صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 13 - مبوبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
دورية فكرية محكَّمة يصدرها معهد الحياة
وجمعية التراث ــ القرارة، الجزائر (1/1)
صفحة 2
(
الإيداع القانوني رقم:
www. Tourath . org (1/2)
صفحة 3
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1/3)
صفحة 4
ابتداء من العدد 12
دورية الحياة
مجلة فكرية محكّمة
تصدر عن معهد الحياة وجمعية التراث
قواعد النشر:
*-تنشر دورية ”الحياة “ البحوث العلمية الأصيلة للباحثين من داخل القطر الجزائري ومن خارجه.
*-تهتمُّ الدورية بالبحوث والدراسات في شتَّى المجالات الفكرية والشرعية والأدبية والتراثية، شريطة أن تتميَّز بالأصالة والجدَّة، والعمق في الطرح، والأسلوب السليم، والمنهجية العلمية الدقيقة، مع الإحالة إلى المصادر والمراجع، والالتزام بالأمانة العلمية، والاعتدال في الفكر.
*-تنشر الدورية البحوث التي لم يُسبق نشرها في أيِّ مكان آخر.
*- تخضع جميع البحوث للتقويم من قِبل لجنة محكّمة، مكوَّنة من دكاترة وأساتذة يساعدهم خبراء من تخصُّصات معرفية مختلفة، وهذه اللجنة وحدها هي المخوَّلة بقبول البحوث أو رفضها.
*-لا تُعاد البحوث التي تُرسل إلى الدورية سواء نُشرت أم لم تُنشر، ولا تلتزم اللجنة المحكَّمة بذكر أسباب عدم قبول نشر أي بحث، وتُعتبر قراراتها نهائية. (1/4)
صفحة 5
*-ترتيب البحوث في الدورية موضوعيٌّ وتنسيقي، ولا يعبِّر بأي حال من الأحوال عن مكانة الباحث أو البحث.
*-تُرسل البحوث مصفَّفة بنظام ( WORD) (DOC)، أو في شكل ملف ( PDF) أو ( RTF)، على قرص مضغوط ( CD)، مع كتابة اسم الباحث وذكر وظيفته الحالية، ورتبته العلمية. على أن لا يتجاوز عدد صفحات البحث 20 من مقاس A4 بحجم خط 17، إلى العنوان البريدي:
دورية الحياة ــ جمعيةالتراث
ص، ب: 19 القرارة، غرداية، 47110، الجمهورية الجزائرية
أو البريد الإلكتروني:
info@tourath.org
وللاتصال:
فاكس: 213.29.85.40.89+
www.tourath.org
ملاحظة:
*-ما تنشره الدورية لا يعبِّر إلاَّ عن الرأي الشخصي لصاحب البحث، ولا يعبِّر بالضرورة عن راي الدورية، أو اللجنة المحكمة، أو هيئة التحرير، أو الناشر.
المحتويات
الافتتاحية ...................................... د/يحيى بن صالح بن يحيى ذ
دراسات قرآنية
*-إصلاح الأنفس بالقرآن وليس بتغيير الإنسان!
د/ محمد بن صالح ناصر 12
*-مدلول كلمة "حرب " في القرآن الكريم
أ/ الشيخ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 25
*-خصائص تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض
د/ نادية الوزناجي 35
قضايا الفكر والأدب
*-المضمون الإسلامي في الشعر الجزائري الحديث
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 50
*-البعد العقدي والحضاري للفن (قراءة تحليلية في فكر بيجوفيتش ومالك بن نبي)
د/ محمد بن موسى باباعمي 80
دراسات تاريخية وفقهية
*-فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكِّمة ... (الحلقة الأولى)
د/ موسى بن إبراهيم حريزي 92 (1/5)
صفحة 6
*-فقه المال العام عند الإباضية (الحلقة الثالثة: عند فقهاء إباضية المشرق)
د/ محمد بن صالح حمدي 122
*-محطات في تاريخ بلدة القرارة (الحلقة الأولى: زمن التأسيس)
أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج 135
قضايا التعليم والمجتمع
*-مقياس "علم الاجتماع الإسلامي" في الجامعة الجزائرية ....
د/ عبد العزيز خواجة 143
*-التعليم القرآني في الزوايا والمدارس القرآنية بين الواقع والمأمول ....
د/ رابح دفرور 160
*-قراءة سوسيوأخلاقيةلمنظومة قيم التدريس
أ/ بشير بن الحاج عمر مرموري 173
القانون والحياة
*-أهمية توثيق عقد الزواج، ومخاطر الزواج العرفي على الأسرة والمجتمع
د/ صالح بن عبد الله أبو بكر 196
*-الحماية القانونية المتميِّزة للأملاك الوقفية في الجزائر
أ/ عيسى بن محمد بوراس 213
الوفاء لأهل الوفاء ...
ف
*-في الذكرى العشرين لرحيل شيخ الشباب وشاب الشيوخ (الشيخ إبراهيم قرادي)
أ/ يحيى بن بهون حاج امحمد 226
*-قراءة في رسالة مهرجان الوفاء
أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج 239 (1/7)
صفحة 7
الرسائل الجامعية
*- الأطعمة المُصنَّعة الحديثة، بين التأصيل الشرعي والتحليل العلمي
(أطروحة دكتوراه) د/ باحمد بن محمد ارفيس 244
*- القضايا الوطنية والعربية والإسلامية من منظور أعلام ميزاب (1902 ــــ 1962)
(أطروحة دكتوراه) د/ الحاج موسى بن بكير ابن عمر 257
وثيقة العدد
*- خطاب الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض P في مؤتمر قدماء التلاميذ بغرداية
(مؤرخ بـ 29/ 11/1373 - 29/ 07/1954)
تسجيل وتقديم الأستاذ الشيخ: بالحاج بن سعيد شريفي 273
واحة الأدب
*-تحية لوادي ميزاب
د/ عبد الله بن راشد السيابي 290
*-تحية الجزائر لسلطنة عُمان
أ/ الشيخ صالح بن إبراهيم باجو 294
*-اعتراف بالمقام
د/ مبروك زيد الخير 297
*-محمد عاشق السواد ... ! (نثر)
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 302
*- «أهلُ الله وخاصَّتُه»؛ المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة 310 (1/8)
صفحة 8
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الافتتاحية
بقلم: د/ يحيى بن صالح بن يحيى
المركز الجامعي بغرداية
إ
إنّ من يكتب التاريخ ويدوّن أحداثه ليس كمن يقرؤه ويطالع روائع الآثار وبدائع السير، بل ومن يقرأ التاريخ ليس كمن يصنعه ويعيش أحداثه ووقائعه، أو يسهم في تشكيل معالمه ومآثره. إنّه الفرق الواضح بين من يعمل ويجتهد، فيترك بصماته شاخصة تدلّ عليه وتحكي ذكرياته، والذي يكتفي بالتفرّج على الوقائع والأحداث وهي تجري من حوله في مسرح الحياة، أو ربّما يكتفي بمطالعتها في بطون الكتب وصفحات المجلات.
هذا هو ديدن مجلّة " الحياة " التي أبت إلاّ أن تطلّ على قرّائها الأوفياء في كل عدد جديد برصيد هام من المقالات والبحوث الهادفة والمفيدة، في شتى مجالات العلم والمعرفة والدين والتاريخ، والفكر والأدب، والمناهج والسير ... منها ما هو آني جديد ومنها ما هو قديم متجدّدة. ولسان حالها يقول: أنا " الحياة " رمز الخصوبة والنماء، ودليل القوّة والثبات، أؤمن بقيمة العمل وأسير وفق منهج القرآن في الإصلاح من أجل ضمان البقاء والاستمرار وإحراز التقدّم والإزدهار، أنا التاريخ والمستقبل، أنا الحاضر والماضي، لا أحمل التاريخ للقراء أحداثا ووقائع يطالعونها فحسب، بل أعمل جاهدة كذلك من أجل المشاركة في صناعته وتشكيل معالمه، من خلال الكلمة المعبّرة والمقال المؤثّر والبحث المفيد ..
إنّه التحدي يتجلّى في أسمى صوره وأدق معانيه، معبّرا عن إرادة " المجلّة " في استمرار رسالة الحياة في كنف الاستقامة والاصلاح، مصداقا لقوله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة) وتحقيقا لأهدافها في تنمية عادة القراءة النافعة في زمن العزوف عن الكتاب، وتجسيدا لمنهجها في إرساء ثقافة الحوار العلمي السمح والهادئ، وأدب الاختلاف الإيجابي والتنوّع الفطري في زمن التعصب والإرهاب. (2/9)
صفحة 9
لقد استطاعت " الحياة " أن تحقّق التميّز وتصنع شخصية لذاتها وتشكّلها من خلال وفائها لروح القرآن الكريم ومنهجه، وانفتاحها على مختلف المدارس والمذاهب الفكرية والفقهية دون تعصّب أو إقصاء، وكذا التزامها بمبدإ وحدة الأمّة وتماسكها سواء على الصعيد الوطني أو العالمي، وكذا معايشتها للحدث التاريخي وتسجيلها لووقائعه، بمنهج العلم ونظر العلماء والباحثين، بحيث أصبحت مرجعا مطلوبا من قبل القرَّاء في شتى الأصقاع، يترقبون صدورها ويسألون عن أخبارها، ويتلهّفون لمطالعة جديدها.
وفي هذا الإطار لابأس أن نستذكر بعض ما يمثّل خط هذه المجلّة الغرّاء ونهجها من خلال ما نشرته وتنشره من مواد علمية وإعلامية في نقاط مختصرة هي:
- وفاء مجلة " الحياة " لمنهج الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض الهدائي واتجاهه الإصلاحي، وهو منهج زعماء الإصلاح في الجزائر والعالم الإسلامي، من لدن الشيخ محمَّد عبده ورشيد رضا بمصر إلى الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي وأبي اليقظان بالجزائر، والذي هو كذلك منهج معهد الحياة بالقرارة في التربية والتعليم وتكوين الأجيال، استشرافًا لمستقبل أفضل للامَّة والمجتمع. وذلك من خلال رمزية عنوان "الحياة " من جهة، والعمل الإعلامي الهادف والملتزم من جهة أخرى، وكذا نشر النتاج الفكري والعلمي لرواد هذه الحركة وأدبائها، والعناية بأخبار معهد الحياة ونتائج طلابه لاسيما ما تعلّق منها باستظهار كتاب الله تعالى، ممَّا يعدُّ بحق رمزا للوفاء ودلالة عليه.
- التزام المجلة بالخط الوسطيِّ الشمولي في توجّهها، والبعد الوحدوي الوطني، مع الحفاظ على مبدإ الحرية الفكرية والتعبيرية للكتاب، والانفتاح على العالم فيما يجمع شمل المسلمين ويوحّدهم، وذلك من خلال رعايتها لثوابت الأمّة: (وحدة الدين واللغة والوطن)، وتنوُّع الأقلام المشاركة فيها وثراء موضوعاتها، بين عالمي إسلامي، ووطني جزائري ومحلي ميزابي.
- اعتمادها للتنوع في موادها وموضوعاتها، ما بين دينية وتاريخية وعلمية ونفسية واجتماعية وأدبية واقتصادية ... حرصا على الطابع التثقيفي العام، دون التخصُّص الدقيق الذي ينتهي إلى النخبوية والإقصاء، مع الحفاظ على رفعة مستوى الأداء العلمي والمنهجي للكتَّاب، من خلال سهر أسرة التحرير وحرصها على جودة ما يُنشر في المجلة وامتيازه شكلا ومضمونا. (2/10)
صفحة 10
- حرصها على خط الاعتدال والوسطية في مناقشة ونشر ما يتعلّق بقضايا الاختلاف والتنوع المذهبي، ولاسيما ما يمثّل منها وجهة نظر الإباضية، حتى غدت منبرا أساسا للحوار بما يخدم ويجسِّد روح المقولة الحكيمة والشهيرة للشيخ علي يحيى معمر: «المعرفة والتعارف والاعتراف».
- إيمانها بضرورة تعزيز أواصر العلاقات بين المشرق والمغرب، من خلال مواد تتعلّق بعالمية الرسالة الإسلامية ووحدة الأمّة والمصير، ولاسيما ما يتعلّق منها بالاهتمام بالشأن العُماني ومناقشة المسائل العالمية المشتركة، وإبراز التراث المحلي وتبليغه إلى العالم.
إنّ هذه الوقفة المختصرة مع بعض مميزات مجلّة الحياة في مشوارها الإعلامي، تعدُّ بمثابة غيض من فيض، وهي محض إشارة إلى رمزية التحدي الذي رفعته هذه المجلّة في سبيل الإسهام في صناعة التاريخ دون الاكتفاء بسرد وقائعه وأحداثه، وهو ما يدخل ضمن معاني الشهود الحضاري المنشود في عقيدة المسلم.
ومع هذا وذاك، لابد من وفقة أخيرة مع القارئ الكريم للتأمّل والعبرة، عسى أن تكون لنا مثل هذه المجلّة سببا للتطوير والإصلاح في شخصيتنا وذاتيتنا، لنجعل منها نموذجا نحتديه في التحدّي والتميّز بعيدا عن الإمعية والتقليد، فكما أنّ لمجلّة "الحياة" خطّها المتميّز، ولم تكن صورة مقلّدة لغيرها من المجلاّت، ـــ وهو دليل على قوّة الشخصية وثباتها ـــ فإنّه بالإمكان أن يكون لكل واحد منّا منهجه المتميّز الدال على شخصيته وذاتيته. علما وعملا، دينا وخلقا، فكرًا ومنهجًا. ولسان حالنا يلهج في تدبر قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الجمعة 23 شعبان 1430هـ 14 أوت 2009م (2/11)
صفحة 11
الدكتور محمد بن صالح ناصر
باحث ومؤلف، الجزائر
ش
شاع في هذه السنوات الأخيرة مصطلح "التغيير" ولاسيما بين الكتاب والدعاة والمحاضرين مشرقا ومغربا حتى بات عند بعضهم منهجا، ورسالة، وغاية، بل إنه أصبح من كثرة شيوعه وانسياب الناس وراءه شعارا لمؤتمرات إسلامية وعربية رسمية وشعبية، وأصبح عناوين لبعض الكتب وهم يُوردون هذا المصطلح في مجال إصلاح الذات وتغيير واقعها من السيئ إلى الحسن وأن التغيير لا ينجح ولا يؤتي ثماره إلا إذا بدأ من الذات فردية كانت أم جماعية، فتغيير واقع المسلمين ينبغي أن يبدأ من تغيير واقعهم المتردي وإزالة أسباب ذلك.
والعجيب في الأمر أن أغلب الموظِّفين لهذا المصطلح ينسبونه إلى القرآن الكريم مستشهدين بالآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد/11) وهم يوردونها هكذا مبتورة مجزأة عما سبقها أو لحقها فما مدى صحة هذا الاستشهاد لما يوظفونه من معاني التغيير و هل معنى التغيير الذي يقصدونه في عالم اليوم هو التغيير نفسه الذي تعنيه الآية الكريمة؟
وبما أن القرآن الكريم هو مصدرنا وموردنا ــــ نحن المسلمين ــــ إنما نزل بلسان عربي مبين فإنه لا يمكننا التعامل مع لغته العظيمة بعيدا عن مقاصد اللغة وبخاصة عندما يكون مفهوم الآية متعلقا ابتداء بفهم لغته، لأن تعبير القرآن، وغاية القرآن واضحة بقوله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} ومن ثم نتساءل ما (3/12)
صفحة 12
المعنى القاموسي لكلمة التغيير؟!
جاء في لسان العرب: تغير الشيء عن حاله: تحوّل، وغيّره: حوّله وبدّله كأنه جعله غير ما كان، وفي التنزيل {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الأنفال/53).
قال ثعلب معناها: "حتى يبدلوا ما أمرهم الله" وفي الحديث: "إن الرسول كره تغيير الشيب أي نتفه".
فالتغيير (لغة) هو إزالة الشيء إزالة كاملة وإحلال شيء آخر مكانه، والكلمة تحمل نفس المعنى الذي تحمله كلمة التبديل التي تعني هي الأخرى تغيير الشيء عن حاله كما جاء ذلك في لسان العرب.
وقد استخدم الرسول الكريم هذا المعنى ووضعه في مكانه الصحيح حيث قال في حديثه المشهور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (1)، ولا يمكن معالجة المنكر إلا بإزالته وإحلال المعروف محله.
فكيف ورد هذا المصطلح في كتاب الله؟
لكي يتضح لنا مدى ملائمة المفهوم الحداثي مع مفهوم كتاب الله، يجدر بنا الرجوع إلى السياق العام الذي وردت فيه الآية الكريمة التي يستشهد بها هؤلاء وهي قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد/11)، يبدأ السياق متحدثا عن إنكار الكفار للبعث واستبعادهم له مخاطبا رسوله الكريم: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5)} (2)، إلى أن يقول مطمئنا رسوله والمؤمنين على قدرته في ملكوت السموات والأرض وأن الإحياء والإماتة بيده وحده وأنه محيط بعلمه كل شيء مما تحمله كل أنثى سواء كتبت له الحياة أو كتبت له الممات.
{وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)} (الرعد/8،9)، والكبير
__________
(1) 1 - النووي، رياض الصالحين، ص83.
(2) 2 - الرعد، الآية 5. (3/13)
صفحة 13
المتعال عالم بكل ما يُسَرّ من القول وما يجهر به وما هو مستخف بالليل ومتحرك بالنهار ثم يقول أنه وحده الكفيل بحفظ عباده بما سخره لهم من الملائكة الحافظين من بين أيديهم ومن خلفهم حيث يقول: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)} (الرعد/11).
فالسياق الذي وردت فيه الآية الكريمة واضحة الدلالة على قدرته تعالى في تسيير ملكوته بعلمه المحيط بكل شيء دقيقه وجليله، وعلمه الشامل الكامل بما في الأجنة واطلاعه الذي لا ينقطع على الغائب عن المشاهد ودرايته بمصير جميع الأناس أحياء وأمواتا أكانوا في البر أم البحر أو في أجواف الحيوانات.
وذكر في هذا الصدد وسيلة إثبات المعلومات وخزائن المعارف والوقائع لمواجهة علمه الكفار عند الحساب مع علمه تعالى الدائم قبل حدوثه وبعد حدوثه وأنه سخر لذلك ملائكته الذين لا يعصون الله فيما أمرهم به وجعلهم معقبات قبل حدوث عمل الإنسان وبعده يتعاقبون على حراسته بالليل والنهار حفظا وتدوينا بالكتابة وغيرها من الوسائل التي يعلمها الله وحده، فالعناية الربانية تشمل عباده بما يسخره لهم من ملائكة ينفذون أوامره ولا يعصونه في شيء، ولكنه من جانب آخر منتقم جبار ممن يكفر بآلائه ونعمائه، فكيف يكفر الكفرة أو ينكرون قدرة الله على الإحياء بعد الإماتة؟ وهنا يحذرهم بأن الله عادل لا يظلم أحدا وأنه من سنته التي جرى عليها الكون منذ خليقته ألا يغير ما بقوم من نعمة إلى نقمة إلا بعد صدور النكران والكفران منهم وأن انتقامه ذاك إذا جاء لا يحول دونه حائل ولا يرد حدوثه راد.
وبما أن القرآن يفسر بعضه بعضا، فلابد من وقفة متأنية مع الآية الكريمة من سورة الأنفال حيث يؤكد معنى انتقام الله من الكفرة وأنه لا يغير ما بهم من نعمة إلى نقمة إلا بحدوث الكفران منهم ويجيء التعبير والسياق ليؤكد هذا المعنى بوضوح وجلاء لا لبس فيه ولا ريب حيث يقول تعالى في معرض الحديث عن كفار قريش في وقعة بدر وهزيمتهم النكراء وأن ذلك هو مصيرهم الدنيوي ولعذاب الآخرة أشد، وأنهم يشبهون في هذا المصير آل فرعون وكل الذين كفروا بأنعم الله (3/14)
صفحة 14
من الأمم السابقة فكان جزاءهم أن أخذهم الله أخذا شديدا بذنوبهم وعاقبهم عقابا أليما في الدنيا والآخرة، وما كان الله ليغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وليبدلوا الكفر بالإيمان والجهل بالعلم والضلال بالهدى، والرشاد بالبغي يقول تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50)} الأنفال الآيات (50 - 53).
وذلك هو مصير الأمم الكافرة كآل فرعون وغيرهم فكان جزاءهم أن أزال الله عنهم تلك النعم التي كانوا يتفيأون ظلالها، وما كان الله ليظلم أحدا من عباده ما ساروا على سنته إيمانا به وشكرا لنعمائه وامتثالا لأوامره واجتنابا لنواهيه، لكنهم إن غيروا وبدلوا غير الله عليهم وبدل، والله قوي شديد العقاب.
فالمعنى العام الذي تقصد إليه الآية في سورة الرعد وفي سورة الأنفال تغيير حال الكفار من نعمة إلى نقمة، وليس العكس وهو ما يقصد إليه أغلب أولئك الذي يستشهدون بهذه الآية الكريمة دون النظر في سياقها العام، وبما أن القرآن يفسر بعضه بعضا كما يقال فهو مليء بهذه المواقف التي انتقم الله فيها على مر القرون من أقوام كفروا بنعمائه فاستحقوا سخطه {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)}، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)}، وقصص القرآن يصب أغلبه في هذا الاتجاه قصة قوم نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب وقوم فرعون.
وقد استخدم القرآن كلمة أخرى وهي التبديل التي لها المقصد الذي تحمله كلمة التغيير نفسه كما جاء ذلك في حديثه عن مصير قوم سبأ حيث قال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)} سبأ (15، 17).
وهذا ما يتماشى مع المنهج الرباني ومع سنته في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا. (3/15)
صفحة 15
ومع ذلك فإن الإنسان كفور، كثيرا ما يكفر بنعم الله ويتجرأ على آلائه وقدرته، وعندها يكون الله له بالمرصاد مبينا مزيد علمه وفضله وعدله فلا عقاب بدون جريمة ولا انتقام بدون تعد لحدود الله ولا زوال لنعمة حتى يكون الكفران بالمنعم فتأتي الآية صريحة {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، وتلك سنة الله في خلقه منذ بدأت الخليقة إلى قيام الساعة.
فإن الله لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية فيزيلها عنهم، وينتقم منهم إلا بعد تغيير ما بأنفسهم بأن يكون منهم الظلم والمعاصي والفساد وارتكاب الشرور والآثام التي تهدد وتدمر كيان الأمم، وقد أوضح حديث رسول الله هذا المفهوم القرآني بوضوح وجلاء حيث قال عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب» وهذا مصداق لقوله تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)} (الأنفال/25)، ويقول الرازي في التفسير الكبير معقبا على معنى الآية:
« ... فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام إلا بعد أن يكون منهم المعاصي والفساد، قال القاضي والظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى العقاب إلا وقد يبدئ به في الدنيا من دون تغيير يصدر عن العبد فيما تقدم لأنه تعالى ابتدأ بالنعم دينا ودنيا ويفضل في ذلك من شاء على من يشاء فالمراد من ذكره الله تعالى التغيير بالظلال والعقاب» (1).
ويقول الشيخ الشعراوي مؤكدا هذا المعنى الذي ذهب إليه الرازي هكذا نعلم أن الصيانة للإنسان والحفظ له والإمداد له قبل أن يولد كل ذلك لم يرجع عنه الله مادام الإنسان يمشي على صراط مستقيم، لكن إذا ما حاد الإنسان عن الصراط المستقيم يلفته الله ببعض العبر والعظات ليعود إليه والتغيير الذي يجربه الله على البشر حتى يغيروا ما بأنفسهم يشمل الإمدادات الفرعية، أما الإمدادات الأصلية فلا يمنعها عنهم مثل الشمس والقمر والنجوم والهواء .. ويصيبهم في الأشياء التي من الممكن أن
__________
(1) - التفسير الكبير الجزء 19، ص22. (3/16)
صفحة 16
يسير الكون في انتظامه رغم حدوثها، فالمصيبة في المال أو المصيبة في النفس .. وهكذا نجد الحق سبحانه وهو يغير لا يتغير فهو المغير لا المتغير ... ويدلنا أنه سبحانه لا يتدخل إلا إذا عنت الأمور وفسد المجتمع واختفت الأنفس اللوامة من هذا المجتمع واختفى من يقدرون على الردع ـــــ ولو بكلمة ـــــ من هذا المجتمع هنا يتدخل الحق سبحانه (1)».
ومن المفسرين المعاصرين من يوضح هذا المعنى، يقول: «أي أن الله لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية فيزيلها عنهم وينتقم منهم إلا بتغيير ما بأنفسهم بأن يكون منهم الظلم والمعاصي والفساد وارتكاب الشرور والآثام التي تهدم بنية المجتمع وتدمر كيان الأمم».
«وواقع التاريخ الإسلامي في القرون الماضية يدل دلالة واضحة على أن الله تعالى لا يغير ما كان عليه حال الأمة الإسلامية عزة ومنعه ورفاه وحرية، وعلم وتفوق في جميع الميادين إلا بعد أن غيروا ما بأنفسهم فحكموا بغير القرآن وأهملوا دينهم وتركوا سنة نبيهم وقلدوا غيرهم، وضعفت روابط التعاون بينهم وساءت أخلاقهم وانتشرت الموبقات فيهم وقد وعد الله الأرض من يصلحها بقوله {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)} (الأنبياء/105)» (2).
فإذا كان الأمر كذلك والمنهج الرباني القرآني يؤكده عندئذ، يكون من الخطأ فهم التغيير في الآية الكريمة على أنه التغيير من سيء إلى حسن ومن فساد إلى صلاح ومن تخلف إلى تقدم، بل العكس هو الصحيح لأن معنى التغيير هو الإزالة كما أوضحنا، فمن باستطاعته من المخلوقين تغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها ومن بيده التغيير المخلوق أم الخالق؟!
إذاً لا مجال حينئذ والمفهوم القرآني صريح وواضح أن ندعي بأنه إرادة التغيير من حسن إلى سيئ هو من منطلق قرآني لا لشيء إلا لأن القرآن عبر عن هذا المفهوم بكلمة أخرى هي الإصلاح وهذا الذي يدفعنا إلى وقفة من جهة أخرى.
الإصلاح لا التغيير:
جاء في لسان العرب: «الإصلاح ضد الفساد ورجل صالح في نفسه من
__________
(1) - تفسير الشعراوي الجزء 12، ص72 وما بعدها.
(2) - التفسير المنير ج 13، 14. ص124. (3/17)
صفحة 17
قوم صلحاء ومصلح في أعماله وأموره وقد أصلحه الله، والإصلاح نقيض الإفساد»، «والرب بمعنى المصلح، وربَّ الشيءَ إذا أصلحه» (1).
من الدلالة المعجمية للفظة الإصلاح ندرك أن الصلاح لا يمكن أن يجتمع مع الفساد لأنهما متناقضان، كما جاء ذلك في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81)} (يونس/81).
ومن هنا وردت هذه الكلمة في كتاب الله (2) أسماء وأفعالا، ووردت على جميع الصيغ ماضيا ومضارعا وأمرا، وارتبطت بالإيمان كشرط أساسي له فلا إيمان يقبله الله دون عمل صالح يتبعه ويؤازره، {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)}، (الأنعام/48).
كما ربط بها التوبة النصوح وقبول المغفرة وشمول رحمته، {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)} (الأنعام/54).
وارتبط الصلاح صفة بالعمل الذي يريده الله من عباده المؤمنين ويكون جزاؤه الجنة في الآخرة والتوفيق والرشاد في الدنيا، فقال في أكثر من آية: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، وما ذكر العمل المقبول عند الله إلا ووصف بالصلاح والصالحات والإصلاح، {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، ووصف كل رسالات الأنبياء بالصلاح ووصف الأنبياء أنفسهم بأنهم عباد صالحون، فقال عن امرأة نوح ولوط {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ}.
ووصف إبراهيم حيث قال: {رَبِّ هَبْ
__________
(1) 3 - لسان العرب: مادة: «رَبَبَ».
(2) 1 - {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)}، الشعراء/53، وفي قوله تعالى: "وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون"، النمل/48، ومن ثمة استخدمها القرآن على لسان موسى عليه السلام حين طلب من أخيه هارون ان يكون من المصلحين لا من المفسدين، قائلا له: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)}، الأعراف/142. (3/18)
صفحة 18
لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)}.
ووصف به يوسف فقال: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)}.
وإسحاق ويعقوب: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)}.
ووصف به عيسى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)}
و وصف يحيى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)}.
ووصف به: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85)}.
ووصف بالإصلاح شعيب وموسى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}.
ويونس: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)}.
ومن ثم جعل الصالحين والصديقين في مكانة واحدة في جنة الفردوس مع الصديقين والشهداء والصالحين، {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)} النساء /69.
ذلك أن النبوات كلها لا يرسلها الله إلا حين يعم الفساد ويأتي النبي المُرسل بمنهج ربّاني يدل الناس إلى ما يصلح أحوالهم من خلال إفعل ولا تفعل، أي آمرا ناهيا نذيرا وبشيرا ليكون النبي المرسل هو الأسوة المثلى لتطبيق ذلك المنهج الرباني كما قال شعيب: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ}.
وجعل الإصلاح صفة لازمة لعباده المؤمنين الذين يمكن لهم دينهم في الأرض ووعدهم بالنّصرة {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)} الأنبياء/105، وقد أبعد عنهم الانتقام والعذاب، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)} هود/117، ووعدهم بالمغفرة وجعل العمل الصالح شرطا للتوبة النصوح:
- {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)} طه/82.
- {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)} فصلت/33.
- {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ (3/19)
صفحة 19
عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)} الفرقان/70.
- {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} البقرة/160
ووعد الصالحين بالجنة جزاء لهم فقال:
- {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} البقرة/62.
- {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)} المائدة/69.
- {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} النحل/97.
- {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)} الكهف/88.
- {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} الكهف/110.
- {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60)} مريم/60.
وهكذا فإنه من خلال تحديد القرآن الكريم لكلمتي الإصلاح والتغيير ودلالتها من سياقاته وآياته يتبين لنا ما يلي:
أولا: أن الله حين خلق الإنسان إنما خلقه في أحسن تقويم، والتقويم المراد هنا لا يعني الشكل وحده بل يعني كل الجوانب الأخرى الروحية والعقلية والذهنية والنفسية، ويأتي في قمة التقويم إيمانه بربه الذي خلقه ورزقه كما أوضح الله سبحانه وتعالى ذلك في {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ} (الآية) فالإيمان بالخالق فطرة في هذا الإنسان المخلوق كما حدد ذلك في آية أخرى حيث يقول مخاطبا رسوله الكريم {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} الروم/30.
ونلحظ هنا استخدام الآية بدل التغيير التبديل وهو يؤدي المعنى نفسه {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} فكل تغيير في فطرة الإنسان بفعل الإنسان إنما هو خروج عن منهج الله إلى منهج (3/20)
صفحة 20
الشيطان لأن الله هو الوحيد الذي يعلم ما يصلح هذا الإنسان {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} الملك/14.
وأكد الله سبحانه وتعالى هذا الخروج عن الفطرة على أنه من عمل الشيطان حيث جاء على لسان الشيطان أن من مساعيه تغيير فطرة الله في هذا الإنسان.
{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117)} النساء/119، وينادي الشيطان الوسواس الخناس إلى التغيير بكل الطرق والوسائل ومنها التضليل وإلقاء الأماني في القلوب والأمر بالخروج عن الفطرة التي خلق الله عليها عباده وقد قال جماعة من المفسرين تغيير خلق الله معناه دين الله عز وجل وكما ثبت في الصحيحين "إن كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ... ". (الحديث).
ثانيا: حين نبحث عن المصطلح القرآني البديل الذي ينبغي لنا تبيينه واستخدامه في طرق الدعوة ولفت نظر الناس إليه نجد أن كلمة أصلح وما اشتق منها للدلالة العقلية الزمنية أو التسمية الجامدة الدائمة هي الكلمة التي اختارها القرآن للتعبير عن هذا المنهج الرباني كما أوضحنا والعجيب في الأمر أن القرآن استخدمها لأحوال المسلمين في الدنيا والآخرة {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)} الأنعام/48، فقال على لسان الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم
{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)} وما من شك في أنه يتولاهم دنيا وآخرى ويكون جزاءهم الجنة، {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)} غافر/40.
ومن هنا اقترنت كلمة الصلاح بالإيمان اقترانا دائما لازما أبديا فما ذكر الإيمان إلا وذكر الصلاح {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وما ذكر الصلاح إلا وذكر معه الإيمان وكلاهما يكمل الآخر تكملة تداخل وتماثل، وما وصف الأنبياء أصحاب الرسالات المختارين لتبليغ رسالة الله للناس ومنهجه الرباني لهم إلا على أنهم عباد صالحون وبذلك (3/21)
صفحة 21
اجتباهم واختارهم لهذه الخاصية فيهم وإن الذين يرثون الأرض ويمكنهم الله بها عباد صالحون، وحكم بذلك في كتبه المنزلة حيث قال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)} الأنبياء/105. وسواء أكان المراد بكلمة الأرض الدنيا أم أرض الجنة في الآخرة على اختلاف بين المفسرين فإن ذلك يزيد قيمة وسموًا ورفعة لمعنى كلمة (الصلاح).
ثالثا: ربط الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الإصلاح العملي أي العمل الصالح مهما يكن نوعه بالعمل القلبي فربطه بالإيمان فقال {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)} الأنعام/48، وبالتقوى فقال مخاطبا بني آدم جميعهم {يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)} الأعراف/35.
وربطه بالتوبة النصوح والإنابة الحقيقية إلى الله حتى ولو كان صاحب التوبة منافقا قبل توبته {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)} النساء/146، ألا توحي هذه المكانة العظيمة إلى أن العمل الصالح المرتبط بالعقيدة الصحيحة هو الأساس لقبول الأعمال الأخرى وأن العقيدة وحدها لا تكفي دون عمل صالح يبتغى من وراءه إصلاح النفس وإصلاح الغير ليعم الصلاح المجتمع المؤمن كله ويحظى بالتالي برضى رب العالمين، ولذا أيضا جعله أساسا للمجتمع المؤمن حين التعامل بين أفراده في كل حالاته السلمية والحربية فقال {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} الأنفال/1، وقوله أيضًا: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ .... } (الآية).
وللمكانة العظيمة للإصلاح والمصالحة جعلها الله أساسا لكل خير في الأوقات العصيبة فتكررت كلمة فأصلحوا ثلاث مرات حيث يقول: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)} الحجرات (9 - 10)، فنلحظ هنا أن الإصلاح حاضر في كل مستويات حالات الإسلام حين (3/22)
صفحة 22
الاقتتال وحين المصالحة لأن الأخوة الحقيقية لا تكون إلا بالإصلاح الأخوي.
رابعا: إن سعادة المرء المسلم لا تتوفر إلا في ظل الصلاح والإصلاح أتعلق ذلك بنفسه في علاقته مع ربه وأهله وذويه ثم كل الدوائر التي تحيط به، من مجتمعه الأسري إلى الأممي الخاص والعام، وذلك حيث يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} الأحزاب/71، بل وجعل ذلك علامة النضج الإيماني والعقلي والنفسي حيث يقول: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)} الأحقاف/15، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)} فصلت/38.
خامسا: الإصلاح والفساد كلمتان لا تجتمعان ولا ترتفعان كما يقول المناطقة، إذ لا يمكن اجتماعهما في آن ولا يمكن غيابهما أيضا ولا يحضر أحدهما إلا عند غياب الآخر، فحيثما كان صلاح لا يكون فساد، وحيث كان فساد لا يكون صلاح، ولا يكون الفساد إلا إذا غاب الإصلاح في الأفراد والمجتمعات، وقد حدد الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في عدة آيات هذا المعنى من ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)} هود/117.
وبقدر ما كان الإصلاح صفة لازمة من صفات الرسل وبقدر ما كان الإفساد صقة لازمة للطاغوت الذين كانوا يحاربونهم {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48)}.
سادسا: إن الجزاء الذي أعده الله للصالحين والمصلحين لهو جزاء عظيم فأعد لهم عنده المغفرة والرحمة كما قال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)} طه/82.
ووعدهم وعدا صادقا بالحياة الطيبة عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} النحل/97. (3/23)
صفحة 23
وأن ثوابهم في الجنة ثواب عظيم حيث يقول عنهم: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63)} مريم/60 - 63.
سابعا: مما سبق يتبين لنا أن مصطلح التغيير بالمفهوم الحداثي الذي هو تغيير الأنفس من السيئ إلى الأحسن لا يمكن الإدعاء معه على أنه مفهوم قرآني لأن المعنى اللغوي للمصطلح هو إزالة الشيء وإحلال شيء آخر مكانه، ذلك أن القرآن هو الدستور الذي لا يتغير وأن الدين الإسلامي رسالة كاملة شاملة ليس فيها نقص كما يقول الله سبحانه وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} المائدة/3، هذا من جانب أما الجانب الثاني فإن الله عندما خلق الإنسان خلق فيه بذرة الإيمان بالخالق الفرد الصمد وأن كل تنكر من الإنسان لذلك يعد خروجا عن الفطرة السوية، ثم لأن الله أكمل هذا الإيمان بالشرائع المنزلة على لسان رسله وجعل شريعة الإسلام خاتمة الرسالات كلها وجعل القرآن الكريم مهيمنا على الكتب السابقة عليه جميعا، ولقد عبر القرآن عن هذا الكمال في شريعة الإسلام بقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}، وقد أوضح رسولنا الكريم في قوله «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك».
ثامنا: ننتهي إلى القول بأن مصطلح التغيير بالمفهوم الحديث مصدره غريب عن قرآننا وإنما هو جاءنا مع الثقافة الغربية الوافدة عبر وسائلها المتعددة المعروفة حتى أصبحت شعارا سياسيا لدولة عظمى في الحملة الانتخابية ودخلت بقوة في حياتنا اليومية بواسطة ما يطلق عليه اليوم التنمية البشرية التي ترتكز عادة على علم النفس الغربي لا على علم النفس القرآني فالصواب أن نعود إلى المصطلح القرآني ليشملنا أجر المصلحين كما يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)}. الأعراف/170. (3/24)
صفحة 24
الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
معهد الحياة، القرارة
ا
الحمد لله الذي اجتبانا من خلقه فأنزل إلينا أعظم كتبه شرعة و منهاجا، و حبانا من بين أممه فأرسل إلينا خير رسله سراجا وهاجا، و هدانا بفضله إلى سبيل الهدى و الرشاد فكنا أزواجا، و أشهد أن لا إله إلا الله الواحد الفرد الصمد، القائل في وصف كتابه العظيم ژ? ? ? ? ? ? ? ? چچژ [ص:29] وأشهد أنَّ رسولنا محمد بن عبد الله، هو خير من عبد الله سرا و جهرا، و أفضل من خلف في العالمين مجدا و ذكرا، و أكمل الأولين و الآخرين شرفا و فخرا، القائل في حديثه الشريف: «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا فيأكل ناس أو الناس كلُّهم فمن لم يأكل منهم ناله من غباره». (رواه أحمد) اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدك ونبيئك أكمل صلاة وأفضل تسليم، وعلى آل بيته الطهر المبجلين، وصحابته الغر المحجلين، وعلى من اهتدى صدقا بهديه, واستن حقا بسنته إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.
أيها القارئ الكريم، إن المتتبع لآيات القرآن الكريم، والمتدبر في معاني كلمات الذكر الحكيم، لتستوقفه آيات جليلة، بله كلمات ثقيلة، تزلزل كيانه، وتهدهد بنيانه، تجعله يقف حائرا كالمشدوه، وينظر حاسرا كالمعتوه إلى ما تحتوي عليه تلك الآيات من وعيد مرهب شديد، وتنطوي عليه تلك الكلمات من تهديد مرعب مديد، لمن لم يقف عند حدود ما أحلَّ الله، أو يتعدَّى حدود ما حرَّم الله. إنها كثيرة في كلام الله، لا تخفى على أحد، وجليلة في معنى ما أراد الله، لا يحتاج في إدراكها إلى مدد، (4/25)
صفحة 25
لأنها من بسيط تعابير الناس ومعتاد كلامهم، وذلك هو مراد العزيز الجبار منها، حتى تستفزَّ قلب كلِّ من يقرؤها، وتستوفز نفس كلِّ من يسمعها، فلا يقرب الحمى خوف أن يقع فيه، أو يؤوب قبل أن لا تنفعه التوبة ولو قالها بملء فيه.
لعلَّ من أفظع الكلمات التي وردت في القرآن الكريم وضعا، وأشدِها على النفس وقعا، كلمةُ الحرب، إنَّها كلمة تنفر من مدلولها النفوس، وتأنف من سماعها الآذان، وتضجر من قراءتها العيون، في مختلف البلاد وعلى مر العصور، لأن الحرب أخطر ما يبيد البشرية فلا ترى لها من باقية، وأكبر ما يدمر المدنية فيترك عروشها خاوية، وهذا الذي نعرفه جميعا من طبيعة الحروب، بل هذا الذي نشاهده بأمِّ أعينا ممَّا تركه من محن وخطوب، وإحن وكروب، من موتى ومعوقين، وأرامل وميتَّمين، وأيامى ومهجَّرين، وما تخلِّفه من دمار في البُنَى التحتيَّة من جسور وطرقات، وسدود وشبكات، وما تعقبه من تخريب في البيوت والممتلكات، خاصَّة وقد أصبحت الحروب اليوم تنقل على المباشر من ميادين القتال، وتخاض بمختلف الأسلحة الفتاكة، التي يسميها خبراء السلاح بأسلحة الدمار الشامل، التيِّ لا تفرق بين بشر وشجر، و لا بين وحش وحجر، فما أقامه الإنسان في قرون عديدة، ينهار في دقائق معدودة، ومن ثمَّ كان العالم كلُّه يقوم معلنا دساتير ومشهرا مواثيق تناهض الحرب، وتحظر السلاح، وتدعو إلى السلم، ولكن أيَّ حرب يناهض؟ وأيَّ سلم يناشد؟؟
أيها القارئ الكريم، تعال لنتصفح معا المواطن التي وردت فيها كلمة الحرب في القرآن الكريم، ونتدبر سويًا المعاني التي استعملت فيها في آي الذكر الحكيم، فننظر من خلالها إلى ما عسانا نجتنيه من عبر، وما ترانا نقتنيه من فكر، حتى نحقق الحكمة من إنزاله كما أراده العزيز الوهاب بقوله ژ? ? ? ? ? ? ? ? چچژ [ص:29] ولا نقع في وعيد شديد العقاب الذي ضمنه قوله ژ ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ?? ? ہ ہ ہ ہ ھ ژ (4/26)
صفحة 26
[محمد: 24،25]
لقد وردت كلمة الحرب في القرآن الكريم أربع مرات على هذا الترتيب:
في سورة البقرة في قوله تعالى: ژ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [البقرة: 278 – 279]
في سورة المائدة في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ?? ? ? ... ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ... ? ?? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ [المائدة: 64].
في سورة الأنفال في قوله تعالى: ژ ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ژ [الأنفال: 56 - 57].
في سورة محمد في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ... ? ? ... ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ? ژ [محمد: 4].
أيُّها القارئ الكريم، إنَّنا إذا حاولنا أن نفهم بحقٍّ مدلول كلمة الحرب الواردة في هذه الآيات البيِّنات، ورحنا نتدبر بعمق معانيها التي تتضمنها في هذه السور المحكمات، نجد كلمة الحرب قد استعملت لثلاث معان:
المعنى الأول:
وهو المعنى التقليدي للحرب، وقد استعمل مرَّتين وفي آيتين محتلفتين، في قوله تعالى: ژگ گ گ گ ? ? ? ?ژ، وقوله: ژ ? ? ? ? ... ? ? ... ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ? ژ هذه الحرب التي يخوضها طرفان متعاديان، وتقوم أساسا على استعمال مختلف الأسلحة، (4/27)
صفحة 27
واستخدام شتى المعدات التيِّ عبَّر عنها القرآن الكريم تعبيرا بليغا بالأوزار، في قوله ژگ گ گ گ?ژ والأوزار هي الأثقال، ولكم أن تذهبوا بأفكاركم كل مذهب في تفسير الأوزار وتقديرها ماديا أو معنويا. وجاءت هاتان الآيتان تبيِّنان حكما من الأحكام التي ينبغي اتباعها في الحرب إذا قامت بين المسلمين وغيرهم، وهي قليلا ما تقع، إذ الأصل في العالم هو السلم والأمن، وللحروب مكان محدود وزمان معدود.
المعنى الثاني:
جاء بمعنى المكر، وهو الوارد في شأن اليهود في قوله تعالى ژ ? ... ? ? ? ? ??ژ واليهود هم أهل خداع وغدر، وفجور ومكر، حتى كانوا يقتلون النبيئين ويحرفون الكلم عن مواضعه، وقد شهد عليهم القرآن الكريم بهذا في كثير من آياته، مثل قوله: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ... ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? S S Sژ [النساء: 155] وكلُّ ذلك داخل في نار الحرب التي يوقدونها من أجل إيذاء المؤمنين وردهم عن دينهم.
أما المعنى الثالث:
فقد استعمل استعمالا عاما غير محدد ولا مقيد، لا نوعا، ولا زمانا، ولا مكانا في قوله تعالى: ژ ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ [البقرة: 278، 279].
أيُّها القارئ الكريم، لنتساءل جميعا تساؤل المتدبِّر لآيات الله المعبرة، الشفوق على نفسه من آثار الحرب المدمرة؟
أيُّ موطن من هذه المواطن التي وردت فيها كلمة الحرب تهمُّنا أكثر؟
أيُّ موطن من هذه المواطن كانت دلالة الحرب فيها أفظع وأخطر؟
أيُّ موطن من هذه المواطن التي وردت فيها كلمة الحرب أعمُّ وأضرُّ؟ (4/28)
صفحة 28
إذا فسرنا الحرب بالمعنى التقليدي، أي باندلاع المعارك الميدانية بين طرفين، واستعمال مختلف الأسلحة القتالية، وتوظيف كلِّ الوسائل التدميريَّة، من أجل تحقيق الغلبة على العدو، نجد أنَّ الحرب التي يكون أحدُ طرفيها اللهَ القويَ القاهرَ فوق عباده لا محالة هو الغالب، لأنَّه لا يقوم لقوته أحد، ولو حشر له جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، وجاء الملك معه صففا صفا مردفين، فكلُّ من حارب الله حورب، وكلُّ من غالب الله غُلب، لأنَّ الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
أما إذا فسرنا الحرب بمعنى المكر، سواء أقام به اليهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله، أو غيرهم ممن نهجوا طريقهم، فحقت عليهم لعنة الله، فإننا نجد الله تعالى يقول عن نفسه: ... ژ ? ? ?? ? ? ? ? ژ [آل عمران، 54] ويقول: ژ? ? چچ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ [الأعراف: 99]، ويقول: ژ ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ... ہ ژ النمل: [50، 51]]، ويقول: ژ? ? ? ? ? ? ? ... ?? ژ [الرعد:42] ويقول: ژ? ژ ژ s s ک ... ک ک ک گگژ [إبراهيم:46] فالله تعالى قد تعهد هو بنفسه بإطفاء هذا المكر، الذي عبَّر عنه بنار الحرب وتدميره بما شاء، ژ ? ? ? ... ? ? ??ژ [فاطر:43].
ومن ثَمَّ فإنَّنا نجد المعنى الذي يهمُّنا أكثر من بين هذه المعاني الثلاثة التي تدل عليه كلمة الحرب، هو الوارد في قوله تعالى: ژ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ لأنه يهدد البشرية جمعاء، بله المؤمنين جماء، إن هم تمادوا في غيهم ولم يقلعوا، وأصروا على ضلالهم ولم يرجعوا، وليس لهذه الحرب أمد معدود ولا مكان محدود، فهي قائمة ما قام سببها، ودائمة ما دام خصمها، لأن الذي يديرها هو الله العزيز الجبار المتكبر، الذي له جنود السماوات (4/29)
صفحة 29
والأرض، ژ? ? ... ? ? ? ... ?? ژ [المدثِّر:31] فليس لقوته حدٌّ، ولا لجنوده عدٌّ، ولا لقهره ردٌّ،. إنَّها حرب معلنة - كما قال أصدق القائلين- على كل مجتمع يجعل الربا قاعدة نظامه الاقتصادي والاجتماعي. إنها حرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة على كل الجبهات، ومفتوحة على كل الاحتمالات في الدنيا والآخرة.
يقول سيد قطب في ظلاله بتصرفُّ "حرب على الأعصاب والقلوب، حرب على البركة والرخاء، وحرب على السعادة والطمأنينة، حرب تسلُّط الجبابرة والعصاة على بعض، حرب الفتن والظلم، حرب القلق والخوف، حرب الإملاء والفتح، حرب تقطع الأواصر وتمزق البيوت، حرب الجرائم والموبقات، حرب الجراثيم والأمراض، حرب الخسف والزلازل، حرب الغرق والجفاف، حرب الحرائق والمناخ .. حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول. الحرب الساحقة الماحقة التي تقوم وتنشأ من جراء النظام الربوي المقيت، وأخيرا حرب الخلود في نار الجحيم، " وقودها الناس والحجارة ژ ک گ گ ... گ ... گ ? ... ? ? ? ? ? ? ?ژ [المرسلات: 32، 34] ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [التحريم:6]
فاعجب لحرب مفتوحة يقودها الملك الواحد الديَّان، يثيرها الإنسان على نفسه كمن يسعى إلى حتفه بظلفه، إنها حرب استفزازية كما يقولون، لا يستفز فيها الإنسان مخلوقا مثله أو دونه أو فوقه، وإنما يستفز من ناصيته بيده، خالقه، وخالق الكون، ومن أمره بين الكاف والنون. كذلك يستفزُّ المرابون ربَّهم ليصبَّ عليهم جام غضبه، وعام سخطه، وهكذا يفعل المجنون بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه، فمثلهم كمثل الذين قَالُوا: ژ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ [الأنفال: 32] بدل أن يقولوا اللَّهمَّ إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، وإن تعجب فعجب قولهم: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ژ? ? (4/30)
صفحة 30
? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ [البقرة:175] وإذا كان ابن الورديِّ يقول:
و اهجُر الخمرةَ إن كنت فتًى
كيف يسعَى في جنونٍ من عقَل
كذلك نقول:
واهجُر الربا إن كنت فتًى
كيف يسعى في جنون من عقل
أيُّها القارئ الكريم، لنتساءل مرة أخرى فنقول: ترى فيم وردت هذه الحرب الشنعاء التي أعلنها الله تعالى ورسوله في الآية، هل وردت في الشرك بالله وإن الشرك لظلم عظيم؟ هل وردت في الكفر بمحمد رسول الله وهو حبيب التَّواب الرحيم؟ هل وردت في إنكار أصل من أصول الدين وما أجلها؟ هل وردت في ترك ركن من أركان الإسلام وما أعظمها؟، هل ورد في انتهاك حق من حقوق العباد وما أخطرها؟ هل وردت بشأن ارتكاب جريمة القتل والزنى والحرابة وما أفظعها؟ كلاَّ، ففيم وردت إذن؟
إنها وردت في حق ارتكاب محرم واحد من المحرمات الكثيرة التي حرمها الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله، إنه فاحشة الربا، وما أدراك ما فاحشة الربا، الذي يخرِّب الذمم، ويدنّس القيم، ويدمِّر الأمم، ويترك الديار بلاقع. إنَّه لم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا. ولم يبلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا، في الآيات القرآنية الواردة في سور مختلفة، وفي السنة االنبويَّة، في أحاديث متنوعة ولله الحكمة البالغة. إن الله لم يعلن الحرب على ذنب مثلما أعلنه على الربا.
ففي القرآن الكريم يقول الغفور الرحيم:
ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?? ژ (البقرة:275)
ويقول: ژ? ? ? ? ژ ژ ... s s ... ک ... ک ... ک ژ (البقرة:276)
ويقول: ژ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ... ? (4/31)
صفحة 31
? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الآية:278 - 279).
ويقول: ژھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (الروم:39).
أما في الحديث الشريف فيقول الرسول الكريم:
«الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمَّه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه». (رواه الطبراني في الأوسط)
ويقول: «من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا فقد بريء من ذمة الله وذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أكل درهما من ربا فهو مثل ثلاث وثلاثين زنية، ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى به» (رواه الطبراني في الصغير والأوسط).
ويقول: «لمَّا انتهيت إلى السماء السابعة ليلة أسرى بي، رأيت قوما بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت يا جبريل: من هؤلاء؟ قال هؤلاء أكلة الربا» (رواه الامام أحمد).
و قال: «إذا ظهر الزنى والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عقاب الله - عز وجل -» (رواه الطبراني).
وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.
وقال ابن عباس أيضا: من كان مقيما على الربا لاينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه. ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا إستحلالا كانوا مرتدين والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة وإن لم يكن ذلك منهم إستحلالا جاز للإمام محاربتهم ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال فأذنوا بحرب من الله ورسوله.
جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال يا أبا عبد الله: إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر. فقال ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له امرأتك طالق، إنِّي تصفَّحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئا أشرَّ من (4/32)
صفحة 32
الرِّبا، لأن الله أذن فيه بالحرب.
هذا فإذا قيل في الخمر إنها أم الخبائث فإن الربا هو أبو الخبائث.
هذا ما ينال المرابي من خزي وشقاء في الحياة الدنيا، ولو اقتصر الأمر على هذا لهان، ولكن ربك بالمرصاد يقول: ژ ھ ... ے ے ? ? ?? ? ? ... ?? ? ? ? ?ژ (فصلت:16) ويقول: ژ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? S S S Sژ (السجدة: 20 - 22).
أيُّها القارئ العزيز، بقي أن نتساءل فنقول: إلى من وُجِّه الخطاب بترك الربا في القرآن العظيم؟، ومن هم الذين ورد في حقهم كل هذا التهديد بالوعيد الشديد في الكتاب الكريم؟
هل كان هذا في حق المجوس والمشركين، أوفي حق الصابئين والمنافقين، أو في حق اليهود والمسيحيين؟
كلا وألف كلا، إن الخطاب موجه أصلا للمؤمنين في قوله تعالى: ژ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ?ژ (البقرة:278) والمؤمنون هم الذين كان عليهم أن يتمثلوا قوله تعالى ژ? ? ... ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? S S S ... S ?ژ (الأحزاب:36) يعني يا أيها الذين آمنوا إن لم تتقوا الله ولم تذروا ما بقي من الربا فلستم بمؤمنين، وهذا أخطر ما يهدِّد المؤمن أن ينفي عنه الإيمان وهو يدَّعيه، ويعمل العمل الصالح فيردُّ عليه، فيدخل بذلك في زمرة الذين قال الله تعالى عنهم: ژ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ... ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?ژ (الكهف: 103 - 105) ولا أصدق على هذا من الحالة الراهنة، التي يعيشها العالم اليوم تحت وطأة الإعصار (4/33)
صفحة 33
المالي، الذي يرجُّه رجًّا فكانت عروشه تتساقط تساقط أوراق الخريف، حتى لا يكاد تقوم لها قائمة كما نرى، وينوء تحت كلكله حتى لا يقوى على حراك، بل حتى لتكاد تختنق أنفاسه وتزوغ عيناه من شدة البأساء والضراء، ويطوح بكل المؤسسات المالية العالمية الضخمة فتهوي بها الريح في مكان سحيق، ويمحق كل الصروح الربوية فتنهار بأصحابها انهيار البنايات المرفوعة قواعدها على أسس من رماد فتدكُّها في فج عميق، ژ ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ... ?? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ... ھ ے ے? ? ? ? ?ژ (التوبة: 109، 110).
تلكم بعض النصوص القطعية المتن والدلالة، الواردة في حق الربا الذي لعنه الله ورسوله، ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهده، وهي غيض من فيض، تبيِّن لنا فظاعة جرم المتعامل الربا، وفداحة ما ينتظره من العذاب الشديد في الدنيا والآخرة، إنه لعذاب أليم ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (مريم:90)، وإنه لوعيد شديد أورده العزيز الجبار في كتابه مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، تجعل المرء الفطن يفر من الربا فراره من المجذوم، وقد جاء في الحديث «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (رواه أحمد)، وتترك العاقل لا يكتفي بأن لا يقرب الربا فقط كما قال الله تعالى في الزنى ژژ ژ ss ک ک ... ککگگژ (الإسراء:32)، وإنما تجعله يولي مدبرا ولا يعقب كما فعل موسى الكليم عليه السلام إذ قال فيه ربُّه: ژ ? ?? ? ? ... ژ ژ s s کژ (القصص: 31) لأنَّ الرِّبا أكثر فحشا من الزنى، وأشد فتكا بمقومات الحياة الإنسانية من الثعبان المبين، الذي لا يكتفي بأن ينفث السم زعافا في فريسته فحسب، بل ويطوِّقها حتى يحطم كلَّ قوة فيها، ثم يشرع في ابتلاعها كلِّها فلا يبقي منها شيئا.
كلُّ هذا الوعيد الشديد من قبل العزيز الجبار على من يتعامل بالربا، إنَّما كان بسبب ما يترتَّب عن التعامل به من مضارَّ على العالم أجمع، وهذا الذي يجسده الواقع المعيش، وهذا الذي يظهر لنا الإعجاز التشريعي الإلهي القائم أبد الدهر في تحريم الربا. (4/34)
صفحة 34
ژ? ? ? ? ? ... ?? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?ژ (البقرة:281) صدق الله العظيم. (4/35)
صفحة 35
الدكتورة نادية الوزناجي
كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة
ق
قبل الحديث عن خصائص هذا التفسير المخضرم رأيت من الضرورة تقديم دراسة وصفية موجزة للتفسير، وجهد الأستاذ والطالب فيه، باستنساخه من الأشرطة المسموعة وكتابته في مؤلف بعنوان (في رحاب القرآن) ليصل إلى طلاب العلم كتابا محررا في التفسير.
كان اللقاء الأول للشيخ مع كتاب الله مفسرا سنة 1921 وهو ما يزال شابا في العشرين من عمره حين جلس إلى الناس يفسر القرآن معتمدا في ذلك على تفسير البيضاوي، ثم انتقل في أواخر العشرينات إلى تفسير الشيخ محمد عبده الذي كان معجبا بمنهجه الإصلاحي إعجابا كبيرا، ولم تكن طريقته عندئذ متسلسلة إذ كان مشغولا بالعمل الإصلاحي، وبالتعليم وإعداد الجيل لتحمل رسالته الإصلاحية والتربوية (1).
حتى إذا كان يوم السبت فاتح المحرم من سنة 1353هـ الموافق للسادس من ماي سنة 1935 فرّ منه العزم على بداية التفسير من أول البقرة إلى آخر الناس بطريقة متسلسلة منتظمة متتابعة، فكان تفسيره عبارة عن دروس عامة تلقى في مسجد القرارة أمام عامة الناس أساتذة وطلابا، مثقفين وأميين، رجالا ونساء صغارا وكبارا. وكان الوقت المخصص لهذه الدروس ما بين العصرين، يلقيها باللغة العربية الفصحى مع شروح تداخلها اللهجة الميزابية المحلية أو اللهجة العربية
__________
(1) – انظر: مقدمة في رحاب القرآن بقلم: د/ محمد ناصر، ص 06. (5/35)
صفحة 36
الدارجة، رغبة منه في إيصال رسالة القرآن إلى كل قلب، وإبلاغ إشعاع الهدي الرباني إلى كل بيت. وبما أن مدينة القرارة ـــ وهي تحت الاحتلال الفرنسي مثل بقية القطر الجزائري ـــ لم تعرف النور الكهربائي إلا سنة 1957م، وبما أن الناس لم يتفطنوا إلى الآلات الكهربائية، فإن الدروس التي ألقاها قبل سنة 1961م لم تحظ بالتسجيل الصوتي، لأن الناس لم يعرفوا آلات التسجيل أو هم لم يهتدوا إليها إلا في هذا التاريخ.
من هنا فإنني أسجل وللأسف ملء الجوانح أن تفسير الشيخ بيوض من أول سورة البقرة إلى قوله تعالى: ژ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .... ژ (1) يعد مفقودا محليًّا، اللهم إلا ما سجله بعض الطلاب متناثرا في دفاترهم هنا وهناك وهو لا يقدم صورة حقيقية عن تفسير الشيخ بيوض على كل حال.
وهكذا فبداية من يوم السبت 23 صفر 1381هـ الموافق للخامس من شهر أوت 1961م بدأ التسجيل الصوتي لتفسير الشيخ ابتداء من قوله تعالى: [ولقد كرمنا بني آدم]. ولعل هذه الآية في حد ذاتها تلفت الأنظار إلى النعمة التي أفاضها الله على عباده من خلال نعمة التيار الكهربائي، إذ لولا النور الكهربائي ما حفظت لنا هذه الدروس القيّمة التي أشاعت نور الله وهدايته في القلوب والبيوت.
هكذا دأب الشيخ بيوض على التفسير مجتهدا، مواظبا لا يثنيه عنه إلا عائق من سفر، أو مرض أو انشغال بمهمة من مهمات البلاد والعباد، وحفت به عناية الله تكلؤه قرابة ستين سنة وهو يحلّق في رحاب القرآن ويغوص في بحار علومه اللدنية، واعظا مرشدا، موجها مربيا، جامعا موحدا إلى أن ختمه بسورة الناس بعد صلاة العشاء من يوم الثلاثاء 26 ربيع الأول 1400هـ الموافق لـ 12 فيفري 1980م.
هذا، وقد أقامت الجزائر حكومة وشعبا مهرجانا عظيما لمدينة القرارة تتويجا لهذه المسيرة النوارانية، وتخليدا لهذه المناسبة العظيمة التي حضرها جمع غفير
__________
(1) – سورة الإسراء، الآية: 70. (5/36)
صفحة 37
من العلماء والفضلاء. وكان ذلك يوم الجمعة التاسع من رجب لسنة 1400هـ الموافق لـ 23 ماي 1980م، وكان المهرجان مشهدا عظيما يكرّم فيه كتاب الله وحملة كتاب الله ومفسر كتاب الله، وكأن الله قدّر أن ينهي مسيرة الشيخ الدنيوية بهذا الإكرام، فلم يعش بعدها سوى سبعة أشهر أسلم بعدها الروح لبارئها مساء الأربعاء الثامن من ربيع الأول 1401هـ الموافق للرابع عشر من يناير 1981م عن عمر يناهز ثلاثا وثمانين سنة (1).
هذا عن الشيخ المفسر في رحلته القرآنية فماذا عن التلميذ الذي تحمل عبء إخراج هذا الأثر القيم للناس واجتهاده في استنساخ هذا التفسير من الأشرطة وإعادة كتابته في مؤلف قيّم يستفيد منه طلاب العلم كافة.
ولعل الأهم في نظري في هذا المقام هو توضيح الدوافع التي دفعت بالأخ الفاضل "عيسى بن محمد الشيخ بلحاج" إلى تحمل الصعاب وحيدا في تجاوز المشقات صابرا، محتسبا في كل ذلك أجره عند الله طوال سنوات من العمل الجاد المتواصل داعيا الله يوفقه إن شاء الله إلى إتمام هذا العمل المضني العظيم، ونسأل الله له العافية والصحة لإتمامه بإذنه تعالى.
قال الدكتور محمد ناصر بوحجام: «وأترك صاحب هذا الجهد المضني ليحدثنا بنفسه عن الدوافع التي تقف وراء هذا العمل. حيث يقول: "أن الدافع الذي دفع بي إلى هذا العمل، والقيام به وحيدا منفردا أسباب عدة (2) أجملها فيما يلي:
1 - التقرب إلى الله تعالى بعمل خالص لوجهه الكريم، أرجو برّه وإحسانه عنده يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم.
2 - خدمة الإسلام بخدمة كتابه
__________
(1) – مقدمة في رحاب القرآن: د/ محمد ناصر، ج1، ص 07.
(2) – مقدمة في رحاب القرآن، د/ محمد ناصر، ج1، ص 09. (5/37)
صفحة 38
ورسالته، هذا الكتاب الذي جعله الله هدى وبشرى ورحمة لعباده.
3 - خدمة وطني "الجزائر" من خلال إبراز جهود عالم جليل من علمائها.
4 - اعتبار هذا العمل شكرا واعترافا بجميل شيخي وأستاذي عليّ، وتقديرا لمجهوده العظيم الذي حزّ في نفسي أن أراه مركوما في الأشرطة مهددا بالتلف والضياع.
5 - إرواء ظمئي الشديد إلى الاستزادة من المعارف، إذ حيل بيني وبين إتمام دراستي الجامعية ظروف قاهرة، فوجدت لنفسي في مصاحبة كتاب الله الذي أغناني عن كل علم، وفتح أمامي آفاق السعادة النفسية والسمو الروحي".
هذا عن الدوافع، فكيف كانت علاقة الأخ عيسى بهذا العمل ومتى فكر في إنجازه؟
في هذا المقام ينقل لنا الدكتور "ناصر" قوله: «إن أول ما شده من تفسير الشيخ بيوض ذلك الدرس التاريخي العظيم الذي فسر فيه قوله تعالىژ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) ژ (1)، إلى قوله تعالى: ژ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) ژ (2)، وكان ذلك الدرس القيم الذي ألقاه الشيخ بمسجد القرارة بمناسبة عيد الفطر المبارك أول شوال من سنة 1386هـ.
وعلى الرغم من صغر سنه إذ كان لا يتجاوز الثانية عشر من عمره، إلا أن ما قاله الشيخ طيلة أربع ساعات متتاليات أيقظت قلبه، وفتقت ذهنه، وفتحت أمامه أفقا جديدا للتأمل في كتاب الله
__________
(1) – سورة النور، الآية: 35.
(2) – سورة النور، الآية: 40. (5/38)
صفحة 39
والاحتفال بحفظه ودراسته» (1)، ويقول عن ذلك: «وكان لهذا الدرس الأثر البالغ في تكوين العلاقة الوطيدة المبكرة بالشيخ، هذه العلاقة التي ازدادت توطدا على مرور الأيام إذ أصبحت من المقربين المحظيين بالجلوس إلى الشيخ والاغتراف من علمه وتوجيهه عن قرب» (2).
وكان الأخ عيسى في هذه المرحلة المبكرة من عمره يرى أباه الأستاذ الشيخ محمد مستنسخا بعض التفسير من الأشرطة، ولعل أباه كان السباق إلى هذه الفكرة، الرائد في هذه المحاولة سنة 1962م، غير أن مشاغله الاجتماعية والتربوية الكثيرة حالت دونه وإتمام عمله ذاك، إذ سرعان ما انصرف عنه.
مما لا شك فيه أن هذه المشاهدة أو بالأحرى الاحتكاك بهذه التجربة ولدت في نفس الابن عيسى أن يكمل ما بدأه الأب محمد.
هذه إطلالة موجزة حاولت من خلالها تقديم صورة ولو بسيطة عن هذا التفسير وتاريخه ومراحله، وإذ أذكر هذا إنما لأبين أن غرض المفسر لم يكن إضافة تفسير جديد إلى المكتبة الإسلامية بل إصلاح المجتمع من خلال دروس التفسير، لتبليغ الهدي القرآني إلى كل شرائح المجتمع، مما يؤكد أن الشيخ بيوض لم يفسر القرآن مباهاة أو تقليدا. حيث يقول: «جعلت تفسير كتاب الله عمدتي في الدعوة إلى الله، وكنا حربا على الاستعمار الذي يجند شبابنا جبرا، ويمنعنا من التعليم الحر جبرا، ويعمل كل وسيلة للتعطيل، وكنا نداوره تارة، ونداريه تارة، وندافع تارة أخرى، ورأيت أنّ أنفع شيء لذلك هو كتاب الله، فشرعت في التفسير» (3).
وهو يقول في هذا كما قال قبله زميله في الإصلاح الشيخ ابن باديس: «فإننا والحمد لله نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجه أنفسهم إلى القرآن في كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق إن شاء الله أن يكوّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال
__________
(1) – المصدر نفسه، ج1، ص 32 - 33.
(2) – المصدر نفسه، ج1، ص 32 - 33.
(3) – المصدر نفسه، ج1، ص 32 - 33. (5/39)
صفحة 40
القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودها وجهودنا ... » (1).
ويجمع بين القولين قول أشمل لابن باديس عندما سئل عن عدم تدوين تفسيره: «شغلنا بتأليف الرجال عن تأليف الكتب» (2).
وربما تحقيق هذا الهدف هو السبب في اختيار الشيخ بيوض المسجد مكانا لدروس التفسير دون المعهد، استنادا إلى قوله: «اخترتُ المسجد ليكون معهدا لتفسير كتاب الله، لأنه يحضره الناس كلهم، رجالا ونساء، شيبا وشبابا وكهولا، والنساء يتسابقن إلى صفة النساء ولهن مكبرات الصوت ليسمعن، ويتسابق الرجال إلى أماكنهم وكذلك الطلبة يتسابقون ويجلسون أمامي على حسب درجاتهم في أماكنهم ومن فاته درس التفسير شعر بالندم والحسرة» (3).
يقول الدكتور محمد الصالح ناصر: «لا يفسر الشيخ بيوض رحمه الله كتاب الله تقليدا أو مباهاة، وإنما قصد بتفسيره إصلاح المجتمع وتهذيب النفوس، وتتميم مكارم الأخلاق وتقوية الإيمان، وتصحيح العقيدة، وتثقيف العقول، وإفادة الناس جميعهم بما في القرآن من أحكام، وحكم وأدب وأخلاق» (4).
كان لهذا الهدف السامي والغاية النبيلة من تفسير كتاب الله درسا في المسجد انعكاس على طبيعة هذا التفسير ومحتواه وطريقة صاحبه فيه، مما أكسبه خصائص ميزته عن كثير من التفاسير المكتوبة (في الأصل).
لهذا سأتناول هذه الخصائص بإيجاز مع ذكر نموذج لكل خاصية أبرز من خلالها إن شاء الله طبيعة هذا التفسير الشفاهي المكتوب.
خصائص تفسير الشيخ بيوض:
لعل أهم قضية يجب البحث فيها في حياة المصلحين المفسرين
__________
(1) – حسن عبد الرحمان سلوادي: عبد الحميد بن باديس مفسرا، ص 52.
(2) – المصدر السابق، ص 53.
(3) – المصدر نفسه، ج1، ص 29.
(4) – المصدر نفسه، ج1، ص 23. (5/40)
صفحة 41
تتمثل في معرفة الطريق الذي اتبعوه والمنهج الذي سلكوه في التعامل مع القرآن الكريم فهما وتفسيرا أو تنزيلا على أرض الواقع بوصفه الأساس الذي يقوم عليه كل إصلاح وتجديد.
إذ أنهم أيقنوا أن الوسيلة الوحيدة لهذا الإصلاح هي القرآن الكريم، مما طبع وميز تفاسيرهم بخصائص جعلتهم ينفردون بها، خاصة الذين فسروه درسا على مسامع العامة والخاصة في المسجد لا كتابة وتدوينا، والشيخ بيوض أحد هؤلاء الرجال المصلحين الذين اتخذوا من تفسير كتاب الله درسا طريقا للوصول إلى قلوب الناس وعقولهم لإصلاح أحوالهم وتحسين علاقتهم مع الله تعالى، فكانت له خصائص مميزة أوجزها في النقاط التالية:
1 - أسلوب التبسيط والتسيير:
هذه الخاصية امتاز بها تفسير الشيخ المسموع والمكتوب؛ لأنها تسهل الوصول من أقصر الطرق وأيسرها إلى الغاية المتوخاة من دروس التفسير، وهي عبارة عن أسلوب مبسط وسط يفهمه الأمي ويرتاح إليه المتعلم، بحيث لا ينزل حتى يبتذل عند الخاصة، ولا يعلو حتى يصعب على العامة، بل هو بين بين، يتجافى عن استعمال الوحشي والدخيل والغريب، ويتفادى كل ما فيه تعقيد أو غموض، من بعيد أو قريب، ويتحدث إلى أهل العصر بلغة العصر، ويضع نفسه في جو المشاكل التي يتخبط فيها هذا العصر وفي نفس المستوى الثقافي له، وهذا النوع المتميز بالسهولة واليسر من أساليب البيان، يتجاوب كل التجاوب مع توجيهات القرآن، فقد قال تعالى في سورة القمر: ژ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) ژ، وأعاد الله هذه الآية في نفس النص في نفس السياق أربع مرات، فكانت هي الآية السابعة عشرة والثانية والعشرين، والثانية والثلاثين، والآية الأربعين، كل ذلك ليؤكد معناها، ويلفت النظر إلى مغزاها، وبديهي أن تيسير القرآن الذي يؤدي إلى التذكر والتذكير لا يقف عند حد تيسير تلاوته وحفظه، وإنما يشمل ويضع في الدرجة الأولى تيسير فهمه وعلمه والعمل به، ولهذا التزم الشيخ بيوض بأسلوب التيسير لإيصال الهدي إلى (5/41)
صفحة 42
كل بيت في القرارة؛ لأن الجماهير المستمعة كانت متباينة علما وثقاقة ومستوى، ولا يمكن تحقيق الإصلاح إلا إذا شمل كل هذه الشرائح.
لذا كان حريصا على تبسيط الخطاب، وتيسير المفاهيم أيا كانت طبيعتها لغوية أو فقهية أو علمية بكل الوسائل الممكنة: كابتعاد الشيخ عن الاختلافات اللغوية والمماحكات اللفظية، والخلافات الكلامية، وتجنبه لكثرة التفريعات واستعمال المصطلحات العلمية حتى لا يخرج درس التفسير عن الغرض، فلم يجعل من درسه معرضا للمصطلحات العلمية، ولا مرجعا للخلافات المذهبية، ولا معتركا للجدل والفضول وكثرة القيل والقال، والتوسع الزائد عن الحاجة المؤدي إلى الإملال، ولم يشحنه بالقواعد العلمية التي تضبط كل فرع من فروع الثقافة الإسلامية، ولم يشر إليها إلا نادرا عند الضرورة. إذ الغاية الأولى والأخيرة من هذه الدروس هي المساهمة العملية واليومية في التثقيف الشعبي والديني، ومن أساليب هذه الخاصية: اختياره لأمثلة تقريبية بسيطة ملموسة تؤدي الغرض بسهولة مراعيا في ذلك مقتضى البيئة الميزابية المحلية، كاستخدامه الجَمَل والجَوَاد أمثلة رهي حيوانات معروفة طباعها لدى سكان الجنوب لتصوير تسخير الله تعالى الحيوانات للإنسان وهي أقوى منه ليركبها، وذللها له ليتحكم فيها عند هيجانها في تفسير قول الله تعالى: ژ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) ژ (1)، والتمثيل أيضا بالبطاح وهي مراكب معروفة لسكان الجنوب كقوله: «ومن أبسط شيء فيها المعبر عنه بالبطاح والبطاح خشب شدّ بعضه إلى بعض ثم يوضع في الماء كسفننا البدائية كفلكنا التي نتخذها لجني الثمر من الجنان» (2).
2 - الاستئناس بالأمثال العربية والعامية:
هي خاصية لافتة للانتباه في تفسير الشيخ بيوض الشفاهي
__________
(1) – سورة الإسراء، الآية: 70.
(2) – في رحاب القرآن، ج1، ص 70. (5/42)
صفحة 43
والمكتوب، مما جعلها ميزة خاصة فيه، أظن والله أعلم أن الغرض من استئناسه بها حرصه على إيضاح المعنى لكافة الطبقات خاصة العامة منها، وهذه الأمثال هي أقرب ما تكون إلى واقع المجتمعات إذ أن موردها هو المجتمع، ومضربها في مقامها مناسب، فاستغل الشيخ الحالة المشتركة بين المورد والمضرب فذكرها مستشهدا بها، وقد أكثر المفسر من الاستئناس بالأمثال العامية؛ لأنها بلهجة العامة وقريبة من واقعهم مما يجعلها أكثر استيعابا لديهم، كاستئناسه بالمثل العامي القائل: "دَاقُدْ ايُمُورَان وَلا َدَاقُدْ اِمُودَان" عند تفسير قول الله تعالى: ژ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ... ژ (1).
فعندما عالج قضية أرذل العمر قال: « ... هذا هو أرذل العمر الذي كان يستعيذ منه النبي –صلى الله عليه وسلم- نعم يتمنى المرء أن يكبر في طاعة الله مادام في صحته وعقله، إما أن يبلغ أرذل العمر فلقاء الله خير، وإن كان المثل الميزابي بقول: "داقد إموران ولا داقد إمودان" يعني تحت الجدران ولا تحت الصفائح (صفائح القبر)، ولكن الحقيقة هناك من يقول العكس، تحت الحجارة ولا تحت الجدران، فماذا نرجوه من الحياة في مثل هذا العمر؟ اسأل ربك تعالى أن يأخذك إليه راضيا عنك وأنت راض عنه (2).
3 - مراعاة دلالة النص بالنسبة للسامعين:
المراد بها أن المفسر ما لمس في النص القرآني المفسر علاقة بظاهرة تخص فئة بعينها في المجتمع فإنه يتوجه إليها بالخطاب مباشرة مراعيا دلالة هذا النص على هذه الظاهرة، ليستغل هذا النص الفاعل في إصلاح وتغيير العقل السائد، منبها إلى قضية علمية أو اجتماعية أو سلوكية أو دينية، ويلفت انتباه هذه الفئة بالذات إلى هذه المسألة:
*- كخطابه فئة الطلبة للتنبيه على قضية علمية في قوله: " .... الطلبة بالخصوص"- يقصد طلبة المعهد الذين تخصصوا في علوم اللغة والشريعة، وهو يتصدرون الجلوس أمامه في درس التفسير في المسجد يعلمون أن الفعل "نصر" يتعدى بـ"على" ولكن الله هنا قال "نصرناه" لماذا لم يقل "نصرناه على" (3).
*- ومخاطبة فئة العامة في قوله: «والمجادل قد يعجز لضعف علمه وقلة بضاعته فلا يستطيع أن يرد وهذا ما للطلبة المبتدئين، وللعامة الجهلة خصوصا عندما يجادلهم أحد ببعض البينة فيعجزون عن الرد لجهلهم وقصر نظرهم ويظنون أن العلم يقضي ذلك» (4).
*- ومخاطبة فئة الشبان للتنبيه على قضية سلوكية أخلاقية اجتماعية خطيرة في قوله: «ولنا في هذا عبرة ولشبابنا بالخصوص، فإذا جلس أحد طلبة تلقوا تعليمهم عن أساتذة كفرة ملاحدة ممن يدعي المسيحية أو من الشيوعيين الذين ظاهروا بإلحادهم.
وما أكثر ما يقع اليوم من مثل هذا الخوض – فليتذكر هذه الآية، وحرام عليه أن يشاركهم في خوضهم هذا إلا أن يكون مدافعا ليرد شبههم -إن كانت له قوة -، أما أن يسترسل معهم، ويسمع لأحاديثهم وكأنه يستحسنها، أو لا يستطيع التصريح بالإنكار فحرام عليه الجلوس معهم، والآية في غاية الصراحة (5).
فهو يشير إلى ظاهرة منحرفة في تلك الحقبة الزمنية التي سادتها إيديولوجيات مسيحية وشيوعية وإلحادية منحرفة تشجع على الفواحش والرذيلة والميوع والإلحاد بين سنة 1964 - 1965، وأكثر المتضررين منها فئة الشباب الذين انساقوا وراء هذا التيار الجارف فحذرهم ونبههم إلى هذا الخطر ليتداركوا أنفسهم قبل فوات الأوان.
4 - تعدد اللسان:
__________
(1) – سورة الحج، الآية: 05.
(2) – في رحاب القرآن، ج4، ص 333 - 334.
(3) – انظر: المصدر نفسه، ج4، ص 111.
(4) – المصدر نفسه، ص 302.
(5) – في رحاب القرآن، ج4، ص 579. (5/43)
صفحة 44
والمراد من هذه الخاصية استعمال المفسر لثلاثية لغوية شكلت ميزة انفرد بها تفسيره عن بقية التفاسير التي امتازت بالتجديد والإصلاح.
هذه الخاصية كان الهدف منها إيصال الهدف القرآني إلى كل شرائح المجتمع على اختلاف مستوياتهم، ولهذا اختار المفسر المسجد مكانا لإلقاء دروس التفسير لأنه المكان الوحيد الذي تغشاه كل شرائح المجتمع ليتمكن من تحقيق الإصلاح الشامل.
إذ جعلتها خاصية في هذا المقام فإنما لكونها خاصية في التفسير الشفاهي المسموع، بينما لاحظت انعدامها في التفسير المكتوب بعد انتقاله من مرحلة المشافهة إلى مرحلة الكتابة. ذلك أن الأخ عيسى عمد إلى ترجمة شروح الشيخ باللهجتين الميزابية والدارجة إلى اللغة العربية الفصحى ولم يبق على هذه الثنائية المحلية إلا في الأمثال العامية باللهجتين، وفي سبب محافظته على هذه الخاصية في هذا المقام يقول الأخ عيسى: « ... تعمدت ترك الأمثال العامية بلهجتها حتى تبقى محافظة على معناها الدقيق لمن يحسن فهمها، وكذا للمحافظة على جرسها ووقعها على النفس، والمثل لا يتغير، على أنني ترجمت كل أو أغلب الأمثال إلى العربية الفصحى بعد رسمها باللهجة العامية أو باللهجة الميزابية المحلية، وبذلك أكون قد جمعت بين الحسنيين: الحفاظ على صورة المثل كما ورد، وإفادة معناه لمن لا يفهم العامية (1).
5 - فكرة اللحظة:
هي أكثر الخصائص تمييزا لهذا التفسير، وهي أفكار ومعاني كانت تحضر الشيخ أثناء إلقائه الدرس لم يسبق تحضيره لها كغيرها من أفكار الدرس الأخرى، بل هي اجتهاد آني للشيخ، تدل دلالة قوية على قوة ذكاء المفسر، ودقة ملاحظته يستلهم بها هذه الأفكار أثناء الدرس دون سابق إعداد أو تحضير إذ يقول: «إنني لا آخذ معي دفترا إلى المسجد لأنظر فيه، وإنما أراجع الآية في مراجع عدة، حتى اقتنع بم أقتنع به، ثم أقول يا رب احفظ لي ما أخذت لألقيه على الناس في المسجد، تهذيبا وتربية وتعليما، ولا أمزج فيه الشيء الآخر
__________
(1) – مقدمة في رحاب القرآن، بقلم عيسى بن محمد الشيخ بلحاج، ج1، ص 32. (5/44)
صفحة 45
إلا القليل النادر الذي أراه ضروريا من بيان وجه الإعجاز في آية من الآيات، حتى إذا جلست في المسجد أدعو الله تبارك وتعالى أن يوفقني ويأخذ بيدي ويقود لساني، ويوفقني إل الحق، فأقضي الساعة والساعتين على حسب المقام، فيمدني الله بعونه وتوفيقه» (1).
وأذكر بعض الألفاظ أو العبارات الدالة على هذه الخاصية في تفسير الشيخ، ليتمكن القارئ لهذا التفسير من تحديد مواضعها، وإن كان في الفهرس الذي وضعه المحرر في نهاية كل جزء لهذه الخواطر اللحظية الآنية غنى عن ذلك. غير أنها خاصة بكل جزء، وهي كالآتي: " ... وهذا ما خطر ببالي الآن"، " ... وهي بنت اللحظة"، " ... وخطر لي الآن أن أتساءل ... "، " ... هذه ملاحظة بنت اللحظة"، " ... وقد بدت لي ملاحظة وأراها حقا ... "، "ومن العجيب أن تحضرني الملاحظة في اللحظة"، "وهذا ما خطر ببالي الآن".
كان المفسر يعلل أسباب حضور تلك الفكرة الآنية في مقام دون مقام غيره، ليوضح للمتلقي الحكمة من حضورها في تلك اللحظة بالذات.
6 - لفت الانتباه:
هي خاصية يوحي بها استعمال الشيخ المفسر المتكرر لهذه الأساليب اللغوية أثناء الدرس في حوار مباشر مع المتلقين، كالاستفهام والتعجب والأمر والرجاء والتمني، وخاصة الأول منها، مما يدل على أنه كان يشرك مستمعيه معه في الحوار حول قضية ما يدفع عنهم بذلك ملل الاستماع فقط دون المشاركة لساعات طويلة وهذا ما يتناسب والمنهج المدرسي الحديث مما يطلق عليه علماء التربية والتعليم طريقة المشاركة ويعنون بها "إشراك التلاميذ والطلبة في تحديد الأهداف والمناهج، والمساهمة في إعداد الدروس ومناقشتها وتحديد طرق التقييم والبحث الجماعي عن الأجوبة السليمة، وهكذا فإن المربي لا يكون مسيطرا على العملية التربوية كما هو الحال بالنسبة للطرق التقليدية في التدريس، بل يكون مساهما ومسهلا ومساعدا يعلم ويتعلم، وبها يتم إشراك الطلبة في
__________
(1) – مقدمة في رحاب القرآن، بقلم عيسى بن محمد الشيخ بلحاج، ج1، ص 32. (5/46)
صفحة 46
كل المراحل العملية التربوية" (1).
هذه الخاصية تؤكد هدف المفسر من تفسيره وهو التربية والإصلاح، لإشعار المخاطب المتلقي أنه مخاطب مباشرة بالنص القرآني بأمر أو بنهي أو تمني أو تعجب،، يدعوه من خلالها إلى الإصلاح إضافة إلى ما في هذه الطريقة من تنشيط للمدارك العقلية، واستنهاض للفكر للاستعداد والتلقي.
فلفت الانتباه يقصد به التدبر والتأمل وعمق التفكير ولو كان المستمع منتبها فعلا، بل قد يكون منتبها بعينته غائبا بقلبه فيكون المراد به الإنصات، بل قد يكون بين المستمعين من يسهو أو يلهو فهذه عامة يصعب التحكم فيها.
7 - مراعاة مقتضى الحال:
ارتبطت هذه الخاصية ارتباطا وثيقا بالهدف الإصلاحي من هذا التفسير، فكان من البديهي أن يكون المفسر على دراية بهموم مجتمعه وأزماته باعتباره أحد أفراد هذا المجتمع، وكان من أساسياته في الإصلاح أنه لا فلاح للمسلمين إلا بالعودة إلى القرآن، لهذا السبب كان يراعي مقتضيات الأحوال في تفسير النص مسقطا قضايا المجتمع على النص القرآني المناسب للظاهرة ليقدم الحل القرآني من خلال هذا التفسير، من أجل اقتلاع جذور الفساد الديني والأخلاقي والاجتماعي. وسأكتفي بذكر نموذج لمراعاة الحال في قضية دينية خاصة بتعظيم حرمات الله، عندما فسر قول الله تعالى: ژ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ .... ژ (2).
لاحظت اهتمام المفسر استغلال النص في الإصلاح مراعيا في ذلك مقتضى الحال عد انتهائه من التفسير التقليدي، حيث أحكم الصلة بين النص والواقع فقال: « ... هذا تعبير جميل للغاية، أليست فيه إشارة لطيفة إلى ما يأتيه بعض الغلاة من الناس المتشددين في الدين أو المتعللين، إذ يبدو لهم أن ما يأتونه من كيفيات هو خير وأولى، كأن
__________
(1) – بوفلجة غيات، الانعكاسات النفسية لطرق التدريس، مجلة قراءات في طرق التدريس، ص 144.
(2) – سورة الحج، الآية: 30. (5/47)
صفحة 47
يقول أحد: لو أبطل الرجم صبيحة العيد، أو لو كان الرمي من بطن الوادي لحقت الوطأة، أو كان مفرقا على عدة أيام، أو يقول آخر: لو غيرنا الموقف من عرفات إلى جبل آخر، ولكن هذا ليس إلينا، فالخير هو ما اختاره الله، والخير ما شرعه الله، فالذي لم يقرب حرمات الله ولم يمسها مطلقا بالزيادة والنقصان فهو خير له عند ربه، ويدخل في الخيرية أيضا ما يناله المرء من بركة في الدنيا إذ لا يوجد في الدنيا مجتمع صالح إلا المجتمع الذي تعظم فيه حرمات الله، ولو أن البشر عظموا حرمات الله لعاشوا سعداء.
وتصوروا مدينة كهذه أهلها كلهم يعظمون كل شعيرة من شعائر الدين، ويؤمنون بالله ويعظمون الرسول والقرآن والمسجد ... وكلها من حرمات الله، فإن مثل هذا المجتمع هو المجتمع المثالي الذي يزول منه الظلم والفواحش، أو على الأقل يقل إلى درجة قصوى لأن المعاصي كلها هتك لحرمات الله فالزنا هتك لحرمات الله الذي نهى عن الفواحش، وهتك لحرمات الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي جاء بهذا الكتاب المنير، والذي نهى عن هذه الفاحشة، وكذلك الأمر بالنسبة للظلم وللسرقة والعدوان وغيرها (1) فأصل الخيرية متمكنة في تعظيم حرمات الله وأصل كل بلاء متمكن في التهاون في حرمات الله، وفي كلمة "لا بأس" وكل البأس من "لا بأس" إذ أمر الله يترك بكلمة "لا بأس" ونهيه يؤتى بكلمة "لا بأس"، وهذا الخطر (2)، ثم ينتقل إلى عملية الإسقاط فيقول: « ... ولهذه المناسبة أذكر شكوى ترددت كثيرا من الناس باستهانة وتهاون كبيرين بحرمة من حرمات الله وهي سرقة مياه السقي في الغابة، حتى أن كثيرا من الفلاحين عزموا على ترك عملهم الفلاحي، وحكى بعضهم أنه يجب عليه أن يتفقد الماء خمس مرات في الليل، حتى يضمن السقي بجنانه هذا إذا كان حريصا، وهناك من يجلب الماء ويتركه وهو يعتقد أن جنانه مسقي حتى إذا رجع إليه في الصباح وجده يابسا.
__________
(1) – في رحاب القرآن، ج4، ص 420.
(2) – نفسه. (5/48)
صفحة 48
اعلموا أن سرقة المياه معصية كبيرة، وصاحبها عاص منافق، وليس هناك فرق بين سرقة الغلال وسرقة المياه، بل سرقة المياه أعظم لأنك إذا سرقت الماء ضيعت جهد الفلاح وغلته ووقته، فساعة من الماء بثمن باهض، وقد يقول لك صاحب الجنان: لو أخذت الغلة لكان أهون من أخذ الماء، فهذا البلاء منتشر، والسراق موجودون وقل منهم من يتنصل من صاحبه، ,إذا كنت بحاجة إلى الماء فاطلبه من صاحبه فإما أن يعطيك أو يردك ولا يقولن أحد أنني أعلم أنه لا ينزعج ولا يغضب بأخذ الماء منه، وإذا كنت لا تعلم منه هذا فلماذا لا تذهب إليه وتطلب منه؟ وإنما كنت تعلم أنه لا يرض فسول لك الشيطان هذا العمل، وتهاونت بهذه الكبيرة، فاتقوا الله، فإن بين الحلال والحرام فاصلا دقيقا واتقوا جهنم فإنها لبالمرصاد، إن الغلة التي تسقيها من ماء مسروق هي غلة حرام وليضع كل واحد يده على صدره، هل يرضى أن يقع له مثل هذا؟ والإثم كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - "ما حاك في النفس"، والآية إن كانت أعم، ولكنه في بعض الأحيان علينا أن نتطرق إلى هذه الجزيئات حتى نطبق عليها كلام الله، وليس المهم السماع فقط، وإنما المهم السماع مع العمل فلنتق الله (1).
