صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 14 - مبوبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
دورية فكرية محكَّمة يصدرها معهد الحياة
وجمعية التراث ــ القرارة، الجزائر (1/1)
صفحة 2
(
الإيداع القانوني رقم:
www. Tourath . org (1/2)
صفحة 3
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1/3)
صفحة 4
ابتداء من العدد 12
دورية الحياة
مجلة فكرية محكّمة
تصدر عن معهد الحياة وجمعية التراث
قواعد النشر:
*-تنشر دورية ”الحياة “ البحوث العلمية الأصيلة للباحثين من داخل القطر الجزائري ومن خارجه.
*-تهتمُّ الدورية بالبحوث والدراسات في شتَّى المجالات الفكرية والشرعية والأدبية والتراثية، شريطة أن تتميَّز بالأصالة والجدَّة، والعمق في الطرح، والأسلوب السليم، والمنهجية العلمية الدقيقة، مع الإحالة إلى المصادر والمراجع، والالتزام بالأمانة العلمية، والاعتدال في الفكر.
*-تنشر الدورية البحوث التي لم يُسبق نشرها في أيِّ مكان آخر.
*- تخضع جميع البحوث للتقويم من قِبل لجنة محكّمة، مكوَّنة من دكاترة وأساتذة يساعدهم خبراء من تخصُّصات معرفية مختلفة، وهذه اللجنة وحدها هي المخوَّلة بقبول البحوث أو رفضها.
*-لا تُعاد البحوث التي تُرسل إلى الدورية سواء نُشرت أم لم تُنشر، ولا تلتزم اللجنة المحكَّمة بذكر أسباب عدم قبول نشر أي بحث، وتُعتبر قراراتها نهائية. (1/5)
صفحة 5
*-ترتيب البحوث في الدورية موضوعيٌّ وتنسيقي، ولا يعبِّر بأي حال من الأحوال عن مكانة الباحث أو البحث.
*-تُرسل البحوث مصفَّفة بنظام ( WORD) (DOC)، أو في شكل ملف ( PDF) أو ( RTF)، على قرص مضغوط ( CD)، مع كتابة اسم الباحث وذكر وظيفته الحالية، ورتبته العلمية. على أن لا يتجاوز عدد صفحات البحث 20 من مقاس A4 بحجم خط 17، إلى العنوان البريدي:
دورية الحياة ــ جمعيةالتراث
ص، ب: 19 القرارة، غرداية، 47110، الجمهورية الجزائرية
أو البريد الإلكتروني:
info@tourath.org
وللاتصال:
فاكس: 213.29.85.40.89+
www.tourath.org
ملاحظة:
*-ما تنشره الدورية لا يعبِّر إلاَّ عن الرأي الشخصي لصاحب البحث، ولا يعبِّر بالضرورة عن راي الدورية، أو اللجنة المحكمة، أو هيئة التحرير، أو الناشر.
المحتويات
الافتتاحية .................................. د/قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ر
قطب الأئمَّة ووحدة الأمَّة
*-الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش حياته وجهوده العلمية ومواقفه الوطنية
د/ بلقاسم شتوان 13
*-قراءة في نماذج من مُراسلات القطب إلى أهل عُمان (الحلقة الأولى)
أ/ مصطفى بن محمد شريفي 22
معالم في حياة الشيخ أبي إسحاق اطفيش وجهاده
*-الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش فقيها (الحلقة الأولى)
د/ مصطفى بن صالح باجو 51
*-القضية الفلسطينية عند الشيخ أبي إسحاق من خلال مجلة المنهاج
د/ صالح بن عبد الله أبو بكر 69
صفحات من تاريخ ميزاب
*-من تاريخ جماعة بني يزجن
أ/ مصطفى بن الحاج بكير حمُّودة 91
*-محطات في تاريخ بلدة القرارة (الحلقة الثانية: الحياة العلمية قبل القرن العشرين)
أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج 118 (1/6)
صفحة 6
دراسات في الأدب والشعر
*-أهمِّية الجمعيات الأدبيَّة في إعداد الطالب الناجح
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 132
*-الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر
الطالب: علي بن أحمد موسى وعلي 149
*-فن كتابة السيرة النبوية للأطفال
أ/سعيد بن يحيى بهون علي 167
في التاريخ والحضارة الإسلامية
*-فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكِّمة .... (الحلقة الثانية)
د/ موسى بن إبراهيم حريزي 183
*-أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب الإسلامي
د/ ساعد خميسي 213
*-نظرة على السفن الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط في عهودها الذهبية
أ/ بكير بن عيسى بوعروة 237
رجال في ذاكرة الأمة ...
*-الأستاذ الشيخ قاسم بن موسى بن عمر بكُّوش ( P)
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 246
*-الفتى الثائر رمضان حمُّود وجهاده الفكري في الذكرى الثمانين لوفاته
أ/ خضير بن بكير باباوعمر 253
الرسائل الجامعية
*- معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر ...
(أطروحة دكتوراه) د/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج 268 (1/8)
صفحة 7
وثيقة العدد
*- جمعياتنا وترسيخ القيم.
رسالة الدكتور صالح خرفي إلى الجمعية العامة لجمعية التراث
(مؤرخة بـ 02 رجب 1410 – 29 جانفي 1990) 279
قطوف أدبية
*-على وقع خطى مالك بن نبي من سمات النخلف إلى بذور الحضارة
د/ محمد موسى باباعمي 283
*-القرآن دستور ومنهج حياة
الطالبة: زينب بنت إبراهيم بن أحمد أبو بكر 290
*-رسالة من الطفل الفلسطيني
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 299
نفحات شعرية
*-من وحي وثيقة المصالحة بين أهالي بريان
أ/ الشيخ صالح بن الحاج إبراهيم باجو 304
*-المجد أنت .. قطب الأئمَّة
د/ مصطفى بن صالح باجو 306
*-تربة الطيبين
أ/ مسعود بن بالحاج خرَّازي 309
خطبة العدد
*- الحسد .... الداء والدواء
أ/ الشيخ نورالدين بن محمد قُرِّي 311
أهلُ الله وخاصَّتُه
*-المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1430ــــ 1431/ 2009 ــــ 2010) 317 (1/9)
صفحة 8
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الافتتاحية
بقلم: د/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
كلية العلوم الإسلامية ــــ جامعة الجزائر
م
ميَّز الله تعالى الإنسان بالعقل، واعتبره مناط التكليف، وزوَّده بطاقات وقدرات هائلة، مما جعله يبدع علما وأدبا وفكرًا، ودعاه نداء الخالق للتأمُّل في ملكوت السماوات والأرض لينحني خاشعا لله تعالى، الذي تتراءى آثاره وبدائع صنعه في أطياف الكون المختلفة، التي تشكل فيما بينها فسيفساء متناهية الجمال والجلال.
كما زوَّد هذا العقل بالقدرة على الاهتداء إلى نداء العبودية الشاملة، التي تتجلى في صورة الوحدانية ونبذ الشرك، وفي صورة عمارة الأرض بالخير وتحقيق مبدإ الاستخلاف وفق منهج الأنبياء والمرسلين من لدن آدم عليه السلام إلى صفوة الخلق محمد عليه الصلاة والسلام.
إنَّ عبودية الإنسان لله تتخذ أشكالا وأنماطا مختلفة تتعدد بتعدد طرق القرب من الله تعالى، ولعلَّ من أهمها عبودية الله بالعلم والتعلُّم ونصرة رسالة العلم، مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، ومصداقا لحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام: «إنَّ العلماء ورثة الأنبياء».
تأتي دورية الحياة استجابة لهذا النداء الرباني والهدي النبوي في خدمة طريق الله بالعلم النافع، الذي يمكن للعقيدة والشريعة والأخلاق والقيم، ويلاحق الضلال والفساد والباطل والانحراف.
لقد عقدت دورية الحياة العزم في مسيرة متواصلة بلغت من العمر أربع عشرة سنة لنصرة رسالة واضحة المعالم جلية الأفكار محددة الأهداف؛ متمثلة أساسا في استلهام روح القرآن الكريم وسيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في نهج البناء والإصلاح، وفي الاعتصام بالموروث الحضاري للأمة الإسلامية واتخاذه مرجعية وذاكرة (2/10)
صفحة 9
حيَّة لاستخلاص العبر والدروس لأجل الاقتداء والاهتداء، وفي الانفتاح على الأطياف الفكرية والمذهبية الإسلامية المعاصرة واعتبارها إرثا حضاريا يشكِّل ثراء وتنوُّعا داخل الأمة الإسلامية، وفي تبني الفكر المعتدل الوسطي البنَّاء المتفاعل إيجابيا مع قضايا العصر، محاولا الحياة بالإسلام في العصر، لا الفرار بالإسلام من العصر.
كل ذلك في قالب من المنهج العلمي الرصين، والأسلوب الأدبي الرفيع، والحوار الفكري الهادئ، والنقد العلمي الهادف، الذي يكون ديدنه التأسيسُ لأفكار جديدة تُنوِّر العقول وتزكِّي النفوس وتهذِّب الطباع، لتتحوَّل إلى مشاريع عمل في ميادين الحياة المختلفة.
إن دورية الحياة بهذا المسعى تعمل على تحقيق الأمن الفكري والشهود الحضاري في مجال الشريعة والفكر والأدب والتاريخ وغيرها من العلوم الإنسانية التي تُبنى عليها الأمم وتتطور بها الحضارات.
استطاعت الدورية أن تحفر اسمها في أذهان مُريديها، وأن تصنع لذاتها شخصية اعتبارية متميِّزة، وتحدِّد لنفسها حيِّزا معرفيا معتبرًا، وتكسب في صفها قرَّاء أوفياء نوعيين، يتساءلون عنها ويتابعون جديدها وينهلون من قبسها.
لا يعز كلُّ ذلك على دورية الحياة وهي وليدة قلعة علمية تربوية دعوية عريقة أشرف عمرها على القرن من الزمن؛ إنها قعلة «معهد الحياة»، كما أنها وليدة حركة إصلاحية إسلامية أصيلة قادها ثلة من العلماء والمشايخ والزعماء المخلصين للدين والوطن، حيث استطاعوا أن يؤسِّسوا حركة اجتماعية متزنة مجدِّدة مستوعبة لتحولات العصر، فنجحوا في إحداث إصلاح الإنسان وتغيير وجه الحياة به من حوله.
إنها الحركة الإصلاحية في ربوع ميزاب من بلاد الجزائر من الأمَّة الإسلامية.
هذا عن أصالة دورية الحياة، أمَّا إذا أردنا استشراف مستقبلها وتلمُّس معالم في نهجها، الذي نأمل أن تدور عليها أقلام كتبتها فنقول:
إن الإنسانية تعاني اليوم إشكاليات كبرى على مستوى ماهية الحياة وماهية الحضارة، وإنها لم تجد إلى حدِّ الآن الإجابات الشافية الكافية عن أسئلة المصدر والهدف والمصير، كما إنها تعاني معاناة عويصة بسبب الاختلالات والانكسارات بين مطالب النفس والروح والجسد، وهي تنتظر من العقول المستنيرة بنور القرآن والسنَّة النبوية لتجد لها الحلول لتساؤلاتها الأبدية، علَّها تشبع نهمها المعرفي في هذا الجانب. (2/11)
صفحة 10
وإذا انتقلنا إلى دائرة الإسلام والمسلمين وجدنا أمتنا لا تزال تتخبَّط في أمراض الانهيار الحضاري على مختلف الأصعدة رغم كل الجهود المبذولة في مسيرة النهوض والإصلاح، التي لاحت تباشيرها في الآفاق، وشهدت انطلاقتها منذ أزيد من قرن من الزمن.
كما تبقى قضية فلسطين هي القضية المحورية الأولى للمسلمين التي يُقاس بها الجهد الحضاري للأمَّة، ومدى غيرتها على الدين والوطن والقيم ووحدة الصف، كما تقاس بها قيمة الإنسان المسلم ودمه وعرضه وأرضه في بورصة الإنسان العالمية.
كما ينبغي أن نسجِّل أنَّ المشروع الحضاري الإسلامي المعتدل المتوازن الوسطي الذي يُعوَّل عليه في قيام نهضة المسلمين لتحقيق التمكين والاستخلاف واسترداد مجد الأمة قد انطلق في الطريق الصحيح، إلا أنه لا يزال في خطواته الأولى، وأنه لا يزال أمامه الكثير لأجل بلوغ الهدف المنشود، وأنه لا فائدة في استعجال الثمار قبل أوان قطافها، كما أنه من الواجب طرح السؤال الجوهري عن الإسهام الفردي والجماعي في صرح هذا البنيان المتعالي بإذن الله تعالى.
وبما أنَّ معقل الدورية هو بلاد ميزاب وحضارته وتراثه، فلا بد من الاعتراف بأهمية الموروث الحضاري الخصب لهذه المنطقة من البلاد الإسلامية، كما أنه لابد من الاعتراف بضرورة بذل الجهد والوُسع لأجل إصلاح الأوضاع، وتفعيل الهيئات وإحداث المؤسسات، وتقويم المسيرة وإذكاء النقد البناء لأجل التجديد ومواكبة العصر في إطار قواعد لعبة الثوابت والمتغيرات.
مركزا في ذلك على أهمية وحدة الصفوف مع التنوع لإذكاء التنافس، ومؤكدا على ضرورة احتواء التيارات القاصرة الفهم أو الضيقة الأفق أو المخطئة الطريق، التي تهدِّد كيان المجتمع وقد تأتي عليه من قواعده.
هذه جملة أفكار وآراء أردت تضمينها هذه الافتتاحية بقصد فتح الحوار وإثراء النقاش الهادئ الهادف الجاد الذي ينتج وعيا وعلما وعملا.
ختاما أقول إن دورية الحياة لبنة أصيلة توضع في بنيان الأمَّة، وشجرة يافعة نافعة أصلها ثابت وفرعها في السماء، كما إنها منبر حرٌّ يتيح لكل قلم جاد أن يسهم من خلالها في خدمة رسالة الإسلام الخالدة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الجزائر ـ الأحد 20 شعبان 1431هـ 01 أوت 2010م (2/12)
صفحة 11
الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش
حياته، جهوده العلمية، مواقفه الوطنية
(1818 - 1914 م)
الدكتور: بلقاسم شتوان
جامعة الأمير عبد القادر ــــ قسنطينة ــــ الجزائر
ا
اقتضت حكمة الله في خلقه أن يكتب للمخلصين من عباده وأوليائه الذكر بعد رحيلهم من الحياة الدنيا إلى الدار الآخرة، وذلك لما قدَّموه من عمل صالح في حياتهم الدنيوية، فلا ينقطع ذكرهم عن الألسن، ولا يتوقف انبعاث شذى عطرهم الفواح لأعمالهم الصالحة جيلا بعد جيل إلا أن يرث الله الأرض ومن عليها، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (1). ثم أما بعد: فإننا نقدم هذه الكلمة للقراء في النقاط الآتية.
1ــــ كلمة "إباضية" ونشأة المذهب بشمال أفريقيا:
أولا ضبط كلمة "إباضية "والتسمية بها:
أ -كلمة "إباضية" بكسر الهمزة أو بفتحها "أباضية". يرى الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش أن الصيغة الصحيحة لتسمية "الإباضية" بكسر الهمزة على أنها الأصح، غير أن الأستاذ عدُّون جهلان يقول إن صيغة التسمية بفتح الهمزة "الأباضية" والتي تستعمل عادة في المشرق كما في المغرب وقد استعملها البرادي في كتابه الجواهر المنتقاة. ويقول ومهما يكن فالتسمية "بالأباضية"حادثة أطلقها الأمويون على أصحاب عبد الله بن أباض نسبة إلى أبيه أباض (2).
__________
(1) -مسلم، صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد الموت، طبعة دار الكتاب العربي ص 684 رقم الحديث 4223.
(2) -عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، جمعية التراث، القرارة-الجزائر، ص 34. (3/13)
صفحة 12
ب ـ تسمية الإباضية:
يقول الشهرستاني: "الإباضية نسبة إلى أصحاب عبد الله بن أباض الذي خرج في أيام مروان بن محمد، فوجه إليه عبد الله بن محمد بن عطية فقاتله بتبالة" (1)، ولكن عدون جهلان يقول: "إن البرادي يقول عن الإباضية: "إمامهم عبد الله ونسبوا إلى أبيه أباض لأنه أعرف من عبد الله وأشهر منه" ولكن الإباضية لا يعتبرون عبد الله إماما لهم ولا يضعونه في مرتبة الإمام جابر بن زيد من حيث العلم والتفقه في الدين، فعبد الله إذن لم يكن إمام مذهب خاص أخذ به أتباعه، وقلدوه فيه .... ولم يكن من الشيوخ المؤسسين للمذهب". ويقول: أما عن نسبة المذهب إلى عبد الله بن أباض دون غيره من مشاهير الإباضية، فلأن عبد الله كما يقول سالم السيابي: " أثقل على زعماء أهل الباطل من الصخرة " (2).
ثانيا نشأة المذهب وظهور الدولة الإباضية:
يبدو لنا من خلال المصادر التاريخية أن ظهور المذهب الإباضي بشمال أفريقا مر بمراحل:
أ-مرحلة الدعوة:
يلاحظ أن أبا عبيدة وضع خطة مدروسة للدعوة للمذهب الإباضي بالمغرب وذلك بإرساله بعض الدعاة لاستطلاع أحوال الناس في المغرب العربي ومعرفة اتجاههم ودراسة عاداتهم وتقاليدهم وطرق معيشتهم ومقدار تطور هم الفكري والحضاري ودرجة ولائهم للسلطة الحاكمة (3) وذلك بغرض التسهيل على الإمام اختيار الأشخاص الذين يستطيعون تحمل أعباء الدعوة وسياسة الرعية وتنفيذ أحكام الله بالعدل وتحقيق المساواة بين الناس دون اعتبار للنسب أو الجنس أو اللون.
ب – مرحلة تكوين الجماعة:
يقول الإمام عبد الرحمن بن رستم: "أول من جاء يطلب مذهب الإباضية ونحن بالقيروان سلامة بن سعيد الذي نجح في مهمته وذلك
__________
(1) ــ تبالة: بلدة بأرض تهامة في الطريق إلى صنعاء. ينظر الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كامل كيلاني، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان ـ ج 1 ص 134
(2) -عدون جهلان، الفكر السياسي عند الاباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، جمعية التراث، القرارة – الجزائر، ص 35.
(3) -ينظر عوض خليفات، التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية ص07. (3/14)
صفحة 13
بإيجاده أرضا بكرا وشعبا مطواعا فنالت
دعوته إقبالا واسعا، ولم يكد يمضي على دخوله إلى المغرب عشرين سنة حتى تكونت جماعة معتبرة من الإباضيين في طرابلس يتزعمها داعية يسمى عبد الله بن مسعود التجيبي الذي ساعدته قبيلة هوارة التي اعتنقت المذهب الإباضي ثم تبعتها قبيلة زناتة في شرق طرابلس، ونفوسة في الجبل الذي يحمل إلى اليوم اسم جبل نفوسة. وبفضل تجمع القبائل البربرية في بلاد المغرب انتشر المذهب الإباضي في شمال أفريقيا (1).
ج – مرحلة تأسيس الدولة:
فمن خلال المصادر أن مرحلة التأسيس للدولة الإباضية أنها مرت بمراحل عند نشأتها في شمال أفريقيا كالآتي:
أ-الدولة الأولى: تأسست بطرابلس بعد موت الداعية عبد الله بن مسعود التجيبي على يد عامل طرابلس (2) وعندها اجتمع أهل الحق والاستقامة وانتخبوا الإمام الحارث الكندي، الذي يعد أول إمام للإباضية بالمغرب. ولكن بعد موته وتولي إسماعيل بن زياد النفوسي الذي مات بعد توليته عام 132 هـ انتهت هذه الدولة الإباضية الفتية الأولى بالمغرب.
ب – الدولة الثانية: يرجع الفضل في تأسيسها إلى الدعاة الذين تكللت جهودهم بتأسيس إمامة مستقلة يرأسها أبو الخطاب الذي أخذ زمام الأمور واستولى على مدينة طرابلس ثم واصل توسعه ليشمل جزيرة جربة والقيروان، وبهذا تكونت دولة الإباضية الكبرى الثانية التي شملت ليبيا وتونس وشرق الجزائر، ولكن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور تصدى لها بإرسال قائده محمد بن الأشعث، الذي قتل أبا الخطاب ومن معه من أصحابه وأنهى أمر هذه الدولة.
ج-الدولة الثالثة: لما سمع عبد الرحمن بن رستم وهو في طريقه بالمدد والرجال بموت أبي الخطاب وتفرق من معه توجه فورا إلى بلاد المغرب الأوسط واعتصم هناك ومن معه من القبائل البربرية بالقرب من مدينة تاهرت، وفي عام 160هـ اجتمع أعيان قبائل الإباضية واتفق رأيهم على توليه ومبايعته بالإمامة، وهكذا تأسست الدولة الثالثة على يد عبد الرحمن بن رستم في تاهرت
__________
(1) -عدون جهلان، الفكر السياسي عند الاباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، جمعية التراث، القرارة – الجزائر، ص 42.
(2) -ينظر ابن الحكم، فتوح مصر ص 224. (3/15)
صفحة 14
والتي أصبحت عاصمة للدولة الإباضية ومركزا للنشاط العلمي والسياسي الإباضي في شمال إفريقيا حتى سميت بأم العسكر (1).
2 ــــ حياة الإمام امحمد بن يوسف اطفيش:
أ-مولده: ولد الأمام محمد بن يوسف أطفيش في بلدة بين يسجن (يزقن) وهي قرية من قرى وادي ميزاب سنة 1236 هـ ــــ 1818م
ب-نشأته: نشأ يتيم الأب وذاق طعم اليتم وهو ابن السنة الرابعة من العمر، لكن أمه الصالحة عوضته من الحنان العطف ما افتقده وذلك في مبالغة حنوها وعطفها عليه، وبتلبية حاجاته والسهر على تربيته وتعويضه كل ما كان يحس بنقصه نفسيا واجتماعيا مع نداته.
ج-تعليمه: لما توسمت فيه أمه علامات الذكاء والنبوغ والفطنة أرسلته إلى مؤدب القرآن الكريم، ولم تمر أيام حتى حفظه القرآن وهو ابن ثماني سنوات، وبعدها انتقل إلى دور العلم يزاحم أقرانه في حلقها. ثم تتلمذ على يد أخيه إبراهيم أطفيش بعد رجوعه من المشرق، حتى أتم على يده دراسته الثانوية، ومن ثم تفتحت له أبواب العلم والمعرفة من علوم شرعية ومنطق وحساب وفلك ونحو وصرف وبلاغة وعروض وتفسير وفقه وأصوله وعلم الكلام، وتاريخ إسلامي، وتاريخ العالم الذي يحيط به.
د-ذكاؤه وشدة فطنته: ظهرت على الشيخ علامات العالم الموسوعي الحافظ من خلال قوة ذاكرته وشدة حفظه، فكان يروى عنه أنه لا يكاد يبدأ الكتاب في فن جديد ... حتى يختم الكتاب بنفسه دون الاستعانة بشيوخه. وصادف أن لاطف أحد شيوخه بالقول: "حسبي من دروسك، فإن شئت قررت الأبواب كلها، وأنا أشرح لك ما فيها " (2).
هـ -إقباله على المكتبات: لما اشتد عود الفتى واستوى واستساغ حلاوة العلوم اعتمد على نفسه واقبل على المكتبات يفتش بين عناوينها وأوراقها على ضالته، فما سمع بخزانة تجمع علما حافلا إلا وامتص رحيق أزهارها الفيحاء. ومن ساعتها تعود الشيخ على خلق العلماء العاملين، والبحث العلمي الموضوعي العميق، بل أصبح ديدنه
__________
(1) -ينظر عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر ج6 ص 247.
(2) -عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، جمعية التراث، القرارة – الجزائر، ص 105. (3/16)
صفحة 15
وعادته وصدق من قائل:
لكل امرئ من دهره ما تعودا
وعادة سيف الدولة الطعن في العدى
3 ـــ شخصيته:
تميزت شخصية إمامنا رحمه الله تعالى بالآتي:
أ – ذيوع صيت الشيخ الإمام بين العلماء غربا وشرق بل تعدى إلى الملوك والسلاطين فأصبح كما يقال:" نار على علم " عظّمه السلطان عبد الحميد وسلاطين عمان، حتى أن البعض منهم قدم له الأوسمة اعترافا بمنزلته السامقة في العلم والدين.
ب – تميزت شخصيته بكونه وقافا على حدود الله يقاوم البدع والخرافات والعادات السيئة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
ج– تميز بالشجاعة وعدم الخوف إلا من الله سبحانه وتعالى، فلا يهاب ظالما ولاحاكما جائرا.
د– تميز بالهيبة والوقار وقوة الإرادة وحصافة الرأي.
هـ – تميز بحبه للمسلمين على اختلاف مذاهبهم وأوطانهم ومشاربهم فكان حريصا على وحدتهم والدعاء لهم بالنصر.
و – اعتزازه العميق بالإسلام جعله يرى أن الواجب يحتم عليه العمل من أجل أن يكون الإسلام في عز وأهله في منعة.
ز– تميز بنبذه للتعصب لمذهبه وهذا مما جعل أفكاره تتميز بالموضوعية، فكان يعرض أقوال المذاهب الإسلامية الأخرى ويناقشها مناقشة علمية موضعية نزيهة، وبهذه الدراسة العميقة للتراث الإسلامي انبثقت دعوته إلى التقارب بين المسلمين وتوحيد صفوفهم ورصها في مواجهة عدوهم.
4 ـــ تلاميذه:
لاشك أن شيخنا الإمام محمد بن يوسف اطفيش أنه كان مثل النجم الذي يطلبه السائر ليلا ليهتدي به، أو كالنهر الغزير عذب المياه الذي يهواه العطشى لإرواء ضمئهم أو كالدوحة الوارفة الظلال والثمار التي يطلبها كل من يشتهيها أو يريد الاستظلال تحتها، هكذا كان الشيخ الإمام تتوجه إليه الأنظار وتشرئب له الأعناق وتشد له الرحال، فتتلمذ على يديه تلاميذ كثر منهم:
1 - الشيخ الحاج عمر بكلي
2 - الشيخ الحاج داود بن سعيد بن يوسف
3 - الشيخ الحاج الناصر بن إبراهيم الداغور
4 - الشيخ أعمارة بن صالح موس
5 - الشيخ بابكر بن الحاج مسعود
6 - الشيخ الحاج يوسف بن حدبون (3/17)
صفحة 16
7 - الشيخ الحاج إبراهيم الأبريكي
8 - الشيخ الحاج عمر بن يحيى
9 - الشيخ الحاج محمد القاضي
10 - الشيخ سليمان باشا الباروني، وغيرهم كثير (1).
5 - مؤلفاته:
ترك الشيخ محمد بن يوسف اطفيش مؤلفات كثيرة في علوم مختلفة نذكر بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر وهي:
أ-كتاب في التفسير موسوم بـ "تيسير التفسير" وهو أحسن تفاسيره ويقع في سبعة أجزاء مطبوع في الجزائر سنة 1326 هـ
ب-كتاب في الحديث موسوم بـ "جامع الشمل في حديث خاتم الرسل" مطبوع.
ج-كتاب في أصول الفقه: شرح مختصر العدل لأبي يعقوب الو رجلاني (مختصر).
د-كتاب في الفقه موسوم بـ" شرح النيل وشفاء العليل، للشيخ عبد العزيز الثميني وهو عبارة عن دائرة معارف في الفقه الإباضي يقع في 17جزءا وهو مطبوع.
هـ-كتاب التوحيد الموسوم ب: شرح عقيدة التوحيد لأبي حفص عمر بن جميع
و-كتاب التاريخ الموسوم ب: الرسالة الشافية في بعض تواريخ أهل ميزاب، مطبوع
ز-كتاب اللغة وآدابها الموسوم ب: شرح شواهد القزويني
ك-كتاب في الأخلاق الموسوم ب: شرح مخمسة في الأخلاق
ل-أجوبة وردود ومؤلفات مختلفة المواضع (2).
6 - فكره:
تميز فكر شيخنا بالموسوعية والشمولية وسعة الاطلاع حيث كان ملما بمختلف فنون العلم ولكنه يلاحظ عليه أنه كان يركز على العلوم الشرعية، وبذلك فإن شيخنا يعد ضمن مصاف الفقهاء الأجلاء وذلك فيما يأتي:
أ-الشيخ الإمام وعلم الكلام:
فبالرغم من اهتمام شيخنا بهذا الفن من العلوم الفكرية فإنه يلاحظ عليه أنه لم يفرده بالكتابة مكتفيا بالقراءة والتعليق وتسجيل آرائه وانطباعاته، حتى كان في
__________
(1) -عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، جمعية التراث، القرارة – الجزائر، ص 108.
(2) -عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، جمعية التراث، القرارة – الجزائر، ص 111 - 112 - 113 - 114 - 115 - 116. (3/18)
صفحة 17
كثير من الأحيان يعمد إلى شرح مؤلف بأكمله في موضوع الفلسفة وعلم الكلام. فشرح عقيدة التوحيد لأبي حفص عمر بن جميع المشار إليه ضمن مؤلفاته، وهو متن من متون أصول الدين، ولعل أهم إنجاز له في علم الكلام شرحه لكتاب معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين للشيخ عبد العزيز الثميني بالرغم من أنه لم يكمله لكنه بذل الوسع في تحليله ومناقشة مواضيعه (1).
ب-الشيخ الإمام والعلوم الطبيعية:
اهتم الشيخ بعلم الطب فوضع مؤلفا سماه تحفة الحب في أصل الطب ضمنه وصفات طبية مع عرض الحالات المرضية التي تنتاب الإنسان والحيوان، وقد ركز فيه على الجوانب النفسية والروحية وكان يستشهد فيه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وكان الشيخ رحمه الله تعالى يجمع فيه بين الوعظ والنصح ووصف الحالات المرضية الطبية التي تعتمد على النظر العقلي في الظواهر الطبيعية وتحليلها وإجراء التجارب والاعتماد على تجربته وخبرته التي اكتسبها في حياته.
ج-الشيخ الإمام وعلم الفك:
اهتم الشيخ بكتاب القلصادي في دراسة الفلك فشرحه وتأثر به.
د -الشيخ الإمام وعلم النبات:
ألف الشيخ كتابا في علم النبات سماه النحلة في غرس النخلة، استعرض فيه جميع النباتات المثمرة التي درسها مع بيان موسم غرسها وجني ثمارها، وكيفية العناية بها، وقد ركز على النخلة لأنها نبتة بيئته وعمدة فلاحة بلاده والتي أشار إلى فضلها على سائر النباتات الأخرى، و يرى أنها شجرة مباركة، وأنها أول شجرة استقرت في الأرض (2).
هـ -الشيخ الإمام وعلم الأخلاق:
يتوافق فكر الشيخ الإمام مع الجانب الأخلاقي الذي أجمع عليه المجتمع المسلم من آداب وقيم إسلامية وعادات مألوفة في العرف العام بشرط أن تكون ضمن الحدود الإسلامية، فلأجل ذلك اتسمت مباحثه الأخلاقية بالنزعة الدينية، لأنه يرى ويعتقد أن ما هو حلال شرعا جائز خلقيا واجتماعيا. وما هو محرم شرعا ممنوع اعتقاده وممارسته خلقيا واجتماعيا.
و-الشيخ الإمام وعلم الجمال:
لا نستغرب من شيخنا حب الجمال
__________
(1) -عدُّون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، جمعية التراث، القرارة – الجزائر، ص 118 - 119.
(2) -محمد اطفيش، كتاب النحلة في غرس النخلة وهو ضمن مجموع ستة كتب ص 47. (3/19)
صفحة 18
وتذوقه وهو ذلك العالم الرباني البحر الموسوعي الذي تعمق في علوم اللغة العربية لاستخراج أصدافها وأسرارها كما قال الشاعر الكبير حافظ إبراهيم:
رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني
عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ عداتي
( ... ) أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ
فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي
فَيا وَيحَكُم أَبلى وَتَبلى مَحاسِني
وَمِنكُم ... وَإِن عَزَّ الدَواءُ أَساتي
فَلا ... تَكِلوني ... لِلزَمانِ ... فَإِنَّني
أَخافُ عَلَيكُم أَن تَحِينَ وَفاتي
فكان لشيخنا قلم سيال وعقل موسوعي فعال وطبع ذواق، فكتب في النحو العربي وقواعد الإعراب، وعلم الخط العربي الجميل، وكان ذواقة للشعر الرفيع وولع به وأحبه، ومال للأدب الأندلسي وأحبه لما يمتاز به من المعاني الجميلة ومتانة المبنى ورقة في الأسلوب وجماله، حتى أنه كان يأمر تلاميذه بالتغني بالموشحات الأندلسية في المناسبات والحفلات (1)، وكم كان يشعر بالسعادة والانشراح عند سماعه الأناشيد الحماسية. فهذه المعاني الرقيقة الجميلة لا تصدر إلا عن من كانت له رهافة في الحس وسلامة في الذوق الجمالي.
7 - الشيخ الإمام وموقفه من الاستدمار الفرنسي:
يرى الشيخ أن الجزائر أمة مسلمة والفرنسيون المستعمرون لها غرباء عنها لهم عقائدهم وأخلاقهم وعاداتهم وأعرافهم وقوانينهم التي يؤمنون بها والتي تغاير الأمة الجزائرية تماما فهم إذن حرب على الجزائر وسكانها من المسلمين الجزائريين، ومن هذا المنطق السليم رفض تواجد هؤلاء الغرباء الكفار على أرض الجزائر أرض الإسلام، ومن هذا المبدأ مقت وبغض الدخلاء وكره ظاهرة الاستدمار في أي شكل من أشكاله. فلأجل هذا هب يجاهد المستدمر بكل ما أؤوتي من حيلة وقوة باستفراغ جهده في المواقف الآتية:
1 - معارضة الاحتلال الاستدماري بجميع أشكاله وأهدافه
2 - دخوله في حرب دبلوماسية مع الفرنسيين في منطقة ميزاب عام 1882م.
3 - استنكاره واحتجاجه بكل جرأة لدى قائد الحملة منكرا عليه نقض المعاهدة (2).
__________
(1) -محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة ج1ص 355.
(2) -تنص المعاهدة على أن يبقى الميزابيون أحرارا لا تتدخل فرنسا في جميع شؤونهم. ينظر عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، جمعية التراث، القرارة – الجزائر، ص 110. (3/20)
صفحة 19
4 - إثارة الرأي العام الإباضي واستنهاض الهمم ضد المستدمرين
5 - غرس روح كره المستدمرين في منظومته التربوية التي يدرسها لطلابه.
6 - إلصاقه للطوابع البريدية لدولة المستدمر مقلوبة على الرسائل البريدية.
7 - اعتزازه بإسلامه الذي تشبع به من القرآن من قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)} (1) وقوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} (2) وقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} (3) فقد جسد هذا الاعتزاز حين زاره بعض الرهبان وكبار الولاة ووقفوا معه في مستوى واحد من الأرض لكنه أبى وارتفع درجة أعلى وحين سئل عن ذلك قال "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " (4).
8 - توعده للاستدمار بالانتقام وذلك حين بعث رسالة إلى الوالي العام لما حاول هدم الجامع الكبير يحذره فيها من الاقتراب من بيوت الله.
9 - مراسلته للحكومة الاستدمارية الفرنسية يبين فيها ظلم الولاة لأبناء الشعب الجزائري، ومنعهم من أداء فريضة الحج والسفر إلى الخارج (5).
10 - تهكمه واستصغاره للاستدمار وحكامه حين بعث برسالة إلى "بوان كاري" بمناسبة اغتيال أحد الوزراء الفرنسيين في باريس جاء فيها " لقد تمادى بكم ظلم المسلمين فكان الله يراقبكم حتى أصبح وزراؤكم يقتلون في الطرقات كالكلاب " (6)
خاتمة:
فمن خلال ما قدمناه نكون قد ساهمنا ولو بنزر قليل في بيان جوانب من حياة الشيخ الإمام أمحمد بن يوسف اطفيش العلمية والتعليمية والتأليفية في فروع العلم المختلفة، ودعوته إلى توحيد المسلمين والتقريب بينهم وذلك بالتقريب بين مذاهبهم، ووقوفه إلى جانب أمته الجزائرية والمسلمين كافة كما تجلى ذلك في مواقفه ضد الاستدمار الفرنسي ومقت الاستكبار العالمي مهما كانت جنسيته وموطنه، ودعوته إلى التحرر وسيادة
__________
(1) -سورة النساء آية 139
(2) -سورة فاطر آية 10
(3) -سورة المنافقون آية 08
(4) -ينظر أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، مقدمة كتاب الذهب الخالص.
(5) -محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة ج1ص 330.
(6) -ينظر إبراهيم عبد العزيز، نبذة من حياة الشيخ اطفيش. (3/21)
صفحة 20
الشعوب والأوطان. (3/22)
صفحة 21
قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عُمان
(الحلقة الأولى) (*)
الأستاذ: مصطفى بن محمد شريفي
باحث دكتوراه ــــ جامعة الأمير عبد القادر ــــ قسنطينة
م
(1) مقدمة:
لم أجد ـــــ فيما اطلعت عليه من دراسات حول القطب اطفيش ــــ من تعرَّض إلى تحليل مراسلاته تحليلا تاريخيا، وقراءتها في ظل الظروف والأوضاع التي يعيشها العالم الإسلامي والوطني والمحلي آنذاك.
لذا حاولت أن أسد هذه الثغرة، مكتفيا بالمراسلات مع أهل عُمان.
وأهدف من هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على الجانب التاريخي في تلك المراسلات، لأنها مرآة صادقة لقضايا المجتمع، ولخبايا النفس، آلامها وآمالها.
واستخدمت فيها المنهج الوصفي، لعرض المراسلات التي اطلعت عليها، مع تحديد أماكن وجودها، وإبداء الملاحظات التي عنَّت لي بشأنها.
والمنهج التحليلي لاستخلاص المعلومة التاريخية المتعلقة بالقطب أو عُمان، من تلك المراسلات.
والمنهج المقارن لمقارنة ما ورد في تلك الرسائل بالكتب التاريخية المؤلَّفة حول تلك الفترة، سواء في الجزائر أم عُمان، مع قلتها.
وقد تعمَّدتُ في كثير من الأحيان المحافظة على نصوص القطب بحرفيتها؛ لأَنَّ «الوثائق بالنسبة للمؤرِّخ تعتبر كشهود في محكمة بالنسبة للمحامي» (2). بالإضافة إلى أني أرى فيها تقديم مادة أولية للمؤرخين، استخلصتها مما تمكنت من الاطلاع عليه، توفيرا لجهدهم ووقتهم.
ولم أقم كذلك بتتبع ما هو متوفر في مكتبات وادي ميزاب، ومن أبرزها مكتبة القطب، ببني يزقن؛ لأن
__________
(1) سيتم بإذن الله نشر حلقتين أخريين في الأعداد القادمة من المجلة. (التحرير).
(2) محمَّد زيان عمر: البحث العلمي، مناهجه وتقنياته، ص164. (4/22)
صفحة 22
ذلك يقتضي وقتا أطول وبحثا أعمق، وجهدًا أكبر لا تسمح به الظروف، وحسبي أني قدمت بين يدي القارئ نماذج منها تعطيه لمحة وجيزة عن الأحوال القاسية التي عانى منها القطب ومراسلوه.
ورغم أني حصرت الموضوع في مراسلات القطب إلى أهل عُمان دون سواهم، فإنه يصعب الإلمام به في هذه العجالة، لعدة أسباب، منها:
*-أن الاستقصاء يستدعي القيام برحلات مراطونية بين مختلف مكتبات سلطنة عُمان لجمع تلك المراسلات.
*-أن مراسلات القطب هي في الأغلب أجوبة فقهية وعقدية، والتأريخ فيها قليل، ليس إلا ومضات خاطفة، على الباحث اقتناصها، وتحليلها.
*-أن كثيرا منها لا يزال مخطوطا، ولم يطبع منها إلا قليل، ومع قلته يحتوي على أخطاء، وانعدام للفهارس التقنية.
*-أن ما طُبع منها أكثره غير مؤرَّخ، وبالتالي يصعب وضعها في إطارها الزماني، وهذا لم يمنعنا من استغلال الإشارات التي توحي بتاريخ أو ظرف معين.
ولا بد من الاعتراف بالفضل لذويه، وتقديم أخلص عبارات الشكر لكل من قدَّم لنا يد المساعدة لإنجاز هذه الدراسة، ونخصُّ بالذكر: الأستاذ بشير بن موسى الحاج موسى في مؤسسة الشيخ عمِّي سعيد بغرداية، الذي أفادنا ببعض المراسلات التي يقوم بتحقيقها. والسيد: الحاج محمد اطفيش، قيم مكتبة القطب ببني يزقن الذي فتح لنا أبوابها للاطلاع على الرسائل المخطوطة، وفريق العمل التابع لجمعية أبي إسحاق، القائم بالتصوير الرقمي بالمكتبة. وكذا جامعة الأمير عبد القادر التي اختارت أن تسمي دفعة التخرج في هذه السنة الجامعية (1430 ــــ 1431هـ/2009 ــــ 2010م) باسم الشيخ اطفيش. والدكتور مصطفى بن الناصر وينتن الذي شجعني على الكتابة حول هذه الشخصية الفذة. جزى الله الجميع خير الجزاء.
أولا المراسلات والفتاوى وثائق تاريخية
إن مراسلات أيِّ عَلَم من الأعلام تعتبر وثائق تاريخية (1) ذات أهمية كبرى. وبما أن القطب اطفيَّش برز في العلوم الشرعيَّة أكثر من المجالات الأخرى، فإنَّ أغلب رسائله هي عبارة عن فتاوى فقهيَّة وعقديَّة، ورغم ذلك فهي لا تخلو من استنتاجات تاريخيَّة، وهو ما نوضِّحه في الآتي:
__________
(1) ينظر: المرجع نفسه، ص142 - 153. (4/23)
صفحة 23
أ ـــ أهمية المراسلات في توفير المادة التاريخية:
*-أنها توفر معلومات قد لا نجدها في مصادر أخرى، بسبب سريَّتها أو حساسيتها.
*-أنها غالبا ما تكون عفوية وغير متكلفة؛ لأن صاحبها ربما لم يكن يفكر في نشرها إبان كتابتها، فيودعها عواطفه وأحاسيسه، وأشجانه وأحزانه، دون تكلف. بخلاف المؤلفات الموجهة للنشر، فغالبا ما يراعي فيها المؤلف قارئه، ويتوقع ردودَ أفعاله، ويستحضر الآثار المترتبة عما ينشره.
*-أنها تعتبر مصادر أَوَّليَّة أصيلة؛ لأنها صادرة من الشخصية موضوع الدراسة.
ب- الفتاوى مرآة العصر:
من الفتاوى ما هو عام في كل زمان ومكان، كأغلب مسائل الأركان الخمسة، ولكن منها ما هو مرتبط بحياة الناس في علاقاتهم الاجتماعية ومعاملاتهم المالية والتجارية. فمن الموضوعات التي تتناولها الأسئلة الموجَّهة إلى القطب مما له علاقة بالتحولات الاجتماعية والسياسية لأهل عُمان في حياة القطب وجدنا عدة مواضيع، نذكر منها ما يأتي:
*-استبدال العدِّ في الدراهم بميزانها، إذ من المعلوم أن الناس كانوا يتعاملون بالدنانير الذهبيَّة والدراهم الفضيَّة، وتتفاوت قيمتها بتفاوت أوزانها، ثم تحول الناس إلى التعامل بالدراهم عدًّا من غير وزن في بيوعهم وشرائهم (1).
*-العلاقة بين الرعية والحاكم الجائر، علما أن عُمان في عصر القطب كانت تعيش صراعا مريرا في أغلب الأحيان بين نظام السلطنة ونظام الإمامة (2).
*-حكم العمل للحاكم الجائر في أموال الناس التي غصبها (3).
*-ولاء السلطان المسلم لحاكم مشرك (4)، وهو ما عليه نظام السلطنة في عُمان منذ القرن الثامن عشر، إذ عُرف عنه الولاء للإنجليز (5)،
__________
(1) ينظر: كشف الكرب، 2/ 247.
(2) ينظر: المصدر نفسه، 1/ 223؛ 2/ 90، 267 - 268، 342، 373، 379.
(3) ينظر: المصدر نفسه، 2/ 267.
(4) ينظر: المصدر نفسه، 2/ 268.
(5) منها مراسلات يستفتي فيها السلطانُ الشيخَ اطفيَّش في أمر الحماية التي أُجبر على توقيعها مع الإنجليز بدل توقيع الحماية مع الدولة العثمانية. انظر: تنبيهات أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش في تحفة الأعيان، لنور الدين السالمي، ط. 1347هـ، ج2/ص”د“. أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، ص240. كشف الكرب، 1/ 223 - 224؛ 2/ 246. (4/24)
صفحة 24
وهو ما ينتقده أنصار الإمامة بشدة على السلطان وأتباعه (1).
هذه نماذج فقط، وستأتي في هذه الدراسة تفاصيل ونماذج أخرى.
ثانيا - الإطار المنهجي لهذه الدراسة
ج ـــ النقد الخارجي والداخلي لمراسلات القطب:
من المعلوم منهجيًّا أن على الباحث عند اعتماده على الوثيقة التاريخية أن يقوم بنقدها خارجيًّا وداخليًّا.
1 ـــ النقد الخارجي لمراسلات القطب:
يُعنَى النقدُ الخارجي للوثيقة التاريخية بالإجابة عن السؤال: هل الوثيقة صحيحة أم لا؟ وهل هي أصيلة أم مزوَّرة؟
وفي موضوعنا هذا اعتمدنا على نوعين من المراسلات: مخطوطة ومطبوعة.
1 - المراسلات المخطوطة: عثرنا على بعضها في مكتبة القطب ببني يزقن، ومكتبة الأستاذ محمد بن أيوب الحاج سعيد، ومكتبة مؤسسة الشيخ عمي سعيد بغرداية:
أما ما في مكتبة القطب فمنها ما هو حديث النسخ، من خط الشيخ عمر بن يوسف عبد الرحمن، وهو معروف بغزارة علمه، وبدقته في النسخ، وبوضوح خطه.
أما مكتبة الأستاذ محمد بن أيوب الحاج سعيد بغرداية، ففيها مراسلات بخط الشيخ حمو بابا وموسى، وهو من العلماء البارزين بغرداية، ومن أنجب تلاميذ القطب اطفيش (2).
أما مؤسسة الشيخ عمي سعيد فقد تكرَّم الأستاذ بشير بن موسى الحاج موسى (3) بإفادتنا ببعض المراسلات المرقونة من عدة مخطوطات، قام هو وفريق من الباحثين بجمعها من عدة مكتبات، داخل الوطن وخارجه (سلطنة عُمان)، وهم بصدد تحقيقها، وقد تعجل بإفادتنا بها رغم أن عمله لا يزال طور الإنجاز، فجزاه الله خيرا.
__________
(1) ينظر: أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، ص252. لاندن: عمان مسيرا ومصيرا، ص457 - 458.
(2) حمُّو بن باحمد بابا وموسى (ت: 1376هـ): تولى مشيخة غرداية ووادي ميزاب مُكرهًا. أنشأ معهدًا تخرَّج فيه علماء. من مؤلفاته: «ترغيب الراهب وترهيب الراغب»، «ترتيب الفرائد»، وهو ترتيب لأجوبة القطب. ترك مكتبة زاخرة بالمخطوطات. (معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة رقم: 2/ 124).
(3) بشير بن موسى الحاج موسى: عضو في حلقة العزابة، باحث، محقق بمؤسسة الشيخ عمي سعيد بغرداية. (4/25)
صفحة 25
ثم إن كثيرا من تلك الرسائل وجدناها في الكتاب المنشور الآتي ذكره:
2 - المراسلات المطبوعة: تقع في جزأين، قام بترتيب مسائلهما الشيخ أبو الوليد سعود بن حميد بن خُليفين المضيربي العُماني (1). حقَّق الجزء الثاني منها: محَمَّد علي الصليبي، ونشرتهما وزارة التراث القومي والثقافة، بسلطنة عُمان، سنة 1406هـ/1986م، وسماها المرتِّب: كشف الكرب في ترتيب أجوبة الإمام القطب.
ولا شك أن كثيرا من المراسلات أخذها من عند الشيخ عيسى بن صالح الحارثي؛ لأنه راسل القطبَ في عدَّة مناسبات، وهو الذي طلب من الشيخ أبي الوليد سعود أن يقوم بترتيبها (2).
وبالتالي فإن لهذه الوثائق التي اعتمدناها (المخطوطة والمطبوعة) من الوثاقة وصحة نسبتها إلى القطب ما يجعلنا نعتمد عليها كلِّها دون استثناء. مع تحفُّظنا في بعض نصوص كشف الكرب (المطبوع)، لا من حيث أصله الموثوق، ولكن من حيث الأخطاء المطبعية الكثيرة التي جنت على الكتاب!.
2 - النقد الداخلي لمراسلات القطب:
يهتمُّ النقد الداخلي للوثيقة التاريخية بمحتوى النصِّ، ومعرفة الدوافع والأهداف الذَّاتِيَّة للكاتب، وظروف كِتَابته، ويتساءل الباحث: ماذا يقصد الكاتب بالضبط؟ هل يتحدَّث بأسلوب مباشر، أم غير مباشر؟.
ولقد كانت للقطب اطفيَّش مراسلات إلى مختلف جهات العالم الإسلامي، وإلى مختلف طبقات المجتمع، من العامة إلى العلماء والسلاطين، إباضية وغير إباضية على حدٍّ سواء، ومن أبرزهم: سلطان عُمان: فيصل بن تركي بن سعيد، الذي كان يجلُّ العلم والعلماء، بالرغم من اختلافه معهم في طبيعة السلطة، وكتب إليه الشيخُ نصائح دينيَّة ودنيويَّة (3).
__________
(1) سعود بن حميد بن خُليفين المضيربي، أبو الوليد (1373هـ): من تلامذة نور الدين السالمي، كتب عنه تساويد جمَّة من مُؤَلَّفَاته. قاض ووالٍ على المضيبي وسمد بعمان، في مُدَّة نحو خمس وثلاثين عاما. سَمَّاهُ الإمام محمد الخليلي شيخَ القرَّاء، وداهيةَ العلماء. له رسائل وأجوبة نظما ونثرا، جمع ورتَّب مسائل للقطب في «كشف الكرب» ومسائل صالح الحارثي في «عين المصالح في أجوبة الشيخ الصالح». (ينظر: أبو بشير: نهضة، ص127، 503 - 504، 508. الخصيبي: شقائق، 3/ 220 - 237).
(2) ينظر: كشف الكرب، 2/ 380.
(3) ينظر: شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص33 - 34. (4/26)
صفحة 26
وهذه الدراسة التي نقوم بها لها علاقة بهذا الجانب، إذ نحاول استخلاص المعلومة التاريخية من مراسلات القطب إلى أهل عُمان، وقراءتها في ضوء ما توفر لنا من معطيات تاريخية من مصادر أخرى، وهذا بغرض فهم مقاصد بعض الأسئلة الموجَّهة إلى القطب، وأجوبته لها، ووضعها في إطارها الزماني والمكاني، سواء في الجزائر أم عُمان.
وآثرنا أن نقسِّم النقد الداخلي إلى ملاحظات على المخطوطة وعلى المطبوعة وعلى الأسلوب:
أ ــــ ملاحظات على المراسلات المخطوطة:
لا تزال أغلب مراسلات القطب إلى الآفاق متفرِّقة في المكتبات في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتحتاج إلى جهد كبير لجمعها واستقصائها.
وحاليا يقوم الأستاذ بشير بن موسى الحاج موسى بجمع فتاوى القطب، مع فريق عمل في مؤسسة الشيخ عمي سعيد بغرداية، وقد بذلوا جهودا مشكورة في هذا السبيل، وقطعوا أشواطا بعيدة فيه، وأفادونا - مشكورين - فيما يتعلق ببحثنا هذا. ولكن الفتاوى ما هي إلا جانب واحد من مراسلات الشيخ، والتي تتسع إلى الفكر، وتبادل الأخبار العلميَّة والكتب (نسخا وطباعة ... )، وإلى السياسة والاجتماع؛ وهي جوانب لا تقل أهمية؛ ذلك لأن فكر الشيخ العقديَّ والفقهيَّ لم يَضِعْ، فهو مدوَّن في تآليفه، وأما مواقفه ومعاناته الاجتماعية والسياسية، وأسراره فلا نجدها إلا في المراسلات، والتي إن لم نتداركْها بالحفظ والتحقيق والتحليل ضاعت.
ب ـــ ملاحظات على المراسلات المطبوعة:
أشرنا ــــ أعلاه ـــــ إلى الكتاب الوحيد المطبوع المتضمن لمراسلات الشيخ، وهو «كشف الكرب»، والتي جمعها ورتَّبها الشيخ أبو الوليد سعود (1)، وهو جهد مشكور. غير أن للترتيب الموضوعي للمراسلات إيجابية واحدة وعدة سلبيات.
أما إيجابية الترتيب حسب أبواب الفقه المعروفة، فتتمثل في حصر كل ما يتعلق بالموضوع الواحد في باب واحد، مما يسهِّل على الفقيه الوصول إلى مسألته.
أما سلبيات ذلك الترتيب فتتمثل فيما يأتي:
*-فقدان ترتيبها الأصلي، فإذا كانت طريقة جمع الرسائل أن تدون وتجمع في كتاب واحد فور
__________
(1) عني هذا الشيخ أيضا بترتيب متفرِّقات الشيخ صالح بن علي الحارثي، سماها: عين المصالح في جوابات الشيخ الصالح، صحَّحه وأشرف على طبعه عزّ الدين التنوخي، المطبعة العمومية، دمشق، د. ت. (4/27)
صفحة 27
وصولها ـــــ وهو ما طلبه القطب من العُمانيِّين ــــــ فلا شك أنها ستكون وفق ترتيب زمنيٍّ، والترتيب الزمنيُّ يفيدنا في اكتشاف معلومات تاريخية هامة، منها: معرفة التطور الفكري للمفتي، فقد يكون في فكره قديم وجديد، وناسخ ومنسوخ. ومنها: معرفة تطور الإشكالات حسب تطور المجتمع، فإن لكثير منها علاقة بالواقع المعيش سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ... مما يساعدنا في فهم الدوافع والأهداف الكامنة وراء طرح بعض التساؤلات، وأبعادها الاجتماعيَّة، كما سيتضح لنا لاحقا.
*-فقدان أسماء المراسلين، فقد يُذكر اسم المرسَل إليه في أول الجواب أو آخره، وعند تفكيكها لتأخذ موقعها الجديد، حسب الترتيب الموضوعي، لا نتمكن من معرفة المخاطَب، من ذلك أن مرجع الضمير مجهول في قوله: «وعليكما وعلى من يليكما والخاصة والعامة سلام، ولكما عليَّ جواب كل جمعة إن شاء الله، قصدا إلى مراد أخوَّة الدين، وإحياء العلم، ونفع عيال الله، إلاَّ أنِّي لا أجد من يعرف بلدكما أو يوصل إليه» (1). ثم وجدت في الأصل المخطوط أنه يقصد بهما الشيخين: نور الدين السالمي وصنوَهُ عيسى الحارثي (2). ومنها مرجع الضمير أيضا في قول القطب لأحد مراسليه: «وإلاَّ فكأني أراك تستعين بالإنكليز وغيرهم من النصارى، أو من أهل الملَّة أو من أهل مذهبك ممن لا يتَّقي الله عزَّ وجلَّ» (3). وهو اتهام خطير لأحد أعلام عُمان، لم نستطع معرفة المعني، بسبب حذف اسمه عمدا، وبسبب الترتيب الجديد.
*-أنَّ عمليَّة تفكيك الرسالة الواحدة من أجل الترتيب الموضوعي طالت حتَّى أحد الكتب التي ألفها القطب كرسالة مستقلة، منها: جوابه لأهل زوارة (4). وهذا قد لا يرتضيه المؤلف؛ وبخاصَّة إذا علمنا أنه دعا بالشرِّ على من يتصرَّف في شرح النيل (5).
بالإضافة إلى ما ذكرناه فإنَّ لنا على ناشر الكتاب ومحقِّقه عدَّة ملاحظات تقنيَّة، منها:
1 ـــــ ورود العنوان في صفحة الغلاف مبتورا، ولم نجده بتمامه إلا في نهاية الجزء الأول (ص263).
2 ـــــ عدم ذكر اسم مرتب الأجوبة في الغلاف الخارجي ولا الداخلي للكتاب في
__________
(1) كشف الكرب، 2/ 306.
(2) ينظر: المادة رقم 74. (مك. ع. س).
(3) المصدر نفسه، 2/ 379.
(4) الكتاب مطبوع طبعة حجرية في الجزائر، سنة 1325هـ.
(5) كشف الكرب، 2/ 317. (4/28)
صفحة 28
كلا الجزأين، وذُكر بكنيته فقط في الجزء الثاني صفحة: 380. وما كنا لنعرفه لولا أن بحثنا عن ترجمته.
3 ـــــ عدم اعتماد المحقِّق على نسخة المرتِّب أبي الوليد، وهي غير بعيدة عنه زمنيًّا ولا مكانيًّا، علما أنه عُمانيٌّ توفي سنة 1373هـ/1953م، وإنَّما اعتمد على نسخة بخطِّ: ساعد بن مسعود بن سالم الزكواني (1)، وهو ناسخ لا نعرف شيئا عن درجته العلمية. ولم يقم المحقق بأيِّ مقارنة لِمَا جمعه أبو الوليد بالنسخ الأصليَّة المنتشرة في مكتبات عُمان، والتي لا شكَّ أنها ستفتح لنا آفاقا علميَّة أرحب، بمعرفة أسماء المراسلين، وبتواريخ المراسلات، وبتصحيح الأخطاء الكثيرة الواقعة في الكتاب، والتي لا ندري أهي من المرتِّب أم الناسخ أم الطابع؟ .. علما أنَّ المقارنة بين النسخ هي أُولى الخطوات المنهجيَّة في التحقيق.
4 ـــــ عدم إنجاز أيِّ فهرس للكتاب، غير قائمة المحتويات، مما صعَّب علينا العثور على أسماء مراسلي القطب. والكتاب يشتمل على آيات وأحاديث وأسماء أعلام وأماكن وأقوام كثيرة.
3 - أسلوب القطب في مراسلاته:
أغلب مراسلات القطب فقهية، فأسلوبه فيها هو أسلوب الفقهاء، ولست مختصًّا في التحليل الأدبي حتى أقوِّمها من هذه الناحية.
وبما أن موضوعي هو التحليل التاريخي لمراسلات القطب؛ فإن المقام يقتضي أن لا أتعرَّض إلى منهجه في الفتاوى من حيث الاستدلال (بالقرآن والسنة وغيرهما)، ولا إلى أسلوبه في النقاش والحوار؛ لأن ذلك يبعدنا عن المقصود.
غير أنَّ الذي أثار انتباهي هو استعمال السجع في ديباجاته، لبعض إجاباته، والتي يبدو فيها أحيانا نوع من التكلُّف، منها قوله: «وصلى الله على سيدنا محمد ما أضاءت الشمس، وما صُلِّيت الخمس، وما حدا الرفاق، وما حنَّ مشتاق إلى تلاق، وما درَّ شارق، ووقب غاسق، دائما بلا تناهي، والله آمر وناهي» (2). وقوله: «أما بعد .. والنطق بها سنَّة، وله المنَّة، فعلى الشيخ راشد بن عزيز، الذهب الإبريز، السائل المسترشد، والباعث المستنجد، من كاتبه أمحمَّد بن الحاج، قضيت له المآرب والحاج (3)، نجل يوسف اطفيَّش، لا زال بالخير يُريَّش، سلام يعمُّ البسيطة والآكام، وحسن فعل وكلام، يلمع لأهل القبور،
__________
(1) ينظر: المصدر نفسه، 2/ 381.
(2) المصدر نفسه، 2/ 243.
(3) وقد تكرر ما يشبهه في: 2/ 173. والحاج: جمع حاجة، وهي المأرب، وتجمع أيضا على حاجات وحِوَج. ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 2/ 242. (4/29)
صفحة 29
ويسمعه سكَّان القصور» (1). وقوله: «أما بعد، فسلام من أفقر العُبْدان، أمحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن، على أخيه العالم الفصيح محمد بن شيخان» (2).
ثالثا مسرد ببليوغرافي لبعض المراسلات
1 - المراسلات الصادرة من القطب:
إن أغلب مسائل كتاب كشف الكرب أرسلها القطب إلى أهل عُمان، ومن المفروض أن تدخل كلُّها في
دراستنا هذه، غير أنَّ عدم ذكر كثير من أسماء من أُرسلت إليهم الأجوبةُ جَعَلَنَا لا نستطيع أن نتيقَّن أنها بُعثت إلى عُمانيين. ولأن فيه رسائل (أي مؤلفات صغيرة) مستقلة، مثل كتاب: «الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد» (3)، وكتاب «جواب أهل زوارة» الذي نُثرت مسائله بين شتى المواضع في الكتاب حسب مواضيعها؛ لذا اكتفينا في الجدول الآتي بإيراد مَن ذُكر اسمه دون سواهم، أو من صرَّح المرتِّب بأنَّها موجَّهة إلى أهل عُمان.
والجدول مرتَّب ألفبائيًّا حسب أسماء المراسَلين
اسم المرسَل إليه
تاريخ المراسلة
موضوعها
المصدر المطبوع (كشف الكرب)
المصدر المخطوط
إبراهيم بن سليمان
د. ت.
الأمانة والضمان
-
مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص114. (مك. ح. س)
__________
(1) كشف الكرب، 2/ 285.
(2) المصدر نفسه، 2/ 329 - 330. ينظر أمثلة لأخرى للسجع: المصدر نفسه، 2/ 195، 271.
(3) وهو يقع في 12 صفحة: 1/ 15 - 26. (4/30)
صفحة 30
اسم المرسَل إليه ... تاريخ المراسلة ... موضوعها ... المصدر المطبوع (كشف الكرب) ... المصدر المخطوط
أحمد بن سعيد بن خلفان ... د. ت. ... الدم المسفوح ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص1. (مك. ح. س) ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، ص14. (مك. ق)
أهل عُمان وزنجبار ... د. ت. ... مسائل مختلفة منها: اللحية ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص42. (مك. ح. س)
بعض علماء عُمان ... د. ت. ... صلاة المنفرد في الحرمين ... 2/ 57 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص46. (مك. ح. س)
حمد بن أحمد بن سعيد الشيداني، وسعيد بن صالح بن راشد العبادي ... د. ت. ... حكم عقد ولي امرأة لزواجها دون علمها ... 2/ 141
راشد بن عزيز ... د. ت. ... طلب إرجاع كتب بخطه كان قد أرسلها إلى عُمان ... 1/ 10 - 11، وتكرر في 2/ 359 - 360 (4/31)
صفحة 31
راشد بن عزيز ... د. ت. ... طلب آخر لإرجاع كتب ألفها في صغره ... 1/ 11 - 12، وتكرر في 1/ 119 - 120
راشد بن عزيز ... د. ت. ... وجوب السلام عند الاستئذان ... 1/ 8 - 9، وتكررت في: 1/ 119
راشد بن عزيز ... د. ت. ... التأكيد لا ينافي الإنشاء ... 1/ 247
راشد بن عزيز ... د. ت. ... تحريم الدخان ... 1/ 177
راشد بن عزيز ... د. ت. ... حكم استئجار أحد لإصلاح فلج بنصيب من الفلج والأرض ... 2/ 285
راشد بن عزيز ... د. ت. ... حكم من له الحق ولم يجد من ينفذه ... 2/ 271
راشد بن عزيز ... د. ت. ... حكم توكيل إنسان لآخر أن يبيع سهمه من الميراث ... 2/ 243 ... - (4/32)
صفحة 32
راشد بن عزيز ... د. ت. ... مسألة في الطلاق ... 2/ 173 ... -
راشد بن عزيز ... د. ت. ... قيام الحجة بالعقل ... 1/ 27 ... -
راشد بن عزيز بن بخيت ... د. ت. ... حكم أخذ المطلقة نفقتها بنفسها ... 2/ 277 ... -
سالم بن جمعة بن مطر الخيظري ... د. ت. ... تسليم عليه وعلى أخيه صالح والسالمي ... 1/ 9 - 10
سالم بن سلطان العُماني ... د. ت. ... الدعاء ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص1 (مك. ح. س)
سالم بن محمد بن سالم الرواحي ... أوسط ذي الحجة 1316هـ ... رؤية الله تعالى ... 1/ 39
سالم بن محمد بن سالم الرواحي ... 11 جمادى الأولى 1331هـ ... جمع الاشتراكات لطبع شرح النيل (1) ... معجم أعلام الإباضية (2)
__________
(1) هذه الرسالة في الواقع هي بخط الشيخ سليمان بن بكير بن داود [المطهري]، ونحن نعلم أن هذا الشيخ هو تلميذ القطب؛ لذلك أدرجناها ضمن مراسلاته، إذ لا يبعد أن يكون القطب هو الذي كلفه بذلك.
(2) ذكرت الرسالة ضمن قائمة المصادر والمراجع للمعجم، قسم المغرب. وتوجد نسخة من الرسالة بمكتبة الحاج إبراهيم أوزكري، ببني يزقن، غرداية. (4/33)
صفحة 33
سعيد بن خميس ... د. ت. ... النسب ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص45. (مك. ح. س)
سعيد بن محمد، ابن سالمين ... د. ت. ... طلاق الغائب ... 2/ 195
سلطان عُمان (1) والعلماء والعباد في عُمان وزنجبار ... د. ت. ... دعوة إلى التمسك بالمذهب ... 1/ 34 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص19. (مك. ح. س)
سليمان بن سيف ... د. ت. ... ورقة السكة والذهب ... رسالة رقم: 13، ص113. (مك. ح. س)
سليمان بن محمد بن أحمد بن عبد الله الكندي ... د. ت. ... حكم أكل المضطر من الميتة فوق ما ينجو به ... 1/ 68
سيف بن ناصر الخروصي ... د. ت. ... علم الله تعالى وتعلقه بالممكن ... 1/ 42 - 43
عامر بن خميس المالكي ... د. ت. ... ميراث الخنثى ... 2/ 329
عامر بن خميس المالكي ... د. ت. ... طلاق الطفل
__________
(1) الراجح أنه السلطان فيصل بن تركي بن سعيد؛ لأنه هو المشهور بمراسلته للقطب، ولم نعثر على أي رسالة لوالده أو جده، وكلُّهم عاصروا القطب. (4/34)
صفحة 34
والمجنون ... 2/ 179
عامر بن خميس المالكي ... د. ت. ... معلومات فلكية عن الشمس والسماء والأرض ... 1/ 259
عامر بن خميس المالكي ... د. ت. ... زكاة كل أنواع الزروع إذا كانت للتجارة ... 2/ 91
عبد الله بن حميد السالمي ... د. ت. ... تحريم الزعفران وجوزة الهند وجوزة الطيب والأفيون والشيكران ... 1/ 173 - 174
عبد الله بن حميد السالمي ... د. ت. ... حكم الإفتاء دون بلوغ درجة الاجتهاد ... 1/ 83 - 84 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص23. (مك. ح. س)
عبد الله بن حميد السالمي ... د. ت. ... صعوبات مادية وتقنية في نسخ الكتب وطباعتها ... 1/ 6 - 7 (4/35)
صفحة 35
عبد الله بن حميد السالمي ... د. ت. ... الاستعاذة، وحكم الإفتاء لغير المجتهد ... 2/ 35
عبد الله بن حميد السالمي وعيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... حكم قراءة الفاتحة أو سائر القرآن في الصلاة بقصد الدعاء لحاجته، وما لا يقرأ في الصلاة من القرآن ... 2/ 39 - 40. ... المادة رقم72، جواب على مسائل عبد الله بن حميد السالمي (مك. ع. س)
عبد الله بن حميد السالمي وعيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... دعاء الإمام ... 2/ 55 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص31. (مك. ح. س) (4/36)
صفحة 36
مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، ص57. (مك. ق)
عبد الله بن حميد السالمي وعيسى بن صالح الحارثي ... 9 رمضان 1325هـ ... الإشادة بتآليف السالمي، صعوبة النسخ والاتصال، واهتمام بما يفيد السالمي ... 1/ 6
عبد الله بن حميد السالمي وعيسى بن صالح الحارثي وسائر طلبة العلم والعبادة ... د. ت. ... مشكلة صعوبة المراسلات بينه وبينهما، شكر لمن قرَّظ الهميان، وتبادل كتب للنسخ ... 1/ 5
عبد الله بن حميد ومحمد بن شيخان السالميان ... د. ت. ... معنى الإسرار بالاستعاذة ... 2/ 35
عبد الله بن حميد، والشيخ عيسى بن عبد الله (1) ... د. ت. ... تعلُّق علم الله تعالى بالمستحيل ... جواب على مسائل علماء عُمان، المادة رقم: 71 (مك. ع. س)
عبد الله بن راشد
__________
(1) الراجح أنه خطأ مطبعي، والصواب: عيسى بن صالح الحارثي؛ لأنه مرافق وملازم للشيخ نور الدين عبد الله السالمي. (4/37)
صفحة 37
بن صالح ... د. ت. ... زواج الأَمَة ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص116. (مك. ح. س)
عبد الله بن راشد بن صالح ... د. ت. ... حكم هروب المتهم البريء من الحكم عليه ... 2/ 373
علي بن خميس بن راشد ... د. ت. ... علم الله ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص92. (مك. ح. س)
علي بن خميس بن راشد ... د. ت. ... حكم المال المستراب ... 2/ 268 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص85. (مك. ح. س)
علي بن خميس بن راشد القصاب ... د. ت. ... حكم العمل للحاكم الجائر في أموال الناس التي غصبها ... 2/ 267 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص85. (مك. ح. س)
علي بن خميس، وسيف بن ناصر، وسالم بن محمد بن سالم ... د. ت. ... حكم من غاب وأتت زوجته بأولاد ... 2/ 201 (4/38)
صفحة 38
عيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... حكم إجبار الإمام المبايعين أن يبذلوا أموالهم لعز الدولة ... 2/ 342
عيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... الغارم الذي تعطى له الزكاة ... 2/ 89
عيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... مسألة في الميراث ... 2/ 328
عيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... مسائل مختلفة في الاعتكاف ... 2/ 105
عيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... الصلاة وراء المخالفين ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص92. (مك. ح. س)
عيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... الدم ونقضه للصلاة ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص88. مك. ح. س)
عيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... الأموال ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص90. (مك. ح. س) (4/39)
صفحة 39
عيسى بن صالح الحارثي ... د. ت. ... تغير ما في اللوح المحفوظ ... 1/ 49 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص18. (مك. ح. س)
عيسى بن صالح الحارثي ... أواخر رجب عام 1317هـ ... تغير ما في اللوح المحفوظ ... 1/ 51 ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، ص21. (مك. ق)
عيسى بن صالح الحارثي وعامر بن خميس من الشرقية ... د. ت. ... حد الخمر ... 2/ 353 - 355 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص36. (مك. ح. س)
عيسى بن صالح الحارثي وعبد الله بن حميد السالمي ... يوم عرفة عام 1321هـ (تاريخ وصول الكتاب إلى القطب، وليس تاريخ الجواب) ... طول غياب عن المراسلة. تبادل الكتب. مسألة علم الله بالْمُحال ... 1/ 45 (4/40)
صفحة 40
عيسى بن صالح الحارثي وعبد الله بن حميد السالمي ... 7 رجب 1322هـ ... الأخذ برواية غير الإباضية ... 1/ 92 - 95
عيسى بن صالح الحارثي وعبد الله بن حميد السالمي ... د. ت. ... 13 مسألة مختلفة ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص1، 76. (مك. ح. س)
فيصل بن تركي (السلطان) ... د. ت. ... مسائل مختلفة ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص73. (مك. ح. س)
فيصل بن تركي (السلطان) ... د. ت. ... الزكاة ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص107. (مك. ح. س)
فيصل بن تركي (السلطان) ... د. ت. ... عمن أُخذ منه أصلٌ بالشفعة وقد استغل منه ... 2/ 246
محمد بن شيخان ... د. ت. ... الدعاء ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص24. (مك. ح. س) (4/41)
صفحة 41
محمد بن شيخان ... السؤال: شعبان 1317هـ. الجواب: أواخر ربيع الثاني 1318هـ ... فنون العلم المطلوبة للإفتاء ... 1/ 83 - 84 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص25. (مك. ح. س) ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، ص46. (مك. ق)
محمد بن شيخان ... د. ت. ... حكم الأكل من أموال المتقاتلين من أهل القبلة ... 2/ 357
محمد بن شيخان ... د. ت. ... مسألة في الميراث ... 2/ 330
محمد بن شيخان ... د. ت. ... الفرار من الطاعون ... 1/ 77 ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص29. (مك. ح. س) ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، ص53. (مك. ق)
محمد بن شيخان ... د. ت. ... دعوة إلى التآلف وترك التخالف ... 1/ 9 (4/42)
صفحة 42
محمد بن شيخان ... د. ت. ... طلب ترجمة ابن النضر، تبادل آخر أخبار الإنتاج الفكري ... 1/ 7
محمد بن شيخان وعبد الله بن حميد السالمي ... د. ت. ... طلب الإخبار بوصول الأجوبة، وطلب ما قيل من شعر في أن السجود بمعنى الخضوع ... 2/ 41
محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي ... د. ت. ... رؤية الله تعالى ... 1/ 41 ... رسالة رقم: 17. (مك. ح. س)
محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي ... د. ت. ... رؤية الله تعالى ... 1/ 40 ... رسالة رقم: 17، ص108. (مك. ح. س)
محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي وأبيه والشيخ أحمد بن سعيد، والأخ علي (؟) ... د. ت. ... مسائل نحوية وبيانية ولغوية ... مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، ص14. (مك. ق) (4/43)
صفحة 43
محمد بن مسعود ... د. ت. ... عدة مسائل، منها: ضمان الدال على الأموال ... 2/ 259
ناصر بن مسعود ... د. ت. ... حول تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (1) ... 1/ 72
نبهان بن سيف البكري العُماني ... د. ت. ... الانتحار في السفينة ... مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص114. (مك. ح. س)
__________
(1) سورة النساء: 48، 116. (4/44)
صفحة 44
هذا بالإضافة إلى مراسلات موجودة بمكتبة القطب، ذكرت في الفهرس، ولم تذكر مواضيعها، ولم نتمكن في هذه العجالة من الاطلاع عليها، منها ما يأتي:
*-جواب إلى الشيخ راشد بن عزيز (مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص8. مك. ح. س).
*-جواب إلى الشيخ سالم بن سلطان، (مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص1، 60. مك. ح. س)
*-جواب إلى الشيخ عامر بن خميس بن مسعود من بني مالك. (رسالة رقم: 10. مك. ح. س).
*-جواب إلى الشيخ عيسى بن صالح الحارثي. (مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص9. مك. ح. س).
*-جواب إلى الشيخين: عبد الله بن حميد وعيسى الحارثي. (مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص45. مك. ح. س)
*-جواب إلى الشيخين: محمد بن عبد الله الخليلي وأحمد بن سعيد. (مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص6. مك. ح. س).
*-جواب إلى أهل عُمان، في مسائل عامة، (مجموعة رسائل وأجوبة، (مخ) ص86. مك. ح. س) (4/45)
صفحة 45
2 - المراسلات الواردة إلى القطب:
اسم المرسِل ... تاريخ المراسلة ... موضوعها ... المصدر
راشد بن عزيز بن بخيت الخصيبي ... منتصف جمادى الآخرة عام 1304هـ ... طلب شرح النيل، وشرح المعالم، واقتراح التواصل عن طريق الباروني ... وثيقة دون رقم. (مك. ق)
سالم بن سلطان بن قاسم الريامي ... 11 ... بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تآكل بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 1321هـ ... إخبار بطباعة مشارق أنوار العقول وطلعة الشمس ... وثيقة دون رقم. (مك. ق)
سيف بن بشير الحبشي رسول شيخه نور الدين عبد الله السالمي ... بلا (حوالي 1327هـ) ... «في أمر لا يمكن كشفه في الكتب» العوائق الحائلة دون زيارته للقطب ... وثيقة دون رقم. (مك. ق)
عبد الله بن حميد السالمي ... تاريخ نسخ الكتاب: 17 ربيع الآخر 1318هـ ... إرسال كتاب إلى القطب ... ظهر الجلدة الأولى من مخطوط رقم: غ5. (مك. ق)
محمد بن سلطان بن قاسم الريامي ... 14 ربيع الثاني 1332هـ (1) ... إخبار بوفاة الشيخ نور الدين السالمي ... بطاقة بريدية، دون رقم. (مك. ق)
محمد بن عبد الله الخليلي ... يوم 4 شوال 1327هـ ... مراسلة في آخرها ما يتعلق بنسخ بعض كتب السالمي ... وثيقة دون رقم. (مك. ق)
محمد بن عبد الله الخليلي ... رؤية الله تعالى ... كشف الكرب، 1/ 41.
__________
(1) علما أن تاريخ وفاة الشيخ السالمي كان ليلة الخامس من ربيع الأَوَّل عام 1332هـ/31 جانفي 1914م. والقطب توفي يوم السبت 23 ربيع الثاني سنة 1332هـ الموافق لـ 21 مارس سنة 1914م. وقد وصلت البطاقة بعد وفاة القطب أيضا. (4/46)
صفحة 46
رابعا ـ التحليل التاريخي للمراسلات:
اقتصرنا على التحليل التاريخي للمراسلات، نظرا لقلَّة المعلومات التاريخية في المصادر الخاصة بتلك الفترة، فقد انصرف اهتمام علماء الإباضية منذ ذلك العهد إلى اليوم في الغالب إلى الفقه والعقيدة.
وقسمنا موضوعات الرسائل إلى ما يأتي:
أ- المواضيع الإجرائية
ب- اهتمام القطب بالعُمانيِّين
ج - المواضيع الاجتماعية
د- المواضيع الفكريَّة
هـ- المواضيع السياسيَّة
و- هموم الأمة الإسلامية
ز- أثر المراسلات في توجهات العُمانيين
أ- المواضيع الإجرائية:
ونعني بها ما يتعلق بالاتِّصَال ووسائله وصعوباته.
1 - صعوبة الاتِّصال وبُعد المسافة:
نجد في بعض الرسائل الشكوى من صعوبة الاتِّصال، لبُعد المسافة، إذ يقول القطبُ للسالمي وعيسى الحارثي: «وشكوتما انقطاع الكتابة بيننا، اعلما أنها لم تنقطع، ولكن كتبي لا تصلكما، لا أدرى ما اسم بلدكم؟ وإن دريت ما اسمه لم يصلكما لوسع عُمان» (1)، وقال في رسالة أخرى: «وأنا أعجل بالجواب ولكن يبطئ في الطريق» (2)، وقال: «أظنُّ أَنَّ الجواب يضيع في الطريق، وقد عطَّل البعد كثيرا من الأشياء» (3). ولذلك ربما يبعث نسختين احتياطا، كما قال لراشد بن عزيز: «وكتبت إليك الأجوبة في كتابين ليصلك أحدهما إن شاء الله إن لم يصلاك» (4).
وإن تعجب فعجب كثرة هذه الرسائل مع قلة الوسائل!.
2 - وسائل الاتِّصال:
لم تكن المراسلات تبعث عن طريق البريد المعروف، ولم تكن بطريق مباشر، بل كانت في أغلب الأحيان تسلم يدويًّا، وتجوب عدة أقطار حتى تصل إلى المرسَل إليه، مما يعرِّضها للتلف أو الضياع لأي سبب من الأسباب البشرية أو الآفات السماوية. فهي تسلَّم لأحد المسافرين إلى مصر،
__________
(1) كشف الكرب، 1/ 5.
(2) المصدر نفسه، 2/ 285.
(3) المصدر نفسه، 1/ 6.
(4) المصدر نفسه، 2/ 285. (4/47)
صفحة 47
أو زنجبار، أو الحج، لتبلَّغ بيد أحد العُمانيِّين إلى بلدهم. وقد ذُكرت في الوثائق التي اطلعنا عليها عدة شخصيات كانت تقوم بالوساطة في تبادل الرسائل مع العُمانيين، آثرنا اختصارها في جدول على النحو الآتي:
اسم الواسطة ... مكانه ... نص الوثيقة ... المصدر
سالم بن محمد الرواحي ... زنجبار ... قال سيف بن بشير الحبشي: «وإذا أرسلتَ إلي جوابا أرسله إلى بندر زنجبار يبلغ سالم بن محمد الرواحي». ... رسالة من سيف الحبشي، (مك. ق).
محمد الباروني وسليمان المجدلي ... القاهرة بمصر ... «وأرسلت إليك أجوبتها على يد الشيخين الحاج محمد الباروني والحاج سليمان المجدلي حفظهما الله». ... كشف، 2/ 285.
محمد بن يوسف الباروني ... القاهرة بمصر ... قال راشد بن عزيز: «وإن أرسلت إلي جوابا أو شيئا من الكتب فعلى طريق الحاج محمد بن يوسف الباروني صاحب المطبعة بمصر، وبهمته يبلغ إلينا ما ترسل، فإنه جزاه الله خيرا أرسل إلينا جملة من مؤلفاتك المنشورة بمطبعته الغراء. وسأرسل إليك قيمة ما ترسل إليَّ من الكتب على طريقه أيضا». ... رسالة من راشد بن عزيز، مؤرخة بمنتصف جمادى الآخرة 1304هـ. (مك. ق) (4/48)
صفحة 48
سعيد بن محمد (؟) ... عُمان أو زنجبار ... « ... وإياك ثم إياك أن ترسل شيئا من الكتب لسعيد بن محمد الوزير المعزول الذي كاتبك قديما فإن الذي يصل إليه لا ينفع أهل المذهب، إنما يخزنه، وليس هو بعالم ولا طالب علم ... » الخ الأوصاف، وبعض تفاصيل تعامله مع العلم وأهله. ... رسالة من راشد بن عزيز، مؤرخة بمنتصف جمادى الآخرة 1304هـ. (مك. ق)
فيصل بن تركي (السلطان) أو حمود بن عزان بن قيس ... مسقط بعُمان ... قال للسالميِّ وعيسى الحارثيِّ: «فمرَّة أرسله إليكما على يد السلطان فيصل، وتارة على يد السيد حمود». ... كشف، 1/ 5.
محمد بن إبراهيم بن يوسف اطفيش ... وادي ميزاب فيما يبدو ... «والذي بعثه إليك سيدي عبد الله من الكتب قبضها ابن أخيك محمد» ... رسالة من سيف الحبشي، (مك. ق).
سالم بن محمد بن سالم الرواحي ... زنجبار ... «في حفظ الله يصل هذا الكتاب حضرة الأخ العزيز سالم بن محمد بن سالم الرواحي وبهمته إن شاء الله تعالى يصل حضرة شيخنا الإمام امحمد بن يوسف اليسجني المصعبي المغربي» (1). ... ظهر الجلدة الأولى من مخطوط رقم: غ5.
(1) ونظرا لصعوبات التسليم اليدوي وآفاته، فقد اقترح القطب استخدام البريد: «فلو جعلتما قماطر (2) معنونة إليَّ، وترصدان في مسقط مَن يقبض ما أرسل إليكما من كتاب أو جواب علم أو غيره» (3). ونفس الاقتراح أبداه للشاعر محمد بن شيخان: «وإن شئت رجوع الجواب بسرعة
__________
(1) مخطوط رقم: غ5. (مك. ق)
(2) جمع قِمَطْر، ويؤنَّث: قِمَطْرَة: ما تُصان فيه الكتب. ابن منظور: لسان العرب، 5/ 117، مادَّة: «قمطر». ويقصد به ما نسميه اليوم بـ «الظرف البريدي».
(3) كشف الكرب، 1/ 5. (4/49)
صفحة 49
ولو في كل جمعة فأرسل لي قماطر باسمك وبلادك مخلصة الثمن وغير مخلصة» (1)، ففي هاتين المراسلتين يقترح استخدام البريد (قماطر معنونة) بديلا عن التسليم اليدوي البطيء، والذي يعرِّض الرسائل للضياع.
ومع ذلك ففي البريد إشكالان آخران غير متوقعين:
*-أما أحدهما: فهو ما أشار إليه لما عزم على إرسال نسخة تفسير الشيخ هود بن محكم الهواري إلى عُمان، وقال: «وإذا وجدتُ فإني لا أرجو أن تصلكما [النسخة] لبعد الديار واختلاف الأديان ممن تجري على يده البوسطة». ويُفهم من هذا أن لا يؤمَنَ شرُّ الكفار القائمين على البريد آنذاك. ولا يخفى على أحد ما قام به المستشرقون وسلطات الاستدمار من تهريب للمخطوطات والتراث الإسلامي إلى بلدانهم.
*-وأما الثاني: فهو أن مصالح البريد لا تعرف بلد الشيخ السالمي، وهو "القابل" من المنطقة الداخلية في عُمان، قال القطب للسالمي وعيسى الحارثي: « ... بلغني كتابكما، وفرحت بحياتكما وسلامتكما، ولا أحب انقطاع المكاتبة، ولكن لا يعرف أصحاب "البوسطة" اسم بلدكما، فإن كان فيصل يطاوعكما أرسل إليه ليوصل إليكما ... » (2).
والملفت للانتباه هو أن يتخذ القطبُ السلطانَ فيصل بن تركي واسطةً بينه وبين الشيخين السالمي والحارثي، وهما من معارضيه، وقد قاما بثورات دامية ضده! ويبدو لي أمران لتفسير ذلك:
*-أن المراسلات من هذا الطريق ربما كانت إبان فترة الهدنة بين المعارضة الإماميَّة والنظام السلطاني، أي في فترة ما بين سنة 1314 وسنة1331هـ (3).
*-أن في ذلك حكمة، وهي أن يؤكِّد القطب للسلطان أن مراسلاته للمعارضة كانت بريئة، ولم يكن بينهما تخطيط لإطاحة النظام.
__________
(1) المصدر نفسه، 1/ 86. ونفس الاقتراح في مراسلة ثالثة، في 1/ 219. وفي المادة رقم: 74 (مك. ع. س).
(2) مجموع رسائل، بخط عمر بن يوسف عبد الرحمن، رقم: أ. ز.6، ص80. المادة رقم: 74 (مك. ع. س).
(3) ينظر: شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص 250. (4/50)
صفحة 50
الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش فقيها
- الحلقة الأولى: شخصيته وآثاره ومفهوم الفقه عنده - (*)
الدكتور: مصطفى بن صالح باجو
جامعة الأمير عبد القادر -قسنطينة
ش
(1) شخصية أبي سحاق:
لعل من نافلة القول التمهيد بتعريف موجز للشيخ أبي إسحاق اطفيش، وإن كنت على يقين أن ثمت من أوفى هذا الجانب حقه، بيد أن حق القارئ في الاطلاع على معالم شخصية أبي إسحق تقتضيني التمهيد بهذه المقدمة، لتكون فاتحة شهية للبحث عن تفاصيل حياة هذا العالم المجاهد بما يشفي الغليل، ويقدم صورة ناصعة لجهاده، وما لقيه في سبيل دينه وأمته ووطنه (2).
__________
(1) * - سوف تُتبع هذه الحلقة بحلقة ثانية في العدد القادم بإذن الله وتكون حول خصائص فقه الشيخ ومعالم اجتهاده. (التحرير).
(2) - اعتمدت في هذه الترجمة أساسا على مقال الدكتور محمد ناصر حول أبي إسحاق في موسوعة ويكيبديا، وهو الذي خصص كتابا كاملا لأبي إسحاق وجهاده الإسلامي.
ولعل من المفيد أيضا أن نضع معالم حياة أبي إسحاق في محطات زمنية، وجيزة كالآتي:
- ... في سنة 1884م/ 1306هـ ولد إبراهيم بن يوسف اطفيش، ببني يزقن بلدية بنورة ولاية غرداية، جنوب الجزائر
- ... في سنة 1898م/1316هـ، استظهر القرآن الكريم على الشيخ عمر بن أحمد الزروالي.
- ... بين سنتي 1898و1917 عكف على التحصيل عند مشايخ بلده، وقضى أكثر سنواته عند عمه العلامة قطب الأئمة الحاج امحمد بن يوسف اطفيش، فارتوى من علمه. كما سافر إلى الجزائر العاصمة وتعلم على الشيخ عبد القادر المجاوي.
- ... في سنة 1917م/1339هـ واصل تعلمه في جامع الزيتونة عند الشيخ محمد طاهر بن عاشور والشيخ محمد النجلي والشيخ عبد العزيز اجعيط وغيرهم.
- ... في سنة 1920م/1340هـ شارك باهتمام في إنشاء حزب الدستور التونسي بقيادة عبد العزيز الثعالبي.
- ... في سنة 1932م/1342هـ برز بمواقف شجاعة ضد الاستعمار فنفته فرنسا باختياره إلى مصر.
- ... من سنة 1925م/1345هـ إلى 1931م/ 1350هـ أصدر مجلة المنهاج في مصر. وعكف على تحقيق مجموعة من نفائس التراث الإباضي تزيد عن 20 كتابا، مع تحرير مقالات عديدة في صحف عربية.
- ... في سنة 1931م/1350هـ شارك في المؤتمر الإسلامي بالقدس.
- ... في سنة 1936م/1356هـ قام برحلة لزيارة وطنه الجزائر.
- ... من سنة 1940م/1360هـ إلى حين وفاته اشتغل موظفا ساميا في دار الكتب المصرية يحقق كتب التفسير واللغة ويصححها، أسندت إليه الحكومة المصرية مهمة الإشراف على أوقاف الإباضية في مصر.
- ... شارك في تأسيس كثير من الجمعيات الخيرية والوطنية في المهجر منها: - جمعية الشبان المسلمين. - جمعية الهداية الإسلامية. - جمعية تعاون جاليات شمال إفريقيا
- ... في سنة 1947م/1367هـ قام برحلة إلى زنجبار للدعوة واستنهاض الهمم.
- ... في سنة 1949م/1370هـ فرضت عليه الجبرية في صحراء سيناء.
- ... في سنة 1952م/1372هـ قام بمساعي لعضوية إمامة عمان في الجامعة العربية.
- ... في سنة 1954م/1374هـ شغل منصب سفير لعمان في الجامعة العربية بالقاهرة.
- ... في سنة 1956م/1376هـ أسس أول مكتب سياسي للدولة العمانية في القاهرة.
- ... في سنة 1960م/1380هـ ترأس وفد الإمامة العمانية لعرض قضيتها في هيئة الأمم المتحدة بنيويورك.
- ... في سنة 1962م/1382هـ حضر احتفالات الجزائر بمناسبة أعياد الاستقلال الوطني مع الأمير سليمان بن حمير، وقد خطب في مختلف مساجد ميزاب.
- ... في يوم الاثنين 25/ 12/1965 الموافق لـ 20 شعبان 1385هـ، انتقل إلى رحمة الله بمنزله بحي المطرية، ودفن في مقبرة الإباضية بالقاهرة. (5/51)
صفحة 51
مولده ونسبه
هو إبراهيم بن امحمد بن إبراهيم بن يوسف اطفيش. ولد ببلدة بني يزقن من قرى وادي ميزاب جنوب الجزائر، سنة 1306هـ، 1884م، في أحضان عائلة كريمة متدينة. وحفظ القرآن في سن الحادية عشرة من عمره، ثم نهل من علماء بلدته، وفي مقدمتهم عمه القطب امحمد بن يوسف اطفيش، ثم عن المصلح العالم عبد القادر المجاوي بالجزائر العاصمة. وفي سنة 1917م يَمّم شطر تونس ضمن بعثة علمية، فالتحق بجامع الزيتونة، وعرف بين أترابه بالجد وسعة العلم وسمو الخلق وعزة النفس، وانخرط في الحزب الدستوري التونسي بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي صحبة زملائه في البعثة أبي اليقظان، ومحمد الثميني، والشيخ صالح بن يحي. وغدوا أعضاد الثعالبي الأساسيين في الحزب.
عرف أبو إسحاق في الأوساط السياسية والثقافية بكرهه الشديد للاستعمار الفرنسي الذي نفاه من الجزائر إلى تونس، واستمر في نشاطه السياسي بتونس، وما لبث أن جاءه قرار النفي والإبعاد من السلطات الفرنسية على أن يختار أي بلد يشاء، فاختار مصر التي وصلها في 23 فبراير 1923م، وتزامن ذلك مع نفي الأمير خالد بن عبد القادر الجزائري، وعبد العزيز (5/52)
صفحة 52
الثعالبي اللذين تربطهما بأبي إسحاق روابط العمل الوطني.
وجد أبو إسحاق في القاهرة مجالا رحبًا للعمل العلمي والوطني معًا، فأسهم بنشاط مبارك في الميدانين، وخلد آثارا طيبة وصفحات ناصعة من الجهاد بالكلمة الطيبة والعمل الدؤوب، بعثًا للصحافة، وتحقيقا للتراث، وتأليفا للكتب، فضلا عن النشاط ضمن الجمعيات الخيرية المختلفة.
أعماله ونشاطاته:
أصدر مجلة المنهاج ما بين 1344هـ/1925م ـــ 1349هـ/1930م، وهي مجلة تنضح بالروح الوطنية المعادية للاستعمار، وفيها كشف مخططات الانكليز والفرنسيين ومؤامراتهم في الحجاز وبلاد المغرب. كما تصدى لأنصار الفكر التغريبي المشككين في أصالة الحضارة الإسلامية وقدرتها على تحقيق النهوض المنشود.
ولم يكن أبو إسحاق يكتفي بما يكتبه بقلمه في مجلته المنهاج، بل كان يستنهض للكتابة أشهر الأقلام الوطنية المصرية، من أمثال أحمد زكي باشا، ومحب الدين الخطيب، ومحمد علي الطاهر، وغيرهم. كما كان له الفضل العظيم في إزالة الكثير من الأخطاء التي كانت عالقة بأذهان بعض الباحثين عن الإباضية، وصحح معلومات كثيرة تناقلتها المصادر التاريخية التي ألفت في عصور التفرق والفتنة.
ولقيت المجلة عنتا ومضايقة من خصومها فتوقفت فترة، ثم أسلم أبو إسحاق رايتها لصديقه الوطني محب الدين الخطيب، فكانت تصدر باسمه.
كما أسس مع صديقه محمد الخضر حسين "جمعية الهداية الإسلامية".
وكان عضوا فعالا في جمعية تعاون جاليات شمال افريقية. وفي "المؤتمر الإسلامي" المنعقد بالقدس سنة 1350هـ/1930 م.
وكان عضوا نشيطا في جمعية الشبان المسلمين الذي تربطه بزعيمها الحسن البنا صداقة حميمة.
وكان عضوا نشيطا في مكتب إمامة عمان بالقاهرة، إذ أسند إليه الإمام غالب بن علي التعريف بقضية عمان في المحافل الدولية، والجامعة العربية، وسافر من أجل ذلك إلى عمان وإلى أمريكا ناطقا رسميا في الأمم المتحدة.
في جوان 1359هـ/1940 م أسندت إليه وزارة الداخلية المصرية مهمة الإشراف على قسم التصحيح بدار الكتب المصرية، وكان من أجلّ أعماله فيها:
- تحقيق وتصحيح أجزاء من الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (5/53)
صفحة 53
- تصحيح كتاب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، الذي وضعه محمد فؤاد عبد الباقي.
- تصحيح وتحقيق أجزاء من كتاب نهاية الأرب، للنويري. وغيرها.
- وكان وهو بدار الكتب المصرية مرجع الفتوى في العلوم الشرعية واللغوية، شارك مشاركة فعالة في تحرير مادة الموسوعة الفقهية، ولا سيما ما يتعلق بالمذهب الإباضي.
- عرف أبو إسحاق بين زملائه بغزارة العلم، ودقة التحقيق، والإخلاص في العمل، كما اشتهر بينهم بقوة عارضته إذا حاجج، ورحابة صدره إذا نوقش، ورسوخ قدمه في مجالي الشريعة وعلوم اللغة إذا استفتي أو استشير. ولعل ما بهر به المصريين فعلا هو إخلاصه النادر لعمله ما يقرب من أربعين سنة، كان فيها مثالا للجد والمثابرة والتفاني، واكتسب من أجل ذلك صداقة فطاحل علماء مصر من أمثال الشيخ مصطفى المراغي شيخ جامع الأزهر، ومحمد أبو زهرة، ومحمد علي النجار، ومحمد سلام مدكور، ومصطفى عبد الرزاق، ومنصور فهمي، وغيرهم.
- وقد وصفه صديقه أحمد توفيق المدني بعد عشرة وخبرة به فقال: «كان محجاجا حاضر البديهة، قوي العارضة، رأيته من بُعدٍ في مصر، يتألق لمعانا بين علمائها ومفكريها، يدفع بالتي هي أخشن، لا بالتي هي أحسن، يحبه القوم من أجل ذلك وتزداد مكانته في نفوسهم» (1).
آثار أبي إسحاق:
كان أبو إسحاق يملك قلما سيالا، وأفقا واسعا، تجود عليه بعطاء فكري ثري، والذي يبدو من خلال مراسلاته وتعاليقه على الكتب التي حققها أنه ألّف في مواضيع شتى، ولا سيما فيما يتعلق بالمذهب الإباضي تاريخا وفقها، ولكن عددا من المؤلفات لم يكتب لها الظهور، ولعلها ضاعت في خضم الظروف العصيبة التي مرّ بها أبو إسحاق، فلم تصل إليها أيدي الباحثين.
ويمكن حصر إنتاجه في الميادين الآتية:
في التحقيق:
- شرح النيل وشفاء العليل، معتمد الإباضية في الفقه، حقق منه ثلاثة أجزاء: الثامن والتاسع والعاشر، طبعت في زنجبار، ثم أعيد طبع الكتاب كاملا في سبعة عشر مجلدا في لبنان. وانتشر في العالم بصورة واسعة.
- شامل الأصل والفرع، من تأليف القطب اطفيش، في جزأين.
- مسند الإمام الربيع بن حبيب في
__________
(1) - أحمد توفيق المدني، حياة كفاح، ج1، ص 156. (5/54)
صفحة 54
الحديث. في مجلد واحد.
- الذهب الخالص، من تأليف القطب اطفيش، في مجلد واحد.
- جامع أركان الإسلام، من تأليف سيف بن ناصر الخروصي العماني، في مجلد واحد.
- كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه، لأبي زكريا يحي الجناوي، في جزء واحد.
- تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان، للشيخ نور الدين السالمي، في جزء واحد.
- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للشيخ السالمي في مجلدين.
- جوهر النظام الجامع بين الأديان والأحكام، للشيخ السالمي، في مجلدين.
- كتاب الرسم، من تأليف القطب، ومن شرحه وتحقيقه، في جزء صغير.
- كتاب "النشأة المحمدية" لأبي مسلم ناصر بن عديم البهلاني. جزء واحد.
- السيرة الجامعة في المعجزات اللامعة، للقطب أطفيش امحمد بن يوسف. جزء واحد.
- شرح كتاب الملاحن لابن دريد، جزء واحد.
والجدير بالذكر أن هذه الكتب معظمها قد طبع عدة مرات في المطبعة السلفية بمصر، والمطبعة العربية بالجزائر، ووزارة التراث بعمان.
في التصحيح:
- كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب، للنويري.
- كتاب الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. أنجزه بالاشتراك مع علماء آخرين في دار الكتب المصرية.
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. لمحمد فؤاد عبد الباقي.
في التأليف:
- الفرق بين الإباضية والخوارج. طبع عدة مرات في الجزائر، ومصر، وعمان.
- رسالة الصوم بالتليفون والتلغراف.
- رسالة النقد الجليل للعتب الجميل (رد فيه على محمد بن عقيل العلوي الذي طعن في مذهب أهل الحق والاستقامة)، وقد صدر بالقاهرة لأول مرة سنة 1924 م، ثم أعيد طبعه بعمان عن مكتبة الضامري للنشر والتوزيع سنة 1414هـ/ 1993 م.
- رسالة "عمان الإمامية"، طبع في مطبعة الفجالة الجديدة، نشر مكتب إمامة عمان بالقاهرة.
وقد أشار أبو إسحاق في مراسلاته للشيخ أبي اليقظان إلى عدة مؤلفات أنجزها أو هو في صدد إنجازها، كما ذكرها في تعاليقه على بعض الكتب التي طبعها، وظلت مخطوطات، أو أصبحت مفقودات. وهي: (5/55)
صفحة 55
- موجز تاريخ الإباضية (1).
- المحكم والمتشابه.
- عصمة الأنبياء والرسل (2).
- الأقوال السنية في أحوال قطب الأئمة (3).
- القطب امحمد بن يوسف اطْفَيَّش.
- رسالة "صلاة السفر" (4).
- منهاج السلامة فيما عليه أهل الاستقامة.
- تفسير سورة الفاتحة.
- الفنون الحربية في الكتاب والسنة.
- مختصر الأصول والفقه للمدارس.
- كتاب النقض.
كتب في:
- جريدة الوزير (تونس)
- مجلة الفتح والزهراء (مصر)
- حرر مجلة المنهاج (مصر)
- جريدة الإقدام والأمة والمغرب (الجزائر) ... وغيرها.
خلاله:
يمتاز أبو إسحاق في كتاباته بشخصية قوية، ويدل في تحليلاته للأوضاع والقضايا السياسية والاجتماعية والدينية على سعة في المعرفة، واطلاع جم على الأحداث، ومواكبة حية لتطوراتها، وثبات راسخ في الموقف والتوجه.
وفاته
في أخريات حياته اشتد عليه مرض '"البروستاتا"' الذي استدعى إجراء عملية جراحية عاجلة، غير أن القدر كان أسبق، فوافته منيته بعد أيام قليلة من اشتداد المرض، فانتقل إلى رحمة الله، وذلك سحر يوم 20 شعبان 1385هـ الموافق لـ 13 ديسمبر 1965م، وصلى عليه في جامع المطرية الشيخ محمد المدني عميد كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، وشيعت جنازته بحضور كثير من العلماء ورجال الفكر في مصر، وووري جثمانه في مقبرة آل الشماخي، كما أوصى.
عائلته: ترك الشيخ رحمه الله: ثلاث أرامل: ميزابية، وزنجبارية، ومصرية. ومن هذه الأخيرة أنجب: أفلح ـ سليمان ـ الربيع ـ محمد ـ جابر ـ حميدة (5).
__________
(1) - أشار إليه في هامش "كتاب الوضع"، ص 33. وسماه أيضا "التاريخ"، ص 77.
(2) - ذكره بعنوان "كتاب عصمة الأنبياء"، في حواشي "كتاب الوضع"، ص39.
(3) - أشار إليه في هامش كتاب "الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص109.
(4) - ذكره في حاشية كتاب الوضع، ص 99.
(5) -معظم الترجمة من مقال د. محمد ناصر في موسوعة ويكيبديا، واعتمد المصادر الآتية:
- ... د/محمد ناصر، الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي، جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1991م.
- ... أبواليقظان إبراهيم، ملحق السير ص: 145 - 147 (مخ).
- ... مراسلات بين أبي اليقظان وأبي اسحاق (مخ)، مكتبة محمد ناصر، الجزائر. وتبلغ خمسين رسالة.
- ... جمعية التراث، القرارة، معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ج2، ص: 24 - 26.
- ... يوسف الحاج سعيد، تاريخ بني ميزاب، المطبعة العربية، غرداية، 1992م، ص 185 - 189. (5/56)
صفحة 56
مقومات شخصية أبي إسحاق الفقهية:
تحالفت على أبي إسحاق ظروف تاريخية قاسية كانت مختبرا لتكوين شخصيته العلمية القوية، وميدانا لصهر معارفه النظرية، بما اصطبغت به من ألوان المواجهات في المجال الاجتماعي بين أنصار القديم وسدنة الجمود، وفي مجال السياسة بين خدم الاستعمار ودعاة التغريب، وخبر المجتمع والسياسة والتربية، وعمل في الصحافة والجمعيات الخيرية، والسياسة والوظيف، والإرشاد والتوجيه، فمنحته هذه التجربة رؤية نافذة للأمور، وبصرا نافذا في مآلات الأفعال ومصائر التجارب، فكان فقهه واقعيا بصيرا، واستقى من معين الفقه الأصيل، مصادر وتراثا، ومن معاشرة القطب اطفيش في بلدته، وفقهاء المسلمين في الزيتونة والأزهر وعمان فقها حيّا مستقًى من هؤلاء الأعلام، فكان فقهه أصيلا في مصادره، بصيرا في نظراته، حكيما في أناة، قويا في اعتدال، لا يلين استجابة لضغوط، ولا يقسو رغبة في التنطع والغلو.
