صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 18 مبوبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
دورية فكرية محكَّمة يصدرها معهد الحياة
وجمعية التراث ــ القرارة، الجزائر
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ابتداء من العدد 12
دورية الحياة
مجلة فكرية محكّمة
تصدر عن معهد الحياة وجمعية التراث
قواعد النشر:
*-تنشر دورية "الحياة " البحوث العلمية الأصيلة للباحثين من داخل القطر الجزائري ومن خارجه.
*-تهتمُّ الدورية بالبحوث والدراسات في شتَّى المجالات الفكرية والشرعية والأدبية والتراثية، شريطة أن تتميَّز بالأصالة والجدَّة، والعمق في الطرح، والأسلوب السليم، والمنهجية العلمية الدقيقة، مع الإحالة إلى المصادر والمراجع، والالتزام بالأمانة العلمية، والاعتدال في الفكر.
*-تنشر الدورية البحوث التي لم يُسبق نشرها في أيِّ مكان آخر.
*- تخضع جميع البحوث للتقويم من قِبل لجنة محكّمة، مكوَّنة من دكاترة وأساتذة يساعدهم خبراء من تخصُّصات معرفية مختلفة، وهذه اللجنة وحدها هي المخوَّلة بقبول البحوث أو رفضها.
*-لا تُعاد البحوث التي تُرسل إلى الدورية سواء نُشرت أم لم تُنشر، ولا تلتزم اللجنة المحكّمة بذكر أسباب عدم قبول نشر أي بحث، وتُعتبر قراراتها نهائية.
*-ترتيب البحوث في الدورية موضوعيٌّ وتنسيقي، ولا يعبِّر بأي حال من الأحوال عن مكانة الباحث أو البحث.
*-تُرسل البحوث مصفَّفة بنظام ( WORD) بصيغة ( DOC)، على قرص مضغوط ( CD) أو إلى البريد الإلكتروني للمجلة، مع كتابة اسم الباحث وذكر وظيفته الحالية، ورتبته العلمية. على أن لا يتجاوز عدد صفحات البحث 20 من مقاس A4 بحجم خط ( Taditional Arabic) 18، إلى العنوان البريدي:
دورية الحياة ــ جمعيةالتراث
ص، ب: 19 القرارة، غرداية، 47110، الجمهورية الجزائرية
أو أحد البريدين الإلكترونيين:
info@tourath.org ... ــــ ... ettourath@gmail.com
وللاتصال: (1/1)
صفحة 2
فاكس: 213.29.85.40.89+
www.tourath.org
ملاحظة:
*-ما تنشره الدورية لا يعبِّر إلاَّ عن الرأي الشخصي لصاحب البحث، ولا يعبِّر بالضرورة عن راي الدورية، أو اللجنة المحكمة، أو هيئة التحرير، أو الناشر.
المحتويات
الافتتاحيَّة .......................... د/عمر بن حمُّو لقمان سليمان بوعصبانة ز
في الدعوة ووحدة الأمَّة
*-أسلوبُ الاستدراج الدعوي (الجزء الأول)
أ. د/ عمرو أحمد علي التندميرتي 17
*-دَور الإفتاء في التقريب بين المذاهب الإسلامية
«رسالة عمَّان» نموذجا (الجزء الأول)
د/ علي بن مبارك 38
*-ردُّ الشبهات عن رسالة عبد الله ابن إباض إلى عبد الملك بن مروان
د/ إسماعيل بن صالح الأغبري 53
دراسات في الشريعة والقانون
*-إصلاحُ ذات البين وتجربة المجتمع الميزابيِّ الإباضيِّ في الجزائر (الجزء الثاني)
أ. د/ صالح بن عبد الله أبو بكر 72
*-صُور الحماية القانونية للأسرة في التشريع الجزائري
أ/ حمو بن إبراهيم فخَّار 93
*-مسافةُ السفر؛ دراسة مقارنة بين المذهبين المالكي والإباضي
أ/ أحمد بن صالح الشيخ أحمد 112
دراسات في الفكر والاجتماع
*-حركيَّة الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني
د/ محمد بن موسى بابا عمي 127
*-أزمة القيم في ظلِّ التعدُّدية الثقافية للمجتمع وعلاقتها بظاهرة العنف
أ/ إبراهيم بن حمو تامتلت 144
*-الأستاذ؛ العنصرُ المهمُّ في عملية التدريس الجامعي
أ. د/ إبراهيم بن بكير بحاز 166
ميزاب .. المحنة والمنحة
*-سبعُ سنبلاتٍ خُضرٍ .. ! أو فتنةُ ميزاب مقاربة من سورة يوسف - عليه السلام -
أ. د/ محمد بن صالح ناصر 176
*-الميزابيون حُماةُ لُحمة ودُعاة وَحدة
أ. د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام 191
*-رسالة الشيخ إبراهيم بيُّوض إلى الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش
بشأن جهاده الوطني، ودوافع مشاركته في المجلس الجزائري (وثيقة العدد)
أ/ محمد بن أحمد جهلان 201
أعلام وأعمال (1/2)
صفحة 3
*-الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش وجهوده الإصلاحيَّة
أ/ معمَّر بن العربي شعشوع 214
*-جهود الدكتور محمد صالح ناصر في تحقيق التراث الجزائري
عنايتُه بالتراث الإباضي وتحقيقه (نموذجا)
د/ يحيى بن بهون الحاج امحمَّد 233
*-نماذج من أسفار الشيخ عدُّون ورحلاته
أ. د/ عمر بن حمُّو لقمان سليمان بوعصبانة 248
*- «مكتبة السيِّد»؛ معلمٌ من معالم العلم والمعرفة والثقافة بسلطنة عُمان
أ/ إدريس بن بابه باحامد القراري 263
مقاربات في الأدب والتاريخ
*-قراءةٌ في ديوان «مدُّوا الأيادي نتصالح» للشاعر الأمين أحمد
أ/ مصطفى بن محمد ابن ادريسو 279
*-البابا يَجلِد ... ليُعمِّدَ علي وأحمد ... !
أ. د/ إبراهيم سعيود 295
خطبة العدد: رجال في ذاكرة الأمَّة
*- الشهيد محمد بن يحيى بن يحيى عبد الرحماني (- رحمه الله -) (1983 ـــــ 2013)
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 305
واحة الإبداع
*-تحيَّة إجلال إلى ميزاب وأبنائها الأبطال (شعر)
سعادة الشيخ هلال بن سالم بن حمود السيابي 314
*-الدينُ يعرفُهم، والشمسُ والقمرُ! (شعر)
أ/ أبو الحسن محمد بن أحمد بن سليمان الهنائي 317
*-من وحي الواقع (خاطرة)
الطالبة/ نانة بنت محمد زقاو 319
الرسائل الجامعية
*-حاشية على مختصر التفتازاني
تأليف سليمان بن عبد الرحمن الجربي (دراسة وتحقيق)
(أطروحة دكتوراه) د/ يحيى بن بهون الحاج امحمد 321
*-أصولُ الشرعية السياسيَّة وتطبيقاتها المعاصرة
دراسة تأصيلية فقهية نقدية مقارنة في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية
(أطروحة دكتوراه) د/ صالح بن بشير بوشلاغم 331
أهلُ الله وخاصَّتُه
*-المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1434 ــــ 1435/ 2013 ــــ 2014) 344 (1/3)
صفحة 4
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الافتتاحية
بقلم: د/ عمر بن حمُّو لقمان سليمان بوعصبانة
مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربيَّة
جامعة نزوى ــ سلطنة عُمان
ا
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد النبيِّ الأمين؛ أمَّا بعد:
فمن الشرف لي أن أستجيب لطلب إدارة «مجلَّة الحياة» الرائدة، فأصوغ افتتاحية هذا العدد الطيب؛ فمجلَّة الحياة أصيلةٌ نابعةٌ من معهد الحياة العريق، الضارب مجدُه في التاريخ، فهو مُنشئُ الأجيال، وكان ولا يزال القلبَ النابض لميزاب والجزائر، وامتدَّ أثره إلى العالم الإسلاميِّ فقد رفع أبناؤه بنود العربيَّة والإسلام عالية، ونادوا إلى وحدة الصف والغاية السامية، فكان النبعَ الصافي حينما غارت الينابيع، ومربِّي الأجيال حينما كان الاستدمار يسعى للتغريب والمسخ والتنصير.
وفي هذا العدد «الثامن عشر» يطالعنا محتواه بمجموعة من المواضيع، تنحى في مُجملها ـ كعادة المجلة ـ إلى إبراز الأصالة الإسلاميَّة؛ فمن مواضيع تربويَّة فكرية تبتغي الرشد في الفرد والأمَّة، إلى تنبيه لأساليب الدعوة إلى الله، إلى إبراز السيَر العطرة للمشايخ والأعلام العاملين، إلى مواضيع تحثُّ على إصلاح ذات البين، وتشدُّ على وحدة صف المسلمين، والتقريب بين المذاهب، وتحديد المفاهيم والمقاصد، وغيرها من المواضيع المهمَّة في الثورة والأدب والتاريخ والسياسة والاجتماع. وفي الحقيقة فإنَّ مواضيع هذا العدد كلُّها مهمَّة، يُنصح بقراءتها والتأمُّل فيها، فقد شارك بها نخبة من المشايخ الأجلاء، والدكاترة والباحثين الفضلاء، بل ومن الطلبة والطالبات، الذين يحملون جميعًا همَّ إشاعة الفضيلة، وإنشاء جيل يهتمُّ بالتأسِّي بأهل العلم والفضل والوحدة الإسلامية. (2/1)
صفحة 5
إنَّ «مجلة الحياة» بتعدُّد روافدها، وتنوُّع أقلام الكتَّاب فيها، وفسيفسائية الآراء والأفكار التي يقوم عليها بناؤها، تؤكِّد ـ بما لا يَدَعُ مجالا للشَّكِّ ـ بأنَّ سياسة القائمين عليها لم تكن يومًا منزوية أو منطوية في الفكر والمكان، بل إنها ما فتئت تجسِّد شعار «جمعية التراث» الأثيل، وهي تحمله بفخر واعتزاز منذ أن سجَّله الشيخ علي يحيى معمَّر النفوسي بماء الذهب: «المعرفةُ والتعارفُ والاعترافُ»، فتجد تجسيده في هذا العدد، بُعدًا فكريًّا وَحدَويًّا وطنيًّا، بل وامتدادًا حواريًّا نقديًّا دوليًّا، من خلال مقالات الكتَّاب من ميزاب ومن أرجاء الجزائر الطيبة: أدرار، والشلف، وباتنة، وغرداية، والجزائر العاصمة، ومن خارج الوطن تجد كذلك حضورًا قويا من: سلطنة عُمان، وتونس، وليبيا، وتركيا ... وغيرها.
غير أنَّ هذا النسق من التفكير المنفتح الراشد لم يُنسها واقعها المحلِّي «الميزابي}، فلم تكُفَّ عن الشعور بمأساته، وتحليل معطياته، ومحاولة إيجاد الحلول لمعضلاته، فمع ما استجدَّ من أحداث أليمة في تلك الربوع الغالية أجد نفسي كذلك مُلزمًا بتوجيه حديثي في هذه المقدمة إلى موضوع أعدُّه قطبَ الرحى ومربط الفرس ـ كما يقال ـ؛ فلو وعى المسلمون قيمته لتوحَّدت جهودُهم، ولكوَّنوا درعًا واقيا يحمي حمى الإسلام والمسلمين، ولكنَّنا نسجل بأسى وأسف أنَّ التنابزُ صار ديدنُ كثيرٍ منهم، وصارت الأقوال والأفعال لا تخضع لمبدأ التمحُّص والتبيُّن والاعتدال، فآثرت الكلام عن «مسؤولية الكلمة».
فإليك أخي المسلم في كلِّ مكان من العالم هذه الهمسة في أذنك، وبتأييدك لها ستتحوَّل بإذن الله إلى صرخة قويَّة توحِّد المسلمين، وإلى صعقة تزلزل أقدام المستدمرين وأذنابهم من المرجفين المفتنين .. تهزُّ عروشهم، وتقوِّض منابرهم، فتتهاوى وتتساقَطُ تساقُطَ أوراق الخريف في كلِّ أنحاء العالم.
ــــــــ مسؤوليّة الكلمة ــــــــ (2/2)
صفحة 6
نحن الآن نجرِّد أقلامنا، لنكتب بها عبارات تَخْلُد بعدنا أعوامًا وعقودًا أو قرونا، نُحاسَب عليها، وعلى كلِّ آثارها، أسلبيَّة كانت أم إيجابيَّة، أو كانت كلامًا فرواها عنَّا غيرُنا، ثمَّ تحوَّل هذا الكلام إلى كُتب، أو فقرات في ثنايا مواضيع تُعمَّر ما دامت تلك الكتب أو الفقرات.
فأمَّا الكلمة الطيبة فلها أثرها الطيِّب، تؤدي إلى ربط الأواصر، فتولد لُحمةً تعم البوادي والحواضر، وتوادًّا وتراحمًا وإحسانًا غير حاسر ... أمَّا الكلمة الخبيثة الخاطئة فتؤدِّي إلى حكم ظالم على المتكلَّم فيه، وتدوينُ ذلك الحكم بالكتابة يؤدِّي إلى ديمومته وتناقُله عبر الأجيال، وعدمُ التحرِّي فيه يؤدِّي إلى تكريسه، وتشرُّب النفس به واعتقاده، فيتحرك الغافل على مقتضاه، فيظلم ويعتدي قولا وفعلا مجاوزا مداه، فينال بذلك الفتَّانُ ـ ومن ورائه الشيطانُ ـ بغيته ومُناه.
أيمكن أن يكون كل هذا لكلمة يقولها الإنسان؟ بلى، ألم يسمع هؤلاء قول الرسول الأكرم: «رُبَّ كَلِمَةٍ لاَ يُلْقِي لَهَا الرَّجُلُ بَالاً تَهْوِي بهِ في النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، وقد روى الربيع بن حبيب في مسنده عن أبي عبيدة س قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبلُغَ مَا بَلَغَتْ، فيَكْتُبَ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبَ اللهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ». (2/3)
صفحة 7
هذا الوعيد إذا كان الناقل حاطب ليل، وعلى طبيعته التي اعتاد عليها في نقل الأخبار دون تريُّّث أو تروٍّ. فكيف بمخترعٍ للإشاعات، ومروِّج للفتن والصراعات، قصد إيهام الناس وتضليلهم؛ لاسيما إذا كان ممن تعمَّم العمائم، فتصدَّر المجالس، وارتقي المنابر، أو علَّم الأجيال، أو ممن يثير العامَّة والخاصَّة بما يكتب من مقال ... فلا يهنأ له بالٌ إلاَّ إذا رأى لكلمته الأثر الذي يتوق إليه فكرُه السقيم، من نار تشتعل في ديار الإسلام، فيشبَّ لهيبُها وتأتي على الأخضر واليابس، فتُنتَهك الحرماتُ، وتُداسُ كرامة الأحياء والأموات، ولا يهمُّه بعد ذلك إن هُدَّت عمارة أو أبيدت حضارة ... ينتصر لرأيه مهما كانت آثارُه، ويأتي بالمبررات والشواهد بلَيِّ أعناق الآيات الكريمات، ويسخِّر لمآربه الدنيئة الأحاديث الضعيفة، وما اندسَّ في التاريخ من الروايات، في خطب رنَّانة، وكلمات مؤثرة طنَّانة .. تُوهم الجاهل الغافل بأنَّه على الحق المبين، فتجعل العاصي المعتدي «مجاهدًا» في سبيل رب العالمين، وأنَّ خصمه المعتَدَى عليه «عدوَّ» الله اللعين ... ! فكيف لا يكون حكم هذا الصنف المتكلِّمين أشدّ من الصنف الأوَّل الذي قال كلاما ولم يُلقِ له بالاً؟
لقد سارت الركبان في القديم بكلام خدم ركاب الحكَّام، فكم من حاكمٍ عبر التاريخ اتَّخذ له بطانة من المؤرِّخين، يلفِّقون له ما يمجِّدُه، إن صدقا وإن كذبا، وفقهاء يستحلُّون أفعاله، فيقدِّمون له الفتاوى وفق مزاجه ورغباته! فيُظهروا معارضيه بمظهر العصاة البغاة المعتدين، ويجرِّمون من عصى أمره حتى وإن سلب هذا الحاكم المال وسبَّ الآل، وجلد الظهر وشرب الخمر ... ! ومع كل ذلك فنادرًا ما نجد فقيها أو مؤرِّخا من هؤلاء تاب بعد موت من انتصر له أو بعد انهزامه؛ فتبيَّن أنه ما كان ليخالف ضميره لولا الخوف من البطش، أو الطمع في الجاه والمال. (2/4)
صفحة 8
هنا يظهر أنَّ «الكلمات» التي شاعت من القديم لها موجاتٌ متتالية يشعر الوارث لها بالعار إن عاكسها وهو في وسطٍ محيط به، وفيه من يتَّهمه بالخيانة والانحياز. فمن قول بغير حق، إلى حكم بالضلال ـ زورا وبهتانا ـ إلى قول شرس بالتكفير، وصولا إلى استحلال الدماء والأموال وانتهاك الحرمات والأعراض ... هكذا تلد الكلمة الخبيثة الآثمة وتفرِّخ في كلِّ عصر ومَصر! (2/5)
صفحة 9
ولتوقيف آثار هذه الكلمة الآثمة، نحتاج إلى رجال مؤمنين ذوي قلوب سليمة، لا تكتفي بالشعور بالحق وقوله فحسب، بل تقوله وتفنِّد المزاعم الباطلة الصادرة من أيِّ ظالم كان، حتى ولو كان من شيعته وذويه، يقول الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، إذ ذاك يسود الوئام، ويخرج المخطئون من الظلم والظلام، فيستغفرون لما بدر منهم من آثام، ويتوبون عن المزاعم ويردُّون المظالم، وهم بلا شكٍّ أوَّل من سيستفيد ويسعد. وتُنزع ـ بإذن الله ـ شجرة الشوك الخبيثة، وتُغرس بدلها شجرة الإحسان الطيِّبة، التي أصلُها ثابت وفرعها في السماء، مصداقا لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)}. (2/6)
صفحة 10
وكيف، بربِّك، ونحن نسمع التُّهم تُوجَّه اليوم إلى من لم يولد من بطن أمِّه بعدُ! ولم يقرب الحدث لا زمانا ولا مكانا؟ إنَّه لَمنطقٌ عَجَبٌ! إنَّه منطق التخوين والتكفير الذي جعل بلاد الإسلام كلَّها في أتون، وعلى فوهة بركان خطير، بينما العالم الغربيُّ الذي أباد أبناءه في حروب عالمية مدمِّرة آلى على نفسه إرساء السلام فسعد به، وأشعل نار الفتنة بين أناسٍ كانت أعظم كلمة لديهم هي: «الله أكبر» فتحوَّلت إلى أشدِّ الكلمات ترعيبًا؛ يسمعها الطفل، فيستيقظ مذعورًا؛ لأنَّ في زاوية من زوايا شارعه «مسلمٌ» أشهر السلاح في جوف الظلام في وجه أخيه المسلم، والإسلام منه براء بصحيح قول الرسول الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الملاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ وَإنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ»! (رواه مسلم).
ومن العجب أن تخرس ألسنُ الدعاة وأولي الأمر عن قول الحقِّ، والنهي عن المنكر والظلم؛ فكيف تلقى الله وقد يكون بسبب سكوتِها حدوثُ انتهاكاتٍ للأعراض! واستحلالٍ للدماء! وتخريبٍ للممتلكات! وإفسادٍ للحرث والنسل! أليس السكوتُ عن المنكر شبيه الإقرار به، أو هو الإقرار نفسه؟
ولقد سجَّل التاريخ أنَّ من عُلوِّ الهمَّة أن يمجِّد مؤرِّخٌ أفعال قوم أخلصوا عملهم لله، وأقاموا أوَّل دولة إسلامية تنشر العدل في ربوع المغرب الأوسط والأدنى، وقد تسرَّب كرهُهم إلى قلبه بكلام الأوائل والأسلاف، فداس على ما تسرَّب إلى قلبه من الحقد بما رسخ في ضميره من حبِّ الحق، فأراح قلبه بإظهار حسنات من يكرهُهم لما شهد من الحقِّ، فمات مرتاح الضمير، وسائر الخلق عنه راضون. (2/7)
صفحة 11
أيُّها المسلمون الطيِّبون ـ في ميزاب الغالية وفي مشرق الأرض ومغربها ـ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} فيجتمعوا على كلمة سواء، فينبُذُوا العنفَ، ويوحِّدوا الصفَّ، ويُوقفوا النزيف الذي طال أمدُه ومداه ... ؟
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)}
صدق الله العظيم، وبلَّغ نبيُّه الكريم، والحمد لله رب العالمين.
نزوى، سلطنة عُمان
الثلاثاء 20 رجب 1435هـ/ 20 ماي 2014م
(محمد) ألا بذكر الله تطمئن القلوب (محمد) (2/8)
صفحة 12
أسلوب الاستدراج الدعوي
- الجزء الأول - (*)
أ. د: عمرو أحمد علي التندَمِّيرتي
كلية الآداب جامعة الزاوية ــــ ليبيا
suliger_m80@yahoo.com
ت
(1) تقديم:
__________
(1) (*) - نظرا لطول البحث ـ على أهميته ـ فإنَّنا نعتذر للقارئ الكريم بأن نقسِّمه إلى جزأين، ففي هذا الجزء الأوَّل سوف يتناول المؤلف العناصر الآتية: تحديد مصطلح الاستدراج الدعوي لغويا وبلاغيا، واستعراض أهمِّية الاستدراج الدعوي، ثم عرض أسلوبين من أساليب الاستدراج: «المحايدة القولية»، و «الإبهام والتسوية». وسيتمَّ نشر الجزء الثاني في الأعداد القادمة بحول الله، وسيتناول بقية أساليب الاستدراج الدعوي: «المباهلة والإدماج»، و «الصبر والمجاهدة»، و «الاستدراج الإعراضي»، و «الاستدراج العملي»، ثم مقارنة قرآنية بين منطق القوَّة ومنطق الحكمة في الدعوة، فخاتمة للموضوع. (هيئة التحرير). (3/1)
صفحة 13
أمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرابة ثلاثة وعشرين عامًا يدعو إلى الله على بصيرة هو ومن اتبعه، يبشر بالكلمة الطيبة والفعل الجميل، وما كان له في ليله ونهاره، حِلّه وترحاله، من عمل يشغله أو همّ يقضُّ مضجعه الطيب الكريم سوى الدعوة إلى الله، ولقد اضطرته في غضون هذه المسيرة المباركة طبائع الجاهليين من أرباب المصالح والنفوذ وتأبّي المتحجِّرين من القابضين بأذيال العوائد والعادات إلى أن يدفع أذاهم ويرد كيدهم بما يملك من قوة تمكّن الناس من دين الله وتفسح أمامهم الطريق المستبين، فقد أُذن له في مرحلة ما بعد الهجرة بدفعٍ مشروط (1)، دفاعا وتأديبا، فكان عدد السرايا التي سيَّرها النبي - صلى الله عليه وسلم - قرابة سبع وأربعين (47) سرية، والغزوات التي غزاها سبع وعشرين (27) غزوة (2)،
__________
(1) - يقول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)}، القرآن الكريم، البقرة:190ـ 193.
(2) - الطبقات، ج2: 3 .. (3/2)
صفحة 14
إلاَّ أن أيام القتال في حياة الرسول كلها لم تتجاوز في مجمل التقديرات ستين يوما (60) أو نحو ذلك، من حوالي ثمانين و مئتين وثمانية آلاف يوم (8280)، مجموع سنوات الدعوة الميمونة، اختار منها التاريخ والمؤرِّخون على اختلاف مشاربهم ومحطاتهم الزمانية والمكانية الأيام الحربية (1)، ليجعلوا منها محور الحديث ومدار الأحداث، فتأصَّل في ذاكرتنا التاريخية الاستثناءُ، وتهمَّشت أصول السيرة النبوية العطرة، بعيدا عن الإمساك بتلك الروح التي تلهم ذلك المدار وتحرك ذلك الحدث، وخارج التوظيف الحقيقي والواعي لمساقات تاريخ الدعوة الرحيمة، هذا هو الشعور الذي أحس به وأذكره متألما كلما رأيت نزوع الناس إلى المظاهر التي قد تغلب عليها مسالك الشغب والشعارات، واعتسافُ بعضهم في حمل الآخرين معهم في ما يرونه سفينة «النجاة» بإصرار كثيرًا ما يقبع وراءه شهواتُ الانتقام المكبوتة ودوافع ذاتية تبحث عن انتصار مفقود، وهذا هو ما جعلني أحاول بجهد المُقلِّ الضعيف ـ حقيقة لا تواضعا ـ أن أقف عند سمة هي في حقيقتها أصل الفضائل والسمات في رسالة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ألا وهي سمة الرحمة، يقول تعالى بأسلوب الحصر البلاغي: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (2)، وقد تجلت هذه الرحمة في أسلوب وَسَم حياته الدعوية كلها السلوكية منها والقولية، ما جعل غيره من الأساليب التي قد تضطره إليها بعض المقامات استثناء عزيزا، هذا الأسلوب هو ما عرف عند البلاغيين بأسلوب الاستدراج الحكيم.
بين يدي المصطلح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) - أيام القتال الحقيقية أقلُّ من هذا العدد بكثير، فجل السرايا كانت استطلاعيَّة لم تشهد أي قتال يذكر.
(2) - القرآن الكريم، الأنبياء: 106. (3/3)
صفحة 15
أسلوب الاستدراج من ألطف الأساليب البلاغيَّة وأقربها إلى رحمة الإسلام وروحه، لو التفت إليه أهل الصناعة البيانية التفاتة خاصَّة ـ التفاتة مَن مقصده العمل لا التنظير وحسب ـ لكان له رصيد تاريخي أكثر تميّزاً وحضوراً في دفع حركة التبليغ إلى آفاق إنسانية أرحب وأوسع، على أصعدة الخطاب الإصلاحي كلِّها، الديني منها والسياسي والاجتماعي، فهو منهجٌ نبويٌّ كريم، قاربته السنَّة النبوية المطهرة مقاربة إنسانية حكيمة، وألمحت إليه في كثير من المواقف الدعوية إلماحاً بليغا. ولقد أرتنا سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في واحد من مواقف الاشتباه ـ التي تشتبه فيها الجواهر بالمظاهر والأصول بالهوامش ـ كيف يكون انتصارُ النفس الإنسانية الكبيرة على كبرياء الجاهلية الخادع، وعلَّمتنا في لحظة من لحظات الارتباك البشري كيف تسمو تلكم الذات النورانية المحمدية الرحيمة على خُلَّب الأنَفَة الكاذبة وأوهاق العزَّة الزائفة، وذلك يوم وقَّع النبي محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وثيقة الهدنة المباركة: «صلح الحديبية». (3/4)
صفحة 16
الاستدراج مذهبٌ قرآني أصيل، كثير من آيات الذكر الحكيم تؤكد دروج الأنبياء على هذا السبيل النبيل، وتؤصِّل مشروعية تبني هذا المسلك المسالم العزيز في شعاب الحياة كلها، وترشد إلى هذا الخيار ـ ما أمكن المكان وأتاح الزمان ـ سلوكاً إنسانيا راقيا، يوجِّه خطاب المسلمين بعضهم إلى بعض، ويقود مقاربتهم مع الآخر في غير ما ذلة أو هوان أو انكسار، وأظن ظناً أنَّ الخطاب العربي الإسلامي قد خسر كثيرًا، وأصابه غبن عظيم عندما اكتفى بتوجّه المنهج البلاغي في أدبياته توجّهاً تنظيرياً محضًا، وراح يحاصر تفاصيل تقعيدية جافَّة، أثقلت كواهل علم البيان والبديع، ونحا بأدوات العمل المعرفي منحى التقسيم والتشعيب الافتراضيين، حتى إن أحد علمائنا الأجلاء أحصى للجناس اثني عشر قسمًا (1)، فأشرفت بعض جوانب هذا العلم الوسائلي على أن تكون صناعة ترفٍ علميٍّ مفتعل، لا أداةً من أدوات التبليغ الناجعة، فانبتَّت بذلك الصلة الحميمية التي تصل بين التنظير والتبشير في كثير من جوانب الحياة العمليَّة عن المقاصد الأولى لهذا العلم، وغفل المعنيُّون بأمر الخطاب الدَّعَوي وقضاياه عن الاحتفال بواحدٍ من أبرز الملامح القرآنية والنبوية المشرقة في حقل الدعوة ومخاطبة الآخر.
__________
(1) - خزانة الأدب وغاية الأرب، شرح عصام شعيتو، دار مكتبة الهلال، بيروت، ط2 (1991) 54 ـ 100. (3/5)
صفحة 17
يسعى هذا البحث إلى أن يزيح جانبا من لثام الغفلة عن هذه الوسيلة البلاغية المهمَّة، ويوجِّه إليها وعي القارئ الكريم، لعلَّ نفوسنا تستعيد كثيرا من توازنها الخطابي الذي افتقدته بسبب ازدحام الأولويات في ذاكرتنا اليومية، واندفاعها وراء النظرة الظاهراتية القريبة التي تتعجَّل قطف الثمار بيديها، ولعلَّ نفراً ممن أُوتوا ملكة الإبداع يسهموا ـ عندما تواتيهم فرص الاقتراح ومناسبات الإنفاذ ـ في تقديم أسلوب الاستدراج فنّاً أصيلا من فنون التعامل، وسياسة رشيدة من سياسات التواصل مع الآخر في شتى الوسائط الإعلامية الحديثة، ويعملوا جاهدين مع ذوي الاختصاص التشريعي على بلورته أداةً من أدوات الحوار المكينة التي يؤمَّل لها أن تؤدِّي دورها ـ كما كان زمن الرشد النبوي ـ في حكمة وتعقُّل وفطانة، ويتمُّ توظيفه واستحضاره الدائم في خطاباتنا ومشاعرنا ومسالكنا، بعيداً عن تشنجات الغافلين وتهريج العابرين.
تحرير المصطلح لغوياً
ـــــــــــــــــــــــــــــ (3/6)
صفحة 18
الاستدراج لغةً من التدرُّج في الأمر، وهو أن تقاربه درجة بعد أخرى في أيِّ اتجاه كان، ومنه قيل للصبي «إذا دبَّ وأخذ في الحركة: دَرَجَ، ودرج الشيخ والصبي يدرُج درجا ودرجاناً ودريجا فهو دارج: مشيا مشياً ضعيفا ودبّا» (1)، ويقال: «استدرجت الناقة ولدها إذا استتبعته بعدما تلقيه من بطنها» (2)، ويقال: درج إذا صعد في المراتب، ومن المعاني الأساسية لمصطلح الاستدراج اللغوي لفُّ الشيء في الشيء وإدراجه فيه، فيقال للشيء: «درَجْتُه وأدرَجْتُه ودَرَجَهُ وأدْرَجَهُ: طواه وأدخله» (3)، و «أدرج الكتاب في الكتاب: أدخله وجعله في درجه، أي في طيِّه» (4)، ويقال: «درَّجت العليل تدريجا إذا أطعمته شيئا قليلا، وذلك إذا نَقِهَ حتى يتدرَّج إلى غاية أكله» (5)، ويقال: استدرجه، أي «أخذه قليلا قليلا ولم يباغته» (6).
من هذه المفاهيم اللغوية الأساسية الأولى لمادة «دَرَجَ» يتبين أن الاستدراج في عمومه ومجمله هو الاقتراب من الشيء خطوة خطوة، بغية الوصول إليه أو توصيله إلى ما يراد توصيله إليه بطريق المسالمة والمداراة اللينة التامة، دونما دفع شديد أو تدافع عنيد حتى تُختصر المسافة الفاصلة بين المستدرَج وما يستدرج إليه، وتذلل الصعاب القائمة بين الطالب والشيء المطلوب، ومن ثَم يتم التداخل والتواصل بينهما في يسر ولطف، يمكنان الطرف الثاني من الإفادة مما يقدمه الطرف الأول.
__________
(1) ـ محمد بن مكرم بن علي ابن منظور، لسان العرب المحيط، ترتيب يوسف خياط، دار الجيل، بيروت (1988) مج. 4، 62 ـ 963.
(2) ـ المصدر السابق.
(3) ـ المصدر السابق.
(4) ـ المصدر السابق.
(5) ـ المصدر السابق.
(6) ـ المصدر السابق. (3/7)
صفحة 19
وأبرز ما تجدر ملاحظته في هذه المفاهيم اللغوية الأولى هو معاني الشفقة ودلالات الرحمة، تتجلَّى واضحة بيِّنة في مختلف مظاهر الحياة: في استدراج الناقة التي ترعى حداثة ولدها وافتقاره إلى الخبرة، وفي استدراج الصبي الصغير وما يُحاط به من حنان أسري يرعى عجزه وطراوة عوده، وفي استدراج الشيخ وما تتطلَّبه شيخوخته من احترام وتوقير يحفظان حاجاته الإنسانية وكرامته الآدمية، وفي استدراج المريض وما يستدعيه من عناية واهتمام يرحم ضعفه وهشاشة بدنه، إلى آخر ما في هذه المذاهب والمسالك الاستدراجية، من دلالات الشفقة التي تستجيب لهذا الضعف البيِّن، وتحنو على عجز الجميع، والرحمة التي شملت الصغير والكبير، ووسعت الإنسان والحيوان (1).
تحرير المصطلح بلاغياً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يعرِّف ضياء الدين بن الأثير، وهو من أوائل (2)
__________
(1) ـ وهكذا تحتفظ اللغة العربية ـ لغة القرآن الكريم ـ بفطرتها الأولى، وتتجلى فيها الرحمة الواسعة في أصل معاملاتها، فتشير ـ بعيدا عما لحق بها من سوء فهم وتوجيه «مُسَيَّس» ـ في ملمح إعجازي عظيم إلى قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، القرآن الكريم الأنبياء: 107.
(2) ـ يقول محيي الدين الدرويش: «قد شاء ضياء الدين بن الأثير الذي استخرج هذا الفن أن يغير على فضل الزمخشري، فنسفه برمته ونسبه إليه»، إعراب القرآن، دار اليمامة، بيروت، ط9 (1999) مج.4: 611.
والمتأمل في فصل الزمخشري يجده حقا يقول كل ما قاله ابن الأثير وزيادة، إلا أنه لم يجترح له اسم «الاستدراج»، فهو يتحدث عن حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه، وكيف أنه رتّب كلامه «في أحسن اتساق وساقه أرشق مساق، مع استعماله المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن، منتصِّحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا»، ويقول عنه أيضا: «ثم ثنّى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا، فلم يَسِم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق»، (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، مط. البابي الحلبي، القاهرة، ط. الأخيرة، (1960، 510)، وليس الاستدراج كما سنرى إلا هذا الأسلوب الدعوي الراقي الذي أطنب الزمخشري في وصفه، فهو بحق ـ وإن لم يسمه باسمه ـ أول من انتبه إليه ونوَّه بفضيلته. (3/8)
صفحة 20
من التفت إلى هذا الأسلوب التفاتة أدبية واعية، واجترح له هذا الاسم الاصطلاحي، فيقول: «هو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام الأفعال» (1)، ومنه يأتي تصرُّف «الكاتب في استدراج الخصم إلى إلقاء يده» (2)، والتدرُّج به «إلى الإذعان والتسليم» (3)، هذا هو التعريف الذي وضعه ابن الأثير يحدِّد به المعالم الرئيسة والدلالات الجوهرية للمصطلح الذي اجترح له اسم «الاستدراج»، بيد أنه تعريف جانبته الدقَّة ويعوزه بعض التمييز، ويتطلَّب شيئا من التوجيه والاحتراس، لما فيه من تشاكل لفظي قد لا يسوغ جانب منه ما لم نحسن الظن في وسم هذا الأسلوب من فن الاستدراج بالمخادعات، وإحسان الظنِّ فيما ذهب إليه ابن الأثير من قوله: «مخادعات» يتأتَّى من حقيقة أنَّ دلالات «المخادعة» في اللغة تفيد معنيين اثنين:
__________
(1) ـ ضياء الدين ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تح. أحمد الحوفي وبدوي طبانة، مط. نهضة مصر، القاهرة (1960) قس.2: 260.
(2) ـ المصدر السابق.
(3) ـ المصدر السابق. (3/9)
صفحة 21
1 ـ أمَّا المعنى الأول لمفهوم المخادعة فهو اصطلاحي عُرفي، يفيد إظهار خلاف ما يخفيه الخادع، قصد إرادة المكروه بالمخدوع وختله (1)، وبذلك يكون هذا النوع من المخادعات استدراجا مغشوشًا فاسدا في وسائله لفساد مقاصده، يسلك مسلكا غير عادل ولا منصف ولا سويٍّ، لأنَّ الرحمة ـ وهي إحدى أبرز دلالات الاستدراج اللغوية ـ قد انتُزعت من مقوِّماته في هذا السياق، فهو في هذا السياق يتمحور حول ذلك الروغان البلاغي مما يمارسه رجال من ذوي الحنكة السياسيَّة، وأضرابهم الذين يصانعون عن أصول المسائل وجواهر الأمور، بنقل الحديث إلى حواشي براقة وهوامش خلاَّبة ليست من هموم الخصم في شيء (2)، ولا هي في حقيقة الأمر مما يُختلف فيها معه، وإنما هو تلطُّف ظاهري «للمعنى الحسن حتى تهجِّنه وللمعنى الهجين حتى تحسِّنه» (3)، وهذا من باب الحق الذي يراد به الباطل، كالحديث الذي جرى بين الحسين بن علي ومعاوية بن أبي سفيان في شأن ولده يزيد، فقد قال معاوية ردًّا على الحسين: «أمَّا أمُّك فاطمة فإنَّها خير من أمِّه، وبنتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير من امرأة من كلب، وأمَّا حِبِّي يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة لما رضيت، وأمَّا أبوك وأبوه فإنهما تحاكما إلى الله ورسوله فحُكم لأبيه على أبيك» (4).
__________
(1) ـ ابن منظور، المصدر نفسه، مج.2: 98 ـ 799.
(2) ـ «الخصم» في هذا البحث بمعنى المقابل في الرأي، والمخالف له، والمغاير في النظرة، والآخر على أي مستوى كان، بغضِّ النظر عن العداوة من عدمها، أمَّا أمرُ استقامة رأيه من عدمه فيتحدد بسياق الحديث.
(3) ـ أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر، تح. علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا (1986) 427.
(4) ـ ابن الأثير، المصدر نفسه، 264. (3/10)
صفحة 22
يعقِّب ابن الأثير على هذه المراوغة الأدبية السياسية بقوله: «وهذا الكلام من معاوية كلَّما أمررته بفكري عجبتُ من سداده، فضلا عن بلاغته وفصاحته» (1)، ولقراءة هذا التعقيب قراءة متأنية تضعه في سياقه المناسب ينبغي التفريقُ بين جوانبه البلاغية وبين جوانبه الموضوعيَّة، فأمَّا بلاغته وفصاحتُه فذلك أقلُّ ما يمكن أن يوصف به كلام رجل من فصحاء قريش وبلغاء العرب، وواحدٌ ممن يعرف بالتحلُّم والملاينة إن لم يكن أكثرهم تحلُّما ودهاءً في السياسة، وأمَّا سداد كلامه فهي وجهة نظر لا أظنُّها تستقر على كفَّة عدل أو ميزان حقٍّ، فكلام معاوية هذا جميلٌ في مسالكه خُلَّب في مظاهره، ولكنه متهافتٌ في جوهره، ولا أدري كيف فات ابن الأثير أن يشير إلى ذلك التهافت الذي لا يقود حجاجه إلى مفصل المقصد من كلِّ حوار، لولا الولوع المتراكم بمسائل التنظير الخارجي، والإلحاح على الجوانب التقعيديَّة بعيدًا عن الحقائق الموضوعية، ما جعل الوسائط البلاغية تنفصل عن وظائفها الأخلاقية، فالعبرة كان ينبغي أن تظل دائما موصولة بمقاصد من يُنشئ الحديث وغايات من يبدأ الحوار، نشدانا لحقيقة يطلبها، أو انتصافا لقضية ينازع فيها، والحسين - رضي الله عنه - لم يكن في هذا السياق ينازع معاوية مفاضلة أُمٍّ على أُمٍّ، أو محبَّة والدٍ على محبَّة آخر، أو شيئا من ذلك ـ وإن كان كلُّ ذلك صحيح في حق الحسين - رضي الله عنه - ومفهومٌ من حقائق التاريخ وسياقات الأحوال ـ ولكن ما كان ينازعه فيه حقاً إنَّما هو المؤهلات الروحيَّة، وما في حكمها كالهجرة والجهاد، وغير ذلك من الاستحقاقات السابقة التي ترشِّحه لولاية المسلمين وقيادتهم، وهو مناطُ الحكم في هذه القضيَّة كما يقول الأصوليُّون ومدار الحديث وجوهره (2).
__________
(1) ـ المصدر السابق، 465.
(2) - لو خطر على قلب ابن الأثير أن يبحث عن إنصاف معاوية لاستشهد له بمسلك حلم سياسي آخر كان قد استدرج فيه عبد الله بن الزبير في موقف يعدل ما كان يمكن أن يراق فيه من دماء معركة كادت أن تستحثَّها فورةُ شبابٍ متوثِّبِ العزيمة، فاستبعدتها حكمة الشيوخ ورؤيتها النافذة، إنه موقفه الاستدراجي الحليم الذي سوَّى به خلافا بينهما في شأن مزرعة بالمدينة، فقد كتب ابن الزبير إلى معاوية في دمشق يتوعده قائلا: «أمَّا بعد يا معاوية إن لم تمنع عبيدك من دخول أرضي وإلاَّ كان لي ولك شأن»!، فلما قرأ معاوية الرسالة قال لابنه يزيد: «ما ترى؟ فقال له يزيد: لتنفذن إليه جيشا أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه، فقال معاوية بل عندي يا بنيَّ خيرٌ من ذلك، وكتب إلى ابن الزبير: «وقفت على كتابك يا حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وساءني ما ساءك، والدنيا هيِّنة عندي في جنب رضاك، وقد كتبت على نفسي رقيما بالأرض والعبيد وأشهدت علي] ما [فيه، ولتضف الأرض إلى أرضك والعبيد إلى عبيدك والسلام»، فجاءه الجواب من ابن الزبير يقول فيه: «وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فلا عدم الرأي الذي أحلَّه من قريش هذا المحل والسلام»، عباس محمود العقاد، العبقريات الإسلامية: معاوية ابن أبي سفيان، مج 4: 258 - 259. (3/11)
صفحة 23
2 ـ أمَّا المعنى الثاني لمفهوم المخادعة فهو لغويٌّ بحت، يفيد أنَّ غاية ما تهدف إليه المخادعة الكلاميَّة هو غضُّ الطرف مؤقَّتا عن بعض الجوانب والحقائق الموضوعية في أمر ما، وتأخير طرحها ومناقشتها حتى يتسنَّى للمستقصَد بالخطاب الالتفاتُ المطمئنُّ إلى منشئ ذلك الخطاب أو مُلقيه، وبهذا يكون مفهوم المخادعة هنا من باب استجازة اللفظ لتشاكل الألفاظ وحسب، فيجري على الثاني ـ مما ليس مرادًا ـ ما لا يصح في معانيه طلباً للتشاكل لا غير (1)، و «الخدع إخفاء الشيء» (2)، ويكون في هذا السياق آنياً مؤقَّتاً، دونما إضمار لمقصد سيِّء أو نيَّة آثمة توهم بما لا تفي به عند الإذعان لها، وبهذا المفهوم اللغوي البحت وحده يمكن أن يكون مصطلح «المخادعة» مفهومًا تشاكليا بريئا محايدًا لا يحمل أيًّا من الأبعاد الدلالية التي تستدعي المعايبة أو الانتقاص.
__________
(1) ـ ابن منظور، المصدر نفسه، 98 ـ 799.
(2) ـ المصدر السابق، 98 ـ 799. (3/12)
صفحة 24
بهذا يتَّضح أنَّ تعريف ابن الأثير يتحتَّم توجيهُه إلى هذا المعنى الأخير عندما يقارب الأمر آيات الذكر الحكيم وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أي نشاط استدراجي يترسَّم معالم هذين الرافدين في خطابه، فلا يُراد بتعريف ابن الأثير المخادعات بمعناها الأوَّل إلاَّ عند معالجة بعض الأساليب المراوغة في كلام محترفي السياسة المغشوشة كما رأينا، أمَّا إطلاق مصطلح الاستدراج على أسلوب المخادعات القولية هكذا على عمومه ليشمل جميع الأقوال فلا يمكن التسليم به، ولا يسوغ تبنِّيه، لأننا نربأ بكلام الله تعالى وهدي رسوله الكريم عن أن يوسما بمغالطات الأحاديث و «مخادعات الأفعال»، وغير ذلك مما يوحي به هذا التعبير من دلالات التمويه، وما يلقيه من ظلال الغشِّ والحيلة ذات المقاصد الفاسدة والنوايا غير النزيهة، ومن هنا ينبغي تمييز حيادية هذا المصطلح الذي لا يحمل أيَّة دلالة من الدلالات التي يخفيها من يسيء مفهوم الاستدراج فيزيغ به إلى جوانبه الدنيا من معنى المخادعات، تماما كما هو الأمر مع جملة من المصطلحات التي تصلح بصلاح المقاصد وتفسد بفسادها (1).
__________
(1) ـ هذا هو في الواقع شأن جملة من المصطلحات القرآنية التي لا تقرأ إلا في سياقاتها التي تجعلها تتَّسق مع دلالاتها المقصودة، كالمكر: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} القرآن الكريم، ص:45، والخداع: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}، القرآن الكريم، النساء: 142، والكيد: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا}، القرآن الكريم، الطارق:15ـ16، والنسيان: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا}، القرآن الكريم، الأعراف: 50، والسيئة: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}، القرآن الكريم، الشورى: 40، والعقاب: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} القرآن الكريم، النحل: 136، والنفس: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}، القرآن الكريم، المائدة: 116. (3/13)
صفحة 25
تنوُّع الأساليب الاستدراجية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يقدم القرآن الكريم نماذج إنسانية راقية من حوارات الرسل والأنبياء عليهم السلام، يسلكون فيها من المسالك الحسنة في مخاطبة أقوامهم الذين استقصدتهم رسالاتهم السماوية ما تتقاصر اليوم دونه دعاوَى القوم في الإنصاف والموضوعية والمسالمة، وغير ذلك من منظومات الرفق بالحيوان وجماعات حقوق الإنسان، فالمتأمِّل في ثنايا هذه الحوارات القرآنية البديعة يجد أنَّ المخاطِب القرآني (الرسول ونحوه) كان يقدِّم دعوته التي يتوجَّه بها إلى مخاطَبه المخالف (قومه ونحوه) في أسلوبٍ يمتاز بالأدب الجمِّ واللطف الجميل، ويتأسَّس على حقائق هي ـ عند من تسعفه اللحظة الحوارية الهادئة بالالتفات إلى فطرته الأولى ـ من مُسَلَّمات العقل التي لا مناصَّ للمتلقي من تمييزها والإذعان لها في عقله وتفكيره. (3/14)
صفحة 26
هذه الدعوات المرتكزة على حقائق الفطرة وبداهات العقل ينحو بها أصحابها منحى مقاربات بيانيَّة، تسعى في إخلاص جاهد وحرص أمين إلى إسلاس مقاد المخاطَب الخصيم وتذليل جموحه في ملاطفة حكيمة ليِّنة، يُستدرَج بها ليعود بذهنه ويلتفت بعقله في هدوء مركز إلى الأمر الذي يُدعى إليه، فيراه ولو لفترة وجيزة على حقيقته مُسلَّمة واضحة وحقاً أبلجَ، وأمر المسلمة الواضحة والحق الأبلج ما لم يُحتل له بمثل هذه الأساليب قد لا تتأتَّى للآخر المحاصَر في أغلب أحواله رؤيته كما هو في حقيقته، لما يكون قد انسدل دونه من أستار تخفيه، وتراكم حواليه من غبش رؤيوي يحجبه، ولما شبَّ عليه المستقصد بذلك الخطاب من أحكام مسبَّقة مهمتها استبعاد كلّ ما يخالف معتقداته الموروثة، ويغاير أنماط حياته المعهودة الرتيبة، فتعمل هذه الأحكام على تحصينه بمناعات اجتماعية وعُرفية تقف في وجه الرأي الآخر الذي لا يريد المستقصد بالخطاب سماعه ولا يُراد له ذلك حتى لا يتأثّر به (1)، وهذه الأساليب القرآنية التي تُتَّبع في استدراج الناس إلى الحقِّ يقدِّمها القرآن الكريم في إطار منهجي عامٍّ، يتدرَّج ويتنوَّع وفق ما تمليه المناسبات وتقتضيه المقامات، وحتى تتَّضح مظاهر هذه المنهجية الأصيلة وتستبين ملامح هذا الأسلوب المتأدِّب الراقي رأيتُ أن تتمَّ مناقشته تحت عناوين تبيينية.
أولا: أسلوب المحايدة القولية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) - لقد سجل القرآن الكريم اعتراف المشركين أنفسهم بذلك، قال الله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ}، القرآن الكريم، فصلت: 4. (3/15)
صفحة 27
لا تتجلَّى حيادية الأسلوب الاستدراجي (1) كما تتجلى في حوارات سيدنا نوح عليه السلام وخطابه لقومه (2)،
__________
(1) - إذا كان هناك ما يمكن وسمه حقًّا «بالحياد الإيجابي» بعيدا عن أية مضاربة سياسية ومتحررًا من كلِّ تهريج فكري فإنه هذا الأسلوب الرباني من محاورات الرسل والأنبياء الذي لا يستبطن في ثناياه نفعًا يجرُّه لهذا المعسكر أو ذاك، ولا يميل به الهوى البشري لشرق الأرض أو غربها، وإنما هو أحمال الإنسانية وأثقالها، كيف تنجو من عذاب الله وسخطه وكيف تلقى رحمته وتنال رضاه.
(2) - إن ما قد يبدو في ظاهره من قسوة في دعاء نوح عليه السلام يجب أن يوضع في سياقه العام، إذ لم يكن دعاؤه على قومه لأنهم كانوا كافرين وحسب، وإنما لأنهم تفانوا في محاربة الدعوة والكيد لها والوقوف في وجهها، وقد صابرهم ألف سنة إلا خمسين، ما جعله عليه السلام يحمل همّ الدعوة لا في لحظته الراهنة وحسب، وإنما يفكر في أمر استمرارها من بعده، فقد ملكت الرسالة عليه قلبه ونفسه وكل مشاعره، فأطلق ذلك الدعاء القاسي خشية على الدعوة ومستقبلها لا تشفيًّا من قومه، بدليل قوله: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}، القرآن الكريم، نوح: 29 .. (3/16)
صفحة 28
إنَّ تفاصيل قصَّته معهم في رحلته الدعويَّة الطويلة تبيِّن إلى أيِّ مدى من مديات العناد والجموح يصل الجمود والإعراض ببعض النفوس، وتوضح بجلاء مستبين كيف ينزلق بها الوهم الثقيل وهوس التحصُّن الزائف من مخاطر غير المألوف إلى مظاهر من العبثية واللامعقول، يقول الله تعالى في وصف قوم نوح - عليه السلام -: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} (1).
__________
(1) ـ القرآن الكريم، نوح: 6 ـ 7. (3/17)
صفحة 29
هذا نموذج قرآني حيٌّ، يرسم صورة من صور التأبِّي الغريبة ومشهدًا من مشاهد التعنُّت الشديد، يحدو بأصحابه إلى مسلك هزليٍّ ساخرٍ عجيبٍ يرفض حتى مجرَّد الاستماع لما يُلقى إليه من هدي وبيان، فلا يجد قوم نوح عليه السلام من وسيلة تسعفهم للتعبير عن ذلك الرفض المسبق إلاَّ أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم، مبالغة من هذه النفوس المتأبِّية في إظهار النفور، ولقد جاء التعبير بالأصابع ويراد به الأنامل على طريقة المجاز المرسل لعلاقة البعضية إظهاراً لحرص هؤلاء على «سدِّ المسامع بحيث لو أمكن لأدخلوا الأصابع كلها» (1)، وقد جعلوا ثيابهم غشاءً يغطون به عيونهم حتى لا يروا سيدنا نوح - عليه السلام -، إمعانا منهم في التعبير عن كراهيتهم لكلامه، وفي ذلك ملمح نفسي دقيق يشير بوضوح ارتباك القوم ومخافتهم من أن يؤثِّر فيهم هذا الكلام الجديد ولو بمجرَّد النظر في ملامح وجه هذا الرسول الكريم التي قد تشدُّ بقدسية أنوارها وصدق تعابيرها انتباه بعض النفوس التي لم تفقد بعدُ فطرتها (2).
__________
(1) ـ محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية (1984) ج. 29: 195.
(2) ـ هذا هو ديدن المتأبين والمعاندين في كل زمان ومكان ومع كل دعوة حقٍّ تهدد مألوفهم، فقد حكى القرآن الكريم قول أئمة الكفر من قريش لأتباعهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}، القرآن الكريم، فصلت: 26. (3/18)
صفحة 30
لنقف هنا بشيءٍ من التفصيل نتأمَّل بعض جوانب هذه الصورة التي يعرضها القرآن الكريم في أكثر من سياق ومناسبة، لنرى كيف يُقابل نوح - عليه السلام - هذا النمط من القوم الحراد الرافضين، إنَّه يعمد - عليه السلام - في تبليغ رسالته إلى منحى من الخطاب المترفق بهذه النفوس المحاصَرة، داعيا إياها في أسلوب من الكلم الطيب والحكمة البالغة والمسلك الحميد دون أن ينال عنادهم من عزمه وحسن موعظته، يتجلَّى ذلك في تدرجه الهادئ الحكيم الذي امتدَّت أنفاسه إلى ما يقارب من ألف سنة من محاولات الاستلطاف والتليين لقلوب هؤلاء القوم الجامدين، وترويضهم على الاستماع إلى الرأي الآخر المخالف لما ورثوه من معتقدات علَّ قلوبهم القاسية تلين وتنشرح لما تسمع، يقول الله تعالى واصفا حوار نوح الراقي مع قومه: (3/19)
صفحة 31
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33)} (1)
__________
(1) ـ القرآن الكريم، هود: 25 ـ 33. (3/20)
صفحة 32
هذا موقف استدراجيٌّ رصين، لا يكاد يمسُّ في أي من جوانبه الحوارية معبودات القوم المستقصَدة أصلاً بالنكير، فضلا عن أن ينال من ذواتهم الشخصيَّة أو أن يستفزَّ شيئًا من كبريائهم المتضخِّمة، فانظر إلى هذا الطرح الذي يقدم قضيَّة الإيمان الكبرى ـ أخطر قضايا الإنسان ـ في آيتين محكمتين تتسمان بالوضوح والرقة والإيجاز: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}، ومع هذا الوضوح والإيجاز والبيان يحرص نوح - عليه السلام - في أسلوب قرآني بديع على تأكيد أنَّ ما يقدمه لهم لا يراد منه في واقع لأمر إلاَّ مصلحتهم وفائدتهم، فقد استعمل لام الملكية «لكم» التي يتطلَّبها سياق الحكمة، وقدمها على النذارة التي تهدف إلى نجاتهم وفوزهم الحقيقي لالتفات النفس بطبيعة غفلتها إلى المغنم القريب قبل المغرم البعيد، ثم لا يقف به المقام عند هذا الضغط التوكيدي على مصلحتهم، وإنما يمضي معهم في هذا المسلك من تهدئة عواطفهم وتليين قلوبهم فيذيّل ذلك بتذكيرهم بأنَّ ما يملأ قلبه ويمتلك عليه مشاعره إنَّما هو حرصه الصادق على مصائرهم الأخروية: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}، والخوف على الآخر لا يكون إلاَّ من قلب تملأه الرحمة والشفقة، ومع ذلك نجد قومه ـ لتمكُّن الأعراف والعادات من نفوسهم ـ يقابلونه بردٍّ متجهِّم مراوغ يتَّخذ من الأسلوب الاستفزازيِّ منهجًا ومركبا، يتدرَّج من جواب أقلّ ما يوصف به أنه ردّ «باردٌ» يتمثَّل في رفضهم إياه لأسباب واهية وحجج مفتعلة: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا}، إلى معاذير تهريجيَّة، تعمد إلى تجاهل أساس القضية وتخرج بالحوار من بؤره وأصوله إلى هوامشه وفضوله: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا}، ثم تستبدُّ بهم عزَّة الإثم، ولحظة الكبرياء: {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ}، ويسعون كالموتورين في إصرار مستميت إلى (3/21)
صفحة 33
إنهاء الحوار، وقطع أيِّ نوع من العلائق التواصلية التي كان سيدنا نوح - عليه السلام - يمدّ أسبابها بأسلوبه الحكيم، فيعمدون إلى اتهامه سفاهة بالكذب، {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}، قاصدين بذلك دون شكٍّ استثارة غضبه واستفزاز مشاعره، وباحثين عن معاذير هم أعرف الناس بزيفها ووهنها.
