عالم وفقيه ومتخصص في القراءات، كان - قبل وفاته رحمه الله - قيّما لهذه المكتبة رفقة الأستاذ بكاي سليمان.
4 - مكتبة الشيخ ببانو محمد بن يوسف (بني يزقن):
أنجزت لها فهرسة دقيقة في أوت 2006، لكن لم نتصفحها جيدا، بها حوالي 1010 عنوانا. (1/215)
صفحة 214
جدول خزائن المكتبات وعدد المخطوطات
(فهارس للباحثين)
الرقم ... المكتبة ... الخزانات ... المكان ... تاريخ إنجاز الفهرس ... عدد العناوين
1 ... الشيخ صالح لعلي ... بني يزقن ... سبتمبر 2000م
2 ... إبراهيم أوزكري ... بني يزقن ... أوت 2002
3 ... الاستقامة ... الخزانة1: ... بني يزقن ... ربيع الأول 1427هـ/ أفريل 2006 ... 695 ... الشيخ الثميني عبد العزيز ... الشيخ إبراهيم بن بحْمان ... الثميني محمد بن صالح ... الخزانة2: ... زكرياء زكري بن سعيد ... بكاي محمد بن عمر ... تزقْغين محمد بن صالح ... الثميني عبد العزيز بن يوسف ... بزملال صالح بن عيسى
4 ... الشيخ ببانو محمد بن يوسف ... بني يزقن ... أوت 2007
3672 (1/221)
صفحة 215
جدول للمعلومات المختلفة عن فهارس المكتبات
(من فهارس قسم التراث والمكتبة لمؤسسة الشيخ عمي سعيد)
الرقم ... اسم المكتبة ... المنجزون ... المقدمة ... ملاحظات ... أقدم نسخ ... عدد الصفحات ... الملاحق ... مقر المكتبة
1 ... الشيخ صالح لعلي ... بوراس يحيى ... بوراس يحيى ... الفهرس في 03 مجلدات ... مستقل ... بنْقة أيوب ... بنْقة أيوب
2 ... إبراهيم أوزكري ... ابن ادريسو مصطفى ابن محمد بن داود ... دون مقدمة ... سرد المخطوطات دون التقيد بإدراجها تحت مواضيعها، مع وضع كشاف للمواضيع ... هـ ... مستقل ... ابن ادريسو مصطفى ابن محمد بن صالح
3 ... الاستقامة ... الحاج موسى بشير ... الحاج موسى ... كتب عبد الله بن يزيد الفزاري ق3هـ ... مستقل
بوراس يحيى ... بوراس يحيى (1/222)
صفحة 216
4 ... الشيخ ببانو محمد ابن يوسف ... بوراس يحيى ... بوراس يحيى ... مكتبة الشيخ لعلي
477
وللتعرف على عدد المكتبات في وادي ميزاب، والمجموع الإجمالي لعناوين المخطوطات المفهرسة إلى حد الساعة، وكذا عدد صفحات الفهارس، ننظر الجدول التالي:
المكتبات حسب الفهرسة ... عدد المخطوطات ... عدد المكتبات ... عدد صفحات الفهارس
المكتبات التي لم تفهرس فهرسة حديثة (القوائم الأولية)
مكتبات لم تنه جمعية التراث فهرستها (ولم ترد في فهرس القوائم الأولية)
المكتبات المفهرسة من قبل جمعية التراث –القرارة-
المكتبات المفهرسة من قبل قسم التراث والمكتبة لمؤسسة الشيخ عمي سعيد بغرداية
المكتبات المفهرسة من قبل الباحثين
المجموع ... 10236
خاتمة:
بعد التعرف على العدد الكبير للمخطوط الذي يبلغ 10 آلاف عنوان، يصبح من الضروري طباعة كل الفهارس المنجزة للمكتبات، وضمّها تحت دفة واحدة، على أن يعتمد فيه على ترتيب المخطوطات حسب العنوان، ثم تنقل سائر البيانات الببليوغرافية لكل نسخة، مع ذكر اسم المكتبة، ورقم المخطوط في تلك المكتبة.
وللوصول إلى هذه المرحلة سيتطلب مراجعة دقيقة لمعظم عناوين الفهارس وتوحيد أسماء الكتاب الواحد، مع تعريف المجاهيل الممكنة، مما يتطلب تكاتف جهود الباحثين والهيئات المشرفة على الفهرسة، بما فيها جهود جمعية الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التراث بغرداية في التصوير الرقمي لمخطوطات مكتبات وادي ميزاب، والقصد من المقترح كما لا يخفى هو التسهيل على المحقق في اختيار المخطوط المراد دراسته، والتعرف على عدد النسخ المتوفرة لكل عنوان، ويضاف ملحقٌ للكتاب يتضمن أوقات فتح المكتبات العمومية، ودليل هواتف أصحاب المكتبات، وكذا الموقع الجغرافي لكل مكتبة أو خزانة ليسهل على الباحثين الاتصال بها.
وفي الأخير لا يسعني إلا أن أشكر القائمين على مكتبة الشيخ أبي إسحاق التي وجدت فيها مجمل مادة العرض من قوائم الفهرسة ومن فهارس المخطوطات، فتقبل الله منهم، وأعانهم إلى المزيد من الخدمات للباحثين. (1/223)
صفحة 217
الهوية في شعر مفدي زكرياء
الدّكتور محمّد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها ـــــ جامعة باتنة عاش الشّاعر الجزائري،
وما يزال يعيش أزمة نفسيّة كبيرة؛ إذ وجد في محيط يعاني مأساة الاغتراب الفكري واللّغوي، والاضطراب في جانب الانتماء، ويقاسي من معضلة الهوية ... فدخل في صراع داخلي مع نفسه، وآخر خارجي مع غيره، ليصحّح الانحراف، ويصوّب المسار، ويتدارك الأمر. فتحرّك ليدافع عن القومية، ويثبت الهوية الحقيقيّة.
قام الشّعر ليقول كلمته، وليقوم بواجبه في معركة الأصالة والهوية، تقدّم ليفي بوعده في التّعبير عن مشاعر الأمّة، ويفصح عن مقوّماتها، نهض ليوضّح لها طريقها الصّحيح, ومنهجها السّليم في معرفة هويّتها الحقيقيّة، أبحر ليتحمّل عبء التّغيير نحو الأصلح والأقوم ...
تحرّك بمنهجية محكمة، وبروح صادقة أصيلة، تستلهم الثالوث، الذي يحكم الهوية الوطنية: الدّين واللّغة والوطن. شعار الحركة الإصلاحية، وكلّ وطنيّ أصيل، متأصّل راسخ في عقيدته، متمسّك بوطنيته، متشبّث بلسانه.
من هؤلاء الشّعراء، شاعر القضية والرّسالة، والوطنيّة والأصالة. مفدي زكرياء، الذي سخّر حياته، ووجّهها شطر دينه ووطنه ولغته، وأفناها في سبيل الدّفاع عن الهويّة والقومية الأصيلة، وتجرّع من أجل ذلك الأمرّين. لكنّه لم يعبأ بكلّ هذا، بل وجد فيه الحلاوة والسّعادة والرّاحة، ما دام ذلك يقود إلى الهناء والعيش الحرّ ...
قصائده كلّها تنضح بهذه الرّوح، روح الأصالة والوطنيّة، وتنبض بالحماسة الصّادقة للانتماء والهوية (1/224)
صفحة 218
الحقيقيَيْن. لذا نجد في شعره هذا التّكرار لما يفصح عن الأصول، وهذا التّعدّد لمظاهر الانتماء، وهذا التّفنّن في إبراز حقيقة الهوية ... نحاول الوقوف عند بعض الأمثلة التي تشهد بكلّ ذلك.
1 – قصائد مسخّرة لتثبيت الهوية:
تظهر بعض القصائد وكأنّ الشّاعر وجّهها أصلاً لتثبيت الهويّة، وتركيز مقوّماتها في نفوس المنتمين إلى الأمّة العربية الإسلامية، وردّ كلّ أشكال الادّعاءات التي يبديها من يروم فصل فروع الأخلاف عن جذور الأسلاف. حتّى ولو كانت المناسبة التي يقول فيها الشّاعر هذه القصيدة أو تلك لا تدفع إلى القول في هدا الموضوع. إلاّ أنّ الشّاعر وهو يحمل رسالة محدّدة ودائمة، وهو ينوء بِهمَّ المحافظة على الهوية، والدّفاع عنها ... يستغلّ كلّ فرصة، وكلّ موقف ومشهد ليستلهم منه ما يسعفه ويعينه على أداء رسالته. أمّا إذا كان في الأمر استفزاز، وفي المخطّط استهتار، أوكانت المعركة مسألة موت أو حياة في مسألة الأصالة والهويّة، وكان العمل يجري على الدّوس على المقوّمات، وتحويل وجهة الأمّة إلى وجهة، تتناقض مع الأصول والمبادئ، فإنّ الموقف يدفعه إلى التّحرّك والتّجنّد والتّجلّد والتّفنّن في القول والعمل لصيانة الهوية، وحماية الانتماء. (1)
في خضمّ معركة التّحرير من سيف الظّلم المصلت على الهويّة، وفي أتون الحرب ضدّ السّطو على الحرية، وفي غمرة الرّدّ على الادّعاءات المغرضة، الهادفة إلى تشويه الأصالة، والتّشكيك في حقيقة الانتماء. شارك مفدي زكريّاء الشّعب الجزائري في مقاومة الاعتداء على الهويّة، ومقاضاة المهاجمين على الأصالة، ومحاربة مشروعات الاستهتار بالقيم والمقوّمات. وقف سنة 1955م ليوضّح لرسل الشّرق حقيقة ما يحمله الشّعب الجزائري من روح الانتماء إلى الأصول الحقيقية، فهو أبدًا لم يخن العهد،
__________
(1) - ينظر مثلا في ديوانه اللّهب المقدّس القصائد الآتية: «الذبيح الصّاعد». و «اقرأ كتابك»، و «لا عزّ حتّى تستقلّ جزائر» ... و «إلياذة الجزائر»، وغيرها. (1/225)
صفحة 219
ولم يتخلّ عن أرومته العربية الإسلامية. ارتجل أبياتًا، في حفل أقيم في الدّار البيضاء بالمغرب الأقصى، شاركت فيه وفود عربية، قَدِمَتْ لتهنئة الشّعب المغربي بعيد الاستقلال. فقال عن الجزائر ضمن الحديث عن المغرب العربي، الذي يؤمن به الشّاعر وطنًا واحدًا، لا ينقسم ولا يتجزّأ:
سَلِ الفصحى، وقل للضّاد رفقًا
لسان الحال أفصحُ منك نطقَا
وخلّ الشّعر، فالأيّام شعرٌ
قصائدها على الأجيال تُلقَى
وتِهْ يا قلبُ، فالأكوان نشوَى
وذُبْ في كاسِها نَجْوًى وعشقَا
وسِرْ في المغرب العربيّ لَحْنَا
وفي قيثارة الأعياد عرقَا (1)
كان الحديث عن المغرب الأقصى مقدّمة للتّحدّث عن الجزائر. فبعد أن أشار إلى أنّ هذا الشّعب منتمٍ إلى العروبة، ومندمجٌ فيها، ومتوجّه إلى قبلتها، ومتحمّس لما تدعو إليه وما تحمله من قيم ومقوّمات ... تحوّل إلى الجزائر وخاطب الأشقّاء العرب وسفراءهم، وطلب منهم أن ينقلوا عنه هذه الحقائق:
رسولَ الشّرق .. قل للشّرق إنَّا ... على عهد العروبة، سوف نبقَى
وإمّا بالجزائر، أنكرونا ... سنخرق وصمة (الإجماع) خرقَا
رسولَ الشّرق .. قل للشّرق إنَّا ... نُسام الخسفَ ألوانًا، ونُسْقَى
وأنّ الشّامتين بنا أبادُوا ... أعزّ ديارنا نسْفًا ومَحْقا
وأنّ العابثين بنا أزالوا ... مرابض أسْدِنا هدْمًا وحرْقا
وقد زعموا الجزائر من فرنسا ... وراموا (مزجها) سفَهًا وحمقا
سيعترف الزّمان غدًا بأنَّا ... سبقنا وثبة الأقدار سبْقَا
وأنَّا في الجزائر خير شعبٍ ... عروبته مدى الأجيال وُثْقَى
وأنّ الوَحدة الكبرَى، إذا ما ... تَحرّرت الجزائر، سوف تبقَى (2)
__________
(1) - مفدي زكريّاء، اللّهب المقدّس، ط2، نشر وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينية، الجزائر، فيفري 1973، ص: 120.
(2) - المصدر السّابق، ص: 122، 123. (1/226)
صفحة 220
الشّاعر في هذه الطّلب والالتماس يرجو من كلّ أخ شقيق أن يكون خير رسولٍ وخير مبلّغ، ينقل الحقيقة لقومه، ويبيّن له أنّ الشّعب الجزائري ليس إلاّ عربيًّا مسلمًا، وليس لما يدّعيه المحتلّ الغاصب الكذّاب، من تحوّل هذا الشّعب عن وجهته، وتخلّيه عن أصوله، وزعمه أنّه أصبح جزءًا من كيانه ... ليس لكلّ ذلك من صحّة.
في الذّكرى الرّابعة لثورة نوفمبر المجيدة، كتب الشّاعر رائعته: " اقرأ كتابك" في ظلمات السّجن، وأرسلها إلى الملأ ليطارد بها ظلام الضّيم والحيف. وكان المحور الذي يرسل أشعته ليحرّك دولاب الثّورة والنّقمة على الدّخيل المستبدّ في هذه الرّسالة الموجّهة، هو الوطن. وكانت البؤرة التي صهرت مشاعر الشّاعر، وانطلقت منها شظايا تحرق أجسام المعتدين الغاصبين، هي الجزائر. والوطن هو محور الهوية والأصالة. فممّا قاله في هذه القصيدة، وهو يشيد بشهامة الشّعب الجزائري وأصالته:
شعبٌ، دعاه إلى الخلاص بُناتُهُ
فانصبّ مذْ سمعَ النّدا، وتطوّعا
وأراده المستعمرون عناصرًا
فأبى مع (التّاريخ) أن يتصدّعا
واستضعفوه، فقرّروا إذلاله
فأبت كرامته له أن يخضعَا
واستدرجوه، فدبّروا إدماجه
فأبت عروبته له أن يُبلعَا
وعن العقيدة، زوّروا تَحريفه
فأبى مع (الإيمان) أن يتزعزعَا
وتعمّدوا قطعَ الطّريقِ، فلَمْ تُرِدْ
أسبابه بالعرب أن تتقطّعَا
نسبٌ بدنيا العربِ زكّى غرسهُ
ألَمٌ، فأورقَ دوحُهُ، وتفرّعَا (1)
كلّ محاولات الغاصب في إبعاد الشّعب الجزائري عن أصوله باءت بالفشل؛ لأنّه قويّ بمقوّماته، عصيّ على الأعداء بثباته، أبيّ على الانسلاخ والذّوبان بتماسكه وصلابة أصوله، راسخ الجذور بصفاء انتمائه ووضوح هويّته. فهي العروبة التي يحضنها الإسلام، ويغذّيها الإيمان، وترعاها العقيدة:
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ط2، ص: 59، 60. ينظر أيضًا ص: 204، 205. (1/227)
صفحة 221
تلك العروبة، إن تثُرْ أعصابُها
وَهَن الزّمانُ حيالها وتضعضعَا
الضّاد في الأجيال خلّدَ مَجْدَها
والجُرحُ وحّدَ في هواها المنزعَا (1)
فليعلم المستعمرون، وكلّ من يجهل الحقيقة، أنّ العروبة هي مصدر الانتماء. ومن ثمّ فهي التي تقرّر ماذا تصنع، وكيف تتحرّك، وبماذا تشير ... :
وتعلّم المستعمرون حقيقة
تبقى لمن جَهلَ العروبة مرجِعَا
دنيا العروبة، لا ترجّح جانبًا
في الكتلتين، ولا تفضّل موضِعَا
للشّرق، في هذا الوجود رسالة
علياء، صدّق وحيها، فتجمّعَا (2)
إنّ القصيدة كلّها تنضح تمسّكًا وتعلّقًا بالعروبة، وتصرخ عاليًا: لا أصل للجزائر سوى هذه الأرومة. آلامها وآمالها، إرادتها وإدارتها، جراحاتها ونداءاتها، توجّهاتها ووجهتها ... كلّها عربية. إنّ الانتماء عربي إسلامي، والهوية عربية إسلامية.
إنّ تمسّك الشّاعر بالأصالة، وتشبّثه بالانتماء يفرضان على شعره دومًا حضور كلمات أو معانٍ أو مشاعر، تترجم عن هذا الشّعور أو الإحساس. لهذا نجده في قصيدة:" فلا عزّ حتّى تستقلّ جزائر" يخاطب سنة 1961م الإخوة العرب، ويؤكّد لهم أن لا عزّة ولا كرامة للعرب حتّى تستقلّ الجزائر بحريّتها، وتبعد عنها كلّ ما يمسّ أصالتها، ويخدش انتماءها. بعد أن يتجوّل بهم في ربوع بلاده، ويطلعهم على ذكرياته الحلوة فيها، ويقدّم لوحات جميلة عن هذه الأماكن، يقول لهم:
بلادي التي أعنو ــــ احتسابًا ــــــ لوجهها
وأحمل في الأرزاء من أجلها إِصرا
بلادي التي من ذوب قلبي، نظمتها
نشيدًا، فغنّى الكون ثورتها شعرا
غمست بِمطلول الجراحات ريشتي
فجاءت (رسومي) تُلهم العقل والفكرا
وواكبت في الأعماق ثورة أمّتي
ولا زلت حتّى (أرسم) البعث والنّشرا
ويا عربيًّا في بلاد شقيقة
عروبتنا .. من يستطيع لها نُكرا؟
فما حربنا إلاّ امتداد لثورة
أراد لها من كان يخذلنا خسرا
فلسطين في أرض الجزائر بعثها
فمدّوا يدًا نَحْمِ المعاقل والثّغرا
فلا عزّ حتّى تستقلّ جزائرٌ
ولا مَجد حتّى نصنع الوَحدة الكبرى (3)
2 – العروبة والإسلام
يقول مفدي زكرياء:
وُهبنَا العروبة جنسًا ودينا
وإنّا بما قد وُهبنا رضينا
إذا كان هذا يوحّد صفًّا
ويجمع شَملاً، رفعنا جبينا (4)
تناول مفدي زكرياء هذا الموضوع في إطار تثبيت الهوية، وتأكيد الانتماء. نجد في أشعاره ألفاظًا كثيرة تدور في فلك
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 60.
(2) - المصدر السّابق، ص: 64.
(3) - المصدر السّابق، ص: 317 – 319.
(4) - مفدي زكرياء، إلياذة الجزائر، إعداد وتوثيق وتقديم الدّكتور محمد عيسى وموسى، نشر مؤسّسة مفدي زكريّاء، الجزائر، 2006م، ص: 63. (1/228)
صفحة 222
العروبة (1). هذا التّناول يعطي لفظة العروبة مفهومًا متميّزًا، ودلالات خاصّة، تستحقّ الوقوف عليها وعندها؛ إذ تُمَكِّنُ الباحث أن يتعرّف على أحد المعالم، التي تبرز حقيقة الهوية، التي يسعى الشّاعر إلى بيانها في شعره.
يقول الدّكتور صالح الخرفي: «لم يكتفِ الشّعراء في المغرب العربي بالتّغنّي بلفظة (العروبة) أجراسًا وحروفًا، أو تناولوها تناولاً غائمًا طافيًا، وإنّما كانت اللّفظة تعني تَموّجات فكريةً، وذبذبات عقائدية، مستمدّة من الصّراع اليومي، والمواجهة الدّائبة في سبيل الحفاظ على مقوّمات العروبة، يوم كانت العروبة في أقطار عربية كثيرة مجرّد جرس منبري، ونشوة اعتزاز» (2)
معنى ذلك أنّ تناول الموضوع كان هدفُهُ الوقوف أمام الهجمات المتكرّرة على الهويّة، ومن ثمّ كانت الغاية تثبيت المنتمين إلى العروبة
__________
(1) - ينظر الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، " العروبة في شعر مفذي زكرياء "، مجلّة الثّقافة، وزارة الثّقافة، الجزائر، السّنة العشرون، عدد: 107، 108، مارس/ افريل 1995م.
(2) - الدّكتور صالح الخرفي، في رحاب المغرب العربي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985م، ص: 208، 209. (1/229)
صفحة 223
إليها، وربط الأجيال المتعاقبة بها. هذا التّناول هو رسالة يقوم بها الشّاعر. ومفدي زكرياء أحد هؤلاء الذين كانت العروبة فيهم عقيدة، لا يمكن التّنصّل منها، أو الانسلاخ منها:
عهدُ العروبة ركن من عقيدتنا
وللعروبة في أصلابنا رحمُ (1)
يزيد هذه العقيدة وضوحًا وجلاءً، فيقول مخاطبًا العروبة نفسها، وكأنّه يقدّم لها آيات الولاء والوفاء، مؤكّدًا على تجذّر وطنه في أعماقها:
ويا عروبة ُ من أمٍّ لنا وأبٍ
هنا العروبة دوحات وأغصانُ
هنا الأصالة في صُلبٍ وفي رحمٍ
هنا القرارات تدبيرٌ ورجحانُ (2)
العروبة عقيدة راسخة في القلوب والأحلام، أصيلة في الأصلاب والأرحام، وهي دم جارٍ في العروق والأجسام ... وهو ما يجعلها تزهر وتثمر، وتعطي وطنًا أصيلاً كالجزائر. يقدّمه الشّاعر بالبطاقة الآتية:
وطن المعجزات والعبقريهْ
والبطولات والنّهى والرّويهْ
وبلاد أصيلة عربيّهْ
عابقات بها الدّماءُ الزّكيهْ
صارخات بها معاني الحميّهْ
فارعات بها الزّنود القويّهْ
زاخرات بالجود والأريحيهْ
طافحات بها نبيل المشاعرْ
كرمُ الطّبع من صفات الجزائر (3)
لهذه المكانة التي تحتلّلها الجزائر، بهذه المقوّمات التي تتوفّر عليها،
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 303. دأب الشّاعر كثيرًا على ربط كلمة العروبة بألفاظ جليلة وموحية، كقوله في مواضع كثيرة: " عزّ العروبة" ينظر اللّهب المقدّس، ص: 51، 297.
(2) - مفدي زكرياء، أمجادنا تتكلّم، جمعه وحقّقه مصطفى بن الحاج بكير حمّودة، نشر مؤسّسة مفدي زكرياء والوكالة الوطنية للاتّصال والنّشر والإشهار، الجزائر، ص: 184. يستعمل الشّاعر كثيرًا لفظة (صُلب) ليؤكّد على تجذّر الأصل في عمق العنصر العربي. يقول مثلاً:
نحن من صلب العربْ
نحن روحٌ من لهبْ
سوف نبني لِعُلانا
كلّ شبرٍ في الجزائر
ينظر " أمجادنا تتكّلم"، ص: 211.
(3) - أمجادنا تتكلّم، ص: 206. (1/230)
صفحة 224
وبِهذه المميّزات التي تتميّز بها، وبهذا المحتد الأصيل الذي تنتسب إليه ... يدعو الشّاعر أبناءها وأحرارها إلى الإبقاء عليها أصيلة:
وافطِموها على العروبة: فكرًا ... ولسانًا ومهجةً وضمائِرْ (1)
هو بدوره يستلهم هذه العروبة بفكرها ولسانها ووجدانها، ليقول شعرًا كبيرًا راقيًا رائقًا، ساميًا سموَّ هذه العروبة نفسها:
على نبضات الشّعب، وقّعتُ ألحاني
ومن نشوة التّحرير، لَحّنتُ أوزاني
وأنشدتُ في أفراح شعبي وترحهِ
روائعَ، لَم يصدع بإعجازها ثاني
وخلّدتُ من مَجد العروبة صفحةً
رسمتُ على عنوانها وجهَ قحطان
وملءَ عروقي صارخٌ دمُ يعربٍ
فألهمني ينبوعُ يعربَ تبياني
وتيّمني حبّ الجزائر، فارتوى
نشيديَ في السّاحات من دمها القاني
وهمتُ بأبناء العروبة يافعًا
أرى كلّ أبناء العروبة إخواني
تعلّقتُ بالفصحي، وأشربتُ حُبّها
وأرغمتُ فيها أنف من تَحدّاني (2)
باستقراء الكلمات التي بنى بها الشّاعر هذه الأبيات، نقف على هذه الرّوح العالية السّامية، التي يحملها في داخله، نحو العروبة والعربية والعرب. هي ألفاظ مشحونة بالعاطفة الجيّاشة، والشّعور الصّادق. والأمل الكبير في خدمة ما يتّصل بالعروبة، والعزم الأكيد على تسخير روحها في القيام بما يمليه الصّالح العام، وفي تحرير الأوطان والأركان من كلّ ما يضرّ بها.
هذه العهود التي تدفع إليها العروبة نابعة من طبيعتها التي تمتزج بالإسلام قلبًا وقالبًا. من هنا نجد الشّاعر لا يفرّق أبدًا بين العروبة والإسلام في الانتماء والتّناول والعمل. يقف الشّاعر دائمًا دائبًا على ردّ كلّ ما يمسّ من أصالة الجزائر ممارسة أو دعاية. فقد كتب يندّد بمشروعات التّجنيس والاندماج، وبخاصّة " مشروع بلوم فيوليت".
كتب سنة 1937م قصيدة، عُنْوِنَتْ بِـ" البردة الوطنية" تعد 43 بيتًا. حاول من خلالها الكشف عن حقيقة الجزائر وانتمائها، بعد أن راجت أخبار، ونشرت دعايات مغرضة،
__________
(1) - المصدر السّابق، 174.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 320، 321. (1/231)
صفحة 225
تذيع أنّها تخلّت ّ عن عروبتها، أو سلبت منها، بسبب أعمال التّعسّف والتّشويه التي قام بها المستعمر؛ ليسلخ الجزائر من شخصيتها، لكنّه لم يفلح. فبقيت الجزائر عربية مسلمة، محتفظة بمقوّماتها. كتب الشّاعر هذه القصيدة، وعمد فيها إلى المزج بين العروبة والإسلام، ليبيّن الأصل الذي تنتمي إليه الجزائر، وليؤكّد اللّحمة المتينة بين العروبة والإسلام. يظهر هذا في كلماتٍ في النّصّ، والتي كان يستعملها عمْدًا من أجل ذلك. من هذه الكلمات التي كان يمازج بينها في القصيدة: " الدّين، الإسلام، العروبة، عربيّ، الضّاد، الشّرق، الفصحى، الضّاد ... " قال وهو يحدّد من هو، وما حقيقة شعبه، وما أصل وطنه الجزائر:
نحن روح، مزاجه الضّاد والدْ
دِين، فلن يستطيع قطّ انْحلالا
قومٌ، على الولاءِ خُلِقْنا
يشهد الدّهر ذكرنا والفعالا
نحن شعبٌ على الزّمان عزيزٌ
عربيّ كالنّيّرين اشتعالا
عشتمُ للشّمال والشّرق والفصـ
حَى، وقضيتم الحياةَ نضالا
أيّها الشّعبُ والجزائرُ تشكو
في ثنايا الضّلوع داءً عضالا
وتنادي بني العروبة (وامعـ
تِصماه) قد أحكموا الاغتيالا
إنّ شعبًا على العروبة والإسـ
لام، قد شبَّ، لا يطيقُ فصالا
إنّ جنسًا مقدّسًا عربيًا
ليس يرضى أن يستحيلَ خيالا
إنّ جنس النّبيّ صعبٌ على الهضـ
ـــمِ، فيا غربُ كفّ عنك المحالا (1)
حين أراد الإشادة بمدرسة الإخاء ببسكرة، وبما تقوم به من نشاط وعمل كبيرين في التّربية والتّعليم والتّنشئة السّليمة ... ركّز على عناصر رئيسة ومهمّة في هذا التّكوين والإعداد، وربط كلّ ذلك بالعروبة والإسلام مُمْتَزِجَيْن، يتحّركان في خطّ واحد، ويسيران مندمجين فيما بينهما، قال سنة 1931م تحت عنوان: " قف للعروبة حيَّهِا ببسكرة ":
__________
(1) - الدّكتور محمد ناصر، مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، ط2، نشر جمعية التّراث، العطف، غرداية، 1989م، ص: 212. ينظر العرض نفسه، والرّوح ذاتها (المزج بين العروبة والإسلام)، " أمجادنا تتكلّم"، ص: 221. (1/232)
صفحة 226
كذا يطيب الجنى، ولتشدُ ألحانُ
ولْيُصغِ آثارنا في التّرب قَحطان
بنخوة في عروقٍ، ملؤها شمم
وعزّةٍ في دمٍ، يذكيه إ يمان
وأنفس عربيّات مقدّسة
دانت لها قبلُ أعراشٌ وتيجان
قوم أعالون أمجاد جَحاجَِحَة
كانوا هم الرّوح، والإسلامُ جُثمان
قومٌ هم العرب الأمجاد، لا عجبٌ
أنْ ندّعي صَيَدًا، والدّمعُ هتّان
قف للعروبة حيّها ببسكرة
وارقص لها طربًا، والقلب ولهان (1)
إنّ الجزائر لا ترضى بغير الإسلام والعربية مصدرًا تنتسب إليه، وأرومة تتَصل بها بسبب ونسب، لهذا فهي لا ترضخ لأيّ جهة تريد ابتلاعها، أو دمجها في كيانها، أو تحويلها عن وجهتها:
فلسنا نرضى الامتزاجا
ولسنا نرضى التّجنيسا
ولسنا نرضى الاندماجا
ولا نرتدّ فرنسيسا
رضينا بالإسلام تاجا
كفى الجهّال تدنيسا
فكلّ من يبغي اعوجاجا
رجمناه كإبليسا (2)
هو يرى أنّ المغرب بأقطاره وطن واحد، عربي الوجهة، شرقي الانتماء. ممّا يؤكّد على هويّة الجزائر العربية الإسلامية. يُبرزُ الشّاعر هذا حين يقرن الجزائر ويربطها بإحكام بمن يجاورها سكنًا، ويشاركها انتماءً:
والمغرب العربيّ شعبٌ واحدٌ
ملءَ العروق دمُ العروبة جاري
للشّرق، لا للغرب ولّى وجهه
فغدا له سندًا لِخوضْ غمار (3)
هكذا يتبيّن الانتماء الحقيقي للجزائر كما صوّره مفدي زكريّاء، انتماء يضمّ العروبة إلى الإسلام، ويجعل الإسلام يحوي العروبة. هذا المفهوم حمله الشّعراء الجزائريّون في قلوبهم، وعبّروا عنه في شعرهم، ودعوا الشّعب إلى الالتزام به في حياتهم. فمحمّد العيد آل خليفة مثلا يقول:
يسائلني عن نسبتي كلّ وافد
عليّ، وعن شعري، وعن كنه مطلبي
__________
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 97، 98.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 105.
(3) - المصدر السّابق، ص: 118. (1/233)
صفحة 227
فقلت لهم: أرض العروبة موطني
وديني هو الإسلام، والقدوة النّبي
ومن مطلبي جمع العروبة كلّها
على وَحدة عظمى، بشرق ومغرب
تسامحتُ، والإسلامُ دين تسامح
وآمنتُ بالقرآن، دون تعصّب (1)
يعلّق أحمد هويس على هذه الأبيات: " هكذا تتألّق فلسفة الانتماء في شعر محمّد العيد الإنسان. إنّه صوت العروبة بنبرة إسلامية صريحة، تترفّع عن الإقليمية الضّيّقة، وعن الجهوية العمياء. فالعروبة والإسلام لديه بمثابة جسد وروح، لا انفصام بينهما. (2)
إنّ كلّ ما صنعه المحتلّ والغاصب والمعتدي، لم ينل من عروبة الجزائر، بل بقيت صامدة محافظة على أصالتها ونخوتها وهويّتها:
أرض الجزائر في إفريقيا قُدُسٌ
رحابها من رحاب الخلد، إن صدقوا
قلب العروبة، لم يعصف بِنخوتِها
عسفٌ، ولا نال من إيمانها رهقُ (3)
3 - التّعلّق بالوطن.
أكثر مفدي زكرياء من الحديث عن الوطن، وتغنّى به بشكل لافت للنّظر، وأظهر تعلّقًا كبيرًا به. وقد اتّخذ ذلك أشكالاً متنوّعة، وظهر بألوان متعدّدة. كان يصرّح باسم الجزائر أحيانًا، وأخري يكنّي، ومرّات يُذَكّر بالمعاني والقيم التي تحملها. وكان يحرص ويلحّ أن تُحترم، وتبجّل وتقدّس ... وكان يربط تلك المعاني بتجديد الحنين إليها، وإلى تربتها، بخاصّة لمن أخرج منها، أو انتقل عنها، وينعى على الذين هاجروها ونسوها ...
يتساءل أحيانًا عن حقيقة هذه الجزائر، يبحث في الكرة الأرضية عن البقعة التي حازت على قصب السّبق والرّيادة في الحسن والجمال والجلال، والعظمة والمجد، وعن المكان الذي لا نظير له ولا ندّ ولا ضريب ... فلا يراه إلاّ حمى وطنه، ولا يحسبه سوى قدس موطنه، ولا يعترف به في غير
__________
(1) -أحمد هويس، " صوت محمّد العيد وفلسفة الانتماء": مجلّة الثّقافة، وزارة الثّقافة، الجزائر، السّنة الثّانية عشرة، العدد: 71، ذو القعدة، ذو الحجّة، 1412هـ/ سبتمبر، أكتوبر، 1982، ص: 61.
(2) - المرجع السّابق، ص: 61، 62.
(3) - اللّهب المقدّس، ص: 26. (1/234)
صفحة 228
بلده ... قال سنة 1962م، تحت عنوان: " آمنت بالشّعب فردًا لا شريك له ":
لأيّ حَجٍّ هنا تنصبّ بلدانُ؟
وأيِّ أرضٍ لها ترتجّ أكوان؟
وأيّ عيدٍ له الأجيال شاخصةٌ؟
وأيّ حفلٍ تَجلّى فيه قَحطان؟
وأيّ ساحٍ بها تُصغِي الدّنا كلمي
كأنّها – بعد وحي الله – قرآن؟
هي الحقيقة، أم حلم يهدهدني؟
كم راعه في ظلام اللّيل سجّان
أواقعٌ؟ أم طلاسيمٌ وأخيلةٌ؟
(هاروت) أبدعها؟ أم صاغها جان؟
ومن أنا؟ وهل أنا من كنت أعرفه؟
أم كيف يحمل عرش الله إنسانُ؟
هي (الجزائر) صدر الغيب أطلقها
لمّا تفجّر بالعملاق بركان
هي (الجزائر) وعد الله أنْجدها
لمّا استخفّ بوعد الله طغيانُ
وتلك ألويةٌ للنّصر خافقةٌ
(ثالوثها) عن ضمير الشّعب عنوان
وذا حمى وطني، والشّمل ملتئم
وبين جنبيّ إخوانٌ وخلاّن (1)
أسئلة عديدة عرضها الشّاعر على نفسه، يطلب لها جوابا صريحا وجريئا، تعلن للعالم كلّه أنّ وطنَه الجزائرَ بدعة الفاطر، وروعة الصّانع، وبسمة الرّبّ، ومرآة حسنه وبديع صنعه، وبابل السّحر ... اختار لتقرير هذه الحقيقة أسلوب الاستفهام، الذي يعين على إخراج ما في النّفس من المشاعر والأحاسيس، لتبلغ قلب المخاطب. وتصل عقل المتلقّي، فيقتنعان بما يؤمن به الشّاعر، وهو أنّ الجزائر هي بدع ممّا خلق الله من الأوطان، ومعجزة ممّا صنع من الأكوان، بل هي الحجّة على بديع صنعه، الذي أتقن كلّ شيء خلقه واختاره وميّزه (2):
وطني أنت بدعةٌ صنعتها
من طلاسيم فنّها يدُ ساحرْ
وطني أنت بسمة الرّبّ في الأرْ
ضِ، ومرآة حسنه المتواترْ (3)
كما اختار لهذه الأوصاف ألفاظًا، تتميّز بالقداسة والإيحاء والتّأثير. هذه خصوصية تميّزت بها لغة الشّاعر، وبخاصّة حين يكون في
__________
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 179، 180.
(2) - ينظر هذه الأوصاف، إلياذة الجزائر، ص: 39، 40. وأمجادنا تتكلّم، ص: 171.
(3) - أمجادنا تتكلّم، ص: 171. (1/235)
صفحة 229
قمّة احتدام المشاعر، وفي صدد تمرير رسالة معيّنة محدّدة. فهو يُرْكِبُ مشاعرَه هذا الأسلوبَ ليختصر المسافة بينه وبين المتلقّي، ويصل به الهدف الذي يرمي إليه بسرعة. من هذه الألفاظ: (قرآن، حجّ، وحي الله، عرش الله، وعد الله، صدر الغيب ... ) و (قحطان، هاروت، جان، طغيان، كلمي ... )
هذه الكلمات، وهذا الاعتداد، وهذه الجرأة، وهذه الثّقة الكبيرة ... دفعته أن يقول:
وأوقفتُ ركب الزّمان طويلاً
أسائلهُ عن ثمودٍ وعاد
وعن قصّة المجد، من عهد نوحٍ
وعن إرمٍ .. هي ذات العماد
فأقسم هذا الزّمان يَمينًا
وقال: الجزائر، دون عناد (1)
هذا الإصرار الكبير على تقرير هذه الحقيقة، وهذا الاعتقاد الجازم، الذي لا يتطرّق إليه شكّ: أنّ الجزائر لا تجاري ولا تبارى في مكانتها، وفي جلالها وجمالها. شجّع الشّاعر مفدي زكريّاء أن يأمر مخاطبيه أن يذعنوا للجزائر، وأن يسجدوا لها، لمجرّد سماع اسمها. وجرّأه أن يصفها بأوصاف غاية في القداسة والجلال:
وقل: الجزائر، واصغ إن ذكر اسْمُها
تَجد الجبابر ساجدين وركّعا
إنّ الجزائر في الوجود رسالة
الشّعب حرّرها، وربّك وقّعا
إنّ الجزائر قطعة قدسيّة
في الكون، لَحّنها الرّصاص ووقّعا
وقصيدة أزليّة، أبياتها
حمراءُ .. كان لها نُفَمبر مطلعا
نظمت قوافيَها الجماجمُ في الوغى
وسقى النّجيعُ رويّها فتدفّعا
غنّى بها حرّ الضّمير، فأيقظت
شعبًا إلى التّحرير شَمّر مسرعا
سمع الأصمّ رنينها فَعنا لها
ورأى بها الأعمى الطّريق الأنصعا (2)
" نقرأ في هذه الأبيات الإصرار على التّمسّك بالأرض، والوفاء للوطن، ونقرأ فيها التّقديس والتّعظيم للمنبت، ونسجّل في هذه المبالغةِ والتّصويرِ والتّقديرِ الصّدقَ والوفاءَ والمعاهدة على مقاومة كلّ ما يقف في طريق حبّ الوطن، والهيام به،
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 57.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 58. (1/236)
صفحة 230
والعمل على نصرته. إنّ ذلك جزءٌ من التّعبير عن الهويّة والقومية." (1).
