صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 15 - مبوبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
دورية فكرية محكَّمة يصدرها معهد الحياة
وجمعية التراث ــ القرارة، الجزائر (1/1)
صفحة 2
(
الإيداع القانوني رقم:
www. Tourath . org (1/2)
صفحة 3
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1/3)
صفحة 4
ابتداء من العدد 12
دورية الحياة
مجلة فكرية محكّمة
تصدر عن معهد الحياة وجمعية التراث
قواعد النشر:
*-تنشر دورية ”الحياة “ البحوث العلمية الأصيلة للباحثين من داخل القطر الجزائري ومن خارجه.
*-تهتمُّ الدورية بالبحوث والدراسات في شتَّى المجالات الفكرية والشرعية والأدبية والتراثية، شريطة أن تتميَّز بالأصالة والجدَّة، والعمق في الطرح، والأسلوب السليم، والمنهجية العلمية الدقيقة، مع الإحالة إلى المصادر والمراجع، والالتزام بالأمانة العلمية، والاعتدال في الفكر.
*-تنشر الدورية البحوث التي لم يُسبق نشرها في أيِّ مكان آخر.
*- تخضع جميع البحوث للتقويم من قِبل لجنة محكّمة، مكوَّنة من دكاترة وأساتذة يساعدهم خبراء من تخصُّصات معرفية مختلفة، وهذه اللجنة وحدها هي المخوَّلة بقبول البحوث أو رفضها.
*-لا تُعاد البحوث التي تُرسل إلى الدورية سواء نُشرت أم لم تُنشر، ولا تلتزم اللجنة المحكَّمة بذكر أسباب عدم قبول نشر أي بحث، وتُعتبر قراراتها نهائية. (1/5)
صفحة 5
*-ترتيب البحوث في الدورية موضوعيٌّ وتنسيقي، ولا يعبِّر بأي حال من الأحوال عن مكانة الباحث أو البحث.
*-تُرسل البحوث مصفَّفة بنظام ( WORD) (DOC)، أو في شكل ملف ( PDF) أو ( RTF)، على قرص مضغوط ( CD)، مع كتابة اسم الباحث وذكر وظيفته الحالية، ورتبته العلمية. على أن لا يتجاوز عدد صفحات البحث 20 من مقاس A4 بحجم خط 17، إلى العنوان البريدي:
دورية الحياة ــ جمعيةالتراث
ص، ب: 19 القرارة، غرداية، 47110، الجمهورية الجزائرية
أو البريد الإلكتروني:
info@tourath.org
وللاتصال:
فاكس: 213.29.85.40.89+
www.tourath.org
ملاحظة:
*-ما تنشره الدورية لا يعبِّر إلاَّ عن الرأي الشخصي لصاحب البحث، ولا يعبِّر بالضرورة عن راي الدورية، أو اللجنة المحكمة، أو هيئة التحرير، أو الناشر.
المحتويات
الافتتاحية .................................. د/مصطفى بن الحاج بكير حمُّودة ر
في القرآن الكريم وتعليمه
*-الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم (تحريم الربا)
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 13
*-الإشراف وأثرُه في تفعيل حلقات تحفيظ القرآن الكريم
أ/ رابح دفرور 47
في الفقه وأعلامه
*-الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش فقيهًا (الحلقة الثانية)
د/ مصطفى بن صالح باجو 57
*-فقه المال العام عند الإباضيَّة (الحلقة الثالثة: عند فقهاء إباضيَّة المشرق) (ج 2)
د/ محمد بن صالح حمدي 81
*-الرياضة البدنيَّة من وجهة نظر شرعيَّة (المصالح والمفاسد)
أ/ رستم بن عيسى إتبيرن 91
في اللغة والأدب والشعر
*-اللغة العربيَّة والفكر العالمي
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 109
*-رمزيَّة النخلة في أدبيَّات الشاعر محمد صالح ناصر
أ/ محمَّد بن أحمد جهلان 134 (1/6)
صفحة 6
دراسات في التاريخ والفكر الإباضي
*-فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكِّمة .... (الحلقة الثالثة)
د/ موسى بن إبراهيم حريزي 160
*-نظرات في عوائق انتشار الفكر الإباضي
أ (ة) / سناء مهنِّي الباروني 189
دراسات قانونيَّة
*-القانون الجديد المتعلِّق بعمليَّات التحقيق العقاري وتسليم سندات الملكية ...
د/ صالح بن عبد الله أبو بكر 194
*-القِراض بالمحل التجاري (وجهة نظر أخرى)
د/ خالد بن محمد بابكر 201
*-عقوبة الإعدام؛ بين الجدل الفقهي والتشريعات الجنائيَّة
أ/ حمو بن إبراهيم فخَّار 212
أعلام وأعمال ...
*-جيل طلبة القُطب ودورهم في الإصلاح بوادي ميزاب
د/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج 232
*-قراءة في نماذج من مُراسلات القُطب إلى أهل عُمان (الحلقة الثانية)
أ/ مصطفى بن محمد شريفي 246
*-أبو زكرياء فصيل بن أبي مِسْوَر ودورُه في جزيرة جربة
أ (ة) / حنان الحسين الطرابلسي 266 (1/8)
صفحة 7
الرسائل الجامعية
*- الفكر العقدي عند الشيخ بيُّوض، منهجُه وأبعاده
(أطروحة دكتوراه) د/ حمُّو بن عيسى الشيهاني 285
*- دراسة وتحقيق لكتاب تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين ...
(أطروحة دكتوراه) د/ عمر بن إسماعيل آل حكيم 297
*- مفدي زكريَّاء وإنتاجُه الأدبي في مرحلة ما قبل الثورة
(أطروحة دكتوراه) د/ مصطفى بن الحاج بكير حمودة 305
كلمة العدد
*- احتفال المعاهد الحرَّة بميزاب بيوم العلم
يوم السبت 12 جمادى الأولى 1432هـ /16 أفريل 2011 م
أ/ مصطفى بن قاسم كَارَه 314
نفحات شعرية
*-في رثاء العلاَّمة النَّاصر بن محمَّد المرموري
د/ عبد الله بن راشد السيابي 318
*-وقفة إجلال وترحُّم على الغائب الحاضر الشيخ النَّاصر
أ/ سليمان بن عمر دواق 320
*-فات الأوان ... يا ملِك الزمان!
أ/ إدريس بن عمر علواني 322
خطبة العدد
*- خطبة عيد الأضحى المبارك (الثلاثاء 10 ذوالحجة هـ الموافق 16 نوفمبر 2010م)
أ/ عيسى بن محمَّد الشيخ بالحاج 323
أهلُ الله وخاصَّتُه
*-المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1431ــــ 1432/ 2010 ــــ 2011) 332 (1/9)
صفحة 8
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الافتتاحية
بقلم: د/ مصطفى بن الحاج بكير حمُّودة
قسم اللغة العربية وآدابها
المركز الجامعي بغرداية
ع
عندما اقتُرح عليّ كتابة افتتاحية العدد الخامس عشر من مجلّة "الحياة"، توجّست خيفة من مواجهة بياض الورقة في كتابتها، إذ لا عهد لي بمثل هذه الكتابة، وكيف لي أن أكتب افتتاحية مجلّة متخصّصة تسنّمت ذرى السنة الخامسة عشرة من عمرها، وهو عمر مديد بالنسبة لمثل هذه المجلاّت.
تركتُ نفسي على سجّيتها، وانتظرت أن تجد سبيلها إلى الأسطر الأولى من هذه الكتابة، وأصعب الأمور مبادؤها، فإذا بها تنجذب بوحي من اسم المجلّة "الحياة" إلى مشروع جريدة رائدة، يرجع تاريخه إلى شهر أكتوبر من سنة 1932:
في هذا التاريخ أرسل مفدي زكرياء وباسعيد عدُّون، رسالة إلى من يرجون مشاركته في تحرير فصول جريدة "الحياة" من الأدباء والكتَّاب على مستوى المغرب العربيِّ، جاء فيها بعد عنوان «هلمُّوا إلى الحياة لسانكم الناطق وقلبكم المفكّر»، ما يلي: «حضرة الوطنيّ الغيور، الأديب المحترم، سيِّدي: [ ... ] فإنَّنا نزفُّ لكم البشرى بعزمنا على إصدار جريدة جامعة تتناول المواضيع الهامَّة، تحت عنوان "الحياة"، وهي لسانُ حال المسلمين المفكِّرين بشمال إفريقيا. [ ... ] وقد رأينا من اللازم المفروض أيضا، أنَّ الجريدة لا تكون لسان المفكِّرين المسلمين إلاَّ إذا كانت حقيقة مجال أقلام جلِّ المفكّرين المسلمين القاطنين بإفريقيا الشماليَّة، إن لم نقل كلّهم، ومعرضا لكلِّ ما تنتجه أفكارهم الناضجة، وتلده قرائحهم الوقَّادة، وتجود به عزائمهم القويَّة. إنَّ جريدتنا علميَّة أدبية اقتصادية أخلاقية جامعة، أُسِّست لتعمل على هدم ما شادته أيدي الجهل والتفريط والكسل، وعلى إزالة كلِّ ما يحول بين مسلمي هذه البلاد، وبين رقيِّها العلميِّ والأدبي والاقتصادي، وهي ليست حبسًا على فرد أو أفراد معيَّنين، أو متقيِّدة بحزب من الأحزاب، إنَّما هي مُلكٌ مشاعٌ بين جميع المتنوِّرين، الذين (2/10)
صفحة 9
يحملون فكرتنا، ويسعون مثلنا فيما يحيي ما اندثر من مجد غابر، مع إضافة ما يلزم أن يضاف إليه من محاسن العصر الحاضر. شعارها الإخلاص في العمل لله، والسعي لصالح الوطن، رائدها الصدق، دعامتها التفكير الحرُّ والعلم الصحيح، حزبها الحقُّ، مبدؤُها الصراحة. ولاعتقادنا أنَّكم من الذين يحملون هذه الفكرة الجميلة، أوجب علينا الضمير الذي لا نعصيه، ولا نخالفه، ما دام يأمرنا بالواجب الدينيِّ والوطنيِّ؛ ودعتنا المصلحة المشتركة لمكاتبتكم: أوَّلا: لتعريفكم بما صحَّ عزمنا عليه، وبقرب إنجاز مشروعنا بحول الله وقوَّته؛ وثانيا: لاستنهاض هممكم، والتماس المعونة منكم، ونخصِّص من أنواع المعونة النوع العلميَّ والأدبيَّ، راغبين منكم أن تتفضَّلوا علينا بمشاركتكم الفعليَّة في هذا المشروع الجليل، وأن توافونا بما تجود به فكرتكم، وينفثه يراعكم النزيه، ممَّا يوفِّر "الحياة" لهذا العمل المبرور».
كان المشروع رائدا بحقٍّ على مستوى المغرب العربيِّ، وبسبب من ريادته كان سابقا لأوانه، لم يستكمل شروط تجسيده بعد، فانحرف عن هدفه بالقدر الذي يكفل للجريدة ظهورها، غير أنَّ وجودها لم يتجاوز عددها الثالث، وهذا مصير الأعمال الرائدة، تتوقَّف عند حدِّ الفكرة الجامحة، تكتفي بالإقناع بإمكان تجسيدها، ثمَّ يأتي تجسيدها بعد فترة.
لقد ولدت مجلَّة "الحياة" في ظروف مختلفة اختلافا بيِّنا غير ظروف الجريدة، ومن غير أن يستوحي أصحابها ــــ فيما نعلم ــــ فكرتهم من مشروعها، إلاَّ أنَّها لا تبتعد كثيرا ــــ في تقديرنا ــــ عن الأفكار المؤسّسة له.
عندما نعود بالتاريخ إلى الوراء، ونقارن بين المشروعين، ندرك قيمة أن تتخطَّى مجلَّة "الحياة" سنتها الخامسة عشرة، في مجال المجلاَّت العلميَّة المتخصِّصة، في الظروف التي تعيشها أمثال هذه المجلاَّت في الجزائر؛ خاصَّة منها تلك التي يقع عبء تمويلها وإدارتها على الأفراد.
لقد شبَّت مجلَّة "الحياة" عن الطوق، واشتدَّ عودها، وفرضت نفسها في مجال المجلاَّت العلميَّة المتخصِّصة؛ وهي اليوم تخطو بثبات إلى طور الشباب المبكِّر، محافظة على مستواها العلميِّ، وعلى نوعية وتنوُّع مقالاتها، على النحو الذي يمكن أن نلحظه في موادِّ هذا العدد: فمن دراسات فقهية وأخرى قانونية، إلى بحوث في التاريخ والفكر الإباضيِّ، والتربية والتعليم، واللغة والأدب؛ بحوث ودراسات متنوِّعة لباحثين من مختلف الجامعات الجزائرية (غرداية، أدرار، الجزائر، قسنطينة، ورقلة، (2/11)
صفحة 10
باتنة)؛ بل ومن خارج الوطن؛ من تونس وسلطنة عُمان، بالإضافة إلى كتَّاب معهد "الحياة"؛ كما فتحت صفحاتها لأقلام الباحثين الشباب الواعدين.
وانسجاما مع تقليدها المحمود في التعريف بالرسائل الجامعية الجديدة، احتفت في هذا العدد بثلاث رسائل دكتوراه جديدة، هي للإخوان: حمو الشيهاني، وعمر آل الحكيم، ومصطفى حمودة؛ عسى أن تحفّز من هم من الباحثين في الطريق، وكلّ أملنا أن تزداد هذه الرسائل كمّا، وأن ترقى نوعا.
هذا هو العدد الخامس عشر من مجلّة "الحياة"، قدّمتُه للقارئ الكريم في خطوطه العامَّة، طبقا علميًّا متنوِّعا، يغذِّي العقل والروح، بما يكفل حيويَّتهما وحياتهما على السواء.
ولا أملك في الختام سوى أن أقرأ مع مفدي شعار جريدته، وأقول لقرَّاء مجلَّة "الحياة":
هذي "الحياةُ"، وهذه أنوارُها، الدِّينُ والعلمُ الصَّحيحُ شِعارُها
يا قومِ، حَيَّ علَى الحياةِ شَريفَةً، هَذِي الصَّحيفَةُ رَمزُهَا وَمَنارُهَا
غرداية يوم الأربعاء 20 رجب 1432هـ/ 22 جوان 2011م
د/ مصطفى بن الحاج بكير حمودة (2/12)
صفحة 11
الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
ـ تحريم الربا ـ
الأستاذ: عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
معهد الحياة ــــ القرارة ــــ غرداية ــــ الجزائر
ا
الحمد لله الذي اصطفانا من بين عباده فرضي لنا الإسلام دينا، وحبانا من بين خلقه فأنزل علينا القرآن كتابًا مبينا، وامتنَّ علينا من سابغ نعمه فبعث إلينا محمدًا رسولا أمينا، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الديَّان القائل في محكم البيان {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} والصلاة والسلام على محمدِ بنِ عبد الله، الرحمةِ المهداة والنعمةِ المسداة، الذي أرسله ربُّه {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} القائل في جوامع كلمه: إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى حَمَلُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يَأْخُذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ. فاللَّهم صلِّ وسلِّم أفضل صلاة على رسولك الأعظم، وحبيبك الأكرم، وعلى من ارتضيتهم لبيته أهلا أطهارا، واصطفيتهم لصحبته أحبة أخيارا، وعلى من استنوا بسنته فكانوا في دار الفناء أحرارا، وفي دار البقاء أبرارا.
أيها القارئ الكريم: إنَّ المتتبِّع لآيات القرآن الكريم، و المتدبِّر في معاني كلمات الذكر الحكيم، لتستوقفه آيات جليلة، بله كلمات ثقيلة، تزلزل كيانه، و تهدهد بنيانه، تجعله يقف حائرًا كالمشدوه، وينظر حاسرًا كالمعتوه إلى ما تحتوي عليه تلك الآيات من وعيد مرهب شديد، وتنطوي عليه تلك الكلمات من تهديد مرعب مديد، لمن لم يقف عند حدود ما أحل الله، أو يتعدَّى حدود ما حرَّم الله. إنَّها كثيرة في كلام الله لا تخفى على أحد، وجليلة في معنى ما أراد الله لا يحتاج في إدراكها إلى مدد، لأنَّها من بسيط تعابير الناس ومعتاد كلامهم، وهذا هو مراد العزيز الجبار منها حتى تستفز قلب كلِّ من يقرؤها، وتستوفز نفس كلّ من يسمعها، فلا يقرب الحمى خوف أن يقع فيه، أو يؤوب قبل أن لا تنفعه التوبة ولو جأر بها بملء فيه.
ولعلَّ من أفظع الكلمات التيِّ وردت في (3/13)
صفحة 12
القرآن الكريم، وأشدِها على النفس وقعا كلمةُ الحرب، إنَّها كلمة تنفر من مدلولها النفوس، وتأنف من سماعها الآذان، وتضجر من قراءتها العيون، في مختلف البلاد وعلى مرِّ العصور، لأنَّ الحرب أخطر ما يبيد البشرية فلا ترى لها من باقية، وأكبر ما يدمر المدنية فيترك عروشها خاوية، وهذا الذي نعرفه جميعًا من طبيعة الحروب، بل هذا الذي نشاهده بأمِّ أعينا ممَّا تركه من محن وخطوب، وإحن وكروب، من موتى ومعوقين، وأرامل وميتَّمين، وأيامى ومهجَّرين، وما تخلِّفه من دمار في البنى التحتيَّة من جسور وطرقات، وسدود وشبكات، وما تعقبه من تخريب في البيوت والممتلكات، وبخاصَّة وقد أصبحت الحروب اليوم تنقل على المباشر من ميادين القتال، وتخاض بمختلف الأسلحة الفتاكة، التيِّ يسمِّيها خبراء السِّلاح بأسلحة الدمار الشامل التيِّ لا تفرق بين بشر وشجر، ولا بين وحش وحجر، فما أقامه الإنسان في قرون عديدة، ينهار في دقائق معدودة، ومن ثمَّ قام العالم كلُّه معلنًا دساتير تناهض الحرب، ومواثيق تحظر السلاح، وعهودًا تدعو إلى السِّلم، ولكن أيَّ حرب يناهض وأيَّ سلم يناشد؟؟
أيُّها القارئ الكريم: لنتصفح معًا المواطن التيِّ وردت فيها كلمة الحرب في القرآن الكريم، ونتدبر سويًّا المعاني التيِّ استعملت فيها في آي الذكر الحكيم، فننظر من خلالها إلى ما عسانا نجتنيه من عبر، وما ترانا نقتنيه من فكر، حتى نحقق الحكمة من إنزاله كما أراده العزيز الوهاب بقوله {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} ولا نقع في وعيد شديد العقاب الذي ضمنه قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}.
لقد وردت كلمة الحرب في القرآن الكريم أربع مرات على هذا الترتيب:
في سورة البقرة في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
في سورة المائدة في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
في سورة الأنفال في قوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ (3/14)
صفحة 13
بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}.
في سورة محمد في قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}.
إنَّنا إذا حاولنا فهم مدلول كلمة الحرب الواردة في هذه الآيات البينات، ورحنا نتدبَّر بحقٍّ معانيها التيِّ تتضمنها في هذه السور المحكمات، نجد كلمة الحرب قد استعملت في ثلاث معاني:
أوَّلا: استعملت مرتين في المعنى التقليدي للحرب في آيتين محتلفتين، في قوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} وقوله: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} هذه الحرب التيِّ يخوضها طرفان متعاديان، وتقوم أساسا على استعمال مختلف الأسلحة، واستخدام شتىَّ المعدات التيِّ عبَّر عنها القرآن تعبيرًا بليغًا بالأوزار، والأوزار هي الأثقال، ولكم أن تذهبوا بأفكاركم كلَّ مذهب في تفسير الأوزار وتقديرها ماديًّا ومعنويًّا، وقد جاءت هاتان الآيتان تبينان حكمًا من الأحكام التيِّ يجب اتِّباعها في الحرب إذا قامت بين المسلمين وغيرهم، وهي قليلاً ما تقع إذ الأصل في العالم هو السلم والأمن، كما أنَّ للحروب مكان محدود وزمان معدود.
ثانيًا: استعملت في معنى المكر الوارد في شأن اليهود في قوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} واليهود هم أهل خداع ومكر، وفجور وغدر، وقد شهد عليهم القرآن الكريم بهذا في كثير من آياته، حتىَّ لقد كانوا يقتلون النبيئين والذين يأمرون بالقسط من الناس، ويحرفون الكلم عن مواضعه ويشترون به ثمنًا قليلاً، وكلُّ ذلك داخل في نار الحرب التيِّ يوقدونها من أجل إيذاء المؤمنين وردِّهم عن دينهم
ثالثًا: أما المعنى الثالث للحرب فقد استعمل استعمالا عامًّا غير محدَّد ولا مقيَّد لانوعًا ولا زمانًا ولا مكانًا في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
أيُّها القارئ الكريم: لنتساءل جميعًا تساؤل المتدبِّر لكلام الله، الشفوق على نفسه من آثار الحرب المدمِّرة؟
1 - أيُّ موطن من هذه المواطن التيِّ وردت فيها كلمة الحرب تهمُّنا أكثر؟
2 - أيُّ موطن من هذه المواطن كانت دلالة الحرب فيها أفظع وأخطر؟
3 - أيُّ موطن من هذه المواطن التيِّ وردت فيها كلمة الحرب ضرره أعمُّ وأخطر؟ (3/15)
صفحة 14
فإذا فسَّرنا الحرب بالمعنى التقليدي، أي باندلاع المعارك الميدانية بين طرفين، واستعمال مخلف الأسلحة القتالية من أجل تحقيق الغلبة على العدو، نجد أنَّ الحرب التيِّ يكون أحد طرفيها اللهَ القويَ القاهرَ فوق عباده لا محالة هو الغالب، لأنَّه لا يقوم لقوَّته أحد ولو حشر له جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، وجاء الملك معه صفًّا صفًّا مردفين، فكلُّ من حارب الله حورب، وكلُّ من غالب الله غلب، لأنَّ الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
أما إذا فسَّرنا الحرب بمعنى المكر سواء قام بها اليهود الذين ضربت عليهم الذلَّة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، أو قام بها غيرهم ممَّن نهجوا طريقهم فحقَّت عليهم لعنة الله، فإننا نجد الله تعالى يقول عن نفسه: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ويقول: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ويقول: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} ويقول: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} وقال: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} فالله تعالى قد تعهَّد هو بنفسه بإطفاء هذا المكر، الذي عبَّر عنه بنار الحرب وتدميرها بما شاء، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} ومن ثمَّ فإنَّنا نجد أنَّ المعنى الذي يهمُّنا أكثر من بين هذه المعاني الثلاثة التيِّ تدل عليه كلمة الحرب هو الوارد في قوله تعالى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} لأنَّه يهدِّد البشريَّة جمعاء، بله المؤمنين جماء، إن هم تمادوا في غيهم ولم يقلعوا، وأصرُّوا على ضلالهم ولم يرجعوا، وليس لهذه الحرب أمد معدود ولا مكان محدود، فهي قائمة ما قام سببها، ودائمة ما دام خصمها، لأنَّ الذي يديرها هو الله العزيز الجبَّار المتكبر الذي له جنود السماوات والأرض، وما يعلم جنوده إلاَّ هو، فليس لقوَّته حدٌّ ولا أمد، إنَّها حرب معلنة كما قال أصدق القائلين، على كلِّ مجتمع يجعل الرِّبا قاعدة نظامه الاقتصادي والاجتماعي. إنها حرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة على كلِّ الجبهات، ومفتوحة على كلِّ الاحتمالات في الدنيا والآخرة:
حرب على الأعصاب والقلوب، حرب على البركة والرخاء، حرب على السعادة والطمأنينة، حرب تسلط الجبابرة والعصاة بعضهم على بعض، حرب الفتن والظلم، حرب القلق والخوف، حرب الإملاء والفتح، حرب تقطع الأرحام تمزق البيوت، حرب الجرائم والموبقات، حرب الجراثيم والأمراض، حرب الخسف والزلازل وحرب الغرق والجفاف، حرب الحرائق والمناخ، حرب السلاح بين الأمم والدول والجيوش، (3/16)
صفحة 15
وأخيرا حرب الخلود في نار وقودها الناس والحجارة {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
فأعجب لحرب مفتوحة يقودها الملك الواحد الديان، يثيرها على نفسه هذا الإنسان الضعيف فكان يسعى إلى حتفه بظلفه، لأنَّه يخوض حربًا استفزازية كما يقولون، لا يستفز فيها مخلوقا مثله أو دونه أو فوقه، وإنَّما يستفز من ناصيته بيده، خالقه وخالق الكون، ومن أمره بين الكاف والنون، كذلك يستفز المرابون ربَّهم ليصبَّ عليهم جام غضبه وعام عذابه، وهكذا يفعل المجنون بنفسه ما لا يفعل العدوُّ بعدوه، فمثلهم كمثل الذين {قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} بدلُّ أن يقولوا اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، وإن تعجب فعجب قولهم: {قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} وقديما قيل كيف يسعى في جنون من عقل.
أيها القارئ الكريم لنتساءل مرة أخرى ترى، فيم وردت هذه الحرب الشنعاء التيِّ أعلنها الله تعالى ورسوله في الآية،
1 - هل وردت في الشرك بالله وإن الشرك لظلم عظيم؟
2 - هل وردت في الكفر بمحمد رسول الله وهو الحبيب الكريم؟
3 - هل وردت في إنكار أصل من أصول الدين وما أجلَّها؟
4 - هل وردت في ترك ركن من أركان الإسلام الخمسة وما أعظمها؟
5 - هل ورد في انتهاك حقٍّ من حقوق العباد؟ هل وردت بشأن ارتكاب جريمة فظيعة كالقتل والزنى والحرابة؟ كلا، ففيم وردت إذن؟
لقد وردت في حقِّ ارتكاب محرَّم واحد من المحرَّمات الكثيرة التيِّ حرَّمها الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله، إنه فاحشة الرِّبا وما أدراك ما فاحشة الرِّبا، الذي يخرب الذمم، ويدمر الأمم، ويترك الديار بلاقع، إنه لم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الرِّبا، ولم يبلغ من التهديد في اللَّفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الرِّبا، في الآيات القرآنية الواردة في سور مختلفة، وفي السنة النبوية في أحاديث متنوعة ولله الحكمة البالغة. إن الله لم يعلن الحرب على ذنب مثلما أعلنه على الرِّبا، ففي القرآن الكريم يقول الغفور الرحيم:
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا (3/17)
صفحة 16
كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}.
{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ}.
أمَّا في السنة النبويَّة الشريفة فيقول الرسول الكريم:
الرِّبا اثنان وسبعون بابًا أدناها مثل إتيان الرجل أمَّه، وإنَّ أربى الرِّبا استطالة الرجل في عرض أخيه. رواه الطبراني في الأوسط.
ويقول: من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقًّا فقد بريء من ذمة الله وذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أكل درهما من ربا فهو مثل ثلاث وثلاثين زنية، ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى به. رواه الطبراني في الصغير والأوسط.
وقال لمَّا انتهيت إلى السماء السابعة ليلة أسرى بي رأيت قومًا بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء أكلة الرِّبا. رواه الإمام أحمد.
و قال إذا ظهر الزنى والرِّبا في قرية فقد أحلُّوا بأنفسهم عقاب الله عزَّ وجلَّ. رواه الطبراني.
وروى ابن عباس - رضي الله عنه - أنَّه يقال يوم القيامة لآكل الرِّبا خذ سلاحك للحرب. وقال أيضا: من كان مقيمًا على الرِّبا لاينزع عنه، فحقَّ على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلاَّ ضرب عنقه، ولو أنَّ أهل بلد اصطلحوا على الرِّبا إستحلالا كانوا مرتدِّين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم إستحلالا جاز للإمام محاربتهم، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال يا أبا عبد الله إنِّي رأيت رجلاً سكران يتعاقر، يريد أن يأخذ القمر فقلت امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم شر من الخمر، فقال ارجع حتىَّ أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له امرأتك طالق، إنٍّي تصفَّحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا شرًّا من الرِّبا لأن الله أذن فيه بالحرب. هذا فإذا قيل في الخمر إنها أم الخبائث، فإن الرِّبا هو أبو الخبائث.
هذا ما ينال المرابي من خزي وشقاء في الحياة الدنيا، ولو اقتصر الأمر على هذا لهان، ولكن ربك بالمرصاد يقول: {لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ (3/18)
صفحة 17
الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} ويقول: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}.
أيُّها القارئ الكريم: بقي أن نتساءل فنقول: إلى من وُجِّه الخطاب بترك الرِّبا في القرآن العظيم يا ترى؟ ومن هم الذين ورد في حقهم كلُّ هذا التهديد بالوعيد الشديد في الكتاب الكريم، هل كان هذا في حقِّ المجوس والمشركين، أوفي حق الصابئين والمنافقين، أو في حق اليهود والمسيحيين،: كلا وألفُ كلاَّ، إنَّ الخطاب موجه أصلا للمؤمنين في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} والمؤمنون هم الذين كان عليهم أن يتمثلوا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} يعني يا أيُّها الذين آمنوا إن لم تتقوا الله، ولم تذروا ما بقي من الرِّبا فلستم بمؤمنين، هذا أخطر ما يهدِّد المؤمن أن يُنفي عنه الإيمان وهو يدعيه، ويعمل العمل الصالح فيرد عليه، فيدخل بذلك في زمرة من قال الله تعالى فيهم {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا}
ولا أصدق على هذا من الحالة الراهنة التي يعيشها العالم اليوم تحت وطأة الإعصار المالي الذي يرجُّه رجًّا حتى فكانت عروشه تتساقط تساقط أوراق الخريف، حتى لا يكاد تقوم لها قائمة كما نرى، وينوء تحت كلكله حتى لا يقوى على حراك، بل حتى لتكاد تختنق أنفاسه من شدة البأساء، وتزوغ عيناه من وطأة الضراء، ويطوِّح بكلٍّ المؤسسات المالية العالمية الضخمة فتهوي بها الريح في مكان سحيق، ويمحق كلَّ الصروح الربوية فتنهار بأصحابها انهيار البنايات المرفوعة قواعدها على أسس من رماد فتدكها في فج عميق {أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
تلكم أبُّها القارئ الكريم بعض النصوص القطعية المتن والدلالة، الواردة في (3/19)
صفحة 18
حق الرِّبا الذي لعنه الله ورسوله، ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهده، وهي غيض من فيض تبيِّن لنا فظاعة جرم المتعامل الرِّبا، وفداحة ما ينتظره من العذاب الشديد في الدنيا والآخرة، إنه لعذاب أليم {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} وإنَّه لوعيد شديد أورده العزيز الجبار في كتابه مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، تجعل المرء الفطن يفر من الرِّبا فراره من المجذوم وقد جاء في الحديث فُرَّ من المجذوم فرارك من الأسد، وتترك العاقل لا يكتفي بأن لا يقرب الرِّبا فقط كما قال الله تعالى في الزنى {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}، وإنما تجعله يولي مدبرًا ولا يعقب كما فعل موسى الكليم - عليه السلام - إذ قال فيه ربُّه {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} لأنَّ الرِّبا أكثر فحشا من الزنى، وأشدُّ فتكا بمقومات الحياة الإنسانية من الثعبان المبين الذي لا يكتفي بأن ينفث السم زعافًا في فريسته فحسب، بل يطوِّقها كلَّها حتى يحطم كلَّ قوة فيها ثم يشرع في ابتلاعها كلَّها فلا يبقي منها شيئا.
أيها القارئ الكريم لنتساءل جميعًا:
1 - لماذا كان كلُّ هذا الوعيد الشديد من قبل العزيز الجبار على من يتعامل بالرِّبا؟
2 - ماذا يترتَّب عن التَّعامل بالرِّبا من مضارَّ على العالم أجمع حتىَّ كان هذا المحق الشديد الذي يجسِّده الواقع المعيش؟
3 - ما هم الإعجاز التشريعي الإلهي الذي يتبدَّى لنا اليوم من تحريم العزيز الحكيم للرِّبا؟
قبل الإجابة عن هذه الأسئلة المهمِّة لا بدَّ لنا من التريُّث مليًّا والتوقف سويًّا لنضع بعض الأسس القويمة التي لا مناص منها، لنقيم الحديث على دعائمَ إيمانيةٍ يقينيةٍ، ونبنيه على أسس علميةٍ حقيقيةٍ، وهذا ما يفرضه المنطق العقلي، ويستلزمه الواجب الدينيُّ علينا نحن المسلمين العابدين الله مخلصين له الدين. فماذا يجب علينا أن نعتقد؟ يجب أن نعتقد اعتقادا راسخا:
1 - أنَّ الله تعالى هو الذي خلقنا كما شاء، وحمَّلنا أمانة التكليف في هذه الدنيا، ليبلونا أيُّنا أحسن عملا، كما قال: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ.
2 - أنَّ الله تعالى خلقنا لوظيفة واحدة نؤديها له في هذه الحياة، وهي أن نعبده وحده لا نشرك به شيئا، وفق دينه الذي رضيه، وشرعه الذي أتمَّه، وهذا ما عبَّر عنه بقوله:ژ? ? ? ? ? ? ژ. (3/20)
صفحة 19
3 - أنَّ الله تعالى مستغن عنَّا وعن سائر خلقه، وهذا ما عبر عنه بقوله: ژچ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژژ.
4 - أنَّ الله تعالى لا تنفعه الطاعة، ولا تضرُّه المعصية، وهذا الذي عبَّر عنه بقوله: ژ?? ? ?? ? ? چ چ چژ.
5 - أنَّ الله تعالى لا يريد من شرعه العنت بنا، فلا يحلُّ شيئا، ولا يحرمُّ آخر إلا لمصلحة جليلة بنا، وهذا عناه بقوله: ژ? ? ? ? SS S S ? ?? ? ? ? ?ژ وقوله: ژ? ? ? ? ? ? ? ?ژ.
6 - أنَّ حقيقة العبادة تتمثّل في السمع والطاعة المطلقة لله ولرسوله، وهذا ما عبَّر عنه بقوله: ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ... ژ.
7 - أنَّ العبادة يجسِّدها شيئان: افعل، لا تفعل، وهذا ما عبَر عنه الله تعالى بقوله: ژ ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھھ ھ ... ھ ے ےژ وعبَّرعنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
8 - أن الله تعالى أعلم منَّا بما يصلح بنا، وهو أرحم بنا من أنفسنا، فليس في كل ما أحلَّه مضرة لنا، وليس في كلِّ ما حرَّمه نفع لنا ژ? ? ? ? ? ? ? ... ژ.
9 - أنََّ الله تعالى لا يحرّم شيئا تقوم عليه حياة الإنسان، ولا يحلُّ شيئا لا تستوجبه الحياة الضرورية للإنسان، سواء ما تعلَّق بالحياة الدنيوية أو الأخروية. يقول سيِّد قطب في ظلاله: على من أراد أن يكون مسلماً، أن يعتقد بأنَّ هناك استحالة اعتقادية في أن يحرم الله أمراً لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه، كما أنَّ هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيث ويكون في الوقت ذاته حتميا لقيام الحياة وتقدمها. فالله سبحانه هو خالق هذه الحياة، وهو مستخلف الإنسان فيها، وهو الآمر بتنميتها وترقيتها، وهو المريد لهذا كله الموفق إليه. اهـ (3/21)
صفحة 20
10 - أنَّ المال مال الله، وما الإنسان إلاَّ مستخلف فيه، وهذا ما عبَّر الله تعالى عنه بقوله: ژک گ گ گ گ ? ? ?ژ وبقوله: ژچ چ ? ? ? ?ژ.
11 - أنَّ الله تعالى هو الذي شرع الطرق المشروعة لكسب المال، ونهى عن الطرق الممنوعة لتكديسه، بما يحقِّق المصلحة للمنتفعين بالمال وهم البشر جميعًا فقال: ژ ? ? ? ? ? ... ? ?S S S S ? ? ژ.
12 - أنَّ المال الخبيث خبيث عند الله مهما جلَّ، وأنَّ المال الطيب طيب مهما قلَّ، وأنَّهما لا يستويان أبداً، وهذا ما عناه الله تعالى بقوله: ژ? ں ں ? ? ? ? ? ... ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھژ.
بناء على هذه الأسس الحتمية، فإنَّه يتسنَّى لنا أن نقول: إنَّه يكفي المرءَ المطمئنَّ قلبُه إلى حكمة الذي له الخلق والأمر، أن يسلَّم تسليمًا لشرعه، من غير أن يتكلَّف الفهم، وينصاع انصياعًا لأمره من غير أن يُعمل العقل، ثقةً في ربِّه {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} وتفويضا لمولاه الذي يعلم السرَّ وأخفى، وهذا هو حقيقة الإيمان الذي يسمِّيه علماء الكلام إيمان العجائز، بل هو الإيمان الذي يتمنَّون مخلصين أن لو كانوا يحقَّقونه، امتثالا لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} غير أنَّ الله تعالى لم يحجَّر علينا مجال إشغال الفهم، ولم يوصد علينا باب إعمال العقل، بل دعانا إلى التفكُّر في آيات جلاله في الأكوان، وحثَّنا على التدبُّر في آيات أحكامه في القرآن، لتزداد نفوسنا إيمانا على إيمانها، وقلوبنا اطمئنانا فوق اطمئنانها، لتعلم أنَّ الله هو العزيز الحكيم.
أيُّها القارئ الكريم، إذا ما استعرضنا أوجه الإعجاز في القرآن الكريم، فإنَّما نجد وجهين اثنين باديين للعيان، تبرز أحدهما الآيات الكونية، وتبرز ثانيهما الآيات التَّشريعية.
أمَّا الآيات الكونية فهي التيِّ تبدو أسرارها الخفيَّة للنَّاس من حين إلى آخر، في الآفاق وفي أنفسهم، وفق برنامج زمني محكم دقيق، قدَّره العليم الخبير في أزله، زمانا ومكانا، يقهر بها كبرياء بني آدم الذين (3/22)
صفحة 21
يطغون بما عندهم من العلم، أو يستعلُون بما عندهم من الفهم، وهذا الذي اصطلح على تسميته بالإعجاز العلي في القرآن الكريم. فهذا النوع من الإعجاز يجري بأمر الله، ولا يد للإنسان فيه، ولا تأثير له في عالم التكليف العيني الذي يثقل كاهله، والذي يترتَّب عليه مصير سعادته.
أمَّا الآيات التشريعية المحكمة فهي التيِّ يتعيَّن على المرء التزامها ليحقِّق عبوديته المطلقة لله، فيرجو رحمته، وينجو من مقته، وهذا الذي نستطيع أن نطلق عليه بالإعجاز التشريعي، الذي لا يزداد مع مرور الأيام إلاَّ جلاء، وهذا الذي يعنينا ــــ نحن معشر المؤمنين ـــــ لنزداد إيمانا مع إيماننا، وتنشرح صدورنا إلى حكمة شرع ربِّنا. فنكرُّ عليه التزاما، ونفرُّ إليه اعتصامًا.
إنَّنا كلَّنا نتابع في قلق جهيد الكوارث المرعبة التيِّ تهز العالم هزًّا عنيفًا، ونراقب في ضيق شديد الحوادث المتسارعة التيِّ ترجُّ الأمم رجًّا مخيفًا، في مشارق الأرض ومغاربها، بصورة مفزعة لا يعرف الناس لها أسبابا، ويتساءلون فلا يجدون جوابا، ويلهثون فيمسي سعيهم يبابا، حتى كادت تختنق أنفاسهم إلى حدَّ الإزهاق بسبب المضاعفات التيِّ أحدثها فيروس الرِّبا القاتل للشعوب والأمم، والمخرب للدنيا والقيم، بمختلف صوره ــــ ولا شيء غيره ـــــ هذا الذي تغشَّى المؤسسات المالية فتولَّد منهما ما يسمى بالأزمة المالية العالمية، والتيِّ صارت تعرف اصطلاحا بالإعصار المالي، بل بتسونامي المالي كما سماها قريسبن رئيس الصندوق الفدرالي الاحتياطي الأمريكي، في جلسة أمام الكنجرس الأمريكي أطغى دولة مستكبرة على وجه الأرض إذ قال في صوت خافت حزين: إنَّ الذي يحدث ليس أزمة مالية فقط، بل هو تسونامي مدمَّر، وإنَّني أرى ما يقع أمامي ولكنَّني لا أفهم شيئًا.
أيُّها القارئ الكريم: إنَّني لن أتناول الموضوع من الناحية الفنية البحتة، أو أعالجه من الوجهة العلمية المتخصصة، فلهذا المجال أربابه المقتدرون، ولا أدخل في تفاصيل الأزمة وأسبابها وانعكاساتها، ولا عن الحلول اللازم اتخاذها فليس هذا من تخصُّصي وهو أكبر من أن يتطفَّل عليه قاصر مثلي، وهو الذي أعيا جبابرة العقول عن إدراكه، وأكدى عباقرة الأفهام عن استيعابه. وللموضوع كما للقرآن أربعة أوجه، وجه لا يسع الناس جهله، ووجه تعرفه العرب من كلامها، وجه لا يعرفه إلاَّ العلماء الراسخون، ووجه لا يعلمه إلاَّ الله، وأنا من الصنف الأول، ممن يتكلَّم في الموضوع من الوجه الذي لا يسع الناس جهله، لذا فأنا أتناول الموضوع من زاوية واحدة هي زاوية الإنسان المؤمنُ بالله إيمان العجائز بأنَّه أحكم الحاكمين، المصدِّقُ بكتابه بأنَّه لا ريب فيه تصديق العارفين، الواثقُ بشرعه بأنَّه يهدي للَّتي هي أقوم (3/23)
صفحة 22
وثوق الصالحين، المتيقِّنُ أنَّ الله تعالى لا يحلٍّل إلاَّ لحكمة، ولا يحرِّم إلا لمصلحة، وأنه أدرى بخير خلقه من أنفسهم، وأنه الصادق فيما يقول، وأنَّه لا يخلف وعده ولا عيده، فزاوية الرؤية في الموضوع تتأرجح إيمانًا أو كفرًا، وتصديقًا أو تكذيبًا، وتسليمًا أو اعتراضًا، وقبولاً أو رفضًا، لما جاءت به آيات الله العزيز الحكيم، وأحاديث النبيء المصطفى الكريم.
أيُّها القارئ الكريم:
1 - هل حدث أن دخلت منزلك مرة وطالبتك زوجتك بإحضار بعض المواد التيِّ نفقت، فتملَّكك القلق وانتابتك الحيرة، فعبست في وجهها، ونظرت شزرًا إليها ثمَّ أعرضت عنها، وتوترت العلاقة بينكما ولو إلى حين، أتعلم من كان السبب في هذا؟ إنَّه الشيطان الذي يسمونه الرِّبا.
2 - هل حدث أن خرجت إلى السُّوق تبغي شراء بعض متاعك، ولكنَّك بعد جولة طويلة، أرهقتك مشيا ولهثا عدت بخفي حنين، وأنت تجرُّ أذيال الخيبة، ونفسك تتفطَّر حزنا؟ أتدري من كان وراء هذه النكسة؟ إنَّه الطاغية الذي يطلقون عليه الرِّبا.
3 - هل حدث أن حمل إليك ابنك قائمة الأدوات المدرسية، وأخرى للكتب الدراسية، وطلب منك إحضارها له، ثمَّ تلكَّأت في إجابة طلبه، لأنَّك لم تعد قادرًا على تحمُّل تكاليفها، فصرت تتلوَّى في إجابته، وتتجنَّب ملاقاتَه خوف الإلحاف في الطلب، وربَّما أخفق ابنك في الدراسة بسبب هذا، ولكن هلاَّ تساءلت من كان وراء هذه النكبة؟ إنَّه لا محالة ذلكم العتيُّ الذي يلقبُّونه الرِّبا.
4 - هل حدث أن توجَّهت يومًا إلى عملك، فقيل لك إنَّك مسرَّح من عملك، لأنَّ الشركة قد خفَّضت عدد عمَّالها، أو لأنَّ المادة الأولية قد نفقت، أولم تعد قادرة على تجديدها، فركنت إلى البطالة، تسجدي قوتك وقوت عيالك، كحال الملايين من أمثالك في كل بقاع المعمورة، أتدري من كان يقف وراء محنتك؟ إنَّه العدو الفاتك الذي يرفع راية الرِّبا.
5 - هل حدث أن شاهدت مناظر المجاعة القاتلة، والأمراض الفتاكة، والجهالة المظلمة، التي تنوء بكلكلها في شتَّى بقاع العالم، حتى صار البشر فيها أشبه ما يكونون بالأموات، ثمَّ تساءلت ترى من يدفع بهؤلاء إلى حافة الهاوية؟ إنَّه لا محالة الوحش الضاري الذي ينعت بالرِّبا.
6 - هل حدث أن شاهدت مظاهر الترف الأثير، والبطر الكبير، والفرح الكثير، التيِّ تبدو مفاتنها بارزة في بعض جهات المعمورة البائسة، حتىِّ كان أربابها سماسرة الجنون، وعباقرة المجون، (3/24)
صفحة 23
وأباطرة الإحن، وقياصرة المحن، ثم انتابتك الحيرة متسائلا، من كان السبب وراء هذه المدنية الطاغية؟ السبب واحد لا ثاني له، إنَّه التعامل بالرِّبا.
7 - هل حدث أن تساءلت عمَّن يثير الحروب ويديرها، ويجهَّز الجيوش ويسيِّرها، ويحتلُّ البلدان ويدمَّرها، ويستعبد الشعوب ويسخَّرها، إنَّه المارد اللَّعين الذي يشهر سلاح الرِّبا، ومن ثمَّ قيل: إنَّ الاستعمار لا يدخل بلدًا إلا وراء قسيس أو مراب.
8 - هل حدث أن شاهدت شخصًا عاد إلى منزله فوجده بابه مغلقا، وأهله وأمتعته مرميِّين في الشارع، قد أخرجهم منه مالك الدار لأنَّ عليه أقساطًا حان أجلها ولم يُسدِّدها، كحال الآلاف المؤلفة من المشرَّدين في شتىَّ قارات العالم، ولكن هل سألت عمَّن أوصله إلى الحالة التيِّ عجز فيها عن دفع أقساط البيت؟ إنَّه ذلكم الأرعن الذي ينادونه الرِّبا.
9 - هل حدث لك أخي التاجر أو الصناعي أن طلبت بضاعة بثمن معيَّن، ولمَّا حان أوان تسليمها قيل لك إنَّ سعرها قد تضاعف، فعجزت عن الشراء، وألغيت الصَّفقة كلَّها، أو اضطررت إلى شراء كميَّة أقلَّ مما ترغب، فسرَّحت عمَّالك، أو أغلقت حركتك، أو خفَّضت من إنتاجها، ترى أتدري من وقف في طريق مشارعك، وأعاق سير حركاتك؟ إنَّه ذلكم السفيه الذي ينعتونه بالرِّبا.
10 - هل تعلم أخي أنَّ ثلثي القيمة التيِّ تدفعها في أي شيء تشتريه يذهب إلى جيوب المرابين، بمعنى أنَّه لو طرح الرِّبا من الأسعار لكنَّا نشتري كلَّ ما نشتريه بثلث قيمته المعروضة في السوق ـــــ والثلث كثير ـــــ أتدري ما يجعلك مرغمًا على شراء السلع بأضعاف قيمها، إنَّه ذلكم الوحش الجشع الذي يكشِّر أنياب الرِّبا.
11 - هل تعلم أنَّ الدراهم البيض التيِّ تدخرها لأيَّامك السود تفقد نسبة من قيمتها الشرائية كل يوم حتىَّ لا تكاد تساوي بعد يضع سنين قيمتها الورقية، أتدري لماذا؟ ذلك بسب ما يسمِّيه خبراء الاقتصاد بالتضخم، الذي هو الابن المدلَّل غيرُ الشرعيِّ للرِّبا.
12 - هل تملَّكتك الحيرة مرَّة بسبب قلَّة الحياء الذي يبدو على الفتيان، وارتفاع مستوى الوقاحة التيِّ راحت تتبدَّى للعيان، وتدفع الأحداث إلى ارتكاب كبائر الإثم والفواحش في هوان، في أوساط مجتمعات إسلامية بالرَّغم من كلِّ الوسائل التيِّ تقوم بها مختلف المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلاميَّة، من توجيه ووعظ وإرشاد، ثمَّ تساءلت عن الأسباب التي تحجب إجابة الدعوات التيِّ تصعد من ألسنة (3/25)
صفحة 24
الداعين في كلِّ حين على كثرتها ولكن لا ترى لها أثرا؟ إنَّه لا محالة بسبب ما تسرَّب إلى أجواف النَّاس من أموال محرَّمة وفي مقدِّمتها الرِّبا. وهذا المصطفى - عليه السلام - يقول لخادمه أنس بن مالك - رضي الله عنه -: يا أنس أطب مكسبك تستجب دعوتك، إن الرجل ليدفع اللُّقمة إلى فيه من حرام فما تستجاب له دعوة أربعين يومًا.
هذه بعض المضار المرعبة، والشرور المستطيرة التيِّ تترتَّب عن الرِّبا بصورة فردية أو جماعية، تجعلنا ندرك حكمة الله البالغة في تشديد النَّكير على من يتعاطى الرِّبا، والإعجاز التشريعي للإسلام في نصوصه التيِّ تحرِّم الرِّبا تحريمًا قاطعًا، وهذا ما تجلِّيه قضية الساعة المعقدة التيِّ ذهبت بلبِّ كلِّ عَلَم قائم، وتشعَّبت حتَّى أفقدت صواب العالم، وقد عصفت بزخارفه ريح عقيم حرَّكتها الأزمة الاقتصادية العالمية، وصوَّح بمنابته إعصار فيه نار هيَّجته المعاملات الربوية، فَجَعَلْتهَ حَصِيدًا كَأَن لَّمْ يََغْنَ بِالاَمْسِ، وصيَّرته لوعة تتقد حسرة في كلِّ نفس ممَّا يجعل الراسخين من الذين أوتوا العلم {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}.
يقول سيد قطب رحمه الله في ظلاله مع شيء من التصرُّف: لقد كانت للرِّبا في الجاهلية الأولى مفاسده وشروره، ولكنَّ الجوانب القبيحة المتبدِّية من وجهه الكالح ما كانت كلُّها ظاهرةً في العالم الغابر مجتمع جاهلية القرون الغابرين، كما تظهر اليوم وتتكشَّف في العالم الحاضر جاهلية قرون المتأخرين. فالحملة المفزعة البادية في الآيات القرآنية على ذلك النظامِ المقيتِ، تتكشَّف اليوم حكمتُها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشريَّة المفجوعة، أشدَّ ممَّا كانت متكشِّفة في الجاهلية الأولى. ويدرك من يريد أن يتدبَّر حكمةَ الله، وعظمةَ هذا الدين، وكمالَ هذا المنهج، ودقَّةَ هذا النظام، يدرك اليوم من هذا كلِّه ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النُّصوصَ أوَّلَ مرة. وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدِّق كلَّ كلمة تصديقاً حياً مباشراً واقعاً. آه
أيُّها القارئ الكريم: إنَّ العالم ليعيش حقيقة الإعصار المالي المدمِّر في كلِّ حين، ويراه يتجسَّد يوميًّا بأمِّ عينيه عين اليقين، وقد كانت الدنيا في نظر أهلها جنَّة بربوة تجري من تحتها الأنهار، فحق عليها قوله تعالى: ... {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}. ولقد اتَّضح منذ سنوات - بحسب ما تدلُّ عليه السُّنن الفطرية، والدِّراسات العلميَّة، (3/26)
صفحة 25
والمقدِّمات المنطقيَّة - أنَّ العالم يسير إلى كارثة اقتصاديَّة عامَّة، ويتَّجه نخو أزمة ماليَّة عارمة، بسرعة فلكيَّة متزايدة بلا حدود، لقد أصيب بلطمة خطيرة، ونزيف داخليٍّ فى مخِّه أدَّت إلى شلل فى أعضاء جسده، فتجمَّدت شرايين النَّشاط الاقتصادي، وهذا الذي يحدث هذه الأيَّام بسبب هذا الإعصار المدمِّر، وهو أصدق ما يوصف به الوضع المالي الراهن في العالم.
لقد تنبَّأ العديد من روَّاد النِّظام الاقتصادي الرأسمالى بانهياره، لأنَّه يقوم على مفاهيم ومبادئ تقود إلى إفلاسه، لأنَّها تتعارض مع سنن الله - عز وجل -، ومع القيم والأخلاق التيِّ فطر الله تعالى الناس عليها، كمَّا أنَّه يقوم على الاحتكار والفوائد الربويَّة، والتيِّ يرونها أفدح شرٍّ على وجه الأرض تقود إلى عبادة المال، وسيطرة أصحاب القروض على المقترضين، بحيث تسلب حريَّاتِهم وأعمالهَم وديارَهم، وتسبِّب آثاراً اجتماعية واقتصادية خطيرة. يقول موريس آليه الحاصل على جائزة نوبل فى الاقتصاد: إنَّ النِّظام الاقتصاديَّ الرأسماليَّ يقوم على بعض المفاهيم والقواعد التيِّ هى أساس تدميره إذا لم تعالج وتُصوَّب تصويباً عاجلاً. ولتتجلَّى لنا حقيقة ما يحدث اليوم، لنقم بمقارنة بسيطة بين النِّظام الربويِّ الذي كان يجري في العهد القديم، ونظامه الذي يسري في العصر الحديث، لنتبيَّن الفروق الكبيرة بينهما، وتتجلَّى لنا الأسباب التيِّ أثارت هذا الإعصار المالي الأهوج، وأدارت هذا التسومامي العاتي الأحمق:
1. لقد كان الرِّبا في الجاهليَّة الأولى محصورًا بين شخصين اثنين، ويتداول بنسبة محدودة من الفائدة، ويدار في مجالات معيَّنة مخصوصة، ولا يلجأ إليه إلاَّ للحاجة والضرورة، ويقوم على قاعدتين هما: أنظرني أزيدك، أو عجل لي أحطُّ عنك، ومن ثمَّ فمضاره لا محالة تكون محصورة بين الآخذ والمعطي فقط، في تعاملات معيَّنة، وفي دائرة مكانيَّة ضيِّقة، أمَّا اليوم فقد صار أغلب الناس في جميع أنحاء المعمورة لا يتعاملون إلاَّ بالرِّبا، في جميع شؤون حياتهم، الاستهلاكية والاستثمارية، بل والاجتماعية، حتى كانت عقود الزواج تتمُّ بواسطة قروض ربوية، فصاروا يعانون من فجعاته المتعاقبة، ويئنون تحت ضرباته المتوالية، فلا يكاد يصاب أحدهم من غلوائه إلاَّ نال الآخر من ويلاته، كيف لا وقد صار العالم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر، لأنَّهم جميعا تتحكَّم في تعاملاتهم الماليَّة بنوك دوليَّة، ونواد ماليَّة، وشركات احتكاريَّة، وبورصات عالميَّة.
2. لقد كان التموُّل في القديم قائما على أسس المقايضة، أي مبادلة سلعة بسلعة أخرى، أو المضاربة التيِّ تقوم على اشتراك المال مع العمل في إنتاج الثورة، وعلى بذل كلِّ الجهد في مقابل الحصول على بعض (3/27)
صفحة 26
المال، ومن ثمَّ فلا يمكن أن نتصوَّر، غبنًا في التعامل، أو تكدُّسا للثروة إلاَّ شيئًا يسيرًا، أمَّا اليوم فقد صار التموُّل قائمًا على قاعدة القرض الرِّبحي، وعلى التبادل النقدي، وعلى بذل بعض الجهد للاستحواذ على كلِّ المال، متخذا الرِّبا الوسيلة الكبرى لتحقيق الثراء الفاحش، لا من أجل كفاية ضروريات الحياة، بل من أجل التكاثر، والترف، والتَّلذُّذ، والتمتُّع، والهيمنة، والاستعلاء، ثم الاستعمار.
3. لقد كان الرِّبا في القديم يقوم على أساس قرض المال بعينه إلى المقترض، بحيث ينتقل المال من يد المقرض إلى يد المقترض، ثمَّ يستردُّه منه بعد مدَّة محدَّدة في مقابل فائدة معلومة، أمَّا اليوم فقد صارت البنوك لا تقرض عين المال، وإنَّما تقرض اسم المال، وذلك بفتح حساب بنكيٍّ تسجِّل فيه المبلغ الذي تقرضه، وهي تقرض المبلغ الواحد عشرات المرات، لأنَّها لا تقرض نقودًا حقيقية، وإنَّما نقودًا اسمية فقط، تأخذ عليها فوائد من نقود حقيقيَّة، وهذه النقود الوهميَّة هي المسببة في ظاهرة التضخم الخطيرة التيِّ تفقد العملات قيمتها، تمامًا كمن يمذق اللَّبن بكميات كبيرة من الماء، تذيب تركيزته الدُّهنيَّة، وتذهب بقيمته الغذائيَّة.
4. يقوم النظام المصرفي الربوي على نظام الفائدة أخذاً وعطاءً، ويعمل فى إطار منظومة تجارة الديون شراءً وبيعاً ووساطة، وكلَّما ارتفع معدَّل الفائدة على الودائع كلَّما ارتفع معدل الفائدة على القروض الممنوحة للأفراد والشَّركات، والمستفيدُ من هذا هي البنوك والمصارف والوسطاء الماليِّين، والعبء والظلم والغبن يقع على المقترضين الذين يحصلون على القروض سواء لأغراض الاستهلاك أو لأغراض الإنتاج، ويرى بعض الاقتصاديين أنَّه لا تتحقَّق التَّنميَّة الحقيقيَّة والاستخدام الرشيد لعوامل الإنتاج إلاَّ إذا كان سعر الفائدة صفراً، أي قرضًا حسنا كما يسمَّى عندنا في الشرع الإسلامي.
5. لقد كان المرابي في القديم يقرض ماله الذي يملكه ولا يتجاوزه، أمَّا اليوم فقد صارت البنوك تقترض المال بنسب منخفضة، ثم تُقرضه بنسب عالية، سعيًا منها إلى الهيمنة والابتزاز بكل وسيلة إنسيَّةً كانت أو وحشيَّة.
6. لقد ظهر ما يسمَّى في المنظومة الماليه العالميَّة بالبورصات، التيِّ تعتمد التَّعامل بالأسهم بيعًا وشراءً، وبخاصَّة إلى أجل، ابتغاء ربح متوقَّع من ارتفاع الأسهم أو انخفاضها يوم سدادها، تعتمد اعتماداً أساسياً على معاملات وهميًّة وورقية شكلية تقوم على الاحتمالات، ولا يترتَّب عليها أيَّة مبادلات فعلية للسَّلع والخدمات، فهي عينها المقامرات والمراهنات التيِّ تقوم على الحظِّ والقدر، والأدهى والأمرُّ أنَّ معظمها يقوم على إئتمانات من البنوك فى شكل قروض، ممَّا يجعل البورصة دار قمار كبرى، تتداول فيها (3/28)
صفحة 27
أكبر كتلة نقديَّة، لأنَّ الأسهم المتداولة فيها هي أسهم أكبر الشركات الاحتكارية العالمية، ومن ثمَّ فهي تستحوذ على أطماع المرابين، وتسيل لعاب المتعاملين طمعًا في جني أرباح وهمية، قائمةٍ على الميسر، وعندما تأتي الرياح بما لا تشتهى السفن ينهار كلُّ شئ، وتحدث الأزمة المالية. وهذا الذي يسبِّب في أكبر عمليَّة تضخُّم وانهيار لقيمة العملات، بل إلى كثير من العمليات الانتحاريَّة.
أيُّها القارئ الكريم، هذه بعض المقارنات الجليَّة بين النظام الربويِّ البدائيِّ قديمًا، والنظام الربوي المتطور حديثا، ذكرناه بصورة موجزة، وقد انتهى الأمر في أيَّامنا إلى نظام اقتصاديٍّ مزيَّف، قائم على فكر رأسماليٍّ مرعب، وملكيَّةٍ فرديَّةٍ متوحِّشةٍ، يعتمد أساسًا على الرِّبا وما يخدمه، من بنوك، وبورصات، ونواد، وشركات، واحتكار، وعولمة، بوسائل إنسانية وغير إنسانية، ممَّا انتهى بالعالم كلِّه إلى أن صار اليوم في قبضة مارد جبار يسمى الرِّبا، من أبرز خصائصه أنَّ له وجهين، وإنَّ من شرِّ النَّاس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه:
أ-وجه رقيق مشرق بشوش يستقبل به من جاءه طواعية ليودع عنده مبلغا من المال، مقابل الحصول على نسبة مئويَّة قليلة من الفائدة.
ب-وجه غليظ عبوس قمطرير، وأنياب مكشرة بارزة، يستقبل به من جاءه يطلب منه قرضًا، فيقرضه إيَّاه بنسبة عالية من الفائدة، تتضاعف مع توالي الشهور والسنوات، فإن سارت الأمور على وتيرتها نجا المقترض من ويلاته، وإن كان في الحقيقة قد دفع له أكثر ممَّا أخذ منه. وإن لم تسر الأمور على وتيرتها، وعجز المقترض عن السَّداد تحوَّل البنك إلى وحش ضارٍ يتأهَّب لافتراسه، وإلى تنِّين مبين يتلهَّف إلى ابتلاعه، فيسارع إلى المزاد العلني ليبيع رهنه، وبأرخص الأثمان لاسترجاع دينه، ولا يهمُّه من أمر المقترض سوء حاله، ولو آل إلى الهلاك أمره، لأنَّه لا تسامح في العلاقات الدولية، ولا هدايا في المعاملات المالية، إنَّه لابدَّ بالسداد، إما بالعُملة على حرج وخوف، أو بالتنازل عن جانب من الكرامة والشرف، إمَّا أن يكون الدفع بالعَرَض، وإمَّا بالعِرْض.
لقد دها البشرية إعصار مالي، كان آية من آيات الكبير المتعالي، ولنتبيَّن حقيقة الإعصار علينا أن ننظر معناه في الكلام القويم، واستعماله في القرآن العظيم، وسنة النبيء الكريم.
الإعصار لغة: ريح تُثير سحاباً فيه رعد وبرق، قيل: هي التيِّ تهبُّ من الأَرض وتُثير غبارًا شديدًا فترتفع كالعمود إِلى السماء، وهي التي يُسَمِّيها الناس الزَّوْبَعة، وقيل: هي التيِّ فيها نارٌ، ومنه قول العرب في أَمثالها: إِن كنتَ رِيحاً فقد لاقيت إِعْصاراً؛ يضرب مثلاً للرجل يلقى قِرْنه في النَّجْدة والبسالة. (3/29)
صفحة 28
ذكر الإعصار في القرآن مرة واحدة في قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}.
ذكر الإعصار في السنة النبويَّة بمعنى الغبار، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - لقيته امرأة وجد منها ريح الطَّيب ينفح، ولذيلها إعصارًا فقال لها: يا أمة الجبار جئتِ من المسجد؟ قالت نعم، قال: وله تطيبتِ؟ قالت نعم، قال: إنِّي سمعت حِبِّي أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تقبل صلاة لامرأة تطيَّبت لهذا المسجد أي مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتىَّ ترجع فتغتسل غُسلها من الجنابة.
ونحن نريد أن نبرز بعض الآيات التيِّ تتبدَّى واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، لا تنكر ضوءها الوضاء إلاُّ عين رمداء، والتيِّ تترآى جليَّة وسط البيداء بدوَّ السراب في السنة الرمضاء. وكتدليل على ما أقول: إليكم هذه الأرقام المهولة التيِّ توضِّح خطورة ما يقع في العالم بسبب إفلونزا الرِّبا.
1 - إنَّ الحرب الأخيرة التي شنَّتها إسرائيل في ديسمبر 2008 على قطاع غزَّة لمدَّة شهر كامل تقريبًا، وراحت تدكُ صروحه دكًا دكًا، مستعملة كلَّ أنواع الأسلحة المدمرة المحرَّمة دوليًّا، بواسطة الطائرات والمدافع والبوارج والصواريخ، لم تتجاوز خسائرها ملياري دولار. وإنَّ المدَّ البحريَّ أي تسونامي الذي ضرب جنوب شرق آسيا في أواخر 2004، والذي تسبب فيه زلزال في البحر بلغت قوته مليون قنبلة ذرية وفق تقدير الخبراء، خلَّف خسائر تقدر قيمتها بمائتي مليار دولار. لكن هل تعلم أيُّا القارئ الكريم أنَّ الخسائر المالية التيِّ سبَّبتها الأزمة الاقتصادية العالمية بلغت ألفين وخمسمئة مليار دولار في منطقة الشرق الأوسط لوحدها، أي أكثر مما خلَّفته الحرب الإسرائيلية بألف وخمسمائة مرَّة، وأكثر ممَّا خلفه مدُّ تسونامي بأربع عشرة مرَّة، وأمَّا على المستوى العالمي فرقم فلكيٌّ لا يمكن عدُّه، قارب أحد عشر ألف مليار دولار.
2 - سيتكبد الاقتصاد العالمي خسائر تصل إلى 48 ألف مليار دولار.
3 - ستعاني 95 دولة من اضطرابات سياسية واجتماعية خلال العامين المقبلين، بسبب ارتفاع الأسعار واستشراء البطالة، مما يتولَّد عنه انتهاكات خطيرة في حقوق الإنسان.
4 - سيصل عدد العاطلين إلى 50 مليون عاطل في مختلف أنحاء العالم في نهاية هذا العام.
5 - وصل عدد الجوعى في العالم إلى مليار شخص منذ بداية الأزمة.
6 - فقد أكثر من 70 مليون شخص (3/30)
صفحة 29
منازلهم إلى حدِّ اليوم، وأصبحوا فى عداد المشردين واللاجئين والمهجَّرين والفقراء والمساكين.
7 - أعلنت مئات من الشركات الضخمة والمتوسطة إفلاسها، وهي تتوالى على نفس الوتيرة يوميًّا، ويتوقَّع كريستوفر والين، العضو المنتدب لشركة أبحاث تحليلات المخاطر المؤسسية، أن يتم إغلاق ما يقرب من 110 بنك تصل قيمة أصولها إلى حوالي 850 مليار دولار وذلك بحلول منتصف العام القادم.
8 - انهارت مئات المؤسسات المالية من البنوك ودور التأمين وتساقطت تساقط أوراق الخريف، ويصل العدد الإجمالي لمؤسسات المال الواقعة تحت مظلة التأمين الفيدرالي الأمريكي فقط إلى 1800 مؤسسة تستحوذ كلها على ما يقرب من 13 ألف مليار دولار من الأصول والممتلكات.
9 - ارتفعت أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا فاحشًا، وتذبذبت أسواق مختلف البضائع، بما جعل التحكُّم فيها ... صعبًا للغاية غير خاضع للضوابط العلمية التيِّ يعتمد عليها الخبراء.
10 - انهارت العملات المعتمدة على الدولار كعملة مرجعية لها انهيارًا ذريعًا، بعد أن دها أمريكا جبارةَ العالم الاقتصادي، وماردةَ العالم العسكري، وعملاق التعامل الرَّبوي، من الخسائر ما لم تكن تتوقعها، وتوالت عليها اللَّعنات بما لم تكن تحتسبها، ومن ثمَّ فقد لجأت - حماية لاقتصادها، ونكاية باقتصاديات غيرها من الدُّول - إلى طبع المزيد من الورقة الخضراء، وضخِّها في الأسواق لتغرقها بعملة مزيفة لا رصيد لها، على حساب أرصدة الدُّول التيِّ تتعامل بالدولار كعملة مرجعية غير آبهة بما ينجرُّ على غيرها من الدول من خسائر كبيرة، وأزمات مدمِّرة. وقد لا تدرك أخي القارئ الكريم وأنت على بعد آلاف الأميال ممَّا يجري في الضفة الغربية من الأطلسي أنَّك تساهم - من حيث تدري أو لا تدري - في تحمُّل جزء من تبعات ما ينجرُّ من خسارة تلحق أباطرة المال العالمي، وتتكبَّد خسارة مفروضة عليك لم تتسبَّب فيها، ولم يكن لك فيها ناقة ولا جمل، ولسان حالك يقول:
علم الله أنَّني لستُ من جناتها
وإنَّني من حرِّها اليوم صالي
من وراء هذه التَّسلط الوحشيِّ يقف أصحاب رؤوس الأموال كالكواسر تحوم في الجو، فتراها تارة تغري المواطن البسيط باستثمار أمواله في حمأة الرِّبا، وعندما يفقد كلَّ ما يمتلكه، تدفعه لأخذ قرض دون ضمانات على أن يدفع مقابله فوائد عالية، فهي تسرق في المرة الأولى رأسَ ماله كلَّه، وتقرضه في المرة الثانية من ماله المسروق، وتجبي منه فوائدة عالية، حتىَّ يعجز عن السداد لتصادر منه كلَّ شيء، ثمَّ تلفظه جثة خاوية كما تلفظ الحية (3/31)
صفحة 30
الرقطاء الضفدع بعد أن تمتص منه أحشاءه. وفي كلتا الحالتين يستفيد رأس المال الذي يعيش من المقامرة على حساب الإنسان البسيط.
11 - ارتفت نسبة طالبى الإعانات الاجتماعية، حكومية وغير حكومية، نظرا للظروف الصعبة التيِّ يعيشونها جراء الغلاء والبؤس والحرمان، ممَّا ألقى بالمزيد من الأعباء الثقيلة على ميزانيات الدول، وأوقف العديد من المشروعات الاستثمارية الجديدة.
12 - لجأت كثير من الدول إلى فرض المزيد من الضرائب على شعوبها لتعويض العجز فى ميزانياتها، بسبب ارتفاع ميزانية الدَّعم وتقديم المساعدات للشركات والبنوك المقبلة على الإفلاس، أو لدعم الودائع أو نحو ذلك.
13 - أصاب الذعرُ والخوف والقلق والتخبُّط الناس جميعاً، رؤساء دول، ومديري مؤسسات مالية، ومقرضين، ومقترضين، وقد أصبحت هذه الأزمة مثل سرطان الدم الذى يسرى فى الحياة الاقتصادية، والذي يؤدي إلى الهلاك حتمًا، ولو بعد حين بما يسمَّى بالموت البطيء.
هذا نذير من النذر الأولى تحمل العاقل على أن يراجع مسار حياته كلِّها فيجعلها متناسقة مع تعاليم كتاب الله، فيطئن بذلك قلبه، وتغشى السكينة نفسه.
أيُّها القارئ الكريم إنَّ العالم ليشهد أزمات مالية متتاليةً يشهد يُكال من جرائها بضرباتٍ مفجعة، ونكباتٍ اقتصادية متواليةً ينال البشرُ من ويلاتها لكماتٍ موجعة، وقد حاد العالم على بيِّنة من أمره عن معالمِ جادَّةِ الصَّواب، وحادَّ الأنامُ على عمدٍ محارم شديد العقاب، فكان لزامًا على من ألقى السَّمع وهو شهيد، وعلى من كشف الواقعُ المعيشُ عنه غطاءه فبصره اليوم حديد، أنْ يقف مع هذه الفتن التيِّ يفتن بها في كلِّ عام مرَّة أو مرتين وقفةَ تأمُّل، يستجلي منها وبعين بصيرة آياتِ الكبير المتعالي، المتبديَّة من الإعصار المالي، الذي طمَّ على العالم كجلمود صخر حطَّه السيل من عالي، ويستقرئُ وبنفس خبيرة الإعجاز التشريعيَّ الإلهيَّ الذي يشعُّ من آيات الكتاب المبين إشعاع الكوكب المتلألي في ظلمة حالك الليالي.
أيُّها القارئ الكريم، لئن قد تجلَّت لنا حقيقةُ المخاطر الجسيمة التيِّ تترتَّب عن التَّعامل بالرِّبا، وبيع الدين، وبيع مالم تملك، وربح ما لم تضمن، التيِّ تُعدُّ العمودَ الفقريَّ الذي يقوم عليها سرح التَّعاملات الاقتصاديَّة في كلِّ أنحاء العالم، والتيِّ كان الشَّارع الحكيم قد حرَّمها تحريمًا قاطعًا في كتابه العظيم، وسنَّة نبيئه الكريم، فإنَّنا سنمدِّد الوقفة مع بعض مظاهر هذا الإعجاز التشريعيِّ تصديقًا لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} والذي عمي عن سنا نوره (3/32)
صفحة 31
من عشيت أبصارهم، وجحدت حقيقةَ وجوده من غشيت بصائرهم، فَمثلهم {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}.
المظهر الأول في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}.
انظر إلى أحوال الناس في مختلف بقاع العالم كيف وطئهم الذلُّ، وغشيهم الضَّنْك، وركبهم الهمُّ، ودمدم عليهم البؤس، وقد أصابتهم شدَّة سكرات الجشع بتجارة الدنيا التيِّ تستفزُّ نفوسهم فتضطرب أعضاؤهم، فتراهم سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، حتىَّ كانوا - وهم أضلُّ سبيلاً – يتصرَّفون في تعاملاتهم تصرُّف المعتوهين، ويقومون بحركات بهلوانية تشبه حركات المجانين، كما نراهم بأمِّ أعيننا في أوكار الرِّبا، وأعشاش البورصات، وجحور البنوك، ومرابض الشركات، وفي مختلف مراتع المؤسسات المالية العالمية المتعفِّنة، حتىَّ لقد صاروا يقتلون أنفسهم قتلا حسيًّا بمختلف وسائل إنهاء الحياة، أو قتلاً معنويًّا بمختلف أنواع المسكرات، والدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الأموات، نادمًا مع الخاسرين الذين تفطرت قلوبهم حسرات. ولعمري كيف يستقيم عمل عامل أنشب الموت مخالبه في أوصاله، أو يرشدُ تصرُّف جاهلٍ سرت الخمرة بسمومها في أجزائه، {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} فما أشقى من غلبت عليه سكرتان، سكرة الجهل وسكرة حبِّ الدنيا، وخطاب السكارى أمرُّ من الصَّبر، وأشدُّ من القبض على الجمر. هذا زيادة عن المسِّ الذي يلحقهم في القيام الأخروي يوم يقوم الناس لربِّ العالمين، فقد ورد أنَّه لا يقوم أكلة الرِّبا من قبورهم يوم القيامة إلاَّ كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، قال ترجمان القرآن الحبر ابن عباس: يبعث آكل الرِّبا يوم القيامة مجنونًا يخنق.
المظهر الثاني: في قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا}.
المحق لغة: النقصان والمحو والإِبطال وذهاب البركة. وكلُّ شيءٍ أَبطلته حتىَّ لا يبقى منه شيء فقد مَحَقْتَهُ. ومنه محاق القمر وهو انتقاصه ثمَّ زواله. لم ترد كلمة المحق في القرآن الكريم إلاَّ مرَّتين وفي شأن أمرين خبيثين:
1) في الرِّبا في قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا}
2) في الكافرين في قوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}. (3/33)
صفحة 32
أمَّا في الحديث النبوي الشريف فقد وردت في مواطن كثيرة منها:
1) قول النبيء - صلى الله عليه وسلم -: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صَدَقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذَبا وكتَما مُحق بركة بيعهما.
2) قوله - صلى الله عليه وسلم -: إيَّاكم وكثرةَ الحلف في البيع فإنه يُنفق ثم يَمحق.
3) قوله - صلى الله عليه وسلم -: ما يمحق الإسلامَ محقَ الشحِّ شيءٌ.
قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - في تفسير قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} لا يُقبل منه صدقة ولا حجٌّ ولا جهادٌ ولا صلاةٌ.
فقوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} أَي يستأْصل الله الرِّبا فيُذْهب رَيْعه وبركته، فلا يُبق منه شيئًا،.إمَّا بأن يُذهبه بالكليَّة من يد صاحبه، أو يَحْرمَه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يُعذِّبه به في الدنيا، ويُعاقبه عليه في الأخرى كما قال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} وقوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} وقوله: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ}.
فها نحن نرى عين اليقين ما حدث ويحدث وسيحدث، من خسائرَ مروعة تفوق كلَّ وصف وتقدير، في مختلف أنحاء العالم، لم يسلم منها بلد أو شركة أو شخص، ولعلَّ الأجيال القادمة كلَّها ستتأثر حتما بهذا الإعصار الماليِّ المدمِّر الذي خرب الذمم، ودمَّر القيم، وحطَّم الأمم، فهوت الشركات الاحتكارية العملاقة، وانهارت الصروح المالية الضخمة، وصوَّحت العروش الربويَّة الفخمة، فكان حالها كحال الحبال والعصيِّ التيِّ ألقاها سحرة فرعون فتلقَّفتها عصا موسى ثم عادت سيرتها الأولى، وهكذا
إذا جاء مُوسى وألقَى عَصَاهُ
فَقَد بَطَلَ السِّحرُ وَالسَّاحِرُ
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما أحد أكثرَ من الرِّبا إلاَّ كان عاقبة أمره إلى قلَّة، وقال: الرِّبا وإن كثر فإلى قُلٍّ. وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود.
يقول خبير اقتصادي: إنَّ مشكلة مشاكل الأزمة هي المشتقات المالية التيِّ بلغت أرقاما خرافيَّة وصلت 668 تريليون دولار، وهو ما يعادل حجم الاقتصاد الأميركي لخمسين سنة، ويساوي حجم اقتصاد العالم لعشر سنوات، متسائلا عمَّن يتمكَّن من تفكيك هذه الأزمة. يقول الرئيس السابق للصندوق الاحتياطي الفدرالي الأميركي آلان غرينسبان: الأزمة هي الأخطر منذ قرن، ولم تنته بعد (3/34)
صفحة 33
وستستغرق مزيدًا من الوقت، وأتوقع انهيار العديد من المؤسسات المالية الكبرى بسبب القسوة الاستثنائية لهذه الأزمة.
أيُّها القارئ الكريم إليك أمثلة واقعية عن الصروح المالية المتهاوية التيِّ أفلست تحت ضربات الإعصار المالي في الولايات المتَّحدة الأمريكية لوحدها رأس حربة الاقتصاد العالمي، والتيِّ تزداد ديونها بمقدار 3 مليارت دولار كلَّ مطلع شمس، حتَّى لقد بلغت 12 ألف مليار دولار مع الأزمة الاقتصادية الحالية، وذلك بمقدار 39 ألف دولار على كلِّ فرد أمريكي.
1 - أفلاس بنك ليمان براذرز الاستثماري الذي بلغت قيمة أصوله قبل الإفلاس 639 مليار دولار وذلك يوم 5 سبتمبر 2008 وهي أكبر حالة إفلاس في التاريخ الأمريكي.
2 - إفلاس أكثر 120 بنكًا سنة 2009 منها تسعة بنوك في يوم واحد وذلك يوم 31 أكتوبر وتلاه خامس إفلاس في التاريخ الأمريكي لبنك الذي بلغت قيمة أصوله قبل الإفلاس 71مليار دولار وذلك يوم 3 نوفمبر الماضي.
3 - إفلاس شركة وورد كوم للاتصالات قيمة الأصول قبل الإفلاس 104 مليار دولار
4 - إفلاس شركة إنرون للطاقة قيمة الأصول قبل الإفلاس 63 مليار دولار
5 - إفلاس شركة كونسيكو للخدمات الماليَّة قيمة الأصول قبل الإفلاس 61 مليار دولار
6 - إفلاس شركة تيكساكو للنَّفط قيمة الأصول قبل لإفلاس 36 مليار دولار
7 - إفلاس شركة فايننشل كوب أوف أمريكان للخدمات المالية قيمة الأصول قبل الإفلاس 34 مليار
8 - إفلاس شركة ريفكو للخدمات المالية قيمة الأصول قبل الإفلاس 33 مليار دولار.
9 - إفلاس شركة GM أكبر شركة صناعة محركات، وثاني أكبر شركة صناعة سيارات في العالم، وعملاق صناعة السيارات في الولايات المتحدة، رغم تدخل الحكومة الفدرالية الأمريكية لإنقادها.
هذا قليل من كثير، وغيض من فيض، وحدِّث عن تهاوي الصروح المالية في سائر بلدان العالم الأول والثاني والثالث أو العاشر، لقد كانت كلُّها صرحًا من خيال فهوى، كما تغنَّت كوكب الشرق بذلك في أطلالها.
المظهر الثالث في قوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}.
لقد قسَّم الله تعالى معيشة الناس بينهم، وفق سنن حكيمة قدَّرها ليتَّخذ بعضهم بعضًا سخريًّا، وجعل كسب المال فرصة متاحة لكلِّ العاملين، وحقًّا مشاعًا (3/35)
صفحة 34
بين جميع الكادحين، وأوجب الحقوق المعلومة والتطوعية فيه، وشدَّد الوعيد على الذين يكنزونه ولا يؤدُّون حقوقه، ونهى عن أساليب الرِّبا، وحرَّم وسائل الغشِّ والاحتكار، وشرَّع قسمة المواريث، ثمَّ أمر بالتكافل بين العباد، ليضمن تداول المال بين مختلف شرائح البشر على أساس من العمل والعدل والنُّصح والإحسان، كي لا يكون دولة بين الأغنياء فقط، ولكنَّ المال قد صار في عالم اليوم مرتكزًا بسبب الرِّبا في أيادي أكاسرة محدودة، ومكتنزًا بسبب الرِّبا والاحتكار في مفاتحِ أباطرة معدودة يطلق عليهم بالمليَارْدِيرَات، أي أغنى أغنياء العالم، أو قوارين القرن الواحد والعشرين، وأكاد أجزم أنَّهم أكثر مالاً من قارون قوم موسى الذي آتاه الله تعالى من الكنوز ما إنَّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، ولا تعجبوا إن علمتم أنَّ رأس مال أحدهم يقدر بميزانية دولة بنقلاديش التيِّ تعدُّ 170 مليون نسمة.
يقول سيد قطب في ظلاله: لقد انتهى الأمر في العصر الحديث إلى تركيز السلطة الحقيقية، والنفوذ العمليِّ على البشريَّة كلِّها في أيدي زمرة من أحطِّ خلق الله وأشدِّهم شراً؛ وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلاًّ ولا ذمَّة، ولا يراقبون فيها عهداً ولا حرمة. وهؤلاء هم الذين يداينون الناس أفراداً، كما يداينون الحكومات والشعوب، في داخل بلادهم وخارجها، وإليهم ترجع الحصيلة الحقيقية لجهد البشركلِّهم، وكدِّ الآدميين وعرقهم ودمائهم، في صورة فوائدَ ربويَّةٍ لم يبذلوا هم فيها جهداً.
يقول الدكتور شاخت مدير بنك الرايخ الألماني سابقاً في محاضرة له بدمشق عام 1953: إنه بعملية رياضية غير متناهية يتَّضح أنَّ جميعَ المال في الأرض صائرٌ إلى عدد قليل جدًّا من المرابين، ذلك أنَّ الدائن المرابيَ يربح دائمًا في كلِّ عملية؛ بينما المدين معرَّض للربح والخسارة. ومن ثمَّ فإنَّ المال كلَّه في النهاية لا بدَّ ـــــ بالحساب الرياضي ــــــ أن يصير إلى الذي يربح دائماً، وإنَّ هذه النظرية في طريقها للتَّحقُّق الكامل.
إنَّ معظم مال الأرض الآن يملكه ملكاً حقيقيًّاً بضعة ألوف، أمَّا جميع الملاَّك وأصحابُ المصانع الذين يستدينون من البنوك، والعمَّالُ وغيرُهم، فليسوا إلاَّ أجراءَ يعملون لحساب أصحاب المال، ويجني ثمرَ كدِّهم أولئك الألوف من قوارين القرن الواحد والعشرين. لقد صار المال دُولة بينهم، يتصرَّفون فيه متى يشاؤون، ويتداولونه بينهم كيفما يشاؤون، ويهدرونه في شهواتهم كما يشاؤون، على مرأى ومسمع من العالم الذي يئنُّ تحت ضربات الجوع والمرض والجهل، فتمكَّنوا بذلك من الهيمنة على مجريات الحياة العامة للدَّول، وتجرؤوا على الاستحواذ على مقدَّرات الأمم، واستطاعوا التسلُّط على رقاب الشعوب، إذ المال هو قوام الأعمال، إنَّهم يعدُّون أربعَمائة شخص في الولايات المتحدة الأمريكية التيِّ يبلغ تعداد (3/36)
صفحة 35
سكانها حوالي أربعمائة مليون نسمة، أي بنسبة واحد في المليون، وحوالي مائة وخمسين في العملاق المستيقظ الصين التيِّ يبلغ تعداد سكانها حوالي مليار ونصف. أي بنسبة واحد في عشرة ملايين، وقل مثل ذلك عن القارة العجوز أوروبا. ومن ثمَّ فقد أنشأؤوا لأنفسهم أكبر دور للقمار في العالم، أطلقوا عليها أسم البورصات، لأنَّ هذه الدور لا تُتداول فيها إلاَّ أسهم شركاتهم الاحتكارية الضَّخمة، ووفق قوانينَ وضعوها بأنفسهم مضبوطةً على مقاسهم، وهم يجلسون في المكاتب الفخمة التيِّ نصبوها أكبر فخاخ للسَّطو على المال العالمي في هجير الجاهلية المادية الحاضرة، يقبعون وراءها مثل الوحوش الكاسرة، يتلمَّظون الفرائس من المعسرين والمنكوبين الذين تحلُّ بهم المصائب، فيحتاجون المال للطعام أو الكساء أو الدواء، أو حتىَّ لدفن موتاهم في بعض الأحيان، فلا يجدون في هذا العالم المادِّي الضَّنين الشحيح من يمدُّ لهم يد المعونة البيضاء، فيلجؤون مرغمين إلى أوكار الوحوش للتسوُّل من فتاتهم فينقضُّون عليهم، انقضاض الأفاعي الضخمة التيِّ تنصب كمائنَها في الأحراش لفرائسها، ثمَّ تلتهمها عن آخرها. ولقد تجاوز عدد الجوعى في العالم المتمدِّن، عالمِ الذرة والحاسوب، وعالم غزو الفضاء وأطفالِ الأنابيب، في جاهلية القرن الواحد والعشرين أكثر من مليار شخص تحت خطِّ الفقر، منهم 100 مليون انضمَّوا إلى القائمة هذه السنة فقط، بحيث يموت منهم شخص في كلِّ 6 ثوان بسبب سوء التغذية، ممَّا جعل الأمين العام لمنظمة الأغذية والزراعة العالمية يدعو العالم كلَّه في القمَّة العالمية للمنظمَّة التيِّ انعقدت في روما، والتيِّ سمَّوها قمَّة محاربة الجوع، يدعو إلى الصيام أو الإضراب عن الطعام يوم 15 نوفمبر 2009 تضامنًا مع المليار جائع في العالم الذين صاروا يهدِّدون السِّلم العالمي، زيادة على العبء الاجتماعي، وكيف لا تتحقَّق هذه الوضعية الخطيرة وما يستقبل أسوأ نتيجةً حتميةً وقد صار المال دولة بين الأغنياء.
المظهر الرابع: في قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}.
إنَّ القضية تتعلَّق بأمر بغيض مخلٍّ للشَّرف، تتألق مخازيه في كلِّ قلب مريض متحل بالسَّرف، ذالكم هو مظهر التَّرف، الذي استشرى خطره في الخلف، بأفظع مما كان عليه في السلف، وقد صار العالم يلبِس مظاهره، ويلمِس مخاطره، وتطيش إلينا بوادرُه، وتُعلن فينا نواذره، فما هو التَّرف في المصطلح القرآني، وما هي عواقب المترفين في العرف الرِّباني.
التَرَفُ هو المبالغة في التَّنَعُّمُ، أو المبالغة في الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا، والمُتْرَفُ هو الذي أَبْطَرَتْه النعمةُ وسِعَةُ العَيْشِ، وهو المُتَوَسِّعُ في مَلاذِّ الدنيا وشَهواتِهَا. والمترفون (3/37)
صفحة 36
هم من قال الله تعالى فيهم {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} ونستطيع أن نفسِّر التَّرف بقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}.
لقد وردت كلمة التَّرف في القرآن الكريم بمختلف صيغها سبع مرات، ولم ترد إلاَّ في سياق الذمِّ والتَّنفير، ممَّا يدلُّ على أنَّها كلمة مستقبحة مستهجنة عند الخالق، ولو أنَّها مستعذبة مستمرأة عند المخلوق. فحيثما يمَّمت وجهَك أيُّها القارئ الأمين في كتاب الله المبين، باحثًا عن كلمة التَّرف إلاَّ وواجهتك عواصف تصمُّ الآذان، وصارعتك قوارع تُرجف الأبدان، وكيف لا وقد أعلن الله الحيُّ القيُّوم على المترفين حربًا شعواء في الدنيا لا تبقي ولا تذر، فقال {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}، وحمل عليهم حملة نكراء ترديهم في الآخرة في عذاب وصقر فقال: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} كما يعرض القرآن إلى حقيقة مكنونة فيه وهي أنَّ المترفين هم السابقون الأولون إلى الكفر والعصيان اغترارًا بأموالهم واعتزازًا بأولادهم {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}.
أيُّها القارئ الكريم: لقد عمَّ التَّرف بلادًا كثيرة من الدنيا، فشمل مناحيَ المتعة الجلىَّ، وتجاوز المترفون كبائر الإثم والفواحش في عالم المدنية المتدنيَّة، حتى لقد صار المرء لا يصدِّق ما تسمع أذناه، فضلا عمَّا تراه عيناه، في كلِّ مجالات المتعة، من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومركب ومتنزه، ولعلَّ أعظم ما يبرز صور هذا التَّرف ماثلا في أجلى صوره التَّعالي في البنيان، وزحرفة الجدران، وقد أرادها المترفون {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} ولكأني بالنبيء هود - عليه السلام - يخاطب أهل المعاد بما خاطب به قوم عاد {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} ولكأنِّي بالمترفين اليوم يجيبون بأقبح الأوصاف، ما أجاب قوم عاد نبيئهم يوم أنذرهم بالأحقاف: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا (3/38)
صفحة 37
نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} وإنَّك لتمرُّ على كثير من مساكن المترفين فيتملَّكك الرعب فرقًا، ويربكك الذعر أرقًا من سُرَّ من رأى، ولا تملك إلاَّ أن تردِّد في خيفة قول الملك الجبار {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ}.
ولاستجلاء حقيقة هذا التَّرف، الذي يتخبَّط فيه المترفون اليوم في جنون وصلف، فهذه عينات من الشَّواهد التي تخزِّنها أحشاء بعض الكتب والجرائد المتخمة.
1 - أقيمت في نيويورك وليمة عشاء لأمير من الأمراء وزوجته، تكلَّف الطبق الواحد منه بخمسين ألف دولار، وقد بلغ عدد الذين دفعوا ثمن هذه الأطباق أربعة ألاف شخص، وقد عبَّروا جميعًا عن شعورهم بالسعادة والغبطة لأنَّهم محظوظون دون غيرهم بحضور هذه المناسبة، لأنَّ عدد الذين طلبوا حضور هذا العشاء تجاوز مائة ألف شخص. ولو أنفقت هذه المبالغ على المحتاجين لكان كافيًا لإطعام عشرات الملايين من الذين يموتون جوعا في العالم.
2 - أهدى رجل مترف لزوجته احتفاء بذكرى زواجهما طائرة خاصَّة تقدَّر قيمتها 280 مليون دولار، ووعدها بأن يبني لها قصرًا من سبعةَ عشرَ طابقًا يتكلَّف مليار دولار، ويشغِّل 600 خادم. ولو أنفق هذا المبلغ على مستحقيه لكان كافيا لبناء مدينة كاملة بمرافقها تضمن ساكنًا محترمًا لعشرين ألف عائلة.
3 - حجز أمير من المترفين فندقًا كاملاً لوحده في مدينة من المدن السياحية العالمية، فلمَّا أصبح قال أنا اليوم أسعد إنسان في العالم، لأنَّني أنفقت في ليلتي مبلغًا يساوي كذا وكذا، ومن عجيب الصدف أن تعلن اليابان في نفس اليوم عن انتهاء مشروع بناء نفق في البحر يصل بين جزيرتين من جزرها تكلَّف بنفس المبلغ الذي أنفقه الأمير في ليلة واحدة
4 - أنفق مترف من أثرياء العالم مبلغ ثلاثين مليون دولار في القيام بجولة سياحية فضائية على متن المركبة الفضائية الروسية سيوز دامت سبعة أيام، وكان هذا المبلغ يساوي المبلغ الذي قدمته الأمم المتحدة إعانة لدولة هاييتي التيِّ ضربها زلزال مدمِّر منذ بضعة شهور، دمَّر نصف المباني في عاصمتها، وأودى بحياة أكثر من مائة وخمسين ألف ضحية، وشرَّد الملايين، ولأن يسير البشر على الأرض وهم أطهار، خير لهم من أن يطيروا في السماء وهم فجَّار.
5 - تتكلف الإقامة لليلة واحدة في فندق من الفنادق العالمية اثني عشر ألف دولار، وهو ملآن على مدار العام. وهذا المبلغ يكفي لبناء مسكن محترم لواحد من مئات الملايين الذين يفترشون الثرى ويلتحفون السماء. (3/39)
صفحة 38
6 - بيع ثوب بالمزاد العلني بعشرات الآف الدولارات لأنَّه ثوب لاعب ذاع صيته، أو مطرب فاقت شهرته. ولا تعجب إن سمعت بأن بقيَّة سيجار لرئيس الوزراء البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية وينسون تشرشر بيع بحوالي ألف دولار في المزاد العلني. ولا تسل عمَّا يبذره المترفون من أموال ضخمة في ميادين اللَّعب والدعة، وفنون اللَّهو والخلاعة، تباهيًا وانتهاكًا، حتى صاروا يقولون مثل ما قاله المترفون الأولون من قبلهم كما قال الله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا}.
هذه أمثلة واقعية قليلة لما يحدث في عالم مترف مفترس، وهي غيض من فيض، ووشل من بحر، تبين ما آل إليه العالم من ترف فاق كلَّ تصور، وتبذير فاق كلَّ تهور. ومعظم ذلك المال ـــــ إن لم نقل كلَّه ــــــ كان بسبب كسب حرام تولَّد عن الرِّبا والقمار، والميسر والاحتكار، فكان المترف لا يجد ضائقة من الإنفاق، ولا حرجًا من التبذير لأنَّ المال الذي معه جاءه من طريق ميسور، ولولا تكدُّس المال الحرام في أيدي المترفين لما استرخصوه في غالي الأثمان، ولا يعرف الإنسان قدر المال إلاَّ إذا بذل في جمعه كدَّ اليمين وأسال عليه عرق الجبين.
أيُّها القارئ الكريم، لننظر إلى صنوف البلاء الإلهية، وفنون النقمة الرِّبانية، التيِّ يصبها على العالم المترف صبًّا، ويعبُّها على جموع المترفين عبًّا، زلزال مدمِّر، إعصار مهلك، مدُّ بحريٌّ مغرق، انجراف للتربة مطبق، جفاف للبلاد محرق، حرائق ملتهبة متلفة، عواصف ثلجية مميتة، طائرات تتحطم، بواخر تغرق، أمراض مزمنة، فتن دائمة، حروب قائمة، وصدق الله العظيم {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
فلا تغبطنَّ المترفين فإنَّه على
حسب ما يُعطيهم الدهرُ يسلبُ
إذن لقد حقَّ وعيد الله تعالى على المترفين بالتَّدمير بالسُّرعة الفائقة التيِّ تدلُّ عليها الفاء التي تفيد التَّرتيب والتَّعقيب كما يقول أهل العربية، والذي ضمَّنته سنته القائمة في قوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} وهكذا الحال إلى يوم يبعثون {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} وذلك من إعجاز التَّشريع القرآني الذي يُحققه الواقع المعيش بنفاد الوعيد الذي يتوعد في آياته كلَّ منتهك لحدود الله، ومن أكبرها إعلان الحرب على الله ورسوله بتعاطي الرِّبا ومشتقاته، وهي العامل الأول للترف، والمسبب (3/40)
صفحة 39
الأخطر لخراب الدنيا، فكثرة المترفين تؤدي إلى الفسق، والفسق يؤدي إلى تحقق القول، وتحقق القول يؤدي إلى التدمير. ولقد بدأت تتسرَّب إلى مجتمعاتنا الإسلامية بعض مظاهر الترف تنذرنا ــــ لا قدر الله ـــــ بالهلاك الخطير، بما يصاب به المجتمع الكبير، فلسنا أبناءَ الله وأحباءَه، وليست لنا في الزبر براءة، وكيف لا يصيبنا البلاء وقد صار التعالي في البنيان، والتنافس في الزخارف سمة من السمات في المجتمع بادية، والتباهي بالمراكب والتجاهر بالموبقات وصمة في البلاد عارية، وتلك لعمري من أفعال المترفين هاوية، فهل لنا منها من واقية، ألا فالحذرَ الحذرَ من التَّرف، فإنَّه لا محالة يؤدي إلى التَّلف، واحذروا مغبة قول من لا تخفى عليه خافية {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على أهل الصُّفة وهم يرقِّعون ثيابهم بالأدَم، ما يجدون لها رقاعًا فقال لهم: أنتم اليوم خير أو يومَ يغدو أحدكم في حُلَّة، ويروح في أُخرى، ويُغدى عليه بحفنة، ويُراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تُستر الكعبة. قالوا: نحن يومئذ خير، قال - صلى الله عليه وسلم -: بل أنتم اليوم خير. وصدق رسول الله، فلقد ارتدَّ الإنسان إلى أسفل سافلين لمَّا ارتضى أن يكون كما توقعه رسول رب العالمين. {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
أيُّها القارئ الكريم، قبل ألفٍ وأربعِمائةٍ وإحدى وعشرين سنةً خلت على الأيام العظيمة من ذي الحجة، وبالتحديد في السنة العاشرة من الهجرة، وقف الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - في صعيد عرفة، يخطب جموع الحجيج في اليوم الذي أنزل فيه الله تعالى قوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} يبلغهم أحكم الوصايا التيِّ وصَّى بها الكبير المتعال، ويقيم عليهم أعظم الحجج التيِّ قضى بها شديد المحال، ويودِّع جموع أمَّته المؤمنين يرجو منهم حسن الإصغاء والامتثال، ويضرب لهم موعدًا معه إن هم ماتوا على الوفاء يوم المآل، ولم يثنه عن الصدع بما أمر به فرحة العيد، وممَّا جاء في هذا الخطاب البديع قوله: أيها الناس: إنَّ دماءَكم وأموالَكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقَوا ربَّكم، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنَّكم ستلقَون ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلَّغتُ. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإنَّ كلَّ ربًا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنَّه لا ربا، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا عمِّي الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. (3/41)
صفحة 40
لقد تقدَّم لنا في ما مضى غيض من الكلام عن بعض الأوجه القبيحة التيِّ ظهرت بها الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، بعد أن اسودَّت مسالكها الملتهبة، وادلهمت خطوبها المتشعبة، فأوقعت البشريَّة جمعاء في شعاب أحراشها الممحلة، وأذاقت ويلاتِها كلَّ من أقلتهم الغبراء وأظلتهم الخضراء، من نبات وإنسان، وجماد وحيوان، ولقد تعرَّضنا بمزيد من البيان إلى أخطار السموم القاتلة التيِّ تسري في أجسام البشرية المترهلة، بعد أن نفثتها فيهم الثعابين الكبرى السامة والعاصرة، المتربصون في أدغال المراكز المالية الموبوءة محتكرين وسماسرة، وقدَّمنا تحقيقات عن المضاعفات المميتة التيِّ تمخضت عن الزيجات المشبوهة بين قياصرة الرِّبا وأباطرة الاحتكار، التيِّ أوصلت العالم أجمع إلى حالة من الفوضى المالية، والاضطرابات النفسية، والمخاوف الأمنية، وعادت بالبشرية إلى شبح الثَّلوث الملعون الفقرِ والجهلِ والمرضِ في مطلع الألفية الثالثة، بعد أن وطئت أقدام بني البشر سطح القمر، وتطلعت آمالهم إلى السكن في رحاب الكوكب الأحمر، وسوَّلت لهم أنفسهم اجتياح أعماق المحيط الأغبر، وصار الواحد منهم يرى أقصى ملكه كما يرى أدناه في أقلَّ من لمح البصر، ولكنَّهم {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} فلم يزدهم سلطانهم وعلمهم إلاَّ دمارًا، فارتدُّوا إلى أسفلِ سافلين لأنَّهم {وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا} وحقَّت عليهم سنة الواحد القهار التيِّ أرادها لكل فاجر كفَّار {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى}.
إنَّه بالرَّغم من كلِّ هذه التداعيات المتلاحقة إلاَّ أنَّ حجم الأزمة الحقيقي لم يتَّضح بعد حتىَّ الآن، ولايزال العالم يعاني من ركود خطير، ويتخوَّف من أن يتحول إلى كساد كبير. وأصبح الجميع يدرك أنَّ أزمات النظام الرأسمالي الذي يحكم العالم اقتصادياً بعد انتهاء النظام الاشتراكي بنهاية الشيوعية لا تنتهي، فمروراً بالكساد العظيم 1929، إلى أزمة البورصة المصرية 1959، إلى الإثنين الأسود 1987، إلى أزمة المكسيك 1994، إلى أزمة النمور الآسيوية 1997، إلى الثلاثاء الأسود في البورصة السعودية 2006، إلى الأزمة الراهنة وهي الأعنف على الإطلاق - ولن تكون الأخيرة قطعًا - لأنَّ سبب هذه الأزمات المتكررة هو فساد آليات النظام الاقتصادي الرأسمالي نفسِه، الذي يقوم على شفا جرف هار، وهو شفا الرِّبا وتوابعه، الذي لا ينضبط بأية قواعد أو قيم أو مبادئ أو أخلاقيات تحكم آلياتِه إلاَّ ضوابطُ الجشع والشهوة، وصدق قول ربِّنا الجليل {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا (3/42)
صفحة 41
يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}.
إنَّ الرِّبا عمليةٌ تصطدم ابتداء مع قواعد التصوُّر الإيماني؛ ونظامٌ يقوم على مبدإ لا نظر فيه لله سبحانه وتعالى، وعلى أساس أن لا علاقة بين إرادة الله وحياة البشر. وأنَّ الإنسان هو سيِّد هذه الأرض؛ وهو غير مقيَّد بعهد من الله؛ وغير ملزم باتِّباع أوامر الله، ومن ثمَّ لا رعاية فيه للمباديء والأخلاق، ولا للنتائج والغايات التيِّ يريد الله للبشر أن تقوم حياتهم عليها.
أيُّها القارئ الكريم نودُّ في ختام هذا البحث في موضوع الأزمة الاقتصادية العالمية الخطيرة أن نصل إلى خلاصة نبرز من خلالها النتيجة التيِّ كنَّا نرمي إليها من خلال ما تقدَّم، ونحقق الغاية المنشودة من المواضيع العديدة التيِّ طرقت، ألا وهي إبراز الإعجاز التشريعي الإسلامي في تحريم الرِّبا ومشتقاته، من خلال فصول الأزمة الاقتصادية الراهنة. بعد أن أعلن العالم شرقيُّه وغربيُّه عن إفلاس نظرياته، وعَجزِ حلوله عن تسيير دولاب الاقتصاد العالمي بما يحقق للبشرية جمعاء السعادة والرخاء، والأمن والغذاء.
ليس عجيبًا ولا غريبًا أن يكون الحلُّ الإسلاميُّ هو ضالةَ العالم في القرن العشرين، أو الخمسين، أو نهاية عمر هذا الإنسان المسكين، على هذا الموكب المتداعي بعد حين، وإنَّما العجيب أن يبحث العالم عن حلول تضعها قرائح البشر الضيِّقة، وتفترضها عقولهم القاصرة، وتعتصرها شهواتهم المتربصة، وهم أوحش حيواناتٍ مفترسة إذا ما تعلَّق الأمر بالدرهم والدينار، لذلك كان أباطرة المال يجرُّون البشريَّة رويدًا رويدًا لتوريطها في حمأة التعامل بالرِّبا للإجهاز عليها، وإيقاعها في فخاخه الجهنمية للانقضاض عليها، في حين يغفلون عن الحلِّ الذي وضعه خالق البشر وهو أعلم بهم وبما يصلح لهم، وأرحم بهم من الأم الرؤوم بوحيدها، فكان يدعوهم إلى التسامح والرضا، ويدفعهم إلى التعامل بالتعاليم الدينية والتمسك بأحكامها. ونريد في هذه المناسبة أن نبرز بعض الحقائق اليقينية التيِّ لا يجادل فيها اثنان من خلال ما قرره العلماء في العديد من مؤلفاتهم.
الحقيقة الأولى: أنه لا إسلام مع قيام نظام ربوي، لأنَّ الإسلام يصطدم اصطداماً مباشراً به وبنتائجه العملية في حياة الناس وتصوراتهم وأخلاقهم، يقول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (الآية:)
الحقيقة الثانية: أن النظام الربوي بلاء على الإنسانية، لا في إيمانها وأخلاقها وتصوُّرها للحياة فحسب، بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية، وأنه أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقاً، ويعطل نموَّها الإنساني المتوازن، على الرغم من الطلاء الظاهري الخدَّاع، الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنموِّ الاقتصادي العام. وكيف لا والتعامل بالربا إيذان بإشعال (3/43)
صفحة 42
حرب مدمرة من قبل الله تعالى.
الحقيقة الثالثة: أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مترابطان تماماً، فليس هناك نظام أخلاقي وحده، ونظام عملي وحده، وإنما هما معا يؤلفان نشاط الإنسان، وكلاهما عبادة يؤجر عليها إن أحسن، وإثم يؤاخذ عليه إن أساء، والدين المعاملة.
الحقيقة الرابعة: أن الاقتصاد الإسلامي الناجح لا يقوم بغير أخلاق، وأنَّ الأخلاق ليست نافلة يمكن الاستغناء عنها ثم تنجح حياة الناس العملية. والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنَّما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق.
الحقيقة الخامسة: أنَّ التعامل الربوي لا يمكن إلاَّ أن يفسد ضمير الفرد وخلقَه وشعورَه تجاه أخيه في الجماعة؛ وإلاَّ أن يفسد حياة الجماعة البشرية وتضامنَها بما يبثُّه من روح الشره والطمع والأثرة والمخاتلة والمقامرة بصفة عامة، يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}
الحقيقة السادسة: إنَّ الرِّبا يعد الدافع الأول لتوجيه رأس المال إلى أحطِّ وجوه الاستثمار، كي يستطيع رأس المال المستدان بالرِّبا أن يربح ربحاً مضموناً، ومن ثمَّ فهو الدافع المباشر لاستثمار المال في الأفلام الإباحية، والصحافة القذرة، والمراقص والملاهي، والتجارة في الرقيق الأبيض، وسائر الحرف والاتجاهات التيِّ تحطم أخلاق البشرية تحطيماً، وهذا هو المشاهد اليوم في أنحاء الأرض.
الحقيقة السابعة: إنَّ الإسلام نظام متكامل، فهو حين يحرِّم التعامل الربوي فإنَّه يقيم نظمه كلَّها على أساس الاستغناء عن الحاجة إليه؛ وينظم جوانب الحياة الاجتماعية بحيث تنتفي منها الحاجة إلى هذا النوع من التعامل بدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطرد.
الحقيقة الثامنة: إنَّه لابد من استقلالية النظام الاقتصادي الإسلامي للخروج من حمأة الضنك والرِّبا.
الحقيقة التاسعة: لابدَّ من الانصياع للتعاليم الدينية جميعها كي لانضلَّ ولا نشقى، ولابدَّ من إعطاء الثقة كاملة في كلِّ ما أمر الله ونهى.
الحقيقة العاشرة: لا بدَّ من التَّعاون على اقتصاد يجيزه خالق الأرض والسماء، يكون كفيلاً بمعرفة طرق تحصيل المال بالأوجه المشروعة، وصرفه في مصارفه الجائزة، لأنَّ أغلب التعاملات الاقتصادية الموجود الآن في أقطار الدنيا لا يبيحها الشرع الكريم، لأنَّ واضعيها ليسوا مسلمين، فهي إما أن تكون مشتملة على زيادات ربوية، أو على غرر لا تجوز معه المعاملات. أمَّا الدين الإسلامي فليس دين منتجات مالية (3/44)
صفحة 43
تباع وتشترى فحسب، بل هو شرع ومنهاج يحكم وينظم حياة البشرية جمعاء بما في ذلك تعاملاتهم المالية مصداقًا لقول الولي الرحيم {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.
هذه الحقيقة دفعت أصواتا غربية كثيرة للمطالبة بتطبيق نظم التَّمويل الإسلامي، للخروج من الأزمة الاقتصادية النكداء وكان آخرَها وأهمَّها دعوةُ الفاتيكان قلبِ الديانة المسيحية لتبنيِّ التمويل الإسلامي ولو جزئيا، ً كمخرج من الأزمة الاقتصادية العالمية، ذلك لأنَّ النظريَّة الاقتصادية الإسلامية مستمدة من القرآن والسنة، وهي ملزمة وصالحة لكل زمان ومكان، وغيرُ قابلة للتغيير أو التبديل، وليست محلَّ خلاف، فقواعده كالعدالة وعدم الظلم والصدق والأمانة وغيرها لا تتغير بتغير الأنظمة الاقتصادية، وهذه القواعد حاكمة للنظام الاقتصادي الذي يتمثل في التطبيق وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
أما بوفيس فانسون رئيس تحرير مجلة (تشالنجز) عدد 5/ 10 / 2008 فيقول بكل جرأة ووضوح: إنَّنا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن الكريم بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا، لأنَّه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليمَ وأحكامٍ وطبَّقوها، ما حلَّ بنا ما حلَّ من كوارثَ وأزماتٍ، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لأنَّ النقود لا تولِّد النقود.
ويقول رولان لاسكين رئيسُ تحرير صحيفة (لو جورنال دي فينانس) بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التيِّ تهز أسواق العالم، والتيِّ كان سبَبَها التلاعبُ بقواعد التعامل والإفراطُ في المضاربات الوهمية غير الشرعية
كما دعا مجلس الشيوخ الفرنسي إلى ضمِّ النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي في فرنسا، وقال في تقرير أعدَّته لجنة تعنى بالشئون المالية في المجلس: إنَّ النظام المصرفيَّ الإسلامي المستمد من الشريعة الإسلامية مريح للجميع، سواء كانوا مسلمين أو غيرَ مسلمين.
ويقول موريس آلي الاقتصادي الفرنسي الحائزُ على جائزة نوبل في الاقتصاد، عن الأزمة التيِّ شهدها العالم في الثمانينيات: إنَّ الأزمة التيِّ يشهدها الاقتصاد العالمي بقيادة الليبرالية المتوحشة تجعل الاقتصاد العالمي على حافة بركان، مهدَّداً بالانهيار تحت وطأة الأزمة المضاعَفة (المديونية والبطالة) وهي نفس أعراض الأزمة المالية الحالية، بل إنَّ الأزمة الحالية أعمق من أزمة الثمانينات. وقد اقترح للخروج من الأزمة وإعادة التوازن شرطين هما:
1 - تعديل سعر الفائدة إلى حدود الصفر. (3/45)
صفحة 44
2 - مراجعة معدل الضريبة إلى ما يقرب من 2 %.
وهذا ما يتطابق تماماً مع تعاليم الإسلام الذي يحرِّم الرِّبا تحريما قاطعًا ويفتح باب القرض الحسن، ويحدد نسبة الزكاة بـ 2.5%
بعد كلِّ هذه الحقائق والشهادات الصادرة عن ساسة الغرب وحكمائها، ومن الاقتصاديين العالمين الذين خبروا الحياة الاقتصادية بعمق، والتيِّ تتطابق مع دعوة الفاتيكان الصريحة رأس الديانة المسيحية بأنهم نتبين بأن البشرية حاجة ماسَّة إلى مساعدة النظام الاقتصادي الإسلامي ليضع لهم علاج للأزمة المالية العالمية, لأنَّ النظام الرأسمالي سينهار إلى الحضيض، كما هوى قبله النظام الشيوعي الاشتراكي إلى أسفل سافلين، وسيبتدئ العالم التفكير في تلمس أسباب النهوض من نقطة الصفر، وسيرغمون على الرجوع إلى النظام الإسلامي ـــــ ولولم تطاوعهم نفوسهم بأن يعترفوا بأنه نظام إسلامي ـــــ وإنَّهم لن يجدوا متكأ لهم يقومون عليه سواه، وإنَّهم سيأتونه ولو من باب المصلحة الذاتية والحاجة النفعية، لأنَّه هو الذي يتماشى مع فطرة الله التيِّ فطر الناس عليها. وعليه فإنه يجب على المسلمين أفرادًا وهيئات، وبخاصة العاملين في مجال الاقتصاد الإسلامي أن يقوموا بدورهم وبصدق وأمانة، لبيان وشرح قواعد الاقتصاد الإسلامي ومبادئه وأخلاقياته، وقد صارت الفرصة مواتية، قالت سواتي تانيجا إحدى خبيرات المال في أوروبا: إنَّ الأزمة المالية بأمريكا تُعطي فرصة ذهبية للاقتصاد الإسلامي المنافي للتعاملات الربوية.
فعلى المسلمين أن يعودوا إلى أحكام الشريعة الإسلامية ويستخرجوا طرق النظام المالي الإسلامي من القرآن والسنة ويقدِّموها للبشرية نظامًا كاملاً مستقلا عادلا، وليس هذا فحسب، بل ينبغي عليهم أن يقدِّموا حلولاً عملية ورحيمة في نفس الوقت، تصديقاً لقول المولى الرحيم {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} وتحقيقًا للإعجاز التشريعي في القرآن الكريم.
إذن لقد استبان لكلِّ من له قلب يقظ، ونظر بعين اليقين أن الله تعالى لا يشرع شيئًا إلاَّ وفيه مصلحة للعباد، ولا يحرم شيئًا إلاَّ وفيه ضررهم في الدنيا والآخرة. وهذه الأزمة المالية قد أوضحت بجلاء أضرار الرِّبا والمخالفات المالية، فسبحان من حرَّمها وغلَّظ العقوبة عليها. وتبارك الذي يقول وهو العليم الحكيم: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (3/46)
صفحة 45
}. صدق الله العظيم
اللهمَّ أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتِّباعه واتباع أهله، وحبَّه وحبَّ أهله، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه واجتناب أهله، وبغضه وبغض أهله، وأجرنا اللهَّم أن يشتبه علينا أمر ديننا ودنيانا فنتبع هوانا بغير هدى منك ياالله. اللَّهم إنا نسألك عيشة تقية، وميتة سوية، اللَّهم إنا نسألك العفاف والغنى، والتقى والهدى، اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من الشك والشرك، ومن الشقاق والنفاق، فيا مقلِّب القلوب لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
- - - (3/47)
صفحة 46
الإشراف وأثره في تفعيل حلقات
تحفيظ القرآن الكريم
الدكتور: رابح دفرور
قسم الشريعة ــــــ جامعة أدرار ــــــ الجزائر
م
مقدمة:
يشهد واقع حلقات تحفيظ القرآن الكريم ومدارسه تباينا كبيرا، واختلافا كثيرا، كان له أثر سلبي على الارتقاء بعملية التحفيظ، وعلى استغلال أنجع المناهج المحققة لأحسن النتائج. ولعل من أسباب هذا الواقع العشوائية في وضع مناهج التحفيظ، حيث لم تراع الجوانب المنهجية والتربوية. والافتقار لدليل إرشادي يرسم الخطط العلمية المنهجية الناجعة لعملية التحفيظ، وانعدام تكوين وتأهيل القائمين على عملية تحفيظ الصغار.
وإن عملية الإشراف على حلقات التحفيظ ومدارسه تعد من أبرز المهام التربوية الإدارية التي تقلل من التباين والاختلاف، وتعمل على تحقيق أحسن النتائج في أوقات قياسية؛ ذلك لأنه من خلالها يوضع مخطط شامل لعملية التحفيظ في العديد من مدارس التحفيظ وحلقاته، ويعمل على المتابعة الميدانية قصد مراقبة تطبيق المناهج والطرق المتعلقة بالتحفيظ وفق المخطط المرسوم، كما يقوم برصد النتائج المتوصل إليها، ومطابقتها بالأهداف المسطرة مسبقا ...
وتهدف هذه الدراسة إلى بيان مفهوم الإشراف على حلقات تحفيظ القرآن، وإبراز أهميته في تفعيل دورها، وترقية مستوى الحفظ لدى المنتسبين إليها، وبيان جملة الأهداف المتوخاة من هذه العملية، ومعرفة أهم الوسائل التي تعمل على إنجاحها. وكل ذلك من خلال المطالب الآتية:
*-المطلب الأول: الإشراف على حلقات التحفيظ: مفهومه وأهميته.
*-المطلب الثاني: أهداف الإشراف على حلقات التحفيظ.
*-المطلب الثالث: مواصفات المشرف
*-المطلب الرابع: وسائل الإشراف على حلقات التحفيظ. (4/47)
صفحة 47
المطلب الأول: الإشراف على حلقات التحفيظ: مفهومه وأهميته.
أولا: تعريف الإشراف:
الإشراف لغة مصدر من أشرف بمعنى قارب، يقال: أشرف على الموت أي قاربه (1)، ويراد به أيضا الاطلاع من فوق، وتولي الشيء وتعهده (2).
ومن خلال هذا فإن الإشراف يشمل معنى مقاربة الشيء التي تفيد قرب المشرف من المشرف عليهم، كما تفيد أيضا معنى تولي الأمر ورعايته وتعهده حتى يقارب درجة الكمال أو يصل إليها.
وأما الإشراف اصطلاحا فقد تعددت تعاريفه، وتباينت مدلولاته، ولعل أقربها إلى التعريف اللغوي هو التعريف الذي ساقه الدكتور يحيى الغوثاني في قوله: "ويمكن أن يعرف الإشراف بأنه ملاحظة جهود العاملين بغية توجيهها الوجهة السليمة عن طريق الأوامر والتوجيهات الشفوية والمكتوبة" (3).
وهذا التعريف يبرز جملة من الحقائق في مفهوم الإشراف أهمها ما يلي:
1 - الإشراف عبارة عن ملاحظات من مشرفين لهم كفاءة عالية، وخبرة كافية في المجال المشرف عليه.
2 - الإشراف يتضمن عملية توجيه المشرف عليهم نحو الأهداف المنشودة وفق وسائل موضوعة لتحقيق الغرض.
3 - من مقتضيات الإشراف تقديم الملاحظات في شكل شفوي أو مكتوب، وهذا ما يجعل الإشراف أحد المهام الإدارية التي تقوم بها الإدارة المسؤولة.
4 - الإشراف يقوم على عملية التخطيط التربوي حيث ينبغي تحديد الأهداف أولا، وتعيين وسائلها المساعدة على تحقيقها، ووضع زمن محدد لإتمام العملية المقصودة من الإشراف.
وبناء على هذه الحقائق فإنه يمكن تعريف الإشراف على حلقات التحفيظ بأنه عملية تحطيطية تهدف إلى متابعة جهود معلمي القرآن، وملاحظة خطواتها العملية، وتوجيهها نحو الارتقاء بالتعليم القرآني عن طريق تعليمات وأوامر شفوية ومكتوبة يترتب على الأخذ بها تقويم عام المعلم. وكل هذا يتم ضمن مؤسسة تربوية أنشئت لغرض التعليم القرآني.
وبناء على هذا التعريف فإنه يمكن تعريف المشرف على حلقات التحفيظ
__________
(1) -المعجم الوسيط، إبراهيم أنيس، مادة "شرف"
(2) -المصدر نفسه
(3) -فن الإشراف على الحلقات والمؤسسات القرآنية، د. يحيى الغوثاني، ص: 21 (4/48)
صفحة 48
بأنه قائد ومخطط تربوي يعمل كمرشد ومستشار وموجه لمعلمي القرآن الكريم، ومثير لنشاطهم وباعث لهممهم في محاولاتهم لتحسين عملية التحفيظ التربوية (1).