وإن عرف أبو إسحاق بحدة الطبع، فإنها كانت قوة في الحق، وغيرة على حرمات الله، وعزة مسلم يريد أن تكون كلمة الله هي العليا. وكان اجتهاده صورة للفقه في عصوره الذهبية من تاريخ الإسلام. ولا غرو فقد كان يهفو لعودة هذا الفقه أن يقود المجتمع ويسود الحياة.
ونجد في خصائص فقه أبي إسحاق ما يشهد لهذه المميزات بجلاء.
أثر مشايخه
لا ريب أن الإنسان ابن بيئته، وأن التلميذ النجيب نسخة ممتازة من شخصية أستاذه، وقد كان أبو إسحاق امتدادا لشيخه وعمه العلامة القطب امحمد بن يوسف اطفيش، قضى بمعهده سنوات التحصيل الذهبية، وصدر عنه معجبا به وبعلمه وخلاله، وانطلق يجسد تعاليمه وتوجيهاته في الحياة. وقد كان القطب يحث طلبته أن يكونوا قدوة للناس في العلم الوفير والخلق الكريم، والتضحية والتفاني لتنوير الأمة.
وكان همّ القطب بعث الحياة في الأمة، ومحاربة أسباب شقائها، من الجهل والتخلف، والسعي لجمع (5/57)
صفحة 57
كلمتها، ونبذ أسباب الفرقة التي كانت وراء ما أصابها من ذلة وهوان (1).
وعاصر القطب دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر، ووصول جحافله إلى ميزاب في عمق الصحراء، وأنكر هذا الظلم ووقف في وجه جيوش الاحتلال، وله مواقف مشهورة في هذا المجال.
وغرس في نفوس طلبته هذا الكره المقيت لفرنسا وما تعلق بها من دين وثقافة وسلوك، وعلى شاكلته كان هؤلاء الطلبة، فضربوا أروع الأمثلة في الوطنية والدفاع عن مقومات الأمة، ومن أبرزهم الشيخ سليمان الباروني زعيم الجهاد في ليبيا ضد الاحتلال الإيطالي، وإبراهيم أبو اليقظان رائد الصحافة الوطنية الجزائرية التي كانت شوكة في حلق الاستعمار، فضحت مكايده وأفاعيله في الوطن، وظلت الإدارة الفرنسية لأبي اليقظان بالمرصاد، تئد صحفه تباعا، وهو يغالب موجها الطامي طيلة اثنتي عشرة سنة، أنشأ خلالها ثماني جرائد، كلها وطنية ودعوة للنهوض والسعي للانعتاق من نير الاستعمار.
وكان أبو إسحاق أيضا صورة صادقة لروح القطب في جهاده ضد الظلم وضد الجهل، وساعيا لوحدة المسلمين، باذلا في سبيلها الغالي والنفيس. وسيرته المفصلة طافحة بالشواهد الجلية على هذه الروح العالية التي امتلأ بها أبو إسحاق من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه. وقد كتب في إحدى رسائله لأبي اليقظان قائلا: «إن الاستعمار من أغرب أساليب الظلم، وأقبح شريعة أسسها الشيطان، وأفظع ما أوجده الطاغوت» (2)
أثر المحيط العلمي في تونس ومصر
كان للمحيط العلمي والسياسي الذي احتك به أبو إسحاق بتونس أولا، ثم بمصر ثانيا، وطول مقامه في البلدين معًا، واتصاله بأقطاب العلماء ورواد الحركة الوطنية فيهما، ومساهمته الفعالة في تلك الحركات، أثره في فقهه، فقد كان نظره الفقهي واجتهاده واقعيا، ناضجا، يراعي المقاصد، ويقدر الضرورة، ويتكيف مع الظروف، دون مساومة على المبادئ أو
__________
(1) - حول تفاصيل شخصية القطب ومعالم جهاده، ينظر: مصطفى بن الناصر وينتن، الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش وآراؤه العقدية، نشر جمعية التراث، 2000، وهو أوفى ترجمة تناولت حياة القطب.
(2) - من رسالة لأبي إسحاق من القاهرة إلى أبي اليقظان عند مصادرة فرنسا لجريدته "وادي ميزاب"، مؤرخة في 18 رمضان 1347هـ 27 فبراير 1929م. انظر: د. محمد ناصر، أبو إسحاق اطفيش في جهاده الإسلامي، ص200. (5/58)
صفحة 58
رضوخ لضغوط الواقع.
وفرق شاسع بين من يظل قابعا في مكتبته معزولا عن موج الحياة الهادر، ومشكلات الناس اليومية، وبين من يصبح ويمسي على قضايا الأمة العامة والخاصة، يبصر بعينيه ما يتخبط فيه الناس من مشكلات، وما يجابههم من تحديات، ويوازن بين الواقع المعيش، وبين مقتضيات الإسلام التي تدعو المسلم أن يعيش حرًّا كريما عزيزا، وتعمل لتحقيق سعادته العاجلة والآجلة، ويرى بُعد الناس عن تعاليم الإسلام وما جرّه على حياتهم من تعاسة وشقاء، بينما يرفل غيرهم في حلل السعادة والنعيم، ويرى افتتنان المغرورين بحضارة الغرب، وتشكيك الكثيرين في مبادئ الإسلام وتشويههم لتاريخه وحقائقه.
هذا كله يجعله يعالج هذا النسيج من المتناقضات، بالعودة إلى الأصول الثابتة، والاحتكام إليها، وإنكار ما وقع من انحراف في الفكر والسلوك لدى جمهور المسلمين، ويضع السبل الكفيلة لتصحيح هذا الانحراف، وإحياء الدين الصحيح في النفوس. ونشر الفقه بالدين لدى العامة والخاصة على حد سواء.
لقد سعى أبو إسحاق لاستغلال كل مناسبة خاصة أو عامة للقيام بهذه المهمة خير قيام. سواء في المساجد والنوادي، أو الكتب والصحافة، أو في موقع عمله رائدا للبعثة العلمية الميزابية بتونس، وموظفا بدار الكتب المصرية، وسفيرا لدولة عمان في عرض قضيتها أمام الأمم المتحدة، وغيرها من المنابر والمواقع.
فقد كان لتعدد جبهات عمله في التأليف، والتحقيق، والصحافة، والتدريس والنشاط السياسي، دور بارز في إنضاج فكره وفهمه لنصوص الشرع، وحقيقة الواقع، ورأينا في نتاجه هذه النظرة البصيرة، والاجتهاد الواعي الذي يسعى ليكون الفقه رائدا يحكم مسيرة الإنسان في الحياة. ويحقق مقاصد الشريعة من عزة وكرامة وسيادة للمسلمين.
إنتاجه ومظان فقهه:
تنوع إنتاج أبي إسحاق الفقهي بين الكتب والرسائل والتحقيقات ومقدمات الكتب، وكذلك التعليقات الثرية على الكتب التي حققها، وتعتبر هذه التعاليق مادة ثرية في فقه أبي إسحاق.
من إنتاجه:
كتاب الدعاية إلى سبيل المؤمنين،
أوضح فيه ضرورة التطور، وأن الإسلام لا يضيق به، وحث على تعلم العلوم المختلفة بدءا بعلوم الإسلام إلى العلوم الحديثة، وسعى لتوضيح حقيقة (5/59)
صفحة 59
تلك العلوم وفوائدها، ووجوب تعلمها قياما بفرض الكفاية. معتمدا التأصيل الشرعي لكل تلك القضايا، مع اللوم الشديد لخصوم الإصلاح، موضحا خطأهم في التصور والسلوك، ومجانبتهم لجوهر الدين، وجهلهم بحقيقته ومعاني آياته ومقاصده الأساسية.
تفسير القرطبي:
قام الشيخ أبو إسحاق بتحقيق جزء هام من تفسير القرطبي، يبلغ نصف الكتاب، وقد تصفحته على عجل، فلم أجد فيه ما يشفي الغليل من آراء فقهية، نظرا لأمانة الشيخ في التحقيق.
وقد اقتصر تحقيقه على الضبط اللغوي والتخريجات المتنوعة للشواهد الشعرية، وتعريف الأعلام، وبخاصة الشعراء منهم.
أما المسائل الفقهية فلم يتدخل فيها إلا تعليق واحد حول نسبة القول إلى الخوارج بجواز الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وقال الشيخ بأن نسبة الرأي إلى الخوارج عادة ما يقحم فيه الإباضية ضمنًا، لاعتبار الأكثرين أن الإباضية من الخوارج. وفنّد هذا الرأي، مبينا معتمد الإباضية في ذلك وهو حديث صحيح في مسند الربيع يحرم فيه النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. فهم لا يقولون بهذا الرأي النشاز أبدا.
وجاء تعليقه قائلا: «لا يصح هذا عنهم، لأنه رد للنصوص وهو كفر، إن عنى الإباضية على عادته في إدماجهم في الخوارج، وهم برآء، فالقاعدة عندهم سلفًا وخلفًا: كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا لا تحل له الأخرى، يحرم الجمع بينهما في العصمة، كما في "كتاب النيل وشرحه"، والحديث الأصل في هذا صحيح وأصل عندهم، والله يقول: "فتبيّنوا"». (1)
تعاليقه على كتاب جوهر النظام:
قام بتحقيق كتاب "جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام" للشيخ عبد الله السالمي، وتولى طبعه في المطبعة السلفية بالقاهرة. وله تعاليق فقهية عديدة على مسائل الكتاب الأصولية والفقهية معًا، ومن تلك المسائل، اختلافهم في أسماء الله بين كونها توقيفية أواتفاقية، وخلص إلى أن جمهور أهل العلم على أنها توقيفية فلا يصح دعاء الله إلا بما ورد به النص الصحيح من الكتاب أوالسنة (2).
وتعتبر تعاليقه على كتاب جوهر
__________
(1) - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة النساء، ج5، ص125.
(2) - السالمي، جوهر النظام، ج1، ص 12. (5/60)
صفحة 60
النظام شاهدا على سعة علمه وأصالة فقهه، وقدرته على الترجيح بين الآراء. بما احتوت من اختيارات أبي إسحاق في مختلف أبواب الفقه.
تعاليقه على "شامل الأصل والفرع":
لم يكن لأبي إسحاق من تعاليق على كتاب "شامل الأصل والفرع" إلا نادرا، وربما كان ذلك توقيرا لشيخه القطب، وقد ذكر المصنف أنه وضعه بعد أن بلغ درجة الاجتهاد، فأثنى أبو إسحاق على الكتاب، وأن مؤلفه «أودع فيه من تحقيقاته ما يبتهد به الباحث، ويتطلبه العامل في مرحة الحياة الدينية، ويكشف عن مكنون مسائل قد تستعصي على المحصلين والمستزيدين، وقد يجد فيه المنتهي ضالته، ويبلغ منه منيته، ولقد نوّه به مؤلفه في كثير من تآليفه، وأحال عليه في كثير من المشكلات، وكان المؤلف رحمه الله نوى أن يجمع فيه فنون الشريعة مع الإطناب فيما يتطلبه المقام، وتحقيق الخلاف، وبيان الأصل فيه، ولكن القدر حال دون ذلك، فانتهى في تأليفه إلى كتاب الصلاة ولم يستكمل أبوابه وفصوله، بل احتوى على أكثرها. ولو تمّ هذا المؤلَّف لكان في بضعة مجلدات، وفي مقدمة الكتب تحقيقا وتدقيقا» (1).
ومن المسائل التي علق بها قضية نقل الدم من إنسان لآخر، ونقل بعض لحمه لغيره كذلك (2).
تعاليقه على "الذهب الخالص":
كتاب "الذهب الخالص المنوّه بالعلم القالص" للقطب اطفيش أيضا، هو مختصر لكتابي الوضع والحاشية، وهو كتاب معتصر، أورد فيه القطب الأقوال بلغة تلغرافية مركزة، وحلاّه أبو إسحاق بتعاليق عديدة في مسائل عقدية، وأصولية، كحقيقة علم الله (3)، كحكم الأشياء قبل ورود الشرع (4)، وأقسام الكفر عند الإباضية (5)، ومصطلح النفاق عندهم (6)، والموقف من الصحابة (7)، والثواب على الصبر (8)،
__________
(1) -امحمد اطفيش، شامل الأصل والفرع، ج1، ص د (مقدمة أبي إسحاق).
(2) -امحمد اطفيش، شامل الأصل والفرع، ج1، ص134.
(3) - امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص8، (حاشية أبي إسحاق).
(4) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص4، (حاشية أبي إسحاق).
(5) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص5، (حاشية أبي إسحاق).
(6) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص26، (حاشية أبي إسحاق).
(7) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص43، (حاشية أبي إسحاق). وقد أيد رأي السالمي وأورد كلامه أنه لا يلزمنا البحث عن أحوال تلك الفتن، وتكفينا الولاية العامة فيهم، وما شهد الله ورسوله به عليهم. وأما ما كان من فتنة بينهم فتلك أمة قد خلت، ولا يلزم هذا البحثُ أحدًا أبدا.
(8) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص9، (حاشية أبي إسحاق). (5/61)
صفحة 61
وغيرها، فضلا عن المسائل اللغوية (1)، والقضايا التاريخية (2) وتوضيح أوترجيح بعض اختيارات القطب الفقهية (3). والتعريف ببعض الأماكن (4) والطوائف (5). والتعليق على بعض الأحاديث تخريجا وشرحا (6) كما تعرض لبعض القضايا الحديثة كترك المسلمين العمامة اتباعا للغرب، والحال أن فيها أحاديث تجعل العمامة تيجان العرب، ولأنها مما يميز المسلمون عن غيرهم في مظهرهم (7). كما حث على تعلم الطب وأنه من فروض الكفاية، وإهماله سبب مذلة المسلمين، واستسلامهم لعدوهم وفقدانهم حريتهم (8).
تعاليقه على "كتاب الوضع" للجناوني.
كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه لأبي زكرياء يحي بن أبي الخير الجنّاونِّي، كتاب مدرسي منهجي بأسلوب واضح ميسر، يعتمد الأدلة ويبينها بإيجاز، ويعرض المسائل في عناصر مرتبة سهلة الحفظ والاستذكار. تولى أبو إسحاق طبعه والتعليق عليه. ومهد له بمقدمة تعريفية بالكتاب ومؤلفه، ثم عرج إلى نبذة تاريخية حول إسهام جبل نفوسة موطن المؤلف، ودور علمائها في إثراء المكتبة الإسلامية، معددا أسمائهم وآثارهم، ومناقبهم. كما ذكر نهضة نفوسة العمرانية والتجارية، فضلا عن سابقتها وما كا لها من جهود عملية مباركة، ودور علمائها في نشر الإسلام بإفريقيا، ودعم الدولة الرستمية بأئمة العلم والأبطال (9).
__________
(1) - امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص10، 19، 41. (حاشية أبي إسحاق).
(2) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص52، (حاشية أبي إسحاق).
(3) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص79، (حاشية أبي إسحاق). وفيها فرق بين الاكتساب وبين التقاعس عن اتخاذ الأسباب. ورأي القطب في هذه المسألة. وفي ص145 بيان كون قصر صلاة السفر عزيمة لا رخصة، مع الأدلة على ذلك. وكذا بيان مدة السفر، ومتى يتم المسافر في ص147. ووجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذكر، ص167. ورأي القطب في العدوى في المرض، ص189.
(4) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص24، (حاشية أبي إسحاق).
(5) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص26، 56، (حاشية أبي إسحاق).
(6) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص302، 304، (حاشية أبي إسحاق).
(7) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص69، (حاشية أبي إسحاق).
(8) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص72، (حاشية أبي إسحاق).
(9) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، مقدمة أبي إسحاق، صفحات 3 - 16. (5/62)
صفحة 62
وتميزت تعاليقه على الكتاب كمعتاد أبي إسحاق بالدقة، شرحا للألفاظ، وضبطا للتعاريف، وتوضيحا للمصطلحات، وإزالة اللبس عن غامضها، مثل مصطلح الكفر والإيمان والنفاق والعصمة، والقياس والاستحسان، وغيرها. فضلا عن تراجم الأعلام والمذاهب والفرق بصورة ضافية في كامل الكتاب.
والكتاب زاخر بتعاريف أبي إسحاق للمصطلحات، سواء كانت عامة في التراث الإسلامي، أم خاصة بالإباضية (1). فضلا عن الآراء والترجيحات الفقهية.
تعاليقه على كتاب "تلقين الصبيان" للسالمي:
وهي تعاليق ثرية جدا، تعطي صورة واضح عن أبي إسحاق فقيها، وما يميزها أساسا تلك المقدمة الضافية للكتاب، والتي ضمّنها أسرار التشريع الإسلامي، ومقاصد التكاليف الشرعية في العبادات وفي سائر أركان الإسلام.
تعاليقه على كتاب "النشأة المحمدية"
كتاب "النشأة المحمدية" في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسلوب مسجوع، وضعه العلامة أبو مسلم ناصر بن عدَيَّم الرواحي البهلاني.
وقد مهد له أبو إسحاق بمقدمة ضافية حول قضية الاحتفال بالمولد النبوي، واختلاف الناس في مشروعيته، وأبدى رأيه في الموضوع بكل جلاء، كما عاب على المسلمين انحرافهم في إحياء هذه الليلة. وما يلزم أن يكون عليه حالهم ليحصل لهم التأسي المطلوب بسيرة المصطفى الحبيب.
وتركزت تعاليق أبي إسحاق في هذا الكتاب على الجانب التاريخي سواء ما تعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، أم بنسبه، ونسب قريش وبطونها وتاريخها، وقبائل العرب بالجزيرة. وتوضيح الإشارات والمناسبات التاريخية التي ورد ذكرها في الكتاب، وهي كثيرة ومهمة، مع تحقيق لبعض الروايات غير الصحيحة أو التأويلات المجانبة للصواب في شأن أحداث البعثة وتاريخ الإسلام في عهد الرسالة. وهو ليس كتاب فقه بالطبع.
تعاليقه على دائرة المعارف الإسلامية:
اهتم أبو إسحاق بتصحيح الأخطاء التاريخية التي وقع فيه المستشرقون واضعو دائرة المعارف الإسلامية، وتفسيراتهم المحرفة لأحداث التاريخ الإسلامي بعامة، وتاريخ المغرب
__________
(1) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، أغلب صفحات الكتاب، (حواشي أبي إسحاق). (5/63)
صفحة 63
والإباضية بصفة خاصة, وكذلك تأويلاتهم لعدد من المصطلحات العقدية، كالتقية، والعزابة وغيرها. وأما قضايا الفقه فقليلة في الكتاب، لذلك كانت إفادتنا منه محدودة.
فقد تصدّى لتحريفات المستشرقين في دائرة المعارف الإسلامية، وتشويهم للتاريخ الإسلامي، وتولّى الردّ على تفسيراتهم الخاطئة لأحداث الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، حين صوّروه بأنه حرب عرب ضد بربر، ورفض البربر للدين الجديد، وصوروها بأنها غارات وأعمال تخريب قامت بها عصابات من المسلمين، وكشف أن هذا فهم غير سليم وتفسير مجانف للصواب، وأن البربر لم يفهموا الإسلام أول مرة فتخوفوا منه، وحين أدركوا حقيقته اعتنقوه وحملوه إلى الأندلس وإفريقيا وأصبحوا حصونا له عبر التاريخ (1).
وعلى نفس النسق مضى يرد تهمة رفض البربر للتشريع الإسلامي مبينا أنه لم يكن لهم تشريع غيره، وأن ما يشيعه الاستعمار من وجود قانون للبربر يسمى "تازرفت" أي حكم العرف والجماعة، مجرد إفك وافتراء، ولا وجود لهذا القانون، بل مرجع الجميع إلى الفقه الإسلامي سواء المالكي منه أو الإباضي، وإن وجدت جهالة غالبة في جهة، فهي واقعة حال لا قانون معترف به من الفقهاء والعلماء، ولا يجوز استغلالها، علمًا بأن العرف محكَّم عند المسلمين فيما لم يرد فيه نص من الشرع الحكيم (2).
وبالنسبة لمصطلح العزابة، فقد جاء في دائرة المعارف الإسلامية: "أما في ميزاب فالنفوذ في يد أرستقراطية دينية تسمّى إعزّابن".
وعلق أبو إسحاق مبينا معنى كلمة إعزّابن، وأنها جمع أعزّاب من العزوبة عن الدنيا، والإعراض عنها إلى أمور الدين والآخرة، وهم جماعة تكون المجلس الديني الذي يتولى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد لا باللسان فقط، ويقيم الوظائف الدينية كالأذان والإمامة، ويتولى بعض منهم شؤون الأموات من غسل وتكفين وشؤون الأوقاف الخيرية، ومحاكمة مقترف الكبائر، وإعلان البراءة منه، حتى يتوب ويقلع عن إثمه.
ويرأس هيئة العزابة شيخ الجامع وهو من العلماء الأساطين في علوم الشريعة وعلوم القرآن والسنة، وتتولى
__________
(1) -دائرة المعارف الإسلامية، مصطلح "بربر" تعليق أبي إسحاق، ص504.
(2) - دائرة المعارف الإسلامية، مصطلح "بربر" تعليق أبي إسحاق، ص511. (5/64)
صفحة 64
الهيئة تحديد المهور، ومحاكمة الممتنع عن أداء الحقوق. كما يتولى بعضٌ منهم تحفيظ القرآن الكريم في مدارس تؤسسها أوقاف المساجد.
وهؤلاء يعملون حسبة ابتغاء مرضاة الله، ويشترط أن يكونوا من أهل الورع والصلاح والتفقه في الدين والأمامة، والصدق، حتى أنه لوا رتكب أحد منهم ما يخل بالكرامة والنزاهة؛ فإنه يعزل ولا يعود، ولو بعد التوبة والإصلاح.
ثم ذكر نشأة الحلقة على يد محمد بن بكر، وانتشارها ببلاد الإباضية ثم انحسارها في ميزاب، وأنكر تسميتها بالأرستقراطية، بل هي ديمقراطية عند توفر الشروط في رجالها (1).
كما اهتم أبو إسحاق ببيان إسهام علماء الإباضية في الحضارة ونتاجهم العلمي، ورد مقولة أنهم كانوا مشتغلين بالجدل، وذكر مؤلفاتهم العديدة, وتولى التعريف بكثير من هؤلاء وبإنتاجهم. كصاحب المدونة أبي غانم الخراساني، ومن تلاه من الفقهاء والعلماء.
مفهوم الفقه ودوره عند أبي إسحاق:
«الكلام على التفقه في الدين: مما ينبغي أن لا نهمل الكلام عنه التفقه في الدين الذي ذكره الله تعالى في قوله چ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?چ [التوبة 122] وذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (2)، وفي رواية «إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وألهمه رشده» (3).
التفقيه في الدين تفهيم الأحكام الشرعية، إما بتصورها وبالحكم عليها حتى يعلم ما يأتي وما يذر، وإما باستنباطها من أدلتها، كلّ ميسر لما خلق له، وإنما كان التفقه في الدين سببا لحصول الخير عند الله تعالى، لأن الدين هو السبيل إلى رضى الله وهو باب رحمته، چ چ چ چ چ ? چ [الأنعام 153]
والآية إنما تحض على طلب العلم أي: فهلاّ نفر من كل فريق طائفة إلى اكتساب العلم والتفقه، أى: وطائفة إلى الجهاد. فتفيد الآية الأمر بتوزيع الأعمال العامة بين الجماعات؛ منها إلى النفير للجهاد ومنها إلى تحصيل العلم وتلقي الشريعة منه عليه الصلاة والسلام.
__________
(1) -دائرة المعارف الإسلامية، مصطلح "بربر" تعليق أبي إسحاق، ص513.
(2) -الربيع، الجامع الصحيح، ج1، حديث 26.
(3) - رواه البزار عن ابن مسعود. (5/65)
صفحة 65
(? ? ?): ليعالجوا الفقاهة ويتجشموا المشاق في أخذها وتحصيلها.
(? ?): وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم.
(? ?) عقاب الله فيعملوا عملا صالحا.
قال بعض المفسرين: يصح عود الضمير على النافرين ويكون تفقيههم في الغزو بمشاهدة نصرة الله، وإظهاره فئة قليلة من المؤمنين على فئة كثيرة من الكافرين، وتعلمهم أساليب الكر والفر وضروب البسالة، وهذا الوجه مروي عن بعض التابعين.
وأنت ترى كيف جعل التفنن في الجهاد ضربا من التفقه في الدين لما يعود به عليه من الفائدة العظيمة من النصر والتأييد والتمكين، وفيه تدريب النفس على تحمل المشقة لأجل السعادة» (1).
وبعد أن أفاض في ذكر آراء المفسرين في الآية، وما المقصود بالنفر والتفقه في الدين، ومن يتولى هذه المهمة، خلص إلى القول: «والفقه في الآية يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي.
وفي قوله: (? ?) إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعليم هو التخويف من عذاب الله، والإرشاد إلى سبل السعادة، لا ما يستبق إليه علماء السوء من الأغراض الدنيئة والأعمال الذميمة وإفساد القلوب.
وكان هؤلاء في الوقت الحاضر يرون أنفسهم غير مطالبين بالواجبات العامة وإنما خلقوا للشهوات والإضرار بغيرهم، ولا عليهم في مصائبنا الحاضرة وغوائل اليوم وما ينتاب الأمة من الأرزاء واليم العذاب.
فإذا أمعنت النظر في أقوال المفسرين على الآية الكريمة وجدتها تفيد أمورا:
أولا: العمل بخبر الآحاد إذ لفظ الطائفة يصح إطلاقه على الواحد.
ثانيا: الأمر بالسفر إلى العلم وتشير إلى مزاياه الجسيمة التي لا تحصر بصيغة التحضيض الدالة على النهي عن التخلف.
ثالثا: الأمر بتوزيع الأعمال العامة بين المسلمين، إذ نهت أولا عن النفير الكلي إلى الجهاد وأمرت ثانيا بالخروج إلى كسب العلم وبالتوزيع ينتظم شمل الأمة ونكون جامعة للكمال الديني والدنيوي فتصبح في عز باذخ ووارف الحرية.
رابعا: تفيد أن ما يعود على الدين
__________
(1) - أبو إسحاق، الدعاية، ص136 فما بعد. (5/66)
صفحة 66
بالتأييد تفقه فيه بناء على جعل النفير بمعنى الخروج إلى الجهاد.
خامسا: تفيد جواز طلب العلم، للقيام بأود الإسلام والمسلمين بالوعظ والإرشاد والتخويف من عذاب الله ولا ينافي ذلك الإخلاص.
سادسا: تفيد أن العلم لا يدرك إلا بالتعليم ولهذا قال العلماء: العلم يؤخذ من أفواه الرجال.
سابعا: تفيد أن في تحصيل العلوم مشقة وتجشما فيلزم توطين النفس على معالجة التحصيل وإلا فاتت المعالي وخابت الآمال» (1).
ثم تعرض أبو إسحاق للمشتغلين بالمسائل العقيمة بعيدا عن قضايا الواقع، حتى «ترى الشخص منهم يجهد نفسه ليلا ونهارا في درس متون الفقه، وتفهم مسائل الفتوى واللعان والظهار والسلم والشفعة والإجارات وما أشبه ذلك من مسائل الفروع التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها. على أنها من الفروض الكفائية. وهو في غفلة عن واجبات نفسه من تطهيرها من الأدناس، وتزكيتها بحسن الأعمال، وتحليتها بالفضائل، وعن واجبات الهيئة الاجتماعية وحرس الدين والأمة من كل فساد جهد استطاعته.
الفقه علم النفس ما لها وما عليها فعلا وتركا، وإذا أراد الله خيرا بعبده صيره عارفا بذلك، بأن يلهمه تعاطي أسباب التحصيل، ويؤيد بروح منه حتى يفوز بالمراد، وهذا شامل لكل الواجبات دينية أو دنيوية، فمقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا، ولا نظام في الدين إلا بنظام الدنيا، لأن الدنيا مزرعة للآخرة. وهي المطية والآلة الموصلة إلى الله لمن اتخذها آلة ومطية. قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا مطية المؤمن عليها يبلغ الآخرة».
ورد على القائلين «إن الاشتغال بغير الفقه من العلوم لا يجوز، ولا يكون إلا ممن لم يرد الله به خيرا، وهو سخافة وهراء. فإن من التفقه في الدين العلم بالفروض العينية، فمتى جاء المرء بواجباته من صلاة وزكاة وصيام وحج وما يتابعها من الفروض كان من المتفقهين في الدين، لان الفروض الكفائية يسع للإنسان جهلها ما لم تتعين عليه.
ولا نكران لفضل الفقه فإن علم العبادات ومعرفة الحلال والحرام وهو من العلوم المقصودة بالذات لا من الآلات التي يكون الغرض منها والتوسل بها إلى غيرها من العلوم، وبه يعرف ما يعرض لأفعال المكلفين من الوجوب والحرمة والكراهية والندب والإباحة والصحة والفساد. ولو أهمل العمل به لانهدمت شريعة الله التي
__________
(1) - أبو إسحاق، الدعاية، ص136 - 144. (5/67)
صفحة 67
جاء بها الأنبياء چ چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژژ s s ک ک ک ک چ [الشورى 13]
لكن لا يعقل أن تشتغل الأمة بالفقه وتعرض عما سواه، ولا يقول بهذا عاقل، بل الواجب أن يكون ما يخص الهيئة الإسلامية كالمواريث والأنكحة والوصايا والأحكام والإجارت وأمثالها، موزعا بين أفراد مع مشاركتهم في غيرها من العلوم كما يجب أن يتخصص أفراد لعلوم الحياة مع مشاركتهم في العلوم الشرعية حتى تصير الأمة جامعة لما يكفل لها السعادة من العلوم في الدين والدنيا، وينتظم أمرها وهذا ما يرمي إليه غرض العاملين لإسعاد الأمة بنشر المعارف وإحياء معالم الهدى ... وربما سمع بعض المتهوشين ما قلنا أولا في توزيع العلوم وتكفل أفراد بالفتوى الكفائية فحمل الكلام على وجه الطعن من التزهيد في علم الشريعة وذلك شأن الذين في قلوبهم مرض وهم جراثيم الهيئة الاجتماعية لا حياة لهم إلا في جوّ متسمم بوباء الشغب، إلا أنها لا تتستقر مع مواد التعقيم، وآيات الشفاء چ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ... ?چ [الإسراء 72]» (1).
والخلاصة في حكم تعلم هذه العلوم، أنه قال: «فانه لا سعادة للمسلم إلا بالدين، فان العلوم كلها واجبة إما وجوبا عينيًّا، وهو ما وجب على كل مسلم، كفروض التوحيد، والصلاة والزكاة والصوم والحج، وبر الوالدين وصلة الرحم، وترك الكبائر من الغيبة والنميمة والخيانة، والركون إلى الباطل، وأشباه ذلك، وإما وجوبا كفائيا، وهو ما وجب على الأمة، فإذا قام به البعض ارتفع الوجوب عن المجموع، كالعلوم الحيوية من الرياضيات والاجتماعيات والشرعيات والصنائع وتوابعها والعلوم الآلية» (2)
ويقول أبو إسحاق عن نظام الإمامة: «وهذا النظام مدوّن في كتب الفقه الإسلام، وكذلك النظم الإدارية التابعة له، سواء كانت سياسية أو مالية كجباية الخراج من الزكاة بأوجهها، والجندية والشرطة والعمال والقضاة، وكل ذلك يجري على النظام المعهود في الشريعة الإسلامية (الفقه)، وهذه النظم قابلة للتطور حسب مقتضيات الزمن والمصالح العامة، وليس الفقه الإسلامي بجامد، بل هو التشريع الصالح لكل زمان ومكان» (3).
__________
(1) - أبو إسحاق، الدعاية، ص136 - 144.
(2) - أبو إسحاق، الدعاية، ص160.
(3) - أبو إسحاق، عمان الإمامية، ص9. (5/68)
صفحة 68
القضية الفلسطينية
عند الشيخ أبي إسحاق إبراهيم أطفيش
من خلال مجلة المنهاج (1925 - 1931)
الدكتور: صالح بن بابا أبو بكر
نائب بالمجلس الشعبي الوطني -الجزائر
م
مقدمة:
1 ـ تعريف مجلة المنهاج:
تعتبر مجلة المنهاج من أبرز آثار الشيخ أبي إسحاق؛ فقد أصدرها الشيخ بالقاهرة, بعد سنتين من نفيه إليها من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية, وهي بذلك تعد رد فعل قوي للتعسف الاستعماري, وجوابا عمليا لإجراءاته التي كان يرمي من ورائها إلى كبت الأصوات الوطنية (1). وقد اشتهرت من بين المجلات الإسلامية بصدق لهجتها ... وعروبة نزعتها, صدر العدد الأول منها في أول محرم سنة 1344هـ الموافق لـ 1925م وقد اختار لها أبو إسحاق اسم المنهاج عنوانا ليعبر من خلاله عن منهجها الإسلامي الواضح, واتجاهها الوطني الصريح, وقد أوضح ذلك, من الآية الكريمة, التي كانت تتصدر الغلاف {(((((((جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً (((((((((((} (2) وهي مجلة علمية, سياسية, اجتماعية, نصف شهرية , ولكنها كانت تصدر شهريا, لما اعتراها من عوائق مالية, وعراقيل إدارية , وكانت تطبع بالمطبعة السلفية بالقاهرة, وتوزع بالمغرب العربي, وبعض الأقطار الإسلامية , وكانت اغلب مواد المنهاج, محررة بقلم أبي إسحاق, كما قسم أبو إسحاق المنهاج ثلاثة أقسام: القسم العلمي , والقسم السياسي, والقسم الاجتماعي, وصدر آخر أعدادها في سنة 1350هـ 1931م أي أنها استمرت حوالي سبع سنوات (3).
2 - نماذج من عناوين القضية الفلسطينية في المنهاج:
لا يكاد يخلو عدد من المنهاج لا يتطرق فيه الشيخ للقضية الفلسطينية القضية المحورية والجوهرية للمسلمين والعرب, في نظر الشيخ أبي إسحاق,
__________
(1) - د. محمد ناصر، الشيخ إبراهيم أطفيش وجهاده الإسلامي, ص 121.
(2) -سورة المائدة الآية 48.
(3) -د. محمد ناصر، الشيخ إبراهيم أطفيش وجهاده الإسلامي, ص 136. (6/69)
صفحة 69
وعلى سبيل المثال لا الحصر, نستعرض بعض نماذج من العناوين:
1 - ماذا يراد بالإسلام والمسلمين؟
2 - عصبة الشعوب الشرقية.
3 - بين أوروبا والشرق.
4 - أحوال فلسطين.
5 - سبب بقاء اليهود.
6 - نكبات فلسطين.
7 - الانجليز يستندون أكف المنكوبين في فلسطين.
8 - مسألة تسليح اليهود في فلسطين.
9 - الصحف العربية في فلسطين.
10 - المؤتمر الإسلامي
11 - هل يستقر اليهود في فلسطين؟
12 - موقف الحكومة البريطانية من الصحف العربية.
13 - حكومة فلسطين وقرار الصحف العربية بشأن الإضراب
14 - الصحف العربية في فلسطين وتصريحات السكرتير العام للصحافيين اليهود.
أولا: آراء ومبادئ الشيخ في القضية من خلال المنهاج:
1 - التوجه الإسلامي الصريح:
قال الداعية الإسلامي الكبير, محب الدين الخطيب, واصفا الشيخ أبا إسحاق: « ... فكنا نحن, وجميع أفاضل المصريين, نعجب بصدقه وصلابة دينه واستعداده للمشاركة في كل خير, فما قامت لخير الإسلام جماعة من ذلك الحين، ولا أرسل المنادون إلى الفلاح صوتهم في أمر, إلا كان أبو إسحاق أطفيش في مقدمة المعينين على ذلك ... » (1) والشيخ يفسر كل الأحداث السياسية التي تقع بالمشرق العربي على أنها صراع أيديولوجي ديني بين الإسلام واليهودية والنصرانية, فيقول: «وتراه ـ أي الاستعمار ـ بأنهم يعملون لإدخال التنصير في العرب وما يقع في فلسطين من قبيل ذلك لك الله يا فلسطين الإسلامية» (2) ورغم أهمية القضية الفلسطينية في العالم الإسلامي والعربي, إلا أن الشيخ أبا إسحاق يرى أن الخطورة لا تكمن في الاستعمار للأراضي الإسلامية, بقدر ما هي ضرب للإسلام والعقيدة الإسلامية, تنفيذا للحقد اليهودي والمسيحي, فيقول الشيخ: «لم يزل المستعمرون يكيدون للإسلام والمسلمين, ويأتون كل ضرب من ضروب الظلم والإرهاب لكي يخمدوا للمسلمين حركاتهم
__________
(1) - مجلة الشهاب ج7 م13,جويلية 1937
(2) - مقال بعنوان نكبات فلسطين , المنهاج محرم صفر 1346هـ ص 88. (6/70)
صفحة 70
ويسلبوا منهم كل قوة للحياة, وهذا ولو كان من الشدة بمكان, لكنه أوجد في المسلمين, حركات عنيفة ومحاولة التخلص في بعض الأقطار من ربقة الأجنبي الجبار الظالم, إلا أن هناك ما هو أنكى وأشد, ألا وهو المكائد الخفية, والمؤامرات السرية , ألم تر إلى ما كان من المستعمرين من العقبات في سبيل الدين الإسلامي, في السنين الماضية, وما أدخلوه من أساليب التسفل, في التعليم ونشروه من مفسدات الأخلاق, ومهلكات النفوس, وما لم يزالوا يسعون فيه من تفريق كل شعب إسلامي, عن الآخر بمهارة عظيمة, كل ذلك مكائد تنصب لعمرك للمسلمين ... » (1) ويرى الشيخ أبو إسحاق أن مؤامرة الاستعمار, ومكائده كلها تهدف إلى غاية واحدة, وهي تضييق الخناق على الإسلام والمسلمين, وخصوصا احتلال الحرمين الشريفين, مهبط الوحي, ومرقد النبي محمد (فيقول: «لو تأمل العقلاء منا في الحال العامة, وتفكروا مليا لوجدوا الأمة بلغت عليها الوطأة أشدها, وبلغت بها النكاية منتهاها, لم تنفك تتضور الأمة من آلام الملحمة العظمى (2) ولم تتخلص من أقل نكبة من نكباتها حتى دهمتها مساومة الحرمين الشريفين, والتحكك بهما بغية الوصول إلى السيطرة عليهما, وإن تلك إلا مؤامرة واسعة النطاق, على الإسلام والمسلمين, ذلك هو الاحتلال الانجليزي للعقبة ومعاذ وجعلهما تحت انتدابه, وليس ذلك لغرض صيانة مركز حربي في البحر الأحمر, أو درء خطر خيف منه على مصالح بريطانيا, كما يزعمون, كلا والله وكلا, ولكنها مؤامرة ابتدئ في تنفيذها, والعمل لإبرازها من حيز الخفاء إلى حيز الظهور, تلك وسيلة كبرى يتوصل بها الأنجليزيون إلى الأراضي المقدسة, التي منها ظهر النور الإسلامي» (3) وبالمناسبة لا يفوت الشيخ تذكير الغرب بفضل الإسلام وحضارته, على العالم الغربي, في إشاعة روح التسامح والسلام, والعودة إلى العلم والمعرفة, ونبذ الخرافات
__________
(1) -مقال بعنوان ماذا يراد بالإسلام والمسلمين؟ , المنهاج , محرم 1344هـ ص 40.
(2) - يقصد بها الحرب العالمية الأولى 1914م/ 1919م وما تكبده العرب فيها من ويلات,
(3) -مقال بعنوان , ماذا يراد بالإسلام والمسلمين؟ , المنهاج , محرم 1344هـ ص40. (6/71)
صفحة 71
والبدع, التي ظلت لقرون تقيد العقل البشري, عن انطلاقه لدراسة الكون والمظاهر الطبيعية وقوانينها, التي أودعها الله في الكائنات, والمواد الحيوية أو الجامدة, فيقول الشيخ: «النور الإسلامي الذي مد رواقه في البسيطة, ما يربو على ثلاثة عشر قرنا, وأعطى للعالم دروسا عظيمة, علمية وحيوية, وفتح له أبوابا من الحياة لم تكن لتخطر له لولاه لما وعرف أهل البصيرة كيف يسعد الإنسان وينال الدرجات العلى» (1).
وكان المنطلق الإيديولوجي لأبي إسحاق في كل مواقفه السياسية تلك منطلقا إسلاميا عميقا, يصدر فيه عن إيمان قوى, لا يتزعزع وثقة بالنفس, لا تعرف التذبذب, وكان في مقته الشديد للاستعمار الفرنسي, يصدر أيضا عن عقيدة إسلامية راسخة تنظر إلى الاستعمار على أنه عدو كافر يحتل بلدا إسلاميا, ومن ثم تجب مقاومته بكل سلاح, وتطهير الأراضي الإسلامية, منه حيثما كانت وإعداد كل وسائل المقاومة, والتعبئة من نفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وغيرها للانتصار عليه ... (2).
2 - التوجه الوحدوي:
قال عنه الشيخ محب الدين الخطيب « ... ومقالاته المتعددة في هذه الصحيفة الفتح وفي أختها الزهراء, شاهد على فضله ودليل على حسن بلائه, في سبيل وحدة المسلمين, جزاه الله خيرا» (3) وهذه شهادة على عمل الشيخ أبي إسحاق على سبيل الوحدة العربية, والوحدة الإسلامية, وقد كان الشيخ يرى أن العمل يجب أن يكون موحدا.
و كانت غيرة الشيخ أبي إسحاق على وحدة المسلمين, وتماسك صفوفهم كبيرة, فقد كان يحذر في مقالاته خطط الاستعمار لتشتيت الصفوف وضرب المسلمين, بعضهم ببعض لأضعافهم وإبقائهم, دوما تحت سيطرته فيقول الشيخ: «إن من كيد انجلترا ضرب المسلمين ببعضهم, وإغرائهم على بعضهم, حتى تستفيد على حسابهم, وهذا من الدهاء الذي لم يبق خفيا, إلا من
__________
(1) - مقال بعنوان, ماذا يراد بالإسلام والمسلمين؟ , المنهاج , محرم 1344هـ ص40.
(2) - د. محمد ناصر, الشيخ إبراهيم أطفيش وجهاده الإسلامي , ص 60.
(3) - نفس المرجع السابق (6/72)
صفحة 72
حيث بعض أساليبه, ثم إن عجز أحد الطرفين المتنازعين وجد نفسه أمام أمر واقع, لا محالة وهو الالتجاء إلى بريطانيا لتنقذه من مخالب عدوه الغالب هنالك ترى كيف تبلغ ربحها بدون رأس مال, وتناله أضعاف ما تطلب, ويجد المغلوب نفسه في مخالب الأسد, لا يملك التخلص منه, وما أوقعه إلا بلهه, وغباؤه, والغرور بالطمع, فيما لا يناله» (1).
كان هم الشيخ أبي إسحاق وحدة الشعوب الشرقية, لتتقوى على عدوها المتحد, وكان الشيخ يسدى نصائح للشعوب عموما, وللحكام خصوصا, لكي تقتفي آثار الدول الأوربية, لتوحد نفسها جبهة موحد, ضد العدو المشترك, ورغم أنه في ذلك التاريخ, لم تتضح بعد معالم الوحدة الأوربية, كما هي عليه اليوم من إتحاد أوربي موحد في تعريفة جمركية وبرلمان واحد وعملة موحدة, بل كانت الوحدة الأوربية في ذلك العهد ـ قبل 1931م ـ لا تتعدى وحدة المواقف والتعاون على استعمار العالم, فالشيخ ينصح الحكام العرب, أن يقتفوا خطوات الدول الأوربية, في الوحدة كي تتقوى على كل الأخطار المهددة لها فيوضح ذلك في قوله: « ... يقولون ماذا يفعل العالم الشرقي, وقد اتحدت الدول الاستعمارية, ضده وضيقت عليه منافذ الحياة, والجواب على ذلك سهل وهو أنه ينبغي تكوين جبهة شرقية متحدة, بإزاء الجبهة الأوربية المتحدة, وطبيعي أن الإنسان يشعر بضرورة الإتحاد عندا تكون هناك قوة متحدة ضده, وما دام الشرقيون أحياء فهم يفكرون. أعني يحسون والإحساس بطبيعته ميزة الإنسان الحي. فما الذي يؤخرهم عن الإتحاد إلى اليوم؟ ألم يشعروا بامتداد سيل الاستعمار حتى إلى قلب الصحراء العربية, التي تتصل بتاريخ الإسلام, ومطلع نوره العظيم الذي عم العالم؟ ألم تدرك الشعوب الشرقية, إلى الآن الأخطار الاستعمارية المحدقة بها, من كل جانب في باريس وروما؟» (2).
يلاحظ الشيخ أن الحرب العالمية الأولى قد غيرت مجرى تاريخ العالم كله, فالدول الأوربية خرجت منها أشد تكالبا وطمعا, في التموقع, واحتلال مناطق نفوذ جديدة, في كل قارات العالم, بينما دول الشرق ويعني بها دول
__________
(1) - مقال بعنوان ماذا يراد بالإسلام والمسلمين؟ , المنهاج , محرم 1344هـ ص42.
(2) - مقال بعنوان عصبة الشعوب الشرقية , مسألة العقبة ومسؤولية العالم الإسلامي, المنهاج, محرم 1344هـ ص43. (6/73)
صفحة 73
العالم الإسلامي, قد انتبهت من مجريات الحرب العالمية, وفهمت دورها ودور شعوبها, للحفاظ على مقوماتها ومميزاتها القومية, وهويتها العربية والإسلامية, وفهمها لواقع الصراع العالمي, جاء من نتاج الحرب وليس من مبادئ الرئيس الأمريكي ولسن (1) والتي بقيت حبرا على ورق, لأن تطبيقها محرم على الشعوب المغلوبة, على أمرها, وفي هذا يقول الشيخ: «لقد خرجت أوروبا من الحرب الكبرى, وهي أشد تكالبا على الشرق, مقدار ما خرج الشرق من الحرب وهو أشد تنبيها للحقائق وأعظم إدراكا لواجباته وحقوقه, والفضل كل الفضل للحرب, لا لمبادئ ولسن وحدها في تنبيه الشرقيين الغافلين» (2).
ويواصل الشيخ أبو إسحاق توجيه الشعوب الشرقية, وحكامها, إلى استثمار واستغلال نتائج الحرب العالمية الأولى, لرص الصفوف وتوحيد الجهود لبناء إتحاد لدول المشرق, للوقوف جبهة موحدة ضد أطماع الدول الغربية, ويعدد الشيخ مزايا وفضائل الإتحاد للنهوض بشعوب العالم العربي والإسلامي, فيبدأ الشيخ فكرته بطرح سؤال جوهري فيقول: «ولكن كيف يمكن الانتفاع من ذلك التنبيه؟ كيف يمكن أن يستثمر الشرق لمصلحته تلك المعلومات وعناصر التنبيه والإدراك, التي حصل عليها من احتكاكه بالأوروبيين, أثناء الحرب واشتراكه في هزائمها وانتصاراتها؟ هناك وسيلة وحيدة لذلك وهي الإتحاد بين كل الأمم الشرقية. ومن الإتحاد ينتج الكمال, في المعرفة ووجوه التنبيه والدفاع, لأن لكل أمة شرقية مزايا خاصة في جهادها, وهي مزايا ترجع إلى طبيعة مركزها الجغرافي وحيوية جهادها, بالاشتراك مع غيرها. وغرضنا أن نقول إن الإتحاد يورث اكتمال المزايا الشرقية, ويجعل للحركة الوطنية الشرقية العامة, مزايا الشرقيين جميعا وقوة حيويتهم إذن تصبح الحركة الشرقية قوة لأنها كاملة ولأن طبيعة الاشتراك والتضامن, كفيلة بأن تسد وجوه النقص» (3).
__________
(1) -الرئيس الأمريكي ولسون المتضمن 14 بندا من أهمها حق الشعوب في تقرير مصيرها, لبيب عبد الساتر , أحداث القرن العشرين , ص17.
(2) -مقال بعنوان عصبة الشعوب الشرقية, مسألة العقبة ومسؤولية العالم الإسلامي, المنهاج محرم 1344هـ ص43.
(3) -مقال بعنوان عصبة الشعوب الشرقية, مسألة العقبة ومسؤولية العالم الإسلامي, المنهاج محرم 1344هـ ص44. (6/74)
صفحة 74
ومن أهم مشاريع الوحدة التي تحمس لها الشيخ أبو إسحاق حضور المؤتمر الإسلامي بالقدس, سنة 1931م, وقد رشحه نشاطه السياسي وما عرف به من نشاط ووطنية صادقة رشحته ليكون ضمن أعضاء وفد المؤتمر الإسلامي المنعقد بالقدس سنة 1931م الذي لعب فيه دورا هاما لتقريب الشقة بين المذاهب الإسلامية والدعوة إلى توحيد صف العمل الإسلامي ضد العدو الصليبي وعلى الرغم من أن الدعوة وجهت إليه شخصيا إلا أنه عز عليه ألا يكون للجزائر صوت في هذا المؤتمر الإسلامي الكبير فكان يتكلم باسم الجزائر معرفا المسلمين بما يلاقيه إخوانهم من ظلم الاستعمار الفرنسي (1).إذ كان له شرف العضوية في لجنة الجامعة والثقافة, وقام بدور كبير في الوفاق بين أعضائه حيث دب الخلاف بين الوهابيين والحنفيين, فقام الشيخ أبو إسحاق ليطفئ الفتنة في مهدها قائلا: «إن المؤتمر جاء لجمع كلمة الأمة الإسلامية, ويعمل لقضية الأمة, لا ليفرق وحدتها, ويكفينا إننا جئنا لقضية هي الوقوف أمام عدو واحد, يسعى لتمزيق هذه الأمة بل الأدهى أن اليهود يطمعون فينا, معشر المسلمين, حيث ظنوا أنهم أمام أمة متفككة متشتتة لو تدبر المسلمون قوله تعالى: {(((((((الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} (2)) وهذه الآية تخاطب أمة الإجابة, الباغي والمبغي عليه, وسمتها مؤمنون إخوة إشعار بأن الإسلام وحدة وأخوة كالأخوة الأشقاء, ويظهر أن المسلمين يمرون بهذه الآية دون تدبرها, حق التدبر ولو تأملوها لأدركوا أن الإسلام آخى بينهم أخوة تامة لا ينبغي أن يحدث لها أدنى تفكك ولو بلغ الأمر بهم مبلغا عظيما, ما دام الجامع هو الإسلام ... » (3).
3 - كره الاستعمار بكل أنواعه:
ينتقد الشيخ تكالب الدول الاستعمارية على العالم الإسلامي شرقه وغربه ويحمل المسؤولية العظمى لدول التحالف, في الحرب العالمية الأولى التي بررت سيطرتها على العالم بانتصارها على ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية الرجل
__________
(1) -د, محمد ناصر, الشيخ إبراهيم أطفيش في جهاده الإسلامي , ص 64.
(2) -سورة الحجرات الآية 10.
(3) -د, محمد ناصر, الشيخ إبراهيم أطفيش في جهاده الإسلامي , ص 54. (6/75)
صفحة 75
المريض وقد انتهت الحرب العالمية الأولى بصلح ومبادئ لماعة وبراقة ـ مؤتمر فرساي 18 جانفي 1919م عقدت عليها شعوب العالم ومنها العالم الإسلامي آمالا عظيمة, ولكن تلك الآمال تلاشت دفعة واحدة, بعد الصلح لأن الدول الظافرة أنكرت عهودها, الواحدة بعد الأخرى, وعمدت إلى تنفيذ برنامج استعماري جديد, لا ندري ماذا تكون نتيجته (1) , ويلاحظ الشيخ نمو الوطنية, في الشعوب المستعمرة, بعد الحرب العالمية الأولى, ومبادئ والرئيس الأمريكي ـــ ولسن ــــ الأربعة عشر, وكان يأمل أن تكلل هذه الصحوة الوطنية, بانعقاد المؤتمر الإسلامي المزمع عقده في القاهرة, والشيخ يعلق آمالا كبيرة على هذا المؤتمر, في العديد من مقالاته (2)
وكره الشيخ أبي إسحاق للاستعمار يتجلى بصورة أشد في كره الصهيونية (3) التي يصفها بالخطر الكبير فيقول: «لا ريب أن الصهيونية خطر كبير, يهدد الشرق ولا سيما الحركات الإسلامية على الأخص» (4).
وكان الشيخ يحمل المسؤولية العظمى لتواجد اليهود الصهاينة بأرض فلسطين واغتصابها منذ الأيام الأولى كان يحمل المسؤولية للاستعمار البريطاني منذ وعد بلفور (5) المشؤوم في 02 نوفمبر 1917 التي تعهدت فيه بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود, حيث يقول: «وما أوجدتها ـــ أي الصهيونية ـــ السياسية البريطانية إلا لتجدها بعد مدة بين يديها لتوطيد مطامعها الاستعمارية وعلى الأخص لتمكين نفوذها في جزيرة العرب ..... وقد كانت الصهيونية, أحلاما فارغة أو خيالات وهمية, حققها المستعمرون, وأظهرتها يد الاستعمار الملوثة بحقوق الشعوب الضعيفة» (6).
ويفضح الشيخ أبو إسحاق المؤامرات الأولى في السيطرة على الإدارة المحلية في فلسطين, من طرف الصهاينة بتواطؤ وتغطية من الحكومة البريطانية لإقصاء وإبعاد السكان الأصلين من مقاليد الإدارة والحكم تدريجيا, فيقول: «وقد ورد إلينا من صديق كتاب يشتمل على شيء عظيم من الحيف في حق المسلمين دون سواهم وهذه الوقائع كأنموذج مما يقع في كثير من البلاد, في ذلك القطر وعين الحكومة عنها نائمة فمثلا (طولكرم) وهي بلد كادت تكون إسلامية وحالها كما وصفها الكاتب في قوله:
1 ـ دائرة الحاكم عبارة عن كنيسة ينقصها جرس لأنها مؤلفة من الحاكم والباشكاتب و اثنين كتبة كلهم مسيحيون.
2 ـ دائرة البوستة ـــ يعني البريد ــــ والتلغراف كذلك وزيادة على ذلك فإن موظفيها كلهم من عائلة واحدة, وقد نشرت الصراط المستقيم, شيئا عن أعمالهم وسوء تصرفهم بالوظيفة, في عددها الأخير ولذلك فإن الإنسان غير أمين على تحاريره وأسراره, أنظر كيف أني أرسلت إليكم هذا التحرير مسجلا, مع أنني لو كنت أمينا عليه لأرسلته مفتوحا.
3 ـ دائرة الصحة: كذلك الدكتور والصيدلي والرئيسة والممرضة كلهم مسيحيون» (7).
4 - القابلية للاستعمار:
تشتهر نظرية القابلية للاستعمار بأنها لمالك بن نبي، ولكن الشيخ أبو إسحاق سبق مالك بن نبي بعدة عقود في تقرير هذه النظرية عندما لاحظ خنوع وتخاذل المسلمين, واستقبالهم للاستعمار والتعاون معه لخراب بيتهم فيقول الشيخ: «ومهما قيل في مسؤولية بعض الدول الاستعمارية التي داست حق الشعوب واعتادت اغتصاب الحقوق, من أصحابها بالقوة فإننا مضطرون إلى الاعتراف بأن مسؤولية العالم الإسلامي, أشد وأدهى, لأن السكوت أو الجمود بإزاء ضياع الحق وانتزاعه, هو بمنزلة الرضا على ضياعه, وليس في
__________
(1) -مقال بعنوان, بين أوروبا والشرق , المنهاج ,ربيع الثاني 1344هـ ص 213
(2) -نفس المرجع.
(3) -الحركة الصهيونية العالمية حركة سياسية توسعية ذات أيديولوجية عنصرية دينية اشتق اسمها من جبل صهيون sion بالقدس نشأت بين يهود أوروبا الشرقية في النصف الثاني من القرن 19م على يد الصحفي المجري تيودور هرتتزل T.HERTZL الذي ألف كتابا سنة 1896م بعنوان " الدولة اليهودية".
(4) -مقال بعنوان , العالم الإسلامي أحوال فلسطين , المنهاج رجب 1344 هـ ص385.
(5) -هو وزير الخارجية البريطاني المحافظ بين 1916 و1922.
(6) -نفس المرجع السابق.
(7) -مقال بعنوان , نكبات فلسطين , المنهاج , محرم صفر 1346هـ ص89. (6/76)
صفحة 76
وسع الشعوب الشرقية أن تعمل شيئا منفردة, فهي إذن مسؤولة عن تفرقها, مسؤولة عن ضعفها, وتخاذلها هذه المسؤولية تفوق في شدتها وثقلها, مسؤولية الدولة الباغية نفسها» (1).
ثانيا: تواطؤ الانجليز وجرائم الصهيونية:
1 ــــ الاستيطان الصهيوني في فلسطين:
وقد كان الشيخ أبو إسحاق يتابع ويفضح الخطوات الأولى للاستيطان الصهيوني في الأراضي المحتلة, وتحت تغطية سياسية بريطانية وغفلة من الحكام العرب, فيقول: « ... ولا تزال الصحف الفلسطينية تعقد الفصول الطوال في ما ترتكبه الحكومة ـــالبريطانية (2) ـــ من الحيف والضيم في جانب الفلسطينيين, بينما الصهيونيون الأغراب صنائع الظالمين, يرفلون في برد العيش, وبحبوحة العافية, وهم يرتكبون نحو الأهالي كل عسف, ولا يخجلون أن يقولوا أنهم أهل البلاد الأصليون, ولا أنهم استحقوا ذلك بأعمالهم, وأشباه هذا الكلام الفارغ» (3). ويتابع الشيخ مجريات الأحداث في فلسطين منذ تلك الهجرات الأولى لليهود من كل أصقاع العالم وحصولهم على كل الامتيازات للاستيطان تحت مظلة الانتداب البريطاني ـــ1920م ـــ فيقول: «وقد نشرت اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني السابع, فصولا في الهجرة المتدفقة على البلاد, واحتكار اليهود لامتيازات الحكومة ــــ البريطانية ــــ .... قالت اللجنة: إن الحكومة لم تظهر محاباتها لليهود بوضوح, أكثر من سخائها المستمر في منح الامتيازات لأفراد تلك الطائفة. وإن الامتيازات الكبرى التي منحت لهم هي امتيازات روتنبرغ في الأردن ويافا وحيفا لتوليد الكهرباء وامتياز الكبارة وامتياز استخراج الملح في عتليت وامتياز اللاسلكي» (4) ومن تلك التدفقات اليهودية الأولى على الأراضي الفلسطينية قلبت الموازين العددية بين اليهود العرب الفلسطينيين فقد كان عدد اليهود بفسطين يمثلون أقلية عددية عددهم لا يتجاوز 65000 مستوطن بما لا يزيد عن 10% من مجموع السكان ثم يصبح
__________
(1) -مقال بعنوان , عصبة الشعوب الشرقية , مسألة العقبة ومسؤولية العالم الإسلامي , المنهاج محرم 1344هـ ص 45.
(2) -صاحبة الانتداب على الأراضي الفلسطينية.
(3) -نفس المرجع السابق.
(4) -مقال بعنوان, العالم الإسلامي أحوال فلسطين , المنهاج رجب 1344 هـ ص386. (6/77)
صفحة 77
عددهم سنة 1922م 83000 مستوطن ولا يملكون سوى 03% من الأراضي الزراعية سنة 1918م وعدد المستوطنات لا يتجاوز 71 مستوطنة يهودية.
ويستمر الشيخ في فضح التواطؤ البريطاني في منح الامتيازات للوافدين الجدد من اليهود بطرق غير قانونية فلا صفقات للمشاريع ولا إعلانات للوظائف أو المقاولين و لا تشاور مع البلديات العربية, ولا رخص قانونية للبناء, ولا إشعارات رسمية لنزع ملكية الأراضي للمصلحة العمومية.
ومازال الشيخ أبو إسحاق يفضح وبجرأة ناذرة خطط الصهاينة ومؤيديهم من الدول الغربية, الاستعمارية, وعلى رأسها بريطانيا, صاحب الجريمة العظمى في تواجد اليهود الصهاينة بأرض فلسطين, وفي قلب الأمة العربية والإسلامية,.وببعد نظر الشيخ في الأسباب العميقة للازمة الفلسطينية, وعمق تفكيره في علاقة المسلمين واليهود, تحت ظل الحكم الإسلامي المتسامح, وسعة إطلاعه على تاريخ أقليات اليهود في العالم, يقف الشيخ على حقيقة قلما ينتبه إليها الساسة والحكام العرب, وهي أن سبب نجاح اليهود, الذين كانوا أفرادا وجماعات, قليلة لبناء وتكوين كيان سياسي, في أرض المسلمين, هو تسامح الإسلام والمسلمين, للأقليات غير المسلمة, للعيش في ظل الحكم الإسلامي, بينما لم يتيسر ذلك لليهود في روسيا, ولا إسبانيا, ولا ألمانيا, ولا النمسا, حيث مازالوا مضطهدين ومشردين, فيقول الشيخ: «ذكرت روتر (1) أنه وقعت مأدبة يهودية بلندن بفندق هيدبارك فخطب فيها المستر تشرشل وزير المالية البريطانية فقال: لولا تمسك اليهود تمسكا شديدا بعقيدة آبائهم, لما استطاعوا البقاء بعد قرون من الاضطهاد لأن هذه العقيدة هي المرساة التي تثبت سفينة وجودهم. ويعلق الشيخ أبو إسحاق على قول الوزير مصححا خطأه فيقول: لقد غلط المستر تشرشل في الحقيقة التاريخية فإن اليهود, لولا احتماؤهم بالراية الإسلامية, التي كانت حامية لأهل الكتاب, لما بقي اليهود حتى الآن, لما كان ينالهم من اضطهاد المسيحيين لهم باعتقادهم الفاسد, في نبي الله عيسى عليه السلام, ولم تزل حتى الآن في روسيا وألمانيا والنمسا وإسبانيا, تبغض اليهود أشد البغض, وتعمل لقطع
__________
(1) - صحيفة بريطانية واسعة الانتشار. (6/79)
صفحة 78
دابرهم, لكن الإسلام كان قد ترك لهم حرية عاشوا في ظلها قرونا طويلة, فهل نسي اليهود وتناساه المستر الخطيب؟ تلك هي حقيقة التاريخ التي لا مرية فيها» (1) ويصر الشيخ في مقال آخر أن بقاء اليهود إلى اليوم, كان بفضل الإسلام والمسلمين, الذين حموهم من بطش الكنيسة, وملاحقتها لهم بالإبادة, فيقول: «فاليهود لولا الإسلام, ما بقي لهم نافخ نار منذ بضعة قرون» (2).
ويواصل الشيخ أبو إسحاق كشف الحقائق وفضح التواطؤ البريطاني, مع الصهاينة في إبادة الشعب الفلسطيني, حتى في الظروف الإنسانية الخطيرة, مثل نكبة الزلزال الذي ضرب الأراضي الفلسطينية فكان التهميش والتعتيم والشح, حتى في الإغاثة والمساعدات, من دول وشعوب تفتخر بالديمقراطية, والحضارة والإنسانية, فيقول الشيخ أبو إسحاق: «إن آلام فلسطين كبيرة ويظهر أن اليد الاستعمارية تحاول استغلال نكبتها الأخيرة, فسكتت عن مد أدنى مساعدة للمنكوبين, وأخذت تناصر كل حيف يحل بأهل فلسطين المسلمين, أليس هذا من قبيل الإلجاء والإكراه» (3).
2 - فضح تواطؤ الانجليز في بناء الكيان الصهيوني:
ويتابع الشيخ أبو إسحاق كشف الحقائق الأولى للاستيطان, وتدعيم الحكومة البريطانية المكلفة بالانتداب, وخصوصا في توظيف الإطارات الصهيونية, أو المسيحية, الموالية للاستيطان اليهودي, مقابل إقصاء المسلمين من تولي المناصب, في كل الإدارات المحلية, حتى وإن كان الموظف عنصريا وظالما مستبدا, فالمهم هو ترسيخ أقدام اليهود, في الأراضي المغتصبة, فيقول الشيخ: «وباش كاتب الحاكم رجل معروف, لا يعامل الناس إلا بالشدة, والمطل, وقد شكاه ناس كثيرون ونشرت الشورى, شيئا من أعماله, في السنة الماضية وقد مضى على وجوده في هذه البلدة مدة تسع سنوات, وأصبح ذا ثروة طائلة, موجودة بالبنك, وينتمي لأحزاب دون آخرين, مما يكون سببا لتعطيل سير المعاملات والحكومة, مع ذلك متمسكة بهذا الرجل, نكاية بالأهليين , كأنه لم يوجد له نظير ولذلك أنها رأسته على ديوان الحاكم والمالية» (4).
ويفصل الشيخ أبو إسحاق في المنهاج الفساد المالي والأخلاقي لموظفي الإدارة الصهيونية, تحت حكومة الانتداب قائلا: «والدكتور والباش كاتب لم يكفهما ما يتقاضيانه من المعاشات, الباهظة وما وصلت إليه يدهما من الثروة التي لا يحلمان بها, بل عمدوا إلى مورد جديد آخر, وهو أنهما استحضروا تاجرا معروفا, وعلى ما يقال أنهم عقدوا شركة معه, على الربح فحصروا لديه بيع أبواب الآبار, وأجبروا عموم الأهالي بموجب مناشير رسمية, على شراء هذه الأبواب, فكان بيع كل باب بخمسة وأربعين قرشا, بينما إنه موجود عند غيره بعشرين, ولكنه غير مقبول, إلا إذا كان بموجب كشف من هذا الرجل, وقد علمت أن الأبواب التي باعها هي أربعة آلاف, فيكون الربح ألف جنيه مصري. ولما انتهت مسألة الآبار, حصروا لديه كتابة أوراق جواز السفر, فكان لا يأخذ أجره على كل باص أقل من خمسة وعشرين قرشا, والذي يكتب عند غيره لا يقبل منه» (5).
ولم يكن الفساد على نطاق ضيق, أو أشخاص معيين, فيبقى هذا الفساد في معدله المتعارف عليه من عموم البلوى, في أغلب شعوب العالم الثالث، بل قد تجاوز ذلك إلى التخطيط المحكم لاستنزاف أموال الأهالي, واغتصاب أراضيهم, وتهجيرهم فرادى وجماعات, من أراضيهم وأراضي أجدادهم, فيصف الشيخ فساد ذلك التاجر وعلاقاته بالموظفين, والإدارة فيقول: «ذلك التاجر المحتكر هو رجل ماسوني ومن التبعية الأجنبية, وكان بأول الاحتلال داعية لحكومته الأجنبية, ثم إنه تعاطى الفساد بين العرب واليهود, وكان سبب الثورة المشهورة بين الطرفين, بهذا القضاء وقد نفاه الحاكم الانجليزي المستر ـ ويدنج ـ ولم يرجع إلى هذا القضاء إلا في العام الماضي, بواسطة هؤلاء الموظفين» (6).
__________
(1) -مقال بعنوان , سبب بقاء اليهود , المنهاج شعبان 1344هـ ص 424.
(2) -مقال بعنوان هل يستقر اليهود في فلسطين , المنهاج م 6 ج1و2 1350هـ ص17.
(3) -مقال بعنوان, نكبات فلسطين , المنهاج, محرم صفر 1346هـ ص 89.
(4) -مقال بعنوان, نكبات فلسطين , المنهاج , محرم صفر 1346هـ ص90.
(5) -مقال بعنوان, نكبات فلسطين , المنهاج , محرم صفر 1346هـ ص 91.
(6) -مقال بعنوان, نكبات فلسطين , المنهاج محرم صفر 1346هـ ص91. (6/80)
صفحة 79
وقد استعانت الإدارة الانجليزية على بسط نفوذها وسيطرتها على الشعوب الإسلامية برجال مسيحيين, لهم معرفة واطلاع على البلاد الإسلامية, ويقول الشيخ: «ومعظم موظفي الدوائر كلها من المسيحيين من الذين كانوا أدلة للسواحين ومن المتعلمين في مدارس التبشير واغرب من ذلك أن حكام المدن الإسلامية, مسيحيون كغزة وعكة ونابلس وطولكرم بسان وناصرة ويافا وحيفا» (1).
ويفضح الشيخ أبو إسحاق خلفيات الانجليز في تجميع اليهود الذين شتتهم الله في الأرض ويرى أن الهدف هو ضرب الإسلام وتطويق الجزيرة العربية, وزرع فيروز أو جرثومة الصراع الأبدي بين الإسلام وألذ أعدائه اليهود وهذا كله لمصلحتها الإستراتيجية والاقتصادية والثأر التاريخي لانتشار الإسلام في مستعمراتها التي تمردت عنها وثارت ضدها في الشرق الأقصى, والأدنى وإفريقيا, فيقول الشيخ: «قال أحد الظرفاء: إذا كان الله تعالى قد شتت شمل اليهود وشردهم في أنحاء العالم فهل تستطيع انجلترا أن تخلق لهم وطنا؟ أما أن الانجليز يخدمون الإنسانية, ويردون العناصر إلى مواطنها الأصلية حبا في راحتها, ورفاهيتها, فهذا من هراء القول وسخفه لأن الساسة البريطانيين, لا يعرفون إلا مصلحتهم الذاتية, فقد أرادوا من حشر اليهود في فلسطين, استخدام أموالهم في استغلال البحر الميت, وتكوين منطقة جديدة, للنزاع الديني بين الأديان السماوية, الثلاث.
ولقد فشلت هذه السياسة في جميع مظاهرها, لأن سكان فلسطين منذ أجيال خلت هم العرب لا اليهود» (2) و يستمر الشيخ في كشف الأغراض الخفية للانجليز ونشرها للعلن فيقول: «المنهاج: أوجدت السياسة السكسونية, الوطن القومي لليهود, لتفتح بابا للدخول إلى جزيرة العرب, بواسطة المنازعات العربية اليهودية, ولكي تتخذ ذلك وسيلة إلى إشغال العرب عن مسائلها, في الجزيرة وقد أو جدت مسألة العقبة ومعان, أيضا من جهة أخرى, و العراق من الشرق, وهكذا أرادت أن تطوق جزيرة العرب, ويكون اليهود طبعا في جانبها لأنهم أعدى أعداء الإسلام, جزاء حمايته لهم من الإبادة, التي طالما
__________
(1) -مقال بعنوان, نكبات فلسطين , المنهاج , محرم صفر 1346هـ ص 92.
(2) -مقال بعنوان, هل يستقر اليهود في فلسطين المنهاج , م 6 ج1 و2 1350هـ ص20. (6/81)
صفحة 80
عملت المسيحية للوصول إليها» (1).
3 - تناقض سلوك الانجليز مع أخلاقهم في بلادهم:
وبناء على إطلاع الشيخ على إدعاءات المجتمعات الغربية بحضارتها ومبادئها في دساتيرها, وتجسيد ذلك في بلدانهم, بينما ينتكسون على أعقابهم إذا تعلق الأمر بمعاملة الأهالي في المستعمرات, فيتعجب الشيخ من تواطؤ الحكومة الإنجليزية مع العنصرية, والظلم والفساد في فلسطين, رغم ما عرف على الشعب الانجليزي من الكبرياء, والعزة ونبذ الإهانة, والاحتقار للإنسان فيقول: «إن هذه المعاملة التي يذكرها الكاتب غير معهودة من الانجليز الذين يعرفون بعظمة نفوسهم وكبرياء, لا يعرف منهم التنازل معها, إلى هذه المنزلة من المحاباة و محادة أمة في وطنها, إذ هذا من التعصب الشنيع بمكان» (2).
وكان الشيخ في هذا المقال يتعجب من حضارة الانجليز ومبادئ المملكة البريطانية العظمى المطبقة في بلادهم. وإذا كان المسلمون في كل العالم الإسلامي قد ذاقوا مرارة أشكال وأنواع من الاستعمار فقد أصبحوا يميزون بين أخلاق ومعاملات الفرنسيين, والأسبان والانجليز والألمان, وقد شاع بينهم أن الانجليز أفضلهم أخلاقا, وسلوكا ومرونة, بالمقارنة مع الفرنسيين والألمان فيقول الشيخ أبو إسحاق: «ولئن كانت سياسة الإنجليز ذات مرونة وسعة صدر فإنها في فلسطين بعيدة كل البعد عن الصفات, التي عرف بها الانجليز في أغلب المستعمرات» (3) ومن هنا يتضح أن الكفر ملة واحدة فإذا كان بعض المسلمين قد ذاقوا مرارة الاستعمار الفرنسي وقساوة الألمان والأسبان وشاع عندهم أن الانجليز أحسنهم أو أرقاهم حضارة وإنسانية فالحق أقول إن الانجليز أكثر خبثا ودهاء و دسائس وما وعد بلفور المشؤوم عنا ببعيد.
ويتعجب الشيخ من التخطيط المحكم لحكومة الانتداب, لتهميش الشعب الفلسطيني المسلم, وتشجيع ومساندة القلة من الصهاينة, والمسيحيين, وحتى في المساعدات
__________
(1) -مقال بعنوان, هل يستقر اليهود في فلسطين المنهاج , م 6 ج1و2 1350هـ ص20
(2) -مقال بعنوان, نكبات فلسطين , المنهاج محرم صفر 1346هـ ص 91.
(3) -مقال بعنوان, نكبات فلسطين , المنهاج محرم صفر 1346هـ ص 92. (6/83)
صفحة 81
الإنسانية, إثر الزلزال الذي ضرب المنطقة فيقول: «ليس من المعقول أن يحرم الشعب من إدارة نفسه, ويحرم من أدنى إعانة من أموال وطنه, وقد نكب بخسارة بلغت ستة ملايين جنيه, ثم ساعدت العشر وما ذنب هذه الأكثرية العظمى إلا أنهم مسلمون, وهل بلغ التعصب الانجليزي إلى هذا الحد القاسي الغريب؟ إننا نرى هذا لا يليق بالعقل الانجليزي, ولا يتفق مع الثقافة الانجليزية فعسى أن يرجعوا إلى نظر عاقبة هذه الحال فإنها عصيبة ووخيمة» (1).
4 - ضرب الانجليز للمنظومة التربوية في فلسطين:
يلاحظ الشيخ أبو إسحاق الضربة القاضية التي وجهتها حكومة الانتداب بتواطؤ مع الصهاينة لسحق الهوية العربية الإسلامية بالحصار المضروب على المدارس الإسلامية ويقول: «ومما زاد الأمر شدة أن جعلت ـ حكومة الانتداب ـ الموظفين في البلاد الإسلامية مسيحيين, وتركت المدارس اليهودية لليهود, والمسيحية للمسيحيين, أما المدارس الإسلامية, فإنها جعلتها تحت مراقبة الحكومة, وجعلت في بعضها مراقبات أوروبيات» (2) ولا يخفى على أي عاقل ما لهذه المراقبة والحصار من أثر بالغ في تغيير عقول وتفكير الأجيال الصاعدة وإبعادها عن هويتها ومسخ شخصيتها لترضخ وتستكين لقبول الاستعمار والعيش حياة الذل والهوان, وهذا ما يخطط له الاستعمار الغربي في كل البلاد الإسلامية وهو تخطيط نظري بعيدا عن الواقع وحقيقة طبيعة الشعوب وتمردها عن كل ما يقهرها أو يجبها عن التنازل عن خصوصياتها ولو بعد قرون من الاحتلال فتثور الثورات بعد أجيال وأجيال.
5 - الحصار الإعلامي على الصحف العربية بفلسطين:
نظرا لخطورة الإعلام الصحافة المكتوبة في ذلك العصر وخصوصا الصحف العربية فقد ضربت الحكومة حصارا حديديا أمنيا على الصحف كي لا تنشر المواضيع الخطيرة التي تساند القضية الفلسطينية, وتدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني, ومن أخطر تلك القضايا قضية تسليح اليهود, لأنها البداية في قلب الوقائع,
__________
(1) -مقال بعنوان , نكبات فلسطين , المنهاج , محرم صفر 1346هـ ص 92.
(2) -مقال بعنوان, نكبات فلسطين , المنهاج محرم صفر 1346هـ ص92. (6/84)
صفحة 82
وتغيير موازين القوة لصالح من يملك السلاح, وتغليب المستوطنين على الأهالي العزل, ودعم المحتل الغاصب, لكي يسود ويسيطر على الأرض وما عليها وما تحتها, فترى الشيخ أبا إسحاق يكشف تلك المؤامرة, وكيف تفاصيل ذلك فيقول: «منذ أيام اجتمع خمسة من أصحاب الصحف العربية, بالسكرتير العام لحكومة فلسطين بالقدس, تلبية لدعوته بحضور روحي بك عبد الهادي وكبير تراجمة السكرتارية, أما الصحافيون فهم أصحاب جرائد, فلسطين, والجامعة, والحياة, ومرآة الشرق, وصوت الشعب, وبعد التعارف أشار السكرتير العام, إلى أهمية الغاية من الاجتماع, التي استدعت التعجيل به ونوه باجتماعه باثنين من أصحاب الصحف, وتنبيهه لهما بان الحكومة لن تسمح, بنشر أي شيء في موضوع تسليح الحكومة للمستعمرات اليهودية, ثم قال بأن التنبيه وجد غير كاف, ولذلك دعا جميع الصحافيين, ليبلغهم رأي الحكومة, وهو وجوب الامتناع عن نشر أية مقالة افتتاحية, أو أي خبر خلافها بشأن مستودعات السلاح المختومة, أو بشأن أي اجتماع حول هذا الموضوع, كالاجتماع الذي عقد بنابلس. والجريدة التي تخالف ذلك تعتبر مسؤولة, وتعاقب ولو كانت الأخبار التي تنشرها في هذا الشأن صحيحة, ثم أرسل لهم بلاغا رسميا, في هذا الشأن وطلب آراءهم, فتكلم صاحب فلسطين والجامعة العربية مبينين ماذا ينشأ عن تسليح اليهود, ثم عن إرغام الحكومة الصحف العربية, بأن لا تذكر شيئا في الموضوع, فأجاب السكرتير بأنه يفهم ذلك جيدا ولكنه لا يرغب في مجادلة الصحافيين, في الخطة التي ينبغي على الحكومة إتباعها, وإنما هو يسديهم النصح, والمشورة, ثم يكرر بأن ما قيل في اجتماع نابلس عن نوايا الحكومة, بشأن مستودعات السلاح, وان وجودها خطر على العرب, يبرر لهم الدفاع عن أنفسهم هي أقوال خاطئة, لا يصدقها عاقل وأخيرا أكد إنذاره للصحافيين, وقال إنه يعني ما يقول, ووقف إيذانا بانتهاء المحادثة, دون أن يمكن باقي الصحافيين من الكلام» (1).
6 - غاية الانجليز السيطرة على كل العالم الإسلامي:
يرى الشيخ أبو إسحاق القضية
__________
(1) -مقال بعنوان, مسألة تسليح اليهود في فلسطين و المنهاج م 6 ج1 و2 1350هـ ص17. (6/85)
صفحة 83
الفلسطينية أوسع مما يتخيلها البعض، يراها خطرًا يهدد كل العالم الإسلامي, وهي جسر لسيطرة الانجليز على كل الجزيرة العربية, قلب العالم الإسلامي, وهدفهم من وراء ذلك كشف الغوامض, والأسرار التي يخفيها المسلمون, في دينهم وحضارتهم, ولذلك يقول: « ... ذلك ما جعلهم يطمحون إلى استجلاء تلك الغوامض, تحت سيطرتهم إن بلغوها, لا جعل الله لهم إلى ذلك سبيلا, وإلى جعل تلك الأمكنة المقدسة لدى أربعمائة مليون من البشر تحت انتدابهم, فيتم لهم النصاب الذي يحلمون باستكماله, لكي يقضوا على آخر جزء من الكمال, والاستقلال للمسلمين, فإنك إن لم تفكر أيها المسلم في هذا فقد خبت وضل سعيك, ولا تغتر بكل صورة تصور لك القضية بها فإنها خدعة في الحرب السلمي وخلابة للعقول البسيطة» (1).
7 - التدرج في الاحتلال بالسيطرة على المواقع الإستراتيجية:
كان الشيخ أبو إسحاق يقوم بدور الصحافي الرائد, والرائد لا يكذب أهله, فكان يتتبع كل التحركات السياسية, والعسكرية, حول العالم الإسلامي ويقارن, ويحلل, ويتوقع, ويستنتج, وينبه, ويحذر, فقد لاحظ الشيخ احتلال بقعة صغيرة في خليج العقبة, واتخاذها قاعدة عسكرية لبريطانيا, هي بداية للاحتلال الشامل للشرق الأوسط, وهذا قبل الحرب العالمية الثانية فيقول: « ... إن سرور الانكليز بالعقبة ومعان لعظيم. جاء في تلغرافات الأهرام في 05 يوليو 1925م عن إحدى كبريات الصحف البريطانية. أن الإمبراطورية حصلت في العقبة على مخفر جديد يقوم كالحارس بين الشرق والغرب, وهي أحدث بقعة من سلسلة البقاع التي يراها الناظر إلى الخريطة, حيث يقف الغرب يرقب بلاد الشرق المملوءة بالأسرار والغرائب. كما أنها تعد السويس أهم بقعة وصلنا إليها, في طريقنا إلى ممالك الشرق» (2) هذا ما نقله الشيخ من الصحف البريطانية, وما يحاك ضد البلاد الإسلامية, وحكامها غافلون مشتغلون بالفتن والخلافات, فيما بينهم أو الاستبداد على شعوبهم, وقهرها للبقاء على عروشهم, وتوريث الحكم لأبنائهم, ولا
__________
(1) -مقال بعنوان, ماذا يراد بالإسلام والمسلمين؟ المنهاج محرم 1344هـ ص 40.
(2) -مقال بعنوان, ماذا يراد بالإسلام والمسلمين, المنهاج محرم 1344هـ ص 42. (6/86)
صفحة 84
ينتبهون لخطط الدول الاستعمارية, التي يسيل لعابها لتنهش جسم العالم الإسلامي الغض, الطري التي يسبي قلب وعقل كل طماع جشع لما تملكه الأراضي الإسلامية من خيرات ومميزات, هذا قبل اكتشاف البترول والغاز والمعادن واليورنيوم.
8 - انتقادات تصرفات ومواقف الحكام العرب:
يتحسر الشيخ أبو إسحاق على مواقف الفلسطينيين وقادتهم, وغفلتهم عما يحاك ضدهم, من المؤامرات, وهم غافلون, أو متغافلون, والعرب والمسلمون بخلاء أشحاء, على دعم القضية الفلسطينية ماليا. فيقول: «لك الله يا فلسطين الإسلامية , كم دهاك من النكبات, وأهلك غافلون, وكم حل بك من الأزمات, وأيدي المسلمين عنك مغلولة, ونفوسهم شحيحة» (1).
ويرى الشيخ أبو إسحاق أهمية فلسطين والقدس, بالنسبة لكل العرب والمسلمين, ومن واجبهم حكاما ومحكومين النفير والمساندة وعدم التقصير في شبر منها, لأن القدس تعتبر الخط الأمامي للحجاز, والحرمين الشريفين, وقبلة المسلمين, وقبر نبينا محمد (وأي تهاون في الدفاع عن القدس الشريف, سيجعل الحجاز والحرمين الشريفين في خطر, فيقول: «فلسطين قطر إسلامي, وله شأن في الفتوحات الإسلامية, وفيه القدس الشريف, وهي الأرض التي بارك الله حولها , فمن الواجب على المسلمين الاهتمام بشأنها, ولما يبيت فيها لأهلها المسلمين» (2).
وبهذا يحذر الشيخ كل المسلمين, من أن تخاذلهم في نصرة القدس سيعيد على المسلمين نكبة الأندلس, وما تجرع فيها المسلمون من اضطهاد وتنكيل, وإخراجهم من جنات كانوا فيها فكهين, فيقول: «وإنه يصح لنا أن نقول أن فلسطين تحاول الأيدي الأجنبية, أن تمثل فيها أندلسا ثانية, باضطهاد أهلها, واتخاذها فيها وطنا قوميا لليهود, من جهة, وتمييز المسيحيين فيها, على المسلمين من جهة أخرى, وبعبارة أخرى تمكين أقلية ضئيلة, تكوًَن 10% من الأكثرية وهي المسلمون» (3).
وينبه الشيخ الحكام والملوك
__________
(1) -مقال بعنوان , نكبات فلسطين, المنهاج محرم صفر 1346هـ ص 88.
(2) -مقال بعنوان نكبات فلسطين , المنهاج , محرم صفر 1346هـ ص 88.
(3) -نفس المقال ونفس المرجع السابق. (6/87)
صفحة 85
العرب الغافلين عن خطر سقوط القدس وتهديد الحجاز فيقول: « ... وهل غفل العقلاء عن أن فلسطين كسور للحجاز والحرمين الشريفين, قبلة المسلمين وقبر نبينا محمد (فإذا خرق ذلك السور فإن ذلك معناه فتح لمعقل الإسلام, وهل هذه الهجمات على المسلمين ودينهم من الاستعمار والكنيسة, إلا مبادئ لما يأتي بل قد صرحوا كما رأيت في الفصول الماضية» (1).
ولا يهنأ للشيخ أبي إسحاق بال حتى يطلق صيحته وصرخته أمام الحكام العرب ليستيقظوا من رقادهم, وينتفضوا من غفلتهم, لنصرة فلسطين الجريحة وإغاثة شعبها بكل ما يجتاح لأن إغاثة الملهوف, من شيم وأخلاق المسلمين, فيقول: « .... هبوا أيها المسلمون من رقدتكم, وانفضوا عنكم غبار الغفلة, وأزيحوا عنكم ستار الجمود, فمدوا يد المساعدة لأختكم فلسطين, فإنها في حال تستبكي عين العدو, وتستعطف القلب القاسي, فأمدوا إخوانكم وضمدوا جروحهم, وأسعفوهم في نكبتهم, فإن هذا من الواجب الذي يحث عليه ديننا, وإغاثة الملهوف من شعب الإسلام» (2).
ويواصل الشيخ أبو إسحاق هجومه على غفلة العرب وحكامهم, يحملهم المسؤولية على ما يحاك ضدهم, فيقول: «إن غفلة المسلمين لعجيبة, وهل تطويق جزيرة العرب بعيد عنهم, أم الفتنة القائمة في الحجاز بخفية, أم صفع الأمة الفارسية, في مؤتمر السلاح الماضي, لم يطرق آذانهم؟» (3).
والحكام العرب ملوكا وأمراء ومشايخ وسلاطين, كلهم غافلون ومتواطئون وراضون بالاستعمار, وربما كانوا يطلبون ويتوسلون, من الاستعمار أن يحتل بلادهم, ويستعبد شعوبهم, وينهب خيراتهم, بشرط وحيد هو إبقاؤهم على عروشهم, ملوكا ولا يملكون, يجلسون على أرائك, ولا يمتد سلطانهم خارج قصورهم, وبل قد يتنازلون حتى على التصرف في مأكلهم, وملبسهم, ولا نقول ما تحت لباسهم, والشيخ يفضح مثل هؤلاء الحكام, فيقول: « ... وروت
__________
(1) -نفس المقال و نفس المرجع السابق.
(2) -مقال بعنوان , نكبات فلسطين , المنهاج , محرم صفر 1346هـ ص 89.
(3) -مقال بعنوان , ماذا يراد بالإسلام والمسلمين , المنهاج , محرم 1344هـ ص 40. (6/88)
صفحة 86
إحدى الصحف: أن الملك علي , أمضى صك الانتداب الانجليزي على الحجاز, ولئن صح الخبر فإنها الطامة الكبرى, فلينتبه المسلمون, وليوجهوا نظرهم نحو ما يراد بهم من الكيد للحرمين الشريفين, وقاهما الله كيد الظالمين» (1).
والشيخ أبو إسحاق صحفي صريح, ونصوح لا يكذب, أهله ولإخلاصه وحبه للإسلام والمسلمين, كثيرا ما يتنبأ للأخطار التي تهدد بلاد الإسلام, قبل حدوثها, فيكتب بإخلاص وينصح بجد, ينبه بشدة ويحذر حكام العرب, قبل وقوعهم في المآزق والأخطار, ولكن هؤلاء الحكام المغرورين بعروشهم, و المصاصين لدماء شعوبهم, والمنبهرين لوعود المستعمر, حتى إذا انقض الذئب على فريسته ووقع بين مخالبه الجارحة, انتبه من غفلته واستيقظ من سباته, فندم حيث لا ينفع الندم, فيقول الشيخ: « .. ولقد صرح الملك حسين, أثناء مروره بالقتال لبعض محدثيه بأنه لم يكن يعلم أن الأوربيين على ما وجد منهم, وأن ماضيه كان محفوفا بالأغلاط, وهذه هي الغفلة العظيمة, التي كان المخلصون بجانبه, أول مرة يحذرونه منها. وهل كل أمراء العرب على هذه الحال, وهم ذرية الفاتحين للعالم ومحرريه, من الخيالات والأوهام الفاسدة, ومطهريه من رجس الإشراك؟) (2).
9 - خطط المستعمر وغفلة المسلمين:
يكاد قلب الشيخ أبي إسحاق يتفطر لما آلت إليه أوضاع المسلمين حكاما ومحكومين, من غفلة وخذلان, أمام تكالب وتخطيط المستعمرين, فيقول: « ... كل ذلك أيها الناس مذاهب, ومساير, لما كمن في نفوس الأمة الإسلامية, وتلك خطة المستعمرين, مع الأمم التي يرومونها, بالاستعباد والاستغلال, حتى إذا أنسوا من أنفسهم اطمئنانا, أبدوا شيئا من خفاياهم, وأظهروا ما تخفيه صدورهم, لعمرك إن مسألة العقبة, ومعان, من أشد المسائل, ولكن النفوس تعامت عنها وعدتها مسألة بسيطة, لا يراد بها إلا درء الخطر الوهابي, عن شرق الأردن, الواقع تحت انتداب انجلترا» (3).
وينطبق على الحكام العرب الغافلين, على ما يحاك ضدهم وعلى
__________
(1) -مقال بعنوان ماذا يراد بالإسلام والمسلمين, المنهاج محرم 1344هـ ص42.
(2) -مقال بعنوان ماذا يراد بالإسلام والمسلمين , المنهاج محرم 1344هـ ص 42.
(3) -مقال بعنوان ماذا يراد بالإسلام والمسلمين, المنهاج محرم 1344هـ ص 40. (6/89)
صفحة 87
أن من استهدف جزءا من البلاد الإسلامية, إنما يستهدف بلادهم وأرضهم, وأن الغفلة والسكوت, على من مس شبرا من الأراضي الإسلامية, إنما هو خطر على الجميع وإنما الأيام دول, والمسألة مسألة وقت, وكما يقال ـــ أكلت يوم أكل الثور الأبيض ــــ وفي هذا يقول الشيخ, حول هذه السلبية: « ... وسيقف العالم الإسلامي, الذي وقف صامتا أمام المكائد, التي تدبر لجزيرة العرب, المعقل الباقي بيد المسلمين على عاقبة أمره إن تمادى على هذا الصمت العميق» (1).
ويتعجب الشيخ أبو إسحاق من غفلة العالم الشرقي, ويعني به العالم الإسلامي والمسؤولية الكبرى تقع على الحكام, أولا فرغم التهديد المتواصل والحوادث المتفرقة, التي تعبر على أطماع الدول الاستعمارية, إلا أن الشعوب والحكام في كل دول المشرق, تغط في نوم عميق, فيصر الشيخ: « ... كأن العالم الشرقي في غفلة, عما يدبر ضده, وكأنه قد عدم الاحتياط والحذر, وكأن تلك الضربات العنيفة, التي تنهال عليه من الخلف, ومن الأمام, لا تكفي لإيقاظ أشد الأمم استغراقا في النوم, وكأن كلام الله ووصايا الرسل, وعظات التاريخ, ووخز الحوادث, وكوارث الدهر, نفسها بعيدة عن أن تؤثر في سباته العميق. ومن العجيب أن براثن الاستعمار ناشبة, في عنقه, وأسلحة المستغلين, تحز في جسمه وهو مع ذلك صادر, مسترسل في حلو الكرى» (2).
الخاتمة:
من استعراض نماذج من مقالات الشيخ أبي إسحاق حول القضية الفلسطينية في مجلته المنهاج نلاحظ غيرة الشيخ على مصالح الإسلام والمسلمين, وشدة كرهه للاستعمار والكفار والمسيحيين واليهود, وكان يطمح أن يتقوى المسلمون ويتحدوا أمة واحدة ويتطوروا تكنولوجيا وعلميا لينافسوا الأمم المتحضرة، وبذلك ينالوا فوز الدنيا والآخرة, وكلام الشيخ واضح وصريح وشجاع لا يخاف في الله لومة لائم، ينتقد الحكام والملوك، ويهاجم
__________
(1) -مقال بعنوان ماذا يراد بالإسلام والمسلمين, المنهاج محرم 1344هـ ص 42.
(2) -مقال بعنوان عصبة الشعوب الشرقية, مسألة العقبة ومسؤولية العالم الإسلامي, المنهاج محرم 1344هـ ص43. (6/90)
صفحة 88
الشعوب الإسلامية الخاملة. (6/91)
صفحة 89
من تاريخ جماعة بني يزجن
الأستاذ: مصطفى بن الحاج بكير حمودة
المركز الجامعي -غرداية -الجزائر
إ
إنّ البحث في التاريخ هو وسيلة الإنسان للحفاظ على أصالته، بتحديد مرجعية له في حاضره، تنير له الطريق، وتحسم الخلاف حال وقوعه. والإنسان وإن لم يعرف تاريخه، فإنّه يحمله في ذاته بشكل غير واع، لأنّ تركيبته النفسيّة والعقليّة والروحيّة هي حصيلة هذا التاريخ، فإذا ارتقى به إلى مستوى الوعي، بأن يطّلع عليه، أو يبحث فيه، حقّق لنفسه طمأنينتها وسلامها الداخليّ، ونتج منه التوافق بين ذاته وما يعيشه في حياته اليوميّة، وحصل منه على الحكمة وبعد النظر؛ وإذا جهل تاريخه، فلم يتحقّق هذا التوافق، خلّف في نفسه شعورا بعدم الرضى، وعدم الانسجام مع واقعه.
عندما نتناول تاريخ جماعة بني يزقن، فإنّما نتناول تاريخ بني يزقن، لأنّ نظام "الجماعة"، وبهذه التسمية بالذات، مرتبط بوجود المجموعة الإنسانيّة لدى البربر، و"الجماعة" هي أقدم هيئة تسيّر المجتمع في وادي مزاب، وتقوم على جميع شؤونه العامّة، وهي سابقة لهيئة "العزابة".
وهذا البحث يطمح إلى تدوين شيء من تاريخ "جماعة بني يزقن" خاصّة، في ضوء ما توفّر بين أيدينا من وثائق، مقتصرين على ما أثبتته المصادر من حقائق، وتاركين ما لم تتّضح بعد صورته، إلى أن تظهر وثائق جديدة، تزيح غموضها، وتنير غائمها.
إنّ أوّل إحصاء عثرنا عليه، يرجع إلى عهد الاحتلال الفرنسيّ، في زمن "القايد" الحاج يوسف بن محمد بن موسى السرّار (1)، أنجز في 12 جوان
__________
(1) -هو الحاج يوسف بن محمد بن موسى بن أبي أحمد بن أيوب بن الشيخ الحاج نوح، من أولاد وينتن، عرش أولاد موسى؛ ينظر: سجلاّت قضاة بني يزقن، سجل العقود05، ص50، رقم: 331، 21 شوّال 1303هـ/23 جويلية 1886م. توفّي يوم 07 ماي 1897، عن عمر يناهز 72 سنة، فيكون ميلاده تقريبا سنة 1825؛ ينظر: سجلاّت قضاة بني يزقن، سجل العقود23، ص93، رقم: 291، 11 ربيع الأوّل 1315هـ/11 أوت 1897م. (7/91)
صفحة 90
1884، وكان عدد عشائر بني يزقن فيه خمس عشرة عشيرة، ضمن ثلاثة أعراش، وكلّ عرش يتشكّل من خمس عشائر، وهي موضّحة في الجدول الموالي (1):
عرش أولاد موسى ... عرش أولاد يدَّر ... عرش أولاد اعنان
أولاد دودو ... أولاد إسماعيل ... أولاد عدُّون بن عيسى
أولاد عدُّون ... أولاد باسَّة بن صالح ... أولاد باحمان
أولاد بوفارة ... أولاد قاسم بن عمر ... أولاد بامحمد
أولاد باكلي ... أولاد أبو هريرة ... أولاد خالد
أولاد وينتن ... أولاد أبو يحي ... أولاد افضل
(1) هذا التقسيم لعرش بني يزقن ليس وليد الاستعمار الفرنسيّ لوادي مزاب، فالاستعمار أبقى على ما كان سائدا في بني يزقن، ولم يُجر عليه أيّ تعديل؛ فبعد معاهدة 22 أفريل 1853م/ 13 رجب 1269هـ، كانت جماعة بني يزقن هي التي تتكفّل بجمع البزرة المفروضة عليها سنويّا، من غير أدنى تدخّل للسلطات الاستعماريّة، وفي دفتر لجمع هذه البزرة، يرجع تاريخه إلى أكتوبر [1862م] / [ربيع الثاني] 1279هـ، نجد التقسيم نفسه في بني يزقن، ممّا يدلّ على أنّه قديم.
وإذا بحثنا عن التاريخ الذي وضع فيه هذا التقسيم، فإنّنا نجد عقدا مجهولٌ كاتبه، كتبه رواية عن والده، في محرم من عام 1147هـ/ جوان 1734م، يتحدّث فيه عن قسمة أرض بين أولاد يدر، وأولاد موسى، وأولاد خالد، وأولاد إسماعيل، وهذا العقد يشير إلى الوضع الذي كان سابقا، قبل تقسيم عرش بني يزقن، إلى ثلاثة أعراش، وإلى خمس عشرة عشيرة، بدليل الفصل بين أولاد إسماعيل وأولاد يدر، وهم في التقسيم الجديد ينضوون جميعا تحت عرش أولاد يدر؛ وهذه العشائر هي التي سكنت موركي (2)، وقد اتّفقت في هذا العقد
__________
(1) - ... من غير أدنى تعديل لا في أسمائها، ولا في ترتيبها، سواء أكانت أعراشا أو عشائر.
(2) - ولعلّ من أثر ذلك وجود لقب مركيش في أولاد خالد، وفي أولاد باكلي من عرش أولاد موسى، ولم يعتمد هذا اللقب لدى ترسيم الألقاب، فالذين من أولاد خالد اختاروا لقب الأمين وبن عيسى، والذين من أولاد باكلي، وجدنا منهم: حمو بن عماره بن يعقوب، وأخاه سليمان في إحصاء البزرة لسنة 1884، من أرشيف قياد بني يزقن؛ وفي سجلّ العقود20، ص28، رقم: 100، 01 ربيع الثاني 1313هـ/ 21 سبتمبر 1895م: طلب فيه الحاج عمر بن إبراهيم بن حمو بن داود، وكيلا على حياة حمو بن اعمار بن يعقوب نقل رسم قديم، بخطّ حياة عمنا الحاج محمد بن بنوح بن إبراهيم، بتاريخ 10 جمادى الثانية 1284هـ، حول بيع أرض طالمت. وعثرنا على زكرياء بن حمو بن عماره بن يعقوب، ولم يعقب فيما يبدو، فقد تكون هذه العائلة ممّا انقرض قبل ترسيم الألقاب سنة 1932م. (7/92)
صفحة 91
على تقسيم الأرض الموجودة بين جبل موركي، وقرية بني يزقن آنذاك.
يوجد عدد من العقود سجّلها قطب الأئمّة الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش في "الرسالة الشافية" الموسّعة، في خصوص قضية صابر بن زايد، من أولاد ضيف الله، وما يهمّنا منها في موضوعنا هو ما يلي:
- عقدان شهد فيهما عزّابة مسجد بني يزقن في أواخر القرن الثاني عشر (1) بأنّ أولاد ضيف الله ينتسبون لأولاد كاسي بن اعمر، «وقد عرفهم من عرفهم منهم بالخدمة لعرش بني يزجن» (2).
- عقد يعرض لقضية صابر بن زايد، يدلّ على وقوعها في عهد الشيخ الحاج نوح، وهو الشيخ بمسجد بني يزقن قبل الشيخ الحاج أحمد (3).
__________
(1) - وهم: عدون بن كاسي بن زكرياء، وعدون بن الحاج محمد، وسليمان بن عيسى بن حمو، ويوسف بن إبراهيم، وعبد العزيز بن الحاج، والحاج سعيد بن أحمد، وإبراهيم بن حمو بن داود.
(2) - ينظر: عقد للشيخ عبد العزيز بن الحاج، مؤرّخ في جمادى الثانية من سنة 1199هـ، وثان غير مؤرّخ لسليمان بن عيسى بن حمو؛ الرسالة الشافية، للشيخ اطفيش، مخطوط بمكتبة القطب، بني يزقن، رقم: أ. ث.3، ص439، 440.
(3) - «وقد شهد عدون بن الحاج محمد، وكاتب الحروف سليمان بن عيسى بأنّ عزابة بني يزقن، أخرجوا صابر بن زايد، لأجل معصية ظهرت فيه، ووقف فيه عمر بن عيسى، أعني: مع المقادم. وأتى عمّنا الحاج يوسف إلى العزابة، وقال: ليس لأحد أن يخدم المقادم سوى أولاد زايد، وغالب بني يزجن في المسجد، وشيخنا الحاج نوح حاضر/ ولم ينكر عليه أحد. وتاب ورجع إلى خدمة ساداته. ووقع ذلك في أواسط جمادى الأخرى من سنة 1199هـ» الرسالة الشافية440، 441. (7/93)
صفحة 92
- عقد نورده بنصّه: «قد شهد موسى بن مرزوق بأنّ أولاد ضيف الله هم الذين يخدمون المقادم في بني يزقن منذ عقل، من زمان الشيخ عبد الله، وقد أدرك فيه: علي بن صابر، وأخاه صابر بن صابر، وبعدهما رابح بن صابر، وبعدهم ضيف الله بن علي، وبعدهم عمّار بن علي، وبعدهم صابر بن زايد، وبعدهم رابح، ولم ير فيه أحدا سوى عمر بن عيسى، لأجل ما فرط من صابر، وردّه العزابة، وقيّدها عنه سليمان بن عيسى، وهو الكاتب» (1).
هذه العقود تدلّ في مجملها على أنّ تقسيم عرش بني يزقن إلى ثلاثة أعراش، مع تعيين مقدّم على كلّ عرش، يقوم على خدمتهم أولاد ضيف الله، من عشيرة أولاد قاسم بن اعمر، من عرش أولاد يدر، كان منذ عهد مشيخة الشيخ الحاج عبد الله بن عيسى بمسجد بني يزقن (2)، وقد توفي سنة 1118هـ/ 1706 - 1707م، بمعنى أنّ هذا التقسيم كان موجودا في بدايات القرن الثاني عشر الهجريّ على الأقلّ.
وإذا بحثنا في الأنساب للوصول إلى الفترة التي وضع فيها هذا التنظيم على وجه التقريب، وجدنا شخصيتين بارزتين متعاصرتين، من عرش أولاد يدر، نسب كلّ واحد منهما متّصل بالجدّ الذي سميت باسمه العشيرة:
أوّلهما: الحاج يوسف بن حمو بن عدون بن يوسف بن قاسم بن اعمر بن موسى بن علي بن اعمر بن موسى بن يدر، من عشيرة أولاد قاسم بن اعمر، من عرش أولاد يدر، 1158هـ-1252هـ (3).