إنّ الشّاعر بهذا التّصوير والوصف والتّقرير يتحدّى الاستعمار، ويردّ على استفزازات المحتلّ الفرنسي، ويتصدّى لمحاولاته اليائسة محو آثار وجود كيان اسمه (الجزائر). وكان يصرّ على التّشبّث بالأرض، والوفاء للوطن، والتمسّك بالولاء للأصول. كلّ ذلك يدخل في صميم الحديث عن الهوية.
كان الشّاعر أحيانًا يكنّي ويرمز إلى الجزائر، ويخاطبها مخاطبة المتغزّل بها، بما يسمّى (الغزل السّياسي). إمعانًا في إظهار مدى تعلّقه بها، فهي حبيب وخليل، وعشيق وعشير، يستحقّ التّودّد والتذلّل والشّكوى له ومنه. يتقدّم إليه الشّاعر بكلمات هي من صميم لغة المحبّين العاشقين المتيّمين. مثل (الهوى، صبابة، مهجتي، لوعتي، الوصل، حديث الفؤاد، خفوق ... ) قال يناجي ويشكو سنة 1930م، تحت عنوان: " خفقة فؤاد: زهرات ضائعات في صفحات ضائعات":
رسولَ الهوى بلّغ سلامي إلى سلمى
وعاطِ حُمَيَّا ثغرها الباسم الألمى
وناجِ هواها، علّ في الغيب رحمةٌ
تدارَكُ هذا القلبَ أن يقضي هَمّا
وبثَّ شكاةً من مشوقٍ مُتيّمٍ
له كبدٌ حرَّى تضيق به غمّا
فكم تحت هذا القلب من لاعج الجوى
وكم بين هذا الجسم من أضلع كلمَى
ألا ليت هل يدري الحبيب كآبتي؟
فينصفَ لي شكوى ظلامتي العظمى
ويا ليت شعري، هل به ما بِمهجتي؟
و يا لهفَ نفسي، هل بأضلعه مِمّا ..
بلادي بلادي ما ألذّ الهوى، وما
أمرَّ كؤوس الحبّ، ممتزجًا سُمّا
بلادي، ألا عطفٌ عليّ بنظرةٍ
حنانيك، ما هذا السّنُوُّ ولا إثْما (2)
أيّ غرام يسكن قلب الشّاعر نحو وطنه! أيّ هيام يشدّ جنانه ببلده! أيّ هوى يقبع في فؤاده لبلاده! ... لا تفسير لكلّ ذلك سوى التّعلّق بالوطن، والحبّ الشديد له،
__________
(1) - الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، الشّعر والهوية القومية، منشورات التّبيين/ الجاحظية، الجزائر، 1999م، ص: 19.
(2) - أمجادنا تتكلّم، ص: 89 – 91. (1/237)
صفحة 231
والارتباط به. ولا تأويل لهذا غير إظهار الولاء له، وتأكيد الانتماء له. والولاء والانتماء مظهران للهوية.
كتب الشّاعر سنة 1956م، يناجي وطنه من غياهب السّجن المظلم، الذي نزل به إلى هذا المكان؛ لأنّه أحبّه وأغرم به، وذاب فيه وهام. فعمل بما يعين على تحريره من أيدي الغاصبين، وتحييده عن سُبُلِ الضّيم والحيف والعسف. فَأُبْعِدَ عنه إلى ظلمة السّجون، فقام يناجيه مناجاة الحبيب، أبعد عن حبيبه، ويهمس إليه همس الرّوح للرّوح ... كتب يغازله:
وربّ نجوى كدنيا الحبّ دافئةٍ
قد نام عنها رقيبي، ليس يسترقُ
عادت بها الرّوح من (سلوى) معطّرةً
فالسّجن، من ذكر (سلوى) كلّه عَبِقُ
سلوى، أناديك سلوى، مثلهم خطأً
لو أنّهم أنصفوا، كان اسمَك الرّمقُ
يا فتنة الرّوح، هلاّ تذكرين فتًى
ما ضرّه السّجنُ، إلاّ أنّه وَمِقُ
هل تذكرين، إذا ما الحظّ حالفنا
إليك أهتفُ يا سلوى، فنتّفقُ؟
سلوى، حديثك يا سلوى يناغمني
والطّرفُ يَختانُ، لا يدري به الحَدقُ
أنفاسك الطّهرُ كالصّهباء تغمرني
دفئًا، ويُسكرني من فرعك العرقُ
سمراء، خدّرها الباري، وصوّرها
إن أرتشفْ ثغرها يفتكْ بي الأرقُ
سلوى، أناديك سلوى، هل تُجاوبني
سلوى؟؟ فإنّ لساني باسمها ذلقُ
ردّي عليّ أهازيجي موقّعةً
فقد أعارك وزنًا قلبيَ الخَفقُ
ورتّليها تسابيحًا مقدّسةً
في معبد الحبّ، يسجد عندها الأفق
يا لائمي في هواها، إنّها قبسٌ
من الجزائر، والأمثال تنطبقُ
بنت الجزائر .. أهوى فيك طلعتها
فكلّ ما فيك من أوصافها خُلق
أحبّها مثل حبّ الله، أعبدها
آمنتُ بالله، لا كُفرٌ، ولا نَزقُ
أرضُ الجزائر في إفريقيا قُدُسٌ
رحابها من رحاب الخلد، إن صدقوا (1)
تكرار الشّاعر للفظة (سلوى) دليل على تعلّقه بها، ووصفه لمظاهر الفتنة، التي تجذب قلب العاشق، برهان على غرامه بها، وتذلّله للحبيب مظهر من مظاهر التّمسّك به. استعراض الذّكريات حجّة على الحنين إلى هواه ...
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 21 – 26. (1/238)
صفحة 232
إنّ الشّاعر سلك هذا الأسلوب في الحديث عن وطنه، الذي أراد الغاصب أن يسلب ويستلّ منه حبّه؛ ليعلن عن الوفاء، ويؤكّد على الولاء، ويثبّت الانتماء. وكلّ ما يفصح عن الهويّة التي ينتهي إليها الشّاعر. إنّ الشّاعر وظّف ما يحسّ به العاشق الولهان المتيّم من غرام وجوى وهوى، في تصوير مشاعره نحو وطنه العزيز الغالي، ليكشف للعدوّ أوّلا أنّه متمسّك بوطنه، متشبّثٌ به، مهما يفعل ويصنع، فليقهر وليزجر ... ويقدّم للعالم ثانيًا حقيقة ما يحمله من الوفاء والارتباط بوطنه. يقول الدّكتور صالح الخرفي: " وعندما يصطدم الحبّ الذّاتي بالحبّ القومي، لا ينتج عن الانصهار إلاّ الانصهارُ في حبّ واحدٍ، يخدم الاثنين معًا، يقدم على الموت ليهب لهما الحياة. وعندما تتلاشى صورة الحبيب في صورة الوطن المعذّب المعاني، لا تتلاشى إلاّ لتلوح من جديد في وطن حرّ كريم. " (1)
4 – التّركيز على التّاريخ
كان مفدي زكرياء يذكّر بالماضي المجيد، ويسرد مناقب الشّخصيات الفاعلة في مسيرة الجزائر، ويحارب التّمرّد على الماضي، بل يقاوم التّنكّر له. ويعمد إلى سرد القيم الحضارية والإنسانية التي سجّلها التّاريخ الإسلامي. له في هذا المجال قصائد كثيرة، يمكن للدّارس أن يقف على ما تتضمّنه من إيحاءات وإشارات، تهدف إلى تحديد هويّة الشّعب الجزائري. يقرأ الباحث هذا – بخاصّة - في " اللّهب المقدّس" وإلياذة الجزائر". وفي الملحمات التي كتبها وهو يسجّل بطولات الشّعب في مختلف مراحل تاريخ الجزائر. قال مثلاً سنة 1957م عام الانتصارات في ملحمة الثّورة الجزائرية:
وإنّا أمّة وسطٌ، نصافي
مودّتنا الألى، قالوا صوابا
وإنّا أمّة المجدِ، قامت
على الأشلاءِ، وامتلأت شبابا
وعن أصلابنا قدمًا ورِثنا
دما حرًّا، وأضلاعا صِلابا
وقلّبنا من التّاريخ وجهًا
وجدّدنا لهيكله إهابا
__________
(1) - الدّكتور صالح الخرفي، الشّعررالجزائري، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، ص: 311. (1/239)
صفحة 233
وجئنا بالخوارق معجزات
فلم نترك لناكرنا ارتيابا
وخضنا (ثلاث) سنين دأبا
فأصبحنا من التّحرير قابا
فلا نرضى مساومة وغبنا
ولا نرضى لسلطتنا اقتضابا
ولن نرضى شريكًا في حِمانا
ولو قسمت لنا الدّنيا منابا (1)
قال الشّاعر هذه الأبيات ضمن قصيدة، عنوانها " قال الله "، تعدّ سبعة وسبعين بيتًا، سنة 1957م، مخلّدًا الذّكرى الثّالثة لثورة أوّل نوفمبر المظفّرة الخالدة. ومسجّلا انتصارات الثّوار على عتوّ فرنسا وغطرستها، إذ مرّغ المجاهدون كبرياء المعتدين الغاصبين في الرّغام. فربط الشّاعر ظفر الأخلاف بانتصارات الأسلاف، وفي هذا التّناول ربط الأجيال بالتّاريخ وبالأصول. دليل ذلك أنّ الشّاعر افتتح القصيدة بقوله:
دعا التّاريخ ليلكَ فاستجابا
(نفمبر) هل وفّيت لنا الحسابا
هذه الإيماءات من شأنها تقوية الرّوح القومية في النّفوس، وتركيز حقيقة الهوية في الأذهان، وهي التي تجعل الشّخص – إذا وعاها حقّ الوعي – واقفًا سدًّا منيعًا في وجه كلّ من يحاول تشكيكه في هويته، وتبقيه دائمَا معتزًّا بشخصيته، مهما يساومه فيها غيره، ومتعلّقًا بأرومته مهما يكن حال وطنه، ومهما يلحقه من بلاده.
5 – وصف الطّبيعة
تناول مفدي زكرياء موضوع الطّبيعة – إبّان الاحتلال الفرنسي بخاصّة – من زاوية التّعبير عن المأساة التي عاشها الشّعب، وهو يرى أرضه تسلب منه، ومواطنه تداس، وجمال الطّبيعة في بلاده يتحوّل إلى دمن.
من بين ما تناوله في الموضوع فضاء الصّحراء. وقد بثّ من خلاله أفكاره القوميّة، ومشاعره الوطنيّة. وكان يرمي إلى إثارة النّخوة في النّفوس، التي كادت تفقدها بسبب الظّروف القاسية التي عاشتها. وكان يهدف إلى إرجاع النّاس إلى فطرتهم في معتقدهم وأخلاقهم
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 40، 41. (1/240)
صفحة 234
وسلوكهم، بعد أن أفسدتها أدناس المدنية وشرورها.
وكان يذكّر النّاشئة بالبطولات التي احتضنتها على أرضها، عبر تاريخ الجزائر وغيرها؛ ليشحذ الهمم، ويحمّس الشّعب، لإظهار بطولات، تدفع إلى الخروج من التّخلّف والحرمان والقهر والضّيم. كلّ ذلك يدخل في صميم الحديث عن الهوية، والارتباط بها.
" يغازل مفدي زكرياء نوفمبر سنة 1957م، ويطارحه مشاعره نحوه، ويعاهده على البقاء معه وفيًا، يسنده كي يحرّر الوطن من الأعداء والغاصبين، ويذكّره بأنّ الأرض الجزائرية كلّها تنتفض لتتحرّر من نير الظّالم الغاشم. من جملة هذه المناطق الصّحراء، التي يعدّ الشّاعر أحد أبنائها، ترعرع فيها صبيًّا، ودرج فيها فتًى، امتزج بكثبانها، وتسلّق نخيلها، واغترف من مائها، وأكل ثمارها." (1)
وفي صحرائنا جنّات عدنٍ
بها تنساب ثروتنا انسيابا
وفي صحرائنا الكبرى كنوز
نطارد عن مواقعها الغرابا
وفي صحرائنا تبر وتَمرٌ
كلا الذّهبين راق بِها وطابا
وفي صحرائنا شعرٌ وسحرٌ
كلا الملكين حطّ بِها الرّكابا
وفي صحرائنا أدب وعلمٌ
زكا بِها المثقّف واستطابا
وفي واحاتنا ظلّ ظليل
تفور به نواعرنا حبابا
وفوق سَمائها قمر منيرٌ
نطارحه الأحاديث العِذابا
وتحت خيامها انبجست عيونٌ
لها (هاروت) قد سجد احتسابا
وتحت نعالها استقلال شعبٍ
يلاقي في (المنظّمة) الصّعابا (2)
عمد الشّاعر إلى وصف مفاتن الصّحراء برومانسية حالمة. إلاّ أنّه لَمْ يبقَ في حدود الوصف، والتّلذّذ بهذه المحاسن، والافتخار والاعتزاز بما تتمتّع بها من جمال، بل تعدّاه إلى غاية أسمى ومرمى أسنى، هو إظهار التّعلّق بالصّحراء، لتحريك النّفوس
__________
(1) - الشّعر والهوية القومية، ص: 32.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 33 – 38. ينظر أيضًا ص: 316، 317. وإلياذة الجزائر، ص: 56. (1/241)
صفحة 235
كي تحسّ بما يحسّ به هو، ويشعر؛ فتثور على ما يمسّ سيادتها، وينال كيانها، ويخدش هويتها. فيضمن المحافظة على أصالتها.
هذه اللّفتة، وهذا التّناول، يدخلان ضمن رسالة الشّاعر الوطنيّة، وهي توعية النّاس بضرورة الثّورة على كلّ مغتصب للأرض، وكلّ معتد على الحمى. وكلّ مستهتر بالهوية، وكلّ مستهين بالأصالة. (1)
6 – تعامل الشّاعر مع اللّغة العربية تعاملاً قوميا
ضمن الرّسالة القومية التي تحمّلها الشّاعر، حاول الارتقاء باللّغة العربية لتنهض بالثّقافة الإسلامية، وتركّز الهوية في النّفوس. فكان في هذا الاستعمال يستغلّ العاطفة الدّينية في المتلقّين والمخاطبين، فيقدّم أفكاره ومشاعره في سياق من الألفاظ القرآنية التي تحمل دلالات تعين على إثارة عاطفة، أو تساعد على تصحيح فكرة، أو تسعى إلى زرع أمل ونزع يأس، وتحثّ على النّهوض لمقاومة الظّلم والانحراف، والقيام من الكبوة، والخروج من التّخلّف، ممّا كان القرآن الكريم قد استعمل فيه هذه الألفاظ اللّغوية، أو كان الشّاعر يوجّهها لتخدم غرضه.
أحسّ مفدي زكرياء – ومثله الشّعراء الجزائريّون –بالخطر الذي يهدّد اللّغة العربية، وبالتّبع ينذر بمصير مشؤوم للإسلام، ومآل مجهول للهويّة. فقاموا بمحاولات جادّة لتدارك الوضع، فكان من بين المبادرات الرّائدة الجادّة محاكاة الأساليب البيانية العالية، كالقرآن الكريم والحديث النّبوي الشّريف والأدب العربيّ الرّفيع ... وقد كان دافعهم في ذلك دينيّا اجتماعيّا قوميّا، وهو إنقاذ الثّقافة العربيّة الإسلامية من التّردّي والاستلاب. ثمّ نفسيًا، وهو الخروج من الغربة الفكرية؛ بالعمل على الارتباط بالأصول الحقيقية، عن طريق الاغتراف من المنابع الصّافية. وهذا ما يضمن سلامة الانتماء، ويثبّت صحّة الهوية.
فهم مفدي زكرياء – مثل شعراء الأصالة – " من الهجوم
__________
(1) - ينظر الشّعر والهوية القومية، ص: 32 – 38. (1/242)
صفحة 236
الاستعماري على اللّغة العربية أنّها محاربة للهويّة الإسلامية وللانتماء العربي، لهذا قاوموا هذا التّيّار والاتّجاه، الذي يرمي إلى الإنقاص من قيمة اللّغة العربية، ومحاولة قطع الصّلة بينها وأصولها ومنابعها. فكان الرّجوع إلى القرآن الكريم ضرورة تمليها طبيعة المعركة الضّارية من أجل البقاء.
فمن خلال احتذاء أساليب القرآن ولغته، يمكن إظهار أسرار اللّغة العربية، لمعرفة خصائصها وعبقريتها، وبالتّالي دفع أباطيل المغرضين، كما أنّ هذا الاستعمال بهذه الكيفية، هو في حقيقته إيحاءٌ وإشارة إلى ضرورة الاعتزاز بالشّخصية الإسلامية، وردّ الاعتبار للأمّة العربية." (1)
لهذا قال مفدي زكرياء للطّلبة – بخاصّة – سنة 1960م يدعوهم إلى صيانة اللّغة العربية، والمحافظة على الهوية القومية:
اتّقوا الله في العروبة والفصـ
حى، كم صوّبوا إليها النّبالا
لغة العزّ والكرامة والمجـ
ـــدِ، تهادى على الدّهور اختيالا
تتحدّى العصر الجديد، وتغزو
أفق الفكر، قوّة وكمالا
كم رماها ذوو الجهالة بالعقـ
ـــــمِ، سفاهًا وخسّةً وضلالا
مسخوها وشوّهوها انتهاكا
وابتغوها سخافة وابتذالا
جهلوها، فأنكروها، وطعم الـ
ماء مُرّ لِمن يئنّ اعتلالا
ذلّ شعبٌ، لَمْ يتّخذ لغة الأجـ
داد حصنًا، ورام عنها انفصالا
وعقوق البنين أعظم خطبٍ
يرهق الشّعب ذلّة ونكالا (2)
إنّ النّصّ ركّز على جانب الهوية في التّنبيه إلى اللّغة. نقف على ذلك من خلال ذكر بعض الإشارات التي أومأ إليها. فقد أشار:
__________
(1) - محمّد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ط1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائرأ 1992م، ص: 190، 191. ينظر نماذج من تعامل مفدي زكرياء مع لغة القرآن وأسالبيه، المرجع نفسه بجزأيه. ونماذج من تعامله مع التّراث بعامّة، الدّكتور محمد ناصر، كتاب: مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 189، 190. (1/243)
صفحة 237
1 - إلى العزّة والكرامة، وإلى الفكر الذي يتأثّر بوعائه الذي يحمله.
2 – إلى عمليات التّشويه والتّزييف والإنكار والجحود، التي تتلقّاها اللّغة العربية من أبنائها.
3 – إلى المهانة والذّلّ اللّذين يصيبان من ينكر لغته، ويروم الانفصال عنها.
4 – إلى الضّياع والتّيه، اللّذين يتعرّض لهما من لم يكن حصنه وحضنه لغته.
كلّ هذه الإشارات تصبّ في خانة صيانة الأرومة، وحماية الأصالة، ورعاية الهوية ...
هذا هو الشّعر الذي يحمل رسالة، رسالة التّصحيح والتّثبيت، والتّأصيل، والدّفاع والحماية والنّهوض ... كلّ ذلك يساعد على تبيان الهوية، ودفعها إلى الاستماتة من أجل البقاء والاستمرارية. يقول صالح الخرفي: " ومع الإصرار الانتمائي تتصاعد المقوّمات الأساسية للوطن، وتبرز الملامح المميّزة له، التّاريخ بذكرياته الماثلة، الدّين بعقيدته وإيمانه، القومية بأصالتها وعراقتها، اللّغة بثرائها وحضارتها، ويتغنّى الشّعر بعروبة الثّورة وعروبة الجزائر، كما لَم يتغنَّ بها من قبل، وتنطلق القومية انطلاقة شعريّة، فيها من الاحتباس الخانق لها طيلة الاحتلال الفرنسي، وتطفو لفظة (العروبة) على كلّ بيتٍ في كلّ قصيدة، وكأنّ الإصرارَ من الطّرف الآخر على أغنيّة (الجزائر قطعة من فرنسا)، يزيد من جموح هذه اللّفظة، وإلحاحها على الأبيات والقوافي. " (1)
هذه العناصر التي تكوّن الهوية، وهذه الأفكار، وهذه المقوّمات، التي سجّلها الدّكتور صالح الخرفي، هي التي تناولها الشّاعر مفدي زكرياء في شعره، وهو يعالج موضوع الهوية.
في الحقيقة إنّ الارتباط بالوطن والرّموز التّاريخية، واللّغة القومية ... هي قدر مشترك عند كلّ الأمم، التي تريد المحافظة على هويّتها. فعلينا أن نتأمّل ونتملّى جيّدًا شعر مفدي زكرياء؛ لنعرف هذه العناصر. ثمّ لنقف على الدّلالات التي يحملها تناوله لها،
__________
(1) الشّعر الجزائري، ص: 258. (1/244)
صفحة 238
ونفقه الرّسائل التي يوجّهها إلى كلّ وطنيّ غيور، وكلّ حرّ أصيل. ومن ثمّ نقول: إذا ما أردنا أن نحفظ لأمّتنا أصالتها، وأن نرعى لشبابنا هويتهم، وأن ننأى بناشئتنا عن أفخاخ الغزو الفكري، وأن نبتعد برعايانا عن أشراك الاستلاب الحضاري، وأن نهرب بناشئتا عن وباء عقوق الأصول، والمروق من السّبيل السويّ، وأن نجنّب أنفسنا وأنباءنا مشانق الانتحار الفكري ... فما علينا إلاّ أن نتفقّد مكانة هذه المقوّمات في تفكيرنا وتخطيطنا، وفي مناهجنا وبرامجنا، وفي تربيتنا وتنشئتنا، وفي مشروعاتنا ومبادراتنا، وفي نوايانا وطوايانا ... ونرجع إلى ما عالجه مفدي زكريّاء في شعره في موضوع الهوية: تسجيلا للمقوّمات والقيم الأصيلة. وعرضًا للواقع الذي كانت تعيشه الجزائر. ونقدًا وانتقادًا لما راقه، وما لَم يرقهُ. وذكرًا للأسباب والعوامل وما كان، ومن كان خلفها، إيجابًا وسلبًا. وعرضًا للنّتائج والعواقب وآثارها على الهوية. ثمّ المقارنة بين ماضينا وحاضرنا، وتسجيل التّشابه والاختلاف في الحالين. وتحمّل المسؤولية في النّتائج والانعكاسات والمضاعفات، أمام الله والأمّة والتّاريخ ...
بذلك يكون لما ندرسه فائدة عملية، ويكون لما نعرضه مبرّر موضوعي وأخلاقي وحضاري، لا يبقى في حدود العرض الفولكلوري، والتّفاخر بالأمجاد؛ لأنّ ذلك لن يجدينا نفعًا، ولا ينجدنا في محننا الفكرية والحضارية، فالغابر العظيم، لا يفيد الحاضر السّقيم، إن لم يعمل أنباء الحاضر على السّير على سنن رجال الماضي، في المبادرة والمثابرة، والسّيادة والرّيادة، ثمّ التّطوير والتّغيير نحو الأحسن، لا إلى الأسوأ والأردأ، فمعروف الرّصافي يقول:
وهل إن كان حاضرن شقيُّا
نسود بكون ماضينا سعيدا (1/245)
صفحة 239
مذكرات البكري
(الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلّي)
"قراءة منهجية"
د/محمد بن موسى باباعمي
معهد المناهج ــــ الجزائر
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة {لِيَبْلُوَكُمُ, أَيُّكُمُ, أَحْسَنُ عَمَلاً}، والصلاة والسلام على خير من شغل الزمان كلاما طيبا وعملا صالحا يرفعه (1)، ثم التحية لآله وصحبه كلِّهم جميعا، دون استثناء ولا إقصاء ...
وبعد فالزمن نهرٌ عميق، يخترق الأمصار، فيبليها ولا تبليه، وهو من أكبر دلالات العدل الإلهي ... اليومُ هو ذات اليوم من حين خلق الله السماوات والأرض، لم يطُل على أحد ولم يقصر على آخر .. غير أنَّ الناس يختلفون في التوفيق إلى اغتنامه واستغلاله، فمنهم من يشغله برا وإحسانا، ومنهم من يعمره فحشاء ومنكرا ...
ويموت الإنسان، فيبقى الزمن هو ذات الزمن، وتبقى بجواره الكلمة شاهدة له أو عليه، تصوِّر خطوات حياته، وتلج إلى أغوار مشاعره وعواطفه، فتقطع من ذاته ذواتا متكرَّرة لا تنقضي، وتسلخ من حياته
__________
(1) _ {اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (سورة الملائكة: الآية 10) .. ثمة عدَّة معان للآية، باعتبار عود الضمير إلى الله تعالى، أو إلى الكلم الطيب، أو إلى العمل الصالح، ولعلَّ من أحسن التوجيهات كونُ العمل الصالح هو الذي يرفع الكلمَ الطيب، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «الكلم الطيب لا إله إلاَّ الله، وإنَّ هذه الكلمة لا تُقبل، ولا تَصعد إلى السماء ... إلاَّ إذا اقترن بها العمل الصالح، الذي يحقِّقها ويصدِّقها .. فرفعها، وأصعدها» الزمخشري: الكشاف؛ دار الكتاب العربي، بيروت، د. تا. ج3/ص602 (1/246)
صفحة 240
قطعا من ليل أو نهار تنشر عبقها عبر التاريخ، فتسقيه الحكمة والعبرة، وتقيه الزلل والخطأ.
وليس ثمة مثلُ المذكِّرات صدقا في الشعور، ولا صفاء في تبليغ ما تحويه القلوب وتدركه العقول؛ ذلك أنَّها من الحياة، بل هي الحياة بعينها ...
وفي هذه المناسبة الطيِّبة، يُسعدني أن أحملكم في رحلة عبر الزمن، لنسافر إلى الماضي القريب، فنحطَّ رحالنا في يوم من أيام الصيف الهادئ بمدينة ببريان المضياف، من سنة 1394هـ /1973م، ونقرأ سويا صفحات من جهاد الكلمة وجهاد النفس، بل مجلَّدات من الاجتهاد العمليِّ والاجتماعي، لشخصية رائدة، يُعرف اسمها، ويجهل الكثير من أسرارها، إلاَّ على الذين عاينوا إخلاصه، ولازموا حركاته وسكناته .. وإنَّهم لقليل.
فهذه القراءة لا تعدو أن تكون قراءة في المنهج، تستبع قراءاتٍ أخرى في الأسلوب والمحتوى، بل وقراءات متعدِّدة في التربية وعلم النفس، وفي الاجتماع والحضارة ...
فما هي المذكرة؟ وأين نصنِّف مذكرات البكري؟ وما هي غاية البكري من تدوين المذكرات؟
وما هي أهدافه القريبة والبعيدة؟
ثم ما هي أهمُّ فقرات مذكراته؟
وكيف تعامل مع الجزئيات، والتفاصيل؟
وكيف تلقَّى الأحداث المؤلمة؟
ما مصير تلكم المذكرات؟ وكيف نراها مستقبلا؟
وما هو واجبنا - نحن - تجاه هذه المذكرات؟ فرادى، وجماعات، ومدراس، وجامعات ... ؟
ما هي المذكرة؟
وأين نصنِّف مذكرات البكري؟
"المذكِّرة" تجمع على "مذكِّرات"، وهي: «دفتر سنويٌّ يدوِّن فيه صاحبه يوما بعد يوم ما يريد أن يتذكَّره» (1)، فالمذكِّرة مرتبطة - بالتالي - بالذاكرة، سواء منها الفردية أم الجماعية. وهي من أبرز وسائل مقاومة النسيان، ودفع هاجس الأخطاء المتكرِّرة.
ويفرِّق العلماء بين أنواع المذكِّرات، فمنها: اليومية " Journal" (2) ، ومنها المذكِّرات المرتبطة بحادث معيِّن، ومنها المذكِّرات الإدارية ...
__________
(1) _ المنجد في اللغة والأعلام، مادة: ذكر.
(2) _ ونمثل لها بيوميات مسلم ألماني، تأليف مراد هوفمان. (1/247)
صفحة 241
ويمكن تصنيف مذكِّرات الشيخ البكري في خانة وسط بين اليومية والمناسباتية:
فهي تستمدُّ من الأولى محاولَتها لاستيعاب الأيام، حتى إنها لتتحوَّل أحيانا إلى كرونولوجيا يومية للأحداث، غير أنَّها في الغالب لا تنطلق إلاَّ من الحدث الهامِّ في نظر المؤلِّف، فنكاد لا نطالع سطرا في كامل المرحلة التي حلَّلناها، إلاَّ أن يكون وصفا لمناسبة عامَّة، أو إنجازا علميا، أو واقعا ذاتيًّا ترك أثره في محيط الكاتب، وحرَّك شعوره وعواطفه، فاستحقَّ أن يدوَّن في هذا الدفتر العزيز.
ونمثِّل للفترة اليومية بما يلي:
ليلة الاثنين 25 رمضان 1393هـ: «اجتمعت إدارة الفتح، وبعد انتهاء المفاوضة في البرنامج اليومي، نشر الرئيس قضية شرح النيل، وأنَّه على وشك الوصول ... » إلى الجزائر.
يوم الثلاثاء 26 رمضان 93: «دفعت للأخ أوراغ أحمد عدد 50 ألفا قديمة، ثمن نسخة من شرح النيل ... ».
27 رمضان 93/ 24 أكتوبر 73: «وقع حادث اصطدام لسيارة لعساكر حمو بن باحمد بن أحمد، مات هو ورفيقه ... » (1).
أمَّا التدوين المرتبط بالمناسبة، دون التزام بتتابع الأيام فهو الغالب على مذكِّرات البكري، ويمثِّل جلَّ صفحات الفترة المدروسة.
المواصفات الخارجية للمذكرة؟
إنَّ المادَّة التي تسلَّمتها مصوَّرة، تقع بين آخر ماي وآخر ديسمبر من عام 1973م، ولقد وظَّف البكري فيها التاريخ الميلادي عموما، والتزم في شهر رمضان وأوائل شوال التاريخ الهجري، دون الميلادي ...
وهذه المذكِّرة عبارة عن دفتر هاتفي صغير، بحجم 11×17 سم، كلُّ صفحاته مملوءة، نكاد لا نجد
__________
(1) _ ص33. (1/248)
صفحة 242
بياضا بين الفقرات، ولا حواشي علوية ولا سفلية، حتى إنه اضطرَّ إلى الترقيم أحيانا داخل النصِّ.
والمتخصِّصون في مجال المخطوطات، وفنِّ الكتابة، يرجعون قلَّة البياض إلى أسباب عديدة منها:
- الخوف من التحريف أو الإضافة. كما في الخطِّ الغباري.
- عدم توفُّر الورق، أو غلاؤه.
- ضعف الإمكانات المادية للكاتب ... يقول القلقشندي: «وأمَّا الحواشي، فبحسب اجتهاد الكاتب في السعة والضيق» (1).
ولكنَّنا نرجِّح أنَّ حجم الورق الصغير – كما ذكرنا – هو الذي اضطرَّ البكريَّ إلى استعماله كاملا، ونجد مثل هذا التبرير في صبح الأعشى، فنقرأ أنَّ مقدار البياض يختلف «باختلاف قطع الورق، فكلَّما عظم قطع الورق، كان البياض فيه أكثر» (2).
وثمَّة سبب آخر، وهو كون البكري قد تعامل مع اللغة الفرنسية، وطالع بها، ومعلوم لدى الفنيين في الطباعة أنَّ الكتاب الفرنسيَّ أميل إلى الحجم الصغير من الكتاب العربي، وينتج من هذا صغر الخطِّ والبياض؛ ولقد تركت "ثورة كتاب الجيب" آثارها في الثقافة الغربية، ولا تزال (3).
وأحيانا يعمد الكاتب إلى وضع عناوين للفقرات أو المواضيع هامَّة، ليجمع بذلك بين التأليف التاريخي، والمذكِّرات اليومية. والغالب استعمال اللون الأحمر في كتابة التاريخ والعنوان، ليسِّهل على نفسه وعلى القارئ عملية البحث. أمَّا التشطيب فقليل جدًّا.
وكلُّ هذا ينمُّ عن شخصية واثقة بنفسها، غير مضطربة، وعن عقلية منظَّمة، لها مسار بيِّن، ورسالة واضحة في الحياة. ولقد يتجاوز أحيانا فيبالغ في التنظيم والتدقيق إلى حدِّ القسوة على نفسه وعلى الآخرين (4).
__________
(1) _ القلقشندي، أحمد بن علي (ت. 821هـ/1418م): صبح الأعشى في صناعة الإنشا؛ تح. د. يوسف علي الطويل؛ دار الفكر، دمشق؛ 1987م؛ (قرص الأدب)؛ ج6/ص186.
(2) _ نفسه.
(3) _ انظر- Gue Decart: J`ose.
(4) _ ليس أدلَّ على هذه الدقة التي قد تبدو شديدة، من المحاورة التي أجراها البكري مع الأستاذ باحريز إبراهيم، حول طبع كتاب "قواعد الإسلام"، يقول: « ... بعد أن التقيت مع الأخ إبراهيم باحريز ألقيت عليه أسئلة طلبت منه جوابها: متى يكون الشروع في العمل؟ هل لديكم الكاغد اللائق؟ وهل لديكم حروف الرقعة للعناوين؟ بأي الحروف يكون الأصل والتعليق؟ وهل العناوين العامة موجودة ... المفاهمة مع المصفف، تحضير الملازم وتصحيحها، إلى غيرها من الأسئلة التي تتعلَّق بالموضوع» ص15. (1/249)
صفحة 243
غاية البكري من تدوين المذكِّرات:
إنَّ البكريَّ وهو يخطُّ مذكِّراته، كان يحمل غاية كبرى هي: إرضاء الله تعالى، خلافا للغربيين الذين يرمون من وراء يومياتهم ترك الذكر الحسن، وإرضاء النفس، وإظهار الأثر الإيجابي، وتبرير المواقف بشرح تفاصيلها ...
«فحينما يموت شخص [غربي] في الأربعين من عمره، لا يستطيع ابنه الأكبر مثلا استيعاب ما كان الأب ينجزه ويديره إلاَّ بعد مرور عشر سنوات مثلا، وهكذا فالطريق التي كانت وراء نجاح الأب في عمله، لم يتبق منها أثر، وأهله وأصدقاؤه ليس لديهم شيء يقدِّمونه للأطفال يوازي ما كان يمكن أن يقدِّمه رجل بوزن الأب وقيمته ( ... ) نستنتج أنَّ كلَّ إنسان جدير بإنسانيته يجب أن يكون لديه كتاب حياته، أو سيرته الخاصَّة» (1).
هذا ما سجَّله أحد الأدباء الغربيين، كمبرِّر لتدوين المذكِّرات، أمَّا المسلم فيرجو من خلال ما يدوِّن محاسبة نفسه، ومساعدة غيره على بلوغ الغاية الكبرى، وهي إرضاء خالقه، وكلُّ ما دون ذلك لا يعدو أن يكون أهدافا تنتهي بانتهاء آمادها.
ويشهد لهذه الغاية الكبرى، ما نقرأه في طيات مذكِّرات البكري، من عبارات الحمد، والثناء، والشكر لله تعالى:
«يوم الخميس، خرجتُ من بريان صحبة الابن صالح في سيارته، منفردين، بعد صلاة الفجر، الساعة 4 و1/ 4، فوصلنا الجزائر والحمد لله سالمين على 11 و1/ 4» (2). ولو شاء
__________
(1) _ كلود دراتو: كيف تدون الملاحظات؛ ترجمة صباح يونس؛ دار الفكر اللبناني، بيروت، 2001م؛ ص9.
(2) _ ص15. (1/250)
صفحة 244
لقال: «فوصلنا الجزائر سالمين على 11 و1/ 4. والحمد لله»، ومن يتذوق قوله تعالى: {وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُومِنِينَ} (سورة يوسف: الآية 103)، يعرف قيمة هذه الجملة الاعتراضية.
ونقرأ في صفحة أخرى: «1/ 6/73: أذيع نبأ وفاة الشاب النشط السعودي الحاج محمد بن باحمد ... والأمر لله، ما شاء الله فعل، وليس لنا إلاَّ الاستسلام لقضائه وقدره، واحتساب أجر المصيبة عند الله» ثم يضيف بعدها عبارة: «وإنما المصاب من حرم الشكر» (1).
أهداف البكري من تدوين المذكِّرات:
أمَّا الأهداف فهي كثيرة، وعديدة، ولاستجلائها يتساءل قارئ هذه المذكرات:
ماذا كان يختلج في ذهن البكري رحمه الله، أثناء كتابته لهذه الفقرة، أو لهذا السطر؟
هل يهدف أن يعود إليها هو بنفسه يوما ما؟ أم أنَّه أراد إرسالها إلى الأجيال اللاحقة شاهدة لحقبة من الزمن، ولجهود مضت؟
أم أنَّه يرمي إلى معان أخرى قد نستوعبها وقد لا نستوعبها؟
وفي رأيي - وبعد مطالعة متأنية -: إنَّ أهمَّ أهدافه كانت كالآتي:
- تدوين معلومات تاريخية: ومثال ذلك نقلُه نبأ إجراء عملية جراحية للشيخ بيوض، في عينه اليمنى، وذلك «بوارجلان، وقد جاءت الأخبار يوم السبت 23/ 6/73 أنًَّ العملية نجحت، والحمد لله» (2). كما نطالع حدثا تاريخيا في نفس اليوم يتعلق بزيارة الحارثي لميزاب، يقول البكري: «وقد أخبِرتُ أنَّ الشيخ سالم الحارثي العماني وصل إلى القرارة، ومن أخباره أنَّه عازم على طبع وتحقيق فتاوى الشيخ السالمي، في أربعة أجزاء» (3).
- التأريخ للحركة الإصلاحية ونشاطاتها (4):
كان الشيخ رحمه الله يتنفَّس
__________
(1) _ ص16.
(2) _ ص20.
(3) _ ص20.
(4) _ انظر- د. مصطفى باجو: الشيخ عبد الرحمن بكلي، البكري: معالم جهاد، وومضات فكر؛ ص76. تحت عنوان: مفهوم الإصلاح. (1/251)
صفحة 245
مبادئ الإصلاح، ويحيا بها ولأجلها، ذلك أنَّ الإصلاح - كما يقول - ليس مبدأُه «غيرَ تعاليم الإسلام الصحيحة، وتطبيقِها تطبيقا يلائم سماحته ويساير سنة النشوء والارتقاء في هذه الحياة، ويتفق والغاية التي من أجلها كان الإسلام دستور البشرية الخالد» (1). ومن أجل هذا نجده يؤرِّخ للحركة الإصلاحية، ويحاول اقتفاء حركاتها وسكناتها، سواء في ذلك ما أنجز من أعمال في القرارة، أم في غيرها من قرى ميزاب، بل وحتى في التل. ويتابع حركات روادها باهتمام كبير، فيدوِّنها بعناية فائقة ... فعن رائد الإصلاح الشيخ بيوض يخبرنا أنَّه نزل ببريان «مصحوبا بحرمه وبالأخوين الخياط وعمر، في طريقه إلى الجزائر لحضور الملتقى الذي عيِّن فيه محاضرا ... » ثم يقول: «أمضينا معه نصف العشية وسهرة ممتعة طرقنا فيهما عدَّة مواضيع» (2). وأمَّا عن جمعية الفتح، التي تعتبر من ركائز الحركة الإصلاحية في ميزاب، فيقول الشيخ: «فاتني أن أنبِّه على أنَّ والي الواحات وافق على رخصة جمعية الفتح، وأرجع ملفها كاملا، بعد طبعه ... وانظر التفاصيل، توجد بإدراة الجمعية» (3). وعن إصلاحات الأعراس، التي أخذت مهمَّتها حركةُ الإصلاح منذ نشأتها، يذكر أنَّه في ليلة السبت 27/ 10/73 «وقع التنبيه في المسجد على أمور ثلاثة، تتعلَّق بالحياة العامَّة، في شرح مستفيض ... » وهي: - منع إهداء أهل المرأة الطعام للأصهار بمناسبة العيد – ومنع التصوير في الأعراس
– والاقتصار في المأتم على ثلاثة أيام (4).