لكن ما كان من سيدنا نوح - عليه السلام - ـ وهنا يأتي دور الاستدراج وأهمِّية توظيفه ـ إلاَّ أن يتحلَّى بالصبر الجميل والحكمة البالغة، ويعاود محاولة رفع الغشاوة عن عيونهم، والتقليل من هياجهم ونفورهم، فيتوجَّه إليهم بهذا النداء الشفوق الرحيم: {يَاقَوْمِ}، وأداة النداء هذه على وجه التحديد تُستعمل للمنادى البعيد، فقد فطن سيدنا نوح - عليه السلام - إلى أنَّ قومه قد تاهوا في مجاهل الغفلة، فمدَّ صوته بهذه الياء، علَّها تقرع أسماعهم، فَتَمْكُنَ منهم التفاتة من غفلتهم السادرة وضلالهم البعيد، ثم يتدرَّج في أسلوبه الحكيم، فينسب نفسه إليهم، ويؤكد انتسابه إليهم، قوم (ي) (1)، فهو يعاود محاولة ردم ما كانوا يحاولون حفره من إحن مصطنعة، ويؤكد لهم أنه وإياهم من طينة بشرية واحدة، فاستمسك بهذا النداء يكرِّره دونما ملل في كلِّ نفس جديد يتوجَّه به إليهم، ثم يردُّ عليهم رداً لطيفا حكيما، يعود فيه بالحوار إلى جوهره، قائلا لهم بطريق الإشارة والإلماح إنَّ عقولكم كان ينبغي أن تقودكم إلى التفكُّر فيما لو كنت على بينة من ربي، فهل يُلام من اتَّبع بينة استبانت له! ويلاحظ أنه لم يقل في هذا السياق «ربي وربكم»، لأنه إنما كان يسعى إلى توجيه عقولهم إلى أصل القضية، فلم يكن من الحكمة في شيء أن ينسب إليهم في هذا المقطع من سياق الحوار ما لم يعترفوا به بعدُ، فيغدو مظنَّة لإثارة حفائظهم التي يعمل على تهدئتها ليتمكنوا من رؤية ما ينبغي رؤيته.
__________
(1) ـ ياء المتكلم المضاف إليها محذوفة. (3/22)
صفحة 34
ثم نلاحظ في هذا السياق الاستدراجي الذي يلامس القلوب ولا يُنفِّرها، ويمتلك المشاعر ولا يستثيرها، أنَّ نوحاً - عليه السلام - عندما ذكر العماية التي تحول بين النفس الجموحة وبين رؤية الحق آثر بناء الفعل للمجهول: {فَعُمِّيَتْ} (1)، ولم يشأ أن ينسب العماية إليهم مباشرة، وهو ما حقَّق له موضوعية الخطاب في أرقى صورها، ثم إنه بدا وكأنما يلتمس لهم بذلك بعض المعاذير بأنَّ ما كان يمنعهم إنما هو مجموعة الظروف المحيطة التي ـ وإن جاز للداعية أن يتفهَّمها ـ لا تبرر لهم هذا الخمول العقلي الذي يسند ركونهم إلى مألوف غير راشد. ثم يشير سيدنا نوح - عليه السلام - في إعجاز بياني رائع إلى ضرورة التفرقة بين سلوك منهج الاستدراج فيما لا يمسُّ ثوابت القضيَّة وأصول الأخلاق في حدِّ ذاتها وبين التزام الداعية إياه فيما لو جرى فيه بعيدًا لنال من بعض هذه الأصول والثوابت، وحتى يقطع أيَّ أمل قد يداعب كبرياء قومه في إمكانية تعاونه معهم في طرد من وسموهم بـ «الأراذل» سارع إلى توضيح موقفه الأخلاقي الثابت من أتباعه المؤمنين: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا}، ويسم قومه بالجهل الذي هو في هذا السياق ظلمٌ ناشئٌ عن تهوُّرهم واندفاعهم في الحكم على قناعات غيرهم والحجر على حرياتهم (2).
__________
(1) ـ في رواية قالون {فَعَمِيَتْ}، بالبناء للمعلوم، وفي كلتا الروايتين لم ينسب العماية إلى نفوسهم وإنما نسبه إلى شيء خارجي.
(2) - الجهل لغة هو الغليان الذي يجعل المياه تتقلب وتفور، فيندفع ما كان ساكنا في قاع القدر متوثبا في حركة سريعة وغير منضبطة، ثم استعير اسماً لكل سلوك متهور، ثم نقل على وجه أخص للتعبير عن غياب الحقيقة المعلوماتية التي لو تريث المعني بإدراكها وأعمل فكره قليلا بعيدا عن عواطفه وأحكامه المسبقة لأدركه، ثم توسع فيه حتى صار نقيضا للعلم بمفهومه الواسع، انظر: شرح كتاب الحماسة لأبي القاسم زيد بن علي الفارسي، تح .. محمد عثمان علي، دار الأوزاعي، بيروت، ج.3 (1982)، ولمزيد من التفصيل انظر أيضا:
The Structure of the Ethical Terms in the Quran, by Izutsue, Tokyo,1959. (3/23)
صفحة 35
هكذا يواصل سيدنا نوح - عليه السلام - استلطافه واستعطافه لقومه، ويبلغ في مخاطبتهم غايات بعيدة من الاستدراج الصادق، حتى إنَّه من أدبه وحرصه على هداهم لَمَّا أراد تخطئتهم فيما ذهبوا إليه من تقييم لأتباعه عبَّر عن ذلك باستعمال قياس الأولى، فقال: «يا قوم من ينصرني إن طردتهم ... ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين»، لقد أكَّد الجملة التي تنسب إليه الظلم بـ أنّ المؤكدة وحرف الجزاء ولام الابتداء، وتُرجع النظر مرَّة بعد أخرى في هذا الأسلوب الرباني من حوار سيدنا نوح - عليه السلام - فلا تجد فيه كلمة تنبو عن ذوق القوم، بله الذوق العام، أو كلمة تجرح المشاعر أو تستفزُّ الكبرياء أو تحيد عن العلمية والموضوعية بمفهومها الراقي الأصيل. وعلى الرغم من لجاجة القوم وتماديهم فإن نوحاً - عليه السلام - لم يخطر له ببال أن يرى في الأمر ما يدعوه إلى الحديث عن «عزَّة» الدين مثلا أو «كرامة» الرسل ـ ولا أكرم منهم في دنيا البشرـ، أو مواقف الثقة بالنفس، أو الحق الذي عنده وحده ـ وكلُّ ذلك عنده حقا وحقيقة ـ ولكنها الرحمة والبحث المخلص عن سبل هداية البشر بفتح القلوب وكسبها. (3/24)
صفحة 36
ومن الآيات التي يجمل تمثُّلها في سياق الجدل الحكيم تلكم التي تتحدث عن قصَّة رجل آل فرعون الذي سلك في حواره مع قومه مسلك الإقناع الموضوعي، واتَّبع سبيل الملاطفة الحسنى، مؤسِّسا دعوته على منطق الدليل الموضوعي والحجَّة المستبينة التي تخاطب عقل الخصم لتستدرجه بلطف ورأفة إلى الحقيقة الواضحة. يقول تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} (1).
__________
(1) ـ القرآن الكريم، غافر: 82. (3/25)
صفحة 37
هذا أسلوب استدراجيٌّ يزاوج مزاوجة لطيفة بين منطق الحكمة وحسن الموعظة، تأمَّل هذا الاحتراس الذكي في قول الرجل المؤمن في شأن موسى - عليه السلام -: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ}، فهو يخاطب خصومًا ألِدَّاء أخذتهم اللدادة إلى أن يتجاوزوا حدود الحوار وألاَّ يقفوا عند حقِّهم في القبول أو الرفض، وإنَّما أخذتهم عزَّة فرعونية جعلتهم يفقدون كلَّ وسيلة غير القتل، فسلك معهم مسلك اللطف والرَّوية حتى يخفف من هذا الغرور الذي اعتراهم ويحدَّ من هذا الإعراض الجارف الذي تمكَّن من نفوسهم، علَّه ينال منهم بعض التفاتة، وقد أراهم الحدود الموضوعية للحوار، والتزم معهم الحياد الكامل في الحكم بينهم وبين خصمهم الذي لم يُبعد عنه ـ من حيث الظاهر ـ احتمال تهمة الكذب إبعادا كاملا، ثم تأمّل قوله وقد أحس منهم شيئا من الانعطاف: {وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ}، فقوله هذا الذي ساقه في أسلوب الشرط الاحتماليِّ لم يمنعه من مراعاة نفسيَّة المخاطبين، فخفَّف من وطأة التهديد بالعذاب الذي قد ينتج عن صدق الرجل (موسى - عليه السلام -)، وهو العذاب الأليم الذي يعدهم به، فقال: {يَعِدُكُمْ}، وهو على يقين تام من صدق وعد الله ووعيده الذي سوف يتحقَّق كما أنذرهم به موسى - عليه السلام - عاجلا أم آجلا كاملا غير منقوص (1).
__________
(1) ـ انظر الزمخشري، المصدر نفسه، ج.3: 423. (3/26)
صفحة 38
ومما يجاري هذا المسلك الحكيم في التزام الموضوعية وعدم استثارة الخصم قول سيدنا موسى - عليه السلام - رداً على تكذيب قومه في سورة القصص: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} (1)، نلاحظ أن سيدنا موسى - عليه السلام - ـ كما هو الشأن مع المرسلين جميعا ـ يحاول أن يحارب الفكرة الخاطئة ما أمكن الأمر ذلك، بعيدًا عن أشخاص معتنقيها، وكلَّما انفصلت الفكرة عن الأشخاص وذواتهم أمكن لأصحابها النظر إليها بكثير من الهدوء والموضوعية، ففي قول موسى عليه السلام {رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ} استدراج نفسي ومدخلٌ لطيف إلى عقل الخصم يُسمعه ـ على غير ما كان يتوقع ـ خطابا دعويا مسالما، فهو يتَّسم بالإنصاف ظاهرًا وواقعا، ويتَّشح بالحكمة التي تضع الخصم أمام أمر لا يمكن اللجاجة فيه كثيرًا، لأنَّ إرجاء الحكم وإعادته إلى إله لا ينكر الخصم ـ إذا ثبتت ألوهيته ـ عدله المطلق أمرٌ ليس فيه ما من شأنه أن يستفزَّ نفوس الخصم أو يستثير حفائظها، وبخاصَّة إذا لاحظنا أن موسى - عليه السلام - لم ينسب إليهم ما لم يعترفوا به، كما أنه قال: {مِنْ عِنْدِهِ}، ولا يمكن الاختلاف على أن مَن جِيء بالهدى {مِنْ عِنْدِهِ} هو أعلم به من غيره.
ثانيًا: أسلوب الإبهام والتسوية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) ـ القرآن الكريم، القصص: 36 ـ 37. (3/27)
صفحة 39
قد ينحو الاستدراج منحىً إبهاميًّا، يعمد فيه مُنشئ الخطاب إلى التسوية الظاهرية بينه وبين مخاطَبه المعاند الجحود، فكثيرًا ما يضع الداعية الرأيين المتضادَّين في سياق واحدٍ ويعيد فيه الأمر إلى حَكَم عدل، ويتَّبع في عرضه أسلوبًا فيه من الإبهام ما يُلقي بظلاله على الرأيين كليهما معًا، رأي الداعية الذي يدعو إليه ـ وهو أمر بيِّن الصدق في واقع التحقيق ـ ورأي خصمه الذي يراد دفعه ـ وهو أمر بيِّن البطلان في فكر الداعية ـ غير أنَّه لا ضيرَ على صاحب الحقِّ من أن يُسوِّيَ ـ على طريقة الاستدراج ـ بين الرأيين، فيبهم وكأنَّه في لحظة من اللحظات ما يزال شاكًّا يبحث عن الأصلح منهما ليستدرج خصمه ليسلس له شيئًا من مقادة عقله، فيُلقِيَ هذا الثاني بظلال شكِّه المسبق على ما يقوله الداعية على رأيه هو أيضًا، من باب العدوى الداخليَّة للتماثل النفسي اللاشعوري، وهنا تحصُلُ الخطوة الأولى في رحلة المقاربة الدعويَّة، وهي التفات المدعوِّ إلى قول الداعية، بحثًا عن الحقيقة وانتصارًا للرأي في حدِّ ذاته، وليس انتصاراً لصاحب هذا الرأي أو ذاك، وهو أمر نفسيٌّ مهمٌّ في هذه المرحلة المبكِّرة من عملية التبليغ، وما أوتي الحق في كثير من ساحاته وشعابه إلاَّ من انتصار أصحاب الحق ـ دونما شعور منهم ـ لأنفسهم وذواتهم لا للحقِّ الذي يحملون وعنه ينافحون. (3/28)
صفحة 40
يقول الله تعالى موجِّها رسوله الكريم محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلى مثل هذا الطراز من أسلوب الحوار التدريجي الاستفهامي اللطيف: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} (1).
__________
(1) ـ القرآن الكريم، سبأ: 24 ـ 26. (3/29)
صفحة 41
إنَّه لمن نوافل القول البلاغيِّ أن نقرأ في مثل هذا النظم الحواري المعجِز جملةً من المحسِّنات البديعية كتجاهل العارف (1) واللفِّ والنشر (2) والكلام المنصف وغير ذلك من نكت البيان وفذلكات البديع، إلاَّ أنَّ الذي يدعو إلى وقفة متأنية وتأصيل آكد، وبخاصة في عصرنا المزدحم بمختلف الشبهات «الثقافية» هو تلكُمُ الروحُ التي تسري في ثنايا هذا الأسلوب المنصف المتلطِّف الليِّن الذي يراعي في حواره الاستدراجي حال الخصيم ونفسيَّته وظروفَه. لقد سألهم النبي - عليه السلام - عمن يرزقهم من السماوات والأرض، وهو سؤالٌ استدراجيٌّ لا ينتظر له منهم إجابة في هذا السياق، لمعرفة السائل المسبقة بمطابقة جوابهم لما أخبر به القرآن عنهم (3)، فقد ورد في سياق آخر قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}، (4)
__________
(1) ـ تجاهل العارف هو: «سوق المعلوم مساق غيره لنكتة المبالغة في أمر من الأمور»، تقي الدين أبوبكر بن علي الحموي ابن حجة المصدر نفسه، ج. 1: 274.
(2) - اللف والنشر «ويسمى أيضا الطي والنشر» هو: «أن تذكر شيئين ... وتفوض إلى العقل رد كلِّ واحد إلى ما يليق به»، المصدر السابق، ج. 1: 149.
(3) - لقد أُنزلت سورة يونس قبل سورة سبأ، فيونس هي السورة الواحدة والخمسون في ترتيب نزول القرآن بينما جاءت سبأ في المرتبة الثامنة والخمسين، انظر ابن عاشور، المصدر نفسه، ج. 11: 78، و22: 133.
(4) ـ القرآن الكريم، يونس: 31 .. (3/30)
صفحة 42
وإنَّما هو سؤالٌ تمهيدي نفسيٌّ يقيم جسرًا مشتركا بين السائل والمسؤول، ومن خلال هذه المداخل النفسية التي تقود إلى ما يوهم بالاشتراك التام بينهما ـ وهو اشتراكٌ حقيقيٌّ في كلِّ جوانبه كما تمَّ رسمها بتلك الاحتمالات الموضوعيَّة ـ يمارس الداعية إبهاميَّة متعمَّدة تلقي بظلال من الشكِّ المثير في ذهن الخصم ونفسه، ومن ثم تواتي إمكانيَّة أن يتأمَّل العاقل المنصف الذي لم يفقد فطرته نهائيا بعد، فيسحب نفسه من هذه الظلال التشكيكيَّة ليجدها تنحاز إلى جانب الصواب لا محالة، لأنَّ الموضوعية التي تبنَّاها الداعية تدعو الخصم إلى الانتصاف من نفسه، تمامًا كما انتصف الداعية له في ظاهر الأمر.
ويبلغ الانتصاف من النفس مداه في موضوعية راقية وعقلانية لم تطلها عقلية أخرى عندما يستدرج القوم في مساواة منصفة عجيبة إلى أوهامهم: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، فيؤكِّد لهم أنَّ ما يتراءى لهم أنَّه إجرامٌ منه تعود عواقبه ـ إن كانت له عواقب وخيمة ـ عليه وحده، مثلما أنَّ مسؤولية عملهم تخصُّهم وحدهم. وعبَّر بالإجرام ونسبه إلى نفسه ـ حاشاه ـ، ووصف نشاطهم الإشراكيَّ بالعمل وحسب، مجرَّدًا من أي وصف إقصائيٍّ أو وَسْمٍ تقييميٍّ، على طريقة الحياد الاستدراجي، انتصافا لنظرتهم الواهمة، وبهذا الخطاب المنصف يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد استبعد كلَّ ما يمكن أن يقف حائلا دون الالتفات إلى أصل الحوار أو أن يستثير نخوتهم الزائفة. (3/31)
صفحة 43
إن المشركين يعلمون علم اليقين أن ليس في عمل النبي - عليه السلام - ما يمكن أن يخرج عن القيم الكريمة والأخلاق الفاضلة، أو يندرج تحت طائلة المساءلة، بله أن يكون إجرامًا، وإذا كان الأمر في دخائل نفوسهم كذلك، أفلا تدعو مثل هذه الحجج المنصفاتُ والكلماتُ الواضحاتُ إلى لحظات من التجلِّي التي يُستدرج فيها القوم إلى شيءٍ من التأمُّل الهادئ الرصين؟ هذا الأسلوب الحكيم يفضي بطبيعته إلى نظرة ـ ولو خاطفةـ في أحوال النبي - عليه السلام - وأتباعه الذين لم يمنحوا أنفسهم صكوك غفران مسبَّقة، بل وقف معهم على صعيد واحد وقَبِل ـ إذا اقتضى الأمرـ الانتصاف من نفسه، ومن ثَم مكَّنهم من المقارنة الموضوعية بين أعماله التي لا يجهلونها، وبين أعمالهم هم وأحوالهم التي لا يخفى عليهم صَلَفُ بواعثها وغرورها! (3/32)
صفحة 44
تحدَّث المفسرون عن الإيماءات البلاغية التي ترجح «أحد الجانبين في أحد الاحتمالين»، (1) جانب الداعية في احتمال الهدى على جانب الخصم في جهة الضلال، غير أنَّ أمثال ذلك كما أشرتُ ينبغي ألاَّ يستوقفنا كثيرًا ويستنزف أقلامنا فيما لا يكون فيه لمقصد الخطاب الدعويِّ كبير غناء، فالمؤمنون على يقين ثابتٍ لا يحتاجون إلى رجحان الكفَّة الأولى على الثانية، وإنَّما الذي ينبغي أن يقف عنده «الأسلوبيُّون» الجادُّون ومنشؤو الخطاب المسالم طويلا هو هذه المحاورة المؤدَّبة والملاطفة الاستدراجيَّة، لنتعلَّم منها الترفُّق الدعويَّ في محاججة القوم المخالفين من أي شِعب من شعاب الفكر أتوا ومن أي مشرب من مشارب الحياة كانوا (2).
__________
(1) ـ ابن عاشور، المصدر نفسه، ج. 24: 192.
(2) ـ هذا النوع من الأسلوب المترفِّق لم يكن في الحقيقة غائبا غيابًا كاملا عن العرب الجاهليين، مثله في ذلك تماما مثل كثير من القيم الإنسانية التي قال الرسول - عليه السلام - في حقها: «إنما جئت لأتمِّم مكارم الأخلاق»، فقد كان لهذا الأسلوب حضور في ثقافة الجاهليين وإن كان نادرا وفريدا، انطلقت به ألسنة الشعراء في لحظات التجلِّي العقلي، ثم استضافته ذاكرة الذين واكبوا الدعوة الإسلامية كحسان بن ثابت - رضي الله عنه - وغيره، تمثلاً لمفهوم الإنصاف المنبئ عن معدنٍ كريمٍ في التعامل مع الخصم، فهذا شاعر مجهول يقول في شأن خصمه:
نحن أو انتم الأولى ألِفوا الحقَّ فبعدا للمبطلين وسحقا
ويقول سلمة بن الخرشب الأنماريِّ في حقِّ خصمه عامر بن الطفيل:
فدىً لأبي أسماء كلّ مقصر ... من القوم من ساعٍ بوترٍ وواترِ
بذلت لها المخاض البزلَ ثم عشارها ... ولم تنه منها عن صفوف مظائر
أبو محمد عبد الله بن يوسف ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تح. مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار الفكر، ط.6 (1985) 87. و «الصفوف»: الناقة الحلوبة التي تصف في محلبين في حلبة واحدة، و «المظائر»: التي عطفت على ولدها وكانت ظئرا له، ويقول حسَّان بن ثابت - رضي الله عنه - ردا على أبي سفيان بن الحارث:
أتهجُوهُ ولستَ لهُ بكفءٍ ... فشرُّكما لخيركُما الفداء
حسَّان بن ثابت الأنصاري، شرح ديوان حسان، وضعه عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت (1981) 61. (3/33)
صفحة 45
- - - (3/34)
صفحة 46
دور الإفتاء في التقريب بين المذاهب الإسلامية الجزء الثاني علي بن مبارك
"رسالة عمَّان" نموذجا
ـ الجزء الثاني ـ (*)
د: علي بن مبارك
المعهد العالي للدراسات التطبيقية والإعلامية بنابل
جامعة قرطاج ــــ تونس
benmbarek.alii@yahoo.fr
ت
(1) تثير علاقة «الإفتاء» بمشغل «التقريب بين المذاهب الإسلامية» عدَّة إشكاليات، تنبَّه إليها رواد التقريب بنسب متفاوتة، ويمكن للمتتبِّع لحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية منذ تأسيسها (2) إلى اليوم أن يلاحظ شغف المتأخِّرين بتناول القضايا المتعلِّقة بالإفتاء من حيث ضوابطه وآداب المفتي ومهامِّه ...
__________
(1) (*) - هذا الموضوع هو تتمَّة الدراسة التي نشر الجزء الأول منها في العدد السابق من الحياة. وكان الباحث قد تناول فيه العناصر الآتية: «أولا: رسالة عمَّان وأهميتها في مسألة التقريب بين المذاهب»، «ثانيا: بنية الاستفتاءات: من يسأل من؟». أما في هذا الجزء الثاني فسيتناول الباحث العناصر الآتية: «ثالثا: الفتاوى القضايا والإشكاليات»، وفيه: «أ- تعريف الإفتاء والمفتي ومكانة كل منهما»، «ب-ضوابط الإفتاء وشروط المفتي»، «ج- مهام المفتي»، ثم «خاتمة تضم مكاسب البحث». (هيئة التحرير).
(2) - كان ذلك مع جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية التي تأسَّست بالقاهرة سنة 1947، وترأسها محمد علي علوبة باشا (تـ 1375 هـ، 1956م)، وقادها مجموعة من العلماء من قبيل عبد المجيد سليم (تـ1374هـ، 1955م) ومحمود شلتوت (تـ 1383هـ، 1963م) و محمد المدني (تـ1388 هـ، 1968م) وعلي الخفيف (تـ 1398هـ، 1978م) وعبد العزيز عيسى (تـ1415هـ، تـ1994م) وآية الله آغا حسين البروجردي، محمد تقي الدين القُمِّي، ومحمد آل حسين آل كاشف الغطاء، وشرف الدين الموسوي، ومحمد جواد مُغنية، وصدر الدين شرف الدين .... وتولَّى محمد تقي القُمِّي الأمانة العامة للجماعة. (4/1)
صفحة 47
ولقد تبيَّن لنا من خلال مراجعة نصوص مجلَّة «رسالة الإسلام» (1) لسان حال جماعة التقريب بالقاهرة أنَّ رواد التقريب الأوائل كانوا لا يولُون هذا المشغل اهتمامًا كبيرًا، ولم نجد من بينهم من خصَّص له مقالا أو بحثا، ولعلَّ ذلك يعود أساسا إلى وجود تحديات كبرى كان يعيشها العالم الإسلامي في ذلك الحين، وكانت تشغله عن تكفير أهل الملِّة من المسلمين من قبل العامَّة وربَّما الخاصَّة في بعض الأحيان، وآيةُ ذلك أنَّ أغلب القطار الإسلامية كانت تحت وطأة الاستعمار زمن ظهور تجربة «جماعة التقريب»، وحتى الدول التي ظفرت باستقلالها (كما هو حال مصر آنذاك) كانت تصارع تحدِّيات التنمية وبناء الدولة المستقلة الجديدة.
__________
(1) - وأصدرت «دار التقريب» كما أسمت نفسها مجلة «رسالة الإسلام» في عددها الأوَّل سنة 1949، وتوقفت سنة 1972 عن الصدور (العدد 60)، وكانت تصدر بمعدَّل أربعة أعداد في السنة. (4/2)
صفحة 48
ويبدو أنَّ ظاهرة الإفتاء بتكفير الآخر المسلم قد تضاعفت في العقدين الأخيرين، وأصبح بعض علماءُ المسلمين يتقرَّبون من العامَّة بإصدار فتاوى تكفِّر المخالف ولا تُجيز مشاركته الصلاة وبقيَّة العبادات والمعاملات، وفي هذا الإطار اندرجت فتوى عبد العزيز بن باز (1) الشهيرة التي حرَّم فيها الصلاة وراء إباضيٍّ واعتبرها صلاة باطلة (2) وهي فتوى تكاد تكون مناقضة تماما لفتوى (3) محمود شلتوت من قبل عندما أجاز التعبُّد لله وفق المذهب الجعفري (4).
__________
(1) - المفتي السابق للمملكة العربية السعودية، توفي سنة 1999.
(2) - توجَّه بعض الشباب في المملكة العربية السعودية إلى رئيس الإفتاء العام عبد العزيز بن باز بسؤال نصُّه: «وفد علينا بعض أتباع المذهب الإباضي فهل يجوز الصلاة وراءهم؟»، فأفتى بن باز بالسلب معتبرًا الإباضية فرقةً ضالَّة لا تجوز الصلاة وراء أتباعها، ولقد أثارت هذه الفتوى عدَّة مشاكل انتهت بتبادل التهم بين الفريقين، ولتجاوز الأزمة نظَّمت جامعة السلطان قابوس ندوة تحت عنوان «ندوة الفقه الإسلامي» من 9 إلى 13 أفريل 1988، ودعت المفتين إلى الانفتاح على كلّ المذاهب في فتاواهم.
(3) - عرضت هذه الفتوى في «مجلّة الإسلام» السنة 11، العدد 43، محرم 1379 هـ، يوليو 1959 م.
(4) - أثارت هذه الفتوى عدَّة ردود فعل مساندة ورافضة، بل نجد من ردَّ عليها بفتوى مضادَّة، وفي هذا الإطار يندرج كتاب أشرف بن عبد المقصود «خدعة التقريب بين السنَّة والشيعة، ونقد فتوى الشيخ شلتوت - رحمه الله -» مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، 2006. (4/3)
صفحة 49
وجدير بالذكر أنَّ العقدين الأخيرين شهدًا انفجارًا حدَّ الفوضى في مسألة الإفتاء ممارسة وتنظيرًا، وأصبح من الصعب ضبطُ قنوات الإفتاء ومصادره، ولقد دفع هذا الوضع بعضهم للحديث عن «فوضى الإفتاء» (1). ولئن صدرت فتاوى التقريب أو التكفير في مراحل سابقة عن علماء كبار من قبيل «ابن الباز» و «شلتوت» فإنَّها تُصنَّع اليوم وتسوَّق من قبل شريحة مهمَّشة من العلماء تعمل بجدّ على سحب بساط الإفتاء من تحت من اعتبروا أنفسهم «كبار العلماء» ومراجع الدين، وأهل الاجتهاد المطلق. ولقد أثارت هذه الإشكالية اهتمام الباحثين المعاصرين وحاولوا قدر المستطاع ترسيخ تقليد الإفتاء كما تأسَّس في التراث الإسلامي، وحصره في نخبة من العلماء دون غيرهم من العامة و «أشباه العلماء».
__________
(1) - فؤاد مطر، «ألفُ فتوىً .. وفتوى! مسملون في مهب فوضى الفتاوى»، الدار العربية للعلوم ناشرون، دار الناشر العربي الدولي، بيروت، 2009. (4/4)
صفحة 50
وفي هذا الإطار انتقد مجدي عبد الغني في تقديمه لكتاب «ضوابط الفتوى: من يجوز له أن يفتي ومن لا يجوز له أن يفتي» (1) لمحمد بن علي بن حسين المكِّي المالكي ظاهرة التجرُّؤ على الإفتاء من قبل من «ردَّدوا هذه المقولة: (هم رجال ونحن رجال)، وجرت على ألسنتهم أكثر من جري لعابهم، ونفثوا فتاوى عرجاء وعوراء تلقَّفها الصغار السذَّج وجادلوا بها الشتات» (2)، ولقد حاول عبد الغني رصد ملامح هذه الفئة الجديدة من المفتين فإذا بـ «مؤهلاتهم العلمية أكوامٌ من الزيف ومشايِخُهم الآذنة لهم بالفتيا جُرآء في دين الله، جبناء في الدنيا، وتلامذتهم رتلٌ من السفهاء ... أرادوا لفت أنظار الناس إليهم وسرقة الأضواء من أهلها، وسلب الريادة من أربابها، وطمس معالم هذا الدين، ولكنهم في ميزان الأتباع أمناء وجهلة، بيد أنهم في مقاييس الأغرار علماء – ولصوص في نظر الله – وفي نظر العبيد شرفاء، وهذه طامة كبرى» (3). ولقد شبَّههم بـ «عشاق الفتيا»، وهم عنده «كالنبات الشيطانيِّ غرستهم أيدي مخضَّبة بالدماء وبغضتهم في العلماء القدامى والمحدثين ووصلتهم بآبار كدرة طفحت بالرمم واستغلتهم قيادات إسلامية هابطة في شراء الذمم» (4).
__________
(1) - محمد بن علي بن حسين المكي المالكي، «ضوابط الفتوى: من يجوز له أن يفتي ومن لا يجوز له أن يفتي»، دار الفرقان، باكوس، سوريا، 1997.
(2) - ن، م، ص5.
(3) - ن، م، ص5.
(4) - ن، م، ص10. (4/5)
صفحة 51
ولقد توجَّه حسين محمد الملاَّح نفس الوجهة في انتقاد ظاهرة «التطفُّل على الإفتاء» فخصص مبحثا في كتابه «الفتوى: نشأتها وتطورها وتطبيقاتها» (1) بعنوان «المتطفِّلون على الإفتاء» (2)، وفيه أكّد خطورة «صنف من المتطفِّلين على الفتيا ممَّن لا علم عندهم، لهم جرأة عجيبة وإصرارٌ على إفتاء الناس، ولو من خلال الرأي والهوى الفاسد، لذلك تحرُم الفتوى على غير من تأهَّل ولم يكتمل لديه أدواتها» (3)، ولئن بالغ الباحثان في تهويل صورة «المفتي المتطفِّل» فإنهما نبَّها إلى وجود أزمة لا يُستهان بها جعلت المهتمين بالتقريب بين المذاهب يفكِّرون في تجاوزها والتقليص من مخاطرها.
ويمكن لكلِّ باحث في مجال التقريب بين المذاهب الإسلامية أن يلاحظ وجود هذا الهاجس في أدبيات التقريب، إذ تناولت عدَّة ندوات تقريبيَّة (4)
__________
(1) - حسين محمد الملاح، التطفل على الإفتاء؛ فخصص مبحثا في كتابه «الفتوى: نشأتها وتطورها وتطبيقاتها»، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 2001، (1 - 2)، والكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه قدمت إلى كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية، ببيروت.
(2) - وهذا المبحث يندرج ضمن المبحث الرابع من الفصل الخامس وعنوانه «حكم الإفتاء ممّن ليس أهلا أو ممّن هو متبع للرخص والأهواء».
(3) - الملاح، ن، م، ص767.
(4) - يمكن أن نذكر على سبيل المثال فحسب:
- مداخلة أحمد القطعاني، «في خصائص السيرة النبوية الشريفة»، المؤتمر الدولي العشرون للوحدة الإسلامية «خصائص السيرة النبوية الشريفة»، ربيع الأول 1428 هـ ق، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، طهران، 1428، 2007 م، ص 281 - 392.
- مداخلة وهبة مصطفى الزحيلي، «مسيرة التقريب بين المذاهب الإسلامية في بلاد الشام»، في المؤتمر العالمي الثامن عشر للوحدة الإسلامية: «استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية»، 15 - 17 ربيع الأول 1426، المجمع العالمي، طهران، ط1 2006، إعداد محمد حسن تبرائيان، ص455 - 466. ونادى بضرورة «التنديد ببعض الفتاوى الضالة ... كذلك نبذ كلّ فتاوى التكفير من فريق لآخر» (465).
وتحدث عن الفوضى الشرعيَّة، ظهور فتاوى غريبة، «ناهيك بفتنة المساجد حيث يتبارى المسلمون السنة والشيعة في العراق أيّهما يفجر عدد من مساجد الطائفة الأخرى». (4/6)
صفحة 52
مسألة «الإفتاء» وضوابطه، كما خصَّصت مجلَّة «رسالة التقريب» لسان حال «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية» عدَّة مقالات (1) عالجت فيها أزمة الإفتاء وما نتج عنها من اضطرابٍ على مستوى المستفتي والمفتي في الآن ذاته.
ويبدو، كذلك، أنَّ جُلَّ من كتب في هذا الموضوع انتقد ظاهرة «الإفتاء الموازي» الذي لقي ترحيبًا عند طبقات كبيرة من الناس، وتمَّ التعامل معها على أساس أنَّها حركة هجينة متمرِّدة على الشرع وأهله، ومنافية لإجماع الأمَّة المتمثِّلة في كبار العلماء، وفي هذا السياق تتنزَّل «رسالة عمَّان».
أوَّلا: رسالةُ عمَّان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) - خصَّصت المجلّة ملفا كاملا تحت عنوان «مؤهلات الإفتاء»، عدد 57، رمضان وشوال، 1428 هـ، طهران، 2006 م، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية (تعاونية شؤون الإعلام والنشر)، ومن أهمِّ المقالات الواردة فيه نذكر:
- محمد مهدي نجف، «مؤهلات الإفتاء وشروطه في الشريعة الإسلامية»، ص 113 - 154.
- محمد المختار السلامي، «مؤهلات الإفتاء وشروطه وآدابه»، ص 98 - 112.
- أحمد المبلغي، «بحث فقهي تحليلي حول شرائط المفتي»، رسالة التقريب، ص 155 - 188.
- عبد الستار أبو غدة، «مؤهلات الإفتاء: الشروط والآداب»، ص 189 - 206. (4/7)
صفحة 53
لقد جمعنا في توظيفنا لـ «رسالة عمَّان» (1) بين الحقيقة والمجاز، فحقيقة هذه الرسالة أنَّها عنوان البيان الختاميِّ الذي أقرَّه المؤتمر الإسلامي الدولي بعمَّان عاصمة الأردن تحت عنوان «حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر» (2) أمَّا مجازها فيتمثّل في استعمالنا لها للدلالة على المؤتمر بمختلف فعالياته. وصدرت أعمال هذا المؤتمر ضمن كتاب عنوانه «إجماع المسلمين على احترام مذاهب الدّين» (3) قُسِّم إلى بابين، اهتمَّ الباب الأوَّل بالأعمال المقدَّمة في المؤتمر وقسمت إلى ثلاثة محاور اشتغل عليها المؤتمرون وهي:
*- تعريف من هو المسلم؟
*- وهل يجوز التكفير؟
*- ومن له الحق في أن يتصدّى للإفتاء؟
كما احتوى الباب الأول البيان الختامي: «رسالة عمَّان» (4)
__________
(1) - حظيت «رسالة عمَّان» باهتمامٍ مخصوصٍ من قبل بعض الباحثين والمؤسسات، وفي هذا الإطار نظَّمت الجامعة الهاشميَّة الأردنية مؤتمرًا دوليًّا حول «رسالة عمَّان في عيون الآخرين»، عمَّان، 20 - 21 سبتمبر 2006.
(2) - انعقد هذا المؤتمر في عمَّان بين 27 و29 جمادي الأولى 1427 هـ، الموافق لـ 4 - 6 يوليو (جويلية)، 2005، بدعوة من الملك عبد الله الثاني، وتحت إشراف مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي.
(3) - صدر هذا الكتاب في طبعته الثالثة سنة 2006، وقدَّم له الأمير غازي بن محمد.
(4) - أقرت رسالة عمَّان بناء على محاور المؤتمر:
أولا: إنّ كل من يتَّبع أحد المذاهب الأربعة من أهل السنَّة والجماعة (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي) والمذهب الجعفري، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي، والمذهب الظاهري، فهو مسلمٌ، ولا يجوز تكفيرُه. ويحرم دمُه وعرضُه ومالُه. وأيضاً، ووفقاً لما جاء في فتوى فضيلة شيخ الأزهر، لا يجوز تكفيرُ أصحاب العقيدة الأشعريَّة، ومن يمارس التصوُّف الحقيقي. وكذلك لا يجوز تكفيرُ أصحاب الفكر السلفيِّ الصحيح. كما لا يجوز تكفيرُ أيِّ فئةٍ أخرى من المسلمين تؤمن بالله سبحانه وتعالى وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأركان الإيمان، وتحترم أركان الإسلام، ولا تنكر معلومًا من الدين بالضرورة.
ثانيا: إنَّ ما يجمع بين المذاهب أكثر بكثير ممَّا بينها من الاختلاف؛ فأصحاب المذاهب الثمانية متفّقون على المبادئ الأساسيَّة للإسلام. فكلُّهم يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، واحداً أحداً، وبأنَّ القرآن الكريم كلام الله المنزَّل، وبسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً ورسولاً للبشرية كافّة. وكلهم متفقون على أركان الإسلام الخمسة: الشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحجِّ البيت، وعلى أركان الإيمان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتُبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرِّه. واختلاف العلماء من أتباع المذاهب هو اختلاف في الفروع وليس في الأصول، وهو رحمة؛ وقديماً قيل: «إنَّ اختلاف العلماء في الرأي أمرٌ جيِّد».
ثالثا: إنَّ الاعتراف بالمذاهب في الإسلام يعني الالتزام بمنهجيَّة معينة في الفتاوى: فلا يجوز لأحد أن يتصدَّى للإفتاء دون مؤهِّلات شخصية معينة يحددها كل مذهب، ولا يجوز الإفتاء دون التقيُّد بمنهجية المذاهب، ولا يجوز لأحد أن يدَّعي الاجتهاد ويستحدث مذهباً جديداً أو يقدِّم فتاوى مرفوضة تخرج المسلمين عن قواعد الشريعة وثوابتها وما استقرَّ من مذاهبها. (كتاب: «إجماع المسلمين على احترام مذاهب الدين»، أعمال المؤتمر، ص 22 - 23).
وقد وقع تبنِّي هذه النقاط الثلاث بالإجماع في قمَّة منظَّمة المؤتمر الإسلامي في مكَّة المكرمة في كانون الأول (ديسمبر) عام 2005م. وعلى مدى عام من تموز (يوليو) 2005م إلى تموز (يوليو) 2006م. كما تم تبنِّيها أيضاً في مؤتمرات إسلامية عالمية أخرى، كان آخرها مؤتمر مجمع الفقه الإسلامي العالمي (ومقرُّه جدَّة)، الذي عقد في عمَّان في تموز (يوليو) 2006م. (4/8)
صفحة 54
وبعض الكلمات المتعلِّقة بها.
أمَّا القسم الثاني فقد خُصِّص لعرض فتاوى كبار علماء المسلمين ومراجع الدين، وتمَّ ترتيبها بحسب المذهب الذي ينتمي له المُستفتَى: السنَّة ثمَّ الشيعة الجعفريَّة ثم الشيعة الزيديَّة ثمَّ الإباضية وأخيرًا الشيعة الإسماعيلية. ولقد وُجِّه لكلِّ عَلَم منهم ثلاثة أسئلة؛ يتعلَّق الأوَّل بمدى شرعية كلِّ المذاهب الإسلاميَّة، ويتناول الثاني مشكلة تكفير المسلم، بينما اختص السؤال الثالث بمسألة الإفتاء وضوابطه. وسنهتمُّ في هذا العمل بهذا القسم الثالث، وسننتخب مجموعة من الفتاوى نعتمدُها نموذجًا، محافظين على نفس نمط التصنيف، وهي كالتالي:
*- من السنَّة:
- فتوى يوسف القرضاوي باعتباره مدير مركز بحوث السنة والسيرة بجامعة قطر.
- فتوى محمد الحبيب بن الخوجة، ممثلا عن مجمع الفقه الإسلامي.
- فتوى محمد سيِّد طنطاوي، شيخ الأزهر.
- فتوى علي جُمعة، مفتي مصر.
*- من الشيعة الجعفرية:
- فتوى علي السستاني أحد مراجع التقليد بالنجف.
- فتوى محمد علي التسخيري، أميم عام المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بطهران.
- فتوى بشير النجفي، أحد مراجع التقليد بالنجف.
- فتوى إسحاق الفيَّاض، أحد مراجع التقليد.
*- من الشيعة الزيدية:
- فتوى محمد بن محمد بن إسماعيل المنصور، و حمود بن عباس بن عبد الله المؤيد
- فتوى إبراهيم بن محمد الوزير.
*- من الإباضية:
- فتوى أحمد بن حمد الخليلي.
*- من الشيعة الإسماعيلية:
- فتوى الآغا خان زعيم الطائفة الإسماعيلية.
وسنتناول هذه الفتاوى من حيث بنيتها ومضمونها، وسنفصل فصلاً منهجيًّا فحسب بين السؤال المطروح على العالم (الاستفتاء) والجواب (الفتوى) قصد تبيُّن ما طرأ على هذه الفتاوى المعاصرة من تغييرات وانزياحات على مستوى الشكل والمحتوى.
ثانيا: في بنية الاستفتاءات: من يسأل من؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ (4/9)
صفحة 55
تنقسم كلُّ فتوى من الفتاوى التي سنشتغل عليها إلى قسمين بمثابة الخطابين المستقلَّين المتكاملين في الآن ذاته: «قسم استهلاليٌّ» في شكل سؤال يمثل في تقليد الإفتاء «خطاب المستفتي»، وقسم يحتوي «جوابا» وهو في ذات التقليد خطابُ «المفتي» وردُّه على سؤال السائل. ويبدو ظاهريًّا أنَّ هذه الفتاوى حافظت على البُنية التقليدية للفتاوى كما تجلَّت في التراث الإسلامي، ولكنَّنا مع ذلك يمكن أن نرصد مجموعة من الانزياحات طرأت على هذه البُنية من حيث طبيعة المستفتي والمفتي، ومن حيث موضوعاتها ودلالاتها ووظائفها.
تثير الأسئلة «الاستفتاءات» المطروحة عدَّة إشكاليات تتعلَّق بتركيبتها وطريقة تنظيم أجزائها ومدى تناسقها وانسجامها وتماثلها أو تباينها. وجديرٌ بالذكر أنَّ المشرفين على فعاليات «رسالة عمَّان» وجَّهوا مجموعةً من الأسئلة تكاد تكون متماثلة لأهمِّ العلماء المسلمين من كلِّ المذاهب السنِّية والشيعيَّة والإباضيَّة، قصد تجميعها وتأكيد حرمة الإفتاء دون مؤهِّلات مضبوطة وشروط دقيقة. وكما يظهر من خلال هذا التقديم فإنَّ الأسئلة عُرضت من قبل مؤسَّسة تكفَّلت بعقد الندوة وهي «مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي» ومن يعمل بها من علماء وباحثين، وهذا يعني أنَّ الأدوار تغيَّرت، وأطراف العملية تطوَّرت، فكان الإفتاءُ سؤالاً يطرحُه العاميُّ المقلِّد على العالم المجتهد، فإذا به يتحوَّل بين عالمٍ وعالمٍ، وربما بين مؤسَّسة علميَّة وأخرى، إذ نجد من بين الفتاوى ما تعلَّق بوجهة نظر مؤسَّسة؛ كما هو حال «مجمع الفقه» و «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية» و «مؤسسة الخوئي»، وكلا الطرفين (المستفتي والمفتي) يضطلع بمهمَّة الإفتاء، فكيف يمكن لنا أن نفهم هذا التحوُّل والحال أنَّ المفتي أصبح مستفتيا؟ (4/10)
صفحة 56
ونتج عن هذا التحوُّل في أطراف الفتوى تغُيُّرًا في وظيفتها من الاستعلام أو الاستخبار إلى الاستنكار، وترسيخ التقليد المتعلِّق بالإفتاء ومن يضطلع به، ومحاربة ظاهرة «الفتاوى المتسرِّعة» التي يصنٍّعها العامَّة وينشرونها ممَّا تسبَّب في شيوع ثقافة التبديع والتفسيق والتكفير.
وحتَّى نتحسَّس أكثر ما صحب الفتاوى المعاصرة من انزياحات لا بدَّ أن نجيب عن مجموعة من الأسئلة الخطيرة: من هو المفتي ومن هو المستفتي في هذه الفتاوى؟ ومن هو المستفيد الحقيقيُّ منها؟ هل يتضمَّن سؤال المستفتي بحثا عن معرفة حكم شرعيٍّ منشودٍ كما هو معهودٌ في تقاليد فتاوى الإسلام، أم تراه تجاوز ذلك ليضطلع بأفعال قوليَّة وتأثيريَّة وإصلاحيَّة تتمثَّل في الحدِّ من انتشار الفتاوى المتسرِّعة، وضبط فوضى الفتوى التي تشهدها السَّاحة الإسلاميَّة، ومحاربة ظاهرة تكفير المسلم المخالف في الرأي والمذهب؟
إنَّ أوَّل ما يشدُّ الانتباه ورودُ السؤال الموجَّه للمفتين في صيغٍ مُختلفة وإن بدت متماثلة تُوهِمُ القارئَ من خلال مستهلاَّتها بأنَّ المستفتي السائل شخصٌ ينشد الحكمة فيبدأ بالسلام ويختم به قائلا «السلام عليكم»، ممَّا يدفعُ القارئ إلى الاعتقاد بأنَّ بنية الفتاوى حافظت على خصوصيَّاتها الفنِّية بما هي تواصلٌ بن شخصين؛ أحدهما يسأل جهلاً بأحكام الشريعة، وثانيهما يجيب على أساس معرفته بحقائق الشرع وعلومه. ورغم وحدة الهدف ووحدة الإشكالية المطروحة فإنَّ صيغة السؤال المطروح لم تكن متجانسة، وإن بدت كذلك ممَّا يدفعنا إلى البحث في دلالة كلِّ صيغة من الصيغ المعروضة.
ولقد استخرجنا من بين مجموعة الفتاوى التي اشتغلتا عليها أربع صيغ مختلفة: (4/11)
صفحة 57
*- الصيغة الأولى (1): «من يجوز أن يُعتبر مفتيًا حقيقيًّا في الإسلام؟ وما هي المؤهِّلات الأساسيَّة لمن يتصدَّى بإفتاء الفتاوى وهداية النَّاس في فهمه واتباع الشريعة الإسلامية؟»
*- الصيغة الثانية (2): «من يجوز أن يُعتبر مفتيًا في الإسلام؟ وماهي المؤهِّلات الأساسية لمن يتصدَّى للفتوى وهداية النَّاس إلى أحكام الشريعة الإسلامية وتعريفهم بها؟».
*- الصيغة الثالثة (3): «من يُعتبر مُفتيًا حقيقيًّا في الإسلام، وما هي المؤهِّلات الشخصيَّة لمن يتصدَّى للفتوى ولهداية الناس في فهمه واتباع الشريعة الإسلامية؟».
*- الصيغة الرابعة (4): هل يجوزُ لأحدٍ التصدِّي للإفتاء دون مؤهِّلاتٍ وشروط يحددها علماء كلِّ مذهب؟».
ويمكن للمدقِّق في هذا الجزء الأوَّل من نصوص الفتاوى التي نشتغل عليها (أي نص السؤال) أن يُلاحظ خضوعه لبنية مخصوصة ثابتة ومتحرِّكة في الآن ذاته، ينتظم فيها الخطابُ بصفة دقيقة ومتسلسلة، وهذا يدفعُنا إلى التساؤُل: كيف انتظم الخطاب في هذا الجزء الاستهلالي الاستفهامي؟ وما هي طبيعةُ المعجم المهيمن عليه؟ وما هي الوظائف التي اضطلع بها؟ وما السياقات الثقافية والاجتماعية التي تتنزَّل فيها هذه الاستفتاءات؟
__________
(1) - وُجِّهت هذه الصيغة لمحمد سيد الطنطاوي شيخ الأزهر، وأحمد الخليلي مفتي عام سلطنة عُمان، وبشير النجفي مرجعٌ شيعي.
(2) - وُجِّه السؤال على هذه الصيغة لمجمع الفقه الإسلامي في شخص أمينه العام محمد الحبيب بن الخوجة.
(3) - وُجِّه السؤال على هذه الصيغة لإبراهيم بن محمد الوزير، الأمين العام لحركة التوحيد والعمل الإسلامي باليمن.
(4) - وُجِّه السؤال على هذه الصيغة لعلي السستاني المرجع الشيعي المعروف. (4/12)
صفحة 58
نلاحظ أنَّ الصيغ الأولى والثانية والثالثة تتكوَّن من جملتين إنشائيَّتين استفهاميتين تقوم الأولى على اسم الاستفهام «من» المقصود به الاستخبار عن العاقل المؤهَّل للإفتاء، بينما تقوم الجملة الاستفهامية الثانية على أداة استفهام مركبة «ما هي» تفيد التخصيص. أمَّا الصيغة الرَّابعة فاكتفت بسؤال واحدٍ قام على حرف الاستفهام «هل» وهو يفيد التصديق، ويحتِّم على المفتي أن يجيب بجوابين لا ثالث لهما «الإيجاب» أو «النفي»، والطريف أنَّ هذه الصيغة الأخيرة استطاعت أن تستوعب الصيغ الأخرى من حيث الدلالات والمعاني.
إنَّ السؤال عن «من يجوز أن يعتبر مفتيا» يرمي بنا في مباحث عدَّة تتعلَّق بـ «شروط المفتي وآدابه وأحكامه» و «ضوابط الإفتاء» بينما ينطلق سؤال «هل يجوز لأحد التصدي للإفتاء دون مؤهلات وشروط ... » من مصادرة أخرى ترى أنَّه لا يحقُّ لأحد من العامَّة المقلِّدين ممَّن لا تشملهم شروط المجتهد المطلق أن يضطلعوا بمهمَّة الإفتاء. (4/13)
صفحة 59
ويمكن لكلِّ مدقِّق في موضوع سؤال الاستفتاء أن يلاحظ ارتباطه بموضوع الإفتاء ذاته، فهي فتاوى تسأل عن الفتوى بل هي ـ إن صحَّت تسميتها- «فتاوى الفتاوى» أو «فتاوى في الإفتاء»، وهذه الطرافة في موضوع الاستفتاءات تجعلنا نتساءل بحيرة من هو المتكلِّم؟ ومن هو المخاطَب؟ ومن المعنيُّ أساسا بهذا الخطاب، وما هي الأصوات الكامنة فيه؟ وما هي الوجوه التي تتوارى وراءها؟ وما طبيعة العلاقة الممكنة بين المستفتي السائل والمفتي المجيب؟ وإذا اعتبرنا هذه الفتاوى انعكاسا طبيعيا لهيمنة «فتاوى العامَّة» المنتشرة هنا وهناك، وردَّ فعلٍ رسميٍّ على «فوضى الإفتاء» و «فتاوى تكفير المسلم المخالف في الرأي والمذهب» فمَن هو المعنيُّ بهذه الفتاوى؟ هل هو الإنسان العامِّيُّ الباحثُ دومًا عن أجوبة لأسئلته المتكاثرة، والمتلذِّذ أحيانا بنقل الفتاوى ونشرها وإعادة صياغتها وتحويلها إلى سلوك اجتماعيٍّ، ومحاربة من لا يقول بها ولا يعمل بأحكامها؟ أم هو «العالِمُ» المهمَّش الذي تمرَّد على سلطة العلماء والمراجع والمؤسسات الدينية الرسمية التي تؤطِّرُهم فاقتحم مجال الإفتاء دون استشارتهم أو الأخذ بأقوالهم؟ هل المعنيُّ بهذا الخطاب مراجع التقليد بكلِّ مذاهبهم عساهم أن يتداركوا سلطانَهم وأن يستعيدوا ثقة من سأل غيرهم وبحث عن بديل لهم ممَّا تسبَّب في اضطراب كبيرٍ على مستوى الأطراف الفاعلة في عملية الإفتاء، وانحرافٍ خطير في سلوك المتديٍّنين أدَّى بهم في بعض الحالات إلى تحويل العقيدة إلى عنفٍ وإرهابٍ وإقصاءٍ ونسفٍ لمبادئ العيش المشترك القائم أساسا على حصر القرار الدينيِّ في إطار ضيِّق، وعدم معاملة الآخر على أساس معتقده أو أفكاره؟ وفي هذا الإطار تتنزَّل علاقة الفتاوى المعاصرة بهاجس التقريب بين المذاهب الإسلامية ممَّا يدفعنا إلى التساؤل: هل يمكن توظيف الفتاوى توظيفًا يخدم التقريب والتواصل بين المسلمين مهما تباينت مذاهبُهم؟ أم تراها (هذه (4/14)
صفحة 60
الفتاوى الفرديَّة) شرٌّ لا بدَّ من تجاوزه والبحث عن بديل له يذلِّل المصاعب ويحقِّق التوازن المطلوب؟
ليس من اليسير الإجابةُ عن كلِّ الأسئلة التي طرحناها لتداخل الوجوه (1) وتعدُّد الأصوات (2) وتنوُّع المرجعيَّات، ولذلك سنستعين بتحليل «معجم الخطاب» الموظَّف في قسم الأسئلة من الفتاوى المدروسة، وسنعمل في هذا السياق على ضبط الحقول الدلالية المتعلِّقة بموضوع الإفتاء واستخراج جداول الاستعمال حتَّى نتمكَّن من تبيُّن المعجم المهيمن وما يعكسه من دلالات مركزيَّة ومعاني تفيد الباحث في رصد ما طرأ على مدوَّنة الإفتاء من انزياحات وتغيُّرات. ويمكن الاستعانة بالجدول التالي لتمثُّل طبيعة المعجم المستعمل بحسب وروده في مختلف صيغ أسئلة المستفتي:
الوحدة المعجمية ... الصيغة الأولى ... الصيغة الثانية ... الصيغة الثالثة ... الصيغة الرّابعة ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
من ... + ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) - طرح قوفمان Erving Goffman)) مفهوم الوجه ( face) في إطار نظرية الأقنعة عندما تناول نظرية تشكُّل الذات عند التفاعل والتخاطب:
* Goffman Erving, La Mise en scène de la vie quotidienne 1: La Présentation de soi, trad. de l'anglais par Alain Accardo, Ed. de Minuit, 1979 (1973 The Presentation of self in everyday life.
(2) - اهتمَّ ديكرو ( Oswald Ducrot) في كتابه ( Dire et ne pas dire. Principes de sémantique linguistique) بتعدد أصوات الخطاب. (4/15)
صفحة 61
هل ... - ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
يجوز ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
يعتبر ... + ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
مفتيا ... + ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
حقيقيا ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
الإسلام ... + ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
مؤهِّلات ... + ... + ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
أساسية ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
شخصية ... - ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ (4/16)
صفحة 62
يتصدَّى/التصدِّي ... + ... + ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
إفتاء ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
فتوى ... - ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
هداية (الناس) ... + ... + ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
فهمه (الإسلام) ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
اتِّباع (الشريعة) ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
أحكام (الشريعة) ... - ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
التعريف (بالشريعة) ... - ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
شروط ... - ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ (4/17)
صفحة 63
أحد ... - ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
علماء ... - ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... + ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
مذهب ... - ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ ... +
ـــــــــــــــــــــــــــــ ... ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نستنتج من جدول الاستعمال المعجمي أنَّ مختلف الصيغ المقترحة في قسم السؤال (الاستفتاء) اتفقت على استحضار مدخلين معجمييَّن مكتَنزين من حيث الدلالات والخلفيات وهما «مؤهِّلات» و «تصدَّى». أمَّا اصطلاح «مؤهلات» فإنه يفيد ما يكون به الشخص أهلا لما يضطلع به من أعمال ومهام، ومؤهِّلات المفتي ما يُفترض أنَّها تؤهِّله للقيام بوظيفة الإفتاء، والحديث عن مؤهِّلات المفتي تحيل على ضبط شروطه (الصيغة الثانية) كما أقرها العلماء والأصوليون من قبل، ويرمي بنا في ثنائية «المفتي الحقيقي» و «المفتي المزيَّف»، كما نستشفُّ ذلك من نصِّ الصيغتين الأولى والثالثة. بالإضافة إلى ذلك تثير مسألة المؤهلات إشكالية ما هو أساسيٌّ منها وما هو دون ذلك (النصُّ الأوَّل والثاني)، وممَّا يشدُّ الانتباه أنَّ السؤال في صيغته الثالثة تحدث عن «مؤهلات شخصية» عوضا عن «أساسيَّة» ولا ندري ما العلاقة بينهما؟ وما المقصود بمؤهِّلات شخصية؟ هل يُقصد بذلك القيم الأخلاقية فحسب؟ أم تجاوزها ليشمل كلَّ شروط المفتي العلمية والخُلُقية والخِلْقية؟ هل يمكن أن نؤوِّل ذلك على أنَّه تأكيدٌ على فرديَّة الإفتاء ورفضٌ خفيٌّ للإفتاء الجماعي بما يشترطه من مؤهلات جماعية ومؤسَّستيَّّة؟ (4/18)
صفحة 64
كما نلاحظ من خلال هذا الجدول أنَّ المؤهِّلات المتحدَّث عنها اقترنت بمجال ثقافيٍّ ودينيٍّ مخصوص عبَّر عنه المستفتي بـ «الإسلام» (النصوص 1+2+3) و «أحكام الشريعة» (النص 2) و «المذهب» (النص 4)، وهذا يعني حتمية التعايش بين الدين والمذهب والفقه؛ وهذا التصور حافظ عليه روَّاد التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة منذ البدايات إلى الآن، إذ أكَّدوا ضرورة المحافظة على مرجعيَّة المذاهب واستقلالها ومكانة الفقه و «التقريب الفقهي»، ولذلك اهتمَّت رسالة عمَّان بقضايا الإفتاء لارتباطها بطريقة أو بأخرى بمشغل التقريب وبقضايا الفقه والمذهب.