__________
(1) - الرسالة الشافية441. وبعده في نفس الصفحة: عقدان لسليمان بن عيسى بن حمو، غير مؤرّخين، يتضمّنان شهادة كلّ من صالح بن كاسي بن حمود، وعيسى بن إسماعيل بن الحاج سعيد، بأنّ أولاد زايد، أو أولاد ضيف الله هم الذين يخدمون المقادم في بني يزقن، دون غيرهم.
(2) - في الرسالة الشافية: «ومات الشيخ العلامة الحاج عبد الله بن عيسى عام ألف ومائة وثمانية عشر، نصّ عليه الشيخ الحاج يوسف بن حمو، عمّ أمّي، وترحّم عليه، وسمّاه شيخا، يعني شيخ علم، وشيخا بالطريقة المعروفة من التقدّم على أهل البلد في أمورهم، وأمر دينهم، وهو ابن أخت عمّنا أحمد بن موسى، جار صاحبه جدّي عيسى بن صالح اطفيش، فعمّي أحمد بن موسى خال للشيخ الحاج عبد الله المذكور» 398.
(3) - في الرسالة الشافية: «وولد عمّنا الشيخ الحاج يوسف بن حمو بن عدون في آخر عام ثمانية وخمسين ومائة وألف [1158هـ]». وفي سجلّ الأحكام 01، عقد رقم: 61، مؤرّخ في 27 شعبان 1301هـ/ 22 جوان 1884م، ص57 - 59: ذكر فيه سنة وفاة الشيخ الحاج يوسف بن حمو بن عدون 1252هـ. وتنظر ترجمته: معجم أعلام الإباضية، لجنة البحث العلميّ بجمعية التراث، جمعية التراث، القرارة-غرداية-الجزائر، ط1: 1420هـ/1999م، ج4، ص1019 - 1021؛ وتاريخ بني مزاب، للأستاذ يوسف بن بكير الحاج سعيد، المطبعة العربية، غرداية-الجزائر، ط2: 2006، ص111، 112. (7/94)
صفحة 93
ثانيهما: الحاج محمد بن يوسف بن داود بن سعيد بن موسى (باسة) بن صالح بن موسى بن مسعود بن يحي بن يدر، من عشيرة أولاد باسة بن صالح، من عرش أولاد يدر (1).
وهما متّفقان في أنّهما من الجيل الرابع بعد جدّ العشيرة، ممّا يدلّ على أنّ هاتين العشيرتين حديثتا النشأة آنذاك، وإذا كان من المستبعد -عقلا- أن تستحدث عشيرة بأب وأولاده، فإنّنا نقدّر نشأتهما في الجيل الثاني على أقلّ تقدير، في عهد كلّ من عدون بن يوسف بن قاسم بن اعمر، وداود بن سعيد بن باسة بن صالح؛ وإذا كان حمو بن عدون بن يوسف قد ولد سنة 1129هـ (2)، فالأرجح أن يكون هذا التقسيم قد وقع بين أواخر القرن الحادي عشر الهجريّ، وبدايات الثاني عشر، في عهد الشيخ الحاج عبد الله بن عيسى، كما أسلفنا (3).
__________
(1) - نقل العقد المذكور آنفا عقد قسمة أرض بين أولاد يدر وأولاد موسى وأولاد خالد وأولاد إسماعيل، امحمد بن عيسى بن أيوب بن عبد الله بن سعيد، في آخر رجب سنة 1277هـ، [10 فيفري 1861م]؛ من عقد نقله الحاج امحمد بن يوسف بن داود بن سعيد بن موسى بن صالح بن موسى بن مسعود بن يحي بن يدر، في اليوم الأوّل من جمادى الأولى عام 1199هـ، [12 مارس 1785م]. وينظر: الرسالة الشافية 69، 70. ومن العقود الأخيرة التي كتبها في تقديرنا، بالنظر إلى تأثّر خطّه ببلوغه من الكبر عتيّا، عقد كتبه في أواسط ربيع الثاني 1231هـ؛ ينظر: أرشيف خاصّ بمكتبة آل يدر، ببني يزقن.
(2) - في الرسالة الشافية: «وفي هذه السنة [يعني: سنة 1229هـ، والصواب 1129هـ] ولد جدّي من الأمّ [ويعني: جدّ أمّه، فهي: مامة ستّي بنت الحاج سعيد بن حمو بن عدون بن يوسف بن قاسم بن اعمر؛ ينظر: الرسالة الشافية166] حمو بن عدون بن يوسف رحمهم الله [ .. / .. ]. وفي أوّل تلك السنة [يعني: 1185هـ] مات جدّ أمّي حمو بن عدون» 425، 426.
(3) - وفي الرسالة الشافية، نقرأ هذا العقد: «ووجدت ما نصّه: الحمد لله وحده، وممّا وجد بخطّ عمّنا بلقاسم بن عمر: هذا نسب بلقاسم بن عمر بن موسى بن علي بن اعمر بن موسى بن يدر اليسجنيّ المصعبيّ، والحمد لله. نقله من خطّه يحي بن صالح، نقل ذلك، والذي قبله في أواخر جمادى الأولى من سنة 1199هـ» 75. (7/95)
صفحة 94
هذا التقسيم الجديد لعرش بني يزقن، لا مبرّر له سوى إعادة النظر في تشكيلة "جماعة بني يزقن"، ويظهر أثر ذلك في هذا العقد الذي يرجع تاريخه إلى عهد تقلّد الشيخ عبد العزيز الثمينيّ لمشيخة مسجد بني يزقن بداية من سنة 1201هـ (1)، وبعد عودة الشيخ الحاج يوسف بن حمو بن عدون من المشرق في حدود 1210هـ (2)، فقد ورد فيه ما يلي (3):
«اجتمع بنو يزجن طلبة وعوامّا: أمّا من الطلبة: الشيخ عمّنا عبد العزيز [بامحمد]، وعمّنا عدون بن كاسي [بامحمد]، وعمّنا الحاج يوسف [يدر]، وعمّنا الحاج بافضل [افضل]، وعمّنا الحاج سعيد بن عدون [خالد]، وعمّنا يوسف بن إبراهيم (4)، وإبراهيم
__________
(1) - «وصار العلاّمة الشيخ عبد العزيز شيخا بالعرف والاصطلاح عام ألف ومائتين وواحد [1201هـ]» الرسالة الشافية399.
(2) - «سافر إلى الحجّ عام 1205هـ/1791م، وعند رجوعه أقام بمصر أربع سنين، يحضر دروس كبار العلماء بالأزهر، وينسخ الكتب النفيسة، من بينها "نزهة الأديب وريحانة اللبيب"، لعمرو بن رمضان التلاّتي» تاريخ بني مزاب111.
(3) - ذكر الأستاذ يوسف بن بكير الحاج سعيد بأنّ أقدم عقد ورد فيه هذا التقسيم لـ"جماعة بني يزقن" هو عقد مؤرّخ يوم 01 شوّال 1191هـ/ [02 نوفمبر 1777م]؛ ينظر: "تطوّر البنية العشائرية في بني يزقن"، للأستاذ يوسف بن بكير الحاج سعيد، وثيقة من صفحتين، مؤرّخة في 07 جانفي 2007، ص01.
(4) - في عقد بخطّ الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن، مؤرّخ في أواخر صفر 1225هـ/ [أوائل أفريل 1810م]، ورد فيه ما يلي: «ولمّا أراد ورثة عمنا يحي بن الحاج بن بهون قسمة دورهم وحجراتهم التي تركها لهم أبوهم الهالك، بعد قسمة ما كان لهم في الغابة [ ... ] على يد خالهم الحاج سعيد بن عدون، وقد ناب عن زوجته مامة بنت عدون، صالح بن زكري بن عدون، وناب عن نفسه الحاج بن يحي، وعن أخته لالية بنت يحي، زوجها باحمد بن داود، بحضرة ابنه موسى بن باحمد، وعن بنته الأخرى التي هي أخت لهما عمّها المؤذّن يوسف بن إبراهيم بن الحاج بن بهون [ ... ] وثبت لأخته نانة، بواسطة وكيلها عمّها المذكور الحجرة التي في دار عمّها الحاج بن إبراهيم [ ... ]. وبذلك شهد الحاضرون بينهم: الفقيه الحاج سعيد بن أيوب، والحاج صالح بن إبراهيم، وموسى بن باحمد بن داود [ ... ]» أرشيف خاصّ، بمكتبة آل يدر، ببني يزقن. (7/96)
صفحة 95
بن حمو (1) [باكلي]، وحمو بن الحاج [عدون بن عيسى]، والحاج سعيد بن أيوب [وينتن].
وجملة العوامّ: أمّا من أولاد يدر: سليمان بن صالح، والحاج بن يوسف، وعدون بن الحاج [بن يوسف] [بوهريرة]، وسليمان بن باحمد، وعيسى بن يحي [بن سليمان بوطيش] [إسماعيل]، وطلبوا كبيرهم، ونادوا عمّنا داود بن يوسف.
وأولاد اعنان: اعمار بن موسى [خالد]، وعمر بن الحاج [بحمان]، ومرزوق بن موسى [عدون بن عيسى]، ويحي بن عبد الله [بن يحي] [بامحمد]، وموسى بن الحاج [بن موسى] [افضل]، ونادوا كبيرهم، وأتوا بعمّنا يحي بن الحاج الزواي [عدون بن عيسى].
وأولاد موسى: داود بن حمو بن دود [دودو]، وإبراهيم بن بالة [بوفارة]، وسليمان بن الحاج، وعدون بن صالح، وزكرياء بن حمو [بن اعمار] [باكلي]، ونادوا كبيرهم، عمّنا داود بن إبراهيم [ .. / .. ]» (2).
وعليه فإنّ "جماعة بني يزقن" أو "العوامّ" في ذلك العهد، كانت تتشكّل من ممثّل واحد من كلّ عشيرة، وعبارة «ونادوا كبيرهم، وأتوا بعمّنا فلان»،
__________
(1) - ذكر في عقد، مؤرّخ في شهر جمادى الثانية من سنة 1199هـ، ضمن عزابة بني يزقن باسم: إبراهيم بن حمو بن داود؛ ينظر: الرسالة الشافية440. وعليه، فابنه: عمر بن إبراهيم بن حمو بن داود بن إبراهيم بن عيسى، هو الذي نسخ مخطوط "الدلائل في اللوازم والوسائل"، بتاريخ 08 جمادى الثاني 1295هـ، وهو في مكتبة الاستقامة، ببني يزقن، رقمه: 155: أ/85. وهو من عائلة أجديد، من أولاد باكلي، عرش أولاد موسى؛ لأنّنا نجد اسم: بنت الحاج موسى بن حمو أجديد، في إحصاء للبزرة سابق لـ 1908م، في أرشيف قياد بني يزقن؛ ونقرأ في عقد من عقود قاضي بني يزقن ما يلي: «اشترى يحي بن الحاج سليمان بن عيسى بن سليمان، من الحاج عمر بن إبراهيم بن حم بن داود، وكيلا على عائشة ومامة بنتي الحاج موسى بن حم بن داود» سجل العقود20، ص26، رقم: 95، 30 ربيع الأوّل 1313هـ/ 20 سبتمبر 1895م، من أرشيف قضاة بني يزقن.
(2) - أرشيف خاصّ. وما وضعته بين معقوفين هو زيادة منّي غير موجودة في الأصل، وهي نتيجة بحث مطوّل في تتميم الأسماء، وتحديد انتمائها العشائريّ؛ وهذه هي الطريقة التي اعتمدتها في سائر الزيادات الواردة في أثناء النصوص المقتبسة، أعني: وضعها بين معقوفين. (7/97)
صفحة 96
تدلّ على أنّ هذا الكبير المستدعى، شخصية مستقلّة، وليست من الجماعة؛ وعدد الأعراش ثلاثة، وعدد العشائر في كلّ عرش خمس عشائر.
وأقدم إحصاء يمكّننا من أخذ صورة -ولو تقريبية- عن عدد أفراد كلّ عشيرة في عرش بني يزقن، هو إحصاء "جماعة بني يزقن" لعدد الرجال المتزوّجين في كلّ عشيرة، عند قيامهم بجمع "البزرة" (1) لسنة 1861م/ 1279هـ، وهو ما يوضّحه الجدول الآتي، والترتيب فيه بحسب العدد من الأكبر إلى الأصغر:
أعراش وعشائر بني يزقن (1)
أكتوبر 1862م / ربيع الثاني 1279هـ
عرش أولاد اعنان
عشائر ه ... عدد رجال كلّ عشيرة ... النسبة إلى عرش بني يزقن
أولاد بامحمد ... 190 ... 18.88?
أولاد خالد ... 165 ... 16.40?
أولاد عدون بن عيسى ... 83 ... 08.25?
أولاد افضل ... 60 ... 05.96?
أولاد بحمان ... 27 ... 02.68?
المجموع ... 525 ... 52.18?
عرش أولاد موسى
أولاد ونتن ... 165 ... 16.40?
أولاد دودو ... 43 ... 04.27?
أولاد باكلي ... 41 ... 04.07?
أولاد عدون [بن إبراهيم] ... 28 ... 02.78?
__________
(1) - وهي الضريبة التي فرضها الاستعمار الفرنسيّ على وادي مزاب، بعد معاهدة 1853م، مقابل تمتّعه باستقلاله الذاتيّ. (7/98)
صفحة 97
أولاد بوفارة ... 08 ... 0.79?
المجموع ... 285 ... 28.33?
عرش أولاد يدر
أولاد إسماعيل ... 73 ... 07.25?
أولاد باسة بن صالح ... 56 ... 05.56?
أولاد قاسم بن اعمر ... 37 ... 03.67?
أولاد بويحي ... 16 ... 01.59?
أولاد بوهريرة ... 14 ... 01.39?
المجموع ... 196 ... 19.48?
المجموع الكلّي ... 1006 ... 100?
ما يميّز هذا التقسيم هو تحقيقه للتوازن التامّ بين الأعراش الثلاثة من حيث عدد ممثليه في "جماعة بني يزقن"، من غير مراعاة لعدد أفراد كلّ عشيرة، ولتحقيقه لجأ واضعو هذا التقسيم إلى ما يلي:
انطلقوا ممّا كان موجودا، وهو انقسام العرش إلى ثلاثة عناصر متباينة لأسباب تتعلّق بالنسب أساسا، ثمّ بالجهة التي وفدوا منها، ومنه تقسيم العرش إلى صفّين: الشرقيّ بالنسبة لعرش أولاد اعنان، والغربيّ بالنسبة لعرشي أولاد يدر وأولاد موسى (1)؛ فقسّموا العرش إلى ثلاثة أقسام: اثنان كانت تسميتهما موجودة سابقا، وهما عرش أولاد موسى، وعرش أولاد يدر؛ أمّا العرش الثالث فقد اصطلح على تسميته بعرش أولاد اعنان، فهذه التسمية -في تقديرنا- حديثة، إذ لم يثبت اجتماع العشائر التي اندرجت تحته في نسب واحد، يقول الشيخ اطفيش: «وكذلك أولاد اعنان من أولادها [يعني: من أولاد فاطمة بنت الرسول صلّى الله عليه وسلّم]، وكان بعضهم في بني يسجن، وانضمّ إليهم غيرهم من قبائل وأنساب شتّى، وسمّوا كلّهم أولاد اعنان» (2)، وقد وجدنا أثرا لهذا الاسم في عشيرة
__________
(1) - ينظر: تاريخ بني مزاب91، 92. وتبقى أسئلة ملحّة لا تسعفنا الوثائق المتوفّرة بإجابة عليها.
(2) - الرسالة الشافية378. (7/99)
صفحة 98
أولاد عدون بن عيسى (1)، متمثّلا في نسب أحد مشايخ بني يزقن، حمو بن الحاج بن أحمد بن الحاج اعنان (2).
ثمّ اتّخذوا أساسا للتسوية العرش الذي يملك أكبر عدد من العشائر، وهو عرش أولاد اعنان، فعشائره الخمسة كان لها وجود سابق: أولاد خالد، كما في العقد السابق ذكره؛ وأولاد افضل، وأولاد بامحمد، تحيل تسميتهما على شخصيات تاريخية معروفة سابقة لهذا العهد بكثير، ومقام الشيخ بامحمد، ومقام الشيخ باسة بن افضل شاهدان على ذلك؛ وأولاد باحمان تنتسب إلى شخصية قديمة مذكورة في الرواية الشفهيّة، سمّي باسمها حيّ قديم في بني يزقن؛ وتشترك العشائر الأربعة السابقة بوجود مقابر خاصّة بها. أمّا عشيرة أولاد عدون بن عيسى، فكلّ ما نعرفه عنها ما يلي:
- نسبة الخطّارات الخمسة الموجودة في شعبة يوسف "القبليات" إليهم، وذلك في عقد مؤرّخ في صفر من سنة 1190هـ/ [مارس-أفريل 1776م] (3).
- عدون بن عيسى لم يكن جدّا لأغلب أفراد هذه العشيرة، وإنّما لجزء منها، وهو ما يفسّر اختفاء الاسم حين تقسيمها إلى أولاد الحاج الناصر، وأولاد الحاج زكري.
- كان سابقا للفترة التي تمّ فيها تقسيم عرش بني يزقن، فنسب الشيخ الحاج سليمان بن عيسى ت1283هـ، الذي نرجّح كونه من أحفاده، يتجاوز نسبه تلك الفترة، ولم يظهر فيه عدون بن عيسى.
- عدد أفراد هذه العشيرة الكبير بالنسبة إلى أولاد باحمان، لا يؤيّد استقلال هذه العشيرة عن أولاد باحمان.
__________
(1) - أولاد الحاج الناصر اليوم، ومن عائلة الحاج الناصر، ففي نسب خليفة القائد فضلي عيسى بن سليمان، نقرأ ما يلي: الحاج عبد الله بن حاجي بن عبد الله بن بكير بن امحمد بن الحاج الناصر بن محمد بن الحاج اعنان بن الفضيل بن عبد الواحد؛ وثيقة بحوزة عمّنا الحاج الناصر عيسى بن حاجي بن عمر بن حاجّي.
(2) - كتب عقدا مؤرّخا في أواخر شعبان 1207هـ/ [12 أفريل 1793م]؛ ينظر: أرشيف الشيخ الثمينيّ الخاصّ، مكتبة الاستقامة، ببني يزقن.
(3) - ... ينظر: أرشيف الشيخ الثمينيّ الخاصّ، مكتبة الاستقامة، ببني يزقن، ومقيّد العقد هو عيسى بن محمد بن أحمد بن صالح. (7/100)
صفحة 99
أمّا عرش أولاد موسى، فقد تشكّل باستقلال ثلاث عشائر فيه: أولاد وينتن، وهي قبيلة بربريّة قديمة ذكرها ابن خلدون في تاريخه، وأولاد باكلي، وأولاد عدون بن إبراهيم، لانتسابهما إلى شخصيتين قديمتين مذكورتين في الرواية الشفهيّة، يقول الشيخ اطفيش في الرسالة الشافية: «وكانت قرية في غابة تلات، ومسجد في وسط الشعبة، ومقبرتها عند بئر الحاج يونس، أسّس تلك القرية عدون وباكلي» (1)؛ ويبدو أنّ عشيرة أولاد بوفارة قد استحدثت هي أيضا إذ سمّيت باسم عائلة فيها، وهو ما يفسّر عودتها باسم جديد هو أولاد بابهون بعد اختفائها لفترة. أمّا أولاد دودو، فلا ندري ما كان وضع هذه العشيرة، فنحن لم نجد أثرا لهذه التسمية سوى في عقد قديم، حيث ذكر شاهدا في عقد: داد (أو داود) بن حمو بن دودو (2).
وتشكّل عرش أولاد يدر، بضمّ أولاد إسماعيل إليه، وهي عشيرة قديمة ببني يزقن، كما مرّ سابقا، واستحداث عشيرتين -كما أسلفنا-، هما باسة بن صالح، وقاسم بن اعمر؛ واستقلال عشيرة أولاد بوهريرة داخل العرش، ففي عقد يروي فيه الشيخ الحاج يوسف بن حمو بن عدون قصّة أولاد يدر المشهورين في زمانهم في بلد سدراتة (3)، تحدّث عن انتقال أولاد بوهريرة من ورجلان إلى مزاب، واستقرارهم ببلد الموركي لمدّة؛ ثمّ انتقال البقية الباقية منهم إلى بني يزقن (4)، ولم يرد ذكر في هذا العقد لأولاد بويحي، فضلا عن أولاد قاسم بن اعمر، وباسة بن صالح، فلا ندري ما كان وضع عشيرة أولاد بويحي آنذاك أيضا.
إنّ من مزايا هذا التقسيم:
- تمثيل "جماعة بني يزقن" لكلّ فرد من أفراد المجتمع، فلا يمكن أن يوجد فرد في البلدة لا ينتمي إلى عشيرة بالنسب أو بالولاء.
- أخذ هذا التقسيم بعين الاعتبار العشائر الأصلية في بني يزقن، ولم يعتبر العشائر المنتمية إليها بالولاء، ولو من تاريخ قديم، حفاظا على أنسابهم، فنجد عقدا للشيخ عبد العزيز الثمينيّ، يتحدّث فيه عن «أولاد الشيخ أمّ عيسى النفوسيّ النازلون من أوائلهم في مزاب،
__________
(1) - الرسالة الشافية448.
(2) - والعقد مؤرّخ في صفر عام 1190هـ، وكاتبه: عيسى بن محمد بن أحمد بن صالح؛ ينظر: أرشيف الشيخ الثمينيّ الخاصّ، مكتبة الاستقامة، ببني يزقن.
(3) - ينظر: الرسالة الشافية70 - 74.
(4) - ينظر: الرسالة الشافية70، 71. (7/101)
صفحة 100
على أولاد الشيخ أبي محمد بن عبد العزيز»، ونفس الأمر يقال عن أولاد عبد الله الوافدين على أولاد موسى في عهد الشيخ أبي مهدي عيسى بن إسماعيل ت971هـ (1)، وكذلك العائلات المنتقلة من أولاد خالد إلى أولاد موسى في زمن لم نقف عليه بعد.
- اختار توازن التمثيل العشائريّ في "جماعة بني يزقن"، من غير اعتبار لعدد أفراد كلّ عشيرة، فنجد في الإحصاء السابق عرش أولاد اعنان يفوق العرشين الآخرين أولاد يدر وأولاد موسى مجتمعين عددا، لأنّ التمثيل هنا عرقيّ لا للأفكار والبرامج كما هو معهود في عصرنا، فلو اعتمد العدد في مثل هذا النظام، لكانت نتيجته قهر الأقليّة، وانسداد السبيل أمامها لإسماع صوتها ورأيها في المستقبل القريب والبعيد على السواء، كما تدلّ على ذلك الإحصاءات الحالية، وسيكون ذلك مصدر قلاقل وفتن، في مجتمع مسلّح آنذاك، والتحالفات فيه أكثر من ممكنة.
ومن آثار هذا التقسيم الإيجابيّة:
- استقرار هذا التقسيم إلى ما بعد الدخول الفرنسيّ إلى مزاب، إلى أواخر سنة 1890م/ أواسط عام 1308هـ، فاستمرّ لأكثر من قرنين من الزمان، وهو ما لم تقارب ثلثه التقسيمات اللاحقة، في أوضاع جدّ آمنة مقارنة بالظروف التي كانت تعيشها بني يزقن آنذاك.
- توفيره الاستقرار والأمن في بلدة بني يزقن، مقارنة بالوضع الذي كان سائدا قبله، يقول الشيخ اطفيش بعد حديثه عن الشيخ بالحاج في القرن العاشر الهجريّ: «وكان أهل غرداية وأهل مليكة يغزون بني يسجن، وأهل غارداية يفسدون غلّة بني يسجن، وأهل مليكة أحرقوا كتب بني يسجن في تفيلالت وأموالهم، ويقال: كان أهل غارداية يأخذون دراهم على بني يسجن» (2). بينما إذا عدنا إلى هذه الفترة لم تعش بني يزقن قلاقل داخلية إلاّ في السنوات التالية:
1) سنة 1226هـ، يقول في ذلك الشيخ
__________
(1) - معجم أعلام الإباضية3: 678 - 680.
(2) - الرسالة الشافية447؛ وينظر: تاريخ بني مزاب93. (7/102)
صفحة 101
الحاج يوسف بن حمو بن عدون: «ولد النخل في بني يسجن سنة ستّ وعشرين ومائتين وألف [1226هـ]، ما لم يعهد مثله. وفي الخامس عشر من ربيع الثاني/ [06 جويلية 1811هـ]، وقع الضرب والإدماء في بني يسجن فيما بينهم» (1).
2) سنة 1876م: يقول تقرير فرنسيّ عن الأحداث الدامية التي سبقت دخول الفرنسيين إلى وداي مزاب، وكانت ذريعة لتدخّلها: «في 15 جويلية 1876م/ [23 جمادى الثاني 1293هـ]: وقع صراع في سوق بني يزقن، وأسفر عن خمسين جريحا، ولم يسقط فيه موتى» (2).
3) سنة 1880م: جاء في تقرير آخر، في نفس الموضوع: «في 03 مارس 1880/ [21 ربيع الأوّل 1279هـ]: وقع قتال في مزاب، بين سكّان بني يزقن، وأسفر عن تسعة قتلى وعشرين جريحا». وزيد قبله بلون مغاير: «23 فيفري 1880/ [12 ربيع الأوّل 1297هـ]: قتل 13 رجلا، وجرح 60، في حرب شوارع، ببني يزقن»، وكتب بنفس اللون بعد العبارة الأولى: «تتمّة لسابقه» (3)، بمعنى أنّ المعركة وقعت في 23 فيفري، وتكرّرت المواجهات في 03 مارس، وأسفر الصراع عن مقتل 22 رجلا، وجرح 80 شخصا.
ويلاحظ الفرق الشاسع بين هذه الحوادث، فالأولى ضرب وإدماء، والثانية جرحى، والثالثة قتلى وجرحى، والثانية والثالثة وقعتا في فترة وجيزة، بعد ظهور الاستعمار الفرنسيّ كقوّة في المنطقة، يمكن أن تتدخّل في الشؤون الداخلية لهذه المدن، فعندما كانت السلطة بيد "جماعة بني يزقن"، وبتحقّق توازن القوى داخلها، لم تصل الحادثة إلى القتل، ولم تتكرّر إلاّ بعد مرور خمس وستين سنة؛ وبوجود السلطة الاستعماريّة اختلّ التوازن، إذ فقدت "جماعة بني يزقن" جزء من سلطتها، وأصبح بإمكان البعض تجاوزها رأسا إلى هذه القوّة الأجنبيّة، فأمكن للفرد أو المجموعة أن يفرض رأيه على الجماعة،
__________
(1) - الرسالة الشافية401؛ وينظر: تاريخ بني مزاب96.
(2) - ( CAOM)، 22h12، تقرير من 04 صفحات، غير مؤرّخ، ص02؛ مقابلا بـ: تاريخ بني مزاب139.
(3) - ( CAOM)، 22h12، تقرير من صفحتين، غير مؤرّخ، ص02؛ مقابلا بـ: تاريخ بني مزاب139. (7/103)
صفحة 102
بينما كان الكلّ محكوما بسلطة الجماعة في السابق لا غير، فتكرّر الصراع مرّتين في ظرف 05 سنوات فقط، وخلّف عددا كبيرا من الجرحى والقتلى.
بينما لم يستطع أحد أن يدخل أسوار بني يزقن، وأن يخرّبها، بالرغم من اشتراكها في حروب عديدة بوادي مزاب وورجلان، وبالرغم من تكرّر المحاولات التي طالت أجنّتها، ولم تتجاوزها، ولعلّ أخطرها ما حدث بعد معاهدة 1853م (1)، فقد عثرنا على رسائل بعثتها بلدة بني يزقن إلى جماعاتها بمدن الشمال، بداية بمدينة الأغواط، تتحدّث عن وضع عصيب تعيشه البلدة في تلك الآونة، فنقرأ في رسالة أولى: «وبعد، فإلى جموع بني يزقن في جميع البلدان والأقطار، الكبير منهم والصغير، فمن وصلت بيده هذه الرسالة يبعثها لغيره من البلدان. من عزابة بني يزجن وعوامّها [ ... ] إنّ أهل الخلاف أرادوا أن يقلعوا بلادكم من أصلها. الشريف ومن معه، وابن شهرة وحزبه، ومتليلي ومن نزل بهم، كلّ يتمنّاها، فلا بدّ من قدوم شطر القوم الكائنين في جميع البلدان عونا للأرامل والضعفاء، من مال ورجال، عونا لنسائكم وذراريكم عزما من غير مهلة ولا تراخ، وقد اشتدّ عليهم الأمر [ ... ] فمن أراد دعوة الخير فليدرك أهله وأحبابه، ويغيثهم، والسلام، فمن وصلت بيده، فليبعثها لغيره في الساعة والحين، والسلام» (2)؛ وتتحدّث الرسالة الثالثة من جماعة قصر البخاري عن نتيجة المواجهة الأولى، فقد هجم الشعانبة والمذابيح وسعيد عتبة والأرباع ومن معهم في عصابة، فمات ستّة من بني يزقن، وسقط في ساحة المعركة من المهاجمين أربعة موتى، وستّة مجاريح. ثمّ نجد رسالتين موجّهتين من جماعة بني يزقن إلى السلطات الفرنسية، بواسطة الأمين عدون بن باسعيد، تتضمّن -فيما تتضمّنه- المطالبة بالسماح لأبنائها بالعودة إلى وطنهم للدفاع عنه، وقد وصلت هاتان الرسالتان إلى الأغواط في 05 أوت 1853، وتشير الرسالتان إلى وقوع هجوم ثان، أسفر عن خمسة عشر قتيلا،
__________
(1) - ينظر: تاريخ بني مزاب98.
(2) - ... وثيقة بخطّ داود بن باحمد بن بانو، نقل فيها، بتاريخ 29 رمضان 1269هـ/ [06 جويلية 1853م]، رسائل: جماعة بني يزقن، وجماعة الأغواط، وجماعة قصر البخاري؛ وتحدّثت تقارير فرنسية عن استجابة واسعة، وتوتّر وقلق في الأوساط المزابية في مدن الشمال، بسبب هذه الأوضاع، وعن وقوع هجوم مماثل على القرارة؛ ينظر: ( CAOM)، 22h13. (7/104)
صفحة 103
وثمانية وعشرين جريحا في صفّ بني يزقن، بينما سقط من الطرف الثاني ثمانية عشر قتيلا، وعددا لا يحصى من الجرحى (1)، ولم تتحدّث وثائق الإدارة الفرنسيّة عن تكرّر العدوان بعد ذلك.
عند دخول الاستعمار الفرنسيّ إلى وادي مزاب، قمع هذه الخلافات بالقوّة، وبالتحكّم في السلاح المنتشر بوادي مزاب، كما تدخّل بطريقة غير مباشرة في نظام الجماعة بوادي مزاب، بفرض منصب "القائد"، وكان الغرض من ذلك تقليص سلطة "هيئة العزابة" في المجتمع، وفي نفس السياق عملت على إلغاء منصب "الشيخ" في الهيئة، وأصبحت الجماعة تمارس سلطتها تحت سلطة الحاكم العسكريّ لدائرة غرداية، وكان في ذلك مساس بأهمّ مقوّمين في "الجماعة"، وهو التسيير الجماعيّ لشؤون البلدة، واختلال التوازن في الجماعة لصالح القائد بوظيفه الرسميّ، وما يوفّره له من نفوذ كبير، وبزيادة ممثّل إضافيّ من عشيرته، أضف إلى ذلك اختيار الخليفة من عرشه، كلّ ذلك وإن لم يسفر عن صراع دمويّ لوجود القوّة القاهرة، فإنّ الصراع اتّخذ شكلا آخر، هو التنافس على مختلف وظائف الدولة في البلدة في القيادة والقضاء، وما ينضوي تحتهما من وظائف، وكانت له آثاره الجانبيّة في مجالات أخرى، وسنقتصر في حديثنا على ما يهمّنا وهو "جماعة بني يزقن":
تعيّن الحاج يوسف بن محمد بن موسى السرّار رسميّا قائدا لبني يزقن بتاريخ 23 نوفمبر 1882، بعد مفاوضات استمرّت لعدّة أيّام، لوجود اختلاف عميق بين الأعراش الثلاثة، وفي غياب الحلّ التوافقيّ، تدخّلت السلطة الاستعماريّة، فآل الأمر إلى انتخاب مقدّم أولاد موسى الحاج يوسف بن محمد بالأغلبية إزاء منافسيه عدون بن باسعيد مقدّم أولاد اعنان، والحاج أحمد بن موسى مقدّم أولاد يدر (2).
__________
(1) - الرسالة الأولى غير مؤرّخة موجّهة من جماعة بني يزقن إلى الوالي العام، من لسان عدون بن باسعيد؛ والثانية غير مؤرّخة من الأمين عدون بن باسعيد، بإذن جماعة بني يزقن، إلى الجنرال يوسف، حاكم المدية وعمالة التيطري، ولم تذكر الرسالتان من المهاجمين سوى الشعانبة؛ ينظر: ( CAOM)، 22h13.
(2) - ... ينظر: ( CAOM)، 22h12، رسالة رقم 496، من الجنرال دو لا تور دوفارني ( De La Tour d'Auvergne)، قائد الحملة على وادي مزاب لإلحاقها بفرنسا سنة 1882، إلى وصايته بالجزائر، بتاريخ 23 نوفمبر 1882. (7/105)
صفحة 104
ولا بدّ أن نسجّل في هذا الصدد بأنّ القائد غير الرسميّ لبني يزقن من سنة 1853 إلى 1882، كان عدّون بن باسعيد، من أولاد عدون بن عيسى، من عرش أولاد اعنان، ولم ينل القائد الجديد هذا المنصب إلاّ بالتحالف بين عرشي أولاد موسى وأولاد يدر، فلم يقبل عرش أولاد اعنان بهذا الوضع، خاصّة وأنّه يملك ورقة ضغط يفهمها المستعمر، بحكم ثقافته الديمقراطية، وهي الأغلبيّة العددية، وإن كانت لا تتوافق أساسا مع النظام الذي كان يحكم الجماعة سابقا.
في 14 جانفي 1889م، طلب الحاكم العسكريّ بدائرة غرداية من القائد الحاج يوسف استدعاء أعضاء الجماعة لحضور اجتماع بدار العرش ببني يزقن، على الساعة الثانية بعد الزوال، وفي هذا الاجتماع أقال الحاكم العسكريّ القائد الحاج يوسف بن محمد بن موسى من منصبه، ونصّب بدلا عنه القائد الجديد عيسى بن سليمان بن صالح بن موسى، من أولاد افضل، من عرش أولاد اعنان، وعندما احتجّ القائد على هذا القرار أجابه الحاكم: «جاءتني الأوامر من الجزائر، وأنا أطبّقها» (1).
أثار هذا القرار معارضة شديدة من عرشي أولاد موسى وأولاد يدر (2)، لأنّ تولّي القائد الحاج يوسف لمنصبه كان عن طريق انتخاب أعضاء الجماعة له، من غير تدخّل للإدارة، بينما القائد الجديد نصّبته الإدارة
__________
(1) - ... ينظر: ( CAOM)، 22h14، رسالة احتجاج من المعارضين لتولية القائد الجديد، من غير ذكر اسم أو أسماء المحتجين، ولا لمن وجّهت إليه الرسالة، ويبدو أنّها مترجمة من أصلها باللغة العربيّة، لأنّ الخطّ خطّ الإدارة الاستعمارية بالجزائر، وهي مؤرخة في 22/ 01/1889، وثيقة من 28 صفحة، ص5، 6؛ وتشير الرسالة إلى أنّ القرار كان مفاجأ للجميع حتّى بالنسبة للقائد الجديد، فقد يكون على غير علم بالقرار.
(2) - يذكر المعارضون أنّ سبب الإقالة هو معارضة القائد الحاج يوسف لدفع الرسوم على السلع التي تباع في أسواق وادي مزاب، وقد عارض هذا الأمر جميع قيّاد قرى وادي مزاب، لأنّ الدين الإسلاميّ يمنع أخذ رسوم على السلع التي تباع في السوق، أو ما يسمّى المكس، فتولّى القائد الحاج يوسف أمر توضيح وبيان وتوثيق هذا الحكم الفقهيّ، فاعتبر بذلك عدوّا للإدارة الاستعماريّة، فأقيل. ينظر: ( CAOM)، 22h14، رسالة احتجاج من المعارضين لتولية القائد الجديد17 - 19. (7/106)
صفحة 105
الاستعماريّة من غير انتخاب، وهو تدخّل سافر في شؤون الجماعة.
هذه المعارضة أصبحت لها الأغلبيّة في الجماعة، فصعّدت مواجهتها للقائد الجديد، فقامت بمساع حثيثة لاسترجاع حقّ القائد السابق، والإطاحة بالقائد الجديد، فكثرت الشكاوى من الانتهاكات التي يرتكبها القائد في حقّهم، وتجاوزت القضية حدود التراب العسكريّ بغرداية، عندما وكّل المعارضون السيّد: عيسى بن محمد بن عمر بن يحي، الذي كان تاجرا بالبليدة، بتاريخ 15 فيفري 1890، ليكون واسطة بينهم وبين السلطات العليا في الدولة، وكانوا يزوّدونه بالمادّة اللازمة لصياغة الشكاوى والعرائض باسمهم.
وإزاء هذه الأغلبية في الجماعة للمعارضين للقائد عيسى بن سليمان، استغلّ هو ما يوفّره له منصبه من سلطة ونفوذ، فسعى إلى تغييب المعارضة في عمل "جماعة بني يزقن"، فتجاوز صلاحياته، وأصبح يتّخذ قرارات انفرادية، أو مع ممثلي عرشه (1).
ونتيجة للشكاوى المتكرّرة من المعارضة، سافر الجنرال بوازة ( Poizat : Commandant de la Division d’Alger) (2) ، والمقدّم بون ( Commandant Pont) في أوائل شهر أفريل إلى بني يزقن، للتحقيق في هذا الخلاف، وبدأ التحقيق يوم 06 أفريل 1890م، وانتهى إلى عقد صلح بين الأطراف المتنازعة يوم 12 أفريل 1890 (3)، وممّا جاء فيه مع تصحيح بعض عباراته قدر الإمكان:
__________
(1) - ورد في اتّفاق 12 أفريل 1890م: المسألة الأولى المتّفق عليها: تقرير قانون البلد؛ والثانية: إبطال كلّ شيء أحدث ممّا يخالف ذلك القانون؛ والثالثة: رئيس الجماعة لا يحكم على أحد بشيء إلاّ بحضور المقدّمين الثلاثة، ليكون البحث والاستوثاق على أيديهم؛ والسابعة: إذا مات عضو من أعضاء العشائر، أو سلّم في منصبه، أو أخرج منه، فالعشيرة هي التي تختار من تجعل في مكانه لا غيرهم؛ والثامنة: على الرئيس أن يخبر الأعضاء بكلّ ما تكاتبه به الدولة، وبما يجاوبها هو به؛ والتاسعة: على الرئيس أن يوضّح للأعضاء المدخول والمخروج فيما يتعلّق بكيس الجماعة، ليزول الشكّ؛ ينظر: سجّل العقود11، عقد: 232، مؤرّخا يوم 22 شعبان 1307هـ/ 12 أفريل 1890م، ص64.
(2) - تنظر وظيفته: ( CAOM)، 22h14، رسالة مطوّلة منه إلى الوالي العام، بتاريخ 28 أكتوبر 1890، رقم: 495، وثيقة من 26 صفحة، ص01.
(3) - ينظر: ( CAOM)، 22h14، عريضة احتجاج مطوّلة مطبوعة، للوكيل عيسى بن محمد بن عمر، بعد تاريخ 01 جانفي 1891م، وثيقة من 15 صفحة، ص3، 4. (7/107)
صفحة 106
«[ ... ] وقد ثبت لدينا الآن ما سبق في علم الله وقضائه من قبل، باجتماع أعضاء عشائر بني يزقن الخمسة عشر، وهم:
السيّد داود بن محمد بن موسى، والسيّد موسى بن باحمد بن محمد، والسيّد سليمان بن داود بن داد، والسيّد زكرياء بن صالح بن داود، والسيّد موسى بن سليمان بن صالح، والسيّد الحاج محمد بن صالح بن الحاج، والسيّد إبراهيم بن باحمد بن الحاج، والسيّد الحاج يوسف بن يوسف بن سليمان، والسيّد الحاج عيسى بن قاسم بن عيسى، والسيّد الحاج عبد الله بن الحاج موسى بن عيسى، والسيّد محمد بن يوسف بن بكير، والسيّد عيسى بن امحمد بن أيوب، والسيّد يحي بن الحاج الناصر بن موسى، والسيّد محمد بن بانوح بن معروف، والسيّد عبد الله بن محمد بن عبد الله.
ورئيسهم السيّد عيسى بن سليمان بن صالح، في دار العرش المتّصلة بباب بلدنا الشرقيّ، يوم السبت اثنان وعشرون شعبان 1307هـ، الموافق لاثنتي عشرة أفريل 1890م، لمذاكرة ما وقع من التشغيب والخلاف في البلد، والتشويش فيما بينهم بسبب تعدية، وتخطّي قانون بلدهم ممّن لا عقل له، ولا بصيرة بعواقب الأمور، ولا غيرة له على دين الله والمذهب، وتغافل من يجب عليه أن يحامي على القانون والدين والمذهب [ ... ] إلى أن لحق بذلك أهل بني يسقن ذكورا وإناثا، كبارا وصغارا، عبيدا وأحرارا بلاء جسيم، وضرر عظيم، في دينهم ومذهبهم، ودنياهم وآخرتهم، [ ... ]، فوقع الخلف، وترافعت الشكاوى إلى السادات والولاة، الذين جعلهم الله لفصل القضايا، ولدينه وعهوده قائمين حماة، فبحثوا في المسألة، وتحقّقت لديهم، فطلبوا وأمروا من يرجى منه الخير [ ... ] وإصلاح ذات البين أن يحضر مع الجماعة والرئيس للمذاكرة، ففعل، وهم: السيّد الفاضل الحاج عيسى بن الحاج سعيد، رئيس محكمة بني يسقن، والسيّد الحاج يوسف بن محمد بن موسى، والسيّد الحاج أحمد بن موسى بن يحي، والسيّد عيسى بن محمد بن عمر، والسيّد محمد بن صالح بن موسى، باش عدل المحكمة، ففعلوا، وحضروا كلّ ذلك بحضرة الكمندان، الحاكم الكبير بدائرة غرداية [ ... ] فكان ما حصل /عليه الاتّفاق عشر مسائل: [ ... ] فحيث تمّ الاتّفاق على المسائل العشر، ممّن سطّر من الأعضاء والرئيس ومن حضر معهم، طلبوا من السيّد عيسى بن محمد بن عمر بن (7/108)
صفحة 107
يحي، وكيل جلّ الأعضاء، مسألة حادية عشر [ ... ] وهي أن يترك، ويبطل كلّ شكوى اشتكى بها، بالرئيس، أو بغيره من الأعضاء عند السادات الحكّام، هنا أو في مدن التلّ، ففعل، وأنعم بها [ ... ]، ولم يبق بين من سطّر كلّهم، من الأعضاء والرئيس وعيسى بن محمد، ومن معهما جميعا، في ذلك الاتّفاق، ومن يتّصل بهم دعوة، ولا مطالبة في شيء» (1).
هذا الاتّفاق لم يغيّر شيئا، فالمعارضة واصلت مساعيها وشكاواها، بدعوى رجوع القائد إلى ممارساته بعد شهر من الاتّفاق، وذلك عن طريق وكيلها عيسى بن محمد بن عمر بن يحي، وتجاوز الأمر الشكاوى إلى مقالات في جريدة "الأخبار" ( l’Akbar)، الصادرة باللغة الفرنسيّة في الجزائر العاصمة، فظهر المقال الأوّل في 15/ 08/1890م، والثاني في 25/ 09، والثالث في 12/ 10 من نفس السنة (2).
وفي نفس الوقت سعى القائد عيسى بن سليمان إلى ضمان الأغلبية لعرشه في الجماعة، مستندا إلى امتلاك عرش أولاد اعنان للأغلبية العددية في عرش بني يزقن، وعدم انعكاس هذه الأغلبيّة على تمثيلهم في "جماعة بني يزقن" (3)، فبعثت كلّ عشيرة من عشائر أولاد بامحمد، وأولاد خالد، وأولاد عدون بن عيسى، وأولاد افضل، رسالة إلى الحاكم العسكريّ بدائرة غرداية، تطالب فيها برفع عدد ممثليها في الجماعة، بتقسيمها إلى عدد من العشائر، والرسائل الأربعة كتبت بنفس العبارات، والسبب المذكور لتقسيم العشيرة هو زيادة عدد سكانها، وتاريخها هو 13 أكتوبر 1890م، ممّا يعتبر بصمة واضحة للقائد عيسى بن سليمان (4).
ضاقت الإدارة الاستعماريّة ذرعا بهذا الخلاف المستحكم محليّا، وعلى مستوى القطر، فأمر الجنرال بوازة ( Poizat)، حاكم قسم الجزائر، الحاكم الجديد بدائرة غرداية، ديديي ( Lieutenant-Colonel :Didier) (5) ، بإجراء تحقيق جديد، كشف عن خرق المعارضة للكثير من قوانين الإدارة، فوقفت الإدارة مع موظّفها ضدّ المعارضين له، فزكّى الجنرال بوازة ( Poizat) مقترح ( Didier) بتسليط عقوبات قاسية ضدّ من ثبت تورّطهم في هذه الأحداث، يمكن تخفيفها بعد ذلك إذا لوحظ أثر إيجابيّ لها على سكّان بني يزقن؛ لحسم هذا الخلاف، واستتباب النظام والأمن في بلدة بني يزقن (6).
صدر القرار من الوالي العام باعتقال خمسة أشخاص (7) من بني يزقن إلى أجل غير معيّن بمدينة تبسة، بتاريخ 20 نوفمبر 1890م، بتهمة إثارة الأحقاد بين المواطنين، والقيام بممارسات تخلّ بالأمن
__________
(1) - سجّل العقود11، عقد: 232، مؤرّخا يوم 22 شعبان 1307هـ/ 12 أفريل 1890م، ص63، 64.
(2) - ينظر: ( CAOM)، 22h14، عريضة الاحتجاج المطوّلة، لعيسى بن محمد بن عمر.
(3) - ولعلّ القائد عيسى بن سليمان وجد في طلب فرق صغيرة من أولاد يدر وأولاد موسى، في أواخر شهر فيفري 1890م، الانضمام إلى فرق أكبر دعما لمسعاه، وهي: أولاد بوفارة (11 رجلا)، من أولاد موسى؛ وأولاد بويحي (20 رجلا)، وأولاد بوهريرة (21 رجلا)، من عرش أولاد يدر، غير أنّ هذا الطلب لم يتحقّق، وبقيت هذه الفرق على حالها؛ ينظر: سجلات البريد الصادر، من أرشيف قياد بني يزقن، رسالة قائد بني يزقن إلى حاكم ملحقة غرداية، رقم 36، مؤرّخة في 25 أو 26 فيفري 1890.
(4) - ينظر: ( CAOM)، 22h14، رسائل العشائر الأربعة، بتاريخ 13 أكتوبر 1890م، 04 وثائق من صفحة واحدة.
(5) - كان تنصيبه بتاريخ 17 جويلية 1890م؛ ينظر: ( CAOM)، 22h14، الرسالة المطوّلة من الجنرال بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام09.
(6) - ينظر: ( CAOM)، 22h14، الرسالة المطوّلة من بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام.
(7) - وهم على الترتيب السادة: محمد بن عبد الله بن الحاج أيوب بن عيسى، من أولاد باكلي؛ وموسى بن الحاج أحمد (أو باحمد) بن محمد بن موسى، من أولاد وينتن، ويحي بن الحاج الناصر بن موسى بن إبراهيم، من أولاد باكلي؛ ومحمد بن داود بن قاسم بن عيسى بن حمو بن عدون، من أولاد قاسم بن اعمر؛ وعيسى بن إبراهيم بن عيسى العجّال، من أولاد وينتن؛ ينظر: ( CAOM)، 22h14، رسالة ثانية من الجنرال بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام، بتاريخ 19 جانفي 1891، وثيقة من 08 صفحات، ص04. أمّا تحديد عشائرهم، فينظر: ( CAOM)، 22h14، الرسالة المطوّلة من الجنرال بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام. وقد عثرنا في سجلاّت قضاة بني يزقن على 05 عقود عيّن فيها كلّ سجين وكيله مدّة غيابه، وفي هذه العقود أسماء المعتقلين كاملة كما أثبتناها؛ ينظر: سجّل العقود12، 05 عقود: 443 - 447، مؤرّخة في 13 جمادى الأولى 1308هـ، 26 ديسمبر 1890م، ص222، 223. كلّ ذلك مقابلا بـ: تاريخ بني مزاب174. (7/109)
صفحة 108
العامّ (1).
وقرّر الجنرال بوازة ( Poizat) من جهته إقالة ستة أعضاء من "جماعة بني يزقن" (2)، وحظر انتخابهم مرّة أخرى إلى أجل غير معيّن، مع غرامة لكلّ واحد منهم تساوي 200 فرنكا، وراسل بهذه القرارات الحاكم العسكريّ بدائرة غرداية، بتاريخ 08/ 12/1890، رسالة رقم: 3345 (3).
وفي يوم 24 ديسمبر 1890م، وبمجرّد وصول المراسلة، استدعى ديديي ( Didier)، الحاكم العسكريّ بدائرة غرداية، "جماعة بني يزقن"، وأربعة أعيان من كلّ عشيرة، للاجتماع بهم في دار العرش، وذهب إلى الاجتماع برفقة رئيس المكتب، والترجمان، وفي الاجتماع -وبحضور الجميع- أعلن عن العقوبة التي أصدرها الوالي العام في حقّ خمسة أشخاص من أعيان بني يزقن، بالإضافة إلى ما أصدره الجنرال بوازة ( Poizat) في حقّ ستة أعضاء من "جماعة بني يزقن"؛ وأعلن عن رفع عدد أعضاء ممثلي عرش أولاد اعنان في الجماعة إلى اثني عشر ممثّلا، وأمر بإجراء انتخابات فورية لاختيار الأعضاء الجدد في الجماعة، وتعويض المقالين من مناصبهم (4)، يقول ديديي
__________
(1) - ينظر: ( CAOM)، 22h14، رسالة ثانية من الجنرال بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام01.
(2) - وهم على الترتيب السادة: سليمان بن داود، من عشيرة أولاد باسة بن صالح؛ والحاج عيسى بن قاسم، من أولاد قاسم بن اعمر؛ والحاج عبد الله بن موسى، من أولاد بوهريرة؛ والحاج محمد بن صالح، من أولاد دودو؛ وإبراهيم بن باحمد، من أولاد عدون بن إبراهيم؛ ومحمد بن يوسف؛ ينظر: ( CAOM)، 22h14، رسالة ثانية من الجنرال بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام04. أمّا تحديد عشائرهم، فينظر: ( CAOM)، 22h14، الرسالة المطوّلة من الجنرال بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام؛ والاسم الأخير في القائمة لم يذكر في الرسالة الثانية، إلاّ أن يكون قد وقع خطأ في اسمه، فكان محمد بن حمو بن عدون، من أولاد وينتن، عوض محمد بن يوسف؛ وإلاّ فهو محمد بن يوسف بن بكير، المذكور في نصّ عقد محكمة بني يزقن، في خصوص الصلح الذي انعقد في 12 أفريل 1890م، وإذا كان هو، فلا نعرف عشيرته، ولا ندري ما هي التهمة التي نسبت إليه، إذ لم يذكر في الرسالة المطوّلة تماما.
(3) - ينظر: ( CAOM)، 22h14، رسالة ثانية من الجنرال بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام02.
(4) - ينظر: ( CAOM)، 22h14، رسالة ثانية من الجنرال بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام03 - 05. وتضيف الرسالة أنّ أولاد اعنان فقد أجروا انتخابات الأعضاء الجدد في اليوم الموالي، بينما تأخّرت انتخابات ممثّلي أولاد موسى، وأولاد يدر بعض الشيء. (7/110)
صفحة 109
في مراسلة له إلى الجنرال بوازة: «مجمل هذه الإجراءات غير المنتظرة كان لها وقع كبير على سكّان بني يزقن، فلم تسمع ولو همسة، ولا احتجاج، عاد الناس إلى منازلهم، ولم يختلّ النظام مرّة أخرى» (1).
لقد استغلّ الحاكم العسكريّ هذا الظرف لإجراء تعديلات نوعية على نظام "جماعة بني يزقن"؛ يقول قائد بني يزقن في رسالة إلى الحاكم، رقم 113، مؤرخة في 29 ماي 1907م، بعد تصحيح عبارتها قدر الإمكان:
«في سنة 1890 قسّمنا بأمر من الكولونيل ديديي ( Didier) عرش بني يزقن على إحدى وعشرين فرقة، كلّ فرقة عليها رئيس، وبعثت جريدتهم في رسالتين، الأولى مؤرّخة في 24 ديسمبر 1890، رقم: 236؛ والثانية مؤرّخة في 26 منه، رقم: 240. وأمّا الضمّان فكان بأمر من الجنرال حاكم قسمة المدية، فقد أمرنا بجعل ثلاثة ضمّان لكلّ رئيس فرقة، ووافق على ذلك الوالي العام [ ... ]» (2).
هذا التقسيم الجديد مسّ عرشي أولاد اعنان وأولاد موسى فقط، ونجد صورته بالنسبة لعرش أولاد اعنان في رسالة من قائد بني يزقن إلى حاكم ملحقة غرداية، رقم 236، مؤرخة في 24 ديسمبر 1890، يخبره عن فرق عشائر أولاد اعنان:
«عشيرة أولاد بامحمد فيها أربع فرق: أولاد الشيخ الحاج أحمد: داود بن محمد [بن موسى]؛ أولاد الحاج سعيد بن الحاج: الحاج عبد الله بن عبد العزيز؛ أولاد زكري بن الحاج: علي [أو باعلي] بن حمو [بن داود]؛ أولاد دادة: داود بن امحمد [أو محمد] بن الحاج.
عشيرة أولاد خالد فيها ثلاث فرق: أولاد باحمد بن موسى: أيوب بن الحاج بن أيوب؛ أولاد البليدي: محمد
__________
(1) - ( CAOM)، 22h14، رسالة ثانية من الجنرال بوازة ( Poizat) إلى الوالي العام05. ويضيف الحاكم ديديي ( Didier) فيها بأنّه ألقى القبض على من صدر في حقّه قرار الاعتقال فورا، واختار إرسالهم إلى مدينة تبسة، في صباح يوم 01 جانفي 1891م، بمرأى من جماعات مدن وادي مزاب، التي قصدت البرج، لتهنئة الحاكم العسكريّ بالعام الجديد.
(2) - ينظر: سجلات البريد الصادر، من أرشيف قياد بني يزقن. وأغلب الظنّ أن تكون تسمية جماعة بني يزقن بـ "الضمّان" إنّما نشأت منذ هذا التاريخ. (7/112)
صفحة 110
بن الحاج بليونس؛ فرقة أولاد باباعمّي: بلحاج بن داود.
عشيرة أولاد افضل فيها فرقتان: أولاد باباسة: موسى بن سليمان بن صالح؛ أولاد بلوح: صالح بن عبد الله بن امحمد.
عشيرة أولاد عدون بن عيسى فيها فرقتان: أولاد الحاج زكري: عيسى بن امحمد [أو محمد بن أيوب بن الحاج] بنقة؛ أولاد الحاج الناصر: عبد الله بن داود [بن عبد الله].
عشيرة أولاد باحمان بقيت على حالها: يحي بن محمد بن عيسى [بحريز]» (1).
أمّا التعديل الذي أجري على عرش أولاد موسى فكان بحذف عشيرة أولاد بوفارة أصلا (2)، وليس إدراجها في عشيرة أكبر كما طالبت هي به، فاندرجت بالضرورة فيما يعرف بـ "العرّام" (3).
إنّ هذا التقسيم الجديد لعرش أولاد اعنان تمّ في ظروف استعجاليّة، فلم يقم على أساس مكين من الدراية بالأنساب، بما يسهم في الحفاظ عليها، وإنّما سمّيت العشائر المستحدثة بأسماء عائلات لها نفوذها في العشيرة الكبرى، فمهّدت -على سبيل المثال لا الحصر- تسمية أولاد الحاج الناصر، لاختفاء تسمية أولاد عدون بن عيسى، وسمّي أولاد عبد العزيز باسم زكري بن الحاج، ولا وجود لهذا الاسم تماما في سلسلة نسب أولاد عبد العزيز إلى الشيخ أبي امحمد، ولهذا
__________
(1) - ينظر: سجلات البريد الصادر، من أرشيف قياد بني يزقن.
(2) - خلاف ما جاء في "تطوّر البنية العشائريّة في بني يزقن"01، للأستاذ الحاج سعيد يوسف، وتمّ ذلك سنة 1890م -كما أسلفنا- وليس في سنة 1891م.
(3) - في رسالة من قائد بني يزقن إلى حاكم ملحقة غرداية، رقم 124، ص449، مؤرخة في 24 أفريل 1912، جاء فيها: رسالة تابعة لرسالتي رقم 110، بتاريخ 16 الجاري، في شأن اقتراح ثلاثة أشخاص لتولي وظيف باش عدل بمحكمة بلدتي، وقد اقترحت ثلاثة. واليوم سمعت بأنّ القاضي طلب المسمّى محمد بن إبراهيم بوفارة لتولّي هذا الوظيف، وهو من العوام، وليس له فرقة ولا ضامن في العرش المذكور، فلا نقبله أن يكون بمحكمتنا، للعرف الجاري في بلدتنا: يوجد في البلدة ثلاثة أعراش: أولاد اعنان، وأولاد موسى، وأولاد يدر، ويجب أن يكون الأعراش الثلاثة ممثلين في المحكمة، وهي جارية على هذا العرف، فالقاضي من أولاد موسى، وباش عدل المعزول من أولاد اعنان، والعادل من أولاد يدر. فإذا ارتقى العدل إلى وظيف باش عدل، يكون العدل من أولاد اعنان، وهذه عوائدنا، والسلام. (7/113)
صفحة 111
عدّلت التسمية بعد مرور أربعة عقود (1).
هذا هو الشرخ الكبير الذي وقع في "جماعة بني يزقن" سنة 1890م، بسبب وضع جديد هو الاستعمار، وانتقال السلطة إليه، في حين لم تستطع أن تتكيّف فيه "الجماعة" معه، بما يحافظ على الأمان والاستقرار الاجتماعيّ الداخليّ، التي نعمت به بني يزقن لمدّة طويلة مقارنة بغيرها، مكّنها من أن تكون حاضرة للعلم (2)، وتسهم في حلّ بعض الخلافات الدامية في قرى وادي مزاب.
لقد تغلّب على أقطاب "جماعة بني يزقن" حبّ السيطرة والغلبة، وأدّى إلى تسمّم العلاقات في المجتمع بين أطراف الصراع، وظهر أثره في جميع الأحداث الكبرى التي عاشتها بني يزقن في هذه الفترة وبعدها: عند شغور أيّ منصب من المناصب الرسميّة (3)؛ وفي قضية "التصلية" بين الشيخ اطفيش والشيخ الحاج صالح لعلي؛ وفي قضية "تدريس الأحداث في تونس" بين الشيخ الحاج صالح لعلي من جهة، والشيخ أبي إسحاق اطفيش، والشيخ أبي اليقظان من جهة أخرى؛ وفي مسألة "المحافظين والإصلاح" إبّان حركة الشيخ بيوض؛ ومعظم النار -كما يقال- من مستصغر الشرر.
إنّ مساعي عرشي أولاد يدر وأولاد موسى لتعديل الكفّة في "جماعة بني يزقن" أثمرت -بحسب ما وقفنا عليه- سنة 1916، في عهد قائد بني يزقن الجديد آنذاك سليمان بن عيسى بن سليمان بن صالح بن موسى (4)، إذ وجدناه لأوّل مرّة في حوصلة بزرة 1916 (5)، فانتقل عدد العشائر في عرش أولاد موسى من أربعة إلى ثماني عشائر، وفي عرش أولاد يدر من خمس عشائر إلى ستة، وهي كالآتي:
عرش أولاد موسى: انقسمت عشيرة أولاد وينتن إلى: أولاد باباعلي، وأولاد أيوب بن نوح، وأولاد دادي بن باحمد؛ وانقسمت عشيرة أولاد دودو إلى: أولاد ابن ستّي، وأولاد بلوح الفادع، وبقيت عشيرتا أولاد عدون بن إبراهيم، وأولاد باكلي على حالهما، وعادت عشيرة أولاد بوفارة باسم جديد، هو أولاد بابهون.
عرش أولاد يدر: انقسمت عشيرة باسة بن صالح إلى: أولاد عمّي موسى، وأولاد دادي موسى، وبقيت سائر عشائره على حالها.
وغنيّ عن البيان أنّ تسمية هذه العشائر الجديدة سار فيها أصحابها على النهج الذي سار عليه عرش أولاد اعنان سابقا.
أمّا عرش أولاد اعنان فلم يلحقه تغيير سوى تغيير تسمية عشيرة أولاد بلوح من أولاد افضل، إلى أولاد الحاج عيسى تمييزا لها عن أولاد بلوح الفادع، في عرش أولاد موسى، وذلك بتاريخ 06/ 05/1919 (6).
وهكذا بلغ عدد أعضاء جماعة بني يزقن إلى 26 عضوا، من غير القائد، وهو عدد ضخم مقارنة بمحدودية الأعضاء في الهيئات العرفية عموما، لضمان الفعالية، 13 في هيئة
__________
(1) - يقول الأستاذ الحاج سعيد يوسف: «وفي عام 1930، وقع تغيير اسم عشيرة زكري بن الحاج لأولاد اعنان إلى أولاد عبد العزيز» "تطوّر البنية العشائريّة في بني يزقن"01. ونلاحظ أيضا أنّ أسماء عشائر أولاد بامحمد الجديدة في مقترح العشيرة مختلفة بعض الشيء عن التسميات المقرّرة رسميّا، وهذه الأسماء هي: أولاد الحاج عبد الله، وأولاد الحاج سعيد بن الحاج، وأولاد زكري بن الحاج، وأولاد عمّي عيسى؛ ينظر: ( CAOM)، 22h14، رسالة عشيرة أولاد بامحمد إلى الحاكم العسكريّ بدائرة غرداية، بتاريخ 13 أكتوبر 1890م، وثيقة من صفحة واحدة.
(2) - فلا عجب أن نجد عددا من المتعلّمين قصدوا بني يزقن للاستزادة من العلم، بعدما أزهر فيها، فيصرّح الحاج صالح بن بامحمد بن أحمد بن صالح، في ختام نسخه لكتاب السير للشمّاخي، بتاريخ 15 شعبان 1191هـ/ [07 سبتمبر 1778م]، بأنّه ورجلانيّ النسب، لكنّه يزجنيّ مأوى وملجأ ومهربا، وهو من تلاميذ الشيخين يحي بن صالح الأفضليّ، وعبد العزيز الثمينيّ. ينظر: فهرس مكتبة الشيخ الحاج محمد بابانو، للأستاذ: يحي بن عيسى بوراس، مخطوط رقم:649، مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي، ببني يزقن.
(3) - عثرنا على مراسلة من القائد إلى الحاكم العسكريّ بغرداية، رقم: 82، مؤرّخة في 21/ 01/1919م، تتضمّن ردّا على اتّهام موجّه إلى القائد من ضمان البلدة، مفاده الاحتجاج على سيطرة أولاد اعنان على وظائف الدولة. ينظر: سجلات البريد الصادر، من أرشيف قياد بني يزقن.
(4) - صدر قرار تعيينه يوم 01/ 07/1913، بعد أشهر من وفاة والده. ينظر: سجلات البريد الصادر، من أرشيف قياد بني يزقن، رسالة رقم 331، بتاريخ 22/ 07/1913.
(5) - يذكر الأستاذ الحاج سعيد يوسف سنة 1914؛ تنظر: "تطوّر البنية العشائريّة في بني يزقن"01. ولم نستطع ضبط التاريخ بدقّة لعدم وجود وثائق.
(6) - ينظر: سجلات البريد الصادر، من أرشيف قياد بني يزقن، رسالة رقم 143، و144. (7/114)
صفحة 112
العزابة بحساب "الشيخ"، و15 عضوا في "جماعة بني يزقن"، فتحوّل الوضع من طلب بعض العشائر الانضمام إلى عشائر أكبر في بداية سنة 1890 (1)، إلى تفتيت العشائر الموجودة طلبا لعدد أكبر من الأصوات، ترجّح بها كفّة عرش على عرش آخر.
ولمّا كان هذا الوضع غير طبيعيّ، ودام بفرض السلطة الاستعماريّة له، سرعان ما تراجع بزوالها غداة استقلال الجزائر، فوقع التعديل الأخير في تشكيلة "جماعة بني يزقن"، من غير تدخّل للغير فيه، فتحكّمت فيه صعوبة وجود ممثلين لهذا العدد الكبير من العشائر، فتقلّص عدد العشائر، بما أفقد التوازن بين الأعراش مرّة أخرى، وزال معه -طبعا- منصب القائد وما يتبعه من وظائف:
رجعت العشائر الجديدة في عرش أولاد اعنان إلى أمّها في أولاد بامحمد، وأولاد خالد، وانصهرت عشيرتا أولاد الحاج الناصر وأولاد الحاج زكري في أولاد باحمان، فأصبح عددها في هذا العرش 04 عشائر.
وفي عرش أولاد موسى رجعت العشائر الجديدة إلى أمّها في أولاد وينتن، وأولاد دودو، وانصهرت عشيرة أولاد بابهون في أولاد باكلي، فأصبح عددها 04 عشائر.
بينما انصهرت جميع عشائر أولاد يدر بقديمها وجديدها في العشيرة الأمّ، وهي أولاد يدر، فأصبح العرش يضمّ عشيرتين فقط هما: أولاد يدر، وأولاد إسماعيل.
ومنه أصبح عدد أعضاء "جماعة بني يزقن" 10 ضمّان، من الاستقلال إلى أواسط السبعينيات، حيث أنشأ مجلس جديد، مختلف اختلافا كبيرا جدّا عمّا كانت عليه "جماعة بني يزقن"، ضمّ الضمّان، وزيد عليهم غيرهم، وقد غلب على تسميته "مجلس أعيان بني يزقن"، وهذا المجلس الجديد على قرب عهده لا نملك تأريخا لتطوّراته منذ وجد، غير أنّه يمكن أن نجزم بأنّ إنشاءه، وتطوّره بعد ذلك، لم يستند إلى مرجعية معيّنة على الأقلّ، وإنّما كان اجتهادات أملتها التطوّرات التي عرفتها الدولة الجزائريّة، والتحوّلات التي تبعتها في عمق المجتمع اليزجني.
إنّ سياسة مجتمع ما مهمّة صعبة ومعقّدة، وتكون هذه المهمّة بالرغم من تعقيدها وصعوبتها سهلة بكثير في مجتمع يتمتّع باستقلاليته، ويحكم نفسه بنفسه، مقارنة بالمجتمع نفسه عند فقدها، وخضوعه بصفة مباشرة أو غير مباشرة لقوى خارجية، تفرض سيطرتها عليه، وتختلف معه
__________
(1) - ينظر: ص16، ها03. (7/115)
صفحة 113
اختلافا بيّنا حضاريّا وثقافيّا.
لقد ابتدع أجدادنا عندما كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم نظاما نموذجيّا للتحكّم في سياسة مجتمعهم، أثبت فعاليته بمرور عقود من الزمن كثيرة، ولمّا تدخّلت القوّة الاستعماريّة، فقد هذا النظام توازنه، وأصبح ينتج الشقاق في المجتمع ويعمّقه، عوض أن ينشر الأمن فيه؛ لا لشيء سوى أنّ تسارع الأحداث ومفاجأتها لهم كلّ حين أفقدتهم القدرة على التحكّم فيها، والتكيّف مع تغيّراتها المفروضة عليهم، فانقلب الفعل الواعي المتبصّر لديهم إلى ردود أفعال ظرفية آنية، تغلّب المصلحة الخاصّة على المصلحة العامّة في محاولة التحكّم في السلطة.
إنّ دراسة تاريخ "جماعة بني يزقن"، خاصّة إذا ألممنا بجانبين مهمّين فيه، وهما مجالات نشاطاتها المختلفة، وعلاقاتها بغيرها من الهيئات في بني يزقن وخارجها، سيكسبنا خبرة، وسيوّفر لنا مرجعية، لا غنى لنا عنها إذا أردنا أن نعيش يومنا وغدنا مرتبطين أوثق ارتباط بماضينا، وإذا أردنا أن نتجاوز كثيرا من ردود الأفعال السلبية التي ورثناها من ماضينا أيضا، عندما نفهمها، وندرك خطورتها، وهو ما يدعونا إلى الأخذ بالإيجابيّ في هذا التاريخ، وترك ما عداه، وهذا الإيجابيّ ذاته يجب أن نأخذ منه روحه بالأساس، لا رسمه، ومنه فيما يخصّ موضوعنا:
1 - نظام "جماعة بني يزقن" هو الذي يضمن بالأساس تمثيل جميع سكانها، والتمثيل هنا عرقيّ بالدرجة الأولى.
2 - اختيار النظام الذي يضمن التوازن في المجتمع، ويكبح العصبيات، ويحقّق الفعالية في تسيير شؤون البلدة.
3 - التسيير الجماعيّ لشؤون البلدة أساسيّ لا بديل عنه.
4 - وضع آليات لمتابعة التطوّرات في محيطنا القريب والبعيد، لئلا تفاجئنا الأحداث، فنتخبّط في حلول ارتجالية، تضرّنا على المدى البعيد إن نفعتنا ظرفيّا.
5 - الاهتمام بتاريخنا، بالحفاظ على وثائقه، ووضعها في متناول الباحثين من أبناء المجتمع، فهو أحسن تشجيع لهم؛ بالإضافة إلى توجيه الطلبة إلى هذا التخصّص، فنحن أمّة تاريخ، وحريّ بنا أن نكتب نحن تاريخنا.
هذا ما أفدته من تاريخ "جماعة بني يزقن" موثّقا، حاولت أن أنظر في مرآة مجتمعنا بحيادية، فظهرت جوانب مشرقة، وأخرى دونها إشراقا، والكلّ مفيد إذا أحسنا قراءته، وانتفعنا به في حاضرنا ومستقبلنا، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. (7/117)
صفحة 114
محطات في تاريخ بلدة القرارة
- الحلقة الثانية: الحياة العلمية قبل القرن العشرين - (*)
الدكتور: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
كلية العلوم الإسلامية، جامعة الجزائر، الخروبة
ت
(1) تناولت ُفي العدد الماضي من مجلة الحياة الموقرة الحلقة الأولى من تاريخ بلدة القرارة، حيث ركزت فيها على مرحلة التأسيس وما واكبها من ظروف إقامة البلدة وإنشاء المجتمع. وخلال هذا العدد ارتأيت أن أواصل الكتابة في الموضوع نفسه، إيمانا مني بأهمية العناية بالتأريخ الحضاري لقرى وادي ميزاب، وتتبع مراحل تطورها على مختلف الأصعدة؛ حيث سأخصص الحديث في هذه الحلقة للجانب العلمي والثقافي لبلدة القرارة من مرحلة تأسيسها إلى قبيل القرن العشرين.
ولعل الدافع وراء الكتابة في هذا الموضوع يكمن في أمرين:
أولهما: أني أريد أن أثبت أن حضارة الأمم والشعوب تقوم على عامل الدين والعلم والقيم الإنسانية النبيلة بأوضح معانيها وأسمى مدلولاتها.
ثانيهما: أني أريد أن أبين للأجيال أن تاريخ القرارة الحضاري والإصلاحي قد سار بشكل تراكمي بنائي، استفاد فيه الجيل اللاحق من الجيل السابق، وأنه لم يكن فيه انفصام أو انقطاع كما يتبادر إلى أذهان بعض الناس، وأن ما شهدته القرارة من نهضة إصلاحية علمية شاملة خلال القرن العشرين ما هي إلا نتاج جهود مضنية لمراحل القرارة السابقة في جهادها لمحاربة الجهل والعصبيات والانحرافات، ونشر العلم والأخلاق والصلاح.
فكيف كانت مسيرة التعليم والتثقيف في القرارة قبل القرن العشرين؟
__________
(1) *- نُشرت الحلقة الأولى من هذا البحث في العدد 13 من هذه المجلة وكانت حول: مرحلة تأسيس القرارة. (التحرير) (8/118)
صفحة 115
اللبنات الأولى للحياة العلمية بالقرارة:
حين العودة إلى ما بين أيدينا من مصادر شحيحة حول تاريخ القرارة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر نستطيع أن نلمح بعض معالم تلك الفترة التي يمكن أن نجملها فيما يلي:
*-إن قبيلة أولاد باخة التي أسست بلدة القرارة قد انشغلت في العهد الأول ـــــ الذي دام قرابة القرن من الزمن (1630م ـــــ 1730م) ـــــ بتأسيس بنيانها وإقامة أسس بلدتها في ناحية العمران ببناء الدور وسور البلدة وأبراج الحراسة وحفر الآبار وإنشاء الواحة.
*-إن قبيلة أولاد باخة قد انشغلت كذلك بتشكيل ملامحم مجتمعها القراري الجديد، حيث مرت بمرحلة مخاض وفتن عسيرة بين أبناء البلدة القديمة والجديدة ـــــ أولاد نوح في قصر لمبرتخ، وأولاد باخة في كدية العقارب ـــــ وقد أخذ منها هذا الأمر جهدا ووقتا واستنزف منها طاقات وأنفسا حتى يتمكن المجتمع من الانصهار فيما بينها وتتشكل لحمته ويولد مجتمع بلدة القرارة.
إذ أتوقع أن أفراد البلدة لم تتح لهم الظروف، ولم يتسن لهم الاهتمام خلال القرن الأول من تأسيس بلدتهم بما هو ثقافة وما هو تعليم بالمدلول الاصطلاحي للكلمتين؛ إلا أني لا أستبعد وجود ما يعرف في وادي ميزاب بالمحاضر أو الكتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم وتلقين أبجديات اللغة العربية وفرائض الدين الإسلامي، وما يجب معرفته بالضرورة.
لعل ممن قام بهذا الدور وممن حفظت لنا مصادر التاريخ جانبا من حياته هو الشخصية القرارية المعروفة بالشيخ بابهون، حيث عاش خلال القرن السابع عشر، وهو يعد من الرجال المؤسسين للبلدة، وممن اعتنى بتحفيظ القرآن الكريم وفرائض الدين، وإليه تنسب مقبرة الشيخ بابهون الموجودة إلى حد اليوم (1).
بعد مضي قرابة القرن من الزمن من لحظة التأسيس بدأت الأمور تستتب في البلدة والأوضاع تستقر بها بعد أن قطع أهلها شوطا هاما في التوافق الداخلي والانصهار الاجتماعي وبناء شبكة من العلاقات الاجتماعية ومنظومة من الأعراف والتقاليد والعادات، فإنهم التفتوا
__________
(1) - انظر ترجمته في: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، أربع مجلدات، من القرن الأول الهجري إلى الخامس عشر الهجري، قسم المغرب، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1420هـ \ 1999م. ج2، ص147. (8/119)
صفحة 116
إلى التعليم فوجدوا بلدتهم فقيرة ومحرومة في هذا الجانب، فكان التفكير في سد هذا الخلل وملء هذا الفراغ، بوضع خطة تتمثل في السفر إلى مواطن العلم بوادي ميزاب بقصد التفرغ لتحصيله ثم جلبه إلى البلدة، إذ لا بديل لهذا الأمر، فالبلدة تعاني من انعدام العلماء والمشايخ، كما توجد في منطقة معزولة في الصحراء بعيدة عن بقية قرى وادي ميزاب التي بدأت تشهد ميلاد حركة علمية إصلاحية جديدة خلال هذه الفترة.
إن ما تخبرنا به مصادر تاريخ القرارة أن أول من ارتحل من أبنائها بقصد التعلم وجلب العلم إليها هو الشيخ كاسي (1) بن امحمد بن اسماعيل، الذي عاش خلال القرن الثامن عشر، وبالتقريب في الفترة ما بين سنة 1690م وسنة 1780م.
ارتحل الشيخ كاسي إلى بلدة بني يزقن وإلى غيرها من قرى وادي ميزاب لتحصيل العلم على يد مشايخها وعلمائها الذين نستطيع أن نذكر منهم الشيخ أبا زكرياء يحيى الأفضلي، والشيخ عبد العزيز الثميني والشيخ أبا يعقوب يوسف بن عدون (2).
بعد أن جلس إلى حلقاتهم مدة من الزمن ــــــ نرجح أنها لم تكن طويلة وكانت في فترات متقطعة وعلى شكل رحلات متعددة ـــــ عاد الشيخ كاسي إلى القرارة وتفرغ لعملية الإصلاح والوعظ والإرشاد في بلدته، وتعليم الناس ما تيسر من العلوم الشرعية والعربية، إلى أن عُين شيخا لمسجد القرارة، وشيخا لعزابتها، وقام بدور فعَّال في الدعوة والتعليم والوعظ والإرشاد.
كما تذكر لنا مصادر القرارة شخصية أخرى تحمَّلت أعباء مشيخة المسجد وقامت بجهود معتبرة في الوعظ والإرشاد بعد الشيخ كاسي، هي الشيخ سليمان بن عبد الله، وإليه تُنسب عائلة بن عبد الله الموجودة الآن، إلاَّ أننا نجهل عن هذه الشخصية كل شيء.
يمكن أن نعتبر ما ذكرناه نماذج من الجهود الأولى في الحياة العلمية الدعوية بالقرارة.
__________
(1) - انظر ترجمته في: قاسم الشيخ بالحاج: سير أعلام آل الشيخ بالحاج، دار العالمية للطباعة والخدمات، الجزائر، نشر جمعية التراث، 2009م، ص70 ـ 78.
(2) - انظر ترجماتهم في: معجم أعلام الإباضية، ج4، ص967. ج3، ص532 – 533. ج4، ص1091. (8/120)
صفحة 117
دار الشيخ بالحاج أول مدرسة بالقرارة:
بعد هذه المرحلة الأولى التي وضعت فيها اللبنات التأسيسية لحركة التعليم في القرارة نجد المصادر التاريخية تحدثنا عن شخصية أخرى بارزة في الحياة العلمية والاجتماعية بالقرارة تتمثل في الشيخ بالحاج (1) بن كاسي بن امحمد بن إسماعيل، أي ابن الشيخ كاسي المذكور آنفا، إذ من خلال اطلاعنا على تاريخ هذه الشخصية نستطيع أن نعد الشيخ بالحاج هو باعث الحركة العلمية بالقرارة، ولعله أبرز شخصية علمية فيها قبل القرن العشرين، وهو أب عائلة الشيخ بالحاج الموجودة الآن وإليه تُنسب.
برزت شخصية الشيخ بالحاج، كما برز من ذريته العديد من الشخصيات التي تركت بصماتها في التاريخ العلمي والدعوي والاجتماعي للقرارة، حتى عُرفت العائلة لدى أهالي البلدة بالعلم والصلاح، وسُميت دارها "دار العلم"، وكان لها الفضل في تأسيس أول مدرسة ومكتبة وحلقة علم بالبلدة.
لذا يحسن بنا أن نقف خلال هذا المقال وقفة متأنية مع هذه الأسرة، فنعرِّف بجهودها في نشر العلم ونتعرَّف على أول دار للعلم في القرارة، ونتعرف على مكتبتها الزاخرة.
نعتبر أن الحياة الثقافية العلمية في القرارة هي وليدة هذه العائلة، وقد مرَّت مسيرة العلم من خلالها إلى أهالي القرارة، كما كان لمشايخها الفضل في ظهور العديد من حلق العلم في البلدة، التي تعاونت مع بعضها البعض لرفع مشعل العلم ونوره الذي بدأ خافتا، إلى أن توجت كل تلك الجهود المتراكمة بميلاد الحركة العلمية الإصلاحية بقيادة الشيخ بيُّوض وإنشاء "معهد الحياة" ومدارس الحياة.
فما هي جهود عائلة الشيخ بالحاج في إرساء دعائم الحياة العلمية بالقرارة؟
مميزات عائلة الشيخ بالحاج:
يعود نسب عائلة الشيخ بالحاج إلى عشيرة آل جهلان، التي تُعدُّ أحد فروع قبيلة أولاد باخة المؤسسة للقرارة، ونُرجح أن يكون الجد الثاني للشيخ بالحاج أي إسماعيل ممن قدم من الأغواط مع بقية أفراد قبيلة أولاد باخة أيام تأسيس بلدة القرارة سنة 1631م. ذلك أنَّ الشيخ بالحاج عاش خلال القرن الثامن عشر، وسيكون جدُّه
__________
(1) - انظر ترجمته في: قاسم الشيخ بالحاج: سير أعلام آل الشيخ بالحاج، ص79 ـ 95. (8/121)
صفحة 118
امحمد ووالد جده إسماعيل قد عاشا خلال القرن السابع عشر، وهو قرن تأسيس بلدة القرارة.
عُرفت عائلة الشيخ بالحاج في القرارة بجملة مواصفات خيِّرة توارثها الأبناء عن الآباء، منها ما هو خلقي ومنها ما هو خُلُقي، وقد حرص الآباء على تنشئة أبنائهم عليها، ونقلها جيلا عن جيل، ولعل أبرز هذه الصفات تتمثل في حب العلم والحرص على تعلمه، وفي الورع والاستقامة.
شاع بين أهل القرارة مصطلح "دار آل الشيخ" أو بالميزابية: "تادارت نات الشيخ"؛ للتعبير عن المواصفات المذكورة آنفا، المعروفة عن مشايخ عائلة الشيخ بالحاج.
لا شك أن جهود المشايخ في سبيل خدمة البلدة ونصح أهلها، وإعطاء النموذج في الاستقامة والورع، وحبِّ الخير للناس والإصلاح فيما بينهم، والعناية بتحصيل العلم ونشره؛ كل هذه الأعمال كانت وراء اعتراف أهل القرارة بهذا الفضل لآل الشيخ بالحاج، وتوقير دارهم دار العلم، بل توقير الشارع الذي توجد فيه تلك الدار.
تعدَّت شهرة آل الشيخ بهذه المواصفات حدود القرارة لتصل إلى وادي ميزاب من خلال علاقاتهم بعلمائه ومشايخه، وتتلمذهم على أيديهم، ثم تعدَّت ذلك لتصل إلى الأماكن الإباضية في المغرب من جبل نفوسة وجزيرة جربة، وفي المشرق بعُمان، من خلال العلاقات والمراسلات التي جمعت هؤلاء المشايخ ببعض أقرانهم من مشايخ وعلماء تلك البلدان (1).
يبدو لي أن الفرع الذي ينحدر منه الشيخ بالحاج ضمن قبيلة أولاد باخة وهبه الله تعالى مؤهلات النبوغ والذكاء والحيوية، مما جعل الذرية التي تولدت منه تحمل الاستعداد الفطري للبروز في هذه الجوانب. كما يكون هذا الفرع قد جمع إلى هذه المؤهلات الخلقية مواصفات خلقية نشأ وتربى عليها تمثلت في الورع والاستقامة وحب العلم والعمل وفعل الخير.
إن مصادر التاريخ لا تمدنا بمعلومات توضح لنا كيف ومتى اجتمعت لديهم هذه المواصفات والطباع، إلا أنني أرجح أن يكون الشيخ كاسي بن امحمد والد الشيخ بالحاج قد قام بدور مهم في الجمع بين هذه المؤهلات الفطرية والمؤهلات المكتسبة وحاول أن يكرسها في أبنائه وأحفاده ويغرسها في
__________
(1) - إبراهيم أبو اليقظان: عنوان الحضارة (مخطوط)، ص23 - 24. (8/122)
صفحة 119
طباعهم وينشئهم عليها، بداية من ابنيه بلحاج وامحمد.
بلغ الشيخ كاسي مرتبة اجتماعية ودينية مرموقة في عهده؛ وهو الذي عاش خلال القرن الثامن عشر، وانتقل إلى بلدة بني يزقن وتلقى العلم فيها مدة من الزمن، ثم عاد إلى القرارة وقام بجهود معتبرة في مجال الدعوة والوعظ والإرشاد، إلى أن عين شيخا لعزابة القرارة، وهو أعلى منصب ديني في هرم النظام العرفي بالبلدة (1).
كما تذهب بعض المصادر إلى اعتباره أول شيخ عرفي لعزابة بلدة القرارة؛ بعد أن اعترف بها وادي ميزاب قصرا جديدا من قصوره، وأعطى له الشرعية وسمح له بإنشاء الهيئات العرفية التابعة له.
لقد حرص الشيخ كاسي على أن ينشئ أبناءه على الاستقامة، وأن يكونوا القدوة لغيرهم في الأخلاق، كما دفع بهم إلى تحصيل العلم والعناية به منذ الصغر، خاصة وأن القرارة آنذاك كانت في أمس الحاجة إلى العلم، حيث انشغل أهلها بعمارة بلدتهم الناشئة، وتوفير سبل العيش فيها، فلم تتح لهم الأوضاع العامة الالتفات إلى هذا الجانب.
كما حرص الشيخ كاسي على توجيه ابنه بلحاج إلى استكمال دراسته عند حلقات علماء بني يزقن ومشايخ وادي ميزاب، فأرسله إلى هناك ووفر له السبل ليتفرغ لهذا العمل الجليل.
تواصل هذا الجهد بعد الشيخ كاسي مع ابنه الشيخ بالحاج الذي يعتبر الشخصية المحورية القوية التي استطاعت أن تغرس هذه القيم وترسي دعائمها في أبناء العائلة، ذلك أن المتتبع لحياته يلحظ بوضوح جوانب العظمة وقوة شخصيته في المجال العلمي والاجتماعي والدعوي.
أرجِّح أن يكون الشيخ بالحاج قد مكث مدة طويلة في اكتساب العلم من منابعه في بني يزقن، ثم عاد إلى القرارة بعد غياب طويل يمكن أن يقدر بعدة سنوات، ونرجح أن يكون ذلك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أي بعد سنة 1750م.
حين استقر به المقام في القرارة وجد نفسه في قلب الأحداث وفي صدارة المجتمع؛ لما يحمل في صدره من علم شرعي يفتقده بنو جلدته، بل هم في أمس الحاجة إليه، لما بدأ يتحرك فيهم
__________
(1) - إبراهيم أبو اليقظان: ملحق سير الشماخي (مخطوط)، ج1، ص 45. محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج2، ص157. (8/123)
صفحة 120
من غرائز العصبية والعشائرية بسبب جهلهم وأميتهم التي جنت عليهم.
تصدى الشيخ بالحاج بكل قوة وعزم لمحاربة المفاسد ونشر الفضائل بين أفراد قومه، ففتح داره لتعليم الناس صغارا وكبارا، وتفرغ للإصلاح والوعظ والإرشاد في المسجد، فأمر ونهى وأفتى وعلم.
بسبب الجهود المعتبرة التي قام بها الشيخ بالحاج في محاولة إخماد نار الفتن التي اتقدت بين أبناء بلدته، مع جهوده المضنية في سبيل توعيتهم وتعليمهم، وما كان عليه من قوة شخصية ومن دماثة أخلاق وورع واستقامة وتضحية في خدمة الصالح العام؛ فقد تعززت مكانة آل الشيخ بالحاج في نفوس القراريين حتى أضحت عائلتهم عائلة موقرة، ودارهم دارا مهابة.
تدرج الشيخ بالحاج في سلم المسؤوليات الاجتماعية والدينية إلى أن عين شيخا لعزابة القرارة مثل والده، وأصبح المرجع الأول للبلدة فراسله وراسل علماء وادي ميزاب وعلماء جبل نفوسة وعمان؛ وأصبح بذلك عالم القرارة والناطق باسمها والمرجع الأول لها.
كما أن الشيخ بالحاج اعتنى بالكتب ووضع حجر الأساس لتأسيس أول مكتبة بالقرارة تضم نفائس الكتب والمخطوطات في مجال العلوم الشرعية واللغوية، وتولى بنفسه نسخ بعضها واستعان بغيره في هذه المهمة الشاقة والنبيلة.
كما اقتفى آثار والده في الحرص على تفريغ أحد أبنائه لتحصيل العلم الشرعي، حيث بعث ابنه قاسم إلى بني يزقن قبلة العلم بوادي ميزاب لينال حظه من العلوم على يد كبار علمائها.
بناء على هذا نستطيع أن نقول إن شخصية الشيخ بالحاج هي الشخصية الأكثر بروزا وتأثيرا في تاريخ العائلة، نظرا للمكانة العلمية والاجتماعية التي بلغها، ونظرا للآثار التي تركها في رصيد العائلة.
هكذا تواصل هذا النهج مع الآباء نحو الأبناء، بتنشئتهم على حب العلم وتفريغهم لتحصيله بإرسالهم إلى منابعه الغزيرة الصافية، فكان الأب يعد ابنه في حياته ليستخلفه في حمل راية العلم والدعوة والإصلاح من بعده.
كما تميز أعلام الشيخ بالحاج بالورع والتقوى والاستقامة، ولعل مرد ذلك أساسا إلى حرص الآباء الذين تولوا مسؤوليات اجتماعية ودينية متقدمة في المجتمع والمسجد ليكونوا القدوة لغيرهم، والنموذج لعموم أفراد المجتمع، حتى يتسنى للناس اتباعهم وطاعتهم فيما يقولونه في دروسهم ومواعظهم، هذا ما دفعهم للتقيد أكثر (8/124)
صفحة 121
بأوامر الله تعالى ونواهيه والوقوف عند حدوده، ومراقبته والخوف منه في السر والعلن. حرصوا على أن ينشئوا أبناءهم على خلق الورع والاستقامة، حتى يعطوا القدوة لغيرهم في سبيل التربية والنصح وتكوين الأجيال، وليكونوا أول من يعمل بما يعلم وبما يدعو الناس للعمل به.
كما كانوا أهل علم يتصدرون المجامع في دروس الوعظ والإرشاد والفتوى والصلح بين الناس، فناصروا دوما صف الإصلاح والنهضة، وحاربوا صف الفساد والظلم الذي تفشت بعض صوره ومظاهره في القرارة في حقبة من تاريخها، فكانوا في صدارة الواقفين في وجهه بنشر رسالة العلم والدعوة والصلح والتسامح (1).
هكذا أضحت أسرة الشيخ بالحاج محط ثقة كل أهل البلد، فكانت دارهم ملاذ كل خائف ومقصد كل سائل، كما كانت الأمانات تودع فيها، والصلح يعقد بها، وكان الرأي الوجيه والمشورة السديدة تنال منها، وكانت الفتوى ودروس العلم تسمع من جنباتها.
هذا ما جعل من كلمة الدار وصوتها مسموعا صادحا بالحق في أحلك الظروف والأزمات التي مرت بها القرارة؛ حتى رويت الكثير من الكرامات عن أهل الدار ومشايخها، وأصبحت دارا مباركة آمنة مهابة من كل أهل البلد (2).
التعريف بدار العلم للشيخ بالحاج:
تقع دار الشيخ بالحاج المعروفة في القرارة بـ: "دار العلم" وبالميزابية بـ: "تدارت أن وعزام"، وكذلك بـ: "تدارت نات الشيخ" في الشارع الرئيس للبلدة من الناحية الغربية، الذي يربط المسجد بساحة البلدية الآن، ويسمى الشارع باسم صاحب الدار الشيخ بالحاج، وتبعد الدار عن المسجد بحوالي 150م، فهي توجد في موقع استراتيجي من البلدة، أما بناؤها فقد صمم وفق خصائص العمارة الميزابية التي عرفت به منطقة وادي ميزاب، والتي بنيت على نمطه جميع الدور القديمة في البلدة.
إن الهندسة التي صممت بها دار علم الشيخ بالحاج والمرافق التي تحتوي عليها توحي أنها لم تبن لغرض السكن من اليوم الأول، بل كان وراء بنائها مقصد آخر يتمثل في نشر العلم، وعقد
__________
(1) - إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية في الشمائل الطفيشية (مرقون)، ص59 - 69.
(2) - بكير الشيخ بالحاج: فهرسة مكتبة الشيخ بالحاج (مرقون)، ص1 - 3. (8/125)
صفحة 122
الاجتماعات والقيام بمصالح الناس ورعاية شؤون المجتمع.
لا نملك معلومات دقيقة عن تاريخ بنائها؛ متى وكيف تم ذلك ومن كان وراء هذا الأمر، إلا إننا نتوقع أن مشايخ العائلة هم من تولى بناءها، ولم يشتروها مبنية من أحد، وأن فكرة تخصيص دار لتعليم الناس كانت موجودة لديهم وظلت تراودهم فترة من الزمن إلى أن تهيأت الأسباب وجادت الظروف لتحويلها إلى واقع.
نرجح أن يكون صاحب الفكرة هو أب العائلة الشيخ بالحاج بن كاسي نفسه، ويحتمل أن يكون قد عرض فكرته على بعض أصدقائه وأقرانه، وبعض المقربين منه من أعيان البلدة ومشايخها، وعندما اتضح أمرها لديهم وحصل التوافق عليها عملوا مع بعض وتعاونوا على تجسيد مشروعهم وبناء هذه الدار، التي نستطيع أن نعدها الوحيدة من نوعها والفريدة في هندستها بين دور القرارة آنذاك، وأنها الأولى التي تبنى لغير غرض السكن.
نرجح أن يكون تاريخ بنائها خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أي ما بين سنة: 1750 ــــ 1800م. بقيت الدار ملكا للشيخ بالحاج ثم انتقلت بعد وفاته إلى ابنه الشيخ قاسم، الذي قام بتوقيفها سنة 1293هـ الموافق لسنة 1876م، وبالضبط في تاريخ: 19 شعبان 1293هـ، كما تنص عليه وثيقة التوقيف (1).
لقد احتضنت دار الشيخ بالحاج أول حلقة علم تعرفها القرارة، ووضعت حجر الأساس في انطلاق حركة التعليم وانبعاث حركة التثقيف في البلدة؛ حيث قام مشايخها بنشاط دؤوب في تعليم الصغار والكبار، وفي تنظيم دروس الوعظ والإرشاد فيها، حتى جعلوا منها مدرسة شعبية مفتوحة لكل شرائح المجتمع.
يقول الشيخ عدون شريفي:
«دار آل الشيخ أول دار عرفت بالعلم والصلاح» (2)، من جهة أخرى فإن ما زاد من أهمية هذه الدار هو مكتبتها التي بدأت تتشكل شيئا فشيئا، حيث ستكون أول مكتبة تعرفها القرارة كذلك. ونُرجح أن تكون نواتها قد تشكلت مما اجتمع من كتب بيد الشيخ كاسي بن امحمد بحكم دراسته في بني يزقن، ثم اشتغاله بمجال التعليم والوعظ
__________
(1) - قاسم الشيخ بالحاج: سير أعلام الشيخ بالحاج، ص106.
(2) - سعيد شريفي: معهد الحياة نشأته وتطوره، ط2، نشر جمعية الحياة وجمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1430هـ/2009م، ص16. (8/126)
صفحة 123
والإرشاد في مسجد القرارة، إذ سيحتاج بلا شك إلى كتب ومصادر يستقي منها معلوماته ويستزيد منها علما، ويعود إليها حينما يشكل عليه أمر ما، ونرجح أن يكون قد جلب معه إلى القرارة عددا من الكتب بعد فراغه من الدراسة.
ثم لتولد فكرة المكتبة على يد الشيخ بالحاج بن كاسي، فيؤسسها ويضع قواعدها من خلال ما ورث من كتب والده، ثم من خلال ما جمع هو من كتب وأضافها إلى رصيد والده، ثم من خلال ما قام بنسخه بيده وبيد من استعان به من النساخ، ثم ليأتي من بعده ابنه الشيخ قاسم ليواصل المسيرة فيرتب المكتبة ويفهرسها حسب أبواب العلم وفنونها، وليضم إليها العشرات من الكتب ولينسخ العشرات الأخرى؛ حتى تصبح مكتبة مكتملة في عهده تضم في رفوفها العشرات من المخطوطات المهمة وأمهات الكتب في شتى فنون العلوم الشرعية والعربية من فقه وتفسير وعقيدة وسيرة وحديث وأصول ولغة وتاريخ لأكابر علماء الإسلام وعلماء الإباضية (1).
يصف الشيخ إبراهيم أبو اليقظان جهود الشيخ بالحاج والشيخ قاسم في تكوين المكتبة بقوله: «ترك هذان الشيخان العالمان الجليلان خزانة ضخمة من أنفس الذخائر العلمية في القرارة، بمخطوطات أيديهما: كاغدٌ رفيع، مدادٌ يُغالب توالي الأزمان، خزانة مخدومة من خشب النخل، يتقادم الزمن ويبلى الدهر ولا تبلى، جزاهما الله عن الإسلام خيرا جزيلا» (2).
إن ظهور دار للعلم في القرارة في ذلك الزمان وتلك الظروف تحتوي على مكتبة بهذه الأهمية وهذا الحجم ليعد حدثا مهما في تاريخ القرارة، وحدثا عظيما لدى أهلها وأمرا مستغربا لديهم، لم يعهدوه من قبل. لقد كانت الدار عندهم بمثابة دار الثقافة، وبيت الحكمة، والمدرسة، والمكتبة، والجامعة، ودار الإفتاء، والقضاء، كل هذه المعاني اجتمعت في ذاكرة القراريين وارتسمت في مخيلاتهم وأذهانهم حول دار العلم لآل الشيخ.
ترجم أهل القرارة هذه التصورات وهذا الشعور نحو الدار في سلوكات عملية وآداب عرفية بما كانوا يحملونه في نفوسهم من احترام وتقدير ومهابة لها ولأهلها من المشايخ الساكنين فيها، بل نقلوا تلك المهابة إلى كل الشارع الذي توجد فيه، فكانوا لا يحدثون فيه
__________
(1) - بكير الشيخ بالحاج: فهرسة مكتبة الشيخ بالحاج، ص10 ـــ11.
(2) - أبو اليقظان: ملحق السير، ج2، ص92 ـــ94. (8/127)
صفحة 124
مُنكرا، ولا يقترفون فعلا مخلا بالأخلاق وبالآداب العامة للبلدة.
لقد كان من الأعراف السائدة لدى أهل القرارة أنه يمنع على أي كان أن يقوم بأي عمل أو نشاط يمسُّ هيبة شارع الشيخ بالحاج وسمعته؛ فمن ذلك مثلا منع ضرب الدف فيه؛ حيث أن َّ السيد بابا نجار الذي كان يقوم بدور الموقظ للسحور في ليالي رمضان، بضربه على الدف مرورا على جميع شوارع البلدة باستثناء شارع الشيخ بالحاج، فإنه يمنع في عرف البلد ضرب الدف فيه احتراما وتوقيرا لدار العلم الموجودة فيه (1).
من جهة أخرى مع مرور الزمن أنيطت بدار العلم أدوار جديدة، حيث أصبحت محطا ومنزلا لضيوف القرارة من العلماء والمشايخ والأعيان الذين كانوا يقصدونها بغرض زيارتها وتفقد أهلها (2).
ولعل من أبرز هذه الشخصيات التي كانت تفضِّل النزول في دار العلم، ولا ترضى عنها بديلا أبدا هي قطب الأيمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، فقد عرف عنه أنه كان يفضل المكوث في كامل رحلته بدار الشيخ بالحاج، فيجد راحته فيها وضالته في الاستفادة من كنوز مخطوطاتها، ويستقبل هنالك الناس الذين كانوا يقصدونه للاستفتاء والصلح والنصح، كما يأتيه طعامُه وشرابه إليها، لذلك كان أهل الدار يُعدِّونها له مسبقا، فتزيَّن وتفرش، توقيرا للشيخ وتعظيما للعلم الذي يحمله (3).
يصف الشيخ إبراهيم أبو اليقظان نشاطها في عهد الشيخ قاسم بن بلحاج قائلا: «كانت داره الشهيرة بدار آل الشيخ مرجعا للطلبة والعلماء، والضيوف الوافدين من وادي ميزاب من أهل الخير والصلاح والاستقامة، ولا سيما من آل العطف، فقد تلاحمت بينهما المودة والتزاور والتبادل حتى صاروا كأسرة واحدة وعائلة واحدة، حتى صارت الأبناء منهما يعبر بأبي كل واحد منهما نحو الآخر» (4).
إن مصادر التاريخ لم تحفظ لنا الكثير من أنشطة هذه الدار؛ إلا أننا نتوقع احتضانها للكثير من الأحداث المهمة، وكذا زيارتها من العديد من شخصيات وادي ميزاب وأرجاء الجزائر وجبل نفوسة وجزيرة جربة وعمان؛
__________
(1) - قاسم الشيخ بالحاج: سير أعلام الشيخ بالحاج، ص59.
(2) - أبو اليقظان: ملحق السير، ج2، ص92 - 94.
(3) - بكير الشيخ بالحاج: فهرسة مكتبة الشيخ بالحاج، ص2.
(4) - أبو اليقظان: ملحق السير، ج2، ص93. (8/128)
صفحة 125
قصد الاطلاع على مكنونات كنوزها، ومجالسة علمائها ومشايخها والترحم على المتوفين منهم.
لقد أخذ أعلام الشيخ بالحاج على عاتقهم حمل راية العلم ونشرها بين أهاليهم وذويهم في القرارة، لما رأوا في مجتمعهم من حاجة ماسة إلى رفع غطاء الجهل والأمية المنتشرة بينهم، وكشف حجاب التعصب والفتن المستشرية فيهم، فآلوا على أنفسهم أن يقوموا بهذا الواجب وأن يغيروا هذا الوضع ببيان أحكام الله تعالى وحدوده لعباده ودعوتهم بالتي هي أحسن إلى الاستمساك بالطريق القويم. كما عمدوا إلى الأجيال الناشئة ليبلغوهم أمانة الدين كما تلقوها من مشايخهم، فاجتهدوا في تحويل هذه المعارف إلى واقع في حياة الناس تنير دربهم وتهديهم سبل الرشاد في الدنيا، وتصل بهم إلى الفلاح في الآخرة. أسسوا دار العلم لتكون أول مدرسة في القرارة وفتحوا أبوابها وتنادوا في الناس ليلتحقوا بها، فكان النهار يخصص لتعليم الناشئة وتلقينهم مبادئ اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم، والمساء والليل يخصص للكبار لتعليمهم أمور دينهم والاستماع إلى الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة.
لقد تعاقب على التدريس وحمل هذه الأمانة الثقيلة، وتبليغ هذه الرسالة النبيلة الشيخ كاسي ثم ابنه الشيخ بالحاج، ثم ابنه الشيخ قاسم، ثم ابناه الشيخ محمد والشيخ بكير، ثم ابن عمهما الشيخ بالحاج بن محمد بن حمو (1)، ثم واصل المهمة من بعدهم الشيخ الناصر المرموري (حفظه الله).
وبذلك سيكون نشاط هذه الدار في مجال التعليم والدعوة والوعظ والإرشاد والإفتاء قد فاق القرن والنصف من الزمن.
كان الناس صغارا وشبابا وكهولا وشيوخا يقصدون دار الشيخ بالحاج للتعلم على يد مشايخها والإنصات إلى دروسها ومواعظها في شتى المجالات والمواضيع والعلوم، وفي فترة من الزمن ضاقت بروادها، مما دفع أهلها إلى فتح دار أخرى بالقرب منها لتستوعب الأعداد المتزايدة.
وحين انطلقت حركة التعليم والإصلاح التي قادها الشيخ إبراهيم بيوض مع مطلع العشرينيات من القرن العشرين وفتح معهد الشباب في داره فإنه استعان بدار العلم وخصصها لتحفيظ القرآن الكريم.
وحين أجريت الإصلاحات في المسجد الكبير في حدود سنة 1950م وتعذَّر التدريس في معهد الحياة
__________
(1) - انظر ترجمتهم في كتاب: قاسم الشيخ بالحاج: سير أعلام الشيخ بالحاج، ص119 ـ 156. (8/129)
صفحة 126
ــــ المجاور للمسجد ــــ لفترة من الزمن استدعى الأمر نقل الطلبة إلى دور مجاورة لتلقي دروسهم فيها، فكان منها دار الشيخ بالحاج، وكان النشاط والتعليم جار فيها طوال النهار دون توقف (1).
