صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 16 - مبوبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
دورية فكرية محكَّمة يصدرها معهد الحياة
وجمعية التراث ــ القرارة، الجزائر (1/1)
صفحة 2
(
الإيداع القانوني رقم:
www. Tourath . org (1/2)
صفحة 3
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1/3)
صفحة 4
ابتداء من العدد 12
دورية الحياة
مجلة فكرية محكّمة
تصدر عن معهد الحياة وجمعية التراث
قواعد النشر:
*-تنشر دورية ”الحياة “ البحوث العلمية الأصيلة للباحثين من داخل القطر الجزائري ومن خارجه.
*-تهتمُّ الدورية بالبحوث والدراسات في شتَّى المجالات الفكرية والشرعية والأدبية والتراثية، شريطة أن تتميَّز بالأصالة والجدَّة، والعمق في الطرح، والأسلوب السليم، والمنهجية العلمية الدقيقة، مع الإحالة إلى المصادر والمراجع، والالتزام بالأمانة العلمية، والاعتدال في الفكر.
*-تنشر الدورية البحوث التي لم يُسبق نشرها في أيِّ مكان آخر.
*- تخضع جميع البحوث للتقويم من قِبل لجنة محكّمة، مكوَّنة من دكاترة وأساتذة يساعدهم خبراء من تخصُّصات معرفية مختلفة، وهذه اللجنة وحدها هي المخوَّلة بقبول البحوث أو رفضها.
*-لا تُعاد البحوث التي تُرسل إلى الدورية سواء نُشرت أم لم تُنشر، ولا تلتزم اللجنة المحكّمة بذكر أسباب عدم قبول نشر أي بحث، وتُعتبر قراراتها نهائية. (1/5)
صفحة 5
*-ترتيب البحوث في الدورية موضوعيٌّ وتنسيقي، ولا يعبِّر بأي حال من الأحوال عن مكانة الباحث أو البحث.
*-تُرسل البحوث مصفَّفة بنظام ( WORD) بصيغة ( DOC)، على قرص مضغوط ( CD) أو إلى البريد الإلكتروني للمجلة، مع كتابة اسم الباحث وذكر وظيفته الحالية، ورتبته العلمية. على أن لا يتجاوز عدد صفحات البحث 20 من مقاس A4 بحجم خط ( Taditional Arabic) 18، إلى العنوان البريدي:
دورية الحياة ــ جمعيةالتراث
ص، ب: 19 القرارة، غرداية، 47110، الجمهورية الجزائرية
أو أحد البريدين الإلكترونيين:
info@tourath.org ... ــــ ... tourath@gmail.com
وللاتصال:
فاكس: 213.29.85.40.89+
www.tourath.org
ملاحظة:
*-ما تنشره الدورية لا يعبِّر إلاَّ عن الرأي الشخصي لصاحب البحث، ولا يعبِّر بالضرورة عن راي الدورية، أو اللجنة المحكمة، أو هيئة التحرير، أو الناشر. (1/6)
صفحة 6
المحتويات
الافتتاحيَّة ............................. أ/عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ر
في الفكر والعقيدة
*-قواعد في البناء الحضاري
أ. د/ محمَّد بن قاسم ناصر بوحجَّام 17
*-البشرية الحائرة ودور العالِم، على ضوء السراج النبوي
د/ محمَّد بن موسى باباعمِّي 29
*-سمات الدرس العقدي عند الشيخ إبراهيم بيُّوض
د/ حمُّو بن عيسى الشيهاني 45
دراسات فقهيَّة وقانونيَّة
*-الصلح والوساطة في القانون الجزائري
د/ صالح بن عبد الله أبو بكر 68
*-الفتوى بين التشدُّد والتيسير والاعتدال
أ. د/ بلقاسم شتوان 78
*-مقدار ديَّة الخطأ بالعملات المتداولة
د/ محمد بن صالح حمدي 94
*-حكم نكاح مزنية الرجل ومزنية غيره (دراسة مقارنة بين الفقه الإباضي والمالكي)
الباحث/ إدريس بن بابه باحامد 101 (1/7)
صفحة 7
في الأدب والنقد
*-الاستعارة القرآنية؛ أثرها النفسي وجمالها البلاغي
أ (ة) / زينب دوَّادي 125
*-شوقي وحافظ في ميزان الرافعي
أ/ محمد لقدي 144
في السير والأعلام
*-مصادر تاريخ إباضيَّة المغرب في العصور الوسطى ...
أ. د/ إبراهيم بن بكير بحاز 160
*-الشيخ سالم بن يعقوب، حياة رجل وتجربة جيل
أ/ علي البوجديدي 170
*-قراءة في نماذج من مُراسلات القُطب إلى أهل عُمان (الحلقة الثالثة)
أ/ مصطفى بن محمد شريفي 183
دراسات في التاريخ والتحقيق
*-المشروع الثقافي للاستعمار الفرنسي في الجزائر ومقاومتُه في مِزاب
د/ الحاج موسى بن بكير ابن عمر 202
*-كتاب بدءُ الإسلام وشرائع الدين للَّواب بن سلاَّم الإباضي ...
أ (ة) / حنان الحسين الطرابلسي 217
*-قراءة تحليلية نقدية في شرح إسماعيل الجيطالي للمنظومة النونيَّة ...
أ (ة) / سناء مهنِّي الباروني 232 (1/8)
صفحة 8
في السنَّة النبويَّة والاجتماع
*-منهج فقهاء الإباضية في التعامل مع السنَّة
د/ قاسم بن عمر الحاج امحمد 240
*-الإمام الربيع بن حبيب ومُسندُه
الباحث/ إبراهيم بن علي بولرواح 261
*-الزاوية وبُعد القبيلة في منطقة «توات» (رؤية سوسيولوجية)
أ/ بوهناف عبد الكريم ـــ أ (ة) /باشيخ أسماء 275
الشيخ الناصر المرموري ( T) في ذكراه
*-العلاَّمة الشيخ ناصر بن محمد المرموري في علِّيين
الأستاذ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 286
*-في رثاء الشيخ النَّاصر بن محمَّد المرموري (قصيدة)
الباحث/ رستم بن عيسى إتبيرن 295
*-المفهوم الغائب
الباحث/ عيسى بن عمر الشيخ أحمد 298
الرسائل الجامعية
*-التفسير الشفاهي وأثره في الإصلاح الحديث
(أطروحة دكتوراه) د/ نادية الوزناجي 301
وثيقة العدد
*-رسالة الشيخ بيُّوض إلى آل بريان «رسالة شكر وعرفان»
عرض وتعليق أ/ محمد أحمد جهلان 304
أهلُ الله وخاصَّتُه
*-المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1432 ــــ 1433/ 2011 ــــ 2012) 317 (1/9)
صفحة 9
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الافتتاحية
بقلم: أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة
القرارة ــــ غرداية
ا
الحمد لله الذي أحاط بكلَّ شيء علمًا، ووسع كلَّ شيء حِلما، سبحانه هو الخالق الأكرم، الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم. والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، الرسول الأعظم الذي أنزل الله عليه الكتاب والحكمة، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، النبيء الأمي الذي أخرج البشرية من أوكار الظلم والجهالة، إلى أقطار المعرفة والعدالة، وعلى آله وصحبه الذين اختارهم ربُّ الجلال رعاة الفضيلة، وهداة القبيلة، ودعاة إلى كلِّ مكرمة جليلة، وعلى من استنَّ بسنَّته، واهتدى بهديه، وابتغى إلى ربِّه الوسيلة، إلى بوم تخشع الأبصار لربِّها ذليلة.
أيُّها القارئ الكريم: إنَّ كلَّ من يتصفَّح بعمق ورقات هذه الأعداد الصادرة تباعًا من مجلَّة الحياة، ويتأمَّل بصدق صفحات هذه المقالات التيِّ ترصعها بناتُ أفكار كتاب مجلَّة الحياة، ليدرك بحقٍّ أنَّها تعكس بجلاء أبعاد فلسفة الحياة، التيَّ أرادها المؤسسون الأوائل لمجلَّة الحياة، وتجسِّد بوفاء مبادئ الحياة، التيِّ أدارها المنظِّرون الأماثل في رحاب جمعية الحياة، والذين لم يكونوا ليتخلَّفوا عن سنَّة الحياة، ولا ليرغبوا بأنفسهم عن مداركة سرِّ الحياة، التيِّ أشعرها خالق الحياة دستورًا خالدًا في أقدس مقدسات الحياة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)} لقد أرادوها كوكبا ذريًّا يوقد من شجرة مباركة لا شرقية ولا غربية، تتميَّز عن الجهويَّة الضيِّقة، وتترفَّع عن المذهبية المقيتة، وتتنزه عن العصبية البغيضة، تفتح قلبها لكلِّ الأقلام متنافسة لترصيع صفحاتها بلؤلؤ منثور من كلِّ الأقطار، وتشرح صدرها لكلِّ الأفهام متراصفة لتصنيع مقالاتها في أسلوب محبور بكلِّ الأفكار، فسرت في جسم الأمة تنشر الفضيلة معلما، وتبثُّ الوسيلة بلسمًا، فكانت لوثق العرى معقلا، ولفخر الورى منزلا، ولنَصب السرى موئلا، فأكرم بها من مجلَّة ترى الوحدة مغنما، وتعدُّ الفرقة مغرما، ولا تحسب غير التقى مكرمة، بهذا رصَّعت صدرها، ولهذا اتَّسق صدورها، فبلغت سنَّ الشباب، مكتهلة في شبابها، مكتحلة في ثيابها، وما أراها إلاَّ عروسا تختال تيها في خطى ثابتة، وأميرة تجرُّ أذيالها في عزَّة كاملة، ولم يتأتَّ ذلك إلاَّ لأننا كنَّا أمَّة واحدة كما أراد الله {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)} وإلاَّ لأننا (2/10)
صفحة 10
كنَّا كلمة واحدة كما أمر الله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)}.
كونوا جميعًا يا بنيَّ إذا اعترى خطبٌ ولا تتفرَّقوا آحادَا
تأبى العصيُّ إذا اجتمعنَ تكسُّرًا وإذا افترقن تكسَّرت أفرادَا
هذا الذي استساغه الأوائل طعما لذيذا للحياة، واستظهره الأماجد دربا قويما إلى الممات، فدانت لسلطانهم عروشُ الطغاة راغمةً، ودالت لدولتهم أباطرة العتاة دامغةً، فأبدلوا النفس من بعد خزيها فضلا، وأحيَوا القلب من بعد موته بذلا، وملؤوا الأرض بعد قهرها عدلا، فعاشوا للأنام قوادا، وصاروا للأقوام روَّادا، فاستبشرت بها البلاد إذا حلُّوا، واستنصرت بهم العباد إذا ذلُّوا، فأكرم بهم نفوسا طموحة، وأعظم بهم قلوبا طفوحة، فما ساسوا بغير السماحة الأنام، ولا رادوا بغير الصراحة الأقوام، فما عرفوا للظلم تملُّقا، ولا ألفوا للإفك تشدُّقًا، ولا أوجفوا للصفِّ تفتُّقا، تلكم مآثر أولئك الآباء الأحساب، لقد استمسكوا بعروتها ترقُّبا ليوم الحساب، وسدُّوا ابتغاء النصر دونها كلَّ الأسباب، فانهزمت بين أيديهم جموع الأحزاب، وعاشوا بها غرة في جبين الدهر مدى الأحقاب، وتفيؤوا بها أفانين الجنان والملائكة يدخلون عليهم من كلِّ باب.
فهلاَّ كانت لنا معشر شباب الإسلام من نومتنا يقظة، ومن غفلتنا فطنة، ومن عثرتنا وقفة، وقد بدت تباشير الصبح بالبلج، ودياجير الفتن بالفرج، فهلمُّوا إلى محراب الإيمان راكعين، وأقدموا إلى رياض المعارف كارعين، وأقبلوا إلى رحاب الحيِّ القيوم ضارعين، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} فأحسنوا الظنَّ بالله، وأكرموا الأمة متحلين بخلق الله، وصونوا الوداد معتصمين بحبل الله، وزينوا الرسالة مستلهمين الأسوة من رسول الله.
هي إذا أهدافٌ عليا تربط علماء الأمة في مغرب شمس البلاد الإسلامية بمطلعها؛ قاسمهم المشترك في جهادهم العلمي ابتغاءُ مرضاة الله، وغايتهم المثلى من نضالهم المعرفي التمكينُ لدين الله، وغرضهم الأسمى من تشييدهم صروحَ المعرفة الرفعُ من لغة كتاب الله، وآمالهم العظمى من كفاحهم التربويِّ تنشئةُ أجيال صالحة تطمئن قلوبهم بذكر الله، وتسعد نفوسهم يوم لقاء الله، فهذا الشيخ بيوض رحمه الله يقول في مهرجان ختم التفسير سنة 1401هـ/1980م ما قاله قبله زميله في الإصلاح الشَّيخ عبد الحميد بن باديس، يوم ختم تفسيره بالجامع الأخضر بقسنطينة سنة: 1357هـ/ 1339م: إنَّنا والحمد لله نربِّي تلامذتتا على القرآن من أوَّل يوم، ونوجِّه أنفسهم إلى القرآن في كلِّ يوم، وغايتنا التي ستحقَّق إن شاء الله، أن يكوِّن القرآن منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرِّجال القرآنيِّين تعلِّق هذه الأمَّة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها. ونحن الخلف إنَّما نجني ثمار ما غرسه السلف، ولكنَّنا نحن الأحفادَ نتفيَّأ ظلال الدَّوح الذي أقامه الأجداد. وصدق الله العظيم {هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي (2/11)
صفحة 11
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)} وصدق النبيء المصطفى الكريم - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه». فاللَّهمَّ لا تدركنا زمانًا لا يتَّبع فيه العليم، ولا يستحيا فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)}.
إنَّ صدور هذا العدد الجديد من مجلة الحياة لَيتزامن هذا العام مع مرور تسعين سنة على تأسيس معهد الحياة العتيد الذي كان في شهر شوال سنة 1343 هـ، وإنَّها لمناسبة سعيدة تذكرنا بالمدَّة الطويلة التيِّ عاشها هذا المعهد العتيق، والأمجاد التليدة التيِّ حقَّقها هذا المَعلَم العريق، في مسيرته العلمية الرائدة التيِّ أنجبت عباقرة الفكر، وحركته الإصلاحية الخالدة التيِّ أنتجت جهابذة الذكر، ولا يزال المعهد واثق الخطى في درب النجاح، ثابت الجأش في سبل الفلاح، وهذا ما يشهد به القاصي والداني، بتطوُّر مناهجه، وتنوُّع معارفه، وتمسُّك مريديه بأصالة مبادئه، وتفوُّق أبنائه بتحسُّن نتائجه، فها هو ذا المعهد يحدِّثك أيُّها القارئ الكريم بلسان حاله فاستمع لما يوحى:
استسمحك في الذكرى التسعين من عمري، أن أعبِّر لك عن جزيل شكري، وأحبِّر لك عن جليل فخري، وأنت تتصفح بإمعان سنوات هذا العمر المجيد، الذي يدلُّك على مخبر وجداني الذي عنه لن أحيد، في هذه المناسبة الفريدة، من عمر هذه الأمة المجيدة، تخليدا لذكر الصالحين من الآباء، وتمجيدا لنصر من كان ديدنهم الوفاء، منهم من قضى نحبه إلى الملإ الأعلى منتسبا، ومنهم من ينتظر في طلب العلا محتسبا، نفوسًا مطمئنة تبتغي إلى ربِّها الوسيلة، وشموسا مشرقة تنير للأنام درب الفضيلة، أفنوا أعمارهم في ربوع رحابي العامر، وأثنوا بخلالي في آفاق الفلك السائر، وتغنَّوا بذكري في أعماق الذكر الغامر، وفاء لعهود قطعوها لربِّهم صدوقة، فكانت لهم منه المنَّة و الرضا حقيقة، {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)}.
قد تتساءل حِبِّي الوفيِّ عن جميل الذكر الذي نالني، وتتفاءل خلِّي الأبيِّ بسليل المجد الذي زانني، وقد غمرت نفسَك في سرور ربوعُ مهد الحياة، و غشيت قلبَك في حبور تسميَّة معهد الحياة، التيِّ لم تذق لغيرها من التسميات طعما سويّا، ولم تَرُقْ لسواها من المؤسسات سميَّا، فينتابُك وأنت في طفرة من الفرح ما يحيِّر نوازع قلبك وقد انقضى من عمري كل هذا العدَّ الغفير، ويرتابك وأنت في غمرة من المرح ما يثير مكامن نفسك طلبا لاستجلاء سرَّ هذا التفوُّق المنقطع النظير.
إنَّني أنصحك ـ ومن شيمتي النصح لكلِّ من يعتب بابي، وأرشدك ومن ديدني الرشد لكلِّ من يستجدي ثوابي ـ ألاَّ تغرَّك الجدران الموقوفة مهما رُفعت، وألاَّ تفتنك الأقسام المصفوفة مهما زُخرفت، وألاَّ تستفزَّك الأفنية المحفوفة مهما فُرِشَت، (2/12)
صفحة 12
فلم يكن ذاك يوما مجلى خلودي، ولا كان دوما مرقى شموخي، ولا كان حتما مسرى عروجي، إنَّها مجرَّد صدفة لجوهرة في عين اللبيب، وظرفٍ لمفخرة في عقل الأريب، فلا محالة تسلِّم بأنَّ الجوهرة أثمن من الصدف، ولا جدال تقرُّ بأنَّ المفخرة أجلُّ من الظرف، فهلاَّ ألحفت في السؤال لتتعرَّف على سرِّ هذا الذكر، وسبب هذا الخلود؟
تأمل جلياًّ معنى كلمة الحياة، وتساءل مليَّا عن مصدر هذه الحياة، وتدبَّر ولو بلغت من الكبر عتياًّ عن دلالة كلمة الحياة, إنَّها تتدلَّى بكلِّ شموخ من كلام العزيز الحكيم، وتتجلَّى بكلَّ وضوح من بين آي القرآن الكريم، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} فحياة معهد الحياة مُستمَدَّة من الحياة التيِّ ضمنها واهب الحياة لكلِّ من استجاب له فاستمسك بعروته الوثقى، واستجاب لرسوله و اعتصم بحبل الله واتَّقى، نابذا نجد الفناء في دار الهوان، ناشدًا مجد البقاء في دار الحيوان، وتلك لعمري دون غيرها من الأسباب التيِّ أطالت عمري في الخالدين، وخلَّدت فكري في العالمين، وأعلت ذكري في الآخرين، فعشتُ غُرَّة في جبين الدَّهر، وسموتُ تاجا على هامة العصر، وتلألأتُ ذرة بين الجيد والنحر، رغم ما انتابني من المحن والخطوب، وما توالى عليَّ من الإحن والكروب، وكم عضَّني الزمان بنابه، وقهرني المستعمر مع أذنابه، ليطفئوا نوري بأفواههم وبأيديهم، لكن ويأبى الله إلاَّ أن يتمَّ نوره ولوكره الكافرون، {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)}.
أيُّها المتدبرِّ الحكيم عليك أن تعرف أنَّ من كان لله كان الله له، وأنَّ من كان الله معه فمن عليه، وأنَّ ما كان لله دام واتَّصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وعليك أن تعلم أنَّ من سعادتي أن سخَّر لي رجالا أسَّسوا بنياني على تقوى من الله ورضوان مخلصين، ورفعوا مقامي بين قرع القنا وخفق البنود مستبشرين، وحموا حمايَ في سبيل الله مستبسلين، فكيف بعد هذا تظنُّ نجمي حائلا إلى أفول، أو تحسب مجدي آيلا إلى نزول، أو تزعم رونقي مائلا إلى ذبول، و قد غدا معهد الحياة {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)}.
فاستمع إلى فضيلة الدكتور «عبد الكريم خليفة» رئيسِ مجمعِ اللغة العربية الأردني بعمَّان يصف شراسة المعارك التي نشأ في وسطها معهد الحياة، والجهود التي بذلها من كانوا على قيامه ساهرين إذ قال:
«معهد الحياة، أحد حصون العربية في مغرب الوطن العربي، حمل لواء العربية لغةِ القرآن الكريم، ونازل الغزاة المستعمرين الذين حاولوا القضاء على هوية الشعب الجزائري البطل، وذلك من خلال محاربة العربيةِ والقضاءِ عليها في صدور أبنائها وعلى ألسنتهم، فخرج هذا الحصن العلمي بحمد الله وتوفيقه، وبجهود مؤسِّسيه والعاملين فيه من الجلة العلماء ظافرا، ترفرف على أسواره رايات النصر، كما رفرفت (2/13)
صفحة 13
على حصون العربية لغةُ العروبة والإسلام في أرجاء الوطن العربي». اهـ.
فما زادت شدَّة المضايق للنفوس إلاَّ نباتا، وما زادت ضراوة المعارك للبنيان إلاَّ ثباتا. ولكأنِّي بالحكيم الفحل أبي الطيب يعنيهم يوم رفع عقيرته مادحا سيف الدولة وهو يبني قلعته على تخوم الروم وقد حمي الوطيس، وجاد الجند بالنفس والنفيس فقال:
بناها فأعلى والقنا يَقرعُ القنا و موجُ المنايا حولها مُتلاطمُ
أتوكَ يجرُّون الحديدَ كأنَّما سَرَوا بجيادٍ ما لهن قوائمُ
فكيف تُرجي الروم و الفرس هدمها وذا الطَّعْنِ أساسٌ لها و دعائمُ
فما زلتُ منذ أن رفع «إبراهيمُ» القواعد من المعهد و «سعيد»، ولن أزال ما بقي لي قلب ينبض أو عين تطرف، توَّاقا إلى كلِّ أصالة تشدُّني بماضيَّ المورق، سبَّاقا إلى كل تفتُّح يُعدُّني لغد مشرق، مبتغيا فيما آتاني الله الدار الآخرة ولا أنسى نصيبي من الدنيا، وشعاري الخالد: «العلمُ والعمل، والدينُ والورع، والخلقُ قبل الثقافة، ومصلحةُ الجماعة قبل مصلحة الفرد ..
شبابٌ قنَّع لا خيرَ فيهمْ ... وبُورِكَ في الشباب الطَّامحينَ»
و ما أجمل مقولة شاعر الرُّصافة الذي يصف حالي بقوله:
هي الأخلاقُ تنبُت كالنبات إذا سُقيت بماء المكرماتِ
تقومُ إذا تعهَّدها المربِّي على ساق الفضيلة مُثمِراتِ
وتسمو للمكارم باتِّساقٍ كما اتَّسقَت أنابيبُ القناةِ
وتُنعِشُ من صميم المجدِ رُوحًا بأزهارٍ لها مُتضوِّعاتِ
لقد أشعرتُ أبنائي بهذا الشعار، وشحنتُ قلوبهم بهذا القرار، ودثَّرت نفوسهم بهذا الدثار، {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)}، فانطلقوا في مناكب الأرض ركبانا، ورابطوا في حلبات الكفاح فرسانا، واستبسلوا في ميادين الإصلاح أبطالا، مشايخ و علماء، أدباء و شعراء، شبابا صالحين أصلاء، فانتعشت - حيثما حلُّوا - بهم الوهاد، وازدانت - أينما كانوا - بهم البلاد، واستبشرت - كيفما ارتحلوا - بهم العباد، فكانوا كوابلٍ أصاب جنَّة بربوة فآتت أكلها ضعفين، أو كسحابة الرشيد يأتيني خراجهم حيثما أمطروا كفلين، ولا أحسب أمير الشعراء إلاَّ يعنيهم بقوله:
وهذا كغصن الربا ينثني وهذا كريح الصبا يخطرُ
إذا اجتمع الكلُّ في بقعة حسبتهمُ باقة تُزهِرُ
أو افترقوا واحدًا واحدًا حسبتهمُ لؤلؤًا يُنثَر
حتَّى أنَّه لا يصعب عليَّ أن أميَّزهم عن غيرهم، ولكنَّه يصعب عليَّ كثيرا أن أفاضل بينهم، فهم كُمَّل في عيني على تفاوتهم في مراتبهم، وسواسية في نظري على اختلافهم في مواهبهم، وما عساي أفعل وكلُّ واحد منهم يشغل جزءًا من قلبي، ولكلِّ واحد منهم قلبي كلُّه، فشأني معهم شأن أمّْ الكَمَلَة من بني عبس، وكان لها سبعة من البنين بلغوا الكمال في قومهم، فقيل لأمَّهم: أيُّ بنيك أفضل، فقالت فلان، (2/14)
صفحة 14
بل فلان، بل فلان، ثم عقَّبت بقولها: ثكِلتُهم جميعا إن عرفت أفضلهم، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى طرفها.
هؤلاء هم عُدَّتي، وأولئك هم خبيئتي، فهم الذين يُحيون ذكري، وهم الذين يرفعون فخري، وهم الذين يعظمون أجري، فلا نامت عين من رماهم بضُرّ، ولا نبض قلب من رام معهدهم بشرّ، وإن كنتُ جازما أن للبيت ربَّا يحميه، فعلى الخلف الذي يقتفي أثر السلف - إن هو سار على الدرب - ألاَّ يخاف دركا ولا يخشى، فكلُّ من سار على الدرب وصل، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)}.
فاللَّهم زد معهدك هذا تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًّا ومهابة، وزد من شرَّفه وعظَّمه ممن حجَّه أو اعتبره تعظيما وتشريفا وتكريما وبرا ومهابة.
تلكم أنا مجلة الحياة بين يديك، تدلُّك على معالم معهد الحياة الذي تعتزُّ به، وتطلعك على حقيقة الفكر الذي يمتاز به، وتُخبرك عن فلسفة ما ترغب الاطلاع عليه، فاقرأها بعمق، وتأمَّل فيها بصدق، وادعُ لها من صميم قلبك بطول البقاء، و لمن كان له الفضل في بعثها بعظيم الجزاء، ولمن وقف نفسه على رعايتها بجزيل الوفاء. وها أنا ذا أدعوك أخي في الله إلى ما دعاك إليه ربُّك إذ قال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)}.
والحمد لله رب العالمين.
القرارة يوم الجمعة 12 جمادى الثاني 1433هـ/ 04 ماي 2012م
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج (2/15)
صفحة 15
قواعد في البناء الحضاري
أ. د: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
جامعة الحاج لخضر ــــ باتنة ــــ الجزائر
ا
البناء الحضاري مهمّة كبيرة وشاقة وثقيلة، لكنّها ضرورة حياة، وواجب مؤكّد، لسيرورتها وتثبيتها على قواعد سليمة، ومناهج صحيحة. لهذا الخطر الكبير الذي يحمله البناء الحضاري، ولدوره الأكبر في مصير الأمّة .. يتعيّن معرفة القواعد التي تحكم عملية التّأسيس، والشّروط التي تتطلّبه حركة التّشييد. وخير ما يقدّم هذه المعطيات تجاربُ انصهرت بالواقع المعيش، ونظراتُ من مارس فعل البناء، وآراءُ من تمرّس على العمل التّربوي، وحركاتُ الجماعات التي خاضت في الميادين، وصالت في المضامير، وجالت في الفضاءات .. وساحت في المدارات، وسارت في مناكب الأرض. هذا البناء منطلقه الأوّل العلم والمعرفة ...
نحاول في هذه الصّفحات عرض بعض هذه القواعد؛ مستأنسين بآراء أحد رجال الفكر الذي حوّله إلى فعل في الميدان: في مشروعات ومؤسّسات وهيئات وبرامج ومخطّطات ... فأثمرت ثمارًا يانعات في البناء الحضاري، وإعداد النّفوس لخوض معترك الحياة بقوّة وثقة، هذه الآراء صهرتها التّجارب العميقة في تقديمها، وصقلتها المحاولات الجادّة في تقريرها. إنّه الأستاذ محمد فتح الله كولن Fethullah Gulen (1) . هذه بعض القواعد الأساسية في البناء الحضاري:
__________
(1) - فتح الله كولن أحد أشهر علماء الإسلام المصلحين ودعاته المعاصرين على مستوى العالم، احتلّ المرتبة الأولى في قائمة أهمّ مائة عالم، في الاستطلاع الذي أجرته سنة 2008م محلّة "فورين بوليسي"، وهي مجلّة أكاديمية أمريكية ذائعة الصّيت، ومجلّة " بروسبيكت " البريطانية المشهورة. وقد أنشأت له عدّة جامعات في الولايات المتّحدة وإندونيسيا واستراليا أقسامًا خاصّة باسمه (كرسي أكاديمي) ومراكز علمية متخصِّصة، وانعقدت مؤتمرات وندوات دولية عديدة في جامعات عالمية لدراسة أطروحاته ونظرياته الدّعوية والفلسفية والإصلاحية والتّربوية. (فتح الله كولن، أشواق أمّة واستنهاض حضارة، ملحق مجلّة حراء، ص: 3). (3/17)
صفحة 16
1 - أركان البناء الحضاري عند مجموعة الخدمة (التّركية) هي: الإنسان والدّولة والزّمن .. على هذا الثّلاثي تدور عجلة الحركة، وتحيط عناية المشروع، وتتوجّه رعاية الجميع: صناعة الإنسان، وإقامة الدّولة، واستغلال الوقت والزّمن. يقول الأستاذ فتح الله كولن: "علينا أن لا ننسى أنّ أهمّ أركان ظاهرة الحضارة هو الإنسان المؤهّل، وأقوى أسسها هو دولة حرّة ومستقلّة، وأثمن رؤوس أموالها هو الزّمن" (1).
إنّ القيام ببناء الإنسان يدعو إلى الاهتمام بالتّربية والتّعليم والتّكوين والإعداد ... اهتمامًا كبيرًا وفعّالاً. يقول فتح الله كولن: "إنّ إصلاح أيّ أمّة لا يكون بالقضاء على الشّرور، بل بتربية الأجيال تربية صحيحة، وبتثقيفها ثقافة صحيحة، ورفعها إلى مستوى الإنسانية الحقّ" (2). والظّفر بدولة حرّة مستقلّة مكسبٌ عظيم للعمل، حتّى ولو كانت تلك الدّولة لا تستجيب لكثير من مطالب شعبها أو من هم تحت كفالتها، ومن هم في مجال سيطرتها وهيمنتها. الاستقرار يتطلّب أحيانًا عدم المناوشة وعدم المناوأة، وعدم الإصرار على مخالفة الرّأي العام، بل يجب احترام آراء أهل الحلّ والعقد، وتقدير تصرّفاتهم ومبادراتهم في كثير من المواقع والمواقف والمشاهد، وفي كثبر من الأحيان ... ؛ للمحافظة على استقرار الدّولة، وعدم تعريضها لزعزعة كيانها، واهتزاز أركانها، وللحفاظ على وحدة الجماعة وتماسكها لضمان مواصلة الحركة ومتابعة المسيرة .. يطلب الابتعاد عن الاندفاع وراء الخلاف، وتعكير ظروف العمل والنّشاط، وتسميم أجواء التّفاهم والتّناغم ... يقول فتح الله كولن مخاطبًا الشّباب: "لابدّ من إبداء المرونة أمام من يخالفوننا"، "ليكن حبّكم لله، وبغضكم لله، وابتعدوا عن عبادة النّفس"، "لا تجعلوا الخلاف في الفكر والخلاف في الفهم وسائل للفرقة والعداء، بل عدّوا هذا الخلاف مصدر غنى فكري" (3).
أمّا الزّمن فهو رأس مال الحضارة؛ لأنّ استغلاله استغلال جيّدًا يسهم في البناء، ويدفع إلى حسن العمل، ويدعو إلى توفير ما يعمر الأرض، التي هي من واجبات الإنسان،
__________
(1) -محمد بابا عمّي، البراديم كولن، فتح الله كولن ومشروع الخدمة على ضوء نموذج الرّشد، ط1، دار النّيل للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1432هـ/ 2011م، ص: 53.
(2) -المرجع نفسه.
(3) -المرجع السّابق، ص: 54 (3/18)
صفحة 17
بل هي من بين ما تتضمّنه الغاية من وجوده .. {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود/ 61) واستثمار الزّمن استثمارًا حسنًا يقضي على البطالة وعلى الكسل والتّسويف وتضييع الفرص، وإهدار الطّاقات ...
بتوفير هذا الثّالوث، وحسن التّعامل معه تتحدّد الأهداف، وتتّضح الرّؤى، وتتعمّق النّظرات، وتصنع الأفكار، وتولد المشروعات، وترشّد الطّاقات، وتبرز المخطّطات، وتتسارع الخطى في العمل، وتبتكر الوسائل، التي تتناسب مع طبيعة الفعل، وتتناغم مع المستجدّات ...
2 - العمل الذي يفرزه الاعتناء بأركان الحضارة الثّلاثة تنظّمه وتنتظمه منظومة فكرية عميقة وواضحة. بل تسبقه في التّنظير والتّنظيم. هذه القاعدة المهمّة في البناء الحضاري، تضمن السّير الحسن في عمليّة الإعداد والتّهيئة. هي تنتظر -فقط-من يقوم بتوفير الإطار الذي يتحرّك فيه من يقوم بهذا العمل في الميدان بقوّة وفعالية، وتبحث عمّن يوجد البيئة التي تعين على سيرورة المنهج المنظِّم للحياة العامّة، هذان المطلبان المكْسبَان يهديان إلى اختيار الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف المسطّرة، ويسهمان في الثّبات على المبادئ التي تنتظم الجماعة ..
3 - هذه المنظومة الفكرية التي يعمل المنهج الصّحيح على تجسيدها في الواقع أو في الميدان، يجب أن تبنى على العلم الصّحيح وإلاّ باءت بالفشل، أو كان استثمارها سيّئًا. يقول فتح الله كولن: " يبدأ كلّ تقدّم بفكرة معيّنة وتصوّر معيّن، ثمّ ينمو قبول هذه الفكرة من قبل الجماهير، ثمّ تتحقّق بجهود الأفراد المتكاثفين معًا في هذا السّبيل. ولكن إن لم يكن للعلم نصيب في تخطيط هذه الفكرة، أو لم يسمح للعلم بذلك، فكلّ جهد وكلّ تعبئة عامّة لإنجاحها محكوم عليها بالفشل" (1).
يوضّح الشّيخ إبراهيم بيوض (1316– 1401ه/ 1899– 1981م) هذه القاعدة، ويبيّن ضرورة التّسلّح بالعلم لضمان السّير الحسن في سبيل التّقدّم والازدهار: " ... فإنّي وجدت العلم هو الدّعامة الأولى للإسلام، والجهاد دعامة ثانية. وحاجة الجهاد إلى العلم أشدّ من حاجة العلم إلى الجهاد، ووجدت العلم الجناح الأيمن للإسلام، والجهاد الجناح الأيسر، وبهما طار إلى أعلى الذّرى. وقد كان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - معلّمًا قبل أن يكون محاربًا. على أنّ العلم جهاد
__________
(1) -محمّد فتح الله كولن، الموازين أو أضواء على الطّريق، ترجمة أورخان محمد علي، ط5، دار النّيل للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1430ه/ 2009م، ص: 89. (3/19)
صفحة 18
كلّ زمان وكلّ مكان، دون السّيف الذي له ظروف استثنائية خاصّة، يحكم العلم في تعيينها وتقدير ضرورتها ... وما أظنّ بكم حاجة إلى بيان خطر العلم وقيمته في تشييد ركن الدّين، فإنّه من البدهيات، هذا في علم الدّين وما يخدمه من علوم اللّسان. وأمّا إذا نظرنا إلى علوم الطّبيعة والكيمياء والتّعدين وحرث الأرض والهندسة في مختلف أنواعها، وما إلى ذلك عند الأمم المتأهّلة بها، فإنّ الأمر أعظم من ذلك ... " (1).
هذه القاعدة تهدي إلى الخطوات الآتية: تولد الفكرة ابتداء، ثمّ تتحوّل إنجازًا حضاريًا في الميدان: مؤسّسات ومشروعات ومتابعات، تنمو وتتطوّر وتتحسّن، وتتكيّف مع المستجدّات، من دون أن تمسّ الجوهر والكنه والأصل ... تسير بوتيرة العمل الذي يسلك سبيل: فعل يسبقه فكر، وفكر يسنده فعل، في تناغم وتناسق وتفاعل ...
4 - النّشاط وفق الفكرة السّابقة يتمّ بفلسفة التّكامل بين المؤسّسات والدّوائر التي تنضوي في مشروع المؤسّسة أو المنظومة، أو الجماعة، أو المجتمع ... مع احترام كلّ دائرة لعملها، وعدم التّدخّل في صلاحيات الدّائرة الأخرى. بهذا تتوزّع الأعمال، وتتّضح المسؤوليات، وتظهر نجاعة العمل، وتبرز قوّة التّرابط بين الفئات التي تتحرّك وتعمل ... وفي كلّ ذلك يكمن سرّ التّخصّص ومعنى احترام الجهد ويُضمَن منح فرص العمل لكلّ النّاس، وتتمّ المشاركة الجماعية المقنّنة المبرمجة ..
5 - العامل الضّامن للإفادة من القاعدة أنفة الذّكر يكون في حسن تنظيمها؛ بتوحيد المرجعية الفكرية ووضوحها، ووعي حقيقة صلاحياتها، ومعرفة حدودها، ودورها في التّخطيط والتّوجيه والمراقبة، وتحديد مجالات تدخّلها، ومعرفة الفضاءاتِ المسموحِ النّشاطُ فيها بذاتية، من دون الرّجوع إلى المرجعية. البتّ في هذه القاعدة والعمل وفقها ليس سهلا ولا بسيطًا. يُحتاج في ذلك إلى حنكة وحكمة وقوّة في النّظر، وحذق في التّوجيه، وبراعة في معرفة أساليب التّعامل مع المحيط ومن يتحرّكون فيه، وما يؤثّر فيه وعليه، من داخله وخارجه. المهمّ إنّ قوّة المرجعية سبب رئيس في النّجاح في العمل.
6 - هذه المرجعيّة الواضحة الثّابتة، هي أيضًا أحد مظاهر القوّة في عمل مَنْ ينشط في الأكاديميا (التّركية)، إذ تحدّد المسار، وتوضّح الرّؤى، وتوحّد الجهود، وتمنع
__________
(1) -الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، فتاوى الإمام الشّيخ بيّوض ط2، مكتبة أبي الشّعثاء السّيب، سلطنة عمان، 1411هـ/ 1990م: 223. (3/20)
صفحة 19
الانحرافات والانزلاقات، وتحصّن من التّيه والضّياع ... هنا يكمن سرّ النّجاح. أي إنّه يكون في قوّة المرجعية ووحدة الرّؤية.
إنّ الاعتزاز بالمفكّر فتح الله كولن، واتّخاذه مرجعًا في التّخطيط والتّسيير قاسمٌ مشترك بين كلّ من ينشط في جماعة الخدمة .. هذا المنهج من أهمّ عوامل نجاح الجماعة في مشروعاتها. فالوحدة المرجعية لبنة أساسية في صرح البناء.
إنّ الالتفاف حول المرجعية منهج سديد في تحديد الوجهة، وتوجيه بوصلة التّفكير والعمل. فإنّ هذا ينتج تسهيل الاتّصال بالفكر الذي يسهم في بناء شخصية الرّجال الذين يُكوَّنون ويُصنَعون لمواصلة المسيرة بمبادئ ذلك الفكر، بعد التّعرّف عليه ومعرفته حقّ المعرفة؛ وتشرّبه والإفادة منه في التّخطيط والتّسيير وتنظيم شؤون الحياة .. بهذه النّظرة يتمّ بناء الفرد بناء يستجيب لأهداف القائمين على التّوجيه والإرشاد والإعداد.
7 - الالتفاف حول المرجعية، والاحتكام إليها يربّيان في الفرد روح الثّبات، ويحصّنانه من التّزحزخ عن الأصول، والتّخلي عن المبادئ. هذه القيمة الخلقية عنصر مهمّ في تكوين الشّخصية، وهو أسّ ركين في البناء الجضاري .. في هذا يقول الشّيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان (1306 – 1393ه/ 1888 – 1973م): "الثّبات على المبادئ وعدم التّزحزح عنها من الوسائل اللاّزمة لاقتطاف ثمرة الفوز والنّجاح. وما ظفر عامل بمرغوبه إلاّ بفضل الصّبر والثّبات، وما خاب وأخفق في مسراه إلاّ بالملل والسّأم والقلق ... لمّا أنهكت الحروب داهية المغوليّين " تيمور لانك " دبّ في عروقه دبيب الملل، فالتجأ إلى بيت خَربٍ، فرأى نملة وهي تحمل قوتها، تتسلّق جدارًا فتسقط، فتعود فتسقط، وهو يتأمّل ما يكابده ذلك المخلوق الضّعيف، ويجاهد في سبيل حياته إلى أن نجحت في مبتغاها، بعد أربع وعشرين مرّة. فأخذ منها عبرة الصّبر والثّبات، فقال: (إنّ النّملة علّمتني الثّبات)،. فعند ذلك كرّ راجعًا، فنظّم جيوشه وأعدّ عدّته، فاقتحم أهوال الحروب، فانتصر انتصارًا باهرًا" (1).
استرجع القائد الثّقة في نفسه؛ بفضل خلق الثّبات الذي منح ذاتَه القوّة، بعد أن تعلّم ذلك من المخلوق الضّعيف (النّملة)، ثمّ تقدّم واقتحم ... فبنى مجده من جديد.
__________
(1) -مختارات من صحف أبي اليقظان، إعداد الدّكتور محمد بن صالح ناصر، ص: 24. (3/21)
صفحة 20
8 - إنّ الفئة المرعية في الدّرجة الأولى في هذه التّنشئة هي طلبة العلم، الذين يتسرّب الفكر بواسطتهم في عمق المجتمع إلى ما لا نهاية له، في امتداداته: مكانًا وزمانًا، وقوّة ونجاعة ..
هذا ما قام عليه منهج مشروع الخدمة التي يستقي من مرجعية فتح الله كولن ويستند إليها في كلّ ما يبدي ويعيد من أساليب وأعمال، وما يمحو ويثبّت من آراء وأقوال. هذا الفكر الذي حاول صاحبه أن يثبّته في عقول من يتعلّق بشخصيته، ويسكنه في قلوب من يؤمن بآرائه، ويتعاطف معه ويستمسك بغرزه. يقول الدّكتور محمد بابا عمّي: " والسّرّ في نجاح الأستاذ كولن، هو أنّه يؤمن أنّ أيّ فكر إذا لم يُقبلْ لَنْ يُكتَبَ له النّجاح، وأنّ أيّ فكر إذا لم تكن فيه إمكانية التّطبيق لن يحقّق شيئًا. وعلى إثر هذا المنهج أسّس الأستاذ (أي كولن) دُورًا للطّلبة، على شاكلة دار الأرقم، وضع لها مخطَّطًا تربويًا بديعًا، منطلقًا من قوله تعالى: { ... فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)} (النّور: 36) فلمّا تبيّن نجاح هذه الخطّة، تسابق التّجار والمحسنون في بناء العشرات من البيوت على شاكلتها ... حتّى عمّ خيرها تركيا كلّها، بعد أمد قصير ... " (1).
من هذه الدّور تبدأ رحلة التّربية والتّكوين والإعداد، التي تتيح التّحكّم في التّوجيه: فكرًا وعاطفة ووجدانًا، يقول الأستاذ فتح الله كولن: " إنّ رقيّ أيّ أمّة وتقدّمها مرتبط بمدى التّربية التي يتلقّاها أفرادها من النّاحية العاطفية والفكرية. فلا ينتظر تقدّم أمّة لم تتوسّع آفاق أفرادها الفكرية والوجدانية" (2). هذه القاعدة مطبّقة في بيوت الطّلبة بدقّة وعمق ..
هذه الدّور مرتبطة بالمدارس التي أنشأتها جماعة الخدمة في تركية، هي تعمل بمنهج تكاملي بينها، وتسعى إلى تحقيق الأهداف نفسها. هذه الأهداف المسطّرة في هذه المدارس، التي تجتهد في إعداد التّلميذ للمستقبل، وتهيئته لخوض معترك الحياة بقوّة وجدارة، هي تتوجّه وتحرص على تنشئة التّلميذ أن يكون: "- واثقًا من نفسه. – منسجمًا مع بيئته. – متبنِّيًا للقيم الإيجابية. – مؤمنًا بالقيم الإنسانية العامّة. – له رؤية شمولية. – متقنًا للغته الأمّ، وله لغة أجنبية قد تمكّن فيها. – يكسب معرفة تكنولوجية عالية. – بارزًا في رياضة واحدة على الأقلّ. – له قدرة فنيّة ومهارة وموهبة في
__________
(1) -البراديم كولن، ص: 173.
(2) -الموازين أو أضواء على الطّريق، ص: 88. (3/22)
صفحة 21
أحد الفنون ... -متفوّقًا في التّخصّص الذي يختاره هو. – وأولى من كلّ ذلك: صاحب أخلاقية سامية: (إيمانية، ربّانية، وطنية، مدنية ... ) " (1).
إنّ التّربية الشّاملة تبدأ مع الولد مبكّرًا، فلننظر بعد ذلك إلى النّتائج الإيجابية التي يحصل عليها المجتمع، وكيف ينمو الحسّ الحضاري في المجتمع التّركي. وحين يطبّق ذلك في المجتمعات الأخرى تحصل الفوائد نفسها، وتحصد النّتائج ذاتها.
9 - البناء الحضاري يبدأ من المنزل والمدرسة ودار الطّلبة، وينتقل إلى بقية مؤسّسات المجتمع .. كلّ هذه المحاضن التي تحضن من يحبو فيها ويدرج، ويتحرّك وينمو ... يحتاج إلى توفير ظروف ملائمة لتحرّكه ونموّه وتقدّمه في كلّ ذلك .. هذه الأسباب التي تهيّأ، وهذه الوسائل التي تنشأ، يجب أن تكون بارزة في مظاهر من القوّة والعظمة التي تهب العامل فيها وبها الهيبةَ والاحترامَ والقدرةَ على البروز في المشهد الحضاري، والوجود والثّبات في ميدان إثباتِ الذّات، فلا يمكن إغفال تأثير قوّة المظاهر في إبراز غنى المخابر. هذه القاعدة موجودة بقوّة في مدارس مشروع الخدمة التّركية. في مبانيها الضّخمة الجميلة، وفي هياكلها الكثيرة البديعة، وفي وسائلها التّربوية المتعدّدة الرّاقية، وفي الجمال والذّوق اللّذين يعكسان خلّة حبّ إتقان العمل، ويترجمان طبيعة الدّين الإسلامي، الذي يتميّز بالقوّة. ومن مظاهر قوّته أن يبرز في حلّة جميلة في شكله وكنهه. فمشروع الخدمة يؤمن بأن لا قوّة بلا إسلام، وأن لا إسلام بلا قوّة.
10 - يجب أن تتمتّع المؤسّسات التّربوية ـــ بخاصّة ـــ بالذّوق والإحساس بالجمال وتتملاّهما؛ بما ينعكس إيجابًا على من يهيَّؤون لمواصلة بناء وطنهم. هذه المؤسّسات التي وُجدت أصلا لتبني نفوسهم، وترقّي إحساسهم بجماليات العمل المتقن، فيكون في الجمال الذي أتقن الله صنعه على أيدي المربّين وسيلة مساعِدة لهذا الإعداد. فمن فقد الإحساس بالجمال عدم الإحساس بإتقان العمل. يقول الأستاذ فتح الله كولن: " ادفع السّيّئات بالحسنة، ولا تهتمّ كثيرًا بالسّلوك المفتقر إلى الذّوق، فكلّ إنسان يعكس طبيعته وأخلاقه بتصرّفاته وسلوكه، أمّا أنت فاختر لنفسك طريق المسامحة، كن كريمًا عالي النّفس، حتّى أمام الذين لا يعرفون قواعد السّلوك والخلق" (2).
هذه الأخلاق يوجدها في الإنسان ذوقُه والجمالُ اللّذان يسكنان قلبه، وهما من نتاج التّربية والإعداد في المدرسة؛ بأمثال هذه المظاهر التي تحيط بالتّلميذ في بيئته التي
__________
(1) -البراديم كولن ... ، ص: 208.
(2) -الموازين أو أضواء على الطّريق، ص: 20. (3/23)
صفحة 22
يتحرّك فيها، وفي الصّرح العلمي الذي يكون فيه ... يقول الأستاذ كولن: " أحسن إلى من أساء إليك ... وبالذّوق الرّفيع قابل المفتقر إلى الذّوق ... فالأقداح بما فيها تنضح ... وبعلوّ نفسك وسموّ خلقك عامل فقراء السّلوك والخلق" (1).
هذا المظهر هو أحد سمات عظمة نظام الفريق الذي تضمّه الأكاديميا، فمكّنه من تحقيق أهدافه المسطّرة بثقة كبيرة، وكفاية عالية، كما تفرضها الرّسالة التي هي منوطة به، انطلاقًا من المبادئ التي تربطه والقيم التي ينتمي إليها. فهذا تفكير جيّد، وتدبير حسن، ونظر عميق ..
يقول الشّيخ إبراهيم بيّوض منبّهًا إلى واجب الاعتناء بتربية الذّوق في النّابتة لتكوين الإحساس بجمال الأخلاق الحسنة فيهم: " ... وتكوين العقول السّليمة والأذواق السّليمة فيهم، فيكون حكمهم في كلّ الأمور صحيحًا، واختيارهم حسنًا. لا بدّ من تربية الذّوق السّليم في الإنسان، إنّه عدّته في العمل، ومن أسباب نجاحه وسعادته. إنّ الله حفّنا بما لا يحصى من أنواع الجمال؛ ليكوّن فينا الذّوق السّليم المرهف. ومن صحّ ذوقه أدرك الفروق الدّقيقة بين القبح والجمال في كلّ مظاهره، وفي الأخلاق وفي الأعمال، فيتّصف بها ويأتيها، ويكره القبح في كلّ مظاهره وأشيائه، وفي الأخلاق والأعمال السّيّئة فيتنزّه عنها.
من أسباب الاستقامة واللّطف في المعاملة والخلق القويم هذا الذّوق السّليم، الذي نحرص على تكوينه في أبناء مدارسنا؛ ليدركوا جمال القرآن، ويعرفوا معجزة نبيّنا عليه السّلام في القرآن، ويعرفوا الجمال في أدبنا العربي، فيزدادوا حبًّا وإكبارًا للغتنا العربية، وإعزازًا بها، ويدركوا الجمال بالفصاحة والبلاغة، فنستطيع التّأثير في نفوسهم بالفصاحة والبلاغة، ويتّصفوا بها؛ فيستطيعون التّأثير في غيرهم، ويصلون أغراضهم الكبرى في الأمّة" (2).
إذن إنّ الإحساس بالحمال، يثمر ذوقًا سليمًا، والذّوق الحسن يبعث على السّلوك الحسن، والسّلوك الحسن يبني حضارة .. هذه هي التّربية الصّحيحة الرّصينة ...
11 - البناء الفكري مهمّ في تكوين شخصية الفرد، وتنشئته على النّموذج الصّحيح للسّير في الحياة بخطى ثابتة، والتّحرّك بشكل سويّ، لأنّ الفكر هو الذي يقود المسيرة، ويسوق الرّكب، ويوجّه السّلوك، هذا لن يحصل إلاّ بالعلم الصّحيح والمعرفة النّافعة. يقول فتح الله كولن مبرزًا أهميّة هذا البناء، ومبيّنًا العواقب السّيّئة النّاتجة عن إهماله، أو الغفلة عنه: "على كلّ أب وأمّ ملءُ رؤوس أطفالهما بالعلم والمعرفة، من قبل أن يتمّ ملءُ هذه الرّؤوس بما لا ينفع؛ لأنّ القلوب الخالية من الحقيقة، والأرواح الخالية من المعرفة بمثابة مزارع صالحة لإثبات كلّ الأفكار الضارّة ولنمائها، ويكون الحصاد من نوع البذور التي بُذرت فيها" (3).
للشّيخ عبد الرّحمن بن عمر بكلّي (1319– 1406هـ/ 1901– 1986م) رأي في الموضوع يدعم هذه الفكرة، ويثبت هذه القاعدة: " ... فبالعلم وحده يتبوّأ الأفراد والجماعات أسنى المراتب وأسمى المقامات، وهو الذي ينير ما احلولك من سبل الحياة، ويحلِّي ما امرارَّ من طعم العيش في اللّهوات، يعلي الكعب على الخصم، ويمنع صاحبه أن يناله ظلم أو هضم" (4).
12 - التّربية الفكرية تكون أكثر نجاعة إذا ربطت وغذّيت بالتّربية العاطفية الوجدانية منذ الصّغر، بل إنّ الاعتناء بهما مبكّرًا مطلب أساس؛ لضمان التّقدّم المنشود في عملية البناء السويّ، والإعداد القويّ. يقول فتح الله كولن: " إنّ رقيّ أيّ أمّة وتقدّمها مرتبط بمدى التّربية التي تلقّاها أفرادها من النّاحية العاطفية والفكرية. فلا ينتظر تقدّم أمّة لم تتوسّع آفاق أفرادها الفكرية والجوانية" (5).
13 - العمل والتّحرّك يكونان انطلاقًا من خطّة مرسومة، والنّشاط يتمّ وفق مشروع محدّد؛ لتجنّب الفعل العشوائي، والبعد من الانزلاق في حمأة التّصرّفات المشينة، والنّأي عن العبثية، والابتعاد عن حصد نتائج تورّث الحسرة والنّدامة ... يقول فتح الله كولن: "على كلّ إنسان أن يتناول كلّ عمل ضمن خطّة مسبقة وتدبير، وعليه تجنّب كلّ شيء لا يؤدّي في النّتيجة إلى فائدة مادية وفضيلة معنوية تجنّبًا قطعيًا. فكلّ محاولة لم يؤخذ لها هذا التّدبير منذ البداية تعدّ عبثًا، والاشتغال بالعبث يدلّ على نقصان عقل ذلك الشّخص وطفولة عقليته" (6). هذه القاعدة يتحرّاها الفرد مع
__________
(1) -فتح الله كولن أشواق أمّة واستنهاض حضارة، ص: 22.
(2) -محمد علي دبّوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء الرّابع، ط1، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1400هـ/ 1980م، ص: 148.
(3) -الموازين أو أضواء على الطّريق، ص: 11.
(4) -الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، حقيقة التّعليم في فكر الشّيخ عبد الرّحمن بكلّي، ط1، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 2011م، ص: 81.
(5) -فتح الله كولن أشواق أمّة واستنهاض حضارة، ص: 8.
(6) -الموازين أو أضواء على الطّريق، ص: 16. (3/24)
صفحة 23
نفسه، وحين يتولّى تربية غيره ــــ بخاصّة النّاشئة ــــ وهو يقوم بعملية بناء الذّات وتكوين الشّخصية، وإعداد الرّجل ..
14 - من تمام التّحرّك ضمن مشروع واضح وخطّة معلومة في عمليّة البناء، وضوح الهدف، ورسم الغاية، بداية بلحظات التّفكير، وفي مستوى الفكر الذي ينتظم الحركة والنّشاط؛ حتّى يكون العمل مثمرًا منتجًا نتاجًا حسنًا، فهذه القاعدة تجنّب المتحمّسين للنّشاط، والمثابرين في العمل، والمصابرين في الميدان .. مغبّة الوقوع في حبائل التّذبذب والتّردّد، ويقيهم مهالك التّيه والفوضى، ويبعدهم عن مصائد الخسارة والفشل. يقول فتح الله كولن: "يجب أن يتوضّح الهدف والغاية في مستوى الفكر، ويحتلّ المركز الأوّل فيه، وإلاّ تعدّدت الأهداف، وظهر الاضطراب والفوضى. فكم من حملة نشاط واعدة فشلت في إعطاء أيّ نتيجة إيجابية وأيّ ثمرة بسبب الفوضى في تعيين الهدف والغاية. وعلاوة على عدم وصولها إلى أيّ نتيجة طيّبة وخبرة تخلف وراءها أكوامًا من الأحقاد والنّفور" (1).
بل: "من شروط تقدّم الأمّة وصول أفرادها إلى وحدة الهدف والغاية. فلا يمكن توقّع تقدّم صحيح وسليم في مجتمع انقسم أفراده شيعًا وطوائف متناحرة" (2).
15 - ممّا يسهم في بناء النّاحية الوجدانية في الفرد درس الأدب الذي يجب أن يهتمّ به في عملية البناء الحضاري؛ فمن طبيعة الأدب إرهاف الحسّ، وتهذيب الوجدان، وتنمية العاطفة، وتكوين الذّوق .. كلّ ذلك يوجد التربة للزّرع الجيّد، ويهيّئ الأرضية للبناء الحضاري .. يقول الدّكتور جودت الرّكابي: "إنّ للدّراسات الأدبية المكانة الأولى في إعداد النّفس وتكوين الشّخصية وتوجيه السّلوك الإنساني العام. ولذا فقد خصّت هذه الدّراسات بالمرحلة الثّانوية، التي معها ينفتح وجدانهم، فيكونون بذلك قادرين على تلمُّس ما يقدِّمه لهم درس الأدب من تهذيب الوجدان، وتصفية للشّعور، وصقل للذّوق، وإرهاف للإحساس.
والأدب ذو أثر فعّال في تربية الشّعوب وتكوين الأجيال، فبالكلمة الجميلة نحارب القبح والظّلم لنبني عالم الخير والجمال، ولذا فقد كان الأدباء دومًا مشاعل هداية تنير للعالم الطّريق نحو الحياة المثلى" (3).
__________
(1) -المصدر السّابق، ص: 22.
(2) -فتح الله كولن أشواق أمّة واستنهاض حضارة، ص: 10.
(3) -الدّكتور جودت الرّكابي، طرق تدريس اللّغة العربية، ط2، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر، دمشق، سورية، 1996م، ص: 173. (3/25)
صفحة 24
16 - إنّ عوامل النّجاح تكون في حسن التّخطيط، وجودة التّسيير، وروعة التّنظيم، والشّعور بالمسؤولية، والشّمولية في التّفكير، والعمق في النّظر، والوضوح في الرّؤى، وحسن استشراف المستقبل، ومراعاة العلاقة بين كلّ تحرّك والهدف المسطّر له، والمنوط به، ونوع الفعل وطبيعة مضمونه، والوفاء للعصر في مستجدّاته ومتغيّراته، من دون المساس بالأصل والمبدأ ...
خلاصة القول: إنّ البناء الحضاري ينطلق ويعتمد قواعد رئيسة، منها ما يأتي:
أ ــــ الإيمان بالرّسالة وفهم الواجب، ومراعاة الأولويات.
ب ــــ الالتفاف حول المرجعية، وتوحيد التّوجيه، ووضوح الرّؤى في كلّ تنظير وفي كلّ تحرّك. في مشروع الخدمة التّركي نقرأ وندرك سرّ تعلّق الكلّ بشخصية الأستاذ فتح الله كولن، ونعي أسباب النّجاح في العمل داخل هذه المؤسّسة. فلقد جاء نتيجة تحديد قبلة التّوجّه، وتوحيد بوصلة التّوجيه، اللّذين أثمرَا الاطمئنانَ في النّفوسِ بعد الاهتداءِ إلى مصدر استلهام طرق العمل، وأساليب التّحرّك، بعيدًا عن حالات الحيرة والتّيه والاضطراب، وفي منأى من البقاء في دائرة التّجربة والمحاولة، والخطأ والإصابة .. وتجاوز كلّ ذلك إلى رسم الخطوات العملية الثّابتة في البناء الحضاري.
ج ــــ العمل يكون شاملاً لكلّ المجالات.
د ــــ النّشاط بمنظور التّكامل بين المؤسّسات والهيئات والأفراد ... مع مراعاة التّخصّص واحترام كلّ دائرة لعملها، وعدم التدخّل في صلاحيات الدّائرة الأخرى، إلاّ بغرض التّنسيق والتّنظيم ..
هـ ــــ العمل بمفهوم نكران الذّات، بل محوها كما يرى فتح الله كولن. من مقال له بعنوانـ "جعجعة الأنانية" نثبت الفقرة الآتية "ينبغي أن نعلم يقينًا أنّ الخلل والفشل، لا يقع إلاّ بما كسبت أيدينا، وأنّ النّفس هي العائق الأكبر لكلّ خدمة إيمانية. وما يتمّ من توفيق وإنجاز، فهو محض إكرام منه جلّ وعلا، فالخير كلّ الخير من الله وحده، أمّا مقولة: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} (القصص/ 78) فلم يقلها إلاّ " قارون"، حينما ظنّ نفسه مصدر الأرزاق والنّعم. وإنّها لعبارة لم يزل كلّ قارون وفرعون يردّدها عبر التّاريخ. أمّا الأنبياء وعلى رأسهم سيّد الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - فقد كانت كلمتهم واحدة: {لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا (3/27)
صفحة 25
وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} (الأعراف/ 188). فمن يقول: "فعلتُ أنا، نجحتُ أنا، أوْ لمْ أكن أنا ... " فمعناه أنّه واقع في مستنقع آسن من التّفكير الفرعوني. يقول سيّدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحِدًا خيرٌ لك من حُمْرِ النّعم". فلو هدى الله ملايين من النّاس على يديك، فنسبت تلك الهداية إلى نفسك، فقد أحبطتَ عملك، ورميت بنفسك في لظى النّار الحامية، وحرمتها من النّعيم المقيم".
و ــــ العمل بثوابت لا تتخلّف في أي مشروع: المال قوام الأعمال، تكاثف الجهود، الحكمة في التّخطيط، الشّمولية في التّفكير والتّدبير والتّسيير.
ز ــــ النّجاح في العمل يكون نتيجة الثّقة التي يكنّها الموجَّهون نحو من يوجّههم ويكوّنهم .. هذه الثّقة تكتسب بفضل نجاعة المشروعات التي تنفّذها المؤسّسة، ونتيجة التّحرّك بقيم قويّة ثابتة. ففي مشروع الخدمة التّركي وجد العاملون الثّقةَ في المخطِّط والموجِّه .. فظفروا بالاستقرار والاطمئنان اللّذين منحاهم العمل بآمال كبيرة، وبدوافع عالية .. فكان منهم ما كان من إنجازات عظيمة.
ح ــــ الإيمان بالرّسالة، وفهم الواجب، ومحاسبة النّفس بمعايير التّوجيهات الإسلامية، وانطلاقًا من القاعدة الإيمانية، والوفاء بالعهود ... تصنع الرّجال، وتنتج الأعمال، وتبلّغ الآمال ..
ط ــــ الأفعال التي تصدر من مشروع الخدمة تدخل ضمن المنظومة الفكرية، التي تكرّس قواعد خاصّة في العمل، وتلتزم بوضع الخطوات الثّابتة الرّاسخة في المسيرة، وتتبنّى نهجًا يربط بين المبادئ والأهداف، ويقيم علاقة بين شكل التّحرّك أو الفعل ومضمونه؛ حيث يتشكّل بما يوحي بطهارة المخبر ونقاوة المظهر.
- - - (3/28)
صفحة 26
البشرية الحائرة ودور العالِم
(على ضوء السراج النبوي)
د: محمد بن موسى باباعمي
معهد المناهج ــــ الجزائر وأكاديميا ــــ استانبول
ا
الحمد لله الذي ژ ? ہ ہ ہ ہ ھ ژ، القائلِ لنبيِّه الكريم، في محكم تنزيله الحكيم، بيانًا وتبيينًا: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ?? S S S S ?? ? ? ? ? ? ? ... ? ژ.
والصلاة والسلام على صاحب القول الفصل في حقيقة "الله، والإنسان، والكون"، سيدِنا محمَّد، "شجرةِ الوجود"، و"العلَّة الغائية لكتاب الكائنات"؛ عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؛ مَن أُرسِل للحائرين التائهين، سراجا ونورا مبينا، ليخرجهم "من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيما".
البشرية الحائرة:
وبعدُ، فإنَّ أصدق وصف يليق بحال البشرية اليومَ هو وصف "الحيرة"؛ إذ بعدما عرفت قرونا من "الوهم" و"الغرور" و"الادعاء"، وجرَّبت شتى "النظريات"، و"الأيديولوجيات"، و"الفلسفات"، تيقَّنت أنها تسير مهرولةً نحو حثفها، وتستعجل عنوةً خرابها ودمارها؛ وتأكَّدت أن لا شيء من محاولاتها البائسة يستطيع اجتثاتها من براثن الشقاء والهلاك والدمار.
فما كان من العقلاء اليوم إلاَّ أن دقُّوا ناقوس الخطر، وألقَوْا بالمنشفة البيضاء على أرض الحلبة، معلنين أنهم في "حيرة"، وأنهم ينتظرون مَن يُنقذهم ويُخرجهم من حالهم إلى حالٍ أفضل وأحسن، وأكثر طمأنينة ويقينًا ... ولكنَّهم للأسف لم يُسلِموا قيادهم "للوحي"، ولم يعترفوا بالإمارة والقيادة والهداية "للأنبياء" ... وعلى رأس الأنبياء جميعِهم خيرُ الخلق محمدٌ عليه السلام. (4/29)
صفحة 27
ألا ما أشبه حيرتهم هذه بحيرة قريش أوان كان سيد الأنام في "غار حراء"، يُصنع على أعين الله تعالى، ويربَّى في صفوف مدرسة "عشق الإله، وعشق الحقيقة"؛ هنالك تعلَّم كيف "ينكر ذاته"، وكيف "يسحق أناه"؛ ليحمل همَّ "البشرية الحائرة" فردًا فردًا، بلا استثناء، في جميع الأزمنة والأمكنة، ولا يزال، إلى أن يُبعث يوم الحشر، فداه أمِّي وأبي، وهو ينادي بأعلى صوته: "أمَّتي أمَّتي".
ولقد أصدرت "منظمة المؤتمر الإسلاميِّ" ما عُرف بـ"إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام"؛ وأكَّدت فيه على أنَّ دور المسلمين اليوم هو "هداية البشرية الحائرة". ورد في ديباجة الوثيقة: "التأكيدُ على الدور الحضاري والتاريخيِّ للأمَّة الإسلامية، التي جعلها الله أمَّة وسطاً، أورثت البشرية حضارة عالمية متوازنة، وصلت الأرض بالسماء، وربطت الدنيا بالآخرة، وجمعت بين العلم والإيمان"؛ والذي يُؤمَّل هو "أن تقوم هذه الأمَّة اليومَ بهداية البشرية الحائرة، بين التيارات والمذاهب المتنافسة، وتقديم الحلول لمشكلات الحضارة المادية المزمنة" (1).
لكأنَّ إعلان الفيزيائيين عن فشل "نظرية كلِّ شيء" قبل بضع سنين، إثر سقوط "نظرية الأوتار الفائقة" (2)؛ كان عنوانا للإعلان عن فشل الإنسان في إسعاد أخيه الإنسان، واعترافا ضمنيا منه بالحاجة إلى مصدرٍ متجاوزٍ متعالٍ، يقول قوْلته، ويأخذ زمام التحكُّم من جديد.
ولقد هدَّت "الحيرةُ" الشرقَ والغربَ على السواء، فعبَّر كلٌّ منهما بطريقته وحسب ظروفه؛ وأصدق عنوان لهذا التعبير هو كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب"، للمفكر المسلم، علي عزت بيجوفيتش رحمه الله.
وفي مقال بعنوان "طويلا بكينا"، نقرأ دلالةً معبِّرة عن تكلم الحيرة، يقول فيه الأستاذ محمد فتح الله كولن: "إنَّ الغربيَّ الذي حسِبنا أنَّ لديه مصباحَ حياتنا، كان قد ارتمى على مصطبة النعش قبلنا بكثير. إنَّه مات في ذلك اليوم الذي هبَّ فيه "نيتشه"
__________
(1) - القاهرة، 14 محرم 1411 هـ/ 5 أغسطس 1990م. ينظر الرابط:
( http://www1.umn.edu/humanrts/arab/a004.html)
(2) - كتب "لي سيمون"، وهو أحد رواد نظرية "الأوتار الفائقة" مقالات بعنوان: "لا شيء بخير في الفيزياء، فشلُ نظرية الأوتار! ".
Lee Smolin: Rien ne va plus en physique!: l’échec de la théorie des cordes. Paris: Dunod, DL 2007.
وانظر: محمد باباعمي: نظرية كلِّ شيء، بين عجز الفزياء وتألق الوحي، فتح الله كولن نموذجا. ضمن كتاب "أكاديميا"، القسم الثاني، طور الطبع. (4/30)
صفحة 28
ليُردِي الإلهَ لباسَ الموت معلنًا في وهمه أنه "مات الإله" .. إنَّ الميت لم يكن سوى الغربيِّ نفسه، وإنسانِنا المسكينِ معه .. إنسانِنا الذي غرق في المستنقع من حيث ظن أنه خرج من السجن ناجيًا .. إنسانِنا العابث المتفلِّت الذي تمرد على كلِّ شيء، وأنكر كلَّ شيء" (1).
وفي مقال بعنوان "تمشيط الوحش على النحو الذي يحلو به"، لـ"إنجليك دل راي"، نقرأ هذه الحسرة من تلكم "الحيرة" في قوله: "إننا نعيش حقبةً مظلمة، نختبر خلالها تناثر الممارسات والأفكار والمعتقدات التي كانت تحدِّد إلى الآن وتيرة مجتمعاتنا" (2).
ومن ثم يحسُن بنا اليومَ أن نعلن، في هذا المؤتمر العالميِّ الحاشد، وفي هذه المناسبة الفريدة، من موقع هذه المدينة العريقة (3)، وفي هذا البلد الضارب جذوره في الحضارة الإنسانية والإسلامية المجيدة (4)؛ يحسن بنا أن نعلن عن "فشل الأيديولوجيات"، وعن "موت الموت" و"موت القاتل" على إثره، وعن "نهاية النهايات"، وعن ضرورة البحث عن "ما بعد المابعد".
نعلن أنَّ الذي بقي بعد كلِّ هذه الأعاصير هو وجهُ الله الكريم: "ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال والإكرام"، ثم كلام الله الحكيم: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، وكذا رسوله الرحيم: "واللهُ يعصمك من الناس"؛ ثم إنَّ الذي لا يزال ينبضُ حياةً وحركيةً هو "الإنسان"، و"المجتمع"، "والكون"، و"المعنى"، و"الإمكان"، "والمستقبل"، و"الخير" ... فإذا ما التحمت هذه بتلك، وتعلَّقت هاته بهاتيك، صدق أن نتلو قول الله تعالى: "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا، وخير أملا"، وفي آية: "وخير مردًّا". وبيان ذلك مفصَّلا، فيما يلي:
أولا- فشل الأيديولوجيات:
لو أنَّ أحدا سئل عن أزمات هذا العصر، في شتى المستويات، السياسيةِ منها، والاجتماعية والنفسية، والاقتصادية ... وغيرِها، ثم ادَّعى أنَّ الحلَّ لها لن يكون إلاَّ في "أيديولوجية" من "الأيديولوجيات" العريقة، لاتَّخذه عامة الناس، بله العلماءُ، مسخرةً ومهزلة، ولتيقَّنوا أنه يحيا منفصما عن زمانه ومكانه، وأنه أقربُ إلى عالَم الخيال منه إلى عالم الواقع. ذلك أنَّ جميع "الأيديولوجيات" قد جُرِّبت، ولعدَّة قرون خلت، فما أورثت البشريةَ
__________
(1) - مجلة حراء، عدد 28، يناير فبراير 2012م.
(2) -لوموند ديبلوماتيك ( Le Monde Diplomatique)، عدد 3702، أكتوبر نوفمبر 2011م. الرابط:
http://www.mondiploar.com/article3702.html?
(3) - مدينة غازي عنتاب.
(4) - تركيا العثمانية. (4/31)
صفحة 29
إلاَّ شقاءً وجحيمًا، ولم ينجُ من لظاها الشرقُ ولا الغرب، الأغنياءُ ولا الفقراء، المستعمِرون ولا المستعمَرون؛ جميعُهم كان ضحيةً بشكل أو آخر لتلك "الأيديولوجيات".
كتب "جون زيغلر" رفقة "إريَل دار كوستا" مؤلَّفا بعنوان "إلى غد يا كارل، حتى نخرج من نهاية الأيديولوجيات" (1)، والدلالة تعني بلا شكٍّ توديعَ "كارل ماركس" بأسلوبٍ ساخر، ومن خلاله "الماركسية" باعتبارها "أيديولوجية"؛ كما أنَّ "فانسون بابَن" قد تحدَّث عن "نهاية الأديولوجيات واختراع الرؤية الإيجابية للمستقبل" (2). وينقل الصحفي "فيكتور فييلفولت" في مذكراته، التي عنونها بـ"مذكرات الجنديِّ المكسيكيِّ المسلَّح"، أنَّ والده كان يحذِّره من كلِّ الكلمات التي تنتهي باللاحقة " isme"، يقول: "في كلِّ مراحل مراهقتي كنتُ أسمع والدي يحذِّرني من الكلمات التي تنتهي بـ"إيزم"، فإنها جميعا تُقصي، وتفرِّق، وتتسلَّل إلى الأقوال والأفعال فتنثر فيها بذور الشقاق" (3).
فلا مكان إذن، اليومَ "للإيديولوجيات"، سواء في ذلك ما كان في حقل العلم مثل "الداروينية" ( Darwinisme)، أو في مجال الفنون مثل "مذهب التعبيرية" ( Expressionnisme)، أو في الاقتصاد مثل الرأسمالية ( Capitalisme)، أو الفلسفة والابستمولوجية، مثل الأنثوية ( Féminisme)؛ وفي السياسة مثل الشيوعية ( Communisme) والعلمانية ( Laïcisme).
بل، وحتى ما يعرف في الأدبيات الإعلامية المعاصرة بالإسلاموية ( Islamisme)، ومنه الإسلاموي ( Islamist) أو حتى "الإسلامي" عادةً؛ ما هو إلاَّ توظيفٌ مغرض يُراد منه تشويهَ صورة الإسلام، وعرضه على نمطٍ "أيديولوجيٍّ"، وبالتالي دفعُ المستمع إلى التقزُّز من النسبة إلى الإسلام (4).
__________
(1) - Jean Ziegler, Uriel Da Costa: A demain, Karl: Pour sortir de la fin des ideologies (Collection "Coups de gueule". 1991.
(2) - Questions de communication, Revue, No 12/ 2007. P425
(3) - Victor Vieilfault: Le chant des étincelles. lechantdesetincelles.over-blog.fr
(4) - نبَّه إلى هذا المزلق المفهومي الخطير الأستاذُ فتح الله كولن، في مقال "نظرة إجمالية إلى الإسلام"، وانظر ـــ مجلة حراء، العدد 24، مايو-يونيو 2011م. ومما يؤكد هذا التشويه المغرض، أنك لو أردت ترجمة كلمة الإسلام في القواميس المتخصِّصة، تجد مقابلها ( Islam)، (Islamisme). وكأنهما مترادفتان. (4/32)
صفحة 30
ثانيا- موت الموت:
أطلق نيتشه مقولته الذائعة الصيت: "لقد مات الإله" بالألمانية Gott ist tot ))، ثم تحوَّلت إلى حقلٍ للتفسيرات والتطبيقات؛ وبغضِّ النظر عن حقيقة الدلالة، هل هي إخباريةٌ أم تقريريةٌ، فإنَّ الفكر الإلحاديَّ حوَّل هذه العبارة إلى "إنجيل" وحوَّل "نيتشه الإنسان"، وكذا "إنسانَ نيتشه"، إلى إله ورمزٍ للعصر وللمعنى. ولم يتوقَّف نيتشه في هذه المرحلة، بل راح يعمل على إزالة ما أسماه بـ"ظلال الإله"، واقتلاع كلِّ آثار الإله على الأرض؛ ليفتح المجال واسعا أمام "الإنسان الأعلى"، قصد الانطلاق نحو المستقبل بأسلوبٍ دراميٍّ.
وعن آثار هذه الفلسفة الإلحادية يقول نضال البيابي: "لاقت هذه الفكرةُ صدًى واسعا عند قائدي الثورات، وحاصدي أرواح الشعوب، ومَن مسَّه مسٌّ من جنون العظمة، كـ"هتلر" و"ماوتسي تونغ"، وللأخير مقولة شهيرة في هذا السياق، جاء فيها صراحةً وصلفا: "إذا ما كنَّا عظماءَ بما فيه الكفاية، حتى نُنهي سيطرة الإله علينا، ألا نصبحُ نحن أنفسنا آلهة. ببساطة لأننا جديرون – فيما يبدو – بذلك؟ " (1).
لكن، للأسف تنطوي دلالة "موت الإله" ـــ كذلك ــــ على العديد من النتائج المدمِّرة، منها: "موت الحقيقة"، و"موت المعنى"، و"موت الميتافيزيقا"، و"موت الأخلاق"؛ إلى أن تنتهي بحلول "الإنسانيِّ" في "الماديِّ"، فتُخضع الإنسانَ لمعايير المادَّة، ومن ثمَّ يتمُّ الإعلان عن "موت الإنسان".
يقول الدكتور أحمد عبادي: "نيتشه الذي أعلن عن موت الإله، هو في حقيقة الأمر أعلن عن موت الإنسان" (2).
واليومَ، على مشارف الألفية الثالثة، نسجِّل بصوت جهور موت "فلسفة الموت" أو "موت الموت"، بعدما أودت بالبشرية في مهاوي لا قعرَ لها؛ ثم على إثر ذلك "مات القاتل" نفسُه، وبقي ذكره عبرةً ولعنةً في جبين القرن الماضي، لما خلَّفه من دمار وخراب، ومن فتن وحروب، أبدع فيها حامل هذه الأوهام أيما إبداع، في سُبل التقتيل والتنكيل، والاستدمار وهتك الحرمات، ولم يكن الطرفُ المقابل، قادرا ولا جاهزا للمواجهة؛ فصدق في ذلك قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ.
__________
(1) - نضال البيابي: أنت ضحية لها، قراءة لفلسفة العدمية لنيتشه؛ موقع حكمة. الرابط: http://www.hekmah.org
(2) - أحمد عبادي: الوجهة؛ مجلة حراء، عدد 25، يوليو-أغسطس؛ 2011م. (4/33)
صفحة 31
ولقد عجزنا فلم نفعل ولم نوقف النزيف، فكانت الأرض ــــ نتيجةً لذلك ــــ مستنقعًا للفتن، وساحة للفساد الكبير، ولا تزال.
أمَّا الذي بقي بعدَ هذا الانتحار الفظيع، فهو ـــ ولله الحمد والمنَّة ـــ: "الحياةُ"، و"واهبُ الحياة" سبحانه، و"السراج النبويُّ" المنير؛ أي بقي "الأملُ"، و"المستقبلُ"، ژ ژ ژ s ... s ک ک ژ.
ثالثا- نهاية النهايات:
يعرِّف عبد الوهاب المسيري رحمه الله، في "الموسوعة" "نهايةَ التاريخ"، بأنها: "عبارةٌ تصف اللحظة التاريخية التي تسودُ فيها الواحدية (الروحية أو المادية) في بساطتها واختزاليتها، التي تحوِّل الإنسان إلى شيء طبيعيٍّ/ماديٍّ، فلا يبقى سوى المبدأُ الواحد، الذي يستوعب الإنسانَ تماماً، فتختفي كلُّ الثنائيات، ويختفي الزمانُ والتدافع، ويختفي معها الإنسان المركَّب، بل الحيزُ الإنسانيُّ ذاته. وبما أنَّ ما يسود في العصر الحديث هو الواحدية المادية، فإنَّ عبارة «نهاية التاريخ» تعني، في واقع الأمر، نهاية التاريخ الإنساني وبداية التاريخ الطبيعي. وفي العصر الحديث ترتبط فكرةُ نهاية التاريخ باليوتوبيا التكنولوجية والتكنوقراطية وبالفردوس الأرضيِّ، وبفكرة العودة إلى صهيون" (1). فهي بالتالي تفارق الواقع، وتتنكر للإله، وتلغي الفردوس الأخروي.
وليس كتابُ "نهاية التاريخ" لـ"فرانسيس فوكوياما"، هو الوحيد الذي بشَّر بالنهاية، وصوَّح بها؛ وإن كان هو الأشهرُ والأكثرُ تداولا في الإعلام وفي الدوائر العلميَّة والسياسية؛ يقول "لوسيان سيف" في مقاله "إنقاذ الجنس البشري، وليس فقط الكرة الأرضية": "لقد باتت مراكمةُ الرأسمال أكثر فأكثر من دون هدف. وما نعيشه هو الفشل التاريخي لطبقة احتكارية باتت من دون هدف تمدينيِّ، تدَّعي أننا محكومون بـ"نهاية التاريخ" هذه، إنه "موت المعنى" المنتشر في كلِّ مكان عبر النظرة المتوحِّشة للربحية ... حيث لا يمكن لأيِّ مشروع بشريٍّ أن يجد متنفَّسا له" (2).
__________
(1) - عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. مادة "نهاية التاريخ". الرابط:
http://www.elmessiri.com/encyclopedia
(2) - لوموند ديبلوماتيك ( Le Monde Diplomatique)، عدد 3702، أكتوبر/نوفمبر 2011م. الرابط:
http://www.mondiploar.com/article3702.html? (4/34)
صفحة 32
و"نهاية التاريخ" تعبير عن نهايات أخرى منها: "نهاية الإنسان"، و"نهاية المعنى"؛ ولفوكوياما كتاب آخر هو بالأصل مقالة منشورة في مجلة "ناشيونال انترست" صيف عام 1999، بعنوان "نهاية الأنثروبولوجيا".
واليومَ، رغم أنَّ الدوائر الرسمية لا تزال وفية لنظريات "النهاية"؛ إلاَّ أنَّ الواقع العالمي، والإنسان/الإنسان؛ تيقنا أن لا معنى للنهاية، بالمدلول الذي طرحه قساوسة العلم في هذا العصر، ذلك أنَّ المشاكل اليومية ما انفكت تتعقَّد، وأنَّ مثل هذه الطرحات كانت خلفية للحروب الجديدة، التي خاضتها دول قوية على دول أخرى ضعيفة؛ وأننا لو واصلنا على هذه الوتيرة سوف لن نحقق "الفردوس الأرضي" كما يدَّعون كذبا وزورًا، بل سنغرق جميعا في الجحيم الأرضيِّ ... إن لم يكن اليومَ، فغدًا.
رابعا- ما بعد المابعد:
الوصف: http://2.bp.blogspot.com/-rA3wYSxy1LI/TWZtBDanD4I/AAAAAAAABEY/IIxIIhfkavU/s1600/post+modern.jpg المصطلحات التي تبدأ بالكاسحة " post" والتي تعني حرفياً "بعدَ"، ولكنَّها تعني في واقع الأمر "نهايةً أو تَحوُّلا جوهريًّا كاملا" مثل: post-modern بمعنى "ما بعد الحداثة"، و post-industrial بمعنى "ما بعد الصناعي"، و post-capitalist بمعنى "ما بعد الرأسمالي"؛ و post-historical بمعنى "ما بعد التاريخ" التي تعني في واقع الأمر "نهاية التاريخ".
وأحسن وصف لمدلول "ما بعد الحداثة"، مقولة رئيس الجمهورية التشيكية، الكاتب المسرحي الشهير "فاكلاف هافل"، التي وصف فيها أمله في "عالم ما بعد الحداثة" باعتباره واحدا مبنيا على أسسٍ علمية، ولكن المفارقة فيه "حيث كلِّ شيءٍ ممكن، ولا شيء مؤكدٌ تقريبا (1).
ومصطلح "ما بعد الحداثة"، في جلِّ استخداماته يصف الاتجاهات التي يُنظر إليها على أنها نسبية، أو مضادة للتنوير، أو المناوئة للحداثة؛ لاسيما فيما يتعلق بنقد العقلانية، أو الكونية، أو العلم. كما أنها أحيانا تُستخدمُ لوصف الاتجاهات في المجتمع الذي يُنظر إليه أنه نقيضٌ للنظم التقليدية للأخلاق.
وليست كلُّ مقولات "ما بعد الحداثة" خاطئةً، بخاصَّة ما كان منها نقدا
__________
(1) - هافيل: الحاجة إلى التفوق في عالم ما بعد الحداثة؛ كلمة في قاعة الاستقلال في فيلادلفيا، 4 تموز، 1994 (4/35)
صفحة 33
للحداثة؛ غير أنَّ أسلوب ردَّة الفعل الذي لازم إيقاع "ما بعد الحداثة" جعلها تنحرف انحرافا شديدا، فعوض أن تعالج الداء بالدواء، راحت تداوي الداء بداءٍ أشدَّ فتكاً؛ وهذا دليل آخرُ على الحيرة، وعلى العجز عن إيجاد الجواب الشافي، والترياق المعافي، لما آلت إليه البشرية منذ أمد طويل.
مِن أين المخرج؟!
تقف البشريةُ اليومَ، بشقيها الغربيِّ والشرقيِّ على السواء، أمام العديد من الخيارات:
• إمَّا أن تواصل الكدح في حيرتها قرونا أخرى،
• أو تبحث عن جواب (أو أجوبة جديدة) ضالَّة مضلَّة،
• أو تهتدي إلى معنى "المعقولية"، و"الحقِّ"، و"الصواب" ... وهو المأمول بحول الله تعالى.
الوصف: http://ecx.images-amazon.com/images/I/41F7M1BFWGL._BO2,204,203,200_PIsitb-sticker-arrow-click,TopRight,35,-76_AA300_SH20_OU01_.jpg ألَّف "مراد هوفمان" كتابا بعنوان "الإسلام كبديل"، ولم يكن في الحقيقة من نوع الكتَّاب الذين يوظِّفون الشعارات الكبيرة الرنانة، لمجرَّد التهويل، وإنما هو عالِم محترَم، له خصائصه الفكريةُ والحضاريةُ، وصاحب منهج علميٍّ متميِّز؛ ومما جاء في كتابه: "إنَّ الانتشار العفويَّ للإسلام هو سمةٌ من سماته على مرِّ التاريخ، وذلك لأنَّه دينُ الفطرة المنزَّل على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم" (1). وقال في موطن آخر: "الإسلام دينٌ شاملٌ وقادرٌ على المواجهة، وله تميُّزه في جعل التعليم فريضة، والعلمِ عبادة ... وإنَّ صمود الإسلام ورفضه الانسحاب من مسرح الأحداث، عُدَّ في جانب كثير من الغربيين خروجاً عن سياق الزمن والتاريخ، بل عدّوه إهانة بالغة للغرب!! " (2).
والعالم "مراد هوفمان" يعرف أنَّ الكثيرين من الداخل والخارج على السواء، سيعتبرون هذا مجرَّد حملة دعائية، وأنَّ من المستحيل أن يعود الإسلام إلى واجهة التاريخ، ففنَّد هذا الزعم، وأشار بوضوح إلى شرط تحقُّقه، وقال: " لا تستبعد أن يعاود الشرق قيادةَ العالم حضارياً، فما زالت مقولة: "يأتي النور من الشرق" صالحةً ... إنَّ الله سيعيننا إذا غيَّرنا ما بأنفسنا، ليس بإصلاح الإسلام، ولكن بإصلاح موقفنا وأفعالنا تجاه الإسلام" (3).
__________
(1) - مراد هوفمان: يوميات مسلم ألماني.
(2) - مراد هوفمان: الطريق إلى مكة، ص148
(3) - مراد هوفمان: الإسلام كبديل؛ ص136. (4/36)
صفحة 34
كما كتب "هوستن سميث" مؤلَّفا بديعا، بعنوان "لماذا الدين ضرورة حتمية؟! "، طبَّق من خلاله منهج النفق المغلق، الذي صنعته المادية والعلموية المعاصرة، ونهايةُ النفق هي بالضرورة موصولةٌ بالوحي الإلهي، وقد اعتمد المؤلف على "البرادايمات" وعلى أسلوب "التمثُّل" ليعالج موضوعه، وهو وإن لم يؤكِّد على ديانة دون أخرى، إلاَّ أنه يشترط الوحيَ والمدد الرباني لبلوغ السعادة، وبغيرهما ستستمر البشرية في شقائها الانتحاري، وفي حيرتها اللامتناهية (1).
أمَّا الأستاذ محمد فتح الله كولن، فيقول في مقالة "رسالة الإحياء"، من كتاب "ونحن نبني حضارتنا": "إنَّ أمَّتنا أوَّلا وبالذات، ثم الإنسانيةَ جمعاء، بحاجة ماسَّة إلى فكر سامٍ يقوِّي إراداتنا، ويشحذ هممنا، وينوِّر أعيننا، ويبعث الأمل في قلوبنا، ولا يعرِّضنا للخيبة مرَّة أخرى. أجل، نحن بحاجة شديدة إلى أفكارٍ وغايات وأهداف سامية، ليس فيها فجواتٌ عقلية أو منطقية أو عاطفية، وتكون منغلقةً أمام السلبيات التي وسمت البشريةَ أوان حيرتها، وصالحةً للتطبيق كلَّما سمحت الظروف" (2).
إذن، ثمة اتفاق أنَّ كلَّ الظروف ملائمةٌ، وكلَّ الأسباب متوفِّرة؛ لأن تهتدي البشرية إلى الصراط المستقيم. لكنَّ السؤال الجدير هو: هل ستتشكَّل هذه الظروف وحدها، بلا جهد ولا اجتهاد ولا جهاد؟
هنا يأتي دور العلم ودور العالِم على إثر السراج النبويِّ، بدلالاتٍ ومراحل، هي نفسها دلالات ومراحل ما بعد "غار حراء":
- العلم: ژ چ چ چ ژ.
- الخلُق: ژ ? ? ... ? ں ں ژ.
- الدعوةُ (أي قيام النهار): ژ ھ ھ ... ے ے ? ... ? ژ.
- التبتل (أي قيام الليل): ژ ? ? ... ? ? ? پ پ پ ژ.
- الضرب في الأرض، والجهاد في سبيل الله: ژ چ چ چ چ ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ.
__________
(1) - هوستن سميث: لماذا الدين ضرورة.
(2) - فتح الله كولن: ونحن نبني حضارتنا؛ رسالة الإحياء. (4/37)
صفحة 35
أمَّا ذكرُ الله تعالى، وتلاوة كتابه الحكيم، فملازمٌ لكلِّ المراحل، وذلك بموجب ما ورد في جميع الآيات والسور، وباستقصاء سيرة النبيِّ الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
فالسراج النبويُّ إذن، قام على هذه الركائز، وعمادُها جميعا: "الإيمان بالله"، و"اليقين في الله"، و"صبغة الله" ...
فكلُّ عالِم، مهما كان تخصُّصُه، ومنصبه، ومسؤولياته، ومستواه، ومكانته ... وجب عليه أن يتحرك على إيقاع هذه المعاني، وأن لا يحيد عنها قيد أنملة، وإلاَّ كان وبالا على البشرية، وزادها شقاء إلى شقائها، وحيرة إلى حيرتها.
وبناء على هذه المقدمات نحدِّد جملة من مهامِّ العالم، وأمثلة من أدواره المنوطة، على إثر السراج النبوي، وهي كالآتي:
دور العالِم
علم موصول بالسماء:
تعالج "الرؤية الكونية" ثلاث علاقات هي العلاقة "بالله، وبالإنسان، وبالكون"؛ فكلُّ عِلم، وكل عالِم، لم يربط معارفه، ورؤاه، وتصوُّراته، ومفاهيمه، ومناهجه ... بالخالق وبالوحي؛ فإنَّه يتحوَّل إلى "تقنيٍّ" في العلم، صاحب تفاصيل وجزئيات، قد تكون نافعة آنيًّا، لكنها ستكون مضرَّة مهلكة ولو بعد حين. ولا يُستثنى من هذا الحكمِ العلومُ الطبيعية والرياضية والفزيائية، وغيرها مما لا يتعامل مع الإنسان مباشرة، إذ إنه في جميع الأحوال يعود بالنفع أو بالضر إلى الإنسان وحده.
ومن منطلق قوله تعالى لنبيه الكريم "اقرا باسم ربك"، نستنج اليوم أنَّ المخاطَب بالقراءة هم المسلمون؛ ذلك أنَّهم صاروا – والأسفُ ملء الجوانح – أقلَّ الأمم اهتماما بالعلم، وبالقراءة، وأضعف الشعوب صلة بالفكر، وبالعقل؛ أمَّا أمرُ الله تعالى أن تكون القراءة "باسم ربك" فالمخاطَب – بالدرجة الأولى – اليومَ هم الذين يقرأون، ويُنتجون المعرفة، ويتبحَّرون في العلم؛ لكن بغير اسم الله، بل في الغالب اتسمت هذه القراءة بمحاربة كلِّ الأديان، بغير استثناء؛ والانتقام من جميع القيم والغايات؛ وفي هذا السبيل ولدت نظريات "الموت"، و"النهايات"، و"الصدامات"، والصدمات".
ولو أنصف العلم في عصرنا، لأدرك أننا لم نخلق إلاَّ "لنعرف الله ونعرِّفه"، "فالعيش بمقتضى القصد الإلهي هو سرُّ خلقتنا" (1).
__________
(1) - فتح الله كولن: طرق الإرشاد؛ ص22. (4/38)
صفحة 36
فعلى العالِم المسلم، المستنير بالوحي وبالسراج النبوي، أن يحمل على عاتقه مهمَّة تصحيح "الرؤية الكونية"، فمن واجبه إحلال "الرؤية الكونية التوحيدية" بديلا عن "الرؤية الكونية المادية الإلحادية" في الدوائر العلمية المختلفة؛ أي من واجبه إعادة العلاقة بين "الله، والإنسان، والكون" إلى نصابها؛ وذلك "بإعادة التأسيس للنظرة الكوزمولوجية ( Cosmologist)، ( علم الكونيات) التي تقول بأنَّ الحبَّ هو علَّة خلق الكون" عوضا عن النظرة "الواحدية" التي "أغرقت العلومَ في خضمِّ المادة، وأصبحت صمَّاء عمياء تجاه جميع العلاقات الدينية والخلقية والميتافيزيقية، وانقلبت إلى حالة ذات بعد أحادي" (1).
وعلمٌ نافع للخلق:
كان نبينا الأواه - صلى الله عليه وسلم - «إذا أصبح قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً» (2).
على ضوء هذا السراج النبوي الوهَّاج، يكون الهدف من العلم هو "النافعية" لا "النفعية"، ونعني بالنافعية الأثرَ الماديَّ والمعنويَّ، الدنويَّ والأخرويَّ معًا؛ فكلُّ علم لا يتحوَّل إلى فعل وحركية، ولا يسهم في إسعاد البشرية دنيًا وآخرةَ، ولا ينفع خلقَ الله، هو لغو وعبث وردٌّ.
أمَّا "النفعية"، التي تعني المصلحةَ، والأثر الآني، والمقابل المحسوبَ المباشر، فليست مطلوبةً ولا هي مستساغةٌ. بل هي محرَّمة شرعا، مرفوضة عقلا.
لبديع الزمان أبي العزِّ إسماعيل بين الرزاز الجزري كتابٌ بعنوان "الجامع بين العلم والعمل النافع، في صناعة الحيل"؛ هو موسوعة علمية، وخزانة للاختراعات والاكتشافات البديعة، حوت ما يزيد على خمسين اختراعا في شتى المجالات، بالتحليل وبالصور الهندسية؛ وهو مع ذلك يفتتح مشروعه الذي لا نجد له مثيلا لدى علماء العالم الإسلامي اليومَ، بقوله: "الحمد لله المبدِع صنعه في السمائيات، المودع أسرار حِكمه في الأرضيات، فهي نسخة من عالم ملكوته، ودليل قاطع على جبروته، أحمده على ما علَّم، وأستزيده من فواضل النعم، وهي
__________
(1) - أنس أركنه: فتح الله كولن، جذوره الفكرية، واستشرافاته الحضارية. ص213.
(2) - رواه ابن ماجه. (4/39)
صفحة 37
مطلوبات الحكم، حمدا يماثل بعض إحسانه، وجزيل امتنانه. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أشرف نوع الإنسان، وعلى آله والتابعين له بإحسان" (1).
وما محنة هذا العصر إلاَّ لكون من يكتشف ويخترع، وينفع العباد – آنيا على الأقلِّ – بالأدوية، والآلات، والوسائل، والتقنيات، والأطعمة، والأشربة، ووسائل الاتصال والتواصل ... وغيرها. هو في الغالب ممن يتنكَّر للخالق، ويلحد بالله؛ أمَّا من يدعو الناس إلى الصلة بالله، وينادي البشرية إلى الخير، فهو لا يزال – واحسرتاه – بعيدا عن التأثير المباشر، من إعمار الكون، والنفاذ إلى أقطار السماوات والأرض.
ولن تعرف البشرية فجرها الجديد، إلاَّ على يد علماء ربانيين، يصدق فيهم حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «الخلق عيال الله، أحبُّكم إلى الله أنفعكم لعياله» (2). فالعالم الذي لا ينفع خلق الله إذن، بجميع أنواع النفع ... العالِم الذي يعزل نفسه بين أفكاره، ويحيا مثل الأرضة على صفحات أوراقه؛ ويخاطب الناس بما لا يفهمون، هو أبعد ما يكون عن السراج النبويِّ، وهو ليس مؤهَّلا ولا أهلا لينال حبَّ الله ورعايته وعنايته.
وصدق مالك بن نبي في قوله: "إنَّ الماء لا يسقي الأرض التي تعلوه". فإن أردنا أن نهدي البشرية الحائرة، على ضوء السراج النبويِّ، علينا أن نكون أرفع منها مستوًى، وأعلى منها قدرًا، وأكثر منها نفعًا، وأزكى منها صدقًا؛ وإلاَّ اعتَبرَت خطابنا مجرَّد "ادعاء فارغ"، و"كلام لا يصدِّقه العمل".
التبليغ، غاية الغايات:
في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ العلماء ورثة الأنبياء. وإنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما وَرَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» (3)؛ فالحديث لا يعني أنَّ العلماء يرثون المعلومات والمعرفةَ فقط، ولكنَّهم يرثون كذلك غايةَ وجودهم، وحقيقة مسمَّاهم، وتبعات رسالتهم؛ يرثون مهمَّة "التبليغ والهداية"، و"الإرشاد والدعوة"، و"الإنذار والتبشير".
__________
(1) - منشورات "معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية"، سلسلة ج. الرقم 69. نشر فؤاد سوزكين، إكهارد نويبار، مازن عماري. 2002.
(2) - رواه البخاري.
(3) - رواه أبو داوود والترمذي. (4/40)
صفحة 38
فالعالِم اليومَ، ينبغي، مهما كان تخصُّصه، أن لا يقتصر على غايات دنيَّة، مثل الشهرة، والحظوة، والذكر، والمال، والمنصب؛ وإنما واجبه، اهتداءً بالسراج النبوي، أن يجعل غايته القصوى إرشاد الناس إلى الحقِّ، ووزعَهم عن الباطل ...
فالتبليغ الذي يعني "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، يجب أن يتخذه العالم، من منطلق عمله، مهمَّةً لا وظيفةً، رسالةً وأجرا لا منصبا وأجرة.
لكن، ينبغي كذلك، في عصرنا هذا، أن لا نقصر هذه المهمَّة في الصور المعتادة للتبليغ والدعوة، مثل الخطابة، والكتابة، والوعظ، والتدريس؛ مع أهميتها؛ وإنما الواجب يقضي ـــ إضافةً إلى ذلك ـــ أن ينبري العالِم لمعالجة "الرؤى الكونية"، و"تصحيح المفاهيم"، وخوض غمار حرب "مراكز التفكير"، و"اكتشاف أبعاد "التخطيط والتخطيط الاستراتيجي العميق"، ومعالجة "ما ينتج المعادي للإسلام وللبشرية من فلسفات، ومغالطات، ونظريات" من مثل نظريات "التطور"، و"صدام الحضارات"، و"موت المؤلف"، و"البنوية"، و"الفوضى"، و"الحروب الناعمة" ... الخ.
فإن لم يكن العالم اليومَ دليلا رائدا لا يكذب أهله، لمثل هذه المخطَّطات التي تعدُّ بعناية فائقة، فمن ذا الذي يتكفَّل بهذا الثغر الخطير؟!
الهمُّ والاحتراق والشفقة:
"عندما لايحترق القلب شوقاً، والروحُ عذاباً، والذهنُ هماً، فلا تتكلم! ... وإلاَّ فلن تجد أحداً يصغي إليك. عندما لا يملأُك الشعور بأنّ دعوتك هي قلبُ الكون، وروحُ الوجود، وأنها ميزانُ العالم، وصمَّام أمنٍ وأمانٍ له، فكيف تواتيك الشجاعة لمواجهة العالم كلِّه؟! " (1).
نقرأ معاني هذا الاحتراق، في العديد من الآيات القرآنية التي تعرض حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قومه، وهو يعلِّمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، ويرشدهم؛ وذلك بعد أن تلقَّى الأمرَ من السماء، فأخذه على محمل الإيمان، وأخلص له، وفي سبيله ارتعد وارتعش، ثم تدثَّر وتزمَّل؛ حتى نزل عليه وحيا من العليم الحكيم: "يا أيها المدثر"، و"يا أيها المزمل".
ولم تخبُ جذوة الحسرة والهمِّ عند الرسول عليه السلام طرفةَ عين، حتى كان ربُّه الرحيم يواسيه، ويهدِّئ من روعه، ومِن ذلك قوله تعالى: ژ ں ں ? ?
__________
(1) -محمد فتح الله كولن: طرق الإرشاد في الفكر والحياة؛ 5. (4/41)
صفحة 39
?? ژ (فاطر: 08)، ژ ہ ھ ھ ھ ... ھ ے ے ? ? ? ژ (النمل: 70)، "ژ ? ? ? ? ? ? ? ژ (يوسف: 103).
ولقد كانت الشفقة سمة الدعوة عند الرسول الحبيب - صلى الله عليه وسلم - فكان قلبه ينبض على وقع البشرية قاطبةً، يفرح لفرحها، ويحزن لحزنها؛ مِن أبسط إنسان مكانة إلى أرفعهم قدرًا؛ ولقد قال نفديه بأرواحنا ومُهجنا: "إنَّما أنا لكم مثل الوالد" (1). بل قد يحدث أن يقسو قلبُ والد على ولده، ولكنَّ المصطفى عليه السلام لا يغلُظ قلبُه شرو نقير. كيف لا، وهو الذي نزل فيه: ژ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (التوبة: 128).
بالله عليكم، كم من العلماء والمرشدين اليومَ يحملون "ذرَّة" من هذا الهمِّ على البشرية الحائرة؟! وكم منهم يمارِس علمه رسالةً وجهادا واجتهادا، لا وظيفا وحِرفة ومصلحة؟! بل، كم منهم يبكي ليل نهار، بالغدو والآصال، شفقة على جماهير ألقِي بها بين مخالب الذئاب وأنياب السباع، تَنهش منها، وتغتال فيها المعنى، والقيمة، والخلق، والغاية، والحقَّ؛ فتتركها تائهة حائرة، شقيَّة هائمة، تبحث عن الدليل الخرِّيت ولا تجد؟!
أليس دورُ العالم أن يكون لها ملاذا، ومرشدا؟!
أليس مِن الحريِّ على كلِّ عالم أن يكون من الناس، يحمل همَّهم، يحترق لأجلهم، ويذوي شفقة عليهم؟!
احتمال الأذى، وتحمُّله، والصبر عليه:
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمِّنا عائشة رضي الله عنها: «لقد لقيتُ من قومِك ما لقيتُ» (2)؛ لا شكايةً وضجرًا، ولكن إخبارًا وتربيَّةً؛ وما ذلك إلا ليتلقَّف العلماءُ والمرشدون في كلِّ زمان ومكان هذه الدلالة الملازِمة لمهمَّة العالم والمرشد، فيحتمِلوا الأذى، ويتحمَّلوه، ويصبروا عليه.
وهكذا جميع الأنبياء عليهم السلام، وجميع الأفذاذ المجدِّدين عليهم شآبيبُ الرحمة، الذين رسموا بصماتهم على صفحة التاريخ، قال تعالى: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ... ? ... ? ژ.
__________
(1) - رواه أبو داوود، باب الطهارة 4؛ والنسائي، باب الطهارة 35.
(2) - رواه البخاري ومسلم. (4/42)
صفحة 40
يقول بديع الزمان النورسي: "لقد افتديتُ دنياي وآخرتي في سبيل إنقاذ ايمان المجتمع. لم أذق طوال عمري البالغ نيفا وثمانين سنة شيئا من لذائذ الدنيا ... قضيتُ حياتي في ميادين الحرب وزنزانات الأسر، أو سجون الوطن ومحاكم البلاد، لم يبق صنفٌ من الآلام والمصاعب لم أتجرَّعه، عوملتُ معاملة المجرمين في المحاكم العسكرية العرفية، ونُفيت وغُرِّبت في أرجاء البلاد كالمشرَّدين، وحُرمت من مخالطة الناس شهورا في زنزانات البلاد، وسُمِّمت مرارًا، وتعرَّضت لإهانات متنوِّعة، ومرَّت عليَّ أوقات رجَّحت الموتُ على الحياة ألف مرَّة، ولولا أنَّ ديني يمنعني من قتل نفسي فربما كان سعيدٌ الآن ترابا تحت التراب .. » (1).
أمَّا مالك بن نبي فيكتب في بعض دفاتره ومذكِّراته: «مرَّة تلو أخرى لا أجد السلام لي في هذا العالم، إنها الخيبة والشكُّ في كلِّ شيء ... إذا لم تتداركني رحمة الإله فأنا ضائع جسمًا وروحًا، مثل زورق في محيط تلهو به الأعاصير العاتية، متى تعرف طريقي نهايتَها إلى الجهة الأخرى من الحياة؟ يا ربِّ، امنحني بعض الأمتار، بعض السنتيمترات، أقصِّر بها طريقي الشقية، فأنا متعب» (2).
وما يضير العلماء الربانيين الوارثين، أنهم أوذوا وصبروا، فلم يبدِّلوا ولم يغيِّروا؛ وكانوا أصحاب رسالة ومشروع وغاية؛ لا طامعي حُظوة ومكانة وأجر؛ فهؤلاء وأمثالهم يصدق فيهم أنهم استناروا بمشكاة النبوة، وساروا على درب الأنبياء؛ وما أشبههم بسحرة فرعون حين قالوا لفرعون: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ (طه: 73).
هكذا فليكن العالم، أو ليصمت!
العالِم أوان الفتن (خاتمة):
أشدُّ الناس امتحانا وزلزلةً أوان الفتن العلماءُ، ذلك أنهم مأمورون شرعا بالوقوف إلى جوار الحقِّ، من جهةٍ؛ ومأمورون من جهةٍ ثانية بأن يطفئوا تلك الفتن بالحكمة، التي
__________
(1) - كليات رسائل النور، سيرة ذاتية؛ تر. إحسان قاسم صالحي؛ نشر دار النيل؛ ط1: 1429/ 2008م. ص490 - 491
(2) - محمد باباعمي: مالك بن نبي، من سمات التخلف إلى بذور الحضارة؛ مجلة حراء، عدد 27، نوفمبر ديسمبر 2011م. (4/43)
صفحة 41
غالبا ما لا يقبلها ولا يتقبَّلها الطرف الأقوى، بل والطائفتان جميعا، في بعض الأحيان؛ ولذا كان دورُ العالم أوان الفتن ابتداءً هو "فهمُها"، و"تحديدُ أسبابها الحقيقة"، والحذر من أن تتمَّ "مغالطته"، أو "التلاعبُ بمشاعره"، أو حتى "التشويشُ على مواقفه وخطابه" (1)؛ ثم إنه لا يملك السكوتَ، والتفرُّج؛ ولقد كتبَ الدكتور عبد الرزاق قسوم، يوم كانت الفتنة بالغةً عنان السماء في الجزائر، كتابًا معبرا دالا عنوانه: «نزيف قلم جزائري!»، ضمَّنه مقالا بعنوان: «علماء الجزائر، ما لهم لا ينطقون؟!».
ورغم أنَّ الشيخ أحمد سحنون – رحمه الله –، وهو من علماء الجزائر المشار إليهم بالبنان؛ قد ردَّ عليه بقصيدةِ "لا تُطل لومي"؛ إلاَّ أنَّ السؤالَ سيبقى عالقًا، والجوابَ سيغدو واجبًا؛ عالقًا في عنق كلِّ من أناره الله تعالى بنورِ العلم، واجبًا على كلِّ من تخذ النبيَّ الكريم أسوة وقدوة.
اليوم، والفتنُ تعصف أعاصيرَ هوجاء على جميع بلاد المسلمين؛ وهم في جميع الأحوال الضحيةُ الأولى والمتَّهم الأوَّل، لا يُنتظر الكثير من مدخل السياسة، ولا مِن باب حقوق الإنسان، ولا من أيِّ جهةٍ مهما كان شأنها؛ وإنما الطرف الوحيد الذي يملك مفاتيح الحلِّ، ويضع يده على فتيل السراج، هم العلماءُ الصالحون المصلحون، من كلِّ تخصُّص وفنِّ؛ فإن هم أدَّوا ما عليهم أمَّلنا الخيرَ للأمَّة، وإن هم تقاعسوا – لا قدَّر الله – فإنَّ الشقاء سيكون قدرها إلى أمدٍ بعيد.
وليس المطلوب من العالمِ أن يصف الدواء، ويكتب عنه، ولا أن يتحدَّث عن السراج، ويفتخر به؛ وإنما عليه واجب آخرُ هو النزولُ إلى الأرض، وحقنُ المريض بالجرعات اللازمة من الدواء، وحملُ السراج إلى المناطق المظلمة: من مدرسةٍ، وجامعةٍ، وبرلمانٍ، ومخبرٍ، وقناةٍ، وسوقٍ ... وغيرها. وهذا ما يمكن أن نسميه "تحويل الفكر إلى فعل"، و"تجسيد العلم بالعمل"؛ مصداقا لقوله تعالى: ژ ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ (المائدة: 45).
- - -
__________
(1) - انظر ــــ مالك بن نبي: الصراع الفكري في البلاد المستعمرة. (4/44)
صفحة 42
سمات الدرس العقدي
عند الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض
د: حمو بن عيسى الشيهاني
معهد العلوم الإسلامية ــــ خروبة ــــ الجزائر
ق
قيّض الله لهذه الأمّة علماء يجدّدون لها أمر دينها، ويصلحون ما اعترى واقع المسلمين من صُوَر الفساد، وسلكوا في سبيل ذلك مختلف المناهج، ومن هؤلاء المجدّدين الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، الذي اعتبر حركته امتدادًا لجهود باعث النهضة الحديثة بوادي مزاب الشيخ أبي زكريا يحيى بن صالح الأفضليّ (1126هـ/ 1714م ـــ 1202هـ/ 1788م) والشيخ عبد العزيز الثمينيّ وقطب الأيمّة الشيخ امحمد اطفيّش، حيث يقول: «نهضتنا اليوم استمرارٌ للنهضة الدينيّة والعلميّة التي بدأها الشيخ يحيى بن صالح الأفضليّ والشيخ عبد العزيز الثمينيّ ورفع لواءها بعدهما شيخُنا اطفيّش رحمهم الله جميعًا» (1).
دعا الشيخ بيّوض إلى العودة إلى المنهج القرآنيّ في إثبات العقيدة وتركيزها في النفوس، فعمل على تيسير عرضها، وتنقيتها من الإضافات التي تعلّقت بها عبرَ العصور بسبب الاختلافات المذهبيّة والسياسيّة، ويتميّز هذا المنهج بسماتٍ، منها:
أوّلاً: الشموليّة
إنَّ غاية الوجود الإنسانيّ تحقيق العبودية لله، لقول الحقِّ سبحانه وتعالى: ژ? ? ? ? ? ?ژ (الذاريات: 56)، والعبادة شاملة لكلّ جوانب الحياة الروحيّة والماديّة، فبهذا التصوّر يُفهم كمال الدين وتتجَلّى روحُه في حياة الأمّة (2)، ومن صُوَر "الشموليّة" التي يتّسم بها الدرس العقديّ عند الشيخ بيّوض:
__________
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، ط1، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة، الجزائر، 1400هـ/1980م: 4/ 141.