وجديرٌ بالذكر أنَّ مدخل «مؤهِّلات المفتي» ينفتح أيضا على أبواب أخرى تتعلَّق بمهامِّه التي أصبح أهلاً لها بحكم دوره الاجتماعي وموضعه في المنظومة الدينية «المؤسستية»، فهو من هذا المنطلق يقوم بـ «هداية الناس» (نصوص 1+2+3) ومساعدتهم على «فهم الإسلام» (نصوص 1+3) و «اتِّباع الشريعة» (1+3) و «التعريف بها» (نص 2) و «ضبط الأحكام المتعلّقة بها» (نص 2)، والطريف أنَّ مختلف هذه المداخل المعجميَّة تصبُّ في حقل دلاليٍّ أساسيٍّ يتعلَّق بـ «مؤهِّلات المفتي»، ولذلك نجد إلحاحا على ضرورة تمييزه عن العامَّة من خلال الاستفهام الإنكاري «هل يجوز لأحد التصدي للإفتاء؟» والمقصود ـ فيما نرى ـ أحد من العامَّة أو من غير كبار العلماء والمراجع المصادق على مرجعيَّتهم، ويمكن أن نظفر من خلال هذا التمييز بثنائية طالما أرَّقت القدامى والمحدثين على حدٍّ سواء تتعلَّق بـ «العامَّة والخاصَّة» وما يتفرَّع عنها من مباحث تتعلَّق بـ «فتوى العامِّي» و «اجتهاد العامَّة وإجماعهم» و «فقه العامَّة» ... الخ. (4/19)
صفحة 65
من جهة أخرى ورد مدخل «التصدِّي» مصدرًا وفعلا «يتصدَّى»، في سياقات مخصوصة اكتسب من خلالها دلالاته تتجاوز معاني قواميس اللغة (1)، ونفهم من سياقات الاستعمال أنَّ التصدِّي للإفتاء يعني الاضطلاع بمهمَّة الفتوى والتكفُّل بالإجابة عن أسئلة المستفتين، ولكن هل هذا التصدي تطوُّعيٌّ أم إلزاميٌّ تعيينيٌّ؟ وهل هو اختياريٌّ أم اضطراريٌّ؟ وهل يخضع لتقنين المقنِّنين وإشراف مؤسَّسات الاختصاص أم تراه بحسب بادرة شخصية يقوم بها كلُّ من رأى في نفسه القدرة على التكلُّم باسم الشريعة وتمثيل أحكامها والتوقيع باسم صاحبها؟
إنَّ الحديث عن «التصدِّي» للإفتاء يُحيل على باقة من الأسئلة طالما تردَّدت على أفواه المشاركين في أعمال ندوة عمَّان وما ماثلها من ندوات التقريب بين المذاهب الإسلامية مفادها: «من هو المفتي الحقيقي» وكيف نُميِّزه عن «المزيَّف»؟ وهل يمكن التصدِّي للإفتاء دون ترخيص «أهل الذكر» من العلماء الذين حصَّلوا درجة الاجتهاد المطلق؟ ولكن من هم هؤلاء العلماء ومن الذي خوَّل لهم وضع شروط للإفتاء وضبط قائمة للمفتين؟
يكمن لنا أن نضبط موضوع الفتاوى التي نشتغل عليها من خلال «المعجم المهيمن» في «مؤهِّلات من يتصدَّى للإفتاء» وهذا يجعلنا نتفكِّر في السياقات الثقافية والاجتماعية المؤسِّسة لهذا الخطاب.
__________
(1) - جاء في لسان العرب (مادة: صدد) «تصدَّى فلان لفلان يتصدَّى: إذا تعرَّض له». (4/20)
صفحة 66
إنَّ هذه الفتاوى المتعلِّقة بالإفتاء تعكس أزمة حقيقية يعيشها الفكر الإسلامي في مختلف مرجعياته وتتمثَّل ـ كما يتجلَّى ذلك في معجم الخطاب ـ في توتُّر العلاقة بين علماء التقليد ومقلِّديهم من جهة وبين «كبار العلماء» وغيرهم من علماء الدِّين من جهة ثانية، ولهذه الأزمة مجموعة من التداعيات والتجليات لعلَّ أهمَّها ظهور فئة جديدة من رجال الدين عُرفوا بعدَّة ألقاب من قبيل: «أشباه العلماء» و «أنصاف العلماء» و «علماء العامَّة» و «علماء الفضائيَّات» و «الدُّعاة الجدد» ( ... ) استطاعوا أن يتحكَّموا في مشاعر العامَّة ويوجِّهوها ويؤثِّروا في أفكارهم وسلوكهم وتمثُّلاتهم اللاهوتية والاجتماعية. وتهيمن هذه الفئة من رجال الدين على المساجد والفضائيات ومواقع الأنترنت، وتُحسن فنَّ الخطابة واستنفار الذاكرات. وأصبحنا أحيانا نرى «كبار العلماء» كما يُسمُّون أنفسهم و «مراجع التقليد» كما يُصنِّفُهم التقليد أصواتًا بلا صدىً وقياداتٍ بلا سُلطان لا أثر لفتاويهم في سلوك الناس، ولعلَّ ما زاد من نفور شرائح كبيرة من المجتمع وخاصَّة المثقفين من فتاوى المفتين الرسميِّين تورُّطهم في فتاوى غريبة عجيبة تدعو أحيانا إلى السخرية والاستنكار. (4/21)
صفحة 67
ونتج عن هذا التغيُّر في الأدوار ـ خاصَّة في الفضاء السُّنِّي ـ انتشارُ الفتاوى إلى درجة «التورُّم» المخيف، وأصبح المتصدُّون للإفتاء لا حصر لهم يصرِّحون بالفتوى والفتوى المضادَّة لها، ويُبدعون فتاوى مضحكة مبكية في الآن ذاته، ونتج عن «فوضى الإفتاء» هذه ارتباك على مستوى المنظومة الدينيَّة وعلى مستوى الحياة الاجتماعيَّة نظرًا لما اكتسبته الفتاوى من بُعدٍ إلزاميٍّ إجرائيٍّ تحوَّل بموجبه الإفتاءُ من خطابيٍّ استشاريٍّ غير ملزم (على عكس القضاء) إلى خطابٍ إجرائيٍّ له تداعيات على مستوى سلوك الأفراد والمجموعات، وهذا ما نلحظه بجلاء فيما يتعلَّق بفتاوى «تكفير المسلم» وما ينتج عنه من مضايقات ومحاكمات واستباحات في الدم والمال والعرض.
إنَّ رسالة عمَّان والفتاوى الملحقة بها تُمثِّل صوت «المؤسَّسات الدينيَّة الرسميَّة» ومن ورائها «كبار العلماء» و «المراجع» الذين ظلُّوا لقرونٍ خلت يؤكِّدون أحقِّيتهم بالإفتاء دون غيرهم، وأنَّ المفتي لا بدَّ أن يرخَّص له للاضطلاع بعملية الإفتاء، ولكن من يُرخِّص لِمَن؟ في خضمِّ سياقٍ حضاريٍّ مُضطرب تداخلت فيه الأدوارُ وتشابكت فيه العلاقات وتغيَّرت فيه الثقافات؟
لقد عكست نصوص الاستفتاءات تحوُّلا خطيرًا في وظيفة الإفتاء وعناصره وشروط المتصدين له، وسنحاول أن نرصد هذا التحوُّل بأكثر عمق عندا نتناول نصوص الفتاوى (إجابات العلماء) المتعلِّقة بتعريف المفتي ومكانته وآدابه وشروطه ومهامه.
- - - (4/22)
صفحة 68
ردُّ الشبهات عن رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان
د: إسماعيل بن صالح الأغبري
معهد العلوم الشرعية ــــ سلطنة عُمان
ismael.2345@hotmail.com
ل
(1) لم يعُد خافيًا على كثيرٍ من الناس ما يقوم به عددٌ ممَّن يظنون أنهم أحرزوا قصبات السبق في البحث والتقصِّي، ودعاة حرية الفكر والتحرُّر من التقليد والقيود، وزعمهم الرغبة في التجديد والتطوير، ودعواهم في تحقيق كثير من المسائل، رغبة كما يزعمون في وضع النقاط على الحروف، وتخليص التراث الإسلامي الأصيل مما شابه من الأكدار، لم يعُد خافيا على كثير من الناس أنَّ تلك مجرَّد دعاوى تعوزها الأدلَّة، وأنَّ دعاة تلك الدعاوى تعوزهم المعارف في تلك الميادين، فكيف يمخرون عباب البحر وهم ليسوا ربابنة سفُنه، ولا يمتلكون أشرعتها، ولا يستطيعون الغوص في أعماقه، بل ولا يجيدون السباحة حتى عند شطآنه.
__________
(1) (*) - هذا المقال ردٌّ على أفكار نُشر بعض منها في مقالات بأعداد سابقة من هذه المجلة، تحت عنوان: «فصلٌ في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكِّمة»، وأتبعه صاحب تلك الأفكار بكتاب عنوانه: «عبد الله بن إباض الحيادي، دراسة علمية تحقيقية بتحليل أصيل ومعاصر»، ويعتبر هذا المقال ملخص سجال علميٍّ مطول دار بين الكاتبين، في جلسة ضمَّت مجموعة من المثقفين والأساتذة في سلطنة عُمان بتاريخ 08/ 05/2012.
وإذ ننشر هذا المقال ـ من باب تشجيع الحوار والمناقشة، ونشر الرأي والرأي الآخر ـ فإنَّنا نذكِّر بأنَّ ما تنشره المجلة لا يعبِّر إلاّ عن الرأي الشخصي لصاحب المقال، وليس بالضرورة رأي المجلة أو لجنة التحكيم أو هيئة التحرير. (هيئة التحرير). (5/1)
صفحة 69
إنَّ أكثر هؤلاء يتسوَّرون ساحات المعارف، وليس لهم فيها القدح المعلَّى، ويُدلون بدَلوِهم، وتجاهلوا أنَّ دلاءهم مثقوبة، نزلوا إلى الهيجاء بغير سلاح، وأرادوا مبارزة فرسان السياسة وربابنة البلاغة والفصاحة دون أن تكون لهم من معارف اللغة ما به يعبُرُون، يخبطون في تراث المسلمين خبط عشواء، وهم يتطاولون على الأنجم الزهر، ويطعنون فيما خلَّفه أساطينُ المسلمين من رسائل حُجَجِ الحقِّ الدامغ، والبرهان الساطع، والدليل القاطع، ذلك لأنَّهم كحاطب ليلٍ أو كسارٍ في البيداء بغير دليل من علم أو هداية من نجم.
إنَّ كلَّ أمَّة من الأمم تُنقِّب عن تراثها تحقيقًا له ونشرًا، تُفاخر به، وتهدي إليه أجيالها الصاعدة، بينما ينقضُّ على تراث المسلمين بعض منهم، فيبذلون جهدهم، ويستفرغون وسعهم في سبيل صرف الأجيال الناشئة عنه، تحت ذرائع شتَّى، ودعاوى غير مؤسَّسة.
لقد قُدِّر لي حضور مجلس ضمَّ لفيفًا من الحضور من مختلف التخصُّصات وحملة المؤهلات العلمية ومن عدد من أقطار العالم الإسلامي، والتي يوجد فيها أتباعُ المذهب الإباضي، عُمان والجزائر وليبيا، وكان بين الحضور مصريٌّ من خريجي الأزهر. (5/2)
صفحة 70
استمرَّ اللقاء إلى الثانية عشر والنصف من الليل، وكان حوارًا علميًّا منظَّمًا هادئًا هادفا معمَّقا رغم أنَّ أكثر الحضور لم يَدْرِ أنَّ حوارا سينشأ، وأن معركة فكرية قادمة، وأنَّ شُبهة قد يُلقيها أحدُ الباحثين، خاض فيها في تراثٍ عزَّ نظيرُه، ورسالة تاريخية، سياسية فقهية عقدية، تنبئ عن عظم شخصية صاحبها، واعتداده بالمبدأ، ولزومه الإسلام، ورسوخ قدمه في الذود عنه باللسان وبالسنان، وتكشف رسالته التاريخية الفقهية العقدية عن استقلالية هذه الشخصية الفذة في الإدلاء برأيها، ورفضها التبعيَّة للمستبدين بالأمر، أو التسبيح بحمدهم أو الدوران في فلكهم وإن حاولوا شراءها بالصفراء والبيضاء، كما هو واضح من رسالة إمامنا وقدوتنا وفخرنا «عبد الله بن إباض التميمي» - رحمه الله - إلى الملك الأموي «عبد الملك بن مراون» (1).
إنَّ تلك الرسالة تُنبئ عن صواب المنهج، وإسلاميَّة المذهب، فحريٌّ بأهل المذهب المفاخرة بها، وتعظيم إمامه عبد الله بن إباض - رحمه الله -.
__________
(1) - انظر نص الرسالة، مجموعة من العلماء، «كتاب السير والجوابات»، وزارة التراث والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، ط1، 1406هـ، 1986م، 2/ 345. (5/3)
صفحة 71
إنَّ الصحوة السياسية التي تحدث في عالمنا الإسلامي تؤكد مبدأ «الشراة» في وجوب العدل في الحكم، وحقِّ الرعية في انتقاد من حاد عن الحق، وإن كان من أهل القرن الأول الهجريِّ أو من أهل القرن الخامس عشر الهجري؛ ذلك أنَّ الإسلام واحدٌ إلى يوم الدين، لا يتجزَّأ ولا يتبعَّض؛ أحكامُه تسري على القريب والبعيد، الحبيب والبغيض، المسلم وغير المسلم؛ لا انتقائية في أحكامه، ولا استثناء في شريعته بناءً على النسب أو الصُّحبة أو العصر أو الأقدمية، أو حتى معاصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -. فالله تعالى قطع توهُّم المتوهِّمين، وقطع آمال العاطفيين، الذين يرغبون في استثناء أهل الجور من العصور الغابرة من أحكام الشريعة الغرَّاء، بدعوى الأسبقيَّة والأقدميَّة والهجرة مع خير البرية، وصحبة نبي الإنسانية، فقال جل وعلا {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات14] {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات17]. (5/4)
صفحة 72
فإن كان الإسلام واحدًا، وأُنزلت أحكامه على الجميع، وأمر الله جلَّ وعلا بالعدل في الجميع، وطلبه من الجميع، {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص26] وحذَّر من الظلم ولاة أمر المسلمين، سواء أكانوا غابرين أو معاصرين {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة124]، فإنه من المفارقات العجيبة التنديدُ بظلم الحكَّام المعاصرين، والإعرابُ عن السرور لما تحقَّق من مطالب المظلومين الثائرين، بينما يندِّد «المتعالمون» بكلِّ ناقدٍ لأهل الاستبداد من الغابرين! فكيف يجوز الاعتراضُ على الجوَرَة اليومَ وتصبح مطالب المطالبين بالتغيير مشروعة، وتحرُم المطالبةُ بالعدل ممن ولي أمرَ المسلمين في القرون الهجرية الأولى؟!
إنَّ الإسلام دينُ النقل والعقل معًا، والحسَنُ ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع، فلا اعتبار لعاطفةٍ، ولا تشريع لنزعات ونزغات، فأهل القرن الأول الهجريِّ أولى باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتزام غُرَزِه، فإن خالفوه، كان أمرُ مخالفتهم أعظمُ، لأنهم شهدوا التنزيل، وعاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم -.
لو كان للعاطفة الجيَّاشة حُكمٌ فوق حكم الشرع الشريف لما تقبَّل شخصٌ عدم موالاة أبيه وأمه وأخيه وزوجته ولو جاؤوا من الأمر نُكرًا، واقترفوا من الفعل محرمًا. (5/5)
صفحة 73
لو كان للعاطفة شأنٌ وحكمٌ فوق حكم الله لتولَّى المسلم وترضَّى وترحم على شارب الخمر وتارك الصلاة والزاني والسارق ولو كان أبًا أو أخا أو عمًّا أو خالا، بل هم أقرب إليه روحًا ونسبًا من رجال القرن الأول الهجري .. لكنه الإسلام، والاستسلام لأمر الله قرينُه، بل نصُّه ومعناه.
إنَّ عاطفة الإنسان وقلبَه يتمنَّى نجاة أقاربه ومن يحبهم من أقران وخلاَّن وإن أتَوا من الموبقات ما أتَوا، وارتكبوا من المهلكات ما ارتكبوا، وفعلوا من الفواحش ما فعلوا، إلاَّ أنَّ تلك أماني مخالفة لحكم الله تعالى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة7]. فأين يجد المسلم استثناء الصحابيِّ أو السابق في الإسلام من هذا الأمر الإيجابي أو السلبي بناءً على خواتيم عمله؟
إنَّ أحكام الله لا يُفصِّلُها بنو الإسلام على مقاييسهم أو عواطفهم أو أمزجتهم، لأنَّ دين الله ليس سربالا حسِّيا يتسربلون به، وليس هندامًا أو ملابس تُفصَّل حسب أوزانهم وأحجامهم وأطوالهم ومتانة أجسادهم.
لقد أورد الباحث المشار إليه عدَّة شُبه في ردِّه ونفيه صلة الإمام عبد الله بن إباض برسالته التاريخية إلى عبد الملك بن مروان، والتي أراها قد خطَّها بيمينه، وآمن بفحواها، والتزم أتباعُه غُرَزَها ومحتواها، ومن الشُّبه التي ساقها الباحث ما يلي:
أولا: وصفَ الرسالة بأنها حسب تعبيره " لطخت" صورة الإباضية، وشوهتهم:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إنَّ هذه الشبهة ليست في محلِّها، بل حُجَجُ الحق تدفعها، ومنها: (5/6)
صفحة 74
أ) إنَّ ما اشتملت عليه الرسالة من الثبات على المبدأ، والانتصار للإسلام لا الأشخاص، وموالاةُ الحقِّ وحزبه، لا مناصرةُ رجالٍ قد قضوا/ أو مجاملة أناس في السلطة بينهم وبين من قضوا نسَبًا وصهرًا دليلٌ على أنَّ الرسالة ينبغي أن تُكتب بماء الذهب، وهي فخرٌ للمدرسة الإباضية «فلا يغرنَّك يا عبد الملك بن مروان عثمانُ عن نفسك، ولا تسند دينك إلى الرجال، فإنَّهم يُستَدرجون من حيث لا يعلمون، فإنَّ أمْلَكَ الأعمالِ خواتِمَها، وكتابُ الله جديد أبدًا، لا ينطق إلا بالحقِّ، أجارنا الله باتِّباعه أن نبغيَ أو نضلَّ، فاعتصمْ بحبل الله يا عبد الملك واعتصم بالله يهدِكَ إلى صراطٍ مستقيم» (1). ولا شك أنَّ تأكيد الإمام الأعظم على موالاة الحقِّ دون الرجال هو شرعُ الله تعالى، فلا تعلُّق بهم دونه، ولا أثر للأقدمية والصحبة إن تبدَّل الإنسان من بعد الحسن سوءًا ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ژ [المؤمنون103] فهل هذا المنطق القرآني يلطِّخ صورة الإباضية أو يجعل صورتهم ناصعة كنصاعة الإمام عبد الله بن إباض:؟
__________
(1) - مجموعة من العلماء، «كتاب السير والجوابات»، 2/ 337. (5/7)
صفحة 75
ب) إنَّ أكثر الإباضية لا يعلمون عن أمر الرسالة شيئًا، ولعلَّهم لم يسمعوا بها، وهذا للأسف غير مقتصرٍ على هذه الدرَّة الثمينة والجوهرة الغالية، بل هم غافلون عن تراثهم المُشرق في المشرق والمغرب، أمَّا غيرُهم فإن جلَّهم إن لم يكن كلّهم لم يتعرَّفوا على تلك الجوهرة الثمينة إلاَّ ما كان من بعض الباحثين المعاصرين كالدكتور عوض خليفات (1) ومهدي طالب هاشم (2) .. ومن اطَّلع عليها من غير الإباضية لم يشُنَّ عليها حربًا شعواء، ولم يزدَرِ محتواها، ولم يَرَهَا ظلامية الفحوى، ولا سوداء المعنى والمبنى بخلاف الباحث! فكيف يزعم بأنَّ الرسالة لطَّخت صورة الإباضية وجلُّ الإباضية وكلُّ الكتَّاب الأقدمين من غيرهم لم يطَّلعوا عليها، فإن عثر عليها الباحث في مصدر قديم غير إباضي فليأت به أو ينسبه أو يشير إليه، وليستظهر على ذلك بمن يشاء نكن له من الشاكرين، ولجهوده «الموضوعية» من الذاكرين!
ت) إنَّ تلطيخ الصورة، وتشويه الحقيقة لا يكون إلاَّ من أمر مَشين وخلل فاضحٍ وقولٍ سخيفٍ، وقد يُلوِّثُ الخلفُ صورةَ السلف بما يأتون ويذرون مما يخالف الشرع الشريف، وقد يأتي الأبناءُ من الأفعال والأقوال المشينة بما يقطع الصلة بينهم وبين آبائهم الكرام، وقد يرتكب الجيلُ اللاحق من الفظائع ما يشوِّه صورة الإسلام بأسره، فكيف «لطخت» الرسالة صورة الإباضية؟
إنَّ الرسالة أكَّدت:
__________
(1) - عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب، عمان، الأردن، /82.
(2) - مهدي طالب هاشم، الحركة الإباضية في المشرق، دار الحكمة، لندن، ط1، 2001م، /48. (5/8)
صفحة 76
1) صلابة قائلها في الحق «وأنت (أي عبد الملك) بعدُ على سبيلهم وطاعتهم، تُجامعُهم على معصية الله، وتتَّبعُهم وقد اتَّبعوا أهواءهم، واتبعتَهم أنت عليها، وقال الله عز وجل ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? S S S ژ [المائدة77] فهؤلاء أهلُ الغلوِّ في الدين، فليس مَن غَضِبَ لله حين عُصيَ ورضي بحكم الله، ودعا إلى كتاب الله وإلى سنَّة نبيِّه وسنَّة المؤمنين بعدُ بغالٍ في الدين» (1)، بينما سار كثيرٌ من طلاب الدرهم والدينار في ركاب بني أميَّة وبني العبَّاس، حتى بلغ الأمر مداه أن شهد أربعون شيخا لمن ولي أمرَ المسلمين بعد الخليفة عمر بن عبد العزيز أنْ لا حساب على الخليفة ولا عقاب (2)! فأيُّ الفريقين أحقُّ وأهدى سبيلا من وجهة نظر الباحث؟
2) رفضُ الإمام الدخول في طاعة عبد الملك الجبار وإعراضُه عن إغرائه «ولا تعرِض لي بالدنيا، فإنَّه لا رغبة لي في الدنيا، وليست من حاجتي، ولكن لتكن نصيحتَك لي في الدين، ولما بعد الموت، فإنَّ ذلك أفضلُ النصيحة» (3)، أتكون تلك المواقفُ من مخازي الرسالة أو من دُرَرِها؟ أتكون تلك المواقف مما يجب المفاخرةُ به أو هي مُوجِبَةٌ لدسِّ الرؤوس في التراب؟ ألم تكن تلك المواقف جديرةً ببعثها ونشرها؟ أم هي في رأي الباحث جديرةٌ بوأدها لأنها أشبه بالبنات في نظر أهل الجاهلية الأولى؟
__________
(1) - جاء في حاشية «الكامل» لابن الأثير (ج 4 ص 191 طبعة 1357 هـ): «إنّ يزيد صاحب حبابة وسلامة القسّ شهد له أربعون شيخاً أنّه ما على الخلفاء من حساب ولا عذاب، وإنّي لأعرف اليوم شيوخاً بأسمائهم وسيماهم ناصروا أمثال الرشيد ويزيد في الفسق والفجور ضدّ من أوقف نفسه لله وسهر الليل لتأييد دين الله والذبّ عن أولياء الله».
(2) - محمد صالح ناصر، «منهج الدعوة عند الإباضية»، مكتبة الاستقامة، مسقط، 1423هـ، 2002م، /334.
(3) - مجموعة من العلماء، السير والجوابات 2/ 345. (5/9)
صفحة 77
3) عدمُ المحاباة في شريعة الله، والقولُ الفصل عندما لزم الأمر، فإنَّ السكوت مع الحاجة إلى البيان لا يجوز في شريعة الإسلام، وعبد الملك بن مروان ارتكب المغالطات عندما حذَّر الإمامَ من الغلو، وزعم أنَّ تمكين الأمويين، وتغلُّبَهم على خصومهم العلويين والهاشميين دليلُ توفيقِ اللهِ لهم، فردَّ عليه الإمام بما يدحض شُبَهه «أمَّا قولك في معاوية إنَّ الله قام معه، وعجًل نصره، وبَلَجَ حُجَّته، وأظهره على عدُوِّه بالطلَب لدم عثمان، فإن كنت تعتبر الدينَ من قِبَلِ الدولة والغَلَبَة في الدنيا، فإنَّا لا نعتبره من قِبَلِ ذلك، فقد ظهر المسلمون على الكافرين لينظر كيف يعملون، وظهر المشركون على المؤمنين ليبليَ المؤمنين، ويُملي للكافرين، وقال ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ [آل عمران140]. وانظر ما أصاب المؤمنين من المشركين يوم أحُد، وانظر كيف ظهر قتلةُ ابن عفَّان عليه وعلى شيعته يوم الدار، وظهر عليٌّ على أهل البصرة وهم شيعةُ عثمان، وظهر المختارُ على زيد وأصحابه وهم شيعتُهم، وظهر مُصعب على المختار، وظهر أهلُ الشام على أهل المدينة، وظهر الزبير على أهل الشام بمكة، فلا تعتبر الدينَ من قِبَلِ الدولة، فقد يَظهرُ الناسُ بعضُهم على بعض، فقد أعطى الله فرعونَ مُلكًا وظهر في الأرض، وأعطى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه مُلكا ( ... ) (5/10)
صفحة 78
ولا تسأل عن معاوية وعن صناعته غيري، لأني قد أدركتُه ورأيتُ عمَلَه وسيرتَه، ولا أعلمُ من الناس أحدًا أترَكُ للقسمة التي قسمها الله، ولا لحُكمٍ حكمه الله، ولا أسْفَك لدمٍ حرَّمه الله منه، فلو لم يُصب من البلاء إلاَّ دم ابن سميَّة لكان فيه ما يُكفِّره (1)، ثم استخلف ابنه يزيد، فاسقًا لعينًا كافرًا (كفر نعمة) شاربًا للخمر، فيكفيه من الشرِّ، فلا يخفى عملُ معاوية ويزيد على عاقلٍ، فاتق الله يا عبد الملك، ولا تُخادع نفسك في معاوية، فقد أدركنا أهلَ بيتِكُم يطعَنُون في معاوية ويزيد» (2).
فهل حُجج الرسالة الربانية، وأدلَّتها النقلية والعقلية مدعاةٌ للنفور منها أو منقبةٌ من مناقب الأسلاف الكرام؟ الذنبُ ليس ذنب ابن إباضٍ إن لم يستطع الأخلافُ السيرَ سيرَه، وما حيلته - رضي الله عنه - إن كان الخلفُ غير قادر على الغوص في مكنون خزائنه؟ وما ذنبُ ابن إباضٍ إن كان الشرعُ دليلَه ومقصده، وكان دليلُ الخلَف عاطفتُه وميولُه ورغباته ونزواتُه.
__________
(1) - يشير إلى ما عمله (معاوية بن أبي سفيان) في سنة 45 هـ، حين ألحق (زياد بن سميَّة) أو (زياد بن أبيه) في نسبه، فأحبَّ أن يجعله أخاه، وادَّعى ذلك، وأتى بشهود شهدوا بأنّه ابن أبي سفيان، وهذا ما يُعبَّر عنه بـ (الاستلحاق) وهو محرَّم شرعًا. وأصبح زياد يعرف باسم (زياد بن أبي سفيان) بعد أن كان يعرف باسم (زياد بن سمية) أو (زياد بن أبيه). وقد لجأ معاوية إلى ذلك لاعتبارات سياسية. وتقول مصادر التاريخ إن ابن زياد توفي بالطاعون سنة 53هـ، وقيل إن معاوية كان سببا في مقتل زياد بن أبيه بالسم، ليؤول الحكم إلى ابنه يزيد.
(2) - محمد ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية / 333. (5/11)
صفحة 79
إنَّ قصارى ما يجب على الخلف ـ وقد عجزوا عن درك أسلافهم ـ عدم الطعن في إرثهم المشرق، والاحترازُ من القدح في مآثرهم الحميدة، والوقوف عند حدود المعارف الضئيلة، فمن لم ير الهلال لسُحبٍ كثيفة وغبار من الجهل مركَّب أو قلة بضاعة من العلم وضعف بصر وتهاوي بصيرة كمثل ما نحن عليه، فليسلِّم لمن رأى الهلال عيانًا، وقد بان للإمام ابن إباض الطريق، فالسلام عليه يوم ولد، والسلام عليه يوم مات، والسلام عليه يوم يبعث حيا.
ثانيا: وصف الباحث الرسالة بأنها «بذيئة»!
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكرَّر ذلك في الجلسة مرارًا، وحتى بعد المناقشة والمحاورة، وقد هالني الوصفُ وراعني، ورغم أنَّ الدكتور قد أشار إلى أنه يبتغي المنهج العلميَّ، وأنه ينشد الموضوعية ويبتغي الوسطيَّة، فهل هذا الوصفُ للرسالة من المنهجية والموضوعية في شيء؟
إنَّ من عادة الباحث الموضوعي أن يتجنَّب أسلوب الجزم والقطع واحتكار الحق والحقيقة، ومن رسوخ أقدام الباحثين تخيُّر العبارات المناسبة في النقد الموجَّه لمن تيقَّن الباحث خطَلَه وخطأه، فكيف إن كان الباحثُ ليس له من السفن ما يجعله كابن إباض، وليس له من الأدوات والوسائل ما يمكنه من التفاعل مع تلك الرسالة، درَّة ابن إباض في جبين الدهر؟ (5/12)
صفحة 80
تُعتبر تلك الرسالة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أوَّل وثيقة دستوريَّة سياسيَّة فقهية عقدية من بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - تنتقد النظام الاستبدادي، وتبيِّن عُوَاره، ولا تعترف بشرعيته، ويتمثل ذلك في مخاطبة الإمام عبد الله بن إباض - رضي الله عنه - الملك عبد الملك بن مروان باسمه دون أن يُسربلَه بسربال الخلافة «من عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان» (1)، «فاتق الله يا عبد الملك، ولا تخادع نفسك في معاوية ... »، كما أنَّها مفخرة الإباضية أمام العالمين، المتعطشين لمعرفة موقف الإسلام من نُظُم الاستبداد، ومن خلالها يتبيَّن لشباب أمَّة الإسلام الذين ثاروا على الظلم والقهر والاستبداد في عالمنا الإسلامي أنَّ الإسلام الحقَّ بريءٌ مما نسجته الأيادي الأموية، وباركه طلاب الدرهم والدينار من كُتَّاب الفرق والمقالات وعلماء السوء من تشريع للظلم، وتوطئة للاستبداد، وتقنين للطغيان بواسطة مرويات مثل: «السمعُ والطاعةُ ولو جُلِدَ الظهرُ وسُلِبَ المال»، ومن خلال إلباس الطغيان صبغة شرعيَّة عن طريق قاعدة: «الأئمَّة من قريش»، وهي قاعدة عضَّ عليها كثيرٌ من فقهاء البلاط بالنواجذ، وأقاموا لها صروحًا، ولعلها أسوأ قاعدة تقرِّر التمييز العنصريَّ، وتشرِّع حكم القبيلة على حكم الشرع الشريف، وهي البابُ الواسع لظلم بقية الأجناس من العرب من غير قريش والأكراد والأمازيغ والفرس والترك والبوشناق.
إنَّ من يُسَمَّون بالإسلاميين يتحمَّلون كفلا من شرعة الغاب التي سادت في بلاد الإسلام، فعلى قاعدتهم اتكأ أهلُ الاستبداد في القهر والظلم، وبناء على قواعد كثير من الفقهاء ترسَّخ في الجماهير إلفُ الذلَّة والمهانة، وتقبّل غُصص التنكيل وإهانة الكرامة.
__________
(1) - سالم بن حمد الحارثي، «العقود الفضية في أصول الإباضية»، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 1403هـ، 1983م، /123. (5/13)
صفحة 81
إنَّ قسمًا كبيرًا من الفقهاء شرعن الطغيان، والأدهى والأمَرُّ أن أولئك لم يكتفوا بشرعنة الاستبداد وفق قواعد فقه الطاعة والخنوع، بل اشتدَّ نكيرُهم على أنصار عبد الله بن إباض، وأجلبوا عليهم السلطة بخيلهم ورجلهم، وها هي الأيام تنقضُّ على قواعدهم، لأنها بخلاف الشريعة والفطرة والجبلة التي تأبى الضيم، ولا تقرُّ العدوان، وها هم أبناء تلك المدرسة اليوم تتخبَّط في فتاواها، بل كان لبعض الشخصيات الإسلامية مواقف تدعو إلى السمع والطاعة ولو جُلد الظهر وسُلب المال، فإذ بها اليوم تتلوَّن وتتشكَّل، وتحاول التملُّص مما أسَّسته من قبل.
إنَّ صبَّ جامِ الغضبِ على العلمانيين والتغريبيين فيما آلت إليه أمور السياسة في بلاد المسلمين ليس في محلِّه، لأنَّ فقهاء السلطة يتحمَّلون كثيرا من هذا العبء، بل ربما كانوا هم أنفسهم سببًا في ظهور العلمانية وسيطرة التغريبيين على أمر البلاد والعباد، فقد تمَّ تخدير الشعوب بقاعدة السمع والطاعة، وتم ترويضُها على الخنوع تحت قاعدة «الأئمَّة من قريش»، فكانت الأفيون المخدِّر والحشيش والخشخاش طوال أربعة عشر قرنا، وكل من تحرَّر منها نالته سهام «أحكام البغاة»، وطوَّقته فتاوى الخروج على أئمَّة المسلمين وأمراء المؤمنين! تمهيدا لإصدار فتاوى أخرى توجب قتله وقتاله! (5/14)
صفحة 82
ولنا أن نسأل الباحث هل الحق الذي جاهر به الإمام «بذيء»؟ وهل التنديد بالاستبداد الواقع من بعض خلفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعتبر تطاولاً؟ وهل نقدُ الأوضاع القائمة آنذاك من خلال المعاينة المباشرة للإمام عبد الله بن إباض مع انتزاعه لكلِّ قولٍ الأدلةَ النقليةَ والعقلية يُعتبر غلوًا وبذاءة؟ ألا يُعتبر التخلِّي عن العاطفة في النقد محمدة ومنقبة؟ ألا يُعتبر تشخيصُ الداء تشخيصًا حقيقيا أقرب الطرق لضمان الوصفة المناسبة للدواء؟ أليس عدمُ المحاباة هو مسلَك الإسلام؟ أليس الصحابةُ أولى بالتطبيق من غيرهم؟ وهل شُرِعَت الأحكام على من بعدهم أم تشملهم هم أيضا؟ ألا تشمل الصدِّيق والفاروق والزهراء فضلا عن عثمان وعلي؟ ألا يُعجَبُ الناس بمحاسبة الغرب لزعمائه على النقير والقطمير، ويتمنَّون سيادة ذلك في عالمنا الإسلامي؟
إنَّ ابن إباض أصاب كبد الصواب في نقده لأحداث القرن الأول الهجري، مع ملاحظة أنَّه لم يبدأ بالنقد ابتدءًا، وإنَّما ردَّا على نقدٍ لمنهجه جاءه من الملك الأموي عبد الملك بن مروان، ويعلم الجميع أنَّ الهجوم هو المنهيُّ عنه، ولم نعلم أنَّ الدفاع محرَّم، بل قد يكون الدفاع واجبًا شرعيًّا لتبديد الشبهة، وردع الخصم. بل لو كان الإمام هو المبادر فإنَّ ذلك لا يزيده إلاَّ سموًّا ورفعة، لأنه أمرٌ بمعروفٍ ونهيٌ عن منكرٍ، وتحذيرٌ من الاغترار بالأنساب أو القُرْب النسبيِّ من صحابيٍّ قد غيَّر وبدَّل، سواء أكان معاوية أو من قبله من أهل بيته، فليس من داعٍ لنفي الرسالة عنه، بدعوى أنها «بذيئة»، بل البذاءة كل البذاءة في وصفها بتلك الصفة! (5/15)
صفحة 83
إنَّ تحكيم العاطفة على حكم الشرع الشريف هو الذي ينبغي أن يُعاد فيه النظر، وإنَّ موالاة الشخصيات بناءً على أسبقيَّتها في الإسلام وقربها من عهد تَنزُّل الوحي، وشهودِها عددًا من المشاهد، وصحبتها للنبي - صلى الله عليه وسلم - مع عدم الاستمرارية على المنهج والطريقة هو مخالفٌ لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد ورد عنه في صحيح الربيع بن حبيب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة الزهراء: «يابنيَّتي اعملي لنفسك فإني لا أغني عنك من الله شيئا» (1). وقال جابر بن زيد: «لما نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء214] جعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يتفخَّذ أفخاذ قريش فخذًا فخذًا حتى أتى إلى بني عبد المطلب فقال: «يا بني عبد المطلب إنَّ الله أمرني أن أنذركم فإنِّي لا أغني عنكم من الله شيئًا، ألا إنَّ أوليائي منكم المتقون، ألاَ لأعرفنَّ ما جاء الناس غدًا بالدين فجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمَّة محمد اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا}» (2)، فكيف يُرَدُّ خبرُه فيقال: بل يُغني عن كلِّ من بدَّل وغيَّر شيئا، لأنَّه صحابي؟ أليس في ذلك ردٌ عليه - صلى الله عليه وسلم -، وعدم تسليمٍ له، ومنازعته في أمرٍ قد شرًعه؟
فهل تعدُّ بذيئة لأنها:
1) شخًصت الداء ثم وصفت الدواء؟
2) صيغت بلسان عربي مبينٍ؛ فما ذنب ابن إباض إن كان لسانُنا أعجميٌّ، أو بعُدَت الشقَّة بيننا وبين لغة القرآن الكريم الأم، فصار كلامنا وصارت مؤلفاتنا أشبه بقصاصات ورق وحكايات متناثرة، لغتها ضعيفة مبعثرة.
__________
(1) - الربيع بن حبيب، صحيح الربيع، مكتبة مسقط، ط1، 1415هـ، 1994م، رقم الحديث (890) / 247.
(2) - صحيح الربيع، رقم الحديث (1005) / 272. (5/16)
صفحة 84
3) انتقدت الأوضاع بروح القرآن والإسلام دون محاباة، فقد جاء في الكتاب العزيز ما يدلُّ على أنَّ كل أمَّة مهما تكن محاسَبة على النقير والقطمير ژ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ژ [البقرة134] أيكون الخطاب بذيئًا؟ وقال الله بلسان عربي مبين لنوحٍ النبي الكريم في شأن ولده، وهو يرجو له العفو والصفح، وقد اشتعلت فيه العاطفة، وتحرَّكت جوانح الأبوَّة، وتدفَّقت مشاعر النسب ژ ? ? ? ... ? ? پپ پ ... پ ? ?? ? ? ? ? ? ? ... ?? ? S S S S ? ? ژ [هود46] أيكون ذلك الردُّ عليه بذيئا؟ وحاشا لفضيلة الأستاذ أن يعتبر الألفاظ الواردة في قوله تعالى ژ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ... ?? ? ? ? ? ? ژ [الأعراف176] مِنَ الخطاب البذيء؟ وحاشاه أن يعتبر قول الله تعالى ژ ژ ژ s s ک ک ک ک ... گ گ گگ ? ? ? ... ? ? ? ?? ں ں ? ? ? ? ژ [الجمعة5] مِنَ الخطاب البذيء؟
إنَّ الشدَّة في الخطاب واللغة الصريحة والصدعَ بالحقِّ هو مما كان سائدًا في تلك القرون، فلا بدَّ من معرفة العصر الذي كُتبت فيه الرسالة، وإلاَّ فما قول الباحث في قول أبي موسى الأشعري لعمرو بن العاص عندما خدعه: «يا عمرو إنك كلبٌ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث»، وما قوله في عمرو بن العاص عليه بقوله: «يا أبا موسى إنك حمارٌ لا تفقه شيئًا» (1)؟ أيختلف حكمك هنا عن حكمك على الرسالة ذات الأدب الجمِّ؟ أم يجوز لهما ما لا يجوز للإمام ابن إباض، بدعوى أنهما صحابيَّان، يجوز لهما نقضُ العهد، والنكثُ عن الوعد، ثم التلاعن والشتم؟ أتكون الصحبةُ الحجابَ الحاجز عن تطبيق أحكام الشرع الشريف عليهما، وتنزل أحكامه على غير الصحابة؟
__________
(1) - محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، مؤسسة عز الدين، ط2، 1407هـ، 1987م، 5/ 38. (5/17)
صفحة 85
إنَّ خطابهم «لا أم لك» و «لا أب لك» وقولهم «يا ابن اللخناء»، وقولهم «قبَّحك الله» من الخطابات واللغات السائدة في العصور الغابرة، ورغم قبحها إلاَّ أنها في ذلك العصر لا تؤدِّي إلى قتل قائلها، ولا هجرانه وسجنه، لكنها اليوم قد تُطيح بقائلها! وهل ضمَّت درَّة ابن إباض شيئًا من ذلك؟ أم هي بذيئة لأنها صدعت بالحق فيما أحدثه معاوية بن أبي سفيان ومن كان سابقا عليه ومن بعده من خلفاء بني أمية؟
يبدو أنَّ الباحث لم يتصوَّر أمَّتنا في عصورها الغابرة إلاَّ كحالها اليوم، وهي في أضعف مرحلة، وأوهن حالة، يحاسبها عدوها على النقير والقطمير، ويشرف على كيفية أداء نقدها لخصمها، فيعلِّمها ألطف العبارات التي تحمل استجداء خصمها، والرضا بما يُشرِّعه لها.
لعلَّ الباحث يظن أن وضع أمَّتنا سابقا كوضعها حاليا من حيث التبعيَّة وضرورة المداهنة وعدم القدرة على الجهر حتى بما ورد في القرآن صريحًا محكمًا.
لعلَّه غاب عنه أيضا أن وضع «الشُّراة» سابقا من حيث الجهر بالحق، وصلابتهم ضدَّ محاربيهم، ولغة نقدهم مختلفة عن لغة أتباعهم اليوم، فهم يتخلَّون عن الأصول العقدية كالولاية والبراءة، ويترحمَّون على معاوية بن أبي سفيان وغيره من حكَّام بني أميَّة، بل يترحَّمون عن من كان يُفتي بقتلهم من فقهاء السلاطين، ويرون جواز هدم مساجدهم أو انتزاعها منهم وجعلها في يد مخالفيهم! ثم كان التنازل أيضا منهم في الفروع، فسعى بعضهم للبراءة من تراثنا المشرق، رغبة في التزلُّف من التيارات المهيمنة بالإعلام والسلطة، لعلها ترضى عنهم، وليس كثير من دعاة السلطة براض عنهم ما لم يبرؤوا من تراثهم، ويكفروا بفقهائهم، وينكروا صلتهم بأسلافهم أهل النهروان رحمهم الله. (5/18)
صفحة 86
إنَّ قول الحق بلسان عربي مبين اليوم مُستهجن، لأنَّ رقَّة العصر أو ما يعرف بالدبلوماسية وخنوع المسلم تجعله غير قادر على تقبُّل صراحة القول، فما تقول في قول الله تعالى {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)} [الحج22] أيتناسب مع عصرنا، ومع مقرَّرات علماء النفس والاجتماع؟ وما تقول في قوله تعالى {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم 15،17]، أيكون هذا النوع من الخطاب خطابا بذيئا معقَّدا لأنَّ العصر غير مواتٍ والظروف غير مناسبة؟ وما تقول في قول الله الشديد {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)} [النساء56] أيكون هذا الخطاب خطابا بذيئًا، لما يحمله من تهديد ووعيد لا يتناسب ولغة العصر، ولا ينسجم البتة مع الدبلوماسية وأعراف المجاملات، وأوضاع المسلمين الهزيلة مع عدوهم؟ وما تقول في هذا الخطاب الوعيدي التهديدي {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)} [الحج19 - 22] أتراه بذيئًا، لعدم مناسبته للغة العصر، ولشدَّة فحواه؟ (5/19)
صفحة 87
لستُ أريد أن أجعل كلام الإمام عبد الله بن إباض ككلام الله عز وجل، لكنه ينبغي أن لا نغفل أنَّ ابن إباض مقتدي ومقتفي الكتاب والسنَّة، وهو المسلم المستمسك بأهداب الدين، لا يقرُّ ضيمًا، ولا يرضى بخزي أو انحراف عن المنهج الإسلامي ولو كان من عثمان بن عفان أو علي بن أبي طالب، بل ولو كان من الصديق أو الفاروق، فما بالك بمن دونهم.
ولا بدَّ أن يعلم الباحث الفترة التي قال فيها الإمام خطابه، ولا بد أن يعرف لم اشتدَّ ابن إباض في رسالته؟ يجب معرفة لغة العصر السائدة آنذاك.
ويمكن أن نعرف سبب حدَّة الرسالة من خلال التالي:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1) جاءت الرسالة ـ كما أسلفنا ـ في معرض الردِّ على رسالة الملك عبد الملك بن مروان، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فإنَّ الملك الأموي اتَّهم ابن إباض بالغلو، «وكتبتَ إليَ تحذِّرني الغلوَّ في الدين، أعوذُ بالله من الغلوِّ، وسأبيِّن لك ما الغلوُّ إذا جهلته» (1). وقد قلب الملك الأمويُّ الحقيقة، فسار سيرة فرعون عندما اتهم موسى عليه السلام بالضلال ژ ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ [غافر26]. إنَّ ذلك أدعى إلى الردِّ القاطع، وقوَّة الخطاب، فعدم الاكتفاء بالانكباب على الباطل والإقامة عليه حتى يتجاوز الأمر إلى وصف المحقِّ بالغلو والتشدُّد هو من دواعي شدَّة الخطاب.
__________
(1) - مجموعة من العلماء، «السير والجوابات» 2/ 341. (5/20)
صفحة 88
إنَّ بعض القوم يغمزون الإباضية إلى يومنا هذا بالغلوِّ، ويصفونهم بالتشدُّد! ألم تلحظ أنَّ بعض الوجوه المعروفة، من دعاة الفتنة في الفضائيات، لا يصبُّون جام غضبهم على «التكفيريين» ممن ينتسبون للسلف ادِّعاءً، ولا يحملون عليهم في مجلاَّتهم وصُحفهم الموصوفة بالإسلامية، بينما يشنُّون حملة من خلال مواقعهم وخطبهم على الإباضية؟ ألا نرى أنَّ التفخيخ والتفجير والاعتداء بالقتل الذي يقوم به أولئك التكفيريون اليوم لا ينال الحظَّ الوافر من التنديد، وأقصى ما يقوله أولئك العلماء: «إنَّ هذه الأعمال المشينة شبيهة بأفعال الخوارج المارقين!» أي أنهم لا يحاولون تشخيص الداء، بل يتجنَّبون نقد تلك الطائفة وإدانتها إدانة صريحة، لا لشيء إلاَّ لأنهم من منظومة ترضى عنها سلطة الحاكم والأمير، ولك أن تتصوَّر لو قام بالتفخيخ والتفجير والتقتيل ولباس الأحزمة الناسفة إباضي؟ ماذا تتصوَّر ردَّة فعل المجلاَّت والصحف والمواقع الموصوفة بالإسلامية؟ تأمَّل معي كيف سيحاول كثير منهم تأصيل المسألة والعودة بها إلى من يُسمَّون زورًا وبهتانا «بالخوارج»، والمقصود بهم أولياءُ ابن إباض وسلفُنا الصالح أهلِ النهروان عليهم رحمة الله ورضوانه.
1) لم يُعهَد في الردِّ على المضلِّل أن يكون الجوابُ كأنه دغدغةٌ أو مزاحًا أو مداعبة! أتُرى لو أنَّ أحدا سفَّهك وضلَّلك وفسَّقك وكفَّرك، بل وأمعن في محاربتك وإهدار دمك ... أيكون ردُّك ليِّنا لطيفًا هيِّنًا؟ أم يكون صدعًا بالحق ونارًا تلظَّى حارقة؟ لقد كان ابن إباض يذود عن أمَّة، ويدافع عن فكر، وينافح عن عقيدة إسلاميَّة، فلا بدَّ من القول الفصل، ووضع المقصل على المفصل.
2) انتماءُ الإمام إلى مذهب «الشُّراة»، ولا يخفى أنَّ لسان الشراة لسانٌ عربيٌّ مبينٌ، وسيفُهم سيفٌ صقيل في الذود عن حياض الشريعة، فلا تعرف عندهم تقيَّة، ولا مهادنة وتحالف مع السلطة الغاشمة. (5/21)
صفحة 89
3) يُعتبر ابن إباض من المعارضة، ولم يكن لسانُ المعارضة قديمًا وحديثًا إلاَّ ناقدًا، يبين العوار، ويكشف أدواء الحكومات، ثم يصف الدواء الناجع، إلاَّ أن معارضة الشُّراة لم تكن لنيل سلطة، وفوات مغنم، وإنَّما لتصحيح المسار، وإعادة الحياة الإسلامية إلى المجتمع المسلم.
4) يُعتبر الإمام وأنصارُه من رجال الله والثورة، ولم يكن خطاب الثوَّار والثورة إلاَّ على تلك الشاكلة، وإلاَّ لما صحَّ وصفهم بالثوار، ولا صح وصفُ الحركة بالثورة، فالثورة تنشد التغيير الجذري الشامل لا الترقيع، وتطالب بتغيير مبدأ الحكم ومنظومته ومرجعياته، لا تغييرًا سطحيا أو ظرفيا.
5) العقيدة الإسلامية الصافية الموافقة للكتاب والسنَّة، فلا يُعرف في الإسلام محاباةٌ أو تمييزٌ في إقامة الشرع الشريف بناء على القرابة أو الصحبة أو الهجرة، وإنَّما العبرةُ بخاتمة العمل، فلعل الباحث يرى أنَّ نقد ابن إباض للخلفاء والحكام ـ وأن كانوا من صحابة رسول الله ح ـ لعلَّه يرى ذلك سوء أدب وبذاءة لسان؟ والحق أنَّ موالاة أهل الحق والبراءة من أهل الأحداث هي عقيدة الإسلام، وعليها الإمام ابن إباض وسائر أنصاره، وهو فهمٌ يتَّفق تماما مع المنهج القرآني، ولنستمع إلى قول الله تعالى ژ ک ک ک گ گ ... گ گ ? ?? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ژ [التحريم10]، فلم تُفِدْهُما قرابة النبييَّن الصالحين، ولا شكَّ أنَّ العلاقة الزوجية أوثق من علاقات الصحبة، ومع ذلك فإنَّ حكم الله هو المقدَّم على كلِّ حال، ثم لننظر معًا إلى قول الله تعالى ژ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ژ [التحريم11]، فهل يرى الباحث عبد الله بن إباض حادَ عن الحقِّ؟ أو أنَّ الرسالة «بذيئة» سفيهة لما احتوته من الصدع بالحق الذي لا يليق بعبد الله بن إباض فنفاها عنه؟ (5/22)
صفحة 90
6) إنَّ الولاية والبراءة جزءٌ من عقيدة المسلم، ومن متطلبات الإيمان، وكثير من المسلمين لا يعلمون من أمرهما شيئا، فيترحَّمون على المحسن والمسيء، والمفرِّط في دين الله والمستمسك بدين الله، والظالم والمظلوم، والطائع والعاصي، فلا غرابة أن نجدهم يقولون: «رحم الله صدام حسين فقد كان شديدًا في حكمه!»، و «رحم الله جمال عبد الناصر فقد قتل شهيد الإسلام سيد قطب رحمه الله!» و «رحم الله يزيد بن معاوية فقد قصف الكعبة بالمنجنيق، وأدمن على شرب الخمر، وقتل الحسين بن علي سبط النبي رحمه الله!» ... ومن العجيب سيرُ بعض أتباع ابن إباض المحدثين سيرهم! فيترحمون ويترضَّون عن معاوية وغيره من أهل الأحداث، بل يترحَّمون على من أجاز قتلهم، ودان لله بكفرهم في المعيار المُعرَب، ثم يترحَّمون على من حمد الله أن طهَّر المساجد من (رجس الإباضية) في المغرب، وقد كان من أشدِّ العلماء عليهم، وفتكا بهم!
لقد أورد الإمامُ ابن إباض أحداث عثمان بن أبي عفان ليس ابتداءً، وإنما بناءً على رسالة عبد الملك بن مروان وردًّا على استفزازه، ولو أوردها ابتداءً ما كان عليه من حرج كما أسلفنا. وهذه الأحداث أوردها ابن قتيبة في «الإمامة والسياسة» (1)، كما أوردها المؤرِّخون من غير الإباضية، فلِمَ يحرُم على كُتَّاب الإباضية إيرادها ويحل لغيرهم؟ لم لا يصير لكلام أتباع ابن إباض وزنًا عندهم حتى ينال ثقة غيرهم؟ لم لا تثبت رسالةٌ عند أصحاب ابن إباض ما لم يقرَّ بها أتباع غيره؟ لم لا يثبت رجال في المذهب ما لم يثبت أولئك الرجال عند علماء الجرح والتعديل من القوم؟
ثالثا: ذكر الباحث في حواره أنه يرجِّح أن تكون الرسالة (لشيعي):
ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) - انظر أبو عبد الله محمد بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة (المعروف بتاريخ الخلفاء)، دار الأضواء، بيروت، لبنان، ط1، 1410هـ، 1990م/46 وما بعدها. (5/23)
صفحة 91
يطيب لي أن أقول بأنَّ هذا القول ليس راجحًا، بل هو قولٌ مرجوح، فإن كان الباحث يراها مسبَّة ومذمَّة، وأنها «بذيئة» فكيف جاز له رميَها في سلَّة فرقة أخرى بغير بيِّنة ولا بُرهان؟ كيف تكون الرسالة المشرقة لشيعي، والشيعةُ بأقسامهم الغالية والمعتدلة تَدِينُ لله بولاية عليِّ بن أبي طالب، والتنصيص على أحقِّيته بالخلافة دون أبي بكر وعمر، وأنهما أخذا الخلافة قسرًا وقهرًا؟، ولا تجد شيعيًّا إماميًّا قديما يُثني على الخليفتين، بل حتى المحدثين منهم، ومن يوصف بالاعتدال يدين بأنَّ عليًّا هو أولى بالخلافة، وأنَّ خلافة السابقين له لم تصح.
إنَّ رسالة الإمام عبد الله بن إباض فيها من الثناء على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ما يمكن الباحث مراجعته، والأصحاب يقتفون أثر إمامهم، ولهذا لا يمكن أن تكون هذه الرسالة صادرة من فكر شيعي في ذلك العهد على الأقل.
رابعا: تساءل الباحث كيف لم يَقُم عبد الملك بن مروان بقتل عبد الله بن إباض إن كان خاطبه بتلك الرسالة القاسية؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا أمر عجبٌ! فقد خُوطب ملوكٌ سابقون بأشدَّ من هذا الخطاب، فعفَوا، وخوطب السفَّاح الحجاج بن يوسف بأشدَّ فعفَا، وخوطب كما يقال معن بن زائدة بأنَّه «ابن الناقصة» فلم يقم بردَّة فعل! وكُتب التاريخ مليئة بمثل هذه الحالات والحوادث.
على أنَّ ابن إباض تميميٌّ، وقبيلةُ تميم ذات انتشار واسع في الجزيرة العربية، بل في العراق، وإنَّ للقبيلة في ذلك الزمان شأنٌ كبير، يخطب الحكام ودَّها، طمعا في بيعتها أو على أقل تقدير صمتها، كما أنَّ لشيخ القبيلة السمع والطاعة العمياء، فابن إباض لم يكن نكرة، ومن نافلة القول أنَّ شيخ بني تميم الأحنف بن قيس كان إذا غضب فَجَرَّ سيفَه من غمده سُلَّت من سيوف بني تميم مئةُ ألف سيفٍ، لا يسألون شيخهم لِمَ سَلَّ السيفَ؟ ولِمَ أعاده إلى غمده وقِرابه؟ (5/24)
صفحة 92
إنَّ الأمويين يعلمون أنَّ الفتك بالإمام تعقبُه أيامٌ حوالك، فهو من الشُّراة أي من الصقور لا الحمائم، وإذا غضبت الشراةُ فإنَّ الأرض تشتدُّ غضبًا لوقع خيولهم وصهيل جيادهم وقوة بأسهم. كما أنَّ الإمام ليس من طُلاَّب عبد الملك أو كان في بلاطه يتنعَّم بعطائه حتى إذا ما انقلب أخذه، وإنما كانت بينهما المراسلات كلٌّ في عرينه ومعقله، فلا يصلون إلى ابن إباض حتى تُنثَرَ الهاماتُ على الأرض.
خامسا: هل كان عبد الله بن إباض حياديا ... الفرق بين الحياد والقَعَدَة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صاغ الباحث عنوان بحثه وسماه: «عبد الله بن إباض الحيادي»، فمن أين له هذه التسمية والوصف؟ فالناس في الغالب تُنسب إلى قبائلها أو بلدانها لا إلى مواقفها الفكريَّة، فلا يُوصف الباحث في علم النفس مثلا بالقول فلان النفسي باعتبار أنَّ تخصُّصه علم نفس أو التربية، وليس علوم شريعة إسلامية.