كما بقيت أبوابها مفتحة لتحتضن في جنباتها الكثير من الأنشطة العلمية والاجتماعية التي شهدتها البلدة، رغم أن ذاكرة التاريخ لم تستطع أن تحتفظ لنا بالكثير منها.
هكذا استمرت الدار في أداء الواجب الذي وجدت من أجله ووقفت في سبيله، فبقيت وفية له مع مرور السنين وتعاقب الأزمان.
التعريف بمكتبة دار الشيخ بالحاج:
تعد مكتبة دار العلم للشيخ بالحاج أقدم وأغنى مكتبة للمخطوطات على مستوى بلدة القرارة، ومن أغنى المكتبات على مستوى وادي ميزاب، بحكم نشأتها على يد المشايخ الأولين للعائلة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بداية بالشيخ كاسي ثم الشيخ بالحاج ثم الشيخ قاسم، حيث نمت المكتبة مع الوقت حتى تم تشكلها في عهد الشيخ قاسم، فأصبحت تضم أزيد من ثلاثمائة كتاب، أكثر من تسعين بالمائة منها مخطوط.
تضم المكتبة أمهات الكتب في شتى العلوم الشرعية والعربية، وهي مختصة بالدرجة الأولى في المصادر الإباضية من عقيدة وفقه وأصول وحديث وتاريخ.
شهدت المكتبة عدة فهرسات عبر تاريخها، مما يبين العناية بها من قبل أهلها والقائمين عليها. حيث تحتفظ خزائن المكتبة اليوم بعدة فهارس لها، لعل أهمها يتمثل فيما يلي:
*-فهرسة بخط الشيخ قاسم بن بالحاج بن كاسي.
*-فهرسة بخط الشيخ حمو بن بالحاج بن كاسي.
*-فهرسة مفقودة بخط الشيخ إبراهيم أبي اليقظان.
*-فهرسة بخط الشيخ الناصر مرموري.
*-فهرسة قام بها الطلبة الجامعيون القراريون ضمن نشاطاتهم الثقافية خلال صائفة شهر أوت سنة 1975م.
*-فهرسة قام بها الأستاذ بكير بن يحيى الشيخ بالجاج، وهي تعد أشمل فهرسة وأجود فهرسة، حيث اعتمد فيها الأستاذ المقاييس الحديثة في فهرسة المخطوطات بالمكتبات العالمية، حيث يستخرج من كل مخطوط حوالي ثلاثة عشرة معلومة عنه، من ضبط العنوان والمؤلف والناسخ وتاريخ التأليف وتاريخ النسخ ومقاييس الورقة وعدد أسطرها ونوع الخط، وغيرها من المعلومات المفيدة عن المخطوط. وقد
__________
(1) - المرجع السابق: ص63. (8/130)
صفحة 127
استغرق منه إنجاز هذا العمل والفراغ منه عدة سنوات، وعلى ضوء هذه الدراسة الهامة نستطيع أن نتوصل إلى معرفة الكثير من الحقائق عن هذه المكتبة الزاخرة، التي تشكل جزءا من الذاكرة العلمية والثقافية لبلدة القرارة.
وكان آخر جهد شكور حول ضبط المكتبة تمثل فيما قامت به جمعية أبي إسحاق إبراهيم اطفيش لخدمة التراث بغرداية خلال سنة 2009م، حيث أنهت عملية تصوير المخطوطات ورقة بورقة، وحفظها في الميكرو فيلم، وهي بصدد إعداد فهرس مفصل عنها، مع إمكانية الإطلاع على مخطوطاتها والاستفادة منها بواسطة أجهزة الإعلام الآلي (1).
وتبقى الجهود متواصلة للرقي بهذه المكتبة والذهاب بعيدا في حفظ مكنوناتها بوسائل العلم والتكنولوجيا المتطورة، وكذا التفكير الجاد في سبل استغلال كنوزها وإفادة الباحثين وأهل العلم وعموم الأمة بها.
هذه خلاصة جهود عائلة الشيخ بالحاج في إرساء دعاء مسيرة التعليم والثقافة والتوعية بالقرارة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
كما يجب أن أشير أن تاريخ القرارة عشية القرن العشرين وفي بداياته قد حفل بالعديد من حلق العلم الأخرى التي سارت جنبا بجنب مع بعضها في إنارة أهل البلدة بنور العلم والإرشاد، وأنه لابد من بذل جهود في البحث عن تاريخها وتدوين أعمالها. ولعل أهمها يتمثل فيما يلي:
حلقة الشيخ الحاج إبراهيم الإبريكي.
حلقة الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي.
حلقة الشيخ إبراهيم بن بكير حفار.
حلقة الشيخ عمر بن الحاج مسعود بن عمر.
حلقة الشيخ محمد قرقر الطرابلسي.
حلقة الشيخ عبد الله بن إبراهيم أبي العلا.
مدرسة الشيخ إبراهيم أبي اليقظان.
نختم بالقول إن بلدة القرارة قد عاشت منذ تأسيسها حياة علمية دعوية إرشادية انطلقت بطيئة وبدأت تنمو وتتوهج وتضيء ما حولها مع الأيام، وكان اللاحق يبني على ما ترك السابق ويواصل إلى الأمام، إلى أن توجت كل هذه الجهود بقيام النهضة العلمية الإصلاحية المباركة خلال القرن العشرين التي عمت أرجاء وادي ميزاب والجزائر.
__________
(1) - المرجع السابق: ص64 ـ 66. (8/131)
صفحة 128
أهمية الجمعيات الأدبية
في إعداد الطالب الناجح (*)
الدكتور: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
جامعة الحاج لخضر ــــ باتنة ــــ الجزائر
إ
(1) إنَّ للتكوُّن الأدبي مجالاته، خارج قاعات الدِّراسة، منها النوادي التي تفتح المجال للمبادرات، وتحتضن وتوجُّه المحاولات. ومنها المنابر العامّة التي تسمح بتقديم بنات الأفكار، ونتاج القرائح. منها المسابقات الأدبيَّة، التي تتيح الفرص للتّنافس والتّباري. أهمّها على الإطلاق، وأكثرها جدوى الجمعيّات والرّابطات الأدبيّة.
هي التي تنظِّم عمليَّة التكوُّن والتدرُّب جيِّدًا، وتتيح الاجتماع لِمن ينضوون تحتها بانتظام، وتسير بِهم في خطط مهيَّأة، ومشروعات مدروسة، وبرامج معدَّة، وَتَتَّبِعُ معهم وسيلة المتابعة والمحاسبة، وأسلوب التّقويم والتّوجيه والتّرشيد والتّشجيع ... كلّ هذا يساعد على تطبيق ما يأخذه الطّالب – بخاصّة – في فصول الدّراسة، ويمنح الفرصة للتّركيز والتّفرّغ لتنمية المواهب، واستثمار الطّاقات، وترقية الأداء. أمّا بالنّسبة للأديب المتمرّس، فتكون له هذه الوسائل فرصة لمزيد الإبداع، وتنمية تجربته الأدبيّة.
إنّ كثيرًا من الأدباء أبدعوا فأمتعوا؛ بسبب وجودهم في جمعيات أدبية. لنا أدلّة وأمثلة من "الرّابطة القلميّة" و " عصبة الأندلس " في المهاجر الأمريكية، التي من أقطابها أدباء كبار أمثال: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة، وإلياس أبو شبكة ... وجماعة تحت السّور، التي من بينها الأديبان الفنّانان: مفدي زكريّاء وأبو القاسم الشّابي. و "رابطة القلم الجديد"، التي كوّنها الدّكتور أبو القاسم سعد الله، لما كان طالبًا بتونس مع مجموعة من الأدباء التّونسيين، كان: " يدور الحديث فيها عن الإنتاج الأدبي، وما تنشره المجلاّت والجرائد في ميدان الشّعر الجديد، وكانوا يقرؤون فيها إنتاجهم
__________
(1) -أصل هذا المقال كلمة ألقيتها في قاعة المحاضرات بمعهد الحياة (القرارة، الجزائر)، يوم الخميس: 19 من صفر 1431هـ/ 04 من فيفري 2010م، في إطار النّشاط الثّقافي للمعهد. ثمّ توسّعت فيها لتنشر مقالاً في مجلّة الحياة. (9/132)
صفحة 129
الشّعري ... " (1) ومن الصّالونات التي كان لها دور في تنشيط الحركة الأدبية وترقيتها: صالون العقّاد وصالون ميّ زيادة ..
إنّ للجمعيات والرّابطات الطّالبية والشّبابية بخاصّة، دورًا كبيرًا في نشر الأفكار، وإعداد الطّلبة والشّباب على النّموذج الذي يريده القائمون على عمليّة التّربية والإعداد. يقدّم الدّكتور أحمد صاري تعريفًا بجمعية " الرّشيدية " التي تأسّست في بداية القرن العشرين، وهي جمعية ودادية قدماء المدارس العربية الفرنسية لمدينة الجزائر. أسّسها السّيّد سروي Sarrouy سنة 1902م " وبما أنّ هذه الجمعيّة كانت تضمّ قدماء تلاميذ المدارس، فإنّ أهدافها كانت مركزّة على اهتمام هذه الفئة، مع إعطاء هذه الأهداف صبغة سياسية؛ بمحاولة تعريف هؤلاء على الثّقافة الفرنسية للتّمكين من إدماجهم في الوسط الفرنسي. ذلك أنّ البند الثّالث من أهدافها ينصّ على ضرورة تنظيم دروس ومحاضرات لتمكين التّلاميذ من معرفة اللّغة الفرنسية ومن تقديس الأفكار الفرنسية ... " (2) هذه الفقرة تبيّن لنا دور الجمعيات في نشر الأفكار، واحتضان الشّباب لتنشئتهم على النّموذج المرغوب فيه.
اهتمّ الجزائريّون المهاجرون لطلب العلم - بخاصّة - بتأسيس جمعيات ورابطات في المهاجر التي وجدوا فيها أو أقاموا فيها، في تونس وسوريا والكويت ومصر والعراق وغيرها؛ قصد التّكونّ والتثقّف؛ لما يعرفون من دورها في إعدادهم لمستقبل الأعمال والأعباء التي تنتظرهم بعد تخرّجهم، فهي تتطلّب قوّة في هذا الإعداد حتّى يكونوا جاهزين لهذه الأعمال الكبيرة، فالجمعيات والرّابطات والنّوادي ... تعين على هذه العمليّة. يقول الدّكتور محمد صالح الجابري، وهو يسجّل نشاط الطّلبة الجزائريّين في تونس، الذي احتضنته الجمعيات: " لم يقتصر دور الطّلبة الجزائريّين الذين درسوا بمختلف المعاهد العلمية بتونس، وعلى الخصوص
__________
(1) - الدّكتور محمد ناصر، الشّعر الجزائري الحديث اتّجاهاته وخصائصه الفنّية (1925 ـــــ 1975م) ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985م، ص: 157.
(2) - الدّكتور أحمد صاري، شخصيات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 2004م، ص: 109. عن دور الجمعيات والنّوادي الثّقافية في الوعي الوطني الجزائري خلال الفترة: 1900 ــــ 1939م، ينظر المرجع نفسه، ص: 107 – 122. (9/133)
صفحة 130
منها الجامعة الزّيتونية على مجرّد تلقّي الدّروس والحصول على الشّهادات، ثمّ العودة إلى بلادهم، بل كان لهم دور بارز في مجال الأنشطة الطّالبيّة، وتأسيس الجمعيات وتحريكها، والانخراط في الأندية الأدبية التّونسية، والاندفاع للعمل ضمنها." (1)
أبرز هذه الرّابطات جمعيّة الطّلبة الجزائريّين الزّيتونيّين، (جمعية الطّلبة الجزائريّين)، التي احتضنت الطّلبة، ورعتهم من النّاحية المادية والأدبية، وسطّرت لهم برامج لتحسين مستواهم العلمي، وهيّأت لهم مناهج للتّكوين الأدبي والاجتماعي والوطني والسّياسي ... أي كانوا يتلقّون في رحاب هذه الجمعية وبإشرافها ما يعدّهم لتحمّل مسؤولية وطنهم الجزائر؛ حين يؤوبون إليه، بعد إكمال دراستهم وتكوّنهم. يقول الدّكتور محمد صالح الجابري عن إحدى فترات نشاط الجمعيّة: " ... غير أنّ عملها الأدبي – في هذه الفترة - كان أبرز وأظهر، فتعهّدت بإقامة الاجتماعات الأسبوعية في مساكن الطّلبة، تلقي فيها الخطب والمقالات المتنوّعة، كما تعهّدت بتصحيح المواضيع المختلفة التي تعطيها للطّلبة كلّ أسبوع؛ ممّا كان له النّتيجة الحسنة في امتحان الشّهادة الأهلية في تلك السّنة." (2)
هذه الجمعيات كان من أهدافها تكوين الطّلبة علميًّا وأدبيًّا، وإعداد خطباء ومرشدين إصلاحيّين، وموجّهين سياسيّين، وهو ما تحتاجه الجزائر التي تصارع الاستعمار، وتقاوم الجهل والأميّة، وتناضل من أجل المحافظة على شخصيتها وهويتها، التي يجهد المحتلّ في القضاء عليها.
يقول محمد صالح الجابري، يلخصّ دور هذه الجمعيّة، ومن هذه الخلاصة ندرك أهميّة الجمعيات في حياة طالب العلم، وإسهامها في إعداده: " وإجمالاً فإنّ جمعية الطّلبة الجزائريّين الزّيتونيّين نشأت نشأة أدبيّة صرفة؛ لتساعد على تكوين خطباء يرفدون حركة جمعية العلماء، ويكونون أصواتها في المحافل الإسلامية، وفي الجوامع والمساجد، إلاّ أنّها لم تلبث أن وسّعت نشاطها ليمتدّ إلى مؤازرة
__________
(1) - محمد صالح الجابري النّشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريّين بتونس 1900 – 1962م، الدّار العربية للكتاب، والشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، َ1983، ص: 97.
(2) يتحدّث الكاتب عن فترة الثّلاثينيّات.
- المرجع السّابق، ص: 123، 124. (9/134)
صفحة 131
الحركة الوطنيّة الجزائرية، وأولت التّعريف بالجزائر وقضية الوطن المحتلّ اهتمامًا خاصًّا." (1)
كذلك كان للطّلبة الجزائريّين الذين كانوا يدرسون في المشرق العربي نشاط في إطار جمعيات، أسّسوها للغرض نفسه. الدّكتور عمّار هلال سجّل جانبًا من هذا النّشاط، وأبرز دور الجمعيات والرّابطات الطّالبية في إعداد البرامج وتوجيهها والإشراف عليها، كما بيّن أثر ذلك في تكوين الطّلبة وإعدادهم لخوض معركة الدّفاع عن وطنهم الجزائر المحتلّ، والإسهام في بنائه، بعد بناء شخصياتهم العلمية والاجتماعية والوطنية، وأكّد وركّز على أنّ للجمعيات دورًا كبيرًا في هذا الإعداد والتّكوين. (2)
نستشفّ من الفقرة الآتية أهميّة هذه الجمعيات والرّابطات في العمل من أجل الإسهام في التّكوين والإعداد، ونذكر شاهدًا على ذلك، ما جاء في القانون الأساسي لرابطة طلاّب المغرب العربي، في تحديد وسائل تحقيق أهداف الرّابطة:
"1 - تنظيم نشاط طلاّب المغرب العربي الفكري والاجتماعي.
2 - إقامة مؤتمرات ثقافية دورية لطلاّب المغرب العربي في سوريا.
3 - العمل على توثيق الصّلة بين طلاّب المغرب العربي في الشّرق العربي وبين المؤسّسات الثّقافية بالمغرب وخرّيجي الجامعات من الطّلاب المغاربة.
4 - العمل على تعريب التّعليم وإصلاحه وتوحيد برامجه في جميع مراحله في المغرب العربي.
5 - تسهيل الطّريق لطلاب المغرب العربي ماديًّا ومعنويًّا لكي يلتحقوا بجامعات الشّرق ومعاهده الثقافية" (3).
النّوادي الأدبيّة والثّقافية لا تقلّ أهميّة عن الجمعيات في الإسهام في التّكوين والإعداد، وفي دورها في البناء. هي لا تختلف عن الجمعيات إلاّ في نظام سيرها؛ لهذا أولاها المربّون عناية كبيرة، واهتمّوا بإعداد برامج لاحتواء الطّلبة واحتضانهم فيها. عن هدف العلماء من تأسيس النّوادي الثّقافية، يوضّح أحد التّقارير الإدارية: " تشكلّ
__________
(1) -عن نشاط الطّلبة تحت رعاية الجمعيات، ينظر المرجع نفسه، ص: 97 – 149.
المرجع السّابق، ص: 148. لمزيد من التّفاصيل.
(2) -ينظر الدّكتور عمّار هلال، نشاك الطّلبة الجزائريّين إبّان ثورة نوفمبر 1954م, مطبعة لافومي، الجزائر، 1986م، مبحث " الحركة الطّلابية في الشّرق العربي "، ص: 73 – 115.
(3) -المرجع السّابق، ص: 108. (9/135)
صفحة 132
النّوادي التي تخضع لقانون 1901م المرحلة الأولى في طريق إنشاء الجمعيّة الدّينية والمدرسة الحرّة. ففي إطار النّادي تكون الاتّصالات سهلة، وتحت مظهر الشّرعية يمكن من عقد الاجتماعات ... " (1)
هذا الشّيخ أبو اليقظان حين يرجع بطلبة البعثة التي ترّأسها في تونس سنة 1914م، بعد قيام الحرب العالمية الأولى، ويفتح لهم مدرسة تأويهم في القرارة، يؤسّس معها ناديًا أدبيًّا، ليتدرّب فيه الطّلبة على ممارسة الفنون الأدبيّة، وليطبّقوا فيها ما يأخذونه من دروس في المدرسة، وهو الأديب الذي يعي طرق التّكوّن في مجال الأدب، وهو المربّي الذي يفقه ضرورة توفير الميادين التي تنمّي المواهب، ويعرف أهميّة إيجاد الفضاءات التي تغيّر من جوّ الدّراسة المتّصف بالانضباط الدّقيق والصّرامة والرّتابة، التي قد تبعث على الملل والسّأم والضّجر. فالجمعيّات الأدبية تقوم بهذا الدّور المهمّ في عمليّة التّكوين والإعداد الصّحيحين، وكذا النّوادي الأدبيّة. (2)
من المبادرات التي تحمل روح الجمعيات الأدبية (ندوة القراءة أو المطالعة) التي كان يشرف عليها الشّيخ الحاج عمر بن يحي المليكي (ت 1339هـ/ 1921م) بالقرارة؛ لكونها فتحت المجال للتّزوّد من المعارف، وإعطاء فرصة للتّكوّن الأدبي، وبعث روح الاستزادة من العلم، وتنمية الحسّ الأدبي ... وكان لها نتائجها الإيجابية على المستقبل العلمي لمن كان يحضرها، أمثال المشائخ والعلماء: الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبي البقظان (ت 1393هـ/ 1973م) والشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض (ت 1401هـ/1981م) والشّيخ سعيد بن بالحاج شريفي الشّيخ عدّون (ت 2005هـ/2004م) وغيرهم. كانت هذه النّدوة تعقد مرّة في الأسبوع، يقرأ فيها الشّيخ الحاج عمر على طلبته ما جدّ من كتب ومقالات؛ ممّا بدخل في مفهوم الثّقافة العامّة، التي لا يتمكّن الطّلبة من تلقّيها في حلقات العلم، فيفتح لهم المجال في هده النّدوة، فيكون هذا أيضًا فرصة لتغيير جوّ الدّراسة في الحلقات .. هذا ما كان يعطي للنّدوة روح الجمعية. يقول الشّيخ إبراهيم بيّوض، وهو الطّالب النّجيب الذي كان يلازم هذه النّدوة، وممّن يعترف بتأثيرها الإيجابي في تكوينه: "وأفادني في مجالس الشّيخ الحاج عمر غير ما ذُكِرَ الكتب المفيدة الاجتماعية والسّياسية والصّحف الوطنية العديدة، والمجلاّت التي تقرأ فيها. لقد زادت في ثقافتي العقلية وتربيتي الاجتماعية، وعرّفتني بأحوال العالم الإسلامي ومقاصد المستعمرين الصّليبية فيه ... كان مجلس المطالعة مجلس أنس وشاي أيضًا. نشرب الشّاي ثمّ نقرأ ... وكان الشّيخ الحاج عمر رحمه الله قد خصّص أيّامًا في الأسبوع للقراءة، لا يذهب فيها إلى البستان. ويحضر مجالس القراءة صحابة الشّيخ الكبار، وبعض تلاميذه الكبار البارزين الذين انقطعوا عن التّعلّم، ولكنّهم إذا عادوا من التّجارة في الشّمال يلازمون مجالسه العلمية ... " (3)
ممّا يكشف عن أهميّة التّجمعات أو الرّابطات في التّكوين الأدبي بخاصّة، ما قام به الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان من تأسيس نادٍ أدبي في صيف 1343هـ/ 1924م. كان يحضر جلساته المشائخ والطّلبة الكبار؛ مواصلة لمسيرة التّكوّن والتّعلّم، يقول الشّيخ عدون شريفي: " وكان الشّيخ (أي الشّيخ أبو اليقظان) يدعو إلى تأسيس نادٍ أدبي يجمع المتأدّبين، ويشغل مواهبهم، فتمّ ذلك، على إثر إصلاحات المعهد المقبلة، وتأسّس تحت رئاسته، وكان الشّيخ بيّوض نائبًا للرّئيس ... " (4)
يضيف الشّيخ عدّون يصف هذا النّادي: " هو كاسمه نادٍ أدبي، وضع له قانون أساسي، يجتمع أعضاؤه مرّة كلّ أسبوع. الغرض منه ممارسة الأدب
__________
(1) -شخصيات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، ص: 118.
(2) -عن دور النّوادي والجمعيات الثّقافية في تكوين النّشء، وفي النّهضة الجزائرية الحديثة، ينظر كتاب: شخصيات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، ص: 108 – 122.
(3) -محمد عليّ دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر من عام 1340 هـ 1921م إلى عام 1395هـ 1975م، ج2، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1396هـ/ 1976م، ص:158، 159. عن حقيقة. هذه النّدوة ودورها وأهميّتها، ينظر المصدر نفسه، ص: 158 – 163.
(4) -سعيد شريفي، معهد الحياة نشأته وتطوّره، ط1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر،1409هـ/ 1989 م، ص: 44. كما كانت للشّيخ أبي اليقظان ندوة أدبية، كان يعقدها في منزله، وفي بستانه بالقرارة، يحضرها زملاؤه، وبعض قدماء تلاميذ شيخه الحاج عمر بن يحي في القرارة، يقرأ فيها لروّاد النّدوة بعض الكتب، والصّحف والمجلاّت الأدبية بخاصّة ... هذه النّدوة أنشأها لمّا رجع من تونس ببعثته، بعد قيام الحرب العالمية الأولى. لمزيد من التّفاصيل عن هذه النّدوة ينظر الشّيخ محمد علي دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ص: 206 – 215. (9/136)
صفحة 133
العربي، نثره وشعره، والتّشبّع من روائعه. يعتمدون في ذلك كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، يطالعونه ويتتبّعون نفائسه، دراسة ومناقشة، وبحثًا ونقدًا ومقارنة، وحفظًا لما يختارونه منه، وكتابة في المواضيع الأدبية." (1) ما قام به أعضاء النّادي الأدبي، هو ما يجب القيام به؛ للتّكوّن في المجال الأدبي.
إنّ الرّغبةَ في التّمكّن من الأدب هو عين الصّواب؛ فهو خطوة أساسية في طريق بناء الشّخصية العلمية. لذا حرص هؤلاء الأعضاء على تأسيس هذا النّادي، ووضع برنامج يخدم هذا المطلب. " الأدب من المواد التي ترمي إلى تكوين الميل إلى الجميل وتقديره، والتّمتّع به، كالفنون الجميلة ... لكن إذا نظرنا إلى الأدب من حيث القارئ فهو لتذوّق الجمال وتربية الوجدان، وإذا نظرنا إليه من حيث الكاتب المعبّر فهو من مواد كسب المهارة ... " (2)
إنّ النّادي أسّس ليؤدّي هذه المهمّة، لذا رأينا في برنامجه قراءة الكتب الأدبيّة الأساسية في معرفة حقيقة الأدب، والتّشبّع منه وحفظ روائعه، ثمّ التّدرّب على طرق التّكوّن فيه: تحليلاً لنماذج منه ونقدها، والتّمرّن على الكتابة ... كلّ هذا وغيره يتمّ في النّادي.
روّاد هذا النّادي كان من أهدافهم المحافظة على الأدب العربي، والدّفاع عنه بممارسته والاهتمام به، حتّى يضمنوا له البقاء، ويقدّموا للنّشء النّهج الصّحيح في الاستعداد لخوض معترك الحياة بالعدّة الصّحيحة، التي من مكوّناتها التّزوّد بالأدب العربي بخير الزّاد. فهم مسؤولون عن تربيته وتكوينه ورعايته وتوجيهه التّوجيه السّليم ... بقول الدّكتور عبد الملك مرتاض: "فلا تقوم للأدب قائمة، ولا تربح له سوق، ولا تخفق له راية، حتّى يكون له رجال ينافحون عنه، ويدافعون عن كيانه، ويحتفون بشخصه. ثمّ لا يكون لهؤلاء الرّجال شأن حتّى يكون لهم أمكنة يضطربون فيها، ونوادٍ يغشونها آناء اللّيل وأطراف النّهار. وبعبارة أخرى قد تكون أوضح، فإنّ الظّاهرة الأدبية، كالظّاهرة التّاريخية سواء، لا يكون لها وجود ما حتّى ينبغي أن تكون ذات مكان وزمان" (3).
__________
(1) -معهد الحياة نشأته وتطوّره، ص: 159، هامش: 1.
(2) -الدّكتور فتحي علي يونس والدّكتور محمود كامل النّاقة، أساسيات تعليم اللّغّة العربية، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1977م، ص: 220.
(3) -الدّكتور عبد الملك مرتاض، نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر (1925 ـــ 1954م) الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1971م، ص: 33. (9/137)
صفحة 134
إنّ النّادي لم يستمرّ طويلاً؛ بسبب الارتباطات الكثيرة التي كانت في عهدة هؤلاء المشائخ الذين هم روّاد النّادي، الشّيخ أبو اليقظان سافر إلى تونس، والشّيخ بيّوض المشغول بعمليّة الإصلاح، لم تسمح له أعماله الكثيرة من مواصلة حضور جلسات النّادي ... يقول الشّيخ عدّون: "حضر الشّيخ (أبو اليقظان) جلستين أو ثلاثًا للنّادي فسافر وتركه لنائبه الشّيخ بيّوض، فسافر أيضًا كما تقدّم، فانقطعت الجلسات بسفرهما وبأشغال الخربف، الذي ينصرف فيه النّاس إلى جذاذ التّمر، فتفتر الدّراسة. ثمّ استئنفت في بعض ليالي الشّتاء، ثمّ انقطعت نهائيًا، فتوقّف المشروع. ولكنّ تلك الجلسات على قلّتها تركت أثرًا كبيرًا في حياة الأعضاء الأدبية، وفي مستقبل الحركة العلمية بالقرارة. والمشروع وإن مات كجسم فإنّه حيّ خالد كروح." (1)
فعلاً كان لهذا النّادي استمرار، بجمعيات الشّباب التي أسّسها الشّيخ عدّون سنة 1926م، بعد نشأة معهد الحياة بالقرارة، التي كانت سنة 1343هـ/ 1925م. وقد كان لهذه الجمعية دور كبير في تنشيط الحركة الأدبية، وفي تكوين الطّلبة أدبيًا بخاصّة. كما سترى في الصّفحات الآتية. كما كان لأعضاء النّادي الأدبي أدوار مهمّة وكبيرة في تنشيط الحركة العلمية وتطويرها في القرارة بخاصّة، وفي منطقة وادي ميزاب بعامّة. فكما قال الشّيخ عدّون: حتّى ولو مات المشروع جسدًا، وتوقّف النّادي عن النّشاط، فإنّ الرّوح التي بها ولد وتحرّك ونشط لم تمت، بقيت حيّة، تنتظر من ينفخها فيحيا المشروع من جديد، وهذا ما حصل.
إنّ هذا الدّور الذي قام به النّادي الأدبي، رغم قصر المدّة التي بقي فيها حيًّا، والنّتائج التي جناها المجتمع من الأعضاء الذين كانوا ينشطون فيه، يبيّن ما للرّابطات والمجامع العلمية والأدبية من أهميّة في التّكوين والإعداد، والاستعداد للانضمام لقافلة العاملين في دروب الحياة.
نذكر أيضًا في هذا السّياق نادي التّرقي الذي أنشأته الحركة الإصلاحية في الجزائر العاصمة سنة 1927م، فإلى جانب احتضانه المحاضرات والنّدوات التي يقيمها العلماء والمفكّرون، أي كبار القوم. كان يفتح المجال للشّباب والنّاشئة كي تعرض أعمالها
__________
(1) -معهد الحياة نشأته وتطوّره، ص: 45. (9/139)
صفحة 135
الأدبيّة، وتتدرّب على نظم الشّعر وإلقاء الخطب، والمشاركة بالأعمال العلمية وغيرها ... من هذه النّاحية يعدّ مجالاً للتّكوّن والتّعلّم والتّثقّف، وتنمية المواهب واستثمار الطّاقات الإبداعية ... إذ فيه كان يُتحاور في قضايا فكرية وعلمية وأدبية وسياسية ... وفيه كان يُتبارى في الفصاحة وإظهار التّفوّق البياني، والبحث العلمي ...
إذن كان للنّادي: " دور أساسي في الحركة الوطنية؛ لكونه شكّل منارة ثقافية ومركز إشعاع حضاري، وذا بعد عربي إسلامي ... وقد لعب دورَا ثقافيًا وسياسيًا بارزًا على السّاحة الجزائرية ... كما كان مكانًا للعديد من الاجتماعات واللّقاءات التي كان لها أثر على مسيرة الجزائرـ وحتّى على بلدان المغرب ... " (1) إلى جانب دوره في تكوين النّاشئة علميًا وأدبيًا واجتماعيًا ووطنيًا ...
يقول عنه الدّكتور عبد الملك مرتاض: " لا يغالي الباحث في جوانب نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، أثناء العقد الرّابع من هذا القرن، أن يعدّ نادي التّرقّي بمدينة الجزائر، بل في مجموع الوطن كعكاظ في الجاهلية في جزيرة العرب، والمربد في البصرة، أثناء القرن الأوّل الهجري. فقد كان هذا النّادي مأقطًا عظيمًا، يطفح بالنّشاط الأدبي، ويفيض بالخصب الفكري، ويكتظّ بالعلم والعلماء، ويحفل بالخطب والخطباء." (2)
في الحقيقة إنّ النّوادي والجمعيات الثّقافية التي وجدت في ثلاثينيات القرن العشرين في الجزائر، كان لها فضل كبير في النّهضة الجزائرية الحديثة. إنّ فترة الثّلاثينيات كانت فترة عصيبة على الجزائر؛ نتيجة المخطّطات التي كانت توضع لتدمير الشّخصية الجزائرية، والمؤامرات التي كانت تدبّر للقضاء على الهوية العربية الإسلامية للجزائر، وبسبب ضعف بعض الفئات الجزائرية في جانب الانتماء والولاء للوطن؛ بسبب ما كان يتعرّض له الشّعب من كلّ ذكرنا، وبسبب نقص الهياكل التي تحمي الشّعب من الذّوبان والانخذال ... وهو ما دفع العلماء والمفكّرين وأحرار البلاد إلى المرابطة في الميدان بكل الوسائل الممكنة؛ لحماية الشّباب والنّشء بخاصة من هذا الاستلاب ... فكان من بين الوسائل تأسيس نوادٍ لتقوم بهذه المهمّة وهذه الرّسالة. يقول الدّكتور عمّار هلال: "إنّ
__________
(1) -شخصيات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر، ص: 117.
(2) -نهضة الأدب العربي المعاصر في الجزائر، ص: 33، 34. (9/140)
صفحة 136
النّوادي الثّقافية التي كانت تنشط في فترة الثّلاثينيات، كان لها تأثيرٌ كبير على أكثر من مجال. من ذلك المجال التّعليمي والرّوحي والسّياسي. ولم يقتصر تأثيرها على الجزائريّين المتعلّمين باللّغة العربية، بل مسّ كذلك بعض الفئات الأخرى التي تعلّمت بغير اللّغة العربية، بحيث تمّ صهرها في بوتقة الثّقافة العربية الإسلامية نهائيًا، فتحوّلت هذه الفئات، وغيّرت موقفها السّابق، الذي كان إمَا غير مبالٍ أو غير مقتنع، إلى مواقف محسوسة ثابتة ... " (1)
هذه بعض الآثار التي سجّلها الدّارسون لدور الجمعيات والرّابطات والنّوادي والمجامع لتكوين الطّالب، والسّائر في طريق التّعلّم، ولمن يبغي المزيد - دومًا - من العلم واكتساب المعرفة. وهذه بعض النّتائج التي سجّلها القائمون على هذه الفضاءات والمراكز. هي في جملتها تقدّم صورة واضحة ومهمّة عن أهميّتها في درب العلم. استكمالاً لهذه الصّورة نقدّم لطالب العلم تجربة، أمدّت مجال التّكوين والإعداد برصيد مهمّ في منهجية التّوجيه التّربوي والتّنشئة العلمية والتّرقية الأدبية، كما قدّمت أعدادًا من الرّجال الذين رفعوا الرّايات والألوية خفّاقة في سماء المعرفة، والعملية التّربوية، والعمل الاجتماعي وغيرها ... هذه التّجربة تتمثّل في جمعية الشّباب التّابعة لمعهد الحياة بالقرارة بالجزائر.
إنَّ رسالة معهد الحياة في إعداد رجال الحياة كبيرة ومتنوّعة، ترمي إلى تكوينهم بقواعد صلبة، وعلى أسس متينة وقويّة، وذلك بتزويدهم بالمعارف الضّرورية، وتمكينهم من الأدوات التي تهيّئهم لخوض معترك الحياة بقوّة وثقة في النّفس.
من المجالات التي هي مناط اهتمام المعهد ميدان اللّغة العربيّة والحقل الأدبي؛ حرصًا منه على خدمة الثّقافة الإسلامية، والمحافظة على الشّخصية الأصيلة الحقيقية. إنّ العمل على بقاء اللّغة العربيّة في الألسنة فصيحة، والتّمرّس على الأساليب الأدبية الرّاقية هو جزء من رسالة المعهد.
إنّ معهد الحياة الذي وجد أصلا ليقوم بِهذه الرّسالة النّبيلة، هيّأ لها وسائل ليحقّق من خلالها أهدافه، ويمضي قدمًا في بناء شخصية طلبته من المقوّمات الأساسية، التي تحكم
__________
(1) -الدّكتور عمّار هلال، أبحاث ودراسات في تاريخ الجزائر المعاصرة (1930 ـــ 1962م)، ص: 269. (9/141)
صفحة 137
وتوجّه المجتمع الذي ينتمون إليه، فسار في ميدان الممارسة العمليّة في التّنشئة والتّكوين أشواطًا، فأنشأ جمعية الشّباب وجريدة الشّباب سنة 1345عـ/ 1926م، أي بعد عام من تأسيس معهد الشّباب (معهد الحياة).
يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز: "وقد يكون الشّيخ أبو اليقظان وكبار الطّلبة الميزابيّين في تونس ممّن أوحى بهذه الجمعية، فراق للطّلبة إنشاؤها، ورأوا فيها خيرًا كبيرًا لأنفسهم وللمعهد. وحبّذ الشّيخ بيّوض هذه الجمعيّة. وكان الشّيخ عدّون أكثر الطّلبة حماسًا وجدًّا لإنشائها. فنشأت في سنة 1345هـ 1926م، بعد عام من نشأة المعهد، فسمّوها (جمعية الشّباب)، وانتخب مدير المعهد الآن وناظره حينئذ الشّيخ عدّون رئيسًا لها (1)، فأبدى كفاءة نادرة في تسييرها، فنشطت الجمعية نشاطًا كبيرًا، وأتت أعظم الثّمار للمعهد وللنّهضة." (2)
جمعية الشّباب جمعية أدبيّة، أسّسها الشّيخ عدّون. هي وسيلة تكوينية للطّلبة، يتبارون فيها على إلقاء الخطب، ونظم الأشعار، وكتابة الأناشيد، وإعداد المحاضرات. هي نادٍ يطبّق فيه طلبة معهد الحياة ما يتلقّونه من دروس في فصول المعهد. إنّ ما تهدف إليه الجمعية ومؤسّسوها هو تدريب اللّسان على الفصاحة، والعقل على التّفكير. وتقوية الشّجاعة الأدبية في النّفس، وتعليم النّقد للنّاشئة، وبعث الثّقة في أنفسهم لمزيد من المثابرة في العلم، والمغامرة في العمل، وخوض غمار الحياة بعدّة، تعين على الإقدام والتّحرّك في دروب الحياة بخطى سويّة ثابتة. باختصار شديد: إن جمعية الشّباب تعدّ أكبر ميدان تطبيقي في معهد الحياة لما يأخذه الطّلبة من دروس في فصوله وبين جدرانه.
يقول الشّيخ عدّون عن هذه الجمعية: " في السّنة الثّانية من تأسيس المعهد، أي سنة 1345هـ/ 1926م، قام المراقب بتأسيس جمعية باسم (جمعية الشّباب)، تكون ناديًا أدبيًا، يتبارى فيه الطّلبة في تطبيق دروسهم عمليًا، بالخطب والمحاضرات والمناظرات، وانتقاد الأعمال والسّلوك وتبادل الآراء. فوضع قانونًا أساسيًا ولائحة داخلية، أقرّها الأعضاء بعد شيء من التّنظيم والتّعديل. " (3)
__________
(1) -توفّي يوم 19 من رمضان 1425هـ/ 02 من نوفمبر 2004م.
(2) -نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1، المطبعة العربية، الجزائر، 1389هـ/ 1969م، ص: 120.
(3) -معهد الحياة نشأته وتطره، ص:70. المراقب هو الشّيخ عدّون (سعيد بن بالحاج شريفي). (9/142)
صفحة 138
يمكن تلخيص الأهداف المسطّرة والمنجزة في جمعية الشّباب كالآتي:
*-تطبيق ما يتّعلّمه الطّلبة من قواعد في مختلف فروع اللّغة العربيّة والأدب بخاصّة؛ لتتكوّن عندهم الملكة اللّغويّة والأدبيّة، التي هي ضرورية للقيام برسالة المحافظة على الثّقافة الأصيلة، ومواصلة العمل من أجل تمكين اللّغة العربيّة والأدب من أداء دورهما في تطوير المجتمع.
*-تنمية ملكة التّفكير في الطّلبة؛ بتمرينهم على البحث والمناظرة والحوار.
*-غرس الحسّ النّقدي في النّاشئة، بفتح المجال لنقد الأعمال المقدّمة في جلسات الجمعيّة.
*-احتكاك الطّلبة بالشّخصيات العلمية والفكرية، التي تدعى إلى جلسات الجمعية لمحاورتها.
*-إشاعة جوّ المرح والدّعابة والأخوّة بين الطّلبة، بتغيير الأجواء التي تكون في فصول الدّراسة، وجدران المباني التي يدرسون فيها، وتغيير منهجية تقديم المعلومات للطّلبة، وتبديل أسلوب الإعداد التي يكون في قاعات الدّراسة.
*-نشر جوّ الأنس بين الطّلبة، وتمتين روابط الأخوّة بينهم، وغرس روح الاجتماع فيهم.
*-يشير الشّيخ محمد عليّ دبوز إلى نقطة أخرى مهمّة، تتعلّق باللّقاءات التي تجمع طلبة معهد الحياة ببعضهم، وبينهم وبين الكبار والصّغار. هذه اللّقاءات التي ينتج عنها الاحتكاك بينهم، فتمتزج أرواحهم وعقولهم، فيتأثّر الضّعيف بالقويّ، فيكتسب من قوّته وحصافته، يتكوّن على وجدانه القويّ المتأجّج؛ غرامًا بالعلم والمعالي، وعلى شجاعته الأدبيّة. (1)
يقول الشّيخ محمد عليّ دبوز: "ولمّا كانت التّمارين المدرسيّة، سيّما في العلوم العربيّة لا تكفي لغرس قواعد النّحو والبلاغة عاداتٍ في اللّسان والقلم، ولا يجد فيها اللّسانُ، بالأخصّ المجال للتّدرّب على الفصاحة، عزم الشّيخ عدّون ناظر معهد الحياة وكبار الطّلبة فيه على إنشاء جمعيّة أدبيّة لتلاميذ المعهد، تدربّهم على الفصاحة، وتؤكّد في نفوسهم الإخاء والمحبّة وترقّي عقولهم، وتعلّمهم التّفكير والمناقشة، والبحث والمناظرة، وتصقل
__________
(1) -ينظر المصدر السّابق، ص: 123. (9/143)
صفحة 139
أخلاقهم، وتشرف على سير المعهد، وتعمل لترقيته" (1).
يؤكّد الشّيخ الدّبوز أيضًا على حقيقة أخرى مهمّة، وهي إحدى النّتائج الطّيّبة والفوائد الباهرة لقيام نظام الجمعيات الأدبيّة: "إنّ من أسباب الصّفاء والأخوّة والمحبّة التي تسود معهد الحياة جمعية الشّباب، التي تعينه في التّربية الخلقية والعقلية، فتطبع بجوّها وقسمها، وبكل ما يقع فيها أعضاءَها بالصّفاء والمحبّة." (2)
يقدّم الشّيخ صورة حيّة عن جمعيّة الشّباب، وهو الذي عاش فيها، وعايشها وجدانيًّا، وأسهم بأعمال علمية وأدبيّة فيها، وشاهد بنفسه النّتائج الكبيرة التي تحصّل عليها الطّلبة فيها وبها، والثّمار اليانعة والجيّدة التي قطفها المجتمع منها: "كان جوّ الجمعيّة من أوّلها إلى آخرها ممتعًا قويًّا، يختلط فيه الجدّ القويّ بالمرح والصّفاء، فنشعر بلذّة عقلية ونشوة روحية، لا تجدها في مكان. وكان الصّفاء الذي يملؤها يورثها سحرها للقلوب وخلابتها للنّفوس، فترى أعضاءها كلّهم على النّشاط العقلي والمتعة الرّوحية، التي تبدو لك في أسرّتهم المتهلّلة، وعيونهم الضّاحكة، وأحاديثهم التي تدلّ على الانشراح والأفراح.
إنّ جو الجمعيّة المرح، وصفاء النّفوس الذي يملؤها هو سبب اقتدارها الكبير على التّربية، فجنى منها معهد الحياة في كلّ أدواره الخير العظيم، ورأى منها في التّربية العقلية والخلقية والوجدانية النّتائج العظيمة التي لا تحصى فلولا ذلك المرح ما نشطت العقول، فعملت بأقصى قوّتها فترقّت، وما تفتّحت النّفوس فأقرّت فيها الجمعية كلّ ما تريد من عقائد وعواطف وأخلاق، وما تنزّل الكبار إلى مستوى الصّغار، فتمتزج أرواحهم وعقولهم، فيتأثّر الضّعيف بالقويّ، فيكتسب من قوّته وحصافته، فيكون على وجدانه القويّ المتأجّج غرامًا بالعلم والمعالي، وعلى شجاعته الأدبية، فيزداد نشاطًا في الجمعية، ويلقي بدلوه مع الدّلاء في كلّ أعمالها، فيفوز بالخير الكثير" (3).
أمّا الشّيخ عدّون مؤسّس الجمعية فيركّز على جانب آخر من جوانب
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 119، 120.
(2) -المصدر السّابق، ص: 121.
(3) -المصدر السّابق، ص: 123. عن نظام سير جلسات جمعية الشّباب، والأعمال التي تقدّم فيها ينظر نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 124 – 126. (9/144)
صفحة 140
التّأثير الإيجابي لجمعية الشّباب، وهو دور الجمعية في مسيرة معهد الحياة، الذي تعدّ الجمعية بنتها، أو من نتاجها. يقول: "كان لهذه الجمعية أثر كبير في سير المعهد وتقدّمه، بل هي الرّوح المسيّرة، والدّماغ المفكّر. وكان لها نشاط أدبي واجتماعي في جميع المجالات." (1) فليُنْظَرْ إلى هذه النّقطة بمنظار تربوي ومنهجي واستراتيجي، ومن منطلق الرّؤية المستقبلية في التّخطيط والبرمجة والتّكامل والمآل ...
يذكر الشّيخ عدّون المجالات الأدبية التي تنشط فيها الجمعية: "تقوم بحفلات أسبوع المولد، التي يشارك فيها جميع الطّلبة وغيرهم. ومهرجان كبير تعرض فيه ما تنتجه من خطب بديعة، ومن قصائد رائعة، وأناشيد حماسية وطنية تتولّى تلحينها، كما تقوم بحفلات الأعراس، تستعرض فيها نشاطها الأدبي، وتقوم بمسرحيات تمثّل فيها روايات من إنتاجها، ومن المقتبسة، تجد لها مناسبات، أو تفرض لها فرضًا، وتقوم بتنظيم فرق فنّية في فنّ بديع، يتنزّه عن كلّ ما ينكره الدّين الحنيف، ويأباه الذّوق السّليم، وتتولّى القيام بحفلات عامّة داخل البلد وخارجه." (2)
بالتّأمّل فيما ذكره الشّيخ مؤسّس الجمعية نجد أنّ المجالات التي ينشط فيها الطّلبة ويكتبون ويبدعون -حتّى ولو كانت أدبيّة وفنيّة -تسهم في تكوين الطّالب في كثير من جوانب شخصيته الدّينية والعلمية والأدبية والاجتماعية والوطنيّة والإبداعية ... وهو ما يعدّه لينخرط في عمق المجتمع بقوّة؛ ليتحمّل مسؤوليته في العمل على خدمته وتطويره.
إنَّ الأهداف التي سطّرها مَنْ وضع أساس إنشاء جمعية الشّباب، تحقّق منها الكثير، والفوائد التي جناها الطّلبة المكوَّنون في فضاء هذه الجمعية كثيرة جدًّا، وعلى رأسها التّدرّب على الفصاحة، والحصول على قسط كبير من البيان العربي، وهو ما ساعدهم على البروز بقوّة في دروب الحياة، فقاموا بواجبهم في التّعبير والتّبليغ بالطّرق المقبولة، وبالأساليب الرّاقية. يقول الشّيخ محمد علي دبوز: " إنّنا مدينون لجمعية الشّباب ولمجالس مطالعة الدّروس جماعة، فهي التي علّمتنا الفصاحة، وزوّدتنا بأكبر قوّة امتنّ الله بها على الإنسان، وهي نعمة البيان، لولاها لكنّا على العيّ والفهاهة،
__________
(1) -معهد الحياة نشأته وتطوّره، ص: 71.
(2) -المصدر السّابق، ص: 71، 72. عن أعمال الجمعية الخارجية وجدواها على معهد الحياة والنّهضة العلمية والاجتماعية في منطقة وادي ميزاب بخاصّة، ينظر نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 128 – 132. (9/145)
صفحة 141
ولوجدتنا كتلاميذ المدارس العقيمة، ألسنتهم خرساء، وعقولهم كليلة، وهم في الدّنيا خزائن (حفظ) مقفلة، لا ينفعون ولا ينتفعون." (1)
يضيف: "جمعية الشّباب المباركة، إنّها أمّنا البارّة العزيزة، تشبل علينا فنجد في حجرها الكريم نشوة الرّوح وغذاء العقل، وتأخذ بيدنا فندرج حتّى تشتدّ منّا السّوق، فنستطيع الإتيان ببضاعة عقلية وخلقية ليست مزجاةً، ولكنّها غالية في السّوق، يشهد بذلك كل منصف، ينظر بالبصيرة الصّافية، ويقرّ به كلّ عضوٍ أورثه كرم الأصل عادة الاعتراف بالجميل.
بعد أن يعترف الشّيخ محمد علي دبّوز بدور الجمعيّة في الوصول بالطّلبة إلى هذا المستوى من الرّقيّ النّفسي، والصّفاء القلبي، والنّموّ العقلي، والعمل الاجتماعي وغيرها من الفوائد العظيمة، ولانشراحه ورضاه الكامل عن دور الجمعية المهمّ؛ بأدائها وعطائها ... بعد كلّ هذا يأسف ويرثي للمؤسّسات التّربوية، التي تفتقر إلى هذا النّوع من النّوادي والفضاءات، ويتحسّر على التي تفتقد الرّوح التي أشار إليها، ممّا هو متوفّر في جمعية الشّباب: "ويل المعاهد والجمعيات التي لا يملؤها الصّفاء والمرح والمحبّة، إنّها عقيمة لا تجدي، إنّ جوّها جوّ القبور النّتنة المظلمة التي لا تتفتّح فيها الأزهار، ولا يطلع فيها الفجر، إنّها تقتل ولا تحيي، وتبغض أشياءها للنّفوس، كما تبغض إليك أقحاف الموتى النّتنة الشّراب اللّذيذ الذي يصبّ فيها" (2).
"مهما أطلنا في فوائد الجمعية لمعهد الحياة، وجدواها على النّهضة في الجزائر، وفوائدها للدّين والوطن، لا نستطيع أن نجلو فوائدها، حسبنا فيها أن نقول: إنّها روح المعهد وصلبه، تخلّقت منه كما تتخلّق نواة الثّمرة منها، فتكون روحها" (3).
هذا نموذج لدور الجمعيات الأدبيّة في التّكوّن والتّثقّف للنّشء والنّابتة، ومثال للإعداد والتّنشئة والتّهيئة للموجِّهين والمرشدين والمربّين. وهو منوال واقعي ممارس في الميدان، ثبتت جدواه، وبرز نفعه، فمن يبغي أن يستفيد من التّجربة، فما عليه إلاّ أن يتأمّل فيها، ويستلهم منها الإرشادات وطرق
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 126.
(2) -المصدر السّابق، ص: 123، 124.
(3) -المصدر السّابق، ص: 134. (9/146)
صفحة 142
العمل. ومن يرغب أن يستدرك ما فاته، فما عليه إلاّ أن يسترشد بها، وبذلك يقدّم لنفسه الفائدة العظيمة، وللمجتمع الخير الكثير.
من بين التّجارب التي سارت في مضمار التّكوين الاجتماعي والأدبي سيرًا حسنًا جماعة "إخوان الصّفاء"، التي تأسّست في الأربعينيات من القرن العشرين، هي جماعة صغيرة متكوّنة من طلبة معهد الحياة، جمعت بينهم الأخوّة الصّادقة، وحبّ الاجتماع، والرّغبة في التّكوّن العلمي والأدبي، وتوفير جوّ المرح والصّفاء بينهم. يقدّم الشّيخ محمد عليّ دبّوز هذه الجماعة قائلاً: " كنّا جماعة في عشرة أشخاصٍ، كلّهم من القرارة إلاّ أنا، فمن بريّان، ربط بيننا الحبّ في الله. ومزجت بيننا الميول الواحدة، والفطرة السّليمة، والحبّ الشّديد للعلم، والطّموح فيه، وتعشّق للأدب، والاشتغال به. فأصبحنا إخوان الصّفاء حقًّا. يشعر كلّ واحد منّا بالآخر أنّه هو." (1)
لا يملك الشّيخ الدّبوز وهم عضو فعّال في حماعة " إخوان الصّفاء" إلاّ أن يطلق العنان لمشاعره أن تنساب بين ثنايا الكلمات التي دبّج بها الفقرة الآتية، لتنقل شدّة فرحه بهذه الجماعة، وقوّة تعلّقه بها، ولتسجّل جميل الاعتراف بدورها في تكوينه، وتحدّد مكانتها في حياته:" أحلف بالله، لقد تقلّبت في عدّة أقطار راقية، واتّخذت كثيرًا من الإخوان فيها، ما منهم إلاّ وهو أديب أو عالم أو خاصّة في قومه، وفاضل في زمانه، فما وجدت فيهم كلّ ميزات إخوان الصّفاء، سيّما نقاء النّفس، وطهارة الدّخلة، والتّجرّد من الأنانية، والحبّ الخالص لله، ولا استطاعوا أن يسعدوني كإخوان الصّفاء. إنّهم أبناء القرارة الأطهار، وهي فذّة في الصّفاء في تلك العهود، فأورثته لأبنائها، وضاعف المعهد بصفائه وراثتهم، فصارت نفوسهم في النّقاء والصّفاء والطّهر كأرواح الملائكة، ونفوس الأطفال النّقيّة." (2)
هذا التّسجيل الصّادق الدّقيق يقدّم صورة عن دور الجمعيات الأدبية والجماعات الأخويّة في التّكوين والتّربيّة. التي تُعمَرُ جلساتها ولقاءاتها بكلّ ما يعمل على بناء شخصيّة الفرد، خارج دروس الفصول الدّراسيّة، وبعيدًا عن فضاءات التّعليم التّقليدية أو العامّة.
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 61، 62.
(2) -المصدر السّابق، ص: 62. (9/147)
صفحة 143
عمّا يدور داخل جماعة إخوان الصّفاء، يقول الشّيخ محمد عليّ دبّوز: "كانت مجالسنا تعمرها القراءة المفيدة، والمناقشة في مواضيع الصّحافة، سيّما الأدبيّة منها، وكانت تشيع فيها الدّعابة الظّريفة، والنّكتة السّاحرة، ينثرها الخفيف، وينثرها أحمد وغيرهما، من إخوان الصّفاء، وكان العقل يجد في تلك المجالس متعته، والرّوح نشوتها وغذاءها من الحبّ الطّاهر، الذي يتدفّق به كلّ قلب، والصّفاء التّام، الذي تفيض به العيون، وتلمسه في الحديث." (1)
الخلاصة
نحن نستفيد من تجربة جمعيّة الشّباب وغيرها من الجمعيّات والرّابطات، التي نشطت في ميدان التّدريب والتّرويض على التّكوين الأدبي بخاصّة، ننسج على منوال برامجها، وننهج نهجها، مادامت قد أثبتت نجاعتها، وأثمرت بها ثمارًا طيّبة جيّدة. ونعمل على تكييف كلّ هذا مع ما يتناسب مع المتغيّرات والمستجدّات والمتطلّبات والإمكانات.
نحرص أوّلا على إحياء نظام الجمعيات الأدبيّة بالمواصفات التي تحقّق الأهداف المسطّرة، وتستجيب للظّروف الآنية، وتتناسب مع تطوّر الحياة المستمرّ. ونعمل على توجيه كلّ هذا توجيهًا حسنًا؛ بإعداد برامج وخطط، تدفع إلى إثارة طموح الطّلبة في استثمار طاقاتهم ومؤهّلاتهم الكامنة في الإبداع. لذا يجب التّنويع في أنشطة الجمعيّة. وتكليف الطّلبة بتدبيج الخطب، وتحرير المقالات، وإعداد البحوث، وإلقاء المحاضرات وتحرير الفصول النّقدية للأعمال الأدبية والعلمية المقدّمة. وتشجيعهم على كتابة القصص، وتأليف المسرحيّات، ونظم الشّعر، وكتابة الأناشيد، وعقد النّدوات، والقيام بالمراسلات الأدبية، ودعوة شخصيات لمحاورتها، وأخرى لإلقاء محاضرات في مختلف جوانب المعرفة ... تكون للجمعية مجلّة دورية، تصدر عدّة مرّات في السّنة، تكون منبرًا للأفلام النّاشئة، تتدرّب فيها على الكتابة الصّحيحة.
إنّ كلّ ذلك يساعد على التّكوّن في الكتابة والتّحدّث بطلاقة، وتنظيم التّفكير، والتّمرّن على البحث والنّقد، وتنمية العقل، وترويض النّفس على العمل الجادّ المثمر.
__________
(1) -المصدر نفسه. الخفيف هو: عيسى بن الحاج عمر ناصر بوحجام. أحمد هو: أحمد بن عمر الشّيخ أحمد. وهما من أعضاء جماعة "إخوان الصّفاء". (9/148)
صفحة 144
الالتزام الإسلامي
في شعر محمد صالح ناصر
نماذج محللة من ديوان ”الخافق الصادق“ (*)
الطالب: علي بن أحمد موسى وعلي
المركز الجامعي بغرداية ـــــ الجزائر
ا
(1) اتَّضح مفهوم مصطلح "الالتزام" أدبيًّا في ظلِّ التطور الفكري والفلسفي والفني في العصر الحديث؛ حين أصبحت المدارس الأدبية تربط الأدب بالحياة وتجعله معبِّرا عن الواقع الإنساني مساهما في جلاء حقائقه؛ فيعرف "د محمد غنيمي هلال" التزام الأديب بأنه: «مشاركته بالفكر والشعور والفن في القضايا الوطنية والإنسانية، وفيما يعاني الآخرون من آلام ويبنون من آمال» (2).
و"الالتزام" دعوة أدبية قديمة في الفكر الإنساني منذ العصر اليوناني مع أفلاطون وأرسطو، ولكنها انتشرت وعمَّت كل بقاع العالم في القرن العشرين؛ قرن التحولات سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وفكريا، وأصبحت الأسس العامة للالتزام الأدبي متمثلة في التيار الغالب على العالم الغربي والعربي، بريادة الفلسفة الواقعية الاشتراكية والوجودية (3).
وتأتي الدعوة إلى نظرية الالتزام مقابلة لنظرية "الفن للفن" أو "البرناسية" التي تدعو إلى تجريد الأدب من الوظيفة الرسالية، وعدم الاهتمام بالقيم الفكرية النافعة، إلا أن نظرية الالتزام تُوازِنُ وتُوفِّق بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الرسالية، إذ ينبغي أن لا يبتعد مصطلح "الالتزام" عن
__________
(1) *- قدَّم الطالب مذكرة ليسانس في اللغة العربية وآدابها بالمركز الجامعي بغرداية، بعنوان: «الالتزام الأدبي في شعر محمد صالح ناصر»، تحت إشراف الأستاذ محمد أحمد جهلان، ونال به أعلى تقدير من لجنة المناقشة مع التوصية بإيداع نسخة منها في المكتبة المركزية الجامعية.
(2) - غنيمي، هلال محمد: «النقد الأدبي الحديث»، دار الثقافة، دار العودة، بيروت، لبنان، 1973م، ص: 484.
(3) - ينظر: أبو حاقة، أحمد: «الالتزام في الشعر العربي»، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط1، 1979م، ص: 16 وما بعدها. (10/149)
صفحة 145
مفهومه الأدبي وعن إطاره الفني الجمالي إلى مفاهيم إيديولوجية أو تربوية خالصة، فيفهم على أن الأدب الملتزم يؤدي رسالة تعليمية تقوم على أسلوب المباشرة والتلقين، بل ينبغي أن لا يظهر وعي الأديب منفصلا عن بنية العمل الفني وجمالياته، وبالتالي فإنه إذا تردت القيمة الأدبية للنص فلن يشفع في هذا النص نبلُ المضمون، فالنظرية لها جانبين؛ التزام بالمقاييس الأدبية والتزام بالقيم الفكرية في آن واحد (1).
وإذا كان الأديب ملتزمًا بعقيدة ما، ومتأثرا بقضايا عصره فإن هذا سيجعل مضمون الأدب الملتزم مضمونا مختلفا في اتجاهاته ومضامينه حسب القيم والمؤثرات التي ينفعل بها ويتفاعل معها، لذلك فقد تعددت أنواع الالتزام واتجاهاته مشكلة أقطابا فكرية تعتبر بمثابة مرجعيات، ومن أهمها: الالتزام السياسي القومي، والالتزام الوطني الثوري، والالتزام الاجتماعي، والالتزام الديني .. وغيرها.
وقد لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الالتزام بالعقيدة الدينية لا يعيق حرية الفنان ولا يقيد تجربته إلاَّ إذا كانت تلك العقيدة نفسها محدودة الأفق، والالتزام الإسلامي يمتاز بخصوصيات تنبع من خصوصية العقيدة الإسلامية التي وضعت مقاييس تجمع بين معطيات الواقع وعالم الغيبيات، وبذلك فهي تلبي الحاجات الفطرية الكاملة عند الإنسان (2).
ويتضح الأمر أكثر إذا قلنا إن الالتزام الإسلامي ليس معناه أن يتقيد الأديب بموضوعات النص القرآني أو الحديث النبوي أو التراث الديني؛ بل هو كل أدب ملتزم بالتصور الإسلامي للحياة والناس والكون، فيربط بينها وبين حقيقة الألوهية «بشتى المشاعر؛ عن الحب والرهبة، والخوف والطمع، والأمل والرجاء، وتصل بين الإنسان والكون والحياة بِصلات من التعاطف والمودَّة والقربى، وتصل بينه وبين أخيه الإنسان برباط من الحب الحي المتدفق الفياض» (3).
إن مثل هذا الأدب القائم على التصور المتكامل هو الذي يجعله أدبا
__________
(1) - ينظر: ماضي، شكري عزيز: «في نظرية الأدب»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط5، 2005م، ص: 73.
(2) - ينظر: محمود، عباس محجوب: «الأدب الإسلامي: قضاياه المفاهيمية والنقدية»، عالم الكتب الحديث، إربد، لبنان، ودار جدار للكتاب، بيروت، لبنان، ط1، 2006م، ص: 134.
(3) - «الأدب الإسلامي: قضاياه المفاهيمية والنقدية»، ص: 131. (10/150)
صفحة 146
يحوي في جنباته كل أنواع الالتزام؛ فالالتزام الإسلامي يرتقي إلى سدة الحكم ليقيمها "سياسة" راشدة، ويندفع نحو مأساة "الأوطان" ليفجرها ثورة رائدة، وينزل إلى قاعدة "المجتمع" ليضبطها علاقات عادلة، ويسري في كيان الإنسان ليسقيه "أخلاقا" فاضلة، ذلك أن الأدب بالمنظور الإسلامي معبر عن كل مبادئ الالتزام؛ الجمال المتدفق من صفائه، والهدفية المنبثقة من إيجابيته، والمضمون النابع من عقيدته، إنه الالتزام الذي يرفض الانزواء عن قضايا المجتمع والإنسانية، ويرفض التعرض لموضوعات معادية للدين ومؤدية إلى فوضى القيم والأخلاق.
وليس الالتزام الإسلامي أن يُبلِّغ الأديب رسالة في الأخلاق أو أوضاع الأمة تبليغا صريحا؛ بل يجب ألا يظهر وعي الأديب صريحا منفصلا عن بنية العمل الفني فينقلب إلى وظيفة الواعظ، لأن الأديب متميز في إدراكه لعالمه، وفي اختياره لموضوعاته وشخصياته، وفي التصوير العميق للجوانب الخاصة من اهتماماته.
وموقف الشاعر "محمد ناصر" يتلخص في رؤيته إلى أن الشاعر الملتزم هو الذي ينطلق من الرؤية الإسلامية، والذي يحمل في أدبه رسالة وهدفا يبلغه إلى المتلقي وفق هذه الرؤية (1)، ويرى أن الحفاظ على جمالية الأدب وقيمته الفنية من ضروريات الأدب الإسلامي، إذ يقول: «لا يشفع في الأدب المضمونُ الدينيُّ مهما يكن مقدَّسا، وفنية النّص شعرًا كان أم نثرا ليست زينة وكمالاً، بقدر ما هي ضرورة لازمة للعملية الإبداعية» (2)، وبهذا فإن التصوُّر الإسلامي النابض بالمشاعر الدينية، هو المعيار الذي التزم به هذا الشاعر واصطبغت به تجربته الشعرية.
وسنحاول في هذه العجالة أن نقدِّم بعض النماذج المحللة من خلال ديوانه: "الخافق الصادق"، ويكون التحليل حسب الخصوصية التي يتسم بها الالتزام الإسلامي عن غيره وهي الشمولية؛ لأنه التزام أشمل من المفهوم الواقعي المشهور، لأنه يهتم بواقعين؛ الواقع الداخلي المتمثل في الذات، والواقع الخارجي المتمثل في واقع الأمة الإسلامية جمعاء، كما أنه لابد في تحليل بعض النماذج من الالتفات إلى القيمة الفنية والمكانة
__________
(1) - ناصر، محمد صالح: «مقابلة شفوية مسجلة»، في مقر سكنه (القرارة)، يوم: 03/ 04/2010م.
(2) - ناصر، محمد صالح: «خصائص الأدب الإسلامي» مكتبة الضامري، سلطنة عمان، ط1، 1993م، ص:27 (بتصرف). (10/151)
صفحة 147
الأدبية الجمالية للقصيدة الملتزمة عند الشاعر، وذلك بتحليل بعض المظاهر الأسلوبية المبثوثة في ثنايا الدراسة، لأنها - بلا شك- تسهم بقوة في تعميق الدلالة وإبراز الرؤية، وفي الأخير دعم الموقف الالتزامي الذي يتبناه الشاعر.
أولا: الالتزام الإسلامي في الشعر الذاتي:
لا يستند الشاعر "محمد ناصر" في التزامه الشعري إلى ما اشتهر من التقعيدات الأدبية لنظرية الالتزام الأدبي، التي تقيِّد مشاعر الشاعر وتحصر اهتماماته بالواقع الخارجي، بل إن التزامه يتفتق من التصور الإسلامي للحياة والكون، بكل ما تحمله العبارة من معاني الانطلاق وفسحة الآفاق، فهو تصور اعتقاديٌّ نابع من الذات قبل أن يكون التزاما قائما على معرفة فلسفيَّة، وبالتالي فموضوع الالتزام الإسلامي عند الشاعر "ناصر" يسبح في فضاء شاسع بقدر شساعة الكون والحياة، قائم على خاصية الشمولية، لأنه التزام يتعامل مع الكينونة الإنسانية بكل أشواقها وحاجاتها واتجاهاتها.
الروح الإسلامية في القصائد الذاتية:
لقد فتح الالتزام الإسلامي للشاعر أبواب الذات وفك له مغاليقها، إذ تعرف عليها وأزال عنها غشاوة الغموض واللبس، وهذا هو الفارق الذي يفصل الشاعر "ناصر" عن أولئك الشعراء الذين كانوا يتخبطون في غياهب الحيرة والتذبذب وضياع الذات، فقد تكشَّفت له ذاته من خلال علاقتها بهذا الكون ومسيرتها في هذا الوجود، فكان لخفقاتها إيقاع خاص في قصائده، وقد رافقها خلال رحلتها بين الخوف والرجاء، بين الشوق والحنين، بين الألم والأمل ...
وتتشكل الملامح النفسية لذات الشاعر في تلك القصائد الذاتية الخالصة، فنجده في قصيدة "ابتهال أمام بيت الله" يسبح في عوالم الذات ويبث مشاعرها، ولا تنفك عن وجدانه مشاعر الضعف البشري قائلا (1):
هنَا فِي جلالِ اللِّقاءِ خرسْـ
ـتُ ليُفصحَ دَمعِي وآهاتِيَهْ
هُنا حيثُ تغدُو الخلائقُ مَوْ
جاً تَدَافعُ خائفةً راجيهْ
وأُبصرُني قطرةً في المُحِيـ
ـطِ تَقاذَفُها الموجةُ العاتيَهْ
وأُدركُ أنِّي الضعيفُ الضَّعِيـ
ـفُ، وأنتَ إلَهِي أدْرَى بِيَهْ
__________
(1) - ناصر، محمد صالح: «الخافق الصادق»، دار الريام، الجزائر، ط 1، 1430هـ/ 2009م، ص: 18. (10/152)
صفحة 148
فالذات عند الشاعر "ناصر" قبل أن تكون جسما ولحما فهي روح ومعنى، وهذه الروح تضعف كما يضعف الجسد فهي بحاجة إلى رعاية وتمريض، وها هو الشاعر يصعد زفرات الألم من هذا الظمإ الروحي فتنكبِتُ لغة الكلمات حين تصبح الدموع والآهات أفصح تعبيرًا.
وتتضافر الموسيقى الخارجية من خلال قافية الهاء؛ فإن صوت الألم والآهات يتصاعد من أعماق قلب الشاعر منسجمًا مع صوت الهاء الذي ينبعث من الحلق، إضافة إلى استخدامه بحر الرمل، الذي وظَّفه شعراء الرومنسية بقوة، لملاءمته لأجواء المناجاة الفردية، والشاعر هنا يحشد المعجم الدلالي من خلال الكلمات (دمعي، آهاتيه، خائفة، راجية) التي تعبر عن صدق التضرع والخضوع.
وتلفتنا الصورة الإيحائية هنا؛ حين تصبح جموع المسلمين الضارعة لله موجات عاتية؛ وذات الشاعر قطرة في وسط هذه البحر المتلاطم الأمواج؛ فإذا كانت يد الله فوق أيديهم فأين يد الشاعر الضارعة من يد الله التي فوق أيدي الجميع، وأين ذات الشاعر من جلال قدرة الله وعظمته؟ ويكون الجواب من خلال قوله (وأدرك أني الضعيف الضعيف)، إذ تتضاءل في عين الشاعر ذاته حتى تنمحي وتذوب بين هذه الجموع.
ولم تكن الذات الحسية الجسدية على هامش التجربة الشعرية لدى الشاعر، فها هو في قصيدته "وبشر الصابرين" يبثُّ مشاعر الألم والمعاناة وهو يرزح تحت وطأة المرض، حيث أضفى على القصيدة مذاقا ابتهاليا خاصا إذ يقول (1):
يَا رَبّ أنتَ بلَوْتنِي وشفيتَنِي
وأضأْتَ قلبِي كيفَ لا أرتاحُ؟
( ... ) أدعوكَ والدّمعُ السَّفُوح يهُزّني
والآيُ في لهَواتِيَ المفْتَاحُ
وحدِي وقدْ لفَّ الظَّلامُ ترِفُّ بِي
نفسِي إِلى الملإِ العُلَى ترْتاحُ
إ. ِنّي الضّعيفُ وأنتَ وحْدكَ قادِرٌ
فأَشفِقْ بِعبدِكَ، قدْ أَذتهُ جِراحُ
لِي كِليةٌ كسْلَى تقضُّ مضَاجِعِي
فاصفرَّ لونِي والشَّرابُ قُراحُ
فالشاعر هنا يصوِّر ما يعانيه من أوجاع تصويرا دقيقا؛ فقد تضافرت عليه كل أسباب الألم لتوهن قواه، وتذيقه مرارة الحياة وتضعضع جسده.
والتشكيل الموسيقي للقصيدة يوحي بذاك الجو النفسي للشاعر
__________
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 50. (10/153)
صفحة 149
وهو في مقام الشكوى لله مما ألَمَّ به من نَصَب وعذاب؛ حيث نجد الموسيقى الخارجية المتمثِّلة في قافية (الحاء) المتميِّز برخاوته وهمسه منسجمة مع المقام النفسي؛ إذ تبعث بموسيقى همسية تناسب وخُفْيَة الدعاء ومناجاة العبد لربه، كما أن بعد مخرج الحلق وعمقه في حرف (الحاء) شكل توافقا بين صوت الحاء الحلقي العميق ومشاعر الألم التي تتفاعل في أعماق الشاعر.
إن المنطلَق الروحيَّ للشاعر قد جعله يحاول أن يقيم توازنا بين الحس والروح؛ فهو في محاولة دؤوب لطلب المدد الروحي (1):
ناديتُ فِي جوفِ الظّلامِ مُسبِّحا
أنْ لاَ إِلهَ سِواكَ يا مِصباحُ
يَا منْ أعدتَ ليُونُسَ رُوحَ الحَيَاةِ
أعِدْ لجسمِي مَا بِه أرْتـ، احُ
فالشاعر لا يعرف القنوط في الدعاء والتبتل، لأنه يستمدّ هذه الثقة بالله من خلال القصص القرآني إذ يوظف الصورة الإشارية المتمثلة في دعاء سيدنا يونس إذ نادى في ظلمات البحر وبطن الحوت: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)} (2).
إن صيغة النداء في قوله (يا مصباح) تؤدي دلالة نفسية عميقة في نفس الشاعر؛ فهي صيغة لنداء البعيد، وكأن الشاعر يشعر بالبعد وهو مُغَيب في ظلمتين؛ ظلمة حقيقية وهي جوف الليل؛ وظلمة معنوية وهي وضعيته النفسية المتردية، كما يستعمل لفظة (مصباح) للمنادى وهو الله؛ ويدل على تلك الحاجة النفسية إلى ذلك النور الرباني ليبدد من حوله تلك الظلمة وينقشع قتامها.
ثم تظهر ذات الشاعر متلفعة بدثار آخر؛ دثار الفرج والأمان والشفاء إذ يقول (3):
حتّى إذا قدّرتَ لِي فَرَجاً أتَى
كالبرقِ، أمرُك يَا قويُّ سُراحُ
كالنُّور ينفرجُ الضّياءُ بخافِقِي
كالفجرِ يَبسُمُ نورُه الوضَّاح
نزلَ الشفاءُ، تفتَّحتْ شُرُفاتُه
وانهلّ لِي مطرٌ وبانَ صبَاحُ
هنا تتغير لغة الشاعر؛ من لغة الآلام والظلام، ولغة الشكوى والرجاء، إلى لغة البشر بالشفاء والضياء، ولغة الشكر والعرفان، فكل كلمة هنا تعبر عن ذلك الانقلاب النفسي حين تغيب معاني الظلمة لتحل محلها معاني النور
__________
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 51.
(2) - الأنبياء: 87.
(3) - «الخافق الصادق»، ص: 51. (10/154)
صفحة 150
متمثلة في كلمات (البرق، النور، الضياء، الفجر، صباح ... )، ويوظف الشاعر الصورة الإيحائية في قوله (ينفرج الضياء، تفتحت شرفاته، يبسم نوره، بان صباح) لتدل نفسيا على تلك السعة والانبساط الذين ملآ كيان الشاعر.
إن رؤية الشاعر الملتزمة للذات تكمن في كون هذه السعادة والفرج لم تفقده وعيه الديني إذ يربط كل هذا بمن يملك هذه الذات ويُقدِّر مصيرها، ليتوجه إليه بالحمد (1):
حمداً وأنتَ بلوتنِي، حمداً وأنتَ
شفيتَنِي، آمنتُ يَا مِصبَاحُ
( ... ) أنتَ العليمُ فرُبَّ خيْرٍ مِحنةٌ
ولرُبّ شرِّ مِنحةٌ ونَجَاحُ
ففي تكراره لكلمة (حمدا) نكتة بلاغية؛ فالشاعر يؤكد حمده لله وقت البلاء ووقت الشفاء؛ وهذا استغراق زمني لحياة الشاعر التي لا تخلو من أن تكون ابتلاء في حالتي المرض والشفاء على حدّ سواء، وكأن الشاعر في إعادته لصيغة (يا مصباح) يؤكد تلك الصلة الدائمة التي لا يعروها انفصام ولا انقطاع، فالله لا يزال المصباح الهادي وقت الشفاء؛ كما كان مصباحا وقت الشدة والبلاء.
والشاعر قد التزم برسالة روحية حملها عبر رحلة الذات وتقلباتها؛ ليجعل محطة العبرة فيها مقابلة ضدية بين (خير/ شر، منحة/ محنة)، والشاعر هنا لم يتكلف البديع في المقابلة والجناس، فإن دلالة هذه الألفاظ تصرفُ السامع عن شكلها البديعي إلى تلك الحوصلة التي جمعتها عن تجربة الشاعر مع ذاته؛ مقتضاها أن الذات في امتحان بين المحن والمنح، ويتحقق النجاح في هذا الامتحان حين يزداد العبد تقربا ومعرفة بالله، وحين يكون أكثر وعيا بحقيقة نفسه، وحين يكتشف هويته ويدرك ضعفها الحسي ويملأ فراغها الروحي.
الرابطة الإسلامية بين الذات وغيرها:
لم يقف الشاعر على الذات في قضاياها الخاصة؛ وإنما عايشها في علاقاتها الإنسانية والعاطفية، متمثلة في مشاعر تنبع من ذاته؛ زوجا وأبا وأخا حميما، والشاعر في التزامه بالتصور الإسلامي يبين أن كل هذه العلاقات الوجدانية قد تربى ونشأ عليها في مدرسة الدين والإيمان، التي زرعت في قلبه مشاعر الحب والوفاء والحنان، حيث ارتفعت فيها أصوات القلب فوق صوت الكلمات والحروف، فالشاعر "ناصر" قد اعتنى بمشاعره تجاه الآخر
__________
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 52. (10/155)
صفحة 151
عناية خاصة. ويعتبر "الولد" حلقة من تلك الرابطة الرحمية التي ضمها الشاعر في حناياه، وهذا هو الولد الصغير يضرم نار الشوق في قلب الشاعر ـــــ وهو بعيد في غربته بسلطنة عُمان ـــــــ حين يناديه "من أناديه أبي؟ "، ليجيبه في قصيدة بعنوان: "آخر العنقود" (1):
آهٍ يَا فلذَتِي عصرْتَ فُؤادِي
وأثرتَ الأحزانَ بِي مِنْ جَدِيدِ
كِلْمةٌ قُلتَها فحرَّكْتَ وَجداً
كنتُ أطفِي لظاهُ بالتَّنهِيدِ
لا تقُلهَا فقدْ ذبحْتَ ورِيدِي
لا تقُلهَا بربِّكَ المَعبودِ
لا تقُلهَا فقدْ تهدَّمَ صبرِي
وتهاوَى كقلبيَ المجْهُودِ
إن هذه العواطف الجياشة التي التهبت في أحشاء الشاعر تؤكد ذلك الحس المرهف والوتر الحساس الذي يهز كيان الشاعر لتبلغ فيه المعاناة النفسية ذروتها، فالصدق الفني يتبين من خلال حضور نفس الشاعر في كل بيت وكل كلمة من خلال تكرار (ياء المتكلم) في صيغة الاسترحام والاستعطاف تكررت، ومن خلال أسلوب النهي في قوله: (لا تقلها).
وهو يحاول أن يجسد من نفسه نموذجا لخضوع الإنسان لفطرة الله التي أودعها فيه (2):
كيفَ أنسَى؟ وهلْ تُرانِيَ أنْسَى
نبضَ قلبِي وناظِرِي ووُجُودِي؟
كيفَ أَنسَى؟ وفِطرتِي أبَوِيٌّ
مُفعمُ القلبِ بالحَنَانِ الشَّدِيدِ؟
صَاغنِي اللهُ وَالداً شاعِرِياًّ
كيْفَ أنسَى ـــ ولو حرصتُ ـــ وليدِي
إن الشاعر يوظف أسلوب الاستفهام (كيف أنسى؟) مكررا إياه عشر مرات (من قبل هذا المقطع) لمناسبة الاستفهام بالأداة (كيف؟) لمقام الشكوى والألم من البعاد، والغرض من تكرار الاستفهام هو تقرير الفكرة تقريرًا غير مباشر، فهو يقرر أنه لا يمكن أن ينسى ولده وهو نبض قلبه، وأنه لا يمكن أن تنعدم عنده مشاعر الرحمة والحنان في ذكرى ولده، لأن هذه من صياغة الله - سبحانه وتعالى - وآياته.
إن الشاعر "محمد ناصر" يرى في هذه العواطف الإنسانية بعدا التزاميا عميقا، فإن المسلم يملك في هذه الحياة مهمة الخلافة وعمارة الأرض، ولا تقوم هذه المعاني إلا على أساس من التكامل العاطفي بين البشر، فالمسلم بعاطفته
__________
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 25.
(2) - «الخافق الصادق»، ص: 26. (10/156)
صفحة 152
الوالدية يسعى لبناء البيت الذي هو بذرة المجتمع الإسلامي، وبالتالي فهو يجسد بعاطفته سنة الله في الحياة والعمارة، إذ يقول لولده (1):
أنَا مِنْ أَجلِكمْ يرفُّ جَناحِي
صاعداً نَازِلاً بأفقٍ بَعِيدِ
أتركُ العُشَّ مُجبرًا، ففِراخِي
بفِراقِي تعيشُ عيشَ سَعِيد
رَفَّةُ الطَّيرِ جِيئَةً وذَهَاباً
تجْلبُ الرِّزقَ ليسَ بِالتَّغرِيدِ
فالشاعر يوظف الصورة لينتقل بالفكرة من المباشرة إلى مرحلة التأثير والإقناع؛ إذ يتخذ من الطير الذي يمثل قمة التوكل على الله في طلب الرزق والنشاط في سبيله، صورة تعتمد على قوة الحركة والانتقال، من خلال حشد المفردات الضدية (صاعدا/نازلا، جيئة/ ذهابا) وهذا الطباق يشخص بدقة ذلك النشاط الدؤوب الذي يقوم به في سبيل توفير العيش السعيد للولد.
ومن خلال مفردات القصيدة يمكن أن نستجلي الموقف الالتزامي الذي يتمثل في اعتماد الشاعر البعد الروحي في توثيق روابط التواصل وتعميق أواصر المحبة حتى تظل محفوفة بالعناية الإلهية، يرعاها بالحفظ والأمان.
وهكذا تتضح لدينا تلك الرؤية الإسلامية المتميزة التي يحملها الشاعر "ناصر" في تواصله الوجداني مع الرحم القريبة القائمة على أساس من الرباط الروحي الرباني.
ثانيا: الالتزام الإسلامي في الشعر الواقعي:
تعتبر الواقعية من أهم المعايير التي تبناها الأدباء والنقاد في التزامهم الأدبي، إلا أن واقعية الشاعر "محمد ناصر" ليست من قبيل تلك المذاهب الأدبية، لأنها واقعية تنبثق من الوازع الإسلامي والوعي الديني الذي يدعوه إلى الاهتمام بواقع الأمة الإسلامية وقضاياه، إذ لا يمكن أن يعيش في غمرة تجاربه الإيمانية الذاتية وهو بمعزل عن واقع الحياة، ومصير الإنسان، وآماله وآلامه، إذ عليه أن يبحث عن خلاص للإنسانية عبر رؤية إسلامية متميزة تصاغ معالمها في قالب فني مؤثر.
إن ما تعانيه الأمة من وطأة التخلف والتبعية الفكرية والاحتلال السياسي في بعض بلدانها من أقوى الأسباب التي ألهبت الشاعرية عند "محمد ناصر"، ليعبر في كثير من قصائد الديوان عن تفاعله مع هذا الواقع المرّ والصراع المرير.
__________
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 26. (10/157)
صفحة 153
التفاعل الوجداني مع واقع الأمة:
إن الشاعر "محمد ناصر" باعتباره فردًا من أمة تجمعها لحمة الدين لَينبض قلبه بهذا الانتماء العضوي للجسد الكبير، فنراه عضوا متداعيا بالآلام والأحزان لما تشتكي منه الأمة أفرادا ومجتمعات من معاناة وهوان، وهذا التداعي هو الذي أذكى فيه مكامن الشاعرية للتعبير عن هذه الآلام. والتعلقُ الوجداني الشديد بهموم الواقع جعل الشاعر يستحضر واقع أمته في كل مقام، فما أكثر تلك المواضيع التي تبدو في ظاهرها منفصلة عن واقع المجتمع والأمة، لكنها تجد في قلب الشاعر "ناصر" حرارة تنصهر فيها كل المواضيع لتأخذ قالبا واقعيا نابضا بالحياة والإحساس، فنراه في قصيدته "نحن فداك يا رسول الله" التي بدأها بالمديح النبوي ثم انتقل بعدها إلى بث هموم الواقع الإسلامي لهذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - قائلا (1):
صوتِي ضعيفٌ، وعُذري ما أُكابدُهُ
مِن ضعفِ قومِي وهُم أشتاتُ في البلدِ
عُذرِي إليْك إذَا مَا قصَّرتُ فِي كَلِمي
أنِّي بحُبكَ مفتونٌ إلَى الأبدِ
ماذَا أقولُ وقد جارَ الصّليبُ علَى
دينِ النبيِّ وما في العُرْبِ مِن أحدِ؟
تطاولَ الكفرُ إذ هُنَّا وقدْ علِمُوا
أنَّا أهنَّا كتابَ اللهِ منْ أمدِ
فالشاعر يحشد كل الطاقات التعبيرية لإبداء مشاعر الضعف والخيبة التي حاقت به وبقومه، فالتكرار الصوتي لياء المتكلم (صوتي، قومي، عذري، أني) قد أخذ تشكيلا موسيقيا عميقا لذلك الضيق النفسي الذي يحز في أحشائه بسبب آلام أمته، وكأن الشاعر وجد في شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - متنفسا وأهلا للشكوى، كما نجد في استخدامه لأسلوب الاستفهام بـ (ماذا؟) دلالة على حيرة وقصور في اللسان عن البيان بمقام الحال، وقد استطاعت اللغة الخطابية التي وظفها الشاعر أن تشكل تلاحما بين ذات الشاعر وذات الرسول - صلى الله عليه وسلم - من جهة، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - والواقع المعاصر من جهة أخرى.
ومن خلال هذه النموذج يظهر لنا مدى ارتباط الشاعر بواقعه، وكأن صورة الواقع تطارده أينما حل وارتحل، فهي تظهر وتحيا في كل شيء، كما لا تزال تسكن ضميره وقلبه ليكونا مرآة تنعكس فيها الصورة الخارجية للواقع.
__________
(1) - «الخافق الصادق» ص: 78. (10/158)
صفحة 154
وها هو يستهل قصيدته "درّة في جبين النصر" بالتعبير عن أصداء الواقع في قلبه، بعد جريمة اغتيال الطفل الفلسطيني "محمد الدرة"، إذ يقول (1):
يخونُني الشعرُ عذراً فيك يا ولدِي
تقزَّم الشِّعرُ حتىَّ ذابَ مِن كَمدِ
إن هذا البيت لينطق بنفسه عن تلك الآلام والأحزان التي انهالت وابلا على الشاعر، وينبعث هذا الجو النفسي من خلال المعجم اللفظي في الكلمات (تقزم) (ذاب) (كمدٍ)، وعلى مستوى البنية الصوتية نجده يوظف في القافية حرف الدال الذي يتصف بالشدة والحبس لينبعث منها أثر الشدة والكبت الذين يهزان الشاعر في الأحشاء، وقد أضفت عليه كسرة الدال مزيدا من الدلالة على ذلك الشعور بالانكسار والخيبة.
ويوظف الشاعر الصورة الجمالية من خلال الاستعارة التي تتمحور على لفظة (الشعر)، إذ يصور (الشعر) بالصديق الوفي المنجد عند الحاجة إليه، ولكنه في هذا الموقف يخونه فلا ينجده، كما يضفي عليه مشاعر إنسانية في قوله (ذاب من كمد)، فقد اكتوى هذا الشعر بحرارة الحزن حتى ذاب وبدا قزما قاصرا عن مواجهة الرزء الجلل، وعاجزا عن نجدة الشاعر.
فالشاعر في هذه الصورة يعبر عن مدى انعقاد اللسان عن التعبير عما يحترق به قلبه من لظى الأحزان التي غصَّت في حلقه الذي ضاق عن بعثها وإبدائها. وتزداد النفس تأزما في قوله بعد ذلك:
أُكابدُ العارَ يَشوِيني ويَجلدُني
وذاكَ يعصرُ قلْبِي من ضنَى عُقَدِي
وينبتُ الملحُ في حلقي، وأشرَبُه
دمعاً مريراً شظاياهُ شَوَتْ كَبِدي
وفي فمِي يبسٌ من هَوْلِ فاجِعتِي
وكمْ كمَمتُ فمِي حتَّى تخُطَّ يدِي
ويصرخُ الحزنُ في وعيِي وأورِدَتي
وليسَ يشفِي الصُّراخُ الحزنَ يا ولدِي
فالشاعر يحشد كل إمكانيات التعبير عن الألم والضيق والكبت من خلال ألفاظ (يشويني، يجلدني، يعصر، عقدي، دمعا، مريرا، شَوَتْ، يبسٌ، يصرخ .. )، ويكثف من لغة الإيحاء من خلال الصور المجازية، إذ جعل "العار يجلد"، و"الملح ينبت"، و"الدمع يشوي"، و"الحزن يصرخ" ... وهذا كله تصوير للألم المعنوي بالألم الحسي للجسم.
__________
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 37. (10/159)
صفحة 155
وتظهر الصورة في حركية دينامية حين يقول: (وكم كممت فمي حتى تخط يدي) كناية عن تلك المحاولات الشعرية الكثيرة المتكررة، ثم يزيد محاولات أخرى في قوله:
أراودُ البيتَ أسْتسقِيهِ مِن ظَمإٍ
فيهزأُ الشعرُ مِن بَيتٍ بلاَ عَمَدِ
سألتُ (خنسايَ) مَا للعينِ جَامدةٌ؟
فقالتِ: الدَّمعُ لاَ يشفِي مِنَ الْكَمدِ
فمثلُ (دُرّة) لا يُبكى، وقدْ صعدتْ
روحُ الشَّهيدِ إلَى الجنّاتِ في مَيدِ
فالشاعر يوظف التورية في كلمة (بيت) ليشبه بين صورتين؛ صورة البيت الذي لا يقوم إلا على العمود الشعري لأن الشعر قد ذاب من الكمد، وصورة البيت (المنزل أو الخيمة) المنهدم الذي لا يقوم إلا على عمد، ثم يوظف الرمز المتمثل في (الخنساء) شاعرة الرثاء والحزن، فهو يسألها في شأن هذا الدمع العصي، وعلى لسانها يعبر عن يأسه من الشفاء إذ لا جدوى من البكاء.
وقصيدة "درة في جبين النصر" نموذج واحد عن ظاهرة عامة، مقتضاها أن الشاعر "محمد ناصر" يستند في التزامه بقضايا الواقع الإسلامي على قاعدة نفسية صلبة، لما يكتنفه من مشاعر وأحاسيس تجاه هذا الواقع، فهو في تواصل وجداني دؤوب بين العالم الداخلي الوجداني والعالم الخارجي الموضوعي، حتى تنمحي تلك الحدود بين الذات والموضوع، وبين الذات والواقع.
ويظهر الصدق الفني عند الشاعر "ناصر" حين تنصهر تجربته الشعورية بالقضية الموضوعية، فتصدر في قالب شعري محكم لا ينفصل فيها المعجم الوجداني الداخلي عن المعجم الموضوعي الخارجي في القصيدة الواحدة، فهو قبل أن يكون مصورا للواقع الخارجي فإنه معبر عن الواقع الداخلي الذي يجيش في وجدانه.
توازن بين الواقع المادي والإيمان الغيبي:
إن الانعكاسات المؤلمة التي تركها واقع الأمة في نفسية الشاعر هيأت له النظر الثاقب والإدراك الذكي بالأحوال والأوضاع، فالشاعر -وهو يقف على عتبة العام الهجري (1425هـ) - يحاول استذكار ماضي الأمة التليد واستشراف المستقبل الجديد، بما يحمله من أنباء وأعباء، وبينا هو في خضم التوقع والترصد لمستقبل الأمة إذ تنتابه الهواجس في خلده فيقف مخاطبا هذا العام (10/160)
صفحة 156
الجديد ــــ كما خاطب المتنبي عيده (1) ــــ فكانت قصيدته "عام بشير أم نذير؟ " (2):
أهلاً بمطلعِك النَّضيرْ
يا أيُّها العامُ البشيرْ
ماذا حملْتَ؟ بشيرَ خيْـ
ـرٍ نَرتضيهِ أم نذير؟
للمسلمين، وقَد مَضَى
عامٌ منَ الهمِّ المرِيرْ
هكذا تنفطر نفس الشاعر بين الاستبشار والاستفهام، وهذا الشعور المتقلب في هذا المقطع شكل ثنائيات ضدية وطباقا بين الكلمات (مطلع/ مضى)، (بشير/ نذير)، (النضير/ المرير)، (خير/ همّ)، وهذا انعكاس للحالة الشعورية التي اكتنفت الشاعر وهو في مغالبة بين التشاؤم من قسوة الماضي والتفاؤل والاستهلال بالمستقبل الطالع المشرق.
والشاعر يوجه النداء لهذا العام ويسأله عن ماذا يحمل؛ ولكنه لا ينتظر جوابا ولا كلاما من هذا الصامت المجهول، فيتوجه الشاعر بالدعاء إلى الله بالرفق والسلامة:
فارحمْ بلطفِك يا إِلَـ
ـهِي، أنتَ وحدَك منْ يُجِيرُ
( ... ) اللَّيلُ طالَ على عِبَا
دِك، طالَ في الشّوكِ المَسِيرُ
( ... ) أَرِنا الصّباحَ فنُورُ وجْـ
ـهِكَ وحْده الأَملُ الكَبيرُ
فنراه يوجه النداء إلى الله (يا إلهي) وهي تستعمل لنداء البعيد لتدل على مشاعر التعظيم والإكبار لله، ونلاحظ تكرار الشاعر لكلمة (وحدك) مرتين فهو قد تيقن بأن الله هو الملجأ الوحيد، وهو الوحيد الذي إليه المشتكى مما ألمّ بالأمة من معاناة ومكابدة للأيام الثقيلة، والشاعر يكرر الفعل (طال) مرتين لدلالة على الملل من طول المعاناة، ويشكو إلى الله ذلك الليل الطويل ويطلب بعده صباحا يستمدون نوره المأمول من نور الله.
ثم ينغمس الشاعر في تصوير الواقع وتشخيصه بكيفية متميزة تثير السمع وتقرع الأذن، فهو لا يكتفي بالتصوير الفوتوغرافي الصامت، وإنما يضفي على كلماته روح الاستنهاض واللوم والعتاب والاستنكار من السبات الذي تغط فيه الأمة تاركة أمرها للأعداء.
__________
(1) - يذكرنا البيت الثاني في القصيدة بمطلع قصيدة المتنبي:
عيدٌ بأية حال عُدت يا عيدُ
بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديدُ
(2) - «الخافق الصادق»، ص: 46. (10/161)
صفحة 157
ومن أساليب المعنى التي استخدمها لتشخيص الواقع أسلوب المفارقة والمقارنة إمعانا في إبراز التناقض في واقع الأمة، ليكون التصوير أشد وقعا وأبلغ تأثيرا في الألباب، إذ يقول:
نأْوِي الخيَامَ، وأرْضُنا
بِيَد اليهُودِ بِهَا قُصُور
ونَمُدُّ أيدِينَا لنُعْـ
ـطَى غَرْس أيدِينا الوَفِير
النَّفطُ مِلكُ يَمينِنَا
وغديرُنا عذبٌ نمِير
ورغيفُنَا منْ قمحِ أمْريـ
ـكَا نغصُّ بهِ عَسِير
فالشاعر يتخذ الطباق بين (خيام/ قصور) لبيان المفارقة القائمة بين لاجئي الخيام بأرضهم، وساكني القصور بأرض غيرهم، وللغرض نفسه –أي بيان المفارقة- يستخدم التكرار في كلمة (أيدينا) مرّتين، فالعلاقة الغيابية في الاختيار التركيبي تلفتنا إلى أن الشاعر لم يقل (غرسنا)، بل أضاف (الغرس) إلى (الأيدي) ليبين أن اليد التي تغرس هي نفسها التي تمّد لطلب غرسها، وكل هذا يصور مدى الذل الذي تعانيه الأمة، لأن الفقير ذليل بتسوله، وأذل منه الغني الذي يتسول من الفقير.
وأمام هذا الأمر الواقع يقف الشاعر عاجزا عن فعل أي شيء فوق جهاد الكلمة، وضعيفا أمام هول الدِّلاء، فيتوجه بالدعاء إلى الله (1):
ربَّاهُ ذَا الشَّأنِ القَدِير
أدْرِك عبادَك يا نصِير
عُدْنَا إِلَيْكَ نَجُرُّ أَذْيال
الهزيمةِ والعُثُور
عدنا تؤود بنا الذْ
ذُنوبُ، وأنت توّاب غفور
فارْحم بعفوِك ما جنيْـ
ـنَا، أنتَ رحْمانٌ قدِير
واجْمع بلُطفك أمْرنا
جَارَ العدُوّ ولا مُجير
هكذا يحاول الشاعر في آخر أمره أن يستجمع قواه ويستردّ أمله بعد كل ما أصابه من مرارة الواقع فيطلب المدد ممن بيده الأمر، فهو يتوب إلى الله ويؤوب إليه مستخدما كلمة (عدنا) مكررا لها دلالة على التأكيد والإلحاح في الإنابة، ونراه يحشد صيغ المبالغة في دعوته لله بأسمائه الحسنى (قدير، نصير، تواب، غفور، مجير) أملا في الإجابة وثقة في قدرة الله على النصرة والإجارة، ومبالغة في طلب العون والمدد.
__________
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 48. (10/162)
صفحة 158
من هنا فالواقعية الإسلامية لا تقوم على محاربة القيم الروحية ورفض الغيبيات، كما نجد ذلك في الواقعية الغربية التي توغل في عالم المادة فتضيع في لُجج الضياع، وتغرق في بحور اليأس والأحزان، بل إنها تتعامل مع الواقع انطلاقا من خصوصية "التوازن"؛ التوازن بين عالم المحسوسات وعالم الغيبيات، التوازن بين مشاعر الخوف والرهبة من الواقع، والروح المطمئنة الواثقة بوعد الله، وهذا من اليقين الذي جعل الشاعر لا يقف على عتبة التشاؤم من الواقع، بل هناك وثوق بقدرة إله هذا الواقع، وهو الوحيد الذي بمشيئته تتحسن أحوال الأمة وتزول عنها آلام الشقاء.
والتجربة الشعرية للشاعر المسلم قائمة على أساس من التوازن والإيجابية؛ فتجربة الألم والمعاناة في ظل التصور الإسلامي لا تقود الشاعر إلى سراب الشك وإلى فوضوية الرؤية، بل تقوده إلى مرفإ اليقين واستقرار الرؤية، فتمنح القلب راحة وطمأنينة واتصالا بحقيقة المؤثرات الفاعلة في هذا الوجود. وتكتمل جمالية الشعر الإسلامي حينما يبتعد الشاعر بالبشر عن كهوف التشاؤم والسلبية، ويزرع في قلوبهم بذور الأمل، ويضع واقعهم على سكة الأمان.
نقد الواقع في الالتزام الإسلامي:
إن الواقعية في نظر الشاعر تختلف عن تلك الواقعيات العقيمة التي تكتفي بالتشخيص والتصوير للواقع، أو تلك التي تؤمن بحتمية الصراع الطبقي حتى تتحقق استمرارية المجتمع ونموه، إن الواقعية من المنطلق الإسلامي واقعية تنقد أسباب التردي وتحاول الكشف عن الداء، وهي لا تزال تطمح نحو الكمال والمثالية والبحث عن نموذج لواقع أفضل، وذلك برفض كل مثبطات التقدم والتحسن على مستوى الفرد والأمة.
والشاعر "ناصر" لم يحد عن هذا المبدإ، فقد مزج واقعيته بالنقد وإبداء موقف الرفض والثورة على هذا الواقع الذي أثار في قلبه مشاعر الغضب، لتغلي الكلمة في صدره كالبركان فيعلن الشاعر عن موقفه من الحكام وسياستهم بكل حرية ومسؤولية حين يقول في قصيدته "قمة حاضرة غائبة" (1):
__________
(1) - نظمها بمناسبة القمة العربية التي انعقدت في الجزائر يوم الثلاثاء 22 مارس 2005م وغاب عنها تسعة من الرؤساء، ينظر: «الخافق الصادق»، ص: 69. (10/163)
صفحة 159
سيَّان عِندِي إنْ غَابُوا وَإنْ حضرُوا
فليسَ للعُربِ تأثيرٌ ولا أَثَرُ
فهلْ سمعتَ لهُم حِسّاً؟ فمذْ وُجِدُوا
مِن ربْع قرنٍ معَ الأمواتِ قدْ قُبرُوا
وهلْ رأيتَ لَهم فعلاً ودَيْدنُهم
كِذْب وتصفيقٌ كذَا اشتُهِروا؟
فأيُّ جامعةٍ والجمعُ مُنقسمٌ؟
وأيُّ قوميةٍ والقومُ قدْ نُثرُوا
فالشاعر يصرح بموقفه من قادة الأمة، فهو يعبر عن المكانة التي يأخذونها في عينه واهتمامه، وعن مكانتهم من هذه الأمة ومدى حضورهم فيها، حيث تتباهت صورتهم وتصغر حتى تنمحي من هذا الوجود، فهو بتوظيفه الطباق بين الأضداد (غابوا/ حضروا، وجدوا/ قبروا) قد وضع هؤلاء في مقامهم من هذه الثنائيات، فحضورهم وغيابهم سواء.
ويمزج الشاعر بين التصوير الواقعي والموقف الشخصي، حيث تبلغ لغته قمّة الحدّة والنقد اللاذع لهؤلاء الأسياد، فهو يعبر عن مواقفه انطلاقا من مسؤولية الضمير التي يرى فيها وجوب التعبير الصادق عن الحقيقة المرئية في الواقع دون تزييف ولا تحوير، كما أن التزامه بالحقيقة التزام بحرية الموقف الذي يجيش في صدره تجاه هذا الواقع دون مراوغة ولا نفاق، إذ أن الحقيقة فوق أي اعتبار، وهذه الحقيقة التي يثور باسمها الشاعر على الواقع السياسي تتمثل في قوله (1):
بَرِئتُ مِن قمّةٍ يحمَى الوطيسُ بها
أكلاً وشُرباً وتقديساً لهُ صورُ
برئتُ مِن دعوةٍ ليسَ النَّبيُّ لها
تاجاً يُضيءُ، وليسَ الدِّينُ والسُّوَرُ
برئتُ من قمَّة يُدعَى الصَّليبُ بهَا
أخاً، وشقيقُ الدِّينِ مُنكسِرُ
برئتُ ما غابُوا، برئتُ إنْ حضرُوا
فليسَ للعُربِ تأثيرٌ ولا أثرُ
إن الحقيقة توزن بالمرجعية الدينية التي يبقى الشاعر وفيا لها ولا يرضى عنها بديلا، فكل ما يغيب فيه المبدأ الإسلامي، وكل من يتنكر ليد المستغيث في الدين ويمد يد الإخاء لأعداء الدين فهو منه براء.
ونرى الشاعر في آخر القصيدة يكرر كلمة (برئت) لتشكل المحور الدلالي للقصيدة، وهذه الكلمة تحمل دلالة دينية عميقة، من خلال مبدأ الولاية والبراءة الذي يؤمن الشاعر بوجوب تطبيقه، وهذا ما يؤكد مرة أخرى حضور الميزان
__________
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 71. (10/164)
صفحة 160
الديني والشرعي في جميع مواقف الشاعر وأحكامه.
خاتمة:
تعتبر نظرية "الالتزام الأدبي" من أهم النظريات العالمية التي بإمكانها أن تنسجم مع خصوصية الفكر الإسلامي والوعي العربي، وهذا من شأنه أن ينتقل بأدبنا الإسلامي من أدب منفعل إلى أدب فاعل، يتسم بالخصوصية والإبداع في آن واحد.
إن نظرية الالتزام لا تهمل القيم الجمالية في الفن والأدب؛ فهي تقيم وزنا للجمال الفني بل وتوجبه، وعليه؛ فإنه لا منافاة بين الالتزام الأدبي والوظيفة الجمالية أو المتعة الفنية، فإن الجمال يتعمق حين يرتبط الشكل الفني بالمضمون المفيد، وينسجم التركيب الأسلوبي مع المحتوى الدلالي، حتى تصبح الدلالة مرتبطة بشكلها الفني ارتباط الروح بالجسد.
ويَعتبِر والالتزام الإسلامي أن أي عمل أدبي لا يلتزم بالتصور الإسلامي بقضايا والمجتمع أدبا مرفوضا، لأن الشعر مضمون اجتماعي إنساني وعمل فني جميل في آن واحد، عمل يستمد جماله من التوافق والانسجام بين الشكل والمضمون، فالشعر مع ما فيه من المتعة واللذة الجمالية، فإنه فكر يستخدم في خدمة الإنسان وقضاياه، لأن الشاعر المسلم مثل أي إنسان مُطالب باتخاذ مواقف تجاه قضايا الحياة، تكون نابعة من عقيدته والتزامه الأخلاقي الذي يجعل الأدب مرتبطا بقضايا الحياة معبرا عنها، والفنان لا يرتفع بفنه ما لم يشعر أنه نابع من كيانه ليعبر عن ذاته وعواطفه قبل أن يعبر عن مشاعر الآخرين؛ وهكذا يتحقق الصدق الفني.