- تقويم مسيرته الذاتية، في شطريها العلمي والاجتماعي: ولعلَّ هذا الهدف كان الأكثر بروزا في كامل المذكِّرات، إذ نقرأ صفحات عن طبع كتاب "قواعد الإسلام" للجيطالي، بداية باللقاء مع الأستاذ باحريز إبراهيم، ثم
__________
(1) _ نفسه.
(2) _ ص22. يوم الجمعة 6 جويلية 73:
(3) _ ص23. يوم 7/ 7/1973م.
(4) _ ص34. (1/252)
صفحة 246
الاجتماع بإدارة "دار الفكر"، وكذا بمدير المطبعة السيد محمد باباعمي ... ونهايةً بمطالعة البروفات، وإعداد المقدِّمة ... كما نقرأ عن مجهود البكري في مجال التعليم، وفي المسجد (1)، وفي مجلس عمي سعيد ... ولعلَّ اللقاءات الأولى لتأسيس ندوة للمطالعة حَظيت باهتمام خاص في المذكرة، فلقد كتب بتاريخ 26 نوفمبر 1973: «في إطار العمل على تكوين وحدة بين العنصر المثقف، لاسيما بين معلِّمي المدرسة ومعلِّمي المكتب، وإلهاب الحماسة فيهم إلى الاندفاع في سبيل المعرفة، والعمل على تكوين مستقبل يتماشى مع التيار العلمي الذي سار في أوساط مجتمعنا الجزائريِّ، اقتضى الأمر أن نخصِّص ليلة في كلِّ أسبوع لهذا الغرض، وفعلا اجتمعوا في دار العلم، وكان عددهم يناهز أربعين ... » (2).
- تسجيل وديعة أو كتاب مستعار، إبراء للذمَّة: تتكرَّر بين طلبة العلم مقولة عامية، جاء فيها: «لا تَامنْ الطالب على الورِي?َة»، ولعلَّ أصحاب المكتبات يعرفون الكثير من الحالات، ومن الطلبة، ومن المشتغلين بالعلم، ممن لا يتورَّعون في ردِّ الكتب المستعارة إلى أهلها، ومنهم من يذهب إلى حدِّ القول: «إنِّي لا أعير كتابا، ذلك أنَّ مكتبتي تكوَّنت بهذه الطريقة»، أمَّا الشيخ البكري رحمه الله، فكان – من خلال من قرأت من مذكِّراته – حريصا على تدوين الودائع، ومنها الكتب، فنجده في طور تحقيقه لقواعد الإسلام، يقول «أعار لي الشيخ صالح نسخة من قواعد الإسلام، للشيخ إسماعيل الجيطالي، على أن أُرجع إليه نسخة جديدة بعد انتهاء الطبع إن شاء الله، وأحافظ على النسخة المستعارة قدر المستطاع ... » (3). ويقول
__________
(1) _ في يوم 25/ 6/73 كتب: «استأنفت دروس التفسير في المسجد من أول الذاريات، ريثما أعود من الجزائر». وانظر- ص20
(2) _ ص45 - 46. وانظر تفاصيل أكثر عن الندوة في لقائها التأسيسي، وعن الحصَّة الأولى في الصفحات 45 وما بعدها.
(3) _ ص24. (1/253)
صفحة 247
في مكان آخر عن الودائع: «دفعت إلى الأخ أوراغ أحمد بن عمر عدد 50 ألفا قديمة، ثمن نسخة من شرح النيل على الحساب (الطبعة الجديدة) ... » (1). ثم ينبه في التاريخ الموافق لـ 18/ 6/73 إلى أنَّ الأخ بكلي ح محمد بن الحاج أحمد أرجع له مبلغ «عشرة آلاف من ثمن القاموس المفهرس لألفاظ الحديث» (2).
- صلة الأرحام، والاهتمام بها: رغم المشاغل الكثيرة التي ميَّزت حياة البكري، ورغم توزُّع اهتماماته بين العطف وبريان، إلاَّ أنَّه لم يقصِّر في حقِّ أرحامه، ولقد شاركهم أفراحهم وأتراحهم ... والشواهد على هذا كثيرة، منها قوله: «تلفن حاج أيوب بن عبد الله لأخيه عبد الوهاب أنَّ عرس ابنه استقر ليوم 17 الجاري» (3) أي: اتصل هاتفيا، وفي موضع آخر ذكر أنَّ «عرس الأبناء الخمسة: باباعمي محمد بن عمر، بكلي سليمان وإبراهيم ابني محمد بن الحاج أحمد، بكلي يحي بن أحمد بن الحاج يحي، والحاج أيوب بباحني بن بالحاج ال?رادي» (4) سيكون يوم 10 من سبتمبر. كما عنون فقرة طويلة بـ: «عرس بكلي نور الدين بن محمد» عرض تحتها أدقَّ التفاصيل والجزئيات (5). ومثل هذه التقييدات العائلية مبثوثة في صفحات المذكِّرة التي بين يديَّ.
أهمُّ فقرات مذكراته:
إذا حاول الباحث تتبُّع أهمِّ فقرات المذكِّرة، فإنَّ الجداول ستكون الأجدى والأنفع، لرسم خريطة واضحة لحقبة من الزمن، وللحياة اليومية عموما؛ وبالتالي فسأحاول أن أصوغ نموذجا، ينبغي اقتفاء أثره مستقبلا، لكشف جوانب خفية من شخصية البكري رحمه الله.
__________
(1) _ ص33.
(2) _ ص20.
(3) _ ص17. 6/ 6/73.
(4) _ ص24. 14/ 4/73.
(5) _ ص42. 21/ 11/73 (1/254)
صفحة 248
التاريخ ... الأحداث ... المداخل ... الأعلام
30 ماي 1973 ... - السفر إلى العاصمة، للمباحثة مع العربية في شأن طباعة "قواعد الإسلام" ... - سفر – قواعد الإسلام ... صالح بكلي – عبد الوهاب بكلي – إبراهيم باحريز – مصفف المطبعة العربية – عمر حريزي ... – الطباعة – المطبعة العربية
5 جوان 1973 ... - الشروع في طبع قواعد الإسلام ... - قواعد الإسلام – ترجمة الجيطالي – الطباعة ... - تسليم مقدمة الكتاب وترجمة الجيطالي
9 جوان 1973 ... - قدوم الشيخ عدون إلى العاصمة لفحص عينه - لقاءٌ مطول أغلبه حول طبع القواعد ... - قواعد الإسلام – الإصلاح ... الشيخ عدون
20 جوان 1973 ... - أجريت عملية جراحية للشيخ بيوض في عينه، بوارجلان، ونجحت ... - الإصلاح ... الشيخ بيوض
22 جوان 1973 ... - وصل الشيخ سالم الحارثي إلى القرارة - وهو عازم على طبع فتاوى السالمي ... - المذهب الإباضي – العلاقات مع عمان – الطباعة ... الشيخ سالم الحارثي – السالمي (1/255)
صفحة 249
23 جوان 1973 ... - استئناف دروس التفسير في المسجد، من سورة الذاريات ... - الإصلاح – الوعظ – المسجد
28 جوان 1973 ... - رحلة لزيارة الشيخ بيوض في وارجلان - إجابة دعوة وزير التعليم الأصلي لحضور المؤتمر السابع في تيزي وزو. ... - الإصلاح – الملتقيات – الزيارات ... الخياط أحمد – الحاج حمو بن باحمد الخياط – الشيخ صالح - أوراغ الحاج أحمد – بودي الحاج عمر – تربح بن الحاج يوسف – وزير التعليم الأصلي
الاربعاء 4 جويلية 1973 ... - زيارة الشيخ الحارثي لبريان رفقة الشيخ الناصر - استقبال حافل ... - المذهب الإباضي – العلاقات مع عمان – الإصلاح - طباعة ... الشيخ الحارثي – الشيخ الناصر المرموري – العساكر الحاج حمو - السالمي ... - حوار علمي مع الحارثي – وهو بصدد طبع فتاوى السالمي
6 جويلية 1973 ... - زيارة الشيخ بيوض لبريان متوجها إلى تيزي وزو لحضور الملتقى - إشارة إلى لقاء مع الشيخ الدبوز يوم 3، وتسجيل ترجمة البكري ... - الإصلاح – الملتقيات – التاريخ – الجلسات ... - الشيخ بيوض – زوجة الشيخ بيوض – الخياط وعمر [بن بكير] – الشيخ محمد علي دبوز (1/256)
صفحة 250
7 جويلية 1973 ... - الموافقة على رخصة جمعية الفتح ... - الإصلاح – جمعية الفتح ... والي الواحات
19 جويلية 1973 ... - السفر إلى العاصمة لمتابعة طبع القواعد وحضور الملتقى - حادث مرور خطير بالقرب من وسارة ... - الملتقيات – السفر – حادث المرور – المستشفى ... ... عبد الوهاب وعائلته – بالحاج بن بهون – الابن صالح ....
9 سبتمبر 1973 ... - الخروج من المستشفى بعد عملية جراحية ... - حادث المرور – المستشفى ... الابن صالح وزوجته – حميد بن علي كروشي
10 سبتمبر 1973 ... - تحقيق الدرك الوطني في شأن الحادث ... - حادث المرور – الدرك – اللغة الفرنسية ... عبد الوهاب وعائلته – الدركي
[لعله 16] سبتمبر 73 ... - زيارة الشيخ بيوض في مستشفى مصطفى باشا، وهو ينتظر إجراء عملية أخرى على عينه. ... - الإصلاح – المستشفى ... الشيخ بيوض
22 رمضان 1393 ... - اجتماع جمعيات الإصلاح بدعوة من الشيخ عدون والموضوع: اقتناء شرح النيل، وتوزيع التكاليف ... - الإصلاح – الطبع – المذهب الإباضي ... ... الشيخ عدون – الشيخ ابن الشيخ – جهلان أحمد – الشيخ صالح بابكر – الشيخ حمو فخار – الشيخ بنوح ... (1/257)
صفحة 251
ليلة 30 رمضان 1393 ... - التنبيه في المسجد على إصلاحات ثلاثة: منع إهداء أهل الزوجة الطعام للصهر بمناسبة العيد - منع التصوير في الأعراس - الاقتصار في المأتم على ثلاثة أيام ... - الإصلاح – الأعراس – المسجد
الخميس 8 أكتوبر 73 ... - اجتماع مجلس عمي سعيد - ومدارسة رسالة السيد الرفاعي حول أوقاف الإباضية بالحجاز - حج الشيخ اطفيش سنة 1902م ... ... - الأوقاف – المذهب الإباضي – الحج – القطب اطفيش ... الشيخ صالح – أوراغ – الرفاعي أحمد ...
15 أكتوبر 1973 ... - وفاة قلو قاسم بن موسى فجأة بين العشاء والفجر. ... - التاريخ ... قلو قاسم
24 أكتوبر 73 ... - الاجتماع التمهيدي حول البرنامج التعليمي لمدرسة الفتح – وتنفيذ خطوات "اجتماع إقامة الحجة" ... ... - الفتح– الإصلاح –التنظيم – التعليم – الإدارة ... قائمة بالملزمين بالحضور الدائم: الشيخ بكير رشوم ... (1/258)
صفحة 252
26 نوفمبر 73 ... - تأسيس ندوة أسبوعية للمطالعة لتطوير المستوى العلمي للأساتذة، وبخاصة في مجال التاريخ ... - الإصلاح – ما قبل ندوة الإربعاء -
ديسامبر 1973 ... - الحج إلى بيت الله الحرام، وتفاصيل دقيقة عن عدد الحجاج من بريان ... - الحج – الإصلاح ... قائمة طويلة ...
(53) وذكر أسمائهم جميعا، ذكورا وإناثا
الجزئيات والتفاصيل في مذكرات البكري:
يتعرَّض البكري في مذكراته لأبسط التفاصيل والجزئيات، ورغم أنها قد تبدو للقارئ غير ذات بال، إلاَّ أنَّها تكوِّن مادَّة تاريخية خاما للمحلِّلين والدارسين، ولعلَّ ذكر بعضها يوضِّح الصورة أكثر، ويقرِّبها إلى ذهنية السامع:
- الاستراحة في السفر إلى العاصمة كانت بين الجلفة والبخاري، وبالذات في الحمدانية.
- منزل الابن عبد الوهاب يقع في تليملي.
أجرى الشيخ بيوض عملية جراحية في مستشفى مصطفى، لعلَّة انفصال الشبكية ... ( Decoulement de retine) [ كتبها هكذا (1/259)
صفحة 253
بالفرنسية]. وكان في قاعة ابن باديس، بيت رقم 74.
- 50 ألف فرنك ثمن نسخة شرح النيل.
- دفعت إلى الأخ قلو الحاج أحمد عدد 6 آلاف فرنك قديمة مقابل خبز رمضان، على نسبة 5 خبزات كلَّ يوم.
- وفاة قلو قاسم بن موسى فجأة، إذ بينما صلى العشاء، وهو لا يبدو عليه عارض مرض إذا به يلتحق بربه صباحا.
- ما كدنا نتاول الغداء حتى جاء الابن أحمد، فبعده بساعة لحق الابن عبد الوهاب في سيارته الجديدة (فولسفاقن) وهي أول مرَّة جاء بها.
- أفاد الرفاعي في رسالته إلى مجلس عمي سعيد أنَّ الشيخ اطفيش حج سنة 1902م.
- بينما نحن الثلاثة على ميعاد لحضور جلسة مجلس عمي سعيد إذا بالشيخ صالح والأخ أوراغ يتخلفان لحضور جنازة قلو قاسم، لذلك ذهبت منفردا.
الأحداث المؤلمة في مذكراته:
مذكرات البكري مشهد حيٌّ من الرضا بقضاء الله تعالى، وعدم الضجر والسخطِ مما قدَّر، بل هي عيِّنة من التفاؤل وصفحة من علوِّ الهمَّة، فرغم أنَّه عايش مأساة كثيرةً إلاَّ أنَّه تلقَّاها بصدر رحب، وحمد لله حقَّ الحمد.
وليس أدلَّ على هذا مما خطَّت يمناه عقب حادث المرور الذي ألزمه الفراش، وأدخله المستشفى، فقد نحتَ كلمات من عمق مشاعره، هي الصدق بعينه، لا يناجي فيها إلاَّ الله تعالى، ولا يرجو أن يقرأها أحد إلاَّ للعبرة والاعتبار ...
اسمعوا إليه وهو يقول:
«يوم الخميس على الساعة 4 والنصف صباحا، خرجت صحبة الابن عبد الوهاب، بعائلته وأولاده، في سيارته الجديدة. وما أن اقتربنا من "وسَّارة" حتى وقعت الواقعة، وانقلبت بنا السيارة عدَّة مرَّات تحطَّمت من (1/261)
صفحة 254
وقع الصدمة. وأمَّا عبد الوهاب فأصابته في ذراعه وكتفه ... وأمَّا أنا فأكثر إصابة من الجميع، حُملت من هناك في شبه غيبوبة في عربة الإسعاف، التي حملتني توا إلى مستشفى وسَّارة، التي تبعد من مكان الحادث بنحو خمسة عشر كيلومترا، وكأنَّ عنقي منفصل عن جسدي، وبعد أن فحصني طبيب المستشفى، وتحقَّق من سلامة العمود الفقري استبقاني هناك لتؤخذ لي عشية صورة الراديو ... » (1) ثم سرد الشيخ مراحل الاستشفاء واحدة واحدة، وكأنَّه عن غيره يكتب، ولا نقرأ عبارة واحدة تشخِّص الوجع، أو تظهر شدَّة الاحتمال، أو تبرز القلق والاضطراب ...
واعجب للبكري الذي نُعي إليه الشاب النشط: السعودي الحاج محمد بن باحمد، فتلقَّى الخبر بكثير من الرضا، وقال: «أذيع نبأ وفاة الشاب السعودي الحاج محمد بن باحمد، ودفن مساء الخميس ... إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد ترك فراغا مزدوجا: في المدرسة والعائلة، كان معلما في الأولى، وعميدا في الثانية، بعد أبيه الذي لم يمض عليه شهران من وفاته هو أيضا. والأمر لله، ما شاء الله فعل، وليس لنا إلاَّ الاستسلام لقضائه وقدره، واحتساب أجر المصيبة عند الله- وإنما المصاب من حرم الشكر» (2).
هكذا فليكن المسلم أو لا يكون، وليقتف شبابنا آثار البكري الذي كان بحقٍّ «مثلا في قوة الإيمان، ومضاء العزيمة وعلوِّ الهمة، وسموِّ الطموح، ودماثة الخلق» (3).
مستقبلية مذكرات البكري:
يكتب ليون الأفريقي - حسن بن محمد الوزان - في مذكراته: «وستبقى بعدي يا ولدي، وستحمل ذكراي، وستقرأ كتبي. وعندها سترى هذا المشهد: أبوك في زيِّ أهل نابولي، على متن هذه السفينة التي تعيده إلى الشاطئ الإفريقي، وهو منهمك في الكتابة، وكأنًّه تاجر يعدُّ
__________
(1) _ ص25 - 28.
(2) _ ص16.
(3) _ د. باجو مصطفى: البكري، معالم جهاد وومضات فكر؛ تحت الطبع؛ ص16. (1/262)
صفحة 255
لائحة حساباته في نهاية رحلة بحرية طويلة.
أليس هذا ما أفعله تقريبا: ماذا ربحتُ؟ ماذا خسرتُ؟ ماذا أقول للديَّان الأعظم؟ لقد أقرضني أربعين عاما بدَّدتها في الأسفار؛ فعشتُ الحكمة في روما، والصبابة في القاهرة، والغمَّ في فاس، وما زلت أعيش طهري وبراءتي في غرناطة» (1).
فمن خلال هذه المذكِّرات يحملنا الوزَّان إلى القرن التاسع للهجرة، في رحلة تاريخية شيِّقة، ويزيدها الأديب أمين معلوف جمالا بصياغتها على شكل رواية، نال بها جائزة دولية معتبرة، ودخل بها مصافَّ الأدباء والمؤرِّخين المرموقين.
أمَّا طه حسن فيكتب "الأيام" ويصنع منها الفنانون فلما ترك أثرا طيبا في عقول مشاهديه، كما فعل من بعد مع "أنا" للعقاد، ومع غيرها من المذكِّرات الخاصَّة. ولم تخل الروايات ولا الأفلام من نشر الإباحية، ومحاربة معاني الطهر والعفاف.
وتبقى حظوظ الشخصية الجزائرية أقلَّ بكثير من غيرها، فيحفظ لنا التاريخ:
- مذكِّرات الشيخ بيوض، التي طبع منها قسم: أعمالي في الثورة ...
- ومذكِّرات الشيخ أبي اليقظان، غير أنَّها لا تزال مخطوطة،
- ومذكِّرات المفكِّر مالك بن نبي، التي طبعت مرَّات عديدة في شكلها الخام،
- ومذكِّرات العلاَّمة الإبراهيمي، المطبوعة تحت عنوان: "في قلب المعركة"،
- ولقد طالعت كذلك بعضا من يوميات الفيلسوف عبد الله كنطابلي، التي تشغل حيزا من أرشيفه الخاص،
- ومذكرات الأديب الشيخ حمو فخار، وليست بأوفر حظًّا من سابقاتها ...
وها أنا اليوم أحظى بتصفُّح مذكِّرات البكري، وأعيد السؤال للمرَّة المائة:
ما مصيرها؟
__________
(1) _ أمين معلوف: ليون الإفريقي، رواية؛ دار الفارابي-المؤسسة الوطنية للكتاب، بيروت-الجزائر؛ ط2: 2001م؛ ص9 - 10. (1/263)
صفحة 256
هل ستبقى رهن القرطاس إلى حين؟
أم أنَّها ستطبع في شكل كتاب لا غير؟
أم أنَّ النقَّاد والأدباء والمبدعين سيصوغون منها قطعا من حياة، تكون مددا للجيل الحائر، فتنقذهم من عبث العابثين، ومجون المغنين، وفوضى السياسيين ..
هذا ما ستكشفه لنا الأيام، وتجيب عنه إرادة الرجال، أمَّا أنا فأقترح مبدئا:
- إعداد سلسلة من القصص المربِّي للأطفال، مادَّتها الخامُّ هذه المذكِّرات وغيرها ... ينسجها أديب واسع الخيال، ويرسم لوحاتها فنَّان عبقريٌّ، ثم تطبع في شكل كتيبات للأطفال .. وبعدها تصاغ في أقراص مدمجة متحرِّكة ..
- تأليف مسرحية، تشخِّص أبرز مواقف البكري، ومقاطع من حياته وجهاده.
- إنجاز فلم وثائقي مدروس دراسة معمَّقة، لحياة البكري وجهاده، من خلال مذكِّراته.
وما دورنا - نحن - في غياب هذه الإمكانات؟
لا شكَّ أنَّ القراءة المنهجية لمذكِّرات البكري، تفتح الشهية لكثير من الأعمال والمقترحات، ولعلَّ أبرزها:
- توجيه الشباب لمطالعة المذكرات عموما؛ لأنها تمنح قارئها تجارب ثرَّة، وتختصر حياته أيما اختصار، فتقرِّب منه أسباب النجاح، وتقيه مزالق الفشل .. وتعرِّفه بقدر الرجال، وتعرض عليه الحقائق ناصعة غير مغلَّفة ولا ملتوية .. يقول الفيلسوف محمد إقبال: «يا بني، أريدك أن ترى الحياة كما هي، أريدك رجلا، والرجال قليل».
- ضرورة تدريب التلاميذ والطلبة على هذه العادة الحسنة: عادة كتابة المذكِّرات، مهما كان مستواهم العلميِّ، ومهما كانت لغتهم (1).
__________
(1) _ يذكر – مثلا- أنَّ صبية في سنِّ المراهقة، دوَّنت مذكراتها في حالات الغيبوبة بفعل المخدِّرات، ثم طُبعت هذه المذكرات بعد أن صحَّح معلِّمها الأخطاء، وراجع الأسلوب ... فكان الكتاب بعد طبعه لفترة معيَّنة في قائمة الكتب الأكثر مبيعا في العالم؛ لأنه يسمح لعلماء النفس، وللأولياء فهم هذا العالَم المحيِّر، ويعطيهم وسيلة للتعامل معه ... ولقد طالعت الكتاب بتمعُّن، وازددت يقينا بنعمة العقل والإسلام، والحمد لله.
وكم تمنيت لو قرأت مذكرات للشباب الجزائري، يصف فيها إحساسه، ويعرض مشاكله، ويطرح آراءه؛ قصد رفع الحاجز النفسي عنه وعن جيل الآباء، وتمكين الدارسين من فهم غوامضه وفكِّ ألغازه. (1/264)
صفحة 257
- إنجاز بحوث تحليلية حول المذكرات، من مختلف التخصصات، وبخاصة مذكرات الأعلام الجزائريين، في التاريخ المعاصر.
خاتمة:
طالعتُ مذكرات البكري بكثير من العناية والاهتمام، فجاءت لتضيف لعمري عمرا آخر، وأمدَّني صاحبها مأجورا نصف سنة من عمره، كلُّه تجارب وإنجازات، منها المفرح ومنها المحزن، في دوائر منداحة: أوَّلها دائرة النفس وما يختلج فيها، وآخرها العلاقة بالله تعالى في أبلغ صورها، وما بين ذلك محيط العائلة، والمدرسة،، والمطبعة، والعشيرة، والمجتمع ...
دخلتُ في هذه الرحلة - رفقة البكريِّ - المستشفى، وصحَّحتُ مقدِّمة "قواعد الإسلام"، وألقيتُ دروسا في مسجد بريان، وعقدتُ جلسة تاريخية مع الشيخ بيوض، وأخرى مع الشيخ عدون .. وكنت عضوا في مجلس عمِّي سعيد، وحظيت بحجَّة دون أن يسقط عنِّي التكليف ...
وقبل ذلك، وبعد ذلك، اكتشفتُ جهلي بالبكريِّ رغم أنِّي ممن قرأ كتبه وتتبَّع تحقيقاته، فحملت رسالة صادقة من جيل الشباب إلى جيل الكهول والشيوخ، كتب فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين:
آباءنا،
سواء آمنا بتراثنا أو لم نؤمن به، فإننا نحبُّه ونجهله، نسمع عنه ولا نقرأه، ولقد منينا بفقد الذاكرة، وكرَّرنا الأخطاء والانزلاقات، فلم تُنقل إلينا تجاربكم كما هي ... لا زيادة فيها ولا نقصان، لا تهوين ولا تهويل .. نحن نبحث عن تجارب إنسانية يزينها الصواب حينا، والخطأ أحيانا .. تجاربَ هي ملك لنا، فلا تخفوها عنَّا، ولا تحجزوها خوفا من الفتنة، ولا تبريرا لواقع أحببناه من خالص قلوبنا، وأردناه إنسانيا لا ملائكيا .. فهل أنتم مدركون؟»
توقيع شباب، هم أقلُّ مني سناًّ وحنكة، ولكنهم أكثر مني طاقة وحيوية ... (1/265)
صفحة 258
المحافظون و المجددون
في الحركة الإصلاحية الجزائرية
بين الحقيقة التاريخية و ثقافة الكُتَّاب
الأستاذ: عزيز كعواش
كلية الآداب و العلوم الانسانية و الاجتماعية
جامعة محمد خيضر بسكرة
إن النظر والتمحيص في جانب من جوانب ثقافتنا التاريخية، و محاولة اكتشاف حقائق الماضي، والمزاوجة بين التراث والحداثة لدعم هوية الحاضر والمستقبل، و تمكين الجيل الجديد أن يعرف مركزه من الوجود الانساني ليتسن له المشاركة في النظام العالمي الجديد، بما يمتلكه من رؤى واضحة حول ماضيه وعاء مقوماته، هو موضوع هذا البحث. والهدف منه استكناه المناطق الموصوفة سلفا بالهيمنة الروحية في ثقافتنا التي لا تزال تصنع دلالات الانتماء الحضاري و التمايز الثقافي.
مقدمة:
إن عولة الثقافة اليوم بترساناتها الاعلامية و الاتصالية الضخمة، باتت تجاهر بسعيها لإلغاء خصائص الوجود البشري وتلوناته على سطح الأرض. ونسخ صورة موحدة لما يسمى بالإنسان المتحضر على مستوى الأفكار والثقافات والإنفعالات والمشاعر وحتى الشكل والمظهر. وتحويل العالم على الحقيقة قرية صغيرة، تلغى فيها جميع الفوارق وأنماط الوجود إلا ما كان على نمط الرجل الغربي.
و ليس من اليسير في عالم اليوم، التبلور الايجابي مع هذه الظاهرة الجبرية الكونية المعولمة للثقافة الانسانية دونما الرجوع إلى تحديد الهوية المعرفية لأمة ما، برسم الحدود ... و غرس المعالم التي بها يتفاعل مع هذه الحركة للمحافظة على مقومات الذات.
وإن مدارسة ماضي الأمم القريب أوالبعيد، والتنقيب عن حقائق وخصوصيات الشعوب، وتمتين ثقافة (1/299)
صفحة 259
الأمة الواحدة وتطعيم مسالكها، كانت الجدار الصلب الذي يوقف دوما عمليات تحلل الشعوب و الذهاب بخصائصها. ... و الأمة الجزائرية بواقعها الثقافي اليوم، وهي سائرة في فلك العولمة الثقافية قد تسري عليها قوانين الانصهار نحو هذه العولمة إذا لم تتكاتف القوى المعرفية والسياسية بعد ذلك على حفظ هويتنا ومقوماتنا الثقافية.
إن الثقافة الجزائرية بمكوناتها التاريخية والعقدية والاجتماعية لا تزال تتدحرج بين أهلها وفي دواليب الثقافة المحلية بين الشك أو التشكيك و اليقين. ولم تجمع الطبقة المثقفة بعد على أرضية معينة تكون أساسا لهويتنا وقاعدة لبناء مقوماتنا الحضارية. وما ذلك إلا لقصور فينا حول تفعيل عملية البحث عن الذات في تاريخنا الطويل.
والنظر والتمحيص في جانب من جوانب هذه الثقافة، و محاولة اكتشاف حقائق الماضي، والمزاوجة بين التراث والحداثة لدعم هوية الحاضر والمستقبل، و تمكين الجيل الجديد أن يعرف مركزه من الوجود الانساني ليتسنى له المشاركة في النظام العالمي الجديد، بما يمتلكه من رؤى واضحة حول ماضيه وعاء مقوماته، هو موضوع هذا البحث. والهدف منه استكناه المناطق الموصوفة سلفا بالهيمنة الروحية في ثقافتنا التي لا تزال تصنع دلالات الانتماء الحضاري و التمايز الثقافي.
لقد باتت هذه الدلالات التي تربطنا بالانتماء و التاريخ و القيم محل جدل متعددة الأوجه مع واقع عملية التجديد التي سادت أيام الحركة الإصلاحية الجزائرية. وفي واقع مجتمعاتنا اليوم. ومن ثم أضحت بادية للعيان ظاهرة ثنائية البنية الفكرية للمجتمع الجزائري على كافة المستويات. وعليه كانت هذه الرؤية أساس بناء اشكاليتنا. حيث ماانفكت عن أذهاننا ضبابية مزمنة لازمتنا منذ الاستقلال، وهي غموض طبيعة العلائق بين دعاة الإصلاح في تاريخنا الحديث. ولا سيما بين أطياف تيار دعاة النهضة من المصلحين أنفسهم. حيث ينتهي بنا المطاف نتيجة ذلك الصراع بعد الاستقلال أن خلعنا أهم مقومات وجودنا من ثقافتنا و ذهنياتنا، وهو انتماؤنا الأفقي الروحي و مرجعيتنا الفكرية العمودية. وهي الوحيدة القادرة على ضبط مسالك التفكير لدينا نحو التفاعل الجدي مع العولمة الثقافية اليوم. (1/300)
صفحة 260
ومنهجنا إلى آخر هذا البحث الابتعاد عن الأساليب التمجيدية لمرجعيات أحيطت في تاريخنا الجزائري الحديث بالتقديس، بل هو البحث عن تلك الحلقات المفرغة التي صنعها قلم جيل الاستقلال بحكم ارتباطه الوجداني مع تلك المرجعيات المقدسة في نظرهم وتبعهم في ذلك عامة الكتاب.
المحافظون والمجددون، الثنائية السننية:
إن المستقرئ لتاريخ الجزائر الحديث، يراوده شعور بالإعجاب المفرط تجاه شعب لم يعرف منذ دخول الاستعمار الفرنسي أرضه، سوى قوة الجأش و صدق العزيمة في مقاومة محتل كان الأشرس في مسيرة الاستعمار الحديث. مقاومة تعددت أشكالها و تنوعت طرقها بحسب طبيعة الصراع القائم من أجل الأرض، وهو التنوع الذي ناسب خطط الفرنسيين حينما فرضوا منذ دخولهم الجزائر طوقا عسكريا و فكريا و عقليا على بؤر التوتر في المدن ... والقرى، وحول الزعامات الروحية و الفكرية في الجزائر.
ولقد لجأت الجزائر، بعد تلك الثورات المسلحة الأولى تحت راية الطرق و الزوايا (1) المعارضة للحكم الفرنسي، إلى لون آخر من ألوان الصراع من أجل الحرية. وتحمست له أطياف من المقاومين متجهة صوب ممارسة النشاطات الاجتماعية والثقافية في سائر العواصم الجزائرية. وهي فيما يبدو وسيلة رأتها النخب والقيادات الروحية والسياسية الجزائرية مناسبة تماما لطبيعة المرحلة، و لاسيما بعد تلك النهضة التي سرت في حياة الشعوب العربية آنذاك. وخصوصا ظهور الحركات الإصلاحية الرافضة للمستعمر في المشرق العربي (2).
وبوحي من روح النهضة، أدرك الجزائريون أن البون شاسع بين واقع الوعي السياسي والاجتماعي عند الشعوب العربية في المشرق، و ماهو عليه الحال في المغرب العربي. الذي قوض الاستعمار فيه حركة الفكر والوعي منذ
__________
(1) ـ المواقف السياسية بين الإصلاح والوطنية في فجر النهضة الحديثة, محمد قنانش. الجزائر: الشركة الجزائرية للنشر والتوزيع. ص99.
(2) ـ انظر تفصيل ذلك في تاريخ الصحافة في الجزائر, الزبير سيف الاسلام. الجزائر: المؤسسة الوطنيةللكتاب,1985.ج 4 ص23و ما بعدها. (1/301)
صفحة 261
الوهلة الأولى. وسلط عليه ثقافة الجهل مستحكما لمنافذ المعرفة جميعها. فتحولت الحياة العقلية لشعوب المغرب العربي إلى عقيمة مجدبة. فكانت أولى خطوات السعي نحو استيعاب القضية الوطنية وكشف جرائم الاستعمار، أن أوجد الجزائريون لأول مرة النوادي الثقافية وأسسوا الجمعيات الإصلاحية وأنشؤا صحافة وطنية ورفعوا شعارات التحرير مطالبين بالتعليم الذي كان أول بنود قوانينهم التأسيسية. (1)
و لقد كان الإلحاح على التعليم شديدا. ففي المجالس المحلية والمحاضرات والعرائض والصحافة، كانت هذه القضية تشغل اهتمام المصلحين و دعاة النهضة في الجزائر. مطالبين الاستعمار بفتح المجال للتعليم و إنشاء المدارس. واستمرت دعواتهم زمنا ليس بالقليل، وإلى أيام العلامة ابن باديس.
وقد درج بعض الكتاب والمثقفين منذ زمن الحرية و الاستقلال إلى اليوم، بلا وعي أو تمحيص، ومن باب الاجترار التارخي، إلى تلخيص حركة دعاة الإصلاح في الجزائر بعيد الثورات الشعبية وجمعها في محور محرك واحد، في شخصية رائد النهضة الجزائرية الامام ابن باديس. وغفلوا عن محاور أخرى كانت لها قوة الحركة نفسها و قوة الأثر ذاته (2).
و اختزل هؤلاء جذور عميقة وأساسات متجذرة وفروع يافعة في عملية الإصلاح داخل المجتمع المستعمر آنذاك. كانت تشكل في واقها الثقافي والاجتماعي والسياسي حجر الأساس لما انتهت إليها حركة الشيخ ابن باديس. سواء على مستوى البنية الفكرية لمشروع النهضة من أصول التغيير ومنهج الإصلاح، أومن جهة القاعدة الشعبية بعد ذلك. مما جعلت حركة هذا الأخير تطغى على سائر الحركات الأخرى عند كتابناوهم يؤسسون لأبجديات الشخصية الوطنية للدولة الجزائرية الحديثة. (3)
__________
(1) ـ انظر تاريخ الصحافة في الجزائر, الزبير سيف الاسلام. ج 4 ص27 إلى 33.
(2) ـ انظر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و علاقتها بالحركات الجزائرية الأخرى. عبد الكريم بوصفصاف. الجزائر: منشورات المتحف الوطني للمجاهد ,1996.
(3) ـ انظر إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس, عبد القادر فوضيل ,محمد الصالح رمضان. الجزائر: دار الأمة , 1998. ص17 و ما بعدها. (1/302)
صفحة 262
وإذا ما تصفحنا أيام المصلحين الجزائريين في تلك الحقبة بعمق و روية. ونظرنا تاريخ الحركات الأولى عمقه و سطحه. وقلبنا مادتنا الخام المستنبطة من تلك الرؤى. لوجدنا قطبية الحركة في تاريخنا التحرري الجزائري الحديث زعمًا بلا دليل و قولاً بلا برهان. بل نجد أنفسنا أمام ثنائية التكتل السننية الأزلية عند دعاة التغيير عبر التاريخ؛ ثنائية متشكلة من محافظين لمقومات أصل الوجود والتجمع المميز ومجددين لتلك المقومات و الأصول. وقد ساد هذا التقسيم كذلك كحقيقة حتمية منذ الوهلة الأولى في عملية الإصلاح عند أسلافنا من دعاة التغيير أيام الحركة الإصلاحية الجزائرية الحديثة، و ستظل مستمرة إلى ما بعد ظهور ما يعرف بالعلماء في تاريخ الجزائر.
إن دعوى المحافظة على الأصول التراثية أو تجديدها في مواجهة الحياة، كانت وما زالت ثنائية جبرية مرتبطة أساسا بالتفكير الانساني بمجموعاته المتناقضة. وليس لهذه الثنائية الفكرية في عملية الإصلاح الجزائرية الأولى أن تختفي عند مثقفينا المعاصرين في كتاباتهم التأصيلية وبحوثهم التحليلية، إلا لقصور في عملية بحث و إدراك طبيعة معركة الإصلاح بين الجزائريين. فليس هو الصراع من أجل الصراع، بل هو الاجتهاد من أجل الحقيقة وإنزال هذه الحقيقة إلى أرض الواقع حيث الصراع من أجل البقاء.
وإن كان جميعنا يسعى لأن يستقرئ التاريخ من أجل ما نتركه لأجيالنا من معالم يستضيء بها. فإنه فرض على عقولنا أساسيات البحث العلمي الصائب، أدناها أن ندرس تارخنا من موقع الواصف الحصيف، و مما توفر لنامن وثائق تاريخية. وأعلاها خدمة الحقيقة ... و تقدير شعب قاوم بسائر عقلياته المتعددة حقد المستعمر.
و قد فاتتنا كثير من الأمم في إداك هذه الحقيقة بل مازلنا لم نتجادل حولها بعد. فهؤلاء المقعدون للفكر الاستعماري من الفرنسيين آنذاك أدركوا وما زالوا، طبيعة تنوع المرجعيات الفكرية الإصلاحية في حركة النهضة الجزائرية المتنامية. فأوعزوا للمنظومة الاستعمارية طرق الاختراق لافساد تلك المرجعيات من الداخل، أو تشويهها من الخارج في أسوأ الأحوال. مثلما فعلوا مع الفكر النخبوي والطرقي في تاريخنا الحديث. (1/303)
صفحة 263
ولست بدعا من الكتاب أن ادعيت هذا التقسيم. فقد تنبه مؤرخنا الجزائري أبو القاسم سعد الله مبكرا إلى التصنيف ذاته للكتل الجزائرية الإصلاحية الموزعة بين محافظين ... و مجددين. واصفا طبيعة الإصلاح في تلك الفترة المتقدمة من عملية النهضة، ومقسما روادها بين مجموعتين كبيرتين؛ كتلة المحافظين (1) وجماعة النخبة (2) كما يسميهما.