ثانيا: أهمية الإشراف على حلقات التحفيظ
تظهر أهمية الإشراف البالغة في كونه يعنى بالجوانب التالية:
1 - يسهم الإشراف بشكل واضح وجلي في تأهيل المدرسين القائمين على عملية التعليم القرآني، ومساعدتهم على القيام بمهامهم الجسيمة التي لم تعد تنحصر في عملية التحفيظ فحسب بل تعدت إلى تدريس التفسير وعلوم القرآن ومحاولة فهم معاني القرآن ومعرفة بعض أسراره.
2 - يسهم الإشراف في مساعدة معلمي القرآن على بلورة واختيار أحسن الطرق التربوية الحديثة، واستعمال أنجح وسائلها لأن مهمة المشرف فهم هذه التطورات، وحسن الإفادة منها، وتعليمها للمعلمين ليمارسوها. وتظهر هذه الأهمية خاصة في ظل التطور المذهل والسريع الحاصل في مجال طرق التدريس ووسائله، وهو ما يجعل معلم القرآن عاجزا على اختيار الأنسب والأحسن لقلة معرفته بها.
3 - الإشراف عملية تساعد على إتقان المعلمين لطرق التدريس الحديثة والتقليدية وينقل الخبرات والمهارات التربوية من المشرف على المعلم، ومن حلقة إلى أخرى.
4 - الإشراف يعمل على تطوير وتجديد العملية التربوية، ويذكي الحماس والهمة في نفوس المعلمين، وذلك من خلال المتابعة المستمرة، والتقويم السليم، والملاحظات الايجابية، ومعالجة النقائص والعوائق في حينها، وتفعيل المنظومة التربوية في مدارس التحفيظ وحلقاته (2).
المطلب الثاني: أهداف الإشراف على حلقات التحفيظ
إنَّ الإشراف على حلقات التعليم ليس مقصودا لذته، وإنما لما يحققه من أهداف وغايات جمة لا غنى عنها في العملية التربوية التي تقوم بها مؤسسات
__________
(1) -الإدارة المدرسية في المملكة العربية السعودية، د. محمد مصطفى زيدان، ص: 235. نقلا عن فن الإشراف، ص: 231
(2) -يراجع الإشراف على الحلقات وطرق تفعيله، مقال للأستاذ عبد النافع بن فائق أحمد، منشور على الموقع الالكتروني:
www.lqs.org.sa (4/49)
صفحة 49
التعليم القرآني، ولعل من أبرز هذه الأهداف والغايات ما يلي:
أولا: يفيد الإشراف في تحديد جملة الأهداف العامة والتفصيلية التي يجب أن يهدف إليها التخطيط التربوي في المدارس القرآنية، كما يهدف إلى حسن توجيه الإمكانات المادية والبشرية نحو الأهداف المسطرة واستيعاب المدارس لها.
ثانيا: يهدف الإشراف إلى ضبط المدة الزمنية التي تحقق خلالها جملة الأهداف المرصودة، فالمشرف يضع الجدول الزمني لمساعدة المعلمين الذين يشرف عليهم وإنهاء تخريج الدفعات المعنية بالحفظ، على أن يتناول ذلك مدة الحفظ الأولي، ومدة المتابعة، ومدة لحفظ النهائي ...
ثالثا: يهدف الإشراف إلى تحديد جملة الوسائل والطرق المساعدة على تحقيق الأهداف المرجوة، كما يهدف إلى تطويرها، والعمل على حسن استغلالها. كما يهدف إلى اقتناع المعلمين بضرورة التخلي عن تلك الوسائل التي ثبت فشلها وصار من الضروري تجاوزها إلى غيرها.
رابعا: يهدف الإشراف إلى استمرار عملية المتابعة والتقويم في ظل الإمكانات المتاحة والبيئة المستعملة، وكشف من خلالها عن مدى تحقيق الأهداف، وعن جملة العوائق والصعوبات المواجهة، ومعرفة أسبابها، ويعمل على إيجاد البدائل والحلول لها.
خامسا: يهدف الإشراف إلى اختبار فعالية جملة الطرق والوسائل المستعملة، والوقوف على مدى جدواها، في العملية التربوية، ومن خلال ذلك يمكن اعتمادها وتعميمها وتصديرها إن كانت فعالة، كما يمكن الاستغناء عنها إن كانت غير ذلك.
سادسا: يهدف الإشراف إلى الاستفادة الموسعة من خبرات المشرفين، ومن كفاءاتهم العالية في ميدان التعليم القرآني، ويظهر ذلك من خلال وحدة الخطة التعليمية، وتوحيد الوسائل والأساليب، والرؤية الموحدة في التغلب على الصعوبات والعوائق، وتحقيق النتائج ذات النوعية في أوقات قياسية.
سابعا: يهدف الإشراف إلى تحسين العملية التربوية في المدارس القرآنية من خلال التوجيه الدائم للمدرسين والطلاب، والكشف عن جوانب العجز والنقص وعلاجها في حينها.
ثامنا: يهف الإشراف إلى تطوير الجانب الفني والأدائي لدى المدرسين المشرف عليهم، وتحسين أساليب التعليم لديهم. (4/50)
صفحة 50
تاسعا: يهدف الإشراف إلى اكتشاف جوانب القدرة لدى المدرسين، وتشجيعها لتصل إلى درجة الإبداع والتألق، والكشف عن جوانب القصور والضعف ومحاولة علاجها لكي لا تصير عائقا أمام سير الملية التربوية.
المطلب الثالث: مواصفات المشرف الناجح
إنَّ الإشراف على حلقات التعليم القرآني وحقاته ليس بالمهمة السهلة الهينة وإنما هي مهمة شاقة تتطلب من القائم عليها أن يكون ذا شخصية قوية مهارة عالية وتكوينا واسعا وعملا دؤوبا ... وإلا فان الإشراف لن يكون مجديا ولا فعالا، وربما أسهم في الرداءة بدلا من القضاء عليها. وجملة المواصفات التي تؤهل المشرف وتجعله قادرا على إدارة عملة بنجاح نجملها في نوعين من المواصفات، شخصية ذاتية، وأخرى علمية فنية، وتفصيل ذلك في ما يلي:
أولا: مواصفات المشرف الشخصية الذاتية
من المواصفات الشخصية الواجب توفرها في المشرف ليتمكَّن من القيام
بمهمة الإشراف التربوي على حلقات التعليم القرآني ما يلي (1):
1 - تقوى الله سبحانه، وإخلاص النية له وحده، ومراقبته في كل ما يصدر عنه من سلوك وما يلفظ به من قول، وما يخفق به قلبه من هوى وخاطرة، وما يساوره عقله من فكرة، وألا يكون إشرافه طلبا لجاه أو منصب أو مال ...
2 - أن يكون سليما من العيوب اللغوية كالتأتأة والفأفأة، طليق اللسان، مفصحا عن أفكاره، قادرا على التواصل مع غيره بواسطة لغة سليمة معبرة.
3 - أن يكون حسن المظهر، أنيق اللباس، يعكس ذلك توازنا في شخصيته، فيكون هذا عاملا مساعدا على تحبيب الناس فيه، ومبعدا عن النفرة منه.
4 - أن يكون ذا شخصية متزنة، تمتاز بالنضج العقلي، والتوازن العاطفي، تراه يصدر القرار المناسب للموقف المناسب، فلا يميل بعاطفته تجاه أحد، ولا يقسو بمنطقه على آخر.
__________
(1) -طرق تدريس التربية الإسلامية، عابد توفيق الهاشمي، ص: 30 (4/51)
صفحة 51
ثانيا: مواصفات المشرف العلمية الفنية
وهناك مواصفات أخرى تتطلبها المهمَّة التي يقوم بها المشرف من حيث الكفاءة العلمية والتأهل الجيد للإشراف نوردها في الآتي (1):
1 - أن يكون المشرف ذا تخصص عال في القرآن وعلومه، كأن يكون حاصلا على درجة الماجستير أو الدكتوراه، وأن يكون حافظا لكتاب الله، مجودا له، مجازا عارفا بالقراءات: أصولها وفرشها، متواترها وشاذها. وينبغي تحقيق ذلك ما أمكن، إذ قد يتعذر تحقيق وجود هذه المواصفات جمعها في مشرف ما، غير أنه إذا توفرت في أحد وجب تقديمه لمهمة الإشراف.
2 - أن يكون ذا خبرة عالية في مجال الإقراء، له دراية واسعة بأساليب التعليم القرآني وطرق التحفيظ، وفنون التوجيه والإشراف، ولا يكفي لهذه المهمة من كان مبتدئا في مجال الإقراء، أو من كان لا يزال طالبا.
3 - أن يكون المشرف قادرا على الإبداع والابتكار في عملية الإشراف، فيمكنه من خلال فطنته وذكائه أن يعثر على الحل الناجع المفيد لأي مشكلة تعترض طريق المعلمين، كما يمكنه أن يستنتج من خلال ملاحظاته ما يمكن أن يكون صوابا أو خطا في الممارسة التعليمية، كما يمكنه تطوير الأفكار وصياغتها في أطر عملية. وإن الشخصية الإبداعية من شانها أن تبتكر طرقا عملية فعالة، وأساليب متميزة في الأداء، كما يمكنها أن تطور المناهج بإعادة صياغتها بما يحقق النتائج المرجوة في أوقات قياسية.
4 - أن يكون مجيدا لعملية التخطيط التربوي حيث يكون قادرا على تحديد الأهداف التربوية وتفهيفها للمدرسين، وأن يكون قادرا على تحديد جملة الوسائل والأساليب المساعدة على تحقيق تلك الأهداف، كما يمكنه أن يقوم بعملية التقويم للنتائج، والحكم عليها حكما صحيحا.
5 - أن يكون المشرف على علم واسع بأصول التدريس، ومهاراته، وطرقه، ملما بأحدث ما توصلت إليه الدراسات في مجال طرق البيداغوجيا، ووسائلها الحديثة، وله القدرة على استعمالها في مجال التعليم القرآني (2).
__________
(1) -فن الإشراف، ص: 237 - 240.
(2) -يراجع الموقع الالكتروني: www.lqs.org.sa (4/52)
صفحة 52
المطلب الرابع: أساليب الإشراف على حلقات التحفيظ
للإشراف على حلقات التعليم القرآني أساليب شتى وطرق مختلفة، كل منها يؤدي إلى هدف معين وغرض خاص يتطلبه موقف تعليمي دون الآخر، ولعل من أهم هذه الأساليب التي تسهم في إنجاح عملية الإشراف على حلقات التعليم القرآني ما يلي:
الأسلوب الأول: اللقاءات الفردية والجماعية
تعتبر اللقاءات بين المشرف والمدرسين في صورة فردية أو جماعية في شكل دوري من أهم الطرق التي تقربهم من بعض، وتوقف المشرف على حقيقة فهم المدرسين لأهداف المؤسسة التعليمية وكيفية الوصول إليها، حيث يتم خلالها مناقشة الأهداف المرجوة وطرق التدريس المعتمدة عندهم، والوسائل المستخدمة لديهم، والتعرف على مشاكل المدرسين عن قرب، وإبداء الآراء والمقترحات لحلها، ومن خلال الحوار والنقاش الدائر في هذه اللقاءات تنقل الخبرات والمهارات إلى المدرسين، كما تفيد اللقاءات في التعرف على المدرس شخصيا ومهنيا بشكل دقيق ومباشر. (1)
الأسلوب الثاني: الزيارات الميدانية
ويراد بها تلك الزيارات التي يقوم بها المشرف إلى ميدان الحلقة الدراسية وقت انعقادها بغية معاينة كيفية سير عملة التعليم بها، وهذا الأسلوب يمكن المشرف من مشاهدة المدرس وهو يؤدي مهمته التربوية، كما يمكنه من الوقوف على جوانب الضعف عنده، ويمكنه من ملاحظة أثر المعلم على طلابه، وقياس مدى تجاوبهم معه، ومعرفة كيفية استعماله لوسائل الإيضاح، ومدى تمكنه من استعمال الطرق التربوية أثناء عملية التعليم.
وتكون الزيارة ناجحة إذا اتصفت بما يلي:
1 - تحديد الهدف التفصيلي من الزيارة الميدانية، وتهيئة الأجواء لإنجاحها، وينبغي ألا يكون الغرض منها محاسبة المدرس بل الوقوف على كفاءته، ومعرفة مدى تأهله لمهمته، ومساعدته على تجاوز العقبات التي تكتنفه.
__________
(1) -يراجع فن الإشراف، ص89. والإشراف على حلقات التحفيظ. (4/53)
صفحة 53
2 - تنوع الزيارات بحيث يكون بعضها معلن عنها، وبعضها الآخر يكون في صورة مفاجئة، بحيث يتمكن المشرف من الاطلاع الدقيق على كيفية سير الحلقة على كل حال. ومن معرفة مدى استعداد المدرس لمهمة التعليم.
3 - تسجيل الملاحظات، فان كانت إيجابية فتثمن، وإن كانت سلبية يحذر منها، وينبغي اطلاع المدرس عليها في نهاية الحصة وينبغي أن يكون ذلك بمعزل عن الطلبة.
4 - أن يبادر المشرف في بدية الزيارة بكلمة تحفيزية، يشجع فيها المدرس على أداء مهمته بجد وإخلاص، ويثني عليه، ويرفع من قدره أمام طلبته، كما لا ينسى إن ينوه بالطلبة المتفوقين.
الأسلوب الثالث: الدورات التدريبية
وتقع بالتنسيق بين المشرف وإدارة المؤسسة، حيث تقام دورات مكثفة ومغلقة خاصة بالمدرسين، وتهدف إلى تكميل نقص لوحظ لدى المدرسين، أو تأهيلهم وإكسابهم لطرق ووسائل جديدة في العملية التربوية تساعدهم على أداء دورهم بكفاءة عالية.
وقد تقسم الدورات إلى قسمين: أحدهما نظري يتم خلاله استعراض الأهداف التربوية والصفات الواجب توفرها في معلم القرآن، وكيفية عرضه لدرسه في الحلقة، والمشاكل التي يمكن أن تواجه المدرس وتعترض طريقه، وجملة الحلول الممكنة للقضاء على ذلك المشاكل، كما يعرض فيه أيضا كيفيات تقويم الطلاب بشكل سليم.
وقسم تطبيقي يعمل فيه على إعطاء دروس نموذجية يقوم بها المشرف أو كبار المدرسين، ويركز فيها على بيان كيفية تدارك النقص الملحوظ عند المدرسين عموما.
الأسلوب الرابع: النشرات التوجيهية
تعتبر النشرات التوجيهية التي يعدها المشرف من أهم أساليب الإشراف حيث يعمل المشرف على أن تتضمن جملة التوجهات التي يراها ضرورية للمدرسين، كما يمكن أن يضمنها خلاصة تجارب ناجحة عثر عليها، أو نظريات تربوية هامة اطلع عليها من خلال زياراته ومشاركاته في الندوات والمؤتمرات وقراءاته في ما استجد في ميدان الإشراف، كما يمكن أن تتضمن عرضا لبعض الأنشطة (4/54)
صفحة 54
التربوية التي يمكن القيام بها، وعرض لجملة المراجع التربوية الحديثة التي تتضمن طرحا جديدا في مجال التدريس وطرقه وأساليبه ...
الأسلوب الخامس: الندوات والمحاضرات
من الأساليب ذات الأهمية البالغة في مجال توعية المدرسين وتأهيلهم ورفع مستوى أدائهم التربوي عقد ندوات ومحاضرات دورية تعنى بالموضوعات التي يحتاج إليها المدرسون. ولكي تكون هذه المحاضرات ذات نفع أكثر ينبغي أن يؤطرها علماء ومتخصصون في التربية وطرق التدريس وعلمي الاجتماع والنفس ...
الأسلوب السادس: البحوث التربوية
يعتبر إعداد بحوث نظرية في مجال طرق التدريس وتقويمها أحد العوامل المساعدة على النمو الفكري للمعلمين، وعلى زيادة خبراتهم وذلك بأن يقترح المشرف تدارك نواقص أو حل مشاكل متعلقة بالحلقات، ويطلب من بعض المدرسين البارزين الكتابة فيها لإفادة بقية المدرسين في تلافيها وعلاجها، كما يمكن أن يطلب من بعض المدرسين الذي يوجد لديهم قصور في بعض الجوانب التعليمية والتربوية كتابة بحوث في الموضوعات التي تنقصهم يناقشون فيها أسباب حدوث موضوع البحث ومظاهره وآثاره وسبل علاجه حيث من المتوقع أن ينتج عن ذلك دفعهم لتصور جوانب قصورهم تلك والتفكير بعمق والاطلاع على الكتابات والبحوث التعليمية والتربوية التي عالجتها مما سيكون له أفضل الأثر في تحسين مسيرتهم التربوية (1).
الخاتمة:
في نهاية هذا البحث نعرض أهم النتائج المتوصل إليها وهي:
أولا: يعتبر المشرف على حلقات التحفيظ قائدا ومخططا تربويًا يعمل كمرشد ومستشار وموجه لمعلمي القرآن الكريم، ومثير لنشاطهم وباعث لهِمَمِهم في محاولاتهم لتحسين عملية التحفيظ التربوية.
ثانيا: تتمثَّل أهم أهداف الإشراف في تحديد جملة الأهداف العامة والتفصيلية التي يجب أن يهدف إليها التخطيط التربوي في المدارس
__________
(1) -يراجع موقع الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن بالرياض: www.qk.org.sa (4/55)
صفحة 55
القرآنية، كما يهدف إلى حسن توجيه الإمكانات المادية والبشرية نحو الأهداف المسطرة واستيعاب المدارس لها. كما يهدف أيضا إلى اختبار فعالية جملة الطرق والوسائل المستعملة، والوقوف على مدى جدواها، في العملية التربوية.
ثالثا: إنَّ من أهم مواصفات المشرف الناجح أن يكون ذا تخصص عال في القرآن وعلومه، وأن يكون حافظا لكتاب الله، مجودا له، مُجازا عارفا بالقراءات، وأن يكون ذا خبرة عالية في مجال الإقراء، له دراية واسعة بأساليب التعليم القرآني وطرق التحفيظ، وأن يكون قادرا على الإبداع والابتكار في عملية الإشراف.
رابعا: تتمثل أهم أساليب الإشراف في اللقاءات الفردية والجماعية التي تعين على التعرف على المدرس شخصيا ومهنيا بشكل دقيق ومباشر. والزيارات الميدانية التي تمكن المشرف من مشاهدة المدرس وهو يؤدي مهمته التربوية، كما تمكنه من الوقوف على جوانب الضعف عنده، والدورات التدريبية التي تهدف إلى تكميل نقص لوحظ لدى المدرسين، أو تأهيلهم وإكسابهم طرقا ووسائل جديدة في العملية التربوية، والنشرات التوجيهية المتضمنة خلاصة تجارب ناجحة عثر عليها، أو نظريات تربوية هامة، وعقد الندوات والمحاضرات التي تسهم بشكل واضح في توعية المدرسين وتأهيلهم ورفع مستوى أدائهم التربوي، والتكليف بإعداد البحوث التربوية المساعدة على النمو الفكري لدى المعلمين.
ونخلص أخيرا إلى جملة التوصيات التالية:
أولا: ضرورة اعتماد مشرفين مؤهلين على حلقات التحفيظ في مدارس التعليم القرآني بقصد الارتقاء بمستواها التعليمي، وتوحيد خطة العمل بها، والإفادة من تجارب ناجحة في الميدان.
ثانيا: ضرورة الإفادة من الطرق التربوية الحديثة، وتكييفها مع مقتضيات التعليم القرآني.
ثالثا: ضرورة وضع دليل إرشادي من طرف المشرفين المؤهلين، وجعله في متناول المدرسين ليسترشدوا به أثناء أداء مهامهم التربوية.
رابعا: ضرورة عقد دورات تكوينية القصد منها تأهيل معلمي القرآن، والرفع من مستوى أدائهم لمهمة التعليم القرآني.
- - - (4/56)
صفحة 56
الشيخ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش فقيها
- الحلقة الثانية: خصائص فقهه ومعالم اجتهاده (*) -
الدكتور: مصطفى بن صالح باجو
جامعة الأمير عبد القادر -قسنطينة
خ
(1) خصائص فقه أبي إسحاق ومميزاته:
يمكننا حصر خصائص فقه أبي إسحاق في محاور أربعة تضم عددا من المميزات، وهي:
المنهجية والتأصيل، والواقعية والاستشراف، والأصالة والتفتح، ومعالم الاجتهاد السديد.
ونذكر ما يقوم شاهدَا على هذه المميزات من خلال اجتهادات أبي إسحاق وآرائه المتناثرة في مصادرها التي عرَّفنا بها سابقا.
منهجية وتأصيل
1. اعتماد فقه المقاصد:
جاء في رسالة الصوم والتلفون قوله: «إن للإسلام كمالات ومحاسن، ومن كمال الإسلام أن جعل الله سبحانه قواعده وأصوله منطبقة على نواميس العمران، صالحة لكل زمان ومكان، شاملة لكل الشعوب والأمم على اختلافها في المشارب والأجناس، من البيضان والسودان. ومن محاسنه وفاؤه بما تتطلبه حاجات البشرية، ويستلزمه العمران، وتستدعيه سنن الترقي ووسائله، دون أن يقف في سبيل ما ألهم الله الإنسان إلى إحداثه واستنباطه، مما تقتضيه الحاجة وتدعو إليه المدنية. فكانت أصول كتابه الكريم مرجعا في قواعده العامة باندراج جزئيات الحوادث فيها، وابتناء أحكامه على كليات هي مدار الأحكام، إليها ترجع في التفريع والإفهام، اختصت الشريعة الغراء الحنيفية السمحاء بمميزات لم تكون في سواها من الأديان، فأسِّست على جلب المصالح ودرء المفاسد، ورفع الحرج وفتح أبواب التيسير. واليسر وسد أبواب التشديد والتعسير، واعتبَر المصالح، وحكّم العادات العرفية المعتبرة، حتى اتسعت فروع الشريعة لكل الحاجيات والكماليات، ما لم يكن إخلال بسماحة الإسلام، أوإضرار بحقوق الأنام.
__________
(1) (*) - نشرت الحلقة الأولى من هذا البحث في العدد الماضي (14)، ولقد تناولت شخصية أبي إسحاق ومقوماتها الفقهية ومفهوم الفقه ودوره عند الشيخ. (5/57)
صفحة 57
ولقد حث كلام الله العزيز العقول إلى عرض المستحدثات على قواعده، وأرشد إلى مناط الاستنباط وموارد التفقه، حتى لا يعجز من منحَه الله رسوخا في أصوله أن يردَّ كل حادثة إلى أصل من تلك الأصول، وأن يعطي لكل نازلة حكما تستسيغه العقول. فوجب تطبيق ما يجدّ من الحوادث، وما يبدو من الكوائن في مرافق الناس ومعايشهم على أصول الشريعة.
وعلى ذلك جرى السلف الصالح والخلف الراجح من أئمة العلم، فكانت الحوادث تعرض على الأصول فتقرر ما يكون مصلحة للعباد\ وسعادة في المعاش والمعاد، فإذا هذه الأمة الكريمة ذات ثروة هائلة من المؤلفات، وعظمة ما بعدها من علوم وفنون، تفاخر كل الأمم بما أوتيت من كمال وجلال، ورفعته عن البشرية من آصار وأغلال. وما هذه المبتكرات مما ألهم الله الإنسان إليها إلا ذرة كونية من آيات الله لمح إليها في كتابه العزيز أو نطق بها صريح قرآنه الحكيم المعجز. چ ک ک گ گ گ گ? ? ? ? ... ? ? چ [النمل 93].
وما التليفون والكهرباء والراديو-المذياع- والتلفزيون-الهاتف المصور- وأمثالها إلا آيات الله عزَّ شأنه دالة على كماله الباهر، وجلاله الظاهر، وعلى أن آياته جل جلاله لا تنحصر ولا تقف عند حدّ، وأن البشر لا يحيطون إلا بما شاء من عمله، ذلك تقدير العزيز العليم.
تلك آيات الله اقتضتها مصالح البشرية فاتجهت إلى العقول، فلا حرج فيها ولا مندوحة عن أنبائها، إذ أصبحت جزءًا من نظام الحياة، چ ? ? ? ... ? ? ... ?? ? ? ? ? چ [النمل 88]» (1).
ويجتهد أبو إسحاق لبيان مقاصد التشريع حتى في القضايا الأصولية كقضية الولاية والبراءة، وما يعدّه البعض من هجران المجاهر بالمعاصي قسوة وجفاء، يراه أبو إسحاق رحمة بالفرد والأمة جمعاء، «فالبراءة ليست حاجزا يمنع من مشاركة أصحابها متى اقتضت الحال ذلك ... ، فمتى انتاب الأمة أمر، أو حصلت لهم نكبة وجب على عموم أفرادها الالتفاف حول بعضهم بعضًا، والتعاون على دفع ما ألمّ بهم، وكذا ما هو جلب لمصلحة، لأن أحوال المجموع لا تستقيم إلا بالتعاون، ولا تتم إلا بقيام كل بواجبه نحو أمته، والتعاون واجب بين الجميع لقوله تعالى ژ ? ? ? ?ژ [المائدة 02] والمتبرَّأ منه يجب عليه الإقلاع من
__________
(1) - أبو إسحاق، الصوم بالتلفون والتلغراف، ص 4 - 5. (5/58)
صفحة 58
كبيرته حتى يكون محبوبا بين إخوانه مَرضيًّا عنه. فالشعب لا يظهر في مظهر القوة والمهابة إلا متى حصل التضامن بين أفراده، واهتم كل بمصلحة الآخر، وإلا كان نهبة للأخطار، ولعبة بيد الأشرار» (1).
2. التسير ورفع الحرج عن المكلفين:
لم يكن أبو إسحاق على شدته في الحق يهوى التشديد على الناس فيما أوسع الله لهم فيه، بل كان يعمد إلى رخص الله ويبينها للناس في فتاواه وكتاباته. ومن شواهد هذا رأيه في كيفية استعمال بعض الرخص.
استعمال رخصة التيمم خوف التلف:
ومن ذلك تعليقه على مبيحات التيمم التي جاءت في كتاب الوضع، ومنها "المرض المانع إذا خاف من استعمال الماء التلفَ"، فقال: «خاف تلف عضو بالوضوء، أي باستعمال الماء وضوءًا أو استنجاءً، أو اغتسالاً، وكذا إن خاف حدوث المرض، سواء كان خوف استعمال الماء أن يحصل تلف النفس أو العضو منه، أو كان في سفر وخاف التعرّي في الخلاء، ولم يكن له مكان يستتر فيه. فكل ذلك عذر للتيمم. وكم من ناس من أصيب بالحميات بسبب التعري للاغتسال مثلا في العراء إذا أصابته جنابة بالاحتلام» (2).
استعمال رخصة الفطر للصائم:
وفي رخصة الفطر للمسافر، جاء في كتاب الوضع "ولا يجوز الإفطار للمسافر إلا بشرطين، أحدهما النية من الليل، والثاني قصر الصلاة، وكذلك المريض يجوز له الإفطار بشرطين: أحدهما النية من الليل، والثاني خوف زيادة المرض بالصوم، وإن أفطر المريض أو المسافر من غير نية من الليل فسد ما مضى من صومهما" (3).
وعقب أبو إسحاق بقوله: «وقيل: لا فساد لصومهما، لأن الله رخص لهما في الإفطار، وذلك في الآية ژ چ چ ? ?ژ [البقرة 184] والقائلون بفساد صومهما، قالوا: إن الله تعالى قال ژ ? ژ [محمد 33].
وحيث أصبحا صائمين، وجب عليهما إتمام عملهما، وإلا كانا مقتحمَي النهي» (4).
__________
(1) -امحمد اطفيش، الذهب الخالص، ص32، (حاشية أبي إسحاق).
(2) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص 55. (حاشية أبي إسحاق).
(3) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص159. (حاشية أبي إسحاق).
(4) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص159. (حاشية أبي إسحاق). (5/59)
صفحة 59
وجاء في الموضع نفسه قول المصنف: "وأما الاضطرار بالعطش أو الجوع أو المرض فسواء فيه المقيم والمسافر، إذا خاف على نفسه أفطر بقدر ما ينجي به نفسه، فإن أكل أو شرب بعد ما أمن على نفسه فقد انهدم صومه، ولزمته كفارة" (1).
وكان تعليل أبي إسحاق لانهدام صومه «لأنه تجاوز حد إنجاء النفس. وقيل: هذا خاص في إنجاء النفس بالحرام، وأما المباح إذا اضطر إلى إنجاء نفسه به في رمضان فليس عليه حرج ما دام قد أبيح له الإفطار ولا معنى لمنعه من الاستمرار في الأكل» (2).
وفي السياق نفسه قال المصنف: "والمسافر إذا صام في السفر، ثم أفطر في السفر فسد ما صام في السفر قبل ذلك، متصلا أو منفصلا" (3) ولكن أبا إسحاق انتقد هذا الرأي وقال: «هذا هو الراجح في المذهب، وفيه قول بخلافه، لأن الله رخص للمسافر أن يفطر، فكيف يحكم عليه بانهدام صومه مع رخصة الله له؟» (4).
3. تأصيل المسائل وفق القواعد الشرعية:
ذكر في معرض الحوار لإثبات صحة الصوم بخبر الهاتف، قوله: «ليس خبر السلك واللاسلكي والهاتف والتليفزيون والراديو شهادة، وإنما هو رواية. والذي حدا بالمنكرين لهذه الأخبار في الأمور الدينية دعواهم أنها شهادة، ولا عاقل يقول إنها شهادة، وخبر الصوم رواية، وليس شهادة أيضا، والذي تفيده ظواهر النصوص أن خبر الهاتف المصور الكاشف للمتخاطبين كل منهما للآخر لا يصح أن يكون شهادة لما فيه من غيبة الشاهد في نفس الأمر والواقع، وذلك أن الشهادة لا تكون إلا بحضور الشخص بذاته؛ كما يدل عليه اللفظ وتعطيه شروطها من وجوب أداء الشخص الشاهد بنفسه وحضوره بذلك تلك الشهادة، أما التليفزيون الذي أخذ يظهر ويتدرج استعماله اليوم، وعما قليل يكون استعماله عاما، فإنه يكشف لك صورة مخاطبك حيثما كان، كما يكشف له صورتك حيثما كنت، فإنك تحدثه ويحدثك، وكل منكما يرى صاحبه كأنكما في مكان واحد، وبينكما مسافة قد تكون فيها فيافي وقفار وبلاد وأقطار.
فهنا يقف النظر بالنسبة إلى هذه
__________
(1) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص159.
(2) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص159. (حاشية أبي إسحاق).
(3) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص159.
(4) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص159. (حاشية أبي إسحاق). (5/60)
صفحة 60
الظاهرة المنكشفة العلمية، إذ لا حظّ للنظر مع ورود الأثر.
فالشهادة كما ترى لا تكتمل مع خبر هذه الظاهرة المكتشفة، لأنها من الشهود وهو الحضور بالذات لا بالتشخيص الكهربائي، وإن كانت تستوقف النظر وتستهوي الفكر غير أنها لا تندرج تحت قاعدة الشهادة الذاتية البدنية، لأن الشهادة تعليق الحكم بالمشتق، وذلك يؤذن بعلّيّة ما منه الاشتقاق.
وسيكون للظاهرة التلفزيونية شأن عند ذيوعها بين الجماهير من الأمم، ويفتتن المفتونون، ولله في خلقه شؤون.
وإنما بسطنا القول هنا بعض البسط في هذه الظاهرة العلمية لمناسبة المقام، وحتى يكون هذا القول جوابا لما عسى أن يرد من بعضٍ في شأنها، لما فيها من شبهة ظهور الشخص المتكلم، لكن ظهورا كهربائيا لا حسّيًّا. كذلك شبهة الهاتف العادي –التليفون– من دعوى أنها شهادة، وهي خبر الواحد. والشهادة يشترط فيها التعدد، فلا يجوز أن يحكم به في صيام رمضان. وكذلك أخبار التلغراف. وكما وردت هذه الشبهة هنا، ترد فيما عداه من نظائره.
وقد رأيت الجواب على هذه الشبهة. ونزيدك إيضاحا: أن أنباء هذه الوسائل الإخبارية أخبار، لا يصح تسميتها شهادة بحال من الأحوال. وذلك أن يثبت في أي بلد من أي قطر إسلامي ظهور الهلال فيجب الصوم أو الإفطار، فينتقل الخبر بواسطة التليغراف أو يتكلم المتكلمون في الهواتف إلى سائر المدن والأقطار والقرى، فينتشر الخبر بين العامة من الأمة، فيكون ذلك أحيانا من قبيل الخبر المستفيض، بعد أن صح بالبينة الشرعية في المدينة التي ظهر فيها الهلال» (1).
4. الرجوع إلى أصول الأحكام عند الاختلاف:
وقد برز أبو إسحاق بمقدرته على توظيف الأصول ميزانا للترجيح عند اختلاف اجتهادات العلماء. ونجد مثالا لذلك في قضية مصير أطفال المشركين في الآخرة، وقد تعددت فيها الآراء، بين من ألحقهم بآبائهم، ومن جعلهم خدما للمسلمين في الجنة، ومن رفعهم إلى أهل الجنة من أبناء المسلمين. وقد أورد السالمي الآراء دون ترجيح، وعقب عليه أبو إسحاق قائلا: «لكن التحقيق أن الأطفال لا يعذبون، لأن الله يَمنَ بالرحمة ولا يظلم بالعذاب، وهم على الفطرة التي خلقهم الله عليها، لم يدنسوها بالعصيان، قال عليه الصلاة والسلام "خلقت هذه القلوب حنيفية، إلا ما كان من الشيطان فإنه يخترمها عمّا خلقت له" رواه شمس الدين
__________
(1) -أبو إسحاق، الصوم بالتلفون، ص12. (5/61)
صفحة 61
أبو يعقوب في الدليل. وقوله "كل مولود يولد على الفطرة .. "الحديث. وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: "سألت الله في اللاهين فأعطانيهم خدما لأهل الجنة"، واتفق العلماء على أن اللاهين هم أولاد المشركين. هذه الأدلة وما شاكلها أثبتت نعيم أطفال غير المسلمين في الجنة» (1). وقال في موضع آخر: «الحق أن الأطفال جميعا إن ماتوا قبل البلوغ فمآلهم الجنةن لأنه سبحانه لا يعذب قبل التكليف، ويمنّ بالرحمة. ولقوله عليه الصلاة والسلام: "سألت الله في اللاهين فأعطانيهم خدما لأهل الجنة"، وهذا الحديث ناسخ لقوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (2).
فقد اعتمد أبو إسحاق في ترجيح رأيه على قواعد العدل الإلهي في جزاء العباد، وهي متفقة مع ما ورد من أحاديث شريفة، فتوافق النقل والعقل على حكم واحد، وتبين رجحان هذا الرأي على ما سواه.
5. اليقين أساس الأحكام:
أورد حديث "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"وقال هو"نص عام في وجوب الصوم بالرؤية، فمتى ثبتت الرؤية في بلد وجب على كل من بلغه ثبوته في كل البلاد الأخرى المرتبطة بها أن يصوم، وذلك سواء بلغ الخبر إليه بالشخص الثقة أوبلغ بواسطة الهاتف أو بالسلك أو اللاسلكي أو الهاتف المصور –تليفزيون–، وكذلك الإعلان بالراديو، لوكان بيد دولة مسلمة، فكل هذه الآلات يصح العمل بخبرها، بل يجب على من بلغه الأخذ به حسب ما تقتضيه القواعد الشرعية. وذلك أن الشخص إذا تحدث إليك في الهاتف، وكنت تعرفه لا يمكن بحال من الأحوال أن تنكر خبره وحديثه إياك، بل يحل من نفسك محل اليقين الذي هو العلم، وعلمك حجة عليك، وما يخبرك به الأمين الثقة مما يحصل لك به التصديق في نفسك يكون حجة عليك لأن التصديق حجة. ولقد ذهل عن هذه الحقيقة، أولئك الذين يزعمون أنه لا يصام بخير الهاتف، أولم يدركوها، فيجب الرجوع إلى الحق، والرجوع إلى الحق فريضة» (3).
6. ضبط المصطلحات والأحكام:
اهتم أبو إسحاق بضبط المصطلح كثيرا، لأنه مَعقِد كثير من الخلافات التي استنزفت جهدا وفكرا دون طائل، ومن نماذج ضبطه للمصطلح التمييز بين المنتهك والمستحل، فالانتهاك ضد الاستحلال في عرف فقهائنا، فالمستحل
__________
(1) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص16 تعليق أبي إسحاق في الهامش.
(2) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص 35. (حاشية أبي إسحاق).
(3) - أبو إسحاق، الصوم بالتلفون، ص11 - 12. (5/62)
صفحة 62
من يأتي الشيء وهو معتقد حليته أصلا، بينما يظل المنتهك معترفا بحرمة الفعل، ويدين لله بالتوبة منه، فالمستحل أشد خطرا من المنتهك (1).
وجاء في "كتاب الوضع للجناوني" "ويؤمر أن يقوم ليل رمضان ما بين العتمة إلى الفجر فيصلّي ما شاء الله من الصلوات"، وعلق أبو إسحاق بقوله: «أي يؤمر أمر ندب، لا أمر إيجاب، والمراد بقيام الله إحياؤه بالعبادة والذكر، والركعات المذكورة هي التي تسمى بالتراويح، وبقيام رمضان. والذي جرى عليه أصحابنا في المغرب أربع وعشرون ركعة، ولم يرد في قيام رمضان حد محدود، وإنما ورد الترغيب في قيامه جملة، ولم يرد فيه عدد الركعات، ففَعَل كل قوم ما أمكنهم من ذلك» (2).
وجاء في المصدر نفسه: "ويستحب صيام أيام البيض، وهي ثلاثة أيام من كل شهر" وقال أبو إسحاق: «المستحب و المندوب واحد، وهو الأمر الذي يثاب المرء على فعله، ولا يعاقب على تركه، وهو مقابل المكروه، وهو ما يثاب على تركه، ولا يعاقب على فعله. وصوم ما ذكره المؤلف من الأيام وارد في أحادث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخصيصها بالصوم لمزية فيها» (3).
وكتاب الوضع كما سبقت الإشارة طافحة حواشيه بالتعاريف وضبط الاصطلاحات، بما يصلح أن يكون عملا قائما بذاته، يبرز جهود أبي إسحاق في هذا المضمار.
في معرض الحديث عن حديث لكل بلد رؤيته قال: «ومن أحاديث الباب ما رواه مسلم في صحيحه، وهو حديث كُريْب مولى ابن عباس، لا أبوكريب كما في "وفاء الضمانة"، وبعض نسخ مسلم، روى مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ... » (4) وذكر تمام الحديث ..
واقعية واستشراف
7. العناية بالواقع ومعالجة قضاياه:
لا اعتداد بفقه يعيش خارج فلك الواقع، لأنه تنظير وتسطير لا يجدي نفعا. وقد أدرك أبو إسحاق جدوى الفقه وضرورة ارتباطه بالواقع، وبين موقفه
__________
(1) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص 20.
(2) -السالمي، رسالة تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان، ص63 (تعليق أبي إسحاق في الهامش).
(3) -السالمي، رسالة تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان، ص63 (تعليق أبي إسحاق في الهامش).
(4) - أبو إسحاق، الصوم بالتلفون، ص9. (5/63)
صفحة 63
من المشتغلين بفقه الافتراض، وسعى ليعالج هذا الأمر بإعادة الأمر إلى نصابه. وتجلى هذا في كثير من المسائل التي تناولها، ومنها: قضية أخذ الأجرة على القرآن، وحق الأب في مال ولده.
أخذ الأجرة على قراءة القرآن:
تناول قضية أخذ الأجرة على قراءة القرآن، باتفاق يتم بين القارئ والمستقرئ، وأثبت بطلان هذه الأجرة وأنها لا تجوز شرعا، لأنها إجارة على عبادة وقربة، والعبادة لا أجر عليها إلا ثواب الآخرة. واستفاض في إيراد أدلة بطلان هذه الأجرة من الكتاب والسنة والإجماع، ثم تعرض لما يناله طلبة العلم في ميزاب من أوقاف وبيّن جواز ذلك، وأن المسألتين مختلفتان، فقال: «والذي جرى عليه العمل عند أصحابنا من وَقْف الأوقاف على طلبة العلم وحفظة القرآن لا يدخل في هذا، لأن ذلك وقف ابتغاء مرضاة الله، ووجه إنفاقه هو الإنفاق على الطلبة والحفظة إعانة لهم على عملهم الصالح الذي يعود على الأمة بالخير العميم، فهم يتعلمون للتفقه في الدين والانقطاع للعبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأولئك من أهل الوقف أوقفوه في هذا السبيل ابتغاء ما عند الله من الثواب والحسنى. فالأمر من الطرفين خير، وأما هؤلاء الديدان فقد أرادوا ابتداعا ومنكرا أن يكون تجارة وكسبًا للحطام، وهذا من خلوّ النفوس من التفقه في الدين والجهل بمعنى العبادة، وتغلب الهوى على العقل. وهذا خطر على الدين عظيم دخل على أهل الاستقامة، أعاذهم الله منه، وهم من أرسخ الأمة في الدين والإخلاص لله في سائر العبادات، وما كان منها مشوبا بشيء من القوادح كان عندهم باطلا لا يصح الاعتداد به. وقد يوصل إلى الشرك، نسأله سبحانه السلامة ونستعيذ به من الشرك والخذلان. أولا ترى أنهم يجتمعون أيام الجمع في مساجد الأشياخ لقراءة القرآن وختمه في نفس اليوم في أربعة مجالس، ثم تقسم تلك الصدقات على الطلبة وعلى السواد من العامة، حيث يكون الفقير في مأمن من الجوع تلك الأيام، يتنعم بتلك الخيرات التي يتفنن الناس في إكثاره مبالغة في القربى إلى الله، ورغبة في إدخال السرور البالغ إلى أولئك الفقراء من باد وحاضر. تلك الصدقات متى أخلصت كانت نعم القربى، وأقوى الزلفى، تكون سببا لحفظ الدين والتفقه فيه، وأكثر المشتغلين به الفقراء من المسلمين، يا أسفاه. وإشباع البائسين، وإغناء الجائعين، وتبقى في الناس ثلة من المنقطعين لحفظ القرآن، وهذا أمر يجب على المسلمين الجد في تشجيعه بالإنفاق ابتغاء مرضاة الله، وعلى الذين انقطعوا إليه من الضعفاء عليهم بالإخلاص لله تعالى، وإلا كان (5/64)
صفحة 64
عليهم وبالا في الدنيا والآخرة، چ ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? چ [الشعراء 88 - 89] (1).
حق الأب في مال ولده:
قال السالمي في جوهر النظام:
وقيل للوالد أن ينتزعا
مال ابنه إن كان داعٍ قد دعا
كالدَّين والتزويج والحج وما
يريد أن يأكله ليسلما
وبعضهم قد قال بالتحريج
في النزع للحج والتزويج
وبعضهم يمنع ذاك مطلقا
فما له إلا الذي قد أنفقا.
ويعقب أبو إسحاق على هذه الآراء مرجحا الأخير منها بقوله: «هذا ما يدل له قوله عليه السلام "كلٌّ أحق بماله حتى الوالد والولد". وفي رواية البيهقي في سننه عن الجمحي "كلٌّ أحد أحق بماله من والده وولده والناس أجمعين". وقد ترك كثير من الناس في بلادنا هذا الحق الواضح فعمدوا إلى شيء يسمونه الحيازة، يتوصلون بها إلى ما سماه شيخ الإسلام موسى بن أبي جابر رحمه الله باللصوصية، وما أحراه بهذه التسمية. فمنعوا حقا شرعه الله من الإرب وغيره، واستحوذوا على مال ولدهم الميت بدعوى عدم الحيازة، حتى أن بعض الأبناء يضطرون إلى الافتداء من أبيهم بمال كبير. كأنه كان مملوكا ثم كاتب على أنه كان من مبدإ التكليف له ما كسب وعليه ما اكتسب إذا بلغ الرشد، وما يجري بين الولد والوالد في بلادنا من التسامح في التصرف في المال لا يعدو أنه مجرد تبرع وتسامح لا يُستباح بهما ما كسبه أحدهما. ولا حجة لهم في حديث "أنت ومالك لأبيك". وكم وقع من مخالفة الشريعة في هذه المسألة» (2).
8. الاهتمام بفقه النوازل دون الافتراض، ونوادر المسائل:
من هذه المسائل:
التسمية في الذبح بغير العربية:
في معرض الحديث عن أحكام الذبائح وشروط حلية الذبيحة، علق على قول السالمي:
ويذكر اسم الله في التذكيةِ
بلغة العُرب وبالهنديّة
قال أبو إسحاق: «أراد الناظم بالهندية العجمية مطلقا، بدليل مقابلتها بلغة العرب، وهكذا ذكر ضياء
__________
(1) -أبو إسحاق، الصوم بالتلفون والتلغراف، ص 26 - 27.
(2) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص286 تعليق أبي إسحاق في الهامش. (5/65)
صفحة 65
الدين في النيل، والقطب في شرحه، لكن العربية أفضل وأحق، كما قال شيخنا. وقيد هذا بأن لا يكون الناطق عارفا بالعربية. والذي نراه أنه يبعد أن يكون شخص مهما بلغت عجمته غير مستطيع للنطق بلفظ "الله أكبر" مثلا. اللهم إلا أن يكون هذا القول مجرد افتراض. أما اللكنة في اللسان فقد تكون في العربي وفي العجمي، فالبربري الذي ينطق لسانه بـ "أيوش" وهو "يا الله"، لا يصعب عليه النطق بـ "الله أكبر"، وما شابهها» (1).
حكم ذبائح أهل الكتاب:
قال عن ذبائح أهل الكتاب: «اعلم أن ذبيحة أهل الكتاب لا تحل لنا، إلا إذا كانت موافقة للذبيحة الشرعية، ولهذا اشترط أصحابنا أن يكونوا تحت المراقبة الإسلامية ونفوذ المسلمين. وقالوا: إذا كان أهل الكتاب تحت حكم المسلمين حلّت ذبيحتهم، ونكاح الحرائر من نسائهم. ويدل لهذا قوله سبحانه چ ? ? ? ?چ الآية [المائدة 05]. والذي تفيده الآية أن الحكم مقيّد بحال نزل الآية، وهي حال غلبة المسلمين وظهورهم على أهل الكتاب، إذ نزلت هذه الآية يوم عرفة في حجة الوداع، حيث كانت جلالة الإسلام رافعة ألويتها في جميع أطراف الجزيرة والممالك المجاورة لها، تخفق أفئدتهم من الرعب وهيبة الإسلام.
واشترط مالك أن تكون ذبيحتهم تحت نظر المسلم، ولم يشترط كونهم تحت ذمة المسلمين. أما ما كان مخالفا للذكاة الشرعية فهو ميتة حرام بنص الآية، أو لم يذكر اسم الله عليها فلا تؤكل، كما لا تؤكل من المسلم الذي لم يذكر اسم الله. وسمّاها الله فسقا.
أما من يدّعي حلّية ذبيحتهم مطلقا ولو كانت مفتولة أو مصروعة أو مقتولة بشق اليافوخ، وما أشبه هذا، فدعوى باطلة مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وإجماع المسلمين. ليت شعري لماذا يستخف المسلمون بأحكام دينهم، ويثِبون إلى أقوال باطلة فيأخذون بها؟ اليس هذا من ضعف الدين في نفوسهم، واستسلاما للمحاربين لنا في كل جزئية وكلية، محاربة أرادوا القضاء بها على الإسلام وأهله.
ومن المعرة الواضحة ما بلغني أنه انتشر في أهل نفوسة أكل ذبيحة اليهود، وما ألجأهم إليها إلا استنكافهم أن يكونوا جزّارين، ثم ما ظهر من إباحة بعض الضعفاء لشحوم أروبا المنتشرة بقطرنا الجزائر، وهي شحوم الميتة بلا ريب. اللهم
__________
(1) - السالمي، جوهر النظام، ج1، ص228 تعليق أبي إسحاق في الهامش. (5/66)
صفحة 66
لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا» (1).
هل الاحتفال بالمولد بدعة؟
قدم أبو إسحاق لكتاب "النشأة المحمدية" لأبي مسلم البهلاني بمقدمة ضافية حول الاحتفال بالمولد النبوي، وعرض فيه القضية تاريخا وفقها، وواقعا، وأنكر ما ابتدعه الناس والحكام من انحرافات عن هدي المصطفى في هذه الاحتفالات.
وذكر اختلاف العلماء في إحياء ليلة المولد، وأنه «صار من عادات الأمة الإسلامية في كل أقطارها، وهي بدعة استحسنها فريق من علماء الأمة، وأنكرها فريق آخر، شأن كل المستحدثات، لابد أن يكون الناس فيها فريقين: مستحسن رعايةً لجانب المصلحة، ومستهجن رعايةً لجانب الابتداع. وما كل مستهجن مرفوض» (2).
ثم رجح جوازها. وقال: «ويصح لنا أن نستند على أن ذكرى مولده من أكبر السنن الحسنة، إلى دليلين، قوله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر العامل بها إلى يوم القيامة"، وتقريره تعظيم يوم عاشوراء، فإنه لما قَدِم المدينة وجد اليهود يعظمونه، لأن الله نجّا فيه موسى عليه الصلاة والسلام من فرعون، فقال: "نحن أحق بموسى منكم"، ثم أمر بصيامه. ولمخالفة أهل الكتاب تمييزا للمسلمين أمر بصيام اليوم التاسع منه. ومخالفة الأمم المباينة للإسلام خاصة من خصائص الإسلام، تمييزا وحفظا للوحدة الإسلامية» (3).
وأفاض في بيان محاسن إحياء المناسبة بذكر مناقب سيد المرسلين، وبيان معجزاته، وفي مقدمتها القرآن الكريم، وما لذلك من عظيم الأثر على نفوس السامعين، تذكيرا بعظمة رسول الله وكريم خصاله، ودفعا للتأسي به، وسعيا لإحياء سيرته وسنته في النفوس، وعملا لإعادة مجد الإسلام إلى حياة المسلمين.
كما نبه إلى أخطاء الكاتبين وشططهم في تقديس النبي فوق بشريته، أو التغزل به بما لا يليق بمقامه. أو حشر أخبار واهية أو موضوعة حول خوارق لم تصح في سيرته ومعجزاته. كما نحا باللائمة على من ينكر تلك المعجزات الثابتة من قِبل دعاة المادية والمعاندين، بدعاوى العقلانية والمنطق العلمي المزعوم. جهلا وعمًى عن قدرة الخالق العظيم.
__________
(1) - السالمي، جوهر النظام، ج1، ص229 تعليق أبي إسحاق في الهامش.
(2) - أبو مسلم البهلاني، النشأة المحمدية، ص: ب. (مقدمة أبي إسحاق).
(3) -أبو مسلم البهلاني، النشأة المحمدية، ص: ي، أي. (مقدمة أبي إسحاق). (5/67)
صفحة 67
سهم المؤلفة قلوبهم:
ذكر أن الإسلام منح المؤلفة قلوبهم سهما في الزكاة، تأليفا لقلوبهم وتثبيتا لأقدامهم في الإسلام، ثم منعهم عمر حين رأى عدم حاجة الإسلام إليهم، وليس ذلك نسخا للحكم ولا تعطيلا له، بل هو باق ما كانت الحاجة إلى هؤلاء.
وتعليل عمر لمنعهم واضح من قوله لهم "ذلك لما كان الإسلام حقيا، أما الآن فقد بزل، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (1).
النوم الناقض للوضوء
جاء في كتاب الوضع أن نوم الاضطجاع هو الناقض للوضوء دون نوم القعود، وهو نوم الجلوس دون الاتكاء، وقال أبو إسحاق: «والذي عندي أنه قد يُحدِث الإنسان وهو نائم جالسًا. ووقع هذا بالفعل، ولذا أرى أن نوم الجلوس إذا كان الإنسان ينتبه لحدث منه، أما إن طال به النوم وثقل فإنه ناقض للوضوء، إذا كان بحيث لا يشعر لحدث منه، وهو خروج نفس الضراط منه» (2).
ميزاب حوزة واحدة:
قال: «فالمسافر إذا رأى الهلال ببلد القرارة من مدن ميزاب -عمّره الله بالعلم النافع والدين الساطع- مساءً، ثم أدلج وسرى ممتطيا صهوة جواد، أو غارب صافنة، فإنه يضحى في إحدى القرى الخمس، وأما اليوم فلوشاء لكان بعد ثلاث ساعات بسيارته في الوادي، على أن القرى السبع هي حوزة واحدة رغم كل زاعم، وعناد أي معاند. هي حوزة تجمعها الأواصر الدينية والأرحام الوشيجية، والروابط القومية، والأحكام الشرعية، والأخلاق المرعية، فيصح للبصير الذي ينظر إلى حياة الأمم ودوام العنصرية، وحفظ القومية أن يعمل ويدعو إلى هذه الناحية اليوم، ويحض عليها، ويعمل على أسبابها لما يتهددها من عمل الهادمين لأواصر الشعوب، الجادين في بحث وسائل انفكاكها وتقويض معالم مجدها. ولأولئك من سوء النوايا، وإضمار الرزايا ما يعجز القلم عن تصويره، ويكلّ الفكر أن يبرزه چ? ? ? ? ? S ... S S S ? ? ? ? ? چ [ق 37]
فلنرجع إلى مسألتنا فنقول: إن اعتبارنا لوادي ميزاب وطنا واحدا يرجع إلى ما يقرب من ثلاثين سنة، كنت مع قطب الأئمة ببريان صانها الله من غوائل الزمان، وأصلي التمام، فاعترض عليّ
__________
(1) -السالمي، رسالة تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان، ص79 (تعليق أبي إسحاق في الهامش).
(2) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص 58. (حاشية أبي إسحاق). (5/68)
صفحة 68
أحد التلاميذ المتفقهين، فقلت له: تعال بنا إلى القطب، فسألناه عن المسألة فأجاب بصحة العمل، وثبوت الاعتبار، وما كنت يومئذ أعتدُّ باعتراض معترض، وإنما أريد إظهاره على جلية المسألة، بفتوى قطب الأئمة رحمه الله، وما خطر لي أنه سيخلق اعتراض في المسألة اليوم، وعوامل التفكيك تتنازع القوم. الله ألهم قومي رشدهم، وأنزل الرحمة والألفة في قلوبهم.
واعلم أن الحوزة اعتبرها فقهاؤنا أهل الديوان وغيرهم مسيرة ثلاثة أيام قرى مرتبطة، لا يستغني بعضها عن بعض. وإذا اعتبرنا السير للفارس المجدّ كانت الحال يوما وبعض الليل، أو ليلة وبعض يومها بين أبعد بلد من السبعة التي يتألف منها وادي ميزاب. على أن لاعتبار الروابط التي ذكرنا شأنًا آخر في ثبوت ارتباط قرى ميزاب ارتباطا لا تنفصم عراه، ولا تنفك وحدته، فخذ به ودع ما عداه. ولا تخوضن مع الخائضين» (1).
حكم تخليل الخمر:
قال السالمي في جوهر النظام:
وقيل في الخمر إذا ما حُوِّلا
خلاًّ بما عن عينه تحوَّلا
يحل شربه، وذاك خلُّ
وقال قوم فيه لا يحلُّ.
وعقب أبو إسحاق بقوله: «هذا هو الصحيح المعمول به عند أصحابنا، واختص القول بجواز تخليل الخمر بعض من أصحابنا أهل عمان، ولم يُتابعوا عليه، إذ لو كان صحيحا لحافظ النبي عليه السلام على مال اليتيم، بل أمر بما له من الخمر أن يُهراق، فقال لأبي طلحة الأنصاري، وقد سأله عن خمر ليتيم تحت يده لما نزل تحريمها أيتخذها خلا؟: "أهرقها واكسر الدنان"» (2).
9. تناول القضايا الحديثة من نوازل العصر:
جاء في شامل الأصل والفرع في باب الطب والتنجية، "وجاز عندي أن تفدي غيرك بحبس نفسك بأجرة أو بدونها، وأن تفدي أبويك وشيخك ومن يعظم في الدين، بأن تضرب ضربا ترجو معه الحياة وتعتاد" (3).
وعقب أبو إسحاق على هذا قائلا: "وهل يجوز ما ابتكره الطب الحديث من أخذ دم إنسان لآخر، وأخذ قطعة من لحمه لذلك؟ الظاهر الجواز، لما فيه من منفعة الجسم الضعيف وعدم حصول ضرر منه للجسم القوي، وقد شوهد هذا فعلا، فكانت النتيجة المطلوبة لكليهما. وهكذا يجب عرض المستحدثات على قانون الشريعة الغراء، فإنها قابلة لكل رقي، بل هي أساسه" (4).
استعمال موانع الحمل:
قال: «الدواء ما تتخذه المرأة لمنع الحمل، فإنه يجوز لها تعاطي ما يمنع الحمل لضعف جسماني، أو مرض قد يفضي بها إلى هلاك مع الحمل أو يزداد معه، أو يكون خطرا على الجنين، أو ضعف ناشئ من توالي الولادة، أو الحال التي تعسر معها الولادة، فإنها قد تفضي بالمرأة إلى الموت أو إلى عملية جراحية. كل ذلك وما شابهه يجوز معه منع الحمل، لأن بقاء الأصل وهو المرأة أوجب، ولو أفضى الأمر إلى قتل الجنين عند التعسر، محافظةً على الأم لأنها الأصل. هكذا أفتى قطب الأئمة رحمه الله، ولكن الدواء لا يجوز إلا بعد الطهر مباشرة قبل المس، أما بعد المس فلا يحل، لأنه ربما حصل حمل فإسقاطه جناية ولو كان نطفة» (5).
نقض الصوم بالحقنة:
جاء في كتاب الوضع أن الصوم ينتقض بكل جسم وصل إلى الجوف بالعمد، مأكولا كان أو مشروب، أو غير مأكول ولا مشروب، من مدخل دخل، من فمٍ أو أنف أو أذن، أو عين أو جرح، أو فرج أو احتقان. (6)
وعلق أبو إسحاق على الأخير بقوله: «الاحتقان بأي مادة من الدبر لا من القبل، -لأنه غير نافذ إلى الجوف- ناقض للصوم، ولا عبرة بقول من قال: الاحتقان مطلقا غير نافذ إلى الجوف، فإنه قول باطل، وكذلك الحقن تحت الجلد بفيتامين التغذية، فإنه ناقض للصوم قطعا، وأما الحقن بمادة أخرى تحت الجلد فلا نقض، إلا إذا كانت مادة مخدرة فإنها حرام ناقضة. والله أعلم» (7).
أصالة وتفتح
10. الاعتزاز بالفقه الإباضي وتراث السلف.
في معرض نقاش اختلاف المطالع، والاستدلال بحديث "لكل بلد رؤيته" قال: «وإنما العلماء من أصحابنا يذكرونه على طريق إيراد مذاهب الخلاف في المسألة، وهم من خصّهم الله بهذا الفضل، وذلك الجلال العلمي، حيث ذهبوا في التآليف الفرعية ما لم يذهب غيرهم إليه من
__________
(1) -أبو إسحاق، الصوم بالتلفون، ص18 - 19.
(2) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص235 تعليق أبي إسحاق في الهامش.
(3) -امحمد اطفيش، شامل الأصل والفرع، ج1، ص134.
(4) -امحمد اطفيش، شامل الأصل والفرع، ج1، ص134.
(5) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص 79. (حاشية أبي إسحاق).
(6) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص155.
(7) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص 155. (حاشية أبي إسحاق). (5/69)
صفحة 69
الجمع بين مذاهب المختلفين من الفقهاء والمجتهدين. فللمجتهد أن يتحرى بينها ويميز بين أقوال أصحابنا وأقوال غيرهم بالرسوخ في أصولهم، لا بمجرد الأخذ من الكتاب، فإنما هلك به كثير من القاصرين، وهوى في الحضيض بجهل ذلك أكثر المتهوسين. أما الإفتاء بأي وجه من وجوه الخلاف، فشأن المجتهد الذي يستند على النص، ويعتمد الدليل ترجيحا أواستنباطا، فلا فرق بين الأقوال عنده حينئذ، إذ المجتهد لا يحل له التقليد مطلقا» (1).
وقال في مسألة المسح على الخفين «لم يثبت عند أصحابنا رحمهم الله شيء مما يرويه قومنا من أحاديث المسح على الخفين، ولا عند العترة ولا عند الإمامية، وفي المسند الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: أدركت جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألتهم: هل يمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على خفيه؟ قالوا: لا. وهذا ما أشار إليه الناظم في البيت، وفي شرح المسند للناظم بحث جليل في المسألة» (2).
وفي نقض الوضوء بالكبيرة قال: «قيل: الكبيرة مطلقا ناقضة، قياسا لما لم يرد فيه النص على ما ورد، وقيل: الناقضة هي التي ورد فيها النص بالنقض كالغيبة والنميمة، وقيل: النقض بالإشراك والغيبة والنميمة والكذب واليمين الفاجرة ونظر الشهوة إلى الأجنبية.
وغيبة الفاسق لا تنقض اتفاقا، لإباحتها بالنص عن الشارع، وقال ضُمام بن السائب رحمه الله: قيل لجابر بن زيد رحمه الله: أرأيت الرجل يكون وقَّاعًا في الناس فأقع فيه، أله غيبة؟ قال: لا، قيل له: ومن الذي تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف الظهر من دماء المسلمين، خفيف البطن من أموالهم، أخرس اللسان عن أعراضهم، فهذا الذي تحرم غيبته. ومن سواه فلا حرمة له ولا غيبة فيه. قال ضمام: قلت يا أبا الشعثاء، ما تقول في الرجل يُعرَف بالكذب، أله غيبة؟ قال: لا. قلت: والغاشّ لأمة محمد؟ قال: لا غيبة له ولا حرمة. قلت الصانع بيده يغش في عمله، أله غيبة؟ قال: لا. قلت: ولِمَ؟ قال: من أكل الحرام فلا غيبة له، ولا حرمة، وهو مهتوك الستر. ألا لا غيبة لكل مهتوك, لا حرمة له عند رب العالمين، فكيف عند الخلق» (3).
وفي مسألة غسل الجنابة قال: «والاغتسال من الجنابة من أكبر الحكم والفوائد الطبية الإيجابية، حيث يسترد
__________
(1) -أبو إسحاق، الصوم بالتلفون، ص 8.
(2) - السالمي، جوهر النظام، ج1، ص68 تعليق أبي إسحاق في الهامش.
(3) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص69 تعليق أبي إسحاق في الهامش .. (5/70)
صفحة 70
بها الجسم ما سلب منه من قوة يكسبه النشاط والصحة. ومما اختص به أصحابنا من مسائل الشريعة أنهم لا يصح الاغتسال عندهم إلا بعد التبول، ليحصل نقاء المجرى البولي من فضلة المني، لأن بقاءها ضرر كبير، قد ينشأ عنه خطر على المرء، والمني لو انفصل عن مكانه، لكن بقاءه في المجاري من جملة الجنابة» (1).
في مسألة القنوت في الفجر، أورد القطب الأقوال فيها، وذكر ما احتج به القائلون بالقنوت بحديث أنس قال: "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا".
علق أبو إسحاق على كلام القطب في اعتباره منسوخا، وهو رأي الإباضية اتفاقا. وقال: «يطلق القنوت على معان كثيرة: منها الطاعة والخشوع، والصلاة، والدعاء، ولزوم الطاعة مع الخضوع، وبه فسّر قوله سبحانه: چ ? ? ? ?چ [البقرة 116]، ويطلق على طول القيام، والقيام والسكوت، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله اللفظ الوارد فيه، وأما في الصلاة فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي قرآن وتسبيح». فيخرج القنوت الذي بمعنى الدعاء، فلا يصح شيء منه في الصلاة، لأنه من كلام الآدميين.
وقد اختلف في مشروعية القنوت في صلاة الصبح، فقال بعدم مشروعيته جمع من أهل العلم منهم ابن القيم، وقد بسط القول فيه في زاد المعاد.
واحتج المانعون بأن أحاديث أنس متعارضة، والنافي منها أثبت. روى الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان: قلنا لأنس إن قوما يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر. قال: كذبوا، إنما قنت شهرا يدعو على حي من أحياء المشركين.
ومن هذا القبيل رواية ابن خزيمة في صحيحه من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس.
واختلاف أحاديث أنس واضطرابها. قالوا لا تقيم حجة. وحملوا ما روي من قنوت الخلفاء الأربعة إن صح على أنه في النوازل فقط، ويكون كما قال شيخنا بقصد آيات النصر والرحمة والغفران والهداية، ونحوها. وأما الدعاء فقد كان، ثم نسخ كما رأيت. والله
__________
(1) - أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص 51. (حاشية أبي إسحاق). (5/72)
صفحة 71
أعلم» (1).
من مصارف الزكاة الرقاب، وهم المكاتَبون يُعطَوْن الزكاة لفك رقابهم من الدَّين الذي عليهم. قال أبو إسحاق عن المكاتب «المملوك الذي فك رقبته بمال فأصبح حرًّا من أول يوم قبِل سيده مكاتبته، ولو لم يصبح حرًّا لما صحّت له الزكاة، فالمكاتَب عند أصحابنا حر من أول يوم، وما كاتب به فدين في ذمته، وهذه من المسائل التي اختص بها أصحابنا، إذ الحرية عندهم هي الأصل في الإنسان، فلما كاتب سيده فقد استردّ حريته» (2).
11. الاهتمام بالفقه المقارن وعدم التعصب المذهبي:
لم يكن اعتزاز أبي إسحاق بمدرسته الفقهية ناشئا عن تعصب أعمى، بل من قناعة ودراية بما قامت عليه من أصول وسارت عليه من منهج، بيد أن هذا لم يكن يعشي بصره عن الإفادة من تراث المسلمين بعامة، بل كان الفقيه الضليع في مختلف المذاهب الإسلامية، شهد له بذلك رفقاؤه ومعاشروه في دار الكتب المصرية، وكانوا يهرعون إليه للاطلاع على آراء مذاهبهم، والاستيثاق منها من فم أبي إسحاق.
وقد أخذ أبو إسحاق منهج المقارنة بالمذاهب الأخرى مما وجده معهودا في كتب الإباضية أنفسهم، منذ الصدر الأول، وترسخت عبر القرون، ووجدها ماثلة في مؤلفات شيخه القطب، فهي نموذج جلي للفقه المقارن.
ولذلك وجدنا أبا إسحاق يعرض الآراء الفقهية في المسائل التي يناقشها بكل عفوية وشمولية وموضوعية.
ومن نماذج ذلك، تعريف الماء المستعمل، فقد عرّفه بأنه "ما غُسل به طاهر، كالماء المغسول به أعضاء الوضوء، فهذا يصح تطهير النجس به، ولا يرفع الحدث، فلا يصح به الوضوء ولا الغسل من الجنابة ولا الحيض ولا النفاس. وأجاز قومنا التوضي بالماء المستعمل إن لم يتغير، أو تغيّر قليلا. ولذا حكى المصنف المسألة بقيل، إشارةً إلى قول غير أصحابنا، فافهم" (3).
وقد يرجح غير المشهور عند الإباضية إنصافا واتباعا لقوة الدليل،
__________
(1) -امحمد اطفيش، شامل الأصل والفرع، ج2، ص160.
(2) -أبو زكرياء الجناوني، كتاب الوضع، ص189. (حاشية أبي إسحاق).
(3) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص41 تعليق أبي إسحاق في الهامش .. (5/73)
صفحة 72
ومثال ذلك تناوله في مسائل الصيد حكم أكل ما رمي بالرصاص، من وسائل الصيد الحديثة، فقال: «وما رمي ببندق لا يؤكل، هذا هو المشهور عند أصحابنا. ورفع لي الشيخ الرقيشي أنه وجد عن العلامة الصبحي رحمه الله أنه يحل إذا ذكر اسم الله عند رميه إياه. قلت: وهذا هو الصحيح عندي، وقد ذهب إلى تحليله أكثر علماء المتأخرين من قومنا» (1).
معالم الاجتهاد السديد
12. التمكن من اللغة وسيلة للاجتهاد:
يشهد لتمكن أبي إسحاق في اللغة أنه حقق كتاب الملاحن لابن دريد (2)، وساهم في تحقيق أجزاء من موسوعة النويري الأدبية "نهاية الأرب. كما قسم معتبرا يبلغ نصف كتاب الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، والكتاب طافح بالتحقيقات اللغوية الدقيقة باعتبارها خطوة ضرورية لبيان أحكام القرآن.
وظهر أثر التمكن اللغوي والتوظيف المقاصدي في أسلوب أبي إسحاق واضحا، فنجده في مفتتح كتابه "الصوم بالتلفون والتلغراف" يقول: «الحمد لله الذي شرع لنا أكمل شريعة، وبيّن لنا في كتابه العزيز وسنة نبيه الكريم ما يجب من صالح الأعمال اتباعه، وما يلزم اجتنابه من كل وضيعة، وأرشدنا بعقولنا إلى الأخذ بما يعلّمه سبحانه الإنسان من صالح ونصيعة، سبحانه سبحانه! جلّت قدرته، كشف آياته في الآفاق وفي أنفسنا حتى تبيّن للجاحد
__________
(1) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص224 تعليق أبي إسحاق في الهامش.
(2) -كتاب «الملاحن» لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت321هـ) كتاب صغير الحجم كبير الفائدة، يكشف جانبا من أسرار اللغة العربية، ألفه إمام البلاغة ابن دريد الأزدي العُماني على أسلوب طريف ونسج بديع، جمع فيه ملاحن العرب وتورياتهم.
رآه أبو إسحاق جديرا بالنشر والتحقيق، فبذل وسعه في تهذيبه وضبطه، ولما عقد النية على طبعه تحرى تصحيحه على عدة نسخ مخطوطة؛ مقارنا لها بالنسخة المطبوعة بألمانيا، وزينه بتعليقات وتحقيقات في هامشه، كما ذيله بذيل في آخره؛ التزم فيه شرح مفردات الغريب من الملاحن، وما يحتاج للبيان من الشواهد والأعلام. وإتماما للفائدة؛ ترجم لمؤلفه وعرف بالكتاب وما امتازت به هذه الطبعة، ثم وضع فهارس لألفاظه وأعلامه في الأخير .. (5/74)
صفحة 73
الحق، فأنطق عز شأنه ذرات الأثير، فكانت تحمل إلينا الأنباء بالثبت والصدق، وتتموج بأصوات العباد، كل بخصوصيته بين الغرب والشرق، وبين الأرض وما بلغ إليه الإنسان من طبقات الأجواء، وما نأى من جميع الأرجاء ... » (1).
13. توظيف العلم الحديث في الاختيار الفقهي.
نوّه أبو إسحاق بالعلوم الحديثة من الهندسة والطبيعة والكيمياء والنبات والفلك وغيرها في كتابه "الدعاية إلى سبيل المؤمنين"، وكشف عن موضوعاتها وفوائدها. وحشد الأدلة لبيان أنها علوم إسلامية؛ دعا إليها القرآن في عدد غير يسير من الآيات، وهي مجلى الإيمان وفرض كفائي تعلمه لإعزاز الدين وتحقيق نصرة المسلمين (2).
ودعا إلى تعلم اللغات الأجنبية لصد مكايد المستعمر، واتخاذها وسيلة لنشر الدعوة وتبليغها لأمم الأرض، لأن الدعوة فرض قائم لا ينتهي إلى يوم القيامة (3).
وقال بعد عرض هذه العلوم موضحا علاقتها بالإسلام، ودورها في تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية: «يتبين للمطلع على ما كتبناه على الفنون وما أتينا به باختصار وألممنا به من تلك الفنون الحيوية، عدم منافاتها للقران والإسلام، ويتبين له كونها من الواجبات الحيوية والعدة اللازمة للوقاية من انكسار شوكة الإسلام وانهدام أُطُمِه وانهزام أنصاره أمام أي قوة أجنبية عنه تحاول القضاء عليه وطمس معالمه، وتلك من وسائل إعلاء كلمة الله.
والزاعمون مباينتها للدين وأنها مما يضر به، بينهم وبين إدراك أسرار الله وفهم سننه في الكون أغوار وأنجاد، ومعالم وأطواد وهذا النزر اليسير من علوم حقائق الموجودات وخواصها وأسرارها ما هو إلا كمصة من وشل، يندرج تحت هذه الكلمة علوم شتى لا تكاد تحصى ولا تخطر ببال الجامدين الذين يصمون الحق بالباطل ويتكلمون فيما ليس لهم به علم ژ ? ? ? ? ? ? ? ژ [الإسراء 36].
__________
(1) -أبو إسحاق، الصوم بالتلفون والتلغراف، ص 2.
(2) -أبو إسحاق، الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص 48 - 62.
(3) -أبو إسحاق، الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص66 - 68. (5/75)
صفحة 74
وكلها من العلوم المفيدة اللازمة في الدين والمعاني الأدبية والأمور المادية، وقد دعا الله إلى النظر في موضوعاتها غير مرة» (1).
وقد وظف أبو إسحاق معارفه في هذه العلوم لتحقيق بعض المسائل الفقهية. ومن ذلك أنه ذكر قول الشافعية بأن لكل بلد رؤيته، بينما ذهب المالكية إلى أن اختلاف المطالع غير معتبر، فيجب العمل بالأسبق رؤية، فوجب على المتأخر أن يعمل برؤية السابق، لتوجه الخطاب العام بحصول الرؤية أولا، بينما اعتبر الإباضية اختلاف المطالع الاختلاف البيّن كما يحصل بين المغرب وخراسان، أما البلاد المتقاربة فيحمل بعضها على بعض. وأورد قول القطب: «والظاهر في البعد المراعى أنه ما يختلف به بعض النجوم رؤية وعدمًا، كما نرى سهيلاً ولا يرى في أندلس، إلا من بلد يسمى سهيلا، يرى من جبل مطلّ عليها». ثم عقب قائلا: وذلك أن سهيلا من نجوم مجموعة القطب الجنوبي، فيُرى في البلاد التي بعد خط الاستواء جنوبا، كزنجبار مرتفعا، ونراه في الشمال في درجة 32 عند ارتفاعه مقدار رمح، ولا يلبث بعد ظهوره فيما أظن أكثر من نصف ساعة، ثم يسقط، أما الأندلس فهي على خط 37 فصاعدا من خطوط العرض، أي أقصى أندلس جنوبا نحو38، ثم ترتفع إلى أن تصل جبال البرانس فتجد نفسك تحت درجة 44، فبطبيعة الحال لا يرى سهيل وهو جنوبي من هذه البلاد الشمالية، وهي في توغلها في الشمال فيما بين درجتي السابعة والثلاثين والرابعة والأربعين، هذا مثل من أمثلة البلاد المختلفة المطالع كل الاختلاف، فتأمله» (2).
وأكد ضرورة تعلم علم الجغرافية والفلك لصحة إقامة الصلاة ودقة توجه المسلمين إلى القبلة، إذ عقب على قول السالمي في معرفة الجهات: «أي في الجهات التي يدل فيها الطلوع والغروب على القبلة. وقوله: معرفة الجهات، المراد بها الجهات الأربعة، شرق، وغرب، وشمال، وجنوب. وأحسن الضوابط للقبلة هو القطب الشمالي، يجعله الإنسان في العراق خلق الأذن اليمنى، وفي مصر خلف اليسرى، واليمن مقابلته مما يلي الأيسر، والشام وراءه. ويمكننا أن نحكم بحكم كل قطر على ما وراءه من الأقطار. ومن هنا يدرك الإنسان ضرورة
__________
(1) -أبو إسحاق، الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص83.
(2) -أبو إسحاق، الصوم بالتلفون، ص10 - 11. (5/76)
صفحة 75
علم الجغرافية وعلم الهيئة، إذ أصبحت القارات الخمس مرتبطة، والمسلمون يرحلون من واحدة إلى أخرى، وكان من الواجب أن يعتنى بتدريس مبادئ العلمين للمبتدئين، حتى لا يعزب عنهم وجه أداء الفرض. وأقوى ضابط في الأقطار البعيدة للقبلة هو خط الزوال. والله أعلم» (1).
14. قوة الإقناع، وسطوع الحجة.
تحدث عن العمل بالقرائن، كمن دخل بلدا ورأى المطاعم مقفلة وجب عليه الصوم، أو سمع صوت بارود أو قرقعة اعتادها الناس أمارة للفجر، فيجب عليه العمل بها، «فإذا رأيت هذا تعيّن عليك الصوم أو الإفطار قطعا، فتلك قرائن مبينة ومثبتة للحكم. من هنا ينكشف لك أن البينة الشرعية مراعًى العمل بها في كل أحكام التشريع، وهي كل ما يتبين به الحق، ولها أصل في كتاب الله في قوله سبحانه چ ? ... ? ? ? S S S S ? ... چ [الحجرات 06]، وقوله چ ?? ? ... ? ? ... ? ? ? ? چ [النساء94]
فقد نص أصحابنا على العمل بالشهرة في مسائل كثيرة منها الصوم والإفطار.
والبينة في الشرع كل ما يتجلى به الحق، بحيث يق الحاكم وغير الحاكم بأن ما ورد إليه صحيح أوغير صحيح، كالكتابة ممن يعرف ويوثق به، حيث يؤمن التزوير. أو التلغراف من ثقة في أمر فحكمه كحكم خبره، والمشكوك فيه غير مقبول إذا لم تقم به بينة. أما التليفون فالشك منتف بتاتا، لأنك تسمع من تعرفه وتقدر الثقة به دون أن يتطرق إليك الشك أو الإبهام» (2).
15. قوة الشخصية في الترجيح بين الآراء:
ففي قضية وطء الحائض والنفساء، ورأي البعض بتحريم الزوجة على زوجها، قال: «الجماع في الحيض والنفاس مما احتدمت فيه آراء علمائنا، فمنهم من رأى أن المرأة تحرم به. ويرجع ترجيح هذا القول عند الأكثر على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه. ولكن النهي في مسألتنا راجع إلى صفة فيه نص عليها كلام البارئ جل وعلا، وهي الأذى. فمن هذا
__________
(1) -السالمي، رسالة تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان، ص60 (تعليق أبي إسحاق في الهامش).
(2) -أبو إسحاق، الصوم بالتلفون، ص14. (5/77)
صفحة 76
رأي فريق من العلماء عدم الحرمة. وهذا الحق الذي لا مرية فيه، لما له من الأدلة الصريحة. وتحريم الزوجة من أصعب الصعب، مع الإجماع على أن هذا الفعل حرام. وألزم الفريق الأخير مرتكبه كفارة دينارًا، لكل من الزوجين، يؤديه إلى فقير تحل له الزكاة. وسموه دينار الفراش. وبين الفريقين ثالث توقف في الأمر ولم يحلل ولم يحرم، وهو جمع من أئمة العلم كإمام المذهب أبي الشعثاء، والإمام أبي عبيدة رحمهما الله، وهؤلاء نظروا إلى جانب ما في الفعل من الإثم العظيم، وما يكتنفه من الجرأة على نهي الله تعالى. وفي ذلك آية الحيض ما يتدبروه أولو الألباب من الحكمة البالغة والإشارات اللطيفة البديعة، كسنة البديع الباري في ذيول الآيات چ ? ? ? ? ? ?چ [البقرة 222]» (1).
وفي الخلاف بين الفقهاء في اعتبار الإقالة فسخا أم بيعا جديدا، قال: «ثمرة الخلاف في الإقالة أهي بيع أم فسخ تظهر فيما اشتراه من الأشياء المعيبة، فيطلب من البائع الإقالة، فمن قال: إنها بيع ثان، ألزمه قبول المبيع، لأنه لما طلب الإقالة صار كمن سامه للبيع. لأن من اشترى معيبًا فسامه للبيع عُدَّ ذلك منه قبولا للبيع. وكذلك يدرك فيه الشفيع الشفعة إن أقاله. لأنها بيع ثان على هذا القول. والقول الثاني بأنها فسخ للبيع الأول وهو الأصح، فلا يلزمه البيع بطلبها، ولا يدرك بها الشفيع شفعته» (2).
16. رد الآراء الغريبة في اجتهادات الفقهاء:
قال السالمي في طهارة البئر التي وقعت فيها قملة.
وإن رأيت قَملَةً في البير
فحكمها الحياة في التقدير
حتى يصح موتها فحينئذ
تكون كالميتة حكما فانتبذ
وبالغوا فيما به قد جاؤوا
القَمْلُ والفيلُ بها سواء
وعقَّب أبو إسحاق على هذا بقوله: «هذه المسألة من متروك العلم، إذ لا تستند إلى دليل، لا من الكتاب، ولا من السنة. ولذا ردها المصنف رحمه الله بقوله تلطفًا "وبالغوا ... " إلخ .. وماذا عسى أن تكون هذه الحيوانات الطفيلية
__________
(1) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص360 تعليق أبي إسحاق في الهامش.
(2) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص393 تعليق أبي إسحاق في الهامش. (5/78)
صفحة 77
في جرمها وتأثيرها، حتى تكون في حكم الحيوان الكبير تنجيسا وتطهيرا بما السنة؟ اللهم هذا حرج رفعه الله عنا، فله الحمد» (1).
كما علق على رأي السالمي في أن الذابح إذا لم يجد ماء يغسل به موضع الذبح أجزأه التيمم حيث قال:
وموضع الذبّاح يغسِّلنَّا
إن لم يجد ماءً يُيَمِّمَنَّا
وكان تعليق أبي إسحاق حاسما بقوله: «ما أحق هذا القول بالهجران والإعراض، وما أولاه بالحذب، فإنه قول ليس له دليل يستند إليه، ولو قياسا. فالذابح إذا فقد الماء لتطهير المذبح، كان له أن يقطع موضع الدم النجس وليس للتيمم هنا معنى. ولو استغنى المؤلف عن هذا القول لكان أجمل، واكتفى بما نبه به في باب التيمم، إذ قال:
ليس من السنَّة والكتاب
تيمُّم المصحف والثياب
كذاك أيضا منحر الذبيحة
ليس له روايةٌ صحيحة
ولم أجد أيضا استنباطا
إلخ» (2).
17. التحذير من خطر إقحام الدهماء في مسائل الاجتهاد:
قال: «فقد أرسل إليّ بعض إخواني البررة ... أن أكتب رسالة في تحقيق مسائل لغط فيها من ليس من أهلها، وتناولها من لم يكن في قبيل ولا دبير في شأنها، حتى استغل اللغطَ المتربصون. وربما أوعز أضداد الإسلام إلى بعض من لا يتنبهون إلى تلك الحبائل أن يرجفوا، وأن يثيروا شغبا ضد الحق ويوجفوا، حتى واتتهم الفرصة فأدلوا بشراكهم فاقتنصوا، أو كادوا، فحدث بين صفوة الأمة جفاء لا يجوز أن يكون، ولا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه، والأمر لا يدعو إلى الشك فضلا عن أن يصل على البراءة والعدوان، ولوصفت النفوس من عفونتها وانصقلت هاتيك العقول باستجلاء الحق في منأى عن الأهواء والجفاء، لانكشف الحق وهو أبلج، ولزال الريب وهو يتلجلج.
ولئن كانت تلك المسائل التي بلغت إلينا مما يسترعي النظر ويستوجب عناية الفِكَر، لما لنا من
__________
(1) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص43 تعليق أبي إسحاق في الهامش.
(2) -السالمي، جوهر النظام، ج1، ص230 تعليق أبي إسحاق في الهامش. (5/79)
صفحة 78
المسيس بالدين، ووثيق الارتباط بحياة المسلمين، فإن ولوج عناصر غير عليمة في أمرها وخوض السذّج في شأنها ليس إلا من قبيل الفوضى، والإخلال بالواجب المقدس، وأشنع من هذا وذاك إعطاؤها صيغة خارجة عما ينبغي من سلامة القصد والتصرف العقلي، اللذين يجب أن يتوفرا في كل ما له صلة بالحياة الدينية والنظم الاجتماعية.
ألا وإن أمثال هذين الأمرين العظيمين في حياة الأمة لا يحل شرعا ولا عقلا أن يتصل بها شيء من هوى النفس ولا أن يصل إليها المسلم من غير سبيل الحق ومناهج الصدق، وإلا كانت الحياة شرا ووبالا، وخزيا ونكالا» (1).
وقد أنحى باللائمة عليهم ونعى عليهم طريقتهم في مصادرة حرية الفكر، وبين خطرهم على الأمة والدين حين يكون لهم تدخل في الشؤون العامة للمسلمين. ووضع لبيان هذه الحقائق كتابه "الدعاية إلى سبيل المؤمنين" (2).
الخاتمة:
يتجلى لنا من خلال رحلتنا عبر معالم اجتهاد أبي إسحاق أنه كان اجتهادا أصيلا متفتحا، بصيرا بواقعه، حريصا على أن يكون الفقه رائد الحياة، يهدي البشرية للسعادة التي أرادها الله لها في العاجل والآجل. وقد كانت جهود أبي إسحاق سديدة، وطيبة، وآثاره في هذا المضمار خالدة وقيِّمة. رحمه الله في العلماء العاملين، وأجزل له الثواب كفاء ما بذل واجتهد، وإن مات بغصَّة حين لم يتحقَّق حلمُه باستعادة الفقه عافيته، واسترداده موقعه في قيادة البشر ـــ وعذره أنه سعى واجتهد ـــ وعسى أن يكون ذلك قريبا.
__________
(1) -أبو إسحاق، الصوم بالتلفون، ص 2 - 3.
(2) -أبو إسحاق، الدعائة إلى سبيل المؤمنين، ص6 - 7. (5/80)
صفحة 79
فقه المال العام عند الإباضية
الحلقة الرابعة: عند فقهاء إباضية المشرق:
الشيخ أبو محمّد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي الأزدي العُماني
(الجزء الثاني)
د/ محمد بن صالح حمدي
كلية العلوم الإسلامية ــــ جامعة باتنة
م
مقدمة:
تعتبر هذه الحلقة تتمَّة لعرض ما تناوله الشيخ ابن بركة في مصنفه "الجامع" من المسائل المالية في جزئه الثاني، وقد تناولت الحلقة السابقة آراء الشيخ للمسائل المبثوثة في الجزء الأول من جامعه وهي مسائل الزكاة و الركاز و الجزية، وفي هذه الحلقة سأتعرض لآرائه التي ذكرها في الجزء الثاني، هي مرتبة كالتالي:
أ ـــــ الصوافي مفهومها و أحكامها
ب ـــــ الغنائم و النفل مفهومها و أحكامها
ج ـــــ احياء أرض الموات.
د ـــــ مسألة التسعير
تلكم أهم المسائل و القضايا المالية التي تعرض لها الشيخ، والجدير بالتذكير أنه تعرض لأهم القضايا المالية المطروحة في عصره إلا أن عرضه كان مقتضبا مختصرا مقارنة بالمصنفات المالية الأخرى وذلك للسبب الذي أوردناه أنه لم يكن يُنظّر لنظام مالي قائم وإنما يعرض وجهات نظر الفقه الإباضي في تلك المسائل، وأهم قضية تناولها في هذا الجزء هي قضية التعسير فأبدى رأي الإباضية من خلال وجهة نظره مؤيدا رأي الأحناف في القضية.
أولا: الصوافي مفهومها و حكمها
يقصد بالصوافي هو ما مصطفاه الإمام لنفسه من غنائم الملوك بعد المعركة، فيصطفيها لنفسه أو يمنحها لمن يريد ممن أبلى بلاء حسنا في خدمة الإسلام، وتذكر الوقائع التاريخية ما اصطفاه بعض الخلفاء من الأموال، وأصل حكمه ما ورد عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنه كان له من كل غنيمة صفي يصطفيه، فكان (6/81)
صفحة 80
الصفي يوم خيبر صفية بنت حيي، وقيل ان صفيه يوم بدر سيف عاصم بن منبه. (1)
ومفهوم الصوافي عند الشيخ ابن بركة، هي الأموال التي تركها أهل الكتاب فآلت إلى المسلمين بعد دخول أهل عُمان إلى الإسلام فيقول:"اختلف أصحابنا في الصوافي التي في أيدي المسلمين بعُمان ما حكمها؟ فذكر ابن جعفرمن أقاويلهم ما وجدناه في الجامع." (2) ثمّ حدد هذه الأقوال الثلاثة:
أ ـــــ أنها كانت للمجوس، فلما ظهر الإسلام خيّروا بين الإسلام وخروجهم مع ترك أموالهم.
ب ــــ أنها أموال وجدت في أيدي السلطان.
ج ــــ أنها أموال لأقوام جار عليهم السلطان فتركوها و خرجوا.
ويرجح المصنف القول الأول أنها كانت لقوم من أهل الكتاب و أنهم كانوا نصارى فبعث إليهم أبوبكر عامله أن يسلموا أو يأذنوا بحرب أو يعطوا الجزية أو يخلوا عن أموالهم و يجعلوها للمسلمين فعجزوا عن المحاربة وخافوا أن يأتي القتل عن آخرهم فامتنعوا عن الإسلام وعتصموا بالكفر و آنفوا من إعطاء الجزية على الصَّغار منهم فافتدوا بأموالهم واختاروا تركها بدلا مما دعوا إليه من الحق.
فهذه الأموال الصوافي لم يذكر لنا المصنف كيفية تقسيمها على المسلمين، وإنما نفهم من سياق كلامه أنما أصبحت مالا حلالا بعد أن آلت إليهم لما تخلى عنها أصحابها.
ثانيا: الغنائم والنفل مفهومها و حكمها
الغنائم: (3) أصل الغنائم في اللغة الربح و الفضل، أما في الاصطلاح الفقهي، فهي ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة والحرب قائمة وجمعها غنائم، (4) إلا أن المصنف في هذه المسألة ذكر ما يغنمه الشركون من المسلمين وليس العكس وذكر حكمه، أما حكم الغنائم من المشركين فقد أشار إليه إشارة عابرة في مسألة خراج الأرضين. فقد ذكر حرمة مال المسلم وحقه في استرداده متى ظفر به فيقول: "ومال المسلم لا يضيع ولا يحكم به لهم ـــــ أي المشركين ــــ إذا غنموه من المسلمين، وإذا ظهر المسلم على ماله وقدر عليه أخذه من أيديهم، وإذا وجده في أيدي المسلمبن أخذه أيضا من أيديهم إذا صح ملكه قسمت الغنيمة أم لم تقسم." (5) فحق المسلم ثابت في ماله لا
__________
(1) -أبو يوسف، الخراج، دار الحداثة، لبنان، ص:123
(2) -ابن بركة، الجامع، نشر وزارة التراث، عُمان، ج:2،ص:405
(3) -الجامع، نفسه، ج2، ص:493
(4) -معجم المصطلحات المالية، نزيه حماد، دار القلم دمشق، ص:348
(5) -الجامع نفسه (6/82)
صفحة 81
يتغير سواء وجد في أيدي المشركين أو المسلمين، سواء وقعت القسمة أم لم تقع، فحقه ثابت ما دامت ملكيته صحيحة. ويستدل على ذلك بأثر ورد عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -:" لا توى على مال المسلم" (1) والتوى في اللغة يعني التلف والهلاك يقال: توى ماله يتوى فهو تو وتاو، إذا هلك وذهب لا يرجى، ويستعمل جل الفقهاء الكلمة بنفس الدلالة اللغوية (2).
وأورد المصنف قولا آخر للأصحاب فيما إذا ظفر المؤمن بماله في يد المسلم عليه أن يرد عليه ثمنه الذي اشتراه به. "قال بعض أصحابنا: يأخذ ماله إذا وجده من يد المسلم ويرد عليه ثمنه الذي اشتراه به." (3) إلا أنه يرجح القول الأول، يعني أنه يأخذ ماله الذي وجده عند غيره بدون أن يلزم برد الثمن. ثم يعقب المصنف على رأي الأحناف القائل بتمليك المشركين أموال المسلمين عند الغنيمة قياسا على غنيمة المسلمين لأموال المشركين، مستدلا على ذلك بالحديث المروي عن النبيء ـــ السالف ذكره ـــــ وبقصة ناقة النبيء - صلى الله عليه وسلم - التي أخذها المشركون في غارة على سرح المدينة، وقد أُسرت امرأة في تلك الغارة، ثم حاولت الفرار، فجعلت المرأة كلما أتت إلى ناقة رغت حتى أتت الغضباء ـــــ ناقة النبيء ـــــ فوجدتها طيعة ذلولا فركبتها في اتجاه المدينة، ونذرت إن أنجاها الله عليها لتنحرها، فلما وصلت المدينة ورآها الناس فقالوا ناقة رسول الله، وذكروا للنبيء وأخبروه بنذرها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بئس ما جازيتها" وقال" لاوفاء بنذر في معصية، ولا نذر فيما لا يملك بني آدم".
"أما الغنيمة فهي ما غنمه المسلمون من أموال العدو عن حرب تكون بينهم، فهي لمن غنمها إلا الخمس". (4) فتعريف الغنيمة عند ابن بركة هو التعريف الشائع عند فقهاء المالية: إلا أنه ورد مجملا لم يبين ولم يوضح تفاصيله كما فصلها أبو يوسف في خراجه إذ يقول إجابة عن سؤال أمير المؤمنين هارون الرشيد إجابة عن سؤاله عن قسمة الغنائم،" (5) فإن الله تبارك وتعالى قد أنزل ذلك في كتابه، فهذا والله أعلم فيما يصيب المسلمون من عساكر أهل الشرك وما أجلبوا من متاع والسلاح والكراع، فإن في ذلك الخمس لمن سمّى عز وجل في كتابه وأربعة أخماسه بين الجند الذين أصابوا ذلك."بيّن المصنف الأصل اللغوي للغنم وقال:"وأصل الغنم في اللغة الربح والفضل ومنه قيل في الرهن له غنمه وعليه غرمه، أي فضله للرهن ونقصانه عليه".
تعريف النفل: "وأما النفل الذي ذكره الله في كتابه" يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول" (6). والنفل ما نَفله الإمام من الُخمس إذا صار في يده فخص منه من شاء." فهذا التعريف الذي يراه المصنف للنفل يعني أنه جزء من خمس الغنائم التي يغنمها المسلمون والتي تكون بيد الإمام، ينفلها لمن يشاء، فهذا المفهوم قريب من مفهوم الصوافي، ولفقهاء المالية مذاهب في مدلول ومفهوم النّفل تنحصر في خمسة أقوال تستعرضها فيما يلي:
المفهوم الأول: هي الغنائم، وهذا المفهوم يربط بين الأنفال التي ذكرت في بداية سورة الأنفال {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ .... } و بين ما ورد في ثنايا نفس السورة، إجابة عن ذلك التساؤل {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ .... }
المفهوم الثاني: هي الفيء، والفيء لغة تعني الرجوع، وفي الاصطلاح الفقهي فهو ما أخذ من أموال أهل الحرب صلحا من غير قتال، أو بعد أن تضع الحرب أوزارها كالخراج والجزية ونحو ذلك (7)، وهذا المفهوم يجعل الفيء والنفل شيء واحد.
المفهوم الثالث: الخمس وهو الخمس الذي استثنته الآية وحددت مصارفه.
المفهوم الرابع: هو ما أخذ قبل إحراز الغنائم بدار الإسلام وقسمتها. والأصل أن ماأخذ قبل قسمة الغنائم يسمى غلولا، وقد نهى الإسلام عنه وشدد النكير على آخذه.
المفهوم الخامس: هو السّلب، وهو ما يدفع للمقاتل زائد على سهمه من المغنم ترغيبا له في القتال.
فهذه هي مذاهب فقهاء المالية في مفهوم الأنفال، ونرى أن المفهوم الثاني هو الأصح لكونه يتطابق مع المفهوم القرآني، إذ يقول تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (8).وهو ما يتطابق مه المفهوم الذي يراه مصنفنا
إذ يقول: "وكان الفيء على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أفاء الله على رسوله وعلى
__________
(1) -أخرجه البخاري
(2) -معجم، نزيه، ص:152
(3) -الجامع، نفسه
(4) -نفسه: ص:495
(5) -الخراج، أبو يوسف، ص:116
(6) -سورة الأنفال، آية:1
(7) -معجم المصطلحات، نزيه، مرجع سابق، ص:365
(8) -سورة الحشر، آية:6 (6/83)
صفحة 82
المؤمنين من أموال المشركين مالم يوجف عليه بخيل ولا ركاب بصلح صالحوا عليه من أموالهم وأراضيهم" (1)
يذكر ابن بركة تطور مفهوم الفيء في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يطلق على ما أفاء الله على للمؤمنين من أموال الكفار بدون خوض القتال، فآل إليهم بالصلح والمعاهدة، وقد تطور مفهومه بعد وفاة النبىء - صلى الله عليه وسلم - فصار بمنزلة خراج الأرضين التي افتتحت عنوة، ويسمى الخراج، وهو ما طبقه الخليفة عمر بن الخطاب حين افتتح الفتوحات، فأشكل الخلاف على قيادة الجيوش، أتقسم تلك الأراضي على الفاتحين قسمة الغنائم، أم توقف للمسلمين عامة؟ فحسم الخلاف بذلك الموقف السديد من الخليفة بأن تقسم الأموال المنقولة وتبقى الأراضي العقارية وقفا عاما يدرُ على بيت المال ريعه وخراجه، فيقول المصنف:"فلما قبض رسول الله صار ذلك للمسلمين بمنزلة خراج الأرضين التي افتتحت عنوة" فيستدل على هذا المفهوم بالدلالة اللغوية فيقول:"و الفيء في اللغة الرجوع، يقال: فاء إلى كذا أي رجع إليه. قال الله جل ذكره {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2) والمعنى أنه أرجعه الله إلى المسلمين ورده إليهم، ومنه قيل للظل فيء لأنه رجع من موضع إلى آخر. ويبدو أن المصنف يؤيد رأي الخليفة عمر بن الخطاب لما وظف المفهوم اللغوي الذي يعني أنه أرجعه الله إلى المسلمين ورده إليهم.
ثالثا: إحياء أرض الموات
روي عن النبىء - صلى الله عليه وسلم - انه قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" (3) و روي عنه أيضا:"من اصطاد صيدا فهو له" (4).فهذان الحديثان يدلان على إباحة تملك المال المباح بإحرازه أو إحياء، فالأصل أن الأرض الميتة والصيد في البراري والمياه في البحار هو مال عام يدخل في الملكية المشتركة بين الناس على وجه الإباحة والتي شرع لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار" (5). وقيل أن هذه الأشياء تعبر عن كل مال ليس له مالك مختص يستحوذ به، فهو من المال المباح الذي يشترك فيه الجميع، سواء تعلق الأمر بمياه البحار أو الأنهار أو الأمطار، والكلأ والعشب النابت في
__________
(1) -الجامع، ج:2،ص:441
(2) -سورة البقرة، آية:226
(3) -رواه البخاري و أبو داود و الترمذي
(4) -رواه احمد
(5) -رواه أبو داود. (6/84)
صفحة 83
الطبيعة بدون جهد إنساني، وكل طاقة المعبر عنها بالنار. والإستحواذ تحكمه قاعدة "المباح لمن سبق إليه".
يرى المصنف أن هذا الحكم يعمّ المسلمين وغيرهم فيقول: "وهذان الخبران يَعُمّان كل صائد ومحيى كل أرض ميتة، ولم يخص مسلما من كافر". (1) بينما يميز الإمام الشافعي بين الاصطياد والإحياء فأجاز للذمي الاصطياد دون الإحياء، فيتحفَّظ المصنف من هذا التفريق والتمييز الذي لا مبرر له عنده،"وعندي أن الفرق بينهما يصعب على متكلفه والله أعلم".ونرى وجاهة رأي المصنف الذي يعتبر الذمي مواطنا يعيش في كنف الدولة الإسلامية يتمتع بكافة حقوق المواطنة، منها الحق في إحياء الأرض كغيره من المواطنين المسلمين.
ثم أثار المصنف مسألة أخرى تتعلق بتمليك أرض الموات لا تكون إلا بإذن الإمام، من غير أن يبدي رأيه، ألا ان سياق الكلام يدل أن يرى خلاف ذلك، فتمليك أرض الموات يحكمها الحديث النبوي الوارد ذكره، إلا الإمام أبا حنيفة يشترط لإحياء الموات جواز إمام المسلمين فيقول رحمه الله:"من أحيا أرضا مواتا فهي له إذا أجازه الإمام، ومن أحيا أرضا مواتابغير إذن الإمام فليست له وللإمام أن يخرجها من يده ويصنع فيها ما رأى من الإجارة والإقطاع وغير ذلك." (2) وقد علل أبو يوسف رأي أبي حنيفة لكونه إجراء تنظيميا من قبل الإمام حتى تصان الحقوق وتمنع الخصومات، وليس ما قال أبو حنيفة يردّ الأثر وإنما يُنظم عملية الإحياء. ثم بيّنَ أبو يوسف رأيه المخالف لرأي شيخه قائلا:"أما أنا فأرى إذا لم يكن فيه ضرر ولا لأحد فيه خصومة أن إذن رسول الله جائز إلى يوم القيامة، فإذا جاء الضرر فهو على الحديث"ليس لعرق ظالم حق" (3).
وأرى أن رأي الإمام أبي حنيفة له من الوجاهة بمكان، فالإمام يضع الضوابط لإحياء أرض الموات حتى تنظم عملية الإحياء، فعلى الرغم أن الأرض الميتة من المال المباح، فلو تركت القضية بدون ضبط لسادت الفوضى، لكن عندما يضع السلطان يده على أنه ينظم الإستفادة منها، وله الحق في استردادها إذا لم يتحقق الغرض من تمليك الأرض وهو الإحياء، فقد حدث في عهد عمر بن الخطاب أن استرد من بلال المزني أرضا أقطعه أياها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما ثبت عجزه عن عمارتها كاملة. وهو ما تقوم به
__________
(1) -الجامع، نفسه، ص:406
(2) -أبو يوسف، الخراج، ص:176
(3) -نفسه. (6/86)
صفحة 84
الدولة الحديثة في العصر الحاضر في تنظيم استغلال الأراضي التي لا تعود ملكيتها لأحد.
رابعا: مسألة التسعير
إن من أهم المسائل المالية التي تعرّض لها مصنفنا، وبيّن فيها رأيه واضحا جليا هي مسألة التسعير، فقد استهل رأيه بالتأكيد على أن الأصل العام والعادي هو عدم التسعير على الناس أموالهم، مستندا إلى حيث النبيء - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وإلى حرمة أموال الناس، إلا أنه في الظروف الاستثنائية الطارئة يجوز للإمام أن يتدخل في فرض سعر المثل على السلع المحتكرة من قبل التجار، فيقول رحمه الله: "وليس للإمام أن يسعر على الناس أموالهم ولا أن يجبرهم على بيعها لما روي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - سئل عن عام سنة، وإنما سميت سنة، لشدة ما لحق بالناس في تلك السنة، فسئل النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يسعر لهم الأسواق، فامتنع وقال: "القابض الباسط هو المسعر ولكن سلوا الله". فلا يجوز لهذا الخبر أن يسعر أحد على الناس أموالهم وأن لا يجبرهم على بيعها بغير طيب نفوسهم من إمام ولا غيره." (1) فهذا هو الأصل والأساس في قضية تحديد الأسعار في السوق أن تتكون طبيعيا بالعرض والطلب لضمان حرية السوق والنشاط الاقتصادي، بإيجاد جو المنافسة الشريفة بتقديم أحسن السلع والخدمات بأقل سعر ممكن، وبذلك تُعطى للسوق حرية تحديد الأسعار. فالحالة التي شرع لها النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان فيه ارتفاع الأسعار لسبب طبيعي وهو نقص المعروض من السلع وليس بفعل التجار واحتكارهم.
وفي الظروف الطارئة، حيث ترتفع الأسعار بسبب اختلال أحد شروط السوق وسيادة ما يسمى اقتصاديا، "السوق الإحتكارية" وغياب سوق المنافسة، فهنا تتغير الأوضاع وتتبدل الأحكام ويصبح التدخل ليس بالتسعير وإنما بفرض سعر المثل الذي يمنع الضرر ويضمن حقوق البائعين والمشترين على حد سواء. وفي هذا الصدد يقول مصنفنا:" ولكن إذا بلغ حال الضرورة من الحاجة إلى الطعام، وغرم الطعام على ما في أيديهم واستغنائهم عنه مع سوء حال الناس وجاز للإمام أن يأخذ أصحاب الطعام ببيع مافي أيديهم بالثمن الذي يكون عدلا ويُجبرهم على ذلك." (2) ففي هذه الفقرة حدد الشيخ ابن بركة الشروط الني تخول للإمام التدخل في فرض سعر المثل وهي:
أ ــــ بلوغ حالة الضرورة وحاجة الناس إلى
__________
(1) -الجامع نفسه، ص:604
(2) -نفسه (6/87)
صفحة 85
الطعام.
ب ــــ وجود فائض من الطعام لدى البائعين وامتناعهم عن بيعه.
ج ــــ عدم توفر القدر الكافي من الطعام في الأسواق
مفهوم التسعير: إن التسعير بمفهومه الاقتصادي يعني أن يختص جهاز التخطيط في الاقتصاد الموجه بوضع وتحديد أسعار السلع والخدمات ويُلزم المبايعين بها، بحيث يتعطل دور جهاز السوق، وهذا قد يحدث ضررا بأحد أطراف عملية التوزيع والتداول مما يؤدي في النهاية إلى ظهور السوق الموازية، فالتسعير آلية أساسية في الاقتصاد الموجه.
أما مفهوم التسعير في الاقتصاد الإسلامي فقد حدّد الفقهاء شروطه ووضعوا ضوابطه، كما أنه يعتبر آلية استثنائية في السوق الإسلامية، إذ أن الأصل ترك آلية جهاز السوق تعمل علمها بدون تدخل من أي طرف سواء كان الدولة أو أي جهة أخرى، فإذا انتفت شروط السوق، تدخلت الدولة بالتسعير، فهو كما ذكر المصنف:"جاز للإمام أن يأخذ أصحاب الطعام ببيع ما في أيديهم الذي يكون عدلا من قيمته ويجبرهم على ذلك. (1) "فالنص حدد بدقة مفهوم التسعير والذي يعني شيئين اثنين:
أ ــــ الإلزام بالبيع والجبر عليه إذا امتنع البائعون.
ب ــــ تحديد الثمن العدل.
فالعنصر الأول يضمن ضرب الاحتكار وتوفير السلع في السوق لقضاء حاجة الناس الماسة لتلك السلع الضرورية سواء كانت طعاما أو غيره. والعنصر الثاني يضمن حقوق المتبايعين، إذ لا يجبرون على البيع بالسعر الذي تفرضه الدولة، وإنما بالثمن الذي يحقق العدل للطرفين، بأن تُراعى حاجة الناس من جهة، ومن جهة أخرى يُوفر للبائع تغطية تكلفة السلعة مع هامش ربحي معقول، وهو ما عبّر عنه بعض الفقهاء "بالثمن المثل". يقول الشيخ ابن تيميةمعبرا عن سعر المثل في الحالات الاستثنائية:"واما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به " (2)
إجراءات تطبيق التسعير (سعر المثل)
قال الإمام المالكي أبو الوليد:"ووجه ذلك أن يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا يكون فيه إجحاف بالناس. فإذا سعر عليهم بغير رضى بمالا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس." (3)
ولتجسيد ذلك في السوق يقوم فريق مكوّن من ممثلين للجهاز الحكومي، وممثلين لرجال العمال والتجار الذي يراد تسعير منتجاتهم، وممثلين للخبراء في التسويق والتكاليف، وذلك حتى يشعر التجار والجمهور بعدالة التسعير وموضوعيته، ثم تُجرى دراسة موضوعية تتناول تكلفة السلعة من جهة وهامش الربح من جهة أخرى، ثم يتحاور هذا الفريق بعناصره الثلاثة بحيث يصل في النهاية إلى سعر للسلعة يرضي التجار به ولا يضر بعامة الناس. (4)
هذا هو مفهوم التسعير في المفهوم الإسلامي وقد وضع الفقهاء أسسه وإجراءات تطبيقه، وهو ما نراه يختلف جدريا عن مفهومه في الاقتصاد الوضعي، وقد ساهم مصنفنا في بلورة المفهوم الإسلامي للتسعير.
مشروعية التسعير:
اختلف الفقهاء في مسألة التسعير إلى رأيين اثنين فمنهم من تمسك بنص الحديث الوارد في التعسير وقالوا بعدم الجواز في كل الظروف والأحوال، فقد روى أنس: غلا السعر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله لو سعّرت لنا فقال: "إن الله القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها أياه في دم أو مال" (5). وقالوا بأن الناس مسلطون على أموالهم وليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها إلا بطيبة نفس، وهذا قول الشافعية ومن قال برأيهم.
ومنهم من يرى مشروعية التسعير في الحالات الاستثنائية وعند الضرورة، وقالوا بأن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمنع التسعير في الحالات العادية الطبيعية للسوق واستدلوا من الحديث مايلي: (6)
أ ــــ أن السعر ارتفع في المدينة لقلة الشيء وكثرة الخلق.
ب ــــ أن هذا النوع من ارتفاع السعر عارض ناشئ من سبب طارئ يزول بزوال سببه.
ج ــــ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يدع التسعير تهاونا
__________
(1) -نفسه.
(2) -الحسبة، ابن تيمية، دار القصر البليدة، الجزائر، ص:16
(3) -أبو الوليد الباجي، المنتقى شرح الموطأ ج:5،ص:19
(4) -دنيا شوقي، النظرية الاقتصادية من منظور إسلامي، دار الخريجي الرياض، ص:176
(5) -رواه أبو داود
(6) -فكري نعمان، النظرية الاقتصادية في الإسلام، دار القلم دبي، ص:299 (6/88)
صفحة 86
منه، ولكنه أدرك بثاقب فكره أن سبب ارتفاع الأسعار مسألة طارئة ستزول بزوال السبب.
د ــــ أنَّ الواقع أثبت حصافة رأي الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدليل أن الأسعار عادت إلى معدلها الطبيعي بعد فترة وجيزة نتيجة للجلب.
و ــــ أن التسعير في هذه الحالة يمثل ظلما للبائعين وإكراها لهم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه فهو حرام ولذا لم يُقره الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وقد حدد هذا الفريق من الفقهاء الحالات التي يجب فيها التسعير، وقد أوردها الشيخ ابن بركة في النص الوارد آنفا، وقدبيّنها الشيخ ابن تيمية بشكل أوضح في أربعة حالات هي: (1)
أ ــــ حاجة الناس إلى السلعة.
ب ــــ الاحتكار.
ج ــــ حالة الحصر (الموزع المعتمد بلغة العصر)
د ــــ تواطؤ البائعين
وهذا هو رأي الأحناف والمالكية والحنابلة والإباضية، إذ يقول المصنف: "فإن قال قائل: فلِمَ منعتم التسعير للإمام وقد جوزتموه؟ قيل له: جوزناه في حال الضرورة." (2) بهذه العبارة يفصح الشيخ عن رأي الإباضية في قضية التسعير أنه لا يجوز في الحالات العادية تمسكا بالحديث الوارد عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -، ولكن في الحالات الضرورية، يصبح التسعير واجبا على ولي أمر المسلمين لإحقاق الحق وردّه إلى نصابه وومنع الظلم والاحتكار.
خاتمة:
يُعتبرالإمام ابن بركة من خلال مصنفه "الجامع" من الأوائل الذين تعرضوا لمسائل فقه المال العام عند الإباضية بشكل من التفصيل والشرح والمناقشة وإيراد مختلف الآراء وإن لم يصل إلى درجة المصنفات المالية المتخصصة، وبعد هذا العرض يمكن لنا الخروج بالنتائج التالية:
أ ــــ أن مصنف"الجامع" من أوائل المصنفات التي تناولت المسائل المالية بالتفصيل والمناقشة.
ب ــــ أنه تناول أغلب المسائل المالية في عصره، مع التفاوت في العرض، حيث تناول البعض بالتفصيل مثل الزكاة والغنائم والتسعير، والبعض بالإختصار والاقتضاب مثل الصوافي والجزية.
ج ــــ أن المصنف يعرض آراء الإباضية من وجهة فقهية وليست تنظيرا لنظام مالي أو سياسة شرعية، كما فعل كما فعل أبويوسف والماوردي وغيرهم.
د ــــ أن آراء الإباضية تتطابق مع أغلب آراء فقهاء الجمهور في أغلب المسائل المعروضة.
__________
(1) -ابن تيمية، الحسبة، ص:16
(2) -الجامع، نفسه، ص:604 (6/89)
صفحة 87
- - - (6/91)
صفحة 88
الرياضة البدنية
من وجهة نظر شرعية
ــ المصالح والمفاسد ــ
أ/ رستم بن عيسى بن محمد إتبيرن
باحث ماجستير في أصول الفقه
أستاذ بمعهد الإصلاح ـــــ غرداية
ت
توطئة:
الحمد لله الذي شرع لعباده ما يُصلح حالهم في الحال والمآل، وحرَّم ما يعود عليهم في دنياهم وأخراهم بالشرِّ والوبال، أحمده تعالى وأسأله مزيداً من الفضل والنوال، وأستعيذ به من كلِّ ما يُذهب بالدين أو النفس أو المال، وأصلّي وأسلم تسليماً على سيّد الرجال، من حاز علَى خير الخِلال، سيِّدنا محمَّد وعلى صحبه والآل، وبعد:
فإنه من نعم الله تعالى على عباده أنْ أحلّ لهم التمتَّعَ في حياتهم والانقطاعَ عن الأشغال من حين لآخر للاستجمام، لكنْ شريطة أن لا يخرج هذا التمتُّع وهذا الاستجمام عن إطار الشريعة المحكَمة، وأن لا يرجع على المقاصد التي جاء الإسلام لرعايتها بالخلل. ومن جملةِ ما أباحه الله لعباده: ممارسة الرياضة البدنية.
ولعلَّ تطرُّقَنا لهذا الموضوع من وِجهة شرعية، ووضعِه في كفّة الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ يكتسي أهميَّةً بالغةً خاصَّة في وقتنا الراهِن؛ لما أخَذَه من أبعادٍ على مختلف المجالات، سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا ...
الإشكالية:
إنَّ المتصفح لأحوال شعوب العالم اليوم؛ يرى ويلاحظ الاهتمام الكبير بالرياضة البدنية؛ حيث كثر المنتمون إليها والمتابعون لها، وكثرت الدورات الرياضية، وصُرفت فيها الأموال الطائلة، وأنشئت لأجلها القنوات الفضائية، والإذاعات، والجرائد، والمجلات ... ، وأصبحت الرياضة في عصرنا الحديث ـــــ في كثير من الأحيان ـــــ سبباً للمشاكل والنزاعات بين الأفراد وكذا بين الشعوب، بل وربما الحكومات. (7/91)
صفحة 89
فهل للرياضة من الأهمية ما يخوِّلها لتنال مثل هذا الاهتمام؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية؛ نضع أمامنا عدَّة أسئلة، هي عبارة عن تحليل لهذه الإشكالية، وتساعدنا في إعطاء إجابة لها مع مراعاة الزوايا المختلفة للموضوع.
فما هي الرياضة البدنية؟ وهل الرياضة مشروعة في الإسلام؟ وما هو تأصيل ذلك؟ وما هي الفوائد التي نجنيها من الرياضة؟ وما هي المضارُّ الناتجة عنها أيضا؟
تعريفُ الرياضة:
أوَّلا: تعريف الرياضة لغةً:
الرياضةُ مأخوذة من الرَّوض. والرَّيِّضُ من الدوابِّ والإبل ضدَّ الذَلول، والذكرُ والأنثى في ذلك سواءٌ. ويقال: راضَ الدابةَ يَرُوضُها روضاً ورياضةً؛ وطّأها وذلَّلها، أو علَّمها السيرَ (1).
وجاء في كتاب التعاريف للمناويّ: «الرياضةُ كَثْرَةُ استعمالِ النفس أو البدن ليسْلُس ويمهَر، ثمَّ استُعيرت لتهذيب الأخلاق النفسية؛ فإنّ تهذيبَها تمحيصُها عن خلطات الطبع ونزعاته. والرياضة عند أهل الحقِّ: رياضةُ الأدب؛ وهو الخروجُ عن طبع النفس» (2).
ثانيا: تعريف الرياضة اصطلاحاً:
كان المسلمون سبَّاقين إلى تعريف الرياضة البدنية، وهذه بعض منها:
• عرّفها ابن القيم بأنّها: «تدبيرُ الحركة والسكون» (3).
• وعرّفها السيوطي بأنها: «تدبير السكون والحركة البدنِيَّين»، وبأنها: «الحركة التي تُعوِّد البدن الخفّةَ والنشاطَ» (4).
• وفي المعجم الوسيط: «الرياضة عند الصوفية: تهذيبُ الأخلاق النفسية بملازمة العبادات والتخلّي عن الشهوات. والرياضةُ البدنية: القيام بحركات خاصّة تُكسب البدنَ قوَّةً ومرونةً» (5).
__________
(1) -محمد بن مكرم بن منظور. لسان العرب. دار صادر: بيروت، لبنان، ط1: 7/ 162. مادة: روض.
(2) -محمد عبد الرؤوف المناوي، التوقيف على مهمّات التعاريف، تحقيق: محمد رضوان الداية، دار الفكر المعاصر، دار الفكر، بيروت، دمشق، ط1، 1410هـ/1990م، فصل: الياء، ص 380.
(3) -ابن القيم. زاد المعاد في هدي خير العباد. مؤسسة الرسالة: بيروت، لبنان ومكتبة المنار الإسلامية: الكويت، ط27، 1415هـ/1995م: ج 4، ص 246.
(4) -لم أهتد إلى توثيقها.
(5) -إبراهيم مصطفى وآخرون. المعجم الوسيط. تحقيق: مجمع اللغة، دار الدعوة، ط1: 1/ 382. باب: الراء. (7/92)
صفحة 90
وإذا جئنا إلى التعريف الحديث للرياضة، يمكن أن نستأنس بجملة من التعاريف لمختصِّين غربيِّين (1).
• يقول ماتفيف ( Matveyev): «[ الرياضة] نشاطٌ ذو شكلٍ خاصٍّ، جوهرُه المنافسة المنظَّمة؛ من أجل قياس القدرات، وضمانِ أقصى تحديدٍ لها».
• وتقول كوسولا ( Kosola): « التدريب البدنيُّ يهدف إلى تحقيق أفضل نتيجة ممكنة في المنافسة المنظمة؛ من أجل قياس القدرات وضمان أقصى تحديد لها».
ونلاحظ التشابه بين التعريفين في المعنى وحتى في العبارات.
• ويقول لوشن سيج: «[الرياضة] نشاطٌ مفعَمٌ باللعب التنافسي، داخلي وخارجي المردود أو العائد، يتضمَّن أفرادا أو فرقا تشترك في مسابقة، وتُقَرَّر النتائجُ في ضوء التفوّق في المهارة البدنية والخُطَطِ».
أجمعت التعريفات الثلاثة على أن جوهر الرياضة هو التنافس والفوز والتفوق، وهذا تعريف قاصر للرياضة البدنية، فهؤلاء قد ركزوا على النشاط البدني المرسَّم في دورات ومسابقات لغرض التفوُّق.
وأعطى عبد الغنيّ بن محمد تعريفا للرياضة اقتنع بأنّه التعريف الأكثر علميَّة ودقّة فقال: «الرياضة هي الحركة البدنية المنتظمة الإرادية لتحقيق التوازن العقلي والنفسي والبدني للفرد» (2).
