صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
دورية فكرية محكَّمة يصدرها معهد الحياة
وجمعية التراثـ القرارة، الجزائر
رمضان 1434هـ / أوت 2013م
طبع المطبعة العربية 11 نهج طالبي أحمد ـــ غرداية (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم (1/2)
صفحة 3
ابتداء من العدد12
دورية الحياة
مجلة فكرية محكّمة
تصدر عن معهد الحياة وجمعية التراث
قواعد النشر:
*-تنشر دورية ”الحياة “ البحوث العلمية الأصيلة للباحثين من داخل القطر الجزائري ومن خارجه.
*-تهتمُّ الدوريةبالبحوث والدراسات في شتَّى المجالات الفكرية والشرعية والأدبية والتراثية، شريطة أن تتميَّز بالأصالة والجدَّة، والعمق في الطرح، والأسلوب السليم، والمنهجية العلمية الدقيقة، مع الإحالة إلى المصادر والمراجع، والالتزام بالأمانة العلمية، والاعتدال في الفكر.
*-تنشر الدورية البحوث التي لم يُسبق نشرها في أيِّ مكان آخر.
*- تخضع جميع البحوث للتقويم من قِبل لجنة محكّمة، مكوَّنة من دكاترة وأساتذة يساعدهم خبراء من تخصُّصات معرفية مختلفة، وهذه اللجنة وحدها هي المخوَّلة بقبول البحوث أو رفضها.
*-لا تُعاد البحوث التي تُرسل إلى الدورية سواء نُشرت أم لم تُنشر، ولا تلتزم اللجنة المحكّمة بذكر أسباب عدم قبول نشر أي بحث، وتُعتبر قراراتها نهائية. (1/4)
صفحة 4
*-ترتيب البحوث في الدورية موضوعيٌّ وتنسيقي، ولا يعبِّر بأي حال من الأحوال عن مكانة الباحث أو البحث.
*-تُرسل البحوث مصفَّفة بنظام ( WORD) بصيغة ( DOC)، على قرص مضغوط ( CD) أو إلى البريد الإلكتروني للمجلة، مع كتابة اسم الباحث وذكر وظيفته الحالية، ورتبته العلمية. على أن لا يتجاوز عدد صفحات البحث 20 من مقاس A4 بحجم خط ( Taditional Arabic)18، إلى العنوان البريدي:
دورية الحياة ــ جمعيةالتراث
ص، ب: 19 القرارة، غرداية، 47110، الجمهورية الجزائرية
أو أحد البريدين الإلكترونيين:
info@tourath.org ــــ tourath@gmail.com
وللاتصال:
فاكس: 213.29.85.40.89+
www.tourath.org
ملاحظة:
*-ما تنشره الدورية لا يعبِّر إلاَّ عن الرأي الشخصي لصاحب البحث، ولا يعبِّر بالضرورة عن راي الدورية، أو اللجنة المحكمة، أو هيئة التحرير، أو الناشر. (1/5)
صفحة 5
المحتويات
الافتتاحيَّة ..................................... أ/صالح بن أحمد حدبون ز
دراسات في الفكر والفقه والسنَّة
*-القرآن أساس التجديد والاجتهاد، الشيخ بيوض إبراهيم نموذجا
أ. د/ مصطفى بن صالح باجو 15
*-ولاية المرأة القضاء بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
د/ خالد بن مبارك الوهيبي 42
*-الرواية عند الإباضية وقاعدتي العرض على القرآن وعمل المسلمين
مدونة أبي غانم الخراساني أنموذجا
أ/ بدر بن سالم بن حمدان العبري 69
دراسات في اللغة والأدب
*-اللغة العربية ودورها في تنمية الذوق الأدبي (الحلقة الأولى)
أ. د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 82
*-ثنائية العنف والرقة في القصيدة الثورية الجزائرية
ديوان أطلس المعجزات لصالح خرفي القراري الجزائري نموذجا
د/ حني عبد اللطيف 104
*-الترسل الأدبي في البيت الرستمي، مقاربة أسلوبية
أ/ ناصر بوصوري 122 (1/6)
صفحة 6
في الاقتصاد الإسلامي
*-فقه المال العام عند الإباضية: فقه المال العام من خلال كتاب «المصنَّف»
د/ محمد بن صالح حمدي 140
*-نظرية الربا، التماسك والاضطراب
أ/ أبو نصر محمد شخار 155
في تاريخية والاجتماع
*-البعثة العلمية الميزابية بتونس: أهداف وعوائق
د/ مصطفى بن الحاج بكير حمودة 173
*-إصلاح ذات البين وتجربة المجتمع الميزابي الإباضي في الجزائر (الحلقة الأولى)
د/ صالح بن عبد الله أبو بكر 189
أعلام وأعمال
*-الشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر وبناء الشخصية العلميَّة
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 212
*-العلاَّمة أبو صفرة عبد الملك بن صفرة وكتابه «الجامع»
أ/ إبراهيم بن علي بولرواح 233
*-الشيخ سالم بن يعقوب، حياة رجل وتجربة جيل (الحلقة الثانية)
أ/ علي البوجديدي 249
رسالة العدد (1/8)
صفحة 7
*-تحية الوفاء لوادي العطاء
أ. د/ عمرو أحمد علي التندميرتي 274 (1/9)
صفحة 8
خطبة العدد: رجال في ذاكرة الأمَّة
*- الحاج محمد بن عيسى بن عمارة خبزي (- رحمه الله -) (1927 ـــــ 2013)
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 284
واحة الإبداع
*-سلام نفوسة
د/زياد بن طالب المعولي 297
*-اليوبيل الذهبي، (الذكرى الخمسون لاستقلال الجزائر)
أ/أحمد لزعل موسلمال 299
*-من وحي «أماه» للشهيد المغيَّب عمرو النامي، منه إليه
أ. د/ عمرو أحمد علي التندميرتي 302
*-سيرة الأجداد
الطالبة/ نانة بنت محمد زقاو 305
الرسائل الجامعية
*-القواعد الفقهية عند الإباضية
(أطروحة دكتوراه) د/ مصطفى بن حمُّو ارشوم 309
*-الأطروحات الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة ....
(أطروحة دكتوراه) د/ قاسم بن حمُّو حُجَّاج 316
أهلُ الله وخاصَّتُه
*-المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1433ــــ 1434/ 2012 ــــ 2013) 326 (1/10)
صفحة 9
الافتتاحية
بقلم: أ/صالح بن أحمد حدبون
مدير دار البعثات العلميَّة البيُّوضيَّة
القرارة ــ غردايةـ الجزائر
ش
شرَّفتني جمعية التراث هذه المرَّة بكتابة مقدِّمة العدد السابع عشر من دورية الحياة، وإنَّه لشرف لي عظيمٌ، وأرجو أن لا أخيِّب ظنَّها بكتابتي هذه الكلمات البسيطة في هذه الدورية المباركة التي صارت من الدوريات المعتبرة ضمن منشورات اللسان العربي في العالم العربي والإسلامي.
ومن يتتبَّع قراءة ما يُنشر في هذه الدورية منذ تأسيسها يشعر بارتياح يغمر قلبه ويشرح صدره لما تحمله من سرِّ إخلاص المشرفين عليها من كتَّاب مقالاتها ومن الإداريين الأوفياء الذين يضحُّون من أجلها.
وإذا سأل أحدنا عن سرِّ ذلك الإخلاص يجده في النيَّة الصادقة التي تحلَّى بها مؤسِّسُوها الأوَّلون وعلى رأسهم فضيلة الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) - رحمه الله -.
ففي شهر رمضان المعظّم 1418 هـ، يوافقه شهر جانفي 1998، صدر العدد الأوَّل من دورية الحياة بإيعاز من مربِّي الأجيال فضيلة الشيخ عدُّون - رحمه الله - الذي بلغ من العمر وقتئذ ستَّا وتسعين سنة. وللسائل أن يسأل ما فائدة هذه المجلَّة التي ألحَّ مؤسِّسها الوفيُّ على أبنائه الأساتذة أن يصدروها؟
*- إنَّ الفائدة هي نُصرةُ اللسان العربيِّ الذي هو شعارُ معهد الحياة، والذَّودُ عن حياض ديننا الحنيف، لنكون أوفياء لربِّنا عزَّ وجلَّ، ولرسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم -، ولقرآننا العظيم الذي نزل بلسان عربيٍّ مبين. (1/12)
صفحة 10
إنّه الوفاء لعهد الله، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، هي الصفات التي جعلت الشيخ يطمح إلى فعل الخير، لأنَّه لم يسأم بعدُ تكاليف الحياة. وأتذكَّر يوما كنَّا معه في مجلسه العامر ومرَّ علينا ذكرُ البيت المشهور من معلَّقة زهير بن أبي سُلمى الذي يقول فيه:
«سَئِمْتُ تكالِيفَ الحيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ثمَانِينَ حَوْلاً، لاَ أَبَالَكَ، يَسْأَمِ»
فقال لنا متأثّرا: «هذا الشاعر لا إيمان له ... فكيف يسأم تكاليف الحياة بعد أن بلغ الثمانين؟ وأنا ـ والحمد لله ـ قد جاوزتُ التسعين ولم أسأم بعدُ تكاليف الحياة! لماذا أسأم تكاليف الحياة وأنا أعلم علم اليقين أنَّني كلَّما عملتُ عملاً صالحا إلاَّ وأطمع أن أجد برَّه وذخره عند الله؟» والمومنُ يستغلُّ حياته كلَّها للعمل الصالح، والرسول القدوة يقول: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله».
*- إنَّ الفائدة هي استرجاع الذكريات الخالدة لمسيرة معهد الحياة في عهوده الزاهرة لما ابتدأت الحركة الإصلاحية في مطلع القرن العشرين بزعامة الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض - رحمه الله -، إذ أنشأ معهد الحياة للمحافظة على الأصالة الإسلامية والتعلُّق باللغة العربية، وللتفقُّه في الدين، والرفع من شأن الأمَّة بتثقيف أبنائها وتربيتها على نهج القرآن والسنَّة النبويَّة الصافية.
*- إنّ الفائدة هي التواصُل بين الأجيال المتعاقبة، والمحافظة على المبادئ والقيم الصحيحة، والاستمرار في اتِّباع مسيرة السلف الصالح من لدن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم -، والتابعين وتابعي التابعين إلى الأيمَّة الأعلام. وهذا هو الوفاء للَّه وللرسول ولمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وإنَّني أتذكَّر كلمة مدويَّة تركها ذات مرَّة مربِّي الأجيال فضيلة الإمام الشيخ بيُّوض - رحمه الله - لَمَّا كان يودِّع تلاميذه بعد حفل الجوائز آخر العام الدراسي، وبقلب عطوف محبٍّ قال كلمته الخالدة: «أبنائي الأعزَّاء والله ثمَّ والله ... وأقولها غير حانث: إنّني أحبُّكم أكثر ممَّا تحبُّونني»،ثمَّ بعد كلام مستفيض قال: «إنَّني أهنِّئ الفائزين بالجوائز في الاحتفال ولكن اعلموا ـ أبنائي الأعزَّاء ـ بأنَّنا نعلِّمكم نعم، ولكن قبل ذلك نربِّيكم وننمِّي فيكم الأخلاق الإسلاميَّة ونُهذِّبها لأنَّنا لا نطالبكم أن تكونوا (1/13)
صفحة 11
جميعًا علماء، بل نريدكم أن تكونوا جميعًا صالحين. كما علَّمَنا ربُّنا في القرآن العظيم إذ قال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، ثمَّ قال: {??????}. وكذلك قال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}. وكما علَّمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «أطلبوا العلم ولو بالصين». وقوله: «من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا سهَّل الله له به طريقا إلى الجنّة» ... إذن نحن نعلِّمكم ونربِّيكم لكي تكونوا جميعًا صالحين، ولا نرضى أن يَشُذَّ فيكم أحدٌ أبدًا، وبعد ذلك اعملوا، فكلُّكم مُيسَّر لما خُلق له، امتثالا لقول الشاعر الحكيم:
كُن ابنَ من شِئْتَ وَاكتَسِبْ أَدَبَا يُغنِيكَ محمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ»
هذه هي التربية التي أنشأنا عليها مشايخنا ـ رحمهم الله ـ وهي التربية التي يجب علينا أن نُنشِئَ عليها أبناءنا؛ وهي الأخلاق التي غرسوها في تلاميذهم كما خلَّدها فضيلة الشيخ باجو ـ حفظه الله ـ في نشيده الخالد منذ سنة 1951حول معهد الحياة (يا معهدي الغالي):
«فيك الأساتذةُ لقَّنُونيمُنذُ الصِّبَا
معنَى الحياة بالمثلِ الأعلَى، والطُّمُوح ... *** ... إلى المعالي»
إنّه الإخلاص الذي ورَّثه مشايخنا أبناءهم بعد أن صنعوهم على عيونهم، فتمتَّعوا بنتاجهم وبآثارهم في المجتمع كلِّه شرقه وغربه شماله وجنوبه، ممَّا أحصاه الله ونسوه. وذلك لا بكثرة علمهم فقط، ولكن ببركة وفائهم إخلاصهم لله في أعمالهم وجهادهم.
فهذا الشيخ عدُّون - رحمه الله - كان القدوة الحسنة في الإخلاص لأتباعه، كان ينصحنا بأعماله قبل أقواله، وقد قال لي مرَّة في الأسبوع الأخير من حياته: «يا بنيّ اتَّق الله حقَّ تقاته في تصرُّفاتك، وأخلص في أعمالك، ولا تبحث عن النتائجولا تفكّر فيها، بل دعها لله وحده فهو الذي يتصرَّف فيها كيف يشاء».
هذه هي الأخلاق التي تعلَّمناها من مشايخنا الأوفياء؛ وما أحوجنا الآن إلى الاهتداء والاقتداء بهم، وتوريثها لأبنائنا الذين هم بين أيدينا حتى نحافظ على ترابط الأجيال، ونبلِّغ هذه الأمانة المقدَّسة لمن بعدنا كاملة غير منقوصة، كما تلقَّيناها من سلفنا الصالح وهم تلقَّوها ممَّن قبلهم جيلا عن جيل من لدن سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - إلى الصحابة (1/14)
صفحة 12
بعده، إلى التابعين ثم تابعي التابعين، إلى مشايخنا الأوَّلين، وها قد تلقَّفناها بأيدينا صحيحة ناصعة لنمكِّنها لمن بعدنا، ذرِّية بعضها من بعض.
وكان الشيخ بيُّوض - رحمه الله - يقول لأصحابه في آخر عمره: «أخوف ما أخاف أن تتكسَّر البيضةُ في يدي!» والبيضةُ هي أمانة الدعوة إلى الله وتربية النشءِ ونشر الفضيلة في المجتمع. وهي الأمانة الثقيلة التي ورثها ممَّن سبقه من مشايخه، وقد مات وتركها صحيحة ومكَّنها مَن بعدَه، ومات الذي بعده وتركها لمن بعده، إلى أن وصلت إلى أيدينا نحن، فهل نحن لها راعون؟ هذاهو السؤال المحيِّر الذي نتحمَّل كلُّنا مسؤولية الإجابة عنه في هذه الظروف العصيبة الصعبة التي تعيشها أمتنا في وقتنا الراهن، مع كثرة المشارب وتنوُّع المسالك وتغيُّر الأحوال. فلنتحمَّل مسؤوليتنا كاملة أمام الأجيال الصاعدة امتثالا لنصيحة الشيخ عدُّون - رحمه الله -: «إنّنا قد أوجدنا حلولا لعصرنا فعليكم أنتم أن تُوجدوا حلولا لعصركم».
إذن لنملأ قلوبنا بالإخلاص وحبِّ الخير والصبر على الجهاد، فمن تولَّى أمور الناس تولَّى بلاءهم، فلنصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولنتوكَّل على الله وهو نعم المولى ونعم النصير.
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، {????????}. (1/15)
صفحة 13
القرآن أساس التجديد والاجتهاد
الشيخ بيُّوض إبراهيم نموذجا
أ. د: مصطفى بن صالح باجو
كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية ــــ جامعة غرداية
ا
التجديد؛ المصطلح والشرعية:
ورد لفظ التجديد في مصادر اللغة بمعنى جعل الشيء جديدا، أو حديثا، والجديد مقابل القديم (1).
ومنه قيل: تجديد الشيء إعادته إلى حالته الأولى قبل أن يصيبه التغيّر والبِلى (2).
والتجديد مصطلح شرعي ورد به الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنَّ الله يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلِّ مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» (3). ويتمركز الحديث عن التجديد مفهوما وممارسة وآثارا، حول هذا الخبر المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد أفاض العلماء في بيان معاني التجديد في مناسبات متعدِّدة، منها ما تعلق بشرح هذا الحديث ابتداء، ومنها ما ناسب بعض آيات القرآن وتاريخ الأنبياء والرسل عموما، أو تاريخ الدعوة الإسلامية خصوصا، ومنها ما اقتضته مباحث الاجتهاد، وبيان خصائص الشريعة، ومميزات دين الإسلام. وجاءت تعاريف أهل الشريعة للتجديد في عبارات متقاربة، ترجع في مجملها إلى معاني ثلاثة:
__________
(1) -الفيومي، المصباح المنير، ص 92.
(2) -ابن منظور، لسان العرب، مادة: جدد، ج2، ص202.
(3) -ورد الحديث في كتب السنن والمسانيد عن طريق أبي هريرة.
ولفظه عند أبي داود: عن أبي هريرة، فيما أعلم، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
سنن أبي داود - كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة - حديث: 3761.
المستدرك على الصحيحين للحاكم ـ كتاب الفتن والملاحم، أما حديث أبي عوانة ـ حديث: 8674.
المعجم الأوسط للطبراني ـ باب العين، باب الميم من اسمه: محمد - حديث: 6646. (1/16)
صفحة 14
أولها: إحياء ما انطمس واندرس من معالم السنن ونشرها، وحمل الناس على الالتزام بها. ومنه جاء تعريف المودودي للمجدد بأنه: «كل من أحيا معاني الدين بعد طموسها، وجدد حبله بعد انتقاضه» (1).
ثانيها: محاربة البدع والمنكرات وما ألصق بالدين من محدثات، والعودة به إلى ما كان عليه زمن الرسالة. وهو ما أوضحه المودودي أيضا بأنه «عبارة عن تطهير الإسلام من أدناس الجاهلية، وجلاء ديباجته حتى يشرق كالشمس ليس دونها غمام» (2).
ثالثها: تنزيل الأحكام الشرعية على ما يجدُّ من وقائع ونوازل، ومعالجتها بما تقتضيه قواعد الفقه والاجتهاد (3).
ولهذا قرَّر العلماء أن التجديد ضرورة من ضرورات هذا الدين، ولا زم من لوازم خلوده إلى يوم القيامة (4).
القرآن مصدر التجديد ومنهجه:
وإذا نظرنا إلى التجديد في آفاقه المعرفية والحضارية، وجدنا أن العلم والإنسان في حراك وتطور، ونمو مطرد، حيث تتفاعل المعارف والأفكار، والنظريات والآراء، فتفرز نماء للحياة، ورقيا للإنسان، وارتقاء في معراج الحضارة.
والتجديد أيضا سمة عامة في الكون، وسنَّة من سنن الله في الخلق، سواء في عالم الأحياء أم عالم الجماد، فالأحياء تتجدَّد بتجدد خلاياها وسريان مظاهر النمو في بنائها، وعمليات التصفية والإطراح في أجهزتها، والتجديد حركة دائبة في الذرات والجزئيات المكونة لعالم المادة الدقيق، والأمر نفسه سارٍ في الفضاء في عالم النجوم والكواكب، وفي الأفلاك والكون السحيق.
وبما أن الإسلام دين الحياة ودين الحضارة، فقد كان التجديد أيضا سمة مميزة له، بما يكفل استمرار وجوده وامتداد أثره في نفع الناس، وهداية البشرية إلى السعادة المنشودة.
__________
(1) -المودودي، موجز تاريخ إحياء الدين وتجديده، ترجمة محمد كاظم سباق، مؤسسة الرسالة، ط4، 1401هـ،1981م، ص9.
(2) -أبو الأعلى المودودي، موجز تاريخ إحياء الدين وتجديده، ص12.
(3) -ينظر التعاريف المتعددة للتجديد والتعليق عليه، – عدنان محمد إمامة، التجديد في الفكر الإسلامي، ط1 دار ابن الجوزي، 1424هـ. ص16، 17.
(4) -عدنان محمد إمامة، التجديد في الفكر الإسلامي، ص560. (1/17)
صفحة 15
وهذا المنظور الشامل يجعل الحديث عن مصدر التجديد الأول ضرورة لا محيد عنها، سواء في مجال تحديد المفاهيم أم في مجال تجسيدها على صعيد الواقع المرسوم.
والمراد بالمصدر الأول القرآن الكريم، الكتاب الخالد المحفوظ، وعد الحق بحفظه وأنجز وعده، وكان ولا يزال غضًّا طريا كما نزل، ينهل منه الواردون، ويهتدي به السارون، ويأرز إليه التائهون فيجدون في رحابه الأمن والإيمان والهدى والاطمئنان. لقد تجلت في مصدر الإسلام الأول معالم التجديد بارزة في ثنايا السور والآيات، بما بث فيها من توجيهات للإنسان أن يقلب النظر في الكون والأنفس، ويستجلي الأسرار، ويكتشف السنن، ويوازن ويقارن، ويقيم على الحقيقة والحجة علمه، ويصل بالخير والمصلحة سلوكه، ويوظف الموازين القسط ليضبط بها مسيره ويحدد هدفه، ويدفع مركبه في الاتجاه الصحيح. وقد نعى القرآن على أقوام عطلوا مداركهم، وألغوا عقولهم، وعلى قوم عميت بصائرهم وأبصارهم، وحكّموا شهواتهم فحادوا عن الرشاد، وتاهوا في بيداء الشقاء والضلال. ودعاهم بإلحاح إلى الاستبصار والادكار، والنظر والاعتبار ليتعقلوا بعد سفه، ويفيقوا بعد سبات، ويجددوا مسيرهم في طريق الخير والرشاد. وشواهد هذه الحقائق في آي القرآن يضيق عن حصرها المقام.
وقد كانت وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تجديد حياة الناس بإقامة حقائق القرآن، وعلى نهجه سار الصحابة الكرام. ومَن بعدهم مِن الأئمة الأعلام. وتاريخ الإسلام حافل برجال أفذاذ سخرهم الله للوفاء بمهمة التجديد والاضطلاع بأعباء البعث والإحياء، في مواقع شتى من أرض الإسلام.
ولا تتخطى العين أرضا أظلها الإسلام إلاَّ وشهدت جهدا تجديديا في قديم أو حديث، وفيها بصمات بارزة لرجال أخلصوا لله دينهم، ونذروا للدين حياتهم. واحترقوا ليضيئوا للناس دروب الحياة، ويجددوا في دمائهم ماء الحياة، وفق المفهوم القرآني للحياة، في قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)} [الأنفال 24].
ومن باب التمثيل نستذكر أسماء لامعة في حركات الإصلاح الحديثة والمعاصرة، أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وحسن البنّاء في مصر. واللفيف المبارك من أفذاذ الجزائر الذين جمعهم الإمام عبد الحميد بن باديس في مظلة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالجزائر، إلى الجماعة الإسلامية بباكستان برعاية أبي الأعلى المودودي، إلى (1/1)
صفحة 16
النهضة المعاصرة في تركيا التي أثمر فيها غرس بديع الزمان النورسي، ونضجت على يد تلاميذه أمثال نجم الدين أربكان وفتح الله كولن. دون أن نغفل جهودا طيبة في الغرب سطع بينها نجم طارق رمضان في أروبا. ولا يسع المقام للتمثيل بله الحصر والاستقصاء، فمساحة التجديد تمتد حيثما أظلت راية الإسلام، وارتفع صوت المآذن مناديا للناس إلى حياة السلم والإيمان.
وقد اتضح لدى المسلمين أن هذا الدين ثابت الأصول مستمر الأحكام، لا تبديل فيه ولا تغيير وفق حكم الله في القرآن: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة 03].وأنه خاتم الرسالات إلى قيام الساعة {وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران 85]، وأنه الدين المختار الموافق للفطرة: {فِطْرَتَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَالِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم 30].
ومن هنا تقرر أن التجديد لا ينال الدين في مصادره ولا أحكامه، بل في تعامل الناس معه وكيف يتمثلون أحكامه في واقع الحياة، فغدا المراد بهذا المصطلح تجديد المسلمين لا تجديد الدين. وضبط التجديد بهذا المعنى مناسب لما تعارف عليه الناس أن الميزان ثابت والموزونات متغيرة، والقرآن حَاكم، وما سواه محكوم، والقرآن مجدد، فهو ثابت محفوظ بحفظ الله، ولكنه يجدد للناس حياتهم وإيمانهم، ومعارفهم وأفكارهم، بل إن فهمهم للقرآن نفسه يتجدد بما ينفتح عليهم من مكنون الحقائق والعلوم؛ فيجدون في الكتاب المعجز سبقا ودقة وإعجازا يتحدى المنكرين، ويثبت كل يوم حجة جديدة أنه تنزيل رب العالمين.
ومن الضروري التنبيه إلى أن التجديد بمفهومه الحضاري الشامل أمر مسلَّم واضح ضمن أبجديات هذا الدين؛ وما تضمنه القرآن الكريم. بيد أن المتبادر عند إطلاق المصطلح يتجه إلى تجديد صلة الناس بالدين، وتجديد فهمهم لمضامينه، وتجديد طرق معالجة العلماء لموضوعات الإسلام عقيدة وفكرا، وفقها واجتهادا، وما ارتبط بهذا من معارف عرفت بعلوم الإسلام.
والراصد لما كتب في هذا المجال، يجد المكتبة الإسلامية زاخرة بمؤلفات ودراسات ثرية وفيرة، عالجت ميادين التجديد، سواء في العقيدة وقضايا الإيمان، أم في التشريع والاجتهاد، أم في التفسير وعلم الرواية والحديث، أم في السيرة والتاريخ. (1/2)
صفحة 17
ومدار هذا النتاج الدعوة إلى تنقية علوم الإسلام مما علق بها من شوائب أذهبت نقاءها، وأفقدتها فعاليتها، حتى خفَتَ أثرها وكاد يختفي من سلوك الإنسان، إذ باعدت بينه وبين جوهر الدين وما يرمي إلى تحقيقه من مقاصد وغايات. ويخلص لنا بعد هذا التوضيح أن مضمون التجديد الذي استقر لدى علماء الإسلام يراد به إعادة صلة المسلمين بدينهم، وبعث الحياة في عقائدهم، بحيث لا تظل مفهوما غائما أو سلبيا يجعلهم خارج الأحداث، بل يعود الدين كما استوعبه الجيل الأول محركا دافعا لهم لخوض غمار الحياة، وعمارة الأرض ونفع العباد وفق منهج الله، وابتغاء رضوان الله، لا يريدون بذلك بطرا ولا عدوانا، بل ينصرون الحق وأهله، ويعزّون الدين وأنصاره. كما وصفهم ربهم في قوله: {الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ} [الحج 41].
جدلية التجديد بين الفرض والرفض:
سبقت الإشارة إلى أن التجديد ضرورة للحياة، وهو كذلك في مجال التدين، باعتباره غذاء للروح وصلة الخلق بالخالق، وهذه الصلة عرضة لأن تصيبها العلل، وتعترضها القواطع، من جهل ونسيان، وشهوات وشيطان، فينحرف العبد عن مسار التعبد السليم. ويكون التجديد مراقبة دورية وتقويما مستمرا للإيمان، وصلة العبد بالرحمن.
بيد أن الأمر في الواقع على النقيض، إذ استقر عبر حقب التاريخ المعهودة رفضُ الناس للجديد، ومعارضتهم لدعاة التجديد. والقرآن طافح بشواهد هذه الحقائق، عبر تاريخ الرسل وما لقوا من أقوامهم من بلاء، وفي سيرة المصطفى كفاية لترسيخ هذه الحقيقة في الأذهان، حتى يعتبر بها الدعاة، باعتبارهم ورثة الأنبياء في رسالة التبليغ، وفي الصبر على ما يلقون من أذى بليغ. ورغم هذه المقاومة والرفض، فقد استمرت جهود العلماء الربانيين والدعاة المخلصين، في المقاربة والتسديد، مؤمنين بشرف الرسالة رغم التحديات والعراقيل.
وتاريخ الإسلام شاهد على وعي الدعاة بهذه المعاناة، إيمانا بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي جعلهم ورثة الأنبياء (1)، فهم يرثون عنهم تركتهم بما لها وما عليها، ففيها العلم والهدى والرشاد، وفيها الجهد والابتلاء والصبر على أذى العباد.
__________
(1) -ورد الحديث «إن العلماء ورثة الأنبياء» عن أبي الدرداء في حديث طويل بألفاظ متقاربة.
ينظر: صحيح ابن حبان - كتاب العلم، ذكر وصف العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا قبل- حديث: 88.
سنن الدارمي - باب في فضل العلم والعالم، حديث: 362.
سنن أبي داود - كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم - حديث: 3175.
سنن الترمذي، الجامع الصحيح - الذبائح، أبواب العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث: 2674. (1/3)
صفحة 18
كما واجه العلماء بلاء من نوع آخر، تمثل في تشويه عملية التجديد، إذ لم يخل تاريخ التجديد من دعوات مشبوهة سعت لضرب الأصول وزعزعة الثوابت، ودعت لإلغاء المستقر من الأحكام القطعية في الإيمان والتشريع، بدعوى التجديد ومواكبة التطور السريع. استجابة لضغوط الواقع أو انبهارا بفكر وافد، أو اعتقاد سائد. بيد أن هذه الدعوات ظلت هجينة أنكرها الراسخون من العلماء؛ وظلت محدودة الأثر في النهاية، رغم ما صاحبها من دعم وترويج ودعاية. ولئن اشتركت كل الدعوات في الرفض ابتداء، فإن الدعوات الدخيلة رفضها العلماء، والدعوات الأصيلة اعترض عليها الدهماء، ثم استبان الحق فيها فاحتضنها الجميع ومضت لغايتها على الخط السريع.
ونضرب صفحا عن الجانب التاريخي رغم أهميته لنعالج مضامين التجديد، وما تعنيه من دلالات في الفكر والمنهج، والتربية والبناء الحضاري. والمتتبع لمسار المجتمع المسلم عبر التاريخ يجد منحناه البياني متفاوت الدرجات بين صعود وانحدار، وعند دراسة العوامل المؤثرة في هذا المسار يتجلى بوضوح مدى الترابط الوثيق بين حال المجتمع وبين صلته بمصدره الأول، القرآن الكريم، ومدى تمثله لتعاليمه في واقع الحياة كما جسدها الرسول وصحابته الكرام. هذا المنحنى البياني لواقع المجتمع وطبيعة علاقته بأصوله ومصادره، تضبطها علاقة ثابتة مطردة، استوعبها العلماء استنادا إلى حقائق القرآن: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر 10]، وإلى قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَعَزُّ مِنْهَا الاَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُومِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [المنافقون 08].
فحين يفتقد أهل الإسلام العزَّة يرد السؤال عن السبب، مع الإجماع على تنزيه الحق سبحانه عن إخلاف الوعد أو عدم الصدق في الإخبار، ويبقى الإشكال في حصول شرط العزة، وعدم أهلية المسلمين لها حين فرطوا فيها وضيعوا أسبابها. ولا يكون العلاج إلا بتجديد صلتهم بالإيمان بالله، وعودتهم الصادقة إلى حماه. (1/4)
صفحة 19
وفي هذا يقول عمر بن الخطاب: «إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العزّة بغيره» (1)، وقال الإمام مالك: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به آخرها» (2).هذه المعاني جسدها الدعاة والمصلحون، فجعلوا من القرآن منطلقا للبعث والتجديد، ومجالا للإبداع في نشر قيم الإسلام وإحيائها في النفوس، ليتم إحياء النفوس بها. وتفاوتت جهودهم ووسائلهم في هذا البعث، حسب مواهبهم وقدراتهم النفسية والعلمية. ولئن كانت أدوات العمل مختلفة من مجدد لآخر، فإن مرجعية القرآن في ذلك كانت حاضرة وقوية عند الجميع. والذي يشد الانتباه فيهم هو القدرة على تجاوز الوعاء الحضاري الذي نشؤوا فيه، والارتقاء إلى أفق أسمى يتحدى المعوقات ويتحرر من الجاذبية القوية التي تربط الفرد بالمجتمع، مما يؤهلهم لصناعة التغيير وتحقيق الإصلاح المنشود.
وظاهرة التمرُّد على الضغوط الاجتماعية والبيئية لدى هؤلاء الزعماء مردُّها إلى الشعور المرهف والاستعداد الفطري لتجاوز تلك الأطر، والقفز فوقها إلى منصة الإشراف على الواقع واستشراف المستقبل، والقدرة على وضع الخطط العملية التفصيلية لتنفيذ مشروع الإحياء والتجديد. واللافت للانتباه أيضا؛ أن مضمون رسالة التجديد لدى المصلحين والدعاة، لا يعدو أن يكون بيانا لجوهر رسالة الإسلام. ويمكن حوصلة التجديد في محاور ثلاثة:
1 - تحديد المفاهيم.
2 - ترشيد السلوك.
3 - إقامة القدوة الصحيحة.
فقد ركزت جهود التجديد تحديد القيم والمفاهيم، وترشيد السلوك بناء على تلك القيم، وتجسيد القدوة ليثمر التجديد غايته استقامة وبناء حضاري منشود.
القرآن والتجديد عند الشيخ بيوض:
جاء الشيخ إبراهيم بيوض إلى الحياة على قدر آخر القرن التاسع عشر (3)، وفتح عينيه على الدنيا، ووطنه يرزح تحت كابوس الويلات الثلاث: الجهل والفقر والاستعمار، وهو وضع عام كان ينيخ بكلكله على العالم الإسلامي قاطبة.
__________
(1) -ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج44، ص5.
(2) -القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج2، ص88.
(3) -الشيخ إبراهيم بيوض، علَم بارز من أبرز شخصيات الإصلاح الديني والوطني في الجزائر في القرن العشرين. قضى حياته ببلده القرارة بمنطقة وادي ميزاب جنوب الجزائر. فيها ولد سنة 1899م وتوفي بها سنة 1981م. وتعلم على يد مشايخ البلدة، ومن أهم أساتذته الشيخ الحاج عمر بن يحي، والشيخ الحاج إبراهيم الأبريكي.
ولم ينتقل للتعلم خارج موطنه، بل كان عصاميا بنى نفسه بنفسه، حتى بلغ في العلم درجة عالية. وأنشأ معهد الحياة ومدارس عديدة لنشر العلم والفضيلة، وحذا حذوه أهل الغيرة والفضل بميزاب وخارجها، حتى عمّ نفع هذه المدارس وانتشر نورها في مختلف مدن الجزائر شمالا وجنوبا.
واشتهر الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله بخصال عديدة، ومواهب نادرة أهّلته ليكون الزعيم الروحي، والموجه الاجتماعي، والعالم الموسوعي، والقائد السياسي لأمته، لفترة من الزمن امتدت ستين سنة كاملة.
حول نشأة الشيخ بيوض، ومراحل تعلمه وتكوينه، ينظر: محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1. المطبعة العربية، الجزائر. 1389هـ/1969م. = أعلام الإصلاح في الجزائر، ج1، مطبعة البعث، قسنطينة، 1394هـ/1974م. = ج2، 1396هـ/1976م = ج3، 1398هـ/1978م. = ج4، 1400هـ/1980م.
أيضا: جمعية التراث، في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين، وفيه خطب ومقالات حول تاريخ الشيخ بيوض. وكذا: معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم 33، وفيها تفصيل المعلومات والمصادر. (1/5)
صفحة 20
ونشأ كسائر لداته طالبا تتلمذ على شيخ البلدة رفقة زملاء متعددي المواهب، بيد أن حاسة الانعتاق من قيود الوعاء الحضاري كانت فيه على درجة عالية أهلته لينطلق في مشروع التجديد الذي خطط له ورسم معالمه وحدد أهدافه، ثم جسده عمليا رفقة ثلة من رفاقه وتلاميذه، وبلغ به غاية عالية، وإن لم تكن مثالية أو نهائية.
وأيقن الشيخ بيوض من الوهلة الأولى أن مدار الأمر يرتبط بتجديد صلة المجتمع بالقرآن، ولكنه وجد القرآن في محيطه مذكورا غير مهجور، وحِلَق مدارسته تملأ مسجد بلده المعمور، والناس تبتدر إليه في العشي وفي البكور (1).ورأى أن الصلة الظاهرية بين الناس وقرآنهم موجودة، والتواصل بينهم وبين كتاب ربهم قائم، ولكنه أدرك ببصيرته أن القطيعة كانت بين المعاني والحقائق التي تحملها هذه النصوص.
ورأى الجهل المطبق بها سببًا لتنكب الناس عن سبيل القرآن، وانحرافهم إلى مسارب ملتوية تَحَالَف فيها الجهل والشيطان، والنفس والاستعمار، فأصبح كثير من أبناء الإسلام مسلمين بالعناوين، وهم في تصوراتهم وأفكارهم، وفي سلوكهم وأخلاقهم مقطوعون عن هدي الكتاب الكريم.
__________
(1) -لا تزال مجالس تلاوة القرآن في مدن ميزاب تعقد في كثير من المساجد بين المغرب والعشاء وقبل صلاة الفجر، وإن تقلص ذلك في السنين الأخيرة في بعض المساجد. (1/6)
صفحة 21
شروط المجدد:
يدرك العارفون بالآثار أن تجديدها عملية ترميم معقدة، قد تقتضي أحيانا هدما وإعادة بناء من الأساس، ولئن كان ذلك عسيرا في معالجة المباني الأثرية، فإن الأمر أشد تعقيدا في بناء النفس البشرية. ذلك ما يستدعي مهارة فائقة وخبرة دقيقة، وصبرا جميلا، وإيمانا راسخا بصواب الوسيلة وضرورة العملية، وثقة في الله بتحقيق النتائج. هذه الصفات شروط ضرورية لنجاح المجدد في ميدان يعدّ أخطر وأهم ميادين الحياة، ميدان ربط الناس بواهب الحياة، وتحديد مسارهم ومصيرهم في الحياة وبعد الممات.
وقد كان الشيخ إبراهيم بيوض على وعي تام بهذه الحقيقة، بما عُرف عنه من مميزات النبوغ والريادة، سواء منها الخصائص النفسية القيادية، أم القدرات العقلية والعلمية. إذ كان واعظا مرشدا، وفقيها مجتهدا، وخطيبا مفوها، ومربيا حكيما، ومعلما قديرا. كما كان زعيما وسياسيا بارعا. كل ذلك كان منحة ربانية مكنته من القيام برسالته في البناء والتجديد باقتدار ونجاح. وتجلى زاده المعرفي رافدا رئيسا في مهمته التجديدية، إذ اعتمد أساسا على القرآن الكريم وتولى تفسيره ما يربو على خمسين عاما، إذ بدأه سنة1935 واستمر في دروسه حتى ختمه كاملا سنة 1980م (1). ووظفه في رسالته فبلغ به مراده من تجديد الحياة وإصلاح الأوضاع.
كما استند إلى السنة النبوية وهي الترجمان العملي لتعاليم القرآن، وتولى شرح مصادرها في سنوات عديدة، مما أكسبه اطلاعا واسعا على السنة والسيرة النبوية (2)،
__________
(1) -كانت بداية تفسير الشيخ بيوض للقرآن، سنة 1921، إذ فسّر جزء عم إلى سورة الناس. ثم شرع في تفسير القرآن كاملا، يوم 1محرم 1354هـ الموافق لـ6أفريل1935م. واستمر فيه حتى ختمه ليلة الثلاثاء 26 ربيع الأول 1400هـ الموافق لـ 13 فبراير 1980م. وحفظت في أشرطة سمعية بدءا بآية {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} في أواخر سورة الإسراء إلى سورة الناس. وقد تولى الأستاذ عيسى الشيخ بالحاج تحريرها ونقلها من الشريط السمعي، وطبع منها اثنان وعشرون جزءا حتى الآن. بعنوان «في رحاب القرآن». ولا تزال دروسه المسموعة متداولة، وتذاع اليوم محليا في بعض مدن ميزاب عبر موجات FM، كما توجد في الشبكة العنكبوتية.
ينظر: في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين. لقاء التلفزيون الجزائري مع الشيخ بيوض. ص73. خطبة الشيخ عدون في مهرجان ختم تفسير القرآن. ص19.
(2) -تولى الشيخ بيوض تدريس كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، وختمه في احتفال أقيم له بمسجد القرارة سنة 1945م. كما شرح قبله مسند الربيع بن حبيب. ينظر: في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين. حوار التلفزيون الجزائري مع الشيخ بيوض ص77. وكلمة الشيخ عدون في مهرجان ختم تفسير القرآن. ص17. (1/7)
صفحة 22
وهما منبع غزير لمن يريد بناء مجتمع رسالي يقتدي بالرسول الكريم في شتى ميادين الحياة.
كما عني الشيخ بيوض بتاريخ الصحابة؛ الجيل الأول من أعلام الإسلام، رباهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأحسن تربيتهم، وغدوا مُثُلاً عليا للمسلمين، حين جسّدوا تعاليم القرآن وتوجيهات الرسول على خير وجه وأحسن مثال. وكانت له روافد مهمة وظفها في بيان حقائق القرآن، تجلت في سعة اطلاعه على تاريخ الإسلام بعامة، وتاريخ الزعماء والمربين والمصلحين بخاصة، فضلا عن اهتمام كبير بواقع المسلمين المعاصر، وما يعانيه من بُعْدٍ عن جوهر الإسلام، وما يلقاه من هوان جراء إعراضه عن هدي القرآن. وعرف عن الشيخ متابعته المستمرة لمجريات الأحداث في العالم من حوله؛ بدءا بأرض الوطن، عروجا إلى قضايا العالم الإسلامي والعربي، وانتهاء بالعالم الفسيح (1). واستخلاص الدروس والعبر منها، وتنبيه الناس إلى سنن الله في الكون والمجتمعات، وتحذيرهم من مغبة مخالفة أمره واتباع الشهوات. وكانت للشيخ مقدرة متميزة في توظيف كل هذه العناصر في عملية التجديد، وكشف علل الأمة بمنظار القرآن، ثم علاجها بهدي القرآن.
منابر التجديد عند الشيخ بيوض:
انطلق الشيخ من قناعة وإيمان راسخين بضرورة التجديد، وأنه الواجب المتعين لاستنقاذ الأمة من ظلمات الجهل والتخلف، وتحريرها من أغلال الاستعمار.
وقد وصفه أحد تلامذته بقوله: «لقد كانت ثقة الشيخ في كل مشاريعه بالله، متوكلا عليه، لا يضع في الاعتبار رضى الناس أو سخطهم، إن أيقن أن ما يجب القيام به فيه رضى الله سبحانه وتعالى ومصلحة الأمة ونفعها. فإن حكم العامة على الأمور كثيرا ما صحبته الأغراض الآنية، وعدم التخصص وقلة التجربة وتغلب الجهل والأمية، وكانت المعارضة تعرقل الشيخ في أغلب إصلاحاته ذات الطابع التجديدي لأن الناس
__________
(1) -يذكر الشيخ اهتمامه واهتمام مشايخه بالصحافة العربية وتلهفهم للاطلاع على ما ينشر في المشرق العربي من مجلات فكرية وسياسية. مما مكنه من التصور الشامل والسليم لأوضاع العالم الإسلامي وجهود المصلحين للخروج به من مأزق التخلف والاستعمار إلى رحاب النهضة والتحرر. ينظر: لقاء التلفزيون مع الشيخ، في رحاب القرآن. المهرجان والتأبين. ص71. (1/8)
صفحة 23
جبلوا على حب القديم وتعودوا على الإتباع والتقليد لا على الإبداع والتجديد، وكان الشيخ يعرف منهم ذلك ويعيه، فكان لا يولي من الاهتمام لهذه الناحية إلا بقدر ما يسمح له بالمناورة والمداورة وانتظار الفرصة السانحة ثم يمضي إلى هدفه لا يلوي على شيء، وقد توكل على الله واعتمد عليه» (1).
وكان ميدان الشيخ منحصرا في جبهتين رئيستين: المجتمع العريض، والجيل الواعد. واتخذ له وسيلتين متكاملتين، منبر المسجد، ومجال التربية والتعليم.
أ - منبر المسجد:
في المسجد كان منبر الوعظ والإرشاد ميدانا للعمل الباني الرامي إلى أبعد المدى، استمر فيه الشيخ ستين سنة في بيان معاني القرآن وزرع قيمه وحقائقه في النفوس، بأسلوب وعظي حكيم، شهد له القاصي والداني فيه بالمهارة والاقتدار على تطويع الخطاب وتذليل الصعاب لتبليغ حقائق القرآن وسقي النفوس بها، حتى غدت طوع توجيه الكتاب، تأتمر به وتلزم حدوده، وتسعى جاهدة لتحيا في ظلاله في كل مجالات الحياة، والتقيد بأحكامه في المساجد والمعايش، في البيوت والشوارع، وفي المتاجر والمصانع والمزارع.
وقد شهدت الحياة الاجتماعية انقلابا بكل المعاني في الاتجاه الإيجابي من حيث فاعلية الفرد وحيويته، وانطلاقه للعمل الجاد، والمساهمة في إعمار الأرض وبعث الحياة في دروبها، باعتبار ذلك تكليفا شرعيا قرآنيا، وعبادة يؤجر المرء عليها، قبل أن يكون استجابة لمصالح شخصية، أو مطالب أسرية أو اجتماعية.
هذا التوجه الإيجابي يعتبر تجديدا حقيقيا للحياة من منطلق قرآني، عالج به الشيخ أدواء خيمت على الأمة الإسلامية حينا من الدهر، أخلدوا فيه إلى الدعة والاستكانة, وظنوا ذلك من تعاليم الدين. فزهدوا في الدنيا ابتغاء الأجر والثواب، وأتاحوا الفرصة لأعدائهم أن يتصدروا قافلة الحياة، ثم رضوا بما يلقون إليهم من الفتات، واستسلموا لهم حين وطئوا بلدانهم سادة مستعمرين، وغدوا على المسلمين عتاة مستبدين.
وقد كانت آيات العزة والتمكين، والنصرة واستعلاء الإيمان مناسباتٍ سانحة وظفها الشيخ لعلاج هذه الأدواء في الأمة.
__________
(1) -د. محمد ناصر، الشيخ بيوض أديبًا، المهرجان العلمي الأول حول فكر الشيخ بيوض، نشر جمعية التراث، 2000م، ص5. وهو أول البحوث المصفوفة ضمن كتاب أعمال الملتقى. (1/9)
صفحة 24
ب- ميدان التربية:
وفي ميدان التربية كان رهان الشيخ بيوض على تنشئة جيل قرآني يحيا بالقرآن ويحيا للقرآن، وكم كانت تعجبه مقولة الشيخ عبد الحميد بن باديس: «إننا نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، وإننا نوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم، نريد أن نُخرج منهم رجالا كرجال السلف، رجالا قرآنيين حسًّا ومعنًى» (1).لأجل هذه الغاية جند الطاقات وحفز الناس فابتدروا ينفقون ويشجعون، ويمدون أموالهم سخية، فأنشأ الشيخ بيوض المدارس والمؤسسات التربوية، واتخذ معهده مشتلة لتعميم هذا التجديد في ربوع الوطن، فامتد أثره وانداح إلى خارج حدود الجزائر في بلدان الجوار، وجاوزها إلى مصر والخليج.
كانت برامج الدارسة قائمة على بناء متكامل للنشء في جوانبه الإيمانية والعقلية والمعرفية والنفسية، والسلوكية والاجتماعية. بل وحتى البدنية الرياضية. والمطلع على تلك المقررات وما تحويه من مضامين يجدها تتمركز على القرآن وتعاليمه في دروس التوحيد والفقه واللغة والتاريخ، وفي الأخلاق والفكر والاجتماع. منه تَستقي المواضيعَ والمشاهد، وبه تقيم الحججَ والشواهد، وعليه تُربّي الفصاحةَ والبيان، وتَبني القيم والمثل، وتشحذ الهمم والعزائم، وتزكي النفس والروح، كما تعنى بالذوق والجمال.
والشيخ بيوض كان مربيا ممتازا، ونابغة لماحة، وموسوعيا ضليعا، ملك ناصية البيان وسبر أغوار الشريعة وأدرك مقاصدها، فوظف تلك المميزات في درسه التربوي، وأنشأ عليها تلامذته، وكان أوائلهم سندا له في رسالة التربية والتعليم، وعلى سننهم درج اللاحقون فتواصلت تلك الحلقات في مؤسسات بُثَّت نجوما في أرجاء الوطن ولا يزال صيبها يهمي على الأمة أجيالا من العناصر الطيبة الصالحة المصلحة، غاية وسعها خدمة الوطن ونفع المسلمين. ومنتهى مقاصدها نيل رضوان رب العالمين.
منهج التجديد بالقرآن عند الشيخ بيوض:
يذكر الشيخ بيوض أن ابتداء عهده بتفسير كلام الله كان إثر وفاة شيخه الحاج عمر بن يحي، وذلك سنة 1921م، ولمّا يتجاوز الثانية والعشرين من عمره بعد. إذ فسر جزء «عمَّ» معتمدا أساسا على تفسير محمد عبده، وكان معجبا بمنهجه وأسلوبه، فحذا
__________
(1) -لقاء التلفزيون الجزائري مع الشيخ بيوض إثر مهرجان ختم تفسير القرآن. ينظر: في رحاب القرآن مهرجان ختم تفسير القرآن والتأبين، نشر جمعية التراث، العطف، غرداية، 1989م، ص82. (1/10)
صفحة 25
حذوه في معالجة الواقع وبعث معاني القرآن في النفوس، وبخاصة وأن خواتم السور مما يحفظه العوام. وكان يقدّم بالموازاة مع التفسير دروسا في الأدب والبلاغة وإعجاز القرآن، يوجهها إلى الطلبة خاصة (1).وعمدة الشيخ في تفسير القرآن مخزونه من زاد الفصحى، وما يستقيه من التفاسير المناسبة، وفي مقدمتها تفسير المنار لرشيد رضا، وروح البيان للألوسي، ثم الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، والتيسير للقطب اطفيش، والتحرير والتنوير لابن عاشور، والظلال لسيد قطب.
وذكر في مناسبات عدة أن غرضه إلقاء الدرس على الناس تهذيبا وتربية وتعليما، فلا يمزج فيه ما يعكر هذه الغاية، من مسائل وقضايا اهتم بها المفسرون، وأطنبوا فيها، ولا يعرج على المسائل البلاغية إلا بما يخدم أوجه الإعجاز في الآيات (2).ويصرح أن مقصده من التفسير تذكير الناس بآيات القرآن البينات، ودعوتهم إليه. بتوجيه الناس إلى القرآن وتربيتهم على طريقته وحملهم على اتباعه، وحفظ معانيه، والعمل بما فيه (3).
وقد اطمأن الشيخ إلى ما أحدثه القرآن من ثمرات في حياة الناس, وقال: «أحمد الله تبارك وتعالى على النتيجة التي شاهدتها من أثر القرآن في نفوس العامَّة، ولذلك اخترت المسجد ليكون معهدا للتفسير، يحضره الناس كلهم رجالا ونساء، شبابا وشيبا وكهولا، ومن فاته حضور الدرس كأنه خسر خسارة كبرى ... وقد رأينا من أثر كتاب الله في أمتنا الشيء الكثير، ولهذا فالأمة اليوم ولله الحمد، مستعدَّة لتلبية كل طلب خيري .. ما دعي أحد إلى عمل إلا وأجاب، إذا دُعي إلى مال أعطى، وإذا دُعي إلى وقت أعطى من وقته وجهده، بل حتى من لم يُدعَ ولم يُحتَج إليه يقول: لماذا نسيتموني؟ أليس لي حظ؟» (4).
ومن القضايا الأساسية في التجديد، وإحياء معاني القرآن: معالجة أمراض استشرت في المجتمعات الإسلامية أبعدتهم عن حقائق القرآن، ومن أشهرها القطيعة بين الدعوة والسلوك، والتعصب المذهبي، والإخلاد إلى الدعة بدعوى التواكل.
وقد حمل الشيخ على هذه العلل وأضرابها؛ فحذر من ثنائية الفكر والعمل، وألح على وجوب الدعوة بالقدوة، ونبه إلى خطر الانفصال بين الجهتين، وإلا فهو التشويه السافر والدعاية المضادة المنفرة للإسلام، والوجه الحقيق للنفاق الذي توعد الله عليه بأليم العذاب.
__________
(1) -المصدر السابق، ص73.
(2) -المصدر السابق، ص75.
(3) -المصدر نفسه.
(4) -المصدر السابق، ص80. (1/11)
صفحة 26
كما كسر الحواجز المصطنعة بين المذاهب، واعتبرها مدارس متكاملة في حضن الإسلام وفروعا اجتهادية يسوغ فيها العذر ويقبل فيها التنوع والثراء، وأما قضايا التوحيد والإيمان، فلكل مذهب أصوله وحججه وقناعته، ويمكن التحاور في ذلك بين العلماء في جو من الاحترام وأدب الحوار، بعيدا عن هرج العوام وما يستتبعه من شحناء وتشنج وحمية رعناء. وكان انضمام الشيخ إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ تأسيسها وتعاونه مع أعلامها وفي صدارتهم الشيخ ابن باديس تجسيدا لهذه القناعة، وتطبيقا عمليا لجهود النخبة التي صدقت في دعوة التجديد، وسعت لإنجاز مشروعها في الميدان، ووضع قطارها على سكة الحديد.
وأما داء التواكل فقد أطال الشيخ في تكشيفه والتمييز بينه وبين التوكل المطلوب، وبيان أسباب التواكل وتصوير مآسيه وعواقبه على الدين والدنيا، ورسم طريق الخلاص منه، بإعادة ترسيخ معنى القضاء والقدر، والواجب والتكليف، وعلاقة الأسباب بالمسببات، وحدود مسؤولية العبد، وأفق قدرة الله التي لا تحد. ووضع المسلم في المربع الصحيح، الذي يشرّف فيه بالمسؤولية، ويمنح فيه حق الاختيار لاتخاذ القرار، ثم يستتبع ذلك الجزاء والحساب، وذلك من تمام عدل الله كما يدركه أولو الألباب.
وبهذا دفع المسلم إلى السعي والعمل لتحقيق الخلافة، واستحقاق حمل الأمانة التي شرفه الله بها، وعجزت عن حملها الأرض والسماوات. وتجددت بذلك حياة المسلمين وبعثوا للعمارة بعد دهور من الجمود الذي يشبه الموات.
فقه البيان أساس التجديد بالقرآن:
حين انطلق الشيخ بيوض في حركته الإصلاحية كان يصدر عن رؤية واضحة للنهج الذي يسلكه، ونظرة شمولية للعملية الإصلاحية، تستهدف تغيير الإنسان تصوّرًا ومعتقدا أولا، وسلوكا ومسيرا أخيرا، ويشمل ذلك جوانب اهتمامات الإنسان كله.
وتبين لنا مما سبق كيف اتخذ الشيخ من منبر المسجد منطلقا لإصلاح الجمهور، كما جعل من قاعات الدرس وميدان التربية أساس البناء الدائم والشامل. وقد أيقن هو ورجال الإصلاح أن نجاح المشروع مرهون بإقامة دعائم العلم في المجتمع، وبناء النفوس على حب العلم والارتواء من معينه. وهو ما تلح عليه وثائق الحركة الإصلاحية في غير ما موضع ومناسبة. (1/12)
صفحة 27
يقول الدكتور محمد ناصر: «لقد شهدت النهضة في العشرينيات والثلاثينيات دعوات إصلاحية تركز في مخططاتها على الدعوة إلى العلم ومقاومة الجهل والتخلف الفكري، باعتبار العلم السلاح الأساسي الذي يجب أن يُستخدَم في معركة المقاومة لإثبات الهوية الشخصية، وباعتباره أكبر مقوِّمٍ يزرع الثقة في النفوس لتعرف ما لَها وما عليها، وتلحق بالتالي بركب مدنية القرن العشرين، التي دخلت بالعلوم عصرًا جديدا مدهشا» (1).
وفي معهد الحياة تجلّى نشاط الشيخ بيوض الرئيس، وآزره فيه رجال صادقون، في صدارتهم فضيلة الشيخ عدون، وكان السهر على تطوير مناهج المعهد دأبهم الدائم، وهمهم المقيم والمقعد. يجتهدون في رصد أنجع الوسائل لبناء نفوس الطلبة، وأفيد المقررات لتكوين جيل المستقبل المنشود. وتأكد لديهم أن الجانب الأدبي ركن ركين في بناء الطالب العلمي والاجتماعي. ودون التمكن من ناصية اللغة لن يكون ثمة فقه بالدين، ولا بصر بالمجتمع، ولا استفادة واعية بتراث الإسلام. لأجل هذا الهدف كان لحصص اللغة والنحو والبلاغة والأدب نصيب الأسد ضمن مناهج الدراسة بمعهد الحياة.
يقول الشيخ بيوض «أوليت عنايتي لعلوم البلاغة ودرّست دلائل الإعجاز، والكتب التي كانت ترد علينا من الشرق وخاصة المجلات؛ نتخير منها كل يوم درسا للطلبة، زيادة على درس الأمالي لأبي علي القالي، وشيء قليل من البيان والتبيين للجاحظ. وكنت أختار هذه المقالات وأوجهها، ودرّست النظرات للمنفلوطي وتتبعتها، قضيت سنوات وأنا في هذا الميدان، أوجه الطلبة إلى اللغة الفصحى وإلى تقويم ألسنتهم بالنحو والصرف والبيان والإعجاز خاصة، وأعتني كثيرا بدلائل الإعجاز» (2).
يقول الدكتور محمد ناصر: «وكل متتبِّع لتفسير الشيخ بيوض، يلحظ كيف كان الشيخ يهتم بالجانب اللغوي في تفسيره، وكيف كان يتمايل طربا وهو يحلل معنى بيت شعري، أو يوضح نكتة بلاغية، وذلك ما كان يجعله يقف وقفات متأنية متذوقا ومستخرجا جانب الإعجاز اللغوي والبلاغي من كلام رب العالمين. وكل متتبع لتفسيره لكتاب الله يلحظ بجلاء ثقافته الأدبية الواسعة حيث يستشهد بالشعر والحكم والأمثال كثيرا، مما يدل دلالة قوية على أمرين: أولهما ثقافة الشيخ التي تعتمد في جانب كبير منها على الأدب
__________
(1) -محمد ناصر، مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة، ص88.
(2) -جمعية التراث، مهرجان ختم تفسير القرآن، وتأبين الشيخ بيوض، تقديم د. محمد ناصر، ص، 74. (1/13)
صفحة 28
العربي وفنونه. وثانيهما: رغبته في توصيل هذه الثقافة إلى أبنائه الطلبة، قصدا منه في أن يبث في نفوسهم حب اللغة العربية وآدابها، والاهتمام بدراستها والتضلع فيها، لأنها أولا وقبل كل شيء أداة ضرورية لفهم كلام الله فهما سليما صحيحا، وبالتالي تغدو ضرورة لازمة في رؤيته الإصلاحية والتعليمية والتربوية. وكان الاهتمام بهذا الجانب عنصرا أساسيا في الحركة الإصلاحية التي كان مخطِّطَهَا ورائدَها وحاملَ رايتها. فإن الأدوات التي كانت الحركة الإصلاحية تستخدمها وتوظفها للاتصال بالجمهور والتأثير فيهم هي الخطب والأناشيد، والمسرحيات، والمقالات الصحفية، وهي أجناس تتغذى كلها من الأدب العربي وفنونه، ومن ثم يصبح الأدب العربي في مفهوم الحركة غاية ووسيلة معا» (1).
وعن هذا المنهج وغايته يقول الشيخ بيوض: «إن مقصدي من هذه الدروس وغيرها هو مقصد الشيخ محمَّد عبدُه، أن أخلق عقولا تتذوَّق بلاغة القرآن، ونفوسًا فيها طُهر القرآن، وتلامذة مصلحين يكونون جند القرآن» (2).
ونجاح الشيخ في تحقيق هذه الغاية، مردّه إلى رسوخ قدمه في مجال اللغة وذائقته الأدبية المرهفة، الذي كان رافدا مُهِمًّا، وحافزا بليغ الأثر في أنفس طلبة المعهد، إذ أوقد فيهم الاهتمام بالأدب، وأذكى فيهم الرغبة في تجويده، وألهب فيهم الحماس للتنافس فيه، فأينع بهم حقل الوطن، وأغنوه بأطايب الثمار، وصدروا عن المعهد أدباء وشعراء، تصدّروا المجالس فكانوا له خير سفراء، إذ أشاعوا ضياء لغة القرآن، أنى حلّوا وارتحلوا في الجزائر وسائر البلدان (3).
__________
(1) -د. محمد ناصر، الشيخ بيوض أديبا، ضمن أعمال الملتقى الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بيوض، نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، 2002م، ص 91.
(2) -محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة، ج2، ص، 30؛ د. محمد ناصر، الشيخ بيوض أديبا، ص92.
(3) -يقول بعض أعلام اللغة في الذكري السبعين لتأسيس معهد الحياة:
«أحيي الجزائر البلد العربي، أحيي القرارة ومعهدها «معهد الحياة»، الذي ظل ما يقرب من سبعين عاما مضت قلعة شامخة من قلاع العروبة والإسلام في الجزائر الشقيقة. وظل أساتذته العاملون البررة يرعون فيه أبناءهم من الطلاب رعاية مخلصة مع ما أخذوهم به من خصال إسلامية حميدة قوامها الخير العميم. يذكر للمعهد بالثناء المستطاب أنه خرّج على مرّ السنين، نخبة وطنية عملت بكل ما أوتيت من قوة، ولا تزال، في بناء الجزائر العربية المسلمة، بناءًا شاهقا وطيدا، كما خرّج المعهد بجانبهم صفوة من العلماء والأدباء الأفذاذ، والذين ملك عليهم الأدب والعلم ذوات نفوسهم، والذين يبذلون لشعبهم في الجزائر كل ما يستطيعون من جهود خصبة في نهضتنا العلمية والأدبية» الدكتور شوقي ضيف، الأمين العام لمجمع اللغة العربية. القاهرة، 1990.
«هذا المعهد الذي قام في القرارة قلعة حصينة من قلاع العربية والإسلام، وخرّج الأجيال تلو الأجيال، وقد تهيأت لمواجهة غدها، بالعلم النافع، والخلق الفاضل، وتزودت بما يحفظ لها شخصيتها ودينها، لتشيّد مستقبلاً زاهرا يليق بماضيها المجيد». الدكتور شاكر الفحام، نائب رئيس مجمع اللغة العربية، دمشق. 1990.
صالح الخرفي، من أعماق الصحراء، ص9. (1/14)
صفحة 29
من معاني التجديد بالقرآن عند الشيخ بيوض:
تمثل جهد الشيخ بيوض في تجديد صلة الناس بالقرآن في جوانب عديدة، استوعبها مساره مع تفسير القرآن الكريم على امتداد ما يزيد عن نصف قرن من الزمن (1).وقد تناول هذا الجهاد المبارك دارسون أكاديميون، وعرضوا له وصفا وتحليلا وتأصيلا (2).وتجلت معاني التجديد بالقرآن عند الشيخ بيوض في مناح عديدة، نذكر منها:
أ- إحياء العقيدة
نظر الشيخ بيُّوض إلى واقع العقيدة عند الناس فكانت مقولات ترددها الألسن، وتصورات باهتة عن الخالق والكون والحياة، والمصير والجزاء، ووجد كتب التوحيد مشدودة إلى العرض التجريدي والجدل الكلامي، والتركيز على المسائل الفرعية، التي تستنزف الجهد وتعنت العقل ولا طائل وراءها في واقع الحياة.
فاتجه إلى المصدر وهو القرآن؛ وسعى لتقرير حقائقه المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته، وبيان أثرها في سلوك الإنسان؛ تعظيما للخالق وخشيةً وحبًّا، وسعيا لنيل
__________
(1) -بدأ الشيخ بيوض تفسير القرآن في دروس منتظمة بالمسجد الكبير بمدينة القرارة في غرة محرم 1354هـ الموافق ل 6 أفريل1935م. واستمر إلى تمام ختم التفسير في 25 ربيع الأول 1400هـ الموافق لـ 12 فيفري 1980م. وكان قبل ذلك قد فسر خواتم السور من جزء عم، سنة 1921م، ثم شرح مسند الربيع بن حبيب، وفتح الباري في مدة أربع عشرة سنة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
(2) -صدرت في السنوات الأخيرة دراسات أكاديمية عديدة، سعت إلى الكشف عن الأصول التاريخية والمبادئ التأصيلية التي قامت عليها حركة الشيخ بيوض الإصلاحية، واجتهدت في رصد منهجها، والتعرف على أهدافها، ودرس أساليبها ووسائلها. بما يغني عن تفصيله في هذا المقام.
من هذه الدراسات رسالة ماجستير نور الدين سوكحال حول «منهج الإصلاح عند الشيخ بيوض»، نوقشت بالجامعة الإسلامية بقسنطينة، سنة 1995م، وأطروحته للدكتوراه بعنوان «منهج الإصلاح ومجالاته عند عبد الحميد ابن باديس وإبراهيم بيوض»، نوقشت بالجامعة نفسها، سنة 2008م. وكلتاهما رسالتان جامعيان جادتان. (1/15)
صفحة 30
مرضاته دنيا وأخرى، وتخلقا بأخلاقه في نفع العباد ومنع الظلم ومحاربة الفساد، والسعي لعمارة الأرض تحقيقا لمهمة الخلافة عن الله. وبهذا تحققت الفاعلية في سلوك المسلم، وانطلق من جديد في مناكب الأرض يعمرها بالخير ويسوسها بالعدل، وينشر نور القرآن في جنبات الحياة. وبفضل إحياء معاني العقيدة تقلصت مساحة الانحراف وضاقت الأرض على الأخلاق السيئة وعلى أهل الفساد، وعمرت النفوس بالخير والاستقامة والصلاح، ونجم عن ذلك تزايد إقبال الناس على الأعمال البانية وعلى عمارة الحياة كما أرادها الله الذي أنزل القرآن.
ب- فقه العمارة
حين اتضحت معالم العقيدة في سلوك الإنسان تميزت مهمته وهي عمارة الأرض واعتبار ذلك عبادة مقدسة، وواجبا عينيا تنقضي الأعمار دون الوفاء به، وهو ما يجعل المسلم حريصا على مسابقة الزمن لاغتنام هذا الفضل وغرس معالم العمارة أنى حل وارتحل. وهذا المعنى الذي يخشاه أعداء الإسلام من المسلمين، لأن فيه خطرا على مواقعهم وسيطرتهم على مصادر القوة والريادة. وبهذا المسلك الإيجابي تحققت القدوة وانتشر الإسلام في عصوره الذهبية، حين جسدوا تعاليم القرآن واقعا معيشا، وكانوا مُثُلاً في العمل المتقن الكامل، والعدل الشامل.
وكان الشيخ حريصا على ترسيخ هذه المعاني حين يفسر آيات الإيمان والعمل الصالح، فيطيل الحديث ويعتبر ذلك أولى ما يجب الوقوف عنده، لتصحيح المفاهيم وتوجيه السلوك، وإعادة بناء الإنسان كما أراده منزل القرآن.
وأثمرت توجيهاته في هذا الميدان مشاريع اقتصادية متعددة في التجارة والصناعة والزراعة، والخدمات المتنوعة، أخذت تتطور وتتنامى مع مرور الزمن حتى غدا أربابها نماذج تحتذى في العمل المتميز، خبرة وإتقانا، ومهارة وإحسانا. ونافسوا بقدراتهم الاقتصادية نظائرهم من غير المسلمين، وكسبوا لأنفسهم خيرا، ولأمتهم ووطنهم عزّا وقدرا.
ج- الرؤية الشمولية
وظَّف الشيخ بيوض القرآن بمنظور سديد حين دعا إلى سعة الأفق واستثمر ثقافته الموسوعية في بناء إنسان يمتد نظره في الكون الرحيب؛ يتأمل آيات الله في الأنفس والآفاق، وينظر إلى القضايا برؤية موضوعية ثاقبة، ويعالج المشكلات برحابة صدر، ويناقش المسائل بأدلتها المعتمدة، بعيدا عن الأحكام المسبقة، أو المنطلقات الضيقة مذهبية كانت أم عرقية أم جهوية. (1/16)
صفحة 31
وعماده في كل ذلك توجيه القرآن، سواء في تصديق الرواية أم في صحة الآراء. إذ قال في شأن الرواية: ولاَ يَابَ الشُّهَدَآءُ اِذَا مَا دُعُواْ} [البقرة 282]، وفي الشك في الرواية قال: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُم بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماَم بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات 06]. وفي مقام الرأي قال: {وَقَالُواْ لَنْ يَّدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا اَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة 111]، أَمَّنْ يَّبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ أَ. لَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل 64].
فقد حاج بهذه القاعدة أهل الكتاب في دعواهم اختصاص الجنة بهم، كما أبطل بها مزاعم المشركين في ادعاء شريك لله الخالق سبحانه. وغدت هذه القاعدة منهجا في معالجة كل المسائل وإثبات الآراء والنظريات، وصاغها علماء الإسلام في عبارة وجيزة: «إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مدعيا فالدليل». بهذا التوجه استطاع الشيخ بيُّوض القضاء على التعصب المذهبي، وأحيا في الناس روح السماحة والتسامح بناء على توجيهات القرآن إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات 10]، وساهم في ذلك بدروسه النظرية في مساجد الإباضية والمالكية، وفي مشاركة الجميع في مناسباتهم الاجتماعية، وبعضويته البارزة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
كما اعتمد منهج القرآن في القضاء على كثير من العادات السيئة وأنواع السلوك الموروثة أو المبتدعة مما لم يكن له أصل في الدين، أو ما نشأ عن جهل وتقليد. ولم يأل جهدا في الحفاظ على كثير مما ارتضاه من العوائد المشروعة، مما بُني على رعاية المصلحة، وقام على نظر سديد وفقه بمقاصد الشريعة الغراء. وفي تفسير الشيخ المسجل على الأشرطة منه والمطبوع، وفي دروس الوعظ والفتاوى المختلفة نماذج عديدة لهذا التجديد والتأصيل القائم على فقه بالنصوص وبالواقع، وعلى شجاعة قاومت التبعية والتقليد. وثمة ميدان بارز الأهمية تجلى فيه تجديد الحياة من منطلق القرآن؛ عالجه الشيخ بيوض في رسالته الإصلاحية، ألا وهو ميدان الوطن والوطنية.
د= مفهوم الوطنية وأبعادها:
حين انطلقت حركة الإصلاح كان لدى رجالها، -ومنهم الشيخ بيوض- وعي تام بطبيعة الواقع، وخطورة الاستعمار على حاضر الأمة، وعلى مستقبل الأجيال.
واتضحت لكل ذي عينين مؤامرات الاستعمار المكشوفة، وسعي عملائه وأذنابه لتكريس بلاء الأمة وإطالة ليلها، بتجهيلها بتاريخها، وسلخ الأجيال من مقوماتها. (1/17)
صفحة 32
ورسخت لدى فريق من هؤلاء قناعة بضرورة التغيير، وأنه ممكن غير مستحيل، وأن بقاء الأوضاع على حالها ليس قدَرًا محتوما، ولا مصيرا مفروضا يمتد إلى يوم النشور. من هذه القناعة انطلق رجال الإصلاح في تجسيد مشروعهم وفق خط واضح المعالم يبدأ بتغيير النفوس وفق المنهج القرآني: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد 11].
واستيقن رجال الإصلاح أن تغيير النفوس يكون -كما تُبنى النفوس- بحكمة وأناة، ونفَس طويل. كما جعلوا شعارهم الدعوةَ للتشبث بالثالوث المقدس: الإسلام، الوطن، العربية. «الإسلام ديننا، الجزائر وطننا، العربية لغتنا» (1).
وكان إنشاء الشيخ بيوض لمعهد الحياة (2) تجسيدا لهذه القناعة، ويذكر الشيخ في أكثر من مناسبة أنه سَمَّى معهده بمعهد الحياة قصدًا إلى هذا المعنى الشامل للحياة الكريمة التي دعا إليها القرآن يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال 24] (3) ونال نصيبَ الأسد إحياءُ معاني القرآن في وعي الطلبة بترسيخ العقيدة وتفعيلها، واستخلاص العبر من قصص القرآن. ومعالجة الواقع على ضوء توجيهات القرآن. وكان تكوين الطلبة بمعهد الحياة مزدوجا، تمتزج فيه النظرية بالتطبيق، والتأصيل بالممارسة، سواء في المجال الشرعي والأدبي، أم في المجال الفكري والوطني. لقد ركّز الشيخ بيوض على بناء أنفس ناشئته على الفعالية، والعمل لتوظيف العلم لبناء الأمة، ومقاومة الظلم بكل صوره، وفي مقدمته ظلم المستعمر الذي أحكم قبضته على الجزائر أزيد من قرن من الزمان.
ومن ثمار هذا التوجيه غدا الطلبة يهتفون بأهازيج حب الوطن ومقاومة المستعمر، ويعملون جادين لتحرير أبدانهم من أغلاله بعدما تحررت أنفسهم من ضلاله. وتحفظ مجلة الشباب بمعهد الحياة ودواوين أناشيد طلبة المعهد رصيدا غنيا من هذه القصائد الحماسية التي تطفح حبا للإسلام وغيرة على الأوطان ودعوة لتحريرها من براثن
__________
(1) -هذه مقالة الإمام عبد الحميد ابن باديس، وأصبحت شعارا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست سنة 1931م.
(2) -تأسس معهد الحياة بصورة علنية، سنة 1925م. وإن بدأ نشاطه قبل ذلك بأربع سنوات، إثر وفاة الشيخ الحاج عمر بن يحي، شيخ الشيخ بيوض رحمهم الله جميعا. وللتفصيل ينظر: شريفي سعيد، معهد الحياة، نشأته وتطوره.
(3) -كان الشيخ عدون رحمه الله يذكرنا بهذه المعاني في كلماته الافتتاحية لمعهد الحياة أول كل سنة دراسية. (1/18)
صفحة 33
الاستعمار. في متلازمة لا يميز فيها الدارس بين دين ودنيا، ولا بين وطن وحرية، فكلها عناصر متشابكة تشكل نسيج الفرد المسلم، في إيمانه وسلوكه، وفي مساره وغايته (1).
وقد ركز الشيخ بيوض في تعليم النشء أن العمل للإسلام والوطن وجهان لعُملةٍ واحدة، يتلازم الحديث عنهما تلازم الظل والإنسان. فالوطن وعاء الإسلام ومهد الدين، والإسلام روح الحياة وجوهر الإنسان، ولا يتصور أن ينفك التفكير في أحدهما عن التفكير في الآخر، بله أن يُفصَلَ بينهما في الممارسة والعمل. لذلك كان العمل لتحرير الوطن واجبًا دينيًا قبل أي شيء، ورسخت برامج المعهد في أنفس الطلبة أن التفريط في الوطن والتقاعس عن نصرته يعتبر محرّمًا شرعا، وكل مسعى لإبقائه تحت ربقة الاستعمار يُعدّ كبيرة من الكبائر العظام، ومعولاً لهدم أركان الإسلام. وكان المستعمر بهذا المنظور رمز الكفر وراعيَه، فيحرم التعامل معه، أو تكريمه وتبجيله، بله الخضوع له والتذلل بين يديه، كلُّ هذه الأفعال منكر كبير، ونقض لعرى الدين.
وتجلّى العمل للوطن في تعزيز الشعور الإسلامي والاعتزاز بالأمجاد، وتذكير الجيل الحاضر بشرف الانتماء إلى الحضارة الإسلامية فكرا وأخلاقا ولسانًا، وبعث هذه المعاني في نفوس الشباب حتى يواصل المسيرة المباركة لأمة الإسلام. وبهذه التعبئة تَمّ بعث روح المقاومة والسعي لتحرير الأوطان. والتحريض على التشبث بأهداب الدين لأنها أساس النصر، وشرطه الجوهري لاستعادة الحرية المفقودة، وتجديد العزة المنشودة.
كما اقتضى هذا التصور والمنهج الواعي ضرورة السعي لمحاربة الرذائل والتمسك بالفضائل، باعتبار ذلك وسيلة ضرورية لجهاد العدو الخارجي، ومقارعة الاستعمار (2).
لقد كان القرآن المنطلق الأول للاتجاه الوطني في حركة الشيخ بيوض، منه يستمد مشروعيته، وعليه يبني مشروعه، ومن مصادره يستقي مادته، قرآنا وتاريخا، وتراثا. كما اختار الشيخ بيوض عن تبصر وحكمة كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» (3) للشيخ عبد الرحمن الكواكبي، فدرّسه لطلبته في دروس منتظمة، كان يهدف منها إلى إذكاء الروح الوطنية في نفوس الناشئة.
__________
(1) -ينظر بحثنا: الوطنية في أناشيد طلبة معهد الحياة، ألقي في مهرجان الوفاء لتأبين الشيخ عدون وتدشين مبنى معهد الحياة الجديد، 9 ماي 2009م.
(2) -لبيان جذور العقيدة في الحركة الوطنية والثورة الجزائرية على الخصوص، ينظر: د. عبد المالك مرتاض، أثر البعد الإيماني في الثورة الجزائرية. مقال في الأنترنت.
(3) -طبع الكتاب طبعات عديدة. (1/19)
صفحة 34
وكتاب الكواكبي ينضح حرقة وشوقا للحرية، وكرها للظلم والاستعباد، وبيانا لمصارع الاستبداد، ودعوة لفك أغلال العبودية التي جثمت على أرض المسلمين خلال حقبة الاستعمار، بمختلف صوره وأشكاله. وتحقيقا لهذا الهدف انطلقت أهازيج الطلبة تردد صدى كلمات الشيخ في أناشيد مدوية تدعو إلى التحرر والجهاد لمنازلة العدو، والسعي لتحرير الوطن من قيد الاستعباد. وملكت هذه المشاعر على الطلبة أقطار نفوسهم، فظلوا يرددونها كل حين، ثم سعوا لتجسيدها في الميدان بعد تخرجهم من أحضان المعهد وانتشارهم في رحاب الحياة، ومواقع المسؤولية في المجتمع، وفي كل ربوع الوطن الكبير. يقول علي معمر:
يا شبابالعلا علموانشأكمأجمعين
فبهتبلغوا عزة تملأالخافقين
- - -
أمتكم تدعوكم مدوالهااليدا
لبوافإنها بين يديالردى
- - -
والوطنالغالي بين يديالعدا
وهويناديكم فاستمعواالندا
- - -
وتتحد أناشيد شباب المعهد في توظيف هذه الصورة للوطن، واعتماد هذا الأسلوب، لأنه الوسيلة الوحيدة لاسترجاع المجد المسلوب. فهذا علي يحي معمر، وقد ملئ حماسا ووطنية صادقة، يعلنها صريحة مدوية، ويجدد تصوير الوطن في حالة بؤس يرثى لها، وأنه يشكو الحزن والأنين، ويستغيث بأبنائه، ليكشفوا كربته، ويسعوا لتحريره. وقد تعيّن عليهم هذا الواجب، وحرم عليهم المقام في جحيم الذل والهوان، ويحفزهم من جديد باعثا فيهم معاني العزة والإقدام، وأنهم الجند القائد، والأمل القادم، وبه نجاة الوطن وعزة الأمم. يقول علي معمر: (1/20)
صفحة 35
يا فتية الشعبالمصان قوموا انزعواثوب الهوان
بلا امتهان
- - -
بلادناتشكو المعتدينَالله تردد الحزنوالأنينَالله
فهل ترىقلبا حنونا يسمو بهادرج الكمال
- - -
نرى فداءالبلاد دينا فكيف نبقى مستعبدين
لا نرتضيالعيشمدبرينَ فالعيشفيالذلضلال
- - -
نحن الضحايارغم البلايا نقودنحوالعزالسرايا
ننجيالبرايامنالرزايا نفديهافيساحالقتال
- - -
ويردد علي معمّر هذه المعاني في كل نشيد من أناشيده، ويدعو الشباب للذب عن حمى الأوطان، ويحدد له رسالته وغايته قائلا في نبرة يقين واعتداد:
نحن شبَّان البلاد حاملو بند الجهاد
لسنا نرضى باضطهاد أبدًا لا نستكين
- - -
شعبنا أرض المعالي حائزا كل الكمال
إننا الجند الغوالي نحرس الغالي الثمين
- - -
ويؤكد صالح خباشة في نشيد «يا بعثة انشدي وهُزِّي العلما» أنَّ الغاية من طلب العلم رفعة الوطن وحراسة الحمى:
يا بعثة انشدي وهزّي العلما أنشودة النضال واحرسي الحمى
في تونس اصطفي العلوم سلّما نرقى بقطرنا الجزائر السما
- - -
إناضحاياالعلمنبذلالجهود آمالنالاتنتهيإلىحدود
إناسراياجُنّدتإلىلجهاد رغمالبلاء، لا ننثنيعن المراد
جيشعتيددائبالعمل عزمحديديفريالجبل
ساميالمُنىعاليالمثل (1/21)
صفحة 36
ويوجه صالح باجو نشيده «يا نشء معهدي» إلى فتية المعهد محفزًا ومذكرا بدوره الريادي في تحرير الوطن. وكلمات النشيد معبرة عن الروح الوطنية المتدفِّقة في عروقه، دعوة لشباب المعهد أن يتولَّى المهمة المنوطة به، قياما بحق الوطن، وفداء له من العدو الأجنبي، والمراد به المستعمر الفرنسي. وأنه حصن الدين وحامي الوطن. وواجب النشء تجديد الحياة، وبعث الأمة بالعلم، لتعرف حقها في الحرية والكرامة، وتسعى لافتكاكها من يد المغتصب المعتدي. ووسيلة هذه الغاية طريقان: العلم والجهاد. والأسلوب الفتك بالأعاد، وتجنيد السرايا لتقتحم الميدان، وتنازل الأعداء في ساح المعارك. ولن يتم هذا اللقاء دون التدرع بسلاح العلم ومعرفة حق الوطن، وواجب الدفاع عنه، وعن مقدساته، وحماية الدين لأنه جوهر رسالة المسلم في الحياة. أن يعيش لدينه وبدينه، ولا يرضى عنه بديلا. يقول باجو صالح: يا نشء معهدي (1)
يا نشءمعهدي يا رمزالأخوَّة
يا خيرسندي يامنبعالفتوَّة
يامنجيالوطنوطني منيدالمحنمحني
يانشءمعهدي ياحصنذاالدين
- - -
بالعلموالجهاد أنقذواالبرايا
للفتكبالأعاد جنِّدواالسرايا
يانشءمعهدي معهدي
أحمداقتدي اقتدي
كيتبلغالمرام ياحصنذاالدين
- - -
فأنتمُهداة شعبناالفتى
فجددواالحياة رغمالأجنبي
بالنورالسني السني
والخلقالسمي السمي
لازلتتعتلي ياحصنذاالدين
- - -
__________
(1) -باجو صالح، أنشأه بالقرارة، في إحدى حفلات المعهد، سنة 1948 أو 1949م .. (1/22)
صفحة 37
وهذا محمد لعساكر في نشيده الخالد «يا شباب أحمد» يدعو إلى مقاومة المستعمر ونبذ الاستكانة والعيش تحت سلطانه:
إن الحياة حقواجب مقدس شر الأمور رقٌّللشعب الأمين
يا شباب أحمد لا ترضى الهوان
- - -
نفس الحرّ أبيةلا ترتضي الدنية ولو إلى المنيةتساق لا تلين
يا شباب أحمد لا ترضى الهوان
- - -
نحن بنو الجزائروديننا الإسلام ليخسأ كل ناكرسيِّء الظنون
يا شباب أحمد لا ترضى الهوان
يقول علي معمر:
أوطاني، بلد الإسلام أوطاني
نغم الإسلام ألحاني بلد الإسلام
الوطن لنا الوطن لنا
- - -
أهواها، بلد الإسلام أهواها
عين الرحمن ترعاها
لجلال المجد والشان بلد الإسلام
- - -
يا شباب، عزم الشبان غلاب
وجنود الشرق أحزاب
فاحرسوا عليا أوطاني بلد الإسلام
- - -
فاحموهمن كيد العادي نجوه
أنتم في الناس راعوه
من ظلم الغاصب الجاني بلد الإسلام
- - -
فالعارأن الإسلام ينهار
وبنوه الكثرقد حاروا
في دفع الغاصب الجاني بلد الإسلام (1/23)
صفحة 38
الخاتمة:
اتضح من عرضتجربة الشيخ بيوض أنه كان مجددا استوفى شروط القيام بمهمة التجديد، وأنه كان مستوعبا لمفهوم التجديد، واعيا بمنهجه، وسبل تحقيقه، واتخذ من القرآن منطلقا وعدة ومنهجا، ومن الفرد والمجتمع ميدانا وغاية، ومن التربية وسيلة. وأنه نجح في إعادة بناء الإنسان وإحياء الدين في النفوس، فانطلقت تجسد معانيه سلوكا وأخلاقا، وعمارة ومنهج حياة. وهو ما يُفيدنا في إصلاح أوضاع المجتمع وعلاج مشكلات الشطط في المواقف والسلوك، وما يعانيه المسلمون من أدواء لا تزال تفتك بهم وتحبسهم في ذيل قافلة الحضارة، وتأسر بعضهم بأغلالها خارج الزمن، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ويفيدنا الاطلاع على هذه التجربة معرفة بطرق معالجة الواقع، بتجديد معاني القرآن في النفوس، وتجسيدها في الواقع المعيش. والعمل على توفير شروط فقه القرآن ودرك مقاصده، والاطلاع على السنة باعتبار السنة جزءا أساسيًا لفهم القرآن. والإفادة من العلوم الحديثة في تحقيق هداية القرآن.
ومن أهم عناصر التجديد كما أفادته تجربة الشيخ بيوض توجيه النص القرآني للعلاج، ومداواة علل النفس والمجتمع، بأن نبني بالقرآن الإيمان في القلوب، والأخلاق في النفوس، والاستقامة في السلوك. والتعاون على البر والتقوى، ورص الصف، وتوحيد الجهود، والتكامل لإصلاح الأوضاع والسعي لنيل مرضاة الله.
وتناول القرآن في إطاره الزمني بدراسة السيرة النبوية وأسباب النزول مفتاح نجاح عملية التجديد بالقرآن، وإقرار للحكمة الإلهية في نزوله على محمد - صلى الله عليه وسلم - وامتداد فترة النزول ربع قرن من الزمان.
وفي موكب الصحابة نموذج حي لثمرات الالتزام بنهج القرآن، كما يؤكد الاطلاع على التاريخ الإسلامي نسبية الاستقامة وما يعترضها من معوقات، وهو ما قررته حقائق القرآن أن الحق والباطل سيظلان في سجال حتى تقوم الساعة، وسنة الله التدافع بينهما، ليتم الابتلاء، ويكون الجزاء بقدر الاجتهاد والإخلاص في البلاء، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. والحمد لله ربّ العالمين. (1/24)
صفحة 39
قائمة المراجع
01 - إبراهيم بيوض، «أعمالي في الثورة»، جمعية التراث، القرارة، غرداية، 1989م.
02 - إبراهيم بيوض، «تفسير سورة الإسراء»، ط1، نشر دار النهضة للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، 1413هـ1992م.
03 - جمعية الإصلاح، غرداية. «كتاب خمائل الطرب» إعداد ونشر جمعية الإصلاح، تصوير ريزوغراف، 1962م.
04 - جمعية التراث، «أعمال الملتقى العلمي الأول لفكر الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض»، 2002م.
05 - جمعية التراث، «في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين»، تقديم د. محمد ناصر، وفيه خطب ومقالات حول تاريخ الشيخ بيوض.1989.
06 - جمعية النهضة، «الشيخ القرادي حياته وآثاره»، جمعية النهضة، العطف، 1990.
07 - د. عبد المالك مرتاض، أثر البعد الإيماني في الثورة الجزائرية. مقال في الأنترنت.
08 - د. محمد ناصر «مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة»، نشر جمعية التراث، ط2، جمعية التراث، العطف، غرداية، 1989م.
09 - سعيد شريفي (الشيخ عدون)، «معهد الحياة نشأته وتطوره»، ط1، 1409هـ -1989م.
10 - صالح الخرفي، «من أعماق الصحراء»، نشر دار الغرب الإسلامي، 1990
11 - عبد الرحمن بكلي، «محاضرات البكري حول العلم والعلماء»، إعداد د. مصطفى باجو، نشر مكتبة البكري، العطف، غرداية، 2002.
12 - محمد علي دبوز، «أعلام الإصلاح في الجزائر»، ج1، مطبعة البعث، قسنطينة، 1394هـ/1974م/ ج2، 1396هـ/1976م/ ج3، 1398هـ/1978م./ ج4، 1400هـ/1980م. «أعلام الإصلاح في الجزائر»، ج5، مطبعة البعث 1981.
13 - محمد علي دبوز، «نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة»، ج3، ط1. المطبعة العربية، الجزائر. 1389هـ/1969م.
14 - نور الدين سوكحال، «منهج الإصلاح عند الشيخ بيوض» رسالة ماجستير، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة.
15 - نور الدين سوكحال، «منهج الإصلاح عند ابن باديس وإبراهيم بيوض». أطروحة دكتوراه، جامعة الأمير عبد القادر.
16 - أبو الأعلى المودودي، «موجز تاريخ إحياء الدين وتجديده»، ترجمة محمد كاظم سباق، مؤسسة الرسالة، ط4، 1401هـ1981م.
17 - عدنان محمد إمامة، «التجديد في الفكر الإسلامي»، ط1 دار ابن الجوزي، 1424هـ. (1/25)
صفحة 40
ولاية المرأة القضاء
في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي
د: خالد بن مبارك الوهيبي
كاتب وباحث ـــ سلطنة عمان
م
مقدمة:
موضوع ولاية المرأة القضاء من القضايا التي شغلت الناس لارتباطها بالواقع الاجتماعي، وقد اختطت معظم التشريعات العربية منهج السكوت عن إيراد نص بتعيين الذكورة شرطاً من شروط تعيين القاضي، وهو موضوع يحتاج للكشف عن الفلسفة التي تقف وراءه، وكذلك فإن المعالجة الشرعية للمسألة - وهي المعول عليها كثيراً في هذا الموضوع-؛ تكتنفها العديد من الإشكالات من حيث ثبوت بعض النصوص التي يحتج بها والتي تعد أعمدة تكوين الرؤية حول المسألة وكذلك منهج قراءة (1) النصوص. ويهدف هذا البحث إلى:
*- دراسة المسألة في الفقه الإسلامي الذي كثيراً ما يحيل القانونيون إليه في تحليلهم لهذه المسألة، مع الأخذ في الاعتبار المعالجة المختلفة للنصوص الواردة في المسألة.
*- دراسة مسألة تولية المرأة القضاء في بعض القوانين العربية.
والسؤال الرئيس في البحث ومفتاحه: هو عن الرؤية الشرعية من تولي المرأة القضاء وتأثير ذلك على التشريعات العربية، ويتفرع عن هذا التساؤل:
__________
(1) 1 - مصطلح القراءة من المصطلحات التي أعطاها القرآن أبعاداً لم تستوعبها المعاجم اللغوية، فالقرآن الكريم في سورة (العلق) يعطي هذا المصطلح معنى النظر والتدبر، ففي الآيات اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق:1 - 2] نحن بصدد قراءة باسم الله للكون المنظور، وهي قراءة تستلزم النظر والتدبر، وفي الآيات اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ (3) الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق:3 - 4] قراءة للوحي المسطور بالقلم، وهي قراءة تدبر ونظر، فالقراءة هي تدبر ونظر وفحص وإعمال لكافة الحواس المدركة في الإنسان. (1/26)
صفحة 41
* - عن موقف المشرع في عدد من البلدان العربية من مسألة تولي المرأة القضاء.
* - والأسباب والمبررات التي وقفت وراء خطة المشرع في هذين البلدين.
ومنهج البحث هو المنهج التحليلي، حيث سأناقش فيه المواقف المختلفة في الفقه من هذه المسألة التي كثيراً ما تعول القوانين العربية - ومنها القانونين العُماني والمصري- على المستقر في الفقه الإسلامي، وكذلك موقف النظم القانونية المختلفة من تولي المرأة القضاء، والفلسفة التي تكمن وراء هذه المواقف، ولعل الجديد في الطرح الذي سأقدمه هو معالجة مختلفة بعض الشيء في قراءة النصوص المتعلقة بهذه المسألة، بالإضافة إلى نقاش في الثبوت التاريخي لنصوص أخرى متعلقة بهذه المسألة أيضاً، وهي النصوص الروائية.
وقد حاولتُ في البحث تجنُّب الإشكالات التي وقعت فيها العديد من الكتابات التراثية في معالجة هذا الموضوع، كتغليب الرواية والفقه الموروث على حساب القرآن ودلالاته، التي كان من الواجب أن تعلو دلالاتها فوق أية رواية وأي رأي ژ??????????ژ [النحل:89]، وكذلك نأيت بالبحث عن الجمود على نظريات فقهية موروثة دون محاولة نقدها وتقييمها، سائلاً المولى جلت قدرته التوفيق والسداد، فما كان من صواب فمنه سبحانه، وما كان من خطأ فقصور بشري، والكمال لله والعصمة لأنبيائه.
المطلب الأول: تولي المرأة القضاء في الفقه الإسلامي
تعد مسألة تولي المرأة القضاء من المسائل التي شغلت أذهان الفقهاء لفترة طويلة من الزمن، ولا يزال النقاش حولها سارياً إلى يومنا هذا، وما ذلك إلا لتداخل مختلف العناصر في بحثها، فقد تداخل في البحث:
*- استخلاص دلالات معينة من آيات القرآن تحت ضغط نصوص حديثية نسبت إلى مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وجهت الدلالات نحو وجهة معينة.
*- وموروث اجتماعي متعلق بالنظرة في طبيعة المرأة ودورها في الحياة، وهذا الموروث في قسم منه ناشئ عن ثقافة إسرائيلية انتشرت بين العرب الأميين منذ قديم الزمان بحكم الوجود اليهودي في الجزيرة العربية، وهذا الانتشار الكمي للظاهرة الإسرائيلية طبع (1/27)
صفحة 42
بطابعه بعضاً من الروايات الحديثية والفقه بطابعه منذ وقت مبكر (1)، وهذا ما سوف نتناوله لاحقاً.
*- ثقافة معاصرة ضاغطة أفرزتها الحضارة الغربية تساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية دون التفات إلى الجنس.
ولذا فإن هذا المطلب الخاص بالآراء المتعلقة بتولي المرأة القضاء: المؤيدة منها والمعارضة؛ سوف يقسم إلى فرعين: الفرع الأول: الآراء المعارضة لتولي المرأة القضاء، الفرع الثاني: الآراء المؤيدة لتولي المرأة القضاء
الفرع الأول: الآراء المعارضة لتولي المرأة القضاء
ذهب جمهور الفقهاء من مختلف المدارس الفقهيةإلى عدم جواز تولي المرأة القضاء (2)، واحتجوا لرأيهم بعدة أدلة من القرآن والحديث والإجماع والمعقول، أهمها:
1. الأدلة من القرآن:
أ- قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا مِنَ اَمْوَالِهِمْ} [النساء:34] فقالوا «إن القوامة هي أن يقوم الرجال بالنفقة عليهن والذود عنهن وكفالتهن الكفالة الكاملة والسعي عليهن» (3)، ويكون الرجال «أمراء عليهن أي
__________
(1) 1 - للتوسع في موضوع أثر الرواية الإسرائيلية على الرواية الحديثية والفقه؛ انظر: طه جابر العلواني، لا إكراه في الدين. جورج طرابيشي، المعجزة أو سبات العقل. خميس العدوي وزكريا المحرمي وخالد الوهيبي، السنة: الوحي والحكمة. عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام.
(2) 2 - عبد الله بن أحمد بن قدامة، المغني، ج10، ط1، دار الفكر، لبنان، 1405هـ، ص92. خميس بن سعيد الشقصي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، ج5، ط1، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، 2006م، ص133. محمد الخراشي، منح الجليل شرح مختصر خليل، ج4، المرجع الأكبر في التراث الإسلامي، الإصدار الثاني، شركة العريس للكمبيوتر، ص136.محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، ج28، ط1، وزارة التراث القومي والثقافة، 1984م، ص25.
(3) 3 - مبارك بن عبد الله الراشدي، السلطة القضائية في تونس وعُمان، بدون ناشر، سلطنة عمان، 2002م، ص113. (1/82)
صفحة 43
تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله» (1)، وعليه فإن تولية المرأة القضاء تتنافى مع القوامة بهذا المفهوم، فإذا «جازت تولية النساء القضاء أو شيئاً من الولايات العامة لكانت لهن قوامة على الرجال وهو ما لا يجوز بنص الآية» (2).
ب- قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُم فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ اَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى} [البقرة:282]، فقالوا: «إنَّ هذه الآية صريحة في أن المرأة لا تقبل شاهدة وحدها في الأموال، بل تقوم اثنتان من النساء مقام رجل واحد ... فكيف يصح أن تكون قاضية فيها أيضاً» (3).
وأيَّدوا هذا النظر بما روي أن النبي حقال: «يا معشر النساء تصدَّقن فإني أُرِيتُكُنَّ أكثر أهل النار. فقلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: تُكثرن اللعن، وتَكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلِّ؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها» (4).
فالحديث المروي عن النبي حيدل على أن المرأة ناقصة عقل ودين، ومن نقصان عقلها أن شهادتها نصف شهادة الرجل، «ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي ليست أهلاً للحضور في محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها» (5).
2. من الحديث:
أ- ما روي عن أبي بكرة قال: «لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي حأن فارساً ملكوا ابنة كسرى قال: لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة» (6).
__________
(1) 1 - إسماعيل بن عمر بن كثير، تفسير ابن كثير، ج1، ط دار إحياء التراث العربي، لبنان، ص492.
(2) 2 - أحمد السيد صاوي، الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، ط المؤسسة الفنية، مصر، ص100.
(3) 3 - مبارك بن عبد الله الراشدي، مرجع سابق، ص113.
(4) 4 - صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم الحديث (298)؛ محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، ج1، تحقيق: مصطفى ديب البغا، ط3، دار ابن كثير، لبنان، 1987م، ص116.
(5) 5 - عبد الله بن أحمد بن قدامة، مرجع سابق، ج10، ص92.
(6) 6 - صحيح البخاري، باب: الفتنة التي تموج كموج البحر، كتاب الفتن، رقم الحديث (6686)؛ محمد بن إسماعيل البخاري، ج6، مرجع سابق، ص2600. (1/83)
صفحة 44
وفي رواية أخرى؛ قال أبو بكرة: «قد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله حبعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتله معهم، بلغ رسول الله حأنَّ أهل فارس ملَّكوا عليهم ابنة كسرى فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (1).
قال ابن التين: «احتج بحديث أبي بكرة من قال لا يجوز أن تُولَّى المرأة القضاء وهو قول الجمهور» (2)، فالحديث كما يقول أصحاب هذا الرأي يمنع المرأة من تولي الولايات أيًّا كان نوعها، والقضاء نوعٌ من الولاية.
3. الأدلة من الإجماع:
قال أصحاب الرأي المانع إنه لم ينقل عن رسول الله حولا عن أحد من الخلفاء الراشدين من بعده أنهم ولوا امرأة قضاء أو ولاية بلد، ولو جاز ذلك لوقع ولو مرَّة واحدة، وهذا يعتبر إجماعًا على عدم صلاحية المرأة لتولي القضاء (3)، وقد أجاب الطرف الآخر بأنَّ هذا الإجماع لا دليل عليه، بل قد جاء أنَّ الخليفة عمر بن الخطاب ولَّى الشفاء بنت عبدالله العدوية الحسبة في السوق (4)، والحسبة ولاية ذات طبيعة قضائية، فالمحتسب كان يصدر أحكاماً فيما يتعلَّق بالغش في الأسواق والتطفيف في المكاييل وغيرها.
وردَّ الطرف الرافض بأن ما «روي أنَّ عمر قدَّم امرأة على حسبة السوق لم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث» (5).
4. الأدلة من المعقول:
استدلوا لذلك بأنَّ المرأة إذا تولَّت القضاء فإنها ستضطر إلى مخالطة الرجال ومجالستهم، وقد تختلي بهم، وهذا فيه مفسدة للمرأة والمجتمع (6)، قال ابن العربي: «فإن المرأة لا يتأتى منها
__________
(1) 1 - سنن البيهقي الكبرى، باب لا يأتمُّ رجلٌ بامرأة، كتاب الصلاة، رقم الحديث (4907)؛ أحمد بن الحسين البيهقي، سنن البيهقي الكبرى، ج3، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، ط مكتبة الباز، السعودية، 1994م، ص90.
(2) 2 - أحمد بن علي بن حجر، فتح البارئ شرح صحيح البخاري، ج13، تحقيق: محب الدين الخطيب، ط دار المعرفة، لبنان، ص56.
(3) 3 - عبد الله بن أحمد بن قدامة، مرجع سابق، ج10، ص92.
(4) 4 - يوسف بن عبد الله بن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج4، ط دار الكتب العلمية، لبنان، 2002م، ص423 - 424.
(5) 5 - محمد بن عبد الله بن العربي، أحكام القرآن، ج3، تحقيق: محمد عطا الله، ط دار الفكر، لبنان، ص482.
(6) 6 - رشدي شحاته أبو زيد، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة من المنظور الإسلامي، ط1، دار الوفاء، مصر، 2007م، ص178. (1/84)
صفحة 45
أن تبرز إلى المجالس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير؛ لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها، وكلامها وإن كانت متجالة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم وتكون منظرة لهم، ولم يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده» (1).
الفرع الثاني: الآراء المؤيدة لتولي المرأة القضاء
ذهب قطاع من الفقه الإسلامي إلى جواز تولي المرأة القضاء، وهؤلاء على اتجاهين: اتجاه يذهب إلى جواز تولي المرأة القضاء فيما عدا الحدود والقصاص، واتجاه يذهب إلى جواز تولي المرأة كافة مسائل القضاء دون استثناء، وهو رأي ابن جرير الطبري، وأيَّده من المعاصرين محمد الغزالي (2).
واستدلَّأصحاب الاتجاه الأول لرأيهم بالقياس، بالقول إنها تصلح قاضية فيما يصحُّ أن تشهد فيه، أي قاسوا قضاءها على شهادتها، وكذلك صحَّة ما تتولاه من بعض المسؤوليات التي أجاز الفقهاء لها بتوليها، قال ابن نجيم: «لأنها أهل للشهادة في غيرهما فكانت أهلاً للقضاء، لكن يأثم المولِّي لها للحديث لن يفلح قوم ولَّو أمرهم امرأة، وفي فتح القدير ألا ترى أنها تصلح شاهدة وناظرة في الأوقاف ووصية على اليتامى» (3).
واللافت للنظر هنا أن مقاربة ابن نجيم تقدم رؤية في حقبة متأخرة تجيز تولية المرأة، وفي الوقت ذاته ترتب الإثم على من يوليها؛ على اعتبار أن القياس يؤيد ذلك والرواية ترفضه، وهي رؤية لم تكن لمتقديهم (4).
__________
(1) 1 - محمد بن عبد الله بن العربي، مرجع سابق، ج3، ص483.
(2) 2 - محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ط6، نسخة الكترونية، ص25.
(3) 3 - زين الدين بن نجيم الحنفي، البحر الرائق، ج7، ط2، دار المعرفة، لبنان، ص5.
(4) 4 - كان متقدمو الحنفية تبعاً لتفريعات أئمتهم لا يقبلون الحديث أو الرواية لـ «أربعة أوجه: إما أن يكون مخالفاً لكتاب الله تعالى أو لسنة مشهورة عن رسول الله، أو يكون حديثاً شاذاً لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته، أو يكون حديثاً قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول، بأن ظهر منهم الاختلاف في تلك الحادثة ولم تجر بينهم المحاجّة بذلك الحديث» السرخسي، أصول السرخسي، ج1، ص364.
وبسبب ذلك استجاز الكثير من أهل الحديث (الطعن على أبي حنيفة لرده كثيراً من أخبار الآحاد العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذّ عن ذلك ردّه وسماه شاذاً) ابن عبد البر، الانتقاء، ص149. (1/85)
صفحة 46
وأجاب الفريق المانع لتولي المرأة القضاء على حجَّة القياس هذه بالقول بأن «الشهادة أقل رتبة من القضاء، لكونها مخصوصة والقضاء عام، فهو قياس مع الفارق، وأيضاً فإن قبول شهادة المرأة إنما كان لأجل الضرورة، أما توليها القضاء فلا تدعو الضرورة إليه» (1)، وكذلك فإن عملها وكيلة للأوقاف ووصية على اليتامى يعد من قبيل الولايات الخاصة، أما القضاء فهو من الولايات العامة، التي لا تستطيع المرأة مباشرتها لصعوبتها وكثرة مخالطتها للرجال (2).
وأجابوا كذلك بأن هذا القياس معارض لعدة نصوص، كحديث «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن»، وحديث «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة» (3).
أمَّا ابن جرير الطبري فقد شكك القائلون بمنع تولي المرأة القضاء في نسبة الجواز المطلق إليه، يقول ابن العربي: «ونقل عن محمد بن جرير الطبري إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق» (4).
ويلحظ على أدلة الفريق المؤيِّد عدم وجود نصوص تؤيد دعواهم كما هو الحال بالنسبة للفريق الرافض، واقتصر دورهم على الرد على أدلة الفريق المانع من ذلك، لذا اقتصر المتأخرون منهم على تخريج القول بالجواز على قياس القضاء على الشهادة.
1. ففي الاحتجاج بموضوع قوامة الرجل على المرأة التي استدل بها الفريق المعارض:
رد أصحاب الرأي الآخر بأنه لا يمكن الاستشهاد بهذه الآية في الموضوع المطروح وهو تولي المرأة القضاء، لأن القوامة لا تعني التسلط والهيمنة المطلقة من الرجل على المرأة، بل تعني وفقاً للغة القرآن قيام الرجل بالإشراف على شؤون الأسرة وفقاً للعدل، قال الراغب في مفراداته: (وقيام للشيء هو المراعاة للشيء والحفظ له) (5)، وهذا ما قدمه القرآن من مفهوم للقوامة، قال الله تعالى:
__________
(1) 1 - مبارك بن عبد الله الراشدي، مرجع سابق، ص115.
(2) 2 - مبارك بن عبد الله الراشدي، مرجع سابق، ص115.
(3) 3 - إبراهيم بن محمد بن مفلح، المبدع، ج10، ط المكتب الإسلامي، لبنان، 1440هـ، ص19.
(4) 4 - محمد بن عبد الله بن العربي، مرجع سابق، ج3، ص482.
(5) 5 - الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ط1، دار القلم، سوريا، 1992، ص690. (1/86)
صفحة 47
{يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ} [النساء: 135].
{يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ} [المائدة:8].
{وَالذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يُقْتِرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا} الفرقان:67.