(2) إبراهيم بن عمر بيوض: روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم فِي العالم الإسلاميّ، الملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، تيزي وزو، 1393هـ/1973م، مطبعة البعث، قسنطينة، 1395هـ/1975م، 2/ 763. (5/45)
صفحة 43
1 - تكامل البنية الإيمانية
يشكل الدين وحدة إيمانية متكاملة، «بدءًا من رسوخ أصول العقيدة فِي أعماق القلب إِلى أقلّ عمل يصدر من جارحة من الجوارح» (1)، أما التجزئةُ التي فصلت الاعتقاد عن العمل وحصرت معنى العبادة فِي التلفظ بالشهادة أو فِي الطقوس التعبديّة، أو تجزئة الدين بالعناية بجانب عَلَى حساب جوانب أخرى ... عوارضُ وافدةٌ أصابت الأمّةَ الإسلاميّة بسبب التجزيء الذي تراكمت عليه فِي عصر الضعف، متأثرة بأسلوب العرض المذهبيّ للإسلام، وهيمنة الغزو الفكريّ فِي حياة المسلمين، ثُمّ قيّض الله لهذه الأمّة علماء تترى يجدّدون لها أمر دينها، ويصلون الانفصام الحاصل بين عقيدتها وسلوكها، ويبيّنون أَنَّ الدين حياة، وأنّ الحياة دِين.
من هؤلاء المجدّدين الشيخ إبراهيم بيّوض الذي جسّد هذه الخاصية فِي مواقفه ودروسه، التي يبيّن فيها أَنَّ مقتضيات الإيمان تتّسع لتشمل جميع جزئيات الحياة (2)، فالإيمان ليس مجرد كلمةٍ تقال، بل هو يقتضي التزام المؤمن بضوابط الشرع فِي جميع الأوقات، وأن يكون متوجّهًا بكلّيته فِي كلّ أحواله إِلَى الله تعالى قلبًا وقولا وسلوكًا (3)، «فالدين ليس أمرًا جزئيًّا، وكذلك ليس فكرًا مجرّدًا فحسب، وليس شعورًا مجرّدًا أو عملاً مجردًا، بل هو تعبيرٌ عن الإنسان» (4).
يتجلّى مبدأ تكامل البنية الإيمانية في التناسق العقديّ، حيث يحصّن المسلم من التناقض بين سلوكه ومعتقده، ومن أسباب تثبيت هذا المبدأ انتهاج أسلوب التفسير الموضوعيّ فِي علاج القضايا، وقد أولى له الشيخ بيّوض عنايته مؤكدًا على ضرورته، ذلك لأنَّ إغفال هذا المنهج يوصل إلى محذور النظرة التجزيئية القاصرة عن إدراك الصواب.
إذا كانت الشمولية تعني التكامل بين عناصر الإيمان كالتصديق والعمل، فإنّها تعني من العمل مفهومَه الواسع الشامل للجانب العباديّ والحياتيّ.
2 - شمولية الإيمان لحياة الإنسان
لا يقتصر الإسلام علَى التصديق القلبيّ ولا تتوقّف آثاره عند الأعمال العباديّة، بل تتعدّاها لتشمل كل تصرفات العبد وتحركاته فِي الحياة، ذلك لأَنَّ «الإسلام
__________
(1) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 7/ 96.
(2) م. ن، سورة الأحزاب: 12/ 327.
(3) م. ن: 12/ 149.
(4) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني فِي الإسلام: 29. (5/46)
صفحة 44
يعتني بكلّ شأن من شؤون الإنسان، فِي العلاقة التي بينه وبين الله، والعلاقة التي بينه وبين الناس، لأنه يريد من عبده المؤمن أن يكون كاملاً كمالاً تتحمّله طبيعة البشر: صحيح العقيدة صالح العمل، عفّ اللسان معتدل السلوك» (1).
فالإيمان الصحيح يثمر الدين الكامل المتمثّل فِي العمل الصالح بمفهومه الواسع الشامل للجانب التعبّديّ أو المدنيّ، فالاهتمام بالجانبين من شروط تحقيق الشهود الحضاريّ «فالإسلام يدخل فِي كلّ جزئية من جزئيات حياتنا: فِي أنفسنا، في بيوتنا فِي متاجرنا فِي مصانعنا فِي مزارعنا، فِي كلّ جهة توجّهنا إليها فِي كلّ ميدان خضناه، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إِنَّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها» (2) وهذه الفرائض وهذه المحرمات وهذه الحدود دخلت فِي جميع الميادين» (3).
إِنَّ الالتزام بضوابط الشرع فِي كل ميادين الحياة من ثمرات الإيمان الصحيح، كالشجرة المباركة المتميزة بالرسوخ والشموخ والأُكل المتدفّق فِي كلّ حين بإذن الله ربِّ العالمين، وهو القائل: ژ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ژ (إبراهيم: 24 ــ ـ25) وبما أَنَّ فروع الشريعة تَطال كلَّ جزئيات حياة الإنسان فإنّ من مقتضى الإيمان الاستقامة الشاملة المستمرّة مهما كانت الظروف، فالدين هو الحياة، بناؤه متكامل شامل لكل جوانبها لا يقبل التجزئة وفصل عناصره عن الهيكل الكليّ والتنسيق العام، لذلك يُعدّ «من أكبر عوامل الانحراف فِي فهم أيّ منهج أو مذهب أو موضوع أن يبدأه الدارس من جزئياته، أو لا يدرس منه إِلاَّ بعض هذه الجزئيات ... وسبب الانحراف أنه يفصل هذه الجزئية عن موقعها من البناء الكلّيّ، وبالتالي يفقدها حيويّتها» (4).
__________
(1) في رحاب القرآن، سورة لقمان: 11/ 404.
(2) رواه الحاكم فِي المستدرك على الصحيحين بلفظ: «إن الله حدّ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها ... ». الحديث: 7114، تح مصطفى عبد القادر عطا، ط1 دار الكتب العلمية، بيروت، 1411هـ- 1990م: 4/ 129.
(3) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 12/ 327.
(4) الزنَيْدي، عبد الرحمن بن زيد: مناهج البحث في العقيدة الإِسلاَمِيَّة في العصر الحاضر، دراسة لمناهج الفكر الإِسلاَمِي المعاصر وللعناصر الْمَنهَجِيَّة في دراسة أصول الدين، ط1، دار إشبيليا، الرياض، 1418هـ/1998م، ص: 427. (5/47)
صفحة 45
قَالَ الشيخ بمناسبة تفسير قوله تعالى: ژ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ژ (الفرقان: 52) «فلا تَفاوضَ أو مهاودةَ أو تنازلَ فِي أصول الدين الثابتة ولا تقبل فيها أنصاف الحلول، فليس الدين مالاً أو تجارةً أو مخاصمة دنيويةً حتّى يقع فيها مفاوضة ومصالحة بين طرفين» (1).
يبرز من هذه الفقرة البعد العقديّ للمناظرة فِي الإسلام، فدخول المؤمن المناظرة ودفاعه عن موقفه يجب أن لا يكون انتصارًا لنفسٍ أو مذهبٍ، إنما يكون انتصارًا للحقّ الذي أمر الله بالتمسك به والدعوة إليه، فالدين استسلام لأمر الله فِي كلّياته وجزئياته في جميع الأوقات والأحوال، وهو الصبغة العامّة لكل جوانب الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ...
3 - المجتمع المسجديّ والعمل للدارين
لا يعني المجتمع المسجديّ حياةَ الرهبنة والإعراض عن العمل، إذ أنه «لا رهبانيّة في الإسلام» بل المسلم يقتضي منه إيمانه أن يكون قويًّا فِي الجانب الروحيّ والماديّ معًا، مجتهدًا في عمارة المسجد وفي عمارة الأرض، «لكلّ نشاط وقته، فعلى المسلم أن ينظم أوقاته ولا يضيّع هَذَا ولا ذاك ... فعمل الدنيا والآخرة لا يتعارضان إِلاَّ عند البلداء السخفاء» (2) فالله سبحانه وتعالى قال: ژ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ژ (النور: 36 - 37) ولم يقل: "لا يتاجرون" لأن الله أمر بعمارة المسجد وعمارة الأرض، فالانتقال من التجارة إِلَى الصلاة انتقالٌ من عبادة إِلَى عبادة.
تقتضي الشموية اجتهاد المؤمن لإقامة الدين وعمارة الدنيا، فمن غلّب جانبًا عَلَى حساب الجانب الآخر فقَدَ توازنَه وكان عَلَى خطر عظيم فِي أمر دينه ودنياه، فمن أهمِّ أسباب تداعي الأمم عَلَى المسلمين سوء فهمهم للدين وغفلتهم عن شموليته لكل الميادين، فعمارة الأرض ليس ترفًا حضاريًّا بل هو من مقتضيات "لا إله إِلاَّ الله".
__________
(1) في رحاب القرآن، سورة الفرقان: 7/ 96.
(2) إبراهيم بيّوض: المجتمع المسجديّ: درس ألقي بمسجد القرارة يوم: 18/ 5/1973، قرص مدمج، تسجيلات الحياة- القرارة. (5/48)
صفحة 46
ثانيًا: الواقعيّة
كان الشيخ بيّوض يهدف من دروسه تغييرَ واقعه والنهوض بأمّته، فتميّزت دروسه بـ"الواقعية"، وظّفها لإيصال أفكاره الإصلاحيّة وتحقيق التغيير المنشود، ذَلكَ لأَنَّ فقه الواقع له دورٌ أساسيّ فِي التغيير، فكان الشيخ خبيرًا بواقعه الذي هو ميدان إصلاحه، وكان يرشد طلبتَه إِلَى ضرورة فهم هَذَا الواقع، وقد أغلظ عَلَى أحدهم القول عندما آثر الاشتغال بدروسه عَلَى حضور واقعةٍ تاريخية فِي سوق البلدة، فهدف الشيخ من دروس التفسير وغيرها إصلاح أوضاع الأمّة وتغيير طباع أفرادها، سالكًا لتحقيق ذَلكَ طريق الإقناع وتقريب المفاهيم من أذهان المخاطبين عَلَى اختلاف مستوياتهم ومداركهم، إسقاطًا للنصوص الشرعية عَلَى الواقع المعيش، وسعيًا لإيجاد الحلول للقضايا الراهنة بإرجاعها إِلَى أصولها الإيمانية، واتّسم خطاب الشيخ بيّوض بالواقعية من جهتين:
1 - واقعية الموضوع
فكان يركز الكلام عَلَى قضايا العقيدة التي ترتبط بها آثار عملية -متعلّقة بالجانب التعبدي أو الحياتيّ - ويعالج من خلالها صور الفساد التي طالت مجتمعَه الذي خبره، مستثمرًا أحداث العالم وأخباره التي يسايرها وكانت لها حضور وتأثير فِي دروسه، قال الشيخ عن نفسه بمناسبة تطرّقه إِلَى علاج إحدى القضايا الاجتماعية: «خذوا هَذِهِ الحكمةَ ممّن قضى نصف قرنٍ فِي حلِّ المشاكل ... » (1)
وذكر الشيخ بيّوض أنّه عايَن طقوس القبوريّين، حيث زار زاوية سيدي خالد ليلة 27 رمضان، ورأى فيها ما رأى من المنكرات والضلالات (2)، وهذه الزيارة الميدانية تقوّي فِي الشيخ عنصر الواقعية، التي تعينه على حلِّ مشكلات الحياة اليوميّة، فبقدر ما يتمكّن الطبيب من تشخيص المرض ومعاينته بقدر ما يهتدي إِلَى وصف الدواء المناسب، و"الحكمُ عَلَى الشيء فرعٌ عن تصوّره"، وكثيرًا ما كان يقرّر عنوان الدرس بناءً على حادثةٍ في شؤون الشريعة أو الحياة وقعت هنا أو هنالك، فكان يستوحي درسَه من الواقع قصد إصلاحه، ومن ذلك قوله عندما بلغه نبأ إحدى المشكلات: «سأتحقق من القضية وأقرّر فيها درسًا إن شاء الله» (3).
__________
(1) في رحاب القرآن، سورة الأحزاب: 12/ 686.
(2) م. ن، سورة سبأ: 13/ 125.
(3) م. ن، سورة الزخرف: 17/ 492. (5/49)
صفحة 47
يشهد واقع المسلمين اليوم مشكلاتٍ عقديةً كالولاء للغرب، والتنصير والإلحاد، إلا أن كثيرًا من الدعاة انشغلوا عن علاجها بالاشتغال بالخلافات الداخلية الوهميّة، «وللأسف أَنَّ كثيرًا من جهودنا نهدرها فِي أمور ليست ذات أهمية بل لعلّ الصوابَ فيها مع مخالفينا ونترك الأمور البالغة الأهمية زعمًا منا أنها غير موجودة» (1).
2 - واقعية المنهج
يحرص الشيخ بيّوض عَلَى مخاطبة الناس بما يفهمون، كاستعمال الثلاثية الألسنيّة وتقريب الفهم بضرب الأمثلة من الحياة الواقعية، وتوظيف علوم العصر من أسرار النفس وقضايا الاجتماع واكتشافات الكون، بهذا المنهج الميسّر عرض الشيخ بيّوض الإيمان وأركانه، وربط به قضايا عصره.
خاصّية الواقعية تمكّن المتلقّي من استيعاب معاني العقيدة الإسلامية واكتساب آثارها العملية، فيتجاوز بذلك مرتبة رسم حدودها وصياغة الردود فيها ... فقد كان الشيخ بيّوض يهتمّ بإسقاط الآيات المراد تفسيرها عَلَى أرض الواقع قصدَ إصلاح صور الفساد الواقعة فِي محيطه، مجتهدًا في ربط القضايا الواقعية بأصولها الإيمانية، مراعيًا فِي ذلك مقتضى الحال، ومستثمرًا ما أنتجه العقل الإنسانيّ من علوم وفنون، وكان للنظرة المقاصدية دور كبير في انتهاج هذا المنحى.
ثالثًا: النظرة المقاصديّة
إذا استحضر العالِمُ مقاصدَ الدين العامّة، وهو يتناول بالدراسة قضاياه الأصولية أو الفرعية، تخطَّى الرؤية الجزئية للنصوص من جانب، والرؤية الجزئية لقضايا المجتمع من جانب آخر، وتجاوزهما إلى رؤية شاملة للنصوص ولقضايا المجتمع الواقعة أو المتوقَّعة، وهكذا عرض الشيخ بيوض مسائل الاعتقاد، وسيتضح ذلك من خلال النقاط الآتية:
1 - الهدف الإصلاحيّ
كان الشيخ بيّوض يقصد من الدرس العقديّ صلاحَ الأعمال وتحقيقَ الاستقامة التي تعدّ ثمرةَ الإيمان الصحيح، ويتجنّب المشاحَة في الألفاظ- ولو خالف مشهور مذهبه الإباضيّ- ما لم يؤدِّ ذلك إلى محذورِ مخالفة النصوص القطعية والمقاصد العامة للدين، فعندما يتحدّث الشيخُ عن مسألة الإيمان وعلاقته بالعمل – مثلاً- لا
__________
(1) المالكي، حسن بن فرحان. قراءة في كتب العقائد (المذهب الحنبليّ نموذجًا)، عَمان- الأردن: ط2، مركز الدراسات التاريخية، 1425هـ/2004م، ص17. (5/50)
صفحة 48
يركز على نقطة اقتضاء العطف بينهما المغايرةَ أو عدَمَها، بل يركّز على ضرورة تلازمهما و عدم جدوى أحدهما دون الآخر (1)، وذهب إلى أبعد من ذلك، حيث صرّح بعدم أهمية معرفة دخول العمل في مفهوم الإيمان أو عدم الدخول لأنَّه يرى أنَّ المقصد هو العمل بمقتضى الإيمان، حيث يقول: «أمَّا مفهوم كلمة "إيمان"، هل يدخل فيه العمل الصالح أم لا؟ فهذا لا يهمُّ ولو كان محلَّ نزاع ... وإنَّما الذي يضرُّ، والذي لا يجوز أبدًا، ويعتبر مروقًا من الملَّة والشريعة، أن يعتقد أحد أنَّه يجازى على عقيدة قلبه، وإن لم يعمل العمل الصالح الذي يجب عليه شرعًا، هذا الذي يخالف ما في القرآن، من فاتحته إلى خاتمته، ومخالف لكلِّ ما ورد في الحديث» (2).
يركز الشيخ بيّوض عنايته – فِي عرض العقيدة - على المسائل التي لها آثار عمليّة، تتجلّى في تزكية النفس والنهوض بالأمّة، وكان يتوسّل إلى تحقيق الإصلاح الشامل بتفعيل العقيدة وتحريك الإيمان في القلوب، ليقينه بأنَّ ذلك أحسن طريقة لتخطي العقبات الكؤود، وتحطيم الحواجز الوهميّة التي كان للتراث العقديّ دورٌ كبير في نصبها، فحالت بين العبد وبين بلوغ العديد من مقاصد الدين، منها "الوحدة الإسلامية".
2 - أساليب تحقيق الوحدة الإسلاميّة من خلال الدرس العقديّ
يُعَدُّ مقصد تحقيق الوحدة الإسلامية من أهمّ أهداف الشيخ بيّوض الإصلاحية، دعا إليها في دروسه وجسّدها في مواقفه، فهو يعتقد بوجوب وحدة الأمّة، لقوله تعالى: ژ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ژ (الأنبياء: 92) فما دام الله متفرّدًا بالربوبيّة والألوهيّة فينبغي ألاّ يكون فِي الأرض إِلاَّ أمة واحدة تدين لله بالخضوع والذلّة (3)، وكان الشيخ يحرص «على توحيد الصفّ حرصَه على توحيد الربّ، فقد كان يرى أَنَّ من مكملات إيمان العبد، بل من مقوّماته، لمّ الشعث ورأبَ الصدع وتأليف العناصر، ووقفتُه التاريخيّة المشهورة فِي سبيل وحدة الشمال والجنوب فِي الظرف العصيب أعظم شاهد» (4).
__________
(1) في رحاب القرآن، سورة الكهف2/ 356؛ الفرقان: 7/ 96؛ الأحزاب 12/ 231؛ الشورى:17/ 269 - 270.
(2) م. ن: سورة الأنبياء: 4/ 100.
(3) م. ن، سورة الأنبياء: 4/ 202.
(4) محمد صالح ناصر: فِي رحاب القرآن (المهرجان والتأبين)، كلمة الشيخ حمو بن عمر فخار فِي تأبين الشيخ بيّوض:128. (5/51)
صفحة 49
يضع الشيخ بيّوض مقصد "الوحدة الإسلامية" نصب عينيه وهو يدرسُ قضايا العقيدة، مؤمنًا بكون الوحدة الصادقة من ثمرات التوحيد الخالص، ويتّضح ذلك من خلال الآتي:
أ- الكفّ عن القول بغير علم
توقّف الشيخ بيّوض عن الخوض فِي تفاصيل المسائل وجزئياتها التي لم يرد فيها دليل قطعيّ، معتقدًا أنَّ البحث فيها لا يخرج بنتيجة يقينية تطمئنُّ إليها النفس، بل يفتح الباب واسعًا للقول بالرأي فِي القضايا التي لا تدرَك إلاَّ بالوحي، فينتج البحث عن اختلافٍ فِي الرؤى، ينتهي إلى التنازع والخلاف اعتبارًا لكون موضوع الجدال مسألةَ اعتقاد، ومن المسائل التي توقّف الشيخ بيّوض عن الخوض فيها معرفة حقيقة كلام الله، حيث فوّض فيه الأمر إلى الله تعالى، وانتقد الخائضين فيه بقوله: «فأنتم الذين خضتم فِي الكلام وتنازعتم فيه، وكفّر بعضُكم بعضًا (1) وقتل بعضُكم بعضًا من أجله .. » (2).
ومن تفريعات هذه القضية التي توقّف الشيخ بيّوض عن الخوض في تفاصيلها مسألة تكليم الله عزّ وجَلَّ موسى عليه السلام، حيث رفض البحث عن كيفية سماعه ولغته وجهته ... معلّلاً أنّ البحث فِي مثل هذه القضايا اتباعٌ للظنّ، وسببٌ لتشتيت وحدة المسلمين، معتبرًا بمحنة الإمام أحمد، يقول الشيخ بيّوض: «وكلّ هَذَا دخولٌ فيما لا يعني، بل لا نحترس أن نقول: إنه دخولٌ فيما لا يجوز، فمن أين أن نعرف؟ "فالعجز عن إدراكه إدراك والخوض فِي إدراكه إشراك"، وخاصة فِي مسألة الكلام التي طال فيها الجدال عَلَى أيدي أناسٍ دخلوا الإسلام لإفساد الإسلام، وخلقوا الفتنة التي ابتلي بها كثيرٌ من الناس فِي زمان مضى، كما ابتليَ البلاءَ الكبير التقيّ الورعُ المتمسّك بالسنّة الإمام أحمد بن حنبل» (3)؛ فموقف الشيخ بيّوض هو النهي عن الخوض فِي كلام الله، والاكتفاء بالتصديق والتسليم، لأن الخوض فِي مثل هَذَا مما هو خارجٌ عن نطاق العقل البشريّ لا يورث إِلاَّ الحيرة والفرقَة (4)، ومن ذلك قوله: «والله ما كان ينبغي ذلك الجدل، ويجب أن يُطوى ولا يُذكر، لأنه ما شتّت المسلمين إِلاَّ هو» (5).
__________
(1) القاضي عبد الجبار: المجموع فِي المحيط بالتكليف، المطبعة الكاثوليكية، بيروت. لبنان. د. ت. ن: 1/ 345.
(2) في رحاب القرآن، سورة القصص: 8/ 360، ولأبي الحسن الأشعريّ ردّ جميل على الذين يدينون بتكفير المخالف فِي هذه المسألة. (أبو الحسن الأشعري: رسالة فِي استحسان الخوض فِي علم الكلام، مطبوعة ملحَقة بكتابه " اللمع": 95 - 97).
(3) في رحاب القرآن، سورة القصص: 8/ 359.
(4) م. ن: سورة مريم: 3/ 240؛ طه: 4/ 240؛ القصص: 8/ 359.
(5) م. ن: سورة القصص: 8/ 360. (5/52)
صفحة 50
ب- التأويل وعدم القطع بخطأ المخالف
للعلماء حقّ البحث والاجتهاد في فهم مراد الله من كلامه، ويرى الشيخ بيّوض أنه لا حرج في اختلافهم في التأويل ومحاولة الفهم بشرط أن تتوفّر في التأويل ضوابطه، و «أن لا يُعتَمد عَلَى قول من الأقوال، ويُعتَقَد اعتقادًا راسخًا أَنَّ هذا هو الحقّ، وغيرُه هو الباطل» (1)، فعلى المجتهد أن يعتقد أن ما انتهى إليه اجتهاده من تأويل أمرٌ ظنّيٌّ، يحتمل أن يكون خلاف مراد الله، فمن الحقِّ والإنصاف عدمُ القطع بخطإ المجتهد المخالف فِي المسألة، ولهذا المنهج أبعادٌ منها غلْقُ باب عريض للفتن والنزاعات، ذلك أنّ قطع عذر المخالف فيما يجوز فيه الاختلاف يُعدّ نواة الخلاف المذهبيّ، والسبب الرئيس لتشتيت المسلمين.
ج - لازم المذهب ليس بمذهب
من أكبر أسباب الخلاف المذهبيّ إلزام المخالف فِي الرأي بما لا يُقرّ به ولا يَدين، والمنصف المجانب لهذا الإلزام يسهم فِي القضاء عَلَى شقّة الخلاف ويدعو إِلَى الائتلاف، وذلك منهج الشيخ بيّوض حيث يعتبر إلزامَ الأطراف الأخرى ظلمًا (2).
من مزايا هذا المنهج:
1 - الاطّلاع عَلَى أقوال علماء المذاهب فِي مظانّها مباشرةً، وليس بواسطة كتب مخالفيهم.
2 - تقديم التصريح عَلَى الإلزام بما لم يُصرَّح به.
ولو اتبع كتّاب المقالات وغيرهم من الدارسين للمذاهب والفرق هذا المنهجَ لانسدّت كثيرٌ من أبواب الفتن والخلافات الوهمية.
د - القيام الجماعيّ بشرائع الدين
يرى الشيخ بيّوض أنَّ من أهمّ أسباب جمع شمل المسلمين وتوطيد روابطهم قيامَهم الجماعيّ بشرائع الدين، كصلاة الجماعة والحجّ والصوم، واصطلح عليها بـ "فتنة التشريع" التي يبتَلى بها صدقُ الإيمان، «فلو فرضنا أَنَّ الإيمانَ هو مجرّد قول" لا إله إِلاَّ الله" فقط من غير تشريع مطلَقًا فلا يمكن أن تكون جماعةٌ مسلمةٌ ... » (3) فوحدة المسلمين وتناصرهم وتعاونهم تتجلّى عند القيام بشرائع الدين، ومراعاةً لهذا
__________
(1) م. ن: سورة السجدة: 12/ 37.
(2) م. ن، سورة السجدة:12/ 33.
(3) م. ن: سورة العنكبوت: 9/ 25. (5/53)
صفحة 51
المقصد حرّض الشيخ بيّوض المسلمين عَلَى أداء صلاة الجماعة فِي مساجد الله بصرف النظر عن مذهب القائمين بشؤونها.
وفي مسألة الصوم والإفطار – مثلاً– اعتبر مبدأَ الوحدة الإسلامية فأفتى بجواز «الصوم والإفطار بالحساب الفلكي تأكيدًا لاتحاد الأمّة، ودفعًا للتفرّق والشقاق الذي كان يحدث فِي رمضان والأعياد بالاختلاف فِي إثبات رؤية الهلال» (1)، كما أصدر مجلسُ الشيخ عمّي سعيد الهيئةُ الدينية العليا لإباضيّة الجزائر-فِي فترة رئاسة الشيخ بيّوض- فتوى العمل بنداء السلطان بالصوم والإفطار.
وتندرج ضمن هَذه الأبعاد فتواه بوجوب صلاة الجمعة، وإقامتها -بالفعل- فِي وادي مزاب بعد أن تُركت لعهود طويلة استنادًا إِلَى فتوى عدم استيفاء شروطها، فرأى الشيخ بيّوض أن استصدار فتوى في الموضوع وتبيينها للناس من أوكد الواجبات عليه أمام الله وأمام التاريخ (2)، كما أفتى للإباضية المنتشرين فِي المدن الجزائرية أن يؤدّوها فِي المساجد الجامعة - لا فِي مصلّياتهم الخاصّة - اقتداء بسنّة النبيء - صلى الله عليه وسلم - مع صحابته من سكان الأحياء المجاورة للمدينة المنورة، وحرصًا منه عَلَى كسر الحواجز الوهمية التي يفرضها التعصّب المذهبيّ والتنافر بين أبناء الأمة الواحدة (3).
ثالثًا: ضبط مسائل الاعتقاد
توسعت مسائل العقيدة وتضخّمت، وتجاوزت ما كان معروفًا عند نزول قول الله تعالى: ژ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ژ (المائدة:03) وكان الصراع المذهبيّ والسياسيّ سببًا رئيسًا في استحداث مسائلَ واعتبارها من العقائدِ الأساسية، «فقد كانت معظم العقائد المدونة فِي كتب العقائد تعبّر عن مراحل تاريخية من مراحل الصراع السياسيّ والمذهبيّ فحسب» (4).
من خصائص المنهج العقديّ عند الشيخ بيّوض ضبط مسائل الاعتقاد التي يتعيّن علَى المؤمن أن يعتقدها ويكون له موقف ثابتٌ فيها، حيث أخرج من مسائل
__________
(1) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح:5/ 75.
(2) إبراهيم بيّوض، حديث الشيخ الإمام فِي صلاة الجمعة وما لها من الأحكام، الحلقة الثانية، إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش)، مطبعة النخلة، بوزريعة- الجزائر، نشر جمعية النهضة- العطف- غرداية. (د. ت. ن). ص:08.
(3) م. ن: 52.
(4) حسن بن فرحان المالكي: قراءة في كتب العقائد (المذهب الحنبليّ نموذجًا): 22. (5/54)
صفحة 52
الاعتقاد ما ليس منها، ممّا حفلت به كتب العقائد، فسعى إِلَى حصر هذه المسائل فِي القضايا الإيمانية التي تسند إِلَى أدلّة قطعيّة الدلالة والثبوت من الكتاب والسنة، فبمناسبة حديثه عن قضية المفاضلة بين الملائكة وبني آدم –مثلاً- قال: «ولا يمكن أن يعتقد فِي شيء من هَذَا إِلاَّ إذا كان هنالك دليل عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أو عن الله تعالى فِي كتاب، ولا دليل قاطع» (1)؛ ونقيس على ذلك جميع الآثار والروايات مهما اشتهرت، مالم تبلغ درجة القطع من حيث الثبوت والدلالة، فهي لا تردّ من أجل انعدام هذا الشرط، ولكن لا ترقى إلى درجة الاعتقاد، «وقد اشتهرت هذه الروايات، ولا يضيرنا نحن أن تكون أو لا تكون؛ لأَنَّها ليست مسألة عقديَّة» (2).
لا يُلزم المؤمن باعتقادِ رأيٍ معيَّن فِي مسألة- تعدم الدليل القاطع - وتخطئةِ من اعتقد فيها رأيًا سواه، لأنَّ الأدلّة التي لم تبلغ درجة القطع قابلة للنقد والردّ، فيقرّر الشيخ أنّ «المسألة ليست مسألة اعتقاد» (3)، ومن ذلك قوله فِي ما روي عن مقدار عذاب أبي طالب فِي النار، فبعد أن ذكر جهود أبي طالب في الدفاع عن الدعوة الإسلامية فِي مهدها، وذكر الرواية التي تنصّ على أنه أقلّ أهل النار عذابًا، وهو أنه «يقف في ضحضاح من النار يغلي بها دماغه أبد الآبدين» (4)، قال: «هذا ما ورد، والعلم عند الله، وليس هذا بالعقيدة التي يجب أن نعتقدها، وَإِنَّمَا الذي نعتقده أَنَّ أصحاب النار هم دركات وعذابهم متفاوت، كما أَنَّ أصحاب الْجَنَّة درجات ونعيمهم متفاوت» (5).
ولهذا المنهج أبعاد منها:
1 - بناء الاعتقاد عَلَى أصلٍ يقينيٍّ حذر أن يعتقَد فِي شيء أنه مراد الله وَهُوَ فِي الحقيقة غير ذَلِكَ.
2 - المحافظة عَلَى الوحدة الإسلامية، وذلك بتضييق مجال الاختلاف وسدّ أبواب الخلاف، ذَلكَ أَنَّ إدراج قولٍ ضمن "مسائل الاعتقاد" يقتضي إخراج المخالف فيها من الدين،
__________
(1) في رحاب القرآن، سورة الإسراء: 1/ 48 - 49.
(2) م. ن: سورة الدخان: 18/ 12.
(3) م. ن: سورة الإسراء: 1/ 49.
(4) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيءَ - صلى الله عليه وسلم - وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ».البخاري: الصحيح، كتاب المناقب، باب قِصَّة أبي طالب، حديث رقم 3672، 3/ 1409.
(5) في رحاب القرآن، سورة الأحقاف، 18/ 326 - 327. (5/55)
صفحة 53
كقضية المفاضلة بين الملائكة وبني آدم التي قال الشيخ عن المختلفين فيها: «ومن الغريب أنهم كفّروا بعضهم ولعن بعضُهم بعضًا، والمسألة ليست مسألة اعتقاد» (1).
إنَّ مسلسل الإضافات إلى العقيدة فرّق المسلمين، ذلك أنّ المؤلفين فِي العقائد «أدخلوا فِي العقيدة أمورًا أخرى ووسّعوا جانب العقيدة مع تشدّد على المخالفين فأدخلوا مباحث الصحابة والدجال والمهدي المنتظر والمسح على الخفين والجهر بالبسملة وغير ذلك ... وأصبح المخالف فِي شيءٍ من ذلك مبتدعًا عندهم» (2).
وقد صرّح الشيخ بهذا البعد العقديّ فِي مناقشته "القول بخلق حواء من ضلع آدم" مؤكدًا عَلَى أنها مسألة ظنية لا ترقى إلى اليقين والاعتقاد كمسألة خلق آدم من تراب، التي صرّحت بها النصوص القرآنية، وفي الأخير ذكر الشيخ سبب تأكيده عَلَى أنَّ هذا القول ليس من مسائل الاعتقاد: « ... هذا ما يجب أن نقوله حتى لا يعتمد أحدٌ عَلَى بعض الروايات –وإن اشتهرت- ويعتقدها حتى ينكر مَن خالفها أو قال بغيرها، والخطر كلّ الخطر إذا وصل إِلَى حدّ التكفير والتفسيق والتضليل!» (3).
3 - توفير الجهد للأيمة وسائر أفراد الأمّة للبناء الفكريّ والحضاريّ بدل استنزافها فِي قضايا مفتعَلة ومعاركَ كلاميةٍ نحن فِي غنًى عنها كمسألة "خلق القرآن" التي يرى الشيخ أنها فتنة أوقدها بعضُ مَن دخل الإسلام مكرًا به وإيقاعًا بين أهله (4).
رابعًا: التركيز علَى مسائل الاعتقاد
إِنَّ الغاية من البحث تحدّد طبيعة الوسائل الموصلة إليها، وقد تبيّن لنا أَنَّ من أَوْلَى مقاصد الشيخ بيّوض تحقيق الوحدة الإسلامية، لذلك لم يولِ اهتمامَه بمسائل الخلاف وصناعة الردود، بل ركز جهوده عَلَى استخلاص العبرة، وكثيرًا ما يطرح تساؤلات واحتمالات ويعقّب قائلاً: «كلّ هَذَا لا يعنينا» (5) إنما يعنى الشيخ بالمسائل التي يتعيّن علَى المؤمن أن يعتقدها ويكونَ له موقف ثابتٌ فيها، دون الاشتغال بسواها من القضايا المحشورة فِي كتب العقائد، لأن البحث فيها لا يثمر إِلاَّ حيرةً وفُرقةً، فحين حديثه عن نار جهنّم-مثلاً- تساءل عن المسافة التي تفصل بين الأشقياء وجهنّم
__________
(1) م. ن: سورة الإسراء: 1/ 49.
(2) حسن بن فرحان المالكي: قراءة في كتب العقائد (المذهب الحنبليّ نموذجًا):27.
(3) في رحاب القرآن، سورة صَ: 15/ 221.
(4) في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 9/ 209؛ الفتاوى: 1/ 22.
(5) م. ن: سورة مريم: 3/ 559. (5/56)
صفحة 54
حَتَّى يسمعوا زفيرها وشهيقَها فأجاب: «إِلاَّ أَنَّ هَذَا لا شأن يتعلّق به، ولا نحن مضطرّون إليه لفهم معنى الآية أو استخلاص العبرة منها» (1).
وعند وصف اصطراخ المجرمين فِي النار وهم يسألون ربّهم أن يخرجهم منها ليعملوا صالحًا، تساءل عن المدّة التي تفصل بين سؤالهم وجواب الله لهم، وأورد قول بعض العلماء ولكن لم يتبناه لمخالفة شرطه، ثُمَّ قال: «أمّا طول هَذِهِ المدّة فلم يصحّ فيها شيء عن الله - عز وجل - ولا عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - فلا نقطع بشيء ولا نعلم مقدارها أهي بعد ساعة أو بعد يوم أو بعد عام، أو بعد ألف عامٍ، أو مليون سنة أو أكثر من هَذَا، لا ندري، إنّما يعنينا جوابُ الله تعالى: ژ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ژ (فاطر: 37)» (2).
ومن المسائل التي اعتبر الشيخ البحثَ فيها فضولاً السؤالُ عن كيفية وحي الله إِلَى أمّ موسى عليه السلام، هل أراها الله ذَلِكَ فِي المنام أم جاءها مَلَك فكلّمها، وهل هو جبريل أو غيره؟ «وأرى أَنَّ هَذَا فضولاً، ولا ينبغي الدخول فيه» (3).
- وكذلك مسألة التفاضل بين الملائكة، «ولا ندخل فِي هَذَا التفضيل بينهم، إِلاَّ ما ثبت من قرآن أو خبرٍ صحيح عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -» (4).
- والبحث عن كيفية تشكل الملائكة والجنّ، فنعتقد أَنَّ الله أعطى لها قدرةً عَلَى التشكلِ، أما السؤال عَن تفاصيل ذَلِكَ فَـ «لا طائل تحتها مطلقًا، وليس لنا فيها حظٌّ من النظر، فلا يضيع أحدنا وقته فيها سدًى، وهي ليست كالحِكم التي نبحث فيها للاطلاع عليها» (5).
- وكذا مسألة البحث عن اسم مؤمن آل فرعون، الذي قال عنه الشيخ: «ولو علم الله تعالى فائدة فِي ذكر اسمه الشخصيّ لذكره، ولكنّ الله تعالَى لم يخبرنا به واكتفى بقوله: ژ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ژ وكلّ بحث فِي اسمه ليس له معنى» (6)، ذلك أنّ القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد، وليس كتاب تاريخ وقصص فلا يَرَى فائدة في ذِكْر الأسماء.
__________
(1) م. ن: سورة الكهف: 2/ 237.
(2) م. ن: سورة فاطر: 13/ 518.
(3) م. ن: سورة القصص: 8/ 265.
(4) م. ن: سورة الصافات: 14/ 577.
(5) م. ن: سورة مريم: 3/ 59.
(6) م. ن: سورة غافر: 16/ 129. . (5/57)
صفحة 55
كما توقف الشيخ عن اعتقاد ما ورد من أخبار فِي تفاصيل وصف العرش، بل قال: «فليس من الشيء الكثير الذي ورد فِي هَذَا خبرٌ يقينيٌّ يُعتَمدُ عليه ... ولندع هَذَا إِلَى الله، وإنما الذي نتيقّنه أن وصف العرش بالعظيم ... نؤمن بأنّ العرش خلقٌ موجودٌ، وأن الله تعالَى جعل له حملةً، وحملته من خيار خلقه» (1)؛ فإن البحث عن التفاصيل التي سكتت عنها النصوص الصحيحة يشتّت فكر الدارس ويحجبه عن إدراك مرادها والاعتبار بها.
وبما أَنَّ أمورَ الغيب لا تؤخذُ إِلاَّ من القرآن أو السنة الصحيحة، فإن منهج الشيخ يعتبر السؤال عمّا ليس فيه دليلٌ قطعيٌّ تكلّفًا وفضولاً، فدأب عَلَى توجيه سائليه إِلَى الاهتمام بما يثمر البحث فيه إيمانًا وعملاً للمعاش والمعاد، ومن ذَلِكَ توجيه أحد سائليه عن مسائله التي تعدم الدليل القاطع: «فجوابنا عن سؤالك هَذَا هو: "الله أعلم" ... والاشتغال بغير هذا من المهمات الدينية والدنيوية أولى وأحرى، لأنَّ البحث فيما سألت عنه لا يأتي بنتيجة مطلقًا مهما طال وامتدَّ، فلا يعدو أن يكون تضييعًا للعمر فيما لا فائدة فيه» (2).
وبالمقابل فإنّ الشيخ يركز الكلام فِي قضايا الإيمان التي يجب عَلَى المؤمن اعتقادها، ويطيل الحديث فيها قصد التذكير والإقناع، خاصّة فِي القضايا التي أحسّ فيها من مخاطَبيه الشكّ، تأثّرًا بالأفكار الوافدة، وقد يصرّح الشيخ بهذه الطريقة، ومن ذلك قوله بعد طول بيان فِي موضوع "تزيين سوء العمل للإنسان": «وهكذا إِنَّمَا أطلت في هذا البيان لنحْذَرَ من طبقة الملاحدة وطبقة الشباب المنحرفين الذين يحسبون أَنَّهُم يحسنون صنعا بإنكار الأُلُوهِيَّة وإنكار البعث، وبالسخرية من شعائر الدين ومن المتمسِّكين بها، ويظنُّون أنفسهم العقلاء وغيرهم الجهلة المغفَّلين، إذ يؤمنون بما لا يرون، ويصدِّقون بما لا حقيقة له، على أَنَّ الله تعالى وصف المؤمنين أَوَّل ما وصفهم بقوله: ژ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ژ (البقرة: 2)» (3). وكان الشيخ يحذّر من البحث عن الكيفية في الشؤون الخاصة للذات الإلهية، لأنها مضيعة للوقت ومظنة للشك والزيغ، ويؤكد على ضرورة الإيمان إيمانًا غيبيًّا.
__________
(1) م. ن: 16/ 27 - 28.
(2) إبراهيم بيّوض: الفتاوى: 1/ 70.
(3) في رحاب القرآن، سورة محمد، 18/ 481. (5/58)
صفحة 56
رابعًا: التحرّر من التعصّب المذهبيّ
يشهد واقع المسلمين قديمًا وحديثًا خلافات تتأزّم في بعض الفترات من تاريخهم فتسفر عن حروب كلامية أو دموية ... يعدُّ التعصّب المذهبيّ إحدى الأسباب الرئيسة لهذه الأزمات، ويرى الشيخ بيّوض أن المشكلة ليست في تعدّد المذاهب، إنما هي في التعصب للمذهب، ذلك أنَّ التعصب المذهبيّ بدعة ظهرت فِي أتباع المذاهب الإسلامية، أما الأيمة فقد كان الواحد منهم يقول: «"إذا صحّ الحديث فهو مذهبي"، أو "إذا صحّ الحديث فاضربوا بكلامي عرض الحائط"» (1).
إنَّ المتفحِّص لتراث الشيخ بيّوض العقديّ يلحظ فيه ترفعًا عن التعصب لمذهبه الإباضيّ من حيث هو مذهبُه، وأنه كان يدعو إِلَى الحقّ من حيث هو حقٌّ لقوّة حجّته، وبيان ذَلِكَ:
أوّلاً: نبذ التقليد
تبرز خاصية نبذ التقليد فِي منهج الشيخ بيّوض من خلال دروسه ومواقفه، بل كان ينهى طلبته ومحبّيه أن ينصروه تقليدًا، يرشدهم إِلَى الرويّة وتحكيم العقل لقبول القضايا أو ردِّها عن قناعة ولو تعلّق الأمر بشخصه، ومن ذَلِكَ قوله: «إخواني وأبنائي لا أرضى ممّن يكون معي أو ينصرني تقليدًا، أريد أن يزن الناس كلامي بميزان العقل الصحيح الخالي من الأغراض، فإذا اقتنعوا بالحقّ أخذوه وحمدوا الله عليه، وإن وجدوه باطلاً ضربوا به عُرض الحائط» (2).
فكان الشيخ ينبذ التقليد فِي خطاباته وسلوكه، ففي درس التفسير –مثلا- الذي يعدّه بالرجوع إِلَى مصادر متنوعة، تبرز شخصيته فِي طريقة التحليل والنقد والعرض ... «فلم يكن هَذَا التفسير صدًى لأيّ فكرة سابقة أو مذهبٍ معيّن، بل كان فيه المفسرُ حرَّ الفكر منطلق الرأي لا ينتهي إِلاَّ إِلَى ما يطمئنُّ إليه عقلُه وضميرُه» (3).
__________
(1) إبراهيم بيّوض: روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم فِي العالم الإسلاميّ، محاضرة ألقاها بالملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، تيزي وزو، 1393هـ/1973م: 2/ 820.
(2) خطبة الشيخ بيّوض فِي غرداية شهر سبتمبر 1949م، ر. محمد علي محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح فِي الجزائر: 4/ 87.
(3) مسعود فلوسي: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض وتفسيره "فِي رحاب القرآن"، أعمال الملتقى الأول لفكر الشيخ بيّوض: 307. (5/59)
صفحة 57
لم تكن حال الشيخ مع قومه بدعًا من حال الدعاة المجدّدين مع أقوامهم، لأنَّ من طبع البشر أن يتهيّبوا من الفكر الجديد ويتمسكوا بالمألوف التليد، بحجة أنهم وجدوا عليه الآباء والأجداد، ويجد الداعية صعوبة في الإقناع بوجوب اتباع الحقّ المؤيّد بالحجة والبرهان، قال الشيخ بيّوض: «ليس لك أنْ تقول: أوائلنا أو آباؤنا، وَإِنَّمَا ليس لك إِلاَّ حُجَّة عَقلِيَّة تقولها إذا قلت، أو حُجَّة نَقلِيَّة عن المعصوم، أَمَّا كلمة: ژ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ ژ، فقد نَعَى الله تعالى عليها في كتابه في آيات كثيرة، لأَنَّهَا حُجَّة الضالِّين المتمسِّكين بعاداتهم وتقاليدهم، ومن العجيب أنْ يتمسَّك بها بعض من يزعم الإسلامَ والتمسُّكَ بالدِّين، فإذا دُعِي إلى ترك بِدْعة يقول: إِنَّا وجدنا آباءنا؛ أَمَّا لو قلت: هذا كلام الله، أو سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ما أجْمَعَت عليه الأُمَّة، فعلى الرأس والعين، أَمَّا قولك: إِنَّا "وجدنا آباءنا"، فَهَذَا باطل» (1).
إنَّ نبذ التقليد والتحرّر من التعلّق بالمألوف التليد يسهم فِي اتباعِ الحقّ بغضّ الطرف عمّن جاء به، وهذا يُعَدُّ خطوة عملية شجاعة في سبيل تحقيق وحدة المسلمين، وإذا أشربت القلوب طباعًا يصعب عَلَى أربابها تغييرها، فما عَلَى الداعية إِلاَّ أن يتدرّع بالجرأة والصبر لإصلاح ما كان منها مخالفًا للصواب بالحكمة وقوّة المنطق لا بمنطق القوّة، كذلك كان الشيخ بيّوض «يزيل الشبهات العالقة ببعض الأذهان، مبيّنًا المقاصد العليا للشريعة الإسلامية أو مجيبًا عن بعض الأسئلة الواردة فِي الموضوع بفصاحته المعهودة، وقوّة شخصيته المؤثرة، غير متملّقٍ ولا مدغدغ لعواطف الجمهور ممّن لا يزال يرزح تحت وطأة التقاليد، ولا ينفكّ عن قيود المألوف، وَهوَ الخبير بطبع المجتمع الذي يخاطبه، والحكيم فِي ابتهال الفرص المواتية والظروف المناسبة لإحداث التغيير دون رجّة تخلخل أركان المجتمع، أو ضجّة تعكّر هدوءه واستقراره» (2).
ثانيًا: توحيد المرجعية
يعنى بتوحيد المرجعية – في هذا السياق- الرجوع بالمسائل إلى مصادرها الأولى قبل حدوث الخلاف المذهبيّ فيها، وقبل أن تعتريها التفريعات والبدع، وقد كان الشيخ فِي مسيرته العلمية وحركته الإصلاحية حريصًا عَلَى تأصيل المسائل والمواقف التي يتبناها عَلَى ركيزتي النص والعقل، ومن ذلك دعوته المتمسّكين بتراث الأوائل أن يقتدوا بالرجل الأوّل فِي الأمة وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ونحن نقول مثل هذا الكلام للذين يتمسَّكون بالبِدع بناء على قولهم: إِنَّا وجدنا آباءنا، أو إِنَّا وجدنا أوائلنا ومشايخنا، نقول لهم: إِنَّ أوَّلكم هو النبيء - صلى الله عليه وسلم -، هل فعل شيئا مِمَّا تفعلون أمْ لا؟ فقولكم:"إِنَّا وجدنا آباءنا" لا يقوم حُجَّة إذا عارض آية صريحة أو سنَّة صحيحة، وقولكم هذا قد يُقْبَل مالم يُعارِض الطريق الذي سلكه السلف الأوَّلون: النبيء - صلى الله عليه وسلم - الذي قال فيه الله تعالى: ژ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ژ (الأحزاب: 21)، ومن بعده من خلفائه وصحابته - رضي الله عنهم -» (3).
كما كان الشيخ يحثُّ طلبته عَلَى روح البحث والمقارنة والنقد «ليطلعوا عَلَى أقوال المذاهب الإسلامية ويقارنوا بينها فيدركوا بالأدلّة القويّة الأصحّ منها، فلا يكونوا مقلّدين، ويعلّمهم فنّ البحث والنقد» (4)؛ ومن المسائل التي اتّخذ فيها الشيخ بيّوض موقفًا مستقلاًّ استنادًا إلى توحيد المرجعية موقفه من الصحابة - رضي الله عنهم -.
ثالثا: موقف الشيخ بيّوض فيما شجر بين الصحابة - رضي الله عنهم -
اِصطفى الله لنبيّه صحابة أخيارًا من المهاجرين والأنصار، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم لإعلاء كلمة الله فاستحقّوا نصرته ورضوانه (5)، وألزمهم كلمةَ التقوى وكانوا أحقّ بها وأهلَها، وقدّر الله أن يبلو هَذَا الرعيل الأوّل بفتن سالت بسببها دماء وزهقت أرواح ...
كانت هذه الأحداث ابتلاء للأمة الإسلامية من حيث تصدّع صفّها ومن حيث الخوض فيها إشباعًا لفضولٍ أو انتصارًا لحزب أو تبيّنًا قصد تطبيق الولاية والبراءة الشخصيتين.
يرى الشيخ بيّوض وجوبَ الوقوف وعدمَ الخوض فيما شجر بين الصحابة الكرام،
__________
(1) في رحاب القرآن، سورة الزخرف:17/ 462.
(2) إبراهيم بيّوض، حديث الشيخ الإمام فِي صلاة الجمعة وما لها من الأحكام، الحلقة الثانية، إعداد وتنسيق الشيخ محمد إبراهيم سعيد (كعباش):55.
(3) في رحاب القرآن، سورة الزخرف:17/ 465.
(4) محمد علي دبوز: نهضة الجزائر: 1/ 372.
(5) ألقى الشيخ بيّوض فِي مسجد القرارة، عام 1975م سلسلة من الدروس فِي هَذَا الموضوع فِي ثلاث حلقات، استنسخت ثُمَّ حققت وطبعت تحت عنوان: "فضل الصحابة والرضا عنهم" إعداد وتحقيق: بهون بن يوسف حميد أوجانة، إشراف الدكتور محمد بن موسى بابا عمي، معهد الحياة القرارة (غرداية) الجزائر، قسم التخصص شريعة، محرم 1417هـ/ جوان1996م. (5/60)
صفحة 58
مهما كان مبرّر الخوض فِي أعراضهم، «فلن يستطيع اليومَ أحدٌ أن يقول: "إِنَّ الواجبَ عَلَى المسلمين أن يبحثوا فِي تلك الفتن حتى يعلموا المحقَّ من المبطل والظالم من المظلوم» (1)، وحجّته فِي ذلك:
أولاً: إِنَّ الله تعالى لم يكلّفنا أن نحكم بينهم (2)، فلم يبتعثنا قضاةً عَلَى الناس، بل هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة، حيث يقول: ژ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ژ (الزمر: 46).
ثانيًا: لسنا مسؤولين عمّا شجر بينهم بل ينطبق علينا كلُّنا قوله تعالَى: ژ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ژ (البقرة: 134) (3).
كما استدل الشيخ بطائفة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبيّن فضل الصحابة رضوان الله عليهم خاصة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، منها:
1 - قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ... ژ (الأنفال: 74) وركز الشيخ عَلَى وعد الله لهم بمغفرة ذنوبهم، «إِنَّ الأمر الذي يهمّنا فِي معرض حديثنا عمّا جرى من الفتن بين الصحابة هي قضية التوبة والمغفرة التي وردت فِي كثير من الآيات الكريمة السابق ذكرها» (4).
يشترط فِي المتولَّى أن يكون موفيًا تائبًا عما صدر عنه من ذنوب، وقد برهن الشيخ بيّوض أَنَّ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ذنوبهم تقع مغفورة، فهم مؤمنون حقًّا وقد رضي الله عنهم وَهوَ يعلم أنهم سيفتنون، ولذلك فهم فِي الوَلاية وقد أمرنا الله بالاستغفار لهم، «ومن قواعد الشرع الثابتة عدم الاستغفار لمشرك أو لكافر أو لمن يُبرأ منه» (5).
__________
(1) إبراهيم بيّوض: فضل الصحابة والرضا عنهم:74.
(2) في رحاب القرآن، سورة الزمر:15/ 420 - 421.
(3) إبراهيم بيّوض: فضل الصحابة والرضا عنهم:74.
(4) م. ن:44.
(5) م. ن: 49. (5/61)
صفحة 59
2 - قوله تعالى: ژ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ژ (النحل: 110) «فإن كانت هذه الآية واردة فِي حقّ هؤلاء السابقين الأولين فما بقي لهم من الذنوب ياترى؟» (1).
3 - قوله تعالَى: ژ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ژ (الفتح: 18).
إِنَّ ما حدث بين الصحابة من فتن وقع بعد نزول هذه الآيات التي يمنّ الله فيها عليهم بمغفرته ورضوانه إِلاَّ أنه سبحانه وتعالى علاّم الغيوب، فلا تتبدّل وَلايته ولا عداوته، وهذا ممّا استدلّ به الشيخ بيّوض أَنَّ ذنوب هؤلاء المؤمنين حقًّا لا تقع إِلاَّ مغفورة،: «ولنتيقن ولنعتقد كلَّ الاعتقاد أَنَّ ولاية الله وعداوته لا تتبدّلان ولا تتحوّلان، فهؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وأكّد توبتهم ومغفرتهم بتأكيدات عديدة لا غرابة أن يُقال فيهم: لا تقع ذنوبهم إِلاَّ مغفورةً» (2) ومعنى ذَلكَ أنهم «يوفّقون إِلَى التوبة والاستغفار، ولا يصرّون عَلَى ذنب، فالمغفرة حقّت لهم، وكأنها حقٌّ من حقوقهم» (3) وما داموا قد أُلزموا كلمة التقوى فيصدق فيهم قول الله عزّ وجَلَّ: ژ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ژ (الأعراف: 201).
كما استدلّ الشيخ بيّوض ببعض الأحاديث التي تبين فضل الصحابة - رضي الله عنهم - خاصة المبشّرين بالجنة، منهم الخلفاء الراشدون «ولكلٍّ منهم مزايا وفضائل لا تكاد تعدُّ، وقد حكم عَلَى إيمانهم بأنه حقٌّ وأنهم فائزون وأنه رضي الله عنهم وأنه تاب عنهم، والنبيء - صلى الله عليه وسلم - بشّرهم واحدًا واحدًا بالجنّة» (4).
ومن هذه الأحاديث رواية قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فِي حقه: «ما يدريك يا عمر لعلّ الله اطّلع عَلَى أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (5)» (6).
__________
(1) م. ن: 35.
(2) م. ن: 67 - 68.
(3) م. ن: 17.
(4) م. ن: 37.
(5) البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب "لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء" حديث: 4608، 4/ 1855؛ مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر - رضي الله عنهم - وقصة حاطب بن أبي بلتعة، حديث: 2494، 4/ 1941.
(6) إبراهيم بيّوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 55، فِي رحاب القرآن، سورة الإسراء: 1/ 236. (5/63)
صفحة 60
أما من الناحية العقلية فقد استدلّ الشيخ بيّوض عَلَى وجوب الكفِّ عن الخوض فِي أحداث الفتن بموقف بعض الصحابة الذين لزموا الحياد فِي فتنة الدار والجمل وصفين، «فإذا كان هَذَا موقف بعض الصحابة زمان هذه الفتن يوم وقوعها، أنأتي نحن من بعدهم بعد مئات السنين فنخبّ ونضع فِي هذه المسألة؟! فالواجب إذن هو عدم الخوض» (1).
وخلاصة موقف الشيخ بيّوض من الصحابة - رضي الله عنهم - فهي «الرضا عنهم جميعًا، والاستغفار لهم كما أمرنا الله تعالى، والوقوف فيما شجر بينهم، هذه هي الخلاصة، وهذا ما أعتقده وأدين الله تعالى به» (2).
ما أحوج المذاهب الإسلامية إلى نقد داخليّ موضوعيٍّ لتراثها، بتوحيد مرجعية المسائل والعودة بها إلى مصادرها الأصليّة، ومراعاة المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، وفقه الواقع لحسن تنزيلها في الحياة اليومية.
رابعًا: نقد التراث الإباضيّ
يشترط الشيخ بيّوض لقبول أخبار العقيدة بلوغ درجة التواتر وإلاّ توقّف فِي اعتقادها، كموقفه من الرواية التي تنصّ على أَنَّ أربعةً من الأنبياء لم يموتوا بعدُ، وهم: عيسى وإدريس والخضر وإلياس (3)، وكذلك مسألة تحديد عدد الأنبياء والرسل وذكر أسمائهم، «فهذا ما لا نعتقده، من يدري لعلّ نبيئًا أو رسولاً يزيد أو ينقص من هَذَا العدد؟» (4) فإن الواجب هو الإيمان بالأنبياء والرسل دون تحديد عددهم.
وقد استغرب الشيخ بيّوض من نقل الشيخ اطفيّش أسماء 313 رسولاً (5)، بينما
__________
(1) إبراهيم بيّوض: فضل الصحابة والرضا عنهم: 76.
(2) م. ن: 02.
(3) اطفيّش، شرح عقيدة التوحيد، تح مصطفى بن الناصر وينتن، ط1، المطبعة العربية – غرداية، نشر جمعية التراث- القرارة- غرداية، 1422هـ/2001م: 446 - 451.
(4) في رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/ 280.
(5) اطفيّش، شرح عقيدة التوحيد، 439 - 441. (5/64)
صفحة 61
يقول تعالى للنبيء - صلى الله عليه وسلم -: ژ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ژ (غافر: 78) «فهل هَؤُلاَءِ الذين ذكرهم الشيخ ممّن قصّ الله خبرَهم؟ إننا لا نحدّد عدد 313، وإذا كان فيهم من لم يقصص الله خبرَهم فمن أين يجيء بهذه الأسماء؟!» (1).
كما نقد الشيخ بيّوض صاحبَ "عقيدة التوحيد" (2) بتحديده لعدد الأنبياء والرسل، «فصاحب "العقيدة" جمع شيئًا ممّا كان مشهورًا فِي زمانه فِي العقيدة ... » (3).
ويلاحظ أَنَّ صاحب "العقيدة" ذكر الأنبياء الأربعة الذين يقال إنهم لم يموتوا، فرغم شهرة هَذِهِ المعلومات ورواجها لا يؤهلها إِلَى مرتبة الاعتقاد، لأن ذَلِكَ لا يتأسّس إِلاَّ عَلَى اليقين، «وصاحب "العقيدة" رحمه الله ترخص كثيرًا وأدخل فيما سمّاه بـ"العقيدة" أشياء أخبر بها كعدد الأنبياء والمرسلين-مثلاً- ونحن كما قلنا مرارًا لا نؤمن بعدد معيّن، لأنه ربّما يكون أقلَّ أو أكثر» (4).
يذكر الشيخ بيّوض أَنَّ الحديث الوحيد الذي عليه مدار عدد الأنبياء والرسل رواه الإمام أحمد فِي مسنده عن أبي ذرّ - رضي الله عنه - (5)، ويرى أنه لا يصحّ الاعتماد عليه فِي القطع واليقين لأنه حديثٌ أحاديٌّ لا يفيد القطع ولا يوجب الاعقاد، وبناء على ذلك يقول: «وفي رأينا نحن أنه ما كان ينبغي أن يكون مثل هَذَا
__________
(1) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/ 510.
(2) تنسب عقيدة التوحيد إلى أبي حفص عمرو بن جميع، من علماء إباضية المغرب في القرن السابع الهجري، مترجمها من البربرية إلى العربية، ويرجع تاريخ تأليفها إلى أواخر القرن الثاني من الهجرة. الشمَّاخي: السير، 2/ 200؛ سالم بن يعقوب: تاريخ جربة: 59؛ الجعبيري: نظام العزَّابة، 254 الجعبيري: البعد الحضاري، 124؛جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 3/ 662 - 663.
(3) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/ 509.
(4) م. ن: سورة الكهف: 2/ 279 - 280.
(5) رواه الإمام أحمد فِي المسند: 5/ 266، و خرّجه الهيثميّ بلفظ آخر عن أحمد والطبراني وقال: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف، انظر الهيثمي: مجمع الزوائد، دار الريان للتراث، القاهرة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407هـ: 1/ 159. (5/65)
صفحة 62
العدد فِي "العقيدة" لأن ما يوجد فِي العقيدة قد يعتمد عليه الناس ويعتقدونه الحقّ، فصاحب "العقيدة" يقول: "الرسل هم ثلاثمائة وثلاثة عشر" بينما المسند يقول: "ثلاثمائة وخمسة عشر" فلا يتعيّن الإيمان إذن بعدد معيّن، وبذلك وقع خلافٌ كبيرٌ بين العلماء وجدالٌ عنيف ... والحقُّ ألاَّ نقصر إيماننا عَلَى عدد معيّن» (1).
ومن أمثلة آراء الشيخ بيوض المخالفة للمشهور في المذهب الإباضيّ قولُه بجواز الدعاء بالهداية لِمَن هو في براءة المسلمين، واستدلّ على ذلك بنصوص من السنة والسيرة النبوية، ويرى أنّ الحرمان من هذا الأمر تشدّدًا، حيث يقول: «فمِن المشدّدين من منع الدعوةَ له بالهداية، وأنا أرى غير ذَلكَ، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اهدِ قومي، إنّهم لا يعلمون» (2)» (3).
فتصريحات الشيخ بيّوض ومواقفه في النقد البنّاء للأقربين وتثمين مواقف أيمّة المسلمين تنمّ عن تحرّره من التعصب المذهبيّ، وهي خطوة أساسية جريئة في تحقيق وحدة المسلمين، واستجابة دعوات المخلصين منهم للمعرفة والاعتراف والتعاون، أمثال عوض خليفات الذي رفع نداءَه من قلب المملكة الأردنية قائلاً: «ونأمل أن يقوم الإباضية فِي شمال إفريقية بالانفتاح على بقية المسلمين وفتح مكتباتهم للباحثين العرب والمسلمين حتى يفهم الآخرون مذهبهم ومبادئهم، وبالتالي يزول الشك ويختفي الحذر وتضيق الفجوة بينهم وبين بقية المذاهب الإسلامية الأخرى» (4).
__________
(1) في رحاب القرآن، سورة غافر:16/ 332.
(2) المقدسيّ: الأحاديث المختارة، تح عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، ط1 مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، 1410هـ: 10/ 14.
(3) إبراهيم بيّوض: المجتمع المسجديّ: درس يوم: 1/ 6/1973م، قرص مدمج، تسجيلات الحياة، القرارة.
(4) عوض خليفات: النظم الاجتماعية عند الإباضية في إفريقية في مرحلة الكتمان، دار مجدلاوي، عمان - الأردن، 1982م: 94. (5/66)
صفحة 63
الخلاصة:
اِتّسم الدرس العقديّ عند الشيخ بيّوض بمزايا مكّنته من اتخاذ العقيدة القاعدة الصلبة لانطلاق حركته الإصلاحيّة التي طالَت مختلِف مجالات الحياة، حيث اجتهد في الرجوع بـ"العقيدة" إلى مَعينها النقيّ الأصيل الذي يثمر فيضًا إيمانيًّا غامرًا وحركةً إيجابية فِي ميادين الحياة، بعد أن ارتبطت – بمرور الزمن- بتعقيدات ذهنيّة، وبإضافات بشريّةٍ، يُرمَى المخالِف فيها بالابتداع والمروق.
• تميّزت العملية الإصلاحية عند الشيخ بيوض بانطلاقها من الداخل باعتبار الفرد والمدرسة الفكريّة:
أ- الانطلاق من داخل الإنسان، بإحكام صلة مختلِف القضايا والمواضيع المعالَجَة بأصل الإيمان، باعتبار كونها من مقتضياته، ولاعتبار كون سلوك الفرد ثمرة ما يضمره من تصوّر واعتقاد.
ب- اِنطلق من داخل المدرسة الإباضيّة، مستفيدًا من تجارب علمائها مجتهدًا في استيعاب تراثها ... واعتبر ذلك كلّه جهدًا بشريًّا يفسّر - بطريقة نظريةّ أو عمليّة- نصوص الوحي، فاجتهد على نقده نقدًا علميًّا يستند في ذلك إلى دعائم منها: التأصيل والواقعية، والنظرة المقاصديّة.
- - - (5/67)
صفحة 64
الصلح والوساطة
في القانون الجزائري (*)
د: صالح بن عبد الله أبو بكر
كلية العلوم الاسلامية ــــ جامعة الحاج لخضر ــــ باتنة
م
” (1) مقدمة:
الأصول الشرعية للصلح والوساطة:
يقول الله تعالى: ژ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ژ (2).
يقول الله تعالى: ژ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ژ (3).
و في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق لشعر ولكن تحلق الدين» (4).
الشريعة الإسلامية تحظ على إصلاح ذات البين:
هكذا حضت الشريعة الإسلامية في مصادرها المختلفة على الإصلاح وحثت على فض المنازعات بين المؤمنين خاصة والناس عامة مبينة الدرجة الرفيعة والأجر العظيم الذي يناله المصلح، لأن الصلح قبل كل شيء من مكارم الأخلاق التي لا تضاهيها إلا العبادة وتعظيم أمر الله فقد قال الشاعر:
إن المكارمَ كلَّها لو حصلت رجعَتْ جملتها إلى شيئينِ
تعظيمُ أمرِ اللهِ جَلَّ جلاله والسعي في إصلاح ذات البين
__________
(1) * يسمي المشرع الجزائري الصلح لفض النزاعات الإدارية المعروضة أمام القضاء الإداري, ويسمي التحكيم للقضايا الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر وفي مادة الصفقات العمومية.
(2) ـ النساء 114.
(3) ـ الحجرات 10.
(4) ـ رواه الترمذي. (6/68)
صفحة 65
دور هيئاتنا العرفية في إصلاح ذات البين:
تقوم الهيئات العرفية بوادي ميزاب من عزابة وعشائر بدور كبير وجهد جبار في إصلاح ذات البين وفض النزاعات بين المتخاصمين وتقريب وجهات النظر قبل الذهاب إلى المحاكم, والصلح هو تقريب وجهات النظر والبحث عن الحل الوسط بين طلبات الطرفين وليست هي حكم القضائي أساسه المشاحنة المرافعة والمدافعة على الحقوق المتنازع عليها بل هي التنازل من الطرفين عن جزء من حقوقهما للوصول إلى حل يرضي الطرفين.
التشريعات الغربية والوساطة:
والتشريعات الأنجلوسكسونية عامة والأمريكية بالخصوص أخذت بالطرق البديلة لحل المنازعات منذ أمد، والمشرع الجزائري الذي تأثر بقانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد بهذه القوانين بحد بعيد استحدث إمكانات قانونية بديلة لحل المنازعات القضائية وضمنها على وجه الخصوص الكتاب الخامس منه.
المشرِّع الجزائري يقتبس من الغرب:
وللأسف استقى المشرع الجزائري فكرة الوساطة من الفكر القانوني الغربي ولم يستقيها من الشريعة الإسلامية, باعتبارهما من أساس عقيدة ودين المجتمع الجزائري المسلم ومن عاداتها وتقاليده العريقة، فالعقلية الجزائرية كثيرا ما تفضل الاحتكام إلى هذه الطرق لفض المنازعات سواء بالمجالس العائلية أو بالجماعة أو ما يصطلح عليه في بعض مناطق الوطن تاربعت او تاجمعت وبهذا يكون المشرع قد عاد إلى الصلح والوساطة، باعتبارهما ثقافة مستمدة من الدين الاسلامي وتقاليد المجتمع الجزائري ..
الصلح في قانون الأسرة:
بما أن قانون الأسرة الجزائري مستقى من الشريعة الإسلامية فقد نص على الصلح الذي يجريه القاضي إجباريا على الزوج والزوجة العازمان على الطلاق ژ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ژ (1).
__________
(1) ـ النساء 35. (6/69)
صفحة 66
الطرق البديلة لحل النزاعات:
أمام تعقد إجراءات القضاء وتشابك الحقوق، ونقص الوازع الديني بين المتخاصمين أصبح الجميع سلطة وأفرادا، يفكرون في الحلول البديلة، فالسلطة عدلت قانون الإجراءات المدنية والإدارية، بإضافة كتاب خامس بعنوان الطرق البديلة لحل النزاعات، والمشتمل على بابين الباب الأول يحمل عنوان الصلح والوساطة ويتضمن 16 مادة من المادة 990 إلى المادة 1005 (1)، والباب الثاني بعنوان التحكيم المتضمن 58 مادة من المادة 1006 إلى المادة 1061 زيادة على عدة مواد في الصلح في مواد الأحوال الشخصية كالطلاق و الصلح والتحكيم أمام الجهات القضائية الإدارية، وكل هذه التعديلات تعد نقلة نوعية في قانون الإجراءات المدنية والإدارية، مما يخفف الضغط الكبير على المحاكم وتكدس القضايا على مكاتب القضاة، لقضايا بسيطة يمكن حلها بالطرق البديلة وبأبسط الإجراءات وبأقل تكلفة وبحلول رضائية توافقية بين كل أطراف الخصومة مبررات البحث عن البدائل:
أولا: المبررات العملية:
1 - تراكم القضايا على مكاتب القضاة.
2 - تأخير القضايا البسيطة التي لا تحتاج إلى مرافعة.
3 - كثرة المخالفات في الحياة المعاصرة.
4 - تداخل العلاقات الاجتماعية وتشابك مصالح الأفراد.
5 - كثرة المحبوسين لفترات قصيرة لا تحقق الردع بل ينتج عنها انتقام المحبوس من المجتمع.
6 - اكتظاظ المؤسسات العقابية وتحول السجون إلى مراكز التكوين للمجرمين وترقيتهم من هواة إلى محترفين.
7 - الإنفاق الكبير على جهاز القضاء ليعيش القاضي معززا ولا يخضع للضغوط والمساومات.
8 - كثرة نفقات أطراف الخصومة على مما يكلفهم أكثر مما يربحون.
9 - نظرا لتراكم القضايا يلجأ القضاة إلى حفظ القضايا البسيطة آليا.
__________
(1) ـ انظر قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم 08/ 09 مؤرخ في 25 فبراير سنة 2008 الجريدة الرسمية رقم 21 الصادرة بتاريخ 22 أبريل 2008. (6/70)
صفحة 67
10 - تعامل القضاة الآلي مع القضايا اليومية جعلهم يصدرون عقوبات تلقائية لا تحق ق لا التربية ولا الردع.
11 - عدم تنفيذ عقوبة الإعدام في الكثير من دول العالم ففي الجزائر لم تنفذ عقوبة الإعدام منذ سنة 1992.
12 - يضطر القضاة إلى الحكم بعقوبات الحبس مع وقف النفاذ فلا يتحقق لا الردع ولا التربية.
13 - يتسرع بعض القضاة في إصدار العقوبات بدون دراسة جادة ولا معمقة ودون ثبوت الأدلة أو حتى أركان الجريمة.
14 - عدم قدرة أجهزة الدولة على تحصيل الغرامات المالية.
15 - عدم حصول الضحية على التعويض المحكوم به.
16 - مازالت عقوبات العمل في الورشات خارج السجون لم تطبق (1).
17 - الضحية ملزمة هنا بإثبات اتهاماتها (عن طريق تقرير طبي أو عن طريق تقديم أدلة أخرى أو شهود ولذلك يكون صعبا تقديم أدلة في حالة إذا كان العنف ضد الضحية نفسيا وليس جسديا).
18 - البحث عن محامي لضمان حقوق الدفاع أو القيام بإجراءات طلب المساعدة القضائية.
المشرع الجزائري والوساطة:
تبنى المشرع الجزائري الصلح والوساطة في الكتاب الخامس من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد وفي الباب الأول بعنوان في الصلح والوساطة من المادة 990 إلى المادة 1005. ويتضمن القانون 1065 مادة، كانت ثمرة عمل دام أكثر من خمس سنوات.
الهدف من ذلك:
والمشرع الجزائري إنما استحدث هذه البدائل سعيا منه:
1 ـ للحد من حجم المنازعات التي باتت تثقل كواهل القضاة
2 ـ وتؤثر على مردود الأحكام النوعي بالتقليص منها وحلها بهذه بالبدائل ما أمكن. بعد انعكاس آثار كثرتها على نوعية الأحكام القضائية،
__________
(1) ـ الأستاذ محمد عطوي بحث البدائل في العقوبة وإجراءات المتابعة الجزائية. (6/71)
صفحة 68
3 ـ كما كان يهدف إلى سرعة الفصل في المنازعات واجتناب إطالة أمدها بالأخذ والرد وبالطعون التي يمكن أن تلحق الأحكام الصادرة فيها متى كانت قابلة للحل بالطرق البديلة المتمثلة في الصلح والوساطة. وذلك من خلال التسريع في وتيرة حل المنازعات بتفادي الطعون التي أغرقت المحكمة العليا خاصة.
4 ـ التخفيف على المتقاضين من طول الإجراءات والإنتظار لنظر دعواه و التي أثقلت كاهله
5 .. ـ إنهاء الخصومة بالصلح لا النزاع والأحقاد تقليص حجمها،
أهمية هذه الوساطة في القانون الجديد:
أعتقد أن استحداث المصالحة و الوساطة لحل النزعات من أهم النقاط التي جاء به هذا القانون و هذا حتى يخفف من كمية القضايا المعروضة على القضاء: الصلح، الوساطة وتعريب الوثائق آليات جديدة في التقاضي أهم ما جاء به القانون الجديد الالتزام باللغة العربية عند صياغة الوثائق القضائية أهم مميزات القانون الجديد على تعريب كل الوثائق الموجهة إلى العدالة وفقًا للمادة الثامنة من باب الأحكام التمهيدية، وتنص على أنه يجب أن تتم الإجراءات والعقود القضائية من عرائض ومذكرات باللغة العربية، تحت طائلة عدم القبول. ويجب أن تقدم الوثائق والمستندات باللغة العربية أو مصحوبة بترجمة رسمية إلى هذه اللغة، تحت طائلة عدم القبول، تتم المناقشات والمرافعات باللغة العربية، وأن تصدر الأحكام القضائية باللغة العربية، تحت طائل البطلان المثار تلقائيا من القاضي.
كما يمكن أن يستخلص من نية المشرع أنه قد لجأ إلى استحداث هذه البدائل للمحافظة على كيان المجتمع بتجنيبه الأحقاد والضغائن التي قد تنشأ عن المنازعة القضائية بدليل أنه كان قد نص في التعديل الأخير لقانون العقوبات على طرق مشابهة لإنهاء الدعوى العمومية في الجرائم المتعلقة بالأسرة وبشرف واعتبار الأشخاص وحرمة الحياة الشخصية، وبعض المخالفات التي لا تشكل إخلالا خطيرا للنظام العام.
والمشرع الجزائري إنما لجأ إلى تقنين هذه البدائل مواكبة لحركة المجتمع وتطوره وتماشيا مع ما تفرضه الاتجاهات الجديدة للتشريع الإجرائي الجزائري
غير أننا سنتناول في هذا المقال الصلح والوساطة دون التحكيم كطرق مستحدثة في التشريع الإجرائي الجزائري كون التحكيم بالحقيقة ليس جديدا كما أن له أحكاما خاصة لا تدخل تحت عنوان مقالنا هذا. (6/72)
صفحة 69
أولا: الصلح:
1 - الصلح عامة: نصت عليه المواد 990 إلى 993 من القانون 09/ 08 المتضمن قانون الإجراءات المدنية الإدارية.
2 - ومن يعرض الصلح؟: وهو على العموم إجراء جوازي يمكن أن يعرض من الخصوم الذين يجوز لهم التصالح تلقائيا، إذ تنص المادة 990 "يجوز للخصوم التصالح تلقائيا او بسعي من القاضي في جميع مراحل الخصومة" (1)، كما يمكن أن يتم بسعي من القاضي.
3 - متى تكون الصلح؟: والصلح غير مقيد بمرحلة معينة إذ يمكن اللجوء إليه في أي مرحلة كانت عليها الخصومة. والقاضي يما له من سلطة تقديرية هو الذي يحدد الزمان والمكان اللذين يراهما مناسبين لإجراء الصلح ما لم توجد نصوص خاصة تقرر خلاف ذلك. وتنص المادة 992 " تتم محاولة الصلح في المكان والوقت الذي يراهما القاضي مناسبين مالم توجد نصوص خاصة في القانون تقرر خلاف ذلك" (2).
4 - المواد التي يجوز فيها التصالح: والصلح غير مقيد بمادة معينة؛ إذ يمكن اللجوء إليه في أي مادة كانت بصريح المادة 04 من القانون 09/ 08 اللهم الاستثناءات المتعلقة بالقواعد الخاصة بالمادة الإدارية.
ثانيا: تثبيته:
نصت المادة 992 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد على أنه يقيد الصلح في محضر يوقع عليه الخصوم والقاضي وأمين الضبط ويودع بأمانة ضبط الجهة القضائية.
ثالثا: آثاره:
للصلح أثر منه للخصومة طبقا للمادة 220 من قانون 08/ 09 إذ تنص على "تنقضي الخصومة تبعا لإنقضاء الدعوى بالصلح أو بالقبول بالحكم أو بالتنازل عن الدعوى. يمكن أيضا أن تنقضي الخصومة بوفاة أحد الخصوم, مالم تكن الدعوى قابلة للانتقال" (3).
__________
(1) ـ المادة 990 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
(2) ـ المادة 991 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
(3) ـ المادة 220 ق إ م إ. (6/73)
صفحة 70
القيمة القانونية لمحضر المصالحة: و يأخذ محضر الصلح نفس قيمة وحجية الحكم القضائي. و يصبح محضر الصلح سندا تنفيذيا بمجرد التأشير عليه من طرف القاضي وإيداعه بأمانة الضبط طبقا للمواد 600 فقرة 08 و 993.
ثانيا الوساطة:
1 - الوساطة عامة: نصت عليه المواد من 994 إلى 1005 من القانون الجديد.
الوساطة وجوبية: والوساطة عكس الصلح فهي إجراء وجوبي على القاضي القيام بها في الجلسة الأولى، وهي جائزة في جميع المواد باستثناء قضايا شؤون الأسرة والقضايا العمالية على اعتبار أن لها إجراءات خاصة بها. كما أنها لا تجوز في كل ما من شأنه أن يمس بالنظام العام (1). والوساطة يمكن أن تمتد إلى النزاع كله كما يمكن أن تنصب على جزء منه فقط (2).
تعيين الوسيط: إذا قبل الخصوم هذا الإجراء يعين القاضي وسيطا لتلقي وجهة نظر كل واحد منهم ومحاولة التوفيق بينهم لتمكينهم من إيجاد حل للنزاع (3) والوسيط يمكن أن يكون شخصا طبيعي أو جمعية , عندما يكون الوسيط المعين جمعية, يقوم رئيسها بتعيين احد اعضائها لتنفيذ الإجراء باسمها ويخطر القاضي بذلك (4) وكان وزير العدل حافظ الأختام، الطيب بلعيز، قد أكد على تحضير عدد من الوسطاء للعمل على تقليص المنازعات في حال تمكن المواطن من استيعاب معنى الطرق البديلة في حلها.
مسؤولية القاضي: لا يترتب على الوساطة تخلي القاضي عن القضية ويمكنه اتخاذ أي تدبير يراه ضروريا في أي وقت (5).
2 - مدتها: حدد المشرع في المادة 996 مدة الوساطة بثلاثة أشهر قابلة للتجديد لنفس المادة مرة واحدة بطلب من الوسيط إذا ما اقتضى عمله ذلك شرط موافقة الخصوم: والسلطة التقديرية للقاضي في التمديد (6).
3 - الشروط الواجبة في الوسيط:
أ-الشروط الموضوعية: يمكن أن تسند الوساطة إلى شخص طبيعي كما يمكن أن تسند إلى جمعية، وعندما تسند إلى هذا الأخيرة يقوم رئيسها بتعين أحد أعضائها بتنفيذ الإجراء باسمها ويخطر القاضي يذلك.
ويجب أن تتوفر في الشخص الطبيعي المكلف بالوساطة فضلا عن حسن السلوك الاستقامة الشروط التالية:
1) أن لا يكون قد تعرض إلى عقوبة عن جريمة مخلة بالشرف
2) أن لا يكون ممنوعا من ممارسة حقوقه المدنية
3) أن يكون مؤهلا بالنظر في المنازعة المعروضة عليه
4) أن يكون محايدا ومستقلا في ممارسة الوساطة
ونصت المادة 998 المتضمنة كيفية تعين الوسيط وشروطه على أن كيفيات تطبيقها ستحدد لاحقا عن طريق التنظيم (7).
ب- الشروط القانونية: أي إجراءات تطبيقها:
1 - أن تصدر في شكل أمر يقضي بتعيين الوسيط
2 - أن يتضمن الأمر موافقة الخصوم
3 - أن يتضمن الأمر تحديد الآجال الأولى الممنوحة للوسيط للقيام بمهمته
4 - وأن يتضمن تاريخ رجوع القضية إلى الجلسة
4 - صلاحيات الوسيط والتزاماته: عندما ينطق بالأمر القاضي بتعيين الوسيط يقوم أمين الضبط بتبليغ نسخة منه للخصوم وللوسيط وعلى هذه الأخير أن يخطر القاضي دون تأخير بقبوله مهمة الوساطة ويستدعي الخصوم إلى أول لقاء للوساطة (8).
يجوز للوسيط بعد موافقة الخصوم سماع كل شخص يقبل سماعه ويرى في سماعه فائدة لتسوية النزاع. في حالة الاتفاق يحرر الوسيط محضرا يضمنه محتوى الاتفاق ويوقعه مع الخصوم. يلتزم الوسيط بحفظ السر إزاء الغير وأن يخبر القاضي بما توصل إليه الخصوم من اتفاق أو عدمه. كما يخطر الوسيط القاضي بكل
__________
(1) ـ المادة 994.إ م إ.
(2) ـ المادة 995 ف 01.
(3) ـ المادة 994 ف 02.
(4) ـ المادة 997 إ م إ.
(5) ـ المادة 995 ف 02.
(6) ـ المادة 996 إ م إ.
(7) ـ لم يكن قد صدر بعد القانون التنظيمي.
(8) ـ المادة 1000 إ م إ. (6/74)
صفحة 71
الصعوبات التي تعترضه في مهمته (1).
5 - رقابة القاضي للوساطة وأعمال الوسيط:
يمكن للقاضي في أي وقت إنهاء الوساطة بطلب من الوسيط أو الخصوم. كما يمكن له إنهاءها تلقائيا عندما يتبين له استحالة السير الحسن لها.
يجب في جميع الحالات أن ترجع القضية إلى الجلسة ويستدعى الوسيط والخصوم عن طريق أمانة الضبط. يجب أن ترجع القضية للجدول بالتاريخ المحدد لها مسبقا من قبل القاضي (2).
5 - تثبيت الاتفاق:
عندما يتوصل الوسيط إلى اتفاق يحرر محضرا كتابيا بمحتوى ذلك الاتفاق يوقعه مع الخصوم، وبعد رجوع القضية للقاضي يقوم القاضي بالمصادفة على محضر الاتفاق بموجب أمر غير قابل لأي طريق من طرق الطعن. ويصبح محضر الاتفاق سندا تنفيذيا (3).
6 - آثار الوساطة:
لا يترتب عن الوساطة تخلي القاضي عن القضية وبالتالي يمكنه اتخاذ أي تدبير يراه ضروريا في أي وقت. في حالة نجاح الوساطة يعد محضر الاتفاق بعد المصادقة عليه من القاضي سندا تنفيذيا ويحوز نفس حجية الحكم القضائي طبقا لنص المادة600 فقرة 08 والمدة 1004 من القانون 09/ 08 (4).
مقاربة
وفي ختام المقال نعرض لهذه المقاربة بين الصلح والوساطة من حيث أوجه الشبه والاختلاف
1 - أوجه الشبه
1 - كلاهما له أثر منهي للخصومة إذا ما تم نجاحهما.
__________
(1) ـ المادة 1001 إ م إ.
(2) ـ المادة 1002 إ م إ.
(3) ـ المادة 1004 إ م إ.
(4) ـ على كل حال أقدم للقارئ الكريم هذا الرابط عن الوساطة في القانون الأردني - الذي يظهر أن المشرع الجزائري تأثر به في بعض المناحي - لعل وعسى يجد ضالته في انتظار صدور التنظيم. الرابط: http://www.jc.jo/mediation. (6/75)
صفحة 72
2 - كلاهما له نفس حُجية الحكم القضائي.
3 - كلاهما سندٌ تنفيذي.
2 - أوجه الاختلاف:
الوساطة ... الصلح
إجراء وجوبي ... إجراء جوازي
تسند إلى شخص طبيعي أو جمعية يسمى وسيط ... يمكن أن يعرضه الخصوم أو يتم بمسعى من القاضي
مدتها 03 أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة ... غير مقيدة بمدة معينة
على القاضي القيام بها في الجلسة الأولى ... يمكن اللجوء إليها في أي مرحلة كانت فيها الدعوى
تتناول الموضوع كليا أوجزء منه ... يتناول الموضوع ككل
مقيدة (تستثنى منها مادة الأحوال الشخصية والمادة الاجتماعية وكل ما من شأنه المس بالنظام العام) ... الصلح غير مقيد بمادة معينة
- - - (6/77)
صفحة 73
الفتوى
بين التشدّد والتيسير والاعتدال
أ. د: بلقاسم شتوان
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية ــــ قسنطينة
ا
الحمد لله الذي كرّمنا بالعقل وكمّلنا بالعلم وجمّلنا بالفضيلة وأسعدنا بالهداية والتوفيق، وتفرد بجلال ملكوته، وتوحد بجمال جبروته، وتقدس بسمو صمديته، وتكبر في ذاته عن مضارعة كل نظير، وتنزه في صفاته عن كل تناه وقصور، له الصفات المختصة بحقه والآيات الناطقة بأنه غير مشبه بخلقه فسبحانه من عزيز. أحمده على ما يولي ويصنع، أشكره على ما يزوي ويدفع، وأتوكل عليه وأقنع، وأرضى بما يعطي ويمنع. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة موقن بتوحيده، مستجير بحسن تأييده وأشهد أن محمدا عبده المصطفى وأمينه المجتبى، ورسوله المبعوث رحمة إلى كافة الورى صلي الله عليه وعلى آله مصابيح الدجى، وأصحابه مفاتيح الهدى وسلم تسليما كثيرا أما بعد:
فإن موضوع " الفتوى بين التشديد والتيسير والاعتدال " ضمنته النقاط الآتية:
أولا ـ التعريف بالفتوى والتيسير والتشدد.
ثانيا ـ الفتوى بالمبالغة والتشدد.
ثالثا ـ الفتوى بالمبالغة في التساهل والتيسير.
رابعا ـ ضوابط الفتوى بالتيسير.
أولا - التعريف الفتوى والتيسير والتشدد:
أ – الفتوى لغة: الإبانة والإجابة وتبيين الحكم، يقال أفتاه في الأمر أي أبان له. أو بين له الحكم (1) وأفتيته في مسألته، إذ أجبته عنها.
__________
(1) - الفيومي، المصباح المنير، دار الحديث القاهرة، ص 274 (7/78)
صفحة 74
والفتوى: تبيين الحكم. يقال أفتى الفقيه في المسألة: إذا بين حكمها. (1) والفتوى أيضا: جواب في حادثة. أو إحداث حكم. أو تقوية لبيان مشكل. (2)
فالفتوى بالمفهوم اللغوي ليست بيانا وإخبارا فقط وإنما هي إعانة وإرشاد للمستفتي، وتوضيح للمسلك الصحيح الذي ينبغي أن يسلكه من الإشكال الذي وقع فيه، أو ينتظر وقوعه.
وهذا المعنى أشار إليه القرآن الكريم في قصة ملكة سبأ في قولها على لسان القرآن: {يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} (3) فقد استعملت كلمة أفتوني ولم تقل: أشيروا علي أو أخبروني ونحوها، وما ذلك إلا لما في هذه الكلمة من معنى زائد عن مجرد الإخبار (4)
ب - تعريف الفتوى اصطلاحا: اختلف في تعريفها إلى الآتي:
1 - الفتوى: الإخبار بحكم الله تعالى عن دليل شرعي
2 - الفتوى: الإخبار عن حكم الله تعالى في إلزام أو إباحة (5)
3 – الإخبار عن الحكم الشرعي عن دليل شرعي على غير وجه الالزام. (6)
4 - الإخبار بحكم الله تعالى باجتهاد عن دليل شرعي لمن سأل عنه في أمر نازل.
والذي يمكن أن نخرج به من خلال هذه التعريفات التي يظهر أن بينها عموم وخصوص وذلك بالتعريف الأخير الذي يبدو لنا أنه المختار لأنه يعبر حقيقة على المعنى.
2 - تعريف التيسير:
أ – تعريفه لغة: التيسير من اليسر، وهو اللين: ضد العسر، والميسور ضد المعسور (7).
__________
(1) - ابن منظور، لسان العرب، ج15 ص 174 – معجم مقا ييس اللغة، ج6، 155
(2) - أبو الفتح المطرزي،، المغرب في ترتيب المعرب، تحقيق محمد عثمان، مكتبة الثقافة الدينية، ص 388 - 389
(3) - سورة النمل آية 32
(4) - علي الحكمي، أصول الفتوى، ص3
(5) - القرافي، الفروق، ج4، ص 53
(6) - معنى على قوله على " ليس علة وجه الالتزام " بمعنى أن المفتي لا يتابع تنفيذ المستفتي لما أفتى به، لأن ذلك من مهام القاضي والحاكم.
(7) - الرازي مختار الصحاح، دار الحديث، القاهرة، ص 396 (7/79)
صفحة 75
ب – تعريفه اصطلاحا:
1 - هو ما يقدر عليه الإنسان في حالة السعة والسهولة، لا في حالة الضيق والشدة. (1)
2 - اليسر: عمل لا يجهد النفس ولا يضر الجسم، وضده العسر الذي يجهد النفس ويضر الجسم (2). فالتيسير هو التسهيل على المكلف ورفع الحرج عنه بما هو سائغ شرعا.
3 - تعريف التشدُّد:
أ – الشد لغة: العقد القوي. يقال شددت الشيء: قويت عقده. والشدة تستعمل في العقد، وفي البدن، وفي قوى النفس، وفي العذاب. (3) والشدة بالكسر: اسم من الاشتداد، وبالفتح: الحملة في الحرب. والمشادة: التشدد ومنه: "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" (4).
ب- تعريف التشدد اصطلاحا:
أ ـ هو التعنت والتحمس في غير محله، أوفي موضعه ونصابه (5)
ب ـ التشدد ضد الرفق ... وكل ما في الرفق من الخير، ففي التشدد من الشر مثله ... والتعنيف: التوبيخ والتقريع واللوم. والتشدد نوعان سلبي وإيجابي:
أ ـ تشدد سلبي: ومفهومه أنه عدواني وهو شر كله. وهو مرفوض لأنه يفسد ولا يصلح، ويهدم ولا يبني.
ب ـ تشدد إيجابي: ومفهومه أنه عنف هادف يستعمله صاحبه لردع الظلم واسترداد الحق، أو لتأديب من هو في ولايته، وهذا النوع من التشدد أو العنف يكون مقبولا لهدف استرداد الحق أو إصلاح ذات البين، أو بين أفراد المجتمع، أو بين الناس جميعا
ثانيا ـ الفتوى بالمبالغة والتشدد:
تتميز هذه المدرسة بالمعالم الآتية:
أ- التعصب للمذهب أو للآراء أو لأفراد من العلماء:
فحقيقة التعصب تقوم على اعتقاد المتعصب أنه اهتدى إلى الحق النهائي في الأمر الاجتهادي الذي لا يقبل جدالا ولا مراء فيه، فيؤدي ذلك إلى انغلاق في النظر وحسن ظن بالنفس والتشنيع على المخالف، مما يولد منهجا متشددا يتبعه الفقيه أوالمفتي بإلزام الناس بمذهبه في النظر، وحرمة غيره من الآراء والمذاهب، ما يوقعه وإياهم في الضيق والعنت بالانغلاق على هذا القول أو ذالك المذهب دون غيره من الآراء والمذاهب الراجحة. (6) وكذلك لا يختلف الحال والأثر إذا كان التعصب لآراء وأقوال طائقة أو إمام معين لا يخرج عن اجتهادهم وافقوا الحق أو خالفوه. يقول الشيخ القرضاوي:" المدرسة الذهبية التي لاتزال تؤمن بوجوب إتباع مذهب معين لايجوز الخروج عنه، ويجب الاجتهاد للمسائل الجديدة في إطاره وتخريجا على أقوال علمائه وبخاصة المتأخرين منهم ... وهؤلاء إذا سألوا عن معاملة جديدة لابد أن يبحثوا لها عن نظير في كتب المذهب، أو المذاهب المتبوعة، فإن لم يجدوا لها نظيرا أفتوا بمنعها، كأن الأصل في المعاملات الحظر إلا ما أفتى به السابقون بإباحته" (7) ومن الأمثلة على ذلك ما يقع في عصرنا أيام الحج من تزايد لأعداد الحجاج وما ينجم عنه من تزاحم عنيف ومن مضايقة شديدة تؤدي إلى تغيّر اجتهاد العلماء والمفتين في كثير من المسائل مخالفة المشهور من المذاهب تخفيفا على الناس من الضيق والحرج، وكم يحصل للناس من شدة وكرب لو تمسك أولئك العلماء والمفتون بأقوال أئمتهم، أو أفتوا بها من دون اعتبار لتغيير الأحوال والظروف، واختلاف الأزمنة والمجتمعات، فرمي الجمار في أيام التشريق يبدأ من زوال الشمس إلى الغروب وعلى رأي الجمهور لا يجزئ الرمي بعد المغرب. (8) ومع ذلك فقد اختار كثير من العلماء المحققين لوجهات الإفتاء جواز الرمي ليلا مراعاة للسعة والتيسير على الحجاج من الشدة والزحام (9) ولعل الدعوة إلى هذه الفتوى إتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم القائمة على قاعدة رفع الحرج والتيسير، وقد أفتى بجواز الرمي بعد المغرب بعض الأئمة من التابعين وهو مذهب الأحناف (10).
ب ـ التمسُّك بظاهر النص: فتعظيم النصوص وتقديمها أصل ديني ومطلب شرعي فلا يصح للمجتهد إذا لم يأخذ بالنصوص ويعمل بها، ولكن الانحراف عن
__________
(1) - الرازي، تفسير الرازي، ج14ص 79
(2) - القاسمي، تفسير القاسمي ج 3، ص 427
(3) - الراغب الأصفهاني، مفردات الراغب الأصفهاني،، دار القلم، ص 447
(4) - الفيروز آبادي، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة ص 291 ـ ينظر: البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، دار الكتاب العربي، ص 21 رقم الحديث 39
(5) - يتظر، البكري الدمياطي، إعانة الطالبين، دار الفكر، ج1 ص 104 – محمد عبد الرؤوف المناوي، التوقيف على أمهات التعاريف، دار الفكر ص540 – ابن حجر العسقلاني فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج3 ص 516
(6) -د/ مسفر بن علي القحطاني، الوعي المقاصدي، قراءة معاصرة للعمل بمقاصد الشريعة في مناحي الحياة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ص 54
(7) -الشيخ يوسف القرضاوي: الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، ص88
(8) -علي بن عبد القادر، معجم فقه التمهيد، دارا بن حزم، ص168 ـ الكاساني، بدائع الصنائع ج2 ص 137
(9) - محمد المسند، فتاوى الحج والعمرة والزيارة ص 110
(10) -الكاساني، بدائع الصنائع ج2 ص 137ـ السرخسي، المبسوط، ج4 ص 68 (7/80)
صفحة 76
النصوص يحصل بالتمسك بظواهرها دون فقهها ومعرفة المقصد الشرعي منها.
وقد ظهر هذا الاتجاه في الفتوى في عصرنا يمثله فقها متطفلون علموا من الفقه قشوره لا لبه وقد سماهم أستاذنا الشيخ محمد الغزالي ب "أنصاف العلماء "في كثير من المناسبات. وسماهم الشيخ القرضاوي ب "الظاهرية الجدد" مع الفارق في التشبيه وقال فيهم: " المدرسة النصية الحرفية وهم الذين أسميتهم ب " الظاهرية الجدد " وجلّهم ممن اشتغلوا بالحديث ولم يتمرسوا الفقه وأصوله ولم يطلعوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط، ويكادون لا يهتمون بمقاصد الشريعة وتعليل الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال" (1) وأقرب شيء إلى ألسنة وأقلام هؤلاء "أنصاف العلماء "كلمة التحريم دون مراعاة لخطورة هذه الكلمة ودون تقديم الأدلة الشافية من نصوص الشرع وقواعده سندا للتحريم وحملا للناس على أشد مجاري التكليف دون خوف من تحذير الله سبحانه وتعالى من ذلك: ژ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ژ (2) فالظاهرية الجدد كما سماهم شيخنا العلامة القرضاوي حرّموا كثيرا من المعاملات، وأوصدوا كثيرا من أبواب العلم والمعرفة، وكم من أقوام أخرجوهم من الملة زاعمين في ذلك كله مخالفة القطعي من النصوص والثابت من ظاهر الأدلة. والأمر ليس كذلك من العلماء الراسخين (3).
إن ما وقع في زماننا من تصرف هؤلاء المفتين من تكفير للمجتمعات والحكومات واعتزال جماعة المسلمين ونصب العداء لمن خالفهم بناء على فهم أعوج للنصوص وقلة فهم لدلالات المعاني وأوجه الاستنباط.
ومن عجب فقههم أن جعلوا من فعل المعاصي سببا للخروج عن الإسلام. وفي هذا يقول أحد أعضاء التكفير والهجرة: "إن كلمة عاصي هي اسم من أسماء الكافر وتساوي كلمة كافر تماما، ومرجع ذلك إلى قضية الأسماء، إنه ليس في دين الله أن يسمى المرء في آن واحد مسلما وكافرا" (4).
والملفت للانتباه في هذه المسالة مراجعة مقولة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إذ يقول: " لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهيته " وقال غير واحد من السلف:" ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا وحرم كذا، فيقول الله له كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه" (5) وعليه فإن هذا المنهج القائم على النظر الظاهر للنصوص دون معرفة دلالاتها فيه عنت وشدة وغلو على واقع المسلمين وتضييق عليهم وتنفير لهم، وفيه كذلك شذوذ عجيب نحو بعض الأفهام الغريبة عن واقع والمسلمين وما ورثوه من علمائهم من عهده صلى الله عليه وسلم إلى اليوم.
ج ـ الغلو في سد الذرائع:
"إن الإشكالية في اعتبار قاعدة سد الذرائع ما قد تؤول المبالغة في الأخذ بها إلى تعطيل مصالح راجحة مقابل مصلحة فاسدة متوهمة يظنها الفقيه، فيغلق الباب إساءة للشرع من حيث لا يشعر كمن ذهب إلى منع زراعة العنب خشية اتخاذه خمرا. والمجاورة في البيوت خشية الزنا، فهذه الأمثلة وغيرها اتفقت الأمة على عدم سده. لأن المصلحة فيها راجحة فلا تترك لمفسدة مرجوحة متوهمة " (6).
وبناء على المثال الذي أثبتناه يقول الشيخ القرضاوي: "دأب أنصاف المتفقهين المعاصرين المبالغة في رفض الاقتباس من الأمم غير الإسلامية في ما توصلت إليه من أنظمة وعلوم ومعارف ومخترعات معتبرين ذلك من الإحداث في الدين والمخالفة لهدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم" (7) والناظر اليوم في كثير من النوازل المعاصرة في مجالات عدة كالاقتصاد والطب والأدوية واللحوم المستوردة والأطعمة الطازجة والأشربة الجاهزة وغيرها والتي في أغلبها قادمة من الدول غير المسلمة، وأن
__________
(1) - الشيخ القرضاوي، الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، ص 88
(2) - سورة النحل آية 116
(3) -د/ مسفر بن علي القحطاني، الوعي المقاصدي، قراءة معاصرة للعمل بمقاصد الشريعة في مناحي الحياة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ص57
(4) -عبد الرحمن اللويحق، الغلوفي الدين في حياة المسلمين المعاصرة: دراسة عملية حول ظاهرة الغلو ومفاهيم التطرف والأصولية، مؤسسة الرسالة ص 273
(5) -ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين ج 3، ص 134
(6) -ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين ج 3، ص 109
(7) -الشيخ يوسف القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، مكتبة وهبة، ص 231 (7/81)
صفحة 77
تعميم الحكم بالرفض بناء على مصدره ومنشئه تحجير وتضيق. كما أنه لا تزال ترد على الناس من المستجدات والوقائع بحكم اتصال المسلمين بأمم الأرض من العادات والتقاليد والنظم ما لو أغلق المفتي الباب على الناس وشدد في الأحكام من غير فقه ودليل وحجة، لا انفض الناس من حول الدين وغرقوا فيها من غير حاجة للسؤال، فلأجل ذلك كان من المهم سد الذرائع المفضية إلى مفاسد راجحة وإن كانت ذريعة في نفسها مباحة، كما يجب فتح الذرائع إذا كانت تفضي إلى طاعات وقربات مصلحتها راجحة (1) ومن أمثلة التضييق والتشدد في الفتوى الآتي:
1 ـ تحريم عمل المرأة و خروجها ولو بضوابطه الشرعية ووجود الحاجة إليه. (2)
2 ـ تحريم كل المعاملات المصرفية لشبهة الربا.
3 ـ تحريم السفر للدول الأجنبية خشية الفسوق أو الكفر.
4 ـ تحريم جميع أنواع التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني مع شدة الحاجة إليهما في عصرنا. (3)
مع العلم أن جمهور العلماء أثبتوا جوازها بالضوابط والشروط الصالحة لذلك.
ثالثا- الفتوى بالمبالغة في التساهل والتيسير:
فمن أهم معالم هذه المدرسة الآتي:
أ ـ الإفراط بالعمل بالمصلحة ولو عارضت النصوص:
يقول الشيخ رمضان البوطي: "المصلحة المعتبرة شرعا ليست بذاتها دليلا مستقلا بل هي مجموع جزئيات الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة التي تقوم على حفظ الكليات الخمس، فيستحيل عقلا أن تخالف المصلحة مدلولها، أو تعارضه. وقد أثبتت حجية المصلحة عن طريق النصوص الجزئية فيكون ذلك من قبيل معارضة المدلول لدليله إذا جاء بما يخالفه، وهذا باطل" (4) ويقول أبو حامد الغزالي: "فالمصلحة عند العلماء ما كانت ملائمة لمقاصد الشريعة لا تعارض نصا أو إجماعا مع تحققها يقينا أو غالبا
__________
(1) - ينظر هذا المعنى عند القرافي وابن القيم الجوزية. القرافي، شرح تنقيح الفصول ص 449 ـ ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمي، ج3، ص 109
(2) -الشيخ يوسف القرضاوي، مركز المرأة في الحياة الإسلامية ص 130 ـ بدرية العزاز، المرأة: ماذا بعد السقوط؟ ص 199ـ 216
(3) -الشيخ يوسف القرضاوي، الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، ص 88
(4) -محمد سعيد رمضان البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، ص 110 (7/83)
صفحة 78
وعموم نفعها في الواقع، أما لو خالفت ذلك فلا اعتبار بها عند عامة الفقهاء والأصوليين إلا ما حكي عن الإمام الطوفي رحمه الله أنه نادى بضرورة تقديم المصلحة مطلقا على النص والإجماع عند معارضتها له" (1) فمن خلال النصين السابقين يبدو لنا أن واقع الإفتاء المعاصر من بعض الفقهاء قد نحا نحو المبالغة في العمل بالمصلحة والتساهل في الفتوى ولو خالفت الدليل المعتبر وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
1 ـ فتاوى تبيح التعامل بالربا من أجل تنشيط الحركة التجارية والنهوض بها:
أ ـ فتوى محمد سيد طنطاوي – مفتي جمهورية مصر العربية- في جريدة الأخبار المصرية عدد (11643) بتاريخ: 08/ 09/1989 ذهب فيها إلى جواز التعامل بشهادات الاستثمار بجميع أنواعها (أ، ب، ج) وأن أرباحها حلال.
وقد أثارت هذه الفتوى ضجة في العالم الإسلامي، وروج لها أصحاب البنوك والمتعامين بالربا أخذا وعطاء. غير أن لفضيلة المفتي فتوى بتحريم شهادات الاستثمار صدرت بتاريخ 19 فبراير 1989م، لكن بفتواه الثانية أحل ما حرمه في الفتوى الأولى، ولم يكن بينهما إلا شهورا قليلة. (2)
وقد تصدى العلماء للرد على هذه الفتوى، ومنهم:
أ-الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "فوائد البنوك هي الربا الحرام"، دمشق: المكتب الإسلامي، ط2، 1415هـ-
ب ـ فتوى الدكتور عبد المنعم النمر في أرباح صندوق التوفير والتي يقول فيها: " الذي أراه تطبيقا لأحكام الشرعية، والقواعد الفقهية أنه حلال، لا حرمة فيه، معللا ذلك بأن أن المال المودع لم يكن دينا لصاحبه على صندوق التوفر، ولم يقترضه الصندوق، وإنما تقدم به صاحبه إلى مصلحة البريد من تلقاء نفسه طائعا مختارا ملتمسا قبول المصلحة إياه وهو يعرف أن المصلحة تستغل الأموال المودعة لديها في مواد تجارية (تستغلها الحكومة في مشروعاتها العامة للشعب) ويندر فيها إن لم ينعدم الكساد والخسران" (3)
ج ـ فتوى الشيخ محمد العزيز جعيط بجواز القرض الوطني وهذا الاستفتاء
__________
(1) -أبو حامد الغزالي، المستصفى من علم الأصول،، المطبعة الأميرية، ج2، ص 293
(2) -على أحمد السالوس، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة، مؤسسة الريان، ج1، ص 330 ـ 356
(3) - د / عبد المنعم النمر، الاجتهاد، دار الشروق، ص 304 (7/85)
صفحة 79
من الرئيس بورقيبة لما لاحظ تباطؤ التونسيين في الإقبال على الاكتتاب في القرض الوطني، فبعد بيان التعليل، قال: " تقدموا أيها المسلمون بخطى واسعة وقلوب مطمئنة للاكتتاب في رقاع التجهيز ولا تصد كم الوساوس ...... " (1)
2 ـ ظهور بعض الفتاوى في الآونة الأخيرة التي تبيح بيع الخمور من أجل مصلحة البلاد وذلك لاستقطاب السياحة. وإباحة الإفطار في رمضان من أجل عدم تتعطل مصلحة الأعمال في البلاد.
3 ـ دعوة إلى الجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع لما في ذلك من تهذيب للأخلاق وتخفيف للميل الجنسي بينهما (2).
4 ـ تجويز ظهور المرأة في الإعلام بكامل زينتها والمشاركة في البرامج الهابطة، بحجة التكيف مع تطورات العصر بفقه وفهم جديد (3).
5 ـ دعوة إلى تجويز التسوية بين الأبناء والبنات في الميراث (4).
ب ـ تتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب: فالأخذ بالرخص الثابتة بالقرآن والسنة مشروع في شرعنا الحنيف ولا بأس العمل بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» (5)، أما تتبع رخص المذاهب الاجتهادية والجري وراءها من دون حاجة يضطر إليها المفتي والتنقل من مذهب إلى مذهب آخر والأخذ بأقوال عدد من الأئمة في مسألة واحدة بغية الترخص. فهذا المنهج قد كرّهه العلماء وحذروا منه. وإمامهم في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «إني أخاف عليكم ثلاثا: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم» (6) وقد أفاض الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في الآثار السيئة التي تنجم عن العمل بتلقّط الرخص وتتبعها من المذاهب وخطر هذا المنهج على الفتيا (7).
ج ـ التحايل الفقهي على أوامر الشرع: فالتحايل الفقهي على أوامر الشرع ملمح
__________
(1) -الشيخ محمد العزيز جعيط، فتاوى شيخ الإسلام في تونس واجتهاداته وترجيحاته، ص 95 ـــ 98
(2) -ابن حميد، رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، ضوابطه وتطبيقاته ص 312
(3) -د / سعيد الغامدي، مقال منشور في مجلة المجتمع، العدد، 1321 في مناقشة مع الدكتور القرضاوي
(4) -د / الشيخ القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، ص 253
(5) -الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلمية، ج3 ص 162
(6) -البيهقي، شعب الإيمان، ج2 ص347
(7) -الشاطبي، الموافقات، ج5 ص 79 (7/86)
صفحة 80
من ملامح مدرسة التساهل في التيسير، وقد جاء النهي في السنة على هذا الفعل لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» (1). وقد فصّل ابن القيم في الحيل الآتي:
أ ـ حيل مشروعة: وهي " التي يكون فيها حسن القصد في حلية جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخليص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به زوجته ضربة واحدة. وأرشد بلالا رضي الله عنه إلى بيع التمر بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرا آخر ليخلص من الربا. ويقول: رحمه الله تعالى: فأحسن المخارج ما خلص من المآثم. وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم والله الموفق للصواب " (2).
ب ـ حيل غير مشروعة: وهي " التي لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسّق وحرم استفتاؤه".
رابعا ـ ضوابط الفتوى بالتيسير (والاعتدال فيها):
فمن خلال ما قدمناه من تميز منهج المدرستين المتشددة والمتساهلة في الفتوى يتبين لنا بوضوح منهج المدرسة المعتدلة وضوابطها في الفتوى بالتيسير من غير إفراط أو تفريط وذلك كما يقال: إن الشيء يعرف بضده ويتميز بنقيضه، ولاشك أن هذا المنهج الذي حرص عليه أهل العلم والورع والاعتدال يعتبر من الصفات اللازمة لمن يجلس للفتوى ويتحدث باسم الشرع وخاصة في عصرنا هذا لأن العلم هو العاصم من الجهل، والورع هو العاصم من الهوى، والاعتدال هو العاصم من الغلو والتشدد والإفراط والتفريط.
فهذا المنهج يجب أن يسود لأنه هو الاجتهاد الشرعي الصحيح الذي يدعو إليه أئمة العلم المصلحون" (3) وعليه فإن الحاجة ماسة لضبط الفتاوى عند العمل بالتيسير تحقيقا لمقصد الشارع من تكليف العباد بالأصلح لهم في الدنيا والآخرة. ولا بأس أن نذكر الضوابط التي قررها العلماء أصحاب هذا المنهج عند الإفتاء في المسائل المعاصرة تحقيقا لمقصد الشارع من التيسير كالآتي:
__________
(1) -أبوداود، عون المعبود: شرح سنن أبي داود، مع شرح الحافظ ابن قيم الجوزية، ج9 ص 244
(2) -ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين ج4 ص170 ـ 171
(3) -القاسمي، الفتوى في الإسلام ص 95 ـ د / الشيخ القرضاوي، الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، ص 91 ـ الفتوى بين الانضباط والتسيب، ص 111 (7/87)
صفحة 81
1 ـ العلم والعدالة:
فالعلم والعدالة من أهم شروط المفتي، لأن شرط العلم يدخل فيه الإخبار بالحكم الشرعي على الوجه الأكمل بعد معرفة الواقعة من كل جوانبها. وشرط العدالة يدخل فيه عدم التساهل في الفتوى بالشرع والمحاباة فيها مع مراعاة وجه الحق في كل ذلك، والنظر إلى مشكلات الناس برحمة ويسر الشرع وحمل أفعالهم على الوسط في أحكامه (1)
2 ـ الدقة والتثبت في المسألة قبل الإفتاء فيها بالتيسير تحقيقا لمطابقة مقصد الشارع مع حال المكلف:
أ ـ الدقة: تقتضي فهم المسالة من كل جوانبها، والتعرف إلى كل أبعادها وظروفها وأصولها وفروعها ومصطلحاتها التي لها تأثير في الحكم فيها (2)
ب ـ التثبت: ضابط له أهميته كما جاء في كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما قوله:" الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن وسنة ثم قايس الأمور عند ذلك، وأعرف الأمثال ثم أعمد في ما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق" (3)
3 ـ ذكر الأدلة والقواعد عند العمل بالقول الأيسر المرجوح:
فهذا الضابط له فوائد تساعد المفتي في إجمال الفتوى بدليلها ويبصّر المستفتي بأصل الحكم الذي سأل عنه، ويغلق الباب على المعاندين والمستهترين الذين يتخذون عدم الأخذ بالأدلة إلى المغالاة في الدين وذلك بإتباع أهوائهم. يقول ابن القيم: " ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه ذلك ولا يلقيه إلى المستفتي مجردا عن دليله ومأخذه وهذا لضيّق عطنه (4) وقلة بضاعته من العلم" (5).