فالشيخ لم يتخذ مرجعيته في تفسير هذا النص من الأثر فحسب، بل يتعداه إلى الواقع المعيش، ومقتضى حال المتلقين لمعالجة قضاياهم اليومية، لتحسينها وإيجاد الحل القرآني لها.
ومما يؤكد مراعاته لمقتضيات الأحوال التي عدت أساسية مهمة في تفسيره اختياره لظواهر اجتماعية أو أخلاقية أو دينية أو سياسية فاسدة واقعية منتشرة في المجتمع، وهذا أسلم السبل لتحقيق الإصلاح المنشود، مستأنسا بالأحاديث النبوية إلى جانب القرآن، لأن عملية التغيير تستمد فعاليتها من أصالة النص القرآني من جهة والنص النبوي من جهة أخرى، ومن قدسيتهما في نفوس المستمعين أيضا، هذه القدسية تؤدي في الغالب الأعم إلى تغيير العقلية المنحرفة السائدة، ومن ثَمّ تغيير الظاهرة
__________
(1) – عن النواس بن سمعان الأنصاري، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البر والإثم فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس». (5/49)
صفحة 49
المنحرفة وإصلاحها. (5/50)
صفحة 50
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة باتنة
م
مقدمة
احتفى الشّاعر الجزائري ذو الاتّجاه الإسلامي بالقرآن الكريم، وضمّنه شعره: استلهامًا لمعانيه، واستيحاء لأساليبه، واقتباسًا من لغته وصياغته ... فعل هذا لأنّه يراه النّبع الذي يستقي ويتغذّى منه، ولأنّه ينطلق في تفكيره ورؤاه وتحرّكه من التّصوّر الإسلامي. والذي يجسّد هذا التّصوّر، ويبيّن حقيقة الإسلام في الدّرجة الأولى هو القرآن ... وهو معجز لاحتوائه: " الكلمة الفذّة بتناسقها الموسيقي العجيب، وفي استقطابه مضامين تؤلّف منهجًا في الحكم والسّياسة والاقتصاد وغيره، على نسق غير مألوف لدى البشر، الأمر الذي أدهش المعارضين من أرباب الفصاحة والبلاغة وأهل اللّسن والكلمة الشّعرية الرّنّانة المشعّة, فاستسلموا بعد أن وقع التّحدّي إثر التّحدّي، عاجزين منبهرين مندهشين من الإعجاز البياني الفريد" (1).
لهذا كان الشّاعر الإسلامي الجزائري يقصد القرآن أوّل ما يقصد في نظمه؛ حين يريد أن يعبّر عن أفكاره، وينقل مشاعره، وهو ما يضمن لها أن تظهر مصبوغة بالصّبغة الإسلامية، وتتناغم مع التّصوّر الإسلامي, الذي يعطي لهذه الصّياغة طابع الأدب الإسلامي، الذي هو: " التّعبير الفنّي الهادف عن واقع الحياة والكون والإنسان على وجدان الأديب من خلال التّصوّر الإسلامي" (2).
__________
(1) - أسامة يوسف شهاب، نحو أدب إسلامي معاصر، ط1، دار البشير للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1405هـ/ 1985م، ص: 34. نقلا عن الأستاذ محمد المنتصر الرّيسوني في بحثه " الإعلام الإسلامي، منطلقات وأهداف".
(2) - الدّكتور عبد الرّحمن العشماوي، إسلامية الأدب لماذا وكيف، ط1، دار المعراج الدّولية للنّشر، الرّياض، المملكة العربية السّعودية، 1413هـ، ص: 14. (6/50)
صفحة 51
إذن إنّ نقطة الارتكاز في التّعبير والنّظم بتصوّر إسلامي كان القرآن الكريم عند هؤلاء الشّعراء. فالقرآن هو الكنز الذي لا يفنى، وهو المعين الذي لا ينضب، وهو الشّفاء لما في الصّدور، وهو النّظم الذي يحتذى، ومنه يكون الصّدور في التّحرّك السّليم القويم ... يقول محمد العيد آل خليفة:
كتاب الله كتاب ليس يفنى
وشَمسُ لا يعببُ لها ضياءُ
هدى للمتّقين (1)، فكن تقيًّا
وسلهُ من الهداية (2) ما تشاءُ
تَدَاوَ به من الأسقام تَبْرأْ
ففيه لكلّ ذي سقمٍ (3) شفاءُ (4)
ويقول الدّكتور محمد صالح ناصر:
الذّكر وصفة ربّه، فيه لمن
فتكت به علل الزّمان دواءُ
تتشرّب الألباب حلو بيانه
وبيانه القرآن فيه شفاءُ
كالسّيل عند السّدّ يهدر دافقًا
فإذا سرى في النّفس فهو الماءُ (5)
إنّ الشّعراء دعوا وبكلّ قوّة إلى الذّهاب إلى القرآن والاستقاء منه، والأخذ من فيضه ما يحلّي لهم الحياة، ويزيّن لهم الحضارة. قال مفدي زكرياء:
بني وطني، هذي الحضارة فاقتفوا
ولجوا بابها، واستصحبوا (المنهل العذبا) (6)
__________
(1) - إشارة إلى قوله تعالى {ألمِّ ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلمُتَّقينَ} سورة البقرة، الآيتان: 1، 2.
(2) - إشارة إلى قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدي لِلتي هِيَ أَقْوَمُ ... } سورة الإسراء، الآية: 9.
(3) - إشارة إلى قوله تعالى: {وَنََُنزُِّل مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلمُؤْمنينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمينَ إلاّ خَسَارًا}، سورة الإسراء، الآية: 82.
(4) - محمد العيد محمد علي خليفة، ديوانه، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1979م، ص: 538.
(5) - الدّكتور محمد ناصر، في رحاب الله (ديوان شعر)، المؤسّسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1991، ص: 6، 7. يخاطب في هذه الأبيات شيخه الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (1318 - 1401هـ/ 1899 - 1981م) في حفل أقيم له بمناسبة ختمه تفسير كتاب الله العزيز، الذي دام فيه خمسًا وأربعين سنة كاملة. وكان الختم يوم 12 من فبراير 1980م.
(6) - الدّكتور محمد ناصر، مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، نشر جمعية التّراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م، ص: 159. وفي بيت آخر يقول:
بني وطني، هذي الحياة شريفة
فلجوا بابها، واستصحبوا المنهل العذبا
المصدر نفسه ص: 107. (6/51)
صفحة 52
يقول مصطفى محمد الغماري:
عش بالكتاب وللكتاب مغرّدًا
فالكون من فيض الكتاب خصيب (1)
لشدّة تعلّق شعراء هذا الاتّجاه بالقرآن نجد شاعرًا كَـ "مفدي زكرياء"، كلّما أراد التّعبير عن شيء عظيم، يحتلّ من نفسه مكانة سامية قارنه بالقرآن الكريم، أو ربطه به، أو بما له به صلة. وقد تردّدت في أشعاره كثير من الكلمات التي تنضح بروح القرآن، واصفة شعره، كالكلمات الآتية: (الذّكر، المثاني، الوحي، التّنزيل، الإعجاز، الآيات ... )؛ " لأنّ القرآن يمثّل في نفسه نهاية السّموّ الذي لا نهاية بعده، ومن ثمّ كان يرى أنّه لا نهضة أدبية أو فكرية بدون القرآن، وأنّه لا يروي ظمأ هذه الأمّة إلاّ عبّها من هذا المنهل العذب، الذي لا ينضب ولا يضعف" (2).
قال عن الشّهيد أحمد زبانا:
قولة ردَّد الزّمان صداها
قدسيًّا، فأحسن التّرديدا
احفظوها زكيَّة كالمثاني
وانقلوها للجيل ذكرًا مجيدَا (3)
قال عن جبهة التّحرير الوطني:
ونظام تخطُّه ثورة التّحـ
ـرير، كالوحي مستقيمًا رشيدا (4)
هذه اللّفتات تبيّن مكانة القرآن في نفوس أولئك الشّعراء، الذين اتّخذوه المنهل والمصدر والموئل لكتاباتهم الإسلامية. نحاول في هذه الصّفحات سرد بعض صور هذا التّناول، والإتيان ببعض الشّواهد على ذلك، بما يسمح به حجم المقال محدود المجال. نتناول بعض الجوانب، من دون الاستقصاء. ونعرض بعض الشّواهد من دون نقدها. فالغرض هو تقديم وجه من وجوه
__________
(1) - مصطفى محمد الغماري، بوح في موسم الأسرار (ديوان شعر)، مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985م، ص: 86.
(2) - مفدي زكرياء شاعر النّضال، ص: 107.
(3) - اللّهب المقدّس، ص: 11.
(4) - المصدر السّابق، ص: 15. ينظر أيضًا، للشّاعر اللّهب المقدّس، ص: 227، 290. ومن وحي الأطلس، ص: 48. وينظر كتاب مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، ص: 153. ولمزيد من التّفاصيل يراجع كتابنا " أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ج2، ط1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1992م. (6/52)
صفحة 53
الشّعر الجزائري لقرّاء العربية، ومحبّي الأدب. كما نقتصر على بعض النّمادج، ولبعض الشّعراء. نعرض مسألة الانتماء والعقيدة والهوية ...
الانتماء وحقيقة المذهب والمشرب:
أوّل ما يبيّن الرّوح الإسلامية في المرء، هو تحديد انتمائه، وبيان حقيقة مشربه ومذهبه في الحياة، المنبثقين من هذه الرّوح. يقول محمد العيد آل خليفة في أبيات تحت عنوان: " يسائلني":
يسائلني عن نسبي كلّ وافد
عليّ، وعن شعري، وعن كنه مطلبي
فقلت لهم: أرض العروبة موطني
وديني هو الإسلام والقدوة النّبي
ومن مطلبي جمع العروبة كلّها
على وحدة عظمى بشرق ومغرب
وتَهيئة الجيل الجديد لفوزه
من الدّين والدّنيا بأشرف مأرب
ونشر الثّقافات السّليمة حرّة
وكسب المعالي، لا لجاه ومنصب
رضعت قريضي في لبان أمومتي
ومن منهل الأحرار واصلت مشربي
تسامحت والإسلام دين تسامح
وآمنت بالقرآن دون تعصّب
إذا كنت في ديني وفي وطني أخًا
فلست أبالي أن تخالف مذهبي (1)
الانتماء إلى الإسلام، النّهل من القرآن، القدوة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، التّحرّك وربط العلاقات على أساس الأخوّة الإسلامية، تهيئة النّشء ليعمل للدّين والدّنيا معًا، العمل بروح التّسامح، وإلى غاية الوحدة، والسّعي إلى نشر الثّقافة الأصيلة ... هذا ما يحويه شعر محمد العيد، وهذه هي الإجابة عن من يسأل عن مذهبه في الحياة، وعن مشربه في الكتابة. فهذا الذي طبع شعره بالطّابع الإسلامي، وأعطى له هذه القيمة؛ لأنّه من هذا المفهوم هو شعر رسالي. والإسلام يدعو ويدفع من يعتنقه لأن يكون صاحب رسالة، تنبع من الأمانة التي تحمّلها وحَملها، من دون المخلوقات الأخرى، التي أشفقت منها.
أمّا الدّكتور محمد ناصر فيكشف عن حقيقة المسلم الصّادق المخلص لدينه، الذي ينطلق من الإسلام في علاقاته مع إخوته في الملّة، وهو المذهب الذي يجب أن يسير عليه وفيه المسلم الموفّي بعهد الله، وغير
__________
(1) - ديوان محمد العيد آل خليفة، ص: 548. (6/53)
صفحة 54
النّاقض للميثاق. ومن هذا الوصف نعرف مشربه ومذهبه هو. قال تحت عنوان: «أحبّك والله يا أخي في الله»:
في القلب أنت أخي في الله من صغر
كم ذا لقيتك بين الآي والسّور
جلاّك لي الله أوصافًا وتسمية
فليس تخطئ عيني اليوم في النّظر
عيناك عيناي، بيت الله وجهتنا
نستلهم الرّشد من أفيائه الغرر
رجلاي رجلاك، هدي الله وحّدنا
نحو المساجد في الآصال والبكر
فكم رأيتك نورًا أستضيء به
في ظلمة الكفر، تجلي اليأس عن فكري
وأجتليك ربيعًا، والحياة لظًى
وإن دجا الخطب فيها كنت لي قمري
قرأت فيك تسابيح الهدى فهفا
قلبي إليك، ولم أسأل عن الخبر
قلبي وقلبك نبع الوحي في دمنا
فكيف في السّعي حِدنا عن سنى الأثر
ومنبع الوحي صافٍ في أصالتنا
فكيف في شربنا مِلنا إلى الكدر
وصبغة الله أغنت عن مساومة
بالجنس والعرق والأنساب والفكر
بالحبّ وحّدنا التّوحيد من أزل
فليس نُقْسَمُ في عسر وفي يُسُر
أقسمت بالله، لن أنفكّ عن قسمي
أخوّة الدّين دستوري مدى العمر (1)
مصدر الشّاعر نبع وحي، يسقيه عذبًا من الهدى، يشربه عقيدة صافية، تهديه إلى سواء السّبيل، ليصطبغ بصبغة الله، ويتدّثر بدثار القرآن، فيحميه من ضلالات الشّيطان، ومن تداعيات الهوى، وينطلق بقلبه نحو أخيه في الله، يظهر له الولاء الكامل، ويقدّم له حبّه الخالص، ويعاهده على الارتفاع في علاقته به عن حضيض الأفكار البالية، وعن أوحال الغواية والسّفاهة. مذهبه ما يدعو إليه شرع الله، ألوانه ما تقدّمه صبغة الله، أعماله ما يرضاه توحيد الله. دستوره الأخوّة في الله.
مصطفى الغماري يقول:
ملأت فؤادي بالسّنى البكر حسبة
لربّ، له الكون العظيم يسبّح
فقلبي بنور الحقّ نشوان مهتدٍ
وروحي بإشراق الهداية يصدح
ويسعدني في دفقة النّور، أنّني
أرى الله في كلّ الوجود، وألْمح
أرى الله في الأزهار نشوى، وفي الهوى
وفي وشوشات الطّير تشدو وتَمرح
أرى الله في سكري وصحوي، وحيثما
توجّهت، يدنيني إليه فأفرح (2)
__________
(1) - في رحاب الله، ص: 79، 80.
(2) - مصطفى محمد الغماري، أسرار الغربة (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1977م، ص: 7، 8. (6/54)
صفحة 55
من مُلئَ فؤاده بنور الله، فأصبح به يبصر، ومن فاض قلبه بالإيمان، فأشرقت روحه بالهداية، ومن يكون الله حاضرًا في كلّ حركة وسكنة من حياته، ومن يرى الله في كلّ مخلوقاته ... فماذا عساه أن يكون، سوى المؤمن القويّ في إيمانه، الثّابت في عقيدته، السّامي في روحه ...
في الحقيقة إنّ هذا ما يجب أن يكون عليه من ينتمي إلى شرع الله. وفي الأبيات المذكورة قدّم لنا الشّاعر بطاقة هويّته، التي منها نفهم شعره الذي يتحرّك فيه بوحي من الرّوح الإسلامية، ويصطبغ بالصّبغة الإيمانية. وهو القائل:
عيناي تغتبقان كرم عقيدتي
والكون يضرب شارد الألحان
ويداي تعتصران من ضوء الهدى
وتجول أيدي القوم في البهتان
والله جلجل في السّماء ضياؤه
والتّيه يحسبه من الألحان
أنا هاهنا .. كالعهد، لم يثنِ الخطا
سأم، ولست مفارقًا إيماني (1)
لا يفارق الشّاعر إيمانه، مهما لجّ غيره في التّيه، ومهما عزف من الألحان، ومهما قدّم من البهتان؛ ذلك انّه اغتبق الهدى، فكان له منها في حياته ضياء، واعتنق كيانه كلّه العقيدة واحتضنها، فكان له منها أشعّة وسناء، أنارت له الدّروب، فسار في الطّريق المستقيم. فما نصيب العقيدة في شعره وفي غيره من الشّعراء؟
العقيدة والإيمان:
إنّ أوّل ما يحرص عليه المؤمن الموفّي بعهد الله هو تثبيت الإيمان بالله في قلبه، الذي منه ينطلق ليسلك دروب الحياة، على هدي وبوحي من ذلك الإيمان. لذا كانت العقيدة تسري في طوايا أشعار هؤلاء الشّعراء، وتنساب بين شرايين كتاباتهم، يُشرِبون بها نفوس النّاشئة بخاصّة؛ لأنّهم معرّضون أكثر من غيرهم للاستلاب، أو زعزعة عقيدتهم، والمساس بإيمانهم. وغير الشّباب ليس سالمًا من هذا الخطر.
تركيز العقيدة في القلب، يضمن تقبّل كلّ الإرشادات الدّينية؛ لأنّ صاحبها يسلّم أمره لله. وقبل ذلك، فإنّ التّمكّن من العقيدة الصّحيحة يساعد على توجيه الحياة
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 38. (6/55)
صفحة 56
توجيهًا سويًا، بما يتماشى وفطرة الله التي فطر النّاس عليها. ومن زاغت عقيدته فمآله الزّوال والفناء، كما يقول مفدي زكرياء:
شربتُ العقيدة حتّى الثّماله
فأسلمت وجهي لربّ الجلاله
ولولا الوفاء لإسلامنا
لما قرّر الشّعب يومًا مآله
هو الدّين يغمر أرواحنا
بنور اليقين، ويرسي عداله
إذا الشّعب أخلف عهد الإله
وخان العقيدة، فارقب زواله
ويصنع إيماننا أمّة
قوامًا، فترجف منه الضّلاله (1)
محمد العيد آل خليفة يقول:
ونحن الرّجال الثّابتون عقيدة
على المبدأ الأسمى، إلى حين نقبر (2)
الشّاعر نفسه يزيد حقيقة الإيمان بيانًا وإيضاحًا، ويكشف عن دوره في حياة المسلم: تثبيتًا وترسيخًا وطمأنينة وتوجيهًا سديدًا. فيركن إلى سرد بعض الصّفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، التي تدور حول معاني القهر والغلبة والإرادة، التي لا يشاركها فيها أحد؛ ليوقف النّاس على عظمة الله وقوّته المطلقة. غايته من ذلك تثبيت الإيمان في القلوب، وتحفيز النّفوس لتتمسّك بالدّين، فلا تخافَ في هذا السّبيل أيّة قوّة تصدّها عنه:
حمدًا لمن في الحقّ غاث وغارا
ولوجهه عنت الوجوه صغارا
سبحانه زجر القويّ عن الأذى
وحمى الضّعيف من الأذى وأجارا
الغالب القّهّار فوق عباده
من ذا يكيد الغالب القهّارا؟
من ذا يعقّب من سوّى القُوى
ودرى الغيوب، وقدّر الأقدارا؟ (3)
يستغلّ الشّاعر " المعاني والدّلالات التي تحملها هذه الألفاظ، التي تصف الله بالقويّ الذي لا يهزم، وصاحب العزّة التي لا تذلّ، والكلمة التي لا تردّ، والحكم الذي لا يعقّب، ليشير إلى المسلمين أن يلتمسوا النّصر من صاحب القوّة المطلقة، ويثقوا بأنفسهم وبقوّتهم، كلّما تعرّضوا للأذى من غيرهم، قصد
__________
(1) - مفدي زكرياء، إلياذة الجزائر، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1987م، ص: 89.
(2) - ديوان محمد العيد آل خليفة، ص: 160.
(3) - المصدر السّابق، ص: 112. (6/56)
صفحة 57
إخضاعهم وإضعافهم، بخاصّة إنّ الشّعب الجزائري الذي يخاطبه الشّاعر سنة 1934م (1) يعيش محنًا متتالية؛ بغية تليينه، وتحويله عن وجهنه الحقيقية وأصالته، والتّمسّك بدينه" (2).
العقيدة تصنع من المسلم قوّة تأتي على كلّ عتوّ وفساد، وعلى كلّ حاجز وسدّ يحول بينه والقيام بمطالب العقيدة، وتنشئ منه راسيات لا تُزعزع، وبنيانًا لا يُزحزح، وتكوّن منه حصونًا تحمي الأصالة، وتوجد منه قنابل تدكّ معاقل الأعداء، وتنقض بنايات الضّلالات والغوايات. هذه المعاني ضمّنها مصطفى الغماري شعره، فسجّل بذلك أحد المضامين التي حواها الشّعر الجزائري الملتزم والمنطلق من التّصوّر الإسلامي:
وفي دمي شجر التّوحيد، يزرعني
جيلاً، يدكّ القيود والعطبَا
جيل العقيدة، لا تُشرى ضمائره
وليس عن قمّة السّمحاء منقلبَا
تشتاق للوحدة الخضراء كلمته
وتعشق الخالدين: الشّمس والعربَا (3)
وقال:
كم مهجةٍ ضمّها التّوحيد فازدهرت
وظامئ من سنا القرآن كم شربَا (4)
من بديع تعبير الشّاعر أن يختار كلمات موحية، وأن يقدّم صياغة مصوّرة، بلجوئه إلى المجاز، يستعين به لينقل الحقيقة، فيقنع المتلقّي، ويؤثّر على وجدانه، فيتجاوب مع الشّاعر. عمد إلى كلمات الزّرع والإزهار والاشتياق والعشق والخضراء والظّمأ
__________
(1) - القصيدة التي منها هذه الأبيات، هي بعنوان: " هيهات يخزى المسلمون"، نشرت في مجلّة الشّهاب، الجزائر، ج3، مج 10، سنة 1934م. وهي فترة حاسمة للشّعب الجزائري، فقد تمّ فيها بناء المدارس الحرّة لتعليم الجماهير، وتشييد المساجد، وتأسيس النّوادي؛ لتحصين الشّعب الجزائري من الحملات المسعورة ضدّ الأصالة، والدّعوات المتكرّرة إلى الاندماج مع الشّعب الفرنسي، والتّجّنس بالجنسية الفرنسية ... وشهدت الفترة ألوانًا وأشكالاً عديدة وقاسية من الظّلم والقهر ومنع الحقوق ... مورست على الشّعب الجزائري.
(2) - أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 48.
(3) - مصطفى محمد الغماري، قصائد مجاهدة (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1982م، ص: 76، 77.
(4) - المصدر السّابق، ص: 122. (6/57)
صفحة 58
والسّنى والأضواء ... هذه الكلمات جاءت متجاورة في تناسق وتناغم، تحمل المشاعر والعواطف التي يطفح بها قلب الشّاعر، تضمّنت دلالات مهمة وعالية القيمة، على فعل العقيدة في النّفس، وفي حياة المسلم. فما يزرع يزهر ثمّ يثمر. وما يحتوي نورًا يضيء وينتشر. وما يسكن العلياء لا يتسفّل ولا ينكسر.
في المقابل يتأسّف عيسى لحيلح على حال المسلمين مع دينهم، وينعى عليهم التّنكّر لمبادئ الإسلام، ويسأل متى تحظى العقيدة بالاحتفاء والاهتمام والتّمسّك بها في أرضها وفي موطنها، ومتى تنعم الأرض بنعيم العقيدة وحرارتها:
أفيقوا .. فما تجدي لحانا إن أصبحت
حبالاً، وكان القلب أمردَ أصفرَا؟
متى يا فتى الإسلام تثأر غاضبًا
وترفع قرآنًا، وتمضي مكبّرَا؟
متى تستلذّ الأرضُ دفءَ عقيدتي
وأسحب ظلّي في سناها معطّرَا؟ (1)
اختار الشّاعر كلمات فيها حرارة وعاطفة وحنان (تستلذّ، دفء، ظلّ، معطّر) ليضفي على التّعبير روحًا وجدانية. تعين على التّعبير الدّقيق المبين، ثمّ التّأثير القويّ الكبير.
من ألوان البيان التي نسج بها الشّاعر هذه الأبيات قدّم مضمونًا فكريًا كبيرًا، وبنى صورة فنّية رائعة بديعة. من الجناس (لحانا وحبالا) ولّد معنى لطيفًا، ونبّه إلى خطورة الاهتمام بالمظهر على حساب المخبر، والظّهور أمام النّاس بما يتناقض مع ما يموج في الصّدور. وفي المقابلة الضّمنية بين امتلاء الوجه باللّحية، وخلوّ القلب من الإيمان والعقيدة (وقد عبّر عن ذلك بِـ أمرد أصفر)، أضاف إلى التّصوير اللّون الأصفر، الذي يشير إلى الجدب والقفر والخواء، مقابل اللّون الأخضر (الذي يذكره الشّاعر، ويفهم مِمَّا يقابل اللّون الأصفر) الذي يرمز إلى الامتلاء والخصب والنّماء، وهو ما تمثّله العقيدة.
إذن حين تنعدم العقيدة في القلب، وتفقد في حياة النّاس، فإنّهم يسيرون نَحو العدم، وينحدرون إلى
__________
(1) - عيسى لحيلح، وشم على زند قرشي (ديوان شعر)، ط1، دار البعث للطّباعة والنّشر، قسنطينة، الجزائر، 1405هـ/ 1985م، ص: 10. (6/58)
صفحة 59
الفناء. يقول مصطفى الغماري:
حين تجفونا العقيدة
يرتوي منّا العدم
ونناجي ألف درب
والهوى قيح دم (1)
في زمن الرّفض للعقيدة الإسلامية، وفي ظلال الغربة التي تعيشها في أوطانها - لأنّ أهلها لا يطبّقونها، وقد يجاهرونها العداء - يصبح التّنديد بهذا السّلوك، ومناهضة هذا التّصرّف، فرضًا مَحتومًا، والغضب على هذا التّسيّب والتّعدّي واجبًا دينيًا، لا يعذر المرء في عدم إظهاره؛ عملاً على تدارك الأمر، وحرصًا على الثّأر لدين الله. يقول مصطفى الغماري:
شرف العقيدة ثورة
خضراء، تحرسها الزّنود
شرف العقيدة فارس
في جرحه انتفضت عهود
شرف العقيدة ساعد
للفجر، وثبته ... شديد
دين المحبّة لا تقام
على الكلام له الحدود (2)
إذا صِينَت العقيدة، وغذّي القلب بالإيمان، وجد المرء نفسه تتحرّك بروح إسلامية، وترفض كلّ ما يمسّ الشّخصية، وينال من الكيان. وقد وجدنا في شعر الشّعراء الذين تناولناهم في هذه الدّراسة معالجة إسلامية لمسألة الهوية، التي تتبنّى المقوّمات الأساسية في الشّخصية الإسلامية، من دين ولغة وتاريخ وغيرها.
الهوية في الشعر:
عمد الشّعراء إلى تركيز مقوّمات الهويّة في النّفوس، وتأكيد انتمائها الإسلامي، ومحاربة كلّ عوامل النّيل من الرّوح، التي تُجاهد على إبقاء الصّلة وثيقة بين الأصول والفروع؛ لتظلّ الرّوح الإسلامية سارية في عروق أبناء الإسلام. فكان كلّ ما يمسّ المقوّمات، أو ما يشكّك فيها محلّ معالجة.
من مجالات تناول الهويّة، الدّعوة إلى التّمسّك بالدّين، والاحتفاء باللغة العربية، والالتفاف حول الوطن؛ تجسيدًا لشعار الحركة الإصلاحية في الجزائر: (الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا). والعناية بالتّاريخ؛
__________
(1) - يحياوي الطّاهر، البعد الفنّي والفكري عند الشّاعر مصطفى الغماري، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983م، ص: 147.
(2) - المرجع السّابق، ص: 144، 145. (6/59)
صفحة 60
بصفته ذاكرة الأمّة، ومصدرها في البناء الحضاري، والانطلاق نحو المستقبل ... هذه المقوّمات التي صنعت كيان الشّعب الجزائري عبّر عنها مفدي زكرياء بقوله:
نحن في هذه الجزائر، إخوا
نٌ، جراحاتنا الثّخينة حمرَا
لُحمةُ الضّاد، والعروبة، والتّا
ريخ، والدّين: آي ربّك كبرَى (1)
1 ــــ حقيقة الإسلام:
مِمّا أولاه الشّعراء عناية كبيرة، وهم يحدّدون عناصر الهوية، بيان حقيقة الإسلام، الذي شوّهه المغرضون والأعداء، وأساء فهمه المنتمون إليه، فكانت النّتيجة فساد المجتمع، وميوعة قيمه. فلم يغفلوا هذا الجانب الأساس. فكان صنيعهم داخلاً فيما يسمّيه المنظّرون ضبط المصطلحات، وتحديد المفهومات.
قال مفدي زكرياء:
والدّين علم وفضل واصطناع يد
مكارم بثّها في الكون قرآنُ
وذي مَحجّتنا البيضاءُ ناصعةٌ:
برٌّ وعدلٌ وإحسانٌ وأمانُ (2)
قال محمد العيد:
واختصّ بالمنح العظام محمّدًا
منهم فكان الخاتم المختارا
آتاه قرآنًا، يَحضُّ على الهدى
ويفصّل الأحكام والأخبارا
وشريعة تعطي الحقوق سوية
للنّاس، لا ميزًا ولا استئثارَا
شمسٌ من الأفق المقدّس أشرقت
فارتدّ ليل العالمين نَهارَا
ومَحجّة بيضاءُ، من لم يعتصم
بسوائها ضلّ السّلوك وجارَا
كم سار حزبُ الله فيها آمنًا
يَهدي العباد، ويفتح الأمصارَا
حتّى انضوى المعمورُ تحت لوائه
وغدا حِمًى للمسلمين ودارَا
هيهات يُخزى المسلمون ودينهم
علم الخلود، يظلّل الأقطارَا (3)
وقال أيضًا:
الدّين إذعانٌ لربّ واحدٍ
سبحانه هو غافر الآثام (4)
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 283 ..
(2) - مفدي زكرياء، أمجادنا تتكلّم (ديوان شعر)، جمعه وحقّقه مصطفى بن الحاج بكير حمّودة، نشر مؤسّسة مفدي زكرياء، والوكالة الوطنية للاتّصال والنّشر والإشهار، الجزائر، 2003م، ص: 101.
(3) - ديوان محمد العيد، ص: 112، 113.
(4) - المصدر السّابق، ص: 215. (6/60)
صفحة 61
إنّ الدّين قيم ومبادئ محدّدة، تحمل مكارم الأخلاق، التي تهدي إلى السّلوك السّوّي، تنبعث من القرآن الكريم، والهدي النّبوي الشّريف، اللّذين يدعوان إلى إفراد الله بالعبودية. التقيّدُ بالإسلام يوفّر السّعادة في الدّنيا والآخرة.
2 ـــــ العروبة والإسلام:
قال مفدي زكرياء:
عهد العروبة ركن من عقيدتنا
وللعروبة في أصلابنا رحم (1)
وقال:
وُهبنا العروبة جنسًا ودينا
وإنّا بما وهنا رضينا
إذا كان هذا يوحّد صفًّا
ويجمع شملاً رفعنا جبينا (2)
وقال:
يا نازلين كرامًا في ديارهمُ
أرض الجزائر للأحرار أوطان
ويا عروبةُ من أمّ لنا وأبٍ
هنا العروبة دوحات وأغصان
هنا الأصالة في صلبٍ وفي رجمٍ
هنا القرارت تدبير ورجحان (3)
وقال صالح الخرفي:
لولا عرى الإسلام تجمع بيننا
لولا العروبة لم نجد بشهيد (4)
وقال عيسى لحيلح:
تبقى العروبة ما صانت عقيدتها
ما عاش حيّ، ومنه القلب مسلوب (5)
كشفت هذه النّماذج الشّعرية عن حقيقة العروبة، التي يؤمن بها الرّجل الأصيل، والشّاعر الملتزم، يعتنقانها ويصدران عنها في تفكيرهما وسلوكهما. إنّها العروبة التي تنطلق من العقيدة الإسلامية، وتحطّ فيها، وتتفيّأ ظلالها. أو بمعنى أوضح إنّ العروبة لا تعني في تصوّر الشّاعر الإسلامي سوى الإسلام.
لقد أحكم الشّعراء الصّلة بين العروبة والإسلام، وجعلوا سدا نسيجه الإسلام، ولحمته العروبة. فلم يفصلوا بينهما أبدًا في نظمهم؛ نتيجة تجذّر الإسلام في نفوسهم، وتغلغل العروبة في
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 303.
(2) - إلياذة الجزائر، ص: 43.
(3) - مفدي زكرياء، أمجادنا تتكلّم، ص: 184.
(4) - صالح الخرفي، أنت ليلاي (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1974م، ص: 170.
(5) - وشم على زند قرشي، ص: 32. (6/61)
صفحة 62
كيانهم، وتفاعلهما في دواخلهم، وفهمهم العميق لدلالاتهما.
من هذا المنطلق والمفهوم والمعتقد تناول الشّعراء موضوع العروبة، وقاموا برسالة تصحيحية للأفكار المنحرفة في هذا الفضاء المفتوح على التّأويلات والممارسات، التي أضرّت بالأصالة والوحدة بخاصّة.
يلاحظ القارئ المتأنّي للشّعر الجزائري، وبخاصّة ما قيل في أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر، كيف كان تعلّق الجزائريّين بالشّرق كثيرًا: الحديث عنه، مناجاته، محاورته، استمداد أسباب النّهوض منه، استرفاده في تطوير حياتهم، عتابه أحيانًا حين يقصّر في حقّ الجزائر ... كلّ هذا ناتج عن الحسّ الإسلامي الذي يسكن قلوبهم، ويحرّك وجدانهم، ويدفع بهم إلى تمثّله في حياتهم. فأصبحت كلمة الشّرق تعني عندهم الإسلام، الأصالة، العروبة، الجذور ... قال محمّد الصّالح رمضان:
لقد قال قوم: قد مسخنا فرنجة
وصرنا بمنأى عن بني الشّرق، مبهم
فما نحن إلاّ من سلالة يعرب
وللشّرق نعزى، لا لغرب مهدّم (1)
قال مفدي زكرياء يؤكّد هذه الحقيقة، سنة 1955م، وهو يتحدّث عن المغرب العربي:
به قلب العروبة مستقلّ
إلى وطن العروبة ذاب شوقا
فدام على عروبته وفيًّا
يراعي عهدها خُلُقًا وَخَلْقا
وولّى وجهه للشّرق، لَمَّا
تطلّع، يبتغي للعزّ أُفقا
فلم ينس العروبة، وهو حرّ
وما نسي العروبة، وهو يشقى
بلاد المغرب العربي (شرق)
وكانت قبلة العربي شرقا
رسول الشّرق، قل للشّرق إنّا
على عهد العروبة، سوف نبقى
وأنّا في الجزائر خير شعبٍ
عروبته، مدى الأجيال وثقى (2)
إنّ الشّاعر نفسه " يرى أنّ المغرب بأقطاره وطن واحدٌ، عربي الوجهة،
__________
(1) - الدّكتور صالح الخرفي، في رحاب المغرب العربي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985م، ص: 202.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 121 – 123. القصيدة التي منها هذه الأبيات عنوانها: " على عهد العروبة سوف تبقى". (6/62)
صفحة 63
شرقي الانتماء. ممّا يؤكّد على هوية الجزائر العربية الإسلامية. يبرز الشّاعر هذا حين يقرن الجزائر ويربطها بإحكام بمن يجاورها سكنًا، ويشاركها انتماءً ... انتماء يضمّ العروبة إلى الإسلام، ويجعل الإسلام يحوي العروبة" (1). قال الشّاعر نفسه:
كفر الألى قالوا: (الشّمال ثلاثة)
ودعوا إلى إذلاله بالنّار
نصبوا العصيّ على الحدود سفاهةً
وسعوا إلى توزيعه لضرار
المغرب العربي شعب واحدٌ
ملء العروق دم العروبة جاري
للشّرق، لا للغرب ولّى وجهه
فغدا له سندًا لخوض غمار (2)
يبقى الشّرق هو الرّمز الذي يمثّل الأصالة والوجهة الحقيقية عند الشّاعر الجزائري الملتزم بالخطّ الإسلامي. في هذه الأبيات يضيف الشّاعر: إنّ هذا الانتماء إلى الشّرق، والتّوجّه إلى قبلته، يعين على الثّبات في ميدان المعركة من أجل استرجاع الحريّة. نفهم هذا حين نستحضر أنّ القصيدة قيلت سنة 1955م، وحرب التّحرير الجزائرية في بدايتها. بإمكاناتها المادية البسيطة، هي في حاجة إلى دعم معنوي كبير؛ لمواجهة شراسة الاحتلال الفرنسي الغاشم.
في سياق آخر، وفي أتون معارك التّحرير، لا تفارق الشّاعر فكرة الارتباط بالشّرق، والاستنجاد به. قال في السّجن سنة 1956م:
جيش، إلى النّصر يحدوهم ملائكة
مسوّمون، بموج الموت يندفق
وجبهة، بسديد الرّأي تسنده
كلّ المعاميد فيها، مِدرهٌ لبقُ
وفتية، هرعوا للشّرق، يعضدهم
إن يَصعقوا، فكأنّ الكون ينصعق (3)
__________
(1) - الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، " الهوية في شعر مفدي زكرياء"، مجلة الحياة، معهد الحياة وجمعية التّراث، القرارة، الجزائر، عدد: 12، رمضان 1429هـ/ أكتوبر 2008م، ص: 229.
(2) - اللّهب المقدّس، ص: 118. في اللّوحة الفنّية تأثّر بالقرآن الكريم. فالشّاعر قال: كفر الألى، قالوا: الشّمال ثلاثة. والله تبارك وتعالى يقول: {لَقَدْ كَفَرََ الذينَ قَالُوا إِنَّ اللهََ ثَالِثُُ ثَلاثَةٍ وَمَا مٍِِنْ إِِلََهٍٍ إِلاَّ إلََهٌ وَاحِِدٌ .. } سورة المائدة، الآية: 73. ينظر تعليقنا على أبيات الشّاعر كتابنا: أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 243.
(3) - اللّهب المقدّس، ص: 27. (6/63)
صفحة 64
حين نستحضر الأجواء التي عاشها الشّاعر الجزائري، التي كانت ملوّثة بفيروسات التّنكيل بالأصالة، نعي جيّدًا دلالة الرّمز (الشّرق) في الشّعر الجزائري، ونفهم لماذا كثر استعمالها في التّعبير والتّصوير، والتّبشير والتّحذير ...
يرى الشّاعر أنّ منبع العروبة هو الشّرق، فماذا جاء به الشّرق؟ جاء بشمس الإسلام، جاء بالمقوّمات التي تبلور كيان المسلم، من لغة وتاريخ وعادات مصبوغة بالصّبغة الإسلامية، جاء بالفتوح التي فتحت على بلاد المغرب بأنواع السّعادة والهناء والاستقرار، التي فقدها حقبًا كثيرة في تاريخه، وقد عاش صراعات كثيرة ومتعدّدة مع مختلف الأقوام الذين غزوه في دياره ... اليوم وقد عاد المكر السّيّئ يحيق به، والسّلب الدّنئ ينال أرضه ومقوّماته، يكون المنجد معنى وحسًّا هو الشّرق.
كما أنّ الشّرق يحمل دلالة خاصّة، فالشّمس التي تحيي الأرض والعباد، تبزغ من الشّرق، والمسلم يولّي وجهه، ويستقبل ربّه في عبادته وصلاته، وهو متوجّه نحو القبلة (بالنّسبة لرجل المغرب تأتيه في الشّرق) ... كلّ هذه الدّلالات تبيّن الرّوح الإسلامية التي تحملها نفس الشّاعر الجزائري، وهو يتناول العروبة مربوطة إلى لفظة الشّرق. هذا هو التّصوّر الإسلامي لما يعرض، أو ما يتناول.
الشّاعر الجزائري الملتزم بالخطّ الإسلامي لا يفرّق أبدًا بين العروبة والإسلام، فهو يتناولهما بمفهوم واحد، وكثيرًا ما يرادف بينهما في القصيدة الواحدة. فطرته واحتدام مشاعره، هما اللّذان يوحيان له بالكلمة التي ينطق بها ويعبّر، وهو بذلك يخدم رسالته، التي تدفعه إلى تقديم المفهوم الحقيقي لدلالة الكلمات والمفهومات والمصطلحات، فاللّغة كلمات، تحمل رموزًا، وتنتج إيحاءات، وتفرز ظلالا، فمن يستعملها يجب أن يجيد الاختيار، ويتقن الاستعمال، ويحسن الاستخدام، ويحذق التّوظيف، ويعي رسالته في التّناول والتّوجيه. نضرب أمثلة بالشّاعر مفدي زكرياء.
نحن روح مزاجه الضّاد والدْ
دِينِ، فلن يستطيعَ قطّ انحلالا
قوم على الولاء خلقنا
يشهد الدّهر ذكرنا والفعالا (6/64)
صفحة 65
نحن شعبٌ على الزّمان عزيز
عربيّ، كالنّيّرين اشتعالا
عشتم للشّمال والشّرق والفصـ
ـحَى، وقضيتم الحياة نضالا
أيّها الشّعب والجزائر تشكو
في ثنايا الضّلوع داءً عضالا
وتنادي بني العروبة (وامعـ
ـتصماه) قد أحكموا الاغتيالا
إنّ شعبًا على العروبة والإسـ
ـلام قد شبَّ، لا يطيق فصالا
إنّ جنسًا مقدّسًا عربيًّا
ليس يرضى أن يستحيل خيالاً (1)
في هذه الأبيات ملاحظتان بارزتان:
1 ــــ حدّد الشّاعر هويّة الشّعب الجزائري، بقوله: (نحن، نحن، إنّ، إنّ، شعبٌ، شعبًا، جنسًا، روح ... ) هذا الشّعب مسلم عربي، لا يمكن أن يُعَرَّفَ ويُعْرَفَ إلاّ بعملة واحدة لها وجهان: الإسلام والعروبة. امتزج الضّاد، الذي يُمثّل العروبة بالدّين، الذي يمثّل الإسلام. شبّ عليهما هذا الشّعب، فلا يطيق عنهما انفصالا، ولا يمكن للرّوح التي جمعتهما أن تنحلّ عنهما، أو عن أحدهما.
2 ـــــ الارتباط بالشّرق واللّجوء إليه ظاهرة بارزه في سلوك الشّعراء الجزائريّين ونظمهم، حين يتعلّق الأمر بالحديث عن الأصالة، والشّكوى من الاعتداء عليها، وطلب النّجدة والغوث ... الجزائر تنادي بني العروبة قاطبة، وفي مقدّمة هؤلاء أهل الشّرق. الشّاعر دعا الجميع أن يعيشوا للشّرق والفصحى وشمال إفريقيا.
يؤكّد الشّاعر هذه الحقيقة في
__________
(1) - مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، ص: 212. هذه الأبيات من قصيدة، عنوانها: " صوت الجزائر بردة الوطنية الجزائرية"، نشرتها جريدة الشّباب التّونسية في عدديها: (5/ 3/ 1937م) و (7/ 4/ 1937م) وقدّم لها الكاتب والشّاعر التّونسي " بيرم التّونسي"، صاحب الجريدة بقوله: " إيه أيّتها الشّقيقة العزيزة، لقد بعد عهدك بالعربية حتّى كانت تنكرك، وتلهف النّاطقون بالضّاد على سماع صوتك بينهم. فها أنت تنجبين شاعرك الفرد مفدي زكرياء، يصوّر لنا ملامحك، ويقرّب إلى قلوبنا شخصك، وما خفي من شؤونك، وشجونك. و " الشّباب " ينشر مزهوًّا قصيدة مفدي زكرياء، التي خصّه بها دون الصّحف العربية، ويهنّئ الجزائر بشاعرها الفرد ". (6/65)
صفحة 66
موضع آخر، وفي ظروف أخرى، وفي بقعة أخرى، فمن السّجن، يرسل شعره ليثبت أنّ العروبة في الجزائر باقية، وأنّها بروح الإسلام ممتزجة. قالها وهو حرٌّ طليق، ونادى بها وهو مقيّد قابع في السّجن ... ممّا يرسّخ في الأذهان أنّ اختلاف الظّروف لا يغيّر في القضية شيئًا؛ لأنّ الأمر يتعلّق بمعتقد راسخ في القلوب، وفكرة ثابتة في الأذهان، وفطرة لا يمكن تجاوزها. قال عن وطنه الجزائر سنة 1956م:
أحبّها مثل جبّ الله، أعبدها
آمنت بالله، لا كفرٌ ولا نزق
أرض الجزائر في إفريقيا قدسٌ
رحابها من رحاب الخلد، إن صدقوا
قلب العروبة، لم يعصف بنخوتها
عسفٌ، ولا نال من إيمانها رهقُ (1)
إنّ كلّ ما صنعه المحتلّ الغاصب لم ينل من عروبة الجزائر، بل زادها ذلك تحدّيًا وثباتًا، فبقيت صامدة، محافظة على أصالتها ونخوتها وهويّتها؛ لأنّها تدثّرت واحتمت بالإيمان والعروبة، فهي أرض مقدّسة، استمدّت رحابها من رحاب حنّة الخلد. فلن ينال منها، ولن يعصف بها.
استغلّ الشّاعر مناسبة إقامة مدرسة الإخاء بمدينة بسكرة (تقع في الشّرق الجزائري) احتفالا، فأشاد بنشاطها وعملها الكبير في التّربية والتّعليم ... قدّم ذلك مازجًا بين العروبة والإسلام، ليبيّن للنّاشئة بخاصّة أنّ التّنشئة يجب أن تكون بهذا الأسلوب، وبهذا المفهوم. كما وجّه إرشادًا إلى القائمين على عمليّة التّربية والإعداد، أن لا يخرجوا عن هذا الإطار في عملهم. وهو رسالة إلى كلّ من يتنكّب الجادّة، فيفصل بين العروبة والإسلام. هذه مسؤولية الأديب المسلم، وهو ما يدفع إليه التّصوّر الإسلامي. قال سنة 1931م، تحت عنوان: " قف للعروبة حيّها ببسكرة":
كذا يطيب الجنَى، ولتشدُ ألحانُ
وليصغِ آثارنا في التّرب قحطان
بنخوة في عروقٍ، ملؤها شَممٌ
وعزّةٍ في دمٍ، يذكيه إيمانُ
وأنفسٍ عربيّاتٍ مقدّسة
دانت لها قبلُ أعراش وتيجان
قوم أعالون، أمجاد جحاجحة
كانوا هم الرّوحَ، والإسلام جُثمانُ
قوم هم العرب الأمجاد، لا عجبٌ
أن ندّعي صَيَدًا، والدّمع هتّانُ
قف للعروبة، حيّها ببسكرة
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 26. (6/66)
صفحة 67
وارقص لها طربًا، والقلب ولهان
لله مدرسةٌ، تزهو بنابِتة
كأنّها في رحاب الخلد بستانُ
من كلّ أبلجَ، يزهو تائهًا فرحًا
بنخوة بثّها في العربِ عدنانُ (1)
مزج الشّاعر مزجًا محكمًا بين الكلمات، التي تفصح بشكلها عن العروبة: (قحطان، عدنان، عربيات، العرب، العروبة) والكلمات التي تشكّل بمظهرها الإسلام: (إيمان، الإسلام، لله، رحاب الخلد). لكنّهما في الحقيقة شيء واحد، هو هذا المفهوم الذي يجعل العروبة والإسلام جسدًا واحدًا. والشّاعر بفطرته، وبانسياب مشاعره، زاوج بين الكلمتين، وبادل الأدوار بينهما في التّعبير والتّصوير، وربط بينهما ربطًا متينًا. هذه الصّياغة وهذا التّقديم لهما دلالتهما وقيمتهما، حين نعلم أنّ المقام والفضاء هو مجال التّربية والتّوجيه والإرشاد والإعداد، إذ يكون للشّكل أثره في المضمون، وبذلك يؤدّي الأديب الواعي رسالته أحسن أداء، وهي مهمّة الفنّان الملتزم.
إنّ تناول الشّاعر مفدي زكرياء، وغيره من الشّعراء الجزائريّين للفظة العروبة والإسلام والشّرق بهذه الطّريقة، يبيّن وعيهم الكبير لعملية التّعامل مع الكلمة، ويكشف عن الفكر الأصيل الذي يحمله هؤلاء الذين صنعوا هذه اللّوحات الفنيّة، ويبرز الدّور الكبير المنوط بالكلمة الشّاعرة المسؤولة (2).
3 - اللّغة العربية:
من مقوّمات الهوية، ومن مظاهر الشّخصية، ومن ركائز العروبة والإسلام اللّغةُ العربية. فهي الوعاء الذي يحمل الفكر الإسلامي، ويحفظه وينقله. وهي مظهر العروبة. من هنا كان اهتمام الشّعراء بها كثيرًا وكبيرًا وخاصًّا. اهتمّوا بها مفردات وتراكيب وصيغًا وأساليب، واقتباسات من المصادر الصّحيحة والقويّة، كالقرآن الكريم والحديث الشّريف والأدب العربي الأصيل ...
كما اعتنوا بها: دفاعًا عنها، وحماية لها من الاعتداءات المتكرّرة عليها. ورعوها: دعوة إلى إتقانها والتّمرّس عليها، واستعمالها في
__________
(1) - أمجادنا تتكلّم، ص: 97، 98، 99.
(2) - ينظر كتابنا: " الشّعر والهوية القومية " والنّتائج التي سجّلناها عن إسهام الشّعر الجزائري في بلورة مفهوم القومية، وتعداد
مظاهرها، التي من أبرزها مفهوم العروبة، ص: 58 – 62. (6/67)
صفحة 68
الحياة العامّة ... كلّ ذلك يدخل في إطار الرّسالة التي تحمّلوها؛ بدافع الالتزام بالخطّ الذي يربطهم بأصولهم ومبادئهم. وقد انطلقوا في هذا السّبيل من التّصوّر الإسلامي في التّفكير والتّحرّك.
كثيرًا ما يستغلّ الشّعراءُ مناسبات مخاطبة العظماءِ للحديث عن اللّغة العربية، تنويهًا بالأدوار التي قاموا بها، وتذكيرًا للأجيال بمسؤوليتها نحو هذه اللّغة .. وهي في كلّ الحالات رسالة يقوم بها الشّاعر نحو أمّته ووطنه وأصوله.
قال الدّكتور محمد ناصر سنة 1987م مخاطبًا شيخه الإمام إبراهيم بيّوض، في ذكرى وفاته السّادسة، مثنيًا عليه احتفاءَه بالضّاد: إتقانًا له، وتلقينًا لأبنائه، ودفاعًا عنه، وحماية له. هذه الأفكار والمشاعر التي ضمّها الشّاعر هذا الخطاب هي نُقُولٌ لما يحمله من هوى، وما يتبنّاه من رؤى نحو اللّغة العربية. وما يثقل قلبه ويوجعه، ممّا تتعرّض له هذه اللّغة، من أخطاء وأخطار في حقّها. هذا هو سلوك الفنّان الملتزم، وهذه هي اهتمامات الشّاعر المسلم. قال الشّاعر تحت عنوان: "المجد أنت مجاهدًا وموسّدًا"، وكان من جهاده العناية باللّغة العربية:
روّيتنا آي البيان من الكتاب،
فشبَّ في واحاتنا البلغاءُ
فهم النّخيل أصالةً وتفتّحًا،
وهم الغدير، تُحبّه الصّحراءُ
الحرف حنّ في فصحاكَ "حاءٌ"
قد ترعرع في حشاي و"باءُ"
وغرست في أحشائنا حبّ الفصيح،
فما لنا بدل الفصيح حُداءُ
والضّاد في أحشائنا نورٌ من الـ
ـــقرآن، شعّ فأورقت أحشاءُ
لم تغرنا باريس "بالشّقراء" تسبي
عاشقيها في الحديث " الغاءُ"
أو ينسِنا الفصحى لسانُ جدودنا،
وهم هوَوا حرف الكتاب وشاؤوا
رفعوه في رأس البلاد مآذنًا،
هزّت قلوب المسلمين فَجاؤوا
وحموه من سيف الدّخيل، وللدّ
خيل شراسة في حقده عمياءُ
فهم لهم الأنصارُ، إن عزّ الفدا
شرفوا به، الأمواتُ والأحياءُ (1)
ما لقّنه الشّيخ بيّوض أبناءَه هو لغة فصحى، مستمدّة من القرآن الكريم، تغلغلت في الأحشاء فأورقت، وسكنت
__________
(1) - في رحاب الله، ص: 42. (6/68)
صفحة 69
القلوب فاستنارت، ربط بينها والأبناء حبّ دافئ عميق، فأحدث فيهم غرامًا بها وعشقًا، سدّ الطّريق أمام كلّ لغة أخرى، تزحف لتستأثر بالهوى والهيام، فتسبي العقول والقلوب، سواء كانت لغة باريس تتمايل، وهي الشّقراء، تزحف بِـ (غائها)، أم كانت لغة الأجداد، أي اللّغة الأمازيغية التي هي لغة الشّاعر محمد ناصر. فمكان اللّغة العربية في القلب لا يقلع، ومقامها في النّفس لا ينزع. يكفي أنّها (نور من القرآن، وحرف الكتاب، ومن آي البيان من الكتاب ... ) فما دامت مرتبطة بالقرآن فهي الجديرة بالتّقدير والاحتفاء والرّعاية.
من هنا رفع الآباء الحرف العربي فوق رؤوسهم مآذنَ، واعتنوا به وبشّروا؛ بما هزّوا به قلوب المسلمين. ومنهم شيخه الإمام بيّوض. وهو ما يجب أن يفعله الغيورون على دينهم ولغتهم، ويقوم به كلّ فرد مؤمن بمقوّماته الإسلامية، وقيمه الأصيلة.
قال الشّاعر نفسه يخاطب أستاذه الشّيخ عدّون بن بالحاج (سعيد شريفي) (1321– 1425هـ / 1902 – 2004م):
الضّاد عهدك، كم نشرت له المدارس
للشّبيبة، تحمل الفصحى قضيّه
وقوافل الأجيال، كم وردت بحوضك
تنهل الفصحى كؤوسًا أحمديه
الضّاد في لهواتهم، والبربرية في
لبان الأمّهات لهم سجيّه (1)
أشاد الشّاعر بشيخه؛ لأنّه قضى حياته في خدمة اللّغة العربية، وسخّر الوسائل الكفيلة بتنشئة الأجيال على إتقانها وعشقها وحبّها. أثنى عليه؛ لأنّه اتّخذ الفصحى عهدًا، وحملها قضية. مدحه لأنّه نشّأ الشّبيبة على حذق اللّغة التي تخدم الإسلام، فهي تشرب كؤوسًا أحمدية. أليس في هذا التّناول الرّوح الإسلامية؟ أليس في هذه اللّفتات يكمن التّصوّر الإسلامي؟
قال عبد الكريم العقون (ت 1956م) مخاطبًا أمير البيان شكيب أرسلان في ذكرى وفاته سنة 1949م. مذّكرَه بدوره في خدمة لغة الضّاد. والخطاب موجّه إلى الأحياء، أكثر ممّا هو يعني الفقيد، الذي ذهب إلى ربّه قرير العين، وقد أدّى ما عليه نحو لغة القرآن والبيان، فالدّور على من بقي حيًّا:
__________
(1) - مجلّة الحياة، عدد: 8، رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004م، ص: 243. (6/69)
صفحة 70
فوا رحمتا للعرب، تبكي فقيدها
"شكيبًا" لها دمع مدى الدّهر هتّان
خلقت لدين الله والضّاد حارسًا
فأنت لعمر الله, للمجد عنوان
تجاهد للفصحى جهادًا، يزينه
مضاءٌ وإقدامٌ وعزم وإيمان
ثمانون عامًا، في الكفاح قضيتها
ذيادًا عن الفصحى، به الغرب حيران
فيا علمًا قد كان في الشّرق خافقًا
به يحتمي حقّ مهانٌ وأوطان
عزيز علينا أن تغيب، وينطوي
كتاب به فضل، ودين وعرفان (1)
لم يكن البكاءُ في هذه اللّوحة سوى على القيم، التي فقدت حاملها وحاميها، ولم يكن الأسف إلاّ خوفًا على اللّغة العربية ألاّ تظفر بمن يقوم عليها. اللّغة المرتبطة بالدّين والوطن والأصول. وليست هذه الإيماءات والنّفثات سوى دعوات إلى المعاهدة على البقاء على الوفاء بعهد الأمير شكيب أرسلان. فاللّغة العربية في حاجة إلى جهاد وكفاح ودفاع، ومضاء وإقدام؛ للذّود عنها وحِمايتها. اللّغة، التي ما تفتأ تهان وتداس.
في افتتاح مؤتمر طلبة شمال إفريقيا بالجزائر سنة 1932م، قال مفدي زكرياء، مناشدًا الاهتمام باللّغة العربية، داعيًا إلى رعايتها:
بني الشّرق، هلاّ اليوم نظرة راحمِ
إلى لغة، أمست رهينة أصفاد
إلى لغة تشكو عقوق رجالِها
وقد أصبحت للغير كعبة قصّاد
ألا ترقبون الله فيها، فإنّها
لسان كتابٍ، من هدي الله وقّادِ
هي البلبل الصّدّاح من عهد آدمٍ
على غصن ريّان، بالوحي ميّاد
هي المثل الأعلى وينبوع حكمة
بها ضربت دون اللّغات بأسداد
فلا غرو إن أصبحْتُ صبًّا بِحبّها
ولا بدعَ إن أصبحتُ بلبلها الشّادي
ولا غرو إن ملكت طوعًا رقابَها
وصرّفت في تقليبها كفّ تنقاد
وسقتُ سفيني فوقَ لُجّة بَحرها
وألقيتُ دلوي عندها مع ورّادِ
وكلّلت من شعري جبين حياتِها
وأرغمتُ من أبنائها أنف حُسّادي (2)
لسان كتاب الله، في حاجة إلى مراقبة الله فيها، ورفع عقوق الأبناء عنها. إنّها المثل في القوّة والمتانة والإحكام. هي حاملة الوحي، وينبوع الحكمة. لذا هي جديرة بالاهتمام والعناية. فالشّاعر يفتخر
__________
(1) - في رحاب المغرب العربي، ص: 208.
(2) - مفدي زكرياء شاعر النّضال والثّورة، ص: 204. (6/70)
صفحة 71
أنّه تمكّن من إتقانها، فصدح بها عاليًا في الآفاق والمنتديات، كما هو في هذا المحفل الذي جمع الطّلبة. ويعتزّ أنّه أندي جبين اللّغة بشعره، الذي كتبه بحروفها، وبجودة عالية. لسان حال الشّاعر يقول: هذه التّجربة أمامكم أيّها الطّلبة، فاستلهموها، وسوقوا سفنكم فوق لجج بحر اللّغة، وألقوا دلاءكم مع الدّلاء، كي تردوا من حياضها، وتسقوا بها زهراتكم، فتنمو وتتفتّح أكمامها، وترسل أريجًا مفيدًا، ينعش النّاس، كما أفعل أنا.
هذه هي رسالة الشّاعر الملتزم، الموفّي بعهده، الشّاعر بِمسؤوليته نحو أحد مقوّمات شخصيته. وهذا هو تفكيره وتدبيره اللّذان ينطلقان من الرّوح الإسلامية، التي تسكن جنبه، وتملأ حناياه، وتتململ بين طواياه (1).
4 ــــ التّاريخ:
ركّز الشّعراء على الجانب التّاريخي لمحاربة ظاهرة الانفصال عن الأصول، والابتعاد عن المنابع، ولوقف نزيف التّشكيك في أصالة تاريخ الشّعب الجزائري. ولقطع الطّريق أمام كلّ من يبغي على هذا الشّعب، ويبغي له تلاشيًا وذوبانًا. ومن جهة أخرى كان الشّعراء يهدفون إلى إيقاف النّشء -بخاصة - على مكامن العبر في تاريخهم، ومواطن العظات فيما قدّمه الأسلاف والصّانعون للتّاريخ. هذا أيضًا واجب ديني حمله الشّعراءُ على كواهلهم، تحرّكوا له بروح إيمانية؛ بما يخدم رسالتهم.
نحا الشّعراء كثيرًا منحى التّوعية، واستنهاض الهمم، من خلال ذكر جوانب من التّاريخ التّليد، والمقارنة بينه وبين الحالة الرّاهنة التي يعيشها أبناء هذا التّاريخ. قال محمد العيد سنة 1935م:
إنّ للعربِ في الحضارة قِدْمًا
قَدَمًا للورى، عليها استناد
كم وعوا في الحجاز من قبل روما
وأثينا من حكمة وأفادوا
وعت الأرضُ كلّ ما عادَ من عا
دٍ عليها، وشادهُ شدّاد
وأضعنا الأثارَ، فامّحت الطّرْ
قُ، وضلّت من بينها الرّوّادُ
أيّها المشرقون في ظلم التّا
ريخ، هل عصركم علينا يعاد؟
__________
(1) - عن وقفة الضّاد في وجه المستعمر في الجزائر، كما قدّمها الشّعراء، ينظر الدّكتور صالح الخرفي، شعر المقاومة الجزائرية، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، ص: 265 – 272. (6/71)
صفحة 72
ذابت الأنفس اشتياقًا لِمرآ
كم، وحنّت الأكبادُ
كلُّ ما شدتم على الأرض من مَجْـ
ـدٍ تليد، أضاعهُ الأحفادُ (1)
الحزن على حاضر أبناء الإسلام واضح في هذه الأبيات، والحرص في استرجاع هذا المجد بارز فيها أيضًا، ودعوة الأخلاف إلى الوفاء لأمجاد الأسلاف بيّن في هذا النّصّ. لهذا عمد الشّاعر إلى الحثّ على أخذ العبر من الماضي التّليد، والنّداء إلى القيام، كما قام الآباء، فسجّلوا هذا المجد. بدليل ما ذكره قبل هذه الأبيات:
حرتُ في عزونا إلى العرب لولا
فِكَرٌ خصبةٌ ولُسْنٌ حدادُ
ونفوس لنا تُهيبُ إلى المَجْـ
ـدِ بنا، ما لها سواه مراد
ما يفتأ الشّاعر نفسه يكرّر أسفه على ما آل إليه حال المسلمين من الهوان والضّعف، بعد الأمجاد التي سجّلها من سبق من سالف الأمّة. يذكر ذلك مقارنًا ما قدّموه من آيات التّفوّق والتّميّز، بما أنجبه الغَرْبُ، الذي استهوى شباب الأمّة الإسلامية، وأغراهم وغَرَّرَ بهم ليسيروا في ركابه، بعيدين عن أصولهم. فقد أسكرهم بِمشروعاته، وطوّح بِهم بمؤامراته. والشّاعر بهذه اللّفتات يريد أن يستنهض الهمم، ويدفع بالأخلاف إلى الرّجوع إلى رشدهم، فيتمسّكوا بماضيهم وتاريخهم. أشار إلى الجزائرِ، وطنِ من يخاطبهم قائلاً:
لنا وطنٌ مثل الفراديس بهجة
فكيف رضينا أن يداس وينهبَا؟
وكيف رضينا أن نعيش أذلّةً
ضعافًا يرانا الغير أحقر من هبَا؟
حيارى كقطعان جفتها رعاتُها
فأغرت بها خصمين: ذئبًا وثعلبَا
ألسنا من الأجناس أفصحهم فمًا
وأسْمحهم دينًا، وأصلحهم أبا؟
بنا درّت الدّنيا عليهم بِخيرها
وأخصبَ منها كلّ ما كان أجدبَا
ولدنا وأنجبنا، ففزنا عليهمُ
ومن ولد الصِّيدَ المناجيد أَنْجبَا
فهل أنجبوا فيها (عليًّا) و (خالدًا)
و (عمْرًا) و (معنًا) وابن قيس) و (مصعبَا)؟
وهل أنجبوا مثل (الغزاليِّ) باحثًا
ومثل (ابن خلدون) خبيرًا مدرّبَا؟
وهل أنجبوا مثل (ابن حيّان جابرًا)
وهل جرّبوا من قبلُ ما كان جرَّبَا؟
وهل نشروا في الكون عدلاً ورحمةً
كأجدادنا، أم صيّروه مُخَرّبَا؟
يقاسي من الأرزاء شرًّا منظّما
__________
(1) - ديوان محمد العيد، ص: 119. (6/72)
صفحة 73
ويلقى من الأهواء ظلمًا مرتّبا (1)
أسئلة فيها تقريع وتقرير وتنبيه، الهدف من ذلك هو تسجيل المآثر، وإيقاظ الضّمائر، ودفع الجرائر، عن وطن الجزائر، ثمّ بقية الأوطان الإسلامية. هذه الإيماءات، وهذه الوخزات داخلة في إطار التّوعية التّاريخية، التي قام بها الشّعر الجزائري لوقف الهجوم المنظّم والمبيّت على الشّخصية الإسلامية، بدايتها الالتفات إلى الماضي، التفاتَ تذكير واعتبار، لتُبنَى عليه الدّعوة إلى التّخلّصِ من التّبعية إلى غير الثّقافة والفكر الإسلاميين (2).
لا يغفل محمد العيد عن التّاريخ الإسلامي، فيذكّر الأبناء ببعض الأسماء التي عرفت في التّاريخ بتميّزها. هذه المرّة يشير إلى بعض الأعاجم الذين آمنوا وحسن إسلامهم، فشرفوا بالإسلام، وهم أيضًا قاموا بواجبهم في خدمة الدّعوة الإسلامية. قال هذا في سياق خطابه إلى من يسمّى (بِنْوَا)، وهو فرنسي الجنسية، اعتنق الإسلام، بعد أن اقتنع به. وأصبح اسمه (عليّ سليمان):
إنّي أراك علوت قومك رتبة
و (سلمت) من شركٍ، ومن إجرام
فالْحَقْ بِـ (إتيان) و (جونسو) رفعةً
وكرامةً، واخلد على الأيّام (3)
هذا هدى، من قام مضطلعًا به
أمَّ الرِّجال، وشمَّ كالأعلام
(سلمان) فاق الفرس أجْمعهم به
و (صهيب) فاز به على الأروام
وبلال ساد به على الأحباش، ما
دوّى الأذانُ بمطرب الأنغام
(بِنْوَا) بنو الإسلام من أقطارهم
حيَّوك بالتّرحيب والإعظام
أنت الفرنسيّ الحنيفُ، فمرحبًا
بكَ من شقيقٍ، واجب الإكرام (4)
تسجيل هذا الحدث المهمّ، والإشارات التي ركّز عليها الشّاعر، تفصح عن الغرض، وهو الإشادة بالإسلام، وبفضله في الارتفاع والارتقاء بمن يعتنقه ويتبنّاه. كما أنّ فيه تطمينَ المسلم الجديد، بأنّه
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 195.
(2) - ينظر مزيدًا من التّفصيل في الموضوع الدّكتور صالح الخرفي، الشّعر الجزائري، ص: 95 - 133.
(3) - هما الفرنسيان اللّذان دخلا في الإسلام، نصر الدّين إتيان ديني، وعبد الكريم جونسو.
(4) - ديوان محمد العيد، ص: 214، 215. (6/73)
صفحة 74
سيسعد بالإسلام، فما عليه إلاّ أن يثبت، ولا يتأثّر بالمضايقات التي بتعرّض لها من أقربائه، ومِمّن لا يرضى له هذه الوجهة الجديدة. فأمامك من الأعاجم أمثالك، من أسلموا وحسن إسلامهم، ووجدوا مكانتهم في المجتمع الإسلامي. وقد قدّموا جهودًا كبيرة وتضحيات جسامًا للدّعوة الإسلامية، اتّخذهم مَثَلَكَ وقدوتك. كما أنّ في هذا التّناول إيماءة لطيفة مبطّنة إلى بقية أبناء الإسلام، أن يُفيدوا من هذه الإشارات التّاريخية، فيثبتوا على دينهم، كما ثبت أولئك، ويقوموا بواجبهم كما قاموا. وقد أشار الشّاعر في القصيدة إلى (بنْوَا عليّ سليمان) أن ينهض ويشمّر لنصرة الإسلام وحمايته من الأعداء.
يضيف مفدي زكرياء جانبًا آخر من عظمة الأمّة الإسلامية، وهو جانب القوّة والصّلابة، والتّأثير في التّاريخ. سجّل هذا وهو يدعو قومه من أبناء الجزائر أن يضاعفوا جهودهم لاسترجاع حريتهم من الغاصب المحتلّ. ففي ماضي آبائهم آيات من البطولة والقوّة والبسالة، التي قلبوا بها وجه التّاريخ لصالحهم. فليتّخذوهم إسوة. في الوقت نفسه ينذر المساومين والمستهترين بحرية الجزائريّين؛ غزاة ومتخاذلين في القضية من شعوب العالم. في كلّ هذا كان التّاريخ هو المصدر، وهو المَعين. قال الشّاعر:
وإنّا أمّة وسط، نصافي
مودّتنا الألى، قالوا صوابَا
وإنّا أمّة للمجد قامت
على الأشلاء، وامتلأت شبابَا
وعن أصلابنا قِدمًا ورثنا
دمًا حرًّا، وأضلاعًا صِلابَا
نزلنا من معاقلنا صقورًا
وصلنا في الوغى، أُسدًا غضابَا
وفي استقلالنا متنا كرامًا
وبلّغنا الرّسالة من تغابى
وقلّبنا من التّاريخ وجهًا
وجدّدنا لهيكله إهابَا (1)
إنّ الهدف من هذه الإشارات التّاريخية هو تذكير النّاكرين والجاحدين والمستهزئين بالشّخصية الوطنية، والمساومين في الأصالة، بما يبدونه، من إنكار حقيقتها، وعدم الاعتراف بقوّتها وقيمتها، بدليل أنّ الشّاعر أنهى القصيدة بإنذار المستعمر أنّ القوّة التي استمددناها من تاريخنا، ستكون المدد في إبعادكم عن حمانا، والنّأي بكم عن المساس بشخصيتنا:
وجئنا بالخوارق معجزات
__________
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 40، 41. (6/74)
صفحة 75
فلم نترك لناكرنا ارتيابَا
وخضناها (ثلاث سنين) دأبًا
فأصبحنا من التّحرير قابَا
فلا نرضى مساومة وغبنًا
ولا نرضى لسلطتنا اقتضابَا
ولن نرضى شريكًا في حِمانا
ولو قسمت لنا الدّنيا منابَا (1)
قال الشّاعر هذه الأبيات ضمن قصيدة، عنوانها: " قال الله " سنة 1957م، مخلّدا الذّكرى الثّالثة لثورة التّحرير الجزائرية، ومسجّلا انتصارات الثّوّار على الجيش الفرنسي، المدجّج بالعتاد الحربي المتطوّر، والمساند من الجهات المعادية للجزائر، وللكيان الإسلامي والعربي." فربط الشّاعر ظفر الأخلاف بانتصارات الأسلاف. وفي هذا التّناول ربط الأجيال بالتّاريخ وبالأصول ... هذه الإيماءات من شأنها تقوية الرّوح القومية في النّفوس، وتركيز حقيقة الهوية في الأذهان. وهي التي تجعل الشّخص – إذا وعاها حقّ الوعي – واقفًا سدًّا منيعًا في وجه كلّ من يحاول تشكيكه في هويته، وتبقيه دائمًا معتزًّا بشحصيته، مهما يساومه فيها غيره، ومتعلّقًا بأرومته مهما يكن حال وطنه، ومهما يلحقه من بلاده" (2).
حين تكون الرّسالة واضحة، ويظلّ الضّمير يقظًا، وتبقى الغيرة على الشّخصية الأصيلة مستأثرة بالنّفوس، تصبح المناسبات كلّها صالحة ومهيّأة وموجّهة لاسترفاد التّاريخ واستثارته؛ لبعث النّخوة والهمّة في الكلّ للارتباط به، وتوظيفه في النّهوض والقيام بالواجب نحو الدّين والوطن والمقوّمات. يستغلّ أحمد سحنون حلول شهر محرّم، وهو بداية عام جديد في حياة المسلمين، فيستنهض همم شباب القرآن، ويستثير عواطف شبيبة طه، ويحرّك مشاعر فتية الضّاد؛ ليرجع إلى جادّة الطّريق، ويعمل على تحرير نفسه من براثن الشّهوات، وفكّ أسره من نير الاستعمار. فهذا التّاريخ أمامك، وهذا سجّل سيرة طه الرّسول - صلى الله عليه وسلم - مفتوح لك، وهذه ذكرى الهجرة تحلّ عليك تذكّرك وتعظك وترشدك. يقول الشّاعر:
يا فتية الضّاد، هذا
شهر المحرّم حيَّا
شهر تألّق فيه
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 41.
(2) - محمد ناصر بوحجام، " الهوية في شعر مفدي زكرياء"، مجلّة الحياة، ع: 12، ص: 236. (6/75)
صفحة 76
تاريخنا عبقريَّا
يبدو به كلّ عام
كغرّة في مُحيَّا
عودوا إليه ففيه
ما يستفزّ الخليَّا
عودوا إليه ففيه
ما يَخلق الوطنيَّا
فيا شبيبة طه
وجنده المفديَّا
ومن بذكراه أضحى
رغم العوادي حفيَّا
محمّد ليس يرضى
بأن تعيش شقيَّا
وإن قنعتَ بدونٍ
يكون منك بريَّا
إن لم تكن مثل طه
فلست في طه شيَّا
تبني كما كان يبني
مجدًا يطول الثُّريَّا
إلى الأمام لتقصي
عن الحمى الأجنبيَّا
عار على جند طه
أن لا يكون قويَّا (1)
نسبة الشّباب إلى الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، وإلى الضّادِ، اللّسانِ العربي، وربطهم بوطنهم، يدلّ على قصد الشّاعر إلى استثارتهم للارتباط بأصولِهم، والعمل على تصحيح كلّ ما يخدش هذه الصّلة. كما يدلّ أيضًا أنّ استلهام هذا التّاريخ يبعث الهمّة والثّقة في الفتية؛ كي تتحرّك لاسترجاع ما سلب منهم، ودفع ما يخدش أصالتهم. مضمون الأبيات الثّلاثة الأخيرة يؤكّد هذا.
إنّ الشّعراء حاولوا أن يربطوا الأجيال المتعاقبة بماضيها، وأن يحيوا المناسبات التّاريخية لاستلهام التّاريخ في بعث النّخوة في الشّباب. وأشادوا ببطولات بعض الرّجال الأفذاذ الخالدين ليزرعوا في النّفوس القيم والشّمائل التي تدفع إلى ميادين الكفاح والعمل بقوّة وثقة. وذكّروا بالمواقف ليختصروا الطّريق أمام الشّباب في الجهاد والنّضال ... على العموم عمل الشّعراء على أن يوجدوا اللّحمة بين الأجيال وماضيها، وأن يرجعوا بالشّخصية إلى جذورها، وهي جذور تتعمّق في تربة الإسلام والعروبة.
إنّ الشّخصية الوطنية، التي هي انعكاس للشّخصية الإسلامية، جسّدها الشّعراء في أشعارهم، منطلقين من أبعادها الثّلاثة: الإسلام والعروبة والتّاريخ. الدّين مصدر وحدة الشّعب وعزّته. العروبة مستوحى القيم. التّاريخ ملهم المواقف الوطنية والقومية. (2) جسّد مفدي زكرياء هذا بقوله:
نَحن في هذه الجزائر إخوا
ن، جراحاتنا الثّخينة حمرا
لُحْمةُ الضّاد، والعروبة، والتّا
ريخ، والدّين: آي ربّك كبرى (3)
الشّيخ ابن باديس نفسه قال معلّقًا على ما أدلى به أحمد شوقي، من أنّ الجزائر:: لا عيب فيها، سوى أنّها قد مُسخت مسْخًا ... " ... وَلَعَلم أنّ الأمّة التي صبغها الإسلام، وهو صبغة الله. وأنْجبها العربُ، وهي أمّة التّاريخ. وأنبتتها الجزائر، وهي العاتية على الرّومان والوندال، لا تستطيع، ولن تستطيع أن تمسخها الأيّام ونوائب الأيّام" (4).
هذه المعالجة الواعية المسؤولة لِمَوضوع الهويّة أنتج ثمارًا طيّبة، أثلجت صدر الشّاعر مفدي زكرياء، صوّر هذا، وعبّر عنه بما مكنّه من أن يقدّم دعوة للسّير في هذا الاتّجاه، وبهذه المنهجية، لتأدية الواجب في التّنشئة السّليمة للبقاء في الصّراط السّويّ؛ بالمحافظة على الأصالة. إنّها رسالة الشّعر في التّوجيه والتّوعية والتّرشيد. قال مفدي زكرياء في إلياذته، بعد أن عرض بعض صور التّخنّثّ والميوعة والتّخلّي عن الأصالة، التي أبداها بعض الشّباب، يثني على من أفلت من هذه الحمأة والوحل، ونجا من هذا المستنقع الآسن:
وأفلتَ من قفص الاتّهام
شباب أصيلٌ، وفيّ الذّمامْ
شباب تطهَّر فيه الضّميرُ
فأعرضَ عن شبهات الطّغام
وأشربَ من نبعِ إسلامه
وفلسفة الدّين روح النّظام
ولم يتنكّر لأَمْجاده
وأجداده الخالدين العظام
ولم يكُ بالتّبعيات يغزى
ويجري وراء السّحاب الجهام
ولا بالمذاهب يُغري فتُشرى
ببخسٍ عقيدته كالسّوام
ولم تختطفه مراهقةٌ
ثقافيةٌ، ضلّ عنها الفِطام
ولم تُجْدِ فيه معاولُ هدمٍ
يصوّبُها دارس الانْهزام
__________
(1) - الشّعر الجزائري، ص: 116.
(2) - ينظر كتابنا: الشّعر والهوية القومية، ص: 60.
(3) - اللّهب المقدّس، ص: 283.
(4) - شعر المقاومة الجزائرية، ص: 275. ينظر أيضًا مجلّة الشّهاب، الجزائر، ج4، م10، ذو الحجّة 1352هـ/ 17 من مارس 1934م. (6/76)
صفحة 77
ولم يتأقلم بيسرى ويُمنى
وإسلامه بين ذاك قوام
شباب عليه مناط الرّجا
فمنكم، ومنّي عليه السّلام (1)
بِهذه المعالجة الأصيلة للهوية الوطنية، بقي الشّعراءُ أوفياء لخطّهم في التّعبير عن أحداث وطنهم، وفي نقل رؤاهم وأفكارهم، التي تتفيّأ التّصوّر الإسلامي وتتدثّر به. من هذه المراحل التي سجّلها الشّعر الجزائري، بل واكبها وعايشها، مرحلةُ الثّورة التّحريرية. فقد أسبغ عليها الشّعراء اللّباس الإسلامي؛ لأنّها أصلا انطلقت باسم الإسلام، وقامت لتحرّر الإسلام من براثن الأعداء.
الخاتمة:
هذه بعض الملامح عن المضمون الإسلامي للشّعر الجزائري. حاولنا من خلالها الكشف عن هذا الوجه الغائب عن كثير من الدّارسين، وبخاصّة غير الجزائريّين، وهو متجاهل من بعض الدّارسين الجزائريّين، الذين لا يعجبهم ولا يرضيهم أن يقال: إنّ في الشّعر الجزائري مضمونًا إسلاميًا. بل إنّ هذا يقلقهم ويزعجهم، ويقضّ مضاجعهم؛ لأنّه يفسد عليهم خططهم في تجريد الجزائر من أصالتها، ويعيق مخطّطاتهم في تحويل وجهة الجزائر غير الوجهة الشّرقية، التي تعلّق بها الشّعراء ذوو الاتّجاه الإسلامي.
كما أنّ هذا المضمون مجهول عند النّاشئة، التي يراد لها أن تتحوّل عن قبلتها الحقيقية، إلى وجهات أخرى، فلا تُلقّنُ هذا الشّعر، ولا تُعرَّفُ بِهذا الاتّجاه؛ حتّى لا تكون عالة على سياسة التّهجين والاندماج، التي لم تفلح فيها فرنسا، وهي ماسكة بزمام الأمور في الجزائر، أيّام الاختلال الغاشم.
حاولنا التّركيز على بعض المظاهر، التي ظهر فيها التّصوّر الإسلامي، كالانتماء والعقيدة والهوية، تناولنا فيها العروبة والإسلام، واللّغة العربية، والتّاريخ. وهي أبرز مقوّمات الشّخصية. وهناك مجالات أخرى، لم نتمكّن من التّطرّق لها، لمحدودية حجم الدّراسة. أمّا شعر الثّورة فقد أفردنا له دراسة خاصّة كما أنّنا اقتصرنا
__________
(1) - إلياذة الجزائر، ص: 109. (6/77)
صفحة 78
على بعض الشّعراء؛ للسّبب نفسه، لكنّنا اخترنا أبرز الشّعراء الذين يمثّلون هذا الاتّجاه. أغلب النّماذج كانت ممّا قيل تحت الاحتلال، وقد بدا فيها الحسّ الإسلامي أكثر, هذا بدوره يعرض سؤالاً: لماذا كان التّصوّر الإسلامي في شعر ما قبل الاستقلال أظهر وأعمق؟ هل هي الحقيقة؟ هل هناك شعر ضرب بينه وبين النّشر والظّهور بسور؟ قلّته، أو حجبه، أو مضايقة أصحابه، أو تقصير أهله, أو تقاعس أربابه ... أين يكمن السّببُ؟ كلّ ذلك في حاجة إلى بحث ودراسة وتحليل ومعالجة موضوعية ومعمّقة.
ما سجّلناه مِمّا قرأناه وما عرضناه من هذا الشّعر هو ما يأتي:
1 ـــــ تغلغل الرّوح الإسلامية في نفوس ناظميه، ووعي رسالتهم الشّعرية، التي لم تتحوّل عن خدمة الدّعوة الإسلامية، والمجتمعات التي يتحرّكون فيها، والقضايا الإسلامية، التي يحملون همّها، ويتفاعلون معها.
2 ـــــ تشرّب مصادر الثّقافة الإسلامية، والإصدار عنها في كتاباتهم، وبخاصّة القرآن الكريم. فقد وعَوا مضمونه، وفهموا لغته، وفقهوا أساليبه، وحذقوا طرق الاقتباس منه. فكان القرآن حاضرًا في قصائدهم، وبخاصّة الشّعراء المتمرّسين. إنّ نقطة الارتكاز في التّعبير والنّظم بتصوّر إسلامي كان القرآن الكريم عند هؤلاء الشّعراء.
3 ـــــ عالجوا بكلّ صدق وإخلاص وصراحة الأوضاع المتردّية، التي لا تتماشى مع الرّوح الإسلامية. وهذا داخل ضمن الرّسالة التي تفرضها الأمانة التي هم مسؤولون عنها أمام الله.
4 ـــــ ربطوا ربطً مُحكمًا بين التّاريخ والحاضر الذي عاشوه، واتّخذّوا من الماضي محطّات للانطلاق في التّصحيح والتّأسيس والتّطوير.
5 ـــــ إنّ الشّعراء حاولوا أن يربطوا الأجيال المتعاقبة بماضيها، وأن يحيوا المناسبات التّاريخية لاستلهام التّاريخ في بعث النّخوة في الشّباب؛ ليزرعوا في النّفوس القيم والشّمائل التي تدفع إلى ميادين الكفاح والعمل بقوّة وثقة. على العموم عمل الشّعراء (6/79)
صفحة 79
على أن يوجدوا اللّحمة بين الأجيال وماضيها، وأن يرجعوا بالشّخصية إلى جذورها، وهي جذور تتعمّق في تربة الإسلام والعروبة. هذه الشّخصية الإسلامية، جسّدها الشّعراء في أشعارهم، منطلقين من أبعادها الثّلاثة: الإسلام والعروبة والتّاريخ. الدّين مصدر وحدة الشّعب وعزّته. العروبة مستوحى القيم. التّاريخ ملهم المواقف الوطنية والقومية. (6/80)
صفحة 80
- قراءة تحليلية في فكر بيجوفيتش ومالك بن نبي -
الدكتور محمد بن موسى باباعمي
معهد المناهج، الجزائر
ت
تمهيد:
الحمد لله خالق الإنسان في أحسن تقويم، والواهب للجمال وللجوارح التي تتملَّى كلَّ جميل ... القائل في محكم تنزيله: ژ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) ژ [النحل: 78]. وهو الذي جلَّ شأنه ضبط هذه الآلات بضابط الخلق والحشمة والطهر، وسائلنا وسائلها يوم القيامة، فقال: ژ ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ژ [الإسراء: 36].
والصلاة والسلام على النبي الأميِّ، صاحب الذوق الرفيع، القائل فيما روى عنه ابن مسعود: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَة. ً قَالَ عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (رواه مسلم).
أما بعد،
فيأخذ البحث في "الفن" عموما، و"الفن الإسلامي" بالخصوص أشكالا ومداخل متعددة، لعل أبرزها: البحوث التأصيلية (1)، والفقهية (2)، والنقدية،
__________
(1) - انظر- بحوث ودراسات تأصيلية، صادرة عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، في الرابط:
http://iiitweb.org/arabicpublications.aspx
وانظر مثلا: أسامة القفاش: مفاهيم الجمال رؤية اسلامية؛ سلسلة المفاهيم والصطلحات رقم 03؛ 1417هـ/ 1996م.
(2) - لا يزال الحكم الشرعي للفن عموما، والإنشاد والغناء بالخصوص يشغل حيزا كبيرا من اهتمام الفقهاء، ويتراوح بين مجيز ومحرم، ولقد كتبت الآلاف من المقالات والبحوث من مدارس مختلفة، من بينها:
*القرضاوي، يوسف: الحلال والحرام في الإسلام؛ المكتب الإسلامي للطباعة والنشر؛ ط15: 1994م.
*الخديع، عبد الله بن يوسف: الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام؛ مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع؛ ط2، 2005 ..
*باجو، مصطفى: حكم الغناء في الإسلام؛ فتاوى مخطوطة، بحوزة المؤلف. (7/80)
صفحة 81
والفلسفية (1)، والجمالية (2)، والتاريخية (3)، والأدبية ...
غير أنَّ المدخل العقدي والحضاريَّ يندر في المصادر والمراجع؛ ذلك أنَّ العلاقة بين الفنِّ والعقيدة من جهة، وبين الفنِّ والحضارة من جهة ثانية، تبدو أكيدة لكنها بعيدةٌ، فليست وظيفةُ العقيدة التأثيرَ المباشر والعيني فقط، كما أنَّ الحضارة لا تقتصر على الجزئيات اليومية الآنية ... فكلٌّ من العقيدة والحضارة يلجان إلى أغوار النفوس، ويغوصان في أعماق الأمم والمجتمعات؛ وإن صادف أن عالجا قضية جزئية فذلك عرضٌ فيهما، وليس مقصدا ولا غرضا.
وسأحاول – من خلال هذا المقال –أن أستشكف معالِم البعد العقدي والحضاري للفن، معتمدا مصدرين أساسيين، هما:
* الإسلام بين الشرق والغرب، للمفكر علي عزت بيجوفيتش
* ومشكلة الثقافة، للمفكر مالك بن نبي.
__________
(1) - انظر: الدين والفلسفة والعلم؛ مجلة رسالة الإسلام؛ النسخة الإلكتورنية.
(2) - انظر: شبا، محمد: النظريات الجمالية؛ مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع؛ 1985م.
(3) - انظر-: روكسل، مارك: معنى تاريخ الفن؛ ترجمة فخري خليل؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ 2003م.
الأعرجي، محمد حسين: فن التمثيل عند العرب؛ المدى للثقافة والنشر والتوزيع؛ 2002. يقول المؤلف: «انطلقت في بحثي هذا من الشواهد المتناثرة في بطون كتب التراث نفسها، دون أن احملها ما لا تحتمل أو أن ابخسها شيئا من دلالاتها، فكان ان قسمت البحث إلى فصول: ينعقد الفصل الأول منه على "الحكاية والكرج من العصر الجاهلي حتى نهاية الأموي" ويقف الفصل الثاني عند "الحكاية في العصر العباسي" والثالث عند "الحكاية في مجالس الخلفاء والأكابر" والرابع عند "حكاية أبي القاسم البغدادي" وهي حكاية كتبت في القرن الرابع، ولم يتنبه إليها أحد -فيما أعلم - من قبل، وألحقت كل ذلك بخاتمة وسميته «فن التمثيل عند العرب». (7/81)
صفحة 82
فلقد عالج بيجوفيتش هذا الموضوع في فصل كامل عنونه بـ: "ظاهرة الفن"؛ تناول فيه بالتحليل العلمي الهادف: العلاقة بين الفنَّ والعلم، ثم العلاقة بين الفن والدين، ثم نفى أن يكون ثمة فن لاديني، ضمن مبحث "الفن والإلحاد"؛ وتعرَّض بشيء من التفصيل للفنان وعملِه.
أمَّا مالك بن نبي فقد أدرج ضمن فصل "التركيب النفسيِّ للثقافة" فكرةَ التوجيه، التي تتجسَّد في: توجيه الأفكار، وتوجيه الثقافة، والتوجيه الأخلاقي، ثم التوجيه الجمالي (أي الفنيِّ).
ولا نملك إلاَّ أن نقرأ المدخلين قراءة تحليلية، تأخذ بعين الاعتبار تخصُّص الرجلين، ذلك أنهما لا ينطلقان أساسا من النصِّ، ولا من علم العقيدة، لكنهما يرتكزان على البحوث والدراسات والمفاهيم الفكرية والفلسفية والحضارية (1)، وإن كان بيجوفيتش أقرب إلى التخصص الفلسفي، ومالك بن نبي أرسخ قدما في نظريات الحضارة ... ولكلٍّ منهما مواطن تميزه ومكامن ضعفه، شأن كلِّ عالم وإنسان، فسبحان القائل: «وخلق الإنسان ضعيفا».
ثم أحاول – بعد ذلك – إسقاط المنطلقات على "الفن الإسلامي" بعامة، و"فنَّ الإنشاد" بخاصة.
الفن صنو الدين
يقول "جاك ماريتان" في كتابه "حالة الشعر": «الشعر هو ثمرة الصلة بين الروح والحقيقة وبين مصدرهما ... الله» (2). والواضح أنَّ كلَّ فنٍّ في غايته
__________
(1) - ينظر مناهج التأصيل ومدارسُه؛ في مقاربات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ضمن العديد من العناوين. منها:
طه جابر العلواني: إصلاح الفكر الإسلامي؛ سلسلة محاضرات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1 - 3، أمريكا؛ نشر دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، د. ت. . وصلاح إسماعيل: دراسة العلوم من منظور إسلامي- ضمن كتاب قضايا إشكالية في الفكر الإسلامي؛ سلسلة قضايا الفكر الإسلامي، رقم 16؛ المعهد العالمي، القاهرة، 1986 - 1987م؛ ص47 - 79. رجب، إبراهيم: منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية، ضمن كتاب التوجيه الإسلامي للخدمة الاجتماعية، المنهج والمجالات؛ سلسلة إسلامية المعرفة، رقم 23؛ المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1418هـ/1997م؛ ص32.
(2) - Jaques Maritain : The situation of poetry ; 1995.
بيجوفيتش: ص144. (7/82)
صفحة 83
القصوى هو انفصال وانعتاق عن عالَم المادة، وعن المحسوسات ... وهو ــــ بعد ذلك ـــــ التحام وسمو إلى عالَم الروح، والعالَم العلويّ.
أما بيجوفيتش فيقرر هذه الحقيقة من مدخل مغاير، ويقول: «في جذور الدين والفن هناك وحدة مبدئية. فالدراما ذات أصل دينيٍّ، سواء في ناحية الموضوع، أم من ناحية التاريخ. كانت المعابد هي المسارح الأولى بممثليها وملابسها ومشاهدها. وكانت أوائل المسرحيات الدرامية طقوسا ظهرت في معابد مصر القديمة منذ أربعة آلاف سنة مضت» (ص146).