والإشراف لا يعني حكر كل أمور الحياة في جانب الرجل، فيمكن للمرأة تدبير شؤون الأسرة وإدارتها مع بقاء ميزة الإشراف بيد الرجل، كما أنه يجوز للحاكم أن يفوض من يشاء من المحكومين للقيام ببعض مهامه، ولا يعد ذلك إخلالاً بسلطاته، فالعلاقة بين الزوجين في داخل الأسرة قائمة على الشورى التي هي أساس العلاقة بين كافة مكونات المجتمع، فهم يقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة وأمرهم شورى بينهم، قال تعالى: {وَالذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى:38]، وهذا التطبيق في مجال الأسرة يظهر جلياً في مقام التشاور حول فصال الولد {فَإِنَ اَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة:233].
2. وعن الاحتجاج بأنَّ شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل: هذه الحجة لم تكن لأطراف الرأي الآخر من مواجهتها سوى القول بأنَّ هذا التشريع من الله ويختص بشأن الشهادة ولا ينسحب إلى غيرها من الشؤون (1).
3. أما عن الاحتجاج بحديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»:وهي ما روي عن أبي بكرة قال: «لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي حأن فارساً ملكوا ابنة كسرى قال: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» (2). فهذا الحديث مما دار الجدل حوله كثيراً، فالقسم الأكبر من المنتقدين لهذا الرأي يرون أن الحديث يختص بالولاية العظمى، أي رئاسة الدولة، وهذا ما رآه ابن حزم، حيث قال بعد ذكره للحديث: «إنما قال ذلك رسول الله حفي الأمر العام الذي هو الخلافة» (3)، وما قاله ابن حزم صار هو مستند أكثر المؤيدين لتولي المرأة القضاء.
وقسم آخر منهم رفض هذه الرواية جملة على اعتبار أن روايتها جاءت في سياق ظرف تاريخي مُشبع بصراعات سياسيَّة وهي حرب الجمل التي كانت السيدة عائشة أحد
__________
(1) 1 - محمد سليم العوَّا، الفقه الإسلامي في طريق التجديد، ط3، سفير الدولية للنشر، مصر، 2006م، ص147 - 153.
(2) 2 - سبق تخريجه.
(3) 3 - علي بن أحمد بن حزم، المحلى بالآثار، ج8، ط دار الآفاق الجديدة، لبنان، ص472. (1/87)
صفحة 48
أهم رموزها (1)، ووجهة النظر هذه تتلخَّص في أنَّ هذه الرواية تظهر فجأة ودون سابق إنذار وتدلُّ على أنَّ المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء ولا أيًّا من الشؤون العامة، ولم تظهر إلا قبيل التحام الصفوف وتقاتل الفرقاء وسفكهم دماء بعضهم في موقعة الجمل الشهيرة، وقبل ذلك لم يكن الناس على علم بها إلا بعد أن ألقاها لهم أبو بكرة، وهي موجهة حصراً ضد السيدة عائشة التي كانت رمزاً للفريق الذي خرج ضد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب.
والتساؤل: أين كان هذا التشريع لأكثر من خمس وعشرين سنة بعد وفاة النبي ح؟ ولماذا لا يظهر إلا قبيل المعركة التي يستعدُّ الطرفان فيها لسفك دماء بعضهم؟ كل هذه التساؤلات تدعو إلى الشكِّ في هذه الرواية وأنها صيغت لأجل غرض سياسي معين وهو توهين أمر الجيش الذي كان يتخذ من السيدة عائشة رمزاً له، وهذا ما عناه أبو يعقوب الوارجلاني بقوله: «والأصل في سنَّة ظهرت بعد رسول الله حأنها تعتد قولة من أقاويل المسلمين» (2)، أي أنَّ الروايات المتأخرة الظهور لا تعدو أن تكون رأياً يُفحص ويُتثبت من أمره.
وأصحاب هذا الرأي لا يتَّهمون أحداً بعينه باختلاق هذه الرواية وصناعتها، لكن في الوقت ذاته لا يستطيعون إغفال وجود دوافع سياسية معيَّنة تؤدي بهذه الروايات إلى الظهور في مثل هذا التوقيت، فأبو بكرة في الوقت ذاته كان يخذِّل الناس عن الالتحاق بعلي بن أبي طالب في صراعاته مع معارضيه، فعن الأحنف بن قيس قال: «خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله ح، يعني علياً، قال: فقال لي: يا أحنف ارجع، فإني سمعت رسول الله حيقول: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قال: فقلت: أو قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال: إنه قد أراد قتل صاحبه» (3)، إذن من المستفيد من كل هذا التخذيل عن علي وعائشة؟ بالتأكيد إنه رجل الشام القوي معاوية بن أبي سفيان.
__________
(1) 1 - إبراهيم فوزي، تدوين السنة، ط1، رياض الريس للكتب والنشر، لبنان، 1994م، ص247.
(2) 2 - يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج2، ط1، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984م، ص 9.
(3) 3 - صحيح مسلم، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم الحديث (2888)؛ مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج4، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار إحياء التراث العربي، لبنان، ص2213. (1/88)
صفحة 49
ومما يقوي ذلك أنَّ راوي الحديث هو أبو بكرة نفيع بن الحارث وهو معدود في جملة الصحابة، قد جلده الخليفة عمر بن الخطاب على القذف، ولم يقبل شهادته من بعد، روى «ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد أن عمر جلد أبا بكرة ونافع ابن الحارث وشبلاً فتابا فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة فلم يقبل شهادته» (1).
وعدم إعلان أبي بكرة توبته هو إصراره على صدق دعواه، فقد «روي أن عمر بن الخطاب سلما فرغ من جلد أبي بكرة وأصحابه. قال أبو بكرة: أشهد أنه زان» (2)، وعدم قبول الخليفة عمر شهادة أبي بكرة بسبب عدم توبته هو إعمال لقوله تعالى: {وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً اَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلاَّ الذِينَ تَابُواْ مِنم بَعْدِ ذَالِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور:4 - 5] والفقهاء قد اختلفوا في قبول شهادة من حُد على القذف بعد توبته: فمنهم من رأى قبول شهادته بعد التوبة، ومنهم من رأى أن لا تقبل شهادته حتى بعد توبته سداً لباب الذريعة.
وعلى كل حال فقبول شهادة أبي بكرة وبالتأكيد على رأسها روايته يلفها لغط كبير منذ عصر الصحابة، فكيف تكون ملزمة لنا في هذا العصر على اعتبار أنَّها دينٌ نتعبد به لله تعالى؟ (3).
المطلب الثاني: تولّي المرأة القضاء في القانون الوضعي
تتباين الأنظمة القانونية من حيث فلسفتها ومصادرها، لذا تختلف وجهات نظرها في تعاطي المسألة محل البحث، أضف إلى ذلك عدم خلو التأثر بالوضع الاجتماعي القائم خاصة في البلدان ذات التركيبة القبلية أو ذات الطبيعة الأبوية، والتي يغلب فيها دور الرجل على دور المرأة.
لذا فقد ارتأيت تقسيم هذا المطلب إلى فرعين، الأول لمناقشة نظرة بعض الأنظمة القانونية في عدد من دول العالم، والثاني يخصص لكيفية تعاطي المشرِّع العُماني خصوصاً لهذه المسألة.
__________
(1) 1 - محمد بن أحمد الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج3، تحقيق: علي البجاوي، ط دار الفكر، لبنان، ص 7 - 8.
(2) 2 - خميس بن سعيد الشقصي، منهج الطالبين، ج5، ط1، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، 2006م، ص276.
(3) 3 - خميس العدوي وزكريا المحرمي وخالد الوهيبي، السنة: الوحي والحكمة، ج1، ط1، مكتبة الغبيراء، سلطنة عمان، 2009م، ص446 - 449. (1/89)
صفحة 50
الفرع الأول: موقف الأنظمة القانونية من تولية المرأة القضاء
الأنظمة القانونية في العالم متباينة في موقفها من تولي المرأة القضاء، فالأنظمة القانونية الغربية كالنظام اللاتيني والنظام الأنجلوسكسوني لم يتم ذلك فيهما بسهولة، فحتى تم التوصل إلى ذلك احتاج فترة طويلة من الزمن، ففي الولايات المتحدة الأمريكيةبولاية إلينوي في عام 1907م تم انتخاب امرأة وهي «كاثرين مكولوتش» لتكون بمثابة قاضي صلح، امرأة أخرى أخذت دورها هي القاضي جورجيا بولوك في عام 1914م في مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا في محكمة منفصلة بحسب الجنس (1)، وفي عام 1920م تم إدخال تعديل هام على الدستور الأمريكي هو منح المرأة حق التصويت بعد جدال طويل استمر لعشرات السنيين، وهذا التعديل فتح الباب لتولِّي المرأة القضاء، لكن مع ذلك كان تعيين أو انتخاب المرأة في القضاء محدوداً ولم تتصاعد وتيرته إلاَّ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وذلك لتزايد دور حركات الحقوق المدنية للنساء في الغرب عموماً.
أما في فرنسا فلم يأت دخول النساء إلى القضاء سهلاً، لكن كان نتاج تطور استمر فترة طويلة كان أوله السماح لها بالاشتغال بممارسة المحاماة في عام 1900م، وفي عام 1936م أصدرت الإدارة قرارات رفضت فيها حق المرأة في دخول امتحان التعيين القضائي وأكد مجلس الدولة هذا المبدأ في العام نفسه، ومع تزايد نشاط المنظمات والجمعيات النسائية والمتضامنين معها صدرت منذ عام 1945م عدة قوانين خاصة أمام المرأة وظائف كانت مغلقة أمامها، ومنها القانون الصادر عام 1946م الذي فتح أمام المرأة وظائف السلك القضائي، وقد نص القانون على: (كل فرنسي سواء كان ذكراً أم أنثى تتوافر فيه الشروط التي يتطلبها القانون لشغل وظائف القضاء يمكنه التقدم إليها)، ومنذ ذلك الحين زادت نسبة العنصر النسائي في القضاء إلى أن وصلت في عام 1979م إلى 23%من عدد القضاة، من المتوقع أن تكون النسبة قد قاربت 50%في السنوات اللاحقة (2).
فتولي المرأة القضاء كان مرتبطاً بالمطالبات بالحقوق المدنية التي نشطت في الغرب عموماً منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، واستطاعت تحقيق العديد
__________
(1) 1 - http://en.wikipedia.org/wiki/Women_in_the_United_States_judiciary
(2) 2 - خالد عبد العظيم أبو غابة، طرق اختيار القضاة-دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية، ط دار الكتب القانونية، مصر، 2009م، ص40 - 41. (1/90)
صفحة 51
من المكاسب بعد الحرب العالمية الأولى، والتي كان أهمها منح المرأة الحق في التصويت في العديد من البلدان الأوروبية، وكان الحصول على هذا الحق الباب الذي فتح للمرأة في الغرب الدخول في سلك القضاء.
وكان لقيام الحرب العالمية الثانية ولما يتعاف الغرب من الآثار المدمرة للحرب العالمية الأولى آثار مزلزلة على الأوضاع الاجتماعية في الدول الغربية، حيث قتل في الحرب العالمية الثانية ما يزيد على (50) مليوناً، وشردت ملايين الأسر، ودُمرت البنية التحتية لأوروبا، وصارت الحاجة ماسة لدخول المرأة معترك الحياة للنقص الحاد في الرجال في هذه البلدان، فاستغلت جمعيات ومنظمات حقوق المرأة الوضع وفرضت أجندتها على السلطات السياسية والتشريعية.
ومما يلاحظ على حركة حقوق المرأة في أوروبا والغرب عموماً أنها استطاعت دفع مظالم تاريخية عن المرأة وإنصافها، لكنها وقعت في خطأين تاريخيين هما:
*- الابتعاد بالحقوق المدنية للمرأة عن دائرة الأخلاق التي تعارف عليها البشر وأقرتها الشرائع السماوية، ويرجع ذلك للنفرة التي حصلت لأوروبا من الكنيسة -وهي ممثلة الدين عندهم-، وذلك لانحياز الكنيسة إلى صف الإقطاع ووقوفها مع الحكام المستبدين.
*- اعتماد فكرة المساواة مع الرجل في الحقوق والواجبات وإغفال طبيعة وخصوصية التكوين الفطري للمرأة ودورها في الحياة الأسرية، مما انعكس من بعد بنتائج كارثية على الأسرة في الغرب.
ولو التقطنا الخيط من هاتين الملاحظتين لبيان موقف الأنظمة القانونية في البلدان العربية والإسلامية؛ فإن النظام القانوني في البلدان العربية والإسلامية لم يحسم المسألة بعد فيها، ففي الحين الذي تجد القوانين تسكت عن اشتراط الذكورة فيمن يتولى منصب القضاء في معرض تعداد شروط تعيين القضاة؛ إلا أن تعيين القضاة من قبل السلطة التنفيذية-وهو النظام المعمول به في اختيار القضاة في هذه الأنظمة- كان متراوحاً بين الرفض المطلق أو الإجازة في نطاق ضيق.
وإذا أخذنا مثالاً عربياً على ذلك هو القانون المصري؛ فيرى المؤيدون لتولي المرأة القضاء أن المرأة تمارس مختلف الأعمال القانونية من المحاماة والتدريس بكليات الحقوق، ولا يوجد مانع في القانون يحول دون تعيين المرأة في وظائف القضاء، فالمادة (38) من قانون السلطة القضائية في مصر اشترط فيمن يولى القضاء أن يكون مصرياً، دون تمييز (1/91)
صفحة 52
على أساس الدين أو الجنس، فلا يهم كون القاضي رجلاً أو امرأة، والدستور المصري نص على أن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، فالذكورة ليست شرطاً قانونياً لتولي منصب القضاء.
وفي قانون السلطة القضائية ذكر لفظرجال القضاء أو رجال النيابة أربعة وعشرين مرة، و هذا تصريح مباشر بإرادة المشرع المصري أنه لا يتصور قضاة من غير جنس الرجال (1).
ويرجع باحثون آخرون إلى أن منع المرأة من تولي مناصب القضاء في مصر يتفق مع التقاليد والعادات العرفية السائدة في مصر دون سند قانوني، وبعضهم يرجعه إلى الدستور الذي ينص في مادته الثانية أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وعند هؤلاء أن تعيين المرأة في منصب القضاء مخالف لأحكام الشريعة (2).ومما صدر من الأحكام القضائية في هذا الشأن:
*- ما صدر عن محكمة القضاء الإداري عام 1952م، ووقائعها تتلخص في أن امرأة حاصلة على إجازة الحقوق تقدمت لوظيفة قضائية، وكان ترتيبها بين المتقدمين يعطيها الأولوية في التعيين، لكنها لم تعين وعين بدلاً منها من يليها في الترتيب، فطعنت السيدة المدعية في القرار بالإلغاء، لكن قرار المحكمة جاء مؤيداً لقرار السلطة الإدارية، ومما جاء في حيثيات الحكم أن قصر بعض الوظائف كوظائف مجلس الدولة والقضاء على الرجال دون النساء لا يعدو هو الآخر أن يكون وزناً لمناسبات التعيين في هذه الوظائف، تراعي فيه الإدارة بمقتضى سلطتها التقديرية شتى الاعتبارات من أحوال الوظيفة وملابساتها.
*- في عام 1953م أصدرت محكمة القضاء الإداري حكماً مماثلاً في شأن تولي المرأة وظائف القضاء والنيابة العامة (3).
وفي الفترة الأخيرة أثير نقاش حاد حول تولي المرأة القضاء في مجلس الدولة في مصر شاركت فيه مختلف الفعاليات، ففي اجتماع الجمعية العمومية لمجلس الدولة في فبراير من عام 2010م رفض 89% من القضاة تعيين المرأة قاضية بالمجلس، لكن صدر
__________
(1) 1 - خالد عبد العظيم أبو غابة، مرجع سابق، ص42 - 43.
(2) 2 - خالد عبد العظيم أبو غابة، مرجع سابق، ص44.
(3) 3 - خالد عبد العظيم أبو غابة، مرجع سابق، ص43 - 44. (1/92)
صفحة 53
حكم محكمة المحكمة الدستورية العليا باعتبار المجلس الخاص للشؤون الإدارية (1) هو السلطة المختصة بالموافقة على التعيين في وظيفة المندوب المساعد، وأن القانونبالنسبة لهذه الوظيفة لم يمنح الجمعية العمومية اختصاصاً في هذا المجال، وإذا كانت الجمعية العمومية لمجلس الدولة تختص بإصدار اللائحة الداخلية للمجلس، فإنها لا تملك أن تنظم بها أموراً احتجزها المشرع الدستوري للقانون (2).
الفرع الثاني: موقف القانون العماني من تولية المرأة القضاء
قانون السلطة القضائية الصادر المرسوم السلطاني رقم (90/ 99) لم يشترط الذكورة في تولي منصب القضاء وفقاً للمادتين (21) و (22) من القانون، فالمادة لم تذكر اشتراط أن يكون القاضي ذكراً (3).
وفي الوقت ذاته فإن قانون الادعاء العام لم يشترط الذكورة لتولي أي من وظائف الادعاء العام-وهو جهاز قضائي-، وفي وقت لاحق عينت نساء في سلك الادعاء العام (4).
وعند الحديث عن القانون العماني لا بد من التعريج على تاريخ التشريع في البلاد، فهو لا ينفصل عن تاريخ المجتمع وأطوار حركته الاجتماعية والسياسية، فمنذ بدايات العهد الإسلامي رفض أهل هذه البلاد الرضوخ للحكم الأموي ثم العباسي على اعتبار انحراف هذه الدول عن نهج الحكم الرشيد، وتكون منذ عام 132هـ ما عرف بنظام الإمامة في الحكم، وهذا النظام كان نظاماً قائماً على أساس من الشورى، ويتولى فيه أعلام المسلمين من العلماء والقادة الاجتماعيين والعسكريين تعيين الإمام والرقابة على أعمال الإمام وولاته.
وظل هذا النظام هو النظام السائد لفترات طويلة من التاريخ العماني مع تخلل بعض الفترات بأنظمة ملكية عندما يسقط نظام الإمامة وينهار، وفي العصر الحديث ومع تولي الإمام أحمد بن سعيد مقاليد الحكم بعد مبايعة بعض العلماء له بالإمامة عام 1744م
__________
(1) 1 - هو مجلس خاص للشؤون الإدارية برئاسة رئيس مجلس الدولة وعضوية أقدم 6مننوابرئيسالمجلس.
(2) 2 - نص الحكم من موقع (كاتب) على الرابط:
http://awady.katib.org/sites/awady.katib.org/files/css/ec8ef72ffacac5ec9365f9a542dd3f53.css
(3) 3 - عبد الحكيم عكاشة، شرح قانون الإجراءات المدنية والتجارية العماني، ط1، الأجيال للتسويق، سلطنة عمان، 2005م، ص45.
(4) 4 - أسامة روبي عبدالعزيز الروبي، تنظيم القضاء المدني في سلطنة عمان-دراسة مقارنة بالنظام القضائي المصري، ط دار النهضة العربية، مصر، 2008، ص66. عبد الحكيم عكاشة، مرجع سابق، ص45. (1/93)
صفحة 54
كانت الأمور تتجه لنشأة دولة ذات طابع ملكي استمدت مشروعيتها من نظام الإمامة الكلاسيكي في الفقه الإباضي، وفعلاً ترسخ هذا التقليد ولم يعد الحكام من آل أحمد بن سعيد يتلقبون بالإمام، وصار الحكم يدار بالوراثة على طريقة الأنظمة الملكية (1)، ومع قيام حركات تحديث للمجتمعات في الشرق لم تحظ عُمان بحركة تحديثية للمجتمع كما حصل في العديد من البلدان الأخرى وعزلت بهذه الطريقة عن العالم الخارجي، فبينما كانت الأمم والشعوب الأخرى تسابق الزمن للرقي بمجتمعاتها كانت عُمان تعيش في أجواء ومناخ وعقلية القرون الوسطى بكل ما تعنيه الكلمة من معان.
ومع بدء عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور الذي اعتلى الحكم بعد والده في 23 يوليو من عام 1970م بدأت حركة تحديث للمجتمع لم تسبق منذ عام 1744م، وفي فترة بسيطة وباستثمار عائدات النفط قفزت البلاد قفزة هائلة بمقاييس العصر في مجالات البنية التحتية كالتعليم والصحة والطرق والمشاريع التنموية، لكنها مع ذلك ظلت تراوح مكانها في تحديث نظامها الاجتماعي والسياسي وأنماط التفكير الجمعي.
فالنظام الاجتماعي مثلاً لا يزال يقوم على مؤسسة القبيلة بتقاليدها الضاربة في القدم، وهذا النظام الاجتماعي يلقي بظلاله على النظام السياسي وعموم النظر الفقهي، وكان من الطبيعي أيضاً أن تسري كل هذه المنظومة المعقدة للمجتمع بإرثه الماضوي إلى التشريع القانوني الذي مثل مظهراً من مظاهر التحديث للمجتمع، والمنظومة القانونية العمانية المعاصرة وإن جاءت في ظاهرها مشكلة من نظامين قانونين هما: الفقه الإسلامي الذي تكون بعُمان عبر التاريخ، والنظام اللاتيني.
إلا أن تقاليد المجتمع وتفكيره الجمعي أثر على القانون العماني، وكان يشكل باستمرار أحد هواجس وهموم القائمين على صياغة القوانين وإصدارها، فهم بجانب عنايتهم بالصياغة القانونية الموضوعية الصرفة كانوا أكثر ملامسة للواقع بتجاذباته المختلفة، لذلك فالحفاظ على التوازنات الاجتماعية مهم في نظرهم لاستقرار النظام السياسي.
وكان من أبرز آليات معالجة المشكلات الاجتماعية والقانونية والسياسية والفقهية في النظام السياسي في سلطنة عُمان في العصر الحديث علاجها بالسكوت عنها وعدم
__________
(1) 1 - سالم بن سلمان الشكيلي، الشورى في سلطنة عمان بين الفكرين الإسلامي والوضعي-دراسة مقارنة، ط1، الأجيال، سلطنة عمان، 2009م، ص240 - 275. (1/94)
صفحة 55
إثارتها في الملأ، ولذلك تمت صياغة الأجهزة الرسمية للدولة بهذه الصياغة بما فيها الإعلام الرسمي والخاص، وبمرور الوقت صارت هذه الفلسفة منطبعة في أذهان الناس وظنوا أنها تجنبهم الكثير من المتاعب التي مروا بها في السابق، لكنها في حقيقة الأمر أشبه بالمسكن الذي يعطى للمريض لينسى آلامه، ثم لا يلبث أن يعاوده الألم بأشد مما كان عليه في السابق.
ورغم أن هذه السياسة جنبت البلاد الكثير من المتاعب والصخب خاصة في سنوات البناء الأولى؛ إلا أن ذلك لن يجدي نفعاً في الفترة القادمة، الذي تتسم بمقدار كبير من الحرية والانفتاح الإعلامي، لذا الأولى أن تتم معالجة العديد من الملفات المسكوت عنها من قبل حكماء البلاد وعقلائها بإيجاد الآليات اللازمة لعمل ذلك.
وموضوع تولي المرأة القضاء من ضمن القضايا التي لا أبالغ إن قلت إن المجتمع بتركيبته الاجتماعية وبثقافته الجمعية يرفضها أو لا يحبذها على أقل تقدير، لذلك آثرت السلطة التنفيذية عدم الدخول في هذا المعترك، لكنها سارت على منوال العديد من القوانين بالسكوت عن إيراد نص صريح يمنعه، وهذا يمثل لها خط رجعة في حال اضطرت للسير في هذا خط تأييد منحى تعيين المرأة في وظيفة القضاء نتيجة تغير في المناخالدولي أوالإقليمي.
المطلبالثالث: رأي الباحث في المسألة
بعد استعراض مواقف الفقه المؤيدة والمعارضة لتولي المرأة القضاء، وكذلك مواقف من القوانين الوضعية، استطيع القول إن العديد من الأنظمة القانونية في البلدان العربية والإسلامية عموماً عولت على النظرة السائدة لدى جمهور فقهاء المسلمين في رفض تولي المرأة القضاء والتي تأسست على فكرة دونية المرأة ونقصان تكوينها العقلي والنفسي، والتي ارتكزت على ثلاثة مرتكزات هي:
1. روايات منسوبة إلى النبي حفي تحقير المرأة والحط من شأنها.
2. روايات منسوبة إلى الرسول حفي منع تولي المرأة أي ولاية.
3. فهم معيَّن للقرآن مضمونُه أنَّ شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل. (1/95)
صفحة 56
*- المرتكز الأول: روايات منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في تحقير المرأة والحط من شأنها:
وهذه الروايات أخذوا منها عنصر دونية المرأة مقارنة بالرجل واعتبارها كائناً ناقصاً في تكوينه العقلي والنفسي، وهو ما تم استثماره فقهياً في مسألة تولي المرأة القضاء وعموم الولايات، ومن هذه الروايات التي رواها الرواة ونسبوها إلى الرسول ح:
1. «إنَّ المرأة خلقت من ضلع، وأن أعوج شيء في الضلع أعلاه» (1)، وفكرة خلق المرأة من الضلع توراتيَّة المنشأ ولا أصل لها في كتاب الله تعالى، فقد جاء في سفر التكوين: «فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الربُّ الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم. فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت. لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً» [سفر التكوين2: 21 - 25]
2. «يقطع الصلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ» (2)، وقد ردَّت السيدة عائشة هذه الرواية وقالت محتجة: «قد شبَّهتمونا بالكلاب والحمير، والله لقد رأيت رسول الله حوإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة» (3).
3. وفي ذات السياق التاريخي رُويت رواية أنَّ النساء ناقصات عقل ودين، فقد روى الرواة أن النبي عليه السلام قال: «يا معشر النساء تصدَّقن فإني أُرِيتُكُنَّ أكثر أهل النار. فقلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصلّ؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها» (4).
__________
(1) 1 - صحيح البخاري، باب: خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، كتاب الأنبياء، رقم الحديث (3153)؛ محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، مرجع سابق، ج3 ص1212.
(2) 2 - صحيح مسلم، باب: دنو المصلي من السترة، كتاب الصلاة، رقم الحديث (511)؛ مسلم بن الحجاج، مرجع سابق، ج1 ص364.
(3) 3 - صحيح البخاري، باب: من قال لا يقطع الصلاة شيء، كتاب الصلاة، رقم الحديث (492)؛ محمد بن إسماعيل البخاري، مرجع سابق، ج1 ص192. صحيح مسلم، باب: الاعتراض بين يدي المصلي، كتاب الصلاة، رقم الحديث (512)؛ صحيح مسلم، مرجع سابق، ج1 ص366.
(4) 4 - سبق تخريجه. (1/96)
صفحة 57
وكل هذه الروايات تخالف منطق القرآن الذي تحدَّث عن حقوق الرجال والنساء وواجباتهم بما يتلاءم مع طبيعة وكينونة كل منهما دون الحديث بمنطق نقصان العقل والدين، قال تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء:32] وقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97].
*- المرتكز الثاني: روايات منسوبة إلى الرسول حفي منع تولي المرأة أية ولاية:
وهي رواية أبي بكرة قال: «لقد نفعني الله بكلمةٍ أيَّام الجمل لما بلغ النبي حأن فارساً ملكوا ابنة كسرى قال: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» (1)، وقد بيَّنا الطبيعة التاريخية السياسية لهذه الرواية، وتوجيهها في حقِّ أمِّ المؤمنين عائشة في معركة الجمل، مما يضعنا أمان عشرات الشكوك والاحتمالات حول مصداقية نسبة الرواية إلى مقام النبي ح.
ولو جئنا نقرأ مضمون الرواية وهو أنه «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم إمراة» فسنجد أن هذا المضمون لا يمتُّ بصلة للدلالات القرآنية التي قرَّرت أنَّ الرجل والمرأة يؤجرون على العمل الصالح، وأنَّ بعضهم أولياء بعض في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي من المسؤوليات والشؤون العامَّة، ولم تقرِّر آيات الكتاب العزيز مبدأ منع تولية المرأة في تحمل المسؤوليات وتولي الشؤون العامة، لا نصاً ولا من خلال القواعد العامَّة.
فقراءة متأنية في آيات القرآن الكريم يتبين أنها أصلت لمبدأ العمل المشترك بين الرجال والنساء في تولي الشؤون العامة، دون تمييز لأحد من الجنسين على الآخر لأي سبب من الأسباب، قال الله تعالى: {وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71].
فالله تعالى هنا أخبر أن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في القيام بالشؤون العامة من:
__________
(1) 1 - سبق تخريجه. (1/97)
صفحة 58
1. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وأي منصب تتولاه المرأة أو الرجل فيه ممارسة لمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناه الشامل الواسع، كالقضاء والإفتاء.
2. إقام الصلاة وإيتاء الزكاة: وهذه شعائر تعبدية تحتاج لإقامتها والحفاظ على وجودها شراكة من الجنسين، وهي من صميم مسؤولياتهما.
*- المرتكز الثالث: فهم وفقه معين للنص القرآني مؤداه أن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل:
وهذا المرتكز كان المرتكز الرئيس للقول بأنَّ شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل؛ فكيف لها أن تتولَّى القضاء؟ والآية موضوع الاستشهاد هي قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُم فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ اَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى} [البقرة: 282].
فدلالة هذه الآية ابتعد بها الفقه من قديم عن لغة القرآن وأسلوبه إلى موروث المجتمع وتقاليده السائدة في لحظة زمنية معينة، فجعل من شهادة المرأة نصف شهادة الرجل:
*- فمنهم من اشترط عدلين من الرجال الذكورأو رجل وامرأتين في سائر الأحكام.
*- ومنهم منقبل شهادة النساء منفردات فيما لا تطَّلع عليه سوى النساء كالرضاع والحيض ونحوهما.
*- ومنهم من رفض شهادتها في الحدود والقصاص والطلاق والنكاح (1).
وللأسف لم تقم طوال قرون أيَّة مراجعة أو قراءة للآية على ضوء لغة القرآن وأساليبه، وما وجد من مراجعات لموضوع شهادة المرأة في هذا العصر كانت تصبُّ لصالح دعاة زمنيَّة النص القرآني، الذين يسعون لتجميد الدلالات التشريعية للقرآن على وقت النزول دون مدها عبر الزمان والمكان، والرؤية الفقهية المتوارثة تخدم دعاة نظرية زمنية النص التشريعي القرآني؛ بما تقدمه من تقزيم لدلالات القرآن الكريم.
دلالة هذه الآية ابتعد بها الفقه من قديم عن لغة القرآن وأسلوبه إلى موروث المجتمع وتقاليده السائدة في لحظة زمنية معينة ودعمها ببعض المرويات التي نسبت إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل من شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، وللأسف لم تقم مراجعة أو
__________
(1) 1 - علي بن أحمد بن حزم، مرجع سابق، ج9، ص396. (1/98)
صفحة 59
قراءة للآية على ضوء لغة القرآن وأساليبه، وما وجد من مراجعات لموضوع شهادة المرأة في هذا العصر كانت تصب لصالح دعاة تاريخية النص القرآني، الذين يسعون إلى تجميد الدلالات التشريعية للقرآن على وقت النزول دون مدها عبر الزمان والمكان، والرؤية الفقهية المتوارثة تخدم دعاة تاريخية النص القرآني؛ بما تقدمه من تقزيم لدلالات القرآن الكريم.
لذا فقد قمتُ منذ فترة ليست بالقصيرة بإمعان النظر في هذه الآية وقرأت كثيراً مما كتب في تفسيرها وما استخلصه الفقهاء من أحكام منها، ولم أجد ما يشفي الغليل سوى الرجوع إلى القرآن نفسه للإجابة على كل التساؤلات التي تدور في الأذهان، فمن حق الناس أن تتساءل كما تساءلت الملائكة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:30]، فآيات القرآن عبارة عن آيات بينات، لا لبس فيها {وَكَذَالِكَ أَنزَلْنَاهُ ءَايَاتِم بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُّرِيدُ} [الحج:16].وكونها آيات مُبَيِّنَاتٍ، أي مبينة لغيرها {رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمُ ءَايَاتِ اللَّهِ مُبَيَّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق:11].
فلا بيان فوق بيان القرآن، سواء كانت روايات يرويها الناس وينسبونها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو مفردات في معاجم جمعها اللغويون عبروا فيها عما وصلهم من دلالات لغوية تداولها الناس، فلغة القرآن فوق لغة المعاجم، التي لا ترقى إلى أساليب القرآن ومراميه، فالقرآن تبيان لكل شيء، ولم يفرط الله فيه من شيء. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]. {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلآَّ أُمَمٌ اَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام:38].
ومفتاح الآية في موضوع شهادة المرأة هي لفظة «رجالكم» في «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ»، على اعتبار أنَّ القائلين بأنَّ شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل قالوا بأنَّ لفظة الرجل هي جمع رجل، والرجل يطلق على جنس الذكور.
والمعنى الثاني لمفردة (رجال) في القرآن -أي شمول اللفظ لجماعة الذكور والإناث في حال الإطلاق- قد يستغرب منه الكثيرون، لكنه المعنى الذي يعبر عن لغة القرآن واستعماله، وتبقى لغة القرآن فوق المعاجم ونقلتها، وشواهد المعاجم لم تلتفت للغة القرآن وبعدت كثيراً (1/99)
صفحة 60
عنها في هذا الشأن، فلم تقدم سوى ومضات يمكن الاستفادة منها، فالمعاجم تقدم لنا أنَّ مفردة (رجل) وتصاريفها «يرجعون إلى الراجل لأَن اشتقاقه منه، كما أَن العَجِل من العاجل والحَذِر من الحاذِر، والجمع رجال» (1)، ومفردة «راجل» جُمعت في القرآن على «رِجال»: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً اَوْ رُكْبَانًا فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:239]، أي فصلوا قائمين على أرجلكم أو راكبين، وهذا في حالة الخوف. {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27]، فالناس الذين يأتون لحج بيت الله إما ماشين معتمدين على أرجلهم أو على الدواب.
و «رجل» في القرآن جمعت على «رِجال»، وكذلك «راجل» في القرآن جُمعت على «رِجال»، وتعني الذي يعتمد على رجليه في الوقوف أو المشي، وهذا المعنى مشترك بين الذكر والأنثى، و «رجل مُعظم بابِه يدلُّ على العُضو الذي هو رِجْلُ كلّ ذي رِجْل، ويكون بعد ذاك كلماتٌ تشِذُّ عنه. فمعظم الباب الرّجل: رِجْلُ الإنسان وغيره، وَالرَّجْل: الرَّجّالة، وإنما سُمُّوا رَجْلاً لأنهم يمشون على أرجُلِهم، وَالرُّجَّال وَالرُّجَالَى: الرّجَال؛ وَالرَّجْلانُ: الرَّاجِل، والجماعة رَجْلى ... وممّا شذّ عن ذاك الرّجُل: الواحد من الرّجَال، وربما قالوا للمرأة الرَّجُلَة» (2).
فلذا استعمل القرآن مفردة «رِجال» عند الإطلاق لإعطاء معنى القيام بالأمر كما يجب، فالقرآن قد نقل معنى «رجال» وهو جمع «راجل» من المعتمد على قدميه إلى معنى القائم بالأمر كما يجب، وهذا معنى يستوي فيه الذكر والأنثى. ومن الشواهد القرآنية في إثبات أن لفظة «رجال» تشمل عند الإطلاق الذكور والإناث للدلالة على معنى القيام بالأمر:
1. قول الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ اَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالاَصَالِ (36) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالاَبْصَارُ} [النور:36 - 37].
فالآية تخبر عن بيوت رفعت وذكر الله فيها وسبح له فيها بالغدو والآصال رجال، فهل بيوت الله التي رفعت عبر تاريخ البشرية عمرها بالذكر والتسبيح جنس الذكور فقط أم هم الذكور والإناث معاً؟ القرآن يقدم لنا نموذجين من (رجال) عمروا بيوتاً بالذكر والتسبيح:
__________
(1) 1 - ابن منظور، لسان العرب، باب الراء، مادة (رجل).
(2) 2 - أحمد بن فارس، مقاييس اللغة، المرجع الأكبر للتراث الإسلامي. (1/100)
صفحة 61
*- نموذج السيدة مريم عليها السلام، التي كانت تتعبد في المحراب امتثالاً لأمر الله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} عمران:43] {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّآءُ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّآءُ الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَّشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:37].
*- نموذج زكريا عليه السلام {فَنَادَتْهُ الْمَلآَئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاَم بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيئًا مِّنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:39].فالإخبار عن (رجال) عمروا بيوتاً بالذكر والتسبيح عبر التاريخ شمل بأخبار القرآن الذكور والإناث.
2. قول الله تعالى: {لَّمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنَ اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108].وهذا المسجد هو المسجد الذي كان يصلي فيه النبي عليه السلام، والأمر له بأن يقوم فيه، وهذا المسجد فيه (رجال) يحبون أن يتطهروا، والطهارة في القرآن تشمل الطهارة المعنوية والمادية: {ذَالِكُم خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} [البقرة:232]، {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]، {ذَالِكُمُ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} الأحزاب:53.
وهذه بلا شك لا يختص بها جنس الذكور، فالرجال الذين كانوا يرتادون مسجد النبي عليه السلام ويحبون أن يتطهروا يشمل الذكور والإناث، ويدل على ذلك أمران:
- قوله تعالى: {يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31] فالمساجد يرتادها كل أحد من بني آدم، ولا يختص بها جنس الذكور.
أنه ورد في الأحاديث والسيرة أنه النساء كن يرتدن مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ويحضرن الصلاة مع النبي الكريم، ومما ورد في ذلك من الأحاديث، حديث عائشة قالت: «كان النبي عليه السلام يصلي الفجر والنساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس والغبش» (1)، وفي رواية أخرى عنها: «لقد كان رسولُ اللَّهِ حالفَجر فيَشهَدُ معهُ نِساءٌ مِنَ المؤمناتِ مُتَلِّفعاتٍ في مُروطِهنَّ، ثمَّ يَرجِعنَ إِلى بيُوتِهنَّ ما يَعرِفُهنَّ أحد» (2).
__________
(1) 1 - مسند الربيع، باب: في أوقات الصلاة، كتاب الصلاة ووجوبها، رقم الحديث (181)؛ الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، ط مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
(2) 2 - صحيح البخاري، باب: في كم تُصلِّي المرأةُ مِنَ الثيابِ، كتاب الصلاة، رقم الحديث (370)؛ محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، ج1، دار إحياء التراث العربي، لبنان، ص145. (1/101)
صفحة 62
3. قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب:40]، في هذه الآية نفي لأبوة النبي لأحد من الرجال، ثم استدراك ذلك: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) لرفع ما قد يُتوهم مِن نفي أبوته الصُلبية، فالمنفي في حقيقته أن يتعلق أحد من أبناء النبي عليه السلام بأبوته للمطالبة بشيء من متعلقات النبوة ووظائفها، فالنبوة اختيار من الله لا تورث ولا توهب (1).
والشاهد في موضوعنا أن الآية قد نفت أبوته عليه السلام لأحد (من رجالكم)، وهي هنا تشمل الإناث والذكور، بدليل أن القرآن قد ذكر بنات النبي، وهن يدخلن بلا شك في عموم (من رجالكم)، فلا يحق لهن المطالبة بشيء من متعلقات النبوة ووظائفها، ففي هذا المقام (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)، ولم يذكر القرآن من أبناء النبي سوى البنات {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُومِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] فحتى لو لم يكن له عليه السلام أولاد من الذكور، فبناته داخلات في عموم (مِنْ رِجَالِكُمْ).
4. قوله تعالى: {وَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الاِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6].فرجال الإنس الذين يعوذون برجال من الجن هم من الذكور والإناث قطعاً، والواقع الاجتماعي يشهد بذلك، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: (وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) الفلق:4 فالنفث في العقد من مظاهر الاستعاذة بالجن والكائنات الماورائية، وفكرة التغليب التي تطرح كثيراً لا تنفي ذلك، بل تؤكد الفكرة، إذ لا أحد يعترض على كون الإناث يدخلن في مفهوم (رجال من الإنس).و (يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ)، فالجن عالم غيبي لا نعلم نحن البشر تفاصيل حياتهم الجنسية، إذ لم ينبئنا القرآن بشيء من ذلك، لكنه عبر عنهم «برجال من الجن» وذلك يعني أن القرآن يعبر عن القادرين بالقيام بالأمور من الجنسين بدون اعتبار الجنس.
5. قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب:4].
ولفظة رجل هنا يدخل فيها الذكور والإناث لما دل عليه الاعتبار الاجتماعي، فهي معبرة عن كل من يعتمد على قدميه، فيصدق عليهم ما نطقت به الآية.
__________
(1) 1 - الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، ج22، ط1، مؤسسة التاريخ، لبنان، 2000م، ص43 - 44. (1/102)
صفحة 63
6. قوله تعالى: {مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب:23].وهؤلاء المؤمنون الذين صدقوا مع الله؛ رجال؛ وهذا الوصف ينطبق على كل من قام بالأمر على وجهه، فلا ينصرف إلى جماعة الذكور وحدهم، والدليل على ذلك من القرآن النماذج التي حكاها القرآن من الذكور والإناث:
*- {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ التِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكِتَابِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم:11 - 12].
*- {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّومِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّومِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمُ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُم بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَّشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا اَلِيما} [الفتح:25].
وعليه يكون معنى قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُم فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ اَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَى} [البقرة:282] واستشهدوا على حقوقكم شاهدين من رجالكم، أي ممن يقومون بالأمر كما يجب من الذكور أو الإناث أو منهما معاً وهذا هو الأصل.
فإن لم يتوافر لذلك لشتى الظروف والمتغيرات الاجتماعية وخاصة فيما يتعلق بالإناث، وذلك لما مرت به النساء قبل نزول القرآن في مختلف بقاع العالم ولآلاف السنين من جهل وتخلف ونزول عن مستوى الإنسانية، وكأن الأمر مرشح للاستمرار والبقاء طويلاً في الذاكرة البشرية؛ لذا يكون البديل هو رجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، «والتعليل في هذا الكلام ينصرف إلى ما يحتاج فيه إلى أن يُعلّل لقصد إقناع المكلّفين» (1)، وهذا التعليل غير مرتبط بالطبيعة التكوينية للمرأة، بل هو مرتبط بالظرف الاجتماعي الذي مرت به لقرون طويلة قبل القرآن، وهو مرشح للاستمرار بعده، وهو ظرف محتمل الحصول في أي زمان ومكان نتيجة تردي الأوضاع الاجتماعية لعموم المجتمع الذي تتأثر به المرأة كثيراً.
والخلاصة التي نخرج بها من كل هذا البحث أن مسألة تولي المرأة القضاء من المسائل التي سكت عنها الشرع، أي لم يُشرع لها حكم بعينها:
__________
(1) 1 - الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، ج3 ص93. (1/103)
صفحة 64
* - فما استدل به من آيات قرآنية لنفي ذلك لا دلالة فيه على مرادهم.
* - وما روي فيه من روايات فهي لا تصح نسبتها إلى الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.
وطالما أن المسألة من المسكوت عنه في الشريعة فيستطيع الناس تنظيمها وفقاً لما يحقق مصلحة مجتمعاتهم، وقيمها التوافقية، والمجتمعات في ذلك ليست نسيجاً واحداً، فما يصلح لمجتمع قد لا يصلح لآخر، المهم في كل الأحوال أن تكون هذه التنظيمات المجتمعية محكومة بالسقف العالي للقيم الإسلامية التي أرساها القرآن الكريم وترجمها النبي الكريم عليه السلام واقعاً في الحياة.
خاتمة
بعد إيراد هذه المناقشات بين أصحاب الرؤى المختلفة حول تولية المرأة القضاء سواء في الأنظمة القانونية في البلدان الغربية، أو تلك في المنطقة العربية والإسلامية، يتبين لنا أن الرؤية قد صبغت في الحالتين بمنظور الثقافة الجمعية السائدة في المجتمع، ففي المجتمعات العربية والإسلامية لا تزال الرؤية الفقهية المستمدة من قراءة بعض نصوص القرآن والحديث هي التي تحدد توجهات السلطات التنفيذية والتشريعية، أما المجتمعات الغربية فهي بعد تجارب من نحت لمئات الأفكار البشرية في ظل حضارة كونية سيطرت على العالم منذ أكثر من أربعة قرون؛ توصلت إلى سيادة مبدأ الحقوق المدنية التي لا تفرق بين الرجل والمرأة، مع مفارقة تامة لمبادئ الأخلاق والاختلاف الفطري بين الذكر والأنثى.
وبعد مناقشة للآراء السائدة في الفقه حول هذا الموضوع، توصلت إلى أن نصوص الشريعة التي تعبر عن صفاء ونقاء وحي السماء سكتت عن هذه المسألة ولم تتعرض لها بعينها، وعليه يستطيع الناس في المجتمعات العربية والإسلامية عبر القوانين أو القرارات تنظيم موضوع تولية المرأة القضاء بما يتناسب مع ظروف المجتمعات وحاجاتها المختلفة، فالمجتمعات الإنسانية ليست نسيجاً واحداً، وكذلك فإن الأفكار السائدة فيها قد تختلف من حقبة زمنية إلى أخرى، المهم في كل الأحوال أن تكون هذه التنظيمات محكومة بالسقف العالي للقيم التي أرساها القرآن الكريم وترجمها النبي الكريم عليه السلام واقعاً في الحياة. (1/104)
صفحة 65
قائمة المراجع
أ. المراجع في الفقه الإسلامي
1. ... إبراهيم بن محمد بن مفلح ... المبدع، ط المكتب الإسلامي، لبنان، 1440هـ.
2. ... إبراهيم فوزي ... تدوين السنة، ط1، رياض الريس للكتب والنشر، لبنان، 1994م.
3. ... أحمد بن الحسين البيهقي ... سنن البيهقي الكبرى، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، ط مكتبة الباز، السعودية، 1994م.
4. ... أحمد بن علي بن حجر ... فتح البارئ شرح صحيح البخاري، تحقيق: محب الدين الخطيب، ط دار المعرفة، لبنان.
5. ... إسماعيل بن عمر بن كثير ... تفسير ابن كثير، ط دار إحياء التراث العربي، لبنان.
6. ... خميس العدوي وزكريا المحرمي وخالد الوهيبي ... السنة: الوحي والحكمة، ط1، مكتبة الغبيراء، سلطنة عمان، 2009م.
7. ... خميس بن سعيد الشقصي ... منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، ط1، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، 2006م.
8. ... د. محمد سليم العوَّا ... الفقه الإسلامي في طريق التجديد، ط3، سفير الدولية للنشر، مصر، 2006م.
9. ... الراغب الأصفهاني ... مفردات ألفاظ القرآن، ط1، دار القلم، سوريا، 1992م.
10. ... الربيع بن حبيب ... الجامع الصحيح، ط مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
11. ... زين الدين بن نجيم الحنفي ... البحر الرائق، ط2، ط دار المعرفة، لبنان.
12. ... الطاهر بن عاشور ... التحرير والتنوير، ط1، مؤسسة التاريخ، لبنان، 2000م.
13. ... عبد الله بن قدامة المقدسي ... المغني، ط1، دار الفكر، لبنان، 1405هـ.
14. ... علي بن أحمد بن حزم ... المحلى بالآثار، ط دار الآفاق الجديدة، لبنان.
15. ... محمد الخراشي ... منح الجليل شرح مختصر خليل، المرجع الأكبر في التراث الإسلامي، الإصدار الثاني، شركة العريس للكمبيوتر.
16. ... محمد الغزالي ... السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ط6، نسخة الكترونية.
17. ... محمد بن إبراهيم الكندي ... بيان الشرع، ط1، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984م.
18. ... محمد بن أحمد الذهبي ... سير أعلام النبلاء، تحقيق: علي البجاوي، ط دار الفكر، لبنان.
19. ... محمد بن إسماعيل البخاري ... صحيح البخاري، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، ط3، دار ابن كثير، لبنان، 1987م. (1/105)
صفحة 66
20. ... محمد بن عبد الله بن العربي ... أحكام القرآن، تحقيق: محمد عطا الله، ط دار الفكر، لبنان.
21. ... مسلم بن الحجاج ... صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار إحياء التراث العربي، لبنان.
22. ... يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ... العدل والإنصاف، ط1، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984م.
23. ... يوسف بن عبد الله بن عبد البر ... الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ط دار الكتب العلمية، لبنان، 2002م.
ب. المراجع القانونية
1. ... أحمد السيد صاوي ... الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، ط المؤسسة الفنية، مصر.
2. ... أسامة روبي عبدالعزيز الروبي ... تنظيم القضاء المدني في سلطنة عمان-دراسة مقارنة بالنظام القضائي المصري، ط دار النهضة العربية، مصر، 2008.
3. ... خالد عبد العظيم أبو غابة ... طرق اختيار القضاة-دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية، ط دار الكتب القانونية، مصر، 2009م.
4. ... رشدي شحاته أبو زيد ... اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة من المنظور الإسلامي، ط1، دار الوفاء، مصر، 2007م.
5. ... سالم بن سلمان الشكيلي ... الشورى في سلطنة عمان بين الفكرين الإسلامي والوضعي-دراسة مقارنة، ط1، الأجيال، سلطنة عمان، 2009م.
6. ... عبد الحكيم عكاشة ... شرح قانون الإجراءات المدنية والتجارية العماني، ط1، الأجيال للتسويق، سلطنة عمان، 2005م.
7. ... مبارك بن عبد الله الراشدي ... السلطة القضائية في تونس وعُمان، بدون ناشر، سلطنة عمان، 2002م.
ج. مواقع على الانترنت:
1. ... موقع (كاتب) ... http://awady.katib.org/sites/awady.katib.org/files/css/ec8ef72ffacac5ec9365f9a542dd3f53.css
2. ... موقع (ويكيبيديا) ... http://en.wikipedia.org/wiki/Women_in_the_United_States_judiciary
} - - { (1/106)
صفحة 67
الرواية عند الإباضية
وقاعدتا العرض على القرآن وعمل المسلمين
مدونة أبي غانم الخراساني أنموذجا
أ: بدر بن سالم بن حمدان العبري
كاتب وباحثـ سلطنة عمان
ت
تقدمة:
السنة النبوية تشكل جانبا مهما في بيان النص القرآني، ژ?SSSS?????ژ (1)، إلا أنّ هذه السنة العملية البيانية الواضحة أصابها خلل لأسباب عدَّة منها مثلا: تأخُّر التدوين والتدخل السياسي وغيرها، مما جعلها تبتعد خطا عن القرآن الكريم، وتكون حاكمة عليه، بالتالي أدى إلى التنازع الشديد في التعامل معها، وعليه من خلال النظرة السريعة لمدونة أبي غانم الخراساني (2) (ت:190هـ) سنجد الانطلاقة القرآنية بجانب العرض
__________
(1) - النحل/ 44.
(2) -الشّيخالإمامالعالمالحافظالفقيهأبوغانمبشربنغانمالخراسانيّ، منأهلخراسان، قدِمإلىلبصرةلتلقّيالعلملأنّالبصرةفيذلكالوقتكانتقبلةللعلمفهيتزخربشتّىفنونالعلم، وفيشتّىلمذاهبالإسلاميّة، قدملتلقّيالعلمعلىيدعلماءالإباضيّةوخاصّةأبيعبيدة، وإنكانلميدركمنحياتهإلاّقليلاً، إلاّأنّهأخذالعلمعنتلامذتهوعنهمدونكتبهوأهمّهاالمدوّنةالّتيدوّنفيهاأقوالتلاميذأبيعبيدةورواياتهمواختلافاتهم، ذكرتالمصادرأنّلأبيغانمكتابينهما: المدوّنة: وهوموضوعالبحث، وسأتكلّمعنهبشيءٍمنالاختصار، واختلافالفتياأوالفتوى: وهومفقودٌلميعثرعليه، وقداختلفالمؤرّخونفيسنةوفاةالإمامعبدالوهّاب، فقيل: عام188هـ، وهوقولابنعذارىلمراكشيّ، وقيل: سنة190هـ، وهوالقولالّذيرجّحهالبارونيّ، وتابعهالدّكتورعمروالنّاميّ، وقيل: سنة208هـ. ينظر مقال: أبوغانمبشربنغانمالخراسانيّمؤلفالمدونة، بقلممهنابنراشدالسعدي، منشور في موقع أشعة من الفكر الإباضي. (1/107)
صفحة 68
على العمل كأهم قاعدتين في التعامل مع الرواية، واخترنا المدونة لسببين: الأول قدمها التاريخي إذ تعود إلى القرن الأول الهجري، والثاني جمعها بين النص الروائي والعمل وهي سنة البيان التي أشار إليها القرآن، لفهم بعض مجملات النص القرآني، وإلا فإنَّ الله سبحانه وتعالى بين أنَّ الكتاب كامل لم يفرط فيه شيئا حيث قال: ژ???????? ژژ (1)، وقال: ژ????????????????ژ (2)
السنَّة والرواية:
بداية – في نظري – لا بد من التمييز بين مفهومي السنَّة والرواية، أما مفهوم السنَّة فقد تعددت تفسيراتها، ويمكن أن نعرفها بالتطبيقات التي أنزلها النبي ح، وهي غالبا تدخل في بيان وتفسير الكتاب العظيم ليكون واقعا حيا، لذا لا نجد فيها – في نظري-:
- مخالفة للقرآن.
- مخالفة للعقل.
- مخالفة للسنن الكونية.
- مخالفة للوقائع التاريخية المتفق عليها.
- ذكر أحداث غيبية أضيفت إليه عليه السلام.
- غالبا تكون المذاهب الإسلامية متفقة عليها.
- لا يوجد فيها تهويل في جانب الثواب أو العذاب.
أمَّا مفهوم الرواية فهو أعمُّ من مفهوم السنَّة، فقد حدث انفجار هائل في نهاية القرن الأول الهجري، وتم إضافة أحاديث إلى النبي حإما لأغراض سياسية، أو لأغراض مذهبية فيما بعد.
__________
(1) -الأنعام/ 38.
(2) -العنكبوت/ 51. (1/108)
صفحة 69
ومن هذه الأغراض غرض انفتاح الناس على الحياة الدنيا، وانتشار المخالفات في جلسات السمر، والبُعد تدريجيا عن الالتزام الديني، لذا ظهر مجموعة من الوعاظ نسبوا روايات ليس الغرض منها الكذب على النبيح؛ ولكن هدفها حثُّ الناس على اتباع الدين (1).
وبما أنّ صناعة السند ليس بالأمر الصعب كما يصور، لذلك وجدوا من الرواية متنفسا لهم، فوضعوا فضائل السور، وفضائل الأعمال، ووضعوا روايات الترهيب، كروايات عذاب القبر، ومنكر ونكير، وعذاب النار، بجانب روايات الترغيب.
من هنا زاد مجموع الروايات بعدما كانت محدودة العدد، وبعدما كان يشم منها رائحة النبوَّة؛ أصبحت يشمُّ منها رائحة الوضع وتقزيم الدين وتشويهه بإبعاد الناس عن القرآن الكريم، وسنن الله التي لا تتغير، ووصف من يعمل عقله بالزندقة ونحوه (2).
فنجد مثلا: مسند الإمام الربيع (ت ق2هـ)، ومجموع الإمام زيد (ت122هـ)، وموطأ الإمام مالك (ت179هـ) واضحة المعالم، مع محدوديَّة الرواية مقارنة بمسند الإمام أحمد (ت241هـ)، وصحيحي البخاري (ت256هـ) ومسلم (ت261هـ)، والصحاح الأربع، فضلا عن الكافي للكليني (ت329هـ)، وكذلك ما يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (ت381هـ)، وغيرها من المصادر الحديثية، فنجد الانبهار الروائي، مع مخالفة العديد من الروايات لقوانين القرآن والكون والعقل، ومع ذلك لقت قبولا واضحا عند المدارس الإسلامية.
ومع محاولة التصحيح بين الفينة والأخرى كما نجد عند العراقي (ت806هـ) في تخريج أحاديث الإحياء، والسيوطي في جامعه الصغير (ت911هـ)، والعجلوني (ت1162هـ) في كشف الخفاء، والزيلعي (ت762هـ) في نصب الراية، ومن المتأخرين مثلا الألباني (ت2000م) في سلسلته، ومن الشيعة مثلا حسين المؤيد (لا
__________
(1) -ينظر مثلا في وضع الحديث من أجل الترغيب أو الترهيب أو المواعظ: كتاب هذا حلال وهذا حرام، ط دار الفضيلة – مصر/ القاهرة، ص (13).
(2) -القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... أسباب وآثار. بدر العبري، قيد الطبع. (1/109)
صفحة 70
يزال على قيد الحياة) كما في استفتاءاته، إلاَّ أنّ الألف عام من ظهور الرواية ومحاولة التصحيح بين الفينة والفينة؛ أثبتت هذه السنوات عجز منهج أهل الحديث في علاج الأزمة من خلال التركيز غالبا على السند.
ولو كانت المسألة متعلِّقة بالتطبيقات العمليَّة لكان الأمر هيِّنا؛ بل أصبح الأمر متعلِّقا بالأمور الغيبية؛ وتغييب القوانين القرآنية، وتقديس شخصيات بشريَّة، وتأويل القرآن تأويلات سياسيَّة ومذهبيَّة، نحو روايات الجزاء، والتشبيه والتجسيم، والإمامة والولاية، وتحريف القرآن، وغيرها من الأمثلة التي يطول بشرحها المقام.
وإذا جئنا إلى المدرسة الإباضية في فترتها المبكِّرة فإننا نجدها قد أدركت خطورة هذا الانبهار، لذا حاولت الحدَّ من الانفتاح الروائي، ليس في الاعتقاد والسياسة فحسب؛ بل حتى في الجانب العملي؛ ولنضرب على هذا بمثالين:
المثال الأول: مسند الإمام الربيع بن حبيب (1):
ومع عمق المدرسة الإباضية الأولى من حيث المدارسة الحديثية بتسلسل السند واتصاله (تابعي صحابي)؛ إلا أننا لا نجد تلك الروايات التي تخالف القوانين
__________
(1) -الربيعبنحبيب، إمام، داعية، محدث، الإمامالثالثبعدجابروأبيعبيدة، هوالعلامةالربيعبنحبيببنعمروالأزديالفراهيديالعماني، ولدبغضفانإحدىقرىلباطنةحواليسنة75هـ، ولميمكثطويلافيعمانبلانتقلإلىلبصرةلطلبالعلم، فتتلمذعلىلإمامجابربنزيد، وأبيعبيدةمسلمبنأبيكريمة، وضمامبنالسائب، وصالحالدهان، واحتلبعدذلكمكانالصدارةتدريساوتأليفاوإفتاءوأسهمفيالحركةالعلميةبالبصرة، فأشرفعلىحملةالعلمووجههمإلىعمانواليمنوخراسان، وخلفشيخهأباعبيدةفيتسييرأمورالدعوة، وامتازفيمجالالتأليففكانرائدافيتدوينالحديثوالفقه، ومنأهممؤلفاته: - الجامعالصحيح، مسندالإمامالربيعبنحبيب (عمدةالإباضيةفيالسنَّة)،وبعدسنواتحافلةبجلائلالأعمالقضاهاالربيعإماماومربيابالبصرة، وداعياومحدثاومفتيا، عادإلىعمانليعيشبهاماتبقىمنعمرهعفيفاورعاإلىنتوفيبغضفانمسقطرأسه، توفيسنة170هـ، انظر: برنامجمعجمأعلامالإباضية [قسمالمشرق]. (1/110)
صفحة 71
القرآنية حتى في الترغيب والترهيب غالبا، ولنضرب مثلا مرويات فضائل رمضان والتي جاء ذكرها في المسند، فهي أربع روايات تتوافق كليا مع القرآن الكريم وقوانينه، فهي كالتالي (1):
*- «من صام رمضان إيمانًاواحتسابًاغُفرله ما تقدم من ذنبه، ولوعلمتم مافي فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة».
*- «خلوف فم الصائم أطيبُ عندالله من ريح المسك، فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي، فالصيام ل يوأنا أجازي به».
*- «لاإيمان لمن لا صلاة له ...... إلىقوله: ولاصوم إلا بالكف عن محارم الله».
*- «الصوم ُجُنَّة، فإذا كان أحدكم صائما فلايرفث ولا يجهل، وإن امرؤٌ قاتله أوشاتمه فليقل إنِّي صائم».
حيث لا نجد في الروايات تفخيما للترغيب، وكذا كانت وفق القانون القرآني: {اِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مَّدْخَلاً كَرِيمًا} (2)، وقوله سبحانه: {وَمَنْ يَّقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا اِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} (3).
المثال الثاني: مدونة أبي غانم الخراساني (4):
نجد الإباضية الأوائل كما أسلفنا يحترزون كثيرا من الرواية، لما شاع فيها من الكذب والتدخُّل السياسي والمذهبي فيما بعد، لذا تجدهم يعرضونها على أقوال أئمتهم جابر بن زيد (ت93هـ) وأبي عبيدة (ت150هـ)، والذين أخذوا عن صحابة رسول الله ح.
__________
(1) -ينظر: الجامع الصحيح للإمام الربيع، تحقيق: سعود بن عبد الله الوهيبي، ط مكتبة مسقط/ سلطنة عمان، ط الأولى: 1415هـ/ 1994م، ص: 84.
(2) - النساء/ 31
(3) - الشورى/ 23
(4) - تقدّم ترجمته. (1/111)
صفحة 72
وهذا قريب جدًّا من منهج الإمام مالك بن أنس (ت179هـ)، فقد كان من أصول مذهبه في قبول الرواية الآحاد عدم مخالفتها لعمل أهل المدينة، حيث يقدِّم عمل أهل المدينة، فهم الذي تسلسل فيهم العمل عن طريق كبار التابعين فالصحابة الذين عاش الرسول حأكثر وقته بين ظهرانيهم. ومن أمثلة ذلك السدلُ في الصلاة، وإن روى مالك حديث الضمِّ إلاَّ أنه معارضٌ لعمل أهل المدينة، فقدَّم العمل وهو السدل على حديث الآحاد، ونحو ذلك حديث صلاة ركعتين إذا دخل المصلي المسجد والإمام يخطب، فقد كان أهل المدينة يجلسون، وهم الذين أدرك آباؤهم وأجدادهم رسول الله ح، وصلَّى بهم عشرات من الجمع، فهل يعقل أن لا يتأخَّر رجل منهم إلاَّ مرة واحدة فينكر عليه الجلوس، لذا كان منه أن قدَّم العمل على حديث الأحاد (1).
ومن الروايات التي ردَّها أصحابُنا الأوائل لمخالفتها العمل وأقوال الثقات الذين أخذوا دينهم من طريقهم، رواياتُ القنوت، فقد جاء في المدونة ص84 (2): « ... أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يقومون يدعون ويتهلَّلون وهم قيام؟ قال: هذا أمر محدث، لا نعرفه ولا نأثره عمَّن مضى من خيار هذه الأمة».
كذلك نجدهم لم يعملوا بروايات التوقيت في غسل الإناءإذا ولغ فيه الكلب؛ وذلك لأنَّ الأصل هو التنقية، فتحرَّز من العمل بالرواية حتى ولو على سبيل الاستحباب خشية أن تكون ليست صحيحة عنه ح، أو مخالفتها ما جرى العمل عليه، فيقدم العمل على الآحاد، ففي المدونة: «قلتُ ـ[أي أبا المؤرج ت 205هـ]ـ أتوقت في غسله ثلاثا أو سبعا كما قال هؤلاء؟ قال ـ أي أبا عبيدة (ت150هـ) ـ:
__________
(1) - ينظر: بحث: الأدلة والأصول والقواعد التجديدية في الفقه المالكي، للدكتور محمد بشيرسويسي، مدرج ضمن كتاب ندوة تطور الفقه الإسلامي والمستقبل، الأصول المقاصدية وفقه التوقع، 1430هـ/ 2009م، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1431هـ/ 2010م، ص 268 - 276.
(2) - مدونة أبي غانم الخرساني، تحقيق يحيى النبهاني وإبراهيم العساكر، ط مكتبة الجيل الواعد، مسقط/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1427هـ/ 2006م. (1/112)
صفحة 73
لا أوقت في ذلك وقتا دون حسن التنقية والغسل، فإن أنقاه في مرة واحدة فليتوضأ به (1).
فعلى هذا نجد الحذر الشديد من أصحاب المدرسة الإباضية الأوائل في قبول الرواية. ثم حدث التساهل من القرن الثالث الهجري تقريبا، أو نهاية القرن الثاني الهجري (2).
ثم بدأ التغلغل في الفضائل والتي أجيزت عند عموم الأمَّة نقلها من طريق ضعيف، إلا أننا نجد في التطبيق العملي لا زالوا يأخذونها بحذر مع مراعاة أقوال المسلمين، أما في الاعتقاد فعندهم مبدأ عدم الأخذ بحديث الآحاد، وجعل القرآن محكما للرواية في هذا الجانب (3).
ولكن في الفترة المتأخرة بدأ تغلغل الرواية في كتب التراث الإباضي العُماني في الجانب العملي بصورة كبيرة جدا (4)، مع الحاجة إلى بحث استقصائي في الكتب المتأخرة لتحديد الفترة الزمنية، إلاَّ أنَّ جانب الاعتقاد ظلَّ مَصُونا عن التغلغل الروائي بصورة كبيرة.
الخطاب القرآني عند الإباضية منطلق للرواية:
يعتبر الخطاب الإباضي من أقدم الخطابات في المدارس الإسلامية لتقدُّم نشأتهم التاريخية، وعدم اقتصارهم في الحياة على الجانب العملي النظري فحسب، بل اهتموا بالجانب التطبيقي في نظرتهم إلى الحياة بوجه أخص، مع اهتمامهم أيضا
__________
(1) -المدونة، مصدر سابق، ص 48.
(2) -وهذه بحاجة إلى دراسة استقرائية لكتب ومخطوطات القرن الثاني والثالث الهجري، وما ذكرته كان استنتاجا أوليا لا غير، فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله.
(3) -ولنا بحث في هذا سميناه: «عرض آراء الإمام الجويني من خلال كتاب اللمع على القرآن الكريم، مقارنة بالمذاهب الإسلامية»، مخطوط.
(4) -ينظر مثلا: غاية المطلوب في الأثر المنسوب، للشيخ عامر بن خميس المالكي، ط مكتبة الجيل الواعد، مسقط/ سلطنة عمان، ط1/ 1433هـ/ 2012م. (1/113)
صفحة 74
بالجانب السياسي، فلذلك تجد الفقه الإسلامي فقيرًا في الجانب السياسي خلا الإباضية الذين كان لهم تنظيرهم وممارستهم العملية السياسية طول التاريخ.
والمتأمل في الخطاب الإباضي في المؤلفات الأولى يجده ينطلق من القرآن الكريم، في جميع خطاباته، الفكرية والعملية والسياسية والمالية والمجتمعية، لذا سنجد الأدبيات القرآنية في نقد الآخر حاضرة، والبُعد عن السباب والتنابز بالألقاب وسوء الظنِّ وغيرها من الأدبيات القرآنية من أهمِّ المنطلقات في التعامل مع المخالف، خلافًا لكتب التراجم عند أهل الحديث خصوصًا.
ولذا لم تستطع الرواية أن تخترق الفكر القرآني إلاَّ بحذر شديد، وعليه وإن حدث بعد القرن الثالث تساهلٌ نوعا ما في الجانب الفقهي، إلاَّ أنّ الجانب العقدي والسياسي بقي قرآنيا، وكذلك التعامل مع المخالف.
ونحن لا نلغي الاستفادة من مناهج البشر، ولكن تحت غربلة قرآنية، والانطلاق من القرآن ذاته، ليس في نقد مناهج البشر، بل حتى في نقد المذهب الإباضي ذاته، ولا ضير في ذلك، فالله تعالى أمرنا بالنظر والنقد فيما خلَّفه الأجداد من تراث وروايات وتأريخ، والجديد فقط الذي لا يبلى، كتاب الله وكفى، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
واليوم للأسف نجد اختراقا في الخطاب الإباضي وتحوله تدريجيا إلى خطاب أهل الحديث، والذوبان في منهجم، والتنكُّر لمنهج الإباضية الأوائل، وجعله غريبا عن أبناء المذهب، بطريق قد لا يقصدونه، ولكن الانبهار بتراث أهل الحديث دون قواعد واضحة جعلهم يتصوَّرون أنَّه الحق الحقيق الذي لا بد منه في التحقيق، ومع تراجع مجموعة من أصحاب الحديث ومناداتهم بالعودة إلى القرآن وعدم الانبهار بمنهج المحدثين والتسليم له دون رؤية قرآنية وانطلاق قرآني (1)، إلا أننا نجد
__________
(1) -ينظر مثلا مؤلفات حسن فرحان ورؤاه النقدية، وكتابي «السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث» و «هموم داعية» لمحمد الغزالي، و «أضواء على السنة النبوية» لمحمود أبو رية، ومؤلفات أحمد الكاتب ونقده الفكر الشيعي، وكذا استفتاءات حسين المؤيد. (1/114)
صفحة 75
من الإباضية اليوم وممن يحمل فكر الإباضية، نجده يستسلم لما يقوله المحدثون، دون إعمال عقلي، ورؤية قرآنية (1).
وأنا هنا كما قلت آنفا لا أعني من كلامي الاستنقاص من منهج أهل الحديث، ولكنه منهج روائي بشريٌّ، لا يعلو على منهج القرآن، حيث أنَّجزءًا من منهج أهل الحديث قد أُطِّر بعيدا عن القرآن الكريم بصورة واضحة، فنجد الاختراق اليهودي في العقيدة، ودخول عقائد غيبية جديدة لم تذكر في القرآن، والتنظير للظالم، وإلغاء عشرات الآيات بأحاديث آحادية، وانتشار الإرجاء في العالم الإسلامي، وغيرها يطول، لأنَّ منهج التصحيح والتضعيف لم يستطع أن يوجد لنا منهجًا واضحًا في نقد الخطاب الروائي، والإمام أحمد (ت241هـ) أبو الجرح والتعديل ذاته، لم يستطع بهذا المنهج أن يخلِّص مسنده من عشرات الأحاديث الموضوعة والضعيفة التي أثَّرت في العالم الإسلامي إلى اليوم.
والإباضية الأوائل لم ينبهروا بعلم الحديث ورجاله لا عن ضعف، ولكن لإدراكهم أنَّ الرواية الصحيحة بذاتها لا تخرج عن مُحكم القرآن، فنحن بحاجة إلى النص وتقييمه، وهذا ما قاله ابن تيمية (ت728هـ) مثلا في رفع الملام عن الأئمة الأعلام ونصه: «بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين - أي كتب الصحاح والمسانيد - كانوا أعلم بالسنَّة من المتأخرين بكثير، لأنَّ كثيرًا مما بلغهم وصحَّ عندهم قد لا يبلغنا إلاَّ عن مجهول، أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية» (2)، وكلام ابن تيمية الأخير وهو قوله أو لا يبلغنا بالكلية، فإن كانت الروايات تشكل تشريعًا ربانيا فهذا يعني أنَّ الشريعة ناقصة لأنه لم يبلغنا، والله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا (3)، وعليه فالإسلام أكمله الله بإكمال كتابه، وكلامه يخالف منهج أهل الحديث الذين يستسلمون
__________
(1) -ينظر مثلا: كتابالأجوبةالمسكتة لأبي الطيب الطيواني.
(2) -رفع الملام عن الأئمة الأعلام لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، ط الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد – الرياض/ السعودية، ط 1403هـ/ 1983م، ص18.
(3) -المائدة/ 3. (1/115)
صفحة 76
لتصحيح السند غالبا، فالسند الصحيح ليس دليلاً على صحَّة المتن، والعكس صحيح، ولذا عندما حدَّث الحسن البصري (ت110هـ) بحديث، فقاللهرجل: «ياأباسعيد، عَمَّن؟ فقال: ماتصنعبعَمَّن؟ أماأنتفقدنالتكعِظَتُه، وقامتعليكحُجَّتُه» (1)، وهذا إذا وافق كليات القرآن، وإلا القرآن في غنى عنه.
وقال ابن مسعود (ت33هـ): «كونواللعلمرعاة، ولاتكونوالهرواة، فقديرعويمنلايروي، أويرويمنلايرعوي» (2).
وعليه نجدُ الإباضية الأوائل يطبِّقون قاعدة العرض على القرآن، وهذا ظاهر في الجانب العقدي، وقاعدة العرض على الأثر، أي العلماء الثقات الذين نقلوا الشريعة كابرا عن كابر، فلم تغزوهم حينها نظرية: «إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي»، لأنَّ هذا الحديث ذاته وإن صحَّ سندًا، فتبقى صحته ظنِّية، وما نقله الثقات عمليا، في أمر يعتبر قاعدة في حدِّ ذاته، ومن أمثلة هذا:
*- ردُّ أبي عبيدة بن أبي كريمة (ت150هـ) شيخ المذهب، لما روي عن ابن عمر (ت73هـ) قوله: «هذا بحر وتحته سبعة أبحر، وتحتها النيران»، وعليه استخلص عدم جواز الوضوء من ماء البحر، ردَّ هذا أبو عبيدة لأنَّه يعارض القرآن والأثر، أمَّا معارضته للقرآن فلقوله تعالى: وَهُوَ الذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا (3)، وأما معارضته للأثر فما تناقله العلماء عن عمر بن الخطاب (ت23هـ)، وهو أبو عبد الله ناقل الرواية، في قوم أتوا إلى عمر وقالوا له: «إنّ أناسا يأتوننا ويزعمون أنَّ البحر لا يُتوضَّأ بمائه، ولا يُغتسل به من الجنابة، فقال: كذبوا أولئك، أئتوني بماء البحر نتوضأ به ونتطهر، هو الطهور ماؤه والحل ميتتُه» (4).
__________
(1) -غاية المطلوب في الأثر المنسوب، مصدر سابق، ص192.
(2) -المصدر نفسه، ص 192.
(3) -الفرقان/ 53.
(4) -المدونة لأبي غانم الخراساني، ص 50–51. (1/116)
صفحة 77
*- ردُّ الربيع ت (170هـ) وشيخة أبي عبيدة ت (150هـ) لرواية ابن مسعود (ت33هـ) في الرجل إذا توضأ ثم لمس أو قبَّل جاريته أو امرأته أنه يعيد الوضوء، لمخالفتها القرآن والأثر، أمَّا القرآن فلقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا اِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ اَوْ جَآءَ اَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (1)، والملامسة الجماع، وعليه كان الأثر.
*- ردُّ أبي المؤرج (ق2هـ) وابن عبد العزيز (ق2هـ) لما يرويه الآخرون من أنَّ التيمم يُعاد لكل صلاة ولو لم ينقضه ما ينقض الوضوء، ردُّوا هذا بآية الوضوء، والتيمُّم له حكم الوضوء (2).
*- ردُّ أبي المؤرج (ق2هـ) لروايات المسح على الخفَّين من طريق القرآن والأثر، أما القرآن فلآية الوضوء في المائدة (3)، حيث أشارت إلى غسل الرجلين، ثم قال: «ولا نعلم في كتاب الله شيئًا نزل نسخه إلاَّ بالقرآن، ولا نعلم رواية نسخت القرآن، إنَّما ينسخ القرآن القرآن، وكذلك قال الله تعالى في كتابه: {مَا نَنسَخْ مِنَ ـ ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (4)، وأما الأثر لمخالفته ما روي عن كبار الصحابة كابن عباس (ت68هـ) وعائشة (ت58هـ) وعلي بن أبي طالب (ت40هـ)، وكبار التابعين كجابر بن زيد (ت93هـ) (5).
*- ردُّ جابر بن زيد ت (93هـ) للقُنوت في الصلاة، لمخالفته القرآن والعمل أو الأثر، أمَّا من القرآن فقوله تعالى: {أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ ـ انَآءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الاَخِرَةَ
__________
(1) -المائدة/ 43.
(2) -المدونة/ 58.
(3) -المائدة/ 6.
(4) -البقرة/ 106.
(5) -المدونة: 63–64. (1/117)
صفحة 78
وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاَلْبَابِ} (1)، والصلاة كلها قنوت، وأمَّا الأثر فقوله عن الدعاء بعد الركوع: «هذا أمر مُحدث، لا نعرفه ولا نأثره عمَّن مضى من خيار هذه الأمة» (2).
فهذه نماذج من أقدم مصدر فقهي إباضي في التعامل، في زمن قلَّت فيه الروايات، فلم نجد قدحًا في رجال، ولا اهتمامٌ ببشر، بل هي رؤيةٌ قرآنيةٌ، ونقد للمتن، بل حتى تعاملوا معه عقلاً، وسأذكر مثالين في جانب الطهارة والوضوء فقط لضيق المقام:
*- المثال الأول: تعاملهم مع رواية: «إذاولغالكلبفيإناءأحدكمفليغسلهسبعمراتأولاهنبالتراب»، وما يماثلها من ألفاظ مع بعض الاختلاف، فسئل أبو عبيدة ت (150هـ): أتوقِّت في غسله ثلاثا أو سبعًا كما قال هؤلاء؟ قال: لا أوقت في ذلك وقتا دون حسن التنقية والغُسل، فإن أنقاه في مرَّة واحدة فليتوضأ به (3).
*- المثال الثاني: التوقيت في غسل الوضوء ثلاثا ثلاثا، قال أبو عبيدة (ت150هـ): لا أوقِّت في ذلك وقتا لأنَّه لم يأتنا أمر يُنتهى إليه دون حُسن الغسل والتنقية، إن كان ثلاثا فثلاثا سابغاتٍ، وإنَّ كان اثنتين فاثنتين إذا كانتا سابغتين، أو واحدة فواحدة إذا كانت سابغة، كلُّ ذلك يجزيه، ولا يجزيه ثلاثا أو أكثر من ذلك إذا لم يسبغ الوضوء وينقي، وليس في الإقلال والإكثار في ذلك عندنا وقت» (4).
فالعرضُ القرآني والعملُ مُنطلقان بحاجة إلى أبحاث يخرج منها تأصيل واضح، وذلك لأنَّ الدين أمانة، وإضافة نص إليه لا ينبغي التساهُل فيه، كما أنه لا ينبغي التساهل في إنكاره، وعليه نجد للمدارس الثلاث الأولى الإباضية والزيدية والمالكية تركيزًا جليًّا على هاتين القاعدتين، إلاَّ أنّه بسبب ظهور منهج أهل الحديث المتأخِّر على المناهج الأخرى أدَّى إلى انكماش المناهج الأخرى، وتقليدهم لما قال أهل الحديث.
__________
(1) -الزمر/ 9.
(2) -المدونة: 84.
(3) -المدونة: 48–49.
(4) -المدونة: 48. (1/119)
صفحة 79
قائمة المراجع
1 - الأدلةوالأصولوالقواعدالتجديديةفيالفقهالمالكي، للدكتورمحمدبشيرسويسي، مدرجضمنكتابندوةتطورالفقهالإسلاميوالمستقبل، الأصولالمقاصديةوفقهالتوقع،1430هـ/ 2009م، إصداروزارةالأوقافوالشؤونالدينية/ سلطنةعمان، طالأولى،1431هـ/ 2010م.
2 - الجامعالصحيحللإمامالربيع، تحقيق: سعودبنعبداللهالوهيبي، طمكتبةمسقط/ سلطنةعمان، طالأولى: 1415هـ/ 1994م.
3 - رفع الملام عن الأئمة الأعلام لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، ط الرئاسة العامة إدارة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد – الرياض/ السعودية، ط 1403هـ/ 1983م.
4 - غاية المطلوب في الأثر المنسوب، للشيخ عامر بن خميس المالكي، ط مكتبة الجيل الواعد، مسقط/ سلطنة عمان، ط1/ 1433هـ/ 2012م.
5 - القمعالفكريبينالمدارسالإسلامية ... أسبابوآثار. بدرالعبري، قيدالطبع.
6 - مدونةأبيغانمالخرساني، تحقيقيحيىلنبهانيوإبراهيمالعساكر، طمكتبةالجيلالواعد، مسقط/ سلطنةعمان، طالأولى،1427هـ/ 2006م.
7 - كتابهذاحلالوهذاحرام، طدارالفضيلةمصر/ القاهرة.
- - - (1/120)
صفحة 80
اللغة العربية
ودورُها في تنمية الذوق الأدبي
(الحلقة الأولى)
أ. د: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
كلية الآداب واللغات ـــ جامعة الحاج لخضر
باتنةـ الجزائر
ت
تمهيد:
إنَّ اللُّغة العربية بما تمتلك وتختزن من جمال وحسن وقوَّة وبَدعٍ ... تنتظر من يتناولها أحسن التّناول، ويسير بها في الطّريق الصّحيح في توظيفها واستعمالها، والكشف عن مخزونها القيّم لترقى بعمليّة الإبداع إلى مكان قصيّ ومرتبة متقدّمة، وتوفّر ما يعين على رقيّها ... يقوم بهذا من يملك حاسّة التّذوّق الفنّي الأدبي. هذه الفائدة أو هذه الوسيلة هي محصّلة بَدَهية، يجب أن يتوفر عليها كلّ من يتعامل مع اللّغة العربية التّعامل الواعي الرّاقي؛ لأنّ اللّغة العربية تملك رصيدًا فنيّا وفكريًا، يجب أن لا يغيب أو يختفي نتيجة عدم القدرة على توظيف الإمكانات والقدرات في ذلك. يقول محمد علي أبو حمدة: «إنّ التّذوّق الجمالي للنّصوص الشّعرية لهو في الوقفات الذّاتية التي يستنطق من خلالها المتذوّق كوامن الأحاسيس التي فجّرت ينابيع الشّعر، ورافقت عمليّة ولادته، وهو العبور الجمالي الذي من خلاله تبين النّصوص ذات نكهة وطعم وشميم -إن صحّ التّعبير- خاصّة، يستشعر حلاوتها من واقعها. إنّها الذّاتية الفردية بكلّ ما للذّاتية من تفرّد في التّكوين الفكري والثّقافي وطرائق التّفكير ودرجة الإحساس بالجمالية والاستجابة لها. إنّها أفق ذاتي في التّعامل مع النّصوص.
فإن كان هذا الأفق في المدرّجات التي تصحّ أن تعبر لتغدو حوارًا وتعليلاً فذلك في الزّاد المعطاء الذي ينبغي أن يحرص عليه، وأن تُكثَّر منه الآفاق -كي تغدو أعمال التّذوّق الجمالي للشّعر العربي الذي وطأ لرسالة الإسلام- في المنافسة التي تحبّب لكلّ من اتّصل بهذه اللّغة الشّريفة بسبب- أن يعاود قراءة الشّعر بعيون جديدة، وبنفسية متجدّدة، ووَفق مناخات متعدّدة» (1).
__________
(1) - محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي لقصيدة «بانت سعاد»، ط2، مكتبة الأقصى، عمّان، الأردن، 1403هـ/ 1983 ص: 7، 8. (1/121)
صفحة 81
إنّ كلّ من كتب عن اللّغة لعربية بهذا المنظور، وألّف من هذا المنطلق، وسار إلى هذه الغاية، وكشف عن دور هذه اللّغة في الحياة الاجتماعية، وأثرها في تنمية المجتمع، وبيّن مكانها في مسيرة الحياة، وعلاقتها بتحقيق أهداف معيّنة محدّدة في منهجية التّعامل مع المحيط والفضاء الخارجي، وتحديد رؤية واضحة للمستقبل واستشرافه, والحديث عن طرق إنجاز أعماله ومشروعاته: تفكيرًا وتخطيطًا وتنظيرًا وتنظيمَ شؤونه ... كلّ من تناول ذلك تطرّق إلى مجال الأدب والأسلوب والفنّية والجمالية ... تدفعه إلى هذه الميادين اللّغةُ العربية، التي يعالج حقيقتها وخصائصها ومقوّماتها ...
تتضافر كثير من العناصر لإبراز هذه المجالات، التي يجمعها الأدب في حضنه، وينسّق بينها، ممّا ينتج وسيلة مهمّة، هي ثمرة هذا التّضافر والتّكاثف والتّآزر ... هذه النّتيجة والوسيلة هي «التّذوّق الجمالي لنصوص اللّغة العربية». إذن يتعاون المعجم اللّغوي والبلاغة والنّحو وفقه اللّغة. واللّفظ المفرد والتّراكيب والنّظم والنّقد ... ليُقدّم كلُّ ذلك ويُعِدّ فضاء كبيرًا ومساحة رحبة يترعرع فيها الذّوق الفنّي ويرتقي التّذوّق الجمالي. ينطلق من اللّغة العربية وينتهي إليها. هو يبني كيانه وذاته وحقيقته من اللّغة العربية. ويقدّم ثمرته ونتاجه بيانًا وإبداعًا، لِيبرز قيمة اللّغة العربية وقوّتها، وخصوبتها وعذوبتها ...
يقوم المتذوّق للأثر الأدبي بهذه العملية بشكل متكامل؛ لأنّ الجمالية وجدت -أصلا- بهذا التّكامل والشّمولية، فلا يمكن أن نفصل أجزاءَ العمل الأدبي عن بعضها ونحن نبحث ونستخرج الحسن الذي فيه. « ... لأنّ العمل الأدبي كلٌّ متماسك متفاعل، فاللّغة هي اللّبنات الأولى التي تبني النّصّ، والمضمون هو المعنى الذي نشكّله، من اللّغة، ونشكّل اللّغة بناء عليه، والخيال هو الصّورة التي تتراءى من انسجام المعنى واللّغة، وتولّد هذه الصّورة عادةً عاطفة في نفس المتلقّي، وتقوم هذه العاطفة بتوليد اتّجاه لدى المتلقّي تجاه الموضوع المطروق، وتأتي الموسيقى لتعضد كلّ ذلك ... » (1).
هذا هو الرّباط المحكم الذي يكون بين العناصر المكوّنة للنّصّ الأدبي. وهذه هي العلاقة الوطيدة المتينة المحكمة بين التّذوّق الأدبي واللّغة العربية، وهذا هو التّفاعل الكبير
__________
(1) - الدّكتور عبد القادر أبو شريفة، حسين لافي قَزَق، مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ط3، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1420هـ/ 2000م، ص: 86، 87. (1/122)
صفحة 82
العميق بينهما، وهو ما نحاول تناوله ومعالجته في هذه الدّراسة؛ حسب المحاور التي ضمنّاها فيها. لبيان ذلك نتناول في هذه الدّراسة -إن شاء الله- ما يبيّن ويوضّح حقيقة التّذوّق الأدبي أو الذّوق الأدبي. ودور الأدب في تكوين هذه الملكة لاستكناه طاقة الألفاظ والتّراكيب في إيجاد الجمالية والحسن، اللّذين هما ثمرة التّذوق الأدبي. وبما أنّ القرآن هو القمّة في البيان، وهو موطن الجمال والمتعة الفنّية فإنّنا سنذكر مجموعة من الخصائص التي تتميّز بها اللّفظة القرآنية، ونبيّن كيف أنّ استلهام لغة القرآن يعين على تكوين ذوق أدبي، يساعد على التّعبير الفنّي والتّصوير البديع. نعرض للأهداف العامّة والخاصّة لتدريس اللّغة العربية ودراسة الأدب، التي تسهم في تكوين الذّوق الأدبي. وبعض العناصر التي تكشف عن العوامل المساعدة على الارتقاء به.
في البداية نقول: إنَّ تبادل التّأثير والتّأثر بين اللّغة والأدب في الارتقاء بالذّوق الأدبي الفنّي، يدفعني إلى ذكرهما معًا، وتحليل آثارهما في عمليّة تكوين الذّوق وتنميته بشكل متداخل. فما حقيقة التّذوّق الأدبي؟
مفهوم التذوُّق الأدبي:
تباينت الآراء حول مفهوم التّذوق الأدبي تبعًا لتباين المدارس الفنّية في نظرتها وإدراكها لطبيعة الإبداع الأدبي؛ ولأنّ طبيعة التّذوّق لا تخضع لقواعد محدّدة فقد تعدّدت التّعريفات، وإن تشابهت المفهومات في تحديد عمق حقيقة التّذوّق، إلاّ أنّ القدماء والمحدثين مختلفون في استخدامهم المفهوم، كما أنّهم مختلفون أيضًا في التّسمية: القدامى يستعملون عبارة: الذّوق الأدبي، والمحدثون يقولون: التّذوّق الأدبي. لا نناقش هذا الاختلاف في التّسمية.
1 - التّذوّق الأدبي حاسة (1): عرّفه قلقيلة بأنّه: «الحاسة السّادسة الحاصلة للإنسان نتيجة تمرّسه بالأعمال الأدبية والفنّية ووقوعه تحت تأثير حضارة خاصّة وثقافة معيّنة».
__________
(1) - لم أتعرّض لما ذكره ابن منظور في الموضوع؛ لأنّه لا يخدم ما نحن بصدد معالجته. فقد ذكر أنّ (الذّوق) مصدر (ذاق) و (المذاق) طعم الشّيء، و (الذّواق) هو المأكول والمشروب. والذّوق فيما يكره ويحمد. لسان العرب المحيط، المجلّد الأوّل، إعداد وتصنيف يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت، لبنان، (د. ت)، ص: 1084. ذكر الدّكتور راضي حنفي نقلاً عن ماهر شعبان عبد الباري في كتابه: التّذوّق الأدبي: طبيعته، نظريّاته، مقوّماته، معاييره، قياسه: هناك علاقة وثيقة بين الذّوق الأدبي والتّذوق الأدبي، حيث إنّ التّذوّق عملية} process } والذّوق الأدبي مُنْتَج} out put } . . ينظر موقع منتديات بوابة العرب http://vb.arabsgate.com. (1/140)
صفحة 83
وقال عنه أحمد عوض إنّه «حاسة فنية يُهتدى بها في تقدير الشّعر والمفاضلة بين نصوصه، ومن خلاله تُدرك نواحي الجمال في العمل، ويتأتّى من خلال التّمرّس بالأساليب الأدبية والمران عليها وكثرة الاطّلاع؛ وذلك لصقل الموهبة وإرهاف الحسّ الأدبي».
2 - التّذوّق الأدبي ملكة: الملكة الموهوبة التي يمكن من خلالها تقدير الأدب الإنشائي والحكم عليه، والمفاضلة بين شواهده ونصوصه. أشار ابن خلدون إلى أنّ الذّوق لفظة يتداولها المعتنون بفنون البيان، ومعناها: «حصول ملكة البلاغة للسان، وتتحصّل هذه الملكة من خلال ممارسة كلام العرب وتكرار سماعه والتفطّن لخواصّ تركيبه».
3 - الذّوق خبرة: عرّفه حسن شحاته بأنّه: «خبرة تأمّلية تبدو في إحساس القارئ أو السّامع بما أحسّه الشّاعر أو المبدع، وهو - في إيجاز- سلوك لغوي يعبّر به التّلميذ عن إحساسه بالفكرة التي يرمي إليها النّصّ الأدبي».
4 - الذّوق قدرة واقتدار وحكم: عرّفه عبد العزيز بأنّه «قدرة صاحب الطّبع الأدبي على بيان المزايا البلاغية التي تحدث في النّظم بسبب الفروق والوجوه التي تكون بين كلام وكلام، فيقف على أسباب الجودة ليحتذيها، وعلى أسباب الرّداءة ليتجنّبها في تأليفه ونقده. أمّا مصري حنورة فعرّفه بأنّه: قدرة تجعل صاحبها مستمتعًا بمواطن الجمال في العمل الأدبي والتّعرّف على جودة العمل ورداءته، وهو إحساس بما هو متناسق أو محكم أو جميل».
5 - التّذوّق الأدبي عملية تقويم وحكم: عرّفه ربيع شعبان بأنّه: «الحكم الذي يُصدره القارئ على العمل الأدبي استجابة لنواحي الجمال في ذلك العمل من خلال تركيز انتباهه وتفاعله معه على نحو يستطيع من خلاله الحكم عليه». وعرّفه سعيد خيري محمد بأنّه: «تقويم الطالب للنّصّ الأدبي أثناء تفاعله معه عقليًا ووجدانيًا وجماليًا واجتماعيًا، معبّرًا به التّعبير عن مدى تقبّله للنّصّ الأدبي واستمتاعه به».
6 - الذّوق الأدبي انفعال ونشاط وسلوك: عرّف محمود رشدي خاطر التّذوّق الأدبي بأنّه: «انفعال يدفع الفرد إلى الإقبال على القراءة والاستمتاع في شغف وتعاطف، وإلى تقمّص الشّخصيات التي في الأثر الأدبي وإلى المشاركة في الأحداث والأعمال والحالات الوجدانية التي تَصوّرها المبدع». وعرّفته ثريا محجوب بأنّه: «نوع من السّلوك ينشأ من فهم المعاني المتضمّنة في النّصّ الأدبي والإحساس (1/141)
صفحة 84
بجمال أسلوبه والقدرة على الحكم عليه وتأثّره بالصّور البيانية التي يحتويها». (1)
ماذا نقرأ في هذه التّعريفات؟:
1 - إنّ النّظرة إلى التّذوّق الأدبي تختلف بحسب الثّقافة التي يحملها الشّخص الذي يتناوله، وبحسب الأهداف التي يسطّرها من معالجته النّصوص، وبحسب المجال الذي يشدّه، كمجال التّربية والتّعليم، أو الحقل الأدبي المحض وغيرهما. فإذا أكّد اللّغويون أنّه حاسّة فنّية وملكة بيانية، وقدرة على الحكم. وركّز التّربويون على كونه خبرة تأمّلية جمالية واستجابة انفعالية للنّصّ الأدبي .. فإنّنا نسجّل: إنّ بينهم اتّفاقًا على جوهر مفهوم التّذوّق، أو نقول بين النّظرتين تكامل، كلّ من الفريقين انطلق من طبيعة عمله، لكنّه كان يهدف إلى ما يرمي إليه الفريق الثّاني. وهو البحث عن الجمالية في النّصّ وتقديرها بحسب ما يطلبه تخصّصه وتهدي إليه اهتماماته وانشغالاته ..
2 - مهما يكن الاتّجاه الذي يحكم المنظّر، والاهتمامات التي تهيمن على نشاطه العلمي فإنّ القاسم المشترك في التّعريفات هو: البحث عن الجمال والحسن والمتعة والإبداع، وتنمية الوجدان، وإثارة الانفعال والعاطفة والحماسة في المتلقّي بطريقة معالجة الأثر الأدبي؛ قصد نقل عدوى التّأثّر فيه والإفادة منه: اقتداء وتقمّصًا لخصائص الشّخصيات التي تعالج أعمالها الأدبية، والتّشبّع بالقيم التي تتضمّنها الآثار الأدبية, التي تسهم في تطوير الحياة، وتحريك الهمم ... باختصار تظهر هذه الاستجابة وهذا التّأثّر في سلوكه وممارساته.
3 - الإحساس بجمال النّصّ الأدبي، والقدرة على إصدار أحكام حوله.
4 - هو ملكة، يقوم على الاستعداد الفطري، الذي ينمو ويتطوّر بالممارسة والمران والتّأمّل في الآثار الأدبية، أي يكون صقل هذه الملكة بالخبرة، وطول الممارسة والمدارسة والتّمرّس.
5 – التّذوّق الأدبي بهمّ الطّرفين: المبدع والمتلقّي: «للتّذوّق أهميّة كبرى بالنّسبة للمبدع وللمتلقّي على حدّ سواء، وتتّضح أهميّته بالنّسبة للمبدع بعدما ينتهي من عمله إبداعاً وتأليفاً، ويعود هذا الأديب: شاعراً أو كاتباً إلى عمله لينقّحه أو يراجعه، فيضيف كلمة، أو يحذف أخرى، أو يغيّر في عناصر الصّورة الأدبية، أو ربّما يعدّل فكرة العمل كليّة ... »
__________
(1) -ينظرالدّكتور راضي فوزي حنفي، «مفهوم التّذوّق الأدبي» موقع منتديات بوابة العرب http://vb.arabsgate.com (1/142)
صفحة 85
أمّا أهميَّته بالنّسبة للمتذوّق أو المتلقّي فتبرز في أنّ هذا المتذوّق «يعايش النّصّ الأدبي معايشة تكاد تكون كاملة، فيشارك المبدع أفراحه وأتراحه، في آماله وآلامه، ويسبح معه في عالم الرّؤى والخيالات، كما أنّ المتذوّق في قراءته للعمل الأدبي أو سماعه له ينفّس عن روحه بهذه القراءة أو بهذا الاستماع هذا من جهة، ومن جهة أخرى يبعث في نفسه التّواقة للجمال الإحساس بهذا الجمال، ويتمثّل هذا الجمال في عدة مقوّمات منها: طرافة الفكرة، وجمال اللّفظ جرساً ومعني، وجمال الصّورة تركيباً وبناءً، وجمال الأسلوب تأليفاً وتكويناً، وأخيراً صدق العاطفة في النّصّ الأدبي» (1).
التّذوّق الأدبي والتّحليل الأدبي
إنّ التّحليل الأدبي الذي يعنى بتفكيك بنية النّصّ لمعرفة دقيقة وعميقة لمكوّناته، يَهدف إلى إدراك الخصائص التي تشتمل عليها كلّ العناصر التي يتركّب منها الأثر الأدبي ويشتمل عليها: الجانب الفكري، النّاحية الفنّية، القيم الإنسانية، وكلّ ما يتضمّنه النّصّ ... وأثر ذلك في المتلقّين: فكرًا ووجدانًا وفنًّا وذوقًا، وفي خضم حياتهم ومعتركها .. إنّ هذا التّحليل يحتاج إلى حسّ مرهف، وانفعال عالٍ، وإدراك كبير، ووعي عميق ... للقيام بالعملية وتحقيق الغاية منها. ما يوفّر هذا هو التّذوّق الأدبي الجيّد. فهو ولو كان شيئًا مغروسًا في نفس الفرد، إلاّ أنّ نموّه ورقيّه يخضعان إلى عملية الصّقل والتّهذيب والتّوجيه في الإبداع والإمتاع والإقناع ...
«والذّوق الفنّي نفسه ليس هوى فرديًا، بل هو استعداد فطريّ، واكتساب ذاتي في آن واحد، وكذلك الثّقافة ليست مطالعة النّصوص الخالدة وحسب، بل هي - إلى ذلك - إلمام بأطراف من العلوم الإنسانية، كعلم الجمال والفلسفة وعلم النّفس، ومع ذلك يُطلب من الدّارس الشّادي أن تكون قدمه راسخة، ورأيه مسدّدًا منذ الخطوات الأولى ... » (2).
يعني هذا أنّ الذّوق من مكوّنات شخصيّة الإنسان، بل هو من مقوّماته، التي تؤكّد إنسانيته، إنّما يحتاج إلى صقل وتنمية وتطوير ليؤدّي مهمّته أو وظيفته ليدرك الجمال الذي خلقه الله - عز وجل - في الأشياء التي أحسن خلقها، وأتقن صنعها، هذا الذّوق يدفعه أن يكون جميلا في سلوكه ومعاملاته وفي علاقاته مع المحيط الخارجي.
__________
(1) - ينظر موقع النّيل والفرات www.neelfurat.comhttp:||
(2) - عبد الله الطّنطاوي، محمد الحسناوي، في الدّراسة الأدبية، تذوّق النّصّ الأدبي، دار الضّياء للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 2001م، ص: 8، 9. (1/143)
صفحة 86
في الجمل الآتية نقرأ الجمال، وفي الكلمات الآتية نتملّى الحسن، وفيها نجد الدّليل المادي المحسوس على قيمة الذّوق السّليم في إيجاد الجمال، وتسجيل الحسن. قال الشّيح حمّو بن عمر فخّار (1337 - 1426هـ/1919 - 2005م) محيّيًا كوكبة من الشّباب أقاموا مهرجانًا ثقافيًا، وكان أهمّ ما فيه مشاركات أدبية فنية بديعة، سجّل شعوره بالاغتباط والسّرور والانشراح بأسلوب رفيع، وكلم بديع، ينمّ عن حسّ مرهف، وذوق شفّاف: «والرّابطة المحكمة التي تجمعنا: حبّ الرّوعة، وتعشّق الرّفعة، والإعجاب بالإبداع والذّوق السّليم ... لذلك -تجدنا- نعانق الجمال ونتملاّه من أيّ سماء نزل، وننشق العبير من أيّ روض فاح، ونرشف الماء النّمير من أيّ نهر تدفّق، ونرتاح للخرير على أيّ صخرة انحدر وانهمر ... نطرب للصّوت الرّخيم، لا نبالي حنجرته، ونغتنم هبّ النّسيم، ولا نعارض وجهته .. اليد الصَّنَاع نربت على كتفها، والعبقرية المبدعة نسبّح بحمد خالقها ... أمّا سحر البيان فلشاعره منّا قلادة المديح، ولناثره عندنا صرّة من خزانة سخيّ غير شحيح .. » (1).
هذا الجمال هو حقيقة موجودة في الكون، يعلن عنها الفكر، ويصوّرها الفنّ أحسن تصوير، يقوم المتأمّل فيها باكتشافها، هذا فعل التّذوّق الأدبي. يقول محمد المبارك: « ... فالفكر يسجّل الحقيقة وبعبّر عنها، وقد ينشئها ويدفع إلى تحقيقها، والفنّ يصوّر الجمال ويعبّر عنه، وقد ينشئ الجمال ويبدعه، والحقيقة والجمال في الحياة والطّبيعة ملتقيان، فالشّجرة والنّهر والزّهرة والشّوكة والجبل والسّهل والشّمس والقمر والنّجوم والفراشة كلّها حقائق من حقائق الكون، ولكلّ منها جماله» (2).
يحتاج التّذوّق الأدبي إلى توفير الشّروط التي يدرج فيها ويترعرع، وينمو ويتطوّر ويرتقي؛ حتّى يثمر الثّمار اليانعة، وينتج النّتائج الرّائعة في الفنّ. يقول عبد القاهر الجرجاني: «وبقدر ما يكون المرء من التهاب الطّبع وحدَّة القريحة، بقدر ما يكون يتغلغل في الأسرار. وبقدر ما تكون له ألمعية يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفيّ» (3).فما هي هذه الشّروط؟
__________
(1) - حمّو بن عمر فخّار، وقفات ومواقف، نشر جمعية التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 2002م، ص10.
(2) - محمد المبارك، دراسة أدبية لنصوص من القرآن، ط4، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، بيروت، لبنان، 1392هـ/ 1993م، ص: 93.
(3) - الدّكتور محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، دراسة نقدية إبداعية، ط2، دار البشير، عمّان، الأردن، 1412هـ/ 1991م، ص: 22. ينظر عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ط2، مكتبة القاهرة، القاهرة، 1961م، ص: 293، 296. (1/144)
صفحة 87
الشّروط المطلوبة في تنمية التّذوّق:
من هذه الشّروط:
1 - يذكر الدّكتور محمد علي أبو حمدة عنصرًا مهمًّا في حسن الإفادة من حاسّة التّذوق الفنّي. هو الحوار مع النّصّ حوارًا عميقًا واعيًا، أي إعمال الفكر في النّصّ، واستنطاق الكلمات والجمل فيه، ومعاينة العلاقات التي تربط أجزاءه، وتحليلها وتقويمها ونقدها ... للظّفر بالجمالية والحسن اللّذين قد يتوفّران في النّصّ. هذا المعنى الحقيقي لمصطلح الارتقاء بالذّوق الأدبي أو مفهومه: « ... إنّه بإذكاء الحوار مع النّصوص وحولها يكون ثمّة جدّة للنّصوص في عيون الرّائين والمتوسّمين. ولمّا كان التّذوّق النّقدي ذاتيًا في أوّله، فإنّ هذا التّذوّق حين تعطيه لغةُ الحوار أسباب التّواصل الفكري ومسوّغ الكينونة الشّرعية، يغدو في التّراث الفكري الذي يضيف إلى (أفقية) الرّؤية النّقدية أفقًا جديدًا، والذي يضيف إلى مستويات الاستشراف النّقدي مستوى جديدَا ... إنّ الرّأي بالرّأي يفلح، وإنّ التّذوّق بالتّذوّق ليضيف إلى زاد العربية زادًا، فكيف إذا كانت العربية مادة الإسلام وكتاب الله تعالى ... » (1).
إنّ هذا الحوار الذي يقدح به زناد الخاطر، ويسعف به الفكر، بمساعدة العوامل الفطرية التي يتوفّر عليها ذوو النّفوس الحسّاسة، والقرائح المخصبة، والطّبع الحاد ... يقود إلى مواطن الحمال في النّصوص الأدبية، ومواقع الحسن في الآثار الفنّية. هذا المطلوب أو هذه العملية هي حقيقة التّذوّق، وهي الكفيلة بترقيته وتنميته، ويزيد للعربية قوّة في البروز والانكشاف الجميل ..
2 - إنّ الدّراسة الأدبية الجادّة المتجدّدة تعتمد على الذّوق المرهف؛ مستندًا إلى الثّقافة الواسعة الخصبة، مع التّدريب على طرق ممارسة التّذوّق. إنّ الثّقافة الواسعة شرط في إخصاب التّذوّق الأدبي.
3 - في سبيل تذوّق النّصّ الأدبي تذوّقًا جيّدًا لابدّ من قراءة النّصّ قراءة متأنّية واعية، والحرص على إدراك العلاقات النّحوية وتفحّص الأداء اللّغوي والدّلالات المركزية والهامشية للألفاظ .. أي القيام بمعالجة النّصّ الأدبي والتّحليل الفنّي له، كما يسيغه
__________
(1) - الدّكتور محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي للآيات الثّلاثين: خواتيم سورة البقرة، مع تركيز الإضاءة على آيات الرّبا في النّسق القرآني الكريم، ط1، مكتبة الأقصى، عمّان، الأردن، 1410هـ/ 1990م، ص: 11، 12. (1/145)
صفحة 88
التّذوّق، ويدفع إليه الغوص في الأثر الأدبي. هذه الممارسة تمسّ طرفين أو جانبين، وتعمل على تطويرهما: عمليّة التّذوّق التي تتطوّر وتترقّى بالممارسة، وعمليّة التّحليل الفنّي، تتعمّق كلّما نَمت وثيرة التّذوّق (1).
4 – عنصر الخيال مهمّ أيضًا في الارتقاء بالتّذوّق الأدبي. فالخيال: «هو القدرة على رؤية ما لا يرى، واستحضار ما ليس حاضرًا، والتّأليف بين المشاهد والصّور والمواقف المتعدّدة، بطريقة تجعل القارئ يتأثّر ويشارك في الرّأي، وينتقل من عوالم غير عالمه الواقعي. والخيال انفتاح في الذّهن على رحاب واسعة في ميادين الحياة الإنسانية، ومن فجاج الكون على تنوّعها وأبعادها. هو شريط يعرض به الأدباء على قرّائهم صورًا من خوالي الأيّام وحاضرها ومستقبلها، ومن معايش الشّعوب ومقدّراتهم، وخصائصهم في التّفكير والتّنظيم والتّعامل» (2).