والالتزام الإسلامي أوسع من أن يُحدَّ بالنظريات الأدبية الوضعية، لأنه أدب قائم على التصور المتكامل للوجود، وهو الأدب يجدُ فيه المبدع من الرحابة وفسحة المدى ما يفتح له مساحات شاسعة للحركة بعواطفه وأحاسيسه وتجاربة الشعورية، في طلاقة وحرية متناهية، ذلك أن الالتزام الإسلامي ليس حديثا مباشرا عن المعاني الإسلامية وضوابطها؛ إذ التجربة الأدبية من شأنها أن توسع آفاق النظر لتشمل الأبعاد والتأثيرات الوجدانية. (10/165)
صفحة 161
وفي شعر د "محمد ناصر" يبرز الالتزام الإسلامي بقوة في مضامينه؛ فهو المحور الذي تدور عليه كل المضامين من مشاعر إنسانية، وتأملات اجتماعية، أو مواقف ثورية، أو نقد سياسي ... والتزام الشاعر "ناصر" التزام بتصور ورؤية لا بموضوع، لأن الموضوع عنده مفتوح وغير محدود.
والرؤية الإسلامية في شعر "محمد ناصر" لا تقوم على أساس الوعي السطحي المعرفي، بل تنبع من شدة الإيمان وصفاء النفس، فتمتزج الرؤية الواعية الملتزمة بالمشاعر الوجدانية حتى تشكل القصيدة الملتزمة نسيجا محكما لا يمكن الفصل فيها بين التفاعلات الوجدانية الذاتية والرسالة الفكرية الهادفة التي تتضمنها القصيدة.
وتتجلى ذات الشاعر في كل القصائد نابضة بالروح الإسلامية، فلا شعور ولا إحساس، ولا تعلُّق ولا انفصالا، إلا والروح الإسلامية هي المعيار المتحكم في حركة الذات، لتصبح النزعة الدينية هي مدار التجربة الشعرية الذاتية التي أخذ فيها التزام الشاعر بعدا إنسانيا، تفتحت فيه آفاق الحياة لتشمل كل شيء في هذه الحياة؛ الذات والإنسان والواقع.
إن الشاعر "محمد ناصر" لم يتخذ من الشعر وسيلة للقاء الواقع، بل الشعر نفسه هو مكان اللقاء، وهذا صادر عن ولاء للفن، وصدق مع النفس، وصدق مع الواقع في آن واحد. (10/166)
صفحة 162
فن كتابة السيرة النبوية للأطفال
أ: سعيد بن يحيى بهون علي
باحث متفرغ للدكتوراه ــــــ جامعة الجزائر
ي
يندرج قصص السيرة النبوية المكتوب للأطفال ضمن المواد الأدبية الموجهة للطفل، متضمّنا وقائع من حياة محمد - صلى الله عليه وسلم -، صيغت في كلام جيد وجميل، يجمع بين التحري التاريخي والإمتاع القصصي، بحيث تميل إليه نفوس الأطفال بما فيه من متعة وفائدة، وله عناصر ومقومات تتلاءم مع الأطفال حسب مستوياتهم وأعمارهم، وقدراتهم على الفهم والتذوق، ويساهم في بناء شخصيتهم، وتحديد هويتهم، وتعليمهم فن الحياة (1).
وقد كان للسابقين من الصحابة اهتمام بارز في تقديم السيرة النبوية لأطفالهم، حتى إنّ أوّل من جمع المغازي كانوا أبناء الصحابة، من أمثال عروة بن الزبير وأبان بن عثمان بن عفان، فقد جاء عن علي بن الحسين عن أبيه قال: "كنّا نُعلَّم مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نعلّم السورة من القرآن" (2)، وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: "كان أبي يُعلّمنا مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويُعدّها علينا ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها" (3).
وكانت النسوة يُهدهِدن أطفالهنّ بالأغاني العذبة التي تغرس حبّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويبثُثن فيها ما يَرَين من قيمٍ وأفكارٍ، وعُمّرت المساجد منذ العصر الأموي بروّاة القصص والأخبار، التي كان يستمع إليها الكبار والصغار (4).
ويمكن للسيرة النبوية كمادة حكائية إذا ما صيغت وفق آخر تنظيرات أدب الأطفال أن تحقق أهدافا عديدة
__________
(1) -ينظر سعيد بن يحي بهون علي، "قصص السيرة النبوية المكتوب للأطفال بالجزائر: دراسة تحليلية في الموضوعات والبناء الفني"، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر، جوان 2009.
(2) ـ-ابن كثير، أبو الفداء عماد الدين، تفسير القرآن العظيم، تصحيح: محمود حسن، دار الفكر، بيروت، 1992. ص372.
(3) -المرجع نفسه، ص334.
(4) -ينظر نجيب الكيلاني، أدب الأطفال في ضوء الإسلام، مؤسسة الإسراء، قسنطينة، الجزائر، ط2، 1991، ص95. (11/167)
صفحة 163
لدى الناشئة من أطفالنا، ولعل أبرزها على سبيل الذكر لا الحصر:
أ- ربط الأطفال بخالقهم: فتعمّق معاني الإيمان في قلوبهم، وتقرّب فكرة الألوهية إلى أذهانهم الصغيرة بصورة مبسّطة، وتحاول الإجابة عن أسئلتهم الملحّة عن وجود الله وصفاته وقدراته، وتضع أياديهم على مواطن الخير والجمال في أسرار الخلق.
ب- ربط حياة الطفل بالقرآن: باعتباره أغلى هديّة تلقّاها الإنسان من ربّه، فتربط نصوص السيرة مشاعر الناشئة بكتاب الله ربط محبة وإعجاب وإيمان، وتدعو الطفل إلى قراءته وتدبّر آياته والعمل بها في حياته اليومية، باعتباره كتابا أحكمت آياته، فهو أغلى هدية يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان.
ج- إبراز القدوة الحسنة وتمثّل صفاتها وسلوكاتها: فالقدوة تلعب دورا هاما في غرس القيم والمثل العليا، وتترك في نفوس الأطفال أثرا قويا وعميقا (1)، ولما كان الطفل لا يفرق بين حقيقة المقروء والمتحقق في الوجود ثبت أن أدب الطفل هو واقع الصغير في التو وشخصه في الآتي القريب، إذ لا يلبث إدراكه لما هو موجود أن ينمو، ليصير متمكنا في النفس، يطبع شخصيته، ويضبط مزاجه (2).
د- ربط الطفل بالطبيعة ودعوته للتأمّل فيها: من خلال وقفات مع كتاب الله المفتوح والمبثوث في الكون، نتلمّسها في مواقف قولية أو فعلية من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخراج جميل، وأسلوب بديعٍ، يساهم في إنشاء صداقة بيئية، تأخذ بأيدي صغارنا في رحلة جميلة عبر غابة الحياة، وتجعلهم يتلمسون أسرار المخلوقات ومواطن الجمال في الوجود، ليلهمهم إحساسا وشعورا بالصداقة مع العالم من حولهم، وتتنامى جوانب إيجابية في شخصية الطفل، وكل هذا بأسلوب فني بعيد عن المباشرة والأمر.
__________
(1) -أثبتت إحدى الدراسات التي أجريت للتعرف على مصادر المثل العليا للأطفال في ثلاث مدن أمريكية على عينة من 600 طفل تتراوح أعمارهم (6ـ20سنة) أن نسبة تتجاوز 50% منهم كانت مصادر المثل العليا لديهم شخصيات تاريخية وزعماء. ينظرعفاف أحمد عويس، ثقافة الأطفال بين الواقع والطموحات، مكتبة الزهراء، القاهرة، ط3، 1994، ص63.
(2) ـ-ينظر فرحات عبد الكريم، أدب الطفولة وثورة الأنترنت، مجلة أعمال الملتقى المغاربي الأول حول أدب الطفل، المركز الجامعي سوق أهراس- الجزائر، (عدد خاص)، 2004م، ص 83،84. (11/168)
صفحة 164
هـ- قصص السيرة النبوية المكتوب للأطفال يساعد بما فيه من أشخاص وأحداث على تقريب المفاهيم المجردة التي تهتم بها التربية، ويحرص عليها الدين الحنيف ليبرزها بصورة مجسدة حية (1)، فالقصة تحرر القارئ من واقعه وحدوده إلى عوالم أخرى فسيحة يرى ويسمع ويشاهد بيئات وصنوفا كثيرة من الناس الذين يرى الطفل فيهم المثل والقدوة، إذ يمكنه بواسطة القصة الناجحة أن "يعيش مجالس النبوة، ويحضر أحداث السيرة" (2).
و- لا يعني كتابة السيرة النبوية للأطفال أنها عمل تربوي فحسب، فهذه وظيفة تشارك فيها مؤسسات تربوية وتعليمية، وإنما يضيف بعدا جماليا "ويفتح عقل الطفل ونفسه وقلبه للحياة، ويثري تجربته، ويرهف ذوقه وحسه، ويصقل مواهبه وملكاته، ويفتح له نوافذ على آفاق واسعة وعوالم عجيبة جميلة تتجاوز واقعه ومحيطه، وتوسع خياله وتنشطه ليصبح قادرا على حل مشاكله، وابتكار البدائل لكل واقع لا يرضيه" (3).
مقومات السيرة النبوية الموجهة للأطفال:
1 ـ ما يتعلق بالسيرة النبوية:
تعتبر سير العظماء مصدرا ثرًّا ينهل منه الأدب ما يثري ساحته، وهذا الأخير يعتبر بدوره عنصرا أساسيا يضفي عليها حياة وحركة ونشاطا لما يمتلكه من أدوات فنية وجمالية، ولأجل هذه الأدبية يتعين في السيرة أن تتوفر على مقومات متعددة، منها ما هو مرتبط بالمادة الحكائية (وقائع السيرة)، ومنها ما يتعلق بنوع الخطاب (البناء السردي)، ومنها ما يشترط في كاتب السيرة، ومنها ما ينبغي أن يتوفر في المكتوب عنه.
1. 1ـ المادة الحكائية:
إن التعامل مع وقائع السيرة النبوية على أهميته القصوى ينبغي أن يخضع لضوابط منهجية حتى لا تتحول إلى نوع من التسلية دون تحقيق الأهداف المرجوة منها، وأهم هذه الضوابط:
__________
(1) -ينظر عبد الحميد الهاشمي، الرسول العربي المربي، دار الثقافة للجميع، دمشق،) د. ت (، ص246.
(2) ـ-محمد حسن بريغش، أدب الأطفال: أهدافه وسماته، مؤسسة الرسالةـ بيروت، ط3، 1997، ص212.
(3) ـ-أحمد عبد السلام البقالي، تقنية الكتابة للأطفال، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1992، ص 123. (11/169)
صفحة 165
أ- توثيق وقائع السيرة وفق المنهج الإسلامي، والذي يقوم أساسا على إلمام بعلمي الرجال والجرح والتعديل (1)، وتنقيح للأحداث في ضوء أدوات مصطلح الحديث (2)، ويتعلق الأمر بالكتب والدراسات القديمة ــــ خصوصا ــــ لما في أغلبها من خرافات وإسرائيليات ووضعيات.
ب- عدم تشويه الحقائق التاريخية: فلا تكون براعة الخيال على حساب صدق الوقائع التاريخية (3)، فالأخبار تنقل صوراً مقتبسة لما حدث، أو قد كتبتها يد إنسان ويدرسها أيضا إنسان له عواطفه ومعاييره ومسلماته (4)، وهذا كله يجعل من غير الحكمة إسلاس القيادة للمؤرخ دون أيّ تحفّظ أو نظر أو مراجعة، فالمؤرخ إذ يرسم صورة لحادثة تاريخية مجتهد، يستخدم كل مركّبه العقلي العام، ومزاجه وخياله ومنهجيته، مما يحتمل لعمله الصواب والخطأ (5)،
__________
(1) -الجرح والتعديل: من مصطلحات علم الحديث، ويعني البحث في أحوال الرواة وأمانتهم وضبطهم.
(2) -مصطلح الحديث: يبحث في تقسيم الخبر إلى صحيح وحسن وضعيف وما تفرع منها، ثم بيان الشروط المطلوبة في الراوي والمروي والعلل والشذوذ، وكيفية السماع والضبط.
(3) -ومن مظاهر حرص جورجي زيدان على الدقة التاريخية في رواياته أنه يشير إلى المراجع التي استمدّ منها مادته العلمية وكأنّه يكتب مرجعا في التاريخ، وعن هذا الأمر يقول: "وقد عانينا المشاق الكبرى في استخراج حقائق تلك التواريخ من كتب القوم، فربما قرأنا المجلد الضخم فلا نستفيد إلا فقرة أو فقرتين، ولا تتم الحقيقة الواحدة إلا بمطالعة المجلدين أو الثلاث" ينظر تاريخ التمدن الإسلامي، جورجي زيدان، تحقيق سيد مؤنس مؤسسة دار الهلال، القاهرة، 1968م، ص10.
ويقول أيضا: "إذا جردت رواياتنا من عبارات الحب ونحوه، كانت تاريخا مدققا، يصح الاعتماد عليه والوثوق به، والرجوع إليه، مثل الاعتماد على أي كتاب من كتب التاريخ، من حيث الزمان والمكان والأشخاص". عبد المحسن طه بدر، تطور الرواية العربية الحديثة في مصر [1870 - 1938]، دار المعارف، القاهرة، 1992.ص 102.
(4) -قد تعد "سيرة" ابن إسحاق، و"السيرة" التي بنى منها ابن سعد الجزأين الأولين من كتاب "الطبقات"، و"مغازي" الواقدي، و"السيرة" التي كتبها البلاذري في أول كتابه "أنساب الأشراف" أساسا للمعلومات المقررة المقبولة عن حياة الرسول وأعماله، أما ما كتب بعد ذلك، فإنه كان في أكثره جمعا لروايات مختلفة، أو قبولا لبعض الأساطير المتأخرة، وربما كان أيضا شرحا لبعض الألفاظ والمناسبات، أو نظما لأحداث أو تلخيصا لها.
(5) -عبد الكريم بكار، 149 بصيرة في التراث والماضي والتاريخ والمستقبل وطبائع الأشياء، دار الفكر، دمشق، (د. ت)، ص33. (11/170)
صفحة 166
وهو ما يُحمَل على العقاد في كتابته عن شخصيات الأقدمين، والأمر نفسه مع بعض دراسات المستشرقين والمتأثرين بهم، لما تمثله مدرستهم من تشكيك في وقائع السيرة من ناحية، ومن تفسير وفهم خاطئ للمواقف من ناحية أخرى، وكذا عدم اعتمادهم في الأعم الأغلب على منهج التوثيق الإسلامي الدقيق، بالإضافة إلى موقفهم الخاص من قضية الخوارق والمعجزات (1).
ج- التفريق بين الوقائع الحقيقية الكبرى للسيرة وبين زيادات المؤرخين التي تأتي بدافع تشكيل بنية، إذ كثيراً ما يقع التحريف والوهم والمبالغة في التفاصيل الدقيقة التي يسوقها المؤرخ، وليس في الخطوط العريضة للوقائع، والمشكل أن كثيراً من الذين يعتمدون أسلوب الحرفية في فهم التاريخ يهتمّون اهتماماً مبالغاً فيه بتلك الجزئيات، مما يجعل الوهم و الإيهام من أوثق حلفائهم، فكاتب السيرة بحاجة إلى قراءة وإعادة قراءة للمدونة التاريخية، حتى يتمكّن من التمييز بين الواقعة ورؤية المؤرّخ لها، فلا يستسلم لنظراته (2).
ويؤكد أحد الدارسين على هذا الجانب فيقول: "يحتاج فهم ما يكتبه المؤرخ أن نحاول قراءة ما بين السطور وطرح عدد من الأسئلة المتعلقة بعمله، وسيكون في إمكاننا أن نتساءل عن مدى قدرة المؤرخ على ترك مسافة واعية بين رأيه الشخصي وبين الأحداث التي يؤرخ لها؟، أي محاولة تجنب الدمج بين رؤيته الشخصية للحدث وبين المعطيات والحيثيات المكونة له، فمهما بذل المؤرخ من جهد من أجل تعريفنا بالماضي فإنه لن يستطيع إلا أن ينقل لنا صورة غامضة وملتبسة، وذلك لأن الأحداث المحكية هي في الغالب على صلة بالإنسان، وما كان كذلك فإنه سيظل بينه وبين الوضوح مسافات طويلة" (3).
د- أن يستند الانتقاء على رؤية عامة حول الواقعة التاريخية لدى الأديب، حتى يتمكّن من الترجيح بين الروايات بما يمكّنه من بناء تصوّر متكامل عن الواقعة، فمن أخطر ما يتعرّض له العمل التاريخي هو الانتقائية، فالروايات المتعددة والمتضاربة أحياناً حول حادثة من الحوادث تملي على المؤرّخ أن يختار منها ما يتناسب مع رؤيته العامة لتلك الحادثة، وحين تتوفّر معلومات كثيرة حول واقعة ما فإنّ المشكلة لا تزول ولكن تتبدّى في ثوب آخر، وسيظلّ على المؤرخ أن يقوم بالترجيح، وإلا خنقه سيل الأخبار المجدبة التي لا يربط بينها أي رابط، وأن يكون الانتقاء على أسس موضوعية محضة بعيدا عن الخلفيات الأيديولوجية أو الذاتية، ويستند في عمله على مبدأ الإثارة والأهمية، موضوعا وشخصيات ومكانا وأحداثا (4).
هـ- السيرة النبوية كانت سيرة عملية وليست نظرية، فمن أوضح الأمور لمن يتدبر نشأة الجماعة المؤمنة على يد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكيف نمت وتطورت، وكيف عالجت مشاكلها الداخلية بين أفرادها والخارجية مع أعدائها، أن نهج الشرع كان عمليا، إذ لم يتقدم محمد - صلى الله عليه وسلم - بوثيقة عمل لمن يخالفونه يشرح فيها وجهات نظره، ورؤيته للمستقبل، وإنما كان هادئا كثير الصمت يعمل ولا يتكلم، ومن الواضح جدا أن الأفراد ميزتهم المواقف ولم يتميزوا بالمعرفة الذهنية، ولا بأصوات العامة لهم، والمطلوب من كاتب السيرة النبوية أن يركز على هذا الأمر، وأن يقف مع الأحداث يبين كيف كانت الدعوة جادة، ولم تكن يوما ما مفاهيم نظرية (5).
1. 2 ـ كاتب السيرة:
على كاتب السيرة أن يتحلى في كتابته بالصفات الآتية:
أ- الموضوعية والاعتدال في الحكم والتقرير عند تصوير حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في صراع متطور مع مستجدات الأحداث (6)، فقد يتبنّى الكاتب في
__________
(1) -ينظرمحمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة، ص5 وما بعدها.
(2) -ينظر عبد الكريم بكار، 149 بصيرة في التراث والماضي .. ، ص32.
(3) -المرجع نفسه، ص 37.
(4) -ينظر جيمس رستَن الابن James Reston, Jr، الرواية والتاريخ، تر: حسام الخطيب، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، الدوحة، مارس2005، ص3.
وجيمس رستن (الإبن): روائي وكاتب أمريكي، محاضر في الكتابة الإبداعية، جامعة نورث كارولينا، له أكثر من ثلاثين رواية ومسرحية، منها: "مقاتلون في سبيل الله: ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين".
(5) -من أمثلة البعد العملي في سيرته عليه السلام حصار المخلفين عن غزوة تبوك خمسين يوما ليتلقوا درسا عمليا، في عدم مخالفة أوامر القائد.
(6) -نجح ميخائيل نعيمة في سيرة "جبران" باستيفاء العناصر الفنية، وفيه اكتمل للسيرة وجودها في الأدب العربي الحديث، من حيث الغاية والتطبيق، فقد كتبه كاتبه حين رأى أن جبران كاد يكون بعد وفاته بعام أسطورة من الأساطير، وفي أغلب فصول كتابه يجعلنا نحس بجبران في صراعه مع الحياة إحساسا دقيقا، مستعينا بفهمه النفسي، فوضع في السيرة العربية ما وضعه ستراتشي في السيرة الإنجليزية. ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص 74. (11/171)
صفحة 167
سيرته منهجا تحليليا أو تركيبيا، ولكنه إذا سار في هذه الطريق أو تلك عليه ألا يسخر الأحكام والأحداث وملابسات الحياة لعاطفته، فإن ازدياد العاطفة ينحرف بالسيرة عن وضعها الطبيعي، بل لابد له أن يبني ما يكتبه على أساس متين من الصدق، بالاعتماد على التاريخ الصحيح، فإذا ضعف هذا العنصر لم تعد تسمى سيرة، لأن الخيال قد يخرجها مخرجا جديدا، ويجعلها قصة منمقة ممتعة.
ب- سعة الاطلاع، فإذا كان كاتب السيرة غير محتاج إلى قوة كبيرة من الخيال، فإنه لا يستطيع الاستغناء عن سعة الاطلاع، فكل رواية وأحيانا كل كلمة لها قيمتها في إنماء تصوّره، وفي تجلية السيرة التي يريد أن يكتبها، وتتمثّل براعته وتفوّقه في القدرة على تقديم صورة متكاملة أقرب إلى الصدق التام وإلى الحقيقة.
ج- التحلي بيقظة ذهنية مستمرة، مشفوعة بإرهاف خاص في التذوق والحدس والترجيح وحسن الانتقاء: بمعنى أن يتمتع بالقدرة على تطويع المادة التاريخية في سياق بناء فني، كأن يحرص على إبراز البعد الحضاري على حساب الصراع السياسي (1)، ذلك أنّ مهمة كاتب السيرة كمهمة أي فنان، هي أن يقرّب ويبعّد، ويستبقي ويرفض، فما كل شيء يستحق التسجيل، ولا يكفيه أن يكون له ما للمؤرخ من قوة ناقدة تعرف أين هو موطن الضعف، وتفرز الرواية المغرضة من الرواية الصحيحة، بل لابد له من إدراك ذوقي دقيق، يعرف به ما يحسن أن يبقيه أو ينفيه من الصحيح نفسه (2).
د- الخيال اللازم لربط أجزاء السيرة في وحدة كاملة، وهو خيال يضع الكلمة اللازمة والحوار الضروري في كل موقف إذا قصر الواقع، ولا يهتم بالصيغة الأصلية للخبر إلا بمقدار، وهي مقدرة قصصية لا تستغني عنها السيرة حين يراد لها أن تكون أدبية،
__________
(1) -وفي هذا يقول عماد الدين خليل: "هناك خطأ كبير في تدريس مادة التاريخ الإسلامي، وهذا حين أعطينا تسعة أعشار الزمن الدراسي للتاريخ السياسي، وضيقنا الخناق على التاريخ الحضاري، وبما أن الحلقة الأضعف في تاريخنا هي الحلقة السياسية، والحلقة الأقوى هي الحلقة الحضارية، نكون كمن يبحر ضد نفسه بتضييق الخناق على الحلقة المضيئة القوية". ينظر عماد الدين خليل، دراسة في السيرة، الرسالة، بيروت، ط9، 1985، ص35.
(2) -ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص78. (11/172)
صفحة 168
والتعليل والحوار يستند إلى براعة الكاتب في دقة رسمه لأجزاء الصورة، من خلال ضروب من الإيهام بأن الكاتب ينقل الواقع ولا يعدوه، بعيدا عن التكلف للبلاغة.
هـ- تفادي الطابع الأكاديمي منفردا، أو الاستناد كليا إلى مناهج المحدثين في التشريح والتحليل والتدقيق في الاستنتاج بعد عرض المتناقض المضطرب من الروايات لاستخلاص الحقائق منها، مما يعرض تاريخ الحياة كروايات تكدس بعضها فوق بعض، وتغرق في أثنائها شخصية الدارس، ويصبح الشخص المترجَم له ظلا باهتا، لا تمده قوة من حياة، ولا تكشف عنه أصالة من نقد، مما يجعل السيرة جزءا من الحديث، تخضع لأحكام الإسناد خضوعا دقيقا، كروايات متفرقة مقيّدة يجمعها موضوع واحد، ويعوق الإسناد رواتها عن التفسير والتحليل، لأن جهدهم منصرف إلى صدق الخبر (1).
1. 3ـ بنية الخطاب:
وتعني الطريقة التي يتبناها الكاتب في تشكيل السيرة، وذلك وفق الأسس التالية:
أ- التزام طريقة وأسلوب واضح في كتابة السيرة، كالطريقة الدرامية مثلا، أو طريقة التفسير والشرح، وقد يمزج بين واحدة وأخرى من هذه الطرق، حسب ما تمليه عليه طبيعة الموضوع، إذ ليس من مرشد إلى الطريقة المثلى إلا حس الكاتب نفسه، فالأسلوب موطن للتفرد الذاتي (2)، إذ قد تكون الحقائق التي يوردها كاتب السيرة معروفة مشهورة، فميزته الفارقة تتضح في طريقة قولها، وفي أسلوبه الأدبي (3).
ب- في البناء والطريقة يختار الكاتب التقسيم الذي يريده، فقد تقسّم السيرة إلى مراحل، وقد يخرج الكاتب على هذا النوع التقليدي، كأن يبدأ من
__________
(1) -وهو ما فعله ابن إسحاق في السيرة حينما تخلص من الإسناد، فلقي انتقادا من مدرسة المدينة، وعلى رأسها مالك بن أنس، حيث جاءت السيرة لونا جديدا في التأليف، وأصبحت هي المصدر الأول لفهم حياته - صلى الله عليه وسلم - وأعماله.
(2) -ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص93.
(3) -مثال هذا الحقائق التي يعرضها العقاد في العبقريات، إذ هي معروفة من قبل الكثير من الناس، ولكن أسلوبه التقريري الحاد، هو الشيء الجديد الذي يملك به القارئ ويكسب ثقته، لأنه في أسلوبه يوحي بأن ما يقوله هو الصدق عينه، لقيامه على ما يعتقده أنه المقرر المرسوم من حقائق العلم والطبيعة الإنسانية. (11/174)
صفحة 169
أحداث في منتصف حياة صاحب السيرة، أو حتى من تاريخ وفاته، فلا ينقص هذا كثيراً من حبّ الاستطلاع لمعرفة التدرج في حياته، بعد أن عرفت نهايته ابتداء، فذلك جزء من حرية الكاتب التي لا ينازع فيها؛ وللكاتب أيضاً أن يرسم للسيرة طولاً يسمح باكتمالها، ولكن الطول في السيرة ليس شيئاً صارماً كما هو الحال في المسرحية والقصة، على أنّ الإتقان في تقدير الطول أمر هام أيضاً تحدده مواصفات الفئة الموجه إليها العمل، وهي هنا الطفولة على مراحلها المتعددة، والمتباينة.
ج-تقدير أدوار الشخصيات الثانوية في السيرة: إذ لا بد من بعث الحياة فيهم، وتحريكهم والسير بهم في مراحل الحياة، مع سير بطل السيرة نفسه، ولا يجوز الاستخفاف بهم، أو جعل أدوارهم طاغية تتجاوز ما قدّر لهم في واقع الحياة (1).
د- القدرة على تجسيد ملامح الصراع، إذ القيمة الحقيقية للسيرة إنما هي في الصراع، وفي مدى القوة التي تمنحها للقراء، وهي تقدّم لهم مثالاً حيّاً من أنفسهم (2)، فيحرص على بيان عمق الصراع الداخلي أو الخارجي، بمعنى أن حياة كل إنسان تعتريها فترات من الرّكود، فإذا كثرت هذه الفترات حتى طبعت الحياة لم تكن للسيرة قيمة كبيرة، ولكن الحياة المليئة بالصراع هي التي تستحقّ التسجيل والقراءة، ووقائع سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - كفيلة بتصوير هذا البعد.
هـ- الصياغة الفنية الجيدة، فلو سار كاتب السيرة على أساس تاريخي لوجد نفسه أمام معضلة، فالحدث قد يبدأ ثم يتم بعد ذلك في مرحلة زمنية متأخرة وفي مكان آخر، فإذا كثرت مثل هذه الأحداث ولابد أن تكثر ارتبكت السيرة وتقطّعت، ولكن البناء الفني يُنقذ كاتب السيرة، وذلك بالمزج بين القص والسرد التاريخي، فيعتني بأسلوب التشويق، ويحرص على أن يعرض سيرته في صورة فنية، بلغة سلسة وترابط محكم، وهذا لا يتيسر دائما إلا إذا كان المترجم شخصا بارعا في القص، وكانت حياة المترجم له مليئة بالأحداث العظيمة (3).
__________
(1) -ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص94.
(2) ـ-المرجع نفسه، ص99.
(3) -ولعل أندريه موروا من أبرز من وفّق في هذا المزج حين كتب عن شللّي، "وسحره تمثل في طريقة القص وفي التشخيص العذب، وإلى رزانة الأسلوب ورجاحته"، ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص52، 53. (11/175)
صفحة 170
و-تجنب أسلوب التقرير والمقدمات المطولة، وتعالي الكاتب في عرض شخصياته، فالصورة الإنسانية لا تبرز بالتقريرات الحاسمة التي يرسلها الكاتب، ولا بالمقدمات التي يدبجها في أول كل فصل، ولا من وراء تعالي الكاتب نفسه في عرض شخصياته، ذلك التعالي الذي يجعله أسير الفذلكة الذهنية، فالنبي إنسان عظيم، وعمر إنسان عظيم .. الخ (1).
ز- السير مع حركة النمو والتطور في البناء، فيقف على الحقائق يُعرضها ويرتّبها ترتيبا خاصا، وهذا العرض والترتيب يكون فنيا وليس صناعيا (2)، إذ الشروط التي تتطلّبها السيرة تُبعدها من الدائرة الفنية بينما يحاول كاتبها أن يقترب بها من حرم الفن دون إفراط (3)، وليست السيرة مجموعة من الأخبار المأثورة أو المشاهدات، بل ينبغي أن يظهر فيها وحدة البناء والإحساس بالتطور الزمني، وتتبع مراحل النمو والتغير في الشخصية المترجم لها.
ص- اعتماد الوضوح في الأسلوب، والعذوبة في العبارة، وحسن العرض، وسلامة السرد، وإذكاء الحركة والحرارة في تصوير الأحداث والتجارب، والقدرة على صياغة الماضي، إلى جانب البراعة في وصف المناظر التي تجري في داخل إطارها الأحداث (4).
__________
(1) -وهو ما يحمل عليه العقاد في كتابه "عبقرية محمد"، إذ يستطيع القارئ العادي أن يشعر بوجود "محمد الصديق" مثلا من الحكايات البسيطة الواردة عن مواقفه مع أصحابه أكثر مما يحس به في فصل يكتبه العقاد عن هذه الناحية.
(2) -"حياة الرافعي" للعريان ينقصه هذا العنصر الهام الذي يجب أن تقوم عليه السيرة، فقد جمع فيه الفصول عن الرافعي جمعا، وميز وحدد، فلم يرسم للرافعي صورة متدرجة مكتملة.
(3) -وهذا عكس تجربة ليتون ستراتشي، إذ أخضع السيرة لغير الغاية التي تفترض لها، وأعاد للأذهان مهمة السيرة عند أفلاطون، حين دوّن في محاوراته آراء سوقراط، وفلوطارخس، واتخذ من السيرة مطية لإظهار المبادئ السياسية التي يؤمن بها، فقد كتب سيرة الملكة إليزابيت، وقد كانت حياتها غير واضحة، فحين كتب عنها أطلق العنان لخياله وأفاض واسترسل، ودل إخفاقه على أن مبارحة الحقائق عند كتابة السيرة فيه كل الخطر على كيانها العام، ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص87، نقلا عن فرجينيا وولف: The Art of Biography .
(4) - ينظر يحي عبد الدايم، الترجمة الذاتية في الأدب العربي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، 1982، ص38. (11/176)
صفحة 171
1. 4 ـ المكتوب عنه:
ينبغي أن تتوفر شروط معينة في من يراد الكتابة عنه، ومن أبرزها:
أ- إعجاب الكاتب بالشخصية التي يكتب عنها، أو إثارتها لرغبة ذاتية لديه، فلا يكون الدافع للكتابة تجاريا، وبعض الحماسة للعمل نفسه يبعث وقدة من الحياة فيه، ولذلك كان من الطبيعي أن لا يقبل الكاتب على كتابة أي سيرة في الوجود دون تمييز، فما كل سيرة تستحق أن تكتب، فقد يكتب المرء سيرة رجل من النكرات، أو سيرة رجل عادي، ثم ينسى كتابه بعد صدوره بقليل.
ب- تجاوبها مع روح العصر ونزعات القراء، بأن يكون المتحدّث عنه ممن له اتصال بمجرى الحياة العادية (1)، فالمتعة التي تبعثها القصة في نفوس القراء لا تحقّقها السير إلا إن كانت قائمة على شخصية لها مميزاتها الفارقة، سواء كانت تلك المميزات مستمدّة من الأحداث الدائرة حولها، أو من طبيعة السلوك الخلقي والنفسي، وفي حياة كل شخص فترات جامدة متوقفة لا نشاط فيها، ولا يستطيع كاتب السيرة أن يظهر هذه الفترات، فإذا كثرت تلك الفترات الرّاكدة في حياة أحد الناس لم تكن حياته صالحة تماما لأن تصاغ في سيرة، ولو كان شخصا متألقا في الحياة الاجتماعية، ولذلك كان لابد لنجاح السيرة من هذا التعاون بين الحيوية الخارجية المتصلة بالمجتمع، والصراع النفسي الداخلي، ولابد من بعض التقلبات والأعاصير التي تجتاح حياة شخص ما لتجعل منها موضوعا صالحا للسيرة، مثيرا للاستطلاع.
ج- أن لا يبعد المكتوب عنه من صنف البشر، فيحيطه الكاتب بسياج القداسة (2)، أو يتحدّث عن العباقرة لا
__________
(1) -وفي هذا يقول جيمس راستن: "ولم أختر الكتابة عنهم فقط لأنهم استثنائيون، إذ إنني عمدت باستمرار إلى اختيار شخصيات من التاريخ كان لها بعض الاتصال بمجرى الحياة العادية، وهذه نقطة بالغة الأهمية عندي" جيمس رستَن الابن James Reston, Jr، الرواية والتاريخ، تر: حسام الخطيب، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، الدوحة، مارس2005، ص4.
(2) -فقد أصبح الرسول عند المتطرفين من الصوفية هو "الكلمة" (خلق أول كل شيء ومن أجله خلق كل شيء)، ولم تبق شخصية الرسول على وجه قريب مما صورته السير الأولى إلا عند المتمسكين بالحديث، فإنهم على شعورهم بعظمته، ظلوا ينظرون إليه من خلال ما صح من الأحاديث، وقد سار الأمر في الغرب على نحو المتصوفة، فأسوأ مراحل السيرة لديهم لما تسلمها رجال الدين في العصور الوسطى، فتحولوا بها إلى إبراز كرامات القديسين وخوارق أعمالهم. ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص 37. (11/177)
صفحة 172
عن الناس العاديين، أو يختار للكتابة شخصيات لا يملك الشواهد الدقيقة عنها، فإذا أوجدها وُجد الاضطراب، ونجم عن هذا كله أنه لم يكتب سيرة، وإنما كتب فصولا بعضها يتميز بالنظر الدقيق النافذ، وبعضها يعتمد على قوة الذكاء في الفحص والتبرير، كما هو الحال في "عبقرية محمد" للعقاد، وعن عبقرياته يقول سيد قطب: "هي ليست سيرة على طريقة السيرة العربية، وليست ترجمة على طريقة التراجم في اللغات الأوروبية، إنما هي صورة تتألف من بضعة خطوط سريعة حاسمة يبرز من خلالها إنسان" (1).
د- تتبّع الشخصية المكتوب عنها في تطورها وتغيرها، والملاحظة الدقيقة لتأثير الأحداث في الخارج والداخل على نفسية صاحبها: إذ الكاتب ليس مجرّد مؤرّخ ينقل ما سمع أو ما شاهد أو قرأ، بل لابد أن يتابع الشخصية في تطورها وتغيرها، ولذلك من الأفضل أن يتابع التدرج التاريخي (2)، وأن يلحظ بدقة تأثير الأحداث في الخارج والداخل على نفسية صاحبها.
هـ- الحرص على التصوير الفني، والعمق في تناول الشخصيات، وإخراج مشاهد مفعمة بالحيوية، والعمق في تصوير الشخصية، وربط نموها بنمو العالم الخارجي، وتفاعلها معه (3).
و-الحرص على تصوير الشخصية كما كانت عند معاصريها، لا كما تناقلتها فهوم السلف (4).
ز-أن تؤشّر الشخصية المكتوب عنها إلى درس أخلاقي: كأسباب النصر وأسباب
__________
(1) -سيد قطب، كتب وشخصيات، دار الشروق، القاهرة، (د. ت)، ص315.
(2) -يرى ليون ادل أن "انتهاك التسلسل التاريخي وتصوير الأحداث ضمن حركة تتجه إلى الأمام وإلى الخلف، بل وتغوص في أعماق المستقبل، يجعل من الحدث فتاتا من الحقائق". إحسان عباس، فن السيرة، ص23.
(3) -بعض الشخصيات التاريخية إذا كان بينها صراعا دراميا قد يعطي لها المؤرخ سطوراً معدودة أو حتى حاشية، أما عند الأديب فقد يخصص صفحات حافلة لتصوير الطبيعة الدرامية لهذه الشخصيات، فيركز على قيمها وآمالها واستراتيجيتها، وصفاتها الداخلية.
(4) -وفي هذا يقول إحسان عباس: "ومترجم غيره يقف موقف الشاهد لا القاضي، فليس له أن يحمل فكرة مقررة سابقة عمن يترجم له، وإنما من واجبه أن ينقل صورته إلى الخلف، كما كانت تلك الصورة معروفة بين معاصريه"، ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص55. (11/178)
صفحة 173
الهزيمة (1)، فقد عمّق القرآن الكريم الإحساس التاريخي عند العرب حين قصّ عليهم قصص الأمم الغابرة، وكان يهدف القرآن من ذلك إثارة العبرة في نفوسهم، ولم تكن هذه الغاية الخلقية موجودة لما بدأ المسلمون في كتابة السير، وقد بدؤوها بسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكان هذا البدء يشير إلى درس أخلاقي عميق في حياتهم، لو شاءوا أن يتخذوا سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتلك الغاية، لكنهم كتبوا سيرته تحت مؤثرات أخرى، أبرزها عاملين: تشريعي (الحديث)، وتاريخي (2).
2 - ما يتعلق بالسيرة النبوية الموجهة للأطفال:
من أبرز المقومات التي تشترط في هذا النوع من القصص نجد:
أ-حضور الوعي: فإذا كان بإمكان الكاتب الإبداع للكبار وهو على ضفاف اللاوعي، فإنه مضطر خلال كتابته للأطفال استحضار وعيه كاملا، وأن يكون متمتعا بخبرات الحياة ونظريات المعرفة المتعلقة بالطفل، فالكاتب البارع يجب أن يغطي كل مسطحات الخبرة الإنسانية والوعي بالطفولة والإحساس بها، ليظهر أثر ذلك كله في قصصه (3).
فالكتابة للأطفال تحتاج إلى دراسات معمقة في اللغة من زوايا معينة، وإلى دراسات أخرى في أصول التربية وعلم النفس ومراحل نمو الأطفال وخصائصها، وإلى معرفة عملية بالقواعد السليمة للكتابة الأدبية الفنية، مع خبرات عملية في دنيا الأطفال (4).
ب- طبيعة الهدف: قد يكون أدب الكبار انطلاقا من العنصر السابق عبثا أو جماليا فنيا يحقق متعة بحتة، لكن أدب الأطفال لا يستغني عن الهدف المتمثل في الإفادة التربوية أو العلمية إلى جانب المتعة التي لابد منها، وإلا فقد النص ميزته الأدبية.
__________
(1) -كأن يتوقف الكاتب على مفهوم النصر وأسبابه حين يتكلم عن غزوة بدر والأحزاب مثلا، ويتكلم عن أسباب الهزيمة حين يتكلم عن غزوة أحد.
(2) -العامل التشريعي باعتبار سيرته جزء من السنة، وهي مصدر من مصادر التشريع، لذلك لابد من جلائها بدقة بالغة، والعامل التاريخي باعتبار أن المسلمين ورثوا نظرة الجاهلية إلى التاريخ، وهي نظرة قائمة على "الأيام" وطبيعة الحرب وشؤون القتال، لذلك اهتم كتاب السير بمغازي الرسول قبل كل شيء.
(3) -ينظر علي الحديدي، في أدب الأطفال، المكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، ط3، 1982، ص297.
(4) -هادي نعمان الهيتي، ثقافة الأطفال، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1978، ص157. (11/179)
صفحة 174
ج- تحديد المستهدف: إن الكاتب عندما يبدع نصا فنيا فإنه يضع في ذهنه طبيعة المتلقي، فيقوم بعملية معقدة من الاختيارات الفنية الواعية واللاواعية، لأجل تحقيق أكبر قدر من مثالية التواصل، والصعوبة تحديدا تتجلى في دقة الفروقات بين مراحل نمو الطفل سواء في اللغة أم في القدرة على التذوق الجمالي، مما يتوجّب على الكاتب المعرفة الدقيقة بهذه المرحلة وخصائصها، وليس هذا فحسب بل عليه استيعابها وإعادة تمثيلها لأجل إنتاج نص ناجح.
د- تجاوز الفروقات والاستجابة لها في آن واحد معا: فالأطفال لا يعدون كلا متجانسا، إذ بينهم الأغنياء والفقراء، والانطوائيون والانبساطيون والاجتماعيون، وفيهم شديد الذكاء، وشديد الحساسية ومتوسطها والضعيف، ومن هنا تنطلق عملية معقدة أخرى تتمثل في كيفية تجاوز الكاتب في نصه لهذه الفروق والاستجابة لها في آن واحد، بحيث يستطيع كل طفل في تلك المرحلة أن يقرأها دون أن يجد فيها ابتعادا عن عالمه الخاص وخصائصه الفردية.
هـ- المعرفة العميقة بمشاغل الطفولة الحالية: التي لابد وأنها قد تغيرت عما كانت عليه عندما كان هو طفلا، لأن الكاتب رغم كل ما قد يكون له من الخبرة في هذه الطفولة الحالية يظلّ يعود إلى طفولته هو، يلتقط منها الجوانب النفسية والسلوكية واللغوية، مما قد يعرض نصه لانفصام خفيف عن عالم الطفولة الحالية، هكذا إذن يواجه الكاتب ذاته لأجل استلابها من عالم الكبير وهمومه، للانتقال بها إلى عالم الصغير وهمومه أيضا، وفي هذا يقول أحد الكتاب: ولعل في مقدمة هذه العقبات أن الكبار هم الذين يكتبون لهؤلاء الأطفال، وهم قد تجاوزوا هذه المرحلة، مما يتطلب منهم -ليس فقط- استرجاع طفولتهم بملابساتها والعوامل الفاعلة فيها، ولكن عليهم أن يعايشوا طفولة اليوم، وما أكثر متغيراتها (1).
و- لا يكفي الكاتب أن يكون لامعا في مجال الكتابة للكبار حتى يكون كاتب أطفال ناجح، لأنه يحتاج بالإضافة إلى الموهبة الحقيقية في اللغة من زوايا معينة، إلى دراسات أخرى في أصول التربية وعلم النفس ومراحل نمو الأطفال وخصائصها المميزة، وإحساس فني تربوي مرهف بما يمكن أن تتركه الكتابة في نفوسهم من انطباعات دقيقة، عن طريق إشباع احتياجاتهم في إطار
__________
(1) -سعد أبو الرضا، النص الأدبي للأطفال، دار البشير للنشر والتوزيع، الأردن، ط2، 1997، ص6. (11/180)
صفحة 175
المثل والانطباعات السليمة (1)، فرغم ما قد يبدو من ضآلتها إلا أنها ذات أثر باق فعال في تكوين شخصياتهم والتأثير عليها، فينبغي أن تلتقي عنده هذه الخطوط العديدة المتشابكة التقاء واعيا، تمتزج فيه الخبرة بالموهبة والدراسة (2).
فالكتابة للطفل تعد من بين المطالب الصعبة التي لا تتحقق إلا لمن أوتي الانفتاح والاطلاع على عالم الطفولة بخصائصه المختلفة، بالإضافة إلى امتلاك قدرة لغوية تتناسب وقدرات هذا الكائن الصغير، لاسيما وأنه في طور التكوين والاكتساب، كما أن مدركاته العقلية تتصف بالمرونة وتقبل كل الاتجاهات والأفكار، وتنطبع في ذهنه كل الخبرات، ويظل بعضها ثابتا إلى حد كبير طوال مراحل حياته المختلفة (3).
و- قد يكون الكاتب ممن درس التربية وعلم النفس، وأحاط بمراحل الطفولة وخصائصها النوعية، لكنه لم يتصل بالأدب ونماذجه بما يهيّئه لبناء نصوص تحقّق غايات أدب الأطفال ووظائفه، خاصة من حيث الامتزاج بين القيمة الإسلامية والظاهرة الفنية امتزاجا يتسلل إلى عقل الطفل ووجدانه، وقد يكون الأمر على عكس هذا فيكون عارفا بأصول الكتابة الأدبية لكن على جهل بمبادئ التربية، إذ ليس من السهل أن يمارس المبدع الكتابة للأطفال، لأنها تتطلب بالإضافة إلى تقنية الكتابة الحس التربوي (4).
ز-مهمة الأديب شاقة حين يتصدّى للكتابة من أجل الأطفال في الموضوعات الدينية، لأنه مكلف بتحقيق المزية الفنية فيما يكتب ليكون أدبا، مع مراعاة مستوى الأطفال وقدراتهم ومدى خبراتهم، وتحقيق أهداف الموضوعات التي يختارها ليكون ما يكتبه واضحا ذا قيمة، قادرا على التفاعل مع تفكير الأطفال ووجدانهم، والأمر الأهم أن يكون على بينة ووضوح لأمور العقيدة وموضوعات الإيمان، حتى لا تصبح كتابته تردادا لكلمات أو مصطلحات،
__________
(1) -مها الضامن، مفهوم أدب الأطفال وأهميته في عمليات التنمية الثقافية والاجتماعية، ص79.
(2) -أحمد نجيب، فن الكتابة للأطفال، دار اقرأ، بيروت- لبنان، ط2، 1983، ص12.
(3) -نظيرة الكنز، فاعلية المؤثر التراثي وحركية المؤثر الغربي، مجلة الملتقى المغاربي الأول حول أدب الطفل، المركز الجامعي سوق أهراس- الجزائر، عدد خاص، 2004، ص83، 84.
(4) -عبد الله راجع، مجلة السائرون على الدرب، المغرب، عدد1، ماي 1980، ص9. (11/181)
صفحة 176
ولن يتحقق ذلك للأديب إلا باطلاعه الواسع على كتاب الله - عز وجل -، مع فهم لما ورد من تفسير الآيات الدالة على العقيدة، المثيرة لوجدان الطفل، لكي يرتوي من معينها، والأديب أيضا بحاجة للاطلاع على ما ورد في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم في أقوال الصحابة والتابعين حول موضوع العقيدة، ليكون في وسعه اختيار ما يراه مناسبا لكل سن ومرحلة من مراحل الطفولة، ولا يكفي الأديب في هذا الشأن ما ورثه أو حفظه من بعض الآيات، ويمكن اختيار حوادث من السيرة النبوية أو التاريخ الإسلامي فيكون للموضوع صلة بالتاريخ (1).
وخلاصة القول أن كتابة السيرة النبوية للأطفال أصعب بكثير من كتابتها للكبار، حيث يمارسها المبدع بقدر شديد من الوعي، وجرعة مركزة جدا من التخطيط، ودراسة الخيارات المختلفة لأجل إنتاج نص إبداعي ناجح يوازن بين الهدف القيمي والهدف الجمالي (2)، وهذا يتطلب أيضا معرفة بمراحل تطور هؤلاء الأطفال من حيث نموهم، ومتغيرات حياتهم، والمشاكل التي تواجههم، ودورهم في الحياة، والأهداف التي يراد توجيههم إليها، والوسائل التي تقربهم منها، واهتماماتهم وحاجاتهم، وغير ذلك مما يتصل بالمادة الأولية التي يقوم الكاتب بتوظيفها وتشكليها.
والأدب هو فن يقوم "على الاختيار والانتقاء والتأليف والتركيب والتصوير، سواء من حيث التشكيل اللغوي، أم من حيث البناء الفني، أم من حيث المحتوى" (3)، وما دام الأمر كذلك فإن أدب الأطفال إن كان يلتقي مع أدب الكبار من حيث الوظيفة، فإنه في حاجة ماسة إلى دقة متناهية، ومعرفة عميقة بحقيقة نفسية الطفل ومدى ميولاته ورغباته وحاجاته، ومدى قدراته التخييلية التي تنسجم مع ما يكتب له، إذا كنا نحن الكبار الذين نكتب له أدبه (4).
__________
(1) -محمد حسن بريغش، أدب الأطفال: أهدافه وسماته، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1997، ص 197.
(2) -عادل محلو، أحمد زغب، دراسات في أدب الأطفال، شركة مزوار للطباعة والنشر، الوادي، 2004، ص14.
(3) -محمد الهرفي، أدب الأطفال، دراسة نظرية وتطبيقية، دار الرسالة، القاهرة، 1996، ص12.
(4) -بوجمعة بويعيو، أدب الطفل في ظل القنوات التلفزية، مجلة الملتقى المغاربي الأول حول أدب الطفل، المركز الجامعي سوق أهراس- الجزائر، عدد خاص، 2004، ص308. (11/182)
صفحة 177
فصل في الفصل
بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكمة
دراسة تحليلية للتمييز بين الإباضية في أصلهم الحيادي
والخوارج المعارضين جميعا
الحلقة الثانية:
براءةُ الإباضية - وهم لم يُوجدوا بعدُ - من مشهد اغتيال علي - رضي الله عنه -
الدكتور: موسى بن إبراهيم حريزي
جامعة قاصدي مرباح ــــ ورقلة
ت
تعرَّضنا في الحلقة السابقة لتعريف الإباضي .... ومن هم الإباضية؟ وعقيدتهم الإسلامية السمحة وسلوكهم، ومعاملاتهم مع غيرهم من المخالفين المسلمين، وقد بينا تصحيف وخطأ الطبري وابن الأثير في قولهما: « ... ولا تحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام ... » وذلك بإقحام أداة الاستثناء على الدماء المحرمة بالنص على كل مسلم، وذكرنا أن ذلك يتعارض تماما مع فتوى ابن إباض، في حلية القعود أو الإقامة بين ظهراني المسلمين المخالفين حلية مطلقة، ولم يرد على لسان ابن إباض استحلاله لدماء المسلمين على الإطلاق وهي حرام شرعا إلا بحق، والصحيح ما ذكره المؤرخ الشهرستاني: « ... وغنيمة أموالهم من السلاح و الكراع عند الحرب و سواه حرام قتلهم و سبيهم، و تعرضنا كذلك لتعريف الخوارج (الحرورية) في عهد خروجهم في فترة حكم علي (رض) ومعتقداتهم الفاسدة، و بينا بوضوح الفرق بينهم و بين الإباضية، وبينا بعض المصطلحات: كالمحكمة، وصراعهم مع علي (رض)، وبينا بالأدلة الواضحة أن ابن إباض لم يخُض أية معركة، ولم يشارك فيها في حياته، بل كانت سياسته هي القعود, وسبيله الحياد التام عن أي انتماء، ولم يحدث يوما أن كان خارجيا, أو تزعم فرقة من الفرق الخوارج بأي صفة من الصفات ـ و قد تبرأ منهم جميعا ـ سواء في عهد علي (رض) أو في عهد يزيد أو زياد, أو في عهد عبد الملك بن مروان إلى أن توفي سنة 85هـ على الأرجح. كما بينا الفرق (12/183)
صفحة 178
الحروريين, وغيرهم, وأهل النخلية (موقع بين الكوفة و الحلة قرب بابل) الذين انفصلوا بعد التحكيم (بعد صفر38هـ) عن علي (رض) , وعن أهل النهروان, وعن معاوية, فأصبحوا حياديين, وقد وقعت في تلك الفترة عدة أحداث انشقاقية خطيرة في الإسلام منذ اغتيال عثمان (رض).
وبعد الاستقصاء للأحداث تلك, تبين لنا أن عبد الله بن إباض لم يرد ذكره في كتب التاريخ القديمة في تلك الفترة، ولم يظهر على مسرح الأحداث المذكورة سواء الأحداث العسكرية، أو في الفتاوى الفقهية، حيث أنه اختفى وراء إيمانه الذي لم يتزعزع بالقعود والتقنية ـ على ما يبدوا لنا ـ ولم يؤمن يوما بالخروج ضد المسلمين رغم إتاحة الفرص لذلك، كخروج أبي بلال مرداس بن أدية (ت:61 هـ) وغيره، فرفض ذلك باستمرار، وليس هو من جملة الخوارج، ولم يقل بالخروج أصلا، إلا من تقول عليه قولا زورا وبهتانا لم يقله، أو بهته برأي أو اعتقاد فاسد بل كان تفكيره القعود والحياد في السياسة حسب الأمر القرآني والشرعي أسوة بزعيم قبيلته الأحنف بن قيس التميمي منذ وقعة الجمل (في 25 ربيع الثاني سنة: 36هـ)، وأسوة بأمير بلدته البصرة في ذلك الزمن عثمان بن حنيف الذي رفض الاقتتال ودخلها مكرها.
وبناء على ما تقدم نستدل بصفة مؤكدة أن ابن إباض لم يخض مع الخائضين قبل وقعة الجمل، ولا أثناءها، ولا بعدها، ولا في أية معركة اقتتال المسلمين، ولم يكن بعد ذلك من المحكمة أو الجروريين, والذي يذكر خلاف ذلك, فهو غير منطقي وغير واقعي, يتهيأ له بخياله التعصبي والعاطفي ما يقحمه في التاريخ من مغالط أملاه عليه هواه الخاص, وغرضه غير النظيف واللاأخلاقي.
في هذه الحلقة نحاول أن نبين موقع ابن إباض- إن وجد في هذه الفترة - من حادثة مقتل علي (رض) ومن هو المتصل المباشر لقتله, وما هي الأسباب الحقيقية لقتله: سياسية وعسكرية, واجتماعية. ونفي التهمة عن الإباضية في التفكير في قتله - و الإباضية ليسو خوارج - ونبين مدى مساهمة معاوية, وعمرو بن العاص, ومن يسمون بالخوارج في ذلك العهد - مع العلم أن الاباضية لم يخلقوا ولم يظهروا للوجود في ذلك الوقت ـ ولم يظهروا للوجود إلى بعد مضى حوالي 24سنة من حادثة قتل علي (رض) المريعة.
اختمار فكرة القتل لرؤساء الصراع:
يبدو حسب الروايات التاريخية ــــ إن كانت صحيحة ــــ أن فكرة قتل علي (رض) مع رؤوس المختلفين فيما بينهم فكرة متقدمة على بدايات ولايته وخلافته, حيث كانت في البداية تهديدا، وفي النهاية أصبحت تنفيذا، وقد وقع (12/184)
صفحة 179
اختلاف كبير بين أكثر من ثلاثة رؤوس بارزة على من يكون هو الخليفة بعد عثمان، وقد دام لمدة أسبوع كامل، والناس حيارى بدون خليفة بعد مقتل عثمان (من18ذي الحجة سنة35هـ إلى يوم الجمعة 25ذي الحجة35هـ)، وقد قال ابن الأثير في كامله: «وكانوا متفقين على قتل عثمان مختلفين فيمن يلي الخلافة» (ج3، ص:99).
لقد اختلف الناس كثيرا فيمن يلي الخلافة، وكل فئة ترغب في زعيم يتولاها، وكلهم يرفضها، وقد اجتمع أصحاب رسول الله (ص) من المهاجرين والأنصار ـ في المدينة ـ وفيهم طلحة والزبير، فأتوا عليا فقالوا له: إنه لابد للناس من إمام، قال: لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتم رضيت، قالوا: ما نختار غيرك، وترددوا إليه مرارا، وقالوا له في آخر ذلك، إنا لا نعلم أحدا أحق به منك، ولا أقدم سابقة، ولا أقرب قرابة من رسول الله (ص)، فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيرا خير من أكون أميرا، فقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: «ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خفية .. »، كان أول من بايعه من الناس طلحة بن عبيد الله، والزبير، وقد هربا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر، وقد بايعه الناس إلا نفرا يسيرا، منهم النعمان بن بشير، فإنه أخذ أصابع نائلة امرأة عثمان التي قطعت، وقميص عثمان الذي قتل فيه، وهرب به فلحق بالشام، فكان معاوية يعلق قميص عثمان وفيه الأصابع، وقد هرب أناس كثيرون إلى مكة، فأتى المصريون عليا فباعدهم، وأتى الكوفيون الزبير فباعدهم، وأتى البصريون طلحة فباعدهم، كما أتوا إلى سعد بن أبي وقاص، فلم يقبل، وأتوا إلى ابن عمر فأبى عليهم وقد رجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر النخعي بيده فبايعه وبايعه الناس ... (ابن كثير، البداية والنهاية، ج8، ص:6)، وقبل أن يتم ذلك بقي الناس في حيرة من أمرهم إلى أن وصل الأمر بالبعض في التفكير بقتل علي وطلحة والزبير، كما ذكر ابن الأثير في كامله: « ... فبقي الناس حيارى قال بعضهم لبعض لئن رجع الناس إلى أمصارهم بغير إمام, لم نأمن الاختلاف، وفساد الأمة، فجمعوا أهل المدينة، فقالوا لهم: يا أهل المدينة، أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلا تنصبونه، ونحن لكم تبع، وقد أجلنا لكم يومكم، فو الله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدا عليا وطلحة والزبير ... » (ج3/ص:99). وقد بويع علي (رض) بعد ذلك بالخلافة.
إن هذه الفكرة فكرة قتل علي (رض) وطلحة والزبير, وبعض من المعارضين بقيت حية في الذهان (على أساس قول (12/185)
صفحة 180
العامة: نح الرأس تزل الخصومة، أي: بقطع الرأس تزول الخصومات) ولم تنفذ في تلك الفترة الزمنية ,ولكن سواء الأحداث طيلة فترة خلافة علي (رض) قد أنعشتها سيوف الصحابة على رقاب بعضهم البعض, وغذتها دماء الشهداء والقراء, واستجاب القدر لدعوات الثكلى واليتامى والمظلومين منهم وأينعتها الخلافات والأحقاد المتبادلة بين علي ومعاوية وأصحاب النهر طيلة أربع سنوات، أي: (1420 يوما). وثمانية أشهر أي: (236يوما). وستة وعشرين (26يوما) أي ما مجموعه (1682يوما). معظمها فتن وحروب بين المسلمين بما فيهم الصحابة رضوان الله عليهم, وكان نتاج كل ذلك مؤامرة لقطف الرؤوس بجريمة بشعة, إرهابية فاسدة, تدل على فشل العقل في التفكير المنطقي السليم لحل المشاكل بالسلم والحوار.
بداية المؤامرة لقتل علي (رض):
لنقارن تلك البداية بما وقع في النهاية من خلافة علي (رض). ذكر أبو العباس محمد المبرد (ت285هـ) ما يلي: « ... فلما انقضى (أي الحج) نظرت الخوارج (حسب تعبيره) [وهم الشراة] في أمرها, فقالوا إن عليا, ومعاوية قد أفسد أمر هذه الأمة، فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقه، وقال رجل من أشجع: والله ما عمرو دوناهما, وإنه لأصل هذا الفساد، فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أقتل عليا، فقالوا: وكيف لك به؟ قال: أغتاله, فقال الحجاج بن عبد الله الصريمي, وهو البرك: وأنا أقتل معاوية, وقال زادويه مولى بني عمرو بن تميم, وأنا أقتل عمروا, فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة, فجعلوا تلك الليلة ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان, فخرج كل واحد منهم إلى ناحية. فأتى ابن ملجم الكوفة, فأخفى نفسه ... » (الكامل، ج2، ص:106).
وأورد الحكاية ابن الأثير (ت630هـ/1234م) في كامله بصيغة أخرى وقال: «وكان سبب قتله أن عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي الصريمي, وقيل اسم البرك الحجاج, وعمرو بن بكر التميمي السعدي, وهم من الخوارج اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس، وعابوا عمل ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم، فلو شرينا أنفسنا، وقتلنا أيمة الضلالة، وأرحنا منهم البلاد؟ فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا ـ وكان من أهل مصر ـ وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص, فتعاهدوا [وتواثقوا الله] أن لا ينكص أحدهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله, أو (12/186)
صفحة 181
يموت دونه وأخذوا سيوفهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان, وقصد كل رجل منهم الجهة التي يريدها, فأتى ابن ملجم الكوفة فلقي أصحابه بالكوفة وكتمهم أمره .... » (ج3، ص:195).
في هذه الحكاية عناصر جديدة: مثل تذاكر أهل النهر والترحم عليهم، والشراء أو الفداء, والحكم على المحكوم عليهم بالقتل أنهم من أيمة الضلالة, وابن ملجم من أهل مصر، وتسميم السيوف، واختفى في هذا النص اسم «زادويه»، وتذكيرهم بأن عمرو بن العاص ليس دونهما، كما اختفى ذكر زمن الاجتماع (بعد انقضاء الحج) في مكة.
والملفت للنظر في هذه الحكاية هو طول المدة الزمنية بين حبك المؤامرة وتنفيذها وهي مدة 09أشهر أو أكثر من حوالي 15ذي الحجة 39هـ إلى 17رمضان 40هـ، ولم يفش ذلك السر؟!.
إذا ففكرة الاغتيال هي نفسها كما انبثقت في بداية خلافة علي (رض) نضجت بعد اختمارها في منتهى خلافته، ففي البداية تصوروا أن القتل يشمل ثلاثة زعماء: علي، وطلحة، والزبير، وفي النهاية يشمل القتل ثلاثة زعماء: علي (رض)، ومعاوية، وعمرو بن العاص، فالفكرة السلبية واحدة هي هي، والعدد هو هو (03) أيمة الضلالة ـ كما وصفوا ـ، وبقي الاختلاف في الأزمنة والأمكنة، والشخصيتين: معاوية، وعمرو بن العاص بدل طلحة والزبير، وشاء قضاء الله وقدره أن يغتال علي (رض) ويسلم الآخران، وقد امتنع عن الخلافة الكثير ممن عرضت عليهم (كما مر ذكره) مخافة من ذلك المصير المتكرر: نهاية عمر بن الخطاب (ت: الأربعاء في 27ذي الحجة 23هـ)، وعثمان (18ذي الحجة سنة 35هـ/ 20 ماي 656م)، وعلي رضي الله عنهم (17رمضان 40هـ/ 25جانفي 661م).
وتبقى الملاحظة لماذا حدد ذلك التاريخ بالذات، ولم يحدد غيره؟ الظاهر والله أعلم أن الجماعة الثائرة على الزعماء الثلاثة، قد انتصروا للقرآن والإسلام عامة، ولم يكونوا منتصرين لجماعة معينة رغم انطلاقهم من واقعة النهروان كمنطلق انتقامي حيث أنه لو كان كذلك لحددوا تاريخ وقعة النهروان في 09صفر سنة 38هـ/ 17جويلية 658م موعدا لقتل علي وصاحبيه كرمز لرد الفعل للنهروانيين مع العلم أن صاحبيه معاوية وعمرو بن العاص ليس لهما علاقة بواقعة النهروان، وإنما حددوا تاريخا آخرا انتصارا للإسلام، حيث أن 17 رمضان حدث إسلامي لمناسبتين عظيمتين وهما: 1ـ أول نزول للقرآن الكريم حيث أوحي لرسول الله (ص) بأول آية يوم الاثنين 17رمضان في السنة الأربعين من ميلاد الرسول (ص) وستة أشهر، و08أيام بالحساب القمري/ الموافق لـ (12/187)
صفحة 182
06أوت (أغسطس) سنة 610ميلادية (محمد الخضر بك، تاريخ الأمم .. ، ج1، ص69). 2 ـ الحدث العظيم الثاني هو: وقعة بدر الكبرى في صبيحة الثلاثاء 17رمضان من السنة الثانية للهجرة (نفس المرجع والصفحة السابقتين) يوم التقى الجمعان كما في قوله تعالى: «إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .. » (41، الأنفال).
إذا تفحصنا النصين السابقين ونص ابن كثير في: (البداية والنهاية، ج3، ص82) ـ لم نذكره هنا ـ ومن خلال ما ذكر من أسباب القتل نجد أنها ممزوجة مما هو إسلامي ديني نابع من أصول النص القرآني يؤخذ على علاته، كالشراء في قولهم: وما نصنع بالبقاء بعدهم، وقتل أيمة الضلالة بحكم صادر منهم! ومن أين لهم بذلك؟ في مقابل ذلك برأوا وزكوا من قتل من إخوانهم في النهروان (يكثرون الصلاة، ودعاة إلى الله، لا يخافون في الله لومة لائم)، وترحموا عليهم، وكل هذه الأسباب والدوافع ممزوجة بالثأر لأهل النهروان كقولهم: «أخذنا ثأر إخواننا منهم»، «وأرحنا البلاد منهم».
والجامع المشترك بين هؤلاء الثلاثة هو «الخروج» أو الخوارج حسب النصوص مثل قولهم: «إخوانهم من أهل النهروان»، «وأخذنا ثأر إخواننا منهم»، «وكتم أمره حتى عن أصحابه الخوارج»، هم أهل النهروان، وليسوا خوارج في حقيقة الأمر.
وعلى الإجمال فإن الدوافع للقتل هو الحقد والكره لعلي (رض) وسأم الجيش والرعية منه، وكره علي (رض) نفسه من خذلانهم له في كثير من المواقف والحروب ـ كما سيتبين لنا ذلك من خلال بعض كلامه ـ، إن شهوة الحقد والانتقام لا يستقيم معها ملك ولا حكم، ولا يستقر لها صلاح، وبها يسرع الملك والحكم بالذهاب والزوال.
ويبقى التساؤل المحير في الأخير على ظاهرة مسلسل الاغتيالات للخلفاء الراشدين بالتتابع: عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وقتل الحسين ومن معه، ثم بعد ذلك هدأت الظاهرة، وذلك بعد اغتصاب معاوية بن أبي سفيان للبيعة بالخلافة (الدولة الأموية)! ولم يقتل من هؤلاء الخلفاء سوى اثنان في النهاية من بين 13خليفة، وهما: الوليد الثاني بن يزيد قتل (حكم من 07ربيع الأول سنة 125هـ إلى 08جمادى الثانية سنة 126هـ)، ثم مروان الثاني بن محمد قتل بعد أن (حكم من سنة 127هـ إلى 28ذي الحجة سنة 132هـ)، أي عندما يشيخ الحكم تكثر اغتيالات الحكام ويتطلع الناس للتجديد في الحكم أي هي دورة الحياة شباب فشيخوخة ثم تجديد بعد هذه الملاحظات لظاهرة الاغتيالات المتسلسلة, عمر وعثمان وعلي (رض) ثم اغتيال الحسين في نهاية حكم الخلفاء (12/188)
صفحة 183
الراشدين, ثم استقرار للحكم واختفاء ظاهرة الاغتيالات لخلفاء الدولة الأموية. ألا يحق للفكر أن يشك في شخص معاوية بن أبي سفيان على أنه هو المدبر الأكبر لتلك الاغتيالات لكي يصل إلى الحكم بسرعة, وخاصة أنه رفض طوال خلافة علي (رض) أن يبايعه, وهو في الأبهة التي يعيش فيها في الشام, بل ويناوشه ويناوئه في الحكم, وينازعه ويصارعه بالسلاح والجيوش في الرقعة الجغرافية الإسلامية التابعة له - كما سنبين في موضوع في موضوع سرايا أهل الشام إلى البلدان التي يحكمها أمير المؤمنين علي (رض) ـ وإن ذلك ليس ببعيد وخاصة وأن معاوية يوصف بأنه من دهاة العرب, وقاتل عليا (رض) بجيوشه في عدة معارك مع العلم أن ابن ملجم قدم من مصر التابعة لمعاوية وقتذاك.
وصف حادثة قتل أمير المؤمنين علي (رض).
بعد مضي (09) تسعة أشهر وسبعة (07) أيام بالضبط من حوالي 15ذي الحجة سنة 39هـ إلي يوم الجمعة 17 رمضان سنة 40هـ وهو ميعاد الاغتيالات, وهو التاريخ الذي اتعدوا عليه, فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله, أو يموت دونه وأن يبيّت كل واحد منهم صاحبه في بلده, وهي مدة طويلة جدا, حيث أنه من الطبيعي أن يتعجل بفعل الشر بعد تخطيطه لكي لا ينكشف أمر المتآمرين ويشاع، ويمدد الزمن في فعل الخير لكي يشاع بين الناس. وعلى أي حال فإن الحادثة التاريخية المفجعة لقتل علي (رض) وصفها ابن كثير في البداية والنهاية كما يلي: « ... فتزوجها ودخل بها أي قطام بنت الشجنة، ثم شرعت تحرضه على ذلك، وندبت له رجلا من قومها من تيم الرباب يقال له وردان ليكون معه ردءا، واستمال ابن ملجم رجلا آخر يقال له: شبيب بن بجرة الأشجعي الحروري, قال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟، فقال: وما ذاك؟، قال: قتل علي، فقال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا إدا، كيف تقدر عليه؟ قال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة (الصبح) شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا، فما عند الله خير من الدنيا، فقال: ويحك لو غير علي لكان أهون علي، قد عرفت سابقته في الإسلام، وقرابته من رسول الله (ص) فما أجدني أشرح صدرا لقتله، فقال (أي ابن ملجم) أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ فقال: بلى، قال: إذن لنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه إلى ذلك بعد لأي: (إبطاء ومحنة). ودخل شهر رمضان، فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة تسع عشر ليلة خلت، وقال: هذه الليلة التي واعدت أصحابي بقتل كل واحد منا فيها (12/189)
صفحة 184
صاحبه الذي ذهب إليه، ثم جاؤوا إلى قطام، وهي امرأة ابن ملجم، فدعت لهم بعصب الحرير، فعصبتهم بها، وكانت في المسجد، فجاء هؤلاء الثلاثة، وهم: ابن ملجم، ووردان، وشبيب، وهم مشتملون على سيوفهم، فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي (رض) فلما خرج جعل ينهض الناس من النوم إلى الصلاة، ويقول: الصلاة، الصلاة، فثار عليه شبيب بالسيف، فضربه فوقع في الطاق (ما جعل كالقرص في البناء) فضربه ابن ملجم بالسيف في قرنه (جبهته) فسال دمه على لحيته (رض)، ولما ضربه ابن ملجم، قال: لا حكم إلا لله، ليس لك يا علي، ولا لأصحابك، وجعل يتلوا قوله تعالى: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد» (البقرة: 207)، ونادى علي عليكم به، وهرب وردان، فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومسك ابن ملجم، وقدم على جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحمل علي إلى منزله، وحمل إليه ابن ملجم فأوقف بين يديه، وهو مكتوف، قبحه الله، فقال له: أي عدو الله؛ ألم أحسن إليك؟ قال: بلى، قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال له علي: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلقه، ثم قال: إن مت فاقتلوه، وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به».
وقد روي أن أم كلثوم بنت علي قالت لابن ملجم، وهو واقف: «ويحك! لم ضربت أمير المؤمنين؟ قال: إنما ضربت أباك (أي هو ليس بأمير المؤمنين) فقالت: إنه لا بأس به، قال: فلم تبكين عليه؟ والله لقد ضربته ضربة لو أصابت أهل المصر لماتوا أجمعين، والله لقد سممت هذا السيف شهرا، ولقد اشتريته بألف وسممته بألف» (ج8, ص:83).
وروى ابن الأثير في كامله بعضا مما لم يذكره ابن كثير، فقال: « .... فقال علي: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله، ثم قال: النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قد قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلي، فانظر يا حسن: إن أنا مت من ضربتي هذه، فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثلن بالرجل، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور»، هذا كله وابن ملجم مكتوف، فقالت له أم كلثوم ابنة علي: أي عدو الله، لا بأس على أبي والله مخزيك، قال: فعلى من تبكين؟ والله إن سيفي اشتريته بألف، وسممته بألف, ولو كانت هذه الضربة بأهل مصر ما بقى منهم أحد» (ج3, ص:196). (12/190)
صفحة 185
نهاية ابن ملجم:
لما توفي علي (رض) في الواحد والعشرين من شهر رمضان غسله الحسن والحسين, وعبد الله بن جعفر, وكفن في ثلاثة أثواب وكبر عليه الحسن سبع تكبيرات [ودفن] بعث الحسن إلى ابن ملجم, فأحضره, فقال الحسن: هل لك في خصلة, إني والله قد أعطيت الله عهدا, أن لا أعاهد عهدا إلا وفيت به, وإني عاهدت الله عند الحطيم [جحر الكعبة أو جداره, أو مابين الركن وزمزم والمقام ... وكانت الجاهلية تتحالف هناك, [القاموس ص1095] أن أقتل عليا ومعاوية, أو أموت دونهما, فإن شئت خليت بيني وبينه, فلك الله علي إن لم أقتله, ثم بقيت أن آتيك حتى أضع بيدي في يدك, فقال له الحسن: لا والله حتى تعاين النار ,ثم قدمه فقتله, وأخذه الناس فأدرجوه في بواري [الحصير المنسوج] وأحرقوه بالنار.» (ابن الأثير, ج3,ص:197). وقد أورد المبرد في كامله رواية أخرى لنهاية ابن ملجم فيها مثلة بشعة (ج2,ص:107)، وبقتله والانتقام منه دفنت الفتنة آنذاك، وهل من طاعن في الدين أن يتهم عبد الله بن إباض القعدي في هذه الأحداث.
أما البرك بن عبد الله، الشاري نفسه، مع عاوية، فإنه فشل في قتله بإستراتيجية حمقاء لم يفعلها الجبناء الأغبياء، ونجا معاوية منه، وكذا بالنسبة لعمرو بن بكر (زادويه) الشاري نفسه لقتل عمرو بن العاص، فهو أفشلهم في بلوغ المراد، والحكاية واردة في المصادر السابقة، ولا حاجة لنا لسرد فشلهما وأسبابهما.
ولا توجد نسبة بين عبد الله بن الله ابن إباض والبرك بن عبد الله الظان نفسه أنه شار.
تحليل ومناقشة الروايات الواردة في الموضوع:
بادئ ذي بدء يتساءل المرء عن عبد الرحمن بن ملجم هذا، من هو؟ وما هو الدافع الأساسي لقتل علي (رض)؟.
في الحقيقة أن المعلومات عن ابن ملجم هذا (ت: 40هـ/660م) شحيحة جدا، ولا نملك عليه معلومات كثيرة، بل هي نتف هنا وهناك، وأخفي أمره قبل قتله لعلي، ولكن بعد قتله عرف بشره وجريمته ومن المعلومات عليه أنه معروف أن أصله من اليمن، وعاش في الكوفة، كما عاش في مصر، وينعت بالمصري، والمرادي من كندة, قال محمد الخضري بك (1959): « ... فأما ابن ملجم المرادي [الحميري] , وكان عداده في كندة, فخرج حتى أتى الكوفة, ولم يخبر من بها من إخوانه شيئا كراهة أن يظهر ... إلخ» (ج2, ص:79) وبنو كندة كما في المنجد للأعلام (1984م): «قبيلة شهيرة من عرب اليمن بطن من جذام المنتسبة إلى كهلان بن سبأ رحل قسم منهم إلى مصر مع عمرو بن العاص (ت43هـ/664م)» (ص:595) [بعض الصحابة (12/191)
صفحة 186
كما في ابن الكثير] وذلك بعد استكمال الشام, وقد فتحت مصر في ربيع1 سنة ست وعشرين (26) هـ, وقيل فتحت سنة عشرين (20) هـ, وفتحت الإسكندرية سنة خمس وعشرين (25) هـ» (البداية والنهاية, ج7, ص:279).
وقيل أن ابن ملجم قد عاش في الكوفة وفي الشام، ثم رحل إلى مصر, ثم رجع إلى الكوفة، ومن تلك السنة أصبح مصريا, وقال محمد رضا (2005): «فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب, وكان من أهل مصر» (الإمام علي .. ,ص:177). وقد ذكر ابن الأثير في كامله (ت,630هـ): « ... فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليا وكان من أهل مصر ... » (ج3، ص:195) أصبح مصريا لعيشه هناك لمدة طويلة من سنة 16أو 20هجرية وقت فتح مصر مع عمرو ابن العاص إلى سنة 39هـ أي حوالي مدة 23سنة أو أقل من ذلك , ولربما كان من أهل خربتي مصر العثمانية قبل التقائه في الحج مع البرك, وزادويه لمؤامرة قتل الثلاثة.
وابن ملجم مرادي من حمير في اليمن من قبل تل جنوب الجزيرة بلادهم في الجوف من نجران ومأرب, وقد انضموا كجيوش في فتوحات الشام والعراق ومصر منذ خلافة عمر بن الخطاب, ومنهم عبد الرحمن ابن ملجم قاتل علي بن أبي طالب (المنجد, ص:649).
1 ــــ الحقد والضغينة وأثرهما على المسلمين:
يظهر من التاريخية أن الحقد على علي (رض) واتهامه بالضلوع في مقتل عثمان (رض) (في18ذي الحجة سنة35هـ) وأحداث وقعة الجمل وكذا واقعة النهروان بين علي والحروريين (09 صفر سنة 38هـ) ووقائع أخرى كثيرة قد بلغ مداه إلى أن فكر ابن ملجم وصاحبيه في مؤامرة لتصفية الرؤوس ليهنأ الناس في بلدانهم, كما يظهر من النصوص كذلك أن هناك إحن، ومعاداة ظاهرة بين ابن ملجم وعلي (رض) قبل, أو بعد تلك الوقائع الحربية, ويظهر ذلك من النصوص التالية:
قال أبو الفرج الأصفهاني (284 - 356): « ... جمع أمير المؤمنين علي (رض) الناس للبيعة فجاءه عبد الرحمن بن ملجم فرده مرتين أو ثلاث، ثم بايعه فقال له علي (رض): «ما يحبس أشقاها، فو الذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذه ... » (مقاتل الطالبيين، ص:45) قال ذلك مشيرا إلى رأسه ولحيته. قال: وروى غيره أن عليا أعطى الناس [أي أعطياتهم]. فلما بلغ إلى ابن ملجم، قال علي (رض):
أريد حياته ويريد قتلي
عذيرك من خليلك من مراد
وقال المبرد في كامله: «ويروى أن عليا كان يتمثل إذا رآه [أي ابن ملجم] ببيت عمرو بن معدي كرب في قيس بن مكشوح المرادي، والمكشوح هبيرة، وإنما (12/192)
صفحة 187
سمي بذلك لأنه ضرب على كشحه.
أريد حياته ويريد قتلي
عذيرك من خليلك من مراد
فقيل لعلي: كأنك قد عرفته, وعرفت ما يريد بك، أفلا تقتله؟ فقال: كيف أقتل قاتلي» (ج2، ص:107).
يفهم من خلال البيت أن عليا يرغب بقوة في أن يجعله عذيرا له، أي نصيرا له، ولكن يخاف منه كثيرا لبسالته وشجاعته وفتكه للأعداء، ويبدوا أن هذه الصفة هي الغالبة في بني مراد من كندة، وقد ذكر ذلك ابن أبي الحديد (586هـ ـ 656هـ) فقال: «قال أبو العباس: وأكثرهم [أي بني مراد] لم يكن يبالي بالقتل، وشيمتهم استعذاب الموت، والاستهانة بالمنية» (ج5، ص:99).
هذا بالإضافة إلى ما يمكن أن يظهره ابن ملجم لعلي (رض) وما يفهمه ضمنيا أو صراحة من ابن ملجم، كما يظهر انه جلف و صريح حيث روى المبرد في كامله: «أن عليا رضوان الله عليه كان يخطب مرة، ويذكر أصحابه، وابن ملجم تلقاء المنبر، فسمع وهو يقول: والله لأريحنهم منك! فلما انصرف علي صلوات الله عليه إلى بيته أتى ملببا، فأشرف عليهم، فقال [علي]: ما تريدون، فخبروه بما سمعوا، فقال [علي]: ما قتلني بعد، فخلوا عنه» (ج2، ص:106) (لببه، تلبيبا: جمع ثيابه في الخصومة، ثم جره).يظهر من خلال هاتين الروايتين أن هناك ضغائن دفينة ووقائع مؤلمة بين علي (رض) وابن ملجم قد ندت من علي (رض)، ولم يفصل فيها المؤرخون سواء قبل خلافة علي، أوأثناءها، أو في نهايتها. كما أن عليا قد تنبأ بقرائن تلك الأحداث أن نهايته ستكون على يد ابن ملجم، وهو دائم التوقع والحذر منه إلى درجة اليأس والإحباط حيث قال علي: «ما يحبس أشقاها»، وقال: « .... ويريد قتلي» فهي عبارات صريحة في العداء والشنآن، وقال حالفا وكأنه جازما: « .... لتخضبن هذه من هذه، أي: يخضب من دماء رأسه لحيته»، وهو كناية عن ضرب الرأس بالسيف، وليس قطعه وحزه بالسيف، وليس بالطعن في مكان آخر، وبالتأكيد أنه قد خبر ابن ملجم في فتوحاته وحروبه من عهد عمر بن الخطاب سواء في العراق (الكوفة) أو في الشام، أو في مصر، وخاصة في وقعة النهروان (09 صفر 38هـ).
كما أن عليا قد خبر بسالة وبطش ابن ملجم المتوحش قبل أن يكون أميرا للمؤمنين، وعرفه تمام المعرفة، ويظهر ذلك من موقف علي (رض) عند بيعته، فرد ابن ملجم مرتين أو ثلاث، حسب رواية الأصفهاني السابقة حيث أن عليا قد بلغ ذروة النفور منه ومعاداته والتوجس منه، وخاصة وأن ابن ملجم لم يظهر عليه رد الفعل لا بالحركة ولا بالفعل، وذلك (12/193)
صفحة 188
لعوامل خفية سابقة لبيعته. لم يذكر المؤرخون ذلك صراحة، وأبرزها حادثة قتل عثمان واتهامه بالضلوع فيها، وخاصة إن كان ابن ملجم من العثمانيين في مصر أو في أي مكان, وقد تكون أسباب تلك الضغائن لأمور دينية, أو دنيوية, أو لأمور حربية، أو شخصية، وخاصة أن عليا أحسن إلى ابن ملجم كما سيأتي بيانه، علما بأن ابن ملجم يظهر من الأحداث أنه من العرب البداة أو الجفاة الأشداء في الحروب، ومن المتعصبين لآرائه الشخصية ولا يهمه من أمر الدين، أو الحضارة الإسلامية أي شيء، فلا يعتقد إلا بالقتل والحروب، بالإضافة إلى سكوته.
فهو بالرغم من تدينه، وبالرغم من إحسان علي إليه، وبالرغم من أن ابن ملجم خليله وعذيره أو عاذره: أي نصيره، ولكن مع ذلك خانه وغلبته عصبيته وتمسك بفكرة القتل، يبدوا أن ابن ملجم قد هدد عليا مرارا بالقتل أو قرأ من قسمات وجهه أنه سيقتله، وتحداه علي بقوله: «ما يحبس أشقاها» كشقي عاقر ناقة صالح: «أذا انبعث أشقاها».
روى المبرد في كامله (ت:285هـ /898م) مبينا معرفة علي (رض) لابن ملجم وبطشه وبسالته، فقال: «أن عبد الرحمن بن ملجم بات تلك الليلة [أي ليلة قتل علي (رض)] عند الأشعث بن قيس بن معدي كرب، وأن حجر بن عدي سمع الأشعث يقول له: «فضحك الصبح، أي كشفك الصبح [أي قبل ذهابه إلى المسجد]، فلما قالوا: قتل أمير المؤمنين! قال حجر بن عدي للأشعث: أنت قتلته يا أعور. ويروى أن الذي سمع ذاك [هو] أخو الأشعث عفيف بن قيس، وأنه قال لأخيه: عن أمرك كان هذا يا أعور» (ج2، ص:127) من خلال هذه الرواية يدخلنا الشك فيمن قتل علي (رض) هل هو عبد الرحمن بن ملجم؟ أو هو الأشعث بن قيس، وفي المسألة بحث وتحقيق آخر، وفي كثير من التواريخ روايات متضاربة، وأغراض متباينة، ولكن المشهور ابن ملجم هو الذي قتل علي (رض) وقال المبرد في كامله: «قال: فركب الأشعث بغلته [أي ليلة مبيت ابن ملجم عند الأشعث] وأتى عليا صلوات الله عليه، فخبره، وقال له: قد عرفت بسالة ابن ملجم، وفتكه، فقال علي (رض) ما قتلني بعد» (ج2، ص:106). وفي رواية أخرى للمبرد نفسه: «أن الأشعث نظر إلى عبد الرحمن متقلدا سيفا في بني كندة (بالكوفة)، فقال: يا عبد الرحمن أرني سيفك، فأراه، فرأى سيفا حديدا، فقال: ما تقلدك السيف، وليس بأوان حرب؟ فقال: إني أردت أن أنحر به جزور القرية، فركب الأشعث بغلته، وأتى عليا صلوات الله عليه، فخبره، وقال له: قد عرفت بسالة ابن ملجم وفتكه، فقال علي: ما قتلني بعد» «وسمع (12/194)
صفحة 189
ابن ملجم يقول: والله لأريحنهم منك .... » (ج2، ص:106).
وروى المبرد كذلك عن الحسن بن علي (رض) أنه قال: «حدثني أبي عليه السلام البارحة في هذا المسجد فقال: يا بني، إني صليت ما رزق الله، ثم نمت نومة، فرأيت رسول الله (ص) فشكوت إليه ما أنا فيه من مخالفة أصحابي، وقلة رغبتهم في الجهاد، فقال: ادع الله أن يريحك منهم، فدعوت الله. قال الحسن: ثم خرج إلى الصلاة، فكان ما قد علمت [أي القتل]» (ج2، ص:127).
وروى ابن الأثير في كامله: « ... وقال الحسن بن علي يوم قتل علي: خرجت البارحة، وأبي يصلي في مسجد داره، فقال لي: يا بني إني بت أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر، فملكتني عيناي فنمت، فسنح لي رسول الله (ص)، فقلت يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ (العوج والخصومات) (أي يشتكي من أمته) فقال لي: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبداني بهم من خير منهم، وأبدل لهم بي من هو شر مني، فجاء ابن الثباج فآذنه بالصلاة، فخرج وخرجت خلفه، فضربه ابن ملجم فقتله» (ج3، ص:195). وكان ذلك في التاريخ المذكور، وذلك من جملة الرؤيا الصالحة، أو تنبؤاته.
والمشهور في الروايات أن الذين شاركوا ابن ملجم في القتل، وردان من تيم الرباب، وشبيب بن بجرة الأشجعي الحروري، وكان مبيتهم في المسجد، وبعد حادثة القتل، قتل وردان، وأما شبيب فقد نجا بنفسه، وقبض على ابن ملجم فقتل بعد وفاة علي (رض) كما مر ذكره.
2 ـ فوضى وهمجية إصدار الأحكام من غير مرجعية أو سند شرعي.
قال الله تعالى: «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما» (93, النساء).
لو يتتبع المرء الحوادث التاريخية لقتل الحكام والرؤساء والرسل والخلفاء عبر التاريخ. كمحاولة قتل موسى عليه السلام كفكرة فرعونية: «ذروني أقتل موسى وليدع ربه» (26، غافر)، وفكرة صلب المسيح المشبه لليهود: «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ... » (157، النساء)، وفكرة فرعونية أخرى: «يستضعف طائفة منهم يذبح أبناؤهم ويستحيي نساءهم» (04، القصص)، والتفكير في قتل يوسف: «اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ... » (09، يوسف)، «وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ... » (72، البقرة)، «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ... » (151، الأنعام).
إن كثيرا من الآيات القرآنية تبين أن القتل متفشي بين اليهود أكثر من غيرهم، وما من قتل إلا ولليهود يد فيه، من بدايات تاريخهم إلى هذا العصر، وأرض فلسطين والفلسطينيين يشهدون (12/195)
صفحة 190
على ذلك والعالم من وراء ذلك شاهد، فهم لا يراعون لا مسلما ولا مسيحيا، ولا أطفالا ولا رسلا ولا أنبياء: « .... قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين» (91، البقرة).
إن فكرة القتل وتصفية الأمراء والزعماء قد تسربت إلى المجتمع الإسلامي، وطالت عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم جميعا، كما طالت الخليفتين في أواخر الدولة الأموية: (الوليد الثاني بن يزيد، ومروان الثاني بن محمد) وغيرهم من المؤمنين الصالحين. والمنفذون لهذه الجرائم هم ممن لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، وهم ممن ليس له فقه شرعي، ولا تمسك بالقرآن وأحكامه ولا بالسنة النبوية.
فمن أوحي لابن ملجم ومن معه بجواز قتل علي (رض) أو حتى معاوية، وعمرو بن العاص، على ما فيهما مما قيل عنهما؟ «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» (92، النساء)، أما خارج دائرة الخطأ فهو قتل من غير مؤمن بصورة مؤكدة والقاتل في النار، ولا عذر للمتعمد في قتل المؤمن إلا دفاعا عن النفس.
وعلى العموم فإن إشكاليات عديدة تحوم حول المتآمرين: ابن ملجم وصاحبيه، فمن نصبهم قضاة لإصدار الحكم بالإعدام لهؤلاء الزعماء؟، ومن وكلهم بالمحاماة على أحوال الأمة الإسلامية؟، وهل لديهم مستوى علمي أو فكري في الفقه وفي الشرعيات لكي يصدروا فتوى وحكما صارما قاسيا بالقتل على هؤلاء؟ وهل صدر منهم مثل ذلك أو دونه قبل ذلك، وهل ليس لديهم حل آخر غير القتل والغدر؟، وهل يصح ـ كما يزعم البعض ـ أن نعتبرهم مجتهدين، ولكن أخطئوا في التقدير والاجتهاد؟ ولنفترض أن هناك جماعات أخرى عديدة مثلهم يصدرون أحكاما وفتاوى فوضوية، وذاتية متعصبة، فكيف يصبح حال الأمة الإسلامية يا ترى؟.
نقول في البداية: مهما يكن حال الأمة من انفلات الأمن في الدولة أو مخالفات ومضايقات، ومهما تكن غيرة الشخص والأشخاص على تدهور الأوضاع في المجتمع، وقوة رغبتهم في التغيير للأفضل، أن يتصرفوا بمفردهم حسب ما يمليه عليهم هواهم، وتصورهم وأفكارهم الخاصة، أو أن يقرروا أحكاما خطيرة بمفردهم أو بعصابة أغراضها غير نظيفة، وخاصة مسألة الدماء، والثأر، والقود (قتل القاتل: القصاص، أو الدية) وما شابه ذلك، لأن الحكم بالإعدام من غير حق هو سفك الدماء وإلغاء ما أوجده أو خلقه الله، فذلك نكران لقضاء وقدر ما خلقه، فكل حكم يسري في البلاد لا يكون إلا عن طريق الإمام أو الرئيس، أو من يأمره بذلك، الفاعل بغير هذه (12/196)
صفحة 191
الطريق مجرم سفاح، ومفتن.
فهل الإنسان مشلول الفكر أوسجين فكرة القتل فقط، فهل لا يوجد حل للمشكلات إلا بالقتل؟ إنه تفكير بدائي ومتوحش وبالمؤامرة والغدر في غير حرب قائمة.
إن فكرة القتل بجميع مقاييسها، وأبعادها محرمة شرعيا ومدنيا. وظلم واعتداء على وجود الإنسان إن جميع القرارات والأحكام الايجابية أو السلبية فهي من صلاحيات أمير المؤمنين, أو الرئيس المنتخب: فالتطوع الفردي أو الجماعي دون اتفاق بين المؤهلين لإصلاح المجتمع أو تغييره, فهو فساد له, وخلق للبلبة والفوضى فيه, وفتنة كبرى لا حدود لها, يصعب التحكم فيها.
وصدق الله العظيم حين قال: « ... ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (32، المائدة).
قال القرطبي أبو عبد الله محمد بن أحمد (ت,671هـ) «روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل, فكأنما قتل الناس جميعا, ومن أحياه بأن شدّ عضضه, فكأنما أحيا الناس جميعا .... وقيل المعنى أن من قتل نفسا [مؤمنة] فالمؤمنون كلهم خصماؤه, لأنه قد وتر الجميع (الظلم بالانتقام, الجميع موتورون) ومن أحياها, فكأنما أحيا الناس جميعا، أي: يجب على الكل شكره: وقيل المعنى: من استحل قتل واحد, فقد استحل الجميع, لأنه أنكر الشرع» (تفسير القرطبي, ج4,ص84).
وعليه فإن ابن ملجم وصاحبيه قد استحلوا دم الجميع. والمؤمنون كلهم خصماؤه، ولا يتعدى ذلك إلى غيره «لا تزر وازرة وزر أخرى» وهم يعدون من الدهماء والغوغاء، ولم يسجلهم التاريخ من العلماء أو المفتين قبل جريمتهم, أما بعد جريمتهم فإن حكم الله قد نفذ فيهم.
أما من برر فعل ابن ملجم بأنه متأول مجتهد، وأنه على صواب في اجتهاده في قتل علي (رض) وعاوية فإنه هو بدوره قد أخطأ في تبريره، أو قد جرته العاطفة، أو هو كان من المعارضين أو المعادين لعلي فقد قال السيد مرتضى العسكري (1416هـ/1995م) في معالم المدرستين: «قال التركماني في الجوهر النقي (8/ 58.59)، وابن حزم في المحلى (10/ 484): ولا خلاف بين أحد في الأمة في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا إلا متأولا مجتهدا مقدرا أنه على صواب .... ولست أدري كيف أصبح عبد الرحمن مجتهدا، ولم يكن من الصحابة .... ولست أدري كيف أصبح يزيد أيضا مجتهدا، ولم يكن من الصحابة ... ؟» (ج1/ص:95).
إن قضية الاجتهاد في فتوى القتل في ذلك العهد، أو في عهود أخرى، لم تكن (12/197)
صفحة 192
مرتبطة بالصحبة والصحابي ولم يكن القتل مرتبطا بالجهاد، وإنما الاجتهاد مرتبط بوجود نص شرعي أو عدمه، فهل يجوز الاجتهاد مع وجود نص شرعي صريح وواضح العبارات، فالآية السابقة لم تنسخ «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ... إلخ الآية» (93، النساء) «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ... » (92، النساء)، فالآيات الكثيرات شاهدة على تحريم قتل النفس عموما، والنفس المؤمنة خصوصا، إذن فالاجتهاد والتأويل هنا تبرير غير مقبول شرعا.
وعليه فابن ملجم وصاحبيه قد ارتكبوا قتلا متعمدا مع سبق إصرار، وخالفوا النص القرآني عن جهل وجاهلية، وبطريقة بدائية بشعة، وإن الذي جرهم إلى ذلك التفكير الأسود هو الحقد والبغضاء والمعاداة للمسلمين، والإصرار على مبدإ خاطئ، فالحريق لا ينطفئ بصب الزيت عليه، والقتل لا يحل أية مشكلة أبدا إلا بالقضاء أو بالإمام، وقد اشتبهت على هؤلاء كثير من الأمور، وهم جهلة، معارضون لحكم أمير المؤمنين ومعاوية, وأسسوا أفكارهم بتأويلات ذاتية, وقناعات شخصية متعصبة وأرادوا أن يخلقوا قطبا رابعا في الحكم, ولو تفاوضوا في قضية القتل مع المفكرين ما وافقهم أحد على ذلك, فما زادوا في الحكم والسياسة إلا تعقيدا وتفككا وسفك دماء المسلمين, فهناك حكم علي (رض) الشرعي وحكم معاوية المنفصل أو الخارجي عن علي, وحكم الحروريين, وحكمهم الموهوم, والله أعلم بمن سيتطاول بحكم آخر ... وهكذا ستتوالى الفرق الشنآن, ويتسع الخرق على الراقع.
والمذهب الإباضي الذي سيوجد بعد 24 عاما أسس على الحياد والقعود، وتحريم دماء المسلمين على بعضهم البعض.
إن سبب القتل واغتيال علي (رض) الذي ظهر في النصوص السابقة هو الحقد والانتقام, والحقد لم يَبْنِ حضارة, ولا أمة في أي عصر كان, ولا في أي مكان كما ذكر محمد الخضري بك (1956م): « ... وشهوة الانتقام لا يستقيم بها ملك, ولا يكون معها صلاح, وإذا كان الانتقام يقبح بالناس, فهو من الملوك أقبح, وبذهاب ملكهم أسرع ... » (محاضرات ... , ج2, ص: 201) وهؤلاء الثلاثة. ليس لديهم ملك, فكان بذهاب رؤوسهم أسرع.
إن الانتقام و الحقد عند ابن ملجم ظاهر في موقفين: وذلك في قول ابن الأثير في كامله كما ذكرنا آنفا: « .... اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس, وعابوا عمل ولاتهم, ثم ذكروا أهل النهر, فترحموا عليهم, وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا, وقتلنا أئمة الضلالة وأرحنا منهم البلاد ... » (ج3, ص195) فهذا موقف انتقامي سيكون بالشراء, شراء النفس. (12/198)
صفحة 193
والموقف الثاني: انفعالي شهواني وذكر ذلك ابن الأثير في نفس الصفحة: « ... ورأى يوما أصحابا له [في الكوفة]، وكان علي (رض) قد قتل منهم يوم النهر عدة, فتذاكروا قتلى النهر, ولقي معهم امرأة من تميم الرباب اسمها قطام [ابنة الشجنة] وقد قتل أبوها وأخوها يوم النهر وكانت فائقة الجمال فلما رآها أخذت قلبه, فخطبها, فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفي لي (أي تبرئني وتشفيني من غيظي). فقال: ما تريدين؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبدا وقينة, وقتل علي، فقال: أما قتل علي فما أراك ذكرتيه، وأنت تريدينني. قالت: بلى ألتمس غرَّته، فإن أصبته، شفيت نفسك ونفسي، ونفعك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قال: والله ما جاء بي [إلى هذا المصر (أي الكوفة)] إلا قتل علي، فلك ما سألت .... إلخ» (ج3، ص:195).
فالموقف هنا واضح إذ هو مزيج من الحقد، والتعصب والانتقام وشهوة الجنس والبسالة والفتك, والشراء والوفاء بالعهد، وكره علي (رض).
فأصحابه من تيم الرباب، وهو في عداد قبيلة كندة، ومن بني مراد، حمير من أصل يمني وهو من سكان الكوفة، بينما بنو تميم يختلفون عنهم، وهم من قاطني البصرة أصلهم من شمال الجزيرة العربية، وأكثرهم من ساكني البصرة، كما ذكر محمد الخضري بك: « ... وسكنت بنو تميم ببادية البصرة، وأقامت بنو سليم بالقرب من المدينة من وادي القرى .. » (محاضرات تاريخ .. ، ج1، ص:15) والمسافة بين الكوفة والبصرة حوالي (400) كلم، في عهد إمارة علي (رض) الكوفة، رغم أنها كانت مركز الخلافة، إلا أنها مركز الذين يسمون بالخوارج فيما بعد، كما ذكر المبرد في كامله: « .. فلما قتل علي أهل النهروان (09صفر 38هـ) كان بالكوفة زهاء (2000) من الخوارج ممن لم يخرج مع عبد الله بن وهب الراسبي، وقوم ممن استأمن إلى أبي أيوب الأنصاري.» (ج2، ص:105) وذكر محمد الخضري أن عليا لما دخل الكوفة: «لم يدخلوا معه اثنا عشر ألفا وبقوا في حروراء» (ج2, ص:105) , وعليه فإن معظم أهل الكوفة كانوا من شيعة علي, ولكن بعد التحكيم كانوا من المعارضين بل ومن أعدائه الذين خرجوا عليه, وأنكروا بيعته, ومن بينهم تطوع ابن ملجم لقتله بعد أن ضاق بهم الأمر, وذلك واضح في خطب علي (رض) , وخطب الحجاج بعد ذلك, وهم يعنيان في خطبهم أهل الكوفة, فلاحظ ذلك في خطبهم في النقطة الموالية.
3 ـ قتل علي (رض) والجاهلية الجهلاء:
إن فكرة قتل علي (رض) وتنفيذه يتضمن العادات الجاهلية التي لازالت تحكم وتلعب دورها في العهد الإسلامي (12/199)
صفحة 194
نستنبطها من أحداث هذه الواقعة النكراء نجملها في النقاط التالية:
3ـ1ـ التعصب الجاهلي لأهل النهروان (الحروريين) على حق أو باطل: أي التعصب للأفكار والتأويلات المفرقة لجماعة المسلمين، حيث أنهم الفرقة الثالثة، بعد فرقة علي ومعاوية، وقد استحلوا دماء بعضهم البعض وكفروا بعضهم بعضا, بعد التحكيم (15صفر سنة37هـ). فالتحكيم ليس تحكيما للرجال في دين الله, كما فهموا وأوّلوا فهل عدم المبايعة هو دين الله, فالمبايعة أو عدمها هي أمر دنيوي سياسي بالدرجة الأولى، وإنما هو تحكيم في تثبيت صحة وصف دقيق ينبني عليه حكم، كتثبيت القاضي في جريمة ما قبل إصدار الحكم، فمعاوية لم يبايع عليا، بل نازعه وناهضه في الحكم، فعلي (رض) هو إمام وأمير لمن بايعه فقط، ومن لم يبايعه فمن هو إمامه؟ فالإمامة لم تنعقد مع معاوية، فالأمر بقي في صراع وخصومة وحرب، إذن يجب أن ترفع القضية إلى القضاء، وهم المحكمون، وقد قبل المتخاصمان على ذلك، وتراضوا على ذلك كما قال علي (رض) وهو يناظرهم: « .... ثم سألوني التحكيم، أفعلمتم أنه كان منكم أحد أكره لذلك مني؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فهل علمتم أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم عليه، فاشترطت أن حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله عز وجل، فإن خالفاه، فأنا وأنتم من ذلك براء، وأنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني؟ قالوا: اللهم نعم» (الكامل للمبرد، ج2، ص:99).
فكيف يفسر هذا الاعتراف, وذلك التراجع؟ يبدو أنهم ذهبوا ضحية التصور الخاطئ, والتخيل الفارغ, فقد تصوروا في البداية أنهم إذا استسلموا للتحكيم, فإن الحق سيكون بجانبهم عندما يتراضى الحكمان, والخطأ الثاني الذي وقعوا فيه هو تصورهم بأن أبا موسى الأشعري لا يخدع وسيربح القضية مع عمرو بن العاص, وليس في ذهنهم فكرة الخداع في السياسة, وأن القرآن هو الغالب, بينما القرآن اتخذ ذريعة للخداع واغتصاب الحكم وعلي (رض) نفسه قد نبههم لذلك كما في الكامل للمبرد: « ... فكان مما قال لهم: ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم إن هذه مكيدة ووهن, وأنهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لم يأتوني, ثم سألوني التحكيم» (ج2, ص:99) أي لم يقصدوا حكم المصاحف وإنما هي مكيدة فقط وذريعة مؤتمنة. فالمشكلة في الحقيقة منحصرة في أبي موسى الأشعري المخدوع بتنحية صاحبه, وليس في علي (رض) فهو كبش فداء, وكذا اقتنعوا بأنهم على حق, وهم قد شكوا في إمامته لهم, والشاك (12/200)
صفحة 195
لا يجوز له أن يستحل دماء المسلمين, ولا أن يكفرهم إلا بفتوى من إمام عادل, وليس بفتوى من أي شخص كان, وبذلك أصبحوا بدورهم فرقة بغية ارتكبت جريمة العصيان والخروج عن الإمام بعد البيعة الصحيحة, وتعصبهم لأهل النهر فتنة أخرى بين المسلمين.