ثم يضيف: «لقد كانت الرسوم الأولى والتماثيل والأغاني والرقصات جزءا من الشعائر، وإنما انفصلت مؤخرا عن العبادة، وأصبحت توجَد مستقلة. فعندما رسم الإنسان البدائي الحيوانَ الذي يعتزم صيده – فيما يسمى سحر الصيد – كان هذا نوعا من العبادة، صلوات لكي ينجح في مهمَّته».
ويعرض نفس الأصل الديني للفنِّ في الدراما الإغريقية، ورقصات الهنود الحمر، والباليه الياباني المسمَّى Gigako، إلى أن يقول عن العرب ما قبل الإسلام: «وفي الفترة السابقة على الإسلام، كان الشاعر العربيُّ شخصية مرموقة ذات سطوة، ترجع إلى ما تملكه من قوة سحرية قادرة على حماية الحياة وتدميرها».
يقول هنري برجسون: «إنَّ الفن ابن الدين ... وإذا أراد الفنُّ أن يبقى حيا، فعليه أن يستقي دائما من المصدر الذي جاء منه».
لعلنا نقف في هذه النظرة الفلسفية العميقة وقفة تأمل، ونقرأ في "الفنِّ الإسلامي"، وبالذات في "الإنشاد الإسلامي"، لنذكّْر بالجذور الأصيلة لفنِّ الإنشاد، التي تضرب بعمق في كثير من الشعائر الدينية، منها:
*التلاوة: نزل القرآن على محمَّد عليه السلام، وأمر بتبليغه إلى الخلائق، فضمن الله حفظه ... لكن، لا يقتصر هذا الشأن على المحتوى، شأن كلِّ الكتب الأخرى، الدينية منها والفلسفية والفكرية ... وإنما يتعداه إلى الشكل، وإلى طريقة الرسم، والرسم فنٌّ ... بل وإلى طريقة النطق والأداء، والأداء فنٌّ ... فقال جل من قائل: «ورتل القرآن ترتيلا» (1).
__________
(1) - انظر- معهد المناهج، فريق البحوث القرآنية: موسوعة تجويد القرآن؛ تحت الطبع. (7/83)
صفحة 84
«وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى -رضي الله عنهما- ذكِّرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون، فمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأبي موسى -رضي الله عنه- وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته، فقال: يا أبا موسى مررت بك البارحة، فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمت لحبَّرته لك تحبيرًا، وقال: للهُ أشد أذنًا – أي استماعًا – إلى الرجل يُحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَة إلى قينته» (متفق عليه).
يقول أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج (1)، ولا بربط (2)، ولا وتر، أحسن من صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
*الأذان: الذي هو نشيد متميز عن كلِّ الأناشيد، فهو من جهة: إعلان عقديٌّ، ورمز للتوحيد الإيمانيِّ، ودعوةٌ للصلاة، وتوقُّف لبرهة عن مشاغل الحياة اليومية، والتحامٌ بالعالم الملائكيِّ، وتصفيةٌ لمكامن النفس، واستذكار للعلاقة الوطيدة بين الخالق والمخلوق، وبين الرازق والمرزوق، وبين العابد والمعبود ... إنه: شهادة متكرِّرة كلَّ يوم خمس مرات على الأقل ...
لكن، ذات الأذان، لا يتوقَّف عند هذه النقطة، فلو فعل لكان رمزا للديانة الحنيفية الرهبانية، المتمثلة في المسيحية بالدرجة الأولى ... لكنه يتجاوز إلى مرحلة أعمق وهي: دعوةٌ إلى الفلاح، وإلى وحدة الصفِّ تحت راية محمد عليه السلام، وإعلانٌ عن المنهج الذي يعالج به المؤمن حياته، فليس ثمة ديني ودنيوي، ولا ماديٌّ وروحيٌّ ... لكن ثمَّة صبغة ربانية: «صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة» (3).
وليس غريبا أن يضمِّن أغلبُ المنشدين ابتهالاتهم مقاطعَ من الأذان، لِما له من علاقة وطيدة بالإنشاد نفسه.
*الدعاء: لقد وفِّق العلاَّمة الشيخ محمد الغزالي أيما توفيق في عنوانه الأدبي الرائع: "فن الذكر والدعاء"، فليس الدعاء عبارات جوفاء،
__________
(1) - الصنج هو قرصين من النحاس مدورين يضرب بهم على بعض يحدث رنين وهذا الرنين.
(2) - البربط هو آلة موسيقية شبيهة بالبزق والسنطور .. قد تكون منقولة من دول أخرى إلى إيران.
(3) - انظر- محمد موسى باباعمي: صبغة الله؛ سلسلة ما بأنفسهم، رقم 06. منشورات معهد المناهج، الجزائر. (7/84)
صفحة 85
أو محادثات خرصاء، بل هو فنٌّ وأيُّ فنِّ؛ ولذا علَّمنا القرآن جملة من الأدعية، ودرَّبنا المصطفى على ثلة من الأذكار ... ثم أمرنا سبحانه بالدعاء والذكر أمرا مجملا، بكلِّ اللغات، وبجميع العبارات، سواء أكانت نطقا أم إيماء ... بل إنَّ الرسول عليه السلام، وصحابته الكرام، كانوا يسألون الله تعالى ويدعونه حتى في شراك نعل.
ولقد أمر الله تعالى الجبال والطير بترديد الدعاء مع سيدنا داوود عليه السلام، فقال جلَّ من قائل: ژ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) ژ [سبأ: 10].
في بيان معاني هذه الآية الكريمة، يقول الإمام ابن كثير: «يخبر تعالى عمَّا أنعم به على عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العَدد والعُدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصمُّ الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات، والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود»»
أليس الإنشاد الرساليُّ أذانا، وتلاوة، ودعاء؟
أليست النغمة الحسنة، والصوت البديع، والإيقاع الوديع ... مدعاة للخشوع، وسببا من أسباب القبول.
جميع المنشدين يبدعون في النداء والاستخبار: "الله ... الله ... الله"، أو "ياربِّ ... ياربِّ ... ياربِّ"
وثمة مظاهر أخرى من الفن في ديننا الإسلامي، منها: العمران، وتشييد المساجد، واللباس والزينة في المساجد، والحج والتلبية الجماعية، وشعيرة الزواج والاحتفال المقارن لها ... ومن الحكمة أن يدرسها الباحثون والمفكرون دراسة عميقة، ثم يبسطوها لعامة المسلمين بحكمة وتوأدة.
لا يوجد فن لاديني
في كتاب "الجانب العاطفي من الإسلام"، للإمام محمد الغزالي، نقرأ وصفا بليغا للملحد، وحوارا طريفا حول حقيقة الإلحاد، جاء فيه:
«رأيته لامعَ الشعر والنعل، حسن الهندام، يتأنَّق في الحديث، (7/85)
صفحة 86
ويتلطَّف مع الآخرين، ويفرَّق البسمات والتحيات بأدب جمٍّ.
فقال لي صاحبي: ما رأيك فيه؟ إنه من أولئك الذين صنعتهم الحضارة الحديثة على نحو معيَّن.
قلت: ماذا تعني؟
قال: أعني أنه لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر.
قلت: إذن، فهو حيوان مستأنس.
قال: أفبعد هذا الاتقاء تصفه بأنه حيوان مستأنس.
قلت: إنَّ الاستئناس هو الوصف الذي أضفتْه عليه الحضارة، وسيبقى حيوانا ما بقي كافراً بالله، فإذا آمن فهو عندئذ إنسان.
إنه لطيف الشمائل، حلو المنظر، ولذلك قلت: إنه مستأنس كهذه القطط والكلاب التي تألفها، ونسمح لها بالتطواف علينا، ولا نلقاها بالرصاص، كما نلقى الذئاب والضباع.
واستتليتُ: أترى الخائن لوطنه عندما يجرُّ إلى حبل المشنقة؟
إنه قد يكون وسيم التقاطيع، وربَّما كانت له أمٌّ يبرُّها، أو زوجة يحبها، أو رحم يصلها.
لكنَّ شيئا من هذا لا يُذكر أبدا عند اقتياده إلى ساحة الموت.
إنَّ الجرم الذي ارتكبه أفظع، وأشنع من أن تذكر بجانبه حسنة!! ألم يخن وطنه؟
إنَّ خيانة قطعة من الأرض تسمى الوطن، جريمة أهون من خيانة ربِّ الأرض كلِّها ... أهونُ من الكفر بالله ربِّ العالَمين» (ص102 - 103).
من هنا نتساءل عن الفنِّ الذي يتنكَّر للربِّ الذي وهب الفنان وسائله، وعن الغناء الذي يجحد منشئ السمع واللسان، وعن الرسم الذي يُشرك بمبدع العين والبَنان ... هل يليق أن نصنِّفه في خانة الفنِّ، مهما كان مستواه؟
يجيب علي عزت بقوله: «إنَّ الفنَّ، في بحثه عما هو إنسانيٌّ، أصبح باحثا عن الله. وإذا كان الواقع يشير إلى وجود فنانين ملحدين اسميا، فإنَّ هذا لا يغيِّر كلَّ شيء؛ لأنَّ الفنَّ "طريقة للعمل، وليس طريقة للتفكير. توجد لوحات لادينية، وتماثيل لادينية، وكذلك قصائد من الشعر، ولكن لا يوجد فنٌّ لادينيٌّ. وظاهرة "الفنان الملحدّ" هي ظاهرة نادرة جدا، ويمكن إرجاعها إلى تناقض في الإنسان نفسه، وهو تناقض لا مفرَّ منه ... »
ويلخِّص هذه الفكرة المحكَمة بعبارة جامعة مانعة، فيقول: «إذا امتنع (7/86)
صفحة 87
وجود حقيقة دينية، امتنع بالتالي وجود حقيقة فنية» (ص173).
والحقُّ أنَّه لا يوجد إلحاد خالص، ذلك أنَّ من ينكر وجود الله تعالى، فهو بالضرورة يؤمن بآلهة أخرى، مثل: الهوى، والشهوة، والعقل، والسلطة، والوطن ... ژ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) ژ [الفرقان: 43)].
فكم من مغنٍّ غنَّى امرأةً، وذاب في هيامها، وباع الغالي والنفيس لنيل رضاها، ولكنه رجع بخفي حنين، خسر الدنيا والآخرة.
فهذا مجنون ليلى ينشد:
خليليَّ لا واللهِ لا املك الذي
قضى الله في ليلى ولا ما قضى لِيا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها
فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وهذا شاعر جاهلي آخر، هو المنخل اليشكري، يقول:
وأحبُّها وتحبُّني
ويحبُّ ناقتَها بعيري
يا هندُ، مَن لِمتيَّم
يا هند، للعاني الأسيرِ؟
غير أنَّ المؤمن إذا أنشد ملأ الكون إيمانا ويقينا، وأرغم الطير في عنان السماء، والسمك في أغوار البحر، والجبال الراسيات الشامخات، والبحار العاتيات الهائجات ... بالاستماع إليه، والإنشاد معه، كأنَّ جميع المخلوقات صنفونيةٌ واحدة.
فهل نقارن بين هذا الهراء الذي سمعناه من مجنون ليلى ومن اليشكري بقول الشاعر المسلم، وإنشاد المنشد المسلم:
تفكَّرت يوماً بمعنى الصديق
وأرسلت طرفي بفكر عميقِ
ترى من سيرسو عليه اختياري
ومن ذا سيغدو كظلي رفيقي
وقالوا سيضنيك بحث دقيق
فجهَّزت نفسي لبحث دقيقِ
ركبت بِحاري وخضت الصحاري
وسرت نهاري، وقد جف ريقي
ويمَّمت شطر الجبال الرواسي
وفي قمة قرب واد سحيقِ
دعوت الإله الذي لا إله
سواه بأن أهتدي للطريقِ
الفنُّ عمل: منه الصالح ومنه الطالح
الفنُّ بجميع أشكاله ومظاهره عمل من جملة الأعمال، له مواصفات العمل، وخصائص العمل، ونتائج العمل ... فهو إما عمل صالح وإما عمل (7/87)
صفحة 88
طالح، ففي دستور المسلمين نقرأ: ژ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) ژ [الأنعام: 132].
يقول الإمام الطبري مبينا معنى هذه الآية ومثيلاتها من سورة هود والنحل: «يقول تعالى ذكره: ولكلِّ عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله، يبلِّغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرا فخيرا، وإن شرُّا فشرًّا».
فالعمل الفني يشترط فيه أمران:
* أن يكون صالحا، خيِّرا، نافعا، متقبَّلا عند الله، مؤتمِرا بأوامره، منتهيا عن نواهيه.
* أن تصحبه النية الطيبة، والصدق الخالص.
يعتبر بيجوفيتش أنَّ الفن والأخلاق والدين تجمعها صفة واحدة، وهي ضرورة العمل القلبي المصاحب، فيقول: «في هذه النقطة، حيث يدور الأمر كله حول ما انعقدت عليه النية، يلتقي الفن والأخلاق والدين ژ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) ژ [البقرة: 177]. وتبقى النية أو الإلهام قيمة لا يمكن اختزالها في السلوك الإنساني، حتى وإن لم تغير آثاره في السلوك الخارجي ... وهكذا فإنَّ خلاصة الأخلاق والفن والدين واحدة، وهي الإنسانية الخالصة» (ص166).
ويتساءل الكاتب عن الفرق بين لوحة فنية أصيلة وأصلية، وبين نُسخها المزيفة:
لماذا تكتسي الأولى قيمة كبرى، بينما الثانية لا قيمة لها البتَّة، رغم أنَّ التفريق بينها قد يصعب إلاَّ على الخبراء؟
فيجيب: «ينتمي الفنُّ إلى عالم الصدق الجوَّاني وليس لعالَم الواقع البرَّاني. ولذلك نستطيع أن نضع خطًّا فارقا بين الفنِّ الحقيقيِّ والفنِّ المزيَّف. بين قصيدة ملهمة وقصيدة مصنوعة حسب الطلب» ثم يواصل: «الفنان الذي يفتقد الإخلاص يلد عملا ميتا لهذا العالَم. إنه الموقف نفسه بالنسبة لصلاتنا لله، فالصلاة بدون روح وبدون حضور جوَّانيٍّ، إنما هي صلاة فارغة لا معنى لها. الأكاديمية في الفنٍّ (أي الرسمية) شأنها شأن النفاق والمظهرية في الدين» (ص168).
وبنفس المنطلق نتساءل عن الفرق الجوهريِّ بين قصيد ينشده (7/88)
صفحة 89
الفنان بروحه، مصطحبا النية، مؤمنا بقضية عادلة، مبتغيا رضوان الله تعالى، مستهدفا نفع العباد وإعمار البلاد ... وأغنيةٍ هابطة، سافلة، صاحبُها مرتزق، يتاجر في الشهوات، ويبيع العهر ليشتري الفسق ...
فما هو الفرق بينهما بالضبط؟
هل يكمن الفرق في جودة الصوت؟
لكن، قد يكون صوت الفاسق (أو الفاسقة) أشجى من صوت الملتزم بأشواط؟
وقد يعترض معترض فيقول: لكنني أتلقَّى الغناء من هذا المغني أو المغنية بتأثر واهتمام أكثر مما أتلقى النشيد الملتزم من منشد؟
فالجواب أنَّ الطيور على أشكالها تقع، وقد قال جلَّ من قائل: ژ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) ژ [النور: 26].
صحيح أنَّ الآية نزلت في أمر الزواج، لكنها تعمُّ كلَّ علاقة بين اثنين، فالطيب لا يقبل إلاَّ طيبا، والخبيث لا يرتاح إلاَّ لخبيث ... والمستمع الصالح لا يتفاعل إلاَّ مع المنشد الصالح، كما أنَّ المستمع الطالح لا يلهث إلاَّ وارء المغني (أو المغنية) الطالح.
التوجيه الجمالي
يبرز مالك بن نبي عملاقا في ساحة الفكر، وقائدا خرِّيتا لا يكذب أهله في عالم الحضارة، ومن أبرز نظرياته التي نظَّرها بإحكام، ما يعرف بنظرية التوجيه، التي يعرِّفها بأنها: «قوَّة في الأساس، وتوافق في السير، ووحدة في الهدف» (مشكلة الثقافة، ص67).
ثم يضيف: «كم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكنِّلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها حين زحمتها قوى أخرى صادرة عن المصدر نفس، متجهة إلى الهدف نفسه».
فالتوجيه إذن، هو: «تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت».
فالفن والجمال والذوق الرفيع والنظافة كلها مجتمعة تعمل عمل الموجِّه إلى فعل الخيرات، ومقت المنكرات، ذلك أنه «بالذوق الرفيع الذي ينطبع في فكر الفرد، يجد الإنسان نزوعا إلى الإحسان في العمل، وتوخيا للكريم من العادات».
فكل إنسان دفن في مستنقع القاذورات، وألف السماع إلى الأصوات (7/89)
صفحة 90
الممجوجة، سيكون عائقا أمام الحضارة، فهو لا يستطيع أن يحرك عجلة التاريخ «لأنَّ نفسه قد دفنت في أوساخه، ولن تكفينا عشرات من الخطب السياسية لتغيير ما به من قبح، وما يحتويه من الضعة النفسية، والبؤس الشنيع» (ص83).
ولنسقط هذا المدلول الحضاري للفن على واقع الإنشاد مقارنة بالغناء.
فكل من ألفت نفسه ضجيج آلات الموسيقى الصاخبة، الهائجة، العاهرة، مرافقة للنفوس العاصية، الفاجرة، الفاسقة ... يقف بالضرورة حجر عثرة وحاجزا أمام نمو البلد وتطوره، ويعرض يقينا عن المعاني السامية السامقة، فيطيل عمر التخلف، والذلة، والمهانة ... وسواء في ذلك عرف أم لم يعرف، وعى أم لم يع ... النتيجة هي ذات النتيجة، والثمرة هي نفس الثمرة.
أما من شذِّب سمعه، وأرهف حسه، بالنغمة الفنية الأصيلة، والصوت الطاهر البديع، فقد وضع أفكاره ومصيره في سكة الحضارة، وبات قاب قوسين أو أدنى من التمكين لدين الله في أرضه، فليجتهد فيما بقي من جوانب حياته.
وعلى المنشد اليوم أن يلعب هذا الدور الحضاري المتميز، وأن يغرس قبل ذلك تلكم القيم العقدية الرفيعة، ليكون جنديا من جنود الرسالة المحمدية، يحمي حماها، ويدافع عن حياضها، ويرزق بعد ذلك الشهادة، وينال بذلك رضا الله تعالى «ورضوان من الله أكبر».
خاتمة:
خلصنا من خلال هذا المقاربة في البعد العقدي والحضاري للفن إلى جملة من النتائج، أهما:
* أنَّ المدخل العقدي والحضاري للفن لم ينل نصيبه من البحث والدراسة، ولذا تندر فيه الكتابات من مقالات ومؤلفات.
* أنَّ كلاًّ من بيجوفيتش ومالك بن نبي تناول ظاهرة الفن من مدخل عقدي-حضاري؛ غير أنَّ الأول كان أقرب إلى التحليل الفلسفي، والثاني كان أقرب إلى نظريات الحضارة؛ ولكل منهما ميزته وضعفه. (7/90)
صفحة 91
* الفن صنو الدين، بل هو ابن له «وإذا أراد الفنُّ أن يبقى حيا، فعليه أن يستقي دائما من المصدر الذي جاء منه».
* أصل فن الإنشاد في الحضارة الإسلامية يضرب بجذور إلى التلاوة، والأذان، والدعاء؛ فإذا انفصل عنها خرج من دائرة الفن الإسلامي.
* توجد أعمال فنية ملحدة، ولكنه لا يوجد فن لادينيٌّ، وظاهرة الفنان الملحد ظاهرة نادرة جدا.
* الفن عمال كباقي الأعمال: منه الصالح ومنه الطالح ژ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) ژ [الأنعام: 132].
* الفن والجمال والذوق الرفيع والنظافة كله>ا مجتمعة تعمل عمل الموجِّه إلى فعل الخيرات، ومقت المنكرات، ذلك أنه «بالذوق الرفيع الذي ينطبع في فكر الفرد، يجد الإنسان نزوعا إلى الإحسان في العمل، وتوخيا للكريم من العادات».
ويبقى التحليل المنهجي لظاهرة الفن في الحضارة الإسلامية مجالا خصبا للبحث والتعمق؛ ولا أخال أنَّ الجهد الفرديَّ يفي بالغرض، لكنَّ مثل هذه المشاريع العلمية الكبرى، تحتاج إلى مراكز بحث متخصصة، ذات تخصصات متعددة (الشريعة، الفلسفة، التاريخ، الفن، التفسير ... ). ولعلَّ هذا المقال يحرِّك بعض الهمم إلى هذه الوجهة، وإن فعل فقد حقق هدفه الأساس. (7/91)
صفحة 92
فصل في الفصل
بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكمة
دراسة تحليلية للتمييز بين الإباضية في أصلهم الحيادي
والخوارج المعارضين جميعا
الحلقة الأولى: في عهد خلافة الإمام علي - رضي الله عنه -
الدكتور: موسى بن إبراهيم حريزي
جامعة قاصدي مرباح ــــ ورقلة
ت
تمهيد:
قال الله تعالى:ژ ? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ... ? ? ہ ہ ہ ... ہ ھ ھ ... ھ ھے ے ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ (الحجرات: 9، 10).
إن زلة معظم المسلمين في موضوع معاركهم والاقتتال فيما بينهم نابع من سوء تأويل الآيات وتفسيرها على غير وجهها الصحيح، وتزل أقدام تفكيرهم في القياس الخاطئ، والاستدلال المنحرف عن الحقيقة، والاجتهاد الشخصي من غير توفر شروطه الشرعية، أو توفر الأدلة من السنة النبوية، وتتزاحم في أذهانهم الأحكام السلبية من كلا طرفي النزاع؛ لغرض تبرير الاقتتال وتجويزه على خصمهم وإخوانهم المؤمنين ژ? ? ? ? ? ??ژ، ويتسرعون للاتهامات الباطلة، والاعتداء دون التفكير من البداية والأساس في الصلح والرجوع إلى أمر الله، والقليل من يميز بين البغاة، وبين العدول ليسعى وراء الحق والقسط، اعتمادا على معيار قرآني، أو ميزان سني فتهوي بهم رياح التعصب والتحيز من غير وازع ديني إلى مهاوي تحليل الدماء والأعراض والأموال، وقد يشوب ذلك أبهة القيادة، وفتنة السلطان وافتخار بالغلبة والانتصار. (8/92)
صفحة 93
إن معاني الآيات الكريمات السابقة وغيرها بعيدة كل البعد عن سلبيات ما تقدم ذكره، ولا تحظ على التسرع في التكفير، أو التعصب الجاهلي، أو الجهاد والبراءة، أو الاتهام بالارتداد، ولا تحظ على الاقتتال وسفك الدماء بعد إسلام المسلم وإيمان المؤمن؛ بل على العكس من ذلك تماما، والأمر واضح في ذلك الآيات، والأحاديث النبوية.
عندما تتمعن بالقراءة في بعض كتب التاريخ والفقه تجد فيها الكثير من المصطلحات التاريخية المتشابهة والمتداخلة في أصولها ومنشئها، والكلام العام المبالغ فيه بألفاظ أدبية وعاطفية؛ وخاصة الكتب المؤلفة بالرواية الشفوية، أو بالأمالي والحكاية التاريخية من أفواه الرجال عدول أو مخرجين، فتتشابه عليك أنت ــــ أيها القارئ بدورك ــــ حقائق التاريخ والمصطلحات فتسقط في مهاوي الانحياز والتعصب والعواطف لتأييد أو معارضة هذا على ذاك من غير وازع ديني، أو رادع منطقي، أو تفكير له معيار سني، أو سند مرجعي فقهي محدد.
إن هذا الفصل قد يكون الفاصل الأولي لبيان بعض الأحداث التاريخية المتفرقة والفتنة بين المسلمين المؤمنين الإخوة، والتي وقع فيها الهرج والمرج والاقتتال، ولا نستطيع مبدئيا أن نحكم على أن هذا على صواب والآخر على خطأ، ولكل ظروفهما وأفكارهما المتميزة في ذلك العهد.
إن الهدف الأساس لبيان بعض الحقائق الواقعة في عهد عبد الله بن إباض هو الفصل في بعض السلبيات الغريبة التي أُلصِقت جبرا لابن إباض وهو بريء منها تماما كما سنبيِّن، وهو بعيد عنها بناء على مبادئه وسياسته، ولا ناقة له فيها ولا جمل كما سنحلل ذلك.
اعتمدنا في هذه الدراسة الأولية والتحليلية في الموضوع على بعض المصادر والمراجع غير الإباضية، ونصوصها الحرفية عمدا لكي نحللها بموضوعية ودقة منطقية؛ لكن نستنبط منها أدلة حيادية ليس فيها مسحة إباضية، ونحكم في الأخير بقولهم، وشهد شاهد من أهله على صحة ما نتوصل إليه من استنباطات وحقائق، أما المتنطعون والمتعصبون فهم متنطعون فلا فائدة في إقناعهم ما داموا خارج دائرة المنطق، وما اعتمدناه أساس هذه الدراسة. (8/93)
صفحة 94
إن المشكلة في هذه الدراسة ليست منصبة على المؤرخين المنطقيين؛ وإنما هي مركزة على مثل هؤلاء المتنطعين، والملفقين للأحداث التاريخية ليقحموا ابن إباض والإباضية خبرا مع الخوارج، ويصنفوهم معهم قسرا مثل تساؤل وقول عمار طالبي (1978): "هل الإباضية خوارج؟ "
له الحق أن يتساءل في ذلك، مثل تساؤلات غيره، ولكن لا يحق له أن يسقط في مهاوي التحريف والتلفيق والتحيز أو التنطع أو التعصب، أو ... ، فيحكم بجرة قلم من غير دليل فيقول: " ... ولكن هل يمنع هذا كله أن يسموا خوارج، وأن يكونوا فرقة معتدلة قريبة من أهل السنة، تشققت وتفرعت عن المحكِّمة الأولى؟ " (آراء الخوارج الكلامية/ ج1/ ص: 201_203).
هناك ألف مانع من أن لا يُسمُّوا خوارج ولا تشتم رائحة منهم، ولم يكن الإباضية فرقة معتدلة ضمن الخوارج؛ بل هم أصل وأساس السنة والقرآن نفسه، وهم أبعد ما يكونون عن المحكمة وأهل حروراء أو النهروان أو النخيلة، ولم تتشقق ولم تتفرع عنها أبدا، فهم من الأصل فرقة قائمة بذاتها من الأصل والبداية، فهم قعدة وحياديون، ولم ير ابن باض الاقتتال بين الإخوة المؤمنين واجبا في الكتاب أو السنة، ولم ير الخروج واجبا أبدا، ولذلك اختار الحياد والقعود، وسنبين كل ذلك بالأدلة والحجج في هذه الدراسة؛ لكي ننفي عن المذهب الإباضي صفة الخروج والتساؤلات، أو الأحكام المتعصبة السابقة، والتي هي مفتنة أكثر مما هي عادلة ومقسطة كما في الآيات السابقة.
نتعرض في هذه البداية إلى تعريف بعض المصطلحات الأساسية التي تبنى عليها هذه الدراسة؛ لكي يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود منذ فجر التاريخ الإسلامي وضحاه؛ لأن الهدف هو بيان موقع اتجاه ابن إباض والإباضية عموما من بين تلك المصطلحات التي تعرضت للتشويه، والتشابك من بعض المغرضين والمفتنين، وخاصة «الخوارج» في عهد علي - رضي الله عنه -.
قال الله تعالى: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ?? S S S S ? ? ... ? ? ? ? ? ?? ? (8/94)
صفحة 95
? ? ? ? ? ? چ چچ چ ? ? ? ? ? ? ? ژ (الممتحنة: 1)، وقال: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ (النساء: 100).
لاشك أن هذه الآية تتحدث عن الهجرة في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الفترة الزمنية بعد الهجرة النبوية إلى زمن فتح مكة؛ إذ لا هجرة بعد الفتح.
كما أن الآية الأولى نزلت قبل فتح مكة لما نقض أهلها العهد فعزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على فتح مكة، فأمر بالتجهيز لغزوهم وقال: «اللهم عمِّ عليهم خبرنا»، فعمد حاطب بن أبي بلتعة فكتب إلى المشركين من أهل مكة كتابا فبعثه مع امرأة من قريش _والقصة معروفة_ (راجع تفسير ابن كثير/ ج6/ ص: 620).
إن الغرض من عرض هاتين الآيتين بيان الهجرة ومعناها، والجهاد في سبيل الله، والخروج، والكفر والكافر، فيما بعد، وبيان علاقة ذلك بالموضوع.
في البداية نريد أن نعرف المذهبين؛ الإباضي والإباضية، والخارجي والخوارج، لأن هناك فروقا شاسعة بينهما، عقائديا وتاريخيا وسياسيا وفقهيا، ولا تلاؤم بينهما، إلا في أوهام المؤرخين وكتاب المقالات، والأدباء والشعراء، وبعض أنصاف المثقفين والعامة.
أولا: تعريف الإباضية، ومن هو الإباضي؟
الإباضية: هم فرقة من جملة الفرق الإسلامية، ليست من الخوارج بأي وجه من الوجوه، وهم يشكلون مذهبا إسلاميا قرآنيا سنيا أصيلا _كما سنبين_ وأقاويل عبد الله بن إباض حوالي (7م_85م) كما يقِرُّ ويعترف أبو العباس المبرد (213هـ_ 285هـ/ حوالي: 826م- 898م): "هي أقرب الأقاويل إلى السنة [النبوية] من أقاويل الضلال" (الكامل/ ج2/ ص: 148)، مع العلم أن المبرد ليس إباضيا فاعترف بذلك، وفي قوله: "أقرب الأقاويل" فيه كلام، وقد نسبت الفرقة هذه إلى زعيمها وإمامها الأول عبد الله بن إباض في الأصل، ولو أن أتباعه لم يقبلوا نسبة المذهب إليه، ورضوا نسبتهم إلى الإمام (8/95)
صفحة 96
الثاني جابر بن زيد الأزدي العماني (أبي الشعثاء)، ورضخوا بعد ذلك نسبة المذهب إلى ابن إباض (انظر عمرو خليفة النامي/دراسات عن الإباضية/ ص: 46).
ونسبة المذهب على إباض دون عبد الله كما ذكر المبرد في النسب إلى المضاف قائلا: "فإن كان الاسم الثاني [من النسب] أشهر من الأول جاز النسب إليه ... ، وذلك من قولك في النسب إلى عبد مناف: منافي ... " (الكامل/ ج2/ ص: 153)، هنا نلاحظ أن «إباض» والد عبد الله لم يكن مشهورا في التاريخ حسب ما اطلعنا من المصادر والمراجع التي بين أيدينا، ولم يُشتهَر بأي حادثة تاريخية أو رأي أو قول، بَلْهَ الدين أو المذهب، حيث يكون من المستبعد أن ينسب إليه، وأضاف المبرد كذلك: "وقد تنسب الجماعة إلى الواحد على رأي أو دين، فيكون له مثل نسب الولادة، كما تقول: تميمي، وقيسي، لمن ولده تميم وقيس ... "، كما نلاحظ هنا نسبة الإباضية إلى رأي أو دين إباضي، فذلك غير منطقي؛ لأن المذهب الإباضي إسلامي ظهر في العهد الإسلامي، بينما في زمن «إباض» لم يكن المذهب موجودا بعد، ولا ندري رأي أو دين «إباض» في زمنه قبل الإسلام كيف هو؟ وعلى أي رأي هو؟
وعليه فإنه في رأينا يكون المذهب الإباضي منسوبا إلى غير العَلَم، كما قال المبرد: "فإن كان المضاف إلى غير علم، فالنسبة إلى الثاني على كل حال" [أي: في جميع الأحوال] (نفس المصدر/ ص: 153)، إذ يكون المذهب الإباضي منسوبا إلى غير علم، أي: إلى «الإباضية»، وهي قرية باليمامة في وسط الجزيرة العربية بالسعودية، كما ذكر الفيروز آبادي في قاموسه: "لم يُرَ أو يشاهَد أطول من نخيلها" (ص: 636).
ومعنى الإباض في اللغة: حبل يُشَد به يد الجمل إلى عضده حتى ترتفع يده عن الأرض، والإباض: عرق في الرِّجل، وهو عرق النسا نفسه.
وعليه فإن المذهب الإباضي ــــ على الأرجح ــــ يكون منسوبا إلى غير العلم، أي: إلى ابن تلك المنطقة «الأُباضة»، كما تقول: فلان ابن القرارة، والنسبة إليه قراري، وعبد الله بن أُباضة، والنسبة إليه أُباضي (بضم الهمزة).
والاختلاف كبير في نسبة عبد الله إلى أبيه كما نلاحظ في المصادر والمراجع، فمنهم من ينسبه إلى تميم (8/96)
صفحة 97
اللات، والآخر إلى تيم اللات، والآخر إلى عمرو، ومنهم من يكتفي نسبته إلى قبيلة من بني مرة، أو من بني صريم. (راجع الإمام عبد الله بن إباض)، فهو ابن أُباضة السعودي العربي عرقا، وعراقي بصري نشأة، والتميمي نسبا والمحمدي السني مذهبا، والوجه الأنسب كما يذكر المبرد: "أن ينسب إلى الاسم الأول إذا نسب إلى علم مضاف، وذلك من قولك عبد القيس: عبدي" فالمذهب هنا لم ينسب إلى عبدي، أي: عبد الله، فهو غير مستساغ، وفيه التباس.
فإذا ما اتضح لنا نسبة الإباضية إلى الإمام عبد الله بن أُباض العربي السعودي عرقا، والعراقي البصري نشأة والمحمدي السني مذهبا، والتميمي قبيلة ونسبا؛ فإنه يمكن لنا أن تحدد معالم الإباضي العقائدية والنفسية والسلوكية، وهو كما يلي:
الإباضي:
هو المسلم المؤمن بأصول الدين، يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهد أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله، ويقر بأن ما جاء به حق من عند الله تعالى، بنية خالصة دائمة يحيا ويموت عليها، ژ ? ? ? ? ? ? ژ، ويؤمن مستسلما بأصول الأحكام الشرعية، القرآن والسنة، وما نص فيهما، عملا وتركا ووقوفا، ويؤمن بفحوى الأقاويل الإيمانية العشرة:
1 ــــ يؤمن بجميع الملائكة الكرام البررة.
2 ــــ وبالأنبياء والمرسلين من عند الله.
3 ــــ وبجميع الكتب المنزلة عليهم.
4 ــــ وبالموت والبرزخ.
5 ــــ وبالبعث يوم القيامة.
6 ــــ وبالحساب.
7 ــــ وبالعقاب.
8 ــــ وبالجنة.
9 ــــ وبالنار والخلود فيهما.
10 ــــ ويؤمن بجميع ما كان وما هو كائن، وما سيكون في الدنيا والآخرة؛ قضاء وقدرا من الله وحده. (قطب الأئمة/ شرح عقيدة التوحيد/ ص: 86_ 132)، فإذا كان الإباضيون ملتزمون بهذه المبادئ الدينية، ومع ذلك فهم خوارج، فبماذا نسمى غيرهم الضالين؟
من خلال هذه المعالم والحدود الإيمانية للإباضي التي لا تختلف أصلا عن غيره من المسلمين، ولا غيره يختلف عنه من المسلمين والمؤمنين عربا أو عجما في جميع الأقطار العالمية من العهود الإسلامية الأولى إلى اليوم، وقد (8/97)
صفحة 98
يختلف المسلمون جميعا ويفترقون إلى فرق في أي عهد في بعض الفروع الإيمانية نتيجة الاجتهادات والأغراض المادية أوالمعنوية، الدنيوية أو الأخروية، ونتيجة اختلاف في التفكير، والمستويات العقلية البشرية، وذلك أمر طبيعي ژ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ژ (هود: 118).
والإباضية تتميز بالتمسك الشديد بمبادئ القرآن والسنة من عهد عبد الله بن إباض إلى اليوم، وتتمثل تلك المبادئ الأصيلة العقائدية والسياسية في النص المختصر لعبد الله بن إباض وهو كما يلي.
قال ابن جرير الطبري (224هـ _ 310هـ): " ... ثم بعث بالكتاب إليهما، فأتيا به، فقرأه عبد الله بن الصفار، فأخذه فوضعه خلفه، فلم يقرأه على الناس خشية أن يتفرقوا ويختلفوا، فقال له عبد الله بن إباض: مالك لله أبوك! أو أي شيء أصبت! أأن قد أصيب إخواننا، أو أسر بعضهم! فدفع الكتاب إليه فقرأه، فقال: قاتله الله! أي رأي رأى، صدق نافع [ابن الأزرق] لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيا وحكما فيما يشير به، وكانت سيرته كسيرة النبيء - صلى الله عليه وسلم - في المشركين، ولكنه قد كذب [وكذَّبنا] فيما يقول: إن القوم (أي: المخالفين) كفار بالنعم والأحكام (أي: ستروها وغطوها مع إحسان الله إليهم بجميع النعم)، وهم بُرآء من الشرك، ولا تحل لنا إلا دماؤهم (عند بدايتهم للعدوان علينا)، وما سوى ذلك فهو علينا حرام، فقال ابن الصفار: برئ الله منك، فقد قصرت، وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا [وبرئ الله منكما جميعا]، وقال الآخر (أي: ابن إباض): "برئ الله منك ومنه، فتفرق القوم ... " (تاريخ الطبري/ ج5/ ص: 568).
وقد أورد ابن الأثير في الكامل في التاريخ (؟ _ 630هـ) في ج3/ ص: 337 نفس النص لابن إباض؛ ولكن بحذف ما بين المعقوفين مع تقديم أو تأخير بعض العبارات التي لم يتغير معناها، والمبرد في كامله قد أَوْرَد النص بغير هذه الصيغة/ج2/ ص: 148.
إن هذا الجواب الشفوي الفوري المختصر من ابن إباض يحتاج إلى تفصيل وبيان مع رأب بالصدع لما أحدثه الناقلون في النص، ونبين ذلك بعد حين. (8/98)
صفحة 99
بناء على النص السابق فإننا نبين اعتقادات الإباضية تجاه مخالفيهم، في السياسة والاعتقاد، وبالإضافة إلى الاعتقادات السنية السابقة فإن الإباضيين لا يعتبرون مخالفيهم مشركين.
1. لا يعتبرون مخالفيهم في المذهب مشركين بل هم مسلمون موحدون، والإقامة بينهم حل طلق.
2. الفساق والعصاة من المسلمين هم موحدون مسلمون؛ ولكنهم كفار النعم والأحكام، أي: جحدوا أنعم الله عليهم، وستروها وغطوها مع إحسان الله إليهم بجميع النعم، ژ? ? ? ? ??ژ (لقمان: 20)، ژ ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?ژ (النساء: 69).
3. هم لا يحلون أبدا دماء المسلمين عامة؛ إباضية أو مخالفين إلا إذا ابتُدِئ الاعتداء عليهم، وفي النص السابق للطبري وابن الأثير خطأ فادح سنناقشه بالأدلة الدامغة.
4. لا يكفرون القعدة بل يوالونهم، وابن إباض رئيسهم.
5. حلال مناكحة غيرهم أي مخالفوهم.
6. وحلال أكل ذبائحهم.
7. وحلال التوارث فيما بينهم.
8. ويقبلون شهادتهم.
9. يحرمون الاستعراض والخروج وقطع الطريق، واغتصاب الأموال مطلقا.
10. الاستيلاء على الأمانة حرام شرعا، وحفظ ورد الأمانة أمر شرعي.
11. قتل الأطفال حرام وولايتهم واجب.
12. البراءة التامة من جميع الخوارج والفرق الضالة، مثل الأزارقة والصفرية والنجدية والبيهسية، وغيرهم ممن هو ضال عن سبيل الله، ومن يدمج الإباضية ضمن تلك الفرق الضالة يُعتبَر ضلال وظلم بل وجهل واضح، وخطأ تاريخي فاحش وفادح؛ لأن ابن إباض قد تبرأ منهم جميعا، وفارقهم كما في النص السابق بخروجهم عن السلطان، وضلالهم عن أصول الدين بالتأويلات غير الشرعية، وابن إباض ليس بخارجي مثلهم، بل دينه القعود عن الحروب بين المسلمين، والتقية مع السلطان الجائر جائزة كما سنبين، ولا يجوز الخروج عنه، ولا حتى (8/99)
صفحة 100
بالشراء كما طبق بنفسه على نفسه ذلك.
بيان تصحيف وخطأ الطبري وابن الأثير ومن نقل عنهما:
لقد ورد في نص جواب عبد الله بن إباض الشفوي على رسالة ابن الأزرق الضال التي وجهها إلى ابن الصفار، وابن إباض.
ذكر المبرد في كامله أنه كان مع ابن إباض حينذاك أبو بيهس هيصم بن جابر الضبعي، وليس ابن الصفار، مع العلم أن الرسالة موجهة إلى من بقي في البصرة من المحكمة، ولم يرضوا بالخروج مع الخوارج (ابن الأزرق) في شوال 64هـ (انظر ج2/ ص: 148)، وذلك خلاف ما ذكره الطبري أن أبن الأزرق كتب إلى عبد الله بن الصفار، وعبد الله بن إباض ومن قبلهما، أو معهما من الناس (تاريخ الطبري/ ج5/ ص: 568)، ونقل عنه ابن الأثير في كامله (ج3/ ص: 337) نفس المعنى، وبتعبير مختلف.
والخطأ الفادح الذي وقع في نصهما وتعبيرهما أنهما ذكرا نصا لم يشر إليه المبرد، ولم يذكره في كامله وهو قولهما: " ... ولا تحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام ... " ولم يذكر البرد فيما أورده في قول ابن إباض، ولا ابن الصفار، ولا أبو بيهس، موضوع الدماء لا بتحليله ولا بتحريمه؛ وإنما كان جواب ابن إباض الشفوي ينحصر في الفرق بين المشرك، والكافر كفر نعمة، وحلية المناكحة، والموارثة، وحلية الإقامة (القعود) بين المخالفين حلية مطلقة والبراءة، أما حلية الدماء فلم يرد على لسان ابن إباض في جوابه الشفوي حسب ما أورده المبرد.
وعليه فإن تعبيري الطبري وابن الأثير من رأيهما الخاص " ... ولا تحل لنا إلا دماؤهم ... " فهو مقحم أقحاما وتقول لابن إباض لما لم يقله، ولم يعتقد به يوما ما، وذلك كما وان التعبير جملة اعتراضية خارجة عن موضوع أو سياق البراءة، والأصل أن يكون السياق كما يلي: " ... وهم برآء من الشرك، فقال ابن الصفار: برئ الله منك ... إلخ".
ثم أن ذلك الإقحام استحلال دماء المخالفين يتعارض تماما مع قول المبرد في نصه حيث ذكر رأي ابن إباض الصحيح، وهو قوله: " ... والإقامة فيهم (8/100)
صفحة 101
(القعود) حل طلق، أي: الإقامة في المخالفين حل طلق على لسان أبي بيهس هيصم (ج2/ ص: 148).
فهل الإقامة فيهم (القعود) بين المخالفين لمذهبه أو رأيهن تعنى أن دماؤهم حلال كما يزعم الطبري وابن الأثير في كامليهما؟! كيف يستقيم المنطق بين حلية الإقامة (القعود) وبين حلية الدماء؟!
فرأي الطبري وابن الأثير هو خاص بهما، ومن نقل عنهما، فما بال الشهرستاني (ت: 548هـ) يعترف بحقيقة معتقدات الإباضية في هذا الموضوع _موضوع الدماء_ وهم يزيفانه، وقد قال الشهرستاني: " ... وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع (الخيل والبغال) عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وحرام قتلهم وسبيهم في السر غيلة إلا بعد نصب القتال وإقامة الحجة" (الملل والنحل/ ص: 113).
قارن بين هذا النص الذي ينص على "عند الحرب"، أما في السلم فحرام، والضمير في سواه يعود إلى الحرب لا إلى غيره، كما ينص على حرمة قتلهم ... إلا بعد نصب القتال، وبين نص الطبري حيث قال: " ... ولا تحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام ... "، فالتناقض واضح بين ما سبق من أدلة وما سيأتي من حجج.
إن في نصهما تزييف واضح، وتعارض مع اعتقادات ابن إباض في دماء المسلمين عامة والمخالفين خاصة، فاعتقادات ابن إباض ومذهبه هي قرآنية وسنية في الأصل، كما في قوله تعالى: ژگ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ... ? ? ?ژ (النساء: 93)، كما أن فتوى ابن إباض في عدم مقاتلة من لم يقاتله عامة سواء أكان مسلما أو مشركا، كما في قوله تعالى: ژ ? چ ... چ چ چ ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ژ ژ s s ک ... ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ... ? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ? ... ہ ژ (الممتحنة: 8، 9).
يبدو من فتوى ابن إباض على جواز القعود وخاصة بين ظهراني المخالفين تتفق مع فحوى الآيات، إذًا كيف يخول للطبري وابن الأثير (8/101)
صفحة 102
لنفسيهما أن يقولا: " ... ولا تحل لنا إلا دماؤهم ... "، ولم يبينوا متى يكون ذلك، فيقولا مثلا: بعد عدوانهم علينا، أو بعد نقضهم للعهود ... وما شابه ذلك.
وإن فتوى ابن إباض في القعود يتفق تماما مع السنة النبوية، كما روى الربيع بن حبيب (75 هـ _ 170 هـ/ 786م) في جامعه عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، وفي رواية أخرى: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام» (ج2/ ص: 126)، وذكر إبراهيم بن علي بولرواح في موسوعة الإمام جابر بن زيد، أن جابرا كان يحاجج الخوارج أصحاب نافع بن الأزرق في تحريم دماء المسلمين، "قال: وقال أبو سفيان، قال ضمام: كان جابر يأتي الخوارج فيقول لهم: أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فيقولون: نعم، وحرم الله البراءة منهم بدين؟ فيقولون: نعم، فيقول: أوليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمهما بدين؟ فيقولون: نعم، فيقول: وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ فيقولون: نعم، فيقول: هل أحل ما بعد هذا بدين؟ فيسكتون" (ج1/ ص: 354، 355).
فماذا نقول و بماذا نحكم في روايات ابن عباس، وروايات جابر اللذين عاصرا عبد الله بن إباض، بل وعاشا مع بعض، وتعلما بعضهم من بعض، في زمن واحد، وفي وطن واحد «البصرة»؟ فهل رواياتهم هي أضعف سندا من آراء ابن جرير الطبري، وابن الأثير في بالدماء؟ لا نعتقد أن يكون ذلك صحيحا، فلو كانت عبارة الطبري وابن الأثير على هذا النسق " ... ولا تحل لنا إلا دماؤهم بعد العدوان علينا ... " لكانت أداة الاستثناء لها معنى في اعتقادات ابن إباض، وتصب في خانة فتواه التي صرح بها، " ... والإقامة فيهم حل طلق ... " أي لا يجوز الخروج عن المخالفين، أو الحكام الجبابرة بأي حال كما أنها تنسجم مع روايات ابن عباس وجابر بن زيد في أحاديثهما، ومن نقل عنهما مثل المبرد في كامله، وهو المتعارف عليه في تراث الإباضية عموما، وما يدعم معتقدات ابن إباض في تحريم الخروج، وفي تحريم دماء المسلمين هو ما رواه المبرد عن بعض سيرة أبي بلال مرداس بن أدية في الشراء _وليس بالخروج_ فقال: " ... (8/102)
صفحة 103
وكان مرداس قد شهد صفين مع علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وأنكر التحكيم، وشهد النهروان، وكان فيمن نجا، فلما خرج من حبس ابن زياد، رأى جِدَّ ابن زياد في طلب الشراة، عزم على الخروج أي: (الشراء)، فقال لأصحابه: إنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفضل، والله عن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف، وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا، فاجتمع إليه أصحابه ... فولوا أمرهم مرداسا، فلما مضى أصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاري ... قال: لا تَخَف، فإني لا أجرد سيفا، ولا أخيف أحدا، ولا أقاتل إلا من قاتلني، ثم مضى حتى نزل بآسك، فمر به مال يُحمَل لابن زياد، وقد قارب أصحابه الأربعين، فحط ذلك المال، فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه، ورد الباقي على الرسل، وقال: قولوا لصاحبكم (أي: لابن زياد)، إنما قبضنا أعطياتنا، فقال بعض أصحابه: فعلام ندع الباقي؟ فقال: إنهم يقسمون هذا الفيء، كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم ... " (الكامل/ ج2/ ص: 130).
وقد أكد عدم قتال المسلمين في عدة مواقف منها ما رواه المبرد كذلك: " ... فقال لأخي: أجئتم لقتالنا؟ فقال له: لا، إنما نريد خرسان، قال: فأبلغوا من لقيتم، إنا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروِّع أحدا، ولكن هربا من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من قاتلنا، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا، ... " (ج2/ ص: 131).
وكان عبد الله بن إباض ــــ بعد مرداس ـــــ من القعدة، وليس من الشراة، وهم لا يقاتلون إلا من قاتلهم، على مبدإ النص القرآني والسني، وابن إباض اتخذ ذلك المبدأ دينا مع قعوده، فكيف يكون نص ابن جرير الطبري وابن الأثير، ومن نقل عنهم أن يكون صادقا أو معبرا عن ابن إباض؟ وعليه فالمذهب الإباضي من جذوره الإيمانية الأولى لا يستحل إطلاقا دماء المسلمين، كما زعم الطبري وابن الأثير توهُّما.
وأمر تحريم دماء المسلمين قديم من عهد أبي بلال، وعهد ابن إباض، والمشهور بقعوده، ورفضه (8/103)
صفحة 104
الشراء، كما رواه البرادي في جواهره/ ص: 155، 156_ ورفضه الخروج مع خوارج ابن الزرق في محرم 64هـ، وبقائه مع أتباعه في البصرة، وتحريمه لسفك دماء المسلمين، والبراءة من الخوارج جميعا، ومن تقوَّل على المذهب الإباضي بتحليله لدماء المسلمين من غير حقها، أضو تحليل أموالهم فهو مخطئ مفتن بين المسلمين.
ويبدو أن تحريم دماء المسلمين أقدم من ذلك، وأن ابن إباض اتخذ القعود، أو الحياد وعدم محاربة المسلمين منذ وقعة الجمل (25 ربيع الثاني 36هـ) على حسب ما رواه ابن الأثير في كامله حيث قال: " ... وافترق أهل البصرة إلى ثلاث فرق: فرقة مع طلحة والزبير، وفرقة مع علي - رضي الله عنه -، وفرقة لا ترى القتال؛ منهم الأحنف بن قيس، وعمران بن حصين، وغيرهما ... " (ج3/ ص: 123)، وابن إباض هو من عشيرة أو من أهل الأحنف بن قيس، وعليه يصير في حكيم المؤكد والأرجح أن ابن إباض منذ سنة 36هـ قد اتخذ الحياد وتحريم دماء المسلمين مبدأ أساسيا قرآنيا في المذهب الإباضي من بعده، وليس إلى سنة 64هـ.
هذه جملة تعريف مبدأ ابن إباض والإباضية في المسائل المذكورة، علما بأن ابن إباض لم يكن يوما قائدا عسكريا، أو محاربا للمسلمين في أي حرب أو فتنة جرت بين المسلمين بدءا من فتنة الدار، ووقعة الجمل، ومعركة صفين، ولم يخرج مع نافع وأصحابه الحروريين إلى الزبير في مكة ليمنعوا الحرم من جيش مسلم بن عقبة وأهل الشام بأمر من يزيد بن معاوية، ولكن بشروط، فرفضت شروطهم ورجعوا خائبين ولم يكن معهم، بل كان ابن إباض رجل عِلْم مدني مسالم من القعدة ومن المحاديين لجميع السياسات كما بينا في مواضع كثيرة.
تعريف الخوارج:
نكتفي بما ذكره الفيروز آبادي (ت: 817هـ) في قاموسه، مادة: «خرج» في تعريف الخوارج، فقال: "الخوارج: من أهل الأهواء لهم مقالة على حِدَة سموا به لخروجهم على الناس، خرج عليه: برز لقتاله، والخارجي جمع خوارج: من خالف السلطان والجماعة، ومن اعتقد بمذهب الخوارج، والخارجي: من يسود بنفسه من غير أن يكون له قديم في السياسة" (ص: 185، 186).
وفي القرآن لفظة خرج: ضد (8/104)
صفحة 105
دخل، وتعني: خروج للخير، وتعني: الطرد، كما تعني: الخروج من الإيمان، وفي القرآن 177 لفظة في 177 آية متصرفة مختلفة المعنى، ومنها 11 آية تعني خرج ضد دخل، وإن المعنى القاموسي للخوارج ليس بعيدا عن معناه الاصطلاحي والفعلي في الواقع.
التعريف الاصطلاحي للخوارج:
هم فرقة من المحكمة، كانوا يتولون أهل النهروان ومرداسا ومن معه من الشراة إلى أن بيع أهل البصرة عبيد الله بن زياد، وفشوا في الناس يدعون إلى محاربة السلطان، ويظهرون ما هم عليه، ومال معظم الناس بالبصرة والكوفة إلى مبايعة ابن الزبير فاستقل نافع بن الأزرق بموضعه بالأهواز، ولم يعد إلى البصرة بعد امتناعه عن مبايعة الزبير بمكة، وطرد عمال السلطان من الأهواز، وجبوا الفيء.
من أهم معتقداتهم السياسية والدينية: الإيمان بالخروج عن السلطان الجائر، ويحرمون إقامة المسلم بين ظهرانيهم، ويحكمون عليهم بالكفر والشرك، ويوجبون جهاد السلطان الظالم، ويحكمون بالكفر على المتخلفين والقعدة، بأي حال، ويجاهدونهم جهاد السلطان الجائر ژک گ گ گ گ ? ??ژ (النساء: 97)، ويستحلون دماء المخالفين، وأماناتهم، كما يستحلون قتل الأطفال بتأويل خاطئ من مولى بني هاشم، فشهد نافع أن الكافرين وأطفالهم جميعا في النار، ورأى قتلهم، وقال: الدار دار كفر (دار السلطان) إلا من أظهر إيمانه ـــ حسب ما يراه ــــ ولا يحل أكل ذبائحهم، ولا تناكحهم، ولا توارثهم، ومتى جاء منهم (أي: من المخالفين) فعليهم أن يمتحنوه، وهم ككفار العرب (في عهد محمد - صلى الله عليه وسلم -)، ولا يقبل إلا الإسلام أو السيف (والإسلام هو مذهبه الإرهابي)، والقعدة بمنزلتهم (أي: بمنزلة كفار العرب)، والتقية لا تحل، ويستشهد بآيات يؤولها حسب ما يراه، ويستحلون الاستعراض وأموال مخالفيهم (الكامل للمبرد/ ج2/ ص: 145)، ويتبرأون من عثمان وعلي رضي الله عنهما ومن يواليهما، ويحرمون أخذ الدين من المخالفين، ولا يقبلون شهاداتهم ... (ابن الأثير/ ج3/ ص: 337) وغير ذلك، بينما الإباضية لا (8/105)
صفحة 106
يقولون، ولا يعملون بذلك على الإطلاق، وهم برآء منهم ومن آرائهم منذ عهد عبد الله بن إباض إلى اليوم.
علما بأن نافع بن الأزرق ـــــ كما ذكر نجدة بن عامر ــــ كان يقول: "لولا أني أعلم أن للإمام العادل مثل أجر جميع رعيته، ما توليت أمر رجلين من المسلمين" (نفس المصدر/ ص: 146)، فاستماله وأغواه الشيطان، واستهواه حب السلطان، فتطاول في التأويل والفتوى بالقياس، فتراجع عن رأيه، وأراد أن يكون إماما جائرا بأحكامه، ولا يريد أن يتولى أمر رجلين من المسلمين فقط، وإنما رغب في أن يتولى أمر رعية الدنيا بأكملها، وقد تبرأت جميع الفرق الإسلامية منه ومن أتباعه، منهم نجدة بن عامر، وأبي بيهس هيصم الضبعي، وعبد الله بن الصفار، وابن إباض، ... وغيرهم.
لقد أخطأ الشهرستاني (ت: 548هـ) حين أدمج فرقة الإباضية ضمن فرق الخوارج (الملل/ ص: 99)، وذلك خطأ تاريخي فادح، كما يتبين للقارئ المفكر الكريم الاختلاف الواضح بينهما، أحدهما قرآني سني مسالم، والآخر إرهابي عسكري جائر سياسيا وعقائديا، فهؤلاء هم الخوارج الغلاة.
وقد ذكر أحمد معيطة (2006م) أن الشهرستاني قال: "إن كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا؛ سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأيمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأيمة في كل زمان" (الإسلام الخارجي/ ص: 21).
وأضاف أحمد معيطة: "أما الخوارج (الغلاة كابن الأزرق) فكانوا يرون في هذه التسمية معنى يتوافق مع عقيدتهم، وأفكارهم مستشهدين بقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ژ (النساء: 100)، ويشبهون هجرتهم وخروجهم (إلى الأهواز) بهجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة" (نفس المرجع/ ص: 21).
وعليه فإن الفرق واضح بجلاء بين المذهب الإباضي ومعتقداته السياسية والدينية، وبين معتقدات الخوارج الغلاة كابن الأزرق وأتباعه المخطئين في السياسة والدين بالتمام، ولذلك تبرأ منهم المسلمون جميعا وعلى رأسهم ابن إباض وأتباعه.
تسميات مشتبهة للآراء السياسية (8/106)
صفحة 107
يخطئ ويخلط فيها الكتَّاب:
1. المحكِّمة:
قال أحمد معيطة (2006م): "استمد هذا اللقب في الأساس من حادثة التحكيم (بعد معركة صفين): حيث رفع المعارضون لهذا التحكيم شعار «لا حكم إلا لله» وهذا يعني أنه من أقدم الألقاب التي أطلقت عليهم" (الإسلام الخارجي/ ص: 21).
كان في الواقع لا يطلق عليهم خوارج، وإنما هم معارضون ورافضون لسياسة معينة في التنازل عن الحكم الشرعي، وهيئة المفاوضين، وانتقادهم، هم معارضون وليسوا خوارج.
وهنا نتساءل: فهل ابن إباض كان من المحكمة؟ لا نعتقد ذلك لأن الأدلة على نفي ذلك تشير إلى أنه كان منذ فتنة عثمان ووقعة الجمل في (25 ربيع الثاني 36هـ) من المحايدين (القعدة) عن الاقتتال بين المسلمين، بصفة مؤكدة، وكان كذلك في عهد الشاري أبي بلال مرداس بن حدير (61هـ) وبصفة أَوْكد كان من الحزب المقيم القاعد في البصرة في عهد الخوارج الغلاة (في شوال 64هـ).
ولم تذكر المصادر القديمة الموثوقة في التاريخ أنه كان من أهل المحكمة، ولم تظهر أية إشارة إلى ذلك، وذلك شيء منطقي؛ حيث أنه إذا كان يؤمن بعدم الاقتتال بين المسلمين، ويطبق سياسة القعود والحياد في البصرة، ولم يشارك في معركة صفين في الشام، والمحكمة هم من انعزل وانحاز عن علي - رضي الله عنه - بعد صفين وتجمعوا في حروراء قرب الكوفة، فكيف يكون معهم حاضرا، وغائبا في آن واحد؟ وقد أقحموه في الكتاب جبرا مع المحكمة من غير دليل كما سنبين، واتهموه بالخروج، وأشاعوا زورا أنه من الخوارج، وحتى الحروريين، وأهل النهر ليسوا خوارج في هذه الفترة، ومن الكتاب المعاصرين الذين خاضوا في هذا المجال وانحرفوا عن الحقيقة والواقع عمار طالبي (1978م) حيث تساءل هل الإباضية خوارج؟ (ص: 201)، فصال واستطال وجال في طول وعرض المصادر القديمة، وخلط بين الحروريين وأهل النهر (37هـ) وبين الخوارج الغلاة في سنة (64هـ)، وسقط في الأخير في حمأة التعصب التاريخي والمذهبي، فقال: " ولكن هل يمنع هذا كله أن يسموا خوارج، وأن (8/107)
صفحة 108
يكونوا فرقة معتدلة قريبة من أهل السنة تشققت وتفرعت عن المحكمة الأولى؟ " (آراء الخواج الكلامية/ ج1/ ص: 201_ 203)، فالإباضية وابن إباض ليسوا من هذا أو ذلك، فهم ليسوا من المحكمة الأولى، ولا من الخوارج في أي زمان أو مكان، وليسوا فرقة معتدلة من الخوارج، فهم قعدة من أهل القرآن والسنة منذ عهد أبي بلال مرداس وابن إباض وجابر بن زيد وابي عبيدة، وامتدادا إلى الدولة الرستمية وإلى عمان وبني ميزاب وإلى أن يشاء الله هم مع وصايا القرآن والسنة، أما كلمة الاعتدال فهي كلمة مشبوهة ومموهة.
ولو نفترض أن ابن إباض كان محاربا مغمورا، لم تذكره كتب التاريخ، فيكون بذلك منافقا مع معتقداته الأصيلة، فذلك غير وارد مع الأيمة عبر التاريخ.
ومن قال غير ذلك أي: أن عبد الله بن إباض لم يكن من جملة المحكمة، ولا من الحروريين، ولا من أهل النهر، ولا من المحاربين أو الناجين من المعركة، فليراجع معي صفحات المصادر والمراجع التالية: فالمبرد في كامله وهو أصل للتاريخ في هذه الفترة، فلا يجد من ذلك شيئا في صفحات ج2/ ص: 98_ 102، كما أنه لا يجد شيئا مذكورا عن ابن إباض في صفين، والمحكمة في ابن الأثير في كامله في صفحات ج3 من: 165_ 178، وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2 في صفحات 278_ 283، ولا حتى في المراجع المتقدمة كمحمد الخضري بك في تاريخ الأمم الإسلامية ج2 في صفحات من: 73_ 75، وتاريخ اليعقوبي ج2/ من ص: 169_ 188، وسير الشماخي من ص: 41 - 57، غيرها.
كما أن تلك المصادر لم تذكر أنه جادل مع ابن عباس أو كان ضده عندما بعثه سيدنا علي - رضي الله عنه - إلى أهل حروراء لإقناعهم مع العلم أن ابن عباس كان أستاذا لابن إباض في البصرة مع جابر بن زيد الأزدي، وهم على رأي واحد، فلو كان ابن إباض مع المحكمة لانحاز إلى ابن عباس، كما أن ابن الأحنف بن قيس من عشيرة وقبيلة ابن إباض كان مؤيدا لعلي - رضي الله عنه -.
كما نستبعد أن ابن إباض يكون من المغمورين بين المحاربين في صفين أو المنشقين مع المحكمة، فإذا كان كذلك، فكيف تفطن به (8/108)
صفحة 109
المؤرخون الكهنة؟ مع العلم أن المؤرخين لا يذكرون في كتاباتهم إلا الشخصيات المشهورة أو المعارضة للحكم، أو للقواد والأبطال في المعارك، وكل ذلك لم يحصل لابن إباض.
وقد نخلص إلى القول في الأخير إلى أن عبد الله بن إباض لم يكن من المشاركين في معركة صفين، ولم يكن مع جماعة المحكمة ولا مع أهل حروراء، أو مع أهل النهروان؛ بل كان من القعدة المحايدين المؤمنين بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي صدرنا بها هذا الموضوع، وغيرها مما هو في الشرع الرباني، علما بأن فكرة وأفكار الخوارج الغلاة آنذاك، بل وحتى الفرق الأخرى منها الإباضية لم تتبلور بعد.
وفي الموضوع مسألة مرتبطة بالخوارج (أي: المحكمة أو الحروريون)، والخوارج أو الحروريون يخطئون ويتبرأون ممن علي - رضي الله عنه -، وقد ذكر ذلك ابن أبي الحديد (ت: 656هـ/ 1257م) فقال: "ولا ريب أن الخوارج أي: المحكمة؛ إنما برئ أهل الدين والحق منهم، لأنهم فارقوا عليا، وبرئوا منه، وما عدا ذلك من عقائدهم، نحو القول بتخليد الفاسق في النار، والقول بالخروج على أمراء الجور، وغير ذلك من أقاويلهم، فإن أصحابنا يقولون بها (أي: المعتزلة)، ويذهبون إليها، بما يقتضي البراءة منهم إلا براءتهم من علي، وقد كان معاوية يلعنه على رؤوس الأشهاد، وعلى منابر الجمع والأعياد، وفي المدينة ومكة، وفي سائر مدن الإسلام (انظر تحليلي لمضمون الرسالة المنسوبة لابن إباض، وانظر مرتضى العسكري ج1/ ص: 365)، فقد شارك الخوارج [المعتزلة] في الأمر المكروه منهم [أي: إنكار المكروه من أصحاب معاوية]، وامتازوا عليه بإظهار الدين، والتلزُّم بقوانين الشريعة والاجتهاد في العبادة، وإنكار المنكرات، وكانوا أحق بأن يُنصَر على من ينصر عليهم، وصح بذلك قول أمير المؤمنين: "لا تقاتلوا الخوارج بعدي [فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه] " (انظر ص: 78)، يعني في ملك معاوية، ومما يؤكد هذا المعنى أن عبد الله بن الزبير استنصر بالخوارج على يزيد بن معاوية، واستدعاهم إلى ملكه، فقال الشاعر فيه: " ... فقال ابن الزبير: لو (8/109)
صفحة 110
شايعني والديلم على محاربة بني أمية لشايعتهم، وانتصرت بهم" (شرح نهج البلاغة، ج5/ ص: 131).
في هذا النص لابن أبي الحديد بعض الشبهة والالتباس، وسنبين ذلك.
ذكر ابن أبي الحديد مصطلح الخوارج في النص: والأصح أن يذكر مصطلح المحكمة أو «الحروريين» كما سماهم علي - رضي الله عنه - نفسه لكي لا يقع التباس بينهم وبين من حاربه بالفعل، وخرج عنه، واغتصب منه الخلافة كمعاوية وأصحابه، وخوارج ابن الأزرق وأصحابه على بني أمية، كما ذكر في نصه «أهل الدين والحق منهم ... »، فمن هم يا ترى؟ هل المعتزلة، أو فرقة من الخوارج الآخرين؟ وقد وصفهم ضمن نصه بقوله: بأن الخوارج امتازوا عليهم (أي: على المعتزلة) بإظهار الدين والتلزُّم بقوانين الشريعة ... إلى آخر ما ذكر في النص السابق، واستشهد بقول علي - رضي الله عنه - على ألا يقاتلوا ... وبناء على ذلك القول قفز مباشرة من وقعة صفين في 09 صفر 37هـ وزمن التحكيم في 18 صفر 37هـ ومبايعة عبد الله بن وهب الراسبي في 10 شوال 37هـ، وواقعة النهروان ما بين شهر ربيع الثاني 38هـ/ 658م إلى زمن الخوارج الغلاة وعلى رأسهم نافع ابن الأزرق في العراق 26 محرم 64هـ/ حوالي: 28 نوفمبر 683م، وعبد الله بن الزبير في الحجاز بعد 14 ربيع الثاني 64هـ/ 20 نوفمبر 683م، ومسلم بن عقبة، وبعد تميز بن الحصين قدما لحصار مكة وعبد الله بن الزبير في 26 محرم 64هـ وهي قفزة تاريخية طويلة وخطيرة مدتها حوالي (26 سنة) وحط بمنطقه التاريخي على عبد الله بن الزبير ليبرهن على قول علي بأنه صحيح: "لا تقاتلوا الخوارج ... "، وأن عبد الله بن الزبير استنصرهم واستدعاهم ضد يزيد بن معاوية، وقواد جيشه مسلم وغيره مع العلم أن المبرد في كامله لم يذكر أن عبد الله بن الزبير استدعاهم واستنصرهم، بل قال: " فمضى نافع وأصحابه من الحرورية قبل الاختلاف [أي: قبل الاختلاف فيما بينهم] إلى مكة ليمنعوا الحرم من جيش مسلم بن عقبة، فلما صاروا إلى [عبد الله] بن الزبير عرفوه أنفسهم، فأظهر لهم أنه على رأيهم حتى أتاهم مسلم بن عقبة وأهل الشام، فدافعوهم (أي: ماطلوهم) إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية، ولم يبايعوا ابن الزبير ... " (8/110)
صفحة 111
(ج2/ ص: 112).
مما يُفهَم من هذا النص أن الحروريين هم الذين ذهبوا بمحض إرادتهم للدفاع عن الحرم المكي إلى ابن الزبير، وهي فكرة تخالف تماما ما ذكره ابن أبي الحديد "استدعاهم واستنصرهم ... "، والخلاف بينهما واضح وهذا سيأتي، نحن نريد هنا أن نرفع ذلك الالتباس والشبهة عن ابن إباض بأنه لا يعنيه أمر هؤلاء كلهم من وقعة الجمل إلى رجوع ابن الأزرق من عبد الله بن الزبير من جمادى الثانية 36هـ إلى محرم 64هـ حوالي 28 سنة من الحروب الطاحنة بين المسلمين، وعلى رأسهم كثير من الصحابة عليهم السلام، فهو ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء ولا أولئك، والأصح انه من قعدة البصرة بالأدلة التي سنسوقها، فهو لم يكن مع أولئك في تلك الأمكنة والأزمنة والبشر المحاربين مؤيدين أو معارضين باعتقاداتهم وآرائهم التي يمكن أن يضخمها المؤرخون وينفخون فيها بباطل سياسي على حد قول ابن الأثير في كامله "فإن الناس قد حشوا تواريخهم بمقتضى أهوائهم" (ج3/ ص: 134).
إن الدليل الأول على أن ابن إباض لم يظهر على مسرح الأحداث المذكورة آنفا منذ وقعة الجمل في (10 جمادى الأولى 36هـ) بل وحتى قبلها عندما قتل عثمان في (18 ذي الحجة 35هـ/ 20 ماي 656م) وإلى (14 ربيع الأول 64هـ/ 20 نوفمبر 683م) من وفاة يزيد بن معاوية حيث ظهر بعد هذا التاريخ من القعدة بصفة صريحة متبرئا من جميع فرق الخوارج كلها.
الدليل الثاني: إنه كان من القعدة في البصرة مع رئيس قبيلته بني سعد التميمية الأحنف بن قيس في وقعة الجمل في البصرة الذين افترقوا من أجلها إلى ثلاث فرق: فرقة مع عائشة والثانية مع علي - رضي الله عنه - والثالثة كانت محايدة (القعدة) ومن جملة المبايعين لعلي - رضي الله عنه - من أهل البصرة بعد وقعة الجمل، ونستنبط ذلك مما رواه ابن الأثير في كامله، فلنتأمل نصه فيما يلي: " ... ولما فرغ علي من الواقعة أتاه الأحنف بن قيس في بني سعد، وكانوا قد اعتزلوا القتال، فقال له علي: تربصت، فقال: ما كنت اراني إلا وقد أحسنت، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فإن طريقك الذي (8/111)
صفحة 112
سلكت بعيد، وأنت إلي غدا أحوج منك أمس، فاعرف إحساني واستصف مودتي لغد، ولا تقل مثل هذا، فإني لم أزل لك ناصحا، ثم دخل علي - رضي الله عنه - البصرة يوم الاثنين، فبايعه أهلها على راياتهم حتى الجرحى، والمستأمنة، وأتاه عبد الرحمن بن أبي بكرة في المستأمنين أيضا فبايعه، فقال له علي: وما عمل المتربص المتقاعد بي أيضا _يعني: أباه أبي بكرة_ فقال: والله إنه لمريض، وإنه على مسيرتك لحريص، فقال علي: امش أمامي فمشى معه إلى أبيه، فلما دخل عليه علي - رضي الله عنه - قال له: تقاعدت بي وتربصت، ووضع يده على صدره، وقال: هذا وجع بين، واعتذر إليه فقبل عذره، وأراده علي البصرة فامتنع، وقال: رجل من أهلك يسكن إليه الناس، وسأشير عليه فافترقا على ابن عباس، وولى زيادا على الخراج، وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع" (الكامل/ ج3/ ص: 131).
"وخرجت [عائشة] يوم السبت غرة رجب [36هـ]، وشيعها أميالا وسرح بنيه معها يومًا، فكان وجهها إلى مكة، فأقامت إلى الحج، ثم رجعت إلى المدينة" (نفس المرجع/ ص: 132).
وعليه فإن بني سعد، وهي قبيلة الأحنف، وابن إباض كانوا قد اعتزلوا القتال، ويبدو أنهم كلهم قد اعتزلوا القتال يوم الجمل، وهو الأصح في التاريخ النظيف.
وبناء على ذلك يصبح ابن إباض والإباضية جميعا:
1. ليسوا خوارج بالدليل والبرهان والفرق بينهما واضح وضوح الشمس، وابن إباض من القعدة.
2. وبالتالي ليس الإباضية ولا ابن إباض من المحكمة، أو الحروريين أو غيرهم.
3. لم يفارقوا عليا أبدا، وإنما هم تجنبوا الفتنة بين المسلمين، كما سنبين في الدليل الثالث.
4. لم يتبرأوا من عثمان ولا علي ولا كفروهما، ولم يحضروا تلك الخصومة الواقعة بين عبد الله بن وهب الراسبي وعبد الله بن عباس بعد التحكيم، مثل قولهم: "قد كان علي للمؤمنين أميرا، فلما حكَّم في دين بالله خرج من الإيمان، فليتب بعد قراره بالكفر نَعُدْ له ... " (المبرد/ الكامل/ ج2/ ص: 91)، وقد يشتبه الأمر بين عبد الله بن وهب الراسبي أو عبد الله بن الكواء اليشكري وعبد الله (8/112)
صفحة 113
بن إباض، فينسب هذا الاعتقاد إلى ابن إباض وهو بريء منهم، ولم يحضر مع جماعة الراسبي أو المحكمة أو اليشكري بالمرة كما بيناه.
الدليل الثالث: وعي الأحنف بن قيس زعيم قبيلة بني سعد ومنهم عبد الله بن إباض بمصير المسلمين بعد الفتن.
يبدو من كتب التاريخ أن وقعة الجمل في الخميس (10 جمادى الأولى 36هـ) كانت أكثر الوقائع هرجا ومرجا، وتعد من أعقد الأحداث التي يكثر فيها اللغط والخلط في الحقائق، والاتهامات، والتعصب للشخصيات الصحابية، واضطرب حبل الإمارة، واختلط فيها الحابل بالنابل في البصرة بالخصوص، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «إنها ستكون فتنة؛ القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب».
لقد وعى الأحنف بن قيس وعبد الله بن إباض وقبيلتهم شر الفتن، وشر سفك دماء المسلمين، وشر استحلال دمائهم بالفتن والحروب، ومن بين المحاولات لتهدئة وضع الأمة، وتسكين النفوس عندما بلغ لعلي - رضي الله عنه - أن عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير قد ساروا إلى البصرة لمطالبة قاتلي عثمان - رضي الله عنه - وعلي وقتها كان يتهيأ للمسير إلى الشام لإرغام معاوية على البيعة والخضوع لإمارته_ فاختار علي - رضي الله عنه - القعقاع بن عمرو (ت نحو: 40هـ/ 660م) ليكون سفير بينه وبين القادمين لأهل البصرة، ومن جملة ما قاله القعقاع كما ذكر محمد الخضري بك (1956م) في خطبته لإزالة فتيل الفتنة والشر بين المتصارعين وأهل البصرة ما يلي: " ... فآثِروا العافية تُرزَقوها، وكونوا مفاتيح الخير، كما كنتم تكونون، ولا تعرضونا للبلاء، ولا تعرضوا له فيصرعنا وإياكم، وأيم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه، وإني خائف أن لا يتم حتى يأخذ الله من هذه الأمة التي قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمر ليس بقَدَر وليس كالأمور، ولا كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة الرجل، فقال له القوم: أحسنت وأصبت، فإن جاء علي - رضي الله عنه - بمثل ما قلت صلح الأمر، فرجع القعقاع، فرجع القعقاع إلى علي - رضي الله عنه - فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح ... " (محاضرات تاريخ الأمم/ ج2/ ص: 57). (8/113)
صفحة 114
إن الأحنف بن قيس على علم تام بالأحداث ودوافعها من جميع الأطراف، وقد كتبت عائشة كما ذكر ابن الأثير في كامله (ت: 630هـ) "إلى رجال من أهبل البصرة وإلى الأحنف بن قيس وصبرة بن شيمان وأمثالهم، وأقامت بالحفير تنتظر الجواب" (الكامل/ ج3/ ص: 107).
ولم يستجب الأحنف بن قيس لها، بل ترك الجواب لغيره، حيث أنه اختار الحياد والقعود كما مر ذكره، وامتنع عن المشاركة في الاقتتال وسفك دماء المسلمين لأمور دنيوية، كما ذكر أبو موسى الأشعري (ت: 44هـ/ 665م) للكوفيين حينما استشاروه في الخروج والانتصار، كما ذكر ابن الأثير: فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: كان الرأي بالأمس ليس اليوم [أي: يوم الدار، فتنة عثمان]، إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جرّ عليكم ما ترون؛ إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا فاختاروا، فلم ينفر إليه أحد ... " أي إلى محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر (الكامل/ ج3/ ص: 116).
ومن كلامه السابق وما يلي يظهر أن أبا موسى الأشعري كان معترضا على كل شيء، وقد خطب نفرا آخرين فيهم الأشتر وابن عباس، فقال: "أيها الناس إن أصحاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - الذين صحبوه أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا لحقاًّ، وأنا مؤد إليكم نصيحة، كان الرأي أن لا تستخفوا بسلطان الله، وأن لا تجترئوا على الله، وأن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا، فهم اعلم بمن تصلح له الأمانة، وهذه فتنة صماء؛ النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، والراكب خير من الساعي، فكونوا جرثومة (أي: من الشيء أصله، أو هو التراب المتجمع في أصول الشجر) من جراثيم العرب، فاغمدوا السيوف، وانصلوا السنة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي الفتنة" (الكامل/ ج3/ ص: 116).
"وإن هذا الرأي هو الرأي الحصيف في الموضوع، ولو كان أولوا النهى امتثلوا به، ولما قتل في هذه الواقعة المنكرة عشر آلاف من شجعان المسلمين بينهم كثير من أعلامهم ... " (8/114)
صفحة 115
(الخضري/ ج2/ ص: 58).
وسنذكر هنا الشاهد من بيت القصيد في هذا الدليل الثالث وهو القعود والحياد الذي كان منذ عهد واقعة الجمل في (جمادى الأولى 36هـ/656م)، بل منذ عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو شرع إلهي قرآني وليس بسياسة بشرية قسرية، واستمرت هذه السياسة إلى يومنا هذا؛ من إجبار أو تفكير لتبرير العدوان وسفك الدماء، وللقعود قواعد وظروف واعتبارات فردية واجتماعية وسياسية ودينية.
وبناء على ما تقدم ذكره من خطب مسكنة للحماس والتعصب من القعقاع بن عمرو، ومن أبي موسى الأشعري، واختلاط الأمور بين أولي النهى والعامة والفئة الباغية الضالة، والفئة الراشدة الصالحة، وبين المؤيدة والمعارضة على حق انبثق رأي ثالث للمؤمنين؛ وهو اتخاذ سبيل الحياد والقعود.
لقد ذكر ابن الأثير (ت: 630هـ/ 1232هـ) عدة أحداث منذ بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وخاصة ما حدث من هرج ومرج ورهج قبل وقعة الجمل والتهيؤ لها في الجزء الثالث في كامله، من ص: 98 إلى ص:123 فذكر في الأخير أن أهل البصرة فقط لوحدهم قد افترقوا إلى ثلاث فرق: فرقة مع طلحة والزبير [وعائشة وعمران بن حصين] (الكامل، ج3/ ص: 123)، وفرقة مع علي - رضي الله عنه -، وفرقة ثالثة لا ترى القتال [والاقتتال بين المسلمين]، منهم الأحنف [بن قيس] كما مر ذكر حواره مع علي - رضي الله عنه - (انظر ص: 10) حيث اتخذ سبيل وسياسة القعود في هذه الواقعة هو وقبيلته بني سعد التميمية، وقد وقع مثل ذلمك في واقعة النهروان بعد صفين في الكوفة؛ إذ إن الحرب بين المسلمين لا يتواطأ عليها جميع الناس، فهناك من يتحمس لها لغرض في نفسه أو إذعانا لمبادئه، وهناك من يعارضها، وهناك من يختار الحياد والقعود.
كما ذكر المبرد في كامله أن في الكوفة زهاء ألفين من القعدة، وذكر ذلك نصا: "وكان مقدار من أصاب على صلوات الله عليه منهم بالنهروان ألفين وثماني مائة، في أصح الأقاويل، وكان عددهم ستة آلاف، وكان منهم بالكوفة زهاء ألفين ممن يُسِر أمره (القعدة)، ولم يشهد الحرب ... " (8/115)
صفحة 116
(الكامل/ ج2/ ص: 101).
وبناء على ما تقدم نستدل بصفة مؤكدة على أن ابن إباض لم يخض مع الخائضين قبل وقعة الجمل، ولا أثناءها، ولا بعدها، ولا في أية معركة أو واقعة اقتتال بين المسلمين، بل سياسته الحياد، وسبيله القعود كزعيم قبيلته في هذه الواقعة، وكأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين، وقبيلة بني سعد كلها، ولم يكن بعد ذلك من المحكمة أو الحروريين، والمؤرخ الذي يذكر خلاف ذلك فهو غير واقعي ولا منطقي ويقحم إقحاما عاطفيا أو تعصبيا أو خياليا في ثنايا تاريخه المغالط ما يملي عليه هواه الخاص.
لقد ذكرنا في هذا المقام عبد الله بن إباض بمناسبة ذكر المحكمة، أو الحروريين، واستعمل خطأ مصطلح الخوارج، ولم يسمهم علي - رضي الله عنه - بذلك، قلت: ذكرنا ابن إباض لرفع الشبهة بالدليل، ونفي التهمة عنه بأنه من جملة المحكمة بل هو من الحيادين القعدة في البصرة بأصله ودينه، (و المسألة في حاجة إلى تدقيق)، وسنأتي على نفي التهمة عنه أنه من الخوارج في عهد زياد ويزيد وعبد الملك بن مروان والحجاج في الدولة الأموية.
2. الحروريون:
يذكر محققا الملل والنحل للشهرستاني (479هـ_ 548هـ) "أن حروراء: قرية في العراق غير بعيدة عن الكوفة" (الملل والنحل، ج1/ ص: 99)، وهي تبعد عن الكوفة بحوالي ميلين (3218كلم).
ويعرفهم المبرد في كامله كما يلي: "كان سبب تسميتهم الحرورية أن عليا لما ناظرهم بعد مناظرة ابن عباس رحمه الله إياه فكان مما قال لهم: ... فرجع منهم ألفان من حروراء، وقد كانوا تجمعوا بها، فقال لهم علي صلوات الله عليه، ما نسميكم؟ ثم قال: أنتم الحرورية؛ لاجتماعكم بحروراء" (الكامل/ ج2/ ص: 99).
وتوضيح ذلك فيما ذكره ابن الأثير (ت: 630هـ/ 1232هـ) في كامله قائلا: "ولما رجع علي من صفين فارقه الخوارج المعارضون للتحكيم"، وأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا، ونادى مناديهم: أن أمير القتال شيث بن ربعي التميمي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، والأمر شورى بعد (8/116)
صفحة 117
الفتح، والبيعة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلما سمع علي - رضي الله عنه - وأصحابه قامت الشيعة فقالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية ... " (الكامل، ج3/ ص: 165) ودار الحوار بينهم طويلا إلى أن أيِس علي - رضي الله عنه - منهم، وحسم الموقف كما ذكر محمد الخضري بك (1956م) بما يلي: "فرفع راية مع أبي أيوب الأنصاري، ونادى من جاء هذه الراية منكم ممن لم يستعرض، فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة، أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم، فانصرف منهم جمع، وخرج إلى علي - رضي الله عنه - جمع، وبقي مع ابن وهب [الراسبي] (2800) من أربعة آلاف، فقامت رحى الحرب بين الفريقين (معركة النهروان) بعد محاولة عبور الجسر، وانتهت في ذلك اليوم بقتل [عبد الله] بن وهب [الراسبي]، ومعظم من معه" (محاضرات تاريخ الأمم/ ج2/ ص: 75).
ومن جملة ما تقدم نستنبط أن الحروريين هم من أنصار علي - رضي الله عنه - في صفين، فانفصلوا عنه عند الرجوع إذ لم يقبلوا بالتحكيم، فنزلوا بحروراء، ولم يدخلوا الكوفة مع علي - رضي الله عنه - عند الرجوع من صفين، وهم أنفسهم أهل المعركة في النهروان، وعليه فإنهم على فكرة واحدة: (المحكمة والحروريون وأهل النهروان) فهم كلهم من الكوفة أو معظمهم معارضون لسياسة علي - رضي الله عنه - مع معاوية الذي لم يبايع عي واغتصب الحكم بحيلة رفع المصاحف والتحكيم، ومعارضتهم ليست محاولة للخروج والانفصال عنه؛ وإنما هي معارضة ضغط للتمسك بالحكم والبيعة، ولنفترض أنه رضخ لمعارضتهم، فهل يسمون بعد التفاهم والتوافق خوارج؟ أبدا، وعليه فهم ليسوا خوارج في هذه الفترة؛ وإنما هم معارضون ومختلفون مع علي - رضي الله عنه - وهم أصحابه، وأصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في السياسة بالحكم أكثر مما هم مختلفون في الدين، بينما الخوارج في هذه الفترة هم أصحاب معاوية بالدرجة الأولى، أما الخوارج الحقيقيون أو الغلاة فلم يظهروا بعد.
وما يمكن أن نستنبطه من الفقرات السابقة كذلك أن أهل البصرة لم يظهروا في المعركة أو الساحة السياسية، وذلك بدليل أن جميعهم من الكوفة، وعند رفع علي للراية مع أبي أيوب الأنصاري، أمن كل من يأتي إلى الراية، أو إلى الكوفة (8/117)
صفحة 118
أو إلى المدائن التي هي في شمال الكوفة، وليست في الجنوب بالبصرة، أي أن البصريين لم يشاركوا كثيرا في حرب صفين، ولا في المعارضة مع المحكمة، عتاب علي - رضي الله عنه - للأحنف بن قيس بقعوده في البصرة يؤيد هذا الاستنباط، وذلك ما يدعم قعود عبد الله بن إباض وعدم مشاركته مع المحكمة في المعارضة، ومحاربة علي - رضي الله عنه -.
والاستنباط الثالث: إن كانت الأرقام المذكورة في هذه الفقرات صحيحة تمثل الواقع فإننا نحكم على أن المشاركين في الحروب أفكارهم هشة، بسهولة يمكن تسييسها وتمييلها للوجهة المرغوبة، فلاحظ مثلا أنهم نزلوا بحروراء أول مرة اثنا عشر ألفا، وبعد تأمينهم ذهبوا إلى مدنهم وبقي أربعة آلاف، وحسب إحصائيات المبرد رجع منهم ألفان من حروراء، أما إحصائيات ابن الأثير بقي مع ابن وهب الراسبي (2800)، أي لم يقتل من أهل النهروان إلا ثلاثمائة، فعلى الرغم من اضطراب هذه الأرقام فإن الباقي مع ابن وهب 800 من اثنا عشر ألف فإن لها دلالة الهشاشة في الاعتقاد، وسهولة غسل الأدمغة بالحرب النفسية، والإيحاء بموتهم حتما باستعمال كلمة: «فهو آمن»، والإيماء بأن المدن آمن لهم وأرحم من الحروب الطاحن، وكلمة: «لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم» تحمل كثيرا من الرحمة عليهم، والسعي لحماية دمائهم بدل سفكها وهدرها في الأمور التافهة.
ومما يدعم هذا الاستنباط ما أورد ابن الأثير على لسان فروة بن نوفل الأشجعي (د. ت) قال: "فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما أدري على أي شيء نقاتل عليا؟ أرى أن أنصرف حتى تتضح لي بصيرتي في قتاله أو أتابعه، فانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة، وخرجت طائفة أخرى متفرقين، فنزلوا الكوفة، وخرج إلى علي نحو مائة، وكانوا أربعة ألاف، فبقي مع عبد الله بن وهب ألف وثمانمائة، فزحفوا إلى علي" (الكامل/ ج3/ ص: 174) لاحظ الفرق بين (2800) و (1800).
ومن هنا تأتي ضرورة نسبة فرقة إلى أصلها الأول، فالمحكمة هم محكمة وليسوا خوارج، والحروريون هم حروريون وليسوا خوارج، وأهل النهروان هم أهل النهر وليسوا خوارج، وهم كلهم كوفيون كانوا علويين، وابن إباض (8/118)
صفحة 119
بصري من قعدة البصرة، وليس عليه شيء في دماء المسلمين.
3. أهل النخيلة: (الخاذلون لأصحابهم):
لقد سموا أنفسهم بذلك؛ حيث أنهم تراجعوا عن قتال اتفقوا عليه مسبقا، ووقع ما وقع من سفك دماء المسلمين في صفين، وشعروا بالذل والهوان عندما حسمت المعركة بقبول التحكيم، ولم يبلغوا مرادهم، فانفصلوا عن علي - رضي الله عنه - وعن أهل النهروان، فتدابر القوم وتخاذلوا قبل حسم الموقف، وتراجعوا في وسط الطريق، فذلك هو الخِذلان، بالإضافة إلى اعتقاداتهم المنحرفة في سياسة عثمان وعلي رضي الله عنهما، قد وصفهم المبرد كما يلي: "كان أهل النخيلة جماعة بعد أهل النهروان، ممن فارق عبد الله بن وهب، وممن لجأ إلى راية أبي أيوب، وممن كان أقام بالكوفة [التي] قالت: لا نقاتل عليا، ولا نقاتل معه، فتواصوا فيما بينهم وتعاضدوا، وتأسفوا على خذلانهم أصحابهم" منهم المستورد بن بني سعد بن زيد مناة، وابن جوين الطائي، وفروة بن شريك الأشجعي، وطحنهم علي - رضي الله عنه - بجيشه في ذلك الموقع ولم يفلت منهم إلا خمسة منهم من ذُكِر آنفا. (الكامل/ ج2/ ص: 124)، هؤلاء هم المنكرون لسياسة عثمان وعلي رضي الله عنهما، وظهر ذلك في قول المستورد: " ... ثم قام الفاروق ففرق بين الحق والباطل مسوِّيًا بين الناس في إعطائه، لا مؤثرا لأقاربه (يعرِّض بعثمان ولا محكما في دين ربه، معرِّضا على علي - رضي الله عنه -) وها أنتم تعلمون ما حدث، (إشارة إلى الجمل وصفين والتحكيم)، والله يقول: ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (النساء: 95)، (نفس المصدر السابق والصفحة).
فلو كان موقفهم الحيادي قد ظهر قبل القتال ولم يخرجوا إلى صفين، ولم يكونوا مع أهل النهروان قبل الواقعة، ولم يخافوا بعد رفع راية أبي أيوب، والحرب النفسية التي استعملها معهم علي - رضي الله عنه - لسمُّوا «قعدة» فعلا قبل الحرب، ولكن وقع الخذلان في وسط موقف حربي بعد أن وقع ما وقع، وحسب تعبير المستورد "وها أنتم تعلمون ما حدث"! وبعد أن وقع كل ذلك تحولوا فجأة إلى حياد، فذلك هو الخذلان بالذات كما عبروا بأنفسهم عن ذلك.