ننبِّه الباحث إلى أن ابن إباض لم يكن يومًا حياديًّا لم يحدِّد موقفه، أو كان متفرِّجا، فتلك نقيصةٌ ما نظنها تلحق بابن إباض! إنَّ الإمام وثيق الصلة بشرع الله، وهو يعلم أنَّ لا حياد في الحقِّ والصدع به، بل لا بدَّ من الاصطفاف مع الحق وأهله، ألا ترى من المنقصة والمذمَّة شهودُك اختلاف المختلفين، ومعرفتك المعتدين، ومعاينتك المجرم عند ارتكابه الجريمة، أيسعُك أن تكون محايدًا؟ أيكون حيادُك مفخرةً أم مثلبة؟ فالحكم إليك، فانظر ما ترى؟ (5/25)
صفحة 93
أمَّا الاستدلال لهذا الوصف والتسويغُ له بأنَّ الإمام كان من «القَعَدة»، فهذا لا يعني البتَّة أنه وأصحابَه كانوا يُقِرُّون مُنكرًا من القول وزورًا، فشتَّان بين مصطلح «القَعَدَة» ومصطلح «الحياد». على أنَّ مصطلح «القَعَدَة» لم يختره الإباضية لأنفسهم، وإنما هو اختيار مخالفيهم من الخوارج، والخوارج كانت تدعو الإباضية إلى قتال كلِّ مخالف لهم واستباحة دمه، فلما لم يوافقوا أطلقوا عليهم تسمية «القَعَدَة»، فهذه منقبةٌ للإباضية، وإن قصد بها الخوارج النقيصة! وأمَّا الحيادُ دون نصرة الحقِّ فمنقصةٌ ولا ريب! إنَّ وصف ابن إباض وأتباعه بالقعَدَة لا يعني إلاَّ أنه لم يكن ليقاتل بباطل، وأمَّا وصفُه بالحيادي فيعني أنه قاعدٌ عن نصرة الحق، ومُقرٌّ بالباطل!
ثم كيف يكون ابن إباض «حياديًّا» وأتباعُه وأنصارُه يلاحَقُون؟ ثم كيف ينتخبونه ليدفع عنهم الشبهات بما أوتي من رجاحة العقل، وقوَّة المنطق، وسرعة البديهة مع العلم الغزير وهو غير متحمِّس لفكرهم؟ وكيف سيخلص لهم، وهو غير ميَّال إليهم؟
ألم يكن من «القَعَدَة» أبو بلال مرداس بن حِدير؟ أيمكن أن يوصف بأنه «حيادي»؟ إنه لم يستخدم السيف في الباطل، لكنَّه مع ذلك لم يكن حياديًا وقومُه يطارَدون، بل استخدم السيف وقاتل في موقعة «آسك»، فهزم الجيش الأمويَّ، ثم قاتل وقوتل، فتغلَّب عليه الأمويُّون بالخدعة، فسقط شهيدًا، فهل بعد ذلك يمكن أن نصف أبا بلال بالحيادي، لأنه من القعَدَة؟
إنَّ رسالة ابن إباض تلك هي من مناقب الإباضية وليست من مخازيهم، وستكشف قادم الأيام صدق ذلك، أليس ما يشهده عالمنا الإسلامي اليوم من رفض للطغيان والاستبداد ورفض للقمع الذي استمر عقودًا بل قرونا، مدعاة لأن تنشأ عنه دراسات؟ ألم يطالب كثير من العلماء بتجديد الفقه السياسي؟ وهل التجديد إلاَّ الأخذُ بمضمون رسالة الإمام ابن إباض في الصدع بكلمة الحق والنصيحة للحاكم مهما علا شأنه؟ (5/26)
صفحة 94
ستكشف الأيام أنَّ الرسالة ستكون مفخرة يفاخر بها المسلمون، لأنَّها ـ كما أسلفتُ ـ أوَّل وثيقة سياسية تعتمد محاسبة الحكَّام مهما كانوا ما داموا بشرًا، بدءًا بعثمان وعلي ومعاوية وعبد الملك وغيرهم إلى قيام الساعة دون محاباة أو مجاملة.
فهل ينبغي أن نحبَّ في الإسلام الانتقائيَّةَ في أحكامه أم شمولية الأحكام جميع الناس؟ أيرغب أحدُنا أن يُقام عليه حكمٌ شرعيٌّ ثم يُستثنى منه غيره؟ أيحقُّ للمسلمين المفاخرةُ بدينهم وسياساتُهم جلُّها واسطاتٌ وانتقائيَّة واستثناء؟ أيكون هو الدين الحقُّ والحالة كذلك؟
أيُّ وثيقة يمكن أن تعتمدها عند محاورتك الغربَ للتدليل على عدم الانتقائيَّة والشفافيَّة في النقد عند المسلمين؟ ألا تكون رسالة الإمام عبد الله بن إباض حجَّة؟ فلماذا التنديدُ بالحكام الجوَرَة المعاصرين إذا؟ ولماذا لا يحق لزوجاتهم السيطرة على أموال الأمَّة؟ ولماذا لا يحقُّ لأبناء الحكام وسائرِ قرابتهم العبثُ في أموال الأمَّة؟ هل لأنهم من رجال القرن الحادي والعشرين الميلادي الخامس عشر الهجري؟ لماذا نعترض على الحاكم الظالم في هذا العصر فتثور الشعوب ضدَّه وضد ظلمه، بينما نقبله إن صدر من وليِّ أمر المسلمين في الأعصر الخالية؟
إنَّه أمرٌ عجبٌ كيف صار الإسلام مجموعة «إسلامات»؟ وكيف يكون الظلم من رجال القرن الأوَّل الهجري منقبةً، والسكوت عنه فضيلة، أمَّا ظلم القرن الخامس عشر الهجري فمذمَّة ومنقصة؟ والسكوت عنه تواطؤ وخنوع؟
لقد كتبتُ هذه الفقرات بناء على ما دار بيننا من نقاش في ذلك المجلس، وأسأل الله أن أجد وقتا فأتفرغ فيه تفرُّغا علميًّا لتحليل كتاب الباحث ونقده، ولعلي أقيم عليه في قادم الأيام.
وفقني الله وإياه إلى إصابة كبد الصواب، وأسأل الله لي وله الاعتزاز بتراثنا الإسلامي المشرق الأصيل.
قائمة المراجع
1) سالم بن حمد الحارثي، «العقود الفضية في أصول الإباضية»، وزارة التراث والثقافة، 1403هـ، 1982م. (5/27)
صفحة 95
2) الربيع بن حبيب، «صحيح الربيع»، مكتبة الاستقامة، مسقط، ط1، 1415هـ، 1994م.
3) عوض خليفات، «نشأة الحركة الإباضية»، دار الشعب، عمان، الأردن، 1987م.
4) مجموعة من العلماء، «السير والجوابات»، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1406هـ، 1986م.
5) محمد بن جرير الطبري، «تاريخ الأمم والملوك»، عز الدين للنشر، ط2، 1407هـ، 1987م.
6) محمد بن صالح ناصر، «منهج الدعوة عند الإباضية»، مكتبة الاستقامة، مسقط، 1423هـ، 2002م.
7) محمد بن مسلم بن قتيبة الدينوري، «الإمامة والسياسة، المعروف بتاريخ الخلفاء»، دار الأضواء، بيروت، لبنان، ط1، 1410هـ، 1990م
8) مهدي هاشم، «الحركة الإباضية في المشرق»، دار الحكمة، لندن، 2001م.
- - - (5/28)
صفحة 96
إصلاح ذات البين وتجربة المجتمع الميزابي الإباضي في الجزائر صالح بن عبد الله أبو بكر
أ. د: صالح بن عبد الله أبو بكر
كلية الحقوق والعلوم السياسية ــــ جامعة غرداية
aboubakerapn@hotmail.com
ش
(1)
شروط اختيار أعضاء لجنة الإصلاح:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسواء كانت جماعة الصلح فردا واحدا أو جماعة من أربعة أو خمسة أشخاص من العزابة أو العشيرة أو الأعيان، ومها كان عددها حسب طبيعة الموضوع وحجم القضية المعروضة للصلح، فالمصلح هو ذلك الذي يبذل جهده وماله ووقته، وجاهه ليصلح بين المتخاصمين ويكون قلبه من أحسن قلوب الناس نقاوة، ونفسه تحب الخير وتشتاق إليه، وقد يقع في حرج كبير مع هذا ومع الآخر ويحمل هموم إخوانه ليصلح بينهما، ويتسلح بالصبر الكبير، والحلم الواسع، والذكاء الوقاد، والفطنة العالية، والخبرة الواسعة في مجال المعاملات، ولذلك تشترط فيه الشروط التالية:
1 ـ التقوى والورع والسلوك الحسن:
على المصلح بين الناس أن يتحلَّى بالتقوى والورع والسلوك الحسن في المجتمع، ويتمثل ذلك في تجنُّب الأهواء الشخصية والمنافع الدنيوية فهي مما يعيق التوفيق في تحقيق الهدف المنشود، ويشوه الجهود المبذولة لإصلاح ذات البين، وعليه أيضا أن يتحرَّى العدل ويحذر كل الحذر من الظلم، ولكي يكون كلامه في مجلس الصلح مسموعا ورادعا ويتقبَّله الجميع مهما كان المدعي مُصرًّا على حقِّه أو متعنِّتا مع خصمه، وإلا فسيقال له:
__________
(1) (*) -هذا الموضوع هو تتمَّة للبحث الذي نُشر الجزء الأول منه في العدد الماضي (ع17)، وكان الباحث قد تناول فيه الجانب النظري والتشريعي لمسألة إصلاح ذات البين، وتضمَّن تعريف إصلاح ذات البين في الشريعة الإسلامية عمومًا، وأهميَّته في المجتمع، ثم تأصيلَه الشرعيَّ من القرآن والسنَّة وعمل الصحابة، ثم تعريف المجتمع الميزابي الإباضي، ودور هيئاته العرفية في إصلاح ذات البين. (هيئة التحرير). (6/1)
صفحة 97
لا تنْهَ عن خلُقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
لأنَّ الصلح إذا صدر عن هيئة اجتماعية معروفة بالعدالة والتَّقوى وجب على الجميع الالتزام به والتقيُّد بأحكامه إذعاناً للحقِّ وإرضاءً للضمائر الحيَّة {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)} (1).
2. الرزانة والعقل وكتمان الأسرار:
على الساعي لإصلاح ذات البين أن يسلك في وساطته وجهوده سلوك الرزانة والتعقُّل من كتمان السرِّ، فالمجالس بالأمانات، وأن يكون قليل النجوى، لقوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (2). ولأنَّ الجهر والعلانية والتشهير بالمتخاصمين أمام الناس يفسد ك ل جهود الصلح، والإنسان يتأذَّى بنشر مشاكله أمام الناس، فالسعي في الإصلاح يحتاج إلى الحكمة والتروّي، وإلاَّ فإن الساعي إلى الإصلاح أحيانا بتهوره قد يزيد من شقَّة الخلاف وحدته. وأن يكون عاقلا رزينا وهادئ الطباع وكاتمًا لأسرار الناس لأنه في مجالس الصلح ستُعرض أمامه نزاعات فيها أمورٌ شخصية خاصَّة، وعلاقات ما بين الأزواج والشركاء، وهي أسرارٌ استُؤمن عليها، وإفشاءُ الأحاديث يُفسد الأمور المبرمة والاتفاقيات الخيرة، والناس تتأذى من نشر خصوصياتها، وكلَّما ضاقت دائرة الخلاف كان من السهل القضاء عليه. وأن يكون المصلح عاقلا حكيما منصفاً في إيصال كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه، مدركا للأمور، متمتِّعا بسعة الصدر وبُعد النظر، مضيِّقا شقَّة الخلاف والعداوة.
3 ـ اختيار الوقت المناسب للصلح بين المتخاصمين:
__________
(1) -سورة الحجرات، الآية 09.
(2) -سورة النساء، الآية 114. (6/2)
صفحة 98
على المصلح أن يختار الوقت والظرف المناسبين للقيام بجهود الصلح بين المتخاصمين، فيتجنَّب أوقات الغضب والإثارة والهيجان، كما يتجنَّب التجمُّعات والأماكن العامَّة، كما يتجنَّب الإحراج والإهانة أمام الغير أو من تربطه بالمتخاصمين روابط شخصيَّة، وأن لا يستعجل الأمور قبل أوانها، حتى يؤتي الصلح ثماره ويكون أوقع في النفوس، وأن ينتظر حتى تهدأ النفوس وتخفَّ حدَّة النزاع وتخمد نار الغضب. ولا يستعجل في حُكمه قبل سماع الطرف الآخر، ويتريَّث الأمر، فالعجلةُ قد تفسد كلَّ جهود المصلح أكثر مما أصلح.
4 ـ الخبرة بموضوع النزاع:
قال بن القيم: «فالصلح الجائزُ بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه على رضا الله سبحانه ورضا الخصمين، فهذا أعدلُ الصلح وأحقُّه، وهو الذي يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالما بالوقائع، عارفا بالواجب، قاصدًا العدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم» (1).
وإصلاح ذات البين يحتاج إلى معارف وخبرات بموضوع النزاع وتفاصيله الدقيقة، ولذلك يطلب من عضو لجنة الصلح أن يكون ممن يفهم الأمور المتنازع عليها؛ فالمنازعات العائلية تقتضي أن يكون رجل الصلح ممن يعرف فقه الأسرة والمواريث وحقوق الأزواج، أما عضو لجنة الصلح في الأمور التجارية والاقتصادية ينبغي أن يكون عالما وخبيرا بقوانين التجارة وأعرافها وطرق تقويم السلع والبضائع وحقوق العمال والشركاء وحساب الفوائد والأرباح وتقسيمها. كما يجب أن يكون الصلح مبنيا على علم بأحكام الشريعة من الحلال والحرام، يخرج المتخاصمين من الشقاق إلى الألفة ومن البغضاء إلى المحبة. ومن الأحسن أن يتشاور أعضاء لجنة الصلح في ذلك، وأن تُدرس القضية من جميع جوانبها، وأن تسع كلام كل واحد منهما، ولا مانع من استشارة أهل الاختصاص في كل علم وفي كل فن.
5 القرابة للأطراف:
__________
(1) -ابن القيم الجوزية، أعلام الموقعين، ج01، ص 109 و110. (6/3)
صفحة 99
إذا كانت القوانين المعاصرة في العدالة تنصُّ على وجوب حياد القاضي وهو أن يكون أجنبيا عن النزاع، وتنصُّ على ذلك موادّ في قانون الإجراءات المدنية والإدارية على طرق ردِّ القاضي الذي تربطه علاقة بأحد المتقاضين لأنَّ القاضي يجب أن يكون محايدًا يفصل بحكم قضائي بناء على نصٍّ قانوني، ويعطي لكلِّ ذي حقٍّ حقه، دون ضغط أو تأثير أو استعمال عاطفة، أما مجالس الصلح فهي على عكس ذلك؛ فغالبا ما ترتكز كثيرًا على الجانب الوعظي والإرشادي والإقناع والنصح، لقبول الصلح والتنازل عن جزءٍ من الحقوق، والتسامح في بعض جوانب الخصومة، فإنه كثيرًا ما يراعى في لجنة الصلح أن يكون ضمنها من هو من أقارب المتخاصمين، أو من كبار عائلته، أو عشيرته من مشايخ وعلماء محترمين، من الذين لا تُردُّ كلمتهم، ولا يشك في إخلاصهم وحيادهم، بهدف تحقيق التأثير الديني والروحي والأخلاقي على المتخاصم حتى لا يتعنَّت ولا يُصرَّ على الباطل.
ولا يخفى علينا أنَّ ضمان نجاح هذا الهدف من وجود أحد الأقارب ضمن لجنة الصلح أساسُه الورع والتقوى أي من الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)} (1) وأما إذا تخلَّف الورع والتقوى تحوَّلت القرابة إلى عصبيَّة تزيغ عن الحق والعدل إلى الظلم والعدوان.
6. العمل تطوُّعا:
__________
(1) -سورة الأنعام، الآية 152. (6/4)
صفحة 100
مجالس الصلح غالبًا ما تتكوَّن من علماء وشخصيات معروفة بالصلاح والتقوى، وتقوم بعملها تطوُّعا وتضحية بدون أجرة، مبتغية أجر الله تعالى في العمل الإصلاحي الذي يقومون به. وتَعرِف المجتمعات الإسلامية وجوهًا من ذوي الخبرة والكفاءة من الأئمَّة والدعاة والعلماء والشيوخ، الذين يعملون تطوُّعا لله تعالى فلا يبتغون بصلحهم مالاً أو جاهاً أو رياء أو سمعة، وإنما يقصدون بعملهم وجه الله تعالى. أخذا بقوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)} (1).
7 ـ أن لا تكون له مصلحة مباشرة في النزاع:
قال تعالى: ژچ چ چ ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ژژ (2) فلا تميلوا بأهوائكم، وإن تبذلوا الجهد في العدل والقسمة والنفقة والمعاشرة وتتَّقوا ربكم فإن الله يستر عليكم ما سلف ويرحمكم (3)، يقتضي نجاح الصلح أن لا يكون من بين أعضاء لجنة الصلح من له مصلحة مباشرة في النزاع المعروض على اللجنة، لأنَّ ذلك من شأنه أن يجعل العضو في وضعية الخصم والحكم في الوقت نفسه.
8 التلطُّف في العبارة واختيار أحسن الكلم في الصلح:
__________
(1) -سورة النساء، الآية 114.
(2) -سورة النساء، الآية 129.
(3) -تفسير الطبري، اختصار وتحقيق الشيخ محمد على الصابوني، ود. صالح أحمد رضا، مكتبة رحاب الجزائر، ط 02، 1987، ص 174. (6/5)
صفحة 101
استحباب الرفق في الصلح واختيار العبارات اللطيفة التي تفتح القلوب وتلطف من الغضب والثوران، وترك المعاتبة والمحاسبة، والإبقاء على المودَّة والتواصل، وخفض الجناح، ژہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ژ (1). لأنَّ العتاب يجلب الحقد ويوغر الصدور، وقد كتب عمر بن الخطاب س إلى أبي موسى الأشعري س: «رد الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن». ولما جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ح بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّك؟ وفيه دليل على الاستعطاف بذكر القرابة بين فاطمة وعلي.
9. ذكر المحاسن والتغاضي عن المساوئ:
يتم الصلح بكل كلام يمدح فيه المتخاصمان، ويبرز مناقبهما ومواطن الخير فيهما، وفي أهلهما وآبائهما وأقاربهما؛ فيقول المصلح لأحدهما مثلا: «يا أبا فلان أنت معروفٌ بكذا وكذا ويذكر محامده ومحاسن أعماله، كما يذكر بمناقب آبائه وأجداده وعشيرته، ويجوز له التوسُّعُ في الكلام والمبالغة ولو كذباً في صفاته الحسنة، وأن يحذّره من فساد ذات البين وما ينتجُ عنها من البغضاء والشحناء، وأنها هي الحالقة تحلق الدين، فالعداوة والبغضاء لا خير فيهما، والنبي ح قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا» ثم قال عليه السلام: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (2).
وعلى المصلح أن يتغاضى ولا يركِّز كثيرًا على الزلات والعبارات الجارحة وفلتات اللسان التي قد ينطق بها أحد المتخاصمين.
10. تهوينُ المشكل واعتبارُه سهل الحل:
__________
(1) -سورة النحل الآية 125.
(2) -الربيع بن حبيب الأزدي: «الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب»، المطبعة العربية، 1985، ص 183. (6/6)
صفحة 102
على جميع أعضاء لجنة الصلح أن لا يهوِّلوا ويبالغوا في المشكل والنزاع الحاصل بن المتخاصمين، واعتباره سوء تفاهم أو سوء تقدير أو خطأ بسيط كثير الحدوث بين الناس، وهناك ما هو أخطر وأعظم من المشاكل التي تكون بسبب الذنوب والمعاصي وارتكاب المحرَّمات، أو التي تكون فيها جرائم القتل والزنا والخمر والمخدرات، بينما هذه المشكلة بسيطة وعادية يسهل حلها إذا توفرت النية الحسنة والإرادة المخلصة من جميع الأطراف.
مواضيع إصلاح ذات البين:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المواضيع التي يكثر فيها الشقاق والنزاع بين الناس في المجتمع منها:
1ـ الشقاق بين الأزواج:
الصلحُ بين الزوجين المتخاصمين من أعظم أنواع الصلح، فإنَّ الأسر تقوم على المحبَّة والألفة وتدوم بدوامها، فإذا انتهت المحبة والألفة حلَّ الشقاق، وهو كثير الحدوث في العلاقات الزوجية، وقد تؤدِّي إلى الفراق والطلاق وتشرُّد الأسرة وأبنائها. ويجب على لجان الصلح في أي مجتمع أن تبذل جهدا في الإصلاح بين الزواج، قال تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ژ (1) فإذا كانت نيَّة الحكمين طيبة جاءت نتيجة جهدهما طيبة: ژ ... ژ ژ s s کک ژ (2). وحبَّب الله تعالى للمرأة أن تصالح زوجها، فقال عزَّ وجل: ژ پ ? ? ? ? ? ?? ? ?? ژ (3). فالصلح خيرٌ من الخصومة فالشقاق فالفراق. والصلح بالتنازل عن بعض الحقوق خيرٌ من البغضاء والشحناء الذي يسيطر على النفوس.
__________
(1) -سورة النساء، الآية 35.
(2) -سورة النساء، الآية 35.
(3) -سورة النساء، الآية 128. (6/7)
صفحة 103
قالت عائشة ك في قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? پ پ پ ژ قالت: «هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه، كبراً أو غيره، فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت، قالت: ولا بأس إذا تراضيا». فإذا أراد أن يطلقها إيثاراً لزوجته الأخرى مثلاً، فقالت الأولى: «أمسكني عند أولادي، وأبيحك من ليلتي، فهذا جائزٌ، وقد فعلت ذلك سودة ك. أو تصطلح معه على أن تضع عنه شيئاً من النفقة، وتتنازل له عن شيءٍ منها من أجل أن تدوم الحياة الزوجية بينهما بلا طلاق أو فراق، لقوله تعالى: ژ پ ? ? ? ? ? ?? ژ (1).
ويتم الصلح بين الأزواج بالتحكيم بين الزوجين من أجل الإصلاح كما أمر الله تعالى حيث قال: ژ ? ? ? ? ? ? ... ژ ژ s s کک ژ (2).
فما هو دور الحكَمَين؟ أو لجان الصلح بين الزوجين؟
يقوم كلُّ واحدٍ منهما بلقاء وكيله والاستماع إليه في عرض سبب الشقاق والخلاف، ثم يجتمع الحكمان فيعرضان سبب الخلاف، ويكشفان الطرف المخطئ، أو أن كليهما يتحمَّل جزءًا من سبب الشقاق، فيقومان بوعظهما وتصويب خطئهما ويحاولان تقريب وجهات النظر بينهما باقتراح الحلول، ومن الحكمة تذكيرُهما بوصيَّة رسول الله ح بالنساء، وبقوله: «خيرُكم خيركُم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (3)، فيذكِّران الزوج بضرورة المعاملة والعشرة الحسنة والتعامل مع زوجته بالفضل لا بالعدل، والمسامحة لا بالمشاححة، والتغاضي عن الزلاَّت والأخطاء، فهي وديعة من أهلها عندك ومؤتمن عليها، فحافظ عليها فهي أم أولادك، وأن الزوج الكريم هو الذي لا يستغلُّ قوَّته وبطشه وقوامته فيتعسف في استعمال سلطته على زوجته فيلحق بها الضرر.
__________
(1) -سورة النساء، الآية 128.
(2) -سورة النساء، الآية 35.
(3) -رواه الترمذي وابن ماجة عن عائشة - رضي الله عنها -. (6/8)
صفحة 104
وينبغي كذلك للحكمين، وللجان الصلح، أن يذكِّرا الزوجة بمعاني الإسلام السامية في حقوق الأزواج، وبأحكام الزوجية وما يترتَّب عليها من الطاعة وحُسن المعاشرة للزوج بالمعروف، وأن تُسمعه الكلمة الطيِّبة اللينة، وأن تُسارع إلى طاعته فيما أوجبه الشرع عليها من طاعته، وفيما يأمرها به زوجها من المباحات، وألاَّ تُثقل عليه بطلباتها الكثيرة، وأن تتحمَّل غضبه وعبوسه وصدوده وإساءته، وأن تقابل ذلك بابتسامتها وإحسانها وخدمتها، فإنَّ الزوج إذا رأى ذلك منها سرعان ما يزول عنه العبوس والصدود، ويكف عن الإساءة. وعليها ألا تستقصي في طلب الحقوق، وإذا أحسَّت بكراهتها له، فلتطرد هذا الإحساس، ولتذكر نفسها بأنه قد يجعل الله لها فيما تكرهه الخير الكثير، فيرزقها الله منه ولداً تقرُّ به عينها، ويزول عن قلبها ما تحسُّه من كراهة لزوجها. فتذكير الطرفين بحقِّ كل واحدٍ منهما على الآخر وبالمعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها، مما يجعل أمرهما ليناً سهلاً، والصلح بينهما وشيكاً.
وكم بيت كاد أن يتهدّم بسبب خلاف سهل بين الزوج وزوجه، وكاد الطلاق أن يمزِّق الأسرة، فإذا بهذا المصلح بكلمة طيبة ونصيحة غالية ومال مبذول يعيد المياه إلى مجاريها ويصلح بينهما، وهذا مصداقا لقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ژ ژ s s کک ک ک گ ... گ گ ژ (1). كما حرَّض المرأة التي خافت من زوجها نشوزًا أو إعراضا أن تسعى إلى الصلح وتنبذ الشحناء ژ ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?? ? ?? ? ? SS S S ? ? ? ? ... ? ? ? ژ (2).
__________
(1) -سورة النساء، الآية 35.
(2) -سورة النساء، الآية 128. (6/9)
صفحة 105
«جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ح بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّك؟ قَالَت: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ح لإِنْسَان: انْظُرْ أَيْنَ هُوَ، فَجَاءَ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ح وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ح يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَاب» (1).
ولجان الصلح في كلِّ العشائر بميزاب تبذل جهودا كبيرة لرأب الصدع بين الأزواج، وكم هي القضايا التي تمَّ فيها الصلح وتجنب الأزواج الطلاق والفرقة، وهي اليوم عائلاتٌ تعيش سعيدة لعقود وأنجبت أبناء وبنات صالحات في المجتمع.
2. الشقاق بين الأصول والفروع:
كثير ما تنشب المنازعات والخصومات بين الأصول آباء وأجدادًا، وبين الفروع أبناء وحفدة، وذلك نتيجة لاختلاف الأهواء والرغبات والاتجاهات، بسبب الميراث والوصايا والهبات، أو بسبب المعاشرة أو الشراكة، ومن ثم فإنَّ المنازعات والخصومات تسبِّب البغضاء والعداوات، وتفرق بين الأهل والقرابة، فتمزق صلة الرحم وقد توصل إلى ارتكاب الجرائم ثم المحاكم فالسجون، ومطلوب منَّا أن نسعى إلى الإصلاح بكل الوسائل والإمكانات، قال الله تعالى: ژ ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ژ (2).
__________
(1) -رواه البخاري.
(2) -سورة الحجرات، الآية 10. (6/10)
صفحة 106
وتعرض على لجان إصلاح ذات البين في العشائر بميزاب نزاعات قد تكون بين الأصول والفروع سببُها إمَّا ظلم الأصول لأبنائهم وسوء عشرتهم، وقد يكون من الأبناء العقوق والعصيان وعدم الاعتراف بحقوق الوالدين، فتبذل لجان الصلح الجهود الجبارة لردِّ المياه إلى مجاريها، بتبيان حقوق الأولاد على والديهم، وكذا حقوق الآباء والأمهات على أولادهم، مما يحفظ المجتمع من تشريد الآباء في دور العجزة تقليدًا للمجتمعات الغربية المادية فالله تعالى يقول: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ... ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ژ (1)، فلا يعرف المجتمع الميزابيُّ ملاجئَ ولا دور للعجزة والشيوخ (2).
3. الشقاق بين الأقارب والأرحام:
كم من قطيعة بين الأقارب كادت أن تكون بين أخوين أو بين أبناء العمومة، أو أبناء الأخوال، أو صديقين، أو قريبين، بسبب زلة أو هفوة، أو تقصير أو سوء أدب أو عشرة، أو غفلة وسوء تفاهم، أو عشرة وتجارة، أو معاملة وتقسيم تركة، فتتفاقم الأمور فيشتكي المتضرِّر إلى العائلة أو العشيرة، فيتدخَّل العقلاء وذوو الرأي والتجربة بعقد جلسات وجلسات لتوضيح أسباب الخلاف، ثم تقريب وجهات النظر، ثم اقتراح الحلول، وإذا بالإصلاح يعمُّ كلَّ أفراد الأسرة والأقارب، فتُحفظ أسرارُ العائلة من فضائح المحاكم والمحامين، وتنطفئ نار الفتنة وقد ورد في السنة أن النَّبِيَّ ح قال: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ ... » (3).
4.الشقاق بين الخلطاء في العشرة:
__________
(1) -سورة الإسراء، الآيات 23 و24.
(2) -بكير بن سعيد أوعوشت، وادي ميزاب في ظل الحضارة، م، س، ص 107.
(3) - الربيع بن حبيب الأزدي: «الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب»، المطبعة العربية، 1985، ص 183. (6/11)
صفحة 107
الخلطاء هم الذين المتعاشرين من غير الأقارب، كالجيران في سكن أو حقل وبستان، أو عمل أو شراكة تجارية، وقد يكونون من الأقارب في الآن نفسه، فعن عَائِشَة ك قالت: «سَمِع رَسُولُ اللَّهِ ح صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَ، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ [أي يقول: دع لي من أصل المال] والآخر يَقُول: وَاللَّهِ لا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ح عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ َقَال: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فله أيُّ ذلِكَ أَحَبَّ» (1). فعندما قال الرسول ح: أين الذي يحلف بالله ألاَّ يفعل الخير؟ استحى الرجل وقال: أنا يا رسول الله، وما أراده من عفو عن بعض المال فأنا راضٍ به.
وقد يكون الشقاق بين المتداينين، وما أكثرها في زماننا هذا، حيث سهل على الناس الاستدانة والاقتراض لأبسط الأشياء، فقد روي عن كَعْبٍ بن مالك أَنَّه تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ح فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ح وَهُوَ فِي بَيْتٍه، فَخَرَجَ إليهما رَسُولُ اللَّهِ ح حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: يَا كَعْبُ، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ من دَينِكَ، قَالَ كَعْب: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ح: قُمْ فَاقْضِه" (2).
__________
(1) -رواه مسلم في صحيحه رقم 2919.
(2) -رواه مسلم في صحيحه رقم 1558. (6/12)
صفحة 108
وقد يحدث في ميزاب الشقاق بين الجيران من السكَّان المتجاورين في حيهم، من تعديات في البناء والحريم ومسالك المرور، وفتح الكوى والنوافذ، وكذا المتجاورين في الحقول والبساتين بسبب حقوق الارتفاق من المرور والسقي، فيلتجئ كل هؤلاء المتخاصمين إلى شيوخ العزَّابة أو إدارات العشائر أو أمناء العُرف للبناء، أو أمناء العُرف بالسيل والواحة، فتنظر اللجان المتخصِّصة في سبب الخلاف، وبالتوضيح واستبيان المعتدي من المعتدى عليه، يُفصلُ في النزاع أو سوء التفاهم قبل الوصول إلى محاضر الشرطة والدرك وأروقة المحاكم والمرافعات.
ومن أمثلة الذين برزوا في مجال إصلاح ذات البين بين الشركاء في التجارة والمعاملات بين الميزابيين نذكر الشيخ «الحاج يحيى بن محمد ألجون» الذي اشتهر في العاصمة الجزائر، بكونه المستشار الأوَّل للجماعة الإباضية وأعيان العاصمة وما جاورها، فأصبح مكتبه في الشركة قبلة الإخوان من كلِّ مكان، ويعلم الله كم من قضايا اجتماعية مختلفة كانت له اليد الطولى في حلِّ إشكالاتها، من قضايا تتعلق بالجماعات، وبين الشركاء، وبين الورثة وغيرها كثيرٌ جدًّا (1).
9.الشقاق بين الطوائف والمذاهب الدينية:
__________
(1) -تنظر للاستزادة: «أبو المشاريع الاجتماعية الحاج يحيى بن محمد الجون»، تأليف بكير بن يحيى الشيخ بالحاج، ص 49، وما بعدها. (6/13)
صفحة 109
إذا كان الصراع بين الأزواج والشركاء محدودُ الضرر، وفي نطاق ضيق، فإنَّ الصراع والفتنة بين الطوائف والمذاهب بسبب الخلاف الديني يعتبر من أشد الفتن فتكا بالمجتمع، ومن أوسع الصراعات في المجتمعات الإسلامية، وعبر كلِّ تاريخها من عهد الصحابة إلى اليوم، وهذا الصراع هو من أوكد المواضيع التي تحتاج إلى الصلح والتصالح، فكم عَصَمَ الله بالمصلحين من دماء وأموال وفتن شيطانية كادت أن تشتعل، لولا فضل الله ثم جهود المصلحين، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ س أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ح بِذَلِكَ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ» (1). ومن أعظم الصلح: الصلح بين المسلمين المتقاتلين، لأن إراقة الدماء بين المسلمين من أعظم الكبائر، ومما يفرق الصفوف أشدَّ تفريق، ولذلك قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (2)، فهذا أمرٌ صريح بالصلح.
__________
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري، رقم 2547.
(2) -سورة الحجرات، الآية 09. (6/14)
صفحة 110
ومن أبلغ وأوضح الدروس في نبذ الخلاف الديني أو الفقهي بين المسلمين قصَّة صلاة العصر في بني قريظة حين فرغ الرسول ح من غزوة الأحزاب، فقال لصحابته «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلينَّ العصر إلاَّ في بني قريظة» (1) فبعضهم فهم المراد من أمر الرسول ح الاستعجال فصلَّى العصر لما دخل وقتها، وبعضهم أخذ الكلام على ظاهره فلم يصل العصر إلاَّ في بني قريظة بعد العشاء الآخرة، ولم يعنف النبي ح أحدًا منهم، ولم يعاتب واحدة من الطائفتين (2)، ففي ذلك دلالة مهمَّة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى، وهو تقدير مبدأ الخلاف في مسائل الفروع، واعتبار كلا من المتخالفين معذور ومثاب، كما أن فيه تقديرا لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية، وفيه ما يدل على أنَّ استئصال الخلاف في مسائل الفروع التي تنبع من دلالات ظنية أمر لا يمكن أن يتصوَّر أو يتم (3).
__________
(1) -البخاري، كتاب المغازي، 5/ 60، رقم 4119.
(2) -الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، ط 2006م المكتبة العصرية صيدا، ص 288.
(3) -د. سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية، ص 226. (6/15)
صفحة 111
إنَّ السعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع، وتوحيد المسلمين كلهم على مذهب فقهيٍّ واحدٍ، معاندةٌ للحكمة الربانية والتدبير الإلهي في تشريعه، كما أنَّه ضربٌ من العبث وإضاعة الوقت وتشتيت للجهود، وتفريقٌ لصفوف الأمة التي هي في أمسِّ الحاجة إلى الوحدة ولم الشمل، إذ كيف يمكن انتزاع الخلاف في مسألة دليلها ظنيٌ محتمل؟ ولو أمكن ذلك أن يتمَّ في عصرنا لكان أولى العصور به عصر رسول الله ح، ولكان أولى الناس بأن لا يختلفوا هم أصحابه، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما حدث، ومن واقعة صلاة العصر في بني قريظة، نستنتج أنه لا يعاب في استنباط المعاني من النصوص، وفيه أيضا أن المختلفين في الفروع مجتهدون، لا إثم عليهم فقد قال ح «إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فأجتهد ثم أخطا فله أجر» (1).
وحاصل ما وقع أنَّ بعض الصحابة خلوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ـ وقت صلاة العصر ـ ترجيحا لهذا النهي الخاص على النهي العام عن تأخير الصلاة عن وقتها (2).
وقد علق الحافظ ابن حجر على هذه القصة فقال: «ثم الاستدلال بهذه القصة على أنَّ كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه، وقد استدل الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه ح لم يعنِّف أحدا من الطائفتين، فلو كان هناك إثم لعنف من أثم» (3).
__________
(1) -البخاري، كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد رقم 7352.
(2) -د. علي محمد الصلابي، السيرة النبوية، دار المعرفة بيروت، ط05، 2005، ص 624.
(3) -فتح الباري، 07/ 473. (6/16)
صفحة 112
وقد ابتلي الإباضية الميزابيون في تاريخهم بالعديد من الفتن والصراعات مع غيرهم، وكان للعزَّابة ومجالس الأعيان دورٌ كبير في عقد لجان الصلح، أو لجان الأخوَّة، لنبذ الخلاف الذي كثيرًا ما يكون مَنشأه وسبُبه أمورٌ دنيوية ماديَّة ومصالح مادية لا علاقة لها بالمذهب أو الدين، فالنزاع قد يكون لأمور سياسيَّة كالانتخابات، أو التطبيق الخاطئ لقانون الثورة الزراعية، وقد يكون لمصالح دنيوية كتوزيع أراضي للفلاحة أو السكن، وقد يكون إثر شجار في مباراة لكرة القدم، أو على مناصب للشغل، أو لمجرد إشاعة مغرضة، أو حادث معزول بين شخصين ينتميان للمذهبين المالكي والإباضي.
وعبر تاريخ المجتمع الإباضي الميزابي عقُدت ونظِّمت العديد من مجالس الصلح من عقلاء الطرفين كعزابة وأعيان وشيوخ العشائر والأعراش، فقُدِّمت من الحلول الناجعة ما تعجز عنه الإدارات الرسمية، فينعقد الصلح وتنتهي الفتنة وتعود المياه إلى مجاريها، حيث كلام المشايخ والأعيان مسموعٌ ومطاع قبل التعليمات الإدارية، ولذلك يستنجد الولاة والوزراء في كلِّ الفتن بالمشايخ والأعيان، بعد أن كانوا مهمَّشين ولا مكان لهم في كلِّ برامج وخطط التنمية المحلية، وقد لا يُسمع لهم ولا حتى يستشارون في الملفات المهمَّة والخطيرة التي لها علاقة بالوحدة والأخوَّة والتعايش.
ومن تاريخ المجتمع الميزابي نستشهد بدور «الشيخ عمي سعيد الجربي» على ما قام به من إصلاح ذات البين، فقد حارب البدع والخرافات، فألَّف بين القلوب بعد ما كانت عليه من الافتراق، وجمع وحدتهم بعد الشتات إلى الوفاق (1).
__________
(1) -بحث: الشيخ سعيد بن علي بن يحيى الخيري الجربي، حياته ودوره في نهضة وادي ميزاب، بشير بن موسى الحاج موسى، ص 30. (6/17)
صفحة 113
فهنيئاً لعباد الله المصلحين والساعين لإصلاح ذات البين، ولكل من وفَّقه الله للإصلاح بين متخاصمين، سواء أكانا زوجين أم جارين أم صديقين أم شريكين أم طائفتين أم دولتين ... هنيئاً له ثم هنيئاً وهنيئا.
الحقوق المتنازَع عليها:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الحقوق المدنية:
نتيجة عن المعاملات كما إذا وقعت المزاحمة في الأملاك أو المشتركات والبيوع والرهانات والإيجارات، فقد تحدث النزاعات والخصومات عند عدم دقة الشروط وتفاصيل العقود أو عدم توثيقها، فيحضر شحُّ النفوس وبخلها، ويثور النزاع، ففي هذه الحالة على المصلحين أولا الرجوع إلى الاتفاق الحاصل بين المتخاصمين، إن كانت بينهما كتابة أو عقود، لأن العقد شريعة المتعاقدين، فإن لم يوجد عقد أو اتفاق مكتوب، رجع المتصالحون إلى العُرف الجاري به العمل في ميزاب في ذلك المجال، أو النشاط، زراعة أو تجارة، فالعرف مُحكَّم. وفي الحقوق المدنية التصالح جائز، والتنازُل والعفو والإبراء جائزٌ بين كل المتخاصمين.
2 - الحقوق الجنائية: (6/18)
صفحة 114
ويكون حيث الجرائم الواقعة على العرض أو النفس أو المال مثل: الضرب والجرح: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (1) هذه هي أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية، في الجراحات والتي يمكن التصدُّق بها والعفوُ عن الجاني والتصدق عليه، فهو كفارة للمطلوب وأجر للطالب، وقال الطبري: «من تصدَّق من أصحاب الحقِّ وعفا فهو كفارة له أي للمتصدق، ويكفر الله ذنوبه لعفوه وإسقاط حقه» (2). ويكون الصلح لقطع الخصومة، فمن عفا وأصلح فأجرُه على الله أي فمن عفا عن الظالم وأصلح بينه وبين عدوِّه، فإنَّ الله يثيبه على ذلك الأجر الجزيل قال ابن كثير: «شرع الله تعالى العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، فمن عفا فإن الله لا يضيع له ذلك، كما جاء في الحديث الشريف «وما زاد الله تعالى عبدا بعفو إلاَّ عزًّا» (3).
__________
(1) -سورة المائدة، الآية 45.
(2) -تفسير الطبري ج 10 ص 346.
(3) -حاشية الصاوي ج04، ص 41. (6/19)
صفحة 115
وأما في القتل والقصاص والدية فإنَّ الإصلاح بين طالبي الدية في الجراحات مما جاء في السنَّة، فإن أنساً س حدَّث أن الربيِّع بنت النضر كسرت ثنية جارية، اعتدت عليها فكسرت ثنيتها، فطلبوا القصاص فقال أهل الربيِّع: نعطيكم مالاً بدلاً مما فعلته الربيِّع أو أعفوا عنها وتنازلوا عن طلب القصاص، فأبوا إلاَّ القصاص، فأتوا النبي ح، فأمرهم بالقصاص لأنه كتاب الله، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيِّع يا رسول الله؟! -وكان رجلاً صالحاً من أولياء الله تعالى- لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال: يا أنس كتابُ الله القصاص، وفجأة تغير الموقف، فرضي القوم فعفوا، فقال النبي ح: «إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره».
وفي جرائم السرقة والاختلاسات شرع الله تعالى القصاص في السرقة بقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1) أي كل من سرق رجلا كان أو امرأة فاقطعوا يده جزاء لفعله القبيح أي عقوبة من الله والله حكيم في شرعه ولا يأمر بقطع اليد ظلما ومن رجع عن السرقة وأصلح سيرته وعمله فإن الله يقبل توبته ولا يعذبه في الآخرة (2) لأنَّ مظالم السرقات لا يتم فيها الصلح إلاَّ برد المظالم إلى أهلها وإبراء الذمة.
__________
(1) -سورة المائدة، الآيات 38 و39.
(2) -محمد علي الصابوني صفوة التفاسير ج 01، م س ص 341. (6/20)
صفحة 116
وفي مثل هذه الجرائم الخطيرة التي تصل إلى قتل النفس، لا تتدخل لجان الصلح إلاَّ لتقدير الضرر الذي أصاب المجنيَّ عليه وفرض الدية والتعويض الماديِّ على الجاني، أمَّا العقوبات فتتولاها السلطة القضائية عن طريق المحكمة والدعوى العموميَّة. وبعد الاعتراف والتعويض تستغلُّ لجانُ الصلح الفرصة لنصح الجاني وإرشاده على ما اقترفه من المظالم.
وقد يصل الجرمُ من الخطورة والتحدِّي بحيث يُنهى عن المنكر، ويُعلَنُ اسم المجاهر بالمعصية والبراءة منه من منبر المسجد، فيتبرَّأ المسلمون من المجرم ولا يكلموه ولا يتعاملوا معه كمقاطعة اجتماعية، حتَّى يتوب ويرجع إلى الجماعة وذلك بإعلان التوبة في المسجد أمام جميع المصلين، ويرد المظالم إلى أصحابها، فترفع عنه عقوبة البراءة ويعود للصف الاجتماعي كغيره من الناس. وهذه العقوبة الاجتماعية الصارمة تجري على كل أفراد المجتمع، وقد تبرأ العزَّابة من موظَّفين كبار أقامتهم فرنسا وجرأتهم على المسلمين، كبعض القياد أو القضاة أو رؤساء البلديات فلم يسعهم إلاَّ الانقياد للحق والتوبة (1).
المراحل أو الخطوات المتبعة في إصلاح ذات البين:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أولا: تبليغ النزاع إلى الهيئة:
إنَّ إجراء تبليغ الموضوع وإيصال النزاع إلى جهة الصلح هي الخطوة الأولى المهمة في إصلاح ذات البين، فبشكلها ونوعها وتحديد المدَّعي والمدَّعى عليه تتشكل الهيئة المعنية، أي لجنة الصلح، مراعية عدد الأعضاء وعلاقتهم بطرفي النزاع والخبرة والاختصاص، ويتم التبليغ:
__________
(1) -د. محمد ناصر، حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، م، س، ص 30. (6/21)
صفحة 117
1) بواسطة المدَّعي: غالبا ما يتم تبليغ موضوع النزاع أو الخلاف من المتضرِّر نفسه، وهو الذي يطلب الفصل في النزاع لصالحه، مطالبا ومدَّعيا أو شاكيا أنَّ الحق معه، وأنه المتضرر والمظلوم، محاولا استمالة قلوب الوسطاء في الصلح، ففي هذه الحالة على رجال الصلح أن يتلقَّوا الشكاية من المدَّعي دون تعليقٍ أو تأييدٍ أو ميل نحوه، فالشرع يوجب أن يُسمَع من الطرفين.
2) بواسطة الأقارب: قد يكون تبليغ الشكاية أو الدعوى في الخصام من طرف أحد الأقارب، طالبا من رجال الإصلاح التدخُّل لإصلاح بين قريبهم وخصمه أو خصومه، ففي هذه الحالة يجب على رجال الإصلاح التأكُّد من المعلومات والوقائع والأحداث وطريقة روايتها وأسلوب التبليغ من هذا القريب، فقد يكون مبالغا أو مهوِّلا أو مهوِّنا، فالمصلحون لا يجوز لهم التصريحُ أو التلميحُ أو التأييدُ أو اتخاذُ أيِّ موقف في هذا النزاع حتى يسمعوا من الطرف الثاني ـ المدَّعى عليه ـ دفاعَه وأدلَّته، ثم يمكنهم بعد ذلك اتخاذ موقفٍ أو إصدار حكم على المحق ضد المبطل.
وفي هذه الحالة يستحسن الطلبُ من القريب المتدخِّل حثَّ وتوجيه الخصم المشتكي من الكتابة أو تقديم الشكوى شخصيًّا للتأكُّد من مدى قبوله للصلح واستعداده للامتثال للأوامر التي تصدر له أو عليه.
3) بواسطة الإشاعة: قد تصل الخصومةُ في المجتمع درجة عالية من الإشاعة والانتشار، فيجبُ في هذه الحالة أن يتدخل المصلحون بين الناس، عزَّابة كانوا أم عشيرة، بدعوة أطراف الخصومة بما لهم من ولاية عامَّة وشرعية بصفتهم أولي الأمر ومن أهل الحل والعقد في المجتمع، فيُوفِّروا فرصة السماع من طرفي الخصومة أولاً بأوَّل، بحجَّة أنَّ الإشاعة انتشرت كثيرًا في المجتمع، ودعوتهم من طرف لجنة الصلح من باب السماع المباشر من أطراف الخصومة لنفي الإشاعة أو وضع حلٍّ لها، حتى يتبيَّن لهم الأمر للفصل والصلح بينهما.
ثانيا: تشكيل لجنة للتكفل بالموضوع: (6/22)
صفحة 118
عندما يصل المشكل بإحدى الطرق السالفة الذكر، يتداول الأمر في الهيئة المختصة من مجلس العائلة وهو أولى درجات إصلاح ذات البين، أو إدارة العشيرة أو حلقة العزَّابة، فتُشكَّل لجنة الصلح من شخص واحد أو من عدة أشخاص حسب نوع النزاع، وحجم الموضوع، ويُراعى في تشكيل اللجنة شروط أساسية لضمان نجاحها وهي:
1. قبول الأطراف للجنة الصلح والوساطة: لا يُتصور أبدًا أن يتمَّ الصلح بين أطراف أو جهات غير راضية أو غير معترفة بالوساطة والصلح، فرضا الطرفين وقبولُهم بوساطة رجال الصلح بينهم هي أوَّل ضمانات نجاح الصلح، وتنفيذُ قراراته على جميع الأطراف بكلِّ طواعية، فاللجوء إلى الصلح رضائيٌّ وليس إجباري مثل القضاء.
2. عدم اللجوء إلى القضاء: إذا كان الصلح والتصالح رضائيا واختياريا ممن يقبل به، وينزل على حكمه وقراراته، فيشترط على المقبلين على الصلح، أن لا يكون نزاعهم معروضًا على أية جهة قضائية، لأنَّ ذلك يتناقض مع قبول الصلح، زيادة على عرض النزاع على جهتين للفصل فيه يتناقض مع مبادئ العدالة، كما أنَّ اللجوء إلى المحاكم منذ البداية، دليلٌ على الإصرار والمشاحنة والتحدِّي وعدم الاستعداد للتنازل والتصالح. (6/23)
صفحة 119
3. اللقاء في مكان عامٍّ أو محايد: يجب على لجنة الصلح ضمان حياد جهودهم وعدم اتهامهم بالانحياز والميل إلى أي طرف كان، لكي يختاروا لمجلسهم مكانا محايدًا كالمسجد أو دار العشيرة، فهي ملكٌ للعشيرة كلِّها، وفيها تتمُّ اجتماعات إصلاح ذات البين بين الزوجين المتخالفين ويُعقد لهما مجلس العشيرة لإصلاح ذات بينهما، وهذا أفضل من الذهاب إلى القاضي ودور المحاكم، وكلُّ المحاولات التي ابتُكرت من لجان الأحياء لإصلاح ذات البين فقد سبق إليها المجتمع الإباضي بقرون (1). ويجتمع أعضاء اللجنة في منزل شيخ العشيرة أو دار العشيرة، وعليهم أن يرفضوا كل عرض للجلوس في دار أو مسكن أحد طرفي الخصومة، أو أن يقبلوا وليمة، أو هدية أحد طرفي الخصومة، لأنَّ ذلك سيؤثر على قرارهم، أو يجعلهم عرضة للاتهام بالحيف والانحياز، أو الميل إلى طرف على حساب الآخر، وحتى إن تحتم أو فرضت الظروف الدخول أو الجلوس عند مسكن أحدهم وجب عليهم أن يستدركوا ذلك بتنظيم جلسة ثانية أو زيارة أخرى في مسكن الطرف الثاني.
ثالثا: جلسة المواجهة:
تعقد لجنة الصلح ـ منذ البداية أو بعد سماع الطرفين ـ جلسة مواجهة بين الطرفين المتخاصمين، ليسمع كل طرف أقوال وحجج خصمه، وتوفر لهم الجلوس المتساوي والعادل، يضمن الادعاء الصريح والصحيح أمام الطرف الثاني، كما يوفر سماع الطرف الثاني لكل تفاصيل الدعوى أو الشكوى، ثم يوفر للطرف الثاني الدفاع والردُّ على شكوى صاحبه بالحجة والدليل أمام مسمع لجنة الصلح.
رابعا: سماع الطرف الأول المدَّعي:
__________
(1) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، م، س، ص 91 (6/24)
صفحة 120
أثناء جلسة المواجهة على لجنة الصلح السماع أولا من طالب التدخُّل أو المدَّعي، وتوفر له كل الظروف لشرح قضيته أو تظلمه مع ما يملكه من أدلة وشهادات الشهود. ويُشترط في الجلسة قول الصدق وحسن الأدب وعدم التجريح أو رفع الصوت، ويُعتبر كل ما قاله المدعي ادعاءً لا يعبر أبدا عن قناعة جماعة الصلح، كما لا ينبغي لها أن تميل ولا أن تصدِّق أو تكذِّب بمجرد سماع الطرف الأوَّل، ويتم ذلك حسب المراحل التالية:
1 ـ تفاصيل الشكوى: على رجال الصلح أن يستغلُّوا الجلسة الأولى مع المدعي لسماع كلِّ تفاصيل القضيَّة وأسباب النزاع من وجهة نظره دون مقاطعته أو إجباره على الاختصار، حتى ولو كان من رجال الصلح من يعرف تلك التفاصيل، كما لا يجوز تخويفه، أو تهديده، حتى يشعر بالطمأنينة لأنَّ مجرد السماع له، يخفض درجة غليانه ويكسبه الثقة في جماعة الصلح، وقد يتنازل عن بعض مطالبه الشاذة أو المتطرفة.
2 ـ أدلة الإثبات: أثناء عرض المدعي تفاصيل شكواه يجوز لرئيس لجنة الصلح، أن يستوقفه مطالبا إياه إثبات ما يدَّعيه بالأدلة المادية، من وثائق مكتوبة، أو محاضر، أو اتفاقيات، أو عقود، أو شهادة شهود، أو غيرها من الأدلة حتى يقتنع المدعي بأنه لا يمكنه الادعاء الباطل والمبالغة في المطالبة بمنافع لم يُقم عليها دليلا يقبله الطرف الآخر.
3 ـ الطلبات: بعد سماع كلِّ تفاصيل النزاع الذي قد يكون طويلا، يطلب من المدعي تحديد طلباته بدقَّة، سواء مادية أم معنوية، وسواء أكانت أموالا أم منقولات، أو حقوقا أخرى ... كم هو المبلغ المطالب به؟ أو كم هي أتعاب ذلك العمل؟ أو ما هو العمل المطالب به؟ فقد يكون المدَّعي قد تنازل عن بعضها، أو اكتفى بمجرد تبليغ شكواه، أو يطالب بمجرد الاعتذار من خصمه، والإذعان له والاعتراف له بالحق أو بالفضل، فتتحوَّل مطالب المدَّعي من أمور مادية إلى مواقف أدبية معنوية فقط.
رابعا: سماع الطرف الثاني: (6/25)
صفحة 121
بعد سماع الطرف الأول المدَّعي بتفاصيل دعواه وأدلته الإثباتية، وطلباته النهائية، يفسح المجال للطرف الثاني المدعى عليه، أو المشتكى منه، أمام خصمه وعلى مسمع لجنة الصلح، كما يجب أن يكون الجلوس والسماع من الطرف الثاني بنفس الطريقة والظروف التي تم بها سماع الطرف الأول، ويتضمَّن تدخله الفقرات التالية.
1 ـ تفاصيل الردِّ على الشكوى: ويُفسح المجال لسماع الطرف الثاني للدفاع عن موقفه حسب وجهة نظره مقرًّا ومعترفا بما ادعاه خصمُه، أو منكرًا لما يدَّعيه لجنة الصلح التي يجب عليها أن توفر له كامل الوقت وكل الظروف لشرح دفوعه.
2 ـ أدلة الإثبات: يُطلب من المدعى عليه إمَّا الإقرار والاعتراف بما ادَّعاه خصمه أو تفنيد ادعاءات المدعي بالدليل والحجة الأقوى، أمَّا كل ما قاله المدعي من غير حجة ودليل فيكفي من المدعى عليه الإنكار فقط دون حجة أو دليل لأنه مجرد ادٍّعاء عارٍ من أيَّة حجَّة أو دليل، فعبء الإثبات مازال على المدعي الأوَّل، فالأصل براءة الذمة استصحابا للأصل، أو كل شخص بريء حتى تثبت إدانته، وكذا البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
3 ـ الطلبات: عند مقابلة تفاصيل القضية محل النزاع بين الطرفين، وسماع المدعى عليه طلبات المدعي يجب ردُّ دفوع المدعى عليه من تلك الطلبات أو رفضها أو قبول بعضها ورفض بعضها الآخر، أو قبولها بشروط، أو قبولها مقابل طلبات أخرى جديدة يتقدم بها المدعى عليه.
خامسا: سماع الشهود:
من أدلة الإثبات العقود والوثائق المكتوبة، الرسمية أو الموقعة من الطرفين، أو من الطرف المدين الموجَّهة ضده، وكذا البينة وشهادة الشهود فعند سماع حجج الطرفين وتفاصيل الوقائع ولم تكن لهما أدلة إثبات غير شهادة الشهود وجب على جماعة الصلح سماع شهود الطرفين، كلٌّ على حدة، بعد التأكد من هويَّة كل شاهد وعدالته، وقرابته من المدعى أو المدعى عليه.
سادسا: تقريب وجهات النظر: (6/26)
صفحة 122
بعد سماع طلبات الطرفين ودفعوهما، هنا يبرز الدور الكبير للوسطاء وجماعة الصلح، الذين عليهم أن يفصلوا في الحقوق الثابتة والمعترف بها لأصحابها، أمَّا الادعاءات غير الثابتة أو المختلف فيها فيحاولوا أن يقاربوا بين طلبات الطرفين للوصول إلى الحلول الوسطى، ومقابلة طلب بطلبٍ، وتنازلٍ بتنازلٍ، حتى يوصلوا النزاع إلى الحلِّ الوسط الذي يُرضي الطرفين.
الاحتمال الأول: نجاح الصلح:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهو الاحتمال الوارد بعد كل المحاولات التي تكلَّل بالنجاح فيجب على جماعة الصلح القيام بالإجراءات التالية:
1 ـ تسجيل محضر الصلح: على جماعة الصلح تسجيل محضر مكتوب لكي يبقى سندًا ومرجعًا في حالة الإنكار أو الاختلاف على تفاصيل الصلح.
2 ـ التزامات الطرفين: في نهاية الطلح لابد لجماعة الصلح تذكير الطرفين بالتزاماتهما التي التزموا بها للتنفيذ والمتابعة وتحديد آجالها المتفق عليها، وتحديد الضامن إذا اقتضى الأمر ذلك.
3 ـ الإشهاد عليه: إذا خيف إنكار أو جحود أو تملُّص أحد الأطراف عن تنفيذ بنود الاتفاق والوفاء بالالتزامات التي قطعها على نفسه أمام الجماعة، يستحسن الإشهاد على تلك الالتزامات من وجوه الجماعة، وشخصيات المجتمع الذين يتمتعون بمكانة وسمعة مرموقين، أو توثيق ذلك بوثيقة رسمية أمام الموثق.
4 ـ الدعاء بالخير: وأخيرًا يُستحسن للجماعة أن تختم لقاء الصلح بالدعاء بأن يجعل الله التوفيق حليف المتصالحين الذين تنازلوا عن جزءٍ من حقوقهم، وأن يسهِّل الله لهم أمورهم على ما أقدموا عليه من تسامح وتصالح، وأن يدعوا الله لهم بالتوفيق في مستقبلهم، وأن يخلف الله عليهم خيرا مما تنازلوا عنه.