لهذه الوظائف التي يقوم بها الخيال في حياة النّاس، ولدوره في تهيئتها وتجميلها والإفادة من مجرياتها، كان للأدب منه نصيب كبير، وشأن عظيم؛ إذ أنّ وجوده فيه يساعده على نقل المتلقّي إلى أجواء الأحداث، ما مضى منها وما يأتي، بل يعين على التّعمّق في فهم ما يدور في المحيط، وما يجيش في النّفس، وتصوّر ما يستقبل من الوقائع والواقعات ... فيؤثّر في الوجدان، ويحرّك الأذهان .. «ولسنا نغالي إذا قلنا: إنّ الفرق بين الأدب الجيّد والأدب الرّديء، مردّه في الغالب إلى قدرة التّخيّلعند الأدباء، وابتداع ما هو إنساني مؤثّر» (3). يتدخّل الذّوق بشكل كبير في اكتشاف هذا الخيال في المبدع، وتوجيهه وصقله، ومعرفة دوره في استيعاب ما يشتمل عليه النّصّ من خصائص ومميّزات عند المتلقّي. من ذلك قدرته على فقه حقيقة اللّغة وما تتضمّنه من طاقات وإمكانات، تسهم في الارتقاء بتذوّق الأدب.
__________
(1) - لمزيد من التّفاصيل ينظر مبحث «كيف نعالج النّصّ الأدبي»، كتاب مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص:21 - 27. والدّكتور فتحي علي يونس، الدّكتور محمود كامل النّاقة، أساسيات تعليم اللّغة العربية، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر بالقاهرة، 1977م، ص: 183 وما بعدها.
(2) - الدّكتور أحمد أبو حاقة،،البلاغة والتّحليل الأدبي، ط1، دار العلم للملايين بيروت، 1988م، ص:296.
(3) - المرجع السّابق، ص: 297. (1/146)
صفحة 89
اللّغة ودورها في الارتقاء بالأدب
اللّغة أداة مهمّة للتّوصيل والتّواصل وربط الصّلات، ووسيلة ضرورية لنقل الأفكار والعواطف والمشاعر، ووعاء مهمّ لحفظ التّجارب والذّكريات. هي تؤدّي وظائف كثيرة أساسية في حياة البشر: نفسية، اجتماعية، فكرية ... لها دور كبير في تقديم السّمات الحضارية لأيّة أمّة.
إنّ اللّغة تحتلّ مكانة مركزية كبيرة في رسم مسير الحضارة، وتوجيه مصيرها. فالعناية بها ورعايتها، والعمل على التّعامل معها بحذق ومهارة، وبمنهجية محكمة أمر محتوم، مختوم عليه بالتّخطيط الحسن، والتّنظير الجيّد، والتّطبيق المفيد. من جملة هذه الشّروط المطلوبة أو الوسائل المنشودة غرس حبّ اللّغة في القلوب، وما يساعد على ذلك تكوين حاسّة تذوّقها في النّفوس، أو إيقاظه، والارتقاء به صعدًا بتحسين الأداء والتّلقين والتّعليم ... لمعرفة طرق التّعامل معها حتّى يتحقّق هذا المطلب نسرد بعض الحقائق عنها لمزيد من التّعرّف على طبيعتها، وفقه كنهها.
حقائق عن اللّغة:
*- هي وسيلة نشر النّصّ الأدبي، فالكلمة المكتوبة هي المعتمدة.
*- الحضارة لغة.
*- باللّغة يفكّر الإنسان ويتعلّم.
*- اللّغة أساس التّنمية الفكرية والمادية,
*- لا حياة للغة لا تنتج علمًا.
*- يقول عدنان النّحوي: «اللّغة ليست حروفًا وكلمات وجملا فحسب. إنّ اللّغة تختزن بين أحرفها وكلماتها فكرًا وتصوّرًا، وإنّ هذا الفكر والتّصوّر يتسلّل بين الكلمات والجمل، ويتلبّس الحروف والكلمات من خلال تاريخ طويل كانت اللّغة تنمو معه وتصارع. نلمس بعض مظاهر التّاريخ والصّراع بين الكلمات والتّعبيرات، ونلمس بعض نواحي التّصوّر والفكر، وبعض معالم طبيعة الأمّة التي تحملها، والتي نمت معها. وربّما نلمس روح ذلك ومعالمه في جرس اللّغة وموسيقاها، وفي دقّة بيانها وبلاغتها، وفي تركيبها وأسلوبها، ممّا يعطي اللّغة خصائص ومميّزات تنفرد بها» (1).
__________
(1) - الدّكتور عدنان علي رضا النّحوي، لماذا اللّغة العربية، ط1، دار النّحوي للنّشر والتّوزيع، الرّياض، المملكة العربية السّعودية، 1418هـ/ 1998م، ص: 7576. (1/147)
صفحة 90
نسج الدّكتور عدنان النّحوي الفقرة السّابقة بكلمات تبرز ما تتميّز بها اللّغة من جمال ورونق وبهاء، إلى جانب كونها وعاء للمضمون الفكري والاجتماعي وغيرهما. هذه الكلمات هي: «جرس اللّغة وموسيقاها، دقّة بيانها وبلاغتها، في تركيبها وأسلوبها ... » يدلّ هذا أنّه لا يمكن معرفة كنه اللّغة وفقه حقيقتها إلاّ بالغوص إلى أعماقها، والولوج إلى داخلها؛ بركوب مطيّة التّذوّق الفنّي الجمالي. قال حافظ إبراهيم على لسان اللّغة العربية:
أنَا البَحرُ في أَحْشائهِ الدُّرُّ كامِنٌفَهَلْ سأَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صدَفاتِي؟
هذا يعني أن تدريس اللّغة ودراستها من الأفضل أن يتمّا عن طريق الأدب: لاستثارة الحسّ وتنميته، وتكوين الذّوق وإرهافه، لإعداد النّفوس لتدرك الجمال وتتملّى الحسن ... إنّ الأدب في أحد تعريفاته: كلّ ما عبّر عن معنى من معاني الحياة بأسلوب لغوي جميل. فلابدّ من ركنين في مكوّنات الأدب: معانٍ تثير العاطفة والخيال، وألفاظٌ جميلة تؤدَّى بها هذه المعاني.
*- التّرابط بين اللّغة والأدب قويٌّ ومتين، والجمال عنصر مشترك بينهما. هذا الجمال يدرك ويكتشف ويُتملَّى بالتّذوّق.
*- الدّستور (القرآن) الذي صيغ بالفصحى لا يحذقه إلاّ الذين يحذقون العربية ويملكون ناصيتها.
*- «المضمون أو المعنى هو الفكرة السّابقة على الألفاظ؛ من حيث وجودها في ذهن الكاتب. واللّفظ البليغ هو الذي يبرز المعاني إلى الواقع المادي الملموس أو المتخيّل، وقد نسج تنوّع البيئة العربية الإسلامية وطول عمر الألفاظ وتنوّع التّجربة حالات من المعاني حول ألفاظ اللّغة، أخذت تتراكم مع مرور العصور، فأصبحت اللّفظة واسعة الأفق بعيدة المدى، وأصبحت كلّ لفظة تحمل أطيافًا من المعاني التي أغرم الموهوبون باستعمالها، والتي يسعى المتذوّقون إلى تلمّسها واكتشافها» (1).
*- غزارة المعاني التي تتضمّنها ألفاظ اللّغة العربية، وتراكمها عبر العصور المتعاقبة المتتابعة، تحتاج إلى الكشف عنها ونشرها، ثمّ فهمها واستيعابها والإفادة منها واستلهامها واستثمارها، وقبل ذلك إدراك ما تراكم في اللّفظة الواحدة من دلالات،
__________
(1) - الدّكتور عبد القادر أبو ريشة، وحسين لافي قزَق، مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ط3، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1420هـ/ 2000م، ص: 33، 34. (1/148)
صفحة 91
توفّرت فيها بقوّة ما تملكه من طاقات وقوّة على السّكنى بداخلها. هذه القوّة وهذه الطّاقة اللّتان يمكن لهما أن تنفجرا عن معان كثيرة، ودلالات عميقة، لا تنكشف ولا تخضع إلا للفنّان الذي يحسن التّعامل مع اللّغة، ويجيد وسائل ترقية حاسّة تذوّقها، وتمرّسه على الأساليب التي وضعت فيها لتعبّر وتحبّر وتصوّر وتؤثّر ... فالنّصّ السّابق أشار إلى المتذوّق الذي يسعى إلى تلمّس المعاني التي تتضمّنها اللّفظة واكتشافها، إذن إنّ للذّوق الأدبي دورًا كبيرًا في هذه العمليّة.
*- يقول الدّكتور عدنان علي رضا النّحوي: «فللغة العربية جمال متميّز من سائر اللّغات، إنّهجمال الوضوح والدّقّة في المعنى، وسائر أبواب الجمال الذي كشف عن يعضه العلماء المسلمون في تاريخ طويل. وسيظلّ الجمال متجدّدًا تتفتّح أبوابه مع الأيّام. ولا تنطبق قواعد الجمال في اللّغات الأخرى على قواعد جمال اللّغة العربية. فللّغة العربية جمال آسر هزّ جميع من درسها وعرفها. لقد هزّت الأدباء والشّعراء، وهزّت الشّعوب على مدى تاريخ طويل، وستظلّ تهزّهم إلى أن تقوم السّاعة.
ولقد تحدّدت مصطلحاتها اللّغوية، حتّى تستقرّ أحكام الإسلام وتشريعه على قواعد راسخة، وحتّى تستوفي اللّغة أسباب الوضوح والدّقّة والجمال. ولقد استقرّ مفهوم النّثر ومفهوم الشّعر، حتّى لا يختلط الكلام، وحتّى يتمايز كلام الله، وحتّى تستقيم المعاني» (1).
كلّ ذلك يبيّن أنّ للكلمة مكانة وقيمة في النّسيج الأدبي، ولها قوّتها في التّعبير الجيّد، والتّصوير الفنّي .. فما هي قيمتها في الاستعمال الأدبي؟
قيمة الكلمة في الاستعمال الأدبي
النّصّ يتكوّن من كلمات، والكلمة هي مجموعة أصوات، تتجاور فتؤلّف معنى، هذه الكلمات تكوّن تركيبّا، له دلالته الفكرية أو الوجدانية أو الفنّية ... هذه الألفاظ لا تبقى محصورة في نطاقها الضيّق، من الدّلالة المعجمية، وخصائصها المحدّدة. بل قد تحمل دلالات أخرى وخصائص جديدة، بحسب ما يقتضيه الاستعمال. في هذا يقول الدّكتور أحمد أبو حاقة: «ولبس الأمر مقتصرًا على المعاني وحدها في تركيب الكلام، وإنّما
__________
(1) - لماذا اللّغة العربية؟، ص: 41، 42, (1/149)
صفحة 92
الأصوات نفسها التي يتكوّن منها اللّفظ تتداخل وتتمازج ويتألّف من مجموعها أنغام جديدة. هي نتيجة التّفاعل بين الحروف والمقاطع الصّوتية التي يتألّف منها الكلام» (1).
هذا يعني أنّ الكلمة هي محور الاهتمام والنّظر في أي معالجة للنّص، ينظر فيها من حيث كونها مفردة، وفي وجودها في تركيب، ويتعامل معها مجموعةَ أصوات متجاورة، ومن منظور المعاني التي تتجمّع منها مع كلمات أخرى، ثم من حيث أثرها مفردةً أو مركّبةً، في جمل مع جاراتها من الكلمات الأخرى المؤثّرة في السّمع والذّهن والوجدان. بذا يتبيّن قيمة الكلمة في النّص الأدبي، وأساليب استعمالها.
كما أنّ قيمة الكلمة تتجلّى في نجاحها في التّبليغ، الذي يعني هنا البلاغة؛ إذ البلاغة هي نجاح المخاطب في بلوغ الغاية من إيصال المعنى إلى المخاطب، أي تبليغه ما يراد من فكر وشعور. كما تعني جمال الكلام الأدبي. أو هي الجمال الأدبي ذاته، الذي يضمّ معاني جيّدة وأسلوبًا جيّدًا. إنّ الجمال الأدبي ينطلق من الكلمة، ويعمّ المعنى والمبنى معًا. هذه الحقيقة تبيّن قيمة الكلمة في النّظم. وهذا الجمال الشّامل للطّرفين يعني «بلوغ المعنى واضحًا كاملا، محرّكًا للذّهن في قالب ممتع جميل، تنفعل به النّفس، ويرتاح له الذّوق السّليم ... والكلمة الجيّدة أيضًا هي التي تطرب لها الأذن، ويرتاح لها الذّوق بعذوبة ويسر، ويطيب للإنسان أن يردّدها، وكلّما فعل ذلك وجد فيها متعة متجدّدة وانفعالاً لذيذًا» (2).
الظّفر بالكلمات الجيّدة المفصحة المبلّغة يخضع إلى الاختيار الجيّد. هذا الاختيار يستند إلى ضابط وحاكم يحكم بمناسبة الكلمات للمقام والحال، وملاءمتها للفكرة والشّعور ... أو عكس ذلك. هذا الضّابط أو الحاكم لن يكون سوى الذّوق السّليم. والمقاييس التي تستعمل تنبثق منه. وهي «تتجلّى في دقّة اللّفظة، وحسن جرسها، وتآلف حروفها وأصواتها، واتّفاقها مع ما قبلها وما بعدها من اللّفظ، لا في المعنى فحسب، بل في الشّكل أيضًا، فالذّوق السّليم يقدّر موقع الكلمة، والأبعاد الصّوتية التي يقتضيها، ونوع الحروف التي تتلاءم وجوّ المعاني ... » (3) ومدى التلاؤم بين الفكرة والصياغة: إنّ أي نص
__________
(1) - البلاغة والتّحليل الأدبي، ص: 22، 23.
(2) - المرجع السّابق، ص: 23.
(3) - المرجع السّابق، ص: 25. (1/150)
صفحة 93
أدبي يتكوّن من ألفاظ لغوية يختارها الأديب من اللّغة بطريقة مخصوصة، ليبني بها المعنى الذي يريد، وليعبّر عن الفكرة أو الأفكار التي يريد الإفصاح عنها، وهو في سبيل ذلك يسعى إلى إجادة صياغة النّصّ الأدبي ليكون مؤثّرا. ومهمة معلم الأدب أن يدرّب التّلاميذ على هذه المهارة، وذلك بمناقشتهم حول بعض الألفاظ والتّراكيب اللّغوية التي استخدمها الأديب، وبيان أثرها على وضوح المعنى أو غموضه، ومناسبتها لفكرة النّصّ، ومدى توفيق الأديب في اختياره لها، وإجراء المقارنات بين الألفاظ موضوع المناقشة وبين ألفاظ أخرى يمكن استخدامها بدلا منها (1).
ضوابط في تناول اللّغة
هناك قواعد وضوابط يجب مراعاتها في تناول اللّغة؛ لتؤدّي وظائفها المنوطة بها، وبخاصّة ما يخدم جانب التّذوّق الجمالي، هذه القواعد لا تخرج عن دائرة الأهداف المنشودة والمرسومة للسّير السويّ في الحياة، والنّهوض القويّ بالشّؤون، وتحقيق حقيقة عمارة الأرض التي استعمرها الله - عز وجل - الإنسان وجعله خليفة فيها. ومعظم هذه القواعد التي أشار إليها الدّارسون مرتبطة بدرس الأدب، أي أنيط دورها بمجال الأدب. من هذه القواعد والضّوابط:
1 - إنّ تدريس اللّغة العربية بالمنظور الحديث «ينبني أساسًا على ما يسمّى بفنون اللّغة، وهي أربعة: الاستماع، والحديث، والقراءة، والكتابة. وتسمّى هذه الفنون أحيانًا مهارات اللّغة, وربّما كان وراء اختيار كلمة (مهارة) هنا أنّ اللّغة أساسًا أداة اتّصال، والمهارة جزء أساسي وعامل مهمّ في دقّة الاتّصال وسرعته، كما أنّ اختيار كلمة (فن) تدلّ على أنّ الفرد حين يستخدم لغة يبتكر فيها ويبدع – علاوة على مراعاته لمبادئها العامّة ... » (2).
إذا كانت اللّغة لا تدرّس إلاّ بفنّ، ولا تقدّم إلاّ بمهارة، وإذا كانت تحتاج إلى الدّقة والاقتدار ... ؛لتمكينها أن تؤدّي وظيفتها بقوّة، وإذا كان الفرد لفنيّة اللّغة يمكن له أن يبدع ويبتكر بها ... فإنّ هذه المواصفات تفرض على المتعامل معها أن يكون فنّانًا ليحسن تناولها،
__________
(1) - ينظر منتدى موقع وادي العرب الجزائري http||www.wadilarab.com . المقال بعنوان: «مهارات التّذوّق الأدبي وأساليب المعلّم وإجراءاته لإكساب التّلاميذ تلك المهارات».
(2) - أساسيات تعليم اللّغة العربية، ص: 34. (1/151)
صفحة 94
ويتقن توظيفها، والجمال أساسًا هو عمل متقن .. بمعنى أنّ من يريد الاستثمار في اللّغة يجب أن يكون ذا حسّ مرهف، وذوق رفيع، ليتناول اللّغة بمنظور جمالي، فإنّ هذا الضّابط يعينها على الارتقاء بالذّوق الأدبي إلى المستوى العالي. ففي تدريس اللّغة العربية على أساس تناول فنون اللّغة أو مهاراتها يكون الإتقان، ويظهر الجمال والحسن، كلّ ذلك يحتاج إلى تكوين ذوق سليم وحسّ مرهف؛ لإدراك أسرار اللّغة.
2 - يرى أغلب المهتمّين بتدريس اللّغة أنّ يكون تناولها برؤية شمولية، ما ينتج عن ذلك التّعامل معها بفكر شمولي؛ تبعًا لأنّها محورٌ أساسٌ، تدور حولها حياة الإنسان، أي هي تُعنَى بحياته الشّاملة. ومكوّنات اللّغة ومقوّماتها التي تبني كيانها أو تقوم عليها أركانها كثيرة، لا يمكن فصلها في تقديمها والكشف عن كنهها. «فهناك شعور عام بالحاجة إلى النّظر إلى اللّغة على أنّها وحدة متكاملة، تترابط فروعها في كلٍّ منسجمٍ، وبالحاجة إلى دراسة اللّغة مرتبطةً بأنشطة التّلميذ خارج المدرسة، وبمسايرة اللّغة للتّطوّر العام في المجتمع المحلّي والعالمي، وإلى تجديد الوسائل المستخدمة في تعليمها، وإلى إعداد معلّمها إعدادًا جيّدًا، بتناول نموّه المهني والعلمي» (1).
3 - دراسة أساليب اللّغة؛ بربط أجزائها بعضها ببعض، وهذا لا يكون ولا يتمّ إلاّ في نصوص أدبية. يقول محمد المبارك: « ... فيدرسون (أي الباحثون) أساليب اللّغة في ربط أجزاء الجملة، وربط الجمل بعضها ببعض، والصّلة بينها وبين ما يقابلها من الدّلالات والمفاهيم، وارتباط هذه المفاهيم في أذهان أهل اللّغة، وهو ما يطلق عليه علماءُ فقه اللّغة الفرنسيّون ( Syntaxe)، ويقابلها في العربية (نظم الكلام)، وقد استعملها أسلافنا في مثل هذا الموضع للنّثر، كما استعملوها للشّعر .. » (2).
4 - تناول اللّغة يُعنى بدراسة الألفاظ، والتّراكيب، وتلوين الأسلوب (وبخاصّة إلى خبر وإنشاء والدّافع إلى ذلك، وأثره على المتلقّي وفيه)، والصَّنعة الفنّية، والموسيقى .. هذه الدّراسة قد يقول قائل هي إلى الدّراسة الأدبية الشّاملة تنسب، لا إلى الدّراسة اللّفظية .. نقول: إذا كنّا نعدّ اللّفظة هي حجر الزّاوية في بناء النّصّ، بل في البناء الفنّي، والتّحليل
__________
(1) - المرجع السّابق، ص:33.
(2) - دراسة أدبية لنصوص من القرآن، ص: 134. (1/152)
صفحة 95
والنّقد والمناقشة كلّها تتمحور حول الكلمات وعلاقاتها في ما بينها ... فإنّ هذا لا يتعارض ولا يتناقض مع مضمون ما يحمله مصطلح دراسة الأسلوب اللّفظي أو فحواه. الغاية من التّركيز عليه، أو الإشارة إليه هو بيان أنّ دراسة اللّغة لا تنفصل عن الدّراسة الفنيّة الأدبية .. هذه المنهجية في الدّراسة تساعد على تكوين الذّوق الأدبي، الذي يبعد الجفاف والجمود والجفاء عن اللّغة في أثناء تناولها، أو حين التّعامل معها .. اللّفظة نفسها تحمل دلالة إذا كانت في سياق نظم، يحمل تجربة, يقول سيّد قطب: «والتّعبير في اللّغة يشمل كلّ صورة ذات دلالة، ولكنّه لا يصبح عملاً أدبيًا إلاّ حين يتناول تجربة شعورية معيّنة ... » (1).
نثبت فيما يأتي تحليلاً لآيات سورة (العاديات)؛ نموذجًا لدارسة الأسلوب اللّفظي (2).
دراسة الأسلوب اللّفظي:
أ- الألفاظ: ورد في النّصّ نوعان من الألفاظ: أحدهما لتصوير المعاني الحسيّة، وكانت واضحة ودقيقة التّعبير (ضبح، موريات، مغيرات، أَثرْن، نقع، وَسَطْن)، أو مصوّرة (بُعثِر). ثانيهما: للتّعبير عن المعاني المجرّدة، وهي معانٍ عامّة (كنود، حبّ الخير، شهيد، خبير).
ب- صياغة الآيات، أو التّراكيب والجمل: كانت الآيات في ترتيبها وتركيبها متناسبة مع الأفكار وخصائصها، كما كان تنوّعها مقابلا لتنوّع الأفكار، وهي على العموم قصيرة في جميع أجزاء السّورة، متناسبة في قصرها مع سرعة الانتقال في تصوير الحركات، أو مع إيجاز الأفكار في التّحليل النّفسي، ومقتصرة على العناصر الأساسية للجملة، خالية من الزّوائد خلوّ الأفكار والمشاهد من التّفصيلات، متناسبة في تنوّعها وانتقالاتها مع تنوّع الموضوع، من فعلية غير مؤكّدة في القسم الأوّل، إلى اسمية مؤكّدة في القسم الثّالث.
ج- الموسيقى: تنقسم موسيقى السّورة إلى نغمات عدّة متناسبة مع أقسام النّصّ من الوجهة الفكرية والنّحوية. فالقسم الأوّل يتألّف من خمس فقرات موسيقية ذات نغمة
__________
(1) - سيّد قطب، النّقد الأدبي أصوله ومناهجه، ط5، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1403هـ/ 1983م، ص:9.
(2) - ينظر عبد الله الطّنطاوي ومحمد الحسناوي، في الدّراسة الأدبية تذوّق النّصّ الأدبي, دار الضّياء للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 2001م، ص: 20، 28، 29. (1/153)
صفحة 96
واحدة، تقلّ فيها المدود، وتتوالى حروفها المتحرّكة، ممثّلة بذلك حركة الخيل في عدوها ووقع حوافرها، ثمّ ارتفاعها. والقسم الثّاني: أطول نفسًا، وأكثر مدودًا، وكأنّه يشير بمدوده الطّويلة إلى التّأمّل الطّويل والهدوء النّفسي (كنود، شهيد، شديد). والقسم الثّالث: يجمع بين المدود الطّويلة في بعض أجزائه (أفلا يعلم إذا) وتوالي الحبكات في كلمات أخرى (بُعْثِرَ).أمّا القسم الأخير: فإنّه ذو نغمة هادئة، ناشئة عن المدود والميم السّاكنة والتّنوين، ويلاحظ أنّ لبعض ألفاظ السّورة حرْسًا موسيقيًا واضحًا مناسبًا لمعناها، مثل كلمتي (قدحًا ونقعًا)، المناسبتين لوقع حوافر الخيل، وكلمة (بُعثِر) المناسبة لانتشار أجساد الموتى بعد خروجها من الأرض، ومثل كلمة (حُصِّل) الدّالة بصادها المشدّدة على شدّة التّقصِّي والجمع.
هذا التّناول للّغة انطلاقًا من اللّفظة وسياقها ومجاورتها لغيرها في نظم محكم، وتحليلها بما تتوفّر عليه من فنّية وجمالية ودقّة في التّعبير والتّصوير، يبيّن أنّ اللّغة تبرز على حقيقتها إذا تُنووِلت في عمليّة شاملة لفروع كثيرة من مكوّنات اللّغة ومقوّماتها، إذ بذلك تستثار ملكة الحسّ، وتستفزّ غريزة التّذوّق، فتتعاونان على استخراج مكامن الجمال في النّصّ المبني والمؤسّس من الألفاظ منتظمةً في جمل ..
هذه العملية تمثّل ما يسمّى بالأسلوب، الذي هو الطّريقة التي يعتمدها الأديب في تأليف كلامه للتّعبير والتّصوير. وفيه تظهر براعته، ويبرز إبداعه، ويتشكّل ذوقه .. «والأسلوب أفضل معرض لقوّة الإدراك ويقظة الشّعور، وحسن الذّوق .. ولا يتأتّى لامرئ أن يكون ذا أسلوب أصيل جميل، إلاّ بعد مران طويل، ومطالعة لا تفتر لأجود الآثار الأدبية، وتنمية للذّوق، وفهم لحقيقة الأدب، وتمييز للأساليب، واستعداد للإبداع في هذا المجال» (1). ودراسة الأسلوب تعني تناول نوعه وجماله وحسنه، وطبيعته وصناعته، وقوّته، ومدى تفنّن الأدباء فيه، إبداعا وإمتاعًا وبيانا وبلاغة ... وما يكون فيه من سلبيات ... هذه النّواحي يهدي إليها الذّوق السّليم.
الكلمات التي ضمّنها الكاتب لبيان حقيقة الأسلوب، ومكانته في الكتابة، تبيّن دور الذّوق الأدبي في عملية التّعبير والتّحبير والتّصوير، إلى جانب عبارتَي: حسن الذّوق، وتنمية الذّوق، وردت العبارات الآتية: «قوّة الإدراك، أسلوب أصيل جميل، فهم لحقيقة الأدب، تمييز
__________
(1) - البلاغة والتّحليل الأدبي، ص: 209، 210. (1/154)
صفحة 97
دقيق للأساليب، استعداد للإبداع ... » هذه العمليّات لا يهدي إليها سوى الذّوق السّليم .. هذا دليل آخر يؤكّد دوره في تطوير الأداء الفنّي، انطلاقًا من اللّفظة. والتّذوق نفسه ينمو ويترقّى بالإفادة من تلك العمليّات. وكتابة النّصّ هو بناؤه وإنشاؤه، واللّفظة تعدّ جزءًا من بنيته، الذي لا يمكن تحليله إلاّ بكلّ أجزائه المكوّنة له. يقول الدّكتور عز الدّين إسماعيل: «والبنية في النّقد الحديث مجموعة متشابكة من العلاقات، تتوقّف فيها الأجزاء على بعضها، وترتبط كلّها بالنّصّ لتشكّل وحدة عضوية، وحين ندرس البناء الفنّي للنّصّ فإنّنا ندرس عباراته وصوره وموسيقاه وأفكاره وتركيباته اللّغوية والعواطف وعلاقة كلّ ذلك بعضه ببعض. وعليه فإنّ بناء النّصّ أوسع وأشمل من الأسلوب، الذي هو نسيج لغوي» (1).
اللّغة هي دائمًا المدار الذي تدور حوله الاهتمامات، وتحوط الدّراسات، وتحوم التّقريرات. فماذا يجب مراعاته في تدريس اللّغة العربية بخاصّة؟
ما يجب مراعاته في تدريس اللّغة العربية
لضمان النّجاح في تطبيق القواعد السّابقة، ومن خلالها نسير بناشئتنا - بخاصّة - في السّبيل الصّحيح لتكوين التّذوّق الأدبي الفنّي الجمالي فيهم، والارتقاء به إلى ما يعينهم على بناء الجانب اللّغوي في شخصيتهم العلمية والأدبية، نقدّم الملاحظات الآتية:
1 - نجتهد في جعلهم يدركون خصائص اللّغة العربية، ويعرفون أسرارها، ويحسّون بجمالياتها وفنّياتها .. ؛ حتّى ينشطوا لتداولها فيما بينهم، ويتعاملوا بها بما تستحقّ من برّ وتقدير وتكريم ..
2 - نحرص على تبسيط طرق تعليمها، وانتقاء الأساليب النّاجعة المناسبة في ذلك، واستعمال أحدث الوسائل في تدريس قواعدها.
3 - نهتمّ بإعداد المكوِّن فيها، وتوفير الجوّ الملائم والبيئة الصّالحة السّليمة لعمل المعلّم في هذا الفضاء ..
4 - هذا المعلّم المكوّن يجب أن تكون له معرفة خالصة باللّغة في كل ما يتّصل بها بسبب، وبخاصّة معرفة فنون اللّغة ومهاراتها ..
__________
(1) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص: 19، 20. ينظر الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل، الأدب وفنونه، ط5، دار الفكر العربي، 1973م، 26، 27. والدّكتور صلاح فضل، نظرية البنائية في النّقد الأدبي، ط3، دار الشّؤون الثّقافية العامة، بغداد، 1987م، ص: 296، 297. (1/155)
صفحة 98
5 - يقدّم معلّم اللّغة العربية درس النّحو متّصلا بالدّرس البلاغي -بخاصّة- للعلاقة الوطيدة بينهما، واستثمارهما معًا في تحليل الظّواهر اللّغوية والنّصوص الأدبية .. فهذا مطلب بيداغوجي منهجي وأساسي في العمليّة التّعليمية التّكوينية؛ فهو يساعد على استكناه أسرار اللّغة في النّصوص، وتنمية الذّوق في النّاشئة، وفي مَنْ يُتحاورُ معهم في تناول اللّغة، ومعالجة قضاياها. «لقد تفطّن القدماء إلى أنّ الدّرس النّحوي وحده غير كافٍ لفهم أسرار الخطاب، إذ إنّ الدّرس البلاغي كان ضروريًا أيضًا، ولهذا نصّت المدرسة البصرية على ضرورة الاهتمام بالدّرس البلاغي. وهكذا صار النّحو والبلاغة يشتركان في خدمة اللّغة، فالنّحوي يعلّم قواعد الإعراب، ودلالة الألفاظ على المعاني، والبلاغي يعلّم أسرار اللّغة وتميّز أساليبها. وفي هذا السّياق يقول ابن الأثير: «البلاغي والنّحوي يشتركان في أنّ النّحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللّغوي، وتلك دلالة عامّة، وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدّلالة، وهي دلالة خاصّة، والمراد بها أن تكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء الإعراب» (1).
تضافر النّحو مع البلاغة في الدّرس اللّغوي، يقدّم الدّلالة المعنوية الحقيقية للألفاظ ملفوفةً في ثوب قشيب بديع، يبرز حسنها وبهاءها، وجماليتها التي تحتويها، وبذلك يستمتع المعنيُّ بهذا الدّرس بنشوة استكناه لبّ الكلمة وما يختزن بداخلها، هذه العمليّة تعين ذوقة على النّموّ والسموّ، والرقيّ ...
6 – أفضل طريقة لتحصيل اللّغة وتحصينها هي معرفة القضايا النّحوية في تفاعل تامّ مع القضايا الأخرى البلاغية والصّرفية داخل السّلسلة الكلامية، بعيدًا عن القواعد الجافّة والتّقديرات الافتراضية .. إنّ ما يثقل كاهل المتعلّم، ويتعب نفسه ويرهقها ويزرع فيها الملل والاشمئزاز من تعلّم اللّغة ... ما يجده من جفاف في أساليب تعليمها، وجمود في طرق تلقينها، والإكثار من التّهويمات والافتراضات اللّغوية؛ فتغدو اللّغة أمامه قوالب جاهزة جامدة، أو قواعد صارمة مفترضة، يتعب عقله في إدراكها،
__________
(1) - الدّكتور محمد القاسمي، «تفاعل النّحو والبلاغة في تحصيل اللّغة العربية»، كتاب: العربية الرّاهن والمأمول، منشورات المجلس الأعلى للّغة العربية، الجزائر، 2009م، ص: 449. ينظر ابن الأثير، المثل السّائر في أدب الكاتب، ج1، تحقيق محمد محيي الدّين عبد الحميد، المكتبة العصرية للطّباعة والنّشر، صيدا، لبنان، 1990م، ص: 39. (1/156)
صفحة 99
ويشقى خياله في تصوّرها .. بينما حين تقدّم هذه القواعد في تفاعل وتلاقح وتناغم وتحاور مع بقية فروع اللّغة، فإنّ هذا التّفاعل ينتقل إلى داخل نفس المتعلّم فينفعل انفعالا إيجابيًا، يدفعه إلى البحث عن أسرار هذه اللّغة ومقوّماتها، ومنها الجمال الذي يقبع داخلها؛ بفضل المعارف التي تمدّه بها فروع اللّغة المختلفة. يقول الدّكتور محمد القاسمي، بعد أن عاب على المناهج التّربوية في مختلف المستويات التّعليمية الفصلَ في الدّرس اللّغوي بين هذه الفروع: « ... فالبلاغي محتاج قبل تحليل النّصّ الفنّي والكشف عن أسراره الجمالية إلى معرفة اللّغة التي يريد أن يخاطب بها من مفرداتها وتركيبها، فإذا لم يعلم ذلك لم يكد كلامه أن يفهم، وهذه المعرفة تحصل له من علم اللّغة والنّحو، فإن حاول تكلّم اللّغة من دون هذه المعرفة الضّرورية كان كلامه كما قال الحطيئة وهو يتحدّث عن الشّعر: (يريد أن يعربه فيعجمه)، ولكنّه إذا علم اللّغة والنّحو والصّرف فإنّه يستطيع أن يعبّر عن حاصل المراد وأصل المعنى» (1).
نادى بهذا المطلب منذ القديم عبد القاهر الجرجاني، فقد نبّه إلى ضرورة توسيع أفق النّحو وتطويع أدواته، حتّى يُتمكَّن من اكتشاف مواطن الحسن والجمال في اللّغة. ما نبّه إليه عبد القاهر الجرجاني يبيّن مدى ارتباط فروع اللّغة العربية ببعضها، وكذلك يثبت دور اللّغة في الارتقاء بالذّوق الأدبي. فدراسة البلاغة مثلا ضمن فضاء النّحو، وقيامها على دعائمه ييسّر وينتج سبل إدراك الجمال والحسن (2).
7 - في حصَّة القراءة التي تقرّر للتّدريب على القراءة الصّحيحة، وفي الوقت نفسه
__________
(1) - اللّغة العربية الرّاهن والمأمول، ص: 449. يفرّق الدّكتور شكري فيصل بين تعليم اللّغة واكتسابها. يقول: «اكتساب اللّغة لا تعليمها .. والاكتساب لا يكون في ساعة واحدة من ساعات اللّيل والنّهار، ولا يكون في بيئة ضيّقة صغيرة، إذا قيست بالبيئات الطّويلة العريضة، التي يتقلّب فيها الإنسان العربي. اكتساب اللّغة هو معرفة أقصر الطّرق إلى ممارستها في كلّ حالات الوجود اليومي، وفي كلّ المواقف والمواقع .. وما نفعله الآن لا يعدو أن يكون تعليمًا جزئيًا، يرمي به الطّالب فور خروجه من قاعة الامتحان .. هذا إذا استطاع أن يحمل منه شيئًا». (الدّكتور شكري فيصل «قضايا اللّغة العربية المعاصرة، بحث في الإطار العام للموضوع»، كتاب: من قضايا اللّغة العربية المعاصرة، المنظّمة العربية للتّربية والثّقافة والعلوم، تونس، 1990، ص: 44).
(2) -ينظر عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رشيد رضا، 1960م، ص: 67. ومحمد القاسمي، كتاب العربية الرّاهنوالمأمول، ص: 450. (1/157)
صفحة 100
تعرض فيها نصوص ذات طابع معرفي، تستغلّ الفرصة لتنمية القاموس اللّغوي للتّلميذ، تختار النّصوص الرّاقية التي لها طابع أدبي، ويستطيع التّلميذ استيعاب معانيها، والاستمتاع بها، سواء كانت شعرًا أم نثرًا أم قصصًا، وتتميّز بمستوى إبداعي، يتناول الجانب الجمالي .. كما يجب أن نحبّب للتّلميذ قراءة النّصوص الأدبية قراءة جيّدة مؤثّرة فيه، ونختار له هذه النّصوص من الأدب الرّاقي من عيون الأدب قديمه وحديثه؛ حتّى ينجذب إلى الأدب واللّغة، وتتكوّن لديه حاسّة التّذوّق الرّقيقة السّليمة.
8 - يقول الدّكتور محمد القاسمي: «القضيّة الرّئيسية التي يواجهها معلّم اللّغة العربية ومتعلّموها على حدّ سواء تكمن في تدريس قواعد هذه اللّغة، والطّريقة التي تقدّم بها تلك القواعد في عمليّة التّعليم. فالطّريقة التي تقدّم من خلالها القواعد العربية لطلاّبنا في مختلف أسلاك التّعليم لا تخلو في أغلب الأحيان من التّكلّف والصّنعة والتّلقين الأجوف من جانب المدرّس، ومن الحفظ الخالص من جانب المتعلّم، في غياب تام لتحليل النّصوص الفنّية، أو محاورتها؛ بهدف تذوّقها واستجلاء عناصر الجمال المستكنَة فيها. ويضاف إلى ذلك أنّ المدرّسين وخاصّة في شعب اللّغة العربية في مختلف الجامعات المغربية يعتمدون بشكل مطلق، وفي معظم المجالات على اجترار التّراث اللّغوي، كما جاءت في متونه القديمة، وفي غياب تام لمحاورة ذلك التّراث وتبسيطه بطرق جديدة ولغة جديدة، تتناسب ومتطلّبات العصر. فالأمثلة ما زالت في درس النّحو تدور حول علاقة زيد بعمرو، وفي دروس البلاغة عن الشّاهد الشّعري كما وقف عنده البلاغيون القدماء» (1) ما هو مطلوب هو: تعديل طرق تدريس اللّغة العربية: مضمونًا ومنهجًا.
9 - «إذا كان تر اثنا الأدبي: شعرًا ونثرًا، يحتوي على كنوز ونفائس في هذا المجال، فإنّ تحبيب الدّرس اللّغوي إلى نفوس النّاشئة يحتّم علينا أن نقوم بالانفتاح على التّيّارات والثّقافات الأدبية التي تشتمل على إرث إنساني أصيل، وعطاء حضاري متجدّد، بدل اجترار أمثلة وشواهد ونصوص لا علاقة لها بواقعه وهمومه» (2).
__________
(1) - العربية الرّهن والمأمول، ص: 448.
(2) - المرجع نفسه. (1/158)
صفحة 101
هذا المطلب يضمن للّغة العربية الحياة والدّيمومة؛ لأنّها تتغذّى بما يستجدّ من المقوّمات التي تتفاعل معها، وتحاول التّكيّف معها (من دون التّخلّي عن خصائصها) فالأصالة والمعاصرة مقوّم حياة ومقاوم للفناء أو الممات. هذه إحدى القواعد التي تجذب النّابتة إلى لغتها، وتغرس فيها حبّها والحماسة إليها، وهذا أيضًا نتاج الذّوق السّليم الرّهيف ..
إنّ درس الأدب ضروري لتعلّم اللّغة العربية، وتذوّقها والانجذاب إليها، فكيف يكون هذا الدّور؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الحلقة المقبلة من هذه الدراسة بإذن الله. والله الموفق للصواب.
- - - (1/159)
صفحة 102
ثنائية العنف والرقة
في القصيدة الثورية الجزائرية
ديوان أطلس المعجزات
لصالح خرفيالقراري الجزائري أنموذجا
د: حني عبد اللطيف
قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة الطارف ــــ الجزائر
ب
بسط منهجي:
كشف الدراسات النقدية العديد من الجماليات الفنية للأدب الجزائري، وبينت تلازم ثنائية الثورة والوطن في موضوعاته، وعدّها الكثير منهم أحد سماته الثابتة لأنه يعبر عن أعظم ثورة شهدها العالم، لذلك دأب المبدع الجزائري على التمسك بهذه الجدلية، خلال الثورة التحريرية وبعدها، فراح يتغنى بها وببطولاتها مدونا تاريخها، وراصدا أحداثها، موظفا لغة العنف الثورية التي طبعت موقفه من المستعمر ومن جرائمه ضد الشعب الجزائري الأعزل، وإلى جانب هذه اللغة نتلمس لغة الرقة والنشوة والتفاؤل من خلال تغنيه بالجزائر أمًا ورفيقة وحبيبة وزوجة وبشجاعة المجاهدين وبطولاتهم، وبالعلم الجزائري، ومبديا شوقه وحنينه لأحبته وأهله وهو في غربته.
تأسيسا على ما سبق تتنزل هذه المداخلة لتغوص في عالم القصيدة الثورية الجزائرية متخذة من ديوان أطلس المعجزات للشاعر صالح خرفي القراري الجزائري (1) أنموذجا، فقد أفضى في متن أطلسه همومه وآلامه ووجعه من جرائم
__________
(1) - الشاعر صالح خرفي من مواليد 1932 بمدينة القرارة بولاية غرداية، من أسرة تقدس العلم والعلماء، حيث حفظ القرآن الكريم سنة 1946، ثم تعلم في مدرسة الحياة الابتدائية، وبعدها أرسل إلى تونس لينهل من علوم جامع الزيتونة، والمدرسة الخلدونية سنة 1953، بعدها رحل الشاعر إلى القاهرة، فالتحق بجامعتها فتحصل على شهادة الليسانس ثم الماجستير ثم الدكتوراه في الآداب، ناضل الشاعر لإسماع صوت الثورة للرأي العالمي، ثم عاد إلى الجزائر ليشارك في الثورة حتى الاستقلال، توفي خرفي سنة 2001. (1/160)
صفحة 103
المستعمر، فكانت لغته وإيقاعه يمتازان بالعنف والضراوة والرصاص والمدفع، كما حمّل خرفي أنوثة قصائده بلغة انسيابية رقيقة سلسة حبه وعشقه للجزائر وطنا وإنسانا، وغازل الراية (العلم) بألوانها الخفاقة على سفوح الأطلس والأوراس، وبث شوقه وحنينه للحرية ولاستقلال ولأهله خلال غربته، وتظهر المداخلة كفاءة الشاعر في الجمع بين هذا التخالف المعنوي والدلالي في ديوانه بل على مستوى القصيدة الواحدة والبيت الواحد.
1 - التماهي الثوري في ديوان أطلس المعجزات:
تعد الثورة التحريرية منطلق الشعر الجزائري الحديث، فقد أججت عواطف الشعراء فراحوا يسكبون حبر أقلامهم على الأوراق ليدونوا أحداثها ويصفوا عظمتها ويتغنوا ببطولة الشعب الجزائري الذي ضحى بأغلى ما يملك، فكان الإبداع الشعري الثوري والوطني، الذي جند الشعراء الجزائريون في ساحاته طاقاتهم التعبيرية، لتسجيل كل مناسبة أو حادثة تمر في قصيدة خاصة أو ضمن ثناياها بغض النظر عن المناسبة سواء أكانت دينية أم قومية، فقد كان همهم الوحيد مواساة هذا الوطن المكلوم بالجراح والآلام، والدفاع عن مقوماته وتأصيل معالم هويته الوطنية، والحفاظ على سماتها وأسسها أمام تيارات التغريب التي كان يمارسها المستعمر الغاشم، ورفع رايته عالية في المحافل الدولية والمؤتمرات القومية.
ومن بين الشعراء الجزائريين الصادحين بشعر ثوري صاحب أطوار ثورتنا التحريرية المباركة التي نحتفل بذكراها الخمسين شاعرنا صالح خرفي؛ من خلال العديد من دواوينه وخاصة أطلس المعجزات الذي هو محل دراستنا، فإذا تصفحنا أوراقه ورحنا نتلمس جسد قصائده ونحاورها ونحادثها إننا نلحظ ظاهرة بارزة أل (1/162)
صفحة 104
وهي الاحتقان الثوري الوطني المبثوث فيها، فهي حبلى بالمعاني والدلالات التي توحي بصدق وانفعال خرفي، كما برز أن «هذا الاحتقان الثوري في الجزائر فجر بطولة ساخرة لا مبالية فاقدة الإحساس بالآلام الجسدية» (1)، كما جعل شاعرنا ملتصق بالثورة التحريرية «في سهولها وجبالها ومغاويرها وكهوفها، فالثورة فيه خافقة تائقة زاحفة متموجة، حيث اختلط الشعر بالدم ورائحة البارود، إذ لا يكتفي الشاعر بالتحويم العائم على الجبال أو بالصورة القاتمة تلتقط من الجو وإنما يتبعها بأسمائها، ويلون الخارطة بالألوان البارزة، ويستوحي الأبعاد البطولية» (2)، ومن هذه الأسماء: أوراس، البيضاء، تبسة، القصبة، شوارع الجزائر العاصمة، فهذه «الأماكن من قرى ومدن وجبال في الشعر العرب تبث العواطف المرتبطة بحب الوطن، فتهيج في المغترب الأشواق والحنين ... وتذكي شعلة الغربة المحترقة والحنين الدائم لأرض لا تنمحي معالمها الجغرافية ولا تزول» (3).
ولعل أهم ما جعل شاعرنا يعيش مأساة الجزائر بذاته وروحه هي حياة الغربة التي كان يعاني منها، فهذه الغربة صقلت تجربته الشعرية، وخاصة عندما تمتزج مع الأخبار المزعجة التي تصل إلى المشرق العربي عن الثورة التحريرية الكبرى، وعن جرائم ووحشية المستعمر في قتل الشعب الأعزل غدرا وتعمدا، وزج الشباب والمتظاهرين في السجون، فهذه العوامل أججت الروح الثورية في روح خرفي منذ صغره وكبرت معه كلما كبر وتبلورت في أفكاره، وشدته شدا إلى أرض البطولات إلى مسقط رأسه وذكرياته وصباه، إلى الأرض التي عاش فيها أجداده، الأرض التي عشقها صغيرا واكتوى بنارها كبيرا؛ أرض الجزائر الثائرة، فكان بذلك ديوانه «أطلس المعجزات» بمثابة المنبر الذي يرى منه الناس فيكون
__________
(1) -صالح خرفي، الشعر الجزائري الحديث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط2، 1984، ص 233.
(2) -نفسه، ص 233 - 234.
(3) -سلمى خضراء الجيوشي، أبعاد الزمان المكان عند الشابي- دراسات عن الشابي-، الدار العربية للكتاب، ط2، 1989، ص 214. (1/163)
صفحة 105
خطيبا ناصحا، مرشدا تلهمه الثورة التحريرية المباركة بالكلمات، وتمده بالأفكار الثائرة المدوية، فيلون بالدم قصائدهن فيرسلها من صخور الأطلس الشامخ الأشم مشيدا بالمجاهدين الأحرار.
2 - عنف الثورة في ديوان أطلس المعجزات:
إن ديوان أطلس المعجزات هو أناة شاعر احترق حبا في جزائره، واكتوى بنار البعاد عنها، فألهمته ثورتها المباركة الكلمات فراح متفاعلا ومنفعلا مع أحداثها موظفا في ذلك مزيجا من الخطابات التي تكشف عن حالته وتدل على نفسيته، ومن أبزها ظهورا خطاب العنف الذي نلاحظ لغته تطغى في القصائد التي خصصها خرفي في إظهار موقفه من الاستعمار وتتمثل في:
أ-وصف جرائم الاستعمار:
بين خرفي في ديوانه خطر الاستعمار ووصف بشاعة جرائمه مستعملا قوافي مدوية، ذات جرس قوي ينم عن سخطه وغضبه بلغة عنيفة شديدة تقرع الآذان، وتوقظ الإحساس وتنبه الشعور وتشد الإدراك لهول جرائمه المرتكبة ضد أبناء الشعب الجزائري، فهذه الحالة الصارخة تمليها العاطفة الوطنية الساكنة في نفس خرفي «هذه النفس التي تتميز بالحربية المنطبعة في ديوانه أطلس المعجزات» (1).
ولعل لأول قصيدة تصادفنا في الديوان هي «مأساة تبسة» المدينة التي حولها المستعمر الفرنسي إلى أطلال مترامية، وحول أهلها الضعفاء إلى جثث خامدة متناثرة في المكان، وساق بعض شبابها إلى السجون، فالشاعر يصف بلغة ساخطة وغاضبة المأساة التي تجاوزت وحشية النازية وهمجية الفاشية فيقول حزينا (2):
__________
(1) -مقداد محمد، دراسة نفس حربية لأطلس المعجزات-ديوان شعر لصالح خرفي- مجلة الرواسي، باتنة، الجزائر، العدد العشر، السنة الثالثة، رمضان 1414هـ- جانفي فيفري 1994، ص 45.
(2) -صالح خرفي، أطلس المعجزات-الديوان-، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982، ط 2، ص 19. (1/164)
صفحة 106
رفعوك في ليل الكفاح مناراإذ غادروك أيا تبسة نارا
في كل قلب نابض قد أضرموها يستفز أوراها الأحرارا
ما انهد ركن فيك إلا والعرو ... به قد تصدع قلبها وانهارا
يوظف خرفي كلمات توحي بشراسة المستعمر وحقده على الجزائريين مثل (نارا، أضرموا، انهد، انهارا) التي سطا بها على تبسة وما هي إلا مثال على الكثير من الأماكن التي عاث فيها المستعمر قتلا وتنكيلا وتشريدا لأهلاها، ونتيجة ذلك فهو يتوعده برد الكيد والنيل منه، فالثورة كفيلة به بثائر مناشد للحق استطاب الحرب وألف لظاها، وهذه الجرائم ستزيدنا عزما على أخذ حريتنا، حيث فيقول (1):
صرخات بنت من بناتك كالخريـ ــدة هتك الباغي لها أستارا
زفرات قوم أبعدوا عن أرضهم ظلما فهاموا في القفار حيارا
تلك المآسي قد كفانا وقعها ليثيرها بين ضلوعنا إعصارا
إعصار حقد في الجوانح كامن إن ثار دك الشر والأشرارا
لعل خرفي يرسم لنا هذه اللوحة المأساوية، مبينا كيف صب لمستعمر حقده على الأبرياء موظفا في بيان تفاصيل الفاجعة لغة غاضبة عنيفة توجه بها للمستعمر (إعصار، حقد، كامن، الشر، الأشرار) فهذه الألفاظ تعكس نفسية شاعرنا الحاقدة على أعماله وجرائمه، وتندد بها وتستنكرها، فخرفي يؤكد أن الثورة ولدت من هنا وثار الشعب لأن البطش قد تك به وحان أوان التحرر من ربقة الذل والهوان، وبالمقابل يرى أن هذه الجرائم لا تزيد الشعب إلا صمودا وعزيمة وقوة وثورة على الباغي، فقد السهول مقابر من شدة القتل والإبادة فيقول (2):
بل صيروا تلك السهول مقابر وأذروا الجبال الشامخات غبارا
الكل يخضع للحديد ولن ينا ل حديدكم من عزمنا معشارا
__________
(1) -نفسه، ص 21.
(2) -نفسه، ص 21 - 22. (1/165)
صفحة 107
ويخفف خرفي الألم على تبسة المكلومة الحزينة ويتوعد المستعمر برد الثأر والنيل منه على جرائمه فيها، فلا التاريخ ولا العالم ولا الشعب يغفر عمله فيها فيقول بنبرة حادة قوية شجاعة (1):
صيرا تبسة إن شقيت بنار أوغاد بكأس الانتقام سكارى
سيزيح عنهم ظلمة الأسكار فجرالجزائر يبهر الأنظارا
لا تحزني للوكر إن عصفت جبا برة به والسرب ريع فطارا
وتشيع هذه اللغة التي تتعالى منها أصوات الحرب والنار في وصف مكائد المستعمر التي يدبرها ضد الشعب الجزائري، فترك شاعرنا الكلمة للرصاص والمدفع والبندقة فقولهم الفيصل في هذه المواقف التي تنفى كل الشعارات، وتجيز كل الخطب والمقالات.
ويعرج شاعرنا على القصبة (حي قديم بالجزائر العاصمة) مهد البطولة والتضحية مظهرا المأساة التي حلت به فقد أحرق المستعمر الكثير من منازل بحثا عن الثوار باعتبارها قلعة حصينة لهم ومنها تنفذ العمليات الفدائية إبان الثورة، فكانت هدفا للغارات الفرنسية الوحشية، فوقف الشاعر واصفا للقصبة وقد تحولت إلى قبور للأحياء، بنبرة تعلوها حدة وغضب على ما حل من تنكيل حيث يقول (2):
فتلك القصبة المصلاة نارا فزادت نار ثورتنا اتقادا
فهل جبروتها أطفأ لهيبا وهل بلغوا بقسوتهم مرادا
إذا خانتك أسباب التراضي فلن تقوى على الأعدا عنادا
ألا إن الجزائر يا فرنسا لكالعنقاء تكبر أن تصادا
لعل شاعرنا وظف ألفاظا وعبارات حادة مثل (نارا، المصلاة، اتقادا، لهيبا، قسوتهم، عنادا، تصادا) وتوجه بها للمستعمر الذي لا يدخر بنعته بأشر النعوت ويكشف عن جرائمه بأبخس الأوصاف، وبعنف الثورة التي استأصل عروقه من
__________
(1) - نفسه، ص 22.
(2) -نفسه، ص 41. (1/166)
صفحة 108
الجزائر، وبثورة العنف كان لغة التعامل معه، وقد أتقن أبجدياتها شارعنا، فراح يصوغ على أوتارها قصائده الكثيرة التي تصف جرائمه، ومنها ما حدث في شهر ينار 1957 حث شنت الجزائر إضرابا عاما دام أسبوعا كاملا بمناسبة عرض القضية الجزائرية على الأمم المتحدة لأول مرة، فقام المستعمر بشن حملات اعتقال ودهم للبيوت والدور والمحلات بجنوده وذخيرته الحية دون رحمة أو شفقة، يصور خرفي حال الجزائر وأعمال المستعمر، معبرا عن حالته النفسية إزاء جرائمه فيقول (1):
خبروني أبالجزائر أنسُ؟ أم طوى شعبَها المكافحَرمسُ
أنهُجٌ خيم السكون عليها وأناس بين المنازل خرسُ
سكنت لا سكونَ عجزٍ وكانت كعُباب الخضمِّ تطفُو وترسُو
غير نارٍ و «مِتْرَيَاتٍ» تدوِّي وذئاب سطت تجور وتقسُو
بطِرَت فانثنت تعضُّ وتعوي ولها في إبادةِ النفسِ أنسُ
ب-تحدي المستعمر:
يتعالى من أطلس المعجزات صوت خرفي المتحدي الثائر الشجاع المقدام، ممتطيا الكلمات والجمل الصلبة القوية واللغة الثائرة التي لا تعرف للين طريقا ولا للرقة مسلكا، مخاطبا المستعمر فيقول (2):
فلا تترقبوا منا سلاما دعونا صخرة ودعوه وعلا
يا نسر الجبال أدر رحاها وأجج نارها أو تستقلا
فالحرب عند خرفي مسألة موروثة لا يهابها الشعب الجزائري لأنه سليل ابن الوليد، وما كان لهؤلاء الأحفاد أن يخافوا الوغى، لأنهم أصحاب مبادئ لا تغريهم الدنيا ولا تخدعهم الوعود الكاذبة، فهم لا يريدون إلا الحرية أو الاستشهاد في سبيل وطنهم، فالشاعر يعرف المستعمر بحقيقة الشعب، فيقول (3):
__________
(1) -نفسه، ص 47.
(2) -نفسه، ص 30.
(3) -نفسه، ص 67. (1/167)
صفحة 109
فنحنُ بنُوا المعامِعِ مِن قِدَمٍ سَلِي خُواضَها ابنَ الوليدِ
ولسنا في الوغى جُدُدًا فتَثني عزائِمَنا القذائفُ كالرُّعودِ
ولا عُشَّاقُ دينارٍ فتَلوِي أعِنَّتَنا بوارقُ من وُعُودِ
ولعل خرفي في تحديه للمستعمر يستكين إلى صور ولغة صارخة وغاضبة لكنها تقليدية، حيث «يصف فيها معارك الحرب التحريرية من خلال صور لا تمت إلى الحروب المعاصرة بأية صلة إنها صور مستقاة من أجواء القصائد العربية القديمة» (1) التي يكثر فيها ذكر السيوف والصهوات وتصوير القتلى وشجاعة الفارس وهو يحارب الأعداء، كل هذه الصور القديمة لا تفارق خرفي في نسج قصائده الثورية، من ذلك يقول (2):
تغاضَينا عن السَّوْءاتِ حينًا وقُلنا والنُّهى يَقظَى لَعَلاَّ
ولما لم يُفِد حِلْمٌ وَصَبرٌ ركبنا في طريق المجد جَهْلاَ
وَثُرنا صَارِخينَ بملْءِ فِينَا رُويدَكِ يا فرنسا ثُمَّ مَهلاَ
فمَن بنِزالِنَا غَرَّتهُ نَفْسٌ تَركنَا أُمَّهُ تَبكيهِ ثَكْلَى
إذا خُضْنَا الوَغَى أُبْنَا بِنصرٍ وَغادَرْنا الثَّرى جَرْحَا وقَتلَى
فالشاعر يستعين باللغة العنيفة في التعابير والألفاظ التي لا تعرف رحمة ولا هوادة تتحدى المستعمر وتهدد كيانه وتتوعده بان تزيحه، فالثورة عند خرفي تتأجج وتعلو صرخاتها وأصواتها المرتفعة إلى حد أقصى، وهذا ما يؤكده خطابه لأحد الجنرالات الفرنسيين فيقول (3):
وهالته الجزائر إذ رآها تشرد قومه سبيا وقتلا
وتلك سيوفنا صدئت فثرنا نروم لها على الأعناق صقلا
كما يوجه شاعرنا تحديه للمستعمر من خلال توجيه قصيدة”صرخة الأحرار في وجه غي موليه» لرئيس الوزارة الفرنسية أثناء زيارته للجزائر، وتشدقه بالمبادئ
__________
(1) -محمد ناصر، الشعر الجزائري الحديث، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 1985، ص 435.
(2) - صالح خرفي، أطلس المعجزات-الديوان-، ص 29.
(3) - نفسه، ص 25. (1/168)
صفحة 110
الاشتراكية ودعوة البناء والتعمير، فيجند شاعرنا خطابه الحاد العاكس لكرهه للحكومة الفرنسية ومن سار في ركبها، واستهانته بكل ما تصرح به فهو كذب وبهتان فقد خبر الشعب فرنسا وحيلها وخداعها، فيقول (1):
أيَـ (مُولِي) استَقِلْ وتَنَحَّ عنَّا فإنَّ السيفَ أصدقُ منكَ قولاَ
لا تجنَحْ لتزويقِ الأمَانِي زمانُ القولِ يا مُولِي تَوَلَّى
ألاَ إنَّ الجزائرَ أنجبَتنَا لَضَى نارٍ به الأعداءُتُصلَى
ألاَّ إنَّ العروبةَ عَلَّمتنا وَعلَّمتنا الآبَا ألاَّ نَذِلاَّ
ولما لم يُفِد حِلْمٌ وصبرٌ ركِبنا في طريق المجدِ جَهلاَ
فمَن بنِزالنا غرَّتهُنفسٌ تركنَا أمَّهُ تبكيهِ ثَكلَى
إذا خُضنَا الوغَى أُبْنَا بنَصْرٍ وغادرنا الثَّرى جَرحَى وَقَتلَى
نلاحظ أن خرفي صعَّد في لغته حيث نقل القصيدة إلى الأجواء الجاهلية التي تغالي في وصف الحروب وتعلي من شانها وتبدي ولاءها لقبيلتها، وتستلذ الدفاع عنها والاستماتة لأجلها، وكذلك يفعل الجزائري من أجل وطنه، يثور بقوة وعنف ويسترخص في سبيل نيل الحرية أو الشهادة كل غال، وهذا ما دأب على تأكيده شاعرنا في كل قصائده متفاعلا مع سياقها ومنفعلا لرصد المعاني والدلالات المعبرة عن تجربته الشعرية، حيث يقول (2):
فجِئنا والنيرانُ في لهبٍ وللرصاصِ على الهاماتِ تغريدُ
وللمنيَّة في ساحِ النِّزالِ رَحىً تُديرها فتيةٌ عُربٌ صَنادِيدُ
خاضُوا المعامِعَ في شوقٍ وفي لهفٍ كأنَّ قلبَهُمو بالموتِ مَعْمُودُ
فهذه المواقف في ساحات الوغى تبين شجاعة أبناء شعب الجزائر وهم يتسلقون الجبال لنيل حريتهم ولا يفارقونها أبدا حتى ينالوا سيادتهم، فخرفييبطن أبياته بألفاظ عنيفة مستوحاة من الحرب وساحات الوغى.
__________
(1) - نفسه، ص 26، 27، 30.
(2) - نفسه، ص 53. (1/169)
صفحة 111
3 - رقة الثورة في أطلس المعجزات:
إلى جانب اللغة الثورية الحادة والعنيفة التي وظفها خرفي في أطلسه لمخاطبة المستعمر وكشف جرائمه، نجد امتطى لغة أخرى وقوض خطابا مخالفا ومناقضا للأول، إلا وهو الرقة والسلاسة واللين، تعلوه في الكثير من المواضع لمسة رومانسية تظهر الجانب الآخر من شخصية خرفي، فقد رأينا فيه الشخص المحارب والمناهض الشرس أمام أعمال وجرائم الاستعمار ضد شعبه، وسنرى منه الشخص الحالم الهادئ المتطلع لمستقبل الجزائر المتحررة والجميلة التي تنعم بالأمن والسلام والطمأنينة، وقد تجلت هذه السمة في:
أ-التغني بالجزائر:
عندما نطالع شعر خرفي نجده يهيم بحب الجزائر فهو «غارق في حب وطنه إلى أعمق أعماقه وأخمص قدميه لأنه معذب بهواه هائم فيه ولذا عاش مؤرقا بوطنه متشوقا إليه لا يهدأ من هجمة الحنين إلا عاوده هذا الحب مما جعل حب الوطن تضخم كلما كبرت المأساة وكلما عاوده القلق وتملكه الخوف» (1)، حيث يتغنى بنوفمبر الأغر بجمالية ممتعة وبرومانسية متناهية، كاشفا حبه للجزائر وثورتها المباركة فيقول (2):
يا روضةَ الشهداءِ مِن أرضِ الفِدَا يا أُسد معقلها ولا أسدُ الشَّرى
يا روضةَ الشهداءِ لولاَ كعبةٌ هِي قبلتي سمَّيتُها (أمُّ القُرى)
يا صيحةَ الأحرارِ من أَرضِالجزَا ئرِ لم تَزَل تغزُو المدائنَ والقُرَى
لولا اختتامُ الوحيِ بالهادي وَلَو لا روضة فيها أقامَ مُعَطَّرَا
أقسمتُ أنَّ الأطلسَ الدَّامِي يخبِّئُ للبريَّة هاديًا ومُبشِّرا
فخرفي يتسامى بحب الجزائر حيث يصفها بروضة الشهداء ومعقل الأبطال، فيفيض عليها بأوصاف قدسية مما يجعل لغته لغة حالمة عميقة الأغوار، وغايته بث الحماس، وإلهاب المفاخر بأرض الجزائر لأنها ثغر من ثغور العروبة والإسلام.
__________
(1) - محمد زغينة، شعر السجون والمعتقلات في الجزائر (1954–1962)، رسالة ماجستير في الآداب، مخطوط، معهد اللغة العربية وآدابها، جامعة باتنة، 1989، ص 69.
(2) - صالح خرفي، أطلس المعجزات-الديوان-، ص 180. (1/170)
صفحة 112
وقد اتخذ خرفي من نفسه المتأججة منطلقا لرؤيته الشعرية فجاء شعره وجدانيا انفعاليا مما أماط اللثام عن رؤيته الحزينة ونفسه المتألمة وقلبه المحطم، فهو يعيش حياة الخوف لأنه يصبو للحرية، فيقول: (1)
أنت أنشودةُ الصباحِ إذا افتروفي غفوةِ الدُّجى أنتِنجوى
خطوةٌ للكفاحِ وللثأرتهادَت في ساحةِ الحربِ نَشْوَى
فهذا التغني بالجزائر يعود إلى أن الشاعر لا يرى في الجزائر إلا حريته وحرية شعبه، ولا يحس بالحرية إلا إذا كان في أرض الجزائر، حيث يتغنى بعودته من غربته إلى الجزائر الحرة بخطاب رومانسي في قصيدة «صرخة جزائري» مصورا لنا نفسية جديدة وروحا أخرى تمثلها خرفي في حديثه عن الجزائر، حيث يقول (2):
سنَّة الكونِ أن أكونَ طليقَا أتخطَّى في الغربِ دربًا سحيقَا
ومن الشرقِ أستمدُّشُروقًا لبلادٍ أقسمَت أن تُفيقَا
إنَّها تُربَةٌ تسمَّى الجزائرْ
أخرجَتْهَا للكونِ قبضةُ ثائِرْ
ويتسامى خرفي متغنيا بالجزائر وبمكانتها الأصيلة الضاربة في التاريخ، العاكسة لحضارتها العربية والإسلامية، فقد عرفت بين الأمم بالعزة والكرامة فعليها أن تثور لتثبت وتؤكد هذه الحقيقة، يقول (3):
وطني عهِدتُك في المروءةِ والكرا ... مةِ حيثُ يعشقُ ذِكراكَ الجلاسُ
وعهدتُ فيكَ يَشمُخُأنفُهنحو السِّماكِ وللعزيزِ شماسُ
ب-التغني بالراية:
فإذا كان خرفي قد تغنى بالجزائر وقدسها، فهو لا يملك إلا أن يعتز برايتها، التي ضحى لأجلها الآلاف من الشهداء، إنها راية العز والسيادة باخضرارها واحمرارها
__________
(1) - نفسه، ص 222.
(2) - نفسه، ص 101.
(3) - نفسه، ص 12 - 13. (1/171)
صفحة 113
وبنجمتها الخماسية، فالخرف يشيد بالعلم الجزائري ويؤمن به كرمز للجزائر وحريتها، ويضع الثقة في الثورة منذ انتصاراتها الأولى، فوصفه في قصيدة «عهد جديد» للعلم التي نظمها بمناسبة إعلان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في سنة 1958، والتي يشيد فيها بهذه الراية التي ظلت خفاقة، فالشاعر يكثر من التغني بالراية إلى حد أنه يرى أن كل جزائري لا تظلله إلا هذا العلم المقدس الذي يجب أن نفتخر به وندافع عنه ونمكن له، متوسلا بلغة سلسة طيعة تضفي على القصيدة جمالا ورقة، حيث يقول (1):
يا أخي ظلَّلَتْك أقدسُ رايةْ وبها سِرْتَ نحو أشرفِ غايَهْ
إنَّها دولةٌ وليست حمايَهْ إنَّها النصرُ والعُلا في النهايَهْ
إنَّها يا أخي بِرَغمِ الجبابِرْ
دولةٌ من صميمِ شعبِ الجزائرْ
فالعلم بتاريخه الطويل يحتل مكانة في نفوس الشعب، فهو صورة مصغرة للوطن، وعنوان الثورة ولواؤها، وجدير «بأن يحظى من الشعر بوقفات تقديس وإجلال ولفتات افتتان وهيام فتخفق في خفقاته أوزانه وقوافيه، ولم يقل الشعر عن السلاح وفاء للعلم الجزائري فطالما حياه بطرف مطرق وقلب خاشع» (2) دليل على مكانته لذا وصف العلم بريشته الشعرية وبالألوان التي «يستمدها من الطبيعة الجزائرية، وأخلاق أبناء الجزائر، ومواقفهم البطولية، فالعلم فلذة من أكبادهم ودفقة من دمائهم وقطعة من وطنهم الأخضر ونسيج من عروقهم النابضة، فهو أهل لأن يفدى» (3)، حيث يصفه خرفي بلغة تنساب على القلوب الحزينة فتحييها، وعلى الجروح فتشفيها فيقول (4):
ظلَّلْتَنا بنجمةٍ وهلالِ وسلامٍ على مَمَرِّ الليالي
واخضرارٍ على الرُّبى والتِّلالٍ ودمٍ مُفردِ القداسةِ غال
__________
(1) - نفسه، ص 109 - 110.
(2) - صالح خرفي، الشعر الجزائري الحديث، ص 284.
(3) - صالح خرفي، أطلس المعجزات-الديوان-، ص 285.
(4) - نفسه، ص 110. (1/172)
صفحة 114
لقد سكن هذا العلم أفئدة الشعب، فأحبوه واحترموه، لذلك لا يزال صاعدا إلى العلا ولا يزال أبناء الشعب يبايعونه الواحد تلو الآخر فهو علم الثوار وأنات الجزائر وصرخات اليتامى: (1)
عالمٌ ثائرٌ إلى المجدِ صاعدْ فتلقَّتهُ أعينٌ على السَّوَا وأبَاعِدْ
أَقرِباءٌ بكفِّ حرٍّ مُساعدْ باعُوه بكفِّ حرٍّ مُساعدْ
تلك أنَّاتُ يتمٍ وحرائرْ
فجَرَت بالحنانِ أقسَى الضَّمائِرْ
ج-الشوق والحنين:
إنَّخرفي شاعر ثوري ووطني يحترق شوقا إلى الجزائر المحترقة بالآلام ونيران الأعداء، ولكم تهزته تلك المناسبات الغالية حين يجد نفسه غريبا بعيدا عن وطنه المحترق بلا أم تواسيه، ولا بيت يأويه، ولا أخ يمسح همومه، هنا تتجلى اللغة الرقيقة الحبلى بالرومانسية المغرقة في جو من المشاعر الفياضة التي نتلمس وقعها ونسمع إيقاعها من خلال حديث خرفي عن والدته التي تركها في أرض الجزائر ولا يدري ما حل بها، وكيف نكل بها المستعمر، فخرفي شغوف لرؤيتها يتطلع إلى كل خبر عنها، فقد حرم من مناداتها والجلوس إليها، فيرسل الزفرات الحارة حين يرى الأمهات مع أبنائهن فيذكره المشهد فيقول (2):
كم ذكرتني أمهَّات في ثيابٍ زاهية
أيَّامكِ السوداء بين الذئاب الضارية
والعيدُ خضَّبَ منكِ كفًّا بالدماء القانية
وتقلَّد الخدَّانِ لُؤلُؤَ مُقلةٍ لكِ باكية
والكفُّ ساندَ خَافقًا دقَّاتُه متتالية
تتراءى لنا الرقة المبثوثة في المقطوعة والتي تظهر الجانب الآخر لشخصية خرفي، حيث تشع من روحه معاني ودلالات تشعرنا بالشوق والحنين إلى ما يشعر
__________
(1) - نفسه، ص 110 - 111.
(2) - نفسه، ص 97. (1/173)
صفحة 115
به وخاص الأم التي نشتاق إليها وهي قريبة منا، فالشاعر يتخبط بين ألم البعاد وألم الحيرة عليها في أرض الجزائر وهي تكابد مع شعبه قهر واضطهاد المستعمر.
لعل اللوحة التي رسمها الشاعر لأمه هي لوحة مأساوية لما حل به في العيد، ولما يتصوره في الجزائر، حيث يتخيل والدته دافنة رأسها بين كفيها والدمع يترقق من مقلتيها وحيدة غريبة عنه لا يستطيع مواساتها ولا هي كذلك فيقول (1):
أمي يُهنِّئ كلُّ نجلٍ أمَّه ويعانقُ
وأنا نصيبي منك يا أمِّي الخبر الطارقُ
أحيا هنا وأنا لمرآكِ الوضيءِ مُفارقُ
لكنَّني بالرغم منه باللِّقا أنا واثقُ
أمَّاه هذا المعتدي، هذا الغرابُ الناعقُ
أنا والجميعُ وأنتِ يا أمِّي عليه صواعقُ
ويشتد الشوق بخرفي فيتذكر كيف يمضي العيد مع والدته، حيث تمر صورتها أمام عينيه وهي تحضر لذلك اليوم بدء بالإبكار وتزيين البيت للزائرين فيتفاعل حنينا مع المشهد ويغوص في عالم الذكرى الجميلة الحالمة فيقول: (2)
من يا تُرى ينسى فؤادي بقظة باكره
في فجر يوم العيد والأعيادُ ذكرى عابره
لتزيِّني البيتَ الجميلَ لزائرٍ أو زائره
والبِشْرُ رسمٌ في محياكِ الجميل بشائرُه
فهذه من ثورية ووطنية خرفي وشعوره بالحنين والشوق للجزائر وهو في غربته لأنه «اغتراب لا يعلم له انتهاء مما يجعل الأنفس معلقة بين اليأس والطمع ولكن المشاعر رغم ثبوتها بين الحنايا فقد طوتها الضلوع وهي تتمزق وتنكرت لها وهي تضرب بجذوتها بأعماقها وتسامت عليها وانصرفت عن ذكراها» (3) فتجنح العاطفة الثورية المفعمة بحنين
__________
(1) - نفسه، ص 95.
(2) - نفسه، ص 96.
(3) - محمد ناصر، الأصالة في شعر ثورة نوفمبر، مجلة الأصالة، السنة العاشرة، العدد 89–90، جانفي– فيفري، 1981، ص 123. (1/174)
صفحة 116
الوطن لتصبح شعورا يضمه الشاعر في نفسه، شوقا وحرقة بملاقاة الأهل والأصحاب، فيكون نكران الذات عنده عبارة عن التضحية بالعواطف الشخصية والتسامي بالمشاعر الذاتية، ونلمح ذلك في قصيدة «نداء الضمير» التي أظهر فيها هذه العاطفة المعبأة بالحنين لتربة الجزائر ففي القصيدة «جمع بين الحب والثورة ... تصور حياة حبيبين نعما بالحب وفرقت بينهما الحرب، فها هي الحبيبة تتلهف على حبيبها وتعرب له عن حبها ووفائها وأملها باللقاء به يوم النصر القريب» (1) فشعور خرفي بالعودة للوطن والتلاقي مع الحبيبة جعل أفكاره تنثال انثيالا لتتجاوز المحنة قهرا وذلا، حيث يقول (2):
يا حبيبي ذكرياتُ الأمسِ لم تبرَح خيالي
كيف تغفُو مُقلتي عن ذكراها عبرَ اللَّيالي
لا تلُمني إن تَرَامَت بِيَ أمواجُ البعادِ
لا تلُمني لم يزَل يخفِقُ للحبِّ فؤادِي
غير أنَّ القلبَ هزَّتهُ نداءاتٌ شجيَّة
صعَّدتها في دُجى الليلِ قلوبٌ عربيَّة
وجفونٌ مسَّها الضيمُ فغصَّت بالدموع
فاستطارت شعلةُ الحبِّ لهيبًا في ضلوعي
وتراءَتْ لي وراء الصوتِ أعلامُ البشائرْ
فوهبتُ الحبَّ قُربانا وبايَعتُالجزائرْ
يبدو خرفي متشبثا بالوطن مخلصا للثورة التحريرية الكبرى يغزلها بشتى الأوصاف والنعوت والأسماء قاصدا حبيبته الجزائر فتسيل قصائده في حرارة وحرقة تنم عن رقة إحساسه وجميل نفسه ورومانسية روحه (3):
يا حبيبي لم أخُن عَهدِي ولا خُنتُ هَوايَا
غير أنَّ الحبَّ أمسى ثورةً بين الحنايَا
لك حُبِّي في ذُرى الأطلسِ في تلك الروابي
فهناكَ الأفُقُ الرحبُ لأحلامِ الشَّبابِ
__________
(1) - الوناس شعباني، تطور الشعر الجزائري الحديث منذ سنة 1945 حتى سنة 1980، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص 114.
(2) - صالح خرفي، أطلس المعجزات-الديوان-، ص 193.
(3) - نفسه، ص 194. (1/175)
صفحة 117
يبدو أن هذا البوح العاطفي الشجي البعيد الأغوار يعمق التجربة الشعرية للشاعر ويجعل هذه العواطف تنساح انسياحا، ولا تقف أمامها الحدود ولا القيود، وهذا يخفف من آلام الشاعر ويبعث الأمل (1):
يا حبيبي كم فَرشْنَا الربعَ وردًا وزهورًا
كم بنينا من هوانا لأمَانينا قُصُورَا
لك حبِّي يوم تعلُو بسمةُ النصر ثَرَانا
ويُذيبُ الليلَ والآلامَ فجرٌ من دِمَانَا
سوف ألقاكِ مع النصرِ وأفراحِ البشائِرْ
سوف نبني عُشَّنا في ظلِّ تحريرِ الجزائرْ
د-الإشادة بالمجاهدين:
إن الشخصية الثورية التي عرف بها خرفي تجعله يتغنى بالمجاهدين والشهداء في أطلسه، «مشيدا بأعمالهم وشجاعتهم في كل ربوع وطنه، يحثهم على الجهاد صراحة، ويشد من أزرهم ويثمن أعمالهم ويبارك انتصاراتهم وصف بسالتهم ويذيع انجازاتهم» (2) بلغة لا تخلو من الرقة والسلاسة فالمجاهدون يصنعون التاريخ الطاهر ويرسمون طريق الحرية، بعز وكرامه، لذا نجده يصفهم برصانة وهدوء فيقول (3):
يا أيُّها الزاحفونَ زَحفَ المنَايَا في ذُرَى الأطلسِ الأشمِّ المُصابِرْ
يا نسورَ الجبالِ حَدِقٌ منكمْ رابضٌ في الثرى، وحَلَّقَ كاسرْ
أين سِباقُكُم في المعالي من سباقِ التسلُّح المتطَايِرْ
هذه الصيحات الجهادية تبعث العواطف المرتبطة بالثورة، والوطن والجهاد وتشجع المجاهد في ساحات الوغى «بخوض المعارك وهو مستعد لها، يحمل كل
__________
(1) - نفسه، ص 195.
(2) - أنيسة درار بركات، أدب النضال في الجزائر من سنة 1945 حتى الاستقلال، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1984، ص 102.
(3) - نفسه، ص 237 - 238. (1/176)
صفحة 118
الصفات التي تؤهله لها، وتمكنه من النصر في الأخير، من شجاعة وابتسال وتحد للموت ونفور من الذل» (1) لينافح عن بلاده، إنها توجيهات القائد: (2)
غاضَ نبعُ الحياةِ منكم واردٌ يستقي الرَّدى غيرُ صادرْ
أنتمُ المجدُ والخلودُ وأنتمْ مِهرجانُ انطلاقِنَا والمنابِرْ
يرى خرفي أنَّ تربة الجزائر تطهرت بدماء الشهداء، وتعطرت وارتوت بها، فأضحت روضة لهم، ومعقلا للأسود المجاهدين الذين لم يدخروا جهدا لتحريرها، فخرفي آمن بقضيته وتمكن حب الجزائر منه، فهو ثوري ووطني للنخاع، ويركب اللغة القاسية حينا والرقيقة الهامسة حينا آخر، حيث يقول (3):
بسمةُ النصرِ تلك في يوم عيدِ أمْ هي الدَّمعةُ احتفتْ بالشهيدِ
خلِّيا دمعةَ الشهيدِ تُروي مُقلتي خلِّياه يذكي صمودي
لا تقولا أين ابتسام ُ الأماني بسمةُ البِشْرِ ضاق عنها وجودي
أي عيدٍ بوقف إطلاق نارٍ ولهم في دمانا ألفُعيدِ
خلِّيا آهةَ المعذَّب تحدو ثورتي لانطلاقها من جديدِ
يبدو أن شاعرنا اعتمد في المقطوعة على بعض الكلمات التي سعى إلى تكرارها وهي ذات دلالات راقية وسامية تعبر عن الناحية الجمالية والمقدسة للثورة وهي: (بسمة، ابتسام، الشهيد، خليا، عيد، دمعة)، كما تعكس حرص خرفي على الارتقاء بالشهداء وبقيمة المجاهد الجزائري وعمله.
خاتمة
وبعد فقد كانت هذه الدراسة محاولة لسبر أغوار عالم القصيدة الثورية الجزائرية في ديوان أطلس المعجزات لصالح خرفي القراري الجزائري والكشف عن ثنائية العنف والرقة التي طبعت لغة ومعاني ودلالات قصائده، فشكلت صورة جمالية تلونت بها
__________
(1) - يحي الشيخ صالح، شعر الثورة عند مفدي زكرياءـ دراسة فنية تحليلية ـ، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة، الجزائر، ط1، 1987، ص 121.
(2) - صالح الخرفي، أطلس المعجزات-الديوان-، ص 238.
(3) - نفسه، ص 205 - 206. (1/177)
صفحة 119
نصوصه، وكشفت عن شخصية خرفي التي تتميز بالقوة والعنف والحزم حينا، والرقة والسلاسة والرومانسية المطلقة حينا آخر في عالم ثوري يعج بلغة الحديد والنار، كما استطاع خرفي إنتاج بنية شعرية نبعت من صميم التجربة الشعرية الثورية التي عاش أيامها واكتوى بنارها وآلامها وتلذذ بنشوتها عند الاستقلال.
ومن ثم فقد جاءت تلك النصوص الثورية وفقا للرؤية النفسية والفنية للخرفي، حيث رصد في أطلسه محطات الثورة الأليمة وعبر عما قاساه الشعب الجزائر من ذل هوان، كما كشف فيه عن عنف الثورة التحريرية التي عصفت بالمستعمر فسجل أطوارها ومحطاتها، وإلى جانب ذلك أشاد بالجزائر وبجمالها وخاطب أنوثتها واشتاق للحديث إليها من خلال مشاعره النبيلة، فكان رومانسيا إلى أبعد الحدود، فقد جمع في أطلس المعجزات بين هذا وذاك في جمالية فنية مطلقة.
- - - (1/178)
صفحة 120
الترسُّل الأدبي في البيت الرستمي
مقاربة أسلوبية
أ: ناصر بوصوري
قسم اللغة العربية وآدابها
المركز الجامعيبالنعامةـ الجزائر
ت
توطئة:
تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على فنِّ الترسل في البيت الرستمي من خلال مقاربة الرسائلالتي كتبها أئمة بني رستم في الفترة التي تلت تأسيس دولتهم وعاصمتها تيهرت، والتي تعتبر أول دولة تقام على أرض الجزائر سنة 160هـ، ومقاربتها وفق المنهج الأسلوبي الذي أعتقد أنه الأنسب للوقوف لما جاء في هذه الرسائل وما اشتملت عليه من خصائص أسلوبية، ذلك أن الأسلوبية «بشكل عام منهج يدرس النص و يقرأه من خلال لغته، وما تعرضه من خيارات أسلوبية على شتى مستوياتها: نحويًا، ولفظيًا، وصوتيًا، وشكليًا، وما تفرده من وظائف ومضامين ومدلولات وقراءات أسلوبية لايمُتّ ُالمؤلف بصلة مباشرة لها على أقل تقدير» (1). وعليه فسأتناول هذه الرسائل بمقاربة أسلوبية؛ هذا المنهج الذي يعنى بدراسة النصوص الإبداعية باعتبارها رسائل لغوية بين المرسِل والمرسَل إليه؛ إذ يستعين المبدع بها لتمرير وتوصيل ما يريد، ومن ثمَّ يأتي الدرس الأسلوبي موظفًا مفاهيم علم اللغة العام لمعرفة الخصائص الجمالية للنص الأدبي.
المقاربة الصوتية:
إنَّ المقاربة الصوتية هي إحدى مستويات التحليل الأسلوبي، وركن مهم وأساسي فيه باعتبار الأسلوبية تهتم في دراستها للنصوص الإبداعية بالانطلاق من لغتها
__________
(1) -محمد بلوحي، الأسلوب بين التراث البلاغي العربي و الأسلوبية الحداثية، مجلة التراث العربي، ع 95، أيلول 2004م، رجب 1425هـ. (1/179)
صفحة 121
واللغة كما يعرفها أبو الفتح بن جني: «حدها أنها أصوات يُعَبِّرُ بها كل قوم عن أغراضهم» (1).
وسنتناولهذاالجانبمن الدراسةانطلاقا من الحروف التي تشكل الكلمات وما يلاحظ عليها، خاصة مسألة التكرار وما يحمله من معانٍ و دلالات، فقد تكررت بعض الحروف في مجموعة من الألفاظ بشكلِ لافت و ضمن مساحة ضيقة مما ينتج عنه موسيقى يحدثها هذا التكرار ودلالة تومئ إليها، وتأثير في المتلقي يشعر به، ذلك أنه «قد يتكرر حرف بعينه أو حرفان أو ثلاثة حروف بنسب متفاوتة في جملة شعرية، وقد يتعدد أثر هذا الأمر فهو إما أن يكون لإدخال تنوع صوتي يخرج القول عن نمطية الوزن المألوف ليحدث فيه إيقاعًا خاصا يؤكده، وإما أن يكون لشد الانتباه إلى كلمة أو كلمات بعينها عن طريق تآلف الأصوات فيها، وإما أن يكون لتأكيد أمر اقتضاه القصد فتساوت الحروف المكررة في نطقها له مع الدلالة في التعبير عنه» (2).
ومثال ذلك في رسالة لـ (أفلح بن عبد الوهاب) إلى (ميال) في شأن (نفاث) يستعمل فيها كلمات تشتمل على حرف (الخاء) توزعت على الرسالة، وهذه الكلمات هي: مخذول، خائب، متخبط، خبط، نفخاته، خَطَر، مخطئا، خطأ، مخطئ، أخطأ، يخبط ... ، و (الخاء) كما تشير إحدى الدراسات أوحى الحروف بالمشاعر الإنسانية السلبية والمعاني الرديئة (3).
ولعل هذه الكلمات المتضمَنة حرف (الخاء) وأغلبها مقصود بها (نفاث فرج النفوسي) توحي بهذه المشاعر السلبية، و المعاني الرديئة التي أصبح يوسم بها هذا الرجل بما أحدثه بخروجه عن الجماعة والبلبلة التي رافقت ذلك.
__________
(1) -أبوالفتح بن جني، الخصائص، تح: الشيخ محمد علي النجار، ج1، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، دت، دط ص33.
(2) -منذر عياشي، الأسلوبية وتحليل الخطاب، مركز الإنماء الحضاري، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،2000م، ص78.
(3) -حسن عباس، حروف المعاني بين الأصالة والحداثة، منشورات اتحاد الكتب العرب، دمشق،2000 م، ص18. (1/180)
صفحة 122
وبعد هذا ننتقل إلى الكلمات؛ ولنبدأ بالطباق وتوظيفه في الرسائل الرستمية، والطباق: «الجمع بين الشيء وضده في الكلام» (1)، وقد استخدمه كتاب الرسائل في كثير منها، ولا يُلاحَظُ في توظيفه تكلف أو صنعة وإنما جاء عرضًا أو لحاجة السياق إلى استعماله، ومن أمثلة الطباق التي استخدمت في تلك الرسائل قول (أفلح بن عبد الوهاب) في رسالة إلى (البشير بن محمد) (2): «أُذكرك عظمة الله لاتنساها- فكر في صغير خلقتك وفي عظيم ما خلقه الله - ومن عظيم خلقه من السماوات والأرضوليس لنا فيها قضاء ولا زيادة و لا نقصان ولا أمر ولا نهي»، وفي هذا التوظيف للطباق لم يتكلف الإمام (أفلح) الاستعمال بل جاء عرضًا ليقرب المعنى إلى ذهن المتلقي باستخدام هذه الثنائيات الضدية؛ لأنه كما يقال بضدها تتميز الأشياء، وفي رسالة أخرى دائمًا لـ (أفلح) لا يستعمل الطباق إلا مرة واحدة في قوله: «نظروا إلى الآخرة بقلوبهم فهان عليهم فراق الدنيا» (3)، وفي رسالة ثالثة لا يلجأ إليه كذلك إلا مرة واحدة أيضًا في «أن ذلك ضلال، لأن الهدى في أيديكم» (4)، وفي أطول رسائلهبشكل عام نراه يوظف الطباق في ثلاثة مواضع نذكرها تباعًا هي: «فيما وافق هواكم أو خالفه»، و «ولم يلقوا أهل العلم فيقتبسوا منهم الدين عاشوا مع أهل الجهل فخلا بهم الشيطان»،و «والرشد خير من الغي والهدى خير من الضلالة، والجنة خير من النار» (5).
يمكننا أن نستنتج أن أسلوب الإمام (أفلح) يكاد يخلو من توظيف الطباق إلا ما جاء عفويا، فتلك الفترة لم تشهد اهتماما كبيرا بهذا الجانب الذي شاع استعماله في الأدب العباسي حيث كان الاهتمام بالغًا بالمحسنات اللفظية والمعنوية، ونفس الشيء ينطبق على الرسائل المغربية التي كتبت في عصور متأخرة عن العهد الرستمي، وعرفت توظيف المحسنات إلى درجة أن بعض كتاب ذلك العهد التزموا حرفًا واحدا و بنوا عليه رسائلهم،
__________
(1) -السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة، المكتبة العصرية، بيروت، 1424هـ، 2003م، ص303.
(2) -الباروني، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، القسم الثاني، دار البعث، الجزائر، ط3، 1423هـ/2002م، ص244.
(3) -المصدر نفسه، ص 246.
(4) -المصدر نفسه، ص264.
(5) -المصدر نفسه، صفحات 281،283، 285. (1/181)
صفحة 123
ومثلما وظف كتاب الرسائل في العهد الرستمي الطباق استخدموا كذلك المقابلة وهي: «أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب» (1).
ومن الأمثلة التي وردت في تلك الرسائل قول (عبد الوهاب بن عبد الرحمن) في رسالته إلى أهل طرابلس: «والشهادة لأهل الهدى بهداهم و وَلايتهم عليه، والشهادة لأهل الضلالة بضلالتهم والبراءة منهم» (2)؛ فيقابل أهل الهدى و ولايتهم مع أهل الضلالة والبراءة منهم، وفي رسالة ثانية لـ (عبد الوهاب) إلى أهل جبل نفوسة في مسألة (خلف) نجد قوله: «واتباع ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه ... »، وقوله في نفس الرسالة: «فإن من ولي خلفا من غير رضاء إمامه فقد أخطأ سيرة المسلمين، ومن أبى من توليته فقد أصاب ... » (3)، أما الإمام (أفلح) فإن أمثلة استخدامه للمقابلة نجدها في رسالته الثالثة إلى (نفاث) حيث يقول: «الذين في اتباعهم نرجو الهدى وفي خلافهم نخشى الهلكة ... » (4)، وفي رسالته الموجهة إلى من تحت لوائه من المسلمين التي يقول فيها: «وجَاهَدَ عدوه، وغلظ على الكفار ولان للمؤمنين ... » (5)، و «وفَرض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ... ». وللإشارة فإن هذه المقابلة تكررت في بعض رسائل بني رستم لطبيعة تلك الرسائل التي كانت تحمل توجيهات من الأئمة إلى العمال وإلى الرعية على حد سواء، ومقابلة ثالثة في نفس الرسالة «هل يخافون الهلكة في اتباع آثارهم، أو يرجون النجاة في خلاف سبيلهم؟»، ومقابلة أخيرة في قوله: «ففي اتباعهم كل رشد وفي مخالفتهم كلغي؟» (6).
وهذه المقابلات الموظفة في الرسائل تبرز لنا حرص أئمة بني رستم على دينهم، والدعوة إلى طريق الحق والاستقامة، ونلحظ من خلال ألفاظ المقابلة استعمال الألفاظ ذات البعد الديني لتكون أكثر تأثيرًا في المتلقي وأبعد في الإقناع.
__________
(1) -المصدر نفسه، ص304.
(2) -ابن سلام الإباضي، الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية، تح ر ف شفارتز و سالم بن يعقوب، داراقرأ، ط1، 1405هـ/1985م، ص107.
(3) -الباروني، الأزهار الرياضية، ص196.
(4) -المصدر نفسه،267.
(5) -المصدر نفسه، ص281.
(6) -المصدر نفسه،283. (1/182)
صفحة 124
أما السجع فقد كان أقل المحسنات ورودًا في الرسائل الرستمية رغم أهميته في إعطاء موسيقى خاصة، وإيقاع يشد انتباه المتلقي إلى تكرار فواصله مما يجعلها حسنة الوقع في الأسماع، والسجع «هو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير» (1)، ومن الأمثلة عن هذا اللون من المحسنات التي حفلت بها رسائل تلك الفترة نذكر من رسالة لـ (أفلح) قوله: «فألزم التقوى نفسك، وأشعرها قلبك، واصبر على ما أصابك إن ذلك لمن عزم الأمور» (2)، وفي موضع آخر يقول: «والمتقون هم الفائزون خلصوا من هموم الدنيا وأشغالها ونجوا من عذاب الآخرة و نكالها، فمهدوا لأنفسكم، وقدموا لمعادكم، واعملوا عملا يسركم» (3)، فنلاحظ أنه زاوج بين فاصلتين (حرفين) هما الهاء والميم، والهاء صوت رخو مهموس يحمل دلالات كثيرة، فالهمس أبلغ في التأثير من التصريح، واللين أشد وقعا في النفس من الشدة، ومن رسائل الإمام (أفلح) أيضا في شأن (نفاث) يقول: «فالحمد لله المحسن إلى أوليائه المنعم عليهم بحسن بلائه، معز أهل طاعته، وناصر القائمين بحقه»، وفي رسالة أخرى يقول: «فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأكرمنا بمحمد عليه الصلاة و السلام»، ومن نفس الرسالة قوله: «لتنالوا بذلك ما وعد به من جزيل الثواب وكرم المآب» ..
أما (أبو اليقظان محمد بن أفلح) فقد استخدم السجع مرة واحدة في رسالته الوحيدة المذكورةفي قوله: «فاقتفوا آثارهم واهتدوا بهُدَاهُم، واحذروا الزيغ عن طريقهم، والميل عن مناهجهم».
وجدير بالذكر هنا أن نعرف أن استعمال الطباق والمقابلة في النصوص؛ شعرها ونثرها إنما يقصد به زيادة توضيح المعاني ودلالاتها، حتى تصير أقرب إلى ذهن المتلقي باستخدام تلك الثنائيات الضدية، أما السجع فإن القصد من توظيفه هو تلك الفواصل الموسيقية؛ فالوقوف على الأحرف وتكرار العملية في الجمل يعطيها إيقاعًا خاصًا يستميل أذن السامع ويؤثر فيه، والإيقاع كما هو معلوم شيء من طبيعة اللغة عامة، فهو خاصية شعرية ونثرية.
__________
(1) -المصدر نفسه، ص330.
(2) -المصدر نفسه، ص245.
(3) -المصدر نفسه، ص245. (1/183)
صفحة 125
ولعل استخدامه بشكل قليل في الرسائل الرستمية يعود إلى سبب شرعي؛ وقد نهى النبيحعن سجع الكهان، وقصة ذلك الرجل الذي أتى إليه ح يريد التنصل من مسؤولية قتل الجنين قائلاً: «يا رسول الله، أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا صاح واستهل، أليس ذلك يُطلّ؟ فقال الرسول: أسجعًا كسجع الكهان» (1)، ولعل هذا ما جعل الرستميينيرغبون عن السجع في مراسلاتهم ..
المقاربة التركيبية:
تعتمد الأسلوبية هذا الجانب في تحليل النصوص الإبداعية، وترى فيه وسيلة ضرورية لبحث الخصائص المميزة لمؤلِّف معين؛ بل تعده أحد مستويات التحليل اللغوي للنص الأدبي، ويتخذ الدارس الأسلوبي في تحليله التركيبي جملة من المسائل تنطلق من النص نفسه، فالمدخل الأسلوبي لفهم أي قصيدة / نص هو لغتها.
ومن هذه المسائل: «دراسة أطوال الجمل وقصرها، ودراسة أركان التركيب من مبتدأٍ وخبر، وفعل وفاعل، وإضافة، وصفة وموصوف، وغيرها، ودراسة ترتيب التركيب من تقديم و تأخير، إضافة إلى استعمال الكاتب للروابط المختلفة والضمائر وأنماط التوكيد، فضلاً عن دراسة الصيغ الفعلية وأزمانها، والمبني للمجهول والمبني للمعلوم، ودراسة حالات النفي والإثبات وتتابع عناصر الجمل و مبادئ الاختيار ودلالة كل ذلك على خصائص الأسلوب» (2).
سمات أسلوبية في الرسائل الرستمية:
لعلَّ السِّمة الأسلوبية التي تظهر بشكلٍ لافت للمُتَمَعِّن في هذه الرسائل الرستمية هو أن أغلبها لا تخلو من آياتالقرآن الكريم، أما الرسائل التي لم تذكر الآيات صراحة فإنها تتضمن معاني الآياتالكريمة، و ليس ذلك مما يُسْتغْربُ عند أئمة الدولة الرستمية التي قامت على أساس ديني، وكان رائدها القرآن و السنة النبوية الشريفة، ومما يلفت النظر أيضًا أن بعضًا من تلك الرسائل اشتملت على مضمون بعض أحاديث الرسول صلّى الله عليه وسلم وإن لم تذكرها بلفظها صراحة.
__________
(1) -السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة، ص8.
(2) -أماني سليمان داود، الأسلوبية و الصوفية، دار مجدلاوي، عمان، الأردن، ط1، 2002م، ص97. (1/184)
صفحة 126
أ ـ تركيب الجمل:
1 - تركيب الجمل الاسمية: تميزت بعض الرسائل الرستمية باستعمال مكثف للجملة الاسمية، خاصة تلك الرسائل التي كتبها (عبد الوهاب بن عبد الرحمن)، وبوجه أخص رسالته إلى أهل طرابلس التي جاءت أغلب جملها اسمية مثل: «الإقرار بما أنزل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، و إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والحكم بين الناس بالعدل، والتعاون على البر والتقوى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والإثم والعدوان والشهادة لأهل الهدى بهداهم ووَلايتهم عليه، والشهادة على أهل الضلالة بضلالهم والبراءة منهم» (1)، والجمل الاسمية دالة على الثبات والاستمرارية، ومعروف أن فترة حكم الإمام عبد الوهاب كانت فترة استقرار وازدهار للدولة الرستمية، من (171ـ208هـ)، وعن ذلك يحدثنا مؤرخهم ابن الصغير فيقول: «وكان عبد الوهاب هذا قد اجتمع له من أمر الإباضية وغيرهم ما لم يجتمع للإباضية قبله، ودان له ما لم يدن لغيره، واجتمع له من الجيوش والحفدة ما لم يجتمع لأحد قبله» (2).
وما يميز هذه الجمل الاسمية أن المبتدأ وهو هنا اسم «إنَّ» كان لفظة واحدة هي: الإسلام وتعدد الخبر، و كان في كل مرة يرتبط بما بعده بحرف العطف «الواو» الذي تكرر إحدى وأربعين مرةً، وهو في عرف البلاغيين يفيد التشريك، واستعمل المبتدأ مؤكدا بـ «أنَّ» وهو حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد، كما أن الجمل المتعددة التي تلت الاسم أسهمت في بيان ماهية الإسلام فهو: شهادة و إقرار و أمر و نهي و صيام و حج و إحسان ...
ويُلاحظ كذلك على هذه الجمل أنها بسيطة ومركزة لا يحتاج المتلقي جهدًا في فهمها، خاصة وأن المقصود بها عامة الرعية؛ لذلك اختار لها كاتبها ما يتلاءم وحال المتلقين، أما في آخر الرسالة فيورد جملة فعلية واحدة هي «فمن أقر للمسلمين بهذا وجبت ولايته ومودته والاستغفار له و وجب حقه ما لم يحدث حدثًا يخرجه من وَلاية
__________
(1) -ابن سلام الإباضي، الإسلام و تاريخه من وجهة نظر إباضية، تح: ر. ف. شفارتز و سالم بن يعقوب، دار اقرأ، ط1،1405هـ/1985م ص107.
(2) -ابن الصغير، أخبار أئمة الرستميين، تح: د/محمد ناصر، أ/بحاز إبراهيم، دار الغرب الإسلامي، بيروت،1986م، ص39. (1/185)
صفحة 127
المسلمين" (1)، مما يدلعلى استمرار وتجدد هذا الفعل من المسلمين في حق كل من يثبت على ما ذكره آنفًا.
2 - تركيب الجملة الفعلية:
الجملة الفعلية هي «كل جملة صدرها فعل، وتوضع لإفادة الحدوث في زمن مخصوص كالماضي والمضارع مع الاختصار؛ أو تفيد الاستمرار التجددي إذا دلت عليه القرائن» (2)، وقد استخدم كتاب الرسائل في العهد الرستمي أنواعًا من الجمل الفعلية تراوحت بين الماضي، والمضارع، والأمر؛ ولا يخفى على أحد أن الفعل دعامة من دعامات الجمل وغيابه كما يرى (جان كوهن) يجرد الصرح اللغوي من الأساس الذي يدعمه. و بما أن استعمال الأفعال فيه دلالة على الحركة والتجدد والاستمرارية، فإننا نجد جل الرسائل الرستمية نوعت الاستخدام بين هذه الأنواع من الأزمنة، لكن اللافت للنظر في استخدام الماضي و المضارع نراه في رسالة الإمام (أفلح بن عبد الوهاب) إلى المسلمين في شأن (نفاث) حيث يستعمل الفعل ثلاثًا وخمسين مرة، منها أربعٌ و ثلاثون مضارعًا، و البقية ماضية، و كأن في هذه الرسالة تعبيراً عن الأحداث المتلاحقة والحركة والاضطراب الذي شهدته دولة بني رستم أثناء خروج (فرج النفوسي المعروف بنفاث) الذي ابتدع بدعًا، وادّعى ادعاءات كثيرة؛ منها ادعاؤه أن خطبة الجمعة بدعة و غيرها من الأباطيل التي أحدثها. ونلحظ أيضًا غلبة المضارع على الماضي في الاستعمال الذي يضفي حركة وفاعلية واستمرارية على النص، وقد يكون في ذلك إشارة إلى أن ما كان من هذا الرجل ينبغي أن يبقى من الماضي، وألا يمتد تأثيره إلى المستقبل، وقد يعني ذلك أيضًا: أي - غلبة المضارع- الاستمرارية والتجدد الذي ينشده أفلح بن عبد الوهاب لدولته، ذلك أن «الفعل الماضي المستعمل في الأنساق البلاغية والنحوية إنما يوحي بدلالة التمسك بالموروث، بينما يرمز الفعل المضارع إلىواقع الإنسان في راهنه، في الوقت الذي تشتمل بعض صيغه على التطلع على المستقبل» (3).
__________
(1) -ابن سلام الإباضي، الإسلام و تاريخه من وجهة نظر إباضية، ص107.
(2) -حسين جمعة، في جمالية الكلمة (دراسة جمالية بلاغية نقدية)، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،2002م، ص60.
(3) -المرجع نفسه، ص 176. (1/186)
صفحة 128
ب ـ التوكيد:
استخدم كتَّاب الرسائل الرستمية التوكيد، واقتصروا في استخدامه على صيغتين أوثلاثتكررت في بعضرسائلهم، وقد استخدموا التوكيد بالحرف «أنّ» وباللاموالقسم باستعمال «لعمري» التي أكد بها الإمام (أفلح) في رسالته إلى العامة؛ على أن الفرقة لا تكون إلا بفعل البدع التي يبتدعها بعض الخارجين عن ما جاء به الإسلام، فنراه يقسم على ذلك في قوله: «لعمري ما تفرقوا إلا ببدعة ابتدعوها، وضلالة أحدثوها، و فتنة رماهم الشيطان بها، فنفخ في قلوبهم الكبر، وأورثهم العُجْب، فحملهم على ترك المنهاج الذي مضى عليه صالح سلفهم، وزين لهم بدعتهم وصيرهم بعد الهدى ضلالا، وبعد الإيمان كفارًا .. » (1)، واستخدمه أيضًا في رسالته التي بعث بها إلى (البشير بن محمد) حيث يقول: «فلعمري إنه لكذلك و لكن ليست في هذا إنما هي أسهم جعلها الله و أوقفها» (2)، ومعلوم أن التوكيد «يُستعمل عندما يكون المخاطب مترددًا في الخبر طالبًا الوصول لمعرفته فيستحسن تأكيد الكلام الملقى إليه تقويةً للحكم .. (أو) أن يكون المخاطب منكرًا للخبر الذي يراد إلقاؤه إليه، معتقدًا خلافه، فيجب تأكيد الكلام بمؤكدٍ أو أكثر، على حسب حالة الإنكار قوة و ضعفًا» (3).
وقد استعمل لتأكيد ما يريد ثلاثة مؤكدات: القسم واللام و «إنَّ» للتأثير في المتلقي، أما التوكيد اللفظي فلم يلجأ إليه المترسلون في العهد الرستمي إلا قليلاً كما فعل ذلك الإمام (أفلح) في إحدى رسائله حيث نراه يكرر اللفظة لكن باستخدام مرادفتها، في قوله: «فلا تغرنكم فإنها فانية زائلة».
ج ـ تراكيب الإضافة:
اشتملت الرسائل الرستمية على تراكيب الإضافة في كثير منها، لكن إحدى تلك الرسائل ورد بها هذا التركيب بشكل لافت، ذلك أن تركيب الإضافة «يتيح توليد معان جديدة من خلال الربط بينلفظين متجاورين، وكذلك ما تهيئه من نفاذٍ إلى الجزئيات
__________
(1) -سليمان الباروني، الأزهار الرياضية، ص285.
(2) -المصدر نفسه، ص245.
(3) -أماني سليمان داود، الأسلوبية والصوفية، مرجع سابق، ص109. (1/187)
صفحة 129
والمعاني الخفية التي لا تؤديها اللفظة المفردة» (1)، والرسالة المعنية هي جواب الإمام عبد الوهاب إلى أهل جبل نفوسة في مسألة (خلف)، وخلالها استخدم الكاتب تركيب الإضافة اثنين وعشرين مرة في رسالة قصيرة نسبيًا، ومن التراكيب المستعملة: أمير المؤمنين، جماعة المسلمين، تقوى الله، وفاة السمح، استخلاف بعض الناس كتابي هذا ... ، ومما يلاحظ على الإضافة هنا أنه استخدمها بإضافة لفظة إلى لفظة، أو بتتالي ثلاث كلمات، مما يزيد من تعريف وتخصيص تلك الألفاظ، كما يقول ابن جني: «الغرض من الإضافة إنما هو التعريف والتخصيص، والشيء إنما يعرِّفه غيره، لأنه لو كانت نفسه تعرِّفُه لما احتاج أن يعرف بغيره، لأن نفسه في حالي تعريفه وتنكيره واحدة، وموجودة غير مفتقدة، ولو كانت نفسه هي المُعرِّفة له أيضًا لما احتاج إلى إضافة إليها، لأنه ليس فيها إلا ما فيه، فكان يلزم الاكتفاء به، عن إضافتها إليها» (2).
د ـ التراكيب الإنشائية:
تعتبر التراكيب الإنشائية إحدى الاختيارات التي يلجأ إليها الكُتَّاب في إبداعاتهم لما توفره من إمكانية تنويع التعبير، والخروج بها عن أغراضها الأولى، فلا يبقى الاستفهام يفيد السؤال فقط، ولا يكتفي الأمر بطلب تنفيذ المطلوب، وهكذا تكون بقية أساليب الإنشاء، وسنحاول أن نعطي أمثلة عن الأساليب الإنشائية التي حفلت بها بعض الرسائل الرستمية والأغراض التي أفادتها.