4 ـ البديل المباح عند المنع من المحضور:
__________
(1) -د مسفر بن علي القحطاني، الوعي المقاصدي، مرجع سابق، ص 70
(2) -د / الشيخ القرضاوي، الفتوى بين الانضباط والتسيب، ص 72 ـ 73
(3) -البيهقي، السنن الكبرى، ج 10 ص 135
(4) -العطن: مبرك الإبل، ومربض الغنم. وضرب الإنسان بعطن: روىّ إبله ثم أقام على الماء. وفلان واسع العطن: واسع الصبر والحليلة عند الشدائد ـ إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، المكتبة الإسلامية، ج2 ص 609
(5) -ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين، عن رب العالمين، ج4 ص 123 (7/88)
صفحة 82
يكاد يجمع العقلاء من المسلمين أن الكثير من المستجدات الواقعة في مجتمعنا العربي الإسلامي مستوردة من مجتمعات غير مسلمة وهو ما يصطلح عليه "بالعولمة" التي لا تراعي القيم والثوابت الإسلامية والوطنية، والتي تنتشر في مجتمعاتنا بقوة مؤثرة ومغرية فكريا وماليا وأكلا وملبسا وفرحا ومأتما وغيرها فلأجل ذلك يحتاج المفتي إلى إقرار ما يوافق الشرع ويمنع ما يعارضه مع بيان أحكام الإسلام، بتقديم البدائل المناسبة باجتهاده وذلك لحماية الدين وإصلاح الناس وهذا من الفقه والنصح في دين الله عز وجل. يقول ابن القيم: " من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكانت حاجته تدعو إليه أن يدلّه على ما هو عوض له فيسد عليه باب المحضور ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر مع الله وعامله بعلمه. فمثله من العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليل مما يضره، ويصف له ما ينفعه فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان " (1).
5 ـ تحقيق المصلحة الشرعية بضوابطها عن العمل بالتيسير:
ذكر الأصوليون ضوابط من أجل تحقيق المصلحة المعتبرة والعمل بها عن النظر والاجتهاد كالآتي:
أ ـ اندراج المصلحة ضمن مقاصد الشريعة
ب ـ أن لا تخالف نصوص الكتاب والسنة
ج ـ أن تكون المصلحة قطعية، أو يغلب على الظن وجودها
د ـ أن تكون المصلحة كلية
هـ ـ أن لا يفوت اعتبار المصلحة مصلحة أهم منها أو مساوية لها (2).
6 ـ اعتبار قاعدة رفع الحرج عند العمل بالتيسير:
فالمقصود بالحرج هو " كل ما يؤدي إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالا أو مآلا " (3) وقد دلت آيات وأحاديث نبوية عن ذلك منها قوله تعالى: ژ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ژ (4) وقوله تعالى: ژ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
__________
(1) -ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين، عن رب العالمين، ج4 ص 123
(2) -الأسنوي، نهاية السول في شرح منهاج الوصول ج 5، ص 77ـ 90
(3) -ابن حميد، رفع الحرج في الشريعة الإسلامية: ضوابطه وتطبيقاته ص 48
(4) -سورة المائدة آية 06 (7/89)
صفحة 83
حَرَجٍ ژ (1) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ..... » (2)
7 ـ النظر إلى المآلات المتوقعة من الأخذ بالأيسر:
ومعناه نظر المفتي في تطبيق النص، هل سيؤدي إلى تحقيق مقصده أولا؟ فلأجل ذلك لا ينبغي للناظر في النوازل والوقائع التسرع بالفتيا إلا بعد أن ينظر إلى ما يؤول إليه الفعل. مع العلم أن قاعدة اعتبار المآل أصل ثابت في الشريعة الإسلامية دلت عليها نصوص قرآنية كثيرة بالاستقراء منها: قوله تعلى: ژ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ ژ (3) وقوله تعالى: ژ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ژ (4) ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم حين أشير (5) عليه بقتل من ظهر نفاقه فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي».
8 ـ ضرورة فقه الواقع المحيط بالنازلة قبل الحكم بالتيسير:
نقصد بضابط ضرورة فقه الواقع مراعاة المفتي الناظر في النوازل عن اجتهاده تغير الواقع المحيط بالنازلة سواء أكان التغير زمانا أم مكانا أم تغيرا في الأحوال والظروف، لأن كثيرا من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية. فلأجل ذلك أفتى الفقهاء المتأخرون في مختلف المذاهب الفقهية وفي كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون، وصرح الفقهاء المتأخرون في ذلك بقولهم إن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات، وأن اختلافهم للفقهاء السابقين لا يعتبر خلافا في حقيقته لأنه لو وجد هؤلاء الأئمة في عصر المتأخرين وعايشوا
__________
(1) -سورة الحج آية 78
(2) -البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، دار الكتاب العربي، ص 21 رقم الحديث 39
(3) -سورة البقرة آية 188
(4) -سورة الأنعام آية 108
(5) -مسلم، صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، دار الكتاب العربي، ص 411، رقم الحديث، 142 (7/90)
صفحة 84
اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما أفتى به المتأخرون (1) وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» (2) ومن الأمثلة على ذلك الآتي:
1 ـ الفتوى بجواز إغلاق أبواب المساجد في زماننا في غير أوقات الصلاة لعلة صيانة المساجد من السرقة والعبث، على الرغم من أنها مكان للعبادة.
2 ـ أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بإباحة طواف الإفاضة للحائض التي يتعذر عليها المقام حتى تطهر (3).
ونظرا لأهمية هذا الضابط نجمل بعض الأسس التي يجب مراعاتها من طرف المفتي عند تغير الأزمنة والأمكنة أو الظروف كالآتي:
1 ـ الأحكام الشرعية ثابتة لا تتغير بمرور الزمان، ولا بتغير الأحوال. وكون الحكم الشرعي يختلف من واقعة إلى واقعة بسبب تغير الزمان أو المكان أو الحال ليس معناه أن الأحكام مضطربة ومتباينة بل لأن الحكم الشرعي لازم لعلته وسببه و جار معه فعند اختلاف أحوال الزمان والناس تختلف علة الحكم وسببه فيتغير الحكم بناء عليه (4).
2 ـ الفتوى لا تتغير بحسب الهوى والتشهي واستحسان العباد واستقباحهم بل لوجود سبب يدعو المجتهد بإعادة النظر في مدارك الأحكام، ومن ثم تتغير الفتوى تبعا لتغير مدركها نتيجة لمصالح معتبرة وأصول مرعية ترجح على ما سبق الحكم به (5).
3 ـ تغير الفتوى يجب أن يكون مقصورا على أهل الاجتهاد والفتوى، وليس لأحد قليلة بضاعته في العلم تولي هذه المهمة الصعبة، وكلما كان النظر جماعيا من قبل أهل الاجتهاد كان أوفق للحق والصواب (6).
__________
(1) -مصطفى أحمد الزرقا، المدخل الفقهي العام، دار الفكر، ج2، ص 923 ـ 924
(2) -مصطفى أحمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، مؤسسة الرسالة، ص 254
(3) -ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج3، ص 19
(4) -ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج3، ص 36
(5) -د / مسفر بن علي القحطاني، الوعي المقاصدي، ص 83
(6) -حسين الترتوري، فقه الواقع، دراسة أصولية فقهية، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد 34، 1997، ص 71 (7/91)
صفحة 85
9 ـ النظر في العرف المعتبر عند العمل بالأيسر:
إن مفهوم العرف أو العادة عند الأصوليين: هو ما استقر في النفوس من جهة القول وتلقته الطباع السليمة بالقبول (1) وعليه جرى الفقهاء على اعتبار العادة والعرف والرجوع إليهما في تطبيق الأحكام الشرعية في مسائل: منها سن الحيض، والبلوغ، والإنزال، والأفعال المنافية للصلاة، والنجاسات المعفو عنها، ولفظ الإيجاب والقبول (2) الخ ..... ولهذا كانت القاعدة: " العادة محكمة " بناء على ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، موقوفا «ما رآه المسلون حسنا فهو عند الله حسن» (3) ويقول القرافي: " إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد: يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة" (4) وقال أيضا:" ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفت لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي وموضع الفتيا: أن لا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده، وهل حدث لهم عرف في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا؟ وإن كان اللفظ عرفيا فهل عرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا؟ وهذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء أن حكمهما ليس سواء" (5) ونظرا لأهمية هذا الضابط، وأنه قد يكون منزلقا لبعض أهل الفتيا والنظر اشترط الفقهاء والأصوليين شروطا يكون العرف فيها معتبرا صيانة لأحكام الشريعة من التبديل والاضطراب وهي:
1 ـ أن يكون العرف مطردا أو غالبا
2 ـ أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرفات قائما عند إنشائها
3 ـ أن لا يعارض العرف تصريحا بخلافه
__________
(1) -أحمد النسفي، كشف الأسرار: شرح المنصف على المنار، ج2 ص 718 ـ الجرجاني، التعريفات، ص 173
(2) -السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 182
(3) -الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج1 ص 177
(4) -القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام ص 218
(5) -القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام ص 232 (7/92)
صفحة 86
4 ـ أن لا يعارض العرف نصا شرعيا بحيث يكون العمل بالعرف تعطيلا له (1)
والذي نؤكد عليه في ختام بحثنا هذا هو الوسطية واليسر والبعد عن التساهل المؤدي للهوى في الفتيا، والبعد كذلك عن التنطع والمغالاة والتشدد وهذا ما دعا إليه الإمام الشاطبي في منهجه في الإفتاء حيث إنه لما كانت الشريعة تتميّز بالوسطية و اليسر فإن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى اتخذ منهجا وسطا بعيدا عن تنطّع المغالين والمتشددين، و متجافيا عن تساهل المتساهلين، و في هذا يقول: " المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على الوسط المعهود فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، و لا يميل بهم إلى طرق الانحلال، و هذا هو الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، فلا إفراط ولا تفريط» (2). ثم يقرر أن من خرج عن الوسط هو مذموم عند الراسخين في العلم، واستدل بأحاديث نبوية نهى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عن التشدد و الحرج، ثم ختم كلامه قائلا: " إن المستفتي إذا ذهب به مذهب التعنت و الحرج بُغِّضَ إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة ... وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة. والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك" (3) وصلى الله على محمد والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
- - -
__________
(1) -ابن نجين / الأشباه والنظائر، ص 110 ـ السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 185
(2) -الإمام الشاطبي، الموافقات، ج4 ص 151.
(3) -الإمام الشاطبي، الموافقات، ج 4 ص 189. (7/93)
صفحة 87
مقدار ديَّة قتل الخطأ
بالعملات المتداولة
د: محمد بن صالح حمدي
جامعة الحاج لخضر ــــ باتنة ــــ الجزائر
إ
إن الله تبارك و تعالى كرّم الإنسان و جعله خليفته في الأرض ليقيم سننه و يُنفد شرعه، وسخر له الكون لمنفعته وخدمته، فكانت نفسه كريمة عليه، وروحه مصانة محفوظة، فأقرت شرائعه أنه من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا، ويؤكد الرسول الكريم على مكانة نفس المؤمن عند ربه بقوله «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» (رواه الترمذي وحسنه). فشرع الله في كتبه قتل النفس عمدا بغير حق من الكبائر التي لا تغتفر، وجعل توبة قتل الخطأ كفارة مغلظة ودية مسلمة إلى أهل القتيل تخفيفا من فاجعة فقد القريب والمعيل، وقد قدرت السنة المطهرة الدية بمائة من الإبل أو ما يعادلها من الأموال المفصلة في كتب الفقه، إلا أن هذه الأموال تختلف قيمها باختلاف ظروف الزمان والمكان. فما هو المعيار الذي أسس عليه الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - في مقدار الدية؟ وهل يُستعاض عنها بالأموال الأخرى كما ورد في الأثر وذكره الفقهاء؟ وكيف تقدَّر الدية في الوقت الحاضر بالعملات المتداولة؟
تلكم هي الإشكالات التي يحاول هذا البحث الإجابة عليها من خلال العناصر التالية:
• تعريف الدية ومشروعيتها.
• الأصل في تقدير الدية وحكمته.
• الحكمة من تنويع أصناف أموال الدية.
• الحكمة من اختيار الإبل أساسا لتقدير الدية.
• التقدير الحالي لدية القتل بالعملات المتداولة.
• خاتمة. (8/94)
صفحة 88
تعريف الدية ومشروعيتها
لغة: الديات جمع دية أصلها وِدْية بكسر وسكون، مصدر وَدِيَ القتيل يديه إذا أعطى الجاني وليّ المجني ديته.
شرعا: المال المقدر عن الجناية في النفس وما دونها كجراح أو كسر أو فوت نفع، كعَوَر وصَمَم وشَلَل وغير ذلك مما يحدث بسبب من جناية الجاني سواء كانت الجناية عمدا ورجع الولي إلى الدية أو شبه عمد أو خطأ، تقديرا معلوما في كل جنس من الأجناس، يأخذها المجني عليه وشبه عمد أو خطأ، تقديرا معلوما في كل جنس من الأجناس، يأخذها المجني عليه أو وليه إن كان ميتا حسبما يوجبه الشرع (1).
عرفها المالكية، إذ يقول ابن عرفة "الدية مال يجب بقتل الآدمي حرّ عن دمه أو جرحه، مقدرا شرعا لا بالاجتهاد" (2). ويخرج من هذا التحديد ما يجب بقتل غير آدمي عن قيمة فرس ونحوه، وما يجب بقتل ذي رق من قيمته.
ويمكن تعريف الدية اختصار "المال المقدر شرعا المؤدي إلى المجني عليه أو وليه بسبب جناية على النفس أو ما دونها ".
مشروعية الدية: الأصل في مشروعية الدية الكتاب والسنة والإجماع، فمن كتاب الله العزيز قوله تعالى ژ ? ? ... ? ? ? پ پ ... پپ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ... S S .... ژ (النساء 92)، فالآية توجب الدية والكفارة في القتل الخطأ. ومن السنة قد وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية الدية نذكر منها:
• أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء ح قال: «الدية مائة من الإبل» وعن طريقه أيضا، قال: «دية المرأة نصف دية الرجل» وعن طريقه أيضا: «دية الخطأ على ثلاثة أعوام كل سنة ثلث الدية ودية العمد في عام واحد». (3)
• حديث عمر بن حزم من كتاب رسول الله ح إلى أهل اليمن جاء فيه: «من اعتبط مؤمنا قتيلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول وإن في النفس مائة من الإبل ..... » (4).
__________
(1) -زهران بن ناصر بن سالم، جهد المقل في الديات و الأرش و القتل، مسقط، سلطنة عمان. ص:95
(2) -محمد خير ابراهيم، دفع الدية من شركات التأمين، دار النفائس.
(3) -محمد بن عمرو أبي ستة، حاشية الترتيب على الجامع الصحيح، تح/ إبراهيم طلاي. ج:4، ص:20
(4) -جزء من حديث عمر بن حزم في الدماء الذي وجهه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن، أخرجه النسائي و غيره (8/95)
صفحة 89
أما الإجماع فقد انعقد إجماع المسلمين من لدن بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا على وجوب الدية ومشروعيتها.
الأصل في تقدير الدية وحكمته
الأصل في تقدير الدية من الإبل، فالنصوص الشرعية من السنة تؤكد على أن الإبل هي أصل وجوب الدية واتفق الفقهاء على أن الإبل هي أصل الدية، فتقبل إذا أديت منها عند جميع الفقهاء ويصح فيها البدل من الأعيان الأخرى كالبقر والنقود وغيرها على أن تكون قيمتها بقيمة الواجب من الإبل، واختلفوا في ذلك إلى ثلاثة أقوال هي (1):
القول الأول: الإبل والذهب والفضة عند أبي حنيفة والمالكية والشافعية في القديم.
القول الثاني: الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم والحلل وهو قول محمد بن الحسن وأبي يوسف وهو قول الإباضية، وقول الحنابلة ما عدا الحلل.
القول الثالث: الأصل في الدية الإبل فقط وإن عدمت فقيمتها، وهو قول الشافعية في الجديد، وهو قول الظاهرية.
والإباضية يذهبون إلى القول الثاني، كما أشرنا، إذ يقول الشيخ اطفيش رحمه الله «و دية الخطأ على ثلاث سنين عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حُقَّة وعشرون جَدْعة، ثلث كل سنة، وبالقيمة كل بعير بأربعة دنانير وبالبقر مائتان والشاه ألفان والحلل مائتا حلة يمانية ــــ إزار ورداء ــــ والذهب ألف دينار والفضة عشرة آلاف درهم أو اثنا عشر ألف» (2).
فالإباضية من خلال نص الشيخ اطفيش يرون أن الأصل هو مائة من الإبل مختلفة الأصناف وبالقيمة يكون ذهبا أو فضة أو بقرا أو شياها أو حللا، مع تفصيل في المقادير.
نخلص إلى أن مقدار المال الذي فيه الدية ستة أصناف هي:
1 - الإبل: مائة من الإبل مختلفة الصفة والسن.
2 - الذهب: قدرت بألف دينار.
3 - الفضة: قدرت باثني عشر ألف درهم، وفي قول عشرة آلاف.
__________
(1) -محمد خير، دفع الدية، ص:46
(2) -اطفيش امحمد بن يوسف، الذهب الخالص، تع/ إبراهيم اطفيش. دار البعث. ص:318 (8/96)
صفحة 90
4 - الغنم: قدرت بألفي شاة وفي قول ألف شاة.
5 - البقر: مائتا بقرة.
6 - الحلل: مائة حلة، والحلة ثوبان (إزار ورداء).
يظهر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد فرض الدية بمقدار مائة من الإبل أو بقيمتها من الذهب والفضة والبقر والغنم، وفي عهد عمر بن الخطاب أضاف الحلل من الملابس، فأصبحت الأجناس التي ورد فيها تقدير دية النفس ستة: الإبل، البقر، الغنم، الذهب، الفضة، الحلل.
ولا يشك عاقل أن تلك المقادير التي حددت في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأنواع المختلفة وفي عهد عمر بن الخطاب كانت متعادلة في ماليتها وقيمتها، فهي تمثل تعويضا عن النفس المفقودة بالقتل الخطأ، وأن الجاني الخيار في أن يدفع من أيهما شاء، ما هو أسهل عليه، أما المالية فهي متساوية أو متقاربة، ولا يعقل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحدد دية القتل التي أوجبها القرآن الكريم بمقادير متفاوتة المالية من تلك الأنواع على أساس الوجوب, ويشهد على ذلك أنه ثبت عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - وكذا عمر بن الخطاب قد أدخلا تعديلا على التقدير الأول الذي قدره في الذهب والفضة عندما غلت الإبل حفاظا على تساوي المالية في الدية بين مختلف الأنواع (1). روى النسائي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - «كان يُقوّم الدية على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الوِرق، ويَقوّمها على أهل الإبل، فإذا غلت رفع قيمتها وإن هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان مبلغ قيمتها على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - مابين 400 دينار إلى 800 دينار أو عدلها من الورق» (2).
الحكمة في تنويع الأصناف
اتفقت كلمة الفقهاء على أن هذا التنوع قد كان لتيسير الأداء على الناس حسب أوضاعهم، فأهل البادية أداء الإبل أسهل لهم وأهل الحرث أداء البقر والغنم أسهل عليهم وأهل الحواضر والتجارات أداء النقود من الدنانير والدراهم أسهل عليهم، ثم في عهد الفتوحات، فتحت بلاد تنتج المنسوجات فأدخل عمر بن الخطاب الحُلل فصارت الأنواع ستة، مع أن هناك من قول بأن الحلل ثابتة منذ عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) -الزرقاء، مصطفى احمد، دية النفس الشرعية. بحث مقدم إلى مجلة المجمع الفقهي
(2) -النسائي، سنن النسائي بشرح السيوطي، ج:8،ص:43 (8/97)
صفحة 91
فالشريعة الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج وصلاحيتها تمتد عبر الزمان والمكان، ولو اقتصرت على أصل الإبل، فكيف يدفع الدية من يعيش في العصر الحاضر في بيئة غير صحراوية حيث تنعدم فيه الإبل؟ فالحكمة جلية في هذا التنوع مع الاحتفاظ على القيمة المالية للأصل الأول.
الحكمة من اختيار "الإبل" أساس تقدير دية القتل
قدّر الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدر الدية بالإبل لا لخصوصية شرعية في الإبل، بل لأنها كانت في البيئة العربية هي المال الأساس المتوافر والمتداول في الحواضر والبوادي وتدفع أثمانا وأعواضا في المبادلات وسائر الالتزامات، إذ لم يكن حينئذ، الأثمان الأصلية، النقدين الذهب والفضة متوافرة في المدن الرئيسية والحواضر التي تمارس فيها التجارة على نطاق واسع، فقدرت الدية بالإبل إذ ذاك تيسيرا للأداء، لا لأن الإبل خاصية في التعويض لا توجد في سواها، بل لأنها إذ ذاك عند العرب في البيئة الأولى للإسلام تتوافر بكثرة وتحتاج إليها كل قبيلة، بل كل فرد لغذائه وتجواله وحله وترحاله، لذلك كانت هي الميزان في حساب المالية وتقدير القيم. ومن جهة أخرى فإن النقدين ــــ الذهب والفضة ــــ يغلو ويرخص أي يفقد قيمته الشرائية بعامل التضخم، لذلك كان ربط الدية بالأعيان دون النقود أكثر استقرارا وثباتا (1).
مالية الإبل هي أساس اختيارها أصلا للدية:
تبيّن لنا مما سبق أن أصل الدية هو الإبل وبيّنا حكمة ذلك، فالتساؤل المطروح الآن هل تقدير الإبل في الوقت الحاضر يرتبط بقيمتها المالية في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أم بربطها بأثمانها الحالية؟
بما أن الأصل في الدية هو الإبل بأعيانها، فلا يمكن ربطها بقيمتها بالأثمان الحالية، إذ كان باستطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقول أن الدية ألف دينار أو ما يقابلها من الإبل كما حدد الزكاة بعشرين مثقال، ولكن حددّ الأصل فيها بأعيان الإبل لحكمة جليلة فتبقى كذلك، فقد أوردنا الأثر الذي رواه النسائي كيف أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - عدّل من قيمة الدية حسب رخص وغلاء الإبل ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار أو ما يعادلها من الفضة. إذن نستطيع أن نعرف مقدار الدية بناء على مالية الإبل في عهد النبيء - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) -محمد رواس قلعه جي، الموسوعة الفقهية الميسرة، دار النفائس. مج:1، ص:667 (8/98)
صفحة 92
والخلفاء الراشدين من خلال منفعتها، فنقيس به الأنواع الستة الأخرى والتي كانت تساوي منفعة نفس المقدار من الإبل، فالمنظور شرعا هو المالية لا النوع ولا الجنس.
نستطيع أن نقف على مالية الإبل في زمن النبيء - صلى الله عليه وسلم - من تاريخ سيرته العطرة، ففي غزوة بدر قال يونس بن اسحاق «خرجت قريش على الصعب الذلول في 950 مقاتلا معهم مائتا فرس يقودونها ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين، وذكر المطعمين لقريش يوما بعد يوم وذكر الأموي أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل حيث نحر لهم عشرا ثم نحر أمية بن خلف بعسفان تسعا، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا ومالوا ... » (1). وعندما أراد النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يعرف عدة قريش وعددهم، عمد إلى الغلامين الأسيرين يسألهما عن أحوال قريش فقال للغلامين، كم القوم؟ قالا كثير، قال ما عدتهم، قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم، قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «القوم مابين التسعمائة والألف» (2).
ووجه الدلالة من هذه الرواية أن مالية الإبل الواحدة كانت تكفي في زمن الرسول (ص) لإطعام مائة رجل، ومائة الإبل تكفي لإطعام عشرة آلاف رجل، فتكون مقدار الدية هي: إطعام عشرة آلاف رجل.
الدية = إطعام عشرة آلاف رجل:
إذن فمقدار الدية مرتبط بما تقدمه الإبل من منفعة غذائية، لذلك فهي تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان لآخر، مع الاحتفاظ بالربط بأصل تقديرها بمائة من الإبل.
وإذا أردنا أن نعرف قيمة دية قتل الخطأ في دولة الجزائر في الوقت الحاضر ــــ مثلا ــــ فعلينا أولا أن نعرف ما هي قيمة متوسط إطعام الرجل الواحد. فمن استقراء الواقع نجد أن متوسط إطعام الرجل الواحد يتراوح مابين 120دج إلى 150دج في اليوم الواحد، وعليه يكون مقدار الدية في الجزائر في الوقت الحاضر وبالأسعار المتوسطة:
120,00دج × 10000 (شخص) = 1.200.000,00 دج
150,00 دج × 10000 (شخص) = 1.500.000,00 دج
أي تتراوح مابين مائة وعشرون مليون سنتيم إلى مائة وخمسين مليون سنتيم.
__________
(1) -ابن كثير، أبو الفداء، البداية و النهاية
(2) -أخرجه الإمام أحمد في مسنده (8/99)
صفحة 93
يعتبر تقدير دية قتل الخطإ بهذا الأسلوب والصيغة مبلغا محترما يُعوض شيئا من فقد المقتول بقتل الخطإ ويضمد الجراح ويهدئ النفوس المضطربة مع أنه لا يعوض النفس الإنسانية المفقودة، كما أن الدية الشرعية ليست عقوبة زاجرة، كما ذهب البعض، وإنما هي تعويض وتخفيف وجبر للخاطر. وهذا المبلغ ليس باليسير الذي يغبن فيه من رزئ بفقد عزيز لديه (1) ولا بالمبلغ الكبير الذي يعجز القاتل وأوليائه بجمعه وأدائه، ثم أنه يستند إلى الأصل الذي اعتمده الرسول في تقدير دية قتل الخطإ.
لو أننا ربطنا الدية بالدينار الذهبي كما ذهب البعض (2) فالدينار الذهبي الشرعي وزن مثقال من الذهب والمثقال أربعة غرامات وربع الغرام بالوزن الحالي، وعليه فالدية الكبرى للحر المسلم من الذهب أربعة آلاف ومائتان وخمسون غراما أي أربعة كيلو وربع الكيلو، وذلك وزن ألف دينار من الذهب الخالص.
فلو أسقطنا ذلك على ثمن قيمة الغرام من الذهب والوقت الحاضر، مع ملاحظة تغيره وزيادته باستمرار، فسعر متوسط الذهب يساوي الآن: خمسة وأربعون ألف دينار جزائري، إذن تكون قيمة الدية: 45.000,00 × 4250غ = 19.125.000,00 دج
أي حوالي ملياري سنتيم، وهو مبلغ تعجز عنه المؤسسات والجماعات بله الأشخاص والأفراد عن جمعه وتسليمه لأولياء القتيل، كما أنه لا يعبِّر عن قيمة المنفعة التي كانت تقدمها مائة إبل في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مع التذكير أن الهدف من الدية ليس التعويض وإنما المواساة والتخفيف عن أولياء المقتول قتل الخطإ.
خاتمة:
إنَّ فاجعة قتل الخطإ تصيب أولياء المقتول والقاتل نفسه، فشرع الله لها أحكاما للتخفيف من آثارها بدون أن ترهق القاتل بأعباء دفع الدية، فأناط إخراجها بالعاقلة وعلى مدة ثلاث سنوات، ومن حكمة الشرع أن جعل أصلها مائة من الإبل أو ما يعادلها من الأموال التي نصت عليها في السنة النبوية، وإن تقديرها بمنفعتها المالية اعتبار وجيه في الشرع لكونه يرتبط بمالية الإبل في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويراعي ظروف القاتل وأولياء المقتول.
__________
(1) -انظر رسالة الشيخ طلاي الذي انتقد فيها تقدير دية الخطإ بمبلغ عشرة ملايين سنتيم، مجلس عمي سعيد.
(2) -زهران، جهد المقل، ص:98 (8/100)
صفحة 94
حكم نكاح مزنية الرجل ومزنية غيره
(دراسة مقارنة بين الإباضية والمالكية)
الباحث: إدريس بن بابه باحامد
باحث في الماجستير ــــ سلطنة عُمان
ا
الحمد لله الذي أحل الزواج وأمر به، وحرم السفاح ونهى عنه، حيث قال عز قائلا حكيما: ژ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ژ (1) وقال: ژ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ژ (2)، وأصلي وأسلم على مبعوث البشرية سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، من كان للرسالة مبلغا وللأمانة مؤديا صلوات ربي وسلامه عليه.
أما بعدُ؛ فإن حديث الفقهاء عن فاحشة الزنا لا يخلو من الاتفاق والاختلاف، فهم متفقون بالإجماع على حُرمة الزنا بأي نوع من الأنواع كان، غير أنهم اختلفوا في بعض الآثار المترتبة عنه إن وقع لا قدر الله، ومن تلك الآثار حكم نكاح من يأتي هذه الفاحشة، فهل يجوز للزاني أن ينكح مزنيته التي زنى بها، وهل يجوز للعفيف أن ينكح الزانية، وهل يجوز للزاني أن ينكح زانية غير التي زنى بها، هذا هو محور حديث الباحث في هذا البحث، مع التركيز في الحقيقة على جزئية نكاح الزاني بمزنيته نظرا للخلاف الحاصل بين العلماء، وقد كانت دراسة الباحث لهذا الموضوع دراسة مقارنة بين مذهبين من المذاهب الإسلامية فقط وهما الإباضية والمالكية، ولم تكن الدراسة شاملة لجميع المذاهب، ولذلك جاء عنوان البحث كما يلي: حكم نكاح مزنية الرجل ومزنية غيره (دراسة مقارنة بين الإباضية والمالكية).
المطلب الأول: حكم نكاح الزاني لمزنيته عند الإباضية:
أ- حكم نكاح الزاني لمزنيته عند الإباضية:
يرى فقهاء الإباضية أن من زنى بامرأة تحرم عليه شرعا مهما كان، ولا يحل لهما
__________
(1) -سورة الإسراء، الآية: 32.
(2) -سورة الروم، الآية: 21. (9/101)
صفحة 95
أن يقترنا بعد تلك الفعلة الشنيعة التي ارتكبوها، ولا يهم إن تابا بعد ذلك أم لم يتوبا، لأن التوبة لا تبيح لهما الاقتران بعدما فعلوه، حتى وإن تاب الرجل، وبقيت المرأة واحتج بحجج إحصانها، فإن هذا لا يقبل عند علماء الإباضية، فقد رأوا أنها تحرم عليه أبدا، والحكم نفسه مهما كانت الحجة، كأن يكون أحدهما حال الزنا مسلما و الآخر مشركا، أو أن يكون أحدهما طبيا والآخر بالغا، أو أن يكون أحدهما نائما والآخر يقظا، أو أن يكون أحدهما عاقلا والآخر مجنونا، كما أن محل الزنا لا يحيل الحكم إلى الإباحة كأن يقول: إنه زنى بها في دبرها، فالحكم لا يتغير، سواء زنى بها في فرجها أو في أي موضع من جسدها، لأن علماء الإباضية يعتبرون رؤية الفرج عمدا أو لمسه عمدا ــــ دون ضرورة ــــ يأخذ حكم الجماع، وقد أخذ الإباضية قولهم هذا عن أئمتهم ومشايخهم وسلفهم (1)، فقد روي هذا القول عن إمام المذهب الإباضي نفسه جابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ومحبوب بن الرحيل، ومحمد بن محبوب، وصالح الدهان، والربيع بن حبيب صاحب المسند، ووائل بن أيوب، وأبو المؤرج، وعبد الله بن عبد العزيز، كما يقول بهذا القول من المتأخرين: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض (2)، فضيلة الشيخ الناصر بن محمد مرموري (3)، وفضيلة الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج (4)، والشيخ أحمد بن حمد الخليلي (5)، وغيرهم من مشايخ الإباضية في كل مكان (6).
__________
(1) - محمد اطفيش، شرح كتاب النيل، ج: 6، ص: 47.
-يُنظر: الجناوني، كتاب النكاح، ص: 41.
-يُنظر: ابن بركة البهلوي، الجامع، ج: 2، ص: 133.
-يُنظر: مصطفى حمو أرشوم، النكاح صحة وفسادا وآثارا في المذهب الإباضي، ط1، مطابع النهضة، سلطنة عمان، 1422هـ، 2002م، ص: 241 وما بعدها.
(2) -الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، (و: 1899م ـــ ت:1981م)، رائد الحركة الإصلاحية في وادي ميزاب والجنوب الجزائري، صاحب تفسير: في رحاب القرآن، تحرير: عيسى بن محمد الشيخ بالحاج.
(3) - الشيخ الناصر بن محمد موموري (و:1925م ــــ ت:2011م)، صاحب كتاب: في رحاب السنة، ومختصر تفسير رحاب القرآن للعلامة الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، رئيس حلقة العزابة بمدينة القرارة، ومجلس عمي سعيد الهيئة الدينية العليا بوادي ميزاب، وكان يعد عمدة الفتوى في القرارة في الوقت الحاضر، وقد تتلمذ عليه الباحث والحمد لله.
(4) - الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج، عضو المجلس الإسلامي الأعلى الجزائري، وعضو بحلقة العزابة بمدينة القرارة، وأستاذ الفقه الإسلامي والعقيدة بمعهد الحياة سابقا، وقد تتلمذ عليه الباحث.
(5) - الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مفتي عام سلطنة عمان، رئيس معهد العلوم الشرعية، له مؤلفات عديدة تتمثل في كتب الفتاوى (العبادات، والمعاملات ... )، إضافة إلى كتب أخرى منها: جواهر التفسير، إعادة صياغة الأمة، الدين والحياة، وقد جلس إليه الباحث في مجالس العلم.
(6) - من خلال الدراسة في معهد الحياة ومعهد العلوم الشرعية، ومن خلال بعض الجلسات الخاصة والعامة مع بعض المشايخ وأثناء مناقشة الباحث لهذا الموضوع، تبين أنهم يعتمدون ما ذهب إليه سلفهم في المسألة. (9/102)
صفحة 96
ومن بين أقوال المشايخ سلفا وخلفا والتي تؤكد ما ذهبوا إليه قول الإمام أفلح بن عبد الوهاب: «حدثنا بشر بن غانم الخراساني عن حاتم بن منصور عن عمارة بن حيان عن أبي الشعثاء جابر بن زيد أنه سئل عن الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها؟، قال: اجعلوا بينهم البحر الأخضر، وإن استطاع ألا ينظر إليها فليفعل» (1)، وقد روي عن جابر بن زيد أنه قال: «إذا زنا رجل بامرأة فلا يتزوجها، إنهما زانيان ما اجتمعا، أو قال ما اصطحبا لأن نكاحهما الأخير حرام فهما على حكم الزنا في الأولى والآخرة» (2).
يقول الشيخ بيوض في جواب لمسألة عرضت عليه مفادها: ما حكم الشرع في نكاح الرجل لمزنيته؟، فأجاب بقوله: «اِعلم أن نكاح الرجل لمزنيته مسألة اختلف فيها العلماء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، وأهل مذهبنا -[يقصد الإباضية]- كلهم مجمعون على أنه حرام لأحاديث صحت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في ذلك، ... إنه حرام على الزاني نكاح مزنيته، وقال عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب الصحابيان الجليلان: إن من زنى بامرأة لا يحل له نكاحها أبدا. وسئل صحابي آخر عمن زنى بامرأة ثم تزوجها، فقال: «تزوجها شر من زناه وقال جابر بن زيد: من زنى بامرأة فلا يتزوجها وليجعل بينهما البحر الأخضر، وإن قدر ألا ينظر إليها فليفعل، وكان صحابي يقال له مرثد يريد أن يتزوج عاهرة يُقال لها عناق، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسكت فلم يجبه حتى نزل قول الله تعالى: ژ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ژ (3)، ... الحاصل: هذا ما اعتمد عليه أصحابنا ... » (4)، وهذا أيضا قول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في فتاواه، فقد أجاب أحد السائلين عن حكم الاقتران بمن زنيَ بها فأجاب الشيخ بقوله: «إن ما ذهب إليه أصحابنا رحمهم الله هو القول الأحوط والأسلم والأقطع لشأفة الفساد، وهو مروي عن جماعة من الصحابة رضوان
__________
(1) - أبو غانم الخراساني، المدونة الكبرى، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، دط، 1404هـ، 1984م، ج: 2، ص: 22، 23.
- يُنظر: الشقصي، منهج الطالبين، ج: 15، ص: 167.
(2) - المصدر نفسه، ج: 15، ص: 167.
(3) - سورة النور، الآية: 3.
(4) - إبراهيم بن عمر بيوض، الفتاوى، ترتيب: بكير بن محمد الشيخ بالحاج، مكتبة أبي الشعثاء، سلطنة عمان، ط2، 1411هـ، 1990م، ص: 357 وما بعدها. (9/103)
صفحة 97
الله تعالى عنهم، منهم: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وابن مسعود، والبراء بن عازب، فقد عن كل من هؤلاء أن من زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان أبدا» (1).
ب- الأدلة التي اعتمدها الإباضية:
اعتمد الإباضية كغيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى على أدلة من القرآن و السنة وكذا الإجماع، والقياس، ومن المعقول أيضا، فالشرع الحنيف يوافق العقل السليم والفطرة السوية، بخلاف غيره، وسوف يسرد الباحث الأدلة التي اعتمدها الإباضية مع بيان وجه الشاهد من كل دليل على النحو الآتي:
1 - من القرآن:
من أهم الأدلة التي اعتمدها الإباضية في الموضوع قوله تعالى: ژ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ژ (2)، فالآية صريحة وواضحة المعنى والمدلول لا خلاف فيها، بحيث أن الله تعالى نهى بقوله وحرم ذلك على المؤمنين، فقد بين أن الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، كما أن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة مثله، وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ أبو الحسن البسيوي في كتابه الجامع يقول: «وحرم الله نكاح الزاني، لقوله تعالى: ژ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ژ (3)، الزاني المحدود لا ينكح إلا زانية محدودة أو مشركة من نساء أهل الكتاب، لقوله تعالى: ژ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ژ (4)، ولا تتزوج المرأة بزان ولا مشرك إذا لم تكن زانية، وحرم ذلك على المؤمنين، فهذا حرام على الأبد إلا أن تسلم المشركة» (5)، فكلام الشيح واضح وجلي فقد فسر الآية بما فسرها غيره من علماء الإباضية كما تقدم، ولعل الآية تكفي دليلا على صحة ما ذهب إليه جمهور الإباضية، وقد وافقه الشيخ سلمة بن مسلم العوتبي صاحب كتاب الضياء، حيث قال: «لا يتزوج الزاني المحدود إلا بزانية محدودة أومشركة من نساء أهل الكتاب ولا تحل
__________
(1) - أحمد بن حمد الخليلي، فتاوى النكاح، ص: 2.
(2) - سورة النور، الآية: 3.
(3) - سورة النور، الآية: 3.
(4) - سورة البقرة، الآية: 221.
(5) - أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسيوي، جامع أبي الحسن، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1404هـ، 1984م، ج: 3، ص: 38. (9/104)
صفحة 98
له مشركة من غير نساء أهل الكتاب ... » (1)، وقد فسرت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قول الله تعالىژ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ژ (2)، يعني أنه لا يجوز للزاني أن ينكح مزنيته، وقد علق الشيخ اطفيش على قولها فقال بأن كلامها له حكم الرفع، وفي ذلك رد لمن قال بجواز نكاح الزاني من مزنيته مطلقا، وفيه رد لمن قال بجواز نكاح الزاني لمزنيته بشرط التوبة الصلاح (3)، فالكلام في تفسير قول الله تعالى السالف ذكره كما مر واضح وبين ولا مجال في الحقيقة للاختلاف فيه.
2 - من السنة (أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، والصحابة، والتابعين، والأئمة الصالحين):
أورد أصحاب هذا القول أدلة كثيرة من السنة مستدلين بها على صحة ما ذهبوا إليه، فلم يوردوا فقط أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط بل أوردوا بعض أقوال الصحابة والتابعين أيضا، والتي تقضي بحرمة نكاح الزاني لمزنيته، يذكر الباحث بعضها على سبيل المثال لا الحصر:
- قول النبي ح: «أيما رجل زنا بامرأة ثم تزوج بها فهما زانيان إلى يوم القيامة» (4).
فما دام أن النبي ح قال هما زانيان إلى يوم القيامة، يعني أنه لا يجوز له أن يبقى معها، فهما عاصيان إن بقيا على تلك الحالة وهي الزواج عندهم وهو الزنا في حقيقة الأمر.
- وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوج بها فهما زانيان ما اجتمعا" (5).
قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، يدل على أن من تزوج امرأة بعد أن زنى بها لها حكم الزنا متى ما اجتمعا، فما داما مجتمعين لهما حكم الزنا، دليل على أن اجتماعهما لا يكون إلا زنى والزنا حرام شرعا كما سبق.
- وقد روي عن النبي ح قوله: " لا نكاح بعد سفاح" (6).
هذا الحديث يدل على أن من زنى بامرأة فلا يحق لهما أن يتزوجا بعد ذلك، لنهي
__________
(1) - سلمة بن مسلم العوتبي، الضياء، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط1، 1411هـ، 1991م، ج: 8، ص: 222.
(2) - سورة النور، الآية: 3.
(3) - محمد اطفيش، شرح كتاب النيل، ج: 6، ص: 48.
(4) - البيهقي، السنن الكبرى، سنن البيهقي الكبرى، باب ما يستدل به على قصر الآية على ما نزلت فيه أو نسخها، رقم الحديث: (13661)، ج: 7، ص: 156.
- يُنظر: خميس الشقصي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، ج: 15، ص: 167، 168.
(5) - البيهقي، السنن الكبرى، سنن البيهقي الكبرى، كتاب: النكاح، باب: ما يستدل به على قصر الآية على ما نزلت فيه أو نسخها، ج: 7، ص: 157.
(6) - يُنظر: محمد اطفيش، كتاب شرح النيل وشفاء العليل، ج6، ص: 48. (9/105)
صفحة 99
النبي ح عن ذلك بحرف لا، فلا نكح أي لا زواج بعد سفاح، وقد أشرنا أن السفاح يطلق على الزنا عند بعض العلماء.
- وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: " لا نراهما إلا زانيان ما اجتمعا" (1).
وقد سبق بيان وجه الشاهد من هذا الحديث.
- وروي عن البراء بن عازب قوله: «أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوج بها من بعد ما زنى بها فهما زانيان أبدا ما اصطحبا» (2).
- وروي عن علي بن أبي طالب أنه فرَّق بين رجل وامرأة زنى بها ثم تزوجها، وقد تم التفريق بينهما قبل أن يدخل بها (3)،.
ففعل علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه، يدل دلالة واضحة على حُرمة اقتران الزاني بمزنيته، فلو لم يكن حراما لما منعهما من الدخول ببعضهما.
- وروي عن جابر بن عبد الله والحسن البصري وإبراهيم النخعي قالوا: «يفرق بينهما وليس لها شيء» (4).
هذا القول الذي يقضي بالتفريق دون أن يكون للمرأة شيء من صداق دليل على أن الزواج في الأصل لا يجوز أن بقع، لأنهما عاصيان بفعلتهما فكيف يقترنان بنكاح شرعي.
- نقل الشيخ مصطفى أرشوم في كتابه النكاح ما روي عن الإمام أفلح عن الصلت بن دينار عن محمد بن سيرين عن ابن مسعود أنه قال في الرجل يزني بامرأة ثم يتزوجها: «أنهما زانيان، ما لم يفترقا» (5)، وقد روى الشيخ محمد اطفيش في كتابه وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث، هذه الأحاديث والآثار السابقة (6).
__________
(1) - أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، (و:126هـ، ت: 211هـ)، تح: حبيب الرحمان الأعظمي، منشورات المجلس العلمي، ص: 206، ح ر: (12801).
(2) - البيهقي، السنن الكبرى، سنن البيهقي الكبرى، باب ما يستدل به على قصر الآية على ما نزلت فيه أو نسخها، رقم الحديث: (13661)، ج: 7، ص: 156.
(3) - أبو عبد الله محمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دط، د ت، دن، دم،، ج:12، ص: 169، 170.
(4) - أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي، تح: د. عمرو خليفة النامي، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1394هـ، 1974م، الأجوبة، ص: 43.
(5) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 244.
(6) - محمد بن يوسف اطفيش، وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث، وزارة التراث القومي والثقافة، 1406هـ، 1986م، ج: 3، ص: 212، 213.وما بعدها. (9/106)
صفحة 100
فهذه الأدلة من السنة المطهرة وأقوال الصحابة والتابعين، وأئمة العدل الصالحين، تدل في مجملها على أن نكاح الزاني بمزنيته لا يجوز مهما كان، والافتراق بينهما أولى فلا يحق لهما أن يجتمعا أبدا، بل إن استطاعا ألا ينظرا إلى بعضهما فليفعلا كما ورد عن بعض السلف، وهذا في الحقيقة له ما له من أثر في الابتعاد عن الشهوات والوقوع فيها مرة ثانية، فلو قضي برؤية أحدهما للآخر لما خمدت نار الشهوة المشتعلة في داخل قلب كل واحد منهما، ولذلك فعدم زوجهما أولى وهذا لحكمة اقتضاها الله سبحانه وتعالى، إذ كيف يثق من زنى بامرأة قبل أن يتزوجها أنها ستزني بغيره بعد زواجهما، والثقة هي أساس الحياة الزوجية، فكيف تقوم أسرة أساس الثقة فيها منعدم؟!.
3 - من القياس:
بعد سرد النصوص القرآنية والحديثية، والآراء التي قال بها أئمة العدل، من الصحابة والتابعين، والأئمة المهتدين، نجد أن الإباضية لم يكتفوا للاحتجاج بصحة ما ذهبوا إليه بما سبق فحسب، بل قاسوا القضية على قضايا مهمة، يقع من خلالها التحريم، مثل:
أ حرمة المرأة المُلاعنة على زوجها: فقد قاس الإباضية حرمة نكاح الرجل لمزنيته، بحكم نكاح الرجل لملاعنته، لأن في اللعان اتهام للمرأة بإتيان الفاحشة، والإباضية في هذه الحالة يحرمون المرأة على زوجها، والتحريم يكون فيها مؤبدا، مع أن الله تعالى أخذ منهم ميثاقا غليظا في الزواج، فرابط الزواج رابط غليظ ومتين، ولكن مع ذلك وجب التفريق بينهما، وعدم لقائهما مرة أخرى على فراش الزوجية، فإذا كان الزواج ومع ما هو عليه من الصحة، يصل به الحال إلى هذه النتيجة، فكيف بالزنا والعياذ بالله والذي لم يقم على أي أساس من الدين، فالقياس هنا أولى وأحرى، لأن العلة متساوية فلذلك جمعنا بين الأمرين (1)، كما نجد أن الشيخ خميس الشقصي قاس الأمر على هذا إذ يقول: «وقال بعض أهل الأهواء: إن للزاني أن ينكح الزانية التي زنى بها. وذلك غلط منهم وخطأ، إن أحلوا ما حرمه أهل الفقه والعلم، من أصحاب رسول الله ح، ومن بعدهم، من هم أعلم بالتأويل، وقيل: العلة في تحريم المرأة على الرجل، إذا زنى بها، أن لا يتزوجها: إجماع الفقهاء على ذلك. ولا خلاف بينهم، في تحريمها عليه أبداً. والدليل على ذلك قول الله تعالى في كتابه: إن الرجل إذا رمى زوجته بالزنا، ورفع ذلك إلى الحاكم: إنه يلاعنها، ويفرق بينهما، ولا يجتمعان أبداً، وإذا زنى بها هو، كان أشد
__________
(1) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 244، 245. (9/107)
صفحة 101
حرمة، وأعظم إثماً، وأقبح فاحشة، لما عرف من فجورها، وعرفت من فجوره. وربما كان تزويجه بها، لما عرف منه، وما عرفت منه. وهذا أشد من القذف. وإذا صح التحريم في الأخف، كان الأشد أحق أن لا يجوز» (1)، فالشيخ هنا يحرم ذلك وينقل إجماع السلف فيما ذهب إليه، وقد أشار إلى هذا ابن خلفون الإباضي في أجوبته بعد أن قاس حرمة المرأة المزني بها، بحرمة المرأة الملاعنة على زوجها فقال: «وحجة أصحابنا ومن قال بقولهم بالمنع من نكاح الزانيات على كل حال، لما حكم الله باللعان، وجاءت السنة بالفرقة بينهما، والحكم بأن لا يجتمعا أبدا بالذي رماها به زوجها من الزنا الموجب للعان الذي ذكر الله بين الزوج والمرأة، فكانت العلة للفراق بأن لا يجتمعا ادعاؤه عليها وهي منكرة، وجب في القياس إن كان فجر بها أحرى وأحق ألا تحل له أبدا، ويلزمه فراقها إذا تزوجها لاستواء العلة الجامعة للأمرين، بل زناه بها أعظم في القياس» (2)، وهذا القياس في الحقيقة بديع، لتساوي العلة، إذ كيف تحرم الملاعنة مع أن العلاقة الزوجية علاقة وطيدة، ولا تحرم المزني بها، وعلاقتها مع الزاني بها لم تقم على أي أساس، إلا الفجور والتشهي واتباع الهوى، فالأولى والأحرى أن تحرم المزنية بها، ورأي الإباضية في الحقيقة مبني على القاعدة الفقهية المعمول بها: "من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه"، فالزاني والزانية استعجلا أمرا قبل أوانه فالشرع يعاقبها بحرمانه، فلكل شيء أوان، وإلا فإن الفساد في الحقيقة سيكثر، ورأي الإباضية في الموضوع يسد ذريعة الفساد.
ب كما قاس الإباضية حرمة نكاح المزني بها، بحرمة الموطوءة في العدة، فقد أجمع أهل العلم أنه من نكح في العدة متعمدا أو وطئ فيها أنه يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبدا، وقيل إن أول من قضى بهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقد عمل بهذا الإمام مالك والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل كما روي عن علي بن أبي طالب (3). فلو أمعنا النظر في وجه القياس لوجدنا أن التحريم في حال الزنا أولى وأحرى منه في الموطوءة في العدة، لأن في الزنا لزوم الحد، والتفريق، أما في العدة فكما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه فرق بينهما ولكنه لم يرجمهما للشبهة الواردة، إذ القاعدة الشرعية الفقهية تقضي بأن تدرأ الحدود بالشبهات، فإذا كان الحكم يقضي بالتفريق في وطء فيه عقد فكيف بزنى صريح لا وجود لرائحة العقد فيه أصلا حتى ولو كان فاسدا (4)، كما أنهم قالوا: إن من احتج بإباحة نكاح الزاني لمزنيته إنما استدلوا بظواهر النصوص، وهي في حقيقة نصوص ليس فيها ما يدل على إباحة نكاحها، فقد احتجوا بحديث جابر بن عبد الله الذي قال: إن امرأته لا ترد يد لامس، ظاهره على المخالطة للرجال، وترك التحفظ منهم على نفسها، والثابت عن ابن مسعود وابن عباس وجابر بن زيد أنهم قالوا: لا يتزوجها باغيا ولا تحل له أبدا (5).
المطلب الثاني: حكم نكاح الزاني لمزنيته عند المالكية:
ذهب المالكية وبعض المذاهب الإسلامية إلى القول بجواز نكاح الرجل للمرأة التي زنى بها، على خلاف ما ذهب إليه جمهور العلماء من الإباضية، وقد نسب المالكية قولهم واعتمدوا فيه على حكم بعض الصحابة والتابعين، مثل: عبد الله بن عمر، عبد الله بن عباس، وأبي بكر الصديق من الصحابة، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، ومجاهد من التابعين وغيرهم (6)، وقد استدلوا كما استدل أصحاب القول الأول بعدة أدلة من القرآن والسنة والقياس أيضا مما يشمل أقوال العلماء وترجيحاتهم، وسوف يعرض الباحث هذه الأدلة على النحو الآتي:
1 - من القرآن:
قوله تعالى: ژ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ژ (7)، قالوا إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ژ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ژ (8)، فقال ابن عمرو إن الزانية داخلة في إيماء المسلمين، ومما يروى عن أبي جعفر النحاس قوله: «وهذا القول عليه أكثر العلماء، وأهل الفتيا يقولون: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها، ولغيره أن يتزوجها، وهو قول عمر وسالم وعطاء ... » (9)، وعلى هذا التأويل فإن نكاح الزاني بمن زنى بها ليس بحرام، ولكن مع اشتراط بعض الشروط كالتوبة والأوبة والصلاح، وهذا ما ذكر عن بعض العلماء، وقد أورد الأستاذ مصطفى أرشوم كلام القرطبي حيث قال: «وقد تأول الجمهور مدلول هذه الآية
__________
(1) - خميس الشقصي، منهج الطالبين، ج: 15، ص: 168.
(2) - ابن خلفون، الأجوبة، ص:40.
(3) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 246.
(4) - المصدر نفسه، ص: 246.
(5) - ابن خلفون، الأجوبة، ص: 40.
(6) - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تح: ماجد الحموي، ط1، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1416هـ، 1995م، ج: 3، ص: 1003.
(7) - سورة النور، الآية: 3.
(8) - سورة النور، الآية: 32.
(9) - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، تح: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، ج: 12، ص: 169. (9/108)
صفحة 102
فقال القرطبي: أن يكون مقصد الآية تشنيع الزنا وتبشيع أمره وأنه محرم على المؤمنين، واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ، ويريد بقوله: ژ لَا يَنْكِحُ ژ أي لا يطأ، فيكون النكاح بمعنى الجماع ... » (1).
2 - من السنة:
استدل المالكية ومن معهم من الجمهور بأحاديث وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إضافة إلى بعض أقوال الصحابة، وكل الأحاديث التي أوردوها يُفهم من ظاهرها جواز نكاح الزاني لمزنيته كما أشرنا سابقا، وهذه الأحاديث هي:
-لعل أهم حديث استدل به المالكية والجمهور هو ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحرم الحرام الحلال" (2)، فالزنا في الحقيقة أمر منهي عنه وهو حرام قطعا، ولكن لا يمكن للزنى أن يُحرم علاقة زوجية قائمة على أساس متين وهو الزواج، فالزواج يجب ما قبله، ولا يحرمه الزنا إن وقع.
-سئل علي بن أبي عن رجل وطئ أم امرأته فقال: لا يحرم الحرام الحلال (3)، وهذا في واقع الأمر مخالف لما قاله الإباضية من أنه من وطئ أم امرأته عمدا حرمت عليه امرأته، فهم يرون ألا علاقة بين نكاح البنت والزنا بأمها، لأن الزنا حرام شرعا وليست هنالك أية علاقة بين الزاني وأم البنت من حيث الشرع، والنكاح أمر قائم على عقد صحيح وعلى أساس متين فكيف يحرم الحرام الحلال.
-وقد روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أن رجلا جاءه وقد زنى بامرأة، وكان يريد أن يتزوجها، فقال أبو بكر: ما من توبة إلا أن يتزوجها، خرجا من سفاح إلى نكاح (4)، فهذا أثر عن صحابي جليل كان صديق النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يده اليمنى، فقد كان ملازما للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومستوعبا لما يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وما كان لصحابي مثل أبي بكر - رضي الله عنه - أن يخالف النبي - صلى الله عليه وسلم - في ما يذهب إليه، أو أن يفعل ما لا يرضي النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء في حياته أو مماته.
-قال ابن وهب: أخبرني رجال من أهل العلم عن معاذ بن جبل وجابر بن عبد الله، وابن
__________
(1) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 247.
(2) - البيهقي، السنن الكبرى، ج: 7، ص: 168 وما بعدها.
(3) - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت: 458هـ)، السنن الكبرى، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1413هـ، 1992م، ج: 7، ص: 168.
(4) - جلال الدين السيوطي، جامع المسانيد والمراسيل، ح ر: (865)، ج: 13، ص: 220، ترقيم المكتبة الإسلامية الجامعة. (9/109)
صفحة 103
المسيب ونافع وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وحسين بن محمد بن علي في الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها، فقالوا: لا بأس بذلك إذا تابا وأصلحا وكرها ما كان (1)، فنلاحظ هنا أن من قال بجواز اقترانهما شرط التوبة والصلاح والندم على ما فعلا.
-ومما يروى عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أن رجلا جاءه وقال: إن ضيفا استكره أختي فزنى بها، فلما سأله أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - اعترف فأقام عليه أبو بكر - رضي الله عنه - الحد، ونفاه سنة، ثم زوجها إياه بعد ذلك (2).
هذه بعض النصوص التي اعتمدها أصحاب هذا القول، وقد فصل في ذكرها صاحب كتاب النكاح (3).
3 - من القياس:
قاس من قال بجواز نكاح الزاني بمزنيته الصورة بمن أكل من نخلة أول النهار واشتراها آخره، وقالوا كيف للحرام أن يحرم الحلال، فالذي تزوج بمزنيته كمن دخل بستانا ثم سرق منه، ثم جاء بعد ذلك إلى أصحاب البستان فاشترى منه الثمر، فما سرق يعد حراما وما اشتراه حلال، فالسرقة لم تحرم الشراء وهو الحلال، فالقياس واضح وجلي (4).
ومما تجدر الإشارة فإن المالكية أباحوا نكاح الزاني بمزنيته بشرط، أن يستبرأ رحمها من الزنا بثلاث حيضات أو بمضي ثلاثة أشهر (5)، فإن تم العقد عليها قبل الاستبراء يعد العقد فاسدا ووجب فسخه سواء ظهر بها حمل أم لم يظهر، والاستبراء يكون في المزني بها أو مزنية الغير، وقد استدلوا على صحة ما ذهبوا إليه بأدلة منها:
1 - عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبدا" (6)، و هذا في الحقيقة فيما يبدو للباحث والله أعلم أنه دليل عليهم لمن قال بجواز نكاح الزاني لمزنيته، إلا أن تأويلهم لهذا القول مختلف، وما اختلاف العلماء في التأويل إلا سبب من أسباب تعارض الأقوال، ولذلك نجد القرطبي يقول: «وبهذا أخذ مالك، فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد: لأن النكاح له حرمة، ومن حرمته
__________
(1) - مصطفى أرشوم، ص: 249.
(2) - البيهقي، السنن الكبرى، ج: 7، ص: 155.
(3) - مصطفى أرشوم، كتاب النكاح، لمن أراد التفصيل في الموضوع، صفحات: 240 – 257.
(4) - محمد اطفيش، شرح النيل، ج: 6، ص: 47.
(5) - مع أن هنالك من يرى أنها تستبرأ بحيضة واحدة كما ذكر عثمان الجعلي في سراج السالك، ج: 2، ص 103.
(6) - سبق وأن ذكر القول في أقوال المانعين. (9/111)
صفحة 104
ألا يصب على ماء السفاح فيختلط الحرام بالحلال ويمتزج ماء المهانة بماء العزة» (1).
2 - عن رُويفعِ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، عن رسولِ اللَّهِ أنَّه قال عامَ خيبر: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ، فلا يَسْقِيَنَّ ماءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ، ومنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ، فلا يَأْخُذَنَّ دَابَّةً مِنَ المَغَانِمِ، فيركبَها حتَّى إذا أَعْجَفَهَا، رَدَّهَا في المَغَانِمِ، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ، فلا يَلْبَسْ ثوباً مِنَ المَغَانِمِ، حتَّى إذا أَخْلَقهُ، ردَّهُ في المَغَانِمِ» (2)، فالحديث واضح في أن النبي ح نهى أن يجامع أحد امراة قبل أن تستبرأ والحديث في الحقيقة عام، لم يصرح فيه النبي ح بالمزني بها أو بمزنية الغير، أو المطلقة، فالحديث يعم جميع من كانت لها علاقة برجل أما علاقة شرعية أو غير شرعية فالاستبراء واجب في حقها.
3 - الخوف من اختلاط الأنساب في حال الزواج بالمزني بها أو غيرها دون استبراء للرحم، ففي الحقيقة كلام المالكية في الموضوع ــــ الاستبراء ـــــ مهم جدا، ويمكن للباحث أن يؤيد ما قالوا ويضيف: إذا كان الله تعالى جعل العدة في الزواج الصحيح التام الشروط والأركان بالنسبة للمطلقة، أو للمتوفى عنها زوجها، فكيف لا تكون هنالك عدة لاستبراء الرحم بالنسبة للمرأة الزانية، فلا تؤمن المرأة أن تكون قد زنت مع من تقدم للزواج بها وحده، فمجال الشك فيها مفتوح، فكما زنت مع من طلب الزواج بها، فقد تكون زانية بغيره دون علم الأول، وربما تكون حابلة منه أو من غيره، فالاستبراء في الحقيقة واجب حتى لا تختلط الأنساب، لأن الله تعالى أمرنا بحفظ الأنساب، وهو من المقاصد الخمسة التي حث العلماء على الحفاظ عليها في الشريعة الإسلامية.
المطلب الثالث: حكم نكاح الزاني لمزنية غيره عند الإباضية.
بعد أن سرد الباحث أقوال وآراء الإباضية في موضوع نكاح الزاني للمراة التي ونى بها (مزنيته)، وبين الحكم الفقهي في ذلك، مدعما ما ذهب إليه بأدلة من القرآن والسنة، والقياس، سيحاول أن يبين رأي الإباضية في حكم نكاح مزنية الغير، هل تأخذ نفس الحكم؟، أم أن الحكم يختلف عن مزنية الرجل؟!.
جمهور علماء الإباضية (3) يرى أن نكاح الرجل لمزنيته أو مزنية غيره حرام على
__________
(1) - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج:12، ص: 170.
(2) - ابن حبان البستي، الصحيح، باب: الزجر عن انتفاع المرء بالغنائم، ح ر: (4758)، ج: 5، ص: 125. ترقيم المكتبة الإسلامية الجامعة.
(3) - بعض الإباضية يرون رأي الجمهور ومنهم المالكية، بجواز نكاح المحصن والزاني لمزنية الغير، وسوف يورد الباحث بعض أقوال علماء الإباضية في اللاحق من المطالب. (9/112)
صفحة 105
السواء لا فرق بينهما في الحكم، علم الرجل بزناها أو لم يعلم، ولا يهم أنها تابت أو لم تتب، وإنما أجاز الإباضية نكاحها لزان مثلها، شريطة ألا يكون قد زنى بها هو نفسه، أو شهد زناها، أو علم بزناها بغيره، ولا يتم الزواج بها إلا إذا كانا محدودين، مع أن بعض الإباضية يقولون بجواز نكاح الزاني لمزنية غيره، شريطة التوبة والصلاح، وسوف يعرض الباحث أقوال الذين قالوا بجواز ذلك عند ذكر رأي المالكية في الموضوع، وقد اعتمد جمهور الإباضية الذين لا يجيزون نكاح الزانية إلا بزان مثلها، في صحة ما ذهبوا إليه على أدلة من القرآن والسنة، سنعرضها كما يلي:
1 - من القرآن:
يقول الله تعالىژ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ژ (1)، يقول الشيخ خميس الشقصي في بيان هذه الآية: «وذلك إذا كانا محدودين، فلا يجوز أن ينكحها أحد من المسلمين إلا محدود مثلها، باتفاق الأمة، يكون محدوداً، على زنى غير التي يتزوجها، ولا يجوز لرجل تزويج امرأة، زنى بها. ولا تزويج امرأة، علم منها الزنا ولو حدت. وإنما يجوز له تزويج محدودة على الزنا، إذا لم يعلم هو زناها، ولم يعاين منها الزنا، وعن أبى الحسن ــــ وقد اختلفوا ــــ فيمن رأى رجلاً يزني، فقال قوم: لا يزوجه بحرمته، ولا يحضر في تزويجه، ولا يشهد عليه، وقال قوم: إذا رآه يزني. ثم تاب وأصلح، تولاه، وزوجه بحرمته. وصلى على جنازته؛ لأن توبته تأتي على جميع ذلك. وهذا قول يدل، على أن التائب جائز له، أن يتزو الحرة المسلمة، غير المحدودة، وأما المحدود، فلا يتزوج عند أصحابنا، إلا المحدودة ولو تاب عندهم من ذلك» (2).
كما استشهدوا بقول الله تبارك وتعالى: ژ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ژ (3)، فالله سبحانه وتعالى اشترط في إباحة النكاح الإحصان، والزانية في الواقع ليست محصنة فكيف يجوز الاقتران بها؟! إذ الزواج بغير المحصنة مخالفة للنص
__________
(1) - سورة النور، الآية: 3.
(2) - خميس الشقصي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، ج: 15، ص 168 وما بعدها.
(3) - سورة المائدة، الآية: 5. (9/113)
صفحة 106
الصريح، ولا يجوز مخالفة أمر الله تعالى. والله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات يحث المسلم على الاقتران بالمحصنة المؤمنة العفيفة الطاهرة، وهذا أسلم لدينه وعرضه، فقد أمرنا الله سبحانه بإيتاء الأجور أو الصداق للمرأة العفيفة غير المسافحة أو ذات الخدن، يقول الله تعالى: ژ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ژ (1).
2 - من السنة:
أما من السنة فلعل أقوى ما اعتمد عليه الإباضية في المسألة هو حديث مرثد بن أبي مرثد الغنوي مع عناق، وعناق هذه امرأة زانية أو بغي، فقد ورد في سنن الترمذي عَن عُبيْدِ الله بنِ الأَخْنَسِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْروُ بنُ شُعَيْبٍ عَن أَبيهِ عَن جَدِّهِ، قَالَ «كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بنُ أَبي مَرْثَدٍ وكَانَ رَجُلاً يَحْمِلُ الأَسْرَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتي بِهمْ المَدِينَةَ. قَالَ وكَانَت امْرَأَةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ وكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ، وَأَنَّهُ كَان وَعَدَ رَجُلاً مِنْ أسَارَى مَكَّةَ يَحْتمِلُهُ، قَالَ فَجِئْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إلى ظِلِّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ في لَيْلَةٍ مُقْمِرةٍ، قَالَ فَجَاءَتْ عَنَاقُ فأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلِّي بِجَنْبِ الحَائِطِ فَلَمَّا انْتَهَتْ إليَّ عَرَفَتْ، فَقَالَتْ مَرْثَدٌ؟ فَقُلْتُ مَرْثَدٌ. فَقَالتْ مَرْحَباً وَأَهْلاً هَلُمَّ فبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ، قُلْتُ يا عَنَاقُ حَرَّمَ الله الزِّنَا. قَالَتْ يَا أَهْلَ الخِيَامِ هَذَا الرَّجُلُ يَحْتمِلُ أُسْرَاءَكُم قَالَ فَتَبعَنِيَ ثَمَانِيَةٌ وسَلَكْتُ الخَنْدَمَةَ فانتهَيْتُ إلى غَارٍ أَوْ كَهفٍ فَدَخَلْتُ فَجَاؤوا حَتَّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي فبَالُوا فَظَلَّ بَوْلُهمْ عَلَى رَأسِي وَعمّاهُم الله عَنِّي قَالَ ثُمَّ رَجَعُوا وَرَجَعْتُ إلى صَاحبي فَحَمَلْتُهُ وكَانَ رَجُلاً ثَقِيلاً، حَتَّى انْتَهيْتُ إلى الإذْخِر فَفَكَكْتُ عَنُهُ أكْبُلَهُ فَجَعَلْتُ أَحْمِلُه ويُعِينني حَتَّى قَدِمتُ المَدِينَةَ، فأَتَيْتُ رَسُول الله فَقُلْتُ يا رَسُولَ الله أَنْكِحُ عَنَاقاً مَرَّتْينِ فأَمْسَكَ رَسُولُ الله وَلَم يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئاً حَتَّى نَزَلَتْ {الزَّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاَ زَانٍ أَوْ مُشرك}، فَقَال رسُول الله: يَا مَرْثَدُ الزَّاني لاَ يَنْكِحُ إِلاَ زَانِيَةً أَوْ مُشركَةً وَالزانِيَةُ لاَ يَنْكِحُهَا إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشركٌ فَلاَ تَنْكِحْهَا" (2)، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نهيه لمرثد بن أبي مرثد واضح ولا يحتاج إلى جدال، فحينما قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تنكحها، لم يكن رأيا من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بل كان وحيا من رب العزة جل وعلا، ولذلك نزلت الآية صريحة في ذلك، وانتظار النبي - صلى الله عليه وسلم - برهة من الزمن لدليل جلي على أن الله سبحانه وتعالى هو من أنزل تلك الآيات، فما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول شيئا دون
__________
(1) - سورة النساء، الآية: 25.
(2) - الترمذي، السنن، تفسير سورة النور، ح ر: (3294)، ج: 9، ص: 19، ترقيم المكتبة الإسلامية الجامعة. (9/114)
صفحة 107
أن يوحيه الله تعالى إليه، ففي طاعة الرسول طاعة لله - عز وجل -.
وقيل إن هذه الآيات لم تنزل في مرثد بن أبي مرثد وإنما نزلت في امرأة أب جمال، كان يقال لها (أم مهزول)، فقد كانت امرأة بغيا، تزني مقابل أن يُنفق عليها، فرغب أحدهم بالاقتران بها فاستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآيات المحكمات (1)، وقيل إنها نزلت في أهل الصفة، فقد كانوا قوما من المهاجرين يبيتون بالمسجد في المدينة، بعد أن ينهكم عمل النهار، وكان في المدينة بغايا معروفات بالفجور، وكنَّ نساء لا يشتكين ضعف مأكل أو مشرب، فأراد هؤلاء الرجال من الصفة أن يقترنوا بهن، حتى يشاركوهن المسكن والمطعم، فاستشاروا النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك فأنزل الله تعالى آياته الواضحات (2)، ونكاح المرأة الزانية في الحقيقة من رجل عفيف ليس بزان فيه ما فيه من الثقل على النفس، وقد أشرنا إلى أن الثقة هي أساس الحياة الزوجية بين الزوجين، فمتى ما تزعزعت الثقة بين الزوجين، فتح المجال واسعا للرياح الهوجاء فتعصف بتلك العلاقة الزوجية، فمن تزوج بغيا لا يأمن منها أن تعود لفعلتها الأولى، ولو لم تعد بتوبتها وإنابتها إلى الله تعالى، فإن ذلك سيبقى خرما في كرامتها، فمتى أخطأت في حق زوجها بادرها بذكر ماضيها الذي تابت عنه، ولربما رجعت بفعل تلك الذكريات المريرة، فيكون مآل تلك الأسرة الضياع، وضياع الأبناء عن وجدوا، فما ألجأ المحصن العفيف إلى اللجوء إلى تلك الزانية، والله سبحانه وتعالى ما كان ليشرع أمرا إلا وقد راعى فيه مصالح المكلفين.
المطلب الرابع: حكم نكاح الزاني لمزنية غيره عند المالكية وبعض الإباضية:
يرى المالكية وبعض الإباضية أن زواج العفيف أو الزاني لمزنية غيره أمر لا حرج فيه شرط التوبة النصوح والإقلاع عند ذلك لأن الذنب مطهر للإنسان، يقول الشيخ مصطفى أرشوم: «ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وبعض الإباضية إلى جواز نكاح الرجل مزنية غيره، شأنه في ذلك شأن المرأة التي زنى بها إلا أنهم اختلفوا في وجوب التوبة واستبرائها من الزنا ... » (3)، مع أن المالكية والإباضية الذين أجازوا نكاح مزنية الغير، لم يقصروا استبراء الرحم على الزانية الحامل فحسب بل عمموه على كل من ثبت منها أنها كانت بغيا، حتى لا يختلط ماء الطهارة بماء القذارة، وقد استدل المالكية لصحة ما ذهبوا إليه بما سبق من الأدلة التي أوردوها في جواز نكاح الرجل لمزنيته، فلا يسوغ إعادتها لأن الباحث قد ذكرها وفصل فيها الحديث، ولعل هذا من باب أولى وأحرى، فبما أنهم أجازوا نكاح الزاني لمزنيته، فإن نكاحه لمزنيته غيره سائغ وفق نظرهم (4)، ومن بين الإباضية المتأخرين - الذين يرون رأي المالكية- فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي وهذا من خلال ما ذكره في بعض فتاواه يقول: «إن ثبت أنها زانية فسرحها، فإن الله تعالى يقول: ژ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ژ (5)، هذا إن لم تتب، أما إن تابت توبة نصوحا فما عليك في الاستمساك بها فإن التوبة طهارة من الذنب» (6)، كما أن الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض من المغاربة لا يرى في ذلك بأسا شرط التوبة النصوح والأوبة إلى الله تعالى، يقول الشيخ في إحدى الفتاوى التي يجيب فيها احد السائلين كان قد سأله، عن حكم نكاح الزانية؟، فأجابه الشيخ بقوله: «إن نكاح الزانية مختلف فيه بين علماء الأمة من عهد الصحابة - رضي الله عنه -، فطائفة حرمته بتاتا، وطائفة أجازته على كراهة، إذ لا يحسن بالمسلم أن يدنس شرفه أو يُسقط كرامته بالاقتران ببغي لا يأمن أن تحن إلى سالف عهدها فتخونه، وعلى كل حال فإن الزانية إن تابت توبة نصوحا وندمت على ما فرط منها وأرادت بالنكاح الإحصان والتعفف فما نرى في نكاحها من بأس، إن شاء الله تعالى» (7)، وقد نسب الأستاذ مصطفى أرشوم هذا القول إلى الشيخ سعيد بن خلف الخروصي والشيخ أحمد فقال في خضم حديثه عن الحكم الشرعي لنكاح الزانية: «ومن أبرز فقهاء الإباضية المتأخرين القائلين بهذا الرأي، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، والشيخ سعيد بن خلف الخروصي وغيرهما، وقد خالفوا بذلك رأي فقهاء المتقدمين» (8)، وفي هذا تيسير في الحقيقة ورفع للحرج، وإنقاذ للزناة من وحل الرذيلة، وهذا مما تقتضيه مصلحة الشارع، فمن تاب وأصلح فأجره على الله تعالى، والله يعلم
__________
(1) -عن عبد الله بن عَمْرو: أن رجلاً من المسلمين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم: في امرأة يقال لها أُمّ مَهْزُولٍ، وكانَتْ تُسافح، وتشترطُ له أن تُنْفق عليه؟ قال: فاستأذَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ذَكَرَ لَهُ أَمْرَها؟ قال: فقرأ عليه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «{الزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ}» (النور: 3).
(2) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 254، 255.
(3) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 256.
(4) - يُنظر: ابن رشد، بداية المجتهد، ج: 3، ص: 1003.
- يُنظر: أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الأندلسي المالكي (ت: 494هـ)، المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، مطبعة السعادة، مصر، دار الكتاب العربي بيروت، دت ن، ج:3، ص: 315،
(5) - سورة النور، الآية: 3.
(6) - أحمد بن حمد الخليلي، فتاوى النكاح، إعداد: قسم البحث العلمي بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ط1، 1423هـ، 2002م، الكتاب الثاني، ص: 167.
(7) - الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، الفتاوى، ص: 356.
(8) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 257. (9/115)
صفحة 108
خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
خلاصة القول:
وبعد سرد كل هذه الأقوال في قضية نكاح الزاني لمزنيته، ونكاح الرجل لمزنيته الغير، وبعد عرض الأدلة التي أوردها كل من الفريقين، مع ما في بعض الأدلة في حقيقة الأمر من كلام أو ترجيح كما أشار علماء الحديث في بعض الأحاديث سواء من حيث الضعف أو من حيث المفهوم، في كل من الطرفين الإباضية والمالكية، يمكن للباحث أن يقول: إن من ذهب إلى القول بحرمة نكاح الزاني والزانية إنما راعى في تحريمه هذا حرمة الإسلام، واعتبر أن تحريم الزنا بمثابة عقوبة للزناة الذين لا يتورعون عن الوقوع في المحارم، فقد أباحوا بفعلتهم الشنيعة تلك ما حرمه الله تعالى، وخالفوا أوامره تعالى فالأولى أن يعاقبوا لأنهم وكما سبق استعجلوا شيئا قبل أوانه فالشرع سيعاقبهم بنقيضه وهو الحرمان، فالقاعدة الفقهية تقول: " من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه"، كما أنهم نظروا إلى اختلاط الأنساب وما جاء به الشارع الحكيم من حفاظ على هذا المقصد الشرعي، ولذلك فإننا نرى إلى من ذهب إلى جواز النكاح من المرأة الزانية اشترط شروطا صارمة في الحقيقة بداية من التوبة والإنابة إلى الله تعالى، ثم استبراء للرحم على خلاف في المدة بين العلماء، ثم الصلاح والعمل الصالح بعد ذلك، ولعل من رأى الحرمة نظر إلى أن هذا سد لذريعة الفساد، بحيث أن هنالك كثيرا من الرجال يردون عن الزواج من بنات معينات لعدم توفر بعض الشروط فيهم، فيتخذ ذلك الرجل الزنا وسيلة لاقترانه بتلك، بحيث لا تكون تلك البنت العفيفة الطاهرة في أول الأمر هي نفسها تلك التي زني بها، أو زنت، فلذلك نجد أن من ذهب إلى غلق هذا الباب أصلا، إنما نظر إلى مقاصد الشارع في الموضوع فأوصد الباب أمام أصحاب الشهوات، وأصحاب النوايا الخبيثة، حتى لا يحلم بالزواج بمن يهوى من خلاله هذه الفعلة الشنيعة القبيحة، كما أنه ومما تجدر الإشارة إليه هناك أمرا بالغ الأهمية، وقد راعاه أغلب الفقهاء – من الإباضية- الذين يراعون فقده فقه مقاصد الشريعة في فتاويهم، فقد فرقوا بين المرأة الزانية عن طواعية، وبين تلك المرأة المغتصبة، فقالوا بجواز ناح المرأة المغتصبة لمن تهوى وتحب من الرجال الأعفاء، بخلاف الزانية عن طواعية فلا تنكح إلا زان مثلها، فهذا ما يقتضيه العدل، إذ كيف نسوي بين التي ألقت بنفسها في شراك الرذيلة والهوى، وبين تلك المسكينة التي حمت عرضها بكل ما تستطيع ولكن اعتدي عليها بأي طريقة من الطرق، فيبدو والله أعلم أن السماح للمراة المغتصبة بالزواج بمن ترضاه زوجا لها، من تمام العدل، كما أن السماح للمرأة الزانية أن (9/116)
صفحة 109
تنكح من تهوى من الرجال الأعفاء أيضا، مع توبتها وصلاحها وأوبتها إلى الله تعالى، أدعى إلى التشجيع على سلوك طريق الاستقامة وإصلاح المجتمع الإنساني، وهذا والله أعلم من تمام فهم مقاصد الشريعة الإسلامية، حتى لا تبقى الزانية المخطئة - بعد استشعارها لذنبها وخطئها وتوبتها منه- محط أنظار الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولاذمة، فيعودوا بها لا قدر الله إلى ربقة الفساد والشهوة.
كما أن من يرى عدم تحريم نكاح الزانية على الإطلاق، لم يكن قوله عبثا فقد راعى في ذلك مقصد الحفاظ على الأعراض، وهو أدعى إلى الستر، وهو من باب التيسير على الناس والحفاظ على الأسر والأنساب والأعراض، ولا أحد يستطيع إنكار أن كل صاحب رأي في المسألة له نية صالحة وفق ما ثبت عنده من الأدلة.
العلاقة الزوجية في حال زنا أحد الزوجين عند الإباضية والمالكية
المطلب الأول: حكم العلاقة الزوجية في حال زنا أحد الزوجين عند الإباضية:
أ-الحكم الشرعي في حال زنا أحد الزوجين:
تقدم في المطالب الماضية حكم الارتباط بين الزانية والزانية سواء كان الزنا بين الرجل والمرأة، أو بين زانية وعفيف، أو العكس، وبين الزاني والزانية المختلفين، فقد تناول الباحث الحكم الشرعي لهذه المسألة قبل الزواج، وفي هذا المبحث سيتناول الباحث حكم العلاقة الزوجية بعد الزواج، فما حكم هذه العلاقة فيما لو زنى أحد الزوجين عند الإباضية والمالكية؟:
يرى جمهور الإباضية أن العلاقة الزوجية في حال زنا أحد الزوجين وعلم الآخر بذلك، بأي طريقة كان العلم سواء بالإقرار أو المعاينة، فإن هذه العلاقة تنقطع بينهما، ويحرم كل واحد منهما على الآخر، بخلاف ما لو زنى أحدهما دون علم الآخر بغير القريبة فإن الإثم يلحق الزاني منهما، ولا تؤول العلاقة إلى الحرمة، وهذا مراعاة لمقصد من مقاصد الشارع الحكيم، فلو زنى الرجل بإحدى قريبات زوجته كأمها أو بنتها مما ينتج عنه التحريم بالمصاهرة فإن الزوجة تحرم عليه قطعا، علمت الزوجة بذلك أولم تعلم، كما أن الزوجة لو زنت بأحد أقرباء زوجها مما ينتج عنه التحريم بالمصاهرة، فإنها تحرم عليه علمت أو لم تعلم (1)، وفي حال زنى الزوج بأخت زوجته فإن الإباضية يرون أنه لا تحرم عليه زوجته باعتبار أنه جمع بين الوطأين إلا إن أقر بذلك أو شوهد مع استيفاء شروط الشهادة في ذلك، إلا أن جابر بن زيد خالفهم في ذلك ولم يفرق بين الإقرار وغيره، بل اعتبر أن الزوج لو زنى بأخت زوجته فإن زوجته تحرم عليه مطلقا (2)، وهذا قول الشيخ الجناوني بيانا لما أشار إليه الباحث: «وإذا زنت المرأة وعلم الزوج بزناها فقد حرمت عليه أبدا، وكذلك إن زنى الرجل وعلمت المرأة بزناه فقد حرم عليها، وإن لم يعلم بزناها ولم تعلم بزناه فلا يقع التحريم بينهما، إلا إن زنت بمن يحرمها عليه ممن ذكرناه من آبائه وأبنائه، فقد حرمت عليه علم بذلك أو لم يعلم، وكذلك إن زنى الزوج ولكم تعلم المرأة بزناه فلا يحرم عليها، إلا إن زنى بمن يحرمه عليها زناه ممن ذكرنا من أمهاتها أو بناتها أو أخواتها، فقد حرم عليها علمت أو لم تعلم» (3).
ب-الأدلة التي اعتمدها الإباضية في صحة ما ذهبوا إليه:
استدل الإباضية على أقوالهم بما فعله الإمام علي كرم الله وجهه، فقد ثبت عنده أن رجلا عقد على امرأة ثم زنى بغيرها قبل الدخول بها، فما كان من أمير المؤمنين إلا أن فرق بينهما، وأقام عليهما الحد.
ولعل هذه المسائل التي سيوردها الباحث على غرار ما ذكر الأستاذ مصطفى أرشوم ستبين أكثر موقف الإباضية من هذه العلاقة، وقد أورد هذه المسائل الشيخ خميس الشقصي في كتابه منهج الطالبين وبلاغ الراغبين:
1 - «وإن علم رجل من زوجته الزنا، فله أن يحتال، في استخراج حقه منها وإخراجها.
2 - إذا اطلعت الزوجة على الزنا من زوجها، فلها أن تحتال في أخذ حقها منه، وخروجها منه.
ومن جواب أبي الحواري (رحمه الله) في رجل دخل على امرأة، في الليل: فجامعها، وهي تظن أنه زوجها. فلما علمت أنه غير زوجها، صاحت عند ذلك، وأعلمت زوجها بذلك. أله أن يصدقها؟.
قال: ليس له أن يصدقها. وإن صدقها على ذلك، لم تحرم عليه زوجته. وليس هذا بمنزلة الزنا.
3 - وفي الضياء: إن زنت المرأة بأخي زوجها، فليس لها أن تقيم مع زوجها. وقد فسدت عليه. وإن لم يعلم، فلا ينبغي لها أن تغره من نفسها، وقد زنت بأخيه.
4 - وإن سُبِيتْ نساء، ولم يكن لهن أزواج. ثم رجعن إلى المسلمين. ولا يدري أهن وُطئن أم لا، فلا بأس بتزويجهن. ومن تنزه عنه، فهو أحسن له.
__________
(1) - البسيوي، الجامع، ج: 3، ص: 28.
(2) - المصدر نفسه، ج: 3، ص: 28.
(3) - مصطفى أرشوم، النكاح، ص: 258. هذا القول عن الشيخ الجناوني واللفظ فيما يحسب الباحث للأستاذ مصطفى أرشوم لأنه لم يضع علامات الاقتباس داخل النص. (9/118)
صفحة 110
5 - وعن أبي الحواري- رحمه الله- في امرأة، زنت بذي محرم من زوجها، مثل ابنه، أو أبيه، أو شبه ذلك، وأوطأته نفسها، وهي حامل، تعلم ذلك، أو لم تعلم. إن استنكرها ذو المحرم، فهي في حال العذر، إذا أعلمت الزوج، فلم يصدقها. وتهرب منه بما قدرت. والله أعلم، وأما إذا زنت بغير ذي محرم منها، أو من زوجها، فتستر ما ستر الله عليها وتمنعه نفسها، حتى تنقضي عدتها من الذي وطئها حراماً، وإن غلبها على نفسها، ووطئها في العدة، فلا بأس عليها، إذا أقامت معه.
6 - ومن زنى بامرأة، فلا تحل له هي، ولا أمهاتها وإن علون، ولا بناتها وإن سفلن، من جميع ما يكون من نسلها. فكل ذلك حرام عليه، ولو جامعها من فوق الثوب، وإن زنت وتابت وتزوجت رجلاً، وأعلمته بزناها، فإن صدقها فارقها، وخرجت منه بلا صداق. وإن كذبها، فهي زوجته، والحق عليه. ولا بأس على أحدهما.
قال أبو سعيد: وينبغي لها ألّا تعلمه. وعليها التوبة من الزنا. وإن أعلمته، فعليها التوبة من إعلامها.
وسئل أبو عبد الله ــــ رحمه الله ــــ عن امرأة زنت، ثم تزوجت رجلاً. ولم يعلم الرجل ثم علم، وكان صحيحاً أترد؟
قال: نعم» (1). وهذه المسائل في حقيقة الأمر توضح رأي الإباضية أكثر في الموضوع.
المطلب الثاني: حكم العلاقة الزوجية في حال زنا أحد الزوجين عند المالكية:
أ-الحكم الشرعي:
أما جمهور المالكية فإنهم يرون أن الزوجة لو زنت بغير زوجها لم تفسد العلاقة بين الزوجة وزجها، كما أن الزوج لو زنى بغير زوجته لم تحرم عليه زوجته، ولم يفسد العقد الذي بينهما، وقالوا بأن الزنا معصية كغيرها من المعاصي، ولا يهم الزنا قبل الدخول عليها أو بعده، مع أن المالكية قالوا بعدم جواز وطء الرجل لزوجته إن علم منها الزنا حتى يستبرئها بثلاث حيضات، وهذا حتى لا تختلط الأنساب، ولا يسقي ماء غيره كما تقدم الحديث في المباحث الماضية، وقال البعض إن الاستبراء يكفي بحيضة واحدة (2).
ب- أدلة المالكية في صحة ما ذهبوا إليه:
استدل الإخوة المالكية على صحة ما ذهبوا بالآية والحديث المتقدمين في المباحث السابقة:
__________
(1) - خميس الشقصي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، ج15، صفحات: 172 – 175.
(2) - عثمان الجعلي، سراج السالك، ج: 2، ص: 103. (9/119)
صفحة 111
فقد قالوا: إن قول الله تعالى: ژ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ژ (1)، منسوخ وعليه فلا حرج من نكاح الزاني لمزنيته، كما أنه لا حرمة في حال زنى أحد الزوجين، فلو زنى أحدهما لم يحرم على الآخر. وقد نقل الأستاذ مصطفى أرشوم قولا عن القرطبي وهو ما وجده الباحث أيضا في الجامع للقرطبي يقول في مجمله: إن الآية تدل على أن الزواج بالزانية والزاني صحيح، كما أن الزوجة إذا زنت لم تفسد على زوجها والعكس صحيح، في حالة ما إذا اعتبرت الآية منسوخة، أما لو اعتبرت الآية محكمة غير منسوخة كما ذهب البعض، فإن الرجل في حالة زنى زوجته يؤمر بطلاقها إذا زنت فلو أمسكها أثم، ولا يجوز على هذا الاعتبار الاقتران بالمرأة الزانية (2).
كما أنهم استدلوا بحديث الرجل الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن زوجته لا ترد يد لامس، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسرحها، ولكن لا رجل قال: إنه يحبها، فقال له - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك زوجك، وفي رواية خشير الرجل أن تتبع نفسه تلك المرأة لتعلقه بها وحبه لها، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: فاستمتع بها (3)، فهذا دليل على أن المرأة التي لا ترد لامس يجوز أن تبقى مع زوجها ولا تحرم عليه، كما أنه لا يحرم عليها إن فعل تلك الفعلة على حد قولهم، وعلى كل فإن كل فريق ذهب إلى قوله ورأي وفق ما كان لديه من الأدلة، والاجتهاد في حقيقة الأمر مختلف فيه، حسب فهم النص، وحسب ثبوت النص، ولذلك نجد أن البعض يقولون بحُرمة نكاح الزاني لمزنيته، والبعض يحرمون ذلك، كما أن البعض حرمة الزوجة على الزوج إن زنت بعلمه، وحرمتها إن زنت بأحد أقربائه مما ينتج الحرمة بالمصاهرة علم الزوج أولم يعلم، ومنهم من يرى خلاف ذلك، كما بين الباحث، ولا أحد ينكر أن كل الأدلة كانت مستوحاة من القرآن والسنة، إلا أن الاختلاف في النسخ، أو المفهوم غير حكم المسألة من فقيه لآخر، والله تعالى أعلم وأحكم.
المطلب الثالث: الحكمة من تحريم الشارع نكاح الزاني والزانية:
لا يشرع الله تعالى لعباده أحكاما إلا وفق مصلحة يراها، ولا يحرم عليهم أشياء إلا لمصلحة لهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فقد يتساءل أحد ترى لم حرم الله تعالى نكاح الزاني لمزنيته، وفق قول من يقول بحرمة ذلك، لا شك أن هنالك مصلحة رآها الشارع
__________
(1) - سورة النور، الآية: 3.
(2) -القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج: 12، ص: 171.
(3) - سبق تخريج هذا الحديث في المباحث السابقة. (9/121)
صفحة 112
بغض النظر هل هي واضحة معقولة، أم غير ذلك، وفي حقيقة الأمر فإن الله تعالى لم يكن ليحرم هذا الأمر إلا لحكمة كما أشار وبين ذلك بعض المشايخ، وسوف يعرض الباحث أهم النصوص التي ساقها بعض في بيان حكمة الشارع من هذا التحريم على النحو الآتي:
يقول الشيخ عبد الرحمان بكلي رحمه الله تعالى في معرض جوابه لسؤال ورد مفاده هل يجوز نكاح الزاني بمزنيته، وبعد أن عرض الجواب مقرونا بالأدلة الشرعية قال: «إن رابطة الزواج رابطة مقدسة يجب ألا يحوم عليها أي دنس أو شائبة ارتياب وسواء كان ذلك قبلها أو بعدها، وإلا كان ذلك تشجيعيا ضمنيا على الرذيلة وفتحا لباب الذواقة بين الشهوانيين ـــــ كما يفعله الغربيون ـــــ ما داموا يعتقدون أن فجورهم لا يحرمهم من الارتباط الشرعي ولا يكلفهم سوى التوبة القولية التي يستسهلونها ما دامت تقبل منهم ولو صوريا، أما إذا علموا أنهم متى اتصلوا اتصالا إباحيا يفوتون عنهم الزواج بمن يرغبون فيه، كان ذلك باعثا لهم على العفة ورادعا عن الفساد، ولئن رأينا أساطين الصدر الأول، يوم كان وازع القرآن مهيمنا على المجتمع ووازع السلطان رقيبا وقامعا يمنعون هذا النكاح، فكيف بنا ونحن في عصر استطار الفساد هشيمه واستشرى فيه الإلحاد، وعمَّت الإباحية، وضعفت الحصانة الدينية وانطفأ نورها من النفوس تماما، فلا أعدل وأحكم من أن نجريَ على سننه، إن لم نفعل تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» (1)، أما فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي فإنه يرى الزنا باب من الأبواب التي تجعل الأنساب تختلط فيما بينها، وهو فعل محرم باتفاق جميع المذاهب دون أي خلاف كيف والآيات صريحة في ذلك، بل الأحاديث، وفي قضية نكاح الزاني بمزنيته أو بمزنية غيره خلاف بين أهل العلم، ورأي الإباضية في هذا الموضوع أنه لا يجوز للزاني نكاح مزنيته، فمن باب حفظ النسل تحريم هذا الفعل الشنيع، ويقول في جواب له على فتوى عرضت عليه: «ولاريب أن إباحة التزاوج بين الزانيين يفتح باب الفحشاء على مصراعيه عند عباد الشهوات ما دام الأمر ميسورا إلى هذا القدر، بحيث يمكن للشاب والفتاة أن يلتقيا في ظل الفحشاء وعلى بساط الشهوات فيستمتعا ما شاءا ثم يختتما صفحتهما بالزواج، وكم من ذئب من ذئاب البشر افترس العديد من الفتيات بمخالب هذا الأمل الخادع فرزأهن في أغلى شيء في حياتهن، ثم رفسهن برجله باحثا عن أخريات بعدما كانت كل واحدة منهن تأمل بأن يكون في يوم من الأيام شريك حياتها وفارس أحلامها فإذا بهذا الأمل الحلو الذي كان يداعب خيالها باستمرار يتحول إلى ألم
__________
(1) - عبد الرحمن بن عمر بكلي، الفتاوى، تح: داود بن عيسى بورقيبة، مكتبة البكري، العطف، 1424هـ، 2003م، ج: 4، ص: 146 وما بعدها. (9/122)
صفحة 113
مر ........ بعد أن رزاها في كرامتها وخلف في أحشائها جنينا إما أن يواجه الدنيا منبوذا هجينا وإما أن تكون نهايته الوأد في مصحات الإجهاض» (1).
ومن هذا يتبين لنا سلامة قول من يقول بحرمة نكاح الزاني لمزنيته، حفاظا على النسل أولا ثم على النفس فكم من زان وزانية قتلا ما خلفا، وفي هذا إزهاق للروح بغير حق، ولنتصور أنه بقي على قيد الحياة فكيف ستكون علاقته النسبية ... ولذلك القول بحرمة نكاح الزاني لمزنيته هو الترياق النافع لمثل هذا التلاعب بأعراض البريئات، " على أن باب سد الذرائع من أبواب الفقه الواسعة التي تتسع لكثير من القضايا وقد ولج منه كثير من الفقهاء منذ الصدر الأول لعلاج كثير من المشكلات" (2).
الخاتمة
بعد هذه الجولة المختصرة في رحاب موضوع من المواضيع المهمة في باب الأحوال الشخصية، وهو موضوع نكاح المزنية ومزنية الغير، يعتقد الباحث أنه يحتاج إلى مزيد من التدقيق والعناية والبحث، لأن الموضوع قديم وجديد، في آن واحد. وبعد أن سرد الباحث أهم مباحثه، خلُص إلى عدة نتائج سيذكر أهمها. أما البقية فلا شك من أن القارئ الكريم سيجدها في ثنايا هذا البحث، وهذه أهم النتائج:
1 - الزنا سمي سفاحا لأن الزانيين يتسافحان للماء، يسفح كل واحد منهما ماءه لصاحبه، أي يصب النطفة عليه فكانوا يرون أن قولهم سافحين أحسن من قولهم زانيين، وهذا التعريف عند الإباضية.
2 - أما المالكية فقد عرفوا الزنا بقولهم: «الزنا إيلاج مسلم مكلف حشفة في فرج آدمي مطيق عمدا بلا شبهة، وإن دبرا أو ميتا غير زوج أو مستأجر لوطء، او مملوكة تعتق عليه، أو مرهونة»، فقد اتفق مع علماء الإباضية في معنى التعريف إلا أن اللفظ على العموم مختلف فالعبرة في اتفاق المعاني، لا في المباني.
3 - الزنا فعل محرم بالقرآن والسنة والإجماع.
4 - يرى فقهاء الإباضية أن من زنى بامرأة تحرم عليه شرعا مهما كان، ولا يحل لهما أن يقترنا بعد تلك الفعلة الشنيعة التي ارتكبوها، ولا يهم إن تابا بعد ذلك أم لم يتوبا، لأن التوبة لا تبيح لهما الاقتران بعدما فعلوه، حتى وإن تاب الرجل، وبقيت
__________
(1) - فتاوى الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، فتاوى النكاح، الكتاب الثاني، ص،152.
(2) - فتاوى الشيخ أحمد الخليلي، الكتاب الثاني، ص 152. (9/123)
صفحة 114
المرأة واحتج بحجج إحصانها، فإن هذا لا يقبل عند علماء الإباضية.
5 - ذهب المالكية وبعض المذاهب الإسلامية إلى القول بجواز نكاح الرجل للمرأة التي زنى بها، على خلاف ما ذهب إليه جمهور العلماء من الإباضية، وقد نسب المالكية قولهم واعتمدوا فيه على حكم بعض الصحابة والتابعين، مثل: عبد الله بن عمر، عبد الله بن عباس، وأبي بكر الصديق من الصحابة، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، ومجاهد من التابعين وغيرهم.
6 - يرى جمهور الفقهاء من الإباضية عدم جواز نكاح العفيف للزانية، والبعض يرى جواز ذلك على خلاف بينهم في فهم الدليل، شرط التوبة والصلاح والإقلاع، كما قال المالكية بقول الفريق الثاني من الإباضية مستدلين على صحية قولهم بأدلة.
7 - يرى جمهور الإباضية أن العلاقة الزوجية في حال زنا أحد الزوجين وعلم الآخر بذلك، بأي طريقة كان العلم سواء بالإقرار أو المعاينة، فإن هذه العلاقة تنقطع بينهما، ويحرم كل واحد منهما على الآخر، بخلاف ما لو زنى أحدهما دون علم الآخر بغير القريبة فإن الإثم يلحق الزاني منهما، ولا تؤول العلاقة إلى الحرمة، وهذا مراعاة لمقصد من مقاصد الشارع الحكيم، فلو زنى الرجل بإحدى قريبات زوجته كأمها أو بنتها مما ينتج عنه التحريم بالمصاهرة فإن الزوجة تحرم عليه قطعا، علمت الزوجة بذلك أولم تعلم، كما أن الزوجة لو زنت بأحد أقرباء زوجها مما ينتج عنه التحريم بالمصاهرة، فإنها تحرم عليه علمت أو لم تعلم.
8 - في حال زنى الزوج بأخت زوجته فإن الإباضية يرون أنه لا تحرم عليه زوجته باعتبار أنه جمع بين الوطأين إلا إن أقر بذلك أو شوهد مع استيفاء شروط الشهادة في ذلك، إلا أن جابر بن زيد خالفهم في ذلك ولم يفرق بين الإقرار وغيره، بل اعتبر أن الزوج لو زنى بأخت زوجته فإن زوجته تحرم عليه مطلقا.
9 - جمهور المالكية فإنهم يرون أن الزوجة لو زنت بغير زوجها لم تفسد العلاقة بين الزوجة وزجها، كما أن الزوج لو زنى بغير زوجته لم تحرم عليه زوجته، ولم يفسد العقد الذي بينهما، وقالوا بأن الزنا معصية كغيرها من المعاصي، ولا يهم الزنا قبل الدخول عليها أو بعده، وقد اعتمد كل فريق على أدلة من القرآن والسنة لتأكيد صحة ما ذهب إليه.
10 - حرم الله تعالى نكاح الزانية من الرجل الذي زنى بها على قول من يرى ذلك لحكمة رآها الشارع. (9/124)
صفحة 115
- - - (9/125)
صفحة 116
الاستعارة القرآنية
أثرها النفسي وجمالها البلاغي
أ: زينب دوادي
جامعة الحاج لخضر ــــ باتنة
م
مقدمة
التصوير البياني ملمح أساسي في النص القرآني، يتضافر في تحقيقه اللفظ برنينه الصوتي والجملة بتراكيبها المتنوعة، والصورة بمشهدها الحي المجسد للمعنى حركة وتأثيرا، والعبارة الاستعارية في القرآن الكريم لها هذا الدور الفاعل في تحريك كوامن الوجدان كونها نسيج تعبيري متفرد، بحيث تبدو الحياة مبثوثة في الصور التعبيرية وتتبدى لنا الأشياء في جانبها الإنساني كما لو كانت ذاتا تعي وتنفعل وتشعر، وهذا المجال الاستعاري يؤدي إلى الامتزاج الكامل في الصورة بين المادي والمعنوي، فيبرز التأثير النفسي الناتج حتما عن جمال بياني معجز.
الأثر النفسي للعبارة الاستعارية:
إن للعبارة الاستعارية فاعلية متعددة الأوجه فعلى مستوى التركيب يظهر لنا المعنى أكثر انسجاما وترابطا وعلى مستوى الدلالة تتوارد المعاني الغزيرة التي نستقيها من التعابير الاستعارية، وعلى المستوى البلاغي نقف أمام التعبير الراقي البليغ فنميزه بجودته عن التعبير العادي المتداول، وإذا ما تعلق الأمر بالقرآن الكريم ـــ كلام الله المعجز ـــ كانت كل المستويات اللغوية قمة في الإتقان وغاية في البلاغة لذلك فإن أثره في النفوس قوي وجد مؤثر، وسأخص الأثر النفسي للتعبير الاستعاري دون الألوان البيانية الأخرى بإظهار أثره وبعده النفسي، يقول ابن وهب: «وأما الاستعارة فإنما احتيج إليها في كلام العرب لأن ألفاظهم أكثر من معانيهم ... » (1).
__________
(1) -ابن وهب، البرهان في وجوه البيان، تحقيق حفني شرف، مكتبة الشباب، القاهرة، ص 142. (10/125)
صفحة 117
ويقول ابن رشيق (ت456هـ): «الاستعارة إنما هي من اتساعهم في الكلام اقتدارا ... » (1) لأن الاستعارة من حلى الكلام ومحاسنه، خاصة إذا وقعت موقعها ونزلت موضعها المناسب للمعنى، وتوظيفها في الشعر أو النثر عند العرب يوحي باقتدارهم البلاغي، وتفوقهم البياني ومن ثم «لا بد أن يؤدي المجاز معنى لا تؤديه الحقيقة وإلا كانت هذه أولى بالاستعمال» (2) والتعبير الاستعاري أفضل المجاز ــــ حسب رأي البلاغيين ـــــ وهو ما نلمسه في ايحاءاته وتشخيصه للمعاني حتى تصبح وكأننا نراها ماثلة أمام أعيننا، والمجاز بما فيها من اتساع في المعنى يعطي الألفاظ دلالات جديدة ويجدد فيها الحياة وينفي عنها الرتابة والجمود «ولولا أن الاستعارة المصيبة تتضمن ما لا تتضمنه الحقيقة من زيادة فائدة لكانت الحقيقة أولى منها استعمالا» (3).
ومن الشواهد المأثورة في التراث والمبينة مدى تأثير كلام الله تعالى في النفوس قول الوليد بن المغيرة: «والله لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق» (4).
ولم يكن هذا الوصف ليصدر عن رجل كان معاديًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللدعوة المحمدية لولا أن القرآن أحدث أثره النفسي القوي في مَنْ سمعه وأدرك فحوى معانيه.
وإن تأثير كلام الله عز وعلا سواء أ كان على مستوى الحقيقة أو المجاز قوي لذلك كان «مدار الدراسات البلاغية ... وآياته البينات الشاهد البلاغي الرفيع وكانت إحدى آياته مدعاة (5) إلى أن يؤلف أبو عبيدة " مجاز القرآن " ... » (6).
ومن أنواع المجاز التي أولاها عبد القاهر الجرجاني بالدراسة والشرح الاستعارة حيث يقول فيها أنها «أملأ بكل ما يملأ صدرا، ويمتع عقلا، ويؤنس نفسا، ويوفر أنسا، ... وأنها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر وتجني من الغصن الواحد أنواعا من الثمر، ... » (7) فقد جمع عبد القاهر مزايا التعبير الاستعاري ومدى تأثيره في النفس والعقل من أنها تمتع العقل وتؤنس النفس وتمد مريد البلاغة بالدرر من الأفكار والمعاني، ولعلّ أبرز ما جاء به عبد القاهر الجرجاني على هذا الصعيد أنه جعل للتعبير الاستعاري بعدا نفسيا يساعد على ترسيخ المعنى في نفس المتلقي وتأكيده.
«وإن الصورة المعتمدة على الاستعارة تقوم أساسا على رافعتين: المستعار منه الذي هو أصل وأساس في الصورة الاستعارية والمستعار له وهو فرع وكما تأتي الصورة الاستعارية على قدر من الإبلاغية والتأثير النفسي فلا بد من جعل المستعار منه أقوى في صفاته من المستعار له والذي نريده لهذه الصفات أن تلتصق به أي بالمستعار له .. » (8) ويضيف عبد القاهر الجرجاني متحدثا عما للاستعارات من أهمية في القول حيث من خلالها «نرى الجماد حيا ناطقا والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة والمعاني الخفية بادية جلية» (9)،وقد أكد عبد القاهر على أهمية الذوق وإحساس النفس في إدراك البلاغة حيث قال: «المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصور لهم شأنها أمور خفية ومعان روحانية، أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها وتحدث له علما بها حتى يكون مهيئا لإدراكها وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسا» (10).
ومن أمثلة الآيات القرآنية والمتضمنة تعابير استعارية مؤثرة، قوله تعالى: ژ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ژ (11).
«وهذه استعارة والمراد بها ـــ والله أعلم ــــ أولي القوة في العبادة والبصائر في الطاعة ولا يجوز أن يكون المراد بالأبصار ههنا الجوارح والحواس لأن سائر الناس يشاركون
__________
(1) -ابن رشيق، العمدة، دار الجيل، بيروت، ج 1، ص 274.
(2) -حمادي صمود، التفكير ا البلاغي عند العرب، المطبعة الرسمية، تونس، ص 229.
(3) -أبو هلال العسكري، الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي و محمد أبو الفضل ابرهيم، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 1986، ص 274.
(4) -شرح لفظ مغدق: غ د ق الماء (الغدق) بفتحتين: الكثير، وقد غدقت عين الماء أي غزرت، في مختار الصحاح، ص 302.
(5) -الآية هي قوله تعالى: « ... طلعها كأنه رؤوس الشياطين» من سورة الصافات - الآية 65.
(6) -أحمد مطلوب وكامل حسن البصير، البلاغة والتطبيق، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، العراق، ط1، 1982، ص 19.
(7) -عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، صححه وعلق عليه محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ص 32، 33.
(8) -سمير أبو حمدان، الإبلاغية في البلاغة العربية، منشورات عويدات الدولية، بيروت، ط1، 1991، ص 161.
(9) -عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 33.
(10) -أحمد مطلوب، تيسير البلاغة، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ج4، 1998، ص 861.
(11) -سورة ص، الآية 45. (10/126)
صفحة 118
الأنبياء عليهم السلام في خلق ذلك لهم ولا يحسن مدح الإنسان بأن له يدا وقدما وعينا وفما، وإنما يحسن أن يمدح بأن له نفسا شريفة وهمة منيفة وأفعالا جميلة وأخلاقا محمودة، وقيل أيضا أولي الأيدي أولو النعم في الدين لأن ورود اليد بمعنى النعمة مشهور في كلامهم فكأنهم أسدوا إلى الناس أيديا بدعائهم إلى الإيمان وإفلاتهم من حبائل الضلال ... » (1)، «ويصف الله سبحانه وتعالى إبراهيم وإسحاق ويعقوب، بأنهم " أولي الأيدي والأبصار " كناية عن العمل الصالح بالأيدي والنظر الصائب أو الفكر السّديد بالأبصار، وكأن من لا يعمل صالحا لا يد له، ومن لا يفكر تفكيرا سليما لا عقل له أو لا نظر له، و إنما وظف الله سبحانه " الأيدي " و"الأبصار" بصيغة الجمع وأراد بهما حسن العمل وسداد الرأي والفكر والتبصر «فكأن الذين لا يعملون عمل الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات لا يستبصرون ولا يقدرون على إعمال جوارحهم ... » (2) وهنا يظهر لنا المغزى العميق للآية وللتعبير الاستعاري الذي عبر فيه "بالأيدي " و" الأبصار " وقصد به القوة وعمل الخير وسداد الفكر فحذف ما هو عقلي غير محسوس وذكر ما هو محسوس " اليد والبصر " على سبيل الاستعارة التصريحية وإننا ولا شك ندرك مدى قوة وتأثير هذه العبارة الاستعارية حين نوظفها بأن نوبخ شخصا مقصرا أمامنا بأن نسمه بأن لا يد له ولا بصر، فسيكون وقع الكلام شديدا على نفسية الموبخ إذا كان له فعلا قلب وعقل وتبصر لذلك فإن الله سبحانه يمدح أنبياءه (إبراهيم وإسحاق ويعقوب) بأنهم أولي قوة بتوظيفهم أيديهم في عمل الخير وتقوى الله وبتوظيفهم أبصارهم لتبصر الأمور وإحكام الرأي والدعوة إلى الله بعمق العقيدة وطهارة النفس.
«وإن التعبير الاستعاري يمتلك طاقته الإبلاغية القائمة بذاتها، حتى أن الشعراء يلجأون إليه عندما يدركون أن اللغة العادية غير قادرة على نقل تجربتهم الشعورية النفسية كما أن التعبير الاستعاري، سواء في الشعر أو في النثر، يستطيع أن يكشف عن كوامن النفس وخلجاتها وبقدر لا تستطيعه اللغة العادية الخالية من ميزة الاستعارة» (3).
__________
(1) -الشريف الرضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن، تحقيق علي محمود مقلد، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت، 1986، ص 261.
(2) -السيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، ط 16، 1990، المجلد 5، الأجزاء (19 - 25)، ص 3022.
(3) -سمير أبو حمدان، الابلاغية في البلاغة العربية، ص 163. (10/127)
صفحة 119
ومن العوامل المساعدة على إحداث التأثير النفسي في التعبير الاستعاري استعمال التشخيص أو التجسيم ونقل المعنوي في صورة المحسوس مما يجعل المعنى مشخصا وماثلا للعين ويكاد يؤثر تأثير الحقيقة المحسوسة، لذلك فإن (بعض البلاغيين العرب استعانوا بآيات من القرآن الكريم في تنظيرهم لظاهرة التشخيص ومن هؤلاء "الرماني" (ت 386 هـ) إذ اعتبر في كتابه " النكت في إعجاز القرآن" أن إظهار المعنى المجرد في الصورة الحسية تمثل أمامنا وتتجسد، ويجعل من الكلام أكثر بيانا وأكثر قوة إبلاغية، ويستمد الرماني حجته على ما يذهب إليه من القرآن الكريم حيث تقول آية منه ژ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ژ (1)، ويعلق الرماني على هذه الآية الكريمة بالقول: وهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وقد اجتمعا في بطلان المتوهم مع شدة الحاجة وعظيم الفاقة ولعل الرماني في تعليقه على هذه الآية كشف عن بعد آخر في ظاهرة التشخيص فالتأثير النفسي الإبلاغي على المتلقي يكون أكبر حجما فيما لو ربطنا (شبهنا) في الصورة الشعرية بين ما تستطيع أن تقع عليه الحواس وبين ما لا تستطيع أن تقع عليه والمثال موجود في سورة النور حيث أن الآية الكريمة ربطت بين (سراب بقيعة) وهو سراب يشاهده الظمآن في الصحراء فيظنه ماء (والسراب لا تطوله ولا تقع عليه الحواس) وبين الماء (وهو شيء تقع عليه الحواس) (2)، ومن ثم فإن عناصر التصوير المشخص أكثر تأثيرا في النفس وأعظم اتساقا في تجسيد المعنى وفي هذه الآية، نلمح سرعة في الحركة ولهفة لإنقاذ الظامئ من الموت المؤكد في صحراء قاحلة، فالدافع النفسي هو الإسراع في القبض على هذا الأمل هروبا من موت مؤكد ولكن تنقلب الصورة فينقلب الأمل سرابا. وهذا إبراز لحقيقة عمل الكفار الذي لا أمل فيه ولا خير يرجى منه لأنه ميت روحيا وعقليا لكفرهم بالحقيقة.
وقد بين سبحانه بالقرآن الكريم كثيرا من الأعمال والواجبات التي يجب أداؤها وإلا كان العقاب الشديد لتاركها بينما كان الثواب الجزيل لمؤديها، وقد جاءت بأساليب متنوعة منها التعبير بالاستعارة، ومن ذلك الوصف تصوير الله عز وعلا "لجهنم " مثوى الكافرين المتكبرين وتجسيمها بصورة مرعبة لكل نفس مؤمنة تخشى عذاب الله فتقدم لآخرتها كل خالص نية وعمل حيث يقول تعالى: ژ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ
__________
(1) -سورة النور، الآية 39.