الاحتمال الثاني: تأجيل محاولة الصلح:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قد يصل الصلح إلى طريق مسدود، ولكن جماعة الصلح ترى بأن الصلح ممكن لكن يحتاج إلى موعد آخر أو الاستعانة بشخص آخر. (6/27)
صفحة 123
1 ـ إلى موعد آخر: إذا رأى رجال الصلح أن الطرفين قد يؤثر فيهم الزمن والحاجة والضرورة للتنازل والتسامح، فعلى جماعة الصلح ألاَّ ييأسوا نهائيا من الصلح بل يؤجلوا لقاءهم إلى لقاء آخر حتى تلين القلوب أو تهدأ النفوس فيسهل الإصلاح.
2 ـ الاستعانة بطرف آخر: قد يلاحظ رجال الصلح أنَّ أحد الطرفين أو كلاهما يحتاج إلى شخص آخر من الأقارب أو من شخصيات المجتمع يمكنها التأثير عليهما للتنازل أو التصالح والتسامح، يمكن لجماعة الصلح تأجيل جلسات الصلح إلى لقاء آخر يُستعان به بهذه الشخصية المؤثرة.
أ ـ للتأثير: قد تكون الشخصية المؤثر ذات مكانة أو مهابة تجعل الطرفين أو أحدهما يتراجع عن طلباته التعجيزية أو غير المنطقية أو غير القابلة للتنفيذ، فمن الأحسن تأجيل اللقاءات التصالحية إلى موعد آخر يستحضر فيها الشخص المؤثر.
ب ـ للكفالة: قد يحتاج في مجلس الصلح إلى شخصية يمكنها أن تقدم ضمانا أو كفالة مادية أو معنوية لأحد الطرفين للتنازل أو التسامح أو التصالح، فلجماعة الصلح أن تستعين بهذا الكفيل.
ج ـ بخبير مختص: قد ترى جماعة الصلح أنَّ النزاع المعروض أمامها يحتاج فيه إلى تقرير خبير مختص بفن من الفنون، كتقرير طبي من طبيب مختص، أو تقرير مهندس في البناء أو في الميكانيك، أو أمناء البناء والسيل والعرف في المجتمع، أو غيرهم من المختصين، فيجب على جماعة الصلح الاستعانة بهذا الخبير ليقدم تقريره الفاصل في النزاع.
الاحتمال الثالث: فشل الصلح:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
للأسف قد يتعنَّت أطراف الخصومة ويصروا على مطالبهم التعجيزية المستحيلة التحقيق فيصل الصلح إلى طريق مسدود رغم كل المحاولات والتدخلات. (6/28)
صفحة 124
1 ـ توجيه الخصوم إلى العدالة: ففي حالة عدم نجاح الصلح الطريق الأسهل والأقرب والأقل تكلفة وبحلول رضائية مضمونة التنفيذ عن طواعية فما على جماعة الصلح إلا الانسحاب وإحالة النزاع إلى السلطة القضائية المختصة، وذلك بإرشاد المدعي أو المشتكي أو المتضرِّر بالتوجه إلى المحكمة والاستعانة بمحام، فالمحكمة هي التي تتكفل بحل النزاع بالقوة والردع والسلطة العمومية سواء في الشق الجنائي أو في الحقوق المدنية.
2 ـ بقاء النزاع قائمًا: وفي حالة رفض الأطراف المتنازعة اللجوء إلى العدالة لأسباب كثيرة، قد تكون لاعتبارات أسرية أو عاطفية أو شخصية، فإذا كان الحق المتنازع فيه شخصيا ومدنيا، بقي المتضرِّر محتسبا أجره عند الله يوم القيامة، أما إذا كان الحق عامًّا ومظلمة أو جريمة في الحق العام وجب على الجميع تبليغ السلطة المختصة من شرطة أو درك أو النيابة العامة لتحريك الدعوى العمومية.
- - - (6/29)
صفحة 125
صور الحماية القانونية للأسرة في التشريع الجزائري حمو بن إبراهيم فخار
أ/ حمو بن إبراهيم فخار
كلية الحقوق والعلوم السياسية
ــــ جامعة غرداية ــــ
hfekhar71@gmail.com
م
مقدمة:
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، والركيزة الأساسيَّة التي يقوم عليها صرحه المتين. لهذه الاعتبارات أولى الإسلام الأسرة جل اهتمامه، ويشهد لهذا الاهتمام كذلك الشمول والإحاطة الكاملة التي انتظمت شؤون الأسرة بدءًا من لحظة التفكير بإنشائها، ومرورًا بإقامتها وبنائها، وانتهاء بانحلالها بالطلاق أو الوفاة (1). أضف إلى بعض الأحكام الناشئة عن عقد الزواج والتي لها علاقة بالأولاد مثل: الرضاعة، الحضانة، النفقة، وغيرها.
فلا يتصور تطور في المجتمع دون أن تكون الأسرة سليمة متماسكة يسود أفرادها الوئام والسلام (2)، وتفيض على أعضائها مشاعر الحبِّ والرحمة، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (3).
ومن هنا تتجلَّى ضرورة الاهتمام بالأسرة وتوفير كافَّة الضمانات القانونية لحمايتها، حتَّى تتمكَّن من الاضطلاع بمسؤوليتها في المجتمع.
__________
(1) - داود بورقيبة: نظام الأسرة في القرآن الكريم، دراسات مجلة دورية محكمة، جامعة عمار ثليجي بالأغواط، العدد03، ديسمبر 2005، ص58.
(2) - كما نص البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام في الفقرة رقم 19 على «حق بناء الأسرة
أ- الزواج، بإطاره الإسلامي، حق لكل إنسان، وهو الطريق الشرعي لبناء الأسرة، وإنجاب الذرية، وإعفاف النفس ...
ب- لكل من الزوجين، قبل الآخر، حق احترامه، وتقدير مشاعره، وظروفه في إطار من التواد والتراحم ...
(3) - سورة الروم، الآية 21. (7/1)
صفحة 126
ويهدف القانون بمختلف فروعه بما فيه القانون الجنائي الذي جاء من أجل تقرير الحماية الجنائية للأسرة، والتي تتمثَّل في دفع أيِّ سلوك غير مشروع من شأنه المساس أو النيل منها، عن طريق ما يقرِّره لها من جزاءات سواء وقعت هذه الأفعال أو بمجرد الشروع فيها.
ومن خلال هذه الدراسة سنحاول إبراز أهم صور الحماية القانونية بصفة عامة وصور الحماية الجنائية بصفة خاصة، وهذا على ضوء ما تتضمَّنه المنظومة القانونية الجزائرية.
المبحث الأول الحماية القانونية للأسرة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المطلب الأول: المقصود بالحماية القانونية:
إنَّ المقصود بالحماية القانونية هي تلك الوسائل والآليَّات التي يضعها المشرِّع بغية الحفاظ على الحقوق وتقرير الواجبات، بكل من له علاقة بموضوع الأسرة إذ تختلف هذه الحقوق والواجبات حسب الطبيعة القانونية لكل منها، وانتمائها إلى أحد فروع القانون، فما اتصل بالحقوق الزوجية وشخص الطفل ونمائه وحضانته ومعاشه وكل ما تفرضه علاقته بأسرته من حقوق تكفَّلت بحمايتها نصوصٌ وردت في قانون الأسرة، وما اتصل منها بالحالة المدنيَّة والتصرفات المدنيَّة تكفلت بها نصوص وردت في القانون المدني.
المطلب الثاني: صور الحماية بموجب قانون الأسرة:
بناء على ما ورد في دستور الجزائر لسنة 1996 والمعدَّل بالأمر 2008 (1)، حيث نصت المادة 58 منه على أنه «تحظى الأسرة بحماية الدولة والمجتمع». وتكريسا لهذا المبدأ حاول المشرِّع تنظيم أحكام لها علاقة بالأسرة من شأنها تقرير الحماية القانونية وهذا بموجب القانون الصادر في سنة 1984، والمعدل والمتمَّم بالأمر رقم 05 - 02 (2) الذي نصت المادة 02 منه: «الأسرة هي الخليَّة الأساسيَّة للمجتمع وتتكوَّن من أشخاص تربط بينهم صلة الزوجيَّة وصلة القرابة».
__________
(1) - المؤرخ في 17 ذو القعدة 1429 الموافق لـ 15 نوفمبر 2008.
(2) - المؤرخ في 27 فيفري 2005. (7/2)
صفحة 127
ومن أجل إنشاء الرابطة الزوجية وتكوين هذه الأسرة نصَّ المشرع على جملة من الأركان يجب توفرها عند إبرام العقد، وهي ركن الرضا وأن تكون المرأة خالية من الموانع الشرعية، وذات أهلية، ويتمُّ إبرام هذا العقد بحضور الوليِّ والشهود ودفع صداق. وبتوفُّر هذه الأركان والشروط يكون هذا العقد صحيحًا تترتَّب عنه الآثار الشرعية والقانونية، وهي ما يعرف بالحقوق الزوجية، والتي نصَّ عليها المشرع الجزائري في الفصل الرابع تحت عنوان «حقوق وواجبات الزوجين» في صلب المادة 36 (1).
الفرع الأول: إلزامية توثيق عقد الزواج:
أولا- حماية الأسرة: باعتبار الأسرة هي الخلية الأساسية لبناء المجتمع كما أسلفنا، فقد كان لزاما اتخاذ وسائل ضرورية لحمايتها، فوثيقة الزواج هي الوسيلة الشرعيَّة والقانونية الوحيدة التي تنظم بواسطتها العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة، حيث يهدف إلى حماية الرابطة الزوجية والمحافظة على أفرادها ومراكزهم من الميلاد إلى الوفاة، وبالمحافظة على الحقوق المتبادلة بين الزوجين كحقِّ المرأة في السكن والنفقة وحقِّها في مؤخَّر الصداق، وحقِّ الزوج بالاستمتاع بزوجته، وبالمحافظة أيضًا على حقوق الأولاد المتمثِّلة في النسب والنفقة والميراث والحضانة، من أن تتعرَّض للضياع والعبث والجحود. إنَّ المقصود من توثيق رابطة الزواج هو صياغته وكتابته في محرَّر رسمي لدى الجهات المختصَّة قانونا، وهذا طبقا لما ورد في نص المادة 18 من قانون الأسرة (2).
__________
(1) - بن عيوش فاطمة: الحقوق الزوجية بين أحكام تشريع الأسرة والاجتهاد القضائي، مذكرة ماجستير في الحقوق، جامعة الجزائر 3، كلية الحقوق بن عكنون، السنة الجامعية 2010ـ 2011 ص:3،4.
(2) - طاهري حسين: الأوسط في شرح قانون الأسرة الجزائري، دار الخلدونية، ط1، 2009، ص:63. (7/3)
صفحة 128
ثانيا- قطع المنازعات: إنَّ توثيق عقد الزواج وتحريره في محرَّر مكتوب يعدُّ وسيلة رسمية وضعها المشرع لإثبات عقد الزواج عند النزاع وإنكاره أمام القضاء.
ثالثا- استخراج الوثائق الشخصية: إنَّ توثيق عقد الزواج لدى الجهات الرسمية تمكِّن الشخص من الحصول على الوثائق الشخصية التي اقتضتها طبيعة الحياة، والتي تمكِّنه من الحصول على حقوقه وأداء واجباته، حيث تتضمَّن الوثائق الشخصيَّة، الاسم الشخصي، واللقب العائلي، واسم الأب، واسم الأم، وشهادات الميلاد والشهادة العائلية كلِّها، وهذه وثائق رسميَّة بها يتسنى للفرد الالتحاق بالمدارس، والجامعات، والوظائف الحكومية، والخدمة العسكرية، والحاجة إلى الوثائق المتنوعة للمعاملات الرسمية المختلفة.
الفرع الثاني: إلزامية النفقة:
رتَّب المشرع الجزائري في إطار العلاقات الأسرية مجموعة من الحقوق والواجبات التي يجب مراعاتها ضمانا لاستمرار هذه العلاقات، ومن بين هذه الواجبات، واجب الزوج في الإنفاق على أسرته، وهذا الواجب يفرضه الوازع الأخلاقي والاجتماعي قبل أن تفرضه المادة 37 والمواد من 74 إلى 77 من قانون الأسرة، فقد جاء في المادة 37 المذكور أعلاه «إنه يجب على الزوج نحو زوجته النفقة الشرعيَّة حسب وسعه إلاَّ إذا ثبت نشوزها»، وجاء في المادة 77 «إنه تجب نفقة الأصول على الفروع والفروع على الأصول حسب القدرة والاحتياج ودرجة القرابة في الإرث»؛ وعليه فإن الامتناع عن القيام بهذا الواجب يرتب أثار سلبية في المجتمع، وللحد من هذه الآثار تدخَّل المشرع الجزائري ورتب جزاء على من لا يدفع النفقة المقدرة في ذمته.
المبحث الثاني: صور الحماية الجنائية بموجب قانون العقوبات:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المطلب الأول: المقصود بالحماية الجنائية للأسرة: (7/4)
صفحة 129
الحماية الجنائية نوعان: حماية جنائية موضوعية، وحماية جنائية إجرائية. وفيما يتعلَّق بالحماية الجنائية الموضوعية، فإنها ترتبط بقواعد التجريم والعقاب، وتأخذ أشكالا متعددة: فتارة يحمي الشارع المصلحة عن طريق التجريم، أي بإسباغ صفة عدم المشروعية على كلِّ أنماط السلوك التي تضر بهذه المصلحة، مثال ذلك تجريم الإجهاض حماية لحقِّ الجنين في الحياة من جهة، وحرصًا على سلامة الأمِّ من جهة أخرى، وتجريم الاعتداء على حقوق أفراد الأسرة، كحقهم في الحياة وسلامة الجسم والشرف والاعتبار والعرض والمال، والحقِّ في الخصوصية وعدم الاعتداء على حياتهم الخاصة ... فإنها ترتبط بتنظيم كيفية اقتضاء حقِّ الدولة في العقاب من الجاني، وذلك ببيان جهات القضاء واختصاصاتها، وكشف الجريمة والتثبت من وقوعها وضبط مرتكبيها والتحقيق معهم ومحاكمتهم، والفصل في الادعاء المدني وما إلى ذلك. (7/5)
صفحة 130
وتشكل الحماية الجنائية الإجرائية للأسرة «ميزة إجرائية» يقرِّرها القانون، خروجًا عن كلِّ أو بعض القواعد الإجرائية الجنائية العامَّة، حماية لمصلحة معتبرة وتحقيقا لغاية معينة. وأبرز مثال على ذلك حقُّ الشكوى كقيد يرد على سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية في جرائم زنا الزوجين (1)، والسبِّ، والقذف، والسرقة بين الفروع والأصول، وكذلك الصلح كسبب من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية في أغلب الجرائم التي تقع بين الزوجين. وكتخصيص قضاء مستقلٍّ لمحاكمة الأحداث (2) وإحاطته بقواعد إجرائية خاصة (3).
المطلب الثاني: الجنايات والجنح ضد الأسرة والآداب:
الفرع الأول: جريمة ترك مقر الأسرة:
__________
(1) - هناك جملة من الجرائم الأسرية التي تدخَّلَ المشرِّع الجنائي وعلَّق حرية النيابة العامَّة في تحريك الدعوى بشأنها على شكوى القريب (الضحية)، وقد ازدادت قائمة هذه الجرائم بعد التعديل الأخير لقانون العقوبات بمقتضى القانون 06 - 23، مما يكشف عن إرادة صريحة للمشرع في الاهتمام بالروابط الأسرية من خلال هذا التوسيع لقائمة الجرائم محلَّ الشكوى التي يقرر المشرع للضحية فيها إلى جانب حقَّ الشكوى الحق في الصفح أو في التنازل عنها.
(2) - راجع الكتاب الثالث: في القواعد الخاصة بالمجرمين الأحداث من قانون الإجراءات الجزائية.
(3) - أشرف رمضان عبد الحميد: نحو بناء نظرية عامة لحماية الأسرة جنائيا، ط1، 2006، ص:11 - 14. (7/6)
صفحة 131
من مقاصد الزواج تكوين أسرة أساسها المودَّة والرحمة، وتعتمد على التكافل والترابط الاجتماعي وحسن المعاشرة، فإن تخلَّى أحد الوالدين عن مقر الزوجية لمدَّة تتجاوز الشهرين دون القيام بالالتزامات الأدبيَّة والمادية المترتبة على السلطة الأبوية أو الوصاية القانونية بغير سبب جدِّي يشكِّل جريمة يعاقب عليها القانون، وهذا ما ذهبت إليه المادة 330 - 1 من قانون العقوبات، ولقيام هذه الجريمة يجب توافر ركنين (ركن مادي وركن معنوي) ويستوجب القانون شكوى الزوج المتضرِّر لاتخاذ إجراءات المتابعة وتوقيع الجزاء وهذا ما سنبينه بإيجاز:
أولا- أركان الجريمة:
1 - الركن المادي: يقتضي هذا الركن توفُّر أربع عناصر مجتمعة و تتمثل في:
أ- الابتعاد جسديا عن مقر الأسرة: تقتضي هذه الجريمة ترك أحد الزوجين مقر الأسرة المعتاد و بقاء الزوج الآخر بمقر الزوجية
ب- وجود ولد أو عدَّة أولاد: تشترط الجريمة لقيامها وجود ولد أو عدَّة أولاد إذ أنَّ المشرع نص على التخلِّي عن الالتزامات الأدبية أو المادية المترتبة على سلطة الأبوة أو الوصاية القانونية، ولا مجال للكلام على السلطة الأبوية أو الوصاية القانونية دون وجود رابطة الأبوية أو الأمومة.
ج- عدم الوفاء بالالتزامات العائلية: تقتضي الجريمة أن يصاحب تركُ مقرِّ الأسرة التخلي عن كافة أو بعض الالتزامات الزوجية، وبذلك تقتضي الجريمة بالنسبة للأب وهو صاحب السلطة الأبويَّة التخلِّي عن كافة التزاماته في ممارسة ما يفرضه عليه القانون نحو أولاده وزوجه، وتقتضي الجريمة بالنسبة للأم وهي صاحبة الوصاية القانونية على الأولاد عند وفاة الأب التخلِّي عن التزاماتها نحو أولادها وزوجها. والالتزامات الزوجية قد تكون أدبيَّة تتعلق برعاية وحماية أفراد الأسرة، أو مادية تتعلَّق بضمان حاجياتهم المعيشية. (7/7)
صفحة 132
د- ترك مقر الأسرة لمدَّة أكثر من شهرين (1): يشترط لقيام الجريمة أن يستمر ترك مقرُّ الأسرة أكثر من شهرين، ويجب أن يكون الابتعاد عن مقر الأسرة والتخلي عن الالتزامات العائلية في آن واحد، أمَّا إذا كان الزوج يُنفق على عائلته ويسأل عن أحوالهم رغم غيابه عنهم فلا تقوم الجريمة ولو كانت المدَّة تتجاوز الشهرين وتحسب مدة الشهرين ابتداء من ترك الزوج لمقر الزوجية والتخلي عن التزاماته العائلية إلى تاريخ تقديم الشكوى ضدَّه. وعلى هذا الأساس قضي بعدم قيام الجريمة باعتبار أنَّ مدة ترك مقر الأسرة لم تتجاوز الشهرين حيث جاء في حيثيات حكم صادر عن محكمة بومرداس، قسم الجنح، بتاريخ 10/ 05/2003 فهرس 1105: «حيث أنه تبين للمحكمة أنَّ الوقائع المتابَع بها المتَّهَمَة لا تؤلف من عناصرها المتوافرة الشروط المطلوبة لارتكاب جنحة الإهمال العائلي، ففي حين تشترط المادة 330 ق ع أن تتجاوز مدَّة الإهمال شهرين وهو العنصر غير المتحقق في قضية الحال مما يتعيَّن التصريح ببراءتها».
وإثبات مرور مدَّة الشهرين على ترك مقرِّ الأسرة وإثبات التخلِّي عن الالتزامات العائلية إنَّما يقع على عاتق الزوج المتضرِّر بالتعاون مع وكيل الجمهورية، بكافة الوسائل القانونية، وتقطع مدَّة الشهرين بالعودة إلى مقرِّ الأسرة، لكن بشرط أن تكون العودة تعبيرًا عن الرغبة الصادقة في استئناف الحياة الزوجية، ويبقى لقاضي الموضوع سلطة تقدير ما إذا كان الرجوع فعليًّا أم مؤقَّتًا لقطع مدَّة الشهرين وتفادي قيام الجريمة.
__________
(1) - نبيل صقر: الوسيط في جرائم الأشخاص، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، 2009، ص:241. (7/8)
صفحة 133
2 - الركن المعنوي: تستوجب هذه الجريمة توفُّر قصد جنائي يتمثَّل في اتجاه نيَّة الجاني -أحد الوالدين- إلى قطع الصلة بالوسط العائلي والتملُّص من الواجبات الناتجة عن السلطة الأبوية أو الوصاية القانونية، وبإرادة لا تقبل التأويل. وعليه تقتضي جنحة ترك مقر الأسرة أن يكون الوالد أو الوالدة على وعي بخطورة إخلاله بواجباته العائلية وبالنتائج الوخيمة التي قد تترتَّب عنها على صحَّة الأولاد وسلامتهم وأخلاقهم وعلى تربيتهم.
أ- المتابعة: الأصل أنَّ تحريك الدعوى العمومية هو من اختصاص النيابة العامة وحدها باعتبارها وكيلة عن المجتمع كما نصَّت عليه المادتين 1 و29 من قانون الإجراءات الجزائية إلاَّ أن المشرِّع قد يقيِّد النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية في أحوال معيَّنة، منها وجوب تقديم شكوى المتضرِّر وذلك لاعتبارات عدَّة، منها المحافظة على الروابط الأسرية، كما هو الحال في جريمة ترك مقر الأسرة إذ تُغلَّب مصلحة الأسرة على المصلحة العامَّة التي تسعى النيابة العامَّة لحمايتها، وعليه نصَّت الفقرة الأخيرة من المادة 330 على أن لا تتَّخذ إجراءات المتابعة إلاَّ بناءً على شكوى. (7/9)
صفحة 134
والشكوى هي الإجراء الذي يباشره المجنيُّ عليه أو وكيله الخاصُّ، يطلب فيه تحريك الدعوى، ولا تستلزم الشكوى شكلاً خاصًّا، فقد تكون مشافهة أو كتابة، بشرط أن تدلَّ على رغبة المجني عليه في تحريك الدعوى العموميَّة ضدَّ المتهم. إلاَّ أنه يجب أن تقدَّم الشكوى أثناء قيام العلاقة الزوجية القانونية، وعليه تستلزم الشكوى إرفاق نسخة من عقد الزواج لإثبات قيام العلاقة الزوجية، وإذا كان الزواج عرفيًّا فيجب على الزوج المتضرٍّر تسجيل الزواج وفقا للمادة 22 من قانون الأسرة (1)، وبعدها يقدم شكواه، لكن متى قُدِّمت الشكوى من الزوج المتروك أصبح يد النيابة طليقًا من هذا القيد، وجاز لها أن تباشر كافة إجراءات التحقيق ورفع الدعوى، وتتصرف في التحقيق كما أجاز تقرير حفظ الشكوى، إذا هي رأت أن شروط المتابعة غير متوفرة.
ب- الجزاء: تُعاقب المادة 330 من قانون العقوبات مرتكب جنحة ترك مقر الأسرة بالحبس من شهرين إلى سنة، وبغرامة من 500 إلى 5000 دج، وعلاوة على ذلك يجوز الحكمُ على المتَّهم بعقوبة تكميلية بالحرمان من الحقوق الوطنيَّة، وذلك من سنة إلى خمس سنوات، وفقا للمادة 332 ق ع.
__________
(1) - طاهري حسين: المرجع السابق، ص:65. (7/10)
صفحة 135
ج- الأفعال المبرَّرة: هي ظروف خاصَّة ترغم صاحبها حال توفُّرها على مغادرة مقرِّ الأسرة، وقد تكون هذه الظروف عائلية أو مهنية أو صحيَّة، وعبرت المادة 330 - 1 من ق ع عن هذه الظروف «بالسبب الجدي» أن يُفهم بمفهوم المخالفة أنَّه إذا كان ترك مقرِّ الأسرة لسبب جدِّيٍّ فإن ذلك يؤدِّي إلى عدم قيام الجريمة، فعلى الزوج الذي يترك مقرَّ أسرته أن يُثبت قيام السبب الجدِّي؛ كأن يكون التركُ من أجل القيام بالخدمة الوطنية، أو البحث عن العمل، أو لتحصيل العلم، رغم أنَّ القضاء يشدِّد قبوله. وهكذا قضي في فرنسا بأن «النفور من حَمَاته» لا يشكِّل سببًا شرعيا «جدِّيا» لمغادرة الزوج بيت الزوجية، وقضي كذلك بعدم جواز مغادرة الزوج محلَّ الزوجية بحجة سوء معاملة الزوجة له، وعليه فإنَّ إبراز عدم وجود السبب الجدِّي عنصر ضروري يجب الإشارة إليه في الحكم القاضي بالإدانة في جنحة ترك مقرِّ الأسرة، وهكذا جاء في الحكم الصادر عن محكمة بومرداس بتاريخ 22/ 02/2003 فهرس 330: « ... أنه ترك مقر أسرته لمدة تتجاوز شهرين وتخلَّى عن التزاماته الأدبية والمادية تجاه أولاده وأسرته ودون أن يقدِّم سببًا جدِّيا عن ذلك، الأمر الذي يجعل أركان جنحة الإهمال متوافرة طبقا للمادة 330 من قانون العقوبات، ويتعين إدانته بها». وفي الحكم الصادر عن نفس المحكمة بتاريخ 02/ 05/2001 فهرس 1727 - 1 استبعدت فيه ترك مقرِّ الأسرة بسبب المشاكل التي يعيشها الزوج مع زوجته كسبب جدِّي، وأدانت المتَّهم بالجرم المنسوب إليه، إذ جاء في حيثيات الحكم: « ... حيث تبيَّن مما سبق أنَّ تهمة الإهمال العائليِّ المتابع بها المتهم متوفرة الأركان باعتباره خرج من البيت تاركًا زوجته لوجود المشاكل ولم يرجع، وعليه يتعيَّن للمحكمة إدانته بها». (7/11)
صفحة 136
وقد تم تأييد الحكم بالقرار الصادر عن الغرفة الجزائية بتاريخ 27/ 11/2001 فهرس 161 الذي استبعد ترك مقرِّ الأسرة بسبب المشاكل كفعل مبرر (1).
الفرع الثاني: جريمة إهمال المرأة الحامل:
تُعتبر هذه الجريمة الثانية من جرائم الإهمال العائلي، وهي تركُ الزوج لزوجته وإهمالها عمدًا أثناء مدَّة حملها، وغاية المشرِّع من تجريم هذا الفعل هي حماية طفل المستقبل، إذ أنَّ المشرِّع لم يكتفي بتجريم الإجهاض حماية للجنين وإنما أحاط هذا الأخير بحماية أكثر من خلال تجريم فعل إهمال الزوجة الحامل نظرًا لخطورة هذا الفعل على صحة الجنين ونفسية الأم، وبذلك نصَّت المادة 330 البند الثاني من قانون العقوبات أنَّ «الزوج الذي يتخلَّى عمدًا، ولمدة تتجاوز شهرين، عن زوجته مع علمه بأنها حامل وذلك لغير سبب جدِّي يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة، وبغرامة من 500 إلى 5000 دينار». وتقوم هذه الجريمة كسابقتها على ركن مادي وركن معنوي، وتتوقف المتابعة فيها على شكوى الزوجة المهملة.
1 - الركن المادي: يقتضي توفر أربعة عناصر جاءت بها المادة330/ 2من قانون العقوبات و تتمثل في:
أ- قيام العلاقة الزوجية: تستوجب هذه الجريمة قيام عقد صحيح ورسمي مقيَّد في سجلات الحالة المدنية ... وعليه فإن لم يكن عقد الزواج مع المشتكي منه قد سبق تسجيله و تقييده في سجلات الحالة المدنية في الوقت المناسب، تعيَّن على الشاكية تسجيل زواجها باتباع الطريق القانوني قبل تقديم شكواها، وبذلك تكون الجريمة قائمة في حق الزوج من تاريخ حملها وليس من تاريخ تثبيت الزواج، كون الزواج يكون قائما بين الطرفين لمجرَّد توفر أركانه القانونية وفقا لأحكام قانون الأسرة.
ب- ترك محل الزوجية: ويكون ذلك بمغادرة الزوج لمحل الزوجية ويترك زوجته وحدها مع علمه أنها حامل.
__________
(1) - أحسن بوسقيعة: الوجيز في القانون الجزائي الخاص، دار هومة، ط10، 2009، الجزء الأول. (7/12)
صفحة 137
ت- ترك محل الزوجية لمدَّة أكثر من شهرين أن يستمر التخلي عن الزوجة الحامل لمدَّة أكثر من شهرين، وعليه فإذا ادَّعت الزوجة الشاكية أنَّ زوجها تركها في مقرِّ الأسرة وهي حامل لمدَّة أكثر من شهرين، وأنكر الزوج ذلك، فإنَّ عليها أن تثبت بالدليل القاطع أن المشتكي منه قد تركها لمدَّة من أكثر من شهرين متتاليين دون انقطاع.
ث- حمل الزوجة: يجب أن تكون الزوجة المتخلَّى عنها حاملا، ويجب أن يكون الحمل بيِّنا كون المشرِّع يتحدَّث عن الحمل الظاهر ولا يتحدث عن الزوجة المفترض حملها، كما هو الحال بالنسبة لجريمة الإجهاض، وبذلك وجب على الزوجة الشاكية أن تقدِّم ما يثبت وجود الحمل وعلم الزوج بذلك، وإثبات قيام الحمل يكون بكلِّ الوسائل كالشهادة الطبية لمعاينة الحمل.
2 - الركن المعنوي: جريمة إهمال الزوجة الحامل جريمة عمديَّة تتطلَّب لقيامها توفُّر قصد جنائي وهو العلم بأنَّ الزوجة حامل والتخلي عنها عمدًا قصد الإضرار بها.
- المتابعة والجزاء: تخضع جريمة إهمال الزوجة الحامل إلى نفس الأحكام المقررة لجنحة ترك مقر الأسرة. (1)
الفرع الثالث: جريمة عدم تسديد النفقة:
تقتضي جريمة عدم تسديد النفقة كغيرها من بقية الجرائم ركنًا ماديا وركنا معنويا، نتطرق إليها فيما يلي:
1 - الركن المادي لقيام الركن المادي لهذه الجريمة يجب توفُّر عنصرين أساسيين هما:
أ- صدور حكم قضائي يقضي بالنفقة: نصت المادة 331 من قانون العقوبات على وجوب صدور حكم قضائي يقضي بالنفقة، لكن ما هي النفقة التي يقصدها المشرِّع؟ ومن هم الأشخاص المستفيدين منها؟ وما هو الحكم الذي يأخذ بعين الاعتبار؟
__________
(1) - المرجع نفسه، ص: 154. (7/13)
صفحة 138
*- الأشخاص المستفيدين من النفقة: الأشخاص المستفيدين من قيمة النفقة قد حدَّدتهم المادة 331 من قانون العقوبات بنصها: « ... وعن أداء قيمة كامل النفقة المقررة عليه إلى الزوجة أو أصوله أو فروعه ... » فقد تكون النفقة ناتجة عن رابطة عائلية مازالت قائمة أو ناتجة عن فكِّ الرابطة الزوجية، فإذا كانت النفقة ناتجة عن رابطة عائلية قائمة، فإنَّ المستفيد منها هم الزوجة والأصول والفروع، عملا بأحكام المادة 37 والمواد من 74 إلى 77 من قانون الأسرة، أما إذا كانت النفقة ناتجة عن فكِّ الرابطة الزوجية فإنَّ المستفيد منها هم الزوجة والأولاد القصَّر عملا بأحكام المواد 74،75،61 من قانون الأسرة، ذلك أنَّ نفقة الزوجة تجب على زوجها بالدخول بها، وتستمر إلى التصريح بفكِّ الرابطة الزوجية، كما أنَّ للزوجة المطلَّقة الحق في النفقة الغذائية في عدَّة الطلاق.
ب - طبيعة الحكم: يجب صدور حكم قضائي يقضي بأداء نفقة غذائية، وفي هذا الصدد يجب أخذ عبارة «حكم» بمفهومها الواسع الذي يتَّسع ليشمل الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية والقرارات الصادرة عن المجلس والأوامر الصادرة عن رئيس المحكمة. ويشرط في الحكم الذي يقضي بالنفقة للاعتداد به ما يلي: (7/14)
صفحة 139
*- أن يكون قابلا للتنفيذ؛ أي حائزًا لقوة الشيء المقضي فيه، حيث لم يعد قابلا لأيِّ طريق من طرق الطعن العادية، أي أصبح نهائيا، لكن قد يكون هذا الحكم غير نهائي إذا صدر تطبيقا للمادة 40 من قانون الإجراءات المدنية، بحيث يكون في هذه الحالة معجَّل النفاذ رغم المعارضة والاستئناف، حيث نصَّت المادة المذكورة أعلاه على أن يكون الأمر بالتنفيذ المعجَّل رغم المعارضة والاستئناف وجوبا عندما يتعلَّق الأمر بالنفقة الغذائية. وعليه الأحكام التي يمكن الاعتماد عليها للقول لقيام جنحة عدم تسديد نفقة هي الأحكام النهائية، والأحكام المشمولة بالنفاذ المعجل، وكذا الأوامر الاستعجالية الصادرة طبقا للمادة 188 من قانون الإجراءات المدنية.
*- أن يتمَّ تبليغ الحكم القضائي للمعني بالأمر، بحيث يجب أن يصل الحكم إلى علم المدين عن طريق التبليغ حسب الأشكال ووفق الشروط المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية. والحكمة من اشتراط تبليغ المدين بالحكم واضحة ومنطقية، إذ لا يجوز تحميل شخص أمرًا لا علم له به.
ب- امتناع المحكوم عليه عن أداء كامل قيمة النفقة لمدَّة تتجاوز شهرين: يظهر جليا من خلال نص المادة 331 من قانون العقوبات أنَّ سلوك الجاني في هذه الجريمة هو سلوك سلبي يتحقَّق في امتناعه عن دفع مبلغ النفقة المحكوم به عليه لمدَّة تتجاوز شهرين، وقد أوجب المشرِّع الجزائري أن يتمَّ الوفاء بكامل قيمة النفقة المحكوم به، فالوفاء الجزئي لا يعتدُّ به ولا ينفي وقوع الجريمة، وقد اعتبرت المحكمة العليا في قرارها الصادر عن غرفة الجنح والمخالفات بتاريخ 01/ 06/1982، ملف رقم 23000 أنَّ جرم عدم تسديد النفقة جنحة مستمرَّة فالمتهم الذي تماطل في دفع النفقة المحكوم بها عليه لصالح زوجته يبقى مرتكبا لهذه الجنحة إلى حين التخلُّص التام عن دفع المبالغ التي عليه، كما أن الوفاء اللاحق لفوات مهلة الشهرين لا ينفي الجريمة. (7/15)
صفحة 140
2 - الركن المعنوي: تتطلَّب جريمة عدم تسديد النفقة كغيرها من بقية الجرائم ركنا معنويا يتمثل في القصد الجنائي، والذي عبرت عنه المادة 331 بالامتناع عمدًا عن أداء النفقة، فالجاني لا بد أن يكون عالما بواجب أدائه المبلغ المحكوم به عليه، وأنَّ ذلك المبلغ نفقة مستحقَّة عليه بموجب حكم قضائي نهائي ملزم، ثم يمتنع عن الدفع رغم ذلك، أي أن تتجه إرادته إلى عدم السداد باختياره، وعليه يتحقَّق القصد الجنائي بتوافر عنصرين أساسيين هما: علم المتهم بصدور حكم قضائي ضدَّه واجب النفاذ بدفع النفقة، وعلمه بالتنبيه عليه بالدفع. اتجاه إرادة المتهم إلى فعل الامتناع عن دفع النفقة، ويعتبر الإعسار هو السبب الوحيد الذي يمكن قبوله فعلاً مبرَّرًا لعدم تسديد، كما لا يُعتبر الإعسار الناتج عن الاعتياد على سوء السلوك أو الكسل عذرًا مقبولا من المدين في أية حالة من الأحوال. و قد اعتبرت المادة 331 من قانون العقوبات أنَّ عدم الدفع عمدي ما لم يثبت المتهم عكس ذلك.
أ- إجراءات المتابعة: لم يعلِّق المشرع الجزائري إجراءات المتابعة في هذه الجريمة على قيد أو شرط، فلا يشترط شكوى الشخص المتضرِّر، فالنيابة تملك حقَّ تحريك الدعوى العمومية متى توفرت لها الأسباب الكافية لذلك، ويترتب على ذلك أن سحب الشكوى أو التنازل عليها لا يؤدِّي إلى انقضاء الدعوى العمومية باعتبار أن الشكوى ليست شرطا لازما للمتابعة.
ب- الجزاء: يعاقَب على جنحة عدم تسديد النفقة بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة من 500 إلى 5000دج، ويجوز علاوة على ذلك الحكم على المتَّهم بالحرمان من الحقوق الوطنية وذلك من سنة إلى 05 سنوات (1).
الفرع الرابع: جريمة الاعتداء على حياة الجنين:
__________
(1) - لنكار محمود: الحماية الجنائية للأسرة، رسالة دكتوراه العلوم فرع القانون الجنائي، جامعة منتوري، قسنطينة، 2008/ 2009، ص: 202 - 211. (7/16)
صفحة 141
يُعتبر الحقُّ في الحياة من بين الحقوق المقدَّسة والأصلية، فقد أقرَّته كلُّ الشرائع السماوية باعتباره أساس وجود الإنسان، لذلك جرَّمت الشريعة الإسلامية أي اعتداء على حياة الإنسان مصداقا لقوله عزَّ وجل: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (1).
أ- المقصود بجريمة الإجهاض: يُراد بها إنهاء حالة الحمل وإخراج الجنين المستكن من رحم أمِّه قبل موعد ولادته الطبيعي، وذلك إمَّا بقتله داخل الرحم، أو إخراجه منه حيا أو ميتا.
وتأخذ جريمة الإجهاض المنصوص والمعاقب عليه في المواد 304 إلى 313 من قانون العقوبات الجزائري ثلاث صور وهي:
1 - إجهاض المرأة نفسها: وهو الفعل المنصوص والمعاقب عليه في المادة 309 ق ع، ويتعلَّق الأمر بالمرأة التي تجهض نفسها عمدًا أو تحاول ذلك أو توافق على استعمال الطرق التي أرشدت إليها أو أعطيت لها لهذا الغرض.
2 - إجهاض المرأة من قبل الغير: وهو الفعل المنصوص والمعاقب عليه في المادة 304 ق ع، ويتعلَّق الأمر بكل من أجهض امرأة حاملا أو مفترض حملها سواء وافقت على ذلك أو لم توافق أو شرع في ذلك.
3 ـ التحريض على الإجهاض: وهو الفعل المنصوص والمعاقب عليه في المادة 310 ق ع (2).
__________
(1) - سورة المائدة، الآية 32.
(2) - حسن بوسقيعة، المرجع السابق، ص: 37، 38. (7/17)
صفحة 142
4 ـ كما اعتبر المشرِّع الجزائري فعل الإجهاض الذي يتمُّ في حالة الضرورة، فعلا مُباحًا، ولا يخضع للمسؤولية الجنائية إذا قام به الأشخاص المذكورين بالمادة 308 من قانون العقوبات، والتي نصَّت على أن لا عقوبة على الإجهاض إذا استوجبه ضرورة إنقاذ حياة الأمِّ من الخطر، متى أجراه طبيب أو جرَّاح، في غير خفاءٍ وبعد إبلاغه السلطة الإدارية» (1).
ب - المتابعة والجزاء: 1 - المتابعة: تخضع المتابعة في هذه الجريمة للقواعد العامة لتحريك الدعوى العمومية، إذ يمكن للنيابة القيام بالمتابعة بمجرد قيام أركان الجريمة ولا تخضع لأي قيد يغلُّ يدها عن ذلك.
2 - الجزاء: العقوبات: يميِّز المشرِّع من حيث العقوبات بحسب صورة الإجهاض وتركيبته؛ سواء تعلَّق الأمر بالعقوبات الأصلية أو العقوبات الأخرى.
- صورة المرأة التي تجهض نفسها: (المادة 309).
*- العقوبات الأصلية: تعاقب المادة 309 المرأة التي تجهض نفسها أو تشرَع في ذلك بالحبس من 06 أشهر إلى سنتين، وبغرامة من 250 إلى 1000دج.
*- العقوبات التكميليَّة: يجوز الحكم على الجاني بالمنع من الإقامة، وذلك لمدَّة لا تتجاوز 05 سنوات، طبقا للمادة 12/ 2 من قانون العقوبات.
- صورة إجهاض المرأة من قبل الغير: (المواد 304، 305 و306).
*- العقوبات الأصلية: تعاقب المادة 304 «كل من أجهض امرأة أو شرع في ذلك بالحبس من سنة إلى 05 سنوات، وبغرامة من 500 إلى 10.000دج. وإذا أفضى الإجهاض إلى الموت تكون العقوبة السجن المؤقت من 10 سنوات إلى 20سنة».
__________
(1) - ثابت بن عزة مليكه: الإجهاض بين الشريعة والقانون الوضعي الجزائري، مذكرة ماجستير، جامعة بن عكنون، الجزائر، 2000 - 2001، ص: 72. (7/18)
صفحة 143
*-العقوبات التكميلية: يجوز الحكم على الجاني بالمنع من الإقامة وذلك لمدَّة لا تتجاوز 05 سنوات، طبقا للفقرة الثانية من المادة 12 من قانون العقوبات. وفي كل الأحوال فإنَّ المادة 311 من قانون العقوبات تقضي بالحكم على الجاني بقوة القانون بالمنع من ممارسة أيِّ مهنة، أو أداء أي عمل بأية صفة كانت، في المؤسسات العمومية أو الخاصَّة للتوليد أو لأمراض النساء، مثل المستشفيات والعيادات ودور الولادة.
- صورة التحريض على الإجهاض:
*- تعاقب المادة 310 التحريض على الإجهاض بالحبس من شهرين إلى 03 سنوات وبغرامة من 500 إلى 10.000دج، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتكريسا لحماية الجنين ذهب المشرِّع إلى استبعاد حكم الإعدام على المرأة الحامل، وهذا ما نصَّت عليه المادة 197 الفقرة 02 من قانون تنظيم السجون وإعادة تربية المساجين الجزائري بقولها: «لا يمكن تنفيذ عقوبة الإعدام على امرأة حامل، أو مرضعة لطفل دون 24 شهرا من عمره ... »، وتبرير عدم تنفيذ حكم الإعدام على المرأة الحامل يكمن في مبدأ شخصية العقوبة التي تطال الشخص المسؤول عن الجريمة دون غيره (1).
الفرع الخامس: جريمة قتل طفل حديث العهد بالولادة:
__________
(1) - حمو فخار: عقوبة الإعدام في التشريع الجزائري والقانون المقارن، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر كلية الحقوق، ص: 65. (7/19)
صفحة 144
إنَّ حياة الطفل في الإسلام لها نفس وزن حياة أي إنسان بالغ، سواء كان الطفل حديث عهد بالولادة أو قد مضت فترة على ولادته، وإن التعرض لحياته وهو في مهده ولو بعد لحظات من ولادته يعدُّ جريمة كاملة الأركان لأنَّ حياة الصغير تساوي حياة الكبار البالغين. إذن فجريمة قتل الأطفال لها نفس أركان جريمة قتل الإنسان البالغ وتخضع لنفس العقوبات. إلاَّ أنَّ المادة: 272 ق ع ج، قد شدَّدت العقوبة فقررت لها الإعدام إذا كان الجناة هم أحد الوالدين أو غيرهما من الأصول الشرعيين أو أي شخص آخر له سلطة على الطفل أو يتولى رعايته، وذلك إذا أفضى التعدِّي إلى وفاة الطفل (1).
ويتَّضح لنا أن الحكمة من التشدد في عقوبة الأصول مناطها صلات الرحم والقرابة. ويبدو أن هذه الخطة التشريعية (خضوع جرائم قتل الأطفال للقواعد العامَّة) تستند إلى أنَّ المشرع الجنائي يكفل حمايته بالحق في الحياة بالنسبة لكل إنسان بغض النظر عن سنِّه أو جنسه أو لونه أو مركزه الاجتماعي أو وضعه الاقتصادي أو جنسيته.
وبالرجوع إلى نص المادة 261/ 2 من قانون العقوبات نجد أن «الأم تعاقب سواء كانت فاعلة أصلية أو شريكة في قتل ابنها حديث العهد بالولادة بالسجن المؤقت من عشر سنوات إلى عشرين سنة». على أن لا يطبق هذا النص على من ساهموا أو اشتركوا معها في ارتكاب الجريمة. وعلة المشرع في تمييز عقوبة الأم عن عقوبة الغير يرجع لظروف شخصية خاصَّة بالأم، وهي نفسها التي جعلته يتدخل بتجريم خاص لقتل طفل حديث العهد بالولادة، مما يجعل التخفيف المقرَّر للأم لا ينصرف إلى غيرها من فاعلين أصليين أو شركاء.
الفرع السادس: الزنا:
__________
(1) - بلقاسم سويقات: الحماية الجزائية للطفل في القانون الجزائري، رسالة ماجستير، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، 2010 - 2011، ص:65، 66. (7/20)
صفحة 145
النص المجرم: المادة 339: «يقتضي بالحبس من سنة إلى سنتين على كل امرأة متزوجة ثبت ارتكابها جريمة الزنا». وتطبَّق العقوبة ذاتها على كل من ارتكب جريمة الزنا مع امرأة يعلم أنها متزوِّجة. ويعاقب الزوج الذي يرتكب جريمة الزنا بالحبس من سنة إلى سنتين وتطبق العقوبة ذاتها على شريكته. ولا تتخذ الإجراءات إلاَّ بناء على شكوى الزوج المتضرِّر، وإن صفح هذا الأخير يضع حدًّا لكل متابعة.
ولقد عرف الزنا بأنه «ارتكاب الوطء غير المشروع من شخص متزوِّج مع امرأة برضاها حالة قيام الزوجية فعلا أو حكما».
أولا: أركان الزنا: الركن المفترض «قيام رابطة زوجية صحيحة»:
أولا: إثبات صحة الزواج: يشترط لقيام جريمة الزنا تطبيقا لنص المادة 339 من قانون العقوبات الجزائري أن تكون الزانية وقت ارتكابها الأفعال المنسوبة إليها مرتبطة بعقد زواج صحيح مع الشاكي, حيث نصت في فقرتها الأولى: «يقتضي بالحبس من سنة إلى سنتين على كل امرأة متزوجة ثبت ارتكابها جريمة الزنا».
ثانيا: الفترة التي تعتبر فيها الرابطة الزوجية قائمة وحكمها: إنَّ الفترة الزمنية التي يتصور ارتكاب جريمة الزنا فيها هي المحصورة بين انعقاد الزواج وانحلاله, وعليه لا تتحقَّق جريمة الزنا إلاَّ إذا ارتكبت حال قيام الزوجية بين الشاكي والزوجة المشكو ضدها. ولا يشترط لقيام صفة الزوجية أن يكون الزوج قد دخل بزوجته بل تتوفر علاقة الزوجية قانونا متى تمَّ العقد صحيحًا, ولا عقاب على الزنا الذي يقع بعد انحلال الرابطة الزوجية بوفاة الزوج أو بالطلاق.
الركن المادي «وقوع فعل الوطء غير المشروع»: (7/21)
صفحة 146
المقصود بالوطء: يرى الأستاذ أحسن بوسقيعة أنَّ الركن المادي لجريمة الزنا يتحقَّق بحصول الوطء فعلا، بالطريق الطبيعي أي بإيلاج عضو التذكير في فرج الأنثى، ولا يشترط القانون معاينة حصول الوطء والجماع، وإنما يكفي للعقاب مشاهدة الزاني والشريك في ظروف لا تترك مجالا للشك في أنهما قد باشرًا معا العلاقة الجنسية (1).
ثانيا ـ المتابعة: تخضع المتابعة لقيدين: إثبات الجريمة بإحدى الطرق الواردة حصرًا في المادة 341 ق ع ج وشكوى الزوج المتضرِّر.
أ ـ إثبات الجريمة: لا يجوز إثبات جريمة الزنا إلاَّ بإحدى الوسائل الثلاث التي وردت على سبيل الحصر في المادة 341 ق. ع. ج، وهي:
1ـ محضر إثبات التلبُّس بالجنحة يحرِّره ضابط من ضباط الشرطة القضائية، وأن تكون الجنحة متلبسا بها، والتلبُّس بالجنحة معرَّف في المادة 41 ق. إ. ج. ج توصف الجنحة بأنها في حالة تلبُّس إذا كانت مرتكبة في الحال أو عقب ارتكابها.
كما تُعتبر الجنحة متلبَّسا بها إذا كان الشخص المشتبه في ارتكابه إياها في وقت قريب جدًا من وقت وقوع الجريمة قد تبعه العامَّة بالصياح أو وجدت في حيازته أشياء أو وجدت آثار أو دلائل تدعو إلى افتراض مساهمته في الجنحة. وتتَّسم بصفة التلبُّس كلُّ جنحة وقعت ولو في غير الظروف المذكورة أعلاه اذا كانت قد ارتُكبت في منزل وكشف صاحب المنزل عنها عقب وقوعها وبادر في الحال باستدعاء أحد ضباط الشرطة القضائية لإثباتها.
2 ـ إقرار وارد في رسائل أو مستندات صادرة من المتهم: يجب أن يكون الإقرار واضحًا دون لبس أو غموض ويتناول مضمونه ذكر علاقات جنسية، على أن يكون هذا الإقرار واردا في محرَّرات أو صور في أيِّ سند آخر ويكون صادرا عن المتهم.
3ـ الإقرار القضائي: ويقصد به الاعتراف أمام القضاء.
__________
(1) - أحسن بوسقيعة: المرجع السابق، ص: 130. (7/22)
صفحة 147
وإن توفرت هذه العناصر السالفة الذكر فإنَّ النيابة العامَّة لا تملك القدرة في تحريك الدعوى مالم يتقدَّم الزوج المتضرِّر بشكوى. فإذا كان الزوج هو الفاعل الأصلي لا تتمُّ المتابعة إلاَّ بناء على شكوى زوجته. وإذا كانت الزوجة هي الفاعل الأصلي لا تتمُّ المتابعة إلاَّ بناء على شكوى زوجها.
ثالثا ـ الجزاء: تعاقب المادة 339 ق. ع. ج على الزنا بالحبس من سنة إلى سنتين دون التمييز بين الزوجة والزوج مرتكب الجريمة. وتطبَّق نفس العقوبة على الشريك.
ومن خلال ما تقدَّم من ذكر بعض صور الحماية القانونية للأسرة بوجه عام وصور الحماية الجنائية بصورة خاصة، يمكن القول أن تَمَّت صور أخرى من الحماية لم نتطرق إليها وهي لا تقل أهمية عن سابقتها.
الخلاصة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بناءً على ما ورد في هذه الدراسة، يمكن القول إنَّ الأسرة باعتبارها وحدة قانونية خاصَّة، تجد من اللازم حمايتها وحلّ مشاكلها والدفاع عن القواعد التي تنظمها في إطار قواعد قانون الأسرة، لكن هذه الحماية المدنيَّة تعجز عن ضمان حماية كاملة للأسرة، ولذلك تحتاج هذه الأخيرة إلى فرع قانونيٍّ آخر يتميَّز الجزاء فيه بالردع يكون هو المؤهَّل بتكميل هذا الدور، إنَّه «القانون الجنائي» بكلِّ شعبه، ومن هنا جاءت الحماية الجنائية للأسرة؛ حيث أفرد المشرِّع لحمايتها فصلا خاصة في قانون العقوبات أسماه «الجنايات والجنح ضدَّ الأسرة والآداب». وبالإضافة إلى هذا الفصل المستقلِّ في قانون العقوبات الخاص، توجد نصوص قانونية مكمِّلة تعالج موضوعات تتعلَّق بنظم الأسرة وروابطها مما يجعلنا نستنتج إحساس المشرِّع الجزائري بضرورة توفير الحماية لهذه الخلية الاجتماعية الحيوية الأولى بامتياز. (7/23)
صفحة 148
لكن السؤال الذي يُطرح في هذا الموضوع هو: هل فلسفة المشرِّع الجزائري في حمايته القانونية للأسرة مُتجانسة، بالمقارنة بين ما هو مُقرَّر مدنيا وشرعيًّا، وبين ما هو متبنَّى جنائيا (1)؟ فالجواب على هذا السؤال يصلح أن يكون محلَّ بحثٍ ودراسةٍ مستقلة عسى الله أن يوفقنا لإنجازها مستقبلا.
قائمة المراجع
*- القرآن الكريم
1 - أحسن بوسقيعة: الوجيز في القانون الجزائي الخاص، الجزء الأول، دار هومة، الطبعة العاشرة، 2009.
2 - أشرف رمضان عبد الحميد، نحو بناء نظرية عامة لحماية الأسرة جنائيا، الطبعة الأولى 2006.
3 - بلقاسم سويقات: الحماية الجزائية للطفل في القانون الجزائري، رسالة ماجستير، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، 2011.2010.
4 - بن عيوش فاطمة: الحقوق الزوجية بين أحكام تشريع الأسرة والاجتهاد القضائي، مذكرة ماجستير في الحقوق، جامعة الجزائر 3، كلية الحقوق بن عكنون، السنة الجامعية 2010، 2011.
5 - ثابت بن عزة مليكة: الإجهاض بين الشريعة والقانون الوضعي الجزائري، رسالة ماجستير، جامعة بن عكنون الجزائر، السنة الجامعية2001، 2000.
6 - حمو فخار: عقوبة الإعدام في التشريع الجزائري والقانون المقارن، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، كلية الحقوق.
7 - داود بورقيبة: نظام الأسرة في القرآن الكريم، دراسات مجلة دورية محكمة، جامعة عمار ثليجي بالأغواط، العدد 03، ديسمبر 2005.
8 - طاهري حسين: الأوسط في شرح قانون الأسرة الجزائري، دار الخلدونية، الطبعة الأولى 2009.
9 - لنكار محمود: الحماية الجنائية للأسرة، رسالة دكتوراه العلوم فرع القانون الجنائي، جامعة منتوري، قسنطينة، 2008/ 2009.
10 - مولود ديدان: قانون الإجراءات الجزائية، دار بلقيس دار البيضاء الجزائر طبعة 2008.
11 - نبيل صقر: الوسيط في جرائم الأشخاص، دار الهدى عين مليلة، الجزائر، 2009.
الوثائق القانونية
__________
(1) - لنكار محمود: المرجع السابق، ص: 368، 369. (7/24)
صفحة 149
12 - دستور الجزائر لسنة 1996، والمعدل بالأمر 2008 المؤرخ في 17 ذو القعدة 1429 الموافق لـ 15 نوفمبر 2008.
13 - قانون الأسرة الصادر في سنة 4198، والمعدل والمتمم بالأمر رقم 05 - 02 المؤرخ في 27 فيفري 2005.
14 - قانون العقوبات المعدل والمتمم، الصادر بالأمر رقم 66 - 156 المؤرخ في 18 صفر عام 1386 الموافق 8 يونيو عام 1966.
15 - قانون الإجراءات الجزائية الجزائري المعدل الصادر بموجب القانون 06 - 22 المؤرخ في 20/ 12/2006.
- - - (7/25)
صفحة 150
مسافة السفردراسة مقارنة بين المذهبين المالكي والإباضي
أ: أحمد بن صالح الشيخ أحمد
باحث ماجستير ــــ سلطنة عُمان
hmidachikh766@yahoo.com
ا
الحمد لله رب العالمين القائل في محكم تنزيله: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (1)، ژ ھ ھ ھ ھ ے ے ??ژ (2)، ژ? ? ? ? ?? ? S S S ژ (3)، وصلى الله على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين القائل: «بُعثت بالحنيفيَّة السمحة» (4)، ورضي الله عن صحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إنَّ الدين الإسلامي دين يسر وسهولة، فقد خفَّف الله سبحانه تعالى عن الإنسان ورفع عنه الحرج ولم يكلفه إلا في حدود طاقته، وشمل ذلك التيسير والتخفيف جانب العبادات والمعاملات وغيرها، في حالات كثيرة تطرأ على الإنسان كالعجز والمرض والسفر والحيض والنفاس، وفي حالات الضرورة والمشقة. ومن مظاهر اليسر والسماحة التخفيف عن المسافر، حيث شرع له قصر الصلاة الرباعية، فضلا عن رخصة الجمع بين بعض الصلوات والفطر في رمضان، وغيرها من التخفيفات.
ومن المسائل التي اختلف العلماء وتشعبت فيها أقوالهم، وكثرت فيها الأسئلة: مسألة حد القصر أو مسافة السفر. وقد حظيت باجتهادات مختلفة من العلماء، إذ يفتي كلُّ واحد منهم بما يراه صوابا. وهي من المسائل الفرعية الاجتهادية التي يسع فيها الخلاف، ويُعذر فيها المخالف. وقد اقتصرتُ في هذا البحث على رأي المالكية والإباضية فقط.
المبحث الأول: تعريف السفر وشروط قصر الصلاة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أولا: تعريف السفر
__________
(1) - البقرة، 185.
(2) - الحج، 78.
(3) - النساء، 28.
(4) - رواه أحمد، عن أبي أمامة، 5/ 266. وأبو القاسم سليمان أحمد الطبراني: المعجم الكبير، ط2، دار إحياء التراث العربي، د. ت، ر7715، 8/ 170. (8/1)
صفحة 151
السفر في اللغة هو: قطع المسافة، يُقال ذلك إذا خرج للارتحال، ووضح وانكشف، وبرز إلى الأرض الفضاء (1). وسمي السَّفر سفرا لأنه يُسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم فيظهر ما كان خافيا منها (2).
وعرف الفقهاء السفر بعدة تعريفات منها:
*- «السفر هو الخروج على قصد قطع مسافة القصر الشرعية فما فوقها» (3).