علما بأن النخيلة (موضع قرب الكوفة يبعد عنها بنصف فرسخ بعيد (8/119)
صفحة 120
عن البصرة، وأهل النخيلة كوفيون وليسوا بصريين) كانت محط جيش علي عند ذهابه لحرب أهل الشام، وأهل النخيلة يختلفون في اعتقاداتهم الإسلامية عن اعتقادات ابن إباض، وخاصة مسألة القعود المطبقة منذ القديم، وموالاة الصحابة كلهم وخاصة الأيمة؛ منهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعا، ولا يكفّرون أحدا منهم ولا يتبرأون منهم، ويحتمل أن تكون الرسالة المنتحلة والمنسوبة إلى ابن إباض لعبد الملك، صادرة من بقية أحدهم أو أتباعهم المنحرفين.
الخلاصة:
وخلاصة القول نقول: ولو أنه من قبيل تحصيل وتأكيد المؤكد من الحقائق المستنبطة أن عبد الله بن إباض في هذه الفترة من الأحداث الانشقاقية الأولى في الإسلام ــــ في عهد عثمان وعلي رضي الله عنهما ــــ لم يكن له أي ذِكر أو نشاط في المصادر التاريخية الأولى، ولم يظهر على مسرح تلك الأحداث؛ في فتنة مقتل عثمان، ووقعة الجمل، ووقعة صفين، ووقعة النهروان مع المحكمة وأهل حروراء وأهل النخيلة، ولم يؤمن يوما بالخروج ضد المسلمين، وليس هو أصلا من الخوارج، إلا من تقوَّل عليه قولا أو رأيا أو اعتقادا منحرفا من خياله وعاطفته وانحيازه، أو حمله وزرا أو زورا ژ ? ? ? ? ?ژ، ما لم يتعمد من تصرفات وسلوك، إلا التقية والقعود سياسيا حسب الأمر القرآني الشرعي؛ وأسوة بزعيم قبيلته الأحنف بن قيس التميمي، ودينيا شرعا وتنفيذا لأصول الدين والفقه أسوة بأمير بلدته البصرة عبد الله بن عباس؛ أستاذه وأستاذ جابر بن زيد الأزدي العماني. والبقية تأتي.
قائمة المراجع
1ــــ القرآن الكريم (برواية حفص عن عاصم)
2 ــــ الحافظ عماد الدين أبي الفدا إسماعيل بن كثير. (1984). تفسير القرآن العظيم. المجلد 06. ط6. دار الأندلس. بيروت.
3 ــــ الربيع بن حبيب. (1985). مسند الجامع الصحيح. ط؟؟. المطبعة العربية. غرداية. الجزائر. (8/120)
صفحة 121
4 ــــ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي. (2003). القاموس المحيط. ط3. مؤسسة الرسالة. بيروت.
5 ــــ ابن الأثير أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد الشيباني الجزري. (1986). الكامل في التاريخ. ج3. دار الكتاب العربي. بيروت.
6 ــــ ابن أبي الحديد. (1987). شرح نهج البلاغة. ج1، 6. ط1. دار الجيل. بيروت.
7 ــــ أحمد معيطة. (2006). الإسلام الخارجي. ط2. التكوين للطباعة والنشر. دمشق.
8 ــــ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش. (2001). شرح عقيدة التوحيد. ط1. المطبعة العربية. جمعية التراث. غرداية. الجزائر.
9 ــــ الزركلي خير الدين. (1373 - 1979). الأعلام. ج4. ط2. مطبعة أوشاتوماس. البلد؟؟
10 ــــ الشماخي. (د. ت). سير الشماخي. طبعة حجرية. نشر الحاج سليمان بن مسعود النفوسي. قسنطينة. الجزائر.
11 ــــ الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم. (2006). الملل والنحل. ج1 و2. مكتبة الإيمان. المنصورة.
12 ــــ السيد مرتضى العسكري. (1994). معالم المدرستين. ج1 و2و3. ط6. المجمع العلمي الإسلامي. المنير للطباعة والنشر. طهران.
13 ــــ الطبري أبو جعفر محمد بن جرير. (1979). تاريخ الطبري. ج5. دار المعارف. مصر.
14 ــــ طالبي عمار. (1978). آراء الخوارج الكلامية. ج1. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر.
15 ــــ النامي. عمرو خليفة. (2000). دراسات عن الإباضية. ط1. دار الغرب الإسلامي. بيروت
16 ــــ المبرد أبو العباس يزيد بن محمد. (2002). الكامل في اللغة والأدب. ج2. مؤسسة المعارف. بيروت.
17 ــــ محمد الخضربات. (1956). محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية. ج2. ط7. مطبعة الاستقامة. القاهرة.
18 ــــ اليعقوبي. (13284 - 1964). تاريخ اليعقوبي. المكتبة الحيدرية. النجف. العراق. (8/121)
صفحة 122
- - - (8/122)
صفحة 123
فقه المال العام عند الإباضية
(الحلقة الثالثة: عند فقهاء إباضية المشرق)
الشيخ أبو محمّد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي الأزدي العُماني
الدكتور: محمد بن صالح حمدي
كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة
م
مقدمة:
أتناول في هذه الحلقة المال العام عند فقهاء الإباضية المشرقيين، محاولا إبراز اهتمامهم بهذا الجانب من القضايا الفقهية وكيف كانت معالجتهم لها وموقعها من بقية الأبواب الأخرى، وقد وقع اختيارنا على الشيخ ابن بركه، فهو أول من تعرض للقضايا المالية بتفصيل واستيعاب، من خلال جامعه، وقد عاش في القرن الرابع الهجري، حيث توطدت أركان الإمامة في عمان وقويت شوكتها، وبرزت مواردها وحددت مصارفها. ولقد قمت بإجراء مسح عام حول المسائل المالية، في هذا المصنف الهام، وكيف تناولها الشيخ، وتوقفت عند آرائه حول المسائل المختلفة، مقارنا بين آراء المذهب الإباضي وبقية المذاهب الأخرى، ونلاحظ أن الشيخ لم يتناول المسائل المالية في باب واحد، كما قام المصنفون في المسائل المالية من أمثال أبي يوسف، و أبي عبيد، بل وزعها على أبواب الفقه، فقد نحى منحى التأليف على أبواب الفقه، وهو المنهج الذي اعتمده أغلب المؤلفين، في العهود الأولى. والهدف من الدراسة -كما أسلفنا- هو إبراز مساهمة الإباضية في فقه المال العام، وقسمت هذه الدراسة إلى المحاور الآتية:
1 ـ الإمام ابن بركة حياته وآثاره.
2 ـ سرد لأهم مسائل المال العام في كتاب الجامع.
3 ـ أهم المسائل في الجزء الأول:
أولا: مسائل الزكاة.
ثانيا: مسائل الركاز.
ثالثا: مسائل الجزية. (9/122)
صفحة 124
1 ـ ابن بركة حياته وآثاره (1):
هو العالم الكبير الأصولي البليغ: عبد الله بن محمد بن بركة السليمي الأزدي المشهور بابن بركة والمكنى بأبي محمد،
ولد رحمه الله حسب المصدر المعتمد عليه ما بين عامي 296 - 300 للهجرة، في مدينة بهلا من قرية الصرخ، والتي تبعد عن نزوى (العاصمة الإسلامية آنذاك) بحوالي 30 كلم، أما تاريخ وفاته فالراجح أن يكون مابين 363 - 362 للهجرة
شيوخه: أخذ علومه الأولى في مدينته "بهلا" ثم انتقل إلى"صحار" حيث التقى بالشيخ العلامة: أبي مالك غسان بن محمد، ومن شيوخه أيضا: الإمام أبي القاسم سعيد بن عبد اله بن محمد، فنهل من علمهما الغزير حتى غذى عالما متبحرا ففاق أشياخه وأقرانه.
صفاته ومكانته العلمية: كان محبا للعلم مجتهدا في طلبه جادا في تحصيله، وصار إمام المدرسة الرستاقية وعميدها بعد شيخه أبي مالك، ومما اشتهر وتميز به أنه كان رجلا غنيا ثريا كريما سخيا، فقد أنشأ مدرسته المشهورة في "بهلا"، وحبّس للمتعلمين أرضا واسعة من ماله وبنى العديد من المساجد.
تلاميذه: من أبرز تلاميذه الذين أخذوا العلم عنه العلامة الكبير أبي الحسن البسيوي، صاحب كتاب "مختصر البسيوي" ومنهم أبو عبد الله محمد بن زاهر وله تقييدات عديدة في مسائل فقهية عن شيخه ابن بركة، ومسائل أخرى.
آثاره: لقد ترك ابن بركة كنوزا جمة، أثرى بها المكتبة الإسلامية عامة والإباضية بصفة خاصة وترك لنا مصنفات عديدة منها، كتاب الجامع، الذي اعتمدنا ه في دراستنا هذه، ومن أهم ما قدمه لنا الشيخ في هذا المصنف أنه مهد له بمقدمة أصولية تحتوي على مسائل مفيدة، وسلك منهجا مقارنا وذكر كتبا غير إباضية، واشتمل على العديد من القواعد الفقهية، وقد أحصى أحد الباحثين عدد القواعد المستخرجة، ست وثمانون إضافة إلى ست وسبعون ضابطا
__________
(1) زهران المسعودي: كتاب الإمام ابن بركة ودوره الفقهي من كتاب الجامع، ص:37 (9/123)
صفحة 125
2 - مسح لأهم مسائل فقه المال العام في كتاب الجامع:
عند تتبعنا لفصول الكتاب نجد الشيخ يتناول مسائل الفقه العام في ثنايا تناوله للمسائل الفقهية بدون تمييز بينها والقضايا الجزئية التي تهم حياة الأفراد من صلاة وصوم وزكاة وغيرها من المسائل، ففي باب الزكاة مثلا، يجمع بين الزكاة المدفوعة للغارم وأخذ الجزية من أهل الكتاب رغم أن الأولى تختص المسلمين كأفراد بينما الثانية تخص ولي أمر المسلمين بصفته مسؤولا على بيت المال، وهذا هو المنهج الذي سار عليه أغلب المصنفين في الفقه في العصور الأولى للتأليف والتدوين، على الرغم من ظهور المنهج التخصصي في التأليف في المسائل المالية، والذي يمثله كل من الإمامين أبي يوسف وأبي عبيد.
ففي الجزء الأول من كتاب الجامع تناول الشيخ المسائل الآتية:
أولا - مسائل الزكاة:
*- الضمان في أخذ الزكاة.
*- غصب الزكاة.
*- أخذ الفقراء للزكاة دون إذن صاحبها.
*- هل في المال حق سوى الزكاة.
*- وعاء الزكاة.
*- زكاة الفائدة.
*- حد الغنى المسقط للزكاة.
ثانيا - مسألة الركاز.
ثالثا- مسألة الجزية.
رابعا- زكاة أهل الذمة.
وفي الجزء الثاني تناول المسائل الآتية:
أ ــ الصوافي، مفهومها وأحكامها.
ب ــ خراج الأرضين، مفهومه وحكمه.
ج ــ الغنائم والنفل، مفهومها وحكمها.
د ــ ما يغنمه المشركون من المسلمين.
هـ ــ مسألة التسعير.
ففي هذه الحلقة نتعرض للمسائل المالية الواردة في الجزء الأول ونترك ما ورد منها في الجزء الثاني للحلقة القادمة
من خلال العرض، نجد المصنف تناول أغلب المسائل التي تدور في الفقه المال العام، إلا أن تناوله لها كان مقتضبا مختصرا لو قارناه بالمصنفات الأخرى، مما يدل على أنه لم يكن (9/124)
صفحة 126
ينظّر لنظام مالي قائم وإنما كان يعرض لوجهة نظر الإباضية في المسائل الفقهية، أو يجيب عن أسئلة وجهت إليه، فيفتي فيها بما يراه صائبا.
تستحوذ قضايا الزكاة على بقية المسائل الأخرى لما تتميز من خصائص، فإلى جانب أنها الركن الثالث من أركان الإسلام فهي حق فردي يتعبد المسلم بأدائه إلى جانب كونها حق يلتزم بها ولي الأمر بجمعها وتوزيعها، امتثالا لأمر الله لنبيئه الكريم - بصفته ولي أمر المسلمين - {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}. والدراسة هذه ترتكز على الجانب الثاني
أولا ـ مسائل الزكاة:
يتناول الإمام كثيرا من القضايا الجزئية المتعلقة بالزكاة منها: الضمان في الزكاة - أخذ الفقراء للزكاة من غير أن يدفعها المزكي- هل في المال حق سوى الزكاة؟ (1).
(أ) الضمان في أخذ الزكاة:
اختلف الفقهاء في المسألة إلى ثلاثة آراء، فالرجل الذي يدفع ماله إلى رجل من العوام يؤديها إلى أهلها، وهو عنده ثقة وقبضها منه قبل أن تصل إلى الفقراء، فالبعض يرى إذا أخرجها إلى ثقة وقبضها منه فقد زال عنه ضمانها، فضياعها لا يوجب الضمان واحتجوا على ذلك بالرجل الذي دفع ماله إلى الساعي والقابض للزكاة بأمر الإمام، ثم تضيع قبل أن تصل إلى الإمام، فلا ضمان على من أخذت منه الزكاة والبعض يرى إذا دفعها إلى صاحب الإمام فتلفت فلا ضمان لأحدهما، والقول الأخير، وهو الذي يميل إليه صاحب الجامع، يعني أن الضمان على المرسل بها وهو الإمام، فالمزكي دفعها إلى أمين له، فكأنها فقدت في يديه، فالدفع إلى ثقة فهو وكيل له في قضاء ما عليه فلا يزول ما عليه من حق حتى يؤديه هو نفسه أو يؤديه عنه وكيله، والإمام هو وكيل الفقراء في قبض حقهم من الزكاة، فإذا تلفت من يده أو يد رسوله فقد زال الضمان على المزكي، لأن قبض الوكيل أو الموكل سواء.
__________
(1) ابن بركة، الجامع، نشر وزارة الثرات القومي عمان، تحقيق يحي عيسى الباروني، ص:37 (9/125)
صفحة 127
وهذا القول هو أقرب إلى تحقيق المصالح، فهو لا يلقي بالمسؤولية على المزكي، لأنه قد أدى ما عليه بتسليمها إلى ثقة، كما أنه لا يلقيها على قابضها لأنه بمثابة الأمين، وإنما يكون ضمانها على ولي أمر المسلمين - أي بيت المال - صيانة لحقوق المستحقين.
ونستنتج من هذا النص أن الإباضية يرون وجوب دفع الزكاة إلى الإمام وهو رأي جمهور الفقهاء سواء كانت أموالا ظاهرة أو باطنة (1)، والإمامة عند الإباضية مراتب ضمن مسالك الدين، ويتأكد الوجوب في إمامة الظهور (2).
(ب) غصب الزكاة:
يقول الإمام: «وقال قائل فإن وثب عليها جبار فأخذها بغير رأي صاحبها، ولا بطيب نفس، فدفعها إلى الفقراء بحضرته وهو يرى ذلك فهل يبرأ من ضمانها؟ (3)، يجيب الإمام: لا يبرأ المزكي ولا يزول عنه الضمان، وإن قال قائل ولِم لَم يزل عنه الضمان، وقد زالت وصارت إلى الفقراء؟ فيجيب: إن الغصب يوجب الضمان لصاحبها "فلا يجوز أن يكون لصاحبها ضمانها والفرض زائل عنه» أي إن الغصب يوجب ضمان المال على صاحبه، فلا يمكن الجمع بين الضمان وزوال الفرض في آن واحد.
(ج) أخذ الفقراء للزكاة بدون إذن صاحبها:
يقول الإمام: (4) «فإن قال: فهل للفقراء أخذ الزكاة المؤخذة من غير أن يدفعها إليهم المزكي» فيجيب بالنفي، فإن قيل: أو ليست هي لهم؟ يقال: هي للفقراء عامة حسب النص الشرعي، فهي لم تتعين وتتميز لهم دون سائر المستحقين».
نستنج من هذا النص أن الزكاة مال عام، وأن تخصيصه وتوزيعه هي من مسؤولية الإمام أو من ينوب عنه.
__________
(1) القرضاوي، فقه الزكاة، مؤسسة الرسالة، ج2:ص:798
(2) أطفيش محمد، شرح النيل، ج:2،ص:137
(3) ابن بركة، المرجع نفسه، ص:599
(4) ابن بركة، المرجع نفسه، ص: 600 (9/126)
صفحة 128
(د) هل في المال حق سوى الزكاة؟
يصوغ الإمام المسألة بهذه الفرضية «فإن كان بيننا فقراء قد أضر بهم الجوع والبرد ولم يكن على أحد منا زكاة، هل يلزمنا لهم غير الزكاة، وإن نحن تركناهم هل نحن آثمون بذاك؟» هذه القضية من أهم القضايا المهمة في مباحث الزكاة، وقد اختلف فيها الفقهاء (1) فذهب منهم إلى أن الحق الوحيد في المال هو الزكاة، فمن أخرج زكاته فقد طهر ماله وبرئت ذمته واستندوا إلى أحاديث وردت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذهب آخرون إلى أن في المال حق سوى الزكاة، منهم بعض الصحابة والتابعين، واستدلوا بآية البقرة (2) وبحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - «إن في المال حقا سوى الزكاة (3)». وأشهر قول في الموضوع هو قول ابن حزم الظاهري وهذا القول يتطابق تماما مع قول ابن بركة إذ يقول «الواجب عليكم أن تواسوهم من أموالكم، إن لم يكن عليكم زكاة، فتدفعوا عنهم الضرر الذي بهم، وإلا كنتم آثمين». فقد جعل كفاية حاجة المضطر في طعامه وكسوته من الواجب، سواء من مال الزكاة أو سواه، وتركه يُؤثم به، ومما تميز به، نصه على حق الكسوة والستر، فالكسوة يُدفع بها البرد والسترة شرط من شروط الصلاة، فجمع بذلك بين حق العبادة وحق الآدمية فيقول: «وإن لم يكن له ثوب يواريه، فيجب على المسلمين ستره ودفع ما يصلي به وإلا كانوا آثمين» (4).
احتج ابن بركة بما احتج به القائلون بهذا القول «فإن قيل ولم أوجبتم على الناس غير الزكاة للفقراء؟ قيل له: إن الله ذكره وأوجب على الناس حقوقا غير الزكاة» (5). ثم ساق آية البقرة، وذهب في تفسيرها وجها جديدا، فالآية ذكرت أصنافا من أعمال البر، ثم وصفت القائمين بها بأنهم هم الصادقون والمتقون وفسّر صفة التقوى هنا «إنهم اتقوا النار، والنار
__________
(1) أنظر القرضاوي، المرجع السابق، ص:981
(2) ژ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ژ [ .... الآية] [البقرة، 177].
(3) القرضاوي , المرجع نفسه
(4) ابن بركة، المرجع نفسه، ص: 600
(5) نفسه، نفس الصفحة. (9/127)
صفحة 129
إنما تتقى بأداء الفرائض، وهذا يدل على وجوب أشياء في الأموال غير الزكاة» (1)، أي أن إيتاء المال - على حبه - ذوي القربى واليتامى والمساكين والسائلين وفي الرقاب، هي من الفرائض الواجبة. واستدل من السنة بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - «ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره طاو» (2)، فميز بين الحق المعلوم الذي يكون بنسبة معلومة وشروط محددة وبين هذا الواجب الذي ليس له حدود ووقت معلوم «فهذا يدل أن على أن المسلمين لا يتركون الفقراء بسوء الحال، وهم يقدرون على تغيير حالهم من غير الفروض لأن الفرض له وقت يُعرف، وسوء حال الفقراء أوقاته مختلفة لا تُعرف» (3).
فالذي نستخلصه أن الإمام يرى وجوب التكفل بالفقراء عند عدم كفاية أموال الزكاة بما يسد جوعتهم ويستر عوراتهم ويقل عثراتهم، فتجب في الأموال حقوق غير الزكاة، فقد نفى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإيمان عمن يبيت شبعان وجاره طاو، إلا أنه لم يحدد الجهة التي يقع عليها هذه المسؤولية وإنما ألقاها على الجميع بدون تحديد بقوله: «فهذا يدل على أن المسلمين لا يتركون الفقراء بسوء حال وهم يقدرون على تغيير حالهم من غير المفروض» (4).
فالأصل أن المسؤولية تقع على ولي أمر المسلمين، فهو الذي يفرض على الأغنياء إخراج هذا المال، وهذا ما لم ُيشر إليه الإمام، ولم يُحمل ولي الأمر هذه المهمة، مما يدل أنه لم يكن يُنظر لنظام مالي وإنما يبدي آراء الإباضية في مختلف المسائل.
نخرج بنتيجة هامة أن الاباضية ــــ من حيث المبدإ ــــ يقرون بحق الفقراء في أموال الأغنياء، إذا لم تف الزكاة وسائر الحقوق المالية بسد حاجاتهم الأساسية، ولما كان الأولى في جمع وتوزيع الزكاة هو الإمام، فالأمر يعود إليه بإلزام الأغنياء بهذا الحق، وهو ما أثاره
__________
(1) نفسه، نفس الصفحة
(2) رواه مسلم و احمد وأبوداود
(3) نفسه، ص:601
(4) نفسه. (9/128)
صفحة 130
الفقهاء في تلك العصور، والإمام الجويني له فضل السبق في إثارة القضية وتحليلها (1)، وهي تعكس الوضعية المالية للدولة الإسلامية، إذ غدت مواردها لا تكفي لسد حاجياتها، بعد أن كانت في أزهى عصورها السابقة تفيض مواردها، فظهر مصطلح "التوظيف" لأول مرة في مفردات فقه المال العام، والذي يعني: «فريضة مالية مؤقتة، على أموال الأغنياء يلجأ إليها ولي الأمر في الظروف الطارئة لسد حاجة أساسية، عند عدم كفايتها من بيت المال».
فالإمام ابن بركة يقرّ بالتوظيف ويعتبره واجبا سواء قام به الإمام وهو الأصل والأولى أو قام به المجتمع.
(هـ) وعاء الزكاة:
يقصد بالوعاء: الموضوع الذي تفرض عليه الزكاة، وعلى من تجب, فالشارع الحكيم لم يفرض الزكاة على الأموال مهما كان نوعها، وإنما حدد وعاءها بأموال مخصوصة، وكلما اتسع وعاؤها، زاد حجمها وكمياتها المتدفقة على بيت مال الزكاة.
اختلف الفقهاء هل تتعلق الزكاة بالشخص أم بذمته المالية، فمن رأى أنها تتعلق بشخصه، أسقطها عن الصبي والمجنون لارتفاع التكليف عليهما، ومن رآها تتعلق بالذمة المالية أوجبها على كل مال توفرت فيه الشروط الزكاة بغض النظر عن صاحبه أهو بالغ أم صبي أم مجنون أم عاقل، والأغلب من الفقهاء يذهبون إلى الرأي الثاني ومنهم الإباضية وعلى رأسهم إمام المذهب جابر بن زيد (2).
يقول ابن بركة: «الزكاة تجب في كل مال مسلم بالغا أو غير بالغ، مغلوبا على عقله أو عاقل» (3)، مستندا إلى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم»، فاعتبر الغنى - أي وصول حد النصاب - هو الأساس، فالأطفال والمجانين يدخلون في الحكم، واحتج بهذا الحديث الذي
__________
(1) الجويني: غياث الأمم في التيات الظلم
(2) القرضاوي، المرجع السابق، ج:1، ص:108
(3) ابن بركة، نفسه ص:601 (9/129)
صفحة 131
يوجب الزكاة على الأغنياء على الإطلاق، فمن توفرت فيه مواصفات الغنى فيؤديها، حتى وإن زال عنه الخطاب بصفة الجنون والصبا، أداها عنه وليه ووصيه، فلا يكون ذلك مبررا لإبطال ما وجب في ماله، فيقول: «إن الزكاة لها معنيان، أحدهما: حق يجب على الأغنياء، فمن زال عنه الخطاب من الأغنياء لم يكن زوال الفرض عنه مبطلا لما وجب في ماله».
ويرد على من احتج بكون الصدقة تطهر وتزكي المال، والطفل لا يطهره أخذ ماله، وكذا من احتج بأن الخطاب التكلفي بالزكاة موجه للعاقلين دون غيرهم، فيقول: «فكل من وقع عليه اسم الغنى من المسلمين صغيرا كان أم كبيرا عاقلا أو مجنونا، فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله» (1). كما يرد على من قاس الزكاة بالصلاة، فالتكليف بالزكاة على الصبي يسقط كما يسقط عنه التكليف بالصلاة، فيقول: «وأما من شبه الصلاة بالزكاة فغلط، لأن الصلاة عمل على البدن ليس لأحد فيه حق والزكاة دين يخرجها هو ويخرجها غيره بأمره، ويخرجها الإمام إلى أهلها إن غاب أو منعها بغير رأيه» (2).
ثم يؤكد على مسؤولية الإمام في جباية الحقوق المالية طوعا أوكرها: «و الإمام حاكم يحكم بما يثبت عنده من حق على الغائب والحاضر والممتنع».
ومما نخلص إليه أن الإباضية يرون أن وعاء الزكاة هو الذمة المالية للشخص، وهو مذهب الموسعين في وجوب الزكاة على الأموال، أن الإمام هو الأولى بأخذها، ويُجبر الممتنع على دفعها ولو كرها.
(و) زكاة الفائدة:
المراد بزكاة الفائدة، الربح، والعائد، الناتج عن أصل المال، وقد فسَّرها المحقق بأنها المال المستفاد خلال العام والزائد عن النصاب، والأصل في حكمها أنها تابعة لأصل المال فلا تجب فيها الزكاة حتى يحول عليها الحول، يقول الشيخ: «والفائدة في الذهب والفضة والماشية
__________
(1) ابن بركة، نفسه
(2) نفسه، ص: 603 (9/130)
صفحة 132
لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول» (1)، ونسب القول إلى الشيخ أبي مالك، وهو قول الإمام مالك، ثم يعلق الشيخ «و النظر عندي يوجب الأخذ بهذا القول لما روي عن النبئ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عنه الحول» ويرد على الموجبين بالزكاة بعد شهر عند حلول الزكاة بأن ذلك يحتاج إلى دليل، والإباضية يرون الزكاة في الفائدة مع الأصل، ولا يعتبرون للفائدة وقتا غير وقت النصاب.
نلاحظ أن الشيخ ذكر أصناف الزكاة التي يعتد بها الحول حتى تتم دورة نموها الطبيعية، وهي الذهب والفضة - أي أموال التجارة - عامة وكذا الماشية، أما الزروع، فدورة نموها لا ترتبط بالحول، فهي فصلية موسمية، وبالتالي فزكاتها حين حصادها.
هكذا حسم الشيخ مسألة الحول وأكدها في الأموال التجارية والثروة الحيوانية، أما الثروات النباتية فلا ترتبط بالحول وإنما باكتمال دورة نموها ونضجها.
(ي) حد الغنى المسقط لأخذ الزكاة:
إن تقدير حد الغنى الذي يسقط عن صاحبه أخذ الزكاة، أمر لا يقل أهمية عن تحديد النصاب في الأموال الخاضعة للزكاة، إذ لا يمكن أن يترك بلا ضابط، حتى لا يحرم منها المستحقين، ولا ينالها من تجاوز عتبة الفقر والمسكنة، هي مسألة اجتهادية خلافية تخضع للظروف ولم يرد فيها نص قطعي.
يقول الشيخ مستعرضا أقوال الإباضية في هذا الحد (2): «اختلف أصحابنا في مستحقي الصدقة من الفقراء» فمنهم من يرفع هذا السقف ومنهم من يخفضه، ما بين مابين ألف درهم ومائتي درهم وخمسين درهم، وهناك من وضع معيارا آخر «إذا لم يدرك ثمرته ثمرة أخرى جاز له أخذ الزكاة» أي تنفد مدخراته من السنة السابقة قبل حلول ثمرة السنة الحاضرة، ويذكر الشيخ رأيا أقرب إلى الصواب. وقال آخرون إذا (لم) (3) يكن عنده من المال ما يكفيه و يكفي
__________
(1) نفسه، ص:623
(2) نفسه، ص: 627
(3) لا يستقيم المعنى بدون إضافة أداة النفي (9/131)
صفحة 133
عياله غلته ويفضل عنده، لم يكن مستغنيا، وجاز له أخذ الزكاة».
يعلق الشيخ على هذه الأقوال مبديا رأيه في المسألة بقوله: «وليس عندي للغنى والفقر حد لأنه قد يستغني بدرهم واحد لحركته وكسبه واحتياله واضطرابه ومعرفته بوجوه المكاسب، والآخر لا يستغني بأضعاف ذلك لأنه قليل الحيل كثير الخوف». ثم يحدد المعيار مسترشدا بالاستغناء الذي حدده النبيء - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «ليس الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» فإذا كان الرجل مستغنيا بصنعته يكتسب بها بيديه لم يستحق من الصدقة شيئا، لاستحقاق الغنى المسقط للزكاة.
إن موضوع تحديد حد الغنى يتحدد طرحه كل حين وآن، ففي هذا العصر الذي تغيرت فيها حاجات الناس وتنوعت، فأصبح الفقير في جيل ما هو الغني في جيل آخر، فأصبح من العسير تحديد حد الغنى، فإذا ذهبنا مع رأي القائلين بأن حد الغنى هو امتلاك المركب والمسكن وقوت المعاش، لكن ما هي نوعية المركب والمسكن، وما هو مقدار المعيشة المحدد للغنى؟ وأرى أن العرف له جانب من الاعتبار، كما أن للسلطة دور في هذا التحديد، من خلال الأجر القاعدي الذي تضعه بناء على اعتبارات اقتصادية واجتماعية. وعلى هذا فالشيخ وضع معيارا عاما، هو صالح لكل زمان ومكان وهو الاستغناء، ويبقى تحديده يخضع للظروف والعرف والسلطة.
ثانيا: مسألة الرّكاز:
الرّكاز مصدر من مصادر تمويل بيت المال، فقد خصه الفقهاء بالبحث والتأصيل, إلا أنه لم ينل ما نالته بقية المصادر الأخرى، لكونه أخذ مفهوما ضيقا من جهة ومن جهة أخرى لمحدودية المعادن في العصور الأولى.
لقد أخذ معنيان أحدهما أنه كنوز الجاهلية، أي ما يجده المرء من كنوز مدفونة في الأرض من العصور القديمة، وهو مفهوم أهل الحجاز، وإليه يميل الإباضية ومنهم ابن بركة، والمعنى الثاني وهو المعادن وهو مفهوم أهل العراق، يقول الشيخ: «وأما ما أوجبه النبيء - صلى الله عليه وسلم - وجاءت به الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في الرّكاز الخمس». قال (9/132)
صفحة 134
أصحابنا، الركاز كنوز الجاهلية، ووافقهم في ذلك أهل الحجاز، وأما أهل العراق عندهم أنه المعادن» (1)، ثم راح الشيخ يبرر ترجيح أصحابه تبريرا لغويا، فيقول: «لأن اسم الركاز مأخوذ من أركز الرمح فأثبت أصله»، فذلك المفهوم يتماشى مع السياق التاريخي، حيث يعيش الإنسان على ما تخرجه الأرض من مختلف المحاصيل الزراعية، ولم يفكر أن الأرض التي يفلحها ويضرب عليها ابتغاء الرزق، يحتوي على معادن في باطنها، وستشكل مورد رزق للأجيال اللاحقة، فتستخرج منها مختلف المعادن باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وهنا تظهر وجاهة قول أهل العراق فيما ذهبوا فيه في مفهومهم للرّكاز.
أما في نصابه ومستحقيه فيقيسه بالغنائم لأوجه الشبه بينهما، فيقول: «ومن وجد ركازا قّل أو كثُر، كان عليه الخمس يخرجه إلى الفقراء إذا عدم الإمام ....... قال أصحابنا: إن كان أقل من خمسة دوانق فلا شيء، ولم يرد الخبر في تحديد مقداره» (2).
قوله: «من وجد ركازا» يدل على أن مفهوم الركاز، هو ما عثر الإنسان من معدن نفيس من كنوز القديمة، وليس ما ذهب إليه أهل العراق - كما أشرنا - أما تحديد نسبته، فمتفق عليه للنص الشرعي، ويبقى من يستحق أخذه، فذكر الإمام هو الأولى بأخذه وتوزيعه حسب ما تقتضيه المصلحة، فإذا عدم الإمام فلا يسقط واجب الإخراج، فيقوم صاحبه بإخراجه إلى الفقراء بنفسه، وأما النصاب فقد حدده الإباضية بخمسة دوانق، قياسا على نصاب الذهب، لقول النبئ - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أواق صدقة»، والأوقية أربعون درهما.
ثالثا: مسألة الجزية:
تعد مسألة الجزية آخر ما تناوله الشيخ في هذا الجزء، باقتضاب واختصار مما يدل على عدم أهمية الجزية في مجتمع، أغلب سكانه من
__________
(1) نفسه، ص:620
(2) نفسه، ص:627 (9/133)
صفحة 135
المسلمين، فقد اختار الفرس المجوس، بعد دخول أهل عمان في دين الإسلام، الجلاء من الأراضي العمانية (1).
وقد تعرض لقضية واحدة من مباحث الجزية، وهي تحديد على من تجب الجزية، فذكر إجماع الأمة، ومنهم الإباضية، على استثناء غير القادرين على التعبئة وحمل السلاح من الشيوخ والصبيان، فيقول: «الجزية ساقطة عن الصبيان والعبيد بإجماع الأمة، قال أصحابنا: لا تجب على الزّمنى والرهبان ولا على الشيخ الفاني، ووافقهم بعض مخالفيهم على ذلك» (2)، والحكمة من فرض الجزية يستشف من هذا الاستثناء لأنها فرضت من لأجل الحماية، و ترفع إذا لم يتمكن المسلمون من توفيرها، ولا يقوم بواجب الحماية إلا الأقوياء الأسوياء، ثم استدل على مشروعيتها بآية التوبة (3) , وقال: «فظاهر الآية يوجب أخذ الجزية من الرهبان والشيوخ وغيرهم إلا من خصه الإجماع والله أعلم» (4) فالتخصيص يقتضيه مفهوم الجزية، فالجزية فرضت من أجل الحماية، والحماية يقوم بها فئة محددة من المجتمع.
الخاتمة:
باستعراضنا لمسائل المال العام التي تناولها الشيخ في جامعه، تبين لنا أنه تعرض لكل موارد بيت المال، وركز خاصة على الزكاة، غير أنه لم ينظر إليها من زاوية السياسة الشرعية، بقدر ما تناولها بنظرة الفقيه الذي يبين حكم الشرع ورأي الإباضية، مقارنا بالمذاهب الأخرى في مختلف المسائل المعروضة.
- - -
__________
(1) أنظر الحلقة الثانية من هذا البحث، مجلة الحياة، عدد:12
(2) نفسه، ص: 634
(3) ژ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ..... ژ [التوبة، 29].
(4) نفسه. (9/134)
صفحة 136
محطات في تاريخ بلدة القرارة
- الحلقة الأولى: زمن التأسيس -
الأستاذ: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
كلية العلوم الإسلامية، جامعة الجزائر، الخروبة
ظ
ظهرت بلدة القرارة إلى الوجود خلال النصف الأول من القرن السابع عشر في وقت كانت فيه بلاد الجزائر تحت الحكم العثماني التركي، وكانت الصحراء بصفة عامة بعيدة عن أي سلطة حكم قوية، حيث أن العثمانيين انشغلوا بإرساء دعائم دولتهم في المناطق الشمالية الساحلية، كما وجهوا جهودهم الكبيرة للتصدي لغارات الإسبان التي لم تنقطع عن السواحل الجزائرية، وحين اتجهوا نحو الداخل لبسط نفوذهم فإنهم ركزوا على مدن شمال الصحراء من الأغواط وبسكرة، وعملوا على الاتصال بالقبائل الكبيرة المستوطنة لأعماق الصحراء وأبرموا معها نوعا من اتفاقيات الولاء للأسر العثمانية الحاكمة، دون التدخل في شؤونها المحلية الداخلية، مع فرض نوع من الضرائب عليها عدت عربون وفاء، وتعبيرا عن علاقة الولاء والصداقة بين الطرفين (1).
هذا ما جعل من هذه القبائل عموما تعتمد على نفسها في تنظيم حياتها الاجتماعية وفي استحداث جهاز حكم خاص بها، وإنشاء قوة دفاع من أتباعها ومن رجالها، لأجل بسط نفوذها على أفراد قبيلتها، ورد العدوان والغارات الخارجية عليها، ولأجل حماية الأراضي التي تعتبرها ملكا عروشيا لها.
لقد أدى هذا الوضع لتشهد الصحراء الجزائرية عموما صراعات
__________
(1): أحمد توفيق المدني: حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا، 1492 - 1792م، ط2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976م، ص155 - 177. عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ط4، دار الثقافة، بيروت، 1400هـ \ 1980م، ج3، ص7 - 50. (10/135)
صفحة 137
وصدامات متكررة بين هذه القبائل، بسبب التنافس على موارد الرزق الشحيحة، وبسبب حب الزعامة والرياسة، وبسبب سيطرة العصبية القبلية على عقول الناس (1).
أما بالنسبة لوادي ميزاب فبحكم وجوده في هذا الحيز الجغرافي فإنه لم يكن في منأى عن هذه الأجواء العامة التي ميزت المناطق المجاورة له من الصحراء الجزائرية.
لقد كان الميزابيون من السابقين إلى إبرام معاهدة حماية وولاء مع مركز الحكم العثماني بالعاصمة حيث كان ذلك سنة 1516هـ؛ أي مباشرة بعد قيام الحكم العثماني في الجزائر، وقد نصت وثيقة المعاهدة على أن يستقل وادي ميزاب في تسيير شؤونه الداخلية تحت نظامه العرفي، ويحترم مذهبه الإباضي وأعرافه وعوائده، وعلى أن تتولى السلطة العثمانية حماية القوافل التجارية للميزابيين المتنقلة من الشمال إلى وادي ميزاب، وتأمين الطريق لها، مقابل الولاء للعثمانيين وتقديم غرامة سنوية متفق على قيمتها يسلمها الميزابيون بأنفسهم إلى مركز السلطة بالعاصمة (2).
في هذا المعنى نورد كلام المؤرخ الجزائري أحمد توفيق المدني الذي يقول: «لما كان الميزابيون يهاجرون إلى مدن التل باستمرار قصد التجارة والكسب، فقد اعترفت قصورهم منذ انتصاب الأتراك بالبلاد بالتبعية للديوان. وإنما كانت التبعية اسمية فقط ولم يحدد مداها. فكان استقلالهم مطلقا في بلادهم» (3).
خضع وادي ميزاب خلال هذه الفترة من العهد العثماني إلى نظامه العرفي الموسوم بنظام العزابة، الذي تسيره ثلاثة مجالس هي: مجلس العزابة ومجلس الأعيان ومجلس المكاريس أو حراس البلد.
كما أن كل بلدة فيه تتشكل
__________
(1): يحيى بوعزيز: ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين، ط1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400هـ \ 1980م، كله.
(2): إبراهيم القرادي: جهاد الإباضية الميزابيين في المغرب الإسلامي، مقال منشور ضمن كتاب: إبراهيم حاج أيوب القرادي: الشيخ القرادي حياته وآثاره، المطبعة العربية، غرداية، 1990، ص175 - 176.
(3): أحمد توفيق المدني: محمد عثمان باشا، سيرته وحروبه، نظام الدولة والحياة العامة في عهده، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986م، ص138. (10/136)
صفحة 138
من عشائر تضم مجموعة أسر وعائلات، تنتخب منها من يمثلها في هذه المجالس العرفية، وفوق هذه المجالس يوجد مجلس عمي سعيد للشؤون الدينية ومجلس باعبد الرحمن الكرثي للشؤون الاجتماعية والسياسية، اللذان يتشكلان من ممثلين من كل قرى وادي ميزاب.
أما عن بلدة القرارة فيمكن أن نوجز تاريخها فيما يلي:
يعود تأسيس بلدة القرارة إلى سنة 1040هـ \1631م، حين هاجرت قبيلة أولاد باخة من غرداية بغرض البحث عن موطن جديد تستقر فيه، فوقع اختيارها على ضواحي القرارة، فعمرتها وأنشأت فيها هذه البلدة الطيبة.
يعود نسبة قبلية أولاد باخة إلى جدها المسمى بابا تامر بن بخت، حيث اشتق اسم أولاد باخة من تركيب الكلمتين: "بابا تامر" و"بخت"، فأخذ حرفا الباء والألف من الكلمة الأولى وأخذ حرفا الخاء والتاء من الكلمة الثانية لتولد الكلمة الجديدة "باخة".
خرجت قبيلة أولاد باخة من غرداية في حدود مطلع القرن السابع عشر؛ أي حوالي سنة 1600م، وقصدت مدينة الأغواط ومكثت فيها ما يقرب من ثلاثين سنة وشاركت في عمرانها، وفعلت حركة التجارة والاقتصاد فيها بحيويتها ونشاطها، الذي عرف به أبناؤها، ونظرا لعدم توافقها وتفاهمها مع سكان الأغواط اضطرت إلى الخروج من المدينة باحثة عن موطن جديد، فاتبعت مجاري الأودية تجاه الجنوب حتى استقر بها الترحال آخر المطاف في واحة قريبة من وادي زقرير، كانت ممرا لبعض الأودية ومستقرا لبعضها الآخر، فاقتربت منها واختارت لنفسها جبلا مرتفعا يسمى "كدية العقارب" فحطت عصا الترحال به، وعزمت على بناء مدينتها الجديدة التي أطلقت عليها تسمية "القرارة" لاستقرار الأودية بحواليها، ولمرور بعضها بظهرانها (1).
حينما بلغت قبيلة أولاد باخة مكان القرارة وجدت بالمنطقة أطلال قصر فوق جبل يقال عنه "القصر الأحمر"، على بعد حوالي كيلومتر
__________
(1): إبراهيم أوجانة: نبذة تأسيس أولاد باخة لمدينة القرارة والعشائر التسع، دت، دط، ص4 – 8. (10/137)
صفحة 139
من ناحية الجنوب من "كدية العقارب" حيث نزل أولاد باخة، ويقال أن أهلها كانوا من سكان بعض مدن الشمال وبعض قرى وادي ميزاب؛ إلا أنهم هاجروا قصرهم ولم يبق منه إلا آثار مساكنهم تدل عليهم.
كما وجدوا في المنطقة كذلك سكان قصر آخر اسمه "قصر لمبرتخ" الذي يوجد على بعد حوالي كيلومتر من ناحية الشرق لكدية العقارب، وأصل هؤلاء السكان هم أناس من قبيلة أولاد نوح من بلدة بني يزقن بوادي ميزاب، حيث قدموا إلى المنطقة من قبل وعمروا واحة القرارة وبنوا ديارهم بالقرب منها، ولا يدرى بالضبط متى كان قدومهم إلى القرارة (1).
يبدو أن قبيلة أولاد نوح أصحاب قصر لمبرتخ قد أنشأوا علاقات صداقة وتجارة وتبادل منافع ومصالح مع بعض المجموعات من العرب البدو الرحل الذين كانوا يقدمون إلى مجاورة أهل لمبترخ أثناء فصلي الربيع والصيف، حيث ينصبون خيامهم بالقرب من قصرهم، ويستظلون في واحتهم، ويشترون ويبيعون معهم، ويقومون ببعض الأعمال لهم، وحين يقدم فصل الخريف فإنهم يرتحلون إلى الصحاري بغرض رعي أغنامهم وتربية مواشيهم فيقضون فيها فصلي الخريف والشتاء.
لا تمدنا المصادر التاريخية بأي معلومات عن أعداد قبيلة أولاد باخة، أو قبيلة أولاد نوح في زمن تأسيس القرارة إلا أننا نرجح أن عددهما كان يحوم بين المائة والمائتين في كل قبيلة.
كما لا تمدنا المصادر التاريخية بأي معلومات عن تاريخ إطلاق تسمية القرارة على جبل لعقارب؛ متى وكيف تم ذلك؟ إلا أننا نرجح حدوث ذلك في العهد الأول من قدوم أولاد باخة، وبداية تشييد بلدتهم حيث اختاروا لها اسم القرارة أو "لقرارة"، لاستقرار الأودية حواليها ولمرور بعضها بالقرب منها.
هذه الأودية المتمثلة أساسا في
__________
(1): إبراهيم أبو اليقظان: عنوان الحضارة، مخطوط، و8 - و10. (10/138)
صفحة 140
"ساقية العين" و"ساقية الجناية" و"واد زقرير" و"واد النساء".
نزل أولاد باخة في جبل العقارب وشمروا عن ساعد الجد لتأسيس مدينتهم وتشييد صرحها؛ حيث وضعوا هندستها وخططوا لطرقها، فبنوا على هرم الجبل مسجدهم ثم أحاطوه بديارهم وحفروا آبارا لسقي مائهم وحصنوا قصرهم بصور يحيط به من كل الجهات ووضعوا له سبعة أبراج للحراسة، ثم شرعوا في استصلاح الأراضي المحيطة بقصرهم القريبة منه، فغرسوا مختلف أنواع النخيل، وجلبوا مختلف أنواع الأشجار المثمرة لواحتهم من تين وزيتون ورمان وعنب وليمون وبرتقال وتفاح، وحفروا الآبار لسقي غلاتهم، وتفرغوا لعمارة مدينتهم الجديدة الناشئة (1).
يبدو أن الأمر لم يستتب بين الوافدين الجدد على واحة القرارة من أولاد باخة والسكان السابقين من أولاد نوح في قصر لمبرتخ، فسرعان ما نشب النزاع والصراع بين الطرفين حول عمارة الواحة، والحق في ملكية أراضيها المحيطة بها، والحق في استثمارها، وحول استغلال مياه الأودية العابرة حول الواحة بين الحين والآخر.
يبدو أن النزاع تطور بسرعة إلى صدامات عنيفة أسفرت عن ضحايا في كلا الطرفين استمرت لفترة من الزمن؛ مما استدعى في الأخير تدخل عزابة قصور وادي ميزاب ومشايخهم وأعيانهم لأجل إحلال الصلح والوفاق بينهما.
تم ذلك بالفعل والحمد لله؛ وكان من بنوده وثماره دفع أولاد باخة ديات الضحايا إلى أولاد نوح، وضم المتبقين منهم للعيش والسكن مع أولاد باخة في قصرهم الجديد القرارة على كدية العقارب، وبذلك فني قصر لمبرتخ وانتهى عهده، وبقيت آثاره وأطلاله ومقبرته، وتحول إلى مزار لأهل القرارة إلى حد اليوم (2).
نرجح أن يكون هذا الصلح قد وقع في حدود سنة 1680م.
شكل حدث الصلح والوحدة
__________
(1): أبو اليقظان: المصدر السابق و1 - و6.
(2): أبو اليقظان: المصدر السابق، و8 - و10. (10/139)
صفحة 141
بين القبيلتين منعطفا مهما في تاريخ أهل القرارة، حيث انتهى فيها عهد الفتن والنزاعات، وزالت الأحقاد من القلوب مع الزمن وتناستها الأجيال، واستتبت الأوضاع وتذوق الناس طعم العافية والأمن، وشعروا بالطمأنينة في القلوب، واتجه جميع السكان إلى عمارة مدينتهم الناشئة وتشيد حضارتها.
عملوا على توسيع مدينتهم مع ازدياد أعدادهم، وشيدوا مسجدهم وأعلوا صومعته، وفتحوا المحاضر لتحفيظ أبنائهم القرآن الكريم، وأعادوا بناء الصور المحيط بالبلدة الحامي لها حين توسع العمران، ونظموا الحراسة في أبراجه، وأكثروا من حفر آبار المياه، وشقوا الطرق الموصلة من البلدة إلى غاباتهم وأجنتهم، وجلبوا المزيد من فسائل النخيل والأشجار المثمرة من المناطق المجاورة، واستصلحوا المزيد من الأراضي الفلاحية المحيطة بهم، وبنوا السوق للتجارة والبيع والشراء، كما اشتغلوا ببعض الحرف كصناعة الجبس والفخار، واشتغلت المرأة بغزل مختلف الألبسة الصوفية في منزلها.
من جهة أخرى التفت أهل القرارة إلى حياتهم الدينية والاجتماعية واعتنوا بها، ونظموا شؤونهم الداخلية، حيث انضموا إلى النظام العرفي لوادي ميزاب ودخلوا تحت رايته وأصبحوا يشكلوا قصرا جديدا إلى بقية القصور واعترف لهم عزابة وادي ميزاب ومشايخهم بذلك شرعيا، وأصبح لديهم ممثلين في مجالسهم العرفية من مجلس عمي سعيد ومجلس باعبد الرحمن الكرثي.
أسسوا بناء على هذا الاعتراف مجلسهم للعزابة للإشراف على شؤونهم الدينية، وأسسوا مجلسهم للأعيان للنظر في شؤونهم الاجتماعية، وأسسوا مجلس المكاريس لحراسة البلدة وحماية بيضتها، كما نظموا أنفسهم في عشائر، كل عشيرة تقوم برعاية أبنائها ولها حق التمثيل بعضوين في المجالس الثلاثة للبلدة (1).
نرجح أن كل هذه الأعمال والتنظيمات قد تمت خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر، أي بين سنة 1700م وسنة 1750م.
من جهة أخرى فإن أهل
__________
(1): أوجانة: المرجع السابق، ص6 - 8. (10/140)
صفحة 142
القرارة اهتموا بالتعايش وبالحياة الجوارية؛ حيث أنشأوا علاقات مع القبائل العربية من البدو الرحل التي كانت تقصد القرارة من حين لآخر، فمارسوا معهم التجارة في مختلف البضائع والسلع من الأغنام والجمال واللبن والسمن والألبسة والصوف وغيرها. ومع مرور الوقت بدأ أفراد من هذه القبائل تفضل العيش في أطراف البلدة، وتتحول من حياة الترحال إلى حياة الاستقرار والتمدن.
هكذا انطلقت القرارة في بناء حضارتها وتشييد صرح مدينتها، ولم تمض مدة قرن من الزمن على تاريخ تأسيسها حتى شهدت حالة استقرار أمني وازدهار معيشي وانتعاش اقتصادي، بسبب الجد والنشاط والعمل الدؤوب الذي عرف به أهلها، في التجارة والفلاحة والبناء والحرف، مما جعل أصداؤها تصل إلى قرى وادي ميزاب ووارجلان ويذيع صيتها في المناطق المجاورة من الصحراء، فكان ذلك سببا في أن يجلب انتباه سكان هذه المناطق ويحلمون بالعيش في رحابها، ثم يعقدون العزم فعلا على الرحيل إليها والاستقرار بها (1).
شهدت القرارة انتقال الكثير من العائلات إليها من بلدة بنورة ومليكة والعطف ووارجلان، كما قدم إليها أعداد من القبائل العربية من مدينة مسعد والجلفة ولعلية وتقرت والأغواط وغرداية.
عرف أهل القرارة برحابة صدورهم وصفاء طويتهم وسهولة معاشرتهم وبالكرم والجود، كما عرفوا بأوصاف الرجولة من الشجاعة والبطولة.
يبدو أن وضع الاستقرار والأمن والرخاء لم يدم لأهل القرارة كثيرا، إذ شاءت الأقدار السماوية أن تتغير أوضاعهم نحو الأسوإ وتتقهقر أحوالهم نحو الوراء، بسبب ما طرأ بينهم من مشاحنات ونزاعات أدت إلى نشوب فتن في مدينتهم الآمنة، عكرت من صفو الحياة فيها، وبدلت من أمنهم خوفا، ومن هنائهم نغصا وفتنا وإحنا كقطع الليل المظلم.
كان ذلك بداية من مطلع
__________
(1): محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج2، ط1، المطبعة العربية، الجزائر، 1391هـ\ 1971م، ص154 - 160. (10/141)
صفحة 143
القرن التاسع عشر، واستمرت الأوضاع على هذه الحال خلال هذا القرن بأكمله في فترات متفرقة ومتقطعة بين الحين والآخر.
نرجح أن يكون وراء ذلك عدة أسباب لعل أهمها يتمثل فيما يلي:
* غياب سلطة حكم قوية رادعة تفرض النظام وتحقق الأمن وتحفظ الحقوق وتؤدي الواجبات.
* الجهل والأمية المتفشي وضعف الوازع الديني؛ لعدم اعتناء أهل القرارة بالعلم في بادئ أمرهم وانشغالهم بعمران مدينتهم وتوفير لقمة العيش لأنفسهم وذويهم.
* التعصب القبلي والعشائري والعائلي والجهوي.
* النزاع على مصادر الرزق الشحيحة.
لا شك أن هذه الفتن قد تسبب في الإضرار بأهل القرارة كثيرا، حيث أودت إلى سفك الدماء، وإلى تخريب العمران، وإلى استفحال الظلم والاعتداء والخوف والانحراف، كما عطلت مسيرة النمو والتقدم لديهم، وأضرت بسمعتهم لدى قرى وادي ميزاب والحظائر الإباضية الأخرى.
إلا أن أفضال الله تعالى وآلائه كانت تحف بلدة القرارة، فلم تتركها على زلتها، بل سرعان ما أخذت بيدها؛ حيث كانت تعدها لتقوم بدور تاريخي وعمل حضاري عظيم، فكان لا بد أن تخرج من محنتها وتستعيد قوتها وتستفيد من ورطتها؛ لتنطلق نحو المستقبل بقوة وثبات وترسم إشراقتها الباسمة، وتنشر ضياءها في الآفاق (1).
خرجت القرارة من محنتها بأكثر قوة ووحدة وتماسك اجتماعي، فعادت البلدة إلى سالف عهدها وإلى جادة الصواب مع مطلع القرن العشرين، ومع بزوغ شعاع النهضة في وادي ميزاب والجزائر والعالم الإسلامي، حتى أضحت رائدة الإصلاح وكعبة العلم وقبلة أي تقدم وازدهار في مجال الخير والفلاح.
- - -
__________
(1): دبوز: المصدر السابق، ص154 - 160. (10/142)
صفحة 144
مقياس علم الاجتماع الإسلامي
بالجامعة الجزائرية
المحتوى ودواعي النشأة (رؤية نقدية)
الدكتور عبد العزيز خواجة
قسم علم الاجتماع، المركز الجامعي بغرداية
م
مقدمة
«علم الاجتماع ابن بيئته»، عبارة كثيراً ما ردّدها أستاذة علم الاجتماع على طلبتهم داخل المدرجات الجامعية، وكأنّها مسلمة لا نقاش فيها وواقع فعلي يعيشه الخاص والعام، لكنّ الطالب كثيراً ما ردّد أيضاً على أساتذته إشكالية ابتعاد برامج علم الاجتماع عن واقع الفرد الجزائري وانغماسها في الفكر الأوروبي، بغض النظر عن الأبعاد الايبستمولوجية لعلاقة السوسيولوجية بواقعها، فقد خضعت السوسيولوجية داخل الجامعة الجزائرية لتمخضات عنيفة تحاول من خلالها إرضاء الخطاب المجتمعي العام والطبقة السياسية خاصة، سواء كانت ذات أبعاد حزبية أو وطنية قومية أو حتّى دينية، فقد أجبرت الظاهرة الدينية بمختلف مخلفاتها واضعي برامج علم الاجتماع في الجزائر إلى تخصيص حيز لها داخل هذه البرامج، تجلّت خاصة في مقياس يسمى «علم الاجتماع الإسلامي» أو ما يحوم في فلكه.
قد تعود المحاولات الأولى لعرض أو فرض أطروحة "أسلمة علم الاجتماع" في الجزائر إلى نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات خاصة مع التقليد الذي كان سائد حول "ملتقى الفكر الإسلامي"، لكن هذا الطرح بقي مجرد طموحات مبعثرة، وقد تجسد بعد ذلك بقوة في التسعينيات مع تزايد غليان الشارع وزحف الحركات الإسلامية للساحة السياسية، وظهر في برنامج علم الاجتماع، وفي بعض مؤلفات الأستاذ الجامعي. من هنا ينطلق الإشكال الأساس الذي يبحث في جذور هذه (11/143)
صفحة 145
الأطروحة، وهل هي مجرد استجابة للخطاب الشارعي والسياسي أم أنّه طرح إيبستمولوجي له مبرراته العلمية يقف على قاعدة أن "علم الاجتماع ابن بيئته"؟
من النشأة إلى الرفض:
بدأت النشأة الفعلية لعلم الاجتماع كعلم مستقل بذاته في العالم الغربي ضمن سياقات سوسيو-تاريخية وسياسية متعدّدة أثرت بعد ذلك في تشكله النظري والمنهجي، وإن كان قد انطلق من فكر شبه متجانس خلقته مخلفات الثورة الفرنسية والصناعية إلاّ أن هذا لم يستمر في تاريخيته وسرعانما وجد نفسه أمام التعدّد أحياناً والانقسام غالباً. وقد شكّل الفكر الأوروبي النواة الأولى لهذا الفكر السوسيولوجي والمرجعية الأساسية له، إلاّ أنّ هذا الفكر ظهر مقزّماً أمام الدفق الأمريكي فيما بعد، والذي رفض العديد من منطلقاته القاعدية وبات من المؤكّد أنّنا لسنا أمام سوسيولوجيا واحدة بقدر ما نحن أمام سوسيولوجيات متنوعة بصيغة جمع الجموع.
وقد زاد الصراع أكثر بين التوجّهات النظرية نتيجة التعدّد المستمر للثنائيات وبروز عالمين مختلفين في الطرح السوسيولوجي يحدّدهما "الشمال" و"الجنوب" أو العالم المتقدّم والعالم المتخلّف، ممّا أعاد النظر في الأسس الإيديولوجية لبناء هذا العلم لأنّ النظرية السوسيولوجية ما هي إلاّ نتاج ظروف إنتاجها السوسيو-تاريخية، وانقلب علم اجتماع المعرفة على علم الاجتماع ينقّب عن الجذور وركائز التأسيس، ويثير "روح الرفضية" لدى شعوب العالم الغربي على أساس اختلاف المنطلقات وقواعد البناء.
لم يكن العالم العربي في معزل عن هذه الحركة في الفكر السوسيولوجي، وقد أخذت في أحضانه ثنائية الرفض والقبول درجات متباينة تبدأ من الخضوعية المطلقة للفكر الغربي واعتباره أساس بناء فكر جديد من أجل اللحاق بالركب الحضاري العالمي ولا تطوّر من دونه، وبين الرفض الكلي والدعوة إلى قطيعة راديكالية معه باعتباره "المدنس" الذي يقابل المقدس التراثي أو الديني. (11/144)
صفحة 146
وقد شهد هذا التذبذب بين الاتجاهين المتطرّفين عدّة أشكال تتقيد خاصة بالظروف التاريخية والآليات التي تجمع بين العالمين في لحظات تاريخية معيّنة، فقد تجلّت في أقصى صور الرفض خلال الفترة الاستعمارية، لكنّها سرعانما تنفست الصعداء مع حركات التحرّر في العالم العربي وتحوّل الحذر بين الطرفين والترقب إلى التقاربية والحنينية أمام "عقدة أوديب" جديدة بين الأب المستعمِر وأبنائه المستعمَرين. وقد تبنت أغلبية الحكومات العربية النموذج الاشتراكي الماركسي كرد فعل شرطي وأوتوماتيكي أو حتّى انتقامي من الأب المحتلّ هروباً نحو الأم الحنون على الأقل في خطاباتها السياسية. لكن انهيار الأم أعاد صورة الأب في شكله الأقوى والأحسن، وبقيت المرجعية دوماً "للغرب" تحت ظرفية سياسية واقتصادية جديدة نَوّمت مغناطيسياً شعوب الكون وأدخلتها في وهم خيالي يسمى "العولمة"، وبقيت حركات الرفض مشتّتة هنا وهناك دون أن تجد قنوات رسمية للتعبير عن رأيها.
أخذت حركات الرفض في العالم العربي عدّة مرجعيات قاعدية للدفاع عن خطابها سواء كانت هذه الأسس القاعدية "أثنية" كالدفاع عن القومية العربية أو الانتماء البربري أو الكردي أو غيرها، أو ذات بعد سياسية كالنضالية الحزبية أو الانتمائية السياسية، أو ذات قاعدة "تيولوجية" سواء كان منطلقها التراثية أو الحداثة، ويعتبر هذا الأساس الأخير من أكثر الأسس المحرّكة للفكر الاجتماعي رفضاً أو تأثيراً في حركة التاريخ.
أطروحة الرفض الديني للفكر الغربي تبلورت في حركات متعدّدة وصل بعضها إلى المستوى المسلح والإقصاء الجسدي للآخر، لكن أغلبها عرف صوراً أخرى مختلفة بعيداً عن الطرح الجهادي المسلح وإن كان يندرج دوماً في إطار النضالية، وقد توسّعت مجالات تسرب الرفضية حتّى انتقلت إلى المجال العلمي والفكري في أطروحة جديدة لم تكن تُعرف من قبل تسمى "أسلمة المعرفة" أو "إسلامية المعرفة"، والتي تدعو إلى إعادة النظر في الأسس الإيديولوجية (11/145)
صفحة 147
للمعرفة العلمية بشكل عام والعلوم الاجتماعية بشكل خاص.
وتعتبر الطروحات التراثية والدينية للمعرفة متعدّدة ومختلفة، كما أن الدراسات العلمية للفكر الديني أيضاً كثيرة يصعب حصرها، لكنّ الدعوة المباشرة إلى إعادة النظر في الفكر العلمي وفقاً لأسس الفكر الإسلامي تحت مظلة مشروع "أسلمة المعرفة" جديدة في الفكر الإسلامي والغربي، ذلك لأنّها لا تكاد تتعدى النصف قرن من الزمن، وقد يصعب تتبع تاريخية هذه الأطروحة أو المشروع بدقة لكن المؤكّد أن أغلبية الداعين له ممّن تلقو تكوينهم في الجامعات الغربية والذين عادوا أو استقروا هناك.
فـ "إسلامية المعرفة" (1) هي المقاربة التي دعا إليها بشكل صريح "المعهد العالي للفكر الإسلامي" وتبناها تحت زعامة المفكر طه جابر العلواني (2)، ولم ينطلق هذا المعهد في نشاطه الفعلي إلاّ في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات، فقد أصدر العديد من المؤلفات الداعية لهذا المشروع والمطبِّقة له فعلياً تحت اسم سلسلة دراسات المعهد العالي للفكر الإسلامي، شارك فيها كبار الدكاترة والأساتذة المختصين في العلوم الاجتماعية من العالم العربي والغربي، فهو أوّل عمل جماعي لوضع أسس هذه الأطروحة علمياً ومعرفياً (3).
__________
(1) – يرى أحمد بيومي أن أوّل من دعا إلى أسلمة المعرفة هو "إسماعيل الفاروقي"، أنظر: أحمد بيومي: بين الوعي الإسلامي والوعي المغترب، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1993، ص77.
(2) – أنظر المؤلفات التأسيسية لهذا المفكر خاصة: طه جابر العلواني: إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم، دار الهدى للطباعة والنشر، د. م. ن، 1995، ص05، إصلاح الفكر الإسلامي، دار الهدى للطباعة والنشر، د. م. ن، د. تا، ص53، ابن تيمية وإسلامية المعرفة، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، 1995، ص55.
(3) - فقد انطلق على يد مجموعة من علماء الاجتماع المسلمين عام 1972 في إطار المنظمات المنبثقة من اتحاد الطلاب المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، والذي عقد مؤتمره الموسّع في سويسرا عام 1977 وتوّج بإنشاء المعهد العالمي للفكر الإسلامي بأمريكا سنة 1981. أنظر تاريخ نشأته والأسس التي يقوم عليها: الزواوي بغورة: "إسلامية المعرفة بين مشروعية المعرفة وإرادة المعرفة"، في: مجلة "نقد"، العدد 3، العلوم، المعارف والمجتمع، خريف- شتاء 2000، الجزائر، ص20. (11/146)
صفحة 148
كانت الدعوة إلى إنشاء علم اجتماع إسلامي مجرد طموحات ومؤلفات مفكّكة هنا وهناك لكنّها توحّدت بعد ذلك في إطار المشروع الجديد لأسلمة المعرفة، لهذا نجد العديد من المؤلفات المطالبة بإنشاء "علم اجتماع إسلامي" تمّ تأليفها قبل نشأة "أسلمة المعرفة" وإن كان أغلبها يقع في الفترة المتزامنة مع هذه الأطروحة الجديدة (1).
قد لا يصرّح الداعون إلى "علم اجتماع إسلامي" بانتمائيتهم لهذه الأطروحة لكن توجهّهم العام خاصة المؤلفات التي تمّت في التسعينيات تبين انغماسهم بشدّة داخلها، لكنّه من جهة أخرى قليلة هي هذه المؤلفات التي تناقش الأسس النظرية والمنطلقات المنهجية لهذا العلم وتحاول بناء إطار إيبستمولوجي متين له، فأغلبها يحاول انتصال بعض القضايا الاجتماعية في الفكر الإسلامي خاصة ما يتعلق بالزكاة والمعاملات والتضامن والعلاقات الاجتماعية ... ومناقشتها من منظور علم الاجتماع العام، فهي تُدخل الفكر الإسلامي إلى الفكر الغربي من نافذة المناقشة لا من باب الطرح الإيبستمولوجي.
__________
(1) – أنظر أهمّ المؤلفات الداعية إلى طرح إسلامي لعلم الاجتماع:
أحمد أبو المجد: علم الاجتماع الإسلامي بين الحاجة والامكان، دار البعث، الجزائر، 1982؛ إليا بايونس، فريد أحمد: مقدمة في علم الاجتماع الإسلامي، تر: أمين حسين، الرباط، عكاظ للنشر والتوزيع، جامعة الملك عبد العزيز، 1983؛ براين تيرنر: علم الاجتماع والإسلام، بيروت، دار العلم، 1987؛ زيدان عبد الباقي: علم الاجتماع الإسلامي، مطبعة السعادة، القاهرة، 1984؛ زكي الميلاد: الفكر الإسلامي بين التأصيل والتجديد، بيروت، دار الصفوة، 1994؛ زكي محمّد إسماعيل: نحو علم اجتماع إسلامي، دار المطبوعات الجديدة، الإسكندرية، مصر، 1989؛ محمّد إبراهيم الفيومي: قضايا علم الاجتماع الإسلامي: مكتبة الانجلو مصرية، القاهرة، 1977؛ محمّد علوان: مفهوم إسلامي جديد لعلم الاجتماع، دار الشريف، جدة، 1983؛ مصطفى محمّد حسين: المدرسة الإسلامية في علم الاجتماع، القاهرة، 1975؛ سامية مصطفى الخشاب: علم الاجتماع الإسلامي، دار المعارف، القاهرة، 1980. (11/147)
صفحة 149
أي تصوُّر نظري في الجزائر؟
خرجت الجزائر من العهد الاستعماري وعلى ظهرها تبعات إيديولوجية كثيرة فكرية وثقافية وحتّى اقتصادية. وعملية التحرّر وإزاحة الأثقال الموروثة لم تتمّ بشكل راديكالي، ولم تخرج الجامعة من هذه القاعدة العامّة، لهذا عرفت تحولات مستمرة تهدف باستمرار نحو التصفية والتطهير الوطني وتأصيلية التعليم العالي، بغض النظر عن وسائل تحقيق هذه الغاية.
اشتكى الكثيرون من علم الاجتماع في الجزائر باعتباره مُخلَّفاً استعمارياً يمارس إعادة إنتاج الفكر الغربي في مخيال الأجيال الجديدة (1)، لهذا كان من التخصّصات التي حضيت بالإصلاح الجامعي خلال السبعينيات. لا نعرف بدقّة كيف كان برنامج الستينيات في علم الاجتماع وما محتواه النظري بالضبط لغياب وثائق تثبت ذلك لكنّ المؤكد أنّه لم يكن يساير الاتجاه السياسي السائد للدولة الجزائرية الجديدة وبقي مجرد تكوين نظري شامل ومبهم، لهذا كتب ناجي سفير قائلا: «وقد أثبتت تجربة العشر سنوات التي مضت [عن الإصلاح الذي تمّ في بداية السبعينيات] أن هذه البرامج تجاوزها الزمن وتحتاج إلى مراجعة معمّقة رغم المجهود الرامي إلى تطويرها (بالمقارنة مع البرامج القديمة) وتكييفها مع السياق الوطني» (2). كما لا نعلم بالتحديد عدد المقبلين على هذا التخصّص في هذه المرحلة.
وبموجب المرسوم رقم 221 المؤرخ في 25 أوت 1971 تمّ إصلاح التعليم العالي بشكل عام وبرنامج علم الاجتماع بشكل خاص، والذي ثمّ
__________
(1) – أنظر واقع علم الاجتماع في الجزائر قبل الاستقلال: جمال الدين قريد: "الزرع الإشكالي للسوسيولوجيا في العالم العربي، حالتا مصر والجزائر" في: علم الاجتماع والمجتمع في الجزائر، أعمال الملتقى الوطني حول علم الاجتماع "علم الاجتماع والمجتمع في الجزائر:" أية علاقات؟ "، وهران أيام 4، 5 و6 ماي 2002، دار القصبة، الجزائر، 2004، ص75.
(2) – سفير ناجي: محاولات في التحليل الاجتماعي: التنمية والثقافة، تر: م. ع بن ناصر، ج1، ديوان المطبوعات الجامعية، المؤسّسة الوطنية للكتاب، الجزائر، د. تا، ص33. (11/148)
صفحة 150
تقعيده وفقاً للإيديولوجية السائدة في تلك المرحلة التاريخية. فقد ارتكز هذا البرنامج الجديد على سياسة التنمية والانفتاح على المجتمع واعتُبر علم الاجتماع سياسياً العلم الرائد للعلوم الاجتماعية والذي من خلاله يتمّ تغيير آليات المجتمع الجزائري (1). وتم تنظيم حملات تطوعية لطلبة علم الاجتماع قصد توعية الفلاحين والعمال ونشر أفكار التنمية الاقتصادية والسياسية كما تتصورها الدولة.
خضع برنامج علم الاجتماع بالتالي في هذه المرحلة للإيديولوجية الماركسية الاشتراكية وحُشد الطالب والمختص في السوسيولوجيا بترسانة من المصطلحات والمفاهيم المستوردة من "الكتلة الشرقية" في إطار الحرب الباردة ضدّ "الكتلة الغربية". واقتصرت التصوّرات النظرية على جانب واحد فقط لا يخرج عن المادية الجدلية (2) والانعكاسية، وأي انحراف عنها يعتبر تمرداً على الدولة وشذوذاً غير مرغوب فيه، ومن نتائج ذلك أن أصبح علم الاجتماع الأمريكي بين قوسين لا يعرف النور في مقررات الجامعة الجزائرية إلاّ اللمم، وقد تزامن ذلك مع مظاهر لم يكن يعرفها المجتمع الجزائري من قبل داخل الجامعة خاصة هيئات اللباس والشعر وما جاورها، والمستوحاة من النموذج التشيغيفاري التحرّري الأحمر مع وجود حركات رافضة مشتّتة في بعض الأركان تنذر بالظهور.
وما يمكن الوصول إليه في هذه الفترة هو وجود تصور نظري سائد وعام، شبه موحّد يستحوذ على علم الاجتماع في الجزائر يتمثل في التصور الماركسي المادي التاريخي تحت تأثير هيمنة الخطاب الإيديولوجي الشعبوي - على الجانب الفكري - الطامح إلى كسر التبعية والاقتراب إلى الكادحية والجماهيرية حتّى نهاية
__________
(1) – أنظر الخطاب الرسمي حول علم الاجتماع في: مجلة "الجامعة" علم الاجتماع في التنمية، نشرية التعليم العالي العدد 1، مارس، أبريل 1975، ص12.
(2) – أنظر محتوى هذا البرنامج في: محمّد بشير: مدخل لدراسة علم الاجتماع في الجزائر مابين 1972 - 1982، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1994، ص15 - 22. (11/149)
صفحة 151
السبعينيات (1).
انهيار الكتلة الشرقية في الثمانينيات أعاد ترتيب النظام العالمي الجديد على أسس إيديولوجية تتجاوز ثنائيات "الحرب الباردة" وقد أثر ذلك بشكل مباشر في النظام السياسي بالجزائر والتي دخلت عهدة جديدة مزقت رداء الحزب الواحد لحساب الديمقراطية وفتحت المجال للتيارات المتعدّدة في الصراع، وكانت الجامعة انعكاساً فعلياً لهذا الواقع المتعدّد الأصوات، هذا من جهة ومن جهة أخرى انطلقت الجزائر في سياسة تعريب النظام التربوي والمنظومة الجامعية بشكل عام ما قرّب محتويات البرنامج من "التراثية" التي كانت غائبة نسبياً في برامج العلوم الاجتماعية، والمساهمة في استرجاع الهوية العربية الإسلامية وثقافتها منذ 1977، وتكثيف التعاون الثقافي مع أقطار عربية (2). كما أن إرسال دفعات للتكوين في الخارج خاصة المشرق العربي والعالم الأنجلو-سكسوني وعودة هذه النخب بفكر جديد طرح بدائل مختلفة عن البديل الاشتراكي الذي كان سائداً وحتّى على الطرح الأوروبي أحياناً، وتموقعت الجامعة الجزائرية في مكانتها المقزمة عالمياً أمام تعدّد الأفكار والتطوّر العلمي العالمي الرهيب نتيجة تقوقها الفكري الأحادي.
أُعيد النظر في البرامج الجامعية وبرنامج علم الاجتماع خاصة ليخضع مرّة أخرى للقرارات السياسية وفوقية المجتمع على الجامعة واستُحدثت مقاييس جديدة تتناسب مع الفكر الجديد منها مقياس "علم الاجتماع المعاصر"، لكن الانتقاص من العامل الاجتماعي والإنساني على حساب العامل الاقتصادي والتكنولوجي بقي مستمراً في الخطاب السياسي الرسمي حول علم الاجتماع وجنى عليه بالدونية وتصنيفه في آخر قائمة الأولويات.
ومنذ نهاية الثمانينيات وبرنامج علم الاجتماع يلقّح بمقاييس تستجيب لواقع التغيرات الجزائرية والعالمية بشكل جزئي لا بشكل كلي وشمولي، وانبثقت
__________
(1) – عنصر العياشي: نحو علم اجتماع نقدي: دراسات نظرية وتطبيقية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1999، ص65.
(2) – المرجع نفسه، ص65. (11/150)
صفحة 152
تخصصات جديدة هنا وهناك، لكن الهزّة الكبرى كانت مع الحركات الإسلامية الصاعدة في تلك الفترة، والتي زعزعت الركن الجامعي وأحدثت هلوسة سياسية واجتماعية في المجتمع الجزائري بصورة عامّة، ما نزال نعيش إلى اليوم الكثير من مخلفاتها، وقد دعت هذه الحركات إلى إعادة برمجة العلوم الاجتماعية وفقا لما تسميه "الشريعة الإسلامية" أو "أسلمة المعرفة".
أسلمة المقياس:
لم يكن علم الاجتماع بمعزل عن هذه التغيرات الاجتماعية والإيديولوجية، فقد كانت تُدرّس في بداية التسعينيات مادة تدعى "التكوين الديني والسياسي" تحمل مجموعة من المفاهيم الدينية لبعض القضايا الإسلامية كمفهوم الدولة والإحسان والإيمان وغيرها، ممّا يعطي الصبغة الإسلامية –كما يعتقد العديدون- للبرنامج بمعاملات ضعيفة تُبعد الطالب عن المقياس أكثر ممّا تجذبه له. وسرعان ما تمّ تعويض هذا المقياس لأول مرّة بمقياس يحمل كلمة "إسلامي" بشكل مباشرة في سنوات 93 و1994.
طرح هذا المقياس عدّة إشكالات بداية من التسمية في حدّ ذاتها، ولعلّ التسمية الرسمية الأولى كانت "علم اجتماع الإسلام" لكن الرفض الذي كانت تحمله هيئات التدريس الجامعي لهذا الطرح جعلت التسمية عند الأساتذة تتذذب بين علم الاجتماع الإسلامي والدراسات السوسيولوجية للإسلام وعلم الاجتماع الإسلام وعلم اجتماع المجتمع الإسلامي وغيرها ممّا كان يدور ويجول في أروقة الطلبة بتأثير من هيئة التدريس. والإشكال الثاني هو من له القدرة على تدريس هذا المقياس، وإلى من يجب أن توكل من الأساتذة هذه المادة الحساسة خاصة أن أغلبية الأساتذة حينها كانوا من الجيل المفرنس، وحسب تتبعي الخاص للعديد من أقسام علم الاجتماع في نهاية التسعينيات فقد كان يسند إلى أساتذة وجدوا أنفسهم في أقسام علم الاجتماع من غير تخصّص كالقادمين إليه من تخصّصات أخرى خاصة الأدبية منها، كما كان يسند وفقاً لشكل الأستاذ وحجم لحيته. وهذا يعكس القاعدة التكوينة الهاشة (11/151)
صفحة 153
للعديد من المكلفين بالمقياس من جهة وعدم وجود استراتيجية واضحة في بناء المقاييس من جهة أخرى. لكن هذه الصورة بدأت تتغير تدريجياً بداية من الألفية الجديدة.
حدّد واضعو هذا المقياس في البداية الهدف منه في «تمكين الطالب من معرفة المجتمع الذي ينتمي إليه وذلك من خلال دراسات وأعمال أبرز المفكرين المسلمين الذين تناولوا قضايا جوهرية للمجتمعات الإسلامية في نشأتها وتطوّرها» (1)، ويتضمّن البرنامج مدخلاً حول محدودية علم الاجتماع الغربي في تناول المجتمعات الإسلامية، وأربع محاور يتناول المحور الأوّل المفاهيم الأساسية لعلم اجتماع الإسلام، والثاني الفكر الاجتماعي الإسلامي، والثالث المفكرين الاجتماعيين المعاصرين وفي المحور الرابع يتمّ تناول بعض قضايا المجتمعات الإسلامية المعاصرة والتي تعتبر حلقة اتصال مع التخصصات التي سيختارها الطالب في السنة الموالية.
يبدو هذا البرنامج جدّ مكثّف وشبيه بتاريخية الفكر الإسلامي أكثر ممّا هو وضع لأسس إيبستمولوجية وأدوات منهجية أو إطار نظري صالح لمعالجة الواقع الفعلي للطالب والقضايا المعاصرة، لذلك ينذر أن نجد في مذكرات نهاية الليسانس أطروحات ذات مفاهيمية واقترابات سوسيو-إسلامية عند الطالب المتخرّج من علم الاجتماع، وأحياناً حتّى عند طلبة الماجستير. وهذا يعكس الخلط بين مجرد التكوين الديني والإسلامي للمختصّ وبين المقاربة المنهجية للسوسيولوجيا في إطارها الإسلامي، وما يزال سائداً في فكر المتخرّج أن أي معالجة إسلامية للفكر السوسيولوجي مناقضة للدراسة الموضوعية في علم الاجتماع.
وقد أخذ المقياس صورة معدلة في تسمية جديدة تحمل عنوان "دراسات سوسيولوجية للإسلام" لم يتمّ الإفصاح عن سبب التسمية الجديدة، لكن الظاهر أنّه انتقلت من مشروع لتخصص في علم الاجتماع إلى مجرد إطلالة على الإسلام من منظار السوسيولوجية، وتحول
__________
(1) – أنظر: الوثيقة الرسمية لبرنامج علم الاجتماع المسطر من طرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الجزائر. (11/152)
صفحة 154
الهدف من معرفة الطالب للمجتمع الذي ينتمي له إلى التزود «ببعض المقاربات السوسيولوجية التي تناولت الإسلام وممارساته في الفضاء الإسلامي» (1)، بمحاولة إخراج الطالب من الانتمائية للإسلام إلى فضائية الإسلام باعتباره إحدى المجالات الأخرى.
وانتقل البرنامج من أربع محاور إلى خمسة بإزالة المدخل كلياً، كما أنّ مادة المحور الأوّل والثاني لا وجود لهما في البرنامج الجديد، وتمّ تقسيم المحور الثالث إلى محورين، والاحتفاظ بمادة المحور الرابع مع بعض التعديلات، والجديد في البرنامج المحور الأوّل الذي اقتراح مفاهيم علم الاجتماع الديني من أجل وضع الجزء في إطاره الكلي وهو المحور الوحيد الذي حدّد واضعوه الهدف منه ولا أدري لِمَ غابت أهداف المحاور الأخرى، إضافة إلى المحور الثاني الذي يركز على السياقات التي جعلت من الإسلام موضوع للدراسة السوسيولوجية والمحدّدة في سياقين التاريخي (الحروب الصليبية، الاحتلال والهيمنة الغربية، الاستشراق) والمعرفي (البحث في أصل الدين)، وقد تناول المحور الثالث علماء الاجتماع الإسلام الغربيين، والمحور الرابع مجموعة من علماء الاجتماع المسلمين، وفي المحور الخامس قضايا معاصرة في علم الاجتماع الإسلام (اجتماعياً، سياسياً، ثقافياً، حركياً).
رغم التغيرات الشكلية لهذا البرنامج، فالملاحظ أنّه حاول التحرر من التبعيات التاريخية للفكر الإسلامي التي اعتادت تحصر ذاتها بين الفارابي وابن خلدون، كما تمّ تجاوز الطروحات الكونية للإسلام والتبجيلية المفرطة، وتدعيم المنطلق النظري العام بوضعه ضمن علم الاجتماع الديني، لكن تبدو هذه "الروتوشات" مجرد إجراءات تبسيطية للمادة من أجل المحافظة عليها فقط، وهي بعيدة عن فلسفة تربوية واضحة تحكم المقياس والذي يبقى يسبح في الأجواء النظرية والمفاهيمية متغافلاً الجذور التاريخية التي عملت على إنتاجه المعرفي والفكري.
__________
(1) – أنظر: الوثيقة الرسمية لبرنامج علم الاجتماع المسطر من طرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الجزائر. (11/153)
صفحة 155
مراجع المقياس:
وجود تخصّص يحمل اسم "علم اجتماع الإسلام" يستدعي وجود مراجع وكتابات في الموضوع تصلح كمرجعية للطالب والأستاذ، ولعلّ المراجع المشرقية في الموضوع متعدّدة، لكن الدراسات التي تمت من طرف الجزائريين جدّ ناذرة. ورغم قلّة الإنتاج الفكري بشكل عام في بلادنا خاصة في العلوم الاجتماعية، إلاّ أنني حاولت تتبّع - ما توفر في مقدوري- والبحث عن الداعين لإسلامية علم الاجتماع سواء كانت كتباً أو مقالات في مجلات جامعية متخصّصة، لكن للأسف لم تقع يدي إلاّ على ثلاثة كتب، كتابين منهما من تأليف مجموعة من أساتذة علم الاجتماع بجامعة قسنطينة (الكتاب الآخر لا علم لي بصاحبه لكنّه طبع بقسنطينة)، ومقال إلاّ أن صاحبه أستاذ مختصّ في الفلسفة (الزواوي بغورة) ممّا جعلني لا إدراجه ضمن الدراسة، والملفت للانتباه أنّه هو الآخر من جامعة قسنطينة، ولا أعلم لماذا تمركز أطروحة إسلامية العلوم الاجتماعية في الشرق الجزائري رغم أن أوّل داع له من الغرب الجزائري (عبد المجيد مزيان/ تلمسان) بدل الجامعات الأخرى ولعلّ لمئذنة الأمير تأثير في ذلك.
1 - علم الاجتماع الإسلامي بين الحاجة والإمكان (1):
الكتيب لأحمد أبو المجد وهو يقع في 93 صفحة ولا يعتمد فيه صاحبه إلا على 04 مراجع باللغة العربية، ويضمّ ثلاثة فصول ومقدمة (فاتحة) وخاتمة، يعالج الفصل الأوّل خطورة تبعية العلوم الاجتماعية للفكر الأوروبي، وفي الفصل الثاني الرد على مجموعة من الشبوهات المتوهّمة، وفي الفصل الثالث أصول علم الاجتماع العربية الخلدونية باسم "بضاعتنا ردت إلينا". قد لا يمثل الكتيب قيمة منهجية كبيرة لأنّه أشبه ما يكون بمقال صحفي يردّ فيه صاحبه على "افتراءات" من هنا وهناك دون الإشارة في كثير منها إلى أصحابها ومراجعها، لكنّه يحتل قيمة تاريحية باعتباره أوّل تأليف - في حدود علمنا - في الجزائر يخصصّ لأطروحة علم الاجتماع الإسلامي بشكل مباشر.
يحتل من جهة أخرى الإهداء الذي خصّصه صاحب الكتاب للمفكر التلمساني الأصل عبد المجيد مزيان دلالة تاريخية أيضاً من حيث كون هذا الأخير أوّل من دعا بشكل رسمي ومن موقع السلطة إلى إنشاء علم اجتماع إسلامي في الجزائر خلال ملتقى الفكر الإسلامي الرابع عشر المنعقد بالجزائر العاصمة من 31 أوت إلى 07 سبتمبر 1980.
2 - قضايا منهجية في العلوم الاجتماعية (2):
الكتاب استمرارية ليومين دراسيين أُنجزا بجامعة قسنطينة خلال السنة الجامعية 93/ 1994 واللذان يهدفان إلى تقديم الطريقة المثلى للطالب في إنجاز مذكرة نهاية الليسانس كما ورد في المقدمة، فهو بالتالي تأليف تأسيسي قاعدي في المجال المنهجي ومرجع رئيس يعتمد عليه الطالب لصناعة أعماله السوسيولوجية، وقد وردت فيه ثلاث مقالات تحمل الاتجاه نحو إسلامية علم الاجتماع.
أ-المدخل المنهجي:
مقال لزعيمي مراد يقع في 13 صفحة ما يمثل 05.82 % من صفحات الكتاب، معتمداً صاحبها على 08 مراجع كلّها باللغة العربية، ولمؤلفين مشارقة (مصريين بالخصوص). يحاول فيه المؤلف في مراواغة منهجية أن يعرّف ما هو المدخل المنهجي بعد أن يبيّن أنّ علم الاجتماع لا يقوم على المنهج فقط إنّما على المدخل المنهجي الذي هو «عبارة عن نموذج تصوري عن الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ، وبناء منهجي لتحليل هذا المجتمع وتفسير ظواهره في ضوء اقترابات ذلك المنهج التصوري» (3)، وأنّ السوسيوجيا الغربية تقوم على مدخلين فقط هما المدخل الوضعي والمدخل الماركسي، ومحاولة التوفيق
__________
(1) – أحمد أبو المجد: علم الاجتماع الإسلامي: بين الحاجة والإمكان، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1982.
(2) – مجموع مؤلفين: قضايا منهجية في العلوم الاجتماعية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2001
(3) – المرجع نفسه، ص67. (11/154)
صفحة 156
بينهما لا يوصل إلى نتيجة مفيدة، لأنها عاجزة عن بلوغ ما قد يصل إليه كلّ مدخل على حدا، والإسلام بالمقابل يقترح هو الآخر مدخلا آخر على شكل «تصور اعتقادي يأخذ من العقيدة الإسلامية منطقاً ومرجعاً لتحليل السلوك الإنساني والحياة الاجتماعية، ويفسر بمقتضاها وفي إطارها الظواهر المجتمعية» (1).
ويقوم المدخل المنهجي على نموذج تصوري وبناء منهجي، فالنموذج التصوري الإسلامي يعتمد على مجموعة من "الحقائق" وهنا يدخل المؤلف في نقاش فلسفي تجريدي يصل من خلاله إلى نتيجة مؤداها أن الحياة الإنسانية حالتان، حالة الهدى وحالة الضلالة، أمّا البناء المنهجي فيضمّ مجموعة من العناصر هي الأخرى قواعد منهجية استرشادية ومراحل تحليل ونسق تفسير، وكلّ منها يقوم على مبادئ ومسلمات أشبه بتصورات كونية عامة تجعل من الظاهرة الاجتماعية جزءً من الظاهرة الكونية (2)، ما يجعل المؤلف يسقط هو الآخر في الطرح الوضعي.
ب- بعض مبادئ المنهج الإسلامي:
مقال لأحمد زردومي يقع في 23 صفحة ما يمثل 10.31 % من صفحات الكتاب، اعتمد فيها المؤلف على 13 مرجعاً كلّها باللغة العربية أغلبها مشرقية التأليف، يبين فيها مكانة المنهج ثمّ معناه اللغوي ثمّ معانيه التراثية المرتكزة على مفاهيم الهداية والحكمة ومبادئ كلّ واحدة منهما، ثمّ ينتقل إلى بعض مبادئ المنهج الإسلامي كما يتصوره صاحب المقال من خلال النص القرآني والحديث النبوي –رغم عدم تخريجه لها- خاصة والنصّ التراثي عامة بخلاف المقال الأوّل الذي يخلو من أي مرجعية قرآنية أو تراثية.
الملاحظ في المقالين النزعة العمومية والانغماس في المفاهيم الفلسفية الكونية حتّى أنّنا نشعر بغياب العلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع خاصة. لوم يفرق المقال الأوّل كثيراً بين التيولوجية والمدخل المنهجي حتّى أصبح العلمُ اعتقاداً، ونماذجُ التحليل تصورات كونية ماورائية، ولا أعلم كيف يمكن للعلم أن يقيس في النهاية حالتي الهدى والضلالة ويختبرها ميدانياً، وهل يجب دوماً الخضوع للمسلّمات، أو ليست المسلّمات إيديولوجيا تخفي باستمرار وراءها وعياً زائفاً عن الواقع؟ ... ويصعب فهم إلى أي مدى يستطيع الباحث فهم المدخل المقترح واقعياً فهل الواقع يخضع لهذا المدخل أم العكس. ويبدو أن صاحب المقال دفع بالتجريدية في أفكاره إلى مستوى تجريد التجريد حتّى أنّ القارئ يشعر بقفزة تقاس بالسنوات الضوئية من مستوى العلم إلى مستوى أعلى قد يخرج من سيطرة العلم في حدّ ذاته.
ولا يبدو في المقال الثاني أن صاحبه يؤمن بالتراكمية العلمية فهو يضع الأسس المنهجية والإيبستمولوجية التي قدمها الفكر المعاصر بين قوسين ليجد نفسه في ظل التراثية يبحث فيها عن أسس يزيل عنها الغبار، فلو كانت الدراسة مقارنة بينهما لكانت أكثر إنتاجية، كما أنّ الخلط واضح بين أسس المنهج العلمي وبين الأخلاقيات المهنية في مجال العلم بشكل عام، فالأولى ترتبط بالممارسة العلمية كما هي فعليا لكن الثانية تتعلق بذاتية الباحث أكثر من موضوعه، وبين الطرفين فرق.
3 - علم الاجتماع من التغريب إلى التأصيل (3):
يقع الكتاب في 232 صفحة، لا يحمل تاريخ الطبع ومكانه، لكن المقدمة وتاريخ الإيداع يبين أنّه أُلّف سنة 1996 وطبع سنة 1998، وقد شارك فيه ستّة مؤلفين، والملاحظ أنّ الكتاب استراتيجية إيديولوجية لتوسيع أطروحة "الأسلمة" بشرياً ومجالياً ومعرفياً وتوريط أطر بشرية وجامعات أخرى بداخلها، لأنّه عبارة عن المقالين السابقين أضيف لهما مجموعة أخرى من المقالات ألفها أساتذة جامعيون من نفس الجامعة ومن جامعتين أخريتين هما جامعة عنابة (ممثلة في صباح عياشي) وجامعة الجزائر (ممثلة في رشيد ميموني)، أمّا
__________
(1) – المرجع نفسه، ص69.
(2) - المرجع نفسه، ص75.