(2) -سمير أبو حمدان، الابلاغية في البلاغة العربية، ص 147 - 148. (10/129)
صفحة 120
هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) ژ (1)، «وسؤال جهنم وجوابها من باب التخيل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته، وفيه معنيان: أحدهما إنها تمتلئ مع اتساعها وتباعد أطرافها حتى لا يسعها شيء ولا يزاد على امتلائها لقوله تعالى:ژ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ... ژ (2)، والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها موضع للمزيد ويجوز أن يكون (هل من مزيد) استكثارا للداخلين فيها واستيداعا للزيادة عليهم لفرط كثرتهم، أو طلبا للزيادة غيظا على العصاة ... » (3).
وفيما ورد من شرح الشريف الرضي لهذا التعبير الاستعاري أن الخطاب للنار والجواب منها في الحقيقة لا يصحان وإنما المراد ــــ والله أعلم ــــ أنها في ما ظهر من امتلائها وبان من إغتصاصها بأهلها بمنزلة الناطقة بأنه لا مزيد فيها ولا سعة عندها ... وقيل أن المعنى أن نقول لخزنة جهنم هذا القول، ويكون الجواب منهم على حد الخطاب لهم ... لا على طريق الاستفهام والاستعلام إذ كان الله سبحانه وتعالى قد علم امتلاءها قبل أن يظهر ذلك فيها وإنما قال تعالى هذا الكلام ليعلم الخلائق صحة وعده ووعيده ... والصحيح أن قوله تعالى (هل من مزيد) بمعنى لا مزيد فيّ وليس ذلك على طريق الزيادة وهذا معروف في الكلام (4).
وفي هذا القول القرآني التشخيصي لجهنم ترهيب من ذلك اليوم الجلل المهيب يوم يقول الله تعالى لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول هل هناك من زيادة؟ وفي الحديث: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول: قط، قط وعزتك وكرمك ــــ أي قد اكتفيت ــــ وينزوي بعضها على بعض» والظاهر أن السؤال والجواب على حقيقتهما، والله على كل شيء قدير، فإن إنطاق الجماد والشجر والحجر جائز عقلا، وحاصل شرعا وقد أخبر القرآن الكريم أن نملة تكلمت وأن كل شيء يسبح بحمد الله، ... وقيل أن الآية من التمثيل وأنها تصوير لسعة جهنم وتباعد أقطارها بحيث لو ألقي فيها جميع الكفرة والمجرمين فإنها تتسع لهم ... (5).
__________
(1) -سورة ق، الآية 30.
(2) -سورة ص، الآية 85.
(3) -الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار المعرفة بيروت، لبنان، ج 4، ص 9، 10.
(4) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص 292، 293.
(5) -محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير، المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة، 1401 هـ، المجلد3، ص246. (10/130)
صفحة 121
وبدا لنا مما تقدم من شرح الآية القرآنية وما حوته من تصوير مبدع يثير الرهبة والخوف من عقاب الله فتكون النتيجة للنفس المؤمنة الرجوع إلى الله وطلب غفرانه قبل أن لا ترجى توبة ولا يقبل تضرع وتكون جهنم هي المأوى، ويا لفظاعة الصورة التي وردت في هذه الآية! من أن جهنم لا تكتفي مما ألقي فيها من كفرة حتى يكفها الله، وقد بين " الصابوني " الرأيين وبين من يجعل الآية على وجه الحقيقة من حيث أن الله قادر على إنطاق الحجر والشجر وجهنم كذلك ومن يرى أن الآية مجاز على وجه التخيل لتصوير هول يوم يقوم الحساب وتجزى كل نفس ما عملت، ولذلك فإن بعض التعابير الاستعارية قد تأخذ مأخذ الحقيقة لا المجاز «فالعبارة التي يسمى بها المعنى كما يسمى الشخص باسم وضع له تدعى "حقيقة" أما العبارة التي تدعى "مجازا " فإن وصفها بالمجاز يفيد أنها تجاوزت التعبير عن المعنى الذي ألفه الناس عبارة له وأطلقت للتعبير عن معنى يختلف كانت عبارته مكونة من جملة لفظية تختلف عن جملة هذه العبارة المنقولة» (1)، وهذا النقل يكون عن طريق مناسبة المستعار للمستعار له في الصورة الاستعارية المتضمنة تعبيرا مجازيا أبلغ من الحقيقة كما يتفق أغلب البلاغيين وبالتالي «يمكن أن نميز صنفين من الصور البلاغية ندعوها صور إبداع وصور استعمال.
ولفهم هذه المقابلة نفسها يجب أن نميز في الصور بين الشكل والمادة، فالشكل هو العلاقة التي تجمع الكلمات والمادة هي الكلمات نفسها، ولنأخذ حالة الاستعارة، فقد أسست في البداية على علاقة معقدة بين كلمة وسياقها، ... » (2) تنتج أثرا في المتلقي للكلام العادي أو الأدبي ولكن القرآن الكريم لا نميز فيه بين الإبداعي والمستعمل من الصور الاستعارية لأنه كلام الله الراقي في مجموعه لفظا ومعنى وسياقا وتصويرا.
وبما أننا لا نميز أبدا بين المستوى الإبلاغي في القرآن الكريم فقد وردت كل آياته معبرة عن المعاني ومعجزة للبلغاء ومتضمنة أسرارا علمية وكونية وأدبية وأسلوبية تؤثر في النفس وتقوي الإيمان وتبعث على العمل الذي يريده الله من عباده من صلاح واستقامة وبعد عن الغفلة والفساد حيث يقول عز وجل: ژ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا
__________
(1) -نعيم علوية، نحو الصوت ونحو المعنى، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط1، 1992، ص60.
(2) -جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، المغرب، ط1، 1986، ص43. (10/131)
صفحة 122
فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ژ (1)، وكأن هذا الإنسان الذي وصفه تعالى جعل الغفلة غطاء «جعلت الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت الغفلة عنه وغطاؤها فيبصر ما لم يبصره من الحق ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديدا» (2)، ومن الجوانب النفسية التي تعتري الإنسان في دنياه ويلقى نتيجتها في أخراه الغفلة واتباع خطوات الشيطان فقد ورد التعبير عن هذا الجانب النفسي السلوكي بأسلوب الاستعارة ويشرح الشريف الرضي الآية بقوله: «وهذه استعارة والمراد بها ما يراه الإنسان عند زوال التكليف عنه من أعلام الساعة وأشراط القيامة فتزول عنه اعتراضات الشكوك وشبهات الأمور فيصدِّقُ بما كذّب ويقر بما جحد ويكون كأنه قد نفذ بصره بعد وقوف وأحدّ بعد كلال ونبؤ فهذا معنى قوله سبحانه ژ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ژ» (3).
وتشبيه البصر بالحديد تشبيه بليغ تظهر فيه كذلك الحالة المضادة للحالة الأولى المتمثلة في الغفلة وكلال النظر وضعف الإدراك، فإن الله بقدرته يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأبرزت هذه الآية وما ورد فيها من تعبير استعاري لإيضاح قوة التأثير التي يحدثها هذا المفهوم لكل متبصر واع يرجو أن يكون من الواعين العاقلين المتدبرين المستعملين لعقولهم لكي يلقوا الجزاء والثواب الجزيل يوم يقف الخلق أمام رب العرش العظيم، فبمزيد من التفكر والإدراك للآية وما حوته من بيان يستعمل ذوو العقول إدراكهم في الدنيا ولا يكونوا من الغافلين. والتطرق لهذا الجانب النفسي في إطار الدراسات البلاغية الأسلوبية هام إذ «أصبح من المتيقن حاليا أن دراسة صور البيان من وجهة النظر النفسية أكثر وعدا بالإثمار، وهنا يكمن حقل خصيب يترقب الزرع، في التشبيه نجد الأفكار عند الخلق فنحن نطلق العقل المشغول بعمله المثير في الاستبدال وتحقيق الذات وفي جهده لتركيب العواطف والتأكيد ... » (4) وإننا نقف مبهورين عند هذه التعابير الاستعارية لما تتركه من تأثيرات في نفوسنا لأنها تدعو إلى إتباع الحق ونبذ الباطل، ولن يكون التأثير النفسي ايجابيا إلا بترجمة سلوكية مجدية.
«ولا شك أن التعبير الاستعاري في القرآن أو الحديث أو الشعر والنثر أو حتى في الكلام العادي التلقائي يحوي شحنات انفعالية ومؤثرات نفسية لأن المجاز مظهر من مظاهر توق الإنسان إلى تكسير طوق اللغة للاستكشاف ما يعتمل في أغوار نفسه وفي مجاهل العالم الذي يحتويه، وهو نوع من الصراع بين الإتباع والإبداع، بينما يستطيع بحكمة تكوينه إدراكه وبين ما تسمح به آلة اللغة في التعبير ... » (5)، لذلك فقد عني دارسو القرآن الكريم بإيضاح الأسلوب البياني المتميز لهذا الكتاب السماوي الخاتم الذي أعجز العرب، وقد خاطب من خلاله عز وجل العرب بأساليبهم وبلغتهم المتميزة بتوظيفها للصور البيانية والأسلوب التأكيدي للمعاني بقوة اللفظة وإيحاء العبارة وفاقهم في ذلك، «وهذا الأسلوب فإنما هو مادة الإعجاز العربي في كلام العرب كله، ليس من ذلك شيء إلا وهو معجز ... وقد استيقن بلغاء العرب كل ذلك فاستيأسوا من حق المعارضة، إذ وجدوا من القرآن ما يغمر القوة ويحيل الطبع ويخاذل النفس مصادمة لا حيلة ولا خدعة» (6).
وقد كانت مناحي الإعجاز القرآني متعددة ومتنوعة ومنها التأثير الروحاني القوي الذي يسيطر على النفس المؤمنة بالفطرة والمستعملة عقلها في التعرف على ملكوت الله وقدرته والقرآن إحدى تلك الإقتدارات الإلهية البديعة، فأشار الرماني مثلا في كتابه " النكت في إعجاز القرآن " إلى الاستعارة وشروط حسنها التي يتممها على أسس جمالية ونفسية قريبة من البحوث الحديثة، إذ يراعي صلة الاستعارة بعناصر الحس المختلفة ... ، ويربط بين جمال الاستعارة والحواس المختلفة، ويؤكد دور التعبير في إثارة العواطف والانفعالات عن طريق مخاطبة هذه الحواس (7).
ففي قوله تعالى: ژ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ژ (8) «النشر ههنا مستعار وحقيقته أظهرنا به النبات والثمار، والأشجار فكانت كمن أحييناه بعد إماتته، فكأنه قيل أحيينا به بلدة ميتا في قوله أنشر الله الموتى فنُشروا وهذه الاستعارة أبلغ من الحقيقة لتضمنها من المبالغة ما ليس في " أظهرنا " و" الإظهار " في الإحياء والإثبات إلى أنه في الإحياء أبلغ» (9) فتوظيف اللفظة الموحية في هذا التعبير الاستعاري
__________
(1) -سورة ق، الآية 22.
(2) -الزمخشري، الكشاف، ج4، ص7.
(3) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص292.
(4) -مصطفى الصاوي الجويني، البلاغة العربية تأصيل وتجديد، منشأة المعارف بالإسكندرية، ص 152.
(5) -حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب، ص 429.
(6) -مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مكتبة رحاب الجزائر، ص188 - 189.
(7) -أحمد عبد السيد الصاوي، مفهوم الاستعارة، منشأة المعارف، الاسكندرية، ط1، 1988، ص133.
(8) -سورة الزخرف، الآية 11.
(9) -أحمد عبد السيد الصاوي، مفهوم الاستعارة، ص 133 - 134. (10/132)
صفحة 123
يعطينا دلالات قوية ومؤثرة ويتضح الفرق المعنوي بين استعمال الفعل "أنشرنا" و"أظهرنا" لعلاقة الأول بإعادة الحياة بعد الموت وهي من صفات الخالق المحيي المميت بينما استعمال أظهرنا لا يعطيه الخصوصية لأن الإظهار عام، أما النشر خاص، وهو مكمن الفاعلية الاستعارية للعبارة القرآنية المقنعة للعقول والآسرة للقلوب.
واستقى " الرماني " بلاغة الاستعارة من كون القرآن في أعلى طبقة من طبقات البلاغة حيث يقول: «فأما البلاغة فهي على ثلاث طبقات: منها ما هو في أعلى طبقة ومنها ما هو في أدنى طبقة، فما كان في أعلاها طبقة فهو معجز، وهو بلاغة القرآن وما كان منها دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس ... » (1).
وقد كان تناول الرماني للنصوص القرآنية معتمدا على: «التشخيص والتجسيم الحسي فالقرآن الكريم يعبر بالصورة الحسية والمتخيلة بواسطة القارئ عن المعنى الذهني والحالة النفسية وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية كما يعبر بها عن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد وإذا النموذج الإنساني شاخص حي» (2).
كما أفاض عبد القاهر الجرجاني (ت474 هـ) في تناول التعبير الاستعاري وعلاقته بالفنون البيانية الأخرى وأرجع بلاغة الاستعارة وإعجازها في القرآن إلى النظم والتركيب النحوي المتماسك والذي يعطي القوة للعبارة المتآلفة ذات المعنى العميق، كما «تحدث عن الأثر النفسي للاستعارة وأنها تحدث في السامع متعة وتجلب له أنسا ... » (3).
وفي العصر الحديث تناول اللغويون الجانب الوجداني العاطفي للغة "وإلى شارل بالي ( CHARLES BALLY) يرجع الفضل في وضع الأسس العقلية لما يعرف بأسلوبية التعبير على ما بسطه في كتبه (4) التي أدارها على المضمون الوجداني للغة فليست الغاية من النظام اللغوي عنده خدمة الأغراض المنطقية بل الغاية منه التعبير الوجداني في الألفاظ واثبات إرادة المتكلم وذاته وما لذلك من أثر في المخاطب ومنهجه دراسة الوسائل التعبيرية في المجال اللغوي الذي تلتقي فيه اللغة بالحياة وقد توسع بعده النحاة الذين
__________
(1) -الرماني، النكت في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، دار المعارف مصر، ط2، 1968، ص75.
(2) -أحمد عبد السيد الصاوي، مفهوم الاستعارة، ص36.
(3) -شوقي ضيف، البلاغة تطور وتاريخ، دار المعارف، مصر، ط2، 1994، ص 194.
(4) - Langage et la vie traite de stylistique française; précis de stylistique (10/133)
صفحة 124
يعرفون بالنحاة النفسيين وإن كانوا قد خالفوه في التعميم الذي ذهب إليه وكان من ثمرات ذلك تأصيل دراسة النحو على مقولات جديدة تؤول إلى علاقة اللغة بالفكر الذي يظهر في التعبير كما في كتاب برونو ( BRONOT) (1) وغيره» (2).
ومن عرض آراء البلاغيين عن أثر التعبير الاستعاري النفسي في القرآن الكريم على وجه الخصوص وفي اللغة ككل نخلص إلى أن الدور النفسي الذي تلعبه الاستعارة في الكلام هام وتقوم عليه العلاقة الأزلية بين اللفظ والمعنى وأشد ما يرتبط المعنى بالعقل والنفس والوجدان.
وتقول الناقدة الإنجليزية "وينيفريد": « ... أن القدر الأكبر من تأثير الاستعارة وقيمتها للشعر تعتمد على إحساسنا بالفجوة بين طرفيها» (3). مما يجعل الفكر يتأمل ويحاول الربط بين الطرفين في الصورة الاستعارية، لأن ذلك التمازج بين الطرفين غير مطلوب، وإنما التمايز هو المطلوب استخلاصه في إطار التعبير الاستعاري.
ومخاطبة الله سبحانه وتعالى للأتقياء بتوظيف الاستعارة فيه إحساس بالاطمئنان وشعور بأن العواقب ستكون من جنس العمل الخير والصالح وبالثقة في رحمة الله الواسعة ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ژ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ژ (4).
«وهذه استعارة لأن حقيقة السعة إنما توصف بها الأوعية والظروف التي هي أجسام ولها أقدار ومساحات والله سبحانه يتعالى عن ذلك. والمراد ـــ والله أعلم ــــ أن رحمتك وعلمك وسعا كل شيء فنقل الفعل إلى الموصوف على جهة المبالغة كقولهم طبت بهذا نفسا وضقت بهذا ذرعا أي طابت نفسي وضاق ذرعي وجعل العلم موضع المعلوم كما جاء في قوله سبحانه: ژ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ژ (5) أي بشيء من معلومه» (6).
كما بين سبحانه وتعالى بالتعبير بالاستعارة عن عاقبة المكذبين والكفرة الجاحدين
__________
(1) - F- bronot, La pensée et la langue
(2) - لطفي عبد البديع، التركيب اللغوي للأدب، مكتبة النهضة المصرية، ط1، 1970، ص 101، 102.
(3) -شفيع السيد، التعبير البياني، دار الفكر العربي، القاهرة، ص 101.
(4) -سورة غافر، الآية 7.
(5) -سورة البقرة، الآية 255.
(6) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص 267. (10/135)
صفحة 125
ـــــ وهو الأغلب ــــ ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ژ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ژ (1).
جاء في الكشاف: «أدهى: أشد وأفظع، والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدي لدوائه. وأمر: من الهزيمة والقتل والأسر ... » (2).
وفي تلخيص البيان: «وهذه استعارة لأن المرارة لا يوصف بها إلا المذوقات والمطعومات ولكن الساعة لما كانت مكروهة عند مستحقي العقاب حسن وصفها بما يوصف به الشيء المكروه المذاق، ومن عادة من يلاقي ما يكره ويرى ما لا يحب أن يحدث ذلك تكليحا في وجهه فيدل على تنور جأشه وشدة استيحاشه فكذلك هؤلاء إذا شاهدوا أمارات العذاب ونوازل العقاب ظهر في وجوههم ما يستدل به على فظاعة الحال عندهم وبلوغ مكروهها في قلوبهم فكانوا كلائك المضغة المرة وذائق الكأس المصبرة في فرط التقطيب وشدة التكليح وشاهد ذلك (3). قوله سبحانه وتعالى: ژ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ژ (4).
إذن فيما يخص الوظيفة النفسية التي تضطلع بها الصورة الاستعارية فإننا نحددها على الوجه التالي: «ترسيخ المعنى في نفس المتلقي وتأكيده» (5).
ومن الآيات السابق شرح مضمونها بالاستعانة بالتفاسير ندرك التصوير النفسي للتعبير الاستعاري لمختلف الوضعيات والمواقف ومدى تأثير هذا التصوير الاستعاري في نفسية القارئ الراغب قي الاتعاظ والإدراك المتبصر.
سر جمال العبارة الاستعارية القرآنية:
إن التمايز صفة قائمة ولها دورها في الحكم على الأشياء المادية أو المعاني الروحية بالجمال وإن للجمال مقاييس لتطلق هذه الصفة على الشيء أو المعنى، وبما أننا بصدد تطبيق هذا المفهوم على القرآن الكريم فإن كل كلام الله جميل وهو سبحانه «جميل يحب الجمال» (6) والجانب الجمالي المعني هو التعبير الاستعاري وحد الاستعارة عند القدماء
__________
(1) -سورة القمر، الآية 46.
(2) -الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 41.
(3) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص300.
(4) -سورة المؤمنون، الآية 104.
(5) -سمير أبو حمدان، الابلاغية في البلاغة العربية، ص 161.
(6) -أخرجه مسلم في صحيحه، باب الإيمان مرويا عن عبد الله بن مسعود، دار الكتب العلمية، بيروت، ج5، ص 93. (10/136)
صفحة 126
والمعاصرين هو اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه، أي تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور بالأخرى ثم تدخل المشبه في جنس المشبه به مبالغة في التشبيه، فتذكر بلفظها من غير تغيير بوجه من الوجوه (1)، كقوله تعالىژ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ژ (2) إذ المعنى أن مثل الأرض في تصرفها تحت أمر الله تعالى وقدرته مثل الشيء يكون في قبضة الآخذ له منا، والجامع يده عليه.
وقد بين الزمخشري (ت 538 هـ) معنى هذه الآية بقوله: « ... ويعني أن الأرضين مع عظمهن وبستطهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته كأنه يقبضها بكف واحدة ومطويات: من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى: «يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب» (3) وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه وقيل قبضته ملكه بلا مدافع ولا منازع، وبيمينه بقدرته ... » (4).
ومضمون الآية حسب رأي الشريف الرضي: « ... ومعنى قبضته ههنا أي ملك له خالص، قد ارتفعت عنه أيدي المالكين من بريته والمتصرفين فيه من خليقته، ... ومعنى قوله: «والسماوات مطويات بيمينه» أي مجموعات في ملكه ومضمونات بقدرته واليمين ههنا بمعنى الملك يقول القائل: هذا ملك يميني وليس يريد اليمين التي هي الجارحة، وقد يعبرون عن القوة أيضا باليمين فيجوز على هذا التأويل أن يكون معنى قوله تعالى: «مطويات بيمينه» أي يجمع أقطارها ويطوي انتشارها بقوته ... » (5).
فبهذا التعبير القرآني الخلاق تظهر لنا البلاغة القرآنية وتبقى القدرة الإلهية مما يدعو إلى التوحيد والإيمان القوي الخالص لله رب العالمين، فنكون قد استنبطنا سرا جماليا للتعبير الاستعاري في القرآن الكريم وهو التدبر وإعمال الفكر فيما خلق سبحانه والتفكر في قدرته عز وعلا فهو القادر المقتدر «ولعل عبد القاهر هو البلاغي القديم الذي تمكن أن يرسم لبلاغة الاستعارة وجمالها مضمارها الحقيقي بالتماس هذا المجال وتلك البلاغة في النظم الذي يجمع الاستعارة بناء فنيا متكاملا مع سائر
__________
(1) -أحمد مطلوب، وكامل حسن البصير، البلاغة والتطبيق، ص 359.
(2) -سورة الزمر، الآية 67.
(3) -سورة الأنبياء، الآية 4.
(4) -الزمخشري، الكشاف - ج 3، ص 409.
(5) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص 265، 266. (10/137)
صفحة 127
الألفاظ التي وردت في تركيبها فقد أشار إلى ضربي الاستعارة العامي المبتذل والخاصي النادر وأكد على أن الضرب الثاني لا يوجد إلا في كلام الفحول، ولا يقوى عليه إلا أفراد الرجال كقول الشاعر:
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح (1)
أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلامة كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها ومثل هذه الاستعارة في الحسن واللطف وعلو الطبقة في هذه اللفظة في عينها قول الآخر:
سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير (2)
أراد أنه مطاع في الحي وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لحرب أو نازل خطب إلا أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه حتى تجدهم كالسيول تجيء من هنا وههنا، وتنصب من هذا وذاك حتى يغص بها الوادي ويطفح منها.
وكان لعبد القاهر رأي واضح في سبب بلاغة الاستعارة والعوامل المساعدة على إظهار رونقها وجمالياتها التي تؤثر وتأخذ بمجامع العقول والقلوب وذلك مثل: براعة التشبيه وقدر إخفائه أو كما ورد في دلائل الإعجاز: حسن الاستعارة على قدر إخفاء التشبيه وهذا رأي عبد القاهر مدعما بأمثلة:
«واعلم أن من شأن الاستعارة أنك كلما زدت أرادتك التشبيه إخفاء ازدادت الاستعارة حسنا، حتى إنك تراها أغرب ما تكون إذا كان الكلام قد ألف تأليفا، وإن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه خرجت إلى شيء تعافه النفس ويلفظه السمع، ومثال ذلك قول ابن المعتز:
أثمرت أغصان راحته بجنان الحسن عنابا
ألا ترى أنك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به احتجت إلى أن تقول: أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن شبيه العناب من أطرافها المخضوبة، وهذا ما لا تخفى غثاثته ... » (3).
ومن الأمثلة التي أوردها عبد القاهر وتدخل على النفس أريحية ويرتاح لها
__________
(1) -البيت من الطويل، ديوان كثير عزة، ص 525، وبلا نسبة في لسان العرب وفي أساس البلاغة، ص 227 مادة (سيل) /عن المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية لإميل يعقوب، المجلد 2، ص 102.
(2) -البيت من البسيط، بلا نسبة في أساس البلاغة مادة (سيل)، ص 227.
(3) -عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، صححه محمد عبده وعلق عليه محمد رشيد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 346. (10/138)
صفحة 128
الإنسان ويجد في نفسه هِزَةً عندها لخفاء التشبيه قول أبي نوا س:
تبكي فتذري الدر عن نرجس ... و تلطم الورد بعنَّاب (1)
هذه استعارات تصريحية حذف فيها الشاعر المشبه وأبقى على المشبه به مما أعطى دلالات جمالية فائق، حيث شبه الشاعر الدموع بالدر كأحجار كريمة جميلة متلألئة والعيون بزهور النرجس الوضئية المتألقة، والخدود بالورود الحمراء أو الوردية المتفتحة والأيدي المخضبة بالحناء بالعناب الناطق بهجة وحبورا.
وإن ما ذهب إليه عبد القاهر في تقويم بلاغة الاستعارة وبيان سر جمالها يمثل دعوة نقدية أساسها النظر الشامل في النص الأدبي وتلمس وشائج اللفظ المستعار الممتدة في نفس مبدعها والمتداخلة مع الألفاظ المتكاتفة في سياقها لرسم الصورة بالخطوط والألوان والأشكال والأحجام، فأن نقول: حاجب الشمس، وأنف الجبل، وباح الصباح بسرّه، وشاب رأس الليل، والقلم مزمار المعاني، ... هذه الاستعارات وغيرها تمثل الواقع الذي يفرضه الكيان الإنساني، ولا حقيقة للطبيعة خارج هذا الكيان الذي كلما زادت واقعيته مثالية، زاد التشبيه خفاء فزادت الاستعارة جمالا وهذا هو تعديل الطبيعة الحاصل بالمجازات، وإذ ذاك لا تعود سكوتا بل تتحرك، وتنطق وتسمع وترى ... (2)
وللسكاكي رأي في شروط حسن الاستعارة وجمال التعبير البياني الاستعاري ليكون مؤهلا لوسمه بالبلاغة والجمال حيث يقول: «وإذ قد عرفت أقسام الاستعارة فاعلم أن الاستعارة لها شروط في الحسن إن صادفتها حسنت وإلا عريت عن الحسن وربما اكتسبت قبحا وتلك الشروط: رعاية جهات حسن التشبيه ... بين المستعار له والمستعار منه ... » (3).
وموقف السكاكي (ت 626 هـ) يكاد يتطابق مع رأي عبد القاهر الجرجاني وإنما قد أضاف السكاكي شروحا لحسن التعبير الاستعاري حين ربطه بأنواعه المختلفة والعديدة.
كما عقد الآمدي (ت 371 هـ) موازنته بين أبي تمام والبحتري وبين التعابير الاستعارية الموظفة عند كليهما وبين أن الاستعارات التي عابها على أبي تمام «فيها تكلف ومبالغة ممقوتة وتمويه في التصوير وتعقيد، فإن كل ذلك لا يتيح لنا أن نقدر عاطفة الشاعر الصادقة وإحساسه الواعي، فالعاطفة عندما ترتبط بالصورة المعبرة عنها في داخل
__________
(1) -ديوان أبي نواس، ضبطه وشرحه إيليا الحاوي، ج 1، منشورات دار الكتاب اللبناني، ط1، 1983، ص 98.
(2) -كمال يوسف الحاج، في فلسفة اللغة، دار النهار للنشر، بيروت، ط2، 1978، ص 104.
(3) -السكاكي، مفتاح العلوم، ص 387. (10/139)
صفحة 129
العمل الفني يكون ارتباطها ارتباطا حيا ناشئا عن معاناة الفنان معاناة حقيقية ... » (1).
ويضع عبد العزيز الجرجاني (ت 392 هـ) في الوساطة بين المتنبي وخصومه مقياسا للاستعارة الجميلة، هذا المقياس هو:"قبول النفس لها" فيقول: «فأما الاستعارات فهي أعمدة الكلام وعليها المعول في التوسع والتصرف، وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ، وتحسين النظم والنثر، ومنها المستقبح والمستحسن والمقتصد والمفرط وهذا إنما يميز بقبول النفس أو نفورها، وينتقد بسكون القلب ونبوه» (2)، إذن فالقاضي الجرجاني بذلك يدعم الجانب التذوقي في فهم الاستعارة وهو ما لا يخلو منه أي فن (3) فجمال التعبير الاستعاري كفن يزيد في عمق المعنى ويثري الفكر ويريح النفس التائقة دوما إلى المثل الأعلى وإلى العبارة المهذبة والإحساس الوجداني النبيل، وبقدر ما يثير فينا التعبير الاستعاري المعاني الجميلة نحو الأشياء فإنه ينفرنا أحيانا ويصرفنا عن القبح وكل ما هو مستهجن بعيد عن سمو الجمال وبريقه، ويقول الدكتور غنيمي هلال ــــ في هذا المعنى ــــ وقد أقام "ديدرو" معنى الجمال على إدراك العلاقات بين الأشياء والأجزاء، فعنده أن الجميل «هو الذي يحتوي في نفسه وفي خارج نطاق ذاتي ما يثير به فِيّ إدراك فكرة العلاقات، والجميل بالنسبة لي هو الذي يثير هذه الفكرة» ثم يذكر أنا لا نستطيع أن ندرك الجمال في الشيء دون أن نقف على ما يحفّه من قرائن أخرى، ... إذ دون الوقوف على العلاقات لا يمكن أن نحكم على النظام والتناسب والتناسق والملاءمة، وهي المعاني التي تدفعنا إلى إدراك الجمال في الشيء الجميل (4).
و الباقلاني بتأليفه في إعجاز القرآن قال: «إن الصور البديعة لا يستفاد من جهتها إعجاز القرآن، وإنما يستفاد الإعجاز ــــ وهو حكم جمالي ــــ من العلاقات التي تقوم بين الجمل المتضمنة للصور البديعية تلك الجمل التي هي عناصر ذلك الكتاب، فمجيئها على نظام خاص عبر عنه الباقلاني بكلمة النظم، هو الذي يستفاد من جهته الحكم الجمالي على هذا الكتاب وأنه بالغ حد الإعجاز ... » (5).
والقرآن الكريم معجز بلفظه ومعناه، في كله بحروفه وبكلماته وجمله وصوره وقصصه، وتشبيهاته وكناياته واستعاراته إذ يقف المتدبر متأملا مبهورا أمام سمو
__________
(1) -أحمد عبد السيد الصاوي، مفهوم الاستعارة، ص49.
(2) -عبد العزيز الجرجاني، الوساطة بين المتنبي و خصومه، تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم وعلي البجاوي، طبعة الحلبي، ص 56.
(3) -أحمد عبد السيد الصاو ي، مفهوم الاستعارة، ص 56.
(4) -عبد الرؤوف مخلوف، الباقلاني و كتابه إعجاز القرآن، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1978، ص، 307.
(5) -المرجع نفسه، ص 306. (10/140)
صفحة 130
بلاغة كلام الله من كل جوانبه، ويستشف الأسرار التي تزيده إيمانا وخشوعا وقدرة على تذوق الجمال الكوني، بكل أبعاده ومختلف زواياه.
قال تعالى: «ژ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ژ (1)، لنتأمل هذه الآية القرآنية التي يصف فيها سبحانه القرآن الكريم الذي تكفل بحفظه لأنه كتاب عزيز بعزة ذي العرش العظيم لا يخالطه باطل ولا يتسرب إليه بهتان لأنه من حكيم مقتدر حميد، «(وإنه لكتاب عزيز) أي منيع محمي بحماية الله تعالى ژ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ژ مثل كأن الباطل لا يتطرق إليه ولا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات حتى يصل إليه ويتعلق به ... » (2).
ويبين الشريف الرضي فهمه لهذا التعبير الاستعاري فيقول: «وهذه استعارة، وقد قيل فيها أقوال منها أن يكون المراد بذلك أن هذا الكتاب لا يشبهه شيء من الكلام المتقدم ولا يشبهه شيء من الكلام الوارد بعده وهذا معنى (من بين يديه ولا من خلفه) لأنه لو أشبه شيء من الكلام المتقدم أو الكلام المتأخر لأبطل معجزته وخصم حجته فكان الباطل قد آتاه من إحدى الجهتين المذكورتين إما من جهة أمامه وإما من جهة ورائه وهذا معنى عجيب، وقال بعضهم معنى ذلك أنه لا تعلق به الشبهة من طريق المشاكلة ولا الحقيقة ولا من جهة المناقضة فهو الحق الخالص الذي لا يشوبه شائب ولا يلحقه باطل، وقال بعضهم معنى ذلك أن الشيطان والإنسان لا يقدران أن ينتقصا منه حقا ولا يزيدا فيه باطلا، وقال بعضهم معنى ذلك أنه لا باطل فيه من الأخبار عما كان وما يكون ... » (3).
واختلاف التأويلات والتفسيرات المؤكدة للمعنى الراقي والجمال في الآية الواصفة للقرآن بأنه عزيز كله حق من الحق عز وجل، «وأنى للباطل أن يدخل على هذا الكتاب، وهو صادر من الله الحق، يصدع بالحق، ويتصل بالحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض؟ وأنى يأتيه الباطل وهو عزيز، محفوظ بأمر الله الذي تكفل بحفظه فقال: ژ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ژ (4).
وهذا التعبير الاستعاري تظهر فيه القوة البلاغية التي شخصت القرآن
__________
(1) -سورة فصلت، الآيتان 41، 42.
(2) -الزمخشري، الكشاف، ج3، ص455.
(3) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص 272.
(4) -سورة الحجر، الآية 9. (10/141)
صفحة 131
وجسمته وجعلت له أماما وخلفا (من قبل ومن بعد) وليس هنا موضع الإعجاز والجمال فقط وإنما الجمال المقصود والذي لم ندرك منه إلا شعاعا نهتدي به من نور ساطع متوهج هو هذه القدرة الإلهية الخارقة المبدعة التي جعلت القرآن عزيزا منيعا ناطقا بالحق صادعا به إلى يوم الدين.
ولنتدبر القول القرآني الموالي وقد دعانا الله إلى أن نتدبر القرآن بقوله:ژ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ژ (1)، وقد شبه الله القلوب غير المدركة لمعاني القرآن ولا المتعمقة في أسراره والداعية إلى التوحيد بالأبواب المقفلة فهي كالجماد وإنما ژ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ژ (2).
«و"أم" في الآية بمعنى "بل" وهو انتقال من توبيخهم على عدم التدبر إلى توبيخهم على ظلمة القلوب وقسوتها حتى لا تقبل التفكير والتدبر، والمعنى: بل قلوبهم قاسية مظلمة كأنها مكبلة بالأقفال الحديدية لا ينفذ إليها نور ولا إيمان» (3)، وقال الرازي: «إن القلب خلق للمعرفة فإذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه غير موجود، وهذا كما يقول القائل في الإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان هذا وحش، وهذا ليس بقلب هذا حجر» (4).
ويبين محمد الطاهر بن عاشور معنى الآية وما تضمنته من تعبير بياني بقوله: «والتدبر: التفهم في دبر الأمر، أي ما يخفى منه وهو مشتق من دبر الشيء أي خلفه والأقفال: جمع قفل وهو استعارة مكنية إذ شبهت القلوب، أي العقول في عدم إدراكها المعاني بالأبواب أو الصناديق المغلقة، والأقفال تخييل كالأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع (5)
والمعنى: بل بعض القلوب عليها أقفال وهذا من التعريض بأن قلوبهم من هذا النوع لأن إثبات هذا النوع من القلوب في أثناء التعجيب من عدم تدبر هؤلاء القرآن يدل بدلالة الالتزام أن قلوب هؤلاء من هذا النوع من القلوب ذوات الأقفال ... » (6).
ورأي الشريف الرضي أن الآية استعارة والمراد منها هو أن قلوبهم كالأبواب المقفلة لا تنفتح لوعظ واعظ ولا يلج فيها عذل عاذل وفي لغة العرب أن يقول
__________
(1) -سورة محمد، الآية 24.
(2) -سورة الحج، الآية 32.
(3) -الصابوني، صفوة التفاسير، ص 212
(4) -الرازي، التفسير الكبير، الصابوني، صفوة التفاسير، ص 212.
(5) -ديوان أبي ذؤيب الهذلي، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1965، ص3.
(6) -محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير الجزآن 25، 26، ص113، 114. (10/142)
صفحة 132
القائل إذا وصف نفسه بضيق الصدر وتشعب الفكر قلبي مقفل وصدري ضيق وإذا وصف غيره بضد هذه الصفات قال انفتح قلبه وانفسح صدره وقد يجوز أن يكون المعنى أن أسماعهم لا تعي قولا ولا تسمع عذلا وإنما شبهت الأسماع بالأقفال على القلوب لأنها أبواب عليها وطرق فهمها فإذا عرضت الأسماع كانت كالأقفال الموثقة والأبواب المغلقة (1).
فالتعبير الاستعاري الوارد في الآية يجعل الإنسان العاقل يتدبر ويتعظ لكي لا يقع عليه هذا الوصف الذي يجعل قلبه وكأنه باب مقفلة ورغبة الإنسان الملحة دوما تتطلع نحو الانفتاح والتفاؤل والرغبة في أن يكون موصوفا بالوصف الجميل والمرضي وإنما سبحانه هو الأعلم بطبائع الناس وأسرار القلوب فرأى أن الذي لا يسمع ذكرا ولا يتعظ للقرآن الحكيم وكأن قلبه مقفل وورد هذا التعبير الاستعاري على سبيل الاستعارة المكنية حيث حذف المشبه به (الأبواب) وأبقى على شيء من لوازمه وهو (الأقفال)، فإن الله جعل القلوب موطنا للإيمان والصدق والعلم والسكينة مصداقا قوله تعالى: «ژ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ژ (2)، وهذا التوظيف المركز والدقيق للقلوب بأن لها أقفالا أضفى على التعبير الاستعاري جمالا وقوة وتأكيدا للمعنى «فالاستعارة ... تفيد شرح المعنى وتفعل في النفس ما لا تفعله الحقيقة، وتفيد تأكيد المعنى والمبالغة فيه والإيجاز وتحسين المعنى وإبرازه ثم هي إلى جانب ذلك كله طريق للتوليد والتجديد، لأنها تكشف عن صورة جديدة ومعان بديعة» (3).
ومن خاصيات العبارة الاستعارية المؤثرة نفسيا أنها توظف حين يكون الدافع إلى «استخدام مصطلح سريع النفاذ قريب التوصيل لما يريد صاحبه في وقت أقصر من استخدام التشبيه ومن ذلك استخدام الاستعارة» (4).
خاتمة:
إن الأداء القرآني وهو يستخدم هذا الجانب التعبيري (الاستعارة)، يدرك حاجة
__________
(1) -الشريف الرضي، تلخيص البيان، ص 286.
(2) -سورة الفتح، الآية 4.
(3) -احمد مطلوب وكامل حسن البصير، البلاغة والتطبيق، ص365.
(4) -محمد بركات حمدي أبو علي، البلاغة، عرض وتوجيه وتفسير، دار الفكر للنشر، ط1، 1983، ص 99. (10/143)
صفحة 133
المتلقي النفسية إلى تصور الأشياء والمشاعر شخوصا متحركة، بحيث تظهر لنا الأشياء التي نراها ساكنة حية منطلقة واعية كأنما تشارك الإنسان حياته وتواصله، ومن ثم فإن التعبير الاستعاري القرآني أداة تحمل على الإقناع الذهني والنفسي على جناح من الخيال الجميل، والذي يعقد تلك المقارنة والملاءمة بين الجماد والذات البشرية في إطار جديد من العلاقات الإنسانية المتجاورة بين المادة والعقل الراجح والنفس المتفاعلة ايجابيا مع الرقي البياني في العبارة القرآنية المتفردة بلاغيا.
- - - (10/144)
صفحة 134
شوقي وحافظ في ميزان الرافعي
قراءة نقدية في كتاب «وحي القلم»
أ: محمد لقدي
جامعة الجزائر ــــ الجزائر
ل
(1) لا يمكن لمن يتذوق الأدب والشعر منه بخاصة، أن ينكر تلك المرحلة التي مرَّت بها مصر النيل، حينما سطع نور أبنائها ممن اصطبغت أفئدتهم وجوانحهم بروح الشعر، فهي من قبل ولا زالت مسرحا لطبقات من أهل الفن والشريعة بل والأدب أيضا؛ فكأنما تقاسمت هذه البلدة مع الجزيرة العربية مهد رسالة الأدب!.
ولا نريد أن نذهب بعيدا بالوصف، فتاج مصر تلألأ مذ أن بدا سنا برق (شوقي)، و (حافظ)، و (الرافعي) وغيرهم من الشعراء والأدباء والكتاب، وضيئًا نيِّرا، وصبحًا مسفرا في أفق فن الشعر والنثر.
الرافعي والنقد
ولعلَّ من قلَّب صفحات (الرافعي) التي ضمتها كتبه ورسائله ومقالاته التي ملئت بها كثير من الصحف والمجلات، يلحظ بل يدرك بقوة تضلُّع هذا الرجل في الأدب عامة، وفي صفة أهم من ذلك، هجرها كثير من الأدباء ــــ بل إنهم كانوا يتهربون من أن ينتقدوا على ما انتقدوا ــــ هي النقد.
__________
(1) أحمد شوقي (1285ــــ 1351هـ/ 1868ــــ 1932م): هو أحمد شوقي بن علي بن أحمد شوقي: أشهر شعراء العصر الأخير، يلقب بأمير الشعراء. مولده ووفاته بالقاهرة. من آثاره: "الشوقيات"، ديوان شعره، و"دول العرب" نظم. ينظر: الأعلام 1/ 136، معجم المؤلفين 1/ 246.
حافظ إبراهيم (1287ــــ 1351هـ/ 1871ـــ 1932م): هو محمد حافظ بن إبراهيم فهمي المهندس، الشهير بحافظ إبراهيم: شاعر مصر القومي، لقب بشاعر النيل. ولد وتوفي بالقاهرة. له "ديوان حافظ"، و "ليالي سطيح". ينظر: الأعلام 6/ 76، معجم المؤلفين 9/ 168.
مصطفى صادق الرافعي (1298ــــ 1356هـ/ 1881ــــ 1937م) مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد الرافعي: عالم بالأدب، شاعر، من كبار الكتاب. أصله من طرابلس الشام، ووفاته في طنطا (بمصر). من كتبه: "ديوان شعر"، و"تاريخ آداب العرب"، و "وحي القلم ". ينظر: الأعلام 7/ 235. (11/144)
صفحة 135
فلقد جمع الأستاذ (الرافعي) إلى جانب الكتابة الأدبية ــــ شعرها ونثرها ــــ تلك الصفة التي تميزه بالدقة والتبحر والذوق الرفيع. إنها قوته ناقدا للشعراء، مطلعا على صحيح شعرهم وسقيمه، وعلى جزالة ألفاظهم وهزالتها، وعلى سمو معانيهم وتدنيها.
فلقد ملئت قريحته بالذوق الرفيع، والبلاغة والبيان والبديع، وحاز قصب السبق في التوشيح والتدبيج والتأسيس، وصقل إلهامه الأدبي صقل الجوهر النفيس.
فعندما ينصب رايته، ويضع ميزانه، خلته قاضيا مهيمنا على مجلسه، لا يبرم أمر إلا بعد قضائه، ولا يكون الحكم إلا بما يعلنه. ولكنه أيضا عادل منصف، عطوف غير متجبر، يسعى بين ظلم الظالم وتذلل المظلوم لأن يجد سبيلا ليحملهما إلى طريق واحد، هو طريق الإنصاف.
فالرافعي ــــ رحمه الله ــــ بهذه الصفات زاحم هذا الفن من الأدب الذي تهرب منه الكثير ــــ كما أسلفنا ــــ رغم ما بلغوه من قوة شاعريتهم وعذوبة قرائحهم، وجزالة ألفاظهم وصفاء معانيهم. وهو الذي قال في "وحي القلم" (1)، في معرض كلامه عنهم: «ومن مصيبة الأدب عندنا، بل من أكبر أسرار ضعفه أنّ شعراءنا لا طاقة لهم بالنقد، وأنهم يفرُّون منه فرارًا ويعملون على تفاديه، وأنهم لا يحسنون غير الشعر؛ فلا البارودي (2) ولا صبري (3) ولا حافظ ولا شوقي كان يحسن واحد منهم أن يدفع عن نفسه أو يكتب فصلا في النقد الأدبي، أو يحقِّق مسألة في تاريخ الأدب» (4).
ولقد ظهر هذا لـ (شوقي) حينما أصدر أول ديوانه (الشوقيات) وكان منها قوله:
خدعوها بقولهم حسناءُ والغواني يغرهن الثناءُ
__________
(1) وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي، ط/دار الكتاب العربي-بيروت. دت، في ثلاثة أجزاء.
(2) البارودي (1255 ـــ 1322 هـ/ 1839 ـــ 1904 م): هو محمود سامي (باشا) ابن حسن حسنى بن عبد الله البارودي المصري: أول ناهض بالشعر العربي من كبوته، في عصرنا، وأحد القادة الشجعان. ومولده ووفاته بالقاهرة. له "ديوان شعر"، و"مختارات البارودي". ينظر: الأعلام 7/ 171، معجم المؤلفين 12/ 165.
(3) إسماعيل صبري (1270 ــــ 1341 هـ/ 1845 ـــــ 1923 م): هو إسماعيل صبري باشا: من شعراء الطبقة الأولى في عصره. توفي بالقاهرة، وجمع ما بقي من شعره بعد وفاته في "ديوان". ينظر: الأعلام 1/ 315، معجم المؤلفين 2/ 272.
(4) وحي القلم 3/ 304. (11/145)
صفحة 136
فلقد تعرَّض له (المويلحي) (1) الكاتب الشهير بالنقد، فارتاع (شوقي) وتحمَّل عليه ليمسك عن النقد (2).
وإنك إذا تأمَّلت وتتبعت فيما بعدُ نقولاتنا عن (الرافعي) في نقده لشعراء مصر، بل ولبعض فحول الشعر ممن خجل معنى بعض أبياتهم أمام معان معاصرة؛ جزمت أن الأستاذ متضلِّع خبير بالصناعة ذواق، يملك أحاسيس مرهفة؛ كأنه الطبيب الذي عرف مكامن العلل، ومواقع الزلل، حتى إنه يقول عندما يتعرَّض لهذا الجانب من النقد، وبالذات عندما يعالج شعر (شوقي): " ... وفي هذا الديوان-ديوان شوقي-عيوبٌ لا نريد أن نقتصها، فإن ذلك يحتاج إلى كتاب برأسه، إذا ذهبنا نأتي بها، ونشرح العلة فيها، ونخرج الشواهد عليها" (3).
فاتزان (الرافعي) في النقد تظهر قوته وبراعته في اكتشاف زيوف الألفاظ ورداءة المعاني؛ فهو مادح في مواطن المدح والإعجاب التي لا مراء فيها، ومتشدِّد منكر في المواضع التي لا مساومة فيها. وهو بين هذا وذاك معترف بصلابة هؤلاء في زمن اختلطت فيه الألسن، وضاع الخيال الخصب، واندثرت فيه المعاني المعبرة عن الصورة الجميلة.
وإنك لتلمس هذا الإنصاف بين المدح والذم على سواء، فانظره مثلا متكلما بإعجاب وتعظيم لشعر (حافظ)، حينما قال: "ولغة هذا الشعر المندفعة بالحياة كأن كلماتها القوية عروق في جسم حي متوثِّب، لم يخرج عن أن تكون هي العربية المبنية في جزالتها ونصاعتها ودقة تركيبها البياني، ومع ذلك فليس في هذا العصر كله من يكابر أو يماري في أنها هي لغة حافظ وحده، كأنه أرغم التاريخ أن يحتفظ به في أجمل آثاره .. " (4).
وانظره أيضا وهو يتحدث عن (شوقي) وشعره، فقال: "وعندي أنه لا أمل أن ينشأ لمصر شاعر عظيم في طبقة الفحول من شعراء العالم إلا إذا أعيد تاريخ شوقي مهذبا منقحا في رجل وهبه الله مواهبه، ثم تهبه الحكومة المصرية مواهبها" (5).
__________
(1) محمد المويلحي (1275 ــــ 1348 هـ/ 1858 ــــ 1930 م): هو محمد بن إبراهيم بن عبد الخالق المويلحي: أديب، في إنشائه إبداع. اشتهر بكتابه "عيسى بن هشام". مولده ووفاته في القاهرة. من كتبه أيضا:"علاج النفس". ينظر: الأعلام 5/ 305، معجم المؤلفين 8/ 204.
(2) وحي القلم 3/ 304.
(3) السابق 3/ 311.
(4) السابق 3/ 271.
(5) السابق 3/ 301. (11/146)
صفحة 137
ومقابل هذا الإطراء والإعجاب بالشاعرين، فإنه قال في (أحمد شوقي) منتقدا: "وفي (الشوقيات) صفحات تكاد تغرد تغريدا، وفيها صفحات أخرى تنق نقيق الضفادع .. " (1). وقال في (حافظ إبراهيم): "وأنا أعرف في شعره مواضع من الاضطراب والضعف والنقص، سأشير إلى بعضها .. " (2).
بين الرافعي وحافظ
لقد كان (حافظ إبراهيم) عبقريا عجيب الصنعة، قوي الإلهام، بليغ الأثر في عصره، يشبه تحولا وقع في صورة من صور التاريخ. وإن من أهم ميزات شعره تلك الاجتماعية الخصبة التي تلألأت في قصائده، حتى إنه كان يفخر بأنه "الشاعر الاجتماعي". وقد لقبه بذلك الأستاذ (محمد كرد علي) (3)، حتى إن (الرافعي) نفسه سمع كلاما من حافظ فحواه: "أنا لا أعد شاعرا إلا من كان ينظم في الاجتماعيات" (4).
ولعل قرب (حافظ) من الشعب كان له حافزًا ودافعًا لأن يعبر عن همومه وخلجات نفسية، وقلما يسلم شاعر تلك صفته من هذه النزعة، أو تلك التيارات التي تعصف بكيان المجتمع، وكأن شعر (حافظ) خلق وقد يسر له ذلك، فقد أحكمته أيضا المدرسة الحربية، ثم قيده الجيش، ثم تقاذفه السودان، ثم قذف به الظلم، ثم تولاه إمام عصره الشيخ (محمد عبده) (5).
هكذا وصفه الأستاذ (الرافعي)، بل زاد إذ قال: "فلم يكن حافظ إلا الصوت الإنساني الذي اعد بخصائصه للتعبير عن حوادث أمته وخصائصها" (6).
__________
(1) السابق 3/ 311.
(2) السابق 3/ 271.
(3) محمد كرد علي (1293 ــــ 1372 هـ/ 1876 ــــ 1953 م) محمد بن عبد الرزاق بن محمد، كرد علي: رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق، ومؤسسه. وأحد كبار الكتاب. ومولده ووفاته في دمشق. من مؤلفاته: "مجلة المقتبس"، و"خطط الشام". ينظر: الأعلام 6/ 202، معجم المؤلفين 10/ 162.
(4) وحي القلم 3/ 272.
(5) الشيخ محمد عبده (1266 ــــ 1323 هـ/ 1849 ــــ 1905 م): هو محمد عبده بن حسن خير الله: مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد. مولده ووفاته بمصر. من كتبه: "تفسير القرآن الكريم"لم يتمه، و "رسالة التوحيد". ينظر: الأعلام 6/ 252.
(6) وحي القلم 3/ 274. (11/147)
صفحة 138
ورغم ما اتفق لشارعنا من مزايا، فقد أعوزه اللجوء إلى رقة المعاني وروح الخيال، ولم يتناول الأغراض بالتحليل والتركيب، وبالتالي قصر كل ذلك في توليد المعاني المبتكرة، فنزل به ضعفا في الغزل والوصف، ولكنه اتفق له في الرثاء والشكوى ووصف الفجيعة.
وفي الحقيقة لم يكن ذلك إلا لأنه عايش الحدث حسا ومعنى، روحا وجسدا فبدهي أن تتحرك فيه تلك الإحساسات، وتتولد من أعماق قلبه تلك الآهات، وتنقذف من سويداء فؤاده تلك العبارات التي تدل على عميق الأثر والتأثر، وجدية الابتكار الحقيقي لا المصطنع، وقد قيل: ليست النائحة كالثكلى ... !؟.
لقد اصطلح (الرافعي) ــــ رحمه الله ــــ على هذه الثغرة التي ميزت شعر حافظ ما يسمه بـ"الفلسفة الشعرية" وقد عرفها بقوله: "الفلسفة الشعرية كلها أن يحل في الشاعر الملهم ذلك الشر الجميل الجاذب والمنجذب معا، المستقر والمتحول جميعا، الباطن و الظاهر في وقت .. " (1).
ومع هذا كله فـ (حافظ) حافظ، لا ينقص ذلك من قدره شيئا، وان نقص فان البدر جميل في تمامه ولكن جماله باق حيث كان في بدايته هلالا. ولربما بلغ الهلال من قلوب البعض ما لايبلغه البدر إذا صار مكتملا.
لقد كان حافظ في بديعه وصناعته على مذهب مسلم بن الوليد، هكذا جعله (الرافعي) وقال أيضا: "وهو مثله إبطاءً في عمل الشعر، وتلوماً على حَوْكه، وانفراداً بكل لفظة منه، وتقليباً للنظر فيما بين الكلمة والكلمة، واعتبارَ كل بيت كالعروس لها معْرض وحلية وزينة" (2).
تميز (حافظ) بقوة حافظته أيضا حيث اتفق له في عهدة وفي أول شعره أن طبعت "لزوميات" (المعري أبي العلاء) في مصر، فتناولها (حافظ) واستظهر أكثرها، فكانت باعث ميله ونزعته إلى "الشعر الاجتماعي"، وفتن مرة أخرى بما قرأ من شعر (الباروري)، فأصبح من يومئذ تلميذه، وسار على نهجه في قوة اللفظ، وجزالة السبك، ومتانة الصنعة، وجودة التأليف على نغم الألفاظ وأجراس الحروف، ولكنه كما يقول (الرافعي): "لم يدرك شأو الباروري في ذلك؛ لأن هذا – يعني الباروري – جمع من دواوين الشعراء وكتب الأدب مالم يتفق لغيره في عصره، وأدخل في شعره أحسن ما صنعت الدنيا في ألف سنة من تاريخ البلاغة العربية" (3).
__________
(1) السابق 3/ 280.
(2) السابق 3/ 277.
(3) السابق 3/ 275. (11/148)
صفحة 139
ويخلص الأستاذ (الرافعي)، بعد دراسة حثيثة، وتعمق بالغ، ومعالجة دقيقة في النقد إلى القول بأن شعراء مصر ليسوا على نسق واحد من فن الشعر أخذاً وعطاءً، تذوقاً واستلهاماً، ثم جمع القول في ثلاثة منهم، حينما قال: "ما سمعت في الإنشاد أعرب عربيةً من الباروري، ولا أعذب عذوبةً من الكاظمي (1)، ولا أفخم فخامةً من حافظ. رحمهم الله جميعا" (2).
ففخامة شعر (حافظ) تلك قد سمت به مرات عديدة، حتى بلغت منه أن جارى بعض الفحول، بل فاقهم في جانب من الجوانب، وقد علل لذلك الأستاذ (الرافعي) بما لايدع مجالا للريبة، وبما يجلّي كثيرا من الاستفهامات الإنكارية.
فدونك بيتا (أبي العلاء المعرّي)، وأنت خبير من يكون أبو العلاء؟ فقد قال:
ولولا قولُك الخلاَّق ربِّي ... لكان لنا بطلعتِكَ افتِتَانُ
ويقول أيضا:
أسهبَ في وصفِهِ علاك لَنَا ... حتى خشينا النفوسَ تعبُدُها
وقال (الرافعي) ــــ رحمه الله ــــ بعدهما (3): "وهذان البيتان تراهما صعلوكين إذا قستهما بقول حافظ في رثاء الشيخ (محمد عبده):
فلا تنصبوا للناس تمثال (عَبْدُه) وإن كان ذكرى حكمة وثباتِ
فإني لأخشَى أن يَضِلُّوا فيومئُوا إلى نور هذا الوجه بالسَّجَداتِ
ويقول (المعري) في رثاء أبيه:
ولو حفروا في درَّة ما رضيتُها لجسمك إبقاءً عليك من الدفْن
ويقول في رثاء غيره:
واخبُواه الأكفان من ورق المصـ حف كبراً عن أنفس الأبرارِ
ويقول (الرافعي) بعدهما: "وهذان أيضا كالصعاليك عند قول (حافظ) في (البارودي):
لو أنصفوا أودَعوه جوف لؤلؤة من كنز حكمته لا جوفَ أُخدُودِ
وكفَّنوه بدَرْج من صحيفته أو واضحٍ من قميصِ الصبح مَقْدُودِ
مع أن (حافظا) أَلَمَّ بقول (المعرّي) وزاد عليه" (4).
ويضيف (الرافعي): "ومن بديع ما اتفق عليه في قصيدة (الأمَّتان تتصافحان) قوله يصف السوريين:
رادوا المناهلَ في الدنيا ولو وجدوا إلى المجرَّّة ركْبا صاعداً ركبُوا
أو قيل في الشَّمسِ للرَّاجين مُنتجَعٌ مَدُّوا لها سببًا في الجوِّ وانتدَبوا
فاقرأ هذين، واقرأ بعدها قول (المتنبي) في (سيف الدولة):
وصول إلى المُسْتَصْعَبَات بخيله ولو كان قرب الشمس ماءً لأوردا
فإنك تجد بيت (المتنبي) صعلوكًا على بيتي (حافظ)، مع أنه المبتدع السابق". (5)
وقال (حافظ إبراهيم) في قصيدة يخاطب بها الأمريكان:
وَتَخذْتُم موجَ الأثير بريدا حين خلتم أنَّ البروق كُسالى
فقال (الرافعي) معجبا بالبيت، وخاصة قوة الاستعارة في قوله: البر وق كسالى؛ "فإن الجمال الشعري في البيت إنما هو استعارة الكسل للبروق، وهذا بعينه من قول (ابن نُباتة السَّعْدي) في (سيف الدولة):
وما تمهَّل يوما في ندًى وردًى إلا قضيتُ للَمْح البرق بالكسل
غير أن (حافظ إبراهيم) نقل المعنى إلى حقه، ومكن له أحسن تمكين في صدر كلامه، وأتمّ جماله في قوله:"حين خلتم"، فاقتطع المعنى وانفرد به، وعاد معنى (السعدي) كالصعلوك على باب بيته " (6).
وما تراه سقناه من شعر (حافظ)، إنما كان في الشطر الثاني من حياته الأدبية بعد أن استفحل وتخرج من مدرسة الإمام، أما في بدايته فان له صعاليك ــــ وضحها
__________
(1) الكاظمي (1282 - 1354 هـ = 1865 - 1935 م): هو عبد المحسن بن محمد بن علي الكاظمي، أبو المكارم: شاعر فحل، كان يلقب بشاعر العرب. ولد في محلة " الدهانة " ببغداد، ونشأ في الكاظمية، فنسب إليها، وتوفي بالقاهرة. جمع أكثر ما حفظ من شعره في " ديوان الكاظمي ". ينظر: الأعلام 4/ 152، معجم المؤلفين 6/ 173.
(2) وحي القلم 3/ 292.
(3) السابق 3/ 280.
(4) السابق 3/ 281.
(5) السابق 3/ 281.
(6) السابق 3/ 281. (11/149)
صفحة 140
الرافعي ــــ، ومنها قوله:
خمرةٌ قيل إنهم عصروها من خدود الملاح في يوم عُرس
وهذا البيت صعلوك عند قول (ابن الجهم):
مُشَعْشَعَةٌ من كف ظبْي كأنما تَناولها من خده فأدارها
وقول حافظ: "عصروها من خدود الملاح" كلام من لم ينضج في البيان ولا الذوق، ولا يكاد يتوهم معه إلا أن في خدود الملاح "خراجات " عُصرت!! ... وعلى ضد هذا قول ابن الجهم: " تناولها من خدها "، فهي كلمة أكثر نعومة من ذلك الخد، وأجمل نضرة.
وقول (حافظ) في مدح (الخديوي) (1):
يا من تَنافسُ في أوصافه كلمي ... تنافُسَ العَرَب الأمجاد في النَّسب
فهو صعلوك على بيت (أبي تمام):
تَغَايَرَ الشعرُ فيه إذ سهرت له ... حتى ظننتُ قوافيه سَتَقْتَتلُ
فهذا الشعر لا ذاك.
والمتصفح لديوان (حافظ) لا يكاد يعثر فيه على أبيات خرج منها الشاعر من زنزانة اجتماعيته، أو تحرر فيها من قيود الأسر التي عقدها الرثاء والتفجع في روحه، سوى بعض قليل من الغزل الذي ظهرت فيه قريحة الشاعر المدفونة، وعواطفه الشجية المحزونة، التي يبرزها هذا البيت من قوله:
كم تحتَ أذيال الظلام مُتيّمُ دامي الفؤاد وليله لا يعلمُ
وهذا البيت أيضا:
فاذهبْ بسحرك قد عرفتُك واقتصد ... فيما تزيّن للحسان وتُوهمُ
قال (الرافعي) بعد هذا البيت: " وقلد ـــ أي: حافظ ــــ ابن أبي ربيعة في حكاية حب لفّقها تلفيقاً ظاهراً، ثم زعم أن الحبيبة قالت له في آخرها:"فاذهب بسحرك".البيت. وكلمة صاحبة (ابن أبي ربيعة):
أهذا سحرك النسوا ن قد عرَّفتني الخبرا
هذه كلمة لا تخرج إلا من فم حبيبة آية في الظرف، وفيها تجاهلها وعرفانها
__________
(1) الخديوي عباس (1291 ــــ 1363هـ/ 1874 ــــ 1944م): هو عباس حلمي بن توفيق بن إسماعيل، ويعرف بالخديوي عباس حلمي الثاني: أحد من حكموا مصر. ولد وتوفي بالقاهرة. ويقال: إن له "مذكرات" أملاها في أيامه الأخيرة. ينظر: الأعلام 3/ 260. (11/150)
صفحة 141
وابتسامها وإشراق وجنتيها، وأكاد ــــ والله ــــ أرى فيها تلك الجميلة وهي تدق بيدها على صدرها دقة الاستفهام المتدلل المتظاهر بالدهشة ليتنهّد فيه الكلام والمتكلم معا. أما قول حبيبة حافظ الخشبية أو الحجرية ... .اذهب ... قد عرفتك واقتصد ...
فهذا خليق أن يكون من فم قاض وهو ينصح المتهم بعد الأمر بالإفراج عنه ... أو مأمور قسم عند ضبط الحادثة! " (1)
قال (الرافعي) في خاتمة نقده لشعر (حافظ): "وما دمنا قد ذكرنا النقد، فمن الوفاء للتاريخ الأدبي أن نذكر مذهب شاعرنا فيه: فلم يكن عنده منه إلا ذوق الكلام وإدراك النَّفْرة والنَّبْوة في الحرف، والغلظ والجَسْأة في اللفظ، والضعف والتهافت في التركيب، ثم ما يجيش في الخاطر أو يتلجلج في الفكر من ذوق المعنى وإدراك كنهه والنفاذ إلى آثار النفس الحية فيه؛ فكأن النقد هو الحس بالكلام كما تلمس الحار والبارد وما بينهما ... رحم الله شاعرا كان أصفى من الغمام وكان شعره كأنه البرق والرعد" (2).
بين الرافعي وشوقي
قال (الرافعي) معجبا (بشوقي)، غير باخس لقوة شاعريته: "هذا هو الرجل الذي يُخيَّل إلي أن مصر اختارته دون أهلها جميعا لتضع فيه روحها المتكلم، فأوجبت له ما لم توجب لغيره، وأعانته بما لم يتفق لسواه، ووهبته القدرة والتمكين وأسباب الرياسة وخصائصها، على قدر أمّة تريد أن تكون شاعرة، لا على قدر رجل في نفسه. وبه وحده استطاعت مصر أن تقول للتاريخ: شعري وأدبي" (3).
وإذا كان الناس ــــ يضيف الرافعي ــــ يكتب عليهم الشباب والكهولة والهرم، فان (أحمد شوقي) خاصة، والأديب عموما يكتب له طوران من الشباب بينهما كهولة، ولا أثر للهرم ثمَّ.
فشوقي أمير الشعراء بلا منازع، وشعره في فخامته وقوته واتساع معانيه يشهد لذلك كله.
وفي هذا الصدد قال (الرافعي): "على أن هؤلاء ـــ يقصد الشعراء من أهل مصر من طبقة شوقي ــــ وكل أولئك لم يستطيعوا أن يضعوا تاج الشعر على مفرق مصر،
__________
(1) وحي القلم 3/ 284.
(2) السابق 3/ 284.
(3) السابق 3/ 295. (11/152)
صفحة 142
ووضعه شوقي وحده ... ." (1).
فكل شاعر من مصر عند (الرافعي) جزء من جزء إلا (شوقي) فإنه جزء من كل، ولقد اجتمع له ما لم يجتمع لسواه، وأنه لا أمل أن ينشأ لمصر شاعر عظيم في طبقة الفحول من شعراء العالم إلا إذا أعيد تاريخ (شوقي) مهذبا منقحا (2).
وقد ازداد فكر (الرافعي) بكل وسائله تعمقا في شعر (شوقي)، فتراه دائما يضعك أمم ميزان يبعد أن صيبه شيء من الخلل، فلا تتحرك كفَّتاه إلا بما كان فيهما، وقوله الآتي برهان على ما ذكرناه؛ فقد قال ـــ رحمه الله ـــ:" أقرر هذا في شوقي ــــ رحمه الله ــــ وأنا من أعرف الناس بعيوبه وأماكن الغميزة في أدبه وشعره، ولكن هذا الرجل انفلت من تاريخ الأدب لمصر وحدها، كانفلات المطرة من سحابها المتساير في الجو، فأصبحت مصر به سيدة العالم العربي في الشعر، وهي لم تُذكر قديما في الأدب إلا بالنكتة والرقة، وصناعات بديعية ملفقة، ولم يستفض لها ذكر بنابغة ولا عبقري وكانت كالمستجدبة من تاريخ الحواضر في العالم" (3).
وهذا الآن بعض مما ألفه (شوقي)، فأظهر فيه بنوعه وقوته منذ الوهلة الأولى، وإنك لتلحظ في موهبته هذه صفة متميزة في شعره، أطلق الأستاذ الرافعي عليها اسم "حاسة الجو"، إذ يتلمَّح بها النوابغ معانيَ ما وراء المنظور، ويستنزلون بها من كل معنى معنى غيره.
فانظر أبياته التي نظمها في أول شبابه وسنه يومئذ 23 سنة:
خدعوها بقولهم حسناء ... والغواني يغرهن الثناءُ
ما تراها تناست اسميَ لما ... كثرت في غرامها الأسماءُ
إن رأتني تميلُ عني كأن لم ... تكُ بيني وبينها أشياءُ
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ ... فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
قال الرافعي ــــ منتقدا ــــ: " دع غلطته في قوله: "تميل عني"، فإن صوابها: "تملْ"، إذ هي جواب "إنْ" الشرطية، ولكن تأمل كيف استخرج معانيه، وأنا كنت دائما وما أزال معجبا بالبيتين الثاني والرابع، لا إكبارا لمعناهما، فهما لاشيء عندي، ولكن إعجابا
__________
(1) السابق 3/ 297.
(2) السابق 3/ 301.
(3) السابق 3/ 296. (11/153)
صفحة 143
بموهبة شوقي في التوليد، فإنه أخذ البيت الثاني من قول أبي تمام:
أتيتُ فؤادها أشكو إليه فلم أخلُص إليه من الزِّحامِ
فمرَّ المعنى في ذهن شوقي كما يمرُّ الهواء في روضه، وجاء نسيما يترقرق بعدما كان كالريح السافية بترابها، لأن الزحام في بيت أبي تمام حقيق بسوق قائمة للبيع والشراء، لا بقلب امرأة يحبها، بل هو جعل قلب المرأة شيئا غريبا كأنه ليس عضوا في جسمها، بل غرفة في بيتها ... وقد سبق شاعرنا أبا تمام بمراحل في إبداعه وذوقه ورقته. والبيت الرابع من قول (الشاعر الظريف):
قفْ واستمع سيرة الصبّ الذي قتلوا ... فمات في حُبِّهم لم يَبلُغِ الغَرَضَا
رأى فحبَّ فسَامََ الوَصْلَ فامتَنعُوا ... فرَامَ صبرًا فأعيَا نَيله فقَضَى (1)
ومن معاني (شوقي) السائرة:
لك نصحي وما عليك جدالي آفة النصح أن يكون جدالا
وقد تكرر منه هذا البيت في قصيدة أخرى ــــ وهو من عيوب شوقي الشعرية ــــ حيث قال:
آفة النصح أن يكون جدالا ... وأذى النصح أن يكون جهارا
قال الرافعي ــــ رحمه الله ــــ في البيتين الآخرين: "البيتان من شعر صباه أيضا، وهما من قول ابن الرومي:
وفي النصح خيرٌ من نصيح موادع ... ولا خير فيه من نصيح مواثب
فصحَّح شوقي المعنى وأبدل المواثبة بالجدال، وذلك هو الذي عجز عنه ابن الرومي." (2)
ومما اتفق لشوقي في الغزل أبيات حوت الجمال، وغردت تغريدا، قوله يصف محبوبته:
حَوَتِ الجَمَالَ فلو ذهبتَ تَزيدُها في الوهمِ حُسْناً ما استَطَعْتَ مَزِيدَا
قال الرافعي في هذا البيت: "وهذا البيت أيضا مأخوذ من قول القائل:
ذاتُ حُسنٍ لو استَزَادَتْ من الحُسْـ ـــــــــنِ إلَيهَا لما أصَابَتْ مَزِيدًا
غير أن شوقي قال: "لو ذهبت تزيدها في الوهم ... "، والشاعر قال: لو استزادت هي، فلو خلا بيت شوقي من كلمة "في الوهم" لما كان شيئا، ولكن هذه الكلمة حققت فيه المعنى الذي تقوم عليه كل فلسفة الجمال، فإن جمال الحبيب ليس شيئا إلا المعاني
__________
(1) السابق 3/ 303 ــــ 304.
(2) السابق 3/ 304. (11/154)
صفحة 144
التي هي في وهم محبه." (1)
وله أيضا أبيات في الرثاء، كتلك التي رثى بها (ثروت باشا) (2) وهي من أجود شعره، ومنها هذا البيت النادر:
وقد يموت كثير لا تحسُّهمُو ... كأنهم من هوان الخَطْبِ ما وُجدوا
قال الرافعي ــــ رحمه الله ــــ بعد هذا البيت: "وشوقي يعارض بهذه القصيدة أبا خالد ابن محمد المهلبي في داليته التي رثا بها المتوكل، وكان المهلبي حاضرا قتله هو والبحتري، فرثاه كل منهما بقصيدة قالوا إنها من أجود ما قيل في معناها. وبيت شوقي مأخوذ من قول المهلبي:
إنا فقدناك حتى لاصطبار لنا ومات قبلك أقوام فما فُقدوا
أي: لم يحس موتهم أحد. ولكن البيت غير مستقيم؛ لأن الذي يموت فلا يفقد هو الخالد الذي كأنه لم يمت. فاستخرج شوقي المعنى الصحيح وجعل العدم الذي هو آخر الوجود في الناس، أولَ الوجود ووسطه وآخره في هؤلاء الذين هانوا على الحياة فوُجدوا وماتوا كأنهم ماتوا وما وجدوا ... " (3).
هذا، وإنك لتجد قبالة هذا الإبداع المتجدد لشاعرنا، وهذه البراعة الفائقة التي أوتيها، وهذا النسج المتكامل الجوانب؛ ضعفا وتهافتا أزرى بشعر (شوقي)، وأوقعه في هوة اللعب والهزل الذي ينبعث من فكر الطفولة بشكل عام، وإلى هذا المعنى الدقيق قال الرافعي: " وإلى ما علمت من قوة هذه الشاعرية ودقتها فيما تتأتى له، ومجيئها بالمعاني النادرة مستخرجة استخراج الذهب، مصقولة صقل الجوهر النفيس، معدلة بالفكر، موزونة بالمنطق؛ تجد لها تهافتا كتهافت الضعفاء، وغرة كغرة الأحداث، حتى لتحسب أن طفولة شوقي كثيرا ما تنبعث في شعره لاعبة هازلة، أو كأن للرجل شخصيتين كما يقول الأطباء، فربما تتعاوران شعره كمالا ونقصا، وعلوا ونزولا" (4).
__________
(1) السابق 3/ 305.
(2) عبد الخالق ثروت باشا (1290 ــــ 1347 هـ/ 1873 ــــ 1928م): هو عبد الخالق ثروت (باشا) ابن إسماعيل ابن عبد الخالق: من رجال السياسة بمصر. تقلد مناصب حكومية سامية. توفي بباريس، ونقل إلى القاهرة. ينظر: الأعلام 3/ 291.
(3) وحي القلم 3/ 306.
(4) السابق 3/ 306. (11/155)
صفحة 145
ولذلك فقد وقع لشوقي بعض التخليط، حيث إنه كان دائما متأثرا باليونانية والتركية والشركسية فبلغت في شعره مبلغ الإغراق السخيف الذي لا يأتي بخيال عجيب، ومن هذه التركية في شعره: إضافات وهمية يقول عنها الرافعي: " هي من تلك المبالغات كذيل الحمار من الحمار، قطعة فيه ودليل عليه وآخر لأوله، ولا محل لها في ذوق البلاغة العربية كقوله:
(عيسى الشعورِ) إذا مشى ... ردَّ الشعوب إلى الحياة
وقوله في (سعد باشا) (1) في حادثة الاعتداء عليه:
ولو زُلْتَ غُيِّب (عمرُو الأمور) ... وأخلى المنابرَ سَحْبانُها
ويدخل في جنايات (التركية) هذه على شعره، تكراره الأسماء المقدسة والأعلام التاريخية: كيوشع وعيسى وموسى ...
وأما عيبه الآخر فهو ألفاظ شاعرنا التي لا يثبت أكثرها على النقد؛ لضعفه في الصنعة البيانية، ثم لضعف الموهبة الفلسفية فيه، واعتباره التهويلَ شعراً، والمبالغة بلاغةً وإن فسدت بها البلاغة والشعر.
قال شوقي في قصيدته الشهيرة 28 فبراير:
قالوا الحمايةُ زالت قلتُ لا عجبٌ ... قد كان باطلها فيكم هو العجبا
رأس الحماية مقطوع فلا عدمت ... كنانةُ الله حزماً يقطع الذنَبا
قال الرافعي: "فإذا قطع (رأس الحماية) وبقيت فيها بقية ما ذنب أو يد أو رجل؛ فإن هذه البقية في لغة السياسة التي تنقد الألفاظ وحروفها ونقط حروفها ... لن تكون ذنبا ولايدا ولا رجلا، بل هي (رأس الحماية) بعينه ... على أن شوقي إنما عكس قول الشاعر:
لاتقطعنْ ذنَبَ الأفعى وترسلَها إن كنت شهماً فأتبع رأسها الذنبا
وهذا كلام على سياقه من العقل، فما غناء قطع ذنب الأفعى إذا بقي رأسها، وإنما الأفعى كلها هي هذا الرأس" (2).
__________
(1) سعد باشا زغلول (1273 ــــ 1346 هـ/ 1857 ــــ 1927م): هو سعد (باشا) بن إبراهيم زغلول: زعيم نهضة مصر السياسية. وأكبر خطبائها في عصره. مولده ووفاته بمصر. ومما ألف في شبابه: كتاب في "فقه الشافعية". ينظر: الأعلام 3/ 83.
(2) وحي القلم 3/ 308. (11/156)
صفحة 146
ومن عيوبه أيضا هذا البيت الذي شغف به الشبان وكتاب الصحافة، وراحوا يتغنون به عن الحنين إلى الوطن:
وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعَتْني إليه في الخلد نفسي
قال الأستاذ (الرافعي) معقبا منتقدا: " ... ولم يفطن أحد إلى فساده وسخافة معناه، فإن الخلد لا يكون خلدا إلا بعد فناء الفاني من الإنسان وطبائعه الأرضية، وبعد أن لا تكون لا أرض ولا وطن ولا حنين ولا عصبية؛ فكأن شوقي يقول: لو شغلت عن الوطن حين لا أرض ولا وطن ولا دول ولا أمم ولا حنين إلى شيء من ذلك، فإني على ذلك أحن إلى الوطن الذي لا وجود له في نفسي ولا في نفسه ... وهذا كله لغوٌ ... والمعنى بعدُ من قول (ابن الرومي):
وحبّب أوطان الرجال إليهمُو مآربُ قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذَكروا أوطانهم ذكَّرتْهمو عهودَ الصّبى فيها فحنُّوا لذالكا
ومن عيوبه أيضا قوله في (صدى الحرب) يصف مدافع الدردنيل:
قذائفُ تخشى مهجةُ الشمس كلما ... عَلَتْ مصعداتٍ أنها لا تُصوَّبُ
إذا هبَّ حاميها على السفُن انثنتْ ... وغانمُها الناجي فكيف المخيَّبُ
قال الرافعي منتقدا:"وهذا الاستفهام (فكيف المخيب) استفهام مضحك؛ لأنه إذا كان الناجي غانما، فالمخيب خاسر بلا سؤال ولا فلسفة، والكلمة الشعرية في هذا كله هي قوله: (وغانمها الناجي)، وهي كالهاربة تتوارى خوفا من بيت (أبي الطيب):
أغرُّ أعداؤه إذا سلموا بالهرب استكبروا الذي فعلوا
فهذا الشعر لا ذاك، على أني أشهد أن في قصيدة (صدى الحرب) أبياتا هي من أسمى الشعر ... " (1).
ومن سخيف الإغراق رثاؤه (مصطفى باشا كامل) (2):
__________
(1) السابق 3/ 309.
(2) مصطفى كامل باشا (1291 ــــ 1326 هـ/ 1874 ــــ 1908م): هو مصطفى كامل (باشا) ابن على محمد: نابغة مصر في عصره، وأحد مؤسسي نهضتها الوطنية. مولده ووفاته في القاهرة. له: "حياة الأمم والرق عند الرومان"، و "فتح الأندلس" قصة تمثيلية. ينظر: الأعلام 7/ 238، معجم المؤلفين 12/ 269. (11/157)
صفحة 147
فلو أنَّ أوطانا تُصوَّر هيكلا ... دفنوك بين جوانح الأوطانِ
أو كان يُحمل في الجوارح ميتٌ ... حملوك في الأسماع والأجفانِ
أو كان للذكر الحكيم بقيةٌ ... لم تأت بعدُ رُثيتَ في القرآنِ
قال (الرافعي): "فهذه فروض فوق المستحيل بأربع درجات ... وتصور أنت ميتا يحمل في الجوارح فيترمم فيها ويبلى ... ومازال الشاعر في أبياته يخرج من طامّة إلى طامة حتى قال: "رثيت في القرآن". ولو سئلت أنا إعراب (لو) في هذه الأبيات لقلت: إنها حرف نقص وتلفيق وعجز ... وكيف يسوغ في الفرض أن تكون للقرآن بقية لم تنزل، والله تعالى يقول فيه: ژ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ژ الآية (1). والأمر أمر دين قد تمّ، وكتاب مقدّس ختم، ونبوة انقضت، والشاعر ماض في غفلته لم ينتبه لشيء ولم يدر أنه يفرض فرضا يهدم الإسلام كله، بل حسب أنه جاء بخيال وبلاغة فارسية؛ وشوقي في الحقيقة كامل كناقص، وإن من معجزات هذا الشاعر أن يكون ناقصا هذا النقص كله ويكمل." (2).
ومن عيوبه ــــ يضيف الرافعي ــــ في التكرار قوله:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
بل هذا البيت:
وإنما الأمم الأخلاق مابقيت ... فإن تولّت مضوا على آثارها قُدُما
بل هو هذا:
كذا الناس بالأخلاقِ يبقَى صَلاحُهُم ... ويَذهَبُ عنهم أمرُهُم حين تَذهَبُ
بل هو هذا البيت:
ولا المصائبُ إذ يُرمَى الرجالُ بها بقاتلاتٍ إذا الأخلاقُ لَم تُصَبِ
قال (الرافعي):" وقد تكرر ــــ فيما قرأته ـــ ثلاث عشرة مرة، فعاد المعنى كطيلسان ابن حرب الذي جعل الشاعر يرقعه ثم يرقعه حتى ذهب الطيلسان وبقيت الرقع ... والبيت الأول من العين النادر، ولكن أفسده في الباقي سوء ملكة الحرص في شوقي، أو ضعف الحس البياني، أو ابتذاله الشعرَ في غير موضعه، أو من فكرته الفلسفية من
__________
(1) المائدة:3.
(2) وحي القلم 3/ 311. (11/158)
صفحة 148
جوانب كثيرة. وهذه الأربعة هي الأبواب التي يقتحم منها النقد على شعر صاحبنا، ولو كان قد حصنها بأضدادها لكان شاعر العربية من الجاهلية إلى اليوم" (1).
وفي الأخير لابد أن يقال رغم كل ما سبق إن شوقي هو شوقي: أول من احتفى بتاريخ مصر من الشعراء، وأوَّل من توسع في نظم الرواية الشعرية فوضع منها ست روايات، وهو صاحب الآية البديعة في الوصف، وهذه الناحية هي أقوى نواحيه.
قال الرافعي إعجابا بشوقي وإكمالا لقدره في الشعر: "ولقد ظهر لي من درس شوقي في ديوانه أمر عجبتُ له، فإنِّي رأيته يأخذ من أبي تمام والبحتري والمعري وابن الرومي وغيرهم، فربما ساواهم وربما زاد عليهم. حتى إذا جاء إلى المتنبي وقع في البحر وأدركه الغرق؛ لأنه نشأ على رهبة منه كما تشير إليه عبارته في مقدمة ديوانه الأول، وقد وصف خيل الترك في قصيدة أنقرة بقوله:
والصبر فيها وفي فرسانها خُلُقٌ توارثوهُ أباً في الروع بعد أبِ
كما وُلدتم على أعرافها وُلدت في ساحة الحرب لا في باحة الرحَبِ
وشعره هذا يرتعد أمام قول المتنبي:
أقْبلتَها غُررَ الجياد كأنما ... أيدي بني عمرانَ جبهاتها
الثابتين فروسةً كجلودها ... في ظهرها والطعن في لبَّاتها
فكأنها نُتجتْ قياماً تحتهم ... وكأنهم ولدوا على صَهواتها
فانظر أين صناعة من صناعة، وأين شعر من شعر" (2).
فيا مصر!، لقد مات شاعرك الذي كان يحاول أن يخرج بالجيل الحاضر إلى الزمن الذي لم يأت بعد، فإذا جاء هذا الزمن الزاخر بفنونه وآدابه العالية، وذكرتِ مجد شعرك الماضي، فليقل أساتذتك يومئذ: كان هذا الماضي شاعرا اسمه شوقي! (3).
__________
(1) السابق 3/ 311.
(2) السابق 3/ 308.
(3) السابق 3/ 312. (11/159)
صفحة 149
- - - (11/160)
صفحة 150
مصادر تاريخ إباضية المغرب
في العصور الوسطى
(ملاحظات على المصادر المخطوطة والمطبوعة في السيَر)
أ. د: إبراهيم بكير بحَّاز
معهد العلوم الاجتماعية والإنسانية ــــ جامعة غرداية
ف
في عام 1961م صدر كتاب الأستاذ لويسكي تاديوز، المستشرق البولوني المشهور بدراساته عن الإباضيّة بعنوان "المؤرّخون الإباضيّون في شمال إفريقيا"، وأحصى المستشرق الخبير عدد المصادر الإباضيّة القديمة ـــــ التي استعملها في جدوله عن المؤرّخين والرواة ـــــ بأحد عشر مصدرًا، وذكر بأنّها مصادر نادرة جدّا إجمالا، تعود إلى ما جمعه عام 1927م سمورْزُفسْكي الخبير البولوني الأوّل بالشأن الإباضي المغربي. ويذكر أنَّ هذه المجموعة كانت موجودة في «لووو» « Lwow»، غير أنّها تبعثرت أو أُتلفت أثناء الحرب العالمية الثانية (1).
ويذكر المصادر الإحدى عشرة، وهي:
1 - أخبار الأئمّة الرستميّين لابن الصغير.
2 - كتاب السيرة وأخبار الأئمة لأبي زكريّاء الوارجلاني.
3 - سير المشايخ؛ وهو مجموعة تراجم لأعلام إباضيّين (2).
4 - كتاب السير لأبي الربيع سليمان الوسياني.
5 - ذكر أسماء بعض شيوخ الوهبية أُلحقت بسير الشماخي.
6 - كتاب طبقات المشايخ لأبي العباس الدرجيني.
7 - بيان بالمؤلفات الإباضيّة لأبي الفضل البرادي.
8 - تسمية مشاهد الجبل، وهي قائمة بالأماكن الموقّرة في جبل نفوسة، وقد أُلحقت هذه الوثيقة بكتاب السير للشماخي.
__________
(1) -لويسكي: المؤرخون الإباضيّون، ص23.
(2) -لويسكي: نفسه، ص24. (12/160)
صفحة 151
9 - وثيقة عن حملة النصارى ضد جزيرة جربة في سنة 1510م.
10 - كتاب السير لأبي العبّاس أحمد الشماخي.
11 - نسبة دين المسلمين، كتبها محمّد بن زكرياء بن موسى الباروني عام 1562م. وقد ألحقت أيضا بكتاب سير الشماخي المطبوع في القاهرة عام 1301هـ/ 1883م (1).
إنّ هذه المصادر التي ذكرها الأستاذ لويسكي عام 1961م ظلّت المخطوطات منها ــــ وهي الأغلبيّة ــــ مخطوطة لعشريّة زمنيّة أخرى بل أكثر من ذلك، أي إلى 1971م وما بعده. وأريد أن أقول بأنّ كتاب سير الشماخي وجواهر البرادي هذا الأخير الذي لم يستطع لويسكي الحصول على نسخة مطبوعة حجريّة منها عام 1961م، وهو مطّلِع على وجودها، هذان الكتابان هما الوحيدان المنشوران نشرا بلا تحقيق إلى ذلك التاريخ (2)، وتبقى هذه المجموعة من المصادر مخطوطةً إلى منتصف السبعينيات من القرن الماضي ليعرف بعضُها الطبع والنشر مع شيء من التحقيق، ككتاب الطبقات للدرجيني الذي تفرّغ له الشيخ إبراهيم طلاّي وأصدره مطبوعا لأوّل مرّة عام 1974م.
وينشر الأستاذ إسماعيل العربي كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكريّاء الوارجلاني عام 1979م نشرا محقّقا.
وتبقى باقي هذه القائمة من المصادر المخطوطة لتاريخ إباضيّة المغرب مخطوطة حتى منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات عندما تصدى ثلّة من الباحثين الأكاديميّين لهذا العمل، فأخرجوا محققًا تحقيقا علميا مجموعة من تلك المصادر المخطوطة وغيرها، وأضطرُّ هنا إلى وضع قائمة أخرى من المصادر التاريخيّة الإباضيّة المغربيّة في العصور الوسطى، ظلّت مخطوطة لم تر التحقيق الأكاديمي العلمي بعدُ إلى الآن أو عرفته ابتداء من الثمانينيات من القرن الماضي (1980م وما بعده) وهي التالية:
__________
(1) -لويسكي: نفسه ص24 ـــــ 26.
(2) -لم أذكر سير أبي زكرياء لأنّ المستشرق إيميل ماسكراي كان قد ترجمه إلى الفرنسيّة وطبعه لأوّل مرّة عام 1878م. ثم بقي الباحثون يعتمدون المخطوط أو الطبعة الفرنسية حتى عام 1979م، أي بعد قرن ليجد التحقيق من قبل إسماعيل العربي. عن الطبعتين انظر: أبو زكرياء الوارجلاني: كتاب سير الأيمة وأخبارهم، تحقيق إسماعيل العربي، إصدارات المكتبة الوطنية، الجزائر، 197. Emile Masqueray: Traduction chronique d'Abou Zakaria, première édition, imp, de l'association ouvrière ,Alger,1878 (12/161)
صفحة 152
1 - لواب بن سلام بن عمرو اللواتي: (حي في القرن 3هـ/9م)، كتاب شرائع الدين.
2 - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني (ت471هـ/1078م). السيرة وأخبار الأئمة.
3 - أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاني (ت471هـ/1078م). كتاب السير.
4 - البغطوري مقرين بن محمّد (كان حيّا في 599هـ/1202م). سيرة أهل نفوسة.
5 - الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام (ق6هـ/ 12م).
6 - أبو عمّار عبد الكافي التناوتي الوارجلاني (ت قبل 570هـ/ 1174م). سير أبي عمّار.
7 - الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد بن سليمان (ت670هـ/ 1281م). طبقات المشايخ بالمغرب.
8 - البرادي أبو القاسم محمّد بن إبراهيم (ق8هـ/14م). الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلّ به كتاب الطبقات.
9 - الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد (ت928هـ/ 1521م). سير الشماخي.
إنّ هذه المصادر التاريخيّة تستوعب كلّ ما ذكره لويسكي في قائمته السابقة، وتضيف إليها ما صرّح لويسكي بأنّه لم يصل إليها، وهو يعلم بوجودها، أو تلك التي لم يطلّع على وجودها أصلا في ذلك التاريخ المبكر (1961م) نوعا ما بالنسبة للنهضة التحقيقيّة ـــــ إن صحّت العبارة ـــــ لأبناء وادي مزاب خصوصا، والشمال الإفريقي (جربة وجبل نفوسة) عموما.
إنّ كتاب لواب بن سلام بن عمرو اللواتي الذي كان حيّا في منتصف القرن الثالث الهجري التاسع للميلاد بعنوان شرائع الدين؛ يُعتبر أوّل كتاب في التاريخ في شمال إفريقيا الند للند لكتاب ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميّين، كلاهما عاش منتصف القرن 3هـ/ 9م، أحدهما وهو لواب عاش في القيروان الأغلبيّة، وثانيهما ابن الصغير عاش في تيهرت الرستميّة.
وكتاب لواب (شرائع الدين) ظلّ مخطوطا حتى حظي بتحقيق أكاديمي مشترك بين صاحب المخطوط الذي وُجد عنده في مكتبته وهو الشيخ سالم بن يعقوب الجربي، والدكتور: ر. ق. شفارتز، وجاء في أوّل نشر له بعنوان: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضيّة (1). فنجا بذلك التحقيق والنشر من الضياع.
__________
(1) - دار إقرأ، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م. (12/162)
صفحة 153
من المعروف أنّ سير أبي زكرياء الوارجلاني: "السيرة وأخبار الأئمة"، من الأهميّة بحيث اهتمّ بها إيميل ماسكراي ونشرها مترجمة عام 1878م، ثم بعد قرن نشرها محقّقة إسماعيل العربي عام 1979 (1)، ثم اهتمّ بها اهتماما خاصّا الدكتور عبد الرحمن أيّوب الذي حقّقها تحقيقا أكاديميّا، ونشرها عام 1985م (2).
أمّا سير أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي؛ فظلّت مخطوطة، مع أنّها طُبعت طبعة حجريّة (3) علِمَ بها الأستاذ لويسكي، ولكنّه لم يطلّع عليها، وقد التفت إليها أحد الباحثين المدعو حاج سعيد مسعود، فحقّقها، وعلّق عليها معتمدا نسختين من المخطوط وقد وجدهما في مكتبة دار التلاميذ إروان بالعطف، ثم نشره عام 1990م (4).
ورغم جهود الباحث حاج سعيد، إلاّ أنّني أقدّر أنّ الكتاب لا يزال بحاجة إلى تحقيق أكاديمي يجمع نسخ المخطوط ويخرجه أكثر علميّة ودقّة. هذا مع العلم أنّ سير المزاتي في الآداب العامّة والسلوك وتزكية النفس، وليس كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، في سير وحياة مشايخ الإباضيّة بالمغرب.
وإذا جئنا إلى مخطوطة كتاب "سيرة أهل نفوسة" لمقرين بن محمّد البغطوري (حي في 599هـ/1202م)، وهي السيرة التي لم يطلّع عليها لويسكي إطلاقا، ولم يعرفها، وظلّت حبيسة الخزائن، إذ النسخة المتداولة اليوم يرجع تاريخ نسخها إلى أوائل القرن التاسع الهجري/ السادس عشر للميلاد، وهي ملك مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب الجربي، الذي نسخها في عام 1385هـ/1965م (5).
وعن هذه النسخة الجربيّة نسخَ الشيخ إبراهيم بن محمّد علواني نسخة بخطّ يده، نسخها للسيّد عيسى بن عبد الله أبي العُلا بالقرارة، وتم النسخ في رجب عام 1401هـ/ 18 ماي 1981م، وهي في 141 صفحة (6).
__________
(1) - منشورات المكتبة الوطنيّة، الجزائر، 1979م.
(2) - الدار التونسيّة للنشر، تونسن 1985م.
(3) -طبع بالمطبعة العلمية أو العليّة الحجريّة بحاضرة تونس: 1321هـ/1903م. وذلك ضمن مجموع يضمّ أيضا سير أبي عمّار عبد الكافي.
(4) - اعتمدت الطبعة الثانية المنشورة بسلطنة عمان عن مكتبة الضامري، مسقط 1993م.
(5) - مخطوطة البغطوري بمكتبة مؤسسة عمّي سعيد، غرداية، صفحة 140.
(6) - انظر: مخطوطة البغطوري، مكتبة مؤسسة عمّي سعيد، غرداية، ص141. (12/163)
صفحة 154
هذه السيرة علمت أن طالبين (1) في جامعة منتوري هَمَّا بتحقيقها تحقيقا علميّا لنيل درجة الدكتوراه لأحدهما والماجستير لثانيهما، إلاّ أنّ الثاني تراجع لمَّا علم بنيّة الأوّل، وإذا بالأوّل بعد فوات الأوان على الثاني (فوات التسجيلات للمواضيع بالجامعة، قسم التاريخ) يتراجع هو الآخر عن تحقيقها، وتظلّ السيرة مخطوطة إلى اليوم، تبحث عمّن يحقّقها تحقيقا علميّا أكاديميّا رزينا.
وسيرة البغطوري من السير الطويلة التي خصّصها صاحبها لتراجم مشايخ جبل نفوسة من لدن حملة العلم الخمسة إلى المغرب إلى زمانه في آخر القرن السادس الهجري/ 12م، ويتناول من حين لآخر أحداثا مهمّة في تاريخ إباضيّة المغرب كاحتياج الإمام عبد الوهاب الرستمي إلى نفوسة في حرب المعتزلة، وكترخيص أبان بن وسيم الويغوي فيما شدّد فيه غيره من أبوال الحيوانات المكروهة، وكإغارة صنهاجة وفظائعهم بجبل نفوسة.
وإن قراءة متأنيّة للكتاب تنمّ عن اكتشاف أوضاع متعدّدة لحياة أهل الجبل، اقتصاديّا واجتماعيّا وفكريّا وسياسيّا.
فهذا المخطوط هو المرشح الأوّل للتحقيق فيما يستقبلنا من الأيّام إن شاء الله، وسواء أحققته أنا أو غيري فالمهم هو إخراجه محققا في أقرب وقت ممكن.
أمّا الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام صاحب السير المعروفة باسمه، فيقال: سير الوسياني، فقد ظلّت مخطوطة إلى درجة خلطها بسير أبي زكرياء، وقد حظِيت بدراسة أكاديميّة علميّة رصينة من قبل الباحث عمر لقمان سليمان بوعصبانة الذي نال بتحقيقها درجة الدكتوراه بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميّة بقسنطينة عام 2006م، ورغم أهميّة التحقيق، إلاّ أنني وقد كنت من المناقشين للأطروحة لاحظت أنَّ العنوان تغيّر إلى ما أسماه الباحث: "مجموعة سير الوسياني" فاستغربت العنوان ورفضته، وقلت: إنّ الوسياني له سيرة واحدة، وليس مجموعة سير، وقد توصّل الباحث إلى فرز ما هو للوسياني وما هو لأبي زكرياء الوارجلاني، واكتشف سيرة أخرى ضمن المجموع المنسوب للوسياني ليست لا للوسياني ولا لأبي زكرياء وهي لمجهول، فطلبتُ منه عند عزمه طباعة سير الوسياني
__________
(1) - الطالبان هما: الطالبة مقرين سامية، والطالب كروشي نور الدين، كلاهما من جامعة منتوري قسنطينة. (12/164)
صفحة 155
أن تكون بعنوان "سير الوسياني" وقد فعل ذلك، إلاّ أنّني أفاجأ بالطبعة الأولى (1) للسير صادرة عن وزارة التراث والثقافة العمانيّة بعنوان: "سير الوسياني" في 3 مجلّدات، وقد حوت ما هو لأبي زكرياء الوارجلاني وما هو للمجهول كذلك.
ومن هنا أرى أن يُعاد التحقيق على ضوء النتائج التي وصل إليها الدكتور عمر لقمان سليمان بوعصبانة، ويُفصل فيما اختلطت فيه سير أبي زكرياء الوارجلاني بسير الوسياني بسير المجهول، ويُعاد نشر الكتاب بعنوان: سير الوسياني، كما يُعاد نشر كتاب سير أبي زكرياء في تحقيق ثالث يكون على ضوء ما توصّل إليه الدكتور لقمان، يحسم فيه الخلط الذي وقع على سير أبي زكرياء من قبل الأستاذ إسماعيل العربي و الأستاذ عبد الرحمن أيّوب.
فسير أبي زكرياء الوارجلاني وسير الوسياني من أمهات كتب التاريخ الإباضي بشمال إفريقيا ولا غُنية لباحث عنهما إطلاقا.
أمّا أبو عمّار عبد الكافي التناوتي المتوفى قبل عام 570هـ/ 1174م، وهو صاحب سيرة تعرف "بسير أبي عمّار"، فهي بمثابة سير أبي الربيع المزاتي سالف الذكر، وقد طُبعت سير أبي عمّار مع سير المزاتي في الطبعة الحجريّة التي ذكرتها آنفا بتونس عام 1903م، إلاّ أنّ أهميّة سير أبي عمّار عبد الكافي تكمن في تناولها مصطلحات العزابة وشروط عضو حلقة العزابة وفوائد أخرى تعبّر عن قيمة العلم في مجتمع الإباضيّة في القرون السادس والسابع للهجرة/12 و 13 للميلاد وما بعدهما، فضلا عن الأعضاء البارزين في الحلقة كالإمام والمؤذّن والوكيل وغسّالي الموتى ومعلّمي الصبيان في المحاضر ...
ولابدّ من الإشارة أنّ هذه السيرة المعروفة بسير أبي عمّار عبد الكافي، إنّما هي من كتابة تلامذته عنه، ولم يحرّرها هو بنفسه؛ لأنّها تحمل أقوالا عنه رواها تلامذته المخلصين لشيخهم (2).
هذه السيرة حقّقها الأستاذ الدكتور مسعود مزهودي من مخطوطة واحدة، ولم يذكر أين وجدها ولا كم عدد صفحاتها، أي لم يقم بدراستها وتحقيقها تحقيقا علميا يعتمد المقابلة بين النسخ، ولم يزد عن عشرين إحالة إلى الهامش لا غير، وهَمَّهُ أن ينشرها، مشكورا على جهده، بواسطة مكتبة الضامري بمسقط عام 1996م.
__________
(1) - منشورات وزارة التراث والثقافة العمانيّة. 3 مجلدات 2009م.
(2) - مقدمة المحقق لسير أبي عمار الدكتور مسعود مزهودي، مكتبة الضامري، مسقط، عُمان، ص 9 (12/165)
صفحة 156
أرى أن يُعاد تحقيق هذا المخطوط بالاعتماد على نسخه المتوفرة، ويُدرس المحتوى ويُقدَّم الكتاب من جديد للنشر ثريا بما يضيفه المحقق إليه.
كتاب آخر وهو ذو أهميّة قصوى في التراث الإباضي المكتوب، وهو "طبقات المشايخ بالمغرب" لمؤلّفه أبي العبّاس أحمد بن سعيد الدرجيني (670هـ/ 1281م)، هذا الكتاب ظلّ مخطوطا رغم أهميّة منهج كتابته المعتمد على الطبقات، أيّ أنّ مؤلّفه الدرجيني جعله طبقات: كلّ طبقة خمسون سنة، فكانت الخمسون الأولى طبقة النبي محمّد - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، لم يتكلّف الدرجيني الكتابةَ عنها مخافة الوقوع في تلويث قلمه بفتنة الصحابة (رضوان الله عليهم) فبدأ حديثة عن الطبقة الثانية طبقة جابر بن زيد الأزدي (ت92هـ/710م) إمام المذهب الإباضي إلى الطبقة الإثنى عشر (550ـ600هـ/1155ـ1203م) التي ربما أدركها طفلا، ومنها جدّه عليّ بن يخلف الذي نشر الإسلام في مملكة مالي.
إنّ كتاب الطبقات جاء في جزأين: الجزء الأوّل هو إعادة صياغة لكتاب أبي زكريّاء الوارجلاني صياغة لغوية سليمة، أمّا الجزء الثاني فهو الإبداع الذي حقّقه الدرجيني بوضع أعلام الإباضيّة في طبقات كثيرا ما سهّلت أمر التأريخ لأعلام الإباضية في العصور الوسطى.
إنَّ مخطوط الطبقات لم يجد من العناية سوى ما قام به شيخنا الفاضل الحاج إبراهيم طلاّي، حفظه الله، الذي بهمّته وعزيمته أبى إلاّ أن يخرجه مطبوعا طبعة أولى عام 1974م (1)،وهو يشعر بأنّه لم يحقّق الكتاب تحقيقا علميّا، تمنى في ذلك التاريخ أي 1974 الذي يربو اليوم على ثلاثين عاما أن يجد من ينتدب لتحقيقه تحقيقا وافيا، ولما لم يكن في الثلاثين عاما الماضية ما تمناه؛ أعاد تحقيقه بمساعدة ثلّة من طلبته البررة بوضع مزيد من الهوامش والإحالات، واعتمد فهارس الدكتور باجو الذي ألحقها مستقلّة بكتاب الدرجيني لما رأى ضرورة ذلك، وطبعها مصوّرة تصويرا خلال أعوام التسعين من القرن الماضي.
فكتاب الطبقات للدرجيني لا يزال عندي مخطوطا يحتاج إلى تحقيق علمي أكاديمي يعتمد أهمّ مخطوطاته المتوفّرة لدينا اليوم، ولا أكشف سرّا إن قلتُ بأنّنا في مخبر البحوث والدراسات في حضارة المغرب الإسلامي بقسم التاريخ والآثار كليّة
__________
(1) - مطبعة البعث، قسنطينة/ الجزائر 1974م. (12/166)
صفحة 157
العلوم الإنسانية والاجتماعيّة بجامعة قسنطينة، وبرئاسة أستاذتنا الدكتورة بوبة مجاني، كنّا نظمنا له فريق تحقيق يشاركني فيه زميلي الأستاذ الدكتور عمارة علاوة فضلا عن ثلاثة آخرين، ووفرتُ أربع نسخ من المخطوط لاعتمادها في التحقيق، إلاّ أنّنا فشلنا في التّقدم في التحقيق فشلا ذريعا، ولا تزال النيّة قائمة لتحقيقها إن خلُصت جميع نيّاتنا في فريق البحث المذكور، أو تصدّى لها غيرنا ممن يجد في نفسه القدرة والكفاءة والوقت اللازمِين لهذا العمل العلمي المُضني بلا ريب.
وأمَّا جواهر البرادي والمعروفة بـ”الجواهر المنتقاة“ في إتمام ما أخلّ به كتاب الطبقات، إنّما صنّفه صاحبه ليملأ الخمسين الأولى من القرن الأول الهجري/ 7م، وهي التي تركها الدرجيني تعفّفا وخوفا من الوقوع في الحرام، فتصدّى لها البرادي في القرن الثامن أيّ بعد قرن من الزمان إحقاقا للحق وإبطالا للباطل كما كانت نيّته، فجاء الكتاب ينمّ عن موقف صريح للبرادي من بعض الصحابة، وهو بالتبع موقف بعض الإباضيّة في زمانه وبعد زمانه، وإن كان أغلب الإباضيّة يميلون إلى موقف الدرجيني من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة مخافة الوقوع في المحظور.
وهذا الكتاب يضمّ من بين ما يضمّ رسالة عبد الله بن إباض التميمي إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، كما يضمّ قائمة الكتب التي كان علماء الإباضيّة في المغرب والمشرق قد ألّفوها، واطّلع عليها المؤلّف أو سمع عنها، منها ما هو موجود حاليا، ومنها ما فُقد بعد البرادي، ومنها ما ذكر أنّه كان موجودا واختفى قبل عهد البرادي.
هذا الكتاب المهم الذي طُبع طبعة حجريّة بقسنطينة عام 1302هـ/ 1884م، ظلّ على طبعته الحجريّة إلى اليوم، وتوجد نسخ مخطوطة من الكتاب، منها نسخة بجامعة بغداد مكتبة الدراسات العليا لكيّة الآداب تحت رقم 2022 (ويبدو عليها النقص).
هذا الكتاب الصريح صاحبه في اتخاذ الموقف الحاسم من الصحابة الذين وقعوا في الفتنة، فقَتَلُوا أو جُرُّوا إلى قتال المسلمين وترويعهم، لم يجد في القرن العشرين من يكون صريحا مثله لتحقيقه تحقيقا علميّا أكاديميّا، ولا أخفي أنّني همَمْت بتحقيقه، إلاّ أنّني وجدت فيه من الإشكالات ما يمكن أن يستعصي عليّ، فأجَّلت العمل ولا يزال مؤجّلا إلى تاريخ غير معروف.
نصل في النهاية إلى كتاب ”سير الشماخي“ أبي العباس أحمد بن سعيد الذي حُظي بالنشر هو الآخر في طبعة حجرية بقسنطينة عام 1301هـ/1883م، هذا الكتاب (12/167)
صفحة 158
الذي استوعب سير الإباضية من لَدُنْ لواب بن سلام بن عمرو اللواتي صاحب كتاب شرائع الدين إلى سير أبي زكرياء، إلى طبقات الدرجيني مرورا بسير الوسياني ومن سبقه، فكان فعلا كتاب سير، والأصح أن يُقال له جمهرة سير الشماخي لاستيعابه لذلك الكم من سير من سبقه بما في ذلك أخبار الأيمة لابن الصغير، ومن هنا نفهم سبب اهتمام الإباضية به، فطبعوه منذ أواخر القرن 19م، وظلت النسخةَ المعتمدةَ عند كل من له اهتمام بالإباضية تراثا ومجتمعا.
ولأهميته وشموليته وسهولة تناوله جاهزا من الطبعة الحجرية، عملت وزارة التراث القومي العُمانية بإعادة طبعه في جزأين عام 1987م، بتحقيق بسيط كان من إنجاز شيخنا أحمد بن سعود السيابي.
إن سير الشماخي وجدَت من الأكاديميين من اهتم بها وبِنُسَخِ مخطوطاتها، وأقصد هنا زميلنا الدكتور محمد حسن الذي التَفَت إلى أهمية هذه السير منذ السبعينيات من القرن الماضي، فحقق في البداية جزءًا من الكتاب يتعلق بسير المغاربة حتى القرن الرابع الهجري (1)، ونشرته كلية العلوم الإنسانية بجامعة تونس عام 1995، ثم أبت همته إلا أن يتمم العمل ويتقنَه فحققه كاملا معتمدا خمسَ نسخٍ من المخطوط بالإضافة إلى الطبعة الحجرية التي لم يُهمِل قيمتَها، فجاء عمله في ثلاث مجلدات دراسة وتحقيقا (2)، وهذا التحقيق هو الأكمل لكتب التراث التاريخي الإباضي بشمال إفريقيا، لم يُخلَط بسير غيره، ولم يُضم إليه شيء من السير والطبقات المعروفة المشهورة إلا ما كان شبه ملاحق أُلحقت به في الطبعة الحجرية، وهي تلك المخطوطات التي سبق وأن ذكرها لويسكي في قائمة الكتب الإحدى عشر والتي عدّدها للإباضية في الكتابة التاريخية وأشار بأنها أُلحقت بسير الشماخي عند طبعه حجريا دون أن تكون جزءا من سيره، وهي التالية ذكرها:
1 - ذكر أسماء بعض شيوخ الوهبية.
2 - تسمية مشاهد الجبل.
__________
(1) - حققه ضمن أطروحة لنيل شهادة التعمق في البحث بجامعة تونس ونشرته كلية العلوم الإنسانية بجامعة تونس عام 1995، السلسلة 4، المجلد: xxx
(2) - الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد: كتاب السير، دراسة وتحقيق د/ محمد حسن، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2009م. (12/168)
صفحة 159
3 - وثيقة عن حملة النصارى ضد جزيرة جربة في سة 1510م.
4 - نسبة دين المسلمين، كتبها محمّد بن زكرياء بن موسى الباروني عام 1562م.
فهذه المخطوطات الأربعة هي التي تحمل الأرقام التالية في جدول لويسكي: 5 و 8 و 9 و 11.
وأود هنا أن أشير في النهاية إلى أن الإباضيين اهتموا بتراثهم فحافظوا عليه في مكتباتهم العامة والخاصة ولا يزال مصانا، ورغم أن بعض المخطوطات وصلت القاهرة وبغداد ودمشق وباريس ولووو، وغيرها من المكتبات العالمية والخاصة، إلا أن الأصول بقيت في وادي مزاب أو في جربة أو في جبل نفوسة كأعز ما يملكه الإباضي من تراث أسلافه.
ومن المعروف أن ثلة من الشباب الجامعي ضمن جمعية التراث أو جمعية عمي سعيد أو جمعية أبي إسحاق اهتمت بهذا التراث المخطوط وأوْلَتْه العناية القصوى ابتداء من الثمانينيات من القرن الماضي وإلى اليوم، ترميمًا للمخطوط وفهرسة وتصويرًا رقميا، وإن جمعية عمي سعيد بصدد بناء صرح ضخم "بمقاييس وادي مزاب" للعناية بالمخطوط بحثًا عن جديده تصويرا وفهرسة وترميما وجمعا للنسخ المهمة، وما إلى ذلك من هذا العمل الذي تنقضي الأجيال من أجله ولا تنقضي المهمة.
وقد أنجزت «جمعية التراث» عددا معتبرا من فهارس مكتبات وادي مزاب، ثم تبعتها أختها «جمعية عمي سعيد» بخطى جبارة في فهرسة المكتبات التي بين يديْها وأنجزت هي الأخرى عددا معتبرا من فهارس المكتبات العامة والخاصة بمزاب ووارجلان، ولا يزال العمل متواصلا وبنشاط عند جمعية عمي سعيد بالذات التي فكّرت في بناية خاصة لحماية المخطوط كما سلف ذكره.
وفي ختام هذه الدراسة، أقترح إعادة تحقيق كل هذه السير التي لم تحظ بالتحقيق الأكاديمي، وأن تُنشر بعد ذلك كلها مجموعة مرتبة كرونولوجيا يحمل كل كتاب عنوانه الخاص به، ولكن المجموع العام نُطلق عليه عنوان "جمهرة السير الإباضية"، وإن الباحثين والمحققين موجودون والعزيمة إن شاء الله متوفرة.
- - - (12/169)
صفحة 160
الشيخ سالم بن يعقوب
حياة رجل، وتجربة جيل (*)
أ: علي البوجديدي
دكتوراه أدب قديم ــــ تونس
أ
أولا: على سبيل التمهيد:
(1) إنّ التّأليف في سير المحدثين المعاصرين، كما هو حال التّأليف في سير الأوّلين الغابرين، لهَوَ من صميم السُنّة المتداولة عند جملة من الباحثين. وأمّا التّأليف في سيرة علماء جربة من المشهورين ومن المغمورين، فهو من باب العرفان لهم بالجميل، ونهج على درب في التّأليف قديم (2) حديث (3). كما أنّ التّأليف في تاريخ الحركات الإباضيّة والتّعريف بطبقاتها وأعلامها في المغرب وتاريخ الدّول البربريّة التي أسّسها الإباضيّون هناك، وكذلك تاريخ المجموعات الإباضيّة البربريّة التي صمدت بعد سقوط هذه الدّول مازال بحاجة إلى الدّراسة. وتتطلّب هذه الدّراسة معرفة عميقة بالأعمال المذكورة، «ويجب أن ترتكز خصوصا على كتب التّاريخ والسّير لمؤلّفين ينتمون إلى الفرع الوهبيّ من الفرقة الإباضيّة، إذ إنّ الفروع الإباضيّة الأخرى، باُستثناء النكّار، لم تلعب سوى دور ضعيف جدّا في تاريخ إفريقيا الشّماليّة، كما لم تترك أيّ أثر
__________
(1) (*) هذا هو الجزء الأول من الدراسة، وسيليه الجزء الثاني في العدد القادم بإذن الله. (هيئة التحرير)
(2) نذكر على سبيل الذّكر كتاب السّير. راجع: كتاب السّير الجزء الخاصّ بتراجم علماء المغرب إلى نهاية القرن الخامس هجريّ الحادي عشر ميلاديّ، تحقيق محمّد حسن، طبعة 1، تونس، كليّة العلوم الإنسانيّة والاِجتماعيّة، 1995. وقد عاد محمّد حسن فحقّق العمل برمّته. راجع: أبو العبّاس أحمد بن سعيد الشمّاخيّ، كتاب السّير، تحقيق محمّد حسن، طبعة 1، بيروت، دار المدار الإسلاميّ، 2009.