1 - الاستفهام:
الاستفهام هو «طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبلُ وذلك بأداة من إحدى أدواته» (3)، وهو أيضًا طلب الجواب والفهم لسؤال يطرحه المتكلم ويريد أن يلقى له جوابًا من المخاطَب، وهو أحد أساليب الإنشاء الطلبي في الجملة العربية، إلا أن أغراضه لا تقف على هذا فقط بل تتعداه إلى مفاهيم أخرى تدرك من سياق الكلام، ومثالها في الرسائل الرستمية ما جاء على لسان (أفلح بن عبد الوهاب) إلى أحد عماله، إذ
__________
(1) -المرجع نفسه، ص123.
(2) -أبو الفتح بن جني، الخصائص، ص401.
(3) -السيد أحمد الهاشمي، جواهرالبلاغة، ص78 (1/188)
صفحة 130
يستخدم الاستفهام في غير معناه الحقيقي حيث يقول: «فما وجه ما سألتم من ذلك؟ وهل أنتم على شك من دينكم أو ريبة في أمركم؟»، فالإمام عبد الوهاب لا ينتظر جوابًا من المخاطَب على سؤاليْه، وإنما يضمنهما توبيخًا و تقريعًا و لومًا على التهاون الذي أبداههذا العامل في حق (نفاث) الخارج عن سلطة الإمام، ومما ورد عنه في رسالة أخرى له أيضًاموجهة إلى (نفاث) يقول فيها: «فجعلت تكتب إلينا فيما ليس لك به كتاب، فعلام تتجاهل الأمور؟» (1)، وهنا لا ينتظر الإمام جوابا ولكن يستفاد منه إنكاره لعمل (نفاث)، و قد استعمل (أفلح) هذه الاستفهامات رغم علمه بما يستفهم عنه، لأنه «قد تخرج ألفاظ الاستفهامعن معناها الأصلي، فيستفهم بها عن الشيء مع العلم به، لأغراض أخرى تفهم من سياقالكلام ودلالته» (2).
2 - الأمر:
الأمر كذلك من الأساليب الإنشائية الطلبية، وهو «طلب الفعل على وجه التكليف والإلزام بشيء لم يكن حاصلاً قبل الطلب و في وقته على جهة الحقيقة أو المجاز» (3). وللأمر صيغ مختلفة؛ منها الأمر والفعل المضارع المقترن بلام الأمر، واسم الفعل.
ويأتي الأمر-عادة- إما بمعناه الأصلي، الذي يعني طلبًا محددًا يوجه إلى المخاطب، ويراد منه أن يقوم بأمر ما، أو يؤدي مهمة معينة، وإما أن يتحول من أصل وظيفتههذه إلى معنى تعبيري بلاغي يخرج فيه الأمر إلى دلالات شتى يمكن التماسها في السياق الذييرد فيه (4).
وقد استعمل الرستميون في رسائلهم صيغ الأمر الثلاثة، فـ (أفلح) في رسالته إلى (البشير بن محمد) وزع صيغة الأمر على أجزاء الرسالة، فنراه في بدايتها يقول له: «وفكِّر في صغير خلقتك و في عظيم ما خلقه الله»، وفي وسطها يواصل استخدامه قائلاً: «فاطلب الله وارغب إليه ... و اعلم أنه لاشيء لمن عقل خير ممن وعظه موعظة يأخذها، فاقبل
__________
(1) -الباروني، الأزهار الرياضية، ص268.
(2) -السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة، ص83.
(3) -حسين جمعة، جمالية الخبر و الإنشاء، ص105.
(4) -أمانيسليمان داود، الأسلوبية و الصوفية، ص135. (1/189)
صفحة 131
واجتهد في القبول» و في آخر الكتاب يقول: «فاتق الله واجتهد جهدك في توفير الحقوق ... » (1)، فالصيغ المستعملة مصرفة مع ضمير الخطاب (أنت) وكلها تخرج عن المعنى الأصلي للأمر، ويُستفاد منها النصح والتوجيه رغم أنها موجهة من الحاكم إلى المحكوم ومع ذلك لا تأخذ صفة الاستعلاء الحقيقي (2).
أما الرسالة الثالثة فهي مرسلة من الإمام أفلح إلى (نفاث)، فإن صيغة الأمر المستعملة فيها يغلب عليها ضمير الخطاب (أنت) حيث يقول: «فأظهر الانتفاء من ذلك، وكذِّبْ عن نفسك ما قيل عنك ... فانْفِ عن نفسك ما رُقي عليك، و كن من جماعتنا و موا فقي أسلافنا .... » (3). ورغم ما يظهر على الخطاب من شدة و حزم فهي مُبَطَّنَة بنوع من التسامح من الإمام أفلح، فهو يريده أن يظهر الانتفاء ويكذب عن نفسه ما قيل ورقي عنه، ويستعمل (نا) في (جماعتنا) و (أسلافنا) لتدل على ذلك الارتباط الروحي الموجود بين المسلمين، فالمسامح كريم، لكن (نفاث) يبقى على عناده وإصراره، وتكون بذلك آخر رسالة موجهة إليه، يفر بعدها إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية.
أما صيغة الأمر واسم الفعل في الرسالة التي سماها الباروني (النصيحة العامة من الإمام أفلح إلى كل من كان تحت لوائه من المسلمين) فقد اختار لهما ضمير الخطاب (أنتم)؛ ذلك أنها موجهة لرعيته، واستعمله مع الأمر واسم فعل الأمر (عليكم) الذي كررها ثلاث مرات، أما الأمر فاستخدمه مع أفعال متعددة (تقربوا، اتبعوا، اجتهدوا، اعلموا، أعرضوا أعمالكم، أحسنوا محاسبة، انتبهوا، خذوا، اتقوا الله، تواصوا، مروا بالمعروف، انهوا عن المنكر ... )، ويبدو أن غرض كل هذه الصيغ هو نصح الرعية و توجيهها إلى الطريق الصحيح، وترغيبها فيما يكون فيه صلاح العباد والبلاد. و لا شك أن هذه النصائح والتوجيهات لها تأثير في المتلقي، خاصة وهي عبارات تذكر الناس بالواجب وتنبههم إلى ما ينتظرهم من جزاء الله تعالى وتخاطب فيهم القلب والعقل معًا.
__________
(1) -الباروني، الأزهار الرياضية، ص245.
(2) -حسين جمعة، جمالية الخبر و الإنشاء، ص106.
(3) -الباروني، الأزهار الرياضية، ص268. (1/190)
صفحة 132
3 ـ النهي:
النهي واحد من الأساليب الإنشائية التي عني باستخدامها في إبداعاتهم الكتابُ والشعراءُ، وهو «طلب الكف عن فعل شيء ما من المخاطب على جهة الحقيقة والمجاز، ويقع بعد الأمر في الطلب» (1)،ولم يستعمله كتاب الرسائل في العهد الرستمي إلاّ نادرًا، وفي رسالة لأفلح يقول: «فلا تغرنكم فإنها فانية زائلة»، محذرًا مخاطبيه من عاقبة التمسك بالدنيا ونسيان أمر الآخرة. ولعل ما يبرر عدم اكتراث كتاب الرسائل الرستميين بتوظيف (النهي) في رسائلهم أن كثيرًا من صيغ الأمر تشتمل ضمنيًا على النهي.
وقد خلت الرسائل الرستمية من بعض الأساليب الإنشائية؛ مثل النداء الذي لم يرد في مجموع الرسائل؛ ولعل مرد ذلك يعود إلى أن كتاب الرسائل ليسوا في حاجة إلى استعمال هذا الأسلوب، طالما أن الرسالة يُبْعثُ بها إلى المخاطب (المرسَل إليه)، فلا تكون خطابًا مباشرا مثل الخطبة، وبالتالي لا تحتاج إلى استخدام النداء الذي يكون الغرض منه طلب الإقبال من السامعو الانتباه إلى ما سيُلْقى عليه.
هـ ـ اسم الفاعل واسم المفعول:
اسم الفاعل صيغة صرفية مشتقة من الفعل كما يراها الكوفيون و من الاسم كما يقول البصريون، و هذا الاختلاف بين المدرستين جعلها تأخذ من ذا و ذاك دلالتيها، وهذا ما حدا بأحدهم إلى القول: «وقد ترتب على تلك الطبيعة المزدوجة لاسم الفاعل أن صار مشتركًا بين الدلالة على الثبوت من جهة النظر إليه كاسم في مقابل الفعل الدال على التجدد» (2). وقد وردت هذه الصيغة بصفة لافتة في جواب الإمام (أفلح) إلى المسلمين في شأن (نفاث) والتي استعملها من الفعل الثلاثي وغير الثلاثي؛ ومن أمثلة الأول: ناصر، قائم، خائب، جاهل، راكب، حاطب، تائه، رادٌّ، وأما أمثلة الثاني: محسن، منعم، معز، متوحش، مصيب، مخطئ، مبتدئ، فاستعمال صيغة اسم الفاعل إذًا تدل على ثبوت الوصف في الماضي و دوامه وتجدده واستمراره. فهو عندما يقول: «فالحمد لله المحسن إلى
__________
(1) -حسين جمعة، جمالية الخبر و الإنشاء، ص124.
(2) -عبد الحميد هنداوي، الإعجاز الصرفي في القرآن دراسة نظرية تطبيقية، المكتبة العصرية، بيروت،1423هـ 2002م، ص221. (1/191)
صفحة 133
أوليائه المنعم عليهم بحسن بلائه، معز أهل طاعته، وناصر القائمين بحقه» (1)، يثبت الإحسان و الإنعام والإعزاز و النصرة من الله ـ عز وجل ـ لأوليائه في الماضي واستمرارها في الحاضر و المستقبل، وكذلك الأمر عندما يقول في حق (نفاث): «وفهمت كل ما ذكره لك فيه عن كل خائب جاهل، بما هو عليه متحامل على ما لاعلم له به متخبط في أموره خبط عشواء ... أقام متوحشًا من العلماء فتقلب في جوانبه الشيطان بنفخاته ... فهو راكب مشكلات يخبط خبط عشواء، كحاطب ليل لا يدري ما يحطب ... وأن تفعلوا بهذا التائه المتخبط ما كان يفعله سلفكم بمن كان قبله لكي ينزجر ... " (2). فهو يثبت الخيبة والجهل والتحامل والتخبط وغيرها من الأوصاف في حق (نفاث) في الماضي والحاضر واستمرار ذلك في المستقبل ما لم يرتدع عن ذلك ويعود إلى الجماعة.
وشبيه باسم الفاعل اسم المفعول فهو أيضًا يدل على ثبوت الوصف في الماضي واستمراره في الحاضر و المستقبل، وقد جاء في نفس الرسالة استعمال اسم المفعول من الثلاثي ومن غير الثلاثي؛ فاستخدام لفظة (مخذول) في قوله «فليس من اتبع أمره بمخذول» (3) تدل على ثبات عدم الخذلان لمن اتبع أمر الله تعالى، ونفس الكلام يقال عن لفظتي (مقصى ومبعد) في قوله: «و كان عندهم مقصىً ومبعدًا" (4)، فهما تدلان على ثبات الإقصاء والإبعاد في حق (نفاث).
ظاهرة التناص في الرسائل الرستمية:
يُعرف التناص بأنه حضور نصوص سابقة أو متزامنة في نصوص لاحقة، وتوجد له تعريفات كثيرة ومتنوعة، فقد كان النقاد العرب القدامى يسمونه السرقة الأدبية، وأطلقوا عليه تسميات كثيرة منها: توارد الخواطر، التوليد، الإبداع، التضمين والاقتباس ...
أما ظهوره عند النقاد الغربيين فقد كان في القرن العشرين و بالضبط في منتصف ستينياته، على يد (جوليا كريستيفا) ( Julia Kristiva) في أبحاثها التي نشرتها في مجلتي (تيل كيل tel quel ) و (كريتيك critique) وغيرها من النقاد الغربيين.
__________
(1) -الباروني، الأزهار الرياضية، ص262.
(2) -المصدر نفسه، ص263.
(3) -المصدر نفسه، ص262.
(4) -المصدر نفسه، 263. (1/192)
صفحة 134
وما يهمنا هنا هو ظاهرة تناص عدد من رسائل بني رستم مع القرآن الكريم، وتضمين بعضها أحاديث الرسول حبمعانيها لا بنصوصها، ومن أمثلة ذلك ما نلحظه في رسالة عبد الوهاب بن عبد الرحمن إلى أهل طرابلس، حيث نجد أغلب ما جاء فيها يتناص مع آيات القرآن الكريم، خاصة مع هذه الآيات: قال تعالى:ژ???????ںں??????ہہہہھھھھےے?ژ (الآية36 من سورة النساء)، وقوله تعالى:ژ???????????ژ (الآية 03 من سورة المائدة)، وقوله تعالى: ژکگگگگ????????ںں????ژ (الآية72 من سورة التوبة).وغيرها من الآيات الكريمة، ونفس تلك الرسالة تناصت مع حديث الرسول ح الذي رواه عمر بن الخطابسقال: «يا محمد أخبرني عن الإسلام». فقال رسول الله ح: «الإسلام أن تشهد أنْ لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً ... » (رواه مسلم).
كما تناصت بعض الرسائل الرستمية الأخرى مع أحاديث للرسول الكريم ح، وإن لم تذكر الحديث بنصه الكامل، ومن هذه الرسائل رسالة الإمام أفلح بن عبد الوهاب في حق (نفاث) التي يقول فيها: «فهو ذو بدعة وكل بدعة ضلال، وكل ضلال كفر، وكل كفر في النار ... » (1)، وكذلك رسالته الموجهة إلى كل من كان تحت لوائه من المسلمين، والتي يقول فيها: «وإياكم والبدع فإنَّ البدع هلكة، وسوء طريقة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة كفر، وكل كفر في النار ... » (2)، هاتان الرسالتان تتناصان مع حديث الرسولحالذي يقول فيه: « ... فإنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتابُ الله وخيرَ الهدى هدى محمَّدٍ وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها وكُلَّ بِدْعَةٍ
__________
(1) -الباروني، الأزهار الرياضية، ص264.
(2) -المصدرنفسه، ص 282. (1/193)
صفحة 135
ضَلالَة، وكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ ... » (1)، كما أنَّ بعضًا من الرسائل الأخرى اشتملت ألفاظها على العديد من المفردات المأخوذة من القرآن والسنة النبوية الشريفة.
المقاربة الدلالية:
تُعنى الأسلوبية بالجانب الدلالي للنصوص الإبداعية، باعتباره أحد مرتكزات التحليل وباعتباره يعطي فكرة عن القاموس الذي استعمله المبدع في نصه، وقد تنوعت الحقول الدلالية في الرسائل الرستمية والتي يغلب عليها الجانب الديني.
ويعرف الحقل الدلالي بأنه «مجموعة من الكلمات ترتبط دلالتها، وتوضع تحت لفظ عام يجمعها» (2)، وهذا يعني أن الحقل الدلالي يتكون من مجموعة من المعاني التي ترتبط فيما بينها، تتميز بوجود عناصر أو ملامح دلالية مشتركة تكشف الصلات الموجودة بين تلكالألفاظ، فالهدف العام من تحليل الحقلالدلالي هو «جمع كل الكلمات التي تخص حقلاً معينًا، والكشف عن صلاتها الواحد منها بالآخر، وصلاتها بالمصطلح العام» (3).
والحقول الدلالية في الرسائل الرستمية متنوعة؛ شملت جوانب متعددة من الحياة السياسية والدينية، مست الحياة الدنيا والآخرة، والنصح والتوجيه، والوَلاية والبراءة، وسنحاول فيما يلي أن نصنف هذه الحقول وبيان ألفاظ كل حقل.
1 - حقل الألفاظ الدينية:
كثرت الألفاظ التي تشير إلى الجانب الديني في الرسائل الرستمية، إلى درجة أن بعض تلك الرسائل نجد أغلب كلماتها تنتمي إلى الحقل الديني، ومن ألفاظ هذا الحقل: الإسلام، شريعة، شهادة، الصلاة، الزكاة، صيام رمضان، حج البيت، إحسان، غض البصر، الفريضة، الولي، الاستغفار، الأمانة، العدل، التعاون، البر، التقوى، التوبة، الهدى، المسلمين،
__________
(1) -الحديث بنصه الكامل موجود في صحيح مسلم وسنن أحمد، وابن ماجة والدارمي وغيرها من كتب الحديث.
(2) -أحمد مختار عمر، علم الدلالة، مكتبة دار العرب للنشر و التوزيع، الكويت، ط1، 1402هـ،1982م، ص79. وينظر أيضا عبد الجليل منقور، علم الدلالة أصوله ومباحثه في التراث العربي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،2002م، ص194.
(3) -المرجعنفسه، ص80. (1/194)
صفحة 136
الاستعانة، العصمة، طاعة، التوكل، الفقه، اليقين، حول، العلي، العظيم، السنة، فرض، مُحَرَّم، المستعان، دينه، السلام، التبليغ، الأنبياء، رحمة، الإبلاغ، المؤمنين، رؤوف، رحيم، سنَّها، فرضها، أوجبها، زجر، أمر، الحمد، الجهاد، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الدين، الثواب، المآب، الحق، الدين، وغيرها من الألفاظ التي تنضوي تحت الحقل الديني.
وشيوع هذه الألفاظ وسيطرتها عند كتاب الرسائل الرستميين فيه دلالة على تمسُّكهم بالدين الإسلامي، وحرصهم على تطبيقه، وتنفيذ ما جاء فيه من أوامر ونواه، وتبليغ ذلك إلى الرعية، و التذكير بسير الأولين، و الدعوة إلى اِتباع الأسلاف، والاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما يتعلق بشؤون حياتهم الدينية والدنيوية.
2 ـ حقل الألفاظ الخاصة بالحكم والولاية والبراءة:
وردت ألفاظ عديدة في الرسائل الرستمية تخص هذا الحقل نذكر منها: استخلاف، وَلِيَ، رضا، تولية، عامل، استعمله، عمالته، ينصفوا، أوليائه، قضاء، الاجتهاد، الحقوق، الحق، شرعه، شق عصا الإسلام، يُهجَر، يُقصى، يُبعَد، حكم الله، أمر لازم، فرض محرم أن يتعدى، السلطان، عدل، أئمتنا، أمرتهم، خلع، خالف، نفيه، هَجرُه، (إقصائه)، خلافنا، البراءة، الوَلاية، مُقصى، وِلاية، الموافقة، سنَّها، الحلال، الحرام. وألفاظ هذا الحقل تؤدي المعاني التي وضعت لها، وكلها تدل على حرص أئمة بني رستم على الحكم بما أُنزل على محمد حووَلاية أهل الهدى والقائمين بما أمر الله، والبراءة و الابتعاد عن أهل الضلالة والزيغ والمارقين عن سلطان الدين، وفي هذا دلالة على التمسك الشديد لأئمة الرستميين بالدين الإسلامي وأحكامه في كل ما يتعلق بشؤونهم الخاصة والعامة، و لا غرابة في ذلك فقد قامت دولتهم على مبدأ الديمقراطية والشورى وانتخاب الإمام.
3 - حقل الألفاظ الدالة على النصح والتوجيه:
احتل هذا الحقل حيزًا من الرسائل الرستمية، ومن الألفاظ التي دلَّت على النصح والتوجيه: آمركم بتقوى الله، اتباع ما أمركم به، اجتناب ما نهاكم عنه، فليرجع كل عامل، توبوا إلى ربكم، فاطلب الله وارغب إليه، وَعِظْهُ مَوْعِظَةً، فاقبل واجتَهِد في القبول، فاتق الله واجتهد جهدك في توفير الحقوق، أوصي نفسي و إياك بتقوى الله ولزوم طاعته والتوقي على دينه، ألزم التقوى نفسك وأشعرها قلبك واصبر على ما أصابك، مهدوا لأنفسكم، (1/195)
صفحة 137
قدموا لمعادكم، اعملوا عملاً يسركم غدًا مكانه، عليكم التمسك بما مضى عليه سلفكم، فلا تغرَّنكم فإنها فانية، فليسمع وليطع ولينتبه، وفي ذلك شفقة منا عليكم أن تهلكوا، أنصح لك فيه وأدعوك إلى رشدك، أظهر الانتفاء من ذلك وكذب عن نفسك ما رقي عليك، كن من جماعتنا، نصح لأمَّته، عليكم معشر المسلمين بتقوى الله، تقربوا إلى الله، فاتبعوا ولا تبتدعوا واجتهدوا في إدراك ما أدركوه، فاتقوا الله حق تقاته وتواصوا بالبر والتقوى، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فاحذروا معاشر المسلمين من كانت هذه صفته، احذروا ما حذركم منه من أليم عقابه، ارغبوا فيما رغبوا من جزيل ثوابه، واذكروا ما نهاكم عنه، فعليكم معشر المسلمين باتباع الآثار، قد بالغت إليكم في النصيحة، يتواصى به العباد و يتحاضُّوا عليه، تقوى الله ولزوم طاعته، وعليكم معاشر المسلمين بالتهيؤ للقدوم على الله والتأهب والاستعداد ليوم تشخص فيه الأبصار، عليكم باتباع الماضي من أسلافكم، اقتفوا آثارهم، اهتدوا بهداهم، احذروا الزيغ عن طريقهم، خالفوا أهل البدع، أدخل في أمور المسلمين يُقَوِّ الله بدنك ... ، وكل هذه الجمل والمفردات من حقل النصح والتوجيه؛ الذي كان سبيل أئمة بني رستم في سلوكهم مع الرعية، وحتى مع مخالفيهم، فقد كانوا يبذلون لهم النصح ويريدون منهم أن يعودوا إلى سبيل الحق ويتخذوه سبيلاً.
وقد اكتفيت بذكر هذه الحقول الدلالية؛ التي تسيطر على أغلب الرسائل الرستمية، كما بدا لي، ولعلَّ السياق التاريخي الذي عاشته الدولة الرستميةمن التأسيس إلى السقوط هوالذي فرض استعمال ألفاظ وجمل تلك الحقول، على أنني لم أقم بإدخال مفردات الآيات القرآنية التي استشهد بها كتاب الرسائل في خطاباتهم ضمن الحقول الدلالية.
- - - (1/196)
صفحة 138
فقه المال العام عند الإباضية
الحلقة الخامسة:
فقه المال العام من خلال كتاب: المصنَّف
د: محمد بن صالح حمدي
كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الإسلامية
جامعة الحاج لخضر ـــ باتنة ـــ الجزائر
م
مقدمة:
رصد الباحث في الحلقة السابقة، ما تضمنه كتاب «الجامع» لمؤلفه ابن بركة، من أفكار وآراء حول المال العام، فخلص إلى أن أئمة المذهب الإباضي اعتنوا في مختلف عصورهم بهذا الجانب الهام من مسائل الفقه شأنهم شأن بقية المذاهب، وقد برز ذلك أكثر عند المشارقة، لكونهم بقوا في دائرة السلطة السياسية، طيلة عصورهم المعاقبة، في حين لم يعرف إباضية المغرب كيانا سياسيا يجمعهم منذ بداية القرن الرابع أي بعد زوال الدولة الرستمية سنة296هـ، وفي هذه الحلقة سوف نقوم بمسح عام لمؤلف لا يقل أهمية عن سابقه، هو كتاب «المصنف» لمؤلفه الكندي والذي يقع في اثنين وأربعين جزءا وخصص الأخير للفهارس في طبعة وزارة الثقافة والتراث العمانية، وقد تناول معظم أبواب الفقه ومنها ما يتعلق بالمال العام في بعض أجزائه، ويحاول الباحث استقصاء ورصد كل ما يتعلق بالموضوع في ثنايا هذا السفر الكبير.
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف (1) الشيخ العلامة: أحمد بن عبد الله الكندي
هو العلامة المجتهد أبوبكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي الأفلوجي السمدي النزوي، ويعتبر الشيخ أحمد ثالث ثلاثة في هذا البيت من خيرة علماء عصرهم، الأول: الفقيه محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي، صاحب «بيان الشرع» في اثنين وسبعين جزءا،
__________
(1) - أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي، التخصيص (في الولاية والبراءة)، دراسة حمود بن عبد الله بن سليمان الراشدي، وزارة التراث والثقافة، عمان، ط:1، سنة1432 هـ 2011م، ص:11 (1/197)
صفحة 139
والآخر: الفقيه محمد بن موسى بن سليمان الكندي، صاحب «الكفاية» في واحد وخمسين جزءا، وتربط بين الثلاثة علاقة قرابة ورحم، فالعلامة محمد بن إبراهيم، هو ابن عم والد صاحب المصنف، أما محمد بن موسى فعمّه،
مولده ونشأته: ولد الكندي ببلدة «نزوى» في أواخر القرن الخامس الهجري، هذه البلدة التاريخية المشهورة في عُمان حيث كانت مقرا لائمة عُمان، ولم يشر المؤرخون إلى تاريخ محدد لولادته، ومن المحتمل أن تكون ولادته سنة480 هـ.
في هذه الأرض المباركة عاش مؤلفنا وتربى في أحضانها ينهل العلم مع أترابه من طلبة العلم المعارف من لدن آبائه وأشياخه الذين كان لهم الفضل في تشجيع الناشئ القادم إلى حظيرة العلم بكل شجاعة وصدق، ومعلوم أن الطريقة التي درج عليها العمانيون في تعليم أبنائهم كانت بتوجيههم للانكفاء على ملازمة علماء عصرهم، أو بضمهم إلى بعض المدارس الدينية التي يتلقى فيها الدارس علوم القرآن الكريم والفقه واللغة وما أكثرها في نزوى في تلك الحقبة التاريخية، فقد وفق الله صاحبنا أن ينال حظا عظيما من الفقه في أمور الدين ويحيط بقواعد اللغة وعلوم الآلة، ويصقل سلوكه الشخصي، وقد انعكس ذلك على نتاجه العلمي الموسوعي.
شيوخه وتلاميذه: لقد تلقى العلم على غير واحد من العلماء منهم: ابن عم والده: الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي، ومنهم الشيخ أبوبكر أحمد بن محمد بن صالح الغلافقي النزوي.
مؤلفاته: لقد ترك لنا الشيخ تراثا هاما في الفقه والتاريخ والسير والفرائض والفتوى والجوابات والنحو، نذكر منها: كتاب التخصيص في الولاية والبراءة، وكتاب الاهتداء في افتراق أهل عمان إلى نزوانية ورستاقية، وكتاب التسهيل في الفرائض وكتاب التيسير في النحو، أهمها كتاب «المصنف» هذا السفر الموسوعي الذي ظهرت فيه شخصيته وغزارة علمه وأسلوبه المتين وتبحره في مختلف الفنون، ويعد من أشهر كتب إباضية المشرق (1)
__________
(1) - شوقي إبراهيم علام: المقاصد الشرعية من خلال كتابي المصنف للكندي وقواعد الإسلام للجيطالي، ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان، الفقه العماني والمقاصد الشرعية، سلطنة عُمان، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، بتاريخ: 18 - 21 صفر 1427الموافق:21مارس 2006ء، ص:532 (1/198)
صفحة 140
وفاته: توفي ودفن بالمضّ من سمد نزوى، وذلك عشية الإثنين لخمس عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل ربيع الآخر، سنة سبع ووخمسمائة لهجرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
المبحث الثاني: عرض حول كتاب «المصنف» وما تضمنه من مباحث المال العام
يعدُ كتاب المصنف من المصادر الفقهية المهمة التي ألفت في القرن السادس الهجري، وهو من أشهر كتب إباضية المشرق أجودها تأليفا وتبويبا، وقد طبع بواسطة وزارة التراث القومي والثقافة طبعة كاملة بتحقيق كل من: عبد المنعم عامر، وجاد الله أحمد، والشيخ سالم بن حمد الحارثي، الذي حقق أكثر أجزاء الكتاب.
والكتاب واحد من المؤلفات الفقهية الجامعة لأصول الشريعة وفروعها ابتداء من العلم وفضله وانتهاء بالحدود والديات والجروح.
تضمن «المصنف» مباحث عديدة حول المال العام وقد توسع في بعضها وأورد إشارات إلى بعضها. تناول الشيخ الكندي مباحث المال العام ابتداء من الجزء السادس المخصص للزكاة، وبما أن الزكاة جزء من المال العام، فقد بحث مسائل عديدة، منها الجزية وكيف تجمع وعلى من تجب ومقاديرها، تناول العشور ومفهومه وعلى من يؤخذ وومقداره ومهمة العاشر، عن زكاة المعادن والركاز ووجوب الخمس فيه، وعن وجوب العشر في أرض الخراج، زكاة الصوافي، والزكاة على الرقاب والمؤلفة قلوبهم.
وفي الجزء العاشر المخصص في الأئمة، الإمامة والسلطة، تناول واجبات الإمام المالية، بالبحث في الجباية للإمام في إمامة الظهور، أخذا بمسالك الدين المعروفة عند الإباضية, وبحث في أخذ الجبارة الخراج من أموال الناس.
وفي الجزء العاشر المخصص للجهاد وأحكامه تناول الغنائم كنتيجة حتمية للجهاد المشروع، فيمن يستحق الغنيمة وتناول الغلول في الغنيمة.
وفي الجزء الثاني عشر المخصص للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تناول موضوع نفقة أهل السجن وهي من بنود الإنفاق العام الذي على عاتق ولي الأمر.
وفي الجزء الثالث عشر المخصص للحديث عن القضاء والأحكام، تناول أعطيات الشراة وغيرهم، وأعطيات المستخدمين بالديوان من مال المسلمين وبحث في الدواوين التي (1/189)
صفحة 141
أحدثها الخليفة عمر بن الخطاب في عهده، وما يجوز ولا يجوز لولي الأمر من أموال بيت المال، وواجب الحفظ والضمان.
وفي الجزء الرابع عشر المتعلق بالشهادات والبيانات تناول صاحب المصنف، موضوع الشهادات على الصكوك والصكوك وثيقة مالية تصدرها السلطة المالية.
وفي الجزء الثامن عشر تناول تحليل الأموال وتحريمها، تناول حكم المال المباح وأسلوب الانتفاع بها مثل الماء الكلأ، وبحث في حكم المغتصب، وفي اللقطة وكلها مواضيع لها علاقة بالمال العام الذي ترعاه السلطة
المبحث الثالث: تعريف المصطلحات والمفاهيم المالية
قبل الخوض في عرض وتحليل المسائل المالية الواردة في كتاب المصنف أرى أنه يحسن بنا شرح وتوضيح بعض المصطلحات الواردة في النصوص التي سنستعرضها
*- العشور: نوعان، أحدهما: عشور الزكاة، وهي ما يؤخذ في زكاة الزروع والثمار، والثاني: ما يفرض على الكفار في أموالهم المعدة للتجارة إذا انتقلوا بها من بلد إلى بلد في دار الإسلام، وسميت بذلك لكون المأخوذ عشرا أو مضافا إلى العشر كنصف العشر، (1) وهي تشبه الرسوم الجمركية في بعض جوانبها
*- العاشر: هو من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار بما يمرون عليه عند اجتماع شرائط الوجوب، (2) وهو يشبه الجمركي الذي يكون في الحدود ونقاط العبور لمراقبة البضائع وأخذ الرسوم الجمركية
*- الذمي، وأهل الذمة: هم اليهود والنصارى والصائبين والمجوس، وممن له دين متعلق به، ممن يثبت له حكم الكتابية في الجزية، فتجب الجزية على رؤوسهم
*- المستأمن: هو مواطن المنتمي لغير البلاد الإسلامية الذي يدخل بلد الإسلام لقضاء حاجة من تجارة وغيرها، ويعطى له الأمان أثناء إقامته
*- الحربي: هو مواطن الدولة غير الإسلامية التي تعلن العداء والحرب للمسلمين.
__________
(1) - المرجع نفسه
(2) - نزيه حماد، معجم المصطلحات المالية والاقتصادية، ص:317 (1/190)
صفحة 142
*- الجبار: هو الذي يستولي على أراضي المسلمين عنوة، ويقوض أركان السلطة الشرعية
*- دهقان: لفظ فارسي معرب، يطلق في اللغة على القوي على التصرف وعلى رئيس القرية، وعلى من له مال وعقار، ويقال تدهقن الرجل إذا كثر ماله، أما في الاصطلاح الفقهي فيطلق على رب الأرض، ويقابله الزراع والأكّار (1)
المبحث الرابع: عرض وتحليل ما تضمنه الجزء السادس من «المصنف» من مسائل الجزية والعشور:
تناول صاحب المصنف في الجزء السادس، الباب الرابع والعشرون ابتداء من صفحة 83 وما بعدها مسائل تتعلق بالجزية ومقدارها وعلى من تجب بالتحديد، مستعرضا مختلف آراء الفقهاء في المسألة، مستهلا بما أورده من كتاب الإشراف، فلا تكاد يعرض مسألة إلا واستهل بما ورد في كتاب الإشراف مما يدل على المكانة التي يحظى هذا المصدر عند الشيخ الذي أكثر الاستشهاد به في غير ما من مسألة، كما يعود أحيانا إلى كتاب الخراج لأبي يوسف، وهو مصدر أساسي في فقه الأموال العامة الذي ألفه صاحبه تلبية لطلب الخليفة هارون الرشيد في وضع مصدر حول المالية العامة للدولة فأجاب لطلبه ووضع له كتاب «الخراج».
فصاحب الإشراف هو الإمام ابن المنذر النيسابوري ولد في حدود سنة: 231هـ توفي بمكة سنة: 309 هـ ويعد من أئمة الشافعية، ترك مؤلفات قيمة في التفسير والحديث والفقه وغيرها من العلوم ومن أشهر مؤلفاته: كتاب السنن والإجماع والاختلاف، وكتاب الإشراف على مذاهب العلماء وهو الذي علق عليه صاحب المصنف بالزيادات، وقد جمعت تلك الزيادات في كتاب وقام بتحقيقها الباحث إبراهيم بولرواح (2).
مقدار ما يؤخذ من العشور: ذكر صاحب الإشراف الاختلاف بين الفقهاء فيما يؤخذ من أهل الذمة من التجار واستدل بقول عمر بن الخطاب أنه أمر أن يؤخذ من أهل الذمة نصف العشر فيما يختلفون، فيه، ومن أهل الحرب العشر.
__________
(1) - نزيه حماد، معجم المصطلحات المالية والاقتصادية، ص:208
(2) - زيادات إني سعيد الكدمي على كتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري، تحقيق إبراهيم بن علي بولرواح، وزارة الأوقافو الشؤون الدينية، سلطنةعمان، ط:1، س: 1432 - 2011، ص:11 (1/191)
صفحة 143
فهذه المسألة تجمع بين حكمين من أحكام الإيرادات المالية وهما الجزية والعشور، أما الجزية فقد ثبت حكمها بنص الكتاب (1)، وأما العشور فقد شرعه الخليفة عمر بن الخطاب معاملة بالمثل، فقد أورد صاحب الخراج، فقال: «كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب: إن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر، فكتب إليه عمر: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين». (2) فأول من وضع العشور في الإسلام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد يجتمعان هذان الإيرادان في شخص واحد كما يستدل من قول عمر، فالتاجر الذمي تجارة خارجية يؤخذ نصف العشر من تجارته والجزية على رأسه لكونه من أهل الذمة.
شروط أخذ العشور على المستأمن إذا دخل أراضي المسلمين تاجرا:
المستأمن هو ذلك الأجنبي الذي يدخل دار الإسلام طالبا الآمان من قضاء مآربه ومصالحه، فإذا قدم تاجرا يفرض عليه العشور معاملة بالمثل كما أشرنا، ويشترط تحقيق الأمان له ولسلعته وهو شيء أساسي، كما يمنح للذمي والمواطن المسلم العادي، فيقول صاحب المصنف بهذا الصدد: «ويعجبني في الذي يقيم من أهل الحرب بأمان، ثم يدير تجارته في حماية المسلمين، أن يأخذوا منه ما يؤخذ مَلِكهم، إذا قدم أهل بلاد المسلمين ويضيف شرطا آخر وهو حولان الحول، وإذا عليهم العشر في بعض القول، كان بعد السنة عندي» (3).
إلا أن اعتبار «بعد السنة» إذا كان الغرض منه حولان الحول يتعارض مع مبدأ فرض العشور الذي هو معاملة بالمثل، الذي يتحقق بمجرد دخول السلع الأجنبية إلى ديار الإسلام
فإذن يشرط الإمام الكندي ثلاثة شروط لأخذ العشور من المستأمن:
1 - أن يؤخذ منه نسبة ما يأخذه ملكه على المسلمين بدون زيادة أو نقصان.
2 - أن يوفر الأمن له ولسلعته وهو يديرها داخل أراضي المسلمين.
3 - أن يحول عليها الحول.
__________
(1) - قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].
(2) - أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، الخراج، دار الحداثة، بيروت، لبنان، ط:1، س: 1990، ص: 266
(3) - الكندي، المصنف، مرجع سابق، ص: 85 (1/192)
صفحة 144
مقدار النصاب في أخذ العشور: اختلف الفقهاء عامة في النصاب الذي يجب فيه العشور أيؤخذ عن أي مال دخل بلاد المسلمين ولو لم يبلغ النصاب، فيقول صاحب المصنف. «واختلفوا في المقدار الذي إذا مر الذمي على العاشر، وجب عليه الأخذ منه». ثم أورد قولا للخليفة عمر بن الخطاب وقولا آخر للخليفة عمر بن عبد العزيز، فعمر بن الخطاب يرى أنه يؤخذ من الذمي عن كل مائة درهم خمسة دراهم، أي نصف العشر، أما عمر بن عبد العزيز يرى أنه يؤخذ منهم من كل عشرين دينارا دينارٌ أي نصف العشر أيضا، وقد اختلفا في نوع العملة واتفقا في النسبة، مما يعني أن ما كان أقل من مائة درهم أو عشرين دينا فلا يؤخذ منه شيء.
ثم ذكر أقوالا أخرى لم يحد فيها حدا، منهم قول الإمام مالك بن أنس الذي يقول: «يؤخذ منهم العشر فيما يديرون ويختلفون به، ولم يحد فيذلك حدا» (1).
أما الإباضية فيرى أبو سعيد الكدمي: «لا يحضرني حدّ مما يجب فيه على الحربي من قول أصحابنا شيء مؤكد، إلا أني أحسب أنهم قالوا: من يجب فيه العشر فإنما نشأ به في ملكه معنى ثبوت العشر للمسلمين، يعني ما تجب فيه الزكاة، وهو عندي حسن. «أي أن الشيخ أبا سعيد يرى أن يقاس نصاب العشور بنصاب بالزكاة فيرى بلوغ النصاب في العشور حتى تجب فيه الزكاة وهو نفس قول عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ومن قال بقولهم»، غير أن الإمام يستثني ويضيف ملحظا لطيفا يدخل في مبدأ المعاملة بالمثل، فيقول: «إلا أن يكون الحربي يأخذ ملك أرضه من المسلمين، إذا قدموا عليه أقل من ذلك». القول: «يعجبني على هذا المعنى: أن يؤخذ منه ما يؤخذ ملك أرضه». أي أن الأصل الأخذ بمبدأ بلوغ النصاب، فإذا كان الملك يؤخذ بأقل من النصاب عومل بالمثل وأخذ على ذلك المقدار.
ثم يؤكد على مقصد العدل والمساواة في المعاملة بين المسلمين والذميين في الحقوق والواجبات، فيقول: «ولا أجد هذه التي ذكرها يخرج معناها من شبيه معاني إصابة العدل في ذلك، وأقل ذلك أجده موافقا لما يشبه العدل بالعشر فيما يلزم المسلمين».
هكذا يظهر لنا عدل الإسلام في تعامله مع الذميين المقيمين ومع الحربيين المستأمنين
__________
(1) - الكندي، المرجع نفسه، ص: 86 (1/193)
صفحة 145
تعشير السلع المحرمة، مثل: الخمر والخنزير: إذا كان المسلم يحرم عليه التجارة في السلع الخبيثة المحرمة من خمر وخنزير، فما هو الحكم إذا قدم الذمي والمستأمن بهذه السلع التي لا يؤمن هو بحرمتها، فهل تعشر انتصارا على الحربي، أم لا تعشر اعتبارا لحرمتها؟
ذكر الإمام اختلا ف الفقهاء في ذلك واتجاههم فريقان، منهم من يرى التحريم ومنهم من يرى الجواز، فيقول الشيخ: «واختلفوا في الخمر الخنزير يمر به العاشر، فقال أصحاب الرأي يعشر الخمر ولا تعشر الخنازير، وقالت طائفة لا يعشران، وهذا قول أبي عبيد وأبي ثور، وبه عامة أصحابنا، وروي هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وقال أبو سعيد: لا يبين لي في قول أصحابنا ثبوت حق لهم من عشر ولا في غيره محرم. والخمر والخنزير عندهم حرام.
بعد استعراض الأقوال يخلص إلى القول أن من قال بعدم التعشير أحب إليه لكونه لا يعرف فيه من قول أصحابه فيه، إلا أنه يستدرك قائلا: «إلا أنه ثبت معنى ذلك يعشر انتصارا من الحربي أو من أشبهه، إذ يأخذ من المسلمين من كل ما قدموا به» ويضيف: «فإن ثبت معنى الانتصار، أخذ قيمة ذلك من الذمي».
إن في ذلك الرأي مرونة في معاملة أهل الذمة، فلم يحرم عليهم التجارة فيما هو حرام على المسلمين، وتحرى القائلون بعدم التعشير أكل مال الحرام، بينما يرى من يرى الجواز أخذ القيمة، انتصارا على الحربي والذمي لأن ملوكهم يأخذون من المسلمين العشر عن كل السلع بدون استثناء، ويقيس المسألة بالصداق الذي يقدمه الذمي للمسلمة، في النكاح، فلا يجوز أخذه مما حرّم الله، وعليه كان عليه قيمة ذلك، فيقول: «ولأنه لو ثبت عليه لمسلمة حق من ذلك من طريق مناكحة، كان عليه قيمة ذلك، ويجبر على ذلك، ولا يقرب أن يعطيها خمرا أو خنازير. فذلك يشبه هذا عندي على معنى هذا المعنى» (1). أرى أن هذا القياس افتراضي من الشيخ، فقد أجمع فقهاء الإسلام من مختلف المذاهب على حرمة زواج المسلمة من غير المسلم سواء كان كتابيا أو مشركا بالله، لنصوص ثابتة وحِكم واضحة.
أخذ العشور مرة في السنة، أم يتكرر بتكرار الدخول والخروج: وقد عالج الشيخ مسألة أخذ العشور من المستأمنين يكون مرة واحدة في السنة أم تتكرر كلما كان الدخول بالسلع التجارية، فيقول: «واختلفوا في الذي يمر على العاشر مرارا فقال مالك بن أنس: من
__________
(1) - الكندي، المصنف، ص:88 (1/194)
صفحة 146
خرج منهم من أهل مصر إلى الشام، ومن الشام إلى العراق، فعليه العشر» (1)، فقد اعتبر الإمام مالك -قوله- أن الأقاليم الثلاثة الإسلامية الكبرى: مصر والشام والعراق لكل منها حدودها وتتمتع باستقلاليتها المالية فيجب على العاشر أخذ العشر من غير المسلم الذي ينتقل بتجارته بين هذه الأقاليم عند حدود كل منها.
ثم عالج صاحبنا مسألة تكرار الدخول والخروج، فيقول: «واختلفوا في العام الواحد مرارا. فإن أقام في بلدة، فضرب في أعلاها وأسفلها، فلا عشر عليه، إلا أن يخرج من بلدة إلى أخرى, وقال أصحاب الرأي وأبو ثور: لا تؤخذ من أهل الذمة إذا مروا على العشار إلا مرة واحدة، وبه قال أبو عبيد، إذا كان المال الذي مرّ بعينه في المرة الأولى. وإن كان مالا سواه أخذ منه» (2)، ولم يعلق صاحبنا ولم يرجح رأيا معينا مما يستشف أنه يميل إلى رأي أبي عبيد وأصحاب الرأي أن العشور يجب على المال مرة واحدة، فلا يكرر عليه العشر، انطلاقا من المبدأ العام «لاثني في الصدقة» وكذلك يقاس عليه كل الفرائض المالية الأخرى ومنها العشور، وهو ما تأخذ به التشريعات المالية المعاصرة.
أحكام تتعلق بما يؤخذ من أهل الذمة من الجزية: من أهم أحكام أهل الذمة في الإسلام، حرمة أموالهم ودمائهم وأعراضهم واحترام حرية ممارسة طقوسهم وديانتهم ورعاية عهودهم، فهم مواطنون ذميون لهم من الحقوق والواجبات ما للمسلمين. ومن أهم واجباتهم دفع الجزية مقابل ما يتمتعون بحقوق المواطنة والحماية والاستفادة من المرافق العامة، وهي تقابل ما يدفعه المسلمون من فريضة الزكاة وغيرها من الحقوق المالية. ومن تمام رعاية عهودهم يورد صاحب المصنف صورة من صور احترام المسلمين لعهود أهل الذمة، فيقول: «فإذا ظفر الإمام بأرض المسلمين، وفيها ذمة، وقد كان عقدها لهم جبار تلك الأرض، والتي استولى عليها قبل الإمام، لم يكن للإمام، أن ينقض ذمة الجبار، ويحل عليه ما عقده لهم، وكذلك إن كان الجبار قد أخذ منهم الجزية لأعوام قد انقضت، في حال استيلائه على الأرض» (3).
__________
(1) - الكندي، الرجع نفسه.
(2) - نفسه.
(3) - نفسه، ص: 92 (1/195)
صفحة 147
فعلى المسلمين احترام العهد المبرم بين أهل الذمة ولو كان مع جبار ظالم، بل عليهم احترام ذلك العقد ولا يطالبون بدفع الجزية عن أعوام سابقة، إن كانوا قد أدوها إلى ذلك الظالم الجبار، وهذا من سماحة الإسلام في تعامله مع غير المسلمين.
يعلل صاحب المصنف، ذلك السلوك الإنساني الحضاري بوضع التساؤل التالي: «فإن قال قائل لِم جعلتم فعل الجبار كفعل الإمام في العهد وأخذ الجزية، عندكم لا يستحق أخذها؟» فيجيب: «قيل له: لقول النبيء ح: «المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم»، فهذا الخبر يوجب إسقاط الجزية منهم بعد أن أخذها من هو أدنى المسلمين، بتأويل، والله أعلم».
مقدار الجزية: فرضت الجزية بنص القرآن الكريم، أما مقدارها، فلم يضع النبيء ح مقدارا محددا فقد أخذها نقدا وعروضا مختلفة، واجتهد عمر بن الخطاب في وضع مقاديرها حسب مقدرة المكلف بها، ويورد المصنف رأيا من كتاب موسى بن أبي جابر، رحمه الله إلى أهل نزوى: «إنه ليس على اليهود والنصارى والمجوس زكاة في أموالهم، وإنما عليهم الجزية على الرجال: درهمان في الشهر فإن كان غنيا فأربعة دراهم، وإن كان مسكينا يأكل بالدين، ولا غلة له في أرض ولا عبيد ولا تجارة فليس عليهم شيء، ولا في النساء ولا على الذرية جزية» (1).
من هذا النص نستنتج أنه كان يعيش في نزوى بعض من أهل الكتاب، فقد يكونوا يهودا أو نصارى، وحدد المقدار الواجب حسب الطاقة فأعفي الفقير المعدم الذي يعيش على الدين، ولا يملك غلة ولا تجارة، أما الأغنياء، فتجب عليهم أربعة دراهم وما دونهم فدرهمان، ولو قارنا بين هذا النص وما جاء في كتاب الخراج لأبي يوسف، نجد تطابق وجهات
__________
(1) - المرجع نفسه، ص:95 (1/196)
صفحة 148
النظر في الأمر، فيقول صاحب الخراج: «وإنما تجب الجزية على الرجال دون النساء والصبيان: على الموسر ثمانية وأربعون درهما وعلى الوسط أربعة وعشرون درهما وعلى المحتاج الحراث العامل بيده اثنا عشر درهما يؤخذ منهم ذلك كل سنة» (1). فصنّف صاحب «الخراج» أهل الذمة ثلاث فئات: لأغنياء والمتوسطين والفقراء، أما صاحب «المصنف» فحددهم في فئتين: الأغنياء، وما دون الأغنياء، كما أنهما اختلفا في دورية أخذ الجزية فجعلها الأول سنوية والثاني شهرية، مما يدل على تباين أنظمة الجباية، وتطورها من سنوية إلى شهرية، أما المقدار فقد تطابقت وجهات النظر بينهما، والفرق بين المبلغين في كون أحدهما سنوي فجعله ثماني وأربعون درهما، والآخر شهري فجعله أربعة دراهم، أي (4×12=48).
إلا أن صاحبنا أورد نصا آخر في صفحة 95 من نفس الجزء قولا يتطابق تماما مع قول صاحب الخراج، فيقول: «ومن ظهرت يسرته -أي غناه-، فإنه يؤخذ منه في كل شهر درهمان، حتى يكون دهقانا مكثرا، فإنه يؤخذ عنه في كل شهر أربعة دراهم، ولا يؤخذ منهم أكثر من أربعة ولا يؤخذ منهم أقل من درهم» (2).
وهذا النص يحدد المقدار الأعلى والأدنى للجزية فلا يتجاوزها، يصنف أهل الجزية في أصناف ثلاثة الموسرون والمتوسطون والفقراء، وهو نفس تصنيف صاحب الخراج.
ثم نص صاحب المصنف وأكد أن الزكاة لا تفرض على أهل الذمة، إلا ما تعاملوا مع المسلمين من الأموال التي تجب فيها الزكاة، فتفرض على تلك الأموال، فيقول: «وأما ما استفادوه من أموال أهل الصلاة التي جرت فيها الزكاة ففيها الزكاة».
على من تجب الجزية: اتفق أهل العلم أن الزكاة تجب على البالغين الذكور القادرين على العمل، ولذا فترفع على النساء والأطفال والشيوخ، ويقول الشيخ الكندي في هذا: «والجزية ساقطة عن النساء والعبيد بإجماع الأمة، قال أصحابنا: ولا جزية على الزمناء ولا على الشيخ الفاني، وقد وافقهم على ذلك بعض مخالفيهم على ذلك». فالمريض والشيخ الفاني غير قادر على مزاولة العمل، وعادة أن هؤلاء الأصناف يحتاجون إلى مساعدة غيرهم، فلا يمكن إلزامهم بفرائض مالي. إن ظاهر آية مشروعية الجزية وردت على العموم إلا ما خصه الإجماع، أما مفهوم الصغار في الآية ففيه تأويلات عديدة ذكرها المفسرون، منها ما ذكرها صاحبنا: «قال: وجدنا في التأويل أنهم يمشون بها صغرة يقبلون عليها، والله أعلم بتأويله».
ثم ذكر إجماع أهل العلم على ألا صدقة-يعني الزكاة- على أهل الذمة ما داموا مقيمين.
وقد علق أبو سعيد الكدمي على صاحب الإشراف بقوله: «أما أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس وممن له دين متعلق به، ممن يثبت له حكم الكتابية في الجزية، فثابت عليهم حكم الجزية في رؤوسهم على ما معنا قد ثبت» (3).
__________
(1) - أبو يوسف، الخراج، ص:250
(2) - الكندي، المرجع نفسه، ص:95
(3) - أبوبكر أحمد بن عبد الله الكندي: المصنف، ج:6، ص:83 (1/197)
صفحة 149
توقيت أخذ الجزية: ويضيف معنى جديدا في توقيت الجزية في كل شهر بقوله: «أنه يؤخذ منهم لكل شهر الجزية على قدر ما سموه من أحكام الجزية» (1)، مما يدل على أن مقدار الجزية مسألة اجتهادية يعود تقديرها لولي الأمر حسب ظروف صاحبها ومستواه المعيشي.
وينص صاحب المصنف على بداية حساب الجزية ويورد قولين: الأول: إذا أقام الذمي مدة شهر، أما القول الثاني، إذا مكث: ثلاثة أشهر، فيقول: «وفي قول بعض أصحابنا إذا قعد الذمي شهرا، حيث يحميه المسلمون أخذوا جزيته، وفي قول بعضهم: حتى يقعد ثلاثة أشهر، ثم يؤخذ منهم الجزية لما مضى ثلاثة أشهر» (2). فهو يضع شرطا هاما الذي كان السبب في أخذ الجزية وهو توفير الأمان وتمتعه بحق المواطنة كغيره من المواطنين المسلمين، واختلافهم في المدة أهي شهر أم ثلاثة أشهر، فالقول الثاني أراه يعتبر المقيم لمدة شهر فقط يعتبر ضيفا فلا تؤخذ منه الجزية أصلا، أما إذا تجاوز تلك المدة وأقام ثلاثة أشهر، فحينئذ تؤخذ الجزية للثلاثة الأشهر الماضية لكونه مقيما، ثم يؤكد على هدف وشرط أخذ الجزية هو تحقيق الأمن والأمان للذمي مقابل ما يدفعه من أموال الجزية، فيقول: «يعجبني في الذي يقيم من أهل الحرب بأمان، ثم يدير في يده تجارته في حماية المسلمين، أن يأخذوا منه ما يأخذ ملكهم».
مقدار الجزية المفروضة على نصارى بني تغلب: ذكر أبو يوسف صاحب الخراج: أن عمر بن الخطاب سعامل نصارى بني تغلب معاملة خاصة عن بقية أهل الكتاب من اليهود والنصارى، نظرا لشوكتهم، وخوفا من مظاهرة العدو، فصالحهم عمر على ألا يغمسوا أحدا من أولادهم في النصرانية ويضاعف لهم الصدقة -الزكاة- على أن يسقط الجزية عن رؤوسهم، فكل من بلغ النصاب في الغنم ففيها شاتان بدلا من شاة واحدة. ونساءهم ورجالهم سواء في الصدقة (3).
فقد أورد صاحب المنصف رأي عمر بن الخطاب، لما رأى من نفار بني تغلب وأنفتهم من الجزية وعلم ألا ضرر على المسلمين من إسقاط ذلك الاسم عنهم، واستوفاها منهم حين ضاعف عليهم الصدقة، وكان في ذلك رتق ما خاف من فتقهم، مع
__________
(1) - المرجع نفسه.
(2) - المرجع نفسه.
(3) - أبو يوسف، الخراج، مصدر سابق، ص:248 (1/198)
صفحة 150
استيفاء حقوق المسلمين في رقابهم، ثم بين حكمة عمر ونظره الاجتهادي المقاصدي ومراعاته المصلحة العامة في كثير من أقضيته، وأورد بعضا من أقوال النبيء ح والصحابة رضوان الله عليهم في حق عمر (1).
فبعد استعراض صاحب المصنف لهذا القول في نصارى بني تغلب الذي أخذ به أغلب العلماء والفقهاء من أمثال سفيان الثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأبو عبيد ذكر أن الإباضية يرون عموم مضاعفة الصدقة على نصارى العرب عموما بدون تخصيص، فيقول: «وأما نصارى العرب، فمعي أنه يخرج من معاني قول أصحابنا نحو ما قال أنه يضاعف لهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين، في كل شيء». ويؤكد على هذا القول: «وأرجو أنه يخرج في معنى القول: أنه لا شيء عليهم، إلا أن تبلغ من أملاكهم من ذلك ما تجب فيه الزكاة من أموال المسلمين، ثم يضاعف عليهم. وهكذا معي أنه قيل في يهود العرب، من ثبت منهم باليهودية من العرب. ولا أعلمه في نصارى تغلب، وإنما هو في نصارى العرب. وإذا ثبت في نصارى العرب كان مثله في يهود العرب، وإذا ثبت لهم كان مثله في نصارى العرب. ومن ثبت بالشرك تشبيها بالنصارى» (2). ونفس الكلام يؤكده صاحب المصنف في صحفة109: «نقلا عن أبي سعيد، يؤخذ من نصارى العرب الضعف من التجارة والذهب والفضة وكذلك يهود العرب. ولا أعلم غير ذلك» (3).
فصاحب المصنف يرى إذا لا تمييز بين اليهود والنصارى في فرض الجزية ولا تمييز بين نصارى تغلب وغيرهم من نصارى العرب المقيمين بالبلاد الإسلامية. حسب ما اذهب إليه صاحبنا.
أقول: إن هذا القول يحتاج إلى تمحيص ولنا أن نتساءل هل تسقط عليهم الجزية بسبب تلك المضاعفة، كما فعل عمر بن الخطاب مع بني تغلب أم تبقى الجزية مع المضاعفة؟ ألا يكون في ذلك إجحاف في حقهم؟ ثم إن الكثير من أهل الكتاب فضلوا الحياة في ظل الدولة الإسلامية بعد الفتوحات الكبرى، وعقدوا معهم معاهدة الصلح والولاء للمسلمين على أن يدفعوا ما تصالحوا عليه، وربما حتى مصالحة بني تغلب تندرج في هذا النطاق،
__________
(1) - الكندي، مرجع سابق، ص:109
(2) - المرجع نفسه، ص:88.
(3) - المرجع نفسه، ص:109. (1/199)
صفحة 151
فيكون الحكم العام أن أهل الذمة يدفعوا ما تصالحوا عليه، وهو ما يؤكده صاحب المصنف في نهاية هذا المبحث، أخذا من جامع أبي محمد: «وليس في زراعة أهل الذمة ولا في ثمارهم صدقة، وإنما الصدقة على أغنياء المسلمين، وأنهم يؤخذ منهم ما وقفوا على العهد بينهم وبين المسلمين» (1).
ويضيف: «وأما أهل الشرك من أهل الحرب، ممن لم يثبت له هذه المعاني فمعنى أنه يخرج من قول أصحابنا إن بعضا يأخذ منهم العشور من أموالهم، إذا قدموا على المسلمين» (2)، أي أن الجزية خاصة بالذميين المقيمين، أما أهل الحرب فيؤخذ العشر.
ويورد صاحب المنصف، قولا آخر في تحديد نسبة ما يؤخذ من العشور بقول البعض: «يؤخذ منهم كما يأخذ ملك أرضهم من المسلمين إذا قدموا عليهم أن كان العشور فالعشور، وإن كان أكثر أو أقل، ولعل هذا القول أكثر» (3). وهذا ما يتطابق مع قول عمر بن الخطاب الوارد آنفا والذي أجاب فيه عن تساءل أبي موسى الأشعري حول معاملة أهل الحرب للمسلمين، فكان الجواب بالمعاملة بالمثل، إذا كان العشور فالعشر، وإن كان أقل فأقل، ويبدو أن أهل الحرب آنذاك كانوا يأخذون العشر لذلك أقر عمر بن الخطاب تلك النسبة وسميت عشورا.
خاتمة:
من هذه الإطلالة على كتاب «المصنف» للشيخ العلامة الكندي ندرك أهمية هذا السفر، وكيف كان مهتما بقضايا المال العام إيرادا وجباية، وقد يكون عرض مسائل الجزية عرضا تاريخيا لا أثر له في العصر الحاضر فقد تغيرت الأمور وانقلبت الموازين، أما تحصيل العشور فله ما يشبهه من إيرادات الدولة المعاصرة وهي الرسوم الجمركية، غير أنه لن تكتمل لنا الصورة واضحة إلا إذا قمنا بالمسح العام لتلك المواضع من خلال أجزائه كلها، وسنعود في الحلقة القادمة لإتمام ما بدأنا عرضه من مسائل الفقه العام في الجزء السادس، إن شاء الله.
__________
(1) - الكندي، المرجع نفسه.
(2) - المرجع نفسه، ص: 84
(3) - المرجع نفسه. (1/200)
صفحة 152
قائمة المراجع
01 - أبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي، «المصنف»، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، ط:1، سنة: 1982.
02 - أبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي، «التخصيص (في الولاية والبراءة)»، دراسة حمود بن عبد الله بن سليمان الراشدي، وزارة التراث والثقافة، عمان، ط:1، سنة1432 هـ 2011م
03 - شوقي إبراهيم علام: «المقاصد الشرعية من خلال كتابي المصنف للكندي وقواعد الإسلام للجيطالي»، ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان، الفقه العماني والمقاصد الشرعية، سلطنة عُمان، وزارة الاوقاف والشؤون الدينية، بتاريخ: 18 - 21 صفر 1427الموافق:21مارس 2006
04 - «زيادات أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري»، تحقيق إبراهيم بن علي بولرواح، وزارة الأوقافوالشؤون الدينية، سلطنةعمان، ط:1، س: 1432 - 2011.
05 - أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، «الخراج»، دار الحداثة، بيروت، لبنان، ط:1، س: 1990.
06 - نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصادية والمالية في لغة الفقهاء، دار القلم، دمشق، ط:1، س: 1429 - 2008.
- - - (1/201)
صفحة 153
نظرية الربا
التماسك والاضطراب
أ: أبونصر بن محمد شخار
ماجستير في الفقه وأصوله
والاقتصاد الإسلامي ــــ سلطنة عُمان
ل
لم تزل الرسالات تترا على البشر من الحكيم العليم، يعلِّمهم طريق الصلاح ومنهج الحياة الطيبة، لتستقيم حياتهم وتسعد أخراهم، {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى (123) وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} (1)، فالشرع الإلهي «غائي يتجه إلى تحقيق مقاصد أساسية، فأحكامه لم تنشأ تحكما لمجرد إخضاع المكلفين لسلطان التكليف ولا عبثا، بل شرعت لمعان ومصالح اجتماعية واقتصادية اقتضت تشريعها، وبها يتقيد استعمالها ظاهرا وباطنا» (2).
ولعل الربا من أفحش الجرائم التي دمرت البشرية، وأودت بها إلى مهالك الفقر والاضطرابات، ومن نافلة القول التذكير أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص، ولا يلزم –من حيث الأصل- أن تكون حكمة جميع التكاليف معلومة للخلق، فالواجب القطع بحرمة عقد الربا وإن كنا لا نعلم الوجه في ذلك (3)، ويقيننا أن الله تعالى ما كان ليحرم شيئا ويشدد الوعيد فيه إلا وفيه من المفاسد الشيء العظيم، والأزمات المالية الأخيرة تأتينا بالخبر اليقين، والوقوف على الحكمة
__________
(1) -سورة طه، الآيات: 123، 124.
(2) -فتحي الدريني، الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، بيروت: (مؤسسة الرسالة, ط2،1397ه-1977)، ص 84.
(3) -فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1،1421هـ/2000 م)، ج7، ص76، 77. (1/202)
صفحة 154
والمقصد يُمكِّننا من تعقّل الحكم وبناء تأسيس منهجي عليه، ليتحول إلى نظرية متماسكة نصبغ بها حياتنا ومناشطها، ومن دون هذا التعقّل الكامل لا يمكن الادّعاء بوجود نظرية إسلامية للاقتصاد، وإنما مجرد أحكام تعبدية لا تتعدى نطاق مناطها الظاهر والأقرب.
ولعل أوضح مقصد لتحريم الربا نلمحه في آيات الربا هو مقصد تحقيق العدل ودفع الظلم {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} (1)، ولا يحتاج الإنسان كبير عناء ليقف على الظلم السائد في العالم، والحيف الفاحش في توزيع الثروات، فالفقر وسوء التوزيع هو السائد، ولا تزال تتسارع وتيرة تكدّس المال في أيد قليلة من أثرياء العالم، فمجموع ثروة 357 ثريا فاقت الدخل القومي لبلدان يسكنها 45% من سكان العالم! ولا يحصل 80% من سكان العالم إلا على حوالي خمس الدخل العالمي (2)، و «بينما يتساقط جمّ غفير من سكان العالم من المجاعة، تُخَفَّض المساحات المزروعة من القمح في أمريكا ليرتفع سعره، مع قيام الحكومة بتعويض المزارعين، وبينما أنفقت السوق الأوروبية المشتركة أكثر من مائة مليون مارك ألماني في إتلاف آلاف الأطنان من الفواكه والخضر والزبد والجبن، وإبادة قطعان من الماشية خلال 1974م، كان أطفال العالم الثالث يعانون من سوء التغذية، وأمراض الجوع» (3).
ونظرية التوزيع على عناصر الإنتاج تعتبر أهم فارق بين المذاهب الاقتصادية، وهي حجر الزاوية في حل مشكلات الفقر والطبقية، فثمار الإنتاج في النظام الرأسمالي توزع كالتالي؛ للأرض الريع، وللعمل الأجرة، ولرأس المال
__________
(1) -سورة البقرة، الآية: 279.
(2) -كارل غيورك تسين، الرخاء المفقر؛ التبذير والبطالة والعوز، ترجمة: عدنان عباس علي، (الإمارات: مركز الإمارات للدراسات والبحوث، ط1، 2006م)، ص 69.
(3) -كمال محمد، فقه السوق-النشاط الخاص، (دار القلم، ط4، 1424هـ/2003م)، ص49. (1/203)
صفحة 155
الفائدة أو الربح، وللمنظم الربح (1)، أما التوزيع في النظام الاشتراكي فيرتكز على عنصر العمل، فالعمل له الأجر، أما عناصر الإنتاج الأخرى فهي مملوكة للدولة (2)، وفي النظرة الإسلامية للتوزيع فإن رأس المال لا يستحق إلا نسبة من الربح الناتج فعلا من تثميره (3)، وأي عائد ثابت له يعتبر ربا، ويعتبر عائدا من غير عوض معتبر شرعا (4).
إن وجود الربا في الاقتصاد يزيد من سلطة رأس المال ويفضّله على عناصر الإنتاج الأخرى (5)، وهذا التفضيل يتجسد في دعم هيمنته على عناصر الإنتاج الأخرى، ويعمل على شفط الثروات تجاه مالكي رؤوس الأموال الضخمة، ويتم ذلك عبر آليات تنشأ بفعل وجود الربا في الاقتصاد، وأهم هذه الآليات: سيطرة الديون على الاقتصاد الحقيقي وإرهاقه له؛ وخلق الائتمان؛ والتضخم، وكلها آليات تعمل على زيادة غنى الأغنياء والإمعان في فقر الفقراء، وذلك عين الظلم، وهذه الآليات الربوية تحتاج إلى مقال بحياله لتفصيل القول فيها (6)، ولكن سؤالنا المحوري في
__________
(1) -ادوين مانسفيلد وناريمان بيهرافيش, علم الاقتصاد، (عمّان: مركز الكتب الأردني، دط، 1988م)، ص631 - 650؛ حسين عمر، مبادئ علم الاقتصاد، (دار الفكر العربي، دط، 1365هـ/1946م)، ص369 - 399.
(2) -ادوين وناريمان, علم الاقتصاد، ص632.
(3) -محمد باقر الصدر، اقتصادنا، (المجمع العلمي للشهيد الصدر، ط2، 1408هـ).،ص353 - 363؛ رفيق يونس المصري، أصول الاقتصاد الإسلامي، (دمشق – بيروت: دار القلم والدار الشامية، ط1، 1420هـ-1999م)، ص163.
(4) -الرازي، التفسير، ج7، ص76،77؛ أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الخازن، لباب التأويل في معاني التنزيل، تحقيق: محمد علي شاهين، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1415 هـ)، ج1، ص209.
(5) -رفيق يونس المصري، مصرف التنمية الإسلامي، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط3، 1407هـ/1987م)، ص293.
(6) -للتفصيل في هذا الموضوع ينظر مثلا:
محمد باقر الصدر، اقتصادنا، (المجمع العلمي للشهيد الصدر، ط2، 1408هـ).،ص353 - 363؛ رفيق يونس المصري، أصول الاقتصاد الإسلامي، (دمشق – بيروت: دار القلم والدار الشامية، ط1، 1420هـ-1999م)، ص163.محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل، ترجمة: سيد محمد سكر، مراجعة: رفيق المصري، (عمّان: دار البشير، دط، دت).
Carmen M. Reinhart, Vincent R. Reinhart, Kenneth S. Rogoff, } Debt Overhangs: Past and Present } , (Cambridge: National Bureau of Economic Research, 2012
Margrit Kennedy, Interest and Inflation Free Money, (Seva International, 1995), p9.
David Graeber, Debt: The First Five Tousand Year. (New York: Melville House Publishing, 2011), P361 - 367.
AhamedKameel, } Monetary Cause of Poverty } , The Official Blog of Dr. AhamedKameelMydinMeera:
صفحة 156
هذا المقال المتواضع هو: نظرا لمحورية مسألة (1/205)
صفحة 157
الربا في بناء النظرية الإسلامية للاقتصاد فهل نجد تماسكا في نظرية الربا في الفروع الفقهية، تماسكا منهجيا يرفعها إلى نظرية فكرية واضحة، أم أنها لم تتجاوز النظر الفقهي التجزيئي؟
وفيما يستقبل من هذا المقال المختصر سنحاول الوقوف -باختصار- على الأساس التشريعي للمسألة، ثم نعرّج على خلاصة مركزة عن موضوع الربا وفروعه في الفقه الإسلامي، ثم نقف أخيرا على مدى تماسك النظرية أو اضطرابها، من ناحية التماسك الموضوعي الداخلي بين فروعها ومناسبات علل الأحكام.
لامشروعيَّة الربا:
تحريم الربا ليس قانونا تشريعيا يختص بالرسالة الخاتمة فحسب، بل الشرائع السماوية متَّفقة على تحريم الربا والتنفير منه، واعتبره العقلاء من البشرية قديما وحديثا من الأمور المدمرة بالمجتمعات الإنسانية، فهو بذلك ركن ركين في أصول الديانات كلها، وأمر ألصق بالفطرة الإنسانية السليمة، ولذلك نجد كراهية تقليدية للربا حتى في التشريعات العلمانية، فأكثر دول العالم تضع على الفوائد الربوية قيودا سقفية وأخرى على الفوائد المركبة (1).
__________
(1) -عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، آثار الالتزام، (دار النهضة العربية، دط، 1964م)، ج2، ص 823. (1/206)
صفحة 158
وحرمة الربا في شريعة الإسلام أمر قاطع نصَّ عليه القرآن في أكثر من موضع، ولقد جاء النكير الشديد في القرآن الكريم والسنة النبوية على مقارفة الربا، ولم يبلغ القرآن من تفظيع محرم من المحرمات ما بلغه في موضوع الربا، فعلى امتداد أسطر عديدة من سورة البقرة تتوالى القوارع والزواجر، فتطالعنا في مستهلِّها بوصف دقيق للحالة النفسية للمرابي، تلك النفسية المتخبطة المضطربة {الذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (1)، وهي حالة نفسية على النقيض من مظاهر الطمأنينة التي رسمتها آيات الإنفاق التي سبقت هذه الآيات، فهذه نفوس الجشعين التي لا تشبع ولا تهدأ، وتلك نفوس المنفقين التي تعالت على نوازع الشح والبخل {الذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَة فَلَهُمُ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (2).
وإن كانت معظم التفاسير دأبت على قصر هذا التخبط على القيام الأخروي، ولكن لا دليل يبرر هذا القصر (3)، ومظاهر التخبط والاضطراب تزداد جلاء يوما بعد آخر بعد استفحال هذا الوباء في الاقتصاد العالمي، وما الأزمة المالية العالمية الأخيرة عنا ببعيد.
ثم يأتي الوعيد الشديد الذي لا يدع مجالا لمراوضة النفس الأمّارة بالسوء {فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلىَ اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُؤْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (4)، ولحزم أمر الربا لم يُترَك بابه مترنحا، بل أوصده المشرِّع بأغلظ الوعيد، مع مراعاة التخفيف على التائبين الذين تورطوا قبل النص،
__________
(1) -سورة البقرة، الآية:275.
(2) -سورة البقرة، الآية:274.
(3) -محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، دط، 1990 م)، ج3، ص80.
(4) -سورة البقرة، الآية:275. (1/207)
صفحة 159
وجعل أمرهم إلى الله تعالى عسى يعفو عنهم الغفور الرحيم بفضله، وأما المنتهكين والمصرين فلا محيص لهم من عذاب الخلود، والآية صريحة لا يُنازَع فيها بضرب من ضروب التأويل المتكلَّف، ولا عزاء لنا أمامها إلا التوبة والخضوع، وإنَّ استحضار هذا الوعيد لهو الضمانة القلبية الأهم في النفور من الربا والتحايل عليه.
ثم يسلك الوعيد شكلا آخر يناقض فيه أهواء المرابين، فالمرابي يرجو الزيادة والرب سبحانه يتوعده بالمحق، والمَحق يأتي على الأمم والأفراد، وليس خافٍ عنا احتكار المال وتمركزه في أيدي شرذمة قليلة والملايير من البشر تئنّ تحت وطأة الفقر، فأي بركة في هذا النظام الاقتصادي المتوحش! ژ???? ژژssککژ (1).
وتبلغ القوارع منتهاها بإعلان الحرب الإلهية، وأي طاقة لمخلوق على حرب رب السماوات الجبّار، و «هذه الحرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة، وهي حرب على الأعصاب والقلوب، وحرب على البركة والرخاء، وحرب على السعادة والطمأنينة، حرب يسلط الله فيها بعض العصاة لنظامه ومنهجه على بعض، حرب المطاردة والمشاكسة، حرب الغبن والظلم، حرب القلق والخوف .. وأخيراً حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول، ... (لما) يثقل عبء الضرائب والتكاليف لسداد فوائد ديونهم، فيعم الفقر والسخط بين الكادحين والمنتجين، فيفتحون قلوبهم للدعوات الهدامة فتقوم الحرب! وأيسر ما يقع- إن لم يقع هذا كله- هو خراب النفوس، وانهيار الأخلاق، وانطلاق سعار الشهوات، وتحطم الكيان البشري من أساسه، وتدميره بما لا تبلغه أفظع الحروب الذرية الرعيبة!» (2).
__________
(1) -سورة البقرة، الآية:276.
(2) -سيد قطب إبراهيم حسين، في ظلال القرآن، (القاهرة: دار الشروق، ط17، 1412 هـ)، ج1، ص331. (1/208)
صفحة 160
ولم ترد السنة النبوية بأقل من هذا الوعيد، فقد لعن الرسول الأكرم ح «آكلالربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء» (1)، وصوّر لنا الرسول الأمينح المرابي في صورة مقزِّزة من الشذوذ وفساد الفطرة، يقول: «الربا سبعون حوبا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه» (2)، فهذا التصوير كفيل أن يهز من بقيت فيه باقية من سلامة الفطرة، وأجمع علماء الإسلام على أن كل منفعة مشروطة في القرض ربا محرم (3).
تصور الربا في الفقه الإسلامي:
أصل معنى «الربا» في اللغة هو الزِّيادة والنَّماء والعُلُوّ، ومنه يقال: ربا الشّيءُ يربُو، إذا زاد، وربَا الربوةَ إذا علاها، ومن المعنى نفسه يقال: هو في أُرْبِيَّة قَومِه، إذا كان عالي النسب (4).
أمَّا في الاصطلاح الشرعي فإنه يصعب وضع تعريف جامع يشمل ربا الديون وربا البيوع، لأنَّ الدرس الفقهي لم يجتهد كثيرا في ربط الربوين ببعضهما، بل أسس لكلٍّ منطقا ونظرية مستقلة، فربا الديون أو ما يسمى بـ «ربا القرآن» (5) لا يبحثه الفقهاء عادة في أبواب الربا الفقهية إلا إشارات، ولكنهم يبحثونه في باب القرض، وأكثر من تكلم عنه المفسرون في تفاسيرهم، وأما ربا البيوع فهو الذي يغلب على أبواب الربا في كتب الفقه، وهو الأكثر إشكالا
__________
(1) -أخرجه مسلمعن جابر، صحيح مسلم، باب: لَعْنِ آكِلِ الرِّبَا وَمُؤْكِلِهِ، الحديث رقم: (4177)، ج5، ص50. وفي لعن آكل الربا كذلك: البخاري، صحيح البخاري، بَاب مَنْ لَعَنَ الْمُصَوِّرَ، الحديث رقم: 5962، ج7، ص169.
(2) -ابن ماجة، سنن ابن ماجه، ج2، ص764؛ وصححه الألباني: المصدر السابق.
(3) -أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم، مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، (بيروت: دار الكتب العلمية، دط، دت)، ص 94؛ لمرداوي، الإنصاف، ج5، ص131.
(4) -أحمد بن زكريا أبو الحسين ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، (دار الفكر، دط،1399هـ/1979م)، ج2، ص483.
(5) -محمد أبو زهرة، بحوث في الربا، (القاهرة، دار الفكر العربي، دط)، ص24. (1/209)
صفحة 161
وتعقيدا؛ من حيث البحث عن العلة الربوية، ومن حيث تقسيماته واستثناءاته وتطبيقاته (1).
فالربا إذن قسمان أساسيان؛ «ربا الديون» وهو الثابت تحريمه في آي القرآن، و «ربا البيوع» الثابت النهي عنه في الأحاديث النبوية (2)، ومن دون هذا التقسيم الثنائي يغدو فهم المنظومات الفقهية في هذا الموضوع جدُّ موهم وأدعى إلى التعقيد والالتباس.
أ- ربا الديون:
إن التوظيف الاصطلاحي لمصطلح «الربا» في الديون ليس وضعا شرعيا جديدا، وإنما هو استعمال معهود لدى العرب، وقد كان شيئا منفورا منه في الحس الأخلاقي العام عندهم رغم امتهانهم له، ومما يدل على تلكم النفرة أنهم نزّهوا بناء بيت الله تعالى من أموال الربا (3).
ولقد كان التعامل بالربا معهودا عند العرب في مدايناتهم، فنزلت آيات تحريم الربا في الأصل لتحريم ذلك المعنى المعهود، ثم وسّع الشرع من الدائرة الاصطلاحية للربا ليضمّ ربا البيوع، وقد كان الربا المعهود في الجاهلية على صورتين مشهورتين:
*- الصورة الأولى: «أنظرني وأزيدك»، وهو أن يكون بين اثنين دينا في الذمة ناتجا من قرض أو مبايعة، ولما يحين أجل السداد يخيِّر الدائن المدين بين القضاء أو
__________
(1) -للتفصيل في هذه الجزئية ينظر مثلا: رفيق يونس المصري، الجامع في أصول الربا، (دمشق وبيروت: دار القلم والدار الشامية، ط1، 1412ه/1991م)، ص 61 وما بعدها، وص103؛عبد العظيم جلال أبو زيد، فقه الربا، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1425ه/2004م)، ص37، 586.
(2) -ابن رشد، بداية المجتهد، (مصر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط4، 1975م).ج2، ص128.
(3) -أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1407ه)، ج1، ص525. (1/210)
صفحة 162
الربا، فعن قتادة: «أنَّ ربا أهل الجاهلية أن يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمًّى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخَّر عنه» (1).
*- الصورة الثانية: «الزيادة المشروطة في القرض»، وهو أن يقرض شخص لغيره دنانير مقابل زيادة مشروطة يتراضون عليها (2)، وأورد الرازي طريقة أخرى لهذه الصورة؛ وهو أن يتم سداد الربا كل شهر مع بقاء رأس المال إلى الأجل (3)، وهذه الصورة هي الأقرب للقروض الربوية التي تتعامل بها المصارف المعاصرة.
فربا الديون إذن هو كل زيادة مشروطة مقابل دينٍ في الذمة، كانت تلك الزيادة مشروطة في العقد ابتداء، أو مطلوبة عند الأجل مقابل الإنساء. والربا في القرض أخص من ربا الديون، لأن «أنظرني وأزيدك» يمكن أن تكون كذلك في الديون الناتجة عن بيع مؤجل، ويمكن تعريف ربا القرض بأنه كل منفعة مشروطة في القرض، والقرض هو دفع مال مثلي للغير ليقضي مثله (4).
ب - ربا البيوع:
اتفق جمهور العلماء على أنَّ الربا في البيوع قسمان؛ «ربا النَّسيئة» و «ربا الفضل»، وزاد الشافعية قسما ثالثا وهو «ربا اليد»، وهو بيع متجانسين على الحلول من غير قبض ولا أجل (5)، أما الإباضية فذهب أكثرهم إلى حصر الربا في
__________
(1) -أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، (مؤسسة الرسالة، ط1، 1420 هـ - 2000 م)،ج6، ص8.
(2) -أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، أحكام القرآن، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، دط، 1405ه)، ج2، ص186.
(3) -الرازي، التفسير الكبير، ج7، ص75.
(4) -ابن عابدين، حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، (بيروت: دار الفكر، دط، 1421هـ - 2000م)،ج5، ص161؛ عبد الله بن حميد السالمي، جوهر النظام، (دار الفاروق، 1410ه/1989م)، ج2، ص332. ويجوز عند الجمهور القرض في القيميات التي يمكن ضبطها بالوصف.
(5) -يحيى بن شرف أبو زكرياالنووي، المجموع شرح المهذب، (المدينة: المكتبة السلفية، دط، دت)، ج10، ص69. (1/211)
صفحة 163
النَّسيئة، فالربا عندهم لا يتحقَّق إلا باجتماع ثلاثة محددات: الأجل والزيادة واتحاد الجنس (1)، وهذا تبعًا لمذهب ابن عباس وغيره، كما ذهب بعض الإباضية مذهب الجمهور من القول بحرمة ربا الفضل (2).
ولقد صاغ الفقهاء عدَّة تعريفات لربا البيوع، من ذلك أنه: «عقد واقع على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع، أو واقع مع تأخير في البدلين أو أحدهما» (3)، وعرّفه آخرون بقولهم: «هو تفاضل في أشياء ونساء في أشياء ومختص بأشياء» (4)، وما يجمع هذه التعريفات أن ربا البيوع عقد على التفاضل أو النساء في أصناف مخصوصة، ثم يشتد الخلاف حول بيان تلك الأصناف المخصوصة تبعا لاختلافهم في تعليل حديث الأصناف الستة.
وأصل ربا البيوع هو أحاديث الأصناف الستة الذي وردت على عدة صيغ، وبمقاربة هذه الصيغ بعضها ببعض نحصل على أصلين:
- عن أبي هريرة عن النبيحقال: «الذهب بالذهب وزناً بوزن، مثلاً بمثل، والفضة بالفضة، وزناً بوزن، مثلاً بمثل، فمن زاد أو
__________
(1) -عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، مسائل نفوسة، تحقيق وترتيب: إبراهيم محمد طلاي، (غرداية: المطبعة العربية، ط1)، ص 138.
(2) -إبراهيم بن يوسف أبو يعقوب الوارجلاني، الدليل والبرهان، (القاهرة: البارونية،، 1306هـ)، ج2، ص100 - 102.
(3) -زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، أسنى المطالب في شرح روض الطالب، تحقيق: محمد محمد تامر، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1،1422 ه – 2000م)،ج2،ص21.
(4) -أبو النجا موسى بن أحمد الحجاوي، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: عبد اللطيف محمد موسى السبكي، (بيروت: دار المعرفة، دط، دت).، ج2،ص114. (1/212)
صفحة 164
- استزاد فهو ربا» (1). ومثله عن أبي سعيد الخدري: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء» (2). وقريب منه عن عمر وعثمان وابن عباس وعبادة بن الصامت وعن البراء بن عازب و عن أبي بكرة وعن معمر بن عبد الله (3).
- عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة أن رسول الله ح استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال له رسول الله ح أكلُّ تمر خيبر هكذا؟ فقال لا والله يا رسول الله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ح: «لا تفعل بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً» (4).
ويجب التنبيه -ابتداء- إلى أن الخلاف الوارد في تعليل أموال ربا البيوع لا يتعلق بأموال القرض، فالإجماع على أنه لا يجوز التفاضل في القرض في أي مال مقرَض كان، ولا يتعلق بالخلاف في تعليل ربا البيوع، ولم يخالف في هذا حتى الظاهرية الذين لم يعللوا أحاديث ربا البيوع (5).
وخلافا للظاهرية - الذين أنكروا تعليل الحديث وقصوره على أصنافه المذكورة فيه (6) - فإن جمهور الأمة على القول بالتعليل، واتفقوا على أن الأصناف الستة فئتان، وجاز التبايع بين الفئتين من دون قيد، فيجوز بيع
__________
(1) -أخرجه مسلم: صحيح مسلم، باب الربا، الحديث رقم: (4141)، ج5، ص 42.
(2) -أخرجه مسلم: صحيح مسلم، باب الربا، الحديث رقم: (4148)، ج5، ص 44.
(3) -الربيع، الجامع الصحيح، الحديث رقم: (577)؛ البخاري، صحيح البخاري، الحديث رقم: (2080)، ج4، ص311؛ وحديث رقم: 2201 و2202، ج4،ص399. وحديث رقم: 2170و2174، ج4 ص 377؛ مسلم، صحيح مسلم، ج11، ص12 - 16،وص23 - 25.
(4) -أخرجه البخاري، صحيح البخاري، بَاب: إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ، الحديث رقم (2202)، ج3، ص78. ومسلم، صحيح مسلم، باب: بَيْعِ الطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ، الحديث رقم: (4166)، ج5، 47.
(5) -أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، المحلى، (بيروت: دار الفكر، دط، دت)،ج8، ص468؛ المصري، الجامع في أصول الربا، ص 138.
(6) -ابن حزم، المحلى، ج8، ص490. (1/213)
صفحة 165
الأصناف الأربعة بالنقدين تفاضلا ونساء (1)، وأجمعوا على عدم جواز التفاضل والنَّساء فيما كان مكيلا ومطعوما، واختلفو فيما وراء ذلك.
وذهب جمهور الإباضية إلى جواز التفاضل، فيجوز عندهم التفاضل بين المتجانسين مطلقا إذا كان يدا بيد، أما علّة النساء عندهم فهي المالية، فلا يجوز عندهم اجتماع الفضل والنساء في كل مالين متجانسين ولو كان ماء بماء (2)، وقالوا إن الأصناف المذكورة في الحديث هي على سبيل التمثيل فحسب، ولعل اختيارهم هذا هو من باب النظر إلى حقيقة العقود لا إلى ألفاظها، فيعتبرون أن بيع الجنس بجنسه نسيئة من دون تفاضل هو قرض في حقيقة الأمر، من غير وجود داعٍ للتفريق الشكلي بين مبادلة ذَهَب بمثله نسيئة على لفظ القرض كان أو البيع، فإن كان هذا التوجيه صحيحا فهم يلتقون بتعليلهم مع الإجماع القاضي بعدم جواز التفاضل في القرض في أي مالٍ كان.
وعلة التفاضل عند الحنفية هي الكيل أو الوزن، أما في النساء فهي الكيل أو الوزن أو وحدة الجنس (3). أما المالكية فيرون أن العلة هي الثمنية بالنسبة للذهب والفضة، والاقتيات والادخار بالنسبة لربا الفضل في الأصناف الأربعة، وأما ربا النَّساء فالعلة هي الطعم وحده (4)، وإذا اجتمع الفضل والنساء فإن العلة عندهم هي مطلق اتحاد الجنس واتفاق الأغراض، والعلة الأخيرة لا تتناسب مع التعليل بالطعم والاقتيات، وقد أحسن ابن رشد لما خرّجها من باب سد
__________
(1) -أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، شرح صحيح مسلم، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392ه)،ج11، ص9.
(2) -امحمد بن يوسف اطفيش، شرح النيل وشفاء العليل، (جدة: مكتبة الإرشاد، ط2، 1392هـ/1972م)، ج8، ص43،44.
(3) -أبو بكر بن مسعود الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (دار الكتب العلمية، دط، دت)، ج8، ص183.
(4) -محمد بن أحمد الجزي الكلبي، القوانين الفقهية، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط2، 1409هـ/1989م)، ص253. (1/214)
صفحة 166
الذريعة، لأنه عندما تتحد الأجناس ويقع الفضل مع النساء فالغالب أن الهدف منه هو السلف بمنفعة (1).
وعند الشافعية العلة في الذهب والفضة أنهما من جنس الأثمان، أما الأصناف الباقية فعلتها في المذهب القديم: الطعم والكيل أو الوزن، وفي الجديد: الطعم فقط، وهي علة الفضل والنساء (2). وللحنابلة: ثلاث روايات، والمشهور عندهم: الكيل أو الوزن للفضل والنَّساء (3).
نلاحظ أن دائرة ربا النساء أوسع من الفضل وهذا من أجل التحرز من ربا النسيئة، فالقرب من ربا الديون على درجات متفاوتة، أبعدها الفضل مع التقابض، وعلته محصورة عند المذاهب ونفاه آخرون، وأقرب منه النساء، والأكثر قربا النساء مع الفضل وهو -في الحقيقة- قرض باسم البيع فحسب، لذلك نجد من الفقهاء من صنف ربا الديون تحت ربا الفضل (4)، واعترض بعض الباحثين على تصنيف ربا الديون تحت ربا الفضل، باعتبار أن الزيادة مع الأجل ليست فضلا وإنما هي عوض الزمن الإضافي ومقابل له، ولا يكون الفضل إلا حيث لا مقابل، كما هو الحال في ربا الفضل في البيوع حيث يكون تبادل العوضين حاضرا (5)، ولكن هذا الاعتراض لا يستقيم - في نظري- لأن المعنى الجذري لمادة «ربا» في الاستعمال اللغوي والشرعي هو الزيادة، والزيادة فضل، وهو مستعمل في ربا القروض، أما القول بأنها مقابل الأجل فالجواب أن ذلك المقابل ملغى شرعا، فاعتُبرت الزيادة على رأس المال فضلا.
__________
(1) -ابن شد، بداية المجتهد، ج2، ص134.
(2) -محمد بن عبد الرحمن الدمشقي، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط1، 1414هـ/1994م)، ص273.
(3) -إبراهيم بن محمد بن مفلح، المبدع شرح المقنع، (المكتب الإسلامي، دط، دت)، ج4، ص127،128؛ ابن قدامة، المغني، ج2، ص53.
(4) -أبو بكر ابن السيد محمد شطا الدمياطي، إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين، (بيروت: دار الفكر، دط، دت)، ج3، ص20.
(5) -حسن عبد الله الأمين، «حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد»، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، (جدة: منظمة المؤتمر الاسلامي)، العدد الثاني، ص 622. (1/215)
صفحة 167
والحاصل أن أحكام ربا الديون تتميز عن ربا البيوع في الفقه الإسلامي من جهتين:
*- أنَّ ربا الديون مجمع على تحريمه، أما ربا البيوع فقد وقع الخلاف في بعض تفاصيله، فمثلا نجد أن أكثر الإباضية لا يرون حرمة ربا الفضل أصلا، إضافة إلى الاختلافات في تعليل الأموال الربوية.
*- أنَّ ربا الديون محرم في كل مال مثلي يمكن إقراضه، بخلاف ربا البيوع المحرم في أموال مخصوصة تبعا للخلاف في العلة الربوية.
اضطراب نظرية الربا في المنظومة الفقهية:
إن تناول الفقهاء لربا البيوع منفصلا عن ربا الديون أثر على بحوث الربا على مستوى بناءنظرة إسلامية متكاملة للنظرية الاقتصادية، فأصبحت كثير من الدراسات الاقتصادية الإسلامية تتسم بالنظرة التجزيئية على طريقة منهج الموضوعات الفقهية لا على منهج التفكير الاقتصادي الكلي، فلم ترق إلى نظر منهجي اقتصادي يحاول بجدية صياغة نظرية كلية للربا تجمع شتات فروعه تحت مظلة ربا الديون الثابت تحريمه بنص الكتاب، وربما كان هذا من نتائج التأثّر بالدرس الفقهي الذي أقام قطيعة شبه كاملة بين ربا القرض وربا البيوع، والذي هو من نتائج منهج التعامل مع المرويات الحديثية بمنهجية موغلة في الاستقلالية عن القرآن الكريم (1)، فالهيمنة المفرطة لنظرية استقلال الرواية بالتشريع، وهيمنة نظرية السند جعلت المرويات الحديثية أصلا قائما بذاته، يصعب -أحيانا- إيجاد جوامع منهجية مع الأصل القرآني المحكم، وهذا يعيق من بناء نظرية اقتصادية متماسكة الأركان.
__________
(1) -طارق عبد الله، في نقد الاقتصاد الإسلامي، ورقة بحثة مقدمة لورشة «مستقبل الاقتصاد الإسلامي»، (جدة: معهد الاقتصاد الإسلامي، 1433هـ/2012م)، ص52 وما بعدها؛ وقد استغرب رفيق المصري عدم تطرق الفقهاء الوافي إلى الصلة بين ربا البيوع وربا الديون، خاصة عند اجتماع الفضل والنساء؛ المصري، الجامع في أصول الربا، ص 135. (1/216)
صفحة 168
ومن آثار هذه القطيعة نجد خفاءً للمناسبة في تعليل الأموال الربوية، وميلا إلى قياس الشبه، مما جعل ابن حزم يسخر من هذه التعليلات ويعتبرها مجرد ظنون لا يستقيم لها دليل (1)، والأصل ألا تكون العلة إلا وصفا مناسبا وإلا فإن التعليل بها ممتنع، والقياس عليها يكون ضعيفا (2)، خاصة في موضوع خطير كالربا، ويبدو أن بعض التعليلات لا تستحضر الوحدة الموضوعية بين أنواع الربا، فلقد قيل بأن مناسبة علة الطعم هي حماية أقوات الناس من التداول في أيدي قليلة (3)، ولكن هذه المناسبة مردودة بجواز التفاضل الحاضر في الصنفين المختلفين من الأقوات، وإن كان من احتكارٍ في الأطعمة فإنه أدعى أن يكون بين هذه الأصناف المختلفة، فيتم تبادل تلك الأنواع بين مالكي الأقوات فيحتكروها.
ومن المناسبات الواردة على هذا التعليل يرى ابن رشد أن المناسبة هي منع السرف، بحيث لا يُلجَأ إلى ربا الفضل في الجنس الواحد إلا طمعا في صفة كمالية زائدة، وهذا من السرف الممنوع، وهذه مناسبة غريبة! فهل طلب تمرٍ أجود مما يملكه الإنسان يعتبر من السرف المحرم؟ وإن كان كذلك فلِمَ لم ينه رسول الله ح عامله على خيبر عن ذلك السرف، بل دلّه على السبيل المشروع للحصول على التمر الأجود!
__________
(1) -ابن حزم، المحلى، ج8،ص469.
(2) -يقول الآمدي: «والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين؛ الأول أنه لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل معروف بالخطاب لا بالعلة المستنبطة منه، الثاني أن علة الأصل مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عنه فلو كانت معرفة لحكم الأصل لكان متوقفا عليها ومتفرعا عنها وهو دور ممتنع»؛ أبو الحسن علي بن محمد الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: سيد الجميلي، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط1، 1404ه)،ج3،ص224.
(3) -سامي بن إبراهيم سويلم، ربا الفضل وتوزيع الثروة، بحث منشور على موقعه الخاص:
http://www.suwailem.net(accessed15 December, 2012). (1/217)
صفحة 169
ويرى محمد شابرا أن المناسبة التي تجمع حرمة ربا الفضل والنسيئة هي تحقيق العدالة في المبادلات، ففي الحين الذي اعتبر الإسلام الربا أكلا للمال بالباطل، أتى تحريم ربا الفضل في هذا السياق، «ويرجع هذا إلى أنه من غير الممكن في المقايضة أن يعرف المرء - ما لم يكن خبيرا- المعادل الصحيح لسلعة معينة بمقياس سائر السلع إلا على وجه التقريب، مما يؤدي إلى الظلم بطرف أو بآخر، لهذا فإن استخدام النقود يساعد على تقليل وقوع المبادلات غير العادلة» (1)، والحقيقة أن هذه كذلك ليست مناسبة مقبولة، وتنتقض بأن التسعير يضبطه السوق، ولا يَفْرُق ذلك بين التسعير النقدي أو السلعي، فالسوق كما حدد مجال السعر النقدي، فإنه سيحدد مجال التبادل السلعي، وبورصة السلع الحديثة دليل على الإمكانية، والأمر الآخر؛ لِمَ جاز تبادل السلع المختلفة ببعضها البعض، فإن كان التسعير السلعي عسيرا فإنه سيعسر في المقايضات كلها، ولعله أعسر في مقايضة المختلفين المتفاضلين من مقايضة المتجانسين المختلفين في الوصف، فتحديد مقابلٍ للوصف أسهل من تحديد مقابل لجنس مختلف تماما.
وابن القيم - تبعا لشيخه ابن تيمية (2) - ممن حاول بحث ربا البيوع بمنهج تكاملي مع ربا الديون، وسمى ربا البيوع بالربا الخفي، وربا الديون بالربا الجلي، واعتبر حكمة تحريم الأول سدّ الذريعة إلى الثاني، يقول ابن القيم: «مَنَعهم من ربا الفضل لِما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين ... تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدا، فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا ونسيئة، فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي
__________
(1) -محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل، ص59.
(2) -أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، ومصطفى عبدالقادر عطا، (دار الكتب العلمية، ط1، 1408هـ/1987م)، ج6،170. (1/218)
صفحة 170
تسد عليهم باب المفسدة» (1)، وبأسلوبه الأدبي الجميل يلقي سيد قطب الضوء على هذه اللطيفة فيقول: «تماثل النوعين في الجنس يخلق شبهة أن هناك عملية ربوية، إذ يلد التمر التمر! فقد وصفهح بالربا ونهى عنه ... كي لا يكون التأجيل في بيع المثل بالمثل، ولو من غير زيادة، فيه شبح من الربا، وعنصر من عناصره! إلى هذا الحد بلغت حساسية الرسولح بشبح الربا في أية عملية، وبلغت كذلك حكمته في علاج عقلية الربا التي كانت سائدة في الجاهلية» (2).
ولا أرى أوفق من هذا التحليل الذرائعي لبناء نظرية اقتصادية إسلامية متماسكة، ولا يفوقها في التماسك إلا قصر الربا على النسيئة على رأي السادة الإباضية.
ولا يمكن محاكمة اختيار أكثر الإباضية إلى ما ورد من مرويات في ربا الفضل لأنها مشهورة عندهم وبعضها ثابت في مسند الربيع، وإنما الخلاف في النظر الفقهي لتلك الروايات والجمع بينها والروايات النقيضة تحت مظلة الوحي، فهم على مذهب ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأسامة، ولم يروا صحة رجوع ابن عباس عن هذا القول، ورأوا أن حديث أسامة الذي يحصر الربا في النسيئة (3) هو الحاكم في هذا الباب، وهو الناسخ لأحاديث ربا الفضل أو المخصص لها بالنساء، ورأوا أن ذلك مدعوم بجواز بيع الحيوان بجنسه متفاضلا يدا بيد (4)، وحرمة ذلك بالنسيئة من حديث سمرة (5)، واعتبروا ربا
__________
(1) -أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، (بيروت: دار الجيل، ط1، 1973م)،ج2، ص155.
(2) -سيد قطب إبراهيم حسين، في ظلال القرآن، (القاهرة: دار الشروق، ط17، 1412 هـ)،ج1، ص325.
(3) -عن أسامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة». البخاري، صحيح البخاري، بَاب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسَاءً، الحديث رقم: (2178)، ج3، ص74.
(4) -عَنْ جَابِرٍ قَالَ جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - «بِعْنِيهِ». فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ». مسلم، صحيح مسلم، باب جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً، الحديث رقم: (4197)، ج5، ص55.
(5) - عن سمرة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة». الترمذي، السنن، باب ما جاء في كراهية بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، الحديث رقم: (1237)، ج3، ص538. صححه الترمذي والألباني. المصدر السابق. (1/219)
صفحة 171
السنة امتدادا للربا المحرم في القرآن، والربا في القرآن مرتبط بوضوح محكم بالمداينة والنسيئة والزيادة كما في آية سورة البقرة (1)، ويبقى - في الأخير- قولا اجتهاديا محترما له ما يسنده.
ولقد حاول رفيق المصري كذلك بناء نظرية متماسكة للربا بنوعيه، ولكنه خلص إلى أن الأخذ بحرمة ربا الفضل «مشكل جدا» (2)، ونبّه إلى تماسك النظرية مع الأخذ بقول من لا يرى الربا إلا في النسيئة، وذكر أوجها تقوِّي هذا الاتجاه.
فمسألة ربا الفضل مهمة جدا ليس على المستوى النظر التجزيئي الفقهي العملي، لأنها لا تتعلق إلا بمسائل محدودة، ولكن أهميتها على مستوى التعليل الكلي لموضوع الربا، وعلى مستوى بناء نظرية فكرية متماسكة معقولة النسق يمكن خضوعها لأدوات التحليل الكمي، فلعل العلاقة الذرائعية في التعليل تكون الأوفق إن كانت الحساسية من ترك بعض المرويات قائمة، ويبقى الموضوع مجالا خصبا للدراسة من الناحية التعليلية والاقتصادية.
- - -
__________
(1) -سورة البقرة، الآيات:275 - 280. ولمزيد تحقيقٍ لقول الإباضية في المسألة يُنظر: عبد الله بن حميد السالمي، شرح الجامع الصحيح، تصحيح وتعليق: عزّ الدين التنوخي، (دمشق: المطبعة العمومية، ط1، 1383هـ/1963م)، ج3، ص305 وما بعدها.
(2) -المصري، الجامع في أصول الربا، ص88. (1/220)
صفحة 172
البعثة العلمية المزابية بتونس:
أهداف وعوائق
د: مصطفى بن الحاج بكير حمُّودة
قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة غردايةـ الجزائر
إ
إنَّ موضوع هذا المقال هو البعثة العلمية المزابية بتونس: أهداف وعوائق؛ وقد ركّزت في بحثي هذا على بعثة الشيخين أبي إسحاق اطفيش ومحمد بن الحاج صالح الثمينيّ في منطلقها، ثمّ بعثة الشيخ الثمينيّ، لتميّزها بمحافظة صاحبها على أرشيفها، وبغنى هذا الأرشيف وثرائه، وهي إلى ذلك الأطول نفسا من غيرها.
بعد أن أجهضت السلطات الفرنسيّة مشروع المدرسة الصديقيّة بتبسة سنة 1913 (1)، يمّم المزابيون صوب تونس، فكانت أوّل بعثة تحت إشراف الشيخ أبي اليقظان إبراهيم بن الحاج عيسى سنة 1914 (2)، ولم تدم طويلا، إذ امتدّت من ماي 1914 إلى فيفري 1915؛ ثمّ انتظمت البعثة العلميّة المزابيّة بتونس سنة 1917، وكان السبق في ذلك للشيخ أبي اليقظان أيضا؛ يقول الشيخ محمد بن الحاج صالح الثمينيّ في بحث له حول الجالية المزابية بتونس: «ومنذ سنة 1917 تكوّنت في تونس بصورة منظّمة بعثة علميّة ميزابيّة (3) موزّعة على مختلف معاهدها العلميّة، تحت إشراف رؤساء ساهرين على مصالحها» (4).
__________
(1) -ينظر: أعلام الإصلاح في الجزائر3: 145.
(2) -أعلام الإصلاح في الجزائر3: 186.
(3) -في هذه العبارة إشارة واضحة إلى البعثة التي سبقت تحت إشراف الشيخ أبي اليقظان إبراهيم بن الحاج عيسى، سنة 1914، ولم تدم طويلا، إذ امتدّت من ماي 1914 إلى فيفري 1915؛ ينظر: أعلام الإصلاح في الجزائر3: 186.
(4) -ينظر: البحث، بخطّ عبد العزيز بن يوسف الثمينيّ، غير مؤرّخ، أرشيف الشيخ الثمينيّ، مكتبة الاستقامة، ص5. وهو بحث أنجزه ردّا على أسئلة محدّدة في هذا الموضوع، وقد رجّحنا نسبته إلى الشيخ، لأنّ ابن عمّه وتلميذه عبد العزيز، نسخ كثيرا من إنتاجه، عندما كان يعمل معه في مكتبته، ويعينه في شؤون البعثة. (1/221)
صفحة 173
ويبدو أنّ فكرة استقبال طلبة صغار كانت تراود كبار الطلبة بتونس كما كانوا يسمّون أنفسهم، اقتداء بما فعله الشيخ أبو اليقظان، غير أنّ الذين خاضوا هذه التجربة قلّة قليلة، فقد كتب الشيخ الثمينيّ إلى الشيخ امحمد بن أحمد البارونيّ، بعد أن بقي وحيدا في الميدان سنة 1934، بعد أن تفرّق عنه زملاؤه الأوّلون، كتب يقول: «[ .. / .. ] أطلت عليك الكلام، وأخذت عليك جزءا من وقتك بتلاوة هذه الأفكار التي قد يكون فيها الدرّ والخزف، ولكن كيف العمل وأنا مشتاق إلى أخي إلى درجة أصبحت معها أودّ محادثته ولو عن بعد بواسطة؟ /وأيّ لذة أعظم من محادثة الإخوان الذين شربوا كأس الهناء مترعة يوم كانوا في عنفوان الصبا، وميعة الشباب لا يكدّر صفوهم همّ، ولا يثقل كاهلهم شغل. آه يا أخي، ولّى الشباب وأعقبه المشيب، وأصبح كلّ منّا مثقلا بالأشغال والهموم ومتاعب الحياة، وكلّما ظنّ أنّه دنا من آماله شبرا بعدت عنه ذراعا، فوارحمة الله على أيام الكفتة والزيت والخلّ والقارص، وهزل الشيخ الباروني، ودعابة الشيخ قزريط، وانفعالات الثميني، وفلسفة الشيخ اطفيش، وتبسّم ورقرقة عيون الشيخ أبي اليقظان، ولطف الشيخ يوسف، وجد وتهوّر الشيخ الحاج أحمد [قزريط]، ودروشة مسعود المصريّ، وكسل بوحجام، وخبث صالح بن علي. كلّ ذلك ولّى ومضى مع أمس الدابر، ولا أمل في عودته، وتفرّق كلّ أولئك عن الثمينيّ، وبقي وحده متحمِّلا أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، ويجترُّ ذكرياتهم الحلوة الحامضة، وهكذا شأن الدنيا، جمع وافتراق، هزل وجدّ، شباب وشيب، راحة وتعب، صفو وكدر، هناء وهمّ، فراغ وشغل، ثمّ بعد ذلك كلّه حياة وموت، جعلني الله وإيّاك ممّن استقاموا على الطريقة» (1).
__________
(1) -الرسالة، مؤرّخة في 08/ 12/1352هـ، [24/ 03/1934م]، أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس. (1/223)
صفحة 174
انطلقت البعثة بدار الشيخ أبي اليقظان سنة 1917، وتبعتها دار الشيخ صالح بن الحاج علي باعلي في الشهور الأخيرة من سنة 1918، بمعية الشيخ أبي إسحاق اطفيش، وفيها استقرّ الشيخ الثمينيّ وابن عمّه عبد العزيز بن يوسف الثمينيّ سنة 1919؛ قبل أن يستقلّ الشيخ أبو إسحاق والشيخ الثمينيّ بدارهما في جويلية من سنة 1920.
إنّ البعثة العلمية المزابية بتونس، عبارة عن دور إقامة يؤمّها التلاميذ لمزاولة دروسهم في المدارس التونسيّة، وفي جامع الزيتونة، يشرف عليهم فيها رؤساء يسهرون على مصالحهم، ويتابعون سير دراستهم، ويتمّمون ما ينقصهم من دروس تتعلّق بالمذهب الإباضي فقها واعتقادا.
إنّ أهداف بعثة الشيخين اطفيش والثميني من جويلية1920 إلى فيفري 1923، وبعثة الشيخ الثميني من فيفري 1923 إلى خمسينيات القرن الماضي، هي -في تقديرنا- نفس أهداف بعثة الشيخ أبي اليقظان، لأنّ البعثتين كانتا على قدر كبير من التنسيق والانسجام إلى حدّ إمكان اعتبارهما بعثة واحدة في دارين مختلفتين.