(3) – مجموع مؤلفين: علم الاجتماع من التغريب إلى التأصيل، دار المعرفة، د. نا، د. م. نا. (11/155)
صفحة 157
التوسعة المعرفية فقد أثري الكتاب بمقاربات منهجية ونظريات جديدة إضافة لأمثلة ميدانية تطبيقية لهذه الأطروحة، ومن حيث المصدرية فقد توسعت إلى 94 كتاباً عربياً بمختلف اتجاهاتها، و31 كتاباً أجنبياً بمختلف اللغات، و 62 مقالاً.
ويحتوي الكتاب على أربع محاور ما يقابل محاور مقياس علم الاجتماع الإسلام في بدايته، يتناول المحور الأوّل (55ص، 24.77%) مجموعة من "المقاربات النقدية"، تنطلق من هيمنة العلوم الاجتماعية الغربية ليصل إلى الخلل الذي تعاني منه هذه العلوم ضمن عدد من الثنائيات، وفي المحور الثاني (88ص، 39.64%) يتمّ معالجة "بعض ملامح البديل الإسلامي في علم الاجتماع" ببيان محدودية السوسيولوجيا الغربية وتعريف علم الاجتماع الإسلامي وأهدافه ومجالاته وضرورته وبعض ملامحه، وفي المحور الثالث (23ص، 10.36 %) تعود المداخل المنهجية والبحث العلمي من وجهة نظر إسلامي، وتطبيقا للتصورات السابقة في المحور الرابع (56ص، 25.21%) من خلال دراسة لظاهرة التغير الاجتماعي وتكافؤ القرينين والأقليات الإسلامية في العالم.
يصرّح الكتاب في المقدمة بأنّه جاء تدعيماً للمبادرة السياسية القاضية بإنشاء علم اجتماع الإسلام، ويضيف فضيل دليو بأنّ «هذا العمل الذي بين أيدينا محاولة متواضعة لخدمة هذه المبادرة الطيبة» (1)، وأنّ التأصيلية في العلوم الاجتماعية تتّجه أكثر فأكثر نحو الوضوحية و"إعادة صياغة المعرفة الإنسانية" وعليها أن تواصل ذلك في جرأة لكسر الحصار الذاتي النفسي وقوّة القمع السياسي والاجتماعي.
يبقى هذا الكتاب المؤَّلف الأكثر جدية في الجزائر نحو بناء قاعدة مرجعية لمقياس نشأة دون مراجع وبقرار حماسي، لكنّه لا يختلف كثيراً عن غيره من المراجع كونه يتغذى على إضعاف الآخر
__________
(1) - المرجع نفسه، ص8. (11/157)
صفحة 158
والقيام على أنقاض أخطائه، فقد بدأ كالعادة في تعداد أخطاء الفكر الأوروبي ومزالقه ليُؤسّس ذاته، مع أنّ الفكر الإسلامي أسبق من هذا الفكر تاريخياً، ونتساءل ألا يمكن أن يعيش الفكران جنبا لجنب دون وقوف الواحد على أخطاء الآخر وإقصائه؟ ... هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما تزال المداخل المنهجية والايبستمولوجية لهذا المقياس أو التخصّص ناقصة إن لم تكن ضعيفة والدليل على ذلك الحجم الذي تأخذه (10.36%) في هذا الكتاب القاعدي للطالب أمام غيرها من المحاور الأخرى، خاصة ما يتعلّق بالتعاريف والأهداف، أو ما يخصّ النقد الموجّه للسوسيولوجيا الغربية.
الخاتمة:
الإجابة على الانشغال المطروح في عنوان المقال قد يبدو صعباً إذا كان يجب التموقع بين الـ "نعم" أو الـ "لا"، ذلك لأنّ البعد الإيديولوجي واضح بقوّة في عمق أطروحة "أسلمة علم الاجتاع" ولا يمكن إغفاله، لكنه لا يمكن أيضاً نفي المقاربات المنهجية المقترحة من خلالها رغم أنّ درجة تبريريتها وقوتها الايبستمولوجية تحتاج إلى كثير من النقاش العلمي الموضوعي، والحكم النهائي عليها لا يتمّ إلا بعد تراكمية مستمرة.
وما يزال علم الاجتماع في العالم العربي والإسلامي عامة وفي الجزائر بالخصوص موضوع رهانات إيديولوجية تفرضها الممارسة السياسية، والخضوع للمجتمعية الشعبوية لا العكس، وما "علم الاجتماع الإسلام" إلا انعكاس لهذه الرهانات، ولا يمكن تأصيل علم اجتماعي خاص بهذه المجتمعات إلا بالتراكمية العلمية الواقعية والابتعاد عن فكرة "البديل"، واعتبار هذا التأصيل قاعدة لا بديل يقابل الآخر المخطئ باستمرار. (11/159)
صفحة 159
التعليم القرآني
في الزوايا و المدارس القرآنية
بين الواقع والمأمول
- مدارس أدرار وزواياها نموذجا -
الدكتور رابح دفرور
-جامعة أدرار ... -
ت
تمهيد:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
حسب إحصائيات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف فإنه يتواجد بمنطقة توات 520مدرسة قرآنية مشتملة على 1242 قسما وتقوم بتدريس حوالي 62105 متمدرسا.
كما يتواجد بها أيضا20 زاوية عاملة تضم 62 قسما وتقوم بتدريس حوالي 3100 متمدرسا من مختلف أنحاء الوطن.
وتشير هذه الأرقام إلى أنه يتمركز بأدرار أكبر عدد من مؤسسات التعليم القرآني القائمة على تدريس أكبر عدد من المتمدرسين؛ إذ تبلغ نسبة المدارس القرآنية 23.35 % من مدارس التعلم القرآني بالوطن.
ونسبة التلاميذ المتمدرسين بها 39.96 % من مجموع تلاميذ المدارس القرآنية.
ونسبة الزوايا العاملة 7.78 % من زوايا الوطن.
ونسبة التلاميذ المتمدرسين بها 30.54 % من تلاميذ الزوايا الوطنية.
وهذه النسب المرتفعة لمؤسسات التعليم القرآني لها دلالة واضحة على مدى عناية شيوخ هذه المنطقة بالتعليم القرآني، ومكانة القرآن الكريم عندهم من سالف العصور.
وتهدف هذه المداخلة إلى دراسة ميدانية لبعض هذه المؤسسات التعليمية (12/160)
صفحة 160
والوقوف على طرائق التدريس بها، والوسائل البيداغوجية المستعملة فيها مع تقديم رؤية تقويمية لبرامجها ومناهجها مبينين كيفية الاستفادة من إيجابياتها ومحاسنها، ومقترحين بعض جوانب الترشيد والتطوير مستفيدين من الوسائل الحديثة والنظريات المعاصرة في علم التربية. وكل ذلك وفق المطالب التالية:
*ــــ المطلب الأول: نشأة التعليم القرآني في منطقة توات.
*ــــ المطلب الثاني: دراسة وصفية لمناهج التعليم التقليدية.
*ــــ المطلب الثالث: دراسة نقدية لهذه البرامج.
*ــــ المطلب الرابع: مقترحات لترشيد وتطوير التعليم القرآني.
المطلب الأول: نشأة التعليم القرآني بمنطقة توات:
كانت المدارس القرآنية هي أساس التعليم في منطقة توات، ولا تزال إلى يومنا هذا هي أكثر المؤسسات التعليمية انتشاراً في المجتمع التواتي، ويقصدها التلاميذ والطلبة من كل أنحاء الوطن.
وتقوم هذه المؤسسات بواجب تحفيظ القرآن الكريم واستظهار آياته من جيل إلى جيل، كما تهتم أيضاً بتدريس المواد الشرعية من تفسير وفقه وعقيدة بعد إتمام حفظ القرآن الكريم.
ويعود تاريخ إنشاء الزوايا في منطقة توات إلى القرن السادس الهجري، حيث تأسست زاوية بني حماد بقصر زاقلو بتوات في سنة 555 هـ، على يد مؤسسيها بنو حماد، وأنشئت زاوية مولاي سليمان بن علي بقصر أولاد وشن بتوات سنة 581 هـ على يد مؤسسها مولاي سليمان بن علي. ثم توالى بعد ذلك إنشاء الزوايا في القرون الموالية فتأسست زاوية محمد الطالب بن سليمان بقصر آدغا بتوات سنة 780 هـ على يد مؤسسها قصبة محمد الطيب. وزاوية مراقن بقصر مراقن بتوات سنة 879 هـ على يد مؤسسها سيدي محمد السالم. وزاوية تينيلان التي أسسها سيدي أحمد بن يوسف سنة 1058هـ بضواحي أدرار. وزاوية سيدي البخاري التي أنشأها عبد العزيز سيد اعمر سنة 1955م ببلدية تيمي إحدى بلديات أدرار. وزاوية مالك بن أنس التي (12/161)
صفحة 161
أقامها مولاي التهامي سنة 1987م بقصر أوقديم التابع لبلدية أدرار. وكل هذه الزوايا كان التعليم القرآني من أهم أهدافها.
أما المدارس القرآنية التي تأسست لغرض التعليم القرآني دون غيره من الأهداف الأخرى فقد ظهرت في توات منذ القرن التاسع الهجري، ومن تلك المدارس القديمة مدرسة تمنطيط التي ظلت فاعلة حتى يومنا هذا، والتي أنشئت في القرن التاسع على يد مؤسسها سيدي البكري بن عبد الكريم التمنطيطي.
وأيضاً في القرن نفسه أنشئت مدرسة الشيخ المغيلي بقصر بوعلي بتوات على يد مؤسسها الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي صاحب المساءلات مع الإمام جلال الدين السيوطي (1).
وهذه الزوايا والمدارس القرآنية منها ما ظل فاعلاً ولا يزال قائماً يمارس نشاطه ويحقق أهدافه كمدرسة تمنطيط التي ظل أحفاد سيدي البكري قائمين عليها، ومدرسة الشيخ المغيلي، ومنها ما اندثر ولم يعد له وجود في الحاضر بفعل الإرادة الاستعمارية التي كانت تجبر الأهالي على إرسال أولادهم للمدارس الفرنسية وتفسح المجال واسعاً لتغلغل الآباء البيض والأخوات المسيحيات في المجتمع الجزائري، وتتدخل بشكل مباشر لغلق بعض الزوايا، وبشكل غير مباشر حيث تقوم بقطع مصادر التموين عنها، وفي الوقت نفسه نشهد ظهور من حين لآخر كمدرسة سعد بن أبي وقاص التي أنشئت سنة 1973م، ومدرسة الجامع الكبير التي تأسست في عام 1949م، على يد الشيخ سيدي محمد بالكبير الذي توفي قبل أعوام فقط. ومدرسة الفرقان لتعليم القرآن وتدريس العلوم الشرعية التي أنشئت عام 1954م، على يد الشيخ الحاج سالم بن إبراهيم الذي لا يزال يدير شؤونها بوسط مدينة أدرار، وهذه المدارس الثلاث لا تزال عاملة في الوقت الراهن. وحسب إحصائيات وزارة الشؤون الدينية الجزائرية فقد بلغ عدد الزوايا الفاعلة بأدرار إلى 20 زاوية كما بلغ عدد المدارس القرآنية 520 مدرسة (2).
__________
(1) - إحصاءات وزارة الشؤون الدينية.
(2) -يرجع في ذلك لتقييدات مخطوطة بخزانة كوسان. (12/162)
صفحة 162
المطلب الثاني: دراسة وصفية لمناهج التحفيظ التقليدية:
أولا: نظام التعليم في الزوايا
يعتمد نظام التعليم القرآني في الزوايا والمدارس القرآنية على طريقة تراثية، وأعراف تقليدية يكتسبها معلمو القرآن بالتجربة والممارسة والمحاكاة خلال مراحل التعليم في الزاوية.
ويعتبر نظام التعليم في مدارس المغرب العربي أحسن منه في المشرق العربي وأكفأ وأقدر على تقوية ملكة الحفظ لدى الطالب؛ ذلك لأنه يعتمد على تفريد حفظ القرآن عن بقية العلوم الشرعية الأخرى، وألا يشغل ذهن الطالب الصغير إلا بحفظ القرآن فقط، وهو ما شهد به العلامة ابن خلدون في قوله: "واختلفت طرائقهم في تعليم القرآن للولدان .. فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحدق فيه، أو ينقطع دونه فيكون انقطاعه انقطاعاً عن العلم بالجملة .. فهم بذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم" (1).
ثانيا: أركان النظام التعليمي في الزوايا
يرتكز النظام البيداغوجي لتحفيظ القرآن الكريم في الزوايا والمدارس القرآنية بأدرار على ما يلي:
1 ــــ المعلم (الشيخ):
وهو المعلم الأساسي في المدرسة، ويكتسب مؤهله العلمي من خلال إجازاته العلمية من طرف شيوخه الذين تتلمذ عليهم في المدرسة نفسها أو في مدرسة أخرى.
كما يستمد أيضاً تكوينه من خلال خبرته العلمية التي اكتسبها من خلال مباشرته التعليم تحت إشراف الشيخ، حيث كانت توكل إلى كبار الطلاب النابغين والمتقدمين في الحفظ مهمة تعليم من دونهم، وبهذا فهم في حالة تدريب وتربص.
__________
(1) - مقدمة ابن خلدون، ص701. (12/163)
صفحة 163
والملاحظ على شيوخ المدارس في منطقة توات أنهم لا يعتمدون في ثقافتهم على المعاصرة، فهم لا يزالون يستعملون الطرق القديمة والوسائل التقليدية في عملية التعليم.
ولذلك نجد غياب كثير من المبادئ والأبجديات التربوية التي يؤكد عليها أصحاب علم النفس التربوي.
2 ــــ الطلاب:
طلاب المدرسة هم التلاميذ الذين يقصدونها من أجل حفظ القرآن وأخذ العلوم الشرعية. والطالب منذ دخوله الزاوية لا يشتغل بشيء سوى حفظ القرآن، فإذا ما أتقنه وحفظ رسمه أذن له بالالتحاق بحلقات الفقه والتوحيد والنحو والصرف وغيرها ...
والملاحظ في الطلاب اختلاف فئاتهم العمرية؛ وذلك أنها لا تشترط سناً معيناً للدارس الراغب للدخول إليها، فحفظ القرآن الكريم متاح للجميع.
غير أن الدراسة الميدانية التي قمنا بها أوضحت أن الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين الخامس عشرة والعشرين يشكلون أعلى نسبة من مجموع الطلاب؛ فهم قرابة 75% والنسبة أقل في فئة الكبار بعد العشرين وهي دون ذلك في فئة الصغار الأقل من خمسة عشرة.
ثالثا: محتوى منهج التعلم بالمدرسة القرآنية:
يعتبر تحفيظ القرآن الكريم أهم هدف أنشئت لأجله الزوايا والمدارس القرآنية؛ ولذا فهو أهم عنصر في فقرات منهج التعليم، وهو يعتمد على التالي:
1 ــــ تعليم القراءة والكتابة:
ويكون ذلك بتدريب التلميذ على مهارة الكتابة للحروف الأبجدية ومهارة قراءتها، بعد معرفة شكل الحرف وحركاته الإعرابية وعلامات المد والتنوين والتشديد ..
2 ــــ تحفيظ القرآن:
وهذه المرحلة تبدأ بحفظ سورة الفاتحة ثم قصار الصور بالترتيب التصاعدي للسور: الناس ثم الفلق ثم الإخلاص ... وذلك عن طريق كتابة المقطع على اللوح الخشبي عن طريق إملاء الشيخ وكتابة التلميذ لها ثم تصحيحها (12/164)
صفحة 164
من طرف الشيخ ثم حفظها وهكذا حتى يأتي سورة البقرة.
3 ــــ تدريس العلوم الشرعية الأخرى:
وتعتبر هذه المرحلة متقدمة فهي لا تعطى إلا لمن استطاع أن ينهي حفظ القرآن كاملا حفظا جيدا ويجاز في حفظه فيتفرغ بعد ذلك لتحصيل الفقه وعلوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، كما ينال حظه من التفسير والسيرة النبوية وغيرها من العلوم الشرعية.
رابعا: وسائل التعليم بالمدرسة القرآنية:
لا تزال وسائل التعليم بالمدارس التعليمية في منطقة توات تتسم بالقدم وبأنها تقليدية، ومصنوعة من مواد محلية، وتتصف بعضها بأنها مشاعة بين التلميذ والشيخ، فدواة الشيخ يكتب منها التلميذ، ومصحف التلميذ يستعمله الشيخ ...
وجملة تلك الوسائل ما يلي:
1 ــــ الدواة: وهو الحبر المستعمل في كتابة الآيات القرآنية المقرر حفظها على الألواح الخشبية، ويصنع من صمغ بعض الأشجار بأن يسحق ويحرق ويعجن ويوضع في زجاجة صغيرة مع شيء من الصوف ليتماسك مع بعضه البعض.
2 ــــ القلم: وهو مصنوع من القصب، ويكون له رأس مذبب يسمح بكتابة الحرف على اللوح بشكل مميز، ويبلغ طوله بين 15 و25 سم.
3 ــــ اللوح الخشبي: وهو اللوح الذي تكتب عليها الآيات المراد حفظها، وهو بأشكال متفاوتة متقاربة أصغرها بمقاس 90 x 20 سم، وأكبرها 60 x40 سم. وهو ذو استعمال شخصي، ويكتب فيه على الوجهين.
4 ــــ المصحف: وهو لم ينتشر إلا في الزمان المتأخر، فقد كان من قبل لا يملكه إلا الطلبة المدرسين، وقد يقسم المصحف إلى أجزاء وكل طالب يستعمل جزءاً، وقد نجد بعضهم يقوم باستنساخ مصحف بيده، وكل ذلك لندرة وجود المصاحف في متناول الدارسين.
5 ــــ الحصير: وهو ما يفترشه التلاميذ أثناء التدريس وغالباً ما يصنع من عيدان الحلفاء، ويختص الشيخ ببساط خاص من جلد الماشية بصوفه. (12/165)
صفحة 165
6 ــــ محل التعليم: وهو عبارة عن الوقف الموروث عن مؤسس الزاوية، وهو في الغالب غرفة كبيرة تابعة للمسجد.
ومع إنشاء المدارس القرآنية تطورت بها بعض الوسائل، فأدخل الكراس لتسجيل المعلومات الإضافية التي تعطى للطالب وأقلام الحبر وأدخلت السبورة لاستعمالها في الدراسة الجماعية.
خامسا: الجانب التطبيقي لطريقة التحفيظ في الزاوية:
أول ما يبدأ به الحفظ قصار السور بدءاً من الفاتحة ثم الناس ثم الفلق وهكذا إلى أن يصل الطالب إلى سورة البقرة. ويقوم ذلك على أسلوب التفريد " الطريقة الفردية " حيث يأخذ الطالب حفظه من الشيخ بشكل فردي، وقد يستفيد مما يلقيه الشيخ لأحد الزملاء. وتعتمد هذه الطريقة على ما يلي:
1 ــــ الإملاء: وصورتها أن يجتمع جملة من الطلبة في حلقة مغلقة حول الشيخ، ويأخذ الشيخ يملي على كل طالب مقرره من الحفظ في شكل جماعي، حيث يملي على الأول آية، وبينما هو يكتبها يملي على الثاني آية أخرى من سورة أخرى وهكذا حتى يملي على الجميع، وهذا يعتمد أساساً على مدى تمكن الشيخ من الحفظ بحيث له القدرة على أن يملي على جمع من التلاميذ وكل منهم في جزء لا يوافق فيه الآخر.
ولا يملي الشيخ على الطالب إلا بعد ما يقرأ ما كتبه أولاً ثم يواصل له الشيخ الآية الموالية، وهذا ما يجعل الطالب يكرر ما كتب على اللوح مرات ومرات حالة الإملاء، وهو ما يسهل عليه الحفظ بعد ذلك، كما يعتبر إسماعا للشيخ، حيث يسمعها صحيحة الضبط والشكل من التلميذ، وإذا ما أخطأ الطالب فيها تداركه الشيخ.
وإذا كانت كلمة مما لا يوافق فيها الرسم العثماني الرسم الإملائي نبه الشيخ الطالب لكيفية رسمها، وربما ألقى له قاعدة ذلك، وهو ما يجعل الطالب قادراً على تصوير الكلمة بالرسم العثماني حتى وإن جهل سبب ذلك.
ويشير الشيخ أيضاً إلى بعض القواعد العامة التي يتم بها رسم الكلمات القرآنية سواء وافقت الرسم الإملائي أم خالفت كما يشير إلى (12/166)
صفحة 166
بعض الفروق والنظائر المتشابهة، وذلك نحو قولهم في بيان انفراد «شرد بهم» في القرآن:
«شرد بهم في سورة الأنفال عديمة النظير والمثال» (1)
وفي بيان مواقع ما وقعت فيه عبارة «كن فيكون»:
كن فيكون عدها ثمان
مذكورة في سور القرآن
في البكر والأنعام والعمران
ليكن ذا في ضمنه اثنان
والنحل ثم مريم وغافر
وفي يس عدة المسافر (2)
2 ــــ التصحيح: وبعد الانتهاء من كتابة الآيات على اللوح، يقوم الشيخ بقراءة ما كتب الطالب وتصحيح ما وقع فيه من أخطاء سواء فيما يتعلق بشكل وضبط الحروف أو ما سقط سهواً أثناء عملية الإملاء أو ما تعلق بالرسم العثماني.
وتحظى عملية التصحيح بأهمية بالغة في التعليم القرآني ذلك أن اللوح غير المصحح قد تقع فيه أخطاء، وبالتالي لا يؤذن للطالب بحفظ ما كتب على اللوح إلا بعد التصحيح.
ويلاحظ أن كلا من الإملاء والتصحيح يكون صباحاً قبل الساعة العاشرة، ولا يخفى أنه في هذا الوقت يكون كل من الشيخ والطالب في كامل النشاط والحيوية.
3 ــــ الحفظ: بعد عملية التصحيح يأخذ الطالب في ترديد الآيات المكتوبة آية آية حتى يحفظها عن ظهر قلب، ويلاحظ هنا أن الطالب يحفظ على قدر طاقته، وحسب مهارته في الحفظ، فهناك من يكون حفظه ثلاث آيات، وهناك من يحفظ عشراً، وهناك من يصل حتى نصف الحزب في اليوم الواحد.
4 ــــ العرض: بعدما يتم حفظ الطالب لما كتب على لوحه يقوم بعرضه على الشيخ، ومن خلال ذلك يدرك مدى حفظ الطالب للوحه، وهذا العرض هو الأولى.
__________
(1) - مسائل قرآنية، محمد الطاهر التليلي، ص 95.
(2) - المرجع نفسه، ص 29. (12/167)
صفحة 167
وهناك عرض آخر وهو حال ما يريد الطالب أن يمحو اللوح ولا يكون هذا إلا بعد يوم من الحفظ الأولي، وغالباً ما يكون هذا الثاني بدءاً من أول السورة أو من أول الحزب إلى الموضع المكتوب على اللوح.
ونلاحظ أن الحزب أو السورة بالإضافة إلى الحفظين الأولين فإنها تعرض كل يوم قبل محو اللوح. وهو ما يعمل على ترسيخ الحفظ أكثر فأكثر.
5 ــــ التكرار: وهو ما يقوم به الطالب من عرض لمجموع ما حفظ، ويكون ذلك مقسماً عبر ورد يومي، فإذا كان الطالب متقدماً لا يقل ورده عن حزبين في اليوم يعرضها غيباً على شيخه، وإن كان مبتدئاً فيكفيه عرض السورة التي هو بصدد حفظها.
ولا يكون ذلك إلا بعد تكرار ما سيعرض على الشيخ مرات عديدة تتمكن من خلال ذلك تحديث الحفظ واسترجاع ما نسي من الآيات. وهذا ما يعمل على ترسيخ الحفظ في ذهن الطالب.
6 ــــ العودة الثانية: وهي إعادة الطالب لحفظ القرآن بعدما يكون قد أكمل حفظه من الناس إلى البقرة، وفي هذه الأخيرة يكون ترتيبه تنازلياً بحيث يبدأ بالبقرة حتى سورة الناس.
7 ــــ العودة الثالثة: وهي إعادة ثالثة لحفظ القرآن بعدما يتمه للمرة الثانية.
وبعد هذه المرحلة يكون الطالب قد اتسم بالحفظ والإتقان من خلال تسميعه كل يوم، وعندها يجيزه الشيخ في حفظ القرآن ويمكنه بعدها من مزاولة التحفيظ بمعزل عن شيخه، وينال شرف حفظ القرآن.
سادسا: أوقات الدوام والعطل في المدارس القرآنية:
يبدأ حفظ القرآن من بعد الفجر إلى منتصف النهار، ثم تكون الاستراحة ويعود الطالب بعدها إلى المدرسة من بعد الظهر حتى قبيل المغرب.
هناك عطلة أسبوعية وتكون يومي الخميس والجمعة، وقد تبدأ من عشية الأربعاء، وهناك أيضاً (12/168)
صفحة 168
عطل موسمية تكون في أوقات المناسبات الدينية كمناسبة عاشوراء والمولد النبوي الشريف، وهناك عطل سنوية وهي مرتبطة بالعيدين الفطر والأضحى، ومدتها أسبوعين بعد العيد.
المطلب الثالث: دراسة نقدية للمناهج التقليدية
أولا: إيجابياتها:
على رغم بدائية طريقة التحفيظ في الزوايا والمدارس القرآنية القديمة، وكون وسائلها تقليدية وبسيطة وهياكلها غير مهيئة بالشكل الذي يتلاءم والوظيفة التي تقوم بها فإنها لا تخلو من إيجابيات متعددة يمكن حصرها في الآتي:
1 ــــ اعتماد طريقة التحفيظ على اجتماع الحواس: السمع والبصر والحس، وهذا يجعل الحفظ يزداد عمقاً ورسوخاً مقارنة بما إذا استعملت هذه الحواس مفرقة، وهو ما أكدته الدراسات التربوية الحديثة (1).
2 ــــ يقوم نظام التعليم القرآني في الزوايا على مرونة كبيرة، فهو لا يتقيد بالفئة العمرية للطلاب الدارسين كما لا يوجب سناً معيناً لأي مرحلة من مراحل التعليم، وهذا ما يمكن الكثير من الراغبين من الالتحاق بهذه المؤسسة، والاستفادة من برامجها التعليمية في حفظ القرآن.
3 ــــ تراعى في هذا النظام التعليمي الفروق الفردية بين الطلاب، بحيث لكل طالب مقرره وفق قدرة تحمله الفردية، ويعامل الطالب على أنه وحدة تعليمية قائمة بذاتها في التلقي والمتابعة والتقويم. وهذا ما يمكن الطالب النابغة من اختزال وقت الحفظ، فهو لا علاقة له بأقرانه، كما يحرك فيه دوافعه التعليمية الذاتية ويزيد من رغبته في الحفظ.
4 ــــ يساعد هذا النظام على تنمية شخصية الطالب، وإكسابه ثقة في نفسه وذلك من خلال قيامه بتعليم ما تعلم وتحفيظ ما حفظ لغيره من التلاميذ الصغار،
__________
(1) - تحليل وتقومي طرق تدريس القرآن الكريم، عثمان العالم، ص 29. (12/169)
صفحة 169
وهو ما يعرف حديثاً بالتعليم من الأقران.
5 ــــ الابتداء بقصار السور يسهل عملية الحفظ على الطالب المبتدأ الصغير، فهو لا يستطيع أن يستوعب حفظ مقاطع طوال السور. وفي الوقت نفسه نجد فواصل قصار السور قصيرة، وغالبيتها مكية ومشتملة على قصص يستطيع الطالب المبتدأ استيعابها كسورتي الفيل والبروج ...
6 ــــ استعمال اللوح لكتابة الآيات قبل حفظها يمكن الطالب من تعلم رسم الحروف ومعرفة فوارق الرسم العثماني عن الرسم الإملائي. وهذا خلافاً للحفظ من المصحف مباشرة فالطالب لا ينتبه لتلك الفوارق ولا يليها اعتباراً إذ همه الحفظ لا غير.
7 ــــ إن سماع الطالب الآيات من شيخه حال الإملاء يعتبر صمام أمان يمنع تسرب الأخطاء في النطق إلى حفظ الطالب إذ يسمع الطالب ثم يعيد ما سمع قبل كتابته ثم يكتبها ولا تزال المتابعة بعد ذلك.
8 ــــ الاهتمام بالفروق والنظائر القرآنية حال عملية الإملاء وهذا لما له أثر بارز في إتقان الحفظ وجودته وفك المواضع المتشابهة. وقد ألفت في ذلك عدة مؤلفات منها المنثورة ومنها المنظومة.
9 ــــ لا يكتفي في نظام الزوايا بالحفظ لأول مرة بل يجب أن يكون مرات عدة أقلها ثلاثة، فالطالب يحفظ بعد الإملاء مباشرة، ومرة أخرى بعد يوم، ومرة ثالثة قبل محو اللوح، وهذا ما يجعل الحفظ أكثر رسوخاً وأكثر ثباتاً على خلاف الحفظ مرة واحدة وإن كررت قراءة المقطع الواحدة مرات عديدة في الآن الواحد. وهذا ما أشار إليه البروفيسور إيبين غوس الأمريكي في تجربته مع طلابه حيث كلفهم بحفظ بعض الكلمات الغريبة فوجدهم يحفظونها بعد إعادتها ثمانية وثلاثين مرة على مدى ثلاثة أيام بنفس الكفاءة والجودة عندها يعيدونها ثمانية وستين مرة في جلسة واحدة (1).
__________
(1) - فن الخطابة، ديل تونجي، ص 56. (12/170)
صفحة 170
وهنا اكتشف أن الإنسان الذي يجلس ويكرر مراراً حتى يسيطر على ذاكرته، يستخدم ضعف الوقت والطاقة الضروريين لتحقيق النتائج نفسها عندما تجري عملية التكرار والإعادة في فترات منفصلة.
ويفسر ذلك بأنه خلال فترة الفراغ بين جلستي التكرار ينشغل العقل الباطني بتوثيق ترابط الأفكار والمقاطع، وهو ما يهيئ العقل للجلسة الثانية فتقل مرات التكرار والإعادة، وأيضاً نجد الذهن لا يشعر بالإرهاق الناتج عن التكرار إذا ما استخدمت فترات فراغ بين الجلسات (1).
ثانيا: سلبياتها ونقائصها
على رغم الإيجابيات التي تمتاز بها طريقة التحفيظ التقليدية بالمدارس القرآنية التواتية إلا أنها لوحظت عليها جملة من السلبيات والنقائص نوردها فيما يلي:
1 ــــ غياب تدريب الشيوخ الفني على طريقة التعليم الحديثة والوسائل المعاصرة، فهم على رغم جهودهم الجبارة في عملية التعليم القرآني يفتقدون للكثير من أبجديات التأهيل التربوي ولأبسط تقنيات وأساليب التعليم الحديث، وهذا ما يعود سلباً على عملية التعليم، ويؤثر على مردود العملية التعليمية، ونوعية التعليم.
2 ــــ تعتمد طريقة التعليم القرآني في المدارس القرآنية على الوسائل التعليمية التقليدية وعدم الاكتراث بالوسائل الحديثة على رغم توفرها وسهولة استخدامها ونجاعة استعمالها.
3 ــــ عدم الاهتمام والعناية بأحكام التلاوة، والتركيز على الحفظ فقط في الوقت الذي نجدهم يولون عناية متميزة للرسم العثماني. وكان الأجدر أن تكون العناية لأحكام التجويد أيضاً، خاصة وأن أحكام التلاوة مرتبطة بشكل وثيق بقراءة الطالب على خلاف الرسم العثماني المنفصل عنها.
4 ــــ ضعف مستوى المتابعة للطلاب سواء كان ذلك فيما تعلق بالحفظ أو الأداء خصوصاً إذا
__________
(1) - المرجع نفسه، ص 57. (12/171)
صفحة 171
كان عدد التلاميذ كبيراً وعدد المعلمين لا يمكنه تأطيرهم.
المطلب الرابع: مقترحات لترشيد وتطوير التعليم القرآني:
1 ــــ تدريب معلمي القرآن على الطرق التربوية الحديثة وعلى استخدام الوسائل الحديثة وتزويدهم بحصص في علم النفس المتعلق بالطفل وتكوينهم تكويناً شاملاً يستجيب لمقتضيات العصر ومواكباً لثقافته.
2 ــــ العمل على تجسيد المدارس الخاصة التي تجمع بين تدريس المواد الأكاديمية وتحفيظ القرآن والتي تعمل على تخريج الطالب الملم بالعلوم المعاصرة: علم الاجتماع وعلم النفس، اللغات، الرياضيات ... وفي الوقت نفسه يكون حافظاً للقرآن الكريم وعالماً بالمواد الشرعية، وقد جربت في بعض الدول العربية وأثبتت نجاعتها.
3 ــــ العناية بالجانب التطبيقي من أحكام التلاوة، وجعل ذلك جزءاً من الحفظ ذاته، إذ لا يتصور حفظ جيد من دون مراعاة لأحكام التجويد. ولا مانع من تخصيص حصص لدراسة فن التجويد ومحاولة تطبيق أحكامه على ما يحفظه الطالب، والاستعانة بالمصاحف المرتلة، المستنسخة على أقراص الحاسوب، أو المسجلة في الأشرطة السمعية.
4 ــــ اعتماد تجربة الطريقة الجماعية التي أثبتت كفاءتها في رفع مستوى الأداء والمحافظة على أحكام التلاوة والاستخدام الأنجع لوسائل الإيضاح المستعملة أثناء عملية الحفظ.
مراجع البحث ومصادره:
1 ــــ إحصاءات وزارة الشؤون الدينية.
2 ــــ تحليل وتقويم طرق تدريس القرآن الكريم، عثمان العالم
3 ــــ تقييدات مخطوطة بخزانة كوسان.
4 ــــ فن الخطابة، ديل تونجي.
5 ــــ مسائل قرآنية، محمد الطاهر التليلي.
6 ــــ مقدمة ابن خلدون. (12/172)
صفحة 172
قراءة سوسيو ــ أخلاقية
لمنظومة قيم التدريس
الأستاذ: بشير بن الحاج عمر مرموري
قسم علم الاجتماع، الجامعة الإفريقية ــــ أدرار
ت
تقديم:
تشتمل عملية التعليم على ثلاثة عناصر هي: معلم ومتعلم ومنهاج يتم تعليمه , بما في ذلك المادة الدراسية, حيث يقوم المعلم بنشاط في الشرح والتدريس, بقصد تغيير سلوك المتعلم نحو الأحسن, كما يقوم المتعلم من جهته ببدل جهد في التعلم, وإذا كان التفاعل إيجابيا وكبيرا بين العناصر الثلاثة الأساسية في الموقف التعليمي التعلمي, فإننا نسمي هذه العملية باسم التدريس, وإذا كان المعلم أكثر فعالية ونشاطا من المتعلم, فإن العملية نسميها بالتعليم, وإذا ارتفعت فعالية المتعلم , وتحققت فيه نتائج عملية التعليم فإن العملية نسميها بالتعلم.
ويمكننا أن نعرف التعليم بأنه اتصال منظم ومستمر وهادف بين المعلم والمتعلم, لإحداث تعلم, والمقصود بمنظم, أن الاتصال بين المعلم والمتعلم مخطط في شكل تتابع فيه المقررات والأنشطة ضمن نظام معين تخططه هيئة معينة, وينفذه معلمون, وفي نهاية التعليم يحصل التعلم, أي يتغير سلوك المتعلم نحو الأفضل, فالتعلم هو العملية التي تؤدي إلى إحداث تغيرات شبه دائمة في سلوك المتعلم أو إحداث تعديل في سلوك قائم بالفعل.
أما التدريس فهو التفاعل بين المدرس وتلاميذه أو طلبته , في غرفة الدرس أو قاعة المحاضرات أو في المختبر, إنه الحوار والتفاعل, والأخذ والإعطاء, بين المدرس والتلميذ أو الطالب, وإنها المشاركة الفاعلة من المعلم والمتعلم معا في الوصول إلى أهداف العملية التدريسية. (13/173)
صفحة 173
فالتدريس إذن هو تعليم فعال يشرك المتعلم, ويجعله إيجابيا في عملية اكتساب المعارف, والمهارات العقلية, والميول والاتجاهات والقيم, والمهارات والخبرات والعادات, ويكون التعليم فعالا, حين يقوم المعلم بإطلاق الطاقات والقدرات الموجودة عند المتعلمين, ويساعدهم على تنميتها.
معنى ذلك أن التدريس هو عملية اجتماعية يتم خلالها نقل مادة التعلم, من مرسل هو المعلم لمستقبل هو المتعلم, كما هو عملية إنسانية يتم خلالها تحويل أفراد من حالة تحصيلية متدنية , غير كافية, لأخرى كافية مرغوبة, ولا يمكن أن يتحقق التعليم الفعال إلا إذا اتصف المعلم بمنظومة قيم وقدرات معينة.
ربما يظن البعض أن وسائل مسلمة للتعليم الذاتي مثل برامج الحاسوب والانترنت تمكن من الاستغناء عن المعلم، لكن النظرة العلمية ترى أن الأجهزة الحديثة تجعل المستقبل مشرقاً أمام المعلمين الجيدين، ويقول (بيل جيتس)، رئيس ومؤسس شركة ميكروسوفت إن مستقبل التدريس وخلافا لبعض المهن، يبدو مشرقاً للغاية، مع تحسين الابتكارات الحديثة، المطرد لمستويات المعيشة، كانت هناك دائما زيادة في نسبة القوة العاملة المخصصة للتدريس، وسوف يزدهر المربون الذين يضفون الحيوية والإبداعية على فصول الدراسة، وسيصادف النجاح أيضا المدرسين الذين يقيمون علاقات قوية مع الأطفال، بالنظر إلى أن الأطفال يحبون الفصول التي يدرس لها بالغون يعرفون إنهم يهتمون اهتماما حقيقيا بهم, ولقد عرفنا جميعا مدرسين أثروا تأثيرا مختلفا ..... الخ ... أي أن التعليم الفعال يقوم على أساس علاقات إنسانية مؤثرة وهذا مالا تستطيع الأجهزة المتقدمة أن تحققه وان كانت تسهل التعليم الأفضل ..
ويبين (بيل جيتس) أيضا في كلامه إن الشبكة سوف تمكن المدرسين من التشارك في الدروس والمواد بحيث يمكن للممارسات التعليمية الأفضل أن تنتشر، وفي اغلب الحالات تعد مشاهدة محاضرة على الفيديو اقل إثارة للاهتمام بكثير من الحضور الفعلي في الحجرة مع المدرس .. (13/174)
صفحة 174
وهنا نجد أن الفقه التربوي يقبل كل جديد نافع مسهل لعملية التعليم والتعلم ولكنه يؤكد انه لايمكن الاستغناء عن المعلم لان التعليم ليس اكتساب معلومات فقط بل له ابعاد اخطر واهم من ذلك ومن ثم وضع شروطا للمعلم ابرزها التحقق في اخذ المعارف والعمل بما يعلم والإقتداء بالنهج الصحيح أخلاقيا وعلميا.
معنى ذلك انه ملزم بالالتزام بمنظومة قيم إنسانية لإنجاح عملية التدريس ومما يدخل ضمن هذه المنظومة القيم المهنية, والأخلاقية, والاجتماعية, والعقلية.
وتساؤلاتي التي وددت الإجابة عنها في هذه المداخلة المتواضعة هي: ماهي ابعاد منظومة القيم السوسيولوجية والأخلاقية وكيف هي العلاقة بين منظومة التدريس والنسق القيمي ,وما هو السبيل لبلوغ التعليم الفعال, ونسأل الله التوفيق والنجاح.
المبحث الأول:
النظام التربوي والتعليمي:
يعد النظام التربوي والتعليمي من بين النظم الأساسية والمحورية في المجتمع وأبرزها لما له من تأثير ووظائف هامة في تنشئة الأفراد وإعدادهم من أجل القيام بأدوار الكبار في المستقبل.
والنظام التربوي هو ذلك النظام الذي يشتمل على الأدوار والمعايير الإجتماعية التي تعمل على نقل المعرفة من جيل إلى جيل، والمعرفة تتضمن القيم وأنماط السلوك، كما أنه ينطوي على تعليم مهارات وقيم أساسية ولازمة لاستمرار المجتمع (1) بمعنى أن النظام التربوي يوجد أساسا لتحقيق أهداف وحاجات وطموحات الأفراد، والمتطلبات اللازمة لبقاء المجتمع واستمراره.
ويشير أكثر استخدامات مفهوم التربية عمومية إلى التنشئة
__________
(1) -محمد عاطف عيث، قاموس علم الاجتماع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1979، ص 153 (13/175)
صفحة 175
والتدريب الفكري الأخلاقي وتطوير القوى العقلية والأخلاقية، وبخاصة عن طريق التلقين المنظم سواء في المدارس أو في منظمات تعليمية أخرى (1).
مفهوم التربية:
إن التربية هي العملية التي يتم بها إعداد الأفراد للحياة والمشاركة في مجتمع معين أو هي تشكيل للإنسان في نطاق إطار ثقافي واجتماعي معين، تشكيلا يتيح للإنسان أقصى درجة للنمو الذاتي، كما يتيح له أقصى إمكانية للمشاركة في حياة الجماعة و تمثل نمط الثقافة السائدة (2) وبها نصل إلى أن التربية تنقسم إلى قسمين: تربية رسمية أو تعليم رسمي وفيه يلقن الفرد من خلال دراسة منظمة في مدرسة أو معهد أو كلية المهارات والقيم، وتربية أو تعليم غير رسمي (لا يتم في مؤسسات رسمية) وهو عبارة عن اكتساب الفرد للخبرات المتعددة يوما بعد يوم من خلال علاقة غير مخططة أو اتصالات غير مباشرة عن طريق وسائل الاتصال المختلفة.
خصائص العملية التربوية:
وتتسم عملية التربية بعدة خصائص منها ما يلي:
*-التربية عملية معقدة، فأهدافها معقّدة وطرائقها كثيرة ومتنوعة.
*-التربية عملية مستمرة بالمعنى الاجتماعي، الذي يعني انتقالها من جيل إلى جيل آخر.
*-التربية عملية نمو فردي واجتماعي، تتجه إلى أهداف محددة تحقق مصالح الفرد والجماعة على السواء.
*-أن التربية عملية تكيف، حيث تقوم التربية بتكييف الفرد مع الواقع المحيط به.
*-للتربية طريقة ونظام.
__________
(1) -حمد على أحمد، علم اجتماع التربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 2003، ص 07
(2) -محمد سيف فهمي، محاضرات في تخطيط التعليم، مذكرة 1948، ط2، معهد التخطيط القومي، القاهرة، ص 1 (13/176)
صفحة 176
أهمية التربية والتعليم:
تأتي أهمية النظام التربوي في المجتمع الحديث من خلال الهدف الذي ينشده و الوظائف التي يقوم بها في المجتمع، وتزداد أهمية التربية كنظام اجتماعي مع تقدم المجتمع وازدهاره، فكلما سار المجتمع في طريق التصنيع والتحديث والتعقيد أصبحت النظم التعليمية أكثر تعقيدا وتباينا وأشد اتصالا ببقية المجتمع و يصبح نظام التعليم مطلبا ضروريا بين مطالب شتى الاقتصاد، حاجات العمل، القوى البشرية المطلوبة ... إلخ.
ويلعب النظام التعليمي دورا هاما في تحديد حجم وطبيعة القيم التي يراد توجيهها وبهذا فإنه يسهم في التكامل الاجتماعي عن طريق عملية التنشئة الإجتماعية داخل نسق قيمي مشترك تتحدد فيه وظائف كل عضو والأدوار المنوطة به (1).
وأصبح ينظر إلى التعليم في كل المجتمعات، متقدمها وناميها، على أنه أداة هامة في الدخول الاجتماعي، تلك القضية التي أصبحت من الموضوعات المطروحة في المجتمع الحديث، حيث ينظر للتعليم في علاقته بذلك من خلال وجهتي نظر تعبر كل منهما على منظور و رؤية للتعليم، الأولى منظور مثالي يرى التعليم باعتباره نظام يرمي إلى تحقيق وأنجاز أهداف المجتمع الذي يعمل فيه مثل دوره في مجال التنمية التكنولوجية، أو أهداف اجتماعية مثل مساهمة النظام التعليمي في خلق نمط من المجتمع يعتمد على المساواة، أو خلق شخصية مسؤولة ومشاركة من خلال دوره في الوعي الاجتماعي الذي يقوم لأعضاء المجتمع، أما المنظور الثاني، فهو منظور امييريقي، يعطى صورة حقيقة لواقع الدور الذي يقوم به التعليم في المجتمع في الجوانب المختلفة للواقع الاجتماعي (2).
__________
(1) -حمدي علي أحمد، مرجع سابق، ص 19.
(2) - Chilra sivakumar, higher education, social stratifcation and social change, in mysore, dimention of social change in INDIA, new delhy Allied publishers private limited, 1977, P188 – 190
نقلا عن حمدي علي أحمد. (13/177)
صفحة 177
وهكذا تتلخص أهمية التعليم في تحقيق الأهداف التالية:
*-الأهداف الإدراكية المعرفية التي تعنى بتعليم الأفراد المهارات والمعارف.
*-الأهداف القيمية التي يعنى النظام التعليمي فيها بإعداد الأفراد لكي يكتسبوا المواطنة وخلق مواطن يحتفظ بالقيم الصحيحة للحياة والمشاركة في حياة المجتمع.
*-التنشئة الاجتماعية تجعل الأفراد أكثر توافقا وبطريقة ملائمة قادرين على الدخول في علاقات شخصية متبادلة مع الآخرين.
*-الحراك الاجتماعي وتحسين أوضاع الفئات المحرومة من بعض الحقوق وإحداث تنمية شاملة للمجتمع.
ولتحقيق هذه الأهداف يتطلب منا إعطاء عناية فائقة للنظام التربوي والتعليمي عامة ولنظام التدريس خاصة، والحديث عن نظام التدريس يقودنا إلى الحديث عن ماهيات التدريس ونماذجه وطرقه وآلياته المنهجية والنظرية، والإجتماعية والنفسية، وهو حديث عن منظومات متعددة للتدريس وقيم التدريس، ومن دون شك فإن نجاح الأهداف الإجتماعية من نجاح عملية التدريس ومن نجاح منظومة قيم تستند إليها هذه العملية وهو الموضوع الذي نتحدث عنه في المباحث التالية:
المبحث الثاني:
منظومات التدريس:
إن استخدام الفكر المنظومي يسمح لنا بتحديد المشكلات التعليمية التي تواجهها من خلال تحليل الأوضاع القائمة في المدرسة، وفي المنهج، وفي الوحدة الدراسية، والدرس اليومي، كما يوجه المعلم إلى تنظيم مواقف التعليم وفق الأهداف التعليمية التي يريد تحقيقها ويساعده في ترتيب محتوى المادة المتعلمة واختيار المواد التعليمية التي تناسب طلابه، كما يساعده في حل الكثير من المشكلات التي قد تواجهه داخل قاعة الدراسة. (13/178)
صفحة 178
يتيح لنا اتباع الفكر المنظومي إمكانية تجريب البدائل المقترحة على أرض الواقع فهو يستبعد عوامل الصدفة أو المحاولة والخطأ قبل عملية التدريس وأثنائها وبعدها مما يمكن المعلم معه من تحليل أسباب المشكلات التي تواجهه واتخاذ الخطوات الصحيحة للتغلب عليها أو للتخفيف من حدتها.
مفهوم النظام أو المنظومة:
إن تحليل النظم (1) تزايد استخدامها في أكثر من مجال منها التخطيط، المجال العسكري، الطيران ... وكلمة النظام إنما تعني الكل المركب من مجموعة عناصر لها وظائف، وبينها علاقات تبادلية شبكية تتم ضمن قوانين معينة، وبذلك يؤدي الكل المركب في مجموعه نشاطا هادفا وتكون له سمات مميزة، وعلاقات تبادلية مع النظم الأخرى، ويكون مفتوحا يسمح بدخول المعلومات والأفكار أو الموارد إليه، وله مدخلات ومخرجات، ويتميز النظام بمجموعة من السمات هي:
01 – أن له حدودا، تميزه عن البيئة المحيطة به، ولا يؤخذ النظام إلا ضمن هذه الحدود التي تحوي عناصره علاقاتها المتشابكة.
02 – للنظام بيئة تحيط به وتكون خارج حدوده وتشمل كل ما يؤثر على النظام وكل ما يتأثر به.
03 – تتميز العناصر التي يتكون منها النظام بالوظائف التي يقوم بها كل عنصر، بالرغم من وجود علاقات تبادلية شبكية فيما بينها، وتختلف عناصر النظام في عددها ومدى تطورها بحسب درجة تقدم النظام وتطوره.
04 – تترابط عناصر النظام وتتكامل، ولذا لا تدرس العناصر في النظام المفتوح إلأ في إطار الكل المركب الذي تنتمي إليه.
05 – ليست العلاقات بين عناصر النظام عشوائية، بل تخضع لقوانين منطقية أو رياضية وتجدد
__________
(1) - تعتمد نظرية تحليل النظم على فكرة الجشطالت حيث نقول: أن الكل هو أكثر من مجرد حصيلة مكوناته، فهو حصيلة العلاقات بين هذه المكونات وتفاعلاتها ومدى مساهمة كل في تكوين هذا الكل، وتحقيق أهدافه. (13/179)
صفحة 179
في ضوء تكوين النظام الداخلي، ونوعية مدخلاته ومخرجاته.
06 – يشتمل النظام على مدخلات وهي مصادر النظام ومن عناصر البيئة ويمكن ضبطها ويزيد أثر المدخلات كلما ازداد النظام تنظيما وكان مكتمل الشروط.
07 – للنظام كذلك مخرجات وهي أهداف النظام أو نتائجه كما أن مخرجات نظام ما تصلح لأن تكون مدخلات لنظام آخر.
08 – تكون النظم مغلقة أو مفتوحة ويكون النظام المفتوح في حركة ديناميكية مستمرة مع البيئة وذلك نتيجة العلاقات التبادلية.
09 – العلاقات التبادلية بين عناصر النظام تأخذ أشكالا مختلفة، فقد تكون عمليات أن تفاعلات أو أنشطة، تتباين هذه العلاقات من نظام إلى آخر (1) والشكل التالي يوضح لنا سمات المنظومة والعلاقات القائمة بين مكوناتها.
__________
(1) - كما ل عبد الحميد زيتون، التدريس نماذجه ومهاراته، عالم الكتب، القاهرة، ط 1، 2003، ص 102 – 103. (13/180)
صفحة 180
يتميز المنهج النظمي (التحليل النفسي) بقدرته الفائقة على تحليل الظواهر الاجتماعية المركبة في مجتمع إنساني ينتظم في تكوينات إجتماعية فائقة التعقيد، النظم المعقدة تحتاج إلى مناهج معقدة قادرة على تحليل مقومات هذه الظواهر وتفكيك مضامينها ويعد المنهج النظمي الأكثر كفاءة وقدرة بين المناهج على دراسة التكوينات البنيوية المعقدة للظواهر الاجتماعية والتربوية في نسق تفاعلها وتكامل عناصرها الداخلية، وهو يتميز بالقدرة على دراسة تفاعل هذه التكوينات مع أنساق التكوينات الخارجية والمنظومات الكبرى والصغرى في المجتمع (1) وتتضمن عناصر المنظومة ومكوناتها ما يلي:
*-تشكل المنظومة مجموعا متكاملا من العناصر المتداخلة.
*-توجد بين هذه العناصر في المنظومة تفاعلات دينامكية مستمرة.
*-تسعى المنظومة على تحقيق هدف مركزي معين كما تسعى إلى تحقيق مجموعة أخرى من الأهداف الفرعية
*-تتغير البنية الكلية للمنظومة مع التغيرات الحادثة في الوسط ولكنها تحافظ على طابع من الاستمرارية والتواصل المستمر مع المحيط (2).
التدريس ونظمه:
بإمكاننا أن ننظر إلى التدريس على أنه نظام يتضمن مكونات تتفاعل في كل واحد، هو "عملية التدريس" وهذه العملية بكل مكوناتها نظم التعلم، والتي بدورها نظما تربوية من النظم المعينة بالتنمية البشرية المجتمعية، كما هو مبين في الشكل التالي (3).
__________
(1) - علي أسعد وطفة، وعلي جاسم الشهاب، علم الإجتماع المدرسي، بنيوية الظاهرة المدرسية ووظيفتها الإجتماعية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت لبنان 2004، ص 41.
(2) -المرجع السابق، ص 42
(3) -كمال عبد الحميد زيتون، مرجع سابق، ص 104. (13/181)
صفحة 181
بمعنى أن كلمة نظام، يمكن استخدامها لتشير إلى نظم كبيرة تضم بداخلها نظما أصغر، أي أن النظم تقع في مستويات مختلفة فإذا كان غرض الدراسة هو النظام التعليمي بأكمله كعملية في ذاتها، فإنه ولا شك يكون في ذاته نظاما كليا، وإذا كان الغرض هو دراسة التدريس كأحد مكونات النظام التعليمي الكلي فإنه – التدريس – يصبح في هذه الحالة نظاما فرعيا.
وعندما يكون الهدف هو دراسة التدريس بصفته عملية كلية، فإننا نشير إليه كنظام للتدريس، في حين نشير إلى المقرر الدراسي أو الوسائل التعليمية أو التلميذ المشترك في عملية التدريس على أنها مكونات في نظام التدريس (1).
منطلقات ومبادئ نظم التدريس:
حتى نصل إلى تحديد دقيق لمفهوم التدريس كنظام وتبيان أو فهم العلاقات بين عناصره بتحليل المدخلات في النظام والمخرجات منه، نتوجه بادئ الأمر إلى إدراك المنطلقات التربوية والنفسية والتعليمية التي تشكل في مجموعها الإطار المرجعي لهذا النظام الذي يعود إلى جهود علماء النفس وتكنولوجيا التدريس (التعليم)، وهي:
*-يختلف الطلاب ويتفاوتون تفاوتا كبيرا في استعداداتهم ومعدلات تعلمهم، وكذلك طريقة تعلمهم، والصعوبات التي يواجهونها في التعلم، والظروف التعليمية المحيطة بهم، معنى هذا أن كل طالب يتعلم على نحو أفضل عندما تتشكل وسائل التعليم وظروفه بشكل يناسبه (بمراعات الفروق الفردية بين المتعلمين).
__________
(1) -المرجع السابق. (13/182)
صفحة 182
*-لا يوجد أسلوب أو استراتيجية تعلم واحدة أو عدد محدود منها، بل هناك أساليب تدريس لا حصر لها، تنتظم في نماذج معينة، وكل أسلوب منها عبارة عن نظام له عناصره المختلفة، والعلاقات التبادلية بينها، وله مدخلاته وكذلك مخرجاته.
*-لا يمكن زيادة أداء كل من المعلم والمتعلم زيادة كبيرة إذا ما استخدمنا، إمكانات تكنولوجية استخداما صحيحا، إذ يربط هذا المبدأ بين الطاقة الإنسانية من جهة والموارد الفيزيقية من جهة أخرى.
*-كما أن هناك نظريات تعلم، فهناك أيضا نظريات تعليم، أ والفرق بينهما أو الأولى تتعامل بالطرق التي يتعامل بها المتعلم في حين تتعامل نظريات التعليم بالطرق التي تؤثر بها على المتعلم لجعله يتعلم (1).
لقد أصبح مدخل النظم في التدريس أداة أكثر استخداما في حل مشكلات التعليم، وسبيلا لتحقيق النجاح مع المتعلمين ويعود ذلك لعدة أسباب منها:
*-إنه يركز بداية على ما يجب أن يعرفه المتعلم، أو ما يستطيع فعله عندما يحدث التدريس.
*-الربط المحكم بين كل المكونات، وبخاصة العلاقة بين الاستراتيجيات المدرسية، ومخرجات التعلم المستهدفة، وهي المهارات والمعارف التي يرجى تعلمها، والنظام يهيّء الظروف الملائمة لتعلم تلك المخرجات التعليمية.
*-إمكانية تطبيق النظام وإعادة تقييمه، فالتدريس لم يصمّم بمجرّد أن ينفذ وينتهي الأمر عند ذلك، لكنه صمّم ليستخدم كل الفرص الممكنة والمتاحة قدر الإمكان مع معظم المتعلمين.
وباستقراء سمات المنظومة والعلاقات القائمة بين مكوناتها يمكننا اعتبار التدريس منظومة وذلك للاعتبارات التالية:
*-كونه كلا مركبا من عدد من العناصر أبرزها المعلم والطالب والمادة الدراسية وبقية عناصر التدريس.
__________
(1) -المرجع السابق، ص 105. (13/183)
صفحة 183
*-كونه فيه خصائص معينة تكون حدودا افتراضية تفصله نسبيا عن غيره من الأنظمة الأخرى في المدرسة، مثل منظومة الإدارة التعليمية ومنظومة الإرشاد الطلابي.
*-كونه محاطا ببيئة تقع خارج حدوده، وهي تؤثر وتتأثر به، وهي بيئة الفصل وتتمثل خطوات تصميم النظم التدريسية في سبع خطوات هي:
01 – إعداد أهداف التعليم.
02 – تركيب أهداف النظام حسب الأولويات.
03 – تحديد المهام المطلوبة.
04 – اختيار العناصر المكونة للنظام والإجراءات المتضمنة فيه.
05 – تحقيق مردود الكلفة (تحليل العائد).
06 - التنسيق بين العناصر المكونة للنظام وإجراءات العمل.
07 – تقييم النظام (1).
وأخيرا نقول أنه مهما تنوعت منظومات التدريس فهي تعود في مجملها إلى نموذج الضبط الآلي الذي تم تطويره في أوخر الستينات من القرن الماضي على يد علماء التربية الأمريكان، ومعروف أيضا بالنظام اللولبي المغلق، حيث أن مخرجات النظام تعود مرة ثانية فندخل إلى النظام على شكل مدخلات جديدة، ومن خلال جملة من العمليات تؤثر في مخرجات النظام (الشكل التالي يبين ذلك).
__________
(1) -المرجع السابق، ص 106 – 107. (13/184)
صفحة 184
واشتقت كلمة النظام الآلي سبيرناتيك من كلمة يونانية هي kepernet وتعني قائد أو حاكم وكملة kepernan تعني يقود أو يحكم والنظم السيبرناتيكية تتميز بأن لها طرقا ذاتية لتقود نفسها بنفسها أو للتحكم الذاتي.
ولا بأس أن نورد بشيء من التوضيح عناصر النظام الآلي.
01 – المدخلات:
تتكون من مجموعة مصادر تمد النظام بالموارد والمعلومات اللازمة له بطريقة معينة، وتعتبر الأهداف والمواصفات المراد تحقيقها من مدخلات النظام أيضا، وفي تصميم التدريس تكون المكونات العديدة التي ستدخل النظام كالموارد التعليمية، وتحديد الأهداف، والخبرات والمهارات المتطلبة من الدرس وخلفيات وخصائص المتعلمين بمثابة مدخلات النظام.
02 – العمليات:
وتشمل الطرق والأساليب التي تتناول مدخلات النظام بالمعالجة، بحيث تأتي بالنتائج التي يراد تحقيقها، وفي تصميم التدريس تتحصل هذه العمليات في كل من التفاعلات التي تحدث بين المكونات التي دخلت.
03 – المخرجات:
وتمثل النتائج التي يحققها النظام، وهذه النتائج هي دليل نجاح النظام ومقدارما تحقق من إنجازات ويحتاج النظام على وحدات قياس ومعايير يحدد بها مدى تحقيق الغايات، وفي تصميم التدريس يكون وصف التعلم أو التغيرات المتوقع حدوثها من معرفة سلوك وأداء المتعلم هما مخرجات النظام.
04 – التغذية الراجعة:
وهي العملية التي يتم التعرف من خلالها على مدى فعالية النظام في تحقيق الأهداف، ومدى انسجام عوامله معا ومواطن الضعف التي قد تعتريه بوجه عام (1).
__________
(1) -نفس المرجع السابق، ص 108. (13/185)
صفحة 185
المبحث الثالث:
منظومة القيم أو النسق القيمي:
مفهوم القيم:
ينطوي مفهوم القيم على ثلاثة عناصر هي:
*-العنصر المعرفي: أو الإدراكي، فالقيمة تتضمن المعرفة بها أو الوعي الدائم نسبيا أو التبصر لما هو مرغوب ومفصل، فقبول وتبني قيمة ما، يعني أن الإنسان يعرف ما هي؟ وما الطريق الصحيح للسلوك الذي ينبغي اتباعه من أجل تحقيق هذه القيمة.
*-العنصر الوجداني: فالمتلقي للقيمة يستشعر مشاعر معينة إزاءها، فهو يميل إلى ما يوافق القيمة، ويوافق على كل ما يتعلق معها وينفر مما يخالفها، وهذا الميل يعبّر عنه بالحب أو الكره، بالاستحسان أو بالاستهجان.
*-العنصر النزوعي السلوكي: ويظهر في أن القيمة تدفع الإنسان إلى إتيان سلوك معين، فهي متغير وسيط، عندما ينشط يؤدي بالفرد إلى الفعل، إنها مرشد للسلوك، كما يظهر هذا العنصر النزوعي في الجهد الحركي الذي يبذل لبلوغ هدف معين، أو الوصول إلى معيار معين من السلوك الذي يحقق القيمة (1) فالقيم معتقدات أو تصورات، أو أفكار أو مفهومات، آمرة ناهية، موجهة للفرد المؤمن بها المعتقد فيها، وتتعلق بما هو جدير بالرغبة، والقيم طبقا لهذا المفهوم، هي موجهات اختيارية للسلوك، تنظمها التربية، ويتم في ضوئها الاختيار والتفضيل بين البدائل، أي أن القيم توجه الفرد في اختيار البدائل والتفضيلات في مختلف مناحي الحياة (2).
مصدر القيم والإلتزام بها:
لا تكون القيمة قيمة إلا إذا كانت ملزمة، فالإلزام هو مدار النظام الخلقي كله، وإذا لم يعد هناك إلزام، فلن تكون هناك مسؤولية، وبالتالي لا يمكن أن تسود العدالة وحينئذ تتفشى الفوضى، في الواقع,
__________
(1) -عثمان عبد المعز رسلان، دستور المعلمين، دار البشير للثقافة والعلوم، طنطا 2000، ص 08.
(2) -عثمان عبد المعز عبد الوهاب رسلان، القيم في كتابت زكي نجيب محمود، دراسة تحليلية تأصيلية، رسالة دكتوراء في أصول التربية، كلية التربية جامعة طنطا 1996، ص24. (13/186)
صفحة 186
والقانون والمبدأ الأخلاقي ذاته، ومعنى الإلزام أن الخير (القيم)، يتميز بتلك السلطة الآمرة تجاه الجميع، بتلك الضرورة التي يستشعرها كل فرد (1) ومصدر الإلزام القيمي يدعونا إلى البحث عن مصادر القيم ذاتها التي تختلف من مدرسة فلسفية إلى أخرى، ذلك أن العلمانيون يرون أن مصدر القيم في العقل والتجريبيون في التجربة والخبرة والمنفعة العملية، والمسلمون في مصادر أربعة هي القرآن والسنة والإجماع الصحيح والاجتهاد.
فمصدر القيم في مجتمعاتنا قائم على أصل عقدي محدد معبرا عن علاقة العقل بالوحي الآلهي، فالوحي معصوم، فله السلطة العليا على العقل, وإعمال العقل مفروض فرضا بنص الوحي, فلا نفي للعقل في جميع الأحوال، بل يجب إعماله في كل حال، والمصادر الثلاثة الأولى القرآن والسنة والإجماع تستلزم إعمال العقل في فهم النص وفي تنزيله على الوقائع، وفي تدبّر مآلات الأعمال، وفي تحديد مضمون القيمة والسلوك الذي يجب أن يتحقق لتحقيق مقاصد القيمة، أما الاجتهاد العقلي الذي هو مصدر فرعي للقيم، فقد تنتج عنه قيمة، وليست مذكورة ولا متضمنة في الوحي أو الإجماع، ولكن تُحقّق المصلحة, ولا تناقض نصّا دينيا، أو مسلّمة دينية، فهو مصدر إسلامي للقيم يجب إعماله، وكل ما يحقق المصالح الدنيوية والدينية للمسليمن، فهو مصدر من مصادر القيم (2).
والقيمة، ما دامت تعبّر عن أمر الله، تصبح قانونا ضروريا وشاملا، وملزما، لكن الإلزام القيمي في التصور الإسلامي يدعمه أمر آخر، يدعمه الضمير الخلقي، والعقل المميّز، فالإنسان من حيث هو عاقل مريد، قادر إلى حد ما على التمييز بين الخير والشر، وقادر على إدراك بعض القيم بعقله وتجربته، واستجلاء حكم الخير، فهو يُعمِل العقل والضمير الخلقي في الخبرة في
__________
(1) -عثمان عبد العز، دستور المعلمين، ص 10.
(2) -المرجع السابق، ص 12. (13/187)
صفحة 187
النص على السواء، ويستنبط القيم منها، لكن قيم الخبرة محكومة بقيم الوحي وهو ملزم بالأمرين معا، ومن هنا يتميز الإلزام القيمي الإسلامي.
فالإلزام القيمي الإسلامي مشروط بالإيمان، فالالتزام بالقيمة ينبع عن قناعة، وإيمان وإرادة حرة، وضمير خلقي راض بالالتزام، لأنه أمر إلاهي وليس نتيجة لقهر مرب أو سلطة بشرية آمرة، يكون احتمال الخطأ فيها واردا دوما.
ويورد الدكتور محمد عبد الله الدراز في كتابة دستور الأخلاق في القرآن في الصفحات من 64 إلى 88، أن الإلزام القيمي مشروط بأربعة شروط أخرى لا يعمل في الواقع بدونها، وهي:
*-إمكان العمل: أن يكون النشاط المستهدف خاضعا لإرادة الإنسان، وأن يكون العمل بالقيمة في وسع الإنسان وطاقته، وفي حدود قدرته ووسائله المتاحة له.
*-اليسر العملي: فالتكليف الخلقي مشروط بعدم الغلو في التعبّد، وأن يكون النشاط المستهدف ميسرا ويمكن ممارسته في واقع الحياة المحسوسة دون مشقة، فالأخلاقية الإسلامية تنفي كل مشقة تستنفد قوى الإنسان.
*-مراعاة تدرج القيم: فهناك خلق ملزم وآخر مستحب، وآخر مباح وخلق مكروه، وخلق محرم والعقل عليه أن يوازن ويراعي الأولويات.
*-مراعاة مآلات الأعمال: فلا يحكم المسلم على فعل بالإقدام أو الإحجام، إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ، لكن له مآل: على خلاف ما قصد فيه، إذن فمراعاة مآلات الأعمال أو نتائجها هو ليس عمل عقلي بحث، بل يستند إلى الوحي الإلهي لأن العقل الإنساني تعتريه حالات نقص لا محالة.
منظومة القيم:
مما سبق اتضح لنا مفهوم القيم، وما يقصد بمنظومة قيمية ويطلق عليه أيضا بالنسق القيمي يتحدد من خلال ثلاثة أشياء: وجود مجموعة قيم، وجود تنظيم وتكامل (13/188)
صفحة 188
بينها، وجود تناسق بينها، فنسق القيم هو مجموعة من القيم التي بينها تناسق وتوافق، وترابط وتكامل، وتآزر، بحيث تعمل معا ككل من أجل تحقق أهداف معينة، والمنظومة: هي ذلك الكل معا، وهي التي تحدّد هوية الفرد وهوية ثقافة ما، وهوية مجتمع ما (1).
فالنسق القيمي شامل وفرعي، فالشامل يتضمن كل مكونات وعلاقات وجوانب الإنسان، والفرعي يتضمن جوانب معينة ومحددة ومنها نسق القيم التعليمية أو نسق قيم التدريس، ويتضمن هذا النسق جملة من العناصر التي يؤدي تفاعلها إلى تحقيق نجاعة وفعالية في عملية التربية بصفة عامة وفي عملية التدريس أو التعليم بصفة أخص، وهذا ما سنتطرق له في المبحث اللاحق.
المبحث الرابع:
منظومات قيم التدريس:
معنى التعليمية أو التعلّمية:
يهتم ميدان التعلمية بدراسة آليات اكتساب وتبليغ المعارف الخاصة بمجال معرفي معين، لذلك يركز اتباعها على التفكير المسبق في محتويات ومضامين التعليم المطلوب تدريسها، من حيث المفاهيم الداخلة في بناء الموضوع، ومن حيث تحليل العلاقات التي تربطها ببعضها، كما ينصبّ اهتمامها على تحليل المواقف والوضعيات التعليمية التي تأتي في نهاية الفعل التعليمي/ التعلّمي، لفهم وتفسير ما جرى في عرض الدرس، سواء تعلق الأمر بتصورات التلاميذ أو التعرف على أساليب تفكيرهم واكتشاف الطرائق التي تمكنهم من معرفة ما طلب منهم أو ما عرض عليهم ومدى نجاعة المدرس في الخطة التي اختارها والأساليب والطرائق والوسائل التي وظفها (2).
مفهوم التعليم والتعلم:
__________
(1) -عثمان عبد الحميد، العز رسلاني، دستور المعلمين، ص 10.
(2) -خالد لبصيص، التدريس العلمي والفني الشفاف بمقاربة الكفاءات والأهداف، دار التنوير، الجزائر، 2004، ص 09. (13/189)
صفحة 189
التعليم يعرّف بأنه مجموعة من الخطط التقليدية أو الحديثة أو العمليات ذات الصلة ينفذها الأولياء والمعلمون بكيفية تجعل التعلم ممكنا بواسطة التلقين والحفظ والاستظهار والتكرار، وهي خطط وعمليات صادرة عن خارج ذاتية التلميذ (المتعلم) وعن إرادته ورغبته وميله، بحيث يكون عديم المشاركة سلبي الموقف في إنجاز وتحقيق الفعل التعليمي – التعلمي، مما أثار حفيظة علماء التعليم المحدّثين ففضلوا مفهوم التعلم عن التعليم.
ويتم التعلم تحت إشراف المعلم، وتوجيهه، وفق خطط وعمليات
يكتسب المتعلم بذاته واستعداداته معارف وخبرات وقدرات وكفاءات ومهارات، وعليه فإن التعلم يمثل المسافة التي يقطعها المتعلم بنفسه في اتجاه الكفاءات الجديدة التي يرغب في امتلاكها ويمنحه الثقة في نفسه ويجعله في موقف إيجابي (1). وينتج التعليم الفعال من تفاعل ثلاثة عناصر أساسية هي: المعلم والمتعلم والمنهاج، حيث يبذل المعلم جهدا في التعليم كما يبذل المتعلم جهدا في التعلم ومحصول الفعاليات والأنشطة بين الطرفين يطلق عليه بالتدريس أو التعليم الفعال (انظر الشكل)
إذا كان التعليم هو نقل للمعارف والحقائق والعمل على
__________
(1) -المرجع السابق، ص 10. (13/190)
صفحة 190
تكوين مفاهيم لدى الطلبة والتعلم هو سعي إلى إحداث تغييرات عقلية ووجدانية وسلوكية لديهم نحو الأحسن والأرقى، فإن التدريس هو ذلك التفاعل والحوار وتلك المشاركة الفعالة من المعلم والمتعلم معا في الوصول إلى أهداف العملية التدريسية، وهو ذلك التعليم الفعال الذي يشرك المتعلم ويجعله إيجابيا في عملية اكتساب المعارف والمهارات العقلية والميول والاتجاهات والقيم، وكل ما من شأنه أن ينمي شخصيته، وهذا لا يتحقق إذن، إلا إذا اتصف المعلم أو الأستاذ بمنظومة قيم وقدرات معينة والتزم بها حتى يتسنى له نجاحه في أداء مهمته على أكمل وجه ونجاح الناشئة في تفعيل طاقاتهم وتحسين أحوالهم.
وإن التزام المعلم بمنظومة قيم، وقدرات فعالة في التدريس، والعلاقات الإنسانية، يمثل ضرورة إيمانية وإنسانية وضرورة مهنية وضرورة نجاح في عملية التدريس، ويمثل مدخلا رئيسا لانقاذ التعليم من حالة التردّي الخلقي الذي تعاني منه مجتمعاتنا وتتلخص فروع هذه المنظومة الكلية للقيم كما أوردها الدكتور عبد المعز رسلان في كتابه في ما يأتي:
*-منظومة القيم الجسمية.
*-منظومة القيم العقلية.
*-منظومة قيم الوقت.
*-منظومة القيم النفسية.
*-منظومة القيم النفسية الوجدانية.
*-منظومة القيم الاجتماعية العامة.
*-منظومة القيم الخلقية للمعلم في نفسه، ومع ربه.
*-منظومة القيم المهنية التدريسية.
ولا يتيح لنا المجال إلا أن نشير على بعض منها بشيء من الإيجاز ...
منظومة القيم العقلية:
لما كان العقل خاصية الإنسان وأحد عوامل تفرده واستحقاقه للتكريم الإلهي والاستخلاف في الأرض فصار من أساسيات التربية المتكاملة، تربية العقل، ومن أوّليات أهداف التربية العقلية: اكتساب منظومة القيم العقلية، وتنمية القدرات العقلية المتعددة والتفريط في ذلك هو (13/191)
صفحة 191
تفريط في الخاصية الإنسانية ذاتها، والتزام المعلم بقيم العقل هو ضرورة تربوية واكتساب منظومة القيم العقلية يمثل ضرورة تنويرية ثقافية اجتماعية.
وتعني منظومة القيم العقلية مجموعة الموجهات المرشدة والضابطة للعقل في حركته، ونشاطه كلّه والتي تدفعه للفعالية، وتشحذ قدرته، وتعمل معايير له.
وتتكون هذه المنظومة من القيم التالية: إعمال العقل، حب المعرفة والقراءة الإحاطة العلمية بالمادة، التقليل الصحيح، تحرر العقل، الإستقلال العقلي، الانفتاح، المعرفي، الإبداع، الحاسة المستقبلية، الموضوعية، المزاوجة بين العقل والوحي، التوازن الثقافي، استلهام التراث، الاستشارة، الوعي، الإيمان بالعلم والتقنية، والارتباط بالواقع (1).
منظومة القيم النفسية والوجدانية للمعلم:
إن ثمة قيم على المعلم أن يتحلى بها حتى يتسنى له النجاح في عمله وأداء رسالته النبيلة وهي: الشعور بالمعنى، الثقة بالنفس، الإتزان الإنفعالي، الحِلم، الصبر، علو الهمة، التحرر النفسي والعزة وتذوق الجمال في الطبيعة و الفن، وهذه تعمل في شكل منظومة قيم متضامنة متكاملة.
منظومة القيم الإجتماعية للمعلم:
تشتمل هذه المنظومة على قيم عديدة جدا، كالصداقة وحسن الجوار، والتكافل الإجتماعي، والمؤاخاة، ويمكن أن نختصرها بالنسبة للمعلم، إلى الإحساس بالآخرين واحترامهم، الفعالية الاجتماعية والتسامح.
فاكتساب المعلم لهذه القيم الاجتماعية، وإكسابها طلبته، ضرورة إنقاذ لسفينة المجتمع الذي نعيش فيه.
منظومة القيم الخلقية للمعلم:
تعمل هذه المنظومة في تكوين
__________
(1) -عثمان عبد العز، دستور المعلمين، ص 92 – 96. (13/192)
صفحة 192
الشخصية الروحية والخلقية للمعلم وتنعكس آثارها على ممارسته لمهنته وفي علاقاته بطلبته ومن هذه القيم ما يلي:
التوحيد والتعبد لله وحده، رقّة القلب، الشعور بالمسؤولية، الحفاظ على الأمانة، التواضع، الكرم العلمي، الإخلاص، إتقان العمل والصدق.
منظومة القيم والمهارات المهنية الأساسية للمعلم:
تتمثل قيم هذه المنظومة في تلك المهارات والقدرات الملزمة في عملية التدريس للمعلم الفعال، حيث تصب على عملية التدريس وعلاقات المعلم بالمادة الدراسية: إعدادا وشرحا وتقويما وعلى علاقاته الصفية خلال ممارسة المهنة وجميعها تشكل منظومة قيم مهنية أساسية للمعلم (1) وهي كالتالي:
*-المهارة في ضبط وإدارة الفصل: وهي مهارة يضمن بها المعلم تحقيق أهداف الدرس من خلال جو تعليمي يسمح بالتفاعل بين جميع جوانب العملية التعليمية.
*-العذوبة والترويح في أثناء التدريس: والمقصود في ذلك أن يلتزم المعلم اللطافة في تعليقاته على جوابات وتصرفات طلبته، وأن يستخدم أسلوبا عذبا، مع شيء من الفكاهة في التنبيه على الخطأ.
*-التدرج في التعليم: ويعني الإنتقال والتحرك خطوة بعد خطوة، و مرحلة بعد مرحلة، وهو في ثلاثة أنواع هي: نوع أول يتعلق بكمية المعلومات التي تعطى للطالب وذلك بإعطاء المتعلم المقدار الملائم له من العلم، ولا يحمله ما لا يطيق وقد قال الزهري لتلميذه يونس بن زيد: يا يونس، لا تكابر العلم فإن العلم أودية، فإنها أخذت فيه قُطع بك قبل أن تبلّغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة، ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء، مع الأيام والليالي (2) ونوع ثان يتعلق بكيفية توصيل المعلومات، ويكون بأن يبدأ المعلم مع طلابه بالسهل قبل الصعب، وبالبسيط قبل المعقد، وبالخفيف قبل الثقيل، وبالجلي الظاهر قبل الخفي، وبالجزئي قبل الكلي، وبالعملي قبل
__________
(1) -عثمان عبد المعز 398 + 444.
(2) -ابن عبد البر الأندلسي، جامع بيان العلم وفضله، ص 104. (13/193)
صفحة 193
النظري المجرّد، وبالحسّي قبل المعنوي، وبالمعنى القريب قبل البعيد وبالصغير قبل الكبير (1) ونوع ثالث يتعلق بالطريقة التدريسية وهو موضوع هذا الملتقى.
*-مراعاة الفروق الفردية، أيّا كانت سواء خُلقية أو خِلقية فالمعلم الحاذق هو الذي يراعي تلك الفروق، ويعطي كل إنسان ما يلائمه ويرعى جانب التفوق فيه، وجانب الاختلاف.
*-المهارة في إثارة دافعية الطلاب وجذب انتباههم: ونجاح المعلم في جعل طلابه يقبلوان على تعلّم العلم الذي يدرّسه بدافعه واهتمام وانتباه وحماس وهو جوهر نجاحه في العملية التدريسية.
*-المهارة في طرح الأسئلة، فمن القيم المهنية، أن يكون المعلم قادرا على طرح الأسئلة على الطلاب، وأن يحسن استخدامها، وأن يفكر بعناية في اختيار الأسئلة وكيف يسألها ومتى يحسن به أن يحرض طلابه على أن يسأل.
*-المهارة في التقويم: توجد عدة صفات للتقويم، منها أنها تُسهم في تطوير أداء الطلبة عن طريق منحهم فرصة لتوظيف معلوماتهم عمليا، وكذلك عن طريق إسناد مهام إلى الطلاب تحثّهم على استخدام معلوماتهم هذه التكليفات يسهم في تفعيل ما يتعلمه الطالب عن طريق ربط ما يتعلمه من معلومات نظرية في الصف مع العالم الخارجي أي ربط النظرية بالتطبيق.
وأثبتت التجربة أن التقويمات التي تكون في شكل مشروع يقوم به الطالب هي أفضل أنواع التقويمات التي توضح مستوى الأداء، فمثل هذه المشاريع وبخاصة تلك التي تجرى في مكان العمل توفر فرصة للطالب بأن يحتك بالمشرفين وارباب العمل واصحاب المصانع، وبهذا يتشربون الخبرات التي تحسّن مستواهم العملي وتعمل على سرعة إنضاج شخصياتهم (2).
إن التناسق بين هذه القيم جميعها تضامنها متوقف عليه نجاح
__________
(1) -عثمان عبد المعز، مرجع سابق، ص 416.
(2) -عبد العزيز محمد الحر، التربية والتنمية والنهضة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 203، ص 253. (13/194)
صفحة 194
العملية التدريسية وبلوغ أهدافها، فأي خلل يصيب هذا التناسق لا يكون إلا سببا للوقوف أمام بلوغ الأهداف، وبالتالي توخّي فعالية العملية التدريسية، إذن فالحرص على منظومة قيم التدريس بات أولى من الحرص على عملية التدريس بحدّ ذاته وآلياتها، ذلك أن منظومة قيم التدريس هي بمثابة صمّام أمان للعاملين في حقل التدريس وبمؤسساتهم.
خاتمة:
بعد عرض متواضع لعناصر منظومة التدريس وعلاقتها بمنظومات قيم التدريس يتضح لنا جليا أنه من غير الممكن الحديث عن التدريس الفعال خارج الإطار القيمي, حيث أن هذا الأخير هو الوعاء الصحيح للعملية التعليمية, فلا ننتظر الجديد والفعالية من معلم غير مستوعب لقيم التدريس في منظومتها, وبالتالي لا ننتظر من بعد ذلك جيلا فعالا ومجتمعا نشطا وأمة قوية.
المراجع:
1 - محمد عاطف غيث, قاموس علم الاجتماع, الهيئة المصرية العامة للكتاب, القاهرة1979.
2 - محمد علي أحمد, علم اجتماع التربية, دار المعرفة الجامعية, الاسكندرية2003.
3 - محمد سيف فهمي, محاضرات في تخطيط التعليم, معهد التخطيط القومي, القاهرة ط2 1948.
4 - كمال عبد الحميد زيتون, التدريس نماذجه ومهاراته, عالم الكتب , القاهرة ط1 2003.
5 - علي أسعد وطفة وعلي جاسم الشهاب, علم الاجتماع المدرسي, بنيوية الطاهرة المدرسية ووظيفتها الاجتماعية, المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع, بيروت لبنان2004.
6 - عثمان عبد المعز رسلان, دستور المعلمين, دار البشير للثقافة والعلوم , طنطا 2000.
7 - عثمان عبد المعز عبد الوهاب رسلان, القيم في كتابات زكي نجيب محمود, جامعة طنطا 1996.
8 - خالد لبصيص, التدريس العلمي والفني الشفاف بمقاربة الكفاءات والأهداف, دار التنوير, الجزائر2004.
9 - عبد العزيز محمد الحر, التربية والتنمية والنهضة, شركة المطبوعات للتوزيع والنشر, الكويت ط1 2003. (13/195)
صفحة 195
أهمية توثيق عقد الزواج
ومخاطر الزواج العرفي
على الأسرة والمجتمع
الدكتور صالح بن عبد الله أبو بكر
نائب بالمجلس الشعبي الوطني
م
مقدمة
الزواج أقدس رابطة في الوجود على الإطلاق، في مختلف الحضارات، وهو أهم حدث في حياة الرجل والمرأة (1)، وبغير ضبط العلاقة الزوجية وتحديد أطرافها بدقة وتوضيح مسؤولياتهم لن تقوم الحضارة ولا ينسجم المجتمع البشري، واجتماع الرجل والمرأة في أسرة بعقد مشترك يكون من نتائجه إنجاب الأبناء جيلا بعد جيل معروف النسب، و بهذا العقد تحدد مسؤوليات العناية و التربية، لكي تصلح أجيال الشعوب والأمم.
وقد بذل الفقهاء والمجتهدون والمشرعون في كل الدول جهودا جبارة لتشريع قيود تضبط الواجبات والحقوق بين كل أطراف الأسرة التي هي النواة الأولى للمجتمع.
ويعتبر تسجيل وتوثيق عقد الزواج كتابة من القضايا المهمة والتي تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة وخصوصاً أن عقود الزواج إلى عهد قريب في البلاد الإسلامية عموما لم تلق الاهتمام بكتابتها وتوثيقها، تبعاً للظروف التاريخية، وأحوال الدول الإسلامية، والأعراف السائدة، أما وقد تغيرت الظروف وتشابكت المصالح وتداخلت المسؤوليات، وضاعت الحقوق، وأهملت الواجبات، فقد أصبح توثيق وتسجيل عقد الزواج من القضايا التي يترتب عليها ضمان وحماية الكثير من
__________
(1) ـ د. محمد محدة، الأحكام الأساسية في الأحوال الشخصية، ج 1 الخطبة والزواج، دار الشهاب باتنة، ص 09. (14/196)
صفحة 196
المصالح للزوجين وأبنائهما ولسائر أفراد المجتمع، بحسب طبيعة الحياة المعاصرة. والتي تقتضي على سبيل الوجوب تسجيل تلك العقود لدى الجهات المختصة لما يترتب على عدم التسجيل من أضرار ومفاسد تترتب على صور الزواج العرفي غير المسجل حتى وإن استكمل كل أركانه الشرعية.
وللأسف الشديد هناك الكثير من العامة وحتى الفقهاء والدعاة يرون أن كتابة العقد ماهو إلا إجراء إداري وضعيه و فرضته السلطة الحاكمة أو القوانين الوضعية، وأن الزواج العرفي أو بالفاتحة وغير مكتوب هو صحيح شرعا.
أولا: أهمية الرابطة الزوجية:
الزواج هو النظام الإجتماعي الذي يحفظ الجنس البشري من الفوضى وضياع الحقوق والمسؤوليات زيادة على اختلاط الأنساب والغريزة الجنسية من أقوى وأخطر الغرائز إن لم تحظ بالتنظيم والتقنين ويجب إحاطته أي الزواج بوازع ديني قوي، حيث يولد الولد وليس له أب معلوم ينتمي إليه ويعتني بشؤونه و من حنان الأم الذي يحيطه بالعطف والرعاية الأبوية، وبغير ذلك تسود الفوضى الحيوانية ويتهرب الجميع من تحمل المسؤولية بعد إشباع الرغبات الجنسية، وتعود البشرية إلى جاهليتها الأولى (1).
فالزواج رباط شريف ومقدس يحمي الهيئة الإجتماعية ويضمن استمرار الحياة البشرية إلى التمدن والعمران، وبالزواج يتشكل المجتمع من أسر وعائلات مستقلة، محددة المعالم، وتحديد المسؤوليات للجميع، وقد عرف قانون الأسرة الجزائري الأسرة بأنها الخلية الأساسية للمجتمع وتتكون من أشخاص تجمع بينهم صلة الزوجية وصلة القرابة (2)، ولهذه الأهمية عنيت الشريعة الإسلامية عناية خاصة بتشريع الزواج فقد سماه القرآن الكريم ميثاقا غليظا في قوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)} (3).
ومنه جاء قانون الأسرة الجزائري مؤكدا تلك الأهمية في المادة 4 معدلة، بقولها ... من أهدافه تكوين أسرة أساسها
__________
(1) ـ د. محمد محدة، م س ص 50.
(2) ـ المادة 03 من قانون الأسرة المعدل والمتمم.
(3) ـ سورة النساء الآية 21. (14/197)
صفحة 197
المودة والرحمة والتعاون وإحصان الزوجين والمحافظة على الأنساب (1).
فلا استقرار للمجتمع و لا سعادة للأسر إلا بالزواج الشرعي المنظم بعقد شرعي يحمي الحقوق ويحدد الواجبات و قد ذكرت المادة الثالثة من قانون الأسرة بقولها تعتمد الأسرة في حياتها على الترابط والتكافل وحسن المعاشرة والتربية الحسنة وحسن الخلق ونبذ الآفات الإجتماعية (2). فهذه كلها مسؤوليات ملقاة على جميع الأطراف.
ثانيا: عقد الزواج بمجلس العقد:
عقد الزواج من العقود الثنائية التي لابد فيها من وجود متعاقدين اثنين هما الخطيب والخطيبة اللذان يصدر منهما الإيجاب والقبول ويشهد على هذا الإيجاب والقبول شاهدان على الأقل مع حضور ولي الخطيبة وهذا أقل ما يتشكل منه مجلس عقد الزواج أمام القاضي أو الموثق (3).
ومجلس العقد مقدس يتم عادة أمام قاض أو إمام أو ضابط عمومي أو موثق أو ضابط الحالة المدنية أو القنصل بحضور الشهود وأولياء الزوجين، وفي المجلس يمكن للزوجين الاشتراط على بعضهما البعض ويثبت ذلك في نص العقد كما يحدد فيه الصداق مؤجله ومؤخره (4).
والناظر في كتب الفقهاء القدامى حول هذه المسألة وبحسب طبيعة المجتمع المسلم حيث تغلب المعاملات والعهود والمواثيق الشفوية التي يشهد على حدوثها ناس ثقاة لهم من العزة والأنفة والكرامة ما لا يمكن لهم الإنكار والحجود، أو الكذب أو الخيانة، وهذا كان من أخلاق العرب قبل الإسلام، ولهذا نجد أن الفقهاء لم يشترطوا توثيق العقد على يد قاضي أو عالم أو حتى كاتب، ويستطيع العاقدان إجراء العقد بنفسيهما من غير احتياج إلى وسيط يقوم بإجرائه ويكفي في انعقاده النطق بالإيجاب والقبول مشافهة بحضور الشهود، أو ما يسمى بمجلس العقد، ولم يكن يطالب
__________
(1) ـ المادة 04 من قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتمم بالأمر رقم 05ـ 02.
(2) ـ المادة 03 من قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتمم بالأمر رقم 05ـ 02.
(3) ـ عبد العزيز سعد، الزواج والطلاق في قانون الأسرة الجزائري دار البعث قسنطينة ط2 1989 ص 117.
(4) ـ المادة 19 من قانون الأسرة المعدل والمتمم. (14/198)
صفحة 198
المسلمون بتسجيل عقد الزواج، وكل ما طلبته الشريعة الإشهاد على العقد فقط واستحب إعلانه وإشهاره.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية «ولا يفتقر تزويج الولي المرأة إلى حاكم باتفاق العلماء» (1)، فإذا كان هذا الكلام صحيحا في وقت كانت كلمة الرجال كلمة لا تتزعزع وشهادة الشهود شهادة ولا تزيلها المصالح والأهواء، فإن الحقيقة هذا الحكم من وجهة نظري محل نظر إذا ما نظرنا إلى المصالح التي يحققها تسجيل العقد وتوثيقه لدى الدوائر الرسمية أصبح التسجيل ضرورة ملزمة إذ لا تستقيم الحياة أبداً ومن المستحيل إجراء أي معاملة رسمية في دوائر الدولة دون أن يكون هناك وثائق تعرف بصاحبها وهذه الوثائق تعتمد في أساسها على عقد الزواج الذي بموجبه تكون شهادة الميلاد، والشهادة العائلية، والدفتر العائلي وبطاقة الأحوال الشخصية، وجواز السفر وبهذه الوثائق يدخل الأبناء المدارس والجامعات، و يحصلون على أي وظيفة حكومية أو معاملة رسمية.
ومن المقرر شرعا أن الزواج لا يثبت إلا بشهادة العيان التي يشهد أصحابها أنهم حضروا قراءة الفاتحة أو حضروا زفاف الطرفين أو بشهادة السماع التي يشهد أصحابها أنهم سمعوا من الشهود وغيرهم أن الطرفين كانا متزوجين (2).
ثالثا: أهمية التوثيق والتسجيل:
لم تشترط الشريعة الإسلامية كتابة وتوثيق عقد الزواج، ولم يرو عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه كتب أو وثق عقد زواج، أو أمر بذلك، بل كانت شهادة الشهود أكبر وأقوى دليل لا يمكن إنكارها أبدا، ولكن لما ضعف الوازع الدين والخلقي و رخصت الذمم، وتساهل الناس في شهادة الزور، مما يسبب الإنكار والجحود، وحماية للميثاق الغليظ من التلاعب، ولضمان حقوق الأطفال من الضياع أصبح توثيق عقد الزواج في الوقت الراهن ضروري وواجب، وحتى في حالة عدم بلوغ السن القانوني يمكن
__________
(1) -مجموع فتاوى ابن تيمية ص32، ص34.