ثم يقول مستطردًا معرفا النشاط البدني المرسَّم: «الرياضة عبارة عن مجهود جسدي عادي أو مهارة تمارس بموجب قواعدَ متفَّقٍ عليها بهدف الترفيه، المنافسة، المتعة، التميُّز، أو تطوير المهارات، واختلاف الأهداف، اجتماعها أو انفرادها يميّز الرياضات، بالإضافة إلى ما يضفيه اللاعبون أو الفرق من تأثير على رياضاتهم» (3).
حكم الرياضة في الإسلام:
الرياضة من الأمور المباحة؛ لأنَّه لا يوجد ما ينصُّ على حرمتها، والأصلُ في الأشياء الإباحة، بل نستطيع أن نقول: إن الرياضة البدنيةَ مندوبٌ إليها في الإسلام، ولكن ليست أيَّ رياضة، بل ثمَّة ضوابطُ وشروطٌ وأهدافٌ إن روعيت فيها؛ نُدب إلى ممارستها، وإذا اختلَّ واحدٌ منها؛ تغيَّر
__________
(1) -أمين أنور الخولي. الرياضة والمجتمع. عالم المعرفة، ط1، 1416هـ/ 1996م: ص25.
(2) -عبد الغني بن محمد، أتعرف على الرياضة، دار البحّار: عمان، الأردن، ط1، 1430هـ/ 2009م: ص 3 - 5.
(3) -نفسه. (7/93)
صفحة 91
حكمها، فقد تكون مكروهة، وقد يتعدَّى الأمر إلى الحرمة.
وقبل أن آتي على الضوابط والشروط التي يجب أن تراعى عند ممارسة الرياضة البدنية؛ أبدأُ أولا بتأصيل المسألة تأصيلاً شرعيا، فأقول وبالله التوفيق:
أدلة مشروعية ممارسة الرياضة (1):
من الكتاب:
لقد بيَّن الله تعالى أهمّية القوة البدنيَّة والجسدية في كتابه بإشارات مختلفة:
أولا: فتارة يحلّ لنا الطيبات، ويحرّم علينا الخبائث التي تضرُّ بالجسد، والرياضةُ من جملة ما يدفَع الضرر عن الجسد؛ فالرياضة إذن من الطيبات المباحة.
ومن بين الآيات القرآنية الكريمة التي تصُّب في هذا المعنى:
• قوله تعالى: ژک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ںژ (2).
• وقوله: ژ? ? ? ژژ (3).
ثانيا: وتارةً يخبرنا تعالى أنَّه اختار بني آدم ليكونوا في أحسن صورة، والرياضةُ البدنية ممَّا يحافظ على هذا الحُسن من الصورة، من ذلك:
• قوله تعالى: ژS S S ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (4).
• وقوله:ژ ? ? ? ? پ پ ... پ پ ? ? ?? ? ... ? ? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? چ چ چ چ ... ?ژ (5).
ثالثا: وتارة يوضِّح لنا عزَّ وجلَّ أنَّ القوّةَ مطلوبةٌ في الإنسان من خلال ذِكْرِ نماذجَ لمسلمين أقوياءَ، من ذلك:
1 - سيّدنا موسى عليه السلام:
قال تعالى على لسان ابنتي شعيب عليه السلام ژہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ... ژ (6).
__________
(1) -انظر: مهران ماهر عثمان نوري، الرياضة في الإسلام (خطبة جمعة مرقونة، ألقيت بجامع خالد بن الوليد-الخرطوم-، بتاريخ: 13 جمادى الأولى 1427هـ/09 جوان 2006م).
(2) -سورة الإسراء: الآية 70.
(3) - سورة الأعراف: الآية 157.
(4) - سورة الانفطار: الآيات 06، 07، 08.
(5) - سورة الأعراف: الآيتان 31، 32.
(6) - سورة القصص: الآية 26. (7/94)
صفحة 92
وفي هذه الآية دلالةٌ ــــ إضافة إلى وجه الاستشهاد ـــــ على أنَّ القوة البدنية لا بدَّ وأن تكون مقرونةً بالقيم الأخلاقية الحسنة كالأمانة، وهذا ما سيأتي ذكرُه لا حقاً إن شاء الله.
2 - سيّدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام:
وهما يتعاونان على بناء الكعبة؛ إذ يقول تعالى: ژ ? ? ? ... ? ? پ پ پ پ ?? ? ? ? ? ژ (1).
3 - العبد الصالح ذي القرنين:
الذي استثمر قوَّته وطاقَته في الدفاع عن المستضعفين وإسداءِ يد العون لهم؛ حيث صنع لهم سدّاً يقيهم من هجمات يأجوج ومأجوج، وقد طلب منهم أن يبذلوا طاقاتهم البدنية معه فيعينوه على ذلك العمل.
قال تعالى: {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} (2).
رابعا: وهناك آيات أخرى يمكن أن نستأنس بها أيضاً في مسألة حثّ القرآن الكريم على تقوية البنية الجسدية، منها:
• قوله تعالى: ژ s s ک ک ک ک گ گ گ گ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ... ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?? ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ (3).
• وقوله: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ژ (4).
وكلمة: (قَوَّةٍ) وردت نكرةً؛ فهي تشمل كلّ قوّة، ومنها: القوّة البدنية.
من السنة:
من يستقرئُ سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ يجده قد قام ببعض أنواع الرياضات البدنية، وندَب إليها، ويجده قد أقرَّ الصحابةَ على فِعْلِ بعض أنواعها، فمن ذلك:
أولا: رياضة الرمي والمناضلة:
• فعن عقبة بن عامر قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى
__________
(1) -سورة البقرة: الآية 127.
(2) -سورة الكهف: الآيتان 94، 95.
(3) - سورة البقرة: الآية 247.
(4) - سورة الأنفال: الآية 60. (7/95)
صفحة 93
الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «ژ? ? ? ? ? ?}، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (1).
• وكان صلى الله عليه وسلم يحث الصبية على هذه الرياضة المهمة؛ أي رياضة الرمي، فعن سلمة بن الْأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ»، فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟» قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» (2).
• ولم يجمعِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد إلا لسعد بن أبي وقاص؛ لرمايته في الجهاد. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُفَدِّي رَجُلاً بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» (3).
• وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم خمسُ قِسِيٍّ يرمى بها: البيضاء، والصفراء، والزوراء، والروحاء، والكتوم.
• وجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم اللعب بالسهام من نوع اللهو الذي يُؤجر عليه الإنسان.
عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان، فملَّ أحدهما فجلس فقال الآخر: "كسلت؟ " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ شيءٍ ليسَ من ذكر الله فهوَ لغوٌ ولهوٌ إلا أربعةُ خصالٍ: مشيٌ بين الغرضين، وتأديبُه فرسَه، وملاعبتُه أهلَه، وتعليمُ السباحة» (4).
ثانيا: رياضة السباحة:
• ففي الحديث السابق ذِكره عدَّها النبي صلى الله عليه وسلم من اللهو المأجور عليه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «كلُّ شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو إلا أربع خصال: ... » وذكر
__________
(1) -رواه مسلم، كتاب: الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه، رقم: 3633.
(2) -رواه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: التحريض على الرمي، رقم: 2764.
(3) -متفق عليه واللفظ للبخاري. البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: المِجَنِّ ومن يتَّرِس بتُرس صاحبه، رقم: 2770. ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة ــــــ رضي الله تعالى عنهم ـــــــ، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص ـــــــ رضي الله عنه ــــــ، رقم: 4534.
(4) -رواه النسائي، السنن الكبرى، كتاب: عشرة النساء، ملاعبة الرجل زوجته، رقم: 8669. (7/96)
صفحة 94
منها: «وتعليم السباحة» (1).
• قال ابن عباس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُه يسبحون في غدير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليسبح كلُّ رجل منكم إلى صاحبه». فسبح كل رجل منهم إلى صاحبه وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فسبح النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر حتى عانقه وقال: «أنا إلى صاحبي، أنا إلى صاحبي» (2).
• وكان عمر رضي الله يرشد إلى تعليم السباحة، قال أبو أمامة بن سهل: كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح: «أنْ علِّموا غلمانكم العوْمَ، ومقاتِلَتَكم الرَّمْيَ» (3).
وقد كانت العربُ تسمّي من أتقن الكتابة والسباحة: الكامل؛ لقلَّة من يجمع بين هذين الأمرين في ذاك الوقت.
ثالثا: ركوب الخيل:
• وقال صلى الله عليه وسلم: «الْخَيْلُ معقود في نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (4).
• وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أصحابه وهم بأذربيجان: «أما بعد؛ فاتَّزروا، وارتدوا، وانتعلوا، وارموا بالخفاف، واقطعوا السراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم، وزي العجم، وعليكم بالشمس؛ فإنها حَمّام العرب، واخشوشنوا، واخلولقوا، وارموا الأغراض، وانْزُوا على الخيل نَزْواً» (5).
والمقصود: أن تُركب الخيل بلا اعتماد على الأيادي، فيمتطي الفارس جواده بأن يقفز على ظهره، وهذا ما كان يفعله رضي الله عنه.
رابعا: الجري:
• فعن أمِّنا عائشة رضي الله عنها قالت: كنتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ. فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ» (6).
خامسا: رياضة المصارعة:
• فعن عَلِيِّ بْنِ رُكَانَةَ: أَنَّ رُكَانَةَ ـــــ وكان رجلاً شديداً ــــ صَارَعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (7).
سادسا: رفع الأثقال:
• وهي من الرياضات التي أقرَّها النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ فقد مرَّ صلى الله عليه وسلم بقوم يربعون (8) حجراً ليعلوَ الأشدّ منهم، فلم ينكر ذلك (9).
وبعد سرد هذه الأدلة؛ يبدو لنا جليّاً كيف اعتنت الشريعة الإسلامية بالنشاط البدنيّ، وندبت إليه، لكن لابدَّ من توفُّر شروط وضوابطَ حتى لا تحيد الرياضة عن مقصدها الذي شُرِعت من أجله، ويمكن أن نقسِّم هذه الضوابط إلى قسمين باعتبار ممارِسها: ذكراً أو أنثَى، فهناك ضوابطُ عامّةٌ لهما، وهناك ضوابطُ خاصّةٌ بالمرأة؛ للعناية التي أحاطها الإسلام بها.
أولا: الضوابط الشرعية لممارسة الرياضة:
الضوابط الشرعية العامّة لممارسة الرياضة: (10)
لقد رغّب الإسلام في الرياضة وندب إليها كما أشرتُ إلى ذلك سابقا، ولكن لم يُترَك الأمرُ مفتوحاً، بل هناك بعض الضوابط الشرعيَّة يجب مراعاتها عند ممارستنا للرياضة، وإلا فإنّها تكون حينئذ نشاطا محرَّماً. ويكمن إيراد هذه الضوابط فيما يلي:
الضابط الأول: أن لا تلهي عن واجب
ألاَّ تلهي الرياضة عن واجب شرعي، كإقامتها في وقت الصلاة المكتوبة، أو ما يقارب وقتها، وحكمه في ذلك حكم ما يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (11).
الضابط الثاني: مراعاة المقاصد الحسنة الشرعية عند مزاولة الرياضة
مراعاة المقاصد الحسنة الشرعية عند مزاولة الرياضة، لحديث: «إنما
__________
(1) - سبق تخريجه.
(2) -رواه الطبراني، المعجم الكبير، من اسمه عبد الله، وما أسند عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما-، عكرمة عن ابن عباس، رقم: 11468.
(3) -رواه البيهقي، السنن الكبرى، كتاب: السبق والرمي، باب: التحريض على الرمي، رقم: 18360.
(4) -رواه مسلم، كتاب: الإمارة، باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، رقم: 3480.
(5) -رواه ابن حبان، كتاب: اللباس وآدابه، ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه، رقم: 5532.
(6) -رواه أبو داود، كتاب: الجهاد، باب: في السَّبْق على الرجل، رقم: 2227.
(7) -رواه أبو داود، كتاب: اللباس، باب: في العمائم، رقم: 3574.
(8) -بمعنى: يرفعون. ابن منظور. لسان العرب: ج08، ص99، مادة: ربع.
(9) -رواه أبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة، عن عائذ بن أبي عائذ، باب العين، من اسمه عطية، رقم: 4976.
(10) -محمد راتب النابلسي. خطبة جمعة مرقونة تحت عنوان: الرياضة من منظور إسلامي، ألقاها في جامع عبد الغنيّ النابلسي بدمشق بتاريخ: 26 جوان 2006م، ص 07 - 09.
(11) - سورة المنافقون: الآية 09. (7/97)
صفحة 95
الأعمال بالنيات» (1).
كأن ينوي مثلا تقوية الجسد، فإذا كانت الوسيلة أن تمارس الرياضة بهذا القصد النبيل كان مندوبا إليها.
أو ينوي مثلا من ممارسة الرياضة الاستجمامَ المباحَ، لتعينه على القيام بالواجبات المنوطة به في الحياة.
فقد تقرَّر عند الفقهاء رحمهم الله تعالى أنَّ الأمور بمقاصدها، استدلالاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذه قاعدة عظيمة تدخل فيها كلُّ تصرفات المسلم.
قال ابن تيمية: "وسائر ما يتلهَّى به البطَّالون من أنواع اللهو، وسائر ضروب اللعب مِمَّا لا يُستعان به في حقٍّ شرعيٍّ؛ فهو حرام" (2).
الضابط الثالث: وجوب ستر العورات وتجنّب إثارة الغرائز
وهذا شيءٌ واجبٌ عند أداء الرياضة، وكما يُلاحَظ فإنَّ بعضَ الرياضات يكثر فيها كشفُ العورات على وجه مثير للفتنة، وهذا لا يجوز.
الضابط الرابع: عدم اشتمال الرياضة على الضرر والإضرار
فلا يجوز ممارسة الرياضات المشتملة على الضرر والإضرار بالنفس أو بالغير، والتي يمكن أن ينتج عنها خطر حقيقيٍّ، أو يغلب على الظن وجود خطرٍ فيها، كالمصارعة الحرَّة، لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (3)، وقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (4).
وفي الحديث: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى «أَنْ لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (5).
الضابط الخامس: البعد عن المكاسب المحرمّة في الرياضة
مثل القمار، وأخذ العوض المحرَّم في الرياضات التي لا يجوز أخذ العوض في مسابقاتها، كالرهان في سباق الخيل.
الضابط السادس: ألاَّ يترتَّب على إقامة المسابقات الرياضية موالاة أو معاداة
فإنَّ الموالاة والمعاداة إنَّما تكون من
__________
(1) -رواه البخاري عن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-، باب: بدء الوحي، رقم: 01.
(2) -ابن تيمية. المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام. جمعه ورتّبه: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم. ط1، 1418هـ/ 1998م، ج4، ص 57.
(3) -سورة البقرة: الآية 195.
(4) -سورة النساء: الآية 29.
(5) -رواه ابن ماجه، كتاب: الأحكام، باب: من بنى في حقه ما يضر بجاره، رقم: 2337. (7/98)
صفحة 96
أجل الدين، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (1).
قال القرطبي في تفسير الآية: «أي قلوبهم متَّحدة في التوادِّ والتحابِّ والتعاطف» (2).
ثانيا: الضوابط الشرعيّة الخاصّة بالمرأة لممارسة الرياضة (3):
لقد توسّع أعداءُ الإسلام في مجالات عمل المرأة وإخراجها من بيتها قصد إفسادها، فأدخلوها في كلِّ شأن من شؤون الحياة، كالتجارة والصناعة والسكريتاريا، ولو كان هذا المجال منافياً ومجافياً لطبيعتها.
ومن جملة ما أقحموا فيه المرأة، احتراف ممارسة الرياضة دون قيود ودون ضوابط، فحرصوا على تعميمها في كل البلدان خاصة الإسلامية، وعمدوا إلى تيسير السبل لممارستها بكل وسائل الإغراء من مال وشهرة؛ وهذا لعلمهم أن الرياضة النسوية من أسرع الطرق لنشر ثقافة السفور والاختلاط والعري والانحلال، التي يسعون وراءها لتخدير الشعوب وإلهائهم عن مصيرهم.
ولقد بيَّن العلماء رأي الشريعة الإسلامية في ممارسة المرأة للرياضة. وهذا بيان جملة ما قيَّدوه في المسألة.
سبق وأن أشرتُ سابقا أنَّ الأصل في ممارسة الرياضة الجوازُ بل والندب، والأصل في الأحكام الشرعية شمول عمومها للرجال والنساء؛ فالأصل إذن في رياضة المرأة الجواز، فقد رُوي عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فقَالَتْ:
«فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ» (4).
ولكن الإسلام جعل خصائص تُميِّز الذكر عن الأنثى في بعض الجوانب، بدليل قوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} (5).
__________
(1) - سورة التوبة: الآية71.
(2) -القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. تحقيق: هشام سمير البخاري. دار الكتب العلمية: الرياض، السعودية، ط1، 1423هـ/2003م، ج8، ص203.
(3) -إبراهيم بن محمد الحقيل. الأندية الرياضية النسوية نفثة تغريبية وخطوة تخريبية (بحث مرقون بموقع: نور الإسلام الإلكتروني www.islamlight.net)، ص13 - 21 (بتصرف)، و: محمد راتب النابلسي. الرياضة من منظور إسلامي (خطبة جمعة مرقونة): ص 09، 10.
(4) -رواه أبو داود، كتاب: الجهاد، باب: في السبق على الرجل، رقم: 2227.
(5) - سورة آل عمران: الآية 36. (7/100)
صفحة 97
وبما أنّ جسدَ المرأة عورةٌ ما عدا الوجه والكفَّان؛ فإنَّ لممارسة المرأة للرياضة ـــــ إضافة إلى ما سبق ذكره من الضوابط العامة ـــــ ضوابط خاصَّة بها تحدُّها وتنظمها حتَّى لا تجرَّ مفاسد للمجتمع، وتتمثّل في ما يلي:
الضابط الأول:
ألا تمارس الرياضة مع الرجال.
الضابط الثاني:
أن يكونَ المكانُ الذي تمارس فيه الرياضةَ خالياً من الرجالِ.
الضابط الثالث:
أن يكونَ المكانُ الذي تمارسُ فيه الرياضةَ خاليا من آلات التصوير.
هذا ما يمكن قوله في رياضة المرأة إجمالاً، وإذا جئناَ لنفصِّل يمكننا أن نقسِّم رياضةَ المرأة إلى ثلاثةِ أنواعٍ، سنأتي عليها بالتبعِ مع ذكر أقوالِ العلماء في كلِّ نوعٍ:
النوعُ الأوَّلُ:
أنْ تمارسَ المرأةُ الرياضة في منزلها، ولم يمنع هذا النوعَ أحدٌ من العلماء، إلا أن تكون رياضةً عنيفة تضرُّ بالمرأة، وتعارض تركيبها الأنثويَّ.
النوعُ الثاني:
أنْ تمارسَ المرأةُ الرياضة في ناد صحيٍّ أو رياضي أو في قاعات، وهذا النوع على قسمين:
1 - أن تكون هذه النوادي أو القاعات مغلَقة وخاصة بالنساء، وخالية من المنكرات، وهذه لا يمنع منها العلماء، وإن كرهوها؛ لما فيها من خروج المرأة من منزلها بلا حاجة، وهذا مخالِف لأصل قرارها في البيت الذي جاء الأمر به في قول الله سبحانه {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (1).
وأشرفُ شيء تخرج المرأة له الصلاة في المسجد مع جماعة المسلمين، ومع ذلك فصلاتها في بيتها خير لها كما جاء في الحديث؛ ولما يخشونه من التوسع في ذلك.
2 - أن تكون القاعات مختلطة أو تحوي منكرات، مثل:
أ-الموسيقى الصاخبة بدعوى أنها تحمس الرياضية.
ب-تهتُّك النساء في اللباس وإبداء العورات: مثل ممارسة الرياضة بمايوهات السباحة ونحوها، وهذا مما لا يجوز حتى بين النساء بعضهن مع بعض.
النوع الثالث:
أن تكون الرياضةُ بالنسبة للمرأة أساساً لها وأصلاً؛ وذلك بـ:
__________
(1) - سورة الأحزاب: الآية 33. (7/101)
صفحة 98
أولا: إنشاء أندية رياضية نسائية للمشاركة في المسابقات الرياضية المحلية والعربية والعالمية، على غرار الأندية الرجالية، سواء كان المشتركات فيها هاويات أم محترفات.
ثانيا: فرض الرياضة على البنات في مراحل التعليم، وتقرير الرياضة مادةً أساسيةً في تعليم البنات ذريعة لإنشاء أندية رياضية نسائية على غرار أندية الرجال؛ وهذه الخطوة تنطوي على مفاسد كثيرة منها ما يلي:
1 - وقوع الفتاة الرياضية في الاختلاط بالرجال: دون ضرورة أو حاجة لذلك، وهي منهية عن الاختلاط بالرجال، واختلاطها سيكون في أماكن عدة منها:
• الاختلاط في المدرجات؛ لأنه ليس من المعقول أن يكون عندنا أندية رياضية نسوية ولا يوجد مشجعات، ولو تم في البداية فصل الرجال عن النساء في المدرجات فإنه سينتهي في النهاية بالاختلاط.
• الاختلاط في التدريب، ومعلوم أن الذين يدربون الفرق النسائية أو الرياضيات في الرياضة الفردية ـــــ عالمياً وعربياً ـــــ غالباً هم من الرجال، فالفريق الرياضي النسوي، والمرأة الرياضية في الفرق الاحترافية لا بد أن تتعامل مع الرجال وتختلط بهم.
• الاختلاط في اللعب، وهناك مطالبات قوية من الجمعيات النسوية المتطرفة لإلغاء التمييز بين المرأة والرجل في الفرق الرياضية بحيث يكون الفريق الواحد خليطاً من الرجال والنساء، وأن تقابل الفرق الرجالية الفرق النسائية، ومن المتوقَّع أن تخضَع اللجان الأولمبية مستقبلاً لهذه المطالبات.
2 - الخلوة في رياضة النساء: والمرأةُ منهيةٌ عن الخلوة بالرجل الأجنبي في أحاديث كثيرة، وخلوتها بالرجل ستكون في حالات عدة منها:
• خلوتها بالمدرِّب أو المدلِّك بسبب إصابة أو غير ذلك.
• خلوتها ببعض زملائها في النادي.
• خلوتها بالمسؤول عن النادي.
وكلُّ هذه المحاذير ليست خيالية أو متوقَّعة بل هي واقعُ الأندية الرياضية في كلِّ مكان، ولا يمكن الاحترازُ منها مهما وضعنا من احتياطات؛ لأنَّ طبيعة الأندية الرسمية تحتِّم ذلك.
3 - سفرُ الفتاة الرياضية بلا محرَم: ذلك في مشاركاتها المحلية والعربية والدولية.
4 - مسُّ جسدها من الأجانب: وذلك مثل أن يمس المدرِّب جسدَ المتدرِّبة للتأكد من إتقانها لما تقوم به، أو مسُّه من (7/102)
صفحة 99
الطبيب أو المدلِّك عند الإصابة؛ لأنَّ الرياضة مظنة الإصابة.
5 - التبرج والسفور.
6 - ما تضطر إليه الفتاة الرياضية من تغيير ملابسها للتدريب أو المباراة في غير بيتها: وقد جاء النهي الشديد من الرسول صلى الله عليه وسلم كما روى أبو الْمَلِيحِ الْهُذَلِيُّ رحمه الله تعالى: «أَنَّ نِسْوَةً من أَهَلْ حِمْصَ اسْتَأْذَنَّ على عَائِشَةَ فقالت: لَعَلَّكُنَّ من اللَّوَاتِي يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ، سمعتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا في غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا فَقَدْ هَتَكَتْ سِتْرَ ما بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله» (1).
بعد هذا نأتي إلى ذكر المصالح والمفاسد المترتِّبة عن الرياضة البدنية الممارَسة في زماننا هذا، ولو أني قد أشرتُ إلى بعضها ضمن الضوابط والشروط، ولكن لا بأس من ضمَّها إلى هذا العنصر أيضاً حتى تكتمل الصورة وتتضِّح.
فوائد الرياضة ومحاذيرها الشرعية (2):
أولا: فوائدُ الرياضة:
1 - الفوائد الصحية:
• زيادة كفاءة القلب وتنشيط الدورة الدموية، وهذا يؤدي إلى تحسين أداء وظائف الجسم مثل الجهاز التنفسي والكليتين وغيرهما من الأجهزة.
• الوقاية من كثير من الأمراض، كأمراض القلب والضغط والسكر ...
• الارتقاء بالحالة النفسية وتحسين المزاج، والتخلُّص من الهم، والتوتر، والقلق، والحزن ...
• إخراج الفضلات السامَّة؛ إذ تمنع من تراكمها في الجسم، فالرياضة تسخِّن الأعضاء وتسيل فضلاتها فلا تجتمع مع الوقت والتي يؤدي تراكمها إلى كثير من الأمراض مثل: ضغط الدم، وتصلب الشرايين، والسكري، والتهاب المفاصل ...
__________
(1) -رواه ابن ماجه، كتاب: الأدب، باب: دخول الحمام، رقم: 3748.
(2) -انظر: مهران ماهر عثمان نوري. الرياضة في الإسلام (خطبة جمعة مرقونة) ألقيت بمسجد: خالد بن الوليد بالخرطوم، بتاريخ: 13 جمادى الأولى 1427هـ/ 09 جوان 2006م، و: رولا القدرة. الصحة في الإسلام (مقال مرقون)، ص 2 - 4، و: مازن اللجمي. الرياضة (مقال مرقون): ص 1 - 3، و: مصعب سليمان الرثيع. الرياضة والصحة (بحث مرقون)، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية الطب. (7/103)
صفحة 100
• تنمية العضلات وتقويتها.
• اكتساب النشاط والحيويَّة؛ ممَّا يعين على تحسين أداء الوظائف اليومية.
• تقليل الدهون في الدم، ممَّا يعني الوقاية من مخاطر ارتفاع نسبة الكوليسترول.
• تحقيق العفاف؛ فإنَّ تراكم السعرات الحرارية ممَّا يهيج الشهوة ويؤجِّج نارها.
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: «وأمَّا تدبيرُ الحركة والسكون، وهو الرياضة، فنذكرُ منها فصلاً يُعلم منه مطابقةُ هَدْيِه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لأكملِ أنواعِه وأحمدِها وأصوبِها، فنقول:
من المعلوم افتقارُ البدن في بقائه إلى الغذاء والشراب، ولا يَصير الغذاءُ بجملته جزءًا من البدن، بل لا بد أن يبقى منه عند كل هضم بقيَّة ما، إذا كثُرتْ على ممرِّ الزمان اجتمع منها شيء له كميةٌ وكيفية، فيضُرُّ بكميته بأن يسدَّ ويُثقلَ البدن، ويُوجبَ أمراضَ الاحتباس، وإن استفرغ تأذَّى البدن بالأدوية؛ لأنَّ أكثرها سُمِيَّة، ولا تخلو من إخراج الصالح المنتفَع به، ويضر بكيفيته، بأن يسخن بنفسه، أو بالعَفِن، أو يبردُ بنفسه، أو يضعف الحرارة الغريزية عن إنضاجه.
وسدد الفضلات لا محالةَ ضارةٌ، تُرِكَتْ أو استُفرِغَتْ، والحركةُ أقوى الأسباب في منع تولُّدِها، فإنها (1) تُسخِّن الأعضاء، وتُسيل فضلاتِها، فلا تجتمعُ على طول الزمان، وتُعوِّدُ البدنَ الخفةَ والنشاط، وتجعلُه قابلاً للغذاء، وتُصلِّب المفاصِل، وتُقوِّى الأوتارَ والرباطاتِ، وتُؤمن جميعَ الأمراض المادية وأكثر الأمراض المِزاجية إذا استُعمِلَ القدرُ المعتدل منها في وقته، وكان باقي التدبير صواباً.
ووقتُ الرياضة بعدَ انحدار الغذاء، وكمال الهضم، والرياضةُ المعتدلة هي التي تحمرُّ فيها البَشْرة، وتربُو ويَتَنَدَّى بها البدنُ، وأما التي يلزمُها سيلانُ العرق فمفرِطةٌ، وأيُّ عضو كثرتْ رياضتُه قَوِي، وخصوصاً على نوع تلك الرياضة، بل كلُّ قوة فهذا شأنُها، فإنَّ مَن استكثَر من الحفظ قويتْ حافِظتُه، ومَن استكثرَ من الفكر قويتْ قُوَّتُه المفكِّرة، ولكلِّ عضو رياضةٌ تخصُّه ... » (2).
2 - الفوائد الاجتماعية (3):
وتتجلى من خلال الثمرات التالية التي تعود بشكل إيجابي على المجتمع:
__________
(1) - أي الرياضة.
(2) -ابن القيم. زاد المعاد في هدي خير العباد: ج4، ص246.
(3) -أمين أنور الخولي. الرياضة والمجتمع: ص131. (7/104)
صفحة 101
• روح التعاون.
• تقبُّل الآخرين بغضِّ النظر عن الفروق.
• اكتساب المواطنة الصالحة.
• اعتياد القيادة والتبعية.
• الانضباط الذاتي.
• الارتقاء الاجتماعي والحراك الاجتماعي.
• تنمية الذات المتفردة.
• مصدر للبهجة والمتعة.
• متنفَّس مقبول للطاقات.
• المهارات النافعة واللياقة.
• المهارات المعرفية والعقلية.
3 - القيم المكتسبة من الرياضة (1):
من خلال ممارسة الرياضة تبنى عدّة قيم، منها:
أولا: القيمة الجسدية: وذلك من خلال تحريك العضلات ومهارات الاستكشاف.
ثانيا: القيمة التربوية: إذ يتاح لممارس الرياضة التعرف على الكثير من المعلومات: كالألوان، والأشكال، والأحجام ...
ثالثا: القيمة الاجتماعية: يتعلَّم كيف يبني علاقات طيبة مع الآخرين، ويتعلم التعاون، وروح الفريق، والأخذ والعطاء ...
رابعا: القيمة الخلقية: يتعلم الصواب، والخطأ، والعدل، والصدق، وضبط النفس، والتفاؤل ...
خامسا: القيمة الإبداعية: إذ يفجر طاقاته وإبداعاته.
سادسا: القيمة الذاتية: يعرف ذاته ومهاراته، وقدراته، ويقارن نفسه بزملائه، ويتعرّف على نقاط ضعفه ويعالجها.
سابعا: القيمة العلاجية: يصرف عن طريق ممارسة الرياضة التوتر الذي يتولد نتيجة قيود مختلفة مفروضة عليه؛ لذا نلاحظ أن الطفل الذي يعامل في المنزل بتسلُّطٍ يلعب خارج المنزل أكثر من غيره فهي أفضل طريقة لتفريغ العدوان المكبوت.
ثم نأتي أخيراً إلى بيت القصيد من هذا الموضوع لنسلِّط الضوءَ على بعض المحاذير الشرعية التي مسَّت بالرياضة بالكيفية التي تمارَسُ الآن، فقد أصبحت الرياضة عقيدةً لدى البعض، وأصبحت أفيوناً للشعوب، وأصبحت تأخذ الحيَّز الكبير من حديث المولعين بها، وكأنها مصيرهم المحتوم، أو كأن الحساب والجزاء متعلِّقٌ بها!!، وفي هذا من الخطورة على
__________
(1) -من كتاب: منهج التربية النبوية للطفل. لـ: محمد نور سويد. (المقال مرفوع من الموقع الإلكتروني www.holol.net). (7/105)
صفحة 102
عقيدة وعبادة المرء ما لا يخفى على ذي لبٍّ.
المحاذير الشرعية للرياضة (1):
الرياضة ـــــ كما تقدَّم ـــــ تحوي على مصالحَ عظيمةٍ يعود نفعها على الفرد وعلى المجتمع؛ وبالتالي على الأمة بمجموعها، ولكن هناك بعض المحاذير التي قد تطرأ عليها ـــــ مشاهدةً وممارسةً (2) ـــــ يمسُّ بعضها بالعبادات، وبعضها يمسُّ بالعقيدة؛ لهذا وجب التنبيه عليها وتفاديها عند مشاهدة أو ممارسة الرياضة. ومن جملة هذه المفاسد نذكر ما يلي:
المفسدة الأولى: إبداءُ اللاعبين لعوراتهم وأفخاذهم:
فعورة الرجل من السرَّة إلى الركبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» (3). وقوله: «ما بين السرة والركبة عورة» (4). ولو أنَّ في سندِ الحديثِ الأول مقالٌ؛ إلا أنَّه أحوطُ كما ذكر ذلك الإمامُ البخاريُّ رحمه الله.
المفسدةُ الثانية: الوقوعُ في محبَّة الكافرين:
فبعضُ الشباب ــــ بل حتى الشابَّات ــــ يعرفون عن اللاعبين الأجانب الكفَّار أكثر ممَّا يعرفونه عن الصحابة والعلماء والصالحين، والله تعالى يقول: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (5).
المفسدة الثالثة: تخدير المسلمين عن قضايا أمَّتهم (6):
فقد جاء في البروتوكول الثالث عشر من برتوكولات حكماء صهيون: «ولكي تبقى الجماهير في ضلال لا تدري ما وراءها، وما أمامها، ولا ما يُراد بها؛ فإنَّنا سنعمل على زيادة صرف أذهانها بإنشاء وسائل المباهج والمسليات، والألعاب الفكهة، وضروب أشكال الرياضة واللهو، ثم نجعل الصحف تدعو إلى مباريات
__________
(1) -انظر: مهران ماهر عثمان نوري. الرياضة في الإسلام (خطبة جمعة مرقونة، ألقيت في مسجد خالد بن الوليد بالخرطوم بتاريخ: 13 جمادى الأولى 1427هـ/ 09 جوان 2006م، ص 06 وما بعدها.
(2) -ولو شئنا التدقيق لقلنا: إن هذه المحاذير قد طرأت عليها بالفعل.
(3) -أخرجه الترمذي عن جَرْهَد الأسلميّ، وقال: هذا حديث حسن ما أرى إسناده بمتصل، كتاب: الذبائح، أبواب: الأدب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب: ما جاء أن الفخذ عورة، رقم: 2790.
(4) -أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، باب: من اسمه محمد، رقم: 1030.
(5) -سورة المجادلة: الآية 22.
(6) -وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد وقعت مجزرة اللعين شارون في صبرا وشاتيلا أثناء كأس العالم عام 1982م. (7/106)
صفحة 103
فنية ورياضية» (1).
المفسدة الرابعة: تضييع الصلاة:
بتأخيرها عن وقتها وهجران المساجد، وربما قد يقصد بعض مشاهدي المباريات المساجدَ أثناء إجراء المنافسة الرياضية أو في استراحة ما بين الشوطين، وقلبه مشغول بها، فلا يدري ماذا قال في صلاته ولا كم صلَّى. فيدخل في وعيده تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (2)، وقوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (3).
المفسدة الخامسة: الفرح لدرجة الطيش بسبب فوز فريق:
فتُرفع الهتافات واللافتات، وتتعالى أبواق السيارات، ويختلط الفتيان بالفتيات، والله تعالى يقول في محكم تنزيله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} (4).
المفسدة السادسة: الحزن والاكتئاب بسبب خسارة فريق:
وربما يصل الأمرُ ببعضهم إلى درجة تطليق زوجته، وتشريدِ أولاده، وتفكيك أسرته، وقد يموت أحدهم حزناً على خسارة فريقه، والعياذ بالله.
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ كريمٌ يحِبُّ الكرمَ ويحبُّ معاليَ الأخلاقِ ويَكرَهُ سَفْسَافَهَا» (5).
المفسدة السابعة: تزايد العنف والعدوانية بين الشعوب:
وقد يقع جرَّاء هذا العنف والعدوانية ضحايا لا ناقة ولا جمل لهم في المسألة، فيحدثُ السباب والقذف بين الأفراد والشعوب، وتتعطَّل المصالح، وتُخرَّب الممتلكات الخاصَّة والعامَّة، وكلُّ هذا من الإفساد الذي لا يحبه الله تعالى (6).
المفسدة الثامنة: القيمُ المزيَّفة كالنجومية:
__________
(1) -عجاج نويهض. بروتوكولات حكماء صهيون. مطابع الكرمل الحديثة: فلسطين، ط1، 1400هـ/1980م، ج2، ص241.
(2) -سورة الماعون: الآيتان 04، 05.
(3) -سورة مريم: الآية 59.
(4) -سورة القصص: الآية 76.
(5) -رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي، كتاب: الإيمان، رقم: 138.
(6) -ولعلّ الجميع يتذكر الفتنة الهوجاء التي كانت بين الشعبين المسلمين الشقيقين الجزائري والمصري بسبب أفيون الشعوب (كرة القدم)، والتي ذهب ضحيتها بعض الشباب الجامعي الذين هم على وشك التخرج، بعد أن صرفوا الأوقات والأموال وتغربوا عن الأهل والأوطان من أجل طلب العلم، فرجعوا إلى بلادهم خوفا على أنفسهم فضاع مستقبلهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (7/107)
صفحة 104
على حساب النجوم الحقيقيين من الأنبياء، والصحابة، والعلماء، والمصلِحين ....
المفسدة التاسعة: تحول الرياضيِّ أداةً في يد مدرِّبه وناديه:
فأصبح اللاعب يُباع ويشترى، وأصبحنا نسمع بأشياءَ أقرب ما تكون إلى عهد العبيد الذي ولَّى منذُ أمد بعيد.
المفسدة العاشرة: التوفير غير العادل للتسهيلات والأموال على حساب أمور مصيرية وأكثر أهمية:
فلو أُعطيت مثل تلك التسهيلات لبعض القطاعات الحساسة كقطاع التعليم والاتصال والاقتصاد ... ؛ لخرجنا من دائرة التخلّف التي نقبعُ فيها ولا نبرحُ.
المفسدة الحادية عشر: التركيز على الفوز بأي ثمن:
ولو على حساب الدين، مثل إعطاء الرشوة، أو إشاعة الدعايات الكاذبة في الطرف المنافس ...
الخاتمة:
بعض هذه النظرة الفاحصة لمفهوم الرياضة في الإسلام، والضوابط التي وضعها الشرع الحنيف لممارستها، نخلص في نهاية المطاف إلى أهمِّ النتائج التالية:
1 - الرياضة من مظاهر اعتناء الإسلام بالصحة؛ إذ يُعتبر الحفاظُ على النفس والعقل من الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لحفظها.
2 - حكم الرياضة في الإسلام هو الجواز وقد يتعدَّاه إلى الندب.
3 - الرياضة أنواعٌ، وبعضها يفاضل بعضاً، فهناك المحرمة، وهناك الجائزة، وهناك المستحبَّة، وأفضل الرياضات على الإطلاق ما كان معيناً للمسلم ضدَّ أعدائه، كالرياضات التي ندب إليها الإسلام مثل: ركوب الخيل، السباحة، الرماية ...
4 - تحرُم ممارسة ومشاهدة الرياضة إذا كان في ذلك تعديّاً على نصوص الشرع وقواعده.
5 - هناك ضوابطُ شرعية عامَّة تَضْبِطُ ممارسةَ الرياضة، وزيادةً عليها هناك ضوابطُ خاصَّة بالمرأة لما لها من خصائص تميِّزها عن الرجل.
6 - للرياضة منافعُ جمَّة تعود على الفرد والمجتمع، ولها كذلك سلبيات يعودُ ضررُها على عقيدة ودين الفرد والمجتمع إذا تجاوزت الإطارَ الذي سُطِّر لها.
توصية:
هذه أهمُّ النتائج المستقاةِ من هذا البحث حسب الزاوية التي تناولته منها، (7/108)
صفحة 105
ولا أدَّعي أني أحطت بالموضوع بحثاً وعلماً وتأصيلاً، بل هناك العديد من المسائل التي لا تزالُ عالقةً في مسألة الرياضة البدنية تنتظرُ من المجامع الفقهية البحثَ والتنقيبَ عنها باعتبارها من المستجدَّات، ولعلَّ من أهمِّها قضيةُ الاحتراف في الرياضة من وجهة الشرع هل هو مباحٌ أو محظورٌ؟، وهل الأجرُ الذي يتقاضاهُ محترفُوا الرياضةِ يعدُّ من الكسب الحلال أم لا؟، وما هو حُكْمُ الشرع في الأموال الطائلة التي تُصرَف في هذا الجانب؟.
- - - (7/109)
صفحة 106
اللغة العربية والفكر العالمي
الدكتور: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
كلية الآداب ــــ جامعة الحاج لخضر ــــ باتنة
م
مقدمة:
إنّ التّركيبة أو الجملة «اللّغة العربية والفكر العالمي»، التي تحمل طرفين، وصل بينهما حرف (الواو)، تثير مجموعة من الموضوعات، وتشير إلى مجموعة من الاهتمامات، وتقدّم مجموعة من الأطروحات، وتبرز مجموعة من قضايا اللّغة العربية ... كلّها تطلب ضرورة معالجة هموم هذه اللّغة، وتدفع وتدعُّ الدّارس دعًّا ليبحث في صميم هذه اللّغة، التي أثارت جدلاً كبيرًا حولها وما تزال. فماذا تعني المعادلة المعروضة للبحث والدّرس والتّحليل:
1 - هل تعني البحث في العلاقة بين العربية والفكر العالمي؟ علاقة توافق وتعاون وتآزر، أو علاقة تضاد وتناحر وتنافر؟ علاقة تأثير وتأثّر؟ وما جدوى هذا على مسيرة الفكر الإنساني؟ علاقة غالب بمغلوب، علاقة هيمنة وسيطرة وسيادة؟ ...
2 - هل يقصد بها إبراز مكانة اللّغة العربية في الفكر العالمي، ومكانها في خريطة تطوّر هذا الفكر؟ والغاية بيان دورها وفضلها في بناء الحضارة الإنسانيّة؟
3 - هل تبحث المعادلة في حضور العربيّة في الفكر العالمي حاليا من غيابها؟
4 - هل تهدف إلى تسجيل تخلّف هذه اللّغة عن ركب الفكر العالمي؟ فيكون لزامًا البحث في عوامل هذا لتلافيها؟
5 - هل تطلب دراسة سبل النّهوض بها، وبعث أمجادها، وتصحيح مسارها ... لتسهم في تطوير الحياة الفكرية والثّقافية؟
مهما تكن الغاية من وضع هذا العنوان، ومهما يكن مضمون هذه الجملة، فإنّنا نسجّل أهمية كلّ ما تثيره من موضوعات. هي في المحصّلة تبرز الاهتمام بخدمة هذه اللّغة، وتُبين عن أهميّتها؛ لما تثيره من مجموعة هذه الاهتمامات والأسئلة وغيرها.
نحن في هذه الدّراسة لا نتطرّق لهذه الموضوعات، ولا ندرس هذه العلاقة. إنّما نسجّل مكانة اللّغة العربيّة، وقيمتها ودورها في الحضارة الإنسانية، ودورها التي ستقوم (8/109)
صفحة 107
به في مسيرة الفكر العالمي. ونركّز على البحث في الأسباب المعيقة لمسيرتها ولدورها في الإسهام في سيرورة الفكر العالمي وتطوّره، عسى يمكّنها هذا من استرجاع مكانتها الرّائدة في الحضارة الإنسانية، وتتهيّأ لها الأجواء والمناخ كي تتطوّر وتقوم بدورها في هذه المسيرة. نعتمد في هذا البحث عرضَ أسئلة وأطروحات، تمهّد السّبيل للوصول إلى الخطوات التي تمكّنها وتساعدها على الاندماج في مسيرة الفكر العالمي بقوّة وبفاعليّة، كما كانت في زمن الخصب والازدهار. هذا التّناول وهذا العرض يبدأ بالتّذكير ــــ باختصار ــــ بمقوّماتها وقيمتها.
أولا: مكانة اللغة العربية
1 – يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: " من أهمّ ميزات اللّغة العربيّة اليوم قِدَمُها، فهي تكاد تكون أقدم لغة حيّة مستعملة اليوم؛ لأنّ نصوصها المكتوبة تعود إلى أكثر من خمسة عشر قرنًا خلت، بينما لا يزيد عمر الإنقليزية أو الفرنسية أو الإسبانية على السّبعة أو الثّمانية قرون. فإنّ أنظمة هذه اللّغات الصّوتية والصّرفية والنّحوية لم تكوّن إلاّ بين القرنين الثّالث عشر والرّابع عشر الميلاديين. ثمّ إنّ العربيّة قد بقيت على امتداد تاريخها الطّويل محافظة على وحدتها، فلم تتصدّع لتنقسم إلى لهجات، على غرار ما حدث للّغة اللاّتينية، ولم يطرأ على أصواتها وأبنيتها وتراكيبها تبدّل يذكر، ولم تنقسم – لذلك – إلى عربية قديمة وعربية حديثة، قد يستعصي القديم منها على فهم المحدثين." (1)
قيمة اللّغة العربية – حسب ما سجّل النّصّ - تكمن في:
أ – قِدَمها على كلّ اللّغات المتداولة اليوم في السّاحة العلمية والثّقافية، بشكل واسع. كما أنّ الأنظمة الصّوتية والصّرفية والنّحوية لهذه اللغات المستعملة اليوم تأخّر تكوّنها إلى ما بعد استواء اللّغة العربية على سوقها، واكتملت لها بنيتها، التي حدّدت طبيعتها وهويتها، لقد تأخّر ذلك بحوالي عشرة قرون كاملة.
ب – تمكّنت من المحافظة على وحدة تكوّنها، وانسجام تراكيبها، رغم العواصف التي تعرّضت لها، ومحاولة تقسيمها إلى لهجات ولغات محليّة، لسبب أو لآخر. فلم يكن فيها عربية قديمة وأخرى حديثة، كما حدث للّغات
__________
(1) - الدّكتور إبراهيم بن مراد، " مكانة اللّغة العربية بين لغات العالم الواسعة الانتشار"، كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، إصدار المنظّمة العربية للتّربية والثّقافة والعلوم، تونس، 1990م، ص: 215. (8/110)
صفحة 108
الأوروبية، بالرّغم من تكوّنها المتأخّر عن اللّغة العربيّة.
ج – بقيت أصولها ثابتة، وبنيتها قائمة، تستجيب للتّطوّرات التي حدثت في المعارف التي تتأثّر بها اللّغة قطعًا، فاستجابت وتكيّفت معها، من دون ضياع أصولها، وهو ما لم يحصل مع اللّغات الأخرى، التي انقرضت، أو حصل لها انحراف أو تشويش أو تشوّه في كيانها وطبيعتها.
كلّ هذه المؤشّرات أو المظاهر تكشف عن أصالة اللّغة العربية وقوّتها التي تبوّئها المكانة الرّفيعة، وتبقيها حيّة قادرة على مزيد من العطاء والإبداع بالفعل؛ لأنّها تملك ذلك بالقوّة. هذا ما يمنحها عُدّة المحافظة على عالميتها، مهما تكن الظّروف التي تمرّ بها، أو تدفع إليها ... (1)
2 - يقول الدّكتور حسين نصّار: " إنّ أكبر تحدٍّ واجهته العربيّة كان عندما أخرجها الإسلام من جاهلية غنيّة كلّ الغنى في الإبداع الأدبي، فقيرة كلّ الفقر إلى حدّ الإملاق في الإنتاج العلمي، ثمّ ألقى بها في بحر وافر من الحضارات والعلوم والفلسفات والفنون، وكلّ صنوف المعرفة التي ابتكرتها الأمم المتاخمة للجزيرة العربية، ويسجّل المؤرّخون كيف انبثقت حركة فكرية منذ أواخر القرن الهجري الأوّل، وكيف انفردت الشّعوب النّاطقة بالعربية (من الشّعوب النّاطقة بالسّريانية والفارسية واليونانية) بالرّيادة العلمية والحضارية في مجال البحث العلمي والتّرجمة والتّعريب."
يقول غوستاف لوبون: " لقد أصبحت اللّغة العربية لغة عالمية في جميع الأقطار التي احتكّت مع الشّعوب العربيّة، حيث تراجعت أمامها حتّى اللّغة اللاّتينية في شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس). ولقد أدرك أولو العلم في تلك الفترة أنّ اللّغة العربيّة هي الوسيلة الوحيدة لنقل العلوم والفنون والآداب، بل لقد اضطرّ رجال الكنيسة إلى تعريب مجموعاتهم القانونية لتسهيل قراءتها في الكنائس الإسبانية" (2)
__________
(1) -عن عالمية اللّغة العربيّة في القديم، وازدياد هذه العالمية وقوّتها ... ينظر المرجع السّابق، ص: 216 وما بعدها. وعن مكانة اللّغة العربيّة بين اللّغات العالمية ينظر الدّكتور أحمد بن نعمان، كتابُه مستقبل اللّغة العربيّة بين محاربة الأعداء وإرادة السّماء، ط1، شركة دار الأمّة، الجزائر، 2008، ص: 289، 290. ومقال الدّكتور عبد الجليل مرتاض، "العربيّة ورهانها العولمي لسانيا"، كتاب العربية الرّاهن والمأمول، (المجلس الأعلى للّغة العربيّة، الجزائر)، 1430هـ/ 2009 م، ص: 705 – 743.
(2) -الدّكتور بكري عبد الكريم، «عالمية اللّغة العربية: الرّؤية والأداة»، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 285. (8/111)
صفحة 109
هذا النّصّ يسجّل للّغة العربية عالميتها، التي كانت تتمتّع بها في القديم بخاصّة؛ بما قامت به من أدوار في البناء الحضاري، وتطوير وسائل الإفادة وتفعيل مجالات الحضارة الإنسانيّة بعامّة. وهو ما دفع بغالبية الشّعوب التي احتكّت بها أن تتعامل بها في مختلف حقول المعارف الإنسانيّة. إنّ هذا يقرّ بدورها الرّيادي في مسيرة الفكر العالمي، ويبرز مكانتها الحضارية.
3 – هذه المكانة الحضارية العالمية، اكتسبتها اللّغة العربيّة بفضل ما تتمتّع به من مميّزات وإمكانات لصهر الثّقافات التي احتكّت بها، بعد أن استوعبتها، وكيّفتها بما لا يمسّ بأصولها. إنّ هذا يمنحها المرونة في تقبّل الثّقافات الأخرى. هذا عنصر آخر يضاف إلى مكانتها العالمية. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: " بهذه البدهيات العلمية، الحضارية، الإنسانية تمّ إنتاج الحضارة (العربية – الإسلامية - العالمية) التي صهرت المعارف العلمية، والفلسفية، والثّقافية، والحضارية عند أمم كثيرة، في مختبر البيئة الفكرية الحضارية الجديدة، وسجّلت النّتائج بلغة عربيّة، أثبتت قدرة متفوّقة على احتواء إبداعات العقل اللاّمحدود، فاغتنت اللّغة العربيّة بمفردات غريبة عن التّداول الاجتماعي، ولكنّها لم تكن غريبة عن طبيعة تكوينها وخصائصها ومميّزاتها." (1)
4 – تميّزت بصفة التّأثّر والتّأثير بلا حدود، مع المحافظة على هويّتها وشخصيتها. هذه سمة اللّغات القويّة الغنيّة بالعناصر الحيّة التي تعطي وتأخذ، وهو ما يمنحها فرصة التّطوّر والتّجدّد. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: "احتضنت اللّغة العربيّة حصاد الفكر العربي، الذي خضع في خلال رحلة الفكر اللاّمحدود إلى مؤثّرات داخليّة وخارجيّة، بدأت بالتّفاعل التّجاري والحضاري والاجتماعي مع شعوب غير عربيّة، فأمدّتْهم التّجربة الإنسانيّة القائمة على الحوار والتّبادل والتّفاعل بمفردات، لم تكن في أصل المنطوق العربيّ، ونقلوا أيضًا إلى الآخر مفردات دخلت مع حركة الزّمان، في أصل لغتهم، فأثبتت اللّغة العربيّة قدرتها على التّأثّر والتّأثير، وأكّدت على سلامتها وأصالتها بقبول الكثير من المفردات غير العربيّة، وحافظت على مقوّماتها؛ بالرّغم من تعدّد اللّهجات، التي لم يُحفظ منها إلاّ ما يتوافق وطبيعتها، ولا يتناقض وجوهرها وخصائصها. " (2)
__________
(1) - الدّكتورة مها خير بك ناصر، "إشكالية اللّغة العربيّة والعولمة في ضوء البنية اللّغوية وكيميائية التّحوّل"، مجلة اللّغة العربيّة (المجلس الأعلى للّغة العربية)، الجزائر، ع: 16، خريف 2006، ص: 282.
(2) - المرجع السّابق، ص: 286، 287. (8/112)
صفحة 110
يسجّل النّصّ مظهرًا آخر من مظاهر القوّة، التي تُبين عن جدارة اللّغة العربيّة في أخذ سمة العالمية، إنّها صفة التّأثّر والتّأثير، أي قبول مفردات من لغات أخرى، وإغناء أخرى بمفردات من بناتها. من دون المساس بأصولها، ومن دون تضييع خصائصها. هذه الظّاهرة ناتجة عن مرونة اللّغة العربيّة وغناها وسعتها لتقبّل هذا الفعل الحضاري.
5 – هناك جانب آخر مهمّ يبيّن طبيعة اللّغة العربية، هو جانب الاشتقاق، أي هي لغة اشتقاقية. وهي الصّفة التي تجعلها صالحة لكلّ زمان ومكان، وقادرة على استيعاب المستجدّات، والتّفاعل مع أخواتها من اللّغات الأخرى، وفي هذا تقول العربيّة عن نفسها على لسان حافظ إبراهيم:
وَسِعتُ كَتَابَ الله لَفْظًا وَغَايَةً
وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَنْ وَصْفِ آلةٍ
وَتَنسِيقِ أَسْمَاءٍ لمخْتَرَعَاتِ
هذا الجانب القويّ في اللّغة العربيّة يدفع بها أن تكون عالمية، يستفيد منها البشر بمختلف أجناسهم، وبخاصّة الباحثون في اللّسانيات. إنّه أحد مظاهر قوّتها وحيويتها وعلميتها. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: «تظهر الدّراسات اللّغويّة المنطقيّة والموضوعية ديناميكية اللّغة العربيّة التي أَكسبَتْها حركيّة فيزيائيّة وخصائص كيميائيّة، ساعدت في حفظ بذور هذا الفكر العالمي، وتحصينه في مختبرات الفكر الإسلامي الإنساني، وذلك من خلال الطّاقة الحركيّة الاشتقاقية والتّوليديّة، التي أسهمت في رعاية عملية تخصيب العلوم والمعارف العالميّة، في مختبرات لغويّة عربيّة، خَمّرت المواد المعرفية؛ وَفق ما تفرضه شروط التّجربة، وما تتطلّبه من وسط لغويّ سليم، قادر على استيعاب المكوّنات وتحفيزها في إعادة إنتاجها وتدوينها إرثًا حضاريًّا إنسانيًّا كونيًّا، شارك في صنعه عباقرة عرب وغير عرب». (1)
6 – ما تملكه اللّغة العربيّة من مميّزات قويّة، جعلتها تتبوّأ مكان الصّدارة بين اللّغات الفاعلة المؤثّرة، الدّليل على ذلك المكانة التي كانت عليها أو فيها زمن الخصب والنّماء والقوّة. يذهب الدّكتور عبد الجليل مرتاض بعيدًا حين يقرّر أنّ العولمة الحالية استمدّت جذورها ونبتت بذورها في حقل اللّغة العربيّة: " ... ولكن ما وقفنا عليه يدفعنا إلى أن نميل إلى القول، وبكلّ اطمئنان: إنّ اللّغة العربيّة كسبت رهان العولمة القديمة، التي تأسّست على تراثها وأصالتها وجذورها، هذه العولمةُ الجديدة. ولئن كانت العولمة الجديدة
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 288. (8/113)
صفحة 111
موجّهة ومُسيّسة ووجبات مطبوخة على قدّ الذّوق والمقاس اللّذين، ترغب فيهما الدّول المسمّاة كبرى، فإنّ العولمة التي قادتها اللّغة العربية قرونًا من الزّمن، من أقصى آسيا شرقًا إلى غرب أوروبا جنوبًا، لم تكن قاهرة، ولا مجبرة إقليميًا وشعبًا؛ لاتّخاذها لغة، أو تَبَنِّي خطّها رسمًا" (1).
يضيف هذا النص عناصر أخرى مهمّة، تُبين عن قيمة اللّغة العربيّة وفضلها على الفكر العالمي أو دورها – على الأقل – في الفكر الإنساني:
أ-إنّ العولمة الجديدة التي تتبجّح بريادتها للعالم، وبتوجيهها لمسار الفكر العالمي، سُبِقت في هذا المسار بعولمة قديمة، هي عولمة اللّغة العربيّة.
ب-إنّ العولمة الجديدة تأسّست على أعقاب العولمة القديمة، التي كانت اللّغة العربيّة هي البانية لها، وبذلك كسبت هذا الرّهان.
ج-إنّ العولمة الجديدة انبنت على الهيمنة والسّيطرة والقهر، ولذلك تظهر فيها آثار التّسييس المفرط، والتّوجيه المغرض، والتّغرير الماكر ... بينما العولمة القديمة كانت بعيدة كلّ البعد عن هذه السّياسة وهذا التّوجّه، بل اجتهدت في خدمة الفكر؛ بما تملك من مقوّمات قويّة صالحة للتّطوير القويّ، والتّنمية الشّاملة.
7 – تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: "لم تخسر اللّغة العربيّة في زمن نهضة العرب قيمتها الحواريّة، أو طاقاتها الاختزالية المعرفيّة، بل أثبتت عبر تاريخها قدرتها على نقل ما ينتجه الفكر الإنساني، وتكريس المنتج قيمًا معرفيّة، تختزل عمليات التّلقّي والتّأثير، وانعكاساتهما في مظاهر الحياة السّياسيّة والدّينيّة والاقتصاديّة والتّاريخيّة والفكريّة والفلسفيّة والعلميّة، فتميّزت اللّغة العربيّة بالخصوبة والحيويّة والنّموّ والتّطوّر المؤسّس على الأصول ... " (2)
8 - أصالة مقوّمات اللّغة العربية، وآثارها الإيجابية التي ظهرت في مختلف مراحل مسيرة الفكر الإنساني العالمي، منحت هذه اللّغة الفرصة أن تعيد مكانتها بين اللّغات المؤثّرة في الحياة العامّة الحالية، رغم ما تعانيه من مشاكل ومعوّقات ومثبّطات في مسيرتها ــــ داخليًا وخارجيًا ـــــ في المشاركة الحضارية الفاعلة في الحياة اليومية. يقول الدّكتور عادل نوفل: "لقد أثبتت
__________
(1) - الدّكتور عبد الجليل مرتاض، "العربيّة ورهانها العولمي لسانيًا"، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 729.
(2) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 285، 286. (8/114)
صفحة 112
اللّغة العربيّة عالميتها، بعد أن اعتُمدت في منظّمة الأمم المتّحدة كلغة من لغات هذه المنظّمة، وأثبتت اللّغة العربيّة عِلميتَها، بعد أن استُخدِمت بنجاح باهر في التّعليم العالي، في كافة العلوم الأساسيّة والطّبيّة والهندسيّة ... في الجامعات السّورية، وفي بعض الجامعات العربيّة، وأثبتت حيويتها بقدرتها الفائقة على استيعاب كلّ جديد في مختلف المجالات العلميّة والأدبيّة، بعد أن نُقل إليها ألوف الكتب والمؤلّفات في العلوم والآداب والفنون على مرّ العصور." (1)
إذا كانت اللّغة العربيّة قد برهنت على عالميتها، وعلى علميتها، وعلى حيويتها، وهي العناصر المكوّنة لقوّة الشّيء، فهي جديرة بأن يلتجئ إليها من يريد أن يستفيد من الحياة ما يعينه على بناء ذاته وشخصيته وكيانه، والتّأسيس لمستقبل حياته. ويتعدّى جدواها إلى إفادة ما حولها وبجنبها من الثّقافات، وهو ما يضفي عليها صفة العالمية بالقوّة والفعل.
9 – قدّم أحمد بن محمد الضّبيب بشرى للمنتسبين للّغة العربيّة والمتعاطفين معها، ولمن يريد الإفادة من مقوّماتها، فحواها: " إنّ دراسة أُجريت في اليابان على اللّغات العالميّة، تستهدف معرفة أكثرها وضوحًا، من النّاحية الصّوتية في استخدامات الحاسب الآلي، أثبتت أنّ العربيّة تتصدّر هذه اللّغات من هذه النّاحية." (2)
10 – ميزة اللّغة العربيّة أنّها شاملة بمكوّناتها صالحة للولوج في مختلف الميادين العلميّة والفكريّة والأدبيّة والتّربويّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والفنّيّة، وكلّ المجالات التي يحتاج إليها البشر، وتلتصق بحياتهم، ويتوقّف عليها تحرّكهم ونشاطهم. يقول الدّكتور محمد مصطفى بن الحاج: "ولم تكسب العربيّة عالميتها هذه بسعة الانتشار وكسب الصّراع اللّغوي فقط، بل كان لها طابعها العالمي لكونها لغة العلم والبحث والمراسلات الدّولية والعلاقات السّياسيّة والاقتصاديّة، كما كانت لغة الآداب والفنون في مختلف الثّقافات التي اعتنق أهلوها الإسلام. ولقد شهد الكتّاب الأجانب المنصفون فيما كتبوه عن تاريخ العلم في العالم، وعن أصول النّهضة
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 760. عن ازدهار اللّغة العربيّة وانتشارها بقوّة في أرجاء كثيرة من المعمورة قديمًا وحديثًا ينظر كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، مقال الدّكتور بكري عبد الكريم: "عالمية اللّغة العربيّة الرّؤية والأداة"، ص: 283 – 294.
(2) - الدّكتور أحمد بوطرفاية، "اللّغة العربية وسهام العولمة"، المرجع السّابق، ص: 777. (8/115)
صفحة 113
الأوربيّة، وعن فضل الحضارة العربيّة، فأبانوا واعترفوا بعالمية الثّقافة العربيّة ولغتها في تلك العصور." (1)
11 – من المكاسب التي ظفرت بها اللّغة العربيّة، التي تكشف عن عالميتها، حصولها على مقاعد لتكون حاضرة في المحافل الدّولية، لتنقل بها اهتمامات العالم العلميّة والثّقافيّة والتّربويّة والسّياسيّة وغيرها، إلى جنب اللّغات الأخرى المتداولة. فقد اعتُمدت في المؤسّسات الثّقافيّة والعلميّة والسّياسيّة الدّوليّة كمنظّمة الأمم المتّحدة واليونسكو، ومنظّمة الأغذية والزّراعة، ومنظّمة الصّحّة العالمية، ومنظّمة العمل الدّولية ...
يقول الدّكتور عبد الكريم بكري إنّ من العوامل الدّافعة لغير العرب إلى تعلّم اللّغة العربيّة: "اهتمام الجامعات الأجنبية بالحضارة العربية والثّقافية الإسلامية، ممّا يمكن اعتباره استمرارًا للحركات الاستشراقية التي عرفها الغرب في القرون الأخيرة، والتي كانت تحرص على معرفة الثّقافة الإسلامية في لغتها الأصلية." (2)
12 – ممّا يستدلّ به أيضًا شاهدًا على عالمية اللّغة العربية حضورها المكثّف في أمريكا، في جامعاتها ومؤسّساتها، لدوافع كثيرة مختلفة. ومهما يكن تفسير هذا الوجود في هذا القطر الذي يريد أن يستحوذ على العالم، ويسيطر على مقدّراته، ويفرض نفسه وثقافته على الجميع، فإنّ حضور اللّغة العربيّة في مجالها الحيوي، وفي حياة شعبها يبرز ما لهذه اللّغة من أهميّة. استثمارُ ذلك استثمارًا إيجابيًا ممنهجًا ومخطّطًا، وبإرادة حكوميّة وشعبيّة، يضيف مؤشّرًا آخر وعاملاً آخر في تأكيد عالمية العربيّة من جديد، ويوفّر لها الفرصة كي تتبوّأ مكانتها في الفكر العالمي راهنًا ومستقبلاً. يقول الدّكتور وليد العناني في سياق عرضه مظاهر حضور اللّغة العربيّة في الجامعات الأميركية، بعد أن سجّل ظاهرة إرسال الطّلبة الأمريكيّين إلى الجامعات العربية: "ويقترن بهذا المظهر مظهر أكاديمي آخر، يتمثّل في إقامة علاقات التّبادل الثّقافي وبرامج تعليم العربيّة في ما وراء البحار؛ فقد عقدت كثير من الجامعات الأمريكيّة برامج الدّورات اللّغويّة في البيئة العربيّة، حيث يمضي فيها طلبة البرنامج مدّة معيّنة في إحدى الدّول العربيّة، وغالبًا ما تكون في الصّيف. وظاهر أنّ الغرض الرّئيسي من هذه الدّورات اكتساب كفاية تواصلية مناسبة بالعربيّة، واكتساب قدر مناسب من الثّقافة العربيّة
__________
(1) - الدّكتور محمد مصطفى بن الحاج، "عالمية اللّغة العربية"، كتاب من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 258.
(2) - كتاب العربية الرّاهن والمأمول، ص: 290. (8/116)
صفحة 114
والإسلاميّة، إضافة إلى تحصيل قدر من العاميّة ... " (1).
إذا كانت اللّغة العربية قد كسبت الصّراع اللّغوي، وحازت على الرّهان، بدليل سبقها إلى خوض مجالات البحث المختلفة، ونيل الرّيادة في المراسلات الدّولية، والفوز بالتّقدّم في العلاقات المختلفة لمظاهر الحضارة في العالم ... ألا يكون ذلك محفّزًا على استرجاع هذه القوّة الكامنة؛ بإقحام أبنائها لها من جديد في هذه الحقول، والخوض بها في مسيرة الفكر العالمي، حتّى تُبقِيَ على عالميتها، التي هي في كمون وهمود، وسكون وخمود، إلى أن يعمل أبناؤها على بعث قوّتها من جديد. التي قال عنها الدّكتور إبراهيم بن مراد: " ... وقد ظلّت اللّغةَ العلميّةَ والثّقافيّةَ الأولى حوالي خمسة قرون أو تزيد، تحمل معها خلاصة الفكر الإنساني القديم في الثّقافة والعلم، وإسهام العرب في إثراء الحضارة الإنسانية في شتّى حقول المعرفة" (2).
هذه بعض الشّهادات التي تكشف عن قوّة اللّغة العربيّة، وهذه بعض الخصائص التي تبرز حقيقتها. وهي كلّها تقرّ وتظهر جدارتها في التّموقع مقعد اللّغة العالميّة، وتعترف بسعتها الكبيرة في حمل الفكر العالمي، وقدرتها على تطوير هذا الفكر، والسّير به أشواطًا بعيدة في خدمة الإنسانيّة خدمة شاملة، مِمّا يثبت حضور هذه اللّغة بقوّة في مسيرة الفكر الإنساني في كلّ مراحله. ولكن هل هذا الحضور موجود اليوم؟
يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: "كانت اللّغة العربيّة في القديم لغة عالمية، قد تصدّرت اللّغات المعروفة طيلة قرون كاملة، فكانت اللّغة العالمية الواسعة الانتشار بحقّ، قد حملت معها حضارة وفكرًا أصيلين، وأثّرت في اللّغات القريبة منها والبعيدة عنها. وهي اليوم قاصرة تجهد نفسها، ويجاهد أهلها لتلتحق بالّلغات العالمية الكبرى، وتستعيد إشعاعها الماضي ومنزلتها القديمة ودورها الحضاري" (3).
بل إنّ كثيرًا من الدّارسين وعامّة النّاس يشكّكون في قوّتها، وفي قدرتها على مسايرة العصر في سرعة تطوّره، وكثرة مخترعاته، وحجم مستجدّاته، فأصبحوا يلقون أسئلة عديدة عن إمكانية قيام اللّغة العربيّة بدور اللّغة الحاملة للفكر والحضارة، والقادرة على التّواصل والتّبليغ، وبكلمة واحدة صريحة التّشكيك في عالميتها. يردّد
__________
(1) -الدّكتور وليد العناني، " اللّغة العربيّة في أمريكا من الثّقافي إلى الأمني "، المصدر السّابق، ص: 296.
(2) - من قضايا اللّغة العربية المعاصرة، ص: 225.
(3) - المصدر السّابق، ص: 224. (8/117)
صفحة 115
هذا أبناؤها والأجانب عنها، عن حسن نيّة، وعن سوء قصد، وبغرض النّيل منها، وإبعادها عن السّاحة، أو على الأقلّ حرمانها من أن تحوز على شرف العالمية، الذي هو من حقّها في الماضي، وهو نصيبها في الحاضر. ينقل الدّكتور محمد سويسي بعض هذه الأسئلة في الفقرة الآتية: " هل العربيّة صالحة لأداء المفاهيم العلميّة والفلسفيّة المعاصرة؟ بل هل العربيّة ما فتئت لغة حيّة، يمكنها التّعبير عن كلّ مدلول نظري أو تطبيقي من المدلولات الحديثة؟ وذلك أنّ العربيّة تعترضها اليوم مشاكل لغويّة عويصة، فوقفت في مفترق الطّرق، بين ماض انقضى وطويت صفحاته، أدّت معانيه أحسن تأدية، وحاضر متجدّد، تطوّرت أحداثه وتنوّعت معالم انبعاثه العلمي والاجتماعي والتّكنولوجي ... وقوي تيّار تجدّده بسرعة، فاقت ما للّغة من سرعة التّطوّر، فتخلّفت عن الرّكب، ووقفت لا تفقه المتَّجَه، ولا تعلم أيّ سبيل تسلك كي يكون لها ما يؤهّلها للقيام برسالتها" (1).
هذه الأسئلة تحمل أسوأ الاتّهامات، وأمكر المؤامرات ضدّ اللّغة العربيّة، الغرض منها القضاء عليها، وطمس معالمها، أو الحطّ من قيمتها وصرف النّظر عنها، هذه الاتّهامات قد تكون صادرة عن جهل وسذاجة، وقد تكون نابعة من إرهاب فكري، وقهر ايديولوجي، وعقدة الاستعلاء والتّفوّق والسّيطرة والهيمنة ...
كيف يكون ردّ هذه الاتّهامات، لتحظى اللّغة بمكانها في سيرورة الفكر العالمي؟ وترجع لها مكانتها؟ وماذا يجب أن يقام به ليفسح لها المجال كي تؤكّد على هذا المكسب؟ وتسترجع هذا الحقّ؟ هل تتمكّن أن تحقّق هذا المطلب أو هذه الغاية؟ وهل يمكن لها أن تجد مكانًا في الفكر العالمي؟ وهل يكون لها تأثير على مسيرة الحضارة العالمية والإنسانية الرّاهنة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة، والرّدّ على هذه الاهتمامات يحتاج إلى مزيد البحث والدّراسة، ويطلب جرأة وشجاعة في عرض راهن اللّغة العربيّة في أوطانها وخارج ديارها، والوقوف على حقيقة العلاقة بينها وأبنائها، ونظرة غيرها إليها، ومدى إرادة أهل الدّار في النّهوض بها، ومدى استعداد غيرهم لتقبّلها، وإتاحة الفرصة لها، وفسح المجال لها كي تستعيد مكانتها، وتسهم في البناء الحضاري، وإغناء الفكر الإنساني, وتطوير مسيرة الفكر العالمي ... البداية تكون بإزالة المشاكل والعوائق والمثبّطات التي تحول
__________
(1) - الدّكتور محمد سويسي، " اللّغة العربيّة في مواكبة الفكر العلمي"، المصدر السّابق، ص: 140. (8/118)
صفحة 116
بينها والقيام بدورها الحقيقي. فما هي هذه المشاكل والمعيقات؟ (1)
ثانيا: معيقات اللغة العربية في مواكبة الفكر العالمي وعودتها إلى العالمية:
1 - اتّهام اللّغة العربية بالعجز عن الإبداع ومواكبة العصر:
إنّ العصر بسرعة تطوّره، وقوّة حركته، وكثرة مفاجآته العلميّة والفكريّة، لا يسمح للّغة العربيّة الجامدة الهامدة، وغير المؤهّلة بالتّفاعل مع كلّ هذه التّغيّرات. هذه فكرة اقتنع بها من كانت معرفته بحقيقة اللّغة العربيّة وقيمتها ضعيفة، أو علاقته بها مريضة. وقرّرها من لا يقدر للظّروف قدرها، ولا ينظر إلى الأشياء نظرة موضوعية حضارية.
في كثير من هذه النّظرات التي سجّلت في هذه المشكلة، والآراء التي استقرّت في الأذهان كان سببها طريقة تعاملنا نحن المنتسبين إليها، والمنتمين إليها؛ إذ لم نظهرها ولم نتعامل معها بما يليق بمقامها، وبما يرقى إلى حقيقة دورها، استهنّا بها وهمّشناها، وأحلناها إلى زاوية الرّكون والرّكود، بل تنكّرنا لها، وتركنا الغوص فيها، وأبحرنا إلى لغات أخرى؛ بحثًا عمّا يسمح لنا بالتّقدّم والازدهار، ويمنحنا الاندماج في الفكر العالمي، بالحصول على صفات العلميّة والمنهجيّة، والتّفاعل مع الآخر ... فقيل عنها ما قيل ظلمًا وعدوانًا وتجنّيًا، وألصقت بها التّهم: "لأنّها في رأي معظم المتعلّمين غير قادرة على مواكبة التّطوّر العلمي والحضاري، ولا تستوعب المصطلحات العلميّة الحديثة، ولا تساعد على فهم النّظريّات العلميّة المتطوّرة، وهي في رأي بعض دارسي العلوم الإنسانيّة عاجزة عن التّفاعل مع النّظريات الألسنيّة الحديثة." (2)
2 - ضعف الحماسة للّغة العربيّة
نتج عن العامل الأوّل مرض خطير
__________
(1) - كتب الكثير عن المعيقات والمشاكل التي تعاني منها اللّغة العربيّة، وعن بعض الحلول التي يمكن أن تسهم في إزالة هذه التّحدّيات. ينظر مثلا: كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول ص: 89 وما بعدها، وص: 174 وما بعدها، وص: 740، 741، وص: 745 وما بعها، وص: 771 وما بعدها. وكتاب مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، المنظّمة العربيّة للّتربية والثّقافة والعلوم، تونس، 1998م، ص: 350 وما بعدها، ود. أحمد بن نعمان، كتابُه: مستقبل اللّغة العربيّة بين محاربة الأعداء وإرادة السّماء،، ص: 57 وما بعدها. ومجلّة اللّغة العربيّة (المجلس الأعلى للّغة العربية، الجزائر)، ع: 16،، ص: 304 وما بعدها ...
(2) - مجلّة اللّغة العربيّة، ع: 16، ص: 284. (8/119)
صفحة 117
على اللّغة العربيّة، هو ضعف الحماسة لها، وضعف العصبيّة القوميّة نحوها عند من يحمل ضدّها فكرة خاطئة عن حقيقتها وطبيعتها. هذا العنصر عائق كبير في استرجاع مكانتها، التي فقدتها؛ بسبب التّخلّي عن المحافظة عليها، وبالتّبع حرمت من حمايتها وصيانتها، فضلا عن مساعدتها على التّطوّر لتساير مسيرة الحياة المتجدّدة المتغيّرة بسرعة فائقة. فقد لجأ أصحاب هذا الرّأي إلى لغات أخرى وتحمّسوا لها، واندمجوا فيها وفي فكرها، وتركوا لغته الأمّ؛ انطلاقًا من هذا الزّعم. تقول الدّكتورة مها خير بك ناصر: "جسّد الاعتزاز بالمنطوق الأجنبي حالة تغريب عن اللّغة القوميّة، فعكس العجز عن إتقان لغة العصر شعورًا بالنّقص، وإحساسًا بالعجز عن مواكبة التّطوّر العلمي والتّكنولوجي، وبلغت سيطرة اللّغات الأجنبيّة في بعض البلدان العربيّة درجة يعجز معها المتعلّم معرفة اللّفظ العلمي أو الأدبي، أو التّداولي اليومي في اللّغة العربيّة، وصارت المعرفة باللّغة العربيّة عند بعضهم مرادفة للجهل والأميّة." (1)
في الحقيقة إنّ هذا النّفور من اللّغة العربيّة، أو عدم التّحمّس لها، أو رفض قبول التّعامل بها؛ لغةَ اتّصال وتعلّم وتكوّن، ولغةَ انفتاح على العالم، ولغةَ اندماج مع الآخر، ولغةَ قضاء مآرب وبلوغ أهداف ... إنّ كلّ هذا ناتج عن هاجس خوف أبنائها من: "العولمة التي غزت ديارهم وأهليهم، ومسّت قلوبهم الواجفة، وعقولهم الممسوسة ... فصدّقوا ما قيل لهم، وطبّقوا ما أُملِيَ عليهم، وروّجوا ولوّحوا أنّ اللّغة العربية عاجزة عن استيعاب العلوم المعاصرة، وغير قادرة على مواكبة تطوّرات العصر المتساوقة المتلاحقة، فنبذوا لغتهم ظهريًّا، وقلبوا لها ظهر المِجنِّ، وسافروا وغرّبوا وشرّقوا خارج سربهم، وتغنّوا بغير ألحانهم، فكانت اللّغة العربيّة (الأمّ) هي الضّحيّة؛ إذ أصبحت عندهم من سقط المتاع، الذي لا يصلح لشيء ... " (2).
هذه الانهزاميّة والخذلان يهدّدان اللّغة العربية؛ لأنّهما يمنعان أصحاب هذه اللّغة من معرفتها حقّ المعرفة، ويحجبان عنهم النّور الذي ينير دروب هذا الكيان، ليتعرّفوا على خصائصها وجمالياتها، ويحجزان عنهم الرّؤية المستقبليّة لهذه اللّغة، ليصدروا عنها أحكامًا جائرة، تؤثّر على علاقتهم الإيجابيّة بها. هذا ما يضعهم في خانة المعادي لها، أو المحتقر لها، أو المستهين
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 283.
(2) -الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، "راهن اللّغة العربيّة في أوطانها ومسؤولية أبنائها نحوها"، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 177، 178. (8/120)
صفحة 118
بقيمتها ومكانتها، فيصدّ عنها ويسير في وجهة معاكسة لمسارها. ومن ثمّ لن يصدّق من يقول له: إنّ هذه اللّغة كانت عالمية، وستبقى عالمية، تحضن الفكر العالمي، وتنشر الثّقافة العالية، وتسهم في تطوير الحياة من حوله.
3 - تهميش المحيطِ اللّغةَ العربية عن الحياة العامّة:
تعاونت فئات كثيرة، وجماعات غير قليلة في تهميش اللّغة العربيّة في حياة المنتمين إليها، عن غير وعي أحيانًا، وعن جهل وسذاجة في أغلب الأحيان، وعن قصد وترصّد وسبق إصرار في كثير من الأحايين، وعن نيّة مبيّتة وتخطيط محكم للقضاء على هذه اللّغة في بعض الأوقات، وبعدها الإجهاز على الهويّة.
تعاون البيت والشّارع وبعض الهيئات المحسوبةِ رائدةً وموجّهةً وقائدةً للمجتمعات العربيّة والإسلاميّة، وتضافر على خنق اللّغة العربية وخلق مشاكل لها المؤسّساتُ التّربويّة والتّكوينيّة، والجمعيات الثّقافيّة والرّياضيّة، وسفراءُ هذه اللّغة في المنتديات والتّجمّعات والتّظاهرات والاحتفالات ... هل يمكن أن نقول مع الدّكتور عادل نوفل: إنّ اللغة العربيّة ومعها ثقافتها التي تنتمي إليها أصبحتا مهدّدتين بالانقراض، ومن ثمّ فلا مطمع في إسهامهما في تطوير الفكر العالمي، أو إيجاد مكان لهما فيه: " لقد أصبحت اللّغة والثّقافة العربيّتان مهدّدتين لدى أغلب شرائح المجتمع، إمّا لأسباب الأميّة والفقر وانحسار دور الدّولة، أو لأسباب ثورة الاتّصالات التي ربطت نخبًا معيّنة بثقافات خارجيّة، من خلال المدرسة والمربيّة الأجنبيّة والأنترنيت والأقمار الصّناعيّة ... " (1).
ماذا يبقى للّغة العربيّة من مساحة تنشط فيها؟ وكيف لها أن تبرز في ظلّ هذا الحصار المضروب عليها بإحكام وتحكّم؟ وأنّى لها أن تتخطّى عتبات محيطها لتحلّق في الفضاء العالمي، وهي تعاني هذا القهر والحيف والظّلم في وسطها، حتّى غدت غريبة في دارها؟ فمن يقبلها وعاء للفكر العالمي وقد أهانها أهلها ونبذوها، ورفضوها حاويةً لفكرهم، وحاملة لثقافتهم, وحامية لشخصيتهم، وناقلة لمشاعرهم؟ ولنا أن نتساءل مع المتسائلين: ما هي مكانة اللّغة العربيّة ومكانها في ديارها؟ وما هو مستقبلها في أوطانها؟ وذلك قبل أن نبحث عن مكانها في العالم؟
4 - مزاحمة اللّهجات المحليّة للّغة العربية:
إنّ اللّغة العربيّة وجدت ضرّات كثيرة في ساحتها وفي حرمها، أضرّت بوظيفتها ورسالتها، واصطدمت بمزاحمة شديدة
__________
(1) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 762. (8/121)
صفحة 119
من طفيليات في فضائها الذي تتحرّك فيه، إنّها اللّهجات المحليّة التي ملأت حياة النّاس، وشغلت فكرهم، ومالوا إليها على حساب اللّغة العربيّة الفصيحة. بل تجاوز هذا إلى تبنّي مشروعات مدروسة لضربها وزحزحتها من الوجود، بإبعادها عن حياة النّاس. ويكون الخطر أكبر حين يكون التّدريس بها، حتّى فيما يتعلّق أو يتّصل بفروع اللّغة العربيّة نفسها، ويستفحل أكثر، حين تُستهدًف بالمناهج المسطّرة فئةُ الشّباب، الذين هم عماد المستقبل، ومحطّ آمال الأمّة في حمل مقوّماتها وقيمها. " عادة ما تصحب هذه الدّعوات مشروعات، تنال من اللّغة العربيّة، ويتمّ ذلك بالتّنسيق مع الجهات التي تكنّ عداءً للّغة العربيّة، وغالبًا ما تقصد الفئات الشّبانية، التي لا تكون محصّنة بالثّوابت والمقوّمات الحقيقيّة لشخصيتها. من أسلحة هؤلاء تقديم معلومات خاطئة عن تاريخيّة هذه اللّغة، ودخولها إلى أوطانها. وكثيرًا ما توصف بأنّها جاءت مستعمِرة، ومزحزحة للّهجات التي كانت سائدة قبل مجيئها، ومنها تزويد المغرّر بهم بمعلومات مشوّهة لطبيعة اللّغة العربيّة، وهي عدم صلاحيتها لمواكبة التّطوّر والتّقدّم، بل هي من أسباب تأخّر الشّعوب التي تتمسّك بها، إلى غير ذلك من الادّعاءات الباطلة الغادرة، والهجمات السّافرة ... " (1)
يضيف الدّكتور عبد السّلام المسدّي همًّا آخر، يرتكبه المثقّفون، الذين هم الروّاد في نشر الثّقافة، والقدوة في السّلوك الحضاري، يتمثّل في مخاطبة الجمهور باللّهجات المحليّة كثيرًا، ممّا يرسّخ في أذهان المستمعين إليهم، وفي مدارك المتلقّين عنهم، أنّ ما يقومون به هو السّلوك الحسن، والطّريق الصّحيح، فيسيرون هم بدورهم في هذا الدّرب الضارّ باللّغة العربية. " إنّ المثقّف الذي يدير شأنه الفكري والأدبي والإبداعي بلغته القوميّة، وهو يخطّ ويكتب ويدوّن وينشر ويساجل، ثمّ إذا حاور أو ارتجل أو تحدّث عير أمواج الأثير أو على شاشات المرايا توسّل باللّهجة العامية، لهو مثقّف متواطئ على ذاته الثّقافية، ولا يعنيك منه ما قد يبدو عليه من نزعة المجهود الأدبي انسياقًا مع الكسل الذّهني، أو اتّقاء لركوب المحاذير، إنّه يهيّئ المشهد الأوّل من تراجيدية الانتحار الجماعي." (2)
يعضد الدّكتور عبد الله محمد
__________
(1) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، "راهن اللّغة العربيّة في أوطانها ومسؤولية أبنائها نحوها"، كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 188.
(2) - مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، ص: 340. ينظر أيضًا ص: 341. (8/122)
صفحة 120
الغذامي هذا التّصرّف، ويضيف عنصرًا آخر في معضلة استعمال العامية على حساب اللّغة العربيّة الفصحى: " ... غير أنّنا ــــ اليوم ـــــ صرنا نشاهد بروز اللّهجات المحليّة (العامية)، وكأنّها لغة ثقافيّة رسمية، وصرنا نسمع المسؤولين الكبار ونجوم المجتمع كالفنّانين والفنّانات والرّيّاضيّين يتحدّثون بالعامية. وفي هذا ضرر كبير؛ لأنّ هؤلاء يمثّلون رموزًا ونجومًا اجتماعية، يميل النّاس إلى تقليدهم في اللّباس والتّصرّفات وطرائق الكلام، وهذا يحسّن من شأن (العامية)، ويجعلها محبوبة ومقبولة، في حين تتراجع الفصحى إلى مقام خاصّ، ويجري تمثيلها عبر نماذج غير رمزية وغير نجوميّة." (1)
حين يغدو الوعاء هو اللّهجة المحليّة، وحين يكون رموز هذا الوعاء هم مثقّفون ونجوم المجتمع، وحين يكون الانجذاب إلى هذه اللّهجة كبيرًا ... فماذا يبقى للّغة العربية الفصيحة من فضاء تدرج فيه؟ وماذا يكون لها من دور في تنشيط الحياة العامّة؟ وكيف تتحرّك اللّغة العربيّة وسط هذا المجال الموبوء في بيئتها. أنّى لها أن تقدّم شيئًا مهمًّا في رسالتها، فضلاً عن أن تتطوّر، أو أن تتقدّم خطوات إلى العالمية؟ وكلّ ما في محيطها يعاكسها، ويضايقها، أو يتخلّى عنها إلى وسائط وأوساط أخرى؟
5 - الافتتان باللّغات الأجنبيّة:
أخذ الولوع باللّغات الأجنبيّة مجرًى خطيرًا على اللّغة العربيّة، وصل حدّ هجران اللّغة (الأمّ)، بعد رميها بالعقم وعدم الجدوى في عالم اليوم. يكاد هذا الدّاء يعمّ كلّ القطاعات، ويصيب كلّ الفئات، حتّى التي لا تحسن النّطق باللّغة الأجنبيّة، ولا التّعامل والإفادة منها، المهمّ أن يكون ذلك تقليعة عصريّة (غير مدروسة)، وتكون برهانًا على التّقدّم والتّطوّر ... والخطر يكون عظيمًا حين يحدث هذا في المؤسّسات التّربوية التّكوينيّة الموجِّهة المؤسِّسة للكيان، والمسؤولة عن وضع قواعد البناء والأركان. يقول الدّكتور أحمد بوطرفاية: "كما أنّ هذا الافتتان باللّغة الأجنبيّة أخذ نصيبه في قطاع التّربية والتّعليم، وصار الإنسان العربي يحرص على تعليم أطفاله اللّغات الأجنبيّة، وكانت المدارس الخاصّة سبّاقةً في ترسيخ هذا الاتّجاه، بل ذهبت إلى ما هو أخطر من ذلك، وصارت تقوم بتدريس المواد العلميّة بهذه اللّغة الأجنبيّة، وبهذا تمّ إقصاء اللّغة العربيّة، وإبعادها عن مكانتها
__________
(1) - الدّكتور عبد الله محمد الغذامي، "اللّغة العربيّة في مواجهة تحدّيات القرن العشرين"، المصدر السّابق، ص: 352. (8/123)
صفحة 121
الطّبيعيّة، وكذلك الحال بالنّسبة للتّعليم الرّسمي، وما يشتمل عليه من ازدواجية اللّغات في مراحله المختلفة في الأقطار العربيّة ... " (1)
6 - انتشار التّعليم الخاصّ الأجنبي من دون استراتيجيّة:
هذه المدارس الخاصّة غير ملتزمة بأصول الأوطان التي توجد فيها، وتترعرع وتتلمل وتتحرّك فيها، وغير مكترثة بمشاعر أهلها، تنتهج نهجًا يضرّ بالبلاد والعباد، ولا يهمّها سوى ما تراه متماشيًا مع مصالحها وأهدافها. من ذلك التّدريس باللّغة الأجنبية، مُقصية اللّغة العربيّة من مناهجها إقصاء كليًّا، أو جزئيًا، بما يضرّ بالهوية وبالشّخصيّة. في غياب استراتيجيّة مدروسة محكمة من المسيّرين لشؤون التّربيّة والتّعليم في هذا البلد العربي أو ذاك. وقد يكون التّراخي منهم، وعدم مراقبة ما يحدث للّغة العربيّة وثقافتها من اضطهاد ونحرٍ ووأْدٍ في ديارها؛ لأسباب وعوامل ودوافع.
7 - تهميش اللّغة العربيّة في التّعليم العالي:
للتّعليم العالي دور كبير في تخريج الكفاءات التي ترفع البلاد على قواعد، تكون الأساس الذي تنهض بها. هذه الطّاقات التي تسيّر الوطن وتوجّهه الوجهة التي يراد لها أن تكون عليه في مستقبل أيّامِ أيِّ بلد. هذا التّعليم وقع فيه انحراف من النّاحية الحضارية والثّقافيّة؛ بسبب تهميش مقوّم رئيس في البناء الحضاري الصّحيح، وهو اللّغة العربيّة. إذ همّشت، وفي بعض الميادين أقصيت نهائيًا من التّكوين والإعداد. فأصبح أبناء اللّغة العربيّة يُعَدّون بغير اللّغة العربيّة؛ حتّى رسخت في أذهان الأجيال الصّاعدة المتلاحقة حقيقةٌ، هي: إنّه لا جدوى من اللّغة العربيّة، فلا مَقام لها في السّاحة الثّقافية، ولا مُقام لها في أرضهم. هذه معضلة ومشكلة تلحق الأذى باللّغة العربيّة أوّلا، وتمنعها من أن تنتقل إلى العالميّة ثانيًا، بهذا التّصرّف المشين المُهين للشّخصية الحقيقيّة.
يقول الدّكتور عادل نوفل: "تعدّ قضيّة تعريب التّعليم العالي في الوطن العربي من القضايا القوميّة الرّئيسة، وتؤكّد البحوث والدّراسات أنّ غربة التّعليم العالي عن واقعه العربي، وضعف ارتباطه بقضايا التّنمية، يمكن إرجاعها بالأساس إلى أنّه تعليم مستورد من ثقافات أخرى في محتواه ولغته ... وما زالت قضيّة تعريب التّعليم العالي في محتواه ... ولغته قضيّة ثانوية، لم تأخذ بعدها القومي؛ بالرّغم من طرحها في العديد من المؤتمرات، وعلى المستويات العليا، وبالرّغم من خطورة أبعادها ونتائجها، فإنّ
__________
(1) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 773. (8/124)
صفحة 122
دولة عربيّة واحدة فقط ـــــ سورية ـــــ قد خطت خطوات جادّة في طريق تعريب التّعليم كافّة، والتّعليم العالي منه بخاصّة، وبالرّغم من المشاكل والمعوّقات، التي تواجه هذه الجهود؛ بسبب فرديّة العمل، فإنّ النّتائج ستكون آثارها إيجابيّة على التّعليم السّوري بصفة خاصّة، والعربي بصفة عامّة." (1)
8 - المغالاة في اشتراط إتقان اللّغة الأجنبية للعمل في البلاد العربيَّة:
بالرّغم من ضرورة إتقان اللّغة الأجنبيّة للعمل في بعض القطاعات، لضمان السّير الحسن للعمل فيها، إلاّ أنّ الشّطط في اشتراط هذا الإتقان، يُوجِد مشكلة حضارية، ويولّد أزمة هويّة، ويؤدّي إلى اختلال في الشّخصية؛ لأنّ ابن العربي يعاني حرمانًا من الوظيفة في أرضه وداره، يأخذها عنه أجنبيّ، فيسطو على حقّه. ويسبّب له عقدة نفسيّة، تجعل ابن البيئة يحمل قناعة أنّ الوجود الحقيقي هو للأجدى والأنفع، والارتباط يجب أن يكون بالأقوى؛ لأنّ سنّة الحياة تمنح البقاء للأصلح والأقوى، فاللّغة الأجنبيّة قويّة وصالحة، واللّغة العربيّة بعيدة عن ذلك، فلماذا التّمسّك بها؟ يقول الدّكتور أحمد بوطرفاية: " وممّا يواجه اللّغة العربيّة في سوق العمل المغالاة في اشتراط إجادة اللّغة الإنجليزية أو الفرنسية في بعض البلدان: كتابة وقراءة وتحدّثًا من قبل الشّركات الأجنبيّة، وبعض المؤسّسات والشّركات الوطنيّة، إذ أصبح المواطن غريبًا لغويًّا في كثير من المؤسّسات والشّركات، وفي أماكن النّفع والخدمات العموميّة، كبعض المستشفيات والفنادق والمطاعم ووكالات السّفر والسّياحة، حيث يمكن القول إنّ المواطن أُجبر على تعلّم اللّغة الأجنبيّة كي يحصل على مطلوبه، وهذا وضع شاذٌّ، إذ المفروض أن تقع مسؤولية تعلّم اللّغة العربيّة على عاتق العامل الأجنبي، فهو الذي ينبغي أن يجيد لغة البلاد التي يعمل بها." (2)
9 - انعكاسات الفجوة الرّقميّة على تطوّر اللّغة العربيّة:
ساعد انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات عند من يملكها، ومن يستخدمها بعناية وكفاية، على معالجة المعلومات بسرعة وتنقية عالية ... وأمّده بإمكانات هائلة لتخزينها، والتّصرّف فيها بشكل جيّد، وبذلك طوّر من أدائه ونشاطه، وأعطى له ذلك قوّة التّحكّم في مجريات التّطوّر في الحياة العامّة ... يقول الدّكتور منصور فرح عن الدّول التي
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 761، 762.
(2) - المصدر السّابق، ص: 773. (8/125)
صفحة 123
تملك هذه التّكنولوجيا، إنّها مكّنتها "من السّيطرة على المعلومات والمعارف باستخدام التّقنيات الرّقميّة الحديثة، ممّا أدّى إلى تسارع لا مثيل له من قبل في الإنتاج الصّناعي والمعرفي المبني على التّجديد والإبداع. ومع توسّع شبكة الإنترنيت ووسائل الاتّصالات الرّقميّة المختلفة أخذت العولمة أبعادًا جديدة، جعلت الدّول الغنيّة تحكم سيطرتها على الدّول النّامية، من خلال ما بات يعرف بالاقتصاد المبني على المعرفة، وازدادت الهوّة بين الأغنياء والفقراء على جميع المستويات، ومنها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والعلميّة." (1)
واضح ممّا أشار إليه الدّكتور أنّ سرعة امتلاك المعرفة، واستخدامها بشكل جيّد وممنهج في تطوير الحياة في مختلف نواحيها، وفرض الحضور في مجتمعات المعرفة، والسّاحات العلميّة بقوّة، وضمان عدم الزّحزحة عن ركب التّقدّم والتّطوّر ... يتطلّب إتقان أساليب توليد المعرفة، وإعادة توليدها من جديد، ويكون هذا في دأب وعمل مستمرّ، مرتبط بمعطيات التّطوّر التّكنولوجي لوسائل الاتّصال المتجدّدة في كلّ لحظة وآن.
ما نصيب اللّغة العربيّة من ذلك؟ في الحقيقة إنّ الجواب مخجل ومحزن؛ لأنّ أهلها لم يعملوا على تطوير أساليب الاتّصال الحديثة، بما يمكّنها من استيعاب المعارف الجديدة. ربّما يرجع هذا إلى كونهم لم يقتنعوا بجدواها وقدرتها على السّير في هذا الطّريق، كما بيّنا هذا في سياق سرد المشاكل والتّحدّيات التي تعاني منها من بنيها، الذين رموها بالعقم وبالنّقص وقلّة الجدوى. بهذه النّظرة وهذه الوضعية، لا يمكن لها أن تقترب من عتبة العالمية، مع قدرتها على ذلك بجدارة واستحقاق.
ما نسجّله بكلّ حسرة وأسى هو أنّ الفجوة تزداد اتّساعًا بين ما للعربيّة من إمكانات وعناصر قويّة للتّطوّر واستخدام الوسائل الحديثة في الاتّصالات، وما يجب أن تحمله رسالةً، تقوم بها، لتضطلع بدور كبير في مسيرة الحركة الفكريّة العالميّة، لتمكين أهلها وغيرهم من امتلاك المعرفة بقوّة وبسرعة لتطوير الحياة. ولهذا تردّد على لسان الباحثين الأصلاء ترجمة لمشاعر اللّغة العربيّة:
__________
(1) - الدّكتور منصور فرح، " الفجوة الرّقميّة في المجتمع العربي وأثرها على اللّغة العربيّة "، مجلّة المجمع الجزائري للّغة العربيّة، س:3، ع: 6، ذي الحجّة 1428ه/ ديسمبر 2007م، ص: 79، 80. استُخدِم تعبير الفجوة الرّقميّة لأوّل مرّة سنة 1995م للدّلالة على هذه الهوّة الواسعة التي تفصل من يملك الأدوات الحديثة لتوليد المعرفة واستغلالها ونشرها ومن لا يتسنّى له ذلك ... ينظر المصدر نفسه، ص: 80. (8/126)
صفحة 124
"أعطني العلماء أعبّر لكم عمّا لم تنطق به الألسن من قبل".
ما تملكه اللّغة العربيّة من إمكانات لتأتي بما لم تأتِ به اللّغات الأخرى، وما تنطق به الألسن، يبيّن ما لها من قدرة على التّمركز على أريكة العالميّة. في الوقت نفسه تُعَدُّ اللّغةَ الأمَّ لعدد كبير من سكّان المعمورة الذين يشكّلون وزنًا في الحياة العامّة، ويشغلون حيّزًا كبيرًا في البسيطة كمًّا وكيفًا، إذا عرفوا أقدارهم واحترموا قيمهم, من هنا يأتي التّأكيد على ضرورة القناعة بأنّ التّطوّر الحقيقي يكون بواسطة اللّغة الأمّ، فالعرب والمسلمون لا يمكنهم التّقدّم إلاّ إذا التجؤوا إلى لغتهم، وركبوها لتحلّق بهم في سماء الرّفعة والسّؤدد. يقول الدّكتور منصور فرح: "وتشكّل اللّغةُ الأمُّ الأداةَ الأهمّ في تداول المعلومات وتوليد المعارف، فهي التي تستخدم في التّربية والتّعليم، وهي التي تسمح بالتّفاعل بين المواطنين، الفقراء منهم والأغنياء، وبينهم وبين المؤسّسات الوطنيّة المختلفة. واللّغة العربيّة هي لغة تجمع البلدان العربيّة، وتسمح بتوسيع نطاق المعارف ما بينها، وهي لغة قابلة للتّطوّر واستيعاب الجديد والمبتكر في العلوم والتّقانة، كما في حياتنا اليومية ... " (1)
يرى الدّكتور منصور فرح أنّ ردم الفجوة الرّقمية، وإتاحة الفرص للّغة العربيّة لتتطوّر يتطلّب: "جهودًا مكثّفة مبرمجة، من قبل جهات عدّة، تمتدّ على حقبة من الزّمن، ما يتطلّب عملية تنسيق ومتابعة حثيثة، وإعادة نظر مستمرّ، ولكن بعض الأمور المرتبطة باللّغة العربيّة وتطوّرها تحتاج إلى معالجة، وتشكّل فرصًا للتّقدّم، وتطوير اللّغة العربيّة، ونكتفي في هذا البحث بالتّطرّق إلى أربعة منها، وهي تطوير التّعليم والتّعلّم باللّغة العربيّة، وبناء صناعة المحتوى الرّقمي العربي، وتمكين استخدام الإنترنيت بالعربيّة، والاعتماد على المشاركة المفتوحة لتطوير ونشر العربيّة." (2)
10 - خوف الغرب من تزايد الوزن الحضاري للّغة العربية في المستقبل:
إنّ ممّا يرعب الغرب ويقضّ مضجعة تنامي انتشار اللّغة العربيّة، وازدياد حضورها في المجتمعات العلميّة، والمؤسّسات الثّقافية. يحدث هذا بعد ركود وهمود أصابا اللّغة العربيّة، سَمحا للغرب أن يتطاول على العالم، ويفرض إرادته ومشروعاته. هو يعلم جيّدًا حقيقة هذه اللّغة وما تتمتّع به من قوّة وأصالة،
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 109، 110.
(2) - المصدر السّابق، ص: 96. ينظر تفصيل هذا ص: 96 – 110. (8/127)
صفحة 125
جعلتا منها في الماضي وعاء ثريًّا وقويًّا لبناء الحضارة الإنسانية، ومصدرًا كبيرًا للفكر العالمي، أعلامه وأقطابه يعرفون جيّدًا أنّهم وأسلافهم تعلّموا من هذه اللّغة، بروزُها بشكل قويّ من جديد يقوّض كلّ مخطّطاتهم، ويفسد كلّ مشروعاتهم؛ لهذا يرون أنّه لا مفرّ ولا مناص من محاربتها بكلّ الطّرق والوسائل. هاجسهم هذا مبنيّ على معطيات موضوعيّة، إلى جانب معرفتهم الكاملة بخصوبة هذه اللّغة وقدرتها على الإبداع والتّطوير، وهو ما يبزّ لغاتهم، إذا ما أتيح لها أن تتحرّك بحريّة وطلاقة، فهي لغة حوالي المليار من العرب والمسلمين، الذين يشكّلون رقمًا له وزنه في تحريك الحياة العامّة. أي إن العربيّة هي مرجعيتهم التي يلوذون بها في الصّدور في نشاطهم وحركاتهم. يقول الدّكتور عبد السّلام المسدّي: "إنّ هؤلاء المخطّطين الاستراتيجيّين يقرؤون للحقيقة الموضوعية حسابها. فاللّسان العربي هو اللّغة القوميّة لحوالي 270 مليون نسمة، وهو يمثّل إلى جانب ذلك بدون شكّ مرجعيّة اعتباريّة لأكثر من 750 مليون مسلم غير عربي، كلّهم يتوق إلى اكتساب اللّغة العربيّة بحذق ومهارة، فإن لم يتقنوها فلأنّها ليست لغتهم القومية، فإنّهم في أيسر الاحتمالات يناصرونها، ويحتمون بأنموذجها.
ثمّ إنّ اللّسان العربي حامل تراث، وناقل معرفة، وشاهد حيٌّ على الجذور التي استلهم منها الغرب نهضته الحديثة في كلّ العلوم النّظريّة والطّبيّة والفلسفية، وهو بهذا الاعتبار يخيفهم أكثر ممّا يخيفهم اللّسان الصّيني أو الهندي، ولا يغفل هؤلاء المهندسون الثّقافيّون السّاهرون على برمَجةِ الذّهن الجماعي في عصر الأمميّة والكونية عن الرّسالة الحضاريّة والرّوحيّة التي حَمَلت بها اللّغة العربيّة، وهم العارفون بأنّ التّماهي بين اللّغة العربيّة والهويّة لم يبلغ تمامه الأقصى في الثّقافات الإنسانيّة مثلما بلغه عند العرب بكلّ اطّراد تاريخي، وبكلّ تواتر فكري واجتماع ونفسي. " (1)
هذا الهلع من اللّغة العربية، يسوق الغرب بدافع الكراهية والحسد وحبّ السّيطرة والهيمنة ... إلى اتّخاذ إجراءات عدائيّة، وارتكاب جرائم ثقافيّة في حقّ اللّغة العربيّة؛ حتّى لا تبرز في السّاحة الدّولية، بالشّكل الذي يهدّد مصالح الغرب، ويجهض مشروعاته. هذا تحدٍّ آخر خطير وكبير يواجه اللّغة العربيّة. يقف حاجزًا وعائقًا في طريق عالميتها، وحضورها في الفكر العالمي بقوّة.
__________
(1) - الدّكتور عبد السّلام المسدّي، "الثّقافة العربيّة والعولمة من خلال أنموذج اللّغة "، كتاب مستقبل الثّقافة العربيّة في القرن الحادي والعشرين، ص: 320. (8/128)
صفحة 126
هذه بعض المعيقات التي تعترض سبيل اللّغة العربيّة كي تسير نحو العالميّة، وتقدّم إسهامات مجدية وكبيرة للفكر العالمي، كما كانت عليه من قبل. يجب إزالة هذه العقبات قبل الحديث أو تقويم دورها ومكانتها وحضورها، أو علاقتها بالفكر العالمي؛ حتّى لا نظلمها بإصدار أحكام جائرة نحوها. كما لا ينبغي أن نتجاهل هذه الحقائق، ونحلم بأنّ لغتنا بخير، وأنّنا بها نبلغ كلّ هدف، ونحقّق كلّ مأمول، شفيعنا ومؤازرنا وسندنا في هذا ماضيها المشرق، وإنجازاتها الكبيرة، وريادتها القديمة للفكر العالمي ... فيقال لنا ما قاله شاعر العراق معروف الرّصافي:
وَهَل إِن كَانَ حَاضِرُنَا شَقيًّا
نَسُودُ بِكَونِ مَاضِينَا سَعِيدَا
هذا تضليل للنّاس وظلم لهم. إنّ ما يجب عمله هو وعي الواقع الذي نعيشه، والاعتراف بالتّقصير نحو اللّغة العربيّة، واليقين بأنّها ستتبوّأ مكانها الحقيقي في الرّيادة والقيادة والسّيادة، في سيرورة الفكر العالمي، إذا قمنا بواجبنا نحوها؛ بتبنّي مشروعات نهضوية، محكمة التّدبير والتّخطيط، قويّة التّطبيق، ملزمة التّنفيذ ...
ثالثا: كيف نمكّن اللغة العربية من الاندماج في حركية الفكر العالمي؟
1 - يجب أن تسترجع اللّغة العربيّة مكانتها القومية، قبل البحث عن مكانتها العالمية، فالمكانة القوميّة هي المحور، الذي منه تنطلق كلّ المحاولات لإيجاد مكان مع الأقوياء في زمن طغيان العولمة وسيطرتها على كلّ شيء. يقول الدّكتور أحمد بوطرفاية: "إنّ التّصدّي لسهام العولمة أو التيّار الجارف لكلّ شيءٍ يقتضي منّا في بداية الأمر أن نتأكّد من صلابة تمسّكنا بانتمائنا إلى اللّغة العربيّة، إذ لا يمكن الاعتقاد بعولمة أيّ شيءٍ، ما لم نتحقّق من هويّتنا، والمكان الذي سننطلق منه، فالضّغط على نقطة المركز (الهوية) شرط أساس للتّفتّح على الآخر. والطّموحُ للالتحاق بالرّكب العالمي، أو بما هو عالمي، يتوقّف في بداية المطاف على معرفة من نكون؟ وهذا هو السّلاح الأوّل والفعّال في هذا المجال، ثمّ ننطلق بعد ذلك إلى أهداف وأبعاد أخر ... فإذا أردنا أن تنتشر موجاتنا فينبغي أن يكون لدينا رابط قويّ بنقطة المركز (الهويّة) " (1)
2 - كي تتقدّم العربيّة، وتسهم بقوّة في الفكر العالمي، يجب أن يكون أبناؤها أقوياء راسخين في اللّغة العربيّة، حتّى يتقنوها، ويعرفوا خصائصها وحقيقتها، ليدفعوا بها في خضمّ الحركة الفكريّة العالمية بقوّة وثقة فيها.
3 - يجب العمل على تطوير اللّغة
__________
(1) - العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 771. (8/129)
صفحة 127
العربيّة بالسّرعة التي تسير بها وتيرة العولمة، وتتطوّر تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، والتّحوّل نحو مجتمع المعرفة " وتنشيط تطوير اللّغة العربيّة، وتسريع وتيرة البحث والتّطوير في تراكيبها لمواكبة المتغيّرات والحاجة إلى ابتكار المصطلحات." (1)
4 - العمل على النّهوض باللّغة العربيّة، والحرص على جعلها صالحة للاستعمال في جميع المجالات والأصعدة والميادين العلميّة والتّقانات بخاصّة، وبذلك تنتشر المعرفة باللّغة العربيّة. تطويرُ أساليب التّعبير والاتّصال باللّغة العربيّة يمكّن النّاطقين بها من مختلف شرائح المجتمع الوصولَ إلى المعرفة بسهولة ويسر.
5 - إصلاح مناهج التّربية والتّعليم في جميع مراحل التّعليم، يكون قوامُه التّكوينَ باللّغة العربيّة (اللّغة الأمّ)، بما يمكّن أبناءَها أن يفكّروا بها، ويبحثوا ويبدعوا وينتجوا المعرفة ... بهذا ترجع لهم الثّقة في لغتهم، أمّا هي فتنبعث فيها الحياة من جديد، وتتقدّم بفعل تنشيطها ودفعها إلى ميادين البحث والدّراسة. نحن مع الدّكتور عادل نوفل حين يقول: " لقد صار واضحًا في عصر العولمة الذي نعيش فيه أنّ التّقدّم التّكنولوجي المتسارع، يرتبط ليس فقط برأس المال المادي، إنّما أيضًا برأس المال البشري، الذي أساسه الإنسان، الذي يجب أن يفهم ويستوعب ويتمثّل العلوم بلغته الأمّ، لكي يستطيع لاحقًا استنباط الجديد، من خلال البحث العلمي." (2)
6 - تنمية اللّغة العربيّة باستيعاب المستجدّات اللّغوية العلمية المعاصرة وإنتاج العلم بها.
لابدّ من العمل على جعل اللّغة العربيّة منتجة للعلم، ومستوعبة للمستجدّات في السّاحة بسرعة وإتقان، بالتّرجمة والتّعريب أحيانًا، وبالإبداع أخرى؛ لأنّه لا مكان للخامل، ولا بقاء للمتقاعس، ولا مُقام للنّائم، وبخاصّة في عصر ثورة المعلومات، وانفجار المعرفة، كما أنّ اللّغة التي لا تنتج علمًا تموت، أو تبقى متخلّفة، وسيهجرها أهلها وذووها.
7 - يجب تعميم استعمال اللّغة العربيّة يشتّى الطّرق الممكنة، بإقامة المشروعات، وتسطير البرامج ووضع المناهج، وسنّ قوانين مشجّعة على استعمال العربيّة، وأخرى رادعة وزاجرة لمن يهملها أو يتعدّى عليها، حتّى تصبح اللّغة العربيّة جزءًا من حياتنا اليومية، وعنصرًا في برامجنا اليومية، وأحد اهتماماتنا اليوميّة ... وبذلك نحيا مع اللّغة العربيّة،
__________
(1) -مجلّة المجمع الجزائري للّغة العربيّة، س: 3، ع: 6، ص: 110.
(2) -العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 754. (8/130)
صفحة 128
فتمدّنا هي ـــــ أيضًا ـــــ بالحياة وتعطينا الطّاقة التي بها نصول ونجول، فلا نحول، وننطلق إلى العالمية بقوّة وثقة في النّفس. يقول الدّكتور أحمد شفيق الخطيب: "إنّ مستقبلنا العلمي الحضاري والثّقافي مرهون بأن تصبح اللّغة العربيّة جزءًا من الحياة اليومية في المدرسة والبيت، كما في المصنع والجامعة ومراكز البحوث، وأن تغدو الثّقافة العلميّة جزءًا من ثقافة الصّانع والزّارع والبنّاء والحدّاد والنّجّار والعامل، كلّ في مجالات عمله." (1)
الخلاصة:
*ــــ إنّ اللّغة العربيّة لا تهدّدها العولمة المتوحّشة، ولا النّظام العالمي الجديد، فهي قادرة على الإفلات من قبضتهما، والسّير قدمًا نحو التطوّر ومزيد التّأثير في مجرى الفكر العالمي، والإضافة إليه، ولكنّ الخطر الأكبر، والدّاء المميت يأتيانها من داخل الدّيار؛ بسبب تهاون أهلها وإهمالها، والتّنقيص من قيمتها وإهانتها، والاعتداء عليها بكلّ أصناف الاعتداء.
*ــــ إنّ مقام اللّغة العربيّة عالميًا يظلّ ضعيفًا، مادامت الأمّة العربيّة والإسلامية لمّا تشكّل قوّة، يكون لها تأثيرها في مجريات الأحداث، ووزنها في تطوّر الحياة، تشارك في صنع القرارات، وتوجيه المسار. وستبقى اللّغة العربيّة بعيدة عن المنافسة، التي تمنحها الاندماج في سيرورة الفكر العالمي، ما لم يحدث في العالم العربي والإسلامي انفجار علمي قويّ، وثورة كبيرة لتطوير اللّغة العربية، وتطويعها لتتكيّف مع المستجدّات، واستيعاب المتغيّرات، والتّعبير عنا بدقّة، كما كان لها هذا الدّور في أزهى عصورها، أين أنتجت الحضارة، وأثمرت الفكر القويّ، ما مكّنها من تسنّم قمّة الفكر العالمي.
*ــــ رغم ما يُبذل من جهود مشكورة للرّقيّ باللّغة العربيّة، لاسترجاع مكانتها العالمية، وهي مبادرات صادقة، صادرة ونابعة من الإخلاص والوفاء لهذه اللّغة، ومدفوعة بطموح كبير لخدمتها، وإنصافها، ورغبةٍ ملحّة وجادّة للتّعريف بحقيقتها لغير النّاطقين بها، ليفيدوا منها، كما أفاد من قبلهم بها، حين كانت في أوج قوّتها، وكان أهلها في قمّة العطاء وقوّة الإبداع ... إلاّ أنّها تظلّ جهودًا قاصرة عن جعل اللّغة العربية لغة عالمية واسعة الانتشار، فهي كما يقول الدّكتور إبراهيم بن مراد: " لا تحظى من الاهتمام الوطني والقومي، إلاّ بقدر ضئيل، ثمّ إنّها جهود مشتّتة موزّعة، غير موحّدة المناهج، لم تتجاوز بعد مرحلة الاقتراح وإبداء الرّأي في المجال المعجمي. فإنّ قرارات المجامع وأعمالها العلميّة، وفي المصطلحات ليست إلزامية. ثمّ إنّ التّعريب ما زال – رغم طول العهد بالإفاقة – بين أخذ وردّ، ورفض مطلق، وقبول مقيّد، وتطبيق مضطرب، قد
__________
(1) -الدّكتور أحمد شفيق الخطيب، "الثّقافة واللّغة العربيّة في عصر العولمة"، المصدر السّابق، ص: 701. (8/131)
صفحة 129
يضرّ اللّغة ولا ينفعها كثيرًا." (1)
*ــــ لابدّ من تأسيس خطاب علمي باللّغة العربيّة، عبر إقامة مشروعات قويّة، ووضع برامج محكمة التّخطيط، تنطلق من رؤية مستقبلية دقيقة، تستشرف ما يكون عليه العالم بعد حقب زمنيّة بعيدة، يكون مجالات تنفيذها دورياتٍ متخصّصةً، وندواتٍ علميّةً مركزّةً، وحلقاتٍ دراسيّةً مكثّفةً، ودراساتٍ وبحوثًا معمّقة، وكلَّ وسيلة تفتح المحال للّغة العربيّة كي تبرز وتنشط وتتطوّر.
نحن نتفاءل خيرًا بمستقبل اللّغة العربيّة، وبرجوعها إلى واجهة النّشاط الفكري العالمي؛ رغم ما تعانيه، ورغم ما ينتظرها من عقبات كثيرة، عليها أن تذلّلها وتتخطّاها، وهي ليست بالهيّنة ولا بالبسيطة؛ لأنّ البذرة التي أخرجت اللّغة العربية، ومنحتها الحياة قويّةٌ وغنيّةٌ وحيّةٌ، قادرة على مزيد الإنبات، وقادرة على تغذيتها، لتبقى حيّة مدى الحياة. ولأنّ الفروع التي أورقت وأزهرت، ثمّ أثمرت اللّغة العربيّة، قابلة للتجدّد، ما يعني أنّ هذه اللّغة تحمل بين طيّاتها عناصر التّطوّر؛ للتكيّف مع كلّ المعطيات والمتغيّرات، لتبقى فاعلة ومؤثّرة في المحيط والسّاحة العالمية، بدليل رحلاتها عبر العالم، التي حطّت بها في الجامعات الصّينيّة والجامعات الكورية، وفي الجامعات والمراكز الأروبيّة والأمريكيّة بقوّة ... وحضورها في المنتديات العالميّة. من أمثلة ذلك ما كتبه الدّكتور وليد العناني عن اهتمام بعض المؤسّسات العلميّة والثّقافيّة الأمريكية باللّغة العربيّة، وتدريسها فيها؛ لدوافع وأهداف بيّنها الدّكتور في مقاله (2)
من العناصر التي تناولها الدّكتور في المقال نقرأ حجم الاهتمام باللّغة العربيّة، والأهداف المسطّرة من التّناول، ونفهم المتغيّرات التي حدثت في العالم، فدفعت إلى هذا المسار. مهما تكن هذه التّفسيرات والتّحليلات والاستنتاجات والتّقديرات, فإنّ هذا يبقى مؤشّرًا على الفرص المتاحة لانتشار اللّغة العربيّة، ودخولها العالميّة.
تناول الدّكتور في هذا المقال النّقط الآتية: العربيّة في أمريكا: مظاهر الاعتناء بها. التّوسّع في برامج اللّغة العربيّة. ازدهار تأليف كتب تعليم العربيّة للنّاطقين بغيرها. حوسبة العربيّة والاستثمار في إنتاج برمجياتها. إنشاء وسائل إعلام تستعمل العربيّة لغة لها. عقد النّدوات والمؤتمرات
__________
(1) -من قضايا اللّغة العربيّة المعاصرة، ص: 224.
(2) - المقال بعنوان: "اللّغة العربيّة في أمريكا من الثّقافي إلى الأمني"، ينظر كتاب العربيّة الرّاهن والمأمول، ص: 295 ــــ 320. ينظر أيضًا المصدر نفسه، ص: 321 ــــ 329. مقال الدّكتورين سرير إلهام ومحمد مرتاض، بعنوان: "وضع اللّغة العربيّة في الولايات المتّحدة الأمريكية "، عرضا فيه مجموعة من الأسئلة والأطروحات حول اهتمام هذا البلد باللّغة العربية، ووضعها الحقيقي فيه. (8/132)
صفحة 130
المتخصّصة باللّغة العربيّة. إنشاء رابطات وجمعيات لمعلّمي العربيّة وباحثيها. تعلّم العربيّة في أمريكا: الأهداف والبواعث. العربيّة في السّياق الأمريكي: السّياق الاجتماعي، السّياق العلمي الأكاديمي، السّياق العسكري الأمني، السّياق التّربوي التّعليمي.
إلاّ انّه يجب الحذر والتّنبّه إلى هذا الحضور والوجود في هذه المؤسّسات، هل هما مؤسَّسان على قواعد صحيحة وسليمة من أيّ هدف مغرض؟ ومن أيّ ضرر يلحق بأصالة اللّغة العربيّة. هل الهدف مصلحي: تجاري؟ استهلاكي؟ القصد منه الإضرار باللّغة من باب من تعلّم لغة قوم أَمِنَ شرّهم، وَأَمَّنَ لهم الشّرّ، على طريقة جورج بوش الابن الذي أصدر ما يشبه الأوامر لتعلّم العربيّة لمحاربة الإرهاب والتّطرّف حسب زعمه. حصل هذا بشكلّ جدّي بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001م، وبعد احتلال العراق ... وعلى نهج المغرضين الذين يدرسون الإسلام بعامّة والقرآن بخاصّة؛ لينقلبوا عليهما بتصيّد ما يزعمونه أخطاء ومخازي ومآسي فيهما؟ هل الغرض نبيل هو الإفادة من اللّغة العربيّة؟؟ علينا الحذر من فسح المجال، وفتح الباب على مصراعيه، والتّرحيب والتّهليل بكلّ مبادرة وخطوة لاحتضان اللّغة العربيّة، من أيّ جهة كانت، من دون تقويم هذه المبادرات، والنّظر فيها لمعرفة كيف فَسَحَت لها المجالَ، ولماذا احتضنت هذه اللّغةَ ...