(3) راجع: محمّد بن موسى بابا عمّي، إبراهيم بن بكير بحّاز، مصطفى بن صالح باجو ومصطفى بن محمّد شريفي، معجم أعلام الإباضيّة، مراجعة: محمّد صالح ناصر، طبعة 2، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ، 2000. كما يمكن مراجعة كتاب:
M . H Custers : Al Ibadiyya : a bibliography . Volume 2 : Ibadis of maghrib , Ed Maastrich , 2006 . P 270 . (13/170)
صفحة 161
مكتوب. غير أنّ هذه المصادر غير معروفة تقريبا من قبل الدّارسين والمؤرّخين في شمال إفريقيا. ولا نملك سوى طبعات قليلة أو ترجمات لبعض هذه المصادر، ولم يُنشر شيء سوى ذلك بعد، فلا نعرف مصادرهم إلاّ كمخطوطات محفوظة في بعض المجموعات الإباضيّة في المزاب وفي جزيرة جربة وجبل نفوسة أو في أوروبة» (1).
وأمّا ومشغلنا في التّعريف بسيرة أعلام الإباضيّة المعاصرين، وآخرهم من المغمورين، فالأمر دونه مصاعب عديدة، لعلّ أبرزها صعوبة الحصول على المعلومة، ووعورة الظّفر بها في ما خلّفوه من وثائق ومخطوطات وما دوّنوه من ملاحظات شخصيّة. أضف إلى ذلك أنّ المصادر والمراجع التي أرّخت للشّيخ سالم بن يعقوب شحيحة ضنينة، لا تكاد تذكره إلاّ لماما (2). ولا تشير إلى فضله العلميّ أو إسهامه المعرفيّ مدرّسا وعالما شغوفا بالعلم وتحصيله.
علاوة على ما فيها من تضارب غير مفهوم (3). ولا يبقى من مرجع لرسم صورة للرّجل أقرب ما تكون إلى الدقّة العلميّة، إلاّ بالعودة إلى وثائقه الخاصّة، والتّنقيب في ما خلّفه من مخطوط أو شفويّ مرويّ عنه أو مسموع.
__________
(1) تاديوس ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون في إفريقيا الشّماليّة، ترجمة: ماهر جرّار، ريما جرّار، طبعة 1، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ، 2000. ص 21، 22
(2) ذكر فرحات الجعبيريّ في تعريفه بالمؤلّف في الهامش أنّه «نزولا عند رغبة اِبن المؤلّف محمود بن يعقوب نكتفي بهذا القدر من سيرة الشّيخ سالم بن يعقوب رحمه الله رغم اِطّلاعنا على جلّ تفاصيلها»؟ والسّؤال المحيّر لم ذلك؟ ألا يحقّ للقارئ أن يعرف سيرة هذا الرّجل الذي صنع من نفسه شيئا بعد أن كادت تطويه الحياة بأيّامها المتشابهة؟ أليست حياة الكبار من الرّجال، وسيرهم هي ملك للآخرين؟ بل هي عبرة للمعتبرين من اللاّحقين؟. راجع: تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة 1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 9.
(3) من هذا التّضارب نذكر ما نجده من تناقض يعتري أهمّ محطّات حياته كتنقّله بين جربة وتونس ومصر، دون أن يكون المعوّل في كلّ ذلك الوثيقة العلميّة التي تبدّد الشكّ يقينا. فمعجم أعلام الإباضيّة مثلا لا يضيف شيئا ذي بال عمّا ذكره الدّكتور فرحات الجعبيريّ. بل إنّ ما جاء بترجمته (عدد 366) مقتبس عن: «فاكس أرسله [فرحات الجعبيريّ] بتاريخ 8 جوان 1988». راجع: محمّد بن موسى بابا عمّي، إبراهيم بن بكير بحّاز، مصطفى بن صالح باجو ومصطفى بن محمّد شريفي، معجم أعلام الإباضيّة، مراجعة: محمّد صالح ناصر، طبعة 2، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ، 2000. ص 168. (13/171)
صفحة 162
وقد وقعت في هذا الباب على وثائق ذات بال، أرى من باب الأمانة العلميّة أن أضعها على ذمّة الباحثين والقرّاء والمهتمّين بهذا الإرث الثّقافيّ من قريب أو بعيد محاولا في الآن نفسه أن أجدّد قراءتها وأن أقاربها مقاربة منهجيّة دقيقة.
والرّأي عندي أنّ أعلام الفكر الإباضيّ في القرنين التّاسع عشر والعشرين لا تزال بحاجة إلى بحث وتنقيب، ففي سيرهم ما فيها من عبر ودروس لا تُبلى عبر الزّمن. فحريّ بنا إذن أن نتعهّدها بالقراءة والصّيانة والمراجعة (1).
ثانيا: فصول من حياته:
وُلد الشّيخ سالم بن محمّد بن سعيد بن يعقوب (2) في بداية القرن العشرين في قرية غيزن السّاحليّة من جزيرة جربة يوم 20 مارس سنة 1903. وهو «شيخ إباضيّة جربة ومؤرّخ الجزيرة» (3). كما يعتبر الشّيخ سالم «آخر عُضو من أعضاء حلقة العزّابة (4) بجربة، فهو بقيّة السّلف الصّالح في زمانه» (5).
__________
(1) من قبيل البحث الذي تناولته حنان الطّرابلسيّ. راجع في هذا الصّدد: حنان الحسين الطّرابلسيّ، «أبو زكريّا فصيل بن أبي مسور ودوره في جزيرة جربة»، مجلّة الحياة، (نشر جمعية التراث. القرارة)، العدد 15، أوت 2011.
(2) تولّى والده محمّد بن سعيد بن يعقوب خطّة العدالة وقد درس ببنغازي في ليبيا. نقلا عن شهادته المصوّرة.
(3) أحمد الحيلاتي، علماء جربة المسمّى رسائل أحمد الحيلاتي، تحقيق: محمّد شفيق قوجة، طبعة 1، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ، 1998. وقد أهداه محقّقه إلى الشّيخ سالم بن يعقوب. الهامش 3.
(4) يقول الدّرجينيّ: «العزّابة واحدهم عزّابي، وهذه اللّفظة اُستعملت لقبا لكلّ من لازم الطّريق، وطلب العلم، وسير أهل الخير، وحافظ عليها وعمل بها، فإنْ حصّل جميع هذه الصّفات سمّي عزّابيّا. فإنْ حافظ على السّير والعمل بها فقط سمّي به، وإنْ حصّل العلم دون السّير والعمل به والمحافظة عليه لم يسمّ بهذا الاِسم». راجع: الدّرجيني، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، طبعة 1، الجزائر، تحقيق إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، 1984، ج 1، ص 3. وراجع كذلك: فرحات الجعبيريّ، نظام العزّابة عند الإباضيّة الوهبيّة في جربة، طبعة 1، تونس، منشورات المعهد القوميّ للآثار والفنون، المطبعة العصريّة، 1975. ص 63. كما يمكن مراجعة مقال إباضيّة بدائرة المعارف الإسلاميّة:
Lewicki: « Al ibadyya » , Encyclopédie de l’islam , Nouvelle éditions , T 3 , Paris , Leyde , 1995. PP 669 , 682 .
(5) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة 1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 10. (13/172)
صفحة 163
تربّى الشّيخ سالم بن يعقوب في أسرة متواضعة صحبة إخوة ثلاثة له كانوا يتعاطون التّجارة. كان في صغره نافرا من التعلّم، يهرب من الكتّاب، ويروغ من المؤدّب ويلوذ بالغابة سُلوانا عن حلقة الدّرس التي كان خاله قاسم بن مهنّي بن يعقوب مدرّسا ينشّطها بجامع تلاكين، كما جاء في شهادة له مصوّرة (1).
فلم يتمكّن الطّفل سالم من حفظ الحروف الأبجديّة بتلك المدرسة، فاُنتقل إلى جامع أرواي بقرية غيزن، ليتعلّم في حلقة يوسف بن عمارة الحروف. ولكنّه اُضطرّ للاِنقطاع مجدّدا عن الدّراسة، لينصرف إلى الفلاحة والغريب أنّه بلغ العشرين من عمره دون أن يحسن القراءة أو يتعلّم الكتابة. هكذا اِشتغل بالفلاحة حتّى سنّ العشرين، ثمّ اِلتحق بمدرسة جامع الباسي بوالغ (2) يتعلّم أصول الدّين والقراءة والكتابة على يد ثلّة من شيوخ العلم، من أهمّهم الشّيخ عمر بن مرزوق (3)، وذلك سنة 1926.
__________
(1) حاوره كلّ من الشّيخ: قاسم قوجة وسعيد البارونيّ وفريد القاضي، بمقرّ مكتبته بغيزن سنة 1986. عن شريط مصوّر بمقرّ جمعيّة صيانة جزيرة جربة.
(2) جامع الباسي: جامع وهبيّ من توابع مشيخة والغ، ويُنسب لعائلة من كبار تجّار المنطقة في العهد الحسينيّ التي كانت لها علاقات تجاريّة مع المشرق. نقلا عن رياض المرابط، مدوّنة مساجد جربة، تقديم: منيرة شابوطو الرّماديّ، طبعة 1، تونس، الشّركة العامّة للطّباعة، 2002. ص 169.
(3) وُلد الشّيخ عمر بن إبراهيم بن مرزوق في 10 أفريل 1892 بحومة والغ بجزيرة جربة. دخل جامع الزّيتونة سنة 1913، فتتلمذ على خيرة علمائها وحفظ المتون بمساعدة بعض الطلبة، وتلقّى دروسا في الفقه والعقائد والأصول على يد الشّيخ عمر العوّام بمدرسة الإباضيّة بالهنتاتي بسوق اللفّة. ولما أنهى دراسته بالزّيتونة عاد إلى جربة واُنتصب للتّدريس والوعظ والإرشاد. فدرّس بمدرسة جامع الباسي، وحضر دروسه جمع من شبّان الجزيرة نذكر منهم الشّيخ سالم بن يعقوب ويونس المثني ورمضان بن صالح المعدّي وعمر بن رمضان بن جمعة من آجيم. توفي الشّيخ عمر بن مرزوق صبيحة يوم الثّلاثاء 28 نوفمبر 1961 ودفن بمقبرة أجداده بوالغ. نقلا عن: يوسف بن محمّد الباروني، جزيرة جربة في موكب التّاريخ، تقديم وإعداد: سعيد البارونيّ، نسخة رقميّة ضمن موقع المكتبة البارونيّة على الأنترنيت، ص 161. (13/173)
صفحة 164
ونحن نجد شهادة طريفة ضمّنها كتابه تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة (1) يذكر فيها تلاميذ مدرسة جامع الباسي، وإقامته بهذه المدرسة، ونظام التّدريس بها وأبرز مدرّسيها. ويختلط في هذا المقام التّاريخيّ بالسّير ذاتيّ تداخلا لطيفا قلّما نجد له نظيرا في باقي الكتاب، يقول: «وفي أيّام الرّاحة، راحة الصّيف، يأتينا الشّيخ عمر بن يَحْيى بن الحاج عمر من الماي، وهو يومئذ يدرّس في تونس. كما كان يأتينا كذلك الشّيخ عمر بن الحاج محمّد بن تَعَارِيتْ، رحمهما الله. وكنّا نقيم بمدرسة جامع الباسي خمسة أيّام، نأتي إليها يوم السّبت صباحا إلى يوم الأربعاء بعد العصر، ثم يعود كلّ واحد منّا إلى منزله. أمّا المدرّس الشّيخ عمر بن مرزوق، فإنّه يأتينا كلّ صباح ويرجع بعد العصر كلّ يوم، إلاّ ليلة الأربعاء فإنّنا نحيي جميعا تلك اللّيلة والشّيخ معنا، في تلاخيص الدّروس الّتي قُدّمت إلينا خلال الأيّام الخمسة الماضية، فيأمرنا الشّيخ أن يعرض كلّ واحد منّا ما تيسّر له من أناشيد وأبيات شعريّة ممّا يحفظ، أو بعض جمل تدلّ على حكمة أو مسائل تاريخيّة، كلّ ذلك تدريبا للتّلاميذ وتنشيطا لهم. فكانت تلك اللّيلة من أنشط اللّيالي عندنا، وكنّا ننتظرها بفارغ الصّبر. وكان الفقيه محمّد زِكْرِي، رحمه الله، والذي كان يُقرئ الأطفال القرآن الكريم بنفس الجامع، يشاركنا في سهرتنا هذه كلّ أسبوع، وكان ينشّطنا ويمدّنا بنصائحه ومواعظه» (2).
كما يبسط لنا وبطريقة نادرة في نفس الفصل للكتب التي كانت معتمدة في التّدريس بالمسجد زمانه فيقول: «أمّا الكتب المعتمدة في الدّراسة بجامع الباسي فعديدة، ففي الفقه كنّا ندرس المنظومة الجادويّة وشرحها، وقد حفظناها. وبعد إتمامها درسنا كتاب الوضع (3). كما درسنا في النّحو: شرح الشّيخ خالد على
__________
(1) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 208.
(2) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة 1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 208.
(3) كتاب الوضع: وهو مختصر في الأصول والعقيدة ألّفه أبو زكريا يحي الجناونيّ، وطبع عدّة مرّات بالجزائر ومصر وعمّان. وقد ولد أبو زكريا يحيى بن الخير الجناوني في القرن 5 هـ / 11م، بجبل نفوسة بليبيا من قرية إجنّاون. أخذ العلم عن أبي الرّبيع سليمان بن أبي هارون. من آثاره العلميّة مجموعة من النفائس زوّد بها المكتبة الإسلاميّة منها: عقيدة نفوسة (مطبوع)، كتاب الأحكام (مخطوط) بمكتبة الشّيخ سالم بن يعقوب، وللشّيخ أبي يعقوب يوسف المصعبي حاشية عليه، حقّقه الباحثان عمر بازين وأحمد كروم، وهو تحت الطّبع، وكتاب الصّوم (مطبوع)، كتاب النّكاح (مطبوع) بمصر، قدّم له وعلّق عليه علي يحيى معمّر، وكتاب الوضع وهو مختصر في الأصول والفقه، حقّقه الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، وللمحشّي الشّيخ أبي ستّة محمّد بن عمر حاشية عليه (مخطوط)، وله عنوان آخر اللّمع وهو ما درسه شيخنا. راجع في هذا الصّدد: محمّد بن موسى بابا عمّي، إبراهيم بن بكير بحّاز، مصطفى بن صالح باجو ومصطفى بن محمّد شريفي، معجم أعلام الإباضيّة، مراجعة: محمّد صالح ناصر، طبعة 2، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ، 2000، ج 2، ص 456. (13/174)
صفحة 165
الآجروميّة (1)، وبعد إتمامها تناولنا كتاب القطر لاُبن هشام (2). ودرسنا في القرآن: منظومة في مخارج الحروف وقد حفظناها» (3).
__________
(1) الآجرّومية أو متن الآجرّومية كتاب ألّفه اِبن آجرّوم، تحدث فيه عن أنواع الكلام وإعرابه. وتعتبر من أهمّ متون النحو العربي. ولأهميّة الآجروميّة البالغة، فقد تصدّى لشرحها النّحاة قديما. طبع الكتاب مرات كثيرة، منها طبعة بولاق في مصر سنة 1229 هجريّ، والطّبعة التونسية سنة 1390 هجريّ.
(2) كتاب قطر النّدى وبلّ الصّدى، هو كتاب موجز في النّحور لاُين هشام الأنصاريّ (708 – 761 هجريّ). ويعدّ واحدا من مؤلّفات اِبن هشام النحويّة والتي شكّلت معينا لا ينضب للدّارسين والمعلّمين في مجال اللغة العربية قديما وحديثا. تحقيق: بركات هبود، دار الأرقم للطّباعة والنّشر والتّوزيع، 2002.
(3) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 208. (13/175)
صفحة 166
ويتواصل في هذه الشّهادة السّير ذاتيّة الطّريفة حديث الشّيخ سالم عن أسباب اِنقطاعه عن هذه المدرسة آسفا، مكرها لا مختارا، فيقول: «وبعد أن درسنا هذه الكتب طيلة ثلاثة أشهر، فارقتها غير مختار وسافرتُ للتّجارة ببنزرت مع أخي حميدة. وكنت أحنّ إليها وأتمنّى الرّجوع إلى ساحتها، ولكنّني كنتُ محكوما فلا إرادة لي مع أخي الأكبر. فكنتُ أرسل الرّسائل إلى شيخي أذكر فيها أيّامي بتلك المدرسة. ثمّ عدتُ إلى جربة قبل تمام عامي في السّفر سنة 1926 ميلاديّ الموافق لسنة 1345 هجريّ، ورجعت إلى المدرسة ثانية. لكنّي لم أجدها مثلما تركتها، فقد زال النّشاط وحلَّ محلّه الخمول بين التّلاميذ الذين تركتهم، وهم تلاميذ آجيم، أمّا البقيّة فقد تفرّقوا. فمكثتُ شهرا تقريبا ولم يعجبني سيرها، إذْ خمدت عزائم الذين كانوا يجمعون المال وبخل من كان يتبرّع بها. وقبل تمام العامّ الثّاني لفظت المدرسة أنفاسها الأخيرة خاصّة عندما عزم التّلامذة الأوّلون مواصلة دراستهم بجامع الزّيتونة. فاُنقطعت عن الدّراسة في آخر سنة 1346 هجريّ الموافق لسنة 1927 ميلاديّ» (1).
هكذا هجر تلك المدرسة غير آسف بعد تعكُّر صفو العمل فيها، وقلَّة نشاط القائمين عليها، ليسافر بعدها صحبة أخيه حميدة إلى مدينة بنزرت، حيث اِشتغل بالتّجارة. وفي شهادته المصوّرة نلمس تذمّره من التّجارة، واُنصرافه الاِنصراف كلّه للدّرس والعلم، وهو ما سيدفعه للاِلتحاق بجامع الزّيتونة، مقصد طلاّب العلم في ذاك الوقت ومنارة المعرفة، غير أنّه كان يحضر في جامع الزّيتونة ما يطيب له من الدّروس متنقّلا من حلقة علم إلى أخرى، دون أن يسجّل اِسمه في دفتر الجامع (2). يقول في هذا الصّدد: «واُبتدأت دراستي في جامع الزّيتونة في الرّتبة الثّالثة. وقبل أن أدخل جامع الزّيتونة، اِستشرت والدي فقال لي: لا تقدر. فقلت له: سأدخل ولو لعام واحد، وكان يومئذ يتهيّأ للذّهاب إلى الحجّ، فأوصى لي بحانوت تجارة، رأس مالها ستّة آلاف فرنك. ثمّ سار إلى الحجّ ورجع منه مريضا، وتوفيّ، رحمه الله، في أوّل شهر صفر سنة 1346 هجريّ الموافق لسنة 1927 ميلاديّ. وفي نفس
__________
(1) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 209.
(2) يقول في شهادته المصوّرة واصفا حياته بدقّة في تلك الفترة: «كنت متزوّجا في تلك الفترة. ودخلت إلى جامع الزّيتونة حين حجّ أبي. دخلت في الرّتبة الثّالثة والطّلبة يدرسون كتاب المكّوديّ. دخلت على غير نظام، وكنت أختار الحلقة التي تروق لي. كنت أريد رفع الجهل عنّي لا طلبا للوظيفة». (13/176)
صفحة 167
السّنة اِنطلقت دراستي بجامع الزّيتونة الذي مكثتُ فيه خمس سنين، بداية من الرّتبة الثّالثة أيْ من كتاب المكوديّ على شرح الألفيّة (1)» (2).
وكان في الأثناء يتلقّى دروسا خاصّة على يد الشّيخ محمّد بن صالح الثّمينيّ الميزابيّ (3) شيخ الإباضيّة بتونس. وقد بقي الشّيخ سالم بتونس مدّة خمس سنوات من سنة 1929 إلى سنة 1933 (4). ويصّرح الشّيخ سالم متحدّثا عن حياته العلميّة في تلك الفترة فيقول: «وكنت خلال مدّة إقامتي بتونس ألازم دروس الشّيخ محمّد بالحاج صالح الثّمينيّ في الفقه ليلا، وكان يحضر معنا في الدّرس أحمد أبو الأحْبَاس النّفُوسيّ، والشّيخ يونس بن قاسم المِثْني (5). والشّيخ ميلاد بن علي المِثْني، وكذلك قاسم بن تعاريت» (6).
ثالثا: رحلته في طلب العلم:
ولكنّ هاجس العالم الرحّالة الباحث عن العلم في مضانّه، دفعت به إلى السّفر إلى مصر (7). يقول في هذا الصّدد: «وعند تمام الرّتبة السّابعة في سنة 1351 هجريّ
__________
(1) ربّما لم يحظ كتاب في النّحو بما حظيت به ألفيّة اِبن مالك من شرح (أكثر من 170 شرحا) وتدريس، إذ درس فيها علميْ النّحو والصّرف. وجاء شرح أبي زيد عبد الرّجمن بن علي المكّودي (توفّي 807 هـ) أقرب إلى الاِختصار يعقّب على اِسم الباب بتعريفه، ثمّ يشرع في شرح الأبيات بحسب اِرتباطها بيتا بيتا أو بيتين أو أكثر. كما أنّ لهذا الشّرح حواش عدّة أشهرها حاشية اِبن حمدون على شرح المكّودي، وهو من الكتب التي تدرّس في المدارس الشّرعيّة العتيقة.
(2) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 209.
(3) توفّي الشّيخ محمّد بن صالح التّمينيّ المزابيّ سنة 1971.
(4) يصحّح كوستر نقلا عن الجعبيريّ هذا التّاريخ، راجع ذلك في كتاب:
M. H Custers: Al Ibadiyya: a bibliography. Volume 2: Ibadis of maghrib , Ed Maastrich, 2006. P 270.
(5) وُلد الشّيخ يونس بن قاسم المثني بقرية آجيم سنة 1909، درس بمدرسة جامع الباسي سنة 1926. فحضر صحبة الشّيخ سالم دروس الشّيخ عمر بن مرزوق في اللّغة والفقه والعقائد والسّيرة. ولمّا تعطّلت المدرسة أرسله والده إلى جامع الزّيتونة بتونس سنة 1927. وكان يحضر دروسا ليليّة على يد الشّيخ الثّمينيّ.
(6) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة 1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 209.
(7) ويصف لنا الشّيخ سالم في شهادته المصوّرة بروح مرحة ساخرة ما حدث له يقول: «وحين توفّيت زوجتي الأولى، التي لم أنجب منها، وجدت نفسي خفيفا، فاُستخرجت جواز سفر، حين لم يبق من صلوحيّة جواز السّفر سوى 12 يوما، أتممتُ إجراءات السّفر. وكانت رحلة بحريّة مرهقة. وصلنا الإسكندريّة بعد راحة في بنغازي. وفي الإسكندريّة اِسترحتُ عند عائلة بن تعاريت مدّة 4 أيّام. واُنتقلت إلى القاهرة، ولكنّ دوار البحر بقي يلازمني مدّة 15 يوما». (13/177)
صفحة 168
الموافق لسنة 1933 ميلاديّ، سافرتُ إلى مصر لإتمام تعلّمي في الأزهر» (1). وفعلا ففي شهر أكتوبر من سنة 1933، حزم أمتعته وسافر إلى مصر ليواصل تعلّمه، ناسجا على منوال كثير من أهل جهته وغيرهم من علماء الجزيرة الذين يحبّذون إتمام تعلّمهم بالدّيار المصريّة، لوجود علماء أكفّاء وذوي مقدرة عالية وسمعة طيّبة، وكذلك لحرصهم على تحصيل مناهل العرفان وحبّهم وشغفهم بهذه المهنة التي يُوقف أهالي جربة بمصر من أجلها أموالا محترمة خدمة للعلم وتشجيعا على تحصيله. وسكن كغيره من الطّلبة في وكالة البحّار المختصّة بسكنى الطّلبة، الكائنة بالحيّ الطولونيّ بالقاهرة. فوجد فيها آنذاك جماعة كثيرة من جربة ومن جبل نفوسة (2). وفي مصر بقي يتردّد على حلقات جامع الأزهر، ويتلقّى دروسا في القسم العامّ منه، كانت تهتمّ بالفقه الإسلاميّ والتّاريخ الإباضيّ. كما كان يحضر ليلا محاضرات جمعيّة الإخوان وجمعيّة العروة الوثقى، فيوصل اللّيل بالنّهار في الدّرس، مكثرا السّماع (3)، متردّدا على تلك الحلقات التي تتجاوز منتصف اللّيل، فيعود هذا الطّالب
__________
(1) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة 1، تونس، سراس للنّشر، 2006، ص 209.
(2) يحدّثنا الشّيخ سالم في شهادته المصوّرة عن حياته بوكالة البحّار فيقول: «وجدت في القاهرة مهنّي بن داود، فساعدني على السّكن في الوكالة، وهي بالمجانّ للطّلبة الجرابة. والوكالة لعائلة البحّار والجمني من آجيم وقد جعلوها حُبسا على الطّلبة الجرابة الدّارسين بمصر. وكان الطّابق الأوّل عامرا بتجّار جلود بقر الجاموس فسمّوها بهذا الاِسم. وجعلوا جراية للطّلبة. وكنت أتقاضى من تلك الجراية صحبة الشّيخ مهنّي بن داود. سكنت الوكالة وحدي ثمّ جاء طالبان من الزّوارة ونفوسة».
(3) عرف الشّيخ سالم بكثرة سماعه وتروّيه وإعماله لعقله، ينطبق عليه قول الجاحظ: «فالإنسان لا يعلَم حتّى يكثر سماعه، ولابدّ من أن تكون كتبه أكثر من سماعه، ولا يعلم، ولا يجمع العلم، ولا يُختلف إليه حتّى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذّ عنده من الإنفاق من مال عدوّه. ومن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب، ألذّ عنده من إنفاق عُشّاق القيان والمستهترين بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغا رضيّا». الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السّلام محمّد هارون، طبعة 1، بيروت، دار الجيل، 1996. ج 1، ص 54. (13/178)
صفحة 169
المجدّ مفعما بالعلم متشبّعا به كلّ التشبّع (1). ومن أبرز أساتذته بالأزهر الشّيخ أبو إسحق إبراهيم بن الحاج اطفيش الإباضيّ الميزابيّ (2).
وقد توطّدت علاقة الشّيخ سالم بالشّيخ اطفيش، حتّى أنّه كان يزوره في منزله ويأخذ الفقه عنه. ونفهم من شهادات الشّيخ سالم شدّة تعلّقه بهذه الشخصيّة التي طبعت حياته العلميّة والفكريّة كلّها لاحقا. وهكذا بقي شيخنا بالقاهرة مدّة خمس سنوات ونصف طالبا بالأزهر مرابطا بمكتباتها، ولم يرجعْ إلى جربة إلاّ وقد حصل على شهادة من شيخه اطفيش تجيز له الإفتاء والتّدريس. وقد جاء في شهادته المخطوطة: «أمّا بعد فإنّ كاتبه إبراهيم اطفيش بالقاهرة يجيز للورع التقيّ المشارك الشّيخ سالم بن محمّد بن يعقوب التّدريس في الفقه وأصول الدّين حيث أخذ عنّا علوم الفقه في العبادات وأصول الدّين ما يكون له كفيلا في معرفة مدارك هذيْن العلميْن والاِنتفاع بهما والنّفع بهما مع ما له من مشاركة فيما سواهما. ونأمل من الله تعالى أن ينفع به أهل الحقّ والاِستقامة في الجزيرة العامرة جربة، صانها الله من نوائب الدّهر وعمّرها بالعلم والدّين، ويجوز له أن يُفتي فيما يستفتى فيه من المسائل حيث أنّ له من الورع ما يمنعه أن يجترئ على القول فيما لا يعلم.
__________
(1) يقول الشّيخ سالم بن يعقوب في شهادته المصوّرة: «كنت قليل النّوم، أنسخ الكتب ليلا على ضوء فانوس (قازة)»، ولأنّ الطّالب محروم دوما كما يقول في موضع آخر من شهادته: «اِشتريت الكتب التي تباع على قارعة الطّريق. وقد أبقى جائعا، ومع ذلك أشتري كتابا».
(2) وُلد إبراهيم بن الحاج اطفيش ببلد يسجن من ولاية غرداية بالجزائر سنة 1886. وتوفّي سنة 1966. اِشتغل بدرس العلوم في الفنون المختلفة .. ثمّ اِنتقل إلى تونس سنة 1917. وحضر دروس شيخ الإسلام المالكيّ العلاّمة الطّاهر بن عاشور. وقد عرف بدعمه للنّضال الوطنيّ الجزائريّ، حتّى وهو في تونس، ممّا جعل سلطات الاِحتلال الفرنسيّ توجّه له القرار التّالي: الحكومة الفرنسيّة تدعوك إلى الكفّ عن كلّ حركة عدائيّة، واُختر لنفسك أيَّ بلد شئت خارج هذا التّراب وهكذا سيضطرّ الشّيخ اطفيش إلى الرّحيل نحو مصر منفاه الاِختياريّ بداية من شهر فيفري سنة 1903. وفي مصر «طار صيت أبي إسحق بين فطاحل علماء الأزهر الشّريف وأئمّة المذاهب الإسلاميّة هناك لما شُهر وعُرف عنه من دراستها دراسة وافية». وأكبَّ مجاهدا في خدمة مكتبة القطب العامرة المليئة بنفائس العلوم المخطوطة في الدّفاتر، والذّخائر التي لا تزال في طيّ النّسيان. وتذكر المصادر أنّ الحكومة المصريّة قد أسندت للشّيخ اطفيش سنة 1930 «قسم التّصحيح والتّعليق والنّقد في دار الكتب المصريّة، فكان فيها مثالا للنّشاط والصّدق في العمل. وكان المرجع لكثير من المشاكل اللّغويّة». نقلا عن: عبد الله بن محمّد الكامليّ، أبو إسحق إبراهيم اطفيش، طبعة 1، قسنطينة، مطبعة الشّهاب، (د. ت). ص ص 52، 53. (13/179)
صفحة 170
وفّقه الله وسدّد خطاه، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه. أبو إسحاق إبراهيم اطفيش بالقاهرة المعزيّة، بتاريخ 6 ذي القعدة 1357/ 1938». وهذه صورة رقميّة من شهادة الإجازة (1).
كما أنّ هذه العلاقة لم تشحن ذاكرته علما فقط، بل غَنِم من ورائها وافر المخطوطات الشّيء الكثير. فقد عكف شيخنا في مصر على نسخ المخطوطات والوثائق الإباضيّة الموجودة بمكتبة وكالة الجاموس بحيّ طولون بالقاهرة (2)،
__________
(1) شهادة الإجازة: نسخة رقميّة عن المكتبة العربيّة للشّيخ سالم بن يعقوب بغيزن جربة. والإجازة هي طريقة القدامى بها يتأكّد الشّيخ من رجاحة علم تلميذه، فيجيزه من جهة علمه وسلوكه وتقواه.
(2) يقول كوستر في هذا الصّدد: «نقل مخطوطات إباضيّة عدّة بمكتبة وكالة الجاموس بجامع طولون». نقلا عن كتاب:
M. H Custers: Al Ibadiyya: a bibliography. Volume 2: Ibadis of maghrib , Ed Maastrich , 2006. P 270. (13/180)
صفحة 171
وقد ساعده على هذه المهمّة مدير قسم المخطوطات بها الشّيخ إبراهيم اطفيش (1).
ونحن نلمس في شهادات سجلّ زوّار المكتبة ما ينمّ عن فضل ما جمعه ودوّنه من تلك المخطوطات، يقول مثلا الزّائر ساسي بن يحياتن من منطقة ورسيغن بسدويكش بجربة: «سرّني أن أسجّل اِعترافي بالجميل للشّيخ سالم بن يعقوب على ما بذله لي من نصح ومعونة في سبيل إعداد الدّراسة التي أقوم بها عن الإباضيّة في الجنوب التّونسيّ، وقد عثرت في مكتبته القيّمة على ما أحتاج إليه من المصادر التّاريخيّة التي تنير لي السّبيل، كما اِستفدت من توجيهاته وإشاراته إلى المراجع التي يجب الاِستفادة منها، ولا عجب في ذلك، فإنَّ الشّيخ أفنى زهرة شبابه في الجمع والتّحقيق خاصّة أيّام كان في مصرَ مُعتكفا على المخطوطات المحليّة في وكالة الجاموس التي كان يقطنها الطّلبة الإباضيّة الدّارسون في الأزهر. إنّها ثروة علميّة هائلة، لم يكن لها أن تبقى لولا عناية الشّيخ وحرصه على المحافظة على التّراث ورعايته» (2). عاد الشّيخ سالم بن يعقوب إذن إلى جربة في أوائل سنة 1939، فلم يركنْ للرّاحة والاِنتفاع بثمار علمه وتحصيله في القاهرة، بل واصل ملازمة المخطوطات يجمعها وينسخها ويدرّسها دون كلل أو ملل. وكان لهذا أثره البالغ في تكوين مكتبة ثريّة بالمخطوطات والكتب الإسلاميّة والتّاريخيّة، علاوة على ما كان نسخه من نصوص إباضيّة كثيرة. فكان هذا الإرث الذي خلّفه للأجيال جميعها وافرا جليلا (3). وعن أهميّة إرث مكتبة الشّيخ سالم بن يعقوب يقول الزّائر أحمد بن عمر أوراغ من منطقة بني ميزاب بالجزائر: «هي مكتبة قيّمة جمعت العلوم الإسلاميّة والعربيّة، وبها كتب مطبوعة ومخطوطة وأجلّها في المذهب الإباضيّ. والشّيخ سالم هو الذي جمعها أيّام رحلاته إلى مصر والمشرق
__________
(1) أنفق الشّيخ سالم كلّ ما جمعه من مال في سبيل شراء الكتب عملا بقول الجاحظ: «وإذا غرمت مالا عظيما، مع حبّي للمال وبُغض الغُرم، كان سخاء النّفس على الكتب دليلا على تعظيم العلم». الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السّلام محمّد هارون، طبعة 1، بيروت، دار الجيل، 1996. ج 1، ص 54.
(2) سامي بن يحياتن. سجلّ التّشريفات الذهبيّ. كرّاس 2. (د. ت).
(3) تمكّنا من زيارة المكتبة مرّات عدّة، وكان ما رأيناه من كرّاسات خطّ فيها الشّيخ سالم ما اِطّلع عليه بمكتبات القاهرة، أمر يحتاج إلى دراسة علميّة ومقاربات دقيقة لتعرّف مقدار طرافته وأهميّته، وما يمكن أن يصل نفعه إلى القارئ اليوم. (13/181)
صفحة 172
العربيّ، وهو الذي نسخ منها الكثير بخطّ يده. فكانت من أعزّ ما يفتخر به المسلم الغيور على دينه .. ونتمنّى من الله أن يحقّق آمالنا وآماله في طبع ونشر تآليفه عن جربة والإباضيّة في مصر حتّى نشاهدها مرّة أخرى .. ضمن المؤلّفات المطبوعة ويستفيد منها المسلمون» (1).
عاش هذا الرّجل العصاميّ التّكوين إذن، فترة تعلّمه بتونس العاصمة والقاهرة لا يعرف الاِستقرار، منتقّلا بين حلقات الدّرس متخيّرا منها أجودها وأحسنها، باحثا عن أكثرها قيمة وفائدة علميّة. وكان همّه أن يجمع من مسائل العلم والمعرفة الدّينيّة ما به يُشبع روحا متَّقدة ونفسا جوعَى إلى المعرفة متحرِّقة إلى نور العلم في مفهومه الموسوعيِّ الشّامل (2).
- - -
__________
(1) أحمد بن عمر أوراغ. سجلّ التّشريفات الذهبيّ. كنّش 1. 24 سبتمبر 1975.
(2) تتمّة المقال: «الشّيخ سالم بن يعقوب: حياة رجل وتجربة جيل. الجزء الثّاني: الإبداع وبقاء الأثر»، يصدر في العدد القادم من مجلّة الحياة بإذن الله. (هيئة التحرير) (13/182)
صفحة 173
قراءة في نماذج من مراسلات القطب إلى أهل عُمان
(الحلقة الثالثة) (*)
أ: مصطفى بن محمد شريفي
باحث دكتوراه ــــ جامعة الأمير عبد القادر ــــ قسنطينة
د
(1) د/ المواضيع الفكرية:
اطلعنا ضمن مراسلات القطب الفكرية على ثلاثة جوانب: التبادل العلمي مع العمانيِّين، ومناظراته مع الخليلي، وتوضيحات حول منهجه في التفكير والتأليف.
1 - التبادل العلمي مع العمانيِّين:
اختصرناه في النقاط الآتية:
*-تبادل آخر الأخبار بشأن الإنتاج الفكري، قال القطب للشاعر محمد بن شيخان: «ووصلني نظمك البارع كلُّه، ولم تصلني نونيَّة تُعارِضُ [بها] نونيَّةَ ابن النضر في خلق القرآن وعدم خلقه، فأرسِلْها إليَّ، ولقد أعجبني ذلك الردُّ الذي أرسلتَ إليَّ. ولقد عارضتُ كلَّ ما قاله ابن النضر في قِدَم القرآن في شرحي على الدعائم، وذكرتُ فيه وجه عدم البراءة منه بذلك. وأخبِرْني هل وصلتك أجوبتي؟» (2). وقال عن شرح النيل: «وقد أرسلته إلى مصر ليكتب بالقالب» (3)، أي طبعة حجرية. وفيه يخبر عن بدئه في تأليف مختصر في الفقه، ولعلَّه يعني به الذهب الخالص (4). وربما سُئل عن مسيرته في التأليف فقال: «وأمَّا التفسير فتفسير دقيق إن شاء الله الرحمن
__________
(1) (*) -هذه تتمَّة للموضوع الذي نشرنا جزأه الأول في العدد 14، وجزأه الثاني في العدد 15 من هذه المجلة. (هيئة التحرير).
(2) -كشف الكرب، 1/ 7.
(3) -المصدر نفسه، 2/ 317. المادة رقم 71 (مك. ع. س).
(4) -ينظر: كشف الكرب، 2/ 317. (14/183)
صفحة 174
الرحيم، وقد وصلتُ من فضله تعالى إلى سورة بني النضير المسمَّاة سورة الحشر ... فادع الله تعالى أن يعينني عليه وعلى إتمام شرح المعالم» (1).
والمؤسف أننا لا نعلم تواريخ هذه المراسلات، إمَّا لأنها غير مذكورة أصلا، أو حذفها النُّسَّاخ أو المرتِّب، وهو ما أرجِّحُه (2). وبمعرفة تواريخها يتبيَّن المتقدِّم من المتأخِّر، علما أنَّ حياته في التأليف امتدَّت لعدَّة عقود، فقد يتراجع في اللاحق عن بعض ما في السابق.
ونقرأ في رسالة من سالم بن سلطان بن قاسم الريامي، إخبارَ القطب بأنه بصدد طبع كتاب مشارق أنوار العقول، والكتابين اللذين بهامشه: بهجة الأنوار والحجج المقنعة. حرِّرت بتاريخ 11 ... [تآكل] 1321هـ.
وقال محمد بن سلطان بن قاسم الريامي في بطاقة بريدية من زنجبار مؤرَّخة بـ14 ربيع الآخر سنة 1332هـ: « ... وعن حاشية أبي مسألة ليس عندنا حركة في طبعها، وعن نسخة من التيسير نرجوها منك على وجه السرعة» (3). ولكن هذه البطاقة وصلت بعد وفاة القطب.
*-إرسال تآليفه إلى عمان للإفادة: «يأتيكم إن شاء الله مختصر القواعد والحاشية بزيادات مفيدات كبيرة جدا على الذي عندك رحمك الله عزَّ وجلَّ في الفقه، وشرح شرح أبي سليمان داود في النحو وغير ذلك شيئا فشيئا إن شاء الله عزَّ وجلَّ» (4).
*-إرسال كتبٍ لغيره إلى عمان لتُنسخ وتُردَّ: «وقد أرسلت إليكم كتابا في المعقول فأخبروني هل وصلكم؟ وأرسلت إليكم كتاب الشيخ هود تنسخونه وتردُّونه» (5).
*-نسخ كتب في ميزاب لأهل عمان: كان حريصا على نسخ الكتب، سواء أكانت من تأليفه أم من تأليف غيره، إلاَّ أن قلَّة ذات يده كانت تحول دون الإكثار منها، كما تدلُّ عليه عدَّة مراسلات، منها قوله: «وأمَّا الكتب فإن وجدتُ مالا فلا أبخل عن نسخها لكم، والله يعلم وأنا والله راغب في نسخها لكم» (6).
*-إعجاب بكتب الشيخ نور الدين السالمي: قال الشيخ اطفيَّش في رسالة مؤرَّخة في 9 رمضان 1325هـ/16 أكتوبر 1907م وجَّهها إلى الشيخ نور الدين السالمي: «اعلم أنِّي قد نشرت تآليفك كلَّها، وأمرت بمطالعتها، والعمل بما فيها، ولا يُشكل شيء إلاَّ بيَّنته لهم، حتَّى يفهموه بفضل الله، وينقادوا، ويدركوه على قصدك من الوجه الحقِّ» (7). وأشاد في رسالة أخرى بمؤلَّفات السالمي، وذكر أنَّ المغاربة كانوا يتزاحمون عليها: «وأمعن صاحب مشارق الأنوار في بيان ما ذكره منها [من مسائل الديانات]، ونشرتُ ما أَلَّف في بلادنا هذه، وتزاحموا عليه» (8).
*-الاشتغال بالتأليف: عاب القطب على العمانيين اشتغالهم بالتأليف وترك العمل والدرس، «وقد وجدوا من كفاهم مؤونة التأليف!» (9). وقد يبدو هذا الانتقاد غريبا، ولكن إذا علمنا أنَّ أضخم جامع فقهيٍّ إباضي ـ على ما نعلم ـ وهو قاموس الشريعة (10) ألَّفه عمانيٌّ في ذلك العصر، وهو الشيخ جميل بن خميس السعدي، فإن العجب يزول إذا علمنا أن أغلب مؤلَّفات العمانيِّين الجامعة آنذاك عبارة عن نقول لتراث السابقين، قد تمتدُّ لعدَّة صفحات بحرفيَّتها، وبهذا يقلُّ التحليل والتحقيق، ويندر الإبداع والتدقيق.
*-إلحاح العمانيِّين على القطب بطبع شرح النيل، قال القطبُ: «ورأيت رغبتك في شرح النيل، طبعِهِ أو نسخِهِ فوق كلِّ رغبة، وذلك طَرَفٌ من رغبتك في الله عزَّ وجلَّ» (11)، ويودُّ القطب لو يلبِّي هذه الرغبة، ولكن تَحُولُ دون تحقيقها عقبات تقنيَّة وماديَّة، وظروف قاهرة، منها:
* «أنه لا توجد إلاَّ نسخة واحدة من نسخة خطِّي عزيزة» (12).
* غلاء نسخ شرح النيل وطبعه مع قلَّة ذات اليد: «وأجرة النسخ غالية لقلة الناسخ المصحِّح [ ... ] ولا نقدر على أجرة طبعه لعظمها [ ... ] واعلم يا أخي أنِّي لم أجد من يُعينُني على النسخ ولو بأربعة ريالات، ولم أجد الطَّوْل إلى الاستئجار من عندي،
__________
(1) -المصدر نفسه، 1/ 257.
(2) -رجَّحت هذا بناء على أنَّ أغلب ما اطَّلعنا عليه من مراسلات مخطوطة ذُكرت فيها التواريخ.
(3) -بطاقة بريدية من زنجبار. (مك. ق).
(4) -كشف الكرب، 1/ 6.
(5) -المصدر نفسه، 1/ 5.
(6) -المصدر نفسه، 1/ 10، وتكرر مثل هذا في: 1/ 6، 8، 258؛ 2/ 259.
(7) -المصدر نفسه، 1/ 5 - 7، 45. وينظر: أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، ص122.
(8) -المصدر نفسه، 1/ 39.
(9) -المصدر نفسه، 2/ 317. المادة رقم: 71 (مك. ع. س).
(10) -قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، يقع في تسعين جزءًًا. بدأت نشره وزارة التراث بسلطنة عمان، سنة 1403هـ/1983م. وأُرسلت إليه منه نُسخة مخطوطة لا تزال موجودة في مكتبته ببني يزقن.
(11) -كشف الكرب، 1/ 6 - 7. ونفس الفكرة في 1/ 8.
(12) -المصدر نفسه، 1/ 8. (14/184)
صفحة 175
واسأل الله العفْوَ والرزق الحلال الواسع» (1).
* ومنها: أن النُّسَّاخ المتمكِّنين، والعارفين بخطِّ الشيخ الدقيق قليلون «ولا يمكن أن أرسل لكم خطِّي؛ لأنه في الألواح صعب دقيق» (2)، وبالفعل لقد اطَّلعنا على بعض النسخ من الكتاب، ورأينا صعوبة استخراج حواشي القطب الدقيقة، ويزداد الوضع صعوبة إذا كتبها بسرعة؛ فالعمل يحتاج إلى دقَّة وصبر، وعلم وإتقان، «ولا يوجد في مضاب (3) إلاَّ ناسخ واحد يصلح لاستخراج الهوامش والصبر لها وعدم الضجر، وقد كان واحدٌ قبله أكبرُ منه إلاَّ أنه انقطع عنِّي!» (4). ويضيف في شكواه من النُّسَّاخ: «والله ما قصَّرت في إرسال الكتب بل عدمت النسَّاخ إلاَّ واحدا، وغيره لا يحسن ولا يجيد الخطَّ، وإن أجاده لم يُوف، ويحرِّف، ولم يدم، وليس كلُّ أحد يخرج خطي من كتابتي [ ... ] وليس كلُّ أحد ينسخ من خطِّي، لأني أكتب كتابا واحدا لتزاحم الأشغال ولا أعيده نسخا، فالناسخ ينسخ الطُّرَر (5) الدقيقة المتقاربة، ومن الطرة يكون خروج الأخرى، وهكذا (6)، والله المعين» (7).
* أنَّه بحاجة إلى التفرُّغ لتصحيحه: «واعلم يا أخي أني ما بخلت به عليك ولا على الفاضل المعد لي، بل لأني أحتاج إلى التفرُّغ إلى إصلاحه وإصلاح نسخه» (8).
نظرا لهذه العقبات اقترح الشيخ أن تكون الطباعة بالتدريج، تسهيلا للأمور: « ... أن أُرسِلَ إليكم ما قوبل وصُحِّحَ ولو من وَسَطٍ أو آخرٍ، كالنكاح والبيوع، وأُرسلُها إليكم ليطبعَا، وأهيِّئ لكم من غيرها شيئا فشيئا، وأن ترسل إليَّ ما نَسختم من الفرائض والتبيين فأصحِّحهما وأردُّهما إليكم، وعدًا عليَّ، فإنَّ لي أشغالا لا تحتمل التأخير والله المستعان» (9).
__________
(1) -المصدر نفسه.
(2) -المصدر نفسه.
(3) - «مضاب»: صيغة أخرى لاسم منطقة وادي ميزاب، بغرداية.
(4) -كشف الكرب، 1/ 7.
(5) -طرة الثوب: حاشيته وحرفه وهدبته. ابن منظور: لسان العرب، 4/ 500، مادَّة: «طرر».
(6) -يبدو أنه يقصد هنا أنَّ حواشيه دقيقة، ومنها تتفرَّع حواش أخرى؛ لذلك يصعب التعامل مع مؤلَّفاته التي هي بهذا الشكل.
(7) -كشف الكرب، 1/ 10.
(8) -المصدر نفسه، 1/ 6 - 7.
(9) -المصدر نفسه. ونفس المقترح تكرر في 1/ 8. (14/185)
صفحة 176
*-تحديد مكان وجود النسخة الأصلية من مخطوطة شرح شواهد السكاكي عبد القاهر والقزويني: طَلَبَ الشيخُ بإلحاح من راشد بن عزيز أن يرسل إليه هذا الكتاب، وقد أولى له أهمية كبيرة، إذ قال: «وأسألك بالله الذي قام به كلُّ ما سواه، بل أسأل الله أن تحتال بمال أو جاه في إرسال شرحي على شواهد السكاكي عبد القاهر والقزويني» (1). وكرَّر نفسَ الطلب الْمُلِحِّ من محمد بن شيخان حين قال: «وأسأل الله العظيم أن يعينك أن تنسخ من شرحي على شواهد القزويني والسكاكي وعبد القادر وترسلها إليَّ بما عزَّ وهان، فأرسلُ إليكم ما صرفتَ، أو تبقي النسخة عندهم وترسل إليَّ خطِّي منهم، فاهتمَّ يا أخي في ذلك، والنسخة عند الشيخ محمد بن الشيخ سعيد بن علي الصقري، ولو بأن تسافر لوجه الله لذلك، أو تجهِّز مسافرا في ذلك، أو ترسل ثمنا إليه لينسخ لك نسخة وترسلها إليَّ، والكلُّ عليَّ. والله الموفِّق. وكذا تعليق وحواش كتبتها على ما كتب سعيد بن خلفان» (2). والذي يُهمُّنا في هذا الطلب المكرَّر أنه حدَّد مكان الكتاب، وهو مكتبة الشيخ محمد بن سعيد الصقري، وبهذه المعلومة يتمكَّن المحقِّق من البحث عن تلك النسخة، وهي مهمَّة؛ لأنها بخطِّ المؤلف. بالإضافة إلى نسخة ثانية يُفترض أنَّ محمَّد بن شيخان قد نسخها.
*-الحرص على توثيق المراسلات: قال لعيسى الحارثي: «وهذا جواب سؤالك بفضل الله عزَّ وجلَّ، فاكتبه واكتب كلَّ سؤال ورد منِّي إليك وإلى غيرك» (3).
*-تقريظ الهميان: «هميان الزاد إلى دار المعاد» عنوان أحد تفاسير القطب، وقد قرَّظه أحد العمانيِّين، لم يُذكر اسمه، وقد أمر القطب بالتسليم عليه: «وبلغوا السلام مَن قرَّظ في شأن هميان الزاد» (4). ثم عثرنا على قصيدة التقريظ، وهي لأبي مسلم ناصر بن سالم بن عديّم الرواحي (5).
*-طلب إرجاع بعض تآليفه من عمان لوجود نسخة وحيدة، منها: رسالة الردِّ على الشيخ سعيد بن خلفان، في وجوب السلام عند الاستئذان وتأديب الأطفال بالضرب في القدمين وغيرهما من المسائل (6).
*-طلب إرجاع كتب ألفها في صغره للتصحيح: «وأما ما في عمان من كتبي التي هي حاشيتي على شرح القطر، وحاشيتي على شرح الشذور، وحاشيتي على شرح الآجرُّومية لأبي القاسم، وحاشيتي على التمرين، فإنَّما طلبتُ ردَّها لأنَّها من عملي في صغر سنِّي، فأحببت مطالعتها للتصحيح» (7). وأضاف في مراسلة أخرى كتاب شرح لامية ابن مالك، وبرَّر عدم رضاه بها بقوله: « ... كلُّهن تأليف في حال ابتدائي في التعليم، رغبتي فيهنَّ إكثار المسائل لا تحقيقها، وأنا حينئذ مبتدئ، ولا ينتفع بها أهلُ عمان» (8). وهذا كلام يهمُّ كلَّ باحث يتصدَّى لتحقيق هذه الكتب، إذ عليه أن يميِّز بين القديم والحديث، والناسخ والمنسوخ منها.
*-طلب ترجمة ابن النضر: من المعلوم أنَّ القطب قام بشرح الدعائم، وهي قصيدة من تأليف أبي بكر أحمد بن النضر العماني؛ لذلك احتاج إلى وضع ترجمة لهذه الشخصية الشهيدة، فقال لمحمد بن شيخان: «لا بدَّ جزاك الله خيرا، اُكتبْ لي عاجلا ترجمةَ ابن النضر، اسم أبيه وجدِّه فصاعدا، وقبيلته من العرب، وهل وُلد له؟ وكم وُلد له؟ وكم عمره؟ ومتى مات؟ وهل مات مقتولا؟ ومن قتله؟ وما سبب قتله؟ وجميع ما تعلَّق به قدر الطاقة وعجِّل بذلك» (9).
*-طلب كتب من شتَّى البقاع: نلاحظ لدى القطب اهتماما كبيرا بجمع الكتب، وقد صادفنا من العناوين التي طلبها: «ديوان أبي النجم» (10). «ديوان الكميتي [كذا] أو بعض أشعاره»، و «ما بعد الجزأين الأولين من شرح الترتيب للشيخ عبد الله بن حميد»، وديوان أبي العتاهية (11). وذُكرت كتبٌ بأنها في طريقها إلى القطب، منها: جوهر النظام، ومؤلَّف في الرد على من أنكر عذاب القبر كلاهما للسالمي (12). وهذا العنوان الأخير يعتبر بالنسبة لنا جديدا إذ لم يذكره من ترجموا للسالمي، ولم نطَّلع عليه عند
__________
(1) -المصدر نفسه، 1/ 10 - 11، وتكرر في 2/ 359 - 360.
(2) -المصدر نفسه، 1/ 8.
(3) -المصدر نفسه، 2/ 55.
(4) -المصدر نفسه، 1/ 5.
(5) -القصيدة ذات 120 بيتا، مطلعها:
جرد النفس وانهها عن هواها ... لا تذرها في غيها تتلاهى
وفيها يقول: ... جاء تفسيره بمعجزة قد ... بهرت أهل الابتداع سطاها
ينظر: ديوان أبي مسلم ناصر بن سالم الرواحي، ص283.
(6) -كشف الكرب، 1/ 8. وتكرر الجواب في 1/ 119. وينظر: 1/ 10 - 11، وتكرر في 2/ 359 - 360.
(7) -المصدر نفسه، 1/ 11. المادة رقم: 73 (مك. ع. س)
(8) -كشف الكرب، 1/ 119 - 120.
(9) -المصدر نفسه، 1/ 7.
(10) -المصدر نفسه، 1/ 11.
(11) -المصدر نفسه، 1/ 45.
(12) -المصدر نفسه. (14/187)
صفحة 177
بحثنا حول هذه الشخصية، ولعلَّ أحدا سيكشف اللثام عن هذا المؤلَّف في قابل الأيام.
ولم تقتصر هذه الطلبات على كتب من عمان، بل من شتى بقاع العالم، ولو أدَّى ذلك إلى تدخُّل من "رئيس الدولة" السلطان فيصل بن تركي لجلبها من مصر!. قال القطب: «وإلى الآن لم ترسلوا إليَّ ديوان ابن الرومي، فاكتبوا إلى مصر يرسلوه إليَّ، واطلبوا من السلطان فيصل يأمرْ بذلك» (1). وقد أثمر هذا الحرصُ الشديد على اقتناء الكتب، مكتبةً زاخرة بالنفائس، لا تزال إلى اليوم - بعد قرن من وفاة الشيخ - أغنى خزانة بالمخطوطات في وادي ميزاب، بلا منازع!.
*-كتب وصلت بالفعل: ما ذكرناه أعلاه هو ما طلبه القطب، وعند زيارتنا لمكتبة القطب ببني يزقن وجدنا كتبا كثيرة نُصَّ فيها على أنها مجلوبة من عُمان، أبرزها موسوعة قاموس الشريعة، لجميل بن خميس السعدي. ووجدنا فيها كتابَ ديوان السلطان سليمان بن سليمان بن مظفر، نَسَخَهُ بدرُ بن سالم بن سعيد المنذري السليفي ليلة الخميس 18 صفر 1327هـ للشيخ عبد الله بن حميد السالمي (2).
وفي ظهر الجلدة الأولى من مخطوط نُسخ بتاريخ 17 ربيع الآخر 1318هـ، على يد سيف بن راشد بن علي الحجري نقرأ: «في حفظ الله يصل هذا الكتاب حضرةَ الأخ العزيز سالم بن محمد بن سالم الرواحي وبهمَّته إن شاء الله تعالى يصل حضرة شيخنا الإمام أمحمَّد بن يوسف اليسجني المصعبي المغربي، وذلك من العبد الضرير عبد الله بن حميد السالمي» (3).
2 - مناظراته العلمية مع المحقق الخليلي:
بعث الشيخ عمر بن يوسف المصعبي إلى المحقِّق سعيد بن خلفان الخليلي بجملة مسائل منها: ما حكم تأديب الأطفال بالضرب على باطن القدمين؟ وهي طريقة معتادة عند المغاربة، فأباحها الخليلي، ومنعها القطب اطفيَّش، وتتبَّع أقوال الخليلي واستدلالاته على الإباحة بالدحض والإبطال (4).
وعقَّب أيضا على جواب الخليلي المذكور عن سؤال آخر من عمر بن يوسف
__________
(1) -المصدر نفسه، 1/ 11. المادة رقم: 73 (مك. ع. س).
(2) -رقمه في المكتبة هو: ق16.
(3) -مخطوط رقم: غ5.
(4) -كشف الكرب، 2/ 347 - 351. (14/188)
صفحة 178
أيضًا، اتَّهم فيه القطبُ الخليليَّ بالتخليط، وردَّ عليه في عدة مسائل (1)، منها أن الجماع على السقف يورث النفاق!!. ويبدو لي أنَّ الخلاف بينهما في المنهج، بحيث إنَّ القطب انطلق من نصٍّ منسوب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو: « ... ولا تجامع امرأتك على السقف فإنَّه إن قضي بينكما بولد يكون منافقا»، وهو خبر لا تصحُّ نسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2). بينما المحقِّق الخليلي بنى فتواه على قواعد متينة مؤسَّسة على صريح القرآن، وهو قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (3)، وعلى صحيح السنة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ... » (4)، واعتمد على قواعد أصوليَّة وفقهيَّة، وملاحظات مستندة إلى الواقع والتجربة (5). ونلاحظ أنَّ القطب في ردِّه هذا على الخليلي ألزمه بما لم يقله أحيانا، ثم اعترف بهذا الإلزام الغلط، إذ قال: «وهذا غلط، لا أظنُّ سعيد بن خلفان يتعمَّد مثل ذلك. والحاصل أنه ساء فهم السائل والمسؤول فوقعا في الخطأ» (6). وطال النقاش، واحتدَّ كلام القطب في هذه المسألة الجزئيَّة ... وفي تصوُّرنا لو أنَّه اهتم بتضعيف هذا الحديث لكفى نفسه، وكفى صديقه المحقِّق الشيخ سعيد الخليلي، وكفى قُرَّاءه مؤونة متابعة النقاش ولجاجته، وإثارة زوبعة في كأس!.
وبعد تلك الزوبعة والردِّ اللاذع قد يتوهَّم القارئ أنَّ القطب يستنقص من علم المحقِّق الخليلي، غير أننا نجده يُشيد به ويعترف له بطول باعه في العلم والعمل، إذ قال في شهادته: «وأظنُّ العلامة العمالة ذا القلم والسيف سعيد بن خلفان لها [أي:
__________
(1) -المصدر نفسه، 2/ 165 - 171.
(2) -بحثت عنه فيما بين يدي من مئات المصادر السنية والإباضية الرقمية فلم أجده، ولا ذُكرت درجته. غير أنه يشهد على وضعه متنُه الطويل الذي يذكر ممنوعات الجماع، يخجل المرء من قراءتها، فكيف يصرح بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحَيِي، لزوج ابنته الزهراء: علي؟!. وقد تكرر وروده في كتب الشيعة، وأقدم مصدر ورد فيه هو: كتاب الأمالي للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي (ت: 381هـ)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، قم، نشر: مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، الطبعة الأولى، 1417هـ، ص664.
(3) -سورة الأنعام: 164.
(4) -متفق عليه. رواه البخاري في كتاب التفسير، باب لا تبديل لخلق الله، رقم: 4497، 4/ 1792. ومسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، رقم: 2658، 4/ 2047.
(5) -ينظر: كشف الكرب، 2/ 166 - 168.
(6) -المصدر نفسه، 2/ 169. (14/190)
صفحة 179
لعلم المكاشفة] حاويا» (1)، وعليه فينبغي على الباحث أن لا يأخذ الفتاوى إلا في سياقها الزمني، وأن لا يجتزئ منها ما يريد، ويدع ما يريد.
3 - منهجية التأليف:
*-انتقاد تصرُّف العمانيين في كتب القدامى: انتقد القطب بشدَّة من يضيف تعليقات في متن مؤلَّفات غيره، لتأييد آرائه أو معارضتها، أو لمجرَّد زيادة فائدة. وطريقتهم في ذلك بدل أن يعلِّق أحدهم في الحاشية - كما هو معروف - فإنَّه يكتب كلمة: «ومن غيره»، ويكتب تعليقه وسط المتن، وقد يطول التعليق لصفحات، ثم يقول: «رَجْعٌ». وهذا مِمَّا يربك القارئ، ويوهم غير المتنبِّه بأنَّها من المؤلِّف الأصلي. وإذا أغفل الناسخ كتابة الكلمتين، أو ابتدأ القارئ قراءته من وسط الكلام، فإنَّه قد يخلط بين الأصل وبين الزيادة، وربَّما يقع التناقض في الكتاب الواحد، الأمر الذي يوجب التحفُّظ والتحقُّق في مثل تلك المؤلَّفات. وهذا التشويش على الأصل من جملة الإشكالات العويصة التي تعترض المحقِّقين للتراث العماني القديم بصفة خاصَّة!.
وهذا مما دفع بالقطب إلى أن يدعو بالشرِّ عَلَى من يَمَسُّ كتابه شرح النيل بهذه الكيفيَّة، إذ قال: «وقد دعوت بالشرِّ على من يختصره أو يُحشِّي به على النيل أو يزيد فيه ويقول: "من غيره"، ثم يقول: "رجع"» (2). ولما سمع بالتصرف فيه اهتمَّ لذلك كثيرا (3).
ورغم انتقاده هذا فقد استعمل هو أيضا نفس الطريقة فيما بعثه إلى العمانيِّين، للتعليق على أجوبة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (4)، ولعله من باب مخاطبة الناس بما يفهمون!.
*-التعامل مع رأي الآخر في تآليفه: وضَّح منهجه في التعامل مع الروايات التي تناقض آراء المذهب الإباضي، فقال: «قد رددت بعضها إلى بعض بالتأويل، كتقييد بعض ببعضٍ، وبأنواع الإعراب، ولا أذكر حديثا موهما لما لا يجوز إلاَّ نبهت عليه وذكرت تأويله ونبَّهت أنَّه لغيرنا، فكيف لا أنبِّه عليه إذا لم يقبل التأويل؟ [ ... ] وليقتدِ بما أخذتُ له منهم مصفًّى، ولينته عمَّا قلت له منهم متكِّدر، فقد كَفَيتُه المؤونة، ومن الله المعونة، وعلمتُ من هو منهم عدل في شأن العلم ونقلتُ عنه كما نقل
__________
(1) -المصدر نفسه، 2/ 374.
(2) -المصدر نفسه، 2/ 317. المادة رقم: 71 (مك. ع. س).
(3) -ينظر: كشف الكرب، 1/ 247.
(4) -ينظر: المصدر نفسه، 2/ 164 - 171، 237 - 239، 347 - 351. (14/191)
صفحة 180
مَن قبلَنا من أصحابنا عمَّن علموا عدله، فليدع لي بالخير إذا كانت المسألة راجحة من مذهبهم ولو لم تذكر في مذهبنا هي حقٌّ» (1).
*-ليس كل ما أورده الشيخ من الآثار قولا مختارا له، مثال ذلك: تحريم الزعفران، فقد قال لعبد الله بن حميد السالمي: «أعلِمِ الناس عنِّي أنَّ ما ذكرتُه من تحريم الزعفران ليس مختارا لي، وإنَّما ذكرته في إزالة الاعتراض على طريق حكاية قولٍ في الأثر أنه حرام، وعَجِلْتُ عن أن أذكره قولا، وأن أذكر أنه ضعيف. وأَعْلِمِ الناس أنَّ امحمد اطفيَّش ... مختارُه حِلُّ الزعفران؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والصحابة يستعملونه» (2). وهذه الطريقة في الكتابة قد لا يعلمها كثير ممن يتعامل مع تراث الشيخ، فينسب إليه أقوالا لا يقول بها، فيهضمه حقَّه، أو قد يَسِمُه بالتناقض. وهذا الكلام يُلقم به كلُّ من يحتطب بالليل من كتب القطب، ثقةً به في كلِّ ما ألَّفه!.
*-منهجه في التفسير: قال لنور الدين السالمي وعيسى الحارثي: «ولكما الآن والحمد لله الرحمن الرحيم من تفسير المذهب ما يغنيكم إن شاء الله عن تفسير غيره، فإن ذكرتُ مذهبهم فإمَّا لأردَّه، وإمَّا لأنه حقٌّ، وقد اعتقدناه قبل أن نراه لهم، ولست مقلِّدا لأحد، ولاسيما التيسير الذي قَرُبَ إن شاء الله الرحمن الرحيم كماله. واللهِ ما ذكرته إلاَّ لترغبوا فيه لأنه غير طويل، بل متوسِّط، مع جمعِهِ ما ليس في المطوَّلات. والحمد لله» (3). ويصف تيسيره أيضا بأنه: «وهو تفسيرُ تدقيقٍ لا تطويلٍ» (4). ونحن وإن كنا نوافقه على وسطيَّته عموما بين التطويل والإيجاز، وعلى تدقيقه في أغلب الأحيان، غير أنه لا يخلو من بعض الإسرائيليَّات والروايات التي تحتاج إلى تحقيق، مع تطويل في إيراد تفاصيل ونكت نحوية ولغوية وبلاغية، مما حدا بمحقِّقه الشيخ إبراهيم طلاي إلى اختصاره.
هـ- المواضيع السياسيَّة:
1 - مواجهة الاحتلال الإنجليزي:
يبغض القطب الاحتلال بغضا شديدا، وقد اكتوى بناره، فكان يحرض الناس
__________
(1) -المصدر نفسه، 1/ 91. وتكرَّر الجواب في: 1/ 94.
(2) -المصدر نفسه، 1/ 173.
(3) -المصدر نفسه، 1/ 96.
(4) -المصدر نفسه، 2/ 89. (14/192)
صفحة 181
على مواجهته، وكشف دسائسه. وفي مراسلاته للعمانيِّين الذين يرزحون تحت الاحتلال البريطاني نجد:
*-النعي على من يستعين بالإنجليز وبالظلمة، فقد نصح أحدَ العمانيين قائلا: «وإلاَّ فكأني أراك تستعين بالإنكليز أو غيرهم من النصارى أو من أهل الملَّة أو من أهل مذهبك ومن لا يتَّقي الله عزَّ وجلَّ، فيقلُّ أهل عُمان، بل هم قليلون ويزدادون قلَّة وضعفا، وتزدادون ضعفا حتَّى يذهب عنهم اسم الجماعة» (1).
*- دعوة العمانيِّين إلى أن يكونوا في مستوى التحدِّي والتصدِّي للأفكار المعادية، ومواجهة الشبهات التي تثار، ومقابلة الدهاء بالدهاء، والمكيدة بالمكيدة، إذ قال: «ولو كنتم يدا واحدة قويَّة لاستحسنت لكم مراقبة المشركين بإبطال خدعهم بحيلكم، ليهون كيدهم ويبطل، ويسقط في أيديهم، فتكونوا على استعداد ... » (2)، «وهذا الشرط ـ أن يكونوا يدا واحدة ـ لا أخاله متوفرا آنذاك لدى العمانيِّين بخاصَّة. وهذه النظرة الثاقبة لدى القطب نجدها لدى المفكِّر مالك بن نبي (3)، الذي يرى أَنَّ علينا أن نضع قناعا ضدَّ الأفكار الغربيَّة السامَّة والقاتلة، مثلما نضع قناعا ضدَّ الغازات السامَّة» (4).
2 - مواجهة الحكم السلطاني:
نصح القطبُ اطفيَّش أحد العمانيِّين بقوله: «وأوصيك وأنصحك أن لا تسعين بمن يظلم ويقتل من لا يستحلُّ قتله، وينهب الأموال التي لا تحلُّ، وأغريك بالتودُّد إلى العدوِّ (5) بالصلح، ودعائه إلى ترك الذنوب التي يقرُّ أنَّها ذنوب، كشرب الخمر، وأكل الخنزير، والزنا، وغصب الأموال، وبوضعِ نفسه موضع غريبٍ دخل عُمان يستوي عند أهلها، وبدعائه إلى ما لا ينكر من الطاعة، كنفع الطلبة والفقراء وإقامة العلم حفظا ودرسا، وقراءة القرآن وعمارة المساجد ... » (6). وطلب منه أن يبلغها إلى السلطان قائلا: «وسلِّم على السلطان وأخبره بنصحي لك» (7). ولم يُذكر اسم المرسَل إليه، غير أنَّ سياقها يوحي بأنها موجَّهة إلى من كان مقرَّبا من السلطان، مثل: الشاعر محمَّد بن شيخان الذي كان يمدحه، أو عيسى بن صالح الحارثي، الذي تقرَّب إليه في فترة من الفترات، حين أكرمه وسالمه، وأجرى له راتبا شهريًّا (8).
وفي هذا النصح اللطيف يصدق المثل القائل: «إيَّاك أعني واسمعي يا جارة»؛ لأنَّ أغلب ما نهى عنه الشيخُ صاحبَه، هو مما ينتقده أنصار الإمامة على السلاطين حكَّام عمان، منذ السلطان سعيد بن سلطان، إلى ابنه تركي، إلى ابنه فيصل، واستمرَّ نفس الانتقاد إلى ما بعد القطب، في عهد السلطان تيمور بن فيصل، إلى ابنه سعيد، إلى ابنه الحالي قابوس.
وينبغي أن نشير إلى فتوى متعلقة بموضوع السلطنة، وهو أن العائلة الحاكمة ومن يدور في فلك السلطان، شاع العرف عند العمانيِّين أن يسمَّى بالسيِّد، ونظرا لأنَّ السلطان ومن والاه لم يكن يتقيد بأحكام الشريعة الإسلامية، فقد أفتى القطب بمنع استخدام هذه اللفظة في حقِّ المشرك والمنافق، وقال: «ولا يُسيغ شيوعُه في العرف إباحتَهُ، ومهما يظهرْ لي من رخصة بعدُ أعجلْ لكما بها ... ويجوز إطلاق السيد عليهما بحدِّ التقيَّة أو ما يقرُب إليها من المداراة» (9). ولا يزال الإشكال الفقهي قائما إلى اليوم، بما أن التسمية لا تزال مستعملة عند العمانيِّين، ولا يجوز - في عرفهم - استعمال لفظة «السيِّد» لغير العائلة الحاكمة!.
3 - مساعي السالمي لإحياء الإمامة:
يجدر بنا أن نشير إلى مراسلة نراها مهمَّة، وهي من سيف بن بشير الحبشي رسولِ شيخه الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، ذكر فيها أنه قد أرسله ليزور القطبَ «في أمر لا يمكن كشفه في الكتب» (10)، غير أنَّ الإجراءات الإدارية مع الاحتلال البريطاني والفرنسي المسيطرين على أغلب العالم الإسلامي، حالت دون تمكُّنه من الوصول إلى الجزائر، فقد قال: «لأني لم أصطحب معي كتابا من سيِّد
__________
(1) -المصدر نفسه، 2/ 379.
(2) -المصدر نفسه، 2/ 363.
(3) -ينظر: مالك بن نبي: في مهب المعركة، ص143 - 148.
(4) -شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص283 - 284.
(5) -حسب السياق يقصد بالعدوِّ: السلطان آنذاك.
(6) -كشف الكرب، 2/ 379.
(7) -المصدر نفسه، 1/ 223. وتكررت النصيحة في: 2/ 379.
(8) -ينظر: أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، 87 - 95، 125. شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص112.
(9) -كشف الكرب، 1/ 68. المادة رقم: 74. (مك. ع. س).
(10) -رسالة من سيف بن بشير الحبشي، في صفحتين. (مك. ق). (14/193)
صفحة 182
عمان وقنصل الفرنسة الذي بمسكد» (1)، كما لم يستطع الحصول على رخصة وهو في الحجِّ.
وفي تصوُّرنا أن هذه المهمَّة السريَّة، والتي لا يمكن ترك أيِّ أثر مكتوب بشأنها، تتعلَّق بطلب مساعدة ماديَّة ومعنويَّة من القطب لتحقيق المشروع الذي سبَّل السالميُّ حياته من أجله، وهو الإطاحة بالنظام السلطانيِّ وإحياء الإمامة. ومما يؤيد هذا أنه لَمَّا لم ينجح رسولُه في أداء مهمَّته السريَّة في موسم الحجِّ من تلك السنة 1327هـ/1909م، كرَّر المحاولة بنفسه شخصيًّا، فتظاهر بالسفر إلى الحجِّ «سنة 1329هـ/1911م، وكان قد حجَّ الفريضة، ولكنَّه - في حقيقة الأمر - كان ينوي أن يلتقي في مكَّة بعلماء الإباضيَّة المغاربة، لِمَا عرفه من تقديرهم له، فيستعين بهم بما يمكنهم من مال أو جاه، وبخاصَّة من الشيخ اطفيَّش» (2)، إلاَّ أنَّ أعيان عمان منعوه منها منعا باتًّا (3).
و- هموم الأمة الإسلامية:
1 - وضعية العالم الإسلامي:
ينبغي أن لا نتصور أن القطب - الذي لم يغادر وطنه الجزائر لغير الحجِّ (4) - أنه منعزل لا يعرف معاناة المسلمين بسبب الاستدمار الأوروبي، بل كان ذا اهتمام بالغ بأوضاعهم، وكاد يبخع نفسه همًّا وغمًّا لسوء أحوالهم، إذ قال: «واعذرني في عدم البحث في المسألة، فإنَّ قلبي مشتَّت بفتن الناس في البلاد، وبطرابلس المغرب يقاتلها أهل روما، وبالمغرب الأقصى تغلَّب عليها نصارى أندلس و فرنسيسية، وكادت روحي تخرج بذلك!» (5).
وفي ظلِّ تلك الظروف القاسية التي كان يعاني منها العالم الإسلامي شرقا وغربا بسبب الاستدمار، أفتى بأنَّ على المسلم أن يقبل كلَّ عطيَّة جاءته من النصارى، مهما كان مصدرها، ولو من أصل حرام: « ... ولا تظهروا لهم [للنصارى] ما أمكنكم
__________
(1) -رسالة من سيف بن بشير الحبشي، في صفحتين. (مك. ق). ومسكد هي: مسقط عاصمة سلطنة عُمان.
(2) -شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص258. وينظر: أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، 150 - 151.
(3) -ينظر: أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، ص151. غباش: عمان الديمقراطية، ص277. العزري: فكر السالمي، ص177 - 178.
(4) -ينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص28 - 29. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 2/ 399.
(5) -كشف الكرب، 2/ 207. (14/194)
صفحة 183
ستره، وما يعطيكم النصارى فخذوه من راتب وغيره مما أحلته ديانتهم، ولو ثمن خمر أو وضيعة على أحد» (1). ففي هذه الفتوى نظر الشيخ إلى ما فيه تقوية للمسلمين، علما أنَّ ما يأخذه النصارى بالتحايل أو القهر، في السرِّ أو الجهر، أضعاف مضاعفة ما يمكن استرداده منهم.
2 - التقارب بين المسلمين:
منهجُ القطب واضح في نبذ التعصُّب، وقبول أقوال المخالفين، إذ أشار على الشيخ نور الدين السالميِّ بأن لا يذكر أسماء غير الإباضيِّين، فقال: «إني أختار لك إذا صحَّت عندك مسألة من كتب قومنا (2) فاذكُرْها بلا ذكر لهم، ولا بأس عليك، وأخلصْ أعانك الله وإيانا» (3). قد يبدو هذا غريبا ومناقضا للأمانة العلميَّة، ولكنَّ القطب برَّر ذلك في رسالة أخرى بأنَّ بعض النفوس في ذلك الوقت لَمَّا تتهيَّأْ بعدُ لقبول الرأي المخالف، إذ رأى أَنَّ ذكرهم يفضي إلى ترك آرائهم لأنَّها مسترابة عند المتعصِّبين، «فذكرها بلا نسبة إليهم أولى إذ تُرابُ بذكرهم وليست باطلة. وفي القرآن: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى} (4)، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} (5). والحقُّ يُقبل من كلِّ من جاء به» (6). كما ردَّ على أولئك المتعصِّبين بشدَّة قائلا: «ومن العجيب أن تكون المسألة حقًّا فتُترك لأنَّها جاءت من مخالف! هذا غلوٌّ!!. واذكروا قوله تعالى في غير أهل القبلة: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (7)» (8).
وفي مراسلة أخرى أطال الشيخُ في الجواب عن سؤال: «هل يجوز الأخذ بروايات القوم وهم غير عدول عندنا؟ وهل يجوز استفتاء عالمهم فيما جاز فيه الخلاف؟ وهل
__________
(1) -المصدر نفسه، 2/ 268.
(2) -مصطلح «القوم»، أو «قومنا» في مصادر الإباضية يعني: المذاهب الأربعة خصوصا، أو غير الإباضية عموما. ينظر: مجموعة من الباحثين: معجم مصطلحات الإباضية، 2/ 885.
(3) -كشف الكرب، 1/ 6.
(4) -سورة يونس: 35.
(5) -سورة يونس: 32.
(6) -كشف الكرب، 1/ 91. وتكرَّر الجواب في: 1/ 94.
(7) -سورة المائدة: 8.
(8) -كشف الكرب، 1/ 95. (14/196)
صفحة 184
الإدخال من كتبهم في كتبنا جائز؟»، وبيَّن فضلَ بيانٍ ضرورةَ الأخذ بروايات غير الإباضية، «بأمر برهاني وأمر إقناعي» حسب تعبيره (1).
هنا نلاحظ تفتُّح القطب على المذاهب الإسلامية الأخرى، بالحثِّ على إيراد أقوالهم جنبا إلى جنب مع آراء الإباضية، دون تعصُّب. ونلاحظ كيف وازن بين المصلحة المتوخَّاة من الأمانة العلميَّة بذكر صاحب الرأي، وبين المفسدة المترتِّبة عن رفض الحقِّ، فقدَّم درء المفسدة على جلب المصلحة.
ووضَّح طريقته في التعامل مع المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، فربما رجَّح ما يخالف المذهب الإباضي إذا اتَّضح له صوابه، إذ يقول في نفس الرسالة: «ولا أذكر من كلام القوم إلاَّ ما لا بأس به، ولو وُجد في مذهبنا ما يخالفه إذا كان له وجه صحيح ظاهر لا تكلُّف فيه، وربما رجَّحته على ما في المذهب لقوَّته بأدلَّة وجدتها؛ لأنَّ القول بالحقِّ واجب مع الحبيب والبغيض. والواصل يحرم عليه التقليد. وفي كلِّ مذهب راجح ومرجوح، وأكثر مسائلنا في الفروع راجحات والحمد لله، وكلُّها حقٌّ في الأصول. وإذا ترجَّح قول غيرنا في مسألة من الفروع على قولنا بأدلَّة، أو ذكروا مسألة لا بأس بها ولم تذكر في المذهب جاز ذكرها في كتبنا ولو بلا نسبة لها إلى قومنا» (2).
وليس هذا المنهج في التعامل مع المخالفين وليد فكر القطب، بل هو ما انتهجه جلُّ علماء الإباضية، فـ «الشيخ يوسف بن إبراهيم قرأ في قرطبة من أندلس، وأبو عمار في تونس المعقولَ والأصولَ وعلمَ الكلام، وعمِلاَ بذلك وحملاه واسطةً للفقه أيضا. وفي بعض سند الربيع رجال ليسوا من أصحابنا [ ... ] وجلُّ مسائل المنهاج من غيرنا بلا نسبة إلى غيرنا [ ... ] وما زال أصحابنا يأخذون من كتبهم كأبي ستة وصاحب القناطر» (3). ثم إن كثيرا من العلوم والمعارف تؤخذ من غير الإباضية، وتدرَّس، كاللغة والتفسير، والنحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق، وتبنى عليها أحكام فقهية (4)، وإن جُلَّ المسائل العقديَّة والكلاميَّة، كأسماء الله الحسنى، وأسماء النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأهوال الحشر والبعث والموقف والجنة والنار، من كتبٍ غير إباضيةٍ، فإن لم يأخذ منها المتعلم حُرمَ بركتها (5).
__________
(1) -المصدر نفسه، 1/ 89 - 92.
(2) -المصدر نفسه، 1/ 90.
(3) -المصدر نفسه، 1/ 92.
(4) -ينظر: المصدر نفسه، 1/ 91.
(5) -ينظر: المصدر نفسه، 1/ 92. (14/197)
صفحة 185
واعترف القطب بفضل المخالفين في التفسير، وانعدام المفسرين من الإباضية في عصره - ما عدا القطب - فقال لمن استشكل الأخذَ من كتب غير الإباضية: «وهل فسَّر القرآنَ غيرُهم في هذا العصر؟! إلا الشيخ هود رحمه الله، ولم يصلْ تفسيرُه هؤلاء المستشكلين، وإن وصلهم فقد لا يجدون مقصدهم» (1).
وهو مع تفتُّحه دعا إلى التمسُّك بمذهبه؛ وكتب في ذلك رسالة وجَّهها إلى السلطان ومَن دونَه، وإلى العلماء والعباد من عمان وزنجبار من أتباع المذهب، وذكر فيها جملةً من علماء غير الإباضية ممن تبنَّوا بعض آرائهم، كابن العربي المالكي الأندلسي، والأذرعي، وعليش، وحسبي الله، ودحلان، والتفتازاني، وحرَّضهم على توزيع رسالته التي جاء فيها: «وأعزم عليكم أن تشهِّروا هذه الورقة، وتنسخوها، وتُرُوها الراجعَ إلى الخلاف» (2). وهذه الدعوة إلى التمسُّك بالمذهب الإباضي لا تتناقض مع وجوب قبول آراء المخالف إذا كانت حقًّا، وفرقٌ بين التحيُّز المحمود، والتعصُّب المذموم، كما سبق بيانه.
ز- أثر المراسلات في توجُّهات العمانيين:
يعتبر الشيخ نور الدين السالمي أبرزَ شخصيةٍ علميَّة عمانيَّة راسلها القطب بكثرة (3)، ومن قدَرِ الله أنهما عاشا في نفس الفترة، وتُوُفِّيَا في نفس السنة، ولهما اهتمامات متَّحدة في كثير من الجوانب الإصلاحيَّة، وقد تشابهت ظروفهما الاجتماعيَّة والسياسيَّة التي عانيا منها. وكان السالمي هو السائل في تلك الرسائل؛ لأَنَّهُ كان أصغر سنًّا من القطب (4). كما أنَّ السالميَّ كثيرا ما كان يعتمد على القطب في تآليفه (5).
نأخذ نموذجين من تأثير القطب في توجُّهات السالمي: فكريًّا وسياسيًّا.
1 - توجهات فكرية:
__________
(1) -المصدر نفسه، 1/ 96.
(2) -المصدر نفسه، 1/ 33 - 34.
(3) -ينظر: أبو بشير السالمي: ترجمة السالمي (مخ)، ص12 - 13. أبو بشير السالمي: نهضة الأعيان، 122، 448.
(4) -توفي القطب وعمره 96 عاما، وتوفي السالمي وعمره 48 عاما، أي النصف!. ينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيش، ص25، 27 - 28. شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص61 - 63، 290.
(5) -ينظر عَلَى سبيل المثال: السالمي: مشارق أنوار العقول، ص227، 237، 241 ... بهجة الأنوار، ص4. (14/198)
صفحة 186
من أبرز القضايا الكلاميَّة التي تغيَّر فيها رأي السالمي بسبب تلك المراسلات، هو تجويزه أن يغيِّر الله تعالى ما كتبه في اللوح المحفوظ، فبعد أن لقي نقدا لاذعا، وحكما قاسيا من القطب، وبعد أن دوَّن رأيه في كتابه ”مشارق أنوار العقول“، عدل عنه فمحاه. فقال عن هذا التطوُّر: «ولنا عند قولنا بثبوتها تشبُّثات كنَّا نظنُّها حُججا، ثُمَّ ظهر لي بعد مناظرة طويلة من إخواننا المتعلِّمين صواب ما قاله شيخنا [صالح الحارثي] في منع تغيير ما كُتب في اللوح، فرجعتُ عمَّا كتبته في المشارق [ ... ] فلذا كتبت إلى أهل الآفاق بإبطال مسألة اللوح في نُسَخ المشارق [ ... ] فالحقُّ الذي لا مرية فيه أَنَّ ما كتب في اللوح لا يصحُّ تبديله» (1). وقد ذكرنا سابقا الحُكْمَ القاسي الذي أصدره القطب فيمن يجوِّز تغيير ما في اللوح المحفوظ، وهو كفر النعمة. وقد تركت هذه الفتوى أثرًا بالغًا في قلب السالميِّ، ويوحي بذلك جوابه لأحد سائليه: «هذه المسألة في غاية من الإشكال، وهي التي أوقعت محبَّك في مسألة اللوح الممحوَّة من ”المشارق“ لا أبقى الله لها ذكرا!!» (2).
2 - توجهات سياسيَّة:
كان الشيخ نور الدين السالمي مساندا مخلصا لشيخه صالح بن علي الحارثي في مواجهته العنيفة للسلطان، ثم ما لبث أن تحوَّل إلى المعارضة السلمية بعد وفاة أستاذه الذي كان ينتظر أن يكون هو الإمام الشرعي. ولعل تغيُّر موقفه كان استجابة لمراسلة القطب اطفيَّش التي دعاه فيها إلى مداراة السلطان ليعمل على تنفيذ شرع الله تعالى في إبطال ما فرضه الاحتلال الإنجليزي على حكَّام عمان، من إباحة استيراد الخمور والخنزير والدخان، علما أن معارضي السلطان تركي بن سعيد وابنه فيصل قد رفضوا هذه الموالاة للإنجليز رفضا قاطعا، وانتقدوها عليهما أشدَّ الانتقاد ... قال القطب: « ... وأنصحكم لله أن تطلبوا من الجائر وتداروه ولو بمال أن يخلِّي بينكم وبين إهراق الخمر وقتل الخنزير وإبطال الدخان، وبينكم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكتبوا بذلك، ويكون عونا لكم، وجاء الحديث: "إذا رأيتم أمرا لا تقدرون عليه فدعوه حتَّى يكون الله هو المغيِّر له" (3)» (4).
__________
(1) -السالمي: العقد الثمين، 1/ 240 - 241. جوابات الإمام السالمي، 5/ 436 - 438؛ 6/ 200 - 201.
(2) -جوابات الإمام السالمي، 6/ 181 - 182.
(3) -رواه الطبراني في الكبير بلفظ: «إذا رأيتم أمرا لا تستطيعون تغييره فاصبروا حتَّى يكون الله هو الذي يغيِّره»، رقم 7685، 8/ 164. وفي سنده عفير بن معدان، قال النسائي: «ليس بثقة ولا يكذَّب حديثه». وقال الذهبي: «ضعَّفوه»، وقال المناوي: «قال الهيثمي: عفير بن معدان ضعيف، وفي الميزان: حديث منكر»، فيض القدير، 1/ 360.
(4) -كشف الكرب، 2/ 90، وتكرر في: 2/ 379. (14/199)
صفحة 187
وقد أخذ الشيخ السالميُّ بهذا الرأي، وهو جواز مداراة الجبابرة إذا كان يلحق أهلَ البلد ضررٌ، شريطة أن لا يكون القصد هو المعاونة (1). فرأيناه قد تحوَّل من المواجهة العنيفة، إلى المواجهة السلميَّة، بإسداء النصائح للسلطان، فامتدَّت فترة الهدنة بينهما 17 عاما، وذلك ما بين وفاة المعارِض المحتسب الشيخ صالح الحارثي سنة 1314هـ وإعلان قيام دولة الإمامة سنة 1331هـ، اتَّسمت بالهدوء والاحترام المتبادل، كان السالمي يعدُّ فيها الرجال بالتدريس والتأليف، وتكوين قادة دولة الإمامة المنشودة (2).
الخاتمة
إن تحليل فتاوى القطب ومراسلاته تحليلا تاريخيا يحتاج إلى جهد أكبر من هذا، إذ إن فتاواه ومراسلاته منبثَّة في شتَّى مكتبات العالم الإسلامي الخاصَّة والعامَّة، ومثل هذا التحليل يفيدنا كثيرا في فهم المواقف التي يتَّخذها العالِم، والأحكام التي يصدرها المفتي، سواء القطب أم غيره، وذلك يشبه إلى حدٍّ ما معرفة أسباب النزول لفهم القرآن الكريم.
ومن خلال هذه القراءة السريعة نستخلص عدَّة نتائج، نذكر منها:
*-أن القطب أولى اهتماما بالغا بنشر العلم، وإفادة كلِّ من يريد الاغتراف من معينه، سواء القريب أم البعيد.
*-أن ظروفه المادية لم تمنعه من بلوغ أهدافه السامية، فقد كانت غايته إرضاء الله تعالى، لا الترقِّي في الوظيف، ولا الجري وراء الرغيف. وفي هذا عبرة لأجيالنا المعاصرة.
*-أنه قد عانى أشد المعاناة لإصلاح أوضاع أمته، ولمقاومة الاستدمار، سواء على
__________
(1) -السالمي: العقد الثمين، 2/ 453.
(2) -ينظر: شريفي: السالمي حياته وآثاره، ص 250. (14/200)
صفحة 188
المستوى المحلي أم الوطني أم الإسلامي، ولم يزده ذلك إلا ثباتا على الحقِّ.
*-أن المفتي قد يكون سببا في تغيير الوضع القائم، إيجابا أو سلبا، غير أنه من المؤكد، ومن خلال هذا التحليل، يمكن أن نلمس بوضوح أن بُعد المفتي عن المستفتي، وعدم إلمامه بواقعه وملابسات الاستفتاء وظروفه الزمانية والمكانية، كثيرا ما يجرُّ إلى نتائج وخيمة، قد تؤدِّي إلى صراعات عنيفة، تتجاوز القول إلى الفعل، وأنَّ استيراد الفتاوى وعدم الثقة في العلماء المحليِّين ليس حلاًّ للمشكلات، إنَّما قد يكون سببا للأزمات والمعضلات! ...
في الأخير نوصي المؤسسات العلمية والباحثين بما يأتي:
*-جمع مراسلات القطب الصادرة والواردة، في مختلف المجالات، دون أن تقتصر على جانب دون آخر، وتحقيقها تحقيقا علميًّا دقيقا، لنتمكن من اكتشاف جوانب لا تزال مجهولة من حياة الشيخ أو حياة مراسليه، بالإضافة إلى ما يمكِّنه هذا العمل من معرفة تطوُّر فكر الشيخ: العقدي، الأصولي، الفقهي، الاجتماعي، التربوي، السياسي ... وهذه توصية نرجو أن تتبناها المخابر العلمية في جامعاتنا.
*-إعادة تحقيق كتاب كشف الكرب، وفق الضوابط المنهجية المعروفة، لتفادي النقائص السابق ذكرها. وتوجيه الباحثين إلى العكوف على تحقيق تراث الشيخ عموما، لإخراجه إلى النور.
نسأل الله أن يقيض لهذه الأمة مجدِّدين، مخلصين لله في عملهم، معتدلين في فكرهم، مسايرين لعصرهم، لا يثني من عزيمتهم قساوة الظروف، ولا معارضة الألوف!.
- - - (14/201)
صفحة 189
المشروع الثقافي للاستعمار الفرنسي في الجزائر
ومقاومته في مِزاب
د: الحاج موسى بن بكير ابن عمر
قسم التاريخ ـــــ جامعة الجزائر ـــــ الجزائر
إ
إن الهدف البعيد الذي كان يرمي إليه الاحتلال الفرنسي للجزائر، هو تدمير كيان الأمة الجزائرية، وذلك بمحو خصائصها، ومسخ مميزاتها من دين و قيم ولسان و تاريخ وأعراف. وقد كان أول تجسيد لهذا الهدف هو انتهاكات السلطة الفرنسية للتعهدات المكتوبة، التي التزمت بالوفاء بها على أكثر من صعيد، وبالأخص في مجال احترام الدين والقيم الأخلاقية للجزائريين، التي كانت موضوع عرائض ومقالات صحفية نارية لأعلام الجزائر ضد هذا التعسف السافر في كل مناطق البلاد وفي مزاب على وجه التحديد. ولعل أوضح تجليات نكث الالتزامات التي تعهدت سلطة الاحتلال للجزائريين ومن بينهم أهل مزاب تتلخص في:
1 - التنصير وبعثات التمسيح
عندما استولت فرنسا على الجزائر في 1830 كان أول ما تعهدت به للمسلمين الجزائريين احترام ديانتهم وآدابهم، وقد اعترف ساستها بهذا الالتزام في قراراتهم ولوائحهم كلما مست لذلك حاجة.
ولكن رغما عن هذا كله لم تفهم جماعات التنصير ومن وراءهم من المسؤولين معنى لذلك الالتزام ولا أولت قيمة لتلك التعهدات، بل أوغلوا في كثير من الإهانة والكيد للإسلام واستهداف الإيمان آخر ما يحتفظ المسلمون من قلوبهم (1).
__________
(1) - أبو اليقظان، "ماذا يريد المعمرون بالمسلمين"، الأمة، ع.161، السنة4، لـ 5 أفريل 1938، ص 1. (15/202)
صفحة 190
1.1 مشاريع التنصير وبرامجه:
إن مشاريع التنصير الفرنسي وبرامجه لا يمكن فهمها إلا ضمن تصور شامل لخطة عالمية عبر عنها القس كالهون سيمون برغبة المبشرين القوية في التفريق بين المسلمين وهي الرغبة التي عبّر عنها لورانس براون من قبل بقوله: «إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب السمر وتساعدهم على التملص من السيطرة الأوروبية، ولذلك كان التبشير عاملا مهمّا في كسر شوكة هذه الحركات، ذلك لأن التبشير يعمل على إظهار الأوربيين في نور جديد جذاب، وعلى سلب الحركة الإسلامية عنصر القوة والتمركز فيها». وتقول مجلة العالم الإسلامي الإنجليزية: «إن شيئا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي، ولهذا الخوف أسباب منها الإسلام منذ أن ظهر في مكة لم يضعف عدديا، بل هو دائما في ازدياد واتساع، ثم إن الإسلام ليس دينا فحسب، بل إن من أركانه الجهاد، ولم يتفق قط أن شعبا دخل في الإسلام ثم عاد نصرانيا». وإضافة إلى ذلك يرى أحد المستشرقين الألمان «أن هناك عداء من النصرانية للإسلام بسبب أن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى أقام سدا منيعا دون انتشار النصرانية ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها». ولقد خطط دعاة التنصير لاختراق قلوب المسلمين من باب التطبيب والخدمات الصحية كأحسن وسيلة للاتصال بالناس، فقد جاء في كتاب للأمريكي بول هارسيون "التطبيب في بلاد العرب" «أن المبشر لا يرضى عن إنشاء مستشفى ولو بلغت منافع ذلك المستشفى منطقة عمان بأسرها، لقد وجدنا نحن في بلاد العرب لنجعل رجالها ونساءها نصارى». (1)
وفي الجزائر تعود جذور هذه القضية إلى مشروع الكاردينال لافيجري، الذي سعى لإيجاد طائفة تتمكن السلطة الاستعمارية من تسخيرها لأغراضها السياسية، ومن ثمة دمجها، بعد تمسيحها، في المجتمع الفرنسي. ولنجاح هذا المشروع بذلت السلطات الاستعمارية مجهودات علمية ومادية كبيرة قصد التفريق بين العرب والبربر، وخلخلة أفكار الناس وأصالتهم، اعتمادا على دراسات مشوهة عن حياة السكان وثقافتهم وتاريخهم، وأصل تكوين العنصر الأمازيغي (2).
__________
(1) - الشيخ القرادي، حياته وآثاره، تقديم د. محمد ناصر، نشر جمعية النهضة، العطف، الجزائر، 1990، ص 210 ــــ 212.
(2) - سعيدي مزيان، النشاط التبشيري في الجزائر في عهد الكاردينال لافيجري، (1867 ـــ 1892)، رسالة ماجستير معهد التاريخ، جامعة الجزائر 1998 ــــ 1999، ص 116 ـــــ 120. (15/203)
صفحة 191
وقد عملت الإدارة الاستعمارية بالتعاون مع بعثات التنصير لتجسيد مشروع الظهير البربري ولتعميق سياسة التفرقة في الجزائر وفي كامل الشمال الأفريقي، وكان غطاؤها في ذلك هو إحياء اللغة الأمازيغية على حساب اللغة العربية، وإنشاء مدارس لتعليم اللغة الفرنسية ومنع اللغة العربية من التدريس. (1)
وفي مزاب كان الآباء البيض قد أسسوا في 1906 مدرسة يتردد عليها عشرة من أبنائه، (2) ولم تكن المرأة بمعزل عما يخطط لها في هذا الشأن، ولقد حاول رجال التنصير ونساؤه في مزاب اختراق قلب المجتمع وعقله من خلال تدريس الأبناء والبنات ففي السنة الدراسية 1924 ـــ 1925 مثلا كانت مدرسة الآباء البيض للبنين ترعى ما عدده 98 طفلا جزائريا منهم 81 من بني مزاب، وكان مركز الأخوات البيض لرعاية الأطفال وتعليم الصناعات اليدوية والحرفية يضم ما مبلغه 64 متربصة جزائرية منهن بنتان مزابيتان. (3)
2.1 أعلام مزاب ومقاومة التنصير
لقد كتب الشيخ إبراهيم أبو اليقظان في أمر هؤلاء بجريدته "وادي ميزاب"، وأسال في هذه المسألة حبرا غزيرا، محذرا جماعات التنصير من التربص بالمسلمين ومن خرق التعهدات والالتزامات الموقعة، ومنبها المسلمين من مكر أولئك وعدوانهم للإسلام. وكان ذلك سببا قويا في تعطيل هذه الجريدة. (4)
كما كتب في ذات الجريدة داعيا كافة المسلمين أن « ... وحدوا صفوفكم رعاكم الله، وأجمعوا جهودكم، وضموا قواكم، وسيروا إلى الأمام بقلوب مفعمة إيمانا، ونفوسا طافحة صدقا وإخلاصا، فإن الحالة حرجة للغاية، والأمر في شدة الخطر ... إن عزكم يا قوم في إعزاز الإسلام، لا في الكيد وإعانة أخصامه عليه، إن هناءكم وسلامتكم في توليد العلائق بينكم، وليس في تهوين العلائق بينكم ... ». (5)
وفي مقال آخر نشرته هذه الجريدة لرمضان حمود، حاولت من خلاله إيقاظ الشعور لدى المسلمين، بلهجة فيها نوع من الرجاء وزرع الأمل: « ... أيها المسلمون أنتم
__________
(1) - أحمد الخطيب، جمعية العلماء المسلمين ودورها الإصلاحي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985، ص 87.
(2) - A.O.M.,Aix,Fond G.G.A.,23H94(109), Rapport annuel de 1906, Territoire de Ghardaïa.
(3) - A.O.M., Aix,Fond G.G.A.,23H94(109),Rapport annuel 1925 du Territoire de Ghardaïa.
(4) - أبو اليقظان، " ماذا يريد المعمرون بالمسلمين"، الأمة، المقال السابق.
(5) - إبراهيم أبو اليقظان، " إنما المؤمنون إخوة "، وادي ميزاب، عدد 116 , في الجمعة 11جانفي 1929م/ 19 رجب 1347 هـ، ص 1. (15/204)
صفحة 192
اليوم فئة قليلة من جانب الله أمام كتائب كثيرة تمثل روح الشيطان، فاجعلوا الثقة في أنفسكم ولا ترهبوا قوة خصومكم فإنها واهية، فإن الله لا يخزيكم ولا يحبط سعيكم وأنتم جنوده المخلصون وخلفاؤه في الأرض ... ». (1)
والحل حسب جريدة وادي مزاب لكل هذه الرزايا التي ألمت بالإسلام والمسلمين يكون أولا بضرورة الرجوع إلى الدين الإسلامي وفهمه فهما صحيحا خاليا من شوائب عصر الانحطاط، وثانيا بتحقيق الوحدة والتضامن بين المسلمين. (2)
ويتخذ المنصِّرون لذلك وسائل شيطانية لا يتفطن لها إلا النبهاء والحذاق، «ويلبسون تلك الوسائل بلباس ناعم من مداواة المرضى والإحسان إلى الفقراء وتلقين الجهال والأميين مبادئ الفنون مسلولة بدعابتهم وتبشيرهم. ولأجل نيل مبتغاهم من طرق مختصرة سهلة، تراهم يرتادون دائما مواقع الضعف ومراتع الجهل فيحطون فيها رحالهم، ويتخذون منها مراكز لأعمالهم ولا يعوقهم عن ذلك عائق البعد أو المناخ أو تكبد المصاريف الباهظة فإنهم يجدون أمامهم من المنشطات المادية والأدبية ما يكفل لهم كل عقبة ويعبد لهم كل طريق. وهم يجدون في الحكومة الفرنسية كل مناصرة ومؤازرة ويلاقون منها من وسائل التشجيع والتنشيط وهم على باطل، ما لم يلاق المسلمون منها ولو جزءا ضئيلا وهم على حق. وبكل سهولة تفهم لماذا توجه بعثات التنصير نشاطها في الغالب إلى أراضي الجنوب ولاسيما الأغواط، غرداية، القليعة وورقلة حيث يخيم الضعف والمرض والجهل». (3)
ولقد استنكرت جريدة الأمة اليقظانية إقدام الاستعمار الفرنسي على تدشين كنيسة بوادي مزاب. (4) ويهاجم الشيخ أبو اليقظان بعض من أسماهم بـ «خربي الذمم من المسلمين الذي يرقصون لتخريب معالم الدين بأيديهم، ويطربون لمحو أثار الإسلام ... ويصفّقون لإخراجهم من النور إلى الظلام ومن الحياة إلى الموت، وتلك أدنى غاية التبشير». (5)
__________
(1) - رمضان حمودة، "الإسلام في القرن العشرين والخطر المحدق به"، وادي ميزاب، عدد 113، لـ21/ 12/1928م، ص 2.
(2) - "الإسلام يحتضر والمسلمون يهزلون"، وادي ميزاب، عدد 17، لـ الجمعة 21/ 01/1927م، ص 2.
(3) - أبو اليقظان، "ماذا يريد المعمرون بالمسلمين"، الأمة، ع161، س4، لـ 5 أفريل 1938، ص 1.
(4) - الحاج جلول بذرة، "ماذا يريد المبشرون بالمسلمين؟ عند تراب الجنوب تجد الخبر اليقين"، الأمة، ع.161، لـ05/ 04/1933.
(5) - أبو اليقظان، المقال السابق. (15/205)
صفحة 193
ومن خلال مقال آخر في جريدة الأمة اليقظانية، أثاره مفدي زكرياء بعنوان «نغمة جديدة لتفريق الشعب الجزائري»، أشار إلى نقطة راهنت عليها السلطات الاستعمارية من خلال ما أنتجته مخابرها السوسيولوجية في دراسة المجتمع الجزائري، إذ توصلت بأن التفريق بين الجزائريين متوقف على رهان القضية الأمازيغية.
وتجسيدا لهذه السياسة الاستعمارية، قامت بإنشاء جملة من المؤسسات سواء أكانت تعليمية أم تنصيرية هادفة لعزل العنصر البربري عن الشعب الجزائري عملا بالمقولة الاستعمارية «شمال إفريقيا بلاد بربرية، وأصل سكانها بربر لا عرب فيها سوى قوم أجانب طردوا من مصر. وأن اللغة العربية لغة دخيلة في البلاد، والدين الإسلامي دين أجنبي دخيل، فالجزائر بربرية لاتينية يجب أن يكون دينها المسيحية». فعلى حد تعبير مفدي زكرياء فإن هذه الأفكار كلها مواد سامة مستحضرة من الظهير البربري القاتل، فهي سياسة تعتمد على ثلاثة معطيات أساسية، العرق واللغة والدين. (1)
ولم تحقق هذه التجارب الاستعمارية شيئا يذكر، مقارنة بالجهود المبذولة، لأن المجتمع الجزائري رغم تنوعه العرقي الذي راهنت عليه المخابر السوسيولوجية الاستعمارية، بكشفها لنقاط الضعف في صفوف المجتمع الجزائري خاصة الاختلافات بين العرب والبربر، فإن الإسلام أذاب تلك الفوارق وألغاها، ووحدهم تحت راية الإسلام والوطن. (2)
أما المرأة فإن لها مكانة مرموقة في خطط التنصير إذ «بما أن الأثر الذي تحدثه الأم في أطفالها ذكورا وإناثا حتى السنة العاشرة من عمرهم بالغ الأهمية، وبما أن النساء هن العنصر المحافظ في الدفاع عن العقيدة، فإننا نعتقد أن الهيئات التبشيرية يجب أن تؤكد جانب العمل بين النساء المسلمات أنه وسيلة مهمة في التعجيل بتنصير البلاد الإسلامية».
إن الحقائق التاريخية التي لا تحتمل الشك ولا الجدل تثبت أن هذه المراكز تتلقى إعانات سخية ولو لم تحقق تنصيرا يذكر، ومن الأمثلة الواضحة في هذا الشأن هي مركز غرداية الذي تأسس مع مطلع القرن العشرين ولكنه لم ينصر عائلة واحدة. كل هذا جعل أحد أعيان مزاب وهو الشيخ القرادي (3) يتساءل: «لماذا إذا كل
__________
(1) - مفدي زكريا، " نغمة جديدة لتفريق الشعب الجزائري"، الأمة، ع. 99، لـ17/ 11/1936 م.
(2) - الأمة، العدد السابق.
(3) - الشيخ القرادي هو اللقب الذي اشتهر به الشيخ إبراهيم الحاج أيوب من مواليد العطف بميزاب سنة 1923 خريج معهد الحياة بالقرارة ومن مؤسسي أول فوج كشفي بمزاب سنة 1943 هو فوج الحياة، من أعيان مدينة العطف وعضو نشيط من هيئة العزابة فيها، داعية عامل، شارك مشاركة فعالة في ثورة التحرير منذ 1956، وعضوا مؤسسا للمجلس البلدي الثوري بالعطف سنة 1961. (15/206)
صفحة 194
هذه الجهود الجبارة التي تبذل وكل هذه التنظيمات والمؤتمرات وهذه الحملات الصحفية الدعائية ومئات الكتب التي تنشر؟!». (1)
والراجح أن التنصير لم يكن هو الغرض من كل الجهود المبذولة في هذا المجال، إذ لو كان الغرض هو التنصير كما يصرح القائمون بذلك، لأغلقوا مراكزهم بعدما علموا أنهم لم يحققوا تنصيرا يذكر. وإذا أمكن أن يكون هناك بعض الناس قد تنصروا، فإنهم «أناس لا يساوون ثمن أحذيتهم التي يلبسونها لو بيعوا في الأسواق» كما صرح بذلك أحد الباباوات في أحد المؤتمرات.
ويحاول الشيخ القرادي أن يجد جوابا من خلال تصريحات أقطاب التنصير واعترافات منظريه في العالم الإسلامي. وفي هذا الصدد يقول لورانس براون: «إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرا، وأمكن كذلك أن يصبحوا نعمة له أيضا، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا قوة ولا تأثير». (2)
2 - التعليم الحكومي الفرنسي
كان رفض التعليم الفرنسي بشقيه الحكومي والمسيحي وحتى التمهيني منه، مظهرا من مظاهر مقاطعة المزابيين للإدارة الفرنسية ومضامينها الثقافية، فقد ثارت حساسية المجتمع المزابي المحافظ من التعليم الحكومي الفرنسي وأبدى عموم هذا المجتمع تحفظا ظاهرا خلال الثلث الأول من القرن الماضي من هذه القضية التي كانت تستهدف في الحقيقة كسر جدار المقاطعة التي عبر عنها المجتمع بتعابير متنوعة وفي مجالات تمس حياته اليومية كالإدارة والقضاء والصحة والتعليم.
__________
(1) - نشر تشترايت، ودندنغر بين عامي 1916 و1931 سبعة مجلدات ذكر فيها أسماء المراجع والمصادر التي تدور حول المبشرين وجهودهم وتسهيل أعمالهم، أما الرسائل التي كتبها المبشرون إلى زملائهم بين 1830 و1842 فقد طبعت في 13 مجلدا تمثل رسائل حول الشرق الأدنى فيها 8 مجلدات أما المؤتمر الدولي الذي اجتمع في القربس سنة 1928 فقد وضع تقرير في 8 مجلدات، أنظر إبراهيم الحاج أيوب الشيخ القرادي حياته وآثاره، تقديم د. محمد ناصر، المرجع السابق، ص 210 ــــ 212.
(2) -إبراهيم الحاج أيوب، الشيخ القرادي حياته وآثاره، تقديم د. محمد ناصر، نشر جمعية النهضة، العطف، 1990، ص 209 ــــ 210. (15/207)
صفحة 195
وكان التعليم الفرنسي الحكومي حسب إحصاء 1906 (1) يترجم حدود ثقة السكان الضيقة للغاية تجاه إدارة الاحتلال في مزاب. ويخص هذا الإحصاء تتلمُذ البنين، أما البنات فتوجُّههن إلى المدرسة الفرنسية كان ضربا من المستحيل (2):
المدن ... تلميذ مسلم ... فرنسي ... إسرائيلي ... المجموع ... عدد المعلمين ... عدد الأقسام
غرداية ... 64 ... 2 ... 109 ... 175 ... 4 ... 4
العطف ... 45 ... 0 ... 0 ... 45 ... 1 ... 1
مليكة ... 30 ... 0 ... 0 ... 30 ... 1 ... 1
يزجن ... 50 ... 0 ... 0 ... 50 ... 1 ... 1
القرارة ... 40 ... 0 ... 0 ... 40 ... 1 ... 1
بريان ... 40 ... 0 ... 0 ... 40 ... 1 ... 1
1.2 أعلام مزاب والتعليم الحكومي الفرنسي:
مع انطلاق التعليم الفرنسي الحكومي في مزاب، ظل هذا التعليم مثار حساسية ونفور من غالبية سكان مزاب، ولم يتجاوب معه في بداية انطلاقه إلا فئات محدودة منهم، ونخص بالذكر منهم أبناء الموظفين الإداريين أما أبناء الطائفة اليهودية فكان إقبالهم واسعا. (3)
وكانت النخب الجزائرية إلى نهاية الحرب العالمية الأولى تطلق دعوات إلى الإقبال على المدارس الحكومية الفرنسية، والدعاية المستمرة لتعلم لغة السلطة الحاكمة. ولقد كان أغلب هؤلاء من خريجي تلك المدارس، والذين تم تكوينهم وفق الطلب الذي يلبي حاجة الوظيف الحكومي للسلطة الفرنسية بالجزائر ونعني به سلكي القضاء والترجمة وبعض الوظائف الإدارية التي يقتضي إسنادها إلى الأهالي. (4)
ومع ذلك ظل هذا الموقف سائدا في مزاب حتى الثلاثينات من القرن العشرين؛ واستمر هذا التحفظ الناجم عن مشاعر الشك والريبة بكل ماله علاقة بالإدارة
__________
(1) - A.O.M., Aix, Fond G.G.A., 23H94(109), Rapport annuel de 1906, Territoire de Ghardaïa.
(2) - لم يذكر التقرير قصري بنورة ومتليلي.
(3) - ر. م. ش. ع. حواش، Enseignement، رقم 5/ 1342: الدخول المدرسي الفرنسي في غرداية، ميزنار وزوجته وتعليم بنت مزاب، تقرير مؤرخ في 19/ 11/1941.