(2) ـ أ. أحمد لعور وأ. نبيل صقر، الدليل القانوني للأسرة، دار الهدى، ص 28. (14/199)
صفحة 199
استصدار رخصة من رئيس المحكمة، فيبرم العقد رسميا (1).
ويعد توثيق الزواج إجراء تنظيميا إداريا، ويسمى قانونا بالشكلية، وهو السند التوثيقي الذي يثبت الواقعة المادية وهي الزواج (2)، فالقانون لا يعتد إلا بعقد الزواج الموثق لدى ضابط عمومي هو الموثق أو ضابط الحالة المدنية، ولا تقبل دعوى الزوجية في المحاكم إلا بالعقد الموثق (3)، لا يتعلق التوثيق بصحة عقد الزواج ولزومه شرعا، ولكن تطلبته الظروف الحياتية المستجدة للإثبات.
والتوثيق بالكتابة عموما هو تقوية الحق بصيانته عن التبديل والجحود أو ضمان تحصيله عند حلول اجله (4)، نقصد بالتوثيق في عقد الزواج كتابته لدى القاضي أو الموثق أو كل موظف مؤهل قانونا لذلك كجهة مختصة في إجراءات كتابة عقد النكاح أو أي جهة يفوضها القانون (5) لإجراء كتابة العقد وتوثيقه كالقناصل في القنصليات.
والتوثيق يعتبر وسيلة إثبات لا شرط انعقاد وهذا ما يفهم من المادة22 بقولها: يثبت الزواج بمستخرج من سجل الحالة المدنية، وفي حالة عدم تسجيله يثبت بحكم قضائي يجب تسجيل حكم تثبيت الزواج في الحالة المدنية بسعي من النيابة العامة (6).
العقد المكتوب هو الرخصة والوسيلة الشرعية والقانونية الوحيدة التي تنظم بواسطتها العلاقة بين الرجل والمرأة، وتحلل ما كان محرما بينهما، وهو أي العقد هو السبب الوحيد الذي يمكن أن يكون سندا لإثبات النسب و الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين.
فإذا كان عقد الزواج كما عرفه قانون الأسرة «الزواج هو عقد رضائي يتم بين رجل وامرأة على الوجه الشرعي من أهدافه تكوين أسرة أساسها المودة
__________
(1) ـ عبد العزيز سعد، الزواج والطلاق في قانون الأسرة الجزائري م س ص 162.
(2) ـ عبد العزبز سعد، م س ص 157.
(3) ـ د. زكريا بري، بداية المجتهد ص 54.
(4) ـ أ. د. حسين الترتوري، التوثيق بالكتابة والعقود، دار إبن الجوزي ظ01 ص13.
(5) ـ حسب المادة 71 من قانون الحالة المدنية الصادر بموجب الأمر رقم 70ـ20 بتاريخ 19/ 02/1970.
(6) ـ المادة 22 معدلة من قانون الأسرة. (14/200)
صفحة 200
والرحمة والتعاون وإحصان الزوجين والمحافظة على الأنساب» (1) يعتبر كل زواج صحيحا إذا توافرت أركانه ولو كان غير مسجل بالحالة المدنية وتترتب عليه آثاره وكافة الحقوق (2).
رابعا: ضرورة توثيق العقد:
هذا عند الفقهاء القدامى أما اليوم وفي زمن يختلف من جميع النواحي حيث وعلى اعتبار أن طبيعة الحياة المعاصرة اقتضت وجوب تسجيل عقد الزواج في المحاكم الشرعية ولدى الجهات الرسمية لما يترتب عليه من مصالح فإن العقد العرفي يعتبر مخالفاً وفيه من المفاسد ما يكفي لمنعه، والفتوى بعدم جوازه سدا للذريعة. فتوثيق عقد الزواج فرضته الظروف الحياتية المستجدة التي تستدعي التنقل والسفر وإثبات الشخصية، وخاصة عندما نقص الوازع الديني والخلقي وكثر الجحود وشهادة الزور، مما يترتب عله ضياع الحقوق وتشرد الأسرة، وظلم كبير للزوجة لأنها الطرف الضعيف في العقد.
وضعف الوازع الديني في النفوس، وما ترتب عليه من انتشار الكذب وتفشي الدعاوي الزوجية الباطلة زوراً وبهتاناً من قبل ذوي المقاصد السيئة، إخفاء للعلاقات غير الشرعية، أو وصولاً إلى الكسب غير المشروع للمال رغبة في التشهير، معتمدين في إثبات الدعاوى على شهود الزور الذين قد يكون شراء ضمائرهم سهلاً وميسوراً.
ولا يوجد ما يمنع شرعاً من تلك الإجراءات التي من شأنها أن تحقق مصالح الدولة والأفراد والمجتمع بشكل عام فلا مانع شرعاً من وضع الضوابط والشروط الشرعية التي لا صلة لها بالصحة الشرعية للعقد من أجل إتمام التوثيق والكتابة هذا عند بعض الفقهاء المعاصرين حيث ذهبوا إلى القول بأنه لا يترتب على تسجيل العقد أو عدمه أي أثر ديني (3).
وقانون الأسرة يرفض صراحة أن تسمى "الفاتحة" زواجا فيقول في المادة 06 معدلة: إن اقتران الفاتحة بالخطبة لا يعد زواجا.
__________
(1) ـ المادة 04 من قانون الأسرة معدلة.
(2) ـ اجتهاد المحكمة العليا 12111982 ملف 28784.ن. ق. 2/ 198 ستة
(3) -المرجع السابق. (14/201)
صفحة 201
غير أن اقتران الفاتحة بالخطبة بمجلس العقد يعتبر زواجا متى توافر ركن الرضا وشروط الزواج المنصوص عليها في المادة09 مكرر من هذا القانون (1).
ونحن نرى أن أمر توثيق عقد الزواج في وقتنا الحاضر يدخل ضمن المصالح المرسلة، وكل عاقل مسلم يتمنى تزويج ابنته بشكل يحفظها من كل خصام بعد الوفاة أو الطلاق وأن يتشرد أبناؤها وتضيع حقوقها فيحرص على توثيق عقد قرانها قبل الدخول بها (2).
مازال بعض المعاصرين لم يقتنعوا بضرورة إلزامية الكتابة، ويعتبرون إجراءات الكتابة تنظيمات شكلية أو إدارية، لا يتعلق بصحة عقد الزواج ولزومه (3)، بل نرى من المصلحة، اعتبار الكتابة شرطا ضروريا لصحة عقد الزواج، وندعو إلى منع وتجريم الاقتصار على الزواج بالفاتحة أو كل أشكال الزواج العرفي، وإخضاع الأعراس وحفلات الزفاف إلى رخصة من البلدية التي تقام بها، مرفوقة بنُسخ من عقد الزواج المسجل، أو بدفتر عائلي إلى جانب النص على عقوبة صارمة لمن يخالف ذلك، حتى يمكن أن يخفف من طلبات تسجيل عقود الزواج المكدسة أمام المحاكم دون مبرر شرعي، ونقلل من عدد المشاكل العائلية التي كثيرا ما تنشأ بسبب عدم تسجيل عقود الزواج في الوقت القانوني المناسب؛ مثل مشاكل دعوى إثبات الزوجية، ودعاوى الزنا، ودعاوى إنكار النسب، ودعاوى الميراث بعد وفاة أحد الزوجين قبل تسجيل عقد زواجهما ... إلى غير ذلك من المشاكل التي يصعب حصرها (4). وإذ نعدد فوائد وغايات التوثيق عقد الزواج فيما يلي:
1 ـ فوائد وغايات التوثيق عقد الزواج:
أ ـ حماية الأسرة:
إن عقد الزواج هو الرخصة
__________
(1) ـ المادة 05 معدلة بالأمر 05ـ02.
(2) ـ د. محمد محدة، الحكام الأساسية في الأحوال الشخصية م س ص 111.
(3) ـ د. عزيز عبد الكريم، ومهني عمر التواجني، فقه الأسرة، ط 04 1998 ص 100.
(4) ـ عبد العزيز سعد، نظام الحالة المدنية في الجزائر، دار هومه الجزائر، ط 2 1995 ص 130. (14/202)
صفحة 202
والوسيلة الشرعية والقانونية الوحيدة التي تنظم بواسطتها العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، و بقصد حماية الرابطة الزوجية، والمحافظة على أفرادها ومراكزهم من الميلاد إلى الميراث والوفاة. المحافظة على حقوق الزوجين (1) والأولاد ممثلة بالنسب والنفقة والميراث والحضانة من أن تتعرض للضياع والعبث والجحود (2).
ب ـ الوثائق الشخصية:
اقتضت طبيعة الحياة أن يكون هناك وثائق إثبات وجوازات سفر لإثبات هوية كل شخص للحصول على حقوقه وتحمل مسؤولياته، وتتضمن الوثائق الشخصية الاسم الشخصي واللقب العائلي واسم الأب واسم الأم. وشهادات الميلاد ودفتر العائلة، كلها وثائق رسمية لدخول المدارس والجامعات والوظائف الحكومية والخدمة العسكرية، والحاجة إلى الوثائق المتنوعة للمعاملات الرسمية المختلفة (3).
ج ـ إحصاء الدولة لسكانها:
كذلك الضرورة تقتضي إجراء مسح للسكان، من أجل التخطيط والتنظيم، ودراسة الموارد والمصارف والتي تعتمد في أغلبها على عدد السكان. فهذه الظروف المعاصرة وغيرها اقتضت ضرورة تسجيل عقد النكاح وتوثيقه رسمياً لدى الجهات المختصة في الدولة.
د ـ طاعة ولي الأمر:
هذا بالإضافة إلى دفع الشبهة وإثبات النسب وقيام الزوجية الصحيحة، من هنا أرى بأن تسجيل العقدة تنفيذاً لأمر ولي الأمر أخذاً من قول الله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (4) وجرياً على قاعدة أمر الأمير في المباح واجب، وحيث تتحقق المصلحة في توثيق العقد وتندفع مجموعة مفاسد في ذلك فإنني وبناء على ذلك أرى بأن تسجيل عقد النكاح واجب شرعي اقتضته طبيعة الحياة المعاصرة وأن مخالفة ولي الأمر في هذه المسألة الهامة توجب المؤاخذة في الدنيا كذلك الإثم الأخروي خلافاً لما ذكر بعض المعاصرين من أن تسجيل
__________
(1) ـ عبد العزيز سعد، الزواج والطلاق م س ص 156.
(2) ـ م س، الصفحة نفسها.
(3) ـ نظام الأسرة، محمد عقلة، ج1، ص394.
(4) ـ سورة النساء الآية 59. (14/203)
صفحة 203
عقد النكاح شرط قضائي ولا علاقة لها بأي أمر ديني.
2 ـ سلبيات ومخاطر عدم توثيق عقد الزواج:
1 - حدوث الحمل قبل توثيق العقد.
2 - وفاة الزوج قبل التوثيق.
3 - حدوث الطلاق مع وجود الحمل.
4 - اضطرار الزوجة أن تضع حملها في عيادة وليس لها عقد ولا دفتر عائلي.
5 - مستقبل الأولاد؛ علاجهم وتعليمهم وكل حقوقهم.
6 - غيبة الزوج الطويلا وإهمال الزوجة وأولادها.
7 - اكتشاف أن للزوج زوجة أو زوجات في عصمته.
8 - إدعاء الزوجية ممن ليس زوجا طمعا في مال المتوفاة أو المتوفي، أو لإلحاق نسب أو لتفريق زواج.
خامسا: إجراءات توثيق عقد الزواج
1 ـ بداية كتابة عقود الزواج:
ابتدأت كتابة العقود عندما بدأ المسلمون يؤخرون المهر أو شيئاً منه وأصبحت هذه الوثائق التي يدون فيها مؤخر الصداق أحياناً وثيقة لإثبات الزواج.
وقد أورد صاحب منهج الطالبين نموذجا لصكوك التزويج يعود تاريخه إلى القرن الرابع الهجري بخط العالم الفاضل محمد بن روح بن العربي جاء فيه:
« ... وأشهدنا محمد بن حكيم، على نفسه، في صحة من عقله وبدنه وجواز أمره وفعله: انه قد تزوج أم هاشم بنت إبراهيم بن مكدم، على سنة الله وسنة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وعلى صداق عاجل وآجل.
فالعاجل من ذلك: ثلاثة مائة درهم نقاء والآجل ثلاثون نخلة بأرضها وشربها صداقا لها عليه، في نفسه وماله ومحياه ومماته، لابراءة له منه، ولا من شيئ منه حتى يؤديه إليها بجميع حقوقه، أو إلى من يقوم بأمرها بمطالبته إياه لها، على ما يراه المسلمون في أحكامهم، وسنتهم، ويتفقون عليه بينهم.
وعلى هذا الصداق المسمى في هذا الكتاب، تزوج محمد بن حكيم أم هاشم بنت إبراهيم بن مكدم، وبه استحل وطأها، وبه يكتب عقدة النكاح بينهما على ما زوجها وليها يوم زوجه على حكم (14/204)
صفحة 204
كتاب الله وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وكانت هذه الشهادة من محمد بن حكيم لزوجته أم هاشم بنت إبراهيم، من بعد أن قرأ هذا الكتاب ففهمه، وأقر بفهمه، وبمعرفة جميع ما فيه، وأثبته على نفسه محمد بن حكيم، وذلك في يوم الخميس لعرين يوما خلت من شهر المحرم سنة سبع عشرة سنة وثلاثمائة سنة. ولا إلاه إلا الله وحده لا شريك له.
نشهد الله بما في هذا الكتاب، وكفى به شهيدا.
وشهد محمد بن روح بن عربي وكتب بيده وشهد محمد بن عبد الله خزاعة وكتب له إبراهيم بأمره. وشهد محمد بن الفضل السعالي، وشهد محمد بن سعيد الحتات السمدي. وشهد علي بن موسى بن وارث وشهد محمد بن اليماني. وشهد مورق بن حكيم. وشهد إبراهيم بن أحمد» (1).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «لم يكن الصحابة يكتبون صداقات لأنهم لم يكونوا يتزوَّجون على مؤخر، بل يعجِّلون المهر، وإن أخروه فهو معروف، فلما صار الناس يزوجون على المؤخر والمدَّة تطول ويُنسى صاروا يكتبون المؤخَّر، وصار ذلك حجَّة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له» (2).
وعلى هذا، فتسجيل العقد وتوثيقه أمر لا تشترطه الشريعة الإسلامية لصحة العقد، فالتصوُّر الإسلامي من حيث المبدأ لا يفرض شكلاً من الأشكال لإتمام الزواج، فعقد الزواج شأن سائر العقود يتم كما ذكرنا بمجرد الإيجاب والقبول، ولا يتوقف وجوده وثبوته على بينة كتابية بل تكفي فيه البينة الشخصية لإثباته سواء كان ذلك فيما يتعلق بنفس العقد أو آثاره من مهر ونفقة وما إلى ذلك من الحقوق (3).
وما نلاحظه أن تسجيل أولى الصكوك لعقود الزواج كان الهدف منها الحرص على تسجيل مؤخر الصداق خوفا من نسيانه أو إنكاره والجحود فيه ولم يكن الهدف حماية حقوق أفراد الأسرة من زوجة وأولاد
__________
(1) ـ الشيخ الشقصي، منهج الطالبين 15/ 95 و96.
(2) ـ شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني، د0 عمر الأشقر، ص93.
(3) ـ نظام الأسرة في الأسرة في الإسلام، محمد عقلة، ج1، ص394. (14/205)
صفحة 205
ولعل التكافل الاجتماعي وحرص الجميع على تأدية الحقوق وأداء الواجبات طواعيا دون الحاجة إلى وثيقة مكتوبة، فلم يشهد المجتمع الإسلامي مظاهر الظلم والإهمال الأسري.
2 ـ طريقة تسجيل عقد الزواج:
( Acte De Mariage )
الوثائق الثبوتية لكتابة عقد الزواج:
1 ــــ هوية الزوج بطاقة التعريف الوطنية أو شهادة السياقة أو جواز السفر.
2 ــــ هوية الزوجة بطاقة التعريف الوطنية او شهادة السياقة أو جواز السفر.
3 ــــ إذا كان أحد الزوجين عسكريا أو شرطي أو دركي يحتاج إلى إذن له بالزواج.
4 ــــ إذا كان أحد الزوجين أجنبيا ـ رخصة من الولاية مصلحة الأجانب
5 ــــ في حالة تعدد الزوجات ـ لابد من توافر العذر الشرعي مثل العقم أو العجز.
ــــ موافقة الزوجة السابقة واللاحقة.
ــــ رخصة القاضي (1).
6 ــــ شهادة طبية للزوجين لا يزيد تاريخها عن ثلاثة أشهر، تثبت خلوهما من الأمراض التي تشكل خطرا يتعارض مع الزواج (2).
__________
(1) ـ المادة 08 معدلة بالأمر 05 ـ 02 «يسمح بالزواج بأكثر من زوجة واحدة في حدود الشريعة الإسلامية متى وجد المبرر الشرعي وتوفرت شروط ونية العدل.
يجب على الزوج إخبار الزوجة السابقة والمرأة التي يقبل على الزواج بها وأن يقدم طلب الترخيص بالزواج إلى رئيس المحكمة لمكان مسكن الزوجية.
يمكن رئيس المحكمة أن يرخص بالزواج الجديد، إذا تأكد من موافقتهما وأثبت الزوج المبرر الشرعي وقدرته على توفير العدل والشروط الضرورية للحياة الزوجية».
(2) ـ المادة 07 مكرر مضافة بالمر 05 ـ 02 «يجب على طالبي الزواج أن يقدما وثيقة طبية، لا يزيد تاريخها عن ثلاثة أشهر تثبت خلوهما من أي مرض أو أي عامل قد يشكل خطرا يتعارض مع الزواج.
يتعين على الموثق أو ضابط الحالة المدنية، أن يتأكد قبل تحرير عقد الزواج من خضوع الطرفين للفحوصات الطبية ومن علمهما بما قد تكشف عنه من أمراض أو عوامل قد تشكل خطرا يتعارض مع الزواج ويؤشر بذلك في عقد الزواج.
تحدد شروط وكيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم». (14/206)
صفحة 206
7 ــــ في حالة كون الزوجة لم تبلغ 19 سنة رخصة الإعفاء من سن الزواج من رئيس المحكمة (1).
8 ــــ في حالة كون الزوجة مطلقة أو توفي عنها زوجها ـ شهادة طلاق أو شهادة وفاة الزوج.
بعد أن يستوفي عقد الزواج أركانه الشرعية ويستكمل الملف من الوثائق الثبوتية يبدأ الموثق أو الضابط العمومي بتحرير العقد.
3 ـ تسجيل عقد الزواج:
عقد الزواج عقد مدني مُحاط بشئ من القدسية الدينية (2) تنص المادة 18 من قانون الأسرة الجزائري على أن «يتم عقد الزواج أمام الموثق أو موظف مؤهل قانونا مع مراعاة ما ورد في المادتين 9 و 9 مكرر من هذا القانون» (3).
بهذا النص الصريح أصبح من المقرر قانونا أنه لا يسوغ لأي شخص أن يدَّعي صفة الزوجية ما لم يُثبت ذلك بعقد مسجَّل بدفاتر الحالة المدنية (4).
إذا كان محرر عقد الزواج هو ضابط الحالة المدنية فيكون تحريره في سجل الحالة المدنية لعقود الزواج هو التسجيل نفسه فيوقع عليه كل من ضابط الحالة المدنية والزوجين والولي والشاهدان.
أما إذا كان محرر العقد هو الموثق فيجب عليه أن يرسل ملخصا عن عقد الزواج في أجل ثلاثة أيام إلى ضابط الحالة المدنية الذي يقوم بنسخه في سجل الحالة المدنية خلال خمسة أيام من تاريخ استلامه ثم يسلم للزوجين دفترا عائليا ويسجل على صفحاته الأولى كل معلومات عقد الزواج ويكتب بيان الزواج على هامش عقد ميلاد كل واحد من الزوجين وإذا كانوا مسجلين في بلدية أخرى غير التي أبرموا فيها عقد الزواج يرسل بيان الزواج إلى ضابط الحالة المدنية للبلدية المعنية، ليقوم
__________
(1) ـ المادة 07 الفقرة 02 معدلة بالأمر 05 ـ 02 « ... وللقاضي أن يرخص بالزواج قبل ذلك ـ 19 سنة ـ لمصلحة أو ضرورة، متى تأكدت قدرة الطرفين على الزواج».
(2) ـ عبد العزيز سعد، نظام الحالة المدنية م س ص 126.
(3) ـ المادة 18 من قانون الأسرة المعدل والمتمم بالأمر 05/ 02.
(4) ـ مبادئ المحكمة العليا 21/ 04/75، ملف 12529 غير منشور. (14/207)
صفحة 207
هذا الخير بتسجيله على هامش عقد الميلاد لكل من الزوجين (1).وتطبق أحكام قانون الحالة المدنية في إجراءات تسجيل عقد الزواج" (2).
ولا يجوز تسجيل عقد الزواج بتاريخ سابق مهما كانت المدة طويلة أو قصيرة، وإذا تأخر تسجيل عقد الزواج عن آجاله السابقة وجب اللجوء إلى المحكمة لطلب تسجيل عقد الزواج الذي يعتبر في نظر القانون زواجا عرفيا غير مسجل، بإتباع إجراءات خاصة بالعقود المغفلة أي العقود التي لم يصرح بها لضابط الحالة المدنية في الآجال المحددة وعليه يجب على ضابط الحالة المدنية ألا يسجل العقد إلا إذا صدر أمر بالتسجيل من رئيس المحكمة. وهذا بنص قانون الأسرة، «يثبت الزواج بمستخرج من سجل الحالة المدنية وفي حالة عدم تسجيله يثبت بحكم قضائي.
يجب تسجيل حكم تثبيت الزواج في الحالة المدنية بسعي من النيابة العامة» (3).
4 ـ بيانات عقد الزواج:
لم يحددها قانون الأسرة بينما نص عليها قانون الحالة المدنية في المادة73 وهي:
1ــــ وجوب ذكر لقب واسم وتاريخ ومكان ولادة كل واحد من الزوجين.
2ــــ وجوب الإشارة إلى لقب واسم كل واحد من أبوي الزوجين وكل واحد من الشهود وإلى تاريخ ومكان ولادة كل منهم.
3 ــــ وجوب الإشارة إلى الترخيص بالزواج أو الإعفاء من سن الزواج عند الاقتضاء.
ومن المفيد أيضا إضافة البيانات التالية:
4ــــ وجوب الإشارة إلى الشروط التي يشترطها الزوجان أو أحدهما بمناسبة العقد.
5ــــ وجوب الإشارة إلى الوكالة وذكر لقب واسم الوكيل واسم ولقب الموكل كلما انعقد الزواج بواسطة وكيل.
__________
(1) ـ أ. مدور نبيل، مجلة الموثق العدد 09، 2003 ص 39.
(2) ـ المادة 11 من قانون الأسرة.
(3) ـ المادة 22 من قانون الأسرة المعدلة بالأمر 05/ 02 (14/208)
صفحة 208
6ــــ أضاف التعديل الأخير لقانون الأسرة بيانات جديدة هي: «يجب على طالبي الزواج أن يقدما وثيقة طبية، لا يزيد تاريخها عن ثلاثة أشهر تثبت خلوهما من أي مرض أو أي عامل قد يشكل خطرا يتعارض مع الزواج.
يتعين على الموثق أو ضابط الحالة المدنية، أن يتأكد قبل تحرير عقد الزواج من خضوع الطرفين للفحوصات الطبية ومن علمهما بما قد تكشف عنه من أمراض أو عوامل قد تشكل خطرا يتعارض مع الزواج ويؤشر بذلك في عقد الزواج.
تحدد شروط وكيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم» (1).
كما يستحسن أن يشير العقد إلى أن المرأة برا أو ثيبا أو مطلقة أو متوفى عنها وإلى كون الرجل أعزبا أو مطلقا أو متوفى عنه (2).
5 ـ طلب تسجيل عقد الزواج بحكم قضائي:
تنطبق هذه الحالة على كل حالات الزواج غير المسجلة في الآجال المحددة قانونا لدى ضابط الحالة المدنية، سواء سمي هذا الزواج زواجا بالفاتحة، أو زواجا عرفيا، أو زواجا بمجلس عقد، أو زواجا بعقد موثَّق لكنه غير مسجَّل، فكلها تحتاج إلى الإجراءات التالية لتسجيلها بحكم قضائي:
يتقدم المعنيون بطلب مكتوب يذكرون فيه كل المعلومات والبيانات المتعلقة بالزواج مرفقا بالوثائق الثبوتية لهوية طرفي عقد الزواج، زيادة على شهادة الزواج موقعة من طرف الموثق.
ويقدم هذا الطلب إلى وكيل الجمهورية من أجل دراسته وعرضه على رئيس المحكمة للأمر بتسجيله بوصفه عقدا مُغفلا.
6 ـ الوثائق التي تقدم في ملف طلب تسجيل العقد:
1 ــــ شهادة ميلاد الزوجين.
2 ــــ شهادة عدم تسجيل الزواج في مصلحة الحالة المدنية.
3 ــــ شهادة الإقامة للتأكد من مكان انعقاد الزواج.
4 ــــ شهادة الزواج المحررة من طرف الموثق
__________
(1) ـ المادة 07 مكرر مضافة بالمر 05 ـ 02
(2) ـ عبد العزيز سعد، الزواج والطلاق م س ص 162. (14/209)
صفحة 209
محرر عقد الزواج المغفل.
5 ــــ سماع الزوجين والشاهدين (1) وولي الزوجة لإثبات صحة الزواج وتاريخه.
وبالنسبة للزواج الذي تم خارج الجزائر بين مواطنين جزائريين فيختص بتحريرها رؤساء البعثات الدبلوماسية المشرفون على دوائر قنصلية ورؤساء المراكز القنصلية حسب نص المادة 01 والمادة 96 من قانون الحالة المدنية. وتخضع هذه العقود لنفس الإجراءات والشروط المنصوص عليها في قانون الأسرة وقانون الحالة المدنية.
حيث تنص المادة 10 من القانون المدني على ذلك بقولها: بأنه تسري القوانين المتعلقة بالحالة المدنية للأشخاص وأهليتهم على الجزائريين ولو كانوا مقيمين في بلاد أجنبية وكذلك المادة 96 من قانون الحالة المدنية التي تنص على أن العقد يعتبر صحيحا إذا حرره الأعوان الدبلوماسيون أو القناصل طبقا للقوانين الجزائرية إذ يمكن أن يؤذن لنواب القناصل بالقيام مقام رئيس المركز القنصلي بصفة دائمة بموجب مقرر وزاري من وزارة الشؤون الخارجية المادة 104.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك إختلاف يتعلق بمسك السجلات يتمثل في أن رئيس المركز القنصلي هو الذي يوقع على كل ورقة بفتح وبقفل أو بختم هذه السجلات في آخر السنة بدل رئيس المحكمة في ختم و توقيع السجلات وقفلها من طرف ضابط الحالة المدنية في آخر السنة كما أن النسخة الثانية من السجل ترسل إلى وزارة الشؤون الخارجية بدل المجلس القضائي (2) المادة 106.
الخاتمة:
وفي الختام نرى أن طبيعة الحياة المعاصرة اقتضت وفرضت وجوب تسجيل عقد الزواج وتوثيقه كتابة، في المحاكم الشرعية أو لدى
__________
(1) ـ حكم المحكمة العليا، رفض تسجيل عقد زواج نتيجة عجز الزوجة عن إحضار شاهدين، ملف رقم 28784 قرار بتاريخ 22/ 11/1982.
(2) ـ أ. مدور نبيل، مجلة الموثق العدد 09، 2003 ص 40. (14/210)
صفحة 210
الجهات الرسمية لما ينتج عليه من مصالح هامة للفرد والمجتمع، بينما العقد العرفي بشتى أنواعه، يعتبر تهربا من المسؤولية والعلانية وتترتب عليه مفاسد كثيرة وللوقاية من المفاسد والمظالم، وحماية المجتمع والأفراد، ما يكفي لمنعه، والفتوى بعدم جوازه سدا للذريعة. فتوثيق عقد الزواج فرضته الظروف الحياتية المستجدة التي تستدعي، تحديد هوية الأشخاص، ونسبهم وتسجيل الوثائق الشخصية لكل فرد، و بها يتم التنقل والسفر وإثبات الشخصية، وخاصة عندما نقص الوازع الديني والخلقي وكثر الجحود وشهادة الزور، مما يترتب عليه ضياع الحقوق وتشرد الأسرة، وظلم كبير للزوجة والأولاد لأنهما الأطراف الضعيفة في العقد.
قائمة المراجع
1ــــ أ. رامول خالد، الإطار القانوني والتنظيمي لأملاك الوقف في الجزائر، دار هومه، الجزائر، 2006.
2 ــــ أ. كنازة محمد، الوقف العام في التشريع الجزائري، دار الهدى، الجزائر، 2006.
4 ــــ أ. قنفود رمضان، نظام الوقف في الشريعة الإسلامية والقانون الجزائري، مذكرة ماجستير، جامعة البليدة 2001.
5 ــــ أ. نادية إبراهيمي، الوقف وعلاقته بنظام الأموال في القانون الجزائري، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق، بن عكنون، الجزائر 1995.
6 ــــ أ. عطية فتحي الويشي، أحكام الوقف وحركة التقنين في دول العالم الإسلامي المعاصر، الأمانة العامة للأوقاف دولة الكويت، 2002م.
7 ــــ أ. حمدي باشا عمر، نقل الملكية العقارية، دارالعلوم، الجزائر، 2000.
8 ــــ أ. عيسى محمد بوراس، الشخصية المعنوية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، بحث مرقون، جامعة أدرار 2007.
التشريعات القانونية والتنظيمية:
9 ــــ الأمر رقم 66/ 156 المؤرخ في 08/ 06/1966 المتضمن قانون العقوبات، الجريدة الرسمية رقم 22 بتاريخ: 1966.
10 ــــ القانون 11/ 84 المؤرخ في 09/ 06/1984 المتضمن قانون الأسرة، الجريدة الرسمية رقم 52 بتاريخ: 1984. (14/211)
صفحة 211
11 ــــ القانون: 90/ 25 يتضمّن التوجيه العقاري، مؤرخ في 18/ 11/1990، الجريدة الرسمية رقم: 49 مؤرخة في 1990.
12 ــــ القانون رقم: 91/ 10 المؤرخ في 27/ 04/1991 المتعلّق بالأوقاف المعدل والمتمّم، الجريدة الرسمية رقم: 21 مؤرخة في 08/ 05/1991.
13 ــــ القانون 11/ 91 يحدد القواعد المتعلقة بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة، مؤرخ في 27/ 04/1991، معدل ومتمم، الجريدة الرسمية رقم21 بتاريخ 1991.
14 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 64/ 283 المؤرخ في 07/ 10/1964 المتضمن الأملاك الحبسية العامة، الجريدة الرسمية رقم 77 بتاريخ: 1964.
15 ــــ المرسوم رقم 83/ 352 المؤرخ في: 21/ 05/1983 يبيّن إجراءات إثبات التقادم المكسب وإعداد عقد شهرة، الجريدة الرسمية رقم 21 مؤرخة في 24/ 05/1983.
16 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 91/ 81 المؤرخ في 23/ 03/1991 المتضمن بناء المسجد وتنظيمه وتسييره وتحديد وظيفته المعدل والمتمم، الجريدة الرسمية رقم 16 بتاريخ: 1991.
17 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 91/ 82 المؤرخ في 23/ 03/1991 المتضمن إحداث مؤسسة المسجد، الجريدة الرسمية رقم 16 بتاريخ: 1991.
18 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 94/ 432 المؤرخ في 10/ 12/1994 المحدد لقواعد إنشاء المدارس القرآنية وتنظيمها، الجريدة الرسمية رقم 82 بتاريخ 14/ 12/1994.
19 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 98/ 381 مؤرخ في 01/ 12/1998 يحدد شروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها وحمايتها وكيفيات ذلك، الجريدة الرسمية رقم 90 بتاريخ: 02/ 12/1998.
20 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 336/ 2000 مؤرخ في 26/ 10/2000 يتضمن إحداث وثيقة الإشهاد المكتوب لإثبات الملك الوقفي وشروط وكيفيات إصدارها وتسليمها، الجريدة الرسمية رقم 64 بتاريخ: 31/ 10/2000.
21 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 03/ 51 مؤرخ في 04/ 02/2003 يحدد كيفيات تطبيق المادة 08 من القانون 91/ 10 المؤرخ في 27/ 04/1991 المتعلق بالأوقاف، المعدل والمتمم، الجريدة الرسمية رقم 08 بتاريخ: 05/ 02/2003.
22 ــــ التعليمة الوزارية المشتركة رقم 09 المؤرخة في 16/ 09/2002 والصادرة عن وزير الشؤون الدينية ووزير المالية والمتعلقة بإجراءات تدين الشهادة الرسمية الخاصة بالملك الوقفي.
23 ــــ التعليمة الوزارية رقم 191/ 2004 المؤرخة في 03/ 04/2004 الصادرة عن وزير الشؤون الدينية والأوقاف، المتضمن إمكانية إنشاء مدارس من طرف الواقفين والسماح لهم بتسييرها. (14/212)
صفحة 212
- - - (14/213)
صفحة 213
الحماية القانونية المتميزة
للأملاك الوقفية في الجزائر
الأستاذ عيسى بن محمد بوراس
كلية العلوم الإسلامية ـــ جامعة أدرار
م
مقدمة
على مدى عقود من تاريخ الأمة الإسلامية مارس الوقف بنظامه التنموي الرائد أدوارا بالغة الأهمية في تدعيم مختلف نواحي الحياة في الدولة المسلمة، حتّى غدت "مؤسسة الوقف في الإسلام" مؤسسة كبرى لها أبعاد دينية وإنسانية وحضارية واجتماعية واقتصادية، وكانت رمز العطاء ومفجّرة الطاقات في المجتمع الإسلامي.
ولقد انتشر نظام الوقف في الجزائر، وازدهر أكثر فأكثر مع أواخر العهد العثماني، وكان للدولة العثمانية نظام محكم لتسيير الأوقاف وإدارته، استمر حتّى دخول المستدمر الفرنسي إلى الأراضي الجزائرية، وكأي معمّر مغتصب ركّز اهتمامه على توطيد وجوده، فكانت سياسته قائمة على الاستيلاء على الثروات العقارية بأنواعها وتشجيع الاستيطان الأوربي داخل الجزائر، ولذلك قد وضع مخطّطا لمصادرة الأملاك الوقفية، والتي كانت تشكّل أغلب الملكية العقارية خاصة في العاصمة، وقد نجح بعد حقب متعاقبة في تصفية معظم هذه الثروة الوقفية.
وبعد الاستقلال سارعت الجزائر إلى إصدار قانون لحماية وإدارة الأحباس (1)، لكنّه لم يكن مستجيبا لطبيعة المرحلة كما أنّه لم يكتب له التطبيق بل تعاقبت القوانين بعده والتي مسّت الأوقاف العامة، وقلّلت من دورها الإنساني والحضاري، لأنّ الجزائر آنذاك كانت متّجهة إلى ما يسمّى بالفكر الإشتراكي المستورد الذي يتصادم مع
__________
(1) - المرسوم التنفيذي رقم: 64/ 283 المؤرخ في 07/ 10/1964 المتضمن الأملاك الحبسية العامة، الجريدة الرسمية رقم: 77 بتاريخ: 1964. (15/213)
صفحة 214
الدين ومؤسساته، "الدين أفيون الشعوب"، فأغلب الشعائر الدينية كانت تؤدى على ملكيات وقفية حبّسها المحسنون، وهو ما جعل فكرة الوقف تتراجع داخل المجتمع الجزائري، وبقي الوقف محكوما بنصوص متناثرة ومتضاربة أحيانا، لم يحدّد له مفهوم واضح ووجود قانوني يصنّف بموجبه ضمن أصناف الملكية، إلاّ بعد سنة 1990، أين صدر القانون 91/ 10 المؤرخ في 27 أفريل 1991 المتعلق بقانون الأوقاف (1) ليؤسس لمنظومة قانونية متكاملة تنظم هذا الأخير وتستعيد مجد هذا النظام الإسلامي الذي لا تخفى مزاياه ولا تنكر أدواره خلال كلّ عهود المجتمعات الإسلامية منذ دولة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحتّى هذا العصر.
وسنعرض فيما يلي لأهمّ القواعد القانونية والتدخلات القضائية التي كفلها القانون الجزائري من أجل إضفاء الحماية على الملكية الوقفية.
التقنين الفقهي لأحكام الوقف:
هو عبارة عن تبويب وترتيب كافة الأحكام الفقهية المتعلّقة بالوقف ومسائله، المنثورة في أبواب وكتب الفقه الإسلامي المختلفة ... وصياغتها في صورة مواد قانونية وبنود معقولة على غرار النسق القانوني الحديث: كالقانون الدولي، والقانون المدني، والقانون الجنائي، والقانون الإداري ... إلخ. ذلك لتسهيل العمل بها لدى الفصل في القضايا والإشكاليات المتعلّقة بالوقف ... ولتكون مرجعا للقضاة والمحامين والموثقين ... وتتعامل على أساسها مختلف الشرائح الاجتماعية من أفراد ومؤسسات ..
إنّ تقنين أحكام الفقه الإسلامي ترتبط دائما بمدى توافق الاتجاهات المعاصرة في قضية ما من القضايا .. مع أحكام هذا الفقه وروحه العام. حيث يصبح الاجتهاد والتقنين في إطار الشرع بغير تجاوز للمبادئ المقررة بالكتاب والسنة أو تجاهل للمقاصد العامة ومصالح العباد .. (2).
ولقد صاغ المقنن الجزائري مواد قانون الأوقاف من مختلف المذاهب الإسلامية ثم أضاف إليها نوازل العصر ومستجدات الاجتهادات المعاصرة، وقد
__________
(1) - الجريدة الرسمية رقم: 21 بتاريخ: 1991.
(2) - أ. عطية فتحي الويشي، أحكام الوقف وحركة التقنين في دول العالم الإسلامي المعاصر، ص: 16. (15/214)
صفحة 215
نصّت المادة: 02 من قانون الأوقاف «على غرار كلّ مواد هذا القانون يرجع إلى أحكام الشريعة الإسلامية في غير المنصوص عليه» ومن إيجابيات التقنين أنّها أصبحت ملزمة وسارية المفعول على كامل القطر الجزائري.
الحماية الدستورية:
يعدّ الدستور في الفكر القانوني أعلى درجات القوانين الوضعية، فهو بمثابة مادة أصول الفقه بالنسبة لمادة الفقه، هو الذي يرسم الخطوط العريضة لشكل ونوع النظام المتبع في تلك الدولة مع تحديد أهم الحريات والعلاقة ما بين مؤسساتها، وفي هذا الشأن لقد نصّ دستور الجزائر لسنة 1996 في المادة: 52 على أنّ: «الأملاك الوقفية وأملاك الجمعيات الخيرية معترف بها، ويحمي القانون تخصيصها»، ومن ثمّ فإنّ مجموعة القواعد القانونية وضعت من أجل حماية الملكية الوقفية، يمكن أن نستعرضها بالتوضيح في ثنايا هذا المقال.
احترام إرادة الواقف:
شروط الواقف كنصوص الشارع، قاعدة فقهية أخذ بها المقنن الجزائري، عندما نصّ في المادة 05 من قانون الأوقاف:" « ... وتسهر الدولة على احترام إرادة الواقف وتنفيذها»، فالشروط التي يضعها الواقف، سواء كان شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا في الوثيقة الوقفية تبقى ملزمة، ما لم تخالف نصا شرعيا أو قانونيا. فالأوقاف الموقوفة على وزارة الشؤون الدينية والأوقاف أو الجمعيات الخيرية (1) أو المذاهب الإسلامية المختلفة أو المساجد أو الزوايا أو المعاهد الشرعية أو القبائل أو العشائر أو العروش أو الكنائس أو المعابد أو ... الخ، هي أوقاف عامة (خيرية) تتولى بنفسها تسييرها وإدارتها، سواء كانت هذه الهيئات عرفية أم معتمدة لأن الوقف يتمتّع بالشخصية المعنوية، فإنّ كلّ مؤسسات الدولة مطالبة باحترام هذه الإرادة، ما لم يكن هناك تعدي على القانون.
أما الأوقاف الخاصة (الذرية) فقد نصت المادة: 06 الفقرة الثانية من قانون الأوقاف: «الوقف الخاص هو ما حبسه الواقف على عقبه من الذكور
__________
(1) - راجع القانون 90/ 31 المؤرخ في 04/ 12/90 المتعلق بالجمعيات، الجريدة الرسمية رقم 68 بتاريخ: 25/ 12/1991. (15/215)
صفحة 216
والإناث أو على أشخاص معيّنين، ثمّ يؤول إلى الجهة التي يعيّنها الواقف بعد انقطاع الموقوف عليهم».
ويظهر احترام إرادة الواقف من خلال القضاء في القضية التي عرضت أمام المحكمة العليا، كالتالي: قضت المحكمة العليا بنقض القرار الذي يقضي بإبطال عقد حبس لخروجه عن القواعد المعمول بها في المذهب المالكي، مخالفا بذلك القاعدة الشرعية التي توجب احترام إرادة المحبس، بأن يبقى الوقف على شروط المذهب الحنفي كما هو في العقد (1).
توثيق العقد:
إنّ نظام توثيق العقود من الأنظمة التي استقرّ عليها التقنين الجزائري بالنسبة لكلّ العقود المنصوص عليها (2)، خاصة المتعلقة بعقار، وعقد الوقف من العقود التي جعل المقنّن التوثيق شرطا لنفاذها وليس ركنا من أركان العقد، وهذا مانصّت عليه المادة: 41 من قانون الأوقاف، غير أنّه من جهة أخرى فإنّ من الوقف مالا يوثّق مطلقا بل لا يحتاج إلى توثيق، ومثال ذلك: وقف بعض المنقولات على المساجد كالمصاحف أو الكتب والأثاث ... وغيرها، فإنّ عقد الوقف فيه صحيح ونافذ على الرغم من عدم توثيقه، ويستشفّ هذا من نص المادة 12 من قانون الأوقاف، والتي أجازت بأن تكون صيغة الوقف باللفظ والكتابة أو الإشارة متّسع لذلك، غير أنّ مفهوم المادة 41 قد ورد خصيصا متعلق بالعقارات، فتوقيف بعض المنقولات العامة كالسيارات والسفن، لا نقول بلزوم توثيق عقده، فالقاعدة العامة بالنسبة لتوثيق عقد الوقف تكون على حسب محلّه، فإذا كان محلّه ممّا نصّ القانون في نقل ملكيته بضرورة التوثيق، فإنّ هذا الحكم ساري أيضا على عقد الوقف.
تسجيل عقد الوقف:
بعد مرحلة التوثيق لا بدّ من تسجيل العقد العرفي لدى مصالح التسجيل. غير أنّ المشرع ومن أجل تشجيع الواقفين على عمل البرّ والخير، فقد أعفى الأملاك الوقفية العامة من رسم التسجيل والضرائب والرسوم الأخرى، طبقا لنص المادة 44 من قانون الأوقاف «تعفى الأملاك الوقفية العامة من رسوم التسجيل والضرائب والرسوم الأخرى لكونها عمل من أعمال البر والخير».
__________
(1) - قرار رقم 589 40،مؤرخ في 24/ 02/1968، المجلة القضائية 1989، عدد 01 ص: 118.
(2) - انظر: المادة: 324 من القانون المدني الجزائري. (15/216)
صفحة 217
إشهار عقد الوقف:
يتعلّق الشهر بعقود الوقف التي يكون محلّها عقارا أو حقّ عيني وارد على عقار، بحيث لا تنتج آثارها بالنسبة للغير إلاّ من تاريخ شهر العقد، تنصّ المادة 41 من قانون الأوقاف على أنّه: «يجب على الواقف أن يقيّد الوقف بعقد لدى الموثق، وأن يسجّله لدى المصالح المكلّفة بالسجل العقاري الملزمة بتقديم إثبات له بذلك وإحالة نسخة منه إلى السلطة المكلّفة بالأوقاف» نلاحظ أنّ المشرع جعل شهر العقد بالمحافظة العقارية واجبا، كما ألزمها بإبلاغ مديرية الشؤون الدينية والأوقاف بنسخة من عقد الوقف، إضافة إلى أنّ دور الشهر العقاري يضفي الحجيّة على الأملاك المشهّرة باسم الوقف وحمايتها من الاستلاء والتعدّي، وذلك برفض إيداع أي عقد ماس بهذه الأملاك الوقفية.
إنّ المسؤولية في حالة عدم توثيق عقد الوقف وشهره، تقع على الهيئة المشرفة على الوقف، والتي كفل لها القانون كافة الوسائل من توثيق وشهر الأوقاف، بمجرّد توفّر أي إثبات يدلّ على وقفها بما في ذلك إقرار أصحابها سواء بعقود عرفية أو بشهادات شفوية.
ما يلحق بعقد الوقف:
من الوسائل القانونية أيضا لتكوين الملك الوقفي والتي يمكن إلحاقها بعقد الوقف ما نصّت عليه المادة: 06 من المرسوم التنفيذي 98/ 381 المحدّد لشروط إدارة الأملاك الوقفية (1)، والمتعلّقة بعقود الشراء الجماعية "الجماعة" لفائدة الوقف سواء مباشرة أو عن طريق الاكتتاب، وهذه الحالات حسب نصّ المادة المذكورة هي:
*ــــ الأملاك التي اشتراها أشخاص طبيعيون أو معنويون باسمهم الشخصي لفائدة الوقف.
*ــــ الأموال التي وقفت بعدما اشتريت بأموال جماعة من المحسنين.
*ــــ الأملاك التي وقع الاكتتاب عليها وسط هذه الجماعة.
عدم قابلية التصرف:
جاءت القاعدة الفقهية بإجماع جميع فقهاء الأمة الاسلامية، ببطلان كلّ تصرف يمسّ أصل الوقف "تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة" وهي القاعدة القانونية التي أخذت بها كلّ التقنينات المنظمة للوقف في كلّ الدول التي عرفت
__________
(1) - الجريدة الرسمية رقم 90 بتاريخ: 02/ 12/1998. (15/217)
صفحة 218
نظام الوقف، وقد نصّ المقنن الجزائري على هذه القاعدة صراحة بموجب المادة:23 من قانون الأوقاف: " «لا يجوز التصرّف في أصل الملك الوقفي المنتفع به، بأيّة صفة من صفات التصرّف، سواء بالبيع أو الهبة أو التنازل أو غيرها».
أجاز قانون الأوقاف التنفيذ في حق الموقوف عليهم وذلك في المنفعة، أي ضمان الدائن في المنفعة، بحسب ما نصّت عليه المادة: 18 من قانون الأوقاف «ينحصر حق المنتفع بالعين الموقوفة فيما تنتجه وعليه استغلالها، استغلال غير متلف للعين، وحقّه حق انتفاع لا حقّ ملكية»، أجاز القانون كذلك أن تكون حصة المنتفع ضمانا للدائن ولكن في حدود الثمن الذي يعود عليه، المادة 21 من قانون الأوقاف: «يجوز جعل حصة المنتفع ضمانا للدائن في المنفعة فقط وفي الثمن الذي يعود عليه».
عدم قابلية الحجز:
من المستقر عليه شرعا وقانونا أنّ الحجز يكون على الأملاك التي يصحّ التصرّف فيها حتّى يمكن بيعها بالمزاد العلني في حالة عدم استيفاء الدين، وطالما أنّ الوقف الخيري لا يجوز التصرّف فيه بأي حال من الأحوال وبأيّ شكل من أشكال التصرّف فإنّ حجزه أيضا غير ممكن، لأنّ بالحجز تؤول ملكيته إلى الشخص الذي يشتريه عقب البيع بالمزاد العلني، وهذا إخلال بالطابع الأبدي للوقف (1). إلاّ أن المقنن أجاز التنفيذ في حقّ الدائن وذلك في المنفعة، وقد سبق ذكره.
عدم قابلية الاكتساب بالتقادم:
تطبيقا للقاعدة القانونية التي تقرّ بأنّ: كلّ مالا يجوز التصرف فيه لا يجوز كسبه بالتقادم. فإنّ الأملاك الوقفية لا يجوز كسبها بالتقادم باعتبار أنّ هذا التقادم مكسب (2)، وإن كان من الناحية العلمية فإنّ العديد من الأملاك الوقفية الخاصة (الذرية) منها الأراضي الوقفية الجرداء اكتسبت عن طريق التقادم المكسب، طبقا للمرسوم رقم 83/ 352 المؤرخ في 21/ 05/1983 الذي يحدّد إجراءات إثبات التقادم المكسب وإعداد عقد شهرة المتضمّن الاعتراف بالملكية، والمقصود هنا الأراضي الوقفية المحررّة في عقود عرفية غير مشهّرة.
__________
(1) - أ. رامول خالد، الإطار القانوني والتنظيمي لأملاك الوقف في الجزائر، ص: 65.
(2) - أ. نادية إبراهيمي، الوقف وعلاقته بنظام الأموال في القانون الجزائري، ص: 204 (15/218)
صفحة 219
عدم قابلية الأوقاف للتغيير:
والمقصود بالتغيير تغيير طابعه الوقفي، فمهما تعرّض إلى التغيير المادي من إضافة بناءات كمساكن ومحلات، أو زروع كنخيل و أشجار، فإنّه يبقى محافظا على طابعه الوقفي، ولا يحقّ لأحد أن يدّعي بملكية تلك الإضافة أو الجزء المضاف، وقد نصّت المادة 25 من قانون الأوقاف بما يلي: «كلّ تغيير يحدث بناءا كان أو غرسا، يلحق بالعين الموقوفة، ويبقى الوقف قائما شرعا مهما كان نوع ذلك التغيير».
عدم قابلية الوقف للنزع أو التخصيص:
المقصود بالنزع نزع الملكية للمنفعة العمومية، ويعرّف بأنّه: حرمان مالك العقار من ملكه جبرا مقابل تعويض، والفرق بين النزع والتخصيص، أنّ النزع يرد على الملكية الخاصة، بينما يرد التخصيص على الملكية العمومية، غير أنّ الوقف لا يستجيب لأيّ إجراء من هذه الإجراءات، ولا يمكن إخراج الملك الوقفي عن طابعه بسبب المنفعة العامة، (1) غير أنّ قانون الوقف قد أورد حالة واحدة بموجب نص المادة: 24 وهي حالة توسيع طريق عام، ففي هذه الحالة تتغيّر طبيعة الملك الوقفي من طابع الوقف العام إلى طابع الملك العام، وهذا بعد التعويض عينا، مثلها أو أفضل منها. وهذا تقنين لما جاءت به الشريعة الإسلامية، بقاعدة: للضرورة أحكام، والضرورة تقدّر بقدرها.
حرية الإثبات:
إنّ ما تعرّض له الوقف من مساس وضياع لأهمّ وسائل إثباته الرسمية، لهو سبب كاف لفتح مجال طرق إثباته بكافة الوسائل الممكنة. وهو من الأمور التي يؤيّدها تاريخ الفقه الإسلامي، ذلك أنّ الأوقاف طالما وضعت تحت رقابة ووصاية القضاء الشرعي، الذي يعتمد اعتمادا كلّيا على الإثبات مهما كان شكله، وليس من العدل أن تنحصر وسيلة إثبات الوقف في العقود الرسمية بمختلف أنواعها، مع كثرة الأوقاف المتعارف عليها مع غياب الإثباتات سوى شهادة الشهود.
لذلك فالقانون الجزائري وحماية الأوقاف الخيرية، قد أرسى قاعدة حرية الإثبات، فنصّ بموجب المادة: 35 من قانون الأوقاف على أنّه: «يثبت الوقف بجميع طرق الإثبات الشرعية والقانونية ... ».
يمكن أن نذكر بعض الوسائل
__________
(1) - أ. محمد كنازة، الوقف العام في التشريع الجزائري، ص: 121. (15/219)
صفحة 220
الممكنة: إقرار صاحب الوقف، عقود المحكمة الشرعية (1)، عقود عرفية، شهادات شفوية (2)، إيداع محضر عقد عرفي لدى الموثق.
وقد نصّت المادة: 08 من قانون الأوقاف على الحصر القانوني للأوقاف العامة المصونة، كما نصّت المادة: 08 مكرر من نفس القانون على ضرورة إخضاع الأملاك الوقفية لجرد عام، حسب الشروط والأشكال القانونية والتنظيمية المعمول بها، كما أحدث لنفس الغرض سجلّ عقاري خاص بالأملاك الوقفية تسجّل فيه العقارات الوقفية.
الأوقاف صنف قائم بذاته:
بقي الوقف بعد الاستقلال محكوما بنصوص متناثرة ومتضاربة أحيانا، ولم يحدّد له مفهوم واضح، ووجود قانوني يصنّف بموجبه ضمن أصناف الملكية إلا بعد سنة 1990، أي بموجب قانون التوجيه العقاري قانون 90/ 25 المؤرخ في 18/ 11/90 الذي اعتبر الأملاك الوقفية صنفا قائما بذاته إلى جانب الملكية الوطنية والملكية الخاصة، وهذا ما تؤكده صراحة المادة: 23 منه، والتي تنصّ على مايلي: «تصنّف الأملاك العقارية على اختلاف أنواعها ضمن الأصناف القانونية الآتية: 1) الأملاك الوطنية. 2) أملاك الخواص أو الأملاك الخاصة. 3) الأملاك الوقفية».
الشخصية المعنوية للوقف:
لقد أخذ التقنين الجزائري بفكرة الشخصية المعنوية للوقف، والتي كان ظهورها في الفقه الإسلامي سابقا على ظهورها في الفقه القانوني الغربي، وقد أثرت بشكل بارز في تسيير وإدارة الأوقاف بجعله متمتع بذمة مالية مستقلة، تكتسب الحقوق وتتحمّل الالتزامات، كما جعلت له تمثيل مدني وقضائي من قبل ناظر الوقف أو الجمعية الخيرية أو مدير الشؤون الدينية والأوقاف، وأهم عناصر الشخصية المعنوية: أـ ذمة مالية
__________
(1) - قرار المحكمة العليا: "من المستقر عليه فقها وقضاء، أنّ العقود التي حرّرها القضاة الشرعيون تكتسي نفس طابع الرسمية الذي تكتسيه العقود المحررة من طرف الأعوان العموميون. وتعد عنوانا على صحة ما يفرغ فيها من اتفاقات وما تنص عليه من تواريخ بحيث لا يمكن إثبات ما هو مغاير ومعاكس لفحواها". المجلة القضائية سنة 1992 عدد 01 ص: 119.
(2) - بتقديم أربعة شهود لدى مديرية الأوقاف لولاية تواجد الملك الوقفي، يعدها تحرر: الشهادة الرسمية للملك الوقفي، وتسجل وتشهر. أنظر: التعليمة الوزارية المشتركة رقم 09 المؤرخة في 16/ 09/2002 المتعلقة بإجراءات تدوين الشهادة الرسمية الخاصة بالملك الوقفي. (15/220)
صفحة 221
مستقلة. ب ـ أهلية في الحدود التي يعينها سند إنشائه. ج ـ حقّ التقاضي. د ـ موطن مستقل. و ـ وكيل يعبّر عن إرادته.
إذا الوقف يتمتع بالشخصية المعنوية، له كيان مستقل عن كلّ شخص طبيعي (إنسان) أو معنوي (مؤسسة)، وهو ما يحعله خارج عن ملكيتهم جميعا، ومن ثمّ فإنّ من لا يملك لا يتصرّف بل يسيّر.
فالشخصية المعنوية مكّنت الوقف نوعا من الحماية والاستقلال، فالذمة المالية مستقلة تجعل منه مدينا بكل مستحقاته، طبقا لنص المادة 26 من المرسوم 98/ 381 المحدد لشروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها، وبما أنّ الوقف يتّسم بالطابع الأبدي، فإنّ مستحقاته لا تسقط بزوال الهيئات القائمة على إدارته وتسييره، كما أنّها لا تسقط بالتقادم.
وتكمن شخصيته المعنوية أكثر في قيام الدولة لكل مؤسساتها وما تملكه من سيادة في احترام إرادة الواقف وتنفيذها، طبقا لنص المادة 05 من قانون الأوقاف: «الوقف ليس ملكا للأشخاص الطبيعيين ولا للاعتباريين، ويتمتّع بالشخصية المعنوية، وتسهر الدولة على احترام إرادة الواقف وتنفيذها».
الحماية القضائية:
يوفر القضاء العادي حماية الوقف من خلال كلّ درجات التقاضي على سلّم النظام القضائي، وتتحرّك آلية هذه الحماية بناءا على دعوى قضائية ترفع إلى محكمة الاختصاص، والتي حدّدتها المادة: 48 من قانون الأوقاف على أنّها محكمة تواجد العقار الوقفي، من قبل ناظر الوقف أو الهيئة المشرفة على الوقف، أو وزير الشؤون الدينية والأوقاف، الممثلة من قبل مدراء الشؤون الدينية والأوقاف لكل ولاية. ويمكن تناول هذه الدعاوى على الخصوص ما يلي: (1)
*ــــ استرداد ملك وقفي.
*ــــ المطالبة بحقوق إيجار ملك وقفي.
*ــــ إلغاء أو فسخ عقد إيجار وغير ذلك من العقود المرتبطة بالوقف.
*ــــ دعوى الطرد من السكن الوقفي.
*ــــ إلغاء عقد شهرة واقع على ملك وقفي.
*ــــ إلغاء تصرف واقع على ملك وقفي.
وغير ذلك من الدعاوى التي قد تتمايز من دعاوى عقارية، وتجارية وأحوال شخصية ومدنية .. مما يجعل حماية القضاء المدني حماية واسعة لأغلب
__________
(1) - مديرية العامة للأوقاف قدمت عرضا عنوانه: كيفيات وإجراءات رفع الدعاوى، ومراحل التقاضي ومتابعة القضايا وطرق التنفيذ. (15/221)
صفحة 222
أحوال الملك الوقفي ولشؤون إدارته وتسييره، وما قد تثيره من نزاعات ماسة بمصلحة الوقف أو مصلحة الموقوف عليهم أو الهيئة المشرفة على الوقف.
لكن هناك ما يسمّى بتنازع الاختصاص مع القضاء الإداري، وهو المعيار الشكلي في الدعاوى المتعلقة بالأوقاف، وبعد التمحيص نجد أنّ المعيار الشكلي مستبعد في كثير من الأحيان، ويكون الأخذ بالمعيار الموضوعي والذي يجعل أغلب الدعاوى المتعلقة بالأوقاف من اختصاص القضاء العادي، على الرغم من كلّ ذلك فإنّ رقابة وحماية القضاء الإداري تظهر جليّة في المسائل التي تكون فيه الإدارة طرفا مباشرا، ولعل أهمّها:
*ــــ إلغاء قرارات لجنة الاسترجاع القاضية بعدم استرجاع الوقف المؤمم.
*ــــ إلغاء قرارات هيئة الأوقاف الضارة بمصلحة الوقف بناءا على دعوى يرفعها الموقوف عليه أو الواقف نفسه.
*ــــ دعوى التعويض الرامية لتعويض ملك وقفي غير قابل للاسترجاع من طرف الدولة أو الجماعة الإقليمية.
*ــــ دعوى التعويض الرامية لتعويض عادل عن وقف منزوع ملكيته لفائدة توسيع طريق عام.
*ــــ دعوى المطالبة بقسمة عقار وقفي مملوك فيه حصّة مشاعة لفائدة الدولة أو هيئة إقليمية.
الحماية الجنائية:
تندرج الأموال الوقفية ضمن الحماية الجنائية المقررة للأموال بصفة عامة فتنطبق عليها بذلك كلّ العقوبات المقررة بسبب المساس بحرمة المال بأي شكل من الأشكال التي تكتمل فيها عناصر وأركان جريمة من الجرائم المقررة على الأموال، فالقانون الجزائري نصّ صراحة على ذلك بموجب نص المادة: 36 من قانون الأوقاف 91/ 10: «يتعرض كلّ شخص يقوم باستغلال ملك وقفي بطريقة مستترة أو تدليسية أو يخفي عقود وقف أو وثائقه أو مستنداته أو يزوّرها، إلى الجزاءات المنصوص عليها في قانون العقوبات».
تنقسم المادة السابقة إلى شطرين، التعدي على الملك الوقفي، والاحتيال على الوثائق الوقفية. فتنطبق على الشطر الأول المادة: 396 من قانون العقوبات مايلي: «يعاقب الحبس من سنة إلى خمس سنوات بغرامة من 2000 إلى 20.000 دينار جزائري، كلّ من انتزع عقار مملوكا للغير، وذلك خلسة أو بطرق التدليس، وإذا كان انتزاع الملكية قد وقع ليلا بالتهديد أو العنف أو بطريقة التسلّق أو الكسر من عدّة أشخاص أو مع حمل (15/222)
صفحة 223
سلاح ظاهر أو مخبأ بواسطة واحد أو أكثر من النجاة، فتكون العقوبة الحبس من سنتين إلى عشر سنوات والغرامة من 10.000 إلى 30.000 دج».
أما ما ينطبق على الشطر الثاني هي المادة: 387 تنصّ: «كلّ من أخفى عمدا أشياء مختلسة أو مبدّدة أو متحصلة من جناية أو جنحة في مجموعها أو في جزء منها، يعاقب بالحبس من سنة على الأقل إلى 05 سنوات على الأكثر وبغرامة من 500 إلى 20.000 دج، ويجوز أن تتجاوز الغرامة 20.000 دج حتّى تصل إلى الضعف بالحرمان من حقّه أو أكثر من الحقوق الواردة في المادة 14 من هذا القانون، لمدة سنة على الأقل وخمس سنوات على الأكثر .. ».
كما تنص المادة: 388 من قانون العقوبات: «في حالة ما إذا كانت العقوبة المطبّقة على الفعل الذي تحصلت عنه الأشياء المخفاة هي عقوبة جنابة، يعاقب المخفي بالعقوبة التي يقررها القانون للجناية وللظروف التي كان يعلم بها وقت الإخفاء، ومع ذلك فإنّ عقوبة الإعدام تستبدل بالنسبة للمخفي بعقوبة السجن المؤبد، ويجوز دائما الحكم بالغرامة النصوص عليها في المادة 387» (1).
ما يلاحظ على هذه الحماية أن المشرع الجزائري وإن كان قد أقر حماية جزائية للأملاك الوقفية وتشدّد فيها إلى درجة عقوبة السجن المؤبد، إلاّ أنّ الغرامة المالية المفروضة على الجاني، تبقى قيمتها رمزية بالمقارنة إلى القيمة المالية للأملاك الوقفية.
الخاتمة:
لقد أولى القانون الجزائري أهمية بالغة لمسألة إثبات الأملاك الوقفية وجردها وحمايتها، وصيانتها وحفظها من الضياع والإهمال والاستيلاء عليها، وهي المبررات الرئيسة والأهداف الأساسية التي ساهمت في إعطاء رؤية لصياغة تقنين الأوقاف، والذي جاء بقواعد متنوعة لحماية الأوقاف، بين آليات الإثبات ووسائلها وبين إجراءات الاستكشاف والجرد والتوثيق، وهناك جوانب للحماية غير مباشرة مثل: حماية القانون الدولي الخاص، استرجاع الأملاك الوقفية المؤممة، استرجاع الأوقاف الجزائرية خارج الوطن، الامتيازات الضريبية، عقود استثمار الأوقاف، ..
كل هذه الأطر القانونية ساهمت في توفير ما يسمى بالحصانة الوقفية، غير أنّ بعض الأحكام قد تميّزت بالغموض وعدم
__________
(1) - أ. محمد كنازة، الوقف العام في التشريع الجزائري، ص: 125. (15/223)
صفحة 224
الانسجام أحيانا، مثال ذلك:
*ــــ عدم وجود نصوص تخدم فكرة حماية الوقف بصفة خاصة في القانون المدني والقانون التجاري وقانون العقوبات، والذي يبقى الوقف مصطلح مبهم في قاموسها.
*ــــ العقود المحررة بموجب عقد شهرة لبعض الأشخاص وهي في الأصل أراضي وقفية، وكذا مشروع مسح الأراضي العام، هي نصوص سابقة لقانون الأوقاف فهي غير منسجمة مع هذا الأخير، فهناك تضارب وغموض قد يؤدي في النهاية إلى المساس بالأملاك الوقفية وضياعها.
*ــــ استخراج الشهادة الرسمية للملك الوقفي من مديريات الأوقاف بعد شهادة الشهود، ما طبيعتها القانونية ومدى حجيتها أمام الغير، هل هي شهادة قضائية أم عقد تصريحي مع عدم توفر شروط العقود التصريحية فيها.
*ــــ ما مدى حجّية العقود الوقفية غير المبرمة في الشكل الرسمي، وهل مسألة الشكلية في عقد الوقف ركن أم شرط صحة.
*ــــ يجب التنصيص صراحة على عدم إمكانية اكتساب ملكية الوقف عن طريق التقادم مهما طالت المدة، لحسم الخلاف الفقهي والقضائي حول المسألة.
قائمة المراجع
1 ــــ أ. رامول خالد، الإطار القانوني والتنظيمي لأملاك الوقف في الجزائر، دار هومه، الجزائر، 2006.
2 ــــ أ. كنازة محمد، الوقف العام في التشريع الجزائري، دار الهدى، الجزائر، 2006.
4 ــــ أ. قنفود رمضان، نظام الوقف في الشريعة الإسلامية والقانون الجزائري، مذكرة ماجستير، جامعة البليدة 2001.
5 ــــ أ. نادية إبراهيمي، الوقف وعلاقته بنظام الأموال في القانون الجزائري، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق، بن عكنون، الجزائر 1995.
6 ــــ أ. عطية فتحي الويشي، أحكام الوقف وحركة التقنين في دول العالم الإسلامي المعاصر، الأمانة العامة للأوقاف دولة الكويت، 2002م.
7 ــــ أ. حمدي باشا عمر، نقل الملكية العقارية، دارالعلوم، الجزائر، 2000.
8 ــــ أ. عيسى محمد بوراس، الشخصية المعنوية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، بحث مرقون، جامعة أدرار 2007.
التشريعات القانونية والتنظيمية: (15/224)
صفحة 225
9 ــــ الأمر رقم 66/ 156 المؤرخ في 08/ 06/1966 المتضمن قانون العقوبات، الجريدة الرسمية رقم 22 بتاريخ: 1966.
10 ــــ القانون 11/ 84 المؤرخ في 09/ 06/1984 المتضمن قانون الأسرة، الجريدة الرسمية رقم 52 بتاريخ: 1984.
11 ــــ القانون: 90/ 25 يتضمّن التوجيه العقاري، مؤرخ في 18/ 11/1990، الجريدة الرسمية رقم: 49 مؤرخة في 1990.
12 ــــ القانون رقم: 91/ 10 المؤرخ في 27/ 04/1991 المتعلّق بالأوقاف المعدل والمتمّم، الجريدة الرسمية رقم: 21 مؤرخة في 08/ 05/1991.
13 ــــ القانون 11/ 91 يحدد القواعد المتعلقة بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة، مؤرخ في 27/ 04/1991، معدل ومتمم، الجريدة الرسمية رقم21 بتاريخ 1991.
14 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 64/ 283 المؤرخ في 07/ 10/1964 المتضمن الأملاك الحبسية العامة، الجريدة الرسمية رقم 77 بتاريخ: 1964.
15 ــــ المرسوم رقم 83/ 352 المؤرخ في: 21/ 05/1983 يبيّن إجراءات إثبات التقادم المكسب وإعداد عقد شهرة، الجريدة الرسمية رقم 21 مؤرخة في 24/ 05/1983.
16 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 91/ 81 المؤرخ في 23/ 03/1991 المتضمن بناء المسجد وتنظيمه وتسييره وتحديد وظيفته المعدل والمتمم، الجريدة الرسمية رقم 16 بتاريخ: 1991.
17 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 91/ 82 المؤرخ في 23/ 03/1991 المتضمن إحداث مؤسسة المسجد، الجريدة الرسمية رقم 16 بتاريخ: 1991.
18 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 94/ 432 المؤرخ في 10/ 12/1994 المحدد لقواعد إنشاء المدارس القرآنية وتنظيمها، الجريدة الرسمية رقم 82 بتاريخ 14/ 12/1994.
19 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 98/ 381 مؤرخ في 01/ 12/1998 يحدد شروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها وحمايتها وكيفيات ذلك، الجريدة الرسمية رقم 90 بتاريخ: 02/ 12/1998.
20 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 336/ 2000 مؤرخ في 26/ 10/2000 يتضمن إحداث وثيقة الإشهاد المكتوب لإثبات الملك الوقفي وشروط وكيفيات إصدارها وتسليمها، الجريدة الرسمية رقم 64 بتاريخ: 31/ 10/2000.
21 ــــ المرسوم التنفيذي رقم 03/ 51 مؤرخ في 04/ 02/2003 يحدد كيفيات تطبيق المادة 08 من القانون 91/ 10 المؤرخ في 27/ 04/1991 المتعلق بالأوقاف، المعدل والمتمم، الجريدة الرسمية رقم 08 بتاريخ: 05/ 02/2003.
22 ــــ التعليمة الوزارية المشتركة رقم 09 المؤرخة في 16/ 09/2002 والصادرة عن وزير الشؤون الدينية ووزير المالية والمتعلقة بإجراءات تدين الشهادة الرسمية الخاصة بالملك الوقفي.
23 ــــ التعليمة الوزارية رقم 191/ 2004 المؤرخة في 03/ 04/2004 الصادرة عن وزير الشؤون الدينية والأوقاف، المتضمن إمكانية إنشاء مدارس من طرف الواقفين والسماح لهم بتسييرها. (15/225)
صفحة 226
في الذكرى العشرين
ف
لرحيل شيخ الشباب وشاب الشيوخ
الشيخ قرادي الحاج إبراهيم بن يحي، الحاج أيوب (رحمه الله) (1)
ولد في:31/ 03/1923 – توفي في: 04/ 07/19893
الأستاذ يحيى بن بهون حاج امحمد
جامعة الدكتور يحيى فارس ــ المدية
ت
تمرُّ اليوم عشرون سنة كاملة على رحيل فقيد العطفاء وميزاب والجزائر، الشيخ الحاج أيوب الحاج إبراهيم بن يحي، الشهير بـ "الشيخ ?رادي"، وهي مناسبة عزيزة على قلوب كل من عرفوه وأحبوه من العزَّابة والطلبة والعامة، وحتى من أصدقاء ميزاب من السيّاح والمفكرين الأجانب ...
تمضي السنوات سريعًا ولا يبقى منها إلا ذكر مآثر الأولياء والصالحين، وحسبنا اليوم أن نعرّج على من كان ذاكرة ميزاب الحية في زمانه، على رجل أفنى زهرة شبابه في خدمة مجتمعه وفي التعريف بموروثه الحضاري والفكري، يشد اللُّحمة بين إخوانه في ميزاب وخارجها.
نعم إنها عشرون سنة كاملة تمرّ بحلوها ومرّها، تستوقفنا الأحداث المتعاقبة فيها أحيانا بسرعة الضوء، فنقول في بعض منعرجاتها الصعبة ماذا لو كان شيخنا الفلاني
__________
(1) - لقد وفق الله أبناء بررة للشيخ ?رادي إلى طبع بعض مؤلفات والدهم (رحمه الله)، ومنها كتاب «آثاره الفكرية» في حُلة جديدة مزيدة ومنقحة، وكذا جمعوا ما كان من «الخطب والتعازي» التي ألقيت بمناسبة التأبين لوفاته (رحمه الله)، وكتاب آخر مهمّ ويعدُّ من نوادر أعمال الشيخ ?رادي الفكرية المخطوطة، لأنه لم يكن يكثر من الكتابة، وهو «رسالة في بعض أعراف وعادات وادي ميزاب» .. ، وقد أوردنا صور الكتب الثلاث في ثنايا هذه السانحة المتواضعة. (16/226)
صفحة 227
(رحمه الله) حاضرًا حينها، تُرى ماذا سيفعل وبماذا سيأمر، وإلى ما سيدعو .. كلها أسئلة تتردد، وغيرها كثير سيطرح، لكن رجلا من طينة شيخنا ?رادي الحاج إبراهيم قد أوجد حلولاً لعصره ووُفق إلى الإجابة عن العديد من التساؤلات التي حيرت الناس في وقته، وأقصد هنا بالطبع ما كان في بيئته ومجتمعه .. ?رادي
هذا تعريف مختصر عن حياته. مشوار حياته (رحمه الله) مقتبس من كتاب الشيخ ?رادي آثاره الفكرية، بقلم الأستاذ بكلي عبد الوهاب.
لقد كان المغفور له بإذن الله شاباً ذكياً، وطالبا مجدًّا في مسقط رأسه العطف ثم بمعهد ''الشباب'' في القرارة حيث ساهم بعد التحصيل في حركة التعليم والثقافة التي كان المرحوم الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض رائدها. ومن بين زملائه على الخصوص: الشيخ محمد علي دبوز، والشيخ حمو فخار، والشيخ علي يحي معمر الليبي، وكذا الأستاذ تربح يوسف، بالإضافة إلى التلاميذ سواء في ''معهد الحياة'' أو داخليته التي تعتبر البوتقة التي انصهرت فيها عناصر فتية أتت من مختلف قرى الوادي وخارجه، فتفتقت عبقريات تركت فيما بعد بصماتها على صفحات ''مجلة الشباب'' التي كانت تصدر آنذاك ثمّ في المجتمع توجيها وتعليما وتثقيفا وإصلاحا.
وبعد تزوده بقسط وافر من العلم، وفترة في التدريس بالقرارة، اتجه صوب بلدته التي كانت أحوج ما تكون إلى أمثاله من الشباب المتنوّر والمكوَّن، لمواجهة ومعالجة الأوضاع الاجتماعية التي طغى عليها الجهل وجثم عليها الاستعمار، مسلِّطا عليها شتى أنواع القهر. فكان المرحوم نعم المصباح المضيء في تلكم الدياجي إذ تصدى للعمل في مجالات عدّة مثل التعليم وإصلاح المجتمع بالوعظ والإرشاد للرجال والنساء، وتوجيه الشبيبة وتأطيرها، فأبلى البلاء الحسن، وأضحى إلى جانب زملاء له نِعم الرواد (1).
__________
(1) - ينظر: معجم أعلام الإباضية، مجموعة من الباحثين، نشر جمعية التّراث، القرارة، المطبعة العربية غرداية، ط1، 1999، ج2، صفحات 67 - 68. (16/227)
صفحة 228
كان (رحمه الله) رغم ضعف بنيته يحمل في جنباته نفساً قوية، وروحاً عالية، وحيوية متقدة، متفتحا يتقبل الكثير من الأفكار التي يطرحها عليه الشباب والطلبة على الخصوص حين يستقبلهم، ويغتنم الفرص المتاحة ليقدّم لهم شروحاً وتعاليق على العادات والتقاليد المحلية، وتحليلات عن الفن المعماري المحلي وغيره، مع تبيان لكثير من ملامحه وأسراره. ولم تكن لقاءاته تقتصر على الجزائريين على اختلاف مشاربهم ومناطقهم بل كان الكثير من الأجانب يحظى بالاستقبال والاهتمام كذلك، ليرجعوا مندهشين حقًّا من سعة اطلاعه ورحابة صدره.
ومن الطريف في هذا الصدد ما وقع له مع أحد الطلبة الأجانب.
فقد كان في أحد الأيام ذاهباً من منزله متجهاً إلى أحد الدكاكين ليأتي بالخبز لفطور الصباح، وفي طريقه التقى بوفد من الطلبة الأجانب صحبة عدد من الجزائريين كانوا قاصدين بيته لتبادل أطراف الحديث معه نظراً لسمعته الذائعة الصيت لديهم، فرجاهم الانتظار ودعاهم لمشاركته فطوره، فكان لهم الحديث معه كما أرادوا.
وأثناء المحادثة لاحظ أنَّ أحد الأجانب يكثر الابتسام وكأنَّه استخف بالشيخ، فهمس في أذن أحد المرافقين فأخبره باللهجة المحلية أنَّه أمريكي. وشيئاً فشيئا عرَّج الشيخ على الوضع في أمريكا، وبالتحديد حول قضية ''واتر?ايت'' التي هزَّت الولايات المتحدة بفضيحتها هزاً عنيفاً، وأرغمت رئيسها ''نيكسون'' على الاستقالة. ولما سأل الشيخ الطالب الأمريكي عنها، أجاب بصراحة وبساطة أنّه لا يعلم عنها كثيراً. هنالك انبرى الشيخ في سرد كلِّ جزئياتها من الدواعي إلى مسلسل الأحداث وتداعياتها في دقة أبقت الطالب في ذهول وصمت رهيب، وأذهبت عنه كلَّ ابتسامة بل وصار مشدوهًا.
وعند مغادرته الشيخ، لم يتمالك الطالب أن صرح لمرافقيه الجزائريين قائلا: «إنّها لعمري لسخرية الأقدار، أنا الأمريكي الذي لا يعرف الجزائر بل ولا يعطيها القيمة التي هي أهل لها، تكتب لي الأقدار أن أزورها وأذهب إلى صحرائها بعيداً (16/228)
صفحة 229
عن العاصمة، وألتقي هناك بشيخ مجلل بالعمامة، فيروي لي تفاصيل حدث هام عن بلادي في أدق جزئياته وأبعاده. فيا له من شيخ همام ومحترم، إنّه والله مثل لواسع الإطلاع وبعد النظر والذكاء الحاد لدى أبناء الجزائر عموماً والجنوب خاصّة. أرجوكم أن تعربوا له عن عرفاني وتقدموا له كامل اعتذاراتي لما قد صدر منّي أو فهمه من استخفاف. إنّه والله لشيخ جدير بالتقدير والتوقير».
هذا نموذج معاش سقناه للقراء الكرام للدلالة على مستوى الشيخ ?رادي وتفتحه وتفاعله مع مختلف العناصر وتتبعه باهتمام وجد للأحداث والمستجدات.
وبالفعل لقد عايش المرحوم المشايخ الأجلاء رواد النهضة الإصلاحية في الجنوب أمثال المرحومين الشيخ حمدي أبي اليقظان إبراهيم بن عيسى والشيخ بيوض إبراهيم بن عمر والشيخ عدون شريفي سعيد بن بالحاج وكذا الشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر -البكري- الذي هو كذلك ابن خالته وبمثابة أخيه الكبير، وغيرهم، كما عايش زملاء له سبق ذكرهم يتقدون مثله حيوية ونشاطاً وغيرة، وتحمساً للأفكار التي كان يبثها فيهم هؤلاء المشايخ وغيرهم من الأنصار، شحذوا بها هممهم، ونفخوا فيهم روحاً نضالية عالية غدوا بها عناصر حية، ونبراسا يشع النور في المجتمع، ويقودون الحركة الإصلاحية الدينية والعلمية في سائر ربوع مدن الوادي والجزائر، ويتقمصون قضاياها ويحْدون بشعبهم سيراً إلى الأمام نحو مستقبل أفضل وغد مشرق.
لقد كان حقًّا لتلك الشحنة والتوجيهات القيّمة للمشايخ بليغ الأثر في تكوين شخصياتهم، وتزويدهم بالعدّة الضرورية لمواجهة تحديات تلك الظروف الصعبة.
وهكذا تصدى المرحوم الشيخ ?رادي للتعليم، ودعوة المجتمع إلى الوعي والنهضة الشاملة بمختلف الوسائل، من دروس وخطب ومواعظ في شتى المناسبات، في الجُمع والأعراس والمآتم وغيرها، كما كان مع رفاقه، وخاصّة المعلمين، ضمن المناضلين والمناصرين للثورة المظفرة. (16/229)
صفحة 230
لقد كان المرحوم شديد الغيرة على الدين الإسلامي وعرف كذلك بروحه الوطنية، ولا عجب، فإنّ لتربيته العائلية الأصيلة وتكوينه المتين وتشبعه بالأفكار الإصلاحية المتفتحة بليغ الأثر في نضاله المستميت لتحقيق تلك الأهداف النبيلة.
لقد كان كذلك بعد الاستقلال يغشى الندوات الفكرية للأفذاذ من العلماء والمفكرين، وكان عضوا ناشطا في جمعية ''القِيَم'' التي اتخذت مقرًّا لها بنادي الترقي، كما كان مداوماً على ندوات الألمعي والفيلسوف المرحوم مالك بن نبي (1). وكان من أقرب أصدقائه الأستاذ المرحوم مولود قاسم نايت بلقاسم (2)، كما كان يزور ويتبادل الآراء مع المرحوم الشيخ البشير الإبراهيمي وغيره من رعيل العلماء المسلمين الجزائريين الذين كانت غيرتهم على الدين الإسلامي ونهضة الجزائر لا تزال تدفعهم إلى الرقي بالشعب الجزائري نحو كمال الدين وحسن الخلق، وتعميق الروح الوطنية، تلكم العناصر التي كان لها الفضل وأيّ فضل في التكوين الوطني، وإنجاح الثورة المباركة التي كلّلت بالانتصار واستقلال الجزائر.
وبالمناسبة لابدّ لنا أن نشير إلى أنّ من الأحلام التي كانت تراود المشايخ، رواد الحركة الإصلاحية بالجنوب، هي إصدار جرائد لتنوير العقول ومسايرة الأحداث، فتولى أمرها المرحوم الشيخ أبو اليقظان، رائد الصحافة العربية بالجزائر وأعضاده في حديث يطول، ونشر العلوم والمعارف بفتح المدارس أمام الأبناء لتنشئة الأجيال على بصيرة، وقد تولى قيادتها المرحوم الشيخ بيوض ورفاقه.
وبعد الاستقلال بدا لهؤلاء جميعاً أنّ الحلم والهدف لا يكتمل إذا لم يقوموا بإحياء التراث الإسلامي وإبرازه في قالب جديد. فكان تأسيس ''دار الفكر الإسلامي'' وإصدار مجلة ''الفكر الإسلامي''، تعنى بهذه الشؤون، مساهمة في تركيز
__________
(1) - عندما زار الأستاذ المفكر الكبير مالك بن نبي -رحمه الله- وادي ميزاب، نزل ضيفا على الشيخ ?رادي، وبعد عودته إلى الجزائر كتب مقالا رائعا لخّص فيه زيارته لوادي ميزاب وما شاهده فيه، نُشر المقال باللغة الفرنسية في مجلة "الثورة الإفريقية" ثم تُرجم بعد ذلك إلى العربية ..
(2) - لقد كان الأستاذ الجليل مولود قاسم نايت بلقاسم -رحمه الله- وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية. (16/230)
صفحة 231
الثقافة الإسلامية الأصيلة والمستنيرة. فأسندت للمرحوم الشيخ ?رادي نيابة إدارة المؤسّسة ونيابة رئاسة تحرير مجلتها نظرا لمكانته وقدرته، والثقة التي كان يتمتع بها لدى المشايخ، وعلى رأسهم المرحوم الشيخ بيُّوض الذي سبر غوره، وعرف صفاء معينه ونبل معدنه.
ولقد ضُويقت هذه المجلَّة مع الأسف من طرف المتسلطين المتصرفين في الدولة والحزب آنذاك من دعاة ما سمي بالاشتراكية، وأصحاب الأفكار الغربية الغريبة عن المجتمع الجزائري، فلم تزد على العدد الأوَّل. فما كان من المرحوم إلاَّ أن قفل راجعاً إلى مسقط رأسه لاستئناف رسالته التعليمية بعد قضاء ثلاث سنوات في الجزائر، هذا ولقد كانت له كذلك مساهمات في حركة الصحوة الإسلامية، فعمل مخلصاً وناشطاً، إلاّ أن الألطاف الإلهية شاءت أن تستأثر به، ويلتحق بالرفيق الأعلى.
لقد اختطفت يد المنون المرحوم الشيخ ?رادي وهو في ريعان فتوته، ولَمَّا يتصدَّ لتدوين مذكراته أو تبييض مسوداته الكثيرة التي سجلت جزئيا أو بقسط وافر أحداثا هامة ومتعددة لكنّه لم يتمّها، مرجياً ذلك لوقت يتفرغ فيه للكتابة والتدوين.
وبالفعل كان المرحوم يمتاز بتدخلاته العديدة وتوضيحاته بل وبمحاضراته الشفوية أكثر ممّا يسجل ويكتب. كان كخطيب الجمعة كثيراً ما يلقي خطبته ارتجالاً أو يدخل على الخطب التي ترسلها الوزارة بعض التعديلات فتأتي موفية بالمراد، بليغة التعبير والأداء.
ولو كتب الله له فسحة في الأجل لكان ربّما أو مؤكداً، ترك لنا تراثاً أغنى وأوفر، على أنّ ما قدمه وأفنى حياته من أجله، لجدّ كاف.
وخلاصة القول إنّه كان رمزا للحيوية والنشاط، والصدق في القول، والإخلاص في العمل الدؤوب رغم ضعف بنيته، وذلك لما آثره الله به من إيمان راسخ، وروح قوية، ونفس أبيّة، وهمّة عالية، ذلّل بها الصعاب كلّها، من تسلط (16/231)
صفحة 232
الاستعمار وضغط أذنابه، وجهل وسطه، وتألب المغرضين، وتنكر الجاحدين.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته بجوار الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. وقد وافته المنية بإحدى أعزّ بقاع العالم وهي المدينة المنورة إذ كان عازماً على الحج. وبينما كان يصلّي صبحاً في المسجد النبوي أسلم الروح وهو ساجد لله فلبى نداءه، وإنّه -بحول الله- بَعدُ بجوارهم في البقيع وفي أطهر بقعة في الأرض، المدينة المنورة حيث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المطهرون. (16/232)
صفحة 233
«رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب»:
إن المتأمل فيما بذله الشيخ ?رادي (رحمه الله) في مسيرة مجتمعه، وفي عطائه الاجتماعي المنقطع النظير بالمقارنة مع كثير من أقرانه، وإن لم يكن من المكثرين في الكتابة كما أسلفنا، يلاحظ في جهوده تلك، عزيمة الشباب الدءوب وحنكة الشيوخ الراسخين الموقنين، ومن خلال نظرة متأملة في بعض آثار الشيخ تتجلى لنا العديد من الأفكار ومنها: الغيرة على الدين الإسلامي والروح الوطنية، والدعوة إلى المحافظة على روح الأصالة الفكرية والاجتماعية، وكذا التشبع بالأفكار الإصلاحية المتفتحة .. وغيرها كثير ..
لقد أشار الشيخ في عدة مواقع من هذه الرسالة إلى مواضيع جديرة بالبحث ودعا الطلبة والباحثين الجادين إلى التعمق فيها أكثر في سبيل التعرف عليها والتعريف بها، وقد يشير بنفسه إلى بعضها في أكثر من موضع، كقوله: " .. ولعلنا سنعقد فصلا لهذا الموضوع المهم"، أو قوله: .. "لعلنا سنعود إليه في فرصة أخرى بحول الله"، لكن لقاء الحق تبارك وتعالى لم يمهل شيخنا حتى ينهي هذا الموضوع أو ليُعد رسائل أخرى، ومع ذلك فإن هذه الرسالة كانت سابقة مميزة في نوعها وحجمها بالنسبة لمنطقة مزاب، فقد تفوق الشيخ (رحمه الله) في جمع وتدوين ما عجز عنه الكثيرون أو غفلوا عنه وتغافلوا، وهم يتمتعون بالصحة والشباب وبالإمكانات المادية المتنوعة.
وعن هذه الرسالة يقول (رحمه الله) موضحًا بعض دواعي تأليفها:
" .. وبعد فإني لم أر فيما رأيت من المناطق في أرض الجزائر منطقة استأثرت بأقلام الكتاب سيما الأجانب منهم مثل ما رأيت عن ميزاب، هذه الرقعة الضيقة التي أثارت إعجاب السُّواح الزائرين أو الحكام المتسلطين أو المؤلفين النُّزهاء، فلو ذهبنا نعدد ما كُتب من المؤلفات والمقالات منذ قرن من الزمن لوجدنا ما قد يدهش الإنسان منه كثرة وتنوعًا. (16/233)
صفحة 234
ولكن -والأسف ملء الجوانح- لا يوجد في كل هذه المؤلفات إلا عدد ضئيل مما كتبه أبناء المنطقة، وهذا بالطبع يرجع إلى كثير من العوامل المعقولة وأعظمها -فيما نرى- نقص الكفاءة، والمعاصرة، وعدم وجود المصادر الكافية، وتضارب أراء المعاصرين ممن يحفظ التاريخ أو يعلله، كل هذا يجعل الكاتب الذي يريد أن يؤرخ أو يسجل الأحداث التي يرويها عن المعمرين (1) من المعاصرين على الطريقة الأنتربولوجيه في حرج، يحتاج معه إلى كثير من النزاهة والموضوعية لكي يستطيع أن يرجح يبن الروايات المتعددة والمتضاربة أحيانا، ولكي يطمئن إلى حقيقة قد لا ترضي الكثير من الناس، وكل هذا ما جعلني أتحرج أن أكتب في هذا الموضوع الشائك كتابة ترضي الحقيقة وترضي الضمير الحر، وتنصف هذا المجتمع المظلوم حينا والمغموط الحق أحيانا.
وبناء على كل ما قدمت سوف لا أكتب عن التاريخ إلا قليلا من الحقائق الموجزة بها، ثم أتوسع في دراسة المجتمع المزابي كما هو عليه الآن مع بعض التطورات التي حدثت فيه منذ وطئت أقدام المستعمرين هذه الأرض، سائلا الله العلي القدير أن يوفقني لأعرض صورة صادقة لهذا المجتمع الذي لا يزال -رغم كل ما أصيب به- مجتمعا مسلما على وجه العموم، وسأحاول ما استطعت الاختصار فالموضوع واسع والجوانب التي يجب الكتابة فيها متعددة وفقنا الله إلى اختيار أهم هذه الجوانب حتى نكون قد أدينا بعض الواجب .. " (2).
إن أسلوب الشيخ (رحمه الله) لا يخلو من طرافةٍ وطلاوة بل وحلاوة أيضا، فأسلوبه السلس يأسر الألباب ويجعل القارئ يسترسل في قراءة فصول الرسالة حتى لا يكاد يشعر إلا وقد أنهى قراءتها، مما يدل على بساطة في الطرح، وعفوية وتلقائية في العرض، فأسلوبه كما يبدو واضحًا متجهٌا إلى الجماهير العريضة من الناس،
__________
(1) - يريد: من طال عمره حتى أدرك عصرنا الحالي.
(2) - ينظر: الشيخ ?رادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، تح، يحي بن بهون حاج امحمد، نشر جمعية النهضة، ط1، 2009، ص11، 12. (16/234)
صفحة 235
فيتلقف الفائدة المتعلم وغير المتعلم والكبير والصغير، وفي أسلوبه تظهر شخصيته المتزنة والحاذقة، تستعرض تجارب حياة ملأها التواضع ورجاحة العقل وسعة الصدر، حتى لقد صدقت فيه شهادة أستاذه الشيخ إبراهيم أبي اليقظان (رحمه الله) رائد الصحافة العربية في الجزائر، حين قال عنه في مُلحق السّير: " .. هو أديب أريب، ذكي الفؤاد، كريم الخُلق، راجح العقل، متّزن الفكر، واسع الصدر، متواضع، لم تستفزّه زهرة الحياة عن الاشتغال بالمفيد المثمر، خصه الله بمميزات ومواهب نادرة قلما يحظى بها شباب عصره، من عفة ورصانة ونزاهة وثبات على مبدإ الحق .. " (1).