يقول الدّكتور وليد العناني عن تصريح جورج بوش بشأن وجوب تعلّم الجنود والدّبلوماسيّين الأمريكيّين اللّغة العربيّة: «ولعلّ خلاصة التّصريح تتمثّل في قوله: كيف نربح معركتنا مع الإرهابيّين؟ وماذا نفعل تحقيقًا لهدفنا هذا؟ إنّ استراتيجيتنا تتمثّل في الوصول إلى أعدائنا في بلدانهم؛ لذلك ينبغي على جنودنا في الصّفوف الأمامية أن يكونوا قادرين على التّكلّم بلغتهم، وأن يكونوا قادرين على الاستماع لهم في مجتمعاتهم التي يعيشون فيها، ليتمكّنوا من معرفة لغة هؤلاء الأعداء القتلة في مدنهم وقراهم لحماية الشّعب الأمريكي. إنّنا محتاجون إلى ضباط أذكياء يستطيعون أن يفهموا ما الذي يريده متحدّث ما، عندما يتكلّم العربيّة أو الفارسية أو الأردية. ونحتاج دبلوماسيّين يقنعون الحكومات بمشاركتنا جهودنا في مكافحة الإرهاب بلغتهم هم. إنّ شعبنا يتوقّع منّا النّجاح، وأن نكون حكيمين في استثمار مصادرنا، والاستثمارُ الجيّد لمصادرنا الآن يتمثّل في تعليم هذه اللّغات (وأهمّها العربيّة) , من الرّوضة إلى نهاية الصّفّ الثّاني عشر، وفي جامعاتنا. علينا أن نشجّع متكلّمي هذه اللّغات للقدوم إلى بلادنا وتعليمنا كيف يتكلّمون لغتهم ... » (1).
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 316، 317. (8/133)
صفحة 131
- - - (8/134)
صفحة 132
رمزية النخلة
في أدبيات الشاعر محمد صالح ناصر (*)
أ /محمد أحمد جهلان
معهد اللغات والآداب ـــ المركز الجامعي غرداية
م
(1) مقدمة:
تعدُّ مقدرة الإنسان على خلق رموزٍ تقوم واسطة بينه وبين الأشياء من أهمِّ السمات التي تميِّزه عن الكائنات الأخرى؛ فبفضل هذه الوسائط استطاع أن يتجاوز التعامل مع العالم المادِّي بصورة مباشرة مكتفياً باستحضار ما منحه من رموز تقوم مقامه، ومع تطوُّر الوعي البشري أصبحت وظيفة الرمز، أكثر اتساعاً وتعقَّدت أبعادها فلم يعد ذا دلالة ثابتة بل أصبحت أبعادُه متنوعة لا تتحدَّد إلاَّ عبر السياق الذي ترد فيه. تتجلَّى هذه الظاهرة في الحقل الأدبي بصورة خاصة؛ فقد منح الأدباء الرموز اللسانيَّة أبعاداً أخرى متجاوزين بُعدها الرمزي المتواضَع عليه من أجل تجسيد رؤيتهم تجاه العالم المحيط بهم.
وإذا كان الإنسان ـــ كما يقال ـــ ابن بيئته؛ فلقد تغنَّى الشعراء قديما وحديثًا بعناصر مادية من الواقع المحيط بهم، وتطوَّر الاستعمال المتكرِّر لهذه العناصر لتكتسب صفة الرمزية ولتصبح جزءًا من زادهم المعرفي، وتمتزج بطينة تكوينهم الفكري؛ فلمَّا كانت حياة عرب الجاهلية في أغلبها حياة تنقُّل دائمٍ من ماء إلى ماء، ومن كلإ إلى كلإ، فإنَّ الشعراء كانوا يقِفُون على الأطلال ويستوقفون، ويبكون الديار الدارِسَةَ ويستبكون، تعلّقًا بها وحنينًا لأيامها الخوالي، حتى غدى افتتاح القصائد المطولات بالنسيب وبكاء الأطلال ظاهرة وَسِمَةً لصيقة بالشعر الجاهلي، واكتست العناصر الماديَّة كالطلل، والراحلة، والراح، معانيَ مختزِلةً لفيض عارم من التعابير، وتكثيفًا لغويًا لحقول دلالية لا يدرك معناها إلاَّ من تعمَّق في جزئيات حياة العربي الجاهلي واستكنه همومه وانشغالاته.
__________
(1) (*) ـــ محمد بن صالح ناصر، باحث وأديب وشاعر جزائري، من مواليد القرارة ولاية غرداية سنة 1938م، درس في «معهد الحياة» على يد علماء بارزين في الحركة الإصلاحية، حائز على دكتوراه دولة في الأدب من جامعة الجزائر سنة 1983، اشتغل مدرِّسا في جامعة الجزائر 19 عاما، وفي معهد العلوم الشرعية بسلطنة عُمان من 1991 إلى 2002 ... مُتفرِّغ حاليا للبحث والتأليف. (9/134)
صفحة 133
الرمز والرمزية في الشعر:
قبل الخوض في التجربة الرمزية عند الشاعر محمد صالح ناصر، يجدر بنا التوقّف عند مفهومي الرمز والرمزية، وعلاقتهما بالصورة الفنية في الشعر، فقد يُثار سؤال عن المستوى الرمزي في الشعر؛ متى تتحوَّل الصورة الفنية باعتبارها أداة نصية شعرية أساسية إلى معطى مجرد رمزي يُدرك عن طريق الحدس؟ كما يمكن إثارة تساؤل آخر عن مدى إمكانية عدِّ كل إشارة غير مباشرة إلى فكرة مجرَّدة نوعا من الرمزية في الشعر؟
كلمة "الرمزية" مصطلح أدبي نقدي كمصطلحات "الكلاسيكية" و"الرومانسية" و"الواقعية" قد تُستعمل بمعاني واسعة جدا. وإذا كان مؤرخو الأدب يستعملون الكلمة للدلالة على عصر ما بعد الرومانسية (1)، فإنها قد تستعمل أيضا لتصف «أي لون من ألوان التعبير الذي يشير إلى شيء إشارة مباشرة بطريقة غير مباشرة، من خلال وسيط هو طرف ثالث في هذه العملية» (2). ولكن الملاحظ على هذا الوصف أنه فضفاض ولا يصمد أمام مطلب الدقة المصطلحية، ولذا فإن أول ما نقر به في عملية التحديد هو أن الرمزية ليست مجرد استبدال شيء بشيء آخر، وإنما هي عملية استخدام «صورة» محددة للتعبير عن أفكار وعواطف مجردة. وبعبارة أخرى الرمزية هي محاولة إيجاد (معادل موضوعي) لفكرة أو عاطفة تسكن الشاعر، يقول ت. س إليوت: «الطريقة الوحيدة للتعبير عن العاطفة في شكل فني هي إيجاد معادل موضوعي؛ أي مجموعة من الأشياء أو المواقف أو سلسلة من الأحداث تكون في النهاية هي التركيبة المعادلة لهذه العاطفة» (3).
فالرمزية في الشعر هي فن إثارة فكرة ما بطريقة تدريجية موحية تؤدي في الأخير إلى اكتشاف حالة عاطفية مزاجية عند الشاعر. وقضية الكشف التدريجي مهمة في هذا التعريف؛ إذ أن تسمية الشيء بمعناه المباشر تعني قضاء الشاعر على أكبر قدر من المتعة يمكن استخلاصه من القصيدة.
__________
(1) ـــ بلكيان، آنا: «الرمزية دراسة تقومية»، تر/ الطاهر أحمد مكي، وغادة الحفني، ط1، دار المعارف، مصر، 1415هـ/1995م. ص: 23.
(2) ـــ تشادويك، تشارلز: «الرمزية»، تر/ نسيم إبراهيم يوسف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992. ص: 39.
(3) ـــ مصطلح «المعادل الموضوعي» « Objective correlative» من وضع الأديب الناقد ت. س إليوت ( T.S.Eliot). في مقالته «هاملت ومشاكله». ينظر تفاصيل عن هذا المصطلح وجذوره عند: أبو الرضا، أسعد: «النقد الأدبي الحديث أسسه الجمالية ومناهجه المعاصرة روية إسلامية»، (د. د. ن)، ط2، 1428هـ. (9/135)
صفحة 134
وإذا كان مجال الدراسة يستعصي على الاستطراد النظري في تحديد معنى "الرمز" في الأدب والنقد، فإننا بإمكاننا ــــ بناء على ما تقدم ــــ إيجاز تعريف لهذا المصطلح بأن نقول:
الرمز في اللغة: «الإشارةُ والإيماء» (1)، وفي الاصطلاح النقدي: كلمةٌ, أو عبارةٌ, أو صورةٌ, أو شخصيَّة, أو اسم مكانٍ، يضمُّ في داخلة أكثر من دلالة, يربط بينها قطبان رئيسييان؛ يتمثَّل الأول في البعد الظاهر للرمز, وهو ما تتلقَّاه الحواسُّ منه مباشرة، ويتمثَّل الثاني في البعد الباطن أو البعد المراد إيصاله من خلال الرمز.
والرمزُ على أنواع منها: الرمز العلمي, والرمز اللغوي, والرمز الديني, والرمز الطبيعي، والرمز الفني, والرمز الأسطوري, وغيرها. وممَّا يجمع بين هذه الأنواع من الرموز أنَّ كل واحد منها يحمل دلالتين؛ ظاهرة وباطنة, وكلُّ رمز يتضَّمن الموضوعيَّ والمتصوَّر, وكلُّ رمز يحلُّ محلَّ شيء ما, إلى جانب أنه ينطوي على قدرة ثنائية. ويتميَّز الرمز في الفن ـ الشعر بخاصّةـ بأنه لا يتبدَّى إلا ضمن السياق, وهو مرتبطٌ بتجربة الشاعر, وبأبعادها, وبالمرجعيات التي تنبثق منها أو تؤثر فيها، كما أنه متعدّدُ الدلالات؛ فهو يحمل في داخله ـ إلى جانب المعنى الإشاري ـ البعد الاجتماعي، والنفسي، والفكري، والعاطفي، وما إلى ذلك.
يمكن القول إذا إنَّ الرمز في الشعر لا يولد من الفراغ، وأنَّ توظيف الشاعر لهذا الرمز يُعتبر مهمَّة كبيرة وصعبة، إذ إن الرمز لا يحمل فقط السمات الذاتية التي يُسبغها الشاعر عليه، بل يعكس كذلك عرفاً جماعياً قد يخفى عن القارئ المبتدئ، وكلما كان الرمز ممثِّلاً لما هو "عُرفي" و"متّفق عليه", أي انعكاساً للوعي الجمعي الراهن -أو الممكن أو الاثنين معاً -ازداد تأثيره, وازدادت أصالته.
بين الرمز والصورة:
لقد آثرنا في هذه الدراسة استعمال تعبير "رمزية النخلة" بدل مصطلح "صورة النخلة"، الذي يبدو أقرب إلى الاستعمال النقدي المألوف، وقد لجأنا إلى هذا التدقيق للتعبير عن تطور استعمال هذه الصور في شعر الأديب محمد صالح ناصر؛ فلقد لاحظنا أن تصوير مكونات الطبيعة ومظاهرها، وتوظيفها في النصوص الشعرية اكتسب مع مرور الزمن وعوامل متظافرة (سنشير إليها لاحقا) إلى أفكار مجردة متعالية راسخة
__________
(1) ـــ ابن منظور، محمد بن مكرم: «لسان العرب»، دار صادر، بيروت، (د. ت) مادة: "رمز". (9/136)
صفحة 135
في وعي الشاعر ولا وعيه، وحتى لا يكون حديثنا موغلا في التنظير ــــ وهذا لا مندوحة عنه ــــ فإني أمثِّل لهذه الظاهرة (ظاهرة تحول الصور إلى رموز خاصة عند الشاعر) بصورة «المئذنة»؛ هذا المكون المعماري المادي الذي يجسد يحاءات معروفة عند عامة المسلمين مشرقا ومغربا، نجده يُحَمَّل بتظافر عوامل الدين والعرف والتاريخ دلالات رمزية عميقة متعالية وظَّفها الشاعر في عدد من قصائده؛ رمزٌ مكوَّن من عدة صور؛ كالمئذنة الأمَّة، والمئذنة النصر، والعزة والوحدة ... انظر إليه حين تحدث عن فجر الصحوة الذي بدأت تباشيره تظهر في سماء الأمَّة الإسلامية، فقال في قصيدة «الأموات والأحياء»:
«صُبحٌ تنفَّس، فالظَّلامُ مُلَمْلِمٌ
خزْيَ الشَّقاءِ يَجُرُّ ذيل هَوَان
حَنَّتْ لمطْلَعِهِ المآذنُ في رُبَاهُ
حَنِينَ بدْريٍّ إلى الرِّضوان» (1)
فمآذن الشاعر كائنات حيَّة، تحسُّ وتشعر وتأسى وتَحِنُّ، تَحِنُّ للنصر والاستشهاد حنين صحابة بدر إلى رضوان الله وجنته. مآذن الشاعر صورةٌ رمزية مختبئة في ذاكرته من من أيام الطفولة، أيام النشأة في القرارة، حيث تنتصب المئذنة كأعلى بناء يشرف على منازل قريته (2)، شامخة متسامية ثابتة، هذه الصورة الراسخة تحوَّلت لدى الشاعر إلى مُعطى رمزي مجرَّد عن طبيعته المادية، معطى ممتزج بأحاسيس العزَّة والثبات وحبِّ الاستشهاد. نجد هذه الصورة الرمزية ذاتها (صورة الثبات والعزة وحبِّ الاستشهاد) تتجسَّد في قصيدة أخرى وفي ديوان آخر، حين عايش الشاعر نكبة المدن البوسنية واستماتة مدينة «يايتسي» أمام همجية الصرب الغاصبين، فكانت قصيدة بعنوان «لن تسقط يايتسي وفيها مئذنة»، وجاء فيها:
«فمالِيَ مِنْ دُنيَايَ شَيءٌ يَشُدُّنِي
إليهَا، سِوَى بَيتِي بِها وَعقيدَتِي
ومِئذنَةٍ تَعلُو هُناكَ، يَهُزُّنِي
نِدَاهَا لِئَلاَّ أَستَكِينَ لِذِلَّةِ
تَشُدُّ إلى أفْقِ السَّماءِ نَواظِرِي
فَتُشْرِق نفسِي في اغْترابِي، وَوَحْشَتِي
أُلاَقِي بِها وَجهَ النَّبيِّ وَصَحْبِهِ
وَبَدرًا وَحِطِّينًا تُحَرِّك أُمَّتِي (3)
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة»، دار الريام، الجزائر، ط1، 1431هـ/2010م ص: 162.
(2) ـــ تشتهر قرى وادي ميزاب، ــــــ ومنها القرارة مسقط رأس الشاعر ــــــ بهندسة معمارية متميزة بحيث بنيت على هضبة مرتفعة يكون المسجد في أعلى الهضبة، وتلتفُّ الدور حول المسجد نزولا إلى أسفلها. فتظهر مئذنة المسجد سامقة شامخة للقادم إلى القرية من بعيد.
(3) ـــ ناصر محمد: «ألحان وأشجان»، (ديوان شعر) نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1416هـ/1995، ص:44. (9/137)
صفحة 136
نلاحظ كيف أن المئذنة تختزل برفعتها صور السمو إلى السماء، وبثباتها منتصبة صور الصمود وحب الاستشهاد، ويؤكد هذا حضور الرمز الديني مرَّة ثانية في آخر بيت متمثلا في معركتي «بدر» و «حطين» بكل ما تحملها من دلالات وإيحاءات للقارئ المسلم.
ولا أريد أن أستطرد في ذكر المظاهر الصوتية والتركيبية والدلالية المتظافرة التي تؤكد نظرتنا لرمزية المئذنة لذى الشاعر وتعبيرها عن صورة المئذنة المخزونة في لا وعيه منذ طفولته، فيكفي أن نتأمل قوله «ومئذنة تعلو هناك» لنستخرج عددا من المظاهر الأسلوبية المؤكدة للفكرة، فلفظ "هناك" مكوَّن صوتيا بطريقة تؤدِّي إلى التنهد والتنفيس، فحرف الهاء حلقي والنون الممدوة تتيح خروجا حرًّا للنفس. واللفظ من ناحية أخرى مكوَّن دلاليا ليوحي بأن المئذنة تعلو بعيدا في وطن غريب لم تؤلف فيه المآذن، فكأن الأصل والمألوف أن تعلو المآذن هنا في البلاد العربية الإسلامية، أما تلك المئذنة فعلت متميِّزة «هناك» بعيدا في بلاد الغرب والغربة، ولعل في هذا التوظيف الرمزي متأثر بقصيدة عبد الرحمن الداخل (1) في النخلة التي رآها منتصبة في رصافة الأندلس، فقال فيها:
«تَبَدَّتْ لَنَا وَسْطَ الرُّصَافَةِ نَخْلَةٌ
تَنَاءَتْ بِأَرْضِ الغَرْبِ عَنْ بَلَدِ النَّخْلِ»
نخلص مما سبق إلى أن توظيف الصورة الفنية عنصر أساسي في الشعر، وأن هناك صورا تتطور عند الشعراء لتغدو رموزًا، قد تكون رموزا خاصة بالشاعر، وقد تكون رموزا مشتركة بين أبناء مجتمع معين وبيئة معينة.
ولقد اسهبنا في إثبات هذا الفرق بين الصورة والرمز لنزيل اللبس الذي قد يساور بعض الدارسين من أن توظيف الشاعر محمد ناصر لعناصر بيئته الصحرواية ومظاهرها التي نشأ فيها إن هو إلا توظيف طبيعي تلقائي للعناصر المشاهَدة، بل سيتأكد لنا بما ليس فيه مجال للشك بأن كثيرا من هذه العناصر، ونخص هنا النخلة بالحديث، قد وظفها الشاعر بعناية وعمق، لتجسِّد كثيرًا من القيم الأخلاقية والدينية والعرفية السامية في المجتمع الإسلامي.
__________
(1) ـــ عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان "صقر قريش" (و:113هـ/ ت:171هـ) دخل الأندلس وحكمها 33 سنة (138هـ و 171هـ). الذهبي، شمس الدين: «سير أعلام النبلاء»، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1993، ج8، ص: 244. (9/138)
صفحة 137
النخلة في النصوص الدينية والشعرية:
ذكرت النخلة في القرآن الكريم عدة مرَّات (1)؛ فقد ذكرت على أنها شجرة مباركة، ومنها طعام أهل الجنة {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ} [الرحمن، 11]، {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن، 68]، وتحت النخلة ولد سيدنا عيسى عليه السلام، وكان منها غذاء مريم عليها السلام، {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم، 25] ... وإذا تأملنا المواضع التي ذكرت فيها النخلة في القرآن الكريم فإننا نجدها مقترنة بمعاني الحياة الكريمة والبركة وطيب الرزق في الدنيا وفي الآخرة (2). ولنمثل لهذه المعاني نتأمل قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق، 9 ــــ11].
ففي هذه الآيات نجد بأن النخلة التي تنبت من الماء المبارك مباركة هي أيضا، وثمرة هذه النخلة ستكون مباركة بالتبع، وهذه البركة في الغذاء والرزق ستحيي الموات من القرى والبلاد. ورغم أن الآية تجعل الإحياء بالماء المبارك {وَأَحْيَيْنَا بِهِ} ولا تصرِّح مباشرة بأن النخل سبب في هذا الإحياء، فإن تخصيص النخل بالذكر والعناية في معرض الحديث عن الماء المبارك المحيي له دلالته بالتأكيد؛ فرغم أنَّ النخل يدخل ضمن «الجنَّات» أي جنس الشجر الذي ورد في قوله تعالى {جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} وثمرها يدخل ضمن باقي ثمار الجنات، إلاَّ أن «طلع» النخل وصف «بالنضيد» دون غيره من ثمار الجنات، وخصًّ مرة أخرى بأنه «رزق للعباد»، كل هذا التخصيص لم يكن عرضا، وإنما كان ذلك لأهمية المخصص وقيمته ومنزلته.
أما ما ورد في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - العطرة قولا أو فعلا عن النخل والتمر وأهميتها فكثير لا يسع المجال لحصره، ونكتفي بالتوقف عند حديث علي - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «أكرموا عمَّتكم النخلة فإنها خُلقت من الطين الذى خلق منه آدم، وليس من الشجر يلقح غيرها، وقال رسول
__________
(1) ـــ[الأنعام، 99 و141]، [الكهف 32]، [ق، 10]، [الرحمن، 68]، وغيرها
(2) ـــ ما عدا موضعين ورد فيهما لفظ «نخل» للتعبير عن معاني الضعة والخسة، وكلا الموضعين لم تكن النخلة فيهما حية أي أنها كانت ميتة خاوية جافة بدون لب، ويتعلق الآمر بآيتي سورتي: القمر 20 و الحاقة 07. (9/139)
صفحة 138
الله صلى الله عليه وسلم أطعموا نساءكم الوُلَّد الرطب فإن لم يكن رطب فالتمر وليس من الشجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران» (1).
ولما كانت أغلب البلاد الإسلامية بلاد تمر ونخل، فقد اشتهر هذا الحديث عند أهلها ووجد فيه علماء المسلمين مظهرا من مظاهر الإعجاز النبوي، ليس في قيمة ثمرتها الغذائية التي أثبتها الطب الحديث فحسب، بل وفي عملية تلقيح النخل التي يشير إليها الحديث وتلقيح البشر ... كل هذا جعل النخلة تحتل مكانة مرموقة في قلب العربي المسلم الذي يعيش في كنفها ويتغذى من ثمارها كما قال - صلى الله عليه وسلم - «يا عائشة بيت لا تمر فيه جياعٌ أهله» [قالها مرتين] (2)، وبذلك فإن المسلم الحق يشعر فعلاً بأن النخلة من أقاربه الذين تجب عليه صلتهم ورعايتهم وإكرامهم، امتثالا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - «أكرموا عمَّتكم النخلة».
وإذا تأملنا الشعر العربي ـ القديم منه بوجه خاص ـ وجدنا أن النخلة كانت تحتل صدارة النباتات والأشجار المذكورة فيه، إذ كانت أشهر أشجار الجزيرة العربية عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة، حتى قرنت بأماكن معينة كعُمان وهَجَر ... فقالت العرب «كمستبضع التمر إلى هجر» (3).
وكانت النخلة منذ العصر الجاهلي تحضى بالتقديس والتبجيل؛ فكانت عند عرب الجاهلية مقدَّسة لأنها تحمل معاني الخصوبة والأنوثة؛ «فكانت النساء الجاهليات يضعن حليهن وأثوابهن على جدوع نخل نجران ابتغاء للذرية من الإلهة "عشتار" التي كانت تلبس القلائد والقروط» (4).
كما كان للنخلة حضور قوي في الشعر القديم وفي أمثال العرب، ومن ذلك قولهم «ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل»؛ والدخل هو العيب الخفي الباطن، ويضرب لذي المنظر لا خير عنده (5).
__________
(1) ـــ أوردنا الحديث استئناسا بمغزاه، رغم أنه ضعيف باتفاق أغلب المحدثين، فقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، وفي سنده مسرور بن سعيد التميمي وهو ضعيف. انظر مثلا علي بن أبي بكر الهيثمي: «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» دار الكتب العلمية بيروت، 1988، ج5، ص: 39.
(2) ـــ رواه مسلم في صحيحه، باب ادخار التمر ونحوه من الأقوات للعيال.
(3) ـــ الميداني أحمد بن محمد، أبو الفضل: «مجمع الأمثال»، تح/ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجبل، بيروت، ط2، 1987، مج 2، ص: 152.
(4) ـــ أبو سويلم، أنور: «النخلة في الأدب الجاهلي» ضمن كتاب «مظاهر من الحضارة والمعتقد في العصر الجاهلي»، دار عمار للنش والتوزيع، عمًّان، الأردن، 1991، ص: 51.
(5) ـــ الميداني أحمد بن محمد، أبو الفضل: «مجمع الأمثال»، مج 1، ص: 240، 241. (9/140)
صفحة 139
والنخيل عند الشعراء مثال للحبيبة الظاعنة في هودجها، تُهيج حبيبها بالأشواق، فنجده يصوِّر هودجها كسعف النخلة في تمايله، وتحريك الرياح إياه، ومنه قول امرئ القيس:
تَبَيَّنْ خليلي هل تَرى من ظعائنٍ
لمَيَّةَ أمثالِ النّخيلِ المَخَارِفِ (1)
وفي هذا المعنى يقول ذو الرمة:
كَأَنَّ أَظْعَانَ مَيٍّ إِذْ رَفَعْنَ لَنَا
بواسقُ النَّخلِ منْ «يبرينَ» أو «هجرا»
واستمر هذا الحضور حتى في عز ازدهار الحضارة العربية الإسلامية أيام الأمويين والعباسيين، إذ كثيرا ما نجد الشعراء يشبهون تمايل جذوع النخيل بتمايل النساء وتدللها، وثقل قنوانها بالتمر باكتناز جسم المعشوقة وامتلائه، وطول النخل وسموه بجسم المرأة الحسناء الممشوق. قال بشار بن برد:
إنَّ البَخِيلَةَ لَو يَمِيلُ بِهَا الصَّبَى
كالقِنْوِ مَالَ عَلَى أَبِي الدَّحْدَاحِ (2)
فهو يشبه حبيبته وهي تتمايل بقنو النخل المتدلي على أبي الدحداح في الجنة (3).
ولقد رأينا سابقا كيف كانت النخلة مؤنسة عبدالرحمن الداخل في غربته بالأندلس، فعاشا غريبين هناك في رصافة الأندلس، وكان مرآها يهيج مشاعره، وكانت غربتها تذكره بغربته رغم مظاهر الملك والرئاسة، التي تخفي تحتها قلبًا رقيقًا غريبًا، ومن قوله فيها:
تَبَدَّتْ لنا وَسْطَ الرُّصافةِ نخلةٌ
تناءتْ بأرضِ الغَربِ عن بَلدِ النَّخلِ
فقلتُ شَبِيهي في التَّغرُّب والنَّوَى
وطُولِ التَّنائِي عن بَنِيَّ وعَن أهلِي
نشأتِ بَأرضٍ أَنتِ فيهَا غَريبَةٌ
فمِثلُكِ في الإِقصَاءِ وَالمُنتَأَى مِثلِي
أما في العصر الحديث فقد وظف الشعراء رمز النخلة للتعبير عن مشاعر متباينة، فنجدالنخيل بكثافتها وعتمتها شبيهة بعينَي حبيبة بدر شاكر السياب في مشهورته «أنشودة المطر» التي مطلعها:
عَينَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ
أَو شُرفَتَانِ رَاحَ يَنأى عَنْهُمَا القَمَرْ
__________
(1) ـــ الزمخشري، محمود بن عمرو، جار الله: «أساس البلاغة»، مج 1، ص: 296.
(2) ـــ بشار بن برد: «الديوان»، تح/ الطاهر بن عاشور، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1954، ج2، ص: 128.
(3) ـــ أبو الدحداح ثابت بن الدحداح البلوي، صحابي جليل استشهد يوم أحد، وفيه قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - حديثه الذي كرره مرارًا: «كم من عِذْقٍ رَدَاح في الجنَّة لأبي الدَّحدَاح»، وقصته مشهورة مثبتة في كتب الحديث، انظر مثلا: الهيثمي: «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» ج04، ص: 263. (9/141)
صفحة 140
نخلص من هذه الجولة المقتضبة عن النخلة في النصوص الدينية والأدبية، أن هذه الشجرة كانت تحظى باحترام وتبجيل عميق سواء في النصوص الدينية أو في النصوص التراثية العربية شعرا ونثرا .. وأن هذا الاحترام غدى أمرا متوارثا وممتزجا بالعلقلية العربية فكانت تجسد في هذه العقلية معاني الثبات والأصالة، وكانت عند الشعراء تجسد صور المناجي والخليلة والمرأة والزينة والظعينة ... (1)
النخلة رمز الانتماء:
إن المتأمل في كتابات الشاعر محمد صالح ناصر يستوقفه أمر مهم وهو قضيةالالتزام، فالشعر عند الأديب رسالة وقضية، وليس مجرد تنفيس وتعبير كما تدعي بعض الاتجاهات الفنية الحديثة، ولكن هذا مفهوم الالتزام الادبي لا يتعارض مطلقا مع فكرة التعبير الحر والصادق، فعملية الإبداع الشعري لا يمكن فيها التجرد من المنطلقات الإيمانية والفكرية والمكونات الذاتية للشخصية تجردا تاما، فليس هذه المكونات معطفا ينزعه الشاعر عند دخوله محراب الشعر، بل بالعكس نجد أن هذه المكونات وهذه المنطلقات والمعتقدات قد تكون دوافع وموجهات لعملية الإبداع الأدبي، ومحددا حاسما لطبيعة هذا الإبداع وسماته.
إن التزام الشاعر محمد صالح ناصر متعدِّد الأطياف والدوائر، ولعل أهم دائرة وأشملها هي دائرة الالتزام الديني، ثم الوطني ثم الاجتماعي والانساني ... وهذه الدوائر تتقاطع أحيانا وتتجاور أحيانا أخرى، ولكنها كلها تحيل على الدائرة الأولى، الدائرة الأم، وهي الالتزام الإسلامي (2).
وفق مفهوم الالتزام هذا، نجد أن النخلة في أعمال الشاعر تحدِّد رمزية الانتماء لهذه الدوائر جميعًا، فالنخلة ترمز للانتماء الاجتماعي المحلِّي، كما ترمز للانتماء الجغرافي الوطني، وترمز للانتماء للأصول العربية، وترمز النخلة أخيرًا للانتماء الإسلامي الأصيل.
والملاحظ على هذا الانتماء الذي ترمز إليه النخلة هو التدرج من البسيط إلى
__________
(1) ـــ لمزيد من التفصيل حول النخلة في الشعر العربي القديم، انظر مثلا: صالح علي سليم الشتيوي، «صورة النخلة في الشعر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري». مجلة جامعة الملك سعود، الرياض، مج 19، 1427هـ/ 2007م. ص: 255 ـ 288.
(2) ـــ لمزيد من التفصيل حول فكرة الالتزام ومستوياته في شعر الدكتور محمد ناصر، انظر: موسى وعلي علي بن أحمد: «الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر». مجلة الحياة، نشر جمعية التراث، القرارةـ، غرداية، الجزائر، ع14، رمضان 1431هـ/ سبتمبر 2010م. ص: 149 - 182. (9/142)
صفحة 141
الأعمق، من الجزء إلى الكل، من المهم إلى الأهم ... فالشعور بالانتماء الإسلامي يضم بالتأكيد الانتماء للأصالة العربية، كما أنَّ الانتماء للوطن الجغرافي ليس لغرض سياسي بقدر ما هو نابع من الشعور الديني الحاث على حبِّ الوطن والتفاني في الدفاع عنه، وحتى الشعور بالانتماء للأرض والقرية والمجتمع يثيره وازع ديني يحث على صلة القربى والوفاء بالفضل لأهل الفضل من الأجداد والأسلاف ... فالشعور بالانتماء الإسلامي حاضر في جميع الدوائر والمستويات.
يقول الشاعر في قصيدة «براعم الحياة»، مستذكرا مراتع العلم ومرابع الطفولة، أيام الدراسة بمدرسة الحياة:
«حدِّثَانِي عَن حُسْنِها إنَّ نفسِي
ودَّعَتْ في رِحَابِهَا وقتَ أُنسِي
ذِكريَاتٌ مع الطُّفولَةِ فِيهَا
حَرَّكَتْ بالحنِينِ شِعِرِي وَنَفْسِي
حَدِّثانِي عَنْ كُلِّ ذَرَّةِ رَمْلٍ
بِحِمَاهَا وَكُلِّ درْجٍ، وَكُرْسِي
عنْ نُخَيلاَتِهَا تَسَامَتْ إِبَاءً
تَبتَغِي في السَّمَاءِ قُبْلَةَ شَمْسِ» (1)
فالنخيلات التي كانت ـ وما زالت ـ في فناء مدرسة الحياة نقشت صورة راسخة في ذاكرة الشاعر، إنها تذكره بالجذور وبالأصول، وهي في الوقت ذاته توحي له بالسمو في طلب المعالي؛ فكأن عقول التلاميذ الصغيرة التي تتطلع إلى نور العلم وإشراقة الحياة تجسِّدها هذه النُّخيلاتُ التي تتسامى في الجو تبتغي الهواء الطلق ونور الشمس. إنَّ الشعور بالانتماء للأرض ولمرابع الطفولة مهيمن على فكر الشاعر، ومهيمن خاصة في ديوانه الأوَّل (أغنيات النخيل) (2). إن عنوان الديوان هو تكثيف واختزال لحقيقة هذا الشعور بالانتماء؛ «كلمة ”النخيل“ تعني ”الانتماء“ إلى الأرض التي نشأ فيها وترعرع في أحضانها، وليست النخلة إلا مدخلا لعالم يفيض بكثافة نابضة بالألوان والأصوات والحركة، تؤدِّي إلى إحداث نغم متَّسق يلعب فيه الغناء دور المعادل المستمر لإحساسه، بهذا الحب لبلاده وهو في ديار الغربة» (3).
وإذا عدنا إلى الخطاب النثري المتمثل في نص إهداء الديوان، والذي يفيد القارئ في وضع بروتوكول لفهم سياق القصائد، فإننا نجده يؤكد معنى الانتماء تأكيدا
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة»، ص: 49.
(2) ـــ ديوان «أغنيات النخيل» أول دواوين الشاعر، أصدره سنة 1981، ونشرته الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.
(3) ـــ خذري، علي: «شعرية الانتماء دراسة في ديوان (أغيات النخيل) لمحمد ناصر»، مجلة الأثر، دورية محكمة تصدر عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ورقلة. العدد 04، ماي 2005، ص: 166. (9/143)
صفحة 142
صريحا: «إلى التربة التي تُظِلِّها النخل بقاماتها الفارهة فأرتني الجمال طلعة متوَّجة بالنضارة، ويدًا بالخير معطاء ... ( ... ) إلى تلك التي علمتني بأنَّ الحياة أصالةٌ راسخة الجذور، وتفتُّحٌ يعانق أشعة النور ... إلى مسقط رأسي. مع حبي الكبير» (1).
بعد قراءة هذا النص فإن الصورة تتَّضح بجلاء عن شعور الأديب بالانتماء لمسقط الرأس، وكيف أنَّ النخلة تعبِّر عن هذا الانتماء، وترمز لهذا الموطن الصغير الجميل وسط الصحراء الشاسعة المقفرة. في هذا الفضاء المكاني الذي اكتسى صفة روحية تشكلت شخصية الشاعر، ونمت أحاسيسه ومداركه:
في رِيَاضِ «الحياة» أنبتْتُ رِيشِي
فازدَهَى مِن يَدَيْك واشتَّدًَّ غَرْسِي
أَنَا مَا صِرْتُ في الحَيَاةِ مُقرٌّ
لَك بالفَضْلِ كُلَّ مَطْلَعِ شَمْسِ
كما أن النخلة تعد رمز الانتماء للوطن الكبير المفدى الذي ضحى من أجله الشهداء، وهذا الشعور الوطني القوي لا تعدم منه قصيدة من قصائد الشاعر، «مما يوحي بانتماء عميق تبدو صوره في كل ما له صلة بالوطن حتى ولو كان ذلك في أصوات الفنانين (2)؛ يقول في قصيدة لحن من بلادي:
«هاتِ يا أوتارُ من فنِّ بلادي أي فنِّ
أيُّ لَحنٍ صِيغَ من وحْي بلادي فهو لحنِي
يُدخل النَّشوةَ في قلبي وتَرضَى عنه أُذْني
لا تَسَلنِي أيُّ سرٍّ في الموسيقى لا تسلنِي» (3)
ولكن النخلة ـــ بالنسبة للشاعر ــــ تبقى هي الرمز الأمثل للوطنية الحق، الوطنية التي يؤمن صاحبها بنيل الحقوق بعد بذل الواجبات، وليست الوطنية المزيفة التي يدعيها أصحاب المصالح الآنية ممن يتخذون مفاهيم الوطن والثورة والشعب شعارات جوفاء لاستغفال الشعب والنيل من كرامتهم، يقول الشاعر في قصيدة بمناسبة رحلة قام بها أبناء كشافة الحياة بالقرارة إلى الجزائر مشيا على الأقدام سنة 1987، وسموها «قافلة مفدي زكريا»، فحرك اسم «مفدي زكريا» في الشاعر مواجع التاريخ الذي أراد بعض صناعه من السياسيين والانتهازيين طمسه وتغييبه:
اِيه «مُفدي» ولو جَفَتْكَ الليالي
كلُّ ليلٍ له، وإنْ طالَ، آخِرْ
اِيه مُفدي سيَّان ذكرٌ ونكرٌ
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة»، (ديوان أغنيات النخيل)، ص: 21.
(2) ـــ خذري، علي: «شعرية الانتماء دراسة في ديوان (أغيات النخيل) لمحمد ناصر»، ص:169.
(3) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة». (ديوان أغنيات النخيل)، ص: 58. (9/144)
صفحة 143
أنتَ مُفدي فما يُضِيرُكَ ناكِرْ
فجمالُ الوُرود عطرٌ وشوكٌ
وجمالُ الجميلِ خَافٍ وسَافِرْ
وجلالُ النخيلِ إِبْرٌ وتَمْرٌ
وكمالُ الغديرِ بَادٍ وحاضِرْ (1)
فزهرة النصر التي تفتحت في جويلية سنة 1962 إنما سقيت بدماء الثوار في ساحات المعارك وسجون الاحتلال، فلا حرية بدون تضحية ولا ثمر بدون زرع ورعاية:
زهرة النصر في «جُولِيت» سَقَاهَا
دَم «نُوفَمبَر» الأصيلِ الفَائِرْ
فازدَهَت في الغُصون زهرًا وتَمرًا
واستَوَتْ في السُّجونِ والظُلمِ سَادِرْ
كيف يَسمُو النخيلُ دون جذُور
كيف تدنُو الثمارُ دون أزاهِرْ
النخلة في شعر محمد ناصر تمثل الانتماء الأصيل والوفي للوطن الضيق أو مسقط الرأس، وتمثل الانتماء الأصيل الواعي للوطن الكبير الجزائر، كما نجدها تجسد الانتماء القومي العميق للوطن العربي الإسلامي الكبير، فكأن قيم العروبة والإسلام نخيل باسقات في أرض المغرب بينما تضرب جذورها في منابع الفكر والحضارة مشرقا:
يا ابن زيد (2) هويتُ فيك اقتداءً
بخطَى "المصطفى"، ونورَ القُران
( ... ) إنه النخلةُ الأصيلة، في الغرب
جنَّةً، وفي الجذور عُمَانِي (3)
وتمثل النخيل بقاماتها السامقة وبعطائها العميم أعلام الأمة الإسلامية وعلماءها الذين يصل عطاؤهم المشرق بالمغرب، يقول الشاعر في معرض حديثه عن الشيخ نورالدين السالمي العُماني (و:1867هـ/ ت: 1914م) والشيخ امحمد بن يوسف اطفيش الجزائري (و:1821هـ/ ت: 1914م):
«وهما نخلتانِ مهما تَنَاءَتْ
حبَّبَتْهَا إلى النفُوسِ الثمارُ
قَدَمٌ فِي الثرى أصيلٌ ورأسٌ
في سماءِ العُلى عَلاه اخضِرَارُ
عجبًا تلتقِي البَصائِرُ حُبًّا
دونَ أنْ تَلْتقِي بها الأبصارُ» (4)
ونخلة الشاعر هي عنوان تحدي الأمة وإبائها؛ عنوانُ العربي المسلم الذي لا يرضى الضيم والهوان .. هذا ما نجده حاضرا متكررًا في عدد من قصائد الشاعر، فهو يقول مخاطبا «نخلة» ببلاد الرافدين إبَّان حرب العراق سنة 1991، في مقاطع من قصيدة:
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله» (ديوان شعر)، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1991. ص: 45.
(2) 1 ـــ هو الإمام جابر بن زيد الأزدي العُماني، إمام المذهب الإباضي.
(3) ـــ ناصر، محمد: «ألحان وأشجان»، ص:23.
(4) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله»، ص: 56. (9/145)
صفحة 144
يَا نَخْلتي بالرّافدَينِ تمدَّدي
في أفْقِ أمتيَ الجريحَةِ عَاليه
يَا نَخْلتي، نَظَري كَلِيلٌ، لنْ يُطَا
وِلَ رأسَكِ العَالِي وأنْتِ مِثالِيَه
يا رمزَ أمتيَ الشَّهيدةِ في العرا
قِ، تُقاوِمين سُمُومَ ريحٍ عَاتيه
يا رَأْسِيَ المَرْفُوعُ، أنْتِ وهَبْتِ لِي
زُغْرُودَةَ المِيلاد تَصْدَحُ ثَانيَه
وَوَهَبْتِ أمتيَ السَّجينَة نَبْضَهَا،
والحاكِمون بها عتاةُ طَوَاغِيه (1)
النخلة رمز العزة والكرامة:
لقد رأينا كيف تُجسِّد النخلة في أدبيات الشاعر محمد ناصر معاني الانتماء بدوائره المتدرِّجة ضيقًا واتساعًا. ولاحظنا أنَّ هذا الانتماء كان في جميع الأشعار التي أوردناها انتماءً مُحاطا بهالة من العزَّة والكرامة، فالنخلة متمنِّعة في خلقتها وهيئتها، متمنِّعة عن أيدي المتطفلين برفعتها وسموِّها، ومتمنِّعة عن أيدي المقتحمين والغاصبين بإبرها وأشواكها.
وإذا تأملنا المعجم الشعري للشاعر محمد ناصر نجده كلما تناول معاني: الإباء والكبرياء، والمنعة والأنفة، والكرامة والعزَّة، والتحدّْي والشموخ، والسمُو والصمود ... فإنها سرعان ما تستدعي إلى مخيلته تلك الشجرة التي تجسّْد جميع هذه المعاني، فتتحوَّل النخلة إلى «مُعادل موضوعي» يختزل جميع هذه الصور التي يعجز لسان الشاعر عن التعبير عنها، أو يضيق مجال الشعر عن رصدها ورصفها.
يقول محمد ناصر في إحدى خواطره المطوَّلة معبِّرا عن هذه المعاني باسترسال ووضوح لا يتسنى له بسطه في الشعر: «أنت يا شجرتي الطيبة الرمزَ الأبديَّ الذي سيظل خالداً يتحدَّى الأزمات والمحن، أنت يا نخلتي الصامدة المثال الحيَّ الذي يتمدَّد في أعماق كل كادح، وأنت تواجهين سنوات الجدب والقحط، أو تستقبلين أيام النظارة والرخاء. عندما أنظر إليك وأنت تعانقين السماء في شموخ وكبرياء، متعالية في أنفة واعتزاز، يتضاءل أمامي كلُّ جبَّار أعمته السلطة، ويتقزَّم كلُّ ظالم أسكرته نشوة النفوذ، لأنَّ في شموخكِ كبرياءُ البذل والعطاء، وفي تكبُّرهم جبروت الحقد والكراهية ... » (2).
النخلة من خلال هذا القول، هي شجرة الشاعر الأثيرة، فتعبير «شجرتي الطيبة» فيه مزج بين شاعريةالذات بتوظيف ياء النسبة، وبين مثير دلالي آخر هو «الطيبة»، ففي التركيب الأول
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «ألحان وأشجان»، ص: 8، 9.
(2) ـــ ناصر، محمد: «الشجرة الطيبة، أو خواطر حول الأزمة» (إلى كل كادح يواجه الأزمة بصبر وإيمان)، ضمن ديوان «في رحاب الله». ص: 70. (9/146)
صفحة 145
«شجرتي» إبراز الخصوصية والتعلق الوجداني بالنخلة، وهذا التعلق يكتسي صفة القداسة إذ يُعتبر تريكب «الشجرة الطيبة» تناصًا ديني مع الآية القرآنية: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 24، 25]. ومن خلال هذا التعلق التركبي «شجرتي الطيبة» فإنَّ العلاقة بين الشاعر والنخلة تكتسب «قداسة» الكلمة الطيبة التي تجسدت في الآية الكريمة بصورة النخلة (1).
وتظل النخلة في قصائد الشاعر رمزا للكرامة والكبرياء والعزة، حتى في أحلك الفترات التي يمرُّ بها المسلمون، وتمرُّ بها بلادهم العربية والإسلامية. وإذا كنا رأينا كيف يمثل رمز «المئذنة» ثبات المسلمين وجهادهم من أجل دينهم، فكذلك تقترن صورة «النخلة» بالمئذنة في عدد من قصائد الشاعر، ليشكل الرمزان وحدة صلبة بين معطى الأرض (النخلة) ومعطى السماء (المئذنة) مثالا للتضحية في سبيل الحق، والاستمامتة في الذود عن الأوطان، يقول الشاعر في قصيدة بعنوان «رسالة مفتوحة إلى بدر شكر السياب»:
«النَّخلُ في أرض العراقِ، تعيشُ في مُقَلِ الصِّغَارْ
قد تظمأُ الأنْهارُ، وهْي بصَبْرِها تهَبُ الرَّبيعَ الاخْضِرَار
حتَّى وإنْ صَامَ الفُراتُ، وماءُ دَجلةَ جفَّ مِنْ حِمَمٍ ونَارْ ...
لنْ تظمأَ النَّخْلاتُ في أرضِ الشَّهادةِ والفَخَارْ ...
لأنَّها هِيَ وحْدَها أمُّ السَّحائب ...
تُبْدِعُ الأمْطَارَ،
تُنجِبُها وتَختَصِر البحارْ
__________
(1) ـــ اتفق اغلب المفسرين على أنَّ الشجرة المذكورة في الآية الكريمة هي النخلة، انظر مثلا: ابن كثير، إسماعيل بن عمر: «تفسير القرآن العظيم»، تح/سامي بن محمد سلامة، دار طيبة. ط2. 1420، 1999. ج4، ص: 491.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنّا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلا، وَلا، وَلا ... تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لأنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا». رواه البخاري: «صحيح البخاري» ج14، «باب: قَوْلِهِ: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ}». (9/147)
صفحة 146
النَّخلُ في بغدادَ، تعْلو كالمآذنِ شامخاتٍ لا يُدَانيها انْكِسَار»
لجأ الشاعر في هذا المقطع إلى المفارقة اللغوية في تصوير ثبات النخيل ودلالته عن عزة الإنسان العراقي وكبريائه، فالأصل أن تحتاج النخيل إلى الري من نهري دجلة والفرات، ولكن هذين النهرين لم يصمدا أمام الطغيان، فصام أحدهما وجفَّ الآخر، وإذا بدورة الطبيعة تنقلب، وإذا بالنخلة تَهَبُ الأرض حياة الربيع والاخضرار، وإذا بها تبدع منابع الماء من البحار والأمطار .... النخلة إذا واهبة للحياة، وهي عند الشاعر آخر الصامدين المُضحِّين، ولا يصمد معها إلا المآذن عندما يُقهر الجميع في العراق:
«النَّخلُ في بغدادَ، تعْلو كالمآذنِ شامخاتٍ لا يُدَانيها انْكِسَار»
على أن المستوى الصوتي في هذا المقطع يعضد فكرة السمو والرفعة والاعتزاز، فلقد لجأ الشاعر إلى استعمال الحروف المدودة مرارًا، فلا يخلو بيت منها، (العراق، الصِّغار، الأنهار، الاخضرار .. ماء، نار، الشهادة، الفخار .. السحائب، الأمطار، البحار .. المآذن، شامخات، انكسار ... )، هذا المد المتكرِّر يناسب «تمدد» النخلة في السماء، فرسم الألف المممدوة يشبه رسم النخلة الثابتة الراسخة. ويرد هذا المدُّ مقترنا عادة بحرف الراء، فقصيدة الشاعر جاءت في سياق الحديث عن الهزائم والنكبات المتتالية التي أصابت العراق، وحرف الراء كما نعلم حرف ذلقي جهوري منفتح يصدر بارتعاد طرف اللسان أكثر من مرَّة، ومن صفاته التكرار، فلذلك يوحي بتكرار المأساة واستمرارها واستقرارها. ومن هنا جاءت مناسبة المد للراء في هذه القصيدة من حيث أن النفَس يشغل وقتا أطول لإصدار هذا الصوت، مما يتيح انفتاحًا ومتنفسا أكبر للشاعر، وهو ما يخدم الحالة الشعورية والعاطفية العامة الطاغية في القصيدة.
النخلة رمز للثبات على المبادئ:
إن هذه الصورة هي أقرب الصور إلى ذهن القارئ، صورة النخلة منتصبة سامقة بجدعها الطويل الذي يمتد لعدَّة أمتار في السماء، ويحمل عاليا ذلك الثقل من السعف والعراجين ... لابد وأن يكون له رسوخ عظيم في الأرض، وتشبت قوي يحول دون العواصف والرياح وعوادي الزمن. هذه الصورة الطبيعية القريبة وشبه البديهية كانت أكثر صور النخلة حضورا في شعر الأديب محمد ناصر. على أن صورة الثبات على المبدأ التي تجسدها النخلة بوضوح وتلقائية تختزل وتضم جميع الرموز التي أشرنا أو سنشير إليها؛ فلا «انتماء» بغير إيمان بثوابت راسخة، ولا «عزة» ولا «كرامة» بغير التمسُّك بالأصول والدفاع عنها، كما أن الكد والاجتهاد منوط بالصبر والمجالدة ولزوم العمل ... فهذه الصورة الطبيعية للنخلة الراسخة الثابتة هي أقرب ما يتبادر إلى الذهن عند التعرض لجميع هذه المعاني.
ثم إن النخلة لا تجسد مفهوم الثبات والاستقرار من خلال هيئتها الطبيعية الواضحة للعيان فحسب، فقد تُنازعها هذه الصفة باقي الأشجار، بل نجدها تتمتَّع وحدها بهذا المعنى من خلال ما يُفهم من النص القرآني المقدَّس الذي كرَّمها وخصَّها بالطيبة والرفعة دون باقي الشجر: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم 24].
وظَّف الشاعر النخلة لتصوير مبدأ الثبات على المبادئ في عدد كبير من قصائده، وكثيرًا ما استعمل هذا الرمز اختزالا لصور الوفاء للسلف الصالح، والمحافظة على الثوابت والأصول.
يقول الشاعر في قصيدة إلى مربي الجيل الشيخ عدُّون (1) مشبها آثاره وأفضاله بالنخلة المعطاء:
«إن يَنْطَلِقْ قَلَمِي فَإِنَّ الفَضْلَ فِيـ
ــــهِ مُلَقِّنِي يَومًا حُرُوفَ الأبجَدِيَّة
والنَّخلةُ الفَيحَاءُ غَرسُكَ وَالِدِي
وَوَقَارُ صَوتِكَ لَم يَزَلْ في مَسْمَعَيَّه» (2)
كما يحضر هذا الرمز بقوة في قصيدة ألقاها الشاعر في الحفل الذي أقيم احتفالا بختم الشيخ بيُّوض تفسير القرآن، بعد خمسين عامًا من الجهاد في رحاب القرآن:
«يا واحةَ الإسلامِ ضُمِّينَا نَخيلاً
عانَقتْهَا فِي الإبَاءِ سماءُ
ثبتَتْ لِهزَّاتِ العواصِفِ أصلُهَا
مُتمكِّنٌ، وفُروعُهَا شمَّاءُ
تهبُ الرَّبيعَ هديلَ ورْقاءٍ فإنْ
جاءَ الخرِيفُ فكفُّها مِعْطاءُ
يا واحةَ الإسلامِ حبّكِ دافقٌ
بِدمِي ينَمِّيهِ هوًى ووفاءُ» (3)
في هذا المقطع تتحول الرابطة الإسلامية إلى واحة يعيش المسلمون في كنفها، ويكون فيها المسلمون كالنخيل لهذه الواحة، فحياتها بحياتهم وبقاؤهم ببقائها، فالواحة فيها الخير العميم المستديم، بفضل عطاء النخيل فيها، بمعنى أنَّ واحة الإسلام تسمو وتزدهر بتضحيات أبنائها وجهودهم. ولكي يتحقق هذا العطاء فإنَّ النخيل ينبغي أن تثبت أولا وتتمكن جذورها، ولهذا فإن الإسلام يسقي هذه
__________
(1) ـــ الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي الملقب بالشيخ عدُّون، أحد أعلام الحركة الإصلاحية في جنوب الجزائر، (و: 1902هـ/ت: 2004).
(2) ـــ ناصر، محمد: «الخافق الصادق» (ديوان شعر). نشر دار الريام، ط 1، 1430هـ/ 2009م. ص: 54.
(3) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله». ص: 07. (9/148)
صفحة 147
الجذور ويرويها فيشتد عود النخل وويروق ويثمر. وإذا تأملنا العلاقة بين الشاعر وبين الرابطة الإسلامية وجدناها علاقة حب عميق؛ ويؤكد المستوى الصوتي في المقطع هذه الرابطة الإسلامية القوية والمتينة، وما يحسه تجاهاها من عاطفة رقيقة حانية في الآن نفسه، فإذا تأملنا البيت الأول مثلا نجد تكرار حروف الياء والميم والنون أحد عشر مرَّة، وهذه الحروف كلها لينة شفوية أو من وسط اللسان، ما ألقى بظلال من الرقة واللين على البيت، كما أن الحروف الممدودة لا تغادر أي كلمة من كلماته: «يا»، «واحة»، «الإسلام»، «ضمينا»، «نخيلا»، «عانقتها»، «في»، «الإباء»، «سماءُ»، فالحروف الممدودة تترك إيقاعا موسيقيا خاصا، وإذا كانت الحروف لينة فإن الإيقاع سوف يكون هادئا لطيفا. هذا الإيقاع سوف يتغير فجأة في البيت الثاني عندما يتحول إلى القوة والشدة والحزم، فلا نجد حضورًا لحرف الياء الليِّن مطلقا، أما حرفي النون والميم فقد تكرَّرت مجتمعة أربع مرات فقط، مقابل حضور قوي لأصوات أخرى تحدثها حروف صفيرية كالصاد والزاء، أو جهرية كالعين والراء، والشدة المتكررة مرتين في كلمات «هزَّات» و «متمكِّن» و «شمَّاء»، فإنها كلها تحدث إيقاعا قويا حازما وشديدا. من خلال ما سبق نستخلص أن عاطفة الشاعر تمتزج فيها حالتان؛ حالة الرقة واللين والهدوء، وحالة الشدَّة والحزم والقوة، وهذا ما لمسناه في شعور الشاعر بالرابطة الإسلامية: قوَّة ومتانة في رقة وهدوء.
وفي الحقيقة سوف نرى أن هذه الثنائية (ثنائية الرقة والشدة) التي تبدو مفارقة، هي الصفات العجيبة للنخلة ذاتها، يلاحظ الشاعر ذلك مخاطبا إياها في إعجاب: «وعجبتُ لحضنك الدافئ الذي يجمع بين المَنعة والحنان ... منيعٌ في عليائه المسيَّج بالسعف والإبر الحادَّة، حنونٌ إذ يحتضن أعشاش الطمأنينة والسعادة للعصافير والحمائم» (1).
وإذا تأملنا المعجم المستعمل في المقطوعة الشعرية السابقة وجدنا هذا التناغم الحكيم بين الحزم واللين في التعبير عن الثبات والمحافظة على القيم والمبادئ مغلفا بالحبِّ والوفاء والرقة: «إباء»، «متمكِّن»، «شمًّاء»، «هزَّات»، «عواصف»، مقابل ألفاظ: «ضمِّينا»، «عانقتها»، «الربيع»، «معطاء»، «حبُّك»، «هوى»، «وفاء» ...
فقضية الثبات على المبادئ ليست تعصُّبا مقيتا، ولا جمودا أو تقليدا أعمى لما درج عليه السلف، على نسق {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف 23]، بل إن ثبات الشاعر على المبادئ والأصول كان عن وعي وحب ووفاء، ثبات فيه الأصالة والتفتُّح كما تمدُّ النخلة
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله». ص: 71. (9/149)
صفحة 148
جذورها في أعماق الأرض ليمتد فرعها في السماء مورقا متفتحا مثمرا. يقول في قصيدة يربط فيها عرى المحبة والاحترام بين الأبناء الآباء اعتزازًا بالسلف الصالح وسيرا على منهجهم، ضمن المجلس العائلي الذي يضم أحفاد وأسباط والد الشاعر صالح بن سليمان ناصر:
«يَا أَبَانَا وَأنتَ بالخَيرِ حَيٌّ
يَشهَدُ اللهُ والملائِكُ تَتْرَى
أنَّ بَذرًا غَرَسْتَ حُبًّا وَتقَوى
وسَقَيتَ الغِرَاسَ حَزْمًا وصَبرًا
قَد نَمَا اليومَ في حِمَى اللهِ نَخْلاً
أَحمَدِيًّا يَجُودُ ظِلاًّ وَتَمْرَا» (1).
فالأعلام من السلف ـ كما رأينا سابقاـ ليسوا هم فقط النخيل بل وكذلك الأبناء والأحفاد، فهم أبناء هذه الواحة الغنَّاء، وهم الخلف الصالح للسلف الصالح، وهم غراس الحب والتقوى الذي سقي بماء الحزم والصبر، وجيل من الأبناء هذا هو منبته وأصله سيكون بالتأكيد جيلا مؤمنا «أحمديا» صالحا يجزل عطاءه ويردُّ جميل أسلافه، كما تفعل النخلة بارتفاعها في السماء يُستظلُّ بظلها وينتفع بتمرها.
ولعل أوضح مثال نختم به الحديث في رمزيةالنخلة عن الثبات على المبادئ، الثبات الواعي الأصيل والمتفتح في الآن نفسه وغير المنغلق الجامد، أبيات من قصيدة «المجد أنت مجاهدًا وموسَّدا»، ألقاها الشاعر في الذكرى الخامسة لوفاة الإمام الشيخ بيوض، جاء فيها:
«النًّهرُ صَوتُكَ هَادراً أو هَادِئًا
والأرضُ شعبُكَ أنتَ فيهِ الماءُ
روَّيتَنَا آيَ البَيَانِ مِن الكِتَاب
فَشَبَّ في واحاتِنَا البُلَغَاءُ
فهُمُ النَّخيلُ أصَالَةً وتَفَتُّحًا
وهُمُ الغَديرُ تُحبُّّهُ الصَّحرَاءُ» (2).
لقد استطاع الشاعر أن يوظف ببراعة مفهوم «الأصالة والتفتح» الذي يبدو مستهلكا ومبتذلا بكثرة التداول والاستعمال، استطاع من خلال ربطه برمز النخلة أن يمنحه حياة جديدة، وأن يعطيه معنى واقعيا ملموسا ومشاهدا، فالنخلة التي تسقى بماء مبارك ويُبذل في تنميتها الجهد والمال لسنوات طوال، تمتد جذورها عميقا في الأرض لترتفع عدة امتار متفتحة على الشمس والهواء، وهي بعد ذلك تعمِّر بهذه الصفة سنين طويلة قد تمتد عقودا، وما كان ليتحقق لها ذلك لولا الأصول الثابتة والجذور العميقة المتغلغلة في أعماق الأرض.
يُفصح الشاعر محمد ناصر عن هذه الصورة المعبرة عن الأصالة والتفتح في خواطره عن الأزمة الاقتصادية، فيقول:
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة». ص: 435.
(2) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله». ص: 42. (9/151)
صفحة 149
«كم تمعَّنتُ في جذعك الراسخ في أعماق أرضنا الطيِّبة، فلمحتُ في هذا الرسوخ امتدادًا أصيلا لحضارة إسلامية عريقة، سقاها الأجداد بالدم والعرق، وقرأت في ثباتك سورًا من الثبات الإيماني الذي لا تزعزعه عواصف الشمال والجنوب ... » (1).
النخلة رمزًا للكد والكفاح:
النخلة في أدبيات الشاعر محمد ناصر ترمز ـــ من بين ما ترمز إليه ـــ إلى للكد والكفاح والاجتهاد، وأنَّ الحقوق لا تُنال إلا بأداء الواجبات، فالنخلة قوية صامدة متسامية عن أيدي المتطفلين والوصوليين، لا تهب تمرها وعسلها إلا العاملين الكادحين ممن يغامر بتسلق جدعها الفارع، فيتعلق بسعفها متحديا وخز الإبر الحادة، لينال من قلبها المعطاء رُطَبا طريا شهيا.
ولا يحتاج المرء إلى شديد عناء ليدرك أن ذكر «الرُّطب» في القرآن الكريم لم يرد إلاَّ مرة واحدة، وكان وروده مقترنا بالحركة وبذل الجهد، {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم، 25] فمن حكمته تعالى قرن حصول مريم عليها السلام على الرطب الجني بهزِّ جدع النخلة، وكان بالإمكان أن ينزل عليها بدون جهد أو عنت؛ وهي في حال المخاض في أقصى حالات الشدة والعناء ... ولعل من الحكم الإلهية في هذه الآية تعليمنا الاعتماد على النفس وبذل الجهد في الكسب ثم التوكل على الله، وما أحسن ما قال الشاعر:
ألَم تَرَ أنَّ الله أَوحَى لِمَريَمٍ
وَهُزِّي إِلَيكِ الجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبُ
وَلو شَاءَ أَحنَى الجِذْعَ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ
إِلَيهَا، وَلكِن كُلُّ شَيءٍ لَه سَبَبُ
يقول الشاعر محمد ناصر في خواطره عن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالجزائر أواسط الثمانينيات بعد سنوات من رفاهية النفط الزائفة: «أنت يا نخلتي الصامدة المثال الحي الذي يتمدَّد في أعماق كل كادح وأنت تواجهين سنوات الجدب والقحط، أو تستقبلين أيام النظارة والرخاء ( ... ) كم أرسلت بصري متعلِّقا بعراجينك الذهبية وقد تدلَّت في زهو وخُيلاء بين الإبر الحادة والسعف المتشابك، فأتيقن أنَّ النجاح طريق وعر يصعد إليه المكافحون بين أشواك المصائب والأزمات، وأتعلم أنَّ الذي يكتفي بما تلقيه الريح من تمر متساقط في حوضك إنما هو إنسان كسول، تعوَّد التقاط القوت من فضلات الكادحين، وأنه يحمل نفسا مسترخية مريضة لا تأنف من أن تحصل على الكسب من طرق الاختلاس والاحتيال ووسائل
__________
(1) ـــ م ن. ص: 71. (9/152)
صفحة 150
السطو والرشوة» (1).
كتب الشاعر هذه الكلمات الصريحة عن قوم عرفتهم الجزائر يعيشون على عرق الكادحين باسم الاشتراكية ومحاربة الاحتكار، ولقد عاش الشاعر تجربة مريرة مع هؤلاء اللصوص الوصوليين «الرسميين» في قضية عرفت بقضية آل ناصر، حين سطا لصوص السلطة ظلما وعدوانا على أموال وتجارة كانت له مع بعض إخوانه، وكان ذلك بدعوى نقص المواد في السوق، وأنَّ «أسواق الفلاح» الحكومية لم تجد ما تبيعه للمواطنين! ولم يكتفوا بذلك بل قام المدعي العام بسجن شركائه أربعة أشهر قبل محاكمتهم ... (2). ولعل هذه القضية قد حرَّكت في الشاعر معادلا موضوعيًا يختزل جميع هذه المشاعر، فكانت النخلة هي ذلك المعادل، معبِّرة عن الكدح والكفاح من أجل العيش الكريم بصبر وثبات، ومعبِّرة في الآن نفسه عن الطفيليين الكسالى الذين يقتاتون من عرق الكادحين، كأولئك الكسالى الذين يأنفون بذل الجهد وتسلق النخيل لجني التمر مكتفين بما يقع في حوضها أو بما يسطون عليه مما جناه المتسلقون بجد ونشاط.
كانت قضية «آل ناصر» بالنسبة للشاعر مثيرة لمشاعر منتفضة ضدَّ الظلم والابتزاز، ولقد وجد في صورة النخلة الصامدة عزاء ومثالا للتصبر والمؤاساة، والثبات على الفضائل والأخلاق أمام الانتهازيين والمتطفلين، متمثلا قول الشاعر:
«كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعًا
يُرمى بصخرٍ فيلقي أطيب الثمر»
قال الشاعر في قصيدة «الحمام المقفوص، "أو مظلمة لمن يهمه الأمر ... "»:
«سنورِيهِمْ كَيْفَ يَسْمُو النَّخِيلُ،
ولو عَصَفَت ريحُهُمْ عاتِيه
ونَزهُو بأثْمَارِنَا اليَانِعَاتِ
ونحتَضِنُ الأيْدِيَ الجَانِيه
ونُؤْوِي الحمَامَ بِدِفْءِ الَحَنَا
نِ، وتَعْشَق ألحانَنَا السَّاقيه
فأَخْلاَقُنَا مِثْلَ «دَقْلَتِنَا»
مذَاقَتُها حرَّةٌ صَافِيه» (3)
لقد تعلم الشاعر من النخلة درسا واضحا في الكد والكفاح والوصول إلى الحقوق بتأدية الواجبات إن على الصعيد الشخصي ـــ وقد رأينا قصته مع اللصوص الغاصبين ـــ إن على الصعيد العام، الوطني والدولي؛ فقد تعلم الشاعر من النخلة بأن الثروة الحقيقية هي الثروة التي يكسبها الإنسان بعرق جبينه وكد يده، وأن المال
__________
(1) ـــ م ن. ص: 70، 71.
(2) ـــ انظر تفاصيل الحادثة عند: ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة»، ص:188. (الهامش).
(3) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله». ص: 34. (9/153)
صفحة 151
السهل الذي يأتي سريعا يذهب سريعا. ولقد تأمل الشاعر الأزمة الاقتصادية العالمية ورأى كيف توجعت دول «الترف النفطي الزائف» من ضرباتها الموجعة، فكانت النخلة ـــــ هذه المرة كذلك ــــ معادلا موضوعيا لأفكار عبر عنها نثرا قائلا:
«أنت أيتها الشجرة الطيبة مثالٌ للاعتبار، ودروسٌ للادِّكار، وتأكيدٌ لا يقبل الشكَّ أو الجدل على أنَّ الثراء الحقيقيَّ لا يُستورد، وإنَّما هو يتفجَّر من بين الأصابع والأدمغة الكادحة، وأنَّ الازدهار الاقتصاديَّ لا يُسقى بالغاز والبترول، وإنَّما يُسقى بعرق الكفاح والعناء، ولا يُستنبت بالشعارات والخطب وإنَّما يُفجِّره الماء الذي يسري في سكون وتواضع.
( ... ) أنتِ أوحيتِ لي بأنَّ الترف الحضاريَّ هو مصيبتنا؛ لأنه أصاب أيدينا بالنعومة فخافت إبر النخل وشوك الليمون، وشلَّ عقولنا عن الاختراع والإبداع، حين شغلها بالتلفاز والفيديو والسنما، وقيَّد أرجلنا عن السعي والعمل الميداني الجاد، إذ عوَّدنا الاسترخاء وراء المكاتب الفارهة، والمقاعد الوثيرة، أوهمنا أنَّ الحضارة كأسٌ وسيجارة، ليزيد إلى عبوديتنا الفكرية للغرب عبودية لشهواتنا وأهوائنا. وقذف في قلوبنا رعب الأزمة ليتحكَّم في قوانا العقلية والنفسية».
النخلة رمزًا للأنوثة والجمال:
لقد سبق وأن أشرنا في معرض حديثنا عن النخلة في الأدب العربي القديم والحديث، أن النخلة قد جسَّدت لدى كثيرين منهم صورة المرأة بعطائها اللامحدود، صورة المرأة واهبة الحياة والدف والحنان، ومع ذلك فإن نخلة الشاعر محمد ناصر هي فوق كل ذلك رمزٌ للجمال الطاهر النقي، نجد هذه الصور حاضرة في عدد غير قليل من قصائد الشاعر، ويكفي أن نذكر عناوين قصائد مثل: «براعم الحياة»، «في رحاب الله»، «وادي الأعلى»، «الحمام المقفوص» .... وتبقى قصيدة «بين النخيل» التي طالما تغنى بها المنشدون في ميزاب أفصح مثال على رمزية النخلة للجمال والحسن، كما أرجو أن لا أكون مجانبا الصواب إن قلت بأن قصيدة «شجرتي الطيبة» تعد أحسن مثال لما ترمز إليه النخلة من الأنوثة والحنان، وردت هذه القصيدة في ديوان البراعم الندية موجَّهة لفئة عمرية محدَّدة مازالت مفاهيم الأمومة والحنان والعطف متجذرة في كيانها صافية نقية. وهذه مقتطفات من القصيدة:
فَرْعَاءُ يَاجَمِيلَة
يَا جَنَّتِي الظَّلِيلَة
هَوَاكِ لَسْتُ أَرْضَى
بِهِ هَوَى بَدِيلاَ
مَلأْتِ فِي صَبَايَا
يَدَيَّ بِالَهدَايَا (9/154)
صفحة 152
وَكُنْتِ لِي مُلْهِمَةً
بِالشِّعْرِ فِي العَشَايَا
لَكَمْ أَنَسْتِ وَحْدَتِي
وَكَمْ حَضَنْتِ أُسْرَتِي
وَضَمَّنَا فِي حِضْنِكِ الوَ
دِيعِ أَلْفُ فَرْحَة
فِي الظُّهْرِ أَنْتِ جَنَّتِي
وَفِي الَمسَاءِ نَجْمَتِي
ثَبَبْتِ لِلزَّمَانِ
رَشِِيقَةَ الكَيَان
سَمَوْتِ لِلرَّحْمَنِ
قَوِيَّةَ البُنْيَان
كَمْ فِيكِ مِنْ مَعَانٍ
يَقْوَى بِهَا إِيمَانِي
كَمْ فِيكِ يَا جَمِيلَة
مِنْ حِكْمَةٍ نَبِيلَة
فَفِي الثَّرَى أَصِيلَة
وَفِي السَّمَا جَلِيلَة
فَعَلِّمِي نُفُوسَنَا
مَحَاسِنَ الفَضِيلَة (1)
إن المتأمل في هذه الأبيات، يدرك الصلة الوثيقة بين الشاعر والنخلة، فمطلع القصيدة يفاجئك بغير مقدمات بطابعه الغزلي، «فرعاء يا جميلة»، وتمت المفاجأة بتوظيف الشاعر تركيبا اسميًّا مكونًا من وصفين لموصوف مجهول، «فرعاء»، و «جميلة» فكأن الشاعر محتار بأي الأوصاف يبدأ مغازلته للنخلة، أهي جميلة لأنها فرعاء، أم لأنها جميلة بأنوثتها وعطفها وزادها طولها الفارع جمالا ... ! والشاعر لا يخفي شدة إعجابه وتعلقه وهواه في القصيدة، فمظاهره متجلية واضحة من خلال تكرار ضمير المتكلم، مقرونا بصيغ الإعجاب: «جنَّتي»، «نجمتي»، «شجرتي الطيبة»، وفي صيغ مثل: «جميلة»، «جليلة»، «نبيلة»، «أصيلة»، «فضيلة»، «ملهمة» ...
على أن الشاعر لا يصور النخلة مشهدا طبيعيا بقدر ما هو يصور تأثيرها واقعا نفسيا في وجدانه، فليس «تغزله» بها حسيا ماديا وإنما «النخلة هي الوطن والمرأة كونها مكان الامان والاطمئنان وقتل حالة الاضطراب وعدم التوازن النفسي» (2).
وقد يبدو غريبا أن تكون شجرة كالنخلة بقوتها ورسوخها في الأرض واستطالتها في السماء رمزا للحنان والعطف والاطمئنان والأمان، ولكن الحقيقة أن النخلة بمقاومتها صروف الزمن وعطائها المستديم المتحدي قساوة
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «البراعم الندية (قصائد وأناشيد للأطفال والفتيان)». نشر مكتبة الريام، الجزائر، ط2، 1427هـ/2006م ص: 18.
(2) ـــ السلمان، علوان: «النخلة في شعر حسب الشيخ جعفر» مقال منشور على الأنترنت موقع (التآخي) بتاريخ 09/ 2007. عنوان الموقع:
http://www.taakhinews.org/tasearch/wmview.php?ArtID=8000
تاريخ الزيارة: 04/ 06/2011 (9/155)
صفحة 153
الصحراء، تغدو رمزا للخصب والحياة، ومن خلالها يؤكد الشاعر صورة التمسك بالحياة، أنها الرمز المكثف لكل ما فينا، لذلك يجد الشاعر فيها الحضن الوديع له ولأسرته، والأنيس في وحدته، والجنة والنجمة ... إنها كالأم التي تعطي بغير سؤال، وتغدق على أبنائها عطفا غريزيا كثير النوال ... فلذلك كان هواها عند الشاعر سرمديا مفضلا لا يرضى عنه بديلا.
ولقد قدح لنا بقراءة قصيدة «شجرتي الطيبة» أن هناك تناصًّا خفيا وتشابها بينها وبين قصيدة جميلة لشاعر لا نستبعد أن يكون محمد ناصر قد قرأ له وتأثر بشعره في بعض مراحل حياته، وهو الشاعر المصري علي الجارم (1881ـــ1949)، فقد كتب في مدينته (رشيد) التي يحبها قصيدة مشهورة مطلعها:
جدّدي يا رشيدُ للحبّ عَهْدَا
حَسْبُنا حسبُنا مِطالاً وصدَّا
وكانت نخيل رشيد هي أبرز ما تعلق به الشاعر وظهر جليا في قصيدته، ونخيل الجارم عذارى مرسلات شعورهن يلهو بها الريح، وعراجين البلح الأصفر عقود عقيق تزين بها أجيادها، وهي إن تتمايل في الريح تمايل العذارى اقترابا وابتعادا ... يقول الشاعر في بعض أبياتها:
والنخيلُ النخيلُ أرخت شعوراً
مُرسَلاَتٍ ومدَّت الظلَّ مدّا
كالعذارَى يدنو بها الشوقُ قُرْبًا
ثم تنأَى مخافة َ اللّومِ بُعْدَا
حول أجيادِها عقود عقيقٍ
ونُضارٍ صفاؤُه ليس يصدا
إلى أن يقول:
بكِ أهلي وفيكِ مَلْهَى شبابي
ولكَمْ فيكِ لي مَراحٌ ومَغْدَى
قد جَزيْناكِ بالحنانِ حَناناً
وجزينا عن خالصِ الوُدِّ وُدَّا (1)
نلمس في البيتين الأخيرين التشابه بين نص الشاعر الجارم ونص الشاعر ناصر الذي قال:
لَكَمْ أَنَسْتِ وَحْدَتِي
وَكَمْ حَضَنْتِ أُسْرَتِي
وَضَمَّنَا فِي حِضْنِكِ الوَ
دِيعِ أَلْفُ فَرْحَة (2)
فالنخلة في شعر محمد ناصر رمز للأنوثة والجمال، إنها رمز للمرأة واهبةالحياة والعطف والحنان، للمرأة الأم خاصة، التي تضع نفسها على مشارف الهلاك لتهب العالم مولودا جديدا ويوما سعيدًا ... النخلة هي الأم بكل قدسيتها التي لا يستطيع المرء تأدية حقها ولو بزفرة واحدة من زفرات مخاضها.
__________
(1) ـــ الجارم، علي: «ديوان علي الجارم»، نشر دار الشروق، مصر، ط2، 1990، ص:43.
(2) ـــ ناصر، محمد: «البراعم الندية (قصائد وأناشيد للأطفال والفتيان)». ص: 18. (9/156)
صفحة 154
ونجد صورة النخلة رمز التضحية والفداء حاضرة بقوة في إحدى قصائد الشاعر محمد ناصر التي أهداها سنة 1991 إلى شعب العراق من خلال شاعره الكبير بدر شاكر السياب (1926ــــ1964)، بعنوان: «رسالة مفتوحة إلى بدر شاكر السياب». ولقد رأينا من قبل علاقة السياب بالنخلة، وكأن هذه العلاقة الوطيدة هي التي دفعت الشاعر محمد ناصر ــــ عاشق النخلة ــــ لأن يتخذها خطابا و «شفرة» متفقًا عليها بين الشاعرين، وبين الشعوب العربية الإسلامية جميعا، ومما جاء فيها:
النَّخلُ في أرضِ العراقِ، تعيشُ في مُقَلِ الصِّغَارْ
قد تظمأُ الأنْهارُ، وهْي بصَبْرِها تهَبُ الرَّبيعَ الاخْضِرَار
حتَّى وإنْ صَامَ الفُراتُ، وماءُ دَجلةَ جفَّ مِنْ حِمَمٍ ونَارْ ...
لنْ تظمأَ النَّخْلاتُ في أرضِ الشَّهادةِ والفَخَارْ ...
لأنَّها هِيَ وحْدَها أمُّ السَّحائب ... تُبْدِعُ الأمْطَارَ، تُنجِبُها وتَختَصِر البحارْ (1)
فنخلة الشاعر أمٌّ تهب الحياة وتنجب أسبابها، ولأنها تهب الربيع الاخضرار، ولأنها صابرة مضحية فإنها تعيش كالأمهات في مُقل الصغار ... ثم يقول الشاعر في آخر مقطع من القصيدة نفسها:
النَّخْل في أرْضِ العراق
عرائسٌ بيِِِْضاءْ، حُورٌ تزيَّن للشَّهيد،
فليْسَ يُقْلقُها انْتِظََارْ
هِيَ تَعشِقُ الحنَّاء تَخْضِبُها دماءُ الذَّائدِين عن ِ الدِّيار
وتعطَّلتْ شوقًا لرَوْضتِه
وبدَّلت القنابلَ بالنُّضارْ
ومِنَ الشَّظايا القاتِلاتِ تَصُوغُ وَرْدًا أو مَحَارْ
تُهْدِيهِ عِقْدًا للحَبِيبْ، وقدْ أتَى يوْمُ الفخارْ
النخلة في هذه الصورة المأساوية، هي آخر المضحِّين بعد جفاف دجلة وصيام الفرات، بعد أن كانت تهب الربيع الاخضرار وتبدع الأمطار، ونشر الأمل في عيون الكبار والصغار ... ولكن تضحية النخيل لا يطال فضلها الأحياء فحسب، بل هي تتزين بالورود والعقود والمحار لتكون حورا تنتظر بشغف صفوف الشهداء ...
فالنخلة إذا عند الشاعر محمد ناصر رمز للمرأة المسلمة الطاهرة المضحية، بل هي رمز للمراة من ذوي القربى والدم، أمًّا كانت أم عروسا أم بنتا، هي رمز للجمال والحنان والأنوثة واهبة الحياة ... وكأننا نشعر بالشاعر في حبه لهذه النخلة المرأة ممتثلا طائعا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «أكرموا عمتكم النخلة» (2)، وهو الذي يقر بذلك حين كتب: «ويتردد في أعماق نفسي قول نبينا الكريم (أكرموا عمتكم النخلة) ذاك
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «ألحان وأشجان»، ص:13.
(2) ـــ سبق تخريجه. (9/157)
صفحة 155
الذي رفعك إلى هذه الدرجة من حقوق الرحم والقربى. كما أتذكر قول والدي وهو يوصيني بالحفاظ عليك (بلاد النخلة عمرها ما تخلى) وقوله: (يخلف ربي على الشجرة وما يخلفش على قطاعها)» (1).
خاتمة:
في ختام هذه الدراسةالتي لا نعتقد بأنها قد استوفت جميع الصور التي ترمز إليها النخلة في شعر محمد صالح ناصر، والتي نرجو أن تفتح المجال لى مزيد من التأمل في الرموز التي يلجأ إليها الشاعر لنقل أفكاره كالمئذنة والمحراب والحمام، وغيرها من الرموز غير المادية، على أننا اخترنا التركيز على رمز النخلة في قصائده شعورًا بثراء دلالاته وسطوته على فكر الشاعر وعاطفته. ويمكننا في الأخير إيجاز بعض الملاحظات العامة الآتية:
01 ــــ لقد ظل رمز النخلة حاضرا قويا في الوجدان العربي، منذ وجد العربي واقترن بصحرائه ونخلته وجمله، ثم عَلَتْ النخلة بتناول القرآن لها تناولاً زاد شرفها، وبوصفها النبوي، وما زالت حاضرة بقوة في ذاكرة الشعراء، من لدن امرئ القيس إلى يومنا هذا، بحقيقتها أو برمزيتها، على حد سواء. يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
نَخْلَةٌ لاَ تَزَالُ في الشَّرْقِ مَعنَى
مِنْ بَدَاوَتِهِ وَمِنْ عُمْرَانِهْ
02 ــــ تمثل النخلة بالنسبة للشاعر رمز الانتماء الواعي الأصيل، بدوائره المختلفة ضيقا واتساعا؛ بدءًا بالأسرة والقرية إلى المجتمع والوطن فالعالم الإسلامي والإنساني، ولقد وجدنا في كل هذه الدوائر حضورا واضحا لرمز النخلة لأنها جزء لا يتجزء من الحضارة ومكون من مكونات الشخصية والثقافة. كما أن هئية النخلة وبنيتها المتجذرة في الأرض والفارعة في السماء جعلت منها رمزا للثبات على المبادئ والمواقف والانفتاح على الآخر من غير ذوبان أو انحلال، انفتاح تصان فيه عزة وكرامة الإنسان كما تصون النخلة تمرها عاليا مرتفعا عن أيدي المتطفلين بسياج من سعف وإبر حادة، ولكنها تقدمه رطبا جنيا للمجتهدين الكادحين.
وأخيرا فإن النخلة في أدبيات الشاعر محمد ناصر هي رمزالعطاء اللامحدود الذي تجسده المرأة، رمز للجمال الفطري الطبيعي النقي، وللحنان والعطف، وللتضحية والفداء كذلك.
03 ــــ مما يمكن الختام به، التنويه إليه، كملاحظتين عامتين على قصائد الشاعر محمد صالح ناصر، أولاهما:
أنه ليس شاعرا «استعراضيا محترفا»
__________
(1) ـــ ناصر، محمد: «في رحاب الله». ص: 72. (9/158)
صفحة 156
أو «بهلوانا» كما وصف عباس محمود العقاد بعض الشعراء في عصره ... إن شاعرنا لا يجعل همَّه تطوير أدواته الشعرية بمواكبة موجات التحرر الشعري، لأنَّ الشعر ليس هاجسه الأول والأساسي، وإنما الشعر بالنسبة إليه رسالةٌ وبوحٌ لا ينطلق إلا تحت طائلة الإلحاح والرغبة الشديدة في التعبير، وهو يقرُّ بذلك عندما كتب في مقدمة ديوانه الأول معلِّلا سبب تأخر ظهورها: «كوني مقلٌّ شديد الإقلال، في نظم الشعر، فأنا لا أكتبه إلا تحت إلحاحٍ شديدٍ ورغبةٍ في القول عميقة».
U
1 - القرآن الكريم (برواية حفص عن عاصم)
دواوين الشاعر محمد صالح ناصر:
2 - ناصر، محمد: «الأعمال الشعرية الكاملة»، دار الريام، الجزائر، ط1، 1431هـ/2010م.
3 - ناصر، محمد: «البراعم الندية (قصائد وأناشيد للأطفال والفتيان)». نشر مكتبة الريام، الجزائر، ط2، 1427هـ/2006م
4 - ناصر، محمد: «ألحان وأشجان»، (ديوان شعر) نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1416هـ/1995.
5 - ناصر، محمد: «الخافق الصادق» (ديوان شعر). نشر دار الريام، ط 1، 1430هـ/ 2009م
6 - ناصر، محمد: «في رحاب الله» (ديوان شعر)، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1991.
بقية المراجع:
7 - ابن كثير، إسماعيل بن عمر: «تفسير القرآن العظيم»، تح/سامي بن محمد سلامة، دار طيبة. ط2. 1420، 1999
8 - ابن منظور، محمد بن مكرم: «لسان العرب»، دار صادر، بيروت، (د. ت).
9 - أبو الرضا، أسعد: «النقد الأدبي الحديث أسسه الجمالية ومناهجه المعاصرة روية إسلامية»، (د. د. ن)، ط2، 1428هـ.
10 - أبو سويلم، أنور: «النخلة في الأدب الجاهلي» ضمن كتاب «مظاهر من الحضارة والمعتقد في العصر الجاهلي»، دار عمار للنش والتوزيع، عمًّان، الأردن، 1991.
11 - بشار بن برد: «الديوان»، تح/ الطاهر بن عاشور، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1954.
12 - بلكيان، آنا: «الرمزية دراسة تقومية»، تر/ الطاهر أحمد مكي، وغادة الحفني، ط1، دار المعارف، مصر، 1415هـ/1995م.
13 - تشادويك، تشارلز: «الرمزية»، تر/ نسيم إبراهيم يوسف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.
14 - الجارم، علي: «ديوان علي الجارم»، نشر دار الشروق، مصر، ط2، 1990
15 - الذهبي، شمس الدين: «سير أعلام النبلاء»، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1993.
16 - الميداني، أحمد بن محمد، أبو الفضل: «مجمع الأمثال»، تح/ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجبل، بيروت، ط2، 1987.
17 - الهيثمي، علي بن أبي بكر: «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» دار الكتب العلمية بيروت، 1988.
المقالات الورقي والرقمية:
18 - خذري، علي: «شعرية الانتماء دراسة في ديوان (أغيات النخيل) لمحمد ناصر»، مجلة الأثر، دورية محكمة تصدر عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ورقلة. العدد 04، ماي 2005،
19 - السلمان، علوان: «النخلة في شعر حسب الشيخ جعفر» مقال منشور على الأنترنت موقع (التآخي) بتاريخ 09/ 2007. عنوان الموقع: ( http://www.taakhinews.org/tasearch/wmview.php?ArtID=8000)
20 - الشتيوي، صالح علي سليم، «صورة النخلة في الشعر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري». مجلة جامعة الملك سعود، الرياض، مج 19، 1427هـ/ 2007م.
21 - موسى وعلي، علي بن أحمد: «الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر». مجلة الحياة، نشر جمعية التراث، القرارةـ، غرداية، الجزائر، ع14، رمضان 1431هـ/ سبتمبر 2010م.
أما الملاحظة الثانية فهي أنَّ الشاعر صادق مع نفسه ومحيطه صدقا فنيا وأخلاقيا، صادق حين يشعر وحين ينظم وحين يقدم للقارئ خلاصة تجربته
ومعاناته. وموضوع الصدق الفني في أدب الشاعر محمد صالح ناصر موضوع شيق آخر، وقد يكون نواة لبحث آخر قد ييسر الله للباحث أو لغيره إنجازه. (9/159)
صفحة 157
فصل في الفصل
بين عبد الله بن إباض الحيادي والأحداث المشؤومة في عهد خلافة علي - رضي الله عنه -
الحلقة الثالثة:
البحث عن موقع ابن إباض في جميع أحداث الغزوات والخروج على علي - رضي الله عنه -
الدكتور: موسى بن إبراهيم حريزي
جامعة قاصدي مرباح ــــ ورقلة
ا
الخريطة السياسية الإسلامية في بداية خلافة علي - رضي الله عنه -:
إذا استحضر القارئ الكريم في ذهنه للرقعة الإسلامية والخريطة الجغرافية للأراضي التي فتحها أمراء المسلمين قبله وفي زمن انتخابه أميرا للمؤمنين: (في يوم الجمعة 25 ذي الحجة سنة 38هـ/24 جوان سنة 656م) سيجدها تنصر في الجزيرة العربية بما فيها اليمن، والبصرة والكوفة، والشام ومصر، وفارس.
وبعد انتخابه عزل أمراء المؤمنين عثمان - ولم يأخذ برأي ابقائهم في مقاطعاتهم - فقد عين:
1 - قيس بن سعد أميرا على مصر، فسار حتى أتى مصر، فافترق عليه أهلها فرقا: فرقة دخلت في الجماعة وكانوا معه، وفرقة وقفت واعتزلت إلى خربتى (العثمانية)، وقالوا: إن قتل علي قتله عثمان فنحن معكم، وإلا فنحن على جديلتنا حتى نحرك أو نصيب جديلتنا، وفرقة قالوا نحن مع علي ما لم يقد إخواننا، وهم في ذلك مع الجماعة.
2 - وقد ولى البصرة عثمان بن حنيف أميرا عليها، فإنه سار إليها حتى أتى البصرة، وكان أهلها فرقا كأهل مصر.
3 - كما ولى عمارة بن شهاب أميرا على الكوفة، وقد سار إليها حتى إذا كان بزبالة (الكوفة) لقيه طلحة بن خويلد الأسدي، وقد كان حين بلغهم خبر عثمان (أي قتله) خرج طلحة هذا يدعوا إلى الطلب بدمه، فقال له: ارجع فإن القوم لا يريدون بأميرهم بدلا، فإن أبيت ضربت عنقك، فرجع عمارة بن شهاب من حيث أتى. (10/160)
صفحة 158
4 ـ أما عبيد الله عباس فقد ولاه اليمن، وإنطلق إليها، فجمع لعلي كل شيء من الجباية، وتركه وخرج بذلك وهو سائر على حاميته إلى مكة فقدمها بالمال.
5 - كم عين واليا على الشام سهل بن حنيف - وبها معاوية بن أبي سفيان واليا من قبله من عهد عمر وعثمان - فرفضه الشاميون قبل أن يدخلها، فرجع إلى علي - رضي الله عنه -.
6 - أما الوالي على فارس فكان زيا بن سمية قائما عليها آنذاك وهو من شيعة علي - رضي الله عنه - وقد نازعه معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية في هذه الرقعة الجغرافية، حيث أنه لم يبايع عليا، ولم يعترف بإمامته، وكان أميرا على الشام، وبايعه أهل الشام بالخلافة (بيعة خاصة وصغرى) أما البيعة العامةفقد وقعت بعد تنازل الحسن بن علي عن الحكم في 25 ربيع1 سنة 41هـ وكان معاوية محبوبا من أهل الشام.
وقد ذكر محمد الخضري بك (1956) مزاحمة معاوية لعلي - رضي الله عنه - في تلك الرقعة الإسلامية ومحاولة انتزاعها وانتقاصها من جميع أطرافها لإضعاف حكم علي - رضي الله عنه - فقال: «وكان معاوية في ذلك الوقت قد قوي بعد التحكيم في (18 صفر 37هـ) وتفككت عرى الأخوة الإسلامية، وتنافرت القلوب، وانتعش الحقد والكره بينهم، وانبرت فكرة الاغتيالات، وطغت حبائل الشيطان على أشخاص محددين.
هذا هو الواقع لحالة الخريطة السياسية في بداية خلافة علي - رضي الله عنه -، وتعيين عماله أو ولاته عليها.
غزوات معاوية وسراياه إلى مناطق نفوذ علي - رضي الله عنه - في خلافته:
نذكر هنا عدد غزوات وسرايا معاوية إلى مناطق النفوذ للدولة الإسلامية في عهد خلافة علي - رضي الله عنه -، وخاصة بعد التحكيم حين قوي أمره (أي بعد صفر سنة 37هـ) وذلك لغرض إضعاف كم علي - رضي الله عنه - سياسيا واقتصاديا وعسكريا ...
نختصر ذكر عدد الغزوات والسرايا دون تفاصيلها إلا مما يمكن أن يكون صالحا للاستنباط، أو ماله علاقة بالسياسة وخفايا الأمور، والمقاصد والأغراض، ونقتبس ذلك من ابن الأثير في كامله.
بعد صدور حكم الحكمين (18 صفر 37هـ/ 658م) بايع أهل الشام معاوية بالخلافة في تاريخ بيعة خاصة، ولم يزد ذلك إلا قوة وتحدي لعلي - رضي الله عنه -، مما كان لمعاوية هم إلا الإستلاء على مصر، إذ هي لسياسته دعم كبير إن استولى عليها، وفتح أقاليم أخرى، وكان معاوية يخاف أهلها لقربهم منه، وشدتهم على من كان على رأي عثمان، وفي نظر معاوية أنه إذا ظهر عليهم (غلبهم) ظهر على حرب علي لعظم خراجها فرأى أن يستعين بمن بها ممن ساءه قتل عثمان من أهل خربتى، وهم في عداد (12) اثني عشر (10/161)
صفحة 159
ألف من المعارضين لعلي - رضي الله عنه -، وأبا الأعور السلمي، وشرحبيل من السمط الكندي، فقال لهم: أتدرون لم جمعتكم لأمر لي مهم، فقالوا: لم يطلع الله على الغيب أحد ونعلم ما تريد؟ فقال عمروا بن العاص: دعوتنا لتسألنا عن رأينا في مصر، فإن كنت جمعتنا لذلك فاعزم واصبر، فنعم الرأي رأيت في افتتاحها، فإن فيه عزك، وعزّ أصحابك، وكبت عدوك، وذل أهل الشقاق عليك ... فقال معاوية أهمك يا ابن العاص ما أهمك، وذلك أن معاوية كان قد صالح عمرًا على قتال علي على أن له مصر طعمة ما بقي ... الخ (ج3، ص179).
ومن ذلك عزم معاوية على غزو مصر، والعراق، وأطراف الجزيرة العربية بما فيها اليمن مبدأ بمصر.
1ـ جهز معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في (06) ستة آلاف رجل لمعاوية أميرها آنذاك محمد بن أبي بكر، وهو الوالي عليها من قبل علي - رضي الله عنه - بعد قيس بن سعد بن عبادة، وسمع بذلك علي - رضي الله عنه - فأرسل إليهم مالك بن الأشتر النخعي، وقد عظم معاوية لأمر إذ هو أشد من محمد بن أبي بكر ـ إذ هو العضد الأيمن لعلي مع عمار بن ياسرـ فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم بأمره بأن يتكفل بقتله، وجزاؤه أن لا يأخذ منه الخراج ما بقي فتلقاه المقدم هذا بالقلزم (مرفأ في شمال البحر الأحمر) فسقاه بعض الطعام بشربة عسل مسمومة، فمات مالك بن الحارث الأشتر النخعي (38هـ/658م) فلما سمع علي بموته جزع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مالك وما ملك، وهل موجود مثل هذا .. ؟.
وقد قاتل محمد بن أبي بكر جيش عمرو بن العاص وعلى رأسهم معاوية بن خديج، فطلبه وأخرجه من خربة وهو عطشان ولم يغيثوه ثأرا على عطش عثمان - رضي الله عنه - وبعد الاتهامات والشتائم غضب معاوية بن خديج فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار، وقيل غير ذلك في (14 صفر 38هـ/ 658م) وخسر علي مصر بما فيها وتأسف عليها قائلا: «مصر قد افتتحها الفجرة، أولوا الجور والظلمة، الذين صدوا عن سبيل الله، وبغوا الإسلام عوجا ... (وتأسف من قومه) وملك عمرو بن العاص مصر» (ج3، ص:180) ولا شك أن هذا الصراع المرير وآثاره السيئة قد ترك أثرا كبيرا في نفوس المصريين وغيرهم، ولا شك أن ابن ملجم كان حاضرا في تلك المشاهد المؤلمة، حيث أن عليا قد أحسن إليه وهو في مصر لمدة 23 سنة، وذلك باعتراف منه.
2 - إرسال معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة، وفي نفس السنة (38هـ) سير معاوية إلى البصرة عبد الله بن الحضرمي وكان عبد الله بن عباس واليا (10/162)
صفحة 160
عليها من قبل علي - رضي الله عنه - وكان عبد الله بن عباس هو الساعد الأشد لعلي - رضي الله عنه - ولكنه في نفس السنة فارقه وترك البصرة، فخلفه زياد بن أبيه، وجاء ابن عباس مكة لأن عليا اتهمه بمال أخذه من مال المسلمين (محمد الخضري بك، ج2، ص:78).
وحين قدم عبد الله الحضرمي البصرة وجد الناس على ثلاث طوائف ـ كمصر ـ فالأزد منهم كلهم مع معاوية مطالبين بدم عثمان - رضي الله عنه -. وربيعة منهم كانوا من شيعة علي - رضي الله عنه - (ترابيون)، وزياد بن أبيه واليا عليها بعد ابن عباس، فنزل ابن الحضرمي بني تميم، فاتاه العثمانية مسلمين عليه، وحضر غيرهم، أي أن الأزد وقسم من بني تميم هم من شيعة عثمان - رضي الله عنه -، وموالون لمعاوية، وربيعة من شيعة علي - رضي الله عنه - وزياد بن أبيه معهم آنذاك، أما القسم الآخر من بني تميم وهم الطائفة الثالثة محايدون (قعدة) لا من شيعة علي ولا من أنصار معاوية، ومنهم الأحنف بن قيس التميمي المحايد، فحينما قرأ ابن الحضرمي كتاب معاوية يعدهم ويمنيهم، ويذكّرهم بآثار عثمان فيهم، ويدعوهم إلى الطلب بدمه ... فلما فرغ من قراءته قام الأحنف فقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، واعتزل القوم، وقام عمرو بن مرحوم العبدي، فقال: أيها الناس الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا تنكثوا بيعتكم، فتقع فيكم الواقعة ... الخ» (ابن الأثير، ج3، ص:181).
وكان الأحنف بن قيس قبل ذلك من قواد الفتوحات من قبل عبد الله بن عامر والي البصرة في خلافة عثمان - رضي الله عنه - سنة 31هـ، حيث سيره بن عامر إلى نيسابور، ثم إلى طخارستان من أعمال هراة، فتح بها بلدانا كثيرة كما في (كامل ابن الأثير، ج3، ص:61 - 63).
من هذا الانتماء والخدمة العسكرية المقدمة في خلافة عثمان - رضي الله عنه - نرجح أن الأحنف بن قيس كان من العثمانية قبل قتله، ولكن في بداية خلافة علي - رضي الله عنه - (من بداية الجمعة 25 ذي الحجة سنة 35هـ/ 24 جوان سنة 656م)، وبعد وقعة الجمل في 25 ربيع2 سنة 36هـ، كان من المحايدين القعد، ولكنه أصبح مع علي - رضي الله عنه - في صفين (01 صفر 37هـ) ومن المعتذرين هو و مسعود بن فدكي من بني تميم الأشعث بن قيس وقومه الغاضبين من ضرب عجز دابة الأشعث بسيفه عروة بن أدبة ... (ج3، ص:163).
وبعد أن قتل علي وتنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية بأمنية يمنيه ويطمعه في ربيع 2 سنة 41 هـ بويع معاوية بيعة كبرى أو عامة أصبح من الموالين لمعاوية، إذ إن قسما من بني تميم في البصرة كانت عثمانية وموالية لمعاوية - كما مر ذكره - وهو زعيمها.
وعلى الإجمال نقول أن الأحنف بن قيس ينفر من فرقة المسلمين والفتنة (10/163)
صفحة 161
بينهم ويكون مواليا للخليفة الذي يتفق عليه المسلمون ويبايعونه، ويكون محايدا عند الفتنة وتلتبس عليه أمور السياسة كوقعة الجمل، وفتنة ابن الحضرمي.
ونرجع للحديث عن ابن الحضرمي المفتن في البصرة حيث وقعت بينه وبين أهالي وقبائل البصرة مواجهات شديدة إلى أن انتهت المواجهات بقتل ابن الحضرمي، ومعه سبعين رجلا بقصر سنبيل، وكان القصر لفارس قديما فصار لسنبيل السعدي. (ج3، ص:181).
أطلنا قليلا في هذه الأحداث في البصرة ونحن نفتش عن موقع أو انتماء ابن إباض إلى أي تيار أو تشيع كان، فلم يظهر من بين الأحداث المذكورة في التاريخ في هذه الفترة، لا في السياسة، ولا في الفقه، ولا في القيادة العسكرية، وكاستنتاج أولي مما ذكر من صراع على الإمارة والخلافة، وتزاحم الأضداد في البصرة، نقول: بما أنه من قبيلة بني تميم الفئة المحايدة، ومن القعدة وليس من هؤلاء ولا هؤلاء كغيره من غير المذكورين وغير البارزين في التاريخ في ذلك العهد، وما يؤيد هذا الاستنتاج المنطقي ما أورده عامر النجار (1993) بقوله: «وينتمي عبد الله بن إباض إلى قبيلة بني تميم بالبصرة، وكانت من أقوى القبائل بالبصرة ... إلى أن قال: ولكن عبد الله بن إباض لم يشارك في حروب المحكمة ضد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه» (الإباضية ومدى صلتها بالخوارج، ص:119).
ولو لم ينص عامر النجار هذا بتلك الحقيقة أو غيره، فإن جميع الدلائل والإشارات التاريخية تنص بالحقيقة التي توصلنا إليها حيث لم يشارك بن إباض في أي حرب وقعت في عهده، وليس فقط في حروب أهل النهر (المحكمة).
من هذه الأحداث التاريخية المؤلمة وأمثالها الناتجة من تمرد معاوية بن أبي سفيان بالشام عن البيعة والخارج عن إجماع المسلمين على بيعة علي - رضي الله عنه - بعد عثمان، بالإضافة إلى غزوه بين الحين والآخر مناطق نفوذ علي - رضي الله عنه - في مصر والعراق انبثقت ضرورة محاربة علي لمعاوية وإخضاعه للمبايعة مع أهل الشام، وإخضاعهم لحكم وخلافة علي المجمع عليها، فوقعت وقعة صفين التاريخية (في 01 صفر 37هـ) ولكن وقع ذلك تحت ضغوط حربية ونفسية من الجانبين، وعلى غير إرادته استسلم للتحكيم من الداهيتين: معاوية وعمرو بن العاص وبعد التحكيم تشتت الأمة الإسلامية أيما تشتت. وقع تشيع وتحزب، فتداعت بعد ذلك وقائع وأحداث من أنصاره - قبل التحكيم - من الحروريين والنهروانيين، وأهل النخيلة وبذلك تغلغل جرح المسلمين، وتفككت عرى الأمة منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا.
وبعد صدور وثيقة التحكيم المشؤومة في (13صفر سنة 37هـ/658 م) ومبايعة أهل الشام معاوية خليفة للمسلمين بيعة أولى (10/164)
صفحة 162
فقويت شوكة معاوية، وأخذ يرسل سلسلة من السرايا لغزو أقاليم حكم علي - رضي الله عنه - ومن هذه الغزوات ما يلي:
3ـ في سنة 39هـ فرّق معاوية جيوشه في العراق في أطراف مملكة علي - رضي الله عنه - في خلافته، فوجه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر، وفيها مالك بن كعب مسلحة لعلي - رضي الله عنه - في ألف رجل، وكان مالك قد أذن لأصحابه، فأتوا الكوفة (مركز الخليفة)، ولم يبق معه إلا مائة رجل.
4ـ ووجه معاوية أيضا، وفي نفس السنة سفيان بن عوف في ستة (06) آلاف إلى هيث، ثم يسير إلى الانبار، والمدائن (بالعراق). فقدم هيث فلم يجد بها أحد، ثم أتى الأنبار، مسلحة لعلي - رضي الله عنه - تتكون من خمسمائة رجل، وقد تفرقوا، ولم يبق منهم إلا مائتا رجل، وعليها كمبل بن زياد.
5ـ ووجه معاوية أيضا عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك من بدر الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء ... وبلغ مكة والمدينة، واجتمع غليه بشر كثير من قومه، فأرسل علي - رضي الله عنه - المسيب بن نجية الفزاري إليهم في ألفي رجل فوقعت عدة أحداث هناك (ابن الأثير، ج3، ص:189).
6 - ووجه معاوية كذلك الضحاك بن قيس، وأمر أن يمر بأسفل واقصة (موضع بين الفرعاء، وعقبة الشيطان، وماء لبني كليب)، ويغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب، وأرسل معه ثلاثة آلاف رجل ... ومضى إلى الثعلبة وقتل، وأغار على مسلحة لعلي، وانتهى إلى القطقطانة، وأرسل لهم علي - رضي الله عنه - حجر بن عدي في أربعة آلاف، فلحق الضحاك بتدمر هاربا بالشام، ورجع حجر بن عدي ومن معه.
7 - وفي هذه السنة سار معاوية بنفسه حتى شارف دجلة، ثم نكص على عقبيه.
8 - وفي هذه السنة كذلك دعا معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي إلى مكة ليأخذ البيعة منها لمعاوية، وينفي عامل علي منها وهو قثم بن العباس، وسار إليها في ثلاثة (03) آلاف رجل، فاستنجد قثم بأهلها فلم يستجيبوا لحرب يزيد إلا شيبة بن عثمان العبدي دان له بالسمع والطاعة، فامتنع قثم عن الهروب من مكة بعد أن عزم عليه، فأخبر علي - رضي الله عنه - بقدوم الشاميين إليه، فسير لهم جيشا في (01 ذي الحجة 39هـ) فيهم الريان بن ضمرة بن هوذة بن علي الحنفي، وأبو الطفيل، وقدم يزيد بن شجرة مكة قبل التروية بيومين فنادى في الناس: أنتم آمنون إلا من قاتلنا ونازعنا، واستدعى أبا سعيد الخدري، وقال له: إني أريد الإلحاد في الحرم، ولو شئت لفعلت، لما فيه أميركم من الضعف، فقل له: يعتزل الصلاة بالناس، وأعتزلها أنا، ويختار الناس رجلا يصلي بهم فقال أبو (10/165)
صفحة 163
سعيد لقتم ذلك، فاعتزل الصلاة، واختار الناس شيبة بن عثمان فصلى بهم وحج، وبعد الحج رجع يزيد إلى الشام، ولم يلحقه خيل علي - رضي الله عنه - وعليهم معقل من قيس، فظفر بنفر منهم فأخذوهم أسارى، ليفادوا بهم أسارى لهم كانت عند معاوية (ابن الأثير، ج3، ص:190) (لهذه الحيلة أثر التخطيط لقتل علي ومعاوية وابن العاص) ووقع تعهد بينهم أي بين ابن ملجم وصاحبيه في هذا الموسم.
الغزوة المشئومة التي كانت السبب للتخطيط في قتله.
9ـ وسير معاوية في هذه السنة عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة (بين النهرين من الموصل إلى حلب)، وفيها شبيب بن عامر جد الكرماني، الذي كان بخرسان، وكان شبيب بنصيبين، فكتب إلى كمبل بن زياد، وهو بهيث يعلمه خبرهم، فسار كمبل إلى نجدته في ستمائة فارس، فأدركوا عبد الرحمن بن قباث، ومعه معن بن يزيد السلمي، فقاتلهما كمبل بن زياد، فهزمهما، وغلب على عسكرهما، وأكثر القتل فيهم، وهنئ شبيب ... ولحق أهل الشام إلى بعلبك، ورجع شبيب فأغار على نواحي الرقة (الرشيد في سوريا)، فلم يدع للعثمانية بها ما شي إلا إستاقها ... وعاد إلى نصيبين، فهنأه علي - رضي الله عنه - على انتصاره، (وفي الرقة قبيلة مضر العربية).
10ـ كما وجه معاوية في هذه السنة الحرث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة (ما بين النهرين، دجلة والفرات، أوي ما بين الموصل وحلب تقريبا) ليأتيه بمن كان في طاعة علي، فأخذ من أهل دار سبعة كفر من بني تغلب، وكان جماعة من بني تغلب قد فارقوا عليا إلى معاوية فسألوه في إطلاق أصحابهم، فلم يفعل فاعتزلوه أيضا وتفادوا الأسرى بين معاوية وعلي ... وكان ذلك من ناحية الموصل. (ج3، ص:191). (لهذه الحملة أثر للتخطيط لقتل علي ومعاوية وقع تعهد بينهم في هذا الحج).
ومما يمكن أن يستنبط من هذه الحملة سير يزيد بن شجرة إلى مكة في 06 ذي الحجة سنة 39هـ) ووصوله إليها بالضبط بيومين قبل التروية (في 08 ذي الحجة) وهي من أيام اله للعبادة والتوبة وطمأنينة النفس، فإذا بالفزع والإرهاب يقع فيها، مع عزم يزيد بن شجرة بالإلحاد في الحرم لضعف أمير مكة قثم بن العباس، وعزمه من الهرب من حملة يزيد بن شجرة كل ذلك وغيرها من الغزوات من معاوية لها من حمية ابن ملجم على الإسلام، فتأمل ونظر برأيه الخاص مع صاحبيه على أن يقتل معاوية لأفعاله تلك، ولأفعال علي - رضي الله عنه - في معركة أهل النهروان، قتل فيه أقارب خطيبته (قطام) أخوها وأبوها، وتواثقوا في الحطيم بعد الحج أن لا ينكص أحدهم عن صاحبيه حتى يقتله أو يموت (10/166)
صفحة 164
دونه في العام القابل أي في 17 رمضان سنة 40هـ لكي يستريح الناس من فتنهم، ومنازعاتهم على الخلافة (على غرار ما وقع التفكير فيه في قضية التحكيم بالنسبة للعزل وليس القتل) فاستحلوا دمهم في الحرم (الحطيم) فاحكموا المؤامرة السرية الرهيبة بدون استشارة جميع المعارضين، وسموا أنفسهم شراة، ولو علم المعارضون الآخرون لما قبلوا بذلك. (أنظر تفصيلها في الفصل القادم).
بما أن ابن ملجم قد قدم إلى الحج من مصر، فربما أن عمرو بن العاص الطموح والطامع في الخلافة قد حبك مؤامرة القتل معه قبل قدومه إلى الحج من مصر، ويبقى الجو في المعسكرين حاليا للاستيلاء على الخلافة، ووعده بالمنصب سرا لأن المقترح للمؤامرة جاءت من طرفه - فلا يستبعد منه ذلك أبدا - وخاصة وأن ليلة الاغتيال لم يخرج فيها عمرو بن العاص لصلاة الصبح، ربما لعلمه بالمؤامرة وتوقيتها وتاريخها والله أعلم.
11 - في هذه السنة بعث معاوية زهير بن مكحول العامري من عامر الأجدار إلى السماوة (بالعراق)، وأمره أن يأخذ صدقات الناس، وبلغ ذلك عليا، فبعث ثلاثة نفر: جعفر بن عبد الله الأشجعي، وعروة بن العَشَبَةَ والجلاس بن عمير الكلبيين، فاقتتلوا فهزم أصحاب علي، فقتل جعفر بن عبد الله، ولحق بمعاوية عروة بن العشبة بعد أن عنفه علي وعلاه بالدرة، فغضب من ذلك ... الخ.
12 - وبعث معاوية في نفس السنة مسلم بن عقبة المري إلى دومة الجندل (موضع بين العراق وسوريا، اسم حصن) وكان أهلها قد امتنعوا عن بيعة علي ومعاوية جميعا، وقالوا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على إمام، فبلغ ذلك عليا، فسير مالك بن كعب الهمداني في جمع إلى دومة الجندل، فلم يشعر مسلم بن عقبة إلا وقد وافاه مالك بن كعب، فاقتتلوا يوما، ثم انصرف مسلم منهزما.
13 - وفي سنة 40هـ، بعث معاوية بسر بن أبي أرطأة وهو من عامر بن لؤي في ثلاثة آلاف، فسار حتى قدم المدينة، وبها أبو أيوب الأنصاري عامل علي عليها، فهرب أبو أيوب إلى علي بالكوفة، ولم يقاتله أحد، وبايع جابر بن عبد الله مكرها وهدم بالمدينة دورا.
14 - ثم سار إلى مكة وبها أبو موسى الأشعري لعلي - رضي الله عنه - فخاف أن يقتله بسر، فهرب منه إلى علي - رضي الله عنه - وأكره بسر الناس على البيعة.
15 - ثم سار بسر إلى اليمن، وكان عليها عبيد الله بن عباس، عاملا لعلي فهرب منه إلى علي بالكوفة واستخلف علي على اليمن عبد الله بن عبد المدان، فأتاه بسر، فقتله وقتل ابنه، وأخذ ابنين صغيرين لعبيد الله بن عباس الهارب إلى الكوفة وهما: عبد الرحمن، وقثم فقتلهما مع رجل دافع عنهما، فقالت امرأة من كنانة: يا هذا (10/167)
صفحة 165
قتلت الرجال، فعلام تقتل هذين؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام [الصغار]، والله يا ابن أبي أرطأة، إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير، والشيخ الكبير، ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء، وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة علي باليمن، وبلغ عليا الخبر، فأرسل جارية بن قدامة السعدي في ألفين، فسار جارية حتى أتى نجران فقتل بها أناسا من شيعة عثمان، وهرب بسر وأصحابه، وأتبعه جارية حتى أتى مكة ... الخ (ج3، ص:193).
هذا مجمل ما ذكره المؤرخون في كتبهم لهذه الأحداث في تلك الفترة.
تأملات في الأحداث المذكورة سابقا:
عندما يتأمل المفكر الفاحص، الفقرات المختصرة السابقة، وهي مفصلة في المصادر والمراجع الأساسية التي بين أيدينا، فلا نجد فيها ذكرا لعبد الله بن إباض بصفة مؤكدة، ولا علاقة له بأية سرية أو غزية لا من قريب ولا من بعيد، لا صراحة ولا ضمنيا، وكأنه لم يكن في الوجود أثناء تلك الفتن المشتعلة بين المسلمين، والمصادر التي مسحنا صفحاتها لم نعثر على علاقة له في أحداث الحروريين: أهل النهروان، أو النخيلة، ولا قبل ذلك، في وقعة الجمل أو في وقعة صفين، ولا بعد ذلك في الغزوات الشامية المختصر ذكرها آنفا.
والنتيجة من كل ذلك أنه ليس هو من المنتصرين في معسكر علي - رضي الله عنه - جهارا، ولا من المنتصرين للأمويين المغتصبين للخلافة المتمردين على علي - رضي الله عنه -، بل هو من المحايدين المبتعدين عن الفتن، المحرمين لسفك دماء المسلمين وضرب رقاب بعضهم بعضا، أي هو من القعدة ب صورة فعلية وصريحة كما سيظهر منه ذلك بعد حوالي 25 سنة من هذا العهد أي في سنة 64هـ في البصرة، وسيظهر مذهبه في شمال إفريقيا بالجزائر بعد حوالي قرن و20 عاما.
ومن خلال هذه الأحدث المذكورة والهجومات والغزوات الحاقدة على حكم علي من قبل معاوية المتسلط نستنبط ما يلي:
1 - جميع السنوات في مدة خلافة علي - رضي الله عنه - كلها تقريبا حروب، وهجومات وانتقامات وقتلى وجراح، وتعذيب وهروب ولجوء، وقلاقل مسجلة في جميع الأمصار الإسلامية، ولم تكن هناك راحة ولا هدوء، وكل ذلك من أجل السيطرة والإمارة والصراع على التحكم في رقاب الناس والماشية والأراضي وخراجاتها، وكل ذلك يجري على أيادي كبار الصحابة رضي الله عنهم، ومعظمهم ذهبوا ضحية ذلك الصراع وخاصة في وقعة الجمل في (أواخر ربيع 2 سنة 36هـ) ووقعة صفين في (01 صفر 37هـ/ 30 جوان سنة 657 م) ووقعة أهل النهروان في (09 (10/168)
صفحة 166
صفر 38 هـ/ 17 جويلية 658 م) وغيرها من الوقائع التي دكت الإسفين تلو الإسفين في جسم الأمة الإسلامية فتفرقت وتشتت شيعا وأفكار ومذاهب.
2 - إن تلك الغزوات والحروب بين معاوية وعلي - رضي الله عنه - قد خلقت كثيرا من الأحقاد والبغضاء بين المسلمين، واختلط عليهم الحق بالباطل وانتشر بينهم اللعن والتكفير والتأويل واستحلال دماء الأبرياء من أهل العقيدة الإسلامية، وكثرت التهم والأقاويل الباطلة من غير برهان ولا دليل.
3ـ إن تلك الحروب والمنازعات والتطلع للسلطة والتسلط، وبيعة هذا، وجحود الآخرين من أصحاب الزعامة قد فرقت بين المسلمين والصحابة، وأصبحوا عموما في ذلك على أحزاب واتجاهات وشيع: شيعة عثمانية، وشيعة علوية، وشيعة أموية، وتشيع لأهل حروراء، وأهل النهروان، وهو تحزب سياسي دنيوي محض وليس تحزبا عقائديا وأصبح الناس مذبذبين حيارى في زوبعة هذه الاتجاهات، واضطرب أمرهم كثيرا، ولم يجد الكثير منهم طعما للحياة، ولا راحة ولا متعة في البقاء، وبدأوا يفكرون في طريقة لتغيير حياة الناس، ومنهم أمثال ابن ملجم.
4 - إن تلك الغزوات والهجومات بالكر والفر، قد أنهكت قوى الجيوش الإسلامية، وخاصة جيوش علي - رضي الله عنه - حيث سئموا من تلك الحروب ومآسيها، وتثاقلوا في السير لمواجهة جيوش معاوية - رغم خطب علي البليغة، والبعيدة النظر في النتائج، والمراسلات، والإغراءات، والتحريضات، ولكن بدون جدوى - وكنموذج على ذلك، أورد ابن الأثير في كامله ما يلي: « ... ولما تثاقل أهل الكوفة (أصحاب علي) عن الخروج لإعانة جيوش مالك بن كعب (في عين التمر) لردع جيوش النعمان بن بشير المرسل من معاوية (سنة 39هـ) صعد علي على المنبر فخطبهم ثم قال: «يا أهل الكوفة: كلما سمعتم بجمع من أهل الشام أظلكم انجحر كل امرئ منكم في بيته، وأغلق عليه بابه انجحار الضب في جحره، والضبع في وجارها، المغرور من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، لا أحرار عند النداء ولا إخوان [ثقة] عند النجاء، إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا منيت به منكم، عمي لا يبصرون، وبكم لا ينطقون، وصم لا يسمعون إنا لله وإنا إليه راجعون» (ج3، ص:188 - 189).
5 - من خلال ما اختصرناه من ذكر غزوات وحروب معاوية لأراضي حكم علي - رضي الله عنه - يتجلى في الذهن تساؤل منطقي ومفصلي هو: هل ما خططه وفعله معاوية للغزو والاحتلال لأراضي إمامة علي - رضي الله عنه - يعد من الدهاء السياسي والاجتماعي؟ وهل هو من دهاة العرب حقا؟. (10/169)
صفحة 167
يخطئ كثيرا من يجيب بالإيجاب، ويعتقد أنه من دهاة العرب سواء في السياسة أو في الاجتماع في تعامله مع علي - رضي الله عنه -. الحقيقة أن معاوية على خلاف ذلك! لأن الدهاء لا ينطوي على فعل الشر وسفك الدماء المحرمة، بل ينطوي على فعل الخير، وبناء حضارة إنسانية بالسلم، ويحل المشكلات بلا سفك للدماء، فهو ممن تسري في عروقه العصبية القبلية، فاسم الدولة ضارب عروقه إلى الجد الثالث: (معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية) وهي مؤسسة أصلا من عرق بني أمية، وهو من أعيان قريش بمكة، وهو حَمُ هاشم بن عبد مناف (أنصار النبي - صلى الله عليه وسلم -) تولى عن أبيه السقاية والرفادة (500 - 524) وكان عثمان - رضي الله عنه - من بني أمية، ولذلك اتخذ ذريعة لتأسيس ملكهم والدعوة للأخذ بثأره من على الذي هو من بني هاشم، ومن هنا تظهر عصبيته وقبليته وجفاؤه لعلي - رضي الله عنه - وخلافته.