*- «السفر هو خروج الإنسان من محل إقامته لغرض من أغراض الحياة بنية الرجوع» (4).
*- السفر «هو الخروج من عمارة بلد الإقامة قاصدا مكانا يبعد مسافة يصح فيها قصر الصلاة» (5).
والمسافر هو: «من شدَّ رحله وقصد الخروج من وطنه إلى مكان آخر. ولا يطلق اسم المسافر على من خرج إلى الأمكنة القريبة من بلده لغرض» (6).
__________
(1) - أحمد بن محمد الفيومي: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ط 1987م، مكتبة لبنان، ص 106. علي محمد الجرجاني: التعريفات، ط2، 1413هـ -1992م، دار الكتاب العربي بيروت، ص 157. إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط، ط 1980م، مطابع دار المعارف مصر، دار الدعوة تركيا، ص 432، 433.
(2) - ابن منظور: لسان العرب، ط1، 1410هـ - 1990م، دار صادر، بيروت، باب (سفر)، 4/ 368.
(3) - وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت: الموسوعة الفقهية، ط1، 1412هـ -1992م، 25/ 26.
(4) - علي يحي معمر، أحكام السفر في الإسلام، تحقيق وتخريج عمر بن أحمد بازين، 1416هـ - 1995م، ص 17.
(5) - د. محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه أبي بكر، ط2، 1415هـ - 1994م، دار النفائس، بيروت، ص 144. د. محمد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عبد الله بن عمر، ط1، 1406هـ- 1986م، دار النفائس، بيروت، ص 429.
(6) - محمد بن علي الشوكاني: كتاب السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، ط1، د. ت، دار الكتب العليمة- بيروت، 1/ 308. (8/2)
صفحة 152
وعلَّة التخفيف في السفر هي قطع المسافة من غير نظر إلى المشقَّة وعدمها، ولو قطعت هذه المسافة في مدة قصيرة بوسائل النقل الحديثة (1).
ثانيا: شروط القصر عند المالكية والإباضية (متى يصير المقيم مسافرا).
شروط قصر الصلاة عند المالكية ستة (2)، وهي:
1 - طول السفر، وهي ثمانية وأربعون ميلا، وتعادل أربعة برد (3).
2 - أن يعزم من أول سفره على قطع المسافة دون تردد.
3 - أن يقصد جهة معينة، فلا يقصر الهائم ولا من خرج إلى طلب آبق.
4 - أن يكون سفره مباحا، فلا يقصر العاصي بسفره.
5 - أن يجاوز البلد وما يتصل به من المساكن والبساتين المعمورة.
6 - ألا يعزم خلال سفره على إقامة أربعة أيام، وألا يدخل أثناء سفره بلدا هو وطن له.
وشروط القصر عند الإباضية أربعة (4)، وهي:
__________
(1) - د. وهبة الزحيلي: نظرية الضرورة مقارنة مع القانون الوضعي، ط4، 1405هـ - 1985م، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص 131. د. عمر عبد الله كامل: الرخصة الشرعية في الأصول والقواعد الفقهية، ط1، 1420 هـ - 1999م، دار ابن حزم، بيروت، ص 125.
(2) - أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي: القوانين الفقهية، ط2، 1409هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 83. خالد عبد الرحمان العك: موسوعة الفقه المالكي، ط1، 1413هـ 1993م، دار الحكمة، دمشق، 4/ 498.
(3) - كما سيأتي عند بيان مسافة السفر عند المالكية.
(4) - أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة: كتاب الجامع، المطبعة الشرقية ومكتبتها، د. ت، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1/ 575. أبو إسحاق إبراهيم بن قيس: مختصر الخصال، دار نوبار للطباعة، 1404هـ - 1984م، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، ص 78. عبد الله بن حميد السالمي: معارج الآمال، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، د. ت، 10/ 180، 199. شرح الجامع الصحيح، 1/ 269. عبد الله السالمي: جوابات، ط1، 1417هـ - 1996م، مطابع النهضة سلطنة عمان، نشر مكتبة الإمام السالمي، 1/ 485. (8/3)
صفحة 153
1 - نية قطع مسافة السفر.
2 - بلوغ مسافة السفر، وتقدر بفرسخين (1).
3 - مجاوزة عمران البلد.
4 - أن لا يتخذ مكان سفره وطنا جديدا، وأن لا ينوي الإقامة فيه إلى الأبد.
ثالثا: الشروط المشتركة بين المذهبين وغيرهما من المذاهب (2):
اتفق الفقهاء لتعيُّن القصر في السفر على أربعة شروط، وهي:
1 - نيَّة قطع مسافة السفر.
2 - بلوغ مسافة السفر، على اختلاف بينهم في تقديرها.
وسمى بعض العلماء قطع هذه المسافة بالسفر الطويل الذي تلحق به المشقَّة غالبا (3)، أي يقصر المسافر إن قصد سفرا طويلا، أمَّا إن قصد سفرا قصير فلا يقصر (4).
3 - مجاوزة عمران البلد.
4 - أن لا يستوطن المسافر مكان سفره، أو لا يقيم فيه مدة تقطع عنه حكم السفر، على اختلاف بينهم في تقديرها.
__________
(1) - كما سيأتي عند بيان مسافة السفر عند الإباضية.
(2) - انظر: الموسوعة الفقهية، 25/ 31. 27/ 269، 275. أ. د/محمد عبد الفتاح البنهاوي: الصلاة في السفر «دراسة فقهية مقارنة»، بحث نشر في المجلة العلمية لكلية الشريعة والقانون بطنطا، العدد 11، ص 93.
(3) - أبو عبد الله محمد الأنصاري القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ط2، تاريخ مقدمته 1371هـ/ 1952م، 5/ 354.
(4) - القوانين الفقهية، ص 83. موسوعة الفقه المالكي، 4/ 498. نظرية الضرورة، ص 131، 132. البنهاوي: الصلاة في السفر، ص 93. (8/4)
صفحة 154
واختلفوا في قصر المسافر في سفر المعصية، فاشترط الجمهور ومنهم المالكية (1) ألا يكون السفر لمعصية، ولم يفرق الإباضية (2) والحنفية (3) بين سفر الطاعة والمعصية.
وأهم هذه الشروط هي: بلوغ أو قطع مسافة السفر، وقد وقع في تحديدها بين العلماء خلاف كبيرٌ ونقاش طويل. وهذه المسألة سأتناولها بالتفصيل في المبحث التالي.
المبحث الثاني: رأي المالكية والإباضية في مسافة السفر وأدلتهم:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أولا: رأي المالكية في مسافة السفر وأدلتهم:
يرى المالكية ومن وافقهم -الشافعية والحنابلة والليث والأوزاعي- أن أقل مسافة السفر:
*- باعتبار الزمان: تقدر بمرحلتين بسير الإبل، أي مسيرة يومين معتدلين، أو مسيرة يوم وليلة.
__________
(1) - القوانين الفقهية، ص 83. جلال الدين السيوطي: الأشباه والنظائر، ط1، 1407هـ - 1987م، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 138 (القاعدة 14). أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي: المجموع شرح المهذب، ط1، 1417هـ -1996م، دار الفكر، بيروت، 4/ 268. أبو بكر محمد بن عبد الله، ابن العربي: أحكام القرآن، دار الجيل، بيروت 1988م، 1/ 58.
(2) - محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، 1404هـ -1984م، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 14/ 54. جامع ابن بركة، 1/ 575. أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني: نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، ط1، 1421هـ/2001م، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، 3/ 445. 3/ 548. عبد الله بن حميد السالمي: طلعة الشمس على الألفية، ط2، 1405هـ/ 1985م، وزارة التراث القومي والثقافة- سلطنة عمان، 2/ 269.
(3) - علاء الدين أبو بكر الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط2، 1402هـ/ 1982م، دار الكتاب العربي بيروت، 1/ 93. الموسوعة الفقهية، 25/ 28 - 34، 27/ 275 - 277. (8/5)
صفحة 155
*- باعتبار المسافة: تقدر بأربعة برد، أو ستة عشر فرسخا، وذلك ثمانية وأربعون ميلا (1)، وهو قول ابن عباس وابن عمر (2)، وهي تعادل 82.5 كلم (3)، وقيل: 88.7 كلم (4)، وقيل: 80 كلم ونصف (5).
قال القرطبي: «وليس المراد بمسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله، وإنما المراد أن يسير سيرًا يبيت فيه بعيدًا عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم» (6).
أقول: إن اختيارهم مسيرة يوم وليلة له توجيه معتبر، وهو: أنَّ الخارج من بيته لا يستطيع أن يعود إليه في نفس اليوم بعد هذا السير، فلابد له أن يبيت أو يقيل في مكان ما أثناء عودته، فيحتاج ما يحتاج المسافر من الفراش والزاد ... الخ. فلهذا يسمى من سار يوما وليلة مسافرًا.
أدلة المالكية ومن وافقهم:
__________
(1) - القوانين الفقهية، ص 83. موسوعة الفقه المالكي، 4/ 498.ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ابن رشد، ط1، 1416هـ/ 1995م، دار ابن حزم- بيروت، تحقيق وتعليق: ماجد الحموي، 1/ 323. ابن عبد البر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى العلوي، 1387هـ، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 11/ 179، 180. محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، تحقيق وتعليق: علي الشربجي، وقاسم النوري، د. ت، ص 118.
(2) - ابن عبد البر، التمهيد، 11/ 179، 180.
(3) - انظر تعليق الحموي في هامش بداية المجتهد، 1/ 323. وانظر تقدير المرحلتين في: الرخصة الشرعية، ص 124. نظرية الضرورة، ص 131، 132.
(4) - د. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ط4، 1418هـ - 1997م، دار الفكر، دمشق وبيروت، 1/ 75.
(5) - محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة –الجعفري- الحنفي- المالكي- الشافعي- الحنبلي، ط7، 1402هـ - 1982م، د. م. ط، ص 139، 140.
(6) - القرطبي، 5/ 354، 355. انظر: التمهيد، 11/ 179، 180. (8/6)
صفحة 156
1 - روي من طريق إسماعيل بن عياش عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء عن ابن عباس م عن النبي ح قال: «يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسافان» (1).
وجه الاستدلال: فيه منع قصر الصلاة في أقل من أربعة برد (2).
اعتراض: إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأنَّ فيه إسماعيل بن عياش وعبد الوهاب بن مجاهد (3) وهما ضعيفان (4).
2 - ما روي عن ابن عمر وابن عباس م أنهما كانا يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا (5).
__________
(1) - رواه البيهقي، السن الكبرى، كتاب الصلاة، باب السفر الذي لا تقصر في مثله الصلاة، 3/ 137. والدارقطني، كتاب الصلاة، باب قدر المسافة التي تقصر في مثلها صلاة وقدر المدة، 1/ 374. والطبراني المعجم، الكبير، ر11162، 11/ 96.
(2) - انظر: زاهر أحمد الصوافي: بعض أحكام قصر الصلاة في السفر (دراسة مقارنة)، بحث تخرج من معهد العلوم الشرعية- سلطنة عمان، 1427هـ - 2006م، رقم 613/ 223، ص 23.
(3) - عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر المكي القرشي (ق2هـ): مولى عبد الوهاب بن السائب المخزومي. روى عن: أبيه وعطاء. وعنه: إسماعيل بن عياش وبكار بن محمد وبكر بن الشرود وعبد الرزاق. قال وكيع: كانوا يقولون إنه لم يسمع من أبيه. قال أحمد: ليس بشيء ضعيف الحديث. انظر: ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، ط1، 1412هـ - 1991م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ر839، 6/ 400.
(4) - انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الفكر (د. ت)، 2/ 566. المجموع شرح المهذب، 4/ 277. والبيقهي: السنن الكبرى، باب السفر الذي لا تقصر في مثله الصلاة، 3/ 137. نيل الأوطار، 3/ 206، 207.
(5) - ذكره البخاري (معلقا)، كتاب تقصير الصلاة، باب في كم تقصر الصلاة، والبيهقي، السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب السفر الذي تقصر في مثله الصلاة، 3/ 137. (8/7)
صفحة 157
اعتراض: هذا موقوف عليهما، والموقوف لا ينهض دليلا في معارضة المرفوع الصحيح السند (1). وقد وردت روايات مختلفة عن ابن عمر تبين المسافة التي كان يقصر فيها (2).
3 - «عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيرة ذلك». قال مالك: «وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد» (3). و «عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعُسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة». قال مالك: وذلك أربعة برد. وذلك أحب ما تُقصر إلي فيه الصلاة» (4).
فقد دلت هذه الآثار دلالة واضحة على أنَّ مسافة القصر هي أربعة برد ولا قصر فيما دون ذلك (5).
اعتراض: أمَّا قصر ابن عمر بذات النصب فلا يعتبر دليلا على المسافة لأنه لم يبيِّن ذلك، ولاحتمال أنه لم تحضره الصلاة إلاَّ في ذلك الموضع فقصرها فيه، ولا دلالة فيه أنه لا قصر في أقل من هذه المسافة.
وقول مالك: «وذلك أحب ما تقصر إلي ... » مجرَّد استحباب، ويدلُّ على أنه اطمأن إلى هذا الرأي، فالاستحبابُ لا يعدُّ مرجحا قويا مقابل الأدلة والآراء الأخرى.
ثانيا: رأي الإباضية في مسافة السفر وأدلتهم:
__________
(1) - نثار الجوهر، 3/ 433.
(2) - فتح الباري، 2/ 567. معارج الأمال، 10/ 193. نثار الجوهر، 3/ 435.
(3) - أخرجه البيهقي، السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب السفر الذي تقصر في مثله الصلاة، 3/ 136. ومالك بن أنس: الموطأ، ط1، 1423هـ - 2003م، دار ابن رجب المنصورة، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب ما يجب فيه قصر الصلاة، ر12، ص 114.
(4) - نفسه، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب ما يجب فيه قصر الصلاة، ر15، ص 115.
(5) - البنهاوي، الصلاة في السفر، ص 99، 100. (8/8)
صفحة 158
يرى الإباضية أنَّ حد السفر عند فرسخين، وهو أقل ما يقع عليه اسم السفر (1). والفرسخان 12 كلم تقريبا (2).
أدلة الإباضية:
__________
(1) - الجامع لابن بركة، 1/ 575. عامر بن علي الشماخي: كتاب الإيضاح، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1404هـ - 1984م، 2/ 237. معارج الأمال، 10/ 192. محمد بن يوسف اطفيش (القطب): شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ط3، 1985م، مكتبة الرشاد جدة، 2/ 352، 353. أحمد بن حمد الخليلي: الفتاوى (الصلاة- الزكاة- الصوم- الحج)، ط2، 1423هـ - 2003م، مطبعة عُمان ومكتبتها، الأجيال للتسويق، 1/ 161.
(2) - فتاوى الشيخ الخليلي، 1/ 161، 162. أحكام السفر في الإسلام، ص 24. إبراهيم بن عمر بيوض، الفتاوى، ترتيب وتقديم وتخريج: بكير بن محمد الشيخ بالحاج، ط2، 1411هـ/ 1990، مكتبة أبي الشعثاء، سلطنة عمان، ص 93. (8/9)
صفحة 159
1 - ما روي أن النبي ح خرج من المدينة نحو مكَّة حتى إذا كان بذي الحليفة وبينه وبين المدينة فرسخان صلى ركعتين ركعتين، ثم رجع إلى المدينة فقيل له في ذلك، فقال عليه السلام: «إنَّما أردت أن أعلمكم صلاة السفر» (1). وبلفظ: «حد السفر»، و «مسافة القصر» (2). وقال: «وهذا الحديث برواياته المتعدِّدة نصٌّ في تحديد المسافة، وهو أصح حديث في الباب» (3). ونسب القطب هذه الرواية إلى الربيع، حيث قال: «لحديث الربيع: أنه ح جاوز فرسخين من المدينة إلى ذي الحليفة، وقال: «أريد أن أعلمكم حد السفر»» (4).
__________
(1) - لم أجد من خرجه بهذا اللفظ، وقد ذكره بعض الفقهاء في كتبهم مثل: القطب: شرح النيل، 2/ 352، 353، والشماخي: الإيضاح، 2/ 237 - 239. والسالمي: المعارج، 10/ 192، والسالمي: شرح الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع بن حبيب)، ط2، المطابع العالمية- سلطنة عمان، 1/ 269. والخليلي، الفتاوى، 1/ 161. وانظر: تعليق عمر أحمد بازين، محقق كتاب أحكام السفر في الإسلام، هامش ص 23.
(2) - شرح النيل، 2/ 353. المعارج، 10/ 192. شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع، 1/ 269. فتاوى الشيخ أحمد الخليلي، 1/ 161.
(3) - علي يحي معمر، أحكام السفر في الإسلام، ص 71. ونسب هذا الحديث إلى مدونة أبي غانم الخراساني. ونص المدونة هو: «عن جابر بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج من المدينة عامدا إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين غير صلاة المغرب». (أبو غانم الخراساني: المدونة الكبرى، ط، 1984م، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1/ 173، 174). فلم يرد فيها ذكر ذي الحليفة، ولا حد السفر، ولا رجوعه - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ليعلمهم حد السفر؟
(4) - قطب الأئمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش: تيسير التفسير، تحقيق وإخراج: الشيخ إبراهيم طلاي، ط، 1418هـ - 1998م، المطبعة العربية، غرداية- الجزائر، 3/ 320. تفسير آية ژ ? ? ? ? ژ (النساء، 101) .. فلم أجد من روى هذه الرواية فيما اطلعت عليه. (8/10)
صفحة 160
2 - «أنه كان ح إذا خرج حاجًّا أو غازيًا صلى صلاة القصر بذي الحليفة، وبينهما فرسخان» (1).
3 - عن أنس - رضي الله عنه - قال: «صليت الظهر مع النبي ح بالمدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين». ورواه بلفظ: «أن رسول الله ح صلى الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين» (2).
4 - عن شرحبيل بن السمط قال: رأيت عمرًا صلى بذي الحليفة ركعتين فقلت له فقال: «إنما أفعل كما رأيت رسول الله ح يفعل» (3). أي أن ذلك كان فعل عمر - رضي الله عنه - اقتداء برسول الله ح.
5 - روي عن أبي الشعثاء أنه قال: «تقصر في مسيرة ستة أميال» (4). الفرسخ ثلاثة أميال، والفرسخان ستة أميال.
اعتراض على استدلالهم بقصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة:
__________
(1) - ذكره بعض فقهاء الإباضية في كتبهم مثل: الشماخي في الإيضاح، 2/ 237، 2/ 146، وابن بركة في الجامع، 1/ 575. لكن لم أجده بهذا اللفظ، ورُوي بلفظ آخر عن ابن عمر وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، رواه مالك في الموطأ، عن نافع «أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج حاجا أو معتمرا قصر الصلاة بذي الحليفة»، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب ما يجب فيه قصر الصلاة، ر10، ص 114. وعبد الرزاق بنفس اللفظ، رقم (4324)، 2/ 530. وفيه إشارة واضحة أن ذا الحليفة لم يكن غاية سفره.
(2) - رواه الإمام أفلح بن عبد الوهاب عن أنس، انظر: مسند الربيع، ر917، 1/ 358. والبخاري، عن أنس بن مالك، كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه، ر1089. ومسلم، عن أنس بن مالك، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، ر690، 1/ 480.
(3) - رواه مسلم، عن شرحبيل بن السمط، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، رقم (692)، 1/ 481. والنسائي، المجتبى، 3/ 118. والطبراني، المعجم الكبير، رقم (2691)، 4/ 248. والبيهقي، 3/ 146.
(4) - رواه ابن أبي شيبة، في مسيرة كم يقصر الصلاة، 2/ 201. (8/11)
صفحة 161
قال الزرقاني: «ولا دلالة فيه على القصر في السفر القصير؛ لأنَّ بين ذي الحليفة والمدينة ستَّة أميال لأنَّها لم تكن منتهى سفره، بل كان ذلك لخروجه لحجة الوداع فنزل بها فقصر العصر، واستمرَّ يقصر حتى رجع» (1). قال ابن حجر: «واستدل به على استباحة قصر الصلاة في السفر القصير لأنَّ بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، وتعقب بأن ذا الحليفة لم تكن منتهى السفر وإنما خرج إليها حيث كان قاصدا إلى مكة، فاتفق نزوله بها، وكانت أول صلاة حضرت بها العصر فقصرها واستمر يقصر إلى أن رجع ... وكونه - صلى الله عليه وسلم - لم يقصر حتى رأى ذا الحليفة إنما هو لكونه نزله ولم يحضر قبله وقت صلاة» (2).
__________
(1) - شرح الزرقاني، 1/ 445، 446.
(2) - فتح الباري، 2/ 570. (8/12)
صفحة 162
وقال النووي: «وليس المراد أن ذا الحليفة كان غاية سفره، فلا دلالة فيها قطعا» (1). قال ابن حزم: «فإن قيل فهلا جعلتم الثلاثة الأميال كما بين المدينة وذي الحليفة حدا للقصر والفطر إذ لم تجدوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قصر ولا أفطر في أقل من ذلك. قلنا ولا وجدنا عنه عليه السلام منعا من الفطر والقصر في أقل من ذلك، بل وجدناه عليه السلام أوجب عن ربه تعالى الفطر في السفر مطلقا وجعل الصلاة في السفر ركعتين مطلقا» (2). قال الشوكاني: «وهذا يدل على أنَّ الخارج لسفر يقصر في مقدار ما بين المدينة وذي الحليفة وهو ستة أميال، ولكن هذا لا يدل على عدم القصر فيما دون هذه المسألة. والحاصل أن هذه التقديرات لا تدل على عدم جواز القصر فيما دونها، وهي محتملة أنه كان قاصدا السفر أكثر من ذلك المقدار، أو ذلك هو منتهى سفره» (3).
أقول: يبدو والله أعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الروايات كان في طريقه إلى مكة للحج، وتوقف في ذي الحليفة لصلاة العصر، وقد يكون وقوفُه بها للإحرام أو للاستراحة، كما في رواية: «ثم بات بها ... » (4)، فلا يُستدلُّ منها أنه خرج إليها ليعلمهم حدَّ السفر، ولا أنَّ ذلك مسافة للسفر.
اعتراض على استدلالهم بقوله: - صلى الله عليه وسلم -: «أريد أن أعلمكم حدَّ السفر»:
__________
(1) - محي الدين يحي بن شرف النووي: شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ط3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت، 5/ 199، 200.
(2) - أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم الظاهري: المحلى، دار الجيل بيروت، د. ت، 5/ 20.
(3) - محمد بن علي الشوكاني، كتاب السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، د. ت، 1/ 307، 308.
(4) - سيأتي ذكرها وتخريجها. (8/13)
صفحة 163
إنَّ هذه الزيادة لم تثبت؛ لأنه لم ترد في كتب الحديث ولا في غيرها أصلا، ولم أجد من ذكرها إلاَّ الإباضية؟! فهل خفي على غيرهم ولم تشتهر عند الصحابة؟ فهي تتعلَّق بأمر مهم في الدين وركن من أركانه (الصلاة)، وهو تشريع مسافة أو حدِّ السفر، فهل يعقل ويتصور عقلا وشرعا أن يرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعلمهم هذا الحد ثم لا يرويه عنه الصحابة، ولا يشتهر عند التابعين ولا من بعدهم من الفقهاء والمحدثين وأصحاب السير؟ فقد رووا وبلغوا عنه كل ما يتعلَّق بأمور دينهم ودنياهم، فلو كان في أحد الفروع البسيطة التي قد يستغني عنها كثير من الناس، أو في أمر خاص لكان معقولا ومتصورًا.
ومما يدل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قاصدا مكة في حديث أنس روايات أخرى، منها:
1 - عن أنس - رضي الله عنه - قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر ثم أهل بحج وعمرة» (1).
2 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل» (2).
ثالثا: الترجيح بين القولين وبيان القول الراجح:
__________
(1) - رواه البخاري، عن أنس، كتاب الحج، باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال، ر1551. وأبو داود، كتاب المناسك، باب في الإقران، ر1796، 2/ 157.
(2) - رواه البخاري، عن أنس، كتاب الحج، باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح، ر1546. وأبو داود، كتاب المناسك، ر1773، 2/ 151. وأحمد، عن أنس، 3/ 378. (8/14)
صفحة 164
بعض عرض رأي المالكية والإباضية وأدلتهما يتبين أن تحديد السفر بمسافة ليس منضبطا، وليس في المسألة دليل صريح وصحيح يستند إليه، فلا راجح بين القولين، بل كليهما مرجوح، لذلك رجح كثير من العلماء مذهب من يقول: لا حد للسفر والمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرا في عرف الناس فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم، أي أن القصر مشروع في كل ما يسمى سفرا من غير تحديد بمسافة معينة. وهذا مذهب ابن تيمية (1) وابن القيم (2)، وابن قدامة (3) وابن عثيمين (4)، وبعض الظاهرية، وبعض الباحثين (5).
والباحث يميل إلى هذا القول؛ لأن أدلة الإباضية والمالكية وغيرهم من المذاهب متعارضة، ولم تسلم أية أدلة من الاعتراض، كما ليس فيها أي دليل صحيح وصريح يحسم هذا الخلاف. لذلك فإن القول بعدم تحديد السفر بمسافة هو الأقرب للصواب، ولكن تبقى المسألة اجتهادية يسع فيها الخلاف، ولا يُخطَّأ فيها من أخذ بقول عالم مجتهد، والله أعلم.
وإليك أقوال كثير من العلماء في بيان ذلك:
__________
(1) - أحمد بن تيمية: مجموع فتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم العاصمي النجدي، ط2، 1398هـ، 24/ 40.
(2) - ابن القيم الجوزية: زاد المعاد، تحقيق: د/يحي مراد، مكتبة مصر، 2005، 1/ 481.
(3) - موفق الدين بن قدامة: المغني على مختصر الخرقي، ومعه الشرح الكبير على متن المقنع في فقه الإمام أحمد بن حنبل: شمس الدين بن قدامة، ط1، 1404هـ - 1984م، دار الفكر بيروت، 2/ 95.
(4) - محمد بن صالح العثيمين: مجموع فتاوى ورسائل، دار عالم الكتاب- الرياض، ط3، 1412هـ - 1991م، 15/ 265.
(5) - البنهاوي، ص 106. أبو البراء غسان بن يوسف البرقاوي: أربع مسائل في صلاة السفر، 1401هـ، د. م. ط. (واختار التحديد بميل عرفا)، ص 38 - 40. الصوافي: بعض أحكام قصر الصلاة في السفر، ص 28. (8/15)
صفحة 165
قال ابن تيمية: «والقصر جائز في كلِّ سفر قصيرًا كان أم طويلا، فلم يخص الكتاب والسنَّة بسفر دون سفر لا بقصر ولا بفطر ولا بتيمم، ولم يحدد النبي - صلى الله عليه وسلم - مسافة القصر بحد زماني ولا مكاني، والأقوال المذكورة في ذلك متعارضة ليس شيء منها بحجة، وهي متناقضة. فالواجب أن يطلق ما أطلقه الشارع ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر في كل سفر، ومن جعل بعض الأحكام متعلقة بالسفر الطويل وبعضها بالقصير فليس معه حجة يجب الرجوع إليها» (1).
وقال: «والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُقدِّر لا بأميال ولا بفراسخ، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض، فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقا بشيء لا يعرفونه، فالرجل الذي يخرج إلى الصحراء لحطب فيغيب اليومين أو الثلاثة فيكون مسافرًا وإن كانت المسافة أقل من ميل، بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون بذلك مسافرا؛ لأنَّ الأول يحتاج إلى الزاد والمزاد فهو مسافر بخلاف الثاني، وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم، ليس له حدٌّ في الشرع ولا اللغة، فما سموه سفرًا فهو سفر» (2).
قال الشوكاني: «ولم يرد في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا»، وقال: «ومسألة أقل السفر قد اضطربت فيها الأقوال، وطال فيها النزاع، وتشعبت فيها المذاهب، وليس في ذلك شيء يستند إليه إلاَّ مجرَّد قول الرواة: قصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كذا، من دون بيان لمقدار يُرجع إليه، وليس في المسألة ما يصلح الاستناد إليه فوجب الرجوع إلى ما يصدق عليه مسمى الضرب في الأرض، على وجه يخالف ما يفعله المقيم» (3).
__________
(1) - فتاوى ابن تيمية، 24/ 12، 13. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، 2/ 1357.
(2) - فتاوى ابن تيمية، 24/ 134، 135.
(3) - محمد بن علي الشوكاني: الدراري المضيئة شرح الدرر البهية، ط6، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت- لبنان، د. ت، ص 140، وهامش ص 141، 142. (8/16)
صفحة 166
وقال القرطبي: «ولم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر لا في القرآن ولا في السنة، وإنما كان كذلك لأنها لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذي خاطبهم الله تعالى بالقرآن، فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور لا يكون مسافرا لغة ولا شرعا» (1).
وفي بيان الشرع قال أبو سعيد الكدمي: «ولكنه لم يأت في ذلك حدٌّ محدود من كتاب أو سنَّة منصوصة أو إجماع ... بل ثبت فيه معنى الاجتهاد في النظر» (2).
قال ابن عثيمين: «ومن العلماء من يقول إنَّ السفر لا يحد بالمسافة وإنما يحد بالعرف والعادة؛ لأنَّ الشرع لم يرد بتحديده، وما لم يرد الشرع بتحديده فإنه يرجع فيه إلى العرف والعادة» (3). وقال ابن القيم: «ولم يحدد - صلى الله عليه وسلم - لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمُّم في كلِّ سفر، وأما ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه منها شيء البتة» (4).
واختار الألباني رأي ابن القيم وابن تيمية، وقال هو أقرب إلى الصواب وأليق بيُسر الإسلام؛ لأنَّ تكليف الناس بالقصر في سفر محدود بيوم أو ثلاثة أيام أو غيرها يستلزم تكليفهم بمعرفة مسافات الطرق التي يطرقونها، وهذا مما لا يستطيعه أكثر الناس، لاسيما إذا كانت مما لم تطرق من قبل (5).
قال الشيخ بيوض إبراهيم: «والمسألة تتحكَّم فيها اللغة والعرف» (6).
__________
(1) - الجامع لأحكام القرآن، 5/ 354، 355.
(2) - بيان الشرع، 14/ 59.
(3) - فتاوى محمد الصالح العثيمين، 1/ 412، 413.
(4) - زاد المعاد، فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في سفره، 1/ 481.
(5) - محمد ناصر الدين الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض، 1415هـ- 1995م، رقم 163، 1/ 310، 311. انظر: أربع مسائل في صلاة السفر، ص 38.
(6) - فتاوى الشيخ بيوض، ص 134. (8/17)
صفحة 167
أدلة من يرى عدم تحديد السفر بمسافة معينة (المرجع فيها إلى العرف):
*- أولا: قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ?? ژ (1)، فقد دلَّت هذه الآية بعمومها على جواز القصر في السفر مطلقا، دون تحديد مسافة معينة، حيث علَّق القصر بمطلق الضرب في الأرض. فالتقدير بمسافة هو تقييد لمطلق الكتاب ولا يجوز ذلك إلا بدليل شرعي صحيح وصريح.
*- ثانيا: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر في جميع أسفاره، وكذلك الصحابة من بعده (2).
*- ثالثا: أنَّ القصر في السفر ثبت بعدَّة أحاديث لم يرد فيها تحديد لمسافة معينة، ودون تفريق بين سفر طويل أو قصير (3)، منها: ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيدت في الحضر» (4)، وجه الدلالة هنا أنَّ لفظة السفر وردت عامة والألف واللام عامة لجنس السفر دون تخصيص أو تحديد.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة» (5). وجه الدلالة فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفرِّق بين مسافر ومسافر، والألف واللام موصولة، أي: الذي يسافر، دون تخصيص أو تقييد.
__________
(1) - النساء، الآية 101.
(2) - انظر: فتاوى ابن تيمية، 24/ 42. البنهاوي، ص 106.
(3) - انظر: البنهاوي، ص 106.
(4) - رواه الربيع، عن عائشة، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في فرض الصلاة في الحضر والسفر، ر186، 1/ 49. والبخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء ... ، ر350، 1/ 107. ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، ر685، 1/ 478.
(5) - رواه أبو داود، عن أنس، كتاب الصوم، باب اختيار الفطر، ر2408، 2/ 317. والترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع، ر715، 3/ 94. (8/18)
صفحة 168
*- رابعا: أن التحديد بمسافة كالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة تقديرات ومسافات الطرق، وهذا أمر لا يعرفه كلُّ الناس، وخاصة إذا لم يطرقوا هذه الطرق من قبل، فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقا بشيء لا يعرفونه، لهذا لا يستقيم القول بالتحديد (1).
الخاتمة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أولا: يشترط لتحقق السفر عند المالكية والإباضية وغيرهما أربعة شروط، وهي:
1 - نيَّة قطع مسافة السفر.
2 - بلوغ مسافة السفر، على اختلاف بينهم في تقديرها.
3 - مجاوزة عمران البلد.
4 - أن لا يستوطن المسافر مكان سفره، أو لا يقيم فيه مدة تقطع عنه حكم السفر، على اختلاف بينهم في تقديرها.
ثانيا: اختلف المالكية والإباضية في تحديد مسافة السفر:
1 - فيرى المالكية ومن وافقهم أنَّ مسافة السفر تقدَّر باعتبار الزمان بمرحلتين بسير الإبل، أي مسيرة يومين معتدلين، أو مسيرة يوم وليلة. وتقدر باعتبار المسافة بأربعة برد، أو ستة عشر فرسخا، وذلك ثمانية وأربعون ميلا، وتعادل 80 كلم تقريبا.
واستدلوا بأدلة كثيرة، وأهم دليل عندهم: ما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسافان». واعترض على هذا الحديث بأنه ضعيف، لوجود ضعف في بعض سنده.
2 - ويرى الإباضية أنَّ حد السفر فرسخان، والفرسخ ثلاثة أميال، فيكون الفرسخان ستة أميال، وتعادل 12 كلم تقريبا. واستدلوا بعدة أدلة، وأهم دليل عندهم: ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين»، وهذا الحديث متَّفق على صحته ودلالته بين العلماء، إلاَّ أن الإباضية تفرَّدوا بزيادة عليه وهي: «ثم رجع إلى المدينة وقال: أردت أن أعلمكم حد السفر».
__________
(1) - فتاوى ابن تيمية، 24/ 39، 134. الألباني، الأحاديث الصحيحة، ر163، 1/ 310، 311. البنهاوي، ص 106. البرقاوي، ص 38. (8/19)
صفحة 169
واعترض على هذه الرواية بأنها لم تثبت ولم يرد ذكرها في كتب الصحاح، ولم يُعرف سندها.
3 - بعد عرض رأي المالكية والإباضية وأدلتهما يتبين أن تحديد السفر بمسافة ليس منضبطًا، وليس في المسألة دليلٌ صريحٌ وصحيحٌ يُستند إليه، لذلك تبيَّن بأنَّ الرأي الراجح هو القول بأنه: «لا حدَّ للسفر والمرجع فيه إلى العرف». وذهب إلى هذا الرأي كثيرٌ من العلماء، واستدلُّوا على ذلك بأدلة من القرآن الكريم، ومن أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضوان الله عليهم. والله أعلم بالصواب.
- - - (8/20)
صفحة 170
حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني
د: محمد بن موسى باباعمي
مركز أكاديميا للدراسات
الفكرية والبحث العلمي ــــ استانبول
babaammimed@veecos.net
س
سؤال الأزمة وظاهرة النفاق:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مع مرور الوقت، وتكثُّف نموذج الرشد، بات واضحا أنَّ سؤال الأزمة لهذا النموذج هو السؤال عن العلاقة بين العلم والعمل، أي هو عن «حركية الفكر والفعل»؛ مع ملاحظة أنَّ خصائص سؤال الأزمة ليست بالضرورة كما قرَّرها العلماء في نظريَّة المعرفة، إذ المجال الذي ولدت فيه مفاهيم مثل «الثورة المعرفية»، و «سؤال الأزمة»، و «تحوُّل النموذج»، ثمَّ «النموذج البديل» (1) هو مجال العلوم الوضعيَّة الطبيعيَّة التجريبيَّة، بالخصوص في الفيزياء والكسمولوجيا؛ وهذه من طبعها أنَّها دائمة التطوُّر، خطُّها البيانيُّ تصاعديٌّ متواصل، ومن ثَمَّ كان «سؤال الأزمة» فيها غير متكرِّر عبر التاريخ.
يقول مالك بن نبي: «لمشكلات الإنسان طبيعتها الخاصَّة، فهي تختلف اختلافا كليا عن مشكلات المادَّة، لا يمكن معه أن تطبق عليها دائما حلول تستقي براهينها من الخارج. ولعلم الاجتماع مناهجه الخاصة، فإذا ما صرفنا النظر عن مناهجه وقعنا أحيانا في ذلك النقض. كمن يداوي بالكيِّ رجلا من خشب» (2).
__________
(1) - راجع حول هذه المصطلحات: توماس كوهن: بنية الثورات العلمية؛ أحمد داود أوغلو: تحوُّل البرادايم؛ وميشال دوبوا: مدخل إلى علم اجتماع العلوم والمعارف العلمية.
(2) - ميلاد مجتمع؛ ترجمة عبد الصبور شاهين؛ دار الفكر، دمشق؛ 2010م؛ ص102. (9/1)
صفحة 171
وحقل الحضارة، الذي هو موضوع ومجال عملنا، فهو في رسمه البياني على صورة «دالة جيبية»، تدول من علوٍّ إلى أسفل، وترتفع من حضيض لأعلى، قال سبحانه وتعالى:ژ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ژ، ومن ثم كان سؤال الأزمة ممكن التكرُّر عبر التاريخ، كلَّما اكتملت أسباب الحاجة إليه؛ وكلَّما كان سببا لإظهار عجز النموذج المهيمن في الإجابة عنه، معرفيا ومنهجيا وعمليا.
والمتأمِّل في ظاهرة النفاق في القرآن الكريم، وفي السنَّة والسيرة النبوية الطاهرة، يتبيَّن أنَّ أخطر عنصر يتهدَّد الحقيقة، ويصرم قوَّة المسلمين، هو عنصر «النفاق»، الذي هو أساسا «انفصامٌ بين القول والعمل»؛ وإذا ما كان النفاقُ عرَضيًّا في المجتمع الإسلاميِّ كان ذلك «علامة صحيَّة» (1)، من مثل وجود «الميكروبات» التي تقوِّي مناعة الجسم، فالمنافق في ذاته هالك ضالٌّ ظالم. أمَّا الأمَّة على جرائه، فتكون مبتلاة، منتصرة، متمكِّنة، متحدِّية لهذا الخلل الذي نبت من داخلها، وهي دائما تُطوِّر قدراتٍ ومهاراتٍ للتعامل معه، ولحصاره والقضاء عليه.
أمَّا إذا عمَّ النفاق، وكان الغالب على الناس أخلاق المنافقين، فإنَّ القول يكون من نوع، والفعل يكون من نوع مناقض له، وفي هذه الحال تخفت جذوة الأمَّة، وتضعف شوكتها، وتؤول إلى الزوال، شاءت أم أبت.
__________
(1) - ينظر: عمرو خليفة النامي: ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلامية؛ ط1: الدار السلفية، الكويت، مطابع دار الرأي العام التجارية. (9/2)
صفحة 172
ولو استعرنا المثال من علم المناعة ( IMMUNOLOGY) لقلنا: «إنَّك في كلِّ يوم تستنشق آلافا من الميكروبات (بكتيريا وفيروسات) من الهواء المحيط بك، ولكنَّ جهازك المناعيَّ يتعامل معها بلا مشاكل، ولكن قد ينجح البعض من هؤلاء في الإفلات، وتُصاب بنزلة برد أو أنفلونزا مثلا، وهنا تعرف أنَّ جهازك المناعيَّ انتكس في مواجهة الغزاة؛ ولكن بعد مدَّة يحدث الشفاء، فتعرف أنَّ جهازك المناعيَّ صحَّح موقفه، وانتصر في النهاية، وتخلَّص من الغزاة، وأنَّه لو لم يفعل ذلك لما تغلبت أبدا على نزلة البرد بل ربما صرعتك» (1).
__________
(1) - علم المناعة: هو فرع من العلوم الطبية، يهتم بدراسة ظواهر المناعة (المقاومة) المتمثِّلة في الطريقة التي يستطيع بها أيُّ كائن حيٍّ حماية نفسه من الإصابة بالأمراض، أو التخلُّص من الأجسام الغريبة التي قد تدخل إلى الجسم عبر الفتحات الطبيعية أو غير الطبيعية؛ وبالتالي فإنَّ هذا العلم يهتم بدراسة الجهاز المسؤول عن توفير تلك الحماية للكائن الحيِّ، أي الجهاز المناعيِّ، من خلال معرفة الكيفية التي يعمل بها هذا الجهاز على توفير الحماية والدفاع عن الكائن الحيِّ، ومعرفة عواقب اعتلالات الجهاز المناعيِّ على الكائن الحيِّ وما هي أسبابها؟ وكيفية تصحيحها؟.
ومن ثم بات ضروريا، تطويرُ «علم المناعة الحضاريِّ» والاجتماعي، والنفسي؛ الذي يعالج مشكلات النفاق، باعتباره مرضًا يصيب مناعة جسم المجتمع؛ وتعالج هذه الظاهرة كما وردت في المصادر الأصلية، لاسيما القرآن الكريم، والسيرة النبوية، والتاريخ بعامَّة؛ ثم يُسقط ذلك على واقع الأمَّة، وعلى صحَّتها، بالبحث الإجرائيِّ العلميِّ الراشد، عوض الإغراق في التوصيف والوصف، والانتهاء إلى نصوص ميِّتة، لا نفع لها ولا أثر. (9/3)
صفحة 173
يقول سبحانه وتعالى واصفا المنافقين: ژ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ژ (1)، من هنا نفهم أنَّ النفاق تكذيبٌ ومخادعة لله جلَّ جلاله، وحاشاه أن يُخدَع؛ وليس مجرَّد تكذيب للعباد وخداع لهم؛ ومن صفات هؤلاء المنافقين أنهم «يقولون ما لا يفعلون»، و «يقولون خلاف ما يفعلون»، و «يقولون ولا يفعلون»، وقد وصفهم سبحانه في ذات السياق بأنهم:
* ژ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى ژ: الكسل من صفات الفعل والعمل، وهو مخالف لادعائهم، ولِما يُبدونه لمن حولهم، بتنميقهم للكلام، وبأقوالهم المعسولة المضلِّلة.
* ژ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) ژ: فصفة المراءات والرياء من أعمال القلوب، وهو أنهم يخدعون الناس والمؤمنين بالمظاهر المخالفة لحقيقة الأمر؛ قال القرطبي: «إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله» (2).
أمَّا ما يميِّز هؤلاء المنافقين حقًّا فهو أنهم ژ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) ژ، وحتى هذا الذكر القليل يقصد به مصالح مباشرة، ويحفظ به ماء الوجه عند المؤمنين، وعند «شياطينهم»، ولا شيء منه لله تعالى.
من هنا نعلم أنَّ «ظاهرة النفاق»، أو مشكلة «انفصام الفكر والفعل»، هو سؤال الأزمة في العهد النبويِّ، وفي عهود متوالية أخرى، إذ كلَّما كان اعتقاد المسلمين مجرَّد شعارٍ لا حقيقة له، كان ذلك سببًا لنكبتهم ونكستهم، وكلَّما تطابق ما يَعلمون بما يعملون، كانت أمَّتُهم خير أمَّة، وظهرت على غيرها.
والحقُّ أنَّ معالجة «نموذج الرشد»، ومن خلاله «سؤال الأزمة»، من خلال مفاهيم القرآن الكريم، هو من أوكد البحوث التي تُنضج النموذج، ولعلَّ الله ييسِّر ذلك على يد أحد الباحثين، وهو وليُّ التوفيق.
__________
(1) - سورة النساء: 142.
(2) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن الكريم؛ تفسير الآية من سورة النساء؛ موقع تفاسير. (9/4)
صفحة 174
أمَّا في مقالنا هذا، فسنعالج «العلاقة بين الفكر والفعل» قرآنيًّا، لكن من مدخل «الفهم الخلدوني»؛ إذ المتتبع والمتأمِّل في مقدِّمة ابن خلدون (1) يجدها قرآنية المنطلق، علميَّة النزعة، ولذا كانت بحقٍّ مَعْلَما في تاريخ البشرية قاطبة، لا التاريخ الإسلامي فقط.
الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة، نحو نظرية الوعاء الحضاري:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خصَّص مالك بن نبي في كتابه: «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» فصلا مركزيًّا جعل له عنوانا: «الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة»، وفيه شبَّه عالَم الأفكار «بأسطوانة يحملها الفرد عند ولادته، وتختلف هذه الأسطوانة من مجتمع إلى آخر ببعض النغمات الأساسية»؛ مع ملاحظة أنَّ «أسطوانة كلِّ مجتمع مطبوعة بطريقة تختلف عن أسطوانة مجتمع آخر، وتتناغم الأجيال والأفراد مع سلَّمها الأساسيِّ، وهم يضيفون إليها أنغامهم الخاصَّة بهم».
بهذا الأسلوب يضع ابن نبي الحدَّ الفاصل بين الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة بقوله: «فعالم الأفكار أسطوانة لها أنغامها الأساسية ونماذجها المثالية، وهي الأفكار المطبوعة، ولها أيضا توافقاتها الخاصة بالأفراد والأجيال، وهي الأفكار الموضوعة» (2).
__________
(1) - اعتمدت النسخة التي حقَّقها عبد السلام الشدادي، تحقيقا جيِّدا؛ خزانة ابن خلدون، بيت الفنون والعلوم والآداب؛ المغرب؛ 2005م.
(2) - مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي؛ ترجمة بسام بركة، وأحمد شعبو؛ دار الفكر، بيروت-دمشق؛ 2002م؛ ص68. (9/5)
صفحة 175
فالأفكار المطبوعة إذن هي تلك التي تنطبع في الفرد جرَّاء خلفيته التاريخية والدينية والاجتماعية، وهي أشبه ما تكون بالقدَر المحتوم، الذي لا يملك الإنسانُ تغييره؛ أمَّا الأفكار الموضوعة، فهي التي تنبع من خصائص الفرد، وهي ظلٌّ وصدًى لحريته وإرادته، بها يتميَّز عن غيره في إطار الخلفية المشتركة؛ ولقد تتحوَّل مع الوقت إلى أفكار مطبوعة لغيره (1)؛
__________
(1) - وانظر- محمد باباعمي: مقدمات في نظرية الوعاء الحضاري، القطب اطفيَّش نموذجا؛ نشر الجزائر الجديدة، 26 ديسمبر 2011م؛ وهي محاضرة أعدت لمؤتمر القطب في جامعة غرداية؛ وفيها يعرَّف الوعاء الحضاريُّ باعتماد صور ذهنية، كما يلي: «الوعاء الحضاري هو كلُّ ما يؤثِّر في مسير الإنسان ومصيره الدنيويِّ أكيدا، والأخروي غالبا؛ فهو: جغرافيَّتُه، وتاريخُه، ومحيطُه، وبيئتُه، وخصائصُه الموروثة، وأحداثُ عصره، والمؤثرات في فكره، والمحرّكات لمشاعره ... وهو –بلغة فن الرسم– الخلفيةُ التي يضع عليها الرسام لوحته، حجمُها، ونوعُها، وشكلُها ... وهو الحال النفسية التي يكون عليها ذلك الرسام، والطبيعة التي تحيط به، والأفكار التي تعتلج في خاطره ... كلُّ ذلك ليس هو الرسم نفسه، ولكنه محدِّد ومؤثِّر فيما سيصدر من أشكال وألوان ورسوم». وفي العلاقة بين الإنسان وبيئته، بين أفكاره الموضوعة وأفكاره المطبوعة، يذكر المقال: «أنَّ العالم «يحرِّك الأمواج»، ويحدث التغيير، ويشارك في الإصلاح أو الثورات، بكل مقاييسها، وقد يتحول جهده بعد أمد إلى «قطعة من طبيعة الوعاء الحضاري لأمته»؛ غير أنَّ العالِم لا يستطيع أن «يصنع المحيط»، ولا أن يقوم بانقلاب جذري، في ظروف زمنية قصيرة، لا تتجاوز عمره؛ وليس من العلم في شيء أن نربط تاريخ أمَّة على عالِم أو حدث أو طفرة، بل إنَّ هذا من الأخطاء التي ترتكب تكرارا في منهج التأريخ للفكر والتراث الإسلامي» .. (9/6)
صفحة 176
فخاصيَّة التميُّز والتفرُّد تابعة للأفكار المطبوعة، وخاصية التطور والنماء تابعة للأفكار الموضوعة.
ونقرأ أصل هذا التقسيم عند ابن خلدون، في قوله: «ذلك الفكر يدرك الترتيب بين الحوادث بالطبع أو بالوضع».
ذاتية اتِّباع الأسباب:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من بين المرتكزات الثلاثة الأساسية في نموذج الرشد نسجل «ذاتية اتباع الأسباب»؛ ولابن خلدون توجيه مفيد في هذا المعنى، مما جاء فيه: «إذا قصد إيجادَ شيء من الأشياء، فلأجل الترتيب بين الحوادث لا بدَّ من التفطن بسببه أو علَّته أو شرطه، وهي على الجملة مبادئه، إذ لا يوجد إلاَّ ثانيًا عنها، ولا يمكن إيقاع المتقدِّم متأخرًا ولا المتأخر متقدمًا. وذلك المبدأ قد يكون له مبدأ آخر من تلك المبادئ لا يوجد إلاَّ متأخرًا عنه، وقد يرتقي ذلك أو ينتهي».
فهي إذن، عملية فكرية دقيقة، تُكسب المرءَ ملكة «تتبُّع الأسباب»، من المسبَّب إلى السبب الأخير، حتَّى يكتشف «رأس الخيط» كما يعبَّر عنه مجازا؛ فإذا ما تحكَّم في السبب الأوَّل، إذا كان مما يُتحكَّم فيه، هنا تأتي المرحلة الحاسمة، إذ المطلوب ليس هو «توصيف ووصف ذلك السبب»، أو حتى الجدل حوله، والتقعير الممجوج أحيانا، بخاصيةٍ إذا كان «الكلام» أدبيا، لفظيا، بتعبير ابن نبي؛ أو حروفيا، بتعبير فتح الله كولن. لكنَّ المقصد أبلغ وأعظم من ذلك. (9/7)
صفحة 177
ولا شكَّ أنَّ الفكر الرياضيَّ يمرِّن العقل على ملكة تتبُّع الأسباب، وملاحظة المناسبات، ويقيه شرَّ الاقتصار على ظواهر الألفاظ، والاختصار على مظاهر الأشياء؛ يقول فتح الله كولن، في تحديده لصفات ورثة الأرض، ضمن الصفة السادسة، التي هي «الفكر الرياضيُّ»: «فإذا تركنا التصرُّف المفرط للحروفية جانبًا، فإنَّه لولا الرياضيات لما توضحت المناسبات بين البشر ولا بين الأشياء ... فهي - كمصدر نورٍ- تضيء طريقنا في الخطِّ الممتدِّ من الكائنات إلى الحياة، وترينا ما بعد أفق الإنسان، بل أعماق عالم الإمكان العسير التفكير فيه وتحمُّله، واللقاء بغاياتنا» (1).
آخر الفكر، أوَّل العمل:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كثيرًا ما أشكل على الناظر العلاقة بين «الفكر» و «الفعل»، وسأل حائرا: متى يبدأ الفكر ومتى ينتهي، ومتى يبدأ العمل ومتى ينتهي؟ وهل بينهما فصل، أم أنهما متلاحمان؟ وما علاقة العقل بالحواسِّ؟.
ولقد عالجت نظرية المعرفة هذه العلاقة فلسفيًّا، حسب المدارس والنظريات المختلفة، وبرزت عموما ثلاث تيارات كبرى، لها امتداد في «مصادر المعرفة»، وفي «طبيعة المعرفة»، وفي «إمكان المعرفة»، وهي: التيار الحسِّي التجريبي، والتيار العقلي، والتيار الموفِّق بينهما، أي ما يعرف بالتيار النقدي (2).
__________
(1) - ونحن نقيم صرح الروح؛ ترجمة عوني عمر لطفي أوغلو؛ دار النيل، مصر؛ ط6: 2011؛ ص43.
(2) - ينظر: محمد باباعمي: مشكلة المعرفة والخصوصية الإسلامية، عند المفكر مالك بن نبي؛ مؤتمر تلمسان؛ 2011؛ نشر موقع ابن نبي، وموقع فييكوس. وانظر- محمد باقر الصدر: فلسفتنا؛ دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1379هـ؛ ص55. محاضرات جعفر السبحاني: نظرية المعرفة: المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات؛ بقلم حسن محمد مكي العاملي؛ المركز العالمي للدراسات الإسلامية؛ مطبعة القدس، 1411، ص135 وما بعدها. (9/8)
صفحة 178
بينما ينحو ابن خلدون منحًى عمليا يمكن وصفه بالمنحى القرآني؛ الذي لا يعنيه الإيغال في التعريف، أو البحثُ في الماصدق، بقدر ما يعنيه الانتهاء بالعلم إلى العمل، والربط المحكم الفعَّال بين الفكر والفعل، مما يكسِب «الإنسان» سعادةً في الدنيا والآخرة، ويجعله مصدر خير وبرٍّ.
وبهذا المنهج ينبِّهنا ابن خلدون إلى أنَّه «إذا انتهى (المرء) إلى آخر المبادئ في مرتبتين أو ثلاث أو أزيد، وشرع في العمل الذي يوجد به ذلك الشيء بدأ بالمبدأ الأخير الذي انتهى إليه الفكر، فكان أوَّلَ عمله. ثم تابع ما بعده إلى آخر المسببات التي كانت أوَّل فكرته».
ولكي يقرِّب الصورة، ويفهم المقصد، عمد ابن خلدون إلى ضرب المثال، فقال:
«مثلا، لو فكَّر في إيجاد سقف يكنُّه، انتقل بذهنه إلى الحائط الذي يدعمه، ثم إلى الأساس الذي يقف عليه الحائط، فهو آخر الفكر. ثم يبدأ في العمل بالأساس، ثم بالحائط، ثم بالسقف، وهو آخر العمل». (9/9)
صفحة 179
وبعد أن وضَّح المسار، وعرض المثال، بنى «القاعدة الكلية» (1)، التي بها ملاك الأمر، فقال: «وهذا معنى قولهم: أوَّل العمل آخر الفكرة، وأوَّل الفكرة آخر العمل» وشرحُ ذلك أنَّه «لا يتمُّ فعل الإنسان في الخارج إلاَّ بالفكر في هذه المرتبات، لتوقُّف بعضها على بعض، ثم يشرع في فعلها. وأوَّل هذا الفكر هو المسبِّب الأخير، وهو آخرها في العمل. وأوَّلها في العمل هو المسبب الأول وهو آخرها في الفكر. ولأجل العثور على هذا الترتيب يحصل الانتظام في الأفعال البشرية».
ولو أنَّ «العقل المسلم» في هذه المرحلة الحرجة من تاريخه، وهو يعاني من مشكلات في «القدرة»، و «الوعي»، و «الحرية»، و «الحركية» ... استطاع أن يطوِّر لديه ملكة «الانتقال من الفكر إلى الفعل»، واستطاع أن يحدِّد أسباب الأشياء، عوض الوقوف على أوصافها، إذن لانتقل إلى مصافِّ «الفعل الحضاريِّ»، ولارتقى بأمَّته نحو وجهة مختلفة.
__________
(1) - أطور حاليا الخط الواصل بين الفكر والفعل الحضاريِّ، وهو يمرُّ عبر مراحل ومحطات، أبرزها: سؤال الأزمة، ثم بناء الرؤية الكونية، ثم عرض الصور الذهنية والتمثلات، ثم صياغة القواعد الكلية، ثم تخطيط الفعل الحضاريِّ، ثم يكون العمل والفعل ثمرة وحالا ووصفا وملكة ... وهذا المقال جزء من هذا البناء المعرفيِّ؛ وأنكبُّ حاليا على بحث بعنوان: «القواعد الكلية لفقه الحضارة» من خلال فكر فتح الله كولن، مالك بن نبي، علي عزت بيجوفيتش، وعبد الوهاب المسيري. وهو كذلك مندرج ضمن هذا البناء. (9/10)
صفحة 180
وهذا ما وسم مرحلة «النشأة الأولى»، وهو شرط «لإعادة النشأة» كلَّما أراد المسلمون العودة إلى ريادة الإنسانية نحو الخير؛ ذلك أنَّ من القواعد الكلِّيَّة الثابتة في التاريخ «أنَّ نهضة مجتمع ما تتمُّ في الظروف العامَّة نفسها التي تمَّ فيها ميلاده» (1) وهذا القانون عبَّر عنه الأثر بقوله: «لا يصلح آخر هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أولها» (2).
فظاهرة الفقر مما عانى منه المسلمون في عهد النبي عليه السلام، ومما لا يزال يعاني منه العالَم اليوم أجمع، وفي مقدِّمتهم ربع العالم (مليار ونصف) ممن ينتسبون إلى الإسلام؛ والمعقول أنَّه عوض أن يستوردوا سياسات وأفكارا هجينة، قد لا تلائم روح الإنسان، وعوض أن يكثروا من لعن الفقر، ويعملوا على ديباجة الخطب في ذلك، ويعمدوا إلى تنظيم الملتقيات والمؤتمرات، كان من الأولى عليهم «اتباع الأسباب» ذاتيا (3)، و «الشروع في الفعل» بداهة، وغرس هذه الملكة لدى خاصَّة الناس وعامَّتهم؛ وهذا ما نقرأه في الحديث الذي ورد فيه عن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أنَّ رجلا سأله معونة، فأمر أن يبيع بعض متاعه، واشترى له فأسًا، وأمره أن يعمل. ثم قال له: «هذا خير من أن تأتي المسألةُ نكتةً في وجهك يوم القيامة» (4).