لقد كان الشيخ الثمينيّ جادّا صارما في أموره كلّها، حتّى كان الشيخ أبو إسحاق ينعته في بعض رسائله بـ «صعب المراس»؛ وتميّز إلى جانب ذلك بقدرة فائقة على التنظيم والتخطيط، وقد شهد له بذلك صديقه الشيخ أبو اليقظان، من ذلك ما نقرؤه في رسالة كتبها هذا الأخير في أعقاب صدور حكم مجلس الدولة في قضية التجنيد الإجباريّ، بتاريخ 15/ 05/1925، مؤيّدا لوجهة نظر الإدارة الاستعماريّة، ورافضا لدعاوي المزابيّين جملة وتفصيلا (1)، فممّا جاء فيها: «ولمّا جاءت الصاخّة والحاقّة والطامّة ظننّا أنّك تخفّ، وتطير إلينا على جناح البرق، لتصطحب في حقيبتك برنامج العمل، والوقت يمرّ مرّ السحاب، وإلى الآن لم نر شيئا [ ... ]. ليت شعري ما حيلكم؟ وما تدابيركم تجاه الحالة الراهنة؟ هل من دواء ناجع؟ هل من أسلوب
__________
(1) -ينظر: نصّ الحكم مترجما إلى العربيّة، أرشيف الشيخ الثمينيّ، مكتبة الاستقامة، وثيقة من 06 صفحات. (1/224)
صفحة 175
حكيم؟ لمّا بلغنا الأمر هناك [يعني: تونس] أسرعنا لأخذ بعض التدابير، ووضع خطط العمل، اقتضى البعض منها سفري إلى هنا [يعني: الجزائر] ظنّا منّي أن نجدك والإخوان هنا في رأس حركة مفيدة، فخرجت من هناك صبيحة 20 إلى قسنطينة، وخرجت منها إلى هنا مساء 21، وأصبحت اليوم هنا مزوّدا ببعض الإرشادات عسى أن نتعاضد /معا لتنفيذها، فلمّا وصلتُ وجدت البعض الذي هنا لم يفتكر قطّ في وضع خطّ فيه، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العظيم، فأصبحت [ ... ] أعضّ ببنان الأسف، ولات حين، وأملي وطيد في الملاقاة في الأرض أو في السماء» (1).
هذه الميزة جعلته يؤسّس بعثته العلمية مع الشيخ أبي إسحاق، وفق أهداف محدّدة يرمي إليها، ويضع تدابير لتحقيقها:
أمّا الهدف العامّ فهو تحقيق النهضة العلميَّة، بما ينتج عنها من آثار إيجابية كثيرة في مختلف جوانب الحياة، وهو هدف شاركه فيه غيره من كبار الطلبة، فقد كانوا يعتبرون أنفسهم مصلحين، وقد تأكّدت هذه التسمية ورسخت عند مواجهة معارضيهم. لقد خاطبه عمّه يوسف بن يحي الثمينيّ عندما استلم البعثة، بعد إبعاد الشيخ أبي إسحاق، مشجّعا له على تحمّل الأمانة، فقال: «وأنت اسع في الخير، لعلَّ الله يوقظ الشعب على يدك، وتكوِّن مجدا باذخا في الوطن والمذهب، بتحصيل تلاميذك على مبلغ من العلم عظيم، ومركز من النهضة جسيم، وذلك يكون بالصبر والثبات والصدق والإخلاص؛ وإنّ لديك اليوم شبيبة متنوِّرة ذكية، قابلة للتعليم قبولا حسنا، إن بذلت جهدك معهم عاما يخرجون في طور جديد، ومستقبل باسم، بنور ساطع إن شاء الله» (2).
ويقول الشيخ أبو إسحاق في رسالة من القاهرة إلى طلبته في تونس، بتاريخ 28/ 02/1344هـ، 16/ 09/1925م: «أبنائي النجباء، أعضاء جمعية الوفاق، وفّقهم
__________
(1) -الرسالة، مؤرّخة في 22/ 05/1925، أرشيف الشيخ الثمينيّ، مكتبة الاستقامة، ص01، 02.
(2) -رسالة يوسف بن يحي الثمينيّ من قالمة، إلى الشيخ الثمينيّ بتونس، 08/ 08/1923، أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس. (1/225)
صفحة 176
اللّه إلى الصالحات، وجعلهم رجال الدين، وأبطال المستقبل، [ ... ]، أحيّي فيكم ذلك الحماس المتأجّج، وتلك الروح المشرقة، روح الإخلاص والشهامة [في] غضون كتابكم. [ ... / ... / ... ] أهنّئ أبنائي الذين نجحوا في امتحان الخلدونيّة، كما أهنّئ الذين ارتقوا إلى درجة الأشموني، فإنّ هذا ممّا أفعم نفسي آمالا وسرورا، فإليكم الجواب عن الأبيات التي في مكتوبكم الأخير:
بنيَّ، ما كنتُأقلُوكُم، فجِدُّوا، فلا تلهوابغير اقتطافِالزَّهر والغُررِ
إنَّالبريد أتاكم برسالتنا مفعمة بجليل الآيِ والدُّررِ
فتلك «منهاجُنا» طبٌّ لِلَوعَتِكُم، ما أحسنَالفعلَ يُغنِيكُم عن الخبرِ
بنيَّ، ما ذنبُكم غير اكتسابكُم علمًا يكونلكم حصنًا على الغِيَرِ
فلتشْغَلكُم الأعمالُ، لا نعِمتْ عينُ الجبانِ ترى اللذَّاتِ في الضررِ
جِدُّوا، ففي جِدِّكم كلُّ العلاء لكم، ما أسعدَ القومَ غير الجدِّ في السَّهرِ.
هذا وإنّي لأدعو اللّه أن يثمر جهودكم، وأن يوفّقكم إلى التقوى والصلاح حتّى تكون الأمّة في سعادة بنهضتكم. وفي الختام أوصيكم بالجدّ والاجتهاد في العلم، والتقوى، وهما عدّة المسلم، وزاده إلى الدار الآخرة» (1).
هذا الهدف العامّ صرّح به الشيخ الثمينيّ في رسالة منه إلى طلبته، بتاريخ 18/ 10/1340هـ، [14/ 06/1922م]، يقول فيها: «[ ... ] لقد خلت جوابكم زهرا تضوّع أريجه، فانتعشت منه الأرواح قبل الأشباح، والسرى يحمده القوم بعد الصباح؛ ما ذلك لبهرجة ألفاظه وانتظامه، ولا لحسن تنسيقه وترتيب كلامه، بل لسرّ أودع فيه، هو أنتم، وروح تنبعث منكم أشعّة نوره، فتضيء لها أفئدة راجيكم، بيد أنّ ذلك لا يتجّسم حقيقة ناصعة تندهش لها الألباب، وشمسا ساطعة تبدد الشك والارتياب إلاّ إذا أدركتم السرّ بعين بصيرتكم، وعملتم لإظهاره، وإلاّ فنعوذ بالله من ظلام بعد إشراق، ومن أمل مغبّته إخفاق. أي
__________
(1) -الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلاميّ، د/محمد ناصر، نشر جمعية التراث، القرارة-الجزائر، المؤسسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، رغاية-الجزائر، ط:1991، ص203 - 206. (1/226)
صفحة 177
أبناءنا الأعزّاء، اعلموا أنّ وطنكم ودينكم وأمّتكم أصبحت تتلاطمُها أمواج الحوادث، وتتلاعب بها نكباء الكوارث، وقد توقّفت نجاتها من الغرق، وسلامتها من العطب عليكم، وعلى أمثالكم من الأحداث الذين هم في مقتبل عمرهم، فماذا يكون واجبكم تلقاءها يا ترى؟ (الجواب موكول إليكم). إنّ مستقبل كلّ أمّة بيد شبابها، وأنتم شباب أمّتكم، فبقدر جدّكم في إسعادها اليوم، تكون النتيجة غدا، فإيّاكم وتضييع الفرص، وتمضية أوقاتكم فيما لا يعود عليكم بالنّجح. اعلموا أنّكم إنّما فارقتم وطنكم وأهليكم لتستفيدوا، لا ليستفاد منكم، ولتربحوا لا لتخسروا، فتسوء عاقبتكم ويستاء منكم آملوكم،/ وإيّاكم أن تبتاعوا مساوئ غيركم بمحاسنكم، فتصبحوا كلاّ على مذهبكم الشريف الطّاهر النقيّ، بدل أن تكونوا عونا ونصيرا له، اذكروا أنّما خُلقتم، وعشتم، وتغرَّبتم عن وطنكم، وعملتم كلَّ شيء، أو تعملونه جليلا كان، أو حقيرا، لتكونوا إباضيِّين بأتمِّ معنى التسمية. إنَّ مذهبكم شبه يتيمة عديمة النظير، أضاعها أهلها فتوارت محاسنها عن الأعين، فاعملوا حفظكم الله لإزالة ما تراكم عليها من أدران الإهمال حتى تنجلي محاسنها للعيان، فيخرَّ لها العالم ساجدًا هيبةً وإجلالا، فإن عملتم فلا شكَّ أنّكم تنسخون من صحيفة الأذهان قاعدة (المذهب الإباضيّ مذهبٌ بلا رجال)، وترسمون مكانها (المذهب الإباضيّ مذهبٌ ورجال). يجب عليكم أن تأتوا بكل عمل مفيد، بشرط أن يكون اسمه التقوى، وقاعدته مبادئ المذهب الشريف. يجب عليكم أن تقدِّروا حقَّ قدرهم الذين صرفوا لحياتكم جوهرة حياتهم، وبذلوا لسعادتكم نفيس عمرهم، سواء كانوا آباءكم أو مشايخكم. هذا قليل من كثير، ونزرٌ يسير من واجباتكم، فإن أنتم أتيتم بها -ولا أخالكم إلاّ فاعلين- كانت النتيجة أكثر من المطلوب، والأجرة أكثر من العناء، ونبُلت أعمالكم، وتحقَّقت آمال آمليكم، وطاشت سهام معارضيكم» (1).
__________
(1) -أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس. (1/227)
صفحة 178
هذه الرسالة كان يتوجَّه بها إلى طلبة لا يتجاوز متوسّط أعمارهم خمس عشرة سنة، وقد علَّق فيها هممهم بما وراء الثرّيا، وجعل تحقيق هذا الطموح الكبير واجبا دينيّا واجتماعيّا؛ ثمّ جعل أسّه التقوى، وقاعدته مبادئ المذهب الإباضي الذي وصفه باليتيمة العديمة النظير. ولم يكن كلام الشيخ مجرّد إنشاء يمليه فنّ الترسّل -وكان ضليعا فيه- وإنّما استعمل كلّ وسيلة لترسيخ هذا التوجّه في تلاميذه، وعاضده في ذلك رؤساء البعثة، إذ كانت هذه النظرة مشتركة بينهم جميعا، فمن الشعارات الأولى التي كانت نبراس طلبة البعثة بيت للزعيم المصريّ «مصطفى كامل»، يقول فيه:
«إذابلغالفتىعشرينعامًا ولم يَفخَر، فليسله افتخارُ» (1).
وقد سعى الشيخ الثمينيّ ومشائخ البعثة إلى تقوية عزائم طلبتهم، وإكسابهم الثقة في أنفسهم، فدفع الشيخ طلبته دفعا إلى تأسيس جمعيات ثقافية هي جمعية «الوفاق“ في العشرينيّات، وجمعية «الاستقامة» في الأربعينيّات، فكان الطلبة يجتمعون في إطارها دوريا لإلقاء الخطب والأشعار، وإجراء المناظرات المختلفة، والتباري في كلّ ذلك، وأوكلت لهذه الجمعيات الاحتفاء بضيوف البعثة، من الميزابيّين، ومن غيرهم؛ كما دفعهم إلى إصدار مجلاّت تفسح المجال لأقلامهم لتتدرّب على صنوف الكتابة الأدبيّة والعلميّة؛ ثمّ دفع من آنس فيه القدرة على ذلك إلى الخروج إلى الساحة الثقافية والعلمية الزاخرة بحاضرة تونس، وذلك من خلال إشراكهم في مختلف المسابقات، كمسابقة «مكافحة الكحول»؛ ودفع بعضهم إلى الكتابة في الصحف والمجلاّت؛ وعندما أنشأ الشيخان الثميني وأبو اليقظان بمعية قاسم بن الحاج عيسى جريدة «وادي ميزاب»، أفسحت المجال لأقلام تلاميذ البعثة النجباء، فأسهموا فيها بمقالاتهم وأشعارهم.
__________
(1) -تعاليق حول حياة شاعر الثورة الجزائريّة المرحوم مفدي زكرياء، بابا بن إبراهيم بوعروة، مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي، ببني يزقن، وثيقة مخطوطة من 03 صفحات، ص02، 03. (1/228)
صفحة 179
ولعلَّنا نستشفُّ هذا المسعى من الشيخ من رسالة الطالب عبد الله بن محمد بوراس إلى الشيخ الثمينيّ، بتاريخ 31/ 12/1924: «[ ... ] قولكم (أريد من كلّ منكم) [ ... لقد] وجدناها خطّة حسنة، وحقّ لنا أن نقتفي أثرها إذ وجدناها تدرّب الطالب على المكاتبات الرائقة؛ و [هي] الخطّة التي سيظهر فيها [ذوو] البراعة الفائقة في ميدان المراسلات؛ فإنّا نشكركم كافّة على إبدائكم لهذه الفكرة التي [توصل إلى] إصلاح المجتمع، ونهنِّؤك تهنئة خالصة بحلولكم الوطن بكل سلامة واطمئنان. فدوموا أيّها الأستاذ في سلامة واطمئنان، فإنّ أبناءكم لا يزالون متّبعين لخطّتكم وأوامركم المسطّرة، ومقبلين دائما -كما لا يخفاكم-[على] البحث [عن] ضالّتنا المفقودة [ ... ]» (1).
وكان منطلق كلّ ذلك نظام صارم في البعثة، قصد ضمان التكوين الجيّد لأبنائها، فقد تحدّث الشيخ الثمينيّ في بحثه حول الجالية المزابيّة بتونس عن الطالب المزابيّ، فقال: «والطالب الميزابيّ في تونس يغلب عليه الاعتناء والجدّ والمثابرة، والعزلة التامّة، وعدم الاشتغال بما يصدّ عن الدرس والتحصيل، بسبب البرامج المحكمة التي وضعت له من رؤسائه» (2).
ثمّ حرص شديد، ومتابعة دقيقة لتحصيل تلاميذ البعثة، فمن كثرة تردّد رؤساء البعثة على مدرسة «السلام»، ومراقبة تلاميذهم فيها، اعتبرتها الإدارة الفرنسيّة مدرسة مزابيّة، وكانت مدرسة تونسيّة بمديرها وأساتذتها:
لقد احتفظت لنا رسالة للشيخ أبي اليقظان بصورة عن متابعة رؤساء البعثة لتحصيل تلاميذهم، يروي فيها حوارا جرى بين مدير مدرسة السلام، الشيخ الشاذلي المورالي، والشيخين أبي اليقظان وأبي إسحاق، جاء فيها:
«[ ... ] المدرسة: [ ... ]. لم نزل ملازمين لمديرها ملازمة الغريم لغريمه، من زقاق لزقاق، من جحر لجحر، من هضبة لهضبة، من جدار لجدار. كانت لنا معه
__________
(1) -ينظر: الرسالة، أرشيف الشيخ الثمينيّ، مكتبة الاستقامة.
(2) -ينظر: البحث، أرشيف الشيخ الثمينيّ، مكتبة الاستقامة، ص5. (1/229)
صفحة 180
ليلة الأحد ليلة ليلاء في موضوع الرجوع للوراء، وتبديل النظام بنظام لغير سبب، وخصوصا في خلط القسم الثاني والثالث في صعيد واحد لسي جاوحد، وفي الدرس الفرنساويّ، وإرجاع القسم الثاني للثالث [ ... ]. اجتمعت عليه أنا وأبو إسحاق قلت له: أريد إبداء ملاحظة/ قال: هات.
-نريد السلوك بنظام مع الأولاد وترتيب الأقسام ترتيبا محكما وفكّ بعضها عن بعض وعدم الرجوع بهم إلى الوراء.
-إنّ ما تطلبونه يستدعي أن يكون للمدرسة من المال عشرون ألفا حتى يتسنّى لنا ذلك.
-نحن لا نطلب شيئا زائدا عن طوقها إنّما نريد تنظيم ما في طوقها وعدم الرجوع بها إلى الوراء.
-إنكم تحكمون من غير تصوُّر.
-كلاَّ إنّنا لم نجاهر بهذا إلاّ بعد سبر أغوار الأولاد، وتتبّع دروسهم، ونؤكّد لك إنّهم كلّهم مستاؤون بهذا السلوك، ولنا اليقين بأنّك إن داومت على هذا فلا يلبث سي جاوحد أكثر من جمعة.
[ ... ]-آسف كثيرا لمبادأتكم لي بهذا.
-ونحن نأسف كثيرًا لرفضك لاقتراحاتنا بعد صحبة مستمرَّة. إنّنا بذلنا مجهودات عظيمة لأجل أبنائنا، وبذلنا ماء حياتنا ووجوهنا لتحسين حالة المدرسة، فما هي النتيجة في مقابل هذه المجهودات؟
-وما بذلتم أكثر من كراء هذا المحلِّ؟
-نحن لم نك في صدد المنِّ، وتعداد النعم، إنَّما نحن في بيان المجهودات، وما كان في مقابلها من النتائج.
ثمَّ انبرى له حضرة أبي إسحاق قائلا:
-إنّك تعلم يا حضرة المدير علم اليقين بأنّ ما جئنا إلى هنا لشيء غير تحسين حالة أبنائنا، ونحن لم نتقيّد بك لولا ما نتوسَّمه بك من علائم الإخلاص ولكن (1/230)
صفحة 181
الإخلاص وحده غير كاف للغرض، وقد أخطأت الخطأ كلّه إذ قلت ماذا فعلتم غير كراء هذا المحلّ؟ فإنَّك تعلم ما نبذل من المجهودات داخلا وخارجا، وإنّ أبناءنا نناقشهم ونسائلهم عن أحوال دروسهم فنستحسن ما يجب الاستحسان وننتقد ما يجب النقد، ومن الواجب أن تقبل منا ذلك، وإننا لسنا من الناس الذين يروقهم ذهاب وإياب أولادهم بين المدرسة والدار، وإنّما نحن ناس لا نقنع إلاَّ بالنتائج، وقد خبرت الأولاد في أشياء مختلفة ولم أجد شيئا من النتائج يذكر في مقابل المجهودات» (1).
لقد اختصر الشيخ الثمينيّ كلّ ذلك في لفظة واحدة «الاستقامة»، هي بمثابة شعار انطبق على سيرته الشخصية، وعرف به، وكانت البعثة تدور في فلكه، لا تحيد عنه، فلا عجب أن نجد الشيخ أبا اليقظان في إحدى رسائله إليه، يقول له بخصوص تلاميذه مازحا: «الأولاد في صحَّة وسلامة، وسائرون حول محور الاستقامة» (2).
ولم يتوقَّف طموح الشيخ الثمينيّ عند ضمان أحسن تكوين لطلبته، وإنّما كان يخطّط لفتح مدارس يدرّس فيها طلبة البعثة بعد عودتهم إلى الوطن، وقد صرّح بهذا الأمر في رسالته إلى أولياء الطلبة، عندما كثرت العوائق في سبيل تحقيق طموحه في أبنائه الطلبة، وذلك حيث يقول: «وقد بحثنا الأسباب والعلل، فرأينا أنّ معظمها ءات من قبل آباء التلامذة، لتعدّد نزعاتهم وميولهم، وغاياتهم من تعليم أبنائهم، وعدم إدراكهم قيمة المجهودات العظيمة التي تبذل لإنجاح أبنائهم، وإيصالهم إلى الغاية المطلوبة، وهي -والحقّ يقال- مجهودات جماعة يقوم بها فرد واحد.
لما تقدَّم نرى من الواجب علينا سلوك أحد طريقين: إمَّا نفض اليد من هذا العمل المضني المتعب الذي هو أشبه شيء بالمهازل التي يراد منها التسليةوتضييع
__________
(1) -رسالة الشيخ أبي اليقظان إلى الشيخ الثميني، 04/ 09/1340هـ-01/ 05/1922م، أرشيف الشيخ الثمينيّ، مكتبة الاستقامة.
(2) -الرسالة مؤرّخة في 13/ 02/1925، أرشيف الشيخ الثمينيّ، مكتبة الاستقامة. (1/231)
صفحة 182
الوقت، والتماس خدمة الدين والوطن من طريق آخر أكثر فائدة، وأوفر عائدة، فإنَّ طرق خدمة الدين والوطن كثيرة متعدِّدة، والحمد لله، ولكنَّ هذا فيه من الخسارة على الأمَّة ما لا يدرك مقداره إلاَّ بعد وقوعه؛ وإمَّا مكاشفة آباء التلامذة، ومجابهتهم بالغاية التي من أجلها أُسِّس المشروع، وبما يعترضه من قبلهم من الموانع. وقد ترجَّح سلوك هذا الأخير، إذ لا يزال في هذا الأخير بصيصُ من نور الأمل، يلمع بين الأعين.
أمَّا الغاية من المشروع فهي تكوين طائفة من الشبَّان الجامعين بين التربية الدينيَّة والعلميَّة والنفسيَّة، يمكننا بهم تكوين نواة علمية في الوطن، لتدارك الحالة، وأهمّ ذلك تأسيس مدارس على أساس علمي صحيح منتج» (1).
وعندما كتب هذه الرسالة كان قد أنشأ «مدرسة الاستقامة» بقالمة سنة 1930، وأسند إدارتها إلى تلميذه الشيخ عبد الله بوراس الكاملي؛ وأنشأ بعدها بسنوات كثيرة في بني يزقن مدرسة «الاستقامة» أيضا، وكان مديرها تلميذه الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، بعد أن وقف على تدريبهم في الإشراف على تلاميذ البعثة بتونس لسنوات.
يقول مفدي زكرياء، سنة 1934، في مقال بعنوان «احتفال مدرسة الاستقامة بقالمة»، نشره في جريدة «الثبات»: «منذ أربع سنوات أسَّس المصلح الكبير الشيخ الثمينيّ، صاحب «مكتبة الاستقامة» بتونس، ورئيس البعثة المزابيّة بها، مدرسة ببلدة قالمة، تحت اسم «الاستقامة»، فكانت هذه المدرسة بفضل مجهوداته الصادقة، وتضحياته الجبَّارة، أوَّل مدرسة لإخواننا المزابيّين بالعمالات الثلاث [ ... ]. وألقى فيه [يعني: الاحتفال] أبو النهضة المزابيّة الحاضرة، الأستاذ الثمينيّ، خطابا تاريخيّا عظيما [ ... ]. وللشيخ الثمينيّ أياد بيضاء في تأسيس المشاريع الخيريّة الكبرى، منها شركة المنسوجات الشرقيّة التي تأسَّست أخيرا ببلدة قالمة تحت أوامره» (2).
__________
(1) -نسخة من الرسالة، أرشيف الشيخ الثميني، بتونس. ويمكن تحديد تاريخها من خلال محتواها ببداية الثلاثينيات.
(2) -المقال، جريدة «الثبات»، س01، ع33، 21/ 09/1353هـ، 28/ 12/1934م، ص03. (1/232)
صفحة 183
إنّ الفارق الزمنيّ الكبير بين تأسيس المدرستين يشير بوضوح إلى العوائق والعراقيل التي وقفت في وجه تحقيق هذا الطموح الكبير للشيخ الثمينيّ:
ولعلّ أكبر عائق واجه البعثة العلميّة المزابية بتونس هو معارضة المعارضين لتدريس المزابيّين أبناءهم بالمدارس التونسيّة، وعلى رأسهم الشيخ الحاج صالح لعلي، وكانت معارضة قويّة تركّزت في حرب قلميّة لم تزد على شهور معدودة، من ماي إلى ديسمبر من سنة 1922م، غير أنّها خلّفت آثارا عميقة في أبناء البعثة؛ وفي علاقتهم بالمجتمع المزابيّ، وعلاقة المجتمع بهم.
ثمَّ إنَّ الشيخ الثمينيّ أوضح العراقيل التي واجهتها بعثته في بداية الثلاثينيات في رسالة منه إلى أولياء التلاميذ، وقد سبق مقتطف منها، فممّا جاء فيها قوله:
«وبعد فغير خاف على أحد أنّ العلم هو أسّ سعادة المرء، به نجاحه في حياته الأولى، وفوزه بالنعيم المقيم في حياته الأخرى، وإنّ أمّتنا أصبحت من الضعف المادّي والأدبي في العهد الأخير بحالة تشمت العدوّ، وتنذر بشر مستطير، لذلك فكّر أفراد من الأمّة منذ 15 سنة، في تكوين بعثة علمية تُرسَل إلى تونس، فتسابق أفراد لإرسال فلذات أكبادهم، فتكوّنت في أوّل الأمر طائفة من التلامذة لا بأس بها، وقد كانت معقد الرجاء، ومبعث الأمل، لولا ما قام ويقوم حتّى الساعة في سبيل التلامذة ورؤسائهم من العراقيل والموانع المختلفة التي كانت تمنع التلامذة من الاستمرار، وتضيّع جهود وثمرات أعمال القائمين بالحركة، ولكن بفضل صدق عزيمتهم وإخلاصهم العمل لله، وإدراكهم قيمة العمل العظيم الذي تصدّوا له بطيب خاطر، وتحمّلوه بجلَد وثبات، كانت تنقطع بين فترة وأخرى من الزمن طائفة من التلامذة دون بلوغ أيّ غاية، وتتجدّد طائفة أخرى، وهكذا دواليك منذ 15 سنة، فلم يستفد التلامذة والقائمون بالحركة -مع هذه الحالة المحزنة- أيّ فائدة. (1/233)
صفحة 184
[ ... ] وأمَّا الموانع التي تفسد علينا أعمالنا فهي أنّ كثيرا ما يطلب بعض آباء التلامذة أبناءهم في أثناء السنة الدراسية، إمّا لقطعهم عن العلم مرّة واحدة، لعوامل مختلفة. وهذا، وإن كان فيه مضرّة كبيرة، وخسارة على التلميذ وأبيه، إلاّ أنّه أهون على نفس القائم بالمشروع، إذ غاية ما يتمثّل به قوله تعالى: ژکککگگژ (1).
وإمَّا أن يكون طلبه على نيَّة إرجاعه، وإنّما وقع طلبه لنزوة من النزوات، وعاطفة من العواطف التي لا يوافق عليها العقل الصحيح، وهذا عبث، وتضييع لوقت التلميذ، وإعنات للقائم بأمره، وإيقاعه مع معلّمي التلميذ في المدرسة في مشاكل، وفي كلا الحالين، يحدث لبعض التلامذة عند سفر أحد زملائهم أثناء السنة الدراسية، من تشوّش، وأحيانا من اختلال قواهم العقلية، أضرار فاحشة، لا يمكن معالجتها» (2).
لقد نتج عن هذا الوضع أنّ نسبة ضئيلة من طلبة البعثة انتظم في دراسته، واستطاع أن يتمّ تكوينه؛ فها هو الطالب دواق إبراهيم بن عمر بن داود، وكان من نبغاء البعثة، يشكو هذا الوضع لأستاذه الثمينيّ، فيقول: «[ ... ] أمّا بعد، أصلح الله الأستاذ، فقد ساق بي القدر إلى قالمة، وألبسني رداء التجارة [ ... ]. هذا وإنّكم تعلمون جلل هذا الخطب عليّ، حيث أتى [يوم] لست ممّن يرتجون في العلوم مقاما عليّا، ولا ممّن حصّلوا في التجارة نصيبا، فأنا اليوم أسير في طريق مجهول لديّ، لا آمن على نفسي من الضلال، إذ لو كانت تلك المدّة التي أفنيتها في تونس، وإن كانت أعظم ساعة في عمري، قد قضيتها في هذه الصّناعة لكان لي مقام في هاته الساعة، لا أتألّم فيه باعتداء الجهلة، ولا بسيرتهم التي هي أشدّ عليّ من وقع الحسام.
__________
(1) -سورة القصص، الآية 56.
(2) -نسخة مطبوعة من الرسالة، أرشيف الشيخ الثميني، بتونس. ويمكن تحديد تاريخها من خلال محتواها ببداية الثلاثينيات. (1/234)
صفحة 185
أرجوكم أن تدعوا الله أن يعينني، وأن ينبّه أمّتنا إلى واجبها، فإنّ هذا السير لا يوصل، متى [يبلغ] البنيان يوما تمامه إلخ / [ ... ]» (1).
لاشكّ في أنّ هذا الوضع كان له تأثيره البليغ في الشيخ الثمينيّ، وهو ما يفسّر طبعه لهذه الرسالة، ويفسّر مضمونها أيضا، ولنا صورة من معاناته في هذا السبيل في رسالة كتبها إلى عبد العزيز بن يوسف الثمينيّ وعبد الله بوراس، وكانا مشرفين على البعثة في غيابه، إثر انتقادات وجّهت إليه بخصوص بعثته فيما يبدو، فممّا جاء فيها: «أنا أبنائي في الدّور الأخير من التجربة لهذا المشروع الذي قتلنا فيه 12 سنة، كلّها تجربة، فإذا نجحت، أو أومضت بين عيني بروق النجاح، مضيت في سبيلي بنفس تلك العزيمة التي تدرّعت بها عشر سنوات، وإلاّ حوّلت وجهي شطر أعمال أخرى، وحسبي أن أكون معذورا أمام الله والناس فيما أظنّ. نعم قد يكون نقص كبير من تربية الأولاد ومراقبتهم، وهذا لا أنكر شيئا منه، ولكن مهما فحش ذلك النقص فلن يقدر عاقل متبصّر أن يصفه بالخزي، والكمال لله [ ... ]. دعوني من هذا الموضوع، فإنّ النفس عند الدخول فيه تتّقد اتّقاد الأتون، وتغلي غليان المرجل، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله» (2).
لقد كانت البعثة العلميّة المزابيّة بتونس بطموح رؤسائها وأفكارهم الجديدة الرائدة في واد، والواقع الاجتماعيّ الجزائريّ عموما، وواقع المجتمع المزابيّ بصفة خاصّة في واد آخر، وكان الطالب المزابيّتتجاذبه القوّتان، وكانت الغلبة في الغالب لسطوة الواقع، فقلّما نجد طالبا منهم سار على النهج الذي اختطّه رؤساء البعثة إلى نهايته؛ لأنّ الفكر الذي أنشأ عليه رؤساء البعثة أبناءهم من الطلبة، كان بسبب من طموحهم الكبير وعلوّ هممهم بعيدا بمراحل عن واقع المجتمع المزابيّ اليوميّ. إنّ هذا الأمر ولّد عدم توافق بين
__________
(1) -الرسالة، 26/ 05/1926، أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس.
(2) -الرسالة، 01/ 09/1348هـ، [31/ 01/1930م]، أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس. (1/235)
صفحة 186
طالب البعثة ومجتمعه، فكانت نظرته إليه نظرة فيها الكثير من الاستعلاء، ترشح بها كتاباتهم: من ذلك ما جاء في رسالة لإبراهيم دواق إلى أعضاء جمعية الوفاق، حيث يقول: «ولا يخفاكم أنّ أبناء وطنكم كلّ يوم يزيدون في الانشقاق والتباغض والتشاحن، يتسابقون في أنواع الملاهي، وهم في تلك الحالة التي تُبكي الحجر الصلد، ولا تنجلي لكم حقيقة أبناء وطنكم إلاّ إذا عاشرتموهم، و [ليتها] كما تفهمون» (1).
ويتحدّث مفدي عن وطنه مزاب، وعن التعليم العصريِّ فيه، ورأي المجتمع فيه، في رسالة إلى شيخه الثمينيّ، بعد عودته من تونس، فيقول: «للمخلصين هنا فكرة جديدة في مسألة التعليم، وهو الضجر والقناعة بما هو الآن حاصل، وقطع المشروع إلى أن نكبر نحن، فنتوسّع فيه أكثر، وأبناؤنا أكثر، وهكذا /بالتدريج؛ وإنّ الأمّة لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، ولا في الفرنسوية أكثر من فهم ”الدبيش“، فاتركونا ”ترانكيل“، واحمدوا الله، ولا توجّهوا الحكومة إلينا، فلولا مسألتكم لما كانت مسألة العسكريّة، وإنّ وطننا لا يتحمّل العلوم العصريّة، ولا تصلح فيه، فاتّقوا الله وناموا!!!
الناس هنا ميِّتون جامدون، يحسبون المفاهمة عنادًا ووقاحة، ويخافون ولو من ظلِّهم، ولا أستثني إلاَّ اثنين، عمَّنا عمر بن داود بزملال، وعمَّنا زكري بن سعيد؛ وإنِّي أودُّ هجاء مزاب بقصيدة مطلعها:
وبلدةٍ ليسبهاأنيس *** إلاَّ اليعافير، وإلاَّ العيسُ» (2).
وفي المقابل تولَّدت في المجتمع تلك الصورة النمطيَّة عن هؤلاء المتعلِّمين، «الذين قرؤُوا ثلاثة حروف، وجاءوا يفهمون علينا»، وترسَّخت فيه؛ حتّى غدت عقبة كؤودا في وجه مساعي التغيير والإصلاح مهما أخلص أصحابه في
__________
(1) -الرسالة، 26/ 08/1925م، أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس.
(2) -الرسالة، غير مؤرّخة، أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس. (1/236)
صفحة 187
مسعاهم. وكان من الضرورة للمجتمع بمكان، بل وأثّرت في مردود طلبة البعثة بعد عودتهم إلى أوطانهم في مجتمعاتهم، فكان ضئيلا محدودا، لا يعكس آمالهم وآمال رؤساء البعثة العريضة في مستقبلهم.
كانت هذه صورة عن البعثة العلميَّة المزابية بتونس في أهدافها، والعوائق التي وقفت دون تحقيق طموحها الكبير، ولعلَّها تُنبَّهنا إلى ضرورة القيام بدراسات أعمق وأشمل لها، لما لها من تأثير كبير في صيرورة المجتمع المزابيِّ إلى تاريخ اليوم، وفي نظرة المجتمع للمتعلِّمين خارج نظامه التعليميِّ الخاصِّ، وحتَّى في مقام العلم في سُلَّم أولوياتنا الاجتماعية؛ وإنَّ أرشيف بعثة الشيخ الثمينيِّ كفيلٌ بتحقيق هذا المبتغىشريطة القيام بترتيبه وفهرسته لتسهيل مهمَّة الدارسين؛ والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
- - - (1/237)
صفحة 188
م
(1) ظ:
الحياة البشرية لا تخلو أبدا من النزاعات، والخصومات وتصادم المصالح، والصراع حول المراكز، والحرص على الفوائد، والحياة المعاصرة تعقدت بالإجراءات الإدارية والقضائية، من رفع الدعوى أمام الجهات القضائية، وإجراءات التحقيق، إلى طرق التنفيذ، وبسبب كثرة وطول الآجال، وحساب التكاليف، والمصاريف القضائية، على المتقاضين، والخزينة العمومية، والتي تجعل المتقاضين في النهاية يبحثون عن الطرق البديلة، لتجاوز واختصار تلك الإجراءات القضائية، المعقدة والمكلفة، والتي لا توصل إلى الحل المرضي للأطراف المتعنتة، والمصرة على انتزاع ما ليس من حقها، لأن الحكم القضائي دائما يرضي الطرف المحكوم له، بينما الطرف المحكوم عليه، تجده ناقما ومتَّهما
__________
(1) (*) -يشتمل هذا البحث على قسمين نظري وعملي، وقد تعذر نشره كاملا في هذا العدد لطوله، فمعذرة للقارئ الكريم، وسننشر القسم النظري في هذا العدد، أما القسم العملي التطبيقي فسينشر إن شاء الله في العدد القادم، وسيعالج العناصر الآتية: (شروط اختيار أعضاء لجنة الإصلاح، مواضيع إصلاح ذات البين، وهي: الشقاق بين الأزواج، الشقاق بين الأصول والفروع، الشقاق بين الأقارب والأرحام، الشقاق بين الخلطاء في العشرة، الشقاق بين الطوائف والمذاهب الدينية، وطبيعة الحقوق المتنازع عليها، والمراحل أو الخطوات المتبعة في إصلاح ذات البين، وهي: تبليغ النزاع إلى الهيئة، تشكيل لجنة للتكفل بالموضوع، جلسة المواجهة، سماع الطرف الأول المدعي، سماع الطرف الثاني، سماع الشهود، تقريب وجهات النظر). (هيئة التحرير). (1/238)
صفحة 189
القاضي بالانحياز والمحاباة، أو حتى تعاطي الرشوة، وقد يطعن في الحكم ويستأنف، ويطعن بالنقض، أمام المحكمة العليا، تعنتا وإصرارًا، ويصرف الملايين، ويوكل المحامين كيدا واستنكارا، وقد يتهرب من تنفيذ الحكم، بعد استنفاذ كل طرق الطعن، فيصطدم صاحب الحق المحكوم له، بإشكال في التنفيذ، فيبقى الحكم عالقا بين المحضر القضائي، والنيابة العامَّة لشهور أو لسنوات، فلا النزاع حُل، ولا الحقوق استُرجعت.
بينما التصالح، وإصلاح ذات البين، يلطِّف القلوب، ويذكرها بالآخرة، وعذاب الله لمن أخذ ما ليس له بحق، وبالإقناع، والتوعية والتوجيه، والنصح تلين القلوب، وتهدأ النفوس، وتطيب الخواطر، فيرضى المتخاصمان بما يقترح عليهم من الحلول الرضائية، وقد يتنازلون عن جزء من حقوقهم، إرضاء لله تعالى، أو احتراما للمتوسِّطين في الصلح، فيخرج الجميع من مجلس الصلح راضيًا وقانعا ومتسامحا، فلا استئناف ولا طعن، كما يتحقَّق تنفيذ اتفاق التصالح، بأسرع وقت وبأقل تكلفة.
الطرق البديلة لحل النزاعات:
أمام تعقُّد إجراءات القضاء، وتشابك الحقوق، ونقص الوازع الديني بين المتخاصمين أصبح الجميع سلطة وأفرادًا، يفكرون في الحلول البديلة، فالسلطة عدلت قانون الإجراءات المدنية والإدارية، بإضافة كتاب خامس بعنوان «الطرق البديلة لحل النزاعات»، والمشتمل على بابين، الباب الأول: يحمل عنوان: «الصلح والوساطة» ويتضمن 16 مادة من المادة 990 إلى المادة 1005 (1)، والباب الثاني: بعنوان «التحكيم» المتضمن 58 مادة من المادة 1006 إلى المادة 1061. زيادة على عدة مواد في الصلح في مواد الأحوال الشخصية، كالطلاق والصلح والتحكيم، أمام الجهات القضائية الإدارية، وكل هذه التعديلات تعد نقلة نوعية في قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري، مما يخفف الضغط الكبير على المحاكم، وتكدس القضايا على مكاتب القضاة، وقد تكون قضايا بسيطة، يمكن حلها بالطرق البديلة، وبأبسط الإجراءات وبأقل تكلفة، وبحلول رضائية توافقية بين كل أطراف الخصومة.
__________
(1) -انظر قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم 08/ 09 مؤرخ في 25 فبراير سنة 2008 الجريدة الرسمية رقم 21 الصادرة بتاريخ 22أفريل2008. (1/239)
صفحة 190
ومن المصطلحات المرادفة للصلح.
1 ـ التحكيم: وهو تدخل طرف ثالث بين الخصوم يسمى حكما، للفصل في النزاع القائم بينهما بما يرضي الطرفين.
2 ـ الوساطة: وهي أن يتوسط شخص ثالث بين متخاصمين، لتقريب وجهات النظر والخروج من الخلاف بحل وسط.
3 ـ الصلح: أو إصلاح ذات البين، وهو العفو أو التنازل، من طرف واحد أو من الطرفين، للخروج من الخلاف، أو النزاع القائم بينهما، وإصلاح ذات البين يتضمن إبعاد الفساد وتصليح الخلل الواقع بين الطرفين، المتشاجرين، وتطييب القلوب، والتسامح فيما بينهما، وهو أشمل و أوسع من التحكيم والوساطة.
تعريف إصلاح ذات البين:
لغة: الإصلاح: ضد الفساد، وأصلحه ضد أفسده، وإليه أحسن واستصلح نقيض استفسد (1).ذات البين: ومعناها صاحبة البين، والبين في كلام العرب من البون أي البعد و يأتي على وجهينمتضادين.
1 ـ الفراق والفرقة ومعناه: إصلاح صاحبة الفرقة بين المسلمين، بإزالة أسباب الخصام والتسامح والعفو، وبهذا الإصلاح يذهب البين وتنحل عقدة الفرقة.
2 ـ الوصل ومعناه: إصلاح صاحبة الوصل والتحابب والتآلف بين المسلمين، وإصلاحها يكون برأب ما تصدع، منها وإزالة الفساد الذي دبّ إليها بسبب الخصام والتنازع على أمر من أمور الدنيا (2).
اصطلاحا: الصلح والإصلاح عزيمة راشدة، ونية خيِّرة، وإرادة مصلحة، وفريضة واجبة، والأمة تحتاج إلى إصلاح بين المتخاصمين، يدخل الرضا والطمأنينة على النفوس، ويعيد الوئام إلى المتنازعين، والمودة بين الأزواج، ويدعم الثقة بين الشركاء. إصلاح تسكن به النفوس وتأتلف به القلوب، ولا يتم إلا بجهد وتقريب
__________
(1) -الفيروز آبادي، القاموس المحيط ج 01، نشر مؤسسة الحلبي، مادة الصلاح ص 235.
(2) -الميداني، الأخلاق الإسلامية، ج2 ص 230. (1/212)
صفحة 191
وجهات النظر إلى الحق والجادَّة، ولا يقوم به إلا جماعة خيِّرة وفضلاء المجتمع، شرفت أقدارهم، وكرمت أخلاقهم، وطابت منابتهم، واشتهر حسن سلوكهم بين الأنام، حتى ارتضاهم الجميع، لفض النزاعات وإصلاح الخصومات. وللإصلاح فقه ومسالك، دلت عليها نصوص الشرع وسار عليها المصلحون المخلصون، منذ عهد الرسول ح والصحابة الكرام - رضي الله عنهم -.
التأصيل الشرعي لإصلاح ذات البين:
من القرآن الكريم:
إنَّ الدين الإسلامي دين عظيم يتشوّف إلى الصلح، ويسعى له وينادي إليه ويحبّب لعباده، ويرفع درجته فوق كل العبادات، فأخبر سبحانه أن الصلح خير بين الأزواج وبين كل المتخاصمين الذين جبلت نفوسهم على الشح وشدة البخل، فالمرأة لا تكاد تسمح بحقها في النفقة والاستمتاع، والرجل قد يخطئ في ممارسة القوامة ولا تتنازل نفسه عن ما تظن أنه حقها وتواجه غيرها (1)،لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمُ إِلاَّ مَنَ اَمَرَ بِصَدَقَةٍ اَوْ مَعْرُوفٍ اَوِ اِصْلاَحِم بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (2).
ويمدح الله تعالى المصلحين بين الناس فيقول: الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ (41) (3). ويرشد المسلمين على ضرورة تفرغ طائفة منهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعلق الشيخ بيُّوض: على هذه الآية بقوله: «فليهتم أمراء المسلمين وملوكهم وحكامهم بهذه الخصال .. وليتهم تمثلوا بها إذن لصلح أمر المسلمين» (4) فيقول تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5).
__________
(1) -محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير ج 01 شركة شهاب ط 05، 1990،ص 308.
(2) -سورة النساء، الآية 114.
(3) -سورة الحج، الآية 41.
(4) -الشيخ إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن، ج04 ص 492.
(5) -سورة آل عمران، الآية 104. (1/213)
صفحة 192
ومن جهة أخرى امتدح الله تعالى العافين والمتسامحين، الذين يتنازلون عن جزء من حقوقهم للصلح والتصالح فقال: وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (1) أي أن من عفا عن من ظلمه وأصلح بينه وبين عدوه فإن الله يثيبه على ذلك الأجر الجزيل (2)، والحالات التي يكون فيها العفو أحسن من العقاب لمن يرجى منه الخير والتوبة وان ظروفه تدل على أنه كان مرغما أو مدفوعا ولم يكن محترفا للإجرام فالعفو يصلحه ويردعه (3).
وقد حرض القرآن الكريم المسلمين على قبول الحكم بما انزل الله والرضا بقضاء الرسول ح الذي يحكم بينهم فيما شجر بينهم أو اختلفوا فيه فيرجعوا إلى حكم الله ويقبلون حكم الله ورسوله عن طيبة نفس فلا خرج ولا ضيق ويعتقد انه الصواب (4) فقال: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُومِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلىَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمُ أَنْ يَّقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5).
وإصلاح ذات البين وفك الخصومات بين الناس، من العبادات الجليلة التي رغب عنها الكثير من الناس، لما قد يجلب لهم من المتاعب والمشاق، والعداوة وعدم رضا المتخاصمين، مع ما فيها من الأجر الجزيل والخير العميم؛ فإن من مقاصد التشريع تحقيق المودة والألفة بين الناس (6)، والإصلاح أفضل من صلاة النفل فإذا قيل لشخص مثلا: هيا لنعقد مجلسا للصلح بين شخصين أو جماعتين فقال: إني ذاهب إلى القيام بصلاة نفل، نقول له: لأن تصلح بين اثنين تنازعا، أو فريقين تخاصما خير لك من صلاة مائة ركعة، أو ألف ركعة نفلا، وخير من صيام
__________
(1) -سورة الشورى، الآية 40.
(2) -محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير ج 01 م س، ص 119.
(3) -الشيخ إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن ج17 ص 40.
(4) -المرجع نفسه، ج06 ص 386.
(5) -سورة النور، الآية 51.
(6) -محاضرة للشيخ محمد صالح المنجد بموقع طريق الإسلام، http://www.islamway.com ص 01. (1/214)
صفحة 193
أو صدقة تطوعا (1).
ومن السنة:
أرسل الله تعالى نبيه رحمة للعالمين؛ ليجمع على الإيمان قلوب المؤمنين، ويزيل من قلوبهم كل أسباب الشحناء، ويطهرنفوسهم من كل أسباب البغضاء، ليكونوا إخوانا متحابين، فإذا نزغ الشيطان بينهم في خصومةأوشحناء أو نزاع أو بغضاء، أمروا أن يتقوا الله، وأن يصلحوا ذات بينهم، وعلىلمسلمين أن يسعوا في الإصلاح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. روى أبو الدرداء عن رسول الله ح أنه قال «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة؟ [أي درجة الصيام النافلة وصدقة النافلة والصلاة النافلة] فقال أبو الدرداء: قلنا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة (2) لا أقول: إنها تحلق الشعر، ولكنها تحلق الدين».
وفي سنة النبيح الفعلية و القولية محاولاتٌ عديدة وعملٌ دؤوبٌ منه ما روى البخاري في صحيحه: «أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأُخبر رسول الله ح بذلك، فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم». بل إنَّ النبي ح كان يذهب في الإصلاح ولو بعدت المسافة وفاته شيءٌ من صلاة الجماعة لأجل الإصلاح بين الناس، فقد خرج الرسول حمع أصحابه للإصلاح بين أهل قباء، فتعطل الرسول ح وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر س فقال: يا أبا بكر إنَّ رسول الله ح قد حبس وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤمَّ الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال الصلاة، وتقدم أبو بكر سفكبر بالناس، وجاء رسول الله ح يمشي في الصفوف يشقها شقاً حتى قام في الصف فأخذ الناس في التصفيح ..... ».
وكان ح يشير على المتخاصمين بالصلح. فقد جاء في صحيح البخاري: «أن كعب بن مالك تقاضى رجلا ديناً كان له عليه في عهد رسول الله ح في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ح وهو في بيته، فخرج رسول الله ح إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادى كعب بن مالك، فقال: «يا كعب، فقال: لبيك
__________
(1) -الشيخ إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن ج 20 ص 99.
(2) -رواه أبو داود: السنن، كتاب الأدب، باب في إصلاح ذات البين، حديث رقم:4919، ج4،ص 280. ورواه الترمذي وإسناده على شرط الشيخين. (1/215)
صفحة 194
يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر - أي: تنازل له عن النصف - فقال كعب: قد فعلتُ يا رسول الله، فقال رسول الله ح للخصم الآخر: قم فاقضه». فكان عليه الصلاة والسلام يشير بالصلح، وقد رأى الأول لا يستطيع الوفاء، والثاني يلح في الطلب، فطلب من أحدهما أن يتنازل عن شيء، وطلب من الآخر أن يقضيه الباقي، وهكذا كان ح يفعل، وهذه سياسته في أصحابه (1).
وقد أخبرنا المصطفى ح أنَّ إصلاح ذات البين هي أعلى درجة من الصلاة والصيام والصدقة. والمجتمع الإسلامي اليوم في أمس الحاجة إلى جهود جماعات الصلح، خصوصا في الوقت الحاضر، حيث كثرت النزاعات على مستوى المجتمع بين عامة الناس كالشركاء والأجراء والأزواج، والأقارب. ومما يساعد في تقليل الخلافات ورأب الصدع بين المتخاصمين، إحياء هذه العبادة الجليلة (2) وحل النزاعات بالتصالح قبل الترافع والتداعي أمام المحاكم.
وقد نهىح المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام؛ فقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث؛ يلتقيان فيعرض هذه ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». والذي يلطف القلوب ويجعلها تبادر بالسلام هو الصلح.
قال النبيءح: «تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلاَّ رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا» (3).فكان الصلح والتصالح من شروط دخول الجنة.
كتب رسول الله ح كتابا (4) بين المهاجرين والأنصار على أن يعقلوا معاقلهم (5)، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف (6) والإصلاح بين المسلمين (7).وقال ح: «ما عمل ابن آدم
__________
(1) -محاضرة للشيخ محمد صالح المنجد بموقع طريق الإسلام، http://www.islamway.com ص 01.
(2) -نفس المرجع والصفحة.
(3) -رواه مسلم ص1987ج4.
(4) -يسمى دستور المدينة.
(5) -العقل والعاقلة هي التي تشترك في دفع دية القتل الخطأ.
(6) -العاني هو الأسير.
(7) -رواه أحمد (1/216)
صفحة 195
شيئاً أفضل من الصلاة, وإصلاح ذات البين, وخُلُقِ حسن» (1).وقال أيضا: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الناس أو بين اثنين صدقة» (2). فإذا أصلح بينهما وعدل بينهما، أتى بصدقة من هذه الصدقات، وأدى بعض ما عليه من الحق.
وقد كان النبي ح يتدخَّل لإصلاح ذات البين، كلما نشب نزاع أو خصام أو سوء تعامل بين الصحابة وغيرهم، حتى مع اليهود والنصارى في المدينة المنورة، وقد دلَّ الكتاب والسنة على فضل الإصلاح بين الناس (3).
ومن عمل الصحابة:
واصل الصحابة رضوان الله عليهم جهود إصلاح ذات البين فكلما عرضت عليهم قضايا النزاع والخصومات، قبل اللجوء إلى القضاء، وقد كان الصحابة أينما حلوا ملجأ لكل المسلمين يطلبون منهم الصلح، كما كان عامة المسلمين يتنازلون ويتصالحون بما يطلبه منهم الصحابة. وقد كتبأمير المؤمنين عمر بنالخطاب س إلى أبي موسى الأشعريس بصفته قاضيا « ... رد الخصوم حتى يصطلحوا فإنفَصْلَ القضاء يُورثُ بينهم الضغائن» (4). وهذا تشجيعٌ من أمير المؤمنينس باللجوء إلى الصلح والتصالح قبل فصل القضاء، لأن القضاء يفصل بين المتخاصمين بالحجَّة والدليل، ويعطى لكل ذي حقٍّ حقه، دون تنازل أو تسامح، أما الصلح يُرضي الجميع، ويُقنعُ الطرفين المتخاصمين، على قبول الحل الوسط بينهما، وتنازل كل طرف بجزء من حقه، أما القضاء فهو دائما يرضي طرفا ويغضب طرفا آخر.
قال أنس س «من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة»، وقال الأوزاعي: «ما خطوةٌ أحب إلى الله عز وجل، من خطوةٍفي إصلاح ذات البين، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له البراءة من النار».
فضل إصلاح ذات البين وأهميته في المجتمع:
__________
(1) -الصحيح1448.
(2) -رواه البخاري.
(3) -محاضرة للشيخ محمد صالح المنجد، المرجع السابق، ص 01.
(4) -من تفسير القرطبي: ج5ص384. (1/217)
صفحة 196
الإصلاح بين العباد عبادة جليلة وخلق جميل يحبه الله ورسوله ح، وهو خير كله وَالصُّلْحُ (1).
2. الإصلاح عنوان الإيمان في الإخوان (2) إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (3).
3. الإصلاح بين أفراد المجتمع يصلح المجتمع، وتأتلف القلوب، وتجتمع الكلمة، وينبذ الخلاف، وتزرع المحبة والمودَّة.
4. إذا فقد الإصلاح حلَّ الفساد، وهلكت الشعوب والأمم، وفسدت البيوت والأسر، وتبددت الثروات، وانتهكت الحرمات، وعمَّ الشر القريب والبعيد.
5. الذي يتعنَّت ولا يقبل الصلح ولا يسعى فيه يعتبر رجلا قاسي القلب، قد فسد باطنه وخبثت نيته وساء خلقه وغلظت كبده، فهو إلى الشر أقرب وعن الخير أبعد.
6. المصلح يكون قلبُه من أحسن القلوب وأطهرها، وتصبح نفسه تواقة للخير مشتاقة للبر، يبذل جهده ووقته وماله من أجل الإصلاح.
7. الصلح يُبعد أفراد المجتمع عن الترافع أمام المحاكم، حيث تُكشف العورات، وتُهتك الحرمات، وتشيع أسرار الناس، ويخرج المتخاصمين من المحكمة غير راضيين، وأشد عداوة وأقسى قلبا مما كانا عليه.
8. إصلاح ذات البين يعزِّز مكانة العلماء والشيوخ والأئمَّة وأعيان المجتمع، الذين يتصدَّون لمجالس الصلح.
9. إصلاح ذات البين يكشف المشاحنين الذين يتخاصمون بغير حق، ويدعون ما ليس لهم فمجالس الصلح تفضح جورهم وتعدِّيهم.
10. إصلاح ذات البين يخمد الخلاف والنزاع في مهده قبل أن يستفحل فتنة ونارًا تحرق المجتمع وتأتي على الأخضر واليابس.
جواز الكذب للإصلاح بين المتخاصمين:
__________
(1) -سورة النساء، الآية 128.
(2) -يقول الشيخ بيُّوض: هذه لطيفة لم أرها في التفاسير التي طالعتها: أن أخويكم وإخوانكم هي جمع الإخوة في الدين، وأما وإخوتكم وإخوة فهي أخوة النسب، في رحاب القرآن ج 20 ص97.
(3) -سورة الحجرات، الآية 10. (1/218)
صفحة 197
أجازت الشريعة الإسلامية الكذب من أجل الإصلاح بين المتخاصمين، فقال ح «ليس الكذّاب الذي يصلح بين الناس ويقول وينمي خيراً»، قال ابن بابويه «إن الله أحل الكذب في الإصلاح وأبغض الصدق في الإفساد» فتنبهوا لذلك.
عن أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بن أبي معيط (1) أنها سمعت رسول الله ح وهو يقول «لَيْسَ الْكَذابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا» (2)، وقال بن شهاب: «لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذبا إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها» (3). ولعظم فضل الإصلاح بين الناس جعلت الشريعة إثم الكذب منتفياً عمن يصلح بين الناس، فقال النبي ح: «لم يكذب من نمى بين اثنين ليصلح». ويعني ذلك أن المصلح له أن ينمي ويبالغ ويبرز جوانب الخير بين المتخاصمين ويخفي ويتجاوز الأقوال والأفعال التي تثير الفتنة ويسكت عنها أو يذكرها بالتورية والتعريض. فإذا سئل مثلا: هل قال فلانٌ فيّ كذا؟ فنفى ذلك لم يكن كاذباً، مع أن الكذب في الشريعة أمرٌ قبيحٌ جداً، لكن لما كانت مصلحة إصلاح ذات البين أعظم من مفسدة الكذب رخَّصت فيه الشريعة، ولم تجعل فيه إثماً على من فعله لأجل الإصلاح بين الناس (4).
إن فوائد الصلح في المجتمع كثيرة، فلا تعدُّ ولا تحصى ومنها إنه يثمر إحلال الألفة مكان الفرقة، ويستأصل داء النزاع قبل أن يستفحل، ويحقن الدماء قبل أن تراق، ويوفر الأموال التي تنفق للمحامين بالحق وبالباطل، ويحمي الشهود من شهادة الزور، ويجنب المتشاجرين من الاعتداءات على الحقوق والنفوس والأعراض، وجعلت الشريعة للمصلح حقاً من الزكاة أو من بيت المال، لأداء ما تحمله من الديون بسبب الإصلاح، ولو كان قادراً على أدائها من ماله الخاص، فقال الله تعالى: وَالْغَارِمِينَ (5) وهم من تحملوا الديات لأجل الإصلاح بين الناس، وكف بعضهم عن قتل بعض.
__________
(1) -من المهاجرات الأوائل التي بايعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(2) -رواه البخاري.
(3) -رواه البخاري.
(4) -محاضرة للشيخ محمد صالح المنجد، م، س، ص 01.
(5) -سورة التوبة، الآية 60. (1/219)
صفحة 198
ترغيب الإسلام في تآخي المجتمع ونبذ الفرقة والشقاق:
إن الشريعة الإسلامية الغراء قد رغبت في جمع القلوب وتآلفها، والإصلاح بين الناس ليكون أمر المسلمين مجتمعاً، ولذلك جعلت الأخوَّة أمراً مرغوباً فيه، مُثاباً عليهالمن قام بحقه، وكذلك دعت إلى محاربة كل عوامل الفرقة والتشتت، ومقاومة كل ما يفسد الأخوة بين المسلمين، ولذلك ترى أن الشريعة قد أمرت بإفشاء السلام لتطييب القلوب، وإجابة الدعوة لتدعيم العلاقات، وعيادة المريض لمواساة كل ذي حاجة، ودعت إلى كل ما من شأنه أن يقرب بين المسلمين، ونهت عن الكذب والنميمة والغيبة، والبهتان، وعن الهمز واللمز والسخرية، وعن كل ما من شأنه أن يسيء العلاقة ويقطع المودة بين المسلمين.
وأصبح كثير من المسلمين اليوم أفرادًا ماديين تغلبت عليهم المصالح المادية، والإصرار على النزاع والمشاحنة حتى على الباطل، والتسابق إلى المحاكم، ولذلك فإن الخلافات لابد أن تكثر وتتفاقم تبعاً لذلك، فواجب الدعاة إلى الله عز وجل - بل وجميع المسلمين- القيام بجهود إصلاح ذات البين، وإزالة ما في النفوس من ضغائن وأحقاد (1).
تعريف المجتمع الميزابي الإباضي الجزائري:
تعدُّ منطقة «وادي ميزاب» قلعة من قلاع التاريخ الإسلامي، ومظهرا من مظاهر الحياة الإسلامية المحافظة على القيم الدينية والأخلاق النبيلة. وتتشكَّل هذه المنطقة من عدَّة مدن تُدعى بلاد الشبكة أو مدن ميزاب السبع (2).والمميز لهذه المنطقة أنها تسير معظم أمورها وشؤونها وفق نظام عريق يدعى بـ: «نظام العزابة»، الذي أضفى عليها طابعا إسلاميا؛ حضارة وثقافة وسلوكا واجتماعا، مما جعل هذا مجتمع هذه البلاد «مجتمعا مسجديا» ومثالا للمجتمع المسلم (3).
ويعتبر المذهب الإباضي، الذي له رؤية خاصة في بعض القضايا الاجتماعية
__________
(1) -محاضرة للشيخ محمد صالح المنجد، م س، ص 01.
(2) -وتتمثل في المدن التالية: العطف وغرداية ومليكة وبنورة وبني يزقن، والقرارة وبريان.
(3) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، ص11. (1/220)
صفحة 199
الإسلامية مثله مثل المذاهب الإسلامية الأخرى (1) والمذهب الإباضي المتبع في المنطقة هو أحد المذاهب الإسلامية، وقد عرف أتباعه منذ صدر الإسلام، وكانوا يسمون بـ «أهل الحق والاستقامة» أو «أهل الدعوة» ولم تختر لنفسها اسم الإباضية، بل دعاها به غيرها، نسبة إلى «عبد الله بن إباض»، ويعتقد الإباضية أن منهجهم هو الفهم الصحيح للإسلام كما أوضحته مصادره الأساسية من الكتاب والسنة، وسيرة الخلفاء الراشدين.
والمذهب الإباضي مذهبٌ أصيلٌ، تصدَّر المذاهب الإسلامية في نشأته، على يد التابعي «جابر بن زيد» (ت 86هـ /705م) الذي عُرف بمعارضته للحكم الأموي وتبرُّؤه من تطرف الخوارج. وقد وصل المذهب الإباضي إلى شمال إفريقيا بواسطة حملة العلم، ثم قيام «الدولة الرستمية» بتيهرت بين القرنين 2و3هـ، ثم الاستقرار في وادي ميزابووراجلان، جنوب الجزائر، فضلا عن المناطق الأخرى في ليبيا وتونس، حيث أسَّس أتباعه «نظام العزابة» الذي يُسير أمور مجتمعاتهم في كل الجوانب الدينية والاجتماعية إلى اليوم (2).
الهيئات المختصة بإصلاح ذات البين:
تتولَّى تسيير المجتمع الميزابي الإباضي عمومًا هيئاتٌ عرفية عريقة أسَّسها علماء المذهب منذ سقوط الدولة الرستمية، واتخذوها بديلا عن السلطة السياسية الحاكمة (3)، وقد حاولت النظم القانونية تكوين لجان الأحياء ولجان المصالحة لتخفِّف عن المحاكم. والخصام إذا كان أمام المحاكم لا يتخذ الوجهة الشرعية، والإنسان أمام مجلس الصلح ينطق بالحق والصواب لكنه إذا دخل المحكمة فإنه ينطق ولا يتحرى الحقيقة، وكل خصم يتهم الآخر بشيء. هذا ما عرف من طبيعة الخصام وتتطور الحالة وتتطور العقلية، ويكون هناك خصام وغالبا ما يكون الفجور، وهذا الفجور يولد الفجور الآخر، وكثيرا ما سمعنا البعض يصرحون ويقولون «والله إذا وضع خصمي رجله في النار فأنا ألقي نفسي كلها فيها» الباطل يلد الباطل، والفجور يجر إلى الفجور ... واتقاء لهذا كانت هذه النظم، ولهذا النظام
__________
(1) -بكير بن سعيد أوعوشت، وادي ميزاب في ظل الحضارة الإسلامية (دينيا، تاريخيا، اجتماعيا) المطبعة العربية غرداية الجزائر د، ط، د، ت، ص 30.
(2) -معجم المصطلحات الإباضية، ج 01 ص 02 وما بعدها.
(3) -د. محمد ناصر، حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، ص 03. (1/221)
صفحة 200
العشائري كما يريد الله لا لعصبية، ولا لأخذ الحكم والرئاسة عن بني فلان مثلا، كان معينا على طاعة الله ومساعدا على تنظيم الحياة الاجتماعية على أسس إسلامية، حيث يعين على إصلاح ذات البين والتدبير والنظر في شؤون الأرملة واليتيم الذي ضُيِّع حقه، ولو لم يكن له وكيل، ومن خرج عن هذا النهج فقد خان الله ورسوله والمؤمنين (1).
والإصلاح بين الأخوين أمر عام يجب الاعتناء به، لأنَّ حدوث التقاتل كثير ولا يخلو منه زمان ويقول الشيخ بيُّوض: «فقرية مثل قريتنا هذه لابد أن يكون فيها نزاعات لا تعدُّ في كل يوم، لا تخلو عشيرة، وربما لا تخلو منها دار، ومن كان يتولَّى بعضا من أمور الناس، إما بطريق الفتوى الشرعية، أو بطريقة السلطة الاجتماعية، كرؤساء العشائر والعائلات الذين ترفع إليهم الخصومات يعلمون من هذا الشيء الكثير، وأنا أعلم من هذا الشيء الكثير، ففي كل يوم ترفع إلينا منازعات بن زوج وزوجته وبين أب وابنه، على شكل أسئلة شرعية للاستفتاء أو استعانة للصلح، ولكننا من جهة أخرى نعلم أنه لم تقم في هذه القرية نفسها طائفة تقاتل طائفة منذ زمن بعيد والحمد لله» (2).
وتتهيكل الهيئات العرفية حسب الترتيب التصاعدي للنظر في قضايا إصلاح ذات البين كما يلي:
1 ـ مجلس العائلة.
2 ـ مجلس إدارة العشيرة.
3 ـ مجلس العزابة؛ إن كان الموضوع دينيا، وكان الأطراف رجالا.
4 ـ مجلس العزابيات «تيمسيريدين»؛ إن كان الموضوع دينيا وكان الأطراف من النساء.
5 ـ مجلس الأعيان؛ إن كان الموضوع مدنيا سياسيا.
6 ـ مجلس عمِّي سعيد؛ إذا كان الموضوع دينيا والأطراف أعلى من المدينة الواحدة.
7 ـ مجلس باعبد الرحمن الكرثي؛ إذا كان الموضوع مدنيا أو سياسيا والأطراف أعلى من المدينة الواحدة.
أولا: مجلس العائلة أو الأسرة:
لكل عائلة تحمل نفس اللقب العائلي مجلس عائلي يساعد العشيرة الكبرى في مهامها الاجتماعية والتربوية، والعائلة هي اللبنة الأولى في أي مجتمع، وهي الأقرب إلى إصلاح ذات البين بين أبنائها، فالدائرة ضيقة وأواصر القرابة قوية، ما يجعل طاعة
__________
(1) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، ص 91
(2) -الشيخ إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن ج20 ص 98. (1/222)
صفحة 201
الصغار للكبار قائمة وفعَّالة في إصلاح ذات البين بأيسر الطرق، وأقل تكلفة. والمجلس العائلي هو أول درجات الصلح والتصالح، فإن عجز رفع الأمر إلى العشيرة، والمجالس العائلية تدخل في مفهوم كلمة العشيرة، وهي دائما تجتمع للصلح بين المتنازعين ولا تتركهم يخسرون أموالهم باطلا، أو يتسابون ويتنازعون في أماكن أخرى (1).
ويقوم المجتمع الميزابي على الترابط والتعاون بين أفراد كل الأسر والتضحية الفردية من أجل الجماعة، وترتكز على تبادل الحقوق والواجبات، فالآباء يبذلون قصارى جهدهم لتربية أبنائهم دينيا واجتماعيا وأخلاقيا، والأبناء بدورهم يقومون برعاية الآباء صحيا ونفسيا واقتصاديا، ولهذه الرابطة الأسرية القوية دور فعال في فض كلِّ النزاعات وإصلاح ذات البين بالتنسيق بين العشيرة، التي تبلغ كل مجلس عائلة بأبنائها المتمردين أو المنحرفين عن الجادة والطريق السوي، فسرعان ما يجد المنحرف التوجيه والنصح، أو الردع للتصالح والتسامح والتنازل عما ليسه بحقه (2).
فلا يمكن أن يبقى الأمر فوضى بين جميع المسلمين؛ ولذلك العائلات ومن وراء العائلات القبائل، ومن وراء القبائل الشعوب، لأن هناك حقوقا لا يمكن التوصل إلى تنفيذها ولا إقامتها إلا بالتعارف، فعلى المجلس العائلي تعيين وكيل على كل يتيم وتقسيم الميراث والقيام بالواجبات كما أمر الشرع (3).
والمجلس العائلي يجتمع في دورات طارئة أو في مناسبات الأعياد في الغالب، وحسب القضايا التي تحدث بين أفراد العائلة، فكلما رفعت إليه قضية أو مشكلة، مباشرة من أفراد العشيرة أو تحال إليها من إدارة العشيرة بواسطة ممثلها في إدارة العشيرة، وإذا استلزم الأمر استدعاء شيوخ العائلة وعقلاءها ومن له علاقة بالقضية، لعقد مجلس عائلي لاقتراح حلول لها بطريقة عفوية بسيطة (4).
ثانيا: مجلس إدارة العشيرة:
تتكون كل مدينة في ميزاب من مجموعة من العشائر، ونظام العشيرة في ميزاب
__________
(1) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، مس، ص 91
(2) -بكير بن سعيد أوعوشت, وادي ميزاب في ظل الحضارة، م س ص 107و108.
(3) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، م، س، ص 89
(4) -المجلس العائلي، محمد بن حمودة حريز، ص 47. (1/223)
صفحة 202
ليس من باب العصبية فليس منا من دعا إلى عصبية (1)، وإنما من باب قوله تعالى يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (2)، وهي تحتل المرتبة الثانية بعد الأسرة، وتجمع بين أسرها رابطة الدم أو صداقة قديمة انضمت بعض العائلات إلى العشيرة وانصهرت فيها (3) فبالعشيرة تعرف الحقوق، وصلة الرحم، وحقوق الميراث، والولاية على اليتامى، وهي على المسلمين الأقرب فالأقرب، وتتمُّ التربية والتوجيه (4). فنظام العشيرة أمر شرعه الله وأمر به وأوجبه وعلق به حقوقا (5)، وكل عشيرة تتشكل من مجموعة من العائلات غالبا ما تنتسب إلى جد واحد، ولكل عشيرة مجلس أو إدارة تشرف على تسيير شؤونها، وهم علماؤها ومشايخها المتطوعون للعمل الاجتماعي، وهو مجلس معيَّن أو منتخب يشرف على إدارة شؤون وممتلكات العشيرة، يتم تكوين هذا المجلس بصيغ عدَّة حسب التطور التاريخي واختلاف العشائر والمدن، ومن ذلك مراعاة العمر والفعالية في الميدان، والنشاط الاجتماعي. ويعقد مجلس إدارة العشيرة جلساته دوريا بانتظام كل أسبوع أو شهر، حسب كلِّ عشيرة كما قد يعقد جلسات طارئة تستدعيها الظروف، ومن مهامه مراقبة سلوك أبناء العشيرة فإن تمادى أحدهم رفع أمره إلى حلقة العزابة لإصدار البراءة في حقه. وتقوم فض الخلافات بين أبنائها قبل أن تصل إلى القضاء الرسمي، والإشراف على شؤون زواج أبناء العشيرة ومساعدة الفقراء منهم، والتكفل باليتامى والأرامل والمحتاجين وتوزيع الزكاة ومتابعة تعليم أبنائها، وتدبير توظيفهم وتكوينهم وتزويجهم. وتطبيق أحكام قتل الدية الخطأ، وتعيين وكلاء على القصَّر، والحجر على أموال السفيه والتكفل بأهله، وتقسيم التركات، وضمان الحقوق عدلا وأداء، وكل ما يتضمن التكافل والتضامن الاجتماعي.
وقد شهد نظام العشيرة في ميزاب ووارجلان تطورا واضحا عبر التاريخ،
__________
(1) -جاء مقطوعا عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - جابر بن زيد عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - «من غشنا فليس منا ..... ودعا بدعوى الجاهلية فليس منا» الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، ج4، ص 237.
(2) -سورة الحجرات، الآية 13.
(3) -بكير بن سعيد أوعوشت، م، س، ص 107
(4) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، م، س، ص 89
(5) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، م، س، ص 89 (1/224)
صفحة 203
وطبيعة النظم الحاكمة المتعاقبة على الجزائر إلا أنه لا يزال بحاجة إلى تحديث آلياته الإدارية (1).
ولمجلس إدارة العشيرة الدور الأساسي والأول في فض المنازعات وإصلاح ذات البين كلما وصلت إليها شكوى أو تظلُّم من أي كان من داخل العشيرة أو من خارجها، فتستدعي إدارة العشيرة ابنها أو تحيل المشكلة إلى مجلس العائلة لينظر فيها أولا، فإن تحقَّق الحل ووقع التصالح فهو الهدف والغاية، وإلا تدخلت إدارة العشيرة لفض النزاع والتصالح بين المتخاصمين (2)، ورد المظالم وأخذ الحق للمظلوم، وإن عجزت وجَّهت المتخاصمين إلى العدالة الرسمية، وإن كان في القضية ظلمٌأوتمادي أوعصيان رُفع أمره إلى حلقة العزَّابة لتنظر في أمره.
ثالثا: حلقة العزَّابة:
بعد سقوط الدولة الرستمية ألحَّ أتباع المذهب الإباضي على أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائيأن يؤسس لهم نظاما تربويا واجتماعية يحافظون به على مجتمعهم ومذهبهم فكان ذلك عام 409هـ 1018م. والحلقة بدأت تربوية علمية، وسرعان ما تطورت لتصبح بمثابة نظام اجتماعي سياسي للجماعات الإباضية في مناطقها ببلاد المغرب الأدنى والأوسط.
العزَّابة جمع مفرده عزَّابي، مأخوذ من عَزَبَ عن أهله أو انفرد عنهم (3) واصطلاحا تعني الذي قال فيها أحمد بن سعيد الدر جيني «هذه اللفظة استعملتها لقبا لكل من لازم الطريق وطلب العلم وسير أهل الخير وحافظ عليها وعمل بها، فإن حسن جميع هذه الصفات سمي عزَّابيا» (4) وسموا بذلك لانقطاعهم إلى الله بالاشتغال بأمور الدين وطلب العلم ونشره، والتفرغ أكثر لخدمة مصالح المسلمين تطوُّعا.
__________
(1) -معجم مصطلحات الإباضية، ج02 ص 709.
(2) -بكير بن سعيد اوعوشت, وادي ميزاب في ظل الحضارة، م س ص 107.
(3) -ابن منظور جمال الدين محمد بن مكرم, لسان العرب دار لسان العرب بيروت دطدت2/ 762,763.
(4) -أبو العباس الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق وطبع إبراهيم طلاي مطبعة البعث، 1974، ج01 ص 03 و04. (1/225)
صفحة 204
وحلقة العزابة أو مجلس العزابة كلها مصطلحات تُستعمل في المراجع مترادفة وهي في أصلها تمثل مراحل تطور النظام. نظام العزابة هيئة تقوم مقام إمامة الظهور في مسلك الكتمان عند إباضية المغرب، هي هيئةٌ بديلة عن نظام الإمامة الكاملة عمرها تجاوز عشرة قرون (1)، ويشترط في العزابي أن يكون:
متأدبا كيسا، ويمتاز بالأخلاق الحسنة، وحسن العشرة، والتواضع والتأدب مع الناس، وأن يكون من قدماء هيئة التلاميذ «إيروان» (2)، مستعدا للتضحية في سبيل الله وخدمة المسلمين، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر.
يتكوَّن مجلس العزابة غالبا من 12 عضوا، إلا أنَّ ضرورة توسع المجتمع وكثرة شؤونه وعجز كبار السن منهم تجاوز تعدادُ أعضاء الحلقة إلى الثلاثين والأربعين، هم بحسب وظائفهم: منهم شيخ الحلقة: يقوم بالوعظ والتذكير ويعلن الولاية والبراءة. وإمام الصلاة: يؤم الجماعة ويشرف على عقود الزواج في المسجد. والمؤذن: يؤذن للصلاة وينوب الإمام عند غيابه. ووكيلا المسجد: يشرفان على أملاك المسجد وأوقافه. وقاضي البلدة: يفصل في النوازل.
ومن مهام نظام العزابةالعناية بشؤون المجتمع الدينية والثقافية الاقتصادية والسياسية. والتكفُّل بالتعليم، ومراقبة السوق حسب ضوابط الحسبة. وتجسيد الولاية والبراءة. والتنسيق مع الهيئة النسوية تسمى «تمسيريدين» (3) فيما يتعلق بشؤون المرأة.
وقد تطور نظام العزابة مع تطور حاجيات المجتمع حتى أصبح القيادة الروحية العليا للمجتمع من المسجد وصومعته الهرمية التي تعلو كل مدينة من مدن ميزاب، فالمسجد الذي يمثلا هيكليا وعمرانيا قلب البلدة وقمَّة هرمها مما يوحي لكل أفراد المجتمع بضرورة الانصياع والطاعة والانضواء تحت لواء المسجد والعزابة والاعتراف لهم بالسيادة والتوجيه والرعاية (4).
والمسجد عموما عند كل المسلمين هو رمز الشريعة والفتوى وإقامة الحكم،
__________
(1) -عبد الرحمن أيوب، سير أبي زكريا الوارجلاني ص 254.
(2) -هي جماعة أو حلقة تضم حفظة القرآن الكريم والمتفرغين لطلب العلم الشرعي.
(3) -حلقة من نساء صالحات تعمل مع العزابة في إرشاد وتوجيه المجتمع النسوي.
(4) -د. محمد ناصر، حلقة العزابة، م س ص 04. (1/226)
صفحة 205
ويعترفون له بإدارة دفة أمورهم في جميع مناحي الحياة وفق تعاليم الدين الإسلامي في العبادات والمعاملات والفصل في المنازعات وإصلاح ذات البين (1).
وهيئة العزابة هي الهيئة العليا في البلدة على الإطلاق، لها النفوذ الروحي على المجتمع الإباضي والسلطة المطلقة في كلِّ ماله علاقة بالدين والمجتمع، ولهم جلسة أسبوعية بمقرهم بالمسجد، ويرأس الحلقة شيخُها، وللمجلس مهامٌّ دينية تشمل تسيير المسجد، وإقامة الصلوات، وتسيير كتاتيب القرآن، وإلقاء الدروس والخطب والفتوى وغيرها، وفي المهام الاجتماعية تُشرفُ حلقة العزابة على الأعراس الفردية أو الجماعية، وتنظيم كل العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع في الأفراح والأتراح، من تنظيم الخطوبة والزواج والطلاق وتحديد المهور، وحجم الولائم ونوع الحفلات وضوابطها الشرعية، إلى فضِّ النزاعات وتقسيم التركات، وتنفيذ الوصايا، وجمع الزكاة وتوزيعها، وإصلاح ذات البين، بين كل المتخاصمين أزواجا كانوا أم شركاء وتسلط على المتمرد عن أحكامها وقراراتها، عقوبة المقاطعة أو البراءة (2)، ولهذه العقوبة دور فعال في ردع المجاهرين بالمعاصي، فسرعان ما يرتدعون ويعلنون التوبة علنا في المسجد فيُعفى عنهم ويعودون إلى الصف، ويرجعون المظالم إلى أصحابها (3).
كما كان لحلقة العزابة دور فعال في فضِّ النزاعات وإصلاح ذات البين عندما كانت «المحاكم الشرعية» قائمة قبل استقلال الجزائر، وكان قضاتها يُعيَّنون من قبل المجلس الأعلى لحلقات العزابة بوادي ميزاب وهو مجلس «عمي سعيد»، فكان القضاة العزابة يقومون بدور كبير في الصلح والتصالح، وإصلاح ذات البين بين المتخاصمين في أمور الأحوال الشخصية والمدنية، وهذا قبل إصدار الحكم القضائي عليهم.
ويقصُّ الشيخ بيُّوض حادثة واقعية قام بها منذ ثلاثين سنة لإصلاح ذات البين بين متخاصمين كانا عازمين على الذهاب إلى المحكمة فيقول: «مر بي ذات يوم رجل
__________
(1) -د. علي محمد الصلابي، السيرة النبوية، دار المعرفة بيروت، ص307.
(2) -البراءة: هي المقاطعة والهجران الاجتماعي لكل من جاهر بالمعاصي ولم يتب، وتأصيلها عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك سنة 09هـ. وللإباضية تفاصيل عقدية في العقيدة: باب الولاية والبراءة، انظر د. علي صلابي, م س ص 838.
(3) -د. محمد ناصر، حلقة العزابة، م س ص 30. (1/227)
صفحة 206
مسرعا فناديته وقلت له: إلى أين يا فلان؟ فقال: إلى المحكمة لأخرج ورقة ضدَّ فلان، فقلت له اجلس مكانك فجلس، ورحت أكلمه، وبعد دقائق معدودة مرَّ خصمه فناديته وجلس، ولم تكد تمرُّ إلا بعض لحظات حتَّى سويت القضية بينهما وقاما متحابين. وهكذا يجب انتهاز الفرص وعدم التأخُّر فقد يمكن أن تصلح بين اثنين في دقيقتين» (1).
من أمثلة العزابة الذين اشتهروا بجهودهم في مجال إصلاح ذات البين «الشيخ يوسف بن بكير حمو علي»، فكلما رفعت قضية أو شكوى لاسترجاع حق أو دفع مضرة بين متخاصمين إلاَّ وأمرت الحلقة عضوها من عشائرهما أن تنظر في قضيتها على مستوى إدارتها، وإذا استنكفا عنها فإن الحلقة تعقد جلسة طارئة للنظر في القضية وتميز الظالم والمظلوم فيها فإذا اتضح الحق عيَّنت الحلقة وسيطا ليصلح بينهما بالعدل فإن استجابا للأمر ورضخا له حُسم النزاع، وإلاَّ فإن الحلقة تستدعيهما إلى «تامنايت» تحت إشراف «الشيخ يوسف»، لتنظر في أمرهما وإقناعهما بالتنازل والتصالح، وإذا أصرَّ أحد الطرفين ولم يقبل الحل المقترح عليهما من طرف العزابة تعلن منه البراءة حتى يفيء إلى أمر الله. وكثيرا ما يوفَّق الشيخ يوسف إلى إرجاع المياه إلى مجاريها بفضل العدل ومقارعة الطرفين بالحجة والأدلة الشرعية، وتذكير الظالم بما ينتظره من عواقب وعقوبات صارمة في الدنيا والآخرة، وأعظم صلح سعى فيه الشيخ يوسف ووفقه الله فيه هو ومساعدوه من أعيان البلدة وأعضاء حلقة العزابة هو الصلح الذي أشرف عليه لإطفاء لهيب الفتنة التي دامت قرابة 17 سنة بمدينة العطف، وذلك سنة 1962م حين اجتمعت البلدة لإعلان المصالحة العامَّة. وإذا عجزت الحلقة في حلِّ بعض المشاكل فإنها ترفع إلى «مجلس عمي سعيد» (2).
ومازالت حلقة العزابة إلى اليوم تمارس عقد مجالس الصلح بين المتخاصمين بعد عجز أو فشل جهود المجالس العائلية ومجالس العشائر؛ حيث يرفع الأمر إلى حلقة العزابة باعتبارها آخر درجات محاولات الصلح، فالمجتمع يتكون من مؤسسات حفظته إلى اليوم عبر القرون، ولا تزال بقية خير، وهذه المؤسسات تبدأ من المسجد وتنتهي بالأسرة (3).
__________
(1) -الشيخ إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن ج 20 ص 101.
(2) -العلامة يوسف بن بكير حمو علي، أحمد بن حمو كروم ص 26
(3) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، م، س، ص 140 (1/228)
صفحة 207
رابعا: حلقة العزابيات أو: " تمسيريدين "
مجموعة من النساء غالبا ما يكون مقرُّهن خلف المسجد ولمهمتهن الأساسية علاقة بتسميتهم بـ «تمسيردين» بالميزابية ومعناها «غسل الموتى» من الإناث والأطفال دون البلوغ، والقيام بالإجراءات الضرورية في تجهيزهم. وتشرف على المجتمع النسوي تحت إشراف ووصاية حلقة العزابة، والإشراف على سير العائلات وقمع الإسراف والبدع في المجتمع النسوي وإبلاغ ذلك لمجلس العزابة (1) ويتشكل هذا المجلس من النساء الصالحات العاملات في المجال الدعوي ولهم خبرة بالمسائل النسوية.
وهذا التنظيم مرتبط بنظام العزابة، فهو مجلس استشاري تنفيذي تحت وصاية العزابة، وعمل «تمسيردين» تطوعي تلقائي يدل على أن النظام الاجتماعي لإباضية ميزاب قد التفت إلى المرأة وأدى حقوقها وخصها بخدمة متميزة منظمة عملا بالسنة النبوية (2).
ومن مهامِّه الإشراف على المجتمع النسوي بمعالجة القضايا الدينية والاجتماعية والأخلاقية، وحل المشاكل العائلية والاجتماعية، كالزواج، والأعراس، والطلاق، وكل شؤون المرأة، وما يقع في المجتمع النسوي من مناكر (3) وللعزابيات دور كبير في فضِّ الخصومات وإصلاح ذات البين بين المتشاجرات والمتخاصمات من النساء، بالوعظ والإرشاد، وإحقاق الحق ونصرة المظلومات، ومعاقبة المعتديات من النساء بالاستعانة بمجلس العزابة من الرجال (4).
خامسا:: مجلس الأعيان:
مجلس قيادي تنفيذي موسَّع يضمُّ ممثلي عشائر البلدة، وممثلي المحاضر ووجهاء الناس من الذين لهم دراية بالأمور المدنية والسياسية والعلاقات العامَّة، في كل مدينة من مدن ميزاب بالجزائر، يُعنى بالشؤون العامَّة للمدينة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من حملات تطوعية ونظافة البلدة وبناء الأسوار والأبراج للمراقبة والدفاع، وفي المدة الأخيرة اتسعت ليضم بالإضافة إلى من ذكر مختلف جمعيات البلدة وممثلين المجالس
__________
(1) -الشيخ أبو اليقظان، كيف كان النظام الديني والاجتماعي في القرارة، مخطوط، ص 03.
(2) -معجم مصطلحات الإباضية، ج01 ص156.
(3) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، م، س، ص 111.
(4) -بكير بن سعيد أوعوشت, وادي ميزاب في ظل الحضارة، م س ص 110. (1/229)
صفحة 208
الشعبية المنتخبة، وهو يعتبر تطورًا لمجلسي الضُمَّان والعوام.
وقد يما كان يسمى بمجلس العوام من غير الطلبة، يساعدون العزابة في المهام التنفيذية (1).
ولمجلس الأعيان دور في مهمَّة إصلاح ذات البين خصوصا في العلاقات العامة والخلافات التي تحدث في البلدة بين العشائر والأعراش المتساكنة في البلدة من غير الإباضية، ومع السلطة الحاكمة والإدارة المحلية، من عهد القياد والسلطة الفرنسية والبلدية والحزب، فتكلف لكل مشكلة أو نزاع لجنة من العقلاء والمتمرسين للتفاوض والحوار واقتراح الحلول المناسبة لفك النزاع القائم.
ولا زالت الهيئات العرفية تبذل جهودًا جبارة في المحافظة على هذا المجتمع المسجدي المتعاون المبني على التضحية ونكران الذات، وتسميته بالمجتمع المسجدي أو مجتمع القرآنأوالصلاة لا يعني أنه مجتمع بطَّال لا يعمل ويبقى بين سواري المسجد معتكفا للعبادة صباح مساء، بل يتفرَّق أفراد المجتمع بعد أداء الصلاة إلى العمل الدنيوي في المزارع والمتاجر والمصانع والوظائف، فلا يخدم الآخرة إلا من خدم الدنيا، ولا يخدم الدنيا إلا من خدم الآخرة (2) قال الشيخ أبو نصر رحمه الله (3):
أحبُّ الفتى ماضي العزيمةِ حازمًالِدُنيا وَأُخرى عاملاًبِالتَّشَمُّرِ (4)
سادسا: المجلس الأعلى لعزابة وادي ميزاب ـ مجلس عمي سعيد (5):
المجلس الأعلى للعزابة في وادي ميزاب بالجزائر سُمي بمجلس عمي سعيد أو «أَمِّي سعيد» لأنه كان يعقد اجتماعه في روضة الشيخ عمي سعيد بن علي الجربي بمدينة غرداية بميزاب، يضم ممثلي مجالس العزابة في قرى وادي ميزاب السبعة ووارجلان،
__________
(1) -د. محمد ناصر، حلقة العزابة، م س ص 13.
(2) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، م، س، ص 130
(3) -هو أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي نسبة إلى مدينة (تملوشايت) في جبل نفوسة بليبيا، هو من علماء القرن السابع الهجري، شاعر ولغوي وفقيه وقاص، له منظومات كثيرة في أصول الدين والفقه والوعظ والإرشاد.
(4) -مطلع القصيدة: سَمَا مَن سَمَا بالجدِّ والعزمِ والصبرِ *** وَسَهْرِ الليالي وَالسُّرى والتهَجُّرِ
(5) -هو العالم سعيد بن علي بن بوحميدة بن عبد الرزاق بن سعيد الخيري الجربي المتوفى سنة 898هـ (1/230)
صفحة 209
ولذلك يعتبر المجلس الأعلى لإباضية الجزائر ويعين أكبر علمائه وأكثرهم حصافة وشجاعة لرئاسته ويكون شيخ وادي ميزاب كله (1)، ينعقد هذا المجلس في دورات عادية وقد ينعقد بصفة طارئة إذا دعت الضرورة إلى ذلك. وترفع إليه القضايا الكبرى كالإفتاء والاجتهاد في القضايا الفقهية والنوازل، ويقوم بوظيفة محكمة الاستئناف بإصدار أحكام نهائية، ومن مهامه:
* ـ اختيار الأقوال الفقهية التي يجب أن يفتي بها العزابة أو يقضي بها القضاة في المسائل الخلافية.
* ـ سنُّ القوانين في دائرة الدين لتصبح عُرفًا اجتماعيًّا مُلزما.
* ـ فضُّ المشاكل العامَّة التي تحدث في وادي ميزاب و وارجلان.
* ـ الإجماعُ على طُرق الخروج من الأزمات الطارئة؛ كنائبة نزلت، أو عدو مغير.
* ـ تولية المشايخ في المساجد للوعظ والإفتاء.
* ـ مراقبة أوقاف الإباضية في الجزائر وخارجها ومتابعتها.
* ـ وضع اللوائح الداخلية التي تخصُّ سير الحياة بالمدن بشكل عام؛ مثل تجويز التعامل بسكة نقد معينة، أو رفض أخرى أجنبية مثلا ماضيا، وكذلك تحديد المكاييل والموازين إلى آخره.
على أنَّ سلطة الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي احتل ميزاب سنة 1300هـ 1882م قد حدَّت كثيرًا من مهام هذا المجلس؛ فبعد أن كانت له سلطة فعلية في المجال الاجتماعي والقضائي والسياسي والاقتصادي توارثها منذ القدم، تقلصت هذه الوظائف الحيوية وألغيت كثير من مهامه التي جعله إمامة صغرى، ولم يبقى له اليوم إلاَّ المجال الديني وبعض القضايا الاجتماعية المحلية (2).
وللمجلس مهامٌّ عليا في إصلاح ذات البين؛ بتشكيل لجان فرعية، وتكليفها بالنظر في النزاع أو الخلاف الذي نشأ بين عرشين أو عشيرتين، أو فريقين، وغالبا ما ترفع إليه القضايا الهامة والخطيرة التي تتجاوز مجالس عزابة المدينة الواحدة.
سابعا: المجلس الأعلى مجالس أعيان ميزاب ـ مجلس با عبد الرحمن الكرثي:
__________
(1) -بكير بن سعيد اوعوشت، م، س، ص 111
(2) -معجم مصطلحات الإباضية، ج02 ص751. (1/231)
صفحة 210
المجلس الذي اتخذ من روضة با عبد الرحمان الكرثي في بلدة مليكة ميزاب الجزائر مقرا له، وسمي نسبة إليه، ويلتئم كلما دعت الحاجة إلى ذلك، ومجلس الكرثي تمثيلي يضمُّ ممثلي هيئات العزابة في قرى وادي ميزاب، ورؤساء الجماعات والأعيان، ويمثل كل قرية ثلاثة أعضاء، باستثناء مدينة غرداية التي يمثلها ستة أشخاص، وقد يتغيَّر هذا العدد، ينعقد هذا المجلس لغرض التقنين والتنظيم والبث في النوازل والمستجدات الاجتماعية والسياسية التي تمسُّ علاقة الميزابيين بالدولة الجزائرية، ويراعي بقراراته مصلحة الأمة في إطار الشرع الحنيف، ولم نقف على تاريخ نشأته وتأسيسه إلاَّ أن أقدم وثيقة له تعود إلى سنة 807هـ 1405م، ولا يزال هذا المجلس يمارس مهامه إلى اليوم، وهو الذي يقرر مرشَّح المنطقة للانتخابات، ويبثُّ في القضايا السياسية المستجدَّة غير أنَّ قراراته السياسية لا تحمل دوما طابعا إلزاميا، بقدر ما هي ذات طابع إعلامي وتوجيهي للرأي العام الميزابي (1).
وفي مجال إصلاح ذات البين ترفع إلى المجلس القضايا الخطيرة والهامَّة التي تتجاوز مجالس أعيان كل مدينة، مثل القضايا التي تتضمن التفاوض أو الحوار مع جهة خارج وادي ميزاب، أو حلِّ مشكلة تهمُّ وتمسُّ كل الميزابيين في الجزائر؛ فيشكل «مجلس الكرثي» وفدًا وينتقل إلى الجهة المعنية للتفاوض والصلح، لما فيه المصلحة العامة لميزاب وللوطن كله.
(نهاية الجزء الأول)
- - -
__________
(1) -نفس المرجع، ج02،ص 907. (1/232)
صفحة 211
الشيخ بيّوض إبراهيم بن عمر
وبناء الشخصية العلمية
أ: الشيخ بالحاج عيسى بن محمد
أستاذ بمعهد الحياة ـــ القرارة ـــ الجزائر
م
ما أجمل أن تحييَ في نفوس أبنائنا أجمل المناسبات، ونغرس في قلوبهم أسمى العظات، فنقصَّ عليهم جميل الذكريات، ونحكي لهم جليل المكرُمات، عن أنبل أسلاف مضوا، وأكرم أمجاد قضوا، مدًّا لبارقة الأمل، وشحذا لعزيمة العمل، واستنارة لدرب الحياة مهما امتدَّ بها الأجل، امتثالا لقوله تعالى: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وقوله: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُومِنُونَ وبخاصةفيهذهالعصورالأخيرةالتيِّفترتفيهاالعزائم، وسقطتفيهاالعمائم، وغشي سماء الفضيلة الغمائم، وطغت على النفوس المغانم، واشتدَّ فيها تكالُبُ قوى الشرِّ دون هوادة، وازداد فيها تقارب ملل الكفر في فظاظة، مكشِّرة أنيابها في صلف، ومبرزة مخالبها في شغف، تبغي التهام ما تبقَّى في الأمَّة من أوصال، وتنوي تدمير ما تبدَّى فيها من أطلال، لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنَ اَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمُ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ حتىَّلقدصدقفيهاوصفالأديبالشاعر «محمودغنيم» في قصيدته «وقفة على طلل»:
أنَّى اتَّجهتَ إلى الإسلامِ في بلدٍ تجدْهُ كالطَّيرِ مَقصُوصًا جَنَاحَاهُ
وَيْحَ العروبةِ كانَ الكونُ مسْرَحَها فأصبَحتْ تَتَوارى في زَوَايَاهُ
إنَّنا اليوم بعد أكثر من ثلاثين حجَّة كاملة من التحاق الشيخ بيُّوض بالرفيق الأعلى حيث الأحبةُ محمَّدٌ وصحبه، نستمع إلى دروسه تُذاع في المسجد، أو تبثُّ عبر الأمواج، أو من خلال (1/233)
صفحة 212
الأشرطة والأقراص، لنجد لتلك الدُّروس ما نجد من المتعة واللَّذَّة، فتشدُّنا إلى متابعتها شدًّا، وكأنَّ الشيخ: يعيش واقعنا الذي نحياه بعد ثلاثين عامًا من وفاته. وتلك لعمري ميزة من يفهم كتاب الله حقَّ الفهم، ويعيه تمام الوعي، ويبلِّغه أحسن تبليغ، - وإن عزَّ اليوم مثل هذا النوع من العلماء الربَّانيِّين - هذا ما لمسناه من الشَّيخ بيُّوض:، الذي كان قرآنا يمشي على رجلين بين أحبابه، كما كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - رسولا يعيش بين أصحابه؛ فاستطاع بذلك أن يمتلك قلوب شانئيه قبل قلوب محبِّيه، وأن يبني مجتمعا فاضلا يعيش القرآن بين جوانبه، ويسري الهدى في أوصاله، وهذا ما يفتقده كثير ممَّن اتَّخذوا القرآن ميدانا لتباري الأقلام والأقوال، لا ميدانا لتجسيد الحقائق والأعمال، الشيء الذي يجعل القرآنَ يُرفع شعارًا، أو يُتستَّر به دثارًا.
إنَّ المرء إذا راح يتأمل ما خلَّفه الشيخ بيوض: من تراث معرفي ضخم، طوال سبعين عاما من الكفاح العلمي، خلَّده في الرؤوس، أو سطَّره في الطروس، أو سجَّله في الدروس، أو غرسه في النفوس، ليندهش عجَبًا من سعة علمه، وغزارة نبعه، وصفاء معينه، ونقاء بديعه، حتىَّ ليتخيَّل المرء نفسه أمام موسوعة علمية كاملة، أو تجاه دائرة معارف شاملة، يلتمس منه غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم ما شاء من دقيق الفنون، كما تمتصُّ النحلةُ رحيق مختلف الزهور وهي تحوم في مريج الجنان، وقد لا أكون مخطئا إن قلت لعلني أكثرُكم للشيخ استماعا لا استيعابا، وعلى ميراثه انكبابا، لا لشخصه اصطحابا، أجدني أقفُ حيرانا أمام هذا العبقري الفذِّوالعصاميِّ الفحل، الذي ارتقى يافعًا عمرُه مصافَّ العلماء، واعتلى طرًّا شاربُه مضمار الزعماء، وبلغ في أول عمره ما لا يبلغه غيره في آخره، فتعدَّدت جوانبُ شخصيته، وتعالت مراتب سؤدده، هذا الذي يجعل الفكر اللبيب يحار فيثير جملة من الإشكالات، أو يطرح حزمة من التساؤلات: من أين اكتسب الشيخ بيُّوض كلَّ هذه العلوم المتعددة، وكيف تحصَّل على كلِّ تلك المعارف المتنوعة، في أيِّ كلية درج، ومن أيٍّ جامعة خرج، ومن هم الأساتذة الذين خرَّجوه وصنعوه، وكيف استطاع أن يستوعب كلَّ تلك العلوم، ويبرَّز في كلِّ تلك الفنون، ويتبوَّأ أستاذًا نابغا وعلما فذًّا لا يشق له غبار، تشدُّ إلى رحابه الرِّكاب، وتسير بذكره الركبان؟
إنَّني لن أحدِّثكم ولن أستطيع مهما أوتيت من فصاحة وقوَّة بيان، وحكمة وفصل خطاب عن تليد أمجاده، وجليل أعماله التي بزَّ فيها أقرانا، وطاول السماء أعنانا، وركب المجد أفنانا، فكان كما البحتريُّ: (1/234)
صفحة 213
دانٍ على أيدي العُفاةِ وشاسِعٌ عن كلِّ ندٍّ في النَّدى وضَرِيبُ
كالبدرِ أفرَطَ في العُلوِّ وضوؤُه للعصبةِ السَّارينَ جِدُّ قريبُ
فهل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض العالمِ النِّحرير الذي بلغ من العلم مداه، وتردَّد في الكون صداه؟
أم هل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض المفسِّر الملهم، الذي أمضى سوادَه وبياضَه في رحاب القرآن صائلا، لأسمى معانيه صائغا، ولأسنى درره غائصا، حتَّى لانت له بدائع آياته في فهم سديد، كما لانت للنبيء داود؛ سبائك الحديد؟
أم هل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض المصلح الاجتماعيِّ الذي حلب الدهرَ أشطره، وفتله بين ذروته وغاربه، وعرف سياسة العباد، وخبر طبائع الاستبداد، فكان لأمَّته خيرة الرُّواد، سالكا بها سبيل الرَّشاد؟
أم هل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض المعلِّم العبقريِّ، والأستاذ الألمعيِّ الذي أحنت ظهرَه قرونٌ من أبناء الأمَّة المتعاقبين، واستضاءت من نوره بدور في الخافقين، فكانوا في دجى الليالي هداة للسالكين؟
أم هل أحدِّثكم عن الشَّيخ بيُّوض الرَّجل السياسيِّ المحنَّك الذي دخل كواليسها، وأتقن ألاعيبها، وسلم من أحابيلها، وبلغ بدهائه أقصى مراقيها؟
إنَّني لن أجد الآن من الوقت الكافي، ومن الإصغاء الضافي، ما يجعلني أستعرض مع حضراتكم الحسيبة، وبين رياضكم الخصيبة، الأسباب التي تضافرت فأخرجت لنا هذا الطود العلم - ما أكثرها- والريَّاح التيِّ تلاقحت فتمخَّضت عن هذا الطود الأشمِّ -وما أطيبها- فلكلٍّ منها وقفة خاصَّة تستوجب علينا جميل العرض لاستيفاء الغرض، وحسنَ الأداء ليتم الاقتداء، وفي مثله حقًّا يصدق قول أبي نواس:
أوجده الله فما مثله لطالب ذاك ولا ناشدُ
وليس على الله بمستنكرٍ أن يجمع العالَم في واحدِ
واسمحوا لي أيَّها السادة الأكارم، يا من تَنشُدُونَ الأسوة من الأعاظم، وتستمدُّون القدوة من الأكارم، أن أقف معكم مع سبب واحد من تلك الأسباب ولا أزيد، أجعله (1/233)
صفحة 214
مدار هذا الحديث ولا أََحيد، وإن كنت لحسن الاختيار قد لا أُجيد. وإنَّما نظرت هذا السبب دون غيره، لأنَّني وجدته القاعدةَ التيِّ ارتفعت عليها بقيَّة الأسباب، والمنَّةَ التي يرعاها مزجي السحاب، والحقيقةَ التيِّ لن تحول يوما إلى سراب، وبدونه آلت الأمور إلى يباب، والعبرةَ التي تعنينا بدءًا معشر الطلاب، السامكين دأبا ذرى المعالي أو يبلغوا السحاب.
فهل أدركتم بعد إخوتي الفضلاء ويا أحبَّتي النُّبلاء السَّبب الذي أعنيه، ودريتم الهدف الذي أرميه؟؟
أي نعم وربِّ الكعبة أدركنا ودرينا، وما ذاك بأمر عويص، أو ما لنا عنه من محيص، إنه الإقبال المديد على العلم، والشغف الشديد بالقراءة، تصديقا لقول من لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء: ژ????ژ.
أليس هذا أوَّلَ ما يعنينا أن ندركه، وأولى ما ينبغي علينا أن نعرفه، من سيرة شيخنا هذا الذي به نفخر، وبمآثره نجهر، وقد بلغ عنان السماء مجدا لن يحول، وغدا في آفاق الغبراء نجما ما له من أفول، فهيَّا اصحبني أُخيَّ العزيز في هذه الرحلة الخالدة، وانطلق معي لتكتشف بنفسك تلك المآثر التَّالدة، وسأحدث لك عن كلِّ شيء منه ذكرا، ولا تخش من صحبتي فلن أقول لك ما قال العبد الصالح لموسى؛ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا، فاستمع لِمَا يوحى لتكون لك منه العبرة، وتخلد في نفسك الذكرى، ما خلَّد الشَّيخ من الذكر، ويا ما أصدق أمير الشعراء شوقي في قوله:
دقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لهُ إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوَانِ
فارفَعْلنفسِكَقبل مَوتِكَ ذِكْرَها فالذكرُ للإنسانِ عُمرٌ ثانِ
واستجلاءً لحقيقة ما حدستُه من الأسباب، وتثبيتا لِمَا حسبتُه في الألباب، وكي لا يقع لنا ارتياب، فهلمُّوا جميعا نطرح على شيخنا الجليل الشَّيخ بيُّوض وقد تجاوز السبعين، السؤال الذي طرحه عليه مؤرِّخ الإسلام البصير، صاحب تاريخ المغرب الكبير: المرحوم الشَّيخ محمَّد علي دبُّوز القدير، ليأتينا منه فصل الخطاب، وننظر كيف كان منه الجواب:
يقول السؤال: لقد قلتم لي في مجلسكم الماضي، إن أحبَّ شيء إليكم هو القراءة، فهل هناك أشياء تحبُّونها، وتشغفون بها في الحياة كالقراءة؟ (1/234)
صفحة 215
يجيب الشَّيخ بيُّوض: قائلا: «ليس لي في هذه الحياة شيءٌ غير القراءة، فهي هوايتي، وهي لذَّتي، وأودُّ أنْ أقضي فيها يومي كلَّه، ليلي ونهاري، إنَّها ألذُّ شيء لي في هذه الحياة، وإنَّني لا أشبع منها أبدًا. وهوايتي الأخرى هي التَّدريس والتقرير، وإنَّ ألذَّ ساعات حياتي مُقامي أمام الطلبة وقت الدرس». اهـ.