وقد كانت مصالح هاتين المجموعتين من عملية التغيير والنهوض بالمجتمع الجزائري في كثير من الأحيان متضاربة تضارب المرجعيات الفكرية لدى كل منهما. ولكن صراعهما وتناقضهما وحملتهما كانت من أجل تحرر الجزائر وتتويجها بالاستقلال. و قبل ذلك تثقيف الانسان الجزائري ثقافة وطنية، ثقافة المناضل المدافع عن الأرض والعرض.
و جماعة النخبة (3) ترى لنفسها الجدارة بإحداث ذلك التغييرالمنشود في الجزائري. لأنها كما تظن تمثل التجديد في كل مستوياته، على مستوى العقليات أو البرامج أو
__________
(1) ـ انظر: الحركة الوطنية الجزائرية. ط:3.الشركة الوطنية للنشر والتوزيع, الجزائر.1983. ج2ص 152. و المحافظون مجموعة من المثقفين الجزارئريين تخرجوا من الزوايا الطرقية و بعضهم من المدارس الفرنسية الاسلامية. و نعتوا بالمحافظين لأنهم كانوا يطالبون بالحفاظ على كياننا و تقاليدنا وديننا والتمسك باسلامنا. (تاريخ الصحافة في الجزائر, الزبير سيف الاسلام. ج4ص35).
(2) ـ انظر: الحركة الوطنية الجزائرية. ج2ص167. و يعرفها بعضهم بقوله: بعد أن مضى على احتلال الجزائر خمسون عاما تخرجت مجموعة من الجزائريين من المدارس الفرنسية و المدارس الفرنسية الاسلامية أطلق عليها (النخبة) أو (جماعة النخبة) لأنهم كانوا أقلة ضئيلة متشبعين بالثقافة العربية أو بثقافة مزدوجة و خيل للفرنسيين أن هذه النخبة ستكون الوسيط بينهم و بين الجماهيرخاصة و أنها طلبت بنبذ تقاليدالماضي و الأخذ بالحضارة الغربية. (تاريخ الصحافة في الجزائر, الزبير سيف الاسلام. ج4 ص35).
(3) ـ انظر دور و تأثير جماعة النخبة على الحياة العامة في الجزائر (تاريخ الصحافة في الجزائر, الزبير سيف الاسلام ج4 ج35 و ما بعدها). (1/304)
صفحة 264
الأشخاص أوحتى الزعامات. و ترى في المحافظين أصحاب فكر بائد، يرتكزون على الثقافة التقليدية العقيمة القائمة على الخطاب الديني المنغلق.
يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله عن حماسة النخبة: «ولا شك في أن دورهم الوطني كان هاما، رغم أنه لم يكن حاسما. فصحافتهم ووفودهم وعرائضهم وهجوماتهم على الخرافات والإجحاف والإستغلال من أجل التعليم العربي والتقدم والتسامح ومساعدة الفلاحين الكبار، كل ذلك أدى إلى أن تخلق جماعة النخبة ضميرا وطنيا جديدا وطريقة جديدة للمقاومة» (1)
أما كتلة المصلحين المحافظين بأطيافها الفكرية ـ و هي محل الدراسة ـ فقد كانت تشكل شريحة واسعة من المجتمع. وهي تخالف سابقتها من حيث المبتدأ. و ترى في كتلة النخبة خروجًا عما توارثه المجتمع الجزائري، وعن أسسه وقواعده الحضارية ورؤاه للعملية الإصلاحية. بل يرون في دعوة التجديد على الطريقة الأوروبية من طرف النخبويين إفسادا للوقت وإهدارًا للجهد.
و المحافظون يتشكلون في بناهم الفكرية و نظراتهم التتغييرية من آراء العلماء التقليديين والمثقفين، وكذلك زعماء الدين والمرابطين (الطرقيين). وقد كان بعض هؤلاء صحفيين ونيابيين ومصلحين يؤمنون بفكرة الجامعات الإسلامية واتشار التعليم. وبعضهم ينادي بالتقدم والتسامح. ونلاحظ وجود كثير من الملامح المشتركة بين جميع أعضاء هذه الكتلة، فقد كانوا جميعا مؤيدين متحمسين للوطنية والجامعة الإسلامية، غير قابلين لفكرة التجنس وللخدمة العسكرية تحت غيرالحس الوطني، وللتجديد على الطريقة الغربية (2).
بيد أننا نسجل كذلك هنا تلك الفروق الواسعة في طريقة التفكير لدى طبقة المحافظين ذاتها بعد اتساعها وانتشارها، إلى درجة التباين الشديد في كثير من حالاتها (3).و هنا الفاصل
__________
(1) ـ الحركة الوطنية الجزائرية، أبو القاسم سعد الله. ج2 ص182.
(2) ـ منهجية التغيير عند عبد الحميد بن باديس, سامية جفال. رسالة ماجستير من قسم الاعلام والاتصال. جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة. إشراف محمد زرمان. سنة 2001م. ص16.
(3) ـ انظر تفصيل ذلك فيما يأتي من عناصر البحث. (1/305)
صفحة 265
الخفي الذي خفي على كتابنا، والذي ما فتئ دوما يجلي قانون الاجتماع البشري المتغير المنقسم على نفسه. فيصنف المنتمين للفكرة الواحدة إلى مجددين ومحافظين.
وكأننا في هذه الحقبة من تاريخ الحركة الإصلاحية الجزائرية، نكاد نجزم بانقسام المحافظين بدورهم على أنفسهم إلى مجددين نخبويين مناهضين للموروث القديم مطالبين بالتغيير على غير ما ألفوا منتهجين سبل الإصلاح المشرقية. وإلى محافظين على ذلك الموروث المقدس، تقليديين يرون في النموذج الجزائري الموروث أجدى طرق التغيير وأنفعها للمجتمع بما يوافق مبادئ الأمة وأصولها.
و قد شاع بين العلماء والمثقفين المجددين من طبقة المحافظين، ولاسيما من سار في فلك فكرة الإصلاح المشرقية، أنهم يشكلون الفئة المميزة في المجتمع الجزائري حسب تصورهم. ويذهب من الجهة الأخرى زعماء الدين غير المنتمين لفكرة الإصلاح، والصوفيون من أصحاب الطرق على وجه الخصوص، وهم من المحافظين كذلك، إلى الفخر بمنهجهم الروحي العريق. ويرون في الفكر الصوفي النقي الأصيل قبل أن تخترق بعضه السياسة الاستعمارية الفرنسية، أنه يشكل كل المنظومة الثقافية والهوية الحقيقية للشعب الجزائري، في المدن و القرى و في الشرق و الغرب على السواء.
فهذه إذن صورة من انشقاق جديد في طبقة المحافظين في ظل فكرة الإصلاح المتنامية. ولاسيما في الشرق الجزائري، وعلى أيام ابن باديس خصوصا. حيث نشطت عملية الإصلاح ... و اتسعت، وانزوى مصطلح المحافظين في حقيقته وصار علما على التقلديين. وأخذ يقابله من الجهة الأخرى مصطلح المجددين. وإن شئت قل بميلاد جديد في تاريخنا الإصلاحي للمصلحين والمحافظين.
ثم إذا ما نظرنا إلى الواقع الايديولوجي لدى طبقة المحافظين الأولى قبل انشطارها المقابلة لفئة النخبة، فإنا نلاحظ فيها منذ بداية نشاطها تلك الأفكار المشرقية المستوردة. و قد بدأت بالسيران في أوصال الفكر الإصلاحي الجزائري الحديث، وما لبثت أن أخترقت منظومته بقوة من الداخل بعد نجاح الحركة الوهابية في بلاد الحجاز. وانتشار فكرة الإصلاح والتجديد في الوطن العربي تحت لواء (1/306)
صفحة 266
تعاليم أفغاني و محمد عبده تارة، و مبادئ السلفية الحجازية بعد ذلك.
فأخذ بعض من الطلبة الجزائريين يتطلعون إليها كلما انتقلوا شرقا إلى جامع الزيتونة لطلب العلم. أو ساروا نحو المشرق و بلاد الحجاز لآداء فريضة الحج. و لم نكن نشهد هذا الاختراق واضحا لمنظومتنا الدينية والثقافية الأصلية أيام الحركة الإصلاحية الأولى و بصورة جلية، بل كان ذلك الاتجاه يتنامى كلما اتجه نحو ظهور جمعية العلماء المسلمين.
والحق وبغض النظر عن نتائج هذا الاندماج، فإن جزءا من تلك المبادئ الإصلاحية، ... و لا سيما تعاليم السلفية الوهابية، وبعض ما تنادي به حركة النهضة في المشرق، كان بعيدا عن طبيعة الجزائريين الفكرية والروحية على السواء. ولم يمر وقت أحسسنا فيه بغرابة هذا المنهج أكثر وأشد علينا مما نعايش نتائجه اليوم من انفصام في شخصيتنا الدينية.
وإذا ما أخذنا نسقط ما انتهينا إليه من مقولة التجديد والمحافظة على واقع تاريخ الحركة الإصلاحية الجزائرية، ونتبين بوضوح خطأ هواة الكتابة التاريخية حول ذلك التناقض الموهوم. فإننا نستقرئ مراحل مسيرة الإصلاح الجزائرية و نستظهرها منذ لحظاتها الأولى، واصفين عملية التغيير وما انتابها من نظرات مشرقية بطيئة، وما آلت إليه أيام الشيخ ابن باديس من وجود شرخ عميق استحال معه التعايش بين الفكرتين.
و أول ما نلاحظه عن شخصياتنا الإصلاحية الأولى أنها عرفت باتزانها الفكري الأصيل، رغم تأثرها بتعاليم النهضة في المشرق. وأول من كان لها دور هام في طبقة المحافظين الواسعة قبل أن ترتسم فيها حدود الطبقتين بظهور علماء الجمعية؛ عبد القادر المجاوي، وعبد الحليم بن سمايا، وحمدان الونيسي، ومولود بن الموهوب.
أما عبد القادر المجاوي (1848ـ 1913) فهو رجل الإصلاح الأول. يتمتع بشعبية كبيرة واحترام شديد من قبل الجزائريين. كان أستاذا للعربية والشريعة الإسلامية في المدرسة الجزائرية الفرنسية بالعاصمة (1)، ثم
__________
(1) ـ انظر شروط النهضة , مالك بن نبي. ترجمة: عمر كامل مسقاوي, عبد الصبور شاهين. ط:4. الجزائر, سوريا. 1984 دار الفكر, .. ص25. (1/307)
صفحة 267
قسنطينة مدة سنوات. وقد تعمق المجاوي في معرفة المجتمع الجزائري والعالم الإسلامي، و تمتع بثقافة عربية وإسلامية واسعة، بالإضافة إلى ثقافته الأوربية. وقد نادى عبد القادر المجاوي بالإصلاح الإجتماعي والتعليم (1) واليقظة. وكان نداؤه بالإصلاح قد لقي ترحيبا من جميع فئات المجتمع. فهو يحذر من البدع ومخاطرها، وينبه جموع الناس في دروسه ومواعظه واجتماعاته من الخضوع لاعتقادات
أتباع الاستعمار من دخلاء التصوف و علماء الدين: «فكان حربا على الخرافات والبدع التي انتشرت في المجتمع، يهاجمها وأصحابها في دروسه، ويقنع العامة بأدلته ويبين بفصاحته أضرارها وفتكها بهم». وقد ألف فيها منظومة سماها «اللمع في إنكار البدع» (2).
و من نتائج جهود المجاوي المصلح البارع، أن: «اشتهرت مدرسته وتكاثر فيها الطلبة وطار صيته في أنحاء الولاية >> (3).وكادت مدرسته الصغيرة «أن تصبح معهدا كبيرا يشتمل على تلاميذ من كل الجهات>> (4). وقد اشتهر من تلامذته الشيخ حمدان الونيسي معلم الشيخ ابن باديس و المولود بن الموهوب مفتي قسنطينة (5).
و بجانب عبد القادر المجاوي ظهرت شخصية أخرى من المحافظين، كان لها أثر في مسيرة الإصلاح. وهو عبد الحليم ابن سماية (1866 - 1933)، أستاذ بالمدرسة الجزائرية الفرنسية بالعاصمة. وقد نادى ابن سماية بالإصلاح وبالجامعة الإسلامية في الجزائر. كما قاد حملة ضد التجنيد العسكري الإجباري للجزائريين في الجيش الفرنسي. و أصابه بسبب ذلك اضطهاد شديد من الفرنسيين (6).
__________
(1) ـ انظر ابن باديس حياته و آثاره, عمار طالبي. ط:2.بيروت: دار الغرب الجزائري,1983.ج1 ص20.
(2) ـ نهضة الجزائر و ثورتها المباركة, محمدعلي دبوز. ج1ص96.
(3) ـ المرجع نفسه.
(4) ـ المرجع نفسه ج 1. ص: 96.
(5) ـ انظر الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر. تركي رابح: ص 3 الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981: ص 106
(6) ـ انظرعبد الحميد بن باديس و بناء قاعدة الثورة الجزائرية, بسام العسلي. ط:2.بيروت: دار النفائس، 1983. ص77و ما بعدها. (1/308)
صفحة 268
ويعد ابن سماية من أهم مؤسسي الحركة الإصلاحية بالجزائر، و من المتأثرين بأفكار الشيخ محمد عبده، ودرَس بعض مؤلفاته في المدرسة الثعالبية مثل رسالة التوحيد. ولابن سماية مؤلف بعنوان «فلسفة الإسلام>> (1).
غير أن الزعامة الحقيقية لتيارالمحافظين قد انتهت إلى يد الشيخ ابن الموهوب. الذي عده الدارسون رجل الإصلاح في هذه الحقبة ورائدا حقا من رواد ها في الجزائر. شغل منصب الافتاء في مدينة قسنطينة، وكانت له سلطة عالية في شؤون الدين والقضايا الشرعية والإجتماعية، لما حبي من سعة العلم و المعرفة و الاطلاع على قضايا عصره. وفي الوقت ذاته هو أستاذ الفلسفة والعلوم الدينية والأدب العربي في المدرسة الجزائرية الفرنسية بقسنطينة. لذلك اجتمع لابن الموهوب العلم و الفضل و الأدب.
وقد شعر ابن الموهوب أن بلاده قد عدمت معالم الحياة كلها من جراء سياسة الاستعمار المدمرة. فانتشار الأمية، وإطباق الجهل على عقول عامة الشعب، و شيوع الأمراض العقدية بين أتباع الاستعمار من بعض الطرقيين خاصة، و ندرة المصلحين المجددين بين الناس، كل ذلك قد أدى إلى التقوقع داخل حلبة مغلقة، تتآكل فيها قيم الذات والوطنية. ولولا بذور الحياة التي تحملها هذه الأمة لانتهت إلى الذوبان في الكيان الفرنسي.
من الصعب على الدارس أن يفهم خطة ابن موهوب التغييرية و منهجه الإصلاحي دون التعرف على أحوال الجزائر السياسية والإجتماعية والعقلية في أيامه. فالجزائريون عاشوا تحت قوانين اضطهادية ثقيلة قابلة لأن تتمدد، بدعوى القيام بنشاطات تخريبية ضد المصالح الاستعمارية. و تبعا لذلك فقد جرد الجزائريون من الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ناهيك عن المساواة مع الكولون. وسلط عليها هذا الأخير قانون الاهالي والمحاكم الرادعة (2).
وانتهى الأمر بالفرنسين أن أكسبوا الجزائري عدم المبالاة بواقعه،
__________
(1) ـ انظر ابن باديس حيانه وأثاره. عمار طالبي: ج 1 ص 32. الشيخ عبد الحمبد ابن باديس رائد الإصلاح والتعليم في الجزائر, تركي رابح. ص 108.
(2) ـ الحركة الوطنية الجزائرية. أبو القاسم سعد الله: ج2 ص 161. (1/309)
صفحة 269
وشغلوه بالفاقة وانتشار الجوع و المرض بين الناس. وما أحاديث النهضة والمطالبة بالحريات إلا ضرب من سراب لم يكن ليخطر على قلب واحد منهم. ومما زاد الوضع سوءا و لعله أشدها فحشا انتشارالأمية بين الناس إذ تشكل معدلا مرتفعا بسبب غلق المدارس. وبجانب ذلك تراث من الخرافات والقدرية (1).
ومن هنا كانت رسالة ابن الموهوب الإصلاحية محاولة عسيرة لانتشال الجزائريين من هذا الظلام الدامس و ليل الاستعمار الطويل. فأعلن ابن موهوب أولا الحرب ضد الاحباط ... و اليأس و القنوط الذي استقر بين الجزائريين. و ما يلفه من الجهل والكسل و الخمول و الرضى بالأمية و الحياة الوضيعة. و انتبه في ذكاء إلى أن بناء الذات الوطنية هو أهم مايجب أن تتركز حوله الجهود، فلا وطن بلا مواطن ولا مواطن بلا وطنية و لا وطنية بلا انتماء، وأساس الانتماء الوعي و نضوج الفكر فيما له و عليه تجاه الوطن. وكل ذلك قائم على يقظة الشعوب العقلية.
و لتحقيق هذا الهدف اختار ابن الموهوب الوسيلة الأقرب إلى ذلك و هي التعليم. والاهتمام بخطة التعليم الجماعية التي توجه مجمل المجتمع إلى مشروع النهضة الحقيقية. وباشر ابن الموهوب السير في هذا الطريق الشائك بشجاعة يوجه مواطنيه بأن ياخذوا مكانهم تحت الشمس (2).
وقد لخص المؤرخون شعار الرجل في جهاده و نضاله لأجل أمته ووطنه والذي رآه الطريق نحو الإصلاح والتحرر. فقال أبو القاسم سعد الله: «كان شعار ابن الموهوب أن الجزائر قد وصلت إلى أسفل نقطة في سلم التدهور، ولكي تتخلص من هذه الحالة يجب عليها أن تؤمن بالتقدم والتعليم بكل الوسائل والتسامح، والعودة إلي منابع الإسلام الصافية» (3).
ثم ينتهي أبو القاسم سعد الله إلى أن الأبحاث الأولى تظهر أن ابن الموهوب كان الموضوع أو المقدمة لحركة ابن باديس الإصلاحية. وتزداد الصورة وضوحا عنده أن الشيخين كانا من
__________
(1) ـ المرحع نفسه.
(2) ـ الحركة الوطنية الجزائرية. أبو القاسم سعد الله: ج2 ص 161.
(3) ـ لمرجع نفسه. (1/310)
صفحة 270
مدينة واحدة، قسنطينة. وبالاضافة إلى ذلك فإنه في الوقت الذي كان فيه ابن الموهوب يبشر بمذهبه الإصلاحي، كان ابن باديس مايزال طالبا في فترة المراهقة. «ورغم أننا لا نملك الوثائق التي تثبت أن ابن باديس كان من بين مستمعي ابن موهوب فلا يوجد أيضا ما ينفي ذلك. لذلك يبقى من المحتمل أن يكون المصلح الجزائري في المستقبل، ابن باديس، قد حضر محاضرات ابن الموهوب وتأثر بأفكاره >> (1).
إن للمحافظين هؤلاء جميعا و لحركة الإصلاح هذه خطرها على الاستعمار. فقد أخذ الفرنسيون يخشونهم و يزداد خوفهم من خط المحافظين بجمعياتهم الدينية وعلمائهم ونوابهم الذين قد يترصدون الفرصة ويعلنون برنامجهم الوطني من ناحية، والإصلاحي من ناحية أخرى.
إن جهود هؤلاء المحافظين كانت اللبنات الأولى على طريق النهضة في إصلاح العقيدة الدينية. ودعوة الشعب إلى المحافظة على مقومات شخصيته وتوجيه انظاره إلى الأخذ بأسباب العلم. ولولا ما بذله هؤلاء وسعيهم لما وجد الأمير خالد من الشعب الجزائري نصيرا، ولا صادف الشيخ عبد الحميد ابن باديس عقولا مهيأة لفهم دعوته وإدراك جهاده لتحرير الجزائر من قيد الاستعمار.
جمعية العلماء المسلمين والمحافظون التقليديون، صراع الايديولوجيات المذهبية:
لم تكن طبقة المحافظين الواسعة قد انشقت على نفسها انشقاقا بينا إلى مجددين مصلحين ومحافظين تقليديين جدد، ولم ترتسم معالمها إلا بعد ظهور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (2). وقد مثل فئة المحافظين التقليديين أصحاب الطرق الصوفية، وكذا علماء الدين الذين لم تكن لهم صلة بفكرة الإصلاح المشرقية. وهؤلاء يقابلهم مشايخ جمعية العلماء المسلمين كمحافظين تقدميين ثم مصلحين مجددين بعد ذلك. وتميزت كل طبقة بمنزعها الفكري وخطها الجهادي نحو الإصلاح والتجديد. إلى الحد الذي نشأ معه بين الكتلتين شرخ
__________
(1) ـ الحركة الوطنية الجزائرية، أبو القاسم سعد الله. ج2 ص 163.
(2) ـ بعد المؤتمر التاسيسي لجمعية العلناء المسلمين سنة 1931م (1/311)
صفحة 271
واسع عمقته الظروف التاريخية وأساليب التفكيرالحادة.
وما يزال كتابنا لم يدركوا بعد هذه الحقيقة التاريخية بفواصلها في هذه الحقبة من تاريخنا الحديث. إذ صار من البديهي عند أغلبهم، وهم يسردون الوقائع التاريخية ويروجون مناقبها ويكررونها بلا وعي أو إدراك لما يجب أن تكون عليها الدراسات التحليلية الموضوعية، أن طائفة الإصلاحيين الجدد من أتباع جمعية العلماء المسلمين وعلى رأسها الإمام ابن باديس، تناقض طبقة المحافظين من مشايخ التصوف وسائر علماء الطرق على وجه التحديد إلى درجة التباين والتناقض والاختلاف في الأصول الكبرى للإسلام نفسه.
هذا الانزلاق التأليفي والخطأ من عامة كتابنا، كان له دوافعه التي جعلته يطفو من غير غربلة على سطح عدد ليس بالقليل من البحوث التحليلية التاريخية والفكرية والدعوية. ... ولعل أشد الأسباب ظهورا والتي أدت إلى هذا الاتجاه، غلبة الخطاب الإصلاحي النخبوي في تلك الفترة، القائم أساسا على الترويج لفكرة الإصلاح بدل المنهج الصوفي المتهم بالعمالة للاستعمار. ومحاربة الطرق ومشايخ الصوفية بلا هوادة من قبل علماء الجمعية، وخصوصا أيام الشيخ البشير الابراهيمي الذي لم يفصل بين الغث والسمين كما هو الحال في منهج ابن باديس. و قد انعكس هذا الخطاب على كتابنا سلبا جازمين الصحة والصواب للتيار الإصلاحي، وعازفين عن القراءة والتنبه لما يذكره الطرف المقابل.
كما أن مذهب التصوف عند المصلحين، كممثلين للمذهب السياسي الظاهري، وسواء عند المشارقة منهم أو المغاربة، يرونه من وجهة النظر الفقهية والعقدية منهج ينتابه الخلل والخطأ والبعد عن الحق. ولايكادون يعترفون بشيء منه كحقيقة تاريخية لها تأثيرها في الفكر الاسلامي إلا ما كان منه قبل القرن الخامس الهجري. وما بعد ذلك وضع عندهم تحت اسم التصوف الفلسفي المذموم.
وفي المقابل تقهقر تيار المحافظين الجدد، بسبب انحرافات في بعض جوانب فكره نتيجة الاختراق الاستعماري الذي أشرنا إليه سابقا. فأضفت كل هذه الأسباب بظلالها على ما تتركه أقلامنا من انطباع غير جاد. و كأنها حلقة أخرى من حلقات المد والجزر بين الحقيقة والوهم. (1/312)
صفحة 272
ولعل عدم النظر في النصوص والوقائع التاريخية بواقعية الباحث الحصيف، يبقى في النهاية العلة التى أوقعت الكثير في هذا الحكم. فلا ضير من التمييز بين الحقائق التاريخية ... وبين قراءة المثقفين للتاريخ. وخصوصا قد لوحظ ما يفوق التسعين في المائة من الدراسات حول حركة الإصلاح الجزائرية، يحكمها لهيب العواطف وتندر فيها نبرات العقول، بسبب القراءة غير الواعية والرواسب الفكرية حول الفكر الإصلاحي الحديث.
إن المبادئ الدينية والوطنية والقومية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكذا تعاليمها في التربية والتعليم، لا يمكن حجبها أو طمس معالمها. لأنها حية في وجدان الأمة، حاضرة في ذاكرتها. و لكن هذا التقديس لجانب من جوانب ثقافتنا، لا يمنعنا من إعادة قراءة الذات، وكشف أغوار تاريخنا الحديث كما فعلت الثقافات المعاصرة اليوم.
إن واقعنا التاريخي في الجزائر يثبت أمرين ما تطرق الريب فيهما إطلاقا؛ المحافظون التقليديون، من علماء التصوف وسائر طرقهم في الجزائر، والعلماء الذين لم ينضووا تحت راية الإصلاح، إنما استمدوا فلسفة تدينهم ورؤاهم التغييرية نحو إحداث الإصلاح من أصول جزائرية مغاربية محلية موروثة منذ العهود الأولى. أيام أئمة الأصول والعقائد والأخلاق. وهذه الرؤية عندهم هي الاسلام الرفيع. الممثل في المنهج الفقهي المالكي الأشعري الصوفي. والقائم على العلم والتربية والتهذيب والسلوك، فهو عندهم أساس إصلاح الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع.
أما الثاني من الأمر، فإن علماء الجمعية من الإصلاحيين يعدون بذواتهم ثمرة نظرات تغييرية مزدوجة في منبتها ومنشئها. جامعة بين الموروث من الأصول وبين المناهج الممتزجة المستمدة من المشرق العربي الواسع. بدءا بالحركة الوهابية في أرض الحجاز، ومرورا بأفكار الأفغاني السياسية، وانتهاء بمنهج محمد عبده ورشيد رضا التربوي (1). بل لقد بلغت درجة التمسك بهذه الأخيرة إلى حفاظ رجال الجمعية على وصف حركة الجزائريين النهضوية كما عرفت في المشرق باسم حركة الإصلاح.
__________
(1) ـ منهجية التغيير عند عبد الحميد بن باديس، سامية جفال. رسالة ماجستير. ص13. (1/313)
صفحة 273
و ليس هذا الاستنتاج حكما بقدر ما هو وصف لواقع محدد. فإننا في هذا المقام ونحن في سياق البحوث الآكادمية نصف واقعا لنا حول طبقة المحافظين الكبرى بشقيها. وليس لنا أن نعيب على المحافظين حفاظهم على منهجهم، أوعلى الجمعية خطها في التغيير.
لم يكن إذن زعماء الجمعية بمنأى عن الأفكار النظرية للحركات الإصلاحية في المشرق. فقد اعتنقوا تلك التصورات العامة والجزئية لعمليات التغيير التي وقعت عصرئذ. بعدما رأوا ما آلت إليه الدعوة الوهابية من الغلبة والشيوع. وما أحدثه السيد جمال الدين الأفغاني بأرائهه السياسية في العالم الإسلامي. وما خلفه تلميذه محمد عبده بمعية رشيد رضا بفلسفتهما نحوالتربية والتعليم بعد ذلك من آثار اجتماعية كانت أكبر عون على نهضة المسلمين.
فصار من البديهي أن علماء الجمعية أنفسهم لم ينكروا علاقتهم وشديد تأثرهم بهذه الحركات، فالشيخ ابن باديس يذكر صورا من التأثير الكبير لحركة الجامعة الإسلامية (1) على حركة الإصلاح الجزائرية. وخص بالمدح زعيمين للجامعة؛ محمد عبده ورشيد رضا واعتاد أن يسمى الأول «الإمام» (2).
يقول عبد الحميد ابن باديس: ... «إن السيد رشيد رضا بما نشر من تفسير للقرآن الكريم على صفحات المنار، وما كتب في المنار وفي غير المنار، هو الذي جلا الإسلام بصفاته الحقيقية للمسلمين. وهو الذي لفت المسلمين إلى هداية القرآن. وهو الذي دحض خصوم الإسلام من المنتمين إليه
__________
(1) ـ الجامعة الإسلامية: كان الغرض منها إشادة المسلمين بالقرآن ونشأة الإسلام الأولى إلى وحدته وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في إقامة وتأسيس حكومته، وسيرة السلف الصالحين في هدايته، وسيرة القواد الفاتحين في تشييد صروح سيادته، ومذاهب الأئمة المجتهدين أي طرقهم العلمية الإستقلالية وتدوين شريعته ومناهج الحكماء وتكوين حضارته وتوجيه جميع شعوبهم إلى استقلال بلادهم، واتحادها وتعاونها على إحياء مجده، بترك عصبيات المذاهب والجنسيات المفرقة لكلمة أهله. (تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده. رشيد رضا: ج1 ص 306).
(2) ـ الشهاب ج:7.رجب 1354ـ أكتوبر 1935. انظر: سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. الجزائر: دار الكتب، 1982،ص 41. (1/314)
صفحة 274
ومن غيره، وهتك أستارهم حتى صاروا لا يحرك أحد منهم أومن أشباههم يده إلى أخذ بجنايته. فهذه الحركة الدينية الإسلامية الكبرى اليوم في العالم إصلاحا وهداية وبنيانا ودفاعا، كلها من آثاره. فرحمه الله وجزاه أفضل ما يجزي به العاملين» (1). والرأي نفسه عبر عنه الإبراهيمي في حديثه عن مساهمة الشيخ رشيد رضا عبر مجلة «المنار» وترجمته لأستاذه محمد عبده ونشره لدعوة شيخه في العالم الإسلامي. وأكد الإبراهيمي أن جهود الجمعية لها «جذور عميقة في مبادىء وأعمال رضا» (2). هذا الانتماء من العلماء الجزائريين الإصلاحيين لتلك الجذور والأفكار المشرقية، كان له الأثر البالغ في مسيرة الحركة الوطنية الإصلاحية، وفي الخط الفكري لعملية التغيير ذاته لدى طبقة المصلحين الدينيين. و لعل أكبر مظاهر هذا التأثر الخروج على الناس بمنهج تغييري جديد أحدث انقلابا بين علماء الجزائر، بين مؤيد ومعارض ومحايد.
وهذا الحد من التفكير الذي انتهى إليه الإصلاحيون من علماء الجمعية، كان وراء انفصال طبقة المحافظين الكبرى إلى فئتين. حيث يعزو المؤرخون تاريخ هذا الانفصال إلى ما بعد عودة العلماء المهاجرين الجزائريين إلى أرض الوطن في الثلاثينات من القرن السابق (3). وفيها راوغتهم فكرة إنشاء منظمة تجمع علماء الجزائر قاطبة تحت لواء الإصلاح، من أجل مواجهة الاستعمار بفكرة نضالية واحدة تعكس تفكير الجزائريين وتوجه جهودهم.
وقد ذكر الإبراهيمي نوعين من المتعلمين في الجزائر خلال فترة العشرينات، اللذيْن يؤلفان معا الاتجاه المحافظ الأول، فالطائفة الأولى منهما من يسمون في تلك الفتره بالعلماء أصحاب الثقافة والوعي السياسي والحاملين لفكرة الإصلاح. أما الثانية فهم قليلو الثقافة ـ كما يسميهم ـ من الذين لهم اتجاه ديني من الصوفيين، والذين تخرجوا من الزوايا المحلية والمراكز الدينية، الرافضون لفكرة التغيير المشرقية. وفي سنة 1931م، وفي
__________
(1) ـ آثار ابن باديس, عمار طالبي. ج3ص96
(2) ـ سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. الجزائر: دار الكتب، 1982،ص 41.
(3) ـ كما ذكر الشيخ الابراهيمي و تناقلته عنه المراجع العربية. (1/315)
صفحة 275
إطار المحافظة على الشخصية الاسلامية. تأسست جمعية العلماء بمبادرة من تاجر كبير يسمى عمر اسماعيل. وضمت رجال الطرق والإصلاح في سنتها الاولى من علماء الجزائر من أصحاب الاتجاهين (1) برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس الإصلاحيين.
و لكن خطة الجمعية الوطنية لم تتحقق، إذ سرعان ما دب الخلاف بين الجانبين، ... وانسحب المحافظون الجدد من عضوية الجمعية وانفصلوا عن خطها، لاختلاف المنزع الفكري والمشرب الإيديولوجي لدى الطائفتين. واستأثر الإصلاحيون بالمؤتمر الثاني سنة 1932 بعد مناورات لم تكن إدارة المصالح الأهلية بمنأى عن هذه الجمعية. (2) واستقر للإصلاحيين الأمر بعد ذلك في الجمعية.
و لهذه المشاركة بين علماء الجزائر ومشائخها من وجهة نظر المفكرين الاجتماعيين دلالات عدة. أهمها أن جوهر فكرة الإصلاح والتغيير قد اهتم لها كثير من المشايخ والعلماء من كلا الطائفتين على السواء. وأن ثورة الإصلاحيين على المحافظين بعد ذلك لم تكن إلا من باب نبذ الوسيلة وأسلوب التغيير الذي انتهجه المحافظون من أصحاب الطرق الصوفية. و ليس اتهاما صريحا بأنهم ومنهجهم سبب في تخلف الجزائر، وإن صرح بعض أعضاء الجمعية بذلك، ... وأنهم يد قوية من أيادي الاستعمار كما يدعي الإصلاحيون بعد ذلك عندما يحتدم الصراع.
وإذا ما سلطنا مبادئ علم الاجتماع الجغرافي، وقمنا بعملية مسحية لمواقع المحافظين والمصلحين الجغرافية، وموطن الفكرة والاعتقاد لدى الطائفتين. فإنه يشد الباحث أمر ذو بال. حيث تنطلق الأولى من الغرب الجزائري، وهو معقل المتصوفة عبر التاريخ، وامتداد طبيعي لحركة التصوف عبر المغرب الأقصى إلى بلاد الأندلس قبل سقوطها. وقد عرف المغرب الأقصى بدوره نشاطا ملتهبا للصوفية عبر القرون، وكان لمشائخها التأثير الشديد في المشرق العربي والعالم الاسلامي ناهيك عن دول المغرب
__________
(1) ـ سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ص 46 - 47.
(2) ـ المواقف السياسية بين الإصلاح و الوطنية في فجر النهضة الحديثة, محمد قنانش. ص102. (1/316)
صفحة 276
العربي (1). وقد أسس هؤلاء المشايخ على طريقة أرباب التصوف مدارس عريقة في مذهب السلوك عرفت بين الناس بالطرق. كان لها تأثير مباشر على منطقة الغرب الجزائري. ومن أشد نتائج هذا التأثير ظهورا قلة حماس سكان الغرب الجزائري للفكر الإصلاحي لسطوة هذه المرجعية الروحية على نفوسهم، والتمايز الكبير بين المنهجين بعد ذلك.
أما في الشرق الجزائري فقد عرفت حركة الإصلاح وعرف تأثيرها الشديد كما هو معلوم. وقد استطاعت أن تدحض ـ إذا ما استثنينا منطقة الصحراء ـ أكثر معاقل التصوف شهرة وذيوعا، سواء في المدن أو القرى. وشوهت حقيقة التصوف وعطل نشاط الزوايا إلا ما بقي من عملية تحفيظ القرآن الحكيم.
فبين الشرق والغرب الجزائري حدود فاصلة من التفكير. وتأثيرات حركة الإصلاح على الشرق يفوق تأثيرها على الغرب بمساحات واسعة. وذلك يعود لطبيعة التأثر والتأثير بأفكار الإصلاح السلفية المشرقية المحاذية للشرق الجزائري من طريق جامع الزيتونة التونسي.
إن توافد علماء المشرق إلى جامع الزيتونة، وتتلمذ الجزائريين من سكان الشرق على أيديهم، كان سببا لظهور طبقتين من علماء النهضة الجزائريين. المصلحون، وهم نتاج أفكار الإصلاح المشرقية. والمحافظون التقليديون من أصحاب الطرق الصوفية، وهم نتاج الفكر الجزائري المغاربي الخالص.
أما المحافظون الجدد، وهم يمثلون أعيان التصوف وعلماءه ورؤساء الطرق الصوفية، فلم يكونوا بعيدين عن مسار الإصلاح في الجزائر كما يصور ذلك الدارسون والكتاب فغلبة تيار الإصلاحيين على المستوى الإجتماعي، وبخاصة الطبقة المثقفة حاملة لواء النهضة والإصلاح، سبب ذلك التوهم الذي طغى على أغلب الدراسات الحديثة كماأشرنا. فأكثرهؤلاء المصلحين ممن له صلات بالحركات الإصلاحية بالمشرق التي ساندت الحركة الوهابية في مبادئ العقيدة ونبذ التقليد ومحاربة الطرق الصوفية على الخصوص. فكان أن اتجه علماء الجمعية للتعريض والتشويه الشديد
__________
(1) ـ انظر كتاب طبقات الصوفية لعبد الوهاب الشعراني و سائر كتب الطبقات بأنواعها. (1/317)
صفحة 277
لتيار المحافظين الصوفي وخصوصا بعد رحيل الامام ابن باديس.
إن النظر في الوقائع والأحداث التاريخية، ومدارسة تراث حركاتنا الإصلاحية، تثبت أن المحافظين الجدد في القطر الجزائري في العقود الأولى للقرن العشرين، لم يكونوا في واقعهم الفعلي على مستوى واحد من ذلك التصوير الذي يلحقه بهم الإصلاحيون، كدعاة للضلالة ورؤساء البدعة وأصحاب الجهل بالشريعة ومخدري الشعب وأذناب الاستعمار وغير ذلك من الأوصاف. بل كان لبعضهم وخاصة العلماء منهم دور فاعل في دفع حركة النهضة الجزائرية خطوات ليست بالقليلة.
و هنا إنصافا للواقع التاريخي نقف مع التساؤل الجوهري الذي يراودنا في بحثنا؛ هل كان للمؤسسة التقليدية ذات النشأة التاريخية والمرجعية الروحية والدينية دور في تشكيل الوعي الاجتماعي لدى الجزائريين؟ وما مدى تفاعلها مع النهضة العربية وروادها؟.
إن الاجابة عن هذا السؤال يقتضي وجود نموذج لشخصية بمؤسساتها باشرت تجربة التحديث. و حققت للجزائريين الوعي ذاته الذي كان مع الطرف المقابل. وفي هذا الاطار، كان العلامة أحمد بن مصطفى العلاوي الصوفي الشهير بمنطقة الغرب الجزائري وزاويته العلاوية، النموذج الذي يؤكد وقوع هذه التجربة في تاريخنا الإصلاحي الحديث.
و قد غفل عن النظر في جهود هذا العلامة الإصلاحية التجديدية أغلب الكتاب إلى أيامنا هذه. رغم ما تركه من آثار وخلفه من نشاطات فكرية متنوعة، تتوزع بين المقالات الكثيرة في صفحات جرائده الرائدة. وما تركه من كتب في شتى أنواع المعرفة. والذي قد طبع جزء منها وما يزال بعضه مخطوطا. مما تشكل في مجملها مادة خاما للباحثين والدارسين لكشف حقيقة جزئيات النهضة الجزائرية الحديثة، والخروج من العموميات التمجيدية في أعمالنا الآكاديمية المعاصرة.