نلاحظ أن تأخره في فهم الأوضاع السياسية والاجتماعية بعد محاربة علي، وأسقط الرؤوس وأروى الأراضي والوديان بدماء المسلمين لأجل الملك والسلطة توصل بفهمه - ودهائه المعتبر - في نهاية حروبه وأتعابه إلى ما كان من المفروض أن يتوصل إليه بدهائه من البداية لكي يحقن دماء المسلمين وكبار الصحابة. فتأمل نص ابن الأثير في كامله: «وفيها [أي في 40 هـ] جرت مهادنة بين علي ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق، ولمعاوية الشام لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة» (ج3، ص:195).
قال ابن جرير الطبري: «لما لم يعط أحد الفريقين صاحبه الطاعة كتب معاوية إلى علي (كرم الله وجهه): أما إذا شئت فلك العراق، ولي الشام، ونكف السيف عن هذه الأمة، ولا تهريق دماء المسلمين، ففعل ذلك وتراضيا على ذلك، فأقام معاوية بالشام بجنوده، يجبيها وما حولها، وعلي - رضي الله عنه - بالعراق يجبيها ويقسمها بين جنوده» (نفس المصدر، ص:195).
وقع ذلك بعد آخر غزو من معاوية على اليمن من بسر بن أبي أرطأة وقتل بها أناسا كثيرة، فسير له علي - رضي الله عنه - جارية بن قدامة السعدي في ألفي رجل، وهرب بسر، وأتبعه جارية حتى أتى مكة ... ودعا علي على بسر، فقال: اللهم اسلبه دينه وعقله، فأصابه ذلك وفقد عقله، فكان يهذي بالسيف ويطلبه ... إلى أن مات. وعبيد الله بن عباس كان عازما على أن يقتل معاوية وبسر بن أبي أرطأة (ج3، ص:195).
معنى ذلك أن معاوية لم يفكر في دماء المسلمين، ويكف السيف عنهم ولا يهرق دماءهم إلا عندما أحس بأن القتل والموت يحوم حواليه، فهل يعتبر ذلك دهاء. (10/170)
صفحة 168
فلماذا لم يتفق مع علي منذ البداية من سنة 35 هـ زمن بيعة علي بأسلوب سياسي واجتماعي حكيم على أن يكون لعلي العراق ويفتح ما جاوره من الناحية الشرقية للعراق من دول غير مسلمة، ويكون لمعاوية الشام ويفتح ما جاوره من الناحية الغربية من الدول، ولا يدخل أحدهما بلاد الآخر بغارة، ولا يتسلط أحد على الآخر بالقتال، وبذلك تحفظ دماء المسلمين، وتنتشر الدعوة الإسلامية إلى أقاليم أخرى جديدة؟، فهل الدهاء في هذا، أو في استحلال دماء بعضهم البعض، ولعن بعضهم البعض، وبتعصب وجفاء وبداوة؟! وما شاء الله كان، والكل ذهب إلى ربه، إن حسابهم إلا على ربي.
6 - إن المعارضين لعلي - رضي الله عنه - كانوا من أهل الكوفة ومؤيديهم من هنا وهناك، إذ إن خطب علي كانت موجهة لأهل الكوفة، ويذكر غالبا: يا أهل الكوفة .... يا أهل الكوفة. ولم يخاطب أهل البصرة.
إنَّ هذه الأحداث - وغيرها - من الوقائع والحروب الطاحنة المتسلسلة في ذلك العهد عهد خلافة علي - رضي الله عنه - منذ بيعته يوم الجمعة 25 ذي الحجة سنة 35هـ/ 24 جوان 656م، إلى أن قتل في 17 رمضان سنة 40هـ/ 25 جانفي سنة 661م، قد تركت بدون شك آثارا سلبية مؤلمة جدا في أهالي مصر، والشام، والعراق، والجزيرة العربية واليمن، حيث يتمت آلاف الأولاد، ورملت الزوجات، وآلمت وبحسرة الأقارب وذوي الأرحام، وغيرهم، وأدمت القلوب وأسالت الدموع، وحركت العواطف والمشاعر، وأثارت الأحقاد والكراهية في النفوس، وقلبت لبعضهم البعض ظهر المحن، واختلطت الأفكار السوداوية، وتشاءمت من الأوضاع الكريهة غير الآمنة، ويئس القواد والجنود والعامة من العيش الهنيء، وأنبتت كل ذلك الزرع الخبيث أفكار الانتقام، والفرقة والخروج، ونكران بعضهم من بعض وأثمرت وأينعت التدابير للأخذ بالثأر وأسالت الماء بالحلال أو الحرام، في أشهر الحلال، أو الأشهر الحرم، وبأي تبرير كان، وتغافل المسلمون كثيرا عن نصوص القرآن وسنة النبيء، ولا هم للناس إلا التمرد والعصيان والحكم والغلبة وهموم الدنيا، ونسيان الله والآخرة، ومن ثنايا كل ذلك، وما تحمله النفوس نلاحظ ونحكم بما يلي:
إنَّ جميع الغزوات والسرايا وجميع المناوشات - خلال خلافة علي - رضي الله عنه - تأتي من قِبَلِ معاوية، وليس من قِبَلِ علي، فمعاوية هو المبادر بالمكر، والتمرد، والخروج عن الخضوع لحكم علي، وذلك لغرض الاستيلاء على مناطق القوة والنفوذ، بينما علي - رضي الله عنه - دائما يكون في موقف الدفاع والرد على المهاجمين غِرة أحيانا، فأحيانا ينتصر على جنود معاوية، وأحيانا ينكسر ويندحر، (10/171)
صفحة 169
وتكون الغلبة لجنود معاوية، والنتيجة أن عليا بقي محصورا في مواقع محدودة: من الجزيرة العربية، والعراق.
خروج المتمردين على علي - رضي الله عنه - في عهده:
يذكر المؤرخون مصطلح الخوارج في عهد علي - رضي الله عنه - على الذين عارضوه في قضية التحكيم بعد وقعة صفين أي بعد تاريخ 15 صفر 37هـ/ 658م، ولم يسمهم علي - رضي الله عنه - بذلك المصطلح، وإنما سماهم بالحروريين، وهم المحكمة وأهل النهروان، وأهل النخيلة (في 09 صفر 38هـ/ 17 جويلية 658م) وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المصطلح، ولم يدر أي من المؤرخين على من ينطبق ذلك المصطلح في الأحاديث المرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن هناك فرقا أخرى ستخرج عن الأمراء والحكام، سياسيا وعقائديا، والأصح أن يسموا بالمحكمة، أو بالحروريين فقط. أما الخوارج الغلاة سيظهرون فيما بعد، أي بعد مدة 27 سنة تقريبا، إذ إن المختلفين مع علي كان اختلافهم في نوعية إدارة الحرب والقيادة والسياسة، وكيفية ردع المتمردين عن بيعة علي - رضي الله عنه -. بينما خوارج الدولة هم الخوارج الغلاة في عهد الدولة الأموية كان اختلافهم مع الأمويين وعبد الله بن الزبير في تاريخ (26 محرم 64هـ) في بعض المعتقدات، وسوء التأويل والتحريم بالإضافة إلى التناحر على السياسة والقيادة. (سنذكر ذلك بعد حين).
نخصص هذا الموضوع للمعارضين لسياسة علي، إذ إنه بين الحين والآخر تخرج عليه جماعة عن طاعته ويعلنون ذلك صراحة، فيكيلون لعلي - رضي الله عنه - ضربات موجعة على ضربات غزوات وسرايا معاوية المرسلة إليه ضده، وذلك لغرض بيان حجم الضغط العسكري والسياسي عليه وبيان سبب حقد الناس عليه، وسأمه منهم، وسأمهم منه كما ظهر في مراسلاته وخطاباته، والمناسبة أو القشة التي قصمت ظهر البعير، والتي أدت إلى التخطيط لاغتياله.
نحن لا نذكر أول خروج في الإسلام عن طاعة أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه -، والثورة عليه لقتله، وهم أصحاب الفتنة الكبرى حيث قتل في (18 ذي الحجة سنة 35هـ/ 20 ماي 656م)، ولكن نذكر مَن خرج عن طاعة علي - رضي الله عنه - بعد بيعته في يوم الجمعة (25 ذي الحجة 35هـ/ 25 مايو 656م)، وخاصة المعارضين له بعد التحكيم في (15 صفر سنة 37هـ/ 658م).
1 - معاوية بن أبي سفيان: هو أول من خرج عن طاعة علي - رضي الله عنه - أمير المؤمنين، بعد بيعة المسلمين له بالخلافة ولم يبايعه إلى أن قتل، قالها صراحة عن طريق رسول معاوية إلى علي - رضي الله عنه - يدعى قبيصة من بني عبس يطالب عليا بالقود (الدية) أو، حيث قال الرسول لعلي عندما سأله: ما وراءه؟ قال: إن ورائي، أني تركت (10/172)
صفحة 170
قوما لا يرضون إلا بالقود (الدية)، قال علي: ممن؟ قال: من خيط رقبتك، وتركت ستين ألف شيخ تبكي تحت قميص عثمان وهو منعبوب لهم، قد ألبسوه منبر دمشق .... ، (فَهِم منه أنه أراد أمرا أصابه)، فقل له: اخرج فخرج العبسي وهو آمن ... (ابن الأثير، ج3، ص:104).
كما أن عليا عزم على أن يبعد عن الحكم جميع عمال عثمان - رضي الله عنه -، ويولي مكانهم من يراه مناسبا له، ولم يأخذ برأي مستشاريه للإبقاء عليهم، وأرسل عماله الجدد إلى جميع الأقطار، فأرسل عبد الله بن عباس إلى الشام، فلم يقبل بذلك، فولى سهل بن حنيف مكانه، فرده أهل الشام على أعقابه، كما كان متوقعا، كما قال محمد رضا (2005): «ما كان معاوية يرضى أن يعزل عن الشام، بعد أن كان واليا عليها منذ زمن عمر وعثمان، وبعد أن قويت سلطته هناك وكانت الدلائل تدل على أنه سيقاوم عليا - رضي الله عنه -، ويطالب بدم عثمان» (الإمام علي بن أبي طالب، ص:50).
ولم يبايع عليا بالخلافة طوال حياته، بل كان أول إسفين دق في جسم الإسلام بعد فتنة عثمان - رضي الله عنه -.
إن أول خروج عن طاعة الإمام علي - رضي الله عنه - هو معاوية المتمرد عن البيعة، وليس غيره، فإذا حق لهذا المتمرد أن يتمرد ويخرج عن الطاعة، وهو الصحابي الظان نفسه أنه أولى بالخلافة من علي - رضي الله عنه -، الذي أسلم رغم أنفه في فتح مكة وكان من الطلقاء، فغيره يحق له كذلك الخروج عن الطاعة والطمع في الخلافة، كالمحكمة وغيرهم، ولا نقول الخوارج لأسباب ذكرناها في غير موضع وقد حكم علي - رضي الله عنه - على تمرد معاوية بقوله: « ... انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون تفريق جماعتكم لعل الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق (معاوية)، وتقضون الذي عليكم» (نفس المرجع، ص:54).
لقد أتعب هذا الرجل المتمرد الخارج على علي - رضي الله عنه - كثيرا، وقصم بغزواته إرادة وظهر جيوش علي إلى أن قتل علي - رضي الله عنه -.
يظهر من خروج معاوية تمرده عن البيعة والمطالبة بدم عثمان - رضي الله عنه - أنه هو المثل الذي يمكن أن يقتدي به غيره، والكثير منهم يطمع في الدنيا والزعامة والرفاهية كمعاوية، وما المانع عندما فتح باب التمرد والخروج؟
2ـ خروج طلحة والزبير وعائشة - رضي الله عنه - (وقعة الجمل)، دعا هؤلاء الصحابة - كبار الصحابة - للمشاركة معهم في طلب دم عثمان - رضي الله عنه - وأغلبهم تردد في ذلك وارتاب في الأمر، وأبوا الخروج معهم، كما أن أهل المدينة تثاقلوا في تأييد علي - رضي الله عنه - لمحاربة عائشة - رضي الله عنه -، واحتاروا في الأمر، فسارت عائشة إلى البصرة، وسار علي ومن (10/173)
صفحة 171
معه إلى ذي قار (بين الكوفة، وواسط بالعراق)، ووقعت معركة الجمل بين جيش علي - رضي الله عنه - وجيش عائشة بعد أن بويع علي - رضي الله عنه - بـ: 05 أشهر و15 يوما، وهم يطالبون بالثأر من مقتل عثمان - رضي الله عنه -، وبعد مفاوضات ومناوشات طويلة وقعت الواقعة العظمى والكارثة الكبرى في يوم الخميس 10 جمادى2 سنة 36هـ، كان مجموع القتلى (10.000) عشرة آلاف نصفهم من أصحاب علي - رضي الله عنه - ونصفهم من أصحاب عائشة - رضي الله عنه - (الكامل لابن الأثير، ج3، ص:131).
3 - خروج حسكة بن عتاب الحبطي.
ذكر ابن الأثير في كامله أنه في هذه السنة (36هـ) «بعد الفراغ من وقعة الجمل خرج حسكة بن عتاب الحبطي، وعمران بن الفضيل البرجمي في صعاليك من العرب (مفارقين لعلي) حتى نزلوا زالق من سجستان، وقد نكث أهلها، فأصابوا منها مالا، ثم أتوا زرنج وقد خافهم مرزبانها (رئيسها)، فصالحهم، ودخلوها .... فبعث علي - رضي الله عنه - عبد الرحمن بن جرو الطائي، فقتله حسكة، فكتب علي إلى عبد الله بن عباس يأمره أن يولي سجستان رجلا، ويسيره إليها، في أربعة ألاف، فوجه ربعي بن كاس العنبري، ومعه الحصين بن أبي الحر العنبري، فلما ورد سجستان قاتلهم حسكة وقتلوه، وضبط ربعي البلاد، وكان فيروز حصين ينسب إلى الحصين بن أبي الحر هذا، وهو من سجستان» (ج3، ص:135).
4 - تحدي معاوية المتمرد لعلي - رضي الله عنه -.
بعد المكاتبات بين الطرفين، والمكاتبات بين علي - رضي الله عنه - وعمرو بن العاص، ولم يحصل حينئذ رضوخ، حيث أن معاوية رأى أنه أحق بالخلافة من علي والأخذ بثأر قتل عثمان، ولم يكن معاوية مطيعا لتنفيذ أوامره بالشام، فجهز علي الجيش لقتاله وإخضاعه، وفعل معاوية من جانبه مثل ذلك، فالتقى الجمعان بموضع يسمى صفين (على الحدود السورية على شاطئ الفرات بين الرقة وأسكى مسكنة) وعنده وقعت معركة صفين في الجمعة (01صفر 37هـ) وبدأ التحرش واستمرت المناوشات والاقتتال طويلا فوقعت الهدنة في (يوم الأربعاء 13 صفر 37هـ) حين وقعت معاهدة الصلح بين المعسكرين في دومة الجندل، أو بأذرج على أن يلتقي الطرفان في شهر رمضان من نفس السنة أي بعد سبعة أشهر، لكي يسمع ويشهد بها القاصي والداني، وحينها كتبت المعاهدة المخدوع فيها أبو موسى الأشعري على عزل علي - رضي الله عنه - وتثبيت بيعة معاوية (بالطريقة المشهورة)، ولم يكن معسكر علي - رضي الله عنه - راض بذلك، وحين ذاك فارقه المحكمة (الحرورية) - وهم المعارضون - وليسوا خوارج كما يدعي الكتّاب - وهم الجنود المحاربون مع علي وأصحابه في الأصل في وقفة صفين ولم يرضوا بالخدعة والاتفاقية وسبب انفصالهم عن علي - رضي الله عنه - هو سبب سياسي وليس عقائدي. (10/174)
صفحة 172
5 - فارقت المحكمة المعارضون عليا، ونزلوا بحروراء، وهم حوالي (12) اثني عشر ألفا، ونصّبوا شبت بن ربعي التميمي أميرا لهم للقتال، كما نصبوا عبد الله بن الكواء اليشكري إماما للصلاة، وهؤلاء هم الذين كفروا عليا، وكفروا معاوية معا كفرسي رهان، وقرر فيما بعد ثلاثة أشخاص من أهل النهر على اغتيالهما سرا (انتقاما منهم).
بايع أهل الشام معاوية - بيعة أولى أو خاصة - على ما أحبوا وكرهوا، ومنذ ذلك الوقت أصبح كل فريق يكفر الآخر، ويلعن بعضهم بعضا بعد إعلان نتيجة الحكمين على المنابر والجُمع، وعلى رؤوس الملأ، ويحفظون عبارات اللعن في المدن والقرى ويلعنون بعد كل صلاة كفريضة ترسيخا للعداوة والبغضاء بينهم.
6 - خروج أهل النهر، بعد مبايعة أهل حروراء عبد الله بن وهب الراسبي في (10 شوال 37هـ) وقعت معركة النهروان، بعد أربعة أشهر من نزولهم على جسر نهر جوخا وقعت معركة في (90 صفر 38هـ/ 17 جويلية 658م) حيث سحقهم علي - رضي الله عنه - جميعا، ولم ينج منهم إلا أفرادًا قليلين.
ولم يسجل المؤرخون في مصادرهم الأولى أن ابن إباض كان منهم على الإطلاق، إلا ما اصطنعه بعض المفتنين من خيالاتهم المتوهمة ولم يشارك في وقعة صفين، فهو من القعد في الفتن أصلا (انظر المبرد وابن الأثير، وابن كثير).
7 - اعتزال أهل النخيلة،، بعد معركة أهل النهر اجتمع كثير من المعارضين في موقع يسمى بالنخيلة قرب الكوفة حيث وعدهم علي - رضي الله عنه - على قتال أهل الشام، بعد التحكيم الباطل ومعركة أهل نهر - ولكن أصحاب علي - رضي الله عنه - تسللوا من النخيلة إلى منازلهم، وتركوا المعسكر خاليا، ولم يجد علي - رضي الله عنه - وسيلة للانتقام من معاوية، فيئس علي - رضي الله عنه - منهم وخطبهم بخطبتيه اليائستين (انظرهما مع تعليلاتهم للقعود عن الخروج إلى الشام في محمد رضا (الإمام علي ... ، ص:151))
فما معنى اعتزالهم وتسللهم إلى منازلهم؟ وبدون أن يقولوها. معناه: أنهم قعدة ومحايدون فلا هم مع علي - رضي الله عنه - ليحاربوا معه، ولا هم مع معاوية لكي ينضموا إليه، فلا معنى لقتالهم ضد أي فئة مسلمة ما داموا لم يتفقوا على إمام عادل، أو خليفة مجمع عليه.
8 - في هذه السنة (38هـ) خرج عن علي الخريت بن راشد، وبني ناجية، حيث أنه لم يرض بالتحكيم والتحق بالأهواز، ومنعوا دفع الزكاة والخراج، وقاتلهم معقل بن قيس بعد أن جمع جموع الجيش والتخطيط لقتال من خرج عن علي، إلى أن انتصر الخريت عليهم بعد معارك طاحنة، وجمع منهم صدقة عامين. (10/175)
صفحة 173
9 - خروج أشرس بن عوف الشيباني على علي - رضي الله عنه - بالدسكرة في ربيع 2 سنة 38هـ في مائتين ثم سار إلى الأنبار فوجه إليه علي - رضي الله عنه - الأبرش بن حسان في ثلاثمائة، فواقعه، فقتل الأشرس في سنة 38هـ.
10ـ خرج هلال بن عُلفه من تميم الرباب، ومعه أخوه مجالد فأتى ماسبذان، فوجه إليه علي - رضي الله عنه - معقل بن قيس الرباحي، فقتله، وقتل أصحابه، وهم أكثر من مائتين، وكان قتلهم في جمادى1سنة 38هـ.
11 - ثم خرج عن علي - رضي الله عنه - الأشهب بن بشر، وقيل الأشعث، وهو من بجيلة في مائة وثمانين رجلا، فوجه إليهم علي - رضي الله عنه - جارية وقيل: حجر بن عدي بن قدامة السعدي فأقبل إليهم الأشهب، فاقتتلا يجر جرايا من أرض جوخى، فقتل الأشهب وأصحابه في (جمادى 2 سنة 38هـ).
12 - ثم خرج سعيد بن قفل التميمي من تميم الله بن ثعلبة في رجب 38 بالبند نيجين، ومعه مائتي رجل، فأتى درزنجان، وهي من المدائن في فرسخين، فخرج إليهم سعد بن مسعود، فقتلهم في (رجب سنة 38هـ).
13 - ثم خرج أبو مريم السعدي التميمي، فأتى شهرزور، وأكثر من معه من الموالي (محتمل أن يكون دافعها عنصري) وقيل: لم يكن معه من العرب غير ستة نفر، هو أحدهم، واجتمع معه مائتا رجل، وقيل أربعمائة، وعاد حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة [04 كلم x 5= 20 كلم] فأرسل إليه علي - رضي الله عنه - يدعوه إلى بيعته، ودخول الكوفة، فلم يفعل وقال: ليس بيننا غير الحرب، فبعث إليه علي - رضي الله عنه - شريح بن هانئ في سبعمائة، فحمل الخوارج [المتمردون] على شريح وأصحابه فانكشفوا، وبقي شريح في مائتين، فانحاز إلى قرية، فتراجع إليه بعض أصحابه ودخل الباقون الكوفة، فخرج علي بنفسه، وقدم بن يديه جارية بن قدامة السعدي ... فقتلهم علي - رضي الله عنه - ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا، فاستأمنوا فأمنهم ... وكان قتلهم في شهر رمضان سنة 38هـ (انظر التفصيل في الكامل لابن الأثير، ج3، ص: 187 - 188).
هذه جملة من الوقائع مع من فارق عليا بعد صدور وثيقة التحكيم المشهورة، ولم يرض بها الكثير من أصحابه كما ذكرنا، وليس غيرهم، بغض النظر عمن له الحق في ذلك، ومن هو على غير ذلك.
تأملات في الأحداث المذكورة آنفا:
من هذه الأحداث التي ذكرها المؤرخون في كتاباتهم، والتي وقعت في السنوات الأخير من حياة علي - رضي الله عنه -، ما هي إلا انعكاس للدروس النموذجية التي نفذها وينفذها أستاذ المتمردين والخوارج معاوية بن أبي سفيان في زمانه وذلك (10/176)
صفحة 174
بغاراته وسراياه المذكورة آنفا على ممتلكات وأراضي الخليفة أمير المؤمنين في الأصل، فكما رأينا فكلاهما يريد أن يتزعم، ويريد أن يحكم، ويريد أن يستولي على الأراضي، والخراج، والزكاة، ومعظمها أمور دنيوية ومادية وسياسية وليست عقائدية في أصلها. وعليه فإننا نلاحظ ما يلي:
1 - إن هذه الحروب سواء مع معاوية في الشمال، أو من المحكمة المتمردين في العراق وغيرهما في السنوات الأخيرة من حياة علي - رضي الله عنه - جديرة بأن تخلق في نفوس العامة والجيش كثيرا من الانكسارات النفسية، والشعور بالضعف في السياسة والقيادة، والشعور بالخذلان والانقسامات والصراعات المريرة دون أن يكسبوا من هذه الحروب الطاحنة أي شيء، أو يعلي من شأن الإسلام والمسلمين، بل خسر علي الشام ومصر ومعظم مدن العراق يخرجون عليه، فأصبح علي - رضي الله عنه - محصورا في الكوفة، وبعض من أراضي فارس والبصرة.
2 - لم يخرج عليه في هذه الفترة من أهل البصرة ومن قبيلة بني تميم بالضبط وهي قبيلة عبد الله بن إباض أي متمرد من الأحرار إلا أبو مريم السعدي الذي هو مولى من الموالي - المذكورة آنفا في رقم 13 - بل كان الأحنف بن قيس مع علي - رضي الله عنه - ومن أنصاره، وهو زعيم قبيلة بني تميم، وقد شارك في محاربة أهل النهروان مع الجنود البصريين، فتأمل ما رواه ابن الأثير في كامله: « ... فقرأ ابن عباس الكتاب على الناس، وندبهم مع الأحنف بن قيس، فشخص ألفا وخمسمائة [فاستقبلهم عبد الله بن عباس] فخطبهم، وقال: يا أهل البصرة أتاني كتاب أمير المؤمنين، فأمرتكم بالنفير، فلم يشخص منكم إلا ألف وخمسمائة، وأنتم ستون ألف مقاتل سوى أبنائكم وعبيدكم، ألا انفروا إليه مع جارية بن قدامة السعدي [من بني تميم] ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلا [تبريرات]، فإني موقع بكل من وجدته متخلفا عن دعوته عاصيا لإمامه [أي علي - رضي الله عنه -]، فلا يلومن رجل إلا نفسه، فخرج جارية فاجتمع إليه ألف وسبعمائة [وهؤلاء هم الدفعة الثانية، بعد جيش الأحنف بن قيس] فوافوا عليا (بالكوفة) وهم ثلاثة آلاف ومائتان ... الخ مما قال» (ج3، ص:171 - 172) وإن كانت وجهة القتال من قتال الشاميين إلى قتال أهل النهروان، ولكن الإجمال هم مع علي - رضي الله عنه - فقاتلوا أهل النهر معه، ولم يتخلفوا عنه، فلا يصح منطقيا أن يكون بنو تميم البصريين متمردين (أي خوارج) يقاتلون متمردين أمثالهم في أهل النهر!! فافهموها يا أهل الطعن في الإباضية والدس عليهم.
إذا الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة ومن معه من البصريين من بني تميم (3200) مقاتل هم أنصار علي - رضي الله عنه - (10/177)
صفحة 175
ولم يذكر عبد الله بن إباض من بينهم، ولا من بين أهل النهر، فهو من المحايدين القعدة، ومن توهم خلاف ذلك فليبرهن وهو محايد أمين في برهانه، وعقلاني حسب النصوص الأصيلة.
3 - يلاحظ أن عليا يهاجم من الداخل بعدة جيوش من المتمردين المعارضين له بعد التحكيم، كما يهاجم من الخارج من معاوية بالشام، ويفاجئه غازيا بين الحين والآخر (حرب عصابات) ويستولي على الأمصار المهمة مثل مصر، وذلك ما أنهك قواه العسكرية والنفسية.
4 - يلاحظ أن عليا - رضي الله عنه - غالبا ما يكون في موقف المدافع وردّ الهجومات، فأحيانا يَغلب وأحيانا يُغلب، والجيوش التي تهاجمه أحيانا تكون بالآلاف، وأحيانا بالمئات.
5 - إن معظم جيوش علي - رضي الله عنه - غالبا ما تكون متثاقلة عند دعوته لحرب المتمردين عليه من الداخل والمهاجمين عليه من أهل الشام (غزوات معاوية) وخاصة تلك الغزوات التي ليس فيها غنائم تذكر.
6 - نعتقد أن الموقف السلبي المشين من المعسكريْن المتعاديين: معسكر علي - رضي الله عنه - ومعسكر معاوية الذي ظهر في موقف التكفير واللعن كل غداة، فكل معسكر يلعن ويكفر الآخر كقنوت رسمي وراء كل صلاة الصبح وفي كل صلاة الجمع، هو مما نفر النفوس، ورسخ البغضاء والكراهية بين المعسكرين، وتمنى عامة الناس قتل رئيسهما أرحم من هوان الإسلام والتفرقة بين المسلمين.
وقد أورد ابن الأثير في كامله - بعد خبر التحكيم - ما يلي: « ... ثم انصرف عمرو، وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة [البيعة الأولى]، ورجع ابن عباس، وشريح بن هانئ إلى علي - رضي الله عنه -، وكان علي - رضي الله عنه - إذا صلى الغداة [الصبح] يقنت ويقول: اللهم العن معاوية، وعمرو، وأبو الأعور [السلمي]، وجبيبا [بن سلمة]، وعبد الرحمن بن خالد، والضحاك بن قيس، والوليد [بن المعمر]، فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت سب عليا، وابن عباس، والحسن والحسين، والأشتر، وقد قيل أن معاوية حضر الحكمين، وأنه قام عشية في الناس، فقال: أما بعد: من كان متكلما في هذا الأمر [أي حكم الحكمين] فليطلع لنا قرنه [أي فليظهر لنا جبهته، أو اعتراضه] قال ابن عمر (أي عبد الله بن عمر بن الخطاب، قيل: كانت فيه غفلة) فأطلقت حبوتي، فأردت أن أقول: يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام (أي الصحابة الأوائل) فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة، ويسفك فيها دم، وكان ما وعد الله فيه الجنان (الجنة) أحب إلي من ذلك .... » (ج3، ص:169). (10/178)
صفحة 176
وقد علق المحققون في الهامش ما يلي: «إن هذه النتيجة السيئة [التحكيم] لازمة لحكمين قد حكما بكتاب لم تبين فيه المعالم التي ينتهيان إليها، ولا الحدود التي ليس لها أن يتجاوزاها بل الكتاب كله، مفكك العرى غير ظاهر الحدود والمعالم، فأحد الحكمين رجل فيه غفلة (أبو موسى الأشعري) [أنظر طريقة الخداع في الكامل، ج3، ص:168) وعدم تقدير الأمور، وهو حاقد على علي - رضي الله عنه - منذ عزله عن الإمرة (وفي البصرة)، فخذل عنه قبل ذلك، وقد قعد عن نصرته، ورماه سائرا في فتنة أشعلت النار بين المسلمين، فهو لأمر علي كاره، ومن خلافته نافر، فما كان لأصحاب علي أن يشيروا باختياره لهذا الأمر الذي كان فوق إدراكه، ولا قدرة له على حمله، وكان خير لعلي أن يجعل أمره بيد خصمه معاوية من أن يجعله في يد رجل لا يقدِّر الأمور، فما كان حكم معاوية إذا جار على علي بأكثر ضررا، ولا أشد إيلاما من حكم أبي موسى الأشعري، وهل يوجد أكثر غفلة من رجل يريد ابن عمر للخلافة مع أن عمر [بن الخطاب] منعه إياها، ولم يكن بينهما كتاب على ما اتفقا عليه جورا كان أو عدلا، وهل كان عزل علي في كتاب الله الذي أخذا عليهما العهد أن يعملا به» (ج3، ص:169).
إن هذه النتائج الحربية السلبية، هي نتيجة لأخطاء من معسكر علي:
(01) الانخداع لرفع المصاحف وقبول وضع الحرب.
(02) القبول بالتحكيم وعلي على الحق والخلافة قائمة.
(03) القبول بالمحكم أبو موسى الأشعري وهو الأضعف عن مكائد عمرو بن العاص.
7 - من أعظم ما وقع فيه المسلمون هو ضرب بعضهم والتفتين فيما بينهم ونصب المكائد بعضهم لبعض كل ذلك من أجل السيطرة والحكم والقيادة، وحب المال والاستيلاء، ومن ذلك جاء عدم فتح بلدان كثيرة لم تزل في دائرة غير المسلمين في تلك الفترة كغيرهم من الخلفاء الراشدين السابقين.
8 - ومن أجلها تعظيما للخطأ الذي سهل للمسلمين نشوب العرب بينهم هو تحليل دماء المسلمين بلا حرمة ولا دين، حتى في الأشهر الحرم، فأهملت الدعوة إلى الإسلام.
9 - في هذه الفترة من عهد خلافة علي - رضي الله عنه - من (الجمعة 25 ذي الحجة 35هـ - 17 رمضان 40هـ) أي مدة 04 أعوام و08 أشهر و22 يوما لم نعثر في المصادر المعتمدة (انظر قائمة المصادر والمراجع) وبالمسح الشامل، على ذكر علم اسمه عبد الله بن إباض، ولا عمله السياسي أو العسكري إلا في بداية السنوات الستين للهجرة - كما سيأتي في الحلقة الرابعة - إذ لا علاقة له بهذه الفتن في فترة خلافة علي (10/179)
صفحة 177
- رضي الله عنه - سواء في شيعته، أو شيعة المتمرد معاوية، أو في شيعة المعارضين. إذًا فهو مختفي مع القعدة.
10 - لم تنشأ في ذلك العهد فرقة اسمها «الإباضية»، ولا وجود لها بالتبع في شمال أفريقيا، ولم يسمعوا بعلي - رضي الله عنه - ولا بقتله حينذاك.
11 - لم يخرج على علي - رضي الله عنه - في عهده من قبيلة بني تميم - قبيلة عبد الله بن إباض - سوى أبي مريم السعدي التميمي الذي هو مولى من مواليها، وأكثر جماعته من الموالي، وليس بينهم عرب أحرار إلا ستة (06)، أتوا شهرزور وقتلوا جميعا في شهر رمضان 38هـ (الكامل لابن الأثير، ج3، ص:188)، والعبيد المعتقين هؤلاء ربما كان لديهم حنين إلى بلادهم فارس للاستقلال بأراضيهم [شهر زور سهل جميل وموضع في كردستان غرب جبال أوراما (بالعراق)].
إن هذه الضربات الموجعة والمؤلمة لعلي - رضي الله عنه - التي أتته من معاوية من الشمال (الشام) أي تأتيه من الخارج، وضربات أخرى قاسية تأتيه بين الحين والآخر من مؤيديه بالأمس من الداخل، بالتأكيد أن لها دورا فعالا في قصم ظهر علي - رضي الله عنه - وهي أكثر من ثلاثين غزوة أو خرجة، فهي لابد وأن تضعفه وتحطم معنويات جيوشه، وهو بدوره لم يبادر بأية غزوة لأراضي ما يسيطر عليه معاوية، ولم يكتشف المعارضين قبل خروجهم، ويبقى في الأخير هو المدافع فقط عن حرمة أراضي سلطانه، والنتيجة هي أن عليا قد سئم ويئس وكذا جيشه وقومه، كما هو واضح في بعض خطبه ومراسلاته التالية.
الحالة النفسية اليائسة لعلي - رضي الله عنه -، ويأسه من أنصاره في الكوفة:
نستعرض فيما يلي بعضا من خطب علي - رضي الله عنه - أو مكاتباته أو أقواله ليتبين لنا حجم انحطاط نفسيته ومعنوياته الحربية، وحالات الضغوط النفسية التي تمارس عليه إلى درجة أننا نلاحظ أحيانا أنه لا يستطيع التحكم في الموقف، وأن الآخرين من مؤيديه هم الذين يسيرون الأمور، كما في صفين وحادثة التحكيم، وما شابه ذلك ...
ظهر في خطب علي - رضي الله عنه - اليأس من قومه أهل الكوفة بعد وقعة النهروان (09 صفر 37هـ/ 17 جويلية 658م) وفي النخيلة بالضبط، وهو يريد الكرة على عدوه بالشام، ولكن قومه خذلوه، وقد وصف ذلك الأمر ابن الأثير في كامله فقال: «ولما فرغ علي - رضي الله عنه - من أهل النهر، حمدا لله وأثنى عليه، وقال: إن الله قد أحسن بكم، وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا - أي بعد قتال أهل النهروان - إلى عدوكم [معاوية وأهل (10/180)
صفحة 178
الشام]، قالوا: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قُصَدا [قطعا]، فارجع إلى مصرنا [يعني الكوفة]، فلنستعد، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا، فإنه أقوى لنا على عدونا، وكان الذي تولى كلامه الأشعث بن قيس فأقبل حتى نزل النخيلة [موقع بين الكوفة والحلة قرب بابل بالعراق]، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويواطنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم.
فأقاموا فيه أياما، ثم تسللوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالا من وجوه الناس، وتُرك المعسكر خاليا. فلما رأى [علي] ذلك، دخل الكوفة وانكسر عليه رأيه في المسير [إلى العدو]، وقال لهم أيضا: «أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدوكم، ومن في جهاده القربة إلى الله عز وجل، ودرك الوسيلة عنده حيارى، عن الحق جفاة، عن الكتاب يعمهون في طغيانهم، فاعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله، وكفى بالله وكيلا، وكفى بالله نصيرا.
فلم ينفروا، ولا تيسروا، فتركهم أياما حتى أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم، ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يبطئ بهم؟ فمنهم المعتل، ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط، فقام فيهم [أي علي] فقال: «عباد الله ما بالكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذل والهوان من العز خلقا؟ وكلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم مألوسة [اختلاط العقل] وأنتم لا تعقلون، فكأن أبصاركم كمه، وأنتم لا تبصرون، لله أنتم ما أنتم إلا أسد الشرى في الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس، أأنتم لي بثقة سجيس الليالي [أي أبدا أو بتغير لياليها] ما أنتم بركب يصال به، لعمر الله لبئس حشاش الحرب أنتم [المحش حديدة يحرك أو يوقد بها النار] إنكم تُكادون، ولا تكيدون، وينتقص أطرافكم، وأنتم لا تتحاشون، ولا يُنام عنكم وأنت في غفلة ساهون، ثم قال:
«أما بعد، فإن لي عليكم حقا، وأن لكم علي حقا، فأما حقكم علي، فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا، وأما حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في المغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب، تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون» (ج3، ص:176).
إن هذا الموقف من علي تجاه أهل الكوفة واضح اليأس منهم، فقد أدبهم، وبصرهم بأنفسهم لخذلانهم، له، وعيَّرهم بأخسِّ الصفات ت الوحشية في المواقف (10/181)
صفحة 179
الحرجة، كما أنهم قد أفصحوا عن موقفهم الحيادي فهم لم يحاربوا عليا، وأنهم لا يحاربون معاوية عدوهم في الشام، وحيادهم واضح في عللهم المقدمة: كالتكره للقتال، وإبداء العلل والتعلات الواهية ... وما إلى ذلك.
وخطبة أخرى قبل ذلك، قد ظهر فيها يأس علي من قومه حين دعاهم لجهاد عدوهم في مصر، وعلى الأخص حين قتل محمد بن أبي بكر (في 14صفر 38هـ/658م)، وقال وهو يحثهم على قتال عمرو بن العاص: أخرجوا بنا إلى الجرعة، (وهي بين الكوفة والحيرة) [أوهي بين النجف والكوفة بالعراق]، فلما كان الغد خرج [علي] إلى الجرعة، فنزلها بكرة، وأقام بها حتى انتصف النهار، فلم يأته أحد، فرجع، فلما كان العشي استدعى أشراف الناس، وهو كئيب، فقال: الحمد لله على ما قضى من أمره وقدر من فعله، وابتلاني بكم أيتها القرية التي لا تطيع إذا أمرت، ولا تجيب إذا دعوت لا أبا لغيركم ما ينتظرون بمصركم والجهاد في حقكم؟
فوالله لئن جاء الموت وليأتيني ليفرقن بيني وبينكم وأنا لصحبتكم. قال وبكم غير كثير للدد أنتم أما دين يجمعكم ولا حمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوكم ينتقص بلادكم ويشن الغارة عليكم، أوليس عجيبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة في السنة المرة والمرتين والثلاث إلى أي وجه شاء، وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على العطاء والمعونة فتفترقون عني وتعصونني وتختلفون علي، فقام كعب بن مالك الأرجي، وقال: يا أمير المؤمنين اندب الناس لهذا اليوم كنت أدخر نفسي، ثم قال: أيها الناس اتقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوه، وأنا أسير إليه فخرج معه ألفان فقال له: سر فوالله ماأظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم فسار بهم خمسا، ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري قدم من مصر فاخبره بقتل محمد بن أبي بكر وكان معه، وقدم عليه عبد الرحمن بن شبيب الفزاري من الشام وكان عينه هناك (جاسوسه) فاخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد، وملك مصر. وسرور أهل الشام بقتله، فقال علي: أما أن حزننا عليه بقدر سرورهم به لا بل يزيد أضعافا فأرسل علي فأعاد الجيش الذي نفذهم، وقام في الناس خطيبا وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلمة الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجا ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد فعند الله نحتسبه أما والله إن كان كما علمت لممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء ويبغض شكل الفاجر ويحب هدى المؤمن إني والله ما ألوم نفسي على تقصير وإني لمقاساة الحروب لجدير خبير وإني لا تقدم (10/182)
صفحة 180
على الأمر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأي المصيب وأستصرخكم معلنا وأناديكم نداء المستغيث فلا تسمعون لي قولا ولا تطيعون لي أمرا حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ولا تنقض بكم الأوتار دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجر جرتم جرجرة الجمل الأشدق وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر ثم خرج إلي منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون فأف لكم ثم نزل». (ابن الأثير، ج3، ص:180ـ181)
وخطبة أخرى ثالثة يائسة من أهل الكوفة، وقد قالها بعد وقعة النهروان (في 09 صفر 38هـ/ 17 جويلية 658م) وقال لهم موبخا ومعيرا لهم بعدم الطاعة: «منيت بمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، لا أبالكم إما تنظرون بنصركم ربكم؟ أما دين يجمعكم، ولا حمية تحمشكم (تغضبكم)! أقوم فيكم مستصرخا، وأناديكم متغوثا (واغوثاه) فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمرا، حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة، فما يدرك بكم ثأر، ولا يبلغ بكم مرام، دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم (تردد صوت البعير في حنجرته) جرجرة الجمل الأسر (وجع البعير في كركرة دبره)، وتثاقلتم تثاقل النضر (المهزول) الأدبر (قرحة الدابة)، ثم خرج إلي منكم جنيد (تصغير جند) متذائب ضعيف، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون» (نهج البلاغة، ص:121 - 122).
وخطبة رابعة قالها في أهل الكوفة لما تثاقلوا عن الخروج إلى مالك بن كعب (سنة 39هـ) لإعانته على جند الشام لما أغاروا على عين التمر بالعراق، وصعد علي المنبر فخطبهم موبخا وداعيا عليهم: «كم أداريكم كما تدارى البكار (ولد الناقة) العمدة (القرحة تشققت داخل السنام من الركوب، وظاهره صحيح)، والثياب المتداعية، كلما حيصت (خيطت) من جانب تهتكت من [جانب] آخر، كلما أطل عليكم منسر (قطعة من الجيش) من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه، وانجحر انجحار الضبة في جحرها، والضبع في وجارها (جحر الضبع)، الذليل والله من نصرتموه! ومن رمي بكم فقد رمي بأفوق (انكسار في موضع الوتر من السهم) ناصل، إنكم - والله - لكثير في الباحات (الساحات)، قليل تحت الرايات، وإني لعالم بما يُصلحكم، ويقيم أودكم (عوجكم)، ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي، أضرع إلى الله خدودكم (أذلكم عند الحاجة)، وأتعس جدودكم (الجد: الحظ)، لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل، ولا (10/183)
صفحة 181
تبطلون الباطل كإبطالكم الحق» (نهج البلاغة، ص:131).
وخطبة خامسة تشبه إلى حد كبير خطبته السابقة أوردها ابن الأثير في كامله، فقال: ولما تثاقل أهل الكوفة عن الخروج إلى مالك بن كعب (سنة 39هـ) صعد على المنبر فخطبهم، ثم قال: «يا أهل الكوفة كلما سمعتم بجمع من أهل الشام أظلكم انجحر كل امرئ منكم في بيته، وأغلق عليه بابه انجحار الضب في جحره، والضبع في وجارها، المغرور من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، لا أحرار عند النداء، ولا إخوان [ثقة] عند النجاة، إنا لله وإنا إليه راجعون» (ج3، ص:188 - 189).
وخطبة سادسة أورد ابن الأثير في كامله كذلك بالهامش، فقال: «كان خطب علي كرم الله وجهه قبل موته بجمعة يوم الجمعة، فقال: نُبئْت أن بسرًا قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم، وطاعتكم إمامهم، وخيانتكم وأمانتهم، وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم، قد بعثت فلانا، فخان وغدر، وبعثت فلانا فخان وغدر، ويبعث المال إلى معاوية لو ائتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته، اللهم سئمتهم وسئموني، وكرهتهم وكرهوني، اللهم فأرحهم مني، وأرحني منهم، ... » (ج3، ص:194).
وقيل من غير وجه أن عليا كان يقول: «ما يمنع أشقاكم أن يخضب هذه من هذه» يعني لحيته من دم رأسه.
وذكر ابن الأثير هذه الرواية التي كانت هي القضاء والقدر عليه فقال: قال الحسن بن علي - رضي الله عنه - يوم قتل علي - رضي الله عنه -: خرجت البارحة، وأبي يصلي في مسجد داره، فقال لي: يا بني إني بت أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر، فملكتني عيناي فنمت، فسنح لي [أي رأيته، أو عرض لي] رسول الله - رضي الله عنه - فقلت له: يا رسول الله ماذا بقيت من أمتك من الأود واللدد؟ (الأود: العوج، واللدد: الخصومات) فقال لي: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم من [هو] خير منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني.
فجاء ابن التباج فأذنه بالصلاة، فخرج وخرجت خلفه، فضربه ابن ملجم، فقتله» (ج3، ص:195).
هذه بعض خطب علي - رضي الله عنه - التي كان التشاؤم واليأس من أصحابه ومؤيديه واضحا وصريحا، وهي الموجهة بالخصوص لأهل الكوفة كما في نصوصها، وقد وجهها إليهم خلال عامين، وسبعة أشهر الأخيرة من إمامته، أي منذ وقعة النهروان في09 صفر 38هـ ـ إلى 17 رمضان 40هـ، ولم يوجه عشر معشارها إلى عدوه كحرب نفسية ماعدا اللعن لمعاوية وأصحابه. (10/184)
صفحة 182
وقد تحققت منها ببصيرته التي بنور الله يبصر بها في يقظته ومنامه، جميع تنبؤاته وتوقعاته تقريبا، وكانت نهايته على يد أشقاهم ابن ملجم أحد أصحابه الذين أحسن إليهم علي - رضي الله عنه - في الكوفة، ومصر، والذي كان أصله من اليمن، وعاش في الكوفة ومصر، فغدر به لعنه الله بمؤامرة سرية خفية حتى عن المعارضين لعلي - رضي الله عنه - التي فوجئوا بها، ومعظمهم استنكرها لبشاعتها وغرابتها عن الدين والعرف الإسلامي.
خلاصة واستخلاص:
من خلال تحليلنا لهذه الحلقة وما تضمنته من أحداث دموية، وحيل ماكرة لا تمت بصلة إلى الدين الإسلامي، وحرب نفسية التي أدت إلى انحطاط معنويات سيدنا علي - رضي الله عنه - وقومه ومؤيديه أهل الكوفة وقد حصرناها في ثلاثة عوامل أساسية بارزة، غزوات معاوية المتكررة لمملكة وأراضي حكم علي - رضي الله عنه - وخروج المعارضين له بين الحين والآخر، وخطبه البائسة المحطمة لمعنويات قومه ومؤيديه، وهي المقوضة لإمامته وحكمه، والتي أدت إلى قصم ظهره واغتياله غدرا، فتحول الحكم إلى معاوية غصبا عن الجميع، وبجميع الحيل والمخادعات ـ ظنا من البعض أنها دهاء وهي بالعكس خيانة وضعف في حصانة الرأي ـ بدءا من تمرده عن بيعة علي - رضي الله عنه -، مرورا بوقعة صفين، وما تضمنها من رفع المصاحف، والمعاهدة الواهمة، ومخادعة أبي موسى الأشعري الموثوق فيه ـ والضغط على علي - رضي الله عنه - بأساليب تنقصها النوايا الحسنة، وبذلك تمت مبايعة أهل الشام لمعاوية (مبايعة صغرى) ـ
وحين ذلك أستأنس معاوية بالقوة، والقدرة على السيطرة على الحكم في الشام ومصر والعراق، وتنحية علي - رضي الله عنه - من إمارته وإمامته بالقوة أو بالإقناع، فبدأ منذ ذلك الحين بإرسال سرايا لغزو مناطق نفوذ سلطان علي - رضي الله عنه - في خلافته، بدءا بغزو مصر بقيادة عمرو بن العاص، وقتل محمد بن أبي بكر، وحرقه في جوف حمار ميت، وإرسال عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة، فلم يفلح في استمالة أهلها إلى حكم معاوية المغتصب وقد بلغ عدد غزواته إلى أطراف العراق، والجزيرة واليمن أكثر من خمسة عشر (15) سرية، وأصبح علي - رضي الله عنه - تجاهها مدافعا للغزاة، وتقلصت رقعة حكم علي من جميع أطرافها، كما ذكر علي - رضي الله عنه - نفسه في خطبه ورسائله إلى أن أصبح محصورا في الكوفة، وبعض أطراف فارس والجزيرة
أما الغزوة التي أثارت حقد ابن ملجم على علي - رضي الله عنه - ومعاوية معا، هي غزوة معاوية لمكة بقيادة يزيد من الشجرة الرهاوي (في ذي الحجة سنة 39هـ) الذي (10/185)
صفحة 183
يريد أن يلحد في الحرم بسبب ضعف قثم بن العباس عامل علي عليها وحين شهد ذلك الصراع المرير - وفي مشاعر الحرم - حين ذاك قرر ابن ملجم وصاحبيه التخطيط سرا لقتل معاوية وعلي - رضي الله عنه - وعمرو بن العاص في العام المقبل في 17 رمضان سنة 40هـ ليريحوا الناس من مشاكلهم، كما يظنون، وكان السبب الأساس في كل ذلك هو تمرد معاوية وجرأته على علي - رضي الله عنه - وقد توالت الضربات والجراحات والجرأة والاستبداد والاستهانة بسياسة علي - رضي الله عنه - بعد وقعة صفين واستفحال لعن أحدهما الآخر أمام الملأ وفي الجُمَع، وقويت شوكة معاوية، وعمرو بن العاص وهو ما شجع انشقاق وتمرد أتباع علي - رضي الله عنه - عليه، الذين كانوا بالأمس يناصرونه، فأصبحوا بعد التحكيم خصومه ومضادين له ولسياسته، وأعداء يقارعونه بالسلاح، وقد توالت الخرجات عنه وسموهم خطأ بالخوارج واستحلوا دماءهم والله أعلم بحقيقة الفتوى، وق بلغ عدد خرجاتهم في عهده أكثر من ثلاث عشرة خرجة، وكلهم يقتدون - في عهده - بتمرد معاوية بالشام على علي - رضي الله عنه -، واستقطاع الأراضي ومدن خاصة بهم للسيطرة على الخراج والزكاة تحت ادعاءات متلونة تارة دينية، وأخرى تسلطية أو اقتصادية أو عنصرية .... وما إلى ذلك.
ومن الوقائع التي أثارت حقد بعض المعارضين من أصحاب علي هي وقعة النهروان التي انتقم فيها على انفصال أصحابه عنه لعدم الرضى بنتائج التحكيم التي هي الأسفين الأساس للتفرقة والانشقاق، بعد تمرد معاوية على علي - رضي الله عنه - في الشام.
ومما أنجر عن ذلك كله سواء من غزوات معاوية المتمرد، أو من قبل المعارضين لسياسة علي - رضي الله عنه - على أصحابه وزاد الطين بلة، ولوحدة المسلمين بلبلة وانشقاقا وتفرقة هو سأم قوم علي وكرههم القتال المستمر بدون هوادة، وتثاقلهم لمواجهة إخوانهم المسلمين، وذلك ما أثار حفيظة علي - رضي الله عنه -، فأصبح أسلوب مراسلاته وخطاباته الموجهة أصلا لأهل الكوفة المتثاقلين للحرب يعتمد على توبيخهم وإذلالهم وإهانتهم - ولم يوجه بعض ذلك لعدوه - ويسلط عليهم في كل موقف حرب بعد صفين كل أنواع الحط من الكرامات، وأوصلهم إلى حضيض اليأس، فكرههم وكرهوه، ويئس منهم ودعا عليهم الله أن يسلط عليهم من هو شر منه، كما نلاحظ في نموذج خطبه ورسائله.
فتداعت الضربات تلو الأخرى على ما بين المطرقة والسندان إلي أن كانت الضحية هي رأس علي - رضي الله عنه -، أي تولدت عن كل تلك الصراعات التخطيط (10/186)
صفحة 184
لقتل علي - رضي الله عنه - منذ ذي الحجة 39هـ إلى أن وقعت الفاجعة عليه في 17 رمضان 40هـ، كما سيأتي وصفها في الحلقة الموالية.
الحقائق والعبر:
ومن الحقائق السابقة يمكن لنا أن نستنبط منها عبرا تاريخية، وفوائد مهمة لها وزنها في دحض كثير من الشائعات والخرافات المغرضة من خلال تلك الأحداث والضربات الثلاثة لعلي:
1 - غزوات معاوية لعلي.
2 - خروج المعارضين لعلي بعد التحكيم.
3 - التوبيخ والحط من كرامة مؤيديه المتثاقلين بخطبه نحصر تلك الخرافات المغرضة والعبر في النقاط الموجزة التالية:
1 - لم يرد على لسان المؤرخين في مصادرهم الأولى التي اعتمدناها في هذا البحث بكاملها في فترة خلافة علي - رضي الله عنه - إلى ما بعد أن اغتيل ولا كلمة واحدة، ولا إشارة إلى أن عبد الله بن إباض موجود في أحداثها المريرة، ولا يمكن لأحد أن يتجرأ على اختلاقه جبرا، أو افتعال وجوده في اي مكان إلا أن يكون ذلك زورا وافتتانا متعمدا.
2 - إباضية المغرب (الجزائر) في فترة إمامة علي - رضي الله عنه -، لم يسمعوا به فهم لا زالوا في رحم التاريخ على الوثنية (أمازيغ) وليس حتى النصرانية ولم يعتنقوا مذهب ابن إباض إلا في بداية الدولة العباسية في خلافة أبي عباس عبد الله بن محمد (السفاح) حكم من 13 ربيع1 سنة 132هـ - إلى 13 ذي الحجة سنة 136هـ، وبعد ظهور سلمة بن سعد بالمغرب خلال 135هـ أي بعد اغتيال علي بحوالي 94 سنة و06 أشهر، أو حوالي قرن و20 عاما من ظهور الدولة الرستمية بتيهرت في 160هـ/ 777م.
3 - الصراع المسلح المستمر بين المتخاصمين يؤدي حتما إلى تحطيم، وانكسار أحدهما، ولو بالخديعة.
4 - الصراع السياسي للغلبة فيه، ليس أساسه الإنسانية، أو الأخلاق والدين بقدر ما يكون لاستخدام العقل والفكر، والحيل دور فيه للخروج من مأزق الحرب.
5 - الشعب والجند لهم موازين المصلحة الخاصة في التأييد أو المعارضة للقائد، والتحول من موقف مؤيد إلى موقف معارض بمجرد ظهور مصلحة ولو لشخص واحد موجه.
6 - كل صراع مسلح إلا تنتهك فيه الأعراض وتباح فيه الدماء والأموال، ويختلط فيه الحلال بالحرام والحق بالباطل. (10/187)
صفحة 185
7 - في الصراعات المسلحة يغيب استعمال الفكر والمنطق لخيارات أخرى مريحة بدل القوة والغلبة.
8 - قد يكون التفاهم على اقتسام كل شيء بين المتخاصمين من البداية عند تساوي القوة أفضل بكثير من الصراع المسلح والدموي الحاقد.
9 - في بعض المواقف الحاسمة يكون استبصار القائد للأفضلية أولى من سماع الآراء الحكيمة من الجند والعامة، كما حدث لأبي موسى الأشعري، وجلبه على الأمة في قضية التحكيم على علي وأتباعه، فهل لا يوجد خير منه بصورة قاطعة؟
10 - حسن النوايا في الخصم غفلة في القائد، وخطوة أولى للهزيمة والغلبة.
11 - في كل معسكر حرب توجد جواسيس مدسوسة لتوجيه دفة الحرب لصالح المعسكر الخصم.
قائمة المراجع
1 - ابن الأثير أبو الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني (ت 630هـ/ 1234م)، الكامل في التاريخ، ج3، ط6، دار الكتاب العربي، بيروت.
2 - ابن كثير (701 - 774هـ)، البداية والنهاية، ج8، ط1، دار ابن الهيثم، القاهرة.
3 - عامر النجار، الإباضية ومدى صلتها بالخوارج، ط1، 1993، دار المعارف، مصر.
4 - علي بن أبي طالب (ت 40هـ)، نهج البلاغة، ط 1989، مكتبة رحاب، الجزائر.
5 - علي يحيى معمر، الإباضية في موكب التاريخ (الإباضية في الجزائر)، ج1 و2، ط1، 1985، المطبعة العربية، الجزائر.
6 - محمد الخضري بك (1956)، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية، ج2، ط7، مطبعة الاستقامة، القاهرة.
7 - محمد رضا، الإمام علي بن أبي طالب، ط 2005، دار الكتاب العربي، بيروت. (10/188)
صفحة 186
نظرات في عوائق
انتشار الفكر الإباضي
أ/ سناء مهنِّي الباروني
المعهد العالي للدراسات التطبيقية
في الإنسانيات ــــ الكاف ــــ تونس
ف
في الوقت الذي يتزوَّد فيه القارئ بحظّ وفير من الدراسات والبحوث حول الفكر الاعتزالي أو الفكر الأشعري أو الفكر الماتريدي أو غيرهم من تيّارات الفكر الإسلامي، وفي حين يتخصَّص الكثير من الباحثين في استكناه أفكار متكلّمي الفرق الإسلاميّة بعد أن تركوا آثارهم ومصنَّفاتهم تشهد على ثراء فكرهم وعلى مصداقيَّة تاريخهم وشفافيَّته، يلاحظ الواحد منَّا باستغراب وحيرة معا، تخلّف ركب الفكر الإباضي عن الظّهور بقوَّة في حلبة التيَّارات الفكريَّة الأخرى. إذ نكاد لا نجد في المدوَّنة الكلاميَّة في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة مادَّة تبوِّب علم الكلام الإباضي مكانة في الرؤية العقديَّة كالتي بوَّبتها لعلم الكلام الاعتزالي أو الأشعري أو غيره. وقد كان يَهُونُ هذا التقصير في ميدان الإجلاء عن أصحاب هذا الفكر وعن رصيدهم الفكري والمعرفي لو وُجِد على الأقلِّ اعترافٌ موضوعيٌّ للكيان الإباضي كيانا فكريًّا ومذهبيًّا مستقلاّ، وفهم دقيق لمنطلقاته الفكريَّة يرتبط بإدراك حقيقة جذوره التاريخيَّة. ولكنَّ جوهر القضيَّة يكمن في أنَّ المعرفة بالجموع الإباضيَّة قد اقتصرت على ما جاء في كُتب الملل والنِّحَل، وأخذت بما جاء على لسان من صنَّفوا في الفرق وتاريخها (1) دون
__________
(1) 1 - نذكر مصدرين من أهمّ المصادر الّتي أرّخت للإباضيّة:
* أبا الحسن الأشعري (ت 324/ 935): "مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين". تحقيق محمّد محي الدّين عبدالحميد. ط 2 مكتبة النهضة المصرية 1389/ 1969. ج1/ 183 – 206 – 207.
* محمّد بن عبد الكريم الشّهرستاني (479 - 548/ 1086 - 1153): "الملل والنّحل". تحقيق سيّد كيلاني، دار المعرفة بيروت لبنان 1404 ـ 1984. ج1/ 114 - 115 - 134 - 136. (11/189)
صفحة 187
البحث والاستقصاء من صميم الواقع الإباضي ومصادره التّاريخية والثّقافية، ممّا جعل المعرفة بأصول الإباضيّة معرفة تقريبيّة قد صدقت في مواطن ولم تصدق في أخرى. ولعلّ هذا المنهج في التّأريخ الّذي قامت على أساسه المعرفة بالفرقة الإباضيّة، قد جعل أصحاب هذه الفرقة اليوم يكابدون المشّاق لتحويل وجهة المؤرّخين صوب المصادر الإباضيّة حتّى تُستبعد المواقف المعياريّة تجاههم، لاسيّما تلك الّتي حشرتهم في زمرة الخوارج.
ورغم أنّ مذهب الفرقة الإباضيّة كان أوفر حظّا من مذاهب كُتب عليها قدر الاندثار والغياب كمذهب الأوزاعي (88 ـــ 157/ 706 ــــ 774) مثلا، فإنّ ما يدعو إلى التّساؤل هو أن لا يوجد لهذا المذهب المعمول به ما يزيد على الأربعة عشر قرنا نشاط كاف يوفّر أطر الوقوف عند أصوله ورجاله وتراثه الفكري والحضاري.
وإذ كان الإباضيّة من أصحاب المذاهب المدوّنة، وكان مذهبهم الّذي شرّق وغرّب قد دُوّن منذ غدا التّدوين وسيلة من وسائل حفظ العلم ورعايته، فإنّ تراث هذا المذهب لم يجد إشعاعا كافيا، كما أنّ خفوتا غريبا شهدته مقالات الإباضيّة في أعمال الباحثين المعاصرين إذا مااستثنينا رجال المذهب. ... ولا نقصد بما قلناه انعدام البحوث والكتابات عن المذهب الإباضي، فقد وجدت بحوث أكاديميّة متنوّعة وعلى درجات مختلفة (1) اضطلع بها أصحابها رغم تباين شرائح الانتماء والاختصاص لديهم. ولعلّ أهمّيتها وجدواها في التّعريف بالفكر الإباضي تعود إلى ارتباطها بمصادره وجعل المعرفة به في
__________
(1) -نذكر علي سبيل المثال:
* عبد المجيد بن حمدة: المدارس الكلامية بإفريقيّة إلى ظهور الأشعريّة: أطروحة دكتورا دولة في العلوم الإسلاميّة الكليّة الزيتونيّة تونس 1984.
* العربي بن ثائر: رسالة صولة الغدامسي في العقيدة وردّ أبي العبّاس الشمّاخي عليها. شهادة الكفاءة في البحث كليّة الآداب بمنوبة تونس 1991.
* ونّيس بن الطّاهر بن عامر: تحقيق كتاب شرح الجهالات لأبي عمّار عبد الكافي (ق6هـ). (11/190)
صفحة 188
حاجة دوما إلى أن تمرّ عبر معرفة تراثه باعتباره أداة استكناه الحقيقة الموضوعيّة لأسسه ومضامينه.
1 - وأوّل ما قد يلوح لنا عائقا أمام إشعاع الفكر الإباضي، هو أنّ كثيرا من رجال البحث وروّاد الفكر قد ظلّ تصوّرهم للإباضيّة محصورا كلّيا أو جزئيّا بكتلة الخوارج. والخوارج بمختلف فرقهم (1) وإذ كان لهم مجال شاسع في مصنّفات الملل وحظّ الاهتمام الوافر من قبل المؤرّخين، فإنّ كلّ ما كتب عنهم يقصر عن أن يكون المفتاح الرّئيسي لإدراك منابت الفكر الإباضي ونواميسه، وفهم محرّكات أصوله في نسيجها المتفاعل مع الأحداث التّاريخية والسّياسيّة (2).
وقد كانت تلك الأحداث من أدقّ الضّوابط المحدّدة لحقيقة الوجود الإباضي وانبثاقه واقعا و فكرا. ولمّا كان العامل الدّيني – السّياسي في التّأريخ للإباضيّة ثابتا لا مناص منه، فإنّ الموقف المتدعّم إجمالا وهو القائل بخارجيّة الإباضيّة يعاكس المنزع السّياسي الّذي قامت عليه حركة هذه الجموع. ولعلّ في ذلك التّعاكس ما يجعل الموقف ينتقض من وجهة نظر التّاريخ والسّياسة والدّين.
2 - و يغدو على هذا الأساس أخطر ما يعوق فهم الفكرالإباضي على حقيقته وإعطائه من الاستقلاليّة والخصوصيّة ما يستحقّ هو على وجه التّحديد ما لابسه من خلط الحقائق وتحريف التّّّّّّّاريخ، تولَّّّّّدت عنهما جملة من المشاكل والمضائق أرهقت الجموع الإباضيّة فاستنزفت طاقات أصحاب الفكر منهم لإماطة الانتساب الخارجيّ عنهم
تمييزا لعقيدتهم عن عقائد الخوارج وماقامت عليه من مبادئ وأصول متعسّفة (3) وقطعا لذرائع الاستهجان والاتّهامات بالتّكفير والمروق. فلا مناص حينئذ من مراجعة حركة الفرقة الإباضيّة، السّلطان عليها مصادر الإباضيّة أنفسهم، وذلك بتعقّّب السّيرورة التّاريخيّة والسّياسيّة الّتي تخلّلت الوجود الإباضي.
__________
(1) -انظر الشّهرستاني: الملل والنّحل: ج1/ 118 - 122 - 125 - 128 - 131 - 138.
(2) -نقصد بالأحداث التّاريخيّة والسّياسيّة أحداث " الفتنة الكبرى"
(3) -ممّا قامت عليه عقيدة الأزارقة (نسبة إلى نافع بن الأزرق ت65/ 684) على سبيل المثال: إباحة قتل أطفال المخالفين ونسائهم، تكفير القعدة عن القتال، وتكفير مرتكب الكبيرة كفر ملَّة وإخراجه عن دائرة الإسلام ... (11/191)
صفحة 189
فأن يلتزم المؤرّخ في تأريخه وتعريفه بأيّ جماعة ما استقراء مدوّنتها ومصادرها فذاك موقف منهجي. أمّا أن يتحسّس نواميس الانتماء من مواقف اضطراريّة هي في الحقيقة ردود فعل على مواقف أولى ليعتبرها خروجا عن جماعة المسلمين (1)، فذاك موقف معياري. ومن ثمّ يكون خليقا بهذا الموقف أو هذه المقولة الّتي تدّعي للإباضيّة في الخارجيّة نسبةً، أن تتهيّأ بذاتها لأن تناقش وتُنقض.
3 - والسّبب الثّالث الّذي ساهم في خفوت الفكر الإباضي في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة المعاصرة ولاسيّما في أوساطنا العلميّة والثقافيّة، اطّراد الظنّ بأنّ الفكر الإباضي إنّما يستمدّ مبادءه وربّما شرعيّته من فكر الفرق الأخرى وعلى رأسها الفكر الاعتزالي (2). ولئن كانت العلوم الشرعيّة وعلى رأسها علم أصول الدّين وعلم الفقه من المجالات التّي بها تتميّز فرقة عن فرقة ومذهب عن مذهب، فإنّ الإباضيّة قد اختصّوا في نفس الوقت بأصول عقديّة وفقهيّة جعلت فكرهم على صعيد المبدإ والإجراء مستقلاّ وطريفا في خصوصيّة مقالاته سيّما بعد أن تمرّس أصحابه في الجدل والحجاج وتعمّقوا في النّظر والاستدلال، فكانت لهم مناظرات ورسائل عديدة (3). وليس من شكّ في أنّ اتّفاق بعض أصول العقيدة الإباضيّة مع أصول الفكر الاعتزالي والأشعري أو أنّ التّكرار لبعض الأصول ومحاكاة بعض الأنساق الكلاميّة بعضها لبعض، يدّلان على أنّ علم الكلام قد استقرّ
__________
(1) -نشير هنا إلى موقف المحكّمة من عليّ حينما قبل التّحكيم.
(2) -واصل بن عطاء (ت 131/ 748) وعمرو بن عبيد (ت 144/ 761): هما المؤسّسان الأوّلان لمذهب الاعتزال. وقد نما الفكر الاعتزالي في القرنين الثّاني والثّالث للهجرة, وتبلورت أصوله الخمسة, وهي التّوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين, والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. ر القاضي عبد الجبّار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ط 2 تحقيق فؤاد سيّد, الدّار التّونسيّة للنّشر المؤسّسة الوطنيّة للكتاب, الجزائر 1986. 229 ر, فصل " معتزلة". دائرة المعارف الإسلاميّة باللّغة الفرنسيّة. الطبعة الجديدة م 7/ 789.
(3) 3 - ذكر هذه الرّسائل المبرّد في كتابه "الكامل في اللّغة والأدب". مكتبة المعارف بيروت, ج2/ 176 - 180. (11/192)
صفحة 190
على سنن مشتركة ألّفت تراثا منسجما.
ولكن لا مناص من الإقرار موضوعيّا بأنّ الإباضيّة قد عملوا على تقعيد أصولهم وفق منطقات ومنهج مغايرين لمنطلقات بعض الفرق الأخرى ومنهجها، وأنّ جهدهم وتميّزهم قد تجلّيا في قدرتهم على تقنين المقالات وإخراجها إخراجا جديدا يلائم فكرهم.
4 - وإلى ما سلف من علل خفوت الفكر الإباضي بحثا ودراسة، ينضاف سبب ظرفي هو من أعراض الإمكانيّات الماديّة، يتمثّل في أنّ قلّة البحوث حول الفكر الإباضي أو حتّى إحجام البعض عن ذلك قد يعود أو هو بالفعل عائد إلى بقاء المؤلّفات الإباضيّة مغمورة في خزائن أصحابها بعيدة عن متناول القرّاء. وقد يكون من دوافع هذه الظّاهرة شكل تلك المصنّفات، إذ لا يزال أغلبها مخطوطا ومايقتضيه شكل المخطوط من شروط الاستعمال وما يستوجبه من عناء للنّفاذ إلى جوهره وفتح أقفال لبسه، قد يعسّر عمليّة البحث والدّراسة وقد يُحجم الدّارسين عن الإقدام عليها.
وآخر ما يحضرنا من عائقات إشعاع الفكر الإباضي ولعلّه أقوى الأسباب اقترانا بموضوعنا، اطّراد الظّن بأنّ علم الكلام الإباضي لا يعدو أن يكون شذرات آراء مبثوثة هنا وهناك، وفي هذا الظنّ إجحاف بعلم الكلام الإباضي وبأهله وماخلّفوا. فالرّصيد الكلامي الّذي بقي للإباضيّة اليوم في نوعه وعدده على غير ما قد يُظنّ به من افتقار إلى أسس منهجيّة، ومن ضمور الزّاد التّحليلي والتّأليفي والتّنظيري فيه، وكلّ ما من شأنه أن تتركّب عليه بنية علم الكلام.
والمتأمّل في ذلك الرّصيد سواء ماتحتضنه منه المخطوطات أو المطبوعات، يدرك أنّ عزوف المختصّين من الباحثين أو غفلة الدّارسين عمّا كتبه علماء الكلام من الإباضيّة في مباحث هذا العلم وقضاياه، حيف فكريّ قد يُحدث يوما لو تواصل أو تضاعف، قطيعة معرفيّة يعسر بعده رتقها.
- - - (11/193)
صفحة 191
القانون الجديد المتعلق بعمليات التحقيق العقاري وتسليم سندات ملكية
لمن يحوز عقارا ــ أرضا أو حقلا أو مسكنا ــ بدون عقود
الدكتور: صالح بن عبد الله أبو بكر
أستاذ العلوم القانونية ـــــــ نائب بالبرلمان ــــ الجزائر
و
ورثت الجزائر بعد الاستقلال, تركة صعبة وثقيلة, من الأراضي, والعقارات, العمرانية, والزراعية, والصناعية, والسياحية, بدون سندات الملكية, مما عقَّد التعامل في سوق العقار (1) , وعطَّل التنمية كلها, والعقار ملك مقدَّس لدى كل الحضارات, به تُصنَّف طبقات المجتمع, كما عاشت أوروبا قرونا سمِّيت بعهد الإقطاع (2).
وإثبات الملكية العقارية, وتنظيمها يشكِّل عائقًا رئيسيًّا, وإشكالا عويصًا, يواجه السلطات الإدارية, والقضائية, في تنظيم الملكية العقارية, وتسوية المنازعات المثارة بشأنها (3) , وتنظيم سوق العقار آلية ضرورة, من آليات التنمية, في كل الدول, وتوفير سندات الملكية للعقارات, تضمن استقرار المعاملات, وبثِّ الثقة بين المتعاملين, و بها تبسُط الدولة رقابتها, على كلِّ التصرفات التي تحدث على العقار, ومنها تحصل على موارد مالية مهمَّة (4).
ورغم أنَّ القانون يعترف بالحيازة المادية على العقار ( La Possession) الذي لا مالك له, وهي وضع مادي به يسيطر الشخص سيطرة فعلية على شيء يجوز التعامل فيه, أو يستعمل
__________
(1) -العقار هو كل شيء مستقر بحيزه ثابتة فيه لا يمكن نقله منه دون تلف مثل الأرض للزراعة أو البناء أو الفضاء أو المناجم والمحاجر والمباني من دور وعمارات والنبات من أشجار ونخيل, د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج 08، ص 19.
(2) -د. عبد الرزاق السنهوري, م س, ج08 ص 479.
(3) -أ. عبد الحفيظ بن عبيدة, إثبات الملكية العقارية والحقوق العينية العقارية, في التشريع الجزائري, ص03.
(4) -أ حمدي باشا عمر , حماية الملكية العقارية الخاصة , ص 13. (12/194)
صفحة 192
بالفعل حقًّا من الحقوق, فتجوز حيازة الحقوق العينية, كحق الانتفاع, وحق الارتفاق, وحقوق الرهن المختلفة, كما تجوز حيازة الحقوق الشخصية (1).
وقد اعترف المشرِّع الجزائري بأنَّ من حاز منقولا, أو عقارًا, أو حقا عينيا, منقولا كان أو عقارا, دون أن يكون مالكا له, أو خاصا به, صار له ذلك ملكا, إذا استمرت حيازته له مدة خمسة عشر سنة, بدون انقطاع (2) , طبقا للمادة 827 ,من القانون المدني, التي تنصُّ على أنَّ الحيازة هي: وضع اليد على عقار, مع مرور مدَّة التقادم المكسب للملكية, فيؤدي إلى امتلاك واضع اليد لذلك العقار, ووضع اليد هنا واقعة مادية, يُرتِّب عليها القانون أثرًا وهو كسب الملكية العقارية (3). والقانون يحمي الحيازة ذاتها, ولو كان الحائز غير مالك (4) , كما لو أنَّ مهدد الحيازة هو المالك الأصلي فلا يجوز له اغتصاب الحيازة بالقوة وسلبها ممن حازها بالشروط القانونية.
كما أنَّ المشرع الجزائري اعترف بالعقود العُرفية, بقيود وشروط, لكي تكون حجَّة للإثبات, وهي العقود العرفية الخاصة بالعقارات, التي يملكها الأشخاص أي الخواص, بصفة فردية أو جماعية, من نوع الملك أو ما كان يسمى بالعقارات الإسلامية, أثناء الاحتلال الفرنسي, أي العقارات التي يملكها الجزائريون, بدون عقود رسمية, ولم يتملكها المعمِّرون الأوروبيون من قبل, والتي كانت تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية, والقواعد العرفية (5).
ولثبوت الحيازة, يشترط قانون الإجراءات المدنية والإدارية, أن تكون الحيازة على العقار هادئة, وعلنية, ومستمرَّة, لا يشوبها انقطاع وغير مؤقَّتة, دون لبس, واستمرت لمدة سنة على الأقل, وبهذه الشروط يمكن للحائز أن يرفع دعوى الحيازة للتثبيت الحيازة (6) , وحماية الحائز من أي اعتداء, أساسه من النظام العام, حتى لا تسترجع الحقوق بالقوة, والحائز يغلب على العامة اعتباره هو المالك,
__________
(1) -د. عبد الرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, ج09 م02 ص 783.
(2) -المادة 827 من القانون المدني الجزائري.
(3) -أ. جمال بوشنافة, شهر التصرفات في التشريع الجزائري ,ص 229.
(4) -د. عبد الرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, ج09 م02 ص 790.
(5) -أ. عبد الحفيظ بن عبيدة, إثبات الملكية العقارية والحقوق العينية العقارية, في التشريع الجزائري, ص79.
(6) -المادة 524 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية. (12/195)
صفحة 193
حتى يثبت العكس (1)، وبعدها إذا لم ينازعه أحد ما لم تعترض عليه الجهات الإدارية, من البلدية, و أملاك الدولة, ومديرية الشؤون الدينية الحارسة للأوقاف العامة, يمكنه أن يحصل على سند الملكية ( Titre) عن طريق عقد الشهرة.
وعقد الشهرة الذي تعوَّد عليه الناس منذ سنوات, هو تطبيق للمادة 728 من القانون المدني, أي الطريقة العمليَّة, للحصول على عقد الملكية, لمن تملَّك عقارا من أسلافه, دون أي سند, أو حاز عقارا ودامت حيازته 15 سنة على عقد يسمَّى عقد شهرة, تطبيقا للمرسوم 83\ 352, الصادر في 21/ 05/1983, ولكن عقود الشهرة التي كان يحرِّرها الموثقون بناء على تصريحات المواطنين, والتي تقوم مقام عقود الملكية, بشروط منها إجراءات (2) التبليغ للبلدية, وأملاك الدولة, والنشر على صفحات الجرائد, والتعليق على لوحة الإعلانات بالبلدية, لتلقي الاعتراضات ممن يهمه الأمر.
أفرزت تلك الطريقة البسيطة التي استمرت 24 سنة من 1983 إلى 2007 مشاكل كثيرة, واغتصاب كثير من الأراضي, بالتواطؤ مع بعض رجال الإدارة, والتحايل في طرق النشر, والتعليق, فثارت نزاعات كثيرة, حول عقارات يملكها أصحابها, بعقود صحيحة استولى عليها أشخاص في غفلة منهم, واستفادوا بعقود شهرة, وهذا ما جعل المشرِّع يُوقف العمل بالمرسوم التنفيذي رقم 352/ 83, المتعلِّقة بإثبات التقادم المكسب, وإعداد عقود الشهرة، وحل محله قانون التحقيق العقاري 07\ 02 الجديد موضوع مقالنا هذا.
صدر قانون التحقيق العقاري, بتاريخ 27 فيفري 2007 رقم 07/ 02 المتضمِّن تأسيس إجراء لمعاينة حق الملكية العقارية و تسليم سندات الملكية العقارية, عن طريق تحقيق عقاري. ويمكن الإطلاع على قانون التحقيق العقاري بالجريدة الرسمية رقم 75 الصادرة بتاريخ 27/ 02/2007.
وبالرجوع إلى المادة 04 من نفس القانون, التي تنصُّ على أنه يمكن لأيِّ شخص طبيعي أو معنوي, يمارس حيازة على عقار سواء بنفسه, أو بواسطة شخص آخر أن يطلب فتح
__________
(1) -د. عبد الرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, ج09 م02 ص 830.
(2) -أ. عبد الحفيظ بن عبيدة, إثبات الملكية العقارية والحقوق العينية العقارية, في التشريع الجزائري ص , 102. (12/196)
صفحة 194
تحقيق عقاري لمعاينة حق ملكيته, وتسليمه سند ملكية .... (1).
وسوف تفتح عمليات التحقيق العقاري, وتنطلق العملية في كلِّ ولايات الوطن والمناطق, التي لم يمسَّها مسح الأراضي, وقد تكون عمليات التحقيق فردية, أو جماعية بواسطة الوالي, وتبدأ العملية بطلب يوجهه طالب التحقيق إلى مدير الحفظ العقاري الولائي, مصحوب بمخطط طبوغرافي و بطاقة وصفية, مُعدَّان من طرف مهندس خبير عقاري.
حيث يمكن للأفراد الطبيعيين في حالة تحقيق فردي, أو للوالي في حالة تحقيق جماعي طلب فتح تحقيق عقاري للحصول على سند ملكية يمضيه المحافظ العقاري المختص إقليميًّا, بناء على مقرر الترقيم العقاري المشهر, الذي يصدره مدير الحفظ العقاري الولائي, على إثر النتائج الإيجابية للتحقيق العقاري, ويمنح لها ترقيم مؤقت لمدة 04 أشهر بالنسبة للعقارات التي ليس لمالكيها سندات ملكية, بل مارسوا عليها الحيازة لاكتسابها عن طريق التقادم المكسب (2).
ويمكن لطالب التحقيق أن يكون بحوزته وثائق عرفية, تثبت حيازته للعقار لمدة أكثر من 15 سنة كوصل كهرباء, أو أية وثيقة, من شانها إثبات الحيازة.
هذه العملية تخصُّ الأملاك العقارية التي ليس لها سندات ملكية أو التي فقد أصحابها سندات ملكيتهم, والتي لا تنتمي إلى الأملاك الوقفية أو لأملاك الدولة أو الأملاك المسماة سابقا عرش. ويتمُّ فتح تحقيق عقاري بصفة فردية, في أي وقت يطلبه المواطن, أي أنه ليس له آجال محدَّدة (3).
وتتطلَّب عملية إعداد وتسليم سند الملكية, عن طريق إجراء التحقيق العقاري, المتضمِّن المعاينة العقارية للحائزين، والاعتراف لهم بالتملُّك على أساس التقادم المكسِب, الذي ينظمه القانون المدني, كطريق من طرق اكتساب الملكية (4) , وبتدخل مدير الحفظ العقاري الولائي, والمحافظ العقاري, كُلاًّ في حدود اختصاصه, للقيام بعملية الترقيم العقاري, والشهر وإعداد وتسليم السند, الذي يخضع وجوبيا إلى إجراءات التسجيل, والشهر, باعتباره أساسا للترقيم الأولي بالسجل العقاري, ليكمل به عملية مسح الأراضي.
لقد استحدث المشرِّع الجزائري إجراء فتح تحقيق عقاري, لمعاينة حق عقاري من أجل أن يجعل الملاك للأراضي أكثر اطمئنانا, وأمنا, واستغلالا لعقاراتهم, والتصرُّف فيها كما يشاؤون. وقد جاء ذلك الإجراء, بغرض تمكين أصحاب العقارات من سندات, تثبت حقهم في ملكيتها, والتصرُّف فيها، علما أنَّ العقارات بدون سندات تمثل نسبة 98% من كامل العقارات على المستوى الوطني.
وتخص عملية التحقيق حالتين أساسيتين:
الحالة الأولى:
تقوم مقام الإجراءات المنصوص عليها بالمرسوم التنفيذي رقم 352/ 83 الملغى بموجب أحكام هذا القانون, والمتعلقة بإثبات التقادم المكسب, وإعداد عقود الشهرة، ففي هذه الحالة يصبح تسليم سند الملكية, من اختصاص الدولة, وبموجب تحقيق عقاري.
الحالة الثانية:
فتخص العقارات المحرر بشأنها سندات ملكية قبل سنة 1961 والتي تغيرت من ناحية طابعها القانوني.
شروط العقار الخاضع للتحقيق:
1 - ضرورة وقوع العقار محل التحقيق العقاري في منطقة غير ممسوحة.
2 - يجب أن لا يعارضك أي شخص آخر أمام لجنة التحقيق, ولإثبات ذلك يستحسن أن يكون الشهود على التحقيق العقاري هم نفسهم المجاورون للعقار. وكلما ثار نزاع حول العقار أو حدود أغلق ملف التحقيق, وأرسل الأطراف إلى العدالة للفصل في النزاع.
3 - أن لا يكون العقار ضمن الأملاك العمومية العامة أو الخاصة ولا من الأملاك الوقفية.
في حالة النتائج السلبية للتحقيق:
كأن لا تثبت الحيازة أو أن
__________
(1) -المادة 04 من قانون التحقيق العقاري بتاريخ 27 فيفري 2007 رقم 07/ 02 المتضمن تأسيس إجراء لمعاينة حق الملكية العقارية و تسليم سندات الملكية العقارية عن طريق تحقيق عقاري.
(2) -أ. جمال بوشنافة, شهر التصرفات في التشريع الجزائري , ص136.
(3) -المادة 06 من قانون التحقيق العقاري بتاريخ 27 فيفري 2007 رقم 07/ 02 المتضمن تأسيس إجراء لمعاينة حق الملكية العقارية و تسليم سندات الملكية العقارية عن طريق تحقيق عقاري.
(4) -د. عبد الرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, ج09 م02 ص 945. (12/197)
صفحة 195
الأرض ملك الدولة أو من الأوقاف أو ظهر فيها نزاع فيرفض طلب المعني ويرجع إلى العدالة للفصل في النزاع بعد النظر في أدلة إثبات الطرفين المتنازعين فيحكم القضاء لصالح السند القوي والصحيح.
في حالة النتائج الإيجابية:
وفي حالة النتائج الإيجابية للجنة التحقيق, التي تثبت ملكية الحائز طالب التحقيق, على القطعة الأرضية عن طريق الترقيم المؤقت, الذي يستمر في هذه الحالة لمدة سنتين, ومن ثمة يتحصَّل على الدفتر العقاري, لأنَّ عملية التحقيق هي جزء مكمِّل لعملية مسح الأراضي العامة والنهائية.
وفي حالة وجود نزاع مع شخص يدَّعي ملكية القطعة مع الحائز أكثر من 15 سنة وذلك بحيازة هادئة علنية مستمرَّة لا يشوبها انقطاع وغير مؤقتة وغير خفية, وهي عيوب الحيازة وخصوصا الإكراه أو الخفية أو كان فيها لبس فلا يكون لها أثر (1). فيمكن أن ترفع إحدى دعاوى الحيازة المعروفة لدى المحكمة وعند صدور الحكم النهائي فإن الحائز يصبح حائزا معترفا له بحيازته لذلك العقار عن طريق حكم قضائي, ولا يعني ذلك بالضرورة أنه هو المالك, وبعد حكم الحيازة يمكن إتباع إجراءات إثبات الملكية عن طريق تحقيق عقاري كما سبق توضيحه.
ولابد أن نشير إلى أنَّ التحقيق العقاري, رغم أنه يسيرٌ وبسيطٌ, من الناحية النظرية, إلا أنَّ تطبيقه لا يزال يلاقي مشاكل كثيرة, على المستوى الوطني, من بينها نقص الأعوان الإداريين والمحقِّقين العقاريين, الذين سيقومون بالتنقل الميداني للتحقيق, كما أنَّ الكثير من المواطنين يخطئون في فهم هذا القانون ويحسبون أنه طريق جديد للتملك والحصول على عقود الملكية على أراضي جديدة استولوا عليها حديثا, وقد تكون أراضي تابعة للأملاك العمومية (2) أو الاحتياطات العقارية للبلدية أو أراضي وقفية, أو يملكها أشخاص قبلهم بعقود مسجلة ومشهرة, فذلك الشهر يكسبها مبدأ حظر التقادم ومعناه أن من ثبت اسمه في السجل العيني كمالك للعقار أو
__________
(1) -د. عبد الرزاق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, ج09 م02 ص 840.
(2) -د. عبد الرزاق السنهوري , ج 08 م س ص 168. (12/198)
صفحة 196
صاحب حق عليه, يصبح في مأمن, من أن يفاجأ بادعاء, أي مغتصب يزعم أنه تملك العقار بالتقادم, وإن توفرت فيه جميع شروطه (1).
ملف طلب التحقيق العقاري:
يتكون الملف من:
1 - طلب كتابي يودع ويسجل بسجل مخصص لذلك على مستوى مديرية الحفظ العقاري, المختصة إقليميا بحيث يجب أن يحتوي على جميع البيانات المتعلقة بالعقار من حيث طبيعته, القانونية وقوامه, ومساحته, وتاريخ بدء الحيازة.
2 - مخطط طوبوغرافي وبطاقة وصفية ينجزهما مهندس خبير عقاري معتمد على نفق صاحب الطلب. ويجب أن يرفق الطلب وجوبيا بالملف التقني الذي يحتوي على الشهادات الإدارية أو الجبائية التي يمكن أن تكون للحائز.
3 - الوثائق الثبوتية للحيازة إن أمكن ولو كانت عرفية (وليس بالضرورة).
4 - نسخة من بطاقة التعريف، ونسخة من شهادة الميلاد، ووثائق الحالة المدنية, تثبت الاسم واللقب واسم الأب وتاريخ الولادة ومكان الولادة، والجنسية، والمهنة، وعنوان صاحب الطلب.
5 - عند الاقتضاء: يطلب البيان الدقيق للحقوق العينية والأعباء التي يكون العقار مثقلا بها مثل الرهن أو الحجز, وتعيين المستفيدين منها.
6 - وكذا أسماء الشاغلين المجاورين للعقار الذين يستحسن إدراجهم كشهود في ملف التحقيق.
7 - تصريح شرفي مصادق عليه من قبل الهيئات المختصة.
ويقدَّم الملف لدى مديرية الحفظ العقاري للولاية التي تستقبل الملفات كل يوم في الأسبوع حسب بلديات الولاية, وهي التي تقوم بعملية التحقيق عن طريق تعيين محقِّق عقاري, ثم تترك العملية للإدارة. أمَّا إذا كان العقار ممسوحًا فتلغى جميع الترتيبات أعلاه, فتثبت حيازة الحائز بسند الملكية ويضمن له القانون وسائل حماية ملكيته اتجاه الغير بدعاوى عديدة منها دعوى الاستحقاق, وعدم جواز نزع الملكية جبرًا على صاحبها إلا بشروط (2) وإجراءات حدَّدها الدستور وباقي القوانين.
__________
(1) -أ. جمال بوشنافة, شهر التصرفات في التشريع الجزائري , ص 57.
(2) -د. عبد الرزاق السنهوري , ج 08 م س ص 591. (12/200)
صفحة 197
القراض بالمحل التجاري
ـ وجهة نظر أخرى ـ
د/ خالد بن محمد بابكر
متفرغ للبحث، أستاذ سابق بكلية
العلوم الإسلامية ــــ جامعة باتنة
ا
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد؛
فقد كُنت كثيرا ما أُسأل عن مسألة المضاربة بالمحل التجاري فأتوقَّف وأقول لا أدري. ولماَّ قام أحد الأساتذة الفضلاء بنشر رسالة في القراض رأى فيها عدم جواز المضاربة بالمحل مقابل نسبة من الربح (1)، فأثارت هذه الرسالة ما أثارت من ردود الأفعال، حتى قال أحدهم: "إذن فقد كُنّا وأجدادُنا نتعَامل بالحرام". فرأيت أن أبحث المسألة وأدرسها دراسة فقهية، أقدِّم للباحثِ والقارئ الكريم رأيا آخر يُضاف إلى الرأي المنشور، في انتظار رأي ثالث، ورابع. وليس لي من مُراد من ذلك إلا ابتغاء الحقِّ والصواب في المسألة، فإن أصبتُ فمن توفيق الله وفضله، وإن كان غير ذلك فمن الشيطان، وحسبي أنّي اجتهدت والحق أحقُّ بالاتّباع. واللهَ نسأل العصمةَ من حظوظ النفس ومن غلبة الهوى ويعجبني في هذا المقام قول ابن عطاء الله السكندري: "لا يُخافُ عليك أن تلتبس الطرق عليك، وإنما يُخاف عليك من غلبة الهوى عليك» (2).
ولعل محلَّ النزاع في المسألة وسَبَبَه يرجع إلى تساءل أحدنا: كيف يقدِّم شخصا محلا (وهو مال) في مضاربة ويأخذ نسبة من الربح وفي حال الخسارة لا يخسر شيئا؟ ومن هنا فإني أرى ــــ والله أعلم ــــ أن سبب الإشكال الظاهري الذي أحدَثَته هذه المعاملة في ذهن المتسائل هو في عدم تكييفنا لها تكييفا صحيحا.
__________
(1) (الأستاذ بشير بن موسى الحاج موسى: «القراض رسالة في صفة شركة المضاربة» ص 25.
(2) (محمد سعيد رمضان البوطي: «شرح الحكم العطائية» 3/ 238. (13/201)
صفحة 198
والتكيِيفُ في هذا النوع من المضاربة أن الشَّركة ليست بين ثلاث: اثنان قدما مالا أحدهما قدَّم النقد والآخر قدَّم العقار وثالث قدَّم العمل. وإنما التكييف الصحيح ــــ في نظري ــــ أن الشركة هي بين ثلاث: واحد قدم المال، والاثنان الآخران قدما منفعة، فقدم أحدهما منفعة العمل وهو المضارب بالعمل وقدم الآخر منفعة المحل وهو المضارب بمنفعة المحل.
والأصل في المعاملات ــــ كما ذهب أكثر المحققين ــــ أنها من حقوق العباد، يغلبُ فيها التعليل وإدراك المعاني والحِكَم التشريعية والمقاصد التي راعاها الله تعالى في الأحكام، ويقلّ أو يَنُدر ما كان فيها تعبُّديا لا تُدرك حكمته، أو وجه المصلحة فيه. فالمعاملات مغيَّاة بمصالح العباد ومقاصد الشارع، والأصل فيها الإذن والإباحة والزيادة فيها والتوسع في أنواعها ما أمكن حتى يَدُلَّ الدليل على خلافه (1). وهي بخلاف العبادات المبنيّة على أصل التعبُّد وعدم التعليل. فالمأمور من العبد تجاه هذا النوع من الأحكام هو الوقوف عندها بعدم الزيادة فيها، والامتثال والانقياد والخضوع لله تعالى والتعبد بها له.
و المنهج الذي سأتبعه في هذا البحث هو أنه إذا كان الأصل في المعاملات ما ذكرنا من أنَّ كلّ معاملة الأصل فيها الإذن والإباحة، وليس المنع والتحريم، فإنَّ السؤال العلمي الذي يجب أن يُسأل في أيَّة معاملة: هو ما المانع شرعا من التعامل بمثل هذه المعاملة؟ فإن لم يكن هناك ما يمنع شرعا، بَقِيَ الحكم فيها على الأصل من الجواز والمشروعية. وسأورد أغلب الإشكالات التي يمكن أن تكون سببا للتحريم والمنع في مسألة المضاربة بالمحل، ثم أحاول الرّدّ والإجابة عنها، فإن وُفِّقت لذلك زالَ ما كنَّا نتصوَّره مانعا، وبقي الحكم على أصله من الجواز والمشروعية.
ولقد تَتَبَّعت أغلب ما يمكن أن يكون مانعا شرعيا من التعامل بمثل هذا النوع من الشركة فوجدت أنها منحصرة في ما يأتي:
الأمرالأول الذي يمكن أن يكون مانعا من جواز هذه المعاملة، هو أن الأصل في المضاربة أن الربح فيها يقسم على طرفين لا ثالث لهما، طرف رب المال بما دفع من ماله، وطرف العامل بما بذل من جهده واجتهد في إنماء المال (2).
الجواب عن ذلك ما تقدَّم، وما ذهب إليه أغلب الفقهاء المعاصرين، في أن الأصل في المعاملات المشروعية والجواز وحرية التعاقد وإنشاء ما يُراد من المعاملات
__________
(1) (الشاطبي: «الموافقات» 1/ 284.
(2) (بشير بن موسى الحاج موسى: «القراض رسالة في صفة شركة المضاربة» ص 24. (13/202)
صفحة 199
والتزامات كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً" (1).
فقد يكون في المضاربة طرفان صاحب المال وصاحب العمل، و يمكن أن يكون فيها ثلاثة: صاحب المال، وصاحب العمل، وصاحب المحل، ويمكن أن يكون فيها أربع: صاحب المال، وصاحب العمل، وصاحب المحل، وصاحب حقوق معنوية، كحقوق تأليف أو اختراع أو ابتكار أو غيرها.
فليس هناك ما يمنع شرعا أن يكون في المضاربة أكثر من اثنان فيستحقَّا وحدهُما الربح، إلا أن يكون المانع أمرا حراما.
فإن كان العائق في ذلك مجرد الاسم (مضاربة) فالعبرة في العقود للمقاصد والمعاني وليس للألفاظ والمباني. فلنُغَيِّر اصطلاح هذه الشركة ولنَختر لها اسما آخر غير المضاربة فنخرج من الخلاف إلى الوفاق.
الأمر الثاني الذي يمكن أن يكون مانعا من جواز هذه المعاملة، هو أن المضاربة بالمحل شديدة الشبه بالإجارة ومن شروط الإجارة الصحيحة أن تكون الأجرة معلومة (2).
والجواب على ذلك هو بالسؤال الآتي: هل كل جهالة تُأثر في الحكم؟ الجواب هو إن الجهالة المؤثرة هي الجهالة المفضية للغرر وهي التي لا تحدد بوضوح حق كل واحد من المتعاقدين، والتي من شأنها أن تؤدي إلى النزاع. فالعلة التي من أجلها حرمت الجهالة في العقود هي الغرر والنزاع والاختلاف الناشئ عنها، وحيثما لم يوجد نزاع ولا اختلاف فالأمر فيه متسع، فانتفاء الغرر أساس لصحة العقود والتصرفات، وقد أجاز الفقهاء كثيرا من العقود التي تحمل الجهالة اليسيرة منها والكثيرة تيسيرًا على الناس ودفعا للحرج والعنت عنهم، وقد ذكر الشيخ اطفيش أنواعا كثيرة من الإجارات التي يُجهل مقدارها أو بَدلها ومع ذلك أجيزت للحاجة فقال: "العاشرة: كثر الجهل في الإجارات وجُزن مع ذلك كالإجارة على عمل في مدة كالحفر يوما والبناء يوما والخياطة يوما، إذ لا يدري كم يحفر أو يبني أو يخيط ... وكأجرة الحجَّام فإنه لا يدري كم يشرط من شرطة وكم يخرج من الدم منه، وكعمل الأرض بجزء ما يخرج منه والمساقاة فإنَّ ما يخرج مجهول ... و كالصبَّاغ فيه جهل فيما قيل ... " (3).
__________
(1) (أخرجه الترمذي في السنن 3/ 934 والحاكم في المستدرك 2/ 57.
(2) (بشير بن موسى الحاج موسى: «القراض رسالة في صفة شركة المضاربة» ص 26.
(3) (امحمد بن يوسف اطفيش: «شرح النيل» 10/ 145. (13/203)
صفحة 200
ثم إننا نستطيع إثبات أنَّ الجهالة في بدل الإجارة بالمحل غير موجودة أصلاً، لأنها وإن كانت مجهولة المقدار والكمية وقت العقد إلاَّ أنَّها معلومة عن طريق مؤشر تحديد النسبة التي سيتحصَّل عليها صاحب المحل كـ 20% أو 30% من الربح، وهذا كاف لرفع الجهالة والحكم بصحَّة التعامل، أرأيت إلى المضارب يُعطى له نسبة مئوية من الربح، ويجهل ما سيحصل عليه آخر السنة؟ فهل هذه الجهالة مؤثرة في المضاربة، الجواب بالإجماع هو بالنفي، فكذلك الأمر هنا. ومن هنا نقول بجواز الإجارة بمجهول الخراج بشرط تحديد مؤشر واضح لتحديدها مستقبلا، وهذا ما ذكره بعض الفقهاء المعاصرين منهم علي محيي الدين قرة داغي (1) في بحث الإجارة، وذهب إليه أستاذنا وهبة الزحيلي في بحث عقد المقاولة (2)، حيث قال: "وفي الإجارة وإن كان الشرط كون الأجرة معلومة غير مجهولة بلا خلاف بين العلماء، لكن أجازه الحنابلة بجزء من نماء العمل. واستشهد بقول ابن قدامة: "أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجمعان عليه، بعد أن يكون ذلك معلوماً جزءاً من أجزاء، ولأن استحقاق المضارب الربح بعمله، فجاز ما يتفقان عليه من قليل المال وكثيره، كالأجرة في الإجارة، وكالجزء من الثمرة في المساقاة والمزارعة". (3)
ثم قال:" فإن قيل فقد جوزتم دفع الدابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها، قلنا: إنما جاز ثَمَّ، تشبيهاً بالمضاربة، لأنها عين تنمى بالعمل، فجاز اشتراط جزء من النماء، والمساقاة كالمضاربة، " (4).
وقد ذهب إلى إجارة بمقابل غير معلوم كل من ابن عباس وابن سيرين ومال إليه البخاري (5).
وبناء على المنطلق الذي بدأنا به؛ وهو أنَّ الأصل في المعاملات هو الجواز ولا يرفع الأصل إلا بدليل أقوى منه ــــ والجهالة التي من أجلها مُنع الحكم كما رأيت منتفية ــــ فيبقى الحكم على أصله من الجواز والمشروعية.
الأمر الثالث الذي يمكن أن يكون مانعا من جواز هذه المعاملة، هو ما
__________
(1) علي محيي الدين القره داغي: «الإجارة وتطبيقاتها المعاصرة» مجلة مجمعع الفقه الإسلامي 12/ 456
(2) (وهبة الزحيلي: «عقد المقاولة» بحث منشور في موقع الدكتور وهبة الزحيلي ص 06.
(3) (ابن قدامة: «المغني»، 5/ 18.
(4) (ابن قدامة: «المغني»، 5/ 256.
(5) (البخاري: الجامع الصحيح 2/ 794 , ابن حجر: فتح الباري، 4/ 541. (13/204)
صفحة 201
يتصوره البعض في حال وجود خسارة، فإن صاحب المال يخسر كثيرا من المال في حين أن صاحب المحل لا يخسر شيئا، فالمحل باق لم يتأثر بهذه المضاربة.
والجواب عن ذلك: أنَّ صاحب المحل هو أيضا قد خسر كما خسر صاحب المال، وكما خسر صاحب العمل. فصاحب العمل قدَّم منفعة العمل وقد خسر أجرة مثله من العمَّال، فإن كان مثله يتقاضى خمسون ألفا في الشهر مثلا، فقد خسر ستُّون ألفا في السنة، وكذلك صاحب المحل قد خسر أجرة مثل محله، فإن كانت أجرة مثل محله خمسون ألفا في الشهر مثلا، فقد خسر ستون ألفا في السنة. ومن هنا لا يُقال: إنَّ صاحب المال قد خسر أكثر، لأنَّ صاحب المحل لم يقدِّم في هذه المضاربة المحلَّ مالا متقوِّما بكذا مليون، وإنَّما قدم منفعة المحل، كما قدم صاحب العمل منفعة العمل. فإذا كنا بالإجماع لا نُطالب صاحب العمل أكثر من خسارة المنفعة التي قدمها في حال وجود خسارة، فإنا كذلك لا نُطالب صاحب المحلِّ إلاَّ بخسارة منفعة المحل، قياسا على خسارة صاحب منفعة الأرض في عقد المزارعة، فلم يقل أحد من العلماء بتحميله خسارة بقيمة الأرض وإنما بخسارة منفعتها بالغة ما بلغت.
الأمر الرابع الذي يمكن أن يكون مانعا من جواز هذه المعاملة وهو عدم جواز قياس صاحب المحل على المضارب الذي يبذل العناء في إنماء المال (1).
الجواب عن ذلك هو بالعكس تماما لأن القياس كما عرفه السالمي: "حمل مجهول الحكم على معلوم الحكم بجامع بينهما" (2).
والعلة الجامعة بينهما في هذا العقد هو أن كلا من صاحب العمل وصاحب المحل، قد قدّما شيئا واحدا اسمه المنفعة، وهي العلة المشتركة بينهما في الحكم، فصاحب العمل قدم منفعة العمل وصاحب المحل قدّم منفعة المحل، ولا أدلّ على ذلك في دخول كل واحد منهما في أحكام عقد الإجارة، فالفقهاء عادة ما يبحثون أحكام إجارة الأعمال ثم يتبعونها بأحكام إجارة الأعيان قال الشيخ اطفيش: "وقد يختص اسم الإجارة باستئجار الآدمي، ويختص الكراء بالدواب والرياع والأرض والعروض " (3).
ومن هنا فَكما يجوز أن يكون للعامل الذي قدَّم منفعة العمل أجرة بنسبة مئوية
__________
(1) (بشير بن موسى الحاج موسى: «القراض رسالة في صفة شركة المضاربة» ص 26.
(2) (السالمي: «طلعة الشمس» 2/ 146.
(3) (امحمد بن يوسف اطفيش: «شرح النيل» 10/ 10، الشماخي: «الإيضاح» 3/ 509 وما بعدها. (13/205)
صفحة 202
من الربح، فكذلك يجوز أن يكون لصاحب المحل الذي قدَّم منفعة المحل أجرة بنسبة مئوية من الربح، وليس هناك ما يمنع من ذلك وأحسَب أن تسويغ منحِ العامل قدرا معينا من الربح دون صاحب المحل تحكُّم دون مبرر والله أعلم.
فإن لم نقس صاحب المحل على المضارب لاشتراكهما في علة الحكم، وهذا قياس جليٌّ يغنينا عن أي قياس آخر، فإن هذا لا يمنع أن نقيس المضاربة بالمحل، على المزارعة في الحكم، بجامع أن كلا العقدين قُدِّم فيه منفعة عقار: الأول قُدِّم فيه عقار المحل والثاني قدم فيه عقار الأرض. وقد جاء في المدونة الكبرى لأبي غانم الخرساني: "قال عبد العزيز: وقياس من أجاز المزارعة بالنصف أو بالثلث أنه عنده بمنزلة رجل أعطى رجلا مضاربة بالنصف، أو بالثلث فلا بأس به عنده. وبلغنا مثل ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، أنهما كانا يعطيان أرضهما بالثلث أو الربع" (1).
وكذلك نقيس المضاربة بالمحل على المساقاة، بجزء مما تخرجه الأرض في الحكم، بجامع أن كلا منهما قدما منفعة عقار، الأول قدم فيه عقار المحل والثاني قدم فيه عقار الأرض والأشجار، وقد حرر الشيخ أفلح بن أحمد الخليلي مسألة قياس المساقاة على المضاربة بجامع المنفعة المقدمة تحريرا شافيا كافيا في دراسته لعقد المساقاة فقال: "قد يقال: إن القياس ــــ أي للمساقاة على المضاربة ـــــ مصادم للنصوص الشرعية فهو فاسد الاعتبار؟ ويجاب عنه: بأنه لا يعتبر فاسد الاعتبار إلا مع تعذر تأويل أدلة الخصوم تأويلا صحيحاً، أما مع الإمكان فلا يرد، وأدلتهم هنا إما عمومات والقياس يخصصها كما هو مذهب الجمهور، وإما محتملات لأكثر من معنى كالمخابرة، وهذا القياس تعضده نصوص صحيحة صريحة لا مطعن فيها" (2).
فلإن جاز قياس المساقاة على المضاربة بجامع المنفعة المقدمة من العامل ومنفعة صاحب الأرض وهي منفعة مختلفة فيما بينهما فقياس المضاربة بالمحلِّ على المساقاة أولى بالاعتبار لاتحاد العلة بينهما وهي منفعة العقار.
و إن لم يسعفنا في هذه المسألة لا الأصل العام في المعاملات وهو الإباحة والجواز ولا القياس الجلي كما مرَّ فلا أقلَّ أن نأخذ بالاستحسان بالعرف، وحقيقته: العمل بما يتعارف الناس ويعتادونه في معاملاتهم والعدول عن مقتضى القياس والأصل العام إذا أدى إلى العنت والمشقة، ولا خلاف بين الفقهاء في اعتبار العرف وتحكيمه في مجاله المحدد له، فهو أصل بني عليه شطر كبير من أحكام الفقه ويُرجع إليه في كثير من المسائل، ولقد اهتم الإباضية بالعرف كغيرهم من المذاهب الإسلامية وبنوا عليه كثيرا من الأحكام واحتكموا إليه في الكثير من الأحكام الفرعية، يقول السالمي: "العادة محكَّمة نوجب اعتبارها" (3)، وقال الجويني: "من لم يخرج العرف في المعاملات تفقها لم يكن على حظ كامل فيها" (4). وقد حكّم الإباضية العرف في المعاملات بعادات الناس وتسامحهم فيها ما لم تخالف أحكام الله تعالى، ففي بعض المعاملات مثلا أجازوا بيع التمر في رؤوس النخل، وأخذ المشتري الثمرة، وما لم يدخل في البيع كالسعف اليابس والعسق (العرجون) وغير ذلك مما تطيب به نفوس أربابها ويُعلم جوازه بالعادة وسكون القلب إليه، ما لم يمنع صاحب الشجر ذلك" (5)
وقد تعارف الناس على المضاربة بالمحل زمناً طويلا ولا يزالون يعملون بها، وقولنا بعدم جواز ذلك إحراج للمتعاملين بها، وإيقاع لهم في المشقة والعنت وهما مرفوعان عن شريعتنا الغراء المبنية على التيسير، ورفع الحرج كما قال أبو يوسف: "ما كان أرفق بالناس فالأخذ به أولى، لأنَّ الحرج مرفوع" (6).
مناقشة البدائل المقترحة:
قد يُقتَرح أن يكون البديل للمضاربة بالمحل هو تقويم المحل، وحساب قيمته مع المال المضارب به، وهذا المقترح يُظهِر أساس الإشكال، وهو اعتبار أن صاحب المحل التجاري قد قدم محلَّه مالا فيُستحسن أن يُقوَّمَ هذا المال فيدخل في مجموع مال القراض؟ ولقد مرَّ في تكييف هذا العقد أن صاحب المحل لم يُقدّم في هذه المضاربة مالاً فنطالبه بتقويم محلّه، وإنما قدَّمَ منفعة المحل كما قدَّمَ العامل منفعة العمل، فلا يُلزَمُ بذلك لا شرعا ولا عرفا، و في هذا البديل إغراق للمضاربة بأموال العقار الكبيرة دون أن تساهم في التجارة مما يؤثر سلبا على فائدة صاحب المال وصاحب العمل.
والمقترح الثاني وهو أن يكون المحل إجارة، ويأخذ صاحب المحل أجرته من المحل، وليس له علاقة في المضاربة
__________
(1) (أبو غانم الخرساني: «المدونة الكبرى» 2/ 500.
(2) (أفلح بن احمد الخليلي: «المساقاة» بحث منشور في قرص المكتبة الإباضية الشاملة قسم مسائل فقهية.
(3) (السالمي: «طلعة الشمس»، 2/ 192.
(4) (الجويني: «نهاية المطلب» 3/ 110، نقلا عن عادل عبد القادر قوته: «أثر العرف و تطبيقاته في المعاملات المالية» ص 13.
(5) الشماخي: «الإيضاح»، 1/ 211.
(6) السرخسي: «المبسوط»، 11/ 25. (13/206)
صفحة 203
القائمة في محله. وهنا نتساءل أيُّهما أجدى وأنفع في المعاملات؟ إجارة المحل بأجرة محددة، أم المضاربة بالمحل؟ والجواب هو بما يحققه كل واحد من العقدين من المصلحة ومن مقاصد الشارع في المعاملات.
وعندما نقرأ أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن كراء الأرض من جهة، وتشجيعه للمزارعة من جهة أخرى فقد رُوي أنه - صلى الله عليه وسلم - "عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع" (1). عندئذ نَفهم المقصد الشرعي من وراء ذلك. وهو بث خُلق التوكل على الله بين الناس في المعاملات ودفع الناس إلى المخاطرة في الاستثمار بمبدأ الغرم بالغنم ودفع الناس للتعاون والتآزر في تحمُّل جميع الأطراف عبء الاستثمار الذي إن وقع ـــ لا قدر الله ــــ وقع ثقيلا تنوء عنه أولي القوة من الرجال.
فإجارة المحل دون المشاركة بجزء مما تحققه المضاربة من الربح أقرب إلى كراء الأرض الذي نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد أخرج الربيع بن حبيب عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء الأرض" (2)، ولعل العلَّة في ذلك مَا في هذا الكراء من ظلم يشبه ظلم المرابي، حيث يأخذ صاحب الأرض المال أجرةً للأرض التي قدَّمها ولا يعبأ بعد ذلك بالمزارع فيها، نتجت الأرض أم لم تُنتج شيئا، أم أصاب الزرعَ جائحةٌ أكلت الأخضر واليابس. وقد ثبت عن الرسول الكريم رفع الجوائح، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - «لو بِعْتَ من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟» (3).
وهذا ما جعل الإمام السالمي يرجِّح مزارعة الأرض بجزء من خراجها على كرائها فقد سئل عن كراء الأرض فقال: "وكراؤها بجزء معلوم من غلتها أحب إليَّ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أقر أهل خيبر على أن يعملوا فيها بجزء من غلتها بعد أن صارت للمسلمين" (4). وهو ما ذكره الشيخ اطفيش حيث قال: "وقيل لا تجوز مزارعة أرض إلاَّ بجزء من خارج منها ... ولا بالدراهم والدنانير لما رُوي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عمّاله من نجران في مزارعة مال المسلمين: من دفع البذر فله النصف
__________
(1) (اطفيش: «شرح النيل» 10/ 07
(2) (الربيع بن حبيب: «الجامع الصحيح» رقم 565، 2/ 148 وانظر «آثار الإمام جابر بن زيد» 2/ 955.
(3) (مسلم: «الصحيح»، كتاب المساقاة، باب وضع الجوائح، رقم1554، 3/ 1190.
(4) (السالمي: «جوابات السالمي» 4/ 401. (13/207)
صفحة 204
ومن لم يدفع البذر فله الثلث" (1).
فصاحب المحل يأخذ أجرته ضامنة مضمونة لا يتحمَّل من مخاطر الاستثمار الواقع في محله شيئا، وليس هذا بحرام وإنما هناك ما هو أفضل منه، وهو المضاربة بالمحل من أجل تحقيق مقاصد الشارع في الاستثمار.
والمضاربة بالمحل أقرب إلى المعاملة التي عامل بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر بجزء مما يخرج منها، وفيه من مقاصد الشارع في المعاملات، من تحقيق التعاون بين الشركاء، وتحمل الشريك بالمحل خسارة الشيء الذي قدم وهو منفعة المحل، فيخفِّف بذلك جزءًا من وطء الخسارة التي قد تُصيب هذا الاستثمار وهذا تعاون بالبر والتقوى. ويتأكد لك ذلك بشكل أوضح عندما تعلم مساوئ الإجارة بالمقارنة بمحاسن المشاركة بالمحل.
فمن مساوئ الإجارة وخاصة في المحلات التجارية ـــ التي تتطلب من أجل نجاحها قدرا كبيرا من الاستقرار ــــ أن المستثمر فيها قلق غير مرتاح، يترقب كل حين إنذارا من صاحب المحل يُطالبه بأحد الأمرين أحلاهما علقَمٌ مرٌّ، فإما أن يطالبه بالزيادة المفرطة أو يطالبه بإخلاء المحل.
أما محاسن المضاربة بالمحل، فزيادة على ما تحققه من مقاصد الشارع المتمثلة في المشاركة والتعاون وتحمل أعباء المخاطرة، فإنها تحقق أهم عنصر في الاستثمار وهو الاستقرار الذي يجعل الشريك بالمال أو بالعمل هادئا مطمئنا غير متخوف ولا مترقب يستطيع وضع الخطط الاستثمارية القريبة منها والمتوسطة والبعيدة، ويستثمر في جوّ مريح بعيدا عن القلق الذي يسببه المؤجر للمستأجر وفي ذلك من المصلحة الراجحة ما لا يخفى على ذي لب.
الرأي المرجَّح في المسألة:
وفي الأخير وبعد مناقشة الأمور التي يمكن أن تكون مانعة من جواز المضاربة بالمحلِّ، أرجِّح جواز المضاربة بالمحل بجزء من الخارج منها، ولا أَمنَع البديل وهو الإجارة خروجا من الخلاف.
وسبب هذا الترجيح ما يأتي:
1 ــــ قوة أدلة أقوال من ذهب هذا المذهب منهم أستاذي وهبة الزحيلي والأستاذ القرة داغي وهو قول ابن سيرين والبخاري وأحمد وغيرهم.
2 ــــ التمسُّك بالأصل في المعاملات؛ وهو
__________
(1) (اطفيش: «شرح النيل» 10/ 75. (13/209)
صفحة 205
الإذن والجواز والإباحة، ولا تقوى الأدلة الأخرى على رفع هذا الأصل، وهذه المسألة من النوازل الحديثة التي تعارف عليها الناس، ولا نجد لها صورا في كتب الفقه القديمة، فهي محتاجة إلى اجتهاد مآلي مقاصدي يرنو إلى تحقيق العدل والمصلحة.
3 ــــ دليل القياس الصحيح؛ وهو قياس المضاربة بالمحل على المضاربة بالعمل لاشتراكهما في علة الحكم، وقياس المضاربة بالمحل على المضاربة بالزرع (المزارعة) لاتحاد العلة وهي المضاربة بالعقار. وكذا قياس المضاربة بالمحل على المساقاة للعلة السابقة نفسها.
4 ــــ دليل العُرف؛ وهو مُعتَبَر ومنشأ للأحكام عند عدم وجود معارض من الشرع ولم يوجد، وقد تعارف الناس على هذا التعامل ردحا من الزمن دون نكير، و قولنا بعدم جواز المضاربة بالمحل إرباكٌ للناس شديد، وإيقاع لهم في المشقَّة والعنت، وهما مرفوعان عن شريعتنا الغرَّاء المبنية على التيسير ورفع الحرج، والمشقَّة تنزل منزلة الضرورات في المعاملات.
5 ــــ دليل المقاصد الشرعيَّة؛ فقد رأيت ما تُحقِّقه هذه المعاملة من مقاصد التعاون والتآزر وتحّمُل أعباء المخاطرة في هذه الشراكة.
أما عن القاعدة التجارية، فالمسألة فيها نظر، وإن كانت مما ترك الاستعمار (1) فإنَّ لها أصل في الفقه الإسلامي، وهو «خلو الرجل»، وقد بحث الفقهاء هذه المسألة قديما وحديثا وانتهى أكثرهم إلى جواز التعامل بها، وقد أقرتها المجامع الفقهية، وسيوفق الله الباحثين إلى الرأي الأقرب للصواب بإذنه تعالى.
وفي الأخير فهذه وجهة نظر رآها الباحث ولا يدَّعي أنَّها الحق المطلق، وإنما هي محض رأي واجتهاد، والباحث مستعدٌّ لتغيير رأيه فيها إذا ما أُرشد إلى رأي كانت حجته أقوى وأسدى، فلا تبخلوا عليه به، فالرجال يُعرَفون بالحق ولا يُعرَف الحق بالرجال، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
- - -
__________
(1) (بشير بن موسى الحاج موسى: «القراض رسالة في صفة شركة المضاربة» ص28. (13/210)
صفحة 206
قائمة المراجع
1 - إبراهيم بولرواح: «موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد» مكتبة مسقط عمان 2006.
2 - أبو غانم الخرساني: «المدونة الكبرى» تح مصطفى باجو ط1 1428
3 - ابن قدامة: «المغني»،ط1 دار الفكر بيروت 1405
4 - ابن حجر: «فتح الباري شرح صحيح البخاري» دار المعرفة بيروت لبنان.
5 - أفلح بن احمد الخليلي: «المساقاة» بحث منشور في قرص المكتبة الإباضية الشاملة قسم مسائل فقهية.
6 - اطفيش محمد: «شرح النيل وشفاء العليل» ط3 مكتبة الإرشاد جدة 1405.
7 - البخاري: «الجامع الصحيح» دار ابن كثير بيروت 1407
8 - بشير بن موسى الحاج موسى: «القراض رسالة في صفة شركة المضاربة» ط1 مؤسسة الشيخ عمي سعيد، غرداية 1432.
9 - الترمذي: «السنن» تح أحمد شاكر وآخرون دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان.
10 - عادل عبد القادر قوته: «أثر العرف وتطبيقاته في المعاملات المالية» البنك الإسلامي للتنمية.
11 - السالمي: «طلعة الشمس شرح شمس الأصول» تح عمر حسن القيام ط1 دار الرشد بيروت لبنان.
12 - السالمي: «جوابات السالمي» مراجعة عبد الستار أبو غدة ط 3 1422.
13 - الشاطبي: «الموافقات»، دار المعرفة بيروت لبنان 1402.
14 - الشماخي: «كتاب الإيضاح» مكتبة مسقط عمان 1425.
15 - الربيع بن حبيب: «الجامع الصحيح»، دار الحكمة لبنان 1415.
16 - السرخسي: «المبسوط»، دار المعرفة بيروت لبنان.
17 - مجلة مجمعع الفقه الإسلامي منظمة العالم الإسلامي ن جدة مطابع المجموعة الإعلامية.
18 - محمد سعيد رمضان البوطي: «شرح الحكم العطائية» 3/ 238. دار الفكر دمشق سورية 2003.