3 - 2 - التحولات المفاجئة من موقف إلى موقف آخر مضاد له مؤثرات خفية: ويبدوا أنهم مخدوعون فهؤلاء الحرورية, كما قال محمد الخضري: «كانوا بالأمس يرون أن عليا أفضل المسلمين, وأعلمهم وأفقههم في الدين. واليوم يباينونه هذه المباينة [يعادونه أشد العداوة] ويرون أنه ضل في التحكيم, ولم يعد يستحق أن يكون خليفة, وأن كل من تابعه بعيد عن طريق الرشاد» (ج2, ص:71). إن القضية في ذلك الوقت وفي مثل ذلك الموقف في حاجة إلى تروي وتريث ومداولة واستعداد للرضوخ للحق في النهاية, وقد يصف الإنسان موقف الحرورية مع علي بالنفاق, أو النكوص عن قبولهم للتحكيم بدون تفكير لمدة طويلة, وما يراه الإنسان اليوم صوابا قد يراه غدا بعد التفكير خطأ وبالعكس. وقد وقعوا هم في ذلك, حيث أنهم كانوا في البداية مع علي على صواب وباختيار من أرادتهم كما ذكرنا في النقطة الأولى مجادلة علي (رض) معهم، وبعد مدة قصيرة وجدوا أنفسهم على وهم أنهم أخطأوا فتابوا كما ذكروا ذلك. وقد صدق فيهم قول الحجاج بن يوسف الثقفي بعد مدة زمنية من زمانهم في (سنة 75هـ) حيث قال: «يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وأني لصاحبها ... » (محاضرات ... ، ج2، ص:143)، وذكر المبرد في كامله: « ... ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق، ويا أهل النفاق، وسيئي الأخلاق، يا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، إني لأسمع تكبيرا، ما يراد به الله، إنما يراد به الشيطان ... » (ج1، ص:138) كانت هذه الخطبة بعد سماعه تكبيرا منكرا في شوارع الكوفة، فأشفق من الفتنة.
كما خطبهم في وقعة دير الجماجم قرب الكوفة بينه وبين الأشعث (83هـ) وهزم فيها ابن الأشعث، فقال الحجاج: «يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق، إن الشيطان استبطنكم، فخالط اللحم والدم، والغضب والمسامع والأطراف ولأعضاء، والشغاف، ثم أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ثم ارتفع فعشش، ثم باض ففرخ، فحشاكم نفاقا وشقاقا، وملأكم غدرا وخلافا ... إلخ» (ابن أبي الحديد، ج1، ص:344).
3 - 3 - الشراء والتأويل الفاسد واستحلال دم المسلمين المحرم: إن ابن ملجم قد استحل دم علي (رض) ومعاوية, وعمرو بن العاص بتأويل آية (12/201)
صفحة 196
الشراء، مثل قوله تعالى: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاه الله والله رؤوف بالعباد» (207, البقرة)، وقوله: «فليقاتل في سبيل الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة» (74، النساء)، وقوله: «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة» (111، التوبة).
إن للشراء ظروفا وشروطا محددة، فآيات الشراء لم تتحدث عن استحلال دماء المسلمين العدول كعلي (رض) أفضل المسلمين وأعلمهم، وأفقههم في الدين، ولم تتحدث عن شراء النفس بالجنة للانتقام والحقد والضغينة لأفاضل المسلمين، وإنما نزلت للحرب ضد المشركين الكفار. وجهاد الكفار تتقيد بها شروط أساسية وأولية قبل محاربتهم: كالدعوة لله أولا، والغرض من وراء ذلك ابتغاء مرضاة الله، وليس ابتغاء الفتنة بين المسلمين وإيحاءات الشياطين: « ... فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب» (7، آل عمران) في قلوبهم زيغ واشتهاء دماء المسلمين واستحلالها.
قلت الشراء يترتب عليه أولا الدعوة إلى الله دعوة المشركين للدخول في الإسلام ونشر الدين، لقوله (ص): «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (علي عبد الحليم، ركن الجهاد، ص:34)، فإن أبوا يدعون إلى الدخول في حكم المسلمين، ويساسون بشروط محددة، فإن أبوا فعليهم دفع الجزية، فإن امتنعوا تأتي المرحلة الرابعة وهي: جهادهم في سبيل الله، وهؤلاء الكفار هم الذين تنطبق عليهم الآيات السابقات فلا تنطبق على المسلمين الذين عصمت دماؤهم وأموالهم من إخوانهم، ولا تنطبق عليهم المرحلة الرابعة مباشرة، كما فسرها هؤلاء الغلاة، بل الآيات السابقات لا تعني أي أحد من المسلمين.
أما خلاف ما ذكرناه، فهو جهاد في سبيل ابتغاء مرضاة الشياطين المفتنين، فإن ابن ملجم ليس بالشاري في سبيل الله كما ظن وتأول، بل هو ضال مضل مفسد في الأرض بتأويل الجاهلية الجهلاء، وسفك الدماء.
3ـ4ـ مظاهر الغل والحقد: يظهر غل وحقد ابن ملجم الجاهلي في شحذه لسيفه وتسميمه، وتسميم سيف صاحبيه ويبدو ذلك في قوله لأم كلثوم ابنة علي (رض): «لقد اشتريت سيفي ـ كما ذكره ابن مبرد في كامله ـ بألف درهم، وما زلت أعرضه فيما يعيبه أحد إلا أصلحت ذلك العيب (شحذه أربعين صباحا)، ولقد أسقيته السم حتى لفظه (أربعين (12/202)
صفحة 197
صباحا)، ولقد ضربته (أي علي) لو قسمت على من بالمشرق لأتت عليهم» (ج2، ص:107) إنها لجاهلية ما وراءها جاهلية حاقدة.
3ـ5ـ المواثقة والمعاهدة في الحطيم: الحطيم في القاموس: حجر الكعبة، أو جداره، أو ما بين الركن وزمزم والمقام .... حيث يتحطم الناس للدعاء, وكانت الجاهلية تتحالف هناك» (ص, 1905)
قال ابن كثير, فتعاهدوا, وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله, أو يموت دونه. فأخذوا أسيافهم فسموها» (ج8, ص:82) , وفي رواية تعاهدوا في الحطيم. بناء على قول ابن ملجم نفسه عن ابن الأثير في كامله: « ... إني والله أعطيت الله عهدا أن لا أعاهد عهدا إلى وفيت به, وإني عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا, ومعاوية, أو أموت دونهما ... » (ج3, ص:197) وكذا الرواية في (البداية والنهاية لابن كثير, ج8, ص:87) إذا كانت الرواية صحيحة, يكون في عقل المتآمرين بقية من عادات الجاهلية التي هي ليست من الإسلام في شيء - حسب علمنا - وزاد بعضهم, وتواثقوا بالله» ولنفترض أنهم تواثقوا بالله, فالهدف كله شر في شر لارتكاب جريمة قتل المسلمين دمائهم عليهم حرام بالنص الشرعي.
3 - 6 - جزاء الإحسان بالشر: مقابلة إحسان علي (رض) لابن ملجم بالإساءة إليه، وشر الشرور (القتل)، حيث أن ابن ملجم الحميري الأصل, والمصري إقامته يبدو أنه شر خلق الله كما وصفه علي (رض) بدءا من البيت السابق ذكره:
أريد حياته ويريد قتلي
عذيرك من خليلك من مراد
وقد قيل في أمثاله في الغدر:
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
وانتهاء بما وصفه علي (رض) بعد جريمة قتل لما أحضر ابن ملجم مكتوفا أمامه, كما ذكر ابن الأثير في كامله: «قال علي أحضروا الرجل عندي, فأدخل عليه [وهو مكتوف] ,فقال: أي عدو الله, ألم أحسن إليك؟ قال: بلى. قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا [هنا المراوغة كالثعلب لم يجب صراحة] , وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. فقال علي: لا أراك إلا مقتولا به, ولا أراك إلا من شر خلق الله ... إلخ» (ج3,:196)
النص غير منسجم منطقيا في إجابة ابن ملجم لعلي رغم موافقته على أن عليا قد أحسن إليه, إذ إن علي (رض) سأله عن الأسباب التي حملته على القتل, ولكن إجابته كان فيها تصريف، فقال: شحذته أربعين، وهي إجابة غير مناسبة، وغير مباشرة، ويعني ذلك أنه: لقد فعلت ما فعلت وقتلت من قتلت من أهل النهر ـ أبو وأخو الزوجة قطام ـ وعشرة ممن يعرفهم، (12/203)
صفحة 198
وغيرهم في الوقائع الأخرى، ذلك مما أثار حقدي عليك، وانتقامي منك إلى درجة أنني شحذت سيفي أربعين، وسممته أربعين صباحا حتى لفظه ... إلخ» ولم يجد إحسانك نفعا أمام حقدي والعزم بأخذ الثأر، هذا هو منطقه الغادر.
يبقى مسألة الإحسان الذي قدمه علي (رض) لابن ملجم، فإنه لم يذكره المؤرخون، ولم تكن هناك إشارة واضحة في النصوص، فربما تكون تلك الأعطيات التي يقدمها له، وربما أخطأ ابن ملجم فعفا وصفح عنه؟ وربما جعله قائدا من قواده في بعض المعارك لفتكه وبطشه؟ وربما جعله عاملا من عماله في مركز مرموق في مصر حينما ذهب مع عمرو بن العاص إلى مصر، ولمكوثه في مصر لمدة طويلة حوالي 23 سنة سمي بالمصري، وربما لأشياء أخرى، وإحسان علي (رض) وأفضاله كثيرة وشائعة لا حدود لها، والله أعلم.
3ـ7ـ التصورات الفاسدة واعتبار ابن ملجم أن عليا (رض) شر خلق الله في تصوره الفاسد:
صدق المتنبي حين قال:
ومن يك ذاق من مر مرض
يجد مرًّا به الماء الزلالا
إن موازين تقدير مكانة الناس العلمية والاجتماعية تختلف باختلاف نوعية تفكيرهم وعقلياتهم، يتساءل المرء تجاه عقلية ابن ملجم وتصوره لشخصية الإمام علي (رض)؟ فمن هو ذاك الشخص؟ ومن يظن نفسه؟ وما هي موازينه، واعتباراته وتبريراته لورود فكرة قتل علي (رض)؟ ولماذا رأى أن عليا شر خلق الله ـ حسب رأيه ـ؟ وكيف يرى من هو دونه؟ هل هو أفضل من علي (رض)؟ وقد قال ابن ملجم لعلي جوابا على سؤاله كما أورد كثير: «فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا, وسألت الله أن يقتل به شر خلقه [فأجابه علي بما هو منا سب له]، فقال له علي: لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلقه» (البداية والنهاية، ج8، ص:83).
إن ابن ملجم من المحتمل أنه قد تصور تلك المعارك التي خاضها علي (رض) مع معارضيه, ومتهميه بالباطل سواء في وقعة الجمل أو صفين, أو النهروان, أو في مواجهة الغارات التي شنها معاوية على العراق، هي منبع الشر حيث أكلت من النفوس ما لا يحصى!.
فعلى حسب الروايات التاريخية للأحداث والمعارك, فإن جميعها تقريبا كانت مسلطة على علي, ولم يكن المتسبب فيها هو, بل كانت صادرة من معاوية المناوي له في الحكم, فموقفه منها هو الدفاع وليس الهجوم. فكيف يصبح هو شر خلق الله؟!. قد يكون ذلك هو السبب والدافع لأن يحكم بذلك الحكم السلبي عليه, أو يكون هناك أسباب أخرى (12/204)
صفحة 199
قد غمرها التاريخ فأحياها ابن ملجم وجعلها في اعتباره وتبريراته للقتل!.
في البداية نحكم ونقول حسب الظاهر: أن عين السخط تبدي المساوئ, وأنه فاسد التفكير والعقل وسيء التصور والتقدير، فلو تطوع ـ نقولها بتحفظ ـ لقتل مثلا عمرو بن العاص أو معاوية لكانت الكارثة أهون، وإن كنا نحن ضد الاغتيالات، ولا تحل أية مشكلة، ولماذا لم يفكر في المخططين الذين أشاروا أو ضغطوا على علي (رض) لقتال أهل حروراء كالسبئيين أو غيرهم من المنافقين الأشرار والمفسدين في الأرض، وقد روى محمد الخضري بك (1956) في محاضراته، فقال: « ... وإن من الخطأ العظيم أن يستعين علي بمثل هذه الفرقة السبئية، ويجعلها مأوى إلى جنده في الوقت الذي يطالب الناس فيه من كل جهة بالقصاص من قتلة عثمان، فإنهم بالضرورة لا يحسن في نظرهم أن يتفق على ذلك الناس لأن الاتفاق إنما يقع على رؤوسهم .... » (ج2، ص:59). وقد عارض الناس عليا مسيره إلى الشام لمحاربة معاوية فوجهوه للبداية بالحروريين لقتالهم، ثم التوجه بعد ذلك لمعاوية؛ فمن هؤلاء الناس يا ترى؟ وما هي مصلحتهم في ذلك؟ أليسوا هم المدسوسين في جيش علي (رض)؟
وقد ذكر ذلك محمد الخضري بك في المحاضرات، فقال: « .... بلغه أن الناس يقولون لو سار بنا إلى هذه الحرورية، فبدأنا بهم، فإذا فرغ منهم توجهنا إلى الشام، فقام فيهم خطيبا، وبين لهم أن قتال أهل الشام أهم .... إلى أن قال: قال الناس يا أمير المؤمنين علام ندع هؤلاء الناس [الحرورية] وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا، سر بنا إلى القوم، فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام، فلم يجد بدا في موافقتهم .... إلخ» (ج2، ص:74)، وقع كل ذلك في حروراء قرب الكوفة، مع الكوفيين بعيدا عن البصرة والبصريين، وقد غالطوه كثيرا حيث أن الحروريين انفصلوا عن علي لأنه لم يستمر في قتال معاوية، ولو فاوضوهم في رغبة علي لكانوا ـ في تصورنا ـ هم الأوائل في المسير إلى الشام، ولبرهنوا بذلك أنه فعلا هو أمير المؤمنين الذين بايعوه من قبل، ولم يزل على ذلك.
أفلا يستطيع ابن ملجم أن يفرق بين هؤلاء وأولئك؟ ويميز بين العدو وشر الناس وبين الصديق الطيب؟ وبين الظالم والمظلوم؟ أليست القضية هي قضية إقامة الدين، وليس قضية شخصية وأنانية وتعصب؟ وهل من الحكمة أن نطفئ الفتنة أو النار بصب البنزين عليها؟.
4 ـ إطفاء الفتنة النازلة بالعدل والحكمة وبعد نظر إسلامي:
نادرا ما نصادف في التاريخ أمثال (12/205)
صفحة 200
هؤلاء الحكماء والعدول، والأمراء البعيدي النظر، لا تغرهم الرئاسة ولا تعرفهم إلى مصاف الألوهية: «أنا ربكم الأعلى»، ويضعون الدواء المناسب في مواضع الداء بالضبط وفي الوقت المناسب بعيدا عن الجاهلية والعصبية والعاطفة، وقد واجه علي المؤامرة بالمنطق والعدل الإسلامي، فتأمل حكمة أمير المؤمنين في لحظات الموت العصيبة، وتفكيره الرصين حسب ما أورد ابن كثير في البداية والنهاية وما أورد غيره في مراجعهم: بعد ضربه ابن ملجم بالسيف المسموم في قرنه (جبهته) فقال: « ... ونادى علي (رض) عليكم به، وهرب وردان، فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومسك ابن ملجم، ... وحمل علي إلى منزله، وحمل إليه ابن ملجم، فأوقف بين يديه وهو مكتوف قبحه الله، فقال له: أي عدو الله! ألم أحسن إليك؟ قال: بلى، ... ثم قال علي: إن مت فاقتلوه، وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به».
وفي رواية: «لما ضرب ابن ملجم عليا قال لهم: افعلوا به كما أراد رسول الله (ص) أن يفعل برجل يريد قتله، فقال: اقتلوه، ثم حرقوه» (ج8، ص:83). وفي الحديث أمر بالمثلة (حرقوه)، وذلك مناقض لما نهى عنه الرسول نفسه ـ كما سيأتي.
ذكر ابن الأثير في كامله: « .... بعد أن ضرب علي، فقال: أحضروا الرجل عندي، فأدخل عليه .... ثم قال: النفس بالنفس إن هلكت، فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قد قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلي، انظر يا حسن: إن أنا مت من ضربتي هذه، فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثلن بالرجل فإني سمعت رسول الله يقول: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور» هذا كله وابن ملجم مكتوف» (ج3، ص:196). لاحظ التناقض بين هذا الحديث: النهي عن المثلة، والأمر في الحديث السابق: «حرقوه»!.
فلو كان بدله (أي علي) أميرا آخرا في ذلك الموقف، لأوصى بالتنكيل به وبتعذيبه بألوان من العذاب قبل أن يموت وقد ورد في بعض الروايات أن أشياع علي (رض) قد مثلوا بابن ملجم أيما تمثيل، حيث أن من المعتاد أن بعض الرؤساء والملوك، إذا حدث لهم مثل ذلك الحادث ينتقمون شر انتقام بقتل المئات، ويهدمون مصرا ليبنوا قصرا، ويحرقون ما يحرقون كما حرق نيرون (37 ـ 68 م) روما.
إن بيضة الأمة الإسلامية لا تحفظ إلا بمثل تلك الوصايا العملية العادلة في القضايا النازلة، فبالنفس بالنفس تموت الفتن المفتعلة، وبضربة بضربة يشفى غليل الأخذ بالثأر، وإن من أشد البلاء في (12/206)
صفحة 201
الدنيا والآخرة الخوض في دماء المسلمين، واستحلال دماء بعضهم البعض من غير قضاء عادل، وأمير حكيم، ومن غير فتوى إسلامية بأدلة شرعية لا اشتباه فيها. وأن عبد الله بن إباض والإباضية من بعده لم يؤسس مذهبه إلا على تحريم دماء المسلمين على بعضهم البعض.
فإن ابن ملجم قد نفذ حكمه وقضاءه من غير استشارة خيرة قومه وسراة أمته، فأصبحت تعيش في حيص بيص.
إن ابن ملجم أساء في تقديره لمكانة علي في الإسلام، وعزته وبسالته. وعلي نفسه قد توقع حقده وكرهه له. فقال مرة: ما يحبس أشقاها!. لجريمة نكراء «إذا انبعث أشقاها».
ويكفي شرفا ورفعة لعلي بين الصحابة رضوان الله عليهم أن الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يستشيرونه في الأحكام، ويرجعون إلى رأيه إذا خالفهم في بعض الأحيان، وأكثر من عرف عنه ذلك عمر بن الخطاب، وذلك لما يمتاز به من الفقه والاستنباط، والشجاعة وسداد الرأي، والتوقع الصحيح واستشفاف المستقبل.
وقد أورد محمد رضا (2005م) في مؤلفه الإمام علي (رض): «قال فيه النبي (ص): يختصم الناس بسبع ولا يحاجك أحد من قريش، أنت أولهم إيمانا بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية» (ص:21).
ومن أصدق ما قيل فيه ما ذكره محمد الخضري بك (1956) عن شارح نهج البلاغة محمد عبده، ونحن نقتطف أهمه فقال: « .... كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة، وأولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب، ويبصرهم مواقع الارتياب، ويحذرهم مزالق الاضطراب، ويرشدهم إلى دقائق السياسة، ويهديهم طريق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصات الرياسة، ويصعدهم شرف التدبير، ويشرف بهم على حسن المصير» (ج2، ص:82).
فلو كان تفكير رؤساء المسلمين وأمرائهم كتفكير علي (رض)، ولو كان بعد نظرهم الديني والإسلامي والسياسي كبعد نظره وتفكيره لكانت الأمة الإسلامية تعيش في ألف خير، ولما وقع أي اضطراب بينهم، كما قال الشيخ محمد عبده: ويحذرونهم مزالق الاضطراب، ويرشدونهم إلى دقائق السياسة ... ويصعدونهم إلى شرف التدبير، ويهدونهم طريق الكياسة، ويرفعونهم إلى منصات الرياسة، ويشرفون بهم على حسن المصير، ويستشفونهم دقائق المستقبل في ذلك الحين تستقيم أمور الأمة. وإن المذهب الإباضي يتضمن في مبادئه هذه الأفكار النبيلة. (12/207)
صفحة 202
فالمسؤولون لم يضعوا أنفسهم موضع القدوة في الرئاسة كالنبي (ص) وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم, بل وضعوا أنفسهم موضع العبدان والخدم للسمع والطاعة للأقوى والأغنى. أما مصالح الشعوب لتفنى ولتذهب في مهب الرياح, هم أمراء ومأمورون من الخارج، وليسوا أمراء على الداخل والرعية، فهل من شخصية أو بعض شخصية ممن ذكرنا من أهل القدوة وأمثالهم؟.
5 ـ المهر يسفك الدماء المحرمة قمة في الجاهلية النكراء
أورد ابن الأثير في كامله كما يلي: « .... ورأى يوما (أي ابن ملجم) أصحابا له من تيم الرباب، وكان علي (رض) قد قتل منهم يوم النهر عدة، فتذاكروا قتلى النهر، ولقي معهم امرأة من تيم الرباب، اسمها قطام [ابنة الشجنة]، وقد قتل أبوها وأخوها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال، فلما رآها أخذت قلبه، فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفي لي، فقال: وما تريدين؟ قالت: ثلاثة آلاف، وعبدا وقينة، وقتل علي، فقال: أما قتل علي فما أراك ذكرتيه وأنت تريدينني، قالت: بلى، ألتمس غرته، فإن أجبته شفيت نفسك ونفسي، ونفعك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قال: والله ما جاء بي [إلى هذا المصر ـ الكوفة] إلا قتل علي، فلك ما سألت، قالت: سأطلب لك من يشد ظهرك، ويساعدك، وبعثت إلى رجل من قومها اسمه وردان، وكلمته، فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع اسمه شبيب بن بجرة الأشجعي الحروري, فقال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟، فقال: وما ذاك؟، قال: قتل علي، فقال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا إدا، كيف تقدر عليه؟ قال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة (الصبح) شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا، فما عند الله خير من الدنيا، فقال: ويحك لو كان غير علي كان أهون، قد عرفت سابقته، وفضله، وبلاءه في الإسلام، وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلمه قتل أهل النهر العباد الصالحين، قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من أصحابنا، فأجابه [إلى ذلك بعد لأي]» (ج3، ص:195).
في البداية يتساءل المسلم العاقل: هل يجوز للمسلم الحقيقي أن يطلب بلوغ أمر حلال، بارتكاب أمر حرام بصورة قطعية؟ وهل يجوز للمسلم أن يطلب قتل نفس مؤمنة من غير قصاص معين مهرا لزواج شرعي؟ بناء على قاعدة شرع من قبلنا شرع لنا نسوق هذه الآيات، في نبأ ابني آدم في قتل قابيل أخيه هابيل، نموذجا لحرمة ذلك بنص شرعي لقوله (12/208)
صفحة 203
تعالى: { .... واتل عليهم نبأ ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين - لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين - إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين -} (27 ـ 29، التوبة).
يتصف القاتل بأربع صفات قبل القتل وبعده: عدم تقوى الله، لا يخاف الله في سفك الدماء، وأنه آثم مجرم ظالم، الخسران وجزاؤه النار حتما، إ_ن لم يتب ويرجع، وذلك بنص قرآني قطعي.
وبمعنى آخر فإن القاتل للمسلمين ليس بمسلم وقد انعدمت منه صفة الإيمان، ولا يؤمن بالله واليوم والآخر وجزائه، فهو الظالم المعتدي والفاسد في الأرض.
والقتل ظلما قد يكون دافعه الحقد والحسد، أو الانفعال العاطفي العدواني أو الشهوة والطغيان والقوة وحب السلطة والسيطرة، أو الاغتصاب والسرقة، وغير ذلك من أسباب الجريمة المحرمة.
وعليه فالقتل المحرم من أجل الوصول إلى ما هو حلال هو حرام قطعا، وفاعله ظالم وآثم ومجرم جزاؤه النار بالنص القرآني، فهل يجوز للمسلم أن يسرق قميصا ليصلي به مثلا؟ وهل يجوز له أن يشرب الخمر ليصلي بخشوع وليصوم، أو يطوف بالكعبة؟ وهل يجوز له أن يغتصب أرضا ليبني عليها مسجدا للصلاة ... إلخ، وغير ذلك، فما أسس على أصل حرام فهو حرام قطعا.
وقد يظن ظان أنه وقع ما يشبه ذلك في التاريخ في قصة داوود عليه السلام، كما في قوله تعالى: {إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب - قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه .... -} (23 ـ 24، ص)، وقد نسجت حوله حكاية كأنه مولّه بامرأة أوريا قائد جيشه فبعثه للحرب لكي يقتل حتما فيتزوج بامرأته المولع بها، كأنه ارتكب القتل المتعمد ليتزوجها شرعا، وهي حكاية غير لائقة بمقام النبي داوود عليه السلام، فلم يرسل أوريا للحرب، ولم يقتل ولم يتزوج، ونورد هنا ما هو منطقي حسب النص القرآني كما أورد ذلك القرطبي (ت:671هـ) في الجامع لأحكام القرآن، فقال: « ... قد جاءت أخبار وقصص في أمر داوود عليه السلام، وأوريا، وأكثرها لا يصح، ولا يتصل بإسناد، ولا ينبغي أن يجتري أحد على مثلها إلا بعد المعرفة بصحتها، وأصح ما روي في ذلك ما رواه مسروق بن عبد الله بن مسعود قال: «ما زاد داوود عليه السلام أن قال: «أكفلنيها» أي انزل (12/209)
صفحة 204
لي عنها .... قال أبو جعفر: فهذا أجل ما روي في هذا، والمعنى عليه أن داوود عليه السلام سأل أوريا أن يطلق امرأته، كما يسأل الرجل الرجل أن يبيعه جاريته، فنبهه الله على ذلك، وعاتبه لما كان نبيا، وكان له تسع وتسعون [امرأة]، أنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا بالتزود منها، أما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه» .... «وأنكر ابن العربي أن يكون داوود عليه السلام يريق دم أوريا لغرض في نفسه» (ج8، ص:286).
وبناء على ذلك فإن ابن ملجم وقطام بزواجهما كانوا على سفاح جاهلي بشرطهما على الزواج يكون بسفك دم علي (رض) وكانا على خطأ، إذ تآمرا وتواطآ على جريمة تنتمي إلى الجاهلية النكراء، واتخذا طريقا لما ظنا أنه حلال لم يفت به الشرع الإسلامي سواء لارتكاب الجريمة، أو كيفية اشتراط الزواج، فمن أين لهم بتلك الفتوى، وهما غير مؤهلين للإفتاء؟.
خلاصة واستخلاص العبر:
وخلاصة القول فإننا نؤكد أن هذه الدراسة، قد كشفت لنا بعض المعميات المثيرة للجدل بعد تحليلها، ويتصور السفاكون للدماء أن القتل بصورة عامة وبحكم غير شرعي هو العلاج الأمثل والشافي لحل المشاكل السياسية والاجتماعية ... بينما في الحقيقة هو عجز أمثل في التفكير البدائي الهمجي لتعقيد الأمور، مهما كانت دوافعه وفي وصف حادثة قتل علي (رض) والمؤامرة عليه نموذج ذلك.
وبتحليلها نجد أن الحقد والضغينة والانتقام الوحشي هو بذور الشر والبلايا والمصائب, وأن إصدار الأحكام الفردية من غير مرجعية، ولا سند قانوني أو شرعي، هو تعصب وجاهلية جهلاء، كما وأن الخذلان في المواقف الجادة يثير الشحناء والاقتتال السجال بدون توقع في إنهائه أو التحكم فيه، وقد تؤججه نار التأويلات لاستحلال دماء المسلمين وأموالهم ... كما وأن القتل وتخطيطاته يتضمن كثيرا من المنطلقات الفاسدة في الأذهان ليولد نهايات مأساوية، ويصعب إطفاء فتنة الاقتتال أو القتل بالحكمة البالغة ومراعاة المصالح العليا للأمة المحمدية جمعاء: كحكمة سيدنا علي (رض) في موقفه الحرج الفريد من نوعه، فهل من معتبر؟.
وفي نهاية الأمر نقول أن ابن ملجم وصاحبيه الشراة ـ في زعمهم ـ قد قاموا بجريمتهم بمفردهم، ولوحدهم وبفتواهم الباطلة المفتنة، فليتحملوا مسؤولياتهم، وقد لاقوا جزاءهم فقتلوا جميعا، وقد ذهبوا إلى ربهم وبقي عار الجريمة مؤرخا وعالقا في أعناقهم، ولم تتلطخ أيدي (12/210)
صفحة 205
الحروريين الباقين منهم بتلك الجريمة الغادرة لإمامة علي (رض)، وقد أخفى هؤلاء المجرمون مخططاتهم المجرمة على الجميع، ولو علموا بذلك مسبقا لأنكروها وعارضوها، ولا نظن أنه يرضى بها أي مسلم عاقل.
وبالتأكيد فإن الذين قُتلوا في النهر لو أنهم كانوا على قيد الحياة لما استحلوا دم علي (رض) انتقاما على من قتل في صفين، أو في وقعة الجمل، لأن حكمه حكم إمام وقائد عسكري مسلم، ولا أدل على ذلك ما استنكره شبيب بن بجرة الحروري في بداية الأمر، لما اقترح ابن ملجم عليه مؤامرته، وخطته، ولم يوافقه إلا بعد لأي شديد، هذا واحد منهم، فكيف بالناجين الآخرين بعد معركة النهر (وقد سموهم المؤرخون والفقهاء بعد ذلك بالخوارج)؟ قلت لم يشتركوا في تلك الجريمة جميعا، ولم يستشاروا فيها، وليس لهم علم بها، ولو علموا بالتخطيط لجريمة القتل لأفسدوا الخطة في نظرنا.
والاستخلاص الآخر نثبته هنا بمنطقه الواقعي، أن قضية قتل علي (رض) يكون من الخطأ التاريخي المفتن للأمة الإسلامية أن نتهم أناسا آخرين بقتله، أو فرقة إسلامية ومهما كانت في أي زمان أو مكان، لأن في ذلك تفتين وتفريق للأمة الإسلامية، وإذا قلنا بذلك نكون قد خالفنا أفكار وحكمة علي (رض) نفسه في اللحظات الحرجة في حياته، وهي لحظات المرض والموت والقتل غدرا، حيث حكم بفكر مبصر، وبقلب عظيم الإيمان، كما ذكر ابن الأثير: « .... ثم قال: النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت في رأيي، يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون قد قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلي، انظر يا حسن: إن أنا مت من ضربتي هذه، فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثلن بالرجل: فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور»، هذا كله وابن ملجم مكتوف» (ج3، ص:196).
ولم يذكر علي (رض) طائفة الحروريين، ولم يتهم الخوارج الذين لم يخرجوا وينشقوا بعد، ولم يفكر أو يذكر الإباضية الذين لم يتميزوا أو يخلقوا في ذلك الزمن وسيوجدون بعد مرور 24سنة من قتل علي (رض)، لم يذكر لا أهل البصرة، ولا أهل الكوفة، بل حذر من العصبية والقبلية والجاهلية (يابني عبد المطلب) وحذر غيرهم من الخوض في دماء المسلمين: ألا لا يقتلن إلا قاتلي، والنفس بالنفس، وضربة بضربة، ولم يقل ضربة بحرب، أو انتقام، أو بالمثلة والتشهير والكذب، كما يفتن (12/211)
صفحة 206
بعض المفتنين من الكتاب والمؤرخين، عبر التاريخ إلى يومنا هذا.
إذا من الخطأ التاريخي أ ن نعمم هذه الجريمة البشعة على كل من لم يشارك فيها في الظاهر أو في السر، في ذلك الزمن أو المستقبل «لا تزر وازرة وزر أخرى» لا في الدنيا ولا في الآخرة، والمفتنون في التاريخ والسياسة يحاولون بفشل ذريع إقحام المذهب الإباضي ـ وهو لم يخلق بعد ـ في هذه الفتن المضلة التي لا ناقة له فيها ولا جمل. والله أعلم. (12/212)
صفحة 207
أثر المذهب الموحدي
في الحضارة الإسلامية بالمغرب الإسلامي
الدكتور: خميسي ساعد
قسم الفلسفة ــــ جامعة منتوري ــــ قسنطينة
م
مقدمة:
إن المستقرئ للتاريخ الإسلامي تستوقفه ملاحظة مفادها أن كل الدول أوالدويلات التي قامت خلال العصور الوسطى في الحضارة الإسلامية سواء في مراحل تقدمها وازدهارها أوفي مراحل ضعفها واضمحلالها قد قامت بدعوى مذهبية معينة لتطرحها كبديل على ما هو قائم مع العمل على تقديم الحجج الكفيلة بنقد ودحض النظام القائم من خلال الكشف عن معايب مذهبه العقدي والفقهي وتبيان مستويات انحرافه عن الأصل، ومن هنا كل دولة تقوم تدعي أنها المعنية بحديث الفرقة الناجية، وأن النظام المراد تغييره قد كفر أوحاد عن الأصلين: الكتاب والسنة.
والدولة الموحدية لا تستثنى من هذه القاعدة، بل تشكل مثالا حيا للدولة التي قامت على أساس مذهبي عقدي حاول التوحيد بين مختلف المذاهب ليستوعب التيارات الدينية ومن ثم السياسية السائدة، من جهة، وليجعل من دولته اسما على مسمى، من جهة أخرى، مع أن التوحيد المقصود أولا هو: أصل العقيدة الإسلامية الأول وجوهرها.
لهذا تأتي هذه الدراسة محاولة تغطية فترة زمنية تتجاوز القرن، وتشمل على العموم كل القرن السادس الهجري والنصف الأول من القرن الذي يليه بالمغرب العربي، مركزا على دراسة التيارات السياسية والدينية والفكرية في بلاد المغرب في العهد الموحدي، محاولا ضبط التداخل بين السياسي والفكري، وبين السياسي والمذهب الديني (العقدي والفقهي) لأن لكل نظام مذهب ينطلق منه ومفكرين يدعمونه، وفي المقابل مذاهب أخرى ومفكرين آخرين يعارضون النظام القائم بمذهبه. والدولة الموحدية على اختلاف مراحلها وتوجهات خلافائها وأمرائهم في مختلف الولايات وصراعاتهم الفكرية ذات الخلفيات السياسية والعكس صحيح أيضا أي صراعات سياسية لها خلفيات وكذا أبعاد سياسية، لا (13/213)
صفحة 208
تستثنى من هذه القاعدة، إذ يمكن الحديث عن ملامح عامة سياسية، فكرية، وبالأساس دينية مذهبية تميز النظام الموحدي وتجعله متفردا، كما يمكن الحديث أيضا عن أنظمة موحدية اختلفت وتعاقبت بتعاقب خلفائها منذ عهد محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن تومرت إلى زوال عهد عبد الواحد الرشيد بن إدريس 630/ 1232، وفي كل هذه الفترة تفاعلت وتصارعت تيارات سياسية ومذهبية مختلفة تغذيها النواحي المذهبية حينا والمطامح السياسية السلطوية أحيانا أخرى جسدتها محاباة للبعض ومحاكمات ومحن للبعض الآخر، وقد يجتمع الأمران معا كما هو الحال لأبي الوليد بن رشد.
التعريف بصاحب المذهب الموحدي وتأسيسه لدولة الموحدين:
1 ـــ مولده ونسبه: (474 ــ 1080/ 524 ــ 1130)
ولد ابن تومرت حوالي سنة 474هـ (1) في " إيجلي ان دارغن" قد تكون "جيلّز الحالية" (2) الواقعة جنوب المغرب الأقصى، وهو من "قبيلة "هرغة"، من قوم يعرفون بـ:"إسريغنن" "وهم الشرفاء بلسان المصامدة " (3) وللشرفاء معنى يتصل بما زعمه ابن تومرت من امتداد نسبه إلى: "علي بن أبي طالب"ويؤكده بعض المؤرخين ذلك مثل:"عبد الواحد المراكشي" القائل:"ولمحمد بن تومرت نسبة متصلة بالحسن بن علي بن أبي طالب ... " (4) ومثل ابن القطان الذي يذكر نسب ابن تومرت بقوله:" هو محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن سفيان بن صفوان بن جابر بن عطاء بن رباح بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه." (5)
عرف بعدة ألقاب منها: "عبد الله" و"ابن تومرت" و"الشيخ" و"أمغار". أما عن
__________
(1) -عبد المجيد النجار: فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1992.
(2) -ألفرد بل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، دار ليبيا للنشر والتوزيع، بنغازي، ليبيا، 1969، ص.251.
(3) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تقديم وتحقيق: محمد زينهم ومحمد عزب، دار الفرحاني للنشر والتوزيع، القاهرة، 1994، ص.155.
(4) -المصدر نفسه، ص.155.
(5) -ابن القطان المراكشي: نظم الجُمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان، تقديم وتحقيق: محمود علي مكي، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1990. ص.87 (13/214)
صفحة 209
لقب ابن تومرت فيذكر ابن القطان أنه كلمة بربرية تعني ضربا من الأكيسة الجلدية (1)، وقد لقبته أخته بهذا اللقب، بينما لقبه أبوه بـ:" أمغار" وتعني هذه الكلمة: "الزعيم أو الرئيس." (2)
2 - بيئة ابن تومرت العلمية، الثقافية والسياسية
لم يمر على تاريخ مولد ابن تومرت عامين حتى اكتملت أركان الدولة المرابطية بزعامة "يوسف بن تاشفين" الذي بالرغم مما قيل على تشجيعه للعلم والجدل وللفلسفة وحرية الفكر في بادئ أمره، إلاّ أنه طبع حكمه بلون مذهبي فقهي محدّد وركّز بذلك على جانب من العلم الديني وعلى رجالاته الذين قرّبهم منه وشاركهم سلطانه.
ولقد بلغ هذا الاعتناء بالفقهاء حدّا مغاليا فيه في عهد:"علي بن يوسف بن تاشفين إلى درجة أنهم أصبحوا مرجعا لا غنى عنه، حلّ محل مصادر التشريع، فأهمل القرآن، وسُدّ كل باب للإجتهاد، فلا فتوى ولا رأي إلاّ من قِبل فقهاء السلطان أومن طرف سلطان الفقهاء، لما كان لهم من نفوذ على الحاكم، يقول صاحب "المعجب" عن "علي بن يوسف بن تاشفين" وعن احتوائه من الفقهاء: " واشتد إيثاره لأهل الفقه، وكان لا يقطع أمرا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، فكان إذا ولّى أحدا من قضاته كان فيما يعهد إليه ألاّ يقطع أمرا ولا يبتّ حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلاّ بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس." (3)
ولماّ تولّى الفقهاء شؤون الحكم بدلا من الحاكم، وتحولوا من مستشارين إلى حكّامٍ بالفعل أصبحوا قبلة الناس جميعا والمتصرفين في شؤونهم الدينية والدنيوية فتجاوزوا بذلك المسؤوليات الفقهية المنوطة بهم إلى ما لا شأن ولا دراية لهم به من فنون السياسة وسلبتهم الدنيا فانحرفوا عن الجادّة ولم يمسوا معلمين ولا علماء حتّى وصفهم "المراكشي" بقوله: " ولم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين على راجعة إليهم، وأحكامهم صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم، طول مدته، فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا، وانصرفت وجوه الناس إليهم فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم ... " (4)
__________
(1) -المصدر نفسه، ص.88.
(2) -ألفرد بل: المرجع السابق، ص.251.
(3) -عبد الواحد المراكشي: المصدر السابق، ص.150.
(4) -المصدر السابق، ص.150. (13/215)
صفحة 210
هذا، مع الإشارة إلى أن فقهاء المرابطين على مذهب "الإمام مالك"، وهم المقربون من السلطان - كما سبق الإشارة إلى ذلك - بل، والموجودون على الساحة المغاربية المرابطية دون سواهم من المذاهب، وعملهم كان أن لا بديل عن مذهب "الإمام مالك" وبدون تجديد ولا تأويل، كما أن لا بديل ولا إضافة ولا اشتغال بعلم غير " الفقه" أو"علم الفروع"، وكان نتيجة ذلك أن أهمل حتّى الأصول التي بنى "مالك" عليها مذهبه الفقهي. فـ"لم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلاّ من علم الفروع، أعني فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتّى نُسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" (1)
إذن، ساد فرع واحد من فروع العلم والمعرفة وهو: الفقه (المسمى بعلم الفروع)، ومعنى هذا أن التفسير وعلوم القرآن وعلوم الحديث والتصوف وغير ذلك من العلوم الدينية قد أهملت، وإذا كان البحث في الأصول وفي العلوم الدينية قد أهمل، فإن العلوم المتعلقة بها وبالنظر كعلم الكلام والفلسفة حُرِّمت وكُفِّر المشتغلون بها.
وما يؤكد هذا هواقتناع فقهاء الأمير بمنع الخوض في علم الكلام لاستحداثه في الدين، ولقد تشدّد في ذلك إلى درجة أن توعّد المشتغلين به، ولقد قال المراكشي في هذا الصدد:"فلم يكن أحد من مشاهير ذلك الزمن يعتني بهما -[أي بالكتاب والسنة]-كل الاعتناء، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام - وقرّر الفقهاء عند أمير المؤمنين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدّى أكثره إلى اختلال في العقائد – في أشباه لهذه الأقوال حتّى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله. فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه. وتوعّد من وُجِد عنده شيء من كتبه." (2)
وبهذا كله، كان العلم والتعليم في هذا العهد مقتصرا على حفظ القرآن وموطأ مالك بدون إعمال للعقل، لا بتأويل ولا تفسير ولا حتى شرح، مع شيء من اللغة والحساب بغية معرفة أوقات العبادات وحساب المواريث.
__________
(1) -المصدر نفسه، ص.151
(2) -المصدر نفسه، ص.251 (13/216)
صفحة 211
ولقد بلغ الحد بالأمير في تجسيد وعيده وتحريمه الخوض في علم الكلام وسائر العلوم الدينية بما في ذلك التصوف إلى الأمر بحرق كتاب "إحياء علوم الدين " للغزالي بفتوى فقهائه، وكان ذلك سنة 503هـ كما يؤرخ ذلك "ابن القطان" بقوله: " في أول عام ثلاثة وخمسمائة عزم علي بن يوسف - عن إجماع قاضي قرطبة [أبي عبد الله بن محمد بن] علي بن حمدين وفقهائها – على إحراق كتاب أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى المسمى " الإحياء" فأحرق في رحبة مسجدها ... بعد إشباعه زيتا ... ونفذت كتبه إلى جميع بلاده آمرا بإحراقه حيثما وُجِد ... " (1)
وكرد فعل على هذا التشدد من المرابطين تجاه الغزالي والولوعين بفكره ظهرت حركة احتجاجية قادها صوفية مدرسة المرية الأندلسية ضد تحريم وإحراق كتب الغزالي (2) ومن الذين انتصروا لأبي حامد:"أبي الفضل يوسف بن محمد النحوي" (ت 513هـ) والذي قيل عنه انه كان يقرأ "الإحياء" بإدمان (3). ويبقى الصوفي" أبوالعباس بن العريف" (ت 537هـ) صاحب "محاسن المجالس" من أبز المتأثرين بالغزالي، وإليه يرجع السبق في إذاعة أفكار ومؤلفات الغزالي، وبسبب ذلك جيء به إلى مراكش مكبلا وقتل بالسم (4). ويواصل مسيرته في الانتصار لآراء أبي حامد الغزالي "أبوبكر بن العربي" (ت 545هـ) "صاحب العواصم من القواسم "والذي تتلمذ على يد الغزالي وحاز منه على الخرقة الصوفية (5)
ويذهب بعض المؤرخين بعيدا في الحديث عن آثار واقعة حرق ومنع كتب الغزالي من التداول مثل ما ذهب إليه ابن القطان بأن جعلها سببا رئيسا في سقوط الدولة المرابطية فيقول:" وقد كان إحراق هؤلاء الجهلة لهذا الكتاب العظيم سببا لزوال ملكهم." (6) وفي مقابل زوال ملك المرابطين بسبب
__________
(1) -ابن القطان: نظم الجمان، ص.71.
(2) -ألفرد بل: المرجع السابق، ص.380.
(3) -ابن قنفد القسنطيني (أبوالعباس أحمد الخطيب): أنس الفقير وعز الحقير، نشره وصحّحه: محمد الفاسي وأدولف فور، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي، الرباط، 1996، ص.108.
(4) -التادلي (ابن الزيات أبويعقوب):التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي تحقيق: أحمد التوفيق منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط 1984م، ص ص.118 - 120.
(5) -ألفرد بل: المرجع السابق، ص.378.
(6) -ابن القطان: نظم الجمان، ص.71. (13/217)
صفحة 212
الغزالي وكتابه، فإنّ قيام الدولة البديل سينطلق من فكر الغزالي كقاعدة عقدية (أيديولوجية) ثم إن جل الذين اتجهوا إلى المشرق في طلب العلم سيعودون مشبعين بفكره، كما هوالشأن بالنسبة لمنظر ومؤسس الدولة الموحدية عبد الله بن تومرت. فأين تكونت شخصيته،؟ وعلى من تعلم؟ وبأي المذاهب تشبع؟
3 - تكوين شخصية ابن تومرت الدينية والسياسية
أ -في المغرب الإسلامي
لا تتحدث المصادر التاريخية بالتدقيق عن السن التي شرع فيها ابن تومرت في التعلم ولا عن المادّة المعرفية التي تحصل عليها، خاصة في المغرب، ولكن في مقابل ذلك تتحدث عن شغفه إلى التعلم ورغبته الجامحة في الدراسة ممّا جعله متميزا، متفردا عن أقرانه، فلم يكن يبالي بلعب ولهوالصبيان، ولم يكن ليغادر المسجد إلاّ قليلا، ولكثرة ملازمته المسجد ليلا وقراءة القرآن على ضوء القنديل لُقِب بـ: " أسفو" "ومعنى أسفو بالبربرية " الضياء" (1).
حفظ ابن تومرت القرآن وبعض مبادئ النحوفي قريته (2) وكانت هذه المواد أقصى ما يمكن طلبه في مثل منطقته، لهذا غادر مسقط رأسه متجها شمالا عساه يجد ضالته من العلم والحكمة، فقصد مراكش كما ذهب إلى ذلك "ليفي بروفنسال" " Levi –Provençal " (3) ثم "جاز البحر إلى الأندلس طالبا العلم، ووصل قرطبة ... " (4) بهذه المدينة وفي حوالي سنة 500هـ يُعتقد أنه درس بعض أصول المذهب الظاهري "لابن حزم الأندلسي" (ت 455هـ) على يد "أبي جعفر حمدين بن محمد بن حمدين" (ت 548هـ) (5) وهنا يتأثر بهذا المذهب ويأخذبه خاصة في الفقه وبعض المسائل التشريعية ويبدوذلك جليا في تركيز ابن تومرت في دعوته وفي استدلالاته الدائمة بالقرآن وبالحديث.
باستثناء دراسته للمذهب الظاهري بقرطبة، لم يجد ابن تومرت بالمغرب الإسلامي ما يشبع رغبته في طلب العلم لهذا " مشى من قرطبة إلى المرية، فدخل منها في موكب إلى المشرق وغاب في رحلة في طلب العلم خمسة عشر عاما." (6)
ب- في المشرق الإسلامي:
توجه " ابن تومرت" إلى المشرق الإسلامي طالبا العلم حسب المراكشي حوالي سنة 501ه (7)، وكانت المواطن التي درس بها متعددة ومتنوعة التخصصات والمذاهب والاتجاهات يدرس بها أساتذة علماء لهم بصماتهم في التراث الإسلامي (في الفقه وعلم الكلام والفلسفة والتصوف واللغة إلخ ... )
من هذه المحطات الهامة التي تركت أثرها في تكوين شخصية ابن تومرت المصلح، المعلم والسياسي: الإسكندرية، حيث تتلمذ فيها على يد "أبي بكر الطُرطُشي" (8) (ت521هـ) الأندلسي الأصل ومالكي المذهب، تعلم منه أصول الفقه والجدل، وأفكار فلسفية وصوفية جسّدها زهده في الحياة وتعاليه عن طلب الدنيا ومغرياتها وكذا استماتته في تطبيق مبدأ " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"وفي التعبيرأوممارسة ما هوحق مهما كانت عواقبه ولقد عمل الطرطوشي بهذا المنهج نضاله من أجل تثبيت المذهب السني (9). ولعلّ هذا من أبرز ما أثر في "ابن تومرت" وساعده في ذلك طبعه البدوي الجبلي الغليظ.
وتُعد " بغداد" (10) من أهم المحطات في حياة " ابن تومرت " التعليمية، وبها قضّى قرابة العشر سنوات (11) اكتسب فيها "ابن تومرت" كمّا من المعارف والمعلومات، زائد خبرة حياتية بما اطلع عليه من تعدّد في الفرق وفي الإنتماءات المختلفة، فقهية وعقدية وعلمية ومن ثم سياسية. ومن بين الذين درس عليهم "ابن تومرت" ببغداد نذكر " أبا بكر الشاشي" و"الكيا الهراسي" و"المبارك بن عبد الجبّار" و"أبا
__________
(1) -المصدر نفسه، ص.89.
(2) - Rachid Bouroiba: Ibn Tumart ,SNED.Alger 2eedition,1982,p.18.
(3) -Ibid.
(4) - ابن القطان: نظم الجمان، ص.62.
(5) -علي الإدريسي: الإمامة عند ابن تومرت، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1991، ص109.
(6) -ابن القطان: نظم الجمان، ص.62.
(7) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص.155.
(8) -المصدر نفسه، ص.156.
(9) - Encyclopedia Universalis
(10) - يتحدث "ابن حلدون" في" العبر" عن استفادة ابن تومرت الكبيرة في بغداد لما لقيه لدى علمائها وفحول نظّارها.
ابن خلدون (عبد الرحمن):كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر" ج6،دار الكتاب البناني، بيروت،1979،ص.465.
(11) -عبد المجيد النجار: فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب،،دار الغرب الإسلامي، ط1، 1992. ص.67. (13/218)
صفحة 213
حامد الغزالي".
أمّا عن "أبي بكر الشاشي" وهو واحد من أكبر ففقهاء الشافعية "فأخذ عليه [ابن تومرت] شيئا من أصول الفقه وأصول الدين" (1) وعن العالم الأشعري المتأثر بمدرسة الجويني " الكيا الهراسي" (ت 504هـ) درس ابن تومرت الفقه وأصوله والجدل والحديث (2) كما يُحتمل أن درس علوالحديث أيضا على" المبارك بن عبد الجبار" (ت 500هـ) (3) والذي قد يكون ابن القاضي عبد الجبار أحد أعلام المعتزلة، صاحب كتاب "شرح الأصول الخمسة"، ناظر الأشاعرة والحنابلة وغيرهما من الفرق الكلامية.
وأمّا عن "أبي حامد الغزالي" (ت 505هـ) فهو من أهم العلماء المشارقة الذين درس عليهم "ابن تومرت"، وتأثر بهم أيما تأثر، نظرا لما لهذا العالم من قدرات علمية ومنهجية، ونظرا لموسوعيته وشمولية اهتماماته، له بصماته في محاور الفلسفة الإسلامية جميعها من حيث أنه عالم كلام أشعري وعالم في أصول الفقه، متصوف وفيلسوف.
لقد انتصر الغزالي للأشاعرة بالمناظرة والدرس، وجدد في مذههبم، فذاع صيته شرقا وغربا ولحسن جدله ومناظرته في دفاعه عن معتقده لُقِّب: "حجة الإسلام"، كما تمكن من التجديد في علم أصول الفقه، ويكفي أن نذكر فتواه الشهيرة التي أوردها في كتابه "المستصفى" والتي يُقر فيها بأن من لا يستخدم المنطق فكلامه لا يوثق به، فربط بذلك أصول الفقه بالفلسفة من حيث اعتماد المنطق كمنهج في استنباط الأحكام من الأصول. ويضاف إلى هذا نقده للفلاسفة وتكفيرهم خاصة في مبحث الإلهيات، كما انتقد وبشدة الشيعة في كتابه " فضائح الباطنية". وفي أواخر حياته أعلن ثورته على الشك وبحث عن اليقين فوجده في التصوف وفي الأداة المعرفية للتصوف (أي الكشف) ثم تعمق فيه بالممارسة حتّى جدّد فيه من حيث التنظير له ومن حيث تبسيطه وشرح عبارته ومراحله وأحواله ومقاماته. وقليلا ما نجد في التراث الإسلامي شخصا يجول عبر كل هذه
__________
(1) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص.155.
(2) -علي الإدريسي: الإمامة عند ابن تومرت، ص.110.
(3) -إذا صحّ تاريخ وفاة هذا العالم فإن ابن تومرت لم يدرس عليه بحكم أنه سافر من المغرب سنة 501هـ، وإذا درس عليه بالفعل فإن تاريخ سفره قبل سنة 500هـ، والاحتمال الأول أقرب إلى الصواب.
علي الإدريسي: الإمامة عند ابن تومرت، ص.110. (13/219)
صفحة 214
المحاور ويبدع فيها.
عن علاقة ابن تومرت بالغزالي، يكاد يجمع المؤرخون على أن ابن تومرت التقى فعلا بالغزالي وحضر درسه، ولهذا الأمر أحصى أحد الباحثين تسعة مصادر تاريخية (1) تتحدث عن رحلة ابن تومرت إلى المشرق، ثمانية منها تذكر لقاء التلميذ بالأستاذ في المدرسة "النظامية"ومصدر تاريخي واحد ينفي أن يكون حدث اللقاء، وهو"ابن الأثير".
هذا اللقاء يصفه صاحب "المعجب" مختصرا ويسهب فيه "ابن القطان" في " نظم الجمان" ففي هذا الأخير يذكر المؤرخ مصادر علمه بواقعة اللقاء، ثم يصف دخول ابن تومرت "المدرسة النظامية" حيث يُدرس الغزالي، فيجلس إلى درسه ويجري بينهما حوار، يسأل فيه الغزالي عن صدى "الإحياء"بالمغرب، فيعلمه ابن تومرت بحادثة حرقه من سلطان المرابطين وفقهائه، وينعتهم في الوقت نفسه بالجهل وبالتقليد الذي طالما رفضه الغزالي، حتّى أنّه استهل نقده في كتابه " المنقذ من الضلال" لوسائل ومصادر المعرفة بدحض التقليد كوسيلة معرفية لا يمكن أن تؤدي إلاّ إلى الشك واللايقين. (2)
فكان رد فعل الغزالي عند سماعه لما رواه ابن تومرت أن غضب وتوجه إلى الله بالدعاء أن يقوض ملك المرابطين، وهنا يطلب ابن تومرت من الغزالي أن يدعوالله بان يكون سقوط الدولة المرابطية على يديه، وممّا جاء في النص الذي يروي فيه ابن القطان واقعة لقاء ابن تومرت بالغزالي، قوله:
[ ... جاء ذات يوم رجل كث اللحية ... فدخل المدرسة وحيّاها بالركعتين ثم أقبل إلى الشيخ أبي حامد فسلّم عليه فقال: من الرجل؟ فقال: رجل من أهل المغرب الأقصى، فقال له: دخلت قرطبة؟ قال: نعم ... قال: هل انتهى إليهم كتاب الإحياء؟ قال: فماذا قالوا عنه؟ فوجم الرجل وخجل ولازم الصمت حياء. فعزم عليه الشيخ ليقول ما طرأ ... فقال له: القزم جهال مقلدون لم يعرفوا قدره ورفعوا إلى سلطان العدوة والأندلس في شأنه وأنه يجب أن يحرق فأمر بإحراقه ... فتغير وجه أبي حامد فمد يده للدعاء
__________
(1) -هذه المصادر هي: المراكشي، ابن القطان، ابن خلدون، الزركشي، ابن الأثير، صاحب الحلل الموشية ابن أبي دينار، ابن أبي زرع.
Rachid Bouroiba:Ibn Tumartm , p.24
(2) - الغزالي (أبوحامد): المنقذ من الضلال، تحقيق: عبد الكريم المراق، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، ص.28 (13/221)
صفحة 215
والطلبة يؤمنون، فقال في دعائه: اللهم مزق ملكهم كما مزقوه، وأذهب دولتهم كما أحرقوه ... [بعد جمعة] ... فدعا بمثل دعائه الأول، فقال له المهدي: على يدي إن شاء الله، فقال اللهم اجعله على يديه ... ] (1).
ما يستخلص من هذه الواقعة، إن المدرسة النظامية كانت تعامل كالمسجد بحيث تصلى بها الركعتان تحية المسجد، كما يُلاحظ أن اللقاء كان في أواحر حياة الغزالي لأن ابن تومرت سافر إلى المشرق في حدود سنة 501هـ، مكث مدة بالإسكندرية ثم مكة ثم الشام فبغداد، ومعلوم أن الغزالي توفي سنة 505هـ وهذا يعني أنه – أي الغزالي – قد أنهى تجربته الصوفية، بمعنى أن ابن تومرت قد درس على الغزالي في صورته الكاملة: المعلم، الفقيه، الفيلسوف، الصوفي صاحب التجربة العملية التي أوصلته اليقين وقضت على الشك الذي راوده في عقيدته وفي علمه وفي عمله التعليمي على وجه الخصوص.
كما نلاحظ أيضا حرص الغزالي على أمرين:
الأمر الأول: يبدو فيه أنه حريص على أن تصل مؤلفاته أبعد نقطة ممكنة، وهذا ما يبدومن خلال سؤاله: "هل انتهى إليهم كتاب الإحياء؟ " والتركيز على هذا الكتاب بالذات دون غيره له دلالته، فهو كتاب يعتقد الغزالي أن محتواه ومنهجه يحيي الدين، وبالاستفادة منه يقضى على الجمود والتقليد وهويتحدث في علوم شتّى في الفقه وأصوله وعلم كلام وآراء فلسفية ثم تصوف مع شرح لمسالكه وخباياه، ثم إنّه كتاب في تصنيف العلوم من وجهة نظر الغزالي التي تعكس اهتمامات عصره.
أمّا الأمر الثاني فهو حرص الغزالي على معرفة موقف قرائه ممّا يكتب، وهو ما عبّر عنه بسؤاله: " فماذا قالوا عنه؟ " مما قد يعكس تواضع الغزالي وعدم وثوقيته من جهة، وهو الأمر الذي لن نجده عند ابن تومرت، وقد يعكس أيضا توقعه بأن لا يكون قد أعجب البعض، وهو أمر طبيعي وموضوعي.
وما يستخلص أيضا من هذا النص ومن نص المراكشي في "المعجب" هوأن ابن تومرت لديه رغبة في الوصول إلى الحكم من خلال طلبه من الغزالي أن يكون هلاك سلطان المرابطين على يديه.
وبدراسته على الغزالي تكون شخصية ابن تومرت العلمية قد اتضحت معالمها وبينت نواباها وما هي مقدمة
__________
(1) -ابن القطان: نظم الجمان، ص.72. (13/222)
صفحة 216
عليه، ويتضح ذلك من خلال المذهب الذي رام ابن تومرت تأليفه وعاد إلى المغرب لتجسيده، ففي ماذا يتمثل هذا المذهب وما هي العناصر التي تؤلفه؟
4 ـــ عودة ابن تومرت إلى المغرب بفكرة التغيير:
بعد أن تحددت ملامح شخصية ابن تومرت من خلال ما أفاده في المشرق واقترابه من جهابذة المذاهب العقدية السائدة خاصة الأشعرية منها ممثلة في شخص أبي حامد الغزالي، عاد ابن تومرت إلى بلاد المغرب الإسلامي حاملا فكرة تأسيس دولة توحد شعوب المنطقة كما توحد مذاهبهم بالعودة حسب رأيه إلى الأصل الموحد للامة الإسلامية، ولم ينتظر ابن تومرت حتى يعود إلى موطنه الأصلي ليجهر بدعوته بل باشرها في رحلته إلى المغرب متبعا فكرة عقدية تعد من الأصول لدى مختلف المذاهب وهي: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وتروي المصادر التاريخية أن ابن تومرت قد تعرض لمحن ومواقف صعبة بسبب جرأته وشجاعته في تجسيد هذا المبدأ، ومن ذلك ما يرويه عبد الواحد المراكشي في:"المعجب في تلخيص أخبار المغرب" من حادثتين واحدة بالإسكندرية تسببت له في خروجه منها مطرودا والأخرى وهوفي عودته إلى المغرب على ظهر السفينة التي كان مسافرا على متنها، يقول صاحب "المعجب": " ... وكر راجعا إلى الإسكندرية فأقام بها يختلف إلى مجلس أبي بكر الطرطوشي الفقيه، وجرت له بها وقائع في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أفضت إلى أن نفاه متولى الاسكندرية عن البلاد، فركب البحر، فبلغني أنه استمر على عادته في السفينة في البحر، فأقام أكثر من نصف يوم يجري في ماء السفينة لم يصبه شيء، فلما رأوا ذلك من أمره أنزلوا إليه من أخذه من البحر، وعظم في صدورهم، وما يزالوا مكرمين له إلى أن نزل من بلاد المغرب بجاية" (1).
ببجاية التي وصلها سنة 511 هـ واصل ابن تومرت نهجه في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال المساجد أو الاحتكاك المباشر مع الناس سواء كانوا من العامة أو الخاصة، وبهذه المدينة بدأ صيته يذاع ويتعاظم أمره ويلتف حوله الطلبة والأتباع حتى "نمى أمره إلى العزيز بن الناصر [صاحب بجاية] فهمَّ به، ثم تركه عصمة من الله تعالى ... فخرج المهدي من بجاية إلى رباط خارجها وعلى
__________
(1) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص.160. (13/223)
صفحة 217
القرب منها يقال له ملالة ... " (1)
بهذه الضاحية من ضواحي بجاية وهوفي طريقه إلى المغرب لقي ابن تومرت عبد المؤمن بن علي الذي كان في طريقه إلى المشرق لطب العلم فاستوقفه وتفرس فيه الصاحب الذي يساعده على تحقيق مآربه السياسية وتجسيد أفكاره الموحدية فاتخذه تلميذا وصاحبا ليكون بعدها خليفته في التأسيس الفعلي للدولة الموحدية وتوسعها.
بعد بجاية وضاحيتها ملالة توجه ابن تومرت غربا ليمكث مدة بتلمسان موطن صاحبه وتلميذه عبد المؤمن بن علي – تاجرة – وهناك يذيع صيت الرجل أكثر، حتى أن "كل من بها [كان] يعظمه من أمير ومأمور إلى أن فصل عنها بعد أن استمال وجوه أهلها وملك قلوبها، فخرج قاصدا مدينة فاس، فلما وصل إليها أظهر ما كان يظهره، وتحدث فيما كان يتحدث فيه من العلم، وكان جل ما يدعوإليه علم الاعتقاد على طريق الأشعرية، وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم، ويعادون من ظهرت عليه، شديدا أمرهم في ذلك، فجمع والي المدينة الفقهاء وأحضره معهم، فجرت له مناظرة كان له التفوق فيها والظهور." (2)
ويرجع المؤرخون سبب تفوق ابن تومرت في مناظراته إلى اعتماده علوم النظر في حواراته وهوما كان ينعدم لدى محاوريه بحكم أن النظام المرابطي كان يحرم الاشتغال بالفلسفة وبالعلوم العقلية ولم يكن يسمح إلا بعلم الفروع (الفقه)، ثم إنه كان يحاجج مستخدما ما تعلمه من الغزالي من أفكار أشعرية، ومعلوم أن الغزالي كان الحديث عنه والاستدلال بمؤلفاته وأقواله ممنوعا من السلطة المرابطية ومحبوبا ومحفوظة مؤلفاته عن ظهر القلب من بعض العامة، خاصة كتابه الإحياء الذي كان يتداول خفية، كل هذا تسبب لابن تومرت في أن أخرج من فاس، ولكن كسب الكثير من المؤيدين الذين سيجدهم سندا في تحقيق الدولة الموحدية، يقول المراكشي معللا سبب تفوق ابن تومرت في مناظراته بقوله:" لأنه وجد جوا خاليا، وألفى قوما صياما عن جميع العلوم النظرية خلا علم الفروع، فلما سمع الفقهاء كلامه أشاروا إلى والي البلاد بإخراجه لئلا يفسد عقول العوام، فأمره والي البلد بالخروج، فخرج متوجها إلى مراكش." (3)
__________
(1) -ابن القطان: نظم الجمان، ص.76 - 77.
(2) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص ص159 - 160.
(3) -المصدر نفسه، ص160. (13/224)
صفحة 218
ومن مراكش حيث بلاط علي بن يوسف بن تاشفين واصل أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر مع العامة ومع الخاصة، بمن فيهم أمير المرابطين وأسرته، وهناك أيضا تعمقت الفكرة العدائية تجاه الملثمين الذين يكفرهم في مؤلفاته ويستحل دماءهم، ومن نتيجة هذا العداء والجرأة في نقد الحكام واتهامهم بالتخاذل والتقاعس في مسائل العقيدة أن طرد أيضا من مراكش، وكان لجوؤه هذه المرة موطنه الأصلي.
في عام 514 هـ/1120 م فر ابن تومرت (1) من مراكش إلى أغمات، عبر مسالك جبلية حتى التحق بـ"السوس" حيث قبيلته هرغة، وهناك التف حوله قومه من هرغة وغيرهم من المصامدة وذاع صيته أكثر من ذي قبل وواصل الجهر بحركته الإصلاحية من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك بدأت تتشكل بوضوح حركته الموحدية، ولكن لم يعلن عنها صراحة ولم ينقل عمله الدعوي التعليمي إلى المسلك الثوري حتى أعلن في الناس أنه المهدي المنتظر، وقد مهد لذلك بجملة من الكرامات وخرق العوائد، والإكثار من الحديث عن فكرة المهدي وعصمته، وساعده في ذلك المقربون من أتباعه بتصديقه ونشر فكرته وخصاله التي حسبهم تنسحب عليه بحسب ما تنص عليه النصوص الدينية. يقول صاحب المعجب في هذا الصدد:" فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته، ادعى ذلك لنفسه، وقال أنا محمد بن عبد الله ... ورفع نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح بدعوى العصمة لنفسه، وأنه المهدي المعصوم، وروى في ذلك أحاديث كثيرة، حتى استقر عندهم أنه المهدي، وبسط يده فبايعوه على ذلك ... " (2).
منذ هذه القترة، خوالي سنة 515هـ / 1121م أصحب يلقب ابن تومرت بالمهدي، وقد "لقبه بذلك العشرة من أصحابه ساعة مبايعتهم له أولى بيعة انعقدت له." (3) كما أنه لا يتوانى في تسمية نفسه بالمهدي وبادعائه العصمة، يقول صاحب نظم الجمان:" وقد وقفت على نسخة صك ... أوله بعد البسملة والصلاة: أقول وأنا محمد بن
__________
(1) -النويري: تاريخ المغرب الإسلامي في العصر الوسيط/من كتاب نهاية الأدب في فنون الأدب، تحقيق: مصطفى أبوضيف أحمد، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1984، ص 398.
(2) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص.161.
(3) -ابن القطان: نظم الجمان، ص.88. (13/225)
صفحة 219
عبد الله تومرت، وأنا مهدي آخر الزمان" (1).
بتعليمه المشرقي وبعملية الإصلاح التي باشرها منذ عودته إلى بلاد المغرب بكل إيمان وبكل شجاعة بلغت حد التهور أحيانا ثم بإمامته وادعائه المهدية ومبايعته على أنه إمام مهدي معصوم أصبح كلامه عبارة عن أوامر ونواهي يلزم من اتبعه بتنفيذها حرفيا وإلا عوقب، ولكي يحدد تلك الأوامر والنواهي بوضوح ألف ابن تومرت وبلسان قومه الأمازيغي ما يجب أن يعتقدوه والأحكام الفقهية الحاكمة على تصرفاتهم. كما سن لهم أعمالا دينية واجتماعية ألزمهم بها، فلقد أخذ قومه وأتباعه بقراءة حزب واحد من مؤلفه في كل يوم إثر صلاة الصبح بعد حزب من القرآن، ومؤلفه عبارة عن سفر مجلد يضم مجموعة من نصوص ابن تومرت هي عبارة عن كتب في العقيدة والفقه والسياسة جمعت في مجلد واحد، وهي المعروفة بكتاب: «أعز ما يطلب».
يحتوي هذا السفر المطروح كبديل عن موطأ مالك وكبديل عن مختلف كتب العقائد على اختلاف مذاهبها، بما فيها كتب الغزالي، على موضوعات تعليمية تربوية وعلى موضوعات عقدية كمعرفة الله وصفاته ومعرفة سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، ثم موضوعات لها العلاقة المباشرة بابن تومرت مثل معرفة المهدي وصفاته والأحاديث النبوية التي تتطرق إليه وأنه سيأتي من المغرب ليملأ الدنيا عدلا بعد ما ملئت جورا في إشارة واضحة منه أنه المهدي المنتظر، كما يضم هذا السفر أيضا الحديث عن الإمام وعن عصمته وهوالأمر الذي يلتقي فيه ابن تومرت بالشيعة، وهذا ليس تقربا منه من الشيعة بقدر ما هواستفادة من فكرة الإمامة الشيعية وما تعنيه من عصمة ومن ضرورة الولاء التام والطاعة للإمام، كما يضم سفره أيضا أحكاما مفادها أن "الهجرة إليه واجبة لا يحول بينها وبين أحد من المسلمين أهل ولا ولد ولا مال، وأن من سمع بأمره وجبت عليه الهجرة إليه. ولا عذر له بوجه من الوجوه، ويكفر من لم يصله ولم يطعه، وذكر لهم فيه الآداب بينهم، وعلامة المؤمن وما يجب على المؤمن فعله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآخى بينهم فيه، وذكر لهم علامة المنافقين ... وجعل القتل في ثمانية عشر صنفا، كالكذب والمداهنة ... وحفظهم إياه ورباهم به ... وجعل على كل عشرة
__________
(1) -المصدر نفسه، ص 89. (13/226)
صفحة 220
نقيبا" (1).
بالإضافة إلى هذا صنف أتباعهم الذين سماهم بالموحدين إلى طبقات عرفوا بطبقات الموحدين، بدءا بأهل العشرة وهم أهل الجماعة وتتألف هذه العشرة من أهل الثقة عنده وأشرف أصحابه ومبايعيه الأوائل، وعلى رأسهم خليفته: عبد المؤمن بن علي، ثم أهل الخمسين وهم دون تلك الطبقة الأولى، ويتكونون من رؤساء القبائل، ثم طبقة السبعين، فطبقة الطلبة، فالحفاظ، ثم صغار الطلبة، ثم أهل الدار، ثم الطبقة السابعة وهم هل هرغة، فالطبقة الثامنة وتشمل أهل تينمل، وهكذا إلى الطبقة الثالثة عشرة وهم الأحداث الصغار (2)
يمكن أن نوجز نهج ابن تومرت التربوي الإصلاحي ونعلل تحوله إلى عملي مسلح، بأنه كان ذووجهين، وجه رؤوف، مربي يتقرب ويتودد به لمن يريد أن يجعلهم في صفه، خاصة الأطفال والشباب الذين يمكن أن يعول عليهم في نصرته وفي حملته لإقامة دولته، ووجه آخر فيه شدة وعنف، بحيث لا يتوانى في قتل من يعارضه، أوحتى من يضحي به ليكون عبرة لغيره في تقديم أقصى ولاءات الطاعة والإنصياع. ومن الأمثلة الكثيرة التي تعج بها بعض المصادر التاريخية على غلظة الرجل وشدته وقسوته، حتى من قبل أن يظهر من يعارضه كعمليات احتياطية وقائية أنه بعد أن بنى لأتباعه مسجدا خارج " تينمل" و"لما رأى كثرة أهل البلد وحصانة المدينة خاف أن يرجعوا عنه فأمرهم أن يحضروا عنده بغير سلاح، ففعلوا ذلك عدة أيام، ثم أمر أصحابه أن يقتلوهم، فقتلوهم في ذلك المسجد، ثم دخل المدينة فقتل بها ... ونهب الأموال، فكان عدد القتلى خمسة عشر ألفا" (3). حتى وإن كان هذا الرقم مبالغا فيه أومن وصف خصوم ابن تومرت، إلا أن غلظة وقسوة هذا الزعيم الموحدي وحتى خلفائه يوجد لها من الوقائع التي تترجمها وترويها المصادر التاريخية حتى الموحدية منها.
نظرا لهذه الازدواجية المتكاملة في التصرفات، انتهج ابن تومرت نهجين متتابعين ومتكاملين: النهج التربوي الإصلاحي، فكان حسه الشعبي أحيانا
__________
(1) -المصدر نفسه، ص 81.
(2) -لمزيد من التفصيل يمكن الرجوع إلى: المعجب لعبد الواحد المراكشي، ص162، ونظم الجمان لابن القطان المراكشي، ص 82 وغيرهما.
(3) -النويري: تاريخ المغرب الإسلامي ... / من كتاب نهاية الأدب في فنون الأدب، ص 399. (13/227)
صفحة 221
ذوحجم كبير جسدته عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتقرب من العامة والتودد إليهم، إلا أن "جرأته تقارب التهور، وهوما أفضى به أخيرا إلى انتهاج المسلك الثوري العسكري للمفاضلة مع الحكم المرابطي في حل جذري لتنزيل الإصلاح الذي عزم عليه" (1).
إن مذهب ابن تومرت – كما سنرى لاحقا -الذي هو عبارة عن وحدة بين مذاهب مختلفة: أشعرية، ظاهرية، معتزلية، شيعية ... أرادها مجتمعة لأنه لاحظ تداولها على أنظمة الحكم في المغرب الإسلامي: رستمية، فاطمية، ظاهرية، مالكية ... كما لاحظ تواجدها في المشرق وتشتت المسلمين بسبب انتماءاتهم العقدية التي تصل أحيانا درجة التباين والتناحر، كما هوالحال بين النصيين وبين الشيعة، أوبين المرجئة والمعتزلة وغير ذلك من المذاهب المتباعدة في أحيان كثيرة.
ولما عاد ابن تومرت من المشرق جاء بفكر حاول من خلاله الجمع بين ما هو متباين، ولكن اختار أهم المذاهب السائدة ذات الحجج القوية، ليبني بها مذهبا أراده توحيديا وموحدا للفرق، لهذا نرى في مذهبه العنصر الشيعي متمثلا في فكرة الإمام المعصوم والمهدي وهي فكرة تخدمه في الوصول إلى الحكم وفي البقاء فيه أيضا خاصة إذا ما تمكن من إقناع الناس بذلك، وبعودته أراد أن يحيي علم الكلام وعلوم النظر، خلافا للجمود الذي كان سائدا في العهد المرابطي.
أما في الفقه أو علم الفروع فلقد ادعى المهدي والموحدون أنهم يأخذون بطريقة السلف بدون انتساب إلى مذهب أوإمام، حيث كان حكام الموحدين "يحثون على الأخذ مباشرة من الكتاب والسنة من دون المرور بالكتب الفقهية الفرعية التي كانت سائدة في العهد المرابطي كما نصبت لجنة من أعيان علماء الموحدين فأخرجت للناس مجموعة من الأحكام مستدلا عليها من القرآن والسنة ونشرتها الحكومة في أرجاء المملكة ملزمة الناس العمل بها وإحراق ما دونها من كتب الفروع. وشدد العقاب على من يخالفها. وكان أبويوسف يعقوب يبالغ في إكرام حفاظ هذا المجموع فيقربهم منه ويجزل لهم العطاء والمنح ووضع لهم المهدي نفسه موطأ كموطأ مالك وكتب لهم في
__________
(1) -عبد المجيد النجار: فقه الإصلاح بين التربية والسياسة (ابن العربي وابن تومرت نموذجا)، مطبعة التوفيق، الرباط، 1997، ص 20. (13/228)
صفحة 222
ذلك مجاميع " (1).
وللموحدين الفضل في أن مسلمي المغرب الإسلامي عادوا إلى الخوض في علوم النظر حيث نشروا فلسفة أرسطو من خلال أقطاب الفلسفة الإسلامية: ابن طفيل وابن رشد وغيرهما من فلاسفة المغرب الإسلامي ولم تعرف فلسفة اليونان، خاصة فلسفة أرسطو شرحا أفضل من شرح هذين العلمين وتكفي الإشارة إلى أن ابن رشد يلقب بالشارح الأكبر فهو الذي شرح فلسفة أرسطو بطلب من الخليفة، وما يقال عن الفلسفة يقال عن التصوف وعلم الكلام والأدب واللغة، وتكفي الإشارة أن من أقطاب التصوف الإسلامي من ظهر وبرز في كنف الدولة الموحدية مثل سيدي بومدين وما لعبه من دور ببجاية حيث كان يكون مشايخ المتصوفة، وكذا والشيخ الأكبر محي الدين بن عربي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم والذي كان ومازال تأثيره ممتدا مشرقا ومغربا إلى يومنا هذا.
لقد أجمع المؤرخون على عناية الدولة الموحدية بشأن التعليم حتى أنه كان يماثل أنماط التعليم الحالية الابتدائية والثانوية والعالية "منتشرا في أنحاء المملكة وكان إجباريا يشمل الذكران والإناث، وفيه من التعاليم الرياضية والحرية ما يشبه النظم العصرية بالمدارس الحكومية الرسمية اليوم" (2)
وإذا كانت كتب الغزالي في النظام السابق – المرابطي – محظورة فإنه مع الموحدين "حررت وسمح بنشر مختلف الكتب في مختلف الفنون كالفروسية وسيرها وكتب المغامرات والقصص ... ولقد سمح بقراءة مثل هذه الكتب على كراسي المساجد في الوقت الذي كان فيه يعد ذلك كفرا في العهد المرابطي (3).
إن مثل هذا التشجيع على علوم النظر وعلى العودة إلى الغزالي لا يعني أن حرية الفكر والقراءة كانت مطلقة في العهد الموحدي فهناك من الكتب الفقهية المالكية التي أمر بحرقها كما كان إذا ظهر مؤلف معارض أومخالف للنمط الموحدي بعض الشيء يطلب ممن هوموحدي من العلماء التصدي له ومناظرته ودحض أفكاره. لكن توعد الموحدين لمخالفيهم وما فعلوا بهم في عهد ابن تومرت لا يتيح إمكانية التجرأ على الخلاف أوالمعارضة.
5 - مذهب "ابن تومرت" أو أيديولوجية الدولة الموحدية:
إذا أردنا تحديد مذهب ابن تومرت أومنهجه في التصور العقدي بدقة وبوضوح، بل وحتى السبيل الفقهي المتبع من بين السبل السائدة في العالم الإسلامي مشرقا ومغربا، فإنّ ذلك يصعب كثيرا، ولقد احتار وأخطأ حتّى المؤرخون القريبون منه زمنيا في تحديد ذلك فهذا "عبد الواحد المراكشي" يصف مذهب ابن تومرت بقوله:"وكان على مذهب أبي الحسن الأشعري في أكثر المسائل، إلاّ في إثبات الصفات، فإنه وافق المعتزلة في نفيها وفي مسائل قليلة غيرها، وكان يبطن شيئا من التشيع، غير أنه لم يظهر منه إلى العامة شيئا." (4)
في حين يذهب ابن خلدون إلى رأي آخر يضيق فيه من تصوره لمذهب ابن تومرت فيجعله سنيا أشعريا صرفا، ويكتفي بذكر ما يجعل من ابن تومرت أشعريا وفقط، مثل ضبطه لمفهوم علم الكلام حين يعده علما يدافع عن عقيدة السلف باعتماد العقل، ومثل إمكانية اعتماد التأويل، ثم يحكم بتعميم بأن الأشاعرة هم الأئمة في العقيدة، يقول "ابن خلدون" عن ابن تومرت وعن أشعريته:" وكان قد لقي بالمشرق أئمة الأشعرية من أهل السنة، وأخذ عنهم واستحسن طريقهم في الإنتصار للعقائد السلفية، والذب عنها بالحجج العقلية الدامغة في صدور أهل البدعة، وذهب إلى رأيهم في تأويل المتشابه من الآي والأحاديث، بعد أن كان أهل المغرب بمعزل عن أتباعهم في التأويل والأخذ برأيهم فيه اقتداء بالسلف في ترك التأويل، وامرار المتشابهات كما جاءت، فطعن أهل المغرب في ذلك وحملهم على القول بالتأويل، والأخذ بمذاهب الأشعرية في كافة العقائد. وأعلن بإمامتهم ووجوب تقليدهم." (5)
من خلال هذا النص وغيره من النصوص الخلدونية يبدوإن إعجاب ابن خلدون بالغزالي وبالأشاعرة، يضاف إليه خطؤه في اعتبار علم الكلام صناعة لم يعد لها مبرر وجودها لأن أئمة السنة ويقصد الأشاعرة، قد تصدوا للمبتدعة المنحرفين، وتكفلوا بالذود عن العقيدة (6)، قد أنساه ما تحمله عقيدة ابن تومرت من عناصر غريبة عن
__________
(1) -عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر، ج2، ص ص21 - 22.
(2) -المرجع نفسه، ص 25.
(3) -المرجع نفسه، ص 25.
(4) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص.162.
(5) -ابن خلدون (عبد الرحمن):كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر" ج6،ص.466.
(6) -ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الجيل، بيروت، ص.517. (13/229)
صفحة 223
الأشعرية، بل الأشاعرة أنفسهم ناهضوها وكفروا أصحابها مثل علاقة الذات الإلهية بالصفات، ومسائل أخرى. ثم إن نص "عبد الواحد المراكشي" ونصوص ابن تومرت فيها آراء غير أشعرية تفند ما ذهب إليه "ابن خلدون".
والواقع إن تعدد الشخصيات والمناهج والمدارس التي درس فيها ابن تومرت: فقهية ظاهرية بالأندلس، مالكية بالإسكندرية، شافعية ببغداد، وعقدية أشعرية جوينية ثم أشعرية غزالية، فأصولية متفتحة على الفلسفة، فصوفية. كل هذا يضاف إليه ما ذهب إليه " هنري لاووست" “ H-Laoust” بأنه كان لابن تومرت لقاءات بأعلام من الحنابلة وبشخصيات فاعلة من الشيعة الإمامية والإسماعيلية (1)، ويضاف إليه أيضا ما أفاده من خلال " اطلاعه عن كثب على أنظمة سياسية مختلفة حيث كانت له لقاءات مع العديد من الأمراء والولاة، وهوما أكسبه معرفة واسعة بالواقع السياسي للمسلمين، ونفاذا إلى العيوب والانحرافات التي كان يشتمل عليها ذلك الواقع." (2)
ما سبق ذكره يدفعنا إلى القول إن ابن تومرت قد أدرك بأن الاختلافات العقدية والفقهية لها دخل في قيام الدول وزوالها وهي واقع مشتت للمسلمين، لهذا رام مذهبا عقديا وفقهيا موحَّدا ومُوحِّدا للأمة في دولة واحدة تقضي على الشتات والفرق سواء في الغرب أوفي الشرق، وما دامت ساحة المغرب الفكرية بكرا ويعمها الجمود والتقليد رأى " ابن تومرت" أن يلم شتات المذاهب في مذهب واحد وسطه الجامع: الأشعرية لما من نزعة توسطية واضحة تأسست لأجلها، ولما استفاده من تعليم أشعري من الغزالي على وجه الخصوص، ولأن فكر الغزالي يتيسر نشره بالمغرب بحكم أنه ممنوع والممنوع يسهل رواجه، وبحكم وجود الحركة الاحتجاجية المنتصرة للغزالي والمذكورة آنفا. وأمّا فروع المذهب فتمتد حتّى إلى المذاهب المضادة كما هوالحال بالنسبة للحنابلة والظاهرية من جهة، والمعتزلة من جهة أخرى، أو حتى الأشعرية من جهة والباطنية من جهة أخرى.
إذن، وخلافا لما ذهب إليه ابن خلدون، وحتّى ما ذهب إليه المراكشي من أن ابن تومرت إلاّ في مبحث الصفات وإبطان التشيع، لأن الذي يبطن التشيع ويقول بآراء المعتزلة في علاقة الصفات بالذات خرج في الحقيقة منهجيا عن دائرة الأشعرية وعن نسقها الفكري، سواء أشعرية غزّالية أوجوينية أوباقلانية.
وإنّما الأصح وهوما ذهب إليه بعض الدارسين (3) من أن ابن تومرت في تعلمه درس نماذج مختلفة من المذاهب، وفي واقعه السياسي والاجتماعي أدرك تنوعا وتعدّدا مذهبيا مشتتا، كما أدرك أن الدول تتعاقب انطلاقا من وجهة مذهبية عقدية أوفقهية محددة (مالكية أوحنبلية، معتزلية أوأشعرية، أوإباضية ... ) فأراد وحدة مذهبية عناصرها منتقاة مع تغليب اللون الأشعري، وبذلك كأني بابن تومرت قصد لم شمل أقصى اليمين بأقصى اليسار بتوسط أشعري قدر المستطاع.
فابن تومرت بمذهبه الموحد من عناصر متنوعة، موفقة أو ملفقة، أراد أن يتوسط المذاهب مع عدم التفريط في بعض ممّا وجده ممكن الإفادة من "الباطنية" أو من "الظاهرية" أو من "الإباضية" أو من "الحنبلية" أومن "المالكية" أو من "الشافعية".
هذا المذهب الذي رأى فيه ابن تومرت وحدة الأمة وسيلته في بلوغ الحكم لا بد له من رواج، وهذا لن يتم إلاّ من خلال العملية التربوية التعليمية – من خلال الأصل العقدي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- والتي تولاها ابن تومرت بنفسه في المغرب الإسلامي انطلاقا من تونس إلى موطنه الأصلي في جنوب المغرب الأقصى، وبذلك يتمكن من إعداد مساعديه في إقامة دولة يجسد فيها مذهبه، أوعلى الأقل إعداد رعايا مقتنعين بآرائه.
6 ـــ من الأمر بالمعروف .... إلى أعز ما يطلب
يكتسي كتاب المهدي بن تومرت كما هو واضح من عنوانه أهمية قصوى على مختلف الأصعدة: العقدية، الفقهية والسياسية، ويمكن القول بالمصطلح المعاصر أنه يجسد "أيديويلوجية" الدولة الموحدية كما رسمها المهدي بن تومرت
__________
(1) - Encyclopedia Universalis
(2) - عبد المجيد النجار: فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب، ص.68.
(3) -يذهب أستاذنا الدكتور عمّار طالبي إلى القول:" حمل [ابن تومرت] معه منهجا جديدا في الفهم، أراد أن يدعو إليه، وأن يغير أسلوب الحياة العقلية الإسلامية على أساس من الأصول، والتأويل العقلي، على طريقة الأشاعرة تارة وعلى طريقة المعتزلة تارة أخرى، بل إنه استعمل طريقة الإمامية في المجال السياسي والاجتماعي ونادى بطاعة الإمام وعصمته ... "
محمد بن تومرت: أعز ما يطلب، تقديم وتحقيق عمار طالبي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985، مقدمة المحقق، ص.05. (13/230)
صفحة 224
واستمرت مع خليفته عبد المؤمن بن علي ثم بقية خلفاء الدولة الموحدية.
يعرفنا أستاذنا الدكتور عمار طالبي بهذا الكتاب بقوله (1):
["هوعبارة عن مجموع من كتب ورسائل في الأصول والفقه والتوحيد والحديث والسياسة والجهاد. وعرف باسم أول كتاب فيه. وبأول عبارة وردت فيه وهي:" أعز ما يطلب وأفضل ما يكتسب. وأنفس ما يدخر وأحسن ما يعمل العلم الذي جعله الله سبب الهداية إلى كل خير". يشتمل على كل التعاليق التي أملاها ابن تومرت ثم أملاها من بعده عبد المؤمن بن علي، ويدل على ذلك ما جاء في عنوان هذا المجموع:" سفر فيه جميع تعاليق الإمام المعصوم المهدي المعلوم رضي الله عنه مما أملاه سيدنا الإمام الخليفة أمير المؤمنين أبومحمد عبد المؤمن بن علي].
من أجل أن يعطي المهدي بن تومرت لصيغتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوب التنفيذ الحرفي للفعل المأمور به وإتيانه، ومخالفة المنهي عنه، وضع تقديما يمكن إدراجه ضمن: فلسفة اللغة وفقهها، تضمن هذا التقديم حديثا عن اللغة وتراكيب ألفاظها ودلالاتها، كل ذلك من أجل أن يبين بأن الأمر القرآني والسني (النصي) يضاف إليهما الأمر المهدوي – أي نصوص ابن تومرت، وأهمها ما جاء في سفر "أعز ما يطلب" هوإلزام لا اجتهاد في طرح إمكانية تنفيذه من عدمها، فحكمها الشرعي: الوجوب، ولا اجتهاد في تخفيف هذا الحكم الفقهي الشرعي إلى مندوب أوإلى غير ذلك من ألأحكام التخفيفية، وكوجوب تنفيذ الأمر النصي كذلك الأمر بالنسبة للنهي، فهوواجب أيضا لا يخفف إلى مكروه أودون ذلك.
إن المتأمل في كتاب أعز ما يطلب يدرك وللوهلة الأولى من العنوان أنه كتاب له منزلة خاصة، فهوأفضل وأثمن ما يجب على الموحدي أن يطالعه، بل ويحفظه كحفظه للقرآن ويلتزم بتنفيذ ما جاء به حرفيان لأنه ليس من تأليف كاتب عادي فهومؤلف للحاكم، وليس أي حاكم فهو المهدي المنتظر والإمام المعصوم من الخطأ، ومن هنا قيمة الكتاب بشكل غير مباشر كقيمة القرآن والسنة النبوية. وهو كالقرآن كتاب للعلم والعمل به.
أما إذا تأملنا في محتويات الكتاب فإن الملاحظ فيه أنه متميز عن سائر
__________
(1) -ابن تومرت: أعز ما يطلب، تحقيق عمار طالبي، مقدمة المحقق، ص7. (13/232)
صفحة 225
الكتب المؤلفة في الحضارة الإسلامية سواء العقدية منها أو الفقهية، أو حتى الكتب الجامعة بينهما، ومن نقاط الاختلاف هذه أن سائر الكتب بما في ذلك المؤلفات التابعة لعلم النظر أو الفلسفة، فإنها عادة ما تستهل بالحديث في الإلهيات، كالحديث عن وجود الله وصفاته، وبصورة مختصرة نقول أننا عهدنا الكتب تبدأ بمسألة التوحيد والصفات الإلهية، في حين كتاب ابن تومرت استهله – كما سبقت الإشارة إليه – بالحديث في مسألة المعرفة، وسائلها ومصادرها، ومسألة اللغة ودلالاتها، لينتهي في نهاية الكتاب إلى مسألة الجهاد، وتأتي مسألة التوحيد والصفات في منتصف الكتاب.
كل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن صاحب الكتاب يعتقد فعلا بالعصمة إلى درجة لا تصدق، كما يعتقد في مقابل ذلك بقصور المتلقي وبافتراض جهله إلى أبعد الحدود، لذلك يبدأ بالتعريف بوسائل المعرفة وكأنه يقول للمتلقي بأنك تملك أدوات المعرفة لكن جهلك وقصورك جعلاك تهمل استعمالها، وأنا هنا من أجل أن آخذ بيدك لأعلمك كيف تعتمد سمعك ولسانك وتملأ فكرك بالعلم الذي سألقنه لك، وبالممارسات التي سأحددها لك، فعليك أن تمتثل ولا تخرج عنها قيد أنملة، وبعد هذا التوضيح يشرع ابن تومرت في تقديم تصوره الذي هوفي رأيه وبحكم عصمته أيقن وأصح تصورا، ومن هذه التصورات التي يعرضها وويلزمها ابن تومرت على أتباعه: الاعتقاد بأنه المهدي المنتظر وبأنه إمام معصوم يجب أن تكون طاعته عمياء، ومخالفته كفر وخروج عن جادة الصواب.
كل هذا يجعل من الفكر العقدي لابن تومرت وأحكامه الفقهية لا مجال فيها للمناورة والتلاعب، إذ من السهل جدا النزول إلى درجة الكفر حسب المنظومة العقدية والفقهية الموحدية بمجرد ما أن لا يلتزم أحد بأمر مهدوي ما، أو يخالف ما هو منهي عنه، ونظرا لصعوبة ومخاطر الانزلاق في الأحكام الفقهية القاسية، ونظرا لصعوبة التمييز بين عناصر الإيمان والكفر في العقيدة الموحدية كثيرا ما حكم على من كان مقربا من النظام الموحدي بالكفر والزندقة بين عشية وضحاها، كما حدث لأبي الوليد بن رشد، وهوالأمر الذي يدفعنا إلى القول إنه في كثير من الأحيان السياسي هو المتحكم في توجيه الحكم الفقهي أو العقدي. وصعوبة التمييز بين عناصر الكفر والإيمان تولّد في العقيدة غلوا وتكثر من الخصوم، بحكم أنه من السهل جدا إيجاد الشخص الذي (13/234)
صفحة 226
يحكم على أفعاله بالكفر، ذلك لأن صاحب مثل هذا التصور العقدي يؤمن بأن الإيمان يزيد بالتعلم والخبرة ولا يجب أن ينقص لأن النقصان يعني الخروج عن دائرة الإيمان، ومثل هذا الحكم والفهم كان ذريعة للمهدي بأن يقاتل ويضطهد الكثير ممن اعتقد بكفرهم أوخالفوه في أمر ما، ومثل هذا التصور يشترك فيه المهدي بن تومرت مع المعتزلة، بالرغم من اشتهارهم بالنزعة العقلية.
خاتمة:
من خلال كل ما سبق نستنتج أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يطبق أولا بواسطة التعليم وتكوين التلاميذ والأتباع ثم بحد السيف من خلال الوصول إلى الحكم وتأسيس نظام يقوم على خلفية عقدية معينة تتلخص في كلمة "مذهب"، لا مناص منها في أي دولة قامت ضمن الحضارة الإسلامية منذ نشأتها وازدهارها إلى ضعفها وحلول الحضارة الغربية محلها.
لقد أدرك المهدي بن تومرت وخلفاؤه أن التعليم هو الوسيلة الأولى والأنجع للوصول إلى الحكم والبقاء فيه أطول فترة زمنية ممكنة، وبلغة المنطق نقول أن التعليم ككل وتطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال التربية والتعليم أولا هو الحد الأوسط في قياس مقدمته الكبرى: الدين ونتيجته: بلوغ سدَّة الحكم والبقاء فيه.
ولأنه أدرك هذه الثلاثية جيدا ـــ التعليم والدين والسياسة ــــ احترف ابن تومرت صفة العالم وحامي حمى الدين بمذهب موحدي جديد قديم، جديد من حيث أنه مذهب يحل محل المذاهب القائمة في الحضارة الإسلامية، وقديم من حيث أن عناصره مؤلفة من أبرز المذاهب السائدة (أشعرية، معتزلية، شيعية، إباضية ... )، ولنشر مذهبه العقدي أو تياره السياسي عمل ابن تومرت معلما مرشدا، آمرا بالمعرف ناهيا عن المنكر، وتوج أستاذيته ومهاراته التعليمية وعلمه الواسع بادعائه أنه المهدي المنتظر، واقناع اتباعه بذلك بحد الكرامات – الحقيقية أو المفتعلة – أو بحد السيف كلما اقتضى الأمر ذلك، كل ذلك بهدف الوصول إلى سلطان المرابطين ليحل محلهم ويجسد مشروعه الوحدوي الموحدي.
وهو ما تحقق له بالفعل، لكن هذه السلطة لم يبلغها إلا بسفر شاق، (13/235)
صفحة 227
تعلم هاجر لأجله مشرقا، وهناك تشبع بالفكر الإحيائي والمنقذ من الضلال من مصدرهما وهو أبوحامد محمد بن محمد الغزالي، كما تشبع بمحاسن مذاهب مشرقية كانت مزدهرة. ومقابل ذلك أدرك معايب النظام المرابطي القائم بالمغرب الإسلامي، كما أدرك معايب كثير من المذاهب التي تسببت في تفرق المسلمين وتخلفهم في مناطق دون أخرى. كل هذا أنتج رجلا مقداما جريئا، كادت جرأته أن تقتله، وقتلت وأبادت الكثير، كما تروي ذلك المصادر التاريخية، ويعد الذين قتلهم بالآلاف، سواء من المنتصرين للتيار المرابطي أومن الذين خالفوه الرأي وتقاعسوا في نصرته ومساندته.
جدول يبين تتالي خلفاء الدولة الموحدية (1)
محمد المهدي بن عبد الله بن تومرت ... 515/ 1121 (475/ 1082 - 524/ 1130)
عبد المؤمن بن علي ... 524/ 1130 - 558
أبويعقوب يوسف بن عبد المؤمن ... 558/ 1163
يعقوب المنصور بن يوسف ... 580/ 1184
محمد الناصر بن يعقوب ... 595/ 1199
يوسف المنتصر بن محمد ... 610/ 1213
عبد الواحد بن يعقوب المنصور ... 620/ 1224
عبد الله العادل بن يعقوب المنصور ... 621/ 1224
يحي المعتصم بن بن الناصر ... 624/ 1227
إدريس المأمون بن المنصور ... 627/ 1230
عبد الواحد الرشيد بن إدريس ... 630/ 1232
__________
(1) -عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر، ج2، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر ط07 1415/ 1994م (13/236)
صفحة 228
نظرة على السفن الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط في عهودها الذهبية
الأستاذ: بكير بن عيسى بوعروة
المركز الجامعي -غرداية -الجزائر
ل
لقد كان لتوسع رقعة الإسلام والسعي للجهاد ونشر راية الحق والتبشير للدين الجديد، ثم مع انتشار التجارة إلى أصقاع لم تكن تخطر ببال المسلمين في بداية دعوتهم، وبفضل وقوعهم في معابر الطرق التجارية الدولية، أثر هام ومساعد في نهضة بحرية، وبروز ملامح هامة تبشر بعهد إسلامي كبير يشمل أجزاء واسعة من براري العالم وجزءًا شاسعا من البحار، ومن ضمنها البحر الأبيض المتوسط، وهو ما ساهم في بناء أنواع السفن المختلفة ومن هنا جاء اهتمامي بدراستها.
البداية التاريخية:
لم يعرف عن العرب أنهم كانوا أمة بحار فيما قبل الإسلام، ويبدو أن أول من أقام الحراسة والرباط البحري هو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فكان يأمر بإشعال النار في أبراج الحصون عند قدوم الروم من أجل التنبيه لصد الغزاة، فكان عمله دفاعيا بحتا، وهذا بعد تحققه من البحر وأخطاره وأهواله على المسلمين، وحفظا لأرواحهم، فقد كتب إلى "عمرو بن العاص"، يسأله عن البحر، فقال: «خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على عود». فكتب إليه "عمر" أن لا يركبه أحد طول حياته. فلما كان بعد "عمر" لم يزل يركب حتى كان زمن الخليفة العادل "عمر بن عبد العزيز"، فاتبع فيه رأي "عمر". أي أوقف النشاط الجهادي البحري أسوة بالفاروق وهذا شفقة على المسلمين (1).
لقد نشأ الأسطول الإسلامي نتيجة تخطيط مستقبلي بهدف بعيد، فبدأ عمله في الدولة الإسلامية الأولى منذ عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، إلا أنه كان نشاطا دفاعيا بحتا أول أمره، ثم توسع شأنه في عهد الدولة الأموية
__________
(1) -عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 1 ص 253. (14/237)
صفحة 229
فصار هجوميا بحيث شمل شرق البحر الأبيض المتوسط ووصل إلى غربه لأول مرة، ولقد سارت على هذا المنهج الدول الإسلامية التي نشأت في مصر، والمغرب الإسلامي والأندلس، وواصلت الدولة الأيوبية في الشام ومصر هذا الدور الهام بعد ذلك وكان لها دور كبير جدا.
في البداية وحينما استقر الأمر للمسلمين بمصر والشام شرعوا في الجهاد البحري حفاظا على الممتلكات، وتأمينا للنفوذ، وردا للغارات الصليبية التي أبت الخضوع للأمر الواقع، ولعل الفضل الأول يعود لمعاوية في عهد عثمان، إذ أمر ببناء السفن في مصر، كما ساهم عبد الله بن سعد حاكم مصر (1) في خلافة عثمان بإنشاء السفن، فغزا مع الخليفة معاوية جزيرة رودوس بـ1200 سفينة (2) وكذالك جزيرة قبرص وساهم بدور فاعل في المعركة الكبرى ذات الصواري، التي ورغم انتصارها الباهر، إلا أنها لم تقطع الخطر البيزنطي تماما، ثم جاء عبد الله بن قيس الذي غزا 50 غزوة ما بين شاتية وصائفة (أي شتاء وصيفا)، وممن اشتهر في التاريخ الإسلامي جنادة بن أبي أمية الأزدي (52هـ/ 672م) (3)، الذي غزا إقريطش (كريت) (55هـ/674م) وتهيأ له بعد ذلك مهاجمة البيزنطيين في عقر دارهم لأول مرة في التاريخ الإسلامي وهي بالطبع القسطنطينية.
لقد كان الجهاد من أبرز أسباب الفتوحات البحرية، وصنع أمجاده الكثير من الرجال، فمن أشهر القادة البحريين: معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن قيس؛ ومعاوية بن حديج؛ وموسى بن نصير، وطارق بن زياد؛
__________
(1) -عبد الله بن سعد بن أبي السَّرْح القرشي العامري (36هـ، - 657م). أخو عثمان بن عفان من الرضاعة. أسلم قبل الفتح، ثم هاجر إلى المدينة، وكان يكتب الوحي ثم ارتد. ثم أسلم. شهد فتح مصر مع عمرو بن العاص. ثم أمَّره عثمان على مصر. فتح إفريقية (تونس) في عهد عثمان في سنة 27هـ. كان قائد المسلمين في المعركة البحرية ذات الصواري سنة 34هـ.
(2) -محمود سعيد عمران، إدارة الإمبراطورية البيزنطية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1980، ص21.
(3) -من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد فتح مصر، وولى البحر لمعاوية، حدث عنه من أهل مصر مرثد بن عبد الله اليزني وأبو قبيل المعافري وشييم بن بيتان القتباني ويزيد بن صبح وغيرهم، توفي في الشام سنة ثمانين. أبو سعد السمعاني، الأنساب، ج 3، ص 180. (14/238)
صفحة 230
ورويفع بن ثابت الأنصاري (1)، وآخرهم صلاح الدين الأيوبي، وهناك كثيرون غيرهم.
ومن أشهر الفتوحات التي نفذها الأسطول الإسلامي، فتح قبرص؛ والمعركة البحرية الشهيرة بذات الصواري، وصقلية، والأندلس بنواحيه، وجزيرة رودس، وإقريطش (كريت)، وغيرها.
كانت نتائج هذه الفتوحات أن وصل الإسلام إلى عمق أوروبا حاملاً معه القيم الإنسانية، والحضارة التي بنت عليها أوروبا انطلاقتها في العصر الحديث.
وأمام انتصارات المسلمين المتتابعة، صرف الإمبراطور البيزنطي قنسطانز الثاني (641 - 681م) (2) نظره نحو محاولة استرداد الشام ومصر، ورأى أن يحوِّل نشاطه إلى القسم الغربي من حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت جيوش المسلمين الظافرة تهاجم إفريقيا وتشنّ الغارات على صقلية، وسردينيا، وقوصرة وغيرها من جزر البحر الأبيض المتوسط الغربي، ولكنه اصطدم هناك بقوى لم تكن في حسبانه تماما، إذ تمكن المسلمون هناك من إقامة مراكز لبناء السفن وإنشاء الأساطيل البحرية التي تمكنوا عن طريقها، لاحقًا، من فتح الأندلس.
طبيعة السفن الإسلامية:
توزعت البحرية الإسلامية أساسا بين بحرين هما: بحر القلزم وبحر الروم، وكانت هناك سفن تجارية وحربية.
فبينما كانت سفن البحر الأحمر تحاط بالليف التي يصفها ابن جبير: بأمراس من القنبار (3)، فإن التي بالبحر الرومي تدق بالمسامير.
ويقول ابن جبير: إن السفن ذات الدفتين لم توجد إلا بالبحر الأبيض
__________
(1) -شمس الدين السخاوي، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، دار الكتب العلمية 1993، ج 1، ص 235.
رويفع بن ثابت بن السكن بن عدي بن حارثة: الأنصاري المدني، صحابي، سكن مصر، وأمَّره معاوية على طرابلس سنة ست وأربعين فغزا أفريقية. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) -الملك البيزنطي الذي ينتمي إلى عائلة هرقل.
(3) -محمد بن أحمد بن جبير الكناني، رحلة ابن جبير، ج 1، ص 16. القنبار: هو قشر جوز النارجيل يدرسونه أن يتخيط ويفتلون منه أمراساً يخيطون بها المراكب. (14/239)
صفحة 231
المتوسط، وشاع فيها استعمال الشراع المربع الذي ابتكره المصريون القدامى، ومنها ما يتكون من طابقين أو ثلاثة، ولها ثلاث قلاع (1).