وقد عد الأستاذ أبو القاسم سعد الله في تاريخه للحركة الوطنية الجزائرية، أن الحركة الإصلاحية الجزائرية في هذه الحقبة، وخصوصا عند إنشاء جمعية العلماء المسلمين: «لا يمكن أن تفهم أو تقدر دون الإشارة إلى (1/318)
صفحة 278
شخصية أحمد بن عليوة» (1) الوجه البارز في طبقة المحافظين، باعتبار جهوده جزءا من التراث الثقافي الجزائري المعاصر. حيث ساهم الشيخ العلاوي بنصيب وافر في تاريخ النهضة الجزائرية، في ميادين الإصلاح الديني والاجتماعي والثقافي. تشهد له بذلك آثاره التي تحتاج إلى الدرس والتعريف (2).و قد ترجم له أبو القاسم سعد الله في تاريخه وذكر له أهم ركائز الإصلاح التي دعا إليها الشيخ العلاوي. (3)
مدرسة التصوف العلاوية وأثرها في النهضة الجزائرية الحديثة:
العلاوية طريقة صوفية، شاذلية المنهل، جزائرية المنبت، مالكية المذهب، أشعرية الاعتقاد. شاعت وشاع صيتها في المشرق والمغرب، وفي بلاد العرب والعجم، كما يذكر ذلك المؤرخون. وظهرت أيام حركة الإصلاح البادسية. وقد بلغت أوجها في عهد شيخها حين مزجت في جهادها بين أصالة التفكير وروح العصر. غير أن المثقفين من الكتاب لا يأتون على ذكر شيئ منها إلا في معرض الذم والتعريض. وقليل من المؤرخين من أنصفها. وتعد الطريقة العلاوية بما قدمته من كفاح واستماتة في الدفاع عن خصوصيات المجتمع الجزائري ومقومات وجوده، من أشد المحافظين الجدد تأثيرا في الحركة الإصلاحية الجزائرية الحديثة. بل لعلها الجمعية الدينية الوحيدة التي ضاهت جمعية العلماء المسلمين في نشاطها قبيل الثورة التحريرية المباركة.
والشيخ العلاوي القطب الصوفي الشهير، هوصاحب الطريقة العلوية الرائدة. و أكثر المحافظين نشاطا. ترك العلاوي بمنهجه الروحي التربوي، وطريقته الأصيلة العريقة الموروثة بحق عمن سبقوه من مشايخ العلم والمعرفة، كبير الأثر وبالغ التأثير في واقعنا الجزائري، وفي الحركة الإصلاحية الجزائرية الحديثة. وقد أوقف حياته ونضاله الفكري لمحاربة الأوهام والخرافات، منددا بالبدع التي علقت بالدين وابتدعها جهلة المسلمين وأدعياء التصوف. إلى الحد الذي جعل ابن
__________
(1) 1 ـ الحركة الوطنية الجزائرية, أبو القاسم سعد الله. ج2 ص417.
(2) ـ انظر مقدمةالموارد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية لأحمد بن مصطفى العلاوي. ط:3.المطبعة العلاوية, مستغانم. 1989.
(3) ـ الحركة الوطنية الجزائرية. ص417. (1/319)
صفحة 279
باديس رحمه الله، غريمه في الإصلاح، يثني عليه ثناء العلماء المخلصين، ويذكره وطريقته في سلسلة المجاهدين الموحدين الخلص. وذلك أيام رحلته إلى الغرب الجزائري. (1)
وقد ترجم للعلاوي ترجمة وافية أبو القاسم سعد الله في تاريخه، وذكر أهم ركائز الإصلاح التي دعا إليها هذا العلامة. (2) فبين عامي (1870 - 1934م) ولد وعاش أحمد بن مصطفى بن عليوة بمدينة مستغانم (3) موطن السنوسيين. وتلقى تعليمه الديني على أستاذه الشيخ بوزيدي الصوفي الشهير الذي كان ينتمي إلى الطريقة الدرقاوية. وبعد وفاة الشيخ البوزيدي سنة 1909م. هاجر ابن عليوة إلى المشرق الأدنى. وقد تنقل طويلا بين مصر وسورية وإيران والهند. وهي الرحلة التي دامت عشر سنوات تورط فيها بعمق في قضايا الساعة ولا سيما قضية الدين.
وبعد الحرب عاد الشيخ الصوفي الشاذلي إلى الجزائر، وقد انفصل عن الزاوية الدرقاوية. وأنشأ طريقته بمدينة مستغانم سنة 1914 عرفت باسم الطريقة العلاوية. شرع أثناءها في حملة واسعة لبث أفكاره من طريق الارشاد والإصلاح الديني والاجتماعي. فنصب المعلمين والمدرسين والحفاظ والمربين. و استقطب العلماء والطلاب والمتعلمين والمريدين والسالكين لطريق الحق والصدق. وأخذ يبشر بمنهجه الروحي التعليمي على طريقة مشايخ التربية والتهذيب. حتى صار له من الأتباع مالا يعد عددا، وانتشرت الزوايا التابعة له في كافة أرجاء الوطن، شرقه وغربه، تحت راية الطريقة العلاوية. ولم تعم الجزائر فقط بل شاعت خارجها أيضا. وقبل وفاته في 14 جويلية 1934 كان لابن عليوة أتباع في تونس والمغرب وليبيا وا ليمن وسوريا وفرنسا وحتى في الأمريكيتين. (4)
__________
(1) ـ انظر آثار عبد الحميد ابن باديس جزء الرحلات.
(2) ـ المرجع نفسه. الصفحة 417 وما بعدها.
(3) ـ راجع ترجمة الشيخ في الأعلام للزكلاني. ج1 ص243. و معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاض, عادل نويهض. ط:3.لبنان بيروت: مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر،1983, ص 367.
(4) ـ أسس عددا من الزوايا لأتباعه و مريديه بلغت (50زاوية) منها (21زاوية) في الجزائر و الباقي في المغرب و تونس ... والمشرق و أوروبا. (انظر: مقدمةالموارد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية لأحمد بن مصطفى العلاوي). (1/320)
صفحة 280
وقد ترك الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي آثارا علمية في التصوف والفقة والتفسير وكتب في الفلسفة والفكر الحديث. نشر بعضها في حياته وبقي الآخر مخطوطا. وزيادة على كتاباته الصحفية ومحاضرته التوجيهية، كان العلاوي ينظم ا لشعر وقد نشر بعض أعماله في تونس وسوريا. ويصفه أحد الكتاب الفرنسيين بأنه سيد العلم والحرف وبأنه خطيب مؤ ثر.
و من هنا تكتسي كتابات الشيخ المحفوظة اليوم كاملة في المطبعة العلاوية بمدينة مستغانم أهميتها الكبيرة بالنسبة للباحث الجزائري. والذي ينبغي أن يركز اهتمامه على هذا الانتاج الفكري والذي ظهر إبان فترة الاحتلال باعتبارها أهم مراحل تاريخ الجزائر الحديث، فهذا التراث الثقافي والدعوي هو جزء من تاريخنا وحضارتنا، والذي نحتاج إلى تحليله ... وتقييمه ليكون لبنة لبناء معالم شخصيتنا العربية والاسلامية.
وابن عليوة الصوفي قد رسم لأتباعه منهجا في التغيير عد به مجددا لطريق الدعوة إلى الله، وسبيل التصوف النقي القائم على الكتاب والسنة كما ورث عمن سبق من السلف الصالح. وهو يرى أن إصلاح الفرد سلوكا وفكرا أساس العملية التغييرية المنشودة. فلا يتحقق صلاح ولا يستقيم وطن ولا يدفع استعمار إلا باستقامة النفوس وصدقها وإخلاصها مع ربها، وفي تعاملاتها مع الناس والمجتمع. فالصوفية بهذا المنهج من أتباع هذه الطريقة يرون أنفسهم أشد الناس إخلاصا للوطن والأمة، وأبعدهم عن الغدر والخيانة. ناهيك عن مد يد العون للاستعمار كما يدعي عليهم غيرهم.
ويبدو أن الشيخ العلاوي كان مؤمنا بفكرة الجامعة الإسلامية تحت غطاء جزائري. وبدلا من طرح مذهبه خلال منظمة اجتماعية دينية كما فعل الإصلاحيون، استعمل ابن عليوة الطريقة الجزائرية الموروثة بخلق جمعية (طريقة صوفية) باسمه الخاص مع زاوية مركزية.
ولم يكن الشيخ العلاوي ليحيد عن روح العصر في اتباعه لآليات التغيير الحديثة. فقد اخترق مجال الصحافة الوطنية والعربية. واتخذ من الإعلام طريقا إلى محاورة القراء ونشر ما يراه صوابا. مشكلا جبهة رادعة للفكر (1/321)
صفحة 281
الاستعماري من جهة، ولمن يرغب في تشويه روحانية الدين وربانية الاسلام ممن ينتمون للفكر الإصلاحي الحديث من داخل الوطن وخارجه. فكان لعناوين صحفه شديد الأثر في دعم مسيرة الإصلاح الوطنية وتقويمها بما يتناسب ومنهجه الصوفي.
فأوجد أولا جريدة «لسان الدين» الأسبوعية 1923. ثم جريدة «البلاغ الجزائري» سنة 1926 التي كانت من أكثر الجرائد العربية الأسبوعية انتشارا. ليس فقط داخل الجزائر، ولكن أيضا في كامل إفريقيا الشمالية والشرق الأدنى وإنكلترا والأمريكيتين. بل كانت جريدته هذه تحتوي على مقالات لبعض زعماء الإصلاح المشرقيين كالأمير شكيب أرسلان السوري. أوالمغاربة من أمثال عبد العزيز الثعالبي التونسي. وفي ذلك دلالة تاريخية على ما اكتسبته جرائد الطريقة العلوية من شرعية وقبول وانتشار من قبل عامة القراء وخاصتهم (1).
و قد عالجت جرائد الشيخ قضايا المجتمعات العربية والاسلامية في شتى المجالات. وما جد على الساحة الجزائرية والمغرب العربي. وعلى رأس هذه القضايا الاستعمار الفرنسي وما خلفه من دمار للبنية الثقافية والنفسية للمجتمع الجزائري، وشجب معاملة الفرنسيين للجزائريين كسلالة ناقصة. وهاجم الحضارة الأوروبية المادية. واضطهاد الاستعمار للنظم العربية. كما هاجم كلا من البعثات التبشيرية المسيحية والشيوعية في الجزائر والخطة الفرنسية لتجنيس الجزائريين. ومحاولته مسخ الشخصية الجزائرية بالنداء إلى ما يعرف بالاندماج. كما نادت الطريقة العلوية من خلال جرائدها بالجامعة الاسلامية والوحدة الإسلامية بغض النظر عن السلالة أو الانتماء. كما تناولت مشكلة فلسطين، والمرأة والسفور والحجاب، وغيرها من شؤون المسلمين.
كما عالجت جرائد الطريقة العلاوية من جهة أخرى موضوع الإسلام ومشاكل العصر الحديث. وموقف الإسلام من تحديات الفكر المعاصر، وعلاقة ذلك بالأخلاق والتربية الاسلامية والدعوة إلى الاستقلال. وقد استقطبت هذه المسائل اهتمامات عدد من المفكرين الاسلاميين، سواء في
__________
(1) ـ انظر ارشيف جرائد الطرقة العلاوية بالمطبعة العلاوية بمستغانم. (1/322)
صفحة 282
المشرق أوالمغرب، وما نتج عنها من خلافات في وجهات النظر، والتصورات في علاجها والطرق والوسائل المعينة على تحقيقها (1). وهكذا فإن الطريقة العلاوية بزعامة شيخها أحمد بن مصطفى العلاوي، قد كان لها كبير الأثر فى الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للشعب الجزائري.
والذي يشد انتباهنا في هذا المقام، لماذ لم تتداول الأوساط الثقافية الجزائرية بأنواعها مثل هذه النماذج الفذة والشخصيات المؤثرة رغم أهميتها القصوى. بل ماذا ونحن قد بعدنا عن فترة الاستقلال حيث آثار الصراع بين المصلحين والمحافظين لم تزل قائمة وقتذاك لم نتعرض إلى هذا الارث الغزير بالمناقشة والتحليل، وبتنا نردد كلمات حول واقعنا الإصلاحي منذ فترة الستينات إلى اليوم دون تحقيق أو نظر؟
لقد بات واضحا عند المؤرخين أن أهداف الحركة الاجتماعية الجزائرية في فترة العشرينات مشتركة أومتقاربة على أقل تقدير. ومن ثم إذا نظرنا إلى الأمر من جانب الإصلاحيين، فلا نجدهم يخالفون المحافظين في شيئ مما يهدفون. فالغايات واحدة والمرامي مشتركة. بيد أننا شهدنا في تاريخنا الإصلاحي الحديث صراعا ليس بالهادئ بين الفئتين، وتنافرا ليس بالهين. مما ترك معه آثارا في غاية القبح، إما على مستوى الفكر الفردي أوالجمعي. امتدت إلى مابعد الاستقلال. وانتقل الخلاف بعدها وصاحبه غموض شديد إلى الحديث عن الهوية الدينية للجزائريين في الدولة الجزائرية الحديثة.
إن الطرح الفكري لآلية التغيير بين المصلحين والمحافظين الجدد، أومنهج التغيير المنفذ للأهداف والغايات المنشودة للفريقين هو من شمله الاختلاف. وكان سبب ذلك الصراع العميق بين المصلحين برئاسة جمعية العلماء من جهة، والصوفية (الطرقية) برئاسة الطريقة العلوية من جهة أخرى.
ابن باديس بين المصلحين والمحافظين:
إن الإمام عبد الحميد ابن باديس يرى في الإصلاح منهجًا لابد أن يمس جميع الجوانب السياسية والاجتماعية والدينية. وبهذا تميزت مدرسته الإصلاحية بتقديمها
__________
(1) ـ انظر مقدمة تنبيه القراء إلى كفاح مجلة المرشد الغراء, جمع و تقديم يحي الطاهر برقة ط:1 الجزائر مستغانم المطبعة العلاوية,1990. ج:2. (1/323)
صفحة 283
لأطروحة إسلامية في التغيير، تبدأ بتعليم الفرد وتربيته ثم تعليم المجتمع وتربيته ضمن نسق تنظيمي دقيق، ينتهي باستهداف إقامة بناء اجتماعي شامل للإسلام، قادر على عملية النهوض ونبذ التخلف الاستعماري.
وإن طريقة تنفيذ الامام لطموحاته الإصلاحية هته، قد خالفته فيها كثير من الاتجاهات الإصلاحية في العالم الاسلامي وقتئذ. وواجهته جملة من الدراسات الحديثة اليوم بالنقد الشديد على ضوء سنن التغيير الكونية والاسلامية (1). وكان التيار الصوفي المحافظ من الذين لم يرتضوا ذلك المنهج الذي اختارته جمعية العلماء لنفسها.
وقد يحلو لأكثر المثقفين ممن لم يخبروا حقيقة ابن باديس، أن يصوره شيخا متزمتا وعالما محدودا حين الحديث عن موقفه من الصوفية وتيار المحافظين عموما.
و حقيقة العلاقة بين ابن باديس والطرق الصوفية قد غلط فيها كثير من الكتاب. ... وظنوا أن الصراع القائم بين أفراد جمعية علماء المسلمين كالابراهيمي والعقبي والتبسي وغيرهم، وبين مشايخ الصوفية والعلوية على وجه التحديد، هو امتداد لمنهج ابن باديس في مواجهته لبعض الطرق الضالة.
و قد ينتاب الباحث كثير من الأسف حين يطالع البحوث التي تؤرخ للجزائر، وما تتركه الرسائل الجامعية على وجه الخصوص اليوم، وهي تردد دونما وعي ماجاء به الكتاب حول طبيعة العلاقة بين الإصلاحيين وأرباب الزوايا الجزائرية. بل يذهب بهم التقليد الأعمى إلى مسايرة الكتابات المشرقية دونما تمحيص أو تدقيق فيما تنشره عن تاريخنا الإصلاحي ... وشخصياته المتعددة (2). واتباع مناهج خاطئة في
__________
(1) ـ تفصيل ذلك عند مالك بن نبي في شروط النهضة صفحة 29 و ما بعدها في معرض حديثه عن أسباب الفشل التي صاحبت جمعية العلماء زمن ابن باديس,: «ربما كان عام 1936 هو القمة التي بلغها روح الكفاح و الإصلاح الاجتماعي, وهي نفسها القمة التى هبط منها الإصلاح إلى هاوية لا قرار لها >>.
(2) ـ لقد ذهب الغلط بالمشارقة و هم يؤرخون لحياتنا الإصلاحية مذهبه، و أخطؤا حتى في أسماء الأعلام المصلحيين وانتماءاتهم السياسية والمذهبية، ناهيك عن ضعف التحليل والتغليط المباشر لطلبتنا وبعض كتابنا حول أجزاء هامة من تاريخنا اللاصلاحي لم يولج بالبحث بعد. (1/324)
صفحة 284
البحث التاريخي لاستقصاء الحقائق، كالاستشهاد بما جاء في جرائد الجمعية نفسها وهي طرف في صراع حاد حول نبذها لتلك الطرق ومحاربتها لمذهب التصوف. وكذلك عدم التمييز بين مرحلتين هامتين من مراحل جمعية العلماء؛ مرحلة ابن باديس ومرحلة الابراهيمي.
إن القارئ ليستنتج من تلك الكتابات التناقضات العميقة، ولعل أقلها هنا حول مذهب الطرق بأنواعها وعلاقتها بمدرسة التصوف عند الجزائريين. ودور هؤلاء الرائد في حفظه مقومات الشخصية الجزائرية من الزوال. ثم يقابل ذلك جهود ابن باديس في إلغاء دور هؤلاء المتصوفة والطرق جميعها من غير التمييز أو التفريق بينها.
إن المتتبع لمسيرة ابن باديس التغييرية كإمام للإصلاحيين، يراها تخلو تماما من هذا الصراع الموهوم مع طبقة المحافظين الصوفية في الجزائر. على اعتبار أن التصوف ظاهرة دينية في الملة الاسلامية. نشأ منذ القرن الأول الهجري وامتد في العالم الاسلامي شيوعا وتمكينا. وهو كسائر العلوم الدينية الأخرى والمذاهب الاسلامية يعد مدرسة لها واقعها في تاريخ الفكر الاسلامي القديم والحديث.
إن سنن التغيير الكونية كما حكمت على الفكر الظاهري بالتجديد تحت زعامات دينية كثيرة عبر العصور، مقدما ولاءه للفكرة الدينية، إلى أن انتهى في صورته الوهابية بألوانها في عصر النهضة العربية، ثم إلى صور كثيرة في عصرنا اليوم. فكذلك مذهب التصوف كاتجاه ديني يتجدد عبر الأزمنة والدهور، وفي صور الزعامات والمرجعيات الروحية، وهم ما يعرف بالشيوخ العارفين.
ولم يكن ابن باديس ينكر هذا الواقع المعرفي عن التصوف وأهله. بل إنه شارك الفقهاء وأدلى بدلوه في مسائل التصوف وقضاياه. مستدلا بقصص الكبار من علمائه. فلم يصل الأمر بالإمام كما يصوره المثقفون إلى عدم التفريق بين علم التصوف كمدرسة من مدارس الاسلام، لها قواعدها ومنهجها. وبين واقع بعض المتصوفة المريب في واقعنا الجزائري. وقد صور ابن باديس بنفسه هذا المنحى التفكيري (1/325)
صفحة 285
لديه من خلال آرائه التي جمعت في مجلد ضخم في سلسلة بعنوان آثار ابن باديس (1) والذي قلما تجده مصدرا لكتابنا وباحثينا.
إذن هو صراع ضد الطرق الضالة المنحرفة ليس إلا. والتي شكلها الاستعمار ... أواخترق بعضها. وهذا لا ينفي أن الرجل له آرآؤه واتجاهته الفقهية حول ما يعتقده الصوفية في أمور الدين كعالم ومجتهد. فقد خالف مفتي الديار التونسية العلامة الطاهر بن عاشور صاحب التفسير الشهير حول موضوع جواز التوسل. وخالف غيره من علماء الأزهر الشريف، بل عد في مقال له مصر بجامعها الأزهر دولة طرقية (2). وذلك لطبيعة التفكير السلفي (3) لدى الامام (4).
ومع ذلك لم يرتق الرأي الفقهي عنده إلى إخراج هؤلاء من دائرة الاسلام وعقيدة الايمان. وهذا خلاف لما كان عليه الأمر مع الشيخ الابراهيمي وبعض رجالات الجمعية فيما بعد مرحلة ابن باديس. حيث جعلوا من الطرقية ـ كما يحبون أن تسمى بها الصوفية في الجزائرـ همهم الأول. وسخروا صفحات جرائد الجمعية لمحاربة هذه الطائفة وأشياعها. ... وجعلوها والاستعمار في مرتبة واحدة، وحملوها لوحدها مسؤولية تردي الجزائريين خلال العهود السالفة. فأضاعوا بذلك كثيرا من الجهد لو وجه في غير هذا الموضع لأتى بثمر غزير.
وقد تشير ظاهر النصوص المنقولة عن تلك الفترة، أن سبيل معالجة مشكلات الجزائر قد تباينت كثيرا بين منهج ابن باديس ومنهج أتباعه بعده، وخصوصا حول هذا الموضوع. ويبدو أن الامام أراد تقويم الخطأ الذي وقع فيه الطرقية وارجاع الأمور إلى نصابها حسبما يراه، فتتحول الزوايا في الجزائر إلى أداة بناء كما كانت قبل ذلك. بينما أراد غيره اقتلاع المشكلة من أساسها مما تسبب في وقوع صراع مرير
__________
(1) ـ تحقيق عمار طالبي مقدمة الجزء الأول.
(2) ـ انظر رسالته في الشهاب.
(3) ـ انظر منهجية التغيير عند عبد الحميد بن باديس , سامية جفال. رسالة ماجستير. ص206.
(4) ـ و مثلها اختلافه مع أحمد بن مصطفى العلاوي حول أبيات وردت في ديوان هذا الأخير حيث يرد ابن باديس المذهب الوجداني عند الصوفية في مخاطبة النبي صلى الله عليه و سلم. (1/326)
صفحة 286
انتهى بانقسام الجمعية على نفسها ثم زوال خطها التغييري الفعلي بعد ذلك قبيل الثورة التحريرية.
فلم يكن ابن باديس إذن، وهوالرجل الموهوب صاحب الفهم الدقيق لحقائق التاريخ وطبيعة مجتمعه الجزائري، ينكر ما للتصوف وأصحابه من فضل في حفظ كرامة شعبه ... وكيان بلده من الزوال. وقد أثنى على جهاد كثيرمن هذه الطرق في الجزائر من أمثال الطريقة الرحمانية والقادرية والشاذلية. كيف لا وهو نتاج عائلة ذات مشرب صوفي تتبع الطريقة الرحمانية في سلوكها ومنهجها التعبدي.
فمن الشائع أن ابن باديس كان من أتباع الرحمانية في أول حياته، وهي الطريقة التي كان يمثلها في قسنطينة وقتئذ مصطفى باش تارزي، وكان الشيخ هو من طلب من ابن باديس الاشراف على تصحيح المنظومة الرحمانية التي نظمها عبد الرحمن باش تارزي (1) في أصول التصوف وآداب السير وصفات الشيخ والمريد طالب السلوك. وقد حصل ابن باديس تربيته الروحية عن أستاذه حمدان الونيسي الشيخ الصوفي. وعاش فترة من عمره كانت الطريقة هي ما ميز المجتمع الجزائري. ولا يكاد أحد العلماء أمثال المولود بن الموهوب والشيخ ابن خوجة والشيخ ابن سماية والشيخ المجاوي، ولا أحد من عامة الناس يدين على غير دين الطرقية كما تسمى عند الإصلاحيين.
يقول تركي رابح: «كما لا ينفي لبعض الطرق الصوفية دورا كبيرا في المحافظة على الثقافة العربية الاسلامية واللغة العربية. خصوصا أن طوردت هذه الثقافة من مراكزها الأصلية إلى الزوايا الموجودة في الجبال الوعرة والصحاري القاحلة». (2)
ولقد تنبه المؤرخون إلى ما قام به التصوف في الجزائر من دور في محاربة الاستعمار، فكان للزوايا دوركبير في تحفيظ القرآن وتعليم العربية وتدريس العلوم الإسلامية ونشر الكتابة والقراءة. مما كان له الأثر الواضح في الحفاظ على هوية الشعب الجزائري. فقد بلغ
__________
(1) ـ انظر تجارب في الأدب و الرحلة, أبو القاسم سعد الله. ص99.
(2) ـ الشيخ عبد الحميد ابن باديس رائد الإصلاح والتربيةفي الجزائرية. ص101. (1/327)
صفحة 287
عدد الزوايا ثلاثمائة وتسعًا وأربعون زاوية. وعدد الطلبة أوالمريدين 395000 مريد. وهذا يعني أن المجتمع الجزائري بصفة عامة قبل ابن باديس كان مجتمعا طرقيا. (1) بالمفهوم الصائب لمعنى التصوف. وإن نبا عنهم بعض أدعياء التصوف من الجهلة وأصحاب البدع مما لا يدخل تحت آراء المذاهب الفقهية.
إن الواقع التاريخي للشعب الجزائري، لم يعرف مقاومة من المقاومات الشعبية ضد الاستعمار التي خاضتها الأمة الجزائرية من لدن الأمير عبد القادر الجزائري إلى آخر الثورات، إلا كانت تحت راية مشايخ الصوفية وأتباعهم. وهذا عائد إلى بنية المجتمع الجزائري الايديولوجية آنذاك. فقد غلب عليه طابع الولاء الروحي التام لمشائخ العلم والتربية والسلوك. والاعتقاد في المرجع الديني كأسلوب صحيح للتدين. و لم تكن الحضارة الغربية بعد قد اخترقت المنظومة الاسلامية الصحيحة، والتي تعطي الصدارة لأولي الأمر في السياسة والدين على السواء.
فالأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة هوالصوفي القادري الذي جعل من نظام الطريقة القادرية أداة لحكمه. وبوعمامة جاهد تحت لواء السنوسية. ولالا فاطمة نسومر من بلاد القبائل انطلقت من الزاوية الرحمانية في نضالها واستماتتها. وثورة أولاد سيدي الشيخ كذلك. وثورة درقاوة، وهم أتباع الطريقة الدرقاوية الشاذلية. وثورة الشيخ محمد الحداد والحاج محمد المقراني في بلاد القبائل وغيرهامن الثورات الشعبية. فلم تشن واحدة منها إلا كانت بزعامة هذه الطرق الصوفية (2).
يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله: «لو أردنا أن نقرأ المقاومة الجزائرية بين 1840 إلى 1948 قراءة سياسية عصرية، لوجدناها قد سارت تحت قيادة
__________
(1) ـ خطوات في العمل الإسلامي أبو جرة السلطاني. ط:1.دار البعث للطباعة والنشر, قسنطينة.1983. ص9.
وانظر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و علاقتها بالحركات الجزائرية الأخرى, عبد الكريم بوصفصاف , ص192.
(2) ـ انظر القيادة في العمل الإسلامي, مصطفى الطحان. الكويت: دار الوثائق. ص125. (1/328)
صفحة 288
أحزاب ثلاثة هي: "حزب القادرية " و"حزب الدرقاوية " و" حزب الرحمانية ". وكلها أحزاب ظهرت في الريف لا في المدن، وكلها أحزاب قد تجاوزت في برنامجها الدين إلى السياسة، والإخوان إلى كل المواطنين ... ، فأسس حزب القادرية دولة عمادها الدين والدنيا، وخرج الحاج موسى الدرقاوي إلى الحرب ... وخاض أبو معزة المعارك معتقدا أنه المهدي بن تومرت الجديد باسم الطيبية (1)».
فلا نكاد نجد حركة مقاومة خلال عهد الاستعمار إلا ووراءها صوفي شهير. قادر على تجنيد الأتباع باسم كلمة الجهاد، وجمع الأموال وبث روح التضحية. ثم هو يقود شعبه إلى النصر أو الإستشهاد.
و لكن سنن الله في المجتمعات غالبة. فبعد طول صمود ضد الاحتلال الفرنسي، لم يعد للجزائرين ولا لمشايخ الزوايا القدرة على خوض المعارك على أكثر من جبهة. أو إشعال نار الثورة لغلبة الاستعمار العسكرية وانتشار العمالة للمحتل. فالتف أفراد الشعب في سائر أرجاء الوطن حول مشايخه، وجلسوا إلى الزوايا لتلقي التربية وعلوم الدين وحفظ القرآن الكريم وتعلم قواعد اللغة العربية. وظلت الجزائر محافظة على كيانها كأمة عربية مسلمة رغم محاولات الاستعمار المتكررة للنيل من إسلامها وشخصيتها العربية (2).
وكأي استعمار استيطاني يسعى إلى إزالة الشعوب بمحو مقومات وجودها، اهتمت فرنسا بعدما أعيتها المواجهة باتباع سياسة المهادنة والمداراة مع الجزائريين، بتجريدههم من أهم مقومات وجودهم، فتوجهت بعد أن وضعت أيديها على جميع الأوقاف الدينية إلى مراوغة بعض أبناء شيوخ الزوايا، وإغرئهم بالأموال، وتقليدهم المسؤوليات الكبيرة، وملكتهم رقاب الناس، وأغرقتهم في العمالة إلى الحد الذي جردتهم من خصائصهم وسلبتهم موقعهم بين أتباعهم، وأشاعت بينهم الوهن والكسل، وأورثتهم حب الدنيا
__________
(1) ـ الحركة الوطنية الجزائرية, أبو القاسم سعد الله. ج1. ص: 301.
(2) ـ انظر مجموع محاضرات و مقالات و فتاوى الشيخ عبد القادر عثماني عضو المجلس الاسلامي الأعلى. ط: 1. الجزائر: مطابع عمار قرفي, 2005.ص147و ما بعدها. (1/329)
صفحة 289
والطمع فيما عند الناس (1).فلم تعد أكثرهذه الطرق بعد ذلك تؤدي وظيفتها التي كانت منوطة بها. وانتشر الجهل وعمت الأمية وغاب الوعي القومي والديني لتخلي مؤسسة الزاوية عن وظيفتها (2).
يقول أبو القاسم سعد الله: «وقد كان دخول فرنسا في الاتفاقات مع بعض هذه الجمعيات (الطرق)، عامل تجريد لها من القوة السياسية. فلم تبق في الحقيقة سوى درجة بسيطة من التأثير الروحي، ولم تعد تستمد قوتها إلا من الغموض والخرافات المهولة. وهكذا بدل أن يتولى زعماء الجمعيات (الطرق) الآخرون القيادة الوطنية والسياسية كما فعل الأمير عبد القادر، انغمسوا في المرابطية تاركين فرنسا يدا حرة في الجزائر. مساعدين لهم في الحقيقة عن وعي أو عن غير وعي بتسلطهم الخرافي على عقلية الفلاحين» (3).
وتحدث مسيو (بريك)، أحد كبار الموظفين الفرنسيين في الولاية العامة في الجزائر عن عمالة هؤلاء الشيوخ المزعومين، فقال: «لقد وصل بنا الامتهان واحتقار الدين الاسلامي إلى درجة أننا أصبحنا لانسمح بتسمية المفتي أو الإمام إلا من بين الذين اجتازوا سائر درجات التجسس. ولايمكن لموظف ديني أن ينال أي رقية إلا إذا أظهر للادارة الفرنسية إخلاصا منقطع النظير» (4).
ولكن لم يكن هذا حال كل الطرق الصوفية. فقد أبت أقوى الطرق المنتشرة عبر القطر الجزائري مسايرة المحتل في خططه. ورفضت أن تخضع لخطة الاستعمار الاستئصالية. واستمرت في الجهاد، والتفت حول نفسها للحفاظ على أسباب وجودها والوقوف في وجه سياسات التغريب الاستعمارية. حتى نالها منه لصلابة موقفها الكثير من
__________
(1) ـ منهجية التغيير عند عبد الحميد بن باديس , سامية جفال. رسالة ماجستير ص 215ـ216.
(2) ـ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و علاقاتها بالحركات الجزائرية الأخرى, عبد الكريم بوصفصاف. ص194ـ195.
(3) ـ تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية. أبو القاسم سعد الله. ج2ص66.
(4) ـ القيادة في العمل الاسلامي، مصطفى الطحان. ج2ص153.نقلا عن الأمة العربية ة قضية التوحيد. ص99. (1/330)
صفحة 290
الشقاء والمتابعات؛ كمصادرة أملاك زواياها، والزج بأتباعها في السجون ونشر الفتنة فيما بينها (1).
فابن باديس إنما أكبر هذا النوع من الطرق الصوفية المجاهدة. بالقدر الذي رفع راية الحرب على من عدها المسؤول عن استمرار وجود الاستعمار. فلم يكن تشنيعه على تلك الطرق إلا لانحرافهم عن منهج الاسلام الصحيح، وعن تعاليم القرآن والسنة. وأنكر عليهم الارتماء في أحضان الاستعمار. فكان موقفه منها صريحا بينا. وأعلن الحرب على هذه الطرق التي يأباها ضمير الأمة الحي. فقد ورد على صفحات الشهاب: «وقد صمد الشهاب للطرقية يحارب ما أدخلته على القلوب من فساد العقائد، وعلى العقول من باطل الأوهام، وعلى الاسلام من زور وتحريف وتشويه. إلى ما صرفت الأمة عن خالقها بما نصبت من أنصاب، وشتّتتْ من كلمة بما اختلقت من ألقاب، وقتلت من عزتها من اصطنعت من إرهاب، حتى حققت للحق على باطلها الغلبة، فهي اليوم معروفة عند أكثر الأمة حقيقتها، معلومة غايتها، مفضوحة دوافعها». (2)
ولم يمنع اختلاف وجهات النظر بين ابن باديس والشيوخ المحافظين من المتصوفة مجالستهم والتحدث إليهم عن النهضة وقضايا الإصلاح. فقد روي في الشهاب عن الامام ابن باديس في خلال زيارته لمدينة مستغانم، أنه التقى مع الشيخ العرج بن الأحول شيخ الطريقة القادرية. وأحمد بن مصطفى العلاوي شيخ الطرقة العلاوية. وقد زار الامام الزاوية العلوية واستقبل بحفاوة كبيرة ومكث بها في مجالس الذكر والانشاد. وقد قام الشيخ العلاوي بخدمة الامام وأصحابه بنفسه توقيرا لمقامه. بل سمح لابن باديس بالقاء درس حول الإصلاح في الجزائر دونما معارضة من الشيخ العلاوي (3). وقد أثنى ابن باديسعلى نتائج هذه الرحلة وذكرها على صفحات الشهاب، وعد مجالسته
__________
(1) ـ الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح و التربية في الجزائر, تركي رابح. ص348.
(2) ـ الشهاب ابن باديس محرم 1357هـ ـ1938م.
(3) ـ الشهاب, ابن باديس: ج12مج7 شعبان 1350ديسمبر1937م. وانظر آثار ابن باديس كتاب الرحلات, جمع عمار طالبي الجزء الخامس. (1/331)
صفحة 291
للطرقيين في الغرب الجزائري مثمرة إلى حد بعيد. (1)
إن لهذه النصوص القصوى في الأهمية بالنسبة للدارس، إذ تكشف النقاب عن كثير من الاشكالات العلمية في البحث التاريخي للحركة الإصلاحية. وتبين طبيعة علاقاتها بالمحافظين أو الطرقيين المتصوفة، ومن ثم الولوج إلى جملة من التساؤلات حول مبهمات قضايا الحركة الوطنية. كطبيعة الوحدة الفكرية عند علماء الجمعية، ولا سيما بين أقطابها بعد فترة ابن باديس أو حتى في زمنه.
و لم يكن ابن باديس في دحضه لبدع الطرقية من أولئك الذين يعممون الحكم أو يخلطون في المواقف. بل كان منهجه في الدفاع عن الحق وهدم البدع يعتمد على الحوار العلمي النزيه، الذي ينبني على إيراد الأدلة عقلية كانت أو نقلية. من دون تعرض للأعراض ولا ذكر للأشخاص، وهو ماسلكه في دعوته وحث طلبته على التأدب بأدبه: «اسلكوا في المناظرة طريق القرآن الكريم، وبيان لقول الخصم بدون تعرض لشخصه، وإقامة للحجج التي ترد عليه مع حسن السلوك. والقصد في الوصول إلى الحقيقة والإذعان لها إذا ظهرت على أي لسان. ومع الشعور باي الاد والمردود عليه إخوان يريد كل منهما أن يهدي أخاه إلى ما يراه خيرا له ويصرفه عما يراه شرا» (2).
هذا هو الأسلوب المؤسس الذي استخدمه ابن باديس مع الطرقيين وغيرهم، ولم يرد معه إلا إنصاف الحقيقة. وكان يمد يده للعمل مع الصالحين الغيورين منهم. أما من مد يده للإستعمار منهم فيقول: «وقد عزمنا على أن نترك أمرها إلى للأمة، هي التي تتولى القضاء عليها، ثم نمد يدنا لمن كان منهم على نية من نسبته إليها، لنعمل معا في ميادين الحياة على شريطة أن لا يكون آلة مسخرة». (3)
و في هذا المقام يكشف الأستاذ أبو القاسم سعد الله في كتابه «تجارب في الأدب ... والرحلة» عن مراسلة غريبة ـ كما سماها ـ. بين الإمام ابن باديس وأحد علماء مدينة سوف وهو الشيخ الطاهر لعبيدي (4)، يقول فيها: «وتكشف رسالة ابن باديس أيضا عن ظاهرة أخرى هامة، وهي اهتمامه بالأولياء والصالحين، الأحياء والأموات. فقد ذكر فيها أنه زار في تلمسان ضريح أبي مدين الغوث، وضريح محمد السنوسي، وكلاهما من أقطاب التصوف والعلم في وقتهما. أما في مدينة الجزائر فقد ذكر أنه زار ضريح عبد الرحمن الثعالبي الذي اشتهر بالزهد والعلم في وقته ... كما زار فيها ضريح محمد بن عبد الرحمن الأزهري، أبو قبرين مؤسس الطريقة الرحمانية الخلوتية في الجزائر، ومن الشائع أن ابن باديس من أتباع الطريقة في أول حياته، وهي الطريقة التي كان يمثلها في قسنطينة عندئذ مصطفى باشا تارزي. وكان الشيخ باش تارزي هذا هو الذي طلب التصحيح والإشراف على المنظومة الرحمانية الذي نظمها عبد الرحمان باش تارزي، وقد قام ابن باديس بذلك. وعلى كل حال فإن رسالة ابن باديس إلى الشيخ لعبيدي تبرهن أنه ما زال تحت طائلة التصوف» (5).
و نص الرسالة كما أثبته أبو القاسم كما يلي: « ... وبعد سلام كما تفتحت الأزهار في نسمات الأسحار، وتحية تحي قديم التذكار، وإن شطت الدار فإني كتبته إليكم
__________
(1) ـ المرجع نفسه.
(2) ـ الشهاب. ابن باديس: العدد102.23ذو الحجة 1345هـ ـ23جوان1927م «دعوة إلى الحسنى, فهل من مجيب».