لعلَّ أكثرنا اليوم لا يستطيب إدمان الجلوس مع خير جليس في الزمان، ولا يتمتَّع بحلاوة المداومة على القراءة حيثما كان، ولا يتلذَّذ من الاغتراف من ودك ملازمة المطالعة في كلِّ آن، لأنَّها مركَّزة بنسبة عالية لا يقوى عليها إلاَّ من سلم فكره من رواسب مسكَّرات اللَّهو، ولا يسعى إليها إلاَّ من امتنع ذهنه من مخلَّفات دهونات الدعة، أمثال شيخنا الذي كان يردِّد كثيرًا مقولة شاعر الفقهاء، الإمام الشافعي::
سهري لتنقيحِ العلومِ ألذُّ لِي من وَصْلِ غانيةٍ وطيبِ عِناقِ
وصريرُ أقلامي على صَفَحاتِها أحلَى من الدَّوكاءِ والعُشَّاقِ
وتمايلي طربا لحلِّ عويصة في الدرس أشهى من مدامة ساقي
أأبيت سهران الدَّجى وتبيته نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي
وكم كان يُعجب كثيرا بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي، وبخاصَّة قوله:
أنا من بدَّل بالكُتْبِ الصِّحابَا ولم أجد لي وفيًّا إلاَّ الكتابَا
كلَّما أخلقْتُهُ جَدَّدَني وكسانِيمن حُلَيِّ الفضْل ثيابَا
صُحبَةٌ لم أشُكَّ منها رِيبَةً ووِدَادٌ لم يكلِّفني عِتَابَا
إنَّ للنبوغ علامات مبكرة تظهر في السنوات الأولى من عمر الطفل، بل في أيامه الأولى بما يبدو عليه من اهتمام متميز، وتركيز ملفت، تجعل ممَّن يلاحظ تصرفاته ويتابع حركاته يتوسم فيه مستقبلا واعدًا، وعمرًا ماجدًا، وتأريخًا خالدًا، على قول الشاعر الفحل أبي تمَّام:
لَهفي عَلى تِلكَ الشَواهِدِ فيهِما لَو أُمهِلَتُ حَتَّى تَكونَ شَمائِلا
إِنَّ الهِلالَ إِذا رَأَيتَ نُمُوَّهُ أَيقَنتَ أَن سَيَكونُ بَدراً كامِلا (1/235)
صفحة 216
وهذا ما بدا في الولد إبراهيم بن عمر بيوض، في سنِّه المبكرة جدًّا كما سنتبيَّنه من خلال مراحل تعلُّمه خلال العشرين سنة من عمره، وما بذله من جهود مضنية في السنوات العجاف التيِّ مرَّت بها الجزائر تحت نير ظلمة الاستعمار الفرنسي الذي يخنق كلَّ نفس للعلم، وكلَّ حشرجة للتعلُّم، وبخاصة جنوب الجزائر الذي يرزح تحت وطأة الحكم العسكري الغاشم الذي ينوء بكلكله على صدور العلماء والمحاريب، ويطيح بجبروته بالمدارس والكتاتيب، ويطمس كلَّ مشكاة يشعُّ منها قبس من نور العلم والإيمان. وسنعرض في بحثنا هذا إلى أربعة مراحل:
*- أوَّلا: الطفولة المنزلية، (مرحلة الحضانة)
*- ثانيا: كُتَّاب الشيخ الحاج محمد بن يوسف العطفاوي، (مرحلة التعليم الابتدائي)
*- ثالثا: معهد الحاج إبراهيم الإبريكي، (مرحلة التعليم المتوسط)
*- رابعا: معهد الحاج عمر بن يحيى (مرحلة التعليم الثانوي)
مرحلة الطفولة والصبا (مرحلة الحضانة) 1316 - 1322هـ/ 1899 - 1905م
كانت دار الولد إبراهيم شهيرة في البلد، يقصدها كثير من أهل البادية، لما يقام فيها من أعمال يدوية متميزة وبخاصة النسيج، ولما عرف عن أهلها من كرم وسخاء، وكان إبراهيم وهو في سنِّ الثالثة من عمره يجلس أمام المنسج يستمع إلى مربيته حليمة بنت عيسى بن أمعمَّر، وهي من قبيلة المذابيح في غرداية، تنشد أغاني باللُّغة العربية، ثم يستفزه نغمها فيغني معها فيسحر بصوته العذب الرخيم من في المنسج من النساء فيسكتن معجبات، ويستمرُّ إبراهيم في الترنم وهنَّ يرجعن معه. ولهذا نستطيع أن نقول: إنَّه إذا كان من عادة الناس أن يرسلوا أبنائهم إلى البادية ليتعلموا فصاحة اللِّسان وسلامة النطق، فإنَّ البادية هي التيِّ انتقلت إلى بيت إبراهيم فتعلَّم منها ما شاء من الفصاحة، كما عرف إبراهيم بحسن الأداء وجمال الصوت، إذ كان يحفظ كثيرا من الأناشيد والقصائد والمدائح، يترنَّم بها، ويغنِّي بها زملاءه فيطربهم، ولمَّا شبَّ صار من أكبر المنشدين الذين يرأسون حفلات الأناشيد الدينية، في الأعراس، والمحافل والمناسبات، وهذا من أسباب فصاحته، ولا يزال في جمال صوته حتىَّ في كبره، وإنَّ قراءته المولودية في حفل المولد النبوي الشريف في المسجد ليلا، وفي داره نهارا لخير دليل. (1/236)
صفحة 217
اهتمَّ إبراهيم كثيرا بما كانت تحفّْظه جدَّتُه من أمِّه نانه زغمومة بنت إبراهيم، من بعض سور القرآن الكريم، والأدعية المختلفة، التيِّ يظلُّ يرددها طول يومه.
اهتمَّ إبراهيم كثيرا بالقصص، فكان لا ينتهي من سماع حكاية حتىَّ يحفِّظها بعض زملائه، ويمثلها معهم في ألعابهم، كما كانت مربيته حليمة تلقي أحاجيها على الأطفال، فيوفق البعض منهم إلى حلِّها ويخفق الآخرون، وكان إبراهيم ممَّن يوفَّق إلى الحلِّ الصحيح.
أظهر إبراهيم تفوُّقا في الألعاب لذكائه ونشاطه وحسن عشرته، فكان يتزعَّم الصبية في ألعابهم، ويخضعون له لشدة إعجابهم به، وهيبتهم له، وحبِّهم لسلوكه.
كان إبراهيم يحرص على تعلُّم اللُّغة العربية من مربيته حليمة ذات اللِّسان العربي الدارج السليم، ممَّا أهَّله إلى التفوُّق في اللِّسان العربي الفصيح.
حفظ إبراهيم كثيرًا من الأمثال العربية الدارجة الحكيمة، وقصص البطولة من النساء اللائي كنَّ يحضرن إلى بيته: يقول الشيخ بيوض: «من هؤلاء النسوة «ميرة بنت شويطق»، امرأة صالحة، شديدة التمسُّك بالدين، كانت تحفظ جزءًا من القرآن الكريم، وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكثيرًا من الشعر الدينيِّ، والتاريخ الإسلاميِّ، وكانت صديقة والدتي، تزورنا وتمكث عندنا كثيرًا، وكانت تنشئ أناشيد تشيد فيها بآمالها فيَّ وفي أسرتي، وتحتضنني غلاما تتغنَّى بها، وكنت أحفظ هذه الأشعار، ولكنَّني نسيتها ولم يبق في ذاكرتي إلاَّ هذا البيت:
«إِعًودْ طَالَبْ بَكْتَابُو*** وِيصَلُّوا النَّاس عَلَى عَتَابُو»
يعني سيصبح طالبا بكتابه ويصلِّي الناس على أعتابه، وكنت أعجب من قولها هذا، وأقول أنَّى يتحقَّق لي هذا وأنا أعيش في بيت الحكم والقيادة، ولا يوجد أيُّ طالب للعلوم العربية في أسرة جدِّي من أمِّي، ولكنَّ الله تعالى أنطقها بهذه الأمنية التيِّ تحقَّقت، وبخاصَّة الأمنية الثانية بتولِّي إمامة صلاة الجمعة في القرارة والحمد لله».
لقد قامت أسرة إبراهيم بجانب هام في إعداد نفسية إبراهيم، وجعلها مستعدة للتفوُّق والنجاح، وهذا ما ينبغي أن تقوم به الأسر نحو أبنائها، فللأسرة دور كبير وخطير في إعداد نفسية الولد. (1/237)
صفحة 218
المرحلة الإبتدائية: 1422 - 1426هـ/ 1905 - 1908 م
كُتَّاب الشيخ الحاج أمحمَّد بن يوسف العطفاوي
لمَّا بلغ الولد إبراهيم السادسة من عمره، أراد والده أن يدخله الكُتَّاب، وهم عازم على أن ينذره للعلم، وآمل فيه أن يكون عالمًا مصلحًا، ولكنَّ الولد إبراهيم الذي ألف العيش الرغد في بيت الحكم، بيت جدِّه لأمِّه، والمعاملة المدلَّلة في كنف جدَّته لأمِّه، أبى الالتحاق بالكتَّاب، خوف التقيُّد بضوابطه، والالتزام بنظمه، من لباس الطاقية، وحلق الرؤوس، وارتداء الألبسة البيضاء، وهو لا يودُّ ترك لباسه الجميل، وحلق لمَّته، لقد كان يتصوَّر الكتاتيب ومعاهد التعليم عذابًا وحرمانًا مكتوبًا على الفقراء التعساء، الذين أراد الله تعالى لهم الشقاء، أمَّا هو فينتسب إلى دار الحكم والغنى، وماذا سيزيده العلم أكثر ممَّا ينعم فيه من متع الحياة. ولكنَّ والده الذي كان يتوق إلى تنشئة ابنه على حبِّ العلم، وملازمة العلماء اختار له كتَّاب الشيخ الحاج أمحمَّد بن يوسف العطفاوي ليلحقه به.
أمر الوالد أمَّ إبراهيم أن تنظّْف ابنه وتزينه وتعطره ليذهب به إلى الكُتَّاب، ولمَّا علم إبراهيم بذلك هرب إلى بيت جدِّه ليحتمي بجدَّته، لكنَّ أباه لحق به واننزعه من بين أحضانها، وسحبه إلى الكتَّاب وهو يبكي ويمانع، كعادة أغلب التلاميذ في أوَّل دخولهم المدرسة.
أدخل الوالد ولده إبراهيم الكُتَّاب وأجلسه أمام الشيخ، فغشيته روحه وروح الكُتَّاب، وروح التلاميذ من حوله منكبِّين على حفظ القرآن الكريم، وكتابة ألواحهم، فانشرح صدره، وامتلأ قلبه بحبِّ العلم والمعلِّم والتلاميذ، وصار يسرع إلى الكُتَّاب في كلِّ وقت، يودُّ أن لا يخرج منه، لا تصرفه المغريات الكثيرة في دار جدِّه، فازداد إيمانا بأنَّ العلم هو أنفس شيء، وحفظ القرآن الكريم هي الخطوة الأولى، والغنيمة العظمى، فكان يقبل على حفظ كلِّ ما يمليه عليه معلِّمه.
يقول الشيخ بيوض رحمه الله: «كان التعليم محاربًا من طرف الاستعمار الفرنسي، بل كان محرَّما، وإذا وجدوا كتَّابا أو معهدًا عربيًّا يغلقونه ويعاقبون المعلِّم بالغرامة المالية والسجن، وكان هذا التعليم يتمُّ في سرية عن الحكومة العسكرية الفرنسية، فإذا جاء الحاكم العسكري إلى البلدة تتعطَّل الكتاتيب والمعاهد، ويأمر الشيخ محمد التلاميذ بعدم الحضور إلى الكتَّاب، وكان يقول لهم (أُقَّامَانْ يَلاَّ دَا) يعني الحاكم الفرنسي يوجد في البلدة، فيتعطَّل التلاميذ إلاَّ أنا فكان (1/238)
صفحة 219
فيأذن لي أن أذهب إلى داره فأستظهر عليه لوحي كي لا يتعطل حفظي، وقد بدأت لوحي من سورة نوح، ووصلت في سورة القصص وعمري تسع سنوات».
يقول الشيخ محمد علي دبوز: «جدَّ إبراهيم في التعليم وفي حفظ كتاب الله العزيز، فظهرت شخصيته وتميَّز عن أقرانه فازداد به التلاميذ إعجابا، ومعلِّمه له حبًّا، لما يرى فيه من شغف بالعلم ورغبة في التحصيل، فعلَّق فيه آمالا كبيرة».
نظام التعليم في الكُتَّاب:
*- التوقيت صباحا من طلوع الشمس إلى الضحوة الكبرى حوالي الساعة العاشرة.
*- التوقيت مساء من العصر إلى غروب الشمس.
*- كتابة الألواح واستظهارها صباحا، و حفظها مساء.
*- إذا تأخر التلميذ أو تخلف عن الحضور يُعاقب.
*- إذا أخطأ التلميذ في استظهار لوحه يعاقب عن كلُّ غلطة بضربة.
*- إذا تهاون التلميذ في الحفظ يؤدَّب.
*- يختبر المعلم التلاميذ عمَّا حفظوه من السور مرَّات في العام وفي أوقات مفاجئة، ومن نسي شيئًا ممَّا حفظ يُعاقب، وهذا الذي جعل التلاميذ يحفظون ألواحهم حفظا جيِّدا، فكثر حفظة كتاب الله العزيز، والتركيز على الحفظ الأوَّل هو الأساس في الإبقاء على المحفوظ.
*- المداد مصنوع من الصمغ المأخوذ من شجر البطم بعد قليه ودقِّه.
*- الكتابة بالقلم المصنوع من القصب الأسود، ومن ملكه يعدُّ محظوظًا.
*- تغسل الألواح بالصلصال الأسود الجيِّد الذي يُجلب من الصحراء.
*- تُجفَّف الألواح بالشمس صيفا، وبالنار ليلا.
نظام المحضرة (قسم لتعليم القرآن تابع للمسجد يشمل الصغار والكبار)
إلى جانب نظام الكتَّاب هناك نظام تعليم تابع للمسجد يسمَّى المحضرة، وتوقيته:
*- قبل آذان الفجر إلى طلوع الشمس.
*- بين صلاتي الظهر والعصر.
*- بين صلاتي المغرب والعشاء.
والحضور في هذه الأوقات واجب على كلِّ تلميذ، ومن تخلَّف عنه يعاقب. (1/239)
صفحة 220
قال الشيخ محمد علي دبوز: «كان التلميذ إبراهيم مُغرما بالذهاب إلى المحضرة في أوَّل عهده، وكان عليها فقيه (أي معلم) حازم في متابعة التلاميذ فمات، وخلفه فقيه دون حزم ونشاط الفقيه الأول، فسئم إبراهيم الحضور إلى المحضرة، ورأى أن حضوره إليها مضيعة لوقته، وآثر أن يحفظ لوحه في كُتَّاب معلِّمه الحاج محمد العطفاوي، فكان يتخلَّف عن المحضرة دون إذن والده. وذات مرة بعث والد إبراهيم ببعض الأشياء من السوق إلى بيته مع أحد الحمَّالين، والوقت ما بين الظهر والعصر، فلمَّا رجع الحمَّال سأله: من تسلَّم عنك الأشياء؟ قال له: تسلَّمها منِّي إبراهيم، فعلم الوالد أنَّ إبراهيم لم يذهب إلى المحضرة، فسأل الوالد معلِّم المحضرة عن إبراهيم، فقال له: إنِّي لم أره منذ شهر، فاغتاظ الوالد غيظًا شديدًا، وساءه تصرف إبراهيم، ومخالفته لنظام المحضرة، ولمَّا عاد إلى البيت دعا إبراهيم وضربه ضربًا موجعًا».
يقول الشيخ بيوض: «لقد كان والدي حازمًا صارمًا حريصًا كلَّ الحرص على تربيتنا، وإذا استدعى الأمر استعمال العصا، فإنه يضربني أمام والدتي وأنا أصرخ وأستغيث ولا تستطيع والدتي أن تتدخَّل لشدَّة هيبتها من والدي، وحرصها على تربيتنا يرحمها الله».
أثر الشيخ الحاج محمَّد بن يوسف العطفاوي في الشيخ بيوض
تتمثَّل الوظيفة الكبرى للمعلِّم المخلص وبخاصَّة في المرحلة الابتدائية في تحبيب العلم إلى التلميذ، وملء وجدانه بالتدين القوي، وهذا ما قام به الشيخ الحاج محمَّد في نفس التلميذ إبراهيم، لقد ملأ قلبه شغفا بالعلم، وجعله طالبًا جادًّا يسعى إلى استظهار القرآن الكريم، وإقامة الصلاة، وعمارة المسجد، وحضور دروس الوعظ فيه، والتَّحلِّي بزيِّ طلبة العلم، كما حباه بحبِّ كبير وعناية متميِّزة لما كان يلمس فيه من النجابة والذكاء، حتى كان يودُّ ألاَّ يفارقه ويترك كُتَّابه، ولكن لا بدَّ من انتقال إبراهيم إلى مرحلة أعلى يتسنىَّ له فيها استظهار القرآن الكريم، ومزاولة فنون العلم الأخرى، فكان انتقاله إلى معهد الحاج إبراهيم الإبريكي الذي ذاع صيته في البلدة، فترك إبراهيم الكُتَّاب حزينًا، وفي قلبه حرقة على فراق أوَّل أساتذته، ولكن ظلَّ يضمر له كامل الودَّ، فكان يسرع إليه كلَّما رآه في الطريق، يسلِّم عليه بكلِّ أدب واحترام وتقدير، كما ظلَّ الأستاذ مهتمًّا بتلميذه النابغ إبراهيم يسأله عن السورة التيِّ وصل إليها في القرآن، ويحثُّه على مداومة الجدِّ والاجتهاد. (1/240)
صفحة 221
معهد الشَّيخ الحاج إبراهيم الابريكي: ما بين سنة 1326 - 1329هـ/1908 - 1911م
انتقل الطالب بيُّوض إبراهيم إلى المعهد وعمُره تسع سنوات، وهو في سورة القصص، من أجل استظهار القرآن الكريم على الشَّيخ الحاج إبراهيم الابريكي، لشهرته الكبيرة في ميدان التَّعليم، وامتياز شخصيَّته بالورع والإخلاص، وللعلاقة الحميمة التي تربطه بوالده، ويقول الشَّيخ بيُّوض: كثيرًا ما كان والدي يقضي حاجات الشَّيخ من السُّوق، وكثيرا ما كان يرسلني بها إلى بيته، وكنت أسمع عن معهده وعن دروسه العامَّة في المسجد.
أحسَّ إبراهيم بالأنس في جناب الشَّيخ فازداد انجذابا إليه، وأيقن أن النَّجاح حليفه في هذا المعهد.
أسرع في يومه الأوَّل إلى استظهار لوحه بتلاوة صحيحة وصوت جميل، وفي جسارة تدلُّ على الاعتداد بالنَّفس، واستدرك لوحده ما فاته من دروس كان الطلبة قد سبقوه إليها.
جلس خلف الحلقة لأنَّه لَمَّا يختم القرآن بعدُ، وراح يتطلَّع إلى الشَّيخ في شغف، ويصغي إلى دروسه في لهف، يحفظ الأحاديث التي يشرحها، ويستوعب العلوم التي يسمعها.
كان يسرع إلى المعهد ويزاحم كبار الطَّلبة حتىَّ يدخل الحلقة، وكان الشَّيخ يقول له: «زاحمهم يا بنيِّ بركبتيك .. زاحمهم!».
كان يجلس دائما أمام الشَّيخ ولا يرضى أن يجلس في مكان آخر، ولاحظ الشَّيخ فيه هذا الإقبال، فأمر تلاميذه ألاَّ يجلس في مكان إبراهيم أحد، إدراكا منه لشدَّة حبِّ إبراهيم للعلم، وإعجابه وشغفه به، وشدَّة انتباهه إلى الدُّروس.
أدرك تمام الإدراك وبسرعة عجيبة قواعد النحو والإعراب أكثر ممَّا أدركه الطلبة الكبار، وكان إذا أشكل على كبار الطَّلبة إعرابُ شاهد من الشواهد يوجِّه الشَّيخ السؤال إلى إبراهيم فيجيب جوابا صحيحا فيقول له الشَّيخ: «فرَّجتِها يا سُخيلة» (مثل لمن يحلُّ المشاكل).
كان لا ينصرف إلى بيته عند أذان العشاء، كما يفعل بقيَّة الطَّلبة غير البالغين للاستراحة والعشاء، ثمَّ يعودون إلى دروس الليل بعد العَشاء، لقد كان يبقى في المعهد خوف أن يفوته افتتاح الدرس، أو يسبقه أحد إلى مجلسه أمام الشَّيخ. فكان يقرأ في هذه الفترة الكتب التي في رفوف المعهد في انتظار عودة الشَّيخ من المسجد، وعودة التلاميذ من بيوتهم. وكانت الكتب على حالة سيِّئة من رداءة الخطِّ وقِدَم أوراقها إذ أغلبها مخطوط قديم. (1/241)
صفحة 222
كان يجلس في المعهد إلى حدود العاشرة ليلا في الشِّتاء، وإلى ما بعدها في الصَّيف، ثمَّ يذهب إلى بيته فيجد أهله نائمين وعشاءه باردا في زاوية الإناء (الْمَتْرَدْ) فيأكله باردا، ويقول الشَّيخ بيُّوض: «فألفت بذلك أكلَ الطَّعام البارد، فصرت أستحليه إلى يومي هذا».
زهد في الملاذِّ الحسِّيَّة التيِّ يتهافت عليها سواه، سواء منها التي توجد في داره، أو دار جدِّه لأمِّه كاسي بن بهون (قائد المدينة)؛ لأنَّ لذَّته الكبرى في العلم جعلته ينفر عن كلِّ ما يشغله عنه.
يحضِّر الدروس الجديدة قبل أن يشرحها الشَّيخ، وهذا التَّحضير يَتمُّ بين المغرب والعشاء، وكان يتفرَّغ إلى الطَّلبة الكبار في مطالعة كتاب النِّيل في الفقه للشيخ عبد العزيز الثميني، وألفيَّة ابن مالك في النحو، وكان يُفهمهم ما عنَّ عنهم على صعوبة هذه الكتب، وذلك لإقباله على العلم وشدَّة تلهُّفه به، فتكوَّنت في المعهد روح جديدة بإبراهيم أثَّرت في الطَّلبة فازدادوا نشاطا في العلم وحبًّا له، واعتمادا على النفس، فلقد صار إبراهيم قدوتهم.
المواد والكتب التي درسها على شيخه:
*- القرآن الكريم إلى أن استظهره.
*- العقيدة: عقيدة الشَّيخ إسماعيل الجيطالي، تُحفظ مع القرآن.
*- الفقه: تلقينُ الصبيان للشيخ نورالدين السالمي، الوضع والحاشية للقطب الشيخ اطفيَّش، النيل وشفاء العليل للشَّيخ عبد العزيز الثميني.
*- الحديث: جامع الشمل في حديث خير الرسل للشيخ اطفيَّش القطب.
*- النحو والصرف: الآجرُّوميَّة للشيخ خالد، القطر وشذور الذهب لابن هشام، ألفيَّة ابن مالك بشرح ابن عقيل.
*- التاريخ: سيرة الرسول ح لابن هشام، فتوح الشام للواقدي، كتاب المعجزات اللاَّمعة للشَّيخ اطفيَّش.
*- الميراث: التحفة والتوأم، الشَّيخ اطفيَّش، لُباب الفرائض لمحمَّد الصََّادق الشطي.
يقول الشَّيخ بيُّوض: «لقد كان الشَّيخ الابريكي بارعا في الميراث والحساب، وكنَّا نبسط ملحفة عريضة أمام الشَّيخ، عليها رمل مستو، فنكتب فيه بأصابعنا عمليَّات الميراث والحساب، وقد أتقنت عليها الميراث فقها وحسابا، وأتقنت حساب المناسخات، وحساب (1/242)
صفحة 223
الغرقى والهدمى والوصايا، وربَّما لا تسع ملحفة واحدة فنبسط أخرى، وكان كلُّ تلميذ يحرص على عمليَّاته التي يرقمها على الرمل حتَّى لا تُمحى بتحريك الملحفة، أو يدخل تلميذ آخر في رقعة كتابته، وكنَّا نتنافس في عمليَّات الميراث والحساب، وكان هذان العِلمان يملآني نشوة لاستعمالهما العقل.
التوقيت الدراسي:
*- توقيت الصباح: شتاء من بعد طلوع الشَّمس بقليل إلى حوالي العاشرة والنِّصف، وصيفا من الضَّحى إلى الزَّوال.
*- توقيت المساء: شتاء وصيفا من بعد صلاة العصر إلى المغرب، وهو لحفظ الألواح والمتون، وتحضير دروس الغد.
*- توقيت ما بين المغرب والعشاء خاصٌّ بالطَّلبة غير البالغين الذين هم في طور الاستعداد للاستظهار. أمَّا الطَّلبة البالغون فعليهم وجوبا أن يصلُّوا المغرب والعشاء في المسجد، ويحضُروا الدَّرس الذي يلقيه الشَّيخ بالمسجد بعد صلاة العشاء.
*- بعد العشاء يعود الطَّلبة كلُّهم إلى المعهد فتبدأ الدِّراسة الليليَّة التي تستمرُّ حوالي ساعتين وأكثر.
استظهار الشَّيخ بيُّوض إبراهيم القرآن:
تأخَّر استظهار الشَّيخ للقرآن الكريم إلى سنِّ الثَّانية عشرة لانشغاله بدروسه ومطالعاته، وَلَمَّا استظهر بعض الطَّلبة الذين كانوا معه تحرَّكت فيه روح المنافسة، فأقبل على القرآن يحفظه ليل نهار، وكان الشَّيخ الابريكي يتابع تلميذه إبراهيم في مدارسته القرآن بواسطة معلِّم المحضرة (الكُتَّاب) الحاج يحيى بن الحاج عمر الوارث المعروف بـ «كَايْنَة»، حتىَّ استأنس من حفظه، فطلب تقديم اسمه إلى حلقة العزَّابة ليأذنوا له في الاستظهار فيدخل دار التلاميذ «إِرْوَانْ»، فتمَّ ذلك على يد إمام المسجد الحاج إبراهيم بن كاسي يوم 15 ذو القعدة 1329هـ/6 نوفمبر 1911م. ومن العجيب أن يكون يوم استظهاره هو يوم وفاة شيخه الحاج إبراهيم بابا الابريكي.
يقول الشَّيخ بيُّوض: «بعد أن اتَّفق الشَّيخ الابريكي مع السيِّد الحاج يحيى كاينة في المعهد على تقديمي للاستظهار، رجعت إلى البيت فانكببت على المدارسة إلى وقت متأخِّر من اللََّيل ثمَّ نمت، وقمت قبل الفجر بحوالي ساعتين للذَّهاب إلى المحضرة (الكتَّاب) لمدارسة القرآن، فشعرت بنفسي منقبضة ولساني يردِّد بغير شعور: «ألاَ إنَّ مَنْ في الدنيا ضيفٌ وما فيها عارية، فالضَّيف (1/243)
صفحة 224
مُرتحلٌ والعارية مردودة»، ولم يفارق هذا الحديث لساني وأنا في الشارع وفي الميضأة وفي الكتَّاب، وبقدر ما حاولت مدارسة القرآن لم يطاوعني لساني، ونفسي لا تزداد إلاَّ انقباضا، حتىَّ نُعي إليَّ وفاة شيخي فحزنت حزنًا شديدًا، فسرتُ في جنازته وأنا أجهش بالبكاء، ومكثتُ ثلاثة أيَّام أقرأ على قبره القرآن من العشاء إلى الفجر. وهذه الحادثة تثبت العلاقة الروحيَّة التي تربط بين الأستاذ النَّصوح والطالب المخلص، إذ تتجاوز نطاق العلاقة الماديَّة التعليميَّة المحضة إلى علاقة أسمى، وإحساس أرقى، وشعور أذكى».لذلك يعقِّب الشَّيخ بيُّوض: على هذه الفترة التي قضاها في معهد الشَّيخ الابريكي بقوله: «أرى أنَّ الفضل الأكبر عليَّ لهذه الفترة التي زوَّدتني بالعلم وكوَّنتني في كلِّ شيء، وهي أهمُّ فترات التَّعليم والتَّكوين في حياتي، ولهذا المربِّي العظيم شيخي الابريكي:، فهو الذي فتح ذهني، وخلق فيَّ نهمًا وشغفًا بالمطالعة، والاعتماد على النَّفس في الدُّروس، فبدأت مطالعتي في الكتب، والكتاب الأوَّل الذي قرأته هو فتوح الشَّام للواقدي، وكنت أصحبه معي إلى دكَّان والدي وأطالعه فيه، حتَّى إنَّ والدي نهرني عن مطالعته وقال لي: لماذا لا تقرأ القرآن والحديث؟!. وهذا يدلُّك على شغفي بالقراءة قبل البلوغ، وإنَّ الحانوت المزدحم وحركة السُّوق ممَّا يصرف أمثالي الصِّغار عن القراءة فينشغلون بها، ولكنَّني أنا كنت أستغرق في كتابي منتشيًا بالقراءة لا أشعر بما يقع حولي».
يقول الشَّيخ بيُّوض: «وكنت قد استعرت من زميل لي كتابين هما: قصص الأنبياء، وقصص جحا، وكنت أستغرق في قراءتهما في الدار، فناداني والدي مرَّة فلم أسمع نداءه، فجاء فوجدني أقرأ هذين الكتابين فقال لي: وهل أعطاك أستاذك هذين الكتابين لتقرأهما، إنَّهما مشغلة عن حفظ القرآن وحفظ دروسك، فعنَّفني وأخذهما منِّي، فأغلق عليهما خزانة دراهمه الحديدية، حتَّى ردَّهما إلى صاحبهما. ثمَّ استعرتهما مرَّة ثانية من زميلي فشققتُ وسادة نومي فأخفيتهما في صوفها، وإذا أردتُ قراءتهما أخفيهما في ثيابي ثمَّ أطلع إلى السطح الأعلى حيث لا يأتيني أحد حتَّى أتممت قراءتهما».
معهد الشَّيخ الحاج عمر بن يحيى ما بين 1331 - 1339هـ/ 1913 - 1921م
بقي الطَّالب بيُّوض إبراهيم في معهد الحاج إبراهيم الإبريكي سنتين اثنتين بعد وفاة شيخه، تحت مشيخة الشَّيخ عبد الله بن إبراهيم أبو العلا وفاء لشيخه الابريكي، رغم انتقال بعض زملائه إلى معهد الحاج عمر بن يحيى، فكان يُعين شيخه «عبد الله أبا العلا» في إيصال الفهم إلى بعض التَّلاميذ، فأقبلوا عليه، واستمرَّ كذلك إلى أن أغلق الشَّيخ عبد الله معهده اكتفاء بمعهد الشَّيخ الحاج عمر، فانتقل إليه كلُّ الطلبة. (1/244)
صفحة 225
انتقل الطالب إبراهيم بيُّوض إلى معهد الشَّيخ الحاج عمر بن يحيى، وكلُّه عزم ونشاط، فأعاد على شيخه الجديد العلوم التي درسها، وزاد عليها علوما أخرى. يقول الشَّيخ بيُّوض:
«لَمَّا اتَّصلتُ بالشَّيخ الحاج عمر: كنت كما كنت عند أستاذي الأوَّل والثَّاني محلَّ حُبِّه الشديد، لقد اتَّخذني خادمَه، فصرت من خاصَّته، متَّصلا به، أحضر كلَّ مجالسه الإصلاحيَّة، وقد كلَّفني بهذا من أوَّل يوم لِمَا يريده منِّي من تربية اجتماعيَّة، وكنت أعتزُّ بها، وأراها من أعظم الدروس، وكنت أسبقه إلى المعهد من المسجد، وكنت أحمل رسائله، وكان يرسلني لدعوة الرِّجال إلى مجلسه، وكنت أذهب يوميًّا معه إلى حقله. وكنت لا أفارقه في أغلب النهار، ولا أذهب إلى دارنا إلاَّ في وقت الأكل والنوم، ألازم الشَّيخ، أقرأ وأكتب، ووجدت في خدمة الشَّيخ فوائد عظيمة. كنت أحضر مجالس المصلحين، ولا يكتمون عنِّي شيئا، وبدأت أتدخَّل شيئا فشيئا في مداولاتهم من صغري، وأدلي برأيي وأنا في الخامسة عشرة من عمري. وكان الشَّيخ يستشيرني في بعض المسائل، ويقول لي: ما رأيك في هذا يا إبراهيم؟. وكان: إذا عُرضت مشكلة للمداولة في المجالس الخاصة يطلب رأي شخصين اثنين: رأي الشَّيخ الحاج بكير العنق، ورأيي أنا، وكان يقدِّم رأيينا على رأي الآخرين، وكان يقول: لقد بدا لي رأي ولكن أخاف رأي بكير وبيُّوض. وكانت هذه المجالس التي أحضرها، وملازمة الشَّيخ المستمرة مدرسة عظيمة لي، استفدت منها ما لا أجده في الكتب.
المواد التي درسها على الشَّيخ الحاج عمر بن يحيى:
*- أصول الدين: أنوار العقول، وشرحه: مشارق أنوار العقول للشيخ نور الدين السالمي.
*- أصول الفقه: الورقات للجويني إمام الحرمين، وطلعة الشمس للشيخ السالمي، ومختصر العدل والإنصاف لأحمد الشمَّاخي.
*- الفقه: مختصر الخصال لإبراهيم بن قيس الحضرمي، الدلائل في اللوازم والوسائل لدرويش بن جمعة.
*- البلاغة: الجوهر المكنون في المعاني والبيان والبديع لأحمد الدَّمنهوري، وشرح السَّمرقنديَّة في الاستعارات للدُّسوقي.
*- المنطق: السُّلَّم للأخضري.
*- النحو: شرح الألفية للأشموني. (1/245)
صفحة 226
المتون التي حفظها مع استظهاره القرآن الكريم:
*- أصول الدين: عقيدة العزَّابة بترجمة عمرو بن جميع. أنوار العقول للسالمي. النُّونية للشَّيخ أبي نصر.
*- الفقه: الرائية للشَّيخ أبي نصر. بعض منظومات الدعائم للشيخ ابن النضر العماني.
*- أصول الفقه: شمس الأصول للشَّيخ السالمي.
*- البلاغة: الجوهر المكنون لأحمد الدمنهوري.
*- الصرف: لامية الأفعال للشيخ اطفيَّش.
*- المنطق: السُّلَّم للأخضري.
*- الشعر: ديوان الحماسة لأبي تمام. جواهر الأدب للهاشمي.
*- الأدب: شذور الذهب لابن هشام.
أهمُّ الكتب التي طالعها مع الشَّيخ:
*- تاريخ الأستاذ محمَّد عبده: لمحمَّد رشيد رضا. قال الشَّيخ: وهذا الذي جعلني أتأثَّر بمحمَّد عبده.
*- العروة الوثقى: مقالات لجمال الدين الأفغاني ومحمَّد عبده. قال الشَّيخ: درستها حرفا حرفا، وتركت في نفسي أثرا عميقا لمواضيعها الإصلاحية.
*- طبائع الاستبداد: لعبد الرحمن الكواكبي. قال الشَّيخ: قرأناه مرَّات، ودرسناه حرفا حرا، وكنت أحفظ أكثره، لأنه يعبِّر عمَّا في نفوسنا المكلومة، وينفِّس عن صدورنا المكظومة، ونحن تحت نير الاستعمار.
*- أمُّ القرى: لعبد الرحمن الكواكبي.
*- تاريخ مصطفى كامل: ثمانية أجزاء، بقلم أخيه فهميكامل. قال الشَّيخ: أفادني في معرفة خفايا السياسة وألاعيبها، وأطماع الاستعمار والصليب، وإجهازهم على الإسلام والمسلمين.
*- نهضة الأمَّة وحياتها: لطنطاوي جوهري.
*- أريج الزهر: لمصطفى الغلاييني.
*- جواهر الأدب: لأحمد الهاشمي.
*- ديوان الحماسة: لأبي تمام. ديوان الحماسة للبحتري. ديوان الحماسة للمتنبِّي.
*- النظرات والعبرات والفضيلة والشاعر، للمنفلوطي. (1/246)
صفحة 227
أهمُّ الجرائد التي كان يقرؤها على الشَّيخ الحاج عمر:
*- الفاروق العربيَّة الإسلاميَّة الجزائرية: عمر بن قدُّور. قال الشَّيخ: «أقرأها حرفيًّا، فتحت لي نافذة واسعة على العالم الإسلاميِّ، وعرَّفتني بالسِّياسة الأوروبيَّة، وسير الحرب العالميَّة الأولى».
*- المنار: الشَّيخ محمَّد رشيد رضا. الهلال المصريَّة. الصواب التونسيَّة. مرشد الأمَّة. لسان الشعب. الزَّهرة. السياسة.
قال الشَّيخ: «وكان آخر ما قرأته ليلة وفاة شيخي الحاج عمر بن يحيى جريدة الزَّهرة والسياسة عن جهاد الشَّيخ الثَّعالبي، وخروجه من السِّجن هو وصاحباه: الشَّيخ صالح بن يحيى، والشَّيخ محمد الريَّاحي. وكانت المواصلات شحيحة والمسافة بعيدة، وأغلب الجرائد يبعث بها الشَّيخ أبو اليقظان من تونس. ومع هذه الصحف العربيَّة كانت تصلنا أثناء الحرب الأولى أعداد من الصحف والجرائد الفرنسيَّة التي تصدر في باريس أو الجزائر، فنبتغي لها قارئا يترجمها فنعلم أنباء الحرب منها، لقد كنتُ مشغوفا في هذا العهد بالقراءة والمطالعة في اللَّيل والنَّهار، لا يكاد الكتاب يفارقني.
المواد التي درَّسها للطلبة وهو ابن 16 سنة بتكليف من شيخه:
*- النحو: القطر للشيخ خالد. شرح ألفية ابن مالك لابن عقيل.
*- الأخلاق: أدب الفتى لعلي فكري.
*- البلاغة الواضحة: لعلي الجارم ومصطفى أمين.
*- الفقه: النِّيل وشفا العليل للشيخ عبد العزيز الثَّميني.
*- الحساب: كشف الحجاب في علم الحساب.
قام الشَّيخ بتدريس هذه الموادِّ أحسن قيام، فسطع نجمه، وبدت كفاءته في التَّدريس، فازداد علما ورسوخا فيما درس.
ومن النَّوادر التي تذكر في هذا المقام أنَّه كان في وارجلان مع شيخه في رحلته العلميَّة السَّنويَّة، فتقدَّم إمام مدينة رويسات الشَّيخ عبد القادر بن الحاج أنعيمي إلى الشَّيخ الحاج عمر يطلب منه أن يعلمه السُّلَّم في المنطق، والسَّمرقنديَّة في البلاغة، فاعتذر إليه الشَّيخ (1/247)
صفحة 228
بيُّوض بانشغال الشَّيخ الحاج عمر بدروس الوعظ، وإنَّما تلفَّق هذا العذر لأنَّه يعلم قصور الشَّيخ الحاج عمر في العربيَّة، فقام الشَّيخ بيُّوض هو نفسه بتدريسه إيَّاها ساعة في كلِّ يوم مدَّة إقامته في وارجلان.
سفره في رحلات علمية:
*- سافر في سنة 1329هـ/1911م مع والده، والشَّيخ الحاج إبراهيم بن كاسي لزيارة الشَّيخ الحاج امحمَّد اطفيَّش القطب في بني يزجن، وكان يحضر دروسه كلَّها من طلوع الشَّمس إلى الظهر مدَّة خمسة أيام.
*- سافر مع الشَّيخ الحاج عمر بن يحيى مدَّة 3 أيَّام لزيارة الشَّيخ صالح بن عمر لعلي في بني يزجن، فأبدى إعجابه بفصاحة الشَّيخ صالح وذكائه الخارق وهو ضرير، فكان يطلب كتابا من مراجعه الكثيرة فيعيِّن لقارئه الصفحة والسطر للمسألة التي يريد تحقيقها من الكتاب.
*- سافر في رحلات علميَّة مع شيخه الحاج عمر بن يحيى إلى وارجلان من 1331 - 1335هـ/1913 - 1917م.
*- سافر إلى تونس في سنة 1338هـ/1920م. يقول الشَّيخ بيُّوض: «لقد كانت أيَّامي فيها كلُّها ممتعة أنيسة بما أشاهده من حضارة تونس الإسلاميَّة في كلِّ نواحيها، وبمجالس الإخوان اليوميَّة: الشَّيخ أبو اليقظان ومن معه، وبما قرأت من كتب وصحف ومجلاَّت في تلك المجالس وخارجها، كنت لا أنفكُّ عن القراءة في كلِّ وقت، وإنَّ جوَّ الخضراء، وتوفُّر الكتب ليُغريان بذلك، ودامت الزيارة شهرين كاملين».
يقول الشَّيخ بيُّوض: «لقد كنت دائما لا أجد في نفسي غضاضة من عدم سفري إلى تونس كما فعل أترابي، وكنت راضيا بمطالعتي في مسقط رأسي القرارة، وبناء نفسي في العلم بجهودي، وإنَّني أشعر بتقدُّم كبير والحمد لله، ولم أطلب من والدي ولا من شيخي أن أسافر إلى تونس أو غيرها للتَّعلُّم، ولو أنَّ هذا أسرع في المعرفة، ولكنَّ رضا شيخي، وبقاء معهدي وازدهاره هو الذي يُهمُّني أكثر، فحقَّقه الله لي». (1/248)
صفحة 229
شهادات في حقِّ الشَّيخ بيُّوض تثبت ما نحن بصدد بيانه:
يقول الشَّيخ عبد الرحمن بكلِّي:: «لقد كان الشَّيخ بيُّوض عصاميًّا في تكوين شخصيَّته العلميَّة، لم يفارق مسقط رأسه في طلب العلم، ولم يرحل ككثير من زملائه وطلبته إلى الخارج، كتونس ومصر وسوريا والعراق، ولكنَّ الله بارك في القليل الذي تلقَّاه عن أشياخه بمسقط رأسه، وساعده استعدادُه وعبقريَّته فبلغ من العلم مكانة سامية لم يبلغها كثير مِمَّن عقد إليها الرحلات، ولازم سنين مجالس العلماء في هاتيك الأقطار، فضلا من الله ونعمة».
يقول الشَّيخ حمُّو فخَّار:: «ومن خصوصيَّات أستاذنا الشَّيخ بيُّوض أنَّه كان أستاذ نفسه، ونسيج وحده، فما هو بخرِّيج جامعة، ولا وليد دمشق ولا قاهرة، وإنَّما هو سليل الدأب والطموح، والعزوف عن الدنيا التي طالما تعرَّضت له فأراها أيَّما شمم، أعانه على ذلك عاطفة نحو العلم مشبوبة، وقريحة موهوبة، ووراثة في الألمعية والنبوغ عريقة».
ويقول الشَّيخ إبراهيم الحاج أيُّوب القرادي:: «وأريد أن ألفت انتباه الشباب المؤمن إلى أنَّ أستاذنا الجليل لم يخرج من القرارة لطلب العلم، ولم يلتحق بأيِّ معهد من المعاهد، ولم يكن شيخه ذا علم غزير، بل نال كلَّ ما ناله من علم بفضل جدِّه ومثابرته، ساعده في ذلك ذكاء وقَّاد، وحسٌّ مُرهف، ونشاط قلَّ أن يوجد في أمثاله من الأذكياء الموهوبين.
يقول الدكتور محمد ناصر: «فقد كان من أبرز صفاته متابعة الأحداث العالميَّة عن كثب، حريصا على قراءة الدوريَّات الوطنيَّة والعربيَّة من كتب وجرائد، وكان يوصي طلاَّبه وأبناءه دائما على أن يجعلوه على صلة بالإنتاج الفكري الجديد، وكانت الكتب من آثر الهدايا عنده. وأحسب أنَّ حرص الشَّيخ بيُّوض على المطالعة اليوميَّة المستمرَّة هي سرٌّ من أسرار تبحُّر علمه، وسعة أفقه، فقد كان يخصِّص للمطالعة أوقاتا، ويتَّخذ من أبنائه الطُّلاَّب من يقوم بهذه الْمَهَمَّة، ولا سيما عندما أصيب بمرض في عينيه بعد أن تقدَّمت به السنُّ.
يقول الشَّيخ محمَّد علي دبُّوز:: «فجدَّ الشَّيخ بيُّوض واجتهد، واعتمد على نفسه في تحصيل العلوم لشدَّة شغفه بها؛ واصل تحصيله بلهفة تزداد تأجُّجا وقوَّة في طفولته وكلِّ شبابه وكهولته وشيخوخته. وَلَمَّا ضعف بصره فصار لا يستطيع القراءة الطويلة اتَّخذ قارئا، فصار جلُّ نهاره للقراءة، لا تصرفه عنه إلاَّ الضرورات الاجتماعيَّة (1/249)
صفحة 230
الكبرى. وبهذا الغرام المستطير بالعلم الذي كان فيه منذ طفولته، وبهذا الجدِّ والاجتهاد صار عالما كبيرا وعَلَما عظيما من علماء الإصلاح النَّابهين في الجزائر والمغرب الكبير، بل والعالم الإسلاميِّ». اهـ.
الخلاصة
إنَّ بناء الشخصية العلميَّة وبخاصَّة الشخصية الدينية الربانية التي تكون في مستوى الشيخ بيوض:، وأضرابه، وما أحوج الأمَّة الإسلامية إلى أمثالهم: يقوم على أسس ثابتة، ودعائم نابتة:
18 - تقوى الله في السرِّ والعلن،ژ??????ژ.
19 - إخلاصُ القصد لله ابتغاء مرضاته، ونفع عباده.
20 - أستاذٌ مقتدر نصوح محبُّ تلميذه.
21 - طالبٌ صبور طموح مطيعٌ أستاذه.
22 - شغفٌ بالعلم مَكينٌ في القلب.
23 - تفرُّغٌ كامل للتحصيل بعيدًا عن النوازع والمغريات.
24 - إدمانٌ على القراءة والاستزادة.
25 - تنويعُ المعارف وتجديدُ المخزون المعرفي.
26 - استشعارُ النَّقص، وسعيٌ نحو الكمال.
27 - اكتسابُ ثقة الأستاذ، وإظهار الولاء له.
28 - توظيفُ المعارف في الحياة اليوميَّة ترسيخا لها، تدوينا وتلقينا.
29 - إنفاقُ المخزون العلميِّ على كلِّ محتاج، وبخاصَّة على الطلبة لأنَّ من علَّم تعلَّم.
30 - اغتنامُ الفُرص لشهود المجالس الخاصَّة والمجامع العامَّة، والمشاركة فيها قدر الإمكان.
31 - متابعةٌ يوميَّة للمستجِدَّات التيِّ تطرأ في مختلف الدوائر، المحلية والعالمية.
32 - تنظيمُ رحلاتٍ علميَّة خاصة، والسفر مدرسة متنقلة.
33 - استخدامُ كلِّ الوسائل المتاحة للحصول على المعرفة.
34 - عصاميةٌ حميدةٌ لا تقف عند حدِّ القناعة. (1/250)
صفحة 231
تلكم أعزَّائي الخلَّص السرُّ المكنون في بناء الشخصية العلمية الدينية الناجحة، والتي ميَّزت الشَّيخ بيُّوض - رحمه الله -، فبوَّأته مبوَّأ صدق أمجدا، ورفعته فوق الهام أمردا، {??????????????}.
دبَبْت للمجد والسَّاعُون قد بَلَغُوا جَهْدَ النُّفوسِ وأَلقَوا دُونَه الأُزُرَا
وكابَدُوا المجدَ حتَّى مَلَّ أكثرهُم وعانَقَ المجدَ من أَوْفُى ومَن صَبرَا
لا تحسبِ المجدَ تَمْرًا أنتَ آكلُهُ لن تَبلُغَ المجدَ حتَّى تلعَقَ الصَّبِرَا
وهذا قلٌّ من كلٍّ ممَّا ينبغي أن يُسبك، وغيضٌ من فيضٍ مِمَّا ينبغي أن يُسكب، فهل نحن من سبائكه نتحلَّى، ومن فيضه نتعلَّ، أم نحن فقط بذكره نتسلَّى؟
فأَعْظِمْ بلباس التقوى فلاحا، وأَجْمِلْ بخلق الوفاء وِشاحَا، وأَكْرِمْ بفضل الدعاء سلاحا، وأَنْعِمْ بمنَّة العصاميَّة نجاحا.
فتشبَّهوا إن لم تكونُوامثلَهُم إنَّ التَّشبُّهَ بالكرامِ فَلاحُ
سلام على إبراهيم في العالمين، كذلك يجزي الله المحسنين، إنَّه من عبادنا المؤمنين، وسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيًّا.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)} والحمد لله ربِّ العالمين
- - - (1/251)
صفحة 232
العلاّمة أبو صفرة عبد الملك بن صفرة
وكتابه الجامع
أ: إبراهيم بن علي بولرواح
ماجستير في العلوم الإسلامية
باحث ـــ سلطنة عُمان
ت
تمهيد:
إن الكثير من أعلام المذهب الإباضي قد غفلت عنهم الأقلام، فكاد أن يطمس ذكرهم لولا ما ارتبطوا به من وقائع، أو مؤلفات نسبت إليهم، أو نحو ذلك.
ومن بين هؤلاء الأعلام العلامة أبو صفرة عبد الملك بن صفرة، صاحب الكتاب المسمى جامِع أبي صفرة؛ الذي سنحاول إماطة اللثام عن شيء من شخصيته وكتابه فيما يأتي.
أولا: حياة أبي صفرة وآثاره:
إنّ الحديث عن الإمام أبي صفرة من الصّعوبة بمكان؛ لأنّ المصادر التاريخية المتوفرة بين أيدينا كادت أن تهمل ذكره، لولا ما قالت عنه: إنّه من إباضيّة العراق، ومن البصرة بالذات (1)، وإنّه روى ودوّن آثار الرّبيع بن حبيب عن ضمام بن السّائب عن جابر بن زيد (2)؛ فلا ذكر لمولده، أو نشأته، أو شيوخه، أو تلاميذه، أو وفاته، أوغير ذلك من معالم حياته. ولولا بعض الوقائع المرتبطة ببعض المسائل التي نقلت عنه في طيّات المصادر الفقهية لما استطعنا حتّى تحديد الفترة الزمنيّة التي عاش فيها (3).
__________
(1) - السعدي: قاموس الشريعة، 01/ 357.
(2) - الشماخي: السير، 01/ 109. السالمي: شرح الجامع الصحيح، 01/ 04.
(3) - يقول الإمام السالمي -رحمه الله-: لم يكن التاريخ من شغل أصحابنا؛ بل كان اشتغالهم بإقامة العدل وتأثير العلوم الدينية وبيان ما لا بد من بيانه للناس أخذا بالأهم فالأهم؛ فلذلك لا تجد لهم سيرة مجتمعة ولا تاريخا شاملا. تحفة الأعيان، 01/ 04. (1/252)
صفحة 233
وسأحاول استنطاق تلك النّصوص المشار إليها لعلّي أستطيع رسم صورة عن حياة هذا الشّيخ الفقيه، وكلّ النّتائج المتوصّل إليها ما هي إلا احتمالات قابلة للرّدّ عندما تتوفّر البيانات، وتسنح الفرص.
أ – نسبه وأسرته:
هو أبو صفرة عبد الملك بن صفرة، ولم أجد أيّ معلومة عن أسرته أو قبيلته؛ بل ولم أجد له ذكرا فيما رجعت إليه من كتب رجال الحديث، رغم كونه من أهل الحديث عند أصحاب مذهبه.
ب – الفترة الزمنية التي عاش فيها:
ذكر بعض المتأخرين (1) أنّ أبا صفرة من علماء النّصف الثّاني من القرن الثّاني الهجري، وأنّه من تلاميذ الإمام الرّبيع بن حبيب (2)؛ غير أنّهم لم يذكروا لنا ما اعتمدوا عليه، ولا مصادرهم. والذي يغلب على الظّنّ أنّه لم يأخذ عن الرّبيع مباشرة؛ لِما يأتي:
__________
(1) - معمّر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص29. القنوبي: الإمام الرّبيع مكانته ومسنده، ص48. البوسعيدي: رواية الحديث عند الإباضية، ص55.
(2) - هو أبو عمرو الرّبيع بن حبيب الأزدي الفراهيدي البصري، ثالث إمام للإباضية بعد جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. أصله من عمان، ونشأبالبصرة. قيل: إنّه أدرك جابر بن زيد في أواخر عمره. أخذ العلم عن كثيرين أوصلهم البعض إلى ثلاثين، لكنه اختص بثلاثة وهم: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب وأبو نوح صالح بن نوح الدهان. بلغ في العلم شأوا عظيما حتّى صار من المحدثين الثقات؛ حيث وثّقه ابن شاهين، وذكره ابن حبان في الثقات. من آثاره مسنده المعروف بالجامع الصحيح –في الحديث– ورواياته عن ضمام التي اعتنى بتدوينها الإمام أبو صفرة. له تلاميذ عديدون منهم حملة العلم إلى عمان، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل، وأبو أيّوب وائل بن أيّوب وغيرهم. توفي –رحمه الله– على الراجح بين عامي 175 و180 هـ. انظر؛ السالمي: شرح الجامع الصحيح، 01/ 03. الكباوي: الرّبيع بن حبيب محدّثا وفقيها، ص101. القنوبي والبوسعيدي، م س. البطاشي: الإتحاف، 01/ 86. وآخرون. (1/253)
صفحة 234
*- فيما جمعته من كتاب جامع أبي صفرة لم أجد أيّة مسألة رواها أبو صفرة صراحة عن الرّبيع، وإنّما كلّ المسائل التي رواها عنه إنّما هي عن طريق أبي سفيان أو أبي أيّوب، والمسائل الأخرى التي لم يذكر فيها الواسطة بينه وبين الرّبيع لا تخلو من احتمال الإرسال؛ شأنها شأن الكثير من المسائل التي يوردها أبو صفرة مرسلة إلى أصحابها دون ذكر سندها إليه.
ومن المستبعد أن يدرك أبو صفرة الإمام الرّبيع ويترك الرّواية عنه.
*-لم أجد فيما يسمّى بآثار الرّبيع عن ضمام (والمطبوع ضمن كتاب: من جوابات الإمام جابر بن زيد) أيّة مسألة رواها أبو صفرة عن الرّبيع مباشرة، وإنّما كلّ الرّوايات جاءت إلى أبي صفرة عن طريق الهيثم بن عبد الغفار (1)، ما عدا رواية واحدة
__________
(1) - الهيثم بن عبد الغفّار الطّائي البصري، لم أجد له ذكرا عند الإباضية. أمّا عند أهل الحديث فقد ذكر ابن حنبل أنّه عرض أحاديثه على ابن مهدي فقال له: هذا يضع الحديث. وسمع هشيما يقول: ادعوا الله لأخينا عبّاد بن العوّام سمعته يقول: كان يقدم علينا من البصرة رجل يقال له الهيثم بن عبد الغفار الطائي، فحدثنا عن همّام عن قتادة رأيه [[في بعض المصادر: وأبيه]]، وعن رجل يقال له الربيع بن حبيب عن ضمام عن جابر بن زيد، وعن رجاء بن أبي سلمة أحاديث، وعن سعيد بن عبد العزيز، وكنّا معجبين به، فحدّثنا بشيء أنكرته أو ارتبت به، ثم لقيته بعد فقال لي: ذاك الحديث أتركه أو دعه، فقدمت على عبد الرحمن بن مهدي فعرضت عليه بعض حديثه فقال هذا رجل كذاب أو غير ثقة.
وقال عنه ابن حبان: «الهيثم بن عبد الغفار من أهل البصرة، شيخ يروي عن همّام، قدم بغداد، روى عنه البغداديون، روى عن الثّقات ما لا يشبه حديث الأثبات؛ حتّى إذا سمعها المبتدئ في الصناعة أحسن قلبه بأنها معمولة، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه، إلا على سبيل الاعتبار».
هذا ما ذكره عنه أهل العلم برجال الحديث، لكنّي لم أجد مَنْ نصّ على الأحاديث التي أنكرت عليه، مِمّا يجعل الموضوع محتاجا إلى بحث وتمحيص؛ لأنّا قد علمنا أن مِنْ أهل الحديث من يترك رواية مَنْ يُسَمّونهم بأهل الأهواء والبدع. وبما أنّهم يرون الإباضيّة من أهل الأهواء؛ فغير مستبعد أن يكون ما أُنكر من روايات الهيثم بن عبد الغفار إنّما هي روايات متضمنة لآراء الإباضية، أو غيرهم، المخالفة لقول لأهل الحديث، مثل الشفاعة والخلود والميزان وغيرها، والله أعلم.
انظر -مثلا-؛ ابن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، رقم1537، 02/ 55. العقيلي: الضعفاء، رقم1967، 04/ 357. ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل، رقم349، 09/ 85. ابن حبان: المجروحين، رقم1161، 03/ 92. ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال، رقم2022، 07/ 105. البغدادي: تاريخ بغداد، رقم7394، 14/ 55. الذهبي: ميزان الاعتدال، رقم9318، 07/ 110. ...
هذا، وقد ورد اسمه في الكتاب المسمّى «من جوابات الإمام جابر بن زيد» بلفظ: «المتيم»، وهو خطأ مطبعي، والصّواب ما أثبتناه. والله أعلم. (1/249)
صفحة 235
جاء فيها: «أبو صفرة عبد الملك بن صفرة قال: سألت الرّبيع ومخلد بن العمرد ووائل بن أيّوب ... » (1)، ولَمّا رجعت إلى الأصل المخطوط وجدت: «قال أبو محمّد: سألت الرّبيع ومخلد بن العمرد ووائل بن أيّوب ... » (2).
ومع هذا لا يمكن الجزم بأنّ أبا صفرة لم يأخذ عن الرّبيع؛ فإن احتمال أخذه عنه قائم إذا نظرنا إلى المسائل التي جاء فيها: وسألْتُه، وسأله، قلت؛ التي لا يُعرَفُ فيها مَنِ السائل، ومن المسؤول.
والفترة الزمنيّة التي يمكن أن نقول إنّ الإمام أبا صفرة عاش فيها هي من الثّلث الأخير للقرن الثّاني إلى الثّلث الأوّل للقرن الثّالث الهجريّين؛ أي بين سنتي 170 إلى 230هـ؛ وذلك لما يأتي:
*- أخذُه عن أبي سفيان وأبي أيّوب وهما من تلامذة الرّبيع.
*-سؤاله (3) لأبي عليّ موسى بن علي الذي وُلد سنة 177هـ، وتوفي سنة 230هـ (4)، وسؤال أبي عليّ له في مسألة خلق القرآن، التي وصلت إلى عمان وخاض فيها العلماء (5) أيّام إمامة المهنا بن جيفر؛ التي كانت بين سنتي 226 و237هـ (6)؛ إذ من المحتمل أن تكون هذه المساءلة بين أبي صفرة وأبي عليّ قد جرت في أيّام هذه الحادثة.
__________
(1) - الخروصي: من جوابات الإمام جابر بن زيد، مسألة رقم126، ص31.
(2) - الفراهيدي: كتاب الآثار (مخطوط)، صفحة رقم 28.
(3) - الكندي: بيان الشّرع، 01/ 153 - 154.
(4) - البطاشي: إتحاف الأعيان، 01/ 238.
(5) - قال الفضل بن الحواري (إباضي عماني من القرن الثالث الهجري): اجتمع الأشياخ في منزل؛ منهم: أبو زياد وسعيد بن محرز ومحمّد بن هاشم ومحمّد بن محبوب وغيرهم من الأشياخ، فتذاكروا في القرآن؛ فقال محمّد بن محبوب: أنا أقول إنّ القرآن مخلوق، فغضب محمّد بن هاشم وقال: أنا أخرج من عمان ولا أقيم فيها، فظنّ محمّد بن محبوب أنّه يعني به فقال: بل أنا أولى بالخروج من عمان لأني فيها غريب، فخرج محمّد بن هاشم من البيت وهو يقول: ليتني متّ قبل اليوم، ثمّ تفرّقوا، ثمّ اجتمعوا بعد ذلك فرجع ابن محبوب عن قوله، واجتمع من قولهم: إنّ الله خالق كلّ شيء، وما سوى الله مخلوق، وإنّ القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمّد النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وأمروا مهنا الإمام بالشّدّ على من يقول إنّ القرآن مخلوق. الكندي: بيان الشّرع، 01/ 154.
(6) - ابن رزيق: الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أيمة عمان، ص47. السالمي: تحفة الأعيان، 01/ 148. (1/250)
صفحة 236
*- جواب (1) أبي صفرة لسفيان ومحبّر أخوي محمّد بن محبوب بن الرحيل، الذي كان أحد العلماء الذين أبدوا رأيهم في المسألة المذكورة؛ إذ من المحتمل أيضا أن يكون سفيان ومحبّر ابنا محبوب قد كاتبا أبا صفرة إثر هذه الحادثة، التي كان لأخيهم محمّد فيها موقف.
*- ذُكِرَ أن محمّد بن جعفر الإزكوي-وهو من أعلام الثلث الأخير من القرن الثالث الهجري، وربما أدرك أول القرن الرابع الهجري- (2)؛ توفّي والده وقد أوصى له بوصيّة لأحد، فلم يجده، فاستشار في ذلك أبا صفرة (3)؛ وما يفيدنا من هذه الحادثة هو افتراض وفاة جعفر هذا وابنه لم يستقل برأيه بعد؛ حيث احتاج إلى استشارة أبي صفرة.
هذا؛ وتجدر الإشارة إلى أنّه كان بالإمكان تحديد فترة حياة أبي صفرة من خلال معرفة فترة حياة بعض الشخصيات، التي ورد ذكرها مع أبي صفرة في بعض الوقائع، إلا أنّ عدم عثوري على تراجم لهم قد حال دون ذلك.
ج – شيوخ أبي صفرة:
مِمّن يمكن أن نجزم بأنّهم كانوا شيوخا لأبي صفرة اثنان؛ وهما:
1) أبو سفيان محبوب بن الرحيل القرشي ثمّ العماني (4)، من تلاميذ الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت: 145هـ)، ثم الإمام الرّبيع بن حبيب الفراهيدي، وكان
__________
(1) - الكندي: بيان الشّرع، 01/ 153 - 154.
(2) - البطاشي: الإتحاف، 01/ 271.
(3) - الكندي: بيان الشّرع، 62/ 358. الكندي: المصنّف، 29/ 110.
(4) - انظر؛ مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان، ص143. البطاشي: الإتحاف، 01/ 217. (1/251)
صفحة 237
ربيبا له، قيل: انتقل معه إلى عمان في آخر حياته. والإمام أبو سفيان أبٌ لعائلة عريقة في العلم؛ إذ كان من ذريته علماء فطاحل منهم: محمّد بن محبوب، وبشير بن محمّد بن محبوب، وسعيد بن عبد الله بن محمّد بن محبوب. ولأبي سفيان فضل في نقل تاريخ الإباضيّة الأولى في البصرة وفقه أئمتها، ولكنّ الكتاب الذي ضمّن فيه تلك الآثار قد ضاع، وبقيت منه أجزاء مضمنة في كتب أخرى مثل: الضياء للعوتبي (1)، وبيان الشرع للكندي (2)، والطبقات للدرجيني (3)، والسير للشماخي (4)، وغيرها.
2) أبو أيّوب وائل بن أيّوب الحضرمي، من حضرموت باليمن، وهو من تلاميذ الإمام أبي عبيدة، ثم الإمام الرّبيع. واحد من أعلام الإباضية في المشرق في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. حضر بيعة الإمام غسان بن عبد الله العماني سنة 193هـ (5).
د – تلاميذه:
الذين ظَفِرت لهم بنقل العلم عن أبي صفرة هم:
1 – محمّد بن محبوب بن الرحيل القرشي، وستأتي ترجمته في جملة الذين علّقوا على جامع أبي صفرة.
__________
(1) - هو أبو المنذر سلمة بن مسلم العوتبي، من أعلام الإباضية بعمان في القرن الخامس الهجري، فقيه، ولغوي، ونسّابة، من آثاره: الضياء، والإبانة، والأنساب. انظر؛ ناصر والشيباني: معجم أعلام الإباضية-قسم المشرق، رقم569.
(2) - هو أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم الكندي، من أعلام الإباضية بعمان، عالم محقق، وفقيه بارع، من مؤلفاته: بيان الشّرع، وقصيدة العبيرية في وصف الجنة. توفي سنة 507هـ، وقيل: سنة508هـ. انظر؛ ناصر والشيباني: م س، رقم1118.
(3) - هو أبو العبّاس أحمد بن سعيد الدرجيني، من أعلام الإباضية، ومن أشهر علماء درجين ببلاد الجريد جنوب تونس، فقيه ومؤرخ وشاعر، له كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، توفي سنة 670هـ. انظر؛ مجموعة باحثين: معجم أعلام الإباضة-قسم المغرب، رقم81.
(4) - هو أبو العبّاس أحمد بن سعيد الشماخي، بدر الدين، من أشهر أعلام الإباضية، من بلدة يفرن بجبل نفوسة من أعمال طرابلس الغرب بليبيا، من مؤلفاته: إعراب القرآن الكريم، شرح عقيدة التوحيد، مختصر العدل والإنصاف، سير المشايخ، وغيرها، توفي سنة928هـ. انظر؛ مجموعة باحثين: م س، رقم80.
(5) - انظر؛ السالمي: تحفة الأعيان، 01/ 110. مجموعة أساتذة: الدليل، ص169. (1/252)
صفحة 238
2 – سفيان ومحبّر (أو مجبر؛ بالجيم) ابنا محبوب بن الرحيل، عاشا في النّصف الأوّل من القرن الثّالث الهجري.
3 – محمّد بن جعفر الإزكوي، وقد سبق ذكره.
هـ – آثاره:
1 – رواية وتدوين آثار الرّبيع بن حبيب عن ضمام بن السائب عن جابر بن زيد. وقد قام الشيخ سعيد بن خلف الخروصي (مساعد المفتي -سابقا- بسلطنة عمان) بترتيب هذا الكتاب، وطبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان تحت عنوان: من جوابات الإمام جابر بن زيد، سنة 1984م، ثم قام بتحقيقه الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي (مساعد المفتي -حاليا- بسلطنة عمان)، في رسالته للدكتوراه بجامعة أكسفورد ببريطانيا سنة 2002م. ولدى الباحث نسخة مرقونة منه.
2 – جامع أبي صفرة، وسيأتي الحديث عنه مفصلا.
3 – مراسلات مع بعض الذين كانوا يكتبون إليه، خاصّة أبناء محبوب بن الرّحيل: محمّد وسفيان ومحبّر.
4 – آراء فقهية مبثوثة في الكتب، حاولتُ جمعها وذكرها مع كتابه الجامع.
ثانيا: جامِع أبي صفرة:
جامع أبي صفرة كتاب في عداد المفقودات، ولكن العناية الإلهية قدرت فحفظ منه جزء غير يسير في طيّات الموسوعات الإباضية، التي لولا احتفاظها بنصوص منه ما عرفنا منه حتّى اسمه. وهو كتاب لا ندري أصنّفه مؤلفه استقلالا، أم هو نفس الكتاب المسمّى بآثار الرّبيع عن ضمام، الذي رواه الإمام أبو صفرة؛ أم أنّ أحدهما هو جزء من الثاني؟
غير أنّ الذي يغلب على الظنّ بعد استكمال جمع ما أمكن جمعه من كتاب جامع أبي صفرة ومقارنته بما يسمّى بآثار أو روايات الرّبيع عن ضمام أو فتيا الرّبيع؛ هو أنّ الكتاب الأوّل غير الثّاني؛ إذ لم أجد أي ذكر للسند «الرّبيع عن ضمام ... » في كتاب الجامع؛ في حين أنّ معظم المسائل في آثار الرّبيع متصدرة بـ «الرّبيع عن ضمام عن ... ». (1/253)
صفحة 239
وقد من الله تعالى عليَّ فتتبعت عددا من المصادر الإباضية فجمعت منها ما نقلَتْهُ عن جامع أبي صفرة، وما حفظته عن أبي صفرة من مسائل وأحكام، وجعلتُ الكل في كتاب واحد؛ لعلي أسهم في ترميم هذا المعلم الإسلامي، وتبوئته المنزلة اللائقة به. وفي ما يأتي بيان للمصادر التي جمعت منها الكتاب، وطريقة ترتيبه، وبعض الملاحظات العامة عن مضمونه ومنهجه، وتعريف بالعلماء الذين لهم تعليقات عليه.
1 - المصادر التي جمعت منها مادة هذا البحث:
وهي مرتبة حسب أسماء مؤلفيها، وحسب التسلسل الزمني:
القرن الثّالث الهجري:
*- الفضل بن الحواري، أبو محمّد: الجامع (ثلاثة أجزاء).
*- محمّد بن جعفر الإزكوي، أبو جابر: الجامع (ستة أجزاء).
*- محمّد بن الحواري القري، أبو الحواري: الجامع (خمسة أجزاء). الدراية وكنز الغناية ومنتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية (جزءان).
القرن الرّابع الهجري:
*- عبد الله بن محمّد بن بركة البهلوي، أبو محمّد: الجامع (مجلدان).
*- علي بن محمّد البسيوي، أبو الحسن: الجامع (أربعة أجزاء).
*- محمّد بن سعيد الكدمي، أبو سعيد: الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد (خمسة أجزاء).
القرن الخامس الهجري:
*- سلمة بن مسلم العوتبي، أبو المنذر: الضياء (18 جزءا ماعدا الجزء السابع).
*- محمّد بن إبراهيم الكندي، أبو عبد الله: بيان الشرع (71 جزءا).
القرن السّادس الهجري:
*-أحمد بن عبد الله الكندي، أبو بكر: المصنف (41 جزءا).
القرن الحادي عشر الهجري:
*-خميس بن سعيد الشّقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (20جزءا).
القرن الثّالث عشر الهجري:
*- جميل بن خميس السّعدي: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة (20جزءا المطبوعة فقط). (1/254)
صفحة 240
2 - ملاحظات على هذه المصادر:
مِمّا يمكن أن يقال عن هذه المصادر ما يأتي:
أ – قامت وزارة التّراث القومي والثّقافة بسلطنة عمان مشكورة بطبع هذه الكتب، وتمكينها من رؤية النور بعد أن كادت تؤول إلى الضّياع. وأوكلت تصحيح نصوصها وضبطها إلى أساتذة ومشايخ فضلاء، قاموا بجهود جبّارة فيما أوكل إليهم؛ إذ ليس من السّهل القيام بمثل هذا العمل لصعوبة التّعامل مع هذا التّراث المدفون طيلة هذه القرون.
ب – معظم هذه الكتب لم تحظ بتحقيق علميّ أكاديميّ فيما يخصّ مقارنة المخطوطات، وفهرستها فهرسة تيسّر التّعامل معها، وغير ذلك من الأمور المطلوبة في مناهج التّحقيق.
ج – هذه الكتب لا تزال بحاجة إلى سبر أغوارها، وتحديد مناهج مؤلفيها، والأيادي التي تدخّلت فيها بالزّيادة والتعقيب، وجبر ما ضاع من أجزائها، والتي كثيرا ما اختلطت بالأصل وصارت كالنّص الواحد، وهذا لا يقدح في هذه الكتب، وإنما يصعِّب من الاستفادة منها في بعض الجوانب كتحديد الفترات الزمنية لبعض الأعلام، وتحقيق نسبة المسائل إلى البعض الآخر؛ حيث يُكتفى -في العديد من المواضع- بذكر الكنى أو الأسماء المجرّدة عن أيّ نسبة؛ في حين أنّ كثيرا من العلماء يحملون كنية واحدة أو اسما مشتركا، كأبي عبد الله، وأبي محمّد، وأبي علي وغيرهم، وكجابر، وبشير، وموسى وغيرهم.
د – الصّورة الأولى التي خرجت عليها هذه الكتب مليئة بالأخطاء المطبعيّة، التي نرجو أن تجد الأيادي التي تتولّى تصحيحها في الأجل القريب -إن شاء الله-.
3 - خطوات البحث وطريقته:
*- المسح الشامل لتلك المصادر.
*- أثبَتُّ في هذا البحث ما اطمأننت إلى نسبته إلى أبي صفرة أو جامعه، وما رجح في ظنّي أنّه ليس من هذا البحث تركته، وأشرت إليه بعلامة خاصة.
*- لَمّا كانت هناك نصوص فيها بعض الغموض في نسبتها إلى أبي صفرة، أو في محتواها فإنّي جعلتها في الملحق وسميتها بالنّصوص المشكلة، عسى أن ييسّر الله لها من يفكّ غموضها، فيلحقها بهذا الكتاب أو ينفيها عنه. (1/255)
صفحة 241
*- عندما يتشابه نصّان، ولا يكون بينهما فرق معتبر فإنّي أكتفي بأحدهما؛ وغالبا ما يكون أقدمهما، وعندما يكون بينهما اختلاف ملحوظ فإنّي أثبت كليهما؛ لأنّه من الصّعوبة تمييز أيّهما المنقول من جامع أبي صفرة بلفظه، وأيّهما المنقول بمعناه، وأحيانا أجعل النّصّين كالنّصّ الواحد، مكتفيا بذكر الكلمة المغايرة في النّصّ الثّاني عن الأوّل، مع الإشارة إلى ذلك برمز خاصّ حسب ما هو مذكور في الرموز المستعملة.
*- حاولت أن أضع لكلّ مسألة عنوانا، ولكن لَمّا كان ذلك يتطلّب تفكيك النّصوص وتكرارها في أكثر من موضع؛ فقد اكتفيت بوضع عنوان عامّ للنّصّ، وجعلت لكلّ عنوان رقما، ولكل جزء من أجزائه رقما فرعيا إذا استدعى الأمر.
*- عثرت على تعليقات لجملة من العلماء على مسائل من جامع أبي صفرة، فوضعت كل تعليق عقب المسألة المرتبط بها.
*- رتّبت المواضيع حسب الأبواب الفقهيّة المعروفة، ابتداء بالعقيدة والطهارات وهكذا ...
*- قمت بعزو الأحاديث والآثار الواردة -قدر المستطاع- إلى مصادر الحديث والآثار، وما لم أعزُه فيعني أنّي لم أجده في غير هذا الكتاب المجموع.
*- شرحت ما رأيته غامضا من المفردات بالاعتماد على كتب اللغة، وحاولت التّعريف بالأعلام الواردة دون التعرض للمشاهير؛ ومن كان علما مشتركا بين أكثر من واحد فقد نبّهت إلى من يحتمل أن يكون، وأحيانا أتركه من غير التّنبيه عليه؛ لا سيما الأعلام المطلقة، التي تتطلّب دراسة في الأسانيد لتحديد المراد.
*- صدرت الكتاب بشرح للرموز المستعملة في ضبط نصه وتنسيقه.
*- جعلت للكتاب فهارس تعين الدّارس على التّعامل معه.
4 - بعض الملاحظات عن مضمون الكتاب ومنهجه:
اشتمل ما أمكن جمعه من جامع أبي صفرة على أربع وأربعين ومائة (144) مسألة، موزعة كالآتي: سبع (7) مسائل من كتاب العقيدة والفضائل، وست (6) مسائل من كتاب الطهارات، وسبع (7) مسائل من كتاب الصلاة، وثماني (8) مسائل من كتاب الزكاة، واثنتا عشرة (12) مسألة من كتاب الصوم، وعشر (10) مسائل من كتاب الحج، ومسألتان (2) من كتاب الأشربة، وست عشرة مسألة (16) من كتاب (1/256)
صفحة 242
النكاح والفُرَق الزوجية، وثلاثون (30) مسألة من كتاب المعاملات، وأربع مسائل (4) من كتاب الأيمان والنذور، وثلاث وعشرون (23) مسألة من كتاب الأحكام والديات والحدود، وثماني (8) مسائل من كتاب الوصايا والمواريث، وإحدى عشرة (11) مسألة من كتاب الرقيق.
وقد قامت مكتبة مسقط بسلطنة عمان بطبع الكتاب في ثمان ومائتين (208) صفحة، سنة1433هـ/2012م.
* في العديد من المواضع يبتدئ النص بالجملة: ومن جامع أبي صفرة وسألته، أو: وقلت له، أو نحو ذلك، دون تبيين اسم السائل أو المجيب، أو التلميذ أو الشيخ.
* اشتمل الجامع على عدد يسير من الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة والتابعين، بلغ مجموعها خمسا وثلاثين حديثا وأثرا، منها المسند، ومنها غير المسند، والمسند منها أغلبه ناقص الإسناد في حلقاته الدنيا، إلا أن الجدير بالملاحظة هو التطابق التام أو شبه التام بين ما يسوقه أبو صفرة من إسناد ومتن وبين أسانيد ومتون عدد من مصنفات الآثار، وبخاصة منها مصنف عبد الرزاق الصنعاني (ت: 211هـ)، ومصنف ابن أبي شيبة (ت: 235هـ)، وأخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان المشهور بوكيع (ت: 306هـ)، وغيرها. وهذا التطابق يفتح مجال التساؤل عن أصل الكتاب، والروايات الواردة فيه عن غير الإباضية، وهل أخذ أبو صفرة عن الأعلام الذين أوردهم مباشرة، أم بواسطة؟ إلى غير ذلك من الإشكالات الجديرة بالدراسة والبحث؛ مما سيثري -بحول الله- موضوع رواية الحديث عند الإباضية، ومنهج تعاملهم مع السنة النبوية رواية ودراية.
* كما اشتمل الجامع على عدد يسير من آثار أئمة الإباضية الأوائل، أمثال: جابر بن زيد الأزدي، وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وأبي نوح صالح بن نوح الدهان، والربيع بن حبيب الفراهيدي، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي، وأبي أيوب وائل بن أيوب الحضرمي. والملاحظ أن حصة الأسد من تلك الآثار كانت للربيع بن حبيب وأبي سفيان.
* تعقب جملة من العلماء مسائل من الكتاب، مما يدل على قيمة الكتاب، واهتمام أهل العلم به. وممن ذكرت المصادر تعليقاتهم: (1/257)
صفحة 243
1) أبو عبد الله محمّد بن محبوب بن الرّحيل:
من أشهر علماء الإباضية في القرن الثالث الهجري، قرشي الأصل، استوطن عمان، وحضر بيعة الإمام الصّلت بن مالك سنة 237هـ، وقلّده القضاء على صُحار (1) وتوابعها سنة 251هـ. من شيوخه العلاّمة أبو علي موسى بن علي الإزكوي، وقد نال شرف مصاهرته. أخذ عنه العلم كثيرون، منهم: ولداه بشير وعبد الله، وأبو معاوية عزّان بن الصقر، وأبو المؤثر الصلت بن خميس، والفضل بن الحواري، ومحمّد بن جعفر. من مؤلفاته سيرة إلى أهل المغرب في سبعين جزءا تقريبا. توفي -رحمه الله- سنة 260هـ بصحار (2).
2) أبو سعيد محمّد بن سعيد الكدمي:
من كبار علماء عمان المحققين في القرن الرابع الهجري، وهو من بلدة كُدَم من أعمال الحمراء (3). اشتغل في شبابه خازنا على سجن الإمام سعيد بن عبد الله بن محمّد بن محبوب، الذي بويع بالإمامة سنة 320هـ. من أشياخه محمّد بن روح الكندي، وأبو الحسن محمّد بن الحسن. له تصانيف عديدة منها: كتاب المعتبر، كتاب الاستقامة، زيادات الإشراف، الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد. يُعدّ من العلماء المعتدلين في قضية الفتنة الواقعة في عُمان، إثر عزل أو اعتزال الإمام الصّلت بن مالك سنة 273هـ (4).
3) أبو الحواري محمّد بن الحواري بن عثمان القَرِّي:
من أعلام الإباضية بعمان في النّصف الثّاني من القرن الثّالث الهجري، وربّما أدرك أوّل القرن الرّابع. نشأ وعاش بمدينة نَزْوَى (5) بداخليّة عُمَان. كان فاقد البصر مُتَّقِد
__________
(1) - صُحَار: من كبريات المدن العُمانيّة وأقدمها، وهي إحدى أشهر أسواق العرب قبل الإسلام وبعد البعثة المحمّديّة، كانت العاصمة السياسيّة إلى غاية أواخر القرن الثّاني الهجري، تقع على ساحل خليج عُمَان، وتبعد عن مسقط-العاصمة الحاليّة- بنحو 250كلم شمالا. انظر؛ المنتدى الأدبي: صُحار عبر التاريخ، كلّه.
(2) - مجموعة أساتذة: الدليل، ص150. البطاشي: الإتحاف، 01/ 250. الجعبيري: نفحات من السير، 05/ 161.
(3) - الحمراء: إحدى الولايات العمانية بالمنطقة الداخلية.
(4) - مجموعة أساتذة: الدليل، ص146. البطاشي: الإتحاف: 01/ 282.
(5) - نزوى: العاصمة السياسية الثانية لعمان بعد صُحار، منذ أواخر القرن الثاني الهجري تبعد عن مسقط -العاصمة الحاليّة- بنحو 170كلم. (1/258)
صفحة 244
البصيرة. أخذ العلم عن محمّد بن محبوب، ومحمّد بن جعفر، ونبهان بن عثمان، واختصّ بأبي المؤثر الصلت بن خميس. من مؤلفاته: كتابه الجامع، وزيادات على جامع ابن جعفر، وينسب إليه تفسير الخمسمائة آية في الأحكام، وله فتاوى مبثوثة في كتب الفقه (1).
4) مسبّح بن عبد الله السيجاني النّزوي:
من أعلام الإباضيّة بعمان، في أواخر القرن الثّاني الهجري. كان ضريرا، شديدا في الحق، صلبا في الرأي. تقلّد القضاء للإمام غسان بن عبد الله، الذي كانت إمامته بين سنتي 193 و207 هـ (2).
5) أبو زياد الوضّاح بن عقبة النّزوي:
من علماء الإباضيةبنزوى، في القرن الثّالث الهجري، وقد حضر بيعة الإمام الصّلت بن مالك سنة 237هـ. تسلسل من ذريته رجال فقهاء هم: ابنه زياد، والعبّاس بن زياد، والوضاح بن العباس. كان مُطاعا يصلح بين النّاس، ويُفتي (3).
6) أبو الْمُؤْثِر الصَّلْتُ بن خميس الخروصي:
من علماء بلدة بهلا (4) بداخليّة عمان. أخذ العلم عن محمّد بن محبوب، والوضاح بن عقبة، وأخذ عنه أبو الحواري محمّد بن الحواري. حضر بيعة الإمام الصّلت بن مالك، وحضر الفتنة التي اندلعت بعد عزل أو اعتزال الإمام سنة 273هـ. من مؤلفاته: كتاب الأحداث والصّفات، وبعض السّير، وقصيدة في الولاية والبراءة (5).
__________
(1) - مجموعة أساتذة: م س، ص145. البطاشي: م س، ص275. الفارسي: نزوى عبر الأيام معالم وأعلام، ص91.
(2) - مجموعة أساتذة: م س، ص152. السيابي: عمان عبر التاريخ، 02/ 61. البطاشي: م س، ص539. الفارسي: م س، ص76.
(3) - السالمي: تحفة الأعيان، 01/ 160. البطاشي: م س، ص543. الفارسي: م س، ص91.
(4) - بَهْلا: من أقدم المدن العمانية، وهي إحدى ولايات المنطقة الداخلية، تبعد عن نزوى بنحو 40كلم.
(5) مجموعة أساتذة: م س، ص95. البطاشي: م س، ص263. الفارسي: م س، ص81. (1/259)
صفحة 245
7) أبو محمّد الفضل بن الحواري الإزكوي:
من أشهر علماء الإباضيةبعمان في القرن الثالث الهجري. كان والشيخ عزّان بن الصّقر يُضرب بهما المثل، في العلم والفضل، كالعينين في جبين واحد. من مؤلّفاته كتاب الجامع. قُتل في وقعة القاع بصُحار، أيّام الفتنة التي قامت إثر عزل أو اعتزال الإمام الصلت بن مالك سنة 273هـ (1).
8) ابن النّضر (أو: ابن النظر) أحمد بن سليمان السّمائلي:
علاّمة فقيه، وشاعر فصيح. من كبار علماء إباضيّة عمان، في القرن السّادس الهجري. من أهمّ مؤلّفاته كتاب الدّعائم، وهو مجموعة قصائد في التّوحيد والفقه، جمعها وشرحها الشّيخ محمّد بن وَصّاف. وقد شُرِحَ كتابُ الدّعائم عدّة شروح، آخرها شرح قطب الأَئمَّة امْحَمَّد بن يوسف اطْفَيَّشْ (2).
9) محمّد بن عبد الله بن مَدّاد:
من أعلام الإباضيّة في عمان. حضر مع والده مسألة تغريق أموال سلاطين آل نبهان العمانيين سنة 887هـ. وهو من أسرة عريقة في العلم؛ أصولا، وفروعا، وحواشي. من مؤلّفاته: كتاب اللَّآل في أبنية الأفعال، وكتاب في الصّرف، ومسائل فقهيّة مبثوثة في بطون الكتب. توفّي -رحمه الله- سنة 917هـ ببلدة فَرْق القريبة من نزوى بداخلية عمان (3).
- - -
__________
(1) - مجموعة أساتذة: م س، ص129. البطاشي: م س، 01/ 258.
(2) - البطاشي: م س، ص381.
(3) - البطاشي: م س، 02/ 71. (1/260)
صفحة 246
قائمة المراجع
01 - ابن أبي حاتم؛ عبد الرحمن بن محمد، أبو محمد: الجرح والتعديل. ط01: 1372هـ/1952م. مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد ـ الهند، (طبعة مصورة بدار إحياء التراث العربي ـ بيروت).
02 - ابن رزيق؛ حميد بن حمد: الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان. تحقيق: عبد المنعم عامر. 1405هـ/1984م. نشر: وزارة التراث القومي والثقافة ـ سلطنة عمان.
03 - ابن عدي؛ عبدالله بن عدي، أبو أحمد: الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، ط03:1409هـ/1988م، دار الفكرـ بيروت.
04 - البطاشي؛ سيف بن حمود: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان. ط2: 1419هـ/1998م. نشر: مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية-سلطنة عمان.
05 - البستي؛ محمد بن حبان، ابن حبان: كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين. تحقيق: محمود إبراهيم زايد. ط01: 1396هـ. دار الوعي ـ حلب.
06 - البوسعيدي؛ صالح بن أحمد: رواية الحديث عند الإباضية. ط1: 1420هـ/2000م.
07 - بولرواح؛ إبراهيم بن علي: مِن جامِع أبي صفرة وفقهه؛ جمع وترتيب وتعليق. ط1: 1433هـ/2012م. مكتبة مسقط ـ مسقط/القاهرة.
08 - الجعبيري؛ فرحات بن علي: نفحات من السير.1421هـ/2001م. مطابع النهضة ـ مسقط.
09 - الخروصي؛ سعيد بن خلف: من جوابات الإمام جابر بن زيد. ط02: 1412هـ/1992م. نشر: وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان.
10 - الخطيب البغدادي؛ أحمد بن علي، أبو بكر: تاريخ بغداد، دار الكتب العلمية-بيروت.
11 - الدرجيني؛ أحمد بن سعيد: طبقات المشايخ بالمغرب. تحقيق: إبراهيم طلاي. (بدون أية بيانات).
12 - الذهبي؛ محمد بن أحمد، أبو عبد الله: ميزان الاعتدال في نقد الرجال. تحقيق: علي محمد البجاوي. دار المعرفة-بيروت. بدون بقية البيانات.
13 - السالمي؛ عبد الله بن حميد:
a. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان. 1417هـ/1997م. مكتبة الإستقامة-مسقط.
b. شرح الجامع الصحيح. المطابع الذهبية-مسقط.
c. اللمعة المرضية من أشعة الإباضية. ط02: 1983. نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
14 - السعدي؛ جميل بن خميس: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة. 1403هـ/1983م. نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
15 - السعدي؛ فهد بن علي: معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية-قسم المشرق. ط01:1428هـ/2007م. مكتبة الجيل الواعد-مسقط. (1/261)
صفحة 247
16 - السيابي؛ سالم بن حمود: عمان عبر التاريخ. ط02: 1406هـ/1986م. مطابع سجل العرب. نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
17 - الشماخي؛ أحمد بن سعيد: السير. تحقيق: أحمد بن سعود السيابي. 1407هـ/1987م. نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
18 - الشيباني؛ أحمد بن محمّد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال. تحقيق: وصي الله عباس. ط01: 1408هـ/1988م. المكتب الإسلامي-الرياض.
19 - العقيلي؛ محمد بن عمر، أبو جعفر: الضعفاء الكبير. تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي. ط1: 1404هـ/1984م. دار المكتبة العلمية-بيروت.
20 - الفارسي؛ ناصر بن منصور: نزوى عبر الأيام معالم وأعلام. ط1: 1415هـ/1994م. مطابع النهضة-مسقط.
21 - الفراهيدي؛ الربيع بن حبيب: آثار الرّبيع عن ضمام (مخطوط). نسخة عند الشيخ أحمد بن سعود السيابي (أمين عام مكتب الإفتاء بسلطنة عمان) وهي مصورة من المكتبة البارونية بجربة-تونس. ونسخة محققة بيد الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي (لدى الباحث نسخة منها).
22 - القنوبي؛ سعيد بن مبروك: الإمام الرّبيع بن حبيب مكانته ومسنده. ط01: 1416هـ/1995م. مكتبة الضامري-مسقط.
23 - الكباوي؛ عمرو بن مسعود: الرّبيع بن حبيب محدثا وفقيها. المطبعة العربية. غرداية-الجزائر. (د ت ط).
24 - الكندي؛ أحمد بن عبد الله: المصنّف. تحقيق (لبعض الأجزاء): عبد المنعم عامر وعبد الله أحمد. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، والمطبعة الشرقية-مسقط. نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
25 - الكندي؛ محمّد بن إبراهيم: بيان الشرع. من 1402هـ/1982م إلى 1414هـ/1993م. نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
26 - مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان. ط1: 1412هـ/1991م. المطابع العالمية-مسقط. نشر: جامعة السلطان قابوس-سلطنة عمان.
27 - مجموعة باحثين: معجم أعلام الإباضية من القرن 01هـ إلى 15هـ – قسم المغرب. ط01: 1420هـ/1999م. المطبعة العربية-غرداية. نشر: جمعية التراث. القرارة-غرداية-الجزائر.
28 - معمر؛ علي يحي: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث. مكتبة أبي الشعثاء. السيب-سلطنة عمان (نسخة مصورة عن نسخة المطبعة العربية. غرداية-الجزائر).
29 - المنتدى الأدبي: صُحار عبر التّاريخ. حصاد النّدوة التي أقيمت في يومي 28 و29محرّم 1418هـ، الموافق 4 و5 يونيو1997م. ط01: 1421هـ/2000م. مطابع مؤسسة عمان للصّحافة-مسقط.
30 - ناصر؛ محمد بن صالح، والشيباني؛ سلطان بن مبارك: معجم أعلام الإباضية-قسم المشرق. ط01: 1427هـ/2006م. دار الغرب الإسلامي-بيروت. (1/262)
صفحة 248
(الشيخ سالم بن يعقوب
حياة رجل، وتجربة جيل (*)
د: علي البوجديدي
دكتوراه أدب قديمـ تونس
أ
(1) أولا: على سبيل التمهيد:
سبق في العدد المنصرم أن تحدّثنا عن الشّيخ سالم بن محمّد بن سعيد بن يعقوب، فوقفنا على أطوار من سيرة حياته في طلب العلم، وما كابده من مشاقّ في سبيل الوصول إلى المعرفة. ونواصل في الجزء الثّاني من هذا العمل البحث في تجربته العلميّة، وما خلّفه للأجيال من نصوص ومخطوطات لا تزال تزخر بها مكتبته.
ثانيا: تجربته العلميّة وتصدّره للتّدريس:
ويعود الشّيخ سالم إلى حومته «غيزن» بعد هذا الغياب الطّويل لا يحمل معه من متاع الدّنيا سوى صناديقَ من الكتب وما حبّرته أنامله في أيّام دراسته بالقاهرة (2). وهو وإنْ عاد، فلا ليركنَ إلى حياة ناعمة رخوة، في عزلة عن زحمة الحياة ومشاكل النّاس، وإنّما ليوزّعَ جهوده وأوقاته على المساجد واللّقاءات في المناسبات العامّة والخاصّة بالجزيرة، يلتقي بالنّاس على اِختلاف طوائفهم لا كسِلا
__________
(1) *-هذه تتمة البحث الذي نشر الجزء الأول منه في العدد السابق من المجلة (هيئة التحرير).
(2) -عاد الشّيخ سالم بصناديق الكتب، وكان ذاك أثمن متاع له من رحلة السّفر الطّويلة المضنية، متمثّلا قول الجاحظ: «والكتب بذلك أولى من بُنيان الحجارة وحيطان المدر». الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السّلام محمّد هارون، طبعة 1، بيروت، دار الجيل،1996. ج 1، ص 73. (1/263)
صفحة 249
ولا متبرّما بجهلهم، بل واعظا ومعلّما مرشدا، ينشر في أرضهم العطشى النّصيحة الطيّبة، ويُلقي على مسامعهم محاضرات في الثّقافة الإسلاميّة عموما. وقد كان يرأس مجلسا علميّا بجامع «لاكين» بغيزن، يحضره الطّلبة وعوامّ النّاس (1).
/
__________
(1) -جامع لاكين أو تلاكين: مسجد جامع وهبيّ من توابع مشيخة صدغيّان القديمة. واِسم المعلم الأصليّ جامع بني لاكين، حرّفه الاِستعمال الدّارج بالصّيغة البربريّة إلى تلاكين. هذا المعلم من أعرق مساجد حومة غيزن. أسّسه حسب رسالة للحيلاتيّ اِعتمدها الجعبيريّ أولاد أبي زيد الصدغيّاني سنة 601 للهجرة .. ظلّ هذا المعلم إلى فترة قريبة من أنشط مساجد الجزيرة، وهو مقرّ آخر الزّعامات الرّوحيّة للإباضيّة الوهبيّة الشّيخ سالم بن يعقوب. كان المسجد مقرّا لحلقة العزّابة منذ النّصف الثّاني من القرن التّاسع للهجرة .. حيث كان الشّيخ زكريّاء بن أفلح الصّدغيّانيّ يعقد به مجلسه وقد درّس بهذا المسجد كثير من مشاهير الوهبيّة مثل الشّيخ سليمان بن عبد الله الصّدغيّانيّ المتوفّى سنة 1077 للهجرة. نقلا عن رياض المرابط، مدوّنة مساجد جربة، تقديم: منيرة شابوطو الرماديّ، طبعة 1، تونس، الشّركة العامّة للطّباعة،2002. صص 63،64. [يتعرّض المسجد اليوم إلى تشويه عمرانيّ يفقده تفرّده، بدعوى التّوسعة والتّحديث!] (1/264)
صفحة 250
كما كان يُلقِي أيضا دروسا ومحاضرات في مجلس محراب لواتة بجامع بني داود (1) من منطقة صدغيّان.
/
وله مجلس علميّ ثالث بجامع الشّيخ بحومة السّوق.
/
__________
(1) -جامع بني داود مسجد وهبيّ من توابع مشيخة صدغيّان، ويُنسب لعائلة بني داود. وحسب الشّيخ سالم بن يعقوب كان هذا المعلم يُدعى محراب لواتة ويرجع بناؤه إلى القرن الرّابع الهجريّ. نقلا عن رياض المرابط، مدوّنة مساجد جربة، تقديم: منيرة شابوطو الرماديّ، طبعة 1، تونس، الشّركة العامّة للطّباعة،2002. ص 117. [الجامع اليوم يلفّه الإهمال والنّسيان، رغم فرادة معماره، وجماليّة الإطار الطّبيعيّ الذي يوجد به!]. (1/274)
صفحة 251
كما كان لا يبخل بالحضور وإلقاء دروسه الوعظيَّة في المآتم والأفراح (1)، مُجيبا عن الأسئلة الدّينيّة التي يوجّهها الحضور إليه. وكان النّاس لنزاهته ووافر علمه يعدّونه قبلتهم في حلّ نزاعاتهم، ومرشدهم وهاديهم في الردِّ على اِستفساراتهم وما قد يُشكل عليهم من أمور دينهم ودنياهم. وكان يقضِّي، كما رَوى لنا كلّ من عاشره عن قرب، ليله في مكتبته، على ضعف إنارتها وكلل بصره، متجوّلا بين رفوفها يقرأ ويبحث عن مسألة أشكلت عليه أو يحقّق بها حديثا شريفا لبس أمره وغام، أو يكشف بها عن سيرة أعلام الفكر الإباضيّ المجهولة (2).
وهكذا يكون الشّيخ سالم بن يعقوب قد عكف طيلة حياته على جمع التّراث الإباضيّ، فنسخ الكثير من نصوصه ووثائقه، وأنشأ مكتبة بمقرّ سكناه بحومة غيزن وهي شاهد حيّ على قيمة المجهود العلميّ الذاتيّ الذي بذله. فمن مخطوطات مكتبة الشّيخ سالم كتاب السّير وأخبار الأئمّة لأبي زكريّاء يحي اِبن أبي بكر (ق 5 و 6 للهجرة/ 11 و12 للميلاد)، وهو كتاب يقع في جزأين (3). كما يعود للشّيخ سالم فضل اِكتشاف كتاب سير البُغطوريّ الذي كتبه زايد بن عمرو بن عمر بن إبراهيم بن سليمان الصّدغيّاني سنة 914 هجريّ الموافق لسنة 1507 أو 1509 ميلاديّ. وقد اِكتشف هذا المخطوط في خزانة البغطوربوالغ، وهي مكتبة أتلفت ولم يبق لها من أثر الآن (4). وبالمكتبة أيضا كتاب الطّبقاتلأحمد بن سعيد الدّرجينيّ (ق 7 للهجرة/
__________
(1) -مازال تقليد الختمة، وهو حفل ختم القرآن في الأعراس وفي الفرق وهو في مقام تأبين الميّت، حفلا لختم القرآن. وهما مناسبتان تعرض فيهما مسائل دينيّة، ويتمّ التّحاور فيها بحضور جمع من النّاس، وينمّ عن جوّ من الحوار الفكريّ النّشيط، يقرّب مسائل الدّين الإسلاميّ من الحضور، ويبسّط لهم أمور دينهم.
(2) -حدّثني اِبنه المرحوم محمود بن يعقوب أنّ والده كان يصل اللّيل بالنّهار عاكفا بين علم وصلاة في مكتبته، وقد اِبتنى مكتبته بمحاذة منزله بغيزن، وأنفق في إعدادها مالا وفيرا ليوفّر الرّاحة العلميّة الملائمة، كما جعل منها مزارا ومقصدا للمختصّ والعاميّ من النّاس.
(3) -نقلا عن فرحات الجعبيريّ، ملامح عن الحركة العلميّة عند الإباضيّة بجربة من الفتح الإسلاميّ سنة 47 هجريّ إلى أواخر القرن الثّاني عشر ميلاديّ، طبعة 1، تونس، ج. م. ص للنّشر،1985.
(4) -نقلا عن فيرنر شفارتس، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين، تحقيق: فيرنر شفارتس والشّيخ سالم بن يعقوب، طبعة 1، لبنان، دار صادر، فرانز شتاينر بفيسبادن، النّشرات الإسلاميّة 33،1986. ص 45. (1/275)
صفحة 252
13للميلاد)، وهو كتاب يقع في جزأين: الجزء الأوّل بالمكتبة البارونيّة نسخ سنة 1174 هجريّ والجزء الثّاني بمكتبة الشّيخ سالم بن يعقوب نسخ سنة 1347 هجريّ عن نسخة مؤرّخة سنة 1302 هجريّ (1).
ومن نفائس مكتبة الشّيخ سالم بن يعقوب أيضا مخمّسة في مساجد جربة لسعيد بن أيّوب البارونيّ (ق11 للهجرة/ 17للميلاد) (2). وفي المكتبة أيضا رسالة في مشاهد (قبور) علماء جربة لسليمان بن أحمد الحيلاتيّ (ق 11 للهجرة/ 17للميلاد) (3). ولكنّه ترك مادّة وفيرة كان يأمل في نشرها لولا أن أقعده المرض ووافته المنيّة. وما تركه من تآليف هي عبارة عن كرّاسات مدرسيّة خطّت بخطوط مختلفة أملاها على البعض من أصفيائه من المقرّبين، ومنها أيضا الجزء الثّاني الذي خصّ به المدارس العلميّة بجزيرة جربة والذي أصدره فرحات الجعبيريّ إلى جانب الجزء الأوّل في طبعة فاخرة فيها عناية بالجانبين العلميّ والتقنيّ (4). وعن هذه الكرّاسات يقول الزّائر الأسعد بن جمعة الفسّاطوي مصحوبا بالشّيخ فرحات بن علي الجعبيريّ: «وقد اِطّلعنا على كرّاسات الشّيخ سالم حول تاريخ جربة، آملين خروجها للطّباعة في أقرب وقت ممكن» (5).
__________
(1) -هذه إحدى نماذج تشتّت المراجع الإباضيّة وتفرّقها بين المكتبات الخاصّة، وصعوبة الوصول إليها.
(2) -راجع: فرحات الجعبيريّ، نظام العزّابة عند الإباضيّة الوهبيّة في جربة، طبعة 1، تونس، منشورات المعهد القوميّ للآثار والفنون، المطبعة العصريّة،1975. الملحق 2، ص 342.
(3) -توجد نسخة بالمكتبة البارونيّة، وقد اِعتمدهما الباحث محمّد شفيق قوجة في تحقيقه لمخطوط: أحمد الحيلاتي، علماء جربة المسمّى رسائل أحمد الحيلاتي، تحقيق: محمّد شفيق قوجة، طبعة 1، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ،1998. راجع المقدّمة.
(4) -سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة 1، تونس، سراس للنّشر، 2006. وقد كان لنا شرف الاِطّلاع على كرّاسات العمل وتنضيدها إلكترونيّا وإعادة تبويب مادّة الكتاب وضبط شواهده القرآنيّة وأحاديثه النبويّة والبعض من أشعاره الكثيرة. وتحتاج المادّة الشعريّة الذي أسقطت من متن الكتاب المطبوع إلى دراسة علميّة وتحقيق عروضيّ ودراسة فنيّة نأمل أن ننجزها في مستقبل الأيّام. فقد حضر الشّعر شارحا للمتن النثريّ عاضدا له على عادة التأليف القديم في المزج بين النّثر والشّعر.
(5) -الأسعد بن جمعة الفسّاطوي والشّيخ فرحات بن علي الجعبيريّ، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،2 أوت 1985. (1/276)
صفحة 253
وله أيضا جزء ثالث مخطوط عن الحملات الإسبانيّة على جزيرة جربة (1)، وهو مخطوط يحتاج إلى دراسة علميّة، ويتطلّب تحقيقا دقيقا لما به من خلط تاريخيّ وتداخل معرفيّ. أما ما صدر له من كتب ومقالات في حياته، فنذكر كتاب تاريخ جزيرة جربة (2).
__________
(1) -لمزيد تدقيق موضوع الهجمات الصّلبيّة والإسبانيّة على جزيرة جربة يراجع في هذا الإطار مداخلات جمعيّة الصّيانة الصّادرة في كتاب بعنوان: دراسات حول جزيرة جربة، 1996، كمقال ممدوح حسين ص 34، ومقال عبد الحكيم القفصيّ ص 56، ومقال محمّد قوجة ص 64.
(2) -صدر الكتاب في طبعته الأولى عن دار الجويني للنّشر سنة 1986، في أواخر أيّام حياته. وقد صدّره فرحات الجعبيريّ بالقول: «ومزيّة هذا العمل تكمن في أنّه يضع بين يدي الدّارس مادّة خاما ورصيدا مجهولا، وأخبارا طريفة يمكن اِستغلالها بوجوه شتّى في ميادين البحث المعاصر»، ص8. (1/277)
صفحة 254
وقد نشر له في حياته مقال بالاِشتراك مع الشّيخ قاسم قوجة بعنوان: «ردّ على مقال»، نشر بمجلّة الحياة الثّقافيّة (1). وقد نشر له بعد وفاته: تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ.
وقدأعيد نشر هذا الكتاب مؤخّرا تحت عنوان: تاريخ جربة وعلمائها الإباضيّة، وقدّم له حفيده ناجي بن يعقوب (2).
__________
(1) -الشّيخ سالم بن يعقوب والشّيخ قاسم قوجة، «ردّ على مقال»، الحياة الثّقافيّة (تونس)، العدد 38، سنة 1985.
(2) -لا تختلف هذه الطّبعة الجديدة الصّادرة عن الشّركة التّونسيّة لفنون الرّسم،2009 عن طبعة: تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، طبعة 1، تونس، سراس للنّشر،2006، التي أعدّها: فرحات بن علي الجعبيريّ في المحتوى العلميّ العامّ، بل تعوّل كثيرا على الطّبعة الأولى، عدا ما جاء فيها من تضمين لقصائد ومقطوعات شعريّة، تفتقد في أكثرها إلى مقوّمات الشّعر، كما تحتاج إلى ضبط عروضها وقوافيها وتحديد الغرض الشعريّ وزمن قول الشّعر، علاوة على ما شابها من أخطاء في التّحقيق والحواشي والإحالات العلميّة والفهرسة. وهي لا تضيف شيئا للباحث في إرث ما خلّفه هذا الرّجل بل قد تسئ إليه. (1/278)
صفحة 255
وله مجموعة من التّقييدات والدّروس المخطوطة التي كتبها في فترات متباعدة وهي: «تقييدات عن تراجم بعض علماء الإباضيّة»، «تقييدات عن المدارس العلميّة بجربة»، «تقييدات عن نشأة الإباضيّة والدّليل أنّهم ليسوا خوارج». كما ألقى سنة 1964 دروسا أسماها: «دروس عن تاريخ جربة» (1).
وعلاوة على كلّ ذلك كان الشّيخ يراسل العلماء ويلتقي بهم في مكتبته ويمدّهم بملاحظاته العلميّة ويزوّدهم بأهمّ المصادر الإباضيّة، ولعلّ أبرز زوّاره المستشرق الألمانيّ فرنز شفارتس الحائز في تلك الفترة على ماجستير التّاريخ الإسلاميّ من معهد الدّراسات الشرقيّة في جامعة بون الألمانيّة الذي يقول: «أشكر الشّيخ الفاضل العلاّمة
__________
(1) -إلى هذا يشير الدّكتور فرحات الجعبيريّ في تعريفه الموجز للشّيخ سالم بن يعقوب، راجع: تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة 1، تونس، سراس للنّشر،2006، ص 10. وقد نقل كوستر عن الجعبيريّ هذا الجرد الأوليّ، راجع ذلك في كتاب:
M. H Custers: Al Ibadiyya: a bibliography. Volume 2: Ibadis of maghrib , Ed Maastrich , 2006. P 270. (1/279)
صفحة 256
سالم بن يعقوب لحسن اِستقباله لي ولمساعدته في شأن بحثي في تاريخ الدّولة الرّستميّة الإباضيّة. وصوّرت من مكتبته العظيمة القيّمة الكتب التّالية: كتاب السّير لأبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (1)، كتاب سير نفوسة لمقرين بن محمّد البغطوريّ (2)، كتاب تاريخ علماء الإباضيّة بالمغرب لأبي عمرو عثمان بن خليفة المارغني السّوفي، كتاب جابر بن زيد، كتاب السّؤالات (3) لأبي عمرو عثمان بن خليفة المارغني السّوفي» (4). وقد أثمرت هذه العلاقة عملا مشتركا، يمكن أن نعدّه أهمّ أعمال الشّيخ سالم على الإطلاق، وهو ذاك الذي جمعه بالمستشرق الألمانيّ فيرنر شفارتس حين حقّقا كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين (5) لاُبن سلاّم الإباضيّ (6). وينوّه شفارتس بقيمة ما اِكتشفه الشّيخ سالم فيقول في مقدّمة التّحقيق: «ويعدّ كتاب اِبن سلاّم هذا من المفقودات، حتّى تمّ اِكتشاف مخطوط سنة 1986، يحتوي على نصّ الكتاب أو على الأقلّ على معظمه. وقد اِكتشفه العالم الشّيخ سالم بن يعقوب الجربيّ في إطار بحثه الموسّع عن التّراث الإباضيّ، وكان ذلك في مكتبة البغطور في حومة والغ الواقعة في جزيرة جربة بتونس. وقد مهّد الشّيخ سالم بن يعقوب لنشر هذا الكتاب كما اِشترك في بعض التّحقيقات المتعلّقة به» (7). وعن أهميّة المخطوط وقيمته التّاريخيّة والعلميّة يقول المحقّقان: «وقد وجد
__________
(1) -أبو الرّبيع سليمان بن يخلف (توفّي سنة 1079 للميلاد / 471 للهجرة).
(2) -فرنز شفارتس، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،5 جويلية 1979.
(3) -يعتبر مقرين بن محمد البغطوري النفوسي من علماء جبل نفوسة. أخذ العلم عن أبي محَمَّد عبد الله بن محَمَّد المجدلي، وأبي يحيى توفيق بن يحيى الجنَّاوني. كان شيخا عالما فقيها. مِمّن جازت عليه سلسلة نسب الدّين. ألّف في الفقه، وألّف كِتَاب: سير أشياخ جبل نفوسة الذي له أَهَميّة عظمى للمعنيين بتراجم مشايخ جبل نفوسة قبل القرن السّادس الهجري، واُعتمده الشمّاخِي واُقتبس منه نصوصا هامَّة. ولقد أكمل البغطوريّ تأليفه هذا سنة 599 هـ / 1203 للميلاد. وقد كان هذا الكِتَاب التاريخيُّ التراثيُّ في عداد المفقودات، حتىّ عثر عليه الشّيخ سالم بن يعقوب في القرن العشرين.