19 - وهبة الزحيلي: «عقد المقاولة» بحث منشور في موقع الدكتور وهبة الزحيلي ص 06. (13/211)
صفحة 207
عقوبةالإعدام
بين الجدل الفقهي والتشريعات الجنائية
أ/ حمو بن إبراهيم فخَّار
قسم العلوم القانونية والإدارية
المركز الجامعي ـــــ غرداية
ت
تمهيد:
أثارت عقوبة الإعدام نقاشا حادا حول مدى جدواها، بعد بروز الاتجاهات الإنسانية والاتجاهات التأهيلية للعقوبات، وبعد بروز الدولة وسلطاتها وتدخلها في مجالات كانت محظورة عليها في السابق، فمن بين الوظائف الهامة التي جاءت الدولة للقيام بها هي تنظيم المجتمع وهذا بسن قواعد من شأنها أن تحقق لها هذا الغرض، وكل من حاول أن يخالف هذه القواعد أقر المجتمع له جزاءات متنوعة حسب جسامة المخالفة.
من هنا ظهرت فكرة حق الدولة في التجريم والعقاب، غير أن هناك من أبدى تحفظه من هذا، ولاسيما إذا تعلق الأمر بعقوبة الإعدام، التي كانت ولا تزال محل خلاف الكثير من فقهاء ورجال القانون. وللإلمام أكثر بجوانب هذا الموضوع رأينا تقسيم هذه الدراسة إلى فصلين حيث خصصنا في الأول الجدل الفقهي الحاصل في شأن استخدام هذه العقوبة، وفي الثاني نبين موقف كل من المواثيق الدولية والتشريعات الجنائية الحديثة من هذه العقوبة.
الفصل الأَوَّل: موقف الفقه من عقوبة الإعدام
من خلال هذا الفصل سوف نتطرق إلى الرأي المؤيد والمعارض لهذه العقوبة، مبرزين أهم الحجج التي يستند عليها كل فريق، هذا في المبحث الأول، وفي المبحث الثاني سوف نخصصه لمناقشة هذه الآراء على ضوء ما توصلت إليه المدارس الفكرية والعقابية في هذا الموضوع.
المبحث الأول: عقوبة الإعدام بين الرفض والقبول
هناك نقاش حاد قديم حول إشكالية الإبقاء على عقوبة الإعدام أو إلغائها، إذ بالرجوع إلى آراء الفقهاء، نجد اختلاف نظرتهم إلى هذه العقوبة، فمنهم من أيدها (14/212)
صفحة 208
واعتبرها ضرورة اجتماعية لا يمكن التخلي عنها بأي حال من الأحوال، في المقابل هناك من يرفضها البتّة، ويعتبرها تتنافى مع السياسة الجنائية الحديثة، لذا يجب البحث عن عقوبة أخرى بديلة لعقوبة الإعدام، وعموما لكل رأي حججه التي يستند عليها، وهذا ما سنعرضه بالتفصيل من خلال المطلبين ففي الأول نبين حجج معارضي عقوبة الإعدام وفي الثاني نعرض حجج أنصار عقوبة الإعدام.
المطلب الأول: عرض حجج معارضي عقوبة الإعدام
بدأت الحركة الإلغائية لعقوبة الإعدام مع انتشار الفلسفة المسيحية التي كانت تجزع من رؤية الدماء المسكوبة، ونظرا لخطورتها فقد نادى بعض الكتاب والفلاسفة في مختلف الأماكن بإلغاء هذه العقوبة، منهم بكاريا ( BECCARIA) ، ولومبروزو ( LOMBROSO) ، فيري ( FERRY) (1) .
الفرع الأول: مضمون هذا الرأي
يرى أصحاب هذا الاتجاه بأن عقوبة الإعدام تعتبر من مخلفات الجزاءات الوحشية التي سادت في المجتمعات القديمة، وعبّرت عن حضارتها البائدة (2)، وهذا لما يصاحب هذه العقوبة من أساليب التعذيب والتنكيل بالمحكوم عليه، ومن أجل هذا سعى بعض الفقهاء إلى المطالبة بإلغائها، ومحو آثارها من التشريعات الجنائية.
الفرع الثاني: حججه
1. إن المجتمع لم يهب الفرد الحياة حتى يملك حق سلبه إياها، وإنما الحياة منحة من الله تعالى، كما أن القانون الذي يحرم القتل لا يجوز أن يأمر به.
2. الإعدام عقوبة لا تقبل التجزئة فإمّا أن يحكم بها القاضي كاملة أو لا (3).
3. نظرا لخطورة العقوبة قلما يحكم بها القضاة مخافة الوقوع في الخطأ، لأنه لا يمكن الرجوع فيها، فإذا قضى القاضي بها ونُفِّذَ الحكم، ثم تبين بعد ذلك
__________
(1) (*) ... المدرسة الوضعية: ظهرت هذه المدرسة في أواخر القرن التاسع عشر، بناء على النتائج العلمية للأبحاث التي قام بها كل من لمبروزو، وفيري، وجاروفالو، غيرهم، وتتلخص مبادئ هذه المدرسة في رفض مبدأ الحرية والاختيار كأساس للمسؤولية الجنائية، واعتنقت هذه المدرسة مبدأ جديدا، هو مبدأ الحتمية أو الجبرية في التصرف، أضف إلى هذا فكرة التدابير الاحترازية. أنظر د. إسحاق إبراهيم منصور، الموجز في علم الإجرام والعقاب، المرجع نفسه، ص130.
(2) د. علي جعفر، الإجرام وسياسة مكافحته، عوامل الجريمة والسياسة العقابية في التشريع الليبي المقارن، دار النهضة العربية للنشر والطباعة، بيروت، ص317.
(3) العقوبة في الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية، د/أسامة عبد القادر قايد، ص27. (14/213)
صفحة 209
خطأ الحكم، أو ظهرت أدلّة تبرِّئ المتهم وتقضي بالعفو فلا يمكن العودة فيها.
4. عقوبة الإعدام غير عادلة، لأنها لا تتناسب مع جسامة أية جريمة توقع من أجلها، مهما كانت طبيعة هذا الفعل أو الجريمة التي ارتكبها الشخص، فإن الأذى الذي يصيب المجتمع لا يتعادل مع الأذى الذي يصيب الشخص (1)، كما تعتمد على مبدأ القصاص، وهي فكرة بدائية، وليس من العدل قتل إنسان لإرضاء شعور المجني عليه، وقد جاء في التقرير: «إن من دواعي العدل أن نرضي شعور الضحايا، بيد أن إعدام شخص بريء يعد خطأ أجسم بكثير في حق العدالة لا يتناسب إطلاقا مع ذلك الداعي، أضف إلى هذا استغلال بعض الأوساط ـ كجنوب إفريقيا ـ لعقوبة الإعدام كوسيلة للتصفية العرقية، حيث ذكرت بعض الأبحاث التي أقيمت في هذا المجال، تؤكد ما ذهب إليه الباحث لبروفيسور "بارند فان نيكيرك" في جامعة "ناتال"، بأن المتهمين السود أكثر عرضة لتلقي أحكام بالإعدام من المتهمين البيض، خاصة عندما تكون الضحية من البيض، مثالا على ذلك أن 81 أسودا أدينوا بقتل بيض وشنق 38 منهم ما بين حزيران /جوان 1982 وحزيران /جوان 1983، بينما لم يشنق إلا واحد من بين 52 أبيضا أدينوا بقتل بيض. ولم يشنق أحد من بين 21 أبيضا أدينوا بقتل سود، لكن شنق 55 أسودا من بين 2208 أسود أدينوا بقتل سود» (2). كما يمكن القول بأن المجتمع لا يجني شيئا من إعدام الجاني، ومن المستصوب أن يُصلح حاله ويعاد تأهيله.
5. إن عقوبة الإعدام لم تكن رادعة للمجرمين، بدليل أن الدول التي تحتفظ بهذه العقوبة أو تطبقها لم يلحظ فيها نقص في مثل هذه الجرائم المعاقب عليها بالإعدام، ويدللون على صدق حجتهم، بأن الإحصائيات قد أثبتت لديهم أن عددا ضخما من كبار المجرمين سبق لهم مشاهدة تنفيذ عقوبة الإعدام، يقول "كوستلر": «إنه في العصر الذي كان فيه النشالون يعدمون في إنكلترا، كان لصوص آخرون يمارسون مهازلهم بين الجمهور المحتشد حول المشنقة التي يعلق عليها زميلهم، وقد أظهر الإحصاء الذي أجري في مطلع هذا القرن في تلك البلاد، أن 170 من أصل كل 250 مشنوقا قد سبق لهم وشهدوا شخصيا تنفيذ إعدام أو إعدامين، وفي العام 1886 كان146 من أصل 167محكوما بالموت عرفتهم جدران سجن "بريستول"، قد شهدوا تنفيذ إعدام واحد
__________
(1) د. أسامة عبد القادر قايد، العقوبة في الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية، المرجع نفسه، ص27.
(2) منظمة العفو الدولية، عقوبة الإعدام ضد حقوق الإنسان، المرجع نفسه، ص 140. (14/214)
صفحة 210
على الأقل» (1). كما لا يؤثر إلغاؤها سلبا على السياسة الجنائية، فلن تخسر السياسة الجنائية بإلغاء هذه العقوبة، إذ من غير المحتمل أن تزداد نسبة الجرائم الشنيعة بإلغائها.
6. لا حاجة من اللجوء إلى هذه العقوبة لردع المجرمين مادامت عقوبة الأشغال الشاقة المؤبّدة يمكن أن تحل محلّها وتحقّق نفس الغرض.
7. عقوبة الإعدام غير منطقية لأنها قتل منظم كما يقول بكاريا (2): «فالمجرم يرتكب جريمة بتأثير ظروف مختلفة، غير أن المجتمع حين يعاقب يجهل كل الظروف ويقتل بدم بارد، وأعصاب هادئة»، وهذا ما يتنافى مع فلسفة العقاب والسياسة الجنائية الحديثة.
المطلب الثاني: عرض حجج أنصار عقوبة الإعدام
لعقوبة الإعدام أنصارها في كل العصور، ففي العصور القديمة دافع عنها "أرسطو" (3)، وفي العصور الوسطى أيدها "توما الإكويني" وفي العصور الحديثة لقيت قبولا من قبل كبار الفلاسفة والمفكرين أمثال "روسو" و"مونتيسكيو" (4) ...
الفرع الأول: مضمون هذا الرأي
يرى أنصار هذا الرأي أن المجرم الخطير بمنزلة جرثومة تهدّد كيان المجتمع إن تركت وشأنها، والحل الوحيد هو القضاء عليها، لكي يسلم المجتمع من شرّها، وليس هناك أية عقوبة تقوم بهذا الدور غير عقوبة الإعدام، وبناء على هذا التصور، حاول أنصار ومؤيدو هذه العقوبة أن يدعّموا تصورهم بما لديهم من أدلّة، من شأنها دحض الرأي الآخر المنادين بإلغاء هذه العقوبة.
الفرع الثاني: حججه:
1 - إن القول الذي مفاده أن المجتمع لم يهب للفرد حياته، يمتلك حق سلبه إياها، فمثل هذا الادعاء ليس له دليل قوي يستند إليه، وإلا كنا أمام سؤال آخر، فمتى كان للمجتمع السلطة في منح الفرد حريته حتى يكون له الحق في سلبها أو تقييدها؟ كما لو سلّمنا بمنطقية هذا
__________
(1) د. غسان رباح: عقوبة الإعدام حل أو مشكلة؟، المرجع السابق، ص51.
(2) د. عبود السراج، علم الإجرام وعلم العقاب، دراسة تحليلية في أسباب الجريمة وعلاج السلوك الإجرامي، ص416.
(3) فيلسوف يوناني: عاش بين عامي 384 - 322 قبل الميلاد، له عدة مؤلفات في علم المنطق والسياسة والميتافيزيقا.
(4) مونتيسكيو شارل دو سوكوندا: كاتب فرنسي ولد ببوردو، وعاش بين عامي 1689 - 1755. (14/215)
صفحة 211
الدليل لأدّى بنا إلى تجميد كل العقوبات الأخرى، والقول بأن القانون الذي يحرم القتل لا يجوز أن يأمر به مردود عليه أيضا بأن القانون يحرم القبض على الناس وحبسهم، ومع ذلك لم يعترض أحد على توقيع العقوبات السالبة للحرية.
2 - إن الجريمة التي ارتكبها المحكوم عليه بالإعدام خطيرة جدا يشمئز منها الشعور الإنساني، ولهذا كان جزاؤه من جنس العمل، كما أن إعدام المجرم حياة للأفراد الذين يسلمون بموته من آذاه وشرّه.
3 - والقول بفكرة الخطأ في حالة ثبوت البراءة بعد تنفيذ حكم الإعدام نادر الوقوع، كما تحرص التشريعات على وضع إجراءات صارمة عند النطق أو تنفيذ هذه العقوبة (1).
4 - إن الادّعاء المتمثل في احتمال الخطأ في تطبيق العقوبة يصدق على جميع العقوبات السالبة للحرية، والتي تحدث هي الأخرى ضررا غير قابل للإصلاح، فإذا زُجَّ المحكوم عليه في السجن ثم أفرج عنه لظهور خطأ في الحكم، يكون قد حل به ضرر غير قابل للإصلاح (2).
5 - أما أنها غير عادلة فهو مردود على ذلك بأنها لا تطبق إلا في الجرائم بالغة الجسامة كالقتل، والجرائم التي تمثل اعتداء على المصالح الأساسية للدولة، كالتي تقع على أمنها الداخلي والخارجي، فعقوبة الإعدام هو الجزاء المناسب للإجرام الجسيم، وهذا ما أكّده أنصار العدالة المطلقة، حيث أنه إذا ألغيت عقوبة الإعدام حلّت الفوضى محل النظام وانهارت العروش واختفى المجتمع (3)، لأن عقوبة الإعدام تبرّرها ضرورة دفاع المجتمع عن نفسه، فإن صون كيان المجتمع يتطلب استئصال القتلة السفّاحين.
ويدعمون رأيهم بجواب والد طفل صغير، اختطفه مجرم في فرنسا، وطالب بالفدية، ثم خشي أن يعرفه الطفل فخنقه، ثم اكتشف أمره، قال الوالد: «حين قتل ولدي أحسست أنه يناديني، ... لقد صرخ بابا ... لذلك فإنه وكلني بالاقتصاص له، فإذا أفرج عن قاتله ولو بعد زمن طويل، فإنني سأثأر لطفلي، وأقيم العدالة بنفسي»، وفي حين لم تنتظر أمٌّ ألمانية حكمت المحكمة بإدانة من أقدم على خنق ابنتها، فدخلت قاعة المحكمة
__________
(1) المنظمة العربية لحقوق الإنسان، حقوق الإنسان في الوطن العربي، 1997 ص327 ف11.
(2) د. عبد القادر الكيلاني، عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية والقانون المصري، المرجع نفسه، ص 273.
(3) المرجع السابق/ ص 239. (14/216)
صفحة 212
وأطلقت النار على الجاني بـ 6 رصاصات فقتلته، ولما انتهت من إطلاق النار رمت المسدس على الأرض في هدوء، واستسلمت إلى قضاة المحكمة، وهي تقول: «لقد نفذت حكم الإعدام» (1).
6 - عقوبة الإعدام عقوبة رادعة تخيف الناس وتمنعهم من الجريمة، وبالتالي تؤدّي إلى تقرير أكبر قدر ممكن من الأمن والطمأنينة والاستقرار الاجتماعي (2). وبمواجهة الادعاء بأن عقوبة الإعدام لم تكن زاجرة أو رادعة للمجرمين، يرد أصحاب هذا الرأي بأن هذا القول يحتاج إلى دليل، وإذا صح أن الجرائم لم يرتفع عددها في البلاد التي ألغت عقوبة الإعدام، فإنه لا يستبعد أن العدد كان سينخفض كثيرا لو أن العقوبة أبقي عليها.
ويلاحظ من جهة أخرى أن الإحصائيات دلت على أن عدد أحكام الإعدام التي نفذت فعليا في تناقص مستمر في البلاد التي تحتفظ بهذه العقوبة في قوانينها، وزادت في بعض البلاد التي ألغتها، لدرجة أنها رأت من المصلحة في إعادة هذه العقوبة إلى قوانينها، ونذكر منها ألمانيا، وروسيا، والنمسا وإسبانيا، وفنلندا، وغيرها (3).
7 - إذا كان من أهم أهداف عقوبة السجن إصلاح المجرم وإعادة تأهيله إلى الحياة الاجتماعية، فما هي فائدة السجن المؤبد الذي غالبا ما يحكم به القاضي بدل عقوبة الإعدام، إذا كان المحكوم عليه سيقضي حياته بكاملها داخل السجن؟ سيما إذا علمنا أنه قد يؤدي به إلى الجنون، ولن تكون للمجتمع فائدة ترجى من وجوده في السجن، طالما أنه لن يخرج منه حيا.
8 - إذا كان المحكوم عليه بالإعدام قد سولت له نفسه الشريرة قتل غيره بغير مبرّر شرعي، فإن إعدامه بعد محاكمة قانونية يكون أقرب إلى العدل.
9 - كما يؤكّد الفقهاء العرب ضرورة الإبقاء على عقوبة الإعدام مبرّرين موقفهم على أن الجزاء القاسي هو الرد المناسب والفعّال لمواجهة جرائم الدم شديدة الخطورة على المجتمع، ومثل هذا الرد ليس ظلما وإنما هو حزم، وتدعيم للسياسة الجنائية في مكافحة الإجرام، والاستغناء عن هذه العقوبة واستبدالها بعقوبة أخرى أمر غير سليم، إذ من الصعب تماما أن نجد العقوبة المناسبة والرادعة
__________
(1) د. غسان رباح: عقوبة الإعدام حل أو مشكلة؟ المرجع السابق، ص416.
(2) د. سمير الجنزوري، الأسس العامة لقانون العقوبات مقارنا بأحكام الشريعة الإسلامية، نشر دار الثقافة، 1977، ص712.
(3) د. غسان رباح: عقوبة الإعدام حل أو مشكلة؟ المرجع السابق، ص28. (14/217)
صفحة 213
التي تقوم بوظيفة هذه العقوبة (1).
يقولون إن المجرم مريض ويجب علاجه علاجا نفسيا، ولكن هل جميع المجرمين مرضى؟ هل أولئك الذين يؤجرون على القتل ويتخذونه مهنة لهم يعتبرون مرضى؟ هل أولئك الذين يتزعمون عصابات القتل والسلب ويعتون في الأرض فسادا (2) مرضى؟ الواقع ـ يضيف أصحاب هذا الرأي ـ أنهم فئة من الناس تحجرت قلوبهم، وانهارت جميع الاعتبارات الخلقية والإنسانية لديهم، ولا بد من تطهير المجتمع منهم، وكذلك فإن العقوبة إن لم تزجر الجناة فإنها لا تلغى وإنما تستبدل بأخرى، أشد منها يتحقق بها الزجر والردع (3).
وفي الأخير بعد أن رأينا الرأي المعارض، والرأي المؤيد، جدير بنا أن نشير إلى الموقف الوسط الذي ذهب إليه بعض المفكرين، منهم "لومبروزو"، و"بكاريا"، إذ كان لهذا الأخير رأي معارض لـ"روسو"، حيث اعتبر أن عقوبة الإعدام تتجه إلى سلب حياة الفرد واستئصاله من المجتمع، ولا يملك أي شخص استعمال هذا الحق في مواجهة أخيه، هذا في الظروف العادية، أما في الظروف الاستثنائية كالاضطرابات السياسية، فقد اعترف بشرعية عقوبة الإعدام، وحجته في هذا أن الشدة والقسوة أمر ضروري لاستتباب الأمن، أما "لومبروزو" فقد عارض الإعدام، إلا بالنسبة للمجرم بفطرته، والمجرم المجنون الذي لا يرجى شفاؤه (4).
المبحث الثاني: مناقشة هذه الآراء
ومن خلال ما تقدم ذكره تبين لنا موقف الفقهاء إزاء هذه العقوبة، ورأينا كيف كان كل فريق يدافع عن أفكاره، غير أن الجدل لا يزال إلى عصرنا هذا، حيث لا يمكن لنا أن نعتمد على هذه النظريات لتقدير مدى استجابة هذه العقوبة لأغراض السياسة العقابية، ما لم نتناول هذه الحجج بشيء من التفصيل والتحليل، معتمدين في ذلك على ما توصلت إليه بحوث المدارس العقابية، ودورها
__________
(1) عبد الله سليمان، في شرح قانون العقوبات الجزائري، (الجزء الثاني الجزاء الجنائي) ديوان المطبوعات الجامعية طبعة 1990، ص22.
(2) منها ما حصل في أول شهر أكتوبر من عام 1966 عندما قتل قناص يدعى "وايتمان" 16 شخصا وجرح 30 آخرين بعدما تمركز في برج جامعة "تكساس"، وكان قتل قبل يوم واحد من الحادث والدته وزوجته. أنظر: د. غسان رباح: عقوبة الإعدام حل أو مشكلة؟ المرجع السابق، ص32 - 33.
(3) د. غسان رباح: عقوبة الإعدام حل أو مشكلة؟، المرجع السابق، ص29.
(4) د. جرفاوي الطاهر، العقوبة وأسباب انقضائها، ص 114. (14/218)
صفحة 214
في التشريع العقابي وهذا من خلال المطالب الثلاثة الآتية حيث في المطلب الأول خصصناه للجانب الفلسفي والثاني للجانب العملي والثالث لجانب السياسة الجنائية.
المطلب الأول: من الجانب الفلسفي
كثر الجدل واختلف العلماء الجزائيون والفلاسفة حول شرعية عقوبة الإعدام، كما شغل كثير من الدول أمر إلغاء هذه العقوبة أو إبقائها. حيث يجب التمييز بين شرعية هذه العقوبة وبين إلغائها، مع ما هنالك من ارتباط بينهما، فالشرعية هي إقرار مبدأ هذه العقوبة، والإلغاء هو عدم الحاجة لتطبيقها، بالرغم من إقرار مبدأ شرعيتها.
ولم تطرح مسألة شرعية عقوبة الإعدام في التشريعات القديمة، إلا أنه بظهور دراسات علم العقاب في القرن الثامن عشر، بدءا بالمدرسة التقليدية التي انتقدت الأوضاع التشريعية في ذلك الحين تغير الحال، وقد تأثر رواد تلك الدراسات بالنهضة الفكرية التي قادها "مونتيسكيو" في كتابه روح القوانين، والفيلسوف "روسو"، وخلاصة فكر المدرسة التقليدية أن أساس العقاب هو المنفعة الموجودة في توقيعه على الجاني، وتبعا لذلك تكون وظيفة العقوبة هي الردع العام.
إن الادعاء بالقول أن المجتمع لم يمنح للفرد حياته حتى يسلبها منه، أمر بعيد عن المنطق، إذ ما يبرر وجود عقوبات أخرى من شأنها أن تنقص حق من حقوق المحكوم عليه، مثل العقوبات السالبة للحرية، والعقوبات المالية ...
المطلب الثاني: من الجانب العملي
إن القول بفكرة الخطأ التي يحتمل وقوعها بعد تنفيذ الحكم بالإعدام، وذلك بظهور أدلة تثبت براءة المحكوم عليه فيما بعد، تعتبر حجة أقرب إلى المنطق، لأنه في مثل هذه الحالة يستحيل إعادة الأمور التي كانت قبل النطق بالحكم، وأي تعويض يقدم إلى أهل المحكوم عليه لا يساوي حياة فقيدهم. وفي الحقيقة الإشكال لا يطرح في الخطأ لأنه متعلق بطبيعة الإنسان، كما يعتبر أمرا شاذا، والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وتفاديا لهذه الأخطاء فإن التشريعات الجنائية المعاصرة قد أولت اهتماما كبيرا لهذه العقوبة في الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام، وهذا ما سبق أن ذكرناه آنفا، إذ حصرت في بعض الصور الخطيرة، أو من زاوية النطق بالحكم أو تنفيذه، حيث وضعت نصوص من شأنها أن تكرس الحماية اللازمة للمحكوم عليه.
المطلب الثالث: من جانب السياسة الجنائية (14/219)
صفحة 215
إن الحجة التي مفادها أن عقوبة الإعدام تتنافى والسياسة الجنائية الحديثة، أمر مبالغ فيه إذ لا يمكن أن نساوي بين جميع المجرمين، فهناك من ينفع فيهم بعض الجزاءات كالعقوبة مع وقف التنفيذ، أما البعض منهم فلا يمكن إصلاحهم، كالمجرمين الخطرين بالعادة، فالإعدام لهم أصلح وفي جميع الحالات للقاضي الجنائي السلطة التقديرية في تقرير العقوبة التي يراها أصلح للجاني وهذا بناء على ما ورد في ملف القضية من وقائع وأدلة.
ومن أبرز الإشكاليات التي آثارها المؤيدون لعقوبة الإعدام أمام المنادين بإلغائها، ما هي العقوبة البديلة لعقوبة الإعدام، التي تحقق الوقاية الفعالة ضد ارتكاب الجرائم الجسيمة، أو حيال المجرمين الخطرين؟
وكرد على هذا السؤال اقترحت عدة صور للعقوبة البديلة التي من شأنها أن تحل محل عقوبة الإعدام، منها النفي في حصون منيعة مثلما فعلت فرنسا عام 1948، أو استبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة وهو الاتجاه الغالب، وهناك بعض الدول التي وضعت حدا أقصى للعقوبة البديلة (1)، وذهبت أخرى لتحديد حد أدنى مثل بريطانيا (2). غير أن هذا لم يشف غليل أنصار هذه العقوبة، وهذا بدليل أن مهما كانت هذه العقوبات التي يمكن أن تحل محل عقوبة الإعدام لا تكون رادعة، ولا تستطيع أن تقضي نهائيا على محترفي الإجرام.
وبعد هذه النظرة التحليلية الوجيزة، نخلص إلى أن وجهات نظر أنصار الإلغاء لا تقدم دليلا قاطعا، وفي المقابل فان حجج أنصار الإبقاء على عقوبة الإعدام لم تحسم المشكلة بصفة قاطعة أيضا. ويبقى الإشكال إلى وقتنا هذا مما أدى إلى اختلاف وجهات نظر التشريعات الجنائية إزاء هذه العقوبة.
الفصل الثاني: الحركة الإلغائية وعقوبة الإعدام
بالرجوع إلى الحركة الإلغائية نجد أنها تراوحت بين المد والجزر حقبة طويلة من الزمن، وهذا راجع إلى اختلاف ظروف المجتمعات ومدى حاجاتها إلى هذه العقوبة، غير أنه بظهور المعاهدات الدولية والحركات الإنسانية الرامية إلى إلغاء هذه العقوبة، أصبحت هذه الفكرة تلقى استجابة من قبل العديد من الدول التي
__________
(1) البرتغال، تشريع 1884 والتحاد السوفيتي 1947.
(2) بريطانيا القانون الصادر عام 1952. (14/220)
صفحة 216
كانت تطبق هذه العقوبة أو تحتفظ بها في تشريعاتها، وفي هذا الفصل نحاول إبراز مواقف القوانين الجنائية الحالية من مسألة إلغاء العقوبة، وهذا في المبحث الأول، وعمل المعاهدات الدولية والإقليمية وكذا الحركات الإنسانية في هذا المجال والذي نتعرض إليه في المبحث الثاني.
المبحث الأول: موقف التشريعات الجنائية من الحركة الإلغائية
مثلما كان للفقهاء وجهات نظر مختلفة إزاء هذه العقوبة، تأييدا ومعارضة، وهذا ما ألمحنا إليه آنفا، كذلك كان للسياسة الجنائية هي الأخرى تأثيرا ملحوظا في هذه المسألة (1). ففي المطلب الأول نبين فيه الدول التي ألغت هذه العقوبة من تشريعاتها وفي الثاني الدول التي أبقت على هذه العقوبة.
المطلب الأول: التشريعات التي ألغت العقوبة
هناك من التشريعات من استجابت إلى الحركة الإلغائية فألغتها نهائيا من تشريعاتها واستبدلتها بالعقوبة التي تليها نذكر منها: رومانيا سنة 1864 والبرتغال سنة 1867 وإيطاليا سنة 1899. وفي فرنسا ألغيت عقوبة الإعدام سنة 1832م. وسرعان ما رجع المشرع الفرنسي إلى إعمالها مرة أخرى حيث خول للمحلفين حق استبعاد هذه العقوبة باستعمال الرأفة. وفي عام 1848 ألغيت عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية، وفي عام 1901 ألغيت بالنسبة للأم التي تقتل طفلها حديث العهد بالولادة، وأصبح القانون الفرنسي لا يعاقب بالإعدام إلا على الاعتداءات التي تقع مباشرة أو بطريقة غير مباشرة على حياة الإنسان، وكانت الحكومة الفرنسية قد قدمت إلى البرلمان عام 1906 مشروع قانون بإلغاء العقوبة، لكن مجلس النواب قرر الرفض وظلت فرنسا تطبقها باستخدام المقصلة وحتى العام 1981، حيث تم إلغاء هذه العقوبة بالنسبة لجميع الجرائم، المدنية والعسكرية على السواء بموجب القانون رقم 81 - 908 الصادر في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 1981، والذي سرى مفعوله في اليوم التالي لصدوره، وتنص المادة (01) (2) من هذا القانون على أن «عقوبة الإعدام ملغاة»، فقد نصت المادة الثالثة منه «في جميع النصوص الجارية المتعلقة بعقوبة الإعدام، المرجعية لهذه العقوبة ستعوض بالمرجعية إلى عقوبة بالسجن مدى الحياة، أو لمدة زمنية على حسب طبيعة الجريمة المرتكبة»، كما نصت المادة التاسعة على ما
__________
(1) انظر الملحق رقم 7.
(2) د. غسان رباح، عقوبة الإعدام حل أم مشكلة، المرجع السابق، ص 30. (14/221)
صفحة 217
يلي: «إن الأحكام بالإعدام الصادرة بعد 01 نوفمبر 1980 ستحول بقوة القانون على حسب طبيعة الجريمة المتعلقة إلى السجن المؤبد أو المحدد».
«وفي ألمانيا ظهرت حركة إلغاء عقوبة الإعدام فيها قبل الحرب العالمية الثانية، والتي كانت قد ألغيت ثم أعيدت، ثم ألغيت عام 1949» (1)، وإيطاليا 1947، إنجلترا 1969، سويسرا 1938 وهناك من التشريعات من أبقتها في النصوص ولم تطبقها في الواقع مثل بلجيكا.
المطلب الثاني: التشريعات التي تطبق هذه العقوبة:
في الوقت التي حاولت فيه العديد من التشريعات إلغاء هذه العقوبة فإنه لا تزال ثمة الكثير من التشريعات تحتفظ بهذه العقوبة وتطبقها في أضيق نطاق، وتقرر لها من الإجراءات والضوابط ما يكفل حماية المحكوم عليه بالإعدام، نذكر منها: روسيا، بولندا، تشيكوسلوفاكيا، بلغاريا، يوغسلافيا، الصين وجل الدول العربية منها مصر ولبنان والجزائر إلى غاية صدور القرار، حيث أعلن المجلس الأعلى للدولة بالجزائر في بيان له خلال شهر ديسمبر 1993، قرار توقيف الإعدام في الأشخاص الذين حكمت عليهم المجالس القضائية الخاصة، وذلك من أجل تهدئة الأوضاع وتحفيز الحوار الوطني.
«غير أنه لا يزال حوالي 130 شخصا محكوم عليهم بالإعدام، الكثير منهم متورطون في جرائم عادية وموجودون داخل السجون الجزائرية دون أن ينفذ فيهم الحكم فعليا ... وكان آخر حكم بالإعدام نفد في حق مرتكبي جريمة تفجير مطار هواري بومدين بالعاصمة» (2).
وقد يتساءل البعض منا عن ما إذا كانت السلطة الجزائرية تمهد لإلغاء العقوبة نهائيا في المستقبل، ونجد أن هذا التساؤل قد أجاب عليه رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان السيد "بوجمعة غشير": «قد تكون الوقائع المذكورة بمثابة مؤشرات في هذه الاتجاه، لكن إلغاء هذه العقوبة من القانون الجنائي الجزائري لا يبدو أنه سيكون في وقت قريب، وليس هناك معطى يدل على ذلك أكثر من كون الجزائر هي واحدة من 106 دولة شكلت جبهة ضد إلغاء عقوبة الإعدام وصوتت ضد إدراج هذه المسألة ضمن جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1998» (3). وما يدعم هذا
__________
(1) د. غسان رباح، عقوبة الإعدام حل أم مشكلة، المرجع السابق، ص 231.
(2) جريدة الخبر الأسبوعي، العدد 103 تاريخ من 20 إلى 26 فيفري 2001، ص 9.
(3) جريدة الخبر الأسبوعي، العدد 103 تاريخ من 20 إلى 26 فيفري 2001، ص 9. (14/222)
صفحة 218
القول، هو ذلك الموقف الثابت الذي اتخذه المشرع إزاء هذه العقوبة، أي منذ أن قررها بموجب الأمر 66 ـ 156 المتضمن قانون العقوبات، فهو لم يلغها وإن دل على شيء فإنما يدل على اقتناع المشرع الجزائري بضرورة هذه العقوبة.
ولا بد من التنويه بموقف الشريعة الإسلامية من عقوبة الإعدام، إذا اتخذت موقفا وسطا يقضي بتطبيقها في جرائم الحدود، في جميع الحالات التي وردت فيها هذه العقوبة، متى توفرت شروطها، وهذا خلافا لجرائم القصاص التي يكون فيها الحكم بالإعدام بقرار ولي الدم (1).
وفي الأخير تجدر الإشارة إلى الحل الذي اهتدت إليه بعض التشريعات إذ منحت للقاضي سلطة الخيار في النطق بعقوبة الإعدام وجعله غير ملزم بتقريرها، كما عليه الحال في أغلب الدول.
ونذكر من التشريعات التي تنص على التخيير بين عقوبة الإعدام أو عقوبة أخرى تليها، التشريع اليوناني، حيث هناك تخيير بين عقوبة الإعدام والسجن مدى الحياة، ما عدا في حالة الجريمة الموجهة ضد سلامة التراب الوطني ووحدتها، حيث تكون عقوبة الإعدام هي العقوبة الوحيدة، وكذلك في إسبانيا حيث هناك تخيير بين عقوبة الإعدام، والسجن الطويل الأمد (لمدة تتراوح بين 20 إلى 30 سنة). وفي حالات أخرى يكون الإعدام العقوبة الوحيدة، ولكن للحاكم أو القاضي صلاحيات في كل وقت للاعتماد على بعض الظروف المخففة لتبرير الحكم بالسجن. وهذا ما أقرته المادة 53 من (قانون العقوبات الجزائري) «يجوز تخفيض العقوبات ... وثبت وجود ظروف مخففة لصالحه بالسجن مدة 10 سنوات إذا كانت عقوبة الجناية هي الإعدام ... ».
وعلى العموم فإنه ليس بالإمكان وضع أسس ثابتة في إطار الأخذ بعقوبة الإعدام، أو عدم الأخذ بها، لأن ذلك يخضع للمعايير السائدة في المجتمع، سواء بالسياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو الفكر أو القيم الأخلاقية والحضارية، وهي ليست واحدة عند مختلف الجماعات الإنسانية. إذ برجوعنا إلى الحركة الإلغائية التي اتخذتها التشريعات حلا لها، لم تكن ثابتة في موقفها فمعظم الدول التي ألغتها ما فتئت أن رجعت إليها مرة ثانية وثالثة ... وهذا حسب الظروف أو الحالة التي
__________
(1) حيث له «أن يستوفي القتل بنفسه بعد الحكم بعقوبة، وتحديد ميعاد التنفيذ بشرط أن يكون استيفاءه تحت إشراف ولي الأمر، وبشرط أن يكون ولي الدم قادرا على الاستيفاء ومحسنا له، فإذا كان عاجزا عن الاستيفاء ولا يحسنه، جاز له أن يوكل من يتوفر فيه هذان الشرطان، وليس ما يمنع من أن يكون هذا الوكيل موظفا مخصصا لذلك». (14/223)
صفحة 219
تقتضيها طبيعة النظام السائد في المجتمع، مثل ما فعلت إيطاليا، حيث ألغتها سنة 1899 ثم عادت إليها سنة 1930، ثم عادت إلى إلغائها مرة ثانية عام 1947 ولازالت إلى حد الآن تتعالى أصوات المطالبين بإلغائها (1).وبحلول العام 1998 بلغت البلدان التي ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم 67 بلد، في حين بلغ عدد البلدان التي ألغتها لجميع الجرائم ما عدا جرائم استثنائية كالجرائم في زمن الحرب 24 بلدا، و24 بلدا آخر أبقت على عقوبة الإعدام في قوانينها ولكنها تعتبر من البلدان التي ألغتها في الممارسة العملية (2).
المبحث الثاني: خطوات نحو إلغاء عقوبة الإعدام
نظرا لخطورة هذه العقوبة وما تخلفه من آثار قانونية تتمثل في إزهاق روح المحكوم عليه، حاولت العديد من الدول إبرام معاهدات تتعلق بحقوق الإنسان، سواء كان على الصعيد الدولي أو الإقليمي، إذ أفردت بنودا خاصة من شأنها تحقيق أكبر قدر من الضمانات تكفل للدول التي تحتفظ بهذه العقوبة كيفية تطبيقها، وهذا من أجل تحقيق الكرامة الإنسانية للفرد وحمايتها من أية تجاوزات عند تنفيذ هذه العقوبة، وهذا ما سنتناوله في هذا المبحث بالتفصيل (3) حيث في المطلب الأول نوضح فيه عمل منظمة الأمم المتحدة في مجال عقوبة الإعدام وفي الثاني عمل الاتفاقيات الإقليمية وعقوبة الإعدام وفي المطلب الثالث نبرز فيه دور الحركات الإنسانية في شأن عقوبة الإعدام.
المطلب الأول: عمل منظمة الأمم المتحدة في مجال عقوبة الإعدام.
منذ الحرب العالمية الثانية أصبحت عقوبة الإعدام تقع ضمن المقاييس الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، التي اعتمدتها حكومات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الإقليمية، فإن أحد عناصر هذه المقاييس المتطورة كان يتمثل في وضع قيود وضمانات لتلتزم بها البلدان التي لم تلغ بعد عقوبة الإعدام (4). ويرجع اهتمام الأمم المتحدة بمسألة عقوبة الإعدام إلى الوقت التي أسست فيه المنظمة، فقد أكدت عليها الدول المؤسسة لها في ميثاق (5) الأمم المتحدة الذي وقع
__________
(1) انظر الملحق رقم 6.
(2) منظمة العفو الدولية، تقرير عام 1999، المرجع نفسه، ص 21، 22.
(3) انظر الملحق رقم 3.
(4) منظمة العفو الدولية، تقرير عام 1999، مطبوعات عرباوي، ص75.
(5) اتفاق دولي يستمد اسمه من الموضوع الذي ينصه، وكذلك بالنسبة لأهمية للدول الأطراف ومثاله، ميثاق الأمم المتحدة 1945، ميثاق الجامعة العربية 1945. (14/224)
صفحة 220
سنة1945 (1). وبموجب قرار 217 (د 3) المؤرخ في 10 ديسمبر 1948، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة فقد نص الإعلان في مادتيه 3 و5: «لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه». «لا يُعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة» (2).
أ ـــ العهد الدولي: بالإضافة إلى ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مجال هذه العقوبة، فقد كُرس هذا الحق في العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، الذي اعتمدته الجمعية العامة في قرارها 2200 (د 21) (3) المؤرخ في 16 ديسمبر 1966.
1 ـ «لكل إنسان حق أصيل في الحياة، يتمتع هذا الحق وجوبا بحماية القانون، ولا يجوز تحكما حرمان أي إنسان من حياته ... ».
2 ـ «لا يجوز في البلدان التي لم تقم بإلغاء عقوبة الإعدام، أن تحكم بهذه العقوبة إلا عند أشد الجرائم خطورة».
3 ـ «يكون لكل محكوم عليه بالإعدام حق التماس العفو الخاص أو إبدال العقوبة، ويجوز في جميع الحالات إصدار العفو الشامل العام، أو العفو الخاص، أو إبدال العقوبة» (4).
4 ـ «لا يجوز الحكم بالإعدام عن الجرائم التي يكون مرتكبوها دون 18 سنة من العمر ولا تنفذ تلك العقوبة على الحوامل».
ب ـ اتفاقية حقوق الطفل:
وأقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 وجوب أن يكون الأطفال محل رعاية وعناية خاصة. وفي سنة 1989 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، التي دخلت حيز التنفيذ في 2 ديسمبر 1990.حيث جاء في نص المادة 06 منها ما يلي: «تعترف الدول الأطراف بأن لكل طفل حقا أصيلا في الحياة».ونصت المادة 37 على ما يلي:
__________
(1) المنظمة العربية لحقوق الإنسان، في الوطن العربي 1997، ص 322.
(2) المرصد الوطني لحقوق الإنسان، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، الجزائر 1998، ص7.
(3) (*) ... وعلى صعيد هيئة الأمم المتحدة فإن هذه المؤسسة العالمية أولت عقوبة الإعدام أهمية خاصة وبأجهزتها المختلفة ولا سيما الجمعية العمومية والمجلس الاقتصادي الاجتماعي، وكان لهذا الأخير أول دراسة عالمية حول تلك العقوبة في العام 1959 ثم تتابعت الدراسات ومنها ما عرض على الجمعية العمومية في العام 1963، التي أصدرت الوثيقة العالمية للحقوق المدنية والسياسية في سنة 1966. أنظر الملحق رقم 1.
(4) المنظمة العربية لحقوق الإنسان، المرجع السابق، ص324. (14/225)
صفحة 221
« ... ولا تفرض عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة بسبب جرائم يرتكبها أشخاص تقل أعمارهم عن 18 سنة».
هذا ما يمكن قوله باختصار في الدور أو المساعي التي بذلتها هيئة الأمم المتحدة في شأن هذه العقوبة، هذا في زمن السلم فضلا عن زمن الحرب، فقد أُبرمت معاهدات تناولت هي الأخرى موضوع عقوبة الإعدام، وذلك بوضع بنود من شانها حماية أسرى الحرب، وهذا ما تضمنته معاهدة جنيف المبرمة في أوت 1949 المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب.
ولحماية حقوق ضحايا النزاعات المسلحة، نص البروتوكول الإضافي الأول الملحق بالاتفاقية السالفة الذكر في المادة 76، الفقرة 3 على ما يلي: «تحاول أطراف النزاع أن تتجنب قدر المستطاع إصدار حكم بالإعدام على أولات الأحمال أو أمهات صغار الأطفال اللواتي يعتمد عليهن أطفالهن، بسبب جريمة تتعلق بالنزاع المسلح، ولا يجوز أن ينفذ حكم الإعدام على مثل هؤلاء النسوة».
أما بالنسبة للأطفال الذين تقل أعمارهم عن سن 18 وقت ارتكاب الجريمة المتعلقة بالنزاع المسلح، فإنه لا يجوز تنفيذ حكم الإعدام في حقهم، وهذا ما تقضي به المادة 77 الفقرة الخامسة.
المطلب الثاني: الاتفاقيات الإقليمية وعقوبة الإعدام
كرست جل الاتفاقيات التي أبرمت على الصعيد الإقليمي الحق في الحياة وذلك بإدراج بنود خاصة تقضي بتضييق أو إلغاء عقوبة الإعدام، نذكر منها الاتفاقية الأوربية الأمريكية والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
الفرع الأول: الاتفاقية الأوربية الأمريكية
أجرت اللجنة الأوربية المعنية بمشاكل الجريمة والتابعة لمجلس أوربا، دراسة استعراضية للحالة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام في أوربا الغربية. وقدمت لجنة الشؤون القانونية تقريرا مماثلا إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوربا، والذي اتخذت مؤخرا موقفا حازما إزاء هذه المسألة، فأدانت عقوبة الإعدام في زمن السلم باعتبارها عقوبة لا إنسانية، ودعت الدول الأعضاء التي ما زالت تستخدمها إلى إلغائها، وأوصت الجمعية البرلمانية أيضا، بتعديل الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، كما نصت على جعل عقوبة الإعدام غير قانونية. وما نصت عليه الاتفاقية الأوربية هو "الحق في الحياة" المادة 2 الفقرة 7، ولا استثناء على هذا الحق إلا في حالات معينة، المادة 02 الفقرات (أ، ب، ج) (1).
وفي عام 1980 اعتمدت الجمعية البرلمانية لمجلس أوربا، قرار يطلب من الدول
__________
(1) د. محمد أمين الميداني، النظام الأوربي لحماية حقوق الإنسان 1993، ص 44. (14/226)
صفحة 222
الأعضاء إلغاء عقوبة الإعدام بالنسبة للجرائم المرتكبة في زمن السلم، ويتضمن توصية بتعديل الاتفاقية الأوربية الخاصة بحقوق الإنسان وفقا لذلك، ونجم عن هذه التوصية إعداد البروتوكول (1) السادس الملحق بالاتفاقية المذكورة الذي وضع موضع التوقيع في 28 أفريل 1983، وأصبح ساري المفعول عام 1985، بعد تصديق العدد الأدنى اللازم من الدول (5دول).
والبروتوكول السادس هو أول اتفاقية دولية ملزمة للمنضمين إليها، بإلغاء عقوبة الإعدام على الجرائم المرتكبة في زمن السلم. وتنص المادة الأولى منها على ما يلي: «تلغى بموجبه عقوبة الإعدام، ولا يجوز فرض هذه العقوبة أو تنفيذها في حق أحد». غير أنه تستثني هذه الاتفاقية الجرائم المرتكبة في زمن الحرب، حيث تجيز تطبيق عقوبة الإعدام فيها (2). واتخذ أيضا موقف لا غموض فيه إزاء هذه المسألة في الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، التي تنص على أنه «لا يحكم بعقوبة الإعدام بأي حال في الجرائم السياسية أو الجرائم العادية ذات الصلة».وقد اتخذت مبادرة أخرى لإعداد معاهدة من أجل إلغاء عقوبة الإعدام ضمن منظمة الدول الأمريكية في جمعيتها العامة التي عقدت في نوفمبر 1987، وتتخذ هذه المعاهدة المقترحة شكل بروتوكول إضافي، ملحق بالاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان. وذهبت مسودة تمهيدية قامت بإعدادها لجنة الدول الأمريكية الخاصة بحقوق الإنسان، أبعد من البروتوكول الأوربي، بإلغاء عقوبة الإعدام كليا وليس فقط في زمن السلم.
الفرع الثاني: الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان
في عام 1979 فتحت المنظمة الإفريقية رسميا ملف قضية حقوق الإنسان، وأنجز رؤساء حكومات الوحدة الإفريقية توصية بإعداد ميثاق إفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ينص خاصة على هياكل تطوير حقوق الإنسان والشعوب، وفي 28 جانفي 1981، صادق مؤتمر الرؤساء بالمنظمة على الميثاق، وفي 21 أكتوبر 1986 دخل الميثاق حيز التنفيذ، باستكمال النصاب القانوني لتصديقات الدول اللازم لسريانه، فبلغ عدد الدول المصادقة على الميثاق في سنة 1991، 41 دولة من بين 51 دولة عضوا في منظمة الوحدة الإفريقية من بينها 7 أقطار عربية (3).
__________
(1) هو اتفاق دولي معدل لاتفاق سابق أو مفسر له، بروتوكول باريس لعام 1926، المعدل للنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.
(2) منظمة العفو الدولية، المرجع السابق نفسه، ص 76 فقرة 3 و4.
(3) المنظمة العربية لحقوق الإنسان، حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي، القاهرة 1992 ص 322. (14/227)
صفحة 223
أما عن "الحق في الحياة" فقد نصت المادة 4 من الميثاق على منع أي عمل من شأنه المساس بهذا الحق تعسفا. غير أن الإعدام كعقوبة لم نجد لها أي أثر في هذا الميثاق، وهذا رغم ورود نص يحظر على دول الأعضاء ممارسة الأفعال التي من شأنها المساس أو الحط من كرامة الإنسان، مثل: « ... الاسترقاق والتعذيب بكافة أنواعه، والعقوبات والمعاملة الوحشية أو اللاإنسانية» (1).
بينما نجد كلمة العقوبة مبهمة يمكن تأويلها، لأن عقوبة الإعدام باعتبارها أخطر عقوبة لا بد من إفراد نص صريح يلزم الدول الأعضاء العمل بها، كما فعلت في المعاهدات والاتفاقيات السالفة الذكر.
الفرع الثالث: الميثاق العربي لحقوق الإنسان
وفيما يخص الاتفاقية العربية لحقوق الإنسان، فقد كرست هذه الاتفاقية مرة أخرى "الحق في الحياة" وحظرت أي اعتداء من شأنه حرمان الأفراد من هذا الحق، وذلك ما نصت عليه المادتان 11 و12 من هذا الميثاق (2)، الصادر بقرار 5437 المؤرخ في 15 سبتمبر 1994.
بناء على ما تقدم ذكره في عمل المعاهدات الدولية والإقليمية في مجال عقوبة الإعدام، لاحظنا الاهتمام الذي حظيت به هذه العقوبة باعتبارها عقوبة استئصالية، فبذلت هذه المعاهدات ما بوسعها في إيجاد نصوص من شأنها توفير الحماية اللازمة لمن تنفذ في حقهم هذه العقوبة. غير أنه إذا صح أن يتخذ هذا الجانب التنظيمي من العقوبة الطابع الدولي، وتبرم من أجله اتفاقيات وتعقد له مؤتمرات، إلا أنه لا يصح في الجانب الثاني منه وهو المهم تدويل هذه القضية. أي ما يتعلق بمسألة إبقاء أو إلغاء هذه العقوبة ـ فالمسألة هنا مرتبطة بظروف الدولة ومدى حاجتها إلى هذه العقوبة.
وأما عن التعسف الناتج عن إفراط بعض الدول في ممارستها لهذه العقوبة على الجرائم التي لا تصلح أن تكون محلا لها، أو في غياب أدنى الشروط والضمانات للمحكوم عليه بالإعدام، ففي مثل هذه الحالة نقول أن تدويل هذه القضية ليس فقط من حق هذه المنظمات أو الحركات الإنسانية، بل من واجبها، إذ المسألة هنا تتعلق بحقوق الإنسان والحفاظ على كرامته كآدمي وبالتالي فما قدمته أو تقدمه هذه المواثيق في شأن هذه القضية قليل في حق الأبرياء الذين يعدمون تحت وطأة التعذيب والجور من قبل السلطة.
__________
(1) ارجع إلى 5 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان.
(2) المجلة العربية لحقوق الإنسان عدد خاص، عدد 6، 1998، ص 49 و52. (14/228)
صفحة 224
المطلب الثالث: الحركات الإنسانية وعقوبة الإعدام
برز عنصر ثان خلال العقد الماضي وهو تطوير معاهدات حول الإلغاء الفعلي لعقوبة الإعدام، وهذا تزامن مع ظهور بعض الحركات الإنسانية والأصوات المنادية بإلغاء هذه العقوبة، نيابة عن الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام، أو الذين يُهددهم خطر الإعدام الوشيك، عن طريق طلب الرأفة أو العفو، أو تخفيف الحكم أو إعادة المحاكمة (1).
تدعو منظمة العفو الدولية، جنبا إلى جنب مع غيرها من المنظمات التي تؤيد إلغاء عقوبة الإعدام إلى وقف دائم لجميع عمليات الإعدام، وهذا من خلال تقارير تصدرها سنويا، إذ غالبا ما تخصص قسما يتعلق بعقوبة الإعدام، والتطور الحاصل في شأنها (2). كما أن هناك حملة شعارها «ارفعوا يديكم عن قابيل» تقودها رابطة المواطنين والبرلمانيين من أجل القضاء على عقوبة الإعدام، والتي تضم حائزين على جائزة نوبل وشخصيات علمية وثقافية وشخصيات أخرى مختلفة، وقد حاولت (أي الرابطة) طرح المشكل في الوطن العربي في أكتوبر 1995، لكنها اصطدمت بالعاتق الثقافي، وفلسفة الرابطة المذكورة تنطق من أنه لو نفذ حكم الإعدام في قابيل لما وجدنا نحن الآن في المعمورة (3).
وبالرجوع إلى هذه المبادرات الرامية إلى إلغاء العقوبة، نلاحظ أنها أولت اهتماما مبالغا فيه في حق الجاني، باسم حقوق الإنسان والمحافظة على كرامته تارة، وباسم الشفقة والرحمة عليه تارة أخرى، غير أن ما يؤخذ عليها أنها أهملت جانبا مهما وهو العدالة والمجتمع، إذ بإلغائنا حكم الإعدام على الجاني نكون قد حكمنا بالإعدام على العدالة والمجتمع في آن واحد.
هذا فيما يتعلق بالأصوات المطالبة بإلغاء هذه العقوبة إلا أنه ما يميز هذه الآراء أنها مجرد نظرات عابرة في الموضوع تحتاج إلى ما يبررها ويدعم موقفها، ولا يتأتى لها إلا بعد دراسة وبحث في
__________
(1) انظر الملحق رقم 4.
(2) منظمة العفو الدولية، المرجع نفسه، ص75. وفي أفريل اعتمدت لجنة حقوق الإنسان القرار رقم 1998/ 8 الذي يدعو جميع الدول التي أبقت على عقوبة الإعدام إلى فرض وقف مؤقت لتنفيذ أحكام الإعدام، توطئة لإلغاء العقوبة إلغاء تاما.
(3) جريدة الخبر الأسبوع، المرجع السابق نفسه، ص 8. (14/229)
صفحة 225
الأسباب والعوامل التي أخذت بالمشرع الجزائي لتقرير أو فرض هذه العقوبة، وتطبيقها إذ المسألة هنا ــــ إبقاء أو إلغاء العقوبة ــــ لا تتعلق ببرنامج حكومي أو خطة اقتصادية إذا لم تنجح استبدلت ببرنامج آخر ... الخ، وإنما المسألة هنا حياة أو موت، وبالتالي النص على هذه العقوبة من قبل المشرع لا يكون إلا بعد تهيئة الظروف الملائمة الاقتصادية منها والاجتماعية، وبناءا على هذا فإنه لا ينبغي الاعتماد على معيار واحد لتقرير العقوبة، وإنما ينبغي الاعتماد على معايير أخرى لسن نظام قضائي جنائي، من شأنه أن يضمن للسياسة الجنائية نجاعتها، وأي مخالف لهذا الأمر يكون مجافيا للعدالة والمنطق.
ومن هنا نخلص إلى نتيجة، وهي أن أي فشل أو قصور في النظام العقابي في مكافحته للإجرام، يرجع مباشرة إلى واضعيه. ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة لعقوبة الإعدام، حيث لا يمكن أن نحكم عليها بالفشل، قبل أن نبحث مليا في الدوافع والحكمة التي أرادها الشارع من وضعها، لاسيما إذا علمنا أن هذه العقوبة قد أقرتها معظم الشرائع السماوية بما فيها الشريعة الإسلامية (1)، وأي ادعاء بعدم مشروعيتها أو عدم ملاءمتها لأغراض السياسة العقابية يعد باطلا.
غير أنه ينبغي على الدول التي تستخدم هذه العقوبة إحاطتها بأكثر الضمانات، ولا تطبقها إلا إذا اقتضت الضرورة، إذ أي إفراط أو تفريط في استعمالها، يسلب لها فعاليتها باعتبارها أداة لقمع الجريمة، واستئصال المجرمين. وبعد كل هذا نجهل أو نتجاهل مثل هذه الحقائق؟ ثم نغدو نطالب بإلغاء أو تطبيق هذه العقوبة، لا لشيء إلا تقليدا أو محاكاة لدول أخرى، ونتمسك بشعارات وأقاويل لا أساس لها من الصحة، فهذه القضية ليست تقليدا ولا إتباعا أكثر مما هي تأصيلا واقتناعا.
- - -
__________
(1) قال الله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (سورة الملك/ الآية 14). (14/230)
صفحة 226
قائمة المراجع
01 - أسامة عبد القادر قايد العقوبة في الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية
02 - جرفاوي الطاهر، العقوبة وأسباب انقضائها
03 - جريدة الخبر الأسبوعي، العدد 103 تاريخ من 20 إلى 26 فيفري 2001
04 - سمير الجنزوري، الأسس العامة لقانون العقوبات مقارنا بأحكام الشريعة الإسلامية، نشر دار الثقافة
05 - عبد القادر الكيلاني، عقوبة الإعدام في الشريعة الإسلامية والقانون المصري
06 - عبد الله سليمان، في شرح قانون العقوبات الجزائري، (الجزء الثاني الجزاء الجنائي) ديوان المطبوعات الجامعية طبعة 1990
07 - عبود السراج، علم الإجرام وعلم العقاب، دراسة تحليلية في أسباب الجريمة وعلاج السلوك الإجرامي.
08 - غسان رباح: عقوبة الإعدام حل أو مشكلة؟ دراسة معمقة ومقارنة في النضرية والتطبيق. مؤسسة نوفل.
09 - المجلة العربية لحقوق الإنسان عدد خاص، عدد 6، 1998
10 - محمد أمين الميداني، النظام الأوربي لحماية حقوق الإنسان 1993
11 - محمد جعفر علي /عوامل الجريمة والسياسة العقابية في التشريع الليبي المقارن، دار النهضة العربية للنشر والطباعة، بيروت
12 - المنظمة العربية لحقوق الإنسان، حقوق الإنسان في الوطن العربي
13 - منظمة العفو الدولية، تقرير عام 1999، مطبوعات عرباوي
14 - منظمة العفو الدولية، عقوبة الإعدام ضد حقوق الإنسان /1989 (14/231)
صفحة 227
جيلُ طلبة القُطب
ودورُهم في الإصلاح بوادي ميزاب
د/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
كلية العلوم الإسلامية ــــ الجزائر
ت
تحاول هذه الدراسة أن تعود إلى التاريخ المعاصر القريب لوادي ميزاب بالجزائر، المتزامن مع النصف الأول من القرن العشرين لسرده وتحليله بغرض فهم تداعياته وآثاره على الحياة المعاصرة في أبعادها الدينية والاجتماعية والتربوية.
لقد مثل قطب الأيمَّة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (1) شخصية محورية فعالة في حقبة التاريخ الحديث والمعاصر لوادي ميزاب، بسبب ما ترك من آثار قوية في مجالات عديدة، لا زلنا نلحظ بعضها اليوم، وأسهم بذلك في رسم حاضره ومستقبله؛ مما يستوجب على الدارسين لهذا المجتمع الوقوف المتأني مع جهود هذه الشخصية الإسلامية الفذة وتداعياتها على مختلف الأصعدة.
لعل من أهم هذه الآثار ذلك الجيل الذي تتلمذ وتربى بين يديه وغرس فيه شخوصه، ثم دفعه إلى جبهات الحياة المتقدة حيوية ونشاطا وتحديات؛ ليصارعها ويرسم صورة وادي ميزاب خلال القرن العشرين.
إن الجهود العظيمة التي بذلها قطب الأيمة الشيخ امحمد اطفيش في مجال التربية والتعليم بتخريج العشرات من الدفعات والمئات من الطلبة من معهده في العلوم الشرعية والعربية ألقت بظلالها على كامل وادي ميزاب، ورسمت صورة جديدة له اتسمت بجملة خصائص ومميزات قام بأدوارها طلبة
__________
(1): امحمد بن يوسف اطفيش: ولد سنة 1821م وتوفي سنة 1914م، عالم إباضي مجتهد، ترك المئات من الكتب والرسائل وتخرج من معهده المئات من الطلبة. انظر ترجمته المفصلة في: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، أربع مجلدات، من القرن الأول الهجري إلى الخامس عشر الهجري، قسم المغرب، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1420هـ \ 1999م، ج4، ص848 – 849. (15/232)
صفحة 228
القطب، ودفعوا عجلة النهضة والإصلاح إلى الإمام.
انتشر طلبة القطب الكثيرون في كامل قرى وادي ميزاب وفي أرجاء الجزائر وخارجها؛ في بعض البلاد الإسلامية مشرقا ومغربا، وكان لهم الفضل في مواصلة مسيرة شيخهم بعد وفاته؛ حين حملوا لواء نشر العلم وإشاعة الوعي وبث الإصلاح الاجتماعي والنهوض بأعباء المجتمع، فتفرقوا في كل مجالات الحياة وملؤوها جهودا وأعمالا.
لا نكاد نلحظ حركية اجتماعية في ثغر من ثغور المجتمع بوادي ميزاب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى غاية النصف الأول من القرن العشرين إلا ووجدنا أحد طلبة القطب رائدا من روادها، وصانعا من صناعها.
تنبه الشيخ عبد الرحمن بكلي لهذا الأمر وصرح قائلا: «والحق إن الجيل المثقف بميزاب على عمومه سواء في عصره أو بعد عصره، إلى أيامنا، من طلبته إما مباشرة وإما بواسطة. فقد هيمنت شخصيته على الحياة العلمية هيمنة لم تتح لأحد قبله من علمائه، وصاغه صياغة جديدة، وطبعه بطابعه الخاص، ولا منازع فذلك ما قرره التاريخ الحق وأقره الواقع وأثبتته الإحصائيات» (1).
استطاع جيل طلبة القطب أن يحملوا راية الإصلاح بكل قوة واقتدار ويتفاعلوا مع مستجدات عصرهم ويتصدوا للمشاكل التي تولدت فيها، ويقدموا جهودا معتبرة في سبيل إيجاد حلول لها تضمن للأمة كرامتها وتحفظ لها شخصيتها وخصائصها وتميزها.
مما يدفعنا لمعرفة أصناف هؤلاء الطلبة:
*ـ أصناف طلبة القطب:
لا شك أن إحصاء طلبة القطب ومعرفتهم كلهم ليس بالأمر الهين، فالشيخ قضى حياته في ميدان التعليم، وصرف فيه أزيد من سبعين سنة من عمره، ولا شك أن طلبته قد تفاوتوا من حيث التحصيل والنبوغ والأثر الاجتماعي والعلمي، وارتفع بعضهم فوق بعض درجات.
سنحاول تصنيفهم كما يلي:
__________
(1): عبد الرحمن بكلي: محاضرات البكري في العلم والعلماء، إعداد وتقديم: مصطفى صالح باجو، نشر مكتبة البكري، العطف، غرداية، الجزائر، دت. ص124. (15/233)
صفحة 229
1 ــــ صنف تلقى العلم عنده فترة قصيرة، ولم تسمح له ظروف الحياة بالمواصلة فانقطع إلى الأعمال والتجارة.
2 ــــ صنف نال منه حظا معتبرا من العلم بأن أتم عنده المرحلة الابتدائية والثانوية ثم انقطع إلى الحياة العملية.
3 ــــ صنف جلس بين يديه مدة طويلة وتلقى عليه تكوينا عاليا مختصا في العلوم الشرعية والعربية، حتى أصبح من العلماء والمشايخ والفقهاء.
4 ــــ صنف تلقى بين يديه نصيبا معتبرا من العلم، وحمل فكره وروحه، ثم انقطع إلى مجالات الحياة المختلفة، فبرز بشخصيته الاجتماعية أو السياسية وناضل وجاهد وكان له أثر ودور فعال في الجبهة التي اتجه إليها.
5 ــــ صنف لم يجلس بين يديه مباشرة متفرغا للتعلم، إذ حالت ظروفه في الحياة دون ذلك، إلا أنه أخذ معينا من فكره وعلمه من خلال جلوسه وراء حلقاته، وإنصاته لدروسه المسجدية فاستفاد منها وتعلم وتتلمذ عليه بواسطة هذه الطريقة (1).
إن هذه الأصناف الخمسة من الطلبة يعدون بالمئات؛ إن لم نقل بالآلاف، وكل منهم نال حظه من علم القطب، وتأثر بأخلاقه وشخصيته وفكره، وعمل بتوجيهاته وانصرف إلى حياته العملية الخاصة حاملا فكرة الإصلاح ومدافعا عن مشروع النهضة في وادي ميزاب.
*ـ جبهات نشاط طلبة القطب:
اتسم القرن العشرين في الجزائر ووادي ميزاب بتحديات كبيرة وإشكالات حضارية عويصة هي وريثة عهود سابقة، نستطيع ضبط أهم هذه الجبهات التي قدم فيها طلبة القطب جهودا عظيمة فيما يلي:
*ــــ جبهة الإصلاح الديني الاجتماعي بالوعظ والإرشاد في المساجد وبمحاربة المناكر والبدع والتقاليد البالية.
*ــــ جبهة التعليم والتربية بفتح دور العلم وحلقاته وتعليم الناس وفتح المدارس وتفعيل المحاضر، وإنشاء البعثات، وتطوير المناهج والبرامج والاستفادة من التجارب الإسلامية المجاورة.
*ــــ جبهة محاربة الجهل والأمية
__________
(1): واضع هذا التصنيف هو المؤرخ محمد علي دبوز مع إدخالنا بعض التعديلات عليه. انظر: محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج1، ط1، مطبعة التعاونية، 1385هـ\ 1965م، ص337. (15/234)
صفحة 230
ومحاصرتهما، اللذين كانا متفشيين في أوساط المجتمع.
*ــــ جبهة مقاومة المستعمر والنضال ضد سياساته ومخططاته التي نشطت في محاربة الدين ومقومات المجتمع في وادي ميزاب بعد احتلاله سنة 1882م، وحكمه حكما عسكريا حاقدا ظالما متجبرا، عمل على تخريب أخلاقه وإشاعة أسباب الفجور والفواحش والانحراف بين أفراده، وبث التفرقة والنزاع والعصبيات بين أهاليه وقبائله المتساكنة.
*ــــ جبهة النضال ضد المستعمر في ما سنه من قوانين جائرة لتجنيد الشباب في صفوف جيوشه ودفعهم إلى جبهات القتال أثناء الحرب العالمية الأولى وما بعدها.
*ــــ جبهة مساندة حركات المقاومة الشعبية التي عرفتها الجزائر في كامل أرجائها بدعمها بالأموال والعتاد والبارود.
*ــــ جبهة النضال في الحياة المدنية لدى السلطات الاستعمارية الإدارية بتولي وظائف القضاء وعضوية المجالس البلدية، وقيادة بعض البلدات.
*ــــ جبهة العمل الصحفي ودخول المعترك السياسي النضالي لأجل توعية الجماهير بمسؤولياتها وواجباتها وحقوقها، ومحاربة المستعمر وفضح مخططاته والتشهير بجرائمه ومفاسده (1).
نزل طلبة الشيخ اطفيش إلى كل هذه الميادين الجهادية وملؤوها بأعمالهم وتضحياتهم العظيمة، وخاضوا فيها معارك بطولية طويلة وسجلوا فيها صفحات مشرقة من صور الجهاد والبذل والتضحية الغالية، التي تنم فعلا عن إيمان راسخ، وعن فكرٍ نَيِّر، وعن نضج عميق، وعن كفاءات عالية، وعن قدرات كبيرة، وعن عزائم قوية.
لا يسمح المقام بالتفصيل في إبراز جهود هذا الجيل في كل هذه الجبهات، وإنما سنكتفي بعرض نماذج من الشخصيات التي أصبح لها وزن وثقل معتبر في المجتمع، وقامت بأدوار مهمة في نقل النهضة الإصلاحية إلى الحياة المعاصرة اليوم.
اخترنا منهم هؤلاء:
*ــــ الشيخ عمر بن يحيى المليكي.
__________
(1): للاطلاع على جهود طلبة القطب في كل هذه الجبهات تراجع الكتب الآتية: محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، كله. عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل، نشر مكتبة البكري، المطبعة العربية، غرداية، 2004م، كله. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية. (15/235)
صفحة 231
*ــــ الشيخ صالح بن عمر لعلي.
*ــــ الشيخ إبراهيم بن بكير حفار.
*ــــ الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى.
*ــــ الشيخ يوسف بن بكير حمو وعلي.
*ـ الشخصيات البارزة من طلبة القطب:
1 ـ الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي:
ولد في بلدة القرارة سنة: 1274هـ \ 1858م وتوفي سنة: 1340هـ \ 1921م.
تلقى تعليمه في محاضر مسقط رأسه ثم انتقل إلى معهد القطب حيث درس عنده نحو عامين ونصف ثم عاد إلى القرارة وفتح حلقة التعليم في حدود سنة 1314هـ\ 1896م، وارتكز جهاده على الجبهات الدينية والاجتماعية والتعليمية.
إثر استقراره في بلدته القرارة شرع في حمل عبء الإصلاح مع مشايخ البلدة، وتركزت جهوده في تربية النشء على الأخلاق الإسلامية وإعدادهم ليكونوا شبابا صالحين مصلحين متعلمين في المستقبل.
بعد وفاة مشايخ البلدة السابقين انتقلت مشيخة المسجد إليه وأصبح شيخ الإصلاح فيها، مما جعله يتحمل مسؤولية مواصلة مسيرتهم في محاربة الفساد الخلقي المستشري بسبب أيادي الاستعمار وأذنابه القياد، ومحاربة آثار العصبيات والفتن المترسبة في الأذهان من عهد الجهالة والصراعات العشائرية والجهوية التي عرفتها البلدة ومرت بها خلال القرن التاسع عشر.
كما تصدى مع رفقائه من رجال الإصلاح إلى مقاومة جبروت الاستعمار وظلمه الأهالي واستعباده لهم بفرض الغرامات والضرائب الكثيرة عليهم، والتعدي على ممتلكاتهم، فكانت لهم فصول مشرفة ومشرقة في سبيل رفع هذا الغبن وإزالة هذا الظلم، مما جعل السلطات الاستعمارية بإيعاز من قياد البلدة الفاسدين يسوقونه إلى سجن "تعظميت" بالقرب من مدينة الأغواط.
كما توجه الشيخ إلى الإصلاح الديني والاجتماعي من خلال منبر المسجد، فقام بمهمة الوعظ الإرشاد والنصح وإصلاح ذات البين، حتى أصبح شيخ الإصلاح الأول في بلدته القرارة.
كما وجه الشيخ الحاج عمر جهوده الكبيرة إلى جبهة التربية والتعليم وإعداد الأجيال واعتبرها من الأولويات، وصرف فيها الكثير من وقته، حيث أدرك ألا قيام لأمته ولا فك لسلاسلها وأغلالها من يد الاستعمار وأذنابه إلا بتعليم الأجيال وتثقيفهم وتربيتهم ليواصلوا مسيرة الإصلاح والنضال في المستقبل.
شرع في التدريس في حلقة خاصة به (15/236)
صفحة 232
مباشرة بعد استقراره في بلدته، ومع الوقت تزايد عدد طلبة خاصة بعد وفاة بعض شيوخ البلدة، حيث انضم إليه بقية الطلبة، وسرعان ما وصلت أصداء حلقته إلى أرجاء وادي ميزاب ووارجلان، فقصده الطلبة من مختلف قراها.
عرف الشيخ بشخصيته التربوية وبطيبة قلبه وبحبه الشديد لطلبة وتودده إليهم وتواضعه معهم، مما جعلهم يطلقون عليه تسمية نور القلب.
عندما توافد عليه الطلبة من وادي ميزاب وكثر عددهم قسمهم إلى طبقات حسب أعمارهم ومستوياتهم العلمية، وعين مجموعة من طلبته الكبار النجباء معه في التدريس فقدمهم وشجعهم ووجههم كما كان يرسل طلبته لاستكمال دراستهم في معهد شيخه القطب قبل وفاته (1).
لعل من أكبر أفضال هذه الحلقة وأشرف أعمالها أنها رعت في أحضانها شباب الحركة الإصلاحية الذين أصبحوا قادتها فيما بعد؛ إبراهيم بيوض، أبا اليقظان إبراهيم، عدون شريفي، وغيرهم، فحرصت على تعليمهم وتنشئتهم تنشئة إسلامية صحيحة متكاملة.
كما أنه من أفضال الشيخ الحاج عمر أن تمت على يديه الرعاية الخاصة لهذا الشاب اليافع إبراهيم بيوض، واكتشاف مواهبه وقدراته وذكائه، والتنبؤ بمستقبله الواعد، ثم فتح الطريق أمامه للتسلق إلى الريادة وهو لا يزال في مقتبل العمر. وكان من أفضاله أن أقنع والده بعدم قطعه عن الدراسة ليعينه في تجارته، بعد أن عزم على ذلك، فكان سببا في أن يتركه ليواصل تعلمه، ولعل من صور أخلاقه وتواضعه وحبه لطلبة أن قرب إليه هذا الشاب ورعاه رعاية خاصة لما توسم فيه من الخير والنفع في المستقبل، فقدمه ودفع به إلى الأمام وتدرب على التعليم بين يديه، فقومه ووجهه ونصحه.
فكان الخير العميم الذي أفاض على القرارة ووادي ميزاب والجزائر من وراء هذه الحلقة (2).
2 - الشيخ صالح بن عمر لعلي:
من مواليد بني يزقن سنة: 1287هـ \ 1870م، وتوفي سنة: 1347هـ \ 1928م
يعد من أبرز الشخصيات العلمية التي أنجبها وادي ميزاب بعد قطب الأيمة الشيخ اطفيش.
__________
(1): محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ج3، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1398هـ\ 1978م، ص222 - 238.
(2): المرجع نفسه: ج3، ص654. (15/237)
صفحة 233
كان وراء نبوغه أسباب وراثية؛ من ذكاء حاد وبيئة علمية واجتماعية متميزة؛ شب في وسطها وتلقى تكوينه فيها، حيث تنقل بين عدة مدارس ومعاهد في وادي ميزاب، ثم جلس بين يدي القطب ونهل منه العلوم الشرعية والعربية العليا، ثم أتم دراسته وصقل مواهبه بأسفاره العديدة إلى الحواضر العلمية في العالم الإسلامي؛ من جامع الزيتونة وجامع الأزهر وحلقات الحجاز، والجلوس إلى علمائها ومخالطتهم وحضور حلقاتهم.
تركزت جهوده في جبهتين كبيرتين:
*ــــ جبهة التربية والتعليم.
*ــــ جبهة الإصلاح الديني الاجتماعي.
تفرَّغ الشيخ صالح للعلم والتعليم، فصرف حياته في مجالهما، فعكف على مدارسة أمهات الكتب وتوسيع ملكاته العلمية وتعميق معارفه الشرعية، كما تفرغ للتعليم فأسس مدرسة ابتدائية، ومعهدا ثانويا وعاليا، وجلس للتدريس فيه طوال حياته. فتخرج على يديه أفواج كثيرة من طلبة العلم، حملوا لواءه بعده وواصلوا مسيرة التنوير والتثقيف والتوعية في وادي ميزاب.
أما على مستوى الواجهة الثانية فإن الشيخ كانت له دروس يومية ودورية في مسجد بني يزقن وفي دار طلبتها، عالج فيها مختلف الأمراض التي كان يعاني منها المجتمع، واستطاع أن يحارب الكثير من البدع والخرافات التي كان يعاني منها.
عرف الشيخ بصراحته وشدته في قول الحق، وبآرائه ومواقفه الجريئة، وكانت دروسه مؤثرة قوية فعالة، وقد تولى مشيخة المسجد في بلدته، وقام بإصلاحات عديدة على مستوى وظائفها وأوقافها.
كما حارب الاستعمار وتصدى لسياساته ومكره، وحارب أذنابه من القياد والأغنياء الفاسدين من خلال منبر المسجد ومن خلال خطبه ورسائله. فمن أهم ما قام به في ذلك وقوفه ضد قانون التجنيد الإجباري حينما فرضته السلطات الاستعمارية على شباب الجزائر فدخل في مواجهة صريحة علنية معها.
كما اعتنى بالتأليف وترك لنا العديد من البحوث والمخطوطات لعل أهمها مايلي:
*ــــ القول الوجيز في كلام الله العزيز.
*ــــ مراقي العوام إلى معرفة مبادئ الإسلام.
*ــــ رسالة الصوم والإفطار.
*ــــ رسالة الوصايا الثمانية للعزَّابة.
*ــــ كشف القناع عن مسائل وقع فيها النزاع.
*ــــ البراهين القاصفة لتمويهات متَّبعي الفلاسفة.
*ــــ مجموع أجوبة وفتاوى. (15/238)
صفحة 234
*ــــ ثلاث قصائد في مدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرته.
*ــــ رسالة في حرمة التجنيد في الجيش الفرنسي.
*ــــ حاشية على مسند الربيع بن حبيب (1).
3 ـ الشيخ إبراهيم بن بكير حفار:
ولد في بلدة القرارة سنة:1308هـ \ 1890م وتوفي سنة: 1374هـ \ 1954م.
درس في محاضر بلدته القرارة ثم التحق بحلقة الشيخ الحاج عمر بن يحيى ثم انتقل إلى معهد القطب ونال حظا من العلم بين يديه ثم سافر إلى تونس لمواصلة دراسته في جامع الزيتونة فنبغ في العلوم الشرعية والعربية وأتقن علم التجويد.
إثر عودته إلى القرارة سنة 1333هـ \ 1915م فتح حلقة علم خاصة به لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم العلوم العربية والشرعية، وقد عرف بفصاحة لسانه وبراعته في التدريس وحزمه وصرامته في نظامه. مما جعل الطلبة يقبلون عليه من القرارة ومن مدن ميزاب ويأخذون من علمه وخلقه وتربيته وحزمه.
انتقل سنة 1339هـ \ 1920م إلى بلدة غرداية وتولى التدريس في إحدى مدارسها، ثم انتقل سنة 1344هـ \ 1925م إلى بلدة بني يزقن فتفرغ للتدريس في مدارسها وحلقاتها وأبلى بلاء حسنا في سبيل ذلك حيث برع في تدريس علم التجويد والقراءات وعلوم اللغة العربية وتخرج على يديه العشرات من الطلبة من كل قرى وادي ميزاب. وكان له الفضل أن يكون أول مدرس بالمعهد الجابري الثانوي الذي لا يزال قائما يزاول نشاطه التربوي التعليمي إلى حد اليوم. كما كان للشيخ دروس في المساجد والمحافل الاجتماعية يربي وينصح ويعظ ويعلم
كما ربطته علاقات مع الشيخ عبد الحميد ابن باديس والشيخ الطيب العقبي، حيث كانت له دروس في نادي الترقي بالجزائر العاصمة ودروس أخرى في جامع بكار ببسكرة. ودام في جهاده التعليمي الإصلاحي في بلدة بني يزقن إلى وفاته. كما ترك مؤلفات عديد لعل أهمها ما يلي:
*ــــ رسالة شروط المفسِّر
*ــــ السلاسل الذهبية بالشمائل الطُّفَيْشِية. في ترجمة شيخه قطب الأيمة.
*ــــ منظومة الحيض والنفاس
*ــــ منظومة الصيام
*ــــ حاشية على كتاب الديانات
*ــــ حاشية على كتاب الموجز
__________
(1): محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج2، ص139. معجم أعلام الإباضية: ج2، ص475. (15/239)
صفحة 235
*ــــ حاشية على كتاب الدرر اللوامع في التجويد (1).
4 - الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى:
من مواليد بلدة غرداية سنة 1280هـ / 1863م، وكانت وفاته في تاريخ 29 جمادى الأولى 1376هـ/ 02 جانفي 1957م.
تلقى تعليمه الأول في مسقط رأسه، وحفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ، ثم سافر إلى القرارة وأخذ بعض العلوم من حلقة الشيخ الحاج عمر بن يحيى المليكي، ثم عاد إلى غرداية والتحق بحلقة الشيخ بابكر بن الحاج مسعود ونهل منها بعض العلوم العربية والشرعية، ثم انتقل إلى معهد قطب الأيمة الشيخ اطفيش ببني يزقن وتتلمذ على يديه حتى نجب في حلقته وكان من أبرز طلبة، وأخذ قسطا وافرا من العلوم الشرعية.
تفرغ للتدريس والوعظ والإرشاد طوال حياته، وعين شيخا لحلقة العزابة بغرداية، وقضى في حلقات العلم حوالي خمسين عاما. وكان يلقب بعد وفاة الشيخ اطفيش بشيخ وادي ميزاب.
أنشأ معهده في غرداية وتفرغ للتدريس فيه، وتخرج على يديه العشرات من الطلبة، الذين حملوا مشعل العلم والدعوة من بعده، وساروا على نهجه في العمل الاجتماعي.
كما ترك مكتبة زاخرة بالكتب والمخطوطات النفسية، وألف العديد من الكتب والرسائل، نذكر منها ما يلي:
*ــــ ترغيب الراهب وترهيب الراغب. مخطوط.
*ــــ رسالة في مشاهد الصالحين بوادي ميزاب. مخطوط
*ــــ سيرة العزَّابة. مخطوط.
*ــــ الزيارة ومعالمها. مخطوط
*ــــ أجوبة علمية ورسائل إخوانية. مخطوط
*ــــ مقالات صحفية في جرائد أبي اليقظان (2).
5 - الشيخ يوسف بن بكير حمو وعلي:
ولد في بلدة العطف في سنة 1304هـ \ 1887م، وتوفي سنة 1404هـ \ 1984م.
نشأ يتيما ضريرا فقيرا، حيث تولت أمه تربيته وتنشئته، نال علومه الأولى على يد شيخه الحاج عمر بن حمو بكلي في مدرسة مسجد أبي سالم بالعطف، ثمَّ توجه إلى معهد الحاج عمر بن يحيى بالقرارة وواصل فيه تعلمه، ثمَّ ارتحل إلى معهد قطب الأيمة الشيخ اطفيش ببني يسجن ونال حظه من التتلمذ
__________
(1): محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج2، ص145 - 147. معجم أعلام الإباضية: ج2، ص12.
(2): محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج1، ص380. معجم أعلام الإباضية: ج2، ص251. (15/240)
صفحة 236
على يديه، ويعد من أصغر طلبة، ومن آخر من توفى منهم.
وفي سنة 1335هـ/1917م سافر إلى تونس مع أوَّل بعثة علمية برئاسة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، ليكمل دراسته العليا في جامع الزيتونة وفي المدرسة الخلدونية.
عاد إلى مسقط رأسه سنة 1342هـ / 1923م واشتغل بالتدريس والفتوى في دار حفظة القرآن "إروان"، كما كلف بالوعظ والإرشاد في مسجد الشيخ أبي سالم، بعد أن التحق بحلقة العزَّابة سنة 1340هـ\1921م، التي تولَّى رئاستها فيما بعد.
في سنة 1374هـ/1954م تولى التدريس بالمعهد الجابري في بني يزقن خلفا للشيخ إبراهيم بن بكير حفار بعد وفاته.
في سنة 1383هـ / 1962م اختاره عزابة وادي ميزاب ليكون نائبا للشيخ إبراهيم بيوض في رئاسة مجلس عمِّي سعيد، إلى حين وفاته سنة 1401هـ / 1981م؛ حيث عين رئيسا شرفيا للمجلس.
قضى حياته بين حلقات العلم في المدارس والمعاهد معلما ومربيا ومكونا، وفي جنبات المساجد واعظا ومرشدا وداعيا ومفتيا، وفي مجالس إصلاح ذات البين، وفض النزاعات والخصومات بين الناس.
كما ترك أعمالا علمية عديدة، من أهمها:
*ــــ تفسير القرآن الكريم، وشرح كتاب قواعد الإسلام، إلقاء شفويا في المسجد.
*ــــ مراسلات وفتاوى مخطوطة.
*ــــ مجموعة من الأشرطة السمعية لخطاباته ومواعظه.
توفي عن عمر يناهز المائة سنة، وترك العشرات من الطلبة من الجزائر وتونس وليبيا، بعد أن أصبحوا ركائز في المجتمع وقواعد له خلفا لشيخهم (1).
هذه نماذج من الشخصيات العلمية والاجتماعية التي تركت آثارا معتبرة في تاريخ وادي ميزاب خلال القرن العشرين، من خلال حلقاتها العلمية ومعاهدها وجهودها في سبيل التربية والتعليم والإصلاح.
فماذا عن تقويم جهود هذا الجيل؟
*ـ تقويم جيل طلبة القطب:
نستطيع أن نقول إن البذور التي غرسها قطب الأيمة الشيخ اطفيش في طلبته من خلال حلقاته التعليمية قد آتت أكلها في عهد طلبته، إذ استطاعوا أن
__________
(1): أحمد كروم: العلامة الجليل الشيخ: يوسف بن بكير حمو وعلي، 1887م – 1984م، حياته وآثاره، نشر جمعية الأمل للتربية والثقافة، العطف، غرداية، 1415هـ \ 1995م. معجم أعلام الإباضية: ج4، ص1017. (15/241)
صفحة 237
يواصلوا مسيرته من بعده وأن يكون لهم وجود وحضور في كل مجالات الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية والتعليمية، فسدوا الثغور وتحملوا المسؤوليات وأدوا الأمانات إلى الجيل الذي يليهم.
ارتسمت في عهدهم صورة في وادي ميزاب نستطيع وصفها بالحركية الاجتماعية المتفاعلة والمتسارعة والنشطة، وبالحيوية العلمية التي أثمرت انتشارا معتبرا للثقافة وارتفاعا محسوسا للوعي لدى الجماهير، وبالنضال السياسي والمطالبة بالحقوق، وبنشاط الحركة الاقتصادية وبداية ظهور تكتلات التجار، وتنظيم صفوفهم، وبالنقاش العلمي والحوار والجدل حول عدة قضايا راهنة كانت مطروحة في مجال التربية والتعليم والفتوى والسياسة، كما اتسمت بجنوح نحو التفتح على العالم الخارجي وبمحاولات التجديد والعصرنة في التفاعل مع مجالات الحياة والدين والمذهب.
هذا ما جعل عهدهم يعيش الكثير من الأحداث المهمة التي لا تزال آثارها باقية في وادي ميزاب إلى حد اليوم.
نستطيع تحديد النتائج الإيجابية لعهد طلبة القطب في النقاط الآتية:
*ــــ بداية توسع مساحة العلم والثقافة لدى الجماهير وتقلص مساحة الأمية.
*ــــ بداية انتشار الوعي وتقلص حجم العصبيات والبدع والخرافات.
*ــــ بداية استفاقة الناس ومعرفة حقوقهم وواجباتهم وتعلم طرق النضال عنها.
*ــــ تحرك مجال التجارة نحو منافسة اليهود والمعمرين فيه، وظهور التكتلات وتجارة الجملة.
*ــــ الانخراط في التشكيلات السياسية والحركات الوطنية والمشاركة فيها والنضال في صفوفها.
*ــــ مجابهة المستعمر بالنضال السياسي والمجابهة المباشرة والخفية لأجل مناهضة سياساته وإبطال مخططاته.
*ــــ المشاركة في الحياة المدنية العامة بدخول الانتخابات وتقلد المناصب في المجالس البلدية ووظائف القضاء.
هذا هو الشق الإيجابي لعهد طلبة القطب، ولا شك أن كل جبهة تحتاج إلى الكثير من التفصيل لبيان جهود هؤلاء الرجال فيها.
وبما أن لكل عمل بشري إيجابيات فله بالتبع سلبيات أو نقائص، فإنه من تمام التقويم الوقوف على هذا الأمر حتى (15/242)
صفحة 238
تكتمل الصورة، وحتى نستلهم الدروس مما يمكن أن يعد كذلك حسب تقديرنا ومن زاوية نظرنا.
يبدو لي أن المكانة العلمية العظيمة التي بلغها القطب في حياته مما ملأ بها نفوس طلبته وأقنع عقولهم بها، حتى أصبح يمثل لديهم أبا النهضة الإصلاحية والعلمية يعودون إليه في كل قضاياهم ويرون فيه الثقة والمرجع والملاذ الآمن، ورمز وحدة الأمة في وادي ميزاب، فكانت وفاته وغيابه فجأة سببا في أن يدخل وادي ميزاب في فترة فراغ قيادي ويعيش مرحلة قلق وتذبذب؛ يبدو أنه لم يستطع أحد من طلبته أن يسده رغم كثرتهم ورغم بلوغهم درجات عالية من العلم وتقلدهم مناصب سامية في القيادة والريادة والزعامة داخل المجتمع.
إن هذا الفراغ المفاجئ ولد بينهم نوعا من التنافس على وراثة هذه المكانة واعتلاء عرشها خلفا لشيخهم، وتمثيل المرجعية الدينية لوادي ميزاب، فعرف عهدهم تنافسا ونقاشا وصراعا واختلافا حول العديد من مسائل الدين والحياة.
نتج عن ذلك انقسام وادي ميزاب إلى فريقين متنافسين متخاصمين؛ حيث لم يستطيعوا أن يمنعوا حدوث هذا التصدع؛ بأن يقع بعض التنازل من كل طرف محافظة على وحدة الصف لأجل المصلحة العليا لوادي ميزاب، وأن تبقى اختلافاتهم في مستوى معين دون أن تتجاوزه لتتعدى الخطوط الحمراء.
من السلبيات الأخرى التي تحسب على طلبة القطب الذين تمكنوا من وراثة عرش شيخهم وحيازتهم على المرجعية الدينية لوادي ميزاب أنهم لم يستطيعوا أن يتقبلوا ظهور شخصية جديدة شابة على مسرح الأحداث؛ أوتيت مواهب عالية في عبقريتها وذكائها، وبرزت بقوة شخصيتها وفصاحة خطابها وقدرة تأثيرها في الجماهير، المتمثلة في إبراهيم بيوض.
هذا الشاب الذي لم يحظ بالتلمذة على يد القطب مباشرة، وإنما كان تلميذ تلميذه، فأنى له أن ينافسهم في هذه المكانة، وأنى له أن يفكر في قيادة وادي ميزاب.
هذا ما جعلهم يدخلون معه في صراع مرير شديد طويل، يعارضونه أشد المعارضة ويقفون في طريقه بكل ما أوتوا من قوة وبمختلف الوسائل المشروعة والممنوعة، ويردون أفكاره جملة وتفصيلا ويرفضون مشاريعه ومنجزاته، ويرون فيه أكبر خطر يهدد وادي ميزاب.
تسببوا بذلك في عرقلة مشروع النهضة الإصلاحية الجديدة التي قادها هذا الشاب، وأبطؤوا مسيرتها، رغم (15/243)
صفحة 239
كونهم جزءا منها، وحلقة ضمن حلقات مشايخهم السابقين.
كما يظهر في صراعهم هذا عدم استساغتهم انفلات القيادة الروحية والمرجعية الدينية والعلمية لوادي ميزاب من بين أيديهم وتحولها إلى هذا الشاب اللامع، وعدم استساغتهم انتقال ثقل العلم والإصلاح ومركزه من موطنه الأول ومنشئه وعاصمته بلدة بني يزقن إلى بلدة القرارة الناشئة والنائية عن قلب وادي ميزاب.
كما أن من نقائص جيل طلبة القطب عدم استطاعة بعضهم مواكبة حركية المجتمع في تفتحه وتطوره، فرفضوا الاستفادة من العالم الخارجي ومن التجارب الإنسانية والإسلامية، ورضوا بالانغلاق على أنفسهم والركون إلى القديم والجمود عليه، والانزواء عن الأحداث الوطنية والعالمية، إذ لم يستطيعوا إدراك حقيقة عصرهم وأولوياته، والأخذ بأسباب التمكين فيه.
إلا أنه ينبغي أن نسجل - بكل وضوح - أن هذه السلبيات التي ظهرت عند بعض طلبة القطب، لم تكن عند الأكثرية منهم، حيث إن القسم الأكبر تفهم شخصية الشيخ بيوض واعترف بقوتها وقدراتها فسلموا له القيادة والزعامة ولم ينافسوه فيها، بل عرفوا له مكانته، فتعاونوا معه تعاونا إيجابيا مخلصا صادقا، كما عرف هو مكانتهم كذلك، فشكلوا معه طاقم قيادة الحركة الإصلاحية في ثوبها الجديد، وبنوا هيكل مدرستها مع بعض، وكانوا أعضاء فاعلين فيها.
كما أن من طلبة القطب من لازم الحياد، ولم يبد معارضة واضحة للشيخ بيوض ولحركة الإصلاح، كما لم يبد تفاعلا إيجابيا معها كذلك، ربما لعدم توافقه مع الخط الذي سارت عليه، فلازم الصمت، وبقي ملتزما بدوره التعليمي التربوي ودوره الاجتماعي دون أن يعمل على عرقلة مسيرتها (1).
فالمدرسة الإصلاحية الجديدة إذن هي نتاج تزاوج وامتزاج شخصية الشيخ بيوض القوية القيادية العبقرية بجيل طلبة القطب الذين ساروا مع تيار الإصلاح وتفهموا أولوياته ومتطلباته وأبعاده الجديدة العصرية.
نريد أن نختم هذا المقال بالقول إن ما قام به الفريقان من جيل طلبة القطب، وما صدر منهم هي أعمال واجتهادات
__________
(1): يراجع في ذلك: عبد الرحمن بكلي: مسيرة الإصلاح في جيل، كله. محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ط1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400 هـ \ 1980م، ج4، كله. (15/244)
صفحة 240
بشرية أصابت أحيانا وأخطأت أحيانا أخرى، كما أنها صادرة من رؤى مختلفة للأحداث والمواقف بناء على اجتهادات في فهم النصوص الشرعية، وكيفية إنزالها على القضايا المعاصرة.
فهؤلاء ليسوا ملائكة ولا معصومين من الخطإ، وأن جهودهم العظيمة المضنية المتواصلة في سبيل التربية والتعليم والعمل الاجتماعي والوعظ والإرشاد لا يمكن أن تهضم أو تنس أو يغفل عنها بأي حال من الأحوال، ولا شك أن كلا من طلبة القطب سواء المعارضين أم المؤيدين لحركة الشيخ بيوض قد أبلى بلاء حسنا عظيما في هذا السبيل؛ رغم كل ما يكون قد صدر منهم من أعمال أو مواقف، يمكن أن يحكم عليها بأنها سلبية أو إيجابية من زاوية نظرنا.
هكذا بدا لي ملامح هذا الجيل في معركته الإصلاحية بوادي ميزاب، وأنا ألامس دراسة وتحليل أعماله وجهوده كنت أستشعر ذلك الحرج الكبير الذي يلف هذا الموضوع، ويحكم هذه الحقبة الزمنية من تاريخنا المعاصر بكاملها، التي أرى أن تداعياتها لا زالت قوية على حياتنا اليوم، ونحن في أمس الحاجة إلى فهمها على حقيقتها، واستلهام الدروس والعظات منها، وفي المقابل ألحظ ذلك الصمت الرهيب عن دراستها بكل موضوعية وعلمية.
- - - (15/245)
صفحة 241
قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عُمان
(الحلقة الثانية) (*)
الأستاذ: مصطفى بن محمد شريفي
باحث دكتوراه ــــ جامعة الأمير عبد القادر ــــ قسنطينة
ب
(1) ب- اهتمام القطب بالعُمانيِّين:
1 - العمانيُّون مُتنفَّس القطب:
يُبدي القطب في مراسلات كثيرة اهتماما بالغا بالعمانيين، وفي تصوُّرنا أنهم يمثِّلون له متنفَّسا يستريح به لمعاناته محليًّا ووطنيًّا، يجد منهم أصدقاءَ يبثُّ لهم آلامه وآماله، يعوِّضون له ما يتلقَّاه من معارضيه في بلده.
قال لمحمد بن شيخان: «كيف أحوالك وأحوال من معك، وأنا توحَّشت من انقطاع كتبكم عني بعد ترادفها وتواليها، فأخبروني ما السبب في ذلك» (2). وقال للسالمي والحارثي: «وصلني كتابكما وفرحت به لبقاء المحبة والاتصال في أمر الدين» (3). وقال: «اعلما أنه وصلني كتابكما وفرحت به فرحا كبيرا لطول الفترة، وضيقي بعدم وصول الكتابين إليكما في ظني، والحمد لله إذ وصلا» (4).
وإذا كان العلماء والطلبة العمانيون مثَّلوا للقطب متنفَّسا معنويًّا، فإن آخرين منهم يمثِّلون متنفَّسا ماديًّا، كما نلمس ذلك في وصفه لسالم بن جمعة بن مطر الخيظري بأنه: «فاعل خير لا ينسى ولا يستقصى، أثابه الله بجوده [ ... ] ومهما يُحْبِبِ الشيخُ سالم بن جمعة من صعبٍ وسهلٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ أسعَ فيه جهدي إن شاء الله عزَّ وجلَّ» (5). ويبدو أنه أسدى له خدمة جليلة، ونرجِّح أنها إعانة مادية.
__________
(1) نُشرت الحلقة الأولى من هذا البحث في العدد الماضي (14)، وستتلوها بإذن الله حلقة ثالثة. (التحرير).
(2) كشف الكرب، 1/ 9.
(3) المصدر نفسه، 1/ 5.
(4) المصدر نفسه، 1/ 45.
(5) المصدر نفسه، 1/ 9 - 10. (16/246)
صفحة 242
2 - سعي حثيث لإفادة العمانيِّين:
يقول القطب للسالميِّ: «وأمَّا الجوابُ فلو وجدتُ سؤالَك كلَّ يوم لأجبتك لتزداد علما إلى علمك، وأقول: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (1)، ولا أظنُّ أنِّي يثقل عليَّ شيء في نفعك [ ... ] وقد عزمتُ على أنَّه إن جاءني سؤالكم أعجل بجوابه [ ... ] ولكم الدعاء الصالح منِّي، ولعلَّه تظهر لك ثمرته [ ... ] واعلم أنِّي أريد أن تخبرني بكلِّ ما تحبُّه فأسعى فيه جهدي، ولا أملُّ منه ... » (2). وقال له أيضا: «وإنِّي مريد لنفعكم لو كان لي مال بمالي وبكتبي في كُلِّ فنٍّ» (3).
وقد يتكرَّر السؤال من أحدهم، فيتَّسع لذلك صدر القطب، كما قال: «وأنا أحبُّ أن لا يعيد السؤالَ
لئلاَّ يضيق صدر المسؤول الأوَّل، لكن لا بأس، فاسألني عمَّا تحبُّ ولو سألتَ قبلُ» (4)، وما ذلك إلاَّ لفرط حبِّهم، كما قال لأحدهم: « ... وإنِّي أحبُّ إدخال السرور عليكم» (5). ولا يزال العمانيون إلى اليوم يبادلونه نفس الشعور، ويكنُّون له كلَّ التقدير.
3 - شهادات القطب في بعض مراسليه العُمانيِّين:
الاسم
أوصافه
المصدر
راشد بن عزيز
«الشيخ العالم ذي الصدر السالم»
---------
«العالم الناصح الإبريز» | «الشيخ العالم» | «الذهب الإبريز، السائل المسترشد، والباعث المستنجد» | «الشيخ العالم».
كشف، ج1/ 27
-----
كشف، ج2/ 271 | 277| 285 | 277.
أن تأتي شهادات تزكية من القطب اطفيش لأحد، لها معنى كبير، فهي وإن لم ترقَ إلى أن نطلق عليها اسم الإجازات؛ لأنها شهادات عن بُعد؛ إلاَّ أنَّها إقرار بالتميُّز؛ لذلك وضعنا جدولا لتلك الشهادات لمن اطَّلعنا على أسمائهم. ولم نعتبر الاكتفاء بلفظة «الشيخ» شهادة تزكية، لأنها كثيرة.
__________
(1) سورة طه: 114.
(2) كشف الكرب، 1/ 6.
(3) المصدر نفسه، 1/ 5 - 7، 45. وينظر: أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، ص122.
(4) كشف الكرب، 2/ 373.
(5) المصدر نفسه، 1/ 10. (16/247)
صفحة 243
الاسم ... أوصافه ... المصدر
سالم بن جمعة بن مطر الخيظري ... « ... أخينا ومحبنا في الله [ ... ] فاعل خير لا ينسى ولا يستقصى». ... كشف، ج1/ 9
سالم بن محمد بن سالم ... «العالم العامل الصادق في أخوة الدين والدنيا» ... كشف، ج1/ 39 ... ------ ... «الشيخ الناصح» ... ------ ... كشف، ج2/ 201
سعيد بن خلفان الخليلي ... «العلامة» | «جامع المعقول والمنقول الشيخ» ... كشف، ج1/ 55 | 117 ... -------- ... «وأظن العلامة العمالة ذا القلم والسيف سعيد بن خلفان لها [أي: لعلم المكاشفة] حاويا» | ... ------- ... كشف، ج2/ 374
سعيد بن محمد، ابن سالمين ... «الرئيس المعتمد» ... كشف، ج2/ 195
سليمان بن محمد بن أحمد بن عبد الله الكندي العماني ... «من يجمع إلى علمه ما لم يعلمه، أو يجمع إلى علمه تحقيقا، أو إلى تحقيقه تدقيقا». ... كشف، ج1/ 68
سيف بن ناصر ... «شيخ العلم» ... كشف، ج2/ 201
عامر بن خميس بن مسعود المالكي ... «الأجل طالب العلم الفهامة». ... كشف، ج1/ 259
------ ... ------
«الشيخ العالم العامل» | «فضلاء من أهل عمان». ... كشف، ج2/ 179 | 353 (16/248)
صفحة 244
الاسم ... أوصافه ... المصدر
عبد الله بن حميد السالمي ... «العالم الورع الشيخ» | «العالم العامل» | «الشيخ العالم» | «الشيخ العَلَم» | «الشيخ العالم العفيف صاحب الحب الصادق المؤلف» | «الشيخ العالم الورع». ... كشف، ج1/ 5 | 5 - 6 | 10 | 83 | 89 | 173. ... -------- ... «الشيخ العالم» | «العالم المقرئ، الذي هو لتآليف صحاح منشئ» | «الشيخ العالم». ... ------ ... كشف، ج2/ 35 | 39 | 55 ... ------- ... مجموع رسائل (مخ)، رقم: أ. ز.6، ص50، 57. ... ------- ... المادة رقم: 72، 74 (مك. ع. س)
عيسى بن صالح الحارثي ... «الفهامة» | «العالم» | «الشيخ العالم المحب الصادق». ... مجموع رسائل (مخ)، رقم: أ. ز.6، ص57. (مك. ق)
-------- ... المادة رقم: 73، 74 (مك. ع. س)
«الشيخ العالم العارف والمحب» | «الشيخ الولي» | «الشيخ الفهامة» | «الشيخ الأجل الورع» | «الراغب في العلم وسائر الفضائل والفواضل» | «الفاضل الورع الشيخ» | «فضلاء من أهل عمان». ... كشف، ج1/ 5 | 51 | 89.
-------
كشف، ج2/ 17 | 39 | 55 | 89 | 105 | 328 | 353.
الاسم ... أوصافه ... المصدر
عيسى بن صالح وعبد الله بن حميد ... « ... العلامتين العمالتين الدينيين الدنيويين زادهما الله من الدنيا ما يقيمان به ما قعد من الدين». ... كشف، ج1/ 45
محمد بن شيخان السالمي ... «الكاتب الشاعر، منهل الفقه للوارد والصادر» ... كشف، ج1/ 86 ... -------- ... «العالم الفصيح محمد بن شيخان» ... ------ ... -------- ... كشف، ج2/ 330 - 331 ... «شيخ البيان» ... ------- ... أبو بشير: نهضة، 459
محمد بن شيخان وعبد الله بن حميد السالميان ... « ... الشيخين العالمين» ... كشف، ج2/ 41
محمد بن عبد الله الخليلي ... «الشيخ العالم، الذي من الجهل والمعاصي سالم [ ... ] المعروف عند القريب والبعيد» | «الشيخ العالم» | «الشيخ العالم الراغب فيه [كذا]» ... كشف، ج1/ 40 | 41
والملاحظة المثيرة للانتباه هو أنَّ السلطان، بالرغم من أنه إباضي، وأنه كثيرا ما يراسل القطبَ ويجلُّه، لم نجد، منه - أي القطب، فيما اطلعنا عليه - أيَّ لفظ من ألفاظ التبجيل والإطراء للسلطان، رغم حرصنا على تتبع مراسلاته (1) إليه فلم نجد شيئا من هذا القبيل، بل نجده يدخل في الموضوع مباشرة، منها: «أما بعد: فسلام على سلطاننا ومن دونه، وعلى العلماء والعباد من عمان وزنجبار ... » (2). «وسلِّم على السلطان وأخبره بنصحي لك» (3). «وبعد: فسلام من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف اطفيش على السلطان فيصل هداه الله إلى العدل في
__________
(1) ينظر الجدول المتضمن أسماء مراسلي القطب. (الحلقة الأولى)
(2) كشف الكرب، 1/ 34.
(3) المصدر نفسه، 1/ 223. وتكرر في 2/ 379. (16/249)
صفحة 245
الرعية ونفع المسلمين ونصره ويسر له مراده وجازاه على الإسلام خيرا. اعلم رحمك الله أن عروس الخافقين ... » (1). ويقول مخاطبا السلطان بلا أي مقدمة: «الجواب: إن قوله: «مستبيح» بالجر نعت ... » (2). وقوله: «الجواب: أنه لا يدرك الشفيع على المشتري» (3).
وما ذاك إلا لاعتقاد الشيخ أن الإمامة واجبة، وأن نظام السلطنة الموالي للإنجليز ليس من شيم الإسلام، وهو على دراية تامة بما تتلقاه جماعة أنصار الإمامة من مضايقات السلطان وولاته وأعوانه، ومن ولاء ذليل أمام القنصل البريطاني الموجود في مسقط، والذي يملي على السلطان كل ما يريد، ولا يتحرك هذا الأخير إلا باستشارته، ولا يوقِّع شيئا ذال بالٍ إلا بإذنه (4).
وهذا يدلُّ على تمسُّك الشيخ بمبدأَي الولاية والبراءة؛ لأن من مبادئ الإسلام - عموما، والإباضية خصوصا - الالتزام بالحكم الإسلامي الشوري العادل (حكم الإمامة)، وهو خلاف ما تجري عليه تقاليد تنصيب سلاطين عمان، المبني على الوراثة، ولو على حساب الكفاءة الدينية والخلقية والعلمية، وهو ما ينتقده أنصار النظام الإمامي، حتَّى إنهم يسمُّون السلاطين أحيانا بالجبابرة (5).
وعلى العكس من ذلك نجده يطري مراسليه ممن لمس فيهم الالتزام بالشرع، وصدق العزيمة على الرشد، ولو لم يكونوا من كبار العلماء. ويبدى اهتماما بالغا بعالمين بارزين في عصره، هما الشيخان نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، وعيسى بن صالح الحارثي. ويبدو أنه يخاطبهما حين قال: «ولا تظنَّا أن الاشتغال بإجابتكما يثقل عليَّ، لا والله، ولو كثر السؤال منكما لمزيد المحبَّة مني لكما ولقصد إحياء العلم» (6). فليست هذه الرغبة رياءً ولا سمعةً ولا محبَّة شهرة، وإنما رغبةً في إحياء العلم، في ظرف عزَّ فيه ذووه، وكثر فيه معارضوه، وقلت فيه وسائله، في ظل الاستدمار الفرنسي المشؤوم.
وفي هذا الموضوع أيضا اشتُهر في الروايات الشفويَّة والمراجع الحديثة أن السالميَّ هو الذي أطلق على الشيخ اطفيَّش لقب «قطب الأئمة» (7). ولم أجد ما يثبت ذلك مكتوبا بشكل قاطع، غير رسالة مخطوطة توحي بذلك، جاء فيها: «من العبد الحقير سيف بن بشير الحبشي رسول شيخه الإمام العلامة عبد الله، إلى سيدي قطب الأئمة» (8). ولم يُذكر فيها تاريخ الرسالة، ومن المؤكد أنها قبيل ذي الحجة سنة 1327هـ، أي في حياة القطب (9)، فالرسالة جاءت من السالمي، فلا يستبعد أن يكون أولَ من سماه بذلك.
وفي المقابل اشتُهر كذلك في تلك الروايات أن القطب اطفيَّش هو الذي أطلق على عبد الله بن حميد السالمي لقب «نور الدين»، ولكن لم أجد فيما بين يدي المصادر المكتوبة القديمة التي تعود إلى تلك الحقبة ما يدل على ذلك (10).
ج - المواضيع الاجتماعية:
1 - الوضع الاجتماعي للقطب:
عاش القطب في ظروف صعبة للغاية: سياسةٌ فرنسيَّةٌ استدماريَّة، تهدف إلى تجهيل الشعب الجزائري وتفقيره، وتضييقٌ للخناق على كلِّ من يحاول كشف دسائسها ويعارضها، فتحاول التنفيرَ والنَّيْلَ منهم، سواء بطريق مباشر، أم عن طريق بث المعرقلين والمعارضين (11). بالإضافة إلى
__________
(1) المصدر نفسه، 1/ 223.
(2) المصدر نفسه، 1/ 254.
(3) المصدر نفسه، 2/ 246.
(4) ينظر: غباش: عمان الديمقراطية، ص242. شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص31 - 35.
(5) ينظر: انظر: تعليق أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش في هامش كتاب تحفة الأعيان، لنور الدين السالمي.
(6) كشف الكرب، 1/ 68.
(7) مقابلة الباحث مع الشيخ الناصر بن محمد المرموري، في القرارة، بتاريخ: 05 صفر 1422هـ/28 أفريل 2001م.
(8) رسالة من سيف الحبشي رسول شيخه السالمي إلى القطب. مكتبة القطب، دون رقم.
(9) أخذنا ذلك من قوله: «لا أرجع إلى عمان حتى يصلني جوابك وجواب من سيدي عبد الله، ثم أمضي [إلى] بيت الله الحرام إن شاء الله تعالى، وذلك يوم 23 الحج [كذا] 1327». المصدر نفسه.
(10) يبدو أَنَّ أبا إسحاق إبراهيم اطفيَّش من أوَّل مَن أطلق لقب نور الدين على السالمي، إن لم يكن أوَّلهم على الإطلاق، وذلك سنة 1346هـ، أي بعد 13 عاما من وفاة الشيخين، ولعل الأمر قد التبس على الرواة بين القطب امحمد بن يوسف اطفيش، وحفيد أخيه الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش. ينظر: كتب الشيخ السالمي التي حقَّقها وعلَّق عليها وطبعها أبو إسحاق، مثل: جوهر النظام، المطبعة السلفية، القاهرة، 1346هـ. صفحة الغلاف. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، الطبعة الأولى، المطبعة السلفية، القاهرة، 1347هـ، صفحة الغلاف.
(11) للتفاصيل حول مقاومة القطب للاستدمار الفرنسي، ينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص35 - 42. (16/250)
صفحة 246
أنَّ من سنَّة الله في خلقه أن يتلقَّى أيُّ مصلح دينيٍّ شتَّى أنواع الأذى، في أيِّ مجتمع، منذ آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، ولنا في رسل الله وأنبيائه عبرة فيما تكبَّدوه من أذى من أقوامهم، فمنهم من رُجم، ومنهم من سُجن، ومنهم من نُفي، ومنهم من قُتل! كما قال تعالى عن بني إسرائيل: {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)} (1).
في ظلِّ هذه الأوضاع يمكن أن نفهم شكاوى القطب المتكررة من كثرة الأشغال، ومن الوضع الماديِّ المزري الذي كان يعاني منه، ومن الشدائد التي يتلقاها من بني قومه فضلا عن الاستدمار الفرنسي. وقد يتأخَّر الجواب لعدَّة شهور بسبب ذلك، كما قال مخاطبا الشاعر محمَّد بن شيخان: «فليس تأخير الجواب تفريطا منِّي. ومع ذلك يا أخي لو علمت ما بي من الأشغال وفتن الأعداء لعذرتني» (2). وفيما يأتي تفصيل ذلك:
كثرة الأشغال:
يقول عن كثرة الأشغال: « ... تم الجواب مزاحما لأكثر من عشرة أشغال مانعة معطلة عنه [ ... ] فادْعُ الله عزَّ وجلَّ أن يغفر لي، ويصحِّح قلبي وعقلي وأعضائي، وينفي عنِّي الآفات، وينصرني» (3). ويبدو لي أنه يقصد بالأشغال أساسا: الحركة الدؤوبة للطلبة في أغلب الأوقات، ولمختلف المستويات، ما بين مُمْلٍ وناسخٍ، وقارئ ومصحِّح، وما بين سائل ومستفت ... ونحن إذ نرى اليوم مكتبته وهي مرتَّبة في رفوف زجاجية - بما فيها من أوراق وقماطر وكتب مطبوعة ومخطوطة ... - نتخيَّل كيف كانت مكدَّسة في حجرته الصغيرة، والشيخ في إحدى زواياها، منكبٌّ على كتبه وأوراقه، وهو يقول: «فإنَّ أمري مضطرب لكثرة الأسئلة والأوراق والأشغال فأغفل عن قمطري» (4). ولا عجب - في مثل هذا الوضع - أن يطال الضياع مؤلفاته أيضا حين قال: «ولي في تحريم الدخان والسعوط منه أو من نحوه [كذا] رسالةٌ ضاعت عنِّي ولم أجد نسخة، فإذا وجدتها أرسلتها إليك إن شاء الله» (5).
شدائد الكفرة والمعارضين:
قال للسالمي عن الشدائد التي يتلقاها: «وإن كان منكم سؤال ولم يأتكم جوابه فلنسياني لكثرة الأشغال والأعداء» (6). وعبر عنها بالأهوال في قوله: «واعذروني في تأخير الجواب، فإن لي أهوال البربر والكفرة!» (7)، وقوله: «واعذرَاني يا أخي في تأخير الجواب بعض تأخر، وما ذلك إلا لأهوال عظام عليَّ من النصارى وأهل بلدي» (8). وقوله لمحمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي: «وافاني سؤالك في حال اضطراب أهل البلد عليَّ وعدم الانقياد للحقِّ، أعانني الله عليهم وعلى أهل الشرك» (9).
فأما شكواه من الاستدمار الفرنسي، فيتمثَّل في عدَّة أساليب، منها: تضييق الخناق عليه، إذ كان لا يتحرَّك إلاَّ برخصة من القائد العسكري، ولو إلى المدن القريبة، مثل بريان والقرارة، وكان في كل مرَّة يختلق الأعذار ليؤذن له، ومنها شراؤه لبستان في بريان ليجعل تعهُّده في الخريف والربيع مبرِّرا لتنقُّله (10).
وأما شكواه من عدم انقياد الناس للحقِّ فهو ما يعانيه كلُّ من يريد إحياء السنن وإماتة البدع، في أيِّ زمان وأيِّ مجتمع. ولعلَّه يقصد باضطراب أهل البلد عليه سعيهم لنفيه من بلده (11). وكلُّ هذه المعاناة لم تفلَّ من عزيمته، إذ كان يعتقد جازما أنَّ إخلاص العمل لله هو الذي يذلِّل الصعاب، وأنَّ الاشتغال بأمر المسلمين «أولى من الانفراد؛ لكن مع تحمل الأذى من الناس ومعالجة الإخلاص. وإذا قوي إخلاصكما سهل عنكما الأذى، فتجدان راحة في قلبيكما تصلان معها إلى التعليم والتعلُّم» (12).
__________
(1) سورة المائدة: 70.
(2) الجواب مؤرخ بأواخر ربيع الثاني 1318هـ. مجموع رسائل، بخط عمر بن يوسف عبد الرحمن، رقم: أ. ز.6، ص46. كشف الكرب، 1/ 86.
(3) المصدر نفسه، 1/ 11.
(4) المصدر نفسه، 1/ 61. وتكرَّرت الشكوى من كثرة الأشغال واختلاط الأوراق في: 1/ 219؛ 2/ 128، 328.
(5) المصدر نفسه، 1/ 177. «قال المرتب [أبو الوليد]: وقد وجدنا الرسالة التي وعد الشيخ رحمه الله بإرسالها وهي هذه ... ». فأوردها كاملة.
(6) المصدر نفسه، 1/ 6.
(7) المصدر نفسه، 1/ 247.
(8) المصدر نفسه، 2/ 55. المادة رقم: 73 (مك. ع. س).
(9) جواب القطب للشيخ محمد بن عبد الله بن سعيد الخليلي وأبيه والشيخ أحمد بن سعيد، والأخ علي (؟) والأصحاب من عمان وزنجبار، في مسائل نحوية وبيانية ولغوية، غير مؤرخة، ص14. (مك. ق).
(10) ينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص28.
(11) المرجع نفسه، ص27.
(12) المادة رقم: 74. (مك. ع. س). وخطاب المثنى موجَّه إلى نور الدين السالمي، وعيسى الحارثي. (16/252)
صفحة 247
ولم تقتصر "أهوال البربر" أو أهل بلده على عامَّة الناس، بل كانت أيضا ممن أوتوا نصيبا من العلم، ومن ذلك ما ذُكر من خلافه مع الشيخ صالح بن عمر لعلي، حول قضية الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يُذكر باسمه في القرآن، وهذه المسألة لم نجد له ذكرا في المراسلات إلى أهل عمان، وإنما بقيت مسألةً داخليَّة فيما يبدو. ولكن وجدنا أحد الموصوفين بالعلم اسمه: الشيخ عمر بن يوسف بن عدون، يبدو أنه لم يتوافق مع القطب في بعض المسائل الفقهيَّة، فأرسل قائمة بها أسئلة في عدَّة مسائل فقهيَّة (1)، إلى الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، فأجابه عنها، ثم عقَّب عليها القطب، إمَّا توضيحا، أو ردًّا هادئا حينا، ولاذعا أحيانا (2)، منها اتهامه عمرَ بنَ يوسف بالجهل إذ قال: «ولولا أن الجهل لا عذر فيه مع المقارفة بنحو التخطئة لقلت: إنَّه مسكين معذور لعدم علمه، لكنَّه لا عذر في ذلك، فهو غير معذور ... » (3).
ومما يوحي بأن الشيخ عمر بن يوسف لم تقنعه فتاوى القطب، فراح يسأل عنها الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، تعليق القطب بقوله: «ولا أدري ما ألجأ هذا السائل إلى السؤال عن هذه المسألة وقد أخبرناه بما ذكر فيه الشيخ عامر وغيره، وكذا هذه المسائل التي سأل عنها، كلُّها كما أخبرناه بما فيهنَّ من الأثر وقد علمه، ولا أدري ما سبب سؤاله الذي أدَّاه إلى تخليط، وأدَّى المجيب إلى تخليط أعظم منه!» (4).
ونحن اليوم إذ نورد هذا الكلام لا نريد به إحياء خلافات أفضى أهلها إلى ربِّهم، ولكن هدفنا أن نبيِّن صعوبة الوضع الذي كابده القطب، سواء من العامَّة أم من العلماء المعارضين.
قلة المال واقتراح الحل:
__________
(1) وهي على التوالي: معاملة المشركين فيما يملكون من أموال المسلمين (كشف الكرب، 1/ 161 - 173)، غسل الميت بماذا يسقط؟ (2/ 23 - 26)، الشرط عند عقد النكاح وفي لفظ الخطبة (2/ 143 - 146)، اللهو وضرب الدف في النكاح (147)، بيع الغرر كالجزر المختفي في الأرض ونحوه (2/ 237 - 239)، حكم السلم بالدراهم عدًّا من غير وزن (2/ 247 - 248)، حكم تأديب الصبيان بالضرب على أرجلهم (2/ 347 - 351)، الشهرة بالقتل هل توجب شيئا غير الحبس (2/ 361 - 362).
(2) ينظر: المصدر نفسه، 2/ 23، 2/ 143، 2/ 147.
(3) المصدر نفسه، 2/ 147. ومثل ذلك الاتهام ما قاله في 2/ 165، وفي 2/ 361.
(4) المصدر نفسه، 2/ 237. (16/254)
صفحة 248
عرف القطب عناء النفي، وحياة اليتم في صغره، وعاش في رعاية أمِّه وإخوته (1).