(3) ـ الشيخ عبد الحميد ابن باديس نهضته و جهوده في التربية و التعليم, تركي رابح. ص237. انظر الشهاب ابن باديس محرم 1357هـ ـ مارس 1938.
(4) ـ ولد الشيخ الطاهر لعبيدي بمدينة الوادي سنة1887م. و توفي بتقرت سنة 1968م. و كان منذ شبابه إماما مدرسا بجامع تقرت الأعظم, و كان لعبيدي خلافا لابن باديس من رجال الوظيفة الرسمية, و قد درس في مسقط رأسه على شيوخ العلم منخم عبد الرحمن العموريو محمدالعربي موسى. كما درس في جامع الزيتونة بتونس ومن أساتذته هناك الشيخ الطاهر بن عاشور. كما أنه أخذ العلم إجازة من الشيخ المكي بن عزوز الذي راسله بها من الآستانة. (تجارب في الرحلة و الأدب, أبو القاسم سعد الله. ص100).
(5) ـ تجارب في الأدب و الرحلة. أبو القاسم سعد الله ص99. (1/332)
صفحة 292
من حضرة قسنطينة يومي مرحلة كنت أعملتها لناحية الجزائر وتلمسان، لزيارة الأحياء والأموات من العلماء والصلحاء، وأعيان الزمان. فتشرفت بسادات كثيرين من العلماء والصالحين. ومن أعظم الجميع قدرا وأشهرهم سيدي أبي مدين الغوث، وسيدي محمد السنوسي بتلمسان، وسيدي محمد بن عبد الرحمن، وسيدي عبد الرحمان الثعالبي بالجزائر. وادعوا لنا وللمؤمنين عامة ولإخواننا أمثالكم خاصة، بما نرجوالله تعالى فيه القول وبلوغ المأمول. وذكرت لكم هذا لما أعلمه فيكم من محبة الصالحين، وإذا مكنتني الفرص إن شاء الله تعالى كاتبتكم عن هذه الرحلة بمزيد التفصيل». (1)
وبناء على ما تقدم انتهى المحققون من الدارسين ممن عملوا على كشف حقيقة الخلاف الفعلي بين ابن باديس وطبقة المحافظين الصوفية، إلى قولهم: «وعليه فالمسألة لا تتعلق بالطريقة كاتجاه ديني، إنما تتعلق بسلوك مشايخها والمنتمين إليها. وقد يلتقون في سلوكهم المعيب، مع أناس ليس لهم علاقة بالطريقة. فالحرب إذن مواجهة للسلوك بغض النظر عن المذهب الديني والاتجاه الفلسفي». (2)
و يبدو أن مرد الأمر كله عند ابن باديس عائد إلى اختلافه مع المحافظين على الوسيلة دون الغايات. وهو الصراع القديم الحديث في تاريخ الفكر الاسلامي بين مختلف المدارس التغييرية والمناهج الفكرية.
__________
(1) ـ المرجع نفسه. ص104. و قد دون ابن باديس من رحلاته داخل الوطن و خارجه سبع رحلات، كانت خمس منها داخل الوطن. وأول رحلة شملت مدنا و قرى في الجهة الشرقية من الوطن سنة 1929. واتجه في الثانية إلى منطقة القبائل سنة 1930. و قادته الثالثة إلى مدن وسط و غرب الوطن سنة 1931. تبعتها رحلة إلى بسكرة سنة 1932. ... و عاد في الخامسة إلى غرب الوطن في السنة الأخيرة نفسها. و كان الامام يعنون كل رحلة عند نشرها على صفحات الشهاب بعنوان خاص. (انظر مج5 من الشهاب).
(2) ـ إمام الجزائر عبد الحميد ابن باديسو, عبد القادر فضيل , محمد الصالح رمضان. ص13. (1/333)
صفحة 293
نتائج البحث:
أردت من خلال هذه الدراسة وحديثي عمن أسميتهم بالمجددين والمحافظين (1) في تاريخنا الإصلاحي، أن أوقظ لدى كتابنا عوالم من التفكير المثمر، وإشكالات علمية متعددة الوجوه، حول تاريخ وطني خام لم ينظر إليه إلا من زاوية الصراع المميت لكل البذور التي منها الحياة.
وكثيرًا ما تشدني، وأنا أتمعن أسس قيام الدولة الجزائرية في منظومتنا الثقافيةالحديثة، حيرة الأجيال حولها. وأنى لهم الجمع بين متناقضين في أسسها كما علموا، مبادئ الأميرعبد القادر الجزائري الصوفي الطرقي القادري، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة. ونهضة الامام ابن باديس الإصلاحية، وما قامت به تجديد لمقومات هذه الدولة. وهو تجديد رافض للفكر المحلي الموروث الصوفي في أصله، فيما تذهب إليه كتاباتنا. وهما الاثنان من دعائم الدولة وأحد أركانها؟
لقد روج الكتاب لشرخ عميق وصراع مزعوم بين أقطاب نهضتنا الثقافية والاجتماعية، وبين مايجب أن نتوارثه من تلك القوى الروحية المجموعة في منظومة الزاوية بما تحمله من بعد تاريخي وروحي، وبين إرث فكري أصيل لجمعية العلماء المسلمين. فكان أقل ما أصاب أجيالنا في ظل هذا الانفصام، ففقدان المناعة الدينية التي تعاني منها أجيالنا اليوم، وتعرضنا لأفكار غازية لفلسفتنا الدينية، غريبة عن هويتنا كأمة مغاربية.
إن الحلقة المفرغة في هذا المقام، لا بد أن تنجلي بالدعوة إلى الدراسة الجادة لاستقراء تاريخ النهضة الجزائرية، وفتح أجزاء من تاريخنا مايزال الغموض المطبق يلفها من أجل إصلاح ما أقسدته أقلام الكتاب، وما سببته اعتباطية التفكيرعند المثقفين. لأنا ومنذ الاستقلال في مخاض فكري عسير،
__________
(1) ـ قد نكون أول من استعمل مصطلحي التجديد و المحافظة في مثل هذه الدراسة للتفريق بين لونين من التفكير في تاريخنا الإصلاحي. ولا مشاحة في استعمال هذه المصطلحات لأجل هذا التمييز على سبيل تذليل التصنيفات الفكرية لفهم واقع قد حدد زمانا و مكانا. (1/334)
صفحة 294
وهو في عصرنا هذا أشد، لما نواجهه من تقلبات الثقافة العالمية. فإما استقرار الهوية لاستمرار الدولة، أوالسقوط في براثن العولمة الثقافية وزوال مقومات وجودنا.
و قد انتهت هذه الدراسة إلى إظهار فئتين من المصلحين في الجزائر:
ـ فئة المحافظين؛ ومن الضروري في هذا المقام التمييز بين الفكر الصوفي الجزائري، أو من أسميناهم بالمحافظين التقليديين. والذي يجمع بين الأصيل الذي يمتد إلى كل من أشعل نار الثورات الشعبية المقدسة وأسس بعد ذلك لفكرة التغيير. وبين الدخيل من الطرقية المتصوفة أدعياء الهوية الوطنية، ومن هم نتاج السياسة الاستعمارية وعمليات الاختراق لمنظوماتنا المتعددة إبان الاستعمار.
ـ فئة المجددين؛ وهنا لا بد أن نشير إلى خطأ الكتاب في انتصارهم لكل مواقف جمعية العلماء ولمنهجها التغييري، وبمرحلتيها، في حياة الامام ابن باديس وبعده للأسباب الآنفة الذكر. وفي هذا المقام كذلك، علينا أن نتساءل عما إن كانت هناك وحدة فكرية حقيقية بين علماء الإصلاح من أتباع جمعية العلماء حول عملية التغيير تنظيرا وتطبيقا، وبالذات بين ابن باديس والابراهيمي. وما هي آثار ذلك على أرض واقع الإصلاح ولا سيما في مواجهة التيار الصوفي المحافظ.
لقد أغفل الكتاب مواضع من البحث في تاريخنا الإصلاحي بما له علاقة بهذا الموضوع محاباة للقارئ أو لذات الكاتب ربما. وقد تكون هذه المواضع منطلقا للبحث عن الحقيقة التاريخة المفقودة، ولعل من بينها السؤال عن مكانة علماء الجمعية العلمية حتى يعتد بفتواهم وكتاباتهم حول حركة المحافظين وتيار التصوف أو الطرقية في الجزائر عموما. وقد ألغوا كل دور لهم قام به هؤلاء في سبيل النهضة والتحرر ومنهم العلماء والدعاة وأقطاب التغيير. وما زالت الشجاعة تنقصنا للبوح بالحقيقة التاريخية ومافعل بها الكتاب. (1/335)
صفحة 295
الأسس الفكرية للنهضة الإصلاحية
في وادي ميزاب
الأستاذ: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
ــــ جامعة الجزائر ـــ
مدخل:
إن تاريخ البشرية يحدثنا أن الإنسان كان في حركية مستمرة لأجل تطوير حياته وتحسين أوضاعه، وتوفير سبل السعادة والحياة الهنيئة لنفسه، كما كان يحاول الاستفادة من التجارب السابقة له والبناء عليها لدفع عجلة الحياة إلى الأمام لديه.
عاش هذا الإنسان في تفاعل مستمر مع بني جلدته، إيجابا وسلبا، إذ لم يكن بوسعه العيش بمفرده أو الانزواء بنفسه بعيدا عنهم، وقد عبر عن هذا المعنى عالم الاجتماع والتاريخ ابن خلدون بقوله: «الإنسان اجتماعي بطبعه»، كما عبر عن ذلك المفكر الجزائري مالك بن نبي برأيه أن الإنسان في حاجة مستمرة لأن ينسج مع بني جلدته شبكة علاقات اجتماعية يحاول من خلالها أن ينشئ مجتمعا ويقيم حضارة ويرسي أعرافا وقيما وتقاليد، ويحدد أهدافا يعيش لتحقيقها ويعمل على تجسيدها (1).
هذه هي طبيعة الحياة البشرية كما فطرها الله تعالى، وحباها بالعقل، وأيدها بالشرع.
إذا أتينا لنتوقف مع المجتمعات الإسلامية فلا نجدها ترتفع عن هذه المنطلقات البشرية العامة،
حيث كانت تحتاج بين الحين والآخر إلى من يجدد لها دينها ويصلح أوضاعها ويأخذ بيدها إلى الطريق السوي بعد ما يكون قد أصابها من زلل وزيغ وإعياء حضاري بسبب ظروف الحياة المتقلبة.
__________
(1): مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ط3، دار الفكر، الجزائر، 1986م، ص20ـــــ29. (1/312)
صفحة 296
أشار رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام إلى هذا الأمر بقوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (1). وفي حديث آخر ينبئنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذه المهمة موكلة أساسا إلى علماء الأمة، واعتبرهم المؤهلين شرعا لتحمل هذه المسؤولية العويصة والأمانة الثقيلة حينما قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء» (2).
لا يختلف اثنان في أن أقدر أفراد البشرية على القيام بعملية إصلاح أوضاع المجتمعات هم الأنبياء، بسعيهم في تطبيق شريعة الله تعالى في أقوامهم وإسداء النصح لهم والأخذ بيدهم إلى المصالح والمنافع، ذلك لكونهم مؤيدين بالوحي، وباتصال مباشر بالله، حيث يأتيهم المدد والتوجيه والتقويم والتأييد.
بعد أن يرحل هؤلاء الأنبياء يكونون قد تركوا من خلفهم القدوة والنموذج الفردي والجماعي الذي ينبغي أن يقتفى ويقتدى به، حيث يقول الله تعالى في هذا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (3).
بعد هذه الدرجة الرفيعة للأنبياء يأتي العلماء المصلحون، الذي يعد عملهم مقاربة لنهج الأنبياء، ومحاولة لاقتفاء آثارهم واتباع خطاهم، كما أمرهم الله تعالى بذلك، طبعا آخذين بعين الاعتبار المصالح والمقاصد وتغيرات الأحوال ومستجدات الأوضاع، التي تعد من السنن الكونية للبشرية التي فطر عليها هذا الإنسان في هذا العالم.
نحاول في هذه الدراسة أن نقف على الأسس الفكرية التي قامت عليها إحدى هذه التجارب الإصلاحية الإسلامية بهدف إعادة ترتيب الأمور وتغيير الأوضاع ووضعها على الطريق القويم في مجتمعها، وذلك في ما عرف
__________
(1): أخرجه أبو داوود في سننه: رقم 3740، ج11، ص362.
(2): أخرجه الترمذي في سننه، رقم 2606، ج9، ص296.
(3): سورة الأحزاب / الآية: 21. (1/313)
صفحة 297
بالحركة الإصلاحية في وادي ميزاب بالجزائر أثناء القرن العشرين من التاريخ المعاصر.
إذا حاولنا اختصار تعريف الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب نقول إنها نتاج جهود سابقة لها، كانت إرهاصاتها الأولى خلال القرن الثامن عشر مع الشيخ أبي زكرياء يحيى الأفضلي إثر جهوده التي قام بها في نشر العلم وإصلاح المجتمع، ثم تقدمت خطوة إلى الأمام مع طلبته الذين كان من أبرزهم الشيخ عبد العزيز الثميني، ثم تواصلت المسيرة وبدأت تشهد توسعها وتمكنها مع ظهور قطب الأيمة الشيخ امحمد اطفيش، حيث تركزت على الجهد العلمي التنويري في جانب التأليف والتعليم لحاجة المجتمع لذلك، مع بقاء الجهد الإصلاحي الاجتماعي ضعيف التأثير بحكم استفحال ظروف متردية مستعصية متمثلة أساسا في الجمود والجهل والفاقة والاستعمار.
مع مطلع القرن العشرين كانت دعوات الإصلاح تتعالى من أرجاء المجتمع متأثرة بعوامل خارجية على رأسها هزة الحرب العالمية الأولى، والإصلاح القادم من المشرق، والحركة السياسية والعلمية التونسية.
كانت هذه الأسباب وراء تحرك شرارة الإصلاح في وادي ميزاب وتجميع صفوفه ودخوله في مرحلة جديدة، جعله يتحول إلى حركة اجتماعية، ثم إلى مدرسة فكرية، ذات منهج وأهداف وخطة عمل ومؤسسات على أرض الواقع.
قاد هذه الحركة ثلة من الشباب المثقف المتكون تكوينا دينيا شرعيا أصيلا، مع التفتح على العالم الإسلامي والاستفادة من تجاربه، والاحتكاك بفعالياته.
كان على رأس هذه الثلة الشيخ إبراهيم بيوض والشيخ إبراهيم أبو اليقظان والشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش والشيخ عبد الرحمن بكلي والشيخ عدون شريفي والشيخ سليمان بن يوسف والشيخ صالح بابكر. (1/314)
صفحة 298
حينما نقف مع مسيرة هذه الحركة الإصلاحية، محاولين تحليلها وفهم مسارها بالعودة إلى مصادرها الفكرية المتمثلة في خطابها الدعوي وفي الوثائق والجرائد والرسائل التي خلفتها نستطيع أن نحدد لها أربعة أسس فكرية اعتمدت عليها في إحداث نهضتها الإصلاحية متمثلة فيما يلي:
التعليم
التربية
الوعظ
التوعية.
فما مفهوم كل منها، وكيف تم تجسيدها في المجتمع؟
1ـــ التعليم:
يعني التعليم في مفهوم الحركة الإصلاحية ذلك الجهد الذي يبذل في سبيل تثقيف المجتمع وإشاعة العلم والمعرفة في شرائحه بما يمكن أفراده من إدراك واجباتهم الشرعية، ومسؤولياتهم الدنيوية، حتى يسهموا في بناء المجتمع القوي الصالح بدينه وعلمه وعمله (1).
إنَّ مسيرة التعليم في وادي ميزاب تعود إلى قرون ماضية كثيرة، كما أنها لم تشهد الانقطاع أو التوقف رغم كل الظروف وتقلبات العصور التي شهدها المجتمع، حيث لم يدخر المشايخ والعلماء جهدا ولا وقتا في الحفاظ على قبس العلم ونوره، والعمل على إشاعته بين الناس، ولقد بقي العلم في وادي ميزاب شيئا مقدسا محترما عزيزا، ينظر إليه بكثير من التقدير والوقار، رغم ما أصاب أهله بين الحين والآخر من تهميش أو تضييق أو إبعاد.
واصل رجال الإصلاح حمل لواء التعليم من جديد وأفرغوا جهودهم وأموالهم وأوقاتهم في سبيل تطويره وتوسيع رقعته ورفع شأنه لدى الناس، وكان هدفهم يتمثل في الوصول إلى محو الأمية نهائيا من المجتمع، وفي
__________
(1): محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربية، 1389هـ\ 1969م، ص119 - 177. (1/315)
صفحة 299
تلقي كل أفراد المجتمع نصيبهم من العلوم الشرعية بما يسمح لهم بمعرفة ما لا يسع جهله من الدين؛ من الفرائض والواجبات والحقوق وحدود الله تعالى والأوامر والنواهي، ومحاربة الجهل في الدين نهائيا.
يقول الشيخ عدون محددا الغاية من التعليم بقوله: « ... تكوين الملكات العلمية في مختلف الفنون وتثقيف العقل، وتنوير الذهن، وتربية النفس تربية صحيحة وإعدادها لتحمل قسط من عبء الإصلاح الديني والملي والوطني، فإن الدين والملة والوطن تطلب منا رجالا أكفاء للعزابة والقضاء والعدالة والوكالة والنيابة والإفتاء والتدريس والكتابة والخطابة والشعر ونحو ذلك من الأعمال الجليلة والمشاريع العظيمة والإصلاحات العامة» (1).
كما اتجه رجال الإصلاح في الوقت ذاته إلى إشاعة الثقافة بين الأهالي ونشر المعارف المتعلقة بعلوم الحياة المختلفة، التي تمكن الأفراد من الأعمال والمسؤوليات والوظائف والحرف على ضوء ما توصلت إليه العلوم العصرية؛ حيث إن هذا الجانب يكاد يكون منعدما في وادي ميزاب لأسباب اجتماعية وفكرية عديدة، فنشطت الحركة الإصلاحية في توفيره للناس وللأجيال الصاعدة خصوصا، لأنها أدركت أن مسايرة العصر وعيش قضاياه وتحمل مسؤولياته لا يتأتى إلا بتزويد الأجيال بهذه المعارف الضرورية، كما أدركت أن التمكين لنهضة الأمة لا بد له من الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الدنيوية.
يشير الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش إلى أهمية تحصيل هذه العلوم وحاجة الأمة إليها بقوله: «لا أخال مسلما على وجه البسيطة يستخف بفن من الفنون سواء أكان من الفنون الدينية أم الحيوية ... هلكت الأمة الإسلامية بترك سنة الله
__________
(1): سعيد شريفي، معهد الحياة نشأته وتطوره، ط1، المطبعة العربية، غرداية 1989م، ص57 - 58. (1/316)
صفحة 300
في الكون وإهمال البحث عن واجب الحياة وموجب الفلاح» (1).
لقد كان هذا التوجه نحو التمكن من العلوم العصرية في وادي ميزاب منعطفا جديدا، وخاصية مميزة للحركة الإصلاحية عن الفكر السائد من قبل، الذي كان يرى خلاف ذلك، بنظرته إلى هذه العلوم بعين الازدراء، وتحاملهم على من يتعلمها، وإنكارهم على من يدعو إلى إدخالها في المدارس أو المعاهد، بكونها من علوم الكفار والمشركين التي تهدد الدين والمذهب وشخصية المسلم (2).
هذا ما ولد صراعا فكريا وسجالا كلاميا بين الفريقين؛ كل يرى الصواب فيما ذهب إليه وقصده.
يقول الشيخ أبو اليقظان مبينا أهمية هذه العلوم وخطر افتقادها على الأمة مخاطبا أحد المعارضين لها: «بتلك العلوم الدنيوية استولت أوربا عليك وعلى بلادك، استيلاء سياسيا واقتصاديا واجتماعيا» (3).
ركزت الحركة الإصلاحية في تثبيت هذه القيمة الحضارية في الأذهان وتجسيدها على أرض الواقع بتأسيس المدارس وفتح المعاهد والنوادي وحلقات العلم، لتكوين أجيال المجتمع والتدرج معها في مراتب التحصيل العلمي، وتوسيع معارفها بإرسال بعثات علمية إلى البلدان الإسلامية المجاورة، وبرعاية الكفاءات العلمية بعد إكمال تكوينها بفتح فرص التعليم والدعوة والخطابة أمامها (4).
كما ركزت على منبر المسجد الذي جعلت منه أداة لنشر العلم وتثقيف شرائح المجتمع ممن فاتته فرصة التعليم أو لم تسمح ظروفه للجلوس في مقاعد الدراسة، بتناول منبر المسجد مختلف المواضيع
__________
(1): إبراهيم أبو إسحاق اطفيش: الدعاية إلى سبيل المؤمنين. دت، ص36 - 37.
(2): صالح لعلي: البراهين القاصفة لمتتبعي الفلاسفة، دت، كله.
(3): إبراهيم أبو اليقظان: إرشاد الحائرين، تونس، 1341هـ، ص14 - 15.
(4): دبوز: نهضة الجزائر، ج3، ص119 - 177. (1/317)
صفحة 301
والقضايا وهموم الناس، وشرح أمهات الكتب في مختلف فنون العلم الشرعي من حديث وفقه وتفسير، وكذا بفتح حلقات العلم في المسجد لكل من يريد أن يتزود أو يستفيد من عموم الناس، في أطراف اليوم، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. حتى أضحت المساجد في وادي ميزاب في عهد الحركة الإصلاحية جامعات شعبية مفتوحة أبوابها للتكوين والتحصيل وإشاعة الثقافة والمعرفة بين الناس.
وفي جانب تعليم المرأة شهدت الحركة الإصلاحية التفاتة لهذا الموضوع، ولو كانت محتشمة وبطيئة وتدريجية، حيث فتحت أقساما خاصة لها، لمحو الأمية عنها، ثم تدرجت في تزويدها بجملة من العلوم الشرعية والعربية التي تمكنها من إدراك مسؤولياتها وإعدادها لتحمل مهامها الفطرية زوجة وأما وربة بيت.
بهذه الصورة رأت الحركة الإصلاحية إلى قيمة التعليم، وهكذا عملت على غرسها في المجتمع، واعتبرتها ركيزة في سبيل قيام نهضتها الإصلاحية.
2 - - التربية:
التربية في مفهوم الحركة الإصلاحية هي ذلك الجهد الذي يبذله العلماء والدعاة والمصلحون في سبيل ضبط سلوك الأفراد وفق الشريعة الإسلامية في عقيدتها وأخلاقها ونظمها وأحكامها، ثم توجيه هذا السلوك لخدمة الصالح العام، والتفاعل الإيجابي مع قضايا المجتمع بحمل همومه وانشغالاته والإسهام في خدمته وإصلاحه (1).
يصف الدكتور محمد ناصر الدور التربوي الذي كان يقوم به الشيخ أبو اليقظان مع طلبة بعثته في تونس بقوله: «كان الشيخ أبو اليقظان يؤمن أن التربية الإسلامية العظيمة هي التربية الكاملة الرشيدة التي تعنى بكل نواحي الإنسان، مراعية فيه جوانب النمو عنده، عقله وجسمه وروحه، حياته المادية
__________
(1): دبوز: نهضة الجزائر، ج3، ص119 - 177. (1/318)
صفحة 302
والمعنوية، وكان المنهج الذي سار على هديه في هذا المجال يعتمد النظرية والتطبيق معا، فإلى جانب ما كان يغرس في نفوس التلاميذ من ترسيخ العقيدة الإسلامية، والتمسك بتعاليم الإسلام سلوكا وعبادات، كان برنامجهم يحتوي على وسائل عملية لذلك، مثل: الصلاة جماعة، مذاكرة القرآن أفرادا وجماعات، والاعتماد على النفس في القيام بشؤون البيت طبخا وتنظيفا وغير ذلك» (1).
اقتنعت الحركة الإصلاحية أن الإنسان ما دام حيا يرزق فهو بحاجة إلى تربية وتوجيه وتقويم للسلوك، فهي تبتدئ مع الإنسان منذ الميلاد وتبقى ملازمة له إلى الوفاة، وهي تسعى للعناية بالفرد وإقامة سلوكه على نهج الله تعالى، بالاقتفاء بنهج المصطفى عليه الصلاة والسلام، كما تعمل هذه التربية على تقويم سلوك الفرد في مجالات حياته المختلفة، بداية بحياته الخاصة إلى حياته الأسرية، إلى حياته الاجتماعية والمهنية.
ولإقناع أفراد المجتمع بهذه الفلسفة وتجسيدها فيهم يلزم أن تتعاون على ذلك مؤسسات اجتماعية عديدة، لابد أن تحمل الهم نفسه، ولا بد أن يكمل بعضها دور بعض، ولا بد أن يتوحد الهدف لديها، وهي متمثلة في الأسرة والمسجد والمدرسة.
تبتدئ التربية من الأسرة اعتمادا على الوالدين اللذين يجتهدان على تنشئة أبنائهما على السلوك القويم والاستقامة، ويتعاون معهما أفراد العائلة الواسعة من الأجداد والأعمام والأخوال لأداء هذه المهمة، خاصة في حال وفاة الأب أو غيابه، ثم تأتي بعد ذلك المؤسسة الاجتماعية الثانية المكملة للدور التربوي للأسرة المتمثلة في المدرسة القرآنية العربية، حيث تعنى بالجانب التربوي وبناء شخصية التلميذ وتقويم سلوكه؛ فعمدة هذه المدرسة
__________
(1): محمد ناصر: القيم الإسلامية في نظام التعليم بوادي ميزاب، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة – الجزائر، ع1، 1998، ص74 - 75. (1/319)
صفحة 303
معلمون مربون حازمون لا يتساهلون في الدور التربوي، وتضع الأسرة كل ثقتها فيهم، فتجد هذا المعلم يتعامل مع تلاميذه معاملة الأب مع أبنائه في المراقبة المستمرة لأخلاقهم وتصرفاتهم، كما تجده في اتصال وثيق مستمر مع أسر تلاميذه وأوليائهم.
يبين الدكتور محمد ناصر بوحجام الدور التربوي للمعلم في المدارس العربية القرآنية للحركة الإصلاحية بقوله: «إن شخصية المعلم تقوم بدور أساسي في عملية التوصيل والتعليم، فهي تؤثر تأثيرا قويا في نفسية المتعلم إيجابا وسلبا، ونعني بالشخصية هذه المميزات التي يتمتع بها المدرس في الناحية الخلقية والتكوين العلمي والكفاية التربوية، فنجاح المعلم يتحقق له بقدر ما يتوفر له من هذه الجوانب الثلاثة» (1).
لتكملة هذا الدور تأتي بعد ذلك المؤسسة الاجتماعية الثالثة المتمثلة في المسجد، لتركز في خطابها الدعوي على مواضيع التربية والتوجيه والاستقامة، وعرض سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وسيرة صحابته الكرام، وسيرة الصالحين، وإسقاطها على الواقع، ودعوة الناس للاقتداء والاقتفاء، وتحمل مسؤولياتهم التربوية، حيث علا صوت المساجد في وادي ميزاب مؤكدا على التحلي بالأخلاق، وتربية النشء وتقويم سلوكها ومحاربة مظاهر الانحراف والفساد فيها (2).
كان من ثمرات هذا الخطاب الدعوي المسجدي المتواصل أن ترى كل فرد في المجتمع يشعر بمسؤولية الحفاظ على طهره واستقامة أفراده، وسلامته من المفاسد والانحرافات الخلقية، ويشعر في مقابل ذلك بمراقبة المجتمع
__________
(1): محمد ناصر بوحجام: المعلم الكفء يحل كثيرا من مشاكل التعليم، مجلة الحياة، الصادرة عن معهد الحياة بالقرارة – الجزائر، ع1، 1998، ص88.
(2): إبراهيم بيوض: المجتمع المسجدي، جمع وإعداد: محمد ناصر بوحجام، دت، ص27 - 82. (1/320)
صفحة 304
لتصرفاته وسلوكاته، وباستطاعته مساءلته ومعاقبته اجتماعيا إذا استلزم الأمر ذلك.
بهذه الرؤية وهذه القناعة استطاع علماء الحركة الإصلاحية أن يغرسوا قيم التربية الإسلامية في نفوس أفراد مجتمعهم، واستطاعوا أن يجندوا في سبيل ذلك ثلاثة مؤسسات اجتماعية مهمة هي الأسرة والمدرسة والمسجد.
3 - الوعظ:
لا يختلف مفهوم الوعظ لدى الحركة الإصلاحية عن المدلول الاصطلاحي المتداول للكلمة؛ من كونه محاولة تذكير المرء بواجباته الدينية والدنيوية وإسداء النصح له؛ إلا أن الحركة الإصلاحية تميزت في كيفية تجسيد هذه القيمة في المجتمع، وذلك بواسطة التذكير المستمر للناس بواجباتهم الدينية، وترغيبهم في فعل الخيرات والاستقامة لنيل الثواب والرضوان والجنات، وتحذيرهم من فعل المنكرات والانحراف عن الصراط القويم، تجسيدا لنهج النبي محمد عليه الصلاة والسلام الذي ربى صحابته وأقامهم على الحق بأسلوب الترغيب والترهيب، والخوف والرجاء، كما تميز هذا المفهوم في تذكير الفرد بالعلاقة الوطيدة والربط المحكم بين جانب العقيدة القلبية الإيمانية والقرآن الكريم والسنة النبوية كنصوص تحفظ وتتلى، وجانب العمل والالتزام بالأخلاق والفرائض والتشريعات والنظم والآداب المستمدة من الشريعة الإسلامية (1).
وفق هذا الخطاب يجد الإنسان نفسه قد وضع في موضع الفعالية الحضارية الإيجابية، بحيث تتحرك هممه وجوارحه نحو فعل الخيرات والمبرات وترك المنكرات والمفسدات.
كما يعني الوعظ في تطبيقه العملي كذلك بيان العلاقة المباشرة بين أعمال الفرد الخيرة في شتى مجالات الإصلاح والتعمير من
__________
(1): محمد الشيخ بالحاج: مميزات الإباضية نشأة وتأصيلا، تفريعا وسلوكا، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1991م. ص80 - 97. (1/321)
صفحة 305
فلاحة وحرف وتجارة وصناعة وأشغال؛ وبين المآل الذي ينتظر الإنسان من عرض الصحائف والمجازاة بالثواب والنعيم، وفي مقابل ذلك بيان العلاقة الوطيدة في حال التقصير والتضييع وعدم القيام بالواجبات في المجال الأسري والعائلي والاجتماعي وتضييع الحقوق الإلهية والبشرية بنيل العقاب والعذاب والجحيم.
فتكون ثمرة الإنصات لهذا الخطاب الدعوي المتواصل هي نماء الدافع العقدي والرقيب الإيماني الداخلي الذي يجعل الفرد يحاسب نفسه على كل ما يصدر منه من أقوال وأفعال، ويدفع به للقيام بواجباته أحسن قيام، ويجد في نفسه الاستعداد والقدرة على البذل والتضحية.
لقد نشط مشايخ الإصلاح كثيرا في إحياء منابر المساجد في أوقات متعددة من نهار اليوم وليلته؛ من بعد صلاة الفجر، وبين المغرب والعشاء، ومن بعد صلاة العشاء، وأفراد المجتمع مهتمون بحضور هذه الدروس والمواعظ منصتون لها، ثم ينطلقون بعدها إلى التطبيق والتجسيد في مجالات حياتهم المختلفة (1).
وفق هذه النظرة لقيمة الوعظ في المجتمع استطاعت الحركة الإصلاحية من خلال خطابها الدعوي أن تجعل الفرد في عمومه يلتزم بالاستقامة ويؤدي واجباته الدينية المفروضة، ويتحمل واجباته الدنيوية المنوطة به، ويبتعد عن الانحراف والسلبية في الحياة، ويحاول أن يعيش إيجابيا ويسهم في بناء صرح النهضة الإصلاحية لمجتمعه.
4 - التوعية:
يمكن أن نعرف قيمة التوعية في فكر الحركة الإصلاحية بأنها إنارة الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الفرد في حياته بتوضيح رسالته في الوجود كما أرادها الله تعالى، وواجبه في عمارة الأرض باستقامته على صالح الأفعال، وبيان دوره
__________
(1): بيوض: المجتمع المسجدي، ص27 - 82. (1/322)
صفحة 306
الاجتماعي تجاه أسرته ومجتمعه ووطنه والإسلام عموما.
كما تعني كذلك تلك القيادة الرشيدة للمجتمع بتوجيه جهوده نحو البناء والعمارة وتكوين الفرد وإنشاء المجتمع الصالح المعاصر (1).
حين وقوفنا مع طبيعة الخطاب الدعوي الذي كان يوجهه أعلام الإصلاح للمجتمع نجد أن الشيخ بيوض مثلا قد اهتم كثيرا في دروسه بمسألة التوعية نظرا للظروف العامة التي مر بها المجتمع في وادي ميزاب، وبوجوده في بقعة صحراوية منعزلة، فكان بحاجة إلى أن يستفيق من غفلته، ويدرك رسالته في الوجود، ويدخل في معترك الحياة، ويؤدي واجباته الدينية والدنيوية، ويندفع نحو العلم والعمل والنشاط، ويتخلى عما به من قصور وعجز وركون.
أدركت الحركة الإصلاحية أن المجتمع في حاجة ماسة إلى التوعية حاجته إلى التربية والتعليم والوعظ والإرشاد، وأنه لا بد لأفراده أن يدركوا واجباتهم وحقوقهم في الحياة، حتى تتمكن الحركة من تجنيده في إحداث العملية الإصلاحية وتوجيه طاقاته إلى خدمة أهدافها.
لأجل تحقيق هذه القيمة اقتنع أعلام الإصلاح بضرورة محاربة الفكر السائد الذي اتسم بالجمود والتقليد والنظرة الضيقة الساذجة إلى شؤون الحياة، وأنه لا بد من الاستبدال به فكرًا متفتحًا في قالب خطابي معاصر ينظر إلى الأمور بنظرة فاحصة عميقة نابعة من المقاصد الشرعية والمصالح المرسلة للأفراد والمجتمع.
وظف علماء الحركة الإصلاحية القنوات الاجتماعية المختلفة والمناسبات المتعددة لبلوغ هدفهم في توعية المجتمع ورفع الجمود والانزواء والأفكار الخاطئة المعششة في أذهانه، وتوجيهه وتوعيته وتصحيح مفاهيمه حول
__________
(1): عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل، نشر مكتبة البكري، المطبعة العربية، غرداية، 2004م، ص22 - 27. (1/323)
صفحة 307
الدين والحياة، حيث كانت منابر المساجد تصدح بالدروس التي توجه الناس وتعلمهم وتفهمهم واجباتهم ومسؤولياتهم وترفع عنهم غشاوة الجهل والانغلاق، وتحارب الأباطيل والخرافات وتفتح عقولهم على حقيقة الدنيا ورسالة المسلم فيها، وتدفع بهم إلى صالح الأعمال ونافع الفعال.
نجد الشيخ عبد الرحمن بكلي يحدد دور المسجد التوعوي بقوله: «ترقية الوعظ والإرشاد في المساجد، وإيقاظ الوازع الديني في النفوس ضرورة لإصلاح المجتمع، لأن المساجد قلب الأمة الذي يوزع عليها دماء الحياة، ويشيع في جسمها حرارة الغيرة والوطنية، وتربط صلة العبد بربه» (1). كما نزل رجال الإصلاح إلى ساحة المجتمع في السوق والشارع والحقل والعرس والمأتم ليكلموا الناس عن دورهم وواجباتهم، ويوعوهم وينيروا عقولهم بالأفكار الحية الفاعلة، ويحاربوا فيهم الأفكار الميتة البالية.
بهذه الجهود المضنية المتواصلة تمكن قادة الحركة الإصلاحية أن يقنعوا العقول بأفكارهم، وأن يخرجوها مما كانت فيه من جهالة واستكانة وانعزال، وأن يصححوا المفاهيم ويوضحوا الأهداف، وينيروا الخطى التي ينبغي للأفراد أن يتبعوها حتى يوفقوا وينجحوا في حياتهم ويعمروها بفعل الخيرات ونصرة مشروع النهضة الإصلاحية الشاملة.
بناء على خدمة هذه الفلسفة الإصلاحية في أبعادها الأربعة التعليم والتربية والوعظ والتوعية استطاعت الحركة الإصلاحية أن تعلي صرح نهضتها، وتبلغ أهدافها وتنجح في مشروعها وتقيم مؤسساتها، حين اقتنعت أن الأمة كانت بحاجة ماسة إلى إحداث هذا التغيير فأقدمت عليه بثبات وصبر وجهاد مستمر، أثمر هذا المنتوج الحضاري الذي يعرف في وادي ميزاب بالنهضة الإصلاحية.
__________
(1): بكلي: مسيرة الإصلاح: ص23. (1/324)
صفحة 308
(الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ محمد بن صالح حمدي
(أستاذ بجامعة باتنة)
توازن الموازنة العامة
دراسة مقارنة (1)
(1) إن البحث في المجالات الاقتصادية أو المالية الإسلامية هو اليوم من أشق المهام وأعسرها لسببين اثنين:
أولهما: قفل باب الاجتهاد من عشرة قرون أو يزيد، وبالتالي عطلت المبادئ الاقتصادية والمالية في مواجهة حاجات المجتمع المتغيرة، كما ندرت الدراسات الاقتصادية، حتى وجدنا كثيرا –من المثقفين- لا يتصورون وجود اقتصاد إسلامي أو علم المالية، يستطيع أن يلبي حاجات المجتمع، أو يقف في مقابلة المذاهب والنظم الاقتصادية الوضعية، ذلك رغم أن الحقيقة الساطعة تؤكد أن أوّل الدراسات الاقتصادية والمالية في العالم ظهرت في ظل الإسلام وعلى يد كتاب مسلمين، أمثال: كتاب "الأموال" و"الخراج" وغيرهما من المصنفات الاقتصادية.
ثانيهما: تعقد الحياة الاقتصادية والمالية الحديثة، بحيث لم يعد يكفي في البحث في هذا المجال الإحاطة بالدراسات الاقتصادية الإسلامية والفقهية، بل أصبح من الضروري والواجب وعلى
__________
(1) هذه الأطروحة نال بها الباحث شهادة الدكتوراه في الفقه من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، بتقدير مشرف جدا وذلك يوم الخميس 17 جانفي 2008. (1/326)
صفحة 309
نفس المستوى الإحاطة بالدراسات الاقتصادية الفنية الدقيقة والنظم المالية المعاصرة. ومما شجعني على اقتحام هذا الموضوع أني وفّقت للجمع بين الدراسة الاقتصادية والشرعية في دراستي الجامعية.