وإن مخترعات العرب المسلمين في مجالات الملاحة، كالإسطرلاب والخرائط وغيرهما، لعبت دوراً أساسيًا في قيام أوروبا بحركة الاكتشافات البحرية.
أسماء السفينة والسفن:
عرف المسلمون الكثير من السفن واستعملوها في مختلف المجالات التجارية والجهادية وغير ذلك وتذكر لنا المصادر و المراجع العديد منها مما يدل على كثرة ووفرة وتنوع كبير يدل على اهتمام واسع بهذا الميدان، فمن أهمها نجد:
الفلك، الجفل، الماجُشُونُ، الجراب، والخن، والآمد، والآمدة (2)، المعبدة، البارجة، القادس، المرزاب، القرقور، الخلية، النُّهْبُوغ (3)، الدسراء، والشذا، والهرهور، والحراقات، والظُّلْظُل، والزخارف، والسابحات، والباهرات، الكار، والخليج، والغارب، والطراد، السفن الصغار، العجوز الجارية.
بعض التفسير لمعاني أسماء السفن:
يلاحظ وجود عدد من السفن الإسلامية الصغيرة إضافة إلى الكبيرة، فمن الكبيرة مثلا نجد الصلفة (4)، والزَّنْبَرِيَّة (5) وغيرهما من أنواع السفن التي سأذكرها، وأحاول ذكر تفاصيلها، فمنها نجد:
*-الجراب والخن والجُفاية (6): السفينة الفارغة، فإذا كان مشحونة فهي غامد وآمد، ويقال أيضا: غامدة وآمدة، والخِنُّ: الفارغة أيضا.
*-الآمد والآمدة: السفينة المشحونة.
*-المعبدة: السفينة المقيَّرة.
*-الصلغة (7): السفينة الكبيرة.
*-البَارِجَةُ: سَفِينَةٌ كَبِيرَةٌ «وجمعُها البَوَارِجُ، وهي القَرَاقيرُ والخَلايَا، قاله الأَصمعيّ وقَيَّد غيرُهُ فقال: إِنَّها سَفِينَةٌ من سُفَنِ البَحْرِ تُتَّخَذُ للقِتَالِ» (8).
*-القادس (9): السفينة، وقيل: هو البيت الحرام. وقيل: السفينة العظيمة، وقيل: صنف من أصناف المراكب، وقيل: هو صِنْف من المراكب معروف، وقيل: لَوْحٌ من أَلواحها. قال الهذلي في ناقة:
وتَهْفُو بِهادٍ لَها مَيْلَعٍ
كما أَقْحَم القادِسَ الأَردَمُونَا (10)
*-المِرْزَابُ (11): السَّفِينَةُ العَظِيمَةُ، جَمْعُهُ: مَرَازِيبُ قَالَ جرير:
يَنْهَسْنَ مِنْ كُلِّ مَخْشِيِّ الرَّدَى
قُذُفٍ كَمَا تَقَاذَفَ فِي اليَمِّ المَرَازِيبُ
*-الظُّلْظُل السُّفُن، وهي المَظَلَّة (12).
*-القرقور: و"القرقور": ضرب من السفن، وقيل: هي السفينة العظيمة أو الطويلة، وجمعه قراقير، وفي الحديث: «فإذا دخل أهل الجنة الجنةَ، ركب شهداء البحر في قراقير من در» (13).
__________
(1) -أنور عبد العليم، الملاحة وعلوم البحر عند المسلمين، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، (يناير 1979).
(2) -إبراهيم مصطفى، وآخرون، المعجم الوسيط، تحقيق، مجمع اللغة العربية، دار الدعوة، ص 25. الآمدة: السفينة المشحونة، ج: أوامد.
(3) -حسن بن محمد الصغاني، العباب الزاخر واللباب الفاخر، بغداد 1977، ج 1، ص 363.
(4) -أبو الحسن علي بن إسماعيل النحوي اللغوي الأندلسي المعروف بابن سيده، المخصص، تحقيق: خليل إبراهيم جفال، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1417هـ/ 1996م، ج 3، ص 19.
(5) -محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، لسان العرب، دار الآفاق العربية، 1422هـ/2002م، القاهرة، ج4، ص330.
(6) -محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور، تهذيب اللغة، ج 4، ص 52. أما في كتاب اللطائف فهو اسم للماء أو اللبن.
(7) -ابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، 2000، بيروت، ج5، ص423.
(8) -محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي، تاج العروس، ج 1، ص 1333.
(9) -ابن منظور، المصدر السابق - (ج 6 / ص 168)، وكذلك في المعجم الوسيط، ج 2، ص 719. جواد علي المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، (ج 13، ص 249).
(10) -الأرْدَمون: الملاّحون.
(11) -محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني الملقّب بمرتضى الزَّبيدي أبو الفيض، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية، ج 2، ص 495، المرزاب: السفينة الطويلة.
(12) -ابن منظور، لسان العرب، ج 11، ص 415.
(13) -أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت، 1399هـ/ 1979م، ج4، ص74. (14/240)
صفحة 232
*-الخلية: السفينة العظيمة أو التي تسير من غير أن يسيرها الملاح، أو التي يتبعها زورق صغير. و"الخلية" العظيمة من السفن، والجمع خلايا. قال طرفة:
كأن حدوج المالكية، غدوةً
خلايا سفين بالنواصف من دَدِ
وقال الأعشى:
يَكُبُّ الخليةَ ذاتَ القلاع
وقد كاد جؤجؤُها ينحطم
*-النُّهْبُوغ: السفينة الطويلة السريعة الجري، شبهوها بالطائر، ويقال لها: الدُّوْنِيْجُ أيضاً؛ وهو معرب دوني (1).
*-الدسراء: السفينة، جمعها دسر، وهي التي تدسر الماء بصدرها (2).
*-الهرهور: ضرب من السفن أيضاً.
*-القارب: السفينة الصغيرة (3).
*-الحراقات: ضرب من السفن فيها مرامي نيران يرمى بها العدو في البحر (4).
*-الكار: سفينة منحدرة فيها طعام.
*-الطراد (5) سفينة صغيرة سريعة وهي السفن الصغار.
وسفينة مميزة في القصص القرآني ذات الوداع: سفينة نوح صلوات الله تعالى وسلامه عليه، وسميت سفينة لأنها تسفن، أي تقشر وجه الماء، جمعها: سفائن وسفن وسفين، وصانعها: سفَّان (6).
نماذج للسفن الإسلامية في الحوض الغربي للمتوسط:
لقد ضمت السفن العديد من الأنواع والأصناف بحسب موقعها وجغرافية وجودها، فمنها النهرية ومنها البحرية، فأما النهرية فهي التي
__________
(1) -أحمد بن مصطفى الدمشقي، اللطائف في اللغة (معجم أسماء الأشياء)، دار الفضيلة، القاهرة، ص231.
(2) -نفسه، ص231.
(3) -ابن سيده، المخصص، ج 3، ص 19.
(4) -إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، تحقيق: مجمع اللغة العربية، دار النشر: دار الدعوة،، ج1، ص 168.
(5) -أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، 1379، ج 8، ص 418. بدر الدين العيني الحنفي، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج28، ص155.
(6) -الدمشقي، المصدر السابق، ج1، ص 231. (14/241)
صفحة 233
كانت تسير في النيل ودجلة والفرات، أما البحرية فهي التي كانت تمخر عباب البحرين الأحمر والمتوسط (عموما)، وقد أشرت سابقا إلى أن السفن الخاصة بالبحر الأحمر تختلف عن مثيلتها الموجودة بالبحر الرومي أو البحر الأبيض المتوسط في العديد من الأشياء.
والجدير بالذكر بأنها كثيرة الأنواع، وسوف أقتصر في بحثي على نوعين من السفن التي اشتهرت في الحوض الغربي من البحر الأبيض المتوسط؛ وذلك لأنها المنطقة التي ننتمي إليها جغرافيا، وهي الأقرب لنا، كما أن التاريخ المغربي ناقص في الكثير من تفاصيله مقارنة بالمشرق.
1) الشواني:
الشواني جمع شينة أو شيني، وهي سفينة حربية كانت تعتبر في تاريخ الإسلام أكبر سفن الأسطول، وأهم قطع البحرية الإسلامية، وأعظمها شأنا، تضم أبراجا وقلاعا للدفاع والهجوم، وتحمل 150 رجلا (1)، وقد يجذفه 100 مجدِّف، وكانت تقام فيها الأبراج والقلاع للدفاع، وقد كانت بعضها تسير على الماء بمساعدة مائة وأربعين مجدافا (2).
استعملها الفرنجة والمسلمون، فعرفت الشواني الفلندية (ولعلهم من الفرنج الجنوبيِّين) بسواحل وهران سنة 871هـ، كما وصفها ابن شداد في نوادره بقدوم قوة صليبية إلى القدس لما قال: «إن نزول هذا العدو كان في شهر صفر، وكانوا ثلاثين ألفا في ستمائة قطعة ما بين شيني وطرادة وبطشة وغير ذلك» (3).
عرفها الفاطميون وأنشؤوا دارا لصناعتها، وبنوا تسعمائة شونة، وإنما بنيت هذه لتعصم الفواطم (4).
في الأندلس استعملها المسلمون والمسيحيون على حد سواء، فقد كانت تخدم الأندلسيين (5)، وساهمت في
__________
(1) -أبو شامة المقدسي، الروضتين في أخبار النورية والصلاحية، ج 1، ص 252.
(2) -المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، ج 1، ص 56.
(3) -ابن شداد، النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية في مناقب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ص 38.
(4) -المقريزي، المواعظ والاعتبار، ج 1، ص 444.
(5) -ابن سعيد المغربي، المغرب في حلى المغرب، تحقيق: شوقي ضيف، دار المعارف، 1955، مكان النشر القاهرة، ج2، ص301. (14/243)
صفحة 234
سقوط غرناطة بعد أن جمع أكثر من 200 منها وأنزلوا منها 100 منجنيق (1)، كما استخدمها الصقليون سنة 554هـ للهجوم على المهدية في حملات، ضمت إحداها 150 سفينة (2).
ويروي التاريخ بأن عبد المؤمن الموحدي هجم على أسطول قبرصي ضم عددا من الطرائد، وتمكن في الأخير من هزيمته وأسر له سبعة شوان (3).
2) الطرائد:
جمع طريدة، وهي تحمل الخيل للأسطول، كما يقول صاحب الروضتين (4)، كما قد تحمل عددا من الجند، وحسب عبد الفتاح عبادة صاحب كتاب سفن الأسطول الإسلامي فقد ذكر نقلا عن مخطوطة بالفتيكان قوله بأنها تحمل 40 فارسا على الأكثر، غير أن المقريزي يقول: إنها قد تحمل أكثر من ذلك بكثير، فقد تحمل ألف فارس (5)، أما لمقدسي أبو شامة صاحب كتاب: الروضتين في أخبار النورية والصلاحية فقد قال: إنه خلال الحروب الصليبية أَنزلت الطرائدُ في إحدى غزوات الروم على البلاد الإسلامية 1500 فرس حملت في 36 طريدة، والأمر يحتاج لأكثر من تفسير، مع هذا الخلط في الأرقام، فلعل المخطوط أخطأ، أو لعل الجند حشروا لسبب أو لآخر في زوايا المركب، أو لعلها تطورت بعدئذ أي ظهرت من المراكب التي فاقت ما سبقها.
لم يقتصر استعمال أنواع السفن على جهة محددة فقد استخدم الموحدون طرائد من أجل الدخول إلى جزيرة ميورقة التي تملكها بنو غانية بقوة.
ولم يقتصر استعمال الطرائد على المسلمين فحسب، بل لقد استعمله أيضا غيرهم من المسيحيين، فعرفت عند الإفرنج بتسميات مختلفة، إذ أطلقوا عليه اسم Tarida، أما الإيطاليون
__________
(1) -المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، ج 2 / ص 107.
(2) -أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق: جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1418هـ/ 1997م، ج 2، ص 138.
(3) -ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الكتب العلمية 1998، تحقيق: عبد الله القاضي ومحمد يوسف الدقاق، ج 5 / ص 73.
(4) -أبو شامة المقدسي، المصدر السابق، ج 1 / ص 252.
(5) -المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، ج 1 / ص 4. (14/244)
صفحة 235
Tartana والفرنسيون Tartan، وهي كما يبدوا أسماء مترجمة من التراث العربي الإسلامي.
الخاتمة
لقد اهتم المسلمون بعد الفتح بإنشاء عدد هام وكبير من السفن لمختلف أغراضهم الاقتصادية والجهادية، وكان لانتشار الإسلام دورا أساسيا في هذه النهضة الهامة، وإن المرء ليندهش أمام كل أنواع السفن وأحجامها وحتى أعدادها الكثيرة وهذا ما يؤشر إلى عمل جاد ونشاط فاعل وفعّال.
لقد استعمل المسلمون أنوعا عديدة من السفن التي لم تكن حكرا عليهم، فاستخدموها جنبا إلى جنب أمام المسحيين من الروم ورغم ذلك فقد تمكنوا من فرض سيطرتهم الفعلية في البحر الأبيض المتوسط فبعد أن كان البحر روميا مسيحيا صار بحرا إسلاميا بامتياز.
إن البحث ما هو إلا مجرد محاولة للغوص في معرفة طبيعة السفن الإسلامية، وهو موضوع حضاري بحت، بعيدا عن أخبار السياسة وأخبار البلاط التي هي أخبار محبطة وفي العالم الإسلامي (خصوصا)، ومن هنا جاءت محاولتي في البحث عن هذا الميدان الشيق والمهم، ولقد حاولت من خلاله الإتيان بالجديد في هذا الميدان الشيق، وهو يطرح الكثير من الأسئلة والإشكالات التي تفرض نفسها من قبيل: الفرق بين السفن التجارية والجهادية ومن ثمة ماهي الأسلحة التي استخدمت في هذه السفن، وأين هي المصانع والمرافئ صنعت فيها كل هذه السفن، وأسئلة تطرح عن طواقمها، وغير ذلك الكثير. (14/245)
صفحة 236
الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
معهد الحياة ــــ القرارة ـــ غرداية ـــ الجزائر
ا
الحمد لله الذي جعل الأيَّامَ في هذه الدنيا دولاً، وحدَّ للأنام في هذه الحياة أجلاً، وَعَد المؤمنين الذين يعملون الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار لا يبغون عنها حولاً، وتوعَّد الكافرين الذين يقترفون السيئات موعدًا لن يجدوا من دونه موئلاً، القائل في محكم تنزيله {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)}،والصَّلاة و السَّلام على من دنا وتدلَّى فكان قاب قوسين أو أدنى، محمدِ بنِ عبد الله ما ازيَّنت السماء بزينة الكواكب، واحتفت اللَّيالي بنديِّ الرَّواتب، واتَّسقت الجنان بشذيِّ الكواعب، وأثنِّي على الثلَّة السابقين، من الأنصار والمهاجرين، الذين اصطفاهم ربُّ الخلائق لآخر رسله صحبةً وبناةً، واختارهم لخير أممه نجومًا و هداةً، فكانوا خيَرة من ابتغوا إلى ربِّهم الوسيلة، وصفوةَ من زيَّنوا سماء الفضيلة، و ثلَّة من جاؤوا من الخيرات بكل جليلة، الذين لو أنفق أحدنا ملءُ الأرض ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم و لا قليله. فاللَّهمَّ صلِّ وسلِّم على خير من دعا ربَّه واستخار، وعلى القُلَّة من آل بيته الأطهار، والثلَّة من جلَّة صحبه الأخيار، وعلى من سلك دربه راشدًا إلى يوم تشخص فيه الأبصار.
أيها السادة الأفاضل: أعضاء حلقات العزابة الموقَّرة، أيَّتها السلطات الرسميَّة من (15/246)
صفحة 237
أمن وإدارة، أيُّها الوافدون علينا ضيوفا من خارج القرارة، أيَّتها النفوس المطمئنة الحاشدة في هذا الجمع المبين، ويا أيَّتها القلوب الراضية بقضاء الله رب العالمين، سلامٌ مكين تكنُّه الجوانح، وحُبٌّ دفين تدرِّيه الروائح، عيد تغمرنا فيه من الوليِّ الحميد المنائح، ولقاء تحلو لنا فيه على الأمجاد المدائح، من الماضين نستلهم ذكرًا، وللباقين نُخلصهم ذكرى، ديدنٌ نبغيه لنا عبر الزمان تميمةً وفخرًا، ومحتِدٌ نجنيه لدار المعاد خبيئة وذُخرا، صانكم الله تعالى من كلّْ بليَّة، ووقاكم من كل رزيَّة، ومتَّعكم في حياتكم بكل سنيَّة، وجعل جهادكم في سبيله إلى جنَّات النعيم مطيَّة.
نلتقي بعيون دامعة، وقلوب ضارعة، ونفوس خاشعة في هذه الساعة المباركة من مساء يوم الجمعة 12 ربيع الأول 1431هـ الموافق لـ 26 فبراير 2010م الذي يصادف اليوم الخالد في تاريخ أمجاد الإسلام، فهو يوم ميلاد المصطفى، وهو يوم هجرته، وهو يوم وفاته، لتوديع رجل تقيٍّ صالح، وولي نقيٍّ فالح، الشيخ قاسم بن موسى بن الحاج عمر بكوش، نزفُّه إلى مثواه الأخير، ونحفُّه إلى مضجعه الأثير، حيث الأحبةُ محمدٌ و صحبُه، في رياض الجنان يرتعون، وفي جوار الرفيق الأعلى ينعمون.
أيُّها الأحبة الأكارم، كثيرة هي المواطن التي يُرتجُّ فيها على المرء معتذرًا عن الكلام، وكثيرة هي السَّاعات التيِّ يُلجم فيها اللِّسان مندحرا بلجام، وكثيرة هي الأحاسيس التي لا يتسنىَّ فيها الإفصاح افتخارًا إلاَّ بلسان المقام، وكثيرة هي المناقب التيِّ تغيب عن الذهن انحسارًا إذا أريد لها أن تُقام، وكثيرة هي المواقف التيِّ تعجز النَفسُ انكسارًا أن تحظى فيها بمرام، فما أصعب الحديثَ عن شخص يصرُّ على أن يَرى نفسه تواضعًا صغيرًا، ويُلفيه الناس إجماعا كبيرًا، يرى مقامه هضما لذاته وضيعًا، ويعدُّه الكلُّ اعترافا بفضله رفيعًا، فما أشقى البيانَ أن يخرَّ مقهورًا، وما أتعس اللِّسانَ أن يظَلَّ مأسورًا، يضيق صدره و لا ينطلق لسانه، أمام خِلال تستحثُّه على الإفصاح، وخصال تستفزُّه على البواح، فتلكم لعمري مأساة الفكر إذا كان عيًّا، وآفة اللِّسان إذا كان ليًّا، وعاهة البيان إذا كان نيًّا، إحساسٌ عميق، وإدراك دقيقٌ، ومنطق لصيقٌ بي أمام فقيدنا اليوم الذي انتابته فترة من المرض العضال كانت سبب مغادرته هذه الدنيا الفانية، والتحاقه بدار الخلد الباقية، بعد عمرٍٍ حافلٍ بالمكرمات تجاوز السبعين، ودهرٍ كاملٍ بالمنجزات نراها عين (15/247)
صفحة 238
اليقين، قضى صباه في ميدان العلم والتَّحصيل، وأفنى سواده وبياضه في خدمة الصالح العام في كلِّ مسلك وسبيل، متحمِّلا الأعباء الجسام، في ظروف صعبة شحَّت فيه التَّضحية، وقلَّت فيه المروءة، ونزرت فيه الشهامة مردِّدا مقولة الشاعر الحكيم.
مررتُ على المروءة وهي تبكي ... فقلتُ علامَ تنتحبُ الفتاةُ
فقالت كيف لا أبكي وأهلي ... جميعًا دُون خلق الله ماتُوا
كان الأستاذ قاسم بكُّوش رجل زمانه بحقٍّ، وفتى الفتيان بصدقٍ، يتمتَّع بمواصفات الرجولة التيِّ تؤهِّله مناصب القيادة في مجتمعه، ولعل أهمَّها - والتيِّ نزر قوَّادها و نذر روَّادها في زمن الدَّعة وحبِّ الذات - هي العزيمة الصادقة والهمَّة العالية، التيِّ تتقارع دونها الأبطال، وتخوض من أجلها ميادين القتال، تصديقًا لمقولة أبي الطيِّب المتنبيِّ:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ ... وَتَأتي عَلى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها ... وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
لقد أكسبَته همَّته العالية شجاعة أدبيَّة، وأورثته عزيمته الصَّادقة براعة فكريَّة، فكان بطلاً مغوارًا في المعضلات، وجنديًّا مقدامًا في المهمَّات، ونقيبًا حكيمًا في الملمَّات، ومن ثمَّ كانت مختلف المجالس والهيئات تطلبُه لعضويتها لما أنست فيه من قوَّة وأمانة فهو:
*- عضوٌ في مجلس عمِّي سعيد؛ الهيئة الدينيَّة العليا المشرفة على مساجد الإباضية وأوقافها.
*- عضوٌ في مجلس باعبد الرحمن الكرثي؛ الهيئة العليا لأعيان وادي ميزاب، الذي يُعنى بالشؤون العامة والقضايا الاجتماعية.
*- عضوٌ في جمعية الحياة المشرفة على التَّعليم الحرِّ بمختلف مراحله، والمؤسسات الثقافية والتربوية التابعة لها في مدينة القرارة.
*- عضوٌ في جمعية قدماء التلاميذ السَّاهرة على الشؤون الاجتماعية والاقتصادية في مدينة القرارة.
*- عضوٌ في إدارة عشيرة البلات التي تعدُّ من أكبر عشائر البلدة، ثم رئيسٌ لها لعدة سنوات. (15/248)
صفحة 239
*- عضوٌ في جماعة الأخوَّة الساهرة على استقرار البلدة وربط أواصر المودة بين سكانها على اختلاف مذاهبهم وقبائلهم؛ شعاره {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)}، دثاره:
إنَّا لنرجو وفاقاً غيرَ منقطعٍ منَّا ومنكم، وهذا منتهى الأملِ
دعِ التحيُّزَ واصنع كلَّ صالحةٍ تنجُ البلادُ وحاذِر سقطةَ الزَّللِ
كان الفقيد من أعيان البلدة ووُجهائها الذين يتصدَّرون لهيبتهم المجالس، ومن أقران النَّجدة وحكمائها الذين يدرُّون لمقدرتهم النفائس. وحسبُه مقولة الشاعر أحمد نسيم:
هم رشَّحوك لأمر لو فطنت له ... فارْبأ بنفسِكَ أن تَرعَى مع الهَمَلِ
كان دؤوبًا في تحرُّكاته لإنجاز المصلحة العامَّة، وحريصًا على الاجتماعات المتوالية لإنفاد المنفعة التامَّة، لا يَثنيه عن بلوغ مقصده لِينُ فراش، ولا يَعنيه في تحقيق مأربه همسةُ واش، وكأني به يردِّد مقولة أبي العلا المعري:
تعبٌ كلُّها الحياةُ فما أَعـ ... جَبُ إلاَّ من راغبٍ في ازديادِ
إنَّ حُزنًا في ساعة الموتِ أضعا ... فُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ
كان صاراما جادًّا في تسير شؤونه الخاصَّة والعامَّة، لا يعرف مللاً ولا فتورًا، كما لا يبغي جزاء ولا شكورًا. حتىَّ لربما عدَّها البعض منقصة فيه ولكن:
وربَّما فات قوماً جلُّ أمرِهم ... من التأنِّي وكان الحزمُ لو عَجِلُوا
كان للسرِّ كتومًا، فما تراه ثرثارة في كل ناد، و كان للشرِّ عديمًا والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، وكان للخير كريمًا، وأحبُّكم إلى الله أنفعكم لعياله، يعمل في صمت، و يقول في خفت:
قد يعلمُ الناسُ أنِّي من سَراتِهمُ ... إذا سَمَا بصرُ الرِّعدِيدةِ الفرِقِ
وأكشِفُ المأزِقَ المكروبَ غُمَّتُهُ ... وأكتُم السرَّ فيه ضربةُ العُنُقِ (15/249)
صفحة 240
كان يؤمن بأنَّ الأعمال لا تحقِّقها كثرة الأقوال، وإنَّما تُعرف الرِّجال في ميادين النزال، لذا كان قليل الكلام كثير المرام شعاره:
ضِعافُ الأُسدِ أَكثرُها زَئيراً ... وَأَصرَمُها اللَواتي لا تَزيرُ
كان حظيًّا عند أبيه زوجِ أمِّه الشيخ أبي اليقظان رحمه الله، رعاه في صغره، واستوزه في كبره، أنشأه في حضنه، وسقاه من معينه، فكان له نعم الخادم يوم حلَّت به البليَّة، وحطَّت به الرزيَّة، فنال من بركات دعائه ما أينع غرسه، وأسعد عِرسه، وأكرم يومه، وأنجز حلمه.
أيُّها الاخوة الأفاضل لن نستطيع في هذه العجالة أن نرثي الفقيد بما هو أهل له، ولا نودُّ أن نبخس المجيد حقَّه فنعدِّد فيها أمجاده وأفضاله، وإن هي إلاَّ محطات قصيرة، وومضات قليلة نَلفت إليها النَّاشئة من أبنائنا، ونذكِّر بها الحاضر من إخواننا، فإليكم نبذةً مختصرة لحياة الرَّاحل إلى دار الخلود.
*- في سنة 1356هـ/ 1938م ولد الأستاذ قاسم بن موسى بن عمر بكوش بمدينة القرارة ولاية غرداية الجمهورية الجزائرية.
*- في سنة 1945 دخل مدرسة الحياة الحرَّة، والمدرسة الرسميَّة الفرنسيَّة لمزاولة مرحلة التَّعليم الابتدائي.
*- في سنة 1959 تخرََّّج من معهد الحياة العامر بعد ست سنوات من مرحلة التَّعليم المتوسِّط والثَّانوي.
*- في سنة 1959 التحق معلِّما في مدرسة الحياة الابتدائيَّة.
*- في سنة 1967 انتخب عضوًا في أوَّل مجلس شعبيٍّ بلديٍّ منتخبٍ بالقرارة إلى سنة 1971.
*- في سنة 1968 عُيِّن نائبا لمدير مدرسة الحياة محافظًا على رسالة التعليم التيِّ يمتهنها في نفس الوقت.
*- في سنة 1971 أعيد انتخابه في المجلس الشعبيِّ البلديِّ إلى سنة 1975.
*- في سنة 1982 عُيِّن شيخًا لعشيرة البلات فتحمَّل أعباءها الشاقَّة بكل جدارة وإخلاص، واستمرَّ على مشيختها إلى حين أقعده المرض. (15/250)
صفحة 241
*- في سنة 1983 عُيِّن لكفاءته عضوًا في حلقة العزابة الموقَّرة الهيئة الدينيَّة العليا فكان عضًوا بارزا فعَّالا.
*- في سنة 1994 عُيِّن نائبا مساعدًا لوكيل المسجد فكان حافظًا عليما على أوقافه.
*- في سنة 1996 عُيِّن مديرًا لمدرسة الحياة إثر اغتيال مديرها عبد اللاَّوي مرموري محمد في الحادث المروِّع الذي أودى بثلَّة من خيرة أبناء القرارة رحمهم الله، واستمر على إدارة المدرسة حازمًا عازمًا، وضابطًا ملازمًا إلى سنة 2006م.
*- في سنة 2006 وُكلت إليه مسؤولية مراقبة إنجاز مشروع الحياة الضَّخم، فكان نِعم المساعد النَّصوح للمشرف عليه المرحوم الحاج مسعود عمر بن بكير رحمه الله.
*- في شهر رجب 1427هـ/ أوت 2006م ابتُلي الفقيد بالشَّلل النِّصفي الذي أفقده قدراته العقليَّة، وأقعده الفراش لما خارت قواته البدنيَّة، فظلَّ يصارع المرض طيلة أربعين شهرًا، فاحتمل وطأة البلاء محتسبا صابرًا، وكان لربه دومًا ضارعًا ذاكرًا، حتىَّ وافاه أجله زكيًّا طاهرًا.
عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: «قلت يا رسول الله أيُّ النَّاس أشدُّ بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى العبدُ على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتُلي على حسب دينه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبد حتىَّ يتركَه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة». فما أحكم مشيئة الرحمن في كلِّ ما تأتي وتذر، وما أرحم عدالة الديَّان في كلِّ ما عظم ونزر، وما أتعس الإنسان إن هو طغى وكفر، و يا بشراه بالسعادة إن هو رضي وشكر.
أيُّها الأحبة في الله، لنا في كلِّ موت عبرة جليلة، ولنا في كل ميِّت فكرة جميلة، فما أرى الموت إلاَّ نازلاً على كلِّ نفس مهما امتدَّ بها الأمل، ودائلا كلَّ دولة مهما اشتطَّ بها الأجل، وكلُّ نفس ذائقة الموت، ومن لم يمت بالسَّيف مات بغيره، فيا معاشر الناس أعدُّوا العدة قبل فوات الأوان، واستعدُّوا للرَّحيل قبل أن يرفع للموت الأذان، فما تدري نفس بأي أرض تموت، فبأي آلاء ربكما تكذبان. (15/251)
صفحة 242
أيُّها الإخوة الأعزَّاء باسم حلقة العزابة الموقَّرة، باسم الجمعيَّات الخيريَّة الحرَّة، باسم القرارة جمعاء، نقدِّم خالص تعازينا لأنفسنا أوَّلا، ثم لآل الفقيد المحتفى به ثانيا، وللأمَّة المسلمة ثالثًا، سائلين المولى جلَّ في علاه أن يحقِّق في محتفانا قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)}، كما نسأله أن يلهم زوجه وولده وأهله جميل الصبر والعزاء، وأن يُحسنوا بأبيهم الاقتداء، وأن يتقبَّل منهم ما كابدوا من مشقَّة وعناء، و أن يخلف على المجتمع خلَفًا يحمل عنه جليل الأعباء.
كما نشكر لكلِّ الوافدين إلى هذا المكان الطَّاهر، رجالاً وعلى كلِّ ضامر، تحمُّلَهم مشاقَّ التنقُّل في يوم عيد غامر، وفاءً لرجال أخلصوا الجهود، ووفََّوا بالعهود، وفي ذلك تخفيف من عزائنا، وتفتيت لمصابنا. حفظكم المولى الرَّحيم يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ورعاكم البَرُّ الكريم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم، فلا أراكم مكروها فيمن تحبُّون، ولا أجزع نفوسكم فيما تأملون {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)}، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)}.
آمين، آمين، والحمد لله رب العالمين.
ألقيت هذه الكلمة في جنازة المرحوم،
مساء يوم الجمعة 12 ربيع الأول 1431هـ الموافق لـ 26 فبراير 2010م (15/252)
صفحة 243
الأديب الثائر رمضان حمود وجهاده الفكري
في الذكرى الثمانين لوفاته (*)
الأستاذ: خضير بن بكير بابا وعمر
باحث دكتوراه ــــ جامعة الأمير عبد القادر ــــ قسنطينة
م
مقدمة:
عرف تاريخ الجزائر الحديث أعلاما مبرزين أسهموا في نهضتها الحضارية وصناعة مجدها التليد بما أوتوا من فكر مبدع، وعلم نافع، وعمل متميز، فمنهم من حظي بالشهرة والتعريف، ومنهم من كان نصيبه الجهل والتنكير، وقد يكون هؤلاء المجهولون لا يقلون شأنا وفكرا عن زملائهم المعروفين، لكن يكفي الجزائر شرفا أنهم جميعا من نبتتها الطيبة، فالجزائر لا تزال أمًّا ولُوداً للعباقرة والعلماء، ومرتعا خصبا للمفكرين والنبغاء في شتى فنون العلم والمعرفة رغم ما نلحظه أحيانا من معوقات بيئية، وممارسة لسياسة التجهيل التي تطفئ شعلة الطموح في النفوس، وتئد الأفكار في مهدها.
وسيظل هؤلاء الأعلام في تاريخ الأمة منارات للاهتداء كالنجوم المضيئة في السماء، يذكرهم الجيل الصاعد، ويتخذهم أنموذجا حسنا للاقتداء. ومن هؤلاء الأعلام المتميزين الذين حملوا رسالة الفكر والتغيير في أرض الجزائر الفتى الثائر رمضان حمود الذي قد مرت على وفاته ثمانين عاما (1929م-2010م) إنه أحد رواد الحركة الأدبية والإصلاحية في الجزائر في تاريخها الحديث، كان ذا شخصية مبدعة في عطائها، متنوعة في جوانبها فقد عُرِف أديبا، وناقدا، وثائرا، ومصلحا، وسياسيا، ومفكرا، وحكيما. عاش عَقدين وثلاث سنين، عمر قصير من حيث الزمن، مبارك وخالد من حيث العطاء، يقول في شأنه الدكتور محمد ناصر: «وإذا منحته الحياة عمرا قصيرا، هو بعمر الأزهار أشبه، فإنه استطاع بمواهبه ونضاله أن يمدّ جذوره في أرضنا السخيّة ليكون هذه الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء» (1).
فما هي سيرة الفتى الثائر رمضان حمود؟ وكيف كانت مسيرته؟ وما هي مقومات شخصيته؟
__________
(1) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط2، 1985م، ص9. (16/253)
صفحة 244
وما هي آثاره العلمية؟ وفي أيّ المجالات تتجلى ثورته الفكرية؟ وما مميزات فكره؟
1 - سيرة رمضان حمود ومسيرته
هو الأديب رمضان حمود بن سليمان بن قاسم من عشيرة آل بلحاج، ولد سنة 1324هـ/1906م بمدينة غرداية، نشأ في أحضان عائلة متمسّكة بدينها، مُعتزّة بقيمها وأصالتها (1)، نال فيها الرعاية الكاملة من والديه تربيةً وتعليماً وتكويناً فهو الابن الوحيد لهما، ومما زاده محبةً وتقديراً في نفس والديه بُدُوُّ مخايل الذكاء والنبوغ عليه منذ صباه، فقد وفّرَا له كلّ وسيلة تعينه على الاستزادة والتحصيل العلمي في بيئة ساد فيها الجهل، وعَمَّها الفقرُ، وضَيَّقَ الخناق عليها المستعمر، قيودٌ بيئيةٌ ثلاثةٌ لاينفك من أغلالها، ولايقهر سلطانها إلا ذوو النفوس الشمّاء، والهمم القعساء، وذوو الإيمان الراسخ. ولقد كانت لعائلة "حمود " الصغيرة الأثر الأكبر في بناء شخصيته وصقل موهبته، فمن ينابيعها الثَّرَّة ارتوى مبادئ الدين، وتعلَّم الأخلاق العالية وفي مقدمتها الحرية، والجرأة، وحبُّ الوطن.
في السادسة من عمره ذاق حمود مرارة الغربة وهو الفتى الناعم الظفر، فاصطحبه معه والده إلى مدينة غيليزان حيث كانت تجارته، فتلقى تعليمه الابتدائي هناك بالمدرستين: الفرنسية النظامية والعربية الحرة، ويتحدث حمود عن نشاطه في المدرسة الرسمية قائلا -بضمير الغائب-: «كان في أثنائها مثالا للنشاط والاعتناء التام فقد ارتقى من الفصل الرابع إلى الأول في مدة لم تتجاوز سنتين جاعلا في كل فصل نصف سنة وكل فصل كان منقسما إلى رتبتين أولى وثانية، باجتهاده وتوقد ذهنه أحبّه معلموه كثيرا فكانوا يوبخون أقرانه ممن نشأوا في تلك البلدة بقولهم: "انظروا إلى هذا فإنه أنجب وأحفظ لدروسه منكم وهو غريب عن أهله ووطنه وأنتم المتمتعون بكل شيء"» (2).
__________
(1) -الزركلي: الأعلام، 3/ 59، أبو اليقظان: ملحق السير (مخ) 3/ 499، لجنة البحث العلمي: معجم أعلام الإباضية، ج2/ص261 - 263، الزاهري: شعراء الجزائر، ص 169 - 176، محمَّد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص 14 - 21. محمَّد ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ص20، محمَّد ناصر: الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية ص674 - 675، رمضان حمُّود: بذور الحياة، رمضان حمَّود: الفتى، الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 179.
(2) -رمضان حمود: الفتى، ص: 323 ضمن كتاب د/محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره. (16/254)
صفحة 245
ولكن حمود انتقد طريقة التعليم في عهده، فأما التعليم في المدرسة الفرنسية النظامية رغم حداثة مناهجه وتطور أساليبه فتعليم عقيم، يهدم القيم الروحية، ويمسخ مقومات الشخصية الجزائرية مسخا، ويصفه في قوله: «إن التعليم في تلك البيوت عقيم لا يُنبت شيئا، وإذا أنبت فالشّوك والحنظل، من سوء الأخلاق والتذبذب، وعقوق الوالدين، والخروج عن الجادة» (1).
وأما التعليم العربي الحر في الكتاتيب والمساجد فتعليم يعتمد على التلقين المُجرّد من الفهم، ويُحمَّل فيه المتعلّم على أغراضه التربوية بالقوة والإكراه، ويببن حمود نتيجة هذا التعليم على نفسه: «أربعة أعوام كاملة قضاها في حفظ القرآن فلم ينل في النهاية إلا سورا مرسومة في دماغه لا يفقه منها شيئا على أنه لم يكن يحفظها كلها لما تقدم من اضطهاد المعلمين لتلاميذهم عند تلقين كلام الله لهم. فكان يحضر بجسمه ولكن قلبه غائب، لأنه لا يحب أن يسيطر عليه أحد إلا الله لما جبل عليه من حرية وعظمة نفس فلما أجبر وغلب على أمره كانت النتيجة غير حسنة. لأن القوة مهما كانت لا تجلب إليها القلوب الكبيرة ولا تكسر حدتها بل ما تزيدها إلا مضاء على التمرد والعصيان، وإن كانت تستولي على الجسم الفاني في بعض الأحيان» (2).
هذه لمحة إلى وضع التعليم في الجزائر المستعمرة بيد أن حمود يعترف أنّ العلم مهما كانت رداءته فالجهل أردأ منه (3).
وفي السادسة عشر من عمره قرر والد حمود أن يبعث به إلى تونس قبلة المتعلمين آنئذ، فالتحق بالبعثة العلمية التي يترأسها الشيخ أبو اليقظان، والشيخ أبو إسحاق اطفيش، والشيخ محمد الثميني،
وهناك وجد الفتى الشغوف بالمعرفة ضالته المنشودة، وقد درس في عدة مدارس مدرسة السلام، فالمدرسة القرآنية الأهلية، فالمدرسة الخلدونية ثم جامع الزيتونة، ولم يقتصر نشاطه في الدراسة فقط بل كان يعمر أوقات فراغه بالتدريب على الكتابة والخطابة والشعر وكثرة المطالعة باللغتين العربية والفرنسية مما أكسبه ثقافة عصامية متمكنة في التاريخ والأدب والاجتماع والسياسة كما أسس هو وأصدقاؤه جمعية أدبية وطنية كانوا يلقون فيها خطبا ومحاضرات كلها تحوم حول الوطنية والدين (4). وقد قضى حمود
__________
(1) -المصدر نفسه.
(2) -المصدر نفسه، ص 329.
(3) -المصدر نفسه، ص 323.
(4) - المصدر نفسه، ص 334. (16/255)
صفحة 246
بتونس عامين كاملين يغترف العلوم من مناهلها العذبة ومواردها الطيبة، بكل جد واجتهاد جاعلا نصب عينيه رفع مستواه العلمي، وتكوين شخصيته. ولكن كان لتقاليد بيئته الجزائرية حكمها القاهر، فمن عاداتها أنها تحتم على الشاب التزوج مبكرا مما جعل حمود يترك متابعة دروسه بتونس ويقفل راجعا إلى وطنه وهو يفور إحساسا وشعورا. ويعلّق حمود على عادة الزواج المبكر ناقدا إياها نقدا موضوعيا بقوله: «وفي هاته العادة منفعة ومضرة، أما الأولى فإن الزواج يحفظ الشاب من التهتك والانقياد للنفس الأمارة والترامي في حضن العهر والفساد، ثم هو يتعلم الاتكال على النفس منذ الحداثة لأن والديه بعدما يرمونه في ذلك البحر الزاخر لا ينظرون إليه بالعين التي كانوا ينظرون إليه من قبل، بل يتركونه وشأنه –إلا القليل منهم– يسبح ويغوص ... أما المضرة فلأن الشاب قبل العشرين مهما كان حاله لم يقرر مصيره بعد، ولم يتجه إلى ناحية من الحياة ثابتة لا تزحزح يقضي فيها أيامه الآتية فهو لم يزل كالريشة في مهب الرياح لا تستقر على حال فمن الحكمة ألا توضع في عنقه تلك السلسلة المحكمة الثقيلة وهو لا يشعر باستقرار وجوده وغاية مصيره. وعلى كل حال فلا لوم إذ كل شيء قد سار في طريقه السّويّ فإن أولئك القوم لا يهمُّهم إلا أمر دينهم، فهم يُضحُّون بكل شيء في سبيله فلا يمحِّصون، ولا يقابلون، ولا يقارنون إلا بمكرسكوب الدين، فالدين له الدرجة الأولى في تسيير سفينة حياتهم الأدبية والمادية وما ضلَّ من جعل الدين دليله» (1).
عاد حمود إلى وطنه الجزائر، واستقر بمسقط رأسه (غرداية)، وأسهم بكل ما أوتي من قوة في تغيير أوضاع مجتمعه الصغير والكبير، تاركا وراءه إنتاجا فكريا متميزا. وظل خادما لرسالة العلم والإصلاح، وفيّا لأمته وإن أساءت في فهم نظراته وآرائه، حتى أدركته المنية وهو في ذروة العطاء والإنتاج في الثالثة والعشرين من عمره في مسقط رأسه سنة 1348 هـ/1929م بعد مصارعته الطويلة لداء السل الخطير الذي أعيى الأطباء داؤه، داء أصيب به نتيجة سكنى الطلبة الجزائريين بتونس في بيوت كالجحور مفتقرة إلى أبسط وسائل حفظ الصحة، مما أدى إلى إصابة الكثير منهم بعلل مزمنة وهلاك بعضهم (2).
__________
(1) -المصدر نفسه، ص 335 - 336.
(2) -عن وضعية الطلبة الجزائريين وظروف معيشتهم بتونس، يراجع: خير الدين شترة: إسهامات النخبة الجزائرية في الحياة السياسية والفكرية التونسية (1900 ـــ 1939م) , دار البصائر، الجزائر، 2009م، ص: 202 ــــ 209. (16/256)
صفحة 247
وبذلك ودَّع أهل مزاب والجزائر فتى ثائرا، وعالما مخلصا، وأديبا جريئا احتمل في سبيل الدفاع عن آرائه الشيء الكثير. وقد لقبه الإمام عبد الحميد بن باديس بفقيد الأدب والنهوض يوم نعاه إلى الأمة الجزائرية قائلا: «نعت إلينا زميلتنا "الإصلاح" (1) الغراء نبأ وفاة هذا الشاعر النابغة، والأديب الفتي، والمصلح الوطني، فوقع علينا ذلك النبأ الوقع المؤلم حتى كأنما بُتر عضو من جسد هيئتنا، وأظلم أمامنا قسم عظيم من مستقبل الجزائر، كنا نعلق إنارته على جده وعمله وإخلاصه وأعظم المصائب ما أثر في مستقبل الأوطان، وأفضح الرزايا ما أضعف قوة الأمم، فنحن والحزن يأخذ منا كل مأخذ، نعزي فيه الملة والوطن والأدب، سائلين له الرحمة والرضوان، ولآله الصبر والسلوان» (2).
2 - آثاره العلمية
إذا شاءت الأقدار أن يعيش الفتى حمود زمنا قصيرا فقد استطاع أن يكون حاضرا في عصره، يؤثر فيه ويتأثر به، ويشارك بمقالاته الأدبية ومؤلفاته الفكرية في صناعة أحداث عهده، وإصلاح أوضاع أمته بما أوتي من قوة وبيان. ويوضح لنا الدافع من تآليفه والهدف منها في قوله: «ولست من الذين يكتبون للتسلي، ويطلب الترويح عن النفس، ولا من الذين يتلذذون بالعبارات المنمقة الرقيقة، ولكني أكتب لأفيد وأستفيد، أكتب لا ليقال إنه كتب بل ليقول لي ضميري: "إنك قمت بواجبك، وأديت ما عليك فكن مطمئنا". ثم بعد هذا لا أرجو جزاء من مخلوق، ولا أخاف عقابا، إذ الله وحده يرجى بره، ويطلب منه العفو والثواب» (3). وآثاره العلمية تعكس تلك المنطلقات الصادقة في الكتابة، فالكتابة مسؤولية عظمى على عاتق الكاتب يتحمل تبعاتها، ولو كانت في ظروف قاهرة، وصدق الجاحظ في قوله:
وما من كاتب إلا سيفنى
ويُبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراه
فمن مؤلفاته ما يأتي:
*-كتاب بذور الحياة، يحتوي على خواطر فلسفية وحكمية عن الحياة، طبع بتونس سنة 1928م.
*-كتاب الفتى، وهو محاولة قصصية تروي سيرته الذاتية، وقد طبع بتونس سنة1929م.
*-حوالي ثلاثين قصيدة شعرية.
*-مجموعة مقالات أدبية واجتماعية موزعة بين الجرائد كالشهاب، ووادي ميزاب.
وقد جمع الدكتور محمد ناصر قصائده المتناثرة في الجرائد وكتابيه بذور الحياة والفتى في دراسة أدبية نقدية قيّمة، طبعت مرتين، الأولى بعنوان: "رمضان حمود حياته وآثاره". والثانية بعنوان: "رمضان حمود الشاعر الثائر".
3 - مقومات شخصيته
من خلال آثار حمود ومواقفه، واستئناسا بالأوصاف التي نعته بها معاصروه نحاول استجلاء معالم شخصيته القائمة على خصال خُلُقيّة وعلميّة، وهي فيما يأتي:
أ-الثّورية
وهي الصفة البارزة التي طبعت شخصيته فكرا وسلوكا، و يعبر عن ذلك زميله مفدي زكرياء في قوله:"إنه كان ثوريا في جميع آرائه وأفكاره إلا الدّين فأيّما عود عجمته منه إلا وجدته يتقد نارا وغيرة " (4) فلقد ثار حمود على التخلف الفكري، والتقليد الغربي، وعلى أنماط التعليم في عهده، وعلى الاستعمار الفرنسي الذي زجّ به في السجن وهو دون العشرين من عمره، وثار على كل شيء فاسد إلّا على الدين فقد حفظ حدوده، وتمسّك بأصوله.
وصفة الثورية متولدة عن صفات نفسية أخرى كالشجاعة، والإباء، وحب الحرية، والاعتزاز بالنفس.
ب- الغيرة الشديدة على الدين
تشرَّب حمود مبادئ الدين وأخلاقه الفاضلة من أسرته منذ صباه فشبَّ على التمسك بشعائره والاعتزاز بقيمه كالتقوى والورع والعفة والنزاهة، فكان له ذلك نعم الحافظ من الوقوع في مزالق الشطط والتهور رغم ثوريته وحماسته المتدفقة. فما أعظم أن تتقيَّد الثورات لاسيما ثوارت الشباب بضابط الدين والقيم، فالدين في نظر حمود «قوة معنوية تكهرب المرء، وتبعث فيه روح الأمل والإقدام على الدواهي وعدم الخوف من أي قوة كانت ... وليس الدين معناه الموت كما يظنون، ولكنه هو الحياة بعينها» (5)،
__________
(1) -نشر نعي الأديب رمضان حمود في مجلة "الإصلاح" للشيخ الطيب العقبي، ع 9 جانفي 1929.
(2) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص350 نقلا عن مجلة الشهاب لابن باديس، ج12 م5 و ج2 م6.
(3) - رمصان حمود: بذور الحياة، ص10 ـــ11.
(4) -المرجع السابق، ص21 نقلا عن مجلة الإصلاح للطيب العقبي، ع13، 27/ 02/1930.
(5) -رمصان حمود: بذور الحياة، ص 14 ـــ 17. (16/257)
صفحة 248
وقد اعتبر الدكتور محمد ناصر هذه الصفة هي مفتاح شخصية حمود (1).
ج-الطموح والحماسة:
كان حمود شعلة من الطموح والحماسة، تتوفر فيه مقومات الريادة من شجاعة و وبراءة وحسم، يسعى إلى تغيير أوضاع أمته وخدمة وطنه بعقله الحصيف وقلبه الكبير وجسمه الضعيف الذي لم يسلم من العلل، وأخطرها مرض السل الذي بدأ ينهش رئتيه وهو مازال طالبا بتونس، حتى أعيى الأطباء داؤه وأرشدوه بالابتعاد عن كل جهد فكري أو جسماني، ويعترف حمود أن «حمل المجد ثقيل، وثقيل جدا لا تحمله إلا النفوس الكبيرة المتشبعة بأنواع التضحية وعدم الاكتراث بالألم» (2) وصدق المتنبي في قوله:
وإذا كانت النفوس كبار
تعبت في مرادها الأجسامُ (3)
فالطموح والإرادة تبعثان الإنسان دائما إلى الأمام بقوة ليظفر ببغيته، ولا يتصف بهما إلا من كان ذا نفس عظيمة. يقول حمود واصفا نفسه (4):
خُلقت وفي نفسي ثلاث فضائل
إباء وصدق والطُّموح إلى العلا
فلا بارك الرحمن في علم إن أتى
إليَّ ولم أسلك طريقا موصلا
ولا عظُمت نفسي ولا عزّ شأنها
إذا أنا لم أرفع فعالي تجمُّلا
د-التأسّي بالعظماء
تَعَلَّق حمود بحبّ العظماء وقراءة سيرهم، والتأسّي بمواقفهم الشريفة من أيّ أرض أو زمن كانوا، فالقراءة للعظماء نزهة روحيّة وممتعة في عقولهم الواسعة، وأفكارهم المضيئة. وقد ارتكزت هذه الصفة في نفسه منذ صغره، فكان يتلذذ بسماع حكايات الأبطال والشجعان التي ترويها له جدته في كلّ ليلة، ويذكر ذلك في سيرته «وكان شغوفا بسماع الحكايات والخرافات التي ترويها بعض العجائز لتسلية الصغار وتثقيفهم في بعض الحيان إلا أنه لايعير سمعه وفكره إلا ما كان موضوعها ذكر الشجعان والأبطال والحروب. يسمع الحكاية في الليل من جدته، وإذا أصبح الصباح سمّى نفسه ببطل من أبطالها، ونادى أصحابه فأملى عليهم ما سمع، وسار بهم في أمد بعيد من
__________
(1) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص21.
(2) -المصدر السابق: ص56.
(3) -عبد الرحمن البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، راجعه د. يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط1، ص277.
(4) - رمضان حمود: الفتى، ص: 348. (16/258)
صفحة 249
التصورات والخيالات، فما تراهم إلا ملتفين حوله خاشعين منصتين كأن على رؤوسهم الطير ... وقد يُنظّم منهم جيشا، ويسير به إلى مقارعة عدوّ وهميّ ... وهو في أثناء ذلك البطل المغوار والقائد العام المحرك للميدان» (1)، ويقول عنه زميله مفدي زكرياء: «أتذكر أننا عقدنا تحَالُفا على أن نسرد تاريخ مصطفى كامل المصري في مدة خمسة عشر يوما، فأتينا عليه قراءة باستغراق جميع أوقات النهار وزلف من الليل، وكان كثيرا ما يتمنى أن يكون له ولد يسامره بحياة العظماء صبيا ... وقد أوثر عن حمود أنه كان كثير التّرنُّم بقول الرصافي:
إذا ما سمائي جاد بالذُّل غيثُها
أبَيتُ عليها أن تكون سمائيا» (2).
هـ-الاستقلال الفكري
عاش حمود في بيئة انتشر فيها التقليد، وسادها الجهل، واستعبدها مستعمر غاشم، وقد حاول ما في وُسعه التّحرر من هذه الأجواء الضيقة بذمه الشديد للتقليد، ودعوته إلى التجديد بمعناه الصحيح. فالتجديد في نظر حمود ليس آلة نهدم بها ما بنته أسلافنا، ولكنه قوة غير متناهية نرمّم بها الماضي، ونُمهّد بها المستقبل. وحركة التجديد لا تقف عند حدّ لأنّها سنّة الكون من لدن آدم إلى يومنا، ومُحال أن يعرقلها مُصَادم مهما كانت قوته ونفوذه (3).
ولعلّ ما ساعد حمود على تحرره الفكري ذكاؤه المتميز، وأسفاره العلمية، ونمط التعليم الذي تلقاه بتونس، وكثرة اطلاعه على الثقافات المختلفة باللغتين العربية والفرنسية.
ومجمل القول:
إن مقومات شخصية حمود متعددة يلخّصُها لنا أعزّ أصدقائه، ورفيق دربه في فترة التّعلُّم والشّباب شاعرُ الثورة مفدي زكرياء في قوله: «كان رحمه الله أديبا ظريفا، حلوّ الفكاهة، إذا جلس يُحادثك تخيَّلت أن الظّرف والحسن والجمال كلُّها جُمعت بين يديك، وكان مدار حديثه دائما في الوطنية والإصلاح وخدمة الأمة. كان كريما إلى درجة قُصوى، متواضعا لا لحد الإهانة، شريف النّفس عزيزها، ورُمي لأجل ذلك بالكبر والعجب، حادّ الذهن، قويّ الإرادة، شريف الإحساس، سليم الذوق، حاضر الحجة، ذكيّ الفؤاد. كان رحمه الله أبيًّا، مُفرطا في إبائه، وأبغض ما في الدّنيا إليه الظّلم والاستبداد ... وكان ذا شغف عظيم
__________
(1) -المصدر نفسه ص317.
(2) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص20.
(3) - رمضان حمود: بذور الحياة، ص 65. (16/260)
صفحة 250
بمطالعة سير عظماء الرّجال. هذه أخلاقه ولكن ملاكُها جميعا هي تقواه، وورعُه، ونزاهتُه، وعفَّته، في جميع مظاهره» (1).
4 - ثورته الفكرية
الفكر هو شهادة على العصر، وتعني الشّهادة كلمة الحق التي تفصل بينه وبين الباطل، وهو حُكم على واقع، وكشف لحقيقته، والمفكر هو هذا الشاهد، والشاهد هو الشهيد?،فالمفكرون شهداء الحق، ودورهم الشريف هو تغيير الواقع يوضح الدكتور حسن حنفي رسالة الفكر في قوله: «رسالة الفكر هي النفي، ونفي الوضع من أجل تغييره وتطويره، فالفكر أساسا رفض وثورة، وبالرفض يتغير الواقع، والفكر الذي لا يُغيّر لا يكون فكرا بل يكون تبريرا، وما تمّ عمله لا يتحول إلى فكر بل يصبح جزءا من الواقع وتطوره، والمفكر هو البادي بالتغيير والعامل على تحقيقه» (2).
ولقد اجتمعت عند حمود مواصفات المفكر الشاب الذي استطاع أن يعي تراث أمته القديم، ويرى واقعه الحاضر، و يدفع بمجتمعه نحو التقدم بكل ما أوتي من قوة. «إذ إنّ ما يمتاز به حمود هو مواقفه الثائرة التي لم تعرف مهادنة، أو تخاذلا، ولم توسم بازورار أو انقطاع، هذا على الرغم من حداثة سنّه، وما لاقاه في سبيله من عناء وبلاء» (3).
وتتمثل مجالات ثورته الفكرية فيما يأتي:
أ-المجال التعليمي والتربوي
سبق الحديث من قبل إلى نقد حمود لواقع التعليم الدينيّ والرسميّ في عهده، وأما الأول فوجده عقيما لا ينتج، ووجد أهله متمسكين بالقشور دون اللباب، وخاف أن يجر هذا الإهمال سقوط الدين، وضياع القيم فدعا إلى إصلاحه وتنظيمه، وكان «يرى من الواجب فتح مدارس نظامية مختصة لهذا الغرض تحت رعاية علماء الدين ونظرهم السامي، وهم يهتمون بها دون غيرهم ويعتنون بها حق العناية حتى يتخرج منها علماء أذكياء و مشرّعون فيوفّقون بين الدين الحنيف والمَدَنيّة الصّالحة العصريّة ليصير المسلم سيّد الناس كما كان أيّام السّلف» (4).
__________
(1) -المرجع السابق: ص109 - 110 نقلا عن مجلة الإصلاح للعقبي، ع13، 27/ 02/1930.
?-أي يلقى الشهادة (الاستشهاد) جزاء شهادته على عصره.
(2) -حسن حنفي: قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر، ص 10.
(3) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص26.
(4) -رمضان حمود: الفتى، ص: 340. (16/261)
صفحة 251
وأما التعليم الرسميّ الفرنسيّ فأهدافه تتصادم مع مقوّمات الشّعب الجزائريّ المسلم وشخصيّته الأصيلة.
وخوفا أن تتحطَّم أمته الضّعيفة تحت القُوّات الجديدة التي يقذفها العالم الجديد دعاها إلى مسايرة العصر في تلقّي العلوم الحديثة ومواكبة التطورات لتحقق وجودها الحضاري بين مصافّ الأمم، ولقد اقترح على أمته «أن تؤسس جمعية ذات فروع في الوطن وفي بلدان المهجر يكون غرضها الوحيد جمع المال لإرسال بعثات علمية متشبعة بالدين القويم إلى مختلف العواصم سواء كانت أوربية أم إسلامية لتتعلم كل ما يقال إنه علم فمن طب وحقوق ومكانيك ورياضيات إلى علم الآثار ولغات العالم وتربية الحيوانات، لا يستثنى من ذلك إلآ علم الزندقة والتذبذب والإلحاد. وأن تُجعل لهم دور تحت مراقبة أناس ذوي فضيلة ــــ إقامة جامعية ــــ يحفظون أخلاقهم ودينهم وعوائدهم، حتى إذا رجعوا إلى بلادهم ثقّفوا أهلها، ورفعوا مستواها بين الأمم» (1).
ب- المجال الأخلاقيّ
يرى حمود أن العلم وحده لا يكفي، بل هو سيف يقطع حامله إذا لم يكن له غمد من الأخلاق، فالأخلاق هي المادة الأوليّة لتكوين الشّعوب، فشعب بلا أخلاق لاحظّ له من الحياة، وهي التي تحفظ الأمم من الفناء، وتسقيها بماء الخلود والبقاء (2).
ثار حمود في نثره وشعره على الفساد الذي شاهده عامّا في أخلاق الأمة، و بيّن أن سبب هذا الانحطاط الأخلاقي راجع إلى سكوت العلماء، وجُبن الدعاة، والكُتّاب ورِضى الحُكّام.
فمن أحاديثه التي وجهها للشباب المقلّد للغرب قوله: «ما هذا التساهل في الدّين؟ ما هذا الإلحاد المخوف؟ ما هذا الاندماج في الغير؟ أين الأخلاق التي تزعمون أنكم تلقيتموها عن أساتذتكم الأوروبيين القائلين:"إن لكل أمة أخلاقها وعوائدها ومحال أن تعيش بدونها؟ "ما بالكم عميتم عن هاته الحقيقة أيها الشبان المارقون؟ وتزعمون أنكم فهمتم كل شيء وغيركم غاب عنه كل شيء. أتطمعون أن تبلغوا عظمة الغرب وجلاله وأنتم كالذباب لا يقع إلا على القذورات؟ ألم يبلغكم بأنكم صرتم أضحوكة العالم المتمدّن بالمخزيات التي تقترفونها تقليدا مع جهلكم بأساليب الحياة؟ فأنتم اليوم خليط من عدة عناصر متباينة عجيبة لم يحك لنا التاريخ أمثالكم في عصر من عصوره الغابرة. آه? لا أقدر أن
__________
(1) - رمضان حمود: الفتى، ص: 340
(2) - رمضان حمود: بذور الحياة، ص19 ـــ 21. (16/262)
صفحة 252
أقنعكم بشيء لأنكم لا تخجلون من اقتراف العار، ولأن نفوسكم قد مُسخت مسخا، وأرواحكم الشرقية الطاهرة فارقت أجسادكم، فاحتلتها أرواح سافلة متمردة تستمد قوتها من الرذيلة ووحيها من الشيطان. ما أشقاكم?، وما أشقى وطنا أنتم أبناؤه.?» (1).
ويؤكد أننا «إذا عدمنا الأخلاق الإسلامية، والتربية الصحيحة فمن الظلم أن نلوم غيرنا إذا دعانا إلى أخلاقه وعوائده، وساقنا كالأنعام إلى مجزرة أحلامه وأمانيه» (2). فالأخلاق عند حمود لا تنحصر في المظاهر الخارجية كأدبيات الجلوس، والقيام، والأكل، والرقاد، والتحية، والنطق فحسب، بل تتعدى إلى بواطن النفوس كتخليها عن الرذائل، وتحليها بالفضائل (3).
ج- المجال الأدبي
توصّل الدكتور محمد ناصر في دراسته القيّمة لأدب حمود إلى أنه كان أديبا ثائرا، التحمت الثورة به في جميع أعماله وأقواله، وصدر عنها في إنتاجه الأدبي المتنوع شعرا، ونقدا، ومقالة، وخاطرة. وتتجلى قيمة هذا الإنتاج في مضامينه الفكرية، وسبقه المبكّر إلى عرض بعض القضايا، وإن كان يفتقد إنتاجه من الناحية الجمالية إلى النضج والابتكار لقصر تجربة حمود الأدبية. كما يعتبر حمود رائدا من رواد الأدب الجزائري الحديث، وسبّاقا إلى معالجة بعض الأنواع الأدبية في الجزائر، كالنّقد الأدبي، وكتابة الشعر الحر، قبل انتشاره في الوطن العربي بعشرين سنة (4).
يقول رمضان حمود: «شَغَفِي بالتجديد في كلّ شيء ... فما بالك بالأدب الذي هو كلّ شيء» (5) لذا نراه يدعو الأدباء إلى ترقية الأدب والخروج به من طور التقليد والركود ليؤدي رسالته في واقع عصره: «فيا أيها الأدباء اجعلوا نصب أعينكم إعلاء الأدب العربي وترقيته، وافهموا واعتقدوا أن موقفنا مع أجدادنا الكرام كموقف الأم الحنون مع ولدها، فإنها إذا ربّته، وبلغ أشدّه واستوى، فلابد له من القيام والسعي في مناكب الأرض، لا الركود في حجرها والدوران حولها.
فبمكث الماء يبقى آسنًا
وسُرَى البدرِ به البدرُ اكتمل» (6).
__________
(1) -المصدر نفسه، ص22.
(2) -المصدر نفسه، ص20.
(3) -المصدر نفسه، ص21.
(4) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص349.
(5) -رمضان حمود: بذور الحياة، ص121، 123.
(6) -المصدر نفسه. (16/263)
صفحة 253
د- المجال الدّعوي
يعتقد حمود أن الدين الحنيف الذي نستظل بظله اليوم لم يصل إلينا إلا من طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما جندان من جنود الله لا ينتصران إلا تحت لواء الوعظ والإرشاد، من أجل ذلك غدا من الواجب إصلاح الخطاب الدعوي من حيث المضمون والمنهج والأداء ليتمكن الدين من النفوس. ودعا إلى أن تكون الدروس الملقاة في بيوت الله منتظمة توافق حاجيات الأمة، وتنير لها سبل الحياة المتشعبة، وتحضها على التمسك بالدين، وكل ذلك بأسلوب حكيم يذكر الخاص ويرشد العام، وأن يقوم بهذا العمل الجليل مرشدون ماهرون قد درسوا نفسية الأمة وخباياها، ولا يتكلون في إرشادهم على ما حوته الكتب فيسردون على العامة أبوابا وفصولا قد سمعوها مرات عديدة حتى لم تعد تؤثر فيهم، بل يجب أن يخترعوا أسلوبا وعبارات ومعاني تلائم عصرهم وبيئتهم وقومهم لأن الكتب التي في أيدينا اليوم –وإن وجب أن نقتبس منها ما قاله السلف الصالح- قد وضعت لأناس قد أتى عليهم الدهر، ونحن في عصر يخالف كل المخالفة ما سبقه، والسير مع الزمان عامل للفوز والنجاح ... (1) كما طالب بتفعيل دور المسجد في الأمة الذي هو قلبها النابض، وتنقيح أنظمته وقوانينه العرفية إذا اقتضى الحال، وإنقاذه من الإهمال بقيام شيوخه بواجبهم الشريف (2)
هـ-المجال الاجتماعي
دارت أغلب مضامين كتابات حمود على وصف الواقع الاجتماعي المرير الذي كان يتخبط فيه الشعب الجزائري، وكشف العلل التي كان يعاني منها، من تقليد، وجهل، وتخلف، وتفرق، وانحلال أخلاقي ... داعيا أمته إلى الأخذ بأسباب النهوض، وأساليب الحياة الجديدة المتطورة. ومن نماذج ذلك ما يأتي:
*-ثورته على العادات الفاسدة:
ويتجلى ذلك في قوله: «إن للأمة عوائد عديدة لا تتمشى والدين الإسلامي الحنيف، ولا ترمي إلى الغاية السامية التي يرمي إليها. منها ما هو موروث من زمن بعيد، فهو غير موافق للحضارة الجديدة الصالحة، ومنها ما خالف الذوق السليم والطبع المستقيم من أشياء أدخلها بعض ضعفاء العقول في وسطنا، كل هاته العادات وإن اختلفت وتنوعت بحسب القوة والضعف، إلا أنها كلها بعيدة عن الدين والفضيلة، وآفة في سبيل نهوض المسلمين، وحياتهم المنشودة، بل هي معول يُدمّر ما بنته الآباء والأجداد، ويفتح أبوابا عريضة
__________
(1) -رمضان حمود: الفتى، ص: 341 ـــ 342
(2) -المصدر نفسه، ص:340 - 341. (16/264)
صفحة 254
للفساد والتدهور الأخلاقيّ، يعسر على الخلف من بعدنا إبعاده» (1).
*-ثورته على الرجعية:
يقول «إن العصر جادّ في سيره فلنكن معه، وأما عهد الرجعية فقد مضى وانقضى، ومن أبى إلا الانكماش والانزواء في زاوية الجمود فإن الدهر وحده كفيل بتربيته وتقويمه أو كسره وإحراقه بنار الثبور التي أعدت لأولئك البؤساء» (2).
*-ثورته على التجديد المزيّف
يقول: «يريدون بالتجديد الإتيان بشيء لم يكن من قبل ولو كان مهلكة، والانتقال من حال إلى حال مهما كانت التكاليف، وبغير فكر ولا رويَّة ... فما لبثوا أن وقعوا في شرك محكم العقد، ألا وهو التقليد الأعمى يقلدون أناسا لا خلاق لهم ولا دين، يقلدونهم في مساوئهم الضارة، ولكنهم عن محاسنهم الواجبة غافلون ... » (3).
ولقد تألم حمود كمدا وحزنا للمصير الذي آلت إليه أمته في قصيدة رائعة بثّ فيها أحاسيسه وشكواه، ومن أبياتها ما يأتي (4):
بكيت و مثلي لا يحق له البكاء
على أمة مخلوقة للنوازل
بكيت على قومي لضعف نفوسهم
على حمل أثقال العلا والفضائل
بكيت عليهم والحشا متقطع
بكائي على طفل ضعيف العزائم
بكيت عليهم إذ رأيت حياتهم
مكدَّرة مملوءة بالعجائب
بكيت عليهم إذ نسوا كل واجب
ومالوا إلى حب الهوى والرذائل
و- المجال الاقتصادي
نحن ندرك أن الاقتصاد هو عصب حياة الأمة وشريانها الأساس، فبترقيته تقوى الأمة، وتحرز على استقلالها وتفخر بعزتها، وبتعطيل آلياته الحيوية فستعيش الأمة في طوق التبعية، وتذوق مهانة الاستعباد.
ولذلك دعا حمود قومه إلى تحسين التجارة لما وجد أغلبهم لم يزالوا يجهلون فنون الاقتصاد وأساليبه الواسعة، ودعاهم إلى إنشاء الشركات التعاونية، وتأسيس الجمعيات لحماية مصالحهم وتحديد الأسعار رفقا بالضعيف ودفعا للمنافسة المُضرّة، واتّباع القوانين المسطرة حتى لا ينشأ أي اختلال، وإنشاء جريدة عربية تتبع حركات الاقتصاد في العالم ليكون التاجر على بصيرة من أمره عند هبوط الأسعار وارتفاعها والاستفادة من سير الغير، وشراء البضائع من مصانعها بدون واسطة، إلى غير ذلك من بسائط فن التجارة. كما أن حمود لم يغفل عن مجالي الفلاحة والصناعة فاقترح أفكارا ومشاريع لتنشيطهما من أجل إنقاذ أمته من التخلف الاقتصادي، وحفظها من كل فساد. وأكدّ على ضرورة ضبط المعاملات الاقتصادية بأحكام الشريعة السمحاء والأخلاق الفاضلة (5).
ز- المجال السياسي
عانت الأمة الجزائرية من المستعمر الفرنسي الذي سعى جاهدا إلى مسخ شخصيتها الإسلامية، والقضاء على مقوماتها، واستنزاف ثرواتها معتمدا على سياسة البطش والقهر.
ويرى الدكتور صالح خرفي أن لفظة (السياسة) في قاموس الاستعمار الفرنسي للجزائر لا تكاد تتمتع بحقيقة اشتقاقها اللغوي، بل ربما اكتسبت على مرّ الأيام ومحك التجارب معنى جديدا لاصقا بها لا يتخلى عنه مفهوم القوة والبطش والظلم والاضطهاد ... وقد لخص (بيجو) قائد الاحتلال شعار الحملة الفرنسية على الجزائر في هذه الجملة: احتلال الجزائر بالسيف والمحراث، السيف في رقاب العرب، والمحراث في يد المستعمر (6).
والمتأمل في التراث الأدبي الذي خلّفه حمود ستهزُّ نفسَهُ تلك الصيحاتُ المجلجلة التي يستنهض فيها الشعب الجزائري ليطالب بحقوقه، وينفخ فيه روح الحماسة ليثور، ويحطّم عنه أغلال الاستعباد، مُحذّرا إيّاه أن يكون لقمة سائغة في فم المستعمر.
ومن نماذج ذلك قوله في قصيدة بعنوان "اطلبوا العز وعيشوا كرماء" (7):
موطن الأمجاد سيرا للعلا
عشت حرّا يا مقرّ الفضلاء
ارفع الرأس، وزاحم من علا
واترك الخوف لقلب الجبناء
وانشُد الحق وطالب ما ترى
فيه خيرا لبنيك النبلاء
لا تملُّوا لا تميلوا أبدا
إنما النصر حليف البسلاء
لا تكونوا لقمة سائغة
في فم الظلم فذا عين الفناء
لا تظنوا الصمت ينفي ضررا
__________
(1) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص152 نقلا عن جريدة وادي ميزاب لأبي اليقظان، ع114، 28/ 12/1928م.
(2) -المرجع نفسه، ص155
(3) -المرجع نفسه، ص145 - 146 نقلا عن جريدة وادي ميزاب لأبي اليقظان، ع113، 21/ 12/1928م.
(4) -محمد الهادي السنوسي: شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص173.
(5) -رمضان حمود: الفتى، ص 343 ـــ 346.
(6) -صالح خرفي: المدخل إلى الأدب الجزائري الحديث، ص15.
(7) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص185 نقلا عن جريدة وادي ميزاب لأبي اليقظان، ع92، 21/ 7/1928م. (16/265)
صفحة 255
فجمود الشعب والموت سواء
وقد زجّه المستعمر في السجن لنزعته الوطنية الثائرة وهو دون العشرين من عمره مع أحرار وطنيين سنة 1925م، إلا أنّ ذلك لم يفلّ من عزمه، بل زاده مضاء وثورة، وقد أوحت له قضبان السجن بهاته الأبيات (1):
سمعت بأن السجن أضيق من قبر
فألقيت قعر السجن أحسن من قصر
فماذا يفيد القصر والقلب حائر
وماذا يضر السجن من كان ذا قدر
ومن لم يذق طعم الردى بنضاله
سيشكو الأذى والدمع من عينه يجري
يعيش كئيبا حائرا طول دهره
يرى من صروف الدهر عسرا على عسر
خلاصة القول:
إن حمود كان في ثورته الفكرية وجهاده الإصلاحي صاحب رسالة واضحة الأهداف عبّر عنها بلسان فصيح في قوله (2):
في سبيل الله والحق ندائي وأفعالي
في سبيل الدين والشعب هيامي وغرامي
في سبيل الشرق والإسلام حبي واشتغالي
في سبيل العز ما لاقيت والمجد المضام
خاتمة
نستخلص من سيرة الفتى الثائر رمضان حمود ومسيرته النتائج والعبر الآتية:
*-الشباب المتدين المثقف هم قوة فعّالة في نهوض الأمم وترقيتها.
*-العمل في سبيل الدين والحق والأمة غاية عظمى لا يدركها إلا العظماء.
*-وضوح الرسالة في الحياة وتحديد الأهداف بوضوح سر النجاح والسعادة.
*-التمكن من العلم، وتنوع الاطلاع، والتحلي بالقيم العليا، من دعائم الشخصية الناجحة.
*-ارتباط صفة الثورية لدى الشباب بضابط الدين والقيم عامل أساس في ضمان نجاحها.
*-التوفيق بين الأصالة والتجديد ضرورة في حفاظ الأمم على حياتها.
*-التغيير الناجح هو الذي يشمل كافة مجالات الحياة المتنوعة، ولا يقتصر على جانب ويُهمل آخر، فالإنسان لا يعيش على الخبز فقط.
*-الصبر على ابتلاءات الحياة المختلفة واحتساب الأجر عند الله تعالى من أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة.
__________
(1) -السنوسي: شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ج1، ص 176.
(2) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص176 نقلا عن جريدة وادي ميزاب لأبي اليقظان، ع83، 18/ 5/1928م. (16/266)
صفحة 256
رسائل جامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
معالم النهضةالإصلاحية عند إباضية الجزائر
من سنة: 1157هـ \ 1744م إلى سنة: 1382هـ \ 1962م
ب
بفضل الله تعالى ومنِّه تمت مناقشة أطروحة دكتوراه الطالب: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج بكلية العلوم الإسلامية بالخروبة بجامعة الجزائر، في تاريخ: الأربعاء 20 جانفي2010م من لجنة مناقشة متكونة من السادة الدكاترة الآتية أسماؤهم:
1ـــ محمد الأمين بلغيث (أستاذ التعليم العالي) رئيسا.
2 ــــ محمد ناصر بوحجام (أستاذ التعليم العالي) مقررا.
3 ــــ عبد الله بوجلال (أستاذ التعليم العالي) عضوا.
4 ــــ مولود سعادة (أستاذ التعليم العالي) عضوا.
5 ــــ عمار جيدل (أستاذ التعليم العالي) عضوا.
6 ــــ الأمير طيبات (أستاذ محاضر) عضوا.
وقد استمرت المناقشة مدة خمس ساعات تقريبا، منح الطالب على إثرها شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية، تخصص عقيدة، بتقدير: مشرف جدا. وبين أيديكم ملخص البحث وأهم النتائج التي خلص إليها:
1 ـ أسباب اختيار الموضوع وأهدافه:
كان وراء اختيار هذا الموضوع عدة أسباب وأهداف يمكن إيجازها فيما يلي:
أـ ميولي للدراسات الفكرية الإسلامية، واهتمامي بالتاريخ الإسلامي منذ المراحل الجامعية الأولى، مما حفزني على المضي في هذا المنحى، والتخصص العلمي فيه، ودراسة النهضة الإسلامية الحديثة والمعاصرة.
ب ـ اعتقادي أن مجتمع إباضية الجزائر في وادي ميزاب له خصائص (17/268)
صفحة 257
ومميزات وتجربة نوعية عريقة جديرة بالعناية والدراسة، للتعريف بها وتقديم ثمرتها للعالم الإسلامي.
ج ـ اعتقادي أن مجتمع إباضية الجزائر يمرُّ بمرحلة حساسة من تاريخه، تواجهه فيها مخاطر وتحديات كبيرة، مما يستدعي منه العودة إلى تاريخه القريب, لدراسته وفهمه بعمق، واستلهام دروسه وعبره، لتقويم حاضره واستشراف مستقبله على ضوئه.
د ـ الأزمة التي شهدتها الجزائر على الصعيد السياسي والاجتماعي، والتي أفرزت سلبيات ومشاكل عويصة وأعادت التساؤل عن مشروع المجتمع الجزائري، والتساؤل عن هويته ومرجعيته وتاريخه، ومكونات شخصيته، مما دفعني لدراسة هذا الموضوع بهدف تقديم نموذج من المجتمع الجزائري، الذي أعتقد أنه حاول أن يرسم صورة عملية واقعية للتزاوج والانسجام والانصهار بين مقومات الشعب الجزائري في إسلامه وأمازيغيته وعربيته وتقاليده وأصالته، مع انفتاحه على العصر وتفاعله الإيجابي مع قضاياه.
هـ ـ الوضع الذي تعيشه الأمة الإسلامية في محاولاتها المتكررة للنهوض الحضاري، والخروج من ورطة التخلف والركود، للالتحاق بمصاف الأمم المتقدمة الرائدة للبشرية، فهي مطالبة شرعا بذلك، وقد قطعت أشواطا في هذه المسيرة الطويلة، ولا يزال أمامها الكثير، وقد شهدت فيها انتصارات وإخفاقات، ولا تزال جبهات الإصلاح والتغيير أمامها مفتوحة وإشكالات الحضارة أمامها مطروحة، هذا ما يستدعي الوقوف بالدراسة والتحليل والتقويم لكل تجارب النهوض والإصلاح التي عرفها العالم الإسلامي للاستفادة منها، ومعرفة مواطن القوة والضعف فيها، ومواطن النجاح والخطإ.
و ـ اعتقادي أن البشرية اليوم أضحت بحاجة ماسة إلى الإسلام دينا وعقيدة وشريعة أكثر من أي وقت مضى، ولا شك أن ذلك لا يتأتى للمسلمين في عصر العلم والقوة والمصلحة إلا بعرض الإسلام في قالب من ذهب، بأن يعاين العالم أمامه، ويرى رأي العين مجتمعات إسلامية نوعية عملية مجسدة على أرض الواقع، وليست نظرية أو تاريخية فقط، تأخذ بأسباب التمكين، وتحيى بإسلامها في عصرها، ولا تفر بإسلامها من عصرها، وتهتم بالإنسان عقلا ونفسا وجسدا وروحا.، وتجسد الحريات والمطالب الكبرى للإنسانية.
إذن: هذه هي الدوافع التي انطلق منها البحث ساعيا لتحقيق هذه الأهداف.
2 - ضبط عنوان الأطروحة: (17/269)
صفحة 258
حددت عنوان الأطروحة كما يلي:
معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
من سنة: 1157هـ \ 1744م
إلى سنة: 1382هـ \ 1962م
فما موقع كل كلمة في العنوان؟
ـ معالم: تعني إبراز الأسس والركائز التي قامت عليها النهضة الإصلاحية، والمنهج الذي سلكته، والأطر التي تحركت بواسطتها، والمجالات التي أحدثت فيها الإصلاح.
ـ النهضة: تعني بيان جهود المجتمع في مختلف المجالات في سبيل إعادة بناء بيته، وبعث حركته من جديد؛ بعد ما أصابه من ركود وهوان.
ـ الإصلاحية: تعني بيان طبيعة هذه النهضة، التي كانت لإصلاح ما أفسده الدهر، وغيرته الظروف في المجتمع، ومحاولة العودة به إلى جادة الطريق وصفاء الإسلام. فهي ليست ثورة ولا تغييرا لكل شيء من الجذور، أو هدم كل شيء وانطلاقا من فراغ، وبداية من الصفر، وإنما هي عملية ترقيع وتصحيح وتقويم وتصويب وبناء.
ـ إباضية الجزائر: تعني تحديدا للإطار البشري والحيز المكاني لهذه النهضة الإصلاحية، التي مست مجموعة من الناس يشكلون مجتمعا في القطر الجزائري يستوطنون منطقة وادي ميزاب، ولهم نشاط وحركة في أرجاء الجزائر، ويتبعون المذهب الإباضي.
ـ من سنة: 1157هـ \ 1744م - إلى سنة: 1382هـ \ 1962م: تحديد الإطار الزمني للبحث، أو الفترة الزمنية المدروسة، التي تندرج ضمن فترة التاريخ الحديث والمعاصر في تقسيم أهل التاريخ.
اخترت نقطة البداية من سنة 1157هـ \ 1744م لأنها تمثل تاريخ عودة الشيخ أبي زكريا يحيى الأفضلي إلى وادي ميزاب واستقراره فيه بعد رحلته في طلب العلم، وانطلاقه في عمله الإصلاحي، وهو يعتبر باعث النهضة الإصلاحية الحديثة في وادي ميزاب.
واخترت التوقف في سنة 1382هـ \ 1962م، التي هي تاريخ استقلال الجزائر، لأني أرى أن النهضة الإصلاحية اكتمل تبلور مشروعها خلال هذه الفترة، ودخلت في نوع من الاستقرار، ثم أنها عاشت ظروفا جديدة بعد الاستقلال، دفعتها لتغيير بعض الشيء في قواعد عملها ومنهج حركتها، مما يجعل منها مرحلة مستقلة تحتاج إلى دراسة خاصة.
كما أشير أني ركزت على تحليل فكر النهضة الإصلاحية في مرحلة قوتها ونضجها، خلال النصف الأول من القرن (17/270)
صفحة 259
العشرين بعد تحولها إلى حركة وتنظيم ومدرسة فكرية، بقيادة الشيخ إبراهيم بيوض، وذلك لاعتقادي أن المراحل السابقة كانت إعدادية، وكانت الجهود فيها فردية ومشتتة.
3 - أطروحة البحث:
ينطلق البحث من أطروحة علمية يتبناها، ويدافع عنها، ويحاول أن يثبت صحتها من خلال فصوله ومباحثه مفادها ما يلي:
إن إباضية الجزائر خلال فترة التاريخ الحديث والمعاصر قاموا بنهضة إصلاحية، ودخلوا في دورة حضارية جديدة، كان ميلادها مع منتصف القرن الثامن عشر، وقد مرت بمراحل إعدادية اتسمت فيها بالضعف والتشتت، ثم بدأت تنمو وتكبر وتجمع قواها وتنظم صفوفها مع مرور الوقت إلى أن شهدت أوج نضجها وقوتها وتمكنها من المجتمع مع منتصف القرن العشرين، وذلك بعد أن تحولت إلى حركة إصلاحية، ثم إلى مدرسة إصلاحية.
بذلت هذه النهضة الإصلاحية جهودا كبيرة مضنية لإحداث إصلاح شامل للمجتمع، مست فيه الجوانب الدينية والاجتماعية والتربوية والتعليمية والاقتصادية والسياسية، واعتمدت في إصلاحها الدين الإسلامي - عقيدة وشريعة - مرجعية لها، واجتهدت في إنزال أحكامه على الوقائع، وتفاعلت مع شؤون الحياة المختلفة لإحداث الإصلاح والتغيير، واستطاعت أن تقطع أشواطا معتبرة في مسيرتها هذه، وتحقق نسبة معتبرة من أهدافها.
4 - تساؤلات الأطروحة:
لإثبات هذه الأطروحة نحدد جملة من التساؤلات التي سيعمل البحث جاهدا ليجيب عنها، وهي تتمثل فيما يلي:
*-متى كان ميلاد هذه النهضة الإصلاحية، وما هي دواعي ظهورها؟
*-ما هي المراحل التي مرت بها؟
*-ما هي الأهداف التي كانت تصبو لتحقيقها؟
*-ما مفهوم هذه النهضة الإصلاحية؟
*-ما مدى استفادتها من المجتمع الإباضي وتراثه؟
*-ما هو تأثرها بالمحيط الجزائري والإسلامي، وما هو علاقتها به؟
*-هل كان لها منهج واضح التزمت به وسارت عليه؟
*-فيما تمثلت الأطر والوسائل التي اعتمدت عليها في تجسيد مشروعها؟
*-ما هي المجالات التي اجتهدت فيها لإحداث التغيير والإصلاح؟
*-هل اكتفت بجانب التنظير فقط، (17/271)
صفحة 260
أم استطاعت أن تبني تجربة عملية تجسد فيها أفكارها؟
*-فيما تتمثل أبرز منجزاتها، وأكبر معالمها، وأوضح مميزاتها؟
*-ما مدى قدرتها على تجسيد مشروعها، وتحقيق أهدافها؟
5 - مناهج البحث:
وظف البحث جملة مناهج حسب طبيعة النقطة المدروسة، كما يلي:
*-المنهج التاريخي: أثناء جمع المادة العلمية المدروسة وترتيبها ووصف أحداثها وتتبع المراحل الزمنية لها.
*-المنهج التحليلي: أثناء فهم الأحداث التاريخية والقضايا الفكرية، والقيام بتحليلها، أوتفكيكها، أوتركيبها، أو البناء عليها، لأجل الاستنتاج منها، وإدراك أبعادها، وتحديد نتائجها.
*-المنهج المقارن: أثناء القيام بالمقارنة بين النقطة المدروسة وغيرها من مثيلاتها أو شبيهاتها في تجارب أو مجالات أخرى.
*-المنهج النقدي: عندما تحتاج النقطة المدروسة إلى التقويم والنقد بعد الوصف والتحليل والبناء.
6 - هيكلة البحث:
اقتضت مادة البحث في الأطروحة أن تعتمد هيكلتها على الفصول والمباحث والعناصر، فتضمنت مقدمة وستة فصول وخاتمة.
كان الفصل الأول بعنوان: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر في وادي ميزاب.
وهو يعد فصلا تمهيديا؛ الغرض منه رسم صورة واضحة عن الظروف والأوضاع التي ولدت فيها النهضة الإصلاحية ونشأت وتحركت.
وقد افتتحته بمدخل بعنوان: المشهد العام للجزائر أثناء قيام النهضة الإصلاحية.
تناولت فيه الأوضاع العامة السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية للجزائر خلال العهد العثماني والاستعمار الفرنسي.
ثم قسمت الفصل إلى ثلاثة مباحث، تناولت في المبحث الأول الأوضاع السياسية لإباضية الجزائر خلال العهد العثماني، وعهد الاستعمار الفرنسي، وتناولت في المبحث الثاني أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتناولت في المبحث الثالث أوضاعهم الدينية والثقافية.
أما الفصل الثاني فكان بعنوان: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية.
قسمته إلى أربعة مباحث. تناولت في المبحث الأول ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها، وتناولت في المبحث الثاني جذور النهضة العلمية التي قامت (17/272)
صفحة 261
عليها النهضة الإصلاحية، وتناولت في المبحث الثالث المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية، حيث عرفت ثلاث مراحل، قادها في كل مرحلة عالم من العلماء. وخصصت المبحث الرابع لدراسة المرحلة الرابعة التي كان فيها تبلور النهضة الإصلاحية، وسميتها عهد تلاميذ القطب، لأن القاسم المشترك بين صانعي أحداثها هو التقاؤهم في التلمذة على قطب الأيمة الشيخ امحمد اطفيش.
أما الفصل الثالث فكان بعنوان: مفهوم الإصلاح ومرجعيته الفكرية والحضارية.
قسمته إلى أربعة مباحث. تناولت في المبحث الأول المفهوم اللغوي والاصطلاحي للإصلاح. وتناولت في المبحث الثاني مفهوم الإصلاح عند أعلام الحركة الإصلاحية. وتناولت في المبحث الثالث مفهوم الجمود وحقيقته في عهد قيام الحركة الإصلاحية، ذلك لكونه مصطلحا معاكسا للإصلاح، ويساعد على تميزه وتبلوره، كما أن الإصلاح قام على أنقاضه وكان من مبررات وجوده. وتناولت في المبحث الرابع المرجعية الفكرية والحضارية للإصلاح.
أما الفصل الرابع فكان بعنوان: عوامل قيام الإصلاح وأهدافه وركائزه الفكرية.
قسمته إلى ثلاثة مباحث. تناولت في المبحث الأول عوامل قيام الإصلاح، فهنالك عوامل داخلية، وأخرى خارجية. وتناولت في المبحث الثاني أهداف الإصلاح. وتناولت في المبحث الثالث الركائز الفكرية للإصلاح، المتمثلة في التربية والتعليم والوعظ والتوعية.
أما الفصل الخامس فكان بعنوان: أطر الإصلاح ومؤسساته.
قسمته إلى سبعة مباحث، عرضت فيها الأطر والآليات التي تحركت بواسطتها الحركة الإصلاحية لإحداث نهضتها. تناولت في المبحث الأول مؤسسة المسجد وبينت دورها وفلسفتها، وتناولت في المبحث الثاني مؤسسات التربية والتعليم، وتناولت في المبحث الثالث الهيئات العرفية المتمثلة في نظام العزابة وما يندرج تحته من تنظيمات، وتناولت في المبحث الرابع الأطر والمؤسسات الحديثة، المتمثلة في الجمعيات الخيرية ومؤسسات السلطة الاستعمارية، وتناولت في المبحث الخامس المحافل الاجتماعية، المتمثلة في محافل دينية وأخرى عرفية، وتناولت في المبحث السادس القاعدة الاقتصادية، فبينت كيف مولت الحركة الإصلاحية مشاريعها وبنت منجزاتها، وتناولت في المبحث السابع الصحافة فبينت دورها الإصلاحي، وتناولت في المبحث الثامن الجهود والعلاقات الخارجية للحركة الإصلاحية في الجزائر (17/273)
صفحة 262
ومع العالم الإسلامي.
أما الفصل السادس فكان بعنوان: الإصلاح التربوي التعليمي.
قسمته إلى خمسة مباحث. تناولت في المبحث الأول فلسفة الإصلاح التربوي التعليمي، وتناولت في المبحث الثاني التعليم الابتدائي ومدارسه، وتناولت في المبحث الثالث التعليم الثانوي المتمثل في معهد الحياة، فتتبعت مسيرته وعرفت ببرامجه وتنظيماته، وتناولت في المبحث الرابع تعليم المرأة، فبينت جهود الحركة الإصلاحية في تطويره، وتناولت في المبحث الخامس البعثات العلمية إلى الخارج، التي أنشأتها الحركة الإصلاحية وقامت بتنظيمها والإشراف عليها.
أما الخاتمة فعرضت فيها أهم ما توصل إليه البحث من نتائج، وختمتها برؤية استشرافية لمستقبل إباضية الجزائر.
7 - مصادر البحث ومراجعه:
اقتضت طبيعة البحث أن يعتمد على مصادر متنوعة، تجمع بين الدراسات التاريخية، والدراسات الفكرية الإسلامية.
فالمصادر التاريخية تقدم المادة العلمية التي يحتاجها البحث في تتبع الأحداث والوقائع، ثم توظيفها في فهم النهضة الإصلاحية، وتمثل ذلك في مصادر تاريخ إباضية الجزائر في وادي ميزاب، في فترة تاريخهم الحديث والمعاصر، أثناء الحكم العثماني، والاستعمار الفرنسي، كما تمثل ذلك في مصادر تاريخ الجزائر خلال الفترة نفسها.
أما المصادر الفكرية فهي التي تقدم المادة حول الفكر الإسلامي والحركات الإسلامية ومفهوم النهضة والإصلاح، وأسس هذا الفكر وآلياته وأثره في المجتمعات، وجهود أعلامه وأفكارهم وأعمالهم.
وفي هذا الإطار تدخل المصادر والمراجع التي تناولت الحركة الإصلاحية عند إباضية الجزائر وجهودها في جانب من الجوانب، مما كتبه أعلامها، ومما كتبه تلاميذها، ومما كتبه الدارسون لها، وهي تتمثل في الكتب والمقالات والجرائد والوثائق والرسائل الجامعية.
8 - صعوبات البحث:
حظي البحث بوجود العديد من الدراسات السابقة والممهدة لجوانب منه، مما فتح أمامي الآفاق للتحليل والبناء والتعمق.
لعل الصعوبة العلمية تتمثل في ترامي أطراف البحث، وفي غزارة مادته التاريخية والفكرية، وتنوع مصادرها، مما يستدعي خبرة كبيرة للتحكم فيها، واستثمارها، وتوجيهها، والاستفادة منها، ومما يستدعي كذلك أوقاتا طويلة، وجهودا كبيرة للإحاطة بها.
والصعوبة الثانية تتمثل في اعتماد (17/274)
صفحة 263
البحث على نوع من المصادر هي وثائق ورسائل ومذكرات ومقالات يصعب الحصول عليها، وأحيانا يتعذر، لكونها متناثرة هنا وهناك، ولكونها موجودة عند جهات خاصة من أسر المشايخ وأبنائهم وتلاميذهم. وأن الوصول إليها والاطلاع عليها لا يتأتى بسهولة، ويتطلب أسفارا وتنقلات ومواعيد ولقاءات وانتظارات، لا يتسنى الالتزام بها عادة؛ مما اضطرني إلى الاستغناء عن بعضها أحيانا، والاكتفاء بما اجتمع لدي.
والصعوبة الثالثة تتمثل في طبيعة الموضوع بكونه يتناول أحداثا معاصرة، قريبة الوقوع، وأن تداعياتها على الحياة الراهنة مازالت قوية، مما جعلني في أكثر من موضع في البحث أجد حرجا وصراعا مع نفسي بين قول ما اقتنعت به ورأيته صوابا وخلصت إليه وبين مراعاة الواقع وأثر كلامي عليه.
أما عن نتائج البحث فيمكن اختصارها فيما يلي:
9 - نتائج البحث
1 ـ إن ما شهده إباضية الجزائر خلال التاريخ الحديث والمعاصر يعد بالفعل نهضة إصلاحية، بالمعنى الاصطلاحي للكلمة.
2 ـ لهذه النهضة الإصلاحية جذور تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر؛ حيث شهدت لحظات ميلادها في وادي ميزاب بين أحضان حلقات العلماء والمشايخ، وفي جنبات المساجد.
3 ـ مرت هذه النهضة بعد ميلادها بمراحل إعدادية، عاشت فيها طور النشأة والصبا، وقد اتسمت فيها بالضعف والتذبذب، ثم بدأت تنمو وتكبر وتقوى مع مرور الزمن.
4 ـ بعد الحرب العالمية الأولى، مع مطلع العشرينيات من القرن العشرين شهدت النهضة الإصلاحية مرحلة انطلاقها القوي والمتسارع، وذلك لعدة عوامل داخلية وأخرى خارجية مكنتها من هذه النقلة النوعية في العمل والتحرك، كما أنها خلال هذه الفترة شهدت تحولها إلى حركة إصلاحية، بعد أن كانت عبارة عن جهود متفرقة، وأعمال مشتتة. ثم استطاعت مع الوقت أن تصبح مدرسة إصلاحية متميزة، لها فكر ومنهج ومؤسسات وأتباع.
5 ـ إن النهضة الإصلاحية صادفت خلال مسيرتها ظروفا اجتماعية قاسية شديدة؛ مما جعلها لا تراوح مكانها لفترة طويلة قبل أن تنطلق انطلاقتها الفعلية، تمثلت هذه الظروف والمعوقات أساسا في الجمود الفكري والجهل والاستعمار والفاقة والفتن.
6 ـ مع منتصف القرن العشرين بلغت النهضة الإصلاحية مرحلة قوتها ونضجها وتمكينها، وأصبحت قائدة (17/275)
صفحة 264
مجتمع إباضية الجزائر في وادي ميزاب وموجهة له، والقوة الفعلية الأولى فيه.
7 ـ إن إباضية الجزائر حظيت بامتلاك مجتمعها لنظام العزابة ولمؤسساته العرفية الاجتماعية، التي عملت على حفظ المجتمع من التفكك، وصيانته من الانحراف، وإبقائه في مستوى من الصلاح، والقابلية للدعوة والانصياع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبقاء خيط الإصلاح فيه رقيقا دون أن ينقطع، وضوء النهضة خافتا دون أن ينطفئ، رغم كل ما آلت إليه الأوضاع العامة. هذا ما دفع فجر النهضة الإصلاحية إلى البزوغ، وأعانها على العمل والنجاح والتمكين.
8 ـ إن الفكرة الإصلاحية تعني في عمقها إعادة بعث المجتمع على أسس الإسلام ومصادره وعقيدته وشريعته وأخلاقه وقيمه، وتطهيره مما شابه من فساد وانحراف وابتداع، في إطار المذهب الإباضي، والتجربة العرفية الميزابية الأمازيغية، والتفاعل الإيجابي مع العصر بمحاولة استيعاب قضاياه ومستجداته، لأجل بناء مجتمع مسلم أصيل ومعاصر.
9 ـ إن الفكرة الإصلاحية في عمقها تشكلت من الموروث الحضاري للمذهب الإباضي والمجتمع الميزابي، ثم تفتحت على العالم الخارجي فاستفادت منه وتأثرت وتطعمت ولقحت به تجربتها ونظرتها، تمثل ذلك أساسا في الفكر الإسلامي القادم من المشرق، مجسدا في الحركة الإصلاحية المصرية، والحركة العلمية والسياسية التونسية.
10 ـ إن النهضة الإصلاحية عند تحولها إلى حركة خلال القرن العشرين ضبطت خطة عملية لإحداث الإصلاح، والنزول بها إلى الميدان، وظفت فيها مجموعة من الأطر والمؤسسات والهيئات، بعضها كان موجودا من قبل فقامت بتفعيل دوره، وبعضها أحدثته من العدم، تمثل ذلك أساسا في المسجد ونظام العزابة ومحافل المجتمع والمدارس والمعاهد والصحافة والجمعيات ومؤسسات الدولة والعلاقات الخارجية.
11 ـ إن تيار المعارضة والمحافظة الذي اعترض طريق النهضة الإصلاحية، وكان حجر عثرة في سبيل قيامها، كانت له إيجابيات عديدة؛ فقد عمل على تحريك عجلة الإصلاح ودفعها لبذل جهد أكبر، وعمل على تجميع قواها وترتيب صفوفها وانضوائها تحت قيادتها.
كما ينبغي التأكيد على أن هذا التيار لم يتخل عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على وظائف الهيئات (17/276)
صفحة 265
العرفية، ونصرة التعليم المسجدي. كما أنه خلال الخمسينيات شهد مرحلة ضعفه وسقوط قلاعه وتشتت قواه والتحاق الكثير من أتباعه بصف الإصلاح, ثم تخلى عن معارضته تدريجيا، وسلك طريق الإصلاح في الكثير من مشاريعه وأعماله.
12 ـ أدركت الحركة الإصلاحية أنها لن تستطيع أن تذهب بعيدا في تشييد صرحها الإصلاحي إن هي لم توفر لنفسها سندا ماديا قويا وقاعدة اقتصادية ثابتة لتمويل مشاريعها وبناء مجدها. فاتجهت إلى توجيه الناس إلى العمل والكسب، وغرست فيهم روح البذل والعطاء في سبيل الله تعالى، وأقنعتهم بضرورة احتضان مشاريعها، كما عملت على إنشاء بعض المؤسسات الاقتصادية القوية بتكتيل جهود وأموال بعض التجار، كما أقامت جولات منتظمة لجمع التبرعات لمشاريعها والدعاية لها.
13 ـ أدركت الحركة الإصلاحية أن الصحافة سلاح معاصر جديد قوي ومهم، فولجت غماره وخاضت تجربة ناجحة فيه، من خلال تبنيها صحافة الشيخ أبي اليقظان ودعمها لها، واعتبارها لسان حالها ومنبرها الناطق باسمها والمعبر عن أفكارها وقناعتها وتوجهاتها ومواقفها. فقامت من خلالها بدور فعال في نصرة القضايا الجزائرية والإسلامية والدفاع عنها، وإيقاظ الوعي لدى الجماهير، ومحاربة الاستعمار وكشف مخططاته الفاسدة وسياساته المقيتة.
14 ـ أدركت الحركة الإصلاحية أهمية دورها الجزائري وواجبها الإسلامي، فربطت العلاقات الوطيدة مع علماء الجزائر ورجالها الوطنيين، وشاركت بالرأي والموقف والعمل في الأحداث والقضايا الوطنية. وناصرت وأيدت صوت الحق والوطنية، وأدركت أن ذلك يعد جزءا من رسالتها الإصلاحية.
15 ـ أدركت الحركة الإصلاحية أن من أكبر جبهات الإصلاح، ومن أكبر تحدياته إعداد الجيل الصاعد وتربيته تربية سليمة على أسس الإسلام وقيمه وثوابته وتحضيره للمستقبل، فركزت في فلسفتها التربوية التعليمية على البعد العقدي والأخلاقي والعلمي والاجتماعي العملي، فكرست جهودها في مسيرة متواصلة لم تشهد أي توقف أو تعثر لبناء هذا الجيل، وإحداث الإصلاح التربوي التعليمي؛ ففتحت المدارس، وطورت البرامج، وجلبت التجارب، وشجعت التعليم الفرنسي، وأنشأت معهد الحياة وخصته بعناية فائقة، ورابط أعلامها ومشايخها في حلقاته، ورأت فيه (17/277)
صفحة 266
مشتلة لتخريج النخب والكفاءات، وأرسلت طلبتها لاستكمال دراستهم في المعاهد والجامعات الإسلامية، وأنشأت لهم البعثات العلمية لرعايتهم وتوفير ظروف الدراسة واستزادة التكوين.
16 ـ التفتت الحركة الإصلاحية إلى تعليم المرأة، فوجدته في حالة بدائية يرثى له، فقامت فيه بجهود معتبرة، ففتحت المدارس، وطورت البرامج، ونشرت التعليم وقلصت الأمية.
17 ـ تواصلت جهود الحركة الإصلاحية في المجال الاجتماعي والتربوي التعليمي بعد استقلال الجزائر ولم تشهد توقفا أو تعثرا، إدراكا منها بأهمية هذا العمل وحاجة المجتمع الأكيدة والمتجددة له. فلم تتنازل عن مؤسساتها ولم تقبل إيقاف مسيرتها بأي حال من الأحوال.
كما شهدت مع فجر الاستقلال مرحلة اكتمال نضجها وبناء صرحها واستقرار بنيانها، رغم الهزات العنيفة التي لاقتها من بعض دوائر حزب جبهة التحرير الوطني وأجهزة السلطة على المستوى المحلي في وادي ميزاب.
18 ـ اعتمدت الحركة الإصلاحية على محورية القيادة، التي تمثلت في نخبة من العلماء والمشايخ والأعيان، التي كانت تحرك خيوط المجتمع وتصنع أحداثه، مع التركيز على شخصية الزعيم القائد الشيخ بيوض، حيث كان رمز الإصلاح وإمام الحركة وقدوتها وزعيمها والناطق باسمها، ولعل ذلك ما ينسجم مع طبيعة المجتمع، الذي يدين للشخص الرمز ويضع ثقته الكبيرة فيه.
19 ـ نستطيع القول إن الحركة الإصلاحية قدمت نموذجا عمليا وتجربة واقعية معاصرة للعالم الإسلامي في قدرتها على بناء مجتمع يدين عمليا بالشريعة الإسلامية ويلتزم بها في أغلب مجالات حياته، ويجتهد في إطار مبادئها ليجد حلولا لمشاكله الراهنة.
بهذه الجهود العظيمة والأعمال الجليلة نستطيع القول إن النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر شاركت في إحداث النهضة الجزائرية، ومن ورائها النهضة الإسلامية.
هذه هي أهم النتائج التي توصل إليها البحث، وبذلك نكون قد أثبتنا الأطروحة التي تبنيناها؛ القائلة بإن إباضية الجزائر أحدثوا نهضة إصلاحية في تاريخهم الحديث والمعاصر. (17/278)
صفحة 267
جمعياتنا وترسيخ القيم
رسالة الدكتور صالح خرفي (رحمه الله)
إلى الجمعية العامة لجمعية التراث
(02 رجب 1410) - (29 جانفي 1990)
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حضرات المشايخ و الأساتذة و الزملاء
أعضاء الجمعية العامة لجمعية التراث
" تحيتهم فيها سلاما"
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته، ظلل الله جمعكم الكريم مؤتمرًا لوحدة الصف، و منتدى لوحدة الكلمة، و وحدة الكلمة في الأهداف، ليست مانعة من الاجتهاد في الوسائل {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)}.