__________
(1) - مالك بن نبي: ميلاد مجتمع؛ ص76.
(2) - عدَّه مالك بن نبي حديثا، وهو في الأصل مقولة للإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه -، وليس حديثا.
(3) - ينظر في العدد 13 من مجلة حراء؛ مقال للأستاذ فتح الله كولن، بعنوان: «حركة نماذجها من ذاتها». ومن القواعد الكلية لفقه الحضارة، التي صغتها من المصادر، قاعدة: «لا أثر لأيِّ عامل خارجي، إلاَّ باستجابة العامل الداخلي».
(4) - حديث طويل، روي بطرق مختلفة، وبأطراف عديدة، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -؛ وانظر مسند الإمام أحمد، وغيره. (9/11)
صفحة 181
وهنا نلاحظ أنَّ النبي عليه السلام نظر إلى آخر سبب في سلسلة أسباب الفقر، وهو العطل والكسل والبطالة، فجعلها أوَّل العمل، حتى إنه أمر الرجل أن ينكبَّ على عمله، وأن لا يشتغل بغير ذلك، حتى بزيارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: «ثم لا تأتيني، ولا أراك خمس عشرة ليلة».
وكانت النتيجة أن الرجل استغنى، وكسب عشرة دراهم في خمس عشرة ليلة؛ وقد كان الفقر والحاجة أوَّل الفكر، وبداية المشكلة، فصار التغلُّب عليه، وعيالة أهله وكسوتهم، والقضاء على المشكلة، آخرَ العمل. وبهذا تحقَّق المراد، وحُلَّت المشكلة، ولم تبق رهينة اللاقدرة والكَلالة.
الأفعال الإنسانية والأفعال الحيوانية:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان الفكر البشريُّ مرتبطا بالأسباب، وإذا كان الفعل البشريُّ متَّسما بالنظام والترتيب؛ فإنَّ «الأفعال الحيوانية لغير البشر ليس فيها انتظام، لعدم الفكر الذي يعثر به الفاعل على الترتيب فيما يفعل، إذ الحيوانات إنما تدرِك بالحواس، ومدرَكاتُها متفرِّقة خليَّة من الربط؛ لأنه لا يكون إلاَّ بالفكر».
ولقد حاولت معالجة الفروق بين الإنسان والحيوان، من مدخل نموذج الرشد؛ ومما ورد في المقال ملاحظة «أنَّ الإنسان الراشد يدرك الشيء ويدرك سببه، أمَّا الطائر فلا يدرك الأشياء إلاَّ مفصولة عن أسبابها العميقة البعيدة، غير أنَّ التقدير الربَّانيَّ عوَّضها بمهارات غريزية بديلة، تمكِّنها من الحياة البديعة الرائعة» (1).
__________
(1) - في مقال بعنوان «الطيور الرشيدة»، نشر قبل عامين، في موقعي فييكوس، والقرآن من أجل النهضة. (9/12)
صفحة 182
من هنا نستنتج أنَّ مهمَّة الفكر هي «الربط»، الذي هو ثمرة للفكر، وهو ما يعرف بإيجاد «العلاقات»، وتعيين الأسباب والمقدِّمات، وإدراك النتائج والثمرات (1)؛ وهي ملكةٌ أعلت الإنسان مقاما عليًّا. والقارئ للقرآن الكريم يكتشف مدى «وزع القرآن للعقل ودفعه» حتى ينظر، ويتفكَّر، ويتدبَّر، ويتأمَّل (2) ... بغية إيجاد العلاقات والمناسبات: بين الخالق والمخلوق، بين الإنسان وأخيه الإنسان، بين الإنسان والكون، بين المكان والزمان، بين الحوادث فيما بينها ...
__________
(1) - يمكن أن نعرِّف الذكاء أنَّه: «ملكة الربط، وإيجاد العلاقات، وتعيين الأسباب والمقدِّمات، وإدراك النتائج والثمرات». وهو أدقُّ من تعريف تشارلز سبيرمان spearman (1863 - 1945) بأنه: «القدرة على إدراك العلاقات والمتعلِّقات، التي تربط بين عناصر وأجزاء الشيء المدرك أو الفكرة». وإن كان التعريفان من حيث المنطلق متقاربين.
(2) - ينظر- عباس محمود العقاد: التفكير فريضة إسلامية؛ نهضة مصر للنشر والتوزيع؛ 2006. وعبد الكريم بكار: فصول في التفكير الموضوعي؛ دار القلم، دمشق؛ 2003م. (9/13)
صفحة 183
ولو لاحظنا، تربويًّا، ودرسنا البرامج والمقرَّرات التقليدية، لوجدنا أنَّ التعليم الكلاسيكي (1) يقوم على «تحفيظ المعلومات»، ويمنع العقل من «التوليد»، و «الاجتهاد»، وذلك لبلوغ أغراض أيديولوجية قاصرةٍ؛ عوض الدفاع عن الحرية، والإيمان بقدرة الإنسان اللامحدودة، وإكساب الطالب والتلميذ الملكة والقدرة على التفكير والتحليل والتركيب، وعلى البحث الحرِّ عن الأسباب، وفي الأسباب.
إني جاعل في الأرض خليفة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقد أبدع ابن خلدون حين ربط بين «الاستخلاف» و «الفكر»، أو ما يعرف «بالقدرة على اكتشاف النظام، والعمل بانتظام»؛ فقال: «ولما كانت الحواس المعتبرة في عالم الكائنات هي المنتظمة، وغير المنتظمة إنما هي تبع لها، اندرجت حينئذ أفعال الحيوانات فيها، فكانت مسخرة للبشر. واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث، بما فيه، فكان كلُّه في طاعته وتسخيره. وهذا معنى الاستخلاف المشار إليه في قوله تعالى: ژ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ژ، فهذا الفكر هو الخاصة البشرية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان».
__________
(1) - لا أعني بالتعليم الكلاسيكي إلاَّ ذلك التعليم النمطي الملائم لعصور الانحطاط، في أيِّ حضارة كانت؛ وهو تعليم يلغي إنسانية الإنسان، ويتعامل معه كشيء، وكقالب؛ لا على أنَّه عقل مبدع قادر على التوليد. والقاعدة هي أنَّ «العصر يلد تعليمه ومدرسته». من هنا لا أعتبر التعليم في «دار الحكمة» مثلا، تعليما كلاسيكيا، والتاريخ يبين مدى قدرتها على إنتاج العلم الأصيل، بدينامية منقطعة النظير. (9/14)
صفحة 184
بل إنَّه لو سئل المرء عمَّا به تثبت إنسانية الإنسان، وبم يتميز الناس فيما بينهم؟ وبم يفترقون به عن الحيوانات؟ لتباينت الآراء، إلاَّ أنَّ ابن خلدون كان أصيلا في «ربطه بين التميُّز والقدرة على إيجاد الأسباب»، فقال: «وعلى قدر حصول الأسباب والمسببات في الفكر مرتَّبةً تكون إنسانيته. فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتبتين أو ثلاث، ومنهم من لا يتجاوزها، ومنهم من ينتهي إلى خمس أو ست، فتكون إنسانيته أعلى».
ولقد سأل علي عزت بيجوفيتش (1) عن العبارة المألوفة التي تتكرر كثيرا: «الإنسان نتاج بيئته»، هل هي صادقة، وهل هي مسلَّمة لا جدال فيها، كما يعتقد البعض؟
والنظر يصل بنا إلى أنَّ هذه العبارة هي «مسلَّمة رئيسة» في المذهب الماديِّ، وهي تُتَّخذ نقطة انطلاق لكلِّ النظريات اللاإنسانية: في القانون، وعلم الاجتماع، وفي فنِّ استعباد البشر اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو حتى سياسيًّا؛ وذلك أنَّها تُلغي حرية الإنسان، وتجعله تابعا لما هو أدنى منه، أي «المادة والبيئة»، وتَصْرِفه عن التبعية لمن هو أعلى منه، أي «خالقه، ورازقه»، وبالتالي تمثِّل هذه العبارة ومثيلاتها منتهى الجبريَّة الماديَّة اللاإنسانيَّة المعاصرة، حتى ولو غُلِّفت بألف غلاف من الأوهام والزخرفات والمخادعات.
__________
(1) - الإسلام بين الشرق والغرب؛ ترجمة محمد يوسف عدس؛ نشر مجلة النور الكويتية، ومؤسسة بافاريا، ألمانيا؛ 1994م. (9/15)
صفحة 185
أمَّا الرؤية الكونية التوحيدية، التي تعتبر الإنسان أهلا لخلافة الله في الأرض، فتمنع أن يكون الإنسان خادما وعبدًا لمن هو في مستواه، أي الإنسان؛ ولما هو دونه، أي المادَّة؛ وتحرِّم اتخاذ الإنسان وسيلة لبلوغ مآرب المجتمع الأيديولوجية، إذا كان ذلك يلغي حريته وإرادته؛ بل الواجب أن يوضع كلُّ شيء في خدمة «الإنسان». ثم إنَّ الإنسان خادم لله فحسب؛ بهذا البعد نقرأ قوله تعالى: ژ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ژ، ژ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ژ، ژ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ژ، ژ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ژ، ژ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ژ، ژ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ ژ ...
مثال، وصورة ذهنية (1):
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ما من شكٍّ في أنَّ ضرب الأمثال يقرِّب الفهوم، ويشحذ القرائح، وهو أسلوب ومنهج قرآني، وفي ذلك يقول بديع الزمان النورسي: «لقد أنعم عليَّ سبحانه شعلةً من «ضرب الأمثال» التي هي من أسطع معجزات القرآن وأوضحها، رحمةً منه جلَّ وعلا، لِعجزي وضعفي وفقري واضطراري، لأُنير بها كتاباتي التي تخصُّ خدمة القرآن الكريم. فله الحمد والمنة».
ثم يبين ثمرات «ضرب الأمثال» في أربع نقاط، ويقول:
• فبمنظار «ضرب الأمثال» قد أُظهرَتْ الحقائق البعيدة جدًّا أنها قريبة جدًّا.
• وبوحدة الموضوع في «ضرب الأمثال» قد جُمِّعَتْ أكثر المسائل تشتُّتًا وتفرُّقًا.
• وبسلَّم «ضرب الأمثال» قد تُوصِّل إلى أسمى الحقائق وأعلاها بسهولة ويُسر.
__________
(1) - يعتبر نموذج الرشد «الصور الذهنية والتمثلات» مرحلة مفرقية أساسية في تحول الفكر إلى فعل؛ وهو في الترتيب بعد «الرؤية الكونية»، قبل صياغة القواعد الكلية. والبحث جار في هذا الاتجاه، والحمد لله. (9/16)
صفحة 186
• ومن نافذة «ضرب الأمثال» قد حُصِّل اليقين الإيماني بحقائق الغيب، وأسس الإسلام، مما يقرب من الشهود؛ «فاضطرَّ الخيال إلى الاستسلام، وأُرغم الوهم والعقل على الرضوخ، بل النفس والهوى. كما اضطرَّ الشيطان إلى إلقاء السلاح» (1).
مصداقا لهذه الأبعاد، وتمثلا لهذه المعاني، وسيرا على منهج القرآن الكريم، ضرب ابن خلدون مثلا، في كون إنسانية الإنسان متعلِّقة بمدى معرفته بالأسباب، ومرتبطة بقدر علوِّ كعبه في اتباعها، فقال: «واعتبر ذلك بلاعب الشطرنج: فإنَّ في اللاعبين من يتصور الثلاث حركات والخمس الذي ترتيبها وضعيٌّ، ومنهم من يقصر عن ذلك لقصور ذهنه. وإن كان هذا المثال غير مطابق، لأنَّ لعب الشطرنج بالملكة، ومعرفة الأسباب والمسببات بالطبع، لكنه مثال يحتذي به الناظر في تعقل ما يورد عليه من القواعد. والله خلق الإنسان وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً» (2).
من العلم إلى الحال، ومن القول إلى الاتصاف:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ما هو الكمال المرجوُّ والمعتبر في التوحيد وفي العبادات: أهو الإيمان القلبيُّ المجرَّد؟ أم هو مرحلة أعلى من ذلك؟
هو موضوع كلاميٌّ قديم، صُنِّفت فيه المؤلفات، وجرت حوله المحاورات، يقول الإمام البخاري: «كتبت عن ألف نفر من العلماء، لم أكتب إلاَّ عمن قال الإيمان: قول وعمل، ولم أكتب عمَّن قال: الإيمان قول». وهو بهذا يذهب إلى أنَّ الراجح هو كون الإيمان قولا وعملا؛ ولهذا عرَّفوا الإيمان بأنه: «اعتقادٌ بالجَنَان، وقولٌ باللسان، وعمل بالأركان». فالعمل بهذا يكون ركنا من أركان الإيمان، لا خارجا عنه.
__________
(1) - بديع الزمان النورسي: المكتوبات؛ ترجمة إحسان قاسم صالحي.
(2) - مقدمة ابن خلدون. (9/17)
صفحة 187
لكنَّ الإمام ابن أبي العز في شرحه للعقيدة الطحاوية، ردم الهوَّة بين القائلين بأنَّ الإيمان «تصديق وقول»، والقائلين «إنَّ الإيمان تصديق وقول وعمل»؛ فقال: «وهنا أصلٌ آخر وهو أنَّ القول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلُّم بكلم الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيَّته وإخلاصه، وعمل الجوارح» (1).
أمَّا ابن خلدون فيرى «أنَّ المعتبر في هذا التوحيد ليس هو الإيمان فقط، الذي هو تصديق حكميٌّ، فإنَّ ذلك من حديث النفس. وإنما الكمال فيه حصول صفة منه، تتكيف بها النفس. كما أنَّ المطلوب من الأعمال والعبادات أيضًا حصول ملكة الطاعة والانقياد، وتفريغ القلب عن شواغل ما سوى المعبود، حتى ينقلب المريد السالك ربَّانيًّا».
__________
(1) - شرح العقيدة الطحاوية؛ طبعة زكريا علي يوسف؛ ص245. (9/18)
صفحة 188
ولَكَم أرَّقتنا صورة «مسلم» لا تصطبغ أفعاله بدينه وإيمانه؛ فهو من جهة يصرِّح بالإيمان، ويقول به، وهو من جهة أخرى يأتي ما يُخالف قوله، وهو ما عبَّر عنه البعض «بظاهرة النفاق»، وهي ظاهرة «انفصام القول مع الفعل»، و «الظاهر مع الباطن»؛ ولقد ضرب ابن خلدون مثالا حيًّا، شرح فيه هذه المعضلة الحضارية، فقال: «والفرق بين الحال والعلم في العقائد فرق ما بين القول والاتصاف. وشرحه أنَّ كثيرًا من الناس يعلم أنَّ رحمة اليتيم والمسكين قربةٌ إلى الله تعالى، مندوبٌ إليها، ويقول بذلك ويعترف به، ويذكر مأخذه من الشريعة، وهو لو رأى يتيمًا أو مسكينًا من أبناء المستضعفين، لفرَّ عنه، واستنكف أن يباشره، فضلاً عن التمسيح عليه للرحمة، وما بعد ذاك من مقامات العطف والحنوِّ والصدقة. فهذا إنما حصل له من رحمة اليتيم مقامُ العلم، ولم يحصل له مقامُ الحال والاتصاف. ومن الناس من يحصل له مع مقام العلم والاعتراف بأنَّ رحمة المسكين قربةً إلى الله تعالى مقامٌ آخر أعلى من الأوَّل، وهو الاتصاف بالرحمة وحصول ملكتها. فمتى رأى يتيمًا أو مسكينًا بادر إليه ومسح عليه والتمس الثواب في الشفقة عليه، لا يكاد يصبر عن ذلك، ولو دُفع عنه. ثم يتصدق عليه بما حضره من ذات يده» (1).
وبيان هذا المعنى قول ابن خلدون: «ولو طلب الاتصاف بعد العلم، كان لزامًا أن يقع العمل ويتكرَّر مرارًا غير منحصرة، فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق، ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة. فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع، وهذا علم أكثر النظَّار، والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن العادة» (2).
«ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصِّل لهذه الثمرة الشريفة».
__________
(1) - مقدمة ابن خلدون.
(2) - المصدر نفسه. (9/19)
صفحة 189
ودليل ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في رأس العبادات: «جُعلت قرة عيني في الصلاة» (1)، فإنَّ الصلاة صارت له صفةً وحالاً يجد فيها منتهى لذَّته وقرَّة عينه، وأين هذا من صلاة الناس ومن لهم بها؟ ژ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) ژ.
وإنَّ الإيمان، الذي هو أصل التكاليف كلِّها وينبوع العبادات جميعها، له مراتب:
* «أولها التصديق القلبيُّ الموافق للِّسان».
* «وأعلاها حصول كيفية، من ذلك الاعتقاد القلبي، وما يتبعه من العمل، مستولية على القلب، فيستتبع الجوارح. وتندرج في طاعتها جميع التصرُّفات، حتى تنخرط الأفعال كلُّها في طاعة ذلك التصديق الإيماني. وهذا أرفع مراتب الإيمان، وهو الإيمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن معه صغيرة ولا كبيرة. إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين».
ومعنى ذلك «أنَّ ملكة الإيمان إذا استقرَّت عسُر على النفس مخالفتُها، شأن الملكات إذا استقرَّت، فإنها تحصل بمثابة الجبلَّة والفطرة. وهذه هي المرتبة العالية من الإيمان، وهي في المرتبة الثانية من العصمة؛ لأنَّ العصمة واجبة للأنبياء وجوبًا سابقًا، وهذه حاصلة للمؤمنين حصولاً تابعًا لأعمالهم وتصديقهم. فبهذه الملكة ورسوخها، يقع التفاوت في الإيمان».
والجديد عند ابن خلدون، من خلال هذه النصوص وغيرها، هو خروجه من دائرة الجدل اللفظيِّ، وتوظيفه للمثال، وللصورة الذهنية، التي تقرِّب المعنى وتجلِّيه، وتصنيفُه للعلاقة بين المعلوم (الخلُق، مثلا) والعالِم (الإنسان) والعلم (النظر، الحال ... )، إلى مراتب وأوجه منها:
* من العلم الأوَّل (علم النظر) إلى العلم الثاني (النافع).
* من مقام العلم إلى مقام الحال.
* من مقام القول إلى مقام الاتصاف.
* حصول الصفة وتكيف النفس.
* حصول المكلة بفعل التكرار.
__________
(1) - مسند الإمام أحمد؛ رواية أنس بن مالك؛ رقم 13758. وهو صحيح. (9/20)
صفحة 190
* رسوخ الملكة، وحصول الاتصاف والتحقيق.
* من الملكة والاتصاف إلى الإقبال والشوق والمواظبة.
* بلوغ مرتبة الكمال في الإيمان، وهي مرتبة استقرار الملكات، وتحوُّلها إلى جبلَّة وفطرة.
العقل التجريبي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يقول ابن خلدون في معرض حديثه عن العلوم الوضعية، وعن التجربة في المجال الماديِّ المحسوس: «المعاني الجزئية التي تتعلَّق بالمحسوسات وصدقها وكذبها، إنما تُتعلم بالتجربة».
ويبين مدى استفادة الناس من هذه المعاني، ودرجات استيعابهم، فيقول: «ويستفيد كلُّ واحد من البشر القدر الذي يُسِّرَ له منها، مقتنصًا له بالتجربة بين الواقع في معاملة أبناء جنسه، حتى يتعين له ما يجب وينبغي، فعلاً وتركًا. وتحصل في ملابسة الملَكة في معاملة أبناء جنسه. ومن تتبع ذلك سائر عمره حصل له العثور على كلِّ قضية قضية. ولا بد بما تسعه التجربة من الزمن».
«وقد يسهل الله على كثير من البشر تحصيل ذلك في أقرب زمن التجربة، إذ قلَّد فيها الآباء والمشيخة والأكابر، ولُقِّنَ عنهم، ووعى تعليمهم، فيستغني عن طول المعاناة في تتبُّع الوقائع واقتناص هذا المعنى من بينها. ومَن فَقَدَ العلم في ذلك والتقليد فيه أو أعرض عن حسن استماعه واتباعه، طال غناؤه في التأديب بذلك، فيجري في غير مألوف ويدركها على غير نسبة، فتوجد آدابه ومعاملاته سيئة الأوضاع بادية الخلل، ويفسد حاله في معاشه بين أبناء جنسه. وهذا معنى القول المشهور: «من لم يؤدبه والده أدبه الزمان». أي من لم يُلقَّن الآداب في معاملة البشر من والديه - وفي معناهما المشيخة والأكابر - ويتعلم ذلك منهم، رجع إلى تعلُّمه بالطبع من الواقعات على توالي الأيام، فيكون الزمان معلِّمه ومؤدِّبه لضرورة ذلك بضرورة المعاونة التي في طبعه. وهذا هو العقل التجريبي، وهو يحصل بعد العقل التمييز في الذي تقع به الأفعال كما بيناه».
وهنا، كذلك، يحصر ابن خلدون جملة من المفاهيم، منها: (9/21)
صفحة 191
* المعاني الجزئية (المعاني الجزئية ... ).
* المحسوسات ( ... التي تتعلق بالمحسوسات ... ).
* الصدق والكذب ( ... وصدقها وكذبها ... ).
* التجربة ( ... إنما تتعلم بالتجربة ... ).
* اختلاف المدارك (ويستفيد كلُّ واحد من البشر القدر الذي يُسِّرَ له منها ... ).
* الملكة (وتحصل في ملابسة الملكة في معاملة أبناء جنسه).
* الملاحظة (ومن تتبع ذلك ... ).
* الاستقراء (ومن تتبع ذلك سائر عمره حصل له العثور على كل قضية قضية ... ).
* عامل الزمن (ولا بد بما تسعه التجربة من الزمن).
* البعد الغيبي (وقد يسهِّل الله على كثير من البشر تحصيل ذلك في أقرب زمن التجربة).
* الاستفادة من الخبرة السابقة، ونقل المعرفة (إذ قلَّد فيها الآباء والمشيخة والأكابر).
* البحث الجماعي وتراكم المعرفة، والجماعة العلمية (لضرورة ذلك بضرورة المعاونة التي في طبعه).
ولا شكَّ أنَّ هذه المفاهيم هي عناوين لبحوث عميقة في فكر المنهج القرآنيِّ ابتداء، وفي الفهم الخلدونيِّ بالتبع؛ ولا يخفى ما تحمل من أبعاد ودلالات ورؤى معرفية ابستمولوجية، قد لا تتوفَّر لدى الكثير من العلماء والمؤلفين (1). لكن أبرز ما نخلص إليه في بحثنا هذا، هو أنَّ ابن خلدون ظلَّ وفيًّا للفعل والفكر والتجربة، ولم يحرق المراحل، بالاستغناء عن الملاحظة، والاستقراء، والبحث ... وهو بحقٍّ علامة واضحة في تاريخ الفكر البشريِّ، حيث لم يخلط بين «الإنساني» و «الغيبي»، ولم يلغ أحدهما على حساب الآخر؛ بل كان العمران المؤسَّس على «المرجعيَّة التوحيديَّة» هو هاجسه، وهو محور أعماله، وفي مقدِّمتها: «المقدمة».
- - -
__________
(1) - ألِّفت الكثير من الأعمال حول نظرية المعرفة في فكر ابن خلدون؛ نذكر للتمثيل: ملحم قربان: نظرية المعرفة في مقدمة ابن خلدون؛ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1985م. محمد عابد الجابري: فكر ابن خلدون، العصبية الدولة؛ المغرب، دار النشر المغربية – 1984. (9/22)
صفحة 192
أزمة القيم في ظل التعدّدية الثقافية للمجتمع وعلاقتها بظاهرة العنف
أ: إبراهيم بن حمُّو تامتلت
كلية الحقوق والعلوم السياسية
ــــ جامعة غرداية ــــ
tamehim@yahoo.fr
م
مقدمة:
بناء على تصريحات أدلى بها الوزير الهولندي «فرهاجن» عنونت الصحف الهولندية ليوم 15/ 02/2011م «الاندماج حسب فرهاجن قد فشل»، و «المجتمع المتعدِّد الثقافات حسب فرهاجن قد فشل». وبهذا فإنَّ الوزير فرهاجن يقتفي أثر «ساركوزي» و «كامرون» و «ميركل»؛ إذ أعلنوا قبله فشل التعدُّدية الثقافية، هؤلاء كلهم أرسلوا جنودهم حول العالم للتبشير بالعلمانية والحرية، وهؤلاء كلهم برَّروا الحروب على المسلمين بمحاربة القمع والإرهاب ليعيش كلُّ إنسان وفق إرادته. واليوم يُعلن هؤلاء كلُّهم فشل التعددية الثقافية. يزعمون إرادة الحرية للناس، ولكن يمنعونها في بلدانهم. فإذا أراد شخص أن يلبس أو أن يأكل وفق أحكام دينه أو أن يعتقد العقيدة التي يختارها، يقال له اليوم: «فشلت التعددية الثقافية»!
هذه التعددية الثقافية لم توجد أصلا، كما نطلب من الوزير فرهاجن أن يعطينا مثالا واحدا يبين لنا وجودها قبل التصريح بفشلها؛ فإذا نظرنا إلى السياسة الهولندية في السنوات الأخيرة، سنرى بوضوح أنَّها قائمة على محاربة التعددية. فقد طُلب من المسلمين التخلي عن الإسلام وتبني فكرة الديمقراطية والحريات، وطلب إلزامهم بالمصافحة، ومنع النقاب، وطُلب منع اللحم الحلال، وطُلب منع الزواج الإسلامي، وطُلب منع الخمار. فأين هذه التعددية الثقافية من قبل؟ واقع السياسة الهولندية يثبت أنها لم توفَّق إلاَّ في إثارة كراهية الأجانب، وكراهية الإسلام والمسلمين على وجه الخصوص. ولا أدلَّ على هذا من الإحصائيات الكاذبة التي تزعم تفشي الإجرام بين المسلمين، أو التقارير المزيفة التي تبيِّن المسلمين غير مهتمِّين بالتعليم ولا يفكِّرون إلاَّ في المساعدات المالية. (10/1)
صفحة 193
ولكن، نستفيد من تصريحات الوزير الهولندي أنه يتجلَّى صعوبة التحكم والارتقاء في وسط مجتمع متعدِّد الثقافات، تختلف فيه الاتجاهات والقيم والأعراف والتقاليد، إذ كل فرد في هذا المجتمع له انتماء إلى مجموع ثقافات وهذا ما يسمى بتداخل الثقافات، وتكوين مجتمع هجين تذوب فيه الخصوصيات ليظهر تركيبة جديدة بعيدة عن النظام الاجتماعي المكون من مؤسَّسات اجتماعية أصيلة عارفة بشؤون أبنائها متحكمة فيهم بمعايير اجتماعية فكرية اقتصادية ... تستند على اتجاهات وقيم ومبادئ ... ذلك المجتمع.
«من جهة أخرى فإنَّ الحقائق الجليَّة في واقعنا الاجتماعي والفكري والحضاري الحالي، تتجلَّى فيه التحوُّلات المجتمعية في العالم الكوني اليوم ككل، وبروز أشكال أخرى من العيش في شكل عالم تتداخل فيه فكرة صدام القيم وصدام الحضارات الذي أشار إليه الفيلسوف الأمريكي المعاصر «هينتينغتون» في كتابه «صراع الحضارات»، وتُقابلها دعوات تَعَايُشْ الثقافات وحوار الحضارات، جميع هذا يقدِّم فرصة للعلوم الإنسانية والاجتماعية من أجل أن تتقدَّم وتنتفض؛ هذا التقدُّم والانتفاضُ، ليس فقط من أجل الرّصد والتَّحليل، وإنّما من أجل التّنظير والتّشريع لأفق حضاري جديد، يُعيد للقيم قيمتها وللإنسان محددّاته الأصلية المرتبطة بفطرته. غير أنَّ ما ينخر جسم الإنسان في العالم العربي والغربي اليوم يرتبط بفقدان هذا الإنسان لمنظومة القيم أو تعطيل فاعليتها، وهذا باعتبار ـ منظومة القيم ـ جملة من المبادئ والمثل العليا التي توجه سلوك الأفراد وفق مقتضياتها» (1).
__________
(1) - فيروز مامي زرارقة. (2014). مشكلات وقضايا سوسيولوجية معاصرة. دار الأيام للنشر والتوزيع .... ص: (10/2)
صفحة 194
«لكن الفارق بين أزمة القيم في العالم العربي الإسلامي والعالم الغربي، أنّها في العالم الأوَّل لم تفقد طابعها المقدَّس وروحها الأساسي، إذ مازال الشخص المسلم يؤمن بقدسية القيم الإيمانية ويؤمن بتعاليها، وارتباطها بالمبدأ الإلهي الأعلى، رغم الواقع الانفصالي عنها في الممارسة الفردية والاجتماعية. ولكنها في العالم الثاني ـ الغربي ـ أفقد القيم قيمتها، وصار يُبصر فيها شكلا من أشكال السياسات الثقافية، صارت القيم تبعا لرؤيته، أقنعة وتأويلات زائفة للسلوك الإنساني، وأحل محل الطابع القُدسي الشامل والمطلق للقيم، فكرة: «منظورية القيم»، أي تجذُّر أيَّة لوحة أحكام خلُقية ضمن نسق اجتماعي وحيثيات تاريخية وإرادات إنسانية لا تحمل من الإطلاق والتعالي شيئًا، ومن هذا المبدأ خرجت كافة المذاهب الأخلاقية كالنّفعية واللَّذية وأخلاق القوة وأخلاق السعادة المادية. ولم تدر هذه المذاهب أنَّه لا يمكن كما يقول أفلاطون لناقص الكمال أي الإنسان، أن يكون معيارًا للكمال، لأنَّ البشر تعلَّموا تبرير سلوكاتهم، لا بالمقاصد أو الغايات، وإنما بالنَّجاحات أو الإخفاقات التي يحصلون عليها، في حين أنَّ النجاحات والإخفاقات متصارعة وأُحادية النّظرة، ما ينتج عنها، فقدان شبكة العلاقات الاجتماعية تماسكها واطِّرادها، والاندراج في دوَّامة عبادة الأنا الفردية المنفصلة عن تسديد القيم، والمتجهة إلى دروب اللاَّمعنى والعبثية» (1).
من هذه المقدمة نطرح ثلاثة تساؤلات أساسية هي:
1 - هل للواقع الثقافي المتعدد للمجتمع انعكاسات على قيم الفرد؟
2 - هل هناك اختلاف تجاه موضوع القيم بين المجتمع متعدد الثقافات والمجتمع المتجانس؟
3 - هل للواقع الثقافي المتعدد للمجتمع دور في بروز مظاهر العنف؟
المبحث الأول: القيم "مفهومها، مصدرها واكتسابها":
__________
(1) - فيروز مامي زرارقة. (2014). مشكلات وقضايا سوسيولوجية معاصرة. دار الأيام للنشر والتوزيع .... (10/3)
صفحة 195
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1) مفهوم القيم:
يصعب الوقوف على الدلالات الاصطلاحية للقيم وما تتضمنه من معان عند من يستعملونها كافة، فالقضية القيمية شائكة المسائل، كثيرة التفريعات، تضرب أصولها التاريخية إلى ما يزيد عن ألف وخمسمائة سنة، ذكرت في مداولات الفلاسفة وكانت إحدى قضاياهم المهمة التي درسوها وخاضوا فيها تنظيرا وتأطيرا، وبغض النظر عن مذاهب الفلاسفة ورؤاهم، تبقى القيم قضية الإنسان الأولى، ومنطلق تفكيره، ومحط تأملاته، فجوهر الوجود الإنساني يقوم عليها، ويؤسس حولها، إذ لا معنى لحياة الإنسان بلا قيم تحكم تفاعله مع عوالم الأفكار والأشياء من حوله، وعندما يتجرد الإنسان من قيمه الفاضلة فإنه يتجرد في واقع الأمر من حقيقة إنسانيته ومعناها وجوهرها.
ونظرا لأهمية القضية القيمية سواء في بعدها التنظيري الفلسفي أم في حقيقة واقعها ووجودها العلمي، فقد تناولها العلماء والدارسون بالتحليل والتفسير والبيان، الأمر الذي تمخض عنه وجهات نظر متعددة، شارك فيها الفلاسفة والتربويون وعلماء الاجتماع والسياسة، وكان خلاصة ذلك كما هائلا من المعرفة والفلسفة والنظريات، واختلاف حول القيم وطبيعتها، ما بين مضيق لدلالتها أو موسع لها، ففي الوقت الذي رأى بعضهم أن القيم لا تعدو «مجرد اهتمامات أو رغبات غير ملزمة» رآها آخرون أنها تتسع لتكون «معايير مرادفة للثقافة ككل» (1)، وأنها تلك الأشياء (نشاطات، خبرات ... ) التي بتوازنها يتحقق الوجود الإنساني.
__________
(1) - زاهر ضياء. (1984). القيم في العملية التربوية. مؤسسة الخليج العربي: القاهرة. ص10. (10/4)
صفحة 196
وفي هذا الصدد يشير ديوي ( Dewey) إلى سعة التنوع والاختلاف الذي صاحب موضوع القيم بقوله: «إن الآراء حول موضوع القيم تتفاوت بين الاعتقاد من ناحية بأن ما يسمى قيما ليس في الواقع سوى إشارات انفعالية، ومجرد تعبيرات صوتية، وبين الاعتقاد في الطرف المقابل بأنها المعايير العقلية الضرورية التي يقوم على أساسها كل من الفن والعلم والأخلاق» (1).
واختلاف العلماء والمنظرين في تحديد معنى (القيم) يعود إلى ما تتسم به القضية القيمية من عمق معرفي وثقافي وأيديولوجي، فنحن عندما نتحدث عن القيم فإننا ننطلق من ثقافة معينة تنتظم القيم في سلكها وتدور في دوائرها، فالتعاليم الدينية والرؤى الفلسفية والتربوية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية تعد كلها أصولا فكرية تحكم تفاعلنا مع القضية القيمية.
كما نستطيع أن نميز ونلحظ أن ما يذهب إليه مفكر أو فيلسوف أو تربوي من توجه معين نحو القيم إنما يصدر في حقيقته عن ثقافته ومعتقداته وتصوراته التي يحملها، ونظرا لتعدد الموارد الثقافية وتنوعها، كانت دلالات القيم وخصائصها ومضامينها متعددة ومتنوعة كذلك. ومما سبق يمكن النظر إلى موضوع القيم من ثلاث زوايا حسب ما توجهت إليه الاتجاهات الثلاثة التالية:
__________
(1) - دياب فوزية. (1980). القيم والعادات الاجتماعية. دار النهضة العربية: بيروت. ص16. (10/5)
صفحة 197
• النظر إلى القيم باعتبارها مجموعة من المعايير التي يحكم بها على الأشياء بالحسن أو القبح. ومن التعاريف التي أخذت هذه النظرة: «القيم هي المقاييس والمبادئ التي نستعملها للحكم على قيمة الشيء، وهي المعايير التي تحكم من خلالها على الأشياء (الناس، الأغراض، الأفكار، الأفعال، المواقف) بأنها جيدة وقيمة ومرغوبة أو على عكس ذلك بأنها سيئة ومن غير قيمة أو قبيحة» (1). «القيم هي مجموعة من المعايير والأحكام تتكون لدى الفرد من خلال تفاعله مع المواقف والخبرات الفردية والاجتماعية، بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته، يراها جديرة بتوظيف إمكاناته، وتتجسد خلال الاهتمامات أو الاتجاهات أو السلوك العملي أو اللفظي بطريقة مباشرة وغير مباشرة» (2).
__________
(1) - Shaver, j and Strong, w (1967) Facing Value Decision: Rational Builing for Teacher, Belmont C A, Wadsworth. P15
(2) - أبو العينين، علي خليل. (1988). القيم الإسلامية والتربية. مكتبة إبراهيم الحلبي: المدينة المنورة. ص34. (10/6)
صفحة 198
• النظر إلى القيم باعتبارها تفضيلات يختارها الفرد: يرى (باير وتوفلر Bayer and Tofler) أن «في القيم التي يتبناها الأشخاص عوامل مهمة ومحددة لسلوكهم، فعندما يؤدي المرء سلوكا معينا، أو يختار مسارا مفضلا له على سلوك أو مسار آخر، فإنه يفعل هذا وفي ذهنه أن السلوك أو المسار الأول يساعده على تحقيق بعض من قيمه أفضل من السلوك الآخر» (1). كما أيَّد هذا الاتجاه (هالستد Halstead) الذي عرف القيم بأنها «المبادئ والمعتقدات الأساسية والمثل والمقاييس أو أنماط الحياة التي تعمل مرشدا عاما للسلوك، أو نقاط تفضيل في صنع القرار، أو لتقويم المعتقدات والأفعال والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالسمو الخلقي والذاتي للأشخاص» (2).
• النظر إلى القيم باعتبارها حاجات ودوافع واهتمامات واتجاهات ومعتقدات ترتبط بالفرد: يمثل هذا الاتجاه نظرة علماء النفس الاجتماعي الذين يحددون نظرتهم للقيم في سمات الفرد واستعداداته واستجاباته فيما يتصل بالآخرين، وعليه فهم يختلفون عن علماء الاجتماع الذين يتعاملون مع القيم الجماعية ( Group Values)، إذ يركزون على القيم الفردية ( Individual Values) ومحدداتها سواء أكانت نفسية أم اجتماعية أم جسمية ... ، وهذا ما جعل نظرتهم للقيم نظرة مرتبطة بالفرد، فنراهم يربطون بين القيم والحاجات والدوافع والاهتمامات والمعتقدات والسلوك والسمات والاتجاهات (3).
__________
(1) - حسين محي الدين. (1981). القيم الخاصة لدى المبدعين. دار المعارف: القاهرة. ص37.
(2) - Halstead J. (1996). Values and Values Education in Schools. In Halstead ,j, and Taylor, M (eds), Values in Education and Values, London, the falmer press. P5
(3) - ماجد زكي الجلاد. (2005). تعلم القيم وتعليمها: تصور نظري وتطبيقي لطرائق واستراتيجيات تدريس القيم. دار المسيرة: عمان. ص24. (10/7)
صفحة 199
فقد يكون هذا الاتجاه اعم اتجاهات تعريف القيم وأكثرها تفريعا وتداخلا مع المفاهيم النفسية المختلفة التي ترتبط بعلاقة ما مع القيم ولكنها لا تمثلها تمثيلا تاما ... (1). ومن هذه المفاهيم (القيم والحاجة، القيمة والدافع، القيمة والاهتمام، القيمة والاتجاه) فكلها مفاهيم تتداخل مع موضوع القيم تحتاج إلى توضيحها وإبرازها في بحوث أخرى متخصصة في موضوع القيم.
بعد عرضنا للتوجهات الثلاثة السابقة يمكن استخلاص أن هناك قدرا من الاتفاق بين الباحثين على النقاط الآتية:
• تمثل القيم أحكاما معيارية يتم بمقتضاها تقويم سلوك الأفراد والجماعات وتحديد ما هو مرغوب أو غير مرغوب فيه.
• القيم موجهات لسلوك الأفراد وإطارا مرجعيا يحكم تصرفاتهم ويحدد أهدافهم وطموحاتهم وينظم علاقاتهم بأنفسهم وبمجتمعهم.
• أن وزن القيمة وأهميتها يختلفان من فرد لآخر، وفي ضوء ذلك تحتل القيم المهمة وزنا أكبر في نسق القيم، وتمثل القيم الأقل أهمية وزنا أقل في هذا النسق.
• أن الاتساق القيمي الناتج عن إعطاء نفس الأهمية لقيم معينة ليس ستاتيكيا جامدا بل إنه يتسم بالديناميكية.
• تحتوي القيم على أبعاد وجوانب متعددة منها ما هو معرفي ومنها ما هو وجداني ومنها ما هو سلوكي.
2) مصدر القيم وتكوينها واكتسابها:
تجنبا للخلط، فعلى أي باحث التمييز بين المصدر الذي يجب أن تستقى منه القيم وبين المداخل التربوية لتكوين القيم واكتسابها عند دراسة مثل هذا الموضوع، وفيما يلي توضيح بمصدر القيم ومراحل تكونها واكتسابها عند الأفراد.
__________
(1) - خليفة عبد اللطيف. (1992). ارتقاء القيم: دراسة نفسية. سلسلة عالم المعرفة رقم 160، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب: الكويت. (10/8)
صفحة 200
أ. مصدر القيم: اعتبرت العديد من الدراسات الغربية وبعض الدراسات العربية المتعلقة بالقيم أن المصدر الذي تنبع وتستقى منه القيم هو المجتمع وأفراده، من خلال توظيف العقل والتفاعل مع بعضهم البعض ومع الكون بما فيه. ولعل أصل هذا الصراع راجع إلى الصراع في تاريخ الفكر الأوروبي بين الدين والعقل، والجدل حول أيهما المصدر الأول والوحيد للمعرفة البشرية. هل هو الله أم المجتمع؟
اتجه بعض الباحثين أمثال (بارسونز وميرتون Persons and Mirton) وغيرهما إلى اعتبار «القيم ظاهرة ثقافية مصدرها اجتماعي ثقافي، فالبناء الثقافي يحدد الأهداف المقبولة والبناء الاجتماعي يحدد وسائل تحقيق الأهداف من أجل التكامل والتوازن» (1).
ولم تبتعد البحوث التي انطلقت من مداخل مادية تاريخية عن الاتجاه السابق حين اعتبرت أن القيم هي «نتاج حياة الناس وثقافتهم في مجتمع أو طبقة، وتظهر إما بوصفها حقيقة واقعة وإما مثلا. القيم تحدد وتنظم سلوك كل أعضاء المجتمع أو نشاطاتهم الاجتماعية حتى لا تصطدم المتطلبات الاقتصادية للنمو الاجتماعي بهذه القيم وتؤدي حتما إلى ظهور نظام جديد من القيم يعكس المصالح الأساسية للطبقة المتقدمة المنتصرة» (2).
هذا، في حين يرفض بعض المفكرين أن يكون مصدر القيم هو المجتمع أو التفاعل الاجتماعي ويردون أصل القيم إلى مصدرين أساسيين هما:
- الوحي (القرآن الكريم)
- العالم (البشر وعالم المحسوسات)
وأن عدم الانطلاق من هذين المصدرين معا، يجعلنا نعالج القيم معالجة جزئية؛ فالإسلام المتميز بالشمولية، يمد الفرد بتصور متكامل عن الكون والحياة والإنسان. وقد جاء الإسلام بقيم تنبع من منهج رباني أصيل وإيجابي شامل وواقعي واضح.
__________
(1) - عبد الباسط عبد المعطي. (1970). عرض تحليلي لمفهوم القيمة، المجلة الاجتماعية، مج7، العدد1. ص103.
(2) - أسيبوف (1970). قضايا علم النفس الاجتماعي. تر: سمير نعيم وأحمد فرج أحمد. دار المعرفة: القاهرة. ص132. (10/9)
صفحة 201
وانطلاقا من هذه النظرة، فإن القيم هي قيم متكاملة تنبع من التصور القرآني للكون والحياة والإنسان ويرتفع بها القرآن، فيجعلها جزءا من العقيدة وعنصرا من عناصر الإيمان، وبهذا لا يمكن تصورها تصورا صحيحا دون ربطها بضوابط الإيمان (1).
ولعل هذا ما جعل مساعد بن عبد الله المحيا يعرف القيم بأنها الأحكام التي يصدرها المرء على أي شيء مهتديا في ذلك بقواعد ومبادئ مستمدة من القرآن والسنة وما تفرع عنهما من مصادر التشريع الإسلامي أو تحتويها هذه المصادر (2).
ب. تكوين القيم واكتسابها:
تعتبر التنشئة الاجتماعية الآلية التي يكتسب الفرد عبرها قيمه وذلك عن طريق العلاقة الوثيقة بين الفرد وأسرته والتي تبدأ مع الأم ثم تتسع لتشمل الأب والإخوة والجيران والزملاء وغيرهم ... فالإنسان منذ بداية حياته بحاجة إلى تهذيب وتوجيه حتى يكتسب المعتقدات والتصورات وكذا السلوكات الصحيحة التي تقترب من المبادئ العليا كما وردت في مصادر القيم. ومن أجل تدعيم القيم تقوم المناهج التربوية على عملية مخططة تمر عبر مراحل يمكن اختصارها فيما يلي (3):
• الاستقبال: وفي هذا المستوى يتم جذب المتعلم نحو القيمة وذلك باستغلال المثيرات التي يتفاعل معها ويستجيب لها. ويستحسن هنا جذب الأفراد إلى التفاعل والرغبة في الأعمال والاستجابة للمثيرات طوعا.
__________
(1) - مراد نعموني. (2006). القيم واتساقها وعلاقتها بالالتزام التنظيمي في مرحلة التغيير التنظيمي. رسالة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه بقسم علم النفس وعلوم التربية والأرطفونيا: جامعة الجزائر. ص58.
(2) - مساعد بن عبد الله المحيا. (1993). القيم في المسلسلات التلفازية، دراسة تحليلية وصفية مقارنة لعينة من المسلسلات التلفازية العربية. دار العاصمة: الرياض. ص80.
(3) - مراد نعموني. (2006). القيم واتساقها وعلاقتها بالالتزام التنظيمي في مرحلة التغيير التنظيمي. مرجع سابق. ص59. (10/10)
صفحة 202
• تقبل القيمة وهنا تصبح القيمة ذات أثر في سلوك الفرد، وتتكون لديه القدرة على التعبير عن إرادته تجاه قضايا ومواضيع مختلفة.
• تفضيل القيمة وفي هذا المستوى يتعدى الأمر مجرد التقبل إلى رسوخ هذه القيمة، وازدياد الشعور بالإيجابية نحوها.
• الالتزام بالقيمة والإخلاص لها وربما محاولة إقناع الآخرين بها.
• التنظيم، حيث توضع القيمة في نسق متكامل، تساعد الفرد في التغلب على الصراعات وضبط الأولويات وتحديد العلاقات المتبادلة بين قيمه.
• التمييز، حين تتكامل الأفكار والمعتقدات في فلسفة حياة، يصبح لدى الفرد سلوكا متميزا تجاه قضايا الحياة ومشاكلها المختلفة.
3) وسائل المحافظة على القيم الايجابية:
هناك العديد من الوسائل والأساليب التي يمكن بها أن تحافظ المؤسسة أو المنظمة على قيمها الإيجابية منها ما يلي:
• وضع ميثاق للسلوك الأخلاقي يحكم سلوك العمال أو المتعلمين في المنظمة أو المؤسسة.
• الاهتمام بالتكوين والتثقيف الأخلاقي للعامل أو المتعلم في المؤسسة التعليمية بالأخذ بكل من مدخل المواد والأفكار النظرية المستوحاة من الدين المفكرين والعلماء. ومدخل محاكاة القواعد السلوكية التي تتضمنها القوانين واللوائح.
4) عولمة القيم: (10/11)
صفحة 203
1 - مفهوم عولمة القيم: «هو السعي إلى التأثير في سلوك الأفراد والجماعات بالتأثير في قيمهم، فقد حرص الداعون إلى العولمة والمدافعون عنها إلى الترويج لمجموعة من الأنساق القيمية ونشرها على المستوى العالمي، بهدف التمكين لسياسات العولمة وتهيئة المجتمعات المختلفة عبر العالم، لتقبلها كواقع حتمي، وهذا حتى وإن بدت هذه المقتضيات مناقضة تماما لما يعتنقونه أو يؤمنون به. وبهذا تصبح عولمة القيم مصطلح يعبر عن مجموعة القيم التي يسعى مؤيدو العولمة لنشرها عبر العالم والتي قد تتنافر مع القيم السائدة في البيئات المحلية» (1).
2 - أهداف عولمة القيم: تسعى العولمة الثقافية إلى تحقيق عدة أهداف يمكن حصر أهمها في:
• التمكين للنزعة المادية.
• محو الخصوصية الثقافية والترويج لقيم عالمية.
• التمكين لسيادة القيم الأمريكية والغربية.
3 - قيم العولمة: من خلال العديد من الدراسات التي أجريت حول العولمة، تبرز بعض القيم التي تسعى لنشرها، ومن بين القيم التي ارتبطت بهذه الظاهرة حتى أصبحت عنوانا لها، نذكر ما يلي (2):
أ. الفردية: إقناع الفرد بأن حقيقة وجوده محصورة في فرديته وأن كل ما عداه لا يعنيه. بهدف تحطيم الرابطة الاجتماعية، تمهيدا لإلغاء الهوية القومية.
ب. الخيار الشخصي: تكريس نزعة الأنانية لدى الأفراد تحت سيطرة وهم حرية الاختيار والحرية الشخصية. وبالتالي القضاء على فكرة الوعي الاجتماعي والولاء وطمس الروح الجماعية باسم الحرية.
ت. الحياد: كل الأفراد والأشياء المحيطة تتسم بالحياد، مما يؤدي إلى غلبة قيم اللامبالاة وبالتالي تكريس التحلل من كافة الالتزامات.
__________
(1) - مراد نعموني. (2006). القيم واتساقها وعلاقتها بالالتزام التنظيمي في مرحلة التغيير التنظيمي. مرجع سابق. ص94.
(2) - مراد نعموني. (2006). القيم واتساقها وعلاقتها بالالتزام التنظيمي في مرحلة التغيير التنظيمي. مرجع سابق. ص97. (10/12)
صفحة 204
ث. الاعتقاد في الطبيعة البشرية التي لا تتغير: النظر إلى الفوارق الاجتماعية بوصفها أمورا طبيعية لا يمكن تغييرها. (فوارق الأغنياء والفقراء أو بين المستغلين وضحاياهم) بهدف تكريس النزعة السلبية وشل روح المقاومة وبث روح الاستسلام.
ج. الاعتقاد في غياب الصراع الاجتماعي: يمثل هذا تتويجا للقيم السابقة وذلك باعتبار أن التسليم بغياب الصراع الاجتماعي معناه إشاعة مناخ الاستسلام للجهات المستغلة أو للقوى المهيمنة بغرض التمكين لعملية الاستتباع الحضاري والثقافي وبحيث ينتهي الأمر بالأفراد إلى الخضوع للهيمنة عن طيب خاطر، وهو ما يمثل الغاية العليا للعولمة كعملية تستهدف السيطرة والهيمنة الاستعمارية.
5) المبادئ العامة لتدريس القيم ومشكلات تدريسها:
1) المبادئ العامة لتدريس القيم: عند التعامل مع القيم تعليما وتعلما ينبغي مراعاة مجموعة من المبادئ العامة التي توجه عمليات اكتسابها وتعلمها نجملها في الآتي:
• القيم والاقتناع العقلي الحر: فبناء القيم الصحيح يقوم على قاعدة واضحة من الاقتناع العقلي والاختيار الحر، بعيدا عن التلقين والإكراه والإجبار.
• القيم والتفكير: فالقيم ترتبط بالتفكير ارتباطا وثيقا، فالطريقة التي يفكر فيها الفرد تصبغ مظاهر حياته وتحدد أنماط القيم والسلوكات التي تصدر عنه. (10/13)
صفحة 205
• القيم والاعتقاد: الاعتقاد من أقوى العوامل المؤثرة في بناء القيم وتشكيلها عند الأفراد، ويشمل الاعتقاد تصور الفرد لحقائق الوجود الكبرى (الإله، الكون، الحياة، الإنسان)، واعتقاد الفرد عن ذاته (أنا أمين، أنا ضعيف)، واعتقاده عن معنى الأشياء (أنا أحب الأشياء ... )، واعتقاده عن أسباب الأشياء (الصدق، أهم شيء في الوجود ... لأنه ... ) وتعليم القيم يتضمن تغيير الاعتقادات السلبية المؤثرة على بناء القيم إلى معتقدات إيجابية، وذلك من خلال رصد المعتقد السلبي، وبيان سلبياته وتأثيراته على الفرد، وبيان الاعتقاد الإيجابي البديل، وتحديد فوائده وإيجابياته، ثم إجراء عملية التغيير الذاتي ودعمه بالمواقف والمعززات.
• القيم وموقف الصراع القيمي: تعليم القيم عبر المواقف القيمية المتصارعة يضع المتعلم مع الخبرة القيمية المباشرة (من خلال المواقف والمشاهد الحياتية العادية التي يعيشها، وربط ما يتعلمونه بحياتهم ومشكلاتهم وواقعهم وما يلاحظونه من قيم متصارعة تؤثر على اختياراتهم وتسبب لهم الحيرة والقلق بين ما يقبلون وما يرفضون) ولا يقف به عند الدراسة النظرية التي تفرض القيم فرضا دون تأسيسها على رؤية واضحة وقاعدة معرفية ووجدانية حقيقية.
• القيم والقدوة: يتعلم الإنسان من السلوكيات والأفعال الحية أكثر مما يتعلم مما يلقى عليه من معلومات وتوجيهات ومعارف نظرية لا واقع لها (الوالدان، المعلم الذي يقدم أنموذجا في كل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال)
• المنحى التكاملي في تدريس القيم: أي التعامل مع القيمة من منظور شمولي تكاملي ويتضمن ذلك:
* النظر للقيمة في أبعادها الثلاثة: المعرفية والوجدانية والسلوكية
* التنويع في استخدام طرائق واستراتيجيات تعليم القيم
* توظيف الأنشطة التعليمية التعلمية التي تراعي تنمية القيم وتعزيزها
* الاهتمام بقياس مدى اكتساب الطلبة للقيم، وجعل تقويم اكتساب القيم وتمثلها ركنا رئيسا في تقويم الطلبة. (10/14)
صفحة 206
2) دور المعلم في تعليم القيم: تتعدد الأدوار التي يمكن أن يؤديها المعلم في تعليم القيم وتعزيزها عند الطلبة، ويمكن تصنيفها وفق الآتي (1):
أ الأدوار النظرية: تتضمن الآتي:
• شعور المعلم بأهمية دوره في تعليم القيم وأنها جزء رئيس من عمله التربوي، والاهتمام بالموضوعات القيمية وإبرازها من خلال المضمون التعليمي والأهداف التعليمية.
• تعريف الطلبة بأهمية القيم وكونها معيار تفضيل الإنسان على غيره من المخلوقات الأخرى.
• رصد منظومة القيم السائدة بين الطلبة، تصنيفها إلى قيم إيجابية يجب تعزيزها، وأخرى سلبية ينبغي محاربتها، والكشف عن أضرارها على الفرد والمجتمع.
• تحديد مجموعة من القيم التي يجب على الطلبة تمثلها خلال العام الدراسي وتوزيعها على أشهر السنة والعمل على معالجتها وتعليمها.
• ربط القيم بالعقيدة الإسلامية السمحة، وبقواعد السلوك الإسلامي القويم الذي يشعر الفرد بالاعتزاز والسعادة النفسية وتقدير الذات واحترام الآخرين، كما يحقق للمجتمع قوته واستقراره ونظافته من عوامل التفكك والضعف الأخلاقي والاجتماعي.
• الكشف عن مظاهر الصراع القيمي وأسبابه، وخطورة القيم السلبية الوافدة على الناشئة والمتعلمين.
ب الأدوار التطبيقية: تتضمن الآتي:
• السلوك الشخصي المتوافق مع القيم الحميدة باعتبار المعلم أسوة وقدوة حسنة.
• السماح للطلبة بالتعبير عن آرائهم ومواقفهم بحرية.
• تقديم نماذج وأمثلة إيجابية توضح نتائج الالتزام بالقيم الحميدة.
• توظيف طرائق واستراتيجيات تعليم القيم المختلفة في المواقف التعليمية.
• توفير فرص للحوار والمناقشة حول الأبعاد القيمية للمحتوى الدراسي.
__________
(1) - علي عبد الحميد أحمد. (2010). التحصيل الدراسي وعلاقته بالقيم الإسلامية التربوية. بحث مقدم لنيل درجة دكتوراه في التربية: تخصص علم نفس تربوي. مكتبة حسن العصرية: بيروت. (10/15)
صفحة 207
• المقارنة بين أنماط السلوك القيمي الحميد وما يقابله من أشكال السلوك المذموم.
• تخصيص قراءات وواجبات تهتم بالجانب القيمي ضمن موضوعات الدراسة الأكاديمية.
• تضمين أساليب التقويم والاختبارات مواقف تتعلق بالسلوك القيمي للطلبة.
• التعاون مع الأسرة وأولياء الأمور والزملاء على تعزيز القيم الإيجابية وتغيير القيم السلبية.
3) دور الطالب في تعليم القيم: الطالب في المناهج الحديثة محور العملية التعليمية مما يلزم الجميع توفير المحبة والعطف والتقبل، ومد يد العون والمساعدة له لكي يتعلم، فعلينا أن نحببه العلم ونقدر جهده ونعززه ونشجعه حتى يقبل على التعلم.
أمام الصراع الذي يعيشه المتعلم في واقعه فإن دوره في تعلم القيم ينبغي أن يوجه من الأسرة أولا ثم من المدرسة ثانيا ثم تتسع الدائرة لتشمل مؤسسات المجتمع كافة، وحتى يتحقق دوره الفعال فعلينا توفير مجال واسع للحوار والمناقشة والتعبير الحر عن آرائه والكشف عن أفكاره وتقديرها واحترامها، وتشجيعه على الكلام والحوار، وتنمية تفكيره الناقد والإبداعي، وتزويده بمهارات حل المشكلات والوصول إلى اتخاذ القرارات الواعية ووضع الحلول المناسبة للتغلب على الصعوبات التي يلاقيها وتعزيز ثقته بنفسه وتقديره لذاته وسلوكه الإيجابي.