إن أهمية الموضوع ليست في حاجة إلى بيان، فالموازنة هي المؤشر الأساسي في تقييم وضعية اقتصاد الدولة، فعليها يقع العبء الأكبر في توجيه الموارد وتخصيصها، ومن خلالها يتم توزيع خيرات الأمة على مختلف القطاعات والشرائح، ويتم تمويل المشاريع وتسيير دواليب الدولة. وكانت الدوافع التي حفزتني للاهتمام بالموضوع نابعة من واقع اطلاعي أن العجز في الموازنة هو الطابع السائد في أغلب موازنات العالم، بدءا من أغنى دولة وأقواها اقتصاديا الولايات المتحدة الأمريكية، إلى بلدنا العزيز –الجزائر-
فالعجز يعبر عن حقائق مرّة، إذ يعني، أننا نستهلك أكثر مما ننتج أو نعيش على حساب الآخرين، أو الأجيال اللاحقة، إلى جانب سلبياته الاقتصادية والاجتماعية المتعددة. فالعودة إلى التوازن إذن يمثل أبرز التحديات التي تواجه الدول المعاصرة، ومن أعقد المشاكل الاقتصادية، ويزيد من أهمية الموضوع أن الدولة في العصر الحاضر لم تعد مجرد حارس للأمن فحسب، وإنما هي صانعة للتنمية، ومسؤولة عن الرفاه الاجتماعي والمحافظة على التوازن.
إن الموازنة العامة تندرج في إطار علم المالية الذي يعني بدراسة إيرادات الدولة وسبل تعبئتها، ويضع أساليب وسياسة إنفاقها للوفاء بالحاجات العامة، في إطار خطة وبرنامج مهيكل ومنظم بموازنة تضبط كلا من الإيرادات والنفقات.
وقد مرت الموازنة في الفكر المالي الحديث بمراحل متعددة، فالتقليديون يركّزون على موازنة متوازنة ماليا، وتتلاءم مع فكرة القانون الطبيعي والتوازن التلقائي. ومع التطور الاقتصادي في العصر الحديث أصبحت الموازنة تلعب دورا رياديا في ظل الدولة المتدخلة والمنتجة، فسمحت بالعجز المنضبط. أما الفكر المالي الإسلامي فإنه لم يعرف مفهوم الموازنة بما (1/327)
صفحة 310
يحمله هذا المصطلح من معان، إلاّ أنه أقام نظاما دقيقا في جباية الإيرادات وتوزيع النفقات وإقامة التوازن بينها من خلال التنظيم المالي لبيت المال.
إشكالية البحث:
إن الموازنة العامة، تشكل –كما رأينا- الأداة الرئيسية في يد الدولة لرسم سياستها المالية وتحقيق أهدافها المختلفة، وبما أن الموازنة تقديرية لسنة قادمة، فقد تعمل الدولة إلى تخطيط موازنة عاجزة بناء على معطيات وأهداف مرسومة، فحالة العجز والتوازن غالبا ما يكون مخططين ومقصودين، وإذا كان الأمر كذلك في الفكر الوضعي، فما هي السياسة المالية للفكر الإسلامي؟ أم يقتصر دورها على الوفاء بالحاجات العامة.
لذا فإن إشكالية البحث تتحدد فيما يلي:
ما هو مفهوم التوازن في الفكر المالي الإسلامي والتقليدي؟ وما هي الآليات التي تتخذها مختلف السياسات المالية والاقتصادية لتحقيقه؟ وكيفية المحافظة على توازن اقتصادي متكامل؟.
وإذا سلّمنا بظهور مصطلح الموازنة في الفكر الحديث، فكيف كانت تنظم الأموال العامة –جباية وتوزيعا قبل هذا التاريخ؟ وقد شهدت الحضارة الإسلامية أزهى عصورها تقدما وتطورا في مختلف الجوانب العلمية والثقافية؛ فما هو التطور الحاصل في مجال التنظيم المالي؟ وما تأصيله الشرعي؟ أهو واجب أم مندوب، أم هو فرض كفائي على الأمة، أم يدخل في منطقة العفو؟.
وإذا سلمنا بالتوازن كمبدأ طبيعي، فما هو التوازن المطلوب؟ أهو التوازن المالي أو التوازن الاقتصادي؟ وما هي أساليب تحقيق ذلك؟.
فكيف يتم تعبئة المدخرات وتوظيف الموارد المتاحة؟، وما هو ترشيد الإنفاق العام؟ وهل علاج العجز الذي تقترحه المنظمات المالية هو الأمثل والأجدى نفعا للدول المدنية؟ وما هو البديل إذا كان الأمر غير ذلك؟ هذه هي (1/328)
صفحة 311
الإشكالية التي يجيب عنها هذا البحث.
منهجية البحث:
إن طبيعة الموضوع تجعل الباحث يعتمد على عدة مناهج، ولما كانت الدراسة مقارنة بين الاقتصاد الإسلامي والوضعي، فقد ساد منهج المقارنة، حيث وظفته في كل الخطوات، واقفا على أوجه الاتفاق والاختلاف بين الفكريْن والنظاميْن، واستعنت بالمنهج التاريخي –خاصة التاريخ الإسلامي، واستعنت بالمنهج التحليلي والكمي في دراسته وتحليل مختلف القضايا.
خطة البحث:
تشتمل الخطة على تمهيد وأربعة فصول، ففي التمهيد الذي يضم ثلاثة مباحث، تعرضت لتطور علم المالية منذ ظهوره كفرع من علم الاقتصاد، وكيف انفصل عنه كعلم مستقل، وتناولت نشأة الموازنة وأبعادها، ونظرة التشريعات وأبعادها المتعددة، وحاولت الإجابة عن سؤال جوهري، هل توجد موازنة في الفكر المالي الإسلامي؟.
وفي الفصل الأول: الذي يضم أربعة مباحث، تعد مفاتيح لفهم الموازنة، والتنظيم المالي الإسلامي، تناولت في الأول منه: القواعد العامة التي تقوم عليها الموازنة، ونظرة الفقهاء الماليين لها، وفي الثاني: استعرضت المراحل التي تمر عليها الموازنة من الإعداد إلى التنفيذ، مقارنا بين الفكرين في هذا المجال، واستعرضت وجهة نظر الفقهاء في حكمه الشرعي، أيدخل في الفروض الكفائية أو في المصالح المرسلة، والأدلة على ذلك، وختمت الفصل بالمقارنة بين النّظامين (الإسلامي والوضعي).
وفي الفصل الثاني: يتناول العجز المالي وأساليب مكافحته، فالعجز والتوازن وجهان لعملة واحدة، وللبحث في مفهوم التوازن، لابد من الوقوف على العجز ومكوناته وأسبابه، لأن تصحيح الخلل يؤدي إلى التوازن، وقد أدرت هذا الفصل على ستة مباحث، تعرضت في الأول منه إلى أسباب العجز وآثاره الاقتصادية والاجتماعية. وفي المبحث الثاني: تعرضت لتطور العجز في الفكر الوضعي، وفي الثالث: رصدت (1/329)
صفحة 312
المركز المالي في العهد النبوي والراشدي كمرحلة هامة من التشريع المالي وحددت أدوات التمويل، وكيف كانت مواجهة الاحتياجات في حالة العجز، واستنباط القواعد الأساسية في علاج العجز والفائض، وفي الرابع تناولت المركز المالي للدولة الأموية والعباسية، ورصدت السياسة الشرعية المعتمدة في إدارة بيت المال وقربها وبعدها من التشريع في الفقه المالي، مستعرضا المركز المالي للدولة خلال تلك الحقبة الهامة من التاريخ الاقتصادي للمسلمين، وفي الخامس تعرضت لعلاج العجز بالأسلوب الإسلامي المرتكز على المشاركة بمختلف صيغها الفقهية، وعلى القروض الحسنة، أما المبحث الخامس فقد خصص لعلاج العجز في الفكر المالي الإسلامي مبينا المنطلقات العقدية والفكرية وتحديد الأولويات، وترتيبها، مستعرضا أساليب علاج العجز قبل حدوثه، وفي السادس عرضت رأى أحد المفكرين الإسلاميين في علاج العجز، وهو الإمام الجويني رحمه الله.
وفي الفصل الثالث: ويضمّ ثلاثة مباحث، تعرضت لمفهوم التوازن وأنواعه، ومفهوم الموازنة الدّورية، في المبحث الأول، وفي الثاني: خصصته لتوازن الموازنة للدولة الحديثة، الأسس والمنطلقات وأساليب تحقيقه بالنموذج الانكماشي السائد، أن النموذج التنموي المأمول؟.
وفي المبحث الثالث يشتمل على توازن الموازنة في الفكر المالي الإسلامي مستعرضا الأسس العقدية والفكرية، مستدلا بنموذج من الموازنة الدورية من القرآن الكريم، وإمكانية المساهمة في إقامة التوازن من الإنفاق المباشر، الذي يمول الموازنة بطريقة غير مباشرة.
أما الفصل الرابع، فيشتمل على أربعة مباحث خصصت لدراسة حالة موازنة الدولة الجزائرية، يتناول المبحث الأول تطور الموازنة منذ الاستقلال، محللا أسباب العجز الذي طبع الموازنة في أغلب مراحلها، وفي المبحث الثاني، آلية التوازن من خلال صندوق ضبط الإيرادات، ومدى تحقيق هذا الصندوق للأهداف المرسومة له. أما المبحث (1/330)
صفحة 313
الثالث فتناولت فيه أهمّ سبب من أسباب عدم التوازن، وهو الاقتراض بشقيه الداخلي والخارجي، والخطورة الدينية والاقتصادية لهذا الأسلوب وكيفية التغلب عليه، وتناولت الاحتياطات الدولية كصمام أمان لدرء المخاطر المالية الطارئة، وما هو الحجم الأمثل لها، وكيفية استغلالها، وفي المبحث الرابع، حاولت تحديد معالم الطريق للوصول إلى موازنة متوازنة بانتهاج منهج يجمع بين ترشيد الإنفاق وتعبئة الطاقة القصوى للموارد المتاحة، وإصلاح المنظومة الجبائية والمصرفية، ثم وضعت نموذجا لموازنة ترتكز على مبادئ الشريعة، وتنتظم وفق النظم الفنية والعلمية.
أهم النتائج التي توصل إليها الباحث:
1 - إن الموازنة باعتبارها شكلاً من أشكال التنظيم المالي، مفهوم حديث لم يعرفه الفكر المالي الإسلامي، إلاّ أن ذلك لا ينفي وجود تنظيم مالي محكم استوعب التطورات المالية منذ خلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) واستوعب أرقى حضارة عرفته الإنسانية في تلك العهود.
2 - تعتبر فترة العهد النبوي والراشدي مرحلة تأسيس لنظام مالي يستمد أصوله من النصوص الشرعية واجتهادات الصحابة، ففيها تمّ تحديد معالم الإيرادات العامة وسبل إنفاقها، وكيفية مواجهة العجز والفائض، وينبغي أن تكون المرجع لكل نظام مالي إسلامي معاصر.
3 - إن الحكم الشرعي للتنظيم المالي هو الوجوب، وجوبا كفائيا على ولي الأمر بناء على المصالح المرسلة والمقاصد الشرعية، إلاّ أن أسلوبه وأدواته تختلف باختلاف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتغير الأزمنة والأمكنة.
4 - إن الخروج من أزمة العجز المزمن الذي تعاني منه أغلب دول العالم والوصول إلى موازنة، متوازنة يتم عن طريق الاعتماد على القدرات الذاتية وتعبئة الطاقات القصوى، والبعد قدر الإمكان عن المديونية وترشيد النفقات، وتخفيض الإنفاق العسكري والمظهري، وإشراك القطاع الخاص في تقديم الخدمات. (1/331)
صفحة 314
الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/سعاد زغيشي
منهج هود بن محكم الهواري
في التفسير (1)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
فإنّ مدار هذا البحث هو معالجة موضوع في مجال التفسير وعلوم القرآن، معنون بـ"منهج هود بن محكّم الهوّاري في التفسير"، سعيت من خلاله إلى التعريف بشخصية " هود بن محكّم الهوّاري" التي ظلّت مغمورة في الجزائر، وبيان موقع هذا المفسر من المفسرين الجزائريين، وماهية الطرق والآليات المنهجية التي استخدمها المفسر في تفسيره لكتاب الله العزيز، والتعرّف على كيفية تعامله مع النص القرآني لاستخراج مكنوناته، ثم إبراز القيمة العلمية والتاريخية للتفسير فهو أوّل تفسير لمؤلف جزائري أوراسي.
لم يحظ تفسير هود بن محكّم الهوّاري بأي دراسة أكاديمية على حدّ علمي في الجزائر بينما خارج الجزائر فقد حظي بدراستين الأولى كانت معنونة بـ"هود بن محكّم الهوّاري ومنهجه في التفسير" من قِبل الباحثة: عائشة علي محمد عبد الله، لنيل شهادة الدكتوراه سنة 2001، من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية السودان، والثانية من قِبل الباحث محمد بن رزق بن طرهوني
(1)
__________
(1) هذه الأطروحة نالت بها الباحثة شهادة الدكتوراه، تخصص كتاب وسنة من كلية العلوم الإسلامية والعلوم الاجتماعية بجامعة باتنة، بتقدير مشرف جدا، وذلك يوم 12/ 06/2008. (1/332)
صفحة 315
معنونة بـ "التفسير والمفسرون في غرب إفريقيا" لنيل شهادة الدكتوراه أيضا من جامعة الأزهر.
بالإضافة إلى مجموعة من المقالات منشورة من قِبل بعض الباحثين في مواقع متنوعة من الأنترنيت كلها تتحدث عن هود بن محكّم الهوّاري ومنهجه في التفسير.
لقد اقتضت دراستي لمنهج هود بن محكّم الهوّاري أن أنتقل من منهج إلى آخر، فالمنهج التاريخي للإلمام بحياة المفسر وعصره، ومعالم شخصيته، والعوامل المؤثرة فيه، والمنهج التحليلي للتعامل مع النصوص، أما المنهج المقارن فللمقارنة بين عمل هود بن محكّم الهوّاري وصاحب الأصل إبن سلام، وبين ابن أبي زمنين، كما اعتمدت على الإحصاء، وذلك من خلال تعداد الآيات القرآنية التي فسر بها هود القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، ومرويات المفسرين وكل هذا يدخل في باب التفسير بالمأثور، كما قمت بتعداد القراءات المتواترة والشاذّة والتي انفرد بها هود الهوّاري، وكذا المواضع التي ورد فيها النسخ، وجعلت لكل ذلك مخططات بيانية فكان لهذا التعداد دور في تقرير بعض الحقائق العلمية في البحث.
أما عن خطة البحث:
فقد قسمت بحثي هذا إلى مقدمة وستة فصول وخاتمة.
اشتملت المقدمة على الإشكالية، وأسباب اختيار الموضوع، وأهداف البحث، والصعوبات والدراسات السابقة في الموضوع، ومنهج البحث، وخطته، وعملي في هذا البحث واصطلاحات خاصة.
والفصل الأول قسمته إلى مبحثين:
المبحث الأول في حياة هود بن محكّم الهوّاري تناولت فيه اسمه، نسبه، أسرته، مولده وفاته، نشأته، حياته العلمية وآثاره العلمية
المبحث الثاني تناولت فيه عصره حيث درست الصورة السياسية لهذا العصر، الحالة الدينية، الحالة الاجتماعية، الحالة الاقتصادية، والحالة الفكرية.
والفصل الثاني كان في السمات البارزة في تفسير هود (1/333)
صفحة 316
تناول المبحث الأول منه سمات المنهج العام من حيث منهجه من خطبة المختصر أو من حيث منهجه من التفسير.
بينما تناول المبحث الثاني مصادر هود الهوّاري في التفسير وهي: القرآن الكريم، السنة المطهرة، أقوال المفسرين، البلاغات وطرق الرواية، الشعر، والكتب المحال عليها.
وكان المبحث الثالث في المقارنة بين الأصل والفرع من خلال بعض النماذج التطبيقية وسبق ذلك التعريف بالأصل ومؤلفه ابن سلاّم البصري.
والفصل الثالث فقد خصصته لمنهج هود بن محكّم الهوّاري في التفسير بالمأثور وما يتعلّق به.
كان المبحث الأول في منهج هود في التفسير بالمأثور، أما المبحث الثاني فكان في الإسرائيليات وموقف هود منها، والمبحث الثالث في المنهج العقدي في تفسير هود من حيث عرضه لأدلة الربوبية والألوهية، وموقفه من الأسماء والصفات، وآرائه في مسمى الإسلام والإيمان والمنزلة بين المنزلتين، وموقفه من الشفاعة والخلود في النار، ثم رأيه في استحالة رؤية الله تعالى.
وقد حرصت في هذا الفصل على تعريف المصطلحات وذكر بعض النماذج التطبيقية في كل مبحث.
وكان الفصل الرابع في منهج هود في التفسير بالرأي وما يتعلّق به.
تناول المبحث الأول منه الاتجاه الفقهي، بينما تناول المبحث الثاني الاتجاه اللغوي النّحوي البلاغي.
أما عن الفصل الخامس فقد اشتمل على آراء هود الهوّاري في علوم القرآن.
تناول المبحث الأول نزول القرآن وجمعه وترتيبه، والمبحث الثاني تناول أسباب النزول أما عن المبحث الثالث فكان في المكي والمدني، والمبحث الرابع في القراءات والاستعانة بها في العملية التفسيرية، والمبحث الخامس في آراء هود في النسخ.
وجاء الفصل السادس ليبين القيمة العلمية لتفسير هود بن محكّم الهوّاري.
تناول المبحث الأول منه القيمة العلمية كما تبدو لي بعد البحث والدراسة لتفسير هود. (1/334)
صفحة 317
أما المبحث الثاني فكان في الجهد التفسيري الذي بذله هود في اختصاره للأصل.
وتناول المبحث الثالث المقارنة بين عمل هود وعمل ابن أبي زمنين في اختصارهما لأصل يحيى بن سلاّم، عرّفت من خلال هذا المبحث بابن أبي زمنين وعلاقته بيحيى بن سلاّم كما عرّفت بمختصره في التفسير، وتجلّت المقارنة بين المختصرين (أي مختصر هود الهوّاري ومختصر ابن أبي زمنين) في نماذج تطبيقية من خلال تفسير بعض الآيات القرآنية.
أما عن الخاتمة فقد تضمنت نتائج البحث.
فبعد أن منّ الله علي بإتمام بحثي، توصلت إلى بعض النتائج، ولا أدّعي أنّي وفّيت الكتاب حقّه من الدراسة والبحث في المنهج، لأن كل جانب من الجوانب التي عرضتها يمكن أن يكون بحثا مستقلا، و إليكم هذه النتائج:
1/ تبين لي من خلال دراسة حياة هود بن محكّم الهوّاري أنه ظُلم كثيرا، ويظهر ذلك من خلال إغفال معظم الصادر والمراجع الحديث عنه، بل حتى من بعض المصادر الإباضية.
2/ يعتبر مختصر هود الهوّاري أوفر وأغزر مادة من مختصر ابن أبي زمنين، فهو يكاد يحفظ لنا الصورة الكاملة لتفسير يحيى بن سلاّم.
3/ تعصّب هود الهوّاري لمذهبه الإباضي غلب على التفسير خاصة في تفسيره لآيات الأحكام الاعتقادية والعملية (مما أدّى ببعضهم إلى جعل تفسير هود الهوّاري من التفسير بالرأي المذموم).
4/ يعتبر تفسير هود الهوّاري مادة غزيرة في مجال التفسير الأثري النظري، فقد حفظ لنا الكثير من المرويات و من آثار السلف الصالح، ومن تعقيبات هود بن محكّم الهوّاري خاصة في مجال الأحكام.
5/بالرغم من تصنيف كتاب هود الهوّاري ضمن التفسير بالمأثور، إلاّ أنّ هذا لم يمنع من أخذه بالتفسير بالرأي في بعض (1/335)
صفحة 318
المسائل، حيث وفّق في الجمع بينهما.
6 - ما ميّز تفسير هود بن محكّم الهوّاري تلك الإضافات التفسيرية عن أصل التفسير مما يدل على مكانته العلمية، وأغلب هذه الإضافات نجدها في الآيات الحكمية التي هي محل خلاف بين أهل السنة و الإباضية.
7/ وفّق هود بن محكّم الهوّاري إلى حدّ ما في عملية الاختصار التي لم تخل بأصل التفسير، إلا في بعض الحالات كحذفه للروايات الصحيحة التي تخالف مذهبه الإباضي كأحاديث إثبات رؤية الله تعالى، وكذلك حذفه للإسناد، مما أدّى إلى اختلاط آرائه بآراء الغير، والصحيح بالعليل، وهذا خطأ منهجي ما كان ليقع فيه هود الهوّاري وهو من المفسرين المتقدمين.
8/ انسياق هود وراء الإسرائيليات، وعدم الاحتياط منها جعل تفسيره يعجّ بها، وهذا ما نجده كذلك في تفاسير المتقدمين.
9/ اتّهام هود بن محكّم الهوّاري لصاحب الأصل ابن سلاّم بالإرجاء واضح من خلال التفسير، ولعلّ هذا من الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى اختصار الكتاب وذلك للردّ على المرجئة وإثبات الأصول العقدية الإباضية.
10/ لهود الهوّاري جهد معتبر في التفسير، حيث يعتبر من مؤسسي المنهج النظري الأثري، إلاّ أنّ تفسيره ظلّ مغمورا في خزائن شيوخ الإباضية، ولم يخرج إلى النور إلا سنة 1990 على يد المحقق بالحاج بن سعيد شريفي، ليكون بعد ذلك متداولا بين طلبة العلوم الإسلامية وغيرهم.
هذه إذا بعض النتائج التي توصّل إليها البحث، فأرجو أن أكون قد وفّقت ولو في جزء صغير في هذا المجال، لأضيف لبنة في الدراسات القرآنية، لأنّ الكمال لله سبحانه وتعالى وما توفيقي إلا به. (1/336)
صفحة 319
رسالة من الشيخ عدُّون
إلى الشيخ إبراهيم بيُّوض (رحمهما الله)
الحمد لله وحده
الجزائر 14 جمادى الأولى 1376 ـــ 17 ديصامبر 1956
أستاذي العزيز العلاّمة الشّيخ بيوض حفظه الله ورعاه ومن كلّ شر وقاه. السلام عليكم ورحمة الله.
أستاذي العزيز أنعى إليك نعيًا خاصًّا بقلب دامٍ، وكبد جريح، وصدرٍ يلتهب، وصبر جميل، وقلب مطمئن بذكر الله، مملوء بالرّضى بما قضى وقدَّر، عزيزتي ونور حياتي، التي وافاها أجلها المحتوم ليلة الجمعة الفارطة على الساعة التاسعة وأربعين دقيقة، وهي فاجعة لم أكن أتوقَّعها بعد أن زالت عنها أكثرُ الأوجاع التي تشكو منها، وتتوقَّع منها الهلاك، والتي أعقبها ضعفٌ ازداد بتوالي الأيام، حتى شلَّ بها كلَّ حركة في الأسبوعين الأخيرين، أو بالأحرى في العشرة الأيام الأخيرة، فكانت لا تستطيع أن تحرِّك ولو إصبعًا واحدا فضلا عن أن تقوم بنفسها أو تتناول شيئا. وكنت أحملها للأكل وغيره كما يُحمل الميت، ولقيتُ من ذلك عناء وأي عناء, وكان طبيبها يعزو ذلك إلى تأثير الأدوية ونجاحها، وكنت كلَّ يوم أرجو أن تُبدي حراكا، أو تخطوا نحو الشّفاء، فلم تزدد إلاَّ ضعفًا. وكان الطبيب يزورها إلى محلّها في "ليفيي" كلَّ أسبوع، بعد أن كانت تزوره بنفسها إلى عيادته كذلك وفي الأسبوع قبل الأخير استدعيناه قبل موعده بيوم لاشتداد الحالة عليها، ففحصها فلم يجد فيها ما (1/337)
صفحة 320
يُخشى منه، وقلنا له قبل ذلك: إن لم يكن لك رجاءٌ فيها فصرِّح لنا بالحقيقة لنذهب بها إلى بلدها فتموتَ بين أولادها وذويها، فقال: لا أجد ما يُخاف منه، فإن ظهر شيء أنبأتُكم عنه، ووصف لها أدوية أخرى، وعاد إليها في الأسبوع الأخير فكان موقفه منها كالسَّابق، غير أنه أمر بأن تُؤخذ لها صورة بالراديو، وحيث أنها لا تستطيع التحرُّك من مكانها أمر بأن يوتى به حيث كانت، وذلك يوم الأربعاء، على أن يأتي صاحب الراديو عشيَّة الخميس، وهو اليوم الذي طرأ فيه للابن بالحاج السفر إلى باريس ليمضي الامتحان (ولا يزال الأمر مكتوما وسيبقى كذلك) صباح الجمعة، فكان عليه أن يقوم بإجراءات السفر اللازمة وهي شاقة وعسيرة وأوجبتُ عليه الحضور للراديو مهما كانت الأحوال ليعينني في حملها ونزع ثيابها فحضر وحضر أصحاب الراديو بعد طول انتظار فقاموا بالمهمَّة حوالي الساعة الرابعة عشية، واستدعى ذلك حمل آلات ضخمة مفكَّكة وركبوها في بيتها حيث تنام، وبعد انقضاء المهمَّة بادر الابن إلى الذهاب لمهمته هو، وودَّع أمَّه، ولم يعلم المسكين أنه الوداع الأخير إلى هذه اللحظة، أي بعد أربعة أيام، ولم تعلم هي كذلك بسفره وبعد خروجهم قمتُ بشؤونها كالعادة، وصليتُ الظهر والعصر، وصلَّت هي بالتكبير طبعًا، وشربت قُوتَها كعادتها في هذا الوقت، فأضجعتها لتستريح مما كانت تعانيه، وهنا أحسستُ منها غلبة الحال وعزوتُ ذلك إلى التعب المؤقَّت، وقد تواعدتُ قبل ذلك مع أصحاب الراديو على أن أذهب إليهم غدًا الجمعة عشيَّة لأخذ الصورة، والرجوع بها إلى الطبيب ليدرس حالتها على ضوئها، ونقدتهُم اثني عشر ألفا واجب الراديو. قلت أضجعتها لتنام وذلك مع غروب الشمس وكلَّمتها وكلَّمتني ومنَّيتهُا عاقبة هذا العمل وأنَّ النتيجة ستظهر يوم السبت، ولا شك أنها تكون حسنة، وكانت متردِّدة، وجلستُ بجانبها إلى المغرب، فقمتُ فصليتها، وبعد قليل زدتُ العشاء، فخرجتُ لأقضي بعض الوقت في (1/338)
صفحة 321
دكَّان أحد الإخوان، وبعد نحو نصف ساعة عدتُ إليها فإذا هي نائمةٌ فجلست بجانبها أطالع وأراجع بعض الحسابات إلى الساعة الثامنة، وحضر العشاء فأكلَت قليلا وشربَت وناولتها الدَّواء قبل ذلك ثمَّ صلَّت العشاءين، ثمَّ تلت سورة سبّح حتى بلغت آخرها، فبقيت تردِّد {إنَّ هَذا لَفِي الصُّحُفِ الاولَى} إلى آخر السورة، فألحت في تكرارها طويلا، فاشتد بها الوجعُ فصارت تنادي: يارب، كعادتها إذا اشتد عليها الحال، فكنت أسكتها وأصبِّرها، وعرضتُ عليها قضاء الحاجة، فقالت: لا، فأسندتها إلى الوسادة وهي في تعبٍ شديد، ثمَّ ازداد لهثها مع إلحاح الوجع، وهنا فقط أحسستُ بالخطورة، فحام حولنا شبحُ الموت الرَّهيب، فكان هذا الإحساس يقوى كلَّما قوي الوجع، إلى أن صار حقيقة واقعيَّة، فأيقنتُ بمصيرها المحتوم لما صار كلامها مغمغما لا يكاد يُفهم، وهنا طمَّنتُ نفسها ومنَّيتها الراحة الدائمة في الجنَّة، والاطمئنان إلى لقاء الله، وملئ قلبها يقينا برضاه، فبدأ الجحوظ في عينيها والبرود في رجليها، وقالت: ما أصعب الموت، وقلت لها: دقائق قلائل ثمَّ تكون الراحة الدائمة، فاعتصمي بربِّك ولا تلقين إلاَّ خيرا ونعيما. ثمَّ عادت إلى ترديد آخر السُّورة بكلام لا يكاد يُفهم، وتذكر الله ورسوله بما لا يكاد يبين، فكانت الخاتمة المحتومة، وكلُّ ذلك في ربع ساعة فاسترجعتُ وتجلَّدتُ وكظمتُ على نفسٍ تكاد تنفجر، وأسلمت أمري إلى الله، واضطجعت بجانبها كالعادة بعد أن نزعتُ عنها الغطاء الغليظ، فكنت على ذلك الصباح لم يغمض لي جفن؛ أسيل الدّمع تارة وأكفكف أخرى، ولم أخبر الأخ عمر النائم بالبيت بجانبنا مع زوجته حتى صلَّينا الصبح، ثمَّ عدتُ إلى الاضطجاع إلى حوالي السابعة والنصف، فأخبرتهم بالفاجعة فكانت الصدمة عليهم عنيفة. ثمَّ بعد التعزية واللَّوم على كتم الخبر إلى الصّبح تفاوضنا في أمر دفنها، وفكَّرنا في نقلها القرارة فرأينا الأمر عسيرًا جدا إن لم (1/339)
صفحة 322
يكن مستحيلا، إذ يقتضي ذلك أن تبق أربع ليال بدون دفن، علاوة على تفتيش الطريق وعلى المصاريف الباهضة التي ننوء بحملها، فقررنا دفنها هنا، فقمنا بإجراءات الدّفن الرّسمية التي عانينا في سبيلها الأمرَّين، بدأناها من الساعة الثامنة فلم تنقض إلاَّ حوالي الثاّنية عشرة، على السّرعة الفائقة التي قمنا بها، ولولا عربة الأخ لما استكملناها في يوم كامل، وكان الدّفن بعد الساعة الرابعة عشية في حفل كبير من الإخوان والأصدقاء وكلِّ من سمع بالخبر وأغلبهم لم يسمع به.
هكذا تمت هذه الفاجعة وختمت بها أنفاس نفسٍ عزيزة كانت تملأ حياتي بهجة ونورا، وتحيل داري جنَّة نعيم، وكان حبِّي لها وغرامي بها يمدان جميع أعمالي بالقوة والحياة، وأنَّ قلبي ليعجز عن وصف سعادتي بها وهنائي، وكنت مغمورًا بهذه السّعادة في حِلّي وتَرحالي شاعرًا بها تمام الشعور، وأعتبرها من أعظم نعم الله عليَّ، وكنت مغتبطا بهذه النعمة شاكرا الله عليها ما وسعني الشكر، لا يغفل قلبي عن ذكرها ولا لساني عن تلاوة قوله {((((أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ((((} وأرثي وأشفق على من حُرم مثل هذه النّعمة. ولم يكن هذا الشّعور وليد فقدانها، كمن يزهد في نعمة تغمره وسعادة تحيط به حتى إذا فقدهما شعر بهما وتحسَّر على فوات الانتفاع بهما، بل كنتُ من مفرقي إلى قدمي شعورًا وإحساسًا بهذه النّعمة وبغيرها من النّعم التي أسبغها الله عليَّ، وأعظمها هذه الحياة التي أحياها في سبيل العلم قضيتُ فيها أكثر عمري وسأقضي فيها إن شاء الله بقيَّته، وكانت في بيت من بيوت الله وفي وطني العزيز، عزيزا في قومي مرضيًّا عنِّي من كرامهم، وفي طليعتهم أستاذي العزيز، متمتعًا بالسّعادة الزّوجية، ونجابة الأولاد، والكفاف في العيش، والبعد عمَّا يشين سمعي، ويسخط الله والرّسول، هذا ما أشعر به دائما ويمتلئ (1/340)
صفحة 323
قلبي بذكره، وأشكر الله عليه وأستزيده منه، غير أني مع كلِّ هذا أتوقَّع لهذا الصَّفو الجميل كدرًا يزيل بهجته، ويمزج هذه السعادة بشيءٍ من الشقاء، وأخاف أن يكون ممن يقال لهم {((((((((((((طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ((((((((((} وإلاَّ فأين الله للمؤمنين؟ وأين امتحانُه لعباده؟ وأين قوله: {((((((((النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (((} {((((((((((((((((((حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ((((} ألى أمثال ذلك من الحديث الشّريف، حتى جاء هذا المرض، وجاء ما يكدِّر الصفو الطويل المستمر، وجاء وعدُ الله بالامتحان والابتلاء، فقلتُ سأجتهدُ إلى أن أفوز في الامتحان، فكان طويل الأمد عظيم الوطأة شديد القسوة، فحرمني من أعمالي التي كنتُ أعتبرها أعظم قربة لأتقرَّب بها إلى الله، ومن السعادة الزوجية التي أراها أعظم متاعٍ لي في هذه الحياة، وصبرتُ على وطأة الدَّهر الذي بات يريني الخطب كيف اعتداؤه، وبتُّ أريه الصَّبرَ كيف يكون.
صبرت على ضياع أوقاتي، والفراغ الذي يجب أن يملأ بالصالح المفيد، وعلى عناء التمريض الشّديد الذي لا يعلم ما عانيت في سبيله إلاّ الله، وعلى الخسائر الباهظة في المال، وعلى الغربة الموحشة في أحرج الأوقات وأعسرها، صبرتُ على هذا، وأكثر من هذا، هادئَ النّفس مطمئنَّ القلب محتسبًا أجري عند الله، راجيا حسن العاقبة، منتظرًا الفرج، وانتظارُه عبادة، وقلتُ سيقف الامتحانُ على قساوته عند هذا الحدِّ وما خرج منه ناجحًا منتصرًا فاز بثواب الله العاجل والآجل، ولم أكن أتوقَّع أن تشتطَّ به القساوة حتى يصل إلى الحد الذي وصل إليه من إطفاء نور حياتي، وكنتُ إذا خطر ببالي هذا الخاطر البعيد وارتعدت فرائضي (1/341)
صفحة 324
وأقول: من لي بالكاهل الذي يتحمَّل هذه النكبة؟ والمتن التي تقوى على الاضطلاع بعبئها؟ فلابد من السقوط في الامتحان .. وسرعان ما يزول هذا الخاطر وأقول: ما كان الله ليصل بي إلى هذا الحدِّ من الاختبار، ولا ليردَّ دعوات المسلمين والمسلمات في كلِّ جهة وفي كلِّ مكان، ولا دعواتي بالخصوص التي لا تفارق قلبي ولساني أينما كنت، سائرًا أو راكعًا أو مصليا أو نائمًا، وكان رجائي في الله قويا حتى كاد يبلغ حدَّ اليقين، وقد بالغتُ حتى أقسمتُ لها ذات مرَّة لتشفيَنَّ، فقالت: إنّك حانثٌ بحلفك على الغيب، فقلت لها: إنّ لله عبادًا لو أقسموا على الله لأبرَّهم. وبعد هذا كلِّه كان وعدُ الله بالابتلاء قاسيًا على غير ما أتوقَّع، وكان صبري عليه قاسيا شديد الوطأة، فطويت صدري على نار على الأحشاء تتقد، وأكظم الزّفرات جهدي حتى أسمع لأسناني صريرًا، فأغلبها أحيانا وتغلبني أخرى، فإذا لم تجد متنفَّسا خرجت شؤونا في العيون، فأحاول كفكفتها بكلِّ جهد فتغالبني، وأجد صعوبة عظمى في مواجهة المعزِّين، ولا أشقَّ من تعزيتهم، وبالأخص إذا كانت من عزيز أو بالغ في التعزية، وأحسن تعزية أريدها منهم أن يُعفُوني منها، أكون هادئا مطمئنا فإذا واجهني معزٍّ ثارت شجوني وانهمرت دموعي، فأضطر للإعراض عنه وهو الكريم العزيز، وأشدّ ما يثير شجوني تذكُّر الأولاد والعائلة وموقفهم من النّكبة عندما تصدمهم، لطف الله بهم وبي، وألهمهم الصّبر الجميل حتّى يخفِّفوا عنِّي هذا المصاب، ومن لطف الله تعالى بي وبهم أن كنتُ بعيدًا عنهم، ولا أتّصل بهم إلاّ بعد أن يكون المصاب قد خفَّت وطأتُه، والنكبةُ قد لطَّفتها الأيام، وبعد كل هذا أتلوا قوله تعالى: {(((((((((((((((((بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (((((} فأجدني مطمئن القلب، هادئ النفس، رابط الجأش، راضيا بقضاء الله وقدره، محتسبًا أجري عند الله، طالبًا منه أن يوفيني أجرها بغير حساب، وأعتبر (1/342)
صفحة 325
هذا أعظم نعمة تنطوي عليها هذه المصيبة، وأحمده تعالى وأشكره عليها، وأراني فائزًا في الامتحان منتصرًا في الابتلاء، ظافرًا برضى الله تعالى.
ولست الآن أهتمُّ بمستقبل حياتي، فقد أسلمتُ نفسي إليه تعالى، وفوَّضتُ أمري إليه، فهو حسبي ونعم الوكيل، وأجدني مطمئنا إلى حُكمه راجيًا منه أن يكفكف دمعتي فيحييني حياة سعيدة طيِّبة، أقضي بها بقيّة عمري، رضيتُ بما قسم الله لي وفوَّضتُ أمري إلى خالقي، كما أحسن الله فيما مضى كذلك يُحسن فيما بقي.
وإنَّ ربًا كفاكَ بالأمسِ مَا كانَ ... سَيكفيكَ في غَدٍ مَا يكُونُ
أستاذي العزيز؛ هذه بعض شجوني في هذه الحادثة، بثثتها إليك إنها نفثة مصدور لابد من نفثها، وليس لي مَن أبثها إليه سواك، وليست شكوى ولا إظهار حزن، إنما أشكو بثّي وحزنيَ إلى الله، كان الله لي ولك ولجميع الإخوان والأصدقاء والمسلمين والمسلمات ولياً ونصيرًا.
كنت مشتغلاً بالمرحومة مدَّة شهرين في أكثر الأوقات، وبالأخص في الأسابيع الثّلاثة الأخيرة، فإني لم أشتغل بغيرها إلاَّ قليلا، لذلك تأخَّرتُ عن إتمام مهمَّتي، وإني ملتفتٌ ومتفرِّغ إليها في هذين اليومين وفي بضعة أيام أخرى لا تتجاوز أسبوعًا أقضيها هنا وفي البليدة، وأزيد أسبوعا آخر في طريقي من بسكرة إليكم، فأكون معكم في آخر الشهر أو في أوائل الآخر إن شاء الله.
سلامي وتحياتي إلى جميع الأساتذة والتلاميذ وجميع الإخوان والأصدقاء دمتم ودام لكم الهناء.
عدُّون بن بالحاج
(في هذه اللحظة اتصلتُ ببرقية من الابن بالحاج من باريس يخبر فيها بنجاحه في الامتحان وتحصيله على الشهادة والحمد لله وسيصل صباح الأربعاء). (1/343)
صفحة 326
السيدات والأوانس
وأوجاع الثامن مارس
الأستاذ الشيخ نور الدين بن بكير الأطرش
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل للنساء حقوقا تُرعى، ووعد على القيام بها مثوبة وأجرا ونفعا، فأنزل الناس منازلهم في البر والإحسان، فسبحان من له المآب والرجعى، يكرم عبده بحسب ما كان يجتهد من الخيرات ويسعى، فاللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وخليله وصفيه، نصح الأمة وكشف الغمة ومحا الظلمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وقد مدحه الله تعالى بما منحه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 04].