(4) - د. محمد ناصر، المقالة الصحفية الجزائرية، نشأتها، تطورها، أعلامها من 1903 إلى 1931، المجلد الثاني، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1984.، ص 31 ــــ 32. (15/208)
صفحة 196
الفرنسية وبالحضارة الأوروبية عموما، ثم بدأت مساحة المقبلين على التعليم الفرنسي تتسع بعد أن أثمرت جهود المصلحين.
فمن مظاهر هذا الرفض الملحوظ للتعليم الفرنسي والمقاطعة الواسعة لمؤسسات التعليم الفرنسي أن عملية تسجيل التلاميذ في مدارس مزاب الفرنسية حسب التقارير الرسمية الفرنسية، جرت بصعوبات كبيرة في السنة الدراسية 1928 ـــ 1929 (1).
ومن تجلياته الرفض أيضا ما قام به قائد غرداية في 13 أكتوبر 1930 من إرسال قائمة الأطفال المسجلين للدخول إلى المدرسة الفرنسية لأول مرة في ملحقة غرداية إلى رئيس الملحقة، والذين هرّبهم أولياؤهم إلى مدن الشمال الجزائري، كما تضمنت المراسلة قائمة لشيوخ العشائر الذين تغيبوا يوم التسجيل بالمدرسة. وتعتبر شيوخ العشائر مسؤولين عن أبناء عشائرهم أمام السلطة الفرنسية، وغيابهم موقفا سلبيا ضدها.
وفي هذا الصدد يعدد تقرير الإدارة الفرنسية أطفالا مسجلين في قوائم التلاميذ الجدد للسنة الدراسية للموسم 1930/ 1931، تم تهريبهم إلى مدن البرج والسوقر وقسنطينة وسطيف وسانت أرنو (العلمة حاليا) وعين أزال وبسكرة وعين بوسيف وشطودان ومعسكر ومستغانم وكلانشة (2).
أما الذين دخلوا المدرسة الفرنسية فعلا، فإن أغلبهم لم يكن أولياؤهم مقتنعين بما مضوا فيه، وأقحموا فيه هم وأبناؤهم. وما دلّ على ذلك رسالة بعثها مدير مدرسة غرداية الفرنسية في 02 ديسمبر 1930 إلى رئيس الملحقة، مرفقة بقائمة التلاميذ الذين تكرر تغيّبهم أكثر من 08 مرات خلال شهر نوفمبر 1930. والملاحظ أن كل أولئك مزابيون، وهو ما دعا مدير المدرسة لابواريي ( M.La poirier) أمام أعضاء اللجنة المدرسية لغرداية في جلسة عقدت في 20 ماي 1931 والتي حضرها كل من رئيس الملحقة و قائد غرداية، إلى طلب مساعدة ناجعة لإنجاح مهمته. (3)
وكان أبو اليقظان من أبرز من نبّه من خلال كتاباته الصحفية إلى خطر المدارس الاستعمارية الفرنسية، وما تنفثه من سموم من خلال ما تدرسه للتلاميذ الجزائريين، والآثار الفكرية والسلوكية التي تخلفها تلك السموم. ففي إحدى مقالاته
__________
(1) - A.O.M., Aix, Fond G.G.A., 23H94(109), Rapport annuel 1928, Territoire de Ghardaïa.
(2) - ر. م. ش. ع. حواش، ملف Enseignement ، رقم2/ 1342: قائمة لأسماء الآباء الذين هربوا أبناءهم إلى مدن الشمال رفضا للتعليم الفرنسي، وأسماء شيوخ العشائر الذين تغيبوا يوم الدخول المدرسي. تقرير مؤرخ في 13 أكتوبر 1930.
(3) - ر م ش ع حواش، ملف Enseignement، رقم 3/ 1342: قائمة الأطفال الذين تغيبوا أكثر من 4 مرات خلال نوفمبر 1930، تقرير مؤرخ في 2 ديسمبر 1930. (15/209)
صفحة 197
فضح النتائج الخطيرة المترتبة عن الأساليب المدسوسة المنتهجة في المدرسة الفرنسية بما تلقنه للشبيبة من أفكار معادية للهوية والدين، أو ما تصطبغ به الناشئة من أخلاق فاسدة وعادات تدعو إلى الانحلال، حتى أصبحت هذه «الألسنة الأوروبية في الأفواه الإسلامية أشد خطرا على الإسلام من أعداء الإسلام ... وتلك نتيجة طبيعية لتعليم برنامج مؤسس على قلب وضعية الإسلام رأسا على عقب ... وهل ينتج غير هذا، تعليم لا ذكر للغة العربية فيه، ولا لتاريخ الإسلام، وجغرافية بلاد الإسلام إلا عرضا؟ وهل ينتج غير ذلك، تعليم قوامه مجد أوروبا وإحياء عظمتها، ونشر لغاتها، وإتقان آدابها!؟ ... (1)».
غير أن ظروفا مضت وأقبلت أخرى دفعت أعلام مزاب وخاصة المصلحين منهم إلى الاقتناع بضرورة تسليح أبناء مزاب بتعليم فرنسي يمكنهم من شغل المناصب لتفويت الفرص على الانتهازيين والطموحين من صنائع الإدارة الفرنسية، ومقاومة الاستعمار بنفس سلاحه وفي مواقعه التي ينطلق منه غزوه الثقافي. وفي هذا الصدد طالبت جمعية الإصلاح التي تعمل على ترقية التعليم العربي الحر، في عريضة لها بترقية التعليم الفرنسي أيضا بعد مطالبتها بتحرير التعليم العربي من مضايقات الإدارة، ملفتة الانتباه إلى أن الحائزين على الشهادة الابتدائية يتعذر عليهم مواصلة دراستهم الثانوية لقصور تكوينهم ويضطرون إلى رفع مستواهم لمدى سنة أو سنتين وهو ما يقلل فرص التحاقهم بالثانوية بعائق تجاوز السن القانونية.
وطالبت الجمعية تمكينها من فتح أقسام للتعليم الفرنسي في مؤسساتها التعليمية الحرة، (2) وقد يكون هذا المطلب لاستدراج السلطة لقبول مطالب أخرى تقدمت بها في المجالات الدينية والأخلاقية والاجتماعية والمالية المتضمنة في عريضتها تلك، أو دعما لتلاميذ التعليم الحكومي لمواصلة دراستهم الثانوية التي أصبح دخولها بعيد المنال للكثير من المتمدرسين، أو لإيجاد بديل للتعليم الفرنسي الحكومي الذي يكتسي لدى أهل مزاب حساسية التعامل مع كل ما هو فرنسي أو أوروبي.
2.2 أعلام مزاب والتعليم الفرنسي للبنات:
وبقدر ما كان الحساسية بادية في مسألة تعليم البنين، فإن درجة هذه الحساسية وذلكم التحفظ، سجلت بأضعاف كثيرة في مسألة تعليم البنات في المدارس الحكومية الفرنسية التي ألزمها عقد من الزمن لفتح قسم يضم 27 بنتا، بعد جهود مضنية "وعلاقات شخصية" قام بها (م. مزنار M.Mesnard) المدير الجهوري لمدارس مزاب
__________
(1) - د. محمد ناصر, المرجع السابق، ج 2، ص 30 - 31.
(2) - ر. م. ش. ع حواش ملف Enseignement رقم 13/ 1312، محضر جلسات جمعية الإصلاح 1937. (15/210)
صفحة 198
الفرنسية هو زوجته في الموسم الدراسي 1941 ــــ 1942؛ وهو الموسم الأول لتعليم البنت في غرداية وهي نتيجة رآها م. مزنار، هامة ولكن غير كافية لتعداد سكان قدره 13000 نسمة.
ومع ذلك فإن هذا المدير الجهوي سجل ملاحظتين حول هذه المبادرة: أولاهما أن تحفّظ المزابيين عموما من إدخال بناتهم بالمدرسة (الفرنسية)، ويجب، حسبه، انتظار سنوات أخرى لتغير نظرتهم باستثناء عدد محدود جدا من الأعيان والقياد. أما الثانية فهي على العكس من ذلك عدم معارضة "العرب المالكية" لتمدرس بناتهم بالمدرسة الفرنسية، ولكن لا يولون اهتماما لهذه المسألة، وتفضل الأم بقاء ابنتها في البيت للقيام بأشغاله أو لأنها تخاف على ابنتها من حوادث الطريق بالإضافة إلى الحالة الاجتماعية والاقتصادية المعسرة التي لا تمكن من شراء لوازم المدرسة.
واقترح المدير الجهوي المذكور على رئيس الملحقة إعطاء الأولوية لبنات الموظفين والأعيان والمسيرين، ثم استدعاؤهم لتسجيل بناتهم بالمدرسة لتفادي أية مقاومة حادة مثل التي ظهرت عند تجربة تعليم البنين بالإجبار، وهذا في اعتقاده «في خدمة المسلمين والعرب، وفي خدمة القضية الفرنسية التي من أجلها يخدم الفرنسيون هذا البلد» (1).
3 - خطط الإدماج والتجنيس
كان الدين الإسلامي واللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن عنصرين أساسيين من عناصر الهوية الجزائرية، وكانا وراء تعبير الإنسان الجزائري عن ثقافة الرفض للعنصر الدخيل، الذي لم يخضع له إلا خضوع المغلوب للغالب (2).
إن هذا التفسير يمكننا من تفسير شهادة لأحد أعوان الإدارة الفرنسية بمكتب قسنطينة في مراسلة مؤرخة يوم 9 مارس 1861 وهو (فريديريك لكروا Fréderic Lacroix)، الذي سارع فور الاتصال بها ليرسلها للماريشال) الكونت (دي راندون C. De Randon) الحاكم العام، الذي حولها بدوره وعلى جناح السرعة إلى الإمبراطور نابوليون الثالث.
وأهمّ ما تضمنته شهادة هذا العون الفرنسي في تقريره قوله: «لقد تحصّلت ثلاثون خيمة من "البرّانية" التي تشكل دوار "فرلاتي"، منذ شهرين على رخصة الدخول إلى تونس، و قد وصلوا إلى "حدود الكفار". هنا يقومون بنزع ثيابهم و باقي الأشياء ثم يرمونها لمهب الريح. بعدها، ينفضون برانسهم بكل ما أوتوا من قوة قبل أن يغسلوها. يطلّقون زوجاتهم، يتطهرون، يصومون ثلاثة أيام ويعتكفون للصلاة، ليدخلوا بعدها "دار الإسلام " (تونس). هناك، يستعيد الرجال نساءهم عن طريق عقد نكاح شرعي جديد، وهذه المرة يقيمون حفلا كمن يعتنق الإسلام لأول مرة. ومن جهة أخرى ــــ يضيف نص المراسلة ــــ هناك ثلاثة آلاف خيمة أخرى تطلب بإلحاح رخصة المرور إلى تونس» (3).
أن فحوى هذه المراسلة، بالرغم مما فيها من مجانبة الصواب في بعض تصرفات أولئك اللاجئين، حسب قوله، تعبر بدلالات واضحة إلى ذلك الرفض العميق لهذا الواقع المفروض.
1.3 أعلام مزاب والاندماج
كان إلغاء قانون الإندجينا في فيفري1919، والانتخابات البلدية التي جرت بمدينة الجزائر في ديسمبر من نفس السنة، قد شكلا محطة إقلاع جديدة في تاريخ الهوية الوطنية الجزائرية فلقد أفضت من جهة إلى انقسام طبقة النخبة إلى اندماجيين و مناهضين للاندماج، وكشفت حقيقة الرأي الجزائري الرافض للإدماج.
وحول موضوع الأهالي والاندماج، مقال نشرته صحيفة برقية الجزائر ( La Dépéche d’Alger) ، أعادت "وادي ميزاب" نشره، تعرض فيه صاحبه باروكان. (4) لمزاعم جماعة النخبة ومطالبتهم بالإدماج، وبين في ذلك المقال بأن «الاندماج شيء مستحيل لأنه لا يعبر عن رغبة الأهالي ولا الفرنسيين». والحق ما شهد به الأعداء.
ومن هنا فإن الجزائري، حسب وجهة نظر الفرقد، لا يخدم وطنه إلا إذا اتخذ وسيلة محدّدة، وهي معارضة السياسة الاستعمارية بسياسة وطنية صرفة، على أن يحذر من سياسة الاندماج. إذ بقطع النظر عن البحث في معاني كلمة الاندماج، فإن معنى هذه الكلمة حسبه «مرادفه فتح الجزائر أدبيا بعدما تم فتحها ماديا، والقضاء على العاطفة الدينية الإسلامية والوطنية القومية، هذه الغاية التي يسعى لتحقيقها أنصار الإدماج» (5).
2.3 أعلام مزاب والتجنّس
واكب هذا الزخم مثيل له لدى التونسيين لما صدر في 20 ديسمبر 1923، فمما
__________
(1) -ر. م. ش. ع. حواش ملف Enseignement رقم رقم 5/ 1342: الدخول المدرسي الفرنسي في غرداية، ميزنار وزوجته وتعليم بنت مزاب، تقرير مؤرخ في 19/ 11/1941.
(2) - مصطفى الأشرف، الجزائر .. الأمة و المجتمع، ترجمة حنفي بن عيسى، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983، ص. 16 ــــ 21.
(3) - A.R.Goldzeiguer, Le royaume arabe, OpCit.,P.132
(4) - كان صاحب المقال مديرا لجريدة الأخبار الفرنسية.
(5) - محمد فنانش ومحفوظ قداش، نجم الشمال الإفريقي 1926 - 1937، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2002، ص 50 - 52 نقلا عن مقال في الإقدام الباريسي، في 1930، للفرقد، بعنوان: "حول تأسيس حزب وطني إسلامي في الجزائر ". (15/211)
صفحة 199
ركزت عليه حملة الدعاية المضادة لقانون التجنيس هناك، هو أنه يتناقض والهوية العربية الإسلامية، وأن الجنسية والدين الإسلامي عنصران لا ينفصلان. وقد استندت هذه الحملة على فتوى الشيخين علي سرور الزنكلوني أحد علماء جامع الأزهر، وأبي إسحق إبراهيم أطفيش اليزجني الجزائري الذي نفته السلطات الاستعمارية إلى تونس ثم إلى مصر. وكلاهما من المقربين من الثعالبي اللذين عملا في القاهرة على استصدار هذه الفتوى ومضمونها: "تكفير المتجنسين" في حين تقاعس شيوخ الزيتونة عن إصدار مثل هذه الفتوى، رغم إلحاح الصحافة الوطنية التونسية عليهم بذلك.
وقد نشرت جريدة (المشير) التونسية فتوى الزنكلوني تحت عنوان "حكم الله في مسألة التجنيس"، وقدمت الجريدة هذه الفتوى بما يلي: «بعث إلينا بهذه الفتوى الأستاذ الجليل العلامة الفاضل الشيخ علي سرور الزنكلوني أحد علماء الأزهر الشريف، جوابا عن سؤالنا الموجه ... على صفحات الصحف إلى كافة علماء الإسلام في كل قطر بشأن مسألة التجنيس التي رمتنا بها السياسة الاستعمارية هذه الأيام، التي يعلن فيها استقلال كثير من الأمم، وقد آثرنا نشرها، لما فيها من الآراء الصائبة، والنظريات الصحيحة، والحجة الدامغة على الذين أضلهم الله على علم» (1).
وكان الشيخ أبو اليقظان يولي هذه المسألة اهتماما كبيرا، وظهر ذلك جليا في كتاباته الصحفية، على اعتبار أنها مسألة مبدإ، ولا تحتمل اختلافا كثيرا. فقد كانت مسألة الاندماج محسومة الحكم عنده، لأنها المفهوم الآخر للتجنيس الذي «هو الانسلاخ عن الجنسية الإسلامية والدخول في الجنسية الفرنسية، بمعنى الاعتراف بفساد الشريعة الإسلامية وعدم الالتزام بأحكامها، والاعتراف بصلاحية التشريع الفرنسي الوضعي، والالتزام بأحكامه عليه وعلى ذريته من بعده».
ويعتبر أبو اليقظان حكم التجنيس بالمعنى الذي ذكره هو ردة، أي رجوع عن الإسلام إلى كفر الشرك وذلك لقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? S S S S ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? چ چ چ چ
__________
(1) - كانت حملة عنيفة وبأشكال متنوعة منها الكتابة في الصحافة التونسية، والتشنيع على التجنيس والمتجنسين، بمبادرة من الحزب الدستوري الحر التونسي، ومن هذه الجرائد الأمة (التونسية) ومرشد الأمة والنديم وجحجوح والعصر الجديد. انظر: عبد العزيز الثعالبي، من آثاره وأخباره في المشرق والمغرب، إعداد وتقديم وتعليق د. صالح الخرفي، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1995، ص121، نقلا عن المشير عدد 21، لـ 1 شعبان 1343 هـ، 8 مارس 1924. (15/212)
صفحة 200
? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (1).
واعتمد في تفسير هذه الآيات على تفسير "التسيير" لقطب الأئمة الشيخ امحمد اطفيش، مضيفا أن «المتجنس وإن كان يدعي أنه يؤمن بالله ورسوله، لكنه لما كان كافرا بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والكفر بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كفر بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، والكفر بالرسول - صلى الله عليه وسلم - كفر بالله، فهو كافر بالله كفر شرك ومرتدٌّ وراجع عن الإسلام وداخل بوقعه الكفر وترتب عنه أحكام المرتد جميعها في الدنيا والآخرة هذا هو الحق، هذا هو الصواب والناس أمام الحق والصواب سواء».
وفي السياق ذاته، أوقع الشيخ أبو اليقظان المتجنس في مأزق الشرك، باعتبار أن الشيخ صنَّف الشرك إلى قسمين: شرك جحود أي إنكار الله وشرك مساواة أي مساواة الله تعالى لغيره من شيء كالعجز والكذب وغيره، فإنكار رسول من الرسل أو نبي من الأنبياء أو كتاب من الكتب المنزلة أو حرف منها كفر شرك، شرك مساواة، لما في إنكار شيء من ذلك من تكذيب الله تعالى ومساواته بغيره في الكذب. (2)
الخلاصة
مما تقدم نخلص إلى أن أشكال رفض الجزائريين لهذا الأمر الواقع تعددت منذ الأيام الأولى من الاحتلال. ومع تطور الأحداث تبلورت تعابير الرفض الثقافي على شكلين أساسيين حركة قلمية تصدت للكتابة ومراسلة الصحف وأصحاب القرار السياسي واعتلاء المنابر الإعلامية، وحركة أخرى كانت تسايرها وتؤازرها وتغذيها وهي حركة التعليم، فدروس العلم كانت تستقطب أفواجا من الشباب، ودروس الوعظ والإرشاد كانت تجتذب الجماهير إلى رحاب الإصلاح، وقد تلاقت الحركتان للنظر في ما يجمعهما تنظيميا بعد أن اجتمعتا فكريا.
وكانت الأوساط الإصلاحية في ذلك العصر في تجاذب بين رأيين لهما التقاء في المقصد واختلاف في المنهج؛ أحدهما صرف القوة كلها وتوجيه الجهود إلى التعليم المثمر لتكوين جيل جديد منسجم الرؤية مطبوع بالطابع الإصلاحي علما وعملا، ومسلح بالدليل الشرعي والعقلي، ومدرب على أساليب الدعوة الإسلامية، فإذا تم تكوين هذا الجيل في شتى العلوم وتمكينه من الخطابة والكتابة والدعوة والوعظ والتربية والتعليم؛ استخدمت هذه الطاقة في الحملة على الباطل والبدع،
__________
(1) - المائدة، الآية 51، 52.
(2) - أبو اليقظان، "رأينا في التجنيس"، وادي ميزاب، ع70، لـ 17/ 02/1928م، د. محمد صالح ناصر، مختارات من صحف أبي اليقظان، مكتبة الريام، الجزائر، 2003، ص 104ــــ 106. (15/214)
صفحة 201
على ثقة بربح المعركة. والرأي الثاني يرتكز على أن البدع والمنكرات التي يريد الإصلاح أن يكون حربا عليها هي أمور راسخة في واقع الناس، حتى اعتقدوا أنها واجبات عليهم. وبناء على ذلك فإن أنجح المناهج، حسب هذا الرأي، هي المواجهة والمجابهة بأخذ المبطلين على حين غرة والهجوم عليهم بلا هوادة، واستماع العامة صوت الحق فصيحا، وفضح ألاعيب ذوي الضمائر الضعيفة، إذ لا طمع في التأثير في هؤلاء إلا بصيحة مدوية تزلزل أركانهم.
وفي مزاب كانت دعوة الشيخ أمحمد اطفيش في نفس السياق الذي نحته النهضة الإسلامية العامة، فقد عايش حركة الجامعة الإسلامية وأدلى بدلوه فيها. ورغم أن معهد الشيخ لم يستمر من بعده، إلا أن النهضة التي أرسى قواعدها الشيخ لم تمت بموته بل تلقف رايتها تلاميذه من بعده ومن تأثر بأفكاره وبروح العصر، فأسسوا مدارس ومعاهد اضطلعت بالاستمرار في نفس النهج الإصلاحي.
والملحوظ أن التعليم الذي كان له الدور الأساسي والريادي في هذا الكفاح الحضاري كان محوطا بالأخلاق وموجها بنبل المقصد والغاية ومصحوبا بالتربية والتهذيب، وهو ما أمنه من كثير من العثرات التي تعرضت لها النهضات، وجنى المجتمع ثمار نهضة فكرية كان لها دور خطير في العالم الإسلامي.
وما يجب التأكيد عليه أن هذه الحركة التربوية والتعليمية في مزاب كانت سامية الغاية وهي طلب رضا الله ونبيلة المقصد دقيقة الهدف، تتوخى شرف العلم ونفي الجهل، وتكوين الملكات العلمية في مختلف الفنون وتثقيف العقل وتنوير الذهن وتربية النفس تربية صحيحة، وإعدادها لتحمل قسط من عبء الإصلاح الديني والوطني.
ولتحقيق هذه الأهداف اتخذت هذه الجمعيات وسائل عديدة، وسلكت طرقا متعددة فبنت المساجد، وأسست المدارس وأقامت النوادي وفتحت المكتبات، وحرصت على دعم ذوي الفاقة من الطلبة، وأرسلت البعثات العلمية إلى الخارج إلى تونس وبغداد والقاهرة ودمشق.
وقد أشاد الشيخ عبد الحميد بن باديس بالنهضة التربوية والتعليمية التي قادها جملة من الأعلام في مزاب، فزار بعثتهم الطلابية في تونس، ونوه بالتنسيق الحاصل في مجال التربية والتعليم، وبتمثيل معاني الأخوة تمثيلا عمليا، بين أعلام المالكية والإباضية، حين بلغوا إلى حد أن جماعتهم واحدة، ورأيهم واحد وشوراهم في المصالح العامة واحدة.
وكانت حركة الإصلاح في مزاب خلال فترة الثورة التحريرية تراهن على دفع عجلة التعليم إلى الأمام لتحضير إطارات الدولة المشروع وقيادات الأمة.
وفي مجال الإعلام تعتبر الصّحف من أهمّ وسائل التوعية والتثقيف في المجتمع، (15/215)
صفحة 202
وقد ظهرت في الجزائر وفي عالمنا العربي والإسلاميّ صحف ومجلّات كثيرة وهامّة، منها التي أسسها أعلام من مزاب، فحملوا ومن آزرهم من الكُتّاب في جهادهم الصحفي لواء التوعيّة والتثقيف وكشف الحقائق وخدمة العروبة والإسلام، فكانوا نخبة صالحة، أبلوا البلاء الحسن. فشرّفَت هذه الصحافة الأمة بأسرها، إذ أصبحت بها أمة ذات لسان يعبر عن آمالها وآلامها، وينافح دون حقيقتها. وينشر بين سمع الدنيا وبصرها صفحات خالدة من تاريخها وصورا رائعة من ماضيها وحاضرها.
لقد كانت تلك الجهود المبذولة في مجالي التعليم والإعلام يحركها التحدي لخطط المسخ والتشويه الثقافي التي تنتجها المخابر السوسيولوجية الاستعمارية، فراهنت على التنوع العرقي للمجتمع الجزائري بكشفها لنقاط الضعف في صفوف المجتمع الجزائري خاصة الاختلافات بين العرب والبربر، غير أن قوة الإسلام أذابت تلك الفوارق وألغتها، ووحدتهم تحت رايته ومصلحة الوطن ولم تحقق هذه التجارب الاستعمارية شيئا يذكر مقارنة بالجهود المبذولة.
ولما أصبحت خطة تجهيل الجزائريين عائقا أمام السياسة الثقافية الفرنسية، نزعت سلطة الاحتلال إلى فتح مدارس لتهيئة جيل يتنكر لماضيه الحضاري ويدين بالولاء للهوية الفرنسية، لكن رفض التعليم الفرنسي ظل موقفا سائدا في مزاب حتى الثلاثينات من القرن العشرين؛ و استمر هذا التحفظ الناجم عن مشاعر الشك والريبة بكل ماله علاقة بالإدارة الفرنسية وبالحضارة الأوروبية عموما. وكان الدين الإسلامي واللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن عنصران أساسيان من عناصر الهوية الجزائرية، وكانا وراء تعبير الإنسان الجزائري عن ثقافة الرفض للعنصر الدخيل.
ومع تطور الأحداث وتفاقم انعكاسات المقاطعة السلبية، بدأت مساحة الإقبال على التعليم الفرنسي تتسع بعد أن أثمرت جهود المصلحين الذين تفطنوا إلى ضرورة تسليح أبناء الجزائر بتعليم فرنسي يمكنهم من شغل المناصب لتفويت الفرص على الانتهازيين والطموحين من صنائع الإدارة الفرنسية، ومقاومة الاستعمار بنفس سلاحه وفي مواقعه التي ينطلق منه غزوه الثقافي. وفعلا كان هذا الموقف الواعي حاجزا أمام المثقفين الجزائريين بالفرنسية لا يرون معنى للإدماج إلا مرادفا غزوا للجزائر أدبيا بعدما تم إخضاعها ماديا، وقضاء مبرماعلى العاطفة الدينية الإسلامية والوطنية القومية، وهي الغاية التي يسعى لتحقيقها أنصار الإدماج، ولا يجدون للتجنيس حكما إلا حكم الردة عن الإسلام.
- - - (15/216)
صفحة 203
بدء الإسلام وشرائع الدين
للّواب بن سلاَّم الإباضي
قراءة مغربية بربرية إباضية لقواعد الإسلام
وسيَر الحُكام والأعلام
أ/ حنان الحسين الطرابلسي
المعهد العالي للدراسات التطبيقية
في الإنسانيات بالكاف ـــــ تونس
ص
صنّف حسن حسني عبد الوهاب لوّاب بن سلام مؤلّف كتاب "بدء الإسلام وشرائع الدّين" على أنّه أقدم المؤرّخين الإفريقيين (1)، وقد صرّح محققا الكتاب وهما: الشيخ سالم بن يعقوب وقيرنر شفارتس بأنَّ قيمة هذا الكتاب تتمثّل في أنّه من المحاولات الأولى لغير العرب أو بالأحرى لسكّان البلاد الأصليين "البربر" (2) لوصف أسس الحياة الدّينية وللتعريف بتاريخ الإسلام (3).
وبالبحث في الكتاب يظهر لنا كصورة حيّة لثلاثة قراءات هي كالتّالي:
1 - "بدء الإسلام وشرائع الدّين" قراءة مغربية بربرية إباضية للإسلام وأركانه وقواعده وأسسه.
2 - "بدء الإسلام وشرائع الدّين" قراءة مغربية بربرية إباضية لسير الحكّام من خلال "لمع من أخبار الجبابرة المعتدين" (4).
3 - "بدء الإسلام وشرائع الدّين" قراءة مغربية بربرية إباضية لتاريخ الإباضيين ببلاد المغرب المقتدين بفضائل الصحابة المهتدين وسير أعلام المذهب وفقهائه ومشايخه من أهل المشرق.
__________
(1) - حسن حسني عبد الوهاب، "ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التّونسية"، مكتبة المنار، تونس، 1965، قسم 1، ص 80.
(2) - سنعتمد مصطلح " البربر" عوضا عن مصطلح "أمازيغ" تعبيرا عن سكّان بلاد المغرب الأصليين وذلك لأنّه المصطلح الّذي استعمله لوّاب بن سلاّم في كتابه بدء الإسلام وشرائع الدّين.
(3) - لوّاب بن سلاّم الإباضي، "بدء الإسلام وشرائع الدين "، تحقيق قيرنر شقارتس والشيخ سالم بن يعقوب، دار النشر فرانز شتايزبقيبادن، 1306 هـ / 1986 م، قسم 1، ص 6.
(4) - المصدر نفسه، ص 59. (16/217)
صفحة 204
فكيف كانت هذه القراءات؟ وكيف هي صورة الإسلام وشرائعه من وجهة نظر لوّاب بن سلاَّم البربري الإباضي؟ وكيف كان كتاب ابن سلاَّم "بدء الإسلام وشرائع الدّين"مثالا عن محاولات مغربية بربرية إباضية أولى للترجمة لأعلام الإباضية المشارقة والمغاربة ليكون الكتاب أوّل كتاب سير إباضي؟
1 - "بدء الإسلام وشرائع الدّين" قراءة مغربية بربرية إباضية للإسلام وأركانه وقواعده وأسسه:
لقد حفل كتاب "بدء الإسلام وشرائع الدّين" بتوجيهات عقائدية إسلامية قائمة على عرض ابن سلاَّم أوّلا لقواعد الإيمان، يقول "فقال له النبيّ عليه السّلام، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث واليوم الآخر والموت والقدر خيره وشرّه من الله عزّ وجلّ" (1).
كما قدّم ابن سلاَّم أركان الإسلام بقوله: "فقال النبيّ عليه السّلام: إقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة وصيام رمضان وحجّ البيت والاغتسال من الجنابة" (2)، وقد أورد هذه الأركان والأسس على لسان النبيّ محمد عليه الصّلاة والسّلام وهو المصدر لجميع أركان العقيدة الإسلامية وأسسها وتعاليمها، وهو ما يؤكّد عليه في الفقرة الثّالثة من الكتاب، فيقول ابن سلاَّم: "وإذا قيل لك: ما شرائع دينك ومن الفقهاء والعلماء الذين تروي عنهم دينك؟ فقل: ديننا دين الله الّذي شرّع لنبيه محمد عليه السّلام ... "، ولعلّ المقصود بالسؤال الّذي أورده ابن سلاَّم في هذا الشّاهد هو أن يتساءل عن أصول العقيدة الإباضية وأسسها ويجيب باعتماد ضمير المتكلّم "نحن" أو قوله "ديننا" والمقصود به هو المذهب الإباضي وهو سيرة النبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم ومن سبقه من الأنبياء والرّسل الوارد ذكرهم في سورة "الأنعام" (3)، وهم أسيادنا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب ويوسف وهارون وزكرياء ويحيى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط، هؤلاء ابتدأ بهم الإسلام وأسسوا لقواعده وأخلصوا في الإقتداء به والحفاظ عليه.
__________
(1) - المصدر نفسه، ص 60.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - المصدر نفسه، ص 61. (16/218)
صفحة 205
ويستشهد ابن سلاَّم لذلك بالقرآن الكريم وما نزل فيه تنزيها للرّسل والأنبياء وفضلهم على الإسلام ويفرض الاقتداء بهم وبما أتوا به وهم المؤمنون "الصّادقون المخلصون" ولذلك فإنّ القرآن وسيرة الأنبياء والرّسل مجتمعين هما مكوّنا عقيدة الإباضيين ومذهبهم، كما يضيف ابن سلاَّم إلى القرآن وسيرة النبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن سبقه من الأنبياء والرّسل ومن رافقه من الصّحابة وهم: أبو بكر الصّديق وعمر بن الخطّاب "الفاروق" وأبو عبيدة بن الجرّاح وعبد الرّحمان بن عوف القريشي وعمّار بن ياسر وخزيمة بن ثابت الأنصاري وأبي الهيثم بن النبهان الأنصاري وأويس القرني وسعيد بن جبير.
وقدّم ابن سلاَّم في كتابه نبذة عن سيرة صحابة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - من خلال أحاديث قيلت فيهم من طرف الرّسول عليه السّلام ودون أن يغفل عن تذكيرنا بأنّ دين هؤلاء الجماعة من رفقاء الرّسول هو الدين الذي تدين به الإباضية فيعتمد أحيانا "ديننا دين النبيّ وأبي بكر وعمر بن الخطّاب الشّهيد رحمهم الله ... " (1)، ويعتمد أحيانا أخرى "ومنّا أويس القرني ... ومنّا سعيد بن جبير ... " (2).
وقد أفرد ابن سلاَّم لصحابة الرّسول عليه الصلاة والسّلام والذين تأخذ عنهم الإباضية دينها فقرات مستقلّة يختلف طولها حسب أهمية الشّخصية وحسب ما روي عن فضله وما قال فيها النبيّ عليه الصلاة والسّلام من أخبار وأحاديث.
وبما أنّ ابن سلاَّم يؤكّد مرارا في القسم الأوّل من كتابه على أنّ مذهب الإباضية هو ما جاء بالقرآن وما جاء به الرّسول محمد عليه السّلام وما كان عليه الأنبياء والرّسل الذين سبقوا الدعوة المحمدية ومن حذا حذو الرّسول ورافقه من المهاجرين والأنصار وهم من أطلق عليهم مصطلح "الجماعة" ولذلك سيسعى إلى ربط معتنقي مذهب الإباضية من بين بربر بلاد المغرب ـــ وهو أحدهم ـــ بهذه الجماعة، ولعلّ هذا يعيد إلى أذهاننا تسمية الإباضية "بجماعة المسلمين" مؤكّدا على أنّ الخروج على الجماعة، والتي أفرد لها ثماني فقرات من كتابه، هو خروج من ربقة الإسلام (3)، وهنا أورد ابن سلاَّم الإباضي المرادف البربري لكلمة "ربقة" بقوله "والرّبقة: تاسدّيت بالبربرية، والرّبق الحبل تجمع فيه الجديان وهو أسدي يزدي بالبربرية". (4)
__________
(1) - المصدر نفسه، ص 72.
(2) - المصدر نفسه، ص 79.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - المصدر نفسه. (16/219)
صفحة 206
ولعلّه بذلك يذكّرنا بأصوله البربرية مؤكّدا على أنّ الإباضية ببلاد المغرب في صفوف البربر هيّ الشّكل الأوّل للإسلام الّذي يقتدي بالقرآن الكريم وبسيرة النبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن سبقه من الرّسل والأنبياء عليهم جميعا صلوات الله تعالى ومن كان من أصحاب الرسول ومن رافقه من المهاجرين والأنصار واقتدوا به معتبرا أنّ مذهب الإباضية وكما هي عليه حسب ابن سلاَّم هو دين المسلمين الأول، أي الصّورة الأولى للإسلام ولأركانه ولقواعد الإيمان فيه قبل أن تطرأ عليه الاختلافات والتّحولات نتيجة للأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية الطارئة ولعلّه بذلك يقيم الدّليل عن المساعي العديدة للإباضيين جميعا للتبرؤ من تهمة الخروج والمروق عن الدّين والتي اتهموهم بها مخالفوهم باعتبارهم لم يبتدعوا مصادر لدينهم خلاف القرآن وسنّة الأنبياء وصحابة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه وهو ما أكّد عليه ابن سلاَّم بقوله بأنّه هو دين الجماعة قبل افتراق الأمّة واختلافها.
هذا الدّين المنظّم للعلاقات بين الأفراد وفي علاقتهم بالله تعالى وهو ما اصطلح عليه ابن سلاَّم بتسميته "شرائع الدّين" هذه الشرائع المنظّمة للمجتمع الإباضي البربري والمستمدّة أساسا من القرآن ومن الأخبار المأثورة عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وصحابته.
ويقدّم ابن سلاَّم في هذا المجال طرحا لشرائع الدّين التي تقنّن علاقة الفرد بربّه وعلاقة الفرد بالفرد (الوالدين واليتامى والمساكين وذي القربى والجار وعلاقة المرأة بربها وعلاقتها بزوجها وبغير زوجها) وما يوجبه الإسلام من السلوكيات.
ويستشهد في ذلك ابن سلاَّم بأحاديث للرّسول - صلى الله عليه وسلم - وفتاوى وأخبار للحسن البصري وهو من أهمّ مصادر الإفتاء لدى الإباضية، معتبرا أنّ شرائع الإسلام وكما سبق أن قسّمناها متفرّعة إلى ثلاثة اتّجاهات وهي:
أ شرائع متعلّقة بعلاقة الفرد بربّه: وقد قال عنها ابن سلاَّم "شهادة أنّ لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله وما جاء به من الحقّ والإيمان بما أنزل الله والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلا وصيام رمضان." (1)
ب شرائع متعلّقة بعلاقة الفرد بأفراد مجتمعه: وفيها تطرّق ابن سلاَّم إلى الأحكام المنظمة للعلاقات القائمة بين المسلم وباقي أفراد المجتمع، ومن بين هؤلاء الأفراد تحدّث ابن سلاَّم عن الإحسان للوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين.
__________
(1) - المصدر نفسه، ص 86. (16/220)
صفحة 207
كما فرّق ابن سلاَّم في علاقة المرء بجاره فقدّم أنواع الجوار فيقول: "والجار ذي القربى له ثلاثة حقوق حقّ القرابة وحقّ الجوار وحقّ الإسلام، والجار الجنب له حقّان حقّ الجوار وحقّ الإسلام، والجار الّذي له حقّ واحد هو الذميّ اليهوديّ أو النصرانيّ له حقّ الجوار" (1)، معتبرا أنّ حقوق الجوار تتلخّص في بذل المعروف للجار وكفّ الأذى والغشّ والظّلم عنه.
كما نظّم ابن سلاَّم في الفقرة التاسعة من كتابه والمتعلّقة بشرائع الإسلام حقوق الصّاحب في الصّحبة والرّفقة الحسنة، وحقّ ابن السّبيل في الضيافة، وحقّ الخدم في الإحسان في الأكل والملبس والعمل.
ت شرائع متعلّقة بتنظيم سلوك المرأة والعلاقة بينها وبين الرّجل، وهي شرائع أوجبت على المرأة غضّ البصر وحفظ الفروج وستر ما أمر الله بستره، كما قنّنت هذه الشرائع علاقة المرأة بزوجها وواجباتها تجاهه من لباس وزينة وطاعة وحقوقها عليه في النّكاح بالرّضا واعتزالهنّ في المحيض والإحسان إليهنّ وضوابط الطّاعة.
كما أوجبت شرائع الدّين الإسلامي الاستئذان في دخول البيوت وأداء الأمانة والحكم بالعدل بين النّاس والبرّ والتقوى.
وقد استدلّ ابن سلاَّم لتقديم جميع هذه القوانين والشرائع المنظمة للمجتمع الاسلامي وللعلاقات القائمة بين أفراده بالنصّ القرآني فاستشهد في كلّ مناسبة بآيات من القرآن الكريم، حتّى إنّه في هذا يفترض أن يكون قارئ كتابه حافظا للقرآن الكريم، أو بين يديه كتاب الله تعالى، لأنّ ابن سلاَّم في اعتماده لآيات من القرآن الكريم لا يورد أحيانا الآية كاملة وإنّما يقول جزءًا من الآية ويحدّد لنا حدود الشّاهد، كقوله مثلا: «لأنّ الله يقول لنبيّه عليه السّلام: يا أيّها النبيّ قل لأزواجك وبناتك إلى قوله من جلابيبهنّ» (2).
كما يستدلّ على هذه الشّرائع بأحاديث وأخبار عن الرّسول - صلى الله عليه وسلم - وعن صحابته والتّابعين له، وقد أورد ابن سلاَّم أقوالا مأثورة عن الحسن البصري (3)، وبعض الفتاوى التي رويت عنه في باب المرأة وعلاقتها بزوجها وغير زوجها، وهو ما يجعلنا نفترض أنّ الحسن البصري من أهمّ مصادر الإفتاء عند الإباضية.
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - المصدر نفسه، ص 87.
(3) - المصدر نفسه، ص ص 88، 89. (16/221)
صفحة 208
وبعد أن قدَّم ابن سلاَّم في القسم الأوّل من كتابه وإلى حدود الفقرة السّابعة منه أسس العقيدة الإسلامية ثمّ أفرد الفقرة الثامنة والتّاسعة للحديث وتفصيلا عن شرائع الإسلام، والقوانين المنظمة للعلاقات بين الأفراد وفق ما اقتضاه القرآن والسنّة وسيرة الصّحابة والتّابعين وفتاويهم، مؤكّدا في كلّ مرَّة ــــ باعتماد لازمة لفظية "ديننا"، "منَّا"، "ندين" ــــ على أنَّ المذهب الذي تدين به الإباضية مذهبٌ متأصِّل ومتجذّر في الإسلام ومتّصل بمصادره الأولى، والمتمثّلة في النصّ القرآني وسيرة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - ومن سبقوه من الأنبياء والرّسل، ومن خلفوه من الصّحابة من الأنصار والمهاجرين والتّابعين، مستشهدا بذلك في مناسبات عديدة.
ولتأكيد ذلك فقد ذيَّل لوَّاب بن سلاَّم حديثه في شرائع الدّين برسالة للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، كتبها لأهل طرابلس، فيها تذكير بشرائع الإسلام بعيون إباضية، أرادها لوّاب بن سلاَّم دليلا على ما سبق، والّذي أورده في كتابه بالتفصيل حتّى إنَّ ابن سلاَّم قد حافظ على عديد المصطلحات والجمل والتراكيب التي استعملها عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم في كتابه (1)، وقد ختم عبد الإمام عبد الوهاب رسالته بموقف الإباضية من الولاية والبراءة.
وفي باب الولاية والبراءة تعرَّض لوَّاب بن سلاَّم إلى أحكام الولاية وموجبات البراءة وأركان الخروج، كما قدَّم صفات الإمام والقاضي والمفتي مؤكٍّدا أنَّ بصَلاتهم وورعهم وعلمهم يكون صلاح الأمَّة ومن خالف منهم ذلك وجبت منه البراءة وإنكاره واعتزاله (2).
هذه شرائع المذهب الإباضي حسب ابن سلاَّم قدَّمها في كتابه، وفي عرضه لها تعريفٌ لمن لا يعرفها، وتعليم لمن ليست له دراية بها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن نعتبر أنَّ ما قدَّمه ابن سلاَّم في هذا القسم من الكتاب تأكيدًا على ما تدافع عنه الإباضية مشرقا ومغربا وهو أنَّ الإباضية بريئة من لقب "الخوارج" الذي طالما أُلصق بها في كثير من المصادر والدراسات والبحوث، ليبرز ابن سلاَّم أنَّ صفة الخروج هي صفة متعلِّقة بالخارج عن الإسلام، وبما أنَّ الإباضية مذهب متَّصل اتصالا وثيقا بالمصادر الأصول الإسلامية وهي القرآن وسيرة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - ومن سبقه من الرّسل
__________
(1) - المصدر نفسه، ص ص 86، 93.
(2) - المصدر نفسه، ص ص 97، 98. (16/222)
صفحة 209
والأنبياء، ومن لحقه من الصّحابة والتّابعين والخلفاء الرّاشدين، فلا علاقة لها إذًا بالخوارج. كما يرى أنَّ الخروج يكون واجبا عمَّن ضيَّعوا الإسلام وحادوا عن طريقه من الحكَّام أو من سمَّاهم "الجبابرة" من بني أمية، وهم من أطلق عليهم اسم: "المخالفين لدين الجماعة من الملوك والجبابرة وأتباعهم".
2 - "بدء الإسلام وشرائع الدّين" قراءة مغربية بربرية إباضية "للمع من أخبار الجبابرة المعتدين":
لقد أفرد ابن سلاَّم لصفات القاضي والمفتي والإمام فقرة مستقلة من كتابه (1) ليجعل من صفات الإمام هي الضامن لسلامة الأمّة الإسلامية وبقائها في أحسن الأحوال، فعلى الإمام أن يكون على قدر كبير من الصّلاح والورع والعفاف والفقه والفهم والعقل والعلم بالقرآن والسنّة.
وإذا تخلَّى الإمام عن هذه الصّفات ومال إلى الهوى، ليحكم به ويعدل عن المساواة بين رعيته، ويحيد عن سنّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وجبت معصيته واعتزاله.
يسمِّي ابن سلاَّم هؤلاء الأئمَّة "المخالفين لدين الجماعة من الملوك والجبابرة" (2)، ويفرض الخروج عنهم وعصيانهم معتبرًا أنَّ الله والرّسول - صلى الله عليه وسلم - براء ممَّن عصى إماما عادلا من جهة، وبراء من إمام ظالم هو ومن يطيعه (3).
ومن الذين خالفت صفاتهم صفات الإمام السوي بني أمية الذين أخّروا وقت صلاة الجمعة واستحلوا الحرام وولوا أقاربهم وصبيانهم أمور الرعية وولاية المسلمين عهد بعد عهد، وهم الذين لم يستعمل ابن سلاَّم في حديثه عنهم لفظ "إمام"، كما اكتفى بتعداد مجموعة من الهنات خلال حكمهم والراجعة لعدم أهليتهم لخلافة المسلمين.
ويتَّفق ابن سلاَّم مع عديد المؤلفات التي تحدثت عن جور بني أميَّة ببلاد المشرق، وخاصَّة في المناطق التي تركَّز فيها معارضوهم من الإباضية والتي اتخذت أشكالا عديدة وأحكاما من بينها القتل والنفي والإقامة الجبرية (4).
__________
(1) - المصدر نفسه، من ص 95 إلى ص 98.
(2) - المصدر نفسه، ص 98.
(3) - المصدر نفسه، ص 97.
(4) - ما كان من أمر زياد بن أبي سفيان الذي ولاَّه معاوية بن أبي سفيان على البصرة وسياسته مع خروج أوَّل مجموعة من الحرورية التي كانت بقيادة سهم بن غالب الهجيمي. راجع لطيفة البكاي، " حركة الخوارج: نشأتها وتطوّرها إلى العهد الأموي (37هـ ــــ 132هـ)، دار الطّليعة، بيروت، ط 1، كانون الثاني (يناير) 2001، ص ص 67، 68. (16/223)
صفحة 210
ويبدو أنّ سياسة بني أميّة قد حملت في ثناياها مواطن خلل الدولة الأموية والتي تمثلت حسب ابن سلاَّم بتوليتهم أقاربهم وأهلهم وذويهم، وابتعادهم عن الشورى وتكليف من هم دون أمر الخلافة.
أمَّا عن اعتماد ابن سلاَّم لأئمَّة بني أميَّة وولاتهم في البلاد الإسلامية وأمصارها كمثال وحيد لإبراز صورة "المخالفين لدين الجماعة" من الملوك والجبابرة وهو يمكن إرجاعه إلى أنَّ بني أميَّة من الحكام الذين أجمعت حولهم تقريبا عديد المصادر والمراجع قد مثَّلوا صورة لممارسات مشينة تجاه معارضيهم من المسلمين وخاصَّة الإباضيين منهم والذين تعرَّضوا على أيدي ولاّتهم إلى التنكيل والإساءة فضلا عن السياسة الجائرة التي اعتمدوها تجاه البربر سكان بلاد المغرب (1).
وهو ما يؤكد أنّ لابن سلاَّم الإباضي عداء شديد ــــ شأنه في ذلك شأن جميع الإباضيين ـــــ لحكام بني أمية الجوَرة، ولسياستهم التي مارسوها تجاه المسلمين من غير آل بيتهم وأقاربهم.
كما يجزم ابن سلاَّم بأنَّ سياسة بني أميَّة هي المثال لسياسة الأئمَّة الجوَرَة التي قدَّمها في كتابه والتي وجب الخروج عنها وإعلان المعارضة لها، ولعلَّ هذا تبرير لراية الخروج والمعارضة التي رفعها الإباضيون في وجه معاوية بن أبي سفيان أوَّلا وباقي خلفائه وولاته وعمَّاله في كامل بلاد المسلمين بما في ذلك بلاد المغرب، وكأنَّنا به يقدِّم مفهوما إيجابيا لمصطلح "الخروج" ليصبح من صفات المؤمن الحقِّ الذي لا يرضى المسَّ من قواعد الشريعة الإسلامية قرآنا وسنَّة.
كما يمكن أن نعتبر أنّ ابن سلاَّم، ومحاولة منه لإيجاد تنظيم داخليّ يحكم فقرات الكتاب ومواضيعه، قام بتقديم صورة الإمام والقاضي والمفتي؛ وفصّل في الصفات الواجب التحلّي بها ضمانا لسلامة الأمة الاسلامية وصلاحها معتبرا الإمام الذي يتخلَّى عن فضائله التي أوجبها الإسلام والتي سار عليها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الصّالحون ــــ كما كان الأمر مع بني أميَّة وأمرائهم ــــ وجب الخروج عليه ومخالفتُه لمخالفته الإسلام وقوانينه، معتبرا أنَّ عدم توفُّر الصّفات التي فصَّل القول فيها في الإمام سببا في الفتنة.
__________
(1) - ابن الأثير،"الكامل في التّاريخ"، دار صادر للطّباعة والنّشر ودار بيروت للطّباعة والنّشر، بيروت، 1385 هـ/ 1965 م، ج 3، ص 45. لطيفة البكاي، " حركة الخوارج ... " ص ص 236، 237.
Tadeuz Lewicki : « Les Ibadites dans l’Arabie de sud en moyen âge », Folia Orientalia, vol 1 , n° 2, 1959, p3. (16/224)
صفحة 211
وقد استدلَّ ابن سلاَّم على ذلك من خلال تقديمه لصفات الستَّة أنفار الذين ترك فيهم عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أمر خلافة المسلمين وجعلها شورى بينهم يختارهم المسلمون.
كما أورد ابن سلاَّم صفات كلٍّ واحد من الأنفار المذكورين والتي من شأنها أن تضعف أهلية كلِّ واحد منهم لهذه المهمَّة وهم كالتالي:
- عبد الرّحمان بن عوف (اللّين والضّعف)
- علي بن أبي طالب (الدّعابة والمزاح)
- الزّبير بن العوام (الشدَّة)
- عثمان بن عفَّان (يوقِّر بني أمية)
- سعد بن أبي وقاص (رجل به خرق)
- طلحة بن عبد الله (تعجبه نفسه)
من خلال تقديم ابن سلاَّم لصفات الأنفار الذين ترك فيهم عمر بن الخطّاب أمر الخلافة يمكن أن نعتبر أنَّه دلالة أساسية على أنَّ ما كان من أمر الفتنة هو ضروري لعدم استجابة أيِّ فرد من هؤلاء الأفراد لشروط الإمام والصفات الواجب توفُّرها فيه.
وكأنَّنا بابن سلاَّم يبرِّر الفتنة التي وقعت في عهد عثمان بن عفّان - رضي الله عنه - وانتهت بقتله في مرحلة أولى، ثمَّ تعمَّقت بتولية عليِّ بن أبي طالب خلافة المسلمين، وما كان في خلافته من التّحكيم وخروج أهل الجمل عليه أوَّلا، ثمّ أهل صفّين ثانيا. ومنها بدأ ظهور الشّيع والفرق التي اختارت الخروج عن الخليفة وعن منافسه في الخلافة معاوية بن أبي سفيان.
ويستشهد ابن سلاَّم بأحاديث وأخبار رويت عن الرّسول - صلى الله عليه وسلم - في قريش معتبرا أنّ مقياس أهلية الإمام والخليفة هو مدى اتّباعه دين الله الحنيف وليس انتماءه القبلي أو العرقي (1)، ولعلَّ هذا ما أدَّى به إلى إبراز المعارضين لمعاوية ولعليِّ قابل التّحكيم، وهم الذين أطلق عليهم ابن سلاَّم "أهل الحقّ"؛ وهم من المهاجرين والأنصار والتَّابعين من أهل المغرب واليمن وحضرموت وعُمان وخراسان وطرابلس (2)، هؤلاء هم الإباضيون والذين تزعَّموا حركات المعارضة للأمويين الذين تسلَّموا مقاليد الخلافة، واجتهد هؤلاء المعارضون لنشر الدّين سرّا خشية ممارسات السّلطة الأموية تجاه معارضيها.
"أهل الحق" من التّسميات التي أطلقت على جماعة الإباضية مثلها مثل "أهل الاستقامة" نسبة إلى الجماعة التي آثرت اعتزال علي بن أبي طالب المتخلّي عن منصب
__________
(1) - المصدر نفسه، ص ص 107، 108.
(2) - المصدر نفسه، ص 106. (16/225)
صفحة 212
الخلافة التي أولاه إياها المسلمون وأجمعوا له عليها، وهي الجماعة التي تبرأت من معاوية بن أبي سفيان وأهله وعشيرته من الأمويين الذين استولوا على خلافة المسلمين والمؤسسين لنظام خلافوي قائم على القرابة الدّموية والعشائرية وبعيدا عن الأهلية والأحقية.
ومن هنا يعتبر ابن سلاَّم أنّ هذا الاعتزال لأهل الحقّ لم يتزعَّمه سوى فقهاء وأئمَّة من أهل المدينة وأهل مكَّة والبصرة والكوفة واليمن وعُمان وغيرها من أمصار المشرق والذين ذاع صيتهم ليبلغ بلاد المغرب، وهؤلاء سيفرد لهم ابن سلاَّم قسما خاصًّا بهم من كتابه، وهو ذو الأصل المغربي البربري ليكون مؤلَّفه ــــ كما سبق أن أشرنا في أوَّل بحثنا ــــ أوّل مؤلّف تاريخي يبحث في تاريخ جماعة الإباضية المغاربة، وفقهاء المذهب وأئمته ومشايخه.
3 - "بدء الإسلام وشرائع الدّين" قراءة مغربية بربرية إباضية "لفضائل الصّحابة المهتدين من المشارقة ومن حذا حذوهم من أهل المغرب":
يروي ابن سلاَّم في كتابه أنَّ أهل المذهب ببلاد المغرب كانت لهم في المشارقة قدوة اهتدوا بهديهم وساروا على نهجهم (1).
وقد استهلَّ ابن سلاَّم الحديث عن هؤلاء الأئمة بالحديث عن الإمام الأوَّل للإباضية؛ وهو جابر بن زيد وإليه يَنسب الإباضية تكوين الجماعة وتنظيم دعوتها السرّية (2).
وفي الحديث عنه لم يقدِّم بن سلاَّم تفاصيل دقيقة عن حياته، رغم تأكيد جميع المصادر والمراجع الإباضية على أنَّه الداعية الأوَّل للمذهب الإباضي، واكتفى بن سلاَّم بسرد جملة من الأقوال المأثورة عن أبي الشعثاء (جابر بن زيد) والمنقولة عن عائشة أم المؤمنين، والحسن البصري، وإياس بن معاوية، والتي تتَّفق جميعها على أنَّ جابر بن زيد كان من أعلم أهل البصرة ومن أصحاب عبد الله بن عبَّاس ومن الرَّاوين عنه.
وقد اعتمد ابن سلاَّم تاريخ 103 هـ تاريخ وفاة جابر بن زيد (3)، علما وأننا نجد سنة 93 هـ تاريخا آخر لوفاته حسب ابن الرّبيع (4)، وهو نفس التّاريخ الّذي رواه أحمد بن حنبل والفلاّس والبخاري (5)، ولعلّنا في هذا الإطار نجد أنفسنا أمام استفهام مفاده:
__________
(1) -المصدر نفسه، ص 108.
(2) -عوض خليفات، "نشأة الحركة الإباضية"، نشر بدعم من الجامعة الأردنية، طبعة دار الشعب، عمّان، الأردن، 1978م، ص 92.
(3) - المصدر نفسه، ص 108.
(4) - المصدر نفسه.
(5) - شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذّهبي (ت748هـ/ 1274م)، " تاريخ الإسلام ووفايات المشاهير والأعلام"، حقّقه وضبط نصّه وعلّق عليه الدكتور بشّار عوّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، ط 1، 2003، م2، ص ص 1199، 1200. (16/226)
صفحة 213
من أين يستقي ابن سلاَّم أخبار أعلامه الذين يصوغ تراجمهم؟ وهل النقص الذي قد يشوب تراجم ابن سلاَّم وشخصياته مردُّه جهل بتفاصيل حياتهم وانجازاتهم ومؤلَّفاتهم؟ أم أنه اختيار منه تجنُّبا للإطالة؟
وإذا كان هذا النقص ناجمًا عن اختيار من لوَّاب بن سلاَّم فهل يسيء هذا النقص لكتاب بدء الإسلام وشرائع الدين، فيكون كتاب تراجم منقوص لا يفي بغرض الباحث في تراجم أعلام الإباضية مشرقا ومغربا؟
أمام الاقتضاب الذي شاب تعريف ابن سلاَّم لشخصية جابر بن زيد ــــ وهو أوَّل شخصيّة في سجلاَّت الإباضية مشرقا ومغربا ــــ ما مصير باقي الأعلام والشخصيات؟
وهو ما تجيبنا عليه باقي فقرات المؤلّف، فقد قام لوَّاب بن سلاَّم في عرض أو كما سمّاه "تسمية الفقهاء والأئمّة الذين يرجع إليهم أهل المذهب" دينهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والتّابعين له، فذكر من الفقهاء الفضل بن المعتمر وأبو مروان العبّاس بن الوضّاح والمهلّب وسفيان بن محبوب الكندي وغيرهم من الفقهاء، وصولا إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التّميمي العلَم الثاني بالبصرة، والذي تستند إليه الإباضية في تأسيس المذهب وتركيز أسسه، وهو الذي سافر إليه حملة العلم من المغرب لتلقي العلم وأصول المذهب، ومن بعده أبو بلال مرداس بن حدْيَر.
إلاَّ أنَّ لوَّاب بن سلاَّم وفي سرده لأعلام المذهب الإباضي بالمشرق لم يعتمد على منهجية واضحة يقدِّم فيها جردًا لهم باعتماد تصنيف زمني أو جغرافي أو علمي أو تصنيف يقوم على قيمة الشخصية ودورها في تأسيس المذهب ونشره مشرقا ومغربا.
كما أنَّ ابن سلاَّم وإضافة إلى ما قدَّمه في كتابه من ذكر لأعلام الإباضية بالمشرق، والذين تداولت باقي المصادر والمراجع التي اعتنت بالمذهب الإباضي الحديث عنهم وعن فضلهم في ذلك، فقد أورد بعض الأسماء التي لم يقع التعرُّض لها في باقي كتب التراجم الإباضية؛ مثلا "هاشم بن نصر" و"أبو عثمان" ... (1) ويبدو أنَّه لا يملك عنهم معلومات، ولم يكن على علم بهم، وإنما هي أسماء وردت على مسامعه دون تفاصيل، خاصَّة وأنَّه يفصِّل أحيانا في الحديث عن بعض الفقهاء راويا عنهم بعض فتاواهم أو بعض المسائل التي تطرقوا إليها، يقول: "والرّبيع بن حبيب أزدي من أهل البصرة، وهو الذي
__________
(1) - المصدر نفسه، ص 115. (16/227)
صفحة 214
أقعده أبو عبيدة للنَّاس في حياته بالبصرة، ورضي ورعه وفهمه وعقله ولبّه وفتياه للنّاس، وكتب إليه عبد الوهاب من تاهرت بمسائل أراد أن يفتيه فيها فأفتاه" (1).
ويقول أيضا: "وأبو غسَّان مخلَّد بن العمرد غسَّاني فقيه، والذي يروى عنه أنَّ ذبيحة السَّارق لا تؤكل إن نزعها منه صاحب الشَّاة مذبوحة، وزعم مخلَّد أنَّ فعله في الذّبيحة بالسّرقة حرام لا تؤكل ... " (2).
كما كان ابن سلاَّم أحيانا أخرى يورد مصادر معرفته ببعض الأشخاص سواء عن طريق والده سلاَّم بن عمرو، أو من خلال لقائه بهم شخصيَّا، فيقول "وأبو إبراهيم موفَّق فقيه ومُفت وكان مشهورًا ولقيَّه والدي سلاَّم بن عمرو ... " (3).
ويقول أيضا: "ومحمد بن عبد الملك الحجازي بمصر مسكنه عند الدّار ... وقد لقيته بمصر ... " (4).
ومن خلال هذين المثالين الأخيرين لنا أن نجزم أوّلا أنَّ هذه الفقرات هي من تأليف ابن سلاَّم دون غيره. وثانيا أنَّ ابن سلاَّم وإذا كانت له معلومات دقيقة عن بعض الفقهاء والعلماء فإنَّه لا يتردَّد في الكشف عن ذلك سواء بذكر بعض ما روي عنهم من أخبار، ودون الدّخول في تفاصيل الأسانيد أو الرّواة النّاقلين لهذه الأخبار والفتاوى مكتفيا بقوله "بلغنا " أو "أخبرني". أو يسندها أحيانا إلى معرفته الشّخصية بذلك أو معرفة والده.
ولعلَّ هذا ما ينزع عن بعض الأسماء التي أوردها دون تفاصيل الوثوق في علمهم وفضلهم على المذهب الإباضي في بلاد المشرق.
هذا ما كان مع ابن سلاَّم في سرده للفقهاء والعلماء المشارقة فهل احتكم ابن سلاَّم في آخر فقرات كتابه والتي أفردها للحديث عن بلاد المغرب كمحاولة أولى للتأريخ لبلاد المغرب، من خلال تقديم تراجم لمشايخ الإباضية بطرابلس وتاهرت والقيروان، إلى نفس المنهجية التي استند إليها في تأليفه للقسم المتعلّق بفقهاء وأئمّة المذهب بالبصرة ومكّة والمدينة وعُمان وحضرموت وخراسان وغيرها من مدن المشرق الإسلامي؟ أم أنَّ تراجمه قامت على أسس مغايرة جعلت منها سببا في اعتبار كتاب "بدء الإسلام وشرائع الدّين" من أقدم المؤلّفات في التّاريخ لبلاد المغرب؟
يعتبر القسم الذي خصَّصه ابن سلاَّم للحديث عن فقهاء ومشايخ وأعلام الإباضية المغاربة ودورهم في رسم التّاريخ السّياسي والمذهبي ببلاد المغرب أهمَّ الأقسام
__________
(1) - المصدر نفسه، ص 110.
(2) - المصدر نفسه، ص 115.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - المصدر نفسه. (16/228)
صفحة 215
وأبرز المحاور التي ألَّف فيها ابن سلاَّم كتابه "بدء الإسلام وشرائع الدّين". ولعلّ هذا الجزء من الكتاب وراء وصف الكتاب بأنّه أقدم المؤلّفات التّاريخية بالمغرب، رغم أنّه لم يعر اهتماما لأوَّل داعية جاء بالمذهب الإباضي لبلاد المغرب ألا وهو "سلمة بن سعد الحضرمي" ولعلَّ هذا يطرح علينا عديد الاستفهامات. وللوهلة الأولى التي نطّلع فيها على محتوى الفقرة التّاسعة عشر للكتاب وتحديدا حين يقول ابن سلاَّم "وأوَّل من ظهر بالمغرب: أبو الخطّاب؛ وهو عبد الأعلى بن السّمح المعافري جدُّ خلف بن السّمح" (1).
هل لم تتوفّر لابن سلاَّم معلومات عن أوَّل دخول للمذهب الإباضي إلى بلاد المغرب؟ أم أنَّه كان قاصدا في عدم إشارته لسلمة بن سعد والدعوة الأولى لمذهب الإباضية باعتباره لم يهتم كثيرا بتاريخ الإباضية ببلاد المغرب، ولم يخصّص لها إلاّ جزءًا ضئيلا من صفحات كتابه؟
أم أنَّ ابن سلاَّم يعتبر أنّ سلمة بن سعد ليس مغربيا، ولم تكن له جذور بربرية، وهو الذي قدَّم لنا فقرات في فضائل البربر وما جاء في الأثر عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضي الله عنهم في صفات البربر وقيمتهم وفضلهم.
إلاَّ أنَّه وإن كان الأمر كذلك، فإنَّ أبا الخطّاب عبد الأعلى المعافري هو من أصل يمنيٍّ وليس بربريا، كما نرجِّح أنَّ ابن سلاَّم لم تكن له معلومات عن سلمة بن سعد الحضرمي، رغم أن راوي خبر قدومه أرض المغرب هو عبد الرحمان بن رستم، والذي تعرَّض له في الفقرة المخصَّصة للحديث عن توليته أمر ولاية القيروان في فترة إمامة الظهور، إمامة أبي الخطّاب عبد الأعلى المعافري.
وورد في كتاب السّير وأخبار الأئمة مثلا لأبي زكرياء الوارجلاني: "أول من جاء بهذه الصفة يريد "مذهب الإباضية ونحن بقيروان إفريقية سلمة بن سعد يدعو إلى الإباضية وعكرمة مولى بن عباس يدعو إلى الصفرية" (2). وهذا ما يؤكِّده عدم استعمال ابن سلاَّم لمصطلح "الإباضية" وتعويضه لها بمصطلحات أخرى منها "الجماعة"، "أصحابنا"، "فقهائنا"، "أئمتنا" ...
كما تظهر وللوهلة الأولى، ومع بداية الفقرة التي خصَّصها ابن سلاَّم للحديث عن أئمَّة المذهب الإباضي بالمغرب، نقيصة أخرى متمثِّلة في عدم تطرُّقه لحملة العلم الذين ارتحلوا طلبا للعلم بالمذهب الإباضي على يد الداعية أبي عبيدة مسلم بن أبي
__________
(1) - المصدر نفسه، ص 117.
(2) - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الورجلاني، كتاب السيرة وأخبار الأئمة، تحقيق عبد الرّحمان أيّوب، الدّار التّونسية للنّشر، تونس، 1405/ 1985، ج 1، ص 42. (16/229)
صفحة 216
كريمة التّميمي، رغم التّأكيد على العلاقات القائمة بين فقهاء المذهب الإباضي ومشايخه المشارقة وإخوانهم المغاربة؛ وكقوله: "الذين نروي عنهم ديننا ... "، وبإغفال لوَّاب بن سلاَّم الحديث في كتابه عن حملة العلم فقد أغفل كذلك الحديث عن إمامات الكتمان التي ظهرت في بلاد المغرب قبل ظهور أبي الخطّاب عبد الأعلى من إمامة عبد الله بن مسعود التّجيبي، مثلا والحارث بن تليد الحضرمي، وعبد الجبّار بن قيس المرادي، وإسماعيل بن زياد النفوسي.
لقد اكتفى ابن سلاَّم بالحديث عن أوَّل ظهور للإباضية ببلاد المغرب بحديثه عن ظهور أبي الخطّاب عبد الأعلى المعافري بالمغرب مقدِّما بذلك تفاصيل دقيقة عن حربه ضدَّ "الجبابرة" بالاستعانة بمن عايشهم من البربر وما بلغه من رواياتهم، فقد ظهر ذلك وأكّد عليه من خلال استعماله لمفردات بربرية في مواطن عدَّة من كتابه.
ولنا أن نعتبر أنَّ أكبر دليل على الأصل البربري للكاتب ودور البربر في الوجود الإباضي ببلاد المغرب هو القائمة الاسمية لشخصيات إباضية بربرية كانت حاضرة بكثافة في الكتاب والتي لم نعثر على تراجم لعدد منها في معجم أعلام الإباضية.
ولعلَّ هذا ما جعل عديد النّقاد يعتبرون أنَّ كتاب بدء الإسلام وشرائع الدِّين وخاصَّة في جزئه الأخير والمتعلِّق بمشايخ الإباضية ببلاد المغرب من أوّل النّصوص التاريخية للمذهب بالمنطقة، لأنَّه تضمَّن أسماء وأحداث دقيقة وصلت لابن سلاَّم عن طريق الرّواية أو عن طريق المعايشة لشخصيات من الثقات بالنسبة إليه.
ولذلك يبدو أنَّه من أوَّل المؤرِّخين الإباضيين الذين أولوا أهميَّة كبرى للبربر وذلك بسبب اعتماده على روايات البربر وتسجيله لمفاخرهم وفضلهم في انتشار الإباضية والحفاظ عليها بالمغرب. وقد قام بإدراج فقرات أو كما أطلق عليها: "باب ما جاء في الأثر عن النّبي عليه السّلام في فضائل البربر" (1)، فنقل أخبارا رويت عن عائشة أمّ المؤمنين (2) وعن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - (3) وعن العبّاس السّلمي (4)، وعليّ بن أبي طالب (5)، وقول عبد الله بن مسعود (6).
__________
(1) - المصدر نفسه، ص 121.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - المصدر نفسه، ص 123.
(4) - المصدر نفسه.
(5) - المصدر نفسه، ص 124.
(6) - المصدر نفسه. (16/230)
صفحة 217
فقد أخذت كتب السّير والطّبقات الإباضية هذا القسم من الكتاب وأفردت فصلا في "فضل البربر من العجم" (1)، علما وأنّ هذه المؤلّفات قد أضافت فقرات تحدَّثت فيها عن فضل الفرس من العجم وذلك لما كان من سيرة عبد الرّحمان بن رستم الفارسي وسيرة خلفائه من أئمَّة الدولة الرستمية بتاهرت.
ورغم أنَّ كتاب ابن سلاَّم من أوَّل المؤلَّفات في تقديم أعلام المذهب الإباضي من البربر وبطونهم وقبائلهم التي ينتمون إليها، فقد طغت عليه السطحية في التعريف بالبربر الإباضيين، فتراه أحيانا يقدِّم تعريفات وجيزة تفتقر إلى الدَّقة والتفصيل (2). ولعلَّ هذا كان وراء إسقاط ما جاء بعد "بدء الإسلام وشرائع الدّين" من مؤلَّفات لهذه الشخصيات والإعلام.
هذا ما أورده لوَّاب بن سلاَّم في كتابه "بدء الإسلام وشرائع الدّين" والذي في رأينا من تأليفه رغم ما يعتري الكتاب من عثرات في قلّة الدّقة والتفصيل.
كما تجدر الإشارة إلى أنَّ ابن سلاَّم وكما استعمل في القسم الأوَّل من الكتاب رسالة لعبد الوهاب بن رستم يستشهد بها عند حديثه عن شرائع الدّين وأركان الإسلام عبادات ومعاملات، فقد استعمل في خاتمة كتابه رسالة لأبي عيسى إبراهيم بن إسماعيل الخراساني (3) ولكنَّ هذه المرَّة نرى أنَّ الرسالة لا تمتُّ بصلة للفقرات التي سبقتها، والتي خصَّصت لفقهاء الإباضية ومشايخها ببلاد المغرب.
لقد جاءت الرسالة إشارة لما كان من فتنة في عهد عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم تزعَّمها خلف بن السّمح المعافري بطرابلس، كما تضمَّنت دعوة لأهل المغرب إلى الرجوع عنها لما فيها من تفريق لكلمة أهل المذهب وتشتيت لها، حسب ما تثبته كتب التاريخ والسيَر والطبقات الإباضية، بعد كتاب لوَّاب بن سلاَّم الإباضي "بدء الإسلام وشرائع الدّين" من ظهور ثلاثة اتّجاهات إباضية ببلاد المغرب وهي: الوهبية، الخلفية، والنّكار.
- - -
__________
(1) - أبو زكرياء، "كتاب السيرة ... "، ج 1، ص 52. أبو العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني، "طبقات المشائخ بالمغرب"، حقّقه وقام بطبعه إبراهيم طلاّي، ج 1، ص ص 15، 16.
(2) - المصدر نفسه، ص ص ص 132، 133، 134.
(3) - المصدر نفسه، ص 125 (16/231)
صفحة 218
قراءة تحليلية نقدية
في شرح إسماعيل الجيطالي
للمنظومة النونية في أصول الدين
أ/ سناء مهنِّي الباروني
جامعة جندوبة ــــ تونس
ل
لعلَّ إحياء عقيدة المذهب الإباضي في فترة ولىَّ النَّاس عنها أنظارهم، لم تكن الغاية التي حرّكت شاعر الإباضيَّة في القرن السابع للهجرة أبا نصر فتح بن نوح الملوشائي (ق7هـ/13م) (1) لوحده، حينما نظم القصيدة النونيَّة في أصول الاعتقاد في إطار وعظي، بل إنَّها استقطبت هِمم غيره من شيوخ المذهب الإباضي وأئمَّته بمنطقة المغرب الإباضي، سيما بين القرنين السابع والثامن للهجرة، وقد كان على رأس من وعى بضرورة تجديد العقيدة في النفوس خلال القرن الثامن للهجرة الإمامُ إسماعيل الجيطالي (ت 750هـ) (2)، إذ وضع شرحا لمنظومة الملوشائي في العقيدة (3) بعد أن آمن إيمانا قدسيًّا بالعلاقة بين أصول العقيدة وهي الضَّامرة عنده بالعدل والورع، وبين دنيا قوامها التقوى واحتساب الوعد والوعيد.
__________
(1) - أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي: من أعلام قرية تملوشايت بجبل نفوسة الليبي. له عدَّة قصائد تعليميَّة نذكر منها: النونية في أصول الدين وهي في 180 بيتا، (كان الجيطالي أوَّل من شرحها ثمَّ جاء من بعده كثيرون). ومن قصائده كذلك: الرّائية في الصلاة، والنونية في خلق القرآن، والدّالية المسمّاة "برسالة المسترشد وكفاية المستنشد" في الوعظ والإرشاد. ر. الشماخي أبو العبّاس: سير المشايخ: ط حجريّة القاهرة 1301/ 1883 ج2/ 548 ــــ 549. محمّد علي دبّوز: تاريخ المغرب الكبير. مط عيسى البابي الحلبي وشركاؤه. مصر 1964. 3/ 386.
(2) - فقيه ومتكلِّم وإمام من أئمَّة العلم الإباضيَّة بالمغرب. كان مولده "بجبل نفُوسة"، ثم انتقل إلى جربة حيث استقرّ بها مدرّسا وواعظا ومصنّفا بمدرسة الجامع الكبير بقرية الحشَّان. ر. سناء الباروني: علم الكلام عند إسماعيل الجيطالي: شهادة الدراسات المعمّقة في اللغة والآداب العربية جامعة منّوبة، 2004 تونس ص ص 23 ــــ 36.
(3) - يوجد الشرح مخطوطا في جزأين بالمكتبة البارونية بالحشَّان جربة. عن المواصفات ر. بحثنا المذكور آنفا ص 92 ــــ 93. وأيضا فهرس المكتبة البارونيّة على الموقع: www.elbarounia.com. (17/232)
صفحة 219
ويمثّل "شرح النّونيّة" نصًّا واسعا يدور حول تحليل الأصول العقديَّة التي تمثِّل قوام الاعتقاد الإباضي بأصوله التسعة (1). وقد قسَّم الجيطالي شرحه إلى ثلاثة فصول اندرجت ضمن باب التوحيد. جعل الفصل الأوَّل منها في معرفة الله بالاستدلات العقليَّة بألفاظ وجيزة. وجعل الثَّاني فيما لا يسع جهله جميع العقلاء من الرجال والنساء والعبيد والإماء. أمَّا الفصل الثالث فقد لخَّص فيه ما جاء في هذا الباب ليحصل المقصود وإن طال الكتاب (2) والمقصود عنده هو غايات التصنيف ومقاصد وضع هذا الشَّرح كما سنتبيَّنها.
ثمَّ قسَّم كلَّ فصل إلى فصول صغرى جعلها تنقسم بدورها إلى مسائل فرعيَّة كثيرة. وقد بدا هذا المنهج متشعِّبا ومتداخلا أعوزه التنظيم والتسلسل في كثير من الأحيان ممَّا جعل عمليَّة جمع المباحث الكلاميَّة وحصرها وتتبُّع المقالات في أبوابها ومرجعيَّاتها وحججها أمرا مضنيا وشاقًّا إلى حدٍّ ما.
وأوَّل ما نلاحظه في هذا الشَّرح، هو أنَّ الجيطالي قد أعدَّ له ما استطاع من المعارف الأدبيَّة والفلسفيَّة ومن العلوم الدينيَّة، فجمع بين المقول الشِّعري والنَّثري منذ العصر الجاهلي، وذكر من الشخصيات والأعلام من نطقوا بأقوال وحكم وأمثال رسخت في الأذهان والعقول، وأورد ما جاء في مؤلفات المتكلِّمين من الإباضيَّة ومن غير الاباضيَّة مستقصيا أهمَّ مقولاتهم في المباحث العقديَّة والمسائل الكلاميَّة الخلافية. وقد ساهم كلُّ ذلك بطريقة مباشرة في دراسة القصيدة النونية دراسة أدبيَّة ونقديَّة. كما ساهم من جهة أخرى وبصورة ثانية غير مباشرة، في إجلاء فكر الجيطالي وفي بيان خصائص مشروعه الكلامي.
ومن شأن هذا الاستعداد المعرفي الذي توفَّر لدى الجيطالي وهو يشرح القصيدة، أن يحقِّق الغايات التي أفصح عنها في سياق بدا واضحا وصريحا ورد في مقدِّمة الشرح، وهي غايات نستطيع أن نقول إنَّها قد شكَّلت مجتمعة القوَّة الفاعلة في تحديد منهج الشارح، وفي جعل عمله على الصورة التي بدا عليها أسلوبا ومضمونا.
ونأتي إلى هذه الغايات لنلاحظ أنَّها قد وردت متجانسة في مجالها الفكري متناسقة من حيث مقتضيات المقال والمقام. وقد وردت تباعا في مقدِّمة الشرح كما يلي:
يقول في الغاية الأولى: «فإنّي نظرت فيما ألّفته أئمّتنا من فنون الكلام المنظومة به أصول الإسلام، فوجدت جلَّها قد اندرس وأكثرها قد انطمس لقلَّة الاعتناء به من
__________
(1) -هي: التوحيد، العدل، القدر، الأمر والنّهي، الولاية والبراءة، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين ألاّ منزلة بين المنزلتين، الأسماء، الأحكام.
(2) - الجيطالي: الشّرح ورقة 27 وجه. (17/233)
صفحة 220
الخلف والاهتمام بصونها من أسباب التّلف، حتّى أثلج الشكُّ بعض الخواصِّ فضلا عن العوَّام في بعض ما اعتمد عليه السَّلف الصَّالح في بدء الإسلام من أصول الدِّيانات وقواعد الاعتقادات، وإلى الله أشكو ما حلَّ بالنِّحلة المرضيَّة من الخلل، وما دخلها من الوهن في القول و العمل» (1).
تبدو الغاية الأولى في هذا الكلام مرتبطة بدواعي التّأليف عند الجيطالي، وهي دواع تعلّقت بنزعة إحيائيّة، جعلتها قائمة على إعادة ما غيّب، أو ما كاد أن يذوب من فكر السّلف، ومرتكزة على إبانة أسس ذلك الفكر وأطروحاته.
أمَّا الغاية الثّانية، فإنّنا نجد الإشارة إليها بمتابعة ما جاء في فاتحة الشّرح من كلام الجيطالي حيث قال: "ثم إنّي نظرت إلى قصيدة الأفضل الفقيه الأجلّ أبي نصر فتح بن نوح رحمه الله، فوجدتها قد اشتملت على جمل من الأصول الدّينية مع خلوّها من التّفسير وشغف الطّلبة بحفظها من غير معرفة بجلّ شرحها مع إغفال الأوّلين عن تلخيصها ليفهم عنهم المتأخّرون جمل فنونها ... " (2). تفصح هذه الغاية عن منحى تعليمي توجيهي لدى الجيطالي، دفعه إليه عاملان اثنان:
*الأوَّل أنَّ المنظومة النّونية نصّ عقدي بدا مستعصيا على الفهم في ألفاظه ومعانيه.
*والثّاني يتمثّل في ما لقيه هذا النصّ من صدى في الأوساط الإباضيّة، جعل دواعي الاهتمام به بشرح لغته وإظهار معانيه حاجة أكيدة تلبّي نسبة الرّواج التي شهدها في عصره.
ثمّ جاءت غاية ثالثة وراء وضع هذا الشّرح، عبّر عنها الجيطالي في خاتمة مقدّمته بقوله: "ثمّ إنّي رأيت معالم الدّين قد استحالت ودعاة إبليس قد استطالت وتمرّدت، خشيت على نفسي وعلى أبناء جنسي من أهل الدعوة المرضيّة والنّحلة الإباضيّة من تلبيس المخالفين من أهل هذه الملّة القويمة والسيّر المستقيمة." (3)
بدا الجيطالي من خلال كلامه على وعي بالخطر الذي يهدّد معالم الدّين في عصره، وهو ما جعله حريصا في عمله هذا على أن يقف في وجه هذا الخطر بالنّظر في دواعيه والتصدّي لها. ويمكن القول إنّ الغاية الأخيرة عند الجيطالي هي غاية دفاعيّة قوامها الذّود عن المعتقد والاحتجاج له بشكل يضمن له استقلاليته ويحقّق له ديمومته.
وكان طبيعيا بعد بيان دواعي التّأليف وبسط أهدافه، أن يشير صاحب الشّرح إلى خطّة العمل ومنهجه فقال: "استخرت لأؤّلف كتابا جامعا لجمل من المسائل
__________
(1) - الجيطالي: شرح النّونيّة, المقدّمة, ورقة 1 قفا.
(2) - الجيطالي: نفس المصدر, ورقة 3 وجه.
(3) - الجيطالي: نفس المصدر, نفس ورقة. (17/234)
صفحة 221
الأصليّة ولمع من الكلام المؤيّد بالشّواهد القطعيّة والآثار السّمعية مدرجا فيه شرح القصيدة المذكورة ومتضمّنا قواعد المشهورة ... (1).
بهذا حدَّد الجيطالي دواعي التّأليف وحصرها في غايتين اثنتين تؤولان إلى مقصد واحد: إحياء العقيدة وتوجيهها لأجل تأصيلها وصيانتها من خطر النّسيان في محيطها الداخلي، ومن خطر الذَّوبان في إطارها الخارجي (2). وعلى هذا الأساس يمكن القول إنَّ للجيطالي وهو يعتزم شرح النونيَّة منطلقين:
منطلقا معرفيًّا محضا أطَّره منطلق مذهبي إديولوجي، كان الدَّافع إليهما الذّود عن العقيدة الإباضيّة ذودا فرضته العوامل السّياسيّة والاجتماعيّة، وحتّمته الظّرفيّة التّاريخيّة التي واكبها الجيطالي في بيئته الإباضية وقتئذ (3). ولقد تمكنّا في ضوء هذين المنطلقين أن نلج شرح الجيطالي انطلاقا من بعد جوهريّ هو البعد التّصنيفي الذي نتناول من خلاله منهجيّة الشّارح في تفكيك النصّ الأصليّ وحلّ أقفال لبسه.
وحينما نبصر بعين ثاقبة في منهج الجيطالي وهو يتناول المنظومة النّونيّة كنصّ أدبيّ في حدّ ذاته، نجد أنّه لم يفكّر في أن يشرف عليها بنظرة إجماليّة من شأنها أن توضّح أجزاء القصيدة وتبيّن حدود مقاطعها. فهو غالبا ما كان يخرج من شرح بيت أو بيتين إلى آخر دون الاهتمام بالتّحوّل الموجود داخل القصيدة ودون أن يشعرنا به، رغم الوشائج المعنويّة الموجودة بين أبيات المنظومة. وكان اهتمامه مرتكزا أوّلا على معرفة اللّغة والإعراب على وجه يتيسَّر به فهم الخطاب لدرك حقائق المقاصد منه. لذلك جاء الشّرح اللّغوي غزيرًا ومتنوِّعا في معظمه، سيما وأنّه كان غالبا ما يستشهد بأقوال شعريّة لشعراء عرب على اختلاف العصور، وبأقوال وحكم وأمثال مختلفة نسبة وزمنا، حتَّى يقارب بينها وبين ما جاء في قول الملوشائي وهو ما يعرف باسم شرح المقارنة.
وليس غريبا على رجل كالجيطالي متضلٍّع في فنون الشّعر والأدب متمرِّس في مباحث الدين وعلومه، أن يعتمد هذا النّوع من الشّرح الذي يقتضي رواية الشّعراء بعضهم عن بعض, ويفترض حفظ ما جاء في أمّهات
__________
(1) - الجيطالي: شرح النونية, المقدّمة, ورقة 3 وجه.
(2) - نقصد بالإطار الداخلي المحيط الإباضي, أمّا الإطار الخارجي فهو محيط العقائد المخالفة.
(3) - كان الجيطالي من المدركين لما شاب ذلك الواقع من فتن، وما اعتراه من تفريط في الدّين، فأراد تجلية الجادَّة الصَّواب لمن ضيَّع الطريق من بني مذهبه وغيرهم من النّاس. (17/235)
صفحة 222
الكتب نظما ونثرا. وإنّا نعتبر في هذا السّياق أنّ في هذه الاستعانة الموسّعة بما وراء النّص، تأكيدا على أنّ الجيطالي لا يخطّئ الملوشائي فيما تخيّره من الألفاظ والتّراكيب والمعاني، وهو موقع بدا لنا موضع نظر خاصّة وأنّ الرّجلين شهدا حقيقة الوضع الإباضي في أبعاده المختلفة لذلك جاءت الاهتمامات موحّدة والمقاصد مشتركة.
ولا مناص في حومة هذا الاتّفاق في الأهداف من الإجماع على أساليب النّظر والتّفكير وإن اختلفت في قالبها العام (1). وهذا ما يدلُّ على أنَّ الكتابة الكلاميَّة عند الإباضيَّة منبثقة من سَنَن مشتركة في مستنداتها النظريَّة ومنطلقاتها المبدئيَّة. فكان لزاما أن تقوم علاقة ما بين كتابة الملوشائي وموقف الجيطالي منها تضعهما على طريق مشترك في آليَّات التعبير وأدواته.
وإذا نظرنا في مجهوده التوثيقي وهو أحد مميٍّزات الجيطالي في هذا الشرح، نلاحظ طغيان المصادر ذات الأصل اللّغوي والأدبي والفلسفي والأصولي والفقهي، إضافة إلى الجمع بين المصادر الكلاميّة الإباضيّة وغير الإباضيّة المؤلّفة لتراث مترامي الأطراف. وقد فرض هذا المجهود التّوثيقي منطق الاستدلال الواسع على الآراء وإثبات الحجَّة فيها من معيناتها المختلفة إن اجتمع لها ذلك، ممَّا يجعل تلك الآراء على قدر من اليقين المؤدِّي حتما إلى الإقناع.
وقد اعتمد الجيطالي في مصنَّفه هذا منهجا تحليليًّا مقارنا أورد من خلاله مختلف الآراء والمواقف الكلاميَّة مدعَّمة بأدلَّتها، ومنسوبة إلى أصحابها أو إلى المنظومات والمدارس المؤطّرة لها.
وقد جاءت مادّة هذا المنهج موظّفة لغرض الجدل والحجاج بما هما من اللّوازم الأسلوبيّة والضّرورات المنهجيّة قد فرضهما منطق الدّفاع الذي شكّل الغرض الأساسي من الشرح، وهو إحياء أصول الاعتقاد في غمرة محنتها وتأصيلها بالذّود عنها من طعون المخالفين. ولعلّه يمكننا بذلك أن نعتبر هذا الشرح وثيقة هامّة من الأساليب التي كانت سائدة في الحجاج والجدل.
والنّاظر في أعطاف الشرح يتبيّن كيف عمد الجيطالي وهو يخوض في المباحث الكلاميّة ويؤصّل لمنظومة الاعتقاد إلى التّوسّع حينا، وكيف جنح إلى الاختصار حينا آخر (2). وكيف كان يعتمد المقارنات بين آراء الإباضيّة وبين آراء
__________
(1) -الملوشائي أصَّل لمنظومة الاعتقاد في قالب شعري و الجيطالي أصَّل لها في قالب نثري.
(2) -من المباحث الّتي توسّع الجيطالي فيها نذكر: الصّفات والأسماء: الشّرح ج1 ورقة 153 وجه 191 وجه. ومن المباحث الّتي خاض فيها باختصار نذكر: خلق القرآن: الشّرح. ج1/ ورقة 123 وجه. (17/236)
صفحة 223
مخالفيهم بطريقة جدليّة حجاجيّة واضحة، إمّا مفصحا عن مقالته (1)، وإمّا مدعّما رأيه بأقوال السّلف (2)، وإمّا مستندا في بعض ما ارتآه من المواقف إلى ما أقرّه السّلف من أهل نحلته (3) أو من المسلمين عامّة (4)، مراوحا بين ذكر المصادر وبين الاقتصار على ذكر الأسماء.
ومن تخريجات الجيطالي في هذا الشرح طبيعة الكتابة عنده، إذ أنّه كثيرا ما كان يمزج المادّة العقديّة برأي في الفقه (5) أو يطعم كلامه بنفحة فلسفيّة (6) تضمن للمقالة إخراجا فنيّا مخصوصا.
ويمكن القول إنّ الجيطالي بأسلوبه هذا ليس بمنشئ لفنّ في الكتابة بقدر ما هو طريف ومضيف إلى خصائص التّصنيف والتّأليف في أجناس الشّروح في هذا المجال.
كما أنَّ أهمَّ ما نظفر به من خصوصيَّة في هذا الشرح لا ينحصر في تذليل ... ما كان مستعصيا على الفهم من العبارات والتّراكيب أو في إيضاح ما كان غامضا من الأفكار والمعاني، وإنَّما هو يتعدَّى هذين المستويين اللَّذين يمثِّلان حدًّا أدنى لما ينبغي أن يتوفَّر في نصِّ أيِّ شارح، ليشكِّل نصًّا جديدا تجاوز حدود الإحالة على المتن أو احتوائه، وحقَّق عن طريق صياغة النّص الأصلي صياغة جديدة نصيبا من التّخريجات المميّزة لعلّ من أهمّها كون هذا الشرح ليس شرحا للأصول العقديّة فحسب، وإنّما يمكن اعتباره أيضا مصنّفا من جنس الرّدود. وقد
__________
(1) - يقول مثلا في مسألة خلق الجنّة والنّار: "وعندي والله أعلم قول من قال مخلوقتان أمثل ... " (يقصد الأشعريَّة) ر, الشّرح: ج 1 ورقة 75 قفا.
(2) - يقول مثلا في مبحث النبوَّة:" ... والصحيح عندنا وهو الموجود في أثر أصحابنا من أهل المشرق وأهل الجبل أنّ الأنبياء لا يوصفون بشيء من الكبائر في حال من الأحوال لا قبل النبوّة ولا بعدها". ر, الشّرح ج 1 / ورقة 57.
(3) - يقول أيضا في مسألة مذاق النبيِّ للشّرك: " ... و إنّما كتبت ما وجدته في آثار أصحابنا من أهل المشرق وأهل الجبل و لم أزد فيه، إلاّ ما كان من بعض الاحتجاج ... " ر, الشّرح ج1/ ورقة 65 وجه.
(4) - مثال ذلك قوله في مسألة الاختيار والسخط والرّضا:" ... فإن قال قائل قد ذكرت ما وجدت في الآثار ولم تذكر قولك في هذه المسائل قيل له قولنا في هذه المسائل وفي غيرها وفي من انتحلها قول المسلمين ونحن لهم متّبعون غير مبتدعين ... " ر, الشّرح ج 1/ورقة 61 وجه.
(5) - ر، مثلا مسألة الردّ على القائلين بإسقاط سائر الفرائض عن البالغ حين بلوغه بالتّوحيد الّذي معه (مسألة البلوغ وعجز قيام البنية على أداء الفرائض هما من المسائل المتعلّقة بالمجال الفقهي). ر, الشّرح ج1/ ورقة 79 قفا 81 وجه.
(6) - ر, مثلا مسألة أحوال الدنيا عندما تحدّث عن خصائص الكون بمقتضى اسطقسّات الطّبائع. ر، الشّرح: ج1/ ورقة 71 قفا. (17/237)
صفحة 224
وجدنا ذلك صريحا وواضحا في ثنايا الشرح. فقد عقد الجيطالي فصولا جعلها في الردّ على الطّاعنين في العقيدة الإباضيّة أو على من زعم فهما أو تأويلا مخالفا أو غير مدرك لحقيقة مقالات أصحابها (1). والرّدود هي ضرب من التّصانيف هدفها الأساسي الردّ على المخالفين ودحض مقالاتهم عن طريقها يسعى المصنّف إلى بيان معتقداته وأفكاره.
وقد جاء شرح الجيطالي حاملا للسّمات الفنيّة والمنهجيّة التي جعلته يشترك مع جنس الرّدود في جانبين جوهرييّن: أوّلهما الجانب البنيوي و ثانيهما الجانب الاستدلالي.
فمن حيث البنية يطغى على جنس الرّدود وهو ما نظفر به جليّا في الشرح، ذلك التّطرّق المتكرّر والمتفرّق للمسألة الواحدة أو المبحث الواحد، ومثال ذلك ما نراه في مسألة الرّؤية (2). إذ يذكر الجيطالي رأيه في مسألة جواز رؤية الله أو عدمها في دار المعاد، ورأي مختلف من قال بجوازها مسندا لكلّ حججه وبراهينه. ثمّ ينتقل إلى قضيّة الاستواء في معناه وكيفيته، ويشرع في شرح البيتين التّاسع عشر والعشرين المتعلّقين بالمسألة شرحا لغويّا. ثمّ نراه يعرض لرأي الإباضيّة ورأي الفرق المخالفة وحججهم في هذه القضيّة، ليعود بعد الحديث عن الاستواء عند مالك والردّ عليه إلى المسألة الأولى التي تركها وهي مسألة الرّؤية، ويواصل الردّ على قول المالكيّة بجواز الرّؤية في الآخرة. وقد جاءت سمة التّداخل هذه غير مقتصرة على مبحث واحد بل تكرّرت في عدّة مباحث أخرى
أمّا من حيث الاستدلال، فكأنّنا بالجيطالي وشأنه في ذلك شأن أصحاب الرّدود يقدّم المقالات واستدلالاتها، وهي التي مثّلت معتقداته التّي آمن بها, كأنّه يقدّمها كمسلّمات غير قابلة للنّقاش والدّحض أو على الأقلّ باعتبارها المعتقدات الصّحيحة التي تبطل أمامها كلّ المعتقدات المخالفة وتسقط تجاهها كلّ المقالات المناهضة لها. وهذا ما بدا واضحا في الفصل المتعلّق بمسألة الاستواء حيث يقول: "فيقال لمن ذهب هذا المذهب، أخبرونا عن الاستواء المذكور ما معناه عندكم أهو على الحلول المعقول والتمكّن المفهوم من الأمراء على الأسرّة, فإن ذهبوا إلى هذا كفينا مؤونتهم وكان النّقض عليهم كما هو على إخوانهم فإن قالوا إنّ الاستواء على غير الحلول والتمكّن. قلنا فعلى ماذا إذا؟ فإن قالوا لا نعدو ما قال الله في ذلك ولا نقول على الحلول المعقول
__________
(1) - يقول الجيطالي في ذلك: "و نحن نشرع في الاحتجاج على من قال بهذا القول ... " ورقة 62:" و يقال لمن زعم أنّ ... " ورقة 181. "الردّ عليهم وبالله التّوفيق ... "ورقة 134.
(2) - ر، الشّرح: ورقة 129. وجه و قفا – 139 قفا – 141 وجه. (17/238)
صفحة 225
ولا غير ذلك من الاستيلاء والحفظ غير إنّا نقول أنّ الله تعالى فعل في العرش فعلا يسمّى به مستويا ولا نصف ذلك ولا نحدّه. قلنا فنحن لا نجد للاستواء في لغة العرب معنى إلاّ ما ذكرنا من الاستيلاء والحفظ أو على معنى ما يعقل من الحلول والتمكّن. ففي أيّ هذين الأمرين تغرمون من قولكم وعلى أيّهما تعتمدون، فنحن لا ندعكم حتّى تخرجوا بنا إلى أحد الوجهين إمّا قول إخوانكم من أصحاب المعقول والتمكُّن فذلك أروح لكم وأقيد لمقالتكم من الإقامة على اللّبسة والرّضا بالشّبهة، أو ترجعوا إلى قولنا ضرورة، وليس بين هذين الوجهين وجه تعتمدون عليه" (1).
وفي نفس السّياق جاء هذا الشرح يشترك مع جنس الرّدود في المسألة المتعلّقة بفهم النصّ القرآني, فهو يدحض كلّ تأويل للآيات المتشابهة خالف التّأويل الإباضي. وهو ما اتّضح مثلا في قوله: " ... واحتجّوا (يقصد المشبّهة) في التّشبيه بالآيات المتقدّمة وما شاكلها من متشابه القرآن والله المستعان ونحن إن شاء الله ننقض ما ذهبوا إليه من تفسيرهم الآي وأظاهير الأحاديث على غير تفسيرها وحملهم لها على غير تأويلها آية آية إن شاء الله" (2). ثمَّ يشرع في النقض.
وأهمُّ ما وسم شرح الجيطالي في هذا السياق أنّه سعى إلى تجريد المقالات والإيغال في الحجاج، عبر استحضار مجادلين استحضارا صوريًّا جعلهم ماثلين عبر سياسة التقويل (3) في ذهنه، فوضع الأسئلة عن مختلف القضايا الخلافيَّة الخاضعة للجدل وأجاب عنها تباعا ردًّا ونقضا، دفاعا وتأصيلا. وهي سياسة بدت طاغية في الشرح وملازمة لأغلب مباحثه.
هكذا وبكلِّ السمات التي ميَّزت هذا الشرح، يمكن أن نعُدَّه بلا جدال من أجناس الردود دون أن يخرج ــــ وهو الطّريف في أمره ــــ عن خصائص جنسه الأصلي وهو الشرح، لغاية التوضيح والإفهام، ليساهم من خلال قراءة لطيفة ومتميِّزة للمنظومة النونية في تأصيل منظومة الاعتقاد الإباضي، تأصيلا يُبِين عن مقاصد متعدِّدة كامنة فيه هي محلُّ استقراءات جديدة وإن انصهرت جميعها في قالب وعظي إصلاحي.
- - -
__________
(1) - الجيطالي: الشّرح. ورقة 139 قفا. ر أيضا الفصل المتعلّق بالرّؤية.
(2) - الجيطالي: الشّرح. ورقة 117 وجه.
(3) - تجلَّت سياسة التقويل في الشرح بكثرة من خلال عبارات افترضت وجود مخاطب من قبيل: "فإن قال قائل ... قيل له"، "فإن قيل ... قلنا"، "فإن قال ما معنى قولك ... قيل له معنى ذلك ... ". (17/239)
صفحة 226
ملامح من منهج فقهاء الإباضية
في التعامل مع السنة النبوية
(رواية ونقدا)
د: قاسم عمر الحاج امحمد
جامعة غرداية ــــ الجزائر
م
مدخل: يزداد الاهتمام باستمرار في حقل الدراسات والبحوث الشرعية بالمواضيع التي تُعنى بالتّأصيل والتّنظير لمختلف العلوم في تراث المسلمين بصفة عامّة، و تراث المذاهب الإسلامية على اختلافها بصفة خاصّة، والهدف الأساس من وراء ذلك الاستفادة الأحسن من ذالكم الكمّ المعرفي والتّاريخي الكبير الذي خلّفه المسلمون عبر القرون، و تثمين أوتصحيح وتصويب ما يمكن من المفاهيم والرؤى والآراء التي نجدها في كلّ فنّ و عند كلّ مذهب أو اتجاه.
والسّنّة النّبويّة الشريفة من أكثر وأقدم المجالات استفادة من هذا العمل الفنّي والعلمي، لأهمّيتها من جهة، ولما شابها من الشّكوك والدّسائس والتّحريف من جهة أخرى، رغم ما بذله كبار المحدثين من جهد لتصنيف الآثار والأحاديث وتمييز الصحيح منها من الضعيف، وما بينهما من الدّرجات الكثيرة المعروفة لدى المحدّثين، بالنّظر إلى الأسانيد وإلى المتون أيضاً.
ولئن كان منهج التعامل مع السّنّة النّبويّة لدى المذاهب الفقهية الكبرى معروف المعالم والقواعد، فهناك مذاهب لا يزال منهجها غير متّضح بشكل دقيق ومقعّد، لأسباب موضوعية و تاريخيّة متعّدّدة، ممّا يجعل القيام بمسح وجرد لتراثها أمراً ضرورياً لبلوغ تلك الغاية، واستكشاف ما أمكن من القواعد والأسس التي انبنى عليها منهجها تجاه الحديث الشريف رواية ودراية.
والمقال الذي بين يدينا محاولة في هذا السّياق، إذ يجتهد في إبراز بعض سمات منهج الإباضية في مجال السّنّة النّبويّة، ومعظم المادة المنقولة أخذتها من مصادر إباضية المشرق المخطوطة والمطبوعة، لاسيما جامع ابن بركة، وجامع أبي الحسن، والمعتبر للكندي، والتمهيد للخليلي، إضافة إلى بعض الآراء الواردة في كتب الوارجلاني والشيخ امحمد اطفيش من علماء المغرب، وستأتي ترجمتهم جميعا في ثنايا المقال. (18/240)
صفحة 227
على أنّني اعتمدت كتب فقهاء المذهب وأقوالهم، كون هؤلاء يمثّلون الفئة الأكبر من علماء الإباضية مقارنة بالمحدّثين والمفسّرين وعلماء الكلام، وبالتّالي فمجموع آرائهم يمثّل رأي الجمهور من الإباضية في الحديث، ولأنّهم تركوا كمّا لا بأس به من الآراء والنقود في معرض استدلالهم بالنص الحديثي في مختلف المسائل الفقهية، يمكن استيضاح معالم المنهج من خلالها إلى حدّ كبير.
ولم أتعرض في المقال لمباحث السنة من الناحية الفقهية أو ما يسمى بعلم الدراية أو فقه الحديث، واكتفيت فقط بمجال طرق الرواية وبعض أسس النقد قبولا وردّا، حيث أن هذين المجالين لم ينالا حظهما من الدراسة الوافية، كما استغنيت عن ذكر بعض العناصر المتعلقة بتعريف السنة وحجيتها، إذ لا يخرج ما ذكر في كتب الإباضية حولهما عن التعاريف والمعلومات الواردة في غيرها.
واعتمدت في الدراسة على انتقاء دقيق لبعض النصوص الدالة على المقصود، مع بعض التعليق، كما لم أطل في تخريح الأحاديث لشهرة أغلبها بالصحة، وتجنبا للتطويل.
وقد تعرضت مقالات وبحوث عدة سابقة لهذا الموضوع، لاسيما أطروحة الدكتور مصطفى باجو "منهج الاجتهاد عند الإباضية"، والتي تحدث فيها عن دليل السنة عندهم من الناحية الأصولية خاصة. وقد استفدت منها، وأضفت هنا نصوصا وعناصر لم يتطرق إليها، ورتّبت مادّة المقال وفق العناصر التالية:
أولاً: طرق الرواية، ومصادرها.
*-الرواية المسموعة *-الرواية المكتوبة *-أهم مصادر الحديث.
ثانياً: مقاييس نقد الروايات.
*- نقد الأحاديث بالنظر إلى الأسانيد *-عرض السنة على القرآن.
*- نقد الأحاديث بالقياس والنظر العقلي.
أولاً: طرق الرواية، ومصادرها:
إنّ استقراء النّصوص التّي تسبق ذكر كلّ حديث أو أثر في أغلب المصنّفات الفقهية خاصّة، يوضح ألفاظاً مختلفة تدلّ على طريقة نقل تلك الأحاديث، وسبل وصولها إلى المؤلّف، وسأورد بعض الفقرات للدّلالة على ذلك، مع تقسيم تلك الطرق إلى نوعين: الرواية المسموعة، والرواية المكتوبة.
أ) - الرّواية المسموعة:
وأعني هنا الأحاديث التي تلقاها الفقهاء عن طريق السماع، وصيغ الأداء والتحمل لها. (18/241)
صفحة 228
*-جاء في الجامع لابن بركة (1): "وفي الرّواية أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فُرِض عليه الصّلوات الخمس قبل الهجرة بنحو سنة".
*-"ويُروَى عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «تصدّقوا فإنّ صدقة السّرّ تقي مصارع السّوء وتدفع ميتة السّوء» ". (2)
*-"أجمع أهل الحديث ونقلة الأخبار من أصحابنا أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصّلاة بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر". (3)
*-"وقد جاءت الرّوايات الصّحيحة مع نقل من بعض مخالفينا أنّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يقعدان في الخطبة، وأوّل من قعد معاوية ... ". (4)
*-"وقد أجمع النّاس على صحّة الرّواية عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّ من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان". (5)
*-وجاء في مدوّنة أبي غانم (6): "سألت الرّبيع وأبا المهاجر وأبا المؤرّج وأبا سعيد عبد الله بن عبد العزيز وأبا غسّان محدر بن العمرد وأبا أيّوب وحاتم بن منصور، فمنهم من سألت مشافهة ومنهم من أخبرني من سألهم مشافهة عن الوضوء ... ". (7)
__________
(1) - هو أبو محمد عبد الله بن بركة البهلوي العماني، من علماء القرن الرابع الهجري، من قرية بهلا بعمان، من أبرز مصنفاته كتاب "الجامع" في الفقه. السالمي، تحفة الأعيان: 1/ 164.
(2) - ابن بركة، الجامع، 1/ 35، والحديث روي بألفاظ مختلفة عند الطبراني والبيهقي وغيرهما من طرق لا ترتقي إلى درجة الصحة، ولفظه عند الطبراني في الكبير (رقم 7939) من حديث أبي أمامة: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر»، وحسّن ابن حجر إسناده. أنظر: موسوعة الحافظ ابن حجر العسقلاني الحديثية، 2/ 158.
(3) - الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس وغيره، البخاري (حديث 581)، ومسلم (حديث 826).
(4) - ابن بركة، الجامع، 1/ 570، وقد روي الحديث من طرق صحيحة، منها رواية ابن عمر عند مسلم (حديث 861)، وأما خبر معاوية فرواه ابن أبي شيبة في مصنفه قال: حدثنا علي بن مسهر عن ليث عن طاوس قال: أول من جلس على المنبر في الجمعة معاوية. 8/ 332.
(5) - المصدر نفسه، 1/ 101. والحديث متفق عليه من رواية ابن مسعود، رواه البخاري (رقم 2356)، ومسلم (حديث 138).
(6) - هو أبو غانم بشر بن غانم الخراساني، من تلاميذ الربيع بن حبيب، ومن أشهر كتبه "المدونة الكبرى"، رحل في أواخر القرن الثاني الهجري إلى تاهرت، ودرّس هناك مدونته. الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب: 2/ 323.
(7) - أبو غانم الخراساني، المدوّنة الصّغرى، 1/ 13. (18/242)
صفحة 229
*-وقال: "حدّثني غير واحد ممّن أثق به في أهل العلم أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال ... ". (1)
*-وورد عن الحضرمي (2) في الدّلائل والحجج: "وسمعت عن الشّيخ أبي عبد الله محمد بن صلهام والقاضي أبي حمزة والقاضي المختار بن عيسى وغيرهم، ونحن بعمان يقولون: الجمع إحياء للسّنّة في السّفر". (3)
*-وقال: "ووجدت في الأثر عن محمد بن محبوب رحمه الله أنّه حفظ عن موسى ... ". (4)
*-وعن ابن بركة قال: "وقد رُوِي لنا أنّ محمّداً بن محبوب كان يقول على المنبر: إنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: صلاة الجمعة كفّارة ما بعدها إلى الجمعة ما اجتنب العبد الكبائر". (5)
*-"وفي رواية أخرى حدّثنا بها الشّيخ أبو مالك رضي الله عنه أنّ رجلاً سأل ... " (6)
*-وقال الحضرمي: "وحفظت عن القاضي أبي الحسن بن سعيد بن قريش رحمه الله يحفظ عن بعض المتقدّمين من أيمّتنا -والله أعلم قد غاب عنّي اسمه-، أنّ الجُنُب إذا غسل النّجاسة، ومرّ بين يدي المصلّي أنّه لا يقطع صلاته". (7)
فهذه نماذج تظهر الشكل العام لصيغ الرواية، وإن كانت تطابق طرق الرواية عند المحدثين من حيث الألفاظ (التحديث، البلاغ، العنعنة، والسماع)، لكن ليس لاختلافها دلالة في قوة الإسناد أو ضعفه من حيث الاتصال كما هو الحال عند المحدثين، إذ يكفي عند الفقيه اشتهار الرواية وشيوع الاحتجاج بها عند من سبقه من شيوخه للاستدلال بها، سواء كانت بلاغا أو سماعا مباشرا أو غير مباشر، إلا إذا ظهر ما يدل على فسادها أو ضعفها.
__________
(1) - المصدر السابق، 1/ 43.
(2) - هو أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي، من علماء عمان في القرن الخامس الهجري، حيث توفي في حدود 475 هـ، اشتهر بسيرته قائدا عسكريا وواليا وشاعرا، من أهم كتبه "مختصر الخصال" في الفقه، و"الدلائل والحجج" في الحديث، و"السيف النقاد" في الشعر. الزركلي: الأعلام: 1/ 58.
(3) - أبو إسحاق الحضرمي، الدّلائل والحجج، ص 62، وانظر 71 - 78 - 97، وقد وقع الخلاف في مسألة الجمع وعلته ووقته بين الفقهاء، ولكل دليله، أنظر على سبيل المثال: الشوكاني، نيل الأوطار في تخريج حديث 1171 وما بعده.
(4) - المصدر نفسه، ص114.
(5) - ابن بركة، الجامع، 2/ 561.، والحديث صحيح، رواه مسلم من حديث أبي هريرة، رقم (233).
(6) - المصدر نفسه، 2/ 483 - 2/ 524.
(7) - الحضرمي، الدّلائل والحجج، ص 41. (18/243)
صفحة 230
كما نلاحظ استعمال ألفاظ تدل على كون الحديث صحيحا عند الفقيه مثل: " أجمع أهل الحديث"، "وقد جاءت الرّوايات الصّحيحة"، "أجمع النّاس على صحّة الرّواية"، وإذا كان في الحديث بعض الضعف فإنه يذكره بقرينة تدل على ذلك، مثل ما رأينا في حديث الصدقة، حيث ذكره ابن بركة بصيغة التمريض: "يروى"، وفي معظم طرقه مقال عند نقاد الحديث.
وبالمقارنة مع درجة تلك الأحاديث في كتب الرواية والتخريج نجد حكمها متفقا مع ما يذكره الفقهاء، من خلال الأمثلة السابقة على الأقل.
وبغضّ النّظر عن بعض الأسانيد المعنعنة الموجودة في كلٍّ من مسند الرّبيع بن حبيب، ومدوّنة أبي غانم، ــــ كما سأذكره لاحقا ــــ، وبعض ما هو مبثوت في كتب أخرى، نلاحظ السّمة الغالبة التي ذكرناها من خلوّ كتب الإباضية من الأسانيد، حيث يوردون الآثار والأحاديث عندما يطمئنّون لصحّتها، أو على الأقلّ قبولها، بصيغة: "يُروَى" أو" روى"، ومرادفاتها، ويمكن هنا أن أصطلح عبارة "شهرة الحديث"، كمقياس للقبول عموما.
ومن المفيد هنا ذكر هذا النصّ الذي يبرز صورة وطبيعة الإسناد في المذهب الإباضي، إذ يعبّر عنه بـ"سلسلة الدّين" أو "سلسلة العلم"، وهي تشير إلى طريق نقل تراث المذهب بمختلف فروعه العقدية والحديثية والفقهية والتاريخية، وأشهر العلماء الذين أسهموا في ذلك النقل في دوائر الإباضية بالمشرق والمغرب.
جاء في المصنّف للكندي (1) جوابا على سؤال: ما الحجّة على مخالفينا إذا سألونا عن مذهبنا عن من نقلناه وعن من نقله من الأصل؟.