4) مشكلات تعلم القيم وتعليمها: تواجه عملية تعليم القيم صعوبات مختلفة، تختلف مصادرها وتتعدد سماتها، ومن هذه المشكلات ما يرتبط بالإطار الثقافي العام، ومنها ما يتعلق بالمناهج والعملية التدريسية نعرضها في الآتي (1):
أ أزمة القيم التربوية في إطارها الثقافي العام: وتتحدد في المشكلات الآتية:
__________
(1) - ماجد زكي الجلاد. تعلم القيم وتعليمها: تصور نظري وتطبيقي لطرائق واستراتيجيات تدريس القيم. مرجع سابق. ص99 - 107. (10/16)
صفحة 208
• مشكلة الصراع القيمي: تتفاقم مشكلة الصراع القيمي عندما تتلازم مع ضعف عمليات التوجيه والتربية والتعليم، وترك الناشئة يواجهون صراعاتهم ومشكلاتهم وحيدين بما لديهم من خبرات ومعلومات ومناهج تفكير لا ترتقي إلى مستوى المشكلة المطروحة. فتبدو آثار الصراع القيمي عند الناشئة والمتعلمين في الحيرة والقلق وعدم القدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ وضعف القدرة على التلاؤم والتوافق والانتماء الاجتماعي والعجز عن تمثل ما يعتقد به الفرد من قيم، ومن أمثلة الصراع القيمي: الصراع بين: الروحية والمادية، الإيثار والتضحية ومحبة الناس، حب الذات والمصلحة الشخصية، المحافظة على المرأة والأسرة أمام الإباحية والتفكك الخلقي والاجتماعي ...
• مشكلة التناقض القيمي: نتج عن الصراع القيمي التناقض بين ما يعتقد به الإنسان وبين ما يصدر عنه من سلوك، وتناقض بين فكره وبين قوله وعمله وبين ما يبطن وما يظهر، نتج عن هذا الازدواجية في البناء الشخصي مشكلات نفسية كالقلق والحيرة وعدم تقدير الذات وفقدان الاتزان والسعادة ...
• مشكلة اضطراب النسق القيمي: انتقلت نتيجة آثار مشكلتي الصراع والتناقض القيمي من مستواها الفردي إلى المستوى الاجتماعي العام، فحدث خلل واضح في منظومة القيم والأنساق القيمية السائدة في المجتمعات الإسلامية وهذا ما أدى في الأخير إلى فقدان الأمة لملامح هويتها وكيانها ... (1).
__________
(1) - عقل محمود عطا. (2001). القيم السلوكية لدى طلبة المرحلتين المتوسطة والثانوية في دول الخليج العربي ... دليل المعلم. مكتبة التربية العربية لدول الخليج: الرياض. ص79. (10/17)
صفحة 209
• مشكلة غياب الرؤية المستقبلية للمنظومة القيمية: تتمثل هذه المشكلة في عدم وضوح الرؤية التصورية لمنظومة القيم المستقبلية التي تطمح التربية الإسلامية والعربية إلى تعزيزها عند الطلبة في مستوياتهم التعليمية المختلفة، وفي وضع الخطط والاستراتيجيات التي تكفل حل المشكلة القيمية القائمة على الصراع بين قيم الأصالة والحداثة وما بعد الحداثة، وتبني منظومة تكفل تفاعل الإنسان العربي الإيجابي والفعال مع القيم العصرية وقيم العولمة، بحيث يكون إنسانا منتجا ومبدعا ومستقلا.
ب مشكلات تعلم القيم وتعليمها في العملية التدريسية، ويمكن إجمالها في القضيتين الآتيتين:
• ضعف اهتمام المناهج الدراسية بالموضوعات القيمية، سواء من حيث تحديد الغايات والأهداف الوجدانية والقيمية التي تسعى المناهج إلى تحقيقها، وفي ضعف تناول محتوياتها ومضامينها ومعالجتها للمسألة بصورة منهجية صريحة، إذ أن غالبية ما تتضمنه الكتب المدرسية من قيم إنما يأتي بصورة ضمنية، وانعكاسات ذلك على الممارسات التدريسية التي تعطي تعلم القيم وتعليمها الاهتمام الكافي والعناية المناسبة، وغياب قياس القيم وتقويمها عن المنهج الدراسي غيابا تاما.
• ضعف إعداد المعلمين وتدني كفاياتهم ومهاراتهم التعليمية التي تؤهلهم لتدريس القيم بكفاءة وفعالية، ويؤكد ذلك ما نستنتجه عند تحليل الكثير من برامج إعداد المعلمين، إذ لا تتضمن خطط إعدادهم مساقات خاصة بتعليم القيم وتعلمها، كما أن الممارسات الفعلية لكثير من المعلمين تشير إلى غياب القضية القيمية عن دورهم التعليمي والتربوي، فالاهتمام منصرف إلى التعليم المعرفي والحفظ والتلقين، وقلما يبذل اهتمام فعلي منظم لمناقشة القضايا القيمية بمنهجية تدريسية واضحة من خلال توظيف طرائق واستراتيجيات تعليم القيم.
المبحث الثاني: العنف "مفهومه، نظرياته، أشكاله، أنواعه"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تمهيد: (10/18)
صفحة 210
تعدُّ مشكلة العنف ظاهرة اجتماعية تشير إلى وجود خلل في مراقبة الأبناء ورعايتهم وحسن تربيتهم وتنشئتهم وتوجيههم. ومن الملاحظ أنَّ سلوك العنف لدى الأفراد يصيب الأطفال وهم بصدد تلبية حاجاتهم الضرورية التي عجزت أسرهم وبيئاتهم عن إشباعها، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من العوامل الأسرية والاقتصادية والخصائص النفسية والعقلية والاجتماعية.
تحتضن المدرسة عددًا من الطلبة الذين أتوا إليها من المجتمع المحيط حاملين معهم الخبرات المختلفة، فإننا نتوقع ملاحظة اختلافات وفروقات كبيرة بين هؤلاء الطلبة، من خلال التفاعل الاجتماعي مع بعضهم بعضا أو مع أعضاء الهيئة التعليمية داخل المدرسة، وخلال عملية التفاعل قد تعترض الطلبة بعض الصعوبات والمشكلات التي تؤثر على تفاعلهم وتظهر عدم قدرتهم على التفاعل والتكيف السليم، فتظهر بعض السلوكات اللاتكيفية والتي قد تعرقل سير العملية التربوية وتقف عائقا في تحقيق الأهداف التربوية.
1) مفهوم سلوك العنف: هو:
«سلوك يهدف إلى إحداث نتائج تخريبية أو مكروهة أو إلى السيطرة من خلال القوة الجسدية أو اللفظية على الآخرين، ينتج عنه إيذاء شخص أو تحطيم ممتلكات وإلحاق الضرر المادي أو المعنوي بكائن حي أو بديل عن كائن حي أفرادًا أو جماعات» (1).
2) النظريات المفسرة لسلوك العنف:
تعددت الاتجاهات النظرية في تفسير السلوك العدواني أو العنف:
• أشارت النظرية البيولوجية إلى أنَّ الإنسان عدواني بطبيعته. وأن سلوكه العدواني هو محصلة لخصائصه البيولوجية.
• انطلقت نظرية الإحباط في تفسيرها للعدوان بأنه ليس فطرياً، وإنما هو محصلة لمستوى الإحباط الذي يواجهه الإنسان، فكلما ازداد الإحباط وتكرر حدوثه لدى الفرد ازدادت شدة العدوان لديه.
__________
(1) - إدارة التعليم العام وشؤون الطلبة، الدليل الوقائي لحماية الطلبة من العنف والإساءة. وزارة التربية والتعليم، المملكة الأردنية الهاشمية، سنة 2006 - 2007. ص 7. (10/19)
صفحة 211
• أشارت الاتجاهات المتعددة في المدرسة السلوكية إلى أن سلوك الفرد هو سلوك متعلم ناتج عن تفاعل الفرد مع بيئته، فالفرد يكتسب سلوكاته الإيجابية المقبولة اجتماعياً وسلوكاته السلبية من خلال الخبرة والتعلم والتفاعل مع بيئته.
• أشارت نظرية التعلم الاجتماعي (النمذجة): بأن سلوك الفرد متعلم يتم من خلال الملاحظة والنمذجة أو التقليد، فالسلوكات التي يتعلمها الفرد هي من خلال ملاحظته للآخرين وتقليده لهم، فمشاهدة النماذج العدوانية لها أثر بالغ في تعلم الفرد للسلوك العدواني ... (1).
3) مميزات سلوك العنف:
يتميز سلوك العنف بعلاقته بما يأتي:
• النشاط الذي يبذله الفرد من أجل السيطرة على الشروط المادية التي تحيط به.
• حالات الدفاع عن النفس أمام أخطار واقعة أو محتملة الوقوع.
• تأكيد الذات بدافع الغضب أو الدافع الجنسي.
• الرغبة بالتملك.
• ضبط سلوك الآخرين.
• الإحباط.
4) أشكال العنف:
يتخذ سلوك العنف لدى الأفراد والجماعات أشكالاً متعددة ومستويات متفاوتة من الشدة، يمكن تصنيفها كالآتي:
• العنف الجسدي: ويكون بالضرب والرفس وشد الشعر، والعض وإيذاء الآخرين، والتخريب، والاعتداء على الممتلكات، والقتل، وإيذاء الذات أو الانتحار.
• العنف اللفظي: ويكون بالشتم والقدح والتهديد والتوبيخ، وإهانة الآخرين.
• العنف الرمزي (غير اللفظي): ويكون بتحقير الآخرين، والاستهزاء والسخرية، والحرمان المادي والعاطفي، والنفسي والاجتماعي، والنبذ والإهمال، والتفرقة والتمييز، وإيقاع الظلم، وعدم المساواة.
5) أنواع العنف:
1 - العنف الأسري: ويتمثل في العديد من الصور، منها «العنف ضد المرأة والطفل، الإساءة للطفل أو استغلاله، الاعتداءات الجنسية، الخلافات بين الوالدين أو الأزواج ... »
__________
(1) - إدارة التعليم العام وشؤون الطلبة، الدليل الوقائي لحماية الطلبة من العنف والإساءة، مرجع سابق ص 7 - 8. (10/20)
صفحة 212
2 - العنف المدرسي: ويتمثل في الأشكال الآتية: «تسلط المعلمين واستخدام العقاب البدني في التعامل مع الطلبة، الخلافات مع المعلمين، الخلافات والشجار والعنف الطلابي، التمرد على أنظمة المدرسة وتعليماته، إثارة الشغب والفوضى مما يعيق سير العملية التربوية، الترويج للعقاقير المسكرة أو المواد المخدرة أو مواد المؤثرات العقلية، الاعتداءات على ممتلكات المدرسة أو الآخرين، التخريب، إيذاء الطلبة أو المعلمين، الاعتداءات الجنسية».
3 - العنف الاجتماعي: ويتمثل في «الخلافات مع جماعة الرفاق، الخلافات مع الآخرين في البيئة الاجتماعية، الخلافات بين العائلات والمجتمعات»
4 - العنف السياسي: ويتمثل في «الأزمات والصراعات السياسي، الحروب»
5 - العنف الإعلامي: ويتمثل في «ما تبثه وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية من عنف، المشاهد الفعلية لأحداث العنف»
6 - العنف من خلال المهنة أو العمل.
7 - العنف من خلال الحوادث والأزمات والكوارث الإنسانية والطبيعية.
8 - العنف الرياضي: ويتمثل في «شغب الملاعب، إيذاء الآخرين والاعتداءات عليهم، التخريب والاعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة»
6) أسباب العنف:
أ الأسباب الأسرية:
• غياب الأسرة عن القيام بدورها «التنشئة الاجتماعية الخاطئة وما ينتج عنها من سوء معاملة الأطفال، الإهمال وعدم تلبية الحاجات، الحرمان المادي، والحرمان العاطفي، الأجواء المشحونة بالخلافات والتوتر بين أفراد الأسرة، التفكك الأسري، اللجوء إلى القسوة والعقاب البدني في معاملة الأبناء».
• المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسرة ويتضمن الفقر والبطالة والمستوى الثقافي المتدني للأسرة، وحجم الأسرة والمسكن غير المناسب صحياً للأسرة والإعاقات والأمراض المزمنة بين أفراد الأسرة.
• العوامل المتعلقة بالآباء المسيئين: من الذين لديهم تاريخ أسري حافل بالعنف وصفات شخصية وتوتر. (10/21)
صفحة 213
• العوامل المتعلقة بالطفل المساء إليه ومنها ترتيب الطفل في الأسرة والصفات الشخصية والأمراض الجسمية والنفسية.
• الأسباب المتعلقة بالبيئة المدرسية والصفية وتتمثل في الآتي:
• افتقار البناء المدرسي للمرافق الصحية المناسبة
• الافتقار إلى إدراك حاجات الطلبة وفق مراحلهم العمرية المختلفة وضعف القدرة على تلبيتها في الوقت المناسب.
• الافتقار إلى الأساليب التربوية في معالجة مشكلات الطلبة واللجوء إلى العقاب البدني المرفوض نفسياً وتربوياً.
• ضعف مراعاة الفروق الفردية.
• مزاجية المعلم، وصفاته الشخصية غير الداعمة للعملية التعليمية.
ج- الأسباب المتعلقة بالبيئة المحيطة والمجتمع المحلي: وتتمثل في:
• - التعدد الثقافي للمجتمع «اتجاهات وقيم وأعراف وتقاليد متعدّدة في منطقة واحدة».
• - الفقر والبطالة والتأثير السلبي لوسائل الإعلام المختلفة، وتأثير انتشار الثقافات المختلفة عبر الفضائيات.
• - بعض مظاهر العادات والتقاليد ذات الأثر السلبي، والتي تؤدي إلى الخلافات العائلية.
الخلاصة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بعد عرضنا للمبحثين مبحث القيم ومبحث العنف نصل إلى أن الخروج من مشكلات العنف المدرسي لا يتم إلا بإيجاد بيئة سوية تراهن على موضوع القيم والتربية والتعليم كمداخل أساسية لأي إصلاح اجتماعي أو بناء نفسي وحضاري، لأن الحضارة تبدأ وتنطلق بالالتزام الأخلاقي القيمي، وتنهار أيضا بفقدان هذا الالتزام الأخلاقي، لأن التَّنشئة على القيم وزرعها في نفسية الإنسان، تزيد من تلاحم شبكة العلاقات الاجتماعية باعتبارها أي شبكة العلاقات؛ أساس حركة التاريخ، لأن روح الجماعة المترابطة أخلاقيا والمتآلفة علاقاتيا، تدفع بالفعل الحضاري إلى الحركة والإنجاز وكذا المحافظة على الإنجازات، بما هي أي هذه الإنجازات رصيد من القيم الجوهرية تعطي للسلوك وجهته وللنّسيج الاجتماعي تماسكه. (10/22)
صفحة 214
غير أن التعددية الثقافية في الحيز المكاني الواحد أدى إلى تعدد الأنساق القيمية، وبالتالي ظهور جماعات مرجعية متعددة بعيدة عن القيم الأصيلة للمجتمع الجزائري وفي الغالب تكون جماعات الانحراف والإجرام مرجعية سائدة في هذا النوع من المجتمعات من جهة، أو يترك المجال لتسود قيم العولمة كإكراه كوني، وبالفعل فالعولمة بما هي سعي إلى تحويل العالم نحو مجال واحد من العلاقات، فأورثت صراعا جليا وحادا، بين نظام القيم الأصلي وبين قيم العولمة الزاحفة، أدى إلى ظهور قيم هجينة نتيجة ضعف منظومة القيم التقليدية التي لم تستطع مقاومة تأثير العولمة بكل أشكالها من جهة، وضعف عملية انتقال القيم عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية من الأجيال القديمة إلى الأجيال الجديدة من جهة أخرى، وبهذا تصبح هذه المجتمعات عرضة لتأثير مختلف القنوات الإعلامية؛ ما يمكن أن يؤدي إلى تزايد حالة اللاتجانس القيمي (الصراع بين القيم التقليدية والعصرية)، والتي يمكن أن تقف عائقا أمام عملية الاندماج الحضري، ويمكن أن تؤدي حالة الضعف وغياب المعالم الاجتماعية إلى صراع اجتماعي بين الأجيال من جهة وبين حاملي القيم المتناقضة من جهة أخرى.
فبدلا من أن تكون القيم الأصلية بما هي روح المجتمع، الأداة الأساسية في تفعيل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وفي قوة الحياة الاجتماعية، فإن هذه العولمة التَّنميطية انعكست بالصراع وفقدان التجانس وتوريث الهوية الهجينة في المجتمع، وهكذا فإن روح العولمة لا ترفع القيم العليا وإنما تخفضها، إنها تنجز مهمة «التصفية الروحية» وتراهن على تغيير الوجدان النفسي تمهيدا لتغيير السلوك، وصرف النّظر عن القيم العليا (الرُّوحية والفكرية) وإسكان أشواق الإنسان وأحلامه ورغباته المصنوعة-إسكانها في ثقافة الجسد وتجارة الغرائز ... (10/23)
صفحة 215
أمام هذا المنعرج للمجتمع بين مرجعية الجماعات المنحرفة وقيم العولمة وضرورة العيش في وسط متعدد الثقافات لا نجد أمامنا إلا تفعيل منظومة «قيم الإيمان»، وتحويل وظيفة هذه الأدوات التّقنية إلى وظيفة بنائية تربوية، تعمل على مخاطبة البعد الأخلاقي الكامن في الإنسان، الذي همشته عولمة اللّذة الحسية، وعطّلت مفعوله التربوي والتوجيهي. ونخلص في الأخير إلى مجموعة من التوصيات والمقترحات المساعدة على تجاوز العنف المدرسي في أوساط المجتمعات المتعددة الثقافات:
• ترسيخ الوعي بمركزية القيم ودورها الأساسي للإنسان في تحقيق التوازن في جميع المجالات بتفعيل جميع المؤسسات المتعددة التوجهات الموجودة في المجتمع شرط أن تكون مشتركة في غايات موحدة.
• ضرورة إيلاء المدرسة اهتماما خاصا لموضوع مصادر اكتساب القيم وبالتالي الحفاظ على نسق منظومة قيم متوازنة للمتعلم، وذلك من خلال متابعة المعلمين في التزامهم الذاتي مع التركيز على إقناع المتعلم لا إجباره.
• تفعيل المشاركة المجتمعية في مشاريع المدرسة حتى تكون المدرسة مصدرا أساسيا يستقي منها المجتمع قيمه واتجاهاته وبذلك نضمن تكامل الأنساق القيمية لمختلف التعدديات الثقافية للمجتمع أخذا بقوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ?? ? ? ? ? ?? ژ (الحجرات/13).
• إيجاد آليات للتواصل الفعال مع الأسرة بهدف تقديم الرعاية الشاملة للأبناء.
• أن يأخذ واضعوا المناهج عند صياغتها الطريقة التطبيقية في تدريس القيم بعين الاعتبار بالموازاة مع الطريقة النظرية، وذلك بمحاكاة نماذج وتفعيل قدوة المعلم وأوسمة الالتزام والانضباط من جانب النظام، وأوسمة الصدق والأمانة مثلا من جانب القيم مثل الابن الأمين، الابن الصادق ... (10/24)
صفحة 216
• العمل على إيجاد جو يتسم بالألفة والأخوة بين المتعلمين، يمكنهم من العيش في جو من التعاون الدراسي فيما بينهم، وذلك مما يساعدهم على التحصيل بالدرجة الأولى وعلى الاستئناس بالجماعة من جهة أخرى، فيتشبع الجميع بقيم الجماعة، ويمكن تدعيم ذلك بدورات تدريبية ومخيمات طلابية في حسن اختيار الأصدقاء ومهارات التواصل والتعامل مع الآخرين.
• ضرورة انتهاج أسلوب الإنصات الفعال من طرف المعلم أمام التلاميذ، فالإنصات يحل الكثير من العقد والمشكلات. كما تكمن أهميته في الرسائل غير اللفظية التي يرسلها المعلم إلى تلاميذه كالابتسامة والتركيز والتدقيق مع المشكلة خاصة إذا أضْفتها نبرات الصوت المعبرة عن الحنان بين حين وآخر معبّرة عن الموافقة والتفهم لما يصرح به.
قائمة المراجع
أ- مراجع عربية:
1. أبو العينين، علي خليل. (1988). القيم الإسلامية والتربية. مكتبة إبراهيم الحلبي: المدينة المنورة.
2. أسيبوف (1970). قضايا علم النفس الاجتماعي. تر: سمير نعيم وأحمد فرج أحمد. دار المعرفة: القاهرة.
3. إدارة التعليم العام وشؤون الطلبة (2006 - 2007)، الدليل الوقائي لحماية الطلبة من العنف والإساءة. وزارة التربية والتعليم، المملكة الأردنية الهاشمية.
4. بشير معمرية (2009)، مصدر الضبط والصحة النفسية وفق الاتجاه السلوكي المعرفي، المكتبة المصرية، المنصورة مصر، ط1.
5. حسين محي الدين. (1981). القيم الخاصة لدى المبدعين. دار المعارف: القاهرة.
6. خليفة عبد اللطيف. (1992). ارتقاء القيم: دراسة نفسية. سلسلة عالم المعرفة رقم 160، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب: الكويت.
7. دياب فوزية. (1980). القيم والعادات الاجتماعية. دار النهضة العربية: بيروت.
8. زاهر ضياء. (1984). القيم في العملية التربوية. مؤسسة الخليج العربي: القاهرة. (10/25)
صفحة 217
9. طه عبد العظيم حسين وسلامة عبد العظيم حسين (2010)، استراتيجيات وبرامج مواجهة العنف والمشاغبة في التعليم، درا الوفاء، الإسكندرية، ط1.
10. عبد الباسط عبد المعطي. (1970). عرض تحليلي لمفهوم القيمة، المجلة الاجتماعية، مج7، العدد1.
11. عقل محمود عطا. (2001). القيم السلوكية لدى طلبة المرحلتين المتوسطة والثانوية في دول الخليج العربي ... دليل المعلم. مكتبة التربية العربية لدول الخليج: الرياض.
12. علي عبد الحميد أحمد. (2010). التحصيل الدراسي وعلاقته بالقيم الإسلامية التربوية. بحث مقدم لنيل درجة دكتوراه في التربية: تخصص علم نفس تربوي. مكتبة حسن العصرية: بيروت.
13. ماجد زكي الجلاد. (2005). تعلم القيم وتعليمها: تصور نظري وتطبيقي لطرائق واستراتيجيات تدريس القيم. دار المسيرة: عمان.
14. مراد نعموني. (2006). القيم واتساقها وعلاقتها بالالتزام التنظيمي في مرحلة التغيير التنظيمي. رسالة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه بقسم علم النفس وعلوم التربية والأرطفونيا: جامعة الجزائر.
15. مساعد بن عبد الله المحيا. (1993). القيم في المسلسلات التلفازية، دراسة تحليلية وصفية مقارنة لعينة من المسلسلات التلفازية العربية. دار العاصمة: الرياض.
ب - مراجع أجنبية:
1. Shaver, j and Strong, w (1967) Facing Value Decision: Rational Builing for Teacher, Belmont C A, Wadsworth.
2. Halstead J. (1996). Values and Values Education in Schools. In Halstead ,j, and Taylor, M (eds), Values in Education and Values, London, the falmer press.
- - - (10/26)
صفحة 218
الأستاذ، العنصر المهم في عملية التدريس الجامعي
أ. د: إبراهيم بن بكير بحاز
كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية
جامعة غرداية
Bahazhistory@yahoo.com
ذ
«ذات مرَّة، بعد أن ألقيتُ حديثا في جمع من الطلاب الجامعيين الذين لم يتخرَّجوا بعدُ، عن حياة الأستاذ، وحاولت أن أبرز مساوئها ومحاسنها، قال لي أول المعقِّبين على حديثي من الطلبة ـ بعد أن قدم لي عبارات الشكر و التحية ـ: كنتُ أفكر في اتخاذ التدريس بالكلية عملا لي، ولكنك بيَّنتَ مساوئه الكثيرة بحيث إني فيما أعتقد قد غيرت رأيي الآن ... » (1).
هذا ليس كلامي أنا، كما يبدو لأوَّل وهلة، عزيزي القارئ، وإنما هو كلام الأستاذ الدكتور «فرد ميليت»، أحد أبرز الأساتذة الأمريكيين، بدأ عمله في جامعة «شيكاغو» منذ عام 1916م ثم في جامعات كندا وغيرها، إلى أن تقاعد عام 1958م (2)، فهذه أربعون سنة من الأستاذية الجامعية، أفرغها المؤلف في مؤلًف أسماه: «أستاذ الجامعة».
أبرز الأستاذ «ميليت» مزايا المهنة ومساوئها، وعلَّق على زملائه الأساتذة وكيف يرى بعضهم، كما قدم لنا حواراته مع الطلبة وكيف وجدهم، ولم يترك الإدارة الجامعية دون تعليق.
قسَّم «ميليت» حياة الأستاذ الجامعي إلى سبع مراحل هي:
1ـ فترة الدراسة في الكلية.
2 ـ الدراسات العليا بالجامعة.
3 ـ الاشتغال محاضرا بالجامعة.
4 ـ الاشتغال أستاذا مساعدا.
5 ـ الاشتغال أستاذا مزاملا. (هي رتب علمية كانت في المنظومة الجامعية الأمريكية)
6 ـ الاشتغال أستاذا. (أي أستاذ التعليم العالي عندنا في الجزائر)
7 ـ الإحالة على التقاعد.
__________
(1) ـ فرد. ب. ميليت: «أستاذ الجامعة»، ترجمة جابر عبد الحميد جابر وآخر، دار الفكر العربي القاهرة، أكتوبر 1965. ص 257.
(2) ـ ميليت: نفسه، تقديم الكتاب. (11/1)
صفحة 219
إنَّ هذا التقسيم يقول مقدِّم الكتاب، الدكتور «محمد محمد حسان»: يتَّفق مع التطور الطبيعي لما يتطلبه الإعداد الشاق لهذا المنصب، كما يتَّفق مع السلم الجامعي المتَّبع في جامعاتنا (أي في الستينيات من القرن الماضي)، ولم يفت للكاتب في عرضه لكل مرحلة، أن يشرح بإسهاب كل ما يتصل بجوانبها من مشكلات، ويحيط بأطرافها من عوامل، فبجانب السمات والعلامات، التي يتميَّز بها الأستاذ الجامعي منذ أن كان طالبا، يتطرَّق المؤلف إلى نشاطات الطالب بالجامعة والعناصر الأساسية للمنهج العلمي للباحث (1).
ثم يتحدَّث عن مرحلة الدراسات العليا، هذه المرحلة المهمَّة في إعداد الأستاذ الجامعي، باحثا وأستاذا، ولا يفوته الحديث عن «أنَّ نسبة كبيرة جدا من حملة الدكتوراه الأمريكيين لم ينشروا أي شيء ـ فيما عدا رسائلهم ـ ومعللا هذه الظاهرة أن معظم الخريجين يكافحون للحصول على درجة الدكتوراه، لا لميلهم لأنْ يصبحوا باحثين، ولكن لأنهم يدركون أن من الأفضل لهم أن يحصلوا على بطاقة عضوية الاتحاد الأكاديمي إذا أرادوا أن يصعدوا السلم الأكاديمي بسرعة» ومع ما يلاحظ في هذا الحكم من القسوة، إلاَّ أن الأستاذ «ميليت»، أنصف هذه الفئة حين بيَّن ما اكتسبه هؤلاء من معرفة بالمواد وطرق البحث العلمي، نتيجة خبرتهم بالدراسات العليا، وكذلك إدراكهم لمفهوم المنهج العلمي، وكان ذلك كاف لحمل أعباء التدريس بكفاءة وأمانة.
لا أسترسل في الاقتباس من هذا الكتاب الشيِّق، وإنما أردت أن أمهِّد به لولوج تجربتنا الشخصية في الجامعة الجزائرية، وأقول إنَّ تجربتنا وليس تجربتي الشخصية، لأنني أتصور أن تلك التجربة متشابهة في أغلب تفاصيلها مع هذا الأستاذ أو ذاك، فجامعاتنا تخضع لقوانين واحدة موحدة تصدر عن وصاية واحدة، وإن اختلف سلوك بعض الأساتذة عن بعض.
__________
(1) ـ نفسه: التقديم. (11/2)
صفحة 220
إنَّ الأستاذ الجامعي، في نظري، يُعتبر العنصر الأهم في عملية التدريس بالجامعة، فهو الذي يؤدِّي دور الوسيط بين المادة الدراسية والدارس، بين المقررات والطلبة، وهذا الدور إذا ولجنا تفصيلاته فله أكثر من محطة يجب الوقوف عندها.
المحطة الأولى: الأستاذ قبل المحاضرة أو الدرس التطبيقي.
المحطة الثانية: الأستاذ أثناء المحاضرة.
المحطة الثالثة: الأستاذ في الحصة التطبيقية أو بالأحرى في الأعمال الموجهة.
المحطة الأولى: الأستاذ قبل المحاضرة أو الدرس التطبيقي:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هي ما قبل التوظيف في الجامعة مدرسا، إلى ما قبل الوقوف أمام الطلبة مدرسا ومحاضرًا، ففي هذه المحطَّة يجب أن نتحدَّث عن شخصية الأستاذ، عن سمعته، عن البضاعة العلمية التي يحمل، عن الاستعداد لإلقاء الدرس: فلكل وظيفة شخصيتها، والشخصية الجامعية من أبرز سماتها: العلم، والوقار، والخلق الرفيع.
أما العلم، فبضاعة ضرورية للأستاذ في الجامعة، إذ يجب وجوبا أن يكون متمكنا من إحدى الاختصاصات الجامعيَّة، متمكِّنا بإحدى جزئيات ذلك التخصُّص، بحيث يبرز فيه وكأنه الخبير في ميدانه، والمرجع في اختصاصه، فهذا التمكُّن هو الذي يخول له الاحترام من قبل زملائه الأساتذة، ثم بالتبع من قبل الإدارة الجامعية فالطلبة، فليس من المعقول بتاتا أن يكون الأستاذ الجامعي شبه متعلِّم، ناقص المعرفة، غير مستوعب لاختصاصه ولا ماسكا بأطرافه أو مُلمٍّ بجوانبه عن قدرة وكفاءة.
فهذا العلم وهذه القدرة والكفاءة وهذا التمكُّن من المادة الدراسية، هي التي تعطي الأريحية للدرس أثناء إلقائه بحيث ينساب انسيابا، فيدركه الطالب من غير كبير عناء. وقديما قيل ولا يزال يُقال: «فاقد الشيء لا يعطيه»، وقد لاحظت بعض الأساتذة فاقدين لبضاعة مواد يدرٌسونها، وكثيرًا ما قلتُ في قرارة نفسي مسكين هذا الأستاذ مرَّة ومسكين طلبته مرتين. (11/3)
صفحة 221
وفي الجامعة ينبغي التنبيهُ إلى أنه لا يكفي استيعاب المادة الدراسية كمادة، وإنما أيضا ينبغي الإلمام بمصادرها ومراجعها، لأنَّ الحصَّة مهما طالت، فلا تستوعب كل تفاصيل الدرس، لذلك احتيج إلى إحالة الطالب على مصادر ذلك الموضوع ومراجعه للاستزادة في ذلك المستوى من الليسانس، إن كانت المحاضرة في التدرج، أو لاحقا عند الترشح للدراسات العليا، فالتمكُّن العلمي للأستاذ الجامعي ضروري لا محالة، بل التبحُّر العلمي هو المطلوب، فهذه الميزة عند الأستاذ تجعله موضع ثقة طلبته ينقلونها بينهم جيلا بعد جيل، وقد يُفصحون عنها فتصلك منهم مباشرة، أو تعرفها ويطلع عليها زملاؤك أثناء احتفال أو ندوة داخلية في الجامعة، فتجد التصفيق من قبل الطلبة قويًّا حارًّا بمجرد ذكر اسمك للصعود إلى المنصَّة قبل إلقاء المحاضرة أو عند الفراغ منها.
إنَّ التحضير للدرس الجامعي واجب، فلابد للأستاذ أن يجدِّد معلوماته بالاطلاع على ما صدر حديثا في الموضوع حتى لا يجترَّ المعلومات اجترارًا كمعلم المراحل الابتدائية والمتوسطة بل وحتى الثانوية، ثم إنَّ كان ملما بمادته بحكم أقدمية تدريسه لها، فينبغي عليه ترتيب أفكاره هو، ليوجه محاضرته بأفكار مرتبة تكون عند الطلبة على ذلك النسق.
وأرى من الواجب كذلك على الأستاذ أن يضع خطة مكتوبة لمحاضرته تتضمن أهم محاور المحاضرة، وعناصرها الأساسية، بحيث يكون الأستاذ مستوعبا لها دقيق الاستيعاب، فهذه الخطَّة هي التي تمكنه من أداء الدرس على أكمل وجه، حتى إذا دخل قاعة الدراسة دخل واثقا من قدراته، واثقا مما سوف يقدمه للطلبة لأنَّه مهيأ والدرس محضَّر أحسن تحضير.
المحطَّة الثانية: الأستاذ أثناء المحاضرة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (11/4)
صفحة 222
يدخل الأستاذ قاعة المحاضرة، مهيَّأ الأفكار ضابط الخطة، يعرف كيف يبدأ محاضرته، ويعرف كيف ينهيها، وربما قبل أن يكتب شيئا على السبورة أو يتناول عنصرًا من صميم المحاضرة أو عنوانها، ربما جاء بنكتة أو حكمة أو سلام على غير المعتاد أو كلام عن الطقس، وكل ذلك لتحضير الأجواء لاستقبال المحاضرة وكذا استقبال المحاضر، فيتم التعرف على لغته وأسلوبه وسلوكه ومرونته وارتفاع صوته أو انخفاضه ولا يتجاوز ذلك دقائق خمسة ولا تتعداها، وإذا لاحظ الارتياح باد على الوجوه عرج مباشرة وبسرعة إلى عنوان محاضرته يذكره بوضوح رابطا بينه وبين عنوان المحاضرة الماضية يذكره أيضا، ثم يأتي إلى خطته فيسجلها كاملة على اللوحة، ولابد أن تضم تمهيدا وعناصر مرتبة بأرقام حسب التدرج في الموضوع على شكل مباحث على الطلبة أن يدونوها على دفاترهم أو حواسيبهم.
يمكن للأستاذ الجامعي، في نظري، أن تكون معه بطاقات تحمل نصوصا مهمة في درسه يجمعها بين يديه، يضبط بها السير الحسن لدرسه، ولا ينبغي للأستاذ الجامعي أن يتحول إلى معلم ابتدائي في درس الإملاء، وما أكثر هؤلاء في جامعاتنا، وإنما الواجب أن تكون المحاضرة ارتجالا، وقد سبق أن ذكرنا أنَّ على الأستاذ في الجامعة أن يكون مستوعبًا لدرسه هاضما لمادَّته، إلاَّ أنه قد يحتاج، من حين لآخر، إلى اللجوء إلى بطاقاته لذكر نصٍّ مقتبس حرفيًّا، أو مقولة مهمَّة هي من صميم ذلك الدرس، ينبِّه الطلبة إلى تسجيلها بين قوسين ثم إغلاقهما بعد نهاية الاقتباس، وجميل أن يذكر مصدر الاقتباس بعد ذلك مباشرة. (11/5)
صفحة 223
ولا يسترسل الأستاذ في إلقاء المحاضرة تاركًا طلبته يكتبون كل ما يتفوَّه به أو جله، فإنَّ في ذلك مللا واضحًا، فضلا عن إمكانية الشرود الذهني وعدم المتابعة عند الطالب، ولذلك يحتاج الأستاذ دوما إلى محطات توقُّف (1)، يطرح فيها أسئلة استنتاجية تخطو بالدرس إلى الأمام في نقطة موالية، أو تعيد الطالب إلى ما كان قد سمعه لتوه حتى يتأكد الأستاذ أن طلبته معه يشهدون المحاضرة عقلا وجسدا، وليسوا حاضرين جسدا وغائبين عقلا، ولا بأس إن لاحظ الأستاذ على طلبته الإعياء (2)، خاصة في الحصص المسائية أو الحصص التي تكون بعد الغذاء مباشرة أن يتوقَّف لدقائق معدودات يصرح بأنها للراحة.
على الأستاذ الجامعي أن يذكر مصادر محاضرته كلما شعر بالحاجة إلى ذلك، وإذا لم يفعل خلال المحاضرة كان لزامًا عليه في ختامها أن يعدِّد أهم مصادر تلك المحاضرة، ويحيل الطلبة إليها للاستزادة ويسألهم عليها ـ على تلك المصادر والمراجع ـ في تمهيد المحاضرة المقبلة.
__________
(1) ـ يقول «د. ميليت»: «ينصح الأستاذ بتوجيه بعض الأسئلة إلى طلبته بين فترة وأخرى، ليشعرهم بأنهم أفراد أذكياء يهتمُّ بهم اهتمامًا حقيقيًّا وليسوا مجرَّد منصتين سلبيين وغير ناقدين لما يلقى عليهم». انظر، أستاذ الجامعة.166.
(2) ـ من علامات الإعياء: التثاؤب، إرخاء الرأس إلى الأمام أو الوراء أو قبض الأصابع وفتحها دليل تعب الأصابع من الكتابة، ليس بمحاضرته هو بالضرورة ة وإنما كتابة دروس سبقته في ذلك اليوم، واستهلكت جهد الطلبة وقوتهم. (11/6)
صفحة 224
وغني عن البيان، أنَّ خاتمة المحاضرة تكون بخلاصة تجمل الموضوع وتطوي مراحله ومحطَّاته في نقاط واضحة بيِّنة سهلة، وبعد ذلك يفتح مجال الأسئلة والاستفسارات والإضافات والتوضيحات، فكثيرًا ما ساهمت أسئلة الطلبة في نهاية الدرس في توضيح نقطة أسرع في تحليلها الأستاذ مراعاة للوقت، أو اعتقادًا منه أنها لا تحتاج إلى الإطالة، فيُنبَّه من خلال الاستفسار إلى ضرورة التوضيح أكثر، وفي هذه الحالة ينبغي على الأستاذ تقديم الشكر للطالب صاحب السؤال تعزيزًا له وتشجيعا لزملائه للاقتداء به.
وقبل أن نصل إلى المحطة الثالثة الأخيرة ونغادر المحاضرة، أودُّ أن أشير إلى أهميَّة تردُّد الأستاذ على مكتبة الكلية أو الجامعة، وكلما كان ذلك مكثفا كلما أعطى المثال الأقوى لما يجب أن يكون عليه الطلاب في الجامعة، سواء في مرحلة الليسانس أو الماجستير أو الدكتوراه. وما يقال عن المكتبة وأهمية ورودها باستمرار، يقال عن الإنترنت في الجامعة في عصرنا هذا.
المحطة الثالثة: الأستاذ في الحصة التطبيقية أو بالأحرى في الأعمال الموجهة (بالنسبة للعلوم الإنسانية والشرعية والآداب):
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأستاذ في الأعمال النظرية ـ التي دأبنا على تسميتها بالمحاضرات ـ هو نفسه في الأعمال الموجهة التي كثيرًا ما أطلقنا عليها ـ حصة التطبيق: ( travaux pratiques et travaux dirrigés)، ـ والأصح في العلوم الإنسانية والشرعية والآداب أن يقال: حصة الأعمال الموجهة، لأنَّ الأستاذ في هذا النوع من الحصص يوجِّه أعمال الطلبة إذ يقومون غالبا بـ: 90 بالمائة من الجهد، ولا يبذل الأستاذ هنا سوى 10 بالمائة أو أقل بدعوى أنَّ هذه الحصص هي عروض لأعمال الطلبة يحكم لها أو عليها الأستاذ بعد تقديمها. (11/7)
صفحة 225
بداية، واستمرارًا لما سبق أن ذكرنا في النقطة الثانية، يبدو أنه من المفيد أن نؤكِّد ما ذهب إليه الدكتور «ميليت» من أنه: «يستطيع الأستاذ دائما أن يجرب طرق التدريس المختلفة بالانتقال من المحاضرة إلى المناقشة، ومن البحث الجماعي إلى البحث الفردي، ومن ندوة البحث إلى التدريس الفردي» (1). فعلا إنَّ في طرق التدريس المختلفة قضاء على الروتين، وتجديدًا للعزائم وبعثا للهمم، وقديما قيل بلهجتنا العامية: «تَبْدَالْ السُّرُوْجْ رَاحَة».
لقد سبق أن تحدثنا عن عدم الاسترسال في المحاضرة دونما انقطاع، فإن في ذلك الملل كله، وكذلك ينبغي التنبيه إلى أن الطريقة المعتمدة على تسجيل عناوين البحوث الفردية والجماعية في بداية الفصل أو السنة الدراسية، وتكليف الطلبة بتقديم البحوث في هذه المادة وتلك، ثم عرضها بحضور الأستاذ، لا ينبغي أن تكون هي الطريقة الوحيدة في هذه الحصص الموجهة، إذ غدت مع بعض الأساتذة عملا خاملا وحصَّة قاتلة للقدرات، كما أنني وجدتها في إحدى تجاربي داخل الوطن وخارجه، تشجيعا للغش وسكوتا عن الغشاشين (2).
__________
(1) ـ «ميليت»: نفسه: 268.
(2) _ وجدت بعض مقاهي الأنترنت توفر البحوث للطلبة جاهزة، وحاليا أصبح بعض الطلبة يسرقون بحوثهم من المواقع الإلكترونية بالقص واللصق. (11/8)
صفحة 226
من هنا رأيت بل طبقت فعلا طريقة أنصح بها زملائي الأساتذة، وهي بدل أن نكلِّف الطالب أو مجموعة من الطلبة بالمرحلة الأخيرة من البحث وهي تقديم الورقات البحثية جاهزة وعرضها في القاعة، وعادة بقراءة رديئة مخلَّة، دون أن نعرف حقيقةً كيف أُنجز البحث، ومن قام به من طلبة المجموعة، ومن لم يقم بواجبه منهم ... بدل هذا أرى أن يُصَار إلى تكليف الطلبة بإنجاز بطاقات جمع المادة العلمية أو الخبرية، أي المرحلة الأولى من البحث، ثم الإذن لمن أكمل العملية بنجاح، تصنيف بطاقاته حسب الخطة المضبوطة سلفًا، ثم الإذن له بتحرير بحثه وتقديمه، فاختيار بعض أبرز العناوين لعرضها في نهاية الفصل أو السنة الدراسية، يكون تتويجا لعملية جمع المادة بنجاح من قبل تلك المجموعة، وتشجيعا لمن أتقن عمله وسار فيه سيرا حسنا، ثم اختيار البحث للعرض يكون تتمَّة لما سبق من محاضرة، وتحليلا لبعض نقاطها التي لم يُتطرق لها في الدرس النظري.
إن هذه الطريقة في نظري، من أنفع طرق التدريس في حصص الأعمال الموجهة وأجداها، إلاَّ أنها تكلف الأستاذ جهودًا إضافية مضنية، وذلك لأنها تتطلب متابعة مستمرة لبطاقات جمع المادة، فكأنه مع طالب في الماستر أو الدراسات العليا، ولقد خرجت من تجربتي هذه مع الطلبة بعدة نتائج أوجزها فيما يلي:
- مجموعة البحث كلها تشتغل، بحيث يلاحظ ذلك من خلال تعدُّد خطوط البطاقات.
- إدراك الطالب لأهميَّة مرحلة جمع المادة بطريقة البطاقات، بعد تدريبه عليها في أكثر من حصَّة.
- ضبط منهج الاقتباس المباشر وغير المباشر للمادة العلمية أو الخبرية، حسب المطلوب اقتصادًا للورق والبطاقات. (11/9)
صفحة 227
- وضع بطاقة لكلِّ مصدر أو مرجع تم اعتماده، مع ذكر المكتبة التي يوجد بها ورقمه ثم لابد أن تتعدد بطاقة كل مصدر أو مرجع بعدد أفراد المجموعة بحيث يكون لكل فرد في المجموعة بطاقاته المصدرية الخاصة به، سواء تلك التي جمع هو منها المادة الخبرية أو جمع منها أعضاء فرقته، وهكذا ترسخ أسماء المصادر والمراجع في ذهن الطالب.
- الوقوف الأسبوعي على تقدم العمل في جمع المادة الخبرية، بإضافة مصادر أو بطاقات وتسجيل ذلك في دفتر عند الأستاذ يؤكد العمل الجماعي وتقدمه أو العكس إن لم يكن هناك تقدم.
- التدرج في مراحل البحث ابتداء من اختيار الموضوع فوضع الخطة فجمع المادة ثم تصنيفها ثم تحرير البحث، يجعل الأستاذ موجها حقيقة لأعمال الطلبة ومشرفا عليها، كما يجعل الطلبة يستوعبون فعلا تلك المراحل.
- ترسيخ المعلومات المدونة في البطاقات لدى الطالب بحكم قراءته لها مرارا في كل مرحلة من المراحل المذكورة.
إذن هذه هي أبرز النتائج المحقَّقة في هذه التجربة، وهي كلها تخدم الطالب، وتجعل منه طالب علم، وتؤهله ليكون باحثا وليدفع بعملية البحث العلمي أشواطا إلى الأمام.
وإذا تطرقت، في الختام، للحديث عن الوسائل البيداغوجية المساعدة في عملية التدريس، كالخرائط و «السْلاَيْدَات» والأقراص المدمجة وجهاز العرض «الدَّاتَاشُو» وغيرها, فإنَّ جامعاتنا لا تزال فقيرة إلى هذه الوسائل، وكانت فقيرة إلى وسائل غير مكلفة وبسيطة كالخريطة, وهي اليوم أفقر إلى ما هو أكثر كلفة وأسهل تلفا أو سرقة! (11/10)
صفحة 228
والحقيقة أنَّ هذه الوسائل, تساعد الأستاذ كثيرًا في تنويع طرق تدريسه، إذ تعطي المجال للطالب لكي يوسع خياله بالنظر في الخريطة أو الفيلم أو الصورة, وتفسح له مجالا لترك القلم جانبًا والتركيز بالعينين والأذنين وما يتبعهما من عقل؛ وكثرة الاحتكاك بالخريطة ـ في المواد التي تستعملها ـ ينمِّي المعارف التاريخية, ويضع المكتسب منها في خاناتها من الخريطة إن صحَّ التعبير, فتصبح الخريطة لطالب التاريخ وأستاذه, كجهاز الكومبيوتر لطالب الحاسوب أو الإعلام الآلي كما نعبر عنه في مغربنا العربي.
وإني أرغّب الأستاذ كثيرًا في امتلاك ناصية الحاسوب واستعماله في الدرس النظري والعمل التوجيهي، وقد أثبت جدواه وجدارته في التحصيل العلمي ولكن لا ينبغي أن يكون وسيلة للتلوين والتنميق لصفحات المحاضرة وبهرجة لجمال العرض في تقليب الصفحات إلكترونيا حتى يبدو لنا وكأن الطلبة استوعبوا بتلك الطريقة، والحقيقة أعود فأؤكدها بأنَّ الأستاذ يبقى أهم عنصر في عملية التدريس مهما تطورت طرقه وتنوعت وسائله التقنية.
الخاتمة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا وصل الأستاذ إلى درجة الشعور بأنَّ طلبته باتوا يتعبونه بتساؤلاتهم ليس في قاعات الدراسة فحسب، وإنما أيضا في أروقة الجامعة وأثناء نزوله من السيارة أو عند ركوبه مغادرا الجامعة، وليس من قبل طلبته المباشرين، وفي المواد التي يدرسها وإنما من قبل كل طلبة التخصص، وربما بعض التخصصات الأخرى، قلت إذا وصل الأستاذ هذه الدرجة، تيقن أنَّ مكانته أستاذا في الجامعة مكانة معتبرة، وحبُّ الطلبة له وثقتهم بعلمه قد بلغت الغاية، عندئذ تنتقل هذه المعرفة به معلومة يتناقلها الطلبة جيلا بعد جيل، فيتمنَّون ملاقاته، كما يتمنَّى الجميع أن يحظى بأستاذيته ويجلس إليه في قاعات الدراسة. (11/11)
صفحة 229
ولا يتأتَّى ذلك أبدا، بفيضان العلم وغزارته فقط، وإنَّما أولا وقبل كل شيء بالخلق الطيب، والليونة في المعاملة، ولا بأس أن أختم بمعرفتي لأستاذين عاشرتهما، أحدهما كان يجعل من بعض الطلبة الممتازين أعداء له يحاول تشويه سيرتهم لا لشيِء إلاَّ لأنه شقي بتميُّزهم وتساؤلاتهم، وربما لتصحيحهم لبعض أخطائه هو، فلا يجد هذا الأستاذ أسلوبا ناجعا لإسكات هذه الأصوات الطلابية الناجحة، إلاَّ القمع والردع، وفعلا يمارسهما بحكم ما يخوِّله له منصب أستاذ الجامعة من صلاحيات.
أما الثاني، ورغم الكفاءة العلمية التي يتميَّز بها دوما، إلاَّ أنه كان يصرِّح للطلبة منذ اللقاءات الأولى معهم بأنه في القاعة هو أستاذهم، أما خارجها فيقول لهم لا أعرفكم ولا تعرفونني، ولا أقبل من أحدكم سؤالا، بعد أن افتح المجال للأسئلة عقب المحاضرة، فما معنى صمتكم في الفرصة التي تُعطى لكم وقدومكم نحوي في القاعة نفسها أو خارجها تريدون سؤالي؟
وهكذا نلاحظ هذين النموذجين من الأساتذة، فعلا من الأنواع التي أطلق عليها الدكتور «ميليت» تسمية قوية نشمئز من وقعها بمجرد سماعها وهي: «الطاغية»، وذلك عندما تناول علاقات المدرس بطلابه فقال بأنها عديدة، «وهي في أسوإ حالاتها قد تكون علاقة بين «طاغية» مستبد و «رعاياه» التعساء، ولن تخلو في أفضل صورها من عنصر السلطة، إذ إن الأستاذ يشغل مركزًا من مراكز السلطة بحكم مهنته نفسها، والسنوات التي قضاها في التدريس سواء أكانت قليلة أم كثيرة ... » والأستاذ الصارم ـ يضيف «ميليت» ـ «يستغل ما تُتيحُه هذه السلطة من فرص، أمَّا الأستاذ الذي لا يستسيغ القوة، فسوف يقلل من سلطته على الطالب إلى أدنى حدٍّ بحيث يندر أن يدركها الطالب ... » (11/12)
صفحة 230
وينبغي ... أن تكون علاقة الأستاذ بطلابه، من الناحية المثالية علاقة زميل بزملائه يتميَّز عنهم بكبر سنِّه وواسع خبرته وزيادة تعلُّمه، وأن يعاملهم باعتباره زميلا لهم في رحلة هدفها البحث عن الحقيقة، وفهمها ومزيد من الثقافة والاستنارة ... » (1).
هكذا إذن ينبغي أن يكون الأستاذ الجامعي، ملمًّا، محيطا، متخلِّقا، مرنًا، محبا لوظيفته، متقنا لأدائها، منوعا لطرق تدريسها، زميلا للطالب يحبُّهم ويحبونه.
- - -
__________
(1) ـ «ميليت»، الأستاذ الجامعي. 263 ـ 264. (11/13)
صفحة 231
سبعُ سنبلاتٍ خُضْرٍ .. " أو فتنة غرداية مقاربةٌ من سورة يوسف - عليه السلام -
أ. د: محمد بن صالح ناصر
باحث وكاتب وشاعر ــــ الجزائر
nbdja@hotmail.com
ل
لماذا هذه المقاربة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا ريب في أنَّ القَصَص القرآنيَّ منبعٌ ثريُّ يتدفَّق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا ريب في أنَّ الله حين وظَّف القصَّة في القرآن يعلم ـ وهو أعلم بطبيعة الإنسان ـ بمدى تأثير هذا الأسلوب في ذهن الإنسان وقلبه وعاطفته، ولا ريب في أنَّ الله جعل هذا القصص من إعجاز هذا الكتاب المعجز، لما فيه من العبرة والذكرى، مصداقا لقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 62]، فنحن عندما نتأمَّل في أبعاد هذه الآية الشريفة نلحظ بجلاء كيف ساقها الله بأسلوبٍ تتلاحق فيه التأكيداتُ أربع مرَّات؛ التأكيد «بإنَّ»، وباسم الإشارة «هذا»، وباللام «لهو»، وبالضمير المتَّصل «هو»، ليصل إلى حقيقة واحدة وهي أنَّ القصَصَ المرويَّ في القرآن هو الحقُّ، ولاحقَّ غيرُه، كما أنَّ الله حقيقة أبدية خالدة لا يشكُّ فيها مخلوق أبدًا، حيث ذيَّل الآية بقوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ فكأنه يريد، بل هو يريد، أن يقرِّر في أذهان المؤمنين التالين للقرآن بأنَّ حقيقة قصص القرآن حقٌّ، كحقيقة أن الله حق. (12/1)
صفحة 232
ومن هنا ينبغي للمؤمن أن يعود في ابتلاءاته التي تعترض حياته كلَّها وما أكثرها ليجد لها حلاًّ في كلام ربِّ العالمين، مع ما يتوسَّل به من الأسباب الدنيويَّة الأخرى، وقد استوقفتني قصَّة يوسف - عليه السلام -، كما استوقفت غيري ولا شك، بما احتوت عليه من عظات بالغاتٍ، وحكم خالداتٍ، دعتني بأسلوبها المعجز ومشاهدها إلى التأمل والتفكير، واستوقفتني بصفة أخص تلك البداية التي استهلت بها السورة بمشهد سيدنا يوسف وهو يخبر أباه برؤياه العجيبة الغريبة حين سجد له القمران، وسجد له معهما أحد عشر كوكبا، سرعان ما تفطَّن أبوه «يعقوب» النبيُّ الموحى إليه - عليه السلام - بخطورة الرؤيا، فقال: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف:5]. فدلَّت هذه البداية الرائعة على روح القصَّة كلها من بدايتها إلى نهايتها، على أنَّها هي قصَّة الكيد، والحسد، والحقد، وكلِّ نوازع الإنسانية الضعيفة، مدفوعة بالشيطان الرجيم {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}. (12/2)
صفحة 233
فبمجرد أن قرأتُ هذه البداية تذكَّرت أحداث الفتنة العمياء التي عاشتها الجزائر كلُّها بل كثيرٌ من نواحي العالم المتحضِّر، وفي وطني العزيز القرارة ثم غرداية ... دفعني هذا الشعور السحريُّ الذي أيقظني ـ والناس نيام ـ إلى متابعة أحداث تلك الفتنة مشهدًا مشهدًا لعرضها على هذه السورة الكريمة العظيمة، في محاولة متواضعة للمقاربة (بالباء) وليس للمقارنة، وهكذا وجدتني أمام مشاهد ربَّانية متلاحقة من الحقائق الإنسانيَّة الثابتة، وكنتُ استحضر مع كلِّ مشهد ما اختتمت به السورة {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].
فكيف كانت المقاربة بين هذه المشاهد اليوسفيَّة وإخوته، وبين الحوادث المرَّة الأسيفة التي تحدَّت الشرع والعقل والقانون؟ في فتنة عمياء طاحنة بين إخوة يجمع بينهم الإسلام، واللغة والوطن .. كادت ـ لولا لطف الله ـ تُودِي بالأخضر واليابس، احترق فيها مالٌ كثيرٌ، واستشهد فيها أبرياء مسالمون، ورُوِّعت فيها أنفس ساكنة وديعة، واعتُدي فيها جهارًا نهارًا على الأمن والسكينة التي اشتهرت بها هذه المنطقة العزيزة من الجزائر، إذ كانت تُعَدُّ البركة الرائقة الهادئة للأمن والأمان، يقصدها السائحون والزائرون للاستمتاع بوجهها الرائع الجميل، والاستفادة من حضارتها العريقة الأصيلة في كل مناحي الحياة بها.
الحقيقة الأولى: «الحسد أمُّ المكائد»:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (12/3)
صفحة 234
في سورة يوسف - عليه السلام - يحدِّد لنا القرآن الكريم السبب الرئيس في تألُّب إخوة يوسف التسعة ضدَّه من خلال قوله تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 8، 9]. لا شيء من الأسباب الظاهرة المادية دفعت إخوة يوسف إلى الكيد له والانتقام منه سوى الحسد المتمكِّن من قلوبهم من أجل مكانة يوسف وأخيه بن يامين من قلب أبيهم يعقوب - عليه السلام -، ومن هنا فإنهم رأوا بأنَّ الوسيلة الوحيدة لشفاء غيظ قلوبهم منه ومن أخيه، إزالته من الوجود ليَخْلُ لهم وجه أبيهم، إذ لا يُعقل حسب رأيهم أن يميل إلى الاثنين ويترك التسعة وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، وهذا هو منطق الحساب المادِّي والنظر إلى الأمور من ناحية الكم لا الكيف.
*- المُقاربة:
في فتنة غرداية والقرارة اتضَّح ـ بما لا شكَّ فيه ـ بأنَّ الدافع الأساس إلى حبِّ الانتقام من الأنفس والممتلكات الخاصة، ديارًا، ومحلاَّت، وسيارات، هو الحسدُ الذي يأكل قلوب أولئك الأوباش الذين حُرموا من هذه النعم الدنيوية التي رأوها علامة على الترف والتنعُّم والاستمتاع بمتاع الدنيا. وإذا حرَّك الحسدُ القلوبَ والأنفس أشعل ما بها من حقد، ودفع الحقد بالتالي إلى الانتقام في لحظة قاتمة غاضبة دون تمييزٍ بين الضارِّ والنافع والبريء والمتَّهم، وتجاوز بها الشيطان وجنوده كلَّ حدود الشرع، والعقل، والقيم الإنسانية والمواطنة، ولا يقف عندئذ أمام رعونتها حدٌّ من الحدود الشرعية كانت أم قانونية. (12/4)
صفحة 235
والذي يقف وراء إثارة نزعة الحسد، والحقد الأعمى إبليسُ اللعين الذي اتَّخذ هذا السلاح هو وقبيله منذ خلق الله آدم - عليه السلام - ضدَّ البشرية كلها، وعندما نتصفح تاريخ الصراع بين «الميزابيين» وإخوانهم المجاورين لهم من بعض «الأعراب»، يبرز هذا الدافع النفسيُّ العميق المتجذِّر في نفوسٍ لم ينقِّها الإيمانُ ولا الإسلام ولا الجوار ولا المواطنة إلا من رحم الله وعصمه. وهكذا كلَّما هدأ ذلك الصراع في فترة من الفترات وعاد الرشدُ إلى النفوس