وصاحَبَهُ شظف العيش إلى كبره، إذ كثيرا ما شكا للعمانيين وضْعَه المادي، ومن نقص إعانة بني قومه له، وقد يستجديهم لنسخ تآليفه، زيادة على ما يرسله إليهم من عنده دون مقابل، إذ يقول: «وإن قدرتَ على إرسال مالٍ لنسخ الكتب من تآليفي لإرسالها إليكم، مع ما أرسل إليكم من عندي، وعيَّنتم ذلك في الحج القابل - إن شاء الله تعالى - رجلا ثقة يأخذها إليكم من مكَّة، فأخبرني عاجلا، لأستعدَّ لذلك من الآن، فإنِّي لا مال لي، وأغنياء بلادي لا يعينونني، ولي رغبة في الإرسال إليكم لكتبي» (2). ويقول: «ولو وجدت مالا لأسرعت في حاجتك، وأنت تظنُّ بي أن الناس يعينونني! والله إنِّي لأطلب في الإعانة عشرين ريالا فلا أجد من يعطي خمسا [ ... ] وإنِّي أستحي من الطلب، والله إنِّي أطلب فلا أُعطَى، وقد أيست منهم، والله إنِّي راغب في نشر كتبي نفعا لكم [ ... ] وطلبا لثواب الله جلَّ وعلا، فأمهل لعلِّي أجد شيئا فشيئا من مالي أو مما عند الله المستعان. والحاصل أنِّي أحبُّ المال الكثير للنسخ، وإنِّي أعطي في أجرة النسخ ما لا يعطي غيري» (3). ولا يزال العالِم والمثقَّف المسلم يعاني من هذا الوضع إلى اليوم، فكم من تآليف لعلماء ومشايخ ودكاترة وأساتذة لا تزال حبيسة الرفوف، أو مكدَّسة في درج أصحابها، لا يستطيعون نشرها لتكلفته الباهظة!.
والعجيب أن يصل الوضع بالشيخ اطفيش إلى أن يرفض زيارة أهل عمان في ضيافة أهل بلده، لعدم مساعدتهم له، مع ما في قلبه من حبٍّ ورغبة في إكرامهم: «وأمَّا أن تزورني أنت أو غيرك من أهل عمان فلا، رحمكم الله، فأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه؛ لأني في قوم لا يقومون بي، والإباضية في المغرب أشحَّاء إلاَّ ما شاء الله، وإن كنتم تقبلون ضيافتي فمرحبا بكم ألفًا، ولست أبخل بالموجود» (4). ونحن اليوم إذ نقرأ مثل الكلام قد نعجب منه! كيف لا يقوم وجهاء البلد باستقبال وفد يقدُم من عمان، زائرا لأكبر مشايخهم؟! ولكن العجب ينجلي إذا علمنا بالظروف القاسية التي مرَّ بها الشيخ، بلغت إلى حدِّ نفيه من بلده (5). ونحن اليوم - والحمد لله، إذ نرفل في نِعم لا تحصى؛ فبمجرد أن يسمع ذوو الكرم بمقدم وفد من هنا أو هناك، من داخل الوطن أو خارجه إلا ويتسابقون لإكرامه - علينا أن نتذكَّر أنَّ هذا لم يكن إلا نتيجةً لتلك الجهود المضنية والتضحيات الجسام التي قام بها أولئك المصلحون الأفذاذ، من الشيخ اطفيش وأضرابه، من قبله ومن بعده!.
ومن الطرائف المؤسفة أن تنطبق على الشيخ مقولة: «غريق يستنجد بغريق»، إذا علمنا بأن هذه الوضعية المادية العصيبة لقطب المغرب، قد كان يعاني منها أيضا قطب المشرق، مراسلُه ومحبُّه ومتنفَّس همومِهِ وأسرارِهِ: الشيخ نور الدين السالمي، إذ قال له الشيخ اطفيَّش: «وقد عذرتك لقلَّة مالك ولاحتياج الواردين عليك» (6). فهل كتب الله للعلم أن لا يلتقي مع المال؟!.
ولحلِّ معضلة التمويل في سبُل العلم تمنَّى القطب لو أنَّ وصايا الناس وأوقافهم كانت بيده، إذن لوجَّهها لنشر العلم، كما قال: «وليست وصايا الناس وأوقافهم بيدي، بل كلُّ واحد يوصي ويوقف بيد قريبه أو حبيبه» (7)، وقال: «إلاَّ أنَّ النسخ هنا بأجرة غالية، ومثل شرحك القصيدة أو مثل الشيخ درويش أو النيل ست عشرة ريالا كبيرة فواتح في كلِّ واحدة (8). والناس لا يعينونني في ذلك، ولا في مثله في إيقاف الكتب، وإنِّي أعالج ما تيسَّر لي من الإرسال» (9).
ونلاحظ أن رغبة القطب في توجيه الأوقاف نحو خدمة التآليف ونسخها وطباعتها لم تبرح مكانها منذ عهد القطب إلى اليوم، ولم تتحقَّق أمنيته إلاَّ قليلا!. كما أنَّ أرباب الأموال ينفقونها ويوصون بها ويقفونها - غالبا - في المنشآت المادية أكثر من المجالات الفكريَّة. وإذا كان هذا الوضع قائما اليوم، مع انتشار الوعي والعلم والثقافة، فهو في عهد القطب أشدُّ وأقسى!.
2 - الوضع الاجتماعي للميزابيِّين:
ترك التسليم عند الاستئذان: انتشرت بميزاب في عصر القطب بدعة ترك التسليم عند الاستئذان، فبذَلَ الشيخُ كلَّ ما في وسعه لإقناعهم
__________
(1) وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص26.
(2) كشف الكرب، 1/ 258.
(3) المصدر نفسه، 1/ 10.
(4) المصدر نفسه، 1/ 11.
(5) ينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص27.
(6) كشف الكرب، 1/ 6. وينظر: شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص67.
(7) كشف الكرب، 1/ 10.
(8) من هذا الجواب يمكن للاقتصاديين أن يستنتجوا مستوى دخل الفرد آنذاك.
(9) كشف الكرب، 1/ 6. (16/256)
صفحة 249
بوجوبه، وأفتى بأنَّ مَن تَرَكَ التسليم عمدا: «هالكٌ، لأدلَّة مبسوطة. وإن رأيت في كلام لي أنه لا يهلك فغلط، أو من ناسخ» (1). وبينما هو يعاني من جراء إصلاح هذه البدعة معاناة شديدة مع مجتمعه (2)، إذا بالشيخ سعيد بن خلفان العماني يجيب أحد سائليه من بني يزقن بميزاب بأن «التسليم في البيوت وغيرِها سنَّةٌ لا فريضة، فأمْرُ المولى به يُحمل على الندب» (3). قال القطب: «وبينما أنا أعالج بني مضاب على وجوبه، أَطْمَعَهُم جامعُ المعقول والمنقول الشيخُ سعيد بن خلفان في عدم وجوبه، فساءني ذلك، فأجبته» (4). فكتب "مناظرةً" بينه وبين المحقِّق الخليلي، يعقِّب فيها على كلِّ ما لا يوافق عليه، بطريقة العمانيِّين في التحشية، أي بإضافة: «من غيره: ... » ليورد التعقيب أو الردَّ، ثم يقول: «رجع: ... » ليواصل جواب الخليلي.
وتكمن خطورة الفتوى في أنَّ تارك الواجب الشرعيِّ عمدا مرتكبٌ لكبيرة، وحكمُ مرتكب الكبيرة عند الإباضية أنه كافرٌ كفر نعمة، فإنَّ القطب حَكَمَ بأنَّ تارك التسليم (الواجب بنصِّ الكتاب) كافر كفر نعمة، وقال: «إنِّي أعتقد كفره، وأذكر أدلَّته في كتبي، فإن صحَّ ما ذكرتَ (5) فمن ناسخ، وإن لم تكن منه فزلَّةٌ لا أقول بها فدَعُوه، وكفِّروا من دخل بلا سلام، واكشطوها وأبدلوا عكسها ... وأقول: تارك السلام عند الدخول عمدا كافر» (6). ثم بعث رسالة شديدة اللهجة إلى راشد بن عزيز مفنِّدا ما أُشيع عنه بأنَّ القطب تراجع عن رأيه، فقال: «وأنا دائمٌ على الردِّ عليه [المحقِّق الخليلي] في تلك المسائل ... وكذِّبْ من زعم أني رجعت عنها؛ لأنَّ الحقَّ لا أرجع عنه أبدا! وما قلتُ فيها غير الحقِّ، فعزيمةٌ عليك وعلى أمثالك أن تكذِّبوا من قال رجعت عن ذلك، وأن تكتبوا إليه بالتكذيب أيًّا كان، ولو وصل ما وراء النهر، أو سدَّ يأجوج ومأجوج!» (7).
__________
(1) المصدر نفسه، 1/ 117.
(2) ينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص32 - 34.
(3) كشف الكرب، 1/ 117.
(4) المصدر نفسه، 1/ 117.
(5) وهو ما أُشيع عن القطب أنه تراجع عن الحكم بالكفر على تارك السلام عمدا.
(6) المصدر نفسه، 1/ 119. أي كفر نعمة غير مخرج من الملة، كما هو معلوم في اصطلاحات الإباضية. ينظر: مجموعة من الباحثين: معجم مصطلحات الإباضية، 2/ 921.
(7) كشف الكرب، 1/ 8 - 9. وتكرر الجواب في 1/ 119. (16/257)
صفحة 250
والعبرة التي نأخذها من هذه الواقعة هي أنَّ استيراد الفتوى من بيئة بعيدة عن واقع المجتمع قد تؤدِّي إلى ما لا يُحمد عقباه. وأكاد أجزم أنَّ الشيخ الخليليَّ لو كان على دراية تامَّة بمعاناة القطب لإصلاح تلك البدعة لساعده عليها، ولو بالسكوت، وهو أسلم. ولنا في تاريخ الجزائر المعاصر أمثلة قريبة من هذا القبيل!.
3 - ا لوضع الاجتماعي للعمانيِّين:
كان القطب يحزن لما يحدث في عمان من فتن، كما صرَّح به للشيخين نور الدين السالمي وعيسى بن صالح الحارثي: «وصلني كتابك وفهمته وفرحت بسلامتكما، وحزنت لفتن عمان» (1)، غير أنه لم يصرح بنوع تلك الفتن وأسبابها، فحاولنا اكتشافها، فتوصلنا إلى أن منها ما كان صراعا قبليًّا، أو صراعا على السلطة، أو خلافات في الآراء الفكريَّة أو السياسيَّة.
الصراع القبلي:
إذا تتبعنا تاريخ العمانيين في تلك الفترة رأينا أنهم عاشوا صراعات قبلية دامية، عمل الشيخ صالح بن علي الحارثي على إطفائها، بمساعدة ابنه عيسى، وتلميذه نور الدين السالمي. كما شهدوا عدة ثورات قام بها هؤلاء الثلاثة ضد السلطان للإطاحة بنظامه، وإحياء الإمامة. ولا أخال أن القطب يقصد بالفتن الثورة الأخيرة التي قام بها السالمي، والتي أسفرت عن قيام دولة الإمامة؛ لأن عيسى الحارثي لم ينضم إليها منذ البداية، والخطاب كان موجَّها إليه.
وأشار القطب إلى أنَّ تقاتل أهل عمان كان منافسة على الدنيا، لا من أجل إحقاق الحقِّ وإبطال الباطل، حين قال: « ... لا أظنُّ عسكركم على الحقِّ، فلستُ مفتيا لكم بصرف الزكاة عليه (2) بل أظنكم تتقاتلون منافسةً، يقتل بعضكم بعضا، فيفرح عدوُّ الدين، ويُوضِعُ خلالَكُم، وقد ذكر الله جل وعلا مصرف الزكاة إذ قال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ... } (3)، وليس عسكر الجور من أهل سبيل الله» (4). ولا يشك مسلم في أن التنازع والتقاتل سبب في الضعف والوهن، وقهر الأعداء، كما قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (5). وذلك الوضع كان حال المسلمين في شتى بقاع الأرض آنذاك بصفة خاصَّة، ولا يزالون، نسأل الله السلامة.
الصراع على السلطة:
لا يخفي القطب ميله إلى إحياء إمامة الظهور، ففي إحدى رسائله يقول: «وأما بعد فسلام على ولدنا أحمد بن سعيد بن خلفان، وعلى أصحابنا من أهل عمان، أزال الله عنهم الجور والطغيان وأنعم عليهم بالظهور بعد الكتمان، وبالتأييد والحماية من الخذلان ... » (6)، ومع الأسف فإن الرسالة غير مؤرخة، وبالتالي لا نستطيع أن نعرف هل كانت المراسلة إبان قيام الحارثي والسالمي بالثورة ضد السلطان، وبالتالي نفهم أنه مؤيد لهما، أم هي في فترة الهدنة التي تلتها، أم هي في آخر حياته زمن إعلان الإمامة سنة 1331هـ.
غير أنه من المؤكد الذي لا مراء فيه أن القطب دعا غير مرة إلى تفادي كلِّ ما من شأنه إراقة الدماء، فقد ورد إلى القطب سؤال عن حكم إجبار الناس على بذل زكواتهم لإقامة الدولة، فأجاب بنفي الجواز، لأنه من الممكن إزالة الفتنة بالصلح وتركِ القتال، وأشار إلى وجود بعض العلماء أجازوا لأهل الكتمان ما قدروا عليه من أحكام الظهور (7)، والاستظهار على العدو (8) بالزكاة ومال المسجد (9). وتساءلنا عن ظروف هذا السؤال في تلك الفترة، فوجدنا أنَّ الشيخ صالح بن علي الحارثي (ت: 1314هـ/1896م) قام بعدة ثورات ضدَّ السلطان، محاولا استرجاع الحكم الإمامي، وبدا لنا أن السؤال جاء في هذه المرحلة أو بعدها بقليل. ولذلك خشي القطب استغلال فتاواه لإذكاء نار الفتنة بين العمانيين، وقال في رسالة مؤرَّخة بأواخر رجب 1317هـ: «وقد أحوجتني يا أخي عيسى إلى إظهار ما لا
__________
(1) المصدر نفسه، 2/ 55.
(2) أي: صرف الزكاة إلى التجهيز العسكري، بناء على إجازة بعض العلماء ذلك إذا كان القائم على العسكر حاكما بالحقِّ، ولو في حال الكتمان، ولم يكن هناك إمام ظهور.
(3) سورة التوبة: 60.
(4) كشف الكرب، 2/ 90.
(5) سورة الأنفال: 46.
(6) من مجموع رسائل، برقم: أ. ز.6 (مك. ق)، ص: 17.
(7) ينظر معنى هذه المصطلحات: الكتمان والظهور: مجموعة من الباحثين: معجم مصطلحات الإباضية، 2/ 658، 2/ 905.
(8) يبدو أن المقصود بالعدو هنا هو السلطان (تركي بن سعيد، أو ابنه فيصل) وأنصاره، وذلك حسب السياق التاريخي لصاحب السؤال، وهو الشيخ عيسى بن صالح الحارثي.
(9) كشف الكرب، 2/ 342 - 343. مجموع رسائل بخط عمر بن يوسف، برقم: أ. ز.6، ص23. (مك. ق). (16/259)
صفحة 251
أريد إظهاره، فأتوقَّع أن يجمعنا الله وإيَّاك يوم القيامة فيسألنا عن ذلك الذي فعلناه [ ... ] وأناشدكم بالله أن تتركوا القتال! وكأني بعثي الله وسألني عن إفتائي هذا، وكأنَّك بأهل عمان افترقوا عنِّي وعابوا عليَّ الدخول بينهم ونسبوني إلى إباحة أموالهم، فإيَّاك أن تذكرني في مثل هذا!!» (1).
وطرح الشيخ السالمي على القطب سؤالا عن حكم استدانة الإمام - أو الجماعة أو القائم بأمر الدين - أموالا من الناس على سبيل القرض، ولم يُذكر تاريخ المراسلة، وعند بحثنا في تاريخ عمان آنذاك وجدنا أنَّ الإمام عزَّان بن قيس اضطرَّ إلى الاستدانة من رعيَّته لبيت المال، عند مواجهته للسلطان، بعد أن فَرض على مناطق الإمامة حصارًا اقتصاديًّا، فغلت الأسعار، واستجلب الناس أقواتهم بالحيلة (2)، فأجاز القطب هذا العمل غير أنه اشترط أن يكون «الأمر لله، لا لمنافسةٍ أو باطل قتال، وإلاَّ فأنا بريء من هذه الفتوى!» (3).
ونحن إذ نقرأ التاريخ العماني نتأسَّف أشدَّ الأسف لسرعة لجوء أنصار السلطنة أو أنصار الإمامة إلى استعمال السلاح، إذ كان من الممكن حلُّ الخلافات بالحوار - كما أشار عليهم القطب - والاهتمام بالتغيير القاعدي، وإن كان بطيئا، قد يمتد لأجيال، غير أنه قليل الخسائر البشريَّة والماديَّة في الدنيا، فضلا عن تبعات سفك الدماء في الآخرة، وهي أشدُّ وأبقى، وأشقُّ وأنكى، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (4).
الخلافات الفكرية:
لقد أوجس القطب في نفسه خيفة أن يتسبب كلامه في إثارة أيِّ فتنة مهما كان نوعها (5)، وبخاصة إذا تعلَّق الأمر بالدماء، فهو حريص أشدَّ الحرص على تفادي أسبابها، إذ قال وهو يوصي أحدهم: «وخذ حذرك أن يصيب أهلَ عُمان منِّي ما يضرهم، وخذ حذرك أن يتبدَّل (6) كلامٌ أو يُفهم على
__________
(1) كشف الكرب، 2/ 343. مجموع رسائل، مصدر سابق، ص24.
(2) ينظر: أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، ص214.
(3) كشف الكرب، 2/ 244. المادة رقم: 72 (مك. ع. س).
(4) سورة النساء: 93.
(5) ينظر: كشف الكرب، 1/ 11. المادة رقم: 85 (مك. ع. س).
(6) في الأصل: «يتبدد». (16/260)
صفحة 252
غير مرادي، وكلُّ ذلك بلا عمد، وأما العمد فمنتفٍ حاشاكم» (1). ووضَّح قصده بقوله: «وأما تحذيري أن تصيبني مضرَّة ... فمعناه التحذير أن يغتاظوا ويظنُّوا أنِّي أتعصَّب لبعض على بعض» (2).
وقد وقع بالفعل ما كان يخشاه القطب، ويظهر ذلك من خلال الجواب الذي أَعتبِرُه بمثابة نداء عامٍّ إلى «أهل عمان العلماء والتلاميذ والرؤساء والعباد، خصوصا الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ عيسى بن صالح قائلا: جاءتني أسئلة منكم وأردت إجابتها على شرط أن لا تكون بينكم فتنة، فعامِلُوني بما لا تكون فيه» (3). ويبدو أن هذا النداء جاء عقب إثارة مسألة محو ما في اللوح المحفوظ الآتي ذكرها.
ومن الفتاوى التي يبدو أنها أثارت خلافا بين العمانيين ما يأتي:
- مسألة تغيُّر ما في اللوح المحفوظ: وخلاصة المسألة أنَّ الله تعالى حين يكتب أَنَّ أجل فلان ستِّينَ عاما مثلا، وإذا عمل ما يزيد في العمر - كصلة الرحم - فإنَّ الله تعالى يزيد في عمره في اللوح، وإلى هذا الرأي مال الشيخ نور الدين السالمي أوَّل الأمر، ولكنَّ القطب رأى أنَّ الله تعالى لا تبدو له البدوات، ولا يغيِّر ما في اللوح. وأخطر ما في الأمر إفتاء القطبِ بأن المسألة ليست من الفروع، بل هي من الأصول التي لا يجوز الخلاف فيها، وبالتالي يُتبرَّأ من المخطئ فيها، وهو ما جرَّ على السالميِّ متاعب كثيرة، مما جعله يتراجع عن رأيه.
- منع الفتوى ممن لم يتأهَّل لها: حَكَمَ القطب بالضلال والكفر على من تصدَّر للفتوى ولم يكن أهلا للاجتهاد، ويقصد كُفْرَ النعمة، (أي كفرًا دون كفر، أو النفاق العملي) بطبيعة الحال. ويبدو أن السؤال الذي جاءه كان مغرضا؛ إذ من المشهور في فترة الشيخ نور الدين السالمي أن الشاعر محمد بن شيخان اتُّهم بأنه غير مؤهَّل للفتوى، وأنه يقول بغير علم، فأرسل أهلُ عمان إلى القطب بسؤال عن حكم من يفتي وهو لم يبلغ درجة الاجتهاد فقال: «إنَّه لا يجوز لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يقول برأيه، فإن قال به ضلَّ وكفر نفاقا، وضل متَّبعُه وهلكَا، ولو وافق الحقَّ!» (4). وقد كانت بين الشيخ نور
__________
(1) المصدر نفسه، 2/ 276.
(2) المصدر نفسه، 2/ 277.
(3) المصدر نفسه، 1/ 52 - 53. المادة رقم: 85 (مك. ع. س).
(4) المصدر نفسه، 1/ 81. (16/262)
صفحة 253
الدين السالمي وابن عمِّه الشاعر محمَّد بن شيخان وحشةٌ، واتَّهمه بتصدِّيه للفتوى بدعوى عدم أهليَّته لها، فخاطبه نور الدين بقصيدة مطلعها:
«خلِّ التعاطي في الفتا
وى واشعر فيمن شعر» (1)
ويبدو أنَّ القطب لم يكن يعرف أنَّ المتهم به هو صديقه الحميم الشاعر المعجب به - إذ لقَّبه بشيخ البيان - حتَّى أخبره بذلك، فاهتمَّ القطب لذلك كثيرا، وبعث إليه جوابا مؤرَّخا بأواخر ربيع الثاني سنة 1318هـ، يعترف له بفضله في الشعر والفقه ويقول: «حيَّا الله الرحمن، الشيخ محمدَ بنَ شيخان، الكاتب الشاعر، منهل الفقه للوارد والصادر [ ... ] ولما وصلني [كتابُك] أَهَمَّني ما ذكرت جدًّا، وأختار لك أن تتمهَّل، وآمرك بالصبر، ولو قلَّ صبري، فإنَّ عاقبته محمودة، ولأَنْ يسمع الإنسان الإنسانَ أسلم له من أن يقول. [ ... ] ولك دعاء الخير منِّي بإذن الله ما ذَكَرْتُ، ولستَ هيِّنا عندي، ولكن أردتُ أن يَظهَرَ فيك أثر قوله صلى الله عليه وسلم: "من تواضع رفعه الله" (2)». وفي نفس الرسالة خفَّف من فتواه الشديدة السابقة، ووضَّح رأيه قائلا: «ومن علم معاني الحروف ومصادر الأفعال وموازين الأسماء والنحو واللغة ومارس الفقه بالتعلُّم جاز له الإفتاء بما في الكتاب بترجيح، وإن لم يقدر على الترجيح رجَّح له قادر عليه، وجاز له الإفتاء للإنسان مطلقا بما حفظه من ثقة» (3).
ثم مضت الزوبعة لتعود القلوب إلى بعضها، فسرَّ بذلك الشيخ اطفيش وقال لهما: «أما بعد فسلام [ ... ] على الشيخ العلم عبد الله بن حميد، حامدا الله عزَّ وجلَّ على ما سمعنا من رجوع الشيخ محمَّد بن شيخان بالصلح، وأنكما متحابَّان كأوَّل مرَّة» (4).
الخلافات السياسية:
لا تلبث - من حين لآخر - أن تنشب خلافات جديدة ذات طابع سياسي بين الأشقاء والتلامذة. نذكر لذلك مثالين:
__________
(1) قصيدة من آخر مخطوط أرسله الشيخ السالمي للقطب، برقم: غ5. (مك. ق).
(2) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، رقم: 2588، 4/ 2001. ونصُّه: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ».
(3) كشف الكرب، 1/ 86.
(4) المصدر نفسه، 1/ 83 - 84. وتكرر في: 2/ 35. (16/263)
صفحة 254
- أحدهما: يظهر في الخطاب الذي وجَّهه القطب إلى الشاعر محمد بن شيخان السالمي، داعيا إيَّاه إلى التآلف وترك الخلاف والشقاق: «واعلموا أنَّ أهل التوحيد في الدنيا كلِّها على اختلاف مذاهبهم وديانتهم قليلون بالنسبة إلى أهل الشرك، وأصحابنا قليل بالنسبة إلى قومنا، فما بالنا نختلف ونقطع من أطرافنا؟! فأسألكم بالله أن تتآلفوا وتصيروا بعضا لبعض، وأنتم عرب وقد تكون قلوبكم سخية، فسامحوا وتعاونوا، وليعرفْ كلٌّ منكم قدر أخيه، يعرف الصغيرُ حقَّ الكبير، والكبيرُ حقَّ الصغير، والتلميذُ حقَّ الشيخ، والشيخ حقَّ التلميذ، والتلميذان والشيخان كلٌّ يسارع إلى مسرَّة الآخر، والألفة في الدين واجبة [ ... ] وهاأنا منتظر لأحوالكم تلتئم وتصطلح، وتجيبني في كتاب مسطور، كدُرٍّ منثور» (1).
ويبدو أنَّ القطب يقصد الخلافَ الذي وقع بين الشاعر محمَّد بن شيخان وبين ابن عمِّه الشيخ نور الدين السالمي، فهذا الشاعر قد نظم عدَّة قصائد في مدح السلطان، بغرض التكسُّب، ولكنَّ الشيخ نور الدين كان يرفض ذلك رفضا قاطعا، نظرا لولاء السلطان للإنجليز، وعدم تقيُّده بأحكام الشرع، واعتبر ذلك التكسُّب أشبه بمهر البغيِّ، وكان يعتذر إليه الشاعر بقوله: «نحن بحاجة إلى ما بأيديهم من بيت المال، ولا نصل إليه إلاَّ بسبب» (2).
- ثانيهما: يوحي به كلام القطب الموجَّه إلى عيسى الحارثي مستبشرا فيه بانتظام أحواله مع شيخه، إذ قال: «وصلني كتابك واستبشرت به لسلامتك وسلامة أحوالك وانتظام أحوالك وأحوال شيخك» (3)، ولم يذكر اسم شيخه، ويبدو أنه يقصد السالميَّ. وإذا تساءلنا عن هذه الأحوال وجدنا أنَّ الشيخ عيسى الحارثي - رغم نشأته في حجر والده الذي كان من أكبر الدعاة إِلىَ إقامة حكم الإمامة - لم ينضمَّ إلى الإمامة فور قيامها على يد شيخه السالمي إلاَّ بعد أن وجَّه إليه عتابا (4)، وربما كان هذا سببا لنوع
__________
(1) المصدر نفسه، 1/ 9.
(2) أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، ص461. وينظر: الحارثي: اللؤلؤ الرطب، ص139 - 140.
(3) كشف الكرب، 2/ 328.
(4) ينظر: شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص112. (16/264)
صفحة 255
من النفور المؤقَّت بينهما، ثمَّ لم يلبثا أن عادا إلى تعاونهما وتآزرهما.
وفاة الإمام السالمي:
بعث محمد بن سلطان بن قاسم الريامي بطاقة بريدية، يذكر فيها نبأ وفاة الشيخ نور الدين السالمي، الصديق الحميم للقطب، جاء فيها ما يأتي: «وعن أخبار عمان: توفي الشيخ العالم عبد الله بن حميد السالمي، وسبب موته كان راكبا على حمار، وسقط منه، وتألَّم جيده، وتمَّ نحو أيَّام قليل [كذا] وسار إلى رحمة الأبرار، فكاد أكبادنا أن يتمزَّق [كذا] من الحزن في فَقْد هذا الرجل، خصوصا في وقتنا هذا؛ لأنه هو الذي أسَّس إقامة هذا الإمام (1) [كذا]، وليس لنا غير الرضا بما حكم الله وأمضى. ودعاء الخير وصيتك، فهذا وادعُ (2) للإمام بالنصر» (3). ففي هذه البطاقة المختصرة توضيح لسبب وفاة الشيخ السالمي، علمًا أن أحد الباحثين (4) شكَّك في هذه الرواية التي ذكرها أبو بشير محمد الشيبة بن نور الدين السالمي (5)، وهي الرواية المعروفة والمتداولة، وهذا الباحث حاول أن يشكِّك فيها ويثبت أن السالمي توفِّي مغتالاً. وقد ناقشناه في رأيه في دراستنا حول الشيخ السالمي (6)، وضعَّفنا حججه، ورجَّحنا هذه الرواية الرسمية، قبل أن نطلع على هذه البطاقة القديمة، وبالتالي فهي تنضاف إلى رصيد أدلتنا على أن السالمي لم يكن مقتولا. والله أعلم.
- - -
__________
(1) يعني أنه هو سعى في إحياء الإمامة بمبايعة الشيخ سالم بن راشد الخروصي إماما (حكم: 1331 - 1338هـ/1913 - 1920م). لمعرفة تفاصيل تلك المساعي ينظر بحثنا: السالمي حياته وآثاره، ص257 - 273.
(2) في الأصل: «وادعو».
(3) بطاقة بريدية من زنجبار من محمد بن سلطان بن قاسم الريامي، مؤرخة بـ14 ربيع الآخر 1332هـ. (مك. ق).
(4) العزري: فكر السالمي، ص201 - 213.
(5) أبو بشير السالمي: ترجمة السالمي (مخ)، ص18 - 19. أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، ص131 - 135. الحارثي: اللؤلؤ الرطب، ص20 - 21، 141 - 142.
(6) السالمي حياته وآثاره، ص290 - 296. (16/265)
صفحة 256
أبوزكرياء فصيل بن أبي مسور
ودوره في جزيرة جربة
أ/ حنان الحسين الطرابلسي
المعهد العالي للدراسات التطبيقية
في الإنسانيات بالكاف ـــــ تونس
ت
تمهيد:
لقد نشأت أغلب الفرق الإسلامية في نفس الظروف التاريخية تقريبا وكان سعي كلٍّ منها دؤوبا نحو الانتشار والتوسُّع كلَّما أمكن ذلك، ويعتبر المذهب الإباضي أحد هذه المذاهب التي اكتسبت إشعاعا كبيرا بلغ المغرب بفضل الداعية الأوَّل سلمة بن سعد الحضرمي (1) ومن جاء بعده لنصرة الأقليات الإباضية في المغرب وتحديدا في إفريقية، التي شهدت تحوُّلات هامَّة ممَّا زاد في انتشار الإباضية في صفوف البربر الذين اعتنقوا هذا المذهب، واستطاعوا تكوين دولة مستقلة في مناسبتين: الأولى في طرابلس والثانية في تاهرت، وقد تمكنت الدولة المؤسسة في تاهرت من الصمود مدَّة طويلة (160 ــ ـ296هـ /777 ـــ 909م) (2)، عرفت خلالها ازدهارا كبيرا ونماء واسعا، وحتى بعد سقوطها على يد الفاطميين بقي المذهب الإباضي على إشعاعه، ولعلّ هذا عائد إلى الجهود الحثيثة التي اضطلع بها شيوخه للحفاظ على بقائه واستمراره، وهو ما أوحى لنا بفكرة مدى مساهمة القائمين بأمور المذهب الإباضي في الإبقاء عليه بجانب المذهب المالكي في افريقية، وتحديدا في جربة، وكان فصيل بن أبي مسور أحد هؤلاء المشايخ الذين اخترنا في هذا الإطار تقديم عدد من الأدوار التي اضطلع بها الشيخ فصيل بن أبي مسور (أبو زكرياء) للحفاظ على إشعاع المذهب الإباضي داخل جزيرة جربة وخارجها.
__________
(1) «(حي135هـ/752م)، عالم أخذ العلم عن إمام المذهب جابر بن زيد وهو أوَّل من جاء من البصرة بمذهب الإباضية ليدعو إليه في بلاد المغرب الإسلامي»، «معجم أعلام الإباضية»، ص ص، 189 - 190.
(2) بحاز إبراهيم بن بكير «الدولة الرستمية، (160 و296هـ/777 و909م)، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية»، ط. لافوميك، الجزائر، 1985. (17/266)
صفحة 257
أولا: كتمان الصدقة، والزّكاة في نظر أبي زكرياء فصيل:
لم تذكر كتب السير فتاوى كثيرة لأبي زكرياء الذي انحصر اهتمامه بأحد أركان الإسلام الخمس وهي الصدقة، فقد كان يحرص طيلة حياته على التصدّق من المال الذي أنعم الله به عليه ويدعو الناس إلى النسج على منواله شرط أن تكون الصدقة سرّا، وهو ما كان يفعله مع تلامذته حين كان يجعل الدراهم في أوعية دفاترهم أو بين ثياب التلميذ دون أن يشعر بذلك أو يجعلها في قراطيس أو صرر (1) لأنّ كشف الصدقة يمكن أن ينقص من درجات الثواب عند الله.
ومن الأخبار التي رويت عن أبي زكرياء والتي تؤكد حرصه على الزكاة، الخبر الذي رواه أبو زكرياء يحيى عن الرجل الصفاقسي الذي أودع عند فصيل دنانير بعد إلحاح شديد وسافر إلى بلده، فما كان من أبي زكرياء ــــ عندما حان وقت الزكاة ــــ إلاّ أن يدفعها على الوديعة من ماله الخاص، بل أكثر من ذلك لمّا علم فصيل بالمجاعة التي تعيشها صفاقس، ركب البحر رغم صعوبة ذلك ورحل باحثا عنه إلى أن وجده وهو في أسوإ حال بسبب الجوع وقد أشرف على الهلاك، فأطعمه وسلّمه وديعته رافضا أخذ جزء منها (2)، وهو ما عرف به فصيل من خصال حميدة وأخلاق طيبة واهتمام بمشاكل الإباضيين خاصّة المتعلمين منهم.
ثانيا: تأسيس الجامع الكبير:
لقد خبر أبو مسور القيمة التي للمسجد ففكّر في بناء الجامع الكبير ليجمع فيه أتباعه الذين التفّوا حوله لما عرف به بينهم من علم وورع واستقامة.
يقول سالم بن يعقوب: «ارتاد أبو مسور في جهاته يختار موضعا لذلك وأخيرا رجَّح المكان الذي وضعه فيه وهو يعلم مكانة المساجد في الإسلام، فقد جعله في مكان كان يومئذ مركزًا للمسلمين جامعًا لشتاتهم» (3).
فجاء الجامع على الطريق الرَّابطة بين مليتة وحومة السّوق في طريق حومة الحشّان (4)، إلاَّ أن الوفاة عاجلت أبا مسور في
__________
(1) الدّرجيني (أحمد أبو العباس)، «طبقات المشايخ بالمغرب»، تحقيق إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، د ت، ج2، ص363.
(2) أبو زكرياء «السيرة ... »، ص247.
(3) سالم بن يعقوب «تاريخ جزيرة جربة» دار الجويني للنشر، 1406 هـ/1986 م، ص76.
(4) رياض مرابط «مدونة مساجد جربة: الخارطة الوطنية للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية»، المعهد الوطني للتراث. تونس 2002. (17/267)
صفحة 258
وسط القرن 4هـ/10م، عندما ذهب لزيارة خاله يأتى المستاوي، وقبره بقرب مسجد الفاهمين (1) قبل أن يتمّ بناء المسجد فأتمه ابنه فصيل وسمي «بالجامع الكبير». ولعلّ هذا يعود إلى المساحة الكبيرة التي كانت له والتي قدّرت بـ4000م2 (2) وقد احتوى على غرف عديدة للسكنى وللطلبة ومسجد وممرّات وضمّ نشاط مشايخ الإباضية بدءا بأفراد الأسرة المسورية سواء الدينية أو التعليمية.
ومع أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور كان لهذا الجامع نشاط تعليمي هامّ وهو ما جعل البعض يطلقون اسم مدرسة على المسجد؛ يقول الدكتور فرحات الجعبيري بأن المدرسة أصبحت مصطلحا يحمل عدَّة معان منها نشاط المساجد العلمي (3)، وهذا عائد إلى غياب المدارس بالمعنى الحديث وإنَّما يشرف الجامع على كلِّ الأنشطة سواء الدِّينية أو الاجتماعية أو العلمية.
ولكننا لن نحصر دور الجامع الكبير مع فصيل بن أبي مسور وإنَّما يمكن أن نعتبر أنَّ الجامع بدأ فعليا في تنمية الحركة العلمية بعد أن أتم هو بناءه وتوسع دوره فيها مع تأسيس نظام العزَّابة هذا التنظيم الذي أثر بشكل مباشر في تاريخ الاباضية بالجزيرة.
يقول سليمان بن أحمد الحيلاتي: «اعلموا رحمكم الله أنَّ مساجد جربة أُسِّست على التقوى وبنيت من مال حلال، ولا ينبغي لمن يرجو لقاء ربِّه أن يتجاسر عليها» (4). ولا ينبغي أن يغفل أحد عن زيارتهم وزيارة قبور مشايخها (5)، وقد قال الله في حقِّ المساجد: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (6).
وأوَّل هذه المساجد الجامع الكبير الذي جمع النواة الأولى لحركة تعليمية كبيرة في الجزيرة واستمرت قرونا طويلة، وهذا يعود إلى أنَّ هندسة بناء الجامع الكبير كانت مساعدة على احتضانه لعدد كبير من الطلبة والمدرسين والواردين على الجزيرة لتحصيل العلوم، إذ يحتوي الجامع ـــــ إضافة إلى بيت الصلاة وهي مربعة الشكل ويبلغ طول ضلعها 15م ولا يقل ارتفاعها عن 6 م (7) ـــــ على غرف كثيرة:
غرفتين بالضلع الشرقي بالقسم القبلي:
* الأولى: هي غرفة سكنى مستطيلة بين الشمال والجنوب, مدخلها قبلي مستطيل من حجارة مهندمة وبجانب هذا المدخل خلويّة صغيرة للاستحمام (8).
* الثانية: مربعة الشكل مسقوفة بقبوين طويلين وبها قسمان:
ــــ داخلي شمالي ويحتوي من ناحية الشرق على مطهرة.
ــــ خارجي ويحتوي على دكة تعلوها ثلاث طاقات مربعة متفاوتة الأحجام وتحت الدكة طاقة رابعة مخصصة للأحذية (9).
كما يحتوي المسجد على غرف سكنى تنقسم إلى قسمين:
* غرف القسم الغربي: يحتوي على ثماني غرف سكنى جميعها مستطيل بين الشمال والجنوب.
* غرف القسم الشرقي: وبه أربع غرف ومطبخ مربع الشكل (10).
ولم تشمل المسجد سوى تحويرات طفيفة وأبرزها تجديد المحراب وقد جاءت أشكال الغرف وأنماطها المعمارية متنوعة خاصة وأن المعلم ظل يتطور باستمرار ليستجيب لحاجيات الطلبة والمدرسين المتزايدة (11)، هؤلاء الذين احتضنهم الجامع طيلة ثمانية قرون وأشرف على تدريسهم عدد كبير من العلماء، ينتمي الكثير منهم إلى أسرة أبي مسور، ولا يزال الجامع عامرًا إلى اليوم بهم يشرفون على إمامة الجمعة والخمس ولكن انقطعت فيه الدروس العلمية منذ القرن التاسع عشر (12).
ولكن هذا لا ينفي احتضانه طيلة سنوات منذ إمامة أبي زكرياء فصيل نشاط حلقات العزّابة، هذا التنظيم الذي كان له دور فعّال في تنشيط الحياة العلمية التي بدأها فصيل بمجهوداته الخاصّة والفرديّة.
ثالثا: فصيل وتأسيس نظام العزّابة
__________
(1) «وهو المعروف بمسجد أبي مسور, يوجد بحومة الفاهمين قرب قلالة، وفيه دفن الشّيخ أبو مسور وقبره موجود إلى الآن»، المرجع نفسه، ص73.
(2) المرجع نفسه.
(3) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة عند الإباضية الوهبية بجربة»، المعهد الأعلى للآثار والفنون، تونس 1975 م، ص239.
(4) سليمان الحيلاتي، «علماء جربة»، دار الغرب الإسلامي، ط 1، بيروت، لبنان، 1419 هـ/1998 م، ص73.
(5) المصدر نفسه.
(6) البقرة الآية 114.
(7) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة ... »، ص241.
(8) رياض مرابط، «مدونة مساجد جربة ... »، ص101.
(9) المرجع نفسه، ص ص101 - 102.
(10) المرجع نفسه، ص103.
(11) المرجع نفسه، ص106.
(12) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة ... »، ص243. (17/268)
صفحة 259
عانت الجماعة الإباضية في المغرب من الفشل الذي يطوِّق كلَّ حركة نحو الاستقلال وتحقيق الحلم في تكوين دولة إباضية لها كيان مستقل.
البداية كانت مع أئمة طرابلس، ثم مع الدولة الرستمية بإمامة عبد الرحمان بن رستم التي قضت عليها الدولة الفاطميَّة في عهد اليقظان بن اليقظان سنة 296هـ/909م، كما كان الفشل نهاية الثورات التي قام بها شيوخ الإباضية ضدّ الحكم الفاطمي ومن أهم هذه الثورات نذكر ثورة أبي يزيد مخلّد بن كيداد (1) وثورة أبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني (2).
أ ثورة أبي يزيد مخلّد بن كيداد:
لقب أبو يزيد بصاحب الحمار، وقد مثلت ثورته اجتماعا بين النكًّار والسنًّة خاصًّة وأنًّه عاد إلى مذهب النكًّار بعد ما كان وهبيا (3)، واستغل أبو يزيد في ثورته على الفاطميين نقمة الإباضيين عليهم، وأخذ يحتسب على الناس أفعالهم وعلى جباة الأموال ويحرٍّض على السلطان واستطاع بذلك أن يوسع دائرة أنصاره لتشمل أهل السنة، خاصَّة بعد أن اتخذ ضرورة الخروج على الفاطميين غضبا لله لاستخفافهم بالشريعة شعارا رفعه في ثورته (4)، إلاَّ أنَّ التفاف الجماعات التي تضرَّرت مصالحها مع الدولة الفاطمية حول أبي يزيد لم يدم طويلا، وذلك للمسلك الذي اتخذه في محاولة سيطرته على القيروان، إذ يذكر عنه أنَّه بكلِّ مدينة أو قرية يمرُّ بها وهو في طريقه إلى القيروان خرَّبها وسبى النساء واستباح الأموال كفعل نافع بن الأزرق وغيره من الخوارج (5). ولكنَّ هذه الروايات لا يمكن الاطمئنان الكلِّي إليها، خاصَّة إذا نظرنا إلى رواية النّكار حول ثورة أبي مخلَّد.
__________
(1) «(ت: 334هـ/937م) أبو يزيد من بني يفرن وكان مسكنه بقلعة شداد كان خروجه على القاسم بن عبيد الله»، أبو زكرياء، «السيرة ... »، ص168.
(2) «(ت: 380هـ/990م) من كبار علماء الإباضية، برع في علم الكلام وانفرد بآراء متميِّزة من أبناء الحامَّة بقسطيلية من بلاد الجريد بالجنوب التونسي أخذ الأدب وعلم اللسان والفروع عن أبي الرّبيع سليمان بن زرقون النفوسي»، «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص 477.
(3) الدّرجيني، «طبقات ... » ج1، ص97.
(4) محمد انقزو، «التيارات الفقهية والدّينية بإفريقية: (184هـ ــــ 440هـ/ 800م ــــ 1048م)، دراسة في الصراع المذهبي وأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية»، شهادة تعمق في البحث (مرقونة)، إشراف هشام جعيط، ـ 1993ـــــ1994، ص331.
(5) أبو زكرياء، «السيرة .... »، ص172. الدرجيني، «طبقات ... »، ج1، ص100.
* Tadeusz Lewicki, « Les subdivisions de l’Ib?diyya», (Studia Islamica, 9, 1958)», p78. (17/269)
صفحة 260
كما عمد إلى قتل أحد علماء النكَّار الذي كان يرافقه في طريقه عندما أنكر عليه سلوكه وقوله إن هذا هو الخروج من الدين (1)، وتمكّن من الاستيلاء على القيروان ثم سار منها إلى المهدية، فحاصر بها ابن عبيد الله زمنا طويلا (2)، واندلع قتال بين أبي يزيد وإسماعيل بن القاسم إلى أن انهزم وقتل.
ب - ثورة أبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني:
اندلعت هذه الثورة سنة 358هـ/968م (3)، وهي تعتبر آخر الثورات التي قام بها الإباضية في إطار محاولة إقامة إمامة لهم بعد الدولة الرستمية.
وتعتبر المصادر أن الشرارة التي أشعلت هذه الثورة هي مقتل أبي القاسم يزيد بن مخلد (4) على يد المعزّ لدين الله الفاطمي رغم ما حظي به لديه من مكانة وإشعاع، ويرى الدّرجيني أن ذلك راجع إلى الوشاية التي أوغر بها أعداء أبي القاسم قلب الخليفة: يقول الدّرجيني: «فوقع في نفس أبي تميم من أبي القاسم خوف عظيم فصار من ذلك اليوم يقبل فيه قول الوشاة»، (5) ويبدو أن المعزّ أحسّ بخطر أبي القاسم لما له من أهمية عند القبائل وخاصّة قبيلة مزاتة التي كانت بإفريقية في قوّة عظيمة، من حيث المال والرجال والخيل.
وقد بلغ مقتل أبي القاسم مبلغا عظيما عند أهل الدعوة فعزموا على الثأر لدم شيخهم وبايعوا أبا خزر إمام دفاع، فتوجه أبو نوح سعيد بن زنغيل (6) إلى جبل نفوسة ثم إلى جربة لجمع الأنصار وإعلان الثورة ثأرًا لدم أبي القاسم رغم معارضة أبي صالح بكر بن قاسم اليهراسني، إلاَّ أنّ خبر خروجهم بلغ إلى المعزِّ فدعاهم إلى الرجوع عما عزموا عليه غير أنَّ العامَّة من
__________
(1) المصادر نفسها.
(2) أبو زكرياء، «السيرة .... »، ص174.
(3) «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص477.
(4) «(ت 358هـ/968م) من بني تيجرت في الحامّة ببلاد الجريد في تونس, أخذ علم الأصول وعلم الكلام عن الشيخ سحنون بن أيوب أمَّا التفسير والفقه واللغة فعن أبي الربيع سليمان بن زرقون وكان ثريا، تضطرب مدينة القيروان إذا دخلها وقد قرَّبه المعزُّ لدين الله إلى بلاطه وعقد له مجالس للمناظرة وأعجب به حتى قال عنه: أما يزيد فلم تلد العرب مثله»، المرجع نفسه، ج2، ص467.
(5) الدرجيني «طبقات ... »، ج1، ص124.
(6) «(أوائل ق 4هـ/10م) أحد أقطاب العلم عند إباضية المغرب نشأ وسكن بالجريد بتونس، ثم استوطن وارجلان بالجزائر. أخذ علمه عن الإمامين: أبي القاسم يزيد بن مخلّد وأبي خزر يغلا بن زلتاف»، «معجم إعلام الإباضية»، ج2، ص 176. (17/271)
صفحة 261
الإباضية أبت ذلك، وقام أبو خزر بإرسال أبي محمد جمال بن محمد المدوني ليستنفر أهل الزّاب وأريغ ووارجلان (1) فاجتمعت له جموع كثيرة وخاصة من مزاتة فرأى أنه بهم قادر على هزم خصمه، فلم ينتظر المزيد من إمدادات أنصاره وتحرَّك نحو باغاي، ولكنَّ المعزَّ حاصره وهزمه وأجبره على التراجع مع جيشه ففرَّ أبو خزر إلى جبل يقال له «تلماجرت» (2). وقد حاول فصيل المشاركة في هذه الثورة ومساندة شيخه الذي كان له الفضل في تدريسه، ولذلك عمل جاهدا على اللحاق به، فاستأذن من والده وسار إليه لكن وهو في طريقه ذاك بلغه خبر هزيمة أبي خزر فرجع أدراجه إلى جربة (3).
وهرب أبو نوح متخفيا في لباس الرعاة إلاَّ أنَّ رسل أبي تميم تمكنوا من معرفته وإلقاء القبض عليه (4)، فأودعه المعزُّ السجن إلى أن تشفع له المنصور بن بلكين بن زيري الصنهاجي عند المعز فعفا عنه وقال له: «يا أبا سعيد إنَّ القيود التي في رجلك إنَّما هي فيها بالعلم ولا تنزع إلاّ بالعلم» (5) وأجلسه في بلاطه وقرَّبه منه وعقد له مجالس العلم لمناظرة العلماء والشيوخ وكان يقول عنه: «أبو سعيد فتى مجادل».
أمَّا أبو خزر فقد أعطاه المعزُّ الأمان وأكرمه وأخذه معه عندما انتقل إلى القاهرة سنة 362هـ/972م في حين رفض أبو نوح مرافقتهما وأنهى حياته في وارجلان عند أبي صالح جنون بن يمريان (6).
وبهذا انتهت ثورة أبي خزر كما انتهت ثورة أبي يزيد.
ونتيجة لهذا الوضع المتأزم الذي مرَّت به الإباضية في فترة القرنين 3 و4هـ/9 و10م والذي جعلها عرضة للهجمات والقتل وهو ما حتَّم على مشايخها التفكير في مصيرهم ومصير عقيدتهم الأمر الذي اضطرهم إلى ممارسة نشاطهم سرًّا وهو وضع مشابه لما مرت به الإباضية في بداية ظهورها، وقد سميت الإجراءات التي يتخذونها نتيجة للظروف وخاصة السياسية منها بمسالك الدين عند الإباضية وهي أربعة مسالك: الظهور، والدفاع، والشراء، والكتمان.
ج - مسالك الدّين عند الإباضية:
*الظهور: يعني إعلان الإمامة المستقلَّة، ويُرشَّح فيها إمام وفق ما جاء به القرآن والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين، وعلى الإباضيين خلالها إقامة الحدود وصلاة الجمعة وجمع الزكاة والجزية ومحاربة الأعداء وتوزيع الغنائم والزكاة توزيعا عادلا (7).
*الدفاع: يُعتبر الدفاع واجبا إذا ما غابت مرحلة الظهور، وذلك في حالة وجود خطر هجوم ما، فلا بد أن يوكل الإباضيون أمر قيادتهم إلى إمام يسمى إمام دفاع، له كل الصلاحيات مثل إمام الظهور وتنتهي مهمته بانتهاء الحرب. ويعتبر عبد الله بن وهب الراسبي أوَّل إمام دفاع في معركة النهروان، وفي المغرب نذكر أبا خزر يغلا ابن زلتاف (8).
*الشراء: تعبِّر عند الإباضية على التضحية في سبيل الله؛ وقد اشتقت من الآيات القرآنية التي حثت على الجهاد والزهد في الدنيا وترك لذائذها مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (9).
* مرحلة الكتمان: وهي تعني التكتُّم عن المعتقدات لتجنُّب القمع، فتصبح السرية هي السبيل للحفاظ على هذه المعتقدات، وأوَّل من التجأ إلى ذلك جابر بن زيد العماني وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ويعتبر شيوخ الإباضية وعلماؤها أنَّ اتخاذهم هذا المسلك عائدٌ إلى الاقتداء بسيرة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في بداية دعوته وتحديدا الفترة الواقعة بين بداية الوحي حتى وقت وصول عدد المسلمين أربعين (10).
وتتمثَّل أنظمة المرحلة السرية في أنه: «على الإباضية أن يجتمعوا ويعيِّنوا
__________
(1) الدرجيني، «طبقات ... »، ج1، ص128.
(2) «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص477.
(3) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة ... »، ص180.
(4) الدرجيني «طبقات ... »، ج1، ص128. أبو زكرياء, «السيرة ... »، ص ص206 - 207.
(5) المصادر نفسها، ص209.
(6) «(أوائل ق4هـ/10م)، من إيزوزام، كان شيخ الإباضية بوارجلان تتلمذ على أبي يوسف يعقوب الطرفي، يعود له الفضل في ازدهار الحركة العلمية وانتظام الحياة الدينية والاستقامة الخلقية في وارجلان»، «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص ص115 - 116.
(7) عمرو خليفة النامي، «دراسات عن الإباضية»، تر. ميخائيل خوري مر. ماهر جرار د. أصوله وع. عليه محمد صالح ناصرو مصطفى صالح باجو، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت 2001، ص276.
(8) المرجع نفسه، ص278.
(9) التوبة آية 111.
(10) عمرو خليفة النامي، «دراسات ... »، ص282. (17/272)
صفحة 262
قائدا يدفعون له زكاتهم وحقوقهم يجمعها من الأتقياء منهم ويوزعها بين الأتقياء، ينبغي لهم أن يزور بعضهم بعضا، وأن يشكلوا المجالس لتعليم عقيدتهم وعبادة الله كذلك ينبغي لهم أن يقيموا الصلاة الجماعية وأن ينفذوا كل ما يستطيعونه من واجب عمل الصالح والحيلولة دون الشر» (1).
وتعتبر مرحلة الكتمان المسلك الذي ارتأته الإباضية في المغرب بعد الفشل الذي تعرّضت له في محاولاتها لإنشاء إمامة مستقلة وقد أسفرت هذه المرحلة عن إنشاء نظام سمي بنظام «العزّابة» (2) وتعود فكرة تنظيمه إلى أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور.
ويعتبر هذا النظام، نظاما اجتماعيا نزّله الإباضية «بمنزلة السلطان العادل» (3) لأنه يحفظ كيان الإباضية دون أن يكون خطرا على السلطان حتى يحاربها (4) واختار فصيل أبا عبد الله محمد بن بكر (5) لتأسيس هذا النظام لأنه رأى فيه وهو أحد تلامذته القدرة والكفاءة على تحمل أعباء هذه المسؤولية ويقول عنه الدرجيني: «وبلغنا أنه في أيام قراءته على أبي زكرياء نظر إليه ذات يوم فرأى اجتهاده وحسن سياسته وتمسكه بخلال الخير» (6) فأرسل إليه ابنيه زكرياء ويونس وابن أخته أبا بكر بن يحيى (7) وجماعة من أقاربه وقال لهم: «اطلبوا عبد الله، فحيثما وجدتموه فلازموه، واقرؤوا عليه وحيثما كان فكونوا معه ولو في شغل دنياه ... » (8).
__________
(1) المرجع نفسه، ص283.
(2) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة ... »، ص 24.
(3) المصدر نفسه، ص 25.
(4) سالم بن يعقوب، «تاريخ جزيرة ... »، ص82.
(5) «(و:345هـ/956م-ت:440هـ/1049م)، أحد أقطاب الإباضية في المغرب، ومن أبرز المصلحين الدّينيين والاجتماعيين، ولد بمدينة فرسطا بجبل نفوسة، أين أخذ مبادئ العلوم ومنها تنقّل إلى عدّة مدن للاستزادة من الفنون على يد أكابر العلماء في زمانه بالقيروان وجربة والحامّة.»، الدّرجيني، «طبقات ... »، ج1، ص167. الشمّاخي، «السير»، ص 359. «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص368.
(6) الدّرجيني، «طبقات ... »، ج1، ص167.
(7) «كان عالما وقدوة ومن أهمّ أقواله: لسنا في ظهور، ولا في دفاع، ولا في كتمان، ولا في شراء، لكنَّ زماننا سائب»، الشمّاخي، «السير»، تحقيق ودراسة محمد حسن، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، السلسلة 4، المجلد 30، تونس 1995، ص 342.
(8) الدّرجيني، «طبقات ... »، ج1، ص ص167 - 168. أبو زكرياء، «السيرة ... »، ص ص252 - 253. (17/273)
صفحة 263
فخرجوا باحثين عنه، فاجتمعوا به في مكان اسمه «تقيوس» بعد عودته من القيروان وطلبوا منه أن يرتب لهم الحلقة، إلاّ أنه امتنع فجعلوا يلحون عليه ويكثرون الطلب إلى أن أجابهم على شرط أن لا يسألوه عن مسألة ولا يجيبهم حتى تمضي أربعة أشهر، فكان له ذلك وتأسست الحلقة بعد المدة المشترطة في مسجد المنية سنة 409هـ/1018م (1) وهي السنة التي عرفت بهزيمة الأبراج (2). وانتقل أبو عبد الله محمد مع تلامذته إلى أريغ وأرسل إلى أبي القاسم يونس بن يزكن الويليلي (3) يطلب منه أن يهيئ له فيها غارا يرتِّب فيه الحلقة ليدرسوا فيه ويجتهدوا، فحفر له الغار الذي سمي بالغار «التسعر» وهو اختزال لتسع وأربعمائة، (4) ومعروف في بلدة «تين يسلي» بمنطقة آجلوا في أريغ وهي تقابل اليوم قرية «بليدة عمر» (5). وقد مثل هذا الغار أول مدرسة مستقرَّة لحلقة العزَّابة، هذا النظام الذي أطلق عليه اسم «السيرة المسورية البكرية» نسبة إلى أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور الذي له قام بالتحريض وإلى أبي عبد الله محمد بن بكر المؤسِّس الفعلي للنظام.
د - نظام العزّابة:
* المعنى اللغوي: يقال عزب يعزب عزوبا وعزبت الإبل أبعدت في المرعى لا تروح، وعزب الرجل بإبله إذا رعاها بعيدا من الدار التي حلَّ بها في الحي» (6).
* المعنى الاصطلاحي: يقول الدّرجيني: «العزابة واحدهم عزَّابي؛ هي لفظة استعملت لقبا لكل من لازم الطريق وطلب العلم وسير أهل الخير وحافظ عليها وعمل بها، فإن أحسن جميع هذه الصفات سمي عزَّابيا» (7).
__________
(1) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة ... »، ص36.
(2) الدّرجيني، «طبقات ... »، ج1، ص169.
(3) «(حي قبل 440هـ/1048م)، من مشايخ أريغ جنوب شرق الجزائر، وصفه الشماخي بأنه كان شيخا كثير الفضائل زاهدا وصدّيقا مصافيا لأبي عبد الله محمد بن بكر» , «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص496.
(4) فرحات الجعبيري، «نظام العزابة ... »، ص36.
(5) المصدر نفسه.
(6) ابن منظور، «لسان العرب»، دار صادر للطباعة والنشر، ط 1، بيروت، 2000، ج10، ص132.
(7) الدّرجيني، «طبقات ... »، ج1، ص ص 3 - 4. لمزيد التعرف على نظام العزّابة: فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة ... ». فخار إبراهيم، «مؤسسة العزّابة: النشأة ومصطلحات العزابة»، مركز الدراسات والبحوث على التطوير الجهوي، م. د. ب. ت. ج ( C.E.R.D.R.O)، وهران الجزائر. (17/275)
صفحة 264
فالعزوب؛ الميل عن اتباع شهوات الدنيا وما يمكن أن ينجرَّ عنها من ابتعاد عن طريق الورع والتقوى والصلاح، ولكن هذا العزوب والعزوف عن الدنيا ليس كليا حتى لا ينسى المؤمن نصيبه من الدنيا عملا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلَّم كالزواج والعمل، وتُنتخب جماعة العزابة من بين أهل الورع والاستقامة، وهم الذين يكوِّنون المجلس الديني الذي يتولَّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان (1).
*مجلس العزّابة: يتكوَّن المجلس من أربعة عشر عضوًا، ولكلِّ عضو منهم خليفة (2). وينقسمون إلى قسمين: الأربعة السابقون وهم:
1 - شيخ الحلقة: يقع اختياره بعد تشاور طويل حسب قدراته على تحمُّل أعباء المشيخة، وتقع استشارته بعد توليته في كلِّ الأمور صغيرها وكبيرها وهو القائم على اختيار بقية أعضاء المجلس.
2 - إمام الصلاة: لا بدَّ أن يكون حافظا للقرآن الكريم ومتقنا للقراءة، له معرفة دقيقة بالصلاة والطهارة، ويشرف إضافة إلى الصلاة على عقود الزواج، وله أن ينوب الشيخ إذا غاب (3).
3 - المؤذن: من الحلقة وله صوت جهوري، ورع، له أن يحضر عقود الزواج بالمسجد، وينوب الإمام في كتابتها إذا غاب (4).
4 - بقية الأعضاء: لم ترد أخبار تفصِّل مهمَّتهم في مجلس العزَّابة.
أمَّا القسم الثاني من أعضاء مجلس العزّابة فهم:
1 - مُقرؤو المحاضر (5).
2 - وكيلا المسجد: يشترط فيهما أن يكونا قليلي المال والولد حتى يتفرَّغا
__________
(1) سالم بن يعقوب، «تاريخ جزيرة ... »، ص84. فرحات الجعبيري، «نظام العزابة ... »، ص64.
(2) المصدر نفسه، ص79.
(3) المصدر نفسه، ص ص83 - 84.
(4) المصدر نفسه، ص84.
(5) «المحاضر: جمع محضر: عبارة عن كُتَّاب إملاء وتعليم الخطّ وحفظ القرآن وقد سميت كذلك لأنها تُحضِّر الصغير لقسم التلاميذ من طلبة القرآن الكريم»، المصدر نفسه، ص319. (17/276)
صفحة 265
للعناية بالمسجد (1).
3 - الغسَّالون: وهم أربعة أو خمسة، يتولَّون غسل الموتى وتكفينهم وتشييع جنازاتهم والصلاة عليهم (2).
4 - القاضي: يشترط فيه أن يكون عالما بفنون الأحكام لتسوية المشاكل (3).
لقد كان لهذا النظام دور أساسيٌّ في جزيرة جربة، وكانت له سلطة روحيّة فعَّالة ولعلَّ هذا عائد إلى السلطة التي كانت له على المساجد (4) التي هي مكان الصلاة والجلسات العلمية والحلقات التدريسية في القرآن والفقه وعلم الكلام.
يبدو من خلال مكوِّنات مجلس العزّابة أن الوظائف موزّعة بين أفراده توزيعا محكما حسب ما ينصُّ عليه قانون العزَّابة، ولكن هل أنَّ أفراده فعلا ملتزمون بتطبيق هذا القانون بالشكل الذي يجب أن يكون عليه؟ هل هم على قدر من الكفاءة المشترط توفرها في كلِّ واحد يتولى مهمَّة داخل هذا المجلس؟
وقد أورد الدكتور فرحات الجعبيري مثالا لسلطة أحد المشايخ على أوقاف المسجد، يقول: «وقد وجدت وثيقة في هذا الشأن للشيخ أبي القاسم البرادي، وهي جواب عن سؤال وجَّهه له شخص اكتفى بذكر اسمه: «عمّنا سليمان» يقول فيها: «والعمدة في تغميت أي أوقاف جربة. أولاد الشيخ زكرياء (فصيل بن أبي مسور) وهم القطب في تدبير أمرها وإصلاح أمورها وترتيبها وابتدائها وانتهائها». (5) ولعلَّ هذا لا يستغرب من أسرة كان الفضل لأحد أفرادها في اقتراح فكرة تأسيس هذا التنظيم ولبقية أفرادها الجلوس للتدريس في حلقات علمية تحت إشراف هذا النظام.
هذه تقريبا الصلاحيات الدينية لهيئة العزَّابة، ولكن يمكن أن نجزم أنَّ السلطة التي كانت تمارسها هذه الهيئة المتنوعة هي سلطة خادمة للمذهب الإباضي ومساعدة على استمراره وبقائه، ولكن أيضا هي سلطة خدمت مصلحة الأفراد، ولنا أن نستشفَّ ذلك من إشراف أبي زكرياء فصيل أحد أولاد أبي مسور على أوقاف المسجد، هذه السلطة التي مكّنته من اكتساب سلطة روحيَّة على الإباضيين بجربة خاصة وأنَّ أوقاف المسجد تعود في ملكيتها له وهو ما ساعده على ممارسة نشاطه الديني والاقتصادي
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه، ص87.
(3) المصدر نفسه، ص88.
(4) المصدر نفسه، ص235.
(5) المصدر نفسه، ص ص235 - 236. (17/277)
صفحة 266
والتجاري ونشر أفكاره ومبادئه، وقد استعان أبو زكرياء بهذا التنظيم أي تنظيم العزّابة لتنشيط الحركة العلمية (1) بالجزيرة.
رابعا: التعلّم والتعليم أولوية أنشطة فصيل:
لقد أولى أبو زكرياء مكانة هامَّة للتعليم والمتعلِّمين مؤمنا إيمانا شديدا بجدوى التعلُّم ومكانته في النهوض بأي مجتمع، إذ كان يقول عن منزلة التلاميذ بأنَّها: «كشجر الخرُّوب لا ينبت بجانبه شيء وإن نبت كان ضعيفا» (2) أي أن التلاميذ كشجرة الخروب (3) التي لا يجب أن ينبت حولها شيء لأنَّ ذلك قد يضرُّ بها، وكذلك التلميذ يجب أن ينصب كلّ الاهتمام حول العناية به والسهر على راحته وتهيئ كلِّ الظروف الملائمة لنجاح العملية التعليمية. ولتحقيق هذه المبادئ اعتمد فصيل على أساليب متعددة منها:
*ــــ دفعه النّاس إلى التكفل بالمتعلمين.
*ــــ المساعدات المادّية.
أ ـــــ التشجيع على التكفّل بالمتعلمين:
سعى فصيل إلى دفع أهله من علماء ومشايخ الإباضية في الجزيرة إلى توجيه كلّ الجهود لما يصلح للتلاميذ وإلى تعليم الطلبة والتركيز على تربيتهم مثل ما يكون الاهتمام بشجر الخروب وحمايته من أن ينبت حوله شيء يقول الدّرجيني: «وكأني به يخاطب أهله وحشمه ليكون لهم من الاهتمام والاهتبال بأمورهم والقيام بحقوقهم ما لا يكون لغيرهم» (4)، فالتلاميذ بالنسبة لفصيل أكثر فئات المجتمع أحقية بالتفضيل والاهتمام والعناية.
لقد اجتهد أبو زكرياء فصيل في مدِّ يد المساعدة للتلاميذ الرّاغبين في طلب العلم والعاجزين عن الإنفاق على ذلك.
ويبدو أن فصيل كان مدركا لقيمة القاعدة البشرية في تقوية أي تنظيم لذلك اعتمد لتحقيق هدف وهبية جربة على جذب أكبر عدد من الإباضية
__________
(1) فخار إبراهيم، «مؤسسة العزّابة ... »، ص4.
(2) علي يحيى معمر، «الإباضية في موكب في موكب التاريخ: الإباضية في تونس» دار الثقافة، ط1، بيروت، لبنان، جمادى الأولى 1385 هـ/سبتمبر 1966 م، ج3، ص106.
(3) «هو نبت معروف له حبّ كحبّ الينبوت والمقصود هنا شجرة الخرّوب ويقال لها «خرّوبة» وهي شجرة الينبوت»، ابن منظور، «لسان العرب»،ج5، ص 37.
(4) الدّرجيني، «طبقات ... »، ج2، ص363. (17/278)
صفحة 267
بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، ولكن هل كان مجتمع جربة بكلّ مستويات طبقاته الاجتماعية مناصرا لأسرة فصيل ومساندا لها في صراعهم ضدَّ الانشقاقات داخل الإباضية أو الخارجة عنها كالشيعة والمالكية؟
ب ـــــ المساعدات المادية:
لسائل أن يسأل عمَّا يمكن أن يقوم به شخص جعل الاهتمام بالتعليم من أوَّل اهتماماته وهو رجل صاحب جاه ومال كبيرين؟
كان أبو زكرياء يصرف الدنانير بالدَّراهم ويجعلها في قراطيس وصرر يعلِّقها في ألواح التلاميذ أو يجعلها بين ثيابهم دون أن يشعروا، (1) قاصدا بذلك تحقيق هدفين وهما، التكتُّم عن الصدقة وتشجيع الطلبة على العلم ودفعهم إلى مزيد البذل لتحصيل أكثر ما يمكن منه، وعندما يتفطَّن الطلبة إلى تلك الأموال فيسألونه عن مصدرها فيقول بأنها رزق ساقه الله إليهم من حيث لا يدرون وتَحِلُّ الاستفادة به، ولكن بموته أيقن الطلبة أنَّ أبا زكرياء هو صاحب هذه الإعانات المالية عندما انقطعت عليهم (2).
وكان ثراء أبي زكرياء وتجارته الواسعة في الجزيرة خير سند له لتحقيق أهدافه المتمثلة في نشر العلم وتوسيع حلقات التعليم، كما أنفق فصيل على الطلبة الوافدين من خارج الجزيرة لتلقي العلم فوفَّر لهم المأكل والمسكن الذي يأويهم حتى يستطيعوا تحصيل العلم على أحسن وجه، علما وأن عددهم كان كبيرا لما كانت تتميَّز به جربة من إشعاع في مجال علوم الفقه وعلم الكلام والحديث. هذا ساهم في إثراء الرصيد الإباضي من المؤلفات الفقهية والكلامية مثلما كان مع مؤلف أبي محمد ويسلان صاحب «كتاب الوصايا والبيوع»، (3) وكذلك مؤلفات أبي الربيع سليمان بن يخلف المزَّاتي (4) ومنها «كتب التحف المخزونة في إجماع
__________
(1) الشّماخي، «السير»، ص341.
(2) علي يحيى معمّر، «الإباضية في موكب ... »،ج3، ص107.
(3) «(ق5هـ/11م)، من جمع تلامذة أبي محمد، وهم ثمانية، منهم: حمّو بن أفلح وأحمد بن ويجمن وعبد الرحيم بن عمرو ... »، فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة ... »، ص 265.
(4) «(ت:471هـ/1079م)، هو الأصولي والفقيه، تعدَّدت نسبته، الوسلاتي، المزاتي، النفطي، أخذ العلم من أريغ عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر النفوسي، كان من أكابر العزَّابة بجربة»، «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص215. (17/279)
صفحة 268
الأصول الشرعية» (1) وكتاب «طلب العلم وآداب التعلّم» (2) وكتاب «علم الكلام وأصول الفقه» (3).
وقد سهَّل الجامع الكبير الذي أتمَّ بناءه فصيل كما سبق أن ذكرنا بعد وفاة أبي مسور عملية احتضانه للتلاميذ والطلبة بفضل الهندسة التي أنشئ عليها.
ج ـــــ النشاط التعليمي لنظام العزَّابة:
لقد ارتبط تأسيس نظام العزّابة بدخول الإباضية في مرحلة الكتمان التّي فرضتها الأوضاع السياسية بعد فشل محاولات إعادة إقامة إمامة ظهور، وهو النظام الذي يرجع في تأسيسه لأبي زكرياء فصيل بن ابي مسور وقد اتخذ نظام العزّابة لحماية العقيدة الإباضية، الحلقات العلمية والانزواء للتدريس وسيلة لتحقيق ذلك، وهو ما يجعلنا نقول بأنَّ نظام العزّابة هو بدرجة أولى نظام تعليمي بالأساس يهدف إلى النهوض بالحياة العلمية للمجتمع الإباضي بعد الهزائم التي تلقاها من قبل السلطة الفاطمية، وذلك لقيامه على مناهج واضحة ومنظمة خصَّها الدكتور فرحات الجعبيري بدراسة مستفيضة (4).
ويتأكَّد بهذا الفضل الكبير الذي كان لفصيل في تنشيط الحركة العلمية في الجزيرة وهو الذي قال عنه الدرجيني: «إذا ذكرت السباق في حلبة العلم كان المبرَّز، وإذا ذكرت المخلصين وجدته لخصال الخير بأسرها قد أحرز، قد تقَّدم من ذكر أحواله في التعلّم والتعليم» (5).
خامسا: أبو زكرياء فصيل وعلاقته بأهالي الجزيرة:
لقد أبانت بعض الأخبار التي روتها كتب السير والطبقات عن تميُّز بعض أفراد الأسرة المسورية بعلاقاتهم الطيبة مع أهالي الجزيرة باختلاف مستوياتهم الاجتماعية: الغني والفقير، الرجل والمرأة.
لقد تميَّزت علاقة أبي زكرياء
__________
(1) «حققه الباحث محمود الأندلسي في إطار تحضيره لرسالة جامعية ولكن عاجلته المنية قبل أن يناقش» وقد قال عنه البرادي بأنَّه من أشرف تصانيف أهل الدعوة»، «معجم أعلام الإباضية»، ج2، ص116.
(2) «طبع هذا الكتاب تحت عنوان كتاب السير»، المرجع نفسه.
(3) «كان هذا المؤلف في مجلدين، ولعلّه نفسه كتاب التحف»، المرجع نفسه.
(4) فرحات الجعبيري، «نظام العزّابة ... »، ص117 (وما بعدها).
(5) الدّرجيني، «طبقات ... »، ج2، ص361. (17/280)
صفحة 269
بأهالي الجزيرة بسعيه الدؤوب لتفريج كرب النّاس، وقد ذكر أبو زكرياء في سيره أخبارًا تؤكِّد ذلك مثل:
*ـــــ قصَّة أبي محمد كموس (1) الذي استعان بأبي زكرياء ليتجاوز محنة ألمت به وكادت أن تذهب بما بذله طيلة حياته في العبادة والتقوى والورع (2).
*ـــــ تعوَّدنا من أبي زكرياء اعترافه بفضل الله وتصدُّقه بما أنعم به عليه فيتصدّق على عامّة المجتمع، ــــ بعد أن رأينا منه تصدَّقه على المتعلّمين ـــــ عندما أتته امرأة تطلب منه زيتا، (3) وهو الذي عرف بحرصه على السير على النهج القويم الذي وضعه الإسلام للحفاظ على العلاقات الاجتماعية بين المسلمين، وتعتبر صفة التواضع (4) والأمانة (5) من أهم الأسس التي يمكن أن تساعد على بناء سليم للمجتمع وتركِّز علاقات وطيدة لا تقل أهميَّة عمَّا تؤسِّسه علاقات الرابطة الدموية وعلاقات المصاهرة داخل الأسر والمجتمعات.
ولكن ليس لنا أن ننفي ـــــ حسب ما تداولته الكتب حول قيمة أفراد عائلة أبي مسور في جربة ـــــ أنّ العلاقات الحسنة التي حرص أبو زكرياء على تثبيتها مع أهالي الجزيرة كانت أكبر مساعد له لبلوغ الصيت الذي بلغه هو وجميع أفراد الأسرة المسورية طيلة قرون طويلة وخاصَّة القرنين 4 و5هـ/10 و11م، ولذلك هل لنا أن نقول بأنَّ خللا ما طرأ على العلاقات الاجتماعية التي ربطت أفراد الأسرة بأهل جربة بعد القرن 5هـ/11م جعل المشيخة تنسحب من عندهم وتنتقل إلى الأسرة الصدغيانية، ومن بعدها الأسرة السمومنية (6)؟ ولعلَّ هذا يؤكد لنا مسؤولية التحولات الاجتماعية على التغيرات التي قد تطرأ على المجتمعات رغم ما يمكن أن تساهم به في ذلك التأثيرات العقدية.
سادسا: أبو مسور وابنه فصيل والعمل بالتجارة:
كان أبو مسور يكلِّف ابنه فصيل
__________
(1) «من علماء النصف الأول من القرن 5هـ بجربة، كان معاصرا لأبي عمر النميلي الزواغي»، أبو زكرياء «السيرة ... »، ج1، ص244.
(2) المصدر نفسه، ج1، ص245.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه، ج1، ص246.
(5) المصدر نفسه، ج1، ص250.
(6) «كان حكمهم من ق 7هـ/13م إلى ق 10هـ/16م»، سليمان الحيلاتي، «علماء ... »، ص 117. (17/281)
صفحة 270
بالتجارة حتى أنه أرسله يوما ليمتار له التمر من بني يزمرتين (1) في بلاد نفزاوة عندما كان يذهب للتعلّم عند أبي خزر يغلا بن زلتاف، وتمكَّن أبو زكرياء من لقاء أهل يزمرتين وتحميل الجمال تمرًا واحتفظ بالدنانير الباقية لأبيه رغم أنه اضطر إلى بيع عمامته لقضاء بعض حوائجه الخاصة، ولما علم بمسير أستاذه أبي خزر للثأر لدم أبي القاسم يزيد بن مخلد عاد إلى جربة ليسلِّم ما في عهدته من التمر والمال الذي أمَّنه عليه والده، ويستأذن منه ويودع أهله فكان له ذلك حتى أنَّ أباه قال له: «قد حللتك من جميع حقوقي عليك إلاَّ ما فعلت حين رددت الدنانير من نفزاوة ولم تكن حبستها لحوائجك» (2)، فخرج أبو زكرياء من جربة ولما كان ببعض الطريق بلغه خبر هزيمة أبي خزر وأصحابه، قرَّر العودة إلى جربة (3).
ويُعتبر هذا الخبر هو الوحيد الذي أوردته كتب السير حول نشاط أبي زكرياء التجاري، لكن ما يمكن التأكد منه أنه بفضل الثروة الطائلة التي كانت للعائلة المسورية احتلت مكانة هامة واتجه بعض أفرادها نحو الفلاحة والتجارة والسلف وغيرها من المعاملات المالية.
سابعا: فصيل وموقفه من السلطة الزيرية:
لقد سعى فصيل إلى الثورة على الفاطميين (ثورة أبي خزر) لكن لم يُتح له القدر أن يشارك فيها، وبعد هذا الموقف نراه يتحوَّل تحوُّلا جذريا في علاقته بالحكام لنراه يدعو إلى مهادنتهم والحفاظ على علاقة سليمة معهم، إذ كان يقول: «ومن حرث زرعا وحصده، ودرسه، وطحنه، وعجنه، أطعمه الجبابرة بمنزلة من أطعم الأولياء فلكليهما حظٌّ من الثواب وكلاهما يكتب عنه الله صدقة ... » (4) فبالنسبة إليه لابدَّ من اتقاء شرِّ الجبابرة من السلطة الحاكمة، ولكننا إذا نظرنا في سيرة فصيل نراه كلما أطعم جبارا يتبرَّع بالطعام للعزَّابة، معتبرا أن إطعام جبار هو وسيلة يهدف من ورائها حماية الأعراض من الهتك الذي قد يمارسه ولاة بني زيري في الجزيرة، أمَّا إطعام العزَّابة فهذا تكفير عن الطعام الأوَّل أي إطعام الجبابرة من أمثال ابن ينمو الوليلي (5).
وقد أعطت هذه السيرة الحسنة التي كانت لفيصل تجاه بني زيري مكانة هامَّة جعلت كلمته مسموعة لديهم، إذ لم يحدِّد عامل السلطان الزيري قيمة الخراج الذي يجب أن يدفعه بنو يهراسن، بل طلب من فصيل أن يحدِّده هو حسب ما يقدرون عليه، فأبلغه بما هم قادرون عليه، ولكن عندما انصرف العامل راجع أبو زكرياء نفسه فوجد أنه قد بالغ في تحديد المبلغ المقدور عليه من قبل بني يهراسن فما كان منه إلا أن دفع الخراج عن الفقراء والمساكين من ماله الخاص (6). وتتأكَّد هذه المكانة التي حظي بها فصيل عند بني زيري ما حدث في الحملة التي شنّها إبراهيم بن ينمو على الجزيرة، إذ أرسل إليه بأنه قادم إلى جربة وطلب منه أن ينظم مع أهله وعشيرته من بني يهراسن في الجامع الكبير حتى لا يصيبه أي خطر أو ضرر مثلما سيصيب أهل جربة سواء منهم الوهبية أو النكار.
وتعتبر المقولة التي رويت عن أحد عمّال صنهاجة والتي تتمثل في قوله: «عاش حميدًا ومات فقيدًا، اللَّهم ارحمه وأعد على بلده وأهل بلده وأهل بيته» (7) عندما بلغه خبر موته، كما قال عنه «مات امرؤ عالم أنّه سيموت» (8).
وقد كثر الجدل حول هذه العلاقة التي كانت بين فصيل وبني زيري، إذ اعتبر البعض أنَّ فصيل كان متحالفا مع صنهاجة في جربة، كما كان مستغلاّ لكلّ الظروف لحماية مصالحه الخاصَّة، (9) واعتبر البعض الآخر أن هذا السلوك الذي رأيناه من فصيل كان ضروريا لتفادي جبروت السلطة الجائرة وتجنبا لبطشهم (10).
ولكننا نرى في هذا الإطار أنَّ فصيل حاول بمهادنته لسلطة بني زيري أن يحتمي بهم وأن يتجنَّبهم في آن واحد، إذ أنَّ فترة القرنين 4 و5هـ/10 و11م تميزت بنشاط عدد من الفرق والمذاهب الإسلامية التي يسعى كلٌّ منها إلى أخذ مقاليد الحكم بالمنطقة خاصَّة وأن جربة كان لها موقع استراتيجي جعلها مطمعا لعديد الفئات، وقد تمثل صنهاجة بسلطتها سندًا لفصيل ولبني يهراسن
__________
(1) «هي قبيلة بربرية سكنت بسكرا بالجنوب التونسي»، أبو زكرياء «السيرة ... »، ج 1، ص242.
(2) المصدر نفسه، ج1، ص243.
(3) المصدر نفسه.
(4) الدرجيني، «طبقات ... »، ج2، ص363.
(5) المصدر نفسه.
(6) المصدر نفسه، ج1، ص161.
(7) المصدر نفسه، ج1، ص166.
(8) المصدر نفسه.
(9) محمد حسن، «إباضية جربة ... »، ص 75.
(10) سالم بن يعقوب وقاسم قوجة، «رد على مقال نشر ... »، ص249. (17/282)
صفحة 271
حتى يحافظوا على سلطتهم في الجزيرة، علما وأن نفوذ بني زيري على جربة لم يتعدَّ في أغلب الأحيان الحصول على الضرائب من الأهالي، ويعتبر نظام العزّابة أهم تنظيم يثبت سعي فصيل إلى تجنب الصدام مع السلطة الحاكمة كما تعتبر مساهماته في النهوض بالعلم والمتعلمين من الإباضيين بجزيرة جربة أكبر دليل على ولاء هذا الشيخ للإباضية ومبادئها.
- - -
قائمة المراجع
1 - ابن يعقوب «سالم»: «تاريخ جزيرة جربة»، دار الجويني للنشر، 1406هـ/1986م.
2 - أبو زكرياء «يحي بن أبي بكر»: (ق5 و6هـ/11 و12م): «كتاب السيرة وأخبار الأئمة»، تحقيق عبد الرحمان أيوب، الدار التونسية للنشر، تونس 1405هـ/1985م.
3 - الجعبيري «فرحات»: «نظام العزابة عند الاباضية الوهبية بجربة»، المعهد القومي للآثار الفنون، تونس 1975.
4 - الحيلاتي «سليمان أحمد»: (ت:1099هـ/1688م): «علماء جربة»، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت، لبنان، 1419هـ/1998م.
5 - الدرجيني «أحمد بن سعيد» (ت:670هـ/1271م): «طبقات المشائخ بالمغرب (ج1و2)»، تحقيق وطبعة إبراهيم طلاي، مطبعة البحث، د ت.
6 - الشمّاخي «أحمد بن سعيد بن عبد الواحد»: (ت:928هـ/1522م): «السير»: الجزء الخاص بتراجم علماء المغرب إلى نهاية القرن5هـ/11م، تحقيق ودراسة محمد حسن، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، السلسلة4، المجلد30، تونس1995.
7 - معمَّر «علي يحي»: (ت:1401هـ/1980م): «الإباضية في موكب التاريخ: الحلقة الثالثة، الإباضية في تونس»، دار الثقافة. ط1، بيروت، لبنان، جمادى الأولى1385هـ/سبتمبر1966م.
8 - بحاز «إبراهيم بن بكير»: «الدولة الرستمية (160 و296هـ/777 و909م) دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية»، ط، لا فوميك، الجزائر 1985.
9 - النامي «عمرو خليفة»: «دراسات عن الإباضية» ترجمة ميخائيل خوري، مراجعة ماهر جزّار، دقق أصوله وعلق عليه محمد صالح ناصر و ومصطفى صالح باجو، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت2001م
10 - انقزو «محمد»: «التيارات الفقهية والدّينية بافريقية 184 و440هـ/800 و1048م»، دراسة في الصراع المذهبي وأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية، شهادة التعمق في البحث (مرقونة)، إشراف: هشام جعيط 1993 ـــــــ 1994.
11 - مرابط «رياض»:
* «جوامع ومساجد جزيرة جربة في العصرين الحفصي والمرابطي، دراسة أثرية تاريخية»، رسالة دكتوراه (مرقونة)، جامعة تونس الأولى، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، (قسم التاريخ) تونس 1996. (17/283)
صفحة 272
* «مدونة مساجد جربة: الخارطة الوطنية للمواقع الأثرية والمعالم التارخية». المعهد الوطني للتراث، تونس 2002.
12 - ابن منظور «محمد» (ت:711هـ/1311م): «لسان العرب»، دار صادر للطباعة والنشر، ط1، بيروت، 2000م.
13 - ابن يعقوب «سالم» وقوجة «قاسم»: «ردّ على مقال نشر بالحياة الثقافية سابقا، الحياة الثقافية عدد38، 1985.
14 - فخَّار «ابراهيم»: «مؤسسة العزّابة، النشأة ومصطلح العزّابة»، مركز الدراسات والبحوث على التطوير الجهوي م. د. ب. ت. ج ( L.E.R.D.R.O)، وهران، الجزائر.
15 -
Lewicki »Tadeusz«: »Les subdivisions de l’Ib?diyya», (Studia Islamica, 9, 1958). (17/285)
صفحة 273
رسائل جامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ حمو بن عيسى الشيهاني
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الفكر العقدي عند الشيخ بيوض
منهجه وأبعاده
ن
ناقش الباحث حمو بن عيسى الشيهاني أطروحة الدكتوراه، بكلية العلوم الإسلامية، جامعة الجزائر، يوم الاثنين 07 محرم 1432هـ/ 13 ديسمبر 2010م، وهي موسومة بـ: الفكر العقديّ عند الشيخ بيوض، منهجه وأبعاده. تحت إشراف أ. د. يوسف حسين، وبعد المناقشة العلنية والمداولات السرية قرّرت اللجنة المكونة من السادة الأساتذة: أ. د عمار طالبي رئيسًا، وأ. د يوسف حسين مقرّرًا، وأ. د عمار جيدل عضوًا، و د. محمد يعيش عضوًا، قرّرت اللجنة منحَ الطالب الباحث درجة الدكتوراه في العلوم الإسلاميّة بتقدير: مشرّف جدًّا.
عرض موجز عن البحث:
أسبغ الله على عباده نعمه ظاهرةً وباطنة، أجلّها نعمة الهداية إلى الإيمان، الذي يغمر القلوب بطاقته المباركة فتتجلّى آثاره فِي مختلف مجالات الحياة، وبما أنَّ للتصوّرات والمعتقدات – على اختلافها وتبايُنها- سببًا فعّالاً في توجيه سلوك الإنسان، فإنَّ العقيدة الإسلامية الصافية هي البذرُ المبارَك الذي يثمر الحياة الطيبة للعباد في المعاش والمعاد.
أسباب اختيار الموضوع:
أ- بما أنَّ الإيمان بواجب تبليغ أمانة الرسالة والتمكين للدين هو دافعُ علماء الأمّة الإسلاميّة لبذل جهودهم الإصلاحيّة، فإنَّ معرفة هذه الجهود أمرٌ ضروريٌ للاستنارة بها في القيام بهذا الواجب، وبما أنَّ الاستفادة من تجارب السابقين ضرورة ملحّة لإصلاح (18/285)
صفحة 274
الأوضاع الراهنة، وبما أنّ التراث الإسلاميّ لا يزال بحاجة إلى دراسات المهتمّين والمتخصّصين ... رغبت في دراسة فكر أحد أعلام الإسلام المجدّدين، الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض رحمه الله؛ وقد وقع اختياري على هذه الشخصيّة لأسبابٍ، منها:
*ــــ كون الشيخ بيّوض من العلماء العاملين للنهوض بالمجتمع الإسلاميّ، المحليّ والوطنيّ والعالميّ، فهو رائد الحركة الإصلاحيّة بالجنوب الجزائريّ، وأحد مؤسّسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين، وعضوُ لجنة إغاثة فلسطين.
*ــــ كون اجتهادات الشيخ بيوض تشكّل حلقة من حلقات تطوّر عرض العقيدة عند علماء المدرسة الإباضية، وتمثّل خطواتٍ عمليةً نحو تحقيق الوحدة الإسلامية.
ب - الرَّغبة في تقديم نموذج عمليّ لإحدى توصيات بحثي في رسالة الماجستير، تتعلّق بضرورة تجديد منهجِ دراسةِ العقيدة الإسلامية وتفعيلِها، وهي الآتي: «بما أَنَّ للعقيدة الإسلامية دورًا فعّالاً فِي استقامة الأفراد والمجتمعات، وأنّ سعادة المسلمين فِي الدارين متعلّقة بقدر ارتوائِهم من معينها الصافي واقتباسِ منطلقات فكرهم ومنهج حياتهم من أصولها الصحيحة، فالمأمول من السادة الدارسين لها والمدرّسين أن يحرصوا عَلَى إقناع الناشئة بتحديد الغاية من دراستها، ويتوخَّوا فِي عَرضها الأسلوبَ الميسَّرَ والمنهجَ الواضحَ، ويسعوا إلى إخراجها من نطاق ترديد المقالات وصياغة الردود إلى تفعيل مجالات الإصلاح مع الخضوع لربّ الوجود».
الدراسات السابقة:
لم يُسبَق الباحث إلى موضوع المنهج العقديّ عند الشيخ بيوض وأبعاده الميدانية، رغم كثرة ما كُتب عن جوانبَ من حياة الشيخ بيوض، خاصّة ما دوّنه تلاميذه أمثال المؤرّخ محمد علي دبوز والدكتور محمد صالح ناصر، والدكتور محمد ناصر بوحجام، وما أنجز من الدراسات الجامعيّة العديدة التي تناولت جوانب من فكر الشيخ بيّوض، منها:
1 - دراسة الأستاذ نور الدين سحكال تحت عنوان: "الشيخ إبراهيم بيوض ومنهجه فِي الإصلاح"، تقدَّم بها لنيل شهادة الماجستير، بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، وسعى الباحث فيها لتبيين أمرين:
أ-التعريف بشخصية الشيخ بيّوض الإصلاحية.
ب- عرض التجربة الإصلاحية التي قام بها الشيخ بيّوض عرضًا تحليليًّا نقديًّا.
2 - أطروحة الدكتوراه للباحث نفسه، حيث واصل دراسة موضوع الحركة الإصلاحية عند الشيخ بيوض وقارنها مع حركة الشيخ عبد الحميد بن باديس، تحت عنوان "منهج الإصلاح ومجالاته بين (18/286)
صفحة 275
عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بيوض".
3 - أطروحة الدكتوراه، للأستاذ عيسى قرقب، تحت عنوان: "الإمام إبراهيم بيوض رائد الحركة الإصلاحية فِي الجنوب الجزائريّ" استعرض فيها جهود الشيخ فِي الجوانب الاجتماعية والثقافية، مركزًا عَلَى مواقفه الوطنية إبان الاحتلال الفرنسيِّ وإثر الاستقلال الوطنيِّ.
ويلاحظ شمولية الدراسات السابقة لشتّى مجالات الإصلاح عند الشيخ بيوض.
4 - أما عن جهود الشيخ فِي حقل التفسير فقد عنت بها دراسة الباحثة نادية وزناجي، وأعدّت بها رسالة الماجستير تحت عنوان "منهج التفسير عند الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيوض" وناقشتها بكلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، جامعة باتنة.
أبرزت الدراسة جهود الشيخين فِي الإصلاح بوجه عام، وفي التفسير بوجه خاصّ، مع الحرص عَلَى استنباط الآليات المنهجية التي وظّفها المفسّران.
5 - أقرب دراسة إِلَى موضوع بحثي هي مذكرة الماجستير للباحث حمدي صالح، تحت عنوان "منهج الشيخ إبراهيم بيوض فِي عرض الإلهيّات من خلال تفسيره فِي رحاب القرآن"، ناقشها بكلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية بجامعة باتنة.
ركزت المذكرة على إبراز منهج الشيخ بيّوض فِي تناول "الإلهيات" من خلال تفسيره "فِي رحاب القرآن" مبرزةً منهجه فِي بيان وجود الله تعالى، ووحدانيته، وصفاته.
يُلاحَظُ أنَّ هذا العمل أوسعُ من تلك الدراسة مجالاً وأبعدُ عمقاً، حيث يشمل أركان الإيمان الأخرى، ولم يحصِر مجال البحث فِي "التفسير"، كما أولى هَذَا العمل عنايةً خاصّة بالأبعاد الإيمانية، من حيثُ إسقاطُ النصوص العقدية فِي الحياة العملية، ومن حيث ربطُ القضايا الحياتية ومشاريع الشيخ بيّوض الإصلاحية بأصولها الإيمانية.
أهداف البحث:
1 - الكشف عن جهود الشيخ بيوض في الجانب العقديّ، من خلال:
أ-اِستقراء تراثِه الفكريِّ واستخلاص آرائِه العقديَّةِ وترتيبها، لعدم وجود تأليفٍ للشيخ في العقيدة، ولا دراسةٍ مستوعِبةٍ لآرائه فيها.
ب- اِستنباط القواعد المنهجية التي اعتمدها في تقريرِ مسائل العقيدة وتوظيفِها فِي تفعيل حركته الإصلاحيّة.
2 – الإسهام في استعادة وظيفة العقيدة الإسلامية، بإخراجِها من نطاق التجريدات الذهنية، وتوجيهِها من مواقفَ دفاعيّةٍ عن التراث المذهبيّ إِلَى منهجٍ (18/287)
صفحة 276
تأصيليٍّ وعمليٍّ، بتحريك الإيمان واستثماره فِي تفعيل حياة الإنسان.
أطروحة البحث
يعمل البحث على إثبات الأطروحة الآتية:
اِرتكزت الحركة الإصلاحيّة عند الشيخ إبراهيم بيّوض علَى الجانب العقديّ وفق المنهج القرآنيّ فِي تربية الإنسان وبناء المجتمع المسلم المعاصر الأصيل.
وتوجيهًا لمسار البحث أطرح جملةً من الأسئلة:
1ـــــ ما هو منهج تعامل الشيخ بيوض مع نصوص العقيدة؟
2 ـــــ ما هي خصائص منهجه العقديّ؟
3 ـــــ كيف استثمر الشيخ نصوصَ العقيدة لإصلاح الواقع؟
4 ـــــ كيف ربط القضايا الحياتيّة بأصولها الإيمانيّة؟
5 ـــــ ما هي الأبعاد الإيمانيّة لمجالات الإصلاح عند الشيخ بيّوض؟
مناهج البحث:
وظّف البحث المناهج الآتية:
1ـــــ المنهج الاستردادي: للإحاطة بمناحي حياة الشيخ بيّوض، وتنزيلِ بعض المسائل العقدية فِي إطارها التاريخيّ.
2 ـــــ المنهج الوصفيّ: لاستقصاء آراء الشيخ بيّوض العقدية وترتيبها.
3 ـــــ المنهج الاستنباطي: لاستخلاص فكره العقديّ من تراثه الفكريّ ومواقفه الميدانية.
هيكلة البحث:
ينقسم البحث ـــــ من حيثُ هيكلتُه ـــــ إلى مقدمة وخمسة فصول وخاتمة:
يستعرض الفصل التمهيديّ «معالم ومفاهيم» معالمَ من حياة الشيخ بيوض الخاصة والتعليمية والإصلاحية، وتراثَه العقديّ، ويحدّد مفاهيمَ بعضِ المصطلحاتِ المستخدَمةِ في البحث.
ويبيّن الفصل الأوّل منهجَ الشيخ في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، ويوضّح طرائقَ التعامل مع مصادر العقيدة: القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث العقديّ، ووظيفةَ العقل وصلاحياتِه وموقفَه من التأويل والتفويض.
ويعنى الفصل الثاني بإبراز خصائص منهج الشيخ بيوض العقديّ، مثل "الواقعية" و"النظرة المقاصدية" و" التحرّر من التعصّب المذهبيّ".
أما الفصل الثالث فيتناول بالدراسة أصولَ الإيمان وأبعادَها النفسيةَ والسلوكية، وهي مقسّمة إلى ثلاثةِ مباحث: التوحيد والغيب، والنبوّة والرسالة، والإنسان والمجتمع.
ويمثل الفصل الرابع الجانب التطبيقيّ، إذ يكشف عن الأبعاد الإيمانية لمجالات الإصلاح عند الشيخ بيوض: (18/288)
صفحة 277
المجال التربويّ و الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ.
وتضمّنت الخاتمة أهمّ نتائج البحث، مركّزة على نقد المنهج وإبراز عنصر التجديد فيه وأبعاده الميدانية.
نتائج البحث
تخلص الدراسة إلى أنَّ الشيخ بيّوض صاحبُ فكرٍ عقديٍّ واضحِ المعالِمِ، يتّضح ذلك من خلال إبراز منهجه في عرض العقيدة الإسلاميّة ورصدِ أبعاده النفسيّة والسلوكيّة المتجليّة في مجالات حركته الإصلاحيّة؛ وقد قسمت النتائج إلى المحاور الآتية:
أوّلاً: منهج الاستدلال بالنصّ العقديّ
01 - تنوّعت مصادر الشيخ بيّوض فِي العقيدة وتعدّدت مشاربها، فكان يستقي من التراث القديم والحديث، وينتقي من كتب المدرسة الإباضية وغيرها، إِلاَّ أنّ مصدره الأساس هو كتاب الله تعالى القيِّم على ما سواه، فكان يحذِّر أن يشكّل التراثُ البشريُّ حجابًا بين العبدِ وفهمِ مراد الله من كلامه.
02ـــــ تعامل الشيخ بيّوض مع التراث العقديّ بإيجابية، فلم يُلغه كليةً ويحرم نفسه من تجربة بشرية طويلة ومعرفة تراكمية، ولم يخلع عليه هالة من القداسة فيحجبه عن استبصار الحقّ والصدع به، بل اعتبره ثمرة جهد بشريّ يصيب ويخطئ، فأخضعه للنقد البنّاء، محتكمًا إلى كتاب الله والسنة النبويّة الصحيحة؛ ومن نتائج هذا النقد ردُّ الروايات الإسرائيلية المخالفة لأصول الدين، ولا يشفع فيها شهرتها في التراث الإسلاميّ ولا ورودها في كتب الحديث الصحاح.
03ـــــ اهتمام الشيخ بيّوض بأسلوب التفسير الموضوعيّ أكسبه منهجًا يتناسق والمقاصدَ العامّة للدين، تتجلّى أبعادُه في:
أـ الاستفادة من التراث الفكريّ الإسلاميّ برؤية نقدية، بعرضه عَلَى صريح الكتاب وصحيح السنة.
ب ـــــ تكوين شخصية المسلم السويّة، المحصّنة من الانفصام بين المعتقد والسلوك.
04ـــــ تفسير القرآن بالسنة باعتبارها مبيِّنة لمجمل القرآن.
05ـــــ يعرض الشيخ بيّوض الحديث النبويّ على محكمات القرآن، ففي حالةِ التعارض الظاهريّ يحاولُ تأويلَ الحديثِ ليتوافقَ مع مقاصد القرآن العامة وما عُلم من الدين بالضرورة، فإن استحال ذلك، يحكم بوجود التناقض المعنوي (الحقيقي) بين النصّين ويردُّ الرواية الحديثية، لاستحالة أن يكذِّب القرآنَ نبيءُ القرآن. (18/289)
صفحة 278
06ـــــ يشترط الشيخ بيّوض فِي الحديث- للاستدلال به فِي مسائل الاعتقاد- بلوغَ درجة التواتر، لأنَّ العقيدة لا تبنى إِلاَّ عَلَى اليقين، الذي تفيده نصوص القرآن والسنة المتواترة؛ ولهذا المنهج أبعاد منها:
أـ ضبط مسائل الاعتقاد.
ب ـــــ السلامة من اعتقاد خلاف مراد الله تعالى.
ج ـــــ تحقيق وحدة الأمّة الإسلامية، بعدم قطع عذر المخالف.
ثانيًا: العقل والتأويل
01ـــــ العقلُ من أشدّ أعوان الدين، إلا أنَّ له مجالاً محدودًا، يعدّ إعمالَه خارجَه رجمًا بالغيب، مثل الخوض فِي مسائل الغيب، التي لا تدرَك إلاَّ بالنصّ الصحيح، ومنهج الشيخ بيّوض فيها هو الوقوف عند حدود ما دلّ عليه النصّ؛ وكان ينقد المفسرين والرواة الذين يستطردون فِي إيراد تفاصيل معتمدين فيها عَلَى عقولهم أو عَلَى نقول بشرية للإسرائيليات فيها حظٌّ وافر.
02ـــــ يسلك الشيخ بيّوض لفهم النصّ مستوياتٍ ثلاثة:
أـ الأخذ بظاهر النصّ، وَهوَ الأصلُ، إِلاَّ إذا أفضى ذَلكَ إِلَى محذور يستوجب الصرف عنه.
ب ـــــ تأويل اللفظ إِلَى معنىً خفيّ تطمئن إليه النفس، مع مراعاة ضوابط التأويل، وعدم القطع بنتيجته لأنّ علم حقيقته عند الله تعالى.
ج ـــــ تفويض الأمر إِلَى الله عزّ وجَلَّ.
03ـــــ بما أنَّ الشيخ بيّوض يرى أَنَّ الأصل هو التمسّك بظاهر النصّ ما أمكن ذلك، فإنَّه لم يفتح باب التأويل عَلَى مصراعيه ولم يسايره إِلَى منتهاه، بل كان يلجأ إليه عندما تدعو إليه دواعيه، وتتوفّر فيه ضوابطه:
أوّلاً: دواعي التأويل
ليس التأويل ــــ عند الشيخ بيّوض ـــــ ترفًا فكريًّا ولا تكلّفًا فِي توجيه النصوص ولَيِّ أعناقها لنصرة مذهب أو فكرة، إنما يكون الدافع إليه تحقيق غايات ضرورية لا يتمّ التوصّل إليها إِلاَّ عن طريق التأويل، منها:
أـ تنزيه الباري عزّ وجَلَّ.
ب ـــــ مراعاة تناسق النصوص القرآنية والحديثية.
ثانيًا: ضوابط التأويل
أ ـــــ ردّ المتشابه إِلَى محكمات التنزيل.
ب ـــــ الجمع بين النصوص الواردة فِي الموضوع الواحد، ما دامت الشريعة الغراء، بوحيَيها الكتاب والسنة، صدرت من عند الله العليم الخبير، فإن نصوصها تتعاضد ويفسر بعضها بعضًا.
ج ـــــ الانضباط بقانون اللسان العربيّ، لأنَّ الشرع نزل به ونصوصه تفهم بواسطته.
د ـــــ اعتقاد ظنيّة نتائج التأويل، بما أنَّ النصوص المتشابهة ظنية الدلالة، لاحتمالها أكثر من وجه، فإنَّ تأويلها، بترجيح أحد (18/290)
صفحة 279
وجوهها، لا يرفعها إِلَى مرتبة القطع بدلالتها، لأنَّ حقيقة المتشابه لا يعلمها إِلاَّ الله وحده.
04 ـــــ بما أنَّ ما ينتهي إليه التأويل من نتائج يكون ظنيَّ الدلالة، فإنَّ الشيخ بيّوض يعذر المتأوِّل المخالف فِي التأويل الملتزم بضوابطه.
05 ـــــ يصنّف الشيخ بيّوض الحديث عن شؤون الله الخاصة إلى قسمين:
أ ـــــ ما لم يخبرنا الله به، وموقفه معه الكفُّ عن البحث فيه أصلاً وتفويض الأمر فيه إلى الله.
ب ـــــ ما أخبرنا الله به، وينهج معه مسلك الاجتهاد قصدَ الوصول إِلَى تأويل صحيح تطمئن إليه النفسُ، وإلاّ فيَلجَأ إِلَى التفويض.
ثالثًا: سِماتُ منهج الشيخ بيّوض العقديّ
اِجتهد الشيخ بيّوض على العودة إلى المنهج القرآنيّ في إثبات العقيدة وتركيزها في النفوس، فعمل على تيسير عَرضها، وتنقيتها من الإضافات التي تعلّقت بها عبر العصور بسبب الاختلافات المذهبية والسياسية، فهذا المنهج - في بساطته- أكثر فعالية من مناهج المتكلمين، لما له من أبعاد تتجلّى في تزكية النفوس وانضباط السلوك؛ ويتميّز هذا المنهج بخصائص، منها:
01 ـــــ الشمولية: المتجلِّية في تكامل عناصر الإيمان، وفي توسيع مقتضياته لتشمل مناحي حياة الإنسان.
02 ـــــ الواقعية: أـ منهجًا: مخاطبة الناس بما يفهمون.
ب ـــــ موضوعًا: التركيز على تناول المواضيع المرتبطة بحياة الناس ومعاناتهم اليومية.
03 ـــــ النظرة المقاصدية: تتجلَّى في نقاط منها: الفكر الإصلاحيّ، ومراعاة مبدأ تحقيق الوحدة الإسلامية، وتحديد مسائل الاعتقاد وإخراج ما ليس منها وعذر المخالف فيها.
04 ـــــ التحرّر من التعصّب المذهبيّ: يتّضح ذلك من خلال: نبذ التقليد، ونقد تراث مذهبه الإباضيّ وتثمين مواقف أيمة المذاهب الإسلامية.
رابعًا: أصول الإيمان وأبعادها
01 ـــــ الدعوة في أصل الأسماء والصفات إلى التمسُّك بمنهج سلَف الأمّة من الصحابة والتابعين، واجتناب الخوض فِي محاولة إدراك حقيقة الصفات، مثل علاقتها بالذات؛ ولهذا المنهج أبعادٌ، منها:
أ ـــــ سلامة المعتقد، لأنَّ العقيدة لا تبنى إِلا على الدليل القطعيّ، وهو ما تفتقر إليه هذه التفاصيل.
ب ـــــ تقوية براهين الإيمان فِي القلب تكون بالمنهج القرآنيّ الفاعل، وضرب الشيخ بيّوض مثالا بإيمان الأمهات الصالحات (18/291)
صفحة 280
المشهود لهن بقوّة التمسّك بالدين، مع استغنائهنّ التامّ عن معرفة هذه التعقيدات الكلامية.
ج ـــــ المحافظة على الوحدة الإسلامية، لأنّ إثارة هذه القضايا من أقوى أسباب توسيع شقّة الخلاف المذهبيّ.
02 ـــــ إبراز مقاصدِ القرآن من إثبات الأسماء والصفات، وأبعادِها التي هي أبعد ما يكون عن الجدل الذهنيّ، الذي عرف به منهج المتكلمين الذي أخمد فاعلية العقيدة، فيرى الشيخ بيّوض أنّ استحضار معاني الأسماء الحسنى فِي جميع الأحوال سببٌ قويّ لتزكية النفس والاستقامة، إلاَّ أنَّ فهمَها إن اعتراه خللٌ، كأن تُوَجَّه تأويلاً غير مستجيب لضوابطه، أسفرت عنه آثار سلبية في التصوّر والسلوك.
03 ـــــ ردُّ ما يتناقله الرواة من تفاصيلَ فِي أمور غيبية كتحديد حجم أجنحة الملائكة ولونها، ودقائق تفاصيل حياة الجنّ وجزئيات الصُّور الذي ينفخ فيه، وغيرها ممّا لم يثبت فيها نصّ قطعيّ، ويرى الشيخ بيّوض أَنَّ أكثرها من الإسرائيليات؛ وللوقوف ـــــ فِي مسائل الغيب واليوم الآخر ـــــ عند حدود النصوص القطعية أبعاده المتمثلّة فِي:
أ ـــــ السلامة من اعتقاد خلاف مراد الله سبحانه وتعالى، ولو علم الله فِي هذه التفاصيل خيرًا لأخبرنا بها.
ب ـــــ إفراغُ الجهد وتوجيهُ الهمم إِلى العمل للآخرة والإعداد لها.
04 ـــــ الكبائر لا تُكفّر إِلاَّ بالتوبة، فمن مات مصرًّا عليها فمصيره النار، ولا تنفعه شفاعة الشافعين.
05 ـــــ اليقين باليوم الآخر تتجلّى أبعادُه في الاستقامة على الطريقة، والمسابقة إلى الخيرات رغبًا ورهبًا، فالمسلمون جميعًا يعلمون بالبعث والحساب ولكنَّ واقعهم يشهد انحرافات فِي العبادات والمعاملات، فهي مؤشرات دالّة على أنّ الخلل حاصل فِي الشكّ فِي هذا اليوم وعدم اليقين به.
06 ـــــ اعتقاد حقّ الشفاعة لكل متلفّظ بكلمة التوحيد يبرّر به الخطاؤون ارتكاب المعاصي وإصرارَهم عليها، وعدمَ مجاهدة أنفسهم فِي سبيل التوبة واتّباعِ رضوان الله الذي تنال به الشفاعة.
07 ـــــ إذا اعتبر الإيمان بالله واليوم الآخرة السبب الفعّال فِي استقامة سلوك العبد، فإن سرّ هذه الاستقامة ثمرة الإيمان بسرمديّة مصير العباد في إحدى الدارين: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} (الشورى:07) لاسيَما اعتقادَ خلود أهل الكبائر فِي النار؛ والانحرافاتُ التي طالت حياة المسلمين الخاصة والعامة سببُها الرئيسُ الغفلةُ عن استحضار الخلود في الدار الآخرة، فنعيمها خيرٌ وأبقى (18/292)
صفحة 281
من زخرف الحياة الدنيا وشهواتها، وجحيمها أشدّ وأبقى من مصائب الدنيا ومشكلاتها.
08 ـــــ تعامل الشيخ بيّوض مع الآراء المخالفة فِي مسألة القدر بطرائقَ متفاوتة، فقد جاء ردّه علَى المعتزلة مختصرًا مبيّنًا زلّتَهم مع الإشارة إِلى حُسن قصدهم في نفي نسبة فعل العبد إلى الله، وهو تنزيهه عن خَلق القبيح، وبالمقابل جاء ردُّه علَى المجبرةِ مفصّلاً فِي مواضع عديدة وأساليبَ متنوعةٍ، والسببُ – فِي نظري – أَنَّ نقده لم يكن لأجل صناعة الردود، بل قصده علاج قضايا المسلمين الراهنة، فموقف المعتزلة يشبه البحث التاريخيَّ، ولكنَّ الفكر الجبريّ لا يزال يشكّل علّةَ المسلمين الصارفةَ عن الالتزامِ الشرعيّ والانطلاقِ الحضاريِّ، ففصّل الشيخ بيانَ تهافت هذا الفكر وخطورة أبعاده.
09 ـــــ الله غفّار لمن تاب إليه وأناب، ويرى الشيخ أنَّ الكبائر لا تكفّر إلا بالتوبة، وأنَّ أرجى آية فِي القرآن إن لم تكن دعوةً للمسرفين للتوبة والإنابة فهي تحريضٌ لهم عَلَى المعاصي والتمرّد عَلَى شرع الله، مشيرًا إلى الحكمة من ختم السياق بذكر العذاب، منبّهًا إلى وجوب اتّقاء ذَلكَ العذاب بالتوبة إِلَى الله والاستقامة والمسابقة إِلَى مغفرة الله وجنّاته، فهذا هو مقصد البيان الإلهيّ من آيات الوعد والوعيد.
10 ـــــ اِتّسم منهج الشيخ بيّوض فِي تناول مسألة الولاية والبراءة بالأصالة والفاعليّة، حيث أصّل لتوسيع نطاق الوَلاية ليشمل الصالحين من الأمّة الإسلامية جمعاء، وترجم موقفه إلى مشاريع ميدانية، وموازاةً لذلك تمسّك بمبدأ البراءة الشخصية ونفّذَه على القريب والبعيد والشريف والوضيع، فسَمَا بذلك من دائرة المذهبية الضيّقة إلى رحابة الإسلام، ومن نطاق الكلام إلى اقتحام عقبات العمل والاستقامة، معتقدًا أنَّ ذلك من مقتضيات الإيمان.
خامسًا: مجالات الإصلاح وأبعادها الإيمانية
01 ـــــ إذا كان التغيير النفسيّ ضرورة لكلّ نهضة ناجحة فإنَّ الإيمان هو الذي يهيّئ النفوس لتقبَل المبادئ الخيّرة، وتتأهّل للانضباط والعمل، لذلك اجتهد الشيخ بيّوض على إصلاح ما طرأ على حياة الناس من مظاهر الشرك، محافظةً على صفاء العقيدة وحيويتها لتتمكّن من ضبط السلوك وإصلاح الفرد والمجتمع، وحرص على العلاج الجذريّ للقضايا الحياتية، بإحكام صلتها بأصولها الإيمانيّة. (18/293)
صفحة 282
02 ـــــ تأسيس الشيخ بيّوض معهده الثانويّ "معهد الحياة" على قاعدة إيمانية تتجلّى فِي العمل عَلَى نشر العلم النافع الذي تزدهر به الحياة، وتحصلُ به النجاةُ ونيلُ رضوان الله تعالى، كما يشكّل تأسيس المعهد، في فترة الاستعمار، حصنًا للعقيدة ورباطًا لمواجهة الزحف الصليبيّ.
03 ـــــ تمسّك الشيخ بيّوض بالمدرسة الحرّة، ودعا إلى التعليم في المدارس الفرنسية حين كان المجتمع يقاطعها، ولهذا الموقف أبعاد عقديّة تتمثّل فِي عدم حرمان ناشئة الإسلام من العلوم المادية والحياتية، إضافةً إِلَى رأس المال المتمثّل فِي الحصانة الإيمانية والتكوين الشرعيّ، فبذلك تتوازن شخصية المسلم ويتأهّل لحسن الاستخلاف.
04 ـــــ من ثمرات حركة الشيخ بيّوض الإصلاحية تكوين "المجتمع المسجديّ"، الذي تتعلّق قلوب أفراده بِبيت الله، وترتبط به جميع مؤسساته، ويتجلّى ذلك من خلال المظاهر الآتية:
أ ـــــ عمارته بالذكر والصلاة، ومراعاةً لهذا المقصد، حرص الشيخ بيّوض على أن يكون المعهد بجوار المسجد، وعَلَى الإبقاء على (المَحَاضِرِ).
ب ـــــ عمارته بتشييد بنائه، حيث يلاحظ تسابق الناس وتزاحمهم فِي الأعمال التطوعية، ومنافسة المحسنين في التبرّع سرًّا وعلانيةً.
ج ـــــ الاستجابة الطوعية الفورية لنداءات المسجد وتوجيهاته في شؤون الدين والحياة.
05 ـــــ من أسباب نجاح الشيخ بيّوض في تكوين المجتمع المسجديّ إحكام صلة هيئاته بمرجعيتها الإيمانية فأقنع الأمةَ أنَّ سلطة المسجد ـــــ مثلاً ـــــ سلطة شرعية، وما تصدر هيئة العزابة من نظم وتعاليم ملزم لأفراد المجتمع، وأنَّ هذه النظم تمثّل حصنَ الدين، يعدُّ المتفلّت منها متعدّيًا حدودَ الله التي نهى عن تعدّيها بل عن قربها، لأنَّ النظم الاجتماعية المستنبطة من الأصول الشرعية، تصبح حدودًا شرعية وليست مجرّد تقاليدَ قوميّةٍ.
06 ـــــ صحّح الشيخ بيّوض النظرة الشائعة نحو العشيرة، مبيّنًا أنَّ نظامها لم يتأسّس عَلَى عصبيّة، ودعا إلى تفعيل دَورها لتكون وسيلة تعارف وتعاون فتتكفّل بشؤون أبنائها وتتعاون من أجل الصالح العامّ، ومما أصَّل به دعوته إلى تفعيل دور العشيرة قولُه تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214) حيث إنه لم يحصر معنى نذارة الأقربين على الدعوة والتذكير، بل وسعه ليشمل إصلاح ذات البين وتدبير أمور الضَّعَفة كالتَّمدرس والتزويج.
07 ـــــ دعا الشيخ بيّوض إلى إنشاء الشركات الاقتصادية الإسلامية لإنقاذ المسلمين من استغلال الشركات الفرنسية واليهودية الاستعمارية واستبدادها، وأضاف (18/294)
صفحة 283
ـــــ إلى دعوته إلى إيجاد البديل الإسلامي المنافِس ـــــ خطوةً أخرى، وهي القدوة العملية المتمثلة في إسهاماته الميدانية فِي إنشاء الشركات الضرورية التي تستعين بها الأمة فِي نهضتها، وبيّن ضرورة تطوير أساليب التجارة، ووجّه ثلّة من الشباب إلى التكوين فِي بعض المهن التي تحتاج إليها المدينة، كما دعا إلى تولّي الوظائف الحكومية فِي ظلّ الاحتلال الصليبيّ، لمقصد نصرة الدين ودفع الضررِ عن المسلمين.
08 ـــــ سياسة الشيخ بيّوض مع المستعمر في مختلف مراحله بدءًا من رفض التجنيد الإجباريّ، ومرابطته في المسجد والمعهد من أجل إعداد أجيال من المواطنين الصالحين والمثقفين الفاعلين، وتحريضًا للمؤمنين على النضال والقتال، وقيامًا بالدور التاريخيّ فِي إبطال مؤامرات المستعمر لفصل الصحراء عن الشمال ... كلّ ذلك ينطلق من القاعدة الإيمانية التي من دعائمها أصل إفراد الله بالحاكمية، ومبدأ الوَلاية والبراءة الذي يقتضي حبّ المسلمين وبغض الكافرين ومحاربة المعتدين.
سادسًا: [كشوفات البحث] / [استثمار البحث]
01 ـــــ اِرتبط مصطلح العقيدة بتعقيدات ذهنيّة، وبإضافات بشريّةٍ، يُرمَى المخالِف فيها بالابتداع والمروق، وسعى هذا البحث إلى الرجوع بها إلى مَعينها الصّافي الذي يثمر فيضًا إيمانيًّا غامرًا وحركةً إيجابية فِي ميادين الحياة.
02 ـــــ كان اسم الشيخ بيّوض مقترنًا بالحركة الإصلاحية، وأضاف هذا البحث اقتران اسمه بالجانب العقديّ، بالكشف عن الخيوط التي كان الشيخ يُحكم ربطها بين العقيدة والجانب العمليّ عند تحليل نصوص العقيدة، حيث يسعى لتيسير عرضها وتفعيلها لتصطبغ بها حياة الفرد والمجتمع، وعند معالجة قضايا عصره بإحكام مرجعيتها الإيمانية، واتّخاذ العقيدةِ القاعدةَ الأساسيةَ التي تنطلق منها عمليته الإصلاحية الشاملة لمختلِف مجالات الحياة.
03 ـــــ تميّزت العملية الإصلاحية عند الشيخ بيوض بانطلاقها من الداخل باعتبار الفرد والمؤسسة: أ ـــــ الانطلاق من داخل الإنسان، بإحكام صلة مختلِف القضايا والمواضيع المعالَجة بأصل الإيمان، باعتبار كونها من مقتضياته. ب ـــــ الانطلاق من داخل الميدان، بمشاركته الفعّالة في المؤسسات والهيئات العرفية، وإسهامه في تفعيلها وإصلاح ما اعتراها من فساد.
04 ـــــ استثمر الشيخ بيّوض الطاقة الإيمانية فاتخذها منطلقًا لحركته الإصلاحية سالكًا في ذلك اتجاهين:
النصّ ? الواقع
أ ـــــ الحرص على تنزيل النصّ العقديّ (18/295)
صفحة 284
على الواقع المعيش.
ب ـــــ علاج قضايا العصر المختلفة بإحكام صلتها بالأصول الإيمانية، فيهتدي ـــــ بهذه الطريقة ـــــ إلى إيجاد حلول جذرية لها، لأنَّ سلوك الإنسان مرهون بما يضمره من تصوّر واعتقاد.
بعد هذا البيان يتأكّد القول بأَنَّ حركة الشيخ بيّوض الإصلاحيّة الشاملة لمختلِف مجالات الحياة هي ثمرة فكره العقديّ الحركيّ الوسطيّ.