قال: "نقله علي بن محمد، عن الشّيخ أبي محمد بن بركة رضي الله عنهما وعن أبي يعقوب إبراهيم بن عبد الله الحوقي، وأبو محمد عبد الله نقله عن الشّيخ أبي مالك وأبي يحيى سعيد بن عبد الله الإمام، وأبو مالك أخذه عن بشير وعبد الله ابني محمد بن محبوب وأبي قحطان خالد بن قحطان، وبشير أخذه عن عزّان بن الصّقر، ومحمد بن محبوب أخذه عن موسى بن علي وسليمان بن عثمان من أهل نزوى، وموسى بن علي أخذه عن هاشم بن غيلان ومحمد بن هشام ولده وعلي بن عزرة، و هاشم بن غيلان أخذه عن موسى بن أبي جابر وبشير بن المنذر وغيرهم، وموسى بن أبي جابر أخذه عن محبوب بن الرّحيل، و محبوب بن الرّحيل أخذه عن الرّبيع بن حبيب المصري ـــ النّاقل للعلم من
__________
(1) - هو أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي، من علماء عمان في القرن السادس، توفي سنة 557 هـ، من أهم تآليفه: "المصنف"، وهو عبارة عن موسوعة فقهية كبيرة، "الاهتداء"، و"التخصيص". السالمي، تحفة الأعيان: 1/ 300. (18/244)
صفحة 231
العراق إلى عُمان ــــ، والرّبيع أخذه عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة البصري وعن ضمّام بن السّائب، عن أبي الحرّ، عن ابن الحصين ــــ وهو ممّن استشهد مع عبد الله بن يحيى طالب الحقّ ــــ، وهؤلاء أخذوا عن جابر بن زيد، وجابر بن زيد أخذه عن ابن عبّاس وعائشة رضي الله عنهما، وعن الصّحابة رضي الله عنهم" (1).
ب) - الرّواية المكتوبة:
على غرار النّقل بالسّماع، فإنّ الإباضية اعتمدوا ــــ إلى حدّ كبير ــــ في نقل الأحاديث والآثار على الكتب والمصنّفات التّي يخلّفها من قبلهم من العلماء، ونجد هذا جليّا في مواضع كثيرة من كتبهم، منها:
*-ما ورد عن الحضرمي في الدّلائل قال: "وجدت في كتاب أبي المؤثّر رحمه الله أنّ نافعاً مولى عمر قال: صلّى بنا ابن عمر فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ... " (2)
*-وعن أبي المؤثر قال: "حدّثنا محمد بن محبوب رحمه الله أنّ جابر بن زيد رحمه الله عنه كان يفصل بين الرّكعتين وصلاة العتمة ثمّ أوتر بركعة يقرأ فيها " مدهامّتان"، ثمّ دخل البيت فأحيا ليلته بالصّلاة. (3)
*-ومن ألفاظه في معظم الكتاب: "وجدت في آثارهم ... "، "هكذا في آثارهم رحمهم الله ... "، "وجدت في جامع أبي الحسن ... "، "قال أبو محمد رحمه الله في الجامع ... ".
*-وقال الكدمي (4) في المعتبر: "وممّا يوجد أنّه معروض على أبي معاوية رحمه الله: قال مالك بن أنس وأهل الحجاز والشّافعي وأهل مكّة وأبو حنيفة وأصحابه والثّوري وأهل العراق وأهل البصرة، لا اختلاف بين العلماء أعلمه من أهل الأمصار، إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، وكلّ هؤلاء الذين ذكرنا يخبر بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا تنازع بينهم فيه ولا اختلاف". (5)
*-وقال أبو الحسن: "وفي بعض الأحاديث على ما وجدنا أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقَد عليّاً في صلاة الظّهر ... ". (6)
__________
(1) - الكندي، المصنّف، 1/ 142 - 143.
(2) - الحضرمي، الدّلائل والحجج، ص 59.
(3) - المصدر السابق، ص 60.
(4) - هو أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي العماني، من أشهر كتبه "المعتبر"، جمع فيه أبوابا في العقيدة والفقه والأصول. السالمي، تحفة الأعيان: 1/ 178.
(5) - الكدمي، المعتبر، 4/ 37. والحديث رواه البخاري والترمذي وغيرهما من حديث عائشة قالت: «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل». وذكر الترمذي قول العلماء في ذلك، أنظر: سنن الترمذي، حديث 108 - 109.
(6) - أبو الحسن البسوي، الجامع، 2/ 122. (18/245)
صفحة 232
وجاء في التّمهيد للخليلي (1): "و إن ثبت في الأحاديث المرويّة في الكتب المغربيّة أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ترك سنّة المغرب في حضر ولا سفر". (2)
*-وقال: "ونحن في هذا المقام نورد ما يسّر الله من فضله على حسب ما وجدناه في الآثار نقلاً عن الأسفار عن علمائنا أو غيرهم من قومنا ... " (3)
*-وقال ابن خلفون (4) في غير ما موضع من كتابه: "هكذا وجدت في آثار بعض أصحابنا رحمهم الله " (5)
*-وقال الكدمي: "وإن كان قد يأتي عنهم أو عن بعضهم ممّا يضاف إليهم أشياء تأتي في الآثار، ممّا يأتي حسب الاطمئنان أنّه عنهم، ممّا يضاف إليهم ممّا يقرُب ويسوغ في أشياء تأتي وآثار قومنا، من ذلك ما جاء يُروَى عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله على حسب ما يوجد عنده أنّه يرفعه عن والده محبوب رحمه الله أو ممّن يُروَى عنه، و لعلّه عن غيره ممّا يوجد في آثار أصحابنا بنحوه ... " (6)
لا نجد في كتب الفقه الإباضي الأولى ـــــ ومن خلال هذه النقول ــــ إشارات واضحة إلى مصادر خاصة باستقاء الأحاديث والآثار، والغالب ــــ كما نرى ــــ إطلاق لفظ "الآثار"، وهي دلالة على المجموعات المنسوخة من الآراء والروايات التّي يتركها الشّيخ أو تُدوّن عنه، فيأتي من بعده للإفادة منها، وعادة ما يتم نقل الحديث بنفس صيغة نقل الأقوال
__________
(1) - هو سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي الخروصي العماني، ولد سنة 1226 هـ/1816م، يلقب بالمحقّق لشهرته بتأصيلاته وتحقيقاته، اشتغل بالفتوى والسياسة والتأليف في الشعر والفقه والعقيدة، توفي مستشهدا سنة 1287 هـ، وعنوان كتابه: تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد الأحكام والأديان، وهو عبارة عن أجوبة لمسائل تلقاها الشيخ وردّ عليها، وقام بجمعها الشيخ ناصر بن خميس السيفي، وطبع عدة طبعات. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، رقم الترجمة: 500، ص 187.
(2) - الخليلي، التّمهيد، 5/ 189.ولم أجد الحديث بهذا اللفظ، وإنما ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاهما، مثل ما رواه البخاري من حديث ابن عمر: «حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح». رقم 1180، والمتفق عليه أن ركعتي الفجر والوتر أوكد من غيرها، وانظر كلام الشيخ اطفيش في شرح النيل: 2/ 505 - 506.
(3) - المصدر نفسه، 7/ 33.
(4) - هو أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي من مدينة وارجلان (ورقلة حاليا)، من علماء القرن السادس الهجري، من كتبه "أجوبة ابن خلفون" الذي حققه الدكتور عمرو خليفة النامي. معجم أعلام الإباضية، رقم الترجمة: 1056.
(5) - ابن خلفون، الأجوبة، ص71.
(6) - الكدمي، المعتبر، 3/ 216. (18/246)
صفحة 233
الفقهية، اعتمادا ــــ فيما يبدو ــــ على مبدأ الثقة المسلّم بها بأنّ المؤلف صاحب الكتاب أو الشيخ ناقل الحديث لا يفعل ذلك إلا عن إدراك لصحة ما يبلغه قبل نقله لغيره.
على أن هناك مصادر ذات طابع حديثي، وعددها قليل بالنسبة للمصنفات الجامعة بين الفقه والحديث، وليس ثمة إشارة إلى أنها كانت العمدة في نقل السنّة دون غيرها، وسأشير إلى أهمها في العنصر التالي.
ج) - أهم مصادر الحديث:
*-مسند الربيع بن حبيب: شاع تداول هذا المسند واشتهر بعد القرن السادس الهجري، وصاحبه هو الربيع بن حبيب الأزدي الفراهيدي البصري، ولد سنة 75هـ، وتوفي سنة 176هـ، أدرك إمام المذهب جابر بن زيد، ونقل جل مروياته في مسنده عن شيخه وتلميذ جابر أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي. وقد قام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (1) بإعادة ترتيبه والترجمة لرجاله، واعتبر فيما بعد عمدة الحديث عند الإباضية في الفقه وبعض مسائل العقيدة.
ويشير عبد الله بن حميد السالمي (2) إلى أن المسند كان مرتبا ــــ قبل الوارجلاني ــــ على حسب الرواة، حيث أعاد ترتيبه وفق أبواب الفقه، وأضاف إليه جزءا ضمّنه روايات الربيع التي احتجّ بها على خصومه فيما يتعلق بالعقائد والكلاميات خاصة، وجزءا شمل روايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل عن الربيع، وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب عن أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، ومراسيل الإمام جابر بن زيد. (3)
ومن المواضع التي أشارت إلى مسند الربيع بالاسم ما ذكره الشماخي (4) في السير في التعريف بتلامذة الربيع بن حبيب، قال: "ومنهم أبو صفرة عبد الملك بن صفرة، بلغ
__________
(1) - هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، من علماء القرن السادس، ولد سنة 500 هـ، وتوفي سنة 570 هـ، رحالة كبير، قضى فترة من حياته في الأندلس للدراسة بها، له تآليف عدة في التفسير والفقه والعقيدة، من أشهرها: "الدليل والبرهان"، "العدل والإنصاف"، و"ترتيب المسند". معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم: 1049.
(2) - هو عبد الله بن حميد، من قبيلة السوالم في عمان، ولد سنة 1286 هـ، فقيه وأصولي ومصلح اجتماعي، لقبه الشيخ اطفيش باسم "نور الدين"، ولقبه هو باسم "قطب الأئمة"، له تصانيف جليلة أهمها: "طلعة الشمس" في الأصول، "جوهر النظام" في العقيدة، "شرح الجامع الصحيح للربيع" في الحديث، توفي سنة 1332 هـ. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، ترجمة رقم 789.ص 271.
(3) - السالمي، الجامع الصحيح، المقدمة، ص 04.
(4) - هو أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي، من جبل نفوسة بليبيا، توفي سنة 928 للهجرة، من أشهر كتبه: "سير المشائخ"، "شرح عقيدة التوحيد"، "مختصر العدل والإنصاف" مع شرحه. معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب)، ترجمة رقم: 80. (18/247)
صفحة 234
العلوم فكان كبيراً، و حاز منها شيئاً كثيراً، روى آثار الرّبيع عن ضمّام عن جابر، وهو مشهور، وأمّا كتاب المسند عن أبي عبيدة، المسمّى "كتاب الرّبيع"، فلا أدري من رواه، ولعلّه هو الرّاوي أيضاً". (1)
وواضح من هذه العبارة أن المسند لم يكن في عهد الشماخي متداولا بالشكل المعهود حاليا، والشائع آنذاك عن الربيع رواياته المبثوثة في أكثر من مصنف.
*-المدونة الكبرى: لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني، جمع فيها مرويات تلاميذ جابر وأبي عبيدة، وآراءهم في معظم أبواب الفقه، مع أدلتها من الأحاديث والآثار، وغالبها يخلو من ذكر الأسانيد، وقد قام الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش بترتيب المدونة والتعليق عليها.
*-الدلائل والحجج: لأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن قيس الحضرمي، وهو كتاب يحوي ما يربو عن ألف حديث في معظم أبواب الفقه، ألفه تكملة لكتابه في الفقه "مختصر الخصال"، والسمة البارزة أيضا خلوّ نصوص الأحاديث من الأسانيد، وعدم الإشارة إلى مصادره فيها، بل غالب الكتب التي ورد ذكرها في الكتاب هي جوامع الفقه السابقة لعهده، لاسيما جامع ابن بركة وجامع أبي الحسن البسوي، وقد تكون هي ذاتها مصادره في الأحاديث، إضافة إلى بعض سماعاته الشفاهية عن شيوخه، وقد أشار إلى البعض منهم، ولا يزال الكتاب مخطوطا.
إلا أن وجود المسند وتداوله كمرجع إباضي صرف في الحديث مع غيره من المصادر، لم يمنع أولئك الفقهاء من النظر والاحتجاج بما ورد من الأحاديث في مصادر السنة المشهورة، بل نجدهم ــــ أحيانا ــــ يقدمون ما فيها من الروايات على ما يوجد في أحاديث مسند الربيع، حسب ما يؤدي إليه اجتهادهم.
قال الخليلي في معرض إجابته عن بعض المسائل: "اعلم أنّ الحديثين المسئول عنهما، والمؤسّسة هذه البحوث فيهما، هما من الأخبار المقاطيع التّي لم يثبت لها سند صحيح، ولم نجدهما فيما وقفنا عليه من صحيح جوامع الحديث كالصّحيحين والموطّأ وأصحاب السّنن الثّلاثة أبي داود والنّسائي والتّرمذي، بحسب ما تيسّر في الأصول، وجامع الأصول، كلاّ، ولا حفظناهما فيما عرفنا من أصحابنا من خبر في صحيح الأثر". (2)
__________
(1) - الشّمّاخي، السّير، 1/ 109.
(2) - الخليلي، التّمهيد، 6/ 12. (18/248)
صفحة 235
وهذه إشارة مهمة إلى مسلك فقهاء الإباضية في استفادتهم الواسعة من معين السنة من كل مصادرها دون تمييز، وهو ذات الكلام الذي ذكره الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، الذي ألف كتابيه "جامع الشمل"، و"وفاء الضمانة" وقد ضمهما مجموعة كبيرة من الأحاديث مرتبة حسب أبواب الفقه والآداب، من خلال مجموعة كتب الحديث التي جلبها معه بعد رجوعه من رحلته إلى الحجاز، حيث كانت تلك الكتب نادرة في مكتبات ميزاب آنئذ.
هذا عن مصادر الحديث، أما ما دوّن في مباحث المصطلح وعلوم السنة عموما فهناك ثلاثة مؤلّفين اهتموا بها بتوسع وتركيز، وكل من جاء بعدهم نقل عنهم، إلا نزرا يسيرا من بعض الإضافات، وهم:
*-الأوّل: أبو عبد الله محمد بن بركة، حيث تحدث عن مفهوم السنة وبعض أنواعها في أوّل كتابه " الجامع" على طريقة الفقهاء، ولم يخرج في الغالب عن المعلومات المعروفة عند غيره، و الذين كتبوا من بعده اعتمدوا على ما وجدوه في الجامع دون زيادة.
*-الثاني: أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، في كتابه "العدل و الإنصاف"، حيث أضاف على ابن بركة مباحث في العلل والجرح والتّعديل؛ لأنه كان مهتمّا بهذا الجانب خاصّة، وهو الذي قام بالتٍّرجمة لرجال المسند، ولم يضف هو أيضا قواعد جديدة على الآراء الموجودة عند الجمهور في مسائل النقد والجرح والتّعديل.
*-الثالث: الشيخ امحمد بن يوسف اطفيّش، ويعتبر أكثرهم إيراداً لمباحث المصطلح، حيث أعاد تدوين مصطلح الحديث على ما وجده في بعض كتب علوم الحديث، مع بعض التّحوير في إدخال رجال المذهب ومسند الرّبيع ضمن الصّحاح، وكذا إبراز رأي الإباضية في أخبار التّواتر والآحاد، وله في ذلك كتابي "جامع الشمل" و" وفاء الضّمانة".
ثانياً: مقاييس نقد الروايات
لابد من الإشارة هنا أن النقد لا يعني ردَّ الأحاديث وعدم العمل بها فقط، بل يشمل أيضا طرق الترجيح بين الأدلة المتساوية، باعتبار المصلحة أو موافقة القياس أو نصوص القرآن، وليس عدم الأخذ بالحديث معناه ردُّه واعتباره ضعيفا في جميع الأحوال. وقد حصرت القواعد التي يعملها فقهاء الإباضية للحكم على الأحاديث أو الترجيح بينها في ثلاث ضوابط أساسية وهي:
أ) - نقد الحديث بالنظر إلى الأسانيد:
لا تحفظ مصنفات الفقه الإباضية آراء كثيرة للفقهاء فيما يتعلق بأحوال الرواة وقواعد نقد الأسانيد، ومباحث العلل، والجرح والتعديل، إلا أن ثمة إشارات عامة تختصر شرط قبول الرواية في عدالة الراوي وصدقه.
*-قال الخليلي في التّمهيد: "و لا بأس بقيود الحقّ ممّن جاء به فإنّ الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها من حيث وجدها، وبحمد الله فإنّا لا نرفع إلاّ ما نراه عدلاً، ونعرف منه قولاً فصلاً." (1)
*-وقال ابن بركة: "وليس لأحد من الأمّة أن يضع حدّاً يوجب وضعه في الشّريعة حكماً إلاّ أن يتولّى وضع ذلك الحدّ كتاب ناطق أو سنّة ينقلها صادق عن صادق". (2)
*-وقال الشيخ اطفيّش (3): "من له قوّة على الاجتهاد فلا يأخذ باجتهاد غيره، ويأخذ من كتب النّاس ما يُعتمد عليه في الاجتهاد كالحديث والآية، وهو في أخذه كواجد مسألة من كتاب". (4)
*-وقال خميس بن سعيد الشقصي (5): "وإن ورد عليه (المفتي) أمر ثبت فيه حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يُفتي بغيره، وإن ورد عليه شيء قد اختلفت فيه الرّواية عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وروى ذلك الثّقات من المسلمين، فينبغي له أن يجتهد رأيه فيما روى، فينظر أشبه ذلك بالحقّ أو أحسنه، ويفتي به". (6)
*-وقال ابن بركة في معرض حديثه عن رأي أبي عبيدة في مسألة بيع الكلاب:" قال أبو عبيدة وبعض من وافقه من أصحابنا أنّ بيع الكلاب جائز واقتناؤها وأكل لحومها، والرّوايات عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - تدلّ على العدول عن قول أبي عبيدة، لِما قد ثبُت به النّقل الكثير. والخبر إذا نقله عدْل عن مثله جاز القول به، إذا لم يكن معارضاً له، ولم
__________
(1) - الخليلي، التمهيد: 7/ 33.
(2) - ابن بركة، الجامع: 1/ 294.
(3) - هو امحمد بن يوسف اطفيش، ولد وعاش بمدينة بني يسجن بميزاب (غرداية) سنة 1238 هـ/1332 م، نشا وتلقى معظم تكوينه في مسقط رأسه، اشتهر بعصاميته الفذة، وتنوع وكثرة تآليفه، أشهر مؤلفاته: "شرح النيل وشفاء العليل" في الفقه، و"التيسير" في تفسير القرآن الكريم، توفي سنة 1332 هـ/1914 م. وقد ترجم له الدكتور مصطفى وينتن ترجمة وافية في رسالته في الماجستير عن آراء الشيخ اطفيش العقدية.
(4) - امحمد بن يوسف اطفيّش، الشّامل: 1/ 12.
(5) - هو الشيخ خميس بن سعيد بن علي الشقصي، من مدينة نزوى بعمان، عاش بين القرن العاشر والحادي عشر، لم تحدد سنة وفاته، وهي ما بين 1059، و1090 هـ، من أشهر تصانيفه: "منهج الطالبين وبلاغ الراغبين" في الفقه. معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، رقم الترجمة: 313.
(6) - منهج الطّالبين وبلاغ الراغبين: 1/ 141. (18/249)
صفحة 236
تقم الدّلالة على فساده، والخبر قاضٍ على الآية التّي تعلّق بها أبو عبيدة في سورة الأنعام؛ لأنّ الخبر لا يخلو أن يكون ناسخاً أو مبيّناً لمعناها، لأنّه ورد بعد نزولها". (1)
*-وقد ذكر ابن بركة أقساما للخبر في أول كتابه الجامع، وتبعه على ذلك من جاء بعده من الفقهاء، قال: "فمنها أخبار المراسيل، وأخبار المقاطيع، والأخبار الموقوفة، وأخبار المتن، وخبر الصحيفة، والخبر الزائد على الخبر الناقص، والخبر المعارض لغيره من الأخبار، والخبران يَرِدان من طريق أو طريقين يكون أحدهما خاصا والآخر عاما، والخبران يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا" (2).
كما قسّم الوارجلاني الأخبار إلى صنفين، صنف مقبول، ويشمل: المتواتر، أخبار الآحاد، المراسيل، أخبار الصحيفة، الموقوف. وصنف مردود، ويشمل: الضعيف، المنقطع، الشاذ، المنكر، الموضوع.
تفيدنا هذه النصوص أن مدار قبول الراوية لدى هؤلاء الفقهاء هو عدالة الراوي وثقته، بشرط عدم وجود ما يعارضه، معارضة لا يمكن معها الترجيح أو الجمع.
والواضح من نصي ابن بركة والوارجلاني عدم إحاطتهما بمختلف أنواع الحديث، ولم يقسماها على أساس فقهي أو حديثي صرف.
ومن الإنصاف القول بأن فقهاء الإباضية لم يستفيضوا كثيرا في مباحث علوم الحديث، ولم يتحدثوا في الرجال جرحا وتعديلا بالصورة التي نجدها عند نقاد الحديث، وهذه سمة مشتركة بينهم وبين معظم الفقهاء والأصوليين من سائر المذاهب، وقد بنوا أقوالهم في القبول والرد على ما استقر عند علماء الحديث في ذلك.
قال الوارجلاني في العدل والإنصاف: "وينبغي أن يستعمل (الفقيه) الإصغاء والقبول، ولا يقابله بالرّدّ والعدول، ولا يضرب بين أقواله، ولا يناقضها بأفعاله، ولكن ليؤمن و ليصدّق، وليتوقّف حتّى يُحقّق، ... ولايستقبلها بالتّكذيب إذا ظهر فيه شيء من التّشبيه، بل يطلب لها تأويلاً يحملها عليه تحميلاً، ويقول: إن صحّ الحديث". (3)
وقد سبق قول ابن بركة في المسألة، حيث جعل قبول الحديث متوقّفاً على سلامته من الضّعف وإن لم يطّلع عليه، وهو مماثل لقول الشّافعي المشهور عنه: إذا صحّ
__________
(1) - المصدر نفسه، 1/ 331 - 332. ويشير إلى الأحاديث الكثيرة الواردة في النهي عن ثمن الكلب، منها عند البخاري من حديث أبي مسعود: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن». رقم 2237.
(2) – ابن بركة، الجامع: 1/ 16.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1/ 13. (18/250)
صفحة 237
الحديث فهو مذهبي. (1)
ويقول أيضاً: "وقد رُوِي أنّ معاذاً لمّا وُلّي على أهل اليمن في جباية صدقاتهم، قال لهم: هاتوا سديساً وخميساً فإنّه أخفّ عليكم وأنفع للمهاجرين، أو كلام هذا معناه، فإن سلِم هذا الخبر ممّن عارضه من متفقّهي مخالفينا قُلت به وبالله التّوفيق". (2)
وكما أنّ ابن بركة يحتجّ برواية الجمهور ممّا كان منها صحيحاً، فإنّه أيضاً لا يجعلها مقياساً في كلّ الأحوال، بل يجعل اشتهار الرواية عند الفقهاء الإباضية دليلا على صحتها أيضا، ولو ضعفها غيرهم، يقول: "إنّ الحقّ قد يكون حقّاً في نفسه، وإن جهله من جهله، وليس جهل من خالفنا بصحّة هذه الرّواية حجّة علينا ودفعاً لنا عمّا صحّ عندنا". (3) وبالمقابل يقول في بعض الأحاديث: "فإن صحّ هذا الخبر، فقد نسخ الحديث الذي اعتمد عليه أصحابنا ". (4).
ومثال تطبيقه لهذه القاعدة قوله في حديث تحريم السّؤر، حيث ذهب إليه رغم معارضته لرأي أبي عبيدة، قال: "ومنهم من قال بالخبر وصحّح الإسناد، وحرّم به الأكل والسّؤر، والنّظر يوجب صحّة الخبر، لأنّ إسناده ثابت ورجاله معهم عدول، وانتشار الخبر في المخالفين (ويقصد غير الإباضية) وقولهم به كالمشهور فيهم، وعندي أنّ لحم جميع السّباع حرام وسؤرها نجس". (5)
ومن أحسن ما قال به ابن بركة في مجال التّصحيح والتّضعيف النّسبيّة في الحكم، أي أنّ مسألة التّصحيح والتّضعيف غير مطلقة، بل ترتبط بالقرائن التّي قد تتوفّر أو تغيب عند النّاقد، حيث يصبح التّصحيح والتّضعيف ملزماً لصاحبه غير ملزم للآخرين.
يقول: "والخبر قد يُنقَل عن الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، ويكون صحيحاً عند بعض، وفاسداً عند آخرين، إلى أن تقوم حجّة الفاسد، والصّحيح كالشّاهد يكون عدلاً عند معدِّلٍ، ساقط الشّهادة عند معدِّلٍ آخر، والله أعلم". (6)
__________
(1) - أنظر أيضاً نصوصاً لابن بركة في المعنى، 2/ 33 - 34 - 47.
(2) - ابن بركة، الجامع، 2/ 403.
(3) - المصدر نفسه، 2/ 544.
(4) - المصدر نفسه، 2/ 556.
(5) - المصدر السابق، 1/ 400، والحديث الذي يشير إليه هو ما رواه البخاري وغيره من حديث أبي ثعلبة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السباع» رقم 5530. وأما نجاسة سؤر السباع فهو مأخوذ من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأمر بغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب، وقيست عليه سباع البهائم. وانظر الجامع أيضا: 2/ 89 - 142 - 148 - 211.
(6) - المصدر نفسه، 1/ 397. (18/252)
صفحة 238
و بمقابل قبول الخبر إذا صحّ، فهناك بالطّبع ردّ الخبر إذا ضعُف إسناده. يقول ابن بركة: "فإن احتجّ محتجّ لمن يُجوّز الانتفاع بجلد الميتة إذا ذُبِح بقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء»، قيل له: هذا خبر ضعيف، قد تكلّم فيه بعض حملة الأخبار". (1)
وقد أحسن الكدمي الكلام على مسألة القبول والرّدّ، إذ ظهر أكثر مرونة في المجال، من باب استثمار التّراث السّنّي، والإفادة منه قدر المستطاع، باستعمال التّأويل، لِما يظهر أنّه غير صحيح أو غير موافق للمعروف.
يقول الكدمي: "و لا يجوز ردّ الآثار، و لا شيء من الأخبار على حال، فلا يكاد يصحّ منها شيء و لا يؤخذ منها شيء إلاّ و له تأويل صحيح عند من عرف الحقّ، وليس لجهل الجاهل تأويل الحقّ ردّ الرّواية والأثر، و لا تضعيفهما، ... وعليه الإمساك عن ذلك كلّه حتّى يتبيّن له الحقّ من الباطل". (2)
ويشدّد القضيّة في موضع آخر، بعدم قبول الحديث إلاّ من العدل فقط، حيث يقول: "و لا يُعتَمد قول قومنا و لا يُقبَل منه إلاّ ما وافق العدل، وكذلك ينبغي أن يكون جميع ما جاء لا يُقبَل منه إلاّ ما وافق العدل، وإيّاه نعتمد وبه نقول، وإليه نستند". (3)
وتطبيقاً لهذا النّظر، نجد الخليلي يقول في أحد الأحاديث: "وأمّا الحديث الأوّل الموسوم بكتاب الصّدقة عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في رواية سالم عن أبيه، فكلّه باعتبار موافقة الأصول صحيح ثابت مواطئ لما عند أصحابنا من روايات الأخبار وتصانيف الآثار". (4)
على أن هؤلاء الفقهاء يلتقون مع الحنفية ــــ خاصة ــــ في الاحتجاج بالحديث المرسل والبلاغات كما رأينا في طرق الرواية، والمدار هو شهرة الحديث وثقة ناقله، وعدم معارضته لما هو أقوى.
قال الوارجلاني: "إن أكثر العلماء على أن العمل بالمرسل واجب". (5)
__________
(1) - المصدر نفسه، 1/ 377. وكلامه في تضعيف الخبر يعضده ما ذكره الترمذي في السنن عن أحمد بن الحسن قال: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده، حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ لهم من جهينة.
(2) - الكدمي، المعتبر، 2/ 36.
(3) - المصدر نفسه، 3/ 210.
(4) - الخليلي، التمهيد، 6/ 186. وكتاب الصدقة هو الحديث المروي عن سالم عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب كتاب الصدقة ... ، رواه الترمذي في السنن، رقم 621، ورجح الحفاظ الرواية المرسلة عن الزهري، أنظر: ابن حجر، التلخيص الحبير: 2/ 341.
(5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف: 2/ 196. (18/253)
صفحة 239
وقال السالمي في منظومة طلعة الشمس:
و مرسل الأخبار فهو المنفصل ... فإن يكن من الصحابي قُبل
بلا خلاف، والخلاف قد ورد ... في التابعي والصحيح لا يرد (1)
ب) - عرض السّنّة على القرآن:
يقول الكدمي في بيان علاقة القرآن بالسّنّة و منزلتها منه: "والسّنّة كلّها تأويل لكتاب الله تبارك وتعالى، وكذلك الإجماع من كتاب الله، فكما كان تأويل التّنزيل تأويلاً له، كذلك السّنّة والإجماع من كتاب الله، وكذلك حجّة العقل، من تأويل كتاب الله تبارك وتعالى.
أمّا ثبوت السّنّة من كتاب الله فمن ذلك قوله تبارك وتعالى: ژ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ژ [الحشر: 7]، وژ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ژ [النور:54]، وژ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ژ [النساء:65] ". (2)
ويجعل الشّيخ اطفيّش القرآن الكريم مقياساً للقبول والرّدّ، فما وافق القرآن من الحديث فهو صحيح، وما خالفه فهو مكذوب به، يقول: "والحديث الموافق للقرآن مقبول، وكذا المُجمع عليه، ويُردّ ما خالفه؛ لأنّه مكذوب فيه عنه - صلى الله عليه وسلم -، وبعض الأحاديث بعض صحّتها تحتمل التّأويل". (3)
ويشرح ابن بركة المسألة بإسهاب فيقول: "وأحكام الشّريعة كلّها مأخوذة من طريق واحد، وأصل واحد، وهو كتاب الله ربّ العالمين، والسّنّة مأخوذة أيضاً من الكتاب.
والسّنّة على ضربين، فسنّة قد اجتُمِع عليها، وقد استُغنِي بالإجماع عن طلب صحّتها، وسنّة مختَلف فيها، لم يبلغ الكلّ علمها، وهي التّي يقع التّنازع بين النّاس في صحّتها، فلذلك تجب الأسانيد، والبحث عن صحّتها ثمّ التّنازع في تأويلها، إذا صحّت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان مرجعهم إلى الكتاب". (4)
وفي معرض الحديث عن مسائل الشّفاعة يقول الخليلي: "إنّ روايتهم بإثبات الشّفاعة لأهل الكبائر تضادّها رواية أصحابنا بنفيها عنهم، وإذا تنافت الرّواياتان فالمرجع
__________
(1) - السالمي، شرح طلعة الشمس: 2/ 46.
(2) - الكدمي، المعتبر، 1/ 14.
(3) - امحمد بن يوسف اطفيّش، الشّامل، 1/ 9.
(4) - ابن بركة، الجامع، 1/ 280. (18/254)
صفحة 240
فيهما إلى أحكام القرآن المبين". (1)
يقول ابن بركة: "فإن كانت الأخبار، ولم يُعلم النّاسخ منها من المنسوخ، ولا المتقدّم منها من المتأخّر وجب اتّفاقها، وكان الرّجوع إلى حكم القرآن بالاستدلال عليه باللّغة التي خوطبنا بها، والله أعلم". (2)
أمّا الكدمي فإنّه على الرّغم من تحفّظه في تصحيح حديث المسح على الخفّ لموافقته آيات القرآن فإنّه يردّها لمخالفتها آيات أخرى.
يقول: "وهذه الأحاديث (أي ما روي في عدم المسح) موافقة لحكم الآية، وهي موجودة في كتب من قال بالمسح من قومنا، فيصحّ أنّ الحديث في مسح الخفّ غير صحيح إذ كيف يتوعّد بالعقاب على من ترك ذلك، و تارة يعذره لغير ضرر لذلك. والرّواية إذا لم تقم الحجّة بصحّتها، و تخالفه الأمّة، فالرّجوع إلى قول الله أحزم وأولى ... فما بالي أترك حكم التّنزيل المصرّح به صريحاً، وأميل إلى العمل بروايات اختلف المسلمون في صحّتها ومتنها". (3)
ومن النّماذج التّطبيقيّة لذلك الكتاب الذي ألّفه أحد علماء الإباضية (وربّما يكون بشير بن المنذر) وهو المسمّى "الحجج والبراهين" ــــ ولا يزال مخطوطا ــــ حيث بنى كلّ المسائل على نصوص القرآن الكريم أوّلاً، ويردّ كلّ حديث يجد فيه مخالفة لآيات القرآن حسب فهمه وتأويله لها.
من ذلك مثلاً قوله: "حجّة في الرّدّ على أنّ من قال: "لا إله إلاّ الله دخل الجنّة، وإن سفك الدّماء وأكل أموال النّاس ظلماً"، قوله تعالى: ژ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ژ [النساء:29]. (4)
فهنا نجد ردّا صريحا لهذا القول المفهوم ظاهرا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة»، لمعارضته لمعنى الآية التي ذكرها. (5)
ويقول ابن بركة: "وأمّا الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من طريق عمر
__________
(1) - الخليلي، التّمهيد، 2/ 142. وهو يشير إلى حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» الوارد في بعض كتب السنة، وما يضاده في رواية الربيع: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
(2) - ابن بركة، الجامع، 1/ 337. و انظر: 2/ 310 - 340.
(3) - الكدمي، المعتبر، 2/ 67.
(4) - الححج والبراهين، ص 21 - 24 - 25.
(5) - قال الترمذي بعد روايته للحديث: وقد روي عن الزهري أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض. (18/255)
صفحة 241
وعبد الله بن عمر أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنّ الميّت يُعذّب ببكاء أهله عليه»، قال: وهذا الخبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحّته العقول، ولم يرد ورود الأخبار التي ينقطع العذر بصحّتها، قال تعالى: ژ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ژ [الأنعام:164]، وقال جلّ ذكره: ژ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ژ [العنكبوت:40] " (1).
ويقول الكدمي في تعليقه على حديثٍ: «إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النّار» لأولاد خديجة، قال: "من تعقّبه بصحّة المعنى، تدخل عليه العلّة من طريق ما ثبت عن الله تبارك وتعالى: ژ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ژ [الطور:21] ". (2)
ولم أر من هؤلاء الفقهاء المتقدمين من استدل بحديث عرض السنّة على القرآن لتأصيل هذا المسلك، أي ما جاء عنه أنه قال: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني». إلا أنه ورد في مدونة أبي غانم الخراساني، ومسند الربيع بن حبيب، ولم يثبت إسناده عند غيرهما من طريق صحيح. (3)
فعرض السنة على القرآن يعني إذن اعتباره مقياسا ترد به الأحاديث المتعارضة مع نصوصه الصريحة مع عدم إمكان الجمع، أو ترجح به إحدى الروايات في الحديث على غيرها عند تعارضهما وتساويهما فيما لم يرد به نص في القرآن.
ج) - نقد السنة بالقياس والنظر العقلي:
وهذا الأساس واسع الانتشار عند فقهاء الإباضية؛ لأنّهم ـــ أصلاً ـــ ممّن يُعمِل العقل والنّظر في الشّرع عند غياب الدليل النصي الصريح خاصة، كما أنّ قلّة الرّوايات لديهم وبُعدهم عن دوائر انتشارها كالحجاز مثلاً، جعلهم يعوّضون ذلك باستشارة النّظر العقلي، أو تحكيم الحديث إليه عند غياب الإسناد، أو عدم معرفة حال الرّاوي. و نرى القضيّة واضحة في مختلف الحديث، أو ما يسمّى في الفقه بالخلافيات بين المذاهب.
قال الخليلي: "وأمّا نحن، فقد التقطنا أحاديث الأقوام، فقمنا نتكلّم على قياس ما ذكروا من ذلك من غير تجرّدٍ ولا تجربة، لكن دلّتنا شواهد العقول و صحّة النّقول
__________
(1) - ابن بركة، الجامع، 1/ 429 - 2/ 82 - 1/ 63 - 66. وروى البخاري الحديث برواية ابن عمر وابن عباس وعائشة في الصحيح، رقم: 1286 - 1287.
(2) - الحديث عند أحمد في المسند رقم 24561.، قال: حدثنا وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية عن عائشة أنها ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطفال المشركين فقال إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار. 6/ 208. وسنده واه لضعف يحيى بن المتوكل. الذهبي، ميزان الاعتدال: 4/ 404.
(3) - أبو غانم الخراساني، المدونة: 1/ 350، مسند الربيع بن حبيب: حديث 40. (18/256)
صفحة 242
على أنّها من المقبول". (1)
ومن النماذج المعروفة مسألة التّأمين في الصّلاة، التي صحت رواياتها عند أغلب المذاهب، فإن الإباضية لا يعتمدون عليها، وينقدونها ببعض الأحاديث وبالقياس أيضا.
يقول الحضرمي في الدّلائل والحجج: "ونهى - صلى الله عليه وسلم - عن الكلام في الصّلاة، فلهذا الخبر كره علماؤنا رحمهم الله قول "آمين" في الصّلاة، وقالوا: إنّها من كلام الآدميّين، و رأوا تركها لا ينقض شيئاً من فرائض الصّلاة، قالوا: تركُها أشبه". (2)
وفي مسألة صوم الجنب يقول أبو الحسن: "أخذنا في هذا بالأحوط"، بعد إيراده أحاديث عائشة وأمّ سلمة المخالفة لحديث أبي هريرة. (3)
ويقول أبو الحسن البسوي في قضيّة المسح على الخفّين: "فنحن على الاحتياط في الوضوء، والخروج من الاختلاف، حتّى يتّفقوا فيما بينهم". (4)
وقال في مسألة رفع اليدين: "فأمّا من خالفنا فقال: إنّه كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، فإنّه يوافقنا أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن رفع اليدين في الصّلاة". (5)
ويقول ابن بركة في تعليقه على حديث الدّرع المرهونة: "وقد قيل: إنّ الدّرع كانت مرهونة عند يهودي، والله أعلم بصحّة الخبر؛ لأنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مات عن أوفاق وسعة، وقد كان الضّيق قبل ذلك". (6)
__________
(1) - الخليلي، التّمهيد، 1/ 44.
(2) - الحضرمي، الدّلائل والحجج، ص 46. وحديث النهي عن الكلام في الصلاة هو ما رواه مسلم وغيره من حديث معاوية بن الحكم السلمي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، رقم 537.
(3) - المصدر نفسه، ص 91. ونص حديث أبي هريرة: «من أصبح جنبا فلا صوم له»، وأما حديث عائشة وأم سلمة فقد روتا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصبح جنبا ثم يصوم ولا يفطر.، وتقديم حديث أبي هريرة لكونه أحوط وأحسن، قال أحمد في المسند (حديث 24334): حدثنا علي بن عاصم عن خالد عن أبي قلابة عن عبد الرحمن بن عتاب قال: كان أبو هريرة يقول: «من أصبح جنبا فلا صوم له». قال: فأرسلني مروان بن الحكم أنا ورجلا آخر إلى عائشة وأم سلمة نسألهما عن الجنب يصبح في رمضان قبل أن يغتسل قال: فقالت إحداهما: «قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبا ثم يغتسل ويتم صيام يومه» قال: وقالت الأخرى: «كان يصبح جنبا من غير أن يحتلم ثم يتم صومه».
(4) - أبو الحسن البسوي، الجامع، 2/ 34، وهو يشير إلى بعض الاختلاف الوارد في كيفية المسح والتوقيت فيه كما هو مشهور في المسألة.
(5) - المصدر نفسه، 2/ 99. وانظر: 2/ 102 - 103 - 138. والحديث في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة». رقم 430، والإباضية يوجهون الحديث بأن الأمر متعلق بالنهي عن رفع اليدين عند التكبير، وأما غيرهم بحسب روايات أخرى فالنهي عن الإشارة باليدين عند التسليم.
(6) - ابن بركة، الجامع، 2/ 335، والحديث رواه البخاري عن عائشة، رقم 2096، ورواه أحمد في المسند رقم 2589. (18/257)
صفحة 243
وهذه بعض العبارات المنقولة في الجامع:
*-" ... فلتنظر في هذا الخبر، لأنّ في آخره نظر"
*-"وخبر شدّ الحبل انفرد به أصحابنا، وفيه نظر".
*-"وأمّا الجمع في الحضر الذي ادّعاه بعض مخالفينا فيما رُوِي عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - جمع في الحضر، والله أعلم كيف كان جمعه، إن كان ما رووه صحيحاً". (1)
وفي موضع آخر يعلّق على حديث فيقول: "قد رُوِي عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال لجابر بن عبد الله: «بِعني بعيرك»، يقال: هذا خبر فيه نظر؛ لأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير جائزٌ أن ينهى عن شيء ثمّ يدخل فيه، وقد نهى عن إضاعة المال، ونهى عن الخديعة، أبلغ من أن يطلب من الإنسان ما يساوي أربعين درهماً بدرهم واحد، ولو صحّ الحديث كان طريقه طريق الأخبار". (2)
قال ابن بركة: "وقال بعض مخالفينا (وذكر حديث اللقطة): «هي لك وهي مال الله يؤتيه من يشاء»، قال: ولم يصح معنا هذه الزّيادة (هي لك)، فيُحتمل أن يكون الأعرابي التقط شيئاً يسيراً، ويُحتمل أن يكون الأعرابي فقيراً، فأمره بالانتفاع بها، فهو إذن أحقّ بها لفقره". (3)
وقال: "وهذه الأخبار التي وردت مختلفة، يُحتمل أن يكون بعضها ناسخاً لبعض، ويُحتمل أن يكون لاختلاف أحكام الضَّوالِّ واختلاف المواضع، وإذا لم يُعلم المتقدّم منها من المتأخّر ولا النّاسخ منهما من المنسوخ، جائز أن يكون لاختلاف أجناس الضّوالّ ... ؛
__________
(1) - المصدر السابق، 1/ 576. وانظر: 1/ 491 - 505. وهو يشير إلى الحديث المروي عن ابن عباس عند الترمذي وغيره من أصحاب السنن، قال: «جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر». قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟، قال: أراد أن لا يحرج أمّته. وروى بعده عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر». وسنده ضعيف، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق، و قال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين. سنن الترمذي: حديث 187 - 188.
(2) - المصدر نفسه، 2/ 307. وقد رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله مطولا، رقم 1599.
(3) - ابن بركة، الجامع، 1/ 213.، والحديث بتلك الزيادة متفق عليه من رواية زيد بن خالد الجهني، ونصه: «جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن اللقطة فقال: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا شأنك بها. قال: فضالة الغنم؟ قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: فضالة الإبل؟ قال: ما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها»، البخاري (حديث 2429)، ومسلم (حديث 1722). (18/258)
صفحة 244
لأنّ التّعبّد جائز بمثل هذا كلّه" (1).
ويقول في حكم اليمين: "أمّا أبو حنيفة والشّافعي فيسمعان البيّنة بعد اليمين، ويحتجّان بما روى عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «شاهدا عدل خير من يمين فاجرة»، وهذا الخبر إن صحّ طريقه فيحتمل التّأويل، والقول بما قاله أصحابنا، إنّ اليمين جُعِلت لقطع الخصومة" (2).
وفي حديث آخر يقول ابن بركة: "رُوِي عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من طريق بلال قال: حدّثني مولاي أبو بكر رضي الله عنه أنّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:» لا يتوضّأ أحدكم من طعام أحلّ الله أكله «، فإن ثبت الخبر الذي رواه مخالفونا «أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بالوضوء ممّا مسّت النّار»، فإنّه يُحتمل أن يكون أمرهم بتنظيف أيديهم من الدّسم" (3).
وحتّى في مجال العقيدة، نجد من الفقهاء من يحاول الخروج من دائرة ردّ الأحاديث، فيما فيه خلاف كما هو معروف عند الإباضية، بل يحاول التّأويل بما يوافق المعاني المأخوذة من الآيات القرآنية.
يقول الخليلي: "ومع أصحابنا، إن كان رؤيةً (رؤية الله تعالى) رُوِيت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يُحتمل لها مخرج إلاّ إلى الباطل الذي لا يجوز فيه اختلاف، لم يجز إلاّ أن تكون باطلة ممّا كُذِب به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن احتُمِل لها تأويل على الحقّ فلا يجوز ردّها، ومعي أنّ هذه الرّواية يصحّ أن يكون لها وجوه حقٍّ من التّأويلات" (4).
وقال الكدمي في تعليقه على حديث في أولاد المشركين: "و لسنا نردّ الرّوايات على حال، وأهل الرّوايات أولى بما رووا، فإن صدقوا فلأنفسهم، و إن كذبوا فعليها، ولكن اعتبرنا الحديثين، فوجدناهما: إن كانا صحيحين من قول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مخرجهما عندنا على ما قلنا، من ثبوت الحكم لولد اليهودي والنّصراني، وعليهما في أحكام أبيهما فيما نحن متعبّدون به وحُكّام فيه، و لا يُعتَرض على الله تبارك
__________
(1) - المصدر نفسه، 1/ 236.
(2) - المصدر نفسه، 1/ 176.
(3) - ابن بركة، الجامع، 1/ 305. وانظر: 1/ 314 - 1/ 546 - 429. قال الترمذي: ولا يصح حديث أبي بكر في هذا الباب من قبل إسناده ... والصحيح إنما هو عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ... والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار. سنن الترمذي: حديث 80. ولعل ابن بركة لم يبلغه الحديث الناسخ، فاجتهد في تأويله.
(4) - التّمهيد، الخليلي، 1/ 274، والحديث رواه البخاري وغيره من حديث جرير، رقم (554). (18/259)
صفحة 245
وتعالى في حكم مُغيّباته إلاّ بما علمنا، أو صحّت لنا به الشّهادة ممّا لا يرتاب فيه من صحّة عدله وفضله، وقامت علينا الحجّة له". (1)
نلاحظ من هذه النصوص ـــ إذن ـــ إعمال الفقهاء لأدلة العقل كالقياس، أو إعمال مبدأ الاحتياط أو سد الذرائع، أو التأويل، لتوجيه معاني الأحاديث إن استشكل عليهم لفظها الظاهر، أو تعارضت مع ما يرونه صحيحا، ويبدو من خلال الأمثلة المتقدمة عدم إحاطة بعض الفقهاء بكامل نصوص السنة في مختلف المسائل، ولذلك يعلقون بعض الآراء التي يرجحونها على صحة الخبر وثبوته.
نلاحظ هنا أنَّ حكم الفقهاء على تلك الأحاديث بالنظر العقلي أو نصوص القرآن، قد يوافق حكم الحديث من الناحية الإسنادية صحة أو ضعفا، وقد يخالفها.
وعلى كلّ، فالنظر في كلّ الأدلة، واعتبار النقد سندا ومتنا لمثل هذه الروايات المختلف فيها ضروري لمعرفة الصواب بالنسبة لنا نحن المتأخرين.
خاتمة
بعد هذا العرض الوجيز لبعض النّصوص التي تبرز منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة النبوية، يمكن تحرير الملاحظات التّالية:
*- للسّنّة النّبويّة في المذهب الإباضي المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم من حيث كونها مصدرا من مصادر التّشريع والاجتهاد.
*-يمتاز الإسناد في التراث الإباضي ببعض الخصوصية الشكلية في طرق الرّواية بنوعيها المسموعة والمكتوبة، حيث انتقل هذا التراث فقها وحديثا وعقيدة في جزء كبير منه بنفس الصيغ، وعمدة ثبوت صحة النقل هو عنصر الثقة المسلم به بين علماء المذهب قديما وحديثا.
*-تركّز جهد النقد عند الفقهاء الإباضية للسنّة على النظر في المتون، مع وجود مواضع تدل على اعتبارهم صحة الإسناد شرطا ضروريا لقبول الحديث، ويتمحور أساسا على شرط العدالة، ولكن لا يكفي وحده دائما لإثبات صحة الحديث.
*-تميز جل هؤلاء الفقهاء بسعة الأفق وتوسيع مجال الاستفادة من التراث الحديثي، ويدل على ذلك تعدد مصادر أخذ الروايات، سواء كانت للإباضية أو غيرهم.
أودُّ في نهاية المقال الإشارة إلى ضرورة مواصلة البحث والاجتهاد لاستكشاف وتحقيق كثير من المخطوطات التي قد تجيب عن مسائل أخرى عالقة في قضية الحديث
__________
(1) - الكدمي، المعتبر، 1/ 51. والحديث رواه البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد المشركين فقال: «الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين». رقم 1383. (18/260)
صفحة 246
عند الإباضية، وتبرز بجلاء وشمول منهجهم في رواية السنة ونقدها، تثمينا أو تصحيحا، ويندرج هذا العمل في سياق ما تنادي به دوائر الفكر والبحث في العالم الإسلامي بضرورة إحياء تراث علماء المسلمين كلهم على تعدد مشاربهم ومذاهبهم وتنقيحه وتأصيله، مما سيكون له أثر عظيم في إثراء المكتبة الإسلامية، وعلاج واقع المسلمين المعاصر، وتطويره نحو الأفضل. (18/261)
صفحة 247
الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي
ومسنده
الباحث إبراهيم علي بولرواح
ماجستير في الدراسات الإسلامية ــــ سلطنة عُمان
ت
تمهيد:
يرى الإباضيَّة أنَّ مسند الإمام الربيع بن حبيب (ت: حوالي175هـ) هو أصحُّ كتاب بعد كتاب الله تعالى (1)، وبالتَّالي فهم يقدِّمونه على ما سواه من مدوَّنات الحديث النَّبوي الشريف؛ فمن هو الإمام الربيع؟ وما مكانة مسنده وتاريخه؟
أولا: التعريف بالإمام الرّبيع بن حبيب:
لا نجد فيما بين أيدينا من المصادر تفصيلا لنشأة الإمام الرَّبيع الأولى؛ بل لا نجد الكثير من الأمور المتعلِّقة بشؤون حياته (2)، وكلُّ ما تُسعفنا به تلك المصادر اتِّفاقها على
__________
(1) - هذا ما اشتهر عند بعض الكتابات المتأخرة، والمسألة بحاجة إلى بحث عند من قبل هذه العصور المتأخرة، ولعل إطلاق تلك العبارة ردة فعل لما اشتهر عند أهل الحديث من أن الجامع الصحيح للإمام البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله، وإنني أرى أنه لا داعي من إطلاقها من أي من كان؛ فإن كتاب الله لا يدانيه كتاب غيره مهما بلغت مكانة مؤلفه، ولا أدل على ذلك من أن تلك الكتب التي قيلت بشأنها تلك العبارة هي محل نقد وتجريح من طوائف أخرى من المسلمين لها رأيها المخالف في تلك الكتب، والله أعلم.
(2) - وهذا ليس خاصا بالإمام الربيع، بل هو شأن أغلب أعلام الإباضية، حيث لم يكن الإباضية يهتمون بتفاصيل حياة أعلامهم حسب ما ذكره الإمام السالمي في مقدمة كتابه تحفة الأعيان.
وبالموازاة من ذلك فإن قلة الاهتمام بتاريخ الصدر الأول ميزة غالبة على كثير من الطوائف والبلدان الإسلامية، وفي ذلك يقول الذهبي في مقدمة كتابه تاريخ الإسلام: "ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتكلوا على حفظهم؛ فذهبت وفيات خلق من الأعيان من الصحابة ومن تبعهم، إلى قريب زمان أبي عبد الله الشافعي، فكتبنا أسماءهم على الطبقات تقريبا، ثم اعتنى المتأخرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم، حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم؛ فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين، وجهلت وفيات أئمة من المعروفين، وأيضا فإن عدة بلدان لم يقع إلينا أخبارها، إما لكونها لم يؤرخ علماءَها أحدٌ من الحفاظ، أو جمع لها تاريخ ولم يقع إلينا". (19/261)
صفحة 248
أنّ تعلمه كان بالبصرة على يد مشايخ ــــ سنأتي على ذكرهم فيما بعد ــــ، وعلى أنَّه آلت إليه إمامة الإباضيَّة بعد وفاة شيخه أبي عبيدة؛ لمكانته المرموقة علما وورعا، وبعض الإشارات التي لا تعطينا صورة وافية عن هذه الشخصية الفذَّة.
وقد راح البعض يحاولون استنطاق تلك الإشارات وبعض القرائن والنّصوص الفقهية وغيرها؛ لاستخراج بعض ما يزيل الغموض عن حياة هذا الإمام، إلاّ أنّ أغلب تلك النّتائج مفتقدة للأدلّة الشافية. لذلك رأيت عدم سلوك نهجهم، والاكتفاء بذكر ما يمكن الاطمئنان إليه.
أ-كنيته واسمه ونسبه:
هو أبو عمرو، الرّبيع بن حبيب بن عمرو، الفراهيدي، نسبة إلى فراهيد بن مالك بن فهم (1)، العماني وطنا أصليا، البصري سكنا (2).
ب-مولده ومكانه:
حسب القرائن المرتبطة بشخصية الإمام الرّبيع فإن البعض قد استظهر أنَّ ولادته كانت سنة 80هـ أو قبلها بقليل (3). أمَّا مكان مولده فقد قيل: إنَّه كان بودام أو غضفان من منطقة الباطنة بعُمَان. وقيل: بالبصرة (4).
ج-شيوخه الذين أخذ أو روى عنهم:
أخذ الإمام الرّبيع العلم وروى عن جملة من التّابعين وأتباعهم، وقد أوصلهم البعض إلى ما يزيد عن ثلاثين عالما (5).
ومن أهمّ الذين ظفرنا بأسمائهم (6):
1 - جابر بن زيد الأزدي، أبو الشعثاء (21هـ/93هـ):
من سادات التّابعين، إمام في التّفسير والحديث والفقه، أخذ عن جِلّة من الصّحابة، منهم: عائشة، وابن عبّاس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وغيرهم. وأخذ عنه
__________
(1) - العوتبي: الأنساب، 02/ 784.
(2) - السالمي: شرح الجامع الصحيح، 01/ 04. السيابي: إزالة الوعثاء، ص40. السعدي: حاشية على مسند الإمام الرّبيع، ص20.
(3) - القنوبي: الإمام الرّبيع بن حبيب، ص16. السعدي: م س، ص21.
(4) - انظر؛ نفس المصادر السابقة.
(5) - القنوبي: م س، ص22.
(6) - ترتيبهم حسب الأهمية بالنسب للأربعة الأوائل، وحسب الحرف الهجائي بالنسبة للبقية. (19/262)
صفحة 249
كثيرون منهم: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السّائب، وعمرو بن دينار، وقتادة بن دعامة السّدوسي، وعمرو بن هرم، وغيرهم. وقد أدركه الإمام الرّبيع في آخر حياته (1).
2 - مسلم بن أبي كريمة التميمي، أبو عبيدة (45هـ/145هـ) (2):
من أيِمّة التّابعين، أدرك كثيرا مِمّن أدركهم جابر بن زيد من الصّحابة (3)، وقد لازمه الإمام الرّبيع حتى توفّي. قال عنه ابن معين: ليس به بأس (4). وذكره البخاري في التّاريخ الكبير، ولم يذكر له جرحا، أو تعديلا (5).
3 - ضمام بن السّائب النّدبي، أبو عبد الله (حي في أواخر القرن الأوّل الهجري):
مِمَّن أكثر الإمام الرّبيع ملازمتهم. كان أكثر رواياته عن الإمام جابر بن زيد حتى سُمّي راوية جابر بن زيد (6). ذكره ابن حنبل ولم يذكر له جرحا أو تعديلا (7).
4 - صالح بن نوح الدّهان، أبو نوح (حي في أواخر القرن الأوّل الهجري):
مِمّن أخذ عن جابر بن زيد (8). وثّقه ابن معين، وقال عنه أحمد بن حنبل: ليس به بأس (9).
5 - عبد الأعلى بن داود (أو: عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمد) (ت:213هـ أو198هـ):
ورد اسمه في مسند الإمام الرّبيع عبد الأعلى بن داود (10)، وذكر شارحه الإمام السّالمي (11) أنّ الموجود في كتب الرّجال عبد الله بن داود بن عامر الهمداني، وأنّ ابن معين وأبا حاتم وثّقاه، وأنّه مات سنة 213هـ (12).
غير أنّ الشّيخ القنّوبي (13) استبعد أن يكون اسمه عبد الله بن داود، وأنّ عبد الأعلى بن داود خطأ من النّساخ كما هو واقع في كثير من كتب السّنّة، والصّواب أنّ اسمه عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمد، وقيل: ابن شراحيل القرشي البصري السّامي. وثّقه ابن معين والعجلي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النّسائي: لا بأس به. توفّي سنة 198هـ (14).
6 - يحيى بن كثير (ت:206هـ أو:؟ هـ):
ذكر السّالمي أنّه يحي بن كثير بن درهم العنبري البصري، المكنّى بأبي غسّان،
__________
(1) - انظر ــــ مثلا ـــــ؛ ابن سعد: الطبقات الكبرى، 07/ 179. الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، 02/ 205. المزي: تهذيب الكمال، رقم866، 04/ 434. الذهبي: سير أعلام النبلاء، رقم184، 4/ 481. الشماخي: السير، 01/ 67. ابن مداد: السيرة، ص60/مخ.
(2) - قال الدكتور صالح البوسعيدي: أما قول الإمام أحمد إن اسمه عبد الله بن القاسم فهو قد خلط بينه وبين أبي عبيدة عبد الله بن القاسم وهو إباضي أيضا، ولكن كلام الإمام أحمد يحمل على أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة قطعا؛ لأن أبا عبيدة عبد الله بن القاسم ليس من المحدثين. انظر؛ البوسعيدي: رواية الحديث عند الإباضيّة، ص51.
أقول: ويبدو أن ما وقع للإمام أحمد من خلط قد تابعه على ذلك آخرون، منهم الإمام ابن معين (ذكر ذلك عنه عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال، رقم 3922، 3/ 11)، والإمام مسلم في الكنى والأسماء (رقم 1540، 2/ 879)، وابن ماكولا في الإكمال (باب كورين وكردين، 7/ 141)، وابن حجر العسقلاني في نزهة الألباب في الألقاب (رقم 2414، 2/ 129).
وقد ذكر ابن حنبل أيضا ــــ ومن تابعه كما تقدم، غير ابن معين ـــــ أن أبا عبيدة هذا يقال له كورين، وهو بهذا يتفق مع ما ذكره الجاحظ (163 ـــــ 265هـ) في سياق ذكره لخطباء الخوارج وشعرائهم وعلمائهم ـــــ حيث قال: "ومن علمائهم مليل وأصغر ابنا عبدالرحمن، وأبو عبيدة كورين واسمه مسلم وهو مولى لعروة بن أذينة". ابن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، رقم3923، 5176، 03/ 11، 266. الجاحظ: البيان والتبيين، 1/ 512.
(3) - انظر ــــ مثلا ـــــ؛ الدرجيني: م س، 02/ 238. الشماخي: م س، 01/ 78. ابن مداد: م س، ص59. السالمي: شرح الجامع، 01/ 06.
(4) - ابن حنبل: م س.
(5) - البخاري: التاريخ الكبير، 07/ 271.
(6) - انظر؛ الدرجيني: م س، 02/ 246. الشماخي: م س، 01/ 82.
(7) - ابن حنبل: م س، رقم1538، 02/ 56. رقم3922، 03/ 11.
(8) - الدرجيني: م س، 02/ 254. الشماخي: م س، 01/ 82.
(9) - انظر؛ ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل، رقم1722، 04/ 393.
(10) - الفراهيدي: الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع)، باب ما جاء في إنزال القرآن جملة واحدة، رقم 16، ص11.
(11) - هو أبو محمد نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، واحد من أبرز أقطاب الإباضيّة، ولد سنة 1286هـ ببلدة الحوقين من أعمال ولاية الرّستاق بمنطقة الباطنة بِعُمان. كانت له ـــــ إلى جانب مكانته العلمية ـــــ مساهمات اجتماعية لا تنكر. ترك آثارا علمية قيمة في علوم الشّريعة واللّغة العربية والتّاريخ ما يزال بعض منها مخطوطا. من آثاره المطبوعة معارج الآمال (في الفقه)، وطلعة الشّمس (في أصول الفقه)، ومشارق أنوزار العقول (في علم الكلام)، وتحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (في التّاريخ)، وغيرها. توفي ــــ رحمه الله ــــ سنة1332هـ. انظر؛ ناصر والشيباني: معجم أعلام الإباضيّة (قسم المشرق)، رقم790.
(12) - السالمي: شرح الجامع الصحيح، 01/ 35.
(13) - هو الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي، يُعَدُّ واحدا من مجتهدي الإباضيّة المعاصرين بسلطنة عُمان، أصولي محقّق، ومحدّث بارع، يعمل الآن مستشارا شرعيا بمكتب الإفتاء بسلطة عمان، من مؤلفاته: قرّة العينين، والسّيف الحادّ، والطوفان الجارف، وغيرها.
(14) - القنوبي: الإمام الرّبيع، ص40. (19/263)
صفحة 250
المتوفّى سنة 206هـ (1).
واستظهر القنّوبي أنّ يحي بن كثير هذا هو أبو النّضر، صاحب البصري، وأنّ ابن معين وأبا زرعة والدّارقطني وآخرون قد ضعّفوه، وقال عمرو بن علي: لا يتعمد الكذب ويكثر الغلط والوهم (2).
د- تلاميذ الإمام الربيع (3):
أهمُّ الذين ظفرنا بأسمائهم مِمَّن أخذوا عن الإمام الربيع هم كالآتي:
1 - بشر بن غانم الخراساني، أبو غانم (حي في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري).
2 - بشير بن المنذر النَّزواني، أبو المنذر (ت:178هـ).
3 - عبد الملك بن صفرة، أبو صفرة (4) (حي في أوائل القرن الثّالث الهجري).
4 - محبوب بن الرّحيل القرشي، أبو سفيان (ت: في أواخر القرن الثّاني الهجري).
5 - محمد بن المعلّى الكندي (ق2هـ).
6 - منير بن النّير الجعلاني (ق2هـ).
7 - موسى بن أبي جابر الإزكوي (ت:181هـ)
8 - هاشم بن غيلان السّيجاني، أبو الوليد (ت: في أوائل القرن الثّالث الهجري).
9 - وائل بن أيّوب الحضرمي، أبو أيوب (ق2هـ).
هـ- مكانة الإمام الربيع العلمية:
يُعتبر الإمام الربيع عند الإباضيّة (5) ثالث أيِمّتها، بعد الإمامين جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وكان المرجع في شؤون الحركة الإباضيَّة، وهو صاحب المسند الذي يَعُدُّه أتباعه أصحَّ كتاب بعد كتاب الله.
قال عنه شيخه أبو عبيدة: "فقيهنا وإمامنا وتقِيُّنَا" (6). وقال عنه تلميذه أبو سفيان:
__________
(1) - السالمي: م س، 01/ 37.
(2) - القنوبي: م س، ص43.
(3) - انظر تراجمهم في مثل؛ الكندي: بيان الشرع،. السالمي: م س، 01/ 04. البطاشي: إتحاف الأعيان، تراجم المذكورين أعلاه. القنوبي: م س، ص48. مجموعة باحثين: معجم أعلام الإباضيّة (قسم المغرب). ناصر والشيباني: معجم أعلام الإباضيّة (قسم المشرق).
(4) - لعله أخذ عن الربيع بواسطة ولم يأخذ عنه مباشرة، انظر مقدمة كتابنا: مِن جامع أبي صفرة وفقهه.
(5) - انظر المصادر الإباضيّة السابقة.
(6) - الكندي: بيان الشرع، 05/ 100. الدرجيني: طبقات المشايخ، 02/ 276. (19/264)
صفحة 251
"فقيه المسلمين وعالمهم بعد أبي عبيدةَ" (1). وقيل عنه: "لا يقبل القرآن من أيِّ شخص حتّى يكون مثل الرّبيع" (2). وقال عنه الدّرجيني (3): "طَوْدُ المذهب الأشمّ، وعلم العلوم الذي إليه الملجأ في معظمات الخطب الأصمّ، ومن تشدّ إليه حبال الرّواحل وتزمّ، صحب أبا عبيدة فاغترف من بحره الزّاخر، ولزم مجلسه فكان الأوّل والآخر، روى عنه المسند المشهور، المتعارف البركة على مرّ الدّهور، وله في الفروع كلّ قول ومذهب، أجوبته من المعتمدة في المذهب، بايَنَ من خالف من محاضريه أهل العدل والصّواب، ووقف في الإمامة والولاية والبراءة عند موافقة السّنّة والكتاب، والصّواب عندنا في كلّ ذلك جوابه، فإن سمعت بأصحابه فنحن -والحمد لله- أصحابُهُ" (4).
أمّا عند غير الإباضيّة (5) فقد أثنى عليه جِلَّة من أيِمّة الحديث؛ حيث وثّقه ابن
__________
(1) - مجموعة من العلماء: السير والجوابات، 01/ 278.
(2) - الكندي: م س، ج71/ 24.
(3) - هو أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، من أعلام الإباضيّة، ومن أشهر علماء درجين ببلاد الجريد جنوب تونس، فقيه ومؤرخ وشاعر، له كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، توفي سنة 670هـ. انظر؛ مجموعة باحثين: معجم أعلام الإباضة بالمغرب، رقم81.
(4) - الدرجيني: م س، 02/ 273.
(5) - يقول الدكتور صالح البوسعيدي: "ينبغي التّنبّه إلى أنّ الرّواة الذين يحملون اسم الرّبيع بن حبيب ثلاثة هم: الرّبيع بن حبيب الكوفي، والرّبيع بن حبيب البصري الإباضي، والرّبيع بن حبيب الحنفي. وقد خلط ابن أبي حاتم بين الحنفي والبصري فجعلهما واحدا، وتبعه على ذلك الذهبي، والمزي، وابن حجر. وفرّق بين الثّلاثة البخاري في التّاريخ الكبير، وابن حبّان في كتابيه الثّقات والمجروحين، فذكر الأوّل (أي الكوفي) في المجروحين، وذكر الثّاني والثالث (أي البصري والحنفي) في الثّقات. وهذا النّوع من الحديث ممّا يتّفق الرّواة في أسمائهم وتختلف أشخاصهم يسمّى المتّفق والمفترق". انظر؛ البوسعيدي: رواية الحديث عند الإباضيّة، ص58 (بتصرف).
وقد ذكر البوسعيدي أيضا أنّ ابن معين في سؤالات ابن الجنيد وثّق الرّبيع بن حبيب؛ لكن بعد مراجعة الكتاب المذكور وجدت أنّ الموثّق من ابن معين هو أبو سلمة الحنفي. انظر؛ البوسعيدي: م س، ص57. ابن الجنيد: سؤالات ابن الجنيد ليحي بن معين، رقم212، ص54.
وقد يقول قائل: إن علماء الرجال من غير الإباضية لم ينصوا على أن الربيع بن حبيب كان إباضيًّا، وبالتالي فمجرَّد ذكرهم له لا يكفي في القول بأنه الإباضي المقصود. ويمكن الإجابة عن هذا الاعتراض بأنه: قد ذكر أهل الحديث ثلاثة ممن يُسَمَّون الربيع بن حبيب، وقد خلط البعض بينهم ــــ كما تقدم ــــ، ولم ينسبوا أحدهم للإباضية ولا لغيرهم، إلا ما كان من أبي زرعة الذي ذكر أن الربيع بن حبيب الكوفي شيعي (الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم2733). كما أنهم لم ينفوا نسبة أحدهم للإباضية، وبالتالي فالأمر محتمل، على أنه قد نص الإمام أحمد في ترجمته للهيثم بن عبد الغفار أنه يروي عن رجل يقال له الربيع بن حبيب عن ضمام عن جابر بن زيد (العلل ومعرفة الرجال، 2/ 55 ــــ56)، وهذا الإسناد من الربيع إلى جابر لم نجده إلا عند الإباضية. ومن جهة أخرى فإن خلط بعض أهل الحديث، بين من يسمى الربيع بن حبيب قد يكون سببه هو ما عرف من أن الربيع الإباضي كان مانعا نفسه من التحديث إلا للخاصة؛ بسبب ظروف التقية والتستُّر عن أعوان السلطة المخاصمين للإباضية. (19/266)
صفحة 252
شاهين (1)، وقال الدّارقطني: "وأمّا الرّبيع بن حبيب البصري فلا يترك" (2)، وذكره البخاري في التّاريخ الكبير (3)، وابن حبّان في الثّقات (4)، ولم يذكرا فيه جرحا أو تعديلا.
و- آثار الإمام الربيع:
ما بين أيدينا اليوم من آثاره هو:
1 - المسند، وزياداته، وسيأتي الحديث عنه قريبا.
2 - آثار الرّبيع: هي روايات الرّبيع عن ضمام عن جابر بن زيد، وقد اعتنى بها تلميذه أبو صفرة عبد الملك بن صفرة، وتعرف عند البعض بروايات الرّبيع عن ضمام، وقد حَظِيَتْ بالتّحقيق مؤخرّا على يد الدّكتور كهلان بن نبهان الخروصي العماني في رسالة قدّمها لنيل شهادة الدّكتوراه من جامعة أكسفورد ببريطانيا.
3 - آراء فقهيّة وكلاميّة كثيرة، مبثوثة في المصادر الإباضيّة، وقد جمع بعضها كُلٌّ مِن:
أ- محمود سعد، في كتاب بعنوان: فقه الإمام الرّبيع بن حبيب الأزدي العماني في ضوء الفقه المقارن.
ب- سلطان بن سيف اليعربي، في بحث مقدّم للتّخرج في معهد العلوم الشرعيّة بمسقط/سلطنة عمان، بعنوان: فقه الإمام الرّبيع بن حبيب من خلال كتب الآثار إلى القرن السّادس الهجري ــــ جمع وترتيب.
4 - جوابات ومراسلات مع الإمام عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن الرّستمي.
ز-وفاة الإمام الربيع ومكانها:
اختلف في سنة وفاة الإمام الرّبيع، وقد رجّح الشّيخ القنّوبي (5) أنّ وفاته كانت بين سنتي 175هـ و180هـ، مستدلاًّ بأمرين:
__________
(1) - ابن شاهين: تاريخ أسماء الثقات، رقم 343، ص127.
(2) - الدارقطني: الضعفاء والمتروكون، رقم218، ص90. الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم 2734، 02/ 40. وقد تعقب الذهبي قول الدارقطني بقوله: "فقول الدارقطني فيه: لا يترك، ليس بتجريح له".
(3) - البخاري: التاريخ الكبير، 03/ 277.
(4) - ابن حبان: الثقات، 06/ 299.
(5) - القنوبي: الإمام الرّبيع، ص19. (19/267)
صفحة 253
أ-مراسلاته المتكرّرة مع الإمام عبد الوهّاب الرّستمي الذي بويع بالإمامة سنة 171هـ.
ب-صلاة تلميذه موسى بن أبي جابر عليه صلاة الجنازة على الغائب، وقد كانت وفاة موسى سنة 181هـ.
أمّا عن مكان وفاته فقد قيل: إنّها كانت بالبصرة (1)، وقيل: إنّ الإمام الرّبيع عاد إلى عُمان في آخر حياته وتوفّي فيها ببلدة غضفان من منطقة الباطنة (2).
والذي أذهب إليه أنّ وفاته كانت بالبصرة لِما ورد من أنّ موسى بن أبي جابر قد صلّى عليه صلاة الجنازة على الغائب لَمّا بلغه موته بالبصرة، وهذا صريح في المراد. ومن جهة أخرى وَرَدَ ذِكْرُ الإمام الرّبيع ضمن فقهاء البصرة (3)، فلو كان رجع إلى عمان وهي وطنه الأصلي لَمَا عُدَّ بصريّا، والله أعلم.
والمسألة في حاجة إلى تمحيص بعض الحيثيات، مثل: فترة إمامة عبد الوهّاب الرّستمي، هل هي أربعون سنة أم عشرون أم غير ذلك؟ ومتى كانت رحلة الإمام عبد الوهّاب إلى الحجّ؟ وأين كان الإمام الرّبيع حين مراسلته للإمام عبد الوهّاب؟ وما هو دليل القائلين بعودته إلى عمان ووفاته بها، غير ما هو مشهور الآن من مكان قبره بغضفان من ولاية لِوَى بمنطقة الباطنة؟
ثانيا: التعريف بمسند الإمام الرَّبيع بن حبيب:
أهم أثر من آثار الإمام الرّبيع هو المسند في الحديث النبوي الشريف، الذي تعدُّه بعض الكتابات الإباضيَّة المتأخرة أصحَّ كتاب بعد كتاب الله ــــ كما تقدَّم ــــ، وهو مقدَّم عندها على صحيحي البخاري ومسلم، فضلا عن سواهما. وفي حديثنا عن مسند الإمام الرّبيع نتناول العناصر الثّلاثة الآتية:
أ- نسبة المسند للرّبيع وعنوانه والاعتراضات الواردة عليه (4):
لا نعلم خلافا بين الإباضيّة أنّ المسند من تأليف الرّبيع بن حبيب، والمشهور أنّه
__________
(1) - الكندي: بيان الشرع، 16/ 188. البوسعيدي: لباب الآثار، 02/ 165 - 166.
(2) - ابن مداد: السيرة، ص50/مخ. السعدي: قاموس الشريعة، 08/ 358. السالمي: شرح الجامع الصحيح، 01/ 04. النامي: دراسات عن الإباضيّة، ص108. القنوبي: الإمام الرّبيع، ص20. البوسعيدي: رواية الحديث عند الإباضيّة، ص59. السعدي: حاشية على مسند الإمام الرّبيع، ص31.
(3) - ابن مداد: م س، ص64. الشقصي: منهج الطالبين، 01/ 620. السعدي: قاموس الشريعة، م س.
(4) - انظر تفصيل كلّ ذلك في ــــ مثل ــــ؛ القنوبي: الإمام الرّبيع، كلّه. الوارجلاني: كتاب التّرتيب، مقدمة القائم على الطّبع سلطان الشيباني. السعدي: حاشية على مسند الإمام الرّبيع، المقدمة. (19/268)
صفحة 254
ألّفه على مسانيد الصّحابة، ثمّ قام الإمام أبو يعقوب الوارجلاني (1) (ت:570هـ) بترتيبه على الأبواب الفقهيّة، وضمّ إليه زيادات، وسمّاه التّرتيب أو ترتيب المسند، ثمّ قام الإمام السّالمي (ت:1332هـ) بتحقيق التّرتيب وسمّاه الجامع الصّحيح، وقيل: إنَّما سمّاه بذلك الوارجلاني، وقيل: بل سمّاه بذلك ورتّبه مؤلفه الإمام الرّبيع.
والطّبعة المشهورة اليوم باسم الجامع الصحيح. وقد قام الباحث سلطان الشّيباني ــــ من سلطنة عُمان ــــ بالوقوف على المخطوطات الأصليَّة لعمل الإمام السّالمي مِمَّا جعله يُصْدِرُ الكتاب مطبوعا باسم كتاب التَّرتيب في الصّحيح من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وقد شكك بعض المعاصرين من غير الإباضية (2)، وطعن في صحَّة هذا الكتاب وفي نسبته للرَّبيع، وأهمُّ تلك الاعتراضات والطعون هي:
1 - هذا الكتاب ليس من تصنيف الرَّبيع بن حبيب، وإنَّما هو من تصنيف الوارجلاني، أو شخص آخر.
2 - لا وجود لأصل الكتاب المنسوب للرَّبيع مخطوطًا.
3 - الرَّبيع بن حبيب وشيخه أبو عبيدة شخصان مجهولان، ولا وجود لهما في كتب الرجال والسير والتاريخ. ولم تلدهما أرحام النِّساء!!
4 - أبو عبيدة لم يلق جابر بن زيد، والرَّبيع لم يلق أبا عبيدة، فالإسناد منقطع من موضعين.
5 - الإعضال في رواية أبي عبيدة.
6 - توجد في الكتاب أحاديث ضعيفة، وربَّما موضوعة.
7 - رواية الرَّبيع لأحاديث عن بعض الصَّحابة مباشرة.
8 - توجد في الكتاب أحاديث متعلٍّقة بمسائل عقديَّة لم تكن موجودة في القرن الثَّاني
__________
(1) - هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، من أشهر أعلام الإباضيّة، ولد سنة 500هـ، بسدراتة من قرى وارجلان بالجزائر، رحل إلى الأندلس وبلاد السودان والحجاز، وزار عواصم الشرق، واستفاد من مراكزها العلمية وعلمائها، من مؤلفاته: تفسير القرآن الكريم، ترتيب مسند الإمام الرّبيع، الدليل والبرهان لأهل العقول، العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف، مرج البحرين في علم المنطق، وغيرها، توفي سنة570هـ. انظر؛ مجموعة باحثين: معجم أعلام الإباضيّة-قسم المغرب، رقم1049.
(2) - ومن هؤلاء: سعد بن عبد الله بن عبد العزيز الحميّد، وسليمان بن صالح الخراشي في مناظرتيهما للظافر، حيث تقع المناظرة الأولى فيما يقرب من 300صفحة، وتقع المناظرة الثانية فيما يقرب من 100صفحة (انظر؛ موقع الأمل المشرق؛ قسم: كتب ومقالات. مشهور: كتب حذر منها العلماء، 02/ 295 - 297، ط01/ 1415هـ/1995م، دار الصميعي-الرياض). و بكر أبو زيد: مسند الإمام الرّبيع تأليف منحول على مؤلف مجهول (مرقون). (19/269)
صفحة 255
الهجري، وإنَّما خاض النَّاس فيها بعد ذلك. وأحاديث تخدم معتقدات بعض الفرق الضالَّة المبتدعة.
9 - الكتاب من وضع الوارجلاني، وليس من تأليف الربيع بن حبيب.
وقد تصدَّى للإجابة عن هذه الاعتراضات وغيرها عدد من المشايخ والباحثين، نخصُّ بالذِّكر منهم فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنُّوبي، المستشار الشرعي بمكتب الإفتاء بسلطنة عُمان، الذي طبع كتابا بعنوان الإمام الرَّبيع بن حبيب مكانته ومسنده.
ب-مضمون المسند ومنهج تأليفه (1):
يمكن إجمال الحديث عن هذا العنصر في النّقاط الآتية:
1 - يشتمل الكتاب المسمّى بالجامع الصّحيح مسند الإمام الرّبيع بن حبيب على أربعة أجزاء هي:
- الجزءان الأوّل والثّاني؛ ويشتملان على مسند الإمام الرّبيع، وأغلبه من طريق شيخه أبي عبيدة عن جابر عن أحد الصّحابة عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وعدد أحاديثه 742 حديثا.
- الجزء الثّالث؛ ويشتمل على آثار الرّبيع في الحجّة على مخالفيه، وأغلبها في مسائل الاعتقاد، وعددها 140 حديثا (2).
__________
(1) - لمزيد التفصيل انظر؛ البوسعيدي: رواية الحديث عند الإباضيّة، ص61 وما بعدها. السعدي: حاشية على سند الإمام الرّبيع، ص50 وما بعدها.
(2) - اختلف الباحثون المعاصرون في نسبة هذا الجزء للإمام الربيع من عدمها؛ لِمَا يكتنف هذا الجزء من ملاحظات، تجعل المرء يتحفظ من التيقن من صحة هذه النسبة، وذلك راجع إلى غموض وضع المسند قبل الوارجلاني (ق6هـ)، وماهية الترتيب الذي قام به، وعدم وجود مقدمة من وضع الربيع نفسه تبين منهجه في الكتاب ومحتواه. ومن جملة هؤلاء الباحثين: صالح البوسعيدي الذي يرى أن الجزء الثالث من الجامع الصحيح هو كتاب في العقيدة من تأليف الإمام الربيع، ضمه الوارجلاني للمسند. بينما يرى مصطفى ابن ادريسو أن هذا الجزء من تأليف الوارجلاني أصلا؛ معتمدا في ذلك على تحليل لبعض الفقرات التي هي أقرب إلى أسلوب الوارجلاني وعصره. إلا أن إبراهيم بكلي قد تعقبه بأن هناك فقرات مضمونها يقوي نسبة هذا الجزء للإمام الربيع، بينما يبقى محل إشكال ما إذا كان الإمام الربيع قد ألف هذا الجزء مستقلا عن المسند، أم كتبه جوابا لسؤال ورد إليه، أم مناظرة لأحد الخصوم، وما إلى ذلك من الاحتمالات التي يسمح بها البحث العلمي. وحسب أدلة كل باحث من المذكورين فإن رأي الأستاذ بكلي أقوى حجة، ويؤيده ما هو مشهور عند الإباضية، وخاصة المتأخرين، والله أعلم. انظر؛ ابن ادريسو: الفكر العقدي عند الإباضية، المقدمة. بكلي: مقاربة في فهم ماهية الجزء الثالث من الجامع الصحيح (مر). البوسعيدي: رواية الحديث، ص56. (19/270)
صفحة 256
- الجزء الرابع؛ ويشتمل على روايات محبوب بن الرّحيل عن الرّبيع، وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهّاب عن أبي غانم وغيره، ومراسيل أو مقاطيع الإمام جابر بن زيد. وعددها 203 أحاديث.
2 - المشهور عند الإباضيّة اليوم أنّ عمل الرّبيع خاصّ بالجزئين الأوّل والثّاني، وأنّه صنّفه على مسانيد الصّحابة (1)، ثمّ جاء الوارجلاني فرتّبه على الأبواب الفقهيّة، وقسّمه إلى كتب، وقسّم كلّ كتاب إلى أبواب، ووضع تحت كلّ باب الأحاديث المختصّة به، مِمّا دفعه إلى ذكر بعض الأحاديث في أكثر من موضع لتعلّقها بتلك المواضع، وضمّ إلى عمل الرّبيع الجزئين الثّالث والرّابع (2).
وقد نبّه السّالمي على أنّ البدر الشّماخي (3) ذكر أنّ الوارجلاني أدخل في المسند روايات الرّبيع عن ضمام (4)، غير أنّه (أي السّالمي) لم يجد في المسند من هذا الطريق إلا ثلاثة أحاديث (5)، وهي المرقمة بـ: 114، 526، 697.
3 - يصرّح الإمام الرّبيع في أحاديث المسند (الجزء الأوّل والثّاني من الجامع الصحيح) بصيغة التّحديث في معظمها، وتوجد روايات بصيغة العنعنة، وهي في حكم الاتّصال؛ لتوفّر عدالة الرّواة، وثبوت اللّقاء، وطول الصّحبة، والبراءة من التّدليس (6).
4 - أغلب أحاديث المسند يرويها الرّبيع عن شيخه أبي عبيدة مقتصرا عليه؛ لذلك قَلَّ التّكرار، وقد يروي بعض الأحاديث بأسانيد متعدّدة.
__________
(1) - بلغت مسانيد الصّحابة الذين روى لهم الإمام الرّبيع خمسة وأربعين صحابيا؛ انظر عدد أحاديث كل واحد منهم في: البوسعيدي: م س.
(2) - هذا هو المشهور، غير أن بعض الدارسين أثاروا إشكاليّة جديرة بالاهتمام، وهي: ماهية الترتيب الذي قام به الوارجلاني؟ وما دفعهم إلى ذلك أشياء منها:
أ- ما من دليل على أنّ المقصود من ترتيب الوارجلاني ترتيب المسند على الأبواب.
ب- وجود أحاديث في بعض المصادر الإباضيّة ـــــ قبل الوارجلاني ــــ ترتيبها بنفس الترتيب الحاليّ للمسند (أو بالأحرى الجامع الصحيح)؛ انظر؛ السعدي: حاشية على مسند الإمام الرّبيع، ص43.
(3) - هو أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي، بدر الدين، من أشهر أعلام الإباضيّة، من بلدة يفرن بجبل نفوسة من أعمال طرابلس الغرب بليبيا، من مؤلفاته: إعراب القرآن الكريم، شرح عقيدة التوحيد، مختصر العدل والإنصاف، سير المشايخ، وغيرها، توفي سنة928هـ. انظر؛ مجموعة باحثين: معجم أعلام الإباضيّة ــــ قسم المغرب، رقم80.
(4) - الشماخي: السير، ترجمة أبي يعقوب الوارجلاني، 02/ 105. وعبارته كالآتي: "رتّب كتاب الرّبيع بن حبيب في الحديث وزاد فيه ما رواه غيره عن ضمام عن جابر وغيرهما".
(5) - الفراهيدي: الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع)، تنبيهات من مصححه السالمي، ص03.
(6) - انظر؛ ابن الصلاح: مقدمة ابن الصلاح، ص29 ـــــ 31. السيوطي: تدريب الراوي، ص180. (19/271)
صفحة 257
5 - أغلب أحاديث المسند ثلاثيّة السّند (أبو عبيدة عن جابر عن الصّحابي)، وتتميّز ثلاثيّات الإمام الرّبيع بمميّزات جديرة بالاهتمام، خاصّة في ترجيح بعض الرّوايات على بعض، منها:
أ- كونُ رواتها في أعلى درجات العدالة والضّبط.
ب-طول ملازمة كلِّ راوٍ لشيخه.
ج- كلُّ رواتها فقهاء.
6 - أغلب روايات المسند أحاديث منسوبة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقليل منها موقوف أو مقطوع.
7 - يشرح الإمام الرَّبيع ما يراه غامضا من ألفاظ الحديث.
ج- أهمّ الأعمال التي خدمت الجامع الصحيح وما ألّف حوله (1):
يمكن تقسيم هذه الأعمال والمؤلّفات أربعة أقسام هي:
القسم الأوّل: التّرتيب وتصحيح النسخ:
أ- ترتيب المسند: للإمام أبي يعقوب الوارجلاني. مطبوع.
ب- ترتيب التّرتيب: للإمام القطب؛ امْحمَّد بن يوسف اطفيش. مطبوع طبعة حجرية.
ج- تصحيح نسخ المسند: للإمام نور الدّين السّالمي. مطبوع.
د- مراجعة وضبط تصحيح السّالمي للمسند: للباحث سلطان بن مبارك الشّيباني (معاصر). مطبوع باسم كتاب التّرتيب في الصّحيح من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
القسم الثاني: ترجمة الرّجال والشّروح والحواشي والتعليقات:
أ- رسالة في التّعريف برجال المسند: لأبي يعقوب الواجلاني. مفقودة إلا جزءا يسيرا لا يزال مخطوطا، وما نقله منها الشّماخي في كتاب السّير.
ب- حاشية التّرتيب: لأبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة السدويكشي، المشهور بالمُحشِّي (ت:1088هـ). مطبوعة عدّة طبعات.
ج- مختصر حواشي الترتيب: للشّيخ عبد العزيز الثّميني (ت:1223هـ). مخطوط.
د- شرح الجامع الصّحيح: للإمام نور الدّين السّالمي. مطبوع.
__________
(1) - انظر مزيد التفصيل عنها في؛ الشيباني: مقدمة الطبعة المسماة كتاب الترتيب. السعدي: حاشية على مسند الإمام الرّبيع، المقدمة، ص54. وللإشارة فإن بعض المعلومات الواردة في هذه الدراسة لم تذكر في البحثين المذكورين، أضافها الدارس حسب اطلاعه. (19/272)
صفحة 258
هـ- حاشية على التّرتيب: للشّيخ صالح بن عمر لَعْلي (ت:1347هـ). مخطوط.
و- تعليقات متفرِّقة على الجامع الصّحيح؛ للشّيخ أبي إسحاق اطفيّش (ت:1965م). مطبوعة بهامش الأصل.
ز-في رحاب السُّنَّة النبويَّة: للشّيخ ناصر بن محمّد المرموري (ت:2011م). دروس مسجديّة في شرح الجزئين الأوَّل والثَّاني، طبع منها جزء.
ح-جواهر التّعقيب على حاشية التّرتيب؛ للشّيخ محمّد بن بابه الشّيخ بالحاج (معاصر، مشهور بالشّيخ ابن الشّيخ). مخطوط.
ط-حاشية على مسند الإمام الرَّبيع بن حبيب؛ جمع وترتيب الباحث فهد بن علي السّعدي. مطبوع.
القسم الثالث: جملة من الدّراسات الحديثة على الجامع الصّحيح:
وهي ــــ حسب اطلاعنا ـــــ كالآتي:
أ-الرّبيع بن حبيب محدّثا وفقيها: للباحث أبي القاسم عمرو بن مسعود الكباوي. مطبوع.
ب-رواية الحديث عند الإباضيّة: للباحث صالح بن أحمد البوسعيدي. مطبوع.
ج-ندوة من أعلامنا الخامسة حول الإمام الرّبيع بن حبيب؛ التي أقيمت بمسقط/ سلطنة عمان، سنة1413هـ/1992م.
د- الإمام الرّبيع بن حبيب مكانته ومسنده: للشّيخ سعيد بن مبروك القنّوبي. مطبوع.
هـ-مسند الإمام الفراهيدي: للشّيخ ناصر بن محمّد المرموري، وهو بحث مقدّم خلال الملتقى السّادس عشر للفكر الإسلامي المنعقد بتلمسان/الجزائر، سنة 1982م. مرقون.
و-جملة ردود على الشّيخ خليل إبراهيم مُلاَّ خاطر، الذي قدّم بحثا في الملتقى المذكور عبارة عن تساؤلات وشكوك حول حقيقة المسند ورواته. منها المطبوع، ومنها المخطوط.
ز-القرآن ... السّنّة عند الإباضيّة: للشّيخ محمّد بن بابه الشّيخ بالحاج. مطبوع.
ح-معتمد الإباضيّة في الحديث، مسند الرّبيع بن حبيب: للباحث صالح بكير. مخطوط.
ط-فقه الإمام الرّبيع من خلال مسنده: للدكتور خلفان بن محمّد المنذري. مرقون.
ي-الحديث بإفريقيّة من القرن السّادس إلى القرن الثّامن الهجري: للباحث ضوء بن (19/273)
صفحة 259
سالم مسكين التّونسي. مطبوع.
ك-دراسة عن أحاديث مسند الإمام الربيع بن حبيب من خلال كتاب الجامع لابن بركة: للباحث إبراهيم بن علي بولرواح. قيد الطبع.
القسم الرابع: التخريج والفهارس:
أ- تخريج أحاديث الجامع الصّحيح: للباحث محمَّد إدريس. مطبوع مع الأصل.
ب- وصل الأحاديث المنقطعة المرفوعة إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من طريق الإمام أبي عبيدة في مسند الإمام الرّبيع: للباحث خالد بن عايش الهاشمي. بحث تخرّج بمعهد القضاء بسلطنة عمان سنة 1420هـ/2000م.
ج- تخريج الأحاديث المرسلة أو المعضلة من طريق أبي عبيدة في مسند الإمام الرّبيع: للباحث خالد بن محمّد العبدلي. بحث تخرّج بالمعهد المذكور، سنة 1420هـ/ 2000م.
د- وصل ودراسة معضلات الإمام الرّبيع في مسنده الرفيع: للباحث بدر بن سالم الهاشمي. بحث تخرّج بمعهد العلوم الشرعيّة (القضاء سابقا)، سنة 1425هـ/ 2004م.
هـ- فهارس للأعلام والأماكن وغيرها: للباحث سعود بن عبد الله الوهيبي. مطبوعة مع الأصل.
و- فهارس للألفاظ والأطراف وغيرها: للباحثين إبراهيم بولرواح وصالح بهدّي وآخرين. قيد الإنجاز.
- - - (19/274)
صفحة 260
الزاوية وبُعد القبيلة في منطقة ”توات“
(رؤية سوسيولوجية)
أ: عبد الكريم بوهناف / أ (ة): أسماء باشيخ
قسم علم الاجتماع ـــــ جامعة أدرار
م
مقدمة:
لطالما اعتُبر الدين عامل تماسك وقوَّة في الحياة الاجتماعية، أذ باتت الاستجابة له تظهر في صور متعددة (مؤسَّسات دينية، حركات دينية ... )، تعكس في الأساس نمطها وفلسفتها وفهمها الذاتي للدين؛ وإثر ذلك أيضا نجد مؤسسة «الزاوية» التي لها وزنها في المغرب العربي في عمومه، والذي يعدُّ الوطن الجزائري جزءًا منه، وبالأخص جنوبه الغربي (منطقة توات) هذا الأخير الذي يعد بيئة خصبة تنامت فيها ظاهرة الزوايا باختلاف أصنافها ومراميها.
وظاهرة الزوايا في الأساس لها ارتباطات بظواهر اجتماعية أخرى ناتجة عنها أو مدعمة لها، ونذكر هنا على وجه التحديد ما يسمى بالقبيلة، أو أبناء الجلدة الواحدة من الجدِّ المشترك، بحيث من خلال بعض الملاحظات الميدانية كثيرًا ما لفت أنظارنا ارتباطها (القبيلة). بالزوايا فما هو وجه الربط بينهما بحسب المنظور السوسيولوجي لمنطقة توات؟
هذا الإشكال الذي تأتي فقرات المقال كمحاولة لتفسيره وتحليل أبعاده وذلك سيرا وفق الخطوات المحورية التالية.
أولا: مدخل تعريفي بإقليم توات
بداية وقبل الخوض في طرفي الحديث (الزاوية/القبيلة) نحاول استهلال هذا المقال بتعريف مبسط لبيئة الطرح؛ أي بتقديم مدخل موجز من شأنه التعريف بالمجال الجغرافي الذي نحاول تحليل سوسيولوجيته، ومجال تحليلنا كما صرَّح به العنوان أعلاه، هو منطقة «توات» الصحراوية.
إذ بمجرد الحديث عن إقليم توات تتَّجه المخيلة بنا نحو الصحراء الجزائرية بكل ما تحمله من خصوصية بيئية وثقافية «فـ”توات“ هي عبارة عن مجموعة من واحات (20/275)
صفحة 261
الصحراء الجزائرية الواقعة جنوب القطاع الوهراني وشمال الأهقار ... في حين مصدر الكلمة (توات) فقد حدث فيه خلاف كبير فمنهم من قال إنَّ أصل الكلمة " تكرورية" (1) بمعنى وجع الرِجل، إثر إصابة أحد الملوك المارِّين بالمنطقة في رجله، ومنهم من قال إن اسم توات تطلق على أحد القبائل من الملثمين من سكان الصحراء، ويرى البعض أن أصلها أعجمي فقد أطلقتها قبائل لمتونة (2) عندما التجأت للإقليم في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي، وأطلقت اسم ”توات“ على المكان بعد أن وجدوا المكان يناسبهم (يواتيهم)» (3).
فتوات هي قطاع صحراوي تختلف دلالات تسميتة باختلاف اللغة المنسوبة إليها «إلاَّ أنه مع نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر الهجري استبدل اسم إقليم توات "بأدرار" وكان ذلك تحديدا مع دخول الطلائع الأولى للاستعمار الفرنسي 1900م ... وهي كلمة بربرية تعني الحجر أو الجبل» (4).
والشائع أنَّ كلمة توات تطلق على المنطقة الوسطى للإقليم، وتطلق أيضا على الإقليم ككل بمناطقه الأربع (قورارة، توات، تيدكلت، تانزروفت)، كما تطلق على ولاية أدرار، فنقول فلان تواتي أي من ولاية أدرار، وقد لا يكون بالضرورة من المنطقة الوسطى تحديدًا من الإقليم.
وعلى العموم «تقع ولاية أدرار في أقصى الجنوب الغربي، يحدُّها شمالا ولاية البيَّض، ومن الشمال الغربي بشَّار، ومن الغرب ولاية تندوف، ومن الجنوب دولة مالي، ومن الجنوب الغربي دولة موريتانيا، ومن الجنوب الشرقي ولاية تمنراست، ومن الشمال الشرقي ولاية غرداية، تتربَّع على مساحة 447963 كلم2 في تعداد 2001، وبتعداد سكاني يقدر بـ 43903 نسمة/ كلم2 في تعداد 2001، يتركز أغلبيتهم في المناطق الشمالية من هذه المساحة الشاسعة» (5).
وهي منطقة معروفة بالبساطة في العيش، وبطيبة ساكنيها وترحابهم للوافدين، وبتمسكهم بالعديد من تقاليدهم، خاصة المتعلقة منها بالمواسم الدينية،
__________
(1) (-لغة أهل مالي.
(2) ((-”لمثونة“ أو ”لمتونة“ هي قبيلة عربية ضاربة في القدم، متموقعة في شمال غرب أفريقيا (المغرب، الجزائر وموريتانيا) وهي جد منصهرة مع الطوارق اليوم.
(3) -أحمد مريوش، الحياة الثقافية في الجزائر خلال العهد العثماني، منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث الجزائر،2007، ص 182.
(4) -الصديق حاج أحمد، التاريخ الثقافي لإقليم توات، مديرية الثقافة لولاية أدرار، أدرار، 2003، ص 35.
(5) -ولاية أدرار، أدرار جوهرة الجنوب، ولاية أدرار، أدرار، دت، ص 02. (20/276)
صفحة 262
كما نجد أن منطقة توات معروفة أيضا بنعت ــــ بلاد الزوايا ــــ وذلك لانتشارها الواسع بها، ولبقائها إلى اليوم محاطة بنوع من التبجيل لدى ساكني المنطقة.
ثانيا: الزاوية بين المفهوم العام والواقع التواتي:
1) مفهوم الزاوية ودلالاتها:
يشير التعريف اللغوي للزاوية «بأنها مشتقة من فعل انزوى بمعنى ابتعد وانعزل، وسميت كذلك لأن اللذين فكروا في بناءها أوَل مرة من المتصوفة والمرابطين اختاروا الانزواء بمكانها والابتعاد عن صخب العمران وضجيجه طلبا للهدوء ... الذي يساعد على التأمل والرياضة الروحية» (1).
وقد اعتبر بعض المهتمِّين بالجانب الثقافي والديني في الجزائر أنَّ الزاوية هي عبارة عن «مجموعة من الأبنية ذات الطابع المعماري الإسلامي ... شيدت قبابها على أضرحة الأولياء الصالحين، أو بُنيت تخليدا لذكراهم. أمَّا عن تسمية الزاوية فهناك من يرى أنها جاءت إما لانزوائها عن المدينة باعتبار أنَّ العديد من الزوايا كانت في مناطق قروية، أو لأنَّ وجودها كان دوما في أطراف المدينة أو ركن منزوي بها ... وهي تشبه المدرسة أو الدير» (2).
مما سبق نجد وكأن الأصل في بداية ظهور الزاوية كان لحاجة الانزواء فسميت على هذا المسمى، أي على مسمى الانزواء. وقد صادفنا في هذا الإطار الكثيرين ممن يربطون مفهوم الزاوية بالرباط وكأن أصل الزوايا هو هذه الرباطات على اعتبار أنَّ كلمة الرباطات مشتقة من رباط الخيل التي وردت في الآية الكريمة: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ??ژ (3).
ومن الرباطات أيضا يقول رابط الجيش في الثغر، أي أقام فيه للحماية والمدافعة، وسميت الإقامة في الثغور «مرابطة»، ومنها اشتهر في المغرب المرابطون، والرباط في الإسلام شعبة من شعب الجهاد في سبيل الله (4).
__________
(1) -صلاح مؤيد العقبي، الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر، دار البرق، لبنان،2002،ص 301.
(2) -أحمد مريوش، مرجع سبق ذكره، ص 149.
(3) -آية 60 سورة الأنفال.
(4) -أسعد السحمراني، التصوف، دار النفائس، لبنان، 1987، ص162. (20/277)
صفحة 263
«فالرباطات قامت أساسا في الثغور وأماكن الخطر التي يهجم منها الأعداء، وهكذا كانت الرباطات قلاعا وحصونا لمنع الخطر الأجنبي، وكان المرابطون هم المجاهدون الذين يحمون الثغور ويتصدون للأعداء، وبعد تولي العثمانيين الدفاع على الثغور انحصر نشاط المرابطين في أعمال البر والتعليم وإصلاح ذات البين وتأمين الطرق، وقد بنوا لأنفسهم أو بنى لهم الناس زوايا بدل الرباطات أو تحولت الرباطات إلى زوايا» (1).
من ذلك فبعض الزوايا كانت في الأساس رباطا، ولكن ليس كل الزوايا كان لها نفس هذا المنحى فهناك من بنيت منذ البداية زاويةً ولم تقم على أساس أنها رباط.
وبعيدا عن المعنى اللغوي والدلالي لمفهوم الزاوية يمكن أن نقول أنها بلا شك مؤسسة اجتماعية وخيرية، حيث تقدم المعونات للمحتاجين وتأوي الضالين وتطعم الجائعين وتصلح المتخاصمين ... وغيرها من الأعمال الخيرية والاجتماعية الأخرى، كما أننا كثيرا ما نجد أنّ بعض الزوايا تهتم أيضا بالجانب العلمي حيث تُنشأ مدرسة قرآنية لتدريس العلم الشرعي والعلوم المرتبطة به سواء لشريحة الصغار أو للكبار، في حين بعض الزوايا تلتزم بالتصوف أي ترتبط بطريقة صوفية ما تكون منارا لطريقها العلمي والديني فتلتزم بأورادها وتُجل مؤسسها وتحافظ على هذا التراث التصوفي الخاص بطريقتها.
هذا عن مفهوم الزاوية وأبعاد تسميتها أما عن واقعها في منطقة توات نوضحه فيما يلي من فقرات.
2) الزوايا في منطقة توات:
بدية نجد أن الزوايا في إقليم توات تعود إلى وقت غابر من الزمن فهي مؤسسة عريقة في المنطقة ولها موروثها الأصيل في ذلك «حيث يعود تاريخ إنشاءها إلى القرن السادس الهجري حيث تأسست زاوية بني حماد بقصر زاقلو بتوات في سنة 555هـ على يد مؤسسها بنو حماد والآن يصل عددها إلى 20 زاوية فاعلة في المنطقة» (2).
أما عن أنواعها فإننا نجد في منطقة توات ثلاث أصناف هي (3):
__________
(1) -أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج4، دار الغرب، بيروت، 1998،ص13.
(2) -رابح دفرور،"التعليم القرآني في الزوايا والمدارس القرآنية بين الواقع والمأمول"، مجلة الحياة، إصدار معهد الحياة وجمعية التراث، غرداية العدد 13، 2009، ص 161.
(3) -قدي عبد المجيد، صفحات مشرقة من تاريخ مدينة أولف العريقة، دون ذكر دار النشر، د ب، دت، ص 204. (20/278)
صفحة 264
• الزوايا العلمية: وهي عبارة مدارس أقيمت لتعليم الناس أمر دينهم واستقبال الطلبة من خارج المدينة والتكفل بإيوائهم وإطعامهم ومثال ذلك مدرسة الشيخ أحمد باي بأولف.
• الزوايا الخيرية: وهي عبارة عن مباني أقيمت لاستقبال الضيوف وأبناء السبيل والعابرين للمنطقة حيث يوفر لهم المأوى والمشرب والمأكل والأغطية، ويستطيع العابر أن يقيم فيها ما شاء من الأوقات مثل زاوية مولاي هيبة.
• الزوايا الصوفية: وهي عبارة عن أماكن لأتباع الطرق الصوفية يجتمعون فيها ويرددون فيها أورادهم وأذكارهم ... وتعتبر الطرق الصوفية غير مترسخة في المنطقة بشكل كبير، إذ حتى الذين ينتمون لها يقتصر انتماءهم فقط على أداء الورد اليومي في الذكر.
وهناك بعض الزوايا لا تختص بجانب واحد بل تضم جانبين معا أو حتى الجوانب الثلاث في آن واحد أي تكون علمية وخيرية وصوفية أيضا في الآن ذاته؛ أما عن وظائفها فهي في الآتي:
تقوم زوايا المنطقة إضافة إلى الوظائف العامة الاجتماعية بوظائف محلية إن صح التعبير، أي وظائف خاصة بالمنطقة ونذكر منها ما يلي (1):
• تقوم زوايا المنطقة بقتل الحشرات الضارة المتواجدة في القصور والواحات.
• بعض الزوايا اختص بركب الحجيج لوقوعها على الطريق مثل زاوية سيدي الحاج بلقاسم وذلك بتنظيم هذا الركب والتكفل بما يتعلق به من نفقات.
• إيجاد عمل مستقر لكثير من الأشخاص سواء داخل الزاوية أو في البساتين والأراضي التابعة لها.
• القيام بعملية الصلح في حالة وقوع النزاعات بالانتقال بالتهليل من الزاوية إلى مكان إقامة الصلح.
• تنظيم الختان الجماعي حيث تتولى بعض الزوايا القيام بتنظيم ختان جماعي لفائدة أبناء المحتاجين.
__________
(1) -مديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية أدرار، الملتقى الوطني الأول بعنوان: المذهب المالكي وجهود علماء المنطقة ترسيخه ونشره أدرار، يومي 23 - 24 جوان 2010. (20/279)
صفحة 265
ثالثا: البعد الاجتماعي لمؤسسة الزاوية:
إن أهم خاصية تشتهر بها الزوايا هي احتضانها للجانب الاجتماعي في نسق المجتمع «فقد اضطلعت الزوايا الجزائرية مثلا بدور اجتماعي لا يُستهان به ... إذ كان بعض المرابطين بمثابة بركة بالنسبة لقبيلتهم أو دوارهم في فترة كانت فيها الساكنة الإسلامية للأرياف غير مسيَرة كما ينبغي، وعرضة لتعسف الأقوياء اللذين سعت الزوايا إلى تلقينهم مبادئ الأخلاق الاجتماعية الضرورية القائمة على احترام الكبير، وإكرام الغريب، وحب المساواة ... وغيرها» (1).
وبهذا نجد الزاوية كثيرا ما تساهم في خلق الكمون الاجتماعي واستقرار الناحية ببثها قيم تكرس ذلك الكمون وتلغي تجبر الأقوياء، بحيث ينتسب الجميع للزاوية فتصبح بذلك لهم سلطة ومرجعية موحدة كما تسعى الزوايا أيضا إلى حفظ المجتمع من العديد من الآفات الاجتماعية الحاصلة نتيجة الفقر والعوز (السرقة، الاغتصاب، الإدمان .. ) وذلك باحتضان هؤلاء المتشردين واللذين لا مأوى لهم ومساعدتهم بما يحتاجونه وما بطاقة الزاوية تقديمه لهم وكذا المساهمة أحيانا في ممارسات اجتماعية أخرى كالزواج الجماعي لمن لا يستطيعون نتيجة فاقتهم.
«وقد دأبت الزوايا أيضا على التصدي لكل ما من شأنه أن يصدع وحدة الجماعة ولذلك تراها سباقة إلى القيام بعملية الصلح وفض الخصومات والنزاعات الحادثة بين الأفراد أو الفئات الاجتماعية المختلفة، فيذهب شيخ الزاوية ومن يرافقه من ذوي الجاه المقبولين لدى المتخاصمين لمحاولة الصلح وعادة عمليات الصلح تتوج بنتائج ايجابية تضمن استمرار وحدة المجتمع واستقراره بفضل ما يتمتع به شيوخ الزوايا من احترام وتبجيل لدى المواطنين» (2).
وكبعد اجتماعي آخر نجد أن الزوايا تساهم أيضا باحتضان الأميين واللذين لم يتوجوا بنجاحات في المدرسة النظامية فهي تعمل على تعزيز الجانب التربوي في المجتمع وبث القيم الاجتماعية التي تكرس منهاج التربية الإسلامية ذا البعد الرباني والشمولي «إذ تعد التربية الدينية والتوجه القرآني من أولى اهتمامات الزوايا في
__________
(1) -علي مراد، الحركة الإصلاحية الإسلامية في الجزائر، ترجمة محمد يحيان، دار الحكمة ط2،ج4،الجزائر، 1999، ص 75.
(2) -بن زيطة أحميدة، شيخ الطريق ومتى يكون له أثر في المجتمع، الملتقى الأول بعنوان الزوايا بين تأكيد الأصالة ومطالب المعاصرة، ولاية أدرار، ماي 2000. (20/280)
صفحة 266
العملية التربوية وذلك بغرض عدل السلوك ... وتحقيق استقرار نفوس المراهقين وتهذيبهم بالقيم القرآنية ... الأمر الذي سينعكس على تصرفهم اليومي» (1) كما تساهم الزوايا في غرس العديد من القيم كقيمة العمل التطوعي مثلا وذلك من خلال الحث على مساعدة الآخرين في أعمالهم التي لا يطيقون انجازها بمفردهم، وكذا التطوع للعمل في الزاوية مثلا بتنظيفها أو جمع محاصيلها (فيما يتعلق بأوقافها) ... وغيرها من صور العمل التطوعي الأخرى وهذا ناهيك عن القيم الاجتماعية الأخرى كالاحترام والتوقير، والبر، وحب العلم ... وغيرها كثير.
و يبرز البعد الاجتماعي لمؤسسة الزاوية أيضا في شقه الديني فقد «بلورة الزوايا حياة دينية جماعية منظمة بإحكام وشكلا من التقوى المنهجية الرامية إلى الخلاص المستقبلي ... فلطالما كانت الزوايا أماكن سامية للروحانيات الإسلامية وقد ساهمت في إشاعة إحساس ديني قوي من باب الحرص الدائم على السمو الأخلاقي في الأوساط الإسلامية» (2).
فالتعبد الجماعي في الزوايا وفق منهجية دينية معينة يعد صور من الصور الاجتماعية التي يخلقها الدين، هذا الأخير الذي له دور في تحقيق الالتفاف والتماسك الاجتماعيين، كما قد يحقق فيه الفرد نوع من المكانة الاجتماعية نابعة من نظرة التقديس التي يعطيها المجتمع خاصة في مجال الأوساط الشعبوية للمنتمي للزاوية لأنه بمنظورهم عارف بالعلم الشرعي وبالتالي كلامه بتعبيرهم موزون ويستحق الاستجابة له خاصة إن كان من شيوخ الزاوية ذاتهم.
وفي هذا السياق لا ننسى ذكر الدور الاجتماعي الريادي للزوايا إبان الاحتلال فاستقلال الجزائر مدين للزوايا في هذا الصوب فكثيرا ما كانت تتبنى الزوايا ثورات شعبية ضد المستدمر «حيث كان للزوايا وظائف أساسية في هذا المجال -الجهاد- منها أنها أصبحت ملجأ للفقراء والمضطهدين ... كما كانت تقوم بتعبئتهم وتحفيزهم إيديولوجيا الأمر الذي جعل منها باعثة للصبر والأمل ومحركاً للعديد من التمردات والثورات وهي بذلك حافظت على التراث والثقافة العربية الإسلامية بالتحول إلى مراكز ثقافية ومعاهد علمية» (3).
__________
(1) -أحمد مريوش، مرجع سبق ذكره، ص 173.
(2) -علي مراد، مرجع سبق ذكره، ص 74.
(3) -محمد مكحلي، دور الزوايا الإصلاحي في تحضير ثورة التحرير، الملتقى الوطني الأول بعنوان: دور الزوايا إبان المقاومة والثورة التحريرية، منشورات وزارة المجاهدين، الجزائر، 2007، ص 277. (20/281)
صفحة 267
فقد ساهمت في تحقيق التحول الاجتماعي في تلك الحقبة التي لم يكن فيها العمل باليسير (الثورات الشعبية كآلية للتغير الاجتماعي) وقد انتهت هذه الوظيفة بأخذ الجزائر لاستقلالها وأصبح التركيز على الأبعاد الأخرى السابقة الذكر أعلاه.
رابعا: الزاوية (1) والقبيلة في توات أي علاقة؟:
1) تحديد طبيعة العلاقة:
بداية وقبل أن نحاول تسليط الضوء على مكمن العلاقة بين الزاوية والقبيلة نقوم بتحديد تعريف هذه الأخيرة؛ إذ نقصد بمفهوم القبيلة الناس بني أب واحد ... والناظر في النظام الاجتماعي عند العرب يدرك أنَّ هذا المفهوم كان واسعا في الجاهلية ثم هذبه الإسلام (2).
و هي تحدد أيضا بأنها نسق في التنظيم الاجتماعي الذي يتضمَّن عدة جماعات محلية ... وتقطن القبيلة عادة إقليما معينا ويكتنفها شعور قوي بالتضامن والوحدة يستند إلى مجموعة من العواطف المشتركة (3).
من هذا نجد أن مفهومة القبيلة هو مرادف لمعنى الوحدة البشرية المتماسكة الأواصر كونهم من سلالة أب واحد وفي إقليم توات على غرار عديد المناطق يتواجد نوع من هذا النمط أي القبائل الكبيرة التي هي من المنبع ذاته وتحمل اسما واحد تقطن في مناطق جغرافية متفرقة من الإقليم التواتي؛ وعلى العموم الذي يهمُّنا في هذا المجال هو تحديد نقاط الالتحام بين مؤسسة الزاوية وبنية القبيلة.