وانسب إلى ذاته ما شئت من عظمِ
وانسب إلى قدره ما شئت من كَرَم
فإنَّ فضل رسول الله ليس له حدٌّ
فيُعرِب عنه ناطقٌ بفمِ (1/345)
صفحة 327
أما بعد: فيا عمار بيت الله ويا أحباب رسوله؛ أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فالتقوى هي السلاح الأقوى، قال تعالى في محكم تنزيله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَالِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 27].
معاشر المسلمين الأعزاء بدأنا نستنشق ذكرى ميلاده صلى الله عليه وسلم، ولا زالت ألسنة وأقلام مسمومة تفتري على الرسول صلى الله عليه وسلم زورا وبهتانا، تكدر صفونا وتطال من شخصه العظيم، ومع ذلك نقول: "رب ضارة نافعة"، وقديما قيل: "إذا أراد الله نشر فضيلة طويت، أتاح لها لسان حسود".
فتعالوا معي نقلب الفكر ونمعن النظر لنعيش بعض دقائق لنرى عظمة القرآن وجلال القرآن، في سيرة النبي الزكية العطرة، نحن الآن مع رسول الله، المكان مكة المكرمة، الزمان الثامنة للهجرة، الحدث الفتح المبين.
إخوة الإيمان لقد تحقق وعد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فدخل أم القرى ظافرا منتصرا، وهاهو لم يبغ ولم يطغ، وانظروا كيف يدخلها متواضعا منكسرا لجلال الله وكماله، وفي غمرة هذا النصر المؤزر يرى من بعيد قدوم سيدة عجوز أثقل العمر ممشاها، وعبث الدهر بها فنكّسها في الخلق، وأحنت ظهرها السنون، لكنها مع ذلك لم تتأخر عن الحضور لملاقاة زوج أعز الناس إليها، وقبل أن تصل إليه يتجه إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ترك كل هذا المجد والفخار والآلاف من البشر، فيا ترى من تكون هذه السيدة العجوز التي تحظى بكل هذا التكريم والتشريف من القائد خير خلق الله.
إخوة الإيمان إنها صديقة لواحدة؛ لها في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة طيبة، فانظروا لهذا الحدث وجلاله، والمشهد ومهابته، وهذا المشهد الذي التقطناه لكم يعلمنا فيه مربي البشرية الأول كيف نحترم المرأة وننزلها المنزلة التي تليق بها وبوفائها، يقف الرسول صلى الله عليه وسلم ويكلمها، ثم لا يلبث أن يبسط لها رداءه، ويُجلسها عليه ويجلس معها يحدثها.
إخوة الإيمان هلا قرأنا التاريخ كله قديمه وحديثه عن قائد منتصر فعَل فعْل هذا القائد؟ إنه لدرس حضاري للبشرية كلها، ومشهد فريد وحيد لا مثيل له (1/346)
صفحة 328
في تاريخ العظماء الخالدين، وها هي أمنا عائشة رضي الله عنها تشاهد هذا وتعيشه كغيرها، إلا أن لها رأيا آخر وتساؤلا مختلفا فقالت: " يا رسول الله من تكون هذه المرأة العجوز التي تحظى بهذا الاحترام والاهتمام"، فيجيب قائلا: "إنها صاحبة خديجة رضي الله عنها"، ولم تكتف عائشة بهذا التساؤل فتضيف قائلة –تدفعها إلى ذلك غيرتها كزوجة-: "وفيم كان حديثكما يا رسول الله؟ " فقال: "كنا نتحدث عن أيام خديجة، فأخذتنا الذكريات والمناسبات الطيبة الصالحة والحديث ذو شجون"، وعندئذ لا نستغرب أن تغار أمنا عائشة وهي من هي، إنها الزوجة الوفية الواعية، فنطقت معبرة عما يختلج في صدرها قائلة: "أما زلت تذكر هذه العجوز، التي واراها التراب، وقد أبدلك الله خيرا منها".
إخوة الإيمان، تُرى ماذا يصنع وماذا يقول صاحب القلب الرحيم والخلق العظيم؟ وكيف يعالج المعلم الأعظم هذا الموقف المشحون بالغيرة؟ أيسكت أم يدافع؟ أينصرف أم يعلّم؟ أيهمل أم يربي؟ إنه يقف بكل ثقة وأدب وكمال، معلّما ومحاميا مدافعا لكافة الأجيال من بعده، ليقرر في جبين التاريخ مكانة امرأة مضى على وفاتها عشر حجج، وينطق عن الحق لا عن عاطفة وهوًى، في شأن سيدة من سيدات العالم بكمالها وإخلاصها وتضحياتها فيقول: "لا والله ما أبدلني الله خيرا منها"، إنه يقدم حيثيات هذا الوسام وهذا الشرف الخالد، "لقد آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء".
عن أبي هريرة قال: "أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء به إدام، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشّرها بيتًا في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب".
إخوة الإيمان، هذا هو النموذج للمرأة المسلمة الصابرة المجاهدة المربية، فواقعنا يجب أن يُسقط على الماضي الإسلامي الزاهر لا غير، فهو المثال والفيصل، فقد جعلت هذه الزوجة الملتزمة بحق والمتدينة بصدق؛ جعلت من بيت الرسول صلى الله عليه وسلم؛ واحة من الهدوء، وجنة من الراحة، وكمال المحبة والسكن والوداد –رغم وجود ستة أولاد مع أعباء القيام بواجباتهم-. (1/347)
صفحة 329
أحبّتي في الله هكذا نجد ذكر هذا الوفاء، والاعتراف لذكرى خديجة لا يحصى ولا يستقصى، ولا يزال عطرا شذيًّا في حياته صلى الله عليه وسلم، وتمتلئ به جوانحه بأعز الذكريات، رغم مرور عشر سنوات.
وعندئذ أدركت أمنا عائشة أن لسانها قد زلّ، فبادرت رضي الله عنها بالاعتذار لزوجها قائلة: "استغفر لي يا رسول الله، فيطلب منها الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: "استغفري لخديجة أولا حتى أستغفر لك"، وبذلك تصفو نفس عائشة بعد أن أدركت مكانة سيدة نساء أهل الجنة في قلب الرسول، ولم تعد بعد ذلك تذكر خديجة إلا بخير، بعد أن تيقنت بأن الله يحول بين المرء وقلبه، وأن المحبة بين أصبعين من أصابع الرحمن.
فاللهم يا مثبت القلوب ثبّت قلوبنا على دينك وطاعتك، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب البرية، له الأسماء الحسنى والصفات العلية، اللهم لك الحمد بالهداية والعافية والأمن والأمان بكرة وعشيا، والصلاة والسلام على خير قائد للرعية، جاء رحمة للخلق والبشرية، وعلى كل نفس أحبت ذكراه واقتفت آثاره السنية، إلى يوم كان أمره حتما مقضيا، يا عزَّ كل ذليل وقوة كل ضعيف، اللهم اجعلنا هادين مهديين غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك حربا على أعدائك، نحبّ بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من عاداك، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التُّكلان ولا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين.
أحبتي في الله هكذا نجد عيد المرأة اقتحم عاداتنا، وبدأ يتموقع ويصنع لنفسه مكانا بين أعيادنا، ومطلب تحرير المرأة يطالعنا كل عام بما يسمى بأوجاع الثامن مارس، وما يشبه الأسطوانة المشروخة، لغة سوقية ودعوة شقية، فهي لا زالت تبحث عن حقوق أكثر مما حققته، وتكاد بذلك تمحو الرجل من خارطة الوجود، وسيبقى هذا الموعد أكبر أكذوبة إذا لم يُحدّد السؤال: (1/348)
صفحة 330
تحريرها من ماذا؟ من الرجل أم من الجهل والتخلف؟ من الأخلاق أم من القيم والدين؟ فإنني لا أعتقد أن لهؤلاء الأدعياء الشجاعة الكافية ليواجهوا المجتمع المسلم بحقيقة مطالبهم التغريبية التخريبية أكثر مما هي مخربة، فظاهر هذه المطالب فيه الرحمة وباطنها من قبلها العذاب، فهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ولا شك أن وراء هذه المؤامرة شرذمة اليهود ومن على شاكلتهم، مكملين سيرة بن سبأ، يمكرون بالليل ويعملون بالنهار، لا يريدون من المرأة إلا آلة تشبع حيوانيتهم أو مومسة؛ لاهين بينها وبين كأس راح يبعث فيهم الزهو والانشراح.
أختي المؤمنة كوني مثل أمك خديجة قلبا وقالبا، لتكون أيامك كلها أعياد، لا يوما يتيما في السنة، كوني مثل خديجة طائعة لربها بارة بزوجها قدوة لأولادها، لا تبغي عن هذا حِولاً ولا ترضى عن هذا بدلا، كوني مثل خديجة أوابة مستغفرة، فالله معك والملائكة تستغفر لك، والجنة تنتظرك.
كوني مثل خديجة واثقة بربها، وكعمتك النخلة، شجرة طيبة عالية الهمة، بعيدة عن الأذية، إذا رمتها الناس بالحجارة ألقت عليهم رُطبًا جنيًّا.
كوني مثل خديجة لمجتمعك راعية، وللخير والإصلاح داعية، وإلى جميع المبرات ساعية، كوني مثل خديجة وعاء للطهر، أرضا طيبة للعقب، بعيدة عن اللمز في عرضها بكرًا حَصانًا، بعيدة عن الخيانة زوجا مصانة، متمسكة بعقيدتها أمًّا تفيض رحمةً وحنانًا، كوني مثل خديجة جمالا ونضارة لا شِيَةَ فيها، واحذري أن تكوني من القوم التُّبّع من «بني وي وي» تستجيبين لكل طارق، وتصفقين لكل ناعق، وتنساقين وراء خزعبلات كل مارق.
إخوة الإيمان إنني لا أظن أن من يدافع عن المرأة؛ يدافع عنها لإنقاذها من التدهور الأخلاقي والجهل، والعودة بها إلى الإسلام في تنشئة أجيال صالحة، ففاقد الشيء لا يعطيه، وما أبعد الثّرى عن الثريا، بل هم في هذا الشأن في فقر ساحق وعوَز ماحق، ولا أكمل الله سعي كل أفّاك أثيم.
وكان الأجدر ممن يبثون هذه السموم ويخططون للتحايل على القرآن الكريم، أن يوفروا جهودهم في هذا العيد لتنظيم مسابقات الكمال، بعد أن (1/349)
صفحة 331
مسختها مسابقات الجمال، فضاعت المسكينة وتاهت بين الأنوثة والخنوثة والاسترجال، وليت المطالبين بحرية المرأة، الذين غسل الإعلام الفاضح أدمغتهم، يختصرون الطريق لإطلاق حملة تزويج المئات من الأرامل، والآلاف ممن يصارعن شبح العنوسة المسكوت عنها، والتي تزداد توغلا في ثنايا المجتمع، وتفويت الفرصة على المشعوذين والسحرة الذين يستثمرون في الأعراض ويصطادون في الماء العكر، وإقناعهن بأحقية الأزواج في التعدد وإقناعهن بالتوكل على الله، وبحقهن في المتعة الحلال والسكينة والإنجاب، وهو أكبر حق ضائع للمرأة الأصيلة، وسط نعيق وضجيج المسترجلات.
إخوة الإيمان؛ أخيرا ما هي النتيجة بعد كل هذه الأهوال وكلكم تلاحظون هذا، غلاء للمعايش وشيوع الفواحش، وكم من جنين يسكن في ظلمات ثلاث ينمو في الحرام، أي مصير ينتظره وينتظر أمه؟ وقد أطلقت صفارات الإنذار للإحصائية المرعبة، إذ بلغت في السنة الماضية 7943 طفلا غير شرعي، ناهيك عن الإجهاض المعلن والخفي، وقد بدأ غبار هذه المعاصي والفضائح يطالنا في مجتمعنا الصغير الطاهر وينخره، وندّعي ونقول للناس جميعا بأننا "أهل الحق والدعوة والاستقامة"!
فاتقوا الله عباد الله، توبوا إلى الله، استحيوا من الله، اصطلحوا مع الله.
يا رب إني أسألك وأتوجه إليك وأنا واقف بين يديك وأنت في عليائك وكبريائك، ونحن في هذه الساعة - ولعلها ساعة إجابة- أن تنصر الإسلام وتعز المسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أهلك أعداء الدين، اللهم ارفع ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فوق المنابر وفي قلوبنا، وفوق المنائر، اللهم غيّر حالنا إلى أحسن الأحوال اللهم بصّرنا بعيوبنا، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا برحمتك يا أرحم الراحمين.
إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
خطبة جمعة ألقيت في مسجد أبي يعقوب بوارجلان، في شهر مارس 2008
وألقيت بالقرارة في مساجدها الثلاثة بنفس التاريخ (1/350)
صفحة 332
مهرجان القرآن
الشاعر الأديب الشيخ صالح بن إبراهيم باجو
أستاذ بمعهد الحياة - القرارة - غرداية
بمناسبة الحفل البهيج الذي كُرم فيه ما يربو عن ثمانين مستظهرًا لكتاب الله عن ظهر قلب، وبمناسبة زيارة سعاة سفير سلطنة عمان في الجزائر إلى القرارة، ومشايخ وأعلام عن الخلافة العامة للطريقة التيجانية بعين ماضي (الأغواط)، ألقى الأستاذ الشيخ صالح باجو الأبيات التالية:
يا وافدين على القرارة مرحبا ... بكُمُ غدت مزدانةً فيحاءَ
يحكي الرياضَ السندسيةَ ثغرُها ... كم نافست بدلالها الحسناءَ
فجمالُها اقتبسته من بسماتكم ... ومن الوجوه المشرقات سناءَ
فلْتنزلوها مُكْرمينَ، قلوبُنا ... فُرشت لنسل الأكرمينَ وِطاءَ
فلْتنزلوها بالسلامِ, فأنتمُ ... رُسْلُ السلامِ، بواحة غنّاءَ
أرجاؤُها بالوحي تعبُق، والهدى ... يُضفِي عليها بهجةً ورُوَاءَ
في كُل عامٍ مهرجانات تُقا ... مُ لِحامِليه مبرّةً ووفاءَ
اللهُ أكرمهم بخيرِ هديّةٍ ... تُشفِي الصدورَ وتسحقُ الأدواءَ
في آيهِ كنزُ الفضائل جمةٌ ... خُلُق عظيم يُبلغ العلياء
في آيه نبذ الرذائل كلها ... لا ظُلمَ، لا شحناءَ، لا بغضاء
لافضل للأعراب دون أعاجم ... أضحَوا به متكافئين سواء
وبه استنار المسلمون وبيّنوا ... للمدلجين المنهجَ الوضاءَ
وبه انتصرنا والعداةُ أكاثر ... واليوم قد صرنا بكثرتنا غثاء (1/351)
صفحة 333
لا شيء في الدنيا أعز من الـ ... ـكتاب، به سمونا العزة القعساء
} - - {
ولدي وهبتك للكتاب فكن له ... واحفظه تلق من الإله جزاء
جنات عدن خالدات، حورها ... تسبي العيون ملاحة وبهاء
آياته تهديك للنهج القويم ... فلن تضل عن الهدى إغراء
إن الغَرور عن الهدى مُتَنكِّب ... ومُنَكِّّبٌ لك، فاحذر الإغواء
حصِّن فؤادك بالكتاب ففي ... هداه حصانةٌ لك تُكبت الأعداء
واسلكه في أعماق قلبك إنه ... يسري فينعش بالتقى الأعضاء
يسري فتنطلق النفوس زكيةً ... تسمو لبارئها هدى وتقاء
ياربِّ, نور بالكتاب شبابنا ... وأزل به عن نهجه الظلماء
} - - {
ما العلم؟ بل ما الفلسفات؟ إذا غدت ... عورا عن الإيمان، بل عمياء
قد يعلمون من الحياة ظواهرا ... وهمُ عن الأخرى أشد عماء
كشفوا خبايا الأرض في أعماقها ... بل طاولوا المريخ والجوزاء
كم دوّخت أقمارهم قمر السما ... خرقوا (الأزون) ولوّثوا الأجواء
صنعوا القنابل للدمار وشوّهوا ... وجه الحضارة, دنسوا الغبراء
لا خير في علم إذا ما لم يكن ... خلق يقيه البغي والفحشاء
في كل منطقة حروب طاحنا ... ت تحصد البرآء والضعفاء
لا تنشر الموتَ الزؤام فحسبُ، بل ... تذر الديار بلاقعا جرداء
} - - {
حرب الإبادة في بلاد الرَافدَين ... تُبيد ثمّ الأهل والأبناء (1/352)
صفحة 334
ما للعراق تقطّعت أوصالُه ... وغدا بنوه - لشقوة - فرقاء
يتقاتلون على الكراسي ويحهمُ ... أين الأخوّة والإبا، ذهبت هباء
الحرب بينهمُ شديد ريحها ... وهبوبها فوق الدخيل رُخاء
صرح الحضارة قُوِّضَت أركانه ... في الرَافدَين فلا حياة بكربلاء
ما للسودان وللصومال تقطعت ... أوصالها وتمزقت أشلاء
لبنانُ، ما لبنانُ جنّة ربّنا ... في الشرق, صارت نارُها حرّاء
واللاجئون الأبرياءُ تحوّلوا ... رغم الألوف ضحيةً وفداء
إخواننا في القدس تذبح كالشيا ... ه ونحن نرتشف الهوى سعداء
الوحش مزقهم وهتَّك عرضهم ... بالاغتصاب كواعبا عذراء
لا من يعير نداءهم قلبا رحيـ ... ـما, قد غدت آذاننا صماء
ما للأشقة ويحهم في غزةَ الـ ... ـمنكوبةِ اقتتلوا بها أعداء
ويهودُ تلحظ فعلهم في نشوة ... تدمي القلوب بضحكة صفراء
لا العنف يصلح حالَنا أبدا ولا ... التفجير يجعلنا شهداء
شتان بين الإنتحار أو الشها ... دة، ليستا عند الإله سواء
إنّ الدماء عزيزةٌ عند الإلـ ... ـه, فلا تراق كما نريق الماء
فلنبدأ الإصلاح في أوطاننا ... بذواتنا ولننبذ الشحناء
ليست شريعتنا شعارات يرد ... دها اللسان على الورى جوفاء
لكنّها تطبيق أحكام الإله ... كما أراد نقيةً سمحاء
يا قوم لانصرٌ يلوح بأفقنا ... ما لم نكن ما بيننا صرحاء
لا الغرب لا المريكان بالدولار والأو ... رو يُصَيِّرنا بها سعداء
لا لا يُغيَّر ما بنا من ذلّة ... حتّى نُغَيِّر سيرة نكراء
عودوا إلى نهج الكتاب وطبقوا ... أحكامه والسنة الغراء
يمددكمُ رب السماء بنصره ... إن كنتمُ لكتابه نُصراء (1/353)
صفحة 335
يا حافظ القرآن شمر لرسالة
الشاعر الدكتورمحمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها - جامعة باتنة
أبيات من أب لابنه، بمناسبة استظهاره كتاب الله العزيز، قيلت بمناسبة «مهرجان القرآن» لتكريم حفظة القرآن الكريم بالقرارة في السنة الدراسية 1428 - 1429/ 2007 - 2008
إنّ الكتاب لَمُرْتَجَى منْ يَبْتَغي ... عَيْشًا هَنِيئًا في الدّنَى ثُمّ الأُخَرْ
إنّ الكِتَابَ لَمُلْتجَا يُؤْوَى إِلَيْـ ... ـهِ مِنَ الهُمومِ إذَا غدت وخز الإبرْ
هُوَ هَدْيُ كلِّ مُريدِ خيْرٍ خالصٍ ... هُوَ رَحْمَةٌ للمُؤمنينَ وَمَا يَسُرْ
الذّكرُ روحُ القلبِ، يُحْيِي عُمْقَهُ ... فَتُسَارِعُ الأَعْضاءُ تَسْعَى تَنْتَصِرْ
للخَيْرِ، تَجْفُو كلَّ ما يَنْأَى عن الـ ... أخْلاقِ، تَرْميهِ البِحارَ ولا تَذَرْ
هُوَ واعِظٌ، هو مَكْسَبُ الأجر الكبيـ ... ـرِ، إذَا قََصَدْتَ خِياضَهُ، لا تدّحِرْ
وَدَواءُ القلوبِ منَ الشّكوكِ مَعَ الظّنو ... ن، ومنْ عَماها والهَوَى وَمِنَ الخَوَرْ
وَشِفاءُ ما في الصّدرِ مِنْ غلٍّ وَضيـ ... ـقٍ وانقباضٍ واكتئابٍ والضّجرْ
إنّ الشّفاءَ لفيهِ، لا في غيرِهِ ... فَالْزَمْ حِماهُ تَنَلْ غَناهُ، فلاَ تَحُرْ
يا حامل النّور اتّقِ الله العَلِي ... وارْقُبْهُ في أعْماقِكَ دَوْمًا تَفِرْ
عِرْضًا لَكَ، تََحْظَ بيَوْمِ العَرْضِ بُعْـ ... دًا عَنْ حَميمٍ، بَلْ جَحِيمٍ تَسْتَعِرْ
وحروفهُ وحُدودَه فأَقِمْ تنَلْ ... فضلاً كبيرًا، ثُمّ ترضِ المُقْتَدِرْ
يا حافظ القرآنِ شَمّر جاهدًا ... لرِِسالةٍ، لا تَخْتَفِي، لا تستَتِِرْ
الحِمْلُ أثقلَ كاهِلاً، فغدا قيا ... مُكَ واجِبًا فرْضًا عليك، فلا تَفِرْ
اعْمَلْ وَسِرْ في دربِ مَنْ يشفى لينعَـ ... ـم غيرُهُ، دافِعْ وَنًى ثُمّ اصْطَبِرْ
وَجّهْ جُهودَكَ للِجِهادِ على الفَسا ... دِ: عقيدَةً وتعامُلاً، لا تنتظِرْ (1/355)
صفحة 336
حاربْ خُروجًا عن المعالم رسّمتْ ... منْ قبْلُ، سادتْ قوّةً لَمْ تنْبَتِرْ
جادتْ بِخِصْبٍ مِنْ نتاجٍ، اغتَذَى ... منهُ الكريمُ، أحسَنَ طُعْمٍ، لَمْ يَعْتَكِرْ
قادت إلى برّ الأمانِ؛ بِما هدتْ ... وبِما دَعَتْ، وبِمَا رمتْ، لَمْ تنكسِرْ
قاومْ جُنُوحَ الفكرِ عن وسْطِ السّبيـ ... ـلِ، تطرّفًا، وعُتُوّ قصْد في النّظَرْ
عالج سَقيمَ الرَّأْي جاءَ يُذَبْذِبُ ... عقْلاً بسيطًا، لا يَعِي لا ينتقرْ
فهمُ الكتابِ رهينُ علمْ، يستقي ... من خير نبعٍ، ما يعينُ على النّظرْ
تفسيرُه مَرْقًى خطيرًا، لا يُطيـ ... ـقُ صعوده إلاّ القويّ ومنْ مَهَرْ
هل كلّ من عرَفَ الحُروفَ يَجول في ... آياته مُتَقوّلاً يتدبّرْ؟
هل كلّ من حَفظَ المتونَ يقولُ في ... أسراره متفوّهًا يَتفاخرْ؟
هل كلّ من يدعو إلى نهجٍ جديـ ... ـدٍٍ، نقتفي خطواته لا نَختبرْ؟
أينَ العُقولُ تفكّرُ في القوْلِ جا ... ءَ الذّكرُ يُلْقي روْعَهُ في البشرْ؟
من يَجْترئْ ليقولَ ما لَمْ نَعْتَمِدْ ... منهُ الوتينَ سنقطعُ، ثُمّ النّحَرْ
اِرْبَأْ بِنَفْسِكَ أنْ تَفكّ رموزهُ ... قبل التّزوّد بالعتادِ، فلا تَجُرْ
اِرْغَبْ بِنَفْسِكَ أن تَخُوضَ عُبابَهُ ... قبْلَ التّمكّنِ من لباسٍ من زُبُرْ
اصنعْ سفينكَ جيّدًا مُستَخدمًا ... مستنْجِدًا بحُسنِ لوحٍ والدّسُرْ
ثابر وغالب بالسّرى تَجْنِ الثّما ... رَ وتَعْلُ هامَ المَجدِ رُكْنًا لا يَحِرْ (1/356)
صفحة 337
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 19 جمادى الثانية 1428 هـ / 04 جويلية 2007 م
إلى تاريخ: 07 جمادى الثانية 1429 هـ/ 11 جوان 2008 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخ الميلاد ... المدينة
1 ... الحاج امحمد بكير بن إبراهيم بن بكير ... 19 جمادى الثانية 1428هـ ... 1984 - 07 - 24 ... العطف ... 04/ 7 / 2007 م
2 ... ابن عمر عائشة بنت أحمد بن محمد ... 29 جمادى الثانية 1428 هـ 14/ 7 / 2007 م ... 1990 - 05 - 30 ... القرارة
3 ... شعلان عمر بن بالحاج بن داود ... 02 شعبان 1428 هـ ... 15/ 08 / 2007 م ... 1986 - 01 - 22 ... مليكة
4 ... أوجانه عبد الرحمن بن أحمد بن يحي ... 07 شعبان 1428 هـ ... 20/ 08 / 2007 م ... 1986 - 02 - 15 ... القرارة
5 ... نجار حمو بن أحمد بن الحاج حمو ... 28 شعبان 1428 هـ ... 10/ 09 / 2007 م ... 1988 - 07 - 15 ... بنورة
6 ... بسيس محمد بن علي بن الحاج ... 28 شعبان 1428 هـ ... 10/ 09 / 2007 م ... 1987 - 01 - 05 ... القرارة
7 ... فخار مصطفى بن خضير بن بكير ... 29 شعبان 1428 هـ ... 11/ 09 / 2007 م ... 1993 - 10 - 04 ... غرداية
8 ... خياط محمد بن أحمد بن بكير ... 29 شعبان 1428 هـ ... 11/ 09 / 2007 م ... 1989 - 03 - 02 ... القرارة
9 ... جهلان محمد بن يحي بن بالحاج ... 30 شعبان 1428 هـ ... 12/ 09 / 2007 م ... 1990 - 02 - 03 ... القرارة
10 ... لقاف رضوان بن إبراهيم بن صالح ... 30 شعبان 1428 هـ ... 12/ 09 / 2007 م ... 1992 - 09 - 14 ... غرداية (1/357)
صفحة 338
11 ... كربوش عمر بن موسى بن الشيخ سعيد ... 30 شعبان 1428 هـ ... 12/ 09 / 2007 م ... 1989 - 12 - 23 ... غرداية
12 ... ناصر بوحجام صلاح الدين بن عبد الرحمن بن علي ... 30 شعبان 1428 هـ ... 12/ 09 / 2007 م ... 1990 - 12 - 27 ... القرارة
13 ... حمو عبد الله رستم بن إبراهيم بن عيسى ... 01 رمضان 1428 هـ ... 13/ 09 / 2007 م ... 1989 - 12 - 14 ... غرداية
14 ... بكوش عبد المجيد بن رشيد بن الحاج محمد ... 01 رمضان 1428 هـ ... 13/ 09 / 2007 م ... 1994 - 12 - 26 ... غرداية
15 ... معيز الحاج أحمد يسين بن عمر بن داود ... 04 رمضان 1428 هـ ... 16/ 09 / 2007 م ... 1985 - 12 - 24 ... مليكة
16 ... حاجي عيسى بن إبراهيم بن حمو ... 05 رمضان 1428 هـ ... 17/ 09 / 2007 م ... 1988 - 11 - 12 ... القرارة
17 ... باحماني الراعي عمر بن عيسى بن قاسم ... 06 رمضان 1428 هـ ... 18/ 09 / 2007 م ... 1984 - 08 - 14 ... القرارة
18 ... جهلان إبراهيم بن يحي بن بالحاج ... 21 رمضان 1428 هـ ... 03/ 10 / 2007 م ... 1990 - 02 - 03 ... القرارة
19 ... بوعروة محمد بن الحاج قاسم بن صالح ... 25 رمضان 1428 هـ ... 07/ 10 / 2007 م ... 1988 - 07 - 05 ... غرداية
20 ... بابا حمو أسامة بن عبد الرحمن بن محمد ... 26 رمضان 1428 هـ ... 08/ 10 / 2007 م ... 1990 - 03 - 10 ... وارجلان
21 ... مطهري جابر بن محمد بن أحمد ... 28 رمضان 1428 هـ ... 10/ 10 / 2007 م ... 1990 - 03 - 13 ... مليكة
22 ... حدبون عبد الحميد بن صالح بن أحمد ... 28 رمضان 1428 هـ ... 10/ 10 / 2007 م ... 1990 - 07 - 02 ... غرداية
23 ... شريفي مصطفى بن محمد بن عدون ... 29 رمضان 1428 هـ ... 11/ 10 / 2007 م ... 1990 - 09 - 22 ... القرارة
24 ... الراعي إسماعيل بن قاسم بن الحاج سليمان ... 13 شوال 1428 هـ ... 25/ 10 / 2007 م ... 1989 - 01 - 13 ... القرارة (1/358)
صفحة 339
25 ... حماني فردي سعاد بنت إبراهيم بن عمر ... 19 شوال 1428 هـ ... 31/ 10 / 2007 م ... 1985 - 05 - 24 ... القرارة
26 ... الوارث سليمان بن محمد بن إبراهيم ... 23 شوال 1428 هـ ... 04/ 11 / 2007 م ... 1990 - 04 - 10 ... القرارة
27 ... خرفي نصيرة بنت أحمد بن الحاج يوسف ... 24 شوال 1428 هـ ... 05/ 11 / 2007 م ... 1989 - 09 - 21 ... القرارة
28 ... أبو بكر توفيق بن عبد الله بن محمد ... 26 شوال 1428 هـ ... 08/ 11 / 2007 م ... 1988 - 09 - 07 ... القرارة
29 ... أبي إسماعيل حجوجة باية بنت عبد العزيز بن الحاج داود ... 15 ذو العقدة 1428 هـ ... 25/ 11 / 2007 م ... 1986 - 11 - 14 ... القرارة
30 ... خنور عبد النور بن محمد بن الشيخ ... 20 ذو العقدة 1428 هـ ... 30/ 11 / 2007 م ... 1990 - 07 - 04 ... وارجلان
31 ... معيز الحاج أحمد حسان بن عبد الله بن محمد ... 21 ذو العقدة 1428 هـ ... 01/ 12 / 2007 م ... 1987 - 03 - 13 ... مليكة
32 ... ابن يوسف عادل بن داود بن سليمان ... 24 ذو العقدة 1428 هـ ... 04/ 12 / 2007 م ... 1985 - 10 - 14 ... العطف
33 ... حمدي عيسى عقيلة بنت الحاج بن إبراهيم ... 01 ذو الحجة 1428 هـ ... 10/ 12 / 2007 م ... 1983 - 10 - 27 ... القرارة
34 ... أبو العلا سعاد بنت بكير بن بابا ... 02 ذو الحجة 1428 هـ ... 11/ 12 / 2007 م ... 1988 - 11 - 28 ... القرارة
35 ... باله باعمور بن باحمد بن إبراهيم ... 03 ذو الحجة 1428 هـ ... 12/ 12 / 2007 م ... 1988 - 07 - 30 ... غرداية
36 ... كلي يوسف بن أحمد بن محمد ... 04 ذو الحجة 1428 هـ ... 13/ 12 / 2007 م ... 1989 - 12 - 14 ... غرداية
37 ... ابن عمر فائزة بنت عمر بن إبراهيم ... 07 ذو الحجة 1428 هـ ... 16/ 12 / 2007 م ... 1993 - 07 - 29 ... القرارة
38 ... عبد الرحماني عائشة بنت يحي بن يحي ... 08 ذو الحجة 1428 هـ ... 17/ 12 / 2007 م ... 1985 - 12 - 20 ... القرارة (1/359)
صفحة 340
39 ... الغول يسين بن عبد الحميد بن قاسم ... 09 ذو الحجة 1428 هـ ... 18/ 12 / 2007 م ... 1988 - 12 - 07 ... مليكة
40 ... العنق جابر بن إبراهيم بن الحاج قاسم ... 09 ذو الحجة 1428 هـ ... 18/ 12 / 2007 م ... 1990 - 10 - 27 ... القرارة
41 ... علواني ستي بنت أبي القاسم بن محمد ... 22 ذو الحجة 1428 هـ ... 31/ 12 / 2007 م ... 1994 - 06 - 25 ... مليكة
42 ... حاجي إبراهيم بن أحمد بن الحاج إسماعيل ... 24 ذو الحجة 1428 هـ ... 02/ 01 / 2008 م ... 1987 - 01 - 22 ... القرارة
43 ... الكويص يسين بن محمد بن بكير ... 25 ذو الحجة 1428 هـ ... 03/ 01 / 2008 م ... 1986 - 01 - 03 ... القرارة
44 ... بولرواح باية بنت محمد بن إبراهيم ... 27 ذو الحجة 1428 هـ ... 05/ 01 / 2008 م ... 1983 - 12 - 02 ... القرارة
45 ... سكوتي محمد بن عبد الرحمن بن بابا ... 03 محرم 1429 هـ ... 11/ 01 / 2008 م ... 1993 - 02 - 17 ... مليكة
46 ... خياط عزيزة بنت إبراهيم بن الناصر ... 12 محرم 1429 هـ ... 20/ 01 / 2008 م ... 1987 - 09 - 10 ... القرارة
47 ... دودو حسين بن باحمد بن محمد ... 22 محرم 1429 هـ ... 30/ 01 / 2008 م ... 1993 - 10 - 28 ... بنورة
48 ... ويرو الحاج يحي صالح بن أحمد بن صالح ... 26 محرم 1429 هـ ... 03/ 02 / 2008 م ... 1991 - 12 - 21 ... القرارة
49 ... خرفي إيمان بنت نور الدين بن إبراهيم ... 18 صفر 1429 هـ ... 25/ 02 / 2008 م ... 1991 - 09 - 05 ... القرارة
50 ... أولاد باحماني عبد الله بن صالح بن بكير ... 26 صفر 1429 هـ ... 04/ 03 / 2008 م ... 1986 - 04 - 05 ... القرارة
51 ... شريفي مصطفى بن الناصر بن بكير ... 27 صفر 1429 هـ ... 05/ 03 / 2008 م ... 1989 - 01 - 06 ... القرارة
52 ... العنق فافه بنت عبد الرحمن بن إبراهيم ... 03 ربيع الأول 1429 هـ ... 11/ 03 / 2008 م ... 1981 - 03 - 07 ... القرارة (1/360)
صفحة 341
53 ... بلغنم محمد بن موسى بن إبراهيم ... 04 ربيع الأول 1429 هـ ... 12/ 03 / 2008 م ... 1988 - 09 - 03 ... غرداية
54 ... سليمان زيتون فاطمة بنت محمد بن عمر ... 04 ربيع الأول 1429 هـ ... 12/ 03 / 2008 م ... 1990 - 10 - 01 ... القرارة
55 ... شريفي الحاج حمو بن محمد بن إبراهيم ... 06 ربيع الأول 1429 هـ ... 14/ 03 / 2008 م ... 1988 - 01 - 26 ... القرارة
56 ... شريفي سعيد بن بكير بن الناصر ... 07 ربيع الأول 1429 هـ ... 15/ 03 / 2008 م ... 1990 - 09 - 03 ... القرارة
57 ... حشحوش عماره بن محمد بن بكير ... 14 ربيع الأول 1429 هـ ... 22/ 03 / 2008 م ... 1987 - 04 - 01 ... القرارة
58 ... شريفي فاطمة بنت محمد بن عدون ... 16 ربيع الأول 1429 هـ ... 24/ 03 / 2008 م ... 1986 - 03 - 13 ... القرارة
59 ... جهلان أحمد بن سعيد بن بكير ... 04 ربيع الثاني 1429 هـ ... 10/ 04 / 2008 م ... 1991 - 10 - 04 ... القرارة
60 ... بابا حمو نسيم بن محفوظ بن بكير ... 06 ربيع الثاني 1429 هـ ... 12/ 04 / 2008 م ... 1984 - 12 - 10 ... وارجلان
61 ... دوادي حمزة بن محمد بن حموده ... 11 ربيع الثاني 1429 هـ ... 17/ 04 / 2008 م ... 1989 - 10 - 09 ... القرارة
62 ... الحاج عشور مصطفى بن محمد بن الناصر ... 16 ربيع الثاني 1429 هـ ... 22/ 04 / 2008 م ... 1985 - 11 - 25 ... القرارة
63 ... سليمان بوعصبانه عمر بن بكير بن قاسم ... 22 ربيع الثاني 1429 هـ ... 28/ 04 / 2008 م ... 1986 - 05 - 01 ... القرارة
64 ... ويرو الحاج يحي الحاج بن بكير بن عمر ... 25 ربيع الثاني 1429 هـ ... 01/ 05 / 2008 م ... 1986 - 03 - 09 ... القرارة
65 ... أولاد بلقاسم رحيمة بنت سالم بن بلقاسم ... 29 ربيع الثاني 1429 هـ ... 05/ 05 / 2008 م ... 1984 - 06 - 04 ... القرارة
66 ... ويرو الحاج يحي جمال بن صالح بن إبراهيم ... 01 جمادى الأول 1429 هـ 07/ 05 / 2008 م ... 1987 - 07 - 07 ... القرارة (1/361)
صفحة 342
67 ... رمضاني مريم بنت أحمد بن محمد ... 05 جمادى الأول 1429 هـ 11/ 05 / 2008 م ... 1988 - 06 - 05 ... القرارة
68 ... حميد أوجانه كريمة بنت عمر بن محمد ... 14 جمادى الأول 1429 هـ 20/ 05 / 2008 م ... 1984 - 05 - 26 ... القرارة
69 ... الراعي زينب بنت بكير بن إبراهيم ... 22 جمادى الأول 1429 هـ 28/ 05 / 2008 م ... 1987 - 10 - 01 ... القرارة
70 ... سكوتي عزيزة بنت عبد الرحمن بن بابا ... 03 جمادى الثاني 1429 هـ 07/ 06 / 2008 م ... 1988 - 04 - 26 ... مليكة
71 ... الشيخ أحمد صلاح الدين بن أحمد بن الأخضر ... 04 جمادى الثاني 1429 هـ 08/ 06 / 2008 م ... 1989 - 11 - 15 ... القرارة
72 ... شريفي حايه بنت يوسف حمو ... 04 جمادى الثاني 1429 هـ 08/ 06 / 2008 م ... 1990 - 01 - 08 ... القرارة
73 ... جهلان حمو بن سعيد بن حمو ... 06 جمادى الثاني 1429 هـ 10/ 06 / 2008 م ... 1986 - 10 - 07 ... القرارة
74 ... مسن نصر الدين بن مصطفى بن بهون ... 07 جمادى الثاني 1429 هـ 11/ 06 / 2008 م ... 1988 - 10 - 05 ... القرارة
75 ... فقيه موسى بن محمد السعيد بن الحاج عمر ... 07 جمادى الثاني 1429 هـ 11/ 06 / 2008 م ... 1992 - 02 - 22 ... وارجلان (1/362)