توصيات البحث
01 ـــــ الأمّة الإسلامية بحاجة ماسّة إلى الفكر العقديّ الوسطيّ العالميّ، الذي يحرص على وحدة الصفِّ حرصَه على وحدة الربِّ، فلولا نفرَ من كلّ مذهبٍ نخبةٌ من الباحثين المنصفين لتنقد تراثها نقدًا موضوعيًا من الداخل لَتَقدَّم مشروع الوحدة الإسلامية خطواتٍ ميدانيةً مبارَكةً، ولوفّرت الأمة كثيرًا من جهودها الفكرية والمادية المستنزَفَة وسخَّرتها في التعاون على البرّ والتقوى، وخدمة الصالح العامّ للمسلمين ودعوة البشريَّة الحائرة؛ ولا تعدَم الساحةُ الإسلاميةُ نماذجَ رائدةً في هذا المجال، وهي جهود بحاجة إلى التنسيق وتعاون المنصفين ليتمكّنوا من التأثير وإحداث التغيير.
02 ـــــ إذا أرادت الحركة الإصلاحيّة أن تحافظ على خطِّها الإصلاحيِّ الحركيِّ فعليها أن ترتبط بالمنهج الإصلاحيِّ، المتميِّز بثبات الأهداف والمبادئ وتطوير الوسائل والتقنيات، وأن تجدِّد إحكام العمل الإصلاحيِّ بالأصل الإيمانيِّ، لتضمن استمراريةَ فعاليته وتطوُّرِه ... ، لأنَّ انقطاع هذه الصلة العقديَّة يفضي إلى التعلُّق بالزعامات، والاستغناء ـــــ بما حقَّقته الحركة من منجزات ـــــ عن متابعة العمليَّة الإصلاحية الجوهرية، فإنَّ الإصلاح بحاجة إلى عمليات إصلاحيَّةٍ متجدِّدةٍ مستمرَّةٍ، اعتبارًا لكونه رسالةً وفكرًا ومنهجًا، وليس مجرّد هيئة وأشخاص وتراث.
03 ـــــ المأمول من الكليَّات والجامعات الإسلاميّة أن تُوليَ عنايةً خاصّةً للجانبين الآتيين:
أ ـــــ الدراسات العقديّة في ضوء النظرة التأصيليّة والمقاصديّة.
ب ـــــ إعادة قراءة كتب التراث العقديّ قراءةً نقديّةً تهدف إلَى حُسنِ استثمارِها، وتنْقيتِها مِمَّا انْضاف إلى العقيدة الصّافية من مسائلَ حجبت نورانيَّتَها وفاعليَّتَها، فأثّرت سلبًا على جوهرِ التوحيد، ووحدةِ المسلمين، والتزامِهم الشرعيِّ وانطلاقِهم الحضاريِّ. (18/296)
صفحة 285
رسائل جامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ عمر بن إسماعيل آل حكيم
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
دراسة وتحقيق لكتاب:
«تعاظم الموجين» في شرح «مرج البحرين» بحر الألفاظ والكلم، وبحر المعاني والحكم
أ
أطروحة الدكتوراه التي أعدها الأستاذ: عمر بن إسماعيل آل حكيم، الموسومة بـ: «دراسة وتحقيق لكتاب: ”تعاظم الموجين“ في شرح ”مرج البحرين“ بحر الألفاظ والكِلم وبحر المعاني والحِكم»، تتضمن دراسة وتحقيقا لكتابين: الأول: (مرج البحرين) وهو المتن، لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني (ت: 570هـ)، والثاني: (تعاظم الموجين) وهو الشرح، للشيخ ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني (1130 - 1223هـ).
نوقشت بكلية العلوم الإسلامية -جامعة الجزائر (1)، بقاعة المطالعة في الخروبة، يوم الأحد: 05 جمادى الثانية 1432هـ الموافق: 08 ماي 2011م، من قبل اللجنة المتكونة من الأعضاء الآتية أسماؤهم:
أ. د عبد الرزاق قسوم (رئيسا)، أ. د محمود يعقوبي (مشرفا)، أ. د عمار جيدل (عضوا)، أ. د سعيد عليوان (عضوا)، أ. د عبد القادر بخوش (عضوا)، أ. د محمد يعيش (عضوا).
وبعد المداولات: أعلنت النتيجة بملاحظة: (مشرف جدا).
كتاب (تعاظم الموجين):
هو كتاب في المنطق وفي فلسفة اللغة وفي الفلسفة الإسلامية، ويتضمن مسائل في العقيدة وعلم الكلام وفي اللغة والبلاغة وفي التاريخ، وغيرها.
إنه كتاب غير متوفرة نسخه المخطوطة الأمر الذي دفع الباحث إلى (19/297)
صفحة 286
التعجيل بإنقاذه من عاهات الدهر، وتقلبات الزمان.
ألفه الشيخ عبد العزيز الثميني في مقتبل حياته التأليفية، بعد كتابه: (النيل)، وقبل كتابه: (معالم الدين)، ألفه وشيخه أبو زكريا على قيد الحياة، ولمكانته عنده أحال إليه في مختلف مصنفاته اللاحقة. إنه كتاب يُظهِر ضياءَ الدين عبدَ العزيز الثميني بوجه آخر غير الذي يُعرَف به فقيها، إنه الثميني اللغوي والمنطقي والمتكلم الفيلسوف.
إن (تعاظم الموجين) يحتوي كتابين لعلَمَيِْن عالمين جزائريين، الثميني والوارجلاني، وهما من الركائز الأساسية في الفكر الإباضي مشرقا ومغربا،
فالثميني والوارجلاني علمان من أعلام الجزائر، لم ينالا بعد حظهما من الدراسة، وهما ممن لهم الأثر في ما لحق من التطور الفكري والاجتماعي في البيئة التي عاشا فيها، وفي غيرها من العالم الإسلامي.
أهمية الموضوع:
إن الألفاظ والمعاني في علم المنطق محل الدراسات المختلفة عبر العصور، وإنها وإن كَثُرَ تناولها عبر الأزمان وبكل اهتمام، فإنها تزداد قيمتها بدراستها في علم المنطق، والبلاغة، والنحو لأنها علوم هي أس التفكير وأس التعبير.
إن موضوع الكتاب يصنف ضمن المنتوج العقدي والفلسفي في الفكر الإسلامي، وإن الفلسفة الإسلامية بمفهومها العام بحاجة إلى الكشف عن الذين أدلوا بدلوهم فيها وهم أقرب إلى الفكر الإسلامي ومنابعه، إن لم يكن ذلك زمانا، فتداولا ونقاوة، وإنه مهما كان بمنتوجهم الفكري من مؤثراتٍ خارجيةٍ، فهي مؤثراتٌ يسهل الانتباه إليها ودراستها، الأمر الذي يدفع للكشف على عجل عن أي منتوج سابق حتى يكتمل البناء الفكري والحضاري وتتواصل حلاقته من غير انقطاع.
وإذا كانت المادة الأساسية في الكتاب المخطوط هو الألفاظ والمعاني، كما عبَّر عنه صاحب المتن: (مرج البحرين): أبو يعقوب الوارجلاني، فإنه بها يكون موضوعًا جليلاً، وتتأكد عملية إبرازه وإظهاره إلى الدارسين، لتسليط الضوء عليه بالتحليل والنقد وإبراز مواطن القوة ومواطن الضعف فيه.
ونظرا لأهمية الموضوع فإن دراسات سابقة كانت في (اللفظ والمعنى) من أيام سقراط وأرسطو، وكان للمسلمين فيها دور مهم، حتى كانت المناظرة بين النحويين والمنطقين شائعة في المحافل الفكرية، مثل التي حصلت بين السيرافي (19/298)
صفحة 287
(ت: 368هـ) وأبي بشر متى بن يونس (ت:328هـ).
وإنه مهما تقدم البحث في العلوم المنطقية، وبلغت مرحلة الرمزية، فإنه لا يستغنى عن الألفاظ في الدلالة على المعاني، مما يجعل الوارجلاني محقا حين يقول:
"اكتنف هذا الخلق بحران عظيمان زاخران لجيان: بحر الألفاظ والكِلَم، وبحر المعاني والحِكَم"، الأمر الذي جعل الثميني يفصّل القول، ويثير الأمواج بين البحرين: بحر الألفاظ وبحر المعاني.
بعض مصادر كتاب: (تعاظم الموجين):
فقد أخرج الثميني زبدة من ألبان أمهات الكتب، بعد أن تدافعت عقول أربابها في مسائل من علم البيان ومن علم المعاني، منهم الشيخ عبد القاهر الجرجاني (471هـ) في (دلائل الإعجاز) - والشيخ سعد الدين التفتازاني (ت: 792هـ) في (المطول) - والشيخ السكاكي (ت: 626هـ) في (المفتاح) - والسيد الشريف الجرجاني (ت: 816هـ) في حواشيه على (المطول) وعلى (المواقف) - وأبو يعقوب الوارجلاني (ت: 570هـ) في (الدليل والبرهان)، وفي (العدل والإنصاف) - والبرادي (ت: 810هـ) في شرحه على (العدل والإنصاف) - وأبو عمار عبد الكافي (ت: قبل 570هـ) في (موجزه) وفي شرحه لـ: (الجهالات) - والبيضاوي (ت: 685هـ في (طوالعه)، وشرحه للأصفهاني (ت: 749هـ- وسراج الدين الأرموي (ت: 682هـ) في (مطالعه) وشرحه للقطب الرازي (ت: 766هـ) - والكاتبي القزويني (ت: 739هـ) في (الشمسية) وشرحها للقطب الرازي (ت: 766هـ) - والتفتازاني (ت:792هـ) في (التهذيب) وشرحيه: للحفيد السعد (ت:906هـ) وللدواني (ت:907هـ-وغيرهم.
لقد تعانق الثميني في أبحاثه مع بعض فطاحل وصناديد العربية والبلاغة وأرباب المنطق والكلام في العالم الإسلامي، وناقش ووافق واختلف في القضايا المتعددة لغة ونحوا وبلاغة ومنطقا وكلاما ....
كل ذلك يدفع الباحثين إلى دراسات ومقارنات عزت نتائجها في الفكر وتطوره ....
إنها مطارحات علمية حول الألفاظ والمعاني وحول دلالات التركيب فكان ما جاء به ذا طعم ومذاق يختلف كل الاختلاف عما كان في الأصول وما كان في المصادر
الهدف من الدراسة:
إن الدراسة هذه تهدف بالدرجة الأولى (19/299)
صفحة 288
وأساسا إلى إخراج مخطوط (تعاظم الموجين) لتداوله بين أيدي الدارسين والباحثين على أن يكون إخراجا وفق ما أراده مؤلفه، وبذلك يتم إنقاذ ثروة علمية، وتوفير مادة زاخرة، يتناولها الجميع.
فالدراسة والتحقيق إحياء لمخطوط من التراث، غايته الدفع إلى مدارسة الكتاب ونقده واستخراج جوانبه الايجابية وجوانبه السلبية، والوصول إلى إدراك المساحات المضيئة والمساحات المعتمة فيه، مساهمة في خدمة الحاضر وتوجيه المستقبل.
إن مادة الكتاب متشعبة المحاور، متشابكة العناصر، منها ما تجاوزها الزمن، يصعب فكها في هذه الخطوة الأولى والأساسية (الدراسة والتحقيق)، إلا أنها خطوة الانطلاق في الدراسات المختلفة حول مضمونه، وحول شخصية مؤلفه، وحول مدرسته الفكرية والعقدية، من مختلف مواقع فروع المعرفة: عقيدة، ولغة، وفلسفة، وفلسفة لغة، وفلكا، وتاريخ علوم وغيرها.
لقد مهَّدَت الدراسة السبيلَ للباحثين والدارسين: بتعريف مؤَلِّفه ضياء الدين عبد العزيز الثميني، وبعرض جانب من منهجه في الكتاب، وبوصف بعض من مصادره الأساسية، وبالإشارة إلى بعض من مسائله، وهي - وغيرها - مسائلُ صالحةٌ لبحوث علمية مركزة.
الخطة المستعملة في البحث:
قُسم البحث قسمين: قسما للدراسة و قسما للتحقيق.
قِسْم الدراسة قُسِّم خمسةَ فصول.
الفصل الأول: الورجلاني وكتابه (مرج البحرين)، وجزئ إلى مبحثين:
الأول: كان للورجلاني حياة وآثارا، وفيه عَرْض لجانب من حياة الوارجلاني: نشأة وتعلما وأسفارا وتصنيفا.
والثاني: كان لكتابه (مرج البحرين)، وفيه تم الحديث عن قيمة الكتاب، وعن تسميته، وموقع موضوع الكتاب: (الألفاظ والمعاني) عند الوارجلاني، وأهم الأعمال التي حوله.
والفصل الثاني خُصِّص لـ: (الثميني حياة وآثارا)، فكان الحديث عن حياة الثميني، وعن آثاره بالتفصيل، حيث إن كتاب: (تعاظم الموجين) الذي ألفه الثميني هو أس الدراسة والتحقيق، فقُسِّم مبحثين، المبحث الأول: لحياة الثميني: نسبا ونشأة ومساهمة في العمل الاجتماعي، والمبحث الثاني: لآثار الثميني: تأليفا ومنهجا ومساهمات فكرية مختلفة.
وخُصِّصَت الفصول التالية لكتاب: (19/300)
صفحة 289
(تعاظم الموجين)، موضوع الدراسة والتحقيق.
فكان الفصل الثالث: كتاب (التعاظم) دراسة تمهيدية، قُسم مبحثين: المبحث الأول: لنسخ الكتاب المخطوطة وما تعلق بها، و المبحث الثاني: للمنهج المتبع في التحقيق.
وكان الفصل الرابع: كتاب (التعاظم) دراسة وصفية: لمضمونه، ولمصادره. وقُسِّم مبحثين: الأول: لمضمون الكتاب، وفيه عُرِضت محاور الكتاب، وفيه تمت معالجة مسألة توقف الثميني عن الشرح قبل الوصول إلى النهاية في المتن. والثاني: خصص للتعريف ببعض أهم مصادره.
وكان الفصل الخامس وهو آخر فصل بعنوان: كتاب (التعاظم) دراسة تحليلية، وفيه كان الحديث عن: منهجه، ومسائله، ومكانته.
قُسِّم ثلاثة مباحث: الأول: خصصه الباحث لعرض طريقة الثميني في التأليف، ومنهجه في مادة (التعاظم).
والثاني: عَرَض فيه بعضَ المسائل الواردة في الكتاب نموذجا وفتحا لشهية الباحثين والدارسين.
والثالث: اجتهد فيه لإعطاء صورة عن مكانة الكتاب عند صاحبه بصفة خاصة، وفي المعرفة الإنسانية بصفة عامة.
وخُتِمَت الدراسة بحوصلة لأهم ما تم التوصل إليه.
أما قسم التحقيق فخصص لكتاب الثميني: (تعاظم الموجين)، قُدّم بصور النسخ المعتمدة، وبقائمة للرموز المستعملة، وختمت الدراسة والتحقيق بفهارس مختلفة، عددها عشرة.
المنهج المتبع في التحقيق:
اعتمد الباحث قول القائلين في مجال التحقيق بأن: (عِلْم التحقيق هو إخراج المخطوط كما وضعه صاحبه، دون نقص أو زيادة، مع وجوب العمل في الإحالات بالمقابلة والمقارنة دون إكثار الشرح والتعليق في الهامش).
لقد سلك هذا المنهج ملتزما بإخراج المخطوط إلى الدارسين للنقد والتمحيص.
ـ أ ـ المنهج المتبع في المتن:
* ــــ استخرج نص المتن من ثنايا شرح (التعاظم).
* ــــ ثبت نص المتن (مرج البحرين)، وفق ما جاء في مخطوط (تعاظم الموجين) الذي اعتمد هو نفسه على عدة نسخ، مع استئناس بما جاء في النص المطبوع من قبل (وزارة التراث القومي والثقافة) بسلطنة عمان.
* ــــ وضع نص المتن (مرج البحرين) (19/301)
صفحة 290
بخط غليظ يختلف عن خط الشرح (تعاظم الموجين) تمييزا له وتسهيلا للوصول إلى الفائدة المرجوة منهما.
* ــــ شُكِّل النص (مرج البحرين) إمعانا في تمييزه، وتسهيلا للتفريق بينه وبين الشرح.
ب. المنهج المتبع في الشرح:
* ــــ استُعمِلت ثلاث نسخ:
الأولى: التي بخط (المؤلف) رمز لها بالحرف (أ).
الثانية: التي بمكتبة (الحاج صالح لعلي ــ ببن يزجن) -الجزائر، رمز لها بالحرف (ب).
الثالثة: التي بمكتبة (وزارة التراث القومي والثقافة ــ بسلطنة عمان)، رمز لها بالحرف (ع).
* ــــ جُعلت المخطوطة التي خَطَّها المؤلف بيده، والتي رمْزُها <أ> هي الأصل، وعليها تمت مقارنة المخطوطتين: <ب> و<ع>.
* ــــ فُصِّل النص فقرات، ووضعت علامات الترقيم، ووضعت عناوين بين معكوفين، وبخط غليظ.
* ــــ خُرَّجت الآيات القرآنية وخرجت الأحاديث والأبيات الشعرية والنصوص التي أمكن الوصول إليها.
* ــــ وُضعت رموز مسَهِّلة للعمل، بعضها يخص قسم الدراسة، وبعضها يخص قسم التحقيق، ووضع كشف توضيحي في بداية كل قسم لفكِّها عند الحاجة.
لقد التزم الباحث بإخراج النص إلى التداول وهو الهدف الأساسي من الدراسة خاصة بعد أن ناله ــ والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ــ ابتلاءٌ من المولى جل وعلا أوقفه عن العمل لمدة من الزمن قربت من الأربع سنوات.
بعض النتائج المتوصل إليها:
- إن العمل هذا مساهمة في الربط بين الماضي والحاضر، ولا يَصنعُ المستقبلَ إلا حاضرٌ مرتبطٌ بماض يستشرف المستقبلَ ويتطلع إلى غدٍ أفضل وأسلم وأكمل.
- ... إن الثميني والوارجلاني علَمَان بارزان في الفكر الجزائري، وفي الفكر الإباضي، وفي الفكر الإسلامي، يستدعيان من الباحثين والدارسين مزيدا من الاهتمام.
- إن الورجلاني أحدُ الأولين الجزائريين الذين انشغلوا بعلم المنطق-إن لم يكن الأول-، وذلك لاحتكاكه بالثقافة الفلسفية بالأندلس في النصف الأول من القرن السادس، حتى إن الدكتور أبا القاسم سعد الله غفل عنه ولم يفرد له حديثا في كتابه التاريخ الثقافي الجزائري، لولا ورود اسمه فيه مرة واحدة عرضا. (19/302)
صفحة 291
- إن الثميني في كتابه: (تعاظم الموجين)، قد مسَّ مسائل هي في الدراسات المعاصرة من (فلسفة اللغة)، قد عالجها كما عالجها العلماء المسلمون السابقون، فهي من المباحث المعاصرة في الدراسات المنطقية تغوص في المعنى، وتحتاج من المتخصصين تكثيفَ الدراسات فيها.
- إن مؤلفات الثميني والوارجلاني نموذج في تلاقي المدرسة الإباضية والمدرسة الأشعرية، وهي بوتقة لتلاقح فكر المدرستين، فأنتجا نتاجا خصبا يخدم الفكر في الاتجاهين: نحو الداخل: يخدم الفكر الإباضي، ونحو الخارج: يخدم الفكر الإسلامي
- إن التكامل في الفكر الإسلامي بين مدارسه المختلفة هي المساعدة لردم الهوة التي تبقى الحاجزَ والمانعَ من أن تستفيد كل المدارس وكل الاتجاهات من بعضها، خاصة وأن أعداء الإسلام على قدم وساق لتمزيقها.
- إن الدراسة هذه تدفع إلى دراسات متعددة حول كتاب: (تعاظم الموجين) منها:
• البحث عن أثر الكتاب في مؤلفات الإباضية اللاحقة، وأبعاد ذلك التأثير.
• إقامة دراسات نقدية عميقة مقارنة بين ما جاء به الثميني في الكتاب وبين ما في مصادره لاكتشاف ما أضافه الثميني في كل مسألة.
• إعداد دراسات في فكر الثميني و الوارجلاني، وأخص بالذكر هنا الوارجلاني من خلال مسائل متخصصة، إذ لمّا يلتفت إليه الالتفاتة المطلوبة قياسا إلى موقعه في عصره، وقوة فكره، وغياب آثاره.
• الوصول إلى شرح أبي العباس أحمد الشماخي (ت:928هـ) لـ: (مرج البحرين)، الذي تمنى الثميني الوصول إليه، لكنه صرح في النهاية أنه مفقود.
• تكثيف الجهود -أفرادا ومؤسسات - للوصول إلى التراجم المشار إليها باللغات الأجنبية حول كتاب: (مرج البحرين)، أو (الدليل والبرهان).
• إعداد بحوث حول مادة الكتاب: (تعاظم الموجين) من خلال فنون مختلفة: ـ علم الكلام ــ تاريخ العلوم ــ دراسات في المنهج ـ دراسات في العلوم اللغوية: (النحو، البلاغة، المنطق .. ) ــ مقارنات مختلفة، إلى غير ذلك.
- إن الدراسة هذه تدفع إلى إقامة دراسات حول فكر الأعلام الواردة أسماؤهم في كتاب (تعاظم الموجين)، كالقيام ـــــ مثلا ـــــ بدراسة حول: (19/303)
صفحة 292
• منهج القطب الرازي في شرحه (مطالع) الأرموي.
• ومنهج الأصفهاني في شرحه (طوالع الأنوار) للبيضاوي.
• وكدراسة مناهج شروح (التهذيب)، و مناهج شروح (الشمسية).
• والقيام بمقارنة ما جاء به الثميني نقلا عن السيوطي على ضوء علمي: التاريخ والآثارـ للوصول إلى الحقائق في الموضوع، وتسليط الضوء على المصادر التي بها وصلت إلينا تلك المعارف نقدا وتمحيصا، من حيث المنهج ومن حيث المادة.
- إن ما جاء في كتاب: (تعاظم الموجين) يدفع إلى الاطلاع على الجديد في المعارف المختلفة. ولا بأس أن نشير إلى خلاصة ما توصلنا إليه، وهي ضرورة الربط بين الدراسات القديمة والدراسات الحديثة للوصول إلى الحقيقة في المعارف البشرية. من ذلك مثلا:
• أن السماوات السبع والأراضين السبع مسألة فيها أقوال قديمة، وفيها نظريات حديثة، وقد لا تكون هي الحقيقة، وإن الاكتشافات المعاصرة فلكيا لا تزال تتجدد، آخرها مراجعة عدد كواكب المجموعة الشمسية، واكتشاف كواكب تقترب في الشبه من كوكبنا الأرضي.
• ومن ذلك: أن الأسبوع َورد في كتاب: (تعاظم الموجين) ستةُ أيام، لم يرد فيه ذكر ليوم (السبت)، ومن الدراسات المعاصرة في الموضوع نظرية تذهب إلى أن الصوابَ في أيام الجمعة ستةُ أيام، وما تحديد أيام الأسبوع إلا اجتهاد بشري كان عبر التاريخ، متطورا عبر مختلف الشعوب.
لقد كان الهدف الأساسي من الدراسة أن يَخْرُج النصُّ إلى الوجود فهو القاعدة الصلبة التي تُبنى عليها دراسات وأبحاث من بعد،-من مختلف فروع العلوم الإسلامية والإنسانية -في فكر الثميني بصفة خاصة، والفكر الجزائري بصفة عامة، بل في فكر المدرسة الإباضية بصفة خاصة، وفي ساحة الفكر الإسلامي بصفة عامة.
- - - (19/304)
صفحة 293
رسائل جامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ مصطفى بن الحاج بكير حمّودة
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مفدي زكرياء وإنتاجه الأدبي
في مرحلة ما قبل الثورة
ا
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله.
نوقشت هذه الأطروحة بقسم اللغة العربيّة وآدابها، كلية الآداب واللغات، جامعة أبي بكر بلقايد، بتلمسان. ولجنة المناقشة تتشكّل من السادة الأساتذة: أ. د محمد مرتاض، جامعة تلمسان، رئيسا؛ وأ. د محمد زمري، جامعة تلمسان مشرفا ومقرّرا؛ وأ. د عبد اللطيف شريفي، جامعة تلمسان، عضوا، ود. عبد الوهاب ميراوي، جامعة وهران، عضوا؛ ود. قايد سليمان مراد، جامعة وهران، عضوا؛ ود. أحمد جعفري، جامعة أدرار، عضوا. وخلصت اللجنة إلى منح الطالب شهادة الدكتوراه، بتقدير مشرّف جدّا، مع تهنئة اللجنة.
أسباب اختيار الموضوع:
شاركت في أوّل اجتماع انعقد في مكتبة مفدي زكرياء ببني يزقن، يوم 14 فيفري 2001، للتحضير للاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لوفاة شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء، ومنذ ذلك الحين ارتبطت بمفدي ارتباط باحث بموضوع بحث، وهالني ـــــ من قراءاتي الأولى فيه ـــــ قلّة الضبط في تفاصيل كثيرة من حياته، ابتداء بتاريخ ميلاده، وكثرة الثغرات في مسار حياته، ممّا يجعل ما نجهله منه أكثر ممّا نعرفه، وهو ما لا يتناسب مع شخصية وطنيّة من حجم مفدي، وليس مفدي بدعا في ذلك؛ وهالني أيضا النقص الفادح فيما بين أيدينا من نصوصه الأدبيّة، فما نعرفه منها موجود في دواوينه الشعريّة المطبوعة (20/305)
صفحة 294
ليس إلاّ، وما هو موجود فيها من شعره في مرحلة ما قبل الثورة لا يزيد على أصابع اليد الواحدة، ونثره فيها وفي غيرها مجهول تماما أو يكاد؛ ونتج عن ذلك أن دارت الدراسات الأدبيّة حول أدبه في فلك هذه الدواوين، وبخاصّة "اللهب المقدّس"، من غير أن نتقدّم خطوة في الكشف عن أدب شاعر ثورتنا. ولي أن أستثني في ذلك دراسة الدكتور محمد ناصر "مفدي زكرياء" الرائدة، فقد وسّع ما ضاق من معرفتنا بحياته، وأنجز بحوثا رائدة حول أدبه، وأنهاه بعدد وفير من نصوصه المغمورة، وكثير منها يرجع إلى فترة ما قبل الثورة.
دخلت مضمار البحث حول هذه الشخصية بمحاولة استكمال جهد د. محمد ناصر في جمع نصوصه الأدبيّة، فكانت ثمرته الأولى المحاضرة التي شاركت بها في فعاليات انطلاقة تظاهرة إحياء سنة مفدي زكرياء 2002، بغرداية يومي 16 و17 فيفري 2002، في ندوتها العلميّة في 17/ 02/02، وكانت بعنوان: "عرض عن عملية جمع تراث مفدي زكرياء الأدبيّ"؛ ثمّ أنجزت ديوانا جديدا له، طبع بعنوان، لم يكن من اختياري، وهو "أمجادنا تتكلّم .. وقصائد أخرى"، في بداية 2003.
وفي أثناء إنجاز هذا الديوان فكّرت أن أستكمل ما بدأته في بحثي لنيل الدكتوراه، فسجّلت موضوعي بعد أن استقرّ على العنوان الآتي:
«مفدي زكرياء وإنتاجه الأدبيّ في مرحلة ما قبل الثورة».
وعليه فالبحث يؤرّخ لحياة مفدي، ولأدبه في هذه الفترة الزمنية المحدّدة، غير أنّ مرحلة ما قبل الثورة تعني أدبيّا بالنسبة لمفدي زكرياء قيام الحرب العالميّة الثانية سنة 1939، أو خروجه من السجن في 27/ 08/1939، لأنّ إنتاجه في الأربعينيّات وبداية الخمسينيّات قليل جدّا ونادر، ويكفي دليلا على ذلك قول أحد معارفه من صحفيّي تونس، عليّ الجندوبيّ، في جريدة "الأسبوع" ليوم 26/ 01/1953: «وكذلك الأخ الذي غذّى الأدب الجزائريّ زمنا، وهو الأديب الكبير مفدي زكرياء، الذي غمره الجوّ التجاريّ، فانغمس فيه، وأصبح كلّما لاقيناه في زورته لتونس، يشكو إلينا من ركود الحركة الأدبيّة بالجزائر، التي كان هو من أفذاذها العاملين فيها» [الجزائر: حياتها الأدبيّة ونوابغها، جريدة "الأسبوع" التونسيّة، س08، ع319، 11/ 05/1372هـ، 26/ 01/1953م، ص03]، والقليل الذي نشره نشره بأسماء مستعارة مجهولة عند أكثر الدارسين تخصّصا في أدبه؛ كما أنّ (20/306)
صفحة 295
أرشيفه في مركز أرشيف ما وراء البحار بفرنسا لهذه الفترة ما زال أكثره غير متداول ( Non communicable)؛ ممّا يجعل البحث في هذه الفترة الباقية إلى قيام الثورة سنة 1954 سابقا لأوانه، لعدم استكمال شروطه العلميّة بعد، والخوض فيه لا يخلو من آثار جانبيّة سلبيّة على البحث لا تخفى؛ ثمّ إنّ قيام الحرب العالميّة الثانية تعتبر نهاية مرحلة في حياة مفدي زكرياء، وفي تاريخ الحركة الوطنيّة على السواء؛ فكان أن توقّفت في بحثي عند خروجه من السجن سنة 1939، وحلّ حزب الشعب الجزائريّ في أواخر سبتمبر من نفس السنة.
إنّ البحث بعنوانه هذا يطمح إلى التأسيس لدراسة مفدي وأدبه في هذه الفترة، بتأريخ حياته إنسانا مناضلا، وحياته أديبا، ورصد إنتاجه الأدبيّ شعرا ونثرا، وتوثيقه في مصادره الكثيرة والمتنوّعة، ودارسة بعض القضايا المتعلّقة بهذا الإنتاج منذ ميلاده شاعرا وأديبا في البعثة العلميّة المزابيّة بتونس، إلى أن أصبح أبرز أديب وشاعر في الحركة الوطنيّة الجزائريّة، ممّا لم يدرس بعد، أو أتى فيه البحث بجديد.
خطّة البحث ومنهجه:
وقد وزّعت مادّة البحث على تمهيد وخمسة أبواب، تسبقها المقدّمة ودراسة المصادر، وتتبعها الخاتمة والملحق والفهارس:
أمّا عنصر دراسة المصادر، ففرضته مصادر جديدة، وكثيرة، ومتنوّعة، ومتباينة من حيث لغتها ومستواها، اعتمدتها في البحث، وذلك لتحديد ضوابط التعامل معها فيه، قصد استخلاص الحقيقة العلميّة منها.
والبحث بعد ذلك تاريخيٌّ، تحكَّم في ترتيب مادّته الترتيب الزمنيّ للأحداث والوقائع: مهَّدت له بتمهيد تاريخيٍّ، عنوانه «مزاب والعمل الوطنيّ»، يعالج مفهومي الوطنيَّة لدى المزابيّين، وممارستهم لنضالهم الوطنيِّ بحسبهما، لأنَّ مفدي ـــــ وهو مزابيّ ــــ قد تأثّر بذلك، وظهر أثره في مسيرته النضاليّة، وفي أدبه على السواء.
بعد ذلك تتبّعت حياته في ثلاثة أبواب، من جدّه الأكبر "باسعيد"، إلى خروجه من السجن مع مصّالي الحاج وزملائهما، على سا 03 من صباح يوم 27/ 08/1939، موزّعة كالآتي:
الباب الأوّل: فترة التكوين (1908 ــــ 1931).
الباب الثاني: فترة النضال الوطنيّ (20/307)
صفحة 296
والسياسيّ (1932 - 1937).
الباب الثالث: فترة السجن (1937 - 1939).
وقد درجت في التأريخ لحياته على التركيز على دائرة حياة مفدي، لا أتجاوزها إلى ما يليها من دوائر ترتبط بها، كالبعثة العلميّة المزابيّة بتونس، في مرحلة التكوين؛ ونشاطات حزب الشعب الجزائريّ في مرحلة النضال الوطنيّ والسياسيّ؛ وملحمة السجن السياسيّ، في مرحلة السجن، إلاّ إذا كانت الواقعة ممّا لم يسبق بحثه، وكانت تضيء جوانب من حياته تساعدنا على فهمه، وفهم مواقفه فيها كإنسان، وكمناضل أديب.
ثمّ أرّخت لحياته الأدبيّة وإنتاجه في بابين اثنين، لأنّها تنقسم فعليّا إلى قسمين اثنين لا غير، هما: فترة العمل الوطنيّ المزابيِّ، وقد تزامن مع بداياته في دنيا الأدب؛ وفترة العمل الوطنيِّ الجزائريِّ، وكانت مرحلة تأكيد لسابقتها، وتألُّق في الساحة الأدبيَّة على مستوى الجزائر وشمال إفريقيا، فكان البابان كالآتي:
الباب الرابع: البدايات (1921 ـــ 1931)
الباب الخامس: التأكيد والتألّق (1932 ـ ـ 1939)
وذيّلت البحث بعد الخاتمة، وقبل الفهارس المعهودة في البحوث العلميّة، بملحق استعرضت فيه جملة من الوثائق الأساسيَّة في البحث، ممَّا لم يسبق نشره.
وغنيٌّ عن البيان أنَّ المنهج المتَّبع في هذه الدراسة هو المنهج التاريخيّ، لأنّ هذا البحث يندرج في تاريخ الأدب الجزائريّ الحديث من جهة؛ ولأنّ طموحه إلى التأسيس لدراسة مفدي وأدبه، لا وجه لتحقيقه من غير التأريخ لهما من جهة ثانية؛ ولميزة أساسية في أدب مفدي من جهة ثالثة، يفصح عنها بنفسه، فيما يتعلّق بشعره، في لقاء إذاعيٍّ بعنوان "زيارة خاطفة"، ينشِّطه الشّاعر والأديب عبد المجيد بن جدُّو، بُعَيْدَ صدور ديوانه "تحت ظلال الزيتون"، فعندما سأله عن ترتيب قصائده في الديوان، قال: «لم اهتمَّ بترتيب قصائدي في الديوان ترتيبا زمنيًّا باعتبارها مراحل في حياتي فحسب، وإنَّما لأنَّ شعري سواء في "اللهب المقدَّس"، أو في "تحت ظلال الزيتون"، يسجّل الأحداث القوميّة، وهي أبرز ظاهرة في قصائدي [ ... ]، ولذلك أحبُّ دائما ترتيب شعري ترتيبا تاريخيًّا، لكي يكون عبارة عن ظلّ أو شبح لتاريخ الأحداث القوميّة في تلك المدَّة، وهو نفس النظام الذي (20/308)
صفحة 297
سرت عليه في "اللهب المقدَّس"»، فهذا الارتباط الواعي بصيرورة الأحداث، يجعل فهم الكثير من شعره مرهونا بإدراك سياقه التاريخيِّ.
صعوبات البحث وعوائقه:
إنَّ تجربتي السابقة في تحقيق كتاب من القرن الثامن الهجريِّ، رسَّخ اعتقادي بضرورة توسيع نطاق البحث خارج دائرته المحدَّدة بالعنوان، ويعني فيما يعنيه، في مرحلة جمع المادة، جمع كلِّ ما له علاقة بالبحث من قريب أو بعيد، فعندما استفدت من منحة لإتمام البحث بالخارج، أمضيت ثمانية أشهر كاملة، أنقِّب في وثائق مركز أرشيف ما وراء البحار بفرنسا، لأستخلص عددا وفيرا من الوثائق المتعلِّقة بمفدي، وعددا أوفر، يساوي أضعاف أضعاف ما سبق، يخصُّ ارتباطات مفدي في حياته النضاليّة والأدبيّة؛ ولئن أفادني هذا المسلك في البحث إفادات جمّة، فإنّه قد التهم من زمن البحث قدرا كبيرا، فطالت مدّته، وتجاوز آجاله المحدّدة.
ويترتّب على هذا المسلك في مرحلة التحرير أن أستقصي المعلومة في كلّ جزئيّة من جزئيات البحث في مئات الوثائق، ثمّ لا أجدها إلاّ أجزاء متفرّقة في وثائق عديدة، عليّ أن أجمعها، بعد امتحان صحّتها، وأن أعيد بناءها بناء متناسقا، مع توثيقها توثيقا علميّا صارما، مع ما يرافقه أحيانا من ترجمة فقرات من اللغة الفرنسيّة، وهو جهد يستغرق وقتا طويلا، فطالت مدّة البحث، وتجاوز آجاله المحدّدة.
وعليه فأهمّ صعوبة واجهتني في البحث، كانت محاولة الانفكاك من ضغط الوقت المحدّد لإتمام البحث، لأنجز عملا علميّا مرضيّا بمقاييسه، وزاد من حدّته واقع للبحث العلميّ في جزائرنا، يجعل الأولوية فيه للشهادة لا للبحث، ومنه قلّة النماذج الإيجابيّة التي تدعم معنويّا مثل هذا المسلك الذي اخترته؛ فكان صراعا حادّا يتجدَّد كلَّما انفتحت أمامي مكتبة، أتوقّع أن أجد فيها مادّة لبحثي، ولو وثيقة واحدة؛ وكلّما قوّمت عملي في التحرير، على كثرة ساعات العمل فيه، فوجدته يسير بخطى السلحفاة؛ ويمكن أن أقول بعد تمام البحث: إنّي ــــ بحمد الله ــــ حسمت الصراع لصالح البحث في الأغلب الأعمِّ، لأنّني كنت كلّما راودتني فكرة استبعاد الفحص المجهريّ للمادّة، وتعويضه بفحص العين المجرّدة على ضعفها، ردّني إلى الجادّة شعوري بواجب أداء أمانة (20/309)
صفحة 298
البحث، وأعانني عليه ما تعوَّدت عليه في بحوثي السابقة، ورجائي عند الله تعالى أن أكون قد وُفِّقت بعض التوفيق.
نتائج البحث وآفاقه:
تتبّعنا في هذا البحث تفاصيل حياة مفدي إنسانا ومناضلا في الأبواب الثلاثة الأولى من البحث، من أبعد جدّ عرفناه له، إلى خروجه من السجن سنة 1939، وتفاصيل حياته أديبا وشاعرا في البابين الرابع والخامس، من ميلاده أديبا وشاعرا إلى آخر قصيدة أنشأها، وإلى آخر نصّ نثريّ كتبه، في الفترة المحدّدة للبحث:
اهتممنا في الباب الأوّل بنسبه وعائلته لبيان مقامها في بني يزقن، وفي مزاب، ممّا فسّر لنا ما يتمتّع به شاعرنا من اعتزاز بانتمائه، واعتداد به؛ وبعد بيان نشأته الأولى، كشفنا عن الدور الكبير للبعثة العلميّة المزابيّة بتونس، في تشكيل وعيه وشخصيّته الأدبيّة والنضاليّة، وتحديد موقفه في الحياة، وهو العمل على نهضة وطنه بمختلف مستوياته، مزاب والجزائر والمغرب العربيّ. ثمّ تتبّعنا خطواته الأولى في الحياة العمليّة، وكانت متعثّرة، لأنّه كان يبحث عن عمل يناسب شخصيته، ويناسب ما نذر حياته له.
ووقفنا في الباب الثاني على بداية خروجه من فلك البعثة وشيوخها سنوات بعد عودته من تونس، عندما حقّق استقلاله الاقتصاديّ، بإنشائه شركة زكرياء وعبد الجبّار؛ وتبعه انفكاكه من العمل الوطنيّ المزابيّ الصّرف، وتفتّحه على الحركة الإصلاحيّة الجزائريّة، والنضال السياسيّ على مستوى المغرب العربيّ في مؤتمرات طلبة شمال إفريقيا؛ ورأينا دخوله عالم الحركة الوطنية الجزائريّة من بابه الواسع، بعد خطاب مصّالي الحاج الشهير، في 02 أوت 1936، فقد انخرط في حزب "نجم شمال إفريقيا"، ليصبح بعد مدّة وجيزة رئيسه بالجزائر؛ ونفس المنصب تولاّه عند إنشاء حزب الشعب الجزائريّ، بعد حلّ النجم؛ وأبنّا بصفة خاصّة عن بصمات مفدي في توجّه الحزبين، فقد سعى إلى جعله أكثر جزائريّة بإدراج الحرف العربيّ في أدبياته ومناشيره، وبفرض أولوية نشاط الحزب بالجزائر على فرنسا.
ثمّ استقصينا نشاطه في إطار نشاطات الحزب غير المسبوقة بعد عودة مصّالي في 20 جوان 1937، في مدّة وجيزة لا تزيد على شهرين، بالإضافة إلى صراعاته ضمنها خاصّة مع المؤتمر الإسلاميّ، وانتهى كلّ ذلك بإيداعه بمعية مصّالي وقادة الحزب السجن، (20/310)
صفحة 299
يوم 27/ 08/1937.
واهتممنا في الباب الثالث بوضعه في السجن مع رفقائه، وتتبّعنا فصول محاكمتهم في المحكمة الابتدائيّة، ثمّ في محكمة الاستئناف، وأخيرا في محكمة النقض والإبرام؛ وكفاحهم أثناء ذلك من أجل افتكاك الحقّ في السجن السياسيّ، بداية بالإضراب عن الطعام في أكتوبر1937، إلى افتكاك هذا الحقّ بتاريخ 31/ 05/1938، بحكم محكمة باريس؛ كما تتبّعنا الحالة النفسيّة لمفدي في السجن منذ دخوله إليه، ولاحظنا صعوبتها بعد وفاة والده، وهو على خلاف معه بسبب نشاطه السياسيّ، وما ترتّب عن موته من مزيد تدهور في وضعه ووضع عائلته الاجتماعي، وهي حالة لم يؤثر فيها كثيرا تواصله مع خارج السجن بعد استفادته وزملائه من نظام السجن السياسيّ، وإنّما أفضى به إلى موقف جديد في حياته، لاحت بوادره وهو في السجن، وهو الإسهام في العمل الوطنيّ، لكن بعيدا عن الأضواء، ليهتمّ أكثر ببناء أسرته، والقيام بمسؤولياته اتّجاهها.
ولأنّ البحث في حياة مفدي هو بالضرورة بحث في تاريخ الحركة الوطنيّة، لأنّه كان من أبرز شخصياتها، فلا عجب أن يجد القارئ للبحث عددا وفيرا من تفاصيل هذا التاريخ، فيما يتعلّق بمحيطه القريب: نجم الشمال الإفريقيّ، وحزب الشعب الجزائريّ، وبما يتعلّق بنشاطه فيهما على وجه الخصوص، ممّا لم أقف عليه في الدراسات السابقة؛ واهتممت مقابل ذلك ـــ استكمالا للصورة ــــ بمواجهة الإدارة الاستعماريّة الفرنسيّة لعمل الحزبين الوطنيّين، بالجزائر وبفرنسا، بداية من حلّها للنجم في 26/ 01/1937، إلى سعيها الحثيث إلى حلّ حزب الشعب الجزائريّ، فتمّ إقراره بتاريخ 26/ 09/1939، وقد كشفنا في ثنايا ذلك عمّا رافق هذه المواجهة من خلافات داخل الإدارة الاستعماريّة بين الجزائر وفرنسا، وداخل الإدارة الاستعماريّة بالجزائر.
وفي الباب الرابع كان اهتمامنا منصبّا على حياة مفدي زكرياء الأدبيّة، وعلى إنتاجه فيها، في فترة ما بين سنتي 1921 و1931، وهو ما أمكننا من تحديد ميلاده أديبا وشاعرا في البعثة العلميّة المزابيّة بتونس، وإيضاح أثر تكوينه الأوّل في مدرسة "السلام"، في اكتشاف موهبته الأدبيّة والشعريّة، وأثر نشاطات البعثة، وجمعية "الوفاق" فيها، في صقلها وإبرازها، وتتبّع نجاحاته الأدبيّة الأولى خارج إطار (20/311)
صفحة 300
البعثة، وبدعم وتوجيه من رؤسائها؛ كما أوقفنا على تراجع إنتاجه الأدبيّ بعد قطع دراسته بتونس، وعودته إلى مزاب، ثمّ دخوله الحياة العمليّة؛ وملاحظة محاولاته المتكرّرة في التوفيق بين حياته العمليّة في التجارة التي لا تتّسع لحرفة الأدب، والحفاظ على جذوة الأدب متّقدة في نفسه، فنجح حيث أخفق غيره، بعد معاناة.
أمَّا الباب الخامس فكان التركيز فيه على مسيرة مفدي الأدبيّة وإنتاجه، بداية من تحقيق استقلاله في حياته الشخصيّة على جميع الأصعدة في سنة 1932 إلى خروجه من السجن في 1939، فأمكننا تتبّع إنتاجه الغزير فيها من بيان نقلته النوعيّة من العمل الوطني المزابيّ إلى العمل الوطنيّ الجزائريّ، وملاحظة توجّهه إلى العمل في حقل الصحافة بالموازاة مع أعماله الأخرى: عمل مراسلا لجريدة "النهضة"، وسعى لإنشاء صحيفة على مستوى المغرب العربيّ "الحياة"، وشارك في هيئة تحرير جريدة "الجحيم"، وانتهى إلى إصدار العدد الأوّل من جريدة "الشعب" لسان حال "حزب الشعب الجزائريّ" الناطق باللغة العربيّة في الجزائر، قبل دخوله السجن في أوت 1937؛ كما كشف لنا عن انحسار كبير عرفه إنتاجه الأدبيّ في السجن، بسبب ظروف السجن عموما، وبسبب موت والده وهو غير راض عنه انغماسه في السياسة بصفة خاصّة؛ وذلك بالرغم من استرجاعه لحيويّته ونشاطه بعد استفادته وزملائه من مزايا السجن السياسيّ، لكن لا إلى الحدّ الذي كان عليه قبل دخول السجن، ولا إلى ما يقاربه، فظهر أثره في إنتاجه، فكان قليلا نادرا بالرغم من قيمته الأدبيّة والفكريّة.
وقمنا في البابين الأخيرين بإحصاء ما أنتجه مفدي في الفترة المدروسة من نصوص أدبية في أغلبها، وميّزنا بين ما وقفنا عليه، وما بقي في عداد المفقود، فتوضّحت بذلك فترات المدّ والجزر في إنتاجه، لنحاول بعد ذلك تفسيرها في ختام الباب الخامس من خلال أحداث حياته؛ ثمّ ركّزنا في ختام البابين: على خطواته الأولى في الشعر والنثر، لبيان نبوغه المبكّر، ومحاولة تغلّبه على العوائق التي اعترضته في هذا السبيل، لأنّه كان عصاميّا؛ وعلى منطلقاته الفكريّة والأدبيّة التي كانت من أثر تكوينه الأوّل في البعثة العلميّة المزابيّة بتونس، ثمّ تعمّقت بفعل الممارسة والتجربة، فلم نلمح تغييرا وإنّما لاحظنا تأكيدا وترسيخا لها؛ وعلى الحسّ الوطنيّ والثوريّ منذ نصوصه الأولى، فتتّبعنا مراحل صعوده عند ظهور أمل جديد في نهضة بلاده وانعتاقه، وهبوطه عند (20/312)
صفحة 301
فقدان هذا الأمل، وقد أفضى بنا إلى الوقوف على أوج مدّه الثوريّ وتألّقه في قصيدته الأخيرة قبل دخوله السجن، إذ كانت لا تبعد كثيرا عن شعره الثوريّ إبّان الثورة التحريريّة الكبرى؛ وأخيرا على بيان مفهومه للأدب والشعر ورسالتهما في الحياة، فإذا هي رسالة وطنيّة في البدء والمنتهى.
هذا غيض من فيض، لأنّ جلّ ما تناولناه في بحثنا جديد، لاعتمادنا على مصادر لم نسبق إليها، وهو ما يبيّن ثراء هذا الموضوع، ورجائي أن يفسح بسبب من ذلك المجال لبحوث أخرى، تتمّم ما سبق من بحوث، وما أنجزناه في عملنا هذا، خاصّة فيما يتعلّق بأدبه، فإنّني لا أدّعي الإحاطة بجميع ما أنتجه، والمفقود من أدبه في هذه الفترة كثير؛ ثمّ تأتي بعد ذلك مرحلة 1940 - 1954، فهي فترة هامّة في حياة مفدي وتاريخ الحركة الوطنيّة، تتميّز بحساسيتها، تتطلّب استقصاء واسعا، وبحثا دقيقا عن إنتاجه، الذي نشره بأسماء مستعارة غير متداولة.
ثمّ إنّ مسحي لعدد من الصحف الجزائريّة كجريدة "النجاح"، وجرائد الشيخ أبي اليقظان، و"الشهاب"، و"الحياة"، و"الجحيم" ... ، والصحف التونسيّة كجريدة "الزهرة"، و"الوزير"، و"النهضة" ... ، أطلعني على عدد وفير من النصوص الأدبيّة لأدباء جزائريّين، شعراء وكتّاب، منهم من لم يستكمل جمع إنتاجه كمفدي، ومنهم من لا يزال في عداد المغمورين حتّى عند المختصّين، بعد ما يقارب نصف قرن من الاستقلال، وهي مدّة تقطع العذر في تقديري، إذا كنّا حريصين على شخصيتنا الوطنية الجزائريّة، وشخصيتنا الأدبيّة، ويؤلمنا تدهورهما في واقعنا اليوميّ؛ ولا يمكن تدارك هذا الوضع إلاّ إذا أفسحنا المجال في بحوثنا الجامعيّة للتأريخ لأدبنا قديمه وحديثه، وهو ما يشكو ــــ بحسب تجربتي المتواضعة في الجامعة ــــ انحسارا، مقارنة بما يتطلّبه العمل من جهود جبّارة، بسبب انسياق جلّ بحوثنا وراء مناهج الدراسة الأدبيّة الحديثة، وعزوفها عن المنهج التاريخيّ، ولا سبيل للتأريخ لأدبنا بغيره.
وأخيرا أحمد اللّه أوّلا وآخرا على ما أولاه من توفيق في طلب المادّة، ونجح في تمام المسعى بتحرير البحث، وما غمرني به من نعمائه أثناء ذلك، فرزقني الثبات والإقدام برغم العوائق والمثبّطات؛ وأسأله التوفيق في قابل بحوثي ودراساتي، واللّه الموفّق للصواب. (20/313)
صفحة 302
كلمة العدداحتفال المعاهد الحرة
في ميزاب بيوم العلم
كلمة افتتاح الاحتفال الذي أقيم بمعهد عمِّي سعيد
بمناسبة عيد العلم، بمشاركة معهدَي «الحياة» و «الإصلاح»
يوم السبت 12 جمادى الأولى 1432هـ /16 أبريل 2011 م
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي كرَّم هذه الأمة وشرَّفها، وأتمَّ عليها نِعَمَها، وجعلها خير الأمم، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه العلماء العاملين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
آبائي المشايخ الموقَّرين، سادتي المسؤولين المحترمين، إخواني الأساتذةَ المربين وأعضاء إدارتَيْ معهدي الحياة والإصلاح العامرَيْن، أبنائي الطلبةَ المجدين، ضيوفنا الوافدين الطيبين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم في رحاب معهد عمي سعيد في هذه الصبيحة المباركة الموافقة للثاني عشر من جمادى الأولى 1432هـ، السادسِ عشرَ من شهر أفريل 2011م، هذا اليوم الذي اصطلح عليه الجزائريون ليكون رمز الاحتفال بالعلم والاحتفاء بالعلماء، واتفقت تنسيقية المعاهد الثلاثة على إحيائه من قِبَل طلبتها وكافة الأسرة التربوية بها مجتمعة بصفة دورية في أحد هذه المعاهد، سعيا إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية والتربوية التي يمكن تلخيصها في نظري في أربع نقاط: (21/314)
صفحة 303
• ترسيخ مسيرة التنسيق والتعاون بين المعاهد الثلاثة.
• تعزيز أواصر الأخوَّة والمحبَّة بين شباب المعاهد الثلاثة.
• غرس قيمة العلم، ومحبةِ العلماء واحترامِهم.
• تشجيع المواهب وترقيةُ الإنجاز الثقافي للشباب.
وبهذه المناسبة العلمية السعيدة يشرفني أن أفتتح هذا الحفل البهيج بهذه الكلمة المتواضعة، وقد اخترت أن أعنونها بـ:
نحن أُمَّة {اقرأ}
نزل أولُ أمرٍ إلهي في فجر البعثة المحمديَّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بالقراءة وطلب العلم والتفكير وإعمال العقل؛ ويتمثل ذلك في قوله سبحانه وتعالى في سورة العلق:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}.
بعد ذلك جاءت تعاليم الإسلام تحثُّ على العلم: فطلبه فريضة على كل مسلم، ويجب أن تستمر من المهد إلى اللحد، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، وإنَّ العلماء والمفكرين شأنهم عظيم في الإسلام؛ فهم ورثة الأنبياء وهم أدعى الناس إلى خشية الله عز وجل؛ قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28]. وإن تبليغ العلم للناس واجب آخر يحرص على أدائه كل من حصل على جزء يسير منه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية»، وإن التعليم أشرف المهن؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت معلما».
ولقد وعى رُوَاد هذه الأمةِ وسلفُها الصالح هذه التعاليم تمام الوعي، فشمَّروا عن سواعدهم وأفنوا أعمارهم يتعلمون ويُعَلِّمون، وضحُّوا في سبيل ذلك بكل غالٍ ونفيس، وشدُّوا الرحال وتغرَّبوا عن الأهل والأوطان، وفكروا ونظَّروا وخطَّطوا لينتشر العلم في مشارق الأرض ومغاربها، ودوَّنوا وألَّفوا وحقَّقوا ليحفظوا عُصَارة ما فتح الله عليهم من العلم لمن بعدهم. (21/315)
صفحة 304
وإن استعراضًا خاطفا لتاريخ أمتنا المجيد ليدعو إلى الانبهار بجهود أولئك الأفذاذ الذين كانوا مُبْصِرين بنور الله، مجاهدين لإنقاذ الأمة من دياجير الجهل، فبدءا من الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه الذي حوى ما عند سبعين بدريٍّ من العلم ووضع أسس المدرسة الإباضية، ثم تلميذِهِ الإمامِ أبي عبيدة الذي خَلَفه في القيادة العلمية لأهل الحق والاستقامة، وأسَّس أوَّل مدرسة تعليمية بنظام فريد، وخرَّج حملة للعلم إلى المشرق والمغرب، كانوا علماء معلِّمين، قضاة مُفْتين، مؤسِّسين لإمامات ودول عُرِفت بالعدل والازدهار العلمي والحضاري، ومرورا بالحركة التربوية الألفية للشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي، والنهضة العلمية الحضارية للشيخ الشاب عمِّي سعيد بن علي الجربي، ثم رواد النهضة العلمية الحديثة كالشيخ عبد العزيز الثميني، وقطبِ الأئمة الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيش، وصولا إلى بُناةِ الحركة العلمية المعاصرة الذين لمعت أسماؤهم في سماء القرن الماضي ولا تستطيع هذه السطور حصرَها وتَعْدادها، فأكتفي بأهم علمين كانا عضوين بارزين في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هما الإمام المربِّي المفسر إبراهيم بن عمر بيوض، والصحافيُّ المجاهد إبراهيمُ بن الحاج عيسى أبو اليقظان، ثم أختم بهذه الثلة المباركة من الدكاترة والباحثين والدارسين الأكاديميين الذين رصَّعوا جبين الجامعة الجزائرية بجدِّيَتهم وكفاءتهم العلمية، واجتهدوا في إبراز فكر المدرسة الإباضية ورجالاتها في المحافل العلمية محليا ووطنيا ودَوليا. ولنا في كلِّ هؤلاء وغيرهم من علماء الأمة وأعلامها الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ قدوةٌ حسنةٌ وحافزٌ لنكون مثلهم أو نتشبه بهم، حتى يصدق علينا بحق أننا أمَّة «اقرأ».
أيها المربون المرابطون في هذه المعاهد وغيرها من المؤسسات التربوية الحرة: لقد شرَّفكم الله بأن وفقكم لتكونوا من أصحاب هذه المهنة الشريفة، و إنكم أكثر عددًا وأقوى عُدَّة من أولئك الذين مرَّ ذكرُهم، فتسلَّحوا بالصبر وتقوَّوْا بالعلم (21/316)
صفحة 305
واستمروا في جهادكم المقدَّس، وارفعوا التحدي، فإن ما تبذلونه من تضحيات مهما كانت جسيمة فإنها لا تُقارُن أمام ما ينتظركم من أجر وفير وثواب جزيل، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
يا طلبة معاهدنا الإسلامية الحرَّة، يا شباب الأمة وأملَها في مستقبل زاهر، يا جيل النُّصرة والتمكين لدين الله في هذه الأرض: اتقوا الله ويعلِّمكم الله، جدوا واجتهدوا لتتخرجوا علماء ربانيين راسخين، تبلغون دين الله ناصعا خاليا من الشوائب والضلالات، وتدعون إلى الصراط المستقيم بكتاب ربكم وسنَّة نبيكم، تقودون الأمة في طريق الرشد والصلاح، حتى تسترجع مكانةَ الشهادة بين الأمم، فتصبح قادرة على إدارة عجلة الحضارة الإنسانية إلى ما يسعدها وما يحبه الله عز وجل ويرضاه. وإنَّ من وعى منكم هذه المهمَّة الجسيمة التي تنتظره يستحيل عليه أن يركن إلى الكسل والخمول، أو يقنع بالمراتب الدنيَّة من المعارف والعلوم. فليتسلح كل واحد منا بسلاح التقوى، وليستعن بالدعاء والتضرع لله السميع المجيب، وليقل: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.
آبائي، إخواني، أبنائي، سادتي؛ أيها الحضور الكريم:
ختاما: لا يفوتني في هذه المناسبة الطيبة أن أنوه بهاته الطلائع من شباب المعاهد الثلاثة الذين سهروا واجتهدوا ليقدموا لنا نشاطا علميا وأدبيا راقيا بديعا، دعائي لهم بالتوفيق والسداد، وللجميع بحسن الاستفادة، فجزاكم الله خير الجزاء.
{رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10]، {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]، وآخر دعوانا { ... أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس:10] والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عن الأسرة التربوية بمعهد عمي سعيد:
أ. مصطفى بن قاسم كَارَه (21/317)
صفحة 306
- - - (21/318)
صفحة 307
في رثاء العلاّمة
الشيخ ناصر بن محمد المرموري
الدكتور عبدالله بن راشد السيابي
نائب رئيس المحكمة العليا ـ سلطنة عمان
نظمتها رثاء للشيخ العلاَّمة ناصر بن محمَّد المرموري الميزابي الجزائري، الذي توفي يوم 11جمادى الأخرى 1432هـ الموافق 15 مايو 2011م:
أشمسَ العصر بدرَ الإستقامهْ ... غربت وذا الدجى أرخى ظلامهْ
ووَدَّعتَ الديارَ تَنُوء حمْلاً ... بأحزانٍٍ تُناوشُهَا السَّآمَه
وكنتَ لَهَا مَحَلَّ اللطف نبْلاً ... وأخلاقًا وتَملَؤُهَا ابتِسَامَه
وذَا عَلاَّمَةُ العُلماء شَيخِي ... وشَيخُ العَارِفِينَ أُولِي الفَهَامَه
فَتى حَمدٌ خَلِيليٌّ هُمَامٌ ... وَمَن هُو في جَبين الدَّهرِ شَامَه
سَعَى للوادي نَحوكَ في لِقاءٍ ... وَدَاعيٍّ فَكانَ كَمَا الغَمَامَه
وقبلَ سُويعَتَينِ عَلَى رَحِيلٍ ... إلى الأُخرَى وَقفتَ هُنَا أمَامَه
تُرَحِّبُ بالخلِيلِيِّ المُفَدَّى ... وَتَفرَحُ بِالوُصُولِِ وَبِالسَّلاَمَه
وتَنْعَتُهُ كشَمسٍٍ للبَرَايَا ... تُزيحُ الجَهلَ لاَ تُبقِي ظَلاَمَه
تُبَشِّرُ بِالضِّيَاء وَكُلِّ خَيرٍ ... وَتَهدِي للسُّرُورِ وَلِلكَرَامَه
قَد استشْهدتَ شِعرًا صَارَ يُروَى ... وَيبرُزُ للوَدَاعِ لَهُ عَلاَمَه
”أشيخَ العَصْرِ حقٌّ مَا سَمِعنَا ... بِأنَّكَ قَدْ سَئِمْتَ مِنَ الإِقَامَه؟ “
”وَأنَّكَ قَد عَزَمتَ عَلَى رَحِيلٍ ... فَلا تَفْعَلْ فَقَد تَقُمِ القِيَامَه“
- - -
رُويدَكَ نَاصِرَ الإسلاَمِ نَشْرًا ... لِعِلمِ الشَّرْع كُنتَ لَهُ إمَامَه
رُويدَكَ أَيُّها المَرمُوريُّ وَعياً ... تَبُثُّ له وَتُوليهِ اهتِمَامَه (22/318)
صفحة 308
عَرَفنَا فِيكَ مُجتَمَعًا تَسَََامَى ... بِميزَابَ وَكُنتَ لَهُ دِعَامَه
حَمَلتَ مَشَاعِلَ التَّنويرِ فِيهِ ... وَسِرْتَ مُبَرَّزًا تَخطُو أَمَامَه
نَهجْتَ بِه كَأشيَاخٍ عِظَام ... كَبَيُّوض الإمَامِ وَذِي الزَّعَامَه
وَعَدُّون لَهُ جُهدٌ وَسَعْيٌ ... لإصلاَحٍ أَقَامَ لَهُ نِظَامَه
أَميرَ الحَجِّ بَين بَنِي مِزَابٍ ... تُضِيئُ النَّهجَ حِلاًّ أو حَرَامَه
سَفيرَ الصَّحبِ قَومِ بَنِي مِزَابٍ ... لِوَصلِ عُمَانَ إذْ تَرعَى ذِمَامَه
كَبيرَ القَوم عَزَّابي مِزَابٍ ... مَن اتَّبَعُوا الهُدَى وَفُّوا التِزَامَه
أُعَزِّي المُسلِمينَ هُنَا جَميعًا ... أَخُصُّ بِذَاكَ أَهْلَ الإِسْْتِقَامَه
وَأسْرَةَ شَيخِنَا وَبَنِي مِزَابٍ ... وَأَهْلَ العِلْمِ مَنْ حَفِظُوا مَقَامَه
فَيَارَبَّاهُ جُدْ بِالعَفْوِ وَامْنَحْ ... لَنَا عَمَلاً رِضاكَ نَرَى خِتَامَه
- - -
سلطنة عُمان
24رجب1432هـ موافق: 26 جوان 2011م (22/319)
صفحة 309
وقفة إجلال وترحم على الغائب الحاضر
الشيخ الناصر المرموري
الشاعر الأستاذ سليمان بن عمر دوَّاق
بن يزجن - غرداية - الجزائر
ألقيت في حفل تتويج المستظهرين لكتاب الله العزيز بالقرارة يوم 02 رجب 1432هـ / الموافق لـ 04 جوان 2011م، ولقد قدَّم الشاعر القصيدة بكلمات قال فيها:
«إنَّ احتفالنا اليوم تعلوه مسحة من كآبة، وقد خلت صدارة مجلسناممن كان يُضفي عليها روحا أبوية حميمية، ورعاية أدبية مثالثة، ولعل عزاءنا في هذا الحرمان هو شعورنا بأنَّ روح الفقيد ترفرف علينا، مباركة وداعية لنا بالخير. إنَّ ظرفا كهذا يفرض عليَّ أن أخصَّ هذه المناسبة بقصيدة أراها أضعف الإيمان من تلميذ في حقِّ أستاذه المرحوم، فتقبلوا مني هذه الخواطر، على ما فيها من اضطراب لهول المصاب.
وقبل الإدلاء بهذه الخواطر، أتوجه إلى أبنائنا المُحتفى بهم لأهمس في آذانهم بما يلي: أملنا كبير ــ وقد حفظتم كتاب الله ـــ أن نجد من بينكم مستقبلا من يسدُّ الثغرة المهولة التي خلَّفها الفقيد الشيخ الناصر بعد أفول نجمه. وكأني بالمرحوم يتوجَّه إليكم بهذا الرجاء، فكونوا عند حسن ظنه، وظننا بكم جميعا. وإليكم أبناءنا المكرَّمين أهدي هذه الأبيات تخليدا لمناسبة تتويجكم: ...
مَا لِلصَّدَارَةِ لَمْ يَأنَسْ بِهَا النَّظَرُ؟ ... فظلَّ يَبْحَثُ عَمَّنْ كَانَ يُنْتَظَرُ
وَقَدْ ألِفْنَا بَأَنْ نَلْقَاهُ مُعْتَلِيًا ... عَرْشَ الصَّدَارَةِ في أَرْجَائِهَا قَمَرُ
يُزيِّنُ الحَفْلَ يُثري جَمْعَهُ كَرَمًا ... بِقَيِّمٍ مِن حَدِيثٍ كُلُّه دُرَرُ
هَل غَابَ عَنَّا لِبَعضِ الوَقِتِ أَم ذَهَبَتْ ... بِه المَنِيَّةُ لا تُبقِي وَلاَ تَذَرُ؟
وَهَل رُزِئنَا بِحَقٍّ في مَشَايِخِنَا ... إِذ اصْطَفَاهُمْ ـ تِبَاعًاخِلْسَةً ـ قَدَرُ؟
فَكَان آخِرَهُمْ فِي الرُّزْءِ (نَاصِرُنَا) ... فَمَنْ لَنَا بَعْدَهُ حَامٍٍ ومُدَّخرُ؟
لِمَذهَبٍ يَشْتَكِي مِنْ فَقْدِ مَرْجِعِهِ ... فَضَلَّ بَعْضُ بَنِيهِ، أَوْ بِه كَفَرُوا
- - -
وَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى مَنْ كَانَ مُرْشِدَنَا ... يُضِيءُ ظُلمَتَنَا، يُقْفَى بِهِ الأَثَرُ
وَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى مَن كَانَ مُعْتَمَدًا ... سَفِيرَنَا .. وَبِهِ (مِيزَابُ) يَشْتَهِرُ
وَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى مَنْ مَدَّ مُقْتَدِرًا ... جُسُورَ وُدٍّ .. فَطَابَ الوَصْلُ وَالسَّفَرُ
إِلَى دِيَارٍٍ لَنَا مِنْ مَشْرِقٍٍ فَغَدَتْ ... أَوَاصِرُ الدِّينِ بِالإِحْسَانِ تَزْدَهِرُ (23/320)
صفحة 310
- - -
أَبَا الوِصَالِ عَجِيبٌ أَنْ تُغَادِرَنَا ... وَكُنْتَ دَوْمًا لِجَمْعِ الشَّمْلِ تَبْتَدِرُ
عَهِدْنَا مِنْكَ حُضُورًا فِي مَحَافِلِنَا ... عَهِدْنَا فِيكَ إِمَامًا كُلُّهُ نَظَرُ
فَمَا الَّذِي غَيَّرَ الأَحْوَالَ فَانْقَطَعَتْ ... عُرَى الوِصَالِ فَحَلَّ البَيْنُ وَالكَدَرُ
لَعَلَّنَا قَدْ غَفِلْنَا عَنْ حُقُوقِكُمُ ... وَاسْتَاءَ قُلبُكُمُ مِمَّنْ بِكُمْ غَدَرُوا
إذْ حَاوَلُوا النَّيلَ مِنْ قَدْرِكُمْ سَفَهًا ... مَا رَعَوا حُرْمَةً فِيكُم وَبَلْ مَكَرُوا
فَهَلْ دَرَوا أَنَّهُم أَسْبَابُ عِلَّتِكُمِْ ... وَأَنَّهُمْ عِنْدَ قَاضِي العَدْلِ قَدْ وَزَرُوا
غَدًا يَكُونُ قِصَاصٌ لاَ مَفَرَّ لَهُمْ ... مِمَّنْ سَيَأْخُذُهُمْ بِالعِزَّ يَنْتَصِرُ
- - -
إِنْ كُنْتَ يَا شَيْخَنَا بِالجِسْمِ مُبْتَعِدًا ... فَأَنْتَ بِالرُّوحٍِ مَوْجُودٌ كَمَنْ حَضَرُوا
أَبَيْتَ إلاَّ مَزِيدًا مِنْ رِعَايَتِنَا ... وَنَحْنُ دَوْمًا إِلَى مَرْعَاكَ نَغْتَفِرُ
نَسْتَلْهِمُ النُّصْحَ وَالإِرْشَادَ فِي شَغَفٍ ... مِنْ سِيرَةٍ لَكُمُ نَفْحٌ لَهَا عَطِرُ
تُرِْوَى لِنَاشِئَةٍ جَاءَتْ بُعَيْدَكُمُ ... وَهُمْ بِفَضْلِكُمُ بِالرُّشْدِ قَدْ شَعَرُوا
هُمْ نُخْبَةٌ رَفَعَتْ يُمْنًا شِعَارَكُمُ ... وَشُرِّفتْ بِاسْمِكُمْ يَا نِعْمَ ذَا الظَّفَرُ
وَفِيهِمُ أَمَلٌ يُرْجَى لِخِلْفَتِكُمْ ... لأَنَّهُمْ ذُكِّرُوا بالذِّكْرِ فَاذَّكَرُوا
لِذَا أُقِيمَ لَهُمْ حَفْلُ يُشَرِّفُهُمْ ... وَهَذَا يَوْمُهُمْ فِي النَّاسِ مُعْتَبَرُ
- - -
أَْبْنَاءَنَا دُمْتُمْ أَهْلاً لِمَكْرُمَةٍ ... عُضُّوا عَلَيْهَا فَمَا أَحْرَزْتُمُ دُرَرُ
حَفِظْتُمُ الذِّكْرَ فَاسْتَجُلُوا مَعَانِيَهُ ... وَجَسِّدُوهَا سُلُوكًا إنَّها غُرَرُ
لاَ شَيءَ يُسْعِدُكُمْ دُنْيًا وَآخِرَةً ... غَيرَ التَّمَسُّكِ بِالقُرْآنِ فَاعْتَبِرُوا
تَحِيَّتِي لأُنَاسِ سَاهِرِينَ عَلَى ... أَبْنَائِنَا، وَهُم نِعْمَ الوَرَى غُيُرُ
جَزَاهُمُ اللهُ عَنَّا كُلَّ مَكْرُمَةٍِ ... وَزَادَهُمْ بَسْطَةً فِي الخَيْرِ مَا عُمِرُوا
بِفَضْلِهِمْ قَدْ عَلَتْ شَأْنًا (قَرَارَتُنَا) ... وَعَمَّ (مِيزَابُنَا) خِصْبٌ بِمَا بَذَرُوا
طُوبَى لِمَنْ جَعَلَ الرَّحْمَنُ أَنْعُمَهُ ... عَلَى يَدَيْهِمْ فَجَادُوا بِالَّذِي قَدَرُوا
فَلْيَبْشِرُوا بِجِنَانِ الخُلْدِ يَوْمَ غَدٍ ... جَزَاءَ مَا بَذَلُوا بِرَّا وَمَا صَبَرُوا
- - - (23/321)
صفحة 311
فات الأوان ... يا ملِك الزمان!
الشاعر إدريس بن عمر علواني
أستاذ بثانوية الإمام الشيخ بيُّوض إبراهيم ـ القرارة
دَفْقُ الخَوَاطِرِ فَيْضٌ في مُخَيِّلَتِي ... كَالنَّهْرِ غَامِرَةٌ أَمْوَاهُهُ خَلَدِي
حَنّتْ إِلى القَلَمِ اليَرَاعِ قَافِيَتي ... وَشَاقَنِي البَحْرُ بِالأَسْبَابِ وَالوَتَد
فَمَا عَسَايَ أَقُولُ وَالدُّجَى ثَمِلٌ ... وَالشِّعْرُ لِي كَعُيُونِ النَّجْمِ بِالرَّصَد
أَنَا الأَدِيبُ إِذَا أَبْحَرْتُ في فُلَكِي ... فَاللَّفْظُ طَوْعُ الحِجَا وَالفِكْرُ كَالزَّنَد
لَكِنّهُ النَّزْفُ قَدْ عَدَا شَوَاطِئَهُ ... حَتَّى غَزَى فُسْحَةَ الإِحْسَاسِ بِالكَمَد
تِلْكَ الجِرَاحُ تَظَلُّ حِينَ أَقْصِدُهَا ... بِالوَصْفِ تَنْزِفُ لِي في القَلْبِ والكَبِد
وَيْحَ القَرِيضِ إذَا خَلَتْ غَوَا رِبُهُ ... وَجَفَّ فِيهُ مَعِينُ اللَّفْظِ وَالمَدَد
يا أَيُّهَا الشِّعْرُ لاَ تَهْجُرْ مَرَابِعَنَا ... رَفّتْ جِنَانُ رَبِيعِ العُرْبِ بالغَرَد
عَادَتْ لَنَا ذِكْرَيَاتُ الشَّرْقِ عَابِقَةً ... عَلَى خُطَى عُمَرِ المُخْتَارِ لَمْ تَحِد
مِنْ حَضْرَمَوْتَ إِلى المُحِيطِ ثَائِرَةً ... تَنْفي السّلاَطِينَ كَالطُوفَانِ للزَّبَد
اللهُ أَكْبَرُ أَيُّهَا العَتِيُّ لَكَمْ ... ضَرَبْتَ فَوْقَ الرِّقَابِ عَيْشَةَ النَّكَد
رُوَيْدُ يَا مَلِكَ الزّمَانِ إِنَّ غَداً ... تَهْفُو نَسَائِمُهُ مِنْ مَنْكِبِ الأَسَد
رُوَيْدُ قَدْ هَبَّ هَذَا الشَّعْبُ مُنْتَفِظَاً ... مِنْ قُمْقُمِ الذُّلِّ أَوْ يُطِيحَ بِالعَمَد
الآنَ يَا مَارِدَ التَّارِيخِ وَقِّعْ لَهُ ... سِفْرَ الزَّوَالِ وَحَطِّمْ سَطْوَةَ الصَّفَد
قَدْ رَفْرَفَتْ رَايَةُ الثُّوَّارِ خَافِقَةً ... في سَاحَةِ الشُّهَدَا بِعِزَّةِ الصَّمَد
وَحَلَّقُو كَنُسُورِ العِزِّ فَوْقَ إِذَا ... تَهْوِي تَخَطَّفُ مِنْكَ الرُّوحَ مِنْ جَسَد
هَيْهَاتَ لاَ وَزَراً يُنْجِيكَ قَدْ فَرَطَتْ ... سِنُو نَجَاتِكَ يَا جَبَّارُ مِنْ أَمَدِ ...
فَلُذْ بِرَمْسِكَ لاَ مَفَرَّ إِنَّ لَكُمْ ... سَبْعِينَ أَلْفاً مِنَ العِقْبَانِ بالرَّصَد
اللهُ يَعْلَمُ كَمْ أَبْكَيْتَ مِنْ رَحِمٍ ... يَا لَيْتَهَا لَمْ تَكُنْ قَبْلاً وَلَمْ تَلِد
وَكَمْ مَلأَ ْتَ كُؤُوسَ السُّخْطِ حَتَّى إِذَا ... فَاضَتْ وَأَتْرَعْتَهَا بِالجَوْرِ وَالجَهَد
قَدْ هَزَّتِ السَّكْرَةُ العَاتِينَ حَتَّى غَدَوا ... عَلَى النُّفُوسِ جَلاَمِيداً إِلى الأَبَد
فَاتَ الأَوَانُ فَشِعْبُ الحَيْفِ قَدْ طَفَحَتْ ... بِهَادِرِ السُّخْطِ كَالإِعْصَارِ بِالرَّعَد
فَاتَ الأَوَانُ إِذَا مَا البَرْقُ أَرْعَدَكُمْ ... وَأَنْذَرَ العَاصِفُ المَتْبُولُ بِالحَصَدِ (24/322)
صفحة 312
خطبة عيد الأضحى المبارك
يوم الثلثاء 10 ذوالحجة 1431هـ الموافق 16 نوفمبر 2010م
أ: عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
عضو حلقة العزابة ــــ القرارة
أستاذ بمعهد الحياة ـــ القرارة ـــ غرداية
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، الله أكبرُ كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، الله أكبرُ {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} الله أكبرُ {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} الله أكبرُ {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} الله أكبرُ يوم تزلف الجنة للمتقين غير بعيد، الله أكبرُ يوم يقال لجهنَّم هل امتلأت وتقول هل من مزيد، الله أكبرُ ما ارتفعت أصوات الحجيج بالتَّلبية في شعاب مكة وعجَّت، الله أكبرُ ما سالت دماء القرابين في فجاج بكة وثجَّت، الله أكبرُ ما احتشدت جموع المتقين في عرفات يرجون واسع مغفرة الواحد الديَّان، الله أكبرُ ما ازدحم البيت العتيق بالطائفين يطرقون باب فضل الواسع المنَّان، نحمدك اللَّهم أنت الواحدُ الأحد، الفردُ الصَّمد على سابغ نعمك، ونشكر لك اللَّهم أنت فاطر الأكوان على جامع مننك، ونقدِّس لك اللَّهم أنت بارئ الإنس والجان على واسع فضلك.
الله أكبر تكبيراً لعزَّته كما يحبُّ ويرضى اللهُ للهِ
الله أكبر تكبيراً بما جمعت صفاتُه من سمات القدس للهِ
الله أكبر تكبيراً بما سفرت أسماؤه من عظيم القدر للهِ
الله أكبر تكبيراً بما نطقت أفعالُه من كمال الكبرللهِ (25/323)
صفحة 313
الله أكبر إعظاما لرتبته تعاظمت كلَّ شيء رتبةُ اللهِ
نحمدك اللَّهم حمدًا يليق بجلال وجهك، وعظيم سلطانك، وجميل إحسانك، في هذا اليوم المشهود، وفي هذا المقام المحمود، وقد برز المؤمنون في خشوع آمِّين المصلَّيات، وخرجوا صافِّين لمناجاة المعبود ربِّ الكائنات، دامعةً عيونهم، خاشعةً أبصارهم، ضارعةً قلوبهم، مُسفرةً وجوههم، لاهجةً ألسنتُهم بالحمد والثناء للكبير المتعال، وظلالهم فيها بالغدو والآصال، الله أكبرُ الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبرُ ولله الحمد، تسابيحُ تؤوِّب معها الطير والجبال، وتراتيلُ ترجِّع صداها السِّكك والتِّلال {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} وصلِّ اللهمَّ وسلِّم على من أرسلته شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا اِلَى اللَّهِ بِإِذْنِك وَسِرَاجًا مُّنِيرًا، وعلى آل بيته الأبرار الذين أردت أن تذهب عنهم الرجس وتطَهِّرَهمْ تَطْهِيرًا، وعلى صحبه الأخيار الذين اصطفيتهم لنبيئك عُدَّة ونصيرًا، وعلى من اهتدى راشدًا بهدي أفضل رسلك، واقتفى قاصدًا سنَّة أكمل خلقك، واستقام على الصراط وكان بعبادة ربِّه بصيرا.
الله أكبرُ الله أكبر الله أكبر، أيُّها الإخوة المؤمنون، سَلاَمٌ عَليْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ، أوصيكم ونفسي بأن تتَّقوا الله حقَّ تقاته فلا تموتنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون، وَأن تقُولُوا {آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} فإنَّه من عاش تقيًّا عاش قويًّا، ومن تدثَّر بلباس التقوى عاش حياته الأقوى.
أمَّا بعد، فهذا يومُ العيد الأكبر الذي تكبر فيه النُّفوس وهي لربِّها ذليلة، وهذا يومُ عيد النحر الذي تُنحر فيه الشهوات على مذبح الفضيلة، وهذا يومُ عيد الأضحى الذي يُضحِّي فيه مخلضًا من يبتغي إلى ربِّه الوسيلة، يومٌ تصفو فيه النفوس الزكية قربة من الله، ويومٌ تهفو فيه القلوب المطمئنة محبَّة لله، ويومٌ تبلى فيه سرائر العباد تائبة إلى الله.
فما أجملها لحظاتٍ نقضيها في هذا المصلَّى الطَّاهر، الذي تظلنا فيه شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، تنبت بالدهن وصبغ للآكلين، وما أعبرها ومضاتٍ نجنيها في هذا الزمان الغامر ونحن نقتبس من سنا الإله نورًا يسعى بين أيدينا وبأيماننا {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} وما أعجب الصُّدف أن يلتئم هذا الجمع المهيب في هذا البراح الفسيح من هذا البلد الأمين، بين سرح ممرَّد يتعلَّم في رحابه (25/324)
صفحة 314
الأبناء الأحداث، وبين ربع مجرَّد يتنعم في رياضه الآباء وقد طوتهم الأجداث، مفارقة في الأمر عجيبة، وعِبرة لكلِّ نفس أريبة، فذاك يمثِّل الأمل المنشود، وهذا يدلِّلُّ على الأجل المحدود، وذاك يجعل المرء يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، وهذا يحمل المرء على أن يعمل لآخرته كأنَّه يموت غدا. فتلك قصورهم وهذه قبورهم، سنة لله في خلقه قائمة، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنَّة الله تحويلا.
اللَهُ أَكبَرُ كَم لِلعيدِ مِن طَرَبٍ وَكَم لَهُ مِن هَوىً في أَنفُسِ البَشَرِ
راقَت لَياليهِ في صَفوٍ وَفي مَرَحٍ وَفي اِستِماعِ الهُدى وَالذِكرِ وَالسَمَرِ
أي شباب الإسلام، ما أحوجك وأنت تعيش زمان الغربة الذي تكالبت فيه قوى الرذيلة، مكشِّرةً أنيابَها تبتغي افتراس ما تبقى من أوصال الفضيلة، وتقاربت فيه فئات البغي مبرزةً مخالبها تريد الإجهاز على معاقل الإيمان بكلِّ وسيلة، ما أحوجَك وأنت تصارع متاهات الحياة الدنيا وقد {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} ما أحوجك وأنت ترى كيف فتح الله تعالى أبواب كلَّ شيء على من قست قلوبهم، حتىَّ ليكاد الشكُّ يتسرَّب إلى قلبك فيفسد عليك دينَك، ما أحوجك إلى أن تعود بعميق فكرك، ويقين صدرك لاستعراض تاريخِ حدثٍ مهيبٍ دارت فصوله في مثل هذه الأيام في منظر رهيب، وجرت وقائعه بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرَّم في مظهر عجيب، فتقتبسَ من بطلي ذلك المشهد الخالد الذي قدَّره ربُّ العباد، الوالد إبراهيم الخليل، والولد إسماعيل الحليم، ما يجعلك تطمئن قلبًا، وتسكن نفسًا، وترتاح بالاً، رغم ما تعانيه من قهر العدا، وغلبة الكفر، وبطش العصاة، وتقلُّب الأهواء، فتنظرَ ماذا قدَّمت امتثالا لأمر ربِّك، وماذا تركت طلبًا لمرضاة من يحبُّك، ما يجعلك تستمسكُ بعروة الله الوثقى، وتستعصمُ بحبل الله المتين، فهذا الخليل إبراهيم قد قرَّب لربِّه قربانًا فلذة كبده، وحيدَه إسماعيل الذي بلغ معه السعي على كبره، مؤثرًا مرضاة ربِّه على حرقة قلبه، وهذا الحليم إسماعيل الذي يستقبل الدنيا غلاما زكيًّا، يقدِّم رقبته للذَّبح طاعة لله رضيًّا، ويضطجع على شقه الأيمن ملبِّيا نداء ربِّه نجيًّا، وتلك لعمري النهاية في التضحية، وذلك وأيم الله هو البلاء المبين، فاستحقَّ الوالدُ النصوحُ والولد الصبوحُ ذلكم النداء الكريم من المولى الولي الرحيم {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} فغدا الأب إبراهيم مثلا للتضحية (25/325)
صفحة 315
لكلِّ والد حنون، وغدا الابن إسماعيل مثلا للتلبية لكلِّ ولد أمين.
فماذا قدَّمت أنت أيُّها المسلم طلبًا لمرضاة مولاك، وبماذا ضحَّيت أخي المؤمن أملاً في مناداة من يتولاَّك؟ أم تراك قد أطعت من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه فكان أمره فرطا، أم تراك قد مددت عينيك إلى ما متع الله به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا، أم تراك قد آثرت إشباع شهوةٍ زائلةٍ في دار الهوان، عن متعة دائمة في دار الحيوان، أم تراك قد خامَرَك شكُّ في كون كلِّ نفس بما كسبت رهينة، أم تراك لم تصدِّق بأنَّ عليك كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد، أم تراك انخدعت بأطماع من يستعصم بأماني حديث البطاقة، أم تُراك اغتررت بأمالي من يستمسك بأحابيل الشفاعة، أم تراك قد ضمنت لنفسك في الزُّبُر براءة؟ فما لك والخمرَ تحتسيه، وما لك والفسقَ تأتيه، ومالك والرِّبا تقتنيه، وما لك والفجورَ تجتنيه، وما لك واللَّهوَ تبتغيه، وما لك والعارَ ترتديه، وما لك والبونَ عن الصراط ترتضيه، وما لك وسوءَ الخلق تكتسيه، ومالك والترفَ تعتليه، ومالك وتقليدَ الغرب تقتديه، ومالك ومالك ... فما قدَّمت فيما قدَّموا، وأين ما ضحَّيت فيما ضحوا، حتى تفوز بما فازوا، وتُحظى بما حُظوا؟ إنَّه لم يطلب منك أن تقرِّب فلذة كبدك، ولا أن تقدِّم للذَّبح رقبتك، إنَّه لم يُطلب منك سوى تركِ منكرات من القول، واجتناب موبقات من الفعل، كي لا تضلَّ ولا تشقى. {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا}.
الله أكبرُ الله أكبر، اللهُ أكبر، الأمانةَ الأمانةَ معشر المؤمنين، والصلاةَ الصلاةَ معشر المسلمين، لقد ضاقت النُّفوس ذرعًا بما نسمع من أكل الأمانات، والتَّهاون بالصلوات، فعن ابْنَ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قال: إِنَّ أَوَّلَ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانةُ، وَآخَرَ مَا يَبْقَى مِنْ دِينِكُمُ الصَّلاةُ، وَلَيُصَلِّيَنَّ قَوْمٌ لا دِينَ لَهُمْ، وَلَيُنْتَزَعَنَّ الْقُرْآَنُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَسْنَا نَقْرَأُ الْقُرْآَنَ وَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ فِي مَصَاحِفِنَا؟ قَالَ: يُسْرَى عَلَى الْقُرْآَنِ لَيْلا فَيُذْهَبُ بِهِ مِنْ أَجْوَافِ الرِّجَالِ فَلا يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ.
والتَّرف التَّرف معشر السامعين، فإنَّ التَّرف يهدي إلى التَّلَف، والتلف يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النَّار، لقد بدت بوادره عيانا على الذين ظلموا أنفسهم، في المساكن الضخمة، والقصور الفخمة، والسيارات الفارهة، والمجاهرة بالمعصية، والإنفاق في سبل الشيطان، ومعاكسة النساء في الطرقات، وورود الحانات والخمارات، وفي مظهر البطر والأشر، وفي التَّعدِّي على محارم الله، ونعوذ بالله من سوابق الشقاء، (25/326)
صفحة 316
ومن الخذلان في دار البقاء {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}.
فيا أهل مَعاصي الله لا تَغتَرُّوا بِطُول حِلْم الله واحْذَروا أسَفَه، فَإِنَّهُ قال: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}، {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} وهذا ما تشاهدونه بأم أعينكم ممَّا يقع دراكًا في ربوع الدنيا، من غرق وحرق، وزلزال وخسف، ومرض وفقر، وفتنة وحرب، وغلاء ووباء، {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. وإياك ومحقِّرات الذُّنوب فإنَّها أفظع الخطوب، فعن ابن عباس - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس في منى يوم حجَّة الوداع فقال: أيُّها الناس إنَّ الشيطان قد يئس بأن يُعبد بأرضكم، ولكنَّه رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك ممَّا تحتقرون من أعمالكم، فاحذروا على دينكم محقرات الأعمال، أيُّها النَّاس إنِّي قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلُّوا أبدًا كتاب الله، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. فثُب إلى رشدك يا شباب، وعد راشدا إلى جادة الصواب، وابتغ عند مولاك زلفىً وحسن مآب. {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}.
لله أكبرُ الله أكبر، الله أكبر، معاشر الشباب المصون ليكن لكم في هذا العيد السعيد ذكرى، وليكن لكم في لباسكم الجديد عبرة، وليكن لكم في هذا الأمن المديد فكرة، ألا ما أشقى الحياةَ إذا الخوف كان فيها ولو بمقدار ذرَّة، وما أشدَّ إضرام النار ولو بقيت تحت الرماد جمرة، فما النار في الفتيلة بأسرع من التعادي في القبيلة، فاللهَ اللهَ في أمن البلد، واللهَ اللهَ في سلم إلى الأبد، فإذا سألتم الله أيُّها الناس فاسألوه العافية، فارجعوا البصر فيما حولكم من القرى تجدوا خوفا قد استشرى، وارجعوا البصر كرتين فيمن حولكم من الأقوام تجدوا ظلمًا قد استمرى، لقد حيزت عنهم الدنيا بحذافيرها، فلا المرء في سربه آمن، ولا هو لعرضه صائن، ولا هو لقوت يومه ضامن، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} فاحذروا معاشر بني قومي الأُباة عاقبة كفر النعم فإنها الوبال، على البلد والمال والعيال {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ (25/327)
صفحة 317
بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.
الله أكبرُ الله أكبر الله أكبر، شبابَ البلاد المجيد، يا حماةَ تراث الأجداد الفريد، اللهَ اللهَ في كلمة التوحيد، واللهَ اللهَ في وحدة الكلمة، ألا فلتعلموا {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} فاعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} فالوحدةُ قوَّةٌ وبنيان، والفرقةُ ضعفٌ وهوان. ألا فلنلتفَّ حول صومعة المسجد فإنَّه منها لا من غيرها يرتفع نداء الحقِّ صادعا للواحد الأحد، وما رُفعت بيوت الله إلاَّ لتلُمَّ شعث المسلمين، وتوحِّد كلمة المؤمنين، ولا يعمر المساجد إلا من يقتفى أثر الصالحين، ويريد أن يكون من المهتدين، {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} ولا يهجر المساجد إلاَّ من اتَّبع سُبل الشياطين، أو أراد أن يكون من المفتنين، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وما أكثر أسبابَ الفرقة التيِّ أبعدت بالأمة الشقَّة، وما أكبر دواعي الخلف وقد صارت على البلاد عبءًا ومشقَّة، في هذا الزمان الذي تقطَّعت فيه الأمة زُبرًا كلُّ حزب بما لديهم فرحون، فتجلَّت فيه دولة الأنانية، وعلت فيه راية المصلحة الآنية، وتهافتت فيه الأصاغر لاقتناص مكان الأكابر عاتية، فكان كما قال شاعر حكيم
تصدَّرت الصغار بكلِّ ناد و سادت في الكبار بلا سدادِ
و قد آل الصلاح إلى فساد فمن يَثني الأصاغرَ عن مرادِ
إذا جلس الأكابر في الزوايا
تساوى الناس من ناقص وعالِ وذو نَقص يُعدُّ كذي كمالِ
فزر يا موت أرباب المعالي إذا استوت الأسافل والأعالي
فقد طابت منادمة المنايا
فيا معشر بني قومي الأباة أجمعوا أمركم في أولي الأمر منكم، واحزموا ثقتكم في من بهم وثقتم، في المجالس والحلقات، في العشائر والجمعيات، عضُوا عليها بالنواجد، وافتُلوا لحمايتها السواعد، وزيِّنوا لخدمتها المقاصد، واقعُدوا للذَّوذ عنها المراصد، وطهِّروا لتغذيتها (25/328)
صفحة 318
الموارد، تجنبوا العنف، واتركوا الخلف، ووطدوا الحلف، فإنَّما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وإنَّ وطأة الفرقة على الأمة قاسية، وسفينة الوئام على الشاطئ لا محالة راسية.
الله أكبرُ الله أكبر، الله أكبر أبناءَنا الشبابَ العاملين، ويا من في جهات الأرض يضربون، ويا من لفضل الله من خبايا الرزق يبتغون، اللهَ اللهَ في الكسب الحلال، فإن الدِّين قد رقَّ في القلوب وهزل، و إنَّ الحرام اليوم قد طمَّ في النفوس وبزل، لقد تعدَّدت طرقه، وتردَّدت فرقه، وتشابكت سبله، وتشابهت حيله، غشَّا ورشوة وخديعة، واحتكارا وأكلا للوديعة، وأخذا للربا صراحة أو بخديعة، طلبا للربح السريع، أو دفعا للفقر وإنه لبئس الضجيع، أو دسًّا له في كل أمر فظيع، أو تبذيرًا له في كلِّ فسق شنيع، و لكنَّها بئست العاقبة يا حسرتاه، {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} واعلموا أنَّ الكسب الحرام حاجب للدعاء، ومانع بركات ربِّ السَّماء، يا أنَسُ أطب مكسبك تُستجبْ دعوتُك، إنَّ الرجل ليدفع باللُّقمة إلى فيه من حرام فما تستجاب له دعوة أربعين يومًا، وكلُّ لحم نبت من سُحت فالنار أولى به، كذا قال المصطفى عليه السلام و هو أصدق خلق الله، وأعظمهم حلما. فيا أحباءنا الكرماء نقُّوا الحياض، ونظِّفوا التُّرع، وطهِّروا المياه، واتَّقوا المسارب تصف لكم المشارب، {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}.
الله أكبرُ الله أكبر الله أكبر معشر السامعين والسامعات اللهَ اللهَ في النساء وما ملكت اليمين، تلكم آخر وصيَّةٍ أوصى بها الحبيب أمَّته وهو يصعِّد زفرات الموت مغادرا دار البلاء إلى دار الجزاء، وصيةٌ ما أعظمها من وصية، إنها الفتنة والبلية، إنها الصلاح في البنية أو الفساد في الذرية، إنها الدمار للبرية أو الفخار للبشرية، وصدق المصطفى عليه أزكى التحيَّة إذ قال: ما تركتُ بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء. لقد تفجَّرت ينابيع الأهواء لمَّا طغت النساء في البلاد فأكثرت فيه الفساد، وراحت تغمر كلَّ واد، و تعمر كلَّ ناد، وتشدو مع كلِّ شاد، وتزاحم الرجال بدعوى المساواة في كلِّ مجال، مؤثرة الخروج لامتهان مختلف الأعمال، عن القرار في الرحال لتنشئة صالح الأجيال، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} فيا شباب الإسلام المؤمن حاذر أن تُرديَ بابنتك في (25/329)
صفحة 319
مراتعَ قد لا تقدر على أن تسلم منها بحال، وإيَّاك أن توديَ بابنتك إلى مرابعَ قد لا تقوى على أن تنجوَ منها من غضب شديد المحال؛ فالسلامةُ كلُّ السلامة في ترك السباحة إذا رفعت الرايات الحمراء، فإن البحر عميق، والعوم خطير، والهلاك مُحقَّق، فاجتنبوا أماكن الاختلاط، واتركوا مواطن الإحباط، واتقوا موارد الريب، واحذروا مواقع الكُرب، ولقد طغت على الأخلاق وسائل الإعلام بفجورها، وحامت على الحمى أسباب الاتصال بأخطارها، فقرَّبت البعيد، ويسَّرت المحظور لمن يريد، فتدثروا بدثار الحياء فإنَّ الحياء من الإيمان، وإنَّ لكلِّ دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء.
فلا وَأَبيكَ ما في العيش خيرٌ ولا الدُّنيا إذا ذَهَبَ الحَيَاءُ
يعيشُ المرءُ ما استَحيَا بخيرٍ و يبقى العودُ ما بقي اللِّحَاءُ
فحافظوا على سلامة الأعراض فإنها أثمن الأغراض، فيا نساء المؤمنين لستنَّ كأحد من النساء إن اتقيتُنَّ، ويا شباب المسلمين أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ و {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر معاشر الإخوة المؤمنين لا ينبغي لنا ونحن نتفيأ ظلال فرحة العيد، ونتنسَّم نسمة الفجر السعيد، ونلبس أفخر ثوب جديد، ونتشهَّى أكل الطعام اللَّذيذ، أن ننسى إخوانا لنا مُستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، ركنت بهم الزوايا، وطمَّت بهم البلايا، وحلَّت عليهم المنايا، تحت وقع المدرَّعات، وقصف الطائرات، وجحيم المتفجرات، وآلام المعتقلات، وشبح الفقر، وظلمة الجهل، ونذر المرض، أن نمدَّ لهم يد العون ما وسعنا إلى ذلك سبيل، ونُشركهم عيدنا ولو بنزر قليل، فنبادلَهم فرحتنا بدعاء صادق عن ظهر الغيب، فنسأل الله تعالى الحليم الوهاب أن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وأن يمكِّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يُبدلهم من بعد خوفهم أمنا، ومن بعد فقرهم غنى، ومن بعد ظلمتهم سنا، كما نسأل العزيز القهَّار أن يُهلك عدوهم فيأخذهم أخذة رابية، ويديل دولتهم فلا ترى لهم من باقية. عن عبدالله ابن أبي أوفى قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فإذا هو بصبي يبكي، فقال: يا عمر ضمَّ الصبي فإنَّه ضالُّ، فجاءت أمُّه فأخذتْ ابنها فجعلت تضمُّه إليها وترشفه وتبكي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أترون هذه رحيمة بولدها؟ فقالوا نعم، فقال: والله للهُ أرحم بالمسلمين من هذه بولدها. فعيد مبارك سعيد، وعمر في الطاعة مديد، ورضوان من المولى ما نبغي عنه (25/330)
صفحة 320
من مزيد، وكل عام وأنتم بخير جديد.
فاللهمَّ زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا ثوثر علينا، وعافنا واعفُ عنَّا، وأرضنا وارض عنَّا يا أرحم الراحمين. اللهمَّ آمن روعتنا، واستر عوراتنا، اللَّهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، نعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا. اللهمَّ إنا نسألك الأمن في البلد، والسلامة في الجسد والصلاح في الولد، اللهمَّ اجعل بلدنا آمنا سخاء مطمئنا رخاء وسائر بلاد المسلمين. اللهمَّ إنَّا نسألك نفوسًا مطمئنة تومن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك وتصبر على بلائك. اللهمَّ إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحوُّل عافيتك ومن فُجاءة نقمتك، ومن جميع سخطك. اللهمَّ اهد شبابنا، وأصلح نساءنا، ويسر أمورنا، ووفق ولاة أمورنا، اللهمَّ اشف مرضانا وارحم موتانا، اللهمَّ أحفظ الحجاج الميامين في جوار بلدك الأمين، وفي صحبة نبيئك الأمين، اللهمَّ أشركنا في صادق دعائهم، وخالص أعمالهم، وردَّهم إلى ذويهم سالمين غانمين. اللهمَّ اكتب للمسافرين السلامة من العاهات والمخافات في طرق عودتهم إلى مراكز أعمالهم ومواطن إقامتهم، اللهمَّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهمَّ إنا نستغفرك استغفارًا فأرسل السماء علينا مدرارًا، اللهمَّ انصر الإسلام والمسلمين، وأخذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداءك أعداء الدين. {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}. {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} آمين آمين.
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليما. {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. (25/331)
صفحة 321
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 12 جمادى الثاني 1431 هـ / 26 ماي 2010 م
إلى تاريخ: 03 رجب 1432 هـ / 05 جوان 2011 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخ الميلاد ... المدينة
1 ... الحاج مسعود سعيدة بنت بكير بن محمد ... 12 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 05/26 م ... 1993 - 07 - 29 ... القرارة
2 ... بغباغة الحاج مسعود بن بكير بن حمو ... 13 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 05/27 م ... 1992 - 02 - 14 ... غرداية
3 ... ابن عبد الله أسماء بنت بكير بن محمد ... 14 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 05/28 م ... 1989 - 03 - 29 ... القرارة
4 ... عبد اللاوي مرموري ليلى بنت أحمد بن محمد ... 15 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 05/29 م ... 1988 - 01 - 15 ... القرارة
5 ... رمضاني رزيقة بنت إسماعيل بن إبراهيم ... 15 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 05/29 م ... 1990 - 11 - 27 ... القرارة
6 ... سليمان زيتون جمال بن مصطفى بن محمد ... 20 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 06/03 م ... 1990 - 07 - 12 ... القرارة
7 ... بوداقي حليمة بنت إبراهيم بن حمو ... 21 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 06/04 م ... 1992 - 05 - 05 ... القرارة
8 ... ابن الشيخ رحيمة بنت مصطفى بن عمر ... 23 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 06/06 م ... 1990 - 01 - 23 ... القرارة
9 ... بوراس زهيرة بنت علي بن محمد ... 23 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 06/06 م ... 1992 - 03 - 09 ... القرارة
10 ... بسيس حليمة بنت سعيد بن يوسف ... 23 جمادى الثاني 1431 هـ 2010/ 06/06 م ... 1989 - 03 - 14 ... القرارة (26/332)
صفحة 322
11 ... شرع الله يوسف بن عمر بن إبراهيم ... 06 رجب 1431 هـ 2010/ 06/19 م ... 1987 - 12 - 05 ... مليكة
12 ... المغولي غريب بن حامد بن سليمان ... 15 رجب 1431هـ 2010/ 06/28 م ... 1983 - 09 - 29 ... زنجبار
13 ... البوسعيدي سعيد بن صالح بن مسعود ... 15 رجب 1431هـ 2010/ 06/28 م ... 1990 - 04 - 26 ... زنجبار
14 ... باحميده زكرياء بن موسى بن إبر اهيم ... 16 رجب 1431هـ 2010/ 06/29 م ... 1992 - 12 - 14 ... بريان
15 ... حريز حليمة بنت محمد بن عبد الله ... 20 رجب 1431هـ 2010/ 06/29 م ... 1991 - 12 - 18 ... القرارة
16 ... حفار بكير بن إبراهيم بن صالح ... 24 رجب 1431هـ 2010/ 07/07 م ... 1992 - 07 - 28 ... القرارة
17 ... بسيس رستم بن عيسى بن صالح ... 27 رجب 1431هـ 2010/ 07/10 م ... 1992 - 01 - 02 ... القرارة
18 ... الحاج إبراهيم قاسم بن سليمان بن عيسى ... 29 رجب 1431هـ 2010/ 07/12 م ... 1994 - 03 - 07 ... العطف
19 ... حريز بكير بن حسن بن محمد ... 12 شعبان1431هـ 2010/ 07/24 م ... 1993 - 02 - 02 ... القرارة
20 ... آداود عبدالرحيم بن داود بن عيسى ... 15 شعبان1431هـ 2010/ 07/27 م ... 1992 - 01 - 01 ... غرداية
21 ... أحمد مردوخ نجاة بنت بكير بن قاسم ... 16 شعبان1431هـ 2010/ 07/28 م ... 1992 - 04 - 25 ... القرارة
22 ... بابزيز محمد الناصر بن علي بن الحاج إبراهيم ... 17 شعبان1431هـ 2010/ 07/29 م ... 1990 - 05 - 10 ... وارجلان
23 ... أولاد عافو رستم بن عمر بن مسعود ... 18 شعبان1431هـ 2010/ 07/30 م ... 1990 - 05 - 24 ... القرارة
24 ... خياط أسماء بنت الحاج صالح بن محمد ... 19 شعبان1431هـ 2010/ 07/31 م ... 1991 - 07 - 12 ... القرارة
25 ... حشحوش بلال بن مسعود بن صالح ... 21 شعبان1431هـ 2010/ 08/02 م ... 1993 - 12 - 18 ... القرارة (26/333)
صفحة 323
26 ... كروشي يوسف بن الحاج بن محمد ... 22 شعبان1431هـ 2010/ 08/03 م ... 1990 - 06 - 09 ... بريان
27 ... الساسي رستم بن بوعميد بن عيسى ... 24 شعبان1431هـ 2010/ 08/05 م ... 1993 - 08 - 01 ... مليكة
28 ... بابا واعمر يونس بن قاسم بن محمد ... 25 شعبان1431هـ 2010/ 08/06 م ... 1990 - 11 - 25 ... غرداية
29 ... حاجي حمو بن صالح بن حمو ... 27 شعبان1431هـ 2010/ 08/08 م ... 1987 - 01 - 07 ... القرارة
30 ... ابن زكري حسان بن علي بن إبراهيم ... 29 شعبان1431هـ 2010/ 08/10 م ... 1991 - 01 - 08 ... غرداية
31 ... كريزو حاتم بن عمر بن بهون ... 07 رمضان1431هـ 2010/ 08/17 م ... 1995 - 09 - 20 ... القرارة
32 ... أوجانه يمينة بنت أحمد بن يوسف ... 09 رمضان1431هـ 2010/ 08/19 م ... 1991 - 05 - 11 ... القرارة
33 ... العنق أسماء بنت أحمد بن بكير ... 10 رمضان1431هـ 2010/ 08/20 م ... 1992 - 10 - 10 ... القرارة
34 ... تاجرونه عبد الحميد بن عبد العزيز بن صالح ... 14 رمضان1431هـ 2010/ 08/24 م ... 1994 - 10 - 21 ... غرداية
35 ... خير الناس عمر بن عبد العزيز بن محمد ... 22 رمضان1431هـ 2010/ 09/01 م ... 1994 - 03 - 11 ... العطف
36 ... ابن عمر أحمد بن بكير بن صالح ... 23 رمضان1431هـ 2010/ 09/02 م ... 1989 - 01 - 05 ... القرارة
37 ... بابكر مهدي بن إبراهيم بن عمر ... 24 رمضان1431هـ 2010/ 09/03 م ... 1993 - 11 - 30 ... غرداية
38 ... بولرواح رقية بنت محمد بن الحاج إبراهيم ... 26 رمضان1431هـ 2010/ 09/05 م ... 1992 - 04 - 20 ... القرارة
39 ... خبزي عيسى بن عماره بن بكير ... 27 رمضان1431هـ 2010/ 09/06 م ... 1993 - 05 - 27 ... القرارة
40 ... بوراس يمينة بنت محمد بن بلعيد ... 28 رمضان1431هـ 2010/ 09/07 م ... 1981 - 05 - 31 ... القرارة (26/334)
صفحة 324
41 ... تزبينت عبد المجيد بن يحي بن عمر ... 28 رمضان1431هـ 2010/ 09/07 م ... 1991 - 07 - 30 ... غرداية
42 ... بوقرينات فاطمة بنت محمد بن عمر ... 29 رمضان1431هـ 2010/ 09/08 م ... 1992 - 06 - 26 ... القرارة
43 ... ناصر بوحجام محمد بن عبد الرحمن ... 30 رمضان1431هـ 2010/ 09/09 م ... 1992 - 09 - 16 ... القرارة ... بن الحاج علي
44 ... الوارث الناصر بن محمد بن إبر اهيم ... 30 رمضان1431هـ 2010/ 09/09 م ... 1991 - 06 - 27 ... القرارة
45 ... ابن صالح زهير بن حسن باحمد ... 30 رمضان1431هـ 2010/ 09/09 م ... 1992 - 06 - 11 ... القرارة
46 ... بوقرطاس فاطمة الزهراء بنت بكير بن بالحاج ... 25 شوال1431هـ 2010/ 10/04 م ... 1992 - 07 - 26 ... القرارة
47 ... الشيخ بالحاج زوليخة بنت عمر بن بكير ... 26 شوال1431هـ 2010/ 10/05 م ... 1990 - 05 - 04 ... القرارة
48 ... اشقبقب عمر بن أيوب بن صالح ... 06 ذو القعدة1431هـ 2010/ 10/14 م ... 1997 - 03 - 14 ... بريان
49 ... قري هاجر بنت الهاشمي بن بكير ... 12 ذو القعدة1431هـ 2010/ 10/20 م ... 1996 - 03 - 29 ... القرارة
50 ... قري إبراهيم بن أحمد بن محمد ... 18 ذو القعدة1431هـ 2010/ 10/26 م ... 1994 - 10 - 25 ... القرارة
51 ... العنق فائزة بنت محمد بن إبراهيم ... 27 ذو القعدة1431هـ 2010/ 11/04 م ... 1988 - 01 - 22 ... القرارة
52 ... الأطرش يحي بن عيسى بن يحي ... 28 ذو القعدة1431هـ 2010/ 11/05 م ... 1985 - 06 - 24 ... بريان
53 ... بوراس مارية بنت نور الدين بن محمد ... 02 ذو الحجة1431هـ 2010/ 11/08 م ... 1992 - 11 - 15 ... القرارة
54 ... ابن إسماعيل حفصة بنت بكير بن علي ... 05 ذو الحجة1431هـ 2010/ 11/11 م ... 1991 - 11 - 07 ... القرارة
55 ... حواش حسين بن عيسى بن عمر ... 06 ذو الحجة1431هـ 2010/ 11/12 م ... 1991 - 07 - 22 ... غرداية (26/335)
صفحة 325
56 ... فخار هاجر بنت محمد بن عيسى ... 07 ذو الحجة1431هـ 2010/ 11/13 م ... 1992 - 01 - 23 ... القرارة
57 ... فخار سارة بنت الحاج بن عيسى ... 08 ذو الحجة1431هـ 2010/ 11/14 م ... 1994 - 01 - 01 ... القرارة
58 ... حماني داود بن سعيد بن محمد ... 09 ذو الحجة1431هـ 2010/ 11/15 م ... 1989 - 01 - 01 ... غرداية
59 ... دبوز إسماعيل بن إبراهيم بن الحاج يحي ... 09 ذو الحجة1431هـ 2010/ 11/15 م ... 1989 - 07 - 20 ... بريان
60 ... سليمان بوعصبانه إلياس بن أحمد بن قاسم ... 21 ذو الحجة1431هـ 2010/ 11/27 م ... 1990 - 04 - 03 ... القرارة
61 ... شريفي محمد بن بكير بن الناصر ... 24 ذو الحجة1431هـ 2010/ 11/30 م ... 1992 - 06 - 04 ... القرارة
62 ... بعاج توفيق بن أحمد بن محمد ... 25 ذو الحجة1431هـ 2010/ 12/01 م ... 1990 - 03 - 22 ... القرارة
63 ... بابهون عبد الحميد بن محمد بن باحمد ... 26 ذو الحجة1431هـ 2010/ 12/02 م ... 1996 - 06 - 04 ... القرارة
64 ... محرزي سليمان بن الناصر بن سليمان ... 28 ذو الحجة1431هـ 2010/ 12/04 م ... 1993 - 03 - 13 ... بريان
65 ... عبد اللاوي محمد بن رمضان بن محمد ... 29 ذو الحجة1431هـ 2010/ 12/05 م ... 1991 - 12 - 28 ... مليكة
66 ... أولاد باحماني صفية بنت عمر بن باسعيد ... 03 محرم1432هـ 2010/ 12/09 م ... 1991 - 08 - 01 ... القرارة
67 ... مخه مريم بنت أحمد بن إبراهيم ... 04 محرم1432هـ 2010/ 12/10 م ... 1991 - 10 - 02 ... القرارة
68 ... شريفي إسماعيل بن محمد بن حمو ... 06 محرم1432هـ 2010/ 12/12 م ... 1990 - 01 - 13 ... القرارة
69 ... خياط عمر بن صالح بن الحاج إبر اهيم ... 10 محرم1432هـ 2010/ 12/16 م ... 1996 - 08 - 01 ... القرارة
70 ... باله محمد بن نور الدين بن عمر ... 11 محرم1432هـ 2010/ 12/17 م ... 1991 - 05 - 21 ... مليكة (26/336)
صفحة 326
71 ... شريفي زكرياء بن محمد بن عدون ... 12 محرم1432هـ 2010/ 12/18 م ... 1994 - 07 - 24 ... القرارة
72 ... بسيس سهيلة بنت محمد بن أحمد ... 12 محرم1432هـ 2010/ 12/18 م ... 1992 - 03 - 17 ... القرارة
73 ... القيرع حنان بنت عيسى بن عبد الرحمن ... 21 محرم1432هـ 2010/ 12/27 م ... 1995 - 04 - 18 ... قسنطينة
74 ... بابزيز عاصم بدر الدين بن إبراهيم بن عمر ... 06 صفر 1432هـ 2011/ 01/11 م ... 1991 - 07 - 07 ... وارجلان
75 ... سليمان زيتون سليم بن سليمان محمد ... 07 صفر 1432هـ 2011/ 01/12 م ... 1991 - 08 - 30 ... القرارة
76 ... سليمان زيتون يسين بن محمد بن عمر ... 10 صفر 1432هـ 2011/ 01/15 م ... 1994 - 01 - 28 ... القرارة
77 ... حني محمد بن موسى بن الحاج محمد ... 12 صفر 1432هـ 2011/ 01/17 م ... 1994 - 01 - 24 ... بونورة
78 ... خياط عائشة بنت مصطفى بن محمد ... 13 صفر 1432هـ 2011/ 01/18 م ... 1995 - 07 - 16 ... القرارة
79 ... لولو عمر بن إبراهيم بن عمر ... 14 صفر 1432هـ 2011/ 01/19 م ... 1991 - 09 - 27 ... مليكة
80 ... خنور محمد المهدي بن الناصر بن الحاج محمد ... 17 صفر 1432هـ 2011/ 01/22 م ... 1995 - 05 - 09 ... وارجلان
81 ... حميد أوجانه عبد السلام بن مصطفى بن الناصر ... 19 صفر 1432هـ 2011/ 01/24 م ... 1994 - 11 - 27 ... القرارة
82 ... حفار محمد بن قاسم بن محمد ... 20 صفر 1432هـ 2011/ 01/25 م ... 1992 - 09 - 03 ... القرارة
83 ... باي أحمد خرناش بكير بن إبراهيم بن بالحاج ... 22 صفر 1432هـ 2011/ 01/27 م ... 1991 - 10 - 28 ... القرارة
84 ... حميد أوجانه زينب بنت علي بن بكير ... 26 صفر 1432هـ 2011/ 01/31 م ... 1980 - 05 - 15 ... القرارة
85 ... الأطرش فاروق بن علي بن إبراهيم ... 02 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 02/05 م ... 1980 - 05 - 28 ... بريان (26/337)
صفحة 327
86 ... حميد أوجانه سارة بنت إبراهيم بن بهون ... 03 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 02/06 م ... 1990 - 01 - 12 ... القرارة
87 ... كاسي موسى جابر عمر بن محمد ... 04 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 02/07 م ... 1994 - 09 - 10 ... بريان
88 ... خياط يسين بن الحاج صالح بن مسعود ... 09 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 02/12 م ... 1995 - 06 - 18 ... القرارة
89 ... بوصحابه علي بن أحمد بن عمر ... 16 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 02/19 م ... 1992 - 10 - 03 ... القرارة
90 ... قوري سارة بنت صالح بن بكير ... 19 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 02/22 م ... 1991 - 09 - 10 ... القرارة
91 ... ابن عمر عبد الحميد بن موسى بن بكير ... 20 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 02/23 م ... 1987 - 10 - 30 ... القرارة
92 ... معيز الحاج أحمد عبد الرحمن بن بكير بن محمد ... 25 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 02/28 م ... 1992 - 07 - 05 ... مليكة
93 ... بلعيدي عبد الله بن الناصر بن أحمد ... 28 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 03/03 م ... 1987 - 04 - 05 ... القرارة
94 ... بسيس فائزة بنت صالح بن محمد ... 29 ربيع الأول 1432هـ 2011/ 03/04 م ... 1995 - 04 - 15 ... القرارة
95 ... أبو العلا سارة بنت حمو بن عيسى ... 06 ربيع الثاني 1432هـ 2011/ 03/11 م ... 1994 - 06 - 28 ... القرارة
96 ... بوصحابه آسية بنت سعيد بن إبراهيم ... 08 ربيع الثاني 1432هـ 2011/ 03/13 م ... 1995 - 06 - 23 ... القرارة
97 ... ألجون فائزة بنت يوسف بن محمد ... 09 ربيع الثاني 1432هـ 2011/ 03/14 م ... 1994 - 06 - 20 ... القرارة
98 ... بوعبون نسيمة بنت عمر بن الحاج إبراهيم ... 11 ربيع الثاني 1432هـ 2011/ 03/16 م ... 1993 - 11 - 08 ... القرارة
99 ... مرموري يمينة بنت محمد بن الناصر ... 29 ربيع الثاني 1432هـ 2011/ 04/03 م ... 1991 - 08 - 10 ... القرارة
100 ... قري باية بنت الناصر بن صالح ... 30 ربيع الثاني 1432هـ 2011/ 04/04 م ... 1979 - 07 - 12 ... القرارة (26/338)
صفحة 328
101 ... محمدي سعيدة بنت بهون بن حمو ... 04 جمادى الأولى 1432هـ 2011/ 04/08 م ... 1992 - 11 - 26 ... القرارة
102 ... محمدي حنان بنت حمو بن عمر ... 05 جمادى الأولى 1432هـ 2011/ 04/09 م ... 1994 - 12 - 25 ... القرارة
103 ... ألجون لطيفة بنت محمد بن أحمد ... 10 جمادى الأولى 1432هـ 2011/ 04/14 م ... 1992 - 09 - 29 ... القرارة
104 ... رياق زهرة بنت أحمد بن بكير ... 24 جمادى الأولى 1432هـ 2011/ 04/28 م ... 1988 - 06 - 23 ... القرارة
105 ... أولاد داده سليمة بنت محمد بن إبراهيم ... 25 جمادى الأولى 1432هـ 2011/ 04/29 م ... 1991 - 05 - 30 ... القرارة
106 ... أوجانه ليلى بنت البشير بن بكير ... 01 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/04 م ... 1992 - 09 - 26 ... القرارة
107 ... بيوض سعاد بنت محمد بن موسى ... 02 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/05 م ... 1988 - 10 - 06 ... القرارة
108 ... كاسي وصالح محمد بن عمر بن بابهون ... 03 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/06 م ... 1991 - 08 - 20 ... بريان
109 ... ناصر بوحجام محمد بن نصر الدين بن صالح ... 04 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/07 م ... 1991 - 11 - 06 ... القرارة
110 ... شريفي صالح بن يوسف بن بالحاج ... 08 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/11 م ... 1994 - 05 - 09 ... القرارة
111 ... بيوض نصر الدين بن قاسم بن حمو ... 09 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/12 م ... 1991 - 10 - 12 ... القرارة
112 ... رمضاني نور الدين بن مصطفى بن صالح ... 10 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/13 م ... 1986 - 04 - 28 ... القرارة
113 ... الحاج مسعود صورية بنت عبد الرحمن بن محمد ... 13 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/16 م ... 1992 - 08 - 22 ... القرارة
114 ... الشيخ بالحاج محمد الأمين بن الهاشمي بن أحمد ... 15 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/18 م ... 1991 - 03 - 17 ... القرارة
115 ... ابن عمر خديجة بنت الحاج بن عمر ... 17 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/20 م ... 1993 - 04 - 13 ... القرارة (26/339)
صفحة 329
116 ... ابي اسماعيل حجوجة داود بن سليمان بن عمر ... 18 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/21 م ... 1994 - 09 - 12 ... القرارة
117 ... أبو العلا الأمين بن محمد بن قاسم ... 18 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/21 م ... 1990 - 10 - 02 ... القرارة
118 ... شرع الله محمد بن عيسى بن إبراهيم ... 24 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 05/27 م ... 1993 - 08 - 21 ... مليكة
119 ... الحاج يحي عبد الهادي بن محمد بن عمر ... 29 جمادى الثاني 1432هـ 2011/ 06/01 م ... 1993 - 05 - 27 ... مليكة
120 ... ابن عبد الله سليمان بن أحمد بن محمد ... 01 رجب 1432هـ 2011/ 06/03 م ... 1989 - 10 - 14 ... القرارة
121 ... الشيخ بالحاج سليمة بنت إبراهيم بن يوسف ... 03 رجب 1432هـ 2011/ 06/05 م ... 1987 - 01 - 16 ... القرارة (26/340)