و عندما يحتكم جمعكم الكريم إلى كتاب الله، فإن لغته المقدَّسة واحدة موحدة، تحمل في معناها روح الإسلام، و في مبناها سر العروبة، "فليست العروبة لأحدكم من أب و لا أم، و لكنها اللسان، فمن تكلم العربية، فهو عربي" صدق رسول الله.
و في هذه النفحة النبوية الشريفة، تتلاشى دعاوى جاهلية المستعمر، حاول أن يسود بها بالأمس، ففشل، و يحاول أن يعود بها اليوم وسيفشل، بإذن الله، وباعتصام هذا الشعب بقيمه الروحية، وثوابته الخالدة، {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}، صدق الله العظيم.
و إذا فرض المستعمر بالأمس مبدأ (فرِّق تسُد) فاضطرت الحركات الوطنية والإصلاحية تحت ضغط هذه التفرقة إلى الانكفاء في جبهات ضيِّقة. (18/279)
صفحة 268
فإن السيادة الوطنية اليوم تفرض مبدأ (وحِّد تسُد). بل إن التكتلات العالمية اليوم، تتجاوز الوحدات الوطنية إلى الوحدات الإقليمية. وإن الإسلام يتجاوز كل ذلك، إلى الوحدة الإنسانية. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)}
صدق الله العظيم.
أيها الجمع الكريم:
في مراحل تأسيس الجمعيات، وخاصة في المجال الحضاري والفكري، لا يتساءل المرء عن ما أُنجِز، بقدر ما يتساءل عن ما تمَّ ترسيخه من قيم ثابتة ومعالم هادية و مداخل صحيحة، تعين على المسيرة الطويلة، و تأمن العثرات.
ففي المستقبل الواسع، مجالٌ أوسع للإنجازات المحسوسة، و الثمرات المطلوبة، ولكن فرص التأسيس السليم ضيِّقة للغاية، و أضيق منها فُرص التصحيح لأخطاء قد تكتنف المنطلقات الأساسية.
و إن الوفاء لمبادئ (جمعية التراث) في إطارها الفكري و الحضاري هو الكفيل بالتفاف القلوب حولها، وسخاء النفوس في سبيلها.
وإن الالتزام بعدم الزجَّ بالجمعية في متاهات تحتدم فيها المصالح الآنية، والغايات العابرة، و السمو بالجمعية عن أن تكون مطيةً لطموحات شخصية أو تصرفات فردية، كلُّ ذلك كفيلٌ بأن يجعل الجمعية منارة مشعَّة في بناء الجزائر المعاصرة.
و بقدر احتكام الجمعية في برامجها و أنشطتها إلى ما يوحد ولا يفرِّق، ويؤاخي و لا يعادي، و ينصف و لا يطفِّف، و إلى ما يضمن الوفاء للسابق قبل اللاحق، والذكر الطيب للراحل قبل الماثل، تكون الجمعية مطمح كل مخلص لدينه ولغته ووطنه، و مصدر اعتزاز بالانتساب إليها و العضوية فيها. (18/280)
صفحة 269
والمؤسسون، إنما يَذكُرهم التاريخ لأنهم أسَّسوا على هُدى من الله، و نكران الذات، أسَّسوا للأجيال فذكرتهم الأجيالَ الذكرَ الطيب، {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)} صدق الله العظيم.
في الاجتماع التأسيسي لجمعية التراث، كان يتصدَّر جمعَكُم المهيب، المربي المصلح، والأستاذ والأديب، رجل المواقف، و أنس المجالس، نموذج الشباب الحي حتى أنفاسه الأخيرة، و الحضور المتميِّز كلما دعا داعي الخير و الصلاح، الأستاذ الراحل إبراهيم قرادي.
اختاره الله لجواره، ونحن في ساعة العسرة، أشد ما نكون حاجةً إليه، إلى عمله وفضله، و نظرته الرائدة، عندما تتشابك السبل، و ذاكرته العامرة عندما يطغى النسيان، وحكمته العظيمة عندما تصغُر النفوس، واختيار الله عبده للآخرة أعزّ ما تكون الحاجة إليه في الدنيا، إنما هو دليل السعادة في الدارين، و ناهيك إذا كانت العتباتُ المقدَّسة هي المدخل إلى السعادة الباقية.
تغمَّد الله شيخنا وأستاذنا إبراهيم قرادي برحمته الواسعة، وجعل البركة المباركة في البقية الصالحة من مشايخنا وأساتذتنا، وفي صدارتهم أستاذ الأجيال السابقة و اللاحقة، و رمز المسيرة التربوية والتعليمية و التعربية على مدى ما يقرب من سبعين عاما؛ الشيخ شريفي سعيد. أمد الله في عمره.
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)} صدق الله العظيم.
تونس الاثنين 02 رجب 1410هـ الموافق لـ 29 جانفي 1990
الدكتور صالح خرفي مدير إدارة الثقافة
(المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم)
- - - (18/281)
صفحة 270
على وقع خطى مالك بن نبي
من سمات التخلف إلى بذور الحضارة
الدكتور: محمد بن موسى بابا عمي
مدير معهد المناهج -الجزائر
ت
تعرَّفتُ على مالك بن نبي في يوم من أيام الله، ولما أتجاوز التاسعة عشر من العمر، طالبا في ثانوية مفدي زكرياء أوائل الثمانينيات من القرن المنصرم، وكان لأستاذ اللغة العربية "ابن ساحة" الفضلُ في ذلك، ولعلِّي سمعت اسم "مالك بن نبي" وتعجبت من هذه الصيغة، في إحدى دروس اللغة العربية التي كان أستاذي يديرها بنجاح وإبداع منقطع النظير.
وأول كتاب قرأته هو "مذكرات شاهد للقرن" باللغة العربية، مرحلة "الطفل" ثم "الطالب"، ولهذا الاختيار دافع معقول هو: أنني وأنا الدارس في شعبة الرياضيات وددتُ الدخول في شعبة أدبية فكرية اجتماعية، ولم يكن المحيط يحبِّذ مثل هذا «النزول» من مستوى هو الأعلى إلى مستوى - في أعين الجميع - هو الأدنى ... غير أني وجدت في مالك بن نبي الأنموذج والمثال، فهو المهندس الذي تحوَّل من "المعادلات الرياضية" و"الرسوم الصناعية" إلى "النظريات الحضارية" و"المعالجات الفكرية" ...
فصادف ـــــ بهذا ــــ هوىً في نفسي، وأمدَّني بالراحة والطمأنينة، وكنت دوما أفتخر بهذا التشابه، وإن لم يكن عميقا، إلاَّ أنَّ التشبُّه بالكرام فلاح ...
ثم بعد توقٌّفي سنة 1988 عن الدراسة بجامعة باب الزوار، والتحاقي بالمعهد العالي لأصول الدين في الجامعة المركزية، شاء الله أن تُفتح نافذة الحرية على كتب مالك بن نبي، مع الانفتاح السياسي، وأن تدخل عناوينه إلى السوق الجزائرية، باللغة العربية، فاشتريتُها من مكتبة "العالم الثالث" بشارع العربي بن مهيدي، بأثمان تبدو اليوم بخسة: من 30 إلى 60 دج للعنوان الواحد ... فالتزمت (19/283)
صفحة 271
مطالعتها كاملة، ووجدت فيها الملاذ والمأوى لعالم الأفكار الذي غاب كلية عن ساحة المعهد، وحل محلَّه الطرح التراثي الكلامي المذهبي المسطَّح، فكانت جامعتي هي "مالك بن نبي" لا "المعهد العالي" ... إلى جوار بعض الأسماء المعتبرة مثل: محمد إقبال، وأبو الأعلى المودوي، ووحيد الدين خان .... إضافة إلى أساتذتي الآخذين بيدي، الدكاترة: محمد ناصر، ومحمد الزيني، وأحمد موساوي ...
وفي بدايات التسعينيات عرض عليَّ ناشرٌ لبنانيٌّ قائمةَ صادرات دار الفكر، وهو صاحب دار الملكية بالجزائر، وطلب مني وضع علامة على العناوين التي يترجح رواجها في الجزائر، فلم أفكر طويلا، حتى وضعت العلامة على جميع مؤلفات مالك بن نبي، وما هي إلا أشهر حتى غطى اسم مالك بن نبي أرفف المكتبات في الجزائر، التي طالما طاردته، وأبعدته، وتنكرت له ...
وكنت بين الحين والحين أعود إلى ابن نبي لفهم ظاهرة، أو لتفسير أزمة، أو لمراجعة فكرة ... وبخاصة مع تصاعد الفتن في الجزائر، وضياع الأمل في "جزائر عزيزة متمكنة قوية "، وتعدد مستويات الأزمات وتنوعها: محليا، ووطنيا، ودوليا ...
غير أنَّ العجيب حقا، في هذه الأيام، وقد عقدتُ العزم على إعادة مطالعة جميع العناوين التي بين يديَّ مما ألف ابن نبي ... العجيب حقا أنني اكتشفت في أرفف معهد المناهج مذكرات شاهد للقرن باللغة الفرنسية، نشر "سمر للنشر والتزيع" سنة 2006 ... ، وما إن قارنتها بالنسخة العربية، حتى عرفتُ أنَّ ما تُرجم إلى العربية هو أقل من نصف المذكرات، وهو ينتهي إلى سنة 1939م، أما من هذا التاريخ إلى سنة وفاته 1973م فقد أُودع في جزأين آخرين بعد "الطفل"، و"الطالب"، وهما: "الكاتب"، و"الدفاتر"، وقد سمى جزءً من "الكاتب" باسم كنت قد عرفته من قبل، ولم يشأ الله أن أقرأه، وهو " العفن " ( Pourritures) ...
ومع سفري إلى قسنطينة، وهي المدينة التي عرفت الكثير من أحداث حياة الرجل، وهي تعرفه ويعرفها جيدا، فهي القريبة من مسقط رأسه "تبسة"، حملتُ معي الكتاب لعلي أطالعه في الطريق، أو قبيل النوم، وكان (19/284)
صفحة 272
في حقيبتي ـ أو بالأحرى في جهاز الكمبيوتر المحمول ـ مشروع "تفعيل المرجعية الإباضية الميزابية" ...
بعد اشتغالي في المشروع، وكتابة بعض فصوله، متأثرا بكتاب "فكرة الأفروأسيوية"، تحوّلت مذكرات ابن نبي إلى محور البرنامج اليومي، وقد هالني ما اكتشفت من معاناة الرجل، مما لم أكن أعرفه من قبل ... حتى صرت اليوم متيقنا أنَّ مالك بن نبي لم يكن يؤلف مقالاته، بل كان يعيشها بصبره كلمة كلمة، وينحتها من محنه وإحنه فكرة فكرة ...
فيصدق - اليوم - أن يقال فيه: الرجل هو الفكر، والفكر هو الرجل ...
فمالك بن نبي ـــــ من خلال مذكراته ــــــ قد سُجن، وعذِّب، وحوصر، وأفقرت أسرته: أبوه، وأخته، وكل محيطه ... ، وسُجنت زوجته مرات، وعرف "الهجرة" كما سماها، وهي محاولة الهروب إلى الخارج بالأرجل، وعانى الأمرَّين في سبيل نشر أعماله، وفكَّر مرارا في الانتحار، وكان مُعوَزا منعت عنه كل أسباب الوظيف، وعرف بعض المناصب الشاقة التي تستدعي الجهد العضلي وهو المتعب المريض ...
ولكن الذي أفرغ جعبته من الصبر، وجعله يدعو الله مستعجلا الموت له، هو الهجران والحصار الذي فرضه عليه أبناء المستعمرات من العرب والمسلمين، بفعل "القابلية للاستعمار"، سواء بالتواطئ مع المستعمِر، أو عن جهل وغفلة، أو لأمور أخرى لم يستطع تحديدها ...
ولقد عانى الأمرين مع الحركات الوطنية بكل أطيافها، وعرف في "الزعامات" كلَّ معاني الخسة والرذيلة، وتيقن أنَّ أغلبهم طالب كرسيٍّ، وجلَّهم أخطبوطٌ يبتزُّ الشعب ويغتال الأمل لمآربه الخاصة ... وقلَّ منهم من مات مؤمنا بمواقفه، منافحا عن دينه ووطنه ... ، وهؤلاء عموما كانوا تحت وطأة الأيادي الخفية والظاهرة للاستعمار، بالتنسيق مع القلوب الحقيرة والمنافقة لأبناء المستعمرات ...
ويكفي أن ندرك أنَّ الرجل، وهو مَن هو، قد عرف الجوع وشارف على الهلاك مرَّات، وقد اقتسم مع الطلبة الجامعيين غرفتهم وهو في الخمسينيات من (19/285)
صفحة 273
عمره بالقاهرة، وقد أُرغم على ترك عائلته سنوات وهو لا يعرف عنها شيئا، ويدعو الله أن يكون قد رزقها الموت؛ "لأنه أرحم عليهم من الحياة" ...
وقد شرع الرجل في تأليف "الظاهرة القرآنية" تحت قصف قنابل الألمان في الحرب العالمية الثانية، وكتب معظم مؤلفاته دون اعتماد المكتبات والمصادر؛ لأنَّه حُرم منها عن قصد من قبل الداخل والخارج ...
وهو الذي كتب بتاريخ 22 ماي1958: "منذ خمسة أيام وأنا أحسُّ الفراغ تحت قدميَّ، والضباب أمام ناظريَّ، والأسف داخل أحشائي ... " إلى أن يقول: "كل مطلع شمس، في مثل هذه الفترة العصيبة عليَّ، أستيقظ من النوم لأقول: "هل هو يوم آخر ... " لا أعرف أحيانا ما هي شخصيتي الحقيقية: فأنا نقطة تَصارع بين جميع المتناقضات التي يمكنها أن توجد في إنسان على ظهر الأرض".
ويكتب في تاريخ آخر من دفاتره ومذكراته: "مرة تلو أخرى لا أجد السلام لي في هذا العالم، إنها الخيبة والشك في كل شيء ... إذا لم تتداركني رحمة الإله فأنا ضائع جسما وروحا، مثلَ زورق ٍفي محيط تلهو به الأعاصير العاتية، متى تعرف طريقي نهايتَها إلى الجهة الأخرى من الحياة؟ يا ربِّ، امنحني بعض الأمتار، بعض السنتميترات ... أقصِّر بها طريقي الشقية ... فأنا متعب".
أنا لست هنا مهتمًّا بعرض هذه المذكرات، ولا مولعا بالغرابة والترف الفكري، ولستُ بحاجة لأُراكِمَ حجم المعلومات، فالكتاب الأصلي كفيل بإعطاء الصورة الحقيقية لما أقول ... إنما وددتُ أن أُسقط ما قرأت على واقعنا اليوم ... بعد مضيِِّ ما يقارب أربعين عاما على وفاة الرجل ...
أردتُ أن أقارن بين ذاتي بكل حماقاتها وضعفها، وهذه الذات التي خرقت حجب الكون، واستقرت في عليين، صابرة محتسبة ... رغم كل المعاناة التي لا تتحملها الجبال الشامخة، ولا الأكوان الشاهقة ...
فالرخاء الذي يحيط حياتنا هو ولا شك نعمة من الخالق المنان ... لكن، للأسف إنه يترك قلمنا باردا مهزوما ... يذره بعيدا عن واقع الحياة كما هي ـ، هو أقرب إلى ترديد الصدى، ومضغ الحجر، منه إلى تغيير النفوس، وإحداث الانقلابات الفكرية في دنيا الناس ... (19/286)
صفحة 274
* ما العمل، وأنا حائرٌ في منعرج فكريٍّ لَمَّا أجد له الجواب الكافي؟
* ما العمل، وإشكاليةُ تحويل العلم إلى عمل، والفكرةِ إلى فعل، تقضُّ مضجعي، وتذيقني العلقم آناء الليل وأطراف النهار؟
* ما العمل، وفي تقديري أنَّ الأمة الإسلامية لا تزال تدور في دائرة مفرغة من المشاكل والمعيقات والأزمات ... الذاتية والنفسية والداخلية ... تحركها الأيدي الاستعمارية السياسية الخارجية ... ؟
وأعيد السؤال على نفسي آلاف المرات:
* ما هو خطي الفكري؟ ما هي رسالتي؟ ما هو منهجي؟ وما هي أفعالي؟ وما قيمة علمي؟ وما نسبة فعلي إلى فكري؟ ...
أعيش الفراغ الكوني، والأسئلة المحيِّرة، ولا أجد لها جوابا ... وقد تعالت أصوات الادِّعاء، وكثر اللَّغَط، واستَشْرَت الخطابةُ، وتعلَّق الناس ـــــ إلاَّ من رحم ربي ـــــ بالألفاظ والكلمات، والأشكال والمظاهر، فأعرضوا عن المحتويات، وعن حقائق الأمور والصدق والجهاد ... وتزداد هذه الحال استحكاما كلما تكالبت السياسة على الأخلاق، وكلما نهشت ذئاب الخيانة أرواح المغفَّلين، وكلَّما سادت القردة والزعانف والرعاع ... تزداد كلما صفَّق الجمهور للمسرحية، وتأخر زمن النصر الحقِّ، وخاب الأمل في نهاية النفق، وتيقن اللبيب بطول الليل وبشدة البرد على عالمنا الإسلامي الحائر ...
وقد ظننتُ أني أعيشها لوحدي هذه الغُربة، لكنني يوم كتبت "آلام التفكير" – في موقع "فييكوس "- بدا وكأنَّ العديد من العقلاء يتجرَّعون علقم هذه الفتنة، ولا يملكون الوسائل التي بها يعبِّرون، ولا اللغة التي بها يكتبون، ولا الفكر الذي به يحللون ... فهم أحياء داخل جسم ميت، ومنتبهون بين شعب مرتاح إلى نوم مميت ...
فكيف نجمع شتات هؤلاء في صفٍّ واحد؟ وكيف نصنع من الأطراف المترامية هيكلا متينا؟ ومن لها؟ ومتى؟ وبأي منهج وفكر؟ ... (19/287)
صفحة 275
* جُربت الثورات فلم تفلح ... ذلك أنها زرعت الدم والقتل والإبادة، عوض الحياة والأمل والعمل ...
* جُربت الكتب والمقالات ... غير أنها خاطبت بعض الناس، ونبَّهت بعض الأفئدة، ولم تلج إلى قرارة النفوس لتُغيِّرها، ولا إلى أغوار العقول لتصقلها ...
* جُربتُ المدارس والمعاهد ... فأثمرت رجالا ليسوا الأسوأ في الميدان، ولكنهم يقينا لم يكونوا الأحسن والأجدر بصنع واقع مختلف تماما عن أي مرحلة تاريخية أخرى عرفها العالم الإسلامي ...
* جُربت الحركات والجماعات ... فجرَّدت أتباعها من الإحساس الحضاري العام، وبلَّدتهم بإحساس ذاتي مفرد، ينظر إلى العالم من كوة مغلقة، فيفسر الكون كلَّه من زاويته الضيقة، ويختزل الحقيقة فيما بلغه عن "زعيمه" أو "مرشده" ... وهو قابع في الدهاليز وداخل البنايات ... بعيدا عن سعة الكون والحياة ...
ماذا بقي لنا أن نجرب، إذن؟
* هل من الحكمة أن نتوقف هنيهة، ونفكِّر مليا، ونعيد قراءة الواقع ببصيرة، ونجتهد في قراءة الأدلة والنصوص بوعي ودراية ... ثم نقترح الدواء اللائق، والشفاء الرائق ... ؟
* أولم يفعل ذلك بعض العلماء، منهم مالك بن نبي، فلم يفلحوا ولم يغيروا هذا الواقع التغيير المنشود؟
أقول، والله أعلم: الخرق أوسع من أن تخيطه إبرة واحدة، والجرح أعقد من أن يشفيه دواء واحد، والأرض أظمأ من أن تسقيها قطرة واحدة، والفؤاد أفرغ من أن يعمره أمل واحد، والفكر أجذب من أن تحييه فكرة واحدة ...
فلنجرِّب جمع الطاقات جميعها على صعيد واحد ... لكن شريطة أن يكون في خلية كلِّ طاقة ما يدفعها للاجتماع والتكتل، تماما مثل الفطرة التي تحملها (19/288)
صفحة 276
الطيور وهي تحلق في أسراب تُحسب بالألوف والملايين، في نظام متسق ومتناغم، ذلك أنَّ الفرد يحمل بذرة المجموع، وأنَّ المجموع يتكون من قوة الأفراد.
وحتى يتمكن أيُّ طرف من الالتحاق بالمجموع يجب عليه أن يتخلى عن فكرة "أنا ولا أحد"، وفكرة "الصواب المطلق معي، والخطأ المطلق مع غيري"، وفكرة "بي يصلح الوجود وبغيري يخرب ... " ففنُّ الاجتماع قد يكون أحيانا كسبيا، ولكنه في كثير من الأحيان يكون فطريا يُنْبئ عن معدن الفرد، مصداقا لقول المصطفى عليه السلام: "الناس معادن، خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام" ...
فلتكن ـــــ أخي ــــــ من المعدن الصالح، الذي يزرع بذور الحضارة، بعد أن يستأصل سمات التخلف، غير مكترث ولا آبه بما يقال عنه، أو بما يقال فيه ... فالله سبحانه هو وحده الكفيل أن يبارك خطواته، وهو الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا، وهو القائل {وقل اعملوا}
فلنعمل إذن ... والله الموفق للصواب ... (19/289)
صفحة 277
الطالبة: زينب بنت أحمد بن إبراهيم أبو بكر (*) (1)
قسم الثانوي ــــ مدرسة الحياة ــــ القرارة
ب
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الأولين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، حبيبنا وقائدنا ورسولنا وقدوتنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
أما بعد. فإن الإنسان إذا هم ببناء منزل احتاج إلى إسمنت وحجارة ورمل وماء، وأيدي عاملة، وإذا هو هم بصناعة سيارة عمد إلى إنجاز نموذج وهيكل وطلاء، وإذا هم هذا الإنسان بصناعة أمة وإنشاء جيل يتمتع بقوة العقيدة وروح المسؤولية والثقة ... فإنه يحتاج أول ما يحتاج إلى كتاب الله وسنة رسوله، هذا المنهج القويم والصراط المستقيم، هذا التبيان والنبراس المنير ... إذا أردنا أن ننهض بأمة تكون واثقة من نفسها واعية برسالتها، فلابد أن نحيا بالقرآن، هذا القرآن الذي به تسمو نفوسنا، وتقوى عقائدنا، ونحيا به حياة طيبة كما وعدنا ربنا.
جيلٌ مهتمٌّ بالقرآن:
بالقرآن نكون أقوى الأمم، ونتطور أخلاقيا وفكريا وعقائديا وسنتطور صناعيا واقتصاديا أيضا؛ فلنتمسك بكتاب الله، ونعطي أولوية صادقة وإمكانية متطورة وعزمًا شاملا لحفظ كتاب
__________
(1) ـــــ كلمة التحرير:
لقد وصل المجلةَ هذا المقالُ مع رسالة للطالبة تستصعب فيه مُرتقاها، وقلَّة زادها من العلم، وتصاغُرُ اسمها أمام أسماء المؤلفين في أعداد المجلة السابقة، ولكننا رأينا أن مقالها جدير بالنشر، ليس لأنها ثمرة من ثمار مدارسنا، وعصارة من جهود مشايخنا فحسب، بل لأنها وأمثالها من الطلبة أهل للتشجيع والتوجيه، فهي طالبة علم، وربَّة بيت، وأم لأولاد في آن! وهذا كفيل بالشفاعة لها عما في المقال من الخلل أو القصور. ولعلنا بهذا نكون قد همسنا همسة عتب "وحُب" في آذان أبناء معهد الحياة ــــ ممن تتشوَّق مجلتُهم لمعانقة أقلامهم والاستنارة من أفكارهم ـــــ فيرتقوا مُرتقاها ويعتبروا بجرأتها. (20/290)
صفحة 278
الله والعمل بهديه، فكما تدفع الدول أموالا طائلة لاقتصادها المعيشي المادي، وملايين لا تقدر لنشر ثقافتها بما فيها من خلل وعيوب، فكل هذا لن ينفعها في شيء وشعوبها تعتنق عقائد فاسدة، وتحمل ضمائر ميتة، وقلوبًا لاهية؛ وهذا ما لا ينبغي أن تغفل عنه أمة الإسلام، أمة القرآن، فعليها أن تخصص جزءً من أموالها لعقد مؤتمرات ترسخ التمسك بكتاب الله تعالى، وندوات للتحفيز والعمل به، وتربصات لحفظه ومدارسته، فبالعلم تسمو الأمم وتصل القمم، وبالعقول المتشبعة بالعلم، وأول العلم كتاب الله وما يتعلق به من علوم.
القرآن رسالة الأنبياء:
ما من رسول بعثه الله إلى قومه إلا حثهم على العلم ثم العمل، وليس العكس فقد أصبحنا أمة متخلفة بسبب إهمالنا لعلوم ديننا وجهلنا لأحكام شريعتنا، تأملوا إلى أين وصل بنا الحال من الفساد والضياع والتخلف والقهقرة، عندما نسينا أو تناسينا كتاب الله عز وجل، فبالكاد صرنا نحفظ السور القصار، وإن حفظناها وجدتنا نجهل ترتيبها في المصحف! أين نحن من الأجيال السابقة والعهود الخالية؟ أين نحن من رسولنا الكريم، سيد الخلق وحبيب الحق، فعندما سئلت السيدة عائشة عن خُلق النبي - صلى الله عليه وسلم - أجابت كان خُلقه القرآن. أين نحن من جيل القرآن والتمسك به والعناية بحفظه وترتيله امتثالا بقوله تعالى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)}؟ [المزمل، 04] وحتى التنافس على التجويد. أين نحن من حضارتنا السابقة والسلف المتعاقب، الذي كان القرآن سلاحهم وقوتهم وطاقتهم؟ فلقد أصبحنا نشتهر بالكسل أمام سائر الأمم، وبالخمول والجهل والتعصب ... ، فإن تقدمنا خطوة إلى الأمام رجعنا عشرة إلى الوراء، وذلك بتجاهلنا للقرآن، وهجرنا لتلاوته وتدبر معانيه، والعمل بمقتضاه. تأمل معي أيها القارئ الكريم إلى سوره وآياته، لو اتخذنا من القرآن ناصحا فقيها، أو محللا سياسيا ضليعا، أو أو أديبا رفيعا، أو مستشارا اقتصاديا، أو طبيبا نفسيا، أو مرشدا اجتماعيا، أو وصفة علاج لقلوبنا وصدورنا وحتى أجسادنا ... لاعترفنا بقيمته، وقدرناه حق قدره دون تسويف أو ممالطة، فلقد حبانا الله بالقرآن شفاء ودواء؛ إذا فهو منهج حياة، خريطة ربانية ودستور يحكم الشعوب والأفراد، ونبراس يضئ القلوب، وغذاء يقوي الأرواح والأجساد. (20/291)
صفحة 279
القرآن بطاقة هوية وجواز سفر:
لنجعل من القرآن انتماءنا السياسي، وهويتنا الوطنية، وجواز سفر بين الأمم، وسفيرًا بين الدول، وحكما في الحوار والمدافعة بين الحضارات أو "الصراع" كما يدعي الغرب ويزعم.
لنرى المتمسكون بكتاب الله والحافظين لآياته والعاملين بها كيف يعيشون حياة طيبة هادئة وضمائر صادقة مطمئنة، أليس الله تعالى هو من وعدهم بذلك حين قال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل97] ... وإن صادفتهم بعض المشاكل والصعوبات، ورأو بعض الضنك والمكابدة، فهم موقنون حق اليقين أنَّها سنة الله في خلقه، وأنهم مأجورون بصبرهم وتحملهم لابتلاء الله {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)} [البقرة 155]، فهم بذلك الابتلاء في نعمة يحسدون عليها {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)} [الضحى 11].
حليب ممزوج بالقرآن:
أمرنا رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف فقال: «علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من عِلم الله هو».
فتعلُّم القرآن وحفظه والعمل به يكون منذ الصغر، لابد أن نشربه مع حليب أمهاتنا ونستمع له قبل نطقنا، ونقوي به أجسادنا حتى قبل الوقوف على أرجلنا، فلقد أثبتت بعض الدراسات أن الأم الحامل القارئة للقرآن يكون جنينُها في أحشائها مطمئنٌّ هادئ، وبالتالي هذه الانطباعات تتحول إلى أعمال وسلوكات عند قدومه إلى الحياة، فاحرصي أيتها الأم على تلاوة القرآن وأنت حامل، واحرصي كل الحرص على بقاء فطرة وليدك سليمة دون خدوش، وعقيدته قوية دون وهن، وإيمانه راسخًا في قلبه دون زحزحة ولا زيغ. (20/292)
صفحة 280
الشيخ بيُّوض قدَّم العلم على المال رغم الحاجة:
قال الشيخ بيوض في كلمة ألقاها بمناسبة زفاف أحد أبناء الشيخ عدُّون (رحمه الله):
"لما توفي والدي رحمه الله اتصلتُ بشركائه لتصفية التركة، وبعد ذلك رجعتُ إلى القرارة، إلى الميدان العلمي، ولكن كتَب إليَّ الإخوان من (سانطارانو) يطلبون مني وبكل إلحاح أن أعود إلى دكان والدي لإنقاذ التجارة مع شركائه، وكان عمري يبلغ 21 سنة، ولكن كتبت إليهم معتذرا ورافضا طلبهم لأنني أشعر في قرارة نفسي أني خلقتُ لإنقاذ أمتي، وكانت لي عقيدة راسخة في نفسي لا تتزحزح، وتحملتُ جرَّاء ذلك أشياء كبيرة ملأتني من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي" (1).
فهنيئا وطوبى لك لتقديرك وحُبِّك للعلم، وأنت بعدُ في ريعان الفتوة الشباب، وهذا البيت الشعري أراه معبرا عن تلك الروح الطاهرة النقية:
وإذا رأيتَ من الهلال نُموَّه أيقنتَ أنْ سيصيرُ بدرًا كاملا
الشيخ بيوض نموذج حي في الأذهان:
الشيخ بيوض نموذج للشباب الطموح، تصور شابا في الواحدة والعشرين من عمره مُطالب بإنقاذ تجارة، ولكنه يشعر بإنقاذ مطالب بإنقاذ أمة كاملة! إنه العظيم الذي حمل رسالة، ما أعظم شيخنا الذي أفنى عمره وأعطى حياته وأمضى شبابه لكتاب الله وتفسير آياته، فلقد حمل على عاتقه مهمَّة من أشرف المهام، ورسالة من أصعب الرسائل، لأجل إنقاذ أمَّة، لأنه يدرك جيدا قيمة العلم والقرآن في استقامة الفرد والمجتمع؛ به تتوحَّد الأمة، وتحيا القلوب والنفوس، كما شبه رسولنا الكريم الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله بالحي والميت.
فهناك شعوب لا تنام الليل ولا يهدأ لها بال في الصباح، وتعيش التطور المستمر والحركة الدائمة، ومع كل هذا ينقصها عصب الحياة وشريانها، ونبض القلب الحي ...
__________
(1) ـــــ صالح بن أحمد حدبون، «حياة من أجل القرآن» مجلة العدد 11. رمضان 1428/أكتوبر 2007. ص: 256، 257. (20/293)
صفحة 281
ينقصها قانونٌ عادل ودستورٌ قائم على الحق، إنه كتاب الله وشريعته السمحاء. ولنا في هذه الشعوب ومعاناتها عِبَرٌ، فلقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وتخبطوا في متاهات ومشاكل لا أول لها ولا آخر، يحاولون إنقاذ اقتصادهم الذي غشيه الربا والفساد والرشاوى، يحاولون إصلاح حال شبابهم، والحد من انتشار الجرائم والانحرافات، ويسعون إلى حراسة جسورهم من المنتحرين يوميا، وإلى مراقبة متعاملي البنوك الربوية، وفتح الحسابات في المصارف الدولية، فهم يعانون الويل والويلات ... لكن للأسف الشديد فهذه الآفات قد انتقلت إلينا وبدأت عدواها تتفشى بيننا، وظهر الورم الخبيث الذي يجب استئصاله، نعم إنها الحقيقة المرَّة التي لا تفنَّد؛ فالوباء عمَّ دولنا العربية والإسلامية فأصبح وباء ما بعده وباء، لكن نحن ندرك الحل ونملك الدواء حتى وإن تجاهلناه، فذلك بأيدينا وملء إرادتنا ... لننهض بأمتنا ونسعى جاهدين لإنقاذ ثروتنا الاقتصادية وخاصة البشرية الشبابية بالرجوع إلى كتاب الله، ولقد قال رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم -: «من تمسَّك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد». وقال: «تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه» فالحل إذا في الحفاظ على كتاب الله ومدارسته والعمل بمقتضاه. يقول الشاعر عيسى لحيلح:
أفيقوا فما تجدي لحانا إذا أصبحت ... حبالا، وكان القلب أمرد أصفرَا
متى يا فتى الإسلام تثأر غاضبا ... وترفع قرآنا وتمضي مكبِّرا
قالقرآن يوحِّدنا، ويجمع شملنا، ويلم شتاتنا، فبالقرآن نحيا ونزدهر، وتقوى شوكتنا، فلو رجعنا لكتاب الله لاستطعنا محق وسحق كتلة الصهاينة الذين يحدوهم الذلُّ والهوان من كل جانب، لماذا انتصر المؤمنون في العهود الخالية، والصالحون في الأمم البالية؟ لماذا كانت الفئة الصغيرة تغلب الفئة الكبيرة بإذن الواحد الأحد، الفرد الصمد؟ لماذا لم تعوز القوة والشجاعة المسلمين في تلك العصور وأعوزتهم اليوم؟
الجواب واضح وجلي: إنه تمسُّكهم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فهم أدركوا السر، وعرفوا الوصفة، والتفوا واستمسكوا بالكتاب. (20/294)
صفحة 282
من "سيربح المليون" حسنة:
إن في القرآن الفائدة العظمى دنيا وآخرة، فهو في الدنيا منهج حياة، وفي الآخرة قائد للجنة ورافع للدرجات، وفيه رضوان صاحب المنة والحسنات، فبقراءتك حرفًا واحدًا من القرآن تجني عشر حسنات، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ حرفا من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» فحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء.
عندما ترى السعادة وتشعر بالراحة وطمأنينة القلب وكل ذلك بفضل بركة القرآن، ألا يزيد حبُّك له، وتعلُّق قلبك به؟ ألا تحضنه بين ذراعيك وفي قلبك عندما يكون شفيعا لك مؤنسا قائدا للجنة؟ ألا يتضاعف حبُّك له ... ؟
الجميل في القرآن ـ وهذا سر من أسراره ـ أنك لا تمل قراءته، بل في كل تلاوة تكتشف معانيَ جديدة، ومغزى أجلَّ، وقيم عظمى، وهذا لن تجده أبدا في قراءتك لكتاب دنيوي بشري، فانت بعدما تطلع عليه مرة أو مرتين تشعر بالملل وحبك للتغيير، فهذه آية من آيات رب العزة ومعجزة من معجزاته {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)} [الرحمن 13]، وصدق من قائل.
إن كل من اطلع على كتاب الله أول مرة ـ من الذين شاء الله دخولهم في الإسلام قبل لقائه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ـ وقفوا مندهشين أمام إعجازه، وجمال آياته، وتناسق معانيه، وعظم شأنه، وقدسية تأثيره، على الفرد والمجتمع، وقد اعتراف بعضهم إنهم كانوا يتعاطون الأدوية المهدئة قبل النوم دائما، لكن عندما عرفوا كتاب الله استغنوا عن هذه المسكنات، أليس الله تعالى هو من قال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد 28].
أهل الله وخاصته:
نعم إنهم أهل الله وخاصته فعلا؛ هم الذين عرفوا ربهم وحفظوا رسالته في قلوبهم، هم الذين نعرفهم كل سنة في بلدتنا الطيبة في مهرجان القرآن، يعرفهم العام والخاص، وقبل ذلك وأهم من ذلك أن الله ذكرهم في ملئه الأعلى بين ملائكته وأنبيائه ورسله المقربين. (20/295)
صفحة 283
أقدم كلمة بسيطة لهؤلاء ـ حملة كتاب الله ـ أرجو أن يكون وقعها وأثرها كبيرًا في نفوسهم: أحباب الله وخاصته، إنكم اليوم غير الأمس، فأنتم الحاملين الأمانة، أمانة هي من أسمى الأمانات وأجلها في الوجود، أنتم اليوم خير خلف لخير سلف، أنتم الذين استظهرتم على أيدي مشايخ أجلاء وأساتذة عظماء، فأرجوا بل أتوسل إليكم أن تعملوا جاهدين بأوامره، وتمتثلوا خاضعين له باجتناب نواهيه، كل على قدر استطاعتم {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التغابن 16]؛ أنتم يا من شرفتم بلدكم وذويكم بهذه المكانة العالية والمرتبة المرموقة إنه والله لمنصب من أرقى المناصب.
يا من يقال لكم يوم القيامة ما قاله الصادق الأمين: «يقال لصاحب القرآن اقرأ و ارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» فهو حجتكم يوم القيامة وشفيع لكم في قبوركم، ومؤنس لكم في وحشتكم، طوبى لكم والله طوبى ... فلقد تنافستم على حفظه، فنعم التنافس، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)} [الواقعة 10]، فبه نلتم الشرف بين أقوامكم، ونلتم الدرجات العليا عند بارئكم، لقوله تعالى {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)} [الأنعام 132].
فالقرآن نور لوجوهكم، وضياء في قبوركم، وجوزٌ لكم على الصراط، فطوبى لكم، وتعسا لمن تركه وراء ظهره، وجهله، وهجره ولم يدرك قيمته ولا مكانته في استقرار الحياة، فهو الميزان والقانون والنبراس، والطريق المعبد، والحياة التي تقوم به، إنه السعادة والمتعة والفرحة، سعادة الدنيا والآخرة، {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)} [الرعد 28].
إلياس الطفل المعجزة (1):
و الله الذي لا إله غيره لقد شرَّفك الله وأكرمك بحمل كتابه وأنت لم تكمل بعد سنتك العاشرة، ولم يخط قلم التكليف بعدُ شيئا في لوحك، فلقد قرَّت بك العيون، وسالت دموعها
__________
(1) ـــــ هو الفتى: ابن عمر إلياس بن مصطفى بن مسعود، من مواليد القرارة سنة 1999م، حفظ القرآن كله واستظهره ولما يتجاوز العاشرة من عمره. ولقد كُرِّم مع رفاقه من حفظة كتاب الله إبان فعاليات مهرجان الوفاء لتأبين الشيخ عدُّون وتدشين معهد الحياة، يوم 30 أفريل 2009. (20/296)
صفحة 284
فرحا، وتعلقت القلوب بك وأنت تُقلَّد ثوب الشرف الرمزي «أحولي» (1) بيد شيخ الشباب وعظيم أشراف البلدة، والإنسان الصادق الطاهر، إنه شيخنا الشيخ الناصر المرموري (حفظه الله)، فلقد حباك الله بشرف الاستظهار، وأيدك بكرامة وجودك بين قوم أحسبهم من أشرف الأقوام على الأرض ــ ولا أزكِّى على الله أحدا ــ، طوبى لوالديك الذين ألبستَهم تاج الوقار، وأنت في هذه السن المبكرة ... رعاك الله برعايته، وحفظك من كل سوء، ومن فتن الدنيا ورفاق السوء، فجاور القرآن ولا تتوان عنه لحظة، ليكون حاجبا عنك، وسترا لك، وجوازا لك به على الصراط، واعمل به وحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وزن أعمالك قبل أن توزن عليك، وزاحم العلماء بركبتيك، فوربما تكون خليفة الشيخ بيُّوض و الشيخ عدُّون (رحمهما الله)، لتكون منقذ الأمة من غرقها، وموقظها من سباتها العميق، وتمسك بيدها إلى بر الأمان ... فنحن نحتاج إلى أمثالك من حاملي كتاب الله، نحتاج إلى القوة العقلية قبل البدنية ... إلى العلم قبل العمل، وإلى الأخلاق السامية والإيمان القوي الصحيحة، نحتاج إلى شباب طموح ذي إرادة صلبة وتحدي لا حدود له، شباب يحب العلم ولا يستغني عنه، بل يحتاج إليه كاحتياج الغريق لأخذ نفس من الهواء، كما يقول الشاعر الأديب الدكتور محمد بن صالح ناصر:
ليس كالعلم في المجالس تاجًا يُكسب المرءَ هيبةً حيث أسنَى
يهَبُ العقل حكمةً وسمُوًّا و يزكِّي النفوسَ سهلاً وحزنا
أينما حلَّ فاض خيرًا ونُعمى وسقى الواردين شهدًا ومنًّا
نحتاج لشباب يبيت على فكرة ويصبح على إنجاز، يصبح على مخطط خير ويُمسي على مشروع ... الحقيقة إننا صرنا ناذرا ما نرى مثل هذه النماذج من القوة والحماس، والتخطيط والإرادة الفولاذية، وحب العلم والعمل، فلو فكَّر كل واحد منا كيف يخدم دينه، وكيف يقدم شيئا للإسلام يكون صدقة جارية بعد وفاته ـ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ـ لو فكرنا كيف نعطي من أنفسنا لأمتنا، ومن حياتنا لمجتمعنا، لصعدنا القمم، ولارتفع شأننا بين الأمم، فرسولنا
__________
(1) ـــــ هو اللباس الرسمي للعزابة في ميزاب، ثوب صوفي يقوم العزابة بخلعه على الطلبة المستظهرين لكتاب الله، وفي هذا إيذان وإعلان بدخولهم في حلقة «إيروان». [التحرير] (20/297)
صفحة 285
خير قدوة، فقد تحول من راعي غنم إلى قائد أمم ... نِعمَ المثل أنت يا رسول الله، يا سيد الخلق وحبيب الحق.
أنا نرى فيك يا إلياس بإذن الله "الطفل المعجزة"، والشاب الطموح، والرجل المنقذ، أنت وأمثالك أمل الجيل القادم، أنت روح الجسد النائم، دمت لأمتك خير قدوة، ولمجتمعك نعم المثل، ولوالديك قرة عين، أقول لهم جميعا ما قال شاعر الجزائر «محمد العيد آل خليفة»:
كتابُ الله كتابٌ ليس يفنَى ... و شمسٌ لا يغيبُ لها ضياءُ
هُدًى للمتقين فكُن تقِيًّا ... وسَلْهُ من الهداية ما تشاءُ
تَدَاوَ به من الأسقام تَبرأ ... ففيه لكلِّ سُقمٍ شفاءُ
كلمة شكر وعرفان:
و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، إلى كل عالمٍ جليل، وشيخٍ عظيم، وأستاذٍ موقَّر، أنت وراء كل هذا الإنجاز ـ بعد الله سبحانه وتعالى ـ فإن استحق أحدٌ وسامًا فهو لكم أنتم أيها المخلصون، بحنكتكم وحكمتكم وصبركم استطاع هؤلاء الطلبة حمل الرسالة وحفظ الأمانة، لابد أن نعترف بجميلكم وصنيعكم؛ فلقد شرفتمونا، ورفعتم رؤوسنا عاليا بين المحافل والأمم، وقبل هذا في الملأ الأعلى عند رب العرش العظيم، الملك القدوس الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو يدرك مدى إخلاصكم وصدقكم وتفانيكم وحبكم لكتاب الله، مرة أخرى شكرا لكم، جزاكم الله عن طلابنا خير الجزاء، جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، وفقكم الله لإنشاء جيل قرآني رباني مسجدي خالص، همُّه الأول والوحيد إرضاء الله والفوز بجنته، ومرافقة نبيه الكريم، سدد الله خطاكم، وأيدكم بتوفيق منه، ورضي عنكم، شكرا لكم فقديما قيل: لا يشكر الله من لا يشكر الناس.
اللهم صل وسلم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبع سنته إلى يوم الدين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
(محمد) (محمد) (محمد) (20/298)
صفحة 286
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة باتنة
أ
أخي الطّفل المسلم، هل تعرف من أنا؟
أنا طفل فلسطيني، أعيش على الشّقاء كلّ يوم، وأحيا على العذاب في كلّ حين، أتغذّى بالحرمان، وأرتوي بالظّمأ، وأتداوى بالمرض، وأتنفسّ الهواء الملوّث، وأشمّ الرّائحة الكريهة. أعيش كاليتيم في مأدبة اللّئيم ...
الطّفل المسلم: ماذا تقول؟ وماذا تحكي؟ أليست لك أرض تعيش فيها؟ أليس لك أهل يقومون بشؤونك؟
الطّفل الفلسطيني: لي أرض عزيزة، لكنّني ألقى عليها كلّ أنواع العذاب. وعندي تراب عالٍ، لكنّني لا أملك التّصرّف فيه بكلّ حريّة, أهلي وأقربائي تركوني فريسة للعدوّ، وجيراني لم يرحموني ولم يقوموا بحقّ الحوار نحوي، لذا ساءت حالي، وتدهور وضعي.
الطّفل المسلم: هَلْ يُعقل أن يحدث لك كلّ هذا، وأهلك عنك غافلون؟ وذَوُو قرباك عنك لاهون؟
الطّفل الفلسطيني: أنا أعيش أكثر من هذا، أعيش في الألم وبالألم وللألم، ومن أجل الألم ... مادام الحصار مضروبًا عليّ من العدوّ، والاختناق والتّضييق يأتيني من الجدار الفولاذي، ومادام حقّي في الحياة مَنْزوعًا عليّ إلى أَجَلٍ غير مُسمّى، ومادام العالم ممنوعًا عليه أن بقدّم إلىّ ولأهلي ما يسدّ رمقى، ويمنع عنّي الجوع والعطش والمرض والوباء ... كما حدث مع قافلة الحريّة التي جاءت لتحرّرني ومن معي من المقهورين من هذا الألم المضني، وهذا الشّقاء المفني. لقد مُنِعَت من الوصول إلينا، وحُرِمنا من الاستفادة من الخيرات التي جاءت بها لتنقذنا، هُوجِمت وَرُمِيَت بالسّلاح، وقَتَلَ العدوّ الغاصب من قتل، وجرح من جرح، واعتقل الحاملين لهذه المساعدات، (21/299)
صفحة 287
وهدّدهم بأشدّ العقاب، وأقسى العذاب، إن عادوا لهذه الجريمة النّكراء، جريمة فكّ الحصار عن البائسين والمطحونين ... ألا يعني هذا أنّني سأبقى مع الألم في صلة وفي تواصل إلى الأبد ...
الطّفل المسلم: حالُك يدعو إلى الرّثاء، ووضعك يبعث على البكاء، هل فُقِدَت الرّحمة من القلوب؟ هل وصل الحقد والغلظة والقسوة بالعدوّ إلى هذه الدّرجة؟ هل أقرباؤُك وجيرانك لا يعنيهم أمرك؟ أو هم لا يدرون عن حالك شيئَا؟ ألا يقومون بمساعدتك حتّى تعيش كسائر البشر؟ ألا ينهضون فيخلّصوك من هذا الضّرر؟ ما هذا الخذلان؟ ما هذا التّهاون؟ ما هذه الغفلة؟
الطّفل الفلسطيني: أنا لم أقصد أن أشكو إليك حالي، إنّما أردت أن أطلعك وأخبرك عن وضعي، حتّى لا تبقى في غفلة وفي جهل عمّا يحلّ بي ويُحيط. إنّ الغفلة هي التي ضاعفت من آلامي، وحطّمت آمالي. إنّ الأخبار لا تصل إليك صحيحة، وأهلُك وأسيادُك لا ينقلون إليك ما يحدث لي على أرضي، وفوق ترابي بدقّة وأمانة ...
الطّفل المسلم: إذن ما هو المطلوب منّي؟ دلُّني على ما يجب أن أقوم به.
الطّفل الفلسطيني: لا أطلب منك شيئًا، ولا أنتظر منك مساعدة ماديّة، ولا أكلّفك ما لا تطيق.
الطّفل المسلم: لا يمكن أن أبقى متفرّجًا، وأنا أتألّم لحالك، ولا أقوم بواجبي، دُلّني على عَمل صالح مفيد، أقوم به حتّى لا أحشر في زمرة المتخاذلين المتقاعسين الغافلين؟
الطّفل الفلسطيني: أقول لك: أنا لم أقصد من عرض حالي عليك أن أطلب منك مساعدةً، أو القيامَ بعمل ما. يكفي أنّك عرفت حالي، وشاركتني شعوري بالألم والشّقاء، فهذا خيرٌ كثيرٌ.
الطّفل المسلم: لا، هذا لا يكفي، لابدّ أن تدلّني على عمل أقوم به نحوك؛ حتّى أُرْضِيَ ضميري؟
الطّفل الفلسطيني: ما دمت تتحدّث عن الضّمير، وما دمت مصرًّا على تقديم مساعدة لي ولقضيّتي، قُمْ واحمل القضيّة الفلسطينية في قلبك، ولا تنسَها، ولا تغفل عنها، إن فعلت فُزْتَ بِعمل كبير.
الطّفل المسلم: هذا أيضًا لا يكفي، ولا يُقَدّم شيئًا يُخفّف عنكَ مِحنتك، وينفع قضيّتك. دُلّني على عمل أحسنَ وأسمى من هذا.
الطّفل الفلسطيني: أنا أقول لك: هذا يكفيك أنت، وينفعني أنا في محنتي وفي قضيّتي. (21/300)
صفحة 288
الطّفل المسلم: وضّح، ماذا تعني؟ أنا لم أفهم القصد، ولم أستوعب الأمر ...
الطّفل الفلسطيني: أنت ما تزال صغيرًا، لا تستطيع أن تقدّم شيئًا ينفع في فكّ الحصار عليّ، ويحلّ لي مشكلتي مع الحرمان والاضطهاد والتّعدّي. لا تملك السّلاح المناسب، لا تملك القوّة اللاّزمة ...
الطّفل المسلم: أريد أن أفعل شيئًا، لماذا لا أكون مثلك، أتحدّى وأتصدّى وأقاوم وأهاجم. مثلا أسافر إليك، وأكون بجنبك، أتحمّل معك الألم، وأردّ الظّلم والقهر وكلّ أشكال الطّغيان؟
الطّفل الفلسطيني: أنت لست مثلي، أنا مجبر على المقاومة في هذه السّنّ؛ لأنّني ألاقي العذاب، وأعيش الألم كلّ لحظة، و أواجه الموت في كلّ حين، فلابدّ أن أظهر للعدوّ ولمن يسلك طريقه، ويتعاون معه، ويعمل على طريقته ... أُبيِّنُ لهم جميعًا أنّني شخص لا يقهر، وطفل لا ينهر، إذا لم أفعل شيئًا قضي عليّ وعلى أمثالي، فنحن رجال المستقبل في هذا الوطن، وأمل شعبنا في التّحرّر. بينما أنت غير مُجبر على هذا سلوك هذا المسلك.
الطّفل المسلم: لم تقنعني بكلامك وتحليلك وفلسفتك، زدني توضيحًا، وتكرّم عليّ بالشّرح؛ عساي أقتنع بما تدعوني إليه، وعساي أهتدي إلى النّهج الصّحيح في العمل لِنُصْرَتِك وخدمة القضيّة الفلسطينيّة.
الطّفل الفلسطيني: اسمع إليّ جيّدًا. حين قلت لك: ضَعِ القضيّة في قلبك، ولا تغفل عنها، أنا قدّمت لك الخطوة الأولى في عمل كبير، يمكن أن تقوم به في خدمة هذه القضيّة؛ لأنّك بِتَذكّرك لها، ستعرف عنها الكثير، وستحملها في حياتك قضيّةَ جميعِ المسلمين والعرب، وستعرف بمرور الأيّام أنّها هي محورُ حياة المسلمين بخاصّة، الانتصارُ فيها انتصارٌ للإسلام، والانهزامُ فيها انهزام له, وستفهم لماذا تُجنّد إسرائيل ومعها حلفاؤها، والحاقدون على الإسلام كلَّ طاقاتها وإمكاناتها للقضاء علينا وعلى قضيّة الجميع (القضيّة الفلسطينية) ... وستعرف أنّ هذا يتطلّب أعمالاً جبّارة وكبيرة، ويوجب إعدادًا كبيرًا للرّجال الذين يقومون بالمهمّة العظيمة، بِما يُعِدُّهم للوقوف أمام كلّ الأعمال التّعسّفية والإبادية التي يقوم بها العدوّ الغاشم.
الطّفل المسلم: لم أفهم جيّدًا ما تقصد، ولم أدرك تمامًا ما تريد أن ترشدني إليه.
الطّفل الفلسطيني: ما أعنيه أنّ مقاومة العدوّ الصّهيوني، ومساعدتي في الخروج من محنتي يحتاجان إلى الإعداد القويّ لهذه المقاومة، وإلى جوّ بَعِيدٍ عن الضّغوط وضعف الإمكانات، وهو ما يتوفّر لك أنت، وفي موطنك الذي أنت فيه، أي في بلدك. أنت تنفعني وتنفع القضيّة الفلسطينية وأنت بعيدٌ عنّي، تنقُّلُك إليّ يضرّ بك وبي. (21/301)
صفحة 289
الطّفل المسلم: وضّح أكثر، وفصّل القول.
الطّفل الفلسطيني: أَعِدَّ نفسك للقيام بخدمة القضية الكبرى بالتّزوّد بالعلم أوّلا، تعلّم بقوّة، واستغلّ الحريّة التي تتمتّع بها في بلدك لتزيد من وعيك بالواجب الذي ينتظرك، ووظّف الخيرات التي تنعم بها في وطنك، والتي حُرِمْتُ منها في أرضى بفلسطين لتكون أكثر استعدَادًا للعمل الكبير من أجل تحريري وتحرير القضيّة من براثن الطّغيان والجبروت والقهر. لتقدّم الخدمة الكبيرة وأنت رجل قويّ متمكّن. إنّ العدوّ يخشى من إعداد الأطفال وتأهيلهم من أجل القضيّة الكبرى. لذا يعمل على القضاء عليهم؛ حتّى لا يكونوا غصّة في حلقه، وشوكة في طريقه، ومعولا لمخطّطاته، وحربًا على مشروعاته ... أَعِدَّ نفسك بعيدًا عن الجوّ الخانق الذي نحن فيه في داخل الأرض المحتلّة، واستفد من الإمكانات التي أنعم الله بها عليك لتكوّن نفسك منقطعًا عن آلات الدّمار وأسباب الحرمان ... لتخدمنا وتخدم القضيّة الكبرى. هل فهمت الآن لماذا أطلب منك البقاء بعيدًا عنّي لتخدمني أكثر، وتنمحني الأمل في التّحرّر. فكّر في الأمر جيّدًا، وانظر ماذا ترى.
الطّفل المسلم: ماذا أرى غير ما تراه، فأنت أدرى بالموضوع؛ لأنّك تعيش المحنة أكثر منّي، وتعرف العدوّ أحسن منّي؟ أسألك أخي: من أين تعلّمتَ كلّ هذا؟ وكيف أدركتَ هذه الحقائق وأنت ما تزال طفلاً صغيرًا؟
الطّفل الفلسطيني: المحن تُعَلِّم الإنسان، والألم يحرّك العزائم، والأزمة تلد الهمّة، وتبني الإرادة، والحاجة تدفع إلى حسن التّفكير، والحرمانُ يوقظ العواطف، والظّلمُ يهدي إلى سبل النّجاة، والضّغط بولّد الانفجار، في الفكر والشّعور والتّخطيط والتّدبير ... وفي كلّ شيء.
الطّفل المسلم: فهمتُ الآن، ووَعَيْتُ ما ترمي إليه، وأدركتُ صواب ما دعوتني إليه، سأمتثل إليه، وسأعمل على إعداد نفسي بِما أشرتَ إليه. لكنْ حتّى أحقّقَ ذلك، وأقومَ بواجبي نحو القضيّة الكبرى، كيف تتصرّف مع العدوّ المستبدّ الباغي؟ كيف تعيش وسط هذا الجوّ القاتم؟
الطّفل الفلسطيني: لا تخفْ ولا تحزنْ عليّ، لقد أَلِفْتُ هذه الحياة، أنا أَعْرِفُ العدوّ ويعرفني جيّدًا. بيننا علاقة مقاومة وتحدٍّ، لا تنقطع أبد الدّهر حتّى ننال إحدى الحُسْنَيَيْنِ. أنا ما أزال واقفًا على قدميّ، لم أنكسرْ، ولم أسقط على الأرض ولمْ أَنْدَحِرْ، لم أستسلم ولم أَذِلَّ. إذا حرمني الغاصبُ من أبسط حقوقي بقيتُ صامدًا، إذا جار عليّ وتعدّى تصدّيتُ له مقاومًا. إذا ضايقني في أرضي، وأقلقني في ترابي، ظَلَلْتُ متمسّكًا بهما. إذا تخلّى عنّى ذوو قرباي أو خانوني، فإنّ معي ربّي يحميني وينصرني. إذا منعني العدوّ من التّعلّم في المدارس تعلّمتُ في (21/302)
صفحة 290
الخيام، وإذا أخذ عنّي الكهرباء ذاكرت في الظّلام، إذا هدّم منزلي افترشت الغبراء، وتدثّرت السّماء ... فلا تخشَ عليّ شيئًا، الحياةُ بالنّسبة لي ماضية سائرة، لا تتوقّف.
الطّفل المسلم: لله ما أشجعك، وما أَنْبَلَكَ، وما أعزّ شأنَك. فلسطين ستتحرّر – إن شاء الله – مادام فيها أمثالُك من الشّجعان البواسل المُوقنين في نصر الله حقّ اليقين، والمؤمنين بالقضيّة الكبرى قضيّة تحرير فلسطين.
الطّفل الفلسطيني: أرجو أن تكون رسالتي إليك واضحةً مفهومةً، وحديثي إليك صريحًا صادقًا.
الطّفل المسلم: شكرًا على هذه التّوضيحات، وهذه الإرشادات وهذه التّنبيهات، كنتَ صادقًا معي وصريحًا وواضحًا، سأنقل كلّ ذلك إلى زملائي الأطفال، وأشرح لهم أفكارك. نعاهدك أن نعمل جميعًا على نصرة القضيّة الكبرى، والنّصرُ حليفُنا إن شاء الله.
الطّفل الفلسطيني: أختم حديثي إليك بهذه الهمسة: أرجو الاعتبارَ بقافلة الحريّة، التي قادها الأتراك، وشارك فيها جمعٌ من المتضامنين الأحرار من العالم الإسلامي والعربي، ومن العالم الحرّ. هذه القافلة أَرِبَكَتْ إسرائيل، فجعلتها تتصرّف تصرّفات حمقاء غبيّة؛ بالتّعدّي عليها بكلّ لؤم وشراسة. وبذلك تكون قد بدأت نَسْجَ خيوط أكفانِها؛ لأنّ في هذا التّصرّف حتفَها إن شاء الله، وفيها بداية نهايتها بقدرة العزيز الجبّار. هذا الحادث يبيّن أنّ الله أعدّ للمجاهدين في سبيل الحقّ نصرًا على الظّلم. اسْتَمِرَّ في الطّريق الذي أرشدتُك إليه، فستكون طرفًا في إحراز هذا النّصر بإذن الله. والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين.
الطّفل المسلم: نَقلَتْ وسائل الإعلام أنّ زوجين تُركِيَيِن اصطحبا معهما في قافلة الحريّة رضيعًا، لم يتجاوز عمرُه بضعة أشهر، ليشاركَهمها عملَهما هذا؛ وبذلك يغرسان فيه روح التّضحيّة، ويرضعانه حبّ العمل من أجل القضايا الكبرى منذ الصّغر.
الطّفل الفلسطيني: من جملة ما أردتُ أن أعلّق عليه هذه المبادرة الطّيّبة المهمّة، رضيعٌ لم يبلغ سنّ الفطام، يرافق قافلة الحريّة والسّلام. جميلٌ جدًّا أن يُرَبِّيَ الوالدان أبناءَهما على هذا النّهج، منذ الصّغر. هذا ما أرشدتُك إليه، أَعِدَّ نفسك بقوّة لِتخدم القضيّة الكبرى المحورية في حياة المسلم.
نقول في هذا السّلوك المهمّ العظيم ما قالت وسائل الإعلام: دعاؤُنا لهذا البطل الصّغير أن يبلغ الرّشدَ والشّعبُ الفلسطيني حرٌّ على أرضه الطّاهرة، وعاصمتُها القدس. (21/303)
صفحة 291
من وحي وثيقة المصالحة
بين أهالي بريان
الشاعر الشيخ صالح بن إبراهيم باجو
أستاذ بمعهد الحياة - القرارة - غرداية
في صباح هذا اليوم المبارك - الثلاثاء 17رجب1431هـ الموافق ل 29جوان 2010م - وقع حفل مشهود بمقر ولاية غرداية للتوقيع على وثيقة المصالحة بين أهالي بريان"ميزابين"و"عرب" وقد حضر الحفل معالي وزير الداخلية، وممثلي السلطات المحلية، وأعيان بريان والولاية.
نسأل الله دوام الأمن والأمان لبلادنا ولكافة بلاد المسلمين:
ريانُ يا جنَّة الوادي وبهجتَهُ ... أجمل به روضةً وردٌ وريحانُ
أبناؤك الصُلَحَا أَمضُوا مُصالحةً ... وهُم أمازيغُ أحرارٌ وعُربانُ
تعانقوا كلُّهم في وحدةٍ شَرُفتْ بهمْ ... وهمْ شُرفاءُ السِّلم شُجعانُ
بشائرُ الصدق والإخلاصِِ باديةٌ ... على الوجوه، إذَا بالكلِّ جذلانُ
الكلُّ مغتبطٌ بالصُّلح مُقتنعٌ ... بأنَّنا لِمَساعي الخير أعوانُ
إذا القلوبُ تَصَافَت وهْي صادقةٌ ... فلن يُلِمَّ بها للكيد شيطانُ
- - -
إليكمُ يا سَراةَ القوم أعينُنَا ... تَرنُو، لنا فيكمُ عزٌّ وسلطانُ
لِتغرسوا الحبَّ في أبنائنا فهمُ ... آمالُنا، وبهمْ تعتزُّ أوطانُ
أَرُوهُمُ مُثلاً عُليا بوحدتكم ... بفضلها يعتلِي للمجد بنيانُ
عضُّوا على الوحدة الوثقى مسانَدةً ... ففي انقسامكمُ ذلٌّ وخُذلانُ
فأنتمُ أسْدُ غابٍ في تجمُّعكم ... لكنَّكم في افتراق الجمعِ خِرفانُ
تسطوا عليكم ذئابُ الشر ماحقةً ... وجودَكُم, فاحذروهُم أينما كانوا (22/304)
صفحة 292
- - -
سراة "بريان" يا آمال أمَّتنا ... فأنتمُ لعيون الدهر إنسانُ
فكيف تُبصر عينٌ لا سوادَ لها ... وكيف يهدي بَصيرَ القلب عميانُ
فالعنصريةُ داءٌ لا دواء لها ... فاستأصلوها, يدُم للصلح نجحانُ
هذا"بلال" و"سلمانٌ" أيمَّتُنا ... فهم لنا - في رحاب الله- إخوانُ
وهم لنا مُثُلٌ عليا نُجِلُّهُمُ ... وهم- لحسن الإخا والصدق- عُنوانُ
- - -
يا أمَّة الوحي فالتوحيدُ وحَّدَنا ... إلهنا أحَدٌ والناس عبدانُ
نبيُّنا واحدٌ, والبيتُ قِبلتُنا ... ودينُنا واحد: هديٌ وقرآنُ
فيم الخلاف إذا؟ يا قومُ ويحَكمُ؟ ... أما لكم بكتاب الله إيقانُ
أتنبُذون كتاب الله خلفَكمُ ... وفيه هديُكمُ: نورٌ وبُرهانُ
فحكِّموا شِرْعَة الرحمن بينكمُ ... وكلُّ حُكمٍ سواها, فهْو بُطلانُ
إنا إذا حالف التوفيقُ وحدَتنَا ... وقادنا لانتهاجِ الحقِّ فرقانُ
فعندها تُصبح الواحاتُ قاطبةً ... جناتِ خُلدٍ، بها حورٌ وولدانُ
فتغمُر الوطنَ الغالي جزائرَنا ... سعادةٌ ملؤُها أمنٌ وآمانُ
- - -
فشكرُنا خالصًا لله نَرفعُهُ ... وللحكومةِ أعوانٌ وأعيانُ
بفضلهم يستَتِبُّ الأمنُ في وطني ... وكُلُّنا - لنعيم الله- شُكرَانُ (22/305)
صفحة 293
المجد أنت قطب الأئمة (*) (1)
الدكتور مصطفى بن صالح باجو
جامعة الأمير عبد القادر - قسنطينة
قطبَ الأئمَّة أحيَى ذكرُك الهمما ... وفاخرَت بكمُ أوطانُنا الأمما
سموتَ للمجد قطبًا، شامخًا، عَلَمًا ... وللجزائر قد ركّزتُم العلما
على هُدَى الخير عبَّدتم لنا سبُلاً ... قامت على العلم والأخلاق ملتزَما
أحييتَ دارس علمٍ، فاستنار به ... شعبٌ، فهبَّ إلى عليائه، وسَمَا
صعَّرتَ خدَّك للمستعمرين إبا ... ءً، فانثنوا في صَغَارٍ يُخجِل القزما
روَّيتنا قيم الإسلام ناصعةً ... أنَّ التحرُّر روحُ المرء إن علِما
بعثت في النشء معنى العزِّ في شمم ... فقام يبني له فوق الذُّرى حرَما
وصاغ في الثورة الكبرى ملاحمه ... نارًا، تصبُّ على المستعمر النِّقما
- - -
رفعت للوطن الغالي حصونَ هدًى ... رجالَ علم وإخلاصٍ مَضَوا قُدُما
جرائدُ البعث من يقظان صادحةٌ ... مهما سعى البغيُ في إخمادها ورمى (2)
دكّت صروحًا لأهل الظلم شامخةً ... وأسمعت من شكا في أذنه الصمما
__________
(1) (*) – ألقيت القصيدة في حفل اختتام السنة الجامعية (2009 - 2010) بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، وتخرج الدفعة الثالثة والعشرين المسماة بدفعة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش "قطب الأئمة".
(2) – إشارة إلى الشيخ أبي اليقظان إبراهيم رائد الصحافة العربية في الجزائر، وهو من تلاميذ القطب، توفي سنة 1973. (23/306)
صفحة 294
وفي الكنانة طودٌ أمَّ أزهرها ... عزيزَ نفسٍ، وللإسلام ليثُ حمى (1)
وفي طرابلْسَ ضرغامٌ مضى شهبا ... أصلى إطاليا لهيبًا ظلَّ مضطرما (2)
- - -
وأشرق الحقُّ بالأسفار فانقشعت ... غياهبُ الشكِّ يمحو نورُها الظُّلَما
وشاملُ الأصل والفرع الرفيع حوى ... سرَّ الشريعة، بالإنصاف ملتزِمَا
كشفْتَ بالنيل للأحكام حكمَتَها ... بمنطق العدل والتوقير للعلما
وغسَّل النَهر جهلا قد سرى عللاً ... في أمَّةٍ، كم سقت من علمها الأمما
وصُغْتَ بالذهب الإبريز خالصه ... عقودَ حُسنٍ بجيد الغيد قد نُظِما
وحُزت من دُرر التيسير أنفَسَهَا ... وزادُ هميانِه بحرٌ، به وُسِما
دعوت للعمل المنجي دُنًا، وغدًا ... وللكروب كشفتُم مَن شكا ألما
وفي المدوَّنَة الكبرى لنا نهَلٌ ... في لفحة الحرِّ، تكفينا شديد ظما
فأزهرت روضةُ التعليم في وطني ... من صيِّب الفكر، كم روَّيتها دِيَما
- - -
ما مات من عاش يبني صرح أمَّتِه ... حَيٌّ، وفي الرمس أمسى رسمُه رِمَما
ما مات من عاش للإسلام منتصرًا ... يحارب الظلم والإفساد والظُلَما
العزمُ أنت؛ مضاءًا لا يني أبدا ... والعزُّ أنتَ سقى أعداءنا حمما
العلمُ أنت؛ جهادا قاد ألوية ... قبل السيوف دعا أن نشحذ القلما
__________
(1) – إشارة إلى أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، ابن أخ القطب، وتلميذه، وطني غيور، نفته فرنسا إلى تونس ثم مصر، وبها كان علما بين أقطاب الأزهر، إلى وفاته سنة 1965م.
(2) – إشارة إلى سليمان باشا الباروني، زعيم المقاومة الوطنية في ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي. وهو من تلاميذ القطب. (23/307)
صفحة 295
الصدقُ أنت؛ صفاءً، كالهلال سنًا ... والصدق في المرء مرآةٌ تُرِي القِيَما
المجدُ أنت؛ منارًا، حكمةً، وهدًى ... لولا جهادُك أمسى مجدُنا عدما
- - -
طوِّح جناحك في الآفاق ما وسِعتْ ... ففي الجزائر لوحُ المجد قد رُسِما
في فرحة تسَعُ الأوطانَ بهجُتها ... للعِلم تشدو نشيدًا ساحرًا نغَمَا
هذي المعاهدُ للأجيال بانيةٌ ... عقدُ الفخار لها من فوزهم نُظِما
بنتُ الأميرِ وباديسَ الهُمامِ زَهتْ ... بالقطب تحضُنُهُ، أنعِم به كَرَما
عُرسُ الجزائر توحيدٌ، ووحدة أهـ ... ـدافٍ، ولُحمةُ صفٍّ ترفع العلما
حصنُ الجزائر في الأحداث وحدتنا ... فاحموا عهود جدودٍ قد مَضوا كُرَما
إن تحفظوا ذممًا، تحظَوا بها شرفا ... أو تنكثوا ورِثت أجيالُكم نِقَما
- - -
أبناءنا، صهواتُ المجد تنظركم ... أنتم فوارِسُها، فامضُوا بها قُدُما
لئن تفاخَر بالأقدام لاعبُهم ... ففي ثرى العلم قد رسَّختُم القدما
هذي الجموع تداعت نحوكم أملاً، ... في فتنَةٍ تجحد الأوطانَ والقيَما
أشرقتمُ فجرَ سعدٍ في غياهبها، ... مُدُّوا اليمين، وبَرُّوا بالفِدا "قَسَمَا" (23/308)
صفحة 296
تُربة الطَّيبين (*) (1)
الأستاذ مسعود بن بالحاج خرازي
المركز الجامعي بغرداية - الجزائر
لَكَ أن تسكب الدموعَ الغزارَا ... فعلى صدقِها نكونُ كبارَا
و امتشِقْ أحرُفًا من الصَّحوِ تأتي ... في ثناياها الذكرياتُ اعتبارَا
إنَّ في حبِّ الفاعلينَ حياةٌ ... من يَعِ الحبَّ يدرِكُ الأنوارَا
تُربةُ الطيبين تُنبتُ نخلاً ... وَزُروعًا وَصحوةً وفَخَارَا
فاسألوا النخلَ كيفَ يَحيَا شُموخًا ... في مَدانَا يُقاوم الإعصَارَا
وَيُحيلُ الصبرَ الجميلَ فصولاً ... يُسعِدُ القلبَ والرُّؤَى والدِّيارَا
واسألُوا الواديَ والقرونَ الخوالي ... وتراتيلَ الوجدِ والأسرارَ
من يمدُّ النبضَ الأصيلَ حضورًا؟ ... من يمدُّ الأرضَ اليبابَ اخضرارَا؟
من يجيءُ الكون انتماءً لحبٍّ ... و يُحاكي الشموسَ و الأقمارَا؟
من يعيش الأنفاسَ في كبرياءٍ ... ينْهجُ الخيرَ والسلامَ مسارَا؟
من يَشِي بالفراغِ للصَّحوِ دَومًا ... يَهزِمُ الصمتَ والأسى والقِفَارَا؟
- - -
إنَّها أمَّتي اسألوها تُجبْكم ... تُتقنُ الحبَّ والنَّدى المِدرَارَا
إنَّها أمَّتي تُعانق نخلاً ... تمنحُ الأكوانَ النَّقا وَالثِّمارَا
إنَّه الوادي الخصب يُنجِب صَحوًا ... ورجالاً ونخلةً وانتصارَا
إنَّها أمَّتي التي ذات يومٍ ... من كَرَاماتِ انْجَبتْ فخَّارَا
- - -
__________
(1) (*) – ألقيت القصيدة في مهرجان الشيخ حمُّو بن عمر فخار تحت شعار «الملتقى الوطني الأول حول فكر القائد الرمز»، غرداية، 2006. (24/309)
صفحة 297
ألفُ عامٍ تحكي تُقاوِِمُ تَصبُو ... لقرونٍ أخرى هوىً و اصطبارَا
تُنجبُ الماجدين في كلِّ عصرٍ ... قطعوا العهدَ أن يظلُّوا كبارَا
لم تزَلْ في مواكبِ النُّور تأتي ... تهَبُ الدُّنيَا فتيةً أقمارَا
إنَّهُم من هنا قوافِلُ مرَّت ... أخصبُوا الأرضَ والرُّؤى والقرارَا
وأجادُوا قولاً فأثمر فعلاً ... واستقامُوا عَدْلاً رَعَوا أقطارَا
أصلَحُوا ما بِهِم وقادُوا سِوَاهُم ... قُدوَةً لا تَديُّنَا مُستَعَارَا
فاذكري يا اختلاجَة الصَّدرِ فينَا ... فارسَ النُّورِ والقوافِي العَذَارَى
والرُّؤى الحالِمَاتِ في نبراتٍ ... صادقاتٍ في حرفِهِ تَتَبَارَى
واذكُرِي يَا قصيدةَ الحُبِّ أنِّي ... أعرِفُ الحبَّ من أنيسِ الحيارَى
هو في الشعرِ الفارسُ المتسامِي ... للذُّرى، يُسرِجُ الخيالَ اقتدرَا
وخطيبٍ قاد الرُّؤى بفصيحٍ ... من بيانٍ فأبدعَ الأفكارَا
والذي يأسِرُ الرفاقَ ذكاءً ... ونظامًا وبسطةً وحوارَا
يرفُض الخوضَ في الأنا والتَّباهِي ... وَيُجيدُ الإصغاءَ والإيثارَا
يقرأ الحلمَ في عيُون الصَّبَايَا ... بِحنُوِّ ويمقتُ استصغارَا
يمقُت الهالاتِ التي يشتهيها ... طالبُ الدُّنيا رغبةً واغترارَا
يطلُبُ الصدقَ والبساطةَ عِشقًا ... وحياةً ومنهجًا واختيارَا
يلهثُ البعضُ خلفَ ضوءٍ وَيشقَى ... يَستبيحُ الأوقاتَ والدِّينَارَا
بينمَا يلهثُ الضياءُ حثيثًا ... خلفَ شيخٍ كي يستزيدَ انتِشارَا
قد يمُوتُ الرَّمزُ الأصيلُ ولكنْ ... في دِجُانَا يَظَلُّ دَومًا نَهَارَا (24/310)
صفحة 298
الحسد ... الداءُ والدواء
الأستاذ نور الدين بن محمد قُرِّي
عضو حلقة العزابة ـــ القرارة ـــ غرداية
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و العاقبة للمتقين، و لا عدوان إلا على الظالمين.
الحمد لله الذي أسبغ علينا من النعم مالا يعد و لا يحصى، نشكره و نستعينه و نستعيذ به من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، و من شر حاسد إذا حسدنا.
و أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، خلق الحسد فأمرنا أن نستعيذ به منه، فقال بسم الله الرحمن الرحيم: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)}. [الفلق 1ـــ 5]
و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله، صفيه و حبيبه، حذرنا من الحسد فقال: «إياكم و الحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب».
فاللهم صلِّ و سلم و بارك عليه، و على من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، إن الحسد داء قلبي خطير، يصيب الأفراد و يفتك بالأمم، فهو نار تتأجج في قلب الحاسد. لا تهدأ و لا تخمد إلا بزوال النعمة من المحسود. و الحسد هو تمني الحاسد زوال النعمة من المحسود و لو لم تنتقل إليه. و الحسد مرض لا يكاد يسلم أحد منه، و لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حسدت فلا تبغ».
و يكفي الحسدَ خساسةً أنه أول كبيرة عُصي الله بها في السماء، فهذا إبليس اللعين امتنع عن السجود لآدم حسدا منه، لما رأى تكريم الله و الملآئكة له دونَه.
و يكفي الحسدَ جرما أنه كان السبب في أول جريمة قتل على وجه الأرض، فهذا قابيل يقتل أخاه هابيل، و إلى هذا يشير قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ (25/311)
صفحة 299
اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)} [المائدة 27]. و ليس مبعث قتل الأخ لأخيه إلا الحسد. قيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن أخاه؟ قال: لا أبالك. أنسيت إخوة يوسف؟ يشير إلى حسد أبناء يعقوب ليوسف أخيهم من أبيهم، و إلقائهم له في الجب لِما رأوه من إيثار أبيهم إياه، و لاسيما بعد أن سمع منه رؤياه، التي يشير إليها قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)} [يوسف 4، 5] و ليس مبعثُ هذا الكيد من أبناء يعقوب لأخيهم إلا الحسد.
و هؤلاء اليهود يبلغ بهم الحسد بالمسلمين حتى ودُّوا أن لو عاد المسلمون إلى الكفر بعد الإيمان، حتى ليبْقَوا على الريادة في علم الكتاب. و هذا القرآن الكريم يفضحهم إذ يقول: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة 109]، و مكائد بني إسرائيل و حسدهم لا تزال متواصلة إلى يومنا هذا.
هذا هو الحسد أيها الإخوة المؤمنون، فأغلب الجرائم التي وقعت، و تقع منذ أن وطئت قدما آدم وجه الأرض إلى أن تقوم الساعة، كان مبعثها الحسد.
فما الدافع إلى كل هذا الحسد يا ترى؟!
إن لهذا المرض الخطير دوافع عديدة أهمها:
1 - عدم الرضا بما قسم الله تعالى على عباده من رزق أو علم أو جاه قال تعالى: ژ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ [الزخرف 32].
2 - العداوة و البغضاء؛ فمن آذاه شخص بسبب من الأسباب، أو خالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبُه، وغضب عليه، و رسخَّ في نفسه الحقد عليه. و الحقد يقتضي التشفِّي و الانتقام، فمهما أصابت عدوه بلية فرح بها، و ظنها مكافأة له من جهة الله على بغضه، و إنها لأجله، و إلى هذا يشير الله تعالى:ژ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ... ? ?? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ... ?? ? ? ? ? ? ? ژ [آل عمران 119، 120]. (25/312)
صفحة 300
3 - التعزُّز و الترفُّع، و هو أن يثقُل على الحاسد ترفُّع غيره عليه، فإذا أصاب بعض أمثاله مالا أو جاها أو علما خاف أن يعلو عليه، فإنه قد يرضى بمساواته له، لكن لا يرضى له بأن يترفع عنه، وإلى هذا أشار القرآن الكريم: ژ? ? ? ? ? ? ? ژ [المؤمنون 47].
4 - الخوف من فوت المقاصد: و ذلك ما يقع بين المتزاحمين على مقصد واحد، و من هذا تحاسد الضرَّات على المقاصد الزوجية، و تحاسد الإخوة على نيل الحظوة الأبويَّة، و تحاسد التلاميذ على نيل المرتبة من قلب الأستاذ، وتحاسد حاشية المسؤول على نيل المكانة عنده للوصول بها إلى الجاه و المال.
5 - حب الانفراد بالمكانة والجاه، و ذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، فإنه لو سمع بمثيل له في أقصى الأرض لساءه ذلك، و تمنى له الموت وزوال النعمة عنه، ليبقى متفردا في مجاله.
6 - عجزُ الحاسد من تحقيق ما يراه من نعمة عند المحسود، فبدل أن يضاعف الجهد والمثابرة للوصول إلى ما وصل إليه صاحبُه، فإذا به قد امتلأ قلبه غيظا وحقدا وحسدا، وعوَّض عن ذلك بتدبير المكائد ليوقع بصاحبه.
7 - خُبثُ النفس: فإن هناك من الناس من لا يهمُّه لا الجاه و لا العلم و لا المال، غير أن نفسه تشقُّ وتضيق عندما يوصف عنده حسن حال غيره ممن أنعم الله عليهم، وإن وصف له اضطراب أمور الناس وإدبارهم وفوات مقاصدهم وتنغُّص عيشهم فرح بذلك، فهو أبدا يحبُّ الإدبار لغيره، ويكره لهم ما أصابهم من نِعم الله، كأنهم يأخذون مُلكه أو خزائنه.
8 - مبالغة ذوي النعمة في إظهار ما يتمتَّعون به، بل تفاخُر بعضهم على غيرهم بتلك النعم كما نراه اليوم، من تطاول في البنيان، و تهافت على آخر ما أنتجته المصانع من السيارات، فإن كل ذلك يزيد من وقود الحسد في قلب الحاسد.
فهذه أغلب أسباب الحسد. و قد يجتمع بعضها أو أغلبها في شخص واحد، فيعظُم فيه الحسد ويقوى قوة لا يقدر معها على الإخفاء، بل يهتك حجاب المجاملة و يظهر العداوة بالمكاشفة.
فاللهم طهِّر قلوبنا من الحسد وأسبابه، وقنا شر حاسد إذا حسد. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي و لكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. (25/313)
صفحة 301
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي لا رب سواه، والصلاة و السلام على رسول الله. أما بعد:
أيها الإخوة المؤمنون، إن مما سبق ذكره عن الحسد ودواعيه يتبين لنا مدى خطورة هذا المرض القلبي الفتَّاك بالأفراد و الجماعات، و مدى الظلمة التي يحياها قلب الحاسد، والجو العفن الخانق الذي تعيشه نفسه، حياة لا يتمناها العدو لعدوه. فكيف يرضاها لصديقه أو قريبه، لكن لله في خلقه شؤون.
أيها الحاسد:
ألا تستفيق من سباتك، وتخلِّص نفسك من الحمإ المسنون الذي ترتع فيه؟ اسمع إلى بعض الحكماء ما يقول فيك: ما أمحقُ للإيمان، و لا أهتكُ للستر من الحسد، وذلك أنَّ الحاسد مفنِّدٌ لحكم الله، باغٍ على عباده، عاتٍ لربه، يعتدُّ نعم الله نقما، وعدل قضائه حيفًا، للناس حال وله حال، ليس يهدأ ليلُه، و لا ينام جشعُه، و لا ينفعه عيشُه، محتقرٌ لنعم الله عليه، متسخِّط ما جرت به أقداره، لا يبرد غليلُه، و لا تؤمن غوائله، إن سالَمتَه وَتَرَك، و إن واصلتَه قطعك.
و اسمع إلى هذا الشاعر ماذا يقول لك.
أيَا حاسدًا لي على نعمتِي
أتدري على من أسأتَ الأدبْ
أسأتَ على الله في حُكمِهِ
لأنَّك لم ترضَ لي ما وَهَبْ
فأخزَاكَ ربي بأن زادنِي
وسَدَّ عليكَ وُجوهَ الطلبْ
أيُرضيك أن تجتمع فيك كل هذه الموبقات؟!
لقد جنيتَ على الله بأن سخطت على قدره، وحقرت نعمه، واستبشعت قسمته.
لقد شاركت إبليس وسائر الكفار في مُعاداتهم للمؤمنين، ومحبة حلول البلايا بهم، و زوال النعم عنهم.
ألا يكفيك ما تعيشه من عذاب مستمر، يتألم به جسدك، و تضطرب به نفسك. لم تستقرَّ يوما حياتُك، و لم يهنأ لك ساعةً عيشُك. ما أسعدتَ أهلَك، و لا أحسنت لغيرك. انهالت دعوات من تحسدهم عليك، فأحللت سخط الله بك. فما استطاع حسدُك تغيير حالهم، إذ ما زال الله يُغدق عليهم. (25/314)
صفحة 302
ألا يكفيك جرما ما تدبِّره من مكائد لمحسودك، فكم من نميمة سعيت فيها، وكم من إشاعة أطلقتها، وكم من باب للسحرة والمشعوذين طرقتها، وكم من تميمة علقتها، فتبًّا لنفس أنت حاملُها، و عقل لا يهديك هداها، فكيف تلقى الله وأنت على هذه الحال؟! خلِّص نفسك أيها الحاسد مما أنت فيه من الشقاء، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
-فإذا حسدتَ فلا تبغ ... و في رواية فاستعذ بالله.
-املأ قلبك رضا بما قسمه الله لك فتحل بك الطمأنينة.
-املأ قلبك حبًّا للناس جميعا فتغمرك السعادة.
-تواضع لغيرك، ليطهر قلبك من الكبر و الحقد و البغض.
-اسع في قضاء حوائج الناس فتنال بها رضا الله و مودتهم.
-لا تنظر إلى النعم التي أنعمها الله على غيرك بأنها جزاء لهم. بل هي بلاء وامتحان، أنت سلمت من حسابها.
-أشغل قلبك بالذكر و الدعاء، و تلاوة القرآن فإنه شفاء.
-أشغل نفسك بالفضائل، حتى لا تشغل بالرذائل.
-اسمع إلى قول الشاعر:
يا طالب العيشِ في أمنٍ و في دَعَةٍ
رغدًا بلا قتَرٍ، صَفوًا بلا رَنَقِ
خلِّص نفسك من غِلٍّ و من حَسَدٍ
فالغِلُّ في القلب مثل الغلِّ في العُنُقِ
أما أنت ي صاحب النعمة:
اعلم أن النعم التي تتمع بها، هي بلاء من الله و امتحان و ليست جزاء و لا ثوابا لقوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)} [الأنبياء 35] حتى لا تتباهى بها و لا تتفاخر فتوقد بذلك نار الحسد في من في قلبه حسد.
اعلم أنّ النعم تستوجب شكر المنعم، بوضعها في أماكنها التي أمر الله بها، واستعمالها فيما يجلب رضاه
اعلم بأن خير وقاية من شرّ الحاسدين، العمل بوصيته - صلى الله عليه وسلم -: «استعينوا على قضاء الحوائج بالسر و الكتمان فإن كلّ ذي نعمةٍ محسود». (25/315)
صفحة 303
اعلم أنّ الحاسد يقدم لك خدمة جليلة، يزيد في شُهرتك من غير أجرة تدفعها له، ويثقّل ميزان حسناتك دون جهدٍ تبذُله و في هذا السياق قال أبو تمام:
وإذا أراد اللهُ نَشْر َ فضيلةٍ ... طُويتْ، أتاح لها لسانَ حَسُودٍ
ولولا اشتعالُ النار فيما جاورتْ ... ماكان يُعرَفُ طيبُ عرفِ العُودِ
إعلم أنّ النّعم مجلبة للمتاعب، فوطّن نفسك بالصبر على أذى الحاسدين، {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)} [التوبة 51]، وإن تضمن الصبر والتقوى تدفع بهما المكائد كلها لقوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران 120].
واسمع إلى الشاعر ابن المعتز يقول:
اصبِر على كيد الحسودِ ... فإنّ صبرَك قاتلُهْ
فالنَّارُ تأكلُ بعضها ... إن لم تجد ما تأكلُه
وفي الاخير إعلم انّ خير من تستجير به من كيد الحاسدين هو ربك عزّ و جل، فأكثر من تلاوة قرآنه قبل النوم وبعده {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)} [الإسراء 45]، وَانْوِ به التحصين والحفظ {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)} [يوسف 64]، وأكثر من الذكر والدعاء آناء الليل وأطراف النهار ودبر كلّ صلاةٍ، لقوله تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة 45] وقبل ذلك وبعده أحسن التوكل على الله فإنه {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)} [الأنفال 40].
اللهم ألهمنا شكر النعم، حتى تكون سترًا بيننا وبين الحاقدين والحاسدين، اللهم إنّا نستعيد بك من شر حاسدٍ اذا حسد، ومما نحاذر ونجد، فاحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ونعوذ بك أن نُغتال من تحتنا. اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور. اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا رمضان. اللهم إنا نتوب إليك فاقبل توبتنا، ونستغفرك فاقبل استغفارنا، ونستجيرك فاقبل جوارنا ياأرحم الراحمين.
عباد الله إنّ الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلّكم تذّكرون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. (25/316)
صفحة 304
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 21 جمادى الثاني 1430 هـ / 15 جوان 2009 م
إلى تاريخ: 06 جمادى الثانية 1431 هـ/ 20 ماي 2010 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخ الميلاد ... المدينة
1 ... الشيخ أحمد دليلة بنت أحمد بن إبراهيم ... 21 جمادى الثاني 1430هـ 2009/ 06/15م ... 1988 - 12 - 12 ... القرارة
2 ... بابهون أسماء بنت محمد بن أحمد ... 22 جمادى الثاني 1430هـ 2009/ 06/16م ... 1990 - 05 - 10 ... القرارة
3 ... عشور يونس بن حمو بن قاسم ... 10 رجب 1430هـ 2009/ 07/08م ... 1990 - 10 - 02 ... القرارة
4 ... بوقرينات يوسف بن أحمد بن عيسى ... 14 رجب 1430هـ 2009/ 07/08م ... 1988 - 08 - 27 ... القرارة
5 ... دغور حليمة بنت عمر بن الناصر ... 14 رجب 1430هـ 2009/ 07/08م ... 1982 - 07 - 12 ... القرارة
6 ... الوارث وفاء بنت عبد الرحمن بن محمد ... 18 رجب 1430هـ 2009/ 07/11م ... 1991 - 09 - 13 ... القرارة
7 ... قري مريم بنت محمد بن إبراهيم ... 21 رجب 1430هـ 2009/ 07/14م ... 1991 - 10 - 30 ... القرارة
8 ... الشيخ أحمد إبراهيم بن عيسى بن إبراهيم ... 25 رجب 1430هـ 2009/ 07/18م ... 1991 - 08 - 16 ... القرارة
9 ... البور آمال بنت إبراهيم بن عفاري ... 03 شعبان 1430هـ 2009/ 07/25م ... 1992 - 06 - 10 ... القرارة
10 ... أبي اسماعيل حجوجة إدريس بن محمد بن بكير ... 10 شعبان 130هـ 2009/ 08/01م ... 1987 - 05 - 29 ... القرارة
11 ... بوراس سليمان بن يوسف بن علي ... 12 شعبا ن 1430هـ 2009/ 08/03م ... 1993 - 05 - 15 ... القرارة
12 ... ابن الشيخ حفيظة بنت عبد الله بن إبراهيم ... 13 شعبان 1430هـ 2009/ 08/04م ... 1990 - 11 - 23 ... القرارة
13 ... خياط الناصر بن محمد بن الناصر ... 15 شعبان 1430هـ 2009/ 08/06م ... 1988 - 01 - 02 ... القرارة
14 ... تاوريرت وليد بن أحمد بن بكير ... 16 شعبان 1430هـ 2009/ 08/07م ... 1993 - 03 - 19 ... القرارة
15 ... الحاج مسعود عزيزة بنت مصطفى بن مسعود ... 17 شعبان 1430هـ 2009/ 08/08م ... 1993 - 08 - 07 ... القرارة
16 ... نجار لقمان بن مسعود بن سليمان ... 20 شعبان 1430هـ 2009/ 08/11م ... 1993 - 09 - 30 ... القرارة (26/317)
صفحة 305
17 ... طوبال مصطفى بن عمر بن حمو ... 21 شعبان 1430هـ 2009/ 08/12م ... 1992 - 01 - 14 ... القرارة
18 ... الحاج عشور نعيمة بنت سليمان بن الناصر ... 21 شعبان 1430هـ 2009/ 08/12م ... 1992 - 06 - 28 ... القرارة
19 ... وعلي الويزة بنت سليمان بن إبراهيم ... 22 شعبان 1430هـ 209/ 08/13م ... 1991 - 03 - 03 ... القرارة
20 ... الدّونيت علي بن يوسف بن باعلي ... 13 شوال 1429 هـ ... 1992 - 12 - 24 ... بريان ... 13/ 10 / 2008 م
21 ... أوجانة سعيدة بنت إبراهيم بن داود ... 14 شوال 1429 هـ ... 1991 - 01 - 18 ... القرارة ... 14/ 10 / 2008 م
22 ... حشحوش حسن بن محمد بن بكير ... 18 رمضان 1430هـ 2009/ 09/08م ... 1991 - 04 - 01 ... القرارة
23 ... صالح والحاج محمد بن عبد الله بن امحمد ... 24 رمضان 1430هـ 2009/ 09/14م ... 1993 - 07 - 26 ... بريان
24 ... حمدي جويرية بنت محمد بن صالح ... 22 شوال 1430هـ 2009/ 10/11م ... 1991 - 12 - 06 ... القرارة
25 ... بابا واعمر أحمد بن خضير بن بكير ... 26 شوال 1430هـ 2009/ 10/15م ... 1991 - 05 - 24 ... غرداية
26 ... العنق مريم بن بكير بن حمو ... 08 ذو القعدة 1430هـ 2009/ 10/15م ... 1991 - 03 - 15 ... القرارة
27 ... مرموري إبراهيم بن محمد بن بابا ... 10 ذو القعدة 1430هـ 2009/ 10/28م ... 1992 - 01 - 29 ... القرارة
28 ... ابن عيسى مسعودة بنت أحمد بن إبراهيم ... 16 ذو القعدة 1430هـ 2009/ 11/03م ... القرارة
29 ... حشحوش سمية بنت عبد المجيد بن محمد ... 17 ذو القعدة 1430هـ 2009/ 11/04م ... 1990 - 10 - 28 ... القرارة
30 ... بابانجار أحمد بن بامحمد بن أحمد ... 17 ذو القعدة 1430هـ 2009/ 11/04م ... 1991 - 04 - 13 ... غرداية
31 ... سليمان بوعصبانة حفيظة بنت علي بن إبراهيم ... 22 ذو القعدة 1430هـ 2009/ 11/09م ... 1991 - 10 - 26 ... القرارة
32 ... فخار رستم بن حمودي بن محمد ... 24 ذو القعدة 1430هـ 2009 - 11 - 11م ... 1993 - 08 - 02 ... غرداية
33 ... الشيخ صالح محفوظ بن صالح بن عيسى ... 25 ذو القعدة 1430هـ 2009/ 11/11م ... 1988 - 01 - 03 ... غرداية
34 ... حميد أوجانة زينب بنت بهون بن أحمد ... 30 ذو القعدة 1430هـ 2009/ 11/12م ... 1989 - 01 - 13 ... القرارة (26/318)
صفحة 306
35 ... موسلمال حمزة بن موسى بن محمد ... 03 ذو الحجة 1430هـ 2009/ 11/20م ... 1990 - 02 - 12 ... بريان
36 ... ابن عمر آسية بنت باحمد بن الحاج موسى ... 16 ذو الحجة 1430هـ 2009/ 12/03م ... 1988 - 04 - 09 ... القرارة
37 ... قري يوسف بن نور الدين بن محمد ... 18 ذو الحجة 1430هـ 2009/ 12/05م ... 1990 - 05 - 07 ... القرارة
38 ... ناصر بوحجام محمد بن البشير بن الحاج علي ... 19 ذو الحجة 1430هـ 2009/ 12/06م ... 16 - 81990 ... القرارة
39 ... فخار أحمد بن عبد الرحمن بن قاسم ... 21 ذو الحجة 1430هـ 2009/ 12/08م ... 1988 - 09 - 28 ... غرداية
40 ... حمدي هناي يسين بن محمد بن عبد الله ... 25 ذو الحجة 1430هـ 2009/ 12/12م ... 1991 - 05 - 17 ... القرارة
41 ... حفار يمينة بنت عيسى بن بكير ... 03 محرم 1431هـ 2009/ 12/20م ... 1989 - 06 - 14 ... القرارة
42 ... الراعي صفية بنت قاسم بن محمد ... 04 محرم 1431هـ 2009/ 12/21م ... 1990 - 12 - 20 ... القرارة
43 ... رمضاني فاطمة بنت محمد بن موسى ... 05 محرم 1431هـ 2009/ 12/22م ... القرارة
44 ... الشيخ بالحاج آسية بنت زكرياء بن يحي ... 06 محرم 1431هـ 2009/ 12/23م ... 1987 - 07 - 13 ... القرارة
45 ... بهون علي حليمة بنت سليمان بن عمر ... 07 محرم 1431هـ 2009/ 12/24م ... 1989 - 01 - 13 ... القرارة
46 ... خفياني قليل منة بنت بكير بن باعيسى ... 11 محرم 1431هـ 2009/ 12/28م ... 1990 - 07 - 25 ... القرارة
47 ... أولاد الحاج مسعود مفدي بن محمد بن بالحاج ... 17 محرم 1431هـ 2010/ 01/03م ... 1996 - 06 - 06 ... القرارة
48 ... حاجي أسماء بنت الهاشمي بن محمد ... 19 محرم 1431هـ 2010/ 01/05م ... 1988 - 11 - 20 ... القرارة
49 ... حريزي يوسف بن موسى بن إبراهيم ... 22 محرم 1431هـ 2010/ 01/08م ... 1995 - 01 - 11 ... القرارة
50 ... بهون علي علي بن بهون بن علي ... 23 محرم 1431هـ 2010/ 01/09م ... 1993 - 06 - 16 ... القرارة
51 ... سليمان بوعصبانة الحاج إبراهيم بن أحمد بن حمو ... 27 محرم 1431هـ 2010/ 01/13م ... 1995 - 05 - 09 ... القرارة
52 ... الحاج عشور إسماعيل بن قاسم بن سعيد ... 28 محرم 1431هـ 2010/ 01/14م ... 1994 - 09 - 29 ... القرارة
53 ... حمدي سعيد بن قاسم بن سعيد ... 05 صفر 1431هـ 2010/ 01/20م ... 1991 - 10 - 08 ... القرارة (26/319)
صفحة 307
54 ... أولاد حمادي يحي بن قاسم بن حمو ... 06 صفر 1431هـ 2010/ 01/21م ... 1992 - 08 - 15 ... بريان
55 ... الشيخ بالحاج إبراهيم بن قاسم بن محمد ... 07 صفر 1431هـ 2010/ 01/22م ... 1991 - 03 - 27 ... القرارة
56 ... الواهج عيسى بن إبراهيم بن عمر ... 12 صفر 1431هـ 2010/ 01/27م ... 1992 - 12 - 15 ... غرداية
57 ... نجار صلاح الدين بن عيسى بن صالح ... 14 صفر 1431هـ 2010/ 01/29م ... 1994 - 04 - 18 ... مليكة
58 ... أولاد داود إلياس بن إبراهيم بن حمو ... 20 صفر 1431هـ 2010/ 02/04م ... 6 - 12 - 166. ... بريان
59 ... عشور توفيق بن حمو بن قاسم ... 25صفر 1431هـ 2010/ 02/09م ... 1994 - 06 - 06 ... القرارة
60 ... باباحمو الحاج عمر محمد بن بابراهيم ... 30 صفر 1431هـ 2010/ 02/14م ... 1992 - 10 - 10 ... ورجلان
61 ... خليلي بانوح باية بنت مصطفى بن عمر ... 01 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 02/15م ... 1989 - 01 - 10 ... القرارة
62 ... شريفي عشور بن عبد الله بن عمر ... 03 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 02/17م ... 1988 - 08 - 21 ... القرارة
63 ... ابن صالح سفيان بن مصطفى بن محمد ... 06 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 02/20م ... 1992 - 09 - 19 ... القرارة
64 ... حاجي منير بن عمر بن باعيسى ... 09 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 02/23م ... 1992 - 02 - 05 ... القرارة
65 ... بعاج بلقيس بنت أحمد بن إبراهيم ... 14 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 02/28م ... 1990 - 12 - 01 ... القرارة
66 ... تمزغين عبد الحميد بن علي بن الناصر ... 15 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/01م ... 1990 - 11 - 25 ... بريان
67 ... حفار عمر بن علي بن باحمد ... 16 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/02م ... 1990 - 06 - 01 ... القرارة
68 ... بوسعدة زوليخة بنت سعيد بن حمو ... 17 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/03م ... 1985 - 03 - 25 ... القرارة
69 ... حاجي حمو بن إبراهيم بن حمو ... 21 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/07م ... 1994 - 02 - 08 ... القرارة
70 ... أوجانة دلية بنت صالح بن الحاج عمر ... 22 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/08م ... 1988 - 12 - 28 ... القرارة
71 ... بليدي فاروق بن أحمد بن سعيد ... 23 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/09م ... 1995 - 03 - 13 ... بني يزجن
72 ... بسيس قاسم بن مصطفى بن عبد الرحمن ... 24 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/10م ... 1991 - 12 - 30 ... القرارة (26/320)
صفحة 308
73 ... أبو القاسم محمد الأمين بن عيسى بن بكير ... 25 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/11م ... 1991 - 10 - 22 ... القرارة
74 ... تاوريرت محمد بن عمر بن بكير ... 27 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/13م ... 1992 - 02 - 12 ... القرارة
75 ... الشيخ بالحاج حسناء بنت الناصر بن بكير ... 28 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/14م ... 1992 - 01 - 01 ... القرارة
76 ... علواني عبد العزيز بن أبي القاسم بن محمد ... 29 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/15م ... 1995 - 11 - 15 ... مليكة
77 ... حنّي صالح بن محمد بن موسى ... 30 ربيع الأول 1431هـ 2010/ 03/16م ... 1988 - 09 - 02 ... بونورة
78 ... كريزو إدريس بن مصطفى بهون ... 01 ربيع الثاني 1431هـ 2010/ 03/17م ... 1991 - 12 - 11 ... القرارة
79 ... الحاج مسعود سليمة بنت صالح بن إبراهيم ... 01 ربيع الثاني 1431هـ 2010/ 03/17م ... 1991 - 04 - 03 ... القرارة
80 ... سليمان بوعصبانة فاطمة بنت سليمان بن أحمد ... 02 ربيع الثاني 1431هـ 2010/ 03/18م ... 1990 - 12 - 03 ... القرارة
81 ... خلفاوي رابح داود بن حمو بن امحمد ... 04 ربيع الثاني 1431هـ 2010/ 03/20م ... 1984 - 02 - 08 ... بريان
82 ... حمدي بابا آمنة بنت محمد بن يوسف ... 05 ربيع الثاني 1431هـ 2010/ 03/21م ... 1985 - 01 - 21 ... القرارة
83 ... حريز مريم بنت محمد بن الحاج صالح ... 06 ربيع الثاني 1431هـ 2010/ 03/22م ... 1990 - 04 - 07 ... القرارة
84 ... حميد أوجانة حليمة بنت مصطفى بن محمد ... 16 ربيع الثاني 1431هـ 2010/ 04/01م ... 1990 - 10 - 04 ... القرارة
85 ... ابن الشيخ عبد المجيد بن قاسم بن إبراهيم ... 23 ربيع الثاني 1431هـ 2010/ 04/08م ... 1989 - 01 - 01 ... القرارة
86 ... بيوض بكير بن مصطفى بن بكير ... 09 جمادى الأولى 1431هـ 2010/ 04/24م ... 1992 - 10 - 31 ... القرارة
87 ... خفياني قليل أيوب بن محمد بن بكير ... 10 جمادى الأولى 1431هـ 2010/ 04/25م ... 1992 - 11 - 23 ... القرارة (26/321)
صفحة 309
88 ... أوجانة رقية بنت بكير بن حمو ... 11 جمادى الأولى 1431هـ 2010/ 04/26م ... 1992 - 02 - 14 ... القرارة
89 ... أبو بكر نجيب بن مصطفى بن بابا ... 14 جمادى الأولى 1431هـ 2010/ 04/29م ... 1991 - 03 - 16 ... القرارة
90 ... العائب يسين بن الناصر بن محمد ... 21 جمادى الأولى 1431هـ 2010/ 05/06م ... 1993 - 12 - 24 ... القرارة
91 ... ابن الشيخ لقمان بن يحي بن إبراهيم ... 02 جمادى الثاني 1431هـ 2010/ 05/16م ... 1989 - 10 - 05 ... القرارة
92 ... حمدي عمر بن بكير بن موسى ... 05 جمادى الثاني 1431هـ 2010/ 05/19م ... 1993 - 11 - 23 ... القرارة
93 ... أوجانة كريمة بنت بكير بن يوسف ... 06 جمادى الثاني 1431هـ 2010/ 05/20م ... 1991 - 12 - 05 ... القرارة (26/322)