والحق أقول إن ذاكرة حيّة مثل التي للشيخ الـ?رادي لم يعرف مزاب مثيلا لها مند عقود خلت، وإننا -مع قلة ما ترك الشيخ من مدونات- نتلمس غنى الشروح الضافية والتعاليق الدقيقة الموفقة، رغم أن الشيخ لم يُفصّل في بعض الأشياء كدَور الأُمناء، ولم يذكر عادة ختان الأطفال، ولا استقبال وتوديع المسافرين .. ، إلا أنه فتح المجال لكل من يريد تقديم المزيد من التعاليق، ومن يريد البحث فيما قيل وما يمكن أن يُقال، فكان عمليا موضوعيًا.
وإن كل العادات والأعراف التي ذكرت هنا سننٌ لا تقاليد بالية، وإن كانت تبدو لمن ينظر إليها نظرة سطحية أنها كذلك، فليتأكد وليبحث من شاء ليدرك أنها فعلاً نابعة من صميم العقيدة الإسلامية والسنة النبوية المطهرة، بل متعلقة بها صباح مساء، مما يدل دلالة قطعية على التزام أهل مزاب بمذهب أهل السُّنة، وفي الكتاب إشارات عديدة لا حصر لها عُد إليها في مظانها من الكتاب.
وهذا فهرس الرسالة:
__________
(1) - الشيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان، ملحق السير (مخ)، ج3، ص521. (16/235)
صفحة 236
01 - ملامح المجتمع المسلم.
02 - ميزاب.
03 - تجنينت أو العطف.
04 - أسماء القُرى وتعريبها.
05 - هل جاء المزابيون دفعة واحدة أم في فترات؟!
06 - تأسيس القُرى ومعمارها.
07 - كيف أُنشئت الواحات حول قرى ميزاب؟
08 - الواحة أو الأجِنَّة والغاية منها.
09 - السدود وتوزيع المياه.
10 - الروح الجماعية.
11 - الزراعة الجماعية.
12 - المساجد وهيآتها.
13 - هيئة "العزَّابة".
14 - "إِروَان" أو التلاميذ.
15 - "إِمَصُّوردان".
16 - "تِمسِرِدِينْ" أو منظمة النساء الغاسلات.
17 - مؤتمر الغاسلات السنوي "لا إله إلاَّ الله".
18 - جماعة "لَمكاريس" أو المجلس البلدي.
19 - المجلس الأعلى للهيئات الدينية "عمي سعيد" و"أبي عبد الرحمن الكُرثي".
20 - مجلس الاستئناف.
21 - الأعراس.
22 - عقد الزواج.
23 - مراسيم العُرس.
24 - كيف تبدأ حفلات العرس؟!
25 - "الوَزْرَانْ " أو الوُزراء.
26 - الحجبة.
27 - الوليمة وحفلة التتويج.
28 - كيف تكون هذه الوليمة؟!
29 - مظاهر العرس من ناحية البنت.
30 - العشيرة.
31 - الجمعيات الخيرية وأثرها.
32 - الأعياد والمراسيم.
33 - شهر رمضان.
34 - الصدقات.
35 - الختمات في المساجد.
36 - عيد الفطر المبارك.
37 - المولد النبوي الشريف.
38 - عيد الزيارة.
39 - الأوقاف أو الوصايا.
40 - المقابر ومجالسها القرآنية.
41 - النهي عن المنكر.
42 - السوق وتقاليده.
43 - القطيع أو الحرَّا?.
44 - البراءة أو الحكم والعقوبات. (16/236)
صفحة 237
في الكتاب صور توضيحية وشروح عديدة أضفناها لتفيد القارئ الكريم وتقرب إليه المراد أكثر.
ولعلي أختم هذه السانحة بكلمة للدكتور صالح خرفي (رحمه الله) في حق شيخنا نوردها هنا للإفادة:
« ... خبِرنا الراحل أستاذًا في ''معهد الحياة'' وما يزال صدى صوته يتجاوب في الحنايا الوفية لذكراه الخالدة، وعرفناه كلمة خير في مجلس، واتقاد ذهن في معرفة، وومضة ذكاء في أنس، وفاتحة مكرمة في طريق الخير. فكان الجامع الواعي لفضائل النفس، والفكر والعقل، وكان نفحة من الآية الكريمة في أب الأنبياء عليه وعليهم السّلام. {إنَّ إبْرَاهِيمَ كانَ أُمَّةً} ..
خطوته مشروع خير، وكلمته معاهدة صلح، ومجلسه علم ومعرفة، وصدارته ريادة صادقة، وذاكرته ثروة دافقة، يحلق بالمجلس سمو نفس، ويجنّح به براعة ظرف، فلا يلتقي مجالسوه إلاّ على مودّة وصفاء، ولا ينفضّون إلاّ على أكرم وفاء.
{يُوتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ اوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}
كانت «جمعية التراث» خاتمة فضائله في الدنيا وفاتحة حسناته في الأخرى، رعاها فكرة حالمة بين أوفياء وأصفياء، واحتضنها وليدة، ووهبها «العطف» مهدا ومقرا، فكانت عرفانا بسابق أفضاله، وتتويجا لجليل أعماله، وستبقى في «العطف» رمز وفاء لذكراه. تصل ما انقطع من عمله، دعاء صالحا، وعلما نافعا وصدقة جارية.
تغمدك الله برحمته الواسعة يا راحلنا الخالد، نودعك راحلا، ونعانقك خالدا، راحلا بجسمك باقيا بمآثرك. نفتقد محياك الوضيء في مجالسنا، ولكن لن نفتقد أبدا ذكرك الطيّب، وعطاءك الموصول، فقد غرست فينا أبناء وطلبة وإخوة معنى الوفاء لك مربّيا وأستاذا، مقيما وراحلا ..
تونس: الخميس 3 ذو الحجة 1409هـ (16/237)
صفحة 238
الموافق لـ: 6 يوليو/تموز 1989م
الدكتور صالح خرفي - مدير إدارة الثقافة
المنظمة العربية للتربية والثقافة تونس
في الأخير آمل أن أكون قد تعرضت إلى بعض ما يفيد القارئ الكريم، وإن كان هذا غيضًا من فيض، يدفع أكثر - من دون شك - إلى التعرف على حياة الشيخ ?رادي (رحمه الله)، وعلى آثاره الفكرية والأدبية، ولعل هذه حلقة من سلسلة حلقات أخرى ستأتي -إن شاء الله تعالى- في حينها، فالله نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (16/238)
صفحة 239
قراءة في رسالة مهرجان الوفاء
لتأبين الشيخ عدُّون
وتدشين المبنى الجديد لمعهد الحياة
الأستاذ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
كلية العلوم الإسلامية - جامعة الجزائر
ي
يعيش الإنسان في الحياة مدة من الزمن ثم يغادرها بالموت ليترك من ورائه الذكر والأثر والنهج، ثم تأتي الأجيال لتحيي سيرة أعلامها العاملين ورجالها المخلصين الذين تركوا بصماتهم في التاريخ عرفانا لهم، واقتداء بهم، واستمدادا من شخصياتهم، وثباتا على نهجهم ومسلكهم.
إن الحدث التاريخي الكبير الذين شهدته مدينة القرارة نهاية شهر أفريل والفاتح من شهر ماي من سنة 2009م المتمثل في مهرجان الوفاء نستطيع تصنيفه ضمن هذا الإطار، ونستطيع اعتباره محطة تاريخية مهمة في مسيرة المجتمع الميزابي في الجزائر، ومعلما في استشراف مستقبله.
ذلك أن المهرجان جمع بين حدثين هامين، تمثل أولهما في الاحتفاء بالشيخ عدون الذي يعد أحد رموز الحركة الإصلاحية وأحد ركائزها؛ ممن ترك بصمته بوضوح في مسارها الطويل، وتمثل ثانيهما في تدشين المبنى الجديد لمعهد الحياة، هذا الصرح العلمي العريق الذي أشرف عمره على التسعين، والذي يعد ركيزة تكوين أجيال الأمة خلال القرن العشرين وإلى حد اليوم.
إذن: ماذا يمكن لنا أن نقرأ من رسائل في أحداث هذا المهرجان ونتائجه؟:
الرسالة الأولى التي يقرأها المتتبع لمجريات الأيام الثلاثة للمهرجان هي ذلك التجنيد الكامل الذي دخلت فيه بلدة القرارة بمختلف شرائحها، حتى إنه ليترآى للناظر أن (17/239)
صفحة 240
البلدة تعيش عرسا علميا وثقافيا واجتماعيا، وزعت فيه الأدوار بإحكام واقتدار بين مشايخ البلدة وأعيانها وأساتذة المعهد وطلبته ومعلمي المدارس وأعضاء الجمعيات وفرق الكشافة والمجموعات الفنية والنساء وجماعات التل، دون أن يستثنى أحد أو يشعر بتهميش أو إقصاء.
كل ذلك في تنسيق وتوافق وانسجام منقطع النظير، فتحولت البلدة إلى خلية نحل كل يؤدي فيها دوره بحب وكفاءة وتضحية، فرسمت بذلك لوحة فنية باهية الألوان باهرة الجمال.
إن هذا التعاون والتكاتف والتوافق ينم عن الوعي العالي الذي بلغته القرارة ومجتمعها، ويعبر عن الصف المتراص وراء قيادة رشيدة، وعن انقياد طوعي مسؤول للرعية، سمح بتحقيق هذا النجاح، ويعد هذا بلا ريب مظهر من مظاهر الحضارة والرقي الذي تصل إليه المجتمعات والأمم المنسجمة فكريا والمترابطة اجتماعيا، وهو بلا شك ثمرة جهود متواصلة متراكمة استغرقت زمنا ليس باليسير على نهر التاريخ.
كما سجل كذلك حضور مكثف لأبناء القرارة القادمين من كل أرجاء الوطن شمالا وجنوبا شرقا وغربا، وفي ذلك دلالة عميقة على الارتباط بالوطن وحبه والتعلق به وعيش آماله وأحلامه، والالتفاف حول مشايخه وأعيانه وهيئاته، كما أنه وفاء لنهج الشيخ عدون واعتراف بأفضاله وجهوده.
كما نقرأ في الحضور المكثف لمختلف الوفود من أرجاء الجزائر و من قرى وادي ميزاب وفاء لحركة الإصلاح وزعمائها وعلمائها، الذين قادوا وادي ميزاب خلال القرن العشرين انطلاقا من القرارة وبذلوا التضحيات الجسام وجابهوا الأمواج المتلاطمة من قوى الفساد والاستعمار والجمود والجهل والعصبيات حتى عبروا بالمجتمع إلى ساحل الأمان، وبلغوا به ما نشاهده اليوم من نهضة ووعي وتطور في مجالات عديدة من الحياة.
كما أن في حضور وفود الإباضية من مختلف مناطق وجودهم في العالم من عمان وليبيا وزنجبار تعبير عن أواصر المحبة وعبارات الوفاء وعلاقات الصداقة المتراصة المتينة التي تربط الإباضية (17/240)
صفحة 241
بعضهم ببعض، وهو تعبير عن التواصل العلمي والثقافي والحضاري بين أبناء المذهب الإباضي في العالم، كما هو عرفان بدور القرارة ومعهد الحياة في بعث حركة التجديد والنهضة في المجتمع بوادي ميزاب.
كما أن حضور وفد جبل نفوسة بعد انقطاع لأزيد من عشريتين من الزمن لفيه بشارة بعودة الحياة والحركة إلى حاضرة الإباضية بجبل نفوسة مع مهرجان الوفاء، وبذلك يكون التاريخ قد أعاد نفسه عندما احتضن الشيخ بيوض في معهد الشباب ثلة من أبناء جبل نفوسة وكونهم ثم دفعهم إلى بلدهم لينفخوا روح الحياة فيه من جديد قبل قرابة القرن من الزمن.
كما أن في حضور وفد من جمعية الاستقامة بزنجبار والجزيرة الخضراء دلالة على الوفاء لجهود القرارة ومعهدها وبعثتها في احتضان الدفعات المتتالية لطلبتهم وتكوينهم لحمل لواء التعليم والتربية والدعوة في حركة هذه الجمعية الفتية.
كما أن في رعاية رئيس الجمهورية للمهرجان وحضور السلطات الرسمية الممثلة في وزير الشؤون الدينية فعالياته تعبير عن علاقات الاحترام والتقدير المتبادلة بين هذا المجتمع ودولته، وتقدير منها للرجال العاملين المخلصين في توطيد مقومات الشعب الجزائري في النفوس.
كما أن في حضور وفد هام من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تأكيد على العلاقات المتينة التي تربط الجمعية منذ تأسيسها إلى اليوم بمشايخ وادي ميزاب وعلمائها، والعمل المشترك على ما يخدم قضايا الأمة والجزائر والإسلام.
كما أن في حضور أئمة ودعاة وشخصيات من كل أرجاء الجزائر دلالة على السمعة الطيبة للمجتمع، وعلى تفتحه على إخوانه الجزائريين، وعلى ربط أواصر المحبة والتعاون معهم، وعلى نشاط جماعات التل ووعيهم بضرورة التعريف بمجتمعهم.
من جهة أخرى نقرأ في رسالة هذا الملتقى العظيم تلك الصورة النموذجية التي رسمها مجتمع وادي ميزاب من خلال القرارة لذلك (17/241)
صفحة 242
التوافق والانسجام بين أبعاد الهوية الوطنية الجزائرية، حيث أعطت أروع مثل لانصهار قيم الإسلام ومبادئه في الموروث الأمازيغي الميزابي، ولتلاقي الحضارة الإسلامية مع التجربة الاجتماعية الأمازيغية الميزابية، ولتوافق اللسان العربي مع اللسان الأمازيغي الميزابي، ولتناغم الأعراف والتقاليد الأمازيغية الميزابية مع مقاصد الشريعة الإسلامية وقواعدها الكلية، دون أن يكون في كل ذلك أي تنافر أو تعارض أو تشاكس.
فكانت هذه اللوحة الأصيلة دينيا وجزائريا مرسومة بإتقان ومعروضة أمام الملأ جلية ناصعة البياض.
لعل مثل هذه اللوحة الأنيقة هي ما تكون الجزائر في أمس الحاجة إليها لحل إشكالية الهوية والمرجعية الفكرية والحضارية التي ما انفكت تتطاير شظاياها هنا وهناك في أرض الجزائر.
من الأقلام والألوان التي رسمت بها هذه اللوحة أن افتتح المهرجان بالقرآن الكريم ثم بالنشيد الوطني بمقاطعه الأربعة، وأن اكتسى المحفل حلة بيضاء ناصعة من اللباس الجزائري والميزابي الأصيل، وحاضر الجمع وقالوا شعرا ونثرا وأنشدوا باللسان العربي الفصيح البليغ، وأعلوا شأن الإسلام والعلم والأخلاق والمبادئ، وتغنوا بالوطن والتاريخ والأمجاد والشهداء.
كما اجتمع على صعيد واحد الإباضي مع المالكي، وجلس العربي بجنب الميزابي والقبائلي بجنب الشاوي، وتصافح الجنوبي مع الشمالي والشرقي مع الغربي؛ يتقاسم الجميع صفتي الجزائر والإسلام.
بذلك رسخ المهرجان أروع صورة للتعايش المنشود، الذي ينبغي أن تحيا فيه الجزائر، ويعيش في كنفه كل الجزائريين.
من جهة أخرى نقرأ في رسالة المهرجان في جانبه التنظيمي والإعلامي والعلمي قفزة نوعية إلى الأمام في مسألة اكتساب الخبرة التنظيمية والتحكم التكنولوجي والتسيير العلمي، حيث شهد المهرجان تنظيما محكما في جل جوانبه وأغلب فقراته؛ من استقبال الضيوف وإيوائهم وتقديم الوجبات لهم، وتأطير الإعلاميين وتوفير وسائل العمل لهم، وإعداد صرح المهرجان واختيار لافتاته وشعاراته والتحكم في الصوت وإرساله، والبث المباشر لوقائعه إلى كل البيوت في البلدة.
والشيء نفسه يقال عن التأطير (17/242)
صفحة 243
العلمي حيث أشرفت عليه جمعية التراث المكونة إدارتها من نخبة من الدكاترة والأساتذة الجامعيين، حيث لاحظنا ضبطا في سير الجلسات العلمية، وانتقاء باقة من المحاضرات المهمة حول فكر الشيخ عدون ومعهد الحياة وحركة الإصلاح، والاستماع إلى جملة من المناقشات والتعقيبات والإثراءات المفيدة، ثم الاستمتاع بسهرات فنية أدبية شعرية رفيعة الذوق عالية المستوى، ثم الخلوص إلى باكورة من التوصيات العملية الهادفة التي اختتم بها المهرجان أعماله.
من جهة أخرى نقرأ في رسالة المهرجان أنه كان لحظة تاريخية حاسمة في مسيرة الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب، حيث جددت الوفاء لمشايخها بداية من الشيخ الأفضلي إلى الشيخ الثميني إلى الشيخ اطفيش إلى تلاميذهم وصولا إلى الشيخ بيوض وانتهاء إلى الشيخ عدون، كما جددت العزم على السير في نهجهم واقتفاء آثارهم وتحمل أمانة تبليغ مشروعهم للأجيال.
حيث نستطيع أن نقرأ في المهرجان ملامح الإصلاح في ثوبه الجديد خلال القرن الواحد والعشرين الذي جمع بين أبناء الحركة الإصلاحية من كل وادي ميزاب والنخبة العلمية الجامعية والإطارات والأعيان، مع مد اليد لكل الأطياف الخيرة في وادي ميزاب. لأجل مواصلة مشروع التربية والتعليم لتكوين الجيل وإصلاح المجتمع وفق متطلبات العصر، ونصرة القضايا الوطنية في الجزائر، وتبني الإسلام الحضاري الوسطي المعتدل المتعايش مع جميع المذاهب الإسلامية.
حيث استطاع المهرجان أن يعيد بريق المرجعية الإصلاحية ويعطيها نفسا جديدا ويزيدها قوة ووحدة وتمكنا وتجددا.
وفي المقابل فقد حمل المهرجان المرجعية الإصلاحية آمال الأمة في الوحدة، وأمانة الدين ومسؤولية التاريخ، من خلال تدشين النسخة الجديدة من معهد الحياة للقيام بالواجب كما ينبغي في سبيل إعداد جيل الاستخلاف وتربيته، والثبات على نهج الشيخ عدون لأجل إقامة المجتمع الإسلامي المنشود، كما كان ذات يوم على عهد النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام. (17/243)
صفحة 244
الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ باحمد بن محمد ارفيس
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الأطعمة المصنعة الحديثة
بين التأصيل الشرعي والتحليل العلمي
ا
الحمد لله الذي أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، وصلى الله على سيدنا محمد، الذي بيَّن لنا ما للطعام الحلال من أثر على الإنسان؛ في صحة بدنه، وسلامة سلوكه، وقبول دعائه.
وبعد، فهذا ملخص بحث «الأطعمة المصنعة الحديثة بين التأصيل الشرعي والتحليل العلمي»
يتجه البحث إلى دراسة الأطعمة المصنعة الحديثة، وما يُقحم فيها من مواد مضافة قد يكون مصدرها محرَّما كالميتة والخنزير؛ للوصول إلى الأحكام الشرعية.
ومن أهدافه:
* ــــ توضيح الرؤية في مسألة الأطعمة المصنعة، بحيث يكون المسلم على بصيرة مما يأكل، وتقديم الحلول لأوضاع المسلمين في العالم، وبخاصة للجاليات في المهجر.
* ــــ دفع البحث العلمي في العلوم الشرعية إلى الجانب التطبيقي العملي الذي تظهر ثمرته في حياة الناس.
* ــــ تفعيل حركات التنمية في البلاد الإسلامية، خصوصا في الجانب الغذائي قصد الاستفادة من ثرواتها، وتصنيع أطعمتها وفق شرع الله، والتخلص من التبعية الاقتصادية.
وبالنسبة لما سبق من الدراسات فقد انصب جل الاهتمام على الذبائح (18/244)
صفحة 245
واللحوم المستوردة، ولم تُحظ المواد المضافة بدراسة تحليلية كافية، بل كثيرا ما كان يُقتَصر على ذكر نماذج دون التعمق في التراكيب والكميات وطرق التصنيع والتحويل. مما يجعل الكلام فيها، والحكم عليها بالطهارة أو النجاسة، وبالتغيير بناء على الاستحالة، أو بانعدام التأثير بناء على الاستهلاك، يحتاج إلى مزيد تثبُّت، وإلى دراسة أوفى وتحليل أدق.
من هنا تبرز ضرورة التحقيق في تلك الأطعمة، ودراستها دراسة تحليلية دقيقة، لمعرفة مصادرها ومحتوياتها ونسب مركباتها، ومدى نفعها وضررها. وذلك لتنزيل الأحكام عليها حلاً أو حرمة، بعد استقراء أسس بناء تلك الأحكام، من نصوص شرعية، وقواعد فقهية كلية، واجتهادات العلماء وآرائهم في المسائل ذات الصلة بالموضوع.
ويدخل في الدراسة ما توصل إليه العلم الحديث من تغيير وراثي للأطعمة النباتية والحيوانية، حيث يتعين إلقاء الضوء على بعض جوانبه، وعرضه على موازين الحلال والحرام، من خلال مقاصد الشريعة وأصولها العامة.
وتبين الحيثيات الأولى لهذا الموضوع أن مدار البحث يحوم حول المواد المحرمة التي تضاف إلى الطعام الطاهر الحلال من جهة، والأطعمة المتحولة من طبيعتها إلى طبيعة مغايرة بفعل التخمر، والتفاعلات الكيماوية، أو التحويرات الجينية من جهة أخرى.
الأطروحة والمنهج:
يحاول هذا البحث أن يدلل على الأطروحة التالية:
لا يمكن إرساء الأحكام الشرعية لما يستجد في عصرنا من نوازل في أي مجال من مجالات الحياة، ومنها بالضرورة مجال الأطعمة المصنعة، إلا بعد دراسة ما يحيط بتلك النوازل؛ بإعمال ما توصلت إليه البشرية من فنون، وتراكَمَ لديها من معارف وعلوم، دراسةً علمية تحليلية شاملة، علاوة على البحث المقاصدي والفقهي.
ويتوجه العمل في هذا البحث إلى إبراز دور تلك الدراسة التحليلية في إرساء المفاهيم العلمية، وترجيح الصائب من الأقوال.
المسلمات:
1 ــــ التحليل والتحريم لله وحده، وليس أمرا ذوقيا تقرره الأهواء، وتحدده الطبائع والأمزجة والعادات. بل هو (18/245)
صفحة 246
توقيف إلهي، وتشريع سماوي كلَّف الله به عباده، فما عليهم إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا.
2 ــــ أحكام الأطعمة تندرج في جملة التكاليف الشرعية التي ينبئ الامتثال بها عن الإقرار بألوهيته سبحانه، والاعتراف بجزيل فضله وسابغ نعمه.
3 ــــ الحيوانات التي أباح الله أكلها هي كائنات حية تتمتع بالروح والإحساس، إلا أن الله سخرها تكريما للإنسان لحمله عبء الأمانة؛ فليس له أن يتسلط عليها إلا باسمه عز وجل، ولا أن يتصرف فيها إلا وفق ما شرعه وارتضاه.
4 ــــ لمسألة الطعام شأن عظيم في ميزان الشرع، فالله تعالى ما أخرج أبانا آدم من الجنة إلا لما ذاق الشجرة، وفي هذا دلالة على خطورة اقتراف الحرام.
5 ــــ لم يخل تشريع من التشريعات السابقة للإسلام من التكاليف والأحكام المتعلقة بالأطعمة، وهذا يعكس بالغ الاهتمام الذي أولاه الله تعالى لما يتناوله الإنسان.
ويمكن قبل الانطلاق في تحديد المنهج وتفصيل الخطة تسجيل ملاحظات أهمها:
1 - الذبائح واللحم الحلال:
إن الذبح الحلال يقتصر أثره على اللحوم ولا يتعداه إلى الأطعمة المصنعة وما يضاف إليها من مواد؛ وذلك لأن شركات التصنيع لا تلتزم بتحري الحلال، وعلى فرض التزامها فإن تلك الصناعة تتطلب كميات كبيرة من المادة الخام، والذبح الشرعي في الغرب لا يلبي تلك المتطلبات.
2 - الاستحالة والاستهلاك:
لوحظ الاعتمادُ في كثير مما أُلِّف حديثا في الموضوع على مبدإ الاستحالة والاستهلاك للقول بحل ما يضاف إلى الطعام من مواد مستخلصة من مصادر محرمة.
وهذا يطرح جملة من استفسارات عن أمور منها:
أ- مدى جواز الانتفاع بالميتة. هل يجوز اقتناؤها وخزنها ومعالجتها قصد استعمالها في طعام الإنسان؟ وهل يجوز بيعها؟.
ب- ما أثر التراكم في القول بالاستهلاك؟ فالكميات القليلة التي يتناولها الإنسان قد تصبح كبيرة (18/246)
صفحة 247
بعامل التراكم والدوام. والأمة بأسرها كم تستهلك من هذه المواد؟ فلو تم إحصاء ما يدخل موانئ المسلمين لعُدَّ منها الأطنان.
والكلام في الاستحالة يقتضي تحديد ما إذا كانت تعني انقلابا كليا تاما تتفكك فيه المادة إلى عناصرها الأولى، أم أنه يكفي أن تتغير تركيبتها جزئيا بحيث تفقد بعض الصفات أو تكتسب خصائص جديدة. وهل لنا في الشرع أصل حَكَم النصُّ بثبوت الاستحالة فيه ليقاس عليه؟.
المنهج والخطة:
تتجه الدراسة في البداية إلى النظر في الأصول الشرعية التي تبنى عليها تفاريع الأحكام في مسائل الطعام، وتحديد الضابط في تلك الأحكام.
ثم يأتي التحليل العلمي للمواد التي تضاف إلى الأطعمة التي تدخلها الصناعة ودراسة مصادرها ومقاديرها وطرق إقحامها وبيان مدى تأثيرها واحتمال اشتمالها على أضرار.
ولتحقيق ذلك التزم البحث المناهج الآتية:
* ــــ المنهج الاستردادي الذي عُني بتتبع تطور التصنيع في الأطعمة، وكيف أثَّر ذلك على سلوك المجتمعات وظهور أنماط جديدة من العادات.
* ــــ المنهج الوصفي التحليلي وذلك بعرض كيفيات تصنيع المواد بما يتلاءم وطبيعة البحث الشرعي، بغية الوصول إلى إرساء الأحكام.
* ــــ المنهج المقارن لتتجلى بالخصوص أوجه الاختلاف وأسبابه، ممّا يمكِّن من الوصول إلى الترجيح والاستفادة من كل المدارس والفقهاء وآثرهم وأقوالهم.
* ــــ المنهج النقدي بتمحيص الأقوال والآراء الفقهية وعرضها على الكليات الشرعية والحقائق العلمية المنبنية على التحليل للوصول إلى ترجيح ما يغلب على الظن أنه الصواب.
وبناء على تلك المناهج قسمت الخطة إلى بابين: باب شرعي وباب علمي.
ورأيت أن أصدر للبحث بفصل تمهيدي قسمته إلى مبحثين: ذكرت في الأول منهما باختصار أهم الأطعمة التي كانت موجودة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهديه في ترشيد الإنفاق والحث على الصدقة والإطعام.
وفي المبحث الثاني بينت كيف (18/247)
صفحة 248
تطورت الأطعمة في عصر التصنيع، وما استتبع ذلك التطور من أحداث وأفرز من آثار سواء في البلاد الغربية منشإ تلك التطورات، أو في البلاد الإسلامية التي تأثرت بها بالتبع. مركزا بالخصوص على الجانب الشرعي، وكيف أن الفتاوى اضطربت ولم تتحد على نسق واحد إزاء ما يصدر من جديد في مجال الطعام.
أما الباب الأول فخصصته للتأصيل الشرعي؛ فاستعرضت في الفصل الأول منه أهم ضوابط التحليل والتحريم في الأطعمة كما وردت في نصوص التشريع وشروح الفقهاء.
فجاء في المبحث الأول بيان حكم الإسلام في الميتة والدم والخنزير وكيفية الذكاة الشرعية، بما في ذلك ذبائح أهل الكتاب واللحوم المستوردة من البلدان الغربية بالخصوص. وهذا لأن ما يدخل في صناعة الأطعمة معظمه حيواني المصدر، فهو تابع في الحكم لتلك اللحوم.
وبما أن الأطعمة المصنعة الحديثة يدخل فيها آخر ما تفتق عنه الذهن البشري من معارف وكشوفات، ويحكمها التسارع الرهيب والتنافس المحموم الذي تتسم به الصناعات عموما، وصناعة البيوتكنولوجيا الحديثة بالخصوص، بحيث يظهر الجديد كل يوم وتتبدل التركيبة في الطعام الواحد عدة مرات في الزمن اليسير؛ فإن معرفة الأصول التي تحكم هذه الأمور وتضبط مسارها يغني عن ملاحقة ذلك التطور السريع الذي لا يقر له قرار؛ ذلك لأن التشريع الإلهي صالح لكل عصر ومكان، لا يضيق أبدا عن الجديد، ولا يبلى مع الزمان.
ولقد جاء المبحث الثاني بالتفاصيل في هذا الجانب وذلك بعرض الكليات الكبرى ومقاصد التشريع، وتحديد الأصول التي يمكن تخريج أحكام الأطعمة المصنعة وفقها.
أما الفصل الثاني فخصصته للكلام عن النجاسات وتطهيرها وذلك لاقتران الحل والحرمة في الأطعمة بالنجاسة والطهارة عند أغلب الفقهاء. فحاولت ضبط مفهوم النجاسة وذكر الأعيان النجسة ذات الصلة بالطعام في المبحث الأول، وفي الثاني بينت أحكام تطهير النجاسات بالاستحالة والاستهلاك.
ومما تعرض له المبحث من قضايا علمية كنماذج لهذين الأصلين، أحكام الدهون ومشتقاتها من مستحلبات ومذيبات، والجيلاتين (18/248)
صفحة 249
والأجبان المصنوعة بأنافح الميتة أو إنزيمات الخنزير.
ثم بعد التأصيل يأتي تخريج الفروع على أصولها، وهو ما تضمنه الباب الثاني من البحث، إذ عُني بالتحليل العلمي للأطعمة المصنعة الحديثة، وبمحاولة البت في أحكامها الشرعية على ضوء ما ترجح في باب التأصيل.
فاختص الفصل الأول منه بالمواد المضافة إلى الأطعمة وبحث أنواعها وسلامتها أو سميتها، ووجوه الاشتباه الشرعي فيها. كما درس مسألة الاضطرار إليها أو عموم البلوى بها والبدائل الحلال الكفيلة بتعويضها.
وفي الفصل الثاني جاء الحديث في المبحث الأول منه عن نواتج التفاعلات الإنزيمية التي يعتبر التخمر الكحولي من أهمها، وذلك لما للكحول من دور أساسي في إذابة الكثير من المضافات بغية مزجها بالطعام. والتجبين الناتج عن نشاط إنزيمات الإنفحة والبيسين مع دراسة أنواع الجبن وطرق تصنيعها وكمية الإنفحة بها، وحكم استعمال إنزيمات الميتة أو الخنزير في صناعتها.
وفي المبحث الثاني اختص الكلام عن التحوير الجيني لمصادر الطعام، وما انجر عن ذلك من مشاكل انعكست بالسلب على كثير من البلدان الفقيرة في العالم لما استعمل التطور العلمي لجلب المصالح المادية الخاصة ولو على حساب جوعة الجوعى، بحجة براءات الاختراع والتجارة الحرة وصون أسرار الشركات وما إلى ذلك من اصطلاحات.
ثم خلصت بحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات إلى خاتمة ضمنتها في اختصار أهم ما ورد في البحث من نتائج وما ظهر لي من اقتراحات وتوصيات.
ولقد لاحظت خلال مسار هذا البحث ضرورة أن يكتسب من يشتغل بالعلوم الشرعية والفقه بعض الدراية بمجريات الأحداث، وأن يستوعب من الفنون ما يمكنه من تمييز الخطإ من الصواب؛ ذلك لأن الاعتماد كلية على أهل الاختصاص في مجال من المجالات من غير سابق معرفة يجعل عالم الشريعة عرضة لأن يدلَّس عليه، بالخصوص إذا كان الأمر يمس المصالح أو يضايق بعض الناس.
ومن أهم الأصول التي تخرج (18/249)
صفحة 250
عليها الفروع في مجال الأطعمة المصنعة الحديثة نلخص ما يلي:
1 - مقاصد الشريعة:
اتجه البحث إلى إبراز ما لمقاصد الشريعة وأهدافها العامة من دور في إرساء أحكام النوازل، وما للتعليل من أهمية في استنباط تلك الأحكام. فالتعليل يعتبر أساس الفكر المقاصدي، وبإعمال الأدوات المعينة على فهم النصوص وتطبيقها من علل وقرائن وأمارات يصل المجتهد إلى معرفة الأحكام.
2 - التيسير ورفع الحرج:
يعتبر أصل رفع الحرج ركنا ركينا يأوي إليه المفتي والمستفتي في مسائل الطعام لأن الشريعة مبناها على التيسير لكن مع وجوب الضبط وحسن التقدير. ويتوجب على المجتهد قبل العمل بمبدأ التيسير أن يتوخي الاعتدال بين التنطع والتسيب، وأن يجمع بين نظرة الفقيه المتبصر الورع، ومعارف المختص الخبير، ويميز بين حالة السعة والاختيار وحالة الضيق والاضطرار، ويحرص على ألاّ يؤدي به الأخذ بالتيسير إلى إذابة الحواجز بين الحلال والحرام، كما لا يدفعه العمل بالاحتياط إلى التشديد على الأنام، وأن يمعن النظر في المآل ويتحقق من عدم إفضاء الأخذ بالتيسير إلى تعطيل الأحكام.
3 - الاشتباه في الأطعمة:
والشبهات في الأطعمة معظمها تكون في مناط الحكم لا في الدليل، فالميتة والخنزير محرمان بلا خلاف، لكن الاشتباه يكون في احتمال احتواء الطعام على الميتة أو الخنزير، ومدى تحقق الاستحالة فيه أو الاستهلاك. ولاجتناب الشبهات مراتب ثلاث:
أ ـــ ما تُيُقنت حرمته واشتُبه في بقاء سبب التحريم فهو باق على الحرمة.
ب ـــ ما تُيُقنت إباحته واشتُبه في بقاء سبب الإباحة فهو مباح، بناء على الأصل.
جـ ـــ ما احتمل كلا الوجهين من تحريم وإباحة فهنا يغدو الاحتياط مستحبا، لكن لا يحرم التناول لعدم الجزم بالتحريم.
4 - الاحتياط:
الاحتياط مبدأ مهم لا ينبغي للمسلم إغفاله؛ ففيه اطمئنان القلب، والخروج عن التبعة، وهذا في ذاته رفع للحرج المعنوي.
ويؤيد القول بضرورة اللجوء إلى (18/250)
صفحة 251
الاحتياط، والحذر من التسيب في الأحكام، ما ابتُليت به أمة الإسلام من الاستيراد من شرق وغرب دون فرز ولا تمحيص، إلاّ ما رحم الله. وهذا يقتضي أن يقوم المكلف بما في الوسع لتجنُّب الحرام، حتى إذا وقع بعد ذلك في الحرج كان حريا أن يُخفَّف عنه.
5 - اعتبار المآل:
وتظهر أهمية الوسائل للوصول إلى الغايات في العمل على حمل الناس على الاكتفاء بما يصنعونه في بلادهم، أو يستوردونه من بلاد إسلامية، ومنعِ ما يأتيهم من بلاد الغرب، مما هو من قبيل الزوائد والكماليات، إذا كانت موضع اشتباه. وربما سبَّب ذلك عنتا للبعض لما ألِفوه من توسع في مطاعمهم، لكنْ في ذلك حملٌ للمسلمين على الاكتفاء بأنفسهم في تصنيع طعامهم، واستقلالهم عن عدوهم في ضرورات الحياة.
6 - التحرِّي والسؤال:
يُعتبر الإقدام على الشبهات دون تحرّ وبحث في الأحكام تقصيرا في الدين، ومن وقع في الحرام وهو لا يدري، لا يسلم من الإثم إن لم يكلف نفسه عناء البحث والسؤال.
حصل اطمئنان لدى جماهير العلماء بأن علة تحريم المحرَّمات من ميتة ودم وخنزير هي النجاسة، ومن ثمة قالوا ما تحققت نجاسته فهو حرام، وما لم نتيقن من نجاسته فهو باق على الأصل من الطهارة وهو حلال، بناء على القاعدة المقرَّرة لدى الفقهاء: "الأصل في الأعيان الطهارة"، والمرجع الأساس في الحكم على العين بالطهارة أو النجاسة هو الشرع.
وبحثت المسألة تحت أصلين هما: الاستهلاك والاستحالة.
أولا- الاستهلاك:
يقصد بالاستهلاك فناء العين القليلة في الطاهر الكثير، وعلى هذا الأصل بنيت كثير من الأحكام حتى إن عددا من العلماء أفتوا بجواز تناول الأطعمة التي تضاف إليها مواد محرمة المصدر إذا كانت بكميات قليلة، بناء على النصوص القاضية بطهارة الماء الكثير إذا حلت به نجاسة لم تغير من أوصافه.
إلاّ أن اللجوء إلى هذا الأصل في الحكم على الأطعمة المصنعة يحتاج إلى إعادة النظر في تحقيق المناط. وتركيز الفقهاء على ظهور اللون والطعم والريح قياسا على وقوع النجاسة في الماء لا يصح لأن المائعات تختلف اختلافا كبيرا عن الماء؛ فهي مزيج من مواد (18/251)
صفحة 252
عديدة تحمل مختلف الألوان والروائح والطعوم، مما يجعل المادة المضافة إليها لا يظهر لها أثر إلاّ إذا بلغت كمية كبيرة، بالخصوص إذا كان المائع قوي الرائحة أو شديد التلون، أو كانت المادة المضافة من نفس جنس ذلك المائع. وهذا هو الشأن في غالب المضافات إلى الأطعمة؛ كما أن البدائل موجودة والاحتراز عن الحرام أمر ممكن ميسور.
ثانيا - الاستحالة:
ثبت من أقوال الشارع وتصرفاته أن الأحكام تناط بالأوصاف وتتغير بتغيرها، لكن لذلك التغير ضوابطه أيضا؛ فالأمثلة التي يذكرها المتقدمون عن الاستحالة يجمع بينها الزوال التام للأوصاف الأصلية، واكتساب أوصاف جديدة مختلفة تماما. فالخنزير إذا تحول إلى ملح، والميتة إذا احترقت وصارت رمادا، والنبات المسقيّ بماء نجس، في كل هذه النماذج تتمثل الاستحالة التامة. لكن الأمر يختلف في التحويلات البسيطة التي تتم على الأطعمة بالتصنيع. والقول إن تغيير التركيبة الكيماوية أو ظهور بعض الصفات الجديدة يكفي للحكم بالاستحالة قول غير دقيق. فهناك تفاعلات كيماوية تحدث للطعام أثناء التحضير، تؤدي إلى التغيير، لكنه مع ذلك يحتفظ بماهيته ويبقى طعاما، كما أنه يعسر ضبط الاستحالة؛ فإذا حكمنا بخبث الخنزير فمتى يصبح جزء من لحمه أو شحمه طيبا؟
ثم إن علة تحريم الخنزير والميتة غير معلومين، حتى يُقال بزوالها، على خلاف الخمر التي تتحول إلى خل فإن العلة فيها هي الإسكار، وتحولها يؤدي إلى زوال العلة وتغير الحكم. ويقول المحققون من العلماء إن في أي مادة مكونات صغرى لا يُدرى ما مفعولها ولا تأثيرها، ولا يمكن التحقق من تحولها. وهذه المكونات الصغرى موجودة في الميتة وفي الخنزير، ومن يدري لعلها من أسباب التحريم!
ومن أهم النماذج التي عُني البحث بدراستها:
1 - المواد المضافة:
تأتي المواد المضافة في مقدمة الأطعمة التي تتطلب الدراسة، وقد أمكن من خلال البحث تصنيفها من حيث الحلّ والحرمة إلى:
* ــــ مضافات من مصدر طبيعي نباتي، أو مصدرٍ صنعيّ تركيبي أُخذت موادُّه الأولية من الطبيعة كالمعادن. وهذه لا شبهة فيها إذا تمَّ استخلاصُها بمذيبات (18/252)
صفحة 253
طاهرة حلال، وتمَّ إقحامها في الأطعمة كذلك عن طريق المذيبات الحلال؛ كالماء أو الزيوت النباتية.
لكنها تدخل حيّز الاشتباه إذا استُخدم فيها مذيبات محرَّمة أو نجسة، كالكحول أو الدهون الحيوانية المحرمة.
* ــــ مواد من مصدر حيواني محرّم؛ إما لذاته كالخنزير، أو لكونه مما تجب فيه الذكاة ولم يُذكّ ذكاة شرعية. وهذه المواد قد تكون دهنية كالأحماض الدسمة والجلسيرين، أو بروتينية كالجيلاتين والأحماض الأمينية، أو معدنية كفوسفات العظام.
* ــــ مواد ناتجة عن تخمّرات كحولية.
* ــــ مواد مصدرها حلال لكن ثبت إضرارُها بصحة الإنسان، وهذه لا تتطلَّب تفصيل الكلام فيها لأن البلدان المصنّعة للمواد المضافة تتبع هذه الأمور، وتسارع في الغالب إلى منعه أو تفرض عليه القيود.
وقد بُحثت هذه المواد من ثلاثة جوانب هي:
* ــــ حكم الاشتباه فيها إذا لم يثبت بيقين أن مصدرها حرام.
* ــــ مدى القول باستحالتها عن أصلها، وتغير حكمِها الشرعي تبعا لتلك الاستحالة.
* ــــ مدى تأثيرِ الكمية المضافة منها على الأطعمة التي تضاف إليها.
ومن أهم المواد المضافة التي يكثر استعمالها في الأطعمة ويحوم حولها الاشتباه:
أ- المواد الصادرة من الدهون:
ولقد تبيّن من خلال فحص قوائم الموادّ المضافة إلى الأطعمة المتّفَق عليها عالميا أنّ هناك ثلاثة أنواع من مشتقات الدهون:
* ــــ إسترات الأحماض الدهنية، وعلى رأسها الغلسيريدات الأحادية (المونوغلسيريد).
* ــــ الأحماض الدهنية الحرة التي يتمُّ استخلاصها بتفكيك كلِّي لجزيء ثلاثي الغلسيريد.
* ــــ الفوسفوليبيدات التي تُعتبر موادَّ الاستحلاب الأكثر شيوعا في الأطعمة الطبيعية، وهي في الغالب تستخرج من زيوت نباتية.
والغلسيريدات الأحادية الصناعية التي تقحم في الأطعمة هي في الغالب مزيج من أحادياتِ وثنائيات وثلاثيات الغلسيريد.
وثلاثياتُ الغلسيريد هي الدهن (18/253)
صفحة 254
نفسه دون أن يطرأ عليه تغيير؛ فهو حرام بلا ريب إذا كان من مصدر حيواني محرّم. والمزيجُ الذي يحتوي على ثلاثيات الغلسيريد يكون حراما بالتبع. وعلى فرض استعمال المونوغلسيريد النقي فقد ترجح في البحث أنه لم يستحل.
أما الموادّ المضافة التي تم فيها تفكيك كلّي لجزيء ثلاثي الغلسيريد؛ كالأحماض الدهنية الحرة و الإسترات السكرية والغلسيرول، فيمكن قياسها على الصابون الذي يذهب كثير من العلماء إلى القول بطهارته ولو كان ناتجا من دهون حيوانية محرمة بناء على الاستحالة.
ب- المواد الصادرة من البروتينات:
تتمثَّل البروتينات التي تُضاف إلى الأطعمة في:
* ــــ مواد خام لم تتعرض إلا للاستخلاص كمصل الدم.
* ــــ مواد تعرّضت لبعض المعالجات كالجيلاتين.
* ــــ مواد ركِّبت من أحماض أمينية حرّة بعد استخلاصها من البروتين.
وقد تكون هذه الموادّ -باستثناء مصل الدم طبعا- نباتية أو حيوانية المصدر.
وتتصدّر هذه الموادّ من حيث أهميتها واستعمالها الواسع مادّةُ الجيلاتين.
والمصدر الأساس للجيلاتين في الغالب هو الحيوان، ويعتبر الخنزير مصدره الرئيس وذلك لاحتواء جلده على نسبة عالية من الكولاجين ولسهولة استخلاصه وتوفره.
والتغيرات الحاصلة في صناعة الجيلاتين لا تعدو أن تكون كسرا لبعض الروابط الجانبية في جزيء الكولاجين دون حدوث تغيير في تنسيق السلسلة الببتيدية.
لذلك يبعد القول إن الجيلاتين قد استحال تماما بحيث أصبح طاهرا، حلالا للمسلمين تناولُه ولو كان مصدره خنزيرا أو ميتة.
أما مصل الدم أو البلازما فهو قسمٌ من الدم، يُستخلص عن طريق الطرد المركزي دون أن يعرَّض لأي تفاعلات أو يطرأ عليه تغيير، ولا يمكن القول بأنه استحال.
جـ - المواد المعدنية:
توجد مضافات تتكوّن أساسا من مواد معدنية كالكالسيوم والفوسفور، وهذه أيضا يُشتبه أن تكون صادرة من (18/254)
صفحة 255
حيوانات، ومن العظام بالخصوص. لكن يمكن الاطمئنان إلى القول بحليتها ولو كان مصدرُها حراما أو نجسا بفعل الاستحالة التامة.
د- الكحول:
أهم المجالات التي يستعمل فيها الكحول بالنسبة لتصنيع الأطعمة هو إذابة بعض المركبات العطرية أو الصبغات. وقد يُستعمل لمجرَّد الاستخلاص دون أن يبقى مع المادة المضافة إلا على شكل راسب قليل لا يمكن الانفكاك عنه.
ويمكن تصنيف المضافات حسب ذوبانها إلى:
* ــــ مركبات ذوابة في الماء، أو في الكحول، أو في كليهما.
* ــــ مركبات تذوب في الدسم، أو في المذيبات العضوية.
أما عن المضافات التي تذاب في الكحول فإن النسبة القليلة غير المؤثرة منه تعطَى حكمَ الاستهلاك، فلا تحرم الأطعمة التي تحتوي عليها. إلا أنَّ هذا الحكم لا يتّخَذ قاعدة عامة، بل يجب على من بيده إمكان الاحتراز
ــــ كالمصنّعين والمورِّدين ــــ أن يمتنعوا عن إضافة هذه المواد المحرَّمة إلى الطعام، مهما قلّت النسب المضافة.
أما ما يضاف بقصد إعطاء نكهة كحولية مميزة، فهذه لا ينسحب عليه حكم الاستهلاك، ويبقى على أصل الحرمة؛ لأن القصد معتبر في ذلك.
هـ- المذيبات الدهنية:
أما المواد المضافة التي تذوب في الدهون فيتعلق حكمها بمدى تحقيق المناط، ولا بد من دراسة هذه المواد، وما يُستعمل لإذابتها، لمعرفة ما إذا كانت زيوتا نباتية فهي حلال، أو شحوما حيوانية فتكون حراما؛ وذلك لعدم سريان حكم الاستهلاك فيها.
2 - الأجبان:
تبيَّن من خلال البحث أنَّ الأجبان يمكن تصنيفها إلى فرعين كبيرين:
* ــــ أجبان إنزيمية، تخثر إما بالإنفحة الحيوانية أو بإنزيمات بكتيرية أو نباتية فطرية.
* ــــ أجبان حامضية، تخثر بفضل حمض اللبن، الذي يتكوّن بفعل البكتيريا.
ولا شك أنَّ الأجبان التي صنعت بإنفحة مأخوذة من حيوانات حلال ذكيت ذكاة شرعية هي أجبان حلال باتفاق. وأنَّ الأجبان التي صنعت بمواد غير حيوانية، سواء بالتخمير الحمضي، (18/255)
صفحة 256
أو بإنزيمات بكتيرية أو نباتية أو فطرية، دون إقحام أية مادة حيوانية غير الحليب، حلال كذلك.
كما تبين أنَّ الإنفحة الحيوانية التي تدخل في صناعة الأجبان اليوم هي ـ في الغالب ـ مزيج من الكيموزين البقري والببسين الخنزيري أو البقري، مع غلبة استعمال الببسين الخنزيري. لهذا فإنه من الصعب إضفاء حكم على إنفحة البقر بمعزل عن ببسين الخنزير، نظرا لهذا التلازم العملي بينهما.
لكن لو فرضنا وجود إنفحة بقرية خالية من ببسين الخنزير، فإن حكمها الحرمة إذا لم يذك الحيوان ذكاة شرعية؛ لما تقرر في البحث من أن إنفحة الميتة نجسة العين. والكمية المستعملة منها في التجبين مؤثرة غير مهملة فلا يُقال باستهلاك عينها، كما أنه لا تطرأ عليها الاستحالة.
3 - التحوير الجيني:
يحمل التحوير الجيني تطورا اقتصاديا واجتماعيا واعدا ينبغي تدعيمه. لكن تبيَّن أن تطبيقات الهندسة الوراثية اليوم على النباتات لم يكن القصد منها سوى تعظيم الأرباح، وتوسيع نشاطات الشركات التي تمتلك ناصية تقنيات الوراثة والتعديل الجيني.
ولطالما رفعت الشركات البيوتكنولوجية شعار «العمل للقضاء على الجوع» للترويج لمصالحها. لكن الجوع لا ينتج من قلة الموارد ولا من النمو الديموغرافي، فالناس يموتون جوعا في كثير من مناطق العالم بجوار أسواق تفيض بالخيرات؛ لأنهم لا يملكون المال لشرائها.
والحكم على الأطعمة المحورة جينيا يكون بالنظر إلى ما تحققه من مصالح، وما ينجر عنها من مضار. وعمليا يمكن للتحوير الجيني تقديم الدعم للإنسان. وإذا ما سعى المسلمون إلى تطبيقه مع العمل على استغلال منافعه، وتلافي مضاره فإنه سيحقق الخير العميم.
هذه بعض نتائج البحث باختصار، وقد تبين من خلالها أن للأطعمة شأنا خطيرا لا يمكن إغفاله بحال، لكن تغيير الواقع الذي تكرَّس مع الزمان حتى صعُب الانفكاك عنه يحتاج إلى رويَّة وتدرُّج، وإيجاد البديل الحلال. ولتحقيق ذلك لا بدَّ أن تتضافر جهود العلماء وأرباب الأموال ومن بيده سلطة القرار، وهو ما نرجوه ونسعى إليه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. (18/256)
صفحة 257
الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ الحاج موسى بن بكير ابن عمر
(أستاذ بقسم التاريخ ـ جامعة الجزائر)
القضايا الوطنية والعربية والإسلامية
من منظور أعلام ميزاب (1902 - 1962)
ل
لقد كانت فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر صورة جلية للصراع بين الحضارة الغربية الصليبية والحضارة العربية الإسلامية فقد كانت الجزائر تشكل إلى عشية الاحتلال معقل المقاومة والصمود في مواجهة الأطماع الاستعمارية.
وبسقوط الدولة الجزائرية في أيدي الجيش الفرنسي باحتلال العاصمة في الخامس من يوليو-جويلية 1830م، دخلت الجزائر مرحلة أخرى من المقاومة استمرت طيلة فترة الاحتلال – وإن تعددت ألوانها وأشكالها ومظاهرها – اتخذت في غالب الأحيان طابعا محليا أو جهويا على الأكثر، إلى أن توحدت سنة 1954م تحت لواء جبهة التحرير الوطني أثناء الثورة التحريرية.
وخلال فترة الاحتلال تخلفت الجزائر – وقد كانت دولة ذات شأن – عن ركب الدول السيدة في العالم، فغاب تأثيرها في السياسة الدولية حينا من الدهر، وخف ثقلها في الموازين العالمية ردحا من الزمن، غير أنها بقيت حاضرة- باعتبارها أمة – تحافظ على إرثها الثقافي الهائل، وتعبر عن مواقفها الحضارية الثابتة.
لقد كانت المواقف الجزائرية من الأحداث الدولية، ومن المسائل الوطنية والعربية والإسلامية على الخصوص من أقوى مظاهر الكيان القومي لهذه الأمة، ومن أهم التعابير على وجودها الحضاري.
غير أن غياب الدولة كان – بطبيعة الحال – حائلا دون تشكل المواقف الرسمية للجزائر من مختلف القضايا، وهو ما مكّن المواقف الشعبية الجزائرية من البروز بما تحمله من خصوصيات (19/257)
صفحة 258
محلية لمختلف مناطق القطر، أو بما تنطوي عليه من ميزات فئوية لشتى التنظيمات الفاعلة من أحزاب سياسية ونقابات مهنية وجمعيات فكرية وجماعات عرفية.
ومن الطبيعي أن تختلف المواقف من مختلف المسائل الوطنية والدولية من حيث زاوية الرؤية ومنهج المعالجة، ولكن يفترض أن تتشابه هذه المواقف، إن لم تتطابق، من حيث منطلقها وغايتها اللذان بهما تتحدد مبررات وجود الأمم واستمرارها.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن أي موقف ما، إنما يستمد قيمته وأهميته من الثقل السياسي والوزن الشعبي لصاحب الموقف، أو التشكيل النوعي للمجموعة صاحبة الموقف، وهذا بالمقابل مما يقلل من دلالة المواقف الشاذة ومن أهميتها.
ومن هنا فلا غنى – في تقديري- للدارسين لمواقف الجزائر من مختلف الأحداث – وفي هذه الفترة بالذات – عن تتبع مواقف تلك التنظيمات سابقة الذكر التي تهيكل فئة أو شريحة أو جماعة من الجزائريين، إحصاء ودراسة، ومن ثم تركيبها لإتمام صورة كلية متكاملة تعبر عن موقف جزائري شامل من هذه القضية أو تلك.
وإذا كانت التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية التي نشطت على الساحة الجزائرية قد حظيت باهتمام بعض الباحثين، فدرسوا بعض مواقفها من مجريات الأحداث الوطنية والإقليمية والدولية، فإن الجماعات العرفية التقليدية التي تمثل جوهر الكيان الاجتماعي والتنظيمي للأمة الجزائرية مازالت بحاجة إلى عناية واهتمام، خاصة تلك التي لم تأت عليها يد التفكيك الاستعماري، وظلت صامدة تقاوم كل أشكال الغزو والمسخ والتشويه، ومن هذه جماعة مزاب.
لقد كان خلف اختياري دراسة المواقف الوطنية والقومية والحضارية لجماعة مزاب- من بين الجماعات العرفية النشطة في الجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي- عدة عوامل بعضها ذاتي وبعضها الآخر موضوعي.
فمن العوامل الذاتية ما يعود إلى ظروف نشأتي الأولى التي اختلط بها حنين الأرض، فأصبحت واقعا معيشا لا انفصام لها عن حياتي الشخصية، مهما طالت في الزمان أو نأت في المكان. ومن هذه العوامل ما يعود إلى طبيعة استجابة الناس الذين يتحكمون في خزائن الأرشيف في الجزائر عموما وفي مزاب خصوصا، حيث لا يرتاحون إلى إظهار ما بحوزتهم من الوثائق إلا لأبنائهم أو لذويهم، فليس من السهل (19/258)
صفحة 259
بمكان تغيير هذه الأفكار، كما لا يمكن الاستغناء عن هذه الخزائن التي تبطن العديد من الوثائق الهامة.
أما العوامل الموضوعية فيأتي على رأسها ندرة الدراسات التي طرقت هذا الموضوع، فبقي الفراغ فرصة للبعض من ذوي الجرأة والارتجال للخوض في مسائل دقيقة هي بحاجة إلى كثير من التروي والدراسة والتأصيل والتمحيص. بالإضافة إلى ذلك، فإن جماعة مزاب استطاعت في -تقديري-تجسيد مقومات الشخصية الوطنية الجزائرية واقعيا ودونما تنافر أو صراع، وهو ما يرشحها إلى حد ما، لأن تمثل عيّنة للشخصية الجزائرية المتوازنة بأبعادها الثلاثة التي ينصّ عليها الدستور الجزائري.
إن تناول هذا الموضوع على امتداد فترة الاحتلال الفرنسي كلّها، قد لا يمكّننا من إعطائه ما يستحق من العناية والتركيز من جهة، وقد لا يستوفيه كلَّه ما رصدناه له حاليا من المصادر والمراجع من جهة أخرى. لذا فقد انصب اهتمامي على فترة تمتد من سنة 1902م إلى سنة 1962م من تاريخ مزاب المعاصر.
وتمثل هذه الفترة في تقديري، مرحلة ذات حساسية بالغة، انطلقت منذ إقرار سلطة الاحتلال الفرنسي لحكم عسكري استثنائي في ديسمبر 1902 على الجنوب الجزائري، قسمت بموجبه الصحراء إلى أقاليم أربعة، بعد ما تم لها إخضاعها لسلطتها المباشرة، عقب مقاومات شديدة استمرت نصف قرن، وكان إقليم غرداية أحدها؛ كما شهدت هذه الفترة قيام نهضة علمية اجتماعية وسياسية في مزاب، كانت ترمي إلى رفع أستار التقوقع والجهل والركود، تحت قيادة العلامة الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش المتوفى في مارس 1914، مخلفا ما يربو عن 300 مؤلف في شتى العلوم والمعارف، وتواصلت النهضة تحت إمرة تلاميذه من بعده؛ وتنتهي هذه المرحلة بانتهاء حكم الاحتلال الفرنسي في جويلية 1962، وبداية عصر جديد من تاريخ الجزائر.
وأهل مزاب هم جماعة تشكل جزءا من الأمة الجزائرية تتميز بخصوصياتها التاريخية والثقافية والاجتماعية والتنظيمية، ولقد ألقت هذه الخصوصيات بظلالها على مواقفهم عبر تاريخهم الطويل. ومازالت إلى اليوم بعض الأقلام تصفهم بالانطوائية حينا، وبالنرجسية حينا، وبالمصداقية أحيانا أخرى.
وأمام الأوضاع التي كان يشهدها العالم في هذه الفترة بالذات وبخاصة البلاد العربية والإسلامية، والجزائر بصفة أخص، وأمام كل المؤشرات والدلائل التي أثبتت أن مزاب كان يشهد التغيير، وقد خطا خطوات هامة في (19/259)
صفحة 260
طريق النهضة والإصلاح والخروج من العزلة والركود؛ أمام كل ذلك، فإن تساؤلات ملحة طرحت نفسها حول ما إذا كان لأعلام مزاب مواقف واضحة مما كان يجري حواليه من الأحداث على الصعيدين الوطني والإقليمي، وحول ما إذا كانت هذه المواقف -إن وجدت- هي في مستوى المرحلة التي كانت تعيشها الجزائر والأقطار المغاربية والبلاد العربية والإسلامية.
إنني حاولت من خلال هذه الدراسة، إجابة على الإشكاليات المطروحة، أن أركز البحث على أهم المسائل الوطنية التي شغلت الرأي العام في الجزائر خلال الفترة المحددة للدراسة ومواقف أعلام مزاب من خلال ما تبنته هيئاته العرفية المعتمدة، أو ما اعتمدته شخصيات محلية بارزة، أو ناضلت من أجله، ممن تقلدوا مسؤوليات اجتماعية عالية، أو تبوؤوا مراتب علمية سامية.
وبعد ذلك مضيت إلى تتبع أهم المسائل والأحداث التي شهدتها الساحة العربية في المغرب والمشرق، وكذا ما كان يجري على الساحة الإسلامية، مما شغل اهتمام أعلام مزاب في الفترة نفسها وسجلوا مواقفهم منها.
إن هذا العمل قد تطلب مني مسحا تاريخيا للوقائع والأحداث الهامة التي حفلت بها الساحة الوطنية والعربية والإسلامية والتي حظيت باهتمام أعلام مزاب فحفظت مواقفهم بشأنها، ومن ثم تعيّن تحليل هذه المواقف على ضوء المعطيات الدينية والسياسية والاجتماعية التي كانت قائمة، ومقارنتها ما أمكن، مع ما يقابلها من المواقف المتخذة من قبل التنظيمات الفاعلة الأخرى في الجزائر.
ومن أجل الإجابة على هذه التساؤلات، سلكت في الجانب المنهجي منحى تاريخيا وصفيا تارة، ونهجا تحليليا مقارنا تارة أخرى، حسب ما تتطلبه طبيعة كل مبحث من مباحث هذه الدراسة، مستعينا بما وصلت إليه يداي من وثائق، حريصا بما وسعت من جهد، إلى تدقيق تصور المباحث التي تناولتها بالدراسة، وعرضها على النحو السليم.
أما ما يتعلق بأهم مصادر البحث، فقد كانت البداية من الجزائر، حيث كانت مكتبة الأستاذ عبد الرحمن حواش لحفظ الأرشيف بغرداية في مقدمة ما أفادني من المادة الوثائقية للدراسة وهي تجمع بين وثائق أصلية، ومصورة من الأصل، استقدمت من مراكز جزائرية وأجنبية مختلفة، أو التقطت من أرصدة متعددة لمكتبات أشخاص أو هيئات عرفية أو رسمية، ومن (19/260)
صفحة 261
مضامين الخزائن الخاصة التي لا يخلو منها قصر من قصور مزاب. وفي فرنسا فقد كانت لي فرصة ثمينة للاطلاع على محفوظات مراكز الأرشيف الفرنسي، وبالخصوص أرشيف ما وراء البحار بإكس أون بروفانس، واستفدت أيضا مما تتضمنه مصلحة تاريخ الدفاع بمديرية الذاكرة والأرشيف في مقر الجيش البري الفرنسي بقصر فانسان بباريس. ولا يخفى على ذي اطلاع ما تختزنه المراكز الفرنسية لحفظ الأرشيف من وثائق من الصعب حصرها كما ونوعا، وهي في كل الحالات تفيد الباحث المتسلح بأدوات النقد والتمحيص.
ومجمل القول في هذا الشأن فإن هذه الوثائق يمكن أن نصنفها صنفين اثنين: الأول هي وثائق خلّفها أعلام مزاب بصفة خاصة، من خلال تقييداتهم الإدارية الرسمية منها والعرفية، ومراسلاتهم وكتاباتهم التاريخية، وغيرها من الأغراض التي يستهدفها التوثيق، أو خلّفها أعلام جزائريون وعرب ومسلمون بصفة عامة، كانوا على صلة بإخوانهم في مزاب. والصنف الثاني هي وثائق مما حفظته الإدارة الاستعمارية أو حرّرها فرنسيون كانوا موظفين أو كتابا، وغالبا ما تنطبع كتاباتهم بنزعة استعمارية. ومهما يكن الأمر، فإنه يتعيّن على الباحث معالجة مادته الأولية معالجة موضوعية متجرّدة بالمقارنة والنقد والتمحيص، وتوخّي الحذر من الانسياق وراء أحكام ذاتية متحيّزة.
ورغم ما تجمع لدينا من مادة البحث من المصادر الأولية التي ساعدت على استجلاء حقائق هذا الموضوع، فقد كانت الحاجة أكيدة إلى الكتابات والدراسات المطبوعة التي يمكن لنا القول أننا أحطنا بأهمها. وهكذا فقد أخذت قائمة البيبليوغرافيا حيزا بلغ خمسا وثلاثين صفحة من حجم الدراسة.
وعليه فقد جاءت دراستنا المتواضعة هذه لتملأ بعضا من الفراغ الهائل الذي يعرفه تاريخ أمتنا في الجزائر وفي الوطن العربي والإسلامي بكل أبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، وخاصة في ظروف عرفت فيه أمتنا هجمات صليبية على ميراثنا الحضاري وتنافسا استعماريا على مقدراتها الاقتصادية.
وانطلاقا من مادة تلك المصادر والمراجع، واعتبارا لتلك التساؤلات المطروحة؛ فقد وزعت الموضوع على قسمين وتسعة فصول.
في القسم الأول كان لا بد من أن أمهد لهذا البحث بمدخل ضمنته الفصل الأول، وأوردت فيه لمحة عن أوضاع مزاب قبل القرن العشرين الميلادي، (19/261)
صفحة 262
وركزت فيه على فترتي العهد العثماني والحكم الفرنسي. وفي الفصل الثاني تتبعت مواقف أعلام مزاب في معالجتهم لقضايا الإدارة الفرنسية ومواقفهم من التنظيم الإداري والحكم العسكري والتجنيد الإجباري والتمثيل النيابي. ورصدت في الفصل الثالث القضايا الثقافية من منظور أعلام مزاب بدءا بالمشروع الثقافي الوطني الذي تبنى المقاومة الثقافية والإصلاح التربوي. وتطرقت في المشروع الثقافي الفرنسي إلى مواقف أعلام مزاب من برامج التنصير وبعثاته، ومن التعليم الفرنسي ومن خطط التجنيس والإدماج. أما الفصل الرابع فقد عالجت فيه القضايا الاقتصادية والاجتماعية من وجهة نظر أعلام مزاب، وكيف كانت مواجهتهم لواقع الاحتلال، وجهودهم في الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي. وفي الفصل الخامس تناولت قضايا الحركة الوطنية السياسية من خلال مواقف أعلام مزاب من مجريات أهم الأحداث السياسية الوطنية ومن نشاط الأحزاب السياسية. أما الفصل السادس فقد خصصته لقضايا ثورة التحرير الوطني 1954 - 1962 من وجهة نظر أعلام مزاب في شمال الجزائر وجنوبها.
وفي القسم الثاني كان الفصل السابع جامعا لقضايا المغرب العربي ومواقف أعلام مزاب منها، فركزت البحث على القضية الليبية والتونسية والمغربية، في حين كان الفصل الثامن لبحث قضايا المشرق العربي من منظور أعلام مزاب، فجمعت فيه قضايا فلسطين و السعودية وعمان ومصر وقضايا مشرقية أخرى، أما الفصل التاسع فقد أفردته لقضايا الأمة الإسلامية ومواقف أعلام مزاب مما شغل ساحتها في الفكر و السياسة.
فبعد أن حاولنا الاقتراب من صورة مزاب قبل القرن العشرين لاحظنا: أن سكان هذه المنطقة من الجزائر تطبعهم حيوية ظاهرة، يميزها نشاط مستمر في أهم مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية.
ومن خلال دراستنا لأهم القضايا التي شهدتها الساحة الوطنية الجزائرية في المجالات الإدارية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وفي ميادين المقاومة السياسية والثورية، ورصدنا كذلك ما تضمنته رؤى أبرز أولئك الأعلام الشخصية والجماعية حيال القضايا العربية والإسلامية التي طبعت الساحة الفكرية والسياسية للمنطقة العربية والإسلامية في العقود الستة الأولى من القرن العشرين، ثم تتبعنا لمواقف أهم الأعلام الذين أنجبتهم منطقة مزاب بجنوب الجزائر، توصّلنا إلى ما يأتي: (19/262)
صفحة 263
أولا: في المجال الإداري كان أعلام مزاب ينزعون طيلة عدة عقود إلى مقاطعة المؤسسات الاستعمارية، وبالأخص الوظائف الإدارية بسبب فتوى أصدرها أهل العلم. ومع ذلك فإن شدة إصرار المزابيين على معارضة إجبارية الخدمة العسكرية تحت قوة تأثير هيئة العزابة، مكنتهم رفع القضية إلى مجلس الدولة الفرنسي. ولم يتوانوا حسب التقرير الفرنسي من إمكانية طرحها لدى محكمة لاهاي الدولية، والتوجه حتى إلى عصبة الأمم. ومع حدود العقد الثالث من القرن العشرين، جاءت دعوة الشيخ بيوض إلى ضرورة تولّي الوظيف الرّسمي الحكومي وبالأخص القضاء، والعضوية في المجالس البلدية، بقصد جلب المصالح للمجتمع ودرء المفاسد عنه.
ثانيا: في المجال الثقافي مع استهداف الأمة الجزائرية، بمحو خصائصها، ومسخ مميزاتها من دين و قيم ولسان و تاريخ وأعراف، كانت دعوة الإمام الشيخ أمحمد اطفيش في مزاب إلى النهوض بالمجتمع وتعزيز مقاومته. وتلقف رايتها تلاميذه من بعده ومن تأثر بأفكاره وبروح العصر، فأسسوا مدارس ومعاهد اضطلعت بالاستمرار في نفس النهج الإصلاحي. ومع تطور الأحداث تبلورت تعابير الرفض للغزو الثقافي الفرنسي على شكلين أساسيين: حركة قلمية تصدت للكتابة ومراسلة المنابر الإعلامية وأصحاب القرار السياسي وإصدار الصحف، وحركة تعليمية كانت تسايرها وتؤازرها لدعم الإصلاح، وقد تلاقت الحركتان للنظر في ما يجمعهما تنظيميا بعد أن اجتمعتا فكريا. ومع تطور الأحداث وتفاقم انعكاسات مقاطعة التعليم الفرنسي، بدأت مساحة الإقبال على التعليم الفرنسي تتسع وهو ما مكن من شغل المناصب ومقاومة الاستعمار بنفس سلاحه وفي مواقعه التي ينطلق منه غزوه الثقافي، وتفويت الفرص على الانتهازيين من صنائع الإدارة الفرنسية.
ثالثا: في المجال الاجتماعي والاقتصادي ظل مطلع القرن العشرين شاهدا، على أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة للغاية على الجزائريين، نتيجة سياسة التفقير التي حملتها ثنايا قوانين التمييز العنصري الاستثنائية الجائرة التي منها قانون الحكم العسكري في أقاليم الجنوب منذ ديسمبر 1902. ولم تتوقف مقاومة الجزائريين لهذا الواقع الاستعماري ورفضه بكل أشكال المقاومة والكفاح. لقد استمرت المسائل الاقتصادية تشغل بال العديد من أعلام مزاب فأولوها اهتماما كبيرا، وكانت صحافة أبي اليقظان قد خصصت أعمدة ومقالات لتحليل أزمة 1929 الاقتصادية العالمية (19/263)
صفحة 264
وتأثيرها على الاقتصاد الجزائري، وأثر ذلك على الوضعية النفسية والاجتماعية والأخلاقية. ورغم قساوة الظروف فإن بعض الأعيان في مزاب تمكّن من تأسيس نقابة سعت سعيا حثيثا للدفاع عن مصالح المنتجين الفلاحيين والمستهلكين للمياه الارتوازية التي سعى الاستعمار لجعلها أداة من أدوات إذلال السكان وتفقيرهم. وقد كان الترويج لنظم التعامل بالنظم المصرفية الغربية، مع تصادمها مع التشريع الإسلامي، وعدم انسجامها مع قيم المجتمع، باعثا لحيرة المسلم الجزائري الملتزم بإسلامه، بين الارتماء في مستنقع الربا، والانسلاخ من دينه وعقيدته، أو البقاء في ذيل القافلة. وعلى ضوء هذا التحول الاقتصادي علت نداءات من مزاب لإيجاد صيغ بديلة لمسألة التمويل، تقوم على أهمية تكامل العلم والمال وتسخيرهما للقيام بنهضة اقتصادية حقيقية.
رابعا: على الصعيد السياسي لم تكن الجزائر معزولة، بطبيعة الحال، عما كان يجري في العالم، وكانت البداية الفعلية لانتعاش الحركة الوطنية بتطورات مست الساحة السياسية الوطنية سنة 1908 كان أبرزها بلا منازع صدور مشروع قرار التجنيد الإجباري، ثم إصلاحات فيفري1919 باعتبارها منطلقا لتمايز أطياف الحركة الوطنية الجزائرية. وفي هذا المخاض الساعي إلى البحث عن الذات، فإن المتمعن في مسيرة العمل السياسي لدى أعلام مزاب يهتدي إلى أن مرجعيته تستلهم عناصرها من الموروث الحضاري عبر القرون سواء من حيث المنطلقات والغايات الدينية، ومن حيث المرجعيات التاريخية، أو من حيث المراس الذي صقل أولئك الأعلام في مراحل التكوين والمحن.
وحينما نتتبع مواقف المزابيين تجاه الحركة الوطنية، فإننا نلحظ أن التنظيمات السياسية بالنسبة إليهم لم تكن غاية في حدّ ذاتها، بل هي وسيلة لخدمة القضية الوطنية. وبهذا التفسير يمكن أن نفهم ما بلغته تيارات الحركة الوطنية في مزاب من أشكال التنسيق، حتى أفسدت على الإدارة الفرنسية وأجهزة مراقبتها مقاييس التصنيف، فاختلطت عليهم الأمور في وضع بعض الشخصيات موضوع المراقبة في خانتها الإيديولوجية المناسبة.
خامسا: على الصعيد الثوري التحرري كان لانطلاقة الثورة التحريرية الأثر الكبير على الشباب الذين وجدوا ضالتهم في تحقيق هدف الثورة الوحيد والأوحد وهو تحرير الوطن من الاحتلال الأجنبي، واسترجاع السيادة الوطنية، فغدوا من أبرز مفجري الثورة في منطقة مزاب، وكانت لهم إسهامات (19/264)
صفحة 265
مشهودة عبر التراب الوطني.
وقبل أن تتوسع دائرة الثورة لتشمل مناطق مزاب والصحراء كان الشيخ بيوض يسعى لربط اتصاله بنظام الثورة بشمال الجزائر عن طريق بعض تلاميذه، أو أنصاره التجار وحلفائه التقليديين. واتصل فعلا ببعض المسؤولين في الثورة، بالمنطقة الأولى، منذ جوان 1955 وكان له اتصال أيضا ببعض المسؤولين بالمنطقة الثانية، وكذا بالمنطقة الثالثة، بواسطة بعض أنصاره وتلاميذه، في سبتمبر من نفس السنة. ويعزو المناضل رباح الأخضر إلى لقائه بالشيخ بيوض فضل حسم القرار للالتحاق الجماعي للمزابيين بالثورة، بتنظيم جماعتهم للمشاركة في التحرير الوطني، بتوظيف شبكتهم التجارية المنتشرة عبر مختلف أنحاء الوطن.
وبالرغم من أن الهيكلة التنظيمية للتجار المزابيين في المدن الجزائرية الشمالية كانت محل انتقاد من قبل البعض، بسبب منعهم لغيرهم من التدخل في شؤونهم، ولو كان لغرض الرقابة، فإن ذلك لم يثر حساسية قائد الولاية الثانية سي لخضر بن طوبال، وقادة المنطقة المستقلة بمدينة الجزائر بن خدة وعبان وغيرهم، ولم يروا فيه أي اعتراض. ولقد أقروا بثقتهم الكاملة بشبكتهم للدعم والإسناد والاتصال في شمال الجزائر وشرقها. ومن خلال الشهادات التي أوردناها عن بعض قادة الثورة؛ نفهم أن الجماعة المزابية في مدن الشمال الجزائري كانت تحت تنظيم مواز روعيت فيه الخصوصية الاجتماعية والتنظيمية للجماعة بما يؤمّن فعالية الدعم الثوري، من دون تفكيك لنظامها الاجتماعي الذي ورثه المشتغلون بالتجارة في مدن الشمال منذ قرون، حتى قبل العهد العثماني، ويظهر هذا التنظيم جليا في منطقتي الوسط والشرق من بلاد الجزائر. وفي الصحراء كان سي زيان مهتما بإقامة الاتصالات وإيفاد البعثات، فطلب من مساعديه في أفريل 1956 العمل على إيفاد مبعوثين إلى أقصى الجنوب وخاصة إلى وادي مزاب والشعانبة وعين صالح. وكان للسيد الغزال الحاج سليمان موفد سي الزيان لقاء بالشيخ بيوض بالقرارة، حيث اجتمع معه، وكلفه بتنظيم خلايا جبهة التحرير الوطني في القرارة، وأصبح مسؤولا عن هذه الخلية. ومع نهاية 1957 وبداية 1958 كانت أوضاع الصحراء تدل على أن النظام الثوري قد تمركز وترسخ، وأن مجاهدي جيش التحرير الوطني يسيطرون على الوضع. وفي هذه الأثناء قررت لجنة التنسيق والتنفيذ إعادة إنشاء الولاية السادسة.
وكانت للمجاهد عبد الله بن طوبال وزير الداخلية في الحكومة المؤقتة (19/265)
صفحة 266
عدة اتصالات مع الشيخ بيوض باعتباره شخصية صحراوية، وهذا بعد أن أصبح طرفا هاما ومصيريا في الكفاح ضد الاستعمار، وأصبح ركيزة في قضية المحاولة الفرنسية لفصل الصحراء. لأن مزاب في منظور فرنسا والقوى الأوروبية الأخرى تعتبر بوابة للدخول إلى إفريقيا. ولقد رشحت هذه الاعتبارات كلها مسألة الصحراء لتكون ورقة أساسية في المفاوضات الجزائرية الفرنسية.
ويؤكد السيد بن يوسف بن خدة رئيس الحكومة المؤقتة بدور الشيخ بيوض الفعلي في إجهاض مؤامرة فصل الصحراء وعمله بجد وإصرار من أجل وحدة التراب الوطني، رافضا كل محاولات ومناورات السلطات الفرنسية الاستعمارية من أجل فصل الصحراء عن بقية الوطن.
وهكذا كان استرجاع السيادة الوطنية ثمرة جهود جسيمة عبر مسيرة شاقة و طويلة من النضال والكفاح، توجتها مسيرة الثورة وإستراتجيتها لتحقيق الأهداف الرئيسية و الأساسية لبيان أول نوفمبر1954.
سادسا: أما على الصعيد الإقليمي فإن التواصل والتضامن والتنسيق بين أقطار المغرب كان على المستوى المركزي، مثلما كان على الصعيد المحلي؛ فقد كانت المناطق المغربية تتفاعل فيما بينها، وتستثمر ما يجمعها من أواصر القرابة وعوامل الانسجام وتقاطعات محطات التاريخ والجغرافيا.
وفي مزاب تمكنت الاستعلامات الفرنسية من رصد توجه الرأي العام للسكان حيال القضية الليبية، وهم الذين تجمعهم بأهل نفوسة بليبيا روابط مذهبية، وكانت الحرب العثمانية الإيطالية التي كانت تدور رحاها في 1911 على الأرض الطرابلسية قد احتلت انشغالهم، فساندوا إخوانهم هناك، وتطلعوا إلى انتصارهم بحماس. وحسب التقرير الفرنسي فقد عبّر الإباضيون بصفة خاصة عن موقفهم الداعم للعثمانيين، فعند الهجوم الإيطالي على ليبيا، دعا الشيخ أمحمد اطفيش من مزاب إلى دعم حركة الجهاد الطرابلسية بالسلاح والمال، تلك الحركة التي كان يقودها تلميذه سليمان الباروني. ولقد سمحت ظروف الحرب العالمية الأولى من ظهور تباشير الأمل للتخلص من الاحتلال الفرنسي في الجزائر، على وقع ثورة الهقار على الحدود الليبية، فلقيت مساندة أهل مزاب عند انفجارها بكل حماس. وقد تواصلت العلاقات مع ليبيا، وتركزت في المجال الثقافي باستقبال بعثات الطلبة الليبيين إلى معهد الحياة بالقرارة.
وفي تونس كان صالح بن يحي آل (19/266)
صفحة 267
الشيخ اليزجني الجزائري، أحد أقطاب الحزب الدستوري الحر وثوابته، ومن أقرب مساعدي الشيخ عبد العزيز الثعالبي المخلصين، وقد سخّر خبراته وأموال تجارته في خدمة الحزب، وكان على رأس الجزائريين المستهدفين من مصالح أمن الحماية الفرنسية في تونس. وزادت متاعب النضال التي طالت الحزب الدستوري التونسي الجزائريين تمسكا والتفافا بقضية هذا الحزب، واعتبروا انتصاره انتصارهم، وانكساره انكسارهم، فألقوا بثقلهم لهذا الحزب وبرنامجه الوطني وساندوه بدعمهم الفكري والسياسي والمالي.
ومن هؤلاء المناضلين الذين جمعوا بين مستويات النضال نذكر الشيخ أبا اليقظان، الذي دخل في علاقة وثيقة مع الحزب الدستوري وزعيمه الثعالبي، امتدت جذورها إلى نضال الخلية الفدائية السرية لتحرير شمال إفريقيا التي كانت تحضر لإشعال الثورة ضد الفرنسيين. وإلى جانب ذلك كان الثعالبي، كما روى أبو اليقظان، كثير التردد على دار البعثة المزابية في مقرها بالعاصمة تونس. ولقد كان الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش من أقرب المقربين من أبناء الجزائر المزابيين إلى الشيخ الثعالبي، فقد جمعهما نضال طويل في تونس، ثم في المشرق. وكان أطفيش موفد الحزب في المهمات الصعبة إلى الجزائر، لجمع الأموال للحزب أو لمحاولة توحيد أطراف الحركة الوطنية بين الثعالبي والأمير خالد. وكان أيضا من العلماء الذين استند إليهم الحزب الدستوري في حملته على مسألة تجنس التونسيين بالجنسية الفرنسية، باستصدار فتوى تبين موقف الشريعة الإسلامية في هذا الشأن وهو التحريم طبعا. أما مفدي زكريا فكان من الشخصيات المخضرمة التي تفاعلت مع جيل الحركة الوطنية الذي نشط الساحة المغاربية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ومطلع العشرينات، واستمر في تفاعل مع الجيل الذي واصل المسيرة في الحركة الاستقلالية التي تبلورت بعد الحرب العالمية الأخيرة واستمرت إلى استقلال تونس. وكان مفدي لا يكف عن تذكير شعب تونس وقادتها بأن استقلالها سيظل حلما مبتورا وفرحة منقوصة ما دامت الجزائر وهي قلب هذا الشمال الإفريقي تحت نير الاحتلال. وظلت الصحافة التونسية منذ العشرينات فضاء حرا جمع أقلاما مغاربية. وكان منها أقلام جزائرية واعدة. إذ أغلب الكتّاب الجزائريين في الصحف التونسية كانوا طلبة يزاولون دراساتهم بجامع الزيتونة ومعاهد تونس ومن هؤلاء إبراهيم أبو اليقظان ورمضان (19/267)
صفحة 268
حمود ومفدي زكريا، وصالح الخرفي، وبكير بابهون، وصالح خباشة وغيرهم.
وفي المغرب الأقصى ظهرت قضية الريف في جويلية 1921 إثر انتصار قوات عبد الكريم الخطابي بمعركة أنوال على الجيوش الإسبانية، فأسس جمهورية الريف وأعلن عنها في سبتمبر من السنة ذاتها. وكان الخطابي قد نظم حركة جهاد بلغت من القوة حتى هددت الوجود الإسباني والفرنسي بالمغرب العربي. وقد انتشر صدى حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي عبر الحدود، ولقيت الثورة تأييدا كبيرا في الجزائر، واعتبر بطلا من أبطال الإسلام في نظر الجزائريين. وكان الشيخ أبو اليقظان يكتب في الجرائد التونسية، محرضا على دعم ثورة الريف. وكتبت جريدة وادي ميزاب مقالات مطولة، تصف فيها ما يجري في المغرب الأقصى وتحلل دوافع الحماية على مراكش وظروفها. واستمرت جرائد أبي اليقظان في اهتمامها البالغ بالقضية المغربية؛ فقد كان لصحيفته النور صيت بالمغرب الأقصى وكان كتاب مغاربة يشتركون في تحرير بعض مقالاتها. وكان مفدي زكريا قد استهل مشواره الشعري المنشور بقصيدة "إلى الريفيين"، معبرا من خلالها عن رؤاه الوطنية وإيمانه بخيار الكفاح المسلح باعتباره الحل الأنجع لنيل الحرية والسيادة. ولقد وجد في الصحافة التونسية، والمصرية الفضاء الإعلامي لنشر قصيدته تلك وهو في سن السابعة عشرة. ورغم بعض الخلافات التي اعترت العلاقات بين قيادة المغرب وقادة الثورة الجزائرية، فإن التضامن المغاربي كان حقيقة تاريخية في أصعب الظروف والمراحل التاريخية التي مرت بها المنطقة، فكان المغرب يحتضن حوالى 10 آلاف مجاهد عشية استقلال الجزائر في 1962، علاوة على تجربة جيش تحرير المغرب العربي الموحد.
ثامنا: أما في المشرق العربي فقد كان اكتشاف النفط في منطقة عربستان في 1908 بداية مرحلة هامة في تاريخ المنطقة العربية وفي العالم بصفة عامة، فقد وضع حدا لروسيا والولايات المتحدة في احتكار النفط الذي تزخر به هذه البلاد. وباكتشاف النفط دخلت المنطقة في مجال التنافس الدولي، وأصبحت نظرة بريطانيا إلى المنطقة بنفس نظرتها إلى الهند، فأدخلتها ضمن خط دفاعها عن مستعمراتها في الهند. وكان الشأن الاقتصادي للمشرق العربي ضمن اهتمام صحف أبي اليقظان. التي كشف من خلالها تكالب الشركات النفطية البريطانية والأمريكية على الحصول على الامتيازات للتنقيب عن البترول في الخليج العربي، وعلق على أحوال صحراء (19/268)
صفحة 269
الخليج قبل أن تظهر المصالح النفطية ويبرز التنافس على هذه البقعة المنسية من الصحراء، وتعرض لموقف حكام الخليج إزاء هذا الوضع، واستسلامهم لنفوذ الغرب، وعجزهم عن الوقوف في وجه أطماع الدول العظمى. إن هذه المسائل ذات البعد الثقافي والاجتماعي تارة، وذات البعد الاقتصادي تارة أخرى، تعد أرضية ارتكز عليها الاستعمار الحديث ليؤسس مشاريعه الاستعمارية الكبرى في المشرق العربي بخاصة، وفي باقي بلاد العرب والمسلمين عموما.
لقد كانت ثورة البراق بفلسطين في 1929، في مقدمة الأحداث التي أعطت لها جريدة وادي ميزاب اهتماما بالغا، وعبرت عن قلقها لاحتدام الصراع بين اليهود والعرب الفلسطينيين حول الجدار الغربي من الحرم الأقصى في سنة 1928، وحمّلت هذه الجريدة بريطانيا مسؤولية تدهور الأوضاع في فلسطين وذلك بانحيازها لليهود، وفتحها أبواب فلسطين للهجرة اليهودية تنفيذا لوعد بلفور. وأمام هذه الأخطار المحدقة بالمقدسات الإسلامية، انبثقت فكرة مؤتمر القدس الذي يسمى أيضا المؤتمر الإسلامي العام من قضية البراق وأطماع اليهود الاستيطانية. وقد شهد المؤتمر وفود جاءت مختلف جهات العالم الإسلامي، وجاء من مصر وفد كان ضمنهم أبو إسحق إبراهيم أطفيش الجزائري، فمثل الجزائر في المؤتمر. وكانت مجلة "المنهاج" التي أسسها في 1925 هي المجلة الوحيدة التي صدرت لجزائري بالمهجر. وقد اهتمت بالقضايا الإسلامية، منها قضية فلسطين. وفي الجزائر كان أقطاب الحركة الوطنية يتابعون بانشغال كبير مسألة فلسطين، منذ ظهورها، وتضاعف اهتمامهم بها بعد النكبة وإعلان قيام إسرائيل، فعقدوا عدة لقاءات أسفرت عن تكوين الهيئة العليا لإغاثة فلسطين في جوان 1948، مشكلة من الشيخ الطيب العقبي ومحمد البشير الإبراهيمي وإبراهيم بيوض وفرحات عباس. ولقد كانت لعديد أعلام مزاب اهتمامات بمسألة فلسطين، ومن هؤلاء الشيخ أبو اليقظان وسليمان بوجناح المعروف بالفرقد وإبراهيم بيوض؛ فقد كان هذا الأخير من بين الأربعة الممضيين على برقيات التأييد ورسائل المساندة، باسم اللجنة الجزائرية الفلسطينية لقضية فلسطين في الجامعة العربية.
وكانت بلاد عمان مع بداية القرن العشرين مستعمرة غير معلنة لبريطانيا وذلك بعد أن حاصرت السفن الإنجليزية في 15 فبراير 1899 مسقط وهددت السلطان فيصل، وأرغمته على التسليم الكامل لما تمليه الإرادة البريطانية. واعتبر أبو إسحاق إبراهيم أطفيش الجزائري، هذه البادرة أول ظهور فعلي للاستعمار الإنجليزي في (19/269)
صفحة 270
الخليج العربي، بعد أن مهّد له بالدسائس. ويعتبر وجود الباروني في عمان وفي مركز نوعي خلال العشرينات، السبب الأهم في إنعاش علاقات مزاب الثقافية والاجتماعية بعمان وتفعيلها، وذلك بحكم دراسته السابقة هناك وما صاحبها من علاقات مع زملائه القدامى الذين خاض بعضهم غمار السياسة والإعلام، وآلت مقاليد الأمور الثقافية والاجتماعية إلى كثير منهم في جنوب الجزائر وفي شمالها، وفي تونس والقاهرة أيضا. وكان بعض أعيان مزاب يتبادل الرسائل مع الرئيس سليمان الباروني وهو على رأس حكومة عمان الإمامية، ومن هؤلاء نذكر مقربين إليه على الأخص، وهما صديقاه الشيخ الحاج عمر العنق والشيخ إبراهيم أبو اليقظان. وكانت صحيفة وادي ميزاب أبرز صحف الجزائر التي كانت تنشر مقالات الباروني وتتابع أعماله وإنجازاته، شأن بعض الصحف العربية في مصر والشام. وتزامن العدوان الثلاثي على قناة السويس في 1956 بتكثيف العمليات العسكرية البريطانية ضد الإماميين في عمان، فارتبطت قضية عمان الإمامية ارتباطا وثيقا بالقضية العربية، وأصبحت قضية عمان قضية الجامعة العربية. وهكذا انعقدت الصلة في الوعي العربي بين العدوان على مصر والعدوان على عمان، فارتبط النضال العماني حينئذ بنضال الجزائريين والفلسطينيين.
وفي مصر كان وجود أبي إسحق إبراهيم أطفيش اليزجني الجزائري مفيدا للقضية الجزائرية، ولم تشغله قضايا العرب والمسلمين عن قضايا الجزائر الوطنية والمحلية، فقد كان يكشف مؤامرات الاستعمار ويفضحها، ولا يكتفي بما يكتبه بقلمه في مجلته المنهاج، بل كان يحظى بتعاون أشهر الأقلام الوطنية المصرية. ولما انتقل الشيخ إبراهيم أطفيش إلى عمان الإمامية، سخّر جهوده، بصفته سفير الإمامة في القاهرة، للحصول على انضمام عمان إلى الجامعة العربية، وعلى إدانة العدوان البريطاني على هذا البلد العربي.
وكانت الحركة الوهابية في العشرينات في مقدمة القضايا التي شغلت الشيخ إبراهيم أبا اليقظان وتناولتها بالتحليل في 1926 جريدته "وادي ميزاب " بمقالات مطولة، أثنى أبو اليقظان من خلالها على الملك عبد العزيز بن سعود (1876 - 1953) مؤسس الملكة العربية السعودية في 1922، واعتبره المثال الأعلى للزعماء المسلمين. وفي المقابل كان الملك عبد العزيز بن سعود مهتما بما تنشره صحيفة وادي ميزاب، ومن أبرز قرائها.