(4) -يبدو أنَّ أصل السّؤالات من تأليف سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النفطي القابسي، ومن رواية وإضافة تلميذه أبو عمرو عثمان بن خليفة السّوفي.
(5) -اِبن سلاّم الإباضيّ، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين، تحقيق: فيرنر شفارتس والشّيخ سالم بن يعقوب، طبعة 1، لبنان، دار صادر، فرانز شتاينر بفيسبادن، النّشرات الإسلاميّة 33،1986.
(6) -توفّي اِبن سلاّم الإباضيّ سنة 273 للهجرة الموافق لسنة 887 للميلاد.
(7) -اِبن سلاّم الإباضيّ، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين، تحقيق: فيرنر شفارتس والشّيخ سالم بن يعقوب، طبعة1، لبنان، دار صادر، فرانز شتاينر بفيسبادن، النّشرات الإسلاميّة 33، 1986. ص ص5، 6. (1/280)
صفحة 257
المخطوط اِهتماما كبيرا من علماء الإباضيّة المعاصرين ومنهم الدّكتور الشّيخ عمرو خليفة النّامي الذي نشر وصفا موجزا للمخطوط لعامّة المهتمّين. وحسب ما نعرفه عن التّراث العربيّ المحفوظ إلى يومنا هذا، فلا يعتبر كتاب اِبن سلاّم أقدم ما كتب عن التّأريخ عن الإباضيّة المغربيّة فحسب، بل هو أقدم مؤلّف تاريخيّ للمغرب الإسلاميّ بأسره (1). وعلاوة على ذلك فإنّ قيمة هذا الكتاب تتمثّل في أنّه يعتبر من المحاولات الأولى لغير العرب، أو بالأحرى لسكّان البلاد الأصليّين، لوصف أسس الحياة الدّينيّة وللتّعريف بتاريخ الإسلام في إطار هذا الدّين الجديد وعبر اللّغة العربيّة. لذلك فإنّ هذا التّصنيف من أهمّ الشّواهد على اِستيعاب البربر للحضارة العربيّة الإسلاميّة» (2).
ولم يقتصر دور الشّيخ سالم بن يعقوب على اِكتشاف المخطوط والتّمهيد لسبيل نشره، بل كانت له ملاحظات لطيفة وإشارات نبيهة إلى اِسم واضعه وصفته. يقول المستشرق فيرنر شفارتس: «وأمّا الشّيخ سالم بن يعقوب الذي يرجع إليه الفضل في اِكتشاف المخطوط والذي مهّد الكثير في سبيل نشره وتحقيق نصّه فيرى أنّ المؤلّف الذي أثبتنا اِسمه بأنّه اِبن سلاّم بن عمر (أو عمرو) بن تَمْطَنين اللّواتي، هو العالم الفقيه لوَّاب اِبن سلاّم الذي عاش في المائة الثّالثة للهجرة (التّاسعة للميلاد)» (3).
وكانت بين الرّجلين مراسلات تدلّ على عمق العمل وحرص الباحثين على تدقيقه، ويخبرنا شفارتس أنّ كلمة (عمّ) لقب «متواتر في التّراث الإباضيّ، وهو ذو دلالة
__________
(1) -يبدو أنّ الباحث أحمد بن بوعيش باكير قد تفطّن إلى أهميّة كتاب بدء الإسلام وشرائع الدّين مبكّرا، ولكنّه لم يتمكّن من تحقيق الكتاب إلى أن كان عمل المستشرق الألمانيّ فيرنر شفارتس الذي كان له الفضل في أن يرى هذا العمل النّور، بعد أن تمكّن من الاِستفادة من علم الشّيخ سالم بن يعقوب وتحويل العمل الذي سرق وطبع طبعة محرّفة بعنوان: الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضيّة. إلى أن طبع الكتاب في طبعته التي أحلنا عليها. يقول الباحث عن نيّته تلك: «وكان الشّيخ قد سلّمني رسالة لواب بن سلاّم، عنوانها بدء الإسلام وشرائع الدّين، عدد صفحاتها 60 صفحة ومعها كرّاس فيه نبذة من حياة المؤلّف. وهي رسالة مهمّة جدّا لقيمتها التّاريخيّة. سأتولّى تحقيقها لتكون بحثا خلال دراستي الجامعيّة بالكليّة الزّيتونيّة للشّريعة وأصول الدّين». نقلا عن أحمد بن بوعيش باكير، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،4 أفريل 1979.
(2) -اِبن سلاّم الإباضيّ، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين، تحقيق: فيرنر شفارتس والشّيخ سالم بن يعقوب، طبعة 1، لبنان، دار صادر، فرانز شتاينر بفيسبادن، النّشرات الإسلاميّة 33،1986. ص6.
(3) -اِبن سلاّم الإباضيّ، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين، ص40. (1/281)
صفحة 258
على مكانة العالم وعلى موافقة معاصريه أو الأجيال التّابعة على آرائه» (1). ويحيل شفارتس في الهامش فيقول: «أخبرنا به الشّيخ سالم بن يعقوب في إحدى رسائله إلينا» (2).
وكان دور الشّيخ سالم هامّا في مراحل التّخطيط، إذ أضاف إلى متن النصّ المنقوص ملاحظات هامّة كانت مفيدة لإكمال تحقيق العمل، يقول: «فالفجوات قد تركناها بياضة على ما هي عليه في المتن، ونشير في الحواشي إلى ما يمكن أن يكون النّاسخ قد أسقط من النصّ اِستنادا في ذلك إلى ما اِقترحه الشّيخ سالم بن يعقوب في العديد من المواضع» (3). كما كان للشّيخ سالم بن يعقوب الفضل في نسخ ورقتين على غاية من الأهميّة ضاعتا من المخطوط، وهما عبارة عن «رسالة أبي عيسى إبراهيم بن إسماعيل الخرسانيّ» (4).
وهذا الجوّ العلميّ الرّاقي نلمسه في شهادة الباحث شفارتس، حين يقول في زيارته الثّانية للشّيخ سالم بن يعقوب: «في الزّيارة الثّانية .. اِستقبلني بالصّداقة المخلصة، وفتح لي أبواب مكتبته العظيمة الفريدة من نوعها، وأعطاني من معرفته الواسعة معلومات لا أجدها عند غيره من العلماء. وأشكره لهذا كلّه ولضيافته الحسنة
__________
(1) -اِبن سلاّم الإباضيّ، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين. ص 43.
(2) -اِبن سلاّم الإباضيّ، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين. إحالة رقم 2، هامش ص 43.
(3) -اِبن سلاّم الإباضيّ، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين. ص 52.
(4) -اِبن سلاّم الإباضيّ، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين، ص 135. (1/282)
صفحة 259
ولاُشتراكه في تحقيق كتاب اِبن سلاّم اللّواتي أقدم مؤرّخي الإباضيّة في شمال إفريقيا. مع تمنّياتي في مواصلة هذا التّبادل العلميّ المثمر» (1). فقد نسخ «ما فيهما كلّ من الشّيخ سالم بن يعقوب الجربيّ والشّيخ ناصر بن محمّد المرموريّ قبل ضياعهما عند تبادل الأيدي للاِطّلاع على النصّ عدّة مرّات» (2).
وقد بقي شفارتس وفيّا لصديقه حتّى بعد مماته، فقال من مدينة غوتنغن في شهادة له: «زُرت المكتبة العربيّة بغيزن وصاحبها الشّيخ العلاّمة المرحوم سالم بن يعقوب، قد توفّي رحمه الله، وهذا بعد 12 سنة منذ زيارتي الأولى عام 1979. كنّا منذ ذلك الوقت على الاِتّصال المستمرّ، واُشتركنا في البحث وطلب العلم حتّى حقّقنا ونشرنا كتابا يعرف بكتاب اِبن سلاّم الإباضيّ، وكان الشّيخ سالم قد اِكتشف متن الكتاب في مخطوطة منذ أكثر من 25 سنة» (3).
لقد أفنى الشّيخ سالم بصره في صحائفه تلك «وكم نصحه الأطبّاء بوجوب الرّفق ببصره وبدنه عموما، بل منهم من حرّم عليه المطالعة ليلا، ولكنّه لم يُعط لواحد منهم بالا، تعلّقا بالعلم وعشقا له ... حتّى فقد بصره، وأصبح حبيس الظّلام» (4). وإنْ لم يسعفه الدّهر بأن ينشر كلّ ما خطّته يداه، فقد تخرّج على يديه ثلّة من المثقّفين ورجالات العلم ممّن خدموا التّراث الإباضيّ والجربيّ، نذكر منهم بخاصّة الدّكتور فرحات الجعبيريّ (5) الذي أخرج المباحث الإباضيّة من طور المعرفة البسيطة إلى رحاب الجامعة
__________
(1) -فرنز شفارتس. سجلّ التّشريفات الذهبيّ. كرّاس 2.15 أفريل 1983.
(2) -اِبن سلاّم الإباضيّ، كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين، تحقيق: فيرنر شفارتس والشّيخ سالم بن يعقوب، طبعة 1، لبنان، دار صادر، فرانز شتاينر بفيسبادن، النّشرات الإسلاميّة 33،1986. إحالة رقم 1، هامش ص 135.
(3) -فرنز شفارتس، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،13 أكتوبر 1991.
(4) -سعيد يوسف البارونيّ، جريدة الجزيرة، العدد 60. مارس، أفريل 1991. ص 10.
(5) -درس الدّكتور فرحات بن علي الجعبيريّ مسيرة الشّيخ سالم، وثمّنها وأبرزها إلى النّور بعد طول نسيان وإهمال، وهو الذي حفّزنا على مواصلة إتمام هذا العمل بالنّصيحة الطيّبة والخبرة العلميّة الواسعة، وقرأ بعض مسوّداته مشكورا. يقول متحدّثا عن علاقته المخصوصة بالشّيخ سالم: «عرفته سنة وفاة شيخه المرحوم عمر بن مرزوق سنة 1961، حيث جاء ليعوّضه في إلقاء درس أسبوعيّ بجامع ملاّق، جامع حومتي، وهي حومة والغ. ومن هناك اِنطلقت المودّة الحميمة بيننا إلى أن توفّاه الأجل المحتوم سنة 1988». وقد صدر له: نظام العزّابة عند الإباضيّة الوهبيّة في جربة (1975)، والعلاقة بين إباضيّة المغرب وإباضيّة البصرة وعمّان من القرن الأوّل الهجريّ إلى القرن الحادي عشر الهجريّ (2005)، كما أخرج كتاب تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة (2006) الإخراج العلميّ اللاّئق. إضافة إلى بحوث علميّة عديدة أخرى. كما أشرف على بحوث جامعيّة عديدة في هذا المجال. (1/283)
صفحة 260
المختصّة حين ألفّ وأشرف على رسائل جامعيّة في إطار البحوث المعمّقة والماجستير في هذا الباب. ومنهم كذلك الشّيخ قاسم قوجة (1)، الذي كان «يذكر باُستمرار فضل فقيد العلم الفقيه الشّيخ سالم بن يعقوب الذي اِستفاد منه كثيرا في العقيدة والفقه والتّاريخ، ويقول عنه: هو شيخنا بلا منازع» (2).
كما أخذ عنه الشّيخ يوسف البارونيّ (3)، الذي كتب يقول: «وقضّينا أمسيتيْن في مكتبته وتحاورنا في شتّى المسائل التّاريخيّة» (4).
ويقول في موضع آخر: «كان لي شرف زيارة مكتبة الشّيخ سالم بن يعقوب ... وأعجبت بالمخطوطات القيّمة التي تحويها المكتبة وبالعناية الفائقة التي بذلها شيخنا الأستاذ سالم في الحفاظ عليها وتبويبها وتنميتها بمطبوعات جديدة» (5). ومن الذين عرفوه عن قرب وتتلمذوا على يديه، نذكر كذلك الصّادق بن مرزوق (6).
__________
(1) -ولد الشّيخ قاسم قوجة في حومة الخنانسة من خمس آجيم بجربة في 2 أكتوبر 1927 وتوفّي إثر مرض عضال ألمّ به يوم الإربعاء 28 أفريل 1993.
(2) -راجع تأبين الشّيخ يوسف البارونيّ ضمن: جريدة الجزيرة، العدد 70، ماي 1993. ص 4.
(3) -تعاطى الشّيخ يوسف البارونيّ مهنة التّعليم وجمع التّراث الإباضيّ بمكتبته الخاصّة المعروفة بالمكتبة البارونيّة. توفّي يوم 15 جانفي 1997.
(4) -يوسف البارونيّ، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،18 أوت 1980.
(5) -يوسف البارونيّ، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،7 جويلية 1990.
(6) -هو الصّادق بن سعيد بن سالم بن مرزوق، وُلد بعمادة والغ في 17 مارس 1926. بدأ تعليمه بكتّاب جامع الملاّق. ثمّ اِلتحق بالمدرسة الاِبتدائيّة بالحارة الصّغيرة، ولكنّه سرعان ما اِنتقل إلى مجاز الباب حيث كان والده يشرف على تجارة مباركة، لكنّه عاد إلى الجزيرة واُنخرط من جديد في مدرسة الحارة الصّغيرة ومنها في مدرسة حومة السّوق وتتلمذ على الشّيخ عبد المجيد الزّليطنيّ والسيّدين الجيلاني عنان والباجي الشرفيّ. اِلتحق بجامع الزّيتونة بعد سنة 1941، ونال منه شهادة التّحصيل سنة 1949. تابع دروس المدرسة العليا للحقوق ودروس العالميّة، إلا أنّه بسبب تواصل الإضرابات والاِضطرابات اِنقطع عن الدّراسة ووجّه عنايته إلى تأسيس مدرسة والغ سنة 1950، وتولّى إدارتها ما يقرب من ثمان سنوات كان له فيها نشاط نقابيّ وسياسيّ ومساندة للثوّار المجاهدين بالتّعاون مع المناضل حميدة بن حميدان. وعندما اِستفحل الخلاف بين بورقيبة وبن يوسف حامت حول اِبن مرزوق تهم باطلة، ورفعت ضدّه وشايات مدسوسة اِنتهت بإبعاده عن الجزيرة ونفيه إلى تاجروين بمثل خطّته في 20 أفريل 1958، وكانت آنذاك حرب التّحرير بالجزائر قد بلغت أوجها، فربط علاقات وثيقة مع عدد من الجزائريّين من مدنيّين وعسكريّين. وحين فتحت في المنطقة معسكرات لتدريب المجاهدين، صعد إلى الجبال المجاورة وشارك في التّدريب على اِستعمال السّلاح، واُستطاع خلال هاته الفترة القصيرة أن يتبوّأ مكانة مرموقة لدى عديد من سكّان المنطقة. نقل في نهاية السّنة الدّراسية الموالية إلى المدرسة الاِبتدائيّة بمعقل الزّعيم في العاصمة، ممّا مكّنه من مواصلة تعليمه بالجامعة الزّيتونيّة .. وبعد سنة واحدة سُمِّي أستاذا للغة العربيّة بمعهد المجاز الباب، ثمّ بثانويّة العمران إلى أن نال تقاعده المبكر سنة 1976 بسبب المرض الذي اِستحوذ على قلبه وعاقه عن تحقيق نيل شهادة الدّكتوراه التي كان يصبو إليها. ورغم ركونه إلى الرّاحة محاولا عدم تكليف نفسه العناء، فإنّ الشّيخ صادق ألقى وهو في التّقاعد عدّة محاضرات ونشر عدّة دراسات في التّاريخ لاسيّما تاريخ جربة القديم وأعلامها الإباضيّين أمثال إسماعيل الجيطاليّ والشّيخ عمر بن جميع وغيرهما. نقلا عن: حمّادي اللّواتيّ، أبناء جزيرة جربة في الحركة الوطنيّة (1881– 1961)، ط2، تونس، الشّركة التّونسيّة لفنون الرّسم، (د. ت). ص 476. (1/284)
صفحة 261
ثالثا: قراءات في شهادات معاصريه:
كانت داره مفتوحة لكلّ من رام علما من أهل الجزيرة أو من خارجها. بل وكانت مكتبته مُرتادا لطلبة العلم والباحثين. وسجلّ التّشريفات الذهبيّ (1) حافل بشهادات الزّائرين وثنائهم على الشّيخ سالم بن يعقوب وعلى مكتبته العامرة. وبتصفّحنا لهذه الشّهادات نلمس قيمة الرّجل العلميّة وإقبال العلماء عليه من تونس ومن خارجها.
__________
(1) -سجلّ التّشريفات الذّهبيّ، كرّاس 2، مخطوط يضمّ خواطر لأبرز من زار المكتبة العربيّة لصاحبها الشّيخ سالم بن يعقوب منذ سنة 1969. (1/285)
صفحة 262
يقول المستشرق الهولنديّ مراد عبد الله كوستارس: «لقد زرتُ مكتبة الشّيخ الفاضل العلاّمة سالم بن يعقوب في غيزن، وقد اِستقبلني بمنتهى الإكرام والضّيافة. وقرأتُ بعض الصّفحات المكتوبة بيد الشّيخ سليمان باشا الباروني النّفوسيّ» (1). وأمّا وفود الجزائر وليبيا فلم تكن تنقطع عنه، ولعلّ أبرز هؤلاء الدّكتور عمرو خليفة النّامي (2) من نالوت بجبل نفوسة بليبيا. يقول عن واحدة من زيارته المهمّة لمكتبة الشّيخ سالم: «لقد تشرّفت .. بزيارة هذه المكتبة العامرة والاِطّلاع على نفائسها الغالية .. وذلك ضمن جولة في المكتبات الإباضيّة ضمن برنامج التّحقيق لشهادة الدّكتوراه في جامعة كامبريدج ببريطانيا عن تطوّر الفكر الإباضيّ: دراسة نظام الولاية والبراءة عند الإباضيّة. وقد سعدتُ بلقاء الشّيخ سالمبن يعقوب بقيّة السّلف الصّالح بهذه الجزيرة المباركة، ومكثت ضيفا على بيته وعلمه ومكتبته مدّة الأيّام السّالفة» (3).
__________
(1) -مراد عبد الله كوستارس، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كنّش 1،26 يوليو 1971.
(2) -ولد الدّكتور عمرو خليفة النّامي سنة 1939 بنالوت من الجبل الغربيّ بنفوسة بليبيا. توجّه إلى مصر قبلة طلاّب العلم المغاربة سنة 1963، وبقي هناك إلى سنة 1964، فتعرّف على الجالية الإباضيّة بالقاهرة وهي أسر من جربة ونفوسة ووادي ميزاب. حضر دروس شيوخ كبار كالشّيخ اطفيّش وعلي يحي معمّر (توفّي سنة 1980). اِستقرّ من جديد بالقاهرة وتردّد على مكتباتها ومساجدها ما بين 1964 وسنة 1966. سافر إلى لندن للدّراسة بجامعة كمبريدج سنة 1967. قام بين سنتي 1968 وسنة 1969 بزيارة المواطن الإباضيّة بالشّمال الإفريقيّ بحثا عن المخطوطات. زار جربة وقصد بها مكتبة آل بعطور ومكتبة الشّيخ سالم بن يعقوب والمكتبة البارونيّة. وكان له الفضل في اِكتشاف عديد المخطوطات. وقد دوّن في كلّ مكتبة زارها كلمة تثبت تاريخ الزّيارة وما أفاده واُكتشفه من مخطوطات مثل نسخة الردّ على جميع المخالفين. نال درجة الدّكتوراه باللّغة الإنجليزيّة عن بحث بعنوان: دراسات عن الإباضيّة. وقد اُعتبر رائد تحقيق التّراث الإباضيّ. فقد في السّجون اللّيبيّة منذ سنة 1986، وعدّ مجهول المصير.
(3) -عمرو خليفة النّامي، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،26 أغسطس 1968. (1/286)
صفحة 263
أمّا الزّائر ناصر بن محمّد بن الحاج عمر المرموريالقرّاري الميزابيّ الجزائريّ فيقول: «ظفرتُ في هذه الزّيارة بوقت قضّيته في مكتبته العامرة بالنّفائس والتّحف من كتب الإباضيّة المخطوطة والمطبوعة، وقد فتح لي أبوابها كلّها فتح الله له أبواب الجنّة» (1). ومن مليكة العليا غرداية بالجزائر يقول الزّائر اِبن عمر عمر بن حمو متحّدثا عن المكتبة أيضا: «تجوّلتُ داخل المكتبة الشّريفة، وبين صفحات كتبها القيّمة» (2). ويقول الزّائر محمّد بن القاسم ناصر بوحجّام: «ومن بين المشايخ الذين زرتهم في جزيرة جربة، والذين هم مشاعل نستضيء بنورهم الشّيخ سالم بن يعقوب. كان ذلك في داره بقرية غيزن. أقمتُ عنده يوما كاملا، وعقدتُ معه جلسة في مكتبته القيّمة. سألته أسئلة عن المذهب الإباضيّ فأفادني إفادة كبيرة» (3). ويقول جماعة من الزّائرين من المزابيّين على رأسهم أحمد بن إبراهيم كارة، وعلواني حمّو بن بالحاج: «وفي الغد قصدنا صحبة الشّيخ
__________
(1) -ناصر بن محمّد بن الحاج عمر المرموري، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كنّش 1،4 شوّال 1395.
(2) -اِبن عمر عمر بن حمو، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،9 نوفمبر 1980.
(3) -محمّد بن قاسم ناصر بو حجام، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كنّش 1،9 أوت 1976. (1/287)
صفحة 264
سالم منزله بغيزن، وزرنا مكتبته القيّمة المحتوية على عدّة كتب مذهبيّة ووثائق نفيسة ومخطوطات نادرة الوجود، لا توجد في غيرها من المكتبات ولا في غير هذا المكان» (1). وقال بابا وإسماعيل قاسم ومن معه: «زُرنا .. الشّيخ سالم بن يعقوب ومكتبته القيّمة وشاهدنا ما فيها من كتب وما جمعه من وثائق. وقد سألنا بهذه المناسبة الشّيخ على كثير من المسائل فأجابنا عنها بوضوح» (2). ويقول عبد العزيز بومريقة من غردايةبالجزائر: «زرتُ المكتبة العامرة القيّمة لصاحبها الشّيخ سالم بن يعقوب، وهذه هي المرّة السّابعة، وفي كلّ مرّة أغتنم فرصة وجودي في حضرة الشّيخ وبين أحضان الكتب وفي رحاب الحيّ الهادئ والمنظر الجميل والطّبيعة الهادئة، فأرتوي من ذلكم النّبع الصّافي وأستفيد من ذلكم العلم الفيَّاض وكنت في كلِّ مرّة أسجّل عليه عشرات الأجوبة عن أسئلة مختلفة في المعاملات والعبادات» (3).
وقال أعضاء الوفد القادم من وادي ميزاب من مليكة وغرداية والقرارة بالجزائر للتّعزية وعلى رأسهم الشّيخ بلحاج محمّد بن بابا، ومصباح محمّد بن حمّو: «وقفنا على قبره القريب من منزله، كما تمكنَّا من الاِطّلاع على مكتبة الفقيد التي لا تزال، ولن تزال ناطقة على حيويّته وكفاحه المستمرّ طيلة قرن كامل من الزّمن في سبيل الحفاظ على التّراث الإسلاميّ عامّة والدّعوة إليه، وعلى التّراث الإباضيّ على وجه الخصوص وقد وصَّينا اِبنه الوحيد محمودا على المحافظة على الكنز الثّمين، لأنّه لا يخصّه، بل يعمُّ عامَّة المسلمين وزمرة الإباضيّة المشارقة والمغاربة (4)» (5).
ويقول الزّائر عبد العزيز بومريقة من غرداية بالجزائر: «وهذه المرّة العاشرة أقدم
__________
(1) -أحمد بن إبراهيم كاره، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،2 ماي 1981.
(2) -عمرو خليفة النّامي، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،7 سبتمبر 1981.
(3) -عبد العزيز بومريقة، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،18 جانفي 1982.
(4) -وهذه الوصيّة هي وصيّة الشّيخ سالم غير المعلنة التي ترى أنّ: «وراثة الكتب الشّريفة، والأبواب الرّفيعة، منبّهة للمورِّث، وكنز عند الوارث، إلاّ أنّه كنز لا تجب فيه الزّكاة، ولا حقّ السّلطان. وإذا كانت الكنوز جامدة، ينقصها ما أخذ منها، كان ذلك الكنز مائعا يزيده ما أخذ منه». الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السّلام محمّد هارون، طبعة 1، بيروت، دار الجيل،1996. ج1، ص73.
(5) -الشّيخ بلحاج محمّد بن بابا ومن معه، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،5 فيفري 1991. (1/288)
صفحة 265
فيها، وفي كلّ مرّة أطرح على الشّيخ مسائل عدَّة وأسجّل عليه أجوبته التي يدليها حسب اِطّلاعه» (1).
ويقول الزّائر سعيد شيبان أستاذ طبّ العيون بالجزائر عن حفاوة الشّيخ سالم واستقباله: «اِستقبلنا ببشاشة وسعة صدر، وأجاب عن الأسئلة التي طرحتها عليه في ميدان تاريخ الطبّ العربيّ الإسلاميّ، وما بقي من آثار في جربة» (2).
وقد قال الزّائر عمر بنحمُّو لقمان من منطقة القرارة من ولاية غرداية بالجزائر داعيا إلى ضرورة الحفاظ على رصيد هذه المكتبة: «ورجائي ممَّن له طاقة ماديّة من ذوي اليُسر من أهل الجزيرة أن يبادروا بتصوير المخطوطات وإبرازها إلى النّور، وذلك بشتّى الإمكانات قبل فنائها وهي في حوزتهم» (3). وقال عنه الزّائر مرموريّ عبد العزيز بن بابة من القرارة بولاية غرداية بالجزائر: «مازالت جربة تستضيء بنور علمه وهديه الوضّاء» (4). وقال الزّائر إبراهيم بحَّاز: «وإنّي لأرجو أن تجد هذه المكتبة العناية الكاملة، وأن يُوضع لها فهرس وعلى الأقلّ، فهرس خاصّ بالمخطوطات، وذلك أضعف ما يمكن تقديمه لهذه المكتبة (5)» (6).
أمّا الوفود التّونسيّة، فهي كثيرة منها من هو أصيل الجزيرة، ومنها ما قدم إليها في إطار البحث أو طلبا للعلم. يقول الحبيب الجنحاني أستاذ التّاريخ الإسلاميّ بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بتونس: «كان لي شرف زيارة الشّيخ الفاضل سالم بن يعقوب والحديث معه حول شؤون المذهب الإباضيّ، وخصوصا ما بقي من مصادره الأولى المخطوطة في جزيرة جربة، وقد اِستفدتُ من ملاحظاته» (7).
__________
(1) -عبد العزيز بومريقة، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،25 ديسمبر 1983.
(2) -سعيد شيبان، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،10 رمضان 1397.
(3) -عمر بن حمو لقمان، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،21 ديسمبر 1986.
(4) -مرموريّ عبد العزيز بن بابة، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،24 أوت 1984.
(5) -مازالت صرخة الدّكتور إبراهيم بحّاز (من مواليد 1956 بغرداية، أستاذ محاضر بجامعة غرداية بالجزائر)، وهو من هو في درس المخطوط والعناية به، صرخة في جبّ عميق، لا تلقى آذنا صاغية ولا ترى النّور!.
(6) -إبراهيم بحّاز، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،24 سبتمبر 1994.
(7) -الحبيب الجنحاني، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،17 أوت 1985. (1/289)
صفحة 266
ويقول الزّائر البشير شورو الأستاذ بمعهد بورقيبة للغات الحيّة بتونس: «تشرّفت بزيارة الشّيخ الفاضل سالم بن يعقوب، وأعجبتُ بمدى معرفته للتّاريخ العربيّ بصفة عامّة، وتاريخ جربة بصفة خاصّة» (1).
ويقول الزّائر منصف بن سليمان أستاذ العلوم الاِجتماعيّة بمعهد الفنون والهندسة المعماريّة بتونس في شهادته: «وإنّي أبهرت وأعجبتُ بمدى معرفة الشّيخ سالم بن يعقوب لتاريخ وتراث جزيرة جربة. وإنّي أتمنّى أن يتمكّن الشّيخ من تدوين كلّ معلوماته الواسعة حتّى يبقى أثر تاريخ الجزيرة محفوظا. وعلى كلّ من يعرف قيمة الشّيخ سالم بن يعقوب العمل على توفير الإمكانيّات له حتّى يتمّ هذا الواجب المقدّس» (2).
وتقول عزيزة بن تنفوس الباحثة في مجال التّراث ورئيسة جمعيّة صيانة جزيرة جربة سابقا: «لقد أسعدني الحظّ بزيارة الشّيخ سالم بن يعقوب، وأفادني من بحر علمه الغزير» (3). هكذا كانت الصّرخة دوما مدوّية من أجل صيانة مكتبة الشّيخ سالم بنيعقوب وحمايتها من التّلاشي والضّياع، وهو ما نجده يتردّد في أغلب شهادات زوّار مكتبته. يقول الزّائر جمعة بن وزدو ومن معه عن قيمة محتويات المكتبة: «إنّ هذه المكتبة تحتوي عدّة وثائق ومخطوطات وكتب ذات قيمة كبيرة، أملنا أن يتواصل الاِعتناء بها .. وأن يتمَّ تحقيق المخطوطات ويقع نشرها لتعمّ الفائدة منها» (4). ويقول يوسف بلاّغة أصيل حومة بني معقل بجربة: «فتردّدت عليه المرار العديدة وكان في كلّ مرّة يستقبلني بأكثر حفاوة ويمدّني بالمساعدة في الموضوع الذي أبحث فيه، فيفيدني بعلمه الواسع وبمكتبته الثريّة .. ولا يسعني إلاّ أن أعبّر عن إعجابي بالشّيخ سالم وبدماثة خلقه ورحابة صدره» (5). ويقول الزّائر رمضان بن قيراط في شهادته: «أتقدّم بأحرِّ التشكّرات للشّيخ الجليل سالم بن يعقوب على الجهود التي ما اُنفكّ يبذلها لإثراء وتنمية مكتبته والمحافظة على المخطوطات التي تعتبر من الكنوز التّاريخيّة للجزيرة» (6). وقد زار الشّيخ سالم بن
__________
(1) -البشير شورو، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،18 مارس 1981.
(2) -منصف بن سليمان، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،6 ماي 1981.
(3) -عزيزة بن تنفوس، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2، أوت 1980.
(4) -جمعة بن وزدو، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،20 أوت 1986.
(5) -يوسف بلاغة، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2، د. ت، ص 72 من الكرّاس.
(6) -رمضان بن قيراط، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كنّش 1،26 جويلية 1972. (1/290)
صفحة 267
يعقوب في داره وفي مكتبته الوفود والولاّة ومنهم والي مدنين علي الشّاوش الذي قال في كلمة مدوّنة بخطّه: «أدّيت اليوم 11 مارس 1989 زيارة للشّيخ الفاضل والعلاّمة البارز سالم بن يعقوب الذي قدّم جليل الخدمات للعلم وللتّعريف بتاريخ جزيرة جربة المجيد» (1). وزاره أيضا خلفه والي مدنين محسن الحربيّ وكتب في السجلّ الذّهبيّ عن زيارته يقول: «زرتُ الشّيخ سالم بن يعقوب أحد شيوخ المذهب الإباضيّ بمعتمديّة حومة السّوق جربة، واُطّلعت على مكتبته الثريّة بالمراجع ونفائس الكتب ومخطوطات نادرة لثلّة من العلماء المسلمين خاصّة علماء الشّمال الإفريقيّ. وبتصفّحي للسجلّ الذّهبيّ لهذه المكتبة علمت من شهادات زائريها ما يتمتّع به شيخنا من غزارة علم وانتشار صيت، ما قام به من تحقيقات وتعليقات علميّة مفيدة» (2).
ولئن كان الاِهتمام به محتشما، فلم يكرّم في حياته، فإنّنا وجدنا هاته الشّهادة اليتيمة، شهادة تقدير لرجل لم يكن يرجو أوسمة أو نياشين تعلّق على صدره، عاش مغبونا وترك إرثا لا يزال مغمورًا تتقاذفه أيادي الإهمال، ويطرح علينا إرثه أكثر من حيرة وسؤال:
__________
(1) -علي الشّاوش، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،11 مارس 1989.
(2) -محسن الحربيّ، سجلّ التّشريفات الذهبيّ، كرّاس 2،21 نوفمبر 1990. (1/291)
صفحة 268
رابعا: رحيل الجسد وبقاء الأثر
وهكذا تكون وفاة الشّيخ سالم بن يعقوب يوم السّبت 26 جانفي 1991 الموافق للعاشر من شهر رجب 1411 على السّاعة التّاسعة والنّصف ليلا بمنزله الكائن بمنطقة غيزن بجربة. وقد اِنتظم موكب الدّفن يوم الأحد 27 جانفي 1991 على السّاعة الثّالثة بعد الظّهر بحضور جمع غفير من النّاس من داخل الجزيرة ومن خارجها. كما اِنتظم يوم الاِثنين 28 جانفي 1991 ختم قرآنيّ حضره جمع كبير من النّاس، وألقى خلاله الأستاذ فرحات الجعبيريّ كلمة تعرّض فيها إلى خصال الفقيد وجهاده في سبيل العلم والثّقافة، مبرزا أهميّة الإرث الذي خلّفه وضرورة السّعي من أجل إبرازه (1).وأقترح لتلخيص مسيرة الشّيخ سالم، بيان معالم حياته من خلال هذا الرّسم التّوضيحيّ المواليّ:
__________
(1) -كأنّ وصيّة الشّيخ سالم تقول لخلفه ما قالته فلاسفة اليونان، ممّا رواه الجاحظ: «لا تورّثوا الاِبن من المال، إلاّ ما يكون عنوانا على طلب المال، واُغذوه بحلاوة العلم، واُطبعوه بعلى تعظيم الحكمة، ليصير جمع العلم أغلب عليه من جمع المال، وليرى أنّه العدّة والعتاد، وأنّه أكرم مستفاد». الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السّلام محمّد هارون، طبعة 1، بيروت، دار الجيل، 1996. ج 1، ص 99. (1/292)
صفحة 269
قائمة المصادر والمراجع
أوّلا: المراجع العربيّة
أ - الكتب:
1. الإباضيّ (اِبن سلاّم)،كتاب في بدء الإسلام وشرائع الدّين، تحقيق: فرينز شفارنس والشّيخ سالم بن يعقوب، طبعة 1، لبنان، دار صادر، فرانز شتاينر بفيسبادن، النّشرات الإسلاميّة 33،1986.
2. أبوراس (محمّد الجربيّ)،مؤنس الأحبّة في أخبار جربة، حقّقه ومهّد له وعلّق عليه: محمّد المرزوقيّ، قدّم له: حسن حسني عبد الوهّاب، طبعة 1، تونس، المطبعة الرسميّة، نشرات المعهد القوميّ للآثار والفنون،1960.
3. أعوشت (بكير بن سعيد)،دراسات إسلاميّة في الأصول الإباضيّة، طبعة 3، القاهرة، مكتبة وهبة،1988.
4. بابا عمّي (محمّد بن موسى)، بحّاز (إبراهيم بن بكير)، باجو (مصطفى بن صالح) وشريفي (مصطفى بن محمّد)،معجم أعلام الإباضيّة، طبعة 2، بيروت، لبنان، دار الغرب الإسلاميّ،2000.
5. الجعبيريّ (فرحات)،نظام العزّابة عند الإباضيّة الوهبيّة في جربة، طبعة 1، تونس، المطبعة العصريّة، المعهد القوميّ للآثار والفنون،1975.
6. الجعبيريّ (فرحات)،ملامح عن الحركة العلميّة عند الإباضيّة بجربة من الفتح الإسلاميّ سنة 47 هجريّ إلى أواخر القرن الثّاني عشر ميلاديّ، طبعة 1، تونس، ج. م. ص للنّشر،1985.
7. الجعبيريّ (فرحات)،البعد الحضاريّ للعقيدة الإباضيّة، طبعة 1، تونس، مطبعة الألوان الحديثة،1989.
8. الجعبيريّ (فرحات)، دور المدرسة الإباضيّة في الفقه والحضارة الإسلاميّة، طبعة 1، تونس، در الجوينيّ للنّشر،1989.
9. الجعبيريّ (فرحات)،العلاقة بين إباضيّة المغرب وإباضيّة البصرة وعمّان من القرن الأوّل إلى القرن الحادي عشر الهجريّ (8 – 17 ميلاديّ)، طبعة 1، تونس، دار سراس للنّشر،2005.
10. الجنحاني (الحبيب)،دراسات في التّاريخ الاِقتصاديّ والاِجتماعيّ، طبعة 2، بيروت، لبنان، دار الغرب الإسلاميّ،1986
11. الحيلاتي (أحمد)،علماء جربة المسمّى رسائل الشّيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربيّ، تحقيق: محمّد قوجة، طبعة 1، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ،1998.
12. خليفات (عوض محمّد)،الأصول التّاريخيّة للفرقة الإباضيّة، طبعة 3، سلطنة عمّان، وزارة التّراث القوميّ والثّقافة،1994
13. الدّرجينيّ (أبو العبّاس)،كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، طبعة1، الجزائر، تحقيق: إبراهيم طلاي، مطبعة البعث،1984الشّكعة (مصطفى)،إسلام بلا مذاهب، طبعة 8، مصر، الدّار المصريّة اللّبنانيّة،1991.
14. الشمّاخي (أبو العبّاس أحمد بن سعيد)،كتاب السّير: الجزء الخاصّ بتراجم علماء المغرب إلى نهاية القرن5 الهجريّ / 11 ميلاديّ، تحقيق: محمّد حسن، طبعة 1، تونس، كليّة العلوم الإنسانيّة (1/293)
صفحة 270
والاِجتماعيّة، السّلسلة 4،1995.
15. الشمّاخي (أبو العبّاس أحمد بن سعيد)،كتاب السّير، تحقيق محمّد حسن، طبعة 1، بيروت، دار المدار الإسلاميّ،2009
16. الكاملي (عبد الله بن محمّد)،أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش، طبعة 1، قسنطينة، مطبعة الشّهاب (د. ت).
17. اللّواتي (حمّاديّ)،أبناء جزيرة جربة في الحركة الوطنيّة (1881 – 1961)، طبعة 1، تونس، الشّركة التّونسيّة لفنون الرّسم (د. ت).
18. ليفيتسكي (تاديوس)،المؤرّخون الإباضيّون في إفريقيا الشّماليّة، ترجمة: ماهر جرّار وريما جرّار، طبعة 1، لبنان، دار الغرب الإسلاميّ،2000.
19. المرابط (رياض)،مدوّنة مساجد جربة، تقديم: منيرة شابوطو الرماديّ، طبعة 1، تونس، الشّركة العامّة للطّباعة،2002
20. بن مرزوق (عبد الرّحمان بن عيّاد)،ملامح عن الإباضيّة، طبعة 1، تونس، مطبعة ورّاقة المركزيّة،2005.
21. مجموعة من الباحثين، معجم مصطلحات الإباضيّة، طبعة 1، عمّان، وزارة الشّؤون الدّينيّة بسلطنة عمّان،2008.
22. المريميّ (محمّد)،إباضيّة جزيرة جربة خلال العصر الحديث، طبعة 1، تونس، دار الجنوب للنّشر، كليّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنّوبة،2005.
23. النّامي (عمرو خليفة)، دراسات عن الإباضيّة، ترجمة: ميخائل خوري، مراجعة: ماهر جرّار، طبعة 1، تونس، دار الغرب الإسلاميّ،2001.
24. ندوة، دراسات حول جزيرة جربة، مجموعة الدّراسات والمداخلات التي قدّمت في نطاق الأنشطة التي تقيمها جمعيّة صيانة جزيرة جربة بعنوان لقاءات الصّيانة، طبعة 1، تونس، الشّركة التّونسيّة لفنون الرّسم،1996.
25. ندوة، أعلام من جزيرة جربة، مجموعة المحاضرات التي ألقيت على منبر جمعيّة صيانة جزيرة جربة، طبعة 1، تونس، الشّركة التّونسيّة لفنون الرّسم،1996.
26. بن يعقوب (سالم)،تاريخ جزيرة جربة، طبعة 1، تونس، دار الجويني للنّشر،1986.
27. بن يعقوب (سالم)،تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد: الدّكتور فرحات بن علي الجعبيريّ، طبعة 1، تونس، دار سراس للنّشر،2006.
28. بن يعقوب (سالم)،تاريخ جربة وعلمائها الإباضيّة، طبعة 1، تونس، الشّركة التّونسيّة لفنون الرّسم،2009.
ب - المقالات والفصول:
29. الباروني (سعيد يوسف)، «الشّيخ سالم بن يعقوب في ذمّة الله»،جريدة الجزيرة، (جربة)، السّنة 11، العدد 60،مارس، أفريل 1991. (1/294)
صفحة 271
30. البريك (ناصر المرشد)، «الإباضيّة في الفكر الإسلاميّ وأثرها في قيام الدّولة»،مجلّة الاِجتهاد، (لبنان)، السّنة 4، العدد 13، خريف 1991.
31. التّميميّ (عبد الجليل)، «رؤية منهجيّة لدراسة العلاقة العثمانيّة المغربيّة»،المجلّة التّاريخيّة المغربيّة، (تونس)، العددان 29،30، سنة 1983.
32. حسن (محمّد)، «إباضيّة جربة وعلاقتهم بالفاطميّين والزّيريّين»،مجلّة الحياة الثّقافيّة، (تونس)، السّنة 7، العدد 24، نوفمبر، ديسمبر 1982.
33. الزّيديّ (علي)، «الوضع العامّ بالتّعليم الزّيتونيّ حتّى إصلاح سنة 1951»،المجلّة التّاريخيّة المغربيّة، (تونس)، العددان 33،34، جوان 1984.
34. الطّرابلسيّ (حنان الحسين)، «أبو زكريّا فصيل بن أبي مسور ودوره في جزيرة جربة»،مجلّة الحياة، (القرارة)، العدد 15، أوت 2011.
35. عبد الرّحيم (عبد الرّحيم عبد الرّحمان)، «دور المغاربة في تاريخ مصر في العصر الحديث: القسم الأوّل العصر العثمانيّ»،المجلّة التّاريخيّة المغربيّة، (تونس)، العددان 10،11، جانفي 1978.
36. عبد الرّحيم (عبد الرّحيم عبد الرّحمان)، «دور المغاربة في تاريخ مصر في العصر الحديث»،المجلّة التّاريخيّة المغربيّة، (تونس)، العدد 9، سنة 1979.
37. بن مرزوق (الصّادق)، «أبو ظاهر إسماعيل موسى الجيطاليّ: حياته ومآثره»، ضمن أعمال الملتقى حول تاريخ جربة أفريل 1982، (تونس)، المعهد القوميّ للآثار والفنون،1986.
38. بن يعقوب (سالم)، قوجة (قاسم)، «ردّ على مقال نشر بالحياة الثّقافيّة سابقا»،مجلّة الحياة الثّقافيّة، (تونس)، العدد 38، سنة 1985.
ج– المخطوطات والوثائق المختلفة:
39. الأزهريّ (خالد)، «حاشية العلاّمة أبي النّجا على شرح متن الآجروميّة في علم العربيّة»، طبعة حجريّة طبعت بالمطبعة البهيّة بجوار القطب الدّردير بمصر المحميّة، في شهر صفر الخير سنة 1303 من هجرة النبيّ المعظّم صلّى الله عليه وسلّم.
40. البارونيّ (يوسف بن أمحمّد)، «جزيرة جربة في موكب التّاريخ»، تقديم وإعداد: سعيد البارونيّ، نسخة رقميّة ضمن موقع المكتبة البارونيّة على الأنترنيت، على العنوان التّالي: http://www.elbarouniya.net
41. بن تعاريت (سعيد بن علي)، «كتاب المسلك المحمود»، طبعة حجريّة، شرع في تأليفه سنة 1315 للهجرة الموافق لسنة 1897/ 1898 للميلاد.
42. بن يعقوب (سالم)، «كرّاس التّشريفات الذّهبيّ»،كرّاس عدد 1 و 2،كنّش عدد 1 و 2، مخطوط به خواطر أبز زوّار المكتبة العربيّة لصاحبها الشّيخ سالم بن يعقوب منذ سنة 1969.
43. بن يعقوب (سالم)، «كرّاسات المدارس العلميّة بجربة»، مخطوط يتكوّن من مجموعة من الكرّاسات المدرسيّة، كتب بخطوط متباينة، ضمن خزائن المكتبة العربيّة لصاحبها الشّيخ سالم بن يعقوب. (1/295)
صفحة 272
44. بن يعقوب (سالم)، «لقاء مع الشّيخ سالم بن يعقوب عن شريط مصوّر بمقرّ جمعيّة صيانة جزيرة جربة»، حاوره كلّ من الشّيخ قاسم قوجة، وفريد القاضي، وسعيد البارونيّ، وبحضور اِبنه محمود بن يعقوب، بمقرّ المكتبة العربيّة لصاحبها الشّيخ سالم بن يعقوب بغيزن، سنة 1986.
د – مواقع الواب والبوّابات:
45. موقع شبكة أهل الحقّ والاِستقامة:
http://www.ibadhiyah.net/maktabah/showthread.php?threadid=195
46. موقع ويكبيديا الموسوعة الحرّة: http://www.wikipedia.net
47. موقع التّراث: http://www.tourath.org/ar/content/view/1494/ 41
48. موقع المكتبة البارونيّة: http://www.elbarouniya.net
ثانيا: المراجع الأجنبيّة:
49. Custers (M. H) : Al Ibadiyya : a bibliography.Volume 2 : Ibadis of maghrib , Ed Maastrich , 2006.
50. Lewicki (T): « Al ibadyya » , Encyclopédie de l’islam , Nouvelle éditions , T 3 , Paris , Leyde , 1995.
51. Lewicki (T):« Halaka » ,Encyclopédie de l’islam , Nouvelle éditions , T 3 , Paris , Leyde , 1995.
52. Prévost (Virginie) : « La renaissance des ibadites wahabites à Djerba au 10 è siècle » , Folia Orientalia , Vol 40 , 2004.
53. Tlatli (S.E) :Djerba et les Djerbiens : monographie régionale , Tunis , 1942.
- - - (1/296)
صفحة 273
تحية الوفاء لوادي العطاء
د: عمرو أحمد علي التندميرتي
كلية الآداب ـــ جامعة الزاوية ـــ ليبيا
(ابن معهد الحياة ــــ دفعة: 1973)
ع
(عُذرًا أسَاتِذَتِي إن خَانَني الكَلِمُ في مَوقِفٍ شَرِقتُ فيه بِالذِّكرَى، فَارتَجَّت بِي القَدَمُ، فَكَانَ ما كَانَ مِن ذُهُولٍ استَعصَت مَعهُ الكَلِمَاتُ، فَاقبَلُوا مِنِّي ـ وأنتُمُ الكَرَمُ ـ تَحيَّةَ وَفَاء واعتِذَار ولَو بعدَ عِثَار).
الْحَمدُ للهِ الذِي هَيَّأَ مِن أَوليَائِهِ مَنِ امتَشَقَ اليَرَاعَ امتِشَاقَ النُّبلِ والإِكرَامِ، لِيُجرِيَهُ على سَنَنِ الموَدَّةِ والالتِزَامِ بِأدَبِ الصُّحبَةِ والاِحتِرَامِ، فَأَبدَعَوتَأنَّقَ، تَرفِدُهُ العِنَايَةُ في تَحبِيرِ رَائِعَةٍ مِن رَوَائِعِ الشِِّعرِ النَّضِير، فَكَانَت نَفثَةً مِن نَفَثَاتِ القَلبِ الكَبيرِ، ومَن غَيرُ الوَلِيِّ الصَّالِحِ الْجَليلِ، والأَدِيبِ الفَاضِلِ النَّبيلِ، الشَّيخِ حَمدِي إبرَاهيم بن عِيسى يَقوَى على النُّهُوضِ بِمِثلِ هذِهِ الْمَأثُرَةِ مِن سَوَابِقِ الْمَبَرَّةِ الراقِيةِ، والْمَحَبَّةِ الْخَالِصَةِ، يَسِمُ بِهَا هَامَةَ الأَدَبِ الرَّفِيعِ في التِفَاتَةٍ مِن أصدَقِ مَعَانِي التَّواصُلِ والوَفَاء، وأَروَعِ دَلاَلاَتِ الأُخُوَّةِ والصَّفَاء، فَإِيَّاهُ أستَسمِحُ قَائِلاً:
عَفوًا سَيِّدي ومَولاَيَ أَبَا اليَقظَانِ، شَيخَ الصَّحَافَةِ الجزائِريَّةِ وعَمِيدَهَا، وشَاعرَ الأَقطَارِ الْمَغَاربِِيَّةِ وأدِيبَهَا، عَطَّرَ اللهُ مع السَّالِكينَ ذِكرَكُم، وأَكرَمَ مع النَّبَيِّينَ والصِّدِّيقينَ مَثوَاكُم، مِن عَليائِكَ ـ إِن شَاءَ اللهُ ـ فِي مَقعَدِ صِدقٍ عِند مَليكٍ مُقتَدِر أَستَنزِلُ تَأشِيرةَ الاِستِدانَةِ، فمِنكَ تُستدانُ الكلماتُ، ومن فِردَوسِ أََزَاهِيرِكَ ـ إِن أَمكَنَ الأَمرُ ـ تُقتَطَفُ التحيَّات، ومِن رَوَائِعِ شِعرِك تُنحَتُ قَوالِبُ الْخِطَابِ وتُنتَقَى مَقَاطِعُهُ، وهَيهَاتَ هَيهَاتَ أن تَبتَلَّ قَصَبَةٌ خَامِلَةٌ، أو يَصطَبِغَ يَرَاعٌ قَاصِرٌ، ولَو بِقَطرَةِ مِدادٍ مِن فَيضِ أَدَبِكُم الزَّاخِر، ولكنَّهُ الوُدُّ الذي تَمَكَّنَ، لا يَرى ـ لِخِطابِ وَادٍ مِنكُم تَعَلَّمنَا عِشقَهُ ـ بَأسًا في أََن يَتَرَسَّمَ مَعَالِمَ النَّجَاح، ويَتَشَبَّهَ بِأَعَزِّ أَهلِ الفَلاح، (1/297)
صفحة 274
يَلتَفِتُ فَلا يَجِدُ مِن شَفِيفِ المشَاعِرِ ورَفيفِ الْخَواطِرِ حديثًا أرَقَّ ولا أريجًا أعطَرَ مِن تَحيَّتِكُم لِعُمَانَ، المجدِ والتاريخِ، يَستَعِيرُ من أَنفَاسِهَا العَطِرَاتِ، مع الاِحتِفَاظِ بِها مَوفُورَةَ العَبَقِ على الدَّوامِ لأَهلِها الطيبينَ الكرامِ:
«أُهدِي مِزَابَ» تَحيَّةً وسَلامَا *** مُتَوَاصِلَينِ مع الأَثِيرِ دَوَامَا
وبَعدُ؛
فَمُقارَبَةُ وَادي مِيزابَ مُقاربةُ وَادٍ عَزيزٍ أَلُوفٍ، لا تَتِمُّ إلاَّ عَبرَ تَجرِبةِ الشُّعُورِ والإِشراقِ، يَصعُبُ تَمَثُّلُها على مَن لم يأتِ إليها مِن غَورٍ بعيدٍ، لِيعيشَها غَضَّ المفاصِلِ طَرِيَّ العُودِ، يَوَدُّ بِطبعِ شَبابِهِ أن يَتَحَرَّرَ ـ لِغَفلَةٍ تَعتَريهِ ـ مِن مَرَاسِمَ، يَتَوَهَّمُ ثِقلَها في مِثلِ هَكَذا عُمْرٍ، فَيُغالِبُها بِشَقَاوَةٍ مُرَاهِقَةٍ، ولكنَّها حِكمَةُ الأسَاتِيذِ، وسَهَرُ الْمُعَلِمينَ، وأَنَاةُ المرَبِّينَ، تَنتصِرُ لَهُ ولَو بعدَ حِينٍ، وهُنا مَكمَنُ الصِّدقِ والإِنصَافِ في الشُّعُورِ والإِشراقِ الجَارِفَينِ، كِلاهُما يستَبِدُّ بالنفسِ وهيَ تَهفُو نَحوَ مِيزابِ الحياة، في مُقارَبَةٍ عِرفانِيَّةٍ وُجدانيَّة، وقَد هَذَّبَت الأيَّامُ شَيئًا مِن غُلواءِ طُفُولَتِها السَّاذِجَةِ، وكَبَحَت سَنواتُ المطَافِ كثيرًا من جِماحِها، وأزالَت عنِ العَينَينِ ما تَغَشَّاهُما مِن زَائِفِ الأَوهَامِ، وهَتَكَت مَا انسَدَلَ دُونَهُما مِن سُجُوفِ الأَحلاَمِ، وأَذهَبَت مَيعَ الشَّبابِ ومَنَازِعَهُ العِراضَ، وأَزَاحَت مِن الأُفُقِ القَريبِ غَبَشَهُ وظِلالَهُ.
مِيزَابُ ـ ومَا أَجْمَلَ التَّورِيَةَ وأرقَاهَا ـ لَيسَ قِطعَةً مِن الْجَمَالِ وحَسبُ، فَقَد قِيلَ: إنَّ سِرَّ عِشقِ مِيزابَ مِمن يَرتَادُونَهُ مِن الغَربِيِّينَ وأَضرَابِهِم، هو تَوقٌ إلى لَحظَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ وَادِعَةٍ، وبَحثٌ عَن صُورَةٍ شَرقِيَّةٍ حالِمَةٍ، رَسَمَتهَا الذَّائِقَةُ الاِستِشراقِيَّةُ ثُقُوبًا ثَقَافِيَّةً في الذَّاكِرَةِ الأُورُبِيَّةِ الْمُثقَلَةِ بِمِخيَالِ أَلفِ لَيلَةٍ ولَيلَة، فَراحُوا يَنشُدُونَهَا في مَيزابِ الْجَمَالِ، عَلَّهَا تُخرِجُهُم مِن خُلَّبٍ خَبَا بَريقُهُ، وبَهرَجٍ فَقَدَ سِحرَهُ وفَارَقَهُ رَنِينُهُ، وهو ظَنٌّ غَالِبٌ لا شُبهَةَ فيهِ، إلاَّ أَنَّهُ يَقِفُ دُونَ اِكتِمَالِ تَفَاصيلِ الْحَقيقَةِ، فَكَم مِن الْمُنتَجَعَاتِ الرومانسِيَّةِ تِلكُمُ التي تُتِيحُ مِن لَحَظاتِ الإِمتاعِ الذِّهنِي والبَصَري في عَوَالِمِ الشَّرقِ القَصِيَّةِ والدُّنيَا ما تُنسي البَاحِثينَ عَنها كُلَّ صَخَبٍ ونَصَبٍ، وكم مِن بُيُوتَاتِ الشرقِِ وأَديِرَتِهِ الْمَحفُورَةِ في جِبَالِ التَّبتِ وأَغوَارِ الْهِندِ وأَريَافِ الصَّينِ (1/298)
صفحة 275
وهِضَابِهِ تِلكُمُ التي تَفسَحُ لَهُم مِن فُرَصِ التَّأَمُّلِ والعُزلَةِ ما يَنأَى بِهِم عن عَالَمِ الْجَلَبَةِ والضَّجيجِ، ويَسرَحُ بِهم في تَهويمَاتٍ مِن الشَّطحِ لا تَنتَهي! ولَكن لَيسَ ذَلك مَا يَفتَقِدُونَ، وإنَّمَا مَفقُودُهُم مَا أَلْمَحَ إلَيهِ شَاهِدٌ مِن أَهلِهَا، فَهَذا عَمُّنَا الفاضِلُ خُضَيرُ الغَرْدَاوِيُّ، قَريبُ الشاعِرِ الْمَوهُوبِ، صِنوِ الشِّهابِ، رَمَضانَ حَمُّود، رَحِمَهُما اللهُ، كانَ قد نَاهَزَ الثمَانينَ، عندما زَارَ بُستَانَهُ سَائِحٌ فَرنسيٌّ في رَبيعِ أُمسيَّةٍ مِيزابِيَّةٍ بِغابَةِ غَردايةَ، ووَجَدَهُ يُعِدُّ شايًا أَخضَرَ، وقد وَضعَ إِبريقَهُ على مَوقِدِ نارٍ «كُرنَافِيَّةٍ»، في ظِلِّ شُجَيرَةٍ يُداعِبُها ماءُ جَدوَلٍ يَنسابُ أمَامَه، وشَمسُ الأَصيلِ تُغازِلُه، فَقالَ الشَّيخُ الْجَليلُ مُداعِبًا ضَيفَه الفَرنسيَّ: أنتُم تَعيشُون في بَاريسَ، «القَاطُو» والأَنوارِ والْحَضارَةِ! فَردَّ عليهِ الزائرُ الفرنسيُّ إِثرَ تَنهيدَةٍ لا يُخطِئُ سَامِعُهَا صِدقَ مَكنُونِها: باريسُ و «قَاطُوهَا» وأنوارُها وحَضارتُها لا تَعدِلُ لحظَةً مِن لَحَظَاتِ الشَّاي الأَخضَرِ هذا الذي تُعِدُّهُ أَمَامَ جَدوَلِكَ الرَّقرَاقِ في هَذهِ الأُمسِيَةِ اللَّطيفَةِ! فَأَيَّةُ شَهَادَةٍ أصدَقُ مِن هَذِهِ التي تَأتِي مِن آخِرِ مَن يَفيدُ مِنهَا لِصَالِحِ مَن لا يَحتَاجُ إِليهَا! فَقَدِ اختَصَرَ الضَّيفُ في كَلِماتِهِ العَفويَّةِ كُلَّ شَيءٍ عن مِيزابَ، ولَمَسَ بإِحسَاسِهِ دُونَ عَقلِهِ سِرَّ الأَسرَارِ في عِشقِ الزَّائرِ لِمِيزَابَ، السِّرُّ الذي خَفِيَ عَنهُ هو وعَن كُلِّ مَن يُشَاكِلُهُ، لأنَّ مَا يَبحَثُ عَنهُ ووَجَدَهُ في تِلكُمُ الرُّوحِ التي استَسلَمَت في يَقِينٍ انطَبَعَت سِيمَاهُ على جَبِينِ شَيخِنَا الكَريمِ، ووَضَحَت فِي لَفَتَاتِهِ وكَلِمَاتِهِ ومَحَاضِرِهِ الْهَادِئَةِ الْمُتَوَاصِعَةِ كَانَ رَدِيمَ كَنزٍ لا تَقُودُ مَنظُوماتُ القَومِ الفِكريَّةُ إليهِ، ومَا أظُنُّ أنَّ وَالِدَنَا الشَّيخَ قد غَفَلَ عَنهُ، ولا يَضِيرُهُ ألاَّ يَأبَهَ لَهُ، لأنه يَمتَلِكُهُ نَسغَ شُعَيراتٍ ودَمَ شِريَانٍ، إنه إِكْسِيرُ التَّعَادُلِيَّةِ التي جَعَلَت مِن حَرَكَةِ الْمُجتَمَعِ الميزابي مِنوَالاً، العِلمُ فيهِ والإِيمانُ سَدَاةٌ ولُحمَةٌ، ونِيرَتُهُ الفَضَائِلُ والْمَكرُماتُ، فَكَان الْمَشهَدُ ـ في تَجَلِّيَاتِهِ الْمُتَكَامِلَةِ ـ سَجَّادَةً مُدَبَّجَةَ الْحَوَاشِي، يُعَطِّرُهَا طيبُ الْمَجَالِسِ ومِسكُ اللَّيَالِي، يَنفَحُ بهِ المكَانُ، ويَستَنشِقُهُ الإِنسانُ، في كُلِّ لَحظَةٍ وآن.
ولَيسَ مِيزَابُ حَشدًا مِن الْمُعَلِّمينَ والْحُفَّاظِ وكَفَى، فَكُثرٌ هُمُ الْحَفَظةُ وحَمَلَةُ الأسفَارِ، وأوفَرُ مِنهم حَمَلةُ الشَهاداتِ وأدعِياءُ المُؤهِّلاتِ، تَزدَحِمُ بِهِمُ الْمُدُنُ والدِّيَارُ، وتَتَبَاهَى بِهم أصقَاعٌ مِن الأرضِ، وأشتَاتٌ تَفخَرُ مَا شَاءَ لها (1/309)
صفحة 276
الاِفتِخارُ، ولَكِن أَن يَنْبَثَّ الْحَمَلَةُ في مُجتَمَعٍ لاَ يَجعَلُ مِن الكِتَابِ الذي يَحمِلُونَ شِرعَة إِمَامَةٍ ووَظيفَةٍ، ومِنهَاجَ حَرَكَةٍ فَاعِلَةٍ وحَسبُ، وإِنَّمَا يُحيلُهُ ـ في تَوَافُقِيَّةٍ بَارِعَةٍ ـ هَديًا يَمشِي بِهِ الناسُ على أَقدَارِهِم في الأَرضِ هَونًا وسَلامًا، يَقبَسُون مِن أنوارِ مِشكاتِهِ التي تُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهَا نَار، ويَنهَلُون مِن عَذبِ فُراتِهِ الْمُتَدَفِّقِ تَدَفُّقَ عُيُونِ «الفُوسَاعَة» و «تَاجنينت»، وتُخالِطُ بَشَاشَتُهُ حَرَّ أنفَاسِهِم في مناجاةٍ يوميَّةٍ قاصدةٍ، فَتِلكَ حَصَائِدُ كِفاحٍ تَعَاوَرَت عليها رِجَالاَتُ بَنِي مُصعَبٍ بِمُوَاصَلَةِ السُّرَى، ومُجَافَاةِ الكَرَى، والضَّربِ في صَميمِ الْهَوَاجِرِ والصَّائِفَاتِ، وهو عَطاءٌ ثَمينٌ لِمُكابَدَةِ الْمَحَابِرِ والأَلواحِ، نَهضَت بِهِ ـ أَطرَافًا مِن النَّهَارِ وزُلَفًا مِن الليلِ ـ أَرواحٌ أَخلَصَت للهِ هَوَاهَا، وسَواعِدُ وَثَّقَت بِالأَرضِ عُرَاهَا، ذَلِكُم هو مِيزابُ في خُلاصَةٍ دَالَّة، بُنيَانٌ تَأَسَّسَ على رُوحٍ مِن تَقوى الْمَسَارِ، فَكَانَ مَرأًى يَرُوقُ، ورِوَاقَ مَجدٍ يَشُوقُ، يَنمَازُ في كل جانِبٍ مِن جَوانِبِهِ، ويَتَألَّقُ في كل مَظهَرٍ من مَظاهِرِهِ، رَاسِمًا عَلامَةَ امتِيَازِهِ وَمضَةً على جَبينِ الزَّمانِ، والتِمَاعَةً على مَفرَقِ الْحِذقِ والإِتقَانِ، فَلا غَروَ أن يَتَمَلَّكَ الْمَشاعِرَ، ويَملأَ النَّفسَ بَهجَةً وحُبُورًا، ويَجعَلَها تُشرِقُ إِشرَاقَةَ العُمرِ، فَتَوَدُّ ألاَّ تَنكَسِفَ بَعدَها، إنَّهُ مِيزابُ الْحَيَاةِ، هَكَذا قَامت مَبَانِيه، وتَخَلَّقَت مَغَانِيهِ، واستَطاَبَت مَجَانِيهِ، فَقَامَ واستَقَامَ، تُحفَةً في خَاطِرِ الشُّهُودِ، وعِلقًا نَفيسًا على صَدرِ الوُجُودِ، إِنَّه حَقَيقَةٌ مَاثِلَةٌ لِلعيَانِ، تَعيشُها فَتَظُنُّها أُسطُورَةً مَرقُومةً على سِفرِ الزمَانِ.
إنَّ الْمُطِلَّ على وَادي مَيزَابَ وقد استَبَدَّت بِنَفسِهِ نَوَازِعُ الشَّوقِ والحنينِ لَيَكادُ يَسمَعُ وهو على سَفحِ مَشَارِفِهِ الميمُونَةِ النَّغَمَ «اليُوسُفِيَّ التَّربَحِيَّ» الخالِد: «اِهْنَأْ يَا قَادِمُ بين الرُّبُوع .... أهلاً وسَهلاَ فِداكَ الْجُمُوع»، مُقَدِّمَةً لأَنَاشِيدَ، عُذرِيَّةِ القَوَافِي، صِيغَت على حَذوِ أَنوَارٍ سَرَى بِهَا البَدرُ مِن ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ، تَشدُو بِها حَنَاجِرُ شَبابٍ مِن مَعدِنِ الذَّهَبِ الإِبرِيز، وتَنسَابُ رَخيمَةً كَأندِيَةِ الفَجرِ الضَّاحِك مِن حَنجَرةِ أَمثَالِ الفنَّانِ الأَنيسِ فَرصُوص يُونِسَ، تَزدانُ بِها أَمَاسِيه الفَنِّيَّةُ الْمُمتِعَة، وتَسعَدُ بِهَا لَيَالِيهِ الرُّستُمِيَّةُ الجَميلَة، وتَطرَبُ رُوحُ الْمُطِلِّ الْمُتَوَثِّبَةُ لِلوِصالِ، وهيَ تَلتَقِطُ تَرانِيمَ الأطفالِ، وتَراتِيلَهُم الرَّطبَةَ النَّدِيَّةَ مِن شُرُفاتِ مَدرَسَةِ (1/310)
صفحة 277
الحيَاةِ في أفجارِهَا البَوَاكِر وأَصبَاحِها الْمُشرِقات، وتَلينُ أكنَافُ هذهِ النفسِ الْمَشُوقَةِ وهي تَستَعيدُ دَوِيَّ مَجَالِسٍ رَصَّعَتهَا وُجُوهُ العِليَةِ مِن شُيُوخٍ عِظَامٍ وطُلاَّبِ عِلمٍ وعَزَّابَةٍ كرام فَوقَ السُّطُوحِ وبين السَّوَارِي وتَحتَ القِبَابِ، وتَنعَمُ نَفسُهُ الْمُطمَئِنَّةُ بنَسَائمَ حُمِّلَت هَمهَماتِ الأَذكارِ في هُزَعِ أَكمَامِ اللَّيَالِي الرَّمَضَانِيَّةِ البَهِيجَةِ، وثَنَايا أسحَارِها الْخَاشِعات، كُلُّ ذلك يَزدَحِمُ بِهِ الْمِخيَالُ، وتَمُورُ به الخَوَاطِرُ في انْجِذابٍ رُوحانِيٍّ غَامِر، مع اطلالَةِ الوَاحَةِ التي ـ مِن عَسفِ سِياسَةٍ وتارِيخ ـ شَطَّ بِها الْمَزارُ يَومًا، وكان زَادُها أَشوَاقًا، جَمَّعَت مَفَاتِيحَها مِن عَرَصاتِ الْمَعصُومَةِ، واحتَمَلَتها أغصانَ زَيتُونٍ نَقَلَتها مِن تُربَتِها الْمُضَمَّخَةِ بأمجَادِ تِيهِرتَ البَوَاذِخ، بَحثًا عَن مُبتَدَأِ وَاعِدٍ جَديدٍ، فَوَافَته بَعيدًا هُنالِكَ، وقَد استَدعَتهُ أَقدَارُ اللهِ في إِحدَى نَواشِئ اللَّيلِ نَشأَةً أُخرَى، ورَعَتهُ أَلطَافُهُ نَزلَةً كُبرَى، فرَحُبَ بِها الْمَكانُ في عُمقِ الصحرَاءِ، فَأَنَاخَت عِندَهَا الْمَطَايَا، وتَوَطَّنَت في تَلافيفِهَا قِيَمًا وشَمَائِلَ، قَبلَ أن تَتَوَطِّنَ بَشَرًا وأَجسَادًا، وأقَامَت مَحَارِيبَهَا قبل أن تُقيمَ جُسُورَهَا وسُدُودَها، على مَبدَأ التَّرشَيدِ قَبلَ التَّشيِيدِ، فانفَسَحَ لها مَغرَسٌ بِكرٌ نَضِيرٌ، في حِضنٍ أُمٍّ رَؤُومٍ، كَرُمَ فيهِ الغَرسُ، وطَابَ منه العَطَاءُ، بين تَهَاوِيلِ وَادٍ غَشَّاهُ الأَمَانُ وجَلَّلَهُ الإِيمَان، لا يُحَرِّكُ صَفوَهُ كَدَرٌ، ولا يَقطعُ هَدْأَةَ لَيلِهِ السَّاجي سِوى انبِلاَجَةِ فَجرٍ مُنَوَّرٍ، وإِشرَاقَةِ صُبحٍ بَهِيٍّ، تَحمِلُ تَبَاشِيرَهُ أَصداحُ الْمَآذِنِ والأَطيَار، ويَتَنَفَّسُ شَقشَقةَ عَصَافِيرٍ مُؤنِسَةٍ، وسَجعَ هَدِيلٍ، اِمتَزَجَت بتَمتَمَاتِ الأَدعِيَةِ والأَذكَار.
مِيزَابُ يا مَعقِلَ مَاضِينا الذي لا يَعُودُ إلاَّ شَوقًا يُسافِرُ بِنا على جَنَاحِ أُمنِيَةٍ تَرِفُّ فَتُضنِي الصُّدُورَ بِتَوَهُّجِهَا، أَنتَ مُستَقَرُّ عِزٍّ يَتِيهُ بِنَسَقِهِ الثَّقَافِيِّ الفَرِيدِ، تَضَافَرَ لهُ مِن الْمَجدِ طَارِفٌ وتَليدٌ، وبِدْعُ مُجتَمَعٍ عَبقَريٍّ، شَيَّدَهُ عَرَقُ جَبينٍ، وبَارَكَتهُ رُوحُ عِلمٍ ودِين، وأََسهَمَت في نَسجِهِ على مِنوَالٍ مِن طِرَازِ زَربِيَّةِ غَردايَةَ الْمُنَمَّقَةِ الْمُوَشَّاةِ خُيُوطُ تَاريخٍ، وأَنماطُ مَعَارِفٍ وفُنُون، ومَطَارِفُ من جِيُولُوجيَا الجنُوبِ ومَنَاخَاتِهِ الدَّافِئَةِ، وأنفَاسٌ مِن مَشَارِبَ شَتَّى، تَآلَفَت جُهُودُها الجبَّارَةُ، واتَّصَلَ سَعيُها الْمَحمُودُ، وانصَهَرَ حرَاكُهَا في بَوثَقَةٍ جَمَعَت كُلَّ رَونَقٍ ونَفِيسٍ من مَشَارِيعِ الْخَيرِ ومَوَارِدِ الإِحسَانِ، فَكانَ هذا الأنْمُوذَجُ الإِنسَانِيُّ الرَّائِعُ النَّبِيلُ، وقد بَاتَ بِتَوقِيعَتِهِ الْمُتَمَيِّزَةِ مَهوَى الفُؤَادِ لِكُلِّ (1/311)
صفحة 278
مَن يَعبُرُ أَعطافَ وَادِيهِ الْمُبَارَكِ، ويَمُرُّ بِسبِيلِ ضِفَافِهِ يَومًا ولَو عَرَضًا، بَلْهَ أَن يُمضِيَ الْمَرءُ فيه أَجْمَلَ بَوَاكِيرِ شَبَابِهِ، ويُفنِيَ فيهِ أحلَى بِدَاياتِ رِكابِه.
مِيزابُ حَدَثٌ في تَاريخِ العُمرَانِ مَجيدٌ، أُقيمَ صَرحُهُ الحضَاريُّ الْمَهيبُ على تُؤَدَةٍ، أسَاسُهُ المكِينُ فَنُّ تَعَادُلِيَّةٍ أتقَنَت مُنَاجَاةَ الحيَاة، فَوَسِعَت الجَمعَ بين المَسَاعِي والدَّواعِي، مَسَاعِي الاِجتِهَادِ ودَوَاعِي الاِعتِقَادِ، في سيمفُونِيَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ، تَتَنَاغَمُ مع أُنشُودَةِ الكَونِ في مِحرَابِهِ الشَاسِعِ البَديعِ، يتَجَاوَبَ لَها مَيزابُ، قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وقَبلَ الغُرُوبِ، ويُخضِعُ مَعَها لِمُبدِعِها الْجَنَان، ويَتَقَفَّاهُ بِعَضَلِهِ والبَنَان، فَغَدَا مُرَكَّبًا أُحكِمَت عَلائِقُهُ الدِّينِيَّةُ والاجتِمَاعِيَّةُ والأدبيَّةُ في تَداخُلٍ مَعرِفِيٍّ حَكِيم، يَستَظِلُّ بِها الفَردُ أنَّى تَحَرَّك كَدِيَمِ الوَادِي الثِّقَالِ، إن لَم تُسعِف بِطَلِّهَا أَسعَدَت بِظِلِّهَا، دَوائرٌ ثَلاث: بَيتٌ تَرعَاهُ عَشيرةٌ، ومَعهَدٌ يَحُوطُهُ مَسجِدٌ، وجَمعيَّةٌ تُؤَازِرُهَا كَشَّافَةٌ، ورَوَادِفُ أُخَرُ لَهَا تَابِعَاتٌ، فَضَاءَاتٌ مِن العِنايَةِ الشَّامِلَةِ، يَعيشُ في حُرُمَاتِ بُنَاهَا الاِجتِمَاعِيَّةِ الرَّاشِدَةِ وَافِرَ الكَرامَةِ، بعيدًا عن أَيَّةِ جَبريَّةٍ في التَّوَجُّهِ، أو اعتِسَافٍ في رَسمِ الطَّرِيقِ، فََكَان الْحَصَادُ مَعْلَمًا مُشِعًا لِلحَيَاةِ، استَوَت أَركَانُهُ على ثَوَابِتَ مِن وَظَائِفِ الفِعلِ الْمُنضَبِطِ بالأَسبابِ الْمَوصُولَةِ بِنَفحَةِ الوَحيِ الْمُبينِ، ووَشِيجَةِ الشَّرعِ القَويمِ، ومِسحَةِ الْخُلُقِ الكَرِيمِ.
إِنَّه مِيزابُ الحيَاةِ، فَمِن أَين يَبدأُ العَاشِقُ الصَّبُّ الْمُعَنَّى! وكَيف يَصِفُ الوَالِهُ الْمُشتَاقُ! وماذا يذكُرُ الْمُستَهَامُ ويَستحضِرُ مِن سُبُحاتِ الْمَكَانِ التي تَتَقَاطَرُ مِن مَناهِلِهِ رَوعَةً وجَمَالا، وتَرفَضُّ مِن ظِلالِهِ سِحرًا ودَلاَلا! وماذا يَدعُ ويَستبعِدُ مِن مَبَاهِجِ الحيَاةِ التي تَرتَسِمُ في دُنيَواتِ أهلِه وذَويهِ! فَفِي بِلادِ الدُّنيَا كُلِّها تَتَرَاءَى جَوانِبُ ومَظاهِرُ ودُروبٌ، يَجدُ فيها العَابِرُ والْمُقيمُ كِلاهُما ما يَختارُ وما يَصطَفي، إلاَّ مِيزابَ الحياةِ، فإِنَّ كُلَّ ما فيهِ خِيارٌ واصطِفاءٌ، يَنحَفِرُ في القلبِ ذِكرَياتٍ، كُلَّمَا قَدُمَ العَهدُ أَثَارَت في الفُؤادِ سَعِيرَ اللَّهَفَاتِ، وحَرَّكَت في القَلبِ أَشوَاقًا، وقَدَحَت في النفسِ لَهِيبًا وأُوَارًا، وتَوَالَت على الْخَاطرِ مَعَارِجَ قُدسٍ، ومَعاهِدَ أُنسٍ، ومَرابِعَ فَضلٍ، ومَراتِعَ طُفُولةٍ وصَبَوات، فَأَنَّى يُنصِفُ الوَصفُ!. (1/312)
صفحة 279
مِيزَابُ مَضَارِبُ خَيرٍ مُونِقَةٌ، يُستَعذَبُ فيهَا الْمُقَامُ، ويُستَوفَى تَحتَ أَفيَائِهَا أُنسُ السَّالِكِين، وَاحاتٌ وَارِفةٌ تَتَفيَّأُ ظِلالُها عن اليمينِ وعن الشَّمالِ مِن أُمسِيَةٍ لأُختِها، تَنبَهِرُ النفسُ بِامتِداداتِ أصَائِلِها اللُّجَيْنِيَّةِ، وهي تُحيطُ بِمُدُنِهِ السَّبعِ إِحاطَةَ مَلاءاتِ سُندُسٍ خُضرٍ بِسَبعٍ حِسانٍ مِن العُرُبِ الأَترابِ، عُمرانُها جَصِّيُّ الْبُنَى، يُغَالِبُهُ بيَاضٌ نَاصِعٌ، وآخَرُ منهُ خُمرِيُّ الْهَوَى، أَخَّاذٌ بِتَكَدُّساتِهِ ذاتِ الأَصبَاغِ الْمُتَراكِبةِ، تَتَعانقُ بُيوتُه الجميلةُ، وتَلتَحِمُ في أُلفَةٍ ووُدٍّ، تَنداحُ دَوائِرُها الْمُتَوالِيَةُ بِتَرَاتُبِيَّةٍ رَاقيةٍ على أَكَمَاتٍ وهَضَباتٍ من مَدَاخِلِ الوادِي وحَناياهُ، تَشابَكَت في مُتَوَالِياتٍ حَمِيمِيَّةِ التضَامُنِ حَولَ ما تَنمازُ به مِيزابُ مِن بُؤَرِ الحياةِ الْمُتَدَفِّقَةِ طُهرًا وجَلاَلاً، مَنائِرِها الشامِخاتِ الوضِيئاتِ، ومَساجِدِها العامِراتِ العَتيقَاتِ، تُصَعِّدُ النَّظَرَ الْمَبهُورَ مِن حَواشِي الواحَةِ الظَّليلَةِ وأَطرافِها السَّاحِرةِ، وتُجِيلُهُ مَشدُوهًا وهوَ يَحُطُّ بِك على جُدُرِ المبَانِي الْمُنَزَّلَةِ مَدارِجَ طَبَقًا فَوقَ طَبَقٍ، وقد تَوَلَّت أزِقَّتُهَا شَطرَ قِمَّةِ الرَّابِيَةِ، مُصطَفَّةً اصطِفافَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ حَوَالَيْ حَرَمٍ آمِنٍ، لِتَصِلَ ـ وقد شَخَصَ مِنك البَصَرُ في ذُهُولٍ صُوفِيٍّـ إلى إحدَى إِبدَاعاتِ الذَّوقِ الْمِعمارِيِّ الفَذِّ الْمُتَجَسِّدِ في مُعَلَّقَةِ الْمَدينَةِ، وقد امتَدَّت قَامَتُها الفَارِعَةُ مُشمَخِرَّةً في عُنفُوَانٍ بِلاَلِيٍّ، المنَارَةِ الرائِعَةِ، وهي تُعانقُ زُرقَةَ قُبَّةٍ استَدارَت بِإِحكَامٍ مُعجِزٍ على آفاقٍ مُمتَدَّةٍ، فَتُريكَ في لحظَةٍ مُبهِرَةٍ كيف تُصافِحُ الأَرضُ السَّمَاءَ، ويَتَّصِلُ النَّاسُوتُ بِالْمَلَكُوتِ، وكيف يَقوَى أَهلُ الإِسلامِ في عَبقَرِيَّةٍ عَجيبَةٍ ـ عندما تَجِدُّ بِهِمُ العَزائِمُ ويُريدُونَ ـ عَلى تَحقيقِ التَّعادُلِيَّةِ الْمُثلَى بين حَنِينِ الرُّوحِ ومَطَالِبِ الجسَدِ، في تَوازُنٍ لا يُعَاقُ فيهِ مُرَكَّبُ الوَسَطيَّةِ الأَوَّلُ بِمِثالِيَّاتِ الكَهَنُوتِ، ولا يُستَدرَجُ مُعادِلُهَا الثَّانِي إلى أوهَامِ الْمَدَرِ الخَانِقَةِ.
إِنَّهَا مُدُنٌ سَبعٌ عِظَامٌ ـ ولِلعَدَدِ دِلاَلاَتُهُ ـ، طَوَّفَ فَوقَها الفَنَّانُ «مُحَمَّدٌ الشَّريفُ» ـ شَرَّفَ اللهُ ذِكرَهُ ـ على بِساطٍ مِن رِيحِ الأَشوَاقِ، فَخَلَّدَهَا في أُنشُودَةٍ مِن رَوائِعِ الإِنشادِ الذي يُمِيلُ النُّفُوسَ بِأنغَامِهِ العَذبَةِ، وهي تَحتَسِي في لَيَالي الإِينَاسِ ومَحَافِلِ الأَعرَاسِ كُؤُوسَ «تَاكَرْوايْتْ» الْحَلالِ، ابتَدَأَ الشَّرِيفُ سِيَاحَتَهُ ـ اتِّسَاقًا مَعَ مَبعَثِ النهضَةِ وحَرَكَةِ التاريخِ ـ بِالربَاطِ الجنُوبِيِّ، مَدينَةِ الْخَمَائِلِ و «زَهرِ (1/313)
صفحة 280
الأقَاحِ»، و «الْجُودِ وحِفظِ العُهُودِ»، العَطْفِ، ومنها كَانَ الانعِطَافُ نحو مَهدِ «الأَمجادِ»، و «صَونِ البِلادِ»، مَدينَةِ النُّورِ والأنوَارِ بوُنورَة، ثُمَّ إلى قُطبِ الدَّائِرَةِ الْمَعرِفِيَّةِ، بَنِي يَزقَن «الجوزاء»، «القَدَرِ العَالي» و «الأيامِ الغَوالي»، وبعدها تَأتي «قُرَّةُ العَينِ» ومَالِكَةُ «الحنينِ والأشوَاقِ»، المدينةُ التي ارتَسَمَت في الْحُسنِ مَرَّتَين، مَليكَةُ السُّفلَى والعُليَا، ثُم يُحَلِّقُ فوق القَلبِ النَّابِضِ والأَسَدِ الرَّابِضِ، مَوطِنِ «الفُرسانِ والرايَةِ والعِرفَانِ»، مَدينةِ غَردايَةَ، ومِن ثَمَّ يَسيحُ بهِ بِسَاطُهُ إلى الْمَدخَلِ الشَّمَالِيِّ «بَهجَةِ الصحراءِ»، «العِمادِ والأَمَلِ»، مدينةِ بَرِّيانَ الخضراءِ، ويَستَقِرُّ به «القَرارُ النَّبيلُ» بعد تَطوَافِ الوَفَاءِ في «التُّرابِ الأَصيلِ»، مَدينَةِ القَرارَةِ، العِلمِ والدينِ والفَنِّ والْحَضَارَةِ، مَعهدِ الحيَاةِ، حَيثُ تَتَعَطَّرُ الأردَانُ، وتَرُوقُ الْمَوَاطِنُ، ويَتَدَفَّقُ الْجَمَالُ ويُعجِبُ نَاظِرِيهِ، لِمِثلِ هَذا فَلتَحتَرِقِ النَّفسُ شَوقًا وتَهيَامًا، إِنَّهُ الْهَوَى والْحَنِينُ، والشَّوقُ الثَّقِيلُ، والسَّفَرُ الطَّويلُ. مِيزَابُ عَهدنا بك قَدِيمٌ، وهَا نحن اليومَ مُعَلَّقُون في هَوَاكَ، هَذي مَشَاعِرُنا عَمِيَت عَلَينا، وتِلكَ جَوَانِحُنا تَهفُو إِليكَ، مِن حَرِّهَا رُمنا الْمَقيلَ، فَأَنَّى تُسعِفُنا الأدَاةُ!.
عَنَّانِي مِيزَابُ الْجَمِيلُ فَأَينَ أَلقَى مَثِيلَهُ
إِنِّي غَدَوتُ بِحُبِّ أَهلِهِ فِي الصَّمِيمِ قَتِيلَهُ
فسَلامٌ على بُنَاتِهِ وصَانِعيهِ مِن سَلَفٍ حَكيمٍ، وخَلَفٍ بَرٍّ كَرِيمٍ، سَلامٌ على الإِمامِ رَجُلِ الأُمَّةِ، وزَعيمِ الحرَكَةِ، وبَاعِثِ نَهضَتِهَا الإِصلاَحيةِ المبَاركَةِ، ورَاعي انطِلاقَتِهَا العَظِيمَةِ، الشَّيخِ بَيُّوض إبراهيمَ بنِ عُمرَ، صَاحِبِ الدُّرُوسِ الْمَسجِدِيَّةِ الْخَوَالِد، وأَسَدِ الموَاقِفِ الوَطَنِيَّةِ الكُبرى، رَجُلِ المقَالَةِ التاريخِيَّةِ الشَّهِيرَةِ التي رَمَى بِهَا في وُجُوهِ الفَرَنسيِّين وحِرابُهُم شَوَارِعٌ إلى صَدرِهِ، «لا لِفَصلِ الصَّحرَاءِ عن الشَّمَالِ»، وسَلامٌ على الشَّيخِ عَدُّون شَريفي سَعيد، أمِينِ الْمُؤسَّسَةِ التَّعلِيميَّةِ العِملاقَةِ، وصَاحِبِ الْمَنشَطِ الدَّائِمِ الدَّؤُوبِ، القَائِمِ بِكُلِّ مَقَامَاتِ الفِعلِ ورِبَاطَاتِهِ الدِّينِيَّةِ والعِلميَّةِ ومَسَالِكِهِ الفِكريَّةِ والاِجتِمَاعيَّةِ، بَدءًا مِن مُرافَعَاتهِ السِّرِِّيَّةِ في جَبَهاتِ النِّضَالِ الوَطَنيِّ في وَجهِ الاِستِعمارِ الفَرَنسيِّ الغاشِم، ووُصُولاً إلى رِحْلاَتِهِ الصَّيفِيَّةِ (1/314)
صفحة 281
الْمُكَثَّفَةِ التي لا تَكادُ تَستَثنِي شِبرًا مِن أَرضِ الْجَزَائِرِ الْحَبِيبَة، مِن أَقصَى شَمَالِهَا الغَربِيِّ: وَهْرَانَ الْمَرسَى الكَبِير وأَخَوَاتِهَا، إلى أَقصَى شَمالِها الشَّرقِيِّ: عنَّابَة السَّاحَلِ البَديعِ وجَارَاتِهَا، مُحتَفِظًا ـ في عَزيِمَةٍ استَحَالَ نَظِيرُها ـ بِأدوارِه التَّدريسِيَّةِ الثَّابِتَةِ، وحُنُوِّهِ الْمُتَواصِلِ على الْجَمعِياتِ الخيرِيَّةِ والأَدَبِيَّةِ، وحُضُورِهِ اليَومِيِّ لِحِلَقِ القُرآنِ الكَرِيمِ ومَجالسِ العَزَّابَةِ، ودُروسِ الإمامِ الليليَّةِ، إلى غيرِ ذلك مِن أحْمَالٍ وأَعباء وأَثقَال لا يَكادُ يُصَدِّقُ مَن لم يَستظلَّ بِحَنانِ هذا الرجُلِ الفَذِّ أنَّ أحَدًا مِن النَّاسِ يَقوَى على التَّوفِيقِ فِيمَا بَينَها جَميعًا، فَسَلامٌ عليهِ في مُقَامِهِ الطَّيِّبِ الكَريمِ. وسَلامٌ على الشَّيخِ بَيُّوض بَكِير، رَجُلِ الحقوق الإِرثِيَّةِ، وأستَاذِ الممَالِكِ والأرَضِين، مَعدِنِ التواضُعِ والعَفويَّةِ والبَسَاطةِ، تُنسيكَ فِيهِ غَزارَةَ العِلمِ وسُمُوَ النَّفسِ وشُمُوخَ الدَّارَةِ، وسَلامٌ على الشَّيخِ نَاصِرٍ الْمَرمُورِي، شَيخِ الْحَديثِ والتَّفسيرِ، حَمَامَةِ المعرِفَةِ، الأُنسِ الذي يَرِفُّ كَصَحوِ الرَّبِيعِ، فَيَرِقُّ، فَيُلمَسُ بِاليَدَينِ، والقَلبِ الذي يَنفَتِحُ كَزَهرِ البَنَفسَجِ، ويَتَّسِعُ فَيَحوِي الناسَ أَجمَعينَ، وسَلامٌ على الشَّيخِ مُحَمَّدٍ عَلي دَبُّوز، رَجُلِ المنطِقِ والاِجتِمَاعِ، وصَاحِبِ الإِنشَاءَاتِ البَديعَةِ، مُؤَرِّخِ النَّهضَةِ الْجَزائريَّةِ الْحَدِيثَةِ ومُسَطِّرِ مَآثِرِهَا، وسَلامٌ على الْمُرَبِّي القَديرِ والعَالِمِ النَّفسَانِيِّ الكَبير، مُديرِ البِعثَةِ البَيُّوضِيَّةِ، صَاحِبِ النَّظَراتِ واللَّفَتَاتِ الاجتِمَاعِيَّةِ الثَّاقِبَةِ، صَالِح عُمَر البُلَيدِي، وسَلامٌ على الذي أَمرُهُ عَجَبٌ، شُعلَةُ نَارٍ لا تَنطَفِي حَرَكَةً وعَزماَ، الحاج سَعِيد الذي لا الحَذَرُ سَمَحَ لهُ يَومًا أن يَغفَلَ عن مُنَبِّهِ سَاعَتهِ التي يُعِدُّهَا لإِيقَاظِهِ فَجرًا، ولا فَرطُ عَزيِمَتهِ خَذَلَهُ يَومًا فَمَنَّت عليه السَّاعَةُ بِجَرَسِ الاِستِيقَاظِ، وسَلامٌ على نُورِ البَصيرَةِ ومِصبَاحِ القُلُوبِ التي في الصُّدُورِ، شَيخِ حَقيبَةِ القُرآنِ ودُرُوسِ السُّنةِ الْمُطَهَّرَةِ، الشَّيخِ ابن زَايط، سَلامٌ على هَؤُلاءِ السَّابِقِينَ الخالِدَينَ، وسَلامٌ على الشَّيخِ الرَّاعِي، العَقلِ والفِكرِ، رَبِّ الرِّيَاضِياتِ والْمُقَايَسَاتِ، وصَاحبِ الْمُقابَسَاتِ الذِّهنِيَّةِ، الجِدِّ الذي يَكادُ يُحيلُ الابتِسَامَةَ إلى مَسألَةٍ رِيَاضِيَّةٍ، وفَصْلَ الصَّيفِ إلى مُعَادلَةٍ مِن الدَِرَجةِ الثَّالِثَةِ، وسَلامٌ على الشَّيخِ ابنِ الشَّيخِ، رَجُلِ الفِقهِ والأُصُولِ والتَّارِيخِ والفَلسَفَةِ، الأبِ الْحَنُون وفَقِيهِ السمَاحَةِ واليُسرِ، العَالِمِ العَامِلِ، الذي لَو أَمكَنَ أن تَنضَافَ لِليَومِ واللَّيلَةِ سَاعَاتُ عَمَلٍ جَديدَةٍ لاَستَبْشَرَ بِها وَحدَهُ دُونَ العَالَمينَ، سَلامٌ على (1/315)
صفحة 282
هذينِ العَلَمَينِ اللَّذينِ اعتَصَرَا عُمرَيهِمَا شَرابًا سَائِغًا لِجَمعِ المؤمِنينَ، مُحتَسِبَينِ ذَلكَ عِندَ اللهِ، يَنتَظِرانِ اليومَ ـ شَفَاهُمَا اللهُ ـ في رُكنٍ رَكِينٍ مِن مَقَامَاتِ أَيوبَ عليهِ السلامُ، وسَلامٌ على خَليفَةِ الإِمَامِ في دُرُوسِهِ الشَّيخِ بَاشعَادل، الموَدَّةِ والأُلفَةِ في تَجَلِّيَاتِهَا الإنسَانِيَّةِ الرَّاقِيةِ، رَجُلِ الْمَعارِفِ والطَّبِيعيَّاتِ، شَيخِ الكَشَّافَةِ الإسلامِيَّةِ وقَائِدِها، فَتَى الفِتيَان وأَميرِ الميدَان، وسَلامٌ على الشَّيخِ بَاجُو صَالِحٍ، رَجُلِ الأَدَبِ واللُّغَةِ والْحَدِيثِ، الرَّقَةِ الذَّائِبَةِ والشَّاعِرِيِّةِ الدَّفَّاقَةِ، صَدَّاحِ الوَادي وغِرِّيدِهِ الميمُونِ، صاحبِ مُعَلَّقَةِ: «يَا مَعهَدِي عَهِدتُّكَ ونَفسِيَ عَهدَ الرُّجُوعِ»، وسَلامٌ على الذي كَرَّمَ الوَطَنَ بفِكرهِ الْمُبدِعِ وعِلمِهِ الوَاسِعِ، فكَرَّمَهُ الوَطَنُ، الدُّكتُور مُحَمَّد نَاصِر، أدِيبِ الجزَائِرِ وسَفِيرِهَا الثَّقَافِيِّ إلى الْمَشرِقِ العَربِيِّ، شَفَاهُ اللهُ ورَعَاهُ، سَلامٌ على مَن قَضَى مِنهُم نَحبَهُ، وسَلامٌ على مَن يَنتَظِرُ، مَدَّ اللهُ في أَنفَاسِهِ العَطِراتِ، سَلامٌ على هَؤُلاءِ جَميعًا، لاَ لأَنَّ غَيرَهُم أقَلُّ استِحقَاقًا لِلسَّلامِ، أو أقصَرُ بَاعًا فِي المقَام، وإنَّما لأنَّ سِيَاقَ التَّارِيخِ يَذكُرُهُم أَقطَابَ حَرَكَةٍ، لَهُم في أعنَاقِنَا دَيْنٌ وأيُّ دَيْنٍ، وكَوكَبَةَ رِكَابٍ مَعرِفِيٍّ، انتَظَمَهُم عِقدٌ مِن العَزمِ مَتين، وجَمَعَهُم عَمَلٌ جِدِّيٌّ رَصِين، اتَّصَلَ بِهِم في مِشوَارِ الزَّمَانِ، وتَكَثَّفَ بَينهم جُهدًا في المَكَانِ، فَكَانَ مَعهَدُ الحيَاةِ الذي جَسَّدَ رُوحَ مِيزابَ، وأَظهَرَ عَبقَريَّةَ حَركَتهِ مِن مَدارِكِ البُعدِ الحضَارِيِّ الثَّابِتِ بِقُوَّةِ الفِكرِ، إلى مَدارِجِ الحيَّزِ الوُجُودِيِّ القَائِمِ بِالفِعلِ الشَّاخِصِ، فَسَلامٌ عَليهِم، وسَلامٌ على أَهلِ مِيزابَ أَجمَعين.
عَلَيكُم سَلاَمِي يَا كِرَامُ وإِنَّنِي*** لأبدي اشتِيَاقي والْجَوَى يَتَسَعَّرُ
فَلَولاَ مِيزَابُ مَا عَرَفتُ طَريقَتِي *** وماَ كَانَ شَيءٌ مِن حَقيقَتِي يُذكَرُ
سَأبقَى وَفِيًّا مَا حَيِيتُ لِفَضلِكُم *** وحُبِّي مَعَ الأيَّامِ يَنمُو ويَكبُرُ
- - - (1/316)
صفحة 283
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... بسم الله الرحمن الرحيم
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُوتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ نحمده جلَّ في علاه، وهو الذي لا يحمد على مكروه سواه، سبحانه {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} القائل في محكم تنزيله {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} والصَّلاة والسَّلام على أعظم المبتلين، وأجمل الصابرين، وأسوة المحتسبين، ورحمة الله للعالمين محمدِ بنِ عبد الله القائل رفعا من شأن المنفقين: اطلبوا الحوائج من السمحاء فإنِّي جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي. فاللهمَّ صلِّ على خيرِ من وارى الثرى بدنا، وسلِّم على أكملِ من كان للورى سننا، وعلى آل بيته الأكرمين، وأنبل صحبه أجمعين، وعلى من استمسك بحبل الله المتين، واعتصم بهدي نبيئه الأمين، مستعينا بالصبر والصلاة إلى يوم يقوم الناس لربِّ العالمين. (1/317)
صفحة 284
أيها السادة الأفاضل أعضاء حلقات العزابة الموقَّرة، أيَّتها السلطات الرسميَّة من أمن وإدارة، ويا أيها الأماثل من بني قومي الأباة، ويا أيُّها الأماجد من ذوي الفضل السراة، ويا أمل النفس من صالح النشء الهداة، ويا كلَّ نفس راضية بقضاء المولى جل في علاه، سلام عليكم تكنُّه الجوانح من ربٍّ غفور، ورحمة شاملة تحفُّها المدائح من برٍّ شكور،، في هذا المشهد الرهيب، الذي يلتئم في هذا اليوم المهيب: مساء الثلثاء 11 رجب 1434 هـ الموافق 21 ماي 2013 م لتوديع رجل صالح من الآخرين، إلى مثواه خالدا إن شاء الله في أعلى عليين، محمد بن عيسى بن عمارة خبزي، الذي وافاه أجل ربِّه المحتوم، فتخطفه الموت منَّا في وقته المعلوم، بعد صراع مع المرض محموم، كانت الكلمة الفصل فيها لخالق الموت والحياة، ولفالق الحب والنواة، فـ {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ ((أَيُّكُمُ ((أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} وكان الفضل فيها للذي احتسب واستجاب، واكتسب وأناب {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}
أيُّها الإخوة الأعزاء: لقد كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف مساء يوم الأحد الماضي لما كنت أجتاز بوابة قسم الإنعاش الجراحي في جناح الاستعجالات بالمستشفى العسكري عين النعجة، أعلى المستشفيات الجزائرية تقنية وخبرة وإدارة وتنظيما، وكان قلبي يخفق بقوة كلما اقتربت من الغرفة التي ينام فيها فقيدنا الحاج محمد الخبزي، أتخيَّل الحالة التي أجده عليها، وأتأمَّل اللحظة التي أخاطبه فيها، ولكن ما إن وقعت عيني عليه وهو يضطجع على قفاه موصولا بشبكة عنكبوتية من الأنابيب والخيوط التي تمده بنبض الحياة رويدا رويدا، حتى كدت أصاب بالإغماء من (1/318)
صفحة 285
شدة هول ما رأيت من الحال التي آل إليها، وقد جالت بخلدي هيبة ذلكم الشخص الفذ الذي أعرفه عن كثب، والذي زاده الله تعالى بسطة في العلم والجسم، تحاملت على نفسي بقلب يرتجف، وخطى تزدلف فتقدمت منه فناديته باسمه الحاج محمد الحاج محمد السلام عليكم أنا فلان عيسى ابن الشيخ، وكان مغمض العينين فرأيته فتح عينه فرآني لحظة ثم أغلقها، وهو يصعد أنفاسا متوالية مصحوبة بشخير على غير عادته، مددت يدي إلى رأسه فقرأت ما تيسر من القرآن علَّها تخفف علَّه لحظات عسيرة يمرُّ عيها، حاولنا نداءه مرات كي يستفيق، ولكنه ظلَّ ساكنا، فتقدمت ممرضة فقالت: لقد حقناه قبل قليل بحقة لينام وإنه لن يستجيب لكم الآن، وسيستفيق بعد حين، ولكني أدركت في أعماق نفسي - ولو لم أبح به - أنَّ حقنة الموت هي التي بدأت تسري في أوصاله فلا مفرَّ من قضاء الله فتذكرت قوله {فَلَوْلآَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلآَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} وألفيت المنية قد أنشبت أظفارها في أجزائه فلا طبيب يجدي ولا دواء، فرددت قول الشاعر الحكيم ... وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلَّ تميمة لا تنفع
فقلت لمن معي من أهله أدعوا لأبيكم وسندعو له عن ظهر الغيب، وأسلموا الأمر لقضاء من لا يبدل القول لديه، واستعدوا لما قد يجي به القدر، فالليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيب. فكان أمر الله قدرا مقدورا، فعلى الثامنة صباحا ساعة أفاض فيها الروح طاهرة إلى ربِّها بعد أن اشتد به البلاء، ومَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، {وَلَنْ يُّوَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا اِذَا جَآءَ اَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرُم بِمَا تَعْمَلُونَ} ولا تفرق المنية بين أمير ووزير، ولا بين رفيع وحقير، ولا بين غني وفقير {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ (1/319)
صفحة 286
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}
أيُّها الإخوة الأتقياء لقد اشتد الداء بالفقيد حتى اضطر الأطباء إلى بتر ساقه حفاظا على بقية حياته، وذلك يوم الأربعاء الثامن ماي، وظلَّ مغمى عليه بضعة أيام، ولما استفاق وشعر برجلة مبتورة عن جسمه أشار إليها بيده من غير أن ينبس ببنت شفة، فأصيب باحتباس في الكلام، وسينطلق لسانه بعد أيَّام، هذا ما فهمه حذاق الأنام من إشارة البنان، ولكني قلت في نفسي: إنَّ الرجل الأواب أدرك أنَّ ساقه وإن بترت عن جسمه في دار الهوان فهي لا محالة بضعة منه قد سبقته إلى دار الجنان، وأنَّه يتمنى أن يلحقها عاجلا، وأنَّه لا حاجة له إلى ساق مريضة لا تقوى على حمله إلى المساجد والجماعات، ولا تستبق به الخطى إلى المراصد وفعل الخيرات، وأنَّه ليتمنَّى أن يطأ الجنة قريبا بعرجته كما تمنَّاها قبلاً الصحابي الجليل عمرو بن الجموح، فعن جابر بن عبد الله، - رضي الله عنه - قال: جاء جاء عمرو بن الجموح إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد فقال: يا رسول الله من قتل اليوم دخل الجنة؟ قال: نعم، قال: فوالذي نفسي بيده لا أرجع إلى أهلي حتى أدخل الجنة، فقال له عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يا عمرو لا تأل على الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مهلا يا عمر، فإنَّ منهم من لو أقسم على الله لأبرَّه: منهم عمرو بن الجموح، فمرَّ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد استشهد فقال: يا عمرو: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة، ولا أحسب فقيدنا إلاَّ مات شهيدًا، ولا أخاله يمشي في الجنة إلاَّ صحيحا.
أيها الإخوة الأعزاء: لقد أصابت فقيدنا مصيبة الموت المعهودة، والحياة في نفس صاحبنا ممدودة، والآمال في عطاء فقيدنا معقودة، غادر الأحداث من غير إشعار، وانطوى في الأجداث من غير إنذار، تاركا وراءه إرثًا من الخير ثقيلاً، وفيضًا من الذِّكر (1/320)
صفحة 287
جليلاً، وقدرًا من الثناء جزيلاً، حياة كاملة قضَّاها في سبيل الخيرات، وأعواما حافلة مضَّاها في جزيل المكرمات، عمرٌ حافل بالبركات قارب التسعين ودهرٌ كامل بالمنجزات نراها عين اليقين، قضى سواده في ميدان العلم والتحصيل، وأنهك جسمه نصبًا في تحرير البلد الأمين من نير الاستعمار الخؤون، وأفنى سواده وبياضه في خدمة الصالح العام في كلِّ مسلك وسبيل، متحمِّلا أعباء الأمة الجسام، في ظروف صعبة شحَّت فيه التضحية، و قلَّت فيه الشهامة، وعزَّت فيه المروءة، طالبا طموحا، وتاجرا نصوحا، ومجاهدا صبورا، ووزيرا قديرا، ومحاسبا خبيرا، وحكيما مشيرا، وفلاحا جديرا، وأستاذا كبيرا، وصديقا صفوحا وكريما محسنا، ينفق إنفاق من لا يخشى فاقة، ويتصدق بالصدقة حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، فكان من السبعة الذين يظلُّهم الله تعالى تحت ظلِّ عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، شهدت بفضله الندوات، وعمرت برشده المنتديات، وسارت بذكره الركبان وذلك لعمري ما يجعل القلوبَ حيرى، والأسئلةَ تترى، هل نجد للفقيد في زمن شحِّ الرجال من خلف؟ وهل لنا فيمن بعده من شباب صالح يقتفي بأمان أثر السلف، تلكم لعمري المحنة التي تدك البلاد، والفتنة التي تنهك العباد، والإحنة التي تفتك الأكباد، فلا تكاد ترى من الرجال إلاَّ نزرًا، ولا تكاد تنظر من الرجولة إلى قتْرًا
أيُّها الإخوة الأكارم لقد عرف الفقيد بخلال جليلة، وخصال جميلة، عزَّ أن تجدها في إنسان مثيلة، ولكنَّ الوقت أضيق من أن يفصح بها جناني، يضيق بها صدري ولا ينطلق لساني، والفقيد من النوع الذين لا يغريهم ثناء ولا مدح، ولا يثني عزمهم هجاء ولا قدح، لا تغريه الألقاب، ولا تفريه الأحساب، وقد خبرت سريرته عن قرب فكانت خيرا من علانيته، غير أنَّي أشير إلى خصلتين اثنتين أكسبتاه فضلا، وكفى بهما للمرء نبلا، أمَّا أولاهما فالتواضع العجيب، والعجب فيه أنَّه يملك كلَّ الأسباب التي تدفع بالمرء إلى الاستعلاء، المال، والجاه، والعلم، وهي الأثافي الثلاثة التي ينتصب عليها قِدر (1/321)
صفحة 288
الكبر الأسود، لكنَّ فقيدنا لا يزداد حبَّا إلاَّ لمن كان لله محبًّا، ولا يزداد تواضعا إلاَّ من لنفسه واضعًا، تجلس إليه فيغمرك بأدبه ولطفه لتؤنسه، حتى لتودًّ أن لا ينفضَّ عن قريب مجلسه، لا يستنكف وهو الغني أن يتهادى بين اثنين ليأخذ مكانه في المحراب يؤدي فريضة الله، ولا يستكبر وهو الوزير أن يلبس اللِّحاف ليلتحق بحلقة المجلس لتلاوة كتاب الله، فما فارق المسجد إلاَّ يوم أقعده المرض، وما زال لسانه إلى آخر أيامه رطبا بذكر الصلاة، وما زالت نفسه توسوسه دوما خوفا من إضاعة الصلاة، ألا لا حظَّ في الإسلام لمن ضيَّع الصلاةن كما قالها الفروق قبلا وهو يعاني سكرات المماة
أمَّا الخصلة الثانية فهي الكرم وإن شئت فقل سخاء النفس، لقد كان يشعر بالضيق إن هو لم يكرم كلَّ نازل، ويتحسر مضضا إن شعر أنَّه لم يبلغ مناه في كلِّ باذل، تلك سجيته وعليها نشأ، وتلك فطرته وبها انتشى، وحسبي من ذا مثلان اثنين أستشهد بهما على سبيل التمثيل لا التدليل
المثل الأول: لقد كان المرحوم الحاج محمد الخبزي يبيع بعض ثمار مزرعته في أحد الدكاكين، ومنها فاكهة الإجاص التي أينعت ثمرتها عنده، فمرت ذات يوم عجوز على الدكان فرأت ذلكم الإجاص الجميل ولم تقو على شرائه، فقالت هنيئا لمن يطعمه، فبلغ هذا الكلام الحاج محمَّد الخبزي فتألم لذلك فقال: كيف يحلو لي التلذذ بأكله وأنا سبب في حرمان بعض الناس من التمتع بالخير الذي أنعمه الله علي، فقرَّر من حينه ألاَّ يبيع شيئًا منه، فكان يحمله إلى المساجد يتصدَّق به، فعمَّ خيره أهل البلد، وكذلك كان يفعل بأكثر ما تنتتجه مزرعته، وكثيرا ما كان يقول: هذه مزرعتي وأنا صاحبها وأنا أريد أن أقدمها بين يديَّ لألقى بها ربِّي، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وإذا هلكت فلورثتتي أن يفعلوا بها ما يشاؤون، وأرجو أن يكونوا على الدرب سائرين. (1/323)
صفحة 289
أمَّا المثال الثاني وأعظم به من مثال، فإنَّه لمَّا حفر أول بئر له في مزرعته، أخذ عينة من مائها إلى مخابر التحليل فتبيَّن بأنَّها معدنية تساهم في معالجة بعض الأمراض، فاستصدر رخصة رسمية تسمح له بتعليب الماء وبيعه على أنَّه ماء معدنيٌّ، ولكنَّ ملكة السخاء التي أخذت بمجامع قلبه جعلته يقول: هذا ماء جعل الله تعالى بقدرته دواء لبعض الأمراض، وهذه نعمة من الله أسبغها عليَّ، وفيض من رحمة اللهَّ أرسلها عليَّ، ليبلوني آشكر أم أكفر، فهلاَّ كانت لي هذه البئر المعين أنهارا من ماء غير آسن في دار النعيم، فقام يعدُّ العدد ويوزع هذا الماء مجانا في كلِّ أحياء البلد كما ترون، متحمِّلا لوحده كلَّ المصاريف الضخمة التي تنجم عن تسيير هذا المشروع، مستصغرا ذلك في جنب الله، محتسبا ذلك في بركات الله، فكم من كلية نظفت، وكم من أمعاء صفيت، وكم من قلوب نقيت، وكم نفوس عوفيت {وَمَنَ اَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}
يا أسرة الفقيد ويا أهله، وكلُّنا أسرتُه وأهله، نحن أحقٌّ بالتعزية منكم، ونحن أولي بالتأسية منكم لأنَّ ما أمضاه الفقيد من أوقات في ميادين الجهاد لإعلاء كلمة الله، ونفع عيال الله، أضعاف ما قضاه من وقت معكم طلبا للمتعة والراحة. فلا نشكُّ أنَّ المصاب خطب جلل، وأنَّ الموارى التراب حبٌّ بطل، وقد كان في كمالاته بينكم واسطة العقد، وكان في مكانته فيكم الفحل الذي وطئ المجد، لكن ثقوا في رحمة العزيز الوهاب، وتيقنوا أنَّ الثواب يعظم بقدر المصاب، وأنَّ العبد يبتلى على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، ولتكن لنا ولكم في رسول الله، أسوة حسنة في وفاة أعز أهله و صحبه، لقد صبر واصطبر ابتغاء وجه الله، مسليا نفسه بالسعادة معهم في دار الخلد بجوار الله
فثقوا أعزاءنا الأفاضل بأنا وإياكم على الدرب سائرون, و إلى نفس المعاد صائرون، فعزاؤنا فيكم أنكم أهل للعزاء، دأبنا فيكم أنكم أهل للوفاء، وديددننا (1/324)
صفحة 290
فيكم أنكم (1/325)
صفحة 291
أهل للولاء، فطيبوا نفسا، وقرُّوا عينا، فالمولى جلَّ في علاه يحرصكم، وعلى عينه يصنعكم، وإنَّ في الله عزاءً من كلِّ مصيبة، وخلفًا من كلِّ هالك، ودركًا من كلِّ فائت، فبالله فثقوا وإياه فأرجوا فإن المصاب من حرم الثواب، وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ قُتِلُواْ فيِ سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاَم بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمُ, أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُومِنِين
وفي نهاية هذه الكلمة المختصرة إليكم نبذة عن حياة الفقيد رحمه الله
1. في سنة 1927 ولد السيد الحاج محمد بن عيسى بن عمارة خبزي في مدينة بسكرة حيث كان يقيم والده الذي ويمتهن فيها التجارة والفلاحة، وكان من أعيان القوم وأحزمهم.
2. تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدينة بسكرة مزاولا بين التعليم الرسمي الفرنسي، والتعليم الحر القرآني، فتحصل على شهادة البكالوريا، في حدود سنة 1945
3. واصل تعليمه العالي في كلية الحقوق بجامعة الجزائر، ثم انتسب إلى معهد التجارة والاقتصاد بباريس متخصصا في علوم المحاسبة
4. عاد إلى مدينة بسكرة واشتغل مع والده فتولى تسيير حركاته التجارية تسييراً عصريًا، كما أكسبه والده مهارات سياسية واجتماعية
5. تشبَّع بالرُّوح الوطنية والكفاح ضدَّ المستعمر منذ صباه، فكان من السبَّاقين للانضمام إلى صفوف الثَّورة التحريرية مناضلا ومجاهدًا ومسبلا (1/326)
صفحة 292
6. تحمَّل هو وأفراد عائلته مسؤوليات ثورية كثيرة ساهمت في انتزاع الجزائر استقلالها من المستعمر الغشوم.
7. في سنة 1962 وبعد الإعلان عن وقف إطلاق النار عيَّنته جبهة التحرير الوطني رئيسًا لبلدية بسكرة ودائرتها معًا، فكان نعم الرجل الذي ضبط الأمور في نصابها
8. في سنة 1962 وبعد عيد الاستقلال عيَّنته اللَّجنة التنفيذية رئيسًا لدائرة غرداية، فكان أول رئيس دائرة لها فقام بأداء مهامه بقوة وأمانة، فاستمرر في منصبه إلى أن انتخابات المجلس التأسيسي الجزائري
9. وفي سنة 1962 انتخب نائبًا عن دائرة غرداية في المجلس التأسيسي الجزائري، فنافح فيه بكل بسالة موظفا خبراته العلمية وقدراته الفكرية، من أجل تشريع القوانين الفعالة والمناسبة لتلك الظروف
10. وفي سنة 1962 اختير وزيرًا في أول حكومة جزائرية مستقلة، فأسندت إليه حقيبة وزارة التجارة الصَّعبة في ذلك الوقت الذي كان الوطن يعاني فيه الفقد والفاقة وقلَّة المسؤولين، فقام بأعبائها أحسن قيام مدافعا عن المصلحة العليا للوطن، شعاره مصلحة الوطن فوق الجميع
11. ما بين سنتي 1964 - 1965 أُدخل السجن ظلمًا ثمنًا لإخلاصه، ومكافأة له على تفانيه في خدمة المصلحة العامة للوطن، ولسان حاله يقول: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}
12. في سنة 1965 وبعد التصحيح الثوري أخرج من السجن فاعتزل اعتزالا كاملا معترك السياسة، وطلَّق طلاقًا باتا فعل ساس، رغم العروض المغرية الكثيرة التي عرضت عليه
13. تفرَّغ إلى ميدان المحاسبة كبديل له عن العمل في مجال السياسة، فافتح مكتبا له في (1/327)
صفحة 293
الجزائر العاصمة
14. انتقل إلى القرارة ففتح فيها مكتب للمحاسبة والاستشارة الاقتصادية، فكان مأوى أفئدة رجال الأعمال وبخاصة مع قيام الثورة الصناعية
15. ساهم في النهضة الصناعية الوطنية، ويعتبر أبًا للأحياء الصناعية في ولاية غرداية إذ كان وراء تأسيس أغلب المعامل التيِّ ساهمت في تطوير الولاية وازدهارها
16. اهتم بالميدان الفلاحي الذي كان يعتبره المجال الأول للثروة، فأنشأ مزرعة نموذجية في القرارة
17. اهتم بتربية الأبقار وإنتاج الحليب فكان أول من جلب بقرة إلى القرارة سنة 1972، فغدت القرارة اليوم بفضل جهوده حوض حليب، وتعتبر ولاية غرداية من أكبر الولايات إنتاجا للحليب على المستوى الوطني
18. في سنة 1998 أنشأ وحدة حليب خاصَّة (ملبنة) وتعتبر أولى ملبنة خاصة على المستوى الوطني
19. يتابع عن كثب كلَّ التطورات الاقتصادية العالمية، ويوجه الاستشارات المالية بما يعود بالنفع على الوطن
20. يناهض بعقيدة إيمانية خالصة كلَّ التعاملات الاقتصادية التيِّ تقوم على الأسس الربوية، إيمانا منه بأنَّ الربا هو سبب خراب الدنيا، و أنَّه العامل الأكبر في كلِّ الأزمات العالمية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وله في ذلك كتيب رائع عن الاستثمار وطرق إنجاحه، والتعامل الاقتصادي وطرق استغلاله، تحت عنوان الموارد الشرية أساس كل ازدهار (1/328)
صفحة 294
21. عرف بالتواضع الجم وجب مجالسة أهل التقى والعلم
22. عرف بالكرم والسخاء وفعل الخير، وله مشاريع خيرية متعددة سخرها لكل الناس
23. عرف بالحلم وصفاء الطوية، فما يحمل على أحد حقدا ولا ضغينة
24. يقضي معظم وقته في مزرعته التيِّ سمَّاها مزرعة الطهارة والتقوى، يقلب صفحات كتاب الله في القرآن، ويتأمل آيات الله في الأكوان، و يتابع سير حركاته الاقتصادية في كل آن
25. حريص على عمارة المساجد، فما أكثر أسفه حين يرى نفسه عاجزا عن إدراك الجماعة في رحاب بيت من بيوت الله
26. مدمن على قراءة القرآن، والتأمل في آياته، فلا يكاد يكاد يختتم حتى يفتتح، فهو الحال المرتحل كما سماه رسول الله
وأختم كلمتي بهذه المقولة التي قالها المرحوم يوم كرَّمه الاتحاد العام للتجار الجزائرين تحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية باعتباره أول وزير للتجارة في الجزائر بعد الاستقلال وذلك قبل بضع سنين، قال: هذا و إنَّني إذ دعيت اليوم إلى منصَّة التكريم، لأجد نفسي في حرج شديد، و خجل مديد من هذه الالتفاتة الكريمة التيِّ أوليتموها نحوي، و التيِّ ما كنت أرجوها ولا أسعى إليها، لأنَّني أعتقد أنَّني ما قمت نحو وطني إلاَّ بالواجب، و لا شكر على واجب، و أنَّني مهما قدَّمت نحوه من جهد فلا أزال مقصِّرًا في حقِّه، لأنَّني - كغيري من جميع المواطنين - لا أستطيع أن أوفي الوطن حقَّه و لو ذهبت نفسي فداءه، وما كان الخلَّص من المجاهدين يبغون من أحد جزاء و لا شكورًا، إلاَّ أن يكون من المولى إنَّه كان بعباده خبيرًا بصيرًا. غيرَ أنَّه إذا كان و لابدَّ أنْ يكرَّم من يستحقُّ التكريم، فلنرد من ذكرِ تاريخِ الرِّجال مدَّ العبرةِ للأجيال، حتىَّ ترقى (1/329)
صفحة 295
إلى (1/330)
صفحة 296
قَممِ الجبال، فتعيش عزيزةً على أحسنِ حال، أو تموتَ كريمةً في أسعدِ مآل. فلنغرس في أبنائنا بذرة حبِّ الوطن، و لنعوِّدهم أنْ يتحمَّلوا للذَّوذ عنه أشدَّ المِحن، و لنَحمِلْهم على أن يتجنَّبوا للنُّهوض به الكسل و الإِحَن. لهذا الغرض ينبغي أن تقام مثل هذه المناسبات و إلاَّ فلا. فلنكن يدًا واحدة قويَّة للدفاع عن حمانا، و صفًّا لا صدع فيه لصون رحابنا، {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}
هكذا كان دأبه في إلى آخر نفس، ولتلكم المعاني السامية، نقوم اليوم في هذا الجمع المصون نردُّ بعضَ جميل ما قدَّمه المتوفى لمجتمعه من نصح، وتوجيه، وتضحية وجهاد في شتَّى المجالات التيِّ يَبتغي فيها المرء إلى ربِّه الوسيلة، فسلام على محمدِ بن عيسى في العالمين، إنَّه من عباد الله المخلصين، كذلك يجزي الله المحسنين، وسلام عليه يوم ولد، ويوم يموت ويوم يبعث حيًّا. فيا معاشر الناس أعدوا العدَّة قبل فوات الأوان، واستعدوا للرحيل قبل أن يرفع للموت الأذان، فما تدري نفس بأي أرض تموت، ومن مات قامت قيامته، وإذا نزل القدر زال الحذر، وإذا حاق القضاء ضاق الفضاء.
سلِّم أمورك للمهيمن تسلمِ ... وعلى عبادته استقم تتقوَّمِ.
واقرن متابك بالندامة قبل أن ... تأتي المنون ولات ساعة مندم
فبالنيابة عن القرارة جمعاء، من هيئات دينية، وجمعيات خيرية، ومؤسسات تربوية، وجمعيات ثقافية، وبالأصالة عن نفسي نقدم تعزيتنا الحارة الخالصة إلى أنفسنا أولا، ثم إلى آل القرارة خاصة، وإلى الجزائر عامة، إلى آل بيته الأقربين، راجين من الوليِّ الحميد أن يتقبل محتفانا عنده قبولا حسنا ويمتعه متاعا حسنا، (1/331)
صفحة 297
ويهدي الخلف إلى (1/332)
صفحة 298
حسن التأسِّي بمن كانوا يوما خير سلف، ويكرمنا برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه يخلفون من قضى نحبه، ويُفرغ على ذويه الصبر والسلوان، فاصبروا واحتسبوا فإنَّ لكم في الله عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كِلِّ هَالِكٍ، وَدَرْكًا مِنْ كُلِّ مَا فَاتَ، فَبِالله فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ اَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئِم بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}
{يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالاِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}
اِنَّ اللَّهَ وَمَلآَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيءِ يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليما
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَوَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَوَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
عيسى بن محمد الشَّيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة القرارة (1/333)
صفحة 299
سلام نفوسة (*) (1)
سعادة المستشار: الشيخ زياد بن طالب المعولي
مسقط ـ سلطنة عمان
سلامٌ نفوسة (2) أهل الجبلْ ... رموز الشجاعةِ فَخر الأُوَلْ
سلامٌ هواهَا وزيتونها ... وزين الروابي وسهلٌ وتلْ
سلامٌ نخيلٌ بها باسقاتٌ ... وطيبُ الكلام لها كالمثَلْ (3)
عُمانُ تُحيِّيكِ لِيبيا السَّلام ... لمجدٍ عظيمٍ وظُلمٍ أَفَلْ
وشعبٍ أبيٍّ أرادَ الحياة ... فقارعَ بالسَّيفِ بغيَ الأسَلْ (4)
بِشُبَّانِ صدقٍ غَدَو للجهادِ ... لتُصبِحَ ليبيا فخارَ الدُّوَلْ
ودينُ الإلهِ غَدا مُشْرِقًا ... كَذَاكَ نَفُوسَةُ منذُ الأزَلْ
فسَلْمَةُ سَعْدٍ سَرى هَاديًا ... يجُوبُ الفيافِي ومَا مِنْ وَجَلْ (5)
يَرُومُ ليومٍ به تعتلي ... شموسُ الحنيفةِ في ذَا المَحَلْ (6)
__________
(1) *- قلتُها بمناسبة زيارتنا لجبل نفوسة لحضور مهرجان الثقافة الأمازيغية في الفترة بين 7 إلى 10 نوفمبر 2012م.
(2) 2 - نفوسة جبل ليبيا الغربي ومن بلدانه (جادو، يفرن، كباو، نالوت)، وهو موطن الإباضية الأمازيغ. يبلغ طوله 250 كيلومتر، غرب شمال طرابلس.
(3) 3 - المقصود قوله تعالى: {? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ?}.
(4) 4 - الأسل الرمح؛ والمقصود به الثورة الليبية على النظام السابق.
(5) 5 - سلَمَة بن سعد الحضرمي؛ تلميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، جاء للمغرب مع بداية القرن الثاني الهجري وإليه يُعزى توجُّه حملة العلم للمشرق.
(6) 6 - المقصود مقولة سلمة بن سعد «وددتُ أن لو ظهر هذا الأمرُ من أوَّل النهار حتى آخره فلا أبالي إن متُّ بعد ذلك» يعني مذهب الحق والاستقامة. (1/334)
صفحة 300
وتأريخُ عِزِّ تَرى ناصِعًا ... هُنَاك لعبدِ العَلِيِّ (1) البَطَلْ
طرابلسُ تَشهَدُ صَوْلاتهِ ... كليثٍ هَصُورٍ يفلُّ الدَّغَلْ (2)
وعادُو لكرَّة أحفادُه ... عزيزيةٌ حطَّمُوه القفَلْ (3)
نفوسةُهيَّا انعَمِي بالحياةِ ... وعُودِي ِلمجدٍ أثِيلٍ أَطَلْ
عُلُومُكِ نُورُ الدُّجَى، شُموسٌ ... أضاؤُوا الطَّريقَ لنا والأملْ
وصُبحٌٍ بدَا مُسْفِرًا مُشْرِقًا ... فليسَ لِمثلِك ِأنْ يَضْمَحِلْ
خُذِي مِنْ شَبَابِكِ عَزْمَاتِهِ ... ورَأيَ الشُّيوخِ حَقِيقٌ يُجَلْ
أمازيغُ لكنَّهُم في الذّرى ... عُرُوبةُ نُطقٍ عَدِيمِ المَثَلْ
وإكْرَامُ ضَيفٍ إذَا جِئْتَهُمْ ... كأنَّكَ مَا بينَهُمُ مُشْتَمِلْ
نفوسةُ هَلْ مَوعِدٌ لِلِّقا ... ومَن سَار فِي الدَّربِ يومًا وَصَلْ
ومثلُكِ لا يَنْسَى شرقًا وَفَى ... حَريصٌ عليكِ يُسيلُ المُقَلْ
يحنُّ اشتِيَاقًا لذِكْرَاكُمُ ... ويَفرَحُ دَوْمًا إذَا السُعْدُ حَلْ
__________
(1) 7 - عبد الأعلى هو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري؛ إمام طرابلس من الإباضية عام 140هـ، توجَّه بجيش لتأديب قبيلة «ورفجومة» بالقيروان جزاءً لإفسادهم فكانت وقعة رقادة المشهورة بتونس.
(2) 8 - الدغل: الفساد.
(3) 9 - تحطيم باب العزيزية؛ مقرّ القذافي حيث شارك أبناء الجبل في ذلك وكان لهم الدور البارز. (1/335)
صفحة 301
اليوبيل الذهبي
(الذكرى الخمسون لاستقلال الجزائر)
الأستاذ: أحمد لزعل موسلمال
بريان - الجزائر
عودي بنا إلى الاِنعِتاق جزائرِي ... إذْ حلَّ يُليوزٌ بفيضِ بَشائر
إذْ لاحَ فجرٌ في ربوعكِ صادقٌ ... مِن بعدِ لَيلٍ مُدْلَهِمٍّ داجر
إذْ راح أخضرُنا يُرفرِف عاليًا ... والأزرقُ انْتَكَسَ انتكاسةَ صاغِر
إذْ كَلْكَلُ الطُّغيانِ زحزحه الأُلَى ... باعوا نفوسَهُمُ لِدَحرِ الجَائِر
إذْ صَارَ شعبُكِ بعدَ طُولِ كُبُولِهِ ... يغزُو الفضاءَ على جناحَيْ طائِر
الشَّعبُ إثرَ خِناقِهِ مُتَنفِّسٌ ... فالروحُ فيه تَدُبُّ دونَ قواهِر
سَبعٌ شدادٌ في الدُّموع وفي الدِّما ... لا شبرَ إلاَّ مُثخَنٌ بِمجَازِر
ألفٌ مُؤلَّفةٌ إلى شطرٍ لها ... ذهبَت وَقُودًا في خِضَمِّ الغَابِر
الفضلُ بعد اللهِ فضلُ بُطولَةٍ ... مِن كُلِّ مِغوارٍ وكَلِّ مُغَامِر
الرُّوحُ وَهْيَ أعزُّ ما بيَدَيهِمُ ... قُربانهم لنعيشَ عَيشَ مفاخِر
أولائكم آباؤُنا بصنيعِهم ... هُم أنجبوا وطنًا بخيرِ مآثِر
مالي هُنا أجترُّ سَالِفَ مَعْشَرٍ ... أكْرِم بهِمْ لا شَكَّ خير مَعاشِر
مالي اتَّكَأتُ على رجالٍ خَلَّدُوا ... تاريخَهُم، طُوبى لهم في الآخر
يا ليتَ شعريَ أين نحنُ وجيلُنا ... من جِيلِهمْ فالبَوْنُ فوق مشاعري
هل بعد بذلِ الرُّوح من تضحيةٍ ... أسْمَى بغير تعنُّتٍ وتكَبُّر
خدمُوا البلادَ بمالِهِم ودمائِهم ... وبأنفَسِ الأعلاقِ بينَ ذَخائِر
بشِعارِهمْ: (اللهُ أكبرُ) حَلَّقوا ... ومَضَوا على دربِ الإلهِ النَّاصِر (1/336)
صفحة 302
دُنيا الحياةِ وما بِها من زُخْرُفٍ ... لم تَسْبِهِم وسَعَوا لِيومٍ آخِر
آهٍ لَوَاَنَّ قُلُوبَنا كقُلُوبِهم ... ضَمَّت بَصِيص يقينِهِنَّ الغامِر
بَذَرُوا وكُنَّا القاطِفِينَ ثِمَارَهُم ... لكنْ عَقِمْنَا مَالَنَا مِن بَاذِر
عاشُوا ضَميرُهُمُ يشدُّ زِمامَهُم ... واليومَ نحنُ ذَوُو ضميرٍ ضَامِر
لِعظائِمِ الأشياءِ كان طُمُوحُهم ... وطُمُوحُنَا مُتعَلِّقٌ بِصَغَائِر
جاؤُوا على طبقٍ بِدينِ مُحمَّدٍ ... بالضَّادِ بالوطنِ المَديدِ الطَّاهِر
هَذِي الثلاثةُ لوَّنَتْهَا رايةً ... جمعيَّةُ العلماءِ مُنذُ الباكِر
أُسسُ بن باديسٍ قواعدُ أفلَحٍ ... في رَكب مُقراني وعبدِ القادِر
مرحى جزائِرَنا فأنتِ لنا البَهَا ... أنَّى تُرِي فمسَرَّةٌ للنَّاظِر
قِمَمٌ تُطلُّ على رياضٍ خُلَّبٍ ... وعلى سواحلَ في الشَّمال سَوَاحِر
وذُكاءُ في الصَّحراءِ عند بزُوغِهَا ... وأفُولِهَا آياتُ حُسنٍ بَاهِر
سَمِعَ القَصِيُّ بها فطَارَ مُيَمِّمًا ... لَوحَاتِها الريَّا بِحُسنِ مَنَاظِر
مَرحَى جزائرَنا فأنتِ لنا الحِمَى ... مَنْ حامَ حَولَكِ نالَ شَرَّ مَخَاطِر
كُلُّ الغُزاةِ الغاصبينَ سَحَقْتِهِمْ ... مِنْ عهدِ رُومانَ لآخِرِ مَاكِر
يا مَنْ وراءَ تُخُومِنَا مُتَرَبِّصاً ... إيَّاكَ من صَفَعَاتِ شَعبٍ ثائِر
مَرحَى جزائرَنَافأنتِ لنَا النَّدَى ... نَفَحاتُهُ لاَ تَستَجِيبُ لحاصِر
الخيرُ بادٍ فوقَ ظهرِكِ والحَشَا ... مَا لَم يمُرَّ على الورَى بخوَاطِر
هيهاتَ توفيه المواهبُ حقَّها ... يا ربِّ مهما كانَ شُكرُ الشَّاكِر
النفطُ منبعُ قُوَّتِنا وكسَائِنا ... وأثاثِنا مِن كلٍّ فَنٍّ فاخِر
كم من مَطَايَا في البَرارِي والسَّمَا ... ءِ تسابَقَت وعلى العُبابِ مَوَاخِر
الغازُ في يدِه مَصابيحُ الدُّجى ... وثلُوجُ يُونُيو ونار يَنَايِر
فكنوزُ بطنِ الأرضِ حُلْنَمخدَّةً ... فيها نغوصُ على سُبَاتِ مَقَابِر (1/337)
صفحة 303
هذَا النَّدى أبلى بلاءً سيِّئًا ... في نشئِنا بمدائنٍ ودساكِر
للّه درُّ شقيقَتَينِ جوارنا ... الكدّ خامهما لشُحِّ مَصَادِر
ما للسوَّاعِدِ عندنا مشلُولةٌ ... ترنُو إلى عَرَقِ الجَبينِ الغَائِر
والمخُّ غاضَ مَعينُه في هامِنَا ... فكأنَّنا قُدَّام عقل عاقِر
يا ليتَ شِعرِيَ هلْ نَسجْنَا أمَّةً ... بعضٌ لبعضٍ في الخَفَا كالظَّاهِر
لا تحسبَنْ وَطنِي بتاتًا أنَّنِي ... أقلُوكَ طَرفَةَ أعيُنٍ بسَرائِر
في مُهجَتِي لكَ مَسكَنٌ مِن رَفْرَفٍ ... في مُهجَتِي ما عِشتُ أنتَ وخاطِرِي
عفوًا إذا ما شَابَ مَدْحِيَ لذعةٌ ... فالشَّوكُ في الأزهارِ ليسَ بِضَائِر
يوبيلُكَ الذهبيُّ أقبَلَ بَاسِمًا ... فاليوم عيدٌ لا كعيدٍ دابِر
رقَّاكَ ربِّيَ قمَّةً مَرمُوقةً ... لم يَرْقَهَا من قبلُ غيرُ عَبَاقِر
وكسَاكَ سِرْبالَ السَّلامةِ والرَّخا ... ومَوَدَّةً، لِتُرَصَّ خيرُ أواصِر
خلِّ الربيعَ يَلُوحُ فيهِ سندُساً ... لكنْ بغيرِ عواصِفٍ وخَنَاجِر
هاذِي أكفُّ ضَرَاعَةٍ يا رَبَّنا ... أَدْلَى بها هاوِ قَوَافيَ شَاعِر (1/338)
صفحة 304
من وحي «أمَّاه»
للشهيد المغيب عمرو النامي
منه إليه ...
الدكتور: عمرو أحمد علي التندميرتي
كلية الآداب ـجامعة الزاوية ـ ليبيا
أُختَاهُ يَا ابنَةَ شَاعِرٍ نَهوَاهُ ... فِي الْعَالَمِينَ سَمَتْ بِكُمْ «أُمَّاهُ»
روحُ الأُمُومَةِ فِي قَصيدِ أَبيكُمُ ... قَدَرٌ تَمَلَّكَ قَلبَهُ وسَبَاهُ
صَوتٌ تَنَزَّلَ كالضِّيَاءِ شُعَاعُهُ ... يَغشَى النُّفُوسَ بِدِفئِهِ وشَجَاهُ
ويُنِيرُ دَربَ الخَيرِ يَرسُمُ نَهجَهُ ... صِدقُ الضَّمِيرِ ووَحيُهُ وهُدَاهُ
حَازَت لهُ الأَملاكُ طُهرَ مَشَاعِرٍ ... ومِن المَلِيكِ سَكينَةٌ تَغشَاهُ
وسَرَى يُحَدِّثُ عَن أَدِيبٍ شَاعِرٍ ... مَولاَهُ بَايَعَ واشْتَرى أُخْرَاهُ
مَن قَدْ أسَاغَ مِن الكُؤُوسِ أَمَرَّهَا ... طَعمُ الكَرَامَةِ لا يُسيغُ سِوَاهُ
سِرُّ النِّضَالِ الْفَذِّ فِي كَلِمَاتِهِ .. ... عَزمٌ يُسَابِقُ فِي المَدَى أَقْصَاهُ
قَد حَاصَرَ الطُّغيَانَ في عَتَبَاتِهِ ... بِالفِكرِ نَازَلَ حَيفَهُ ورَمَاهُ
ومَضَى يُمَزِّقُ تِيهَهُم بِيَراعِهِ ... ويَخُطُّ فِي سِفرِ الْخُلُودِ سَنَاهُ
ويُذِيقُهُم بِالصَّبرِ مِحنَةَ حِقدِهِم ... لم يُبْدِ قَطُّ لِعِفَّةٍ شَكوَاهُ
فَالْجَمرُ قَيدُ الرِّجلِ يُثقِلُ خَطوَهُ ... قَلبٌ يَنُوءُ بِأُمَّةٍ أوَّاهُ
والرِّيحُ والقُضبَانُ تَنهَشُ عُمرَهُ ... لا أُنْسَ غَير يَقينِهِ وتُقَاهُ
يَتَثَاقَلُ الزَّمَنُ الْمُلَوَّثُ حَولَهُ ... وتَثَاقُلُ الأَيَّامِ مَا أَقسَاهُ
للهِ وَحدَهُ يَنحَنِي فِي سِجنِهِ ... مُتَبَتِّلاً فِي صُبحِهِ ومَسَاهُ (1/339)
صفحة 305
يَطوِي عَلَى الوَطَنِ الجَرِيحِ ضُلُوعَهُ ... ويَصُوغُ مِن ذَوبِ الفُؤَادِ نِدَاهُ
ويُدِيرُ فِي الظُلُمَاتِ وَجهاً ضَارِعاً .. ... يَهفُو ويَسألُ في الدُّجَى مَولاهُ
رَبَّاهُ هَذَا السُّخْطُ أَحكَمَ طَوْقَهُ ... مَا غَيرَ لُطفِكَ نَرتَجِي رَبَّاهُ
مَكرٌ يَحِيقُ وفِتنَةٌ تَتَكَشَّف ... عَنهُم ولا شَيءٌ بِهِم إِلاَّهُ
سَقَطَ الضَّمِيرُ وعُفِّيَتْ آثَارُهُ ... مَسْخٌ ولا شَيءٌ يَلُوحُ سِوَاهُ
حَتَّى المَلائِكُ في السَّمَاءِ تَدَافَعَت ... وتَمَلْمَلَت مِن هَولِ مَا يَلقَاهُ
بَاتَتْ تُرَاقِبُ نَزفَهُ وأَنِينَهُ ... وَجَعاً يُغَالِبُ لَيلَهُ وضُحَاهُ
رَامُوا لَهُ إِذْلالَ نَفسٍ حُرَّةٍ ... وتَفَنَّنُوا فِي النَّيْلِ مِن دُنيَاهُ
وتَوَاطَؤُوا نَزَقاً عَلَى تَغيِيبِهِ ... كَيْمَا تُغَيَّبُ فِي الوَرَى دَعْوَاهُ
فَتَنَاهَبُوا قَسَمَاتِ وَجهٍ أَشرَقَتْ ... مِثلَ الرَّبِيعِ أَنِيسَةٌ لُقيَاهُ
حُلْوُ الشَّمَائِلِ لا نَظيرَ لِحُسنِهِ ... طَلقُ الْمُحَيَّا، مَلِيحَةٌ سِيمَاهُ
نَفثُ البَيَانِ لِسَانُهُ فَكَأنَّمَا ... كَلِمَاتُهُ فِي السَّامِعِينَ رُقَاهُ
لَهَفِي عَلى رَجُلٍ تَكَامَلَ زَينُهُ ... لَهَفِي عَليهِ وقَد غَفَتْ عَينَاهُ
قَد كَانَ بَشَّرَ أُمَّهُ بِمَقَامِهِ ... وأَذَاعَ بُشرَى النَّصرِ في «أُمَّاهُ»
وأَقَامَ لِلنَّصرِ المُبِينِ طُقُوسَهُ ... فَرَمَى الإِلَهُ بِسَهمِهِ وحَمَاهُ
والنَّصرُ إن قامت لَهُ أَشرَاطُهُ ... حَفِظَ الإِلَهُ رُمُوزَهُ ورَعَاهُ
وأَذَالَ مَسعَى العَابِثِينَ وكَيدَهُم ... يَبقَى الْحَليمُ ويَمضِي مَن عَادَاهُ
لَم يُدرِكُوا وَزنَ الرِّجَالِ وحَجمَهُم ... مَن لا يُردِّدُ لاهِجاً أُمَّاهُ
فقَرَارُهُ في العَابِثِينَ مُوقَّعٌ ... : ... نَحنُ الرِّجَالُ وهُم لَنَا أَشبَاهُ
مَا غَيَّبُوهُ ورُوحُهُ قد لاَمَسَتْ ... زُهرَ النُّجُومِ وأسْرجَت رُؤيَاهُ
سَطَعَت عَلى أُفقِ الوُجُودِ وعَانَقَت ... دُنيَا الجَمَالِ وخَلَّدت ذِكرَاهُ
رُوحٌ تَشَظَّتْ أَلفَ أَلف قَصِيدَةٍ ... مِثلَ الشُّعَاعِ تَوَزَّعَتْها رُؤَاهُ (1/340)
صفحة 306
بُهِتَ الطُّغَاةُ وعُمِّيِتْ أَبصَارُهُمْ ... لا يُدرِكُونَ مَنِ الَّذِي يَرعَاهُ
ظَنُّوا الخُلُودَ ورَوَّجُوا لِسَرَابِهِم ... والخُلدُ ذِكرٌ لَو دَرَوا مَعنَاهُ
فَاللهُ أبطَلَ مَا أَرَادُوا بِمَكْرِهِمْ ... مَا الْمَكرُ إِلاَّ مَا يُرِيدُ اللهُ
ذَهَبُوا جَمِيعاً لا بَقَاءَ لِطَيرِهِمْ ... وبَقَى الحَلِيمُ الحُرُّ فِي مَسرَاهُ
رُوحاً تُرَفرِفُ فَوقَ كُلِّ خَمِيلَةٍ ... بِاليُمنِ تَرفُلُ، مَجدُهَا تَيَّاهُ
ذَاكُمْ هُوَ المَجدُ الَّذي تَزهَى بِهِ ... راياتُ شَعبٍ خَضَّبَتهَا دِمَاهُ
ذَاكُمْ هُوَ «النَّامِي» الَّذِي يَنمُو بِهِ ... فِي الْخَالِدِينَ نِضَالُهُ وفِدَاهُ
بَطَلٌ تَألَّقَ فِي عَجيبِ جِهَادِهِ ... مَا دَوَّخَ الجَبَرُوتَ فِي مَهوَاهُ
وغدا نَشيدَ النَّاشِئينَ وشَوقَهُمْ ... لَحناً حَنُوناً في القُلُوبِ هَوَاهُ
لَو كَانَ يُرفَعُ لِلشَّهَادَةِ شَاهِدٌ ... زَاكٍ يُخَلَّدُ ذِكْرُهُ وصَدَاهُ
أَوْ كَانَ يُوقَدُ فِي الزَّمَانِ مَنَارَةٌ ... لِلعَبقَرِيَّةِ مَا لَهَا أَشْبَاهُ
لَغَدَا الْمِثَالَ الأَلمَعِيَّ أَبُوكُمُ ... مَن أَبْهَرَ الدُّنيَا بِعِزِّ خُطَاهُ
وَاهاً عَلَى رَجُلٍ بِمِثْلِ شُمُوخِهِ ... فِي اللهِ نُكْبِرُ صَبرَهُ ورِضَاهُ
مَا أَفْجَعَ الْقَلبَ الذي تَنْتَابُهُ ... حَرُّ المَشَاعِرِ مِن صَدَى «أُمَّاهُ»
أُسْطُورَةُ الشِّعرِ النَّبِيلِ عَبِيرُهَا ... بَاقٍ وسَارٍ فِي الزَّمَانِ شَذَاهُ
نَفسِي لِمُنشِدِهَا الشَّهيدِ رَخِيصَةٌ ... بَلْ لِلشِّراكِ ومَا حَوَتْ نَعْلاهُ
نَعْلٌ تَدُوسُ على الطُّغَاةِ وجَاهِهِمْ ... لِمَ لا تَكُونُ كَريِمَةً أُختَاهُ
طرابلس / 28 مارس 2013 (1/341)
صفحة 307
سيرة الأجداد
الطالبة: نانة بنت محمد زقاو
متخرجة من معهد الفتح للبنات ـ بريان
كانت أحلامٌ ساكنةٌ في أذهان السابقين، كان همُّهم أن ينيروا درب هذه الأمَّة ... لم يكن يهمُّهم إن هم تعبوا أو أن لا يأكلوا و يناموا أو يمرضوا ... بقدر ما كان همُّهم الأكبر عبادة ربهم وعمارة هذه الأرض ... فلم يتخاذلوا ولو برهة عن خدمة الدين والوطن؛ فكانوا يحترقون لينيروا دروبنا، والتاريخ يشهد لهم بهذا.
جلستُ أقلِّب صفحات هذا التاريخ العظيم، وأقرأ أسطراً كُتبت بعَرَق العظماء ودمائهم، تحولت إلى حروف ذهبية بقي لمعانها رغم قدمها ... بدأت عيناي وأفكاري تتجولان بين هذه السطور والأحرف التي رسمت لوحة رائعة مزجت كلَّ ألوان الحياة الرائعة من أفكار وأهداف ومشاريع، لقد كانوا يدوِّنون كل شيء في حياتهم ... توقفتُ عن القراءة فجأة وسألت نفسي: لماذا دوَّنوا كل هذا؟ ماذا كان يدورُ في خلدهم؟
وهنا وجدت سؤالا يقحم نفسه في خضمِّ تلك التساؤلات: هل حقَّقوا بعض أهدافهم وأحلامهم؟ هل أكملوا بعض ما بدأوا في بنائه؟ هل قطفوا ثمار ما زرعوه؟ هل وهل وهل؟ ولكن الواقع يظهر أن أغلب مشاريعهم لم يشهدوا كَمَالها؛ فمثلا ذلك المشروع التربوي العظيم الذي يُبنى الآن قد فكَّر فيه الأجدادُ ووضعوا مخطَّطاته، ولكنَّهم رحلوا قبل كماله وتمامه، وقد نرحل أيضاً قبل شهود تدشينه.
ثم وجدتُ فكرة انقذفت إلى ذهني في استهزاء: لماذا يحلمون بأشياء يعرفون بأنها أكبر من أعمارهم وإمكانياتهم؟ لو وضعوا ما يستطيعون فعله لذاقوا لذَّة ومتعة تحقيق ما طمحوا إليه؟ (1/342)
صفحة 308
ثم سكتُّ برهة، ثم أجبت قائلة: كانوا يدركون أنهم لن يعيشوا ليحقِّقوا أهدافهم، كانوا يوقنون جيِّدا أنهم يرسمون الخطوات الأولى من معالم طريقهم وأنَّهم لن يكملوه، ولكن أيكون هذا إشارة منهم إلى أنهم بدأوا لنُكمل نحن المسير؟
نعم قد يكون هذا مُرَادُهم؛ نعم، أين تاهت مني هذه الفكرة من قبل ... وقد تكون أيضا دلالة على أنَّنا نحن أيضا قد لا نصل إلى كلِّ الأهداف. إذًا لم يكن همُّ الأجداد التمتُّع بلذَّة الوصول، وإنَّما كان همُّهم الأكبر البداية فقط، نعم البداية ... كم كانوا عظماء، يجب أن نتَّعظ بهم.
وفجأة وبينما أنا أفكِّر في هذه العظمة وجدتُ سؤالا آخر يطرح نفسه بقوة أكبر من سابقه، وبلهجة عتاب: ماذا فعلنا نحن؟ ماذا قدَّمنا؟ لقد تركوا مشاريع وأعمال لم يُكملوها ... ما هو دورنا نحو هذا الكمِّ الهائل من التَّركات العلميَّة والثقافية، هل أكملنا الطريق من بعدهم؟ أم هل وقفنا حيث انتهوا؟ أم هل ترانا نُحطِّم كلَّ ما فعلوه؟ فمثلا لو ترك لي والدي بعد وفاته شركة كبيرة، ولكنها ما زالت لم تصل إلى المستوى المطلوب، فما هو دوري؟ أأُكمل العمل كما كان يفعل أبي، على خطاه تماما؟ أم سأغلق الشركة وأحاول فتح شركة أخرى؟ ولكن قد لا أصل بتلك الشركة الجديدة إلى المستوى المطلوب، ويأتي من بعد وفاتي من يفسخ شركتي ويختار شركة أخرى، ولكن بهذا الشكل لا أحد سيصل، ولا عمل سيكتمل، ولا نتيجة ستُعرف.
وا أسفاه على حالنا ماذا لو يُباغتنا الأجل و نحن على هذا الحال؛ فنرحل دون إكمال أيِّ شيء؟ وقد نخرج من الدنيا دون البدء أصلا؟ والأدهى من ذلك أن نبحث عن أخطاء أجدادنا لا لنتداركها، بل نُعدِّدها لنعاتبهم على الوقوع فيها، ويأتي من بعدنا ويفعل بنا ما فعلناه بمن سبقنا ... وا حسرتاه، أهكذا سنبقى، كلُّ جيل يلعن من سبقه ويهدم ما بناه، ويذهب في رحلة بحث جديدة؟ (1/343)
صفحة 309
وهنا غشيني غمٌّ وحزن، وقلتُ في نفسي لكن متى سنصل؟ بهذا الشكل لا أهداف ستتحقَّق، ولا بناء سيكتمل، ولا صحوة ستنتشر، سنصبح كالدَّابة التي تجر الرحى وهي مُغمضة العينين، فتظنُّ أنها قطعت الأميال والكيلومترات، ثم عندما ينزع من عينيها الغطاء تجد نفسها في مكانها لم تتحرَّك فيصيبها الحزن والغمُّ، ويكون حينها قد نال منها التعب، والعجز قد هجم عليها ...
لعل حالنا ستصبح هكذا ... نظنُّ أنَّنا قطعنا المسافات في التغيير والإصلاح والإعمار، ولكن في النهاية نجد أنفسنا ندور في دائرة الهدم والاختيار دون إكمال ولا قطف للثمار، ثم نجلس ينظر بعضنا إلى بعض نتقاذف سهام الاتِّهام ونبكي على الأنقاض، ونلعن الظلام وقد كان في أيدينا بالأمس مئات الشموع لو أنرنا واحدة منها لأنارت لنا الدرب.
التفكير في هذا المصير يرهق عقلي الصغير ويطرد النوم من عيني، الهمُّ يكاد يفتك بي، الحيرة تكاد تشنقني، أبحث عن خلاص، عن حل، عن رأي سديد ... لا أجد سوى هذه الكتب التاريخيَّة التي تحكي البطولات والتي أحيانا تؤنسني وأحيانا تغرقني في بحر التفكير والحيرة .. فأكتوي بنار الحزن والخوف .. لا أريد أن أكون هكذا .. لا أريد .. لا أريد أن أكون مقلِّدا ولا لعَّانا ...
وأخيرا أشرق ذهني بفكرة قضت على كل ما كنت فيه من حيرة، لقد وجدت الحل .. نعم إنه الحل المناسب.
سأكون ممن يأخذ بِسِيَر السابقين ... سأدرسها، وأستخرج نقاط الضعف والقوة فيها، ثم آخذ بأحسنها وأقواها، وأحاول تدارك الأخطاء وتصحيحها ... نعم، لقد أدركت هدفهم من تدوين مشاريعهم وأحلامهم، وعرفتُ أيضاً لماذا بدأوا بأعمال كانوا يدركون عدم شهود اكتمالها، لم يكن همُّهم الوصولُ بل المهمُّ عندهم رعاية الغرس في الأرض (1/344)
صفحة 310
الطيبة، لأنه سيأتي يوم يصل فيه أحد لجني المحصول، ويأتي جيل ليقطف الثمار ... هذا كان مبدؤهم فهم يتمتَّعون بالسعادة في العمل لا في النتائج، فإذا أخذنا بمبدئهم في الحياة فسيأتي يوم تتحقَّق فيه الأهداف، ونرى الأنوار اشتعلت لتنير لنا الطريق، ونتمتَّع بذلك الصرح الحضاري الذي شيَّده جيلٌ بعد جيلٌ ...
عندما وصلتُ إلى هذه الفكرة وعرفتُ جواب ما كان يحيِّرني ويطرد النوم من أجفاني، حمدتُ الله الذي أخذ بيدي وأرشدني إلى الصواب، فسَرَت طمأنينة إلى قلبي، وسَكَنَت الراحةُ فؤادي وعقلي، وتسلَّل النوم إلى أجفاني، فوضعتُ قلمي وأغلقت دفتري، وأطفأتُ النور في وقت اشتعلت الأنوار في ذهني، خلدتُ للنوم بعزم أن أبدأ غدًا يوما جديدًا تكملة لأيام أجدادي ... عليَّ أن أساهم ولو قليلا في تكملة ما بدأوه، و أن أفكر بمشاريع أخرى فأبادر لوضع لبناتها الأولى على أساس من الحق متين، وعلى أمل أن يكمله من يأتي بعدي، فهكذا سأكون أو لا أكون. (1/345)
صفحة 311
رسائل جامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ مصطفى بن حمو رشوم
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القواعد الفقهية عند الإباضية
ا
الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى صراطه المستقيم، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، الذي أرسى قواعد الدين، ورسم معالم التشريع المبين، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المجاهدين، الذين ورثوا العلم الرباني، والهدي النبوي القويم، وورّثوه لمن بعدهم، حتى تأصلت أصوله في الأنام، وتقعدت قواعده في الأحكام.
وبعد: فإن أفضل ما يقضيه الإنسان من وقته الثمين، هو ما يصرفه في خدمة العلم النافع، ولعل أشرف هذه العلوم العلم الشرعي، وثمرته الفقه وأصوله، وإذا كان الفقه هو ثمرة العلوم الشرعية، فإن القواعد الفقهية هي لُبّ الفقه وزبدته، منها تتبلور العقلية الفقهية الإسلامية الناضجة، القادرة على التجميع والتأصيل للمسائل الفقهية، المتناثرة في مصادره، والمتشعبة في ثناياه، ومن هنا كانت هذه القواعد من أهم ما يجب الاشتغال به في الفقه الإسلامي؛ لأنها الوسيلة التي تكفل لنا ضبط فروعه وجزئياته، وتخريجها على أصولها، وإلحاقها بكلياتها، وقد أدرك الفقهاء الأجلاء هذه الأهمية، فعكفوا على دراستها وتأصيلها، وصنفوا فيها مصنفات عديدة في مختلف المذاهب الفقهية، لأنها خير عَوْن على ضبط المسائل الكثيرة، المختلفة في أبوابها، المتناظرة في أحكامها، فهي وسيلة لاستحضار الأحكام، وعليها يعوّل القضاة وأهل الإفتاء في النوازل والقضايا المتجددة. (1/346)
صفحة 312
وتأتي هذه الدراسة العلمية لتظهر إسهام المدرسة الإباضية في علم القواعد الفقهية تأصيلا، وتنظيرا، وتطبيقا، وتصنيفا، وتجيب على أسئلة لطالما شغلت فكر الباحثين في مجال القواعد الفقهية، ومن أهمها: هل توجد عند الإباضية القواعد الفقهية على غرار المدارس الفقهية الأخرى؟ ومتى ظهرت عندهم؟ وما مكانتها عندهم من حيث الاستدلال والاحتجاج على الأحكام الفقهية؟ وهل ساهموا في التقعيد الفقهي وتطويره؟ وهل انفردوا بقواعد خاصة تميزهم عن غيرهم؟ وما هي مؤلفاتهم؟
وقد اعتمدت هذه الدراسة في بيان هذه الجوانب على خطة تشتمل على ستة فصول، وفصل تمهيدي مع مقدمة وخاتمة.
أما الفصل التمهيدي: فكان مدخلا لدراسة «القواعد الفقهية من حيث المفهوم والتطور»، ويشمل الجانب النظري للقواعد الفقهية، مفهوما وتطورا وتصنيفا، ويتضمن ثلاثة مباحث:
المبحث الأول خُصص لتعريف القواعد الفقهية، وبيان علاقتها بالعلوم والمصطلحات ذات الصلة بها، والثاني يتحدث عن أنواع القواعد الفقهية، وأهميتها، وحجيتها، أما الثالث: فبحث عن نشأة القواعد الفقهية عند الإباضية، وتطورها، ومصنفاتها.
وجاء الفصل الأول بعنوان: «القاعدة الكلية الكبرى الأولى: الأمور بمقاصدها» وما تفرع عنها، ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول في بيان حقيقة القاعدة. واهتم الثاني بتأصيل القاعدة الفقهية من القرآن والسنة والآثار، ومن الإجماع والمعقول. والثالث خصصناه لفروع القاعدة وتطبيقاتها. أما الرابع فجمعنا فيه بعض القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية «الأمور بمقاصدها».
وبحثنا في الفصل الثاني القاعدة الفقهية الكلية الكبرى الثانية: «اليقين لا يزول بالشك» وما تفرع عنها، واشتمل هذا الفصل على المباحث التالية:
خصصنا المبحث الأول لبيان مدلول هذه القاعدة، والثاني لتأصيل القاعدة. والثالث اعتنى بفروع القاعدة وتطبيقاتها. وختمنا هذا الفصل بالمبحث الرابع لدراسة القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية «اليقين لا يزول بالشك».
أما الفصل الثالث فخصصناه لدراسة قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، وأخذ مساحة معتبرة من البحث، لأهميتها ومكانتها في التشريع، وتضمن سبعة مباحث وهي: (1/347)
صفحة 313
الأول: مفهوم القاعدة. والثاني: أنواع المشاق وضوابطها. والثالث: تأصيل القاعدة. والرابع: أسباب التيسير والتخفيف. والخامس: أنواع التيسيرات ومجالاتها. والسادس: تطبيقات وفروع القاعدة عند الإباضية. وختمنا هذا الفصل بالمبحث السابع، وخصصناه لدراسة القواعد المتفرعة عن قاعدة «المشقة تجلب التيسير».
وفي الفصل الرابع تناولنا القاعدة الكلية الكبرى الرابعة «الضرر يزال» أو «لا ضرر ولا ضرار» وما تفرع عنها، واشتمل هذا الفصل على المباحث التالية:
خصصنا الأول لتعريف القاعدة. والثاني لتأصيل القاعدة. والثالث لبيان أنواع الضرر وضوابطه وطرق إزالته. وأما الرابع جعلناه لتطبيقات القاعدة والفروع المتخرجة عليها. وختمنا هذا الفصل بالمبحث الخامس، وخصصناه لدراسة القواعد الفقهية المندرجة تحت هذه القاعدة.
وأما الفصل الخامس فقد أخذ أيضا مساحة معتبرة من الدراسة، وبحثنا فيه القاعدة الفقهية الكبرى الخامسة: «العادة محكَّمة» وما تفرع عنها، وفصلنا ذلك في المباحث التالية:
الأول: حدد مدلول القاعدة. والثاني: عرضنا فيه أنواع العرف والعادة وشروط اعتبارهما في الأحكام الشرعية. أما الثالث: فاهتم بتأصيل القاعدة من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وآثار الصحابة رضوان الله عليهم، ومن الإجماع والمعقول. أما المبحث الرابع: تناولنا فيه تطبيقات القاعدة وفروعها الفقهية عند الإباضية. وختمنا هذا الفصل بالمبحث الخامس، وبحثنا فيه القواعد الفقهية المتفرعة عن القاعدة الكبرى «العادة محكَّمة».
أما الفصل السادس فخصصناه لدراسة «القواعد الفقهية الكلية الصغرى»، لأنها أقل شمول من القواعد الكبرى، ولا يمكن إدراجها تحتها لعدم وجود علاقة تربطها بها، ولكثرتها وتنوعها، اقتصرنا على بعضها، وصنفناها ضمن نظريات فقهية، وقسمناها إلى ثلاثة مباحث:
الأول: درسنا فيه «القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الضمان»، وأما الثاني تناولنا فيه «القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الملكية»، وختمنا هذا الفصل بالمبحث الثالث وخصصناه لدراسة القواعد الكلية المتعلقة بنظرية الإثبات، أو الخاصة بالقضاء وطرق الإثبات، وأشفعنا كل مبحث بفروع تطبيقية لتلك القواعد من التراث الفقهي والنوازل المستجدة. (1/316)
صفحة 314
أما الخاتمة فلخصنا فيها أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، واقترحنا بعض التوصيات التي لم نتمكن من تحقيقها وإنجازها في هذا البحث، ويمكن للباحثين اعتمادها كمشاريع مستقبلية، لاستكمال بناء صرح قواعد الفقه الإسلامي على أسس من الموضوعية، لحل المشكلات والقضايا المتجددة في شتى الميادين، وفق اجتهادات وقواعد المدارس الفقهية المختلفة.
وخلصت هذه الدراسة إلى نتائج هامة نذكر منها:
* ـ بحثت هذه الدراسة في مدلول القواعد الكلية والضوابط الفقهية فوجدت أن المصطلحين قد مرّا بالتطور في الاستعمال، فبعد أن كان لا يميز بينهما كثيرا وصل التعريف إلى نوع من الاستقرار، فعُرِّفت القاعدة الفقهية بأنها «أمر كلي أو أغلبي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه» وأما الضابط فيختلف عن القاعدة الفقهية من حيث كونُه فروعا في باب واحد، بينما القاعدة تجمعها من أبواب شتى.
* - والقواعد الفقهية عند الإباضية هي ثمرة اختمار الفقه ومسائله في أذهان فقهائهم، فلا يكاد يخلو مصنف فقهي من التعرّض للقواعد تعليلا أو استئناسا بها في استدلال على الأحكام الشرعية.
* - وقد بدت عبارات جامعة في كلام فقهاء الإباضية الأقدمين والمتأخرين لها سمة القواعد الفقهية في شمولها لأحكام فرعية عديدة، وإن لم يصرحوا بها، وهي تصلح أن تجري مجرى القواعد الكلية، أو الضوابط الفقهية بعد شيء من التعديل والتصقيل في الصياغة، وهذا ما دفع بعض المتأخرين منهم إلى الاهتمام بها لتدارك النقص في هذا المجال.
* ـ ولم تكن القواعد الفقهية عندهم مجموعة في مصنف خاص بل هي متناثرة في المصادر الفقهية الإباضية من الحديث والفقه والأصول، كمدونة أبي غانم الخراساني، وجامع ابن بركة البهلوي، وكتاب العدل والإنصاف للوارجلاني، وكتاب الضياء للعوتبي، وكتاب الإيضاح للشماخي، وقواعد الإسلام للجيطالي، ثم تكثفت في الشروح أكثر من المتون لما فيها من كثرة الفروع، كالمعتبر للكدمي، ومعارج الآمال للسالمي، وشرحه للجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، ومنهج الطالبين لخميس الشقصي، وشرح النيل للقطب أطفيش، وحواشي السدويكشي وأبي ستة عمر القصبي على الإيضاح وقواعد الجيطالي. (1/317)
صفحة 315
ولعل الكتب الفقهية من أهم المصادر الأساسية التي استخلص منها فقهاء الإباضية تلك القواعد، وجمعوها في كتب مستقلة كما فعل الراشدي، أو دوّنوها معها في ملاحق لها، كما فعل البكري في كتاب النيل للثميني، وفيهم من عمد إلى الأدلة النقلية والعقلية فاستنبط منها القواعد والضوابط الفقهية، مثل قاعدة «لا ضرر ولاضرار» و «المشقة تجلب التيسير» كابن بركة البهلوي، وعامر الشماخي.
ولم يستقل فقهاء الإباضية بقواعدهم فقد استفاد بعضهم من فقهاء غيرهم في التقعيد الفقهي، وتخريج الفروع على القواعد، كالسالمي في فتاويه، والبكري في تعليقه على النيل، وفي فتاويه، ولعل من أبرزهم سفيان الراشدي، الذي تأثر كثيرا بكتاب الأشباه والنظائر للسيوطي، واتبع منهجه في التأليف، إلا أنه حرص على أن يصبغها بصبغة إباضية تميزها عن غيرها من المناهج فكان غالبا ما يأخذ الفروع الفقهية من الفقه الإباضي ويطبقها على قواعده.
أما منهج الإباضية في التقعيد الفقهي، فيعتمد أساسا على التخريج أكثر من التأصيل، فأحيانا يصرحون بالقاعدة ودليلها، كما يظهر عند ابن بركة والشماخي والسالمي، وغالبا ما يذكرون القاعدة دون شرح ولا تأصيل، ولعل السمة الغالبة في منهجهم تمثلت في ذكر الفروع الفقهية مع الإشارة إلى القاعدة دون التصريح بها، ولكنها تُفهم من السياق العام من كلامهم، فكان إسهامنا متمثلا في ردّ الفرع إلى أصله، أو التنبيه عليه، أو البحث عن الفروع المتخرجة على القاعدة في المصادر الإباضية.
ولعل مما ينبغي الاشارة إليه في هذا المقام أن الإباضية لم يهتموا بالجانب التنظيري للقواعد الفقهية، كالتعريف بها، وبيان نشأتها ومراحل تطورها، وتقسيماتها المتنوعة، وتصنيفها في مصنفات مستقلة، ماعدا رسالة ابن بركة في التعارف، وكتاب جواهر القواعد من بحر الفرائد لسفيان الراشدي، ولعل ذلك يرجع إلى اهتمامهم بالفقه العملي أكثر من النظري، ودليل ذلك كثرة الشروح، والموسوعات، والجوامع الفقهية التي جمعت فيها الأسئلة والأجوبة الفقهية، والنوازل المختلفة.
ومن خلال دراستنا للتراث الفقهي الإباضي لم نعثر على قواعد خاصة بالإباضية بالمعنى الخاص الذي حددناه في البحث، وأغلب قواعدهم كانت قواعد كلية مشهورة ومتداولة عند غيرهم، وبخاصة القواعد الخمس الكبرى، وإن وُجد اختلاف فهو في الفروع المتخرجة عليها، أما إن أخذنا بمفهوم القاعدة العام والذي يشمل القواعد (1/318)
صفحة 316
والضوابط الفقهية معا، فنجد كثيرا من القواعد انفرد بها الإباضية عن غيرهم في صياغتها أو مضمونها، وقد اهتم المحقق عبد الرحمن بكلي بهذا الجانب، فجمع معظمها في الملحق الخاص بكتاب النيل للثميني.
ويلاحظ أن الإباضية توسعوا في الأخذ ببعض القواعد الفقهية والعمل بحكمها دون غيرها، فقد خرّجوا عليها فروعا كثيرة يصعب حصرها، ظهر ذلك في القواعد التالية: «الأمور بمقاصدها»، و «المشقة تجلب التيسير»، و «الضرر يزال»، و «العادة محكَّمة» و «اليقين لا يزول بالشك»، و «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، وغيرها من القواعد الكلية، ولعل ذلك مرده إلى ارتباطها الوثيق بواقع الناس وبمصالحهم في العاجل والآجل، وعلاقتها بالمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وهذا يفسره كثرة الشواهد في هذه الدراسة.
وبعد اسقراء نصوص الفقه الإباضي تبين أن معظم الإباضية لم يطلق اسم القاعدة على الحكم الكلي الذي ينطبق على جزئياته، بل كانوا يطلقون عليها تسميات أخرى تتضمن هذا المعنى، كالأصل و الضابط، ولأجل ذلك التبس الأمر على بعض الفقهاء و الباحثين، فظنوا أن الإباضية يفتقرون إلى القواعد الفقهية، ولو أنهم رجعوا إلى مصادرهم الفقهية واستقصوها بحثا وتمحيصا، لوجدوا هذه القواعد مبثوثة في فروعهم، بتسميات أخرى، أو بإشارات معينة، مثاله قاعدة «الشرط الجائز شرعا معتبر» موجودة بلفظ قد لا يتوصل إلى معناه بسهولة إلا من مارس الفقه الإباضي، لأن لفظها في بعض المواضع هكذا «الإباحة مع عدم الشروط مخالفة لأصل الوضع».
ولعل العمل الذي قام به ثلة من الباحثين الإباضيين المتخصصين في دراسة التراث الإباضي، عقيدة وفقها وحضارة، متمثلا في معجم مصطلحات الإباضية، يُعين الباحثين على فهْم مصطلحاتهم، ويسهّل عليهم البحث عن القواعد المختلفة، وفهمها فهمًا صحيحا، حتى يكون حكمهم قائما على العدل والإنصاف، ويغدو عاملا رئيسيا في تقليص شقة الاختلاف.
وما يزال التراث الفقهي الإباضي يزخر بالقواعد الكلية والضوابط الفقهية، ولم تصل هذه الدراسة إلى استخراجها كلها خوفا من الإطناب، واستجابة لمقتضى الزمن المحدد للدراسة، ويمكن للباحثين المهتمين بهذا التراث أن يجمعوها ويدرسوها على شكل نظريات فقهية، إذا وجدوا بينها رابطة موضوعية، كالقواعد المتعلقة بنظرية العقد، والمتعلقة (1/319)
صفحة 317
بنظرية المصلحة والضرورة، والمعلقة بنظرية الحلال والحرام، والمتعلقة بالسياسة الشرعية، وإن تعذر ذلك صَنّفوها ضمن الأبواب الفقهية، كقواعد العبادات، وقواعد المعاملات، وقواعد الزواج والطلاق، وقواعد الحلال والحرام، وقواعد الميراث، وقواعد الأحكام القضائية وغيرها، وكل هذه القواعد لها فروع كثيرة متناثرة في ثنايا هذه الكتب.
وأثناء جمع القواعد الفقهية كشف البحث عن ضوابط فقهية كثيرة لم ترق بعد إلى مستوى القواعد، لأجل ذلك لم تدرج ضمن هذه الدراسة، باعتبارها خارجة عن نطاق الدراسة، ويمكن أن تجمع لاحقا وتُخصص بدراسة مستقلة، أو تُضم إلى القواعد ضمن موسوعة عامة يطلق عليها موسوعة القواعد والضوابط الفقهية، كما فعل بعض الباحثين في هذا المجال، ولعل هذه الدراسة تكون بداية محفزة لتحقيق هذه الغايات.
ولاشك أنَّ هذه الدراسة لا تقف عند هذا الحد، فسيأتي من يجمع القواعد الكلية والضوابط الفقهية عند الإباضية، ويضمها إلى موسوعات القواعد الفقهية في مختلف المذاهب، ليسهل على الباحثين في هذا المجال الاستفادة منها دون عناء يذكر، وحتى لا يتعلل من يرغب في التعرف عليها بصعوبة الوصول إلى التراث الفقهي الإباضي، الذي ما يزال يحتاج إلى دراسات علمية جادة لاستخراج مكنوناته، ولعل ما يعزم عليه المجمع الفقهي لمنظمة المؤتمر الإسلامي في مشروعه الرائد بتكليف متخصصين في الفقه، تأليف موسوعة القواعد الفقهية على المذاهب الفقهية المشهورة، سيسد هذه الثغرة، ويتقدم خطوة كبيرة في هذا المجال، لأن مثل هذه الدراسات الحديثة، والأعمال العلمية الكبيرة لا يقوى عليها الأفراد، ولأجل ذلك ينبغي أن يتبناه فريق علمي متفرغ، أو لجان علمية متخصصة، في كل مذهب فقهي، بما يحقق التكامل المعرفي، والإفادة المثلى من كنوزنا وتراثنا الفقهي.
وختمنا هذه الدراسة بفهارس عامة ومتنوعة، شملت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وخصصنا فهرسا للقواعد الفقهية والأصولية، وفهرسا للأسماء والأعلام، وفهرسا للأماكن والبلدان، وقائمة للمصادر والمراجع المعتمدة في الدراسة، وفهرسا للموضوعات.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسلما، والحمد لله رب العالمين.
- - - (1/320)
صفحة 318
رسائل جامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ قاسم بن حمو حجَّاج
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الأطروحات الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة
دراسة لعينة من المساهمات المعرفية الأكاديمية والسياسات الحكومية ونضالات المنظمات غير الحكومية
أ
أولا: بطاقة وصفية شاملة للبحث
*- نعتبر هذا البحث لبنة أساسية ضمن بناء تراكمي في مسارنا البحثي الجامعي ابتداء من بحثنا المقدم لنيل شهادة الماجستير بعنوان: «العالمية والعولمة، دراسة تحليلية مقارنة للمفهومين»، إشراف أستاذي الدكتور عبد القادر محمودي، والذي تمت مناقشته سنة 2000م، وتوج بتقدير مشرف جدا مع التهنئة والتوصية بالطبع. بحضور السادة الدكاترة: سليمان الشيخ، وبن عبد العزيز مصطفى.
*- وقد سجل هذا البحث منذ السنة الأكاديمية 2005، في قسم العلوم السياسية، بكلية العلوم السياسية والإعلام، جامعة الجزائر الثالثة، تحت إشراف أستاذي الدكتور محمد سليم قلالة. (1/321)
صفحة 319
*- ويقع البحث في حوالي 800صفحة، وفي خمس فصول، وقد استغرق العمل فيه فعليا حوالي 10 شهور كاملة، بالرغم من أنه أنجز على مراحل متقطعة، بين سنوات 2005 - 2011م.
*- أما عدد المصادر والمراجع المستخدمة فيقارب 400وثيقة، بين كتاب وأطروحة ودراسة ومقالة ورقية وإلكترونية، باللغات العربية (132وثيقة) وباللغات الفرنسية والإنجليزية (268 وثيقة).
ثانيا: إشكالية البحث
تناولنا في بحثنا هذا موضوع: «الأطروحات الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة»، من خلال عينات قصدية محددة، غير ممثلة بالضرورة لكلية الأطروحات التي أنتجتها القوى والاتجاهات الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة والنصيرة لعولمة بديلة؛ وهي أطروحات صنفناها - بعد الاطلاع الشامل عن طبيعتها - إلى ثلاث أصناف كبرى: تتمثل في:
1) - صنف المساهمات المعرفية الأكاديمية؛
2) - صنف السياسيات الحكومية؛
3) - صنف النضالات الاحتجاجية الاجتماعية للمنظمات المدنية غير الحكومية.
وبالتالي فنحن لم نزعم أننا بصدد تناول جُلَّ، فضلا عن جميع المساهمات، فدون ذلك أعمال بحثية جماعية، متواصلة.
وقد كان علينا، للإحاطة بتلك المساهمات بأصنافها الثلاثة، أن صغنا السؤال الرئيس التالي: ما هي طبيعة القوى الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة، من حيث المنطلقات والاستراتيجيات والرؤى المستقبلية البديلة؟
وقد جزأنا هذا السؤال الرئيس إلى ثلاثة أسئلة فرعية هي:
1) - أي تعريف لظاهرة «العولمة الأخيرة» يمكِّن الباحث من تصورها وتفسيرها بموضوعية، بحيث يتيسر بعد ذلك إمكان التمييز بين سيرورتها التاريخية الموضوعية المستمرة وبين أيديولوجيا القوى المهيمنة والموظفة لتلك السيرورة؛ ومنه نبرر -كعلميين وممارسين - بأن العلاقات الدولية المعاصرة - كحقل معرفي وواقع معيش - تتجه بنيويا نحو «التعولم» الدائم؟
(وقد عالجنا هذا الجزء الأول من الإشكالية في الفصل الأول). (1/322)
صفحة 320
2) - ماهي الطبيعة الأيديولوجية والاجتماعية والمصلحية للاتجاهات والقوى الناقدة والمناهضة لـ «العولمة الأخيرة» والمتطلعة لـ «عولمة بديلة»؟ (وقد عالجنا هذا الجزء الثاني من الإشكالية في الفصل الثاني).
3) - إلى أيّ مدًى ترقى الأطروحات الفكرية والنضالات العملية الناقدة والمناهضة لـ «العولمة الأخيرة» -خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة (أزمة العولمة الأخيرة) - إلى مستوى التأسيس الفعلي لـ «عولمة بديلة»؟ (وقد عالجنا هذا الجزء الثالث من الإشكالية في الفصول الثالث والرابع والخامس على التوالي).
وإن شئنا إعادة صوغ تلك الأسئلة باختصار أكثر، لقُلْنا، إننا حاولنا الإجابة على ستة أسئلة أساسية متعلقة بنقد ومناهضة العولمة الأخيرة، هي:
من ينْقد ويناهض من؟ وماذا؟؛ ولماذا؟؛ وكيف؟؛ ومتى؟؛ وبأي أثر؟
ثالثا: فرضية البحث
وللتحقق من إشكاليتنا الرئيس صغنا فرضية رئيسة، كالتالي:
«تعبر المساهمات الأكاديمية والحكومية والنضالية الاجتماعية الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة مساهمات مبكرة تبشر بميلاد حتمي لعولمة بديلة، تؤكد على قيمة عليا متقاسمة مشتركة لكافة البشرية». وكما صغنا أسئلة فرعية ثلاث لسؤالنا الرئيس، فقد كان علينا أن نصوغ فرضيات فرعية ثلاث، بحيث نتمكن في نفس الوقت من التعرف على مبررات زعمنا بتحول العلاقات الدولية المعاصرة إلى علاقات دولية معولمة، ومن ثمة نتعرف على تاريخ وطبيعة ومساهمات القوى والاتجاهات الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة وعلى تصوراتها للعولمة البديلة؛ وذلك على النحو التالي:
1) - إنه مهما تكن الزاوية التي من خلالها ندرس ظاهرة «العولمة الأخيرة» سواء كديناميكية موضوعية تاريخية مستمر أو كاتجاهات وقوى مؤيدة وناقدة ومناهضة لها، فإن النتيجة تظل واحدة، هي أن العلاقات الدولية المعاصرة بفعل تلك «العولمة الأخيرة»، ما تفتأ تتصف بصفة بنيوية دائمة هي صفة «التعولم». (وقد اختبرنا هذه الفرضية الفرعية في الفصل الأول). (1/173)
صفحة 321
2) - إن صعوبة تقديم تعريف لفسيفساء القوى والاتجاهات الناقدة والمناهضة للعولمة، هو الوجه الآخر لصعوبة تعريف كل من «العولمة الأخيرة» و «العولمة البديلة». (وقد اختبرنا هذه الفرضية الفرعية في الفصل الثاني).
3) - إن الأطروحات الفكرية والمشروعات العملية، الرامية لبناء «عولمة بديلة»، هي مساهمات غير متجانسة، لاتجاهات وقوى اجتماعية تفتقر إلى حد أدنى من الإجماع العلمي وإلى خطة استراتيجية واضحة المعالم للتغيير المحلي والكوكبي، ولذلك فهي ذات تأثير محدود في طبيعة ومسار العولمة الأخيرة. (وقد اختبرنا هذه الفرضية الفرعية في الفصول الثالث والرابع والخامس).
رابعا: مناهج البحث
وقد استلزمت تلك الصياغة للإشكالية والفرضية أعلاه منطقيا، أن نستخدم مجموعة من المناهج الكلاسيكية كالمنهج: الوصفي والتاريخي والمقارن ودراسة الحالة وشيء من الإحصائي ومن منهج البحث المبني على أطروحة. ومنه، تصدينا لاختبار صحة فرضية إشكالية البحث بأجزائها الفرعية الثلاث، كما يلي:
خامسا: هيكل البحث (خلاصات لفصول البحث الخمسة)
ففي الفصل الأول: تمكنا من التعرف على التحول الذي يشهده حقل العلاقات الدولية معرفيا، في تفاعله مع ظاهرة «العولمة الأخيرة» خلال العقود الثلاثة الأخيرة من بداية تسارع وتيرتها واتساع نطاقها.
ومن خلال استعراض جملة من الأدبيات التي تناولت بالتعريف مفهوم «العولمة» بمعناه العام والخاص، ومن خلال تعقب الأبعاد الثمانية الكبرى للظاهرة، ومن خلال أيضا التعرف على طبيعة التداخلات الدلالية بين مفهوم وظاهرة «العولمة» وكل من مفاهيم وظواهر: «العالمية والكونية والحداثة والمتربطية والاعتماد المتبادل والتكامل والتدويل والإمبريالية»، نزعم أن العلاقات الدولية المعاصرة قد باتت معولمة بالفعل، واقعا وصيرورة. (1/174)
صفحة 322
ومنه يمكن أن نجزم بأن التمييز الذي نريده في دلالة هذا المفهوم بين البعد السيروري التاريخي الموضوعي المستمر والبعد الأيديولوجي الإرادي السياسي والمصالحي قد تحقق لنا، بما يسمح لنا باعتبار مصطلح «العولمة» أحد مصطلحات العلوم السياسية والعلاقات الدولية الرئيسة؛ بل يمكن أن نضفي عليه صفة «البارادايم» المفسر لجملة من الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المحلية والوطنية والدولية، بحيث لا يمكن الاستغناء عنه في معالجة إشكاليات وموضوعات عديدة تتعلق بحقل «العلاقات الدولية المعولمة».
لذلك يتعين على دارسي العلوم السياسية وخاصة فرعها «علم العلاقات الدولية»، أن يجروا تدقيقا لتسمية اختصاصهم ويدمجوا «بارادايم العولمة» كسيرورة تاريخية موضوعية مستمرة، ضمن رؤاهم التحليلية والنقدية لكافة ظواهر الساحة الدولية المعاصرة الحاضرة والمستقبلية.
وفي الفصل الثاني: انطلقنا من ملاحظة أن سيرورة العلاقات الدولية المعولمة شهدت خلال العقدين الأخيرين صعود حركة نقدية، مناهضة للعولمة الأخيرة، تنشد تغيير العالم بحيث يكون أكثر إنصافا وعدلا وتحررا، متخذة غايتها القصوى «عالم آخر ممكن»؛ فقد تأكد لنا بعد استعراض جملة من التعريفات والتوصيفات مرورا بوقفات تأريخية تتعلق بظاهرة نقد ومناهضة العولمة الأخيرة، التي انطلقت منذ أواسط التسعينيات الأخيرة ... تأكد لنا صحة فرضيتنا الفرعية الثانية القائلة بأن الحركية العالمية الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة، ذات طبيعة فسيفسائية مركبة.
وبعد جهد استقرائي أمكننا اختصار تنوعاتها إلى ثلاثة أصناف من المساهمات هي:
1) - المساهمات المعرفية والنضالية الأكاديمية (فردية وجماعية).
2) - المساهمات السياسية الحكومية.
3) - المساهمات النضالية لنخب ونشطاء المنظمات المدنية غير الحكومية.
ثم انتقينا عينة قصدية من كل منها بغرض التعرف على طبيعة وأهمية مساهمتها النقدية والمناهضة للعولمة الأخيرة. (1/175)
صفحة 323
وقد تأكد لنا بأن جميع تلك المساهمات تتوفر على حد أدنى مشترك من التجانس في المنطلق والغاية العامة، ولكن من دون أن تعبر عن نفسها بالضرورة من خلال مشترك تنظيمي ووسائلي وخطة استراتيجية موحدة.
أما في الفصل الثالث: فقد تبين لنا بأن مساهمة الأكاديميين الثمانية المنتقون، لكل من: أمارتيا سان وجوزيف ستيغليتزوها -جون تشانغ؛ فـ: برنار نادولاك وطارق رمضان وطه عبد الرحمان؛ وأخيرا: دييترسانغهاس ومهدي مظفري ... تعبر عن شبه إجماع بأن «العولمة» كسيرورة تغيير مستمرة لحظة فارقة، غير مسبوقة في تاريخ البشرية؛ ولكنهم اختلفوا إزاء «العولمة الأخيرة» كمحتوى أيديولوجي وكإرادة سياسية مصالحية محددان.
وحيث أن بعضهم -كمظفري-لم يأخذ بذلك التمييز بين السيرورة والأيديولوجيا السياسية والاقتصادية الليبيرالية للعولمة الأخيرة، فسقط في التهوين من نتائج هذه الأخيرة على العالم بأسره وعلى الغرب ذاته؛ لأنه -في نظرنا- وقع في فخ تعميم فكرة الحتمية على ظاهرة العولمة الأخيرة كلها ولم يميز بوضوح بين: بُعدها الديناميكي السيروري الذي يتسم بقدر لا بأس به من الحتمية والتراكمية والعالمية، وبين بُعدها الأيديولوجي السياسي المتمثل في عولمة ذات طبيعة غالبة أنجلوساكسونية نيوليبيرالية، متسم بقدر كبير من النسبية والخصوصية والمؤقتية.
كما اختلف الباحثون أعلاه منهجيا من حيث اقتراباتهم النقدية للعولمة الأخيرة ومن حيث تصورهم للعولمة البديلة. كما اختلفوا من حيث درجة التفاعل الفكري والنضالي مع الحركية الناقدة والمناهضة لها.
ولكن من جهة أخرى، ورغم اختلاف اتجاهاتهم التخصصية والأيديولوجية والمجتمعية والحضارية، إلا أن مساهمة الأكاديميين أعلاه تتميز بالتقارب في إقرارهم بجملة أسباب رئيسة لأزمة العولمة الأخيرة، وإجماعهم على أنها أزمة انتقالية نسقية شاملة تتطلب من بين ما تتطلب جملة بدائل وإصلاحات جوهرية معرفية وعملية، مع ملاحظة اختلافهم -الجوهري- حول طبيعة المرجعية القيمية البديلة التي يقترحون الاستناد إليها لبلورة إجابة عميقة عن عمق الأزمة المتعددة الأبعاد للوجود البشري المعولم المعاصر. (1/176)
صفحة 324
وفي الفصل الرابع، ومن خلال تعرُّفنا على الطبيعة الأيديولوجية والاجتماعية والمصلحية للاتجاهات والقوى الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة، وعلى استراتيجيات نضالها وعلى آثارها على صيرورة العولمة الأخيرة، تبين لنا أن تلك الاتجاهات والقوى كسياسات حكومية ممثلة في تجربتي النموذجين الفنزويلي والبرازيلي، تتميز بالتقارب الجغرافي وتشابه التجربة التنموية التاريخية المرتبطة بكونها أحد نماذج التنمية المستقلة ثم أحد النماذج المتأثرة بالوصفة الأيديولوجية-السياسية النيوليبيرالية التي فرضتها القوى المؤيدة الفاعلة في العولمة الأخيرة، كما تتميز بالتنوع والاختلاف النسبي في الرؤية والوسيلة والاستراتيجية والتكتيك في تجربة معالجة الآثار السلبية لتلك الوصفة، وذلك بسبب تدخل عدة عوامل تتعلق بـ:
1) - خصائص القيادات السياسية في البلدين؛
2) - الخصائص والرهانات جيو-سياسية وجيو-استراتيجة وجيو-اقتصادية للبلدين.
3) - فضلا عن خصوصية التجربة الوطنية لكل من دولتي وشعبي فنزويلا والبرازيل.
أما في الفصل الخامس، فبما أننا سعينا من بين ما سعينا إليه إلى تأريخ ووصف وتقييم مساهمة نضالات الحركات الاجتماعية في نقد ومناهضة العولمة الأخيرة، من خلال عينة قصدية ممثلة في إسهامات كل من: جمعية «أطاك» فرنسا» و «المنتدى الاجتماعي العالمي»، فقد تأكد لنا أن «الحركتين» تميزتا بقدرة تعبوية منقطعة النظير، وأنهما اتفقتا في غايتهما القصوى وهي نشدان تصور وبناء «عالم آخر ممكن»، بينما اختلفتا من حيث مرونتهما الفكرية والسياسية في التعاطي مع فسيفساء الحركات والمنظمات غير الحكومية المنضوية تحت الحركية العالمية الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة، فقد تميزتا بأنهما ذات توجهات متفاوتة في نقدها ومناهضتها للعولمة الأخيرة، وذات الاختلاف في استراتيجيات وتكتيكات التعامل مع الخصوم الموالين للعولمة الأخيرة، وذلك حسب قوتها التنظيمية والتمويلية والتعبوية، وأيضا حسب طبيعة علاقاتهما بالفاعلين الحكوميين الصانعين للسياسات في كل بلد على حدة؛ وذلك لاختلاف طريقة تعامل الحكومات مع العولمة الأخيرة، كما تظهره تداعياتها السلبية والإيجابية عليها.
ومنه كانت الحركات الاجتماعية النصيرة في كل بلد متنوعة تنوع تلك التداعيات والاستجابات الوطنية. (1/177)
صفحة 325
سادسا: أهم نتائج البحث
وبعد هذه الحوصلة المركزة لمجمل مضمون البحث، نأتي إلى مجموعة خلاصات واستنتاجات، بين يدي هذه الخلاصة العامة لهذا البحث، وهي ثلاث:
1) - تأكدلدينا أن التغيرات الجارية في العلاقات الدولية المعاصرة، منذ نهاية الحرب الباردة، أي في ظل ما سميناه بـ «العولمة الأخيرة»، لم تنضج تفاعلاتها حتى يمكن لأي باحث أن يعطي عنها خلاصة فضلا عن أن يعطي خاتمة عنها؛ وذلك بفعل الطبيعة الزئبقية والمتسارعة والمعقدة للتغيرات الجارية؛ إلا أننا قد دافعنا في بحثنا عن مسلمة تحول العلاقات الدولية المعاصرة (كواقع اجتماعي وحقل معرفي) من مجرد «علاقات دولية» إلى «علاقات دولية معولمة».
2) - تبين أن الاتجاهات والقوى الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة تتراوح بين اتجاهات وقوى تتميز مساهماتها الفكرية والنضالية بالتركيز على نقد العولمة الأخيرة وأخرى على مناهضتها؛ وأخرى انتقلت إلى عملية بناء العولمة البديلة؛ وأخرى فضلت تأييد فكرة التراجع عن العولمة الأخير.
هكذا تأرجح ناقدو ومناهضو العولمة الأخيرة من استخدام مصطلحي إلى آخر ومن رهان تغييري إلى آخر؛ ومنه سجلنا صعوبة توصلهم إلى صيغة مثلى للنظام الدولي المعولمالأقسطاقتصاديا وسياسيا وإعلاميا؛ ومع ذلك نؤكد على أهمية المحاولات المعرفية والسياسية الحكومية والمجتمعية لصوغ نماذج لذلك النظام الأمثل في إنصافه ورفاهيته وحريته لجل البشرية والكوكب معا. ورغم تلك الصعوبة الموضوعية، إلا أن الرهان البدائلي يظل مشروعا وحاجة محتومة، بالنظر لسلبيات نموذج العولمة الأخيرة، التي تداعت عبر الحدود.
كما أنه، سواء سُمِّي التغير الحاصل في العلاقات الدولية المعاصرة «عولمة» أو «نظاما دوليا جديدا» أو «نظام ما بعد ويستفالي» أو «عولمة نيوليبيرالية» أو «عولمة بديلة»، فإن جوهر أزمة البشرية أو أزمة المنظومة الدولية المعولمة الراهنة واحد؛ وهو يتمثل في: أن فئة هامة من أطروحات الاتجاهات والقوى الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة، بالضبط كما هي الأطروحات المؤيدة للعولمة الأخيرة، لم تسلم من معضلة السقوط في (1/178)
صفحة 326
فخ المركزيات والتحيزات الثقافية والعرقية والأخذ بفكرة ثنائية البشرية (متحضرة ومتوحشة) وفكرة شعب الله المختار والتعريف الأحادي للجوهر الإنساني وللظاهرة الإنسانية والظاهرة الاقتصادية ومنها ظاهرة العولمة كسيرورة وإرادة لقوى سياسية محددة، كما لم تسلم من التورط في مزالق التوظيف السياسي والحزبي والانتخابي للحركية النصيرة للعولمة البديلة.
فمثلا: إن الذين يقولون بأن العولمة «أمركة» تكذبهم جزئيا وقائع أزمة العولمة الأخيرة، إذ أنها بالفعل متأثرة بأمريكا في حالة ازدهارها وحالة أزمتها؛ ولكنها أيضا تتجاوز أمريكا لأنها تظل سيرورة مستمرة.
ففي هذه المرحلة الانتقالية الدولية المعولمة التي يجري فيها تحول العالم إلى «عالم ما بعد أمريكا»، (انظر مثلا تقرير رامسيس2011م/ Ramses2011 الفرنسي)؛ أي نحو صوغ معالم «عولمة جديدة»، نشهد تزاحم قوى صناعية وحضارية صاعدة على ريادتها؛ ساعية بدورها -ضمن قانون التداول الدولي وربما الحضاري- لتركب تلك السيرورة العولمية، وتوظفها كما فعلت قبلها قوى أخرى كبريطانيا وأمريكا، خلال العولمات السابقة، ولكن يتوقع منها ألا تعيد إنتاج أخطاء القوى المعولمة السابقة، حتى تسمى بالفعل «عولمة بديلة» وإلا فإنها ستعرض البشرية والكوكب إلى امتحان مصيري أصعب.
3) - برغم أننا ذهبنا إلى أن العلاقات الدولية (كحقل معرفي وكواقع معيش)، أضحت معولمة بالفعل، وأن العولمة الأخيرة بالرغم من تأثيرها البين على العديد من المسلمات الدولية الموروثة عن النظام الويسفالي للعلاقات الدولية؛ إلا أنها لم تفض إلى العصف به كلية، وأن العولمة كسيرورة ليست آيلة إلى التقهقر، على خلاف العولمة كإرادة سياسية لقوى معولمة محددة طالما صبغت العولمة الأخيرة بصبغتها حتى ظُن أنها هي هي وأنها أبدية.
ومنه فإن مساهمات القوى والاتجاهات المختلفة الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة من الأهمية الفكرية والنضالية والسياسية العملية بمكان، وذلك في أفق البحث عن آفاق عولمية جديدة أرحب وأقسط وأدوم وأسعد لمعظم البشرية ولسائر الكوكب - الوطن؛ ومنه أخيرا، تأكد تباشير «فجر العولمة الجديدة». (1/179)
صفحة 327
سابعا: ما الفائدة العامة لمثل هذا البحث الأكاديمي المتخصص؟
1) - أننا مهما كنا محليين في تحركنا، فقد أضحينا معولمين بفعل حركية العولمة، ولا أحد يمكنه أن يتجاهل على الأقل من الزاوية الاتصالية والإعلامية والمعلوماتية والاقتصادية والثقافية أن يتجاهل تأثير العولمة على قيمنا وسلوكياتنا اليومية؛ ومنه فإن مسؤولتنا تزداد كلما ازداد انفتاحنا على حقائق عالمنا المترابط. فلـ «نفكر كوكبيا، ونتحرك محليا».
2) - أننا معنيون بحكم آدميتنا بما يجري في عالمنا من: حركيات معرفية وحكومية ونضالات اجتماعية، تطمح إلى تغيير العالم نحو الأقسط والأصلح والأفضل والأحدث؛ وليس لنا أن نُقصِّر في ذلك، إداركا وتحركا ميدانيا؛ وليس لنا أن نظل انعزاليين، غير مكترثين بأولئك الذين يفكرون ويعملون من كل الاتجاهات الفكرية والدينية والقارات بمصير بشريتنا، وذلك بحكم أنها تعيش يوميا حقيقة «الجوار العالمي».
3) - أن مسؤولتنا من المنظور الإسلامي الحضاري الشامل الوسطي مضاعفة، في المساهمة الإيجابية في حركية تغيير العالم نحو الأفضل والأقسط والأحدث والأصلح، حيث أن الزمن العولمي الذي تعيشه أجيالنا الحالية والمستقبلية هو زمننا الأخلاقي بامتياز، لأننا معنيون بتغيير العالم من موقع الرسالة الإسلامية العالمية، لا شك أننا جميعا متفقون على عالمنا المعاصر المعولم، يحتاج الرحمة. فأين أمة الرحمة، من الرحمة بين أبنائها، ومن واجب إشاعتها بين بني البشر كلهم؟!!
4) - إن تحديات التنمية الشاملة محليا، في ظل عولمة متزايدة للأفكار والمنتجات والخدمات ورؤوس الأموال كبيرة على جيلنا والأجيال القادمة؛ ومن ثمة، فإننا لا يمكن أن نتوقع تخطيطا وإدارة أفضل للتنمية محليا من دون أن نأخذ في الحسبان فرص ومخاطر العولمة.
5) - أن تغيير التربية والتدين والاقتصاد والبيئة والعمران ونمط الحكم أو الحوكمة، مع اهتمام خاص بتنمية متوزانة لعالم الطفولة والمرأة، ستظل أولى أولويات تلك التنمية الشاملة المستدامة في ظل العولمة.
6) - إن أصعب الملفات المرتبطة بالعولمة - في نظرنا - هو «ملف تحقيق الحوار والسلم والانسجام الاجتماعي» و «السلام الإيجابي» بتعبير العالم الألماني دييتر سنغهاس، خاصة في المجتمعات المتعددة إثنيا وثقافيا ودينيا، ومنه فإن إدارة الملف بعقلية «فرض الوحدة التنميطية» لا بعقلية «تحقيق الوحدة في التنوع»، لن تقود سوى إلى مزيد من الاحتراب والقلاقل والتشوه للمسيرة المجتمعية، محليا وطنيا وكوكبيا. (1/180)
صفحة 328
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 26 شعبان 1433 هـ / 16 جويلية 2012 م
إلى تاريخ: 28 رجب 1434 هـ / 07 جوان 2013 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخ الميلاد ... المدينة
1 ... الحاج مسعود فخار محمد بن مصطفى بن صالح ... 26 شعبان 1433 هـ ... 1992 - 11 - 01 ... مليكة ... 16/ 07/2012 م
2 ... فخار عبد الغني بن بكير بن إبراهيم ... 27 شعبان 1433 هـ ... 1989 - 08 - 09 ... القرارة ... 17/ 07/2012 م
3 ... خطاره محمد بن محمد بن صالح ... 29 شعبان 1433 هـ ... 1992 - 12 - 15 ... غرداية ... 19/ 07/2012 م
4 ... العنق عائشة بنت يحيى بن بكير ... 06 رمضان 1433 ... 1990 - 10 - 14 ... القرارة ... 25 جويلية 2012
5 ... الكيوص عائشة بنت الناصر بن محمد ... 07 رمضان 1433 ... 1993 - 03 - 28 ... القرارة ... 26 جويلية 2012
6 ... العنق زينب بنت محمد بن إبراهيم ... 09رمضان 1433 ... 1985 - 10 - 31 ... القرارة ... 28 جويلية 2012
7 ... دوادي يسين بن محمد بن حموده ... 11 رمضان 1433 هـ ... 1991 - 06 - 29 ... القرارة ... 30/ 07/2012 م
8 ... ابن صالح عز الدين بن حسن بن أحمد ... 12 رمضان 1433 هـ ... 1991 - 09 - 02 ... القرارة ... 31/ 07/2012 م
9 ... بوراس كلثوم بنت علي بن محمد ... 16رمضان 1433 ... 1995 - 02 - 07 ... القرارة ... 04 أوت 2012
10 ... بابا سيدي قاسم بن إسماعيل بن محمد ... 18 رمضان 1433 هـ ... 1993 - 03 - 31 ... بريان ... 06/ 08/2012 م
11 ... أولاد باحماني حسين بن صالح بن بكير ... 20 رمضان 1433 هـ ... 1994 - 04 - 24 ... القرارة ... 08/ 08/2012 م
12 ... سليمان بوعصبانة حياة بنت محمد بن قاسم ... 20رمضان 1433 ... 1993 - 03 - 07 ... القرارة
08 أوت 2012 (1/181)
صفحة 329
13 ... خياط عبد النور بن الحاج عيسى بن الحاج محمد ... 21 رمضان 1433 هـ ... 1993 - 05 - 17 ... القرارة ... 09/ 08/2012 م
14 ... حمدي عيسى عبد الرزاق بن الحاج بن إبراهيم ... 22 رمضان 1433 هـ ... 1993 - 10 - 16 ... القرارة ... 10/ 08/2012 م
15 ... ابن الشيخ نصر الدين بن قاسم بن إبراهيم ... 24 رمضان 1433 هـ ... 1993 - 02 - 02 ... القرارة ... 12/ 08/2012 م
16 ... ابن عمر محمد بن الحاج موسى بن بكير ... 25 رمضان 1433 هـ ... 1993 - 07 - 04 ... القرارة ... 13/ 08/2012 م
17 ... حميد أوجانه عيسى بن محمد بن صالح ... 26 رمضان 1433 هـ ... 1987 - 05 - 07 ... القرارة ... 14/ 08/2012 م
18 ... مصباح عبد الوهاب بن سعيد بن حمو ... 27 رمضان 1433 هـ ... 1991 - 06 - 20 ... غرداية ... 15/ 08/2012 م
19 ... بنوح زكرياء بن إبراهيم بن داود ... 28 رمضان 1433 هـ ... 1994 - 03 - 07 ... غرداية ... 16/ 08/2012 م
20 ... ابن الشيخ زكرياء بن يحي بن إبراهيم ... 29 رمضان 1433 هـ ... 1996 - 02 - 07 ... القرارة ... 17/ 08/2012 م
21 ... شريفي إسماعيل بن الناصر بن بكير ... 29 رمضان 1433 هـ ... 1992 - 05 - 05 ... القرارة ... 17/ 08/2012 م
22 ... منصوري عبد العزيز بن اعماره بن عمر ... 30 رمضان 1433 هـ ... 1990 - 02 - 11 ... القرارة ... 18/ 08/2012 م
23 ... محمدي جمال الدين بن قاسم بن محمد ... 02 شوال 1433 هـ ... 1994 - 11 - 01 ... القرارة ... 20/ 08/2012 م
24 ... بوعروه الحسن بن إبراهيم بن عمر ... 04 شوال 1433 هـ ... 1993 - 01 - 29 ... القرارة ... 22/ 08/2012 م
25 ... خزماطي مريم بنت عمر بن امحمد ... 23شوال 1433 ... 1983 - 12 - 22 ... القرارة ... 10 سبتمبر 2012
26 ... ملال توفيق بن قاسم بن أحمد ... 29 شوال 1433 هـ ... 1993 - 03 - 06 ... غرداية ... 16/ 09/2012 م
27 ... حجاج عبد الله بن بكير بن عمر ... 02 ذو القعدة 1433 هـ ... 1996 - 08 - 28 ... بريان ... 18/ 09/2012 م
28 ... خرفي أسامة بن يحي بن بكير ... 10 ذو القعدة 1433 هـ ... 1995 - 02 - 20 ... القرارة ... 26/ 09/2012 م
29 ... خفياني قليل حمزة بن عيسى بن الأخضر ... 12 ذو القعدة 1433 هـ ... 1996 - 01 - 16 ... القرارة ... 28/ 09/2012 م
30 ... بوعبون حليمة بنت صالح بن أحمد ... 22ذو القعدة 1433 ... 1995 - 08 - 09 ... القرارة ... 08 أكتوبر 2012
31 ... الأطرش إسلام بن إبراهيم بن عمر ... 25 ذو القعدة 1433 هـ ... 1993 - 03 - 09 ... القرارة ... 11/ 10/2012 م
32 ... علواني الحاج سليمان بن امحمد بن داود ... 01 ذو الحجة 1433 هـ ... 1993 - 06 - 27 ... مليكة
17/ 10/2012 م (1/182)
صفحة 330
33 ... بافو لولو بالحاج بن يوسف بن حمو ... 02 ذو الحجة 1433 هـ ... 1991 - 12 - 14 ... غرداية ... 18/ 10/2012 م
34 ... وعلي زكرياء بن يوسف بن عمر ... 07 ذو الحجة 1433 هـ ... 1991 - 05 - 13 ... القرارة ... 23/ 10/2012 م
35 ... الأطرش الناصر بن بابهون بن إبراهيم ... 09 ذو الحجة 1433 هـ ... 1989 - 06 - 09 ... بريان ... 25/ 10/2012 م
36 ... حاجي زكية بنت محمد بن إبراهيم. ... 20ذو الحجة 1433 ... 1996 - 12 - 05 ... القرارة ... 05 نوفمبر 2012
37 ... حمدي يوسف بن إبراهيم بن محمد ... 23 ذو الحجة 1433 هـ ... 1993 - 08 - 08 ... القرارة ... 08/ 11/2012 م
38 ... بوقرينات إلياس بن مصطفى بن محمد ... 24 ذو الحجة 1433 هـ ... 1993 - 04 - 27 ... القرارة ... 09/ 11/2012 م
39 ... حاجي زهرة بنت أحمد بن عدون ... 27ذو الحجة 1433 ... 1993 - 01 - 16 ... القرارة ... 12 نوفمبر 2012
40 ... حمدي عيسى حنان بنت محمد بن أحمد ... 05محرم 1434 ... 1991 - 04 - 17 ... القرارة ... 19 نوفمبر 2012
41 ... حدبون عيسى بن عبد العزيز بن أحمد ... 10 محرم 1434 هـ ... 1986 - 06 - 05 ... غرداية ... 09/ 11/2012 م
42 ... فخار رقية بنت عمر بن قاسم ... 12محرم 1434 ... 29 - 02 - 1994 ... القرارة ... 26 نوفمبر 2012
43 ... يوسفي باحمد بن حمو بن إبراهيم ... 13 محرم 1434 هـ ... 1993 - 12 - 21 ... مليكة ... 27/ 11/2012 م
44 ... ِبحمان أحمد بن الحاج عبد العزيز بن صالح ... 20 محرم 1434 هـ ... 1992 - 08 - 23 ... ورجلان ... 04/ 12/2012 م
45 ... الشيخ أحمد كريمة بنت الناصر بن إبراهيم ... 23محرم 1434 ... 1996 - 06 - 19 ... القرارة ... 07 ديسمبر 2012
46 ... مرموري سعيدة بنت صالح بن أحمد ... 24محرم 1434 ... 1995 - 12 - 01 ... القرارة ... 08 ديسمبر 2012
47 ... السامت علي بن إبراهيم علي ... 25 محرم 1434 هـ ... 1994 - 05 - 14 ... غرداية ... 09/ 12/2012 م
48 ... تمزغين عبد الحكيم بن حمو بن عبد الله ... 26 محرم 1434 هـ ... 1997 - 05 - 01 ... بريان ... 10/ 12/2012 م
49 ... الأطرش خالد بن صالح بن عمر ... 27 محرم 1434 هـ ... 1992 - 01 - 06 ... القرارة ... 11/ 12/2012 م
50 ... بسيس عائشة بنت محمد بن يوسف ... 29محرم 1434 ... 1992 - 10 - 05 ... القرارة
13 ديسمبر 2012 (1/183)
صفحة 331
51 ... وعلي صالح بن موسى بن صالح ... 03 صفر 1434 هـ ... 1991 - 05 - 27 ... القرارة ... 16/ 12/2012 م
52 ... الطالب وفاء بنت بكير بن داود ... 06صفر1434 ... 1992 - 12 - 19 ... القرارة ... 19 ديسمبر 2012
53 ... علواني عائشة بنت أبو القاسم بن محمد ... 13صفر 1434 ... 1997 - 09 - 27 ... مليكة ... 27 ديسمبر 2012
54 ... بلدون فافة بنت عاشور بن بكير ... 13صفر 1434 ... 1993 - 12 - 01 ... القرارة ... 27 ديسمبر 2012
55 ... محمدي لالة بنت إبراهيم بن عمر ... 19صفر 1434 ... 1996 - 03 - 17 ... القرارة ... 02 جانفي 2013
56 ... حاجي هاجر بنت مصطفى بن محمد ... 27صفر 1434 ... 1993 - 09 - 26 ... القرارة ... 10 جانفي 2013
57 ... بهون علي محمد بن عبد الوهاب بن حموده ... 28 صفر 1434 هـ ... 1993 - 06 - 28 ... العطف ... 11/ 01/2013 م
58 ... بجاح الحاج أحمد عبد العزيز بن محمود بن باحمد ... 10 ربيع الأول 1434 هـ ... 1996 - 03 - 08 ... مليكة ... 22/ 01/2013 م
59 ... بابزيز عبد الحفيظ بن علي بن الحاج إبراهيم ... 17 ربيع الأول 1434 هـ ... 1996 - 08 - 28 ... ورجلان ... 29/ 01/2013 م
60 ... كروم سليمان بن باسعيد بن باحمد ... 18 ربيع الأول 1434 هـ ... 1994 - 06 - 09 ... القرارة ... 30/ 01/2013 م
61 ... كريزو زغمومة بنت سعيد بن صالح ... 22ربيع الأول 1434 ... 1988 - 03 - 28 ... القرارة ... 02 فيفري 2013
62 ... خياط فاطمة الزهراء بنت الحاج صالح بن داود ... 26ربيع الأول 1434 ... 1991 - 02 - 01 ... القرارة ... 07 فيفري 2013
63 ... عبد اللاوي مرموري حفصة بنت إبراهيم بن سعيد ... 17ربيع الثاني 1434 ... 1996 - 08 - 21 ... القرارة ... 28 فيفري 2013
64 ... الغول قاسم بن عبد الحميد بن قاسم ... 17 ربيع الثاني 1434 هـ ... 1994 - 09 - 03 ... مليكة ... 28/ 02/2013 م
65 ... الشيخ أحمد أحمد بن قاسم بن عمر ... 25 ربيع الثاني 1434 هـ ... 1994 - 06 - 06 ... القرارة ... 08/ 03/2013 م
66 ... حميد أوجانة حليمة بنت عمر بن إبراهيم ... 27ربيع الثاني 1434 ... 1992 - 09 - 04 ... القرارة ... 10 مارس 2013
67 ... بعاج أسامة بن عبد الله بن أحمد ... 28 ربيع الثاني 1434 هـ ... 1993 - 07 - 27 ... القرارة ... 11/ 03/2013 م
68 ... ابن الناصر الناصر بن يحي بن الناصر ... 29 ربيع الثاني 1434 هـ ... 1994 - 06 - 14 ... بريان
12/ 03/2013 م (1/184)
صفحة 332
69 ... مجاهد آسية بنت مصطفى بن إبراهيم ... 29ربيع الثاني 1434 ... 1994 - 02 - 10 ... القرارة ... 12 مارس 2013
70 ... الدوادي سمية بنت بكير بن علي ... 02جمادى الأولى 1434 ... 1993 - 05 - 10 ... القرارة ... 14 مارس 2013
71 ... ابن الشيخ عز الدين بن مصطفى بن عمر ... 03 جمادى الأولى 1434 هـ ... 1988 - 02 - 26 ... القرارة ... 15/ 03/2013 م
72 ... أولاد باحماني البشير بن إبراهيم بن بكير ... 04 جمادى الأولى 1434 هـ ... 1991 - 02 - 28 ... القرارة ... 16/ 03/2013 م
73 ... حمودي رزيقة بنت سعيد بن بكير ... 06جمادى الأولى 1434 ... 1994 - 08 - 26 ... القرارة ... 18 مارس 2013
74 ... كرشوش إيمان بنت أحمد بن حمو ... 09جمادى الأولى 1434 ... 1993 - 11 - 28 ... القرارة ... 21 مارس 2013
75 ... قزول إلياس بن نور الدين بن محمد ... 10 جمادى الأولى 1434 هـ ... 1994 - 11 - 21 ... غرداية ... 22/ 03/2013 م
76 ... أوجانه زينب بنت محمد بن حمو ... 11جمادى الأولى 1434 ... 1996 - 08 - 10 ... القرارة ... 23 مارس 2013
77 ... حفار يوسف بن قاسم بن بكير ... 12 جمادى الأولى 1434 هـ ... 1997 - 10 - 11 ... القرارة ... 24/ 03/2013 م
78 ... محمدي مريم بنت عمر بن بكير ... 12جمادى الأولى 1434 ... 1989 - 09 - 08 ... القرارة ... 24 مارس 2013
79 ... الشيخ صالح عيسى بن يحي بن عيسى ... 22 جمادى الأولى 1434 هـ ... 1991 - 12 - 25 ... غرداية ... 03/ 04/2013 م
80 ... يوسفي طارق بن حمو بن إبراهيم ... 27 جمادى الأولى 1434 هـ ... 1992 - 07 - 01 ... مليكة ... 08/ 04/2013 م
81 ... بلدون زكرياء بن عشور بن بكير ... 30 جمادى الأولى 1434 هـ ... 1997 - 06 - 17 ... القرارة ... 11/ 04/2013 م
82 ... شريفي الحاج قاسم بن سعيد بن الناصر ... 06 جمادى الثانية 1434 هـ ... 1991 - 03 - 10 ... القرارة ... 17/ 04/2013 م
83 ... الوارث آمنة بنت محمد بن إبراهيم ... 07جمادى الثانية 1434 ... 1994 - 05 - 24 ... القرارة ... 18 أفريل 2013
84 ... قري فاطمة بنت بكير بن محمد ... 11جمادى الثانية 1434 ... 1981 - 04 - 20 ... القرارة ... 22 أفريل 2013
85 ... بومريقه باحمد بن موسى بن قاسم ... 16 جمادى الثانية 1434 هـ ... 1994 - 11 - 01 ... غرداية ... 27/ 04/2013 م
86 ... بوراس إلياس بن عمر بن بهون ... 20 جمادى الثانية 1434 هـ ... 1991 - 10 - 15 ... القرارة
01/ 05/2013 م (1/185)
صفحة 333
87 ... معيان أسماء بنت مسعود بن عمر ... 26جمادى الثانية 1434 ... 1995 - 01 - 09 ... القرارة ... 07 ماي 2013
88 ... حمدي عيسى مسعودة بنت عمر بن أحمد ... 28جمادى الثانية 1434 ... 1993 - 12 - 29 ... القرارة ... 09 ماي 2013
89 ... الحاج مسعود عبد الناصر بن بكير بن محمد ... 04 رجب 1434 هـ ... 1992 - 05 - 01 ... القرارة ... 14/ 05/2013 م
90 ... أبو العلا قاسم بن مصطفى بن قاسم ... 13 رجب 1434 هـ ... 1996 - 11 - 14 ... القرارة ... 23/ 05/2013 م
91 ... أولاد الحاج مسعود عمر بن عيسى بن صالح ... 15 رجب 1434 هـ ... 1992 - 11 - 03 ... القرارة ... 25/ 05/2013 م
92 ... بافو محمد بن يوسف بن صالح ... 16 رجب 1434 هـ ... 1992 - 11 - 19 ... القرارة ... 26/ 05/2013 م
93 ... معروف الناصر بن نور الدين بن بنوح ... 17 رجب 1434 هـ ... 1991 - 04 - 09 ... بني يزجن ... 27/ 05/2013 م
94 ... حمدي يسين بن سعيد بن عمر ... 18 رجب 1434 هـ ... 1992 - 10 - 05 ... القرارة ... 28/ 05/2013 م
95 ... بافو يوسف بن الحاج بن محمد ... 19 رجب 1434 هـ ... 1992 - 01 - 25 ... القرارة ... 29/ 05/2013 م
96 ... الخاطري أيوب بن محمد بن زاهر ... 19 رجب 1434 هـ ... 1993 - 01 - 10 ... زنجبار ... 29/ 05/2013 م
97 ... باي أحمد خرناش يسمينة بنت أحمد بن محمد ... 23رجب 1434 ... 1994 - 01 - 02 ... القرارة ... 02 جوان 2013
98 ... ابن الشيخ وفاء بنت الحاج بن عمر ... 26رجب 1434 ... 1994 - 11 - 02 ... القرارة ... 05 جوان 2013
99 ... مجاهد سمية بنت محمد بن يوسف ... 28رجب 1434 ... 1996 - 04 - 02 ... القرارة
07 جوان 2013
آية (1/186)