إذ من البيّن أن تفاقم ظاهرة الأولياء ومؤسّسة الزاوية أو «الخانقاه» في المشرق والمغرب قد قامت على أنقاض العصبيّة القبليّة والدّعوة الدّينيّة في الآن نفسه، إذ عوّض التضامن العضوي القبلي بآخر يحيل على الانتماء الطّرقي (4).
__________
(1) (-نقصد بالزاوية هنا الزاوية التي هي في الأصل لقبائل كبرى وعريقة في المنطقة.
(2) -خالد بن عبد الرحمن الجريسي، العصبية القبلية من المنظور الاسلامي، مؤسسة الجريسي، دب، دت. ص 27.
(3) -محمد نجيب بوطالب، سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2002. ص55.
(4) -محمد بن موسى حسن، "القبيلة والدين في الدراسات التاريخية والأنتروبولوجية"، مجلة التسامح الالكترونية، انظر الموقع التالي: www.altasamoh.net/Article.asp ، 9/ 7/2011، 18:16. (20/282)
صفحة 268
أي أن في انتماء الأفراد إلى زاوية ما تتشكل لهم بؤرة الالتقاء وفرصة الانتماء بذلك تنشأ عصبية الانتماء الديني لتعويض الانتماء القبلي، أي أحدهما حل عند أفول الآخر ولكن هل يمكن أن يجتمع الاثنين معا في صورة من الصور؟ كأن يكون أحدها مدعم للآخر أي أن تدعم الزاوية تواجد القبيلة وهل اجتماعهما (الانتماء القبلي، الانتماء الديني"الزاوية") سيكون فيه ضحد وصراع أم سيخلق نوع من الانسجام والوفاق؟ كلها تساؤلات تؤدي محاولة الإجابة عنها إلى وصف علاقة الزاوية بالقبيلة في منطقة توات أين تواجد الزاوية أساسا قائم لدعم تواجد القبيلة فنجد قبيلة كذا لزاوية كذا وقبيلة كذا لزاوية أخرى هي زاوية كذا فنجد مثلا الزاوية البكرية العريقة في توات إذا ما استفسرت من أحد لفت انتباهك أن لقبه هو بكراوي فإنه يرد بانتمائه القوي للزاوية وأن الزاوية لقبيلته وهذا ما تم استخلاصه من مواقف شخصية عابرة.
فالعلاقة بين الزاوية والقبيلة في توات هي علاقة حميميَّة تدعم فيها إحداهما الأخرى فتدعم القبيلة تواجد الزاوية وتدعم الزاوية تواجد القبيلة وهذا كما يقول ابن خلدون «لأن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم، وذلك لكون كلّ أمرٍ تحمل عليه الكافة لا بدّ له من العصبية وفي الحديث الصحيح نجد ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه وإذا كان هذا في الأنبياء وهم أولى النّاس بخرق العوائد فما ظنك بغيرهم أن لا تخرق له العادة في الغلب بغير عصبية» (1).
فعصبية القبيلة تشكل حمى للزاوية وتشكل لها وقارا وهيبة نابعة من هيبة القبيلة ذاتها ولا ترى عصبية القبيلة (الانتماء للقبيلة) أن العصبية الدينية (الانتماء لزاوية) تحاول إزاحتها لصالح تواجدها، وذلك لكون الزاوية بحاجة إلى من يشد أزرها ولا يوجد في هذا الإطار أقوى من التماسك الناتج عن العصبية القبلية، وفي نفس الوقت القبيلة بحاجة لما يضمن استمرارها وقوة تواجدها وهذا يكون عن طرق الزاوية خاصة وأن هذه الأخيرة لها مكانة مبجلة في المنطقة أي أن القبيلة حينها ستنال قوة أكبر مستمدة من تبجيل الزاوية المرتبطة بها، لذا لم ينفك العديد من رؤساء القبائل الكبرى في منطقة توات من ترك زوايا وراءهم من شأنها تحقيق هذا المقصد المدعم لمكانة قبائلهم.
__________
(1) -عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار الجيل، بيروت، دت، ص 175. (20/283)
صفحة 269
وليس ببعيد عن هذا نجد الاحتفاليات الدينية التي فيها مكسب قبلي وكذا مكسب للزاوية.
2. دور الاحتفالات الدينية (الزيارات) في علاقة الزاوية بالقبيلة: تدعيم أم تعميق الفجوات؟
ونقصد بالاحتفالات الدينية تحديدا ما يعرف بتوات بالزيارات أو المزارات «وهي خاصة بقبور ومدافن بعض الصلحاء، فتحيا لها المواسم وتقام لها الذكرى بقراءة القرآن ورقصة البارود وقد يبالغ في ذلك أحيانا بارتكاب بعض المحظورات الشرعية إلاّ أنّ هذه المواسم تبقى مصانة من قبل الناس باعتبارها وسيلة التقاء بينهم وترويح عن النفس» (1).
فتُدبح في هذه الزيارات الأنعام، ويأتي الناس من كل صوب من ولاية أدرار ومن خارجها، والتي نجد أنَّ فيها فرصة للتثاقف بين الحاضرين الوافدين إليها، أين يتم امتزاج الثقافة الوافدة مع الثقافة المحلية ليحصل التبادل والتعارف والانفتاح على الآخر مهما كان موطنه.
ولكي نعود إلى التفسير القبلي يمكن أن نعمد إلى وصف فكرة الزيارة في أساسها، أين يحظى الوليُّ الصالح الذي تقام زيارته بفرصة التغني بأمجاده وعلمه وإسهاماته سواء بالفلكلور أو القصائد (مدائح) أو أحيانا عن طريق إقامة ندوة موازية للزيارة، وكلها صور من صور تثبيت وإبراز الاعتزاز بقائد الزاوية الذي هو قائد القبيلة (فنحن نتكلم دائما عن الزوايا المنسوبة لقبيلة ما ولا تعنينا باقي الزوايا الأخرى).
لكن الجميل في منطقة توات أنَّ القبائل التي لها زوايا هي قبائل منفتحة على بعضها، وقبائل غير متناحرة، فلا تضاد بين رغبة القبائل في الحفاظ على عراقة تواجدها وانسجامها مع غيرها من القبائل التواتية الأخرى، ودليل ذلك أن عند كل زيارة (المزارات) يتوافد الأفراد، سواءًا انتموا أو لم ينتموا لتلك القبيلة أو الزاوية للمشاركة في ذلك الاحتفال وكأنهم أبناء القبيلة نفسها.
فالزيارة أو الاحتفال الديني الذي تنشئه الزاوية لوليها فيه فرصة لتأكيد أمجاد عمداء القبائل الذين هم أيضا مشايخ لزواياهم، والأهم من ذلك أنَّ فيه فرصة لالتقاء أبناء القبائل الأخرى، الأمر الذي يخلق نوعًا من الانسجام الاجتماعي في
__________
(1) -قدي عبد المجيد، مرجع سبق ذكره، ص 228. (20/284)
صفحة 270
تأدية طقوس الاحتفال، والأكثر إلحاحا من ذلك خلقُ الاعتراف الاجتماعي بوجود كيان الآخر، له حيز في النسق الأكبر للمجتمع.
فالعصبية وإن شاع عنها السلبية والشقاق الاجتماعي فهي أيضا قد ترتدي قناعا آخر كله سلم ووفاق اجتماعي مدعم لتوازنات المجتمع، وخير شاهد على ذلك الواقع السوسيولوجي للعصبية في منطقة توات.
خاتمة:
تناولنا في هذا المقال إلمامة عابرة عن الزوايا كإطار اجتماعي محض؛ أي بالتركيز أساسا على بعدها الاجتماعي، وذلك دون أن نُهمل العديد من الجزئيات العابرة التي كنا لا نحاول الغوص فيها للحفاظ على منطق طرح المقال؛ وفي المقابل تمَّ الحديث أيضا عن القبيلة كمفهوم آخر موازي لكونهما طرفا الحديث وعماده، ومن ذلك فقد حاولنا في طرح سوسيولوجي التقريب بين المفهومين (الزاوية/القبيلة) بمحاولة وصف هذا التقريب ضمن إطار مكاني محدَّد سلفا هو البيئة التواتية المتميزة في طابعها السوسيوثقافي عن غيرها من بيئات الوطن الأخرى.
حيث وجدنا أنَّ تلك البيئة تم فيها اجتماع المتناقضات لخلق الانسجام، إذ الغالب أنه لن تجتمع عصبية بعصبية أخرى إلا لتقضي إحداها على الأخرى، أو ليكون البقاءُ للأصلح أو الأقوى، بحسب القانون الدارويني، ولكن بحسب البيئة التواتية التي قلبت الموازين، اجتمعت العصبية الدينية بالقبلية كون الأولى منشأها الثانية والثانية أيضا لها نفس منحى ونفس مبتغى الأولى، والأمر كله راجع لعوامل مساعدة، مثل ذهنية سكان المنطقة التي لازالت متعلقة بالزوايا وتبجيلها، وكذا الطابع المزاجي لسكانها المتميز بالهدوء والتسامح في أحيان كثيرة، فكلها محددات ساهمت في إعطاء معطيات عدَّة كوَّنت طبيعة خاصة لعلاقة القبيلة بالزوايا في منطقة توات.
- - - (20/285)
صفحة 271
العلاّمة الشيخ
ناصر بن محمد المرموري
في علّيين (1)
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة
القرارة ــــ غرداية
أ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} نحمده جلَّ في علاه أن جعل الأيام في هذه الدنيا دُوَلا، وحدَّ للأنام في هذه الحياة أجلا، وعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات جنَّات تجري من تحتها الأنهار لا يبغون عنها حولا، وتوعَّد الكافرين الذين يقترفون السيئات موعدًا لن يجدوا من دونه موئلا، وأصلِّي وأسلِّم على حبيب الحقِّ، وأفضل الخلق محمد بن عبد الله ما اغرورقت عيون العارفين بالدموع، واحدودبت ظهور العابدين بالركوع، وانشرحت صدور القانتين بالخشوع، وأثنيِّ على الثلَّة السابقين، من الأنصار والمهاجرين، الذين اصطفاهم ربُّ الخلائق لآخر رسله صحبةً وبناةً، واختارهم لخير أممه نجومًا وهداةً. فكانوا خيَرة من ابتغوا إلى ربِّهم الوسيلة، وصفوةَ من زيَّنوا سماء الفضيلة، وثلَّة من جاؤوا من الخيرات بكل جليلة، الذين لو أنفق أحدنا ملء الأرض ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا قليله. فاللَّهمَّ صلِّ وسلّْم على خير من دعا ربَّه واستخار، وعلى القُلَّة من آل بيته الأطهار، والثلَّة من جلَّة صحبه الأخيار، و على من سلك دربه راشدًا إلى يوم تشخص فيه الأبصار.
معالي وزير الشؤون الدينية الدكتور أبو عبد الله غلام الله، سعادة والي ولاية غرداية السيد أحمد عدلي، سعادة سفير سلطنة عُمان عليِّ بن عبد الله العلوي، أيُّها السادة المنتخبون في المجالس الوطنية والولائية والبلدية، أيها السادة الأفاضل أعضاء حلقات العزابة الموقرة، أيتها السلطات الوطنية والولائية والمحلية من أسلاك الأمن والإدارة، أيها الوافدون علينا رجالا وعلى كلِّ ضامر من خارج القرارة، أيتها النفوس المطمئنة الحاشدة في هذا الجمع المبين، ويا أيتها القلوب الراضية بقضاء الله ربِّ العالمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
__________
(1) - الكلمة ألقيت في جنازة المرحوم. (21/286)
صفحة 272
صانكم البرُّ الكريم من كلِّ بليَّة، ووقاكم من كل رزيَّة، ومتَّعكم الوليُّ الرحيم بكلِّ سنية، وجعل خطواتك هذه إلى جنات النعيم مطية.
نلتقي بعيون دامعة في هذه الساعة المباركة من هذا اليوم الخالد مساء الاثنين 12 جمادى الثانية 1432هـ الموافق لـ 16 ماي 2011م، ونحتشد بقلوب خاشعة في ربوع هذا المكان المقدس الطاهر، أحضانِ بيت من بيوت الله تعالى التي أمر أن ترفع ويذكر فيها اسمه لنقتبس من نور الخالق المعبود ما ينير لنا درب النجاة في اليوم الموعود، ونجتمع بهذا الحشد الهائل المنقطع النظير في المسجد الكبير لتوديع الرجل الصالح والولي الفالح الشيخ الناصر بن محمد بن الحاج عمر المرموري إلى مثواه الأخير، حيث الأحبةُ، محمدٌ وصحبُه، ينعمون بجوار الرفيق الأعلى، في رياض جنة المأوى. لقد انتابت فقيدَنا رحمه الله فترةٌ قصيرة من الضعف والشيبة، لم تشتعل به رأسه وقد أحفاها حلقا حاجًّا معتمرًا، بقدر ما تبدَّت وهنًا في عظمه الذي أرهقه في الدعوة إلى ربِّه داعيا منتصرًا، فكانت سببا في استشهاده، ومغادرته هذه الدنيا الفانية، ولحاقه بدار الخلد الباقية، بعد عمر حافل بالمكرمات قارب التسعين، ودهر كامل بالمنجزات حتى أتاه اليقين، قضى صباه في ميدان التعلُّم والتَّحصيل، وأفنى سواده وبياضه في التعليم والتبليغ والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في كل مسلك وسبيل. وإنه لمصاب بنا حلَّ، و خطب علينا جلَّ، وإنه لمن البلية العظمى حقًّا أن تتوفَّى نفس مؤمنة، وأشد من ذلك أن تكون النفس المتوفاة رجلا مخلصًا يسمى ناصرًا، وقف عمره كلَّه في سبيل إعلاء كلمة الله ناصرًا، يذود عن حمى دينه في كلِّ ناد، ويرفع بناءه في كل واد، و يدفع بنيه إلى العمل بحزم في ميدان الجهاد، والتضحيةِ بعزم في خدمة العباد، والتفاني بصدق في سبيل مجد البلاد، والإخلاص التام لربِّ العباد، في أصعب الأوقات، وأشظف الأقوات، وأحلك الأزمات، وأوهن العزمات، مبتغيا الفوزَ بالجنان والحظوةَ بالرضوان، ورضوان من الله أكبر.
أيها الإخوة الأفاضل إنَّنا لعلى يقين تامٍّ بهول الصدمة التيِّ أنزلتها على قلوبكم هذه الوفاة، وبشدة البطشة التي أحلَّها على نفوسكم خالق الموت والحياة، ولكنَّني أقول - حضراتِ السادةِ المطمئنة قلوبهم – إنَّكم لن تبلغوا مدى الهول الذي أصابنا، وصدى الجزع الذي انتابنا - نحن معشر الذين جلسنا إلى فقيدنا قبل خمس ساعات من وفاته في رحاب معهد الحياة، لاستقبال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عمان، الذي زار الجزائر لحضور ملتقى ضوابط الفتوى في عاصمة الثقافة الإسلامية تلمسان، وأصر على الحضور إلى ميزاب لملاقاة صديقه الحميم الشيخ الناصر المرموري وقد سمع بمرضه، وما كان يخطر ببال من حضر أنَّ اللقاء سيكون وداعا لا لقاءَ بعده إلى يوم يقوم الأشهاد، ولو شهدتم معنا معشر الإخوة الطيبين الكلمة التيِّ ألقاها فضيلة الشيخ الناصر ترحيبا بضيفه العزيز لازداد عجبكم بتصرفات الذي يعلم السر وأخفى، ولازددتم ألما وحسرة بفراق من تحدَّث وأوفى، فقد خاطب سماحة الشيخ بنبرته الهادئة وأسلوبه المتَّزن، ومنطقه المرح قائلا: إنَّنا نحن معاشر المغاربة نستبشر باستقبال علماء المشرق في بلاد المغرب، ولكنَّنا نستاء بانتقال علماء المغرب إلى المشرق (21/287)
صفحة 273
لأنَّ ذلك سيكون بمثابة طلوع للشمس من مغربها، فاستشهد ببيتين قيلا لعالم من علماء المغرب عزم على التنقل إلى بلاد المشرق
أشمس الغرب حقًّا ما سمعنا بأنَّك قد سئمتَ بنا الإقامة
وأنَّك عازمٌ على الرحيل لا تفعل فقد تقم القيامة
فضجَّ الشيخُ ومن في القاعة أُنسًا بهذا الكلام، ولكنَّ القدر قال لشيخنا المرحوم: إنَّ القيامة ستقوم عليك أنت، وأنت في بلاد المغرب، ومن مات فقد قامت قيامته. ثمَّ استأذن الشيخ في عدم متابعة الرحلة معه في القرارة لأنَّه سينتقل إلى غرداية لملاقاة طبيبه الذي يتابع فحصه غدًا، ولقد صدق الشيخ في كلامه حقًّا، ولكن كان اللِّقاء بعد خمس ساعات مع طبيب الأطباء خالق الداء والدواء، الذي قال له: إنَّه ليس لك من دائك شفاء في الفناء، وإنَّما دواؤك سيتناوله سائغا في دار البقاء. فيا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك. ومقدِّر الأمر إنَّا لا نسألك ردَّ قضائك ولكن نسألك اللطف فيه.
لقد كان شيخنا ناصر بن محمد المرموري منبعَ الصبر، وينبوعَ الصدق، ومعينَ الرضا، وبلسمَ الأذى، ورمزَ الفدا، ودليلَ الهدى، وكان المعزيَ عند حلول الكروب، والمسليَ عند نزول الخطوب، والمؤنسَ عند وحشة القلوب فلو قدِّر له أن يبعث ليعزي نفسه اليوم لما عزاها إلا بقوله محتسبا آمنا، إنا لله و إنا إليه راجعون. وإن رحيل الشيخ الكريم عنا كان أمرا مختوما، و قدرا محتوما، غير أنَّا لا نراه قد فارقنا إلا بجسده لا بحدثه، و بشبحه لا بروحه، لقد ترك فينا وفيكم سنيَّ خلاله، ورضيَّ خصاله، وجنيَّ فعاله، وهذا الذي يعزيه فينا، ولا يرضيه منَّا كثرة البكاء، أو ترديد العزاء بقدر ما يسرُّه أن نكون من بعده على سوي صراطه مهتدين، ولآثاره مقتفين، ولذكره صادقين. وما هذا الحشد الماثل، ولا هذا الوفد الحافل، ولا هذا المشهد الهائل إلا شهاداتُ صدق عند الكبير المتعال، لجهاد الرجل الصبور المثال، وألسنة الخلق أقلام الحق، فاسألوا عنه المحافل التي عمرها، والمنابر التي صعدها، والمدارس التي غشيها، والأيادي التي صنعها، والمكارم التي نشرها، والمغانم التي حررها، {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}، فرحماك رحماك شيخنا الفاضل، وسعداك سعداك محتفانا الماثل
أمَّا القبور فأنَّهنَّ أوانسٌ ... بجوار قبركَ والديارُ قبورُ
عمَّت فواضلُه فعَّم مصابُه ... والناسُ فيه كلُّهم مأزُورُ
ردَّت صنائعُه إليه حياتَه ... فكأنَّه من نَشرِها مَنشُورُ
فيا أهل الفقيد وكلُّنا أهلُه، لتكن لنا ولكم في رسول الله، أسوة حسنة في وفاة أعز أهله وصحبه، لقد صبر واصطبر ابتغاء وجه الله، مسليا نفسه بالسعادة معهم في دار الخلد بجوار الله، فثقوا أعزاءنا الأفاضل بأنا وإياكم على خطى الدرب سائرون, و إلى نفس المعاد صائرون، فعزاؤنا فيكم أنكم أهل للعزاء، دأبنا فيكم أنكم أهل للوفاء، وديددننا فيكم أنكم أهل للولاء، فطيبوا نفسا، وقروا عينا، فالمولى جل في علاه يحرصكم، وعلى عينه يصنعكم، وحسبنا لكم عزاء مقولة المولى الكريم (21/288)
صفحة 274
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)}. و تكفينا مواساة لكم تعزية النبيء - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حين مات ابن له فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعزِّيه قائلا: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو، أمَّا بعد، فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإيَّاك الشكر، فإنَّ أنفسنا وأموالنا وأهلنا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، متَّعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير، الصَّلاة والرَّحمة والهدى إن احتسبته، فاصبر ولا يحبطنَّ جزعك أجرك فتندم، واعلم أنَّ الجزع لا يردُّ ميِّتا، ولا يدفع حزنًا، وما هو نازل فكان قدرًا، والسَّلام.
أيُّها الإخوة الأفاضل لن نستطيع في هذه العجالة أن نرثي الفقيد بما هو أهل له، ولا نودُّ أن نبخس الرجل حقه فيها أمجاده و أفضاله، وإن هي إلاَّ محطات جليلة، وومضات قليلة نَلفِت إليها الناشئة من أبنائنا، ونذكِّر بها الحاضرين من إخواننا، ولمزيد من الحديث المبين وقت سيحلُّ بعد حين. فإليكم نبذة عن حياة من آواه ربُّه في عليِّين:
• في 1 رجب سنة 1345هـ/ 7جانفي 1927م ولد الشيخ الناصر بن محمد بن الحاج عمر المرموري بمدينة القرارة، ولاية غرداية، الجزائر.
• تلقَّى مبادئ التعليم الابتدائي في مسقط رأسه بمدرسة الحياة على يد الشيحين: أبو الحسن علي بن صالح، وبسيس قاسم بن الحاج سعيد.
• في 15 جوان سنة 1942 استظهر كتاب الله العزيز على يد أستاذه بسيس عمر بن الحاج سعيد، ثم التحق بمعهد الحياة، لمتابعة تعليمه الثانوي فتلقَّى تعليمه على يد جملة من الأساتذة الأفاضل منهم علي يحيى معمَّر النَّفوسي اللِّيببي، وبكير بن عمر بيُّوض، وعمر بن صالح أداود، وبخاصة العلمين الفذين الشيخ بيوض والشيخ عدُّون رحمهم الله جميعًا. ولم يتلقَّ شيئًا من التعليم المنظَّم عن غيرهم، ولا في مؤسَّسة تعليمية غير معهد الحياة، إلاَّ من عصاميته التيِّ سوَّدته علمًا بين الأعلام، وعلَّمته الكرَّ والإقدام.
• في 1 أكتوبر سنة 1947 رشَّحه شيخُه الشيخ بيُّوض رحمه الله للتَّدريس في معهد الحياة، واستمرَّ في تحمَّل هذه الرسالة النبيلة والشاقة إلى يوم وفاته طيلة 65 سنة كاملة، فكان بذلك أقدم أستاذ في معهد الحياة.
• في 1 سبتمبر سنة 1962 انتدبه الشيح بيُّوض رحمه لرئاسة البعثة العلمية العُمانية في القاهرة، التي استمرَّت ثلاث سنوات، عاد بعدها إلى رحاب معهد الحياة ليواصل رسالته مع ثلَّة مباركة من الأساتذة.
• لازم وهو في مصر متابعة محاضرات بعض مشايخ القاهرة في مركز المؤتمر الإسلامي، فاستفاد من معارفهم، منهم: الشيخ محمد أبو زهرة، محمد الغزالي، سيد سابق، أحمد الشرباصي، فتح الله بدران ... كما كانت له لقاءات (21/289)
صفحة 275
عديدة مع الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش رحمهم الله جميعًا.
• في سنة 1965 عاد إلى معهد الحياة مدرِّسًا للعلوم الشرعية والعربية، فنبغ فيهما نبوغا متميِّزًا، فكان فقيها أديبًا.
• في سنة 1971 انضمَّ إلى حلقة العزابة في القرارة فكان مثالا للنشاط والتضحية والقيام بأعظم أعباء المسجد الجسام وأجلُِها، مسؤولية الوعظ والتوجيه الإرشاد.
• في سنة 1979 عيَّنه الشيخ بيُّوض رحمه الله خلفًا له على منبر الوعظ في المسجد فقام به أحسن قيام، عمَر بصوته الشجي كلَّ ناد، وغمر بنصحه النديِّ كل واد. ويتميَّز وعظه بالحكمة والسلاسة والرزانة والوسطية والاعتدال.
• في سنة 2004 عيِّن شيخًا لحلقة العزابة ورئيسا لها بعد وفاة الشيخ عدُّون باعتباره أعلم وأفقه عضو فيها.
• عضوٌ حيوي في مجلس عمِّي سعيد؛ الهيئة الدينية العليا المشرفة على مساجد الإباضية في وادي ميزاب ووارجلان. مرجعٌ من مراجع الإفتاء في القرارة، ووادي ميزاب، والجزائر، والعالم الإسلامي.
• شيخ لندوة الشيخ عبد الرحمن البكري وعمدة الفتوى فيها بعد وفاة مؤسِّسها عام 1986م.
• شارك في عدَّة ملتقيات علمية، محلية ووطنية ودولية.
• حريص على متابعة العمرة والحج، وربما قاربت حجَّاته الأربعين حجَّة، وكان المرشد الديني لبعثات الحجِّ.
• اشتهر الشيخ برحلاته العلمية الكثيرة إلى مختلف ربوع الجزائر، ودول العالم الإسلامي، داعيا إلى الله، موحِّدا أمة رسول الله.
• رئيس لعشيرة أولاد جهلان وعضوٌ نشيط وفعال وأساسي في إدارتها.
• عُرف الشيخ الناصر المرموري رحمه الله بخصال عزَّ لها نظير في أبناء عصره، فقد تميَّز برحابة الصدر، وحسن المعشَر، وسلامة المخبَر، فكان من أحبِّ الناس إلى الله، وأقربهم منازل يوم القيامة إلى رسول الله، إذ كان من أحاسن الناس أخلاقا الموطئين أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، فلا يلقى أحدا إلا بوجه ضاحك، ولسان مازح، تسبق البسمة حديثه، ويسود الأنسُ مجلسه، فلا تكاد تشعر إلاَّ وهو يغمُرك بلطفه، ويعمُرك بفضله، ويأسرك بحسن طويته، ويسلبك بصدق لهجته، فتلين له القلوب مهما تصلَّبت، وتسلس له العقول مهما تشعَّبت، وتخضع له النفوس مهما تقلَّبت، وأحسبه ممَّن يصدق فيهم قوله ح «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ». (21/290)
صفحة 276
• ذاع للشيخ الناصر رحمه الله صيتٌ في الأنام بأنه يملك قلبا سليمًا لا يجد فيه شيئا على أحد، إذ لا يعرف تمييزا بين الإخوان، ولا تفريقا بين الأديان، ديدنه جمعُ الشمل، ودأبُه وحدة الكلمة، ومذهبه التعايشُ في وئام مهما اختلفت الأفهام، وتقلَّبت الأيام، فمصيرُ البلد واحد أن يعيش في أخوة ووئام، وهذا الذي أعلى ذكره، وأجلَّ قدره، وآضاء قبره، وأعظم أجره. مردِّدا قولة الحكيم:
إنَّا لنرجو وفاقاً غيرَ منقطع ... منَّا ومنكم وهذا مُنتهى الأملِ
دعِ التحيُّزَ واصنع كلَّ صالحةٍ ... تنجُ البلادُ وحاذِر سقطةَ الزللِ
• عُرف شيخنا بتواضعه الجمِّ، يجلس إلى ذي الحاجة والفقير، كما يجلس إلى ذي المقام والوزير، يملك نفسا طموحة، ويعرك عزيمة طفوحة، لا تستهويه المناصب، ولا تغريه المراتب، ولا تغرُّه الألقاب، تكفيه شهادةً شهادةُ ربِّ الأرباب بين العباد، ويُجزيه تكريما كرامةُ العزيز الوهَّاب له يوم المعاد، عرف قدر ربِّه فعرف له قدره، تواضع لله افتقارًا، فرفع شأنه افتخارا، هيبتُه بادية من هيئته، وقدره بارز من نظرته، حبِّب إليه الحياء، و بغِّض إليه الرياء، يعدُّ المرء مخبوءًا تحت طيِّ لسانه لا تحت طيلسانه. طوَّح الشيخ مشارق الدنيا ومغاربها حكمة وعلمًا، وربط أوصال الأمة رحمة وحلما، أهَّلته إلى ذلك مؤهلات إلهه، ودعوات مشايخه، وصالحات أعماله، وخالصات مقاصده، فهو بين العلماء عالم، وبين الأدباء أديب، وبين الظرفاء ظريف، وبين العامَّة عامَّة، وبين الخاصَّة خاصَّة.
أوجدهُ الله فما مثله لطالب ذاك ولا ناشد
وليس الله بمستنكرٍ أن يجمع العالم في واحد
• خلَّف تراثًا فكريًّا بشريًّا يتمثَّل في آلاف الطلبة الذين تخرجوا من مدرسته، وكرعوا من علمه، وتراثًا فكريا نثريًّا يتمثَّل في مئات الفتاوى المبثوثة في مختلف الجهات، ومختصر تفسير الشيخ بيوض في ثمانية أجزاء، وتفسير الجامع الصحيح في الحديث، وبحوث فقهية كثيرة، وقصائد بليغة، وخطب ومقالات منشورة في مختلف المجلات. وتراثًا مسموعا يتمثل في مئات الدروس المسجلة في مختلف مساجد وادي ميزاب والجزائر وتونس وليبيا وعُمان وزنجبار وغيرها من البلدان التي يحلُّ فيها ...
فها قد اختاره ربُّ البرايا إلى جواره شهيدا، بعد أن منحه عمرا صالحا مديدًا، وجعله رجلا في زمانه فريدًا، وترك له ذكرا في الآخرين تليدًا {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)}. ولقد استقصيتُ مناقبه فلم أجد له عيبًا إلا أن النساء عجزن أن يلدن مثله، وتتبعتُ مآثره فلم أجد له نقصًا إلا أنَّه لم يدع أحدًا بعده أن يبلغ فضله، وإنَّ أعظم شهادة (21/291)
صفحة 277
يحوزها الرجل هي شهادة الزمن له بلسان صدق بين الأجيال، وشهادة الحقِّ له بالرضوان يوم المآل. يوم يدعوه شديد المحال: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)}
أيُّها الإخوة الأعزَّاء باسم حلقة العزابة الموقرة، باسم الجمعيات الخيرية الحرَّة، باسم القرارة جمعاء، ممن أقلَّتهم الغبراء، وأظلَّتهم الخضراء، نقدِّم خالص تعازينا لأنفسنا أوَّلا، ثم لآل الفقيد المحتفى به ثانيًا، وقبل ذلك لكم معاشر السادة الوافدين، فأنتم أولى بالعزاء منَّا نحن أبناءَ القرارة، لأنَّ إقامة الشيخ رحمه الله خارجها - داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرًا- كانت أكثر من إقامته فيها، حتىَّ لقد كنَّا نقول للشَّيخ عليك أن تصلِّي السفر في القرارة.
نرفع أكفَّ الضراعة لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أن يحقِّق في فقيدنا ومحتفانا قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)}. وأن يجعله في مقعد صدق {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)}
كما نشكر لكلِّ الوافدين إلينا من كلِّ حدب وصوب تحمُّلَهم مشاقَّ التنقل في هذا الحرِّ، وفاءً بالعهود لرجال أخلصوا الجهود، وفي ذلك تخفيف من عزائنا، وتفتيتُ لمصابنا، فحفظكم المولى الرحيم يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، وصلَّى عليكم البرُّ الكريم طرفي النهار وزُلَفًا من الليل، فلا أراكم مكروها فيمن تحبُّون، ولا أجزع نفوسكم فيما تأملون. كما لا ننسى في هذه الساعة المباركة الغامرة بالنفحات، وعند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات أن نسأل الرحمة لموتانا، والشفاء لمرضانا، والصلاح لأبنائنا، والرخاء لأوطاننا، كما نلتجئُ بقلوب ضارعة وأدعية خالصة إلى الولي الرحيم، والقاهر فوق عباده، أن يأخذ بأيدي المستضعفين وينظر إليهم بعين رضاه فيكلؤهم برحمته، وأن ينصر إخواننا في فلسطين نصرًا مؤزَّرا على عدو البشرية وحثالة الإنسانية اليهود الذين جعل منهم القردة و الخنازير، وكلِّ من ساندهم و سار في ركابهم. {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} {اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)} آمين، والحمد لله رب العالمين.
القرارة يوم الاثنين 12 جمادى الثانية 1432هـ الموافق لـ 16 ماي 2011 م (21/292)
صفحة 278
اليوم مات من علم أنه سيموت!
الباحث: رستم عيسى إتبيرن
قسم الدراسات العليا ـ جامعة الخروبة ـ الجزائر
الحمد لله الذي رفع قدر العلماء عاليَ المقامات، وجعلهم مصابيحَ هدى تضيء في حالك الظلمات، القائل في آياته المحكمات البينات: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (1).
وأصلّي وأسلّم على خير الكائنات، من بعثه الله مرشداً للباقيات الصالحات، ومخرجاً الناسَ من براثين الجهل والضلالات، إلى أنوار العلم والهدايات، أما بعد:
فإنّ الله تعالى قد جعل شرف هذه الأمّة المحمّدية منوطاً بالعلم، وخيرُ ما يقرّر ذلك أنّ أول كلمة نزلت من القرآن هي قوله تعالى {اقْرَأْ} (2)، وأنّ الله تعالى لم يأمر نبيه محمّدا - صلى الله عليه وسلم - بالاستزادة إلا من شيء واحد وهو العلم: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (3).
وتعدّى شرفُ العلم بأن شرَّف حاملَه، ورفعَ درجاته عالياً، مصداقاً لقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: « ... إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، وإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (4)، وكفى بحيازة ميراث الأنبياء شرفاً.
وإنّ المهمّة التي يقوم بها العلماء في المجتمع والأمّة مهمّة عظيمة، ودورهم الذي يقومون به دورٌ جسيم، فهم يبلّغون الدين، ويعرّفون الناس بربّ العالمين، ويذكرونهم بلقائه، ويعلّمون الناس الحلال والحرام، وينوبون عن الأنبياء في ذلك؛ وبالتالي فإنَّ فقْدهم يُعتبر من أعظم الطامّات والرزيات التي يمكن أن تبتلى بها الأمّة، وفي الحديث: «موت قبيلة؛ أيسرُ من موت عالم» (5)، ويقول الإمام الحسن البصريّ رحمه الله: «موت العالم ثُلمة في الإسلام، لا يسدّها شيء ما اطّرد الليل
__________
(1) - سورة المجادلة: الآية 11.
(2) - سورة العلق: الآية 01.
(3) - سورة طه: الآية 114.
(4) - رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع الصحيح وغيرهما عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أبو داود، كتاب: العلم، باب: الحث على طلب العلم، رقم: 3175، الترمذي، أبواب: العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم: 2674.
(5) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية عن أبي الدرداء رضي الله عنه، البيقهي، فصل: في فضل العلم وشرف مقداره، رقم: 1657، ابن حجر، كتاب: العلم، باب: الترغيب في طلب العلم والحث عليه، رقم: 3158. (22/295)
صفحة 279
والنهار}.
لقد ابتلينا قبل ما يربو على سنة بانطفاء سراج من السرج التي أنارت في الأمّة حقبة من الزمن، ولا يسعنا ابتداءً إلا أن نسلّم للقضاء الإلهيّ، ونعزّيَ أنفسنا قائلين: إنا لله وإنا إليه راجعون.
انطفأ سراج امتدّ نوره زماناً ومكاناً، وتغلغل إلى شغاف قلوبناً شيباً وشباناً، رحل فجأة وتركنا نعاني أسقاماً وأحزاناً، وخير عَزاءٍ لنا في مصابنا هذا هو موتُ سيّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي خاطبه ربه قائلا: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (1)، وقال له أيضا: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} (2)، فكل مصيبة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تهون:
وما فقد الماضون مثلَ محمّدٍ ... ولا مثلُه حتى القيامة يفقدُ (3)
سنة مرَّت على فقد عزيز علينا وهو العلامة: الشيخ الناصر المرموري.
ونحن اليوم إن وقفنا ننعي فقيدنا، فلا ننعي جسده، بل أعماله ومآثره الخالدة، رجلٌ صدق ما عاهد اللهَ عليه، وأدّى الأمانة التي عاهد نفسه على حملها، فوهب لها حياته في الحل والترحال، ولم يمنعه من ذلك غنى ولا إقلال، فرغم أنه عانى من الفقر، إلا أنه لم يأبه لذلك ولم يجعل همه اكتساب المال، بل وهب حياته للعلم، فألقى الله محبته في قلوب الناس، وجعل له القبول بين أهل الأرض، وإنا لنرجوه كذلك عند أهل السماء، وألسنة الخلق؛ أقلام الحقّ.
وإن جئنا نعد مآثر وخصال فقيدنا؛ فلن نوفِّيَه حقّه حقَّ الوفاء، ولكن ما لا يُدرَك كلُّه، لا يُترَك كلُّه، فهذه قصيدة وُلدت من رحم رزية فقدنا لشيخنا الجليل الناصر المرموري، تواردت أبياتها على خاطري يوم فقده.
نعيٌ أتاني هدَّ من أركاني ... واستلَّ منّي الروحَ من وجدَانِي
وبقيتُ أنظرُ للبسيطةِ حائرًا ... ومُردِّدًا "شيخاهُ" كالحيران
يا أيُّها النَّاعي لعلَّكَ واهمٌ ... ولعلَّ ما تتلُوهُ سَبْقُ لِسَان
أو أَنَّه أضغاثُ حُلْمٍ كاذبٍ ... أو أنَّه نزغٌ من الشيطان
أحقيقةً طفئ السراجُ وأُسدلت ... سُتُرٌ على "المرمورِ" قطبِ زَمان
أفَقَدنا من كان البياضُ يلفُّه ... أنْعمْ به من مظهرٍ وجَنَان
أرُزءنا في شيخٍ كفانا مؤنةً ... وفَّى لها في همَّة وتفاني
أوَ مات من سَكَنَ القلوبَ جميعَها ... من بعد إلْف لُفََّ في الأكفان
__________
(1) - سورة الزمر: الآية 30.
(2) - سورة الأنبياء: الآية 134.
(3) - هذا البيت من قصيدة لشاعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حسّان بن ثابت رضي الله عنه. (22/296)
صفحة 280
أطوينا عهدًا مستنيرًا مُشرقًا ... كُنَّا نهشُّ لصوتِه الرنَّان
في لُجَّة الإلحادِ كان يؤُمُّنا ... ويُذكِي فينا شُعلَةَ الإيمان
يا أيُّها النَّاعي فَجَعتَ قلوبَنا ... وتركتَنَا في لُجَّة الأحزان
يا أيها النَّاعي سكبتَ دُموعَنا ... وتركتَنَا كالهائم الحيران
الشيخُ ماتَ لقد رضينا بالقضا ... فالموتُ مكتوبٌ على الإنسان
إنْ أَبْكِ لا أبكي لموتِ عزيزنا ... بل إنَّه لِتَضَعْضُع الأركان
فوفاةُ مَنْ حمَلَ الأمانةَ ثُلمةٌ ... منقوصةٌ من أمَّة العَدْنَان
فاليومَ تبكيكَ الجزائرُ كلُّها ... يا مَن خفَقْتَ برايةِ القرآن
ونفوسةٌ تَبكيكَ وهْي جريحَةٌ ... مستاءةٌ من عُصبة "الجرذان" (1)
وستُذرَف العبراتُ وهْي غزيرةٌ ... في زنجبارَ وجربةٍ وعُمَان
يا ناصر الإسلام طبتَ موسََّدا ... فهنيئا اللُّقيا مع الإخوان
ياربنا أفرغ علينا الصبر واجْـ ... مَعْنَا بهم في جنَّة الرضوان
وأَجِرْنا في أرزائنا ومُصابنا ... وامنُنْ علينا بِوَاسِعِ الغُفران
__________
(1) - قدَّر الله تعالى أن يموت الشيخ الناصر المرموريّ والثورة المباركة في ليبيا ضدَّ الطاغية «القذافي» لا تزال مستمرَّة، وكان هذا الأخير قد أطلق على شعبه الباسل لفظة: «الجرذان»، فَبَاءَ بها وحدَهُ هو وأنصاره، وانقلب السحر على الساحر. (22/297)
صفحة 281
المفهومُ الغائب
الطالب: عيسى بن علي الشيخ أحمد
معهد العلوم الشرعية ــــ سلطنة عُمان
ب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين:
جدير بالمسلم أن يعرف دينه، ويدرس سنَّته وشرائعه، وحريٌّ به أن يعيَ حدوده، وعيا يدرؤه عن مواضع الشبهات، وفهما نيرًا يقرِّبه إلى مواطن الخيرات، استجابة لنداء الرب المعبود حين قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}؛ فالحياة إذن مقرونة باستجابة كلية لله تعالى ورسوله ... ولكن أي حياة؟
فإنما حياة الرفعة والشرف في الأولى، والسعادة الأبدية في الأخرى فلا يختلف اثنان في أنَّ الحياة المقصودة ليست بالتي يعيشها المرء، وهو بين أكل وشرب وعمل وشؤون أخرى ... أو التي يستوي فيها المسلم وغيره، وهي بالطبع حياة كل إنسان يسكن أرجاء هذه البسيطة.
وليس الحديث الآن بصدد شرح أو تعريف، وليس المقصود منه توضيح وتفسير مصطلح ما، وإنما مدارُ الحديث عن مفهومٍ ما فتئ أن غاب عن العقول، عن مفهوم لم يظهر في ساحتنا إلا نادرًا، بيدَ أن كل واحد منا يعلمه، بل به تقوم حياته وهو «المعاملة».
فأغلبُنا إن لم نقل كلُّنا، يقيم الصلاة بأتمِّ أركانها، ويواظب على حضور مجالس الذكر، بل ويتميَّز فيها ربما، وذلك بحذاقة فكر، ورجاحة عقل، فيذكر المسائل الواردة في الموضوع، الأصليَّة منها والفرعية، كما أنَّه يسرُد كلَّ الخلافات بين المذاهب، والأقوال التي نتجت عن ذلك، فهذا كلُّه شيءٌ حسن ومطلوب، وإلى زيِّه الإسلامي الحسن ما يوحي إلى ذلك.
لكن إذا رأينا من زاوية أخرى لشخصيته، وأقصد الناحية السلوكية لهذا الشخص، أو لنقل معاملته مع الناس، نجدُها تفتقر إلى الكثير من المقومات الأساسية التي تُنهضه على أن يكون فردًا مسلما بحقّ، هي تلك الأخلاق التي بثَّت الروح في ثنايا الإسلام، ودبَّت فيه دبيب الغيث على الأرض الهامدة فاهتزت بعد ذلك وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وأضحى مع مرِّ العصور مضربًا لكل مثل، ومسلكا يحتذي بحذوه كل من رام الفضيلة في أسمى (23/298)
صفحة 282
معانيها، فما الإسلام موقوفا عند أداء الصلاة، أو حجِّ البيت، أو عند إسبال الثياب وعدمه، أو هو في تلك المسائل الفرعية التي قادت أكثرنا إلى الفرقة والخلاف الذي لا طائل من ورائه، ولا فائدة ترتجى من خلاله.
وإن شئنا سألنا الأماكن التي وطأها الإسلام، والأمصار التي عَمَرَها، وإنَّا لصادقون فما أدل على ذلك، إلا بعض تلك البلاد المتاخمة لحدود الفرس التي لم تكن تعرف عبادة غير الصنم والشمس والبقر، يخرُّون لها ركَّعا سُجَّدا، يسبِّحون بحمدها آناء الليل وأطراف النهار، فلم يعرفوا من دونها موئلا فأعمت بصيرتهم، وأعيت منطقهم، ولم يشعروا بذلك حتى أرْدَت بهم في براثن الجهل، وألقت بهم في حَمَأة الرذيلة؛ كيف لا {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}، حتى تمكَّن الإسلام في قلوبهم، وسرت فيهاأخلاقه سريان الدم في عروقهم، بذلك اعتلوا مراكب المجد وسمَوا، وإلى سماء العزَّة والفضيلة امتطوا.
فهذا كله بماذا؟ أهو بالسيف والحرب؟ أم بالعنوة والقتال؟ كلا! فلا هذا ولا ذاك، وإنما بسماحة خُلق من قَدِم إليهم، وبدماثة خَلالِ من وفَد إليهم، فكانت معاملتهم لهم بمثابة السحر الذي يأخذ بالألباب ويشدُّ القلوب، فصيَّرت الملحَ الأجاجَ عذبا زلالا، وكست الأرضَ البورَ خضرة وجمالا، ولما التقى الحسنيان، دانت الرقاب إلى بارئها وحَسُن إسلامها، فكان إسلام تلك الربوع فتحًا عظيمًا لهذا الدين ونصرًا عزيزًا قاده لأن يكون في صدارة الديانات.
فالشريعة الإسلامية إذن شريعةٌ متكاملة لكل نواحي الحياة، وهو دين حضارة وتطور كما هو أيضا منهج حياة به نتطلع إلى أفق واسع، من القرآن الكريم وسنة نبيه الأعظم يستقي ويسترشد, وبها يستنير ويستمد، وما كان للإسلام أن يبلغ هذا الشأو العظيم, وما كان له أن ينال هذا الفضل العميم, لو لا أنه سرى في حياة الناس سريانا عجيبا، دخل في جميع شؤونهم الدنيوية فقوَّمها وهذَّبها، وفق منطق فطرتهم السوية، وطبيعتهم البشرية، كما أنه تماشى مع جل تقاليدهم وأعرافهم، حتى أدركوا بعد ذلك أنَّ هذا الدين هو الحياة بكل ما تحويه الكلمة, فهذه الغاية المحمودة لم يُقادوا إليها لا جبرا ولا قسرا، وإنما هي القلوب التي ما لانت وما مالت إلا لسرٍّ مكنون، وهذا السر ـ ولا شك ـ هو تلك الرحمة وتلك الرأفة، أو لنقل هو حُسن سماحة هذا الدين؛ وهذه السَّماحة تتجلَّى بالضبط في تلك المعاملة التي عرفوها أولا وقبل كل شيء في الذين ساقوها إليهم من كأس صافية نقية، استمدتها من منبع النبوة الرائق، وعوها بعد أن أذعنوا لبارئهم فلزموها، وألزموا من بعدهم، فانتشر بذلك الضياء، ووسع مداه مشارق الأرض ومغاربها.
وماذا عن اليوم؟ هل جسَّدنا فيه هذا المصطلح؟ أين هو في قلوبنا؟ (23/299)
صفحة 283
وهل نشعر حقا بالافتقار إلى هذا الركن الركين؟!! وأسئلة أخرى تستوقفني كما تستوقف أي أحد منا علنا نورد الجواب عنها في فرصة أخرى ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
- - - (23/300)
صفحة 284
رسائل جامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ نادية الوزناجي
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
التفسير الشفاهي
وأثره في الإصلاح الحديث
ل
لقد دأب الباحثون في الدراسات الشرعية على دراسة مناهج المفسرين في تفاسيرهم المكتوبة، مستنبطين آليات هذه المناهج وغاياتهم، غير أني اخترت دراسة مناهج بعض المفسرين في تفاسيرهم الشفاهية، محاولة الإلمام بهذا التراث الشفاهي في التفسير في المغرب و المشرق العربيين، خاصة بعد إنجاز أطروحة الماجستير الموسومة بـ"منهج التفسير عن الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيوض"، والتي كان من أهم نتائجها أن هذين التفسيرين اللذين لم يدونا ضمن مؤلف خاص على نحو التفاسير التحليلية القديمة على يد أصحابها، لم ينهج فيها الشيخين هذا الأسلوب الشفاهي الإصلاحي اعتباطا أو جزافا، بل قصدا إلى هذه الطريقة قصدا، بعد إدراكهما أن رسالة الهداية والإصلاح التي يحتويها القرآن الكريم، لا يمكن تبليغها لكل جماهير المجتمع على اختلاف شرائحها، علما وثقافة إلا بتفسير كتاب الله درسا في المساجد أو على الأثير في الإذاعة.
من ثَم تتبعت هذا الموروث الشفاهي في المشرق والمغرب العربيين، حتى توصلت إلى الإحاطة بمادة هاته التفاسير شفاهية الأصل، الموجودة بين أيدينا اليوم كتابة، فتوصلت إلى أن هذا اللون من التفسير كان منهجا خاصا في التعامل مع كتاب الله فهما و تفسيرا، وأنه ارتبط ارتباطا وثيقا بالهدف الإصلاحي، و إبراز الهداية القرآنية وهو الهدف الأصيل الذي لأجله أنزل الله تعالى القرآن على "رسوله عليه الصلاة و السلام" (24/301)
صفحة 285
مصداقا لقوله تعالى "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم". و بعد تحليل نماذج منه تناولت في الباب الأول التفسير الشفاهي: تعريفه، تاريخه، خصائصه وآلياته المنهجية، وتوصلت بحمد الله إلى صياغة تعريف للتفسير الشفاهي أحسب أني وُفقت في ذلك. محاولة بعد ذلك التنظير له بإبراز مراحله التاريخية، وخصائصه، وآلياته المنهجية.
في الباب الثاني حاولت الوقوف على أثر هذا اللون من التفسير في الإصلاح، مركزة على جوانب رأيتها أساسية لتحقيق الإصلاح الشامل، وهي الإصلاح العقدي، والإصلاح الأخلاقي والتربوي، والإصلاح الاجتماعي، وتركت البحث في الإصلاح السياسي والاقتصادي لأهل الاختصاص من الباحثين ليثروهما بالدراسة و البحث.
وإسهاما في هذه العودة المباركة للتعامل مع النص القرآني فهما و تفسيرا و تطبيقا عن طريق توظيفه في عملية الإصلاح تأتي هذه الدراسة لتجيب عن هذه الإشكالية:
• ما مدى فعالية النص القرآني في الإصلاح رغم اختلاف الأزمنة و الأمكنة و البيئة و المعطيات؟ و بعد استفاد البحث في هذا الموضوع الموسوم"التفسير الشفاهي و أثره في الإصلاح الحديث" توصلت بحمد الله إلى مجموعة من النتائج حاولت تصنيفها تبعا للإشكالية المطروحة أوجزها في هذه الأمور:
• ففي التمهيد كان الوقوف على مفاهيم مصطلحات عنوان البحث سبيلا إلى التأصيل للون قديم جديد في التفسير.
• أما الباب الأول الذي كان تأصيلا للتفسير الشفاهي من خلال الوقوف على تاريخه و خصائصه و آلياته فقد توصلت فيه إلى أن علم التفسير أول ما ظهر كان مشافهة على يد الرسول ح، و أن تفسيره هو أول التفاسير التي أحكمت فيها الصلة بين النص و الوقائع إحكاما وثيقا، إذ كانت الآيات تتنزل على حسب الوقائع و الأحداث، فتقرا و تفهم و تحفظ و يعمل بها، فاجتمعت في هذا التفسير خاصية العلم و العمل معا.
• أن هذا اللون من تفسير كتاب الله تميز بخصائص، و اعتمد على آليات منهجية التزم بها المفسرون المصلحون في دروسهم تفسيرهم على اختلاف عصورهم و بيئاتهم مما يعني فعالية هذا المنهج المطرد.
• أن التفسير المكتوب رغم أهمية بما يقدمه للطالب و للمتلقي بصورة عامة من (24/302)
صفحة 286
ثقافة تفسيرية علمية، إلا أن وظيفته و لسنوات عديدة لم تكن أكثر من محاولة الفهم الحرفي الجزئي للنص القرآني، مركزا جل عنايته على بيان مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، فكانت بحوثه في الكثير من الأحيان تمثيل إلى البحوث النظرية التجريدية مغفلا بذلك الجانب الهدائي في كتاب الله، بينما اضطلع التفسير الشفاهي بهذه الوظيفة فكان هدفه ابتداء الدعوة إلى التطبيق العملي للنص القرآني و مواجهة جماهير الأمة للأخذ بيدها على هذا الطريق، لأنه كان دائما على اتصال بواقع الناس.
أما الباب الثاني والذي شمل أثر التفسير الشفاهي في الإصلاح العقدي و الأخلاقي والتربوي و الاجتماعي فان أهم النتائج المتوصل إليها:
• أن اختلاف مرتكزات الإصلاح تبعا لاختلاف البيئات و المعطيات، جعل التفسير الشفاهي ثريا بالنماذج التطبيقية المختلفة و المتنوعة و التي لامست مل شرائح المجتمع و أزماتها غالبا، أثناء عملية توجيه النص القرآني، من خلال عرضها وتحليلها بأسلوب مبسط و فعال و مؤثر، يحس معه المتلقي و كأن هذا النص الأثري نزل ليعالج أزماته الآنية.
• أثبت التفسير الشفاهي فعالية النص القرآني في الإصلاح رغم اختلاف الأزمنة و البيئات و تنوع المعطيات و الآفات، و إن لم يتحقق هذا الأثر كليا، فقد بقي في هذا التفسير أثر يدل على المنهج المثل في التعامل مع النص القرآني فهما و تفسيرا، يمكن أن يكون مرجعا للدعاة و المصلحين اللاحقين للاستفادة من هده التجربة الرائدة في تفسير كتاب الله.
فأرجو أن أكون قد وفقت في دراسة هذا الموضوع الشيق الشاق ــــ إن شاء الله ــــ، و اسأل الله أن يجعل عملي هذا خالصا لوجه الكريم، و أن ينفع به و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، و إليه أنيب.
- - - (24/303)
صفحة 287
رسالة الشيخ بيُّوض إلى آل بريان
رسالة شكر وعرفان (1)
عرض وتعليق أ/ محمد أحمد جهلان
معهد اللغات والآداب ــ جامعة غرداية
ب
بين يدي الرسالة:
وقع بين أيدينا منذ أيام خطابٌ آيةٌ في البيان، وتحفةٌ من تحف الزمان، هي دُرَّة ثمينة رصَّع بها الإمام الشيخ بيُّوض ( T) بخط يده تاج الكرام ببريَّان، بأدقِّ بيان وأفصح لسان. وكان أكثر ما شدَّني في هذا الخطاب ذلك الدفقُ العاطفي الكبير، والمشاعر الطافحة التي اكتنفت عباراته وجُملَه، حتَّى أنَّني اعتقدت بأنَّ الشيخ مبالغٌ في أوصافه مُفرِطٌ في عرض عواطفه وأحاسيسه؛ فالمعروف عن الشيخ أنَّه دقيقٌ موجِزٌ مُعجز، مُقِلٌّ في الكتابة بشكل عام، بله في المراسلات الأدبية الوجدانية الرقيقة ... بَيْدَ أنَّ الاعتقاد زال، والاستغراب ولّى عندما عدتُ إلى ملابسات الخطاب ومناسبة تأليفه، والظروف المؤثّرة التي هزَّت مشاعر الشيخ ووجدانه، والأيام الجميلة الزاهرة التي أطلقت لسانَه وحرَّكت بالبيان بنانَه. فهذا الشيخ محمَّد علي دبُّوز ( T) يكشف سرَّ الشحنة العاطفية الكبيرة في الرسالة إذ يقول: «لا زال الشيخ بيُّوض إلى الآن بعد مرور ستٍّ وثلاثين عامًا على هذه الزيارة، يجد حلاوتها في نفسه. وقد أثنى عليها مرارًا لما حدثني بتاريخه منذ سنين قليلة، مما يدلُّ على رسوخ ذكرياتها الجميلة في نفسه» (2).
إذن هي رسالة إلى آل بريَّان على إثر الزيارة التي قام بها إليها بتاريخ 15 شوال 1363هـ يوافقه 03 أكتوبر 1944م، ومكث فيها سبع ليال كاملة. كانت هذه الزيارة خاتمة المطاف الذي قاد الشيخ إلى قرى ميزاب بدءًا بغرداية فيزجن فالعطف فبنورة وضاية بن ضحوة، ليُلقيَ عصا التَّرحال في بريَّان. ويكون حظُّ آل بريان أن يقضيَ الشيخ فيها أطول مدَّة، ليرتاح فيها من عناء السفر والسهر المتَّصل في قرى ميزاب قرابة أسبوعين متَّصلين. ومما قاله الشيخ ( T) في خطابه عندما استقبلته الجموع في مدخل البلدة: « ... لقد جعل الله برَّيان -هذا البلد الطيب- مأوى لنا ومَراحًا نُلقي فيه عصا التَّسيار، بعد جهد كبير، فاعجبوا كيف كان بريَّان آخر منزل ننزله للراحة والاستقرار، والهدوء والاطمئنان، والعمل مع الأنصار، وإنَّ في ذلك لَلذَّة ومُتعة.
__________
(1) -عنوان الرسالة من وضعنا (تنظر نسخة مصوَّرة من بعض صفحات للرسالة فيما يأتي).
(2) -محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء4، ط1، دار البعث، قسنطينة، 1980، ص: 181 ــــ 183. (25/304)
صفحة 288
قد يُقال إذا كنتَ قد ألقيتَ عصا التَّسيار بيننا فأعطِ للمقام حقَّه، وامكُث بيننا زمنًا طويلا. فأقول: إنَّني لأمكثُ هنا أطول ما يمكن أن أمكثه، فلا أغيِّر فأقصِّر من الوقت المحدَّد لبريَّان» (1).
لقد سجل لنا قلمُ الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي الشيخ عدُّون ( T) أحداث الرحلة إلى ميزاب وإلى بريان بأدق تفاصيلها صغيرها وكبيرها، وإنَّ هذه التفاصيل ـ التي نقلها بدوره الشيخ محمَّد علي دبوز عن الشيخ عدُّون ـ لَتحتاج إلى دراسة متأنِّية مستفيضة، تستخلص القيم العظيمة المبثوثة في خطابات الشيخ التي كان يُلقيها في المحافل والاجتماعات والجلسات طيلة الرحلة، وتستكنِه الأسلوب الأدبيَّ الراقي الذي وسم خطابات تلك الفترة سواء ما ألقاه الشيخ أو ما ألقاه طلبتُه ومريدوه في كلِّ قرية من قرى ميزاب.
وبالعودة إلى سرِّ تأثُّر الشيخ بيُّوض بالاستقبال الذي حُظي به في بريان، والأسباب التي جعلت أيام بريان ترسُخ في ذاكرته سنين طويلة، نجد أنَّ عوامل متضافرة كونت هذا الإعجاب، منها:
أنَّ بريَّان كانت قبلة المشايخ العلماء للراحة والاستجمام، فكان قطب الأئمَّة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش (و:1818 /ت:1914) يزورها مرتين في العام، في الربيع وفي الخريف، فيقيم فيها كل مرَّة أسبوعين أو أكثر. كما أنَّ الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي البكري (2) قد استقر بها واتخذها وطنَه بعد مسقط رأسه العطفاء، لما وجد فيها من تقدير للعلم وأهله، وأريحية أهلها وتعطشهم للإصلاح، فقضى فيها جلَّ عمره حتى وفاته.
والعامل الثاني وهو الأهم؛ أنَّ الشيخ بيُّوض لما زار بريَّان في سنة 1944، كان أغلب أهلها من أنصار النهضة العلمية والحركة الإصلاحية، فالجمعية الإصلاحية فيها تكوَّنت في وقت مبكر سنة 1927م، وازدهرت أنشطتها بمدارسها ونواديها ازدهارًا كبيرا خاصة في أواخر الثلاثينيات، فكانت بريان ـ بوفاق أهلها والتفاف عزَّابتها وعلمائها وقادتها وعامَّتها حول فكرة الإصلاح ـ ألطف مكان وأهدأ مُستَقرٍّ للشيخ بعد القرارة، فلا عَجَب أن يُكرَم فيها كلَّ ذلك الكرم، ويحظى فيها بتلك الحفاوة والألطاف والنِّعَم.
__________
(1) -ينظر نص كلمة الشيخ بيُّوض المرتجلة ردا على خطاب الاستقبال الذي ألقاه الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي. محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر، الجزء4، ص: 181 ــــ 183.
(2) - الشيخ عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي الشهير بـ «البكري»، أحد أشهر أعلام الحركة الإصلاحية في ميزاب وفي الجزائر، فقيه وسياسي وأديب وشاعر، عضو المجلس الإسلامي الأعلى، ورئيس مجلس عمي سعيد الهيئة العرفية العليا بميزاب، ولد بالعطف، سنة 1319هـ/ 1901 عاش قدرا كبيرا من حياته في بريان بداية من 1939، وعين عضوا في حلقة عزَّابتها ثم رئيسا للحلقة. ترك آثارًا جليلة تربو عن الخمسين مؤلفا، ما يزال أغلبها مخطوطا في مكتبته العامرة بمسقط رأسه. توفي في بريان يوم3 جمادى الأولى 1406 الموافق لـ 13 جانفي 1986. تنظر ترجمته الوافية رقم 548، ضمن: «معجم أعلام الإباضية»، قسم أعلام المغرب. نشر جمعية التراث. غرداية. 1999. ج3. ص: 521. (25/305)
صفحة 289
تكتسي هذه الوثيقة أهميتها من جهتين؛ أولاهما أنَّها تشكِّل جزءًا آخر جديدًا يضاف إلى التفاصيل الدقيقة التي أوردها الشيخ محمَّد علي دبُّوز في كتابه عن رحلة الشيخ بيُّوض إلى وادي ميزاب، بعد أن رُفعت عنه الإقامة الجبرية سنة 1944، والتي دامت أربع سنوات كاملة. وهذه الرسالة تلخِّص انطباع الشيخ عن مريديه، وحبَّه لمجتمعه وشوقَه لملاقاة طبقاته وتفقًّد أحواله، والتفاني في تحقيق آماله، وامتنانَه للحفاوة التي استُقبل بها في كلِّ قرى ميزاب التي زارها، وكانت بريَّان حقَّا ختامُ المسك لهذه الرحلة.
أمَّا الجهة الثانية في أهمية هذه الوثيقة، والتي أراها بحاجة إلى عناية خاصَّة، فهي أنها ترسم لنا صورة ناصعة عن أسلوب الشيخ بيُّوض الأدبي الراقي في الكتابة، ولغته المتأنقة الرقيقة التي لا يُعرَفُ عنها الكثير، والتي لم تفقد رونقها بتأثير جهود الشيخ الفكرية، وانكبابه على معضلات الإصلاح، ومغلقات التفسير، ومسائل الفتوى .. بل نجدُه يكتب للأدباء بلغة الأدب فيُفصِح، وللفقهاء بلغة الفقه فيَنصَح، وللسياسيين بلغة السياسة فيُفلِح! وهذا مكمنٌ من مكامن النبوغ عند الشيخ الإمام، وهذا الذي يحتاج إلى مزيد عناية واهتمام، ولعل بحثا آخر في مجال آخر سيحقِّق هذا المطلوب ويفي بالمرام (1).
__________
(1) - أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ الشيخ صالح بن أحمد حدبون، كاتب الشيخ بيُّوض الشخصي، ورئيس داخلية الحياة، الذي يحفظ كثيرا من أسرار خطابات الشيخ ومراسلاته، إذ مكَّنني من نسخة الوثيقة، وساعدني على فكّ بعض مستغلقات الخط فيها، جزاه الله عنا خير الجزاء. (25/306)
صفحة 290
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القرارة في: ذي الحجة 1363
الموافق لـ: ديصانبر 1944
جنابُ النابغةِ العبقري والأديب الألمعي، الخطيب المِصقَع والشاعر المجيد، العلامَّة الجليل الشيخ عبد الرحمن بن عمر (1)، سلامٌ عليكم وعلى الشيخين الجليلين صالح بن يوسف (2) وصالح بن يحيى (3)، وأعضاء حلقة العزَّابة، وجناب القائد وأنجاله الكرام، وأعضاء جماعة وأساتذة المدرسة وشباب الإصلاح ورجالاته من آل بريان الأماجد، أهل الكرم والأريحيَّة، وذوي القلوب الطيِّبة والنفوس الزكيَّة، كَبَتَ الله حاسِدهم، وردَّ شارِدَهُم، وشدَّ ساعِدَهم، وأوثَقَ عُروَتهم، وحفظ بيْضَتَهم، ورفع كلمتهم، إنَّه سميع الدعاء، لطيف لما يشاء.
إخواني الكرام؛ ما زلتُ مشدوهًا مسلوبَ الفؤاد من تلك اللحظة الرهيبة، لحظةِ الوداع التي كانت المنظرَ الأخيرَ من الفصل الأخير من أبدع وأروع وأمتع رواية شهدتُها منذ رأت عيني الضياء، ونشق أنفي الهواء، وتلك اللحظة التي ألقيتُ فيها آخر نظرة على أجمل منظر وقعت عليه عيني منذ تفتَّقت عنها حُجُب الغيب، وسمعتْ فيها أذني أحلى كلمة من ألطف حبيب، تلك اللحظة التي أُسدِل فيها الستارُ على أروع منظر لأبدع فصل من أمتع رواية توالت فصولُها وتواترت مناظرُها إحدى عشر ليلة، وربِّك لم أحسب سواهُنَّ من عمري، تلك اللحظة التي وجفَتْ لها
__________
(1) - الشيخ البكري، عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي. سبق التعريف به.
(2) - هو الأستاذ المقرئ الشيخ صالح بن يوسف بسيس، من أعلام الإصلاح في ميزاب، لم أعثر له على ترجمة وافية، غير أنه من أعلام القرارة الأتقياء، ومن طلبة الشيخ الحاج عمر بن يحيى رفقة الشيخ بيُّوض، ومن الطبقة التي ساندت الشيخ بيوض في تأسيس معهده الأول سنة 1921. أرسله الشيخ بيوض إلى بريان لتدريس القرآن والعلم، فاستقر بها، وكان العزم على أن يتوَّلى الشيخ عدُّون هذه المهمَّة، إلاَّ أنَّ الشيخ بيُّوض رأى ببعد نظره أن يُبقيَ الشيخ عدُّون قريبا منه وإلى جانبه. هذا ما أفادنا به شيخنا بالحاج بن سعيد شريفي حفظه الله، في حوار معه بالقرارة. جوان 2012.
(3) - هو الشيخ صالح بن يحيى بن يحيى الطالب باحمد، ولد ببريان سنة 1321 هـ / 1904م، من أعلام الإصلاح في ميزاب، في سنة 1918، انتقل إلى القرارة ليتلقَّى تعليمه علي يد الشيخ الحاج عمر بن بحبى ثم على يد الشيخ بيوض، استقر ببريان بداية من 1933، ليكون أول معلم للقرآن بمدرسة الفتح ثم عُين مديرا لها. عين عضوا في حلقة العزابة سنة 1936 وإمامًا بالمسجد العتيق. كان ( T) من أبرز قادة الإصلاح وأعلامه في بريان، تفرَّغ بداية من 1953 لخدمة المسجد وأوقافه ومتابعة مشاريع البناء المتعلقة بالمسجد والمدارس. وافاه أجله بمسقط رأسه يوم عيد الأضحى: 10 ذو الحجة 1401هـ/ 08 أكتوبر 1981م. كان أوَّل إمام يقرأ بالقرآن كاملا في صلاة التراويح ببريان. (كما علمنا من الشيخ بالحاج بن سعيد شريفي، في حوار معه بالقرارة. جوان 2012). (25/307)
صفحة 291
القلوب، ووجمَتْ لها الشفاه، وتكلًّمت العيونُ بلغة الدموع، تلك اللحظة التي قطَعَتْ أُنسًا متَّصلا، وحياةً صاخبة، وردَّت الناس إلى ما يشبه الموت من همودٍ غريب ووحشةٍ رهيبة. خشعت الأصوات، وسكَنَت الحركات، وتفرَّقت الجموع التي كانت محتشدة متحمِّسة مائجة، وهدأت العواصفُ التي كانت ثائرة هائجة، وتبدَّلت الحالُ غير الحال، فما استفاق الناسُ من روعة الماضي حتَّى أدهشتهم روعة الحال، ولولا أنَّ الله يلطُف بعباده عند الشدائد، فيُنعش القلوب بالآمال ويُحيها بالرجاء لقضَوا نَحْبَهم في أمثال هذه اللحظات. ولعلَّ أعظم الناس تقديرًا لهذه الحالات، وأشدَّهم تأثُّرًا بهذه التطورات، وأرفعَهم شعورًا بأثر هذه الأفعال والانفعالات، هو الذي تُؤتى من أجله وتُقام من حوله، فلا تعجبوا إذا سمعتموني أقول «ما زلت مشدوها مسلوب الفؤاد»، فما زالت المناظر تمرُّ بين عينيَّ، والأصواتُ ترنُّ في أذنيَّ، وإني لتَعرُوني كلَّما ذكرتُها هزةٌ، كما انتفض العصفور بلله القَطْرُ. وإنِّي لتنتابُني لذكراها عواملُ مختلفة، وتغزو قلبي خوالجُ وأحاسيسُ متشعِّبة متضاربة من آلام وآمال لا أستطيع لها تقديرًا ولا تصويرًا. وإنِّي أرفع الخطط وأضع التصاميم لمشاريع تُشفي الأمَّة من آلامها، وتُنيلها المرام من آمالها، ثم أنظرُ فإذا بيَّ لا أملك من وسائل تحقيقها قليلا ولا كثيرًا، فأرتدُّ عن العمل خاسئًا حسيرًا. ثم أنشُط إليه من جديد، وأعيد النظر فيه مرَّة بعد مرَّة، فأقدِّم وأؤخِّر وأبدِّل وأغيِّر، فإذا الوسائلُ طوع يميني، بيد أنَّ الغاية لا ترضيني.
فلو أنَّ ما أسعى لأدنى معيشة .... كفاني ـ ولم أطلُب ـ قليلٌ من المال
ولكنَّما أسعى لِمجدٍ مُؤثَّل .... وقد يُدركُ المجدَ المؤثَّل أمثالي (1)
رفعَتني أمَّتي مكانا عليًّا، وقلًّدتني مِنَنًا لم تقلِّدها أحدًا من قبلي، ففتحت ليَ القلوبَ والعقولَ والجيوب، وأقامت البيِّنات على شدَّة تعلُّقها بي، وعِظَم أملها فيَّ، ورضاها بمشروعي وعملي، فبأيِّ وسيلة أشكر هذه النعمة؟ وبأيِّ ثواب أكافئُ هذا الإحسان؟ إلاَّ أن أحقِّق أملها، وأصدق ظنها. وما تعلَّقت بيَّ لعرض حاضرٍ أو لغرض مادِّي، ولا أمِلَت في جرِّ مَغنم عاجلٍ أو دفع مَغنم دنيوي، وما كان الذي أرضاها عنِّي شخصي ولا نسبي ولا مالي ولا بدني، وإنما تريد مني علمًا أنشرُه، وعلَمًا أرفعُه، ومجدًا أبتنيه، وتراثا مقبورًا أستثيرُه، وحقًّا مغصوبًا أستردُّه، وحريَّة مسلوبةً أُرجعها، وشبابًا حيران استهوته الشياطينُ أُرشدُه، وقافلةً حائرة أضلَّتها البنيات أهديها السبيل. وإنَّ الذي رَضِيَتهُ مني دبيبٌ في هذا السبيل تخيَّلَته خبيبًا، وحبوًا على الرُّكب ظنَّته طيراناً بالأجنحة. هذا الذي ظنَّتهُ فرَضِيَتْه، وذاك الذي رغِبَت فيه فأرادته. ومن لي بأن أحقِّق لها الظنَّ وأبلُغ بها المراد؟ ذلك هو شكرُ نعمتها وثوابُ إحسانها، لا كلمةً يتلفَّظ بها لسانٌ، أو تخطُّها بَنان، ذلك الذي أعملُ له ولا آلو جهدا، وأسعى فيه ولا أدَّخر وُسعا. فإذا كانت الوسائل التي أملكها لا تُرضيني، فأنَّ التي أرضاها لا تواتيني، فحسبي أن أقطع لها على نفسي عهدًا لا أخيس به، وأُعطيها ميثاقًا غليظا لا أتخلَّص منه، أن أقف لها حياتي وأحبس عليها
__________
(1) - البيتان للشاعر الجاهلي امرئ القيس، من قصيدته المشهورة التي مطلعها:
ألاَ عِمْ صَبَاحًا أيُّها الطَّلَلَ البَالِي .... وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ في العُصُرِ الخَالِي (25/308)
صفحة 292
نشاطي، وأفديها بنفسي ونفيسي، وأخدُمها ما نبض منِّي عِرق، وخَفَق قلب، وطَرَفَت عين، حاملاً للكَلِّ، صابرًا على الأذى. وما أملكُ وراء ذلك إلاَّ أن أتضرَّع إلى الله تبارك وتعالى أن يمدَّني بعونه وتوفيقه، وأن يزكِّيَ نفسي، ويملأ بالإخلاص قلبي، وأن يُبارك في عملي ويقدر لي النُّجح فيه، وأن يجعلنا من {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)}.
إخواني آل بريان الكرام؛ إنَّ أثركم في الإصلاح لكبير، وإنَّ موقفكم في صفِّ جنوده لخطير، وإنَّ ما أتيتموه لنصرته وتأييده، وما صنعتموه لمن يسمِّي نفسه خديمًا وتسمُّونه زعيمًا لأكبرُ من أن يحيط به وصفٌ أو يأتيَ عليه بيان، فما أروع ما أتيتُم، وما أثقل ما لقيتُم، وما أعجب سرَّ القدر الذي حباكم بذلك الدور العظيم، واجتباكم بذلك الفصل البديع من رواية الأمَّة العظيمة، وادَّخره لكم إلى حين. فأنتم ـ والله ـ الآخِرون الأوَّلون، سُوبقتُم فسبَقتُم، وخوصِمتُم فبَلَجتُم، وحورِبتُم فكنتُم الظافرين المنتصرين، علِمَ الله منكم صدق النيَّة وسلامة الطويَّة فحباكم «بالبكري» و «الصالِحَين» (1)، وأمدَّكم بعُمر (2) وزميله يقودون جموعكم بحكمة وتبصُّر، وأيَّدكم بنخبة صالحة من ذوي العقول الراجحة، والنفوس الزكيَّة، يديرون شؤونكم ويدبِّرون أموركم بروية وأناة، ونصركم بشباب طموح وثَّاب، مخلص للإصلاح، مُحبٍّ لزعمائه مطيعٍ لأمرهم، مستجيبٍ لدعوتهم، فلا عَجَب أنْ كان منكم الذي كان، ولا غَرْوَ أنْ أصبحت بكم بريَّان المصليَةَ في الميدان، ألَّفتم على الإصلاح شتاتَها، وجمعتُم على الحقِّ كلمتَها، وولَّيتُم شطر العلم وجهتَها، وعلمتموها كيف تُخدَم الأوطان، وأعتقتموها من رقِّ الجمود الباغي، وحررتموها من عبودية الغِنى الطاغي، فنشَطَت من عُقُلِها تسعى نحو مطمحها الأسمى، وانطلقت من قيودها تجري إلى غايتها المثلى، تشيِّد للعلم أبنيتَه، وترفع للمجد ألويتَه، تحتفي بالإصلاح وذويه، وتكرِّم العلم الصحيح وحامليه، تُنفق في ذلك ما رخص وما غلا، وتستسيغ في سبيله ما مرَّ وما حلا، غير آبهةٍ لسلطان، ولا خائفة من شيطان، يؤمِّنها الإيمان الذي ملأتم به قلوبها، ويحدوها الإخلاص الذي عمَرتُم به نفوسها. أشعرتموها كرامتها فاستشعرتها، وعرَّفتموها حقوقها فعرفتها، فاستجابت الدعوةَ يوم الرَّوْع، ولبَّت النداء عند الكريهة، فللّه هذا العمل الجليل، والجهاد النبيل، والإخلاص الذي ليس له مثيل، ما أعظم بركتَه، وأعجل ثمرتَه، طبتُم وطاب سعيُكم
__________
(1) -يقصد: الشيخ عبد الرحمن بكلي، والشيخين صالح بن يوسف بسيس، وصالح بن يحيى طالب أحمد، المُشار إليهم سابقا.
(2) - المقصود: عمر بن سليمان بودي؛ مصلح غيور، ومجاهد وطني مُحنَّك، ولد في بريان سنة 1916، كان من أوائل طلبة معهد الحياة بالقرارة، ورئيسا للبعثة العلمية البيوضيَّة من 1936 إلى 1941. عضو مجلس عزابة بريان، عين رئيسا لبلدية بريان سنة 1959، كان ( T) مساندا للحركات الإصلاحية والوطنية في الشمال والجنوب. تنظر ترجمته رقم 660، ضمن: «معجم أعلام الإباضية»، قسم أعلام المغرب. ج3. ص: 642. (25/309)
صفحة 293
وتبوَّأتم من الجنة منزلا.
إخواني الكرام؛ كنتُ بُعَيد عودتي من رحلتي أقضي ديوني في الكتابة إلى إخواني في جميع قرى الوادي أوَّلا فأولا كلَّما أيسرتُ، وما أقلَّ أيام يَسَاري، فلمَّا جاءت دولتُكم تعاظمني الدينُ واشتدَّ الإعسارُ، فكنتُ أتعلَّل برخصة الله {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}، وكنتُ كلما آنستُ شيئًا من يَسَار فحاولت الكتابةَ دُفعتُ عنها بدافع خفِي، ومُنعتُ عنها بمانع قوي، يتغلب على المقتضي. كيف يوفَّى الكثيرُ بهذا اليسير؟ فانتظر لعلَّ الانتظار لك خير. حتى كانت منكم تلك المأثرة الخالدة في عيد الأضحى المبارك، فعلمتُ أنِّي لن أستطيع مهما انتظرتُ وأيسرتُ أن أنتظر النسبة بين الكثير الذي يجب عليَّ واليسير الذي أقدِرُ عليه، وأيقنتُ أنَّ عبارات شكري وثنائي تتضاءَل كلَّما تعاظمتْ أعمالُكم، وتتناقصُ كلما زادت مآثركُم، فما في الانتظار إذن لي من خير، فاقبلوا مني اليسير واعفوا عن التقصير، واعذرُوني في التأخير، فليس في الإمكان أبدع مما كان.
تعشَّمتُ ـ وأنا أطوف بقُرى الوادي في رحلتي ـ أن تكون لي بريان طِيبة الحجيج، يستقرُّ بها النَّوى ويطيب المقام، وينعم في روضتها المقدسة بأحسن ما خلق الله من أفانين الجمال في الرياض، فكانت لي ـ والحمد لله ـ كذلك. ولا أقول إجلالا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وحياء منه أحسن من ذلك. روعةٌ في اللقاء لم أشهد لها من قبل نظيرًا، وخطابٌ عظيم في التَّرحاب من الشيخ البكري ما سمعتُ مثله من قبلُ نظيمًا ولا نثيرًا (1)، ونظامٌ بديع لجنود الإصلاح منتظمة صفوفُهم، متناسقة حركاتُهم، يهزجون ألحانَهم، ويُرنِّمون أنغامَهم، مخترقين أعظم شوارع البلدة إلى بيت الله حيث المنزلُ الأوَّل لضيوف الله. إنِّي لجدُّ مغتبط أن لم اخلع نعليَّ على عتبة بيت أدخلُه قبل بيت الله، وأن لم استو جالسا على مقعدٍ قبل مقعد المشايخ من بيت الله، هنالك وحماة المسجد عن اليمين والشمال، وشباب الإصلاح وأبناء المدارس من حولكم كأنهم الأُسْدُ والأشبال، ورحاب المسجد وسطوحُه غاصَّةٌ بجموع المحتشدين من النساء والرجال (2)، هنالك قيل لي وما أعظم القائل وأروع المقال: إنك داعٍ إلى الله، وهذا
__________
(1) - انظر الخطاب المؤثر الذي ألقاه البكري في الاستقبال وافتتحه بقوله:
بُشرى فقد أنجَزَ الإقبالُ ما وَعدَا .... وكوكبُ السَّعدِ في أُفقِ العُلا صَعَدَا
واختتمه بجملة أبيات يقول في مطلعها:
رَيَّانُ تختالُ إعجابًا بحاضِرِها .... على مَحاسِنِ مَاضيها وآتِيها
وكذا الخطابين الآخرين اللذين ألقاهما إبان الزيارة وعند الوداع، ضمن كتاب: «كلمات خالدة للبكري، جمهرة خطب ومحاضرات». نشر مكتبة البكري. العطف، غرداية. 2008. ص: 95، وما بعدها.
(2) -يروي الشيخ محمد علي دبوز عن الشيخ عدُّون، أنَّه «ما كان في البرنامج القعود في المسجد [في ذلك الحين]، إنَّما هو مجرَّد الدخول إلى صحنه والدعاء والخروج إلى دار نزولنا، ولكن النساء المطلاَّت من سطح المسجد غيَّرن البرنامج؛ إذ عمَدن إلى هذه الفرُش فألقينها من السطح، فلم يجد الحاضرون بُدًّا من تفريشها، فلما دخل الموكب، وجد الفُرش مفروشة أُلزموا بالقعود، فطلبوا من الشيخ كلمة ... ». محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح، الجزء4، ص: 183. (25/310)
صفحة 294
بيتُ الله مُفتَّح الأبواب، مُوطَّأ الجناب، واسع الرِّحاب، لا يُمنَع من ذكر الله فيه ولا يُسعى له في خراب، يغشاه الأحمر والأسود والحاضر والبادْ، لا يُدعى فيه إلى فساد ولا يُعمل بإلحاد، فأقم فيه كما تشاء، وادعُ إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة كيف تشاء، وامضِ قُدمًا نحو غايتك في إرشاد أمَّتك لا تخافُ دركًا ولا تخشى. فاتَّصَلَت الحفلات، وتوالت الاجتماعات، واطَّردت الدروس في رحاب المسجد الواسع، يشهدُها الغنيُّ والفقير، والشريفُ والحقير، والكبير والصغير، والمصلح والجامد، والمغتبط والحاسد .. سبعُ ليال كأنها ليالي القدر، خيرٌ من سبعة آلاف شهر، رأى الناسُ فيها الفرقانَ بين الخطأ والصواب، وسمعوا ما يكون لهم في محنتهم الخلافيَّة فصل الخطاب. مَكرُمةٌ وُفِّقتم إليها يا آل بريَّان وسَبَقتُم، ولم تزل عند جيرانكم مطمحًا بعيدا تشخَصُ الأبصار إليه، وأملاً نائيا يُسعى لتحقيقه. أخلصتُم في النية وأحسنتم في العمل وصدقتم في الجهاد فأنالكم الله فوزًا كبيرا في أمدٍ قصير. ثمَّ ابتلاكم ليعلم المجاهدين منكم والصابرين، وفتَنكم ليُمَحِّص الذين آمنوا ويمحق الكافرين، فكانت مَزَلَّة الأقدام ومَضَلَّة الأفهام، محنةُ عيد النحر القاسية التي دقَّ فيه الاختبار، والتبس الليلُ بالنهار، لكنَّها تكشَّفت عن عنصر طيِّب ومَعدن صافٍ، وذهبٍ إبريز، أدرك فيها الحقَّ المستبصرون، فاستمسكوا به ونافحوا عنه ودعَوا إليه، وما أسرع ما ثاب إليهم المرتابون، واستجاب لدعوتهم المتردِّدُون، فتصافحت الأيدي على الحق، وتبايعت على الصدق، وتداعى الجميع إلى بيت الله لإعلاء كلمة الله. ولئن امتاز الأوَّلُون بشرف السبْق إلى الحق، فإنَّ للآخِرين فضيلةُ الرجوع إليه والإنصاف، {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. ولولا زَكاءُ النفوس وطيبُ القلوب، ما كان سبقٌ ولا اعترافٌ، ولا رجوعٌ ولا إنصاف.
مأثُرةٌ خالدة - وأيم الحق- حباكُم الله بها جزاءَ ما قُمتم به نحو الإصلاح من أعمال، وما أنفقتم في سبيله من أموال، وما أضطلعتُم به في تطهير بيته من درن الإلحاد من أثقال، فانعموا فيه اليوم - غير مُنغَّصين – بالسيادة والحرية والاستقلال، ولتُدَوِّ في جنباته صرخاتُ الحقِّ الهادمة للضَّلال، ولتُجلْجِلْ في أجوائه صيحاتُ الحياة المنعشة للآمال، ولتتجاوب في أفنائه ورحابه أصداءُ المتعلِّمين في الدرس والمطالعة، والبحث والمناظرة، والنقاش والجدال. كذلك كانت بيوتُ الله يوم كان يتولَّى أمرَها الأكِفَّاءُ والعلماءُ المصلحون، ولمثل هذا فليعمل العاملون.
إخواني الكرام؛ ماذا عسيتُ أن أقول في وصف ما حبَوتُمُوني به من حفاوة إكرام، وما لاقيتموني به من إجلال واحترام؟ وماذا عسيتُ أن أقول في شُكركم والثناء عليكم؟! أراني - وأيم الله- عن ذلك لعاجز. لقد قضيتُ بينكم سبع ليال وسبعة أيام غُرٍّ بيضٍ سعيداتٍ زاهرات، ما رأيتُ فيها وجهًا عابسًا، ولا عينًا شازرة، ولا جبينًا مقطَّبا، ولا شفة مُمَطَّطة، وما سمعتُ كلمة جافية، وما ذقتُ فيها طعامًا فجًّا ولا شرابا رَنقًا. انتقلُ كيف أشاءُ بين رياض الجمال وأفانين الزينة وأنواع الطيِّبات. لو ضُمن لها الخلود والبقاء، (25/311)
صفحة 295
وضُمِّنت مقصورَتَها البديعة حوراء، لقال الصالحون المتقون حسبُنا جنةً ونعيما. فماذا أصف؟ أأصف الدار وأناقتها وزخرفها وزينتها؟ (1) أم الموائدَ الفاخرة وما حَوَته من ألوان؟ أم الحفلات البهيجة وما نثر فيها من زهور البيان، وما سمُع من شجي الألحان (2)؟ أم ذلك اللؤلؤ المنثور من ولدان جنَّات المدارس الذين هم زينة الحفلات وجمال المجالس؟ أم تلك الكتيبةُ الخضراء من أبطال الشباب المتحمِّس الوثَّاب، ذوي السواعد المجدُولة، والسِّبَال المفتولة، التي اضطلعت بأعباء الأعمال في مختلف الجهات، وفي جميع الحفلات، من نضِّ الكؤوس إلى الوقوف للحراسة على الرؤوس، حتى كان ذلك الانسجامُ البديع بين مختلف الحركات، وساد النظام الرائع كلَّ محفل على اختلاف العناصر والهيئات، الأمرَ الذي دلَّ على سلامة ذوق، وصفاء فطرة، ودقَّة ملاحظة، وإخلاصٍ نادر المثال؟ أم أولئك الشيوخ الموقَّرين آباء هذه الحركات، والمدبِّرين لهذه الأعمال والمشرفين عليها، الذين إلى رجاحة عقولهم وطيب سرائرهم وإخلاص قلوبهم وأناتهم وغيرتهم على أمَّتهم وصبرهم الجميل في الأيام العصيبة، وتحمُّلهم للبلايا، وتقديمهم للضحايا، يرجعُ كلُّ الفضل فيما وصلت إليه نهضةُ بريَّان اليوم؟
أم أُعدِّي عن كل ذلك وأكتفي بوصف آخر ساعة لي في بريَّان؟ وإنَّها لساعةٌ رهيبة، وعت جميع معاني سوابقها، افتتحتُها بخاتمة دروسي بدار الكريم السيد خالد بن سليمان، وجناب القائد المحترم عن يميني وسراة الأمَّة بين يَديَّ، وكان الموضوع تفسير سورة «العصر». وقد غشي المجلسَ جلالُ كلام الله، وروعةُ الشعور بدنُوِّ الفراق، وكنتُ أتحسَّس الألطاف الإلهية تَحُفُّ بي، ويدُ العناية تمسح على قلبي، فوُفِّقتُ - والحمد لله- إلى ما أحبُّ وما يُحبُّ أن يكون عليه درسُ الوداع. ثم كانت وقفةُ المسجد للدعاء، والرحابُ غاصَّة مكتضَّة بالمودعين المؤَمِّنين، وما أروع أن يكون آخر بيت أنعلُ قدمي على عتبته هو بيت الله، كما كان أوَّل بيت خلعتُ نعليَّ على عتبته هو بيت الله! وهل اتَّفق لي ذلك في غير بريَّان؟ فما أجمل ذكريات بريَّان!
ثمَّ كان موكبُ الوداع من المسجد إلى قبَّة «السهلة» البيضاء، يتألف من
__________
(1) -هي دار الأخوين المصلحين إبراهيم ومحمد ابنا سليمان قلّو. رسم لنا الشيخ عدُّون ( T) صورة عن هذه الإقامة الطيبة المخصصة للشيخ والوفد المرافق له، بقوله: «دخلنا دار نزولنا ( ... ) فإذا هي مزخرفةٌ بيد فنان أبدع في تنسيقها وتزيينها، فُرشت أرضُها بالفُرش الوثيرة المزركشة الجميلة، وكُسيَت حيطانُها وسقُفُها بالزرابي الرائعة والسجَّاد البديع، وعُلق عليها أنواعُ الزينة، ونُصبت على الجدران كثيرٌ من صور عظماء الجزائر والعالم الإسلامي، فلم تبق بقعةٌ في الدار لم تشملها الزينة ولم تُكسَ بالكساء الجميل، سواء في ذلك الطابق السفلي أو العلوي ... ». المرجع نفسه، ص: 185.
(2) -ألَّف الشعراء في هذه الزيارة قصائد خاصة بالمناسبة، ولُحنت الأناشيدُ التي شنَّف بها التلاميذ أسماع الضيوف، ومن بينها أناشيد لشاعر بريان الأديب يوسف بن صالح تربح، وكذا الأستاذ إبراهيم بن علي العساكر، وغيرهما. (25/312)
صفحة 296
المشايخ والطلبة وتلاميذ المدارس والسراة والأعيان وجموع العامَّة، وإنَّ عليه لجلالاً وروعة، ومهابة تفوق جمال موكب اللقاء. ثم كانت تلك اللحظة الرهيبة التي خشعَت فيها الأصوات، وسكنَت الحركات، وشخَصَت الأبصار، واشرأبَّت الأعناق، تحت سماءٍ صافية، وشمسٍ ضاحية، وجوٍّ رقراق، فألقى الشيخ عبد الرحمن خطابه الرنَّان وقصيدته العصماء (1)، فهاج الخواطر، وهزَّ المشاعر، وأسال الدموع. أمَّا أنا فوالله ما أذكرُ ما قلتُه من كلمات متقطًّعة، وأنا في حال شبيهة بالإغماء والذهول حياءً من نفسي وخجلا، أن أُرفَع إلى هذا المقام وما قدَّمتُ بين يديَّ عملاً أستحقُّه به، ولا أنِسَتُ نفسي قوَّة فيما أستقبلُ من أمري أستطيعُ بها بلوغ المأمول في تحقيق المظنون فيَّ. إنَّما الذي أذكرُه هو أني كنت متوجِّها إلى الله بقلبي ولساني أن يُديم لبريَّان نعمتَه وعافيتَه، وأن يُبارك في الشيخ عبد الرحمن وفي شبابه الطامح ورجاله العاملين، ذلك ما ندعو الله به كل وقت وحين، ونرجوه العفو والقبول، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين. أبقاكم الله سالمين لأخيكم بيُّوض إبراهيم بن عمر. (انتهى)
__________
(1) -يُنظر خطاب الشيخ عبد الرحمن بكلي الرائع في وداع الشيخ بيُّوض، والذي افتتحه بقوله:
الله جارُك ضاعنًا ومقيما .... وظهيرُ عِزِّك حادثًا وقديمَا
إنْ تَغْدُ كانَ لك النَّجاحُ مُصاحِبًا .... أو تَثْوِ كانَ لك السُّرورُ نديمَا
واختتمه بقوله:
وإذا رَحلتَ فشيَّعتْكَ سَلامةٌ .... حيثُ اتَّجهتَ وغَيمَةٌ مِدرَارُ
وصدرتَ أَغنَمَ صَادِرٍ عَن مَورِدٍ .... مَرفوعَة لقُدُومِكَ الأبصارُ
«كلمات خالدة للبكري، جمهرة خطب ومحاضرات». ص: 119 ـــــ 121. (25/313)
صفحة 297
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 23 رجب 1432 هـ / 25 جوان 2011 م
إلى تاريخ: 22 رجب 1433 هـ / 12 جوان 2012 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخ الميلاد ... المدينة
1 ... الوارث أحمد بن يحي بن الحاج سليمان ... 23 رجب 1432 هـ 2011/ 06/25 م ... 1992 - 11 - 01 ... القرارة
2 ... الشيخ بالحاج محمد بن سليمان بن محمد ... 24 رجب 1432 هـ 2011/ 06/26 م ... 1989 - 08 - 09 ... القرارة
3 ... العنق الزهرة بنت إبراهيم بن الحاج قاسم ... 25 رجب 1432 هـ 2011/ 06/27 م ... 1992 - 12 - 15 ... القرارة
4 ... قري زينب بنت أحمد بن بكير ... 01 شعبان 1432 هـ 2011/ 07/03 م ... 1991 - 06 - 29 ... القرارة
5 ... الحاج سعيد بكير بن يحي بن بكير ... 13 شعبان 1432 هـ 2011/ 07/15 م ... 1991 - 09 - 02 ... غرداية
6 ... خياط محمد بن بكير بن الناصر ... 14 شعبان 1432 هـ 2011/ 07/16 م ... 1993 - 03 - 31 ... القرارة
7 ... سليمان بوعصبانه إدريس بن عيسى بن قاسم ... 16 شعبان 1432 هـ 2011/ 07/18 م ... 1994 - 04 - 24 ... القرارة
8 ... بوقرينات حمزة بن يوسف بن حمو ... 18 شعبان 1432 هـ 2011/ 07/20 م ... 1993 - 05 - 17 ... القرارة
9 ... الشيخ بالحاج عائشة بنت محمد بن علي ... 20 شعبان 1432 هـ 2011/ 07/22 م ... 1993 - 10 - 16 ... القرارة
10 ... خير الناس نور الدين بن عمر بن الحاج أيوب ... 21 شعبان 1432 هـ 2011/ 07/23 م ... 1993 - 02 - 02 ... العطف
11 ... عبدي محمد الشريف بن محمد بن الحاج عيسى ... 22 شعبان 1432 هـ 2011/ 07/24 م ... 1993 - 07 - 04 ... وارجلان (26/317)
صفحة 298
12 ... عبد الرحماني باية بنت عبد الرحمن بن حموده ... 04 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/04 م ... 1987 - 05 - 07 ... القرارة
13 ... سليمان بوعصبانه عائشة بنت عمر بن علي ... 04 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/04 م ... 1991 - 06 - 20 ... القرارة
14 ... الأطرش سليمان بن حمو بن محمد ... 05 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/05 م ... 1994 - 03 - 07 ... بريان
15 ... ابن زكري هاجر بنت علي بن إبراهيم ... 06 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/06 م ... 1996 - 02 - 07 ... غرداية
16 ... سليمان بوعصبانه أسماء بنت قاسم بن علي ... 06 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/06 م ... 1992 - 05 - 05 ... القرارة
17 ... بابزيز أيمن بن علي بن الحاج سليمان ... 07 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/07 م ... 1990 - 02 - 11 ... وارجلان
18 ... حاجي هاجر بنت أحمد بن الحاج إسماعيل ... 08 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/08 م ... 1994 - 11 - 01 ... القرارة
19 ... الحاج مسعود أفلح بن صالح بن عمر ... 09 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/09 م ... 1993 - 01 - 29 ... القرارة
20 ... حمو علي محمد بن يحي بن عمر ... 16 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/16 م ... 1993 - 03 - 06 ... العطف
21 ... سكوتي عبد الحميد بن عبد الرحمن بن بابا ... 18 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/18 م ... 1996 - 08 - 28 ... القرارة
22 ... حميد أوجانه الأمين بن قاسم بن بهون ... 19 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/19 م ... 1995 - 02 - 20 ... القرارة
23 ... خبزي حسان بن عماره بن بكير ... 19 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/19 م ... 1996 - 01 - 16 ... القرارة
24 ... حميد أوجانه صبرينة بنت بكير بن إبراهيم ... 24 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/24 م ... 1993 - 03 - 09 ... القرارة
25 ... حمدي عيسى محمد بن مصطفى بن محمد ... 25 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/25 م ... 1993 - 06 - 27 ... القرارة
26 ... ابن صالح إسماعيل بن حسن بن إسماعيل ... 26 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/26 م ... 1991 - 12 - 14 ... القرارة
27 ... الصادق صالح بن أحمد بن صالح ... 27 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/27 م ... 1991 - 05 - 13 ... القرارة
28 ... بابزيز طه بن محمد بن الحاج عمر ... 27 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/27 م ... 1989 - 06 - 09 ... وارجلان (26/318)
صفحة 299
29 ... جهلان عبد الرحمن بن سعيد بن بكير ... 27 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/27 م ... 1993 - 08 - 08 ... القرارة
30 ... أبيكر مسعود بن عبد العزيز بن الحاج محمد ... 27 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/27 م ... 1993 - 04 - 27 ... وارجلان
31 ... محمدي عائشة بنت مصطفى بن بكير ... 28 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/28 م ... 1986 - 06 - 05 ... القرارة
32 ... بسيس صلاح الدين بن محمد بن صالح ... 29 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/29 م ... 1993 - 12 - 21 ... القرارة
33 ... ابن عيسى سميّة بنت محمد بن قاسم ... 29 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/29 م ... 1992 - 08 - 23 ... القرارة
34 ... حفار عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز ... 29 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/29 م ... 1994 - 05 - 14 ... القرارة
35 ... سليمان بوعصبانه مصطفى الأمين بن محمد بن قاسم ... 29 رمضان 1432 هـ 2011/ 08/29 م ... 1997 - 05 - 01 ... القرارة
36 ... الحاج عشور حسان بن الناصر بن الحاج إبراهيم ... 02 شوال 1432 هـ 2011/ 08/31 م ... 1992 - 01 - 06 ... القرارة
37 ... باحميده إبراهيم بن قاسم بن إبراهيم ... 06 شوال 1432 هـ 2011/ 09/04 م ... 1991 - 05 - 27 ... بريان
38 ... الشيخ بالحاج مريم بنت الحاج بكير بن يحي ... 13 شوال 1432 هـ 2011/ 09/11 م ... 1993 - 06 - 28 ... القرارة
39 ... حشوش سمية بنت محمد بن بكير ... 17 شوال 1432 هـ 2011/ 09/15 م ... 1996 - 03 - 08 ... القرارة
40 ... بومعقل عمر داود بن سليمان بن محمد ... 30 شوال 1432 هـ 2011/ 09/28 م ... 1996 - 08 - 28 ... وارجلان
41 ... علواني سعد الله بن محمد بن إبراهيم ... 02 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 09/30 م ... 1994 - 06 - 09 ... مليكة
42 ... الساسي فافة بنت محمد بن عيسى ... 08 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/06 م ... 1994 - 09 - 03 ... مليكة
43 ... ابن عيسى عمر بن إبراهيم بن مسعود ... 09 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/07 م ... 1994 - 06 - 06 ... القرارة
44 ... خياط بيّة بنت عبد العزيز بن الحاج إبراهيم ... 11 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/09 م ... 1993 - 07 - 27 ... القرارة
45 ... الحاج عشور رحيمة بنت عبد الرحمن بن أحمد ... 12 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/10 م ... 1994 - 06 - 14 ... القرارة (26/319)
صفحة 300
46 ... رمضاني محمد بن عيسى بن محمد ... 20 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/18 م ... 1988 - 02 - 26 ... القرارة
47 ... حمدي رضوان بن محمد بن عمر ... 21 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/19 م ... 1991 - 02 - 28 ... القرارة
48 ... منصوري أسماء بنت علي بن بكير ... 22 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/20 م ... 1994 - 11 - 21 ... القرارة
49 ... خياط إسلام بن الحاج صالح بن مسعود ... 23 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/21 م ... 1997 - 10 - 11 ... القرارة
50 ... بافو لولو بشير بن إبراهيم بن حمو ... 24 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/22 م ... 1991 - 12 - 25 ... غرداية
51 ... حمدي عيسى عيسى بن أحمد بن عيسى ... 25 ذو القعدة 1432 هـ 2011/ 10/23 م ... 1992 - 07 - 01 ... القرارة
52 ... الكيوص مارية بنت محمد بن بكير ... 01 ذو الحجة 1432 هـ 2011/ 10/28 م ... 1997 - 06 - 17 ... القرارة
53 ... حريز زينب بنت محمد بن بكير ... 03 ذو الحجة 1432 هـ 2011/ 10/30 م ... 1991 - 03 - 10 ... القرارة
54 ... سليمان بوعصبانه أنس بن الحاج بن محمد ... 06 ذو الحجة 1432 هـ 2011/ 11/02 م ... 1994 - 11 - 01 ... القرارة
55 ... حميد أوجانه إبراهيم بن علي بن الناصر ... 07 ذو الحجة 1432 هـ 2011/ 11/03 م ... 1991 - 10 - 15 ... القرارة
56 ... ويرو الحاج يحي بكير بن محمد بن بالحاج ... 15 ذو الحجة 1432 هـ 2011/ 11/11 م ... 1962 - 05 - 01 ... القرارة
57 ... احماني فردي صالح بن سعيد بن باحمد ... 22 ذو الحجة 1432 هـ 2011/ 11/18 م ... 1996 - 11 - 14 ... القرارة
58 ... حميد أوجانه نبيلة بنت عيسى بن محمد ... 03 محرم 1433 هـ 2011/ 11/28 م ... 1992 - 11 - 03 ... القرارة
59 ... أولاد باحماني مليكة بنت صالح بن بكير ... 10 محرم 1433 هـ 2011/ 12/05 م ... 1992 - 11 - 19 ... القرارة
60 ... حميد أوجانه أسماء بنت عبد الحميد بن محمد ... 12 محرم 1433 هـ 2011/ 12/07 م ... 1991 - 04 - 09 ... القرارة
61 ... ابن الشيخ كريمة بنت صالح بن عمر ... 20 محرم 1433 هـ 2011/ 12/15 م ... 1992 - 10 - 05 ... القرارة
62 ... الشيهاني إبراهيم بن سعيد بن صالح ... 22 محرم 1433 هـ 2011/ 12/17 م ... 1992 - 01 - 25 ... غرداية (26/320)
صفحة 301
63 ... باحماني الراعي بيّة بنت أحمد بن قاسم ... 22 محرم 1433 هـ 2011/ 12/17 م ... 1993 - 01 - 10 ... القرارة
64 ... خنّور صابر بن عمر بن الشيخ ... 23 محرم 1433 هـ 2011/ 12/18 م ... 1992 - 07 - 05 ... وارجلان
65 ... حمدي عبد الوهاب بن سعيد بن أحمد ... 25 محرم 1433 هـ 2011/ 12/20 م ... 1992 - 08 - 10 ... القرارة
66 ... منصوري مريم بنت مسعود بن بلقاسم ... 26 محرم 1433 هـ 2011/ 12/21 م ... 1992 - 02 - 19 ... القرارة
67 ... وعلي سميّة بنت محمد بن حمو ... 29 محرم 1433 هـ 2011/ 12/24 م ... 1993 - 10 - 17 ... القرارة
68 ... أولاد بابهون سميّة بنت محمد بن إبراهيم ... 30 محرم 1433 هـ 2011/ 12/25 م ... 1992 - 09 - 11 ... القرارة
69 ... بوسعده الحاج بن عبد العزيز بن عمر ... 16 صفر 1433 هـ 2012/ 01/10 م ... 1992 - 03 - 30 ... القرارة
70 ... خفياني قليل صالح بن يوسف بن صالح ... 17 صفر 1433 هـ 2012/ 01/11 م ... 1991 - 04 - 17 ... القرارة
71 ... حمّودي حفصة بنت مصطفى بن بكير ... 18 صفر 1433 هـ 2012/ 01/12 م ... 1994 - 04 - 04 ... القرارة
72 ... سليمان بوعصبانه رياض بن محمد بن علي ... 20 صفر 1433 هـ 2012/ 01/14 م ... 1993 - 06 - 14 ... القرارة
73 ... حمدي وهيبة بنت يحي بن سعيد ... 22 صفر 1433 هـ 2012/ 01/16 م ... 1996 - 01 - 10 ... القرارة
74 ... بسيس كريمة بنت يوسف بن أحمد ... 01 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 01/24 م ... 1995 - 01 - 31 ... القرارة
75 ... كوتمي محمد الناصر بن الحاج عمر بن سعيد ... 03 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 01/26 م ... 1993 - 01 - 21 ... وارجلان
76 ... الشيخ بالحاج جميلة بنت إبراهيم بن محمد ... 06 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 01/30 م ... 1979 - 02 - 26 ... القرارة
77 ... ناصر بوحجام الأمين بن عمر بن قاسم ... 10 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/03 م ... 1993 - 04 - 17 ... القرارة
78 ... حريز إيمان بنت كمال بن عيسى ... 13 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/06 م ... 1995 - 04 - 13 ... القرارة
79 ... بافلح محمد عبد الناصر بن الإمام محمد بن إبراهيم ... 14 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/07 م ... 1994 - 11 - 12 ... وارجلان (26/321)
صفحة 302
80 ... حاجي عبد الوهاب بن بكير بن عمر ... 16 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/09 م ... 1992 - 12 - 06 ... القرارة
81 ... بولرواح نانا بنت محمد بن إبراهيم ... 18 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/11 م ... 1995 - 06 - 02 ... القرارة
82 ... حميد أوجانه عائشة بنت الناصر بن محمد ... 19 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/12 م ... 1988 - 12 - 03 ... القرارة
83 ... الراعي محمد بن صالح بن الناصر ... 21 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/14 م ... 1990 - 02 - 12 ... القرارة
84 ... خياط إلياس بن مصطفى بن محمد ... 23 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/16 م ... 1992 - 09 - 09 ... القرارة
85 ... أبي سحابه عائشة بنت إبراهيم بن حمو ... 25 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/18 م ... 1991 - 03 - 24 ... القرارة
86 ... حدبون سعيد بن صالح بن أحمد ... 27 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/20 م ... 1994 - 07 - 15 ... غرداية
87 ... خير الناس محمد بن محمد بن محمد ... 28 ربيع الأول 1433 هـ 2012/ 02/21 م ... 1986 - 07 - 10 ... العطف
88 ... ابن صالح إبراهيم بن موسى الحاج محمد ... 03 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 02/25 م ... 1991 - 10 - 12 ... القرارة
89 ... عبد اللاوي أسامة بن رمضان بن محمد ... 07 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 02/29 م ... 1995 - 03 - 13 ... مليكة
90 ... أولاد بهون سلمى بنت إبراهيم بن لخضر ... 08 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/01 م ... 1991 - 10 - 15 ... القرارة
91 ... بوراس الحاج إسماعيل بن عيسى بن محمد ... 12 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/05 م ... 1995 - 02 - 10 ... القرارة
92 ... شراديد محسن بن أحمد بن محمد ... 13 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/06 م ... 1988 - 01 - 04 ... جامعة
93 ... ناصر بوحجام سميّة بنت عمر بن بكير ... 20 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/13 م ... 1994 - 02 - 02 ... القرارة
94 ... عبد الرحماني منى بنت حموده بن سليمان ... 20 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/13 م ... 1994 - 01 - 06 ... القرارة
95 ... أبو بكر محمد بن البشير بن بابا ... 21 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/14 م ... 1993 - 08 - 27 ... القرارة
96 ... سليمان زيتون أسماء بنت سليمان بن إبراهيم ... 22 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/15 م ... 1992 - 07 - 17 ... القرارة
97 ... الحاج مسعود فخار سليمان بن مصطفى بن الناصر ... 22 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/15 م ... 1992 - 12 - 06 ... مليكة (26/322)
صفحة 303
98 ... سليمان بوعصبانه يسين بن الهاشمي بن سليمان ... 23 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/16 م ... 1994 - 09 - 05 ... القرارة
99 ... أوجانه مارية بنت الحاج بن عبد الرحمن ... 23 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/16 م ... 1992 - 04 - 05 ... القرارة
100 ... ابن عبد الله نبيلة بنت أحمد بن داود ... 24 ربيع الثاني 1433 هـ 2012/ 03/17 م ... 1992 - 02 - 17 ... القرارة
101 ... حميد أوجانه فائزة بنت عبد الوهاب بن محمد ... 01 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 03/24 م ... 1992 - 02 - 09 ... القرارة
102 ... بولدون بيّة بنت عمر بن بكير ... 02 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 03/25 م ... 1994 - 03 - 16 ... القرارة
103 ... بوقرطاس الصّدّيق بن عمر بن محمد ... 03 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 03/26 م ... 1996 - 11 - 09 ... القرارة
104 ... بسيس ياسمينة بنت سليمان بن عمر ... 04 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 03/27 م ... 1995 - 03 - 13 ... القرارة
105 ... حشحوش سلمى بنت عبد المجيد بن محمد ... 05 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 03/28 م ... 1997 - 06 - 15 ... القرارة
106 ... حاجي نسيمة بنت مصطفى بن باعيسى ... 10 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 04/02 م ... 1992 - 05 - 03 ... القرارة
107 ... كفوس آسية بنت سعيد بن أحمد ... 11 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 04/03 م ... 1995 - 01 - 27 ... القرارة
108 ... تاوريرت نانا بنت يوسف بن عمر ... 14 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 04/06 م ... 1994 - 01 - 01 ... القرارة
109 ... أولاد الحاج مسعود بيوض بن عيسى بن صالح ... 15 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 04/07 م ... 1995 - 02 - 04 ... القرارة
110 ... ابن عمر الربيع بن صالح بن محمد ... 17 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 04/09 م ... 1989 - 12 - 03 ... القرارة
111 ... مطهري عبد العزيز بن محمد بن عبد الوهاب ... 20 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 04/12 م ... 1994 - 02 - 28 ... مليكة
112 ... معيز الحاج أحمد يزيد بن داود بن باعمور ... 24 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 04/16 م ... 1994 - 03 - 09 ... مليكة
113 ... الحاج عيسى فخار عيسى بن سليمان بن عيسى ... 28 جمادى الأولى 1433هـ 2012/ 04/20 م ... 1993 - 06 - 07 ... مليكة
114 ... بلعيدي محمد بن أحمد بن بكير ... 04 جمادى الثاني 1433هـ 2012/ 04/25 م ... 1992 - 01 - 20 ... القرارة
115 ... وعلي يوسف بن بكير بن داود ... 09 جمادى الثاني 1433هـ 2012/ 04/30 م ... 1993 - 01 - 23 ... القرارة
116 ... خليلي بنوح هاجر بنت مصطفى بن أحمد ... 15 جمادى الثاني 1433هـ 2012/ 05/06 م ... 1995 - 02 - 14 ... القرارة (26/323)
صفحة 304
117 ... أولاد باحماني حسان بن صالح بن بكير ... 19 جمادى الثاني 1433هـ 2012/ 05/10 م ... 1995 - 01 - 27 ... القرارة
118 ... خرفي عزيزة بنت مسعود بن حمو ... 21 جمادى الثاني 1433هـ 2012/ 05/12 م ... 1992 - 07 - 04 ... القرارة
119 ... بكوش خالد بن سليمان بن محمد ... 24 جمادى الثاني 1433هـ 2012/ 05/15 م ... 1994 - 07 - 18 ... غرداية
120 ... أبي إسماعيل الحاج بكير بن بالحاج بن عمر ... 04 رجب 1433هـ 2012/ 05/25 م ... 1991 - 09 - 26 ... بونورة
121 ... مرموري إبراهيم بن الحاج يوسف بن إبراهيم ... 05 رجب 1433هـ 2012/ 05/26 م ... 1989 - 03 - 23 ... القرارة
122 ... ابن عيسى نور الدين بن بهون بن قاسم ... 10 رجب 1433هـ 2012/ 05/31 م ... 1997 - 02 - 11 ... القرارة
123 ... الوراث رقية بنت يوسف بن محمد ... 14 رجب 1433هـ 2012/ 06/04 م ... 1993 - 10 - 17 ... القرارة
124 ... الشيخ أحمد عيسى بن باحمد بن لخضر ... 15 رجب 1433هـ 2012/ 06/05 م ... 1995 - 05 - 04 ... القرارة
125 ... الحاج عشور جابر بن حمو بن باحمد ... 16 رجب 1433هـ 2012/ 06/06 م ... 1990 - 08 - 04 ... القرارة
126 ... وعلي رقية بنت محمد بن حمو ... 17 رجب 1433هـ 2012/ 06/07 م ... 1992 - 07 - 06 ... القرارة
127 ... العنق محمد الأمين بن بكير بن حمو ... 18 رجب 1433هـ 2012/ 06/08 م ... 1992 - 03 - 12 ... القرارة
128 ... ابن عيسى عيسى بن قاسم بن عيسى ... 22 رجب 1433هـ 2012/ 06/12 م ... 1992 - 09 - 03 ... القرارة (26/324)