وإلى جانب القضايا التي تناولناها (19/270)
صفحة 271
قضايا مشرقية أخرى، كانت محل اهتمام أعلام مزاب؛ ففي الشام ظهرت مقاومة السوريين للانتداب الفرنسي على البلاد عقب مؤتمر سان ريمون في 1920، وقاد الثورة السلطان باشا الأطرش. وإذا كانت أصداء المقاومة السورية أقل قوة في مزاب والجزائر والمغرب الكبير عموما لأسباب جغرافية ونفسية مقارنة بثورة الريف المغربي المزامنة لها، فإنها رغم ذلك شكلت عامل تعبئة إضافيا ضد النظام الاستعماري الفرنسي المشترك. ولم تخف حالة التعبئة هذه عن مصالح الاستعلامات الفرنسية، بعد أن سجلت تقاريرها أن سكان إقليم غرداية بالجزائر يتابعون بهدوء، لكن باهتمام ما كان يجري من أحداث في سوريا، ولم يتخلوا أبدا عن تطلعهم المكتوم ليوم يسترجعون فيه استقلالهم الكامل، وتغمر المزابيين فرحة كلما قامت حركة من المسلمين في مواجهة مع الفرنسيين، ويستقبلون بالمقابل انتصارات هؤلاء ببرودة تامة، وتساورهم أحيانا شكوك حول مدى صحتها وتأكدها. وكانت صحافة أبي اليقظان تتابع قضايا جنوب جزيرة العرب أيضا، فكشفت عن أطماع إيطاليا الفاشية في اليمن من خلال المعاهدة بين قادة الطرفين.
تاسعا: أما القضايا الإسلامية من منظور أعلام مزاب في هذه المرحلة التاريخية التي واجه فيها الفكر الإسلامي المعاصر مرحلة إنهاء الاستعمار التقليدي وما خلف من إفرازات الاستعمار الجديد. لقد عاش الشيخ أمحمد اطفيش الفترة الاستعمارية بالجزائر منذ بداياتها إلى مطلع القرن التاسع عشر حيث عرفت هذه الفترة من تاريخ الأمة الإسلامية تقاسم الإمبراطوريات الأوروبية أراض واسعة للمسلمين والسطو على ممتلكاتهم، وسلبهم حقّ التصرف فيها والسيادة عليها، وقد كان لهذا الوضع أثره البالغ على المسلمين في كل جوانب حياتهم. ولم ير الشيخ اطفيش هذه الحال خاصة بالجزائر ولكنها جزء من أحوال البلاد الإسلامية؛ ينبغي الاهتمام بها والعمل على تغييرها من منطلق عقديّ، بغاية التمكين لدين الله في الأرض. لقد كانت حركة الشيخ أمحمد اطفيش في نفس السياق الذي نحته النهضة الإسلامية العامة، فقد عايش حركة الجامعة الإسلامية وأدلى بدلوه فيها. وتبعا لذلك سجلت للشيخ مواقف لدعم الحركات الإسلامية والاهتمام بها، فقد كان يتابع حروب الدولة العثمانية في البلقان، ويتتبع بقلق أحوال العالم الإسلامي وهو ينهار قطرا قطرا بين أيدي أعدائه. وجاء تلاميذه من بعده فتصدوا إلى أساليب التغريب والتبشير التي كانت تسلط على (19/271)
صفحة 272
المجتمعات الإسلامية. ومن أولئك أبو اليقظان وأبو إسحاق اطفيش فمن خلال مجلة هذا وجرائد ذاك الثمانية، والأقلام التي كانت تكتب على صفحاتها، تجلت لنا النزعة الإسلامية لهذه الدوريات التي ظهر من خلالها دفاعها عن الإسلام والمسلمين، وفضحها لمخططات المبشرين والمستشرقين الهادفة إلى تقويض معالم الإسلام. وركزت كتابات أولئك الأعلام على حث المسلمين على التضامن والوحدة، إذ لم يمض عليهم وقت وهم فيه أحوج الناس إلى بعضهم، مثل هذه المرحلة من تاريخ أمتهم. وفي هذا السياق فإن الشيخ بيوض لا يرى تعارضا بين الوحدة العربية والجامعة الإسلامية إلا أن تلك هي خطوة نحو هذه. ولقد تجاوب أعلام مزاب مع دعوة الشيخ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا المسلمين، إلى أن عليهم أن يعودوا إلى القرآن والسنة وأن يتركوا جانبا أسباب الانقسام الناشئ عن اتباع العلماء المتأخرين الذي تأثروا بالخلافات السياسية.
وقد تابع الشيخ أبو اليقظان باهتمام التغييرات التي جاءت بها حركة مصطفى كمال أتاتورك، منها خلع السلطان العثماني عبد المجيد بن عبد العزيز في سنة 1923، وإلغاؤها الخلافة الإسلامية في مارس 1924 لقطع الصلة بالإسلام، وتبنيها العلمنة في تركيا، وإلغاء استخدام الحرف العربي واستبداله بالحرف اللاتيني. وحاول أبو اليقظان من خلال الصحافة الكشف عن حقيقتها، وتبيان مخاطرها على الإسلام والمسلمين، وحذّر من مغبة التورط في تبني مبادئ هذه الحركة العلمانية.
في الأخير نخلص إلى أن أعلام مزاب كانوا يتابعون باهتمام قضايا العرب والمسلمين، تماما مثلما كانوا يتابعون قضايا بلادهم، فسجلوا مواقف رائعة في المقاومة ضد الاستعمار وأدواته الإدارية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، والانتصار للإسلام وقضايا العرب والمسلمين ووحدتهم.
والله أسأل أن يكون في هذا الجهد المتواضع إضافة جادَّة تسهم في تنوير عقل الإنسان الجزائري والعربي والمسلم وضميره، وتسهم في توحيد الأمة فيما ينير مستقبلها، وما يخدم قضاياها المصيرية.
والله المستعان وهو ولي التوفيق. (19/272)
صفحة 273
درر ونصائح في الأخلاق والعلم
خطاب الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض (رحمه الله)
في مؤتمر قدماء التلاميذ بغرداية
(29/ 11/1373) - (29/ 07/1954)
تقديم:
إ
إن لأئمتنا ومشايخنا أبي اليقظان وبيُّوض والبكري وشريفي الشيخ عدُّون آثارًا جليلة من عُهود جهادهم التربويِّ والتعليميِّ بوادي ميزاب والجزائر، بقيت تلك الآثارُ مجهولة إلى أن منَّ الله علينا بوصول الكهرباء إلى القرارة في فيفري 1959، فبدأ بعد شهور التسجيلُ الصوتيُّ ثم التصويريُّ في مؤسَّساتنا، وكنَّا نحن التلاميذ قبل ذلك نتسابق في تدوين ما كان يُلقى على مسامعنا من مشايخنا في الأعياد والمناسبات المختلفة، وحفظه من النسيان والضياع. وقد وفقني الله إلى تلخيص خطاب لإمامنا الشيخ بيُّوض (رحمه الله) ألقاه في أحد مؤتمرات قدماء التلاميذ، ثمَّ قدمتُه له فصحَّحه وزاد فيه.
وأرى من المفيد أن أقدم هذا الخطاب نموذجا من تلك الآثار، وفاءً لمشايخنا، وتعريفًا للأبناء والحفدة -من قدماء التلاميذ وغيرهم- بقيمة أولئك العلماء الأعلام الذين كان لهم بعد الله كل الفضل في تربيتنا. رحمهم الله جميعا، وأبقانا محافظين على العهود، ممتمسِّكين - في مؤسساتنا التربوية التعليمية خاصة - بمبادئنا الدينية والاجتماعية والثقافية، أوفياء للذين وضعوا لنا تلك المبادئ لنسعد في الدارين، ولننال بفضل الله وتوفيقه الحسنيين.
أ/ شريفي بالحاج بن سعيد (20/273)
صفحة 274
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال حفظه الله [رحمه الله] (1) بعد أن حمد الله وأثنى عليه، ابتدأ خطابه على الساعة الحادية عشرة وعشر دقائق: «أبدأ خطابي بما اعتاد رؤساء المجالس أن يبدأوا به بالتهاني والتعازي؛ لما حدث من أفراح وأتراح بين دورة ودورة، فأقدم باسمي الخاص وباسم القدماء والتلاميذ جميعا تعزيتي لرئيس فرع غرداية الأستاذ إبراهيم رمضان؛ في أمِّه التي سارت إلى رحمة الله في الأسبوع الماضي، نرجو الله تعالى أن يتغمَّدها برحمته، وأن يجعل البركة في ابنها الذي برَّها طول حياتها، ولم يشهد حفلات تدشين المعهد بالقرارة (2)؛ لأنه كان مشغولاً بتمريضها، عظَّم الله أجره، آمين.
أما من حيث الأفراح والتهاني فالقائمة طويلة لا يسع المقام سردها تفصيلا، على أني لا أحفظ كل أسماء أبنائنا الناجحين في تونس وفي غيرها، فإلى الناجحين جميعا في أي بلد وفي أي درجة أقدِّم تهنئتي، وأتمنَّى للجميع تقدُّما مُطَّردًا
__________
(1) النص كتب في حياة الشيخ بيُّوض كما أسلفنا، وأضيفت عبارات الترحم عليه حديثا. انظر صورة الصفحة الأولى للخطاب والتصحيحات التي خطَّها الشيخ بيُّوض بيده، في آخر هذه الصفحات. (التحرير)
(2) يشير (رحمه الله) إلى تدشين معهد الحياة بالمسجد الكبير بالقرارة مكان دار إيروان القديمة وقبلتها. وكنا قبل ذلك، وبعد انتقال مدرسة الشباب من دار الشيخ بيوض إلى المسجد نتلقَّى دروسنا جلوسا في حلقات بالمسجد مثل حلقات جامع الزيتونة وجامع الأزهر. (20/274)
صفحة 275
ونجاحا مستمرًّا، وأخصُّ بالتهنئة الدكتور عبد الرحمن بابعمر أول طبيب ميزابي على الإطلاق (1)، إنه لفأل حسن، وباكورةٌ طيِّبة هذا النجاح الذي ناله بتفوق واستحسان كما شهد به أساتذته.
ما كان لهذا الحادث أن يمرَّ بهذه البساطة، إنه في تاريخنا لحدثٌ جليل، لأن لهذه الأوليات قيمة عظمى، ما كان الناس يظنُّون أن يحصل الميزابي على الدكتوراه؛ لكن ابنَنا العزيز أرانا وأرى الناس جميعاً-المغتبط منهم والحاسد -أن بالسويداء رجالا، وأن في أبنائنا نبوغا، نعم فيهم نبوغ وعبقرية واستعداد للوصول إلى حيث وصل الفلاسفة والمبرزون؛ ولكن التكاسل والتواكل قعدا بنا. لا ضُعف في المدارك ولا نقص في الذكاء، وأظن أنكم تعتقدون أن هذا ليس غرورًا، وقد حدَّثنا الدكتور عبد الرحمن نفسه بالكثير عن هؤلاء الذين كانوا ينظرون إليه أيام دراسته نظر الزاري حتى إذا جاء الامتحان وبزَّهم بأطروحته وتخطَّى رقابهم إلى المقام الأول، تبيَّن لهم أنهم كانوا مخطئين في تقدير مواهب الميزابيين، إنه لضلال بيِّن أن يعتقد أحدٌ أننا نقل عن أولئك ذكاء ونبوغا، إنَّنا نضاهيهم ونبزُّهم، وكم لنا من دليل وشاهد من أبنائنا الذين تخطَّوا رقاب أبناء الشمال من أبناء أوروبا، وسيجارونهم في ميادينهم، إلا من قعدت
__________
(1) كان الدكتور باباعمر صديقًا حميمًا لبعض تلاميذ معهد الحياة أمثال؛ الشيخ قرادي إبراهيم بن يحيى، [] محمد بن الحاج محمد، بالحاج بن عدُّون ... لم يدرس في القرارة ولكن أرسل إليها أخويه إبراهيم وامحمَّد، وابن عمِّه مسعود ضمن البعثة البيوضية. وكانت صِلاته بالحركة الإصلاحية في ميزاب وفي الجزائر وثيقة. توفي رحمه الله في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. (20/275)
صفحة 276
به همَّته، لا استعدادُه الفطريُّ ولا ذكاؤُه. ربما كان قبل اليوم يعد مثل هذا القول هراءً أو غرورًا؛ لكن أبناءنا الناجحين وابننا العزيز الذي برز في هذا الفن البكر فتح أعيننا على أبواب وميادين كثيرة، يجب أن نخبَّ فيها ونضع، فباسمكم واسم جميع التلاميذ أقدم له تهنئتي الحارة، وأرجو أن يوفَّق في عمله وسعيه، وأن يُقدِّر الله له نجاحا حيثما حلَّ وارتحل، وحيثما استقر.
ولا أقتصر في تهنئتي على هذه الدكتوراه؛ ولكن أزيد شيئا عن صفاته التي جعلت لعلمه قيمة
والعلمُ إن لم تكتنِفْه شمائل ٌ ... تُعلِيه كان مَطيَّة الإخفاقِ
والقيمة إنما هي عندنا بالخلق، بالشمائل، بالصفات الجميلة، لا بالعلم وحده. فقد يُحشَى الدماغ بالعلم، وقد تكون فيه ملايين الحلول لملايين المشاكل، ولكن ما قيمتها في الخارج؟ هل يتعامل المرء مع أخيه بعلمه؟ كلاَّ، إنما يتعامل معه بخلُقه، فما يدريني إذا جفوتني بخلقك ما الذي في دماغك من ملايين المسائل، وما الذي يغنيك من ذلك إن لم يكن له أثر في تزكية نفسك؟ فهل ينتفع الإنسان بعلمه إذا كان متكبرًا أو جباناً أو بخيلا أو أنانياً؟ لا والله، الإيمان في القلب رَشْحُهُ طيب الأخلاق، والعلم في الدماغ رَشْحُهُ حسنُ المعاملة وحلاوة اللسان.
هل حمل الناس شهاداتهم فوق رؤوسهم ليعامَلوا بمقتضاها؟ لا والله، ما كان هذا ولن يكون، لا يعلم إلا الله كم من ملايين من حملة الشهادات أخفقوا بخلُقهم، ولا تنتفع الأمَّة بشهاداتهم وعلمهم، وقد صدق حافظ إبراهيم: إن علمهم كان مطية الإخفاق. (20/276)
صفحة 277
فإذا هنَّيت الدكتور عبد الرحمن فلِما توسَّمتُ فيه من كريم الأخلاق وحُسن المعاملة، فشهودُه حفلاتنا ومجالسنا أكبرُ دليل على ما أقول، فهو اجتماعيٌّ في تربيته، إنه اجتماعيٌّ شعبيٌّ بسيط لم يتكبَّر بعلمه، ولم يغترَّ به كما اغترَّ بعض الشباب أمثاله، ذلك الذي يرى أن وطنه الصغير ميزاب أقل منه، ووطن الجزائر لا يحمله، يحتقر أمته ووطنه لأنه شدا بعض مسائل يجهلها كثير من الناس.
أكرر القول وأعيد إنَّني إذا هنَّيت عبد الرحمن وقلت بأنه باكورة حسنة، فمن حيث الخلُق لا من حيث العلم فقط، في الإمكان أن يقول في نفسه ما قيمة هؤلاء بالنسبة إلي، وأنا أعرف الإنسان من مفرقه إلى قدمه؟ وأن يداخله بهذا العلم وبهذه الأولوية والأسبقية غرور؛ ولكننا نراه يتواضع وينضمُّ ويندسُّ ويحتكُّ مع قدماء التلاميذ، هذا هو سرُّ النجاح، لهذه النكتة ولهذه وحدها أهنيه اليوم.
إنني لأذكر أنَّ بعضا ممن يسلكون طريقته العلمية ممن خوطبوا واجتذبوا حتى يدخلوا حظيرة التلاميذ؛ ولكن ظهرت منهم أنفةٌ ونفرة وخسة أخلاق، وأنتم تعلمون قصَّة طلبة الجزائر الجامعيين الذين دُعوا إلى الانضمام إلى صفوفكم فأبَوا.
وقد أشار إليه كاتب فرع الجزائر في تقريره الذي ألقاه عيكم صباح اليوم، وأظن أنكم فطنتم له، فافهموا ذلك جيدًا واعتبروا به، أولئك قوم لا زالوا لم يحصلوا على شيء مما أدركه دكتورنا؛ لكن شيطان الغرور بدا يلعب بهم، من الحق أن تُخصَّص ليلة كاملة لهذه النكتة وحدها، فافهموا قيمتها وخطرها.
إننا لا نهنئ مبرَّزا في علم، ولا محصِّلا على شهادة ما لم يكن من نفسه عليه شواهد كما قال الشاعر:
ويُسعفُني في غمرةٍ بعد غمرةٍ ... سبوحٌ لها منها عليها شواهدُ (20/277)
صفحة 278
إننا لا نهنِّئ بالنجاح العلمي ولكن بالنجاح الخلقي، وأرجو من الدكتور عبد الرحمن أن يعتبر هو الآخر بهذه الكلمات وأن يتمكَّن في هذه السيرة التي بدأها، ويعلم أنه ما كان يتعلم إلا ليعمل لأمته، ولا يعمل لأمته إلا في ميزاب، يداوي مرضاهم، ويصبر على جفائهم، وعلى جهلهم وطبائعهم.
لقد قلت في خطاب لي بالجزائر: إذا لم يكن غرض المتعلِّم أن يعمل لأمته ويضحِّي في سبيلها كلَّ عزيز، فلا كان، لأنه لا يكون إذ ذاك إلا تاجرا كغيره من التجَّار.
قد نشِطتُم كثيرا للتعليم المهني، وأكثر المقترحات التي قُدِّمت اليوم تتعلق بهذا: توجيه الشباب إلى علوم الحياة، ولعلها تميل عند بعضكم وترجح جانب خلق الدعاة والهداة، ما كان ينبغي لنا أن نميل كل هذا الميل إلى هذا الجانب، ففاتح صيدلية لا فرق بينه وبين بائع الأغذية ما دام الكلُّ يعمل لجيبه الخاص لا لأمته، وهل يستطيع ميزاب أن يؤوي أكثر من صيدليين أو ثلاثة؟ وإذا كان فتحُ صيدلية لميزابي في باريس أو الجزائر فما فائدة ذلك للوطن، وإذا لم تنتفع الأمة بعلم هؤلاء وجهودهم فما هم منها، نعم نريد علماء ومحترفين وممتهنين؛ ولكن بشرط أن يكونوا ذوي أخلاق فاضلة وشمائل كريمة، ويعملون في وطنهم ولأمتهم، كم من رجال تعلموا فمرقوا من دينهم، وتنكروا لأمتهم، فبدلا من أن يكونوا لها كانوا عليها، أعلَّمتك أمتك وجعلت منك رجلا لتكون عليها لا لها؟
أُعلِّمه الرماية كلَّ يومٍ ... فلمَّا اشتدَّ ساعِدُه رَمَانِي
وكم عَلَّمتُهُ نظْمَ القوافي ... فلمَّا قال قافيةً هَجَانِي (20/278)
صفحة 279
أما طبيبُنا اليوم، وباكورتنا اليوم، فليس من هذا النوع بل من النوع الذي نتطلبه، فلهذه المعاني كلها أكرِّر تهنئتي، وأختم الموضوع بالدعاء له أن ييسِّر الله له أسباب الاستقرار في البلد، وأسباب النجاح الذي له منها الشيء الكثير، ولا تزال أمامه عقبات دون هذه الغاية، إذن اُدعُوا الله له مخلصين أن يُمهِّد له هذه العقبات وأن يُيَسِّر له أسباب الاستقرار والنجاح.
وبعدُ فإني أبدأ خطابي في مؤتمر القدماء بشكر رئيس فرع القدماء إذ استدعاني لحضور مؤتمركم هذا، لقد كنت مغتبطًا بسير جمعيتكم؛ ولكنني اليوم أشدُّ غبطة وأكثر سرورًا وحبورًا، وسأبيِِّن لما كان ذلك، وسأحاول أن لا أعدو الحقيقة ولا أبالغ، وأتحرَّى الحقَّ ما استطعت.
إنكم أيها القدماء، أنتم الأمَّة، وأكرِّر وأقول: إنَّكم أنتم الأمَّة، نعم أقولها وأعيد، لماذا كنتم الأمَّة؟ لأنكم بحكم تعلُّمكم، وبحكم انتثاركم وانتشاركم في أطراف القطر، وبجكم وجودكم بين كل جالية من جالياتنا، إنكم بهذا شريانات وأوردة تنقل الدم الصافي الحي إلى أطراف الجسم.
عن فروعكم المؤسَّسة في كل جهة لهي خلايا الجسم التي تتمكن فيها أسرار الحياة، إنكم الغدد التي تفرز السائل الذي يتطلَّبه الجسم لنمائه وبقائه، حقيقة إنكم لكذلك، فاعلموا مركزكم في المجتمع وقيمتكم في الأمة.
نعم إنكم الأمَّة، ولن تموت أمَّة أنتم أوردتها الحاملة للدم الصافي الحي النقي، لن يسقط شعب يُحمَل على مثل كواهلكم، إنكم تعملون لرفع مستوى شعبكم والبلوغ بأمتكم إلى حيث تستحق، إنكم تحملونها على كواهلكم، ولا أدري كيف تسقط أمَّة محمولة على مئات الكواهل؛ كواهل شباب متعلِّم متديِّن، (20/279)
صفحة 280
ذوي أخلاق طيبة وشمائل كريمة تعاهدوا على العمل والفداء والتضحية، أنى لهذه الأمة سقوط.
لست مُغترًّا ولا مخدوعا ولا مُخطِئا في التقدير إذا قلت هذا، أنا أعلم أن عددكم لا يزال قليلا؛ ولكني أتيقَّن أنه ينمو، وينمو باطراد، وأعلم أن وسائلكم المادية والأدبية ضعيفة، وأن أعمالكم لا تزال صغيرة محدودة؛ ولكني أعلم أنها ستقوى وتتسع، فاغتباطي إنما هو اغتباط من إذا رأى من الهلال نموَّه أيقن أن سيصير بدرا:
وإذا رأيت من الهلال نمُوَّه ... أيقنت أن سيصيرُ بدرًا كاملا
لم تكن هذه الجمعية ثم كانت، كانت ضيِّقة ثم اتَّسعت، ولا تزال تتسع وتبثُّ فروعها في أنحاء القطر، لا تزال المدرسة والمعهد يدفعان إلى جمعيتكم هذه الفوج بعد الفوج، وبذلك يزداد عددكم، وينمو باطراد.
شهدنا ولادة البذرة وكيف علا ساقُها، وكيف أورقت ورقة، وكيف كوَّنت فروعًا وأوراقًا وثمارًا، نعم لا تزال صغيرة؛ ولكنها تنمو باطراد، أنا مغتبط لا بالحال الذي أنتم عليه؛ ولكن بالحال الذي تكونون عليه غدًا، وليس هنالك أيُّ حاجز يستطيع أن يُوقف حركة النمو في هذه الجمعية المباركة.
سألتُ عن عدد التلاميذ المتخرِّجين في جمعيتكم وفروعها فلم أجد جوابا مدقَّقا، وكان يجب أن يكون العددُ محفوظا عندكم بالضبط، خطأ صغير فتلافوه بعد.
فاغتباطي إذن إنما هو اغتباط من زرع بذرة وراقبها وسايرها، ورأى النموَّ مطردا لا يقف، كيف لا تنمو الشجرة وتؤتي ثمارها كيف لا يتم البدر، لابد أن يرجع الهلال بدرا، واغتباطي إنما هو أكبر بروح هذه الحركة، إن الروح الحقيقية (20/280)
صفحة 281
ليست الأعمال التي تقومون بها، فالأعمال ثمار وفروع؛ لكن غذاء الشجرة التي بها تنمو وتشتدُّ.
لقد قرأت مقرراتكم في السابق وسمعتُ مقترحاتكم اليوم فرأيت طموحكم واتجاهكم، ورأيت كيف أنكم متجهون إلى كل نواح الحياة التي أعتقد أنه ليس هناك ميدان من الميادين ليس [لكم] فيه اقتراح أو ملاحظة.
تكلمتم في التعليم الابتدائي والثانوي والعربي والفرنسي، وتكلمتم في الفلاحة والصناعة، حتى على تنظيم السياحة في وادي ميزاب، يُعجبني فيكم هذا الطموح، هذا النظر إلى هذه الآفاق البعيدة، وأعجبني هذا التفكير الواسع؛ لكن وسائلكم اليوم ضعيفة جدا، حقيقة إنها ضعيفة لا يزال عددنا بالنسبة لهذه الميادين قليل جدا، ولا يزال مالنا لا يذكر، جمعية يكون تفكيرها مثل هذا الذي رأيت وسمعت ولا تكون ميزانيتها ملايين؟
لعل ناظرا بغير نظرنا يسخر من هذا المشروع ويضحك ملء شدقيه ويقول: أي جنون أكبر من هذا، كما قالوا في الرسول - صلى الله عليه وسلم -: لا يزال مختفيا في بيت الأرقم، ويحدث نفسه بملك كسرى وقيصر، وقالوا في حديث بالصخرة مثل هذا القول، وضحك المشركون وقالوا: شخص يخندق على نفسه من الخوف ويحدث نفسه بمثل هذا الحديث (1).
أبنية ومساجد ومعاهد ومراكز وبعثات في كل مكان، لو جمعتم اقتراحاتكم لتنفيذها لما كفتكم مئات الملايين، لكن الناقد البصير ذو
__________
(1) حديث الصخرة في غزوة الخندق، في السنة الخامسة للهجرة. انظر تفاصيله في كتب السيرة، انظر مثلا سيرة ابن هشام ج2. ص ص: 187ـــ 193. وانظر الطبري ج3. ص ص: 568 ــ 570. (20/281)
صفحة 282
النظر البعيد الذي يرى الروح لا الجسم يغتبط ويسر كما اغتبطت وسررت. نعم أنا مسرور بهذه الروح الوثابة، إن مقرراتنا كبيرة، فيها الممكن والمتعذر، وفي الممكن منها المتيَسَّر والمتعذر، وفي المتيسر الأهم والمهم، وأنا أعلم أن قادتكم حكماء ورؤساءكم وخاصة الشيخ عبد الرحمن والشيخ عدُّون يعلمون كيف يرتبون الأهم فالمهم على حسب الإمكانيات، إنهم يعلمون أننا لا نتوسَّع في ميدان على حساب الميدان الآخر، لا نتقدم في ميدان إلا على حساب النقصان في الميدان الآخر.
إنه لا يسوءني أن نرى المقررات مرسومة، لندعها مسجلة ولنراجعها دائما وننفذ ما يمكن تنفيذه ونرجئ الباقي، إن وسائلنا تزداد نموا ولابد أن تقوى، كل عام تزداد إمكانياتنا كذلك فلابد أن نحقق شيئا؛ لكني أنظر إلى شيء وراء كل هذا، أنظر إلى الروح، أنظر إلى الأسباب التي تربط بعضكم بعضا حتى تشعروا بوحدتكم، أنتم متفرِّقون في المشرق والغرب ولكنكم تشعرون بأنكم ضمن إطار واحد يضمُّ بعضكم إلى بعض، فروح المودَّة التي تسود أعضاء جمعيتكم، والروابط التي تربطكم جميعا، هذا هو كل شيء في نظري، فدعوا الملايين جانبا، فلو كانت الأكياس مليئة وانعدم الشعور بواجب العمل والسير في إطار واحد ونحو غاية واحدة لما كان يغني ذلك المال شيئا، فروح المودة والشعور بالوحدة هما سر النجاح.
هذا هو الإكسير، هذا هو المنبع الذي تنبت منه الشجرة وتنمو وتزدهر، أما أعمالكم فما هي إلا ثمرات للشجرة.
أنا شديد الاغتباط بهذه المؤتمرات لا بالعمل المنجز فيها، ولكن بمجرد الاجتماع، بمجرد الشعور بالصفاء الذي يسود بينكم، الصفاء هو الرباط (20/282)
صفحة 283
المقدس، هذا هو الذي فقدته الدنيا اليوم، والدنيا اليوم كلها نفاق، أعلى الناس درجة في السياسة أشدُّهم نفاقا، والأربعة أو الخمسة العظام التي تسبح الدنيا بحمدهم، هؤلاء كلهم ينافق بعضهم بعضا، ويعلم كلُّ منهم أن الآخر ينافقه، ليس واحد منهم إلا ويحتال للآخر ويلعب به، وما الحياة الدنيا إلاَّ لعب ولهو، أنا كلما قرأت هذه الآية إلا وذكرت هذه النكتة، ومؤتمرات الدنيا وهيآتها كلهُّا نفاق في نفاق إلا من رحم ربك.
نعم إن الحياة فقدت الصفاء والحب ففقدت روعتها وقيمتها، وأصلُ كل شيء الحب المتبادل، ولقد ابتلينا نحن كذلك بهذا المرض، فقد ذهبت جلسات الصفاء التي يتناسى الإخوان والأصدقاء فيها المادة وكل ما يَمُتُّ إلى المادة بصلة، ذهبت تلك الجلسات التي كانوا لا يتبادلون فيها إلا القيم الروحية بأخلاقهم وطيب محضرهم، ولطف حديثهم، طغت المادة على كل الميادين فأفسدت على الناس حياتهم، وكان ينبغي أن يترفع الناس عنها، إنه من الجنون أن يقول قائل: إن العصر عصر مادة، ولا قيمة إلاَّ للمادة، لا ليست السعادة بالدرهم ولا بالدينار؛ ولكن بالمحبة والصفاء، هذه المحبة التي تجمع الناس حول غرض واحد وتؤلف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، إن كل مجتمع يكون مبنيا على تبادل المنافع يكون مآله الاضمحلال والفناء، أما إذا كان مبنيا على أساس من الأخلاق والقيم الروحية فإنه يضمن لنفسه الحياة والرقي.
لهذا أريد من جمعية القدماء أن تعمل في أي ميدان شاءت؛ ولكن بشرط أن تبثَّ في نفوس أعضائها هذا الصفاء، وهذا الحب، وأن تمكنه فيهم، أريد منها أن تعمل في هذا السبيل وتدعو إليه بكل الوسائل، أريد منها أن تهيء لنا دعاة إلى الأخلاق الفاضلة، وإلى المعاني السامية التي هي بهجة هذه الحياة وزينتها. (20/283)
صفحة 284
الأمَّة بحاجة إلى تكوين دعاة مرشدين، أريد أن تتجه المدارسُ والمعهدُ وبعثةُ تونس إلى هذه الغاية، لا أريد أن يكون في تونس إلا من أُشبع هذه الروح، وصُبغ بصبغة الأخلاق النبيلة، وبالدين المتين، ومن أحسنُ من الله صبغة، أريد أن تكون ثلاثة أرباع بعثة تونس من الدعاة المرشدين، لا أريد أن يطغى على بعثة تونس التلاميذ الذين يدخلون المدارس الرسمية ليحصلوا منها على شهادات تمكِّنهم من شغل وظيفة ما، إن حاجتنا اليوم آكد إلى تكوين هُداة مرشدين، دعاة إلى الله، يعمرون المساجد أولا، ثم المراكز الدينية، والوظائف الشرعية ثانيا، أنا لا أنكر الميادين الأخرى؛ ولكن الأمة اليوم في حاجة إلى الإرشاد وبث المعاني الروحية بين جماعاتها وأفرادها.
نعم قلتُ في أول كلامي أنا مغتبط بهذه المقترحات؛ لكن أريد منكم أن تحسنوا التقدير للأمور، واضبطوا الأهم والمهم، وأهمها على الإطلاق تكوين الهداة المرشدين.
من ادَّعى أن إصلاحا يتم في الواحة بغير كتاب الله وسنة نبيه وبغير منبر المسجد فهو في ضلال مبين، لقد قلتُ هذا منذ عشرين عاما وأعَدْتُه بالأمس في العطف، وأعيده الآن، نعم كلُّ إصلاح لا يكون بيتهُ بيت الله، ولا حجَّته كتاب الله، ولا سلاحُه الحق والعدل فهو باطل وضلال؛ لأن داعيا في غير بيت الله إذا صال فصَوْلته إلى ساعة، صولة الباطل ساعة وصولة الحق إلى الساعة.
إن تعليمنا الدينيَّ والشرعيَّ والعربيَّ في نقص مستمرّ، هذه حقيقة يجب أن نعترف بها ما تقحَّمنا هذه الميادين إلا لفراغها، ولازِلنا في هذا الميدان كما يقول المثل العامي: «امْشِ بالمَنْداسْ حتى تْصِيبْ الصبَّاطْ»، لا زلنا في سدِّ الفراغ بما أمكن للضرورة، لا أدري متى نصل إلى أن لا يشغل مناصبنا الدينية ومراكزنا التعليمية إلا من هو أهل لها، متى نصل إلى أن لا يجلس في كرسي إلا من يملأه، إن لنا عروشًا كبيرة (20/284)
صفحة 285
واسعة ولكننا لا نُجلِس فيها إلا أقزاما، لعلنا لا نجد الآن فينا من جلس على كرسي وملأه بجدارة، حتى يصحّ أن نقول فيه ما قاله الشاعر في عمر بن عبد العزيز:
أتَتْه الخلافة مُنقادَةً إليه تُجرِّر أذيالها
فلم تَكُ تَصلُح إلا لَه ولم يَكُ يصلُح إلا لها
أي منصب لنا في التدريس أو التعليم نستطيع أن نقول فيه لِمُحتلِّه «فلم يك يصلح إلا له»، ما زلنا مضطرين إلى أن نسد الفراغ بالأثمان والأرباع كما يقول المثل العامي: «ما اطيَّحْني في الاَثْمانْ يا عثمانْ، عمري ما لقيت ربع».
لست متشائما بهذه الحالة، وأنا محقٌّ لما قلت إنني مغتبط بسير جمعيتكم، وأنا محق كذلك في تقرير ضآلة ما نقوم به في حركاتنا؛ ولكن ما الحيلة؟ هكذا يجب أن يكون، هذا هو الطريق، فسيروا ودوموا عليه ومعكم روح الله، المدارس تدفع إليكم كل عام بفوج بعد فوج، ولابد أن يكثر عددُكم وتقوى حركاتُكم وتحققوا عملا جليلا.
شبهتكم أول مرة بخلايا الجسم التي تكمن فيها أسرار الحياة؛ ولكن أريد أن تكونوا أقوى خلية في جسم الأمَّة، نسمع عن بعض علماء هذا الفن -واسمحوا لي إن أنا تطفلت فتكلمت فيه- نسمع كثيرا أن بعض الخلايا تتسع وتكبر حتى تأكل الخلايا المجاورة لها، وهكذا أريد من جمعية القدماء اليوم، أن تكون خلية كبيرة تتسع لتبتلع ما حولها كما فعلتم اليوم، أنتم خلية كبيرة اجتذبت الدكتور عبد الرحمن فذاب فيها، كذلك فكونوا دائما، اجتلبوا واجتذبوا العناصر البعيدة عنكم بأخلاقكم وشمائلكم وحسن سلوككم حتى تكونوا أنتم الأمَّة، فإذا فعلتم ذلك كانت العناصر الأخرى كلها ضمن دائرتكم. ويوم تكون مراكز المساجد (20/285)
صفحة 286
ومراكز المحاكم الشرعية والمخزنية عامرة بأفرادكم، أَوَلاَ تكونون حينئذ الأمَّة؟ نعم، تكونون الأمَّة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
إنه من الضعف والخسارة أن تضيق الجماعة أو الهيئة وتضعف حتى يخرج منها من كان فيها، فأتموا الغرس الذي بدأتموه بحسن سلوككم وبحسن عشرتكم، وكذلك صفة المؤمن يألف ويؤلف، كما وصفه النبيء - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إن أحبكم إلى الله وأقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون».
أكبر خلية اليوم في الأمة هي خلية القدماء، وأثرُها أكبر أثر، أنتم وسطٌ بين الطرف الأول من الرجال العاملين الذين سبقوكم، وبين التلاميذ الذين لا يزالون بالمدارس، إنكم منبَثُّون في مختلف ميادين الحياة؛ ولكنكم في نطاق واحد بجمعيتكم هذه، تدفع إليكم المدارس أفواجا جديدة، وتجتذبون عناصر أخرى كانت بعيدة عنكم وتؤثرون في الجميع ولا تتأثرون، من الواجب عليكم أن تؤثروا في كل من تتصلون به، كل تلميذ وُجِد منكم في أي جهة كانت يجب أن يكون ذرة تشع الضياء والحرارة، تهب الحياة لمن حولها، وإذا لم تكونوا كذلك فإن مهمتكم تكون ناقصة، وعملكم غير منتج، أنا لا أريد أن يكون أحد التلاميذ ذيلا لا رأسا، يتأثر بغيره ولا يؤثر في غيره، نعم أثِّروا ولا تتأثروا.
ولكن ليس معنى هذا أن تفرضوا أنفسكم فرضًا، ويقول الواحد منكم لمن حوله رئِّسوني واعترفوا بي، لا؛ ولكن أريد أن تسودوا وترأسوا الجماعات بالانتخاب الطبيعي، أما من يعمل للرئاسة قصدا فهو خائب وإن أوتي الرئاسة، ابدأ بالجلوس في آخر المجلس حتى يؤخَذ بيدك إلى صدره، وأنتم تعلمون قصة ذلك (20/286)
صفحة 287
الصغير الذي سأله الأمير: ابن من أنت؟ فأجابه ابن الأدب يا أمير المؤمنين؛ لأنه لم يسأله حتى عرف بديهته وظرفه، فأجابه: أنا ابن الأدب الذي لفتك إليَّ حتى سألت عن أبي.
أعيذكم بالله من الغرور الذي يصيب بعض المتعلمين، شُقَّ طريقك نحو غايتك حتى تصل الدرجة التي يؤهلك لها استعدادُك.
عندنا الآن بعض من القدماء يعملون في التجارة في بعض المدن، وقد سبقهم فيها تجار آخرون، ولعلهم أقوى منهم مالا وجاها، ولكن ما مضت سنوات حتى تخطَّوْا الرقاب، وكانوا هم الرؤساء، انتخبتهم الطبيعة للرئاسة ولتسيير الحركة، كذلك فكونوا، أثِّروا في الوطن الخبيث بتطهيره وتطييبه، وإياكم أن تتلوثوا به.
ومهما يكن من أمر، ومهما تكن حالتنا اليوم وضعفها وسيرها ومهلها فإنني أكرر بأنني مغتبط، وبأنني آمُل أَمَلا قويا، أرجو أن أشهد مؤتمركم في العام المقبل وأجد عددكم قد ازداد في الكم والكيف، وما ذلك على الله بعزيز».
ثم انتقل الأستاذ إلى التعليق على بعض الاقتراحات والإجابة عن بعض الأسئلة، فقال فيما يخص تكوين لجنة لمراقبة الأهلَّة: إن المركز هو مركز الجزائر (1)، والتليفون موجودٌ به، فما عليكم إلا أن تخاطبوا المركز ليلة رؤية
__________
(1) يشير (رحمه الله) إلى الدار التي اشترتها الجمعيات الإصلاحية الميزابية، وهي تقع في القصبة السفلى من العاصمة، بجدار جامع كتشاوة. اشترتها تلك الجمعيات سنة 1951 لتكون مسكنًا للشيخ بيُّوض ومركزًا لنشاطها، بعدما انتُخب الشيخ بيُّوض سنة 1948 نائبًا لميزاب في المجلس الجزائري. (20/287)
صفحة 288
الهلال، أما فكرة تكوين مركز بالجزائر وقسنطينة لإيواء تلاميذ المدارس فأهم من ذلك مركز تونس، ووسائلنا الآن أضعف من أن تسمح لنا بذلك، على أن إيجاد مدارس عربية في المدن التي لا توجد بها إلى الآن، وترقية الموجود منها وتنظيمها أهم بكثير.
ولما سُئِل عن دار الجزائر قال: إنها لا تتسع لذلك، وخاصة إذا اتخذت مركزا للجريدة التي تنوون إنشاءها في القريب العاجل، وأولى من ذلك كله أن نرقِّي معهدنا بالقرارة للتعليم الديني الإسلامي، وهذا العمل يستنزف كل قوانا، يجب أن نصرف فضل الوقت وفضل المال في ترقية مدارسنا الابتدائية ومعهدنا الثانوي، أما أن نتخذ اليوم مراكز أخرى فوسائلنا لا تكفي ولا تتسع لذلك، هذه نقطة عندي حساسة. كوِّنوا قبل ذلك هداة مرشدين أولئك وحدهم يرفعون أمَّتهم دينيا وخلقيا، ويصلحون إذا فسد الناس وأولئك هم المصلحون حقا؛ الذين عناهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «طوبى للغرباء»، ولما سُئل عن الغرباء قال: الذين يصلحون أنفسهم إذا فسد الناس، ومع ذلك فلا تنسوا نصيبكم من الدنيا، {وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}، والسلام عليكم.
اختتم الأستاذ خطابه على الساعة الواحدة إلا خمسا وعشرين دقيقة زوالا.
- - - (20/288)
صفحة 289
تحية لوادي ميزاب
الدكتور عبد الله بن راشد السيابي
نائب رئيس المحكمة العليا
مسقط ـ سلطنة عمان
تُهدي عُمانُ تحيةً وسلامًا ...
مُتعانِقَيْن مَحبَّةً ووِئامَا ...
وتَمُدُّ أَسْلاكَ المودَّةِ والصَّفا ...
حتَّى تنالَ منَ القلوبِ مقامَا ...
وتحطُّ في ميزابَ بين ضِفافِه ...
مَرْجُ الوِصالٍ هُنَا زَكَى وتَنامَا ...
حيث الأخوَّةُ والهُدى تسمو به ...
وتخطُّه نَهْجَ الحياةِ نظامَا ...
حيث الأخوُّةُ والكتاب ضياؤُها ...
نبراسُها تبني به الأحكامَا ...
حيث الأخوُّةُ والكتابُ عِمادُها ...
وبه تنالُ من السُّمُوِّ مَرامَا ...
حيث الأخوَّةُ والنبيُّ إمامُها ...
عزَّت به إذ صيَّرتهُ إماما ...
حيث الأخوَّةُ والنبيُّ وصحبُه ...
وطريقُهُ أَوْلُتهُم الإعظاما (21/290)
صفحة 290
حيث العقيدةُ قد صفت من نَبعِها ...
وحيِ الإلهِ بنورِه تَتَسامَى ...
لله من قومٍ بَنَوا أمجادَهُم ...
بالمكرُمَاتِ وما ارتَضَوا إحجَامَا ...
قاموا لنشرِ العلم بين رُبُوعِهِم ...
رفعُوا به بين البرَايَا الهَامَا ...
بمدارسٍ ومعاهدٍ ومساجدٍ ...
كانوا لها العُمَّار والقُوَّامَا ...
رَبَّوا على القرآن جيلاً واعدًا ...
حِفظًا وترتيلاً غدَا إِلزامَا ...
رَبَّوا على القرآن جيلاً مُشرقًا ...
قد عاش وضَّاءَ الجبينِ هُمَامَا ...
يا معهد فيك الحياةُ جميلةٌ ...
لما أُضِفْتَ لها هُنَا استِتْمامَا ...
أُسِّسْتَ بالتقوى فكُنتَ كواحةٍ ...
خضراءَ تكسُو البيدَ والآكامَا ...
أُسِّسْتَ بالإصلاح فازدَانَتْ هنا ...
هذي المواطنُ رِفعَةً ووِئامَا ...
لله أشياخٌ سَعَوا في فكرهِم ...
أن يُنشِئُوه بجُهدِهم إذ قامَا (21/291)
صفحة 291
ضَحَّوا نُفوسًا مَعْ نَفيسٍ وابتَغَوا ...
مِن ذي الجلاَلِ تقرُّبًا ومَقامَا ...
سَهرُوا العيونَ وثابروا في جِدِّهم ...
وتحمَّلُوا الأثقالَ والآلامَا ...
ومَضَوا إلى الحُسنَى وقامتْ عُصبَةٌ ...
من بَعدِهِم تَرعى الوفاءَ ذِمَامَا ...
ساروا على النهجِ القويمِ وما انثَنَوا ...
فتصدَّرُوا نحو العُلاَ إِقدَامَا ...
إني أكنُّ لهُم موَدَّة صادقٍ ...
يَبقَى ربيعُ وِصَالِهَا بسَّامَا ...
وأقولُ إني قد أتيتُ مُشارِكَا ...
والقلب نحو لِقَاكُم قد هامَا ...
سَعِدَ المكانُ بحفلِكٌم وتعطَّرت ...
آفاقُهُ إذ فاحَ نَشْرُ خُزامَى ...
وتهلَّلَتْ ريحُ البشائِرِ باللِّقا ...
وبِه غَدَا غيثُ السُّرُور سِجَامَا ...
كم سَاوَرَتنِي رغبةٌ لزيَارَةٍ ...
لديَارِكُم أترَقَّبُ الأيَّامَا ...
حتَّى أتاحَ لِيَ الإلهُ بفَضْلِهِ ...
وَصْلاً إِلَيكُم بالمحبَّةِ دَامَا (21/292)
صفحة 292
ما بين وادٍ في "سَمَائِلَ" ازدهرتْ ...
جَنَباتُهُ عِلمًا وعزَّ مقامَا ...
وكذاكَ في ميزابَ وَادٍ أورَقَتْ ...
أغصانُهُ بالعلمِ إذ هُو قَامَا ...
سارَا إلى نحوِ المعالي رفعةً ...
سموا وكانَا عُمدةً وقَوَامَا ...
شُكرًا بني ميزابَ أهلَ "قرارةٍ" ...
"غردايةٍ" مع "بريان" سلامَا ...
و"مليكةٍ" و"بنورةٍ" و"العطفِ" في ...
مَجْدٍ رفيعٍ للعلا يتسَامَى ...
و"بيَسْجَنٍ" رحِمَ الإلهُ لقُطبِنَا ...
مَن كَان في كُلِّ العُلُومِ إمَامَا ...
وكذاكَ وارجلانُ لا أنسى بِها ...
قَومًا وكانُوا دائمًا أَعلاَمَا ...
هَذِي مَشَاعِرُ مُخلِصٍ في وُدِّهِ ...
قد خطَّها قلمُ الصَّفَاءِ نِظَامَا ...
تُهْدِي لَكُم حُسْنَ الثَّنَا في حُلَّةٍ ...
بَيْضَا وكان لهَا الوَفَاءُ خِتَامَا (21/293)
صفحة 293
تحية الجزائر لسلطنة عُمان
الأستاذ الشاعر:
الشيخ صالح بن إبراهيم باجو
أستاذ بمعهد الحياة - القرارة
حيّوا عُمَانَ تحيَّة الإجلال
بشيوخها ورجالِها الأبطالِ
من خلَّدوا عبر السِّنين مآثرًا
ممتدَّةً منذ الزَّمان الخالِي
فعلومُهم مثل المحيط غزارةً
في عُمقه كنزُ الجواهر غالِي
علماؤُهم سُرُج الهداية للورى
أخلاقُهم للنَّاس خيرُ مثالِ
فشموسُهم سطعت على إفريقيا
أصحابُنا هناك استقرُّوا بالشَّمالِ
فهناك في لِبْيَا، وفي جربا، وفي
ميزابَ أفئدةٌ تتوقُ للاتّصالِ
مشتاقةٌ للقائكم مثل اشتيا
ق أبٍ حنونٍ غاب عن أنجالِ
فوشائجُ القربى تزيدُ لنشئِنا
ـ رغم البعاد ـ تَواصُل الأجيالِ
متشوِّقون إلى عُمَانَ لينهلوا
من نبعه المتفجِّر السيَّالِ
حيثُ العلومُ غزيرةٌ كخليجه
يروي الظَّمى كتدفُّق الشلاَّلِ
كم مكتباتٍ زاخراتٍ ننحني
لمؤلِّفيها الغُرِّ في إجلالِ (22/294)
صفحة 294
حفظت حضارةَ أمَّةٍ لا ينتهي
إعجابُنا بعطائِها المتوالي
ليست مجرَّد أسطرٍ بل إنَّها
موسوعةٌ عظمى بحمل جِمالِ
(قاموس شرع) مع (نثار جواهر)
و (سلاسل الذهب) النفيسِ الغالي
أعظِمْ بها من مكتباتٍ زاخرا
تٍ بالنّفائس، وزنُها بِجبالِ
أرضُ البطولة من قديمٍ رَصَّعت
تاريخَها بعظائم الأعمالِ
بعزيمة السُّلطان قابوس الذِّي
ما انفكَّ يُعلي صرحَها المتعالي
وسَمَا بها السُّلطان قابوسُ الأبـ
ـيُّ مضى بأمَّته لأوج كمالِ
فإذا عُمَانُ بعهدِهِ انطلقت، تُسَا
بِقُ عصرها في نهضةٍ وتَعَالِ
وإذا عُمان بفضله ازدهرت ونجـ
م السَّعد في ألَقٍ وفي إِقبالِ
في كلِّ ناحية مدارسُ لا تعـ
ـدُّ وجامعاتٌ من طرازٍ عالِ
ضمَّت شبابَ عُمَان تصنع منه في
مُستقبِل الأيام خيرَ رجال
يتحمَّلون رسالة قدسيَّة
وسطيَّة المنهاج تُرضي العالي
سيبوِّؤون بها (عُمان) مكانةً
عليا, كبدرٍ مُشرقٍ مُتَلالي (22/295)
صفحة 295
وبنعمةِ الرحمان وطَّد أمنَها
شهمٌ حَمَاها بالنَّفيس الغالي
بالعلم نوَّرها فأضحت دوحةً
للفكر وارفة وذات ظلالِ
يتزاحم الطلاب حول رياضها
للارتوى من نبعها السيَّال
جاؤوا إليها من (مِزَابَ) قلوبُهم
ظمأى تتوقُ إلى بَرودٍ من زلال
وجدوا عُمان بعلمها وشيوخِها الـ
ـعظماءُ حِضنًا, بل محطّ رِحَالِ
مفتيهمُ (الشّيخُ الخليليُّ) الذي
رفع البلاد إلى المقام العالي
فسماحةُ (الشّيخ الخليليِّ) الذي
ما انفكَّ يدعو للحوار بلا جدالِ
داعي الدُّعاة إلى الهدى بتبصُّر
فإذا الشبابُ عليه في إقبالِ
فشيوخُها جمعوا التُّقى والعلمَ إذ
لا خير في علمٍ بلا أفعالِ
علمٌ بلا خُلُق يقود إلى الردى
ويدمِّر الأوطان كالزِّلزالِ
دُومي عُمان منارةً يُهدى بها
من رامَ مَجدَ العزِّ والأبطالِ
دُومي لنا محبوبةً محفوظةً
في ظلِّ راعيكِ الكريم الغالي
كلُّ الجزائر ألسنٌ تدعو، تقو
ل: رعاكِ والسُّلطانَ ربٌُّ عالِ (22/296)
صفحة 296
اعتراف بالمقام
الأستاذ الشاعر:
مبروك زيد الخير
جامعة عمار ثليجي - الأغواط
ما أجمل الاحتفال بتتويج الطودين الراسيين، (الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم، والأستاذ الشيخ محمد الهادي الحسني) في ساحة مُلئت بالعلماء الفطاحل، وإنها لمبادرة طيبة نسوق شكرنا أصحابها وأصحاب هذا الصرح الممرد. في تكريم ورفعة أهل العلم:
سافرتُ في لُغتي بِحَرْفي ...
وحملتُ أحلامي بكفِّي ...
ورسمتُ فرحةً مهجتي ...
وأتيتُ أُهرَعُ دُون خُفِّ ...
وأنا أُسابِقُ لحظَتِي ...
سَعيًا وأُوقدُ نارَ لَهفي ...
نَحو (الحميز) ورَبْعِها ...
نحو الصَّباح المستَشِفِّ ...
نحو السَّمَاحَةِ والهَنا ...
أرنُو لأُغنِيَتِي وعَزْفِي ...
أَجنِي الغِراسَ مَفاخِرًا ...
وأَهُزُّ بالإعجابِ عطْفِي (23/297)
صفحة 297
وأَرُومُ آفاقَ المُنَى ...
وأَسوقُ للأشواقِ قَطفِي ...
وأنا أُجَلِّي ما بقلبِي ...
من مُنَاي بكلِّ لُطف ...
وأسُلُّ من غِمْدِ الكلامِ ...
ضَمَائِرًا تأبَى التخفِّي ...
وأصوغُ ملحمةً تُوقِّعُ ...
نغمةً من غَيرِ دُفِّ ...
قد جئتُ أحضرُها هُنا ...
ورميتُ بالأشغَال خَلفِي ...
ورشفْتُ صَفْو محبَّتِي ...
وتركتُ إخواني وإِلْفِي ...
وعصرتُ عِبقَ بَلاغةٍ ...
ترتاضُ من نَحوي وصَرْفي ...
متمايلاً من ... وَقْعِهَا ...
أختالُ في نشرٍ ولَفِّ ...
قد جئتُ للشيخينِ أنشُرُ ...
للمحبَّة طِيبَ عُرْفِي ...
وهما اللَّذَان تَبوَّءَا ...
سَقفًا يُطاوِلُ كُلَّ سقف (23/298)
صفحة 298
في كلِّ فنٍّ أبدَعَا ...
أدباً يُجاوز كلَّ وَصفِ ...
(فأبو نضالٍ) كان حقًّا ...
(لابن رُشدٍ) خَيرَ إِلْفِ ...
جعل التفلسُفُ مثبَتاً ...
بالعقل ما قد كان ينفي ...
قَلمٌ تَخَال بَيانَهُ ...
شجنًا يَسيلُ بِكُلِّ نَزفِ ...
يبكي على الوطنِ الجريـ ...
ـح، يَزجِ بريحٍ وعَصْفِ ...
ببلاغةٍ تفتَرُّ عن ...
نورٍ يسيلُ بكلِّ حَرفِ ...
والفارس (الهادي) نسيـ ...
ـجٌ رائعٌ يذكي ويطغي ...
يمتدُّ في أفق (البشير) ...
بنثرِهِ دوماً ويُضفِي ...
قبسًا من القرآن من ...
ذاك َ البيانِ المستشِفِّ ...
يدعو لنهضةِ أُمَّةٍ ...
آلت إلى رُبعٍ ونصف (23/299)
صفحة 299
وتفرَّقت شيعًا تؤَرجح ...
بينَ مَسْغَبةٍ ... وخَسْفِ ...
والغربُ من كفٍّ يُصا ...
فحُها، ويذبحها ... بكفِّ ...
والأمَّة الثكلى تُراقبُهُ ...
وتَلمَحُه بطرْفِ ...
وتريدُ (أوباما) يحقِّقْ ...
وعدَهُ من غير خُلْفِ ...
ما أعجبَ الوَضعَ الذي ...
يُبكِي ويَضرِبُنا بقَصْفِ ...
ويمزِّقُ الأوصالَ تمزيقًا ...
ويُطرِبُنَا بِعزْفِ ...
ويُريدُنا جَمْعاً ...
نُصفِّقُ في المصَفِّ ...
لله دَرُّ الفارسَيْنِ عَلَى ...
المنابِرِ دُونَ عُنْفِ ...
أو في (فرنسا) يومَ كانَ ...
الوضعُ في حِلْفٍ وخُلْفِ ...
في مسجد (باريس) تُعلي ...
شأنه برضىً وعطف (23/300)
صفحة 300
كم قدَّم الشيخانِ في ...
أعتابِه مِن كُلِّ قَطفِ ...
أو مُلتقى الفكرِ الذي ...
كان المرَشِّد والمُصَفِّي ...
أو (بالشروق) وقَدْ ...
تسامَت بالمقالَةِ والمَلَفِّ ...
صَالاَ وجَالاَ باليراعِ ...
ودبَّجَا مِنْ كُلِّ صِنْفِ ...
نهجا تَفرد مَسْلَكًا ...
يزهو بإِلْمامٍ وكشْفِ ...
فَليَهْنئ الشيخانِ بالتـ ...
ـكريمِ والنَّهجٍ الأعَفِّ ...
وليَهنَآ بالاعتِرَافِ ...
بالمقَامِ فَذَاك يَكفي
- - - (23/301)
صفحة 301
- من خواطر رحلة علمية إلى السودان (1) -
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة باتنة
ف
(1) في إحدى الجلسات الأدبية والعلمية والثّقافية، التي كنّا نعقدها في الفندق آخر النّهار (نحن الثّلاثة: الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّي، والأستاذ عيسى بن محمد بوراس، ومحمد بن قاسم ناصر بوحجام) بعد تناول العشاء، نقرأ فيها مقالات وأشعارًا وكتبًا، ونتبادل أطراف الحديث في بعض المسائل والقضايا. ونتحاور في بعض الموضوعات والمضامين. قرأ علينا الأديب المفكّر العاشق الولهان، محمد بابا عمّي خاطرة عن السّودان، جادت به قريحته، التي تفتّحت أكمامها عن أزهار بديعة في هذه البلاد. كانت نسيجًا رائعًا؛ بمضمونها المثير، ونسقها الجميل، وفحواها الغريب.
سجّل انطباعه حول السّواد الذي وجده في بلاد السّودان، بعد لحظات من نزوله ثراها. ووطئه ترابها، وجولته في ربوع عاصمة السّواد. فقد رأى في هذا السّواد آراء ونظرات غير التي يحملها النّاس عنه، فكتب يعيب على الجميع تنكّرهم لجمال السّواد, وينعى عليهم عدم الوقوف على أسرار هذا اللّون البديع ... وراح يعدّد بلغة العاشق المتيّم الصّب بعض مظاهر الجمال والبهاء والرّونق في السّواد. فقلنا: ألهذه الدّرجة يبلغ الحال بالولهان
__________
(1) - في فندق داكا بالخرطوم، في أثناء رحلة علمية قادتنا إلى السّودان ومصر، جمادى الثّانية 1429هـ/ جوان 2008م. (24/302)
صفحة 302
المحبّ، فيصوّر الأشياء على خلاف ما يراه جمهور النّاس؟ أيصل الأمر بالسّواد إلى أن يحمل المرءَ على مخالفة سواد النّاس في التّصوّر والتّقدير؟ أيشتطّ مفهوم التّغيير بصاحبنا المولع به، فيدفع بعباد الله إلى تغيير أذواقهم، وتعديل مفهوماتهم، وتبديل مصطلحاتهم لتتبنّى نظرته هو؟ وتحمل فكرته هو؟ فيغدو بذلك رائدًا في التّغيير، وقائدًا في التّطوير، وبائدًا للتّقليد؟
إنّّ النّاس تعوّدوا أن يردّدوا مقولات معيّنة، عُمِّرت طويلاً، شاخت وهرمت، وبقيت معشّشة في أذهان كثير منهم، ففرّخت أفكارًا بالية، عطّلت عجلة التّطوّر، وشوّهت مسيرة الحياة؟ بهذا المنطلق رأى أن يغيّر صاحبنا نظرة النّاس القديمة المريضة المنحرفة إلى السّواد. هذا ما دار في خلدي، وأنا استمع إلى خطرات الرّجل الهائم في تهويماته ... قال ما بدا له أن يقول، وتفوّه بما أراد أن يتفوّه؟
قلت في نفسي لماذا لا أساير الرّجل في مغامرته تغييرَ نظرة النّاس إلى السّواد؟ فأسير وأتجوّل معه في مواطن السّواد، وأكتشف معه بواطنه، التي خفيت عنّي، وظهرت له؟ فقمت أعرض بعض هذه المظاهر، فقلت:
إنّ الرّجل رأى في الخال الأسود المنقوط الملصق بوجنة الحسناء البيضاء المشوبة بالحمرة بهاء ورونقًا، فقرّر أنّ جمال الخدّ الأسيل منوط ٌ بالخال الصّغير؟ أليس في هذا روعة؟
نظر إلى حدقة عين الحوراء، فوجدها محاطة بكحل أسود، يتوسّطها سواد مثير، وسط بياض ناصع، فبصر الجمال في هذا الشّكل، فكان له في تبجيل السّواد حجّة؟ قلت في نفسي ربّما يكون مُتَيَّمُنَا صادقّا في هذا الهيام، حين حضر أمامي قول جرير:
إنّ العيونَ التي في طَرْفها حَوَرٌ
قتلتنا، ثمّ لم يُحيينَ قتلانَا
يَصرَعنَ ذا اللُّب حتَّى لا حراك له
وهنَّ أضعفُ خلق الله إنسانَا
قد يكون صاحبنا ممّن صرعه سواد العين الشّديد، المودع في البياض الشّديد، فاشتدّ حاله وهاج وجدانه، فقدّس السّواد، فسجد له واستسلم.
التقطت عيناه منظر شَعَرٍ أسود (24/303)
صفحة 303
يتدلّّى على جانبي غيداء ذات تغنّج ودلال، فتذكّر وصف الشّعراء لهذا المنظر المحرّك للعواطف، من مثل قول مسلم بن الوليد:
أَجدَّكِ ما تدرينَ أنْ ربَّ ليلةٍ
كأنّ دُجاها من قرونِك تنشرُ
وقول الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان:
لها فاحم فاق الغراب ومبسم
يجود بالرّيق أحلى من الشّهد
وقول شاعر آخر:
أسدلن من فوق النّهود ذوائبا
فَتَركن حبّات القلوب ذوائبا
فسجّل في سواد الشّعَرِ جمالا ورونقًا، فتساءل منبّهًا الغافل: ألا يكون في هذا السّواد متعة للخاطر، وبهجة للنّاظر، هي منحة من القادر؟ ألا يكون بِجانبِي أكثر من عاذر؟؟
كأنّي بأخينا يخاطب لائمه: اعلم أيّها الرّجل البائس إنّ السّواد يكشف حقيقة الجمال والبهاء والرّواء. انظر إلى الشّعراء فإنّهم أبرزوا الملاحة بقرنها بالسّواد، فكان فضل السّواد أن أظهر هذا الجمال. قال الشّاعر:
قل للمليحة في الخمار الأسود
ماذا فعلت بناسك متعبِّد
فالجمال كان أخّاذًا، حين وضع في كساء أسود، فاكتسى جاذبية وإغراءً. فللأستاذ الحقّ في الدّعوة إلى الاهتمام بالسّواد. ألا يمكن أن نقول عن محمّدنا:
قل للوديعة في الخمار الأسود
ماذا صنعت بعابد ومحمّد
بل إنّ الضّدّ يُظهِر روعة ضدّه حين يوضع بجانبه. ألم يقل الشّاعر:
الوجه مثل الصّبح مبيضّ
والشّعر مثل اللّيل مسودّ
ضدّان، لمّا استجمعا حسُنا
والحسن يظهرُ حسنه الضّدّ
يتعاقب على مسمعه كلام وأصوات، وصيحات وهمسات ... مفادها: أنت في سويداء قلبي. يردّدها النّاس حين يريدون التّعبير عن حبّهم الشّديد لشخص، فينتقرون سمة السّواد ليعبّروا عن هذا الودّ وهذا الولاء. أليس في هذا إشارة دقيقة وقويّة إلى دور السّواد في التّعبير الصّادق عن المكنون؟ وبين السّواد والسّويداء قاسم مشترك هو الجذر (24/304)
صفحة 304
(س و د) فأقصر عن اللّوم والنّقد يا قاصر الفهم.
سمع بأنّ النّاس تعوّدوا وصف العراق ببلاد السّواد، يسأل عن سبب التّسمية، فيجاب بأنّ ذلك يرجع إلى كون العراق بلادًا يكثر فيها النّخل، بل إنّ أغلب نخيل العالم موجود فيه. فقال: ألا يستحقّ السّواد الاحتفاء والتّقدير لكونه يمثّل البركة والطّيبة، اللّتين تحملهما النّخلة، وهي الشّجرة الطّيّبة التي يكون أصلها في الأرض ثابتًا، وفرعها في السّماء ممتدًا، تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها؟ فالسّواد رمز الأصالة والثّبات والنّماء، وأصل الخير والفضل والعطاء.
قرأ أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم نبّه المسلم إلى الرّضا بالقليل، والقناعة باليسير، وعدم تحقير ما يقدّم له من طعام، مهما يكن بسيطًا، بل إنّ فيما يسخّره الله لعبده البركة والغنية والكفاية، ألا يعلم ما يعطي وما يقدّم وما يمنح وهو اللّطيف الخبير؟ أليس هو المقدّم والمؤخّر، وهو على كلّ شيء قدير؟ فعبّر الرّسول - عليه السلام - عن هذا بقوله: من تعشّى بالأسودين، وقال ما تعشّيتُ، لا عشّاه الله. فغلّب في التّعبير اللّونَ الأسود على اللّون الأبيض. وهو يقصد التّمر والماء. فما قال ذلك إلاّ لأنّ اللّّون الأسود رفيع القدر. فاعتبروا يا أولى الأبصار والنّظر!
وَعَى مفهوم الوحدة، وقيمة الوجهة، وحقيقة التّقديس والعبودية للّّه، وواجب الخضوع لربّ العزّة والجلالة، استوعب كلّ ذلك من رمز القبلة، التي أمر الله تبارك وتعالى عباده أن يتّجهوا إليها في كلّ صلاة، وأن يتوجّهوا إليها في أيّام الحجّ، ويطوفوا بها خاشعين ذاكرين، حامدين قانتين متبتّلين مستغفرين، عنوان هذا الولاء وهذا الحبّ تقبيل حجر أسود، جاثم في جدار كعبة تتزيّا وتتزيّن لزوّارها والمتعلّقين بها بزيّ أسود، يجدّدونه كلّ سنة بأموال باهضة، وأثمان طائلة. فهي حسناء من يطلبها يصبر على البذل، وينشط في الزّيارة. أليس في الصّنيع دلالة على مكانة السّواد؟؟ لقد أنفَ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب من تقبيل حجر أسود أصمّ لا يتحرّك، فاستدرك لمّا تذكّر مفهوم التّعظيم، وحقيقة التّقدير، فقال: لولا أنّي رأيت رسول الله - عليه السلام - قبّلك والله ما قبّلتك. فعمر (24/305)
صفحة 305
بن الخطّاب رغمَ أنفََهُ عظمةُ الحجر الأسود، التي أكتسبها من تقبيل رسول الأمّة له. أليس في هذا السّواد عظمة وقدر وجلال؟
قرأ عن سير كثير من العظماء والكبراء والرّوّاد، واطّلع عن بطولاتهم وإنجازاتهم ومواقفهم ... وعلم أنّ كثيرًا منهم كانوا سودَ البشرة. فقال: إذن إنّ وراء العظمة سوادًا، يدفع إلى تسجيل المكارم، وبناء العظائم. فآدم كما يقال أسودُ البشرة، وهو أبو البشر، وقد تناسلت البشرية وانحدرت كلّها منه، ألا يكون السّواد هو الأصل؟؟ ولقمان الحكيم، وبلال بن رباح مؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأوّل من ارتفع فوق الكعبة، ورفع عليها أوّل آذانٍ بالله أكبر لانتصار الإيمان، ودحر الكفر. وعنترة بن شدّاد، البطل الذي قهر قوّةَ الأبطال، وغدا أسطورة في الشّجاعة والشّدّة والنّزال. وأبو عبيدة مسلم بن أبي كرمة، واضع قواعد بناء صرح الفكر الإباضي. وأبو فراس الحمداني شاعر الحماسة والبطولة، وربّ السّيف والقلم، وصنو المتنبّي في فحولة الشّعر، وغيرهم ... كلّهم كانوا سودَ البشرة. ألا يحقّ للأستاذ أن يقدّر هذا السّوادَ الذي صنع له رجالاً عظامًا، وأفذاذًا كرامًا، يتّخذهم مثلاّ ونموذجًا له، يجتهد في التّشبّه بهم، عساه يكون مثلهم:
وتشّبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إنّ التّشبُّه بالكرام فلاح
إنّ السّواد باعث على التّحدّي والمثابرة. فالسّجن المظلم المتلفّح بالسّواد، يحرّك العزائم، ويقضي على الميوعة والفسولة والتّخاذل والسّخائم. فهذا الشّاعر مفدي زكرياء يرى في ظلمة السّجن إغراءً للانطلاق في النّضال والنّزال والتّحدّي، والجهاد في منازلة فرنسا التي رمت به في سواد السّجن. إنّ سواد السّجن يصنع منه رجلا أشدّ مقارعة وأقوى مقاومة لها، هو القائل: "وظلمة السّجن تغريني فأنطلق"
والشّيخ أبو اليقظان يرى في سواد السّجن مبعث القيم والفضائل، التي تبني كيانات الرّجال الأشاوس، وتؤسّس قواعد بناء النّفوس الكبيرة، الني تمقت الذّلّ والهوان، وترفض الخنوع والخضوع والرّكوع. فيوجّه (24/306)
صفحة 306
قصيدة للشّيخ عبد العزيز الثّعالبي، يهنّئه فيها بدخوله السّجن؛ لأنّه قام بواجبه في الدّفاع عن القيم والمبادئ، يكون عنوانها: "السّجن مجمرة تفوح فيها قيم الرّجال".
ألا بشفع لصاحبنا عشق السّواد والتّعلّق به، والدّفاع عنه، ليكتسب هذه القيم، ويظفر بهذه المكارم؟ افهموه أيّها النّاس، ولا تعذلوه، وكونوا معه في هذا الميل .. واعذروه.
تمسّك الرّجلُ بالسّواد؛ لأنّه وجده طريقًا صلبًا للحصول على الرّغبات، ونيل المطالب. إذ بعد اشتداد الأزمة، تنفرج الغمّة. وبعد تراكم الظّلام وطول اللّيل البهيم، يأتي الضّياءُ، وينبلج الصّبح، ويكون الفجر. فيكون السّواد مقدّمة بين يدي البياض. ألم يقل امرؤ القيس: " ألا أيّها اللّيلُ الطّويل، ألا انجلٍ بصُبحٍ ... "
وإذا قال أبو فراس الحمداني:
سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم
وفي اللّيلة الظّلماء يفتقد البدر
فهذا دليل على أنّ النّاس يتعلّقون البياض حين يشتدّ السّواد، وينتظرون الضّياءّ حين يستحكم الظّلامُ. ألا يكون السّواد مقدّمة لبزوغ البياض؟ بمعنى ألا يكون بزوغ البياض أكثر متعة وروعة ويهجة حين يأتي بعد ظلام دامس، وسواد قاتم؟ إنّ في ذلك لآية لمن يعقل ويفقه ويتفكّر ويعي ...
ألا يكون للسّواد فضل ومكرمة على النّاس، إذ أنّه يخفي الأشياء الثّمينة، وينأى بها أن تكون مبتذلة بعرضها على كلّ النّاس مكشوفة غير مستورة؟؟ فالله تبارك تعالى أمر المرأة أن تتحجّب وتتستّر عن أنظار النّاس، حتّى لا يبتذل رواؤُها، ولا يذلّ دلالها، ولا تكون عرضة للإهانة. كما أنّه سبحانه عزّ وجلّ بشّر المؤمنين بإحدى جوائز يوم القيامة؛ ثوابًا لهم على وفائهم بعهدهم معه، وهي الحور العين المقصورة في الخيام، والمستورة المصونة كاللّؤلؤ المكنون .. الذي يصون هذه الجائزة، ويعلى من قدرها هو السّواد. فلينظر المرء في هذا الأمر، وليتأمّل في هذه الحكمة البالغة.
صاحبنا المغرم بالكتابة، الغائص في البحث، يرى في سواد المداد، وسواد الصّحف فضلا كبيرًا، وقوّة جبّارةً؛ لأنّه ينتج ثمارًا طيّبة، ويثمر غلالاً يانعة، فالقلم يحرّك الفكر، والمداد (24/307)
صفحة 307
يسجّل المعرفة ... أليس في هذا بركة ومنفعة؟؟
بعد هذه الجولة في عالم السّواد، قلت في نفسي هل هذه المظاهر تشفع للدّكتور محمّد أن يتّخذ السّواد معشوقه، ويثني عليه؟ ويهديه قلبه وعقله وقلمه؟ أيحلّ له أن يصرف زمنًا كبيرًا يهتمّ فيه بالسّواد؟ وهو الهمام الذي قضى زمنًا طويلا في البحث في الزّمن، وأعدّ دراسات ينقّب عن الحلول النّاجعة لإقناع النّاس بحسن استغلال الزّمن في حياتهم، وقدّم لهم خدمات جليلة في تأصيل البرمجة الزّمنية بما جاء في القرآن والسّنّة، وما سجّله الفكر الغربي؟؟ أليست هناك موضوعات أخرى أولى من موضوع السّواد يمكن ركوب صهواتها لتوعية النّاس باستلهامها في تنظيم حياتهم، وتهذيب نفوسهم، ورفع أقدارهم، وتقدير الأفضل في الحياة؟؟
لكنّني خلوت إلى نفسي، وأوقفت عجلة الزّمن، ورجعت قليلاّ إلى الوراء، وناديت عقلي، وهمست إلى نفسي، فقلت ما دامت خواطر الدّكتور جاءته متبخترة ونحن ننزل من طائرة تابعة للخطوط الكينية، ومادامت مشاعره تبدّت له ونحن في مدينة الخرطوم. عسى يكون لهذا الجوّ، وهذه المشاهد علاقة ودور بما ذهب فيه بعيدًا في تفكيره وتعاطفه. فالطّائرة تملكها شركة من جنس أصحاب اللّون الأسود، ومضيّفوها ومضيّفاتها ليسوا من غير دائرة اللّون الأسود، على خلاف كثير من شركات الطّيران العربية، التي تضحّي بأصالتها وكرامتها و همّتها، فتوظّف سائقي طائراتها، والعاملين فيها في المكاتب وداخل الطّائرات من غير أهلها، وتستأجر اللّون الأبيض لتسيير شؤونها: لأنّ ذلك حسب رأيها وحسن تدبيرها هو من أسرار المهنة، وأسباب النّجاح في الحياة.
إذن كان أصحاب اللّون الأسود أكثر مروءة وكياسة وشهامة، حين تمسّكوا بلونهم وقدّموه على كلّ لون آخر في تسيير شؤونهم. زيادة على ذلك وجد الصّاحب الولهان أخلاقّا بيضاء تخرج من البشرة السّوداء. فقد كان الاستقبال في المستوى، والخدمات في أعلى سلّم اللّباقة، فهنيئًا للّون الأسود، وبورك فيه. (24/308)
صفحة 308
قضى وقتًا قصيرًا في ربوع مدينة الخرطوم عاصمة اللّون الأسود، فأعجب بأهلها بأخلاقهم. لقد وجد فيهم ما يدلّ على كرم المحتد، وعزّة النّفس، وصفاء القلب، وحسن المعروف، وبساطة الحياة .. وقرأ فيهم عناصر الثّبات والأصالة والاحترام والوعي والتّقدير والوفاء ...
لمّا قاربت بين مشاعر الدّكتور وبدايات احتكاكه بالسّواد في هذه الرّحلة المباركة، وربطت بينهما وبين ما يتمتّع به من حسّ مرهف نحو الخير والفضائل، فهمت مراميه من هذه المقاربات وهذه التّقديرات وهذه الخواطر وهذه المشاعر. فقلت: إنّ الدّكتور مصيب كلّ الإصابة، ومحقّ كل الحقّ فيما ذهب إليه، وفيما تبنّاه. وعلمت أنّه من خلال هذه النّظرة أراد أن يبلّغ رسالة إلى بني البشر، مفادها: إنّ اللّون ليس له دخل في تشكيل شخصية الإنسان، والمظهر لا ينفع في تحديد فضل الشّخص، إنّما سلامة المخبر وعلوّ همّة المرء، وعزةّ نفسه هي التي ترفع قدره، وتعلي شأنه، بل هي التي تحدّد شخصيته، وتحقّق إنسانيته. فجمال المرء أخلاق تسود، وقيم تزيد. فأهل السّودان أكّدوا هذه القاعدة، فهنيئًا لهم، والدّكتور محمد وضّح هذه الحقيقة. فشكرًا له.
في الحقيقة لم يكن إعجابي بصديقي الدّكتور محمد قاصرًا على استلهام المعاني والفضائل، التي تضمّنها السّواد، وليس تقديري له مقتصرًا على خروجه على النّاس بغير ما ألفوه، في الدّوق والاحتفاء والتّقدير، حين أعطى للسّواد كلّ هذه القيمة وهذا الاهتمام ... تجاوز تقديري له إلى هذا التّطوّر في الكتابة، فقد انتقل من كاتب صانع الأفكار، إلى فنّان يبدع في صناعة الأدب، فقد تفنّن بخياله في تقديم قطع من النّثر الرّفيع، ونسج ألوان من الفنّ البديع، قوامه التّعبير الرّائق، والتّصوير الرّائع، متنهما ألفاظ منتقاة، وأساليب مجتباة. يتخلّل كلّ ذلك الدّعابة والظّرف، والتّصريح والتّلميح ... فكان بذلك عالمًا أديبًا، ومفكّرًا أريبًا، وكان في هذا المسلك حاذقًا لبيبًا. (24/309)
صفحة 309
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 04 رجب 1429 هـ / 07 جويلية 2008 م
إلى تاريخ: 16 جمادى الثانية 1430 هـ/ 10 جوان 2009 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخ الميلاد ... المدينة
1 ... ابن صالح حمزة بن أحمد بن صالح ... 04 رجب 1429 هـ ... 1993 - 07 - 19 ... القرارة ... 07/ 07 / 2008 م
2 ... داودي صالح بن محمد بن محمد ... 08 رجب 1429 هـ ... 1992 - 04 - 30 ... بونورة ... 11/ 07 / 2008 م
3 ... نفوسي حسين بن محمد بن عبد القادر ... 18 رجب 1429 هـ ... 1985 - 09 - 01 ... مليكة ... 21/ 07 / 2008 م
4 ... قزريط ياسين بن سليمان بن إبراهيم ... 26 رجب 1429 هـ ... 1993 - 08 - 07 ... غرداية ... 29/ 07 / 2008 م
5 ... حفار مصطفى بن إبراهيم بن بابا ... 04 شعبان 1429 هـ ... 1985 - 03 - 21 ... القرارة ... 06/ 08 / 2008 م
6 ... علواني باسليمان يوسف بن علي بن محمد ... 11 شعبان 1429 هـ ... 1991 - 09 - 02 ... غرداية ... 12/ 08 / 2008 م
7 ... علوط عمر بن عيسى بن عمر ... 17 شعبان 1429 هـ ... 1988 - 08 - 26 ... غرداية ... 19/ 08 / 2008 م
8 ... ابن عبد الله رضوان بن سليمان بن حمودة ... 20 شعبان 1429 هـ ... 1993 - 09 - 28 ... القرارة ... 21/ 08 / 2008 م
9 ... حمودة صلاح الدين بن علي بن محمد ... 24 شعبان 1429 هـ ... 1991 - 01 - 25 ... القرارة ... 26/ 08 / 2008 م
10 ... حاجي لالة بنت أحمد بن الحاج اسماعيل ... 25 شعبان 1429 هـ ... 1989 - 03 - 10 ... القرارة (25/310)
صفحة 310
27/ 08 / 2008 م
11 ... الحاج عشور يوسف بن عمر بن الناصر ... 27 شعبان 1429 هـ ... 1990 - 09 - 01 ... القرارة ... 29/ 08 / 2008 م
12 ... باله رستم بن نور الدين بن عمر ... 01 رمضان 1429 هـ ... 1989 - 05 - 03 ... مليكة ... 01/ 09 / 2008 م
13 ... دودو بكير بن محمد بن بكير ... 03 رمضان 1429 هـ ... 1989 - 01 - 25 ... بونورة ... 03/ 09 / 2008 م
14 ... سليمان بوعصبانه أحمد بن محمد بن إبراهيم ... 06 رمضان 1429 هـ ... 06/ 09 / 2008 م ... 1987 - 10 - 17 ... القرارة
15 ... عمي سعيد عبد اللطيف بن صالح بن باسعيد ... 16 رمضان 1429 هـ ... 1989 - 09 - 02 ... بريان ... 16/ 09 / 2008 م
16 ... لقاف خضير بن داود بن سليمان ... 19 رمضان 1429 ه ... 1993 - 01 - 04 ... غرداية ... 19/ 09 / 2008 م
17 ... بوقايلة محمد بن عمر بن محمد ... 20 رمضان 1429 ه ... 1989 - 10 - 26 ... غرداية ... 20/ 09 / 2008 م
18 ... شعلان جابر بن بشير بن داود ... 23 رمضان 1429 ه ... 1989 - 04 - 19 ... غرداية ... 23/ 09 / 2008 م
19 ... سليمان زيتون الحاج عمر بن سليمان ... 29 رمضان 1429 هـ ... 1994 - 01 - 24 ... القرارة ... 29/ 09 / 2008 م
20 ... ناصر بوحجام إبراهيم بن أحمد بن سعيد ... 13 شوال 1429 هـ ... 1992 - 11 - 13 ... القرارة ... 13/ 10 / 2008 م
21 ... ناصر أبو اليقظان بن يحي بن بكير ... 14 شوال 1429 هـ ... 14/ 10 / 2008 م ... 1993 - 05 - 21 ... القرارة
22 ... حمدي عيسى محمد بن عمر بن إبراهيم ... 24 شوال 1429 هـ ... 1993 - 06 - 12 ... القرارة ... 24/ 10 / 2008 م
23 ... حمدي أبي اليقظان إلياس بن محمد بن عيسى ... 05 ذو القعدة 1429 هـ ... 1994 - 01 - 11 ... القرارة ... 03/ 11 / 2008 م
24 ... بابهون فائزة بنت محمد بن باحمد ... 07 ذو القعدة 1429 هـ ... 1987 - 03 - 06 ... القرارة ... 05/ 11 / 2008 م
25 ... جهلان أمين بن قاسم بن محمد ... 14 ذو القعدة 1429 هـ ... 1992 - 10 - 24 ... القرارة (25/311)
صفحة 311
2/ 11 / 2008 م
26 ... بونورة حسين بن موسى بن إبراهيم ... 15 ذو القعدة 1429 هـ ... 1990 - 02 - 20 ... بونورة ... 13/ 11 / 2008 م
27 ... الحاج موسى منير بن عمر بن إبراهيم ... 23 ذو القعدة 1429 هـ ... 1991 - 08 - 10 ... غرداية ... 21/ 11 / 2008 م
28 ... حميد أوجانه يسين بن قاسم بن بهون ... 27 ذو القعدة 1429 هـ ... 1992 - 03 - 01 ... القرارة ... 25/ 11 / 2008 م
29 ... باي أحمد خرناش محمد بن أحمد بن الحاج بكير ... 30 ذو القعدة 1429 هـ ... 1993 - 10 - 28 ... القرارة ... 28/ 11 / 2008 م
30 ... يوسفي بكير بن مسعود بن محمد ... 01 ذو الحجة 1429 هـ ... 1990 - 12 - 22 ... مليكة ... 29/ 11 / 2008 م
31 ... بوصحابة عبد الرّحمن بن أحمد بن عمر ... 02 ذو الحجة 1429 هـ ... 1988 - 12 - 15 ... القرارة ... 30/ 11 / 2008 م
32 ... ابن عيسى نانة بنت محمد بن بكير ... 03 ذو الحجة 1429 هـ ... 1986 - 05 - 14 ... القرارة ... 01/ 12 / 2008 م
33 ... أبي اسماعيل ربيع بن عيسى بن محمد ... 05 ذو الحجة 1429 هـ ... 1994 - 08 - 08 ... بونورة ... 03/ 12 / 2008 م
34 ... تريشين عبد العزيز بن أحمد بن محمد ... 06 ذو الحجة 1429 هـ ... 1994 - 09 - 16 ... بني يزجن ... 04/ 12 / 2008 م
35 ... محمدي زهيرة بنت يحي بن علي ... 08 ذو الحجة 1429 هـ ... 1988 - 01 - 04 ... القرارة ... 06/ 12 / 2008 م
36 ... حاجي لطيفة بنت عمر بن محمد ... 20 ذو الحجة 1429 هـ ... 1988 - 11 - 14 ... القرارة ... 18/ 12 / 2008 م
37 ... ابن عيسى فوزية بنت عمر بن محمد ... 22 ذو الحجة 1429 هـ ... 1987 - 07 - 15 ... القرارة ... 20/ 12 / 2008 م
38 ... الحاج موسى خالد بن عمر بن إبراهيم ... 12 محرم 1430 هـ ... 1992 - 10 - 31 ... غرداية ... 09/ 01 / 2009 م
39 ... الحاج عيسى فخار عبد الرّحمن بن حمو بن الحاج عيسى ... 18 محرم 1430 هـ ... 1988 - 01 - 01 ... مليكة ... 15/ 01 / 2009 م
40 ... عشور امنور بن حمو بن قاسم ... 21 محرم 1430 هـ ... 1992 - 03 - 02 ... القرارة (25/312)
صفحة 312
18/ 01 / 2009 م
41 ... أوعيسي سكوتي عمر بن عبد الحميدبن عمر ... 24 محرم 1430 هـ ... 1997 - 01 - 01 ... مليكة ... 21/ 01 / 2009 م
42 ... سليمان زيتون عبد الكريم بن سليمان بن محمد ... 25 محرم 1430 هـ ... 1990 - 06 - 06 ... القرارة ... 22/ 01 / 2009 م
43 ... حشحوش زبير بن عبد المجيد بن محمد ... 01 صفر 1430 هـ ... 1991 - 11 - 06 ... القرارة ... 27/ 01 / 2009 م
44 ... عماره يوسف بن محمد بن عماره ... 04 صفر 1430 هـ ... 1991 - 05 - 11 ... القرارة ... 30/ 01 / 2009 م
45 ... مجاهد عبد الباسط بن صالح بن بابا ... 21 صفر 1430 هـ ... 1992 - 02 - 29 ... القرارة ... 16/ 02 / 2009 م
46 ... أولاد داود ليلى بنت أحمد بن علي ... 23 صفر 1430 هـ ... 1989 - 08 - 05 ... القرارة ... 18/ 02 / 2009 م
47 ... الحاج الناصر عبد الله بن مختار بن إبراهيم ... 24 صفر 1430 هـ ... 1993 - 05 - 20 ... بني يزجن ... 19/ 02 / 2009 م
48 ... وعلي إبراهيم بن بكير بن بالحاج ... 29 صفر 1430 هـ ... 1987 - 10 - 20 ... القرارة ... 24/ 02 / 2009 م
49 ... حمدي عمر هشام بن محمد بن إبراهيم ... 01 ربيع الأول 1430هـ ... 1990 - 08 - 11 ... القرارة ... 26/ 02 / 2009 م
50 ... حمدي وسار سليمة بنت عبد الرّحمن بن حمو ... 10 ربيع الأول 1430 هـ ... 1992 - 05 - 22 ... القرارة ... 07/ 03 / 2009 م
51 ... احماني فردي سليمة بنت باسعيد بن أحمد ... 11 ربيع الأول 1430 هـ ... 1987 - 12 - 21 ... القرارة ... 08/ 03 / 2009 م
52 ... كوتمي عبد الرّحيم بن الحاج عمر بن الحاج سعيد ... 13 ربيع الأول 1430 هـ ... 1989 - 10 - 07 ... ورجلان ... 10/ 03 / 2009 م
53 ... حاجي حليمة بنت صالح بن محمد ... 27 ربيع الأول 1430 هـ ... 1988 - 01 - 26 ... القرارة ... 24/ 03 / 2009 م
54 ... الطالب سارة بنت بكير بن داود ... 30 ربيع الأول 1430 هـ ... 1988 - 07 - 21 ... القرارة ... 27/ 03 / 2009 م
55 ... الشيخ دحمان سمية بنت إبراهيم بن عيسى ... 07 ربيع الثاني 1430 هـ ... 1981 - 04 - 17 ... القرارة (25/313)
صفحة 313
03/ 04 / 2009 م
56 ... حميد أ وجانه مريم بنت علي بن إبراهيم ... 08 ربيع الثاني 1430 هـ ... 1990 - 03 - 23 ... القرارة ... 04/ 04 / 2009 م
57 ... عريبي عبد الجواد بن أحمد بن محمد ... 11 ربيع الثاني 1430 هـ ... 1990 - 02 - 08 ... توقرت ... 07/ 04 / 2009 م
58 ... ابن عمر إلياس بن مصطفى بن مسعود ... 14 ربيع الثاني 1430 هـ ... 1999 - 09 - 14 ... القرارة ... 10/ 04 / 2009 م
59 ... الحاج مسعود إيمان بنت بكير بن مسعود ... 16 ربيع الثاني 1430 هـ ... 1989 - 05 - 01 ... القرارة ... 12/ 04 / 2009 م
60 ... سليمان بوعصبانه الأمين بن الأخضر بن إبراهيم ... 19 ربيع الثاني 1430 هـ ... 1990 - 11 - 01 ... القرارة ... 15/ 04 / 2009 م
61 ... قري يسين بن صالح بن بكير ... 20 ربيع الثاني 1430 هـ ... 1993 - 04 - 26 ... القرارة ... 16/ 04 / 2009 م
62 ... ابن صالح إبراهيم بن أحمد بن محمد ... 26 ربيع الثاني 1430 هـ ... 1988 - 02 - 14 ... القرارة ... 22/ 04 / 2009 م
63 ... حمدي عيسى أحمد بن عمر بن صالح ... 01 جمادى الأولى 1430 هـ ... 1990 - 03 - 01 ... القرارة ... 26/ 04 / 2009 م
64 ... سليمان بوعصبانه محمد بن عمر بن إبراهيم ... 2 جمادى الأولى 1430هـ ... 1988 - 07 - 27 ... القرارة ... 27/ 04 / 2009 م
65 ... عبد اللاوي مرموري حليمة بنت محمد بن إبراهيم ... 3 جمادى الأولى 1430هـ ... 1980 - 02 - 12 ... القرارة ... 28/ 04 / 2009 م
66 ... شريفي عبد الوهاب بن أحمد بن إبراهيم ... 4 جمادى الأولى 1430هـ ... 1984 - 04 - 27 ... القرارة ... 29/ 04 / 2009 م
67 ... دودو عبد الرحمن بن محمد الهادي بن بكير ... 24 جمادى الأولى 1430هـ ... 1992 - 10 - 19 ... بنورة ... 19/ 05 / 2009 م
68 ... الراعي عائشة بنت عمر بن الحاج الناصر ... 25 جمادى الأولى 1430هـ ... 1988 - 01 - 20 ... القرارة ... 20/ 05 / 2009 م
69 ... الوارث الناصر بن يحي بن سليمان ... 03 جمادى الثانية 1430هـ ... 1989 - 07 - 26 ... القرارة ... 28/ 05 / 2009 م
70 ... حاجي سارة بنت أحمد بن الحاج إسماعيل ... 05 جمادى الثانية 1430هـ ... 1992 - 09 - 27 ... القرارة (25/314)
صفحة 314
30/ 05 / 2009 م
71 ... ابن عمر عبد المجيد بن مسعود بن محمد ... 09 جمادى الثانية 1430هـ ... 1986 - 02 - 28 ... القرارة ... 03/ 06 / 2009 م
72 ... بعوشي إبراهيم بن محمد بن يحي ... 10 جمادى الثانية 1430هـ ... 1988 - 07 - 25 ... بريان ... 04/ 06 / 2009 م
73 ... مجاهد سارة بن عيسى بن بابا ... 13 جمادى الثانية 1430هـ ... 1990 - 05 - 25 ... القرارة ... 07/ 06 / 2009 م
74 ... دغور إلياس بن محمد بن إبراهيم ... 15 جمادى الثانية 1430هـ ... 1990 - 03 - 28 ... بريان ... 09/ 06 / 2009 م
75 ... فخار ياسين بن بكير بن محمد ... 16 جمادى الثانية 1430هـ ... 1991 - 09 - 20 ... غرداية ... 10/ 06 / 2009 م
76 ... بولرواح صالح بن أحمد بن إبراهيم ... 16 جمادى الثانية 1430هـ ... 1991 - 11 - 11 ... القرارة
10/ 06 / 2009 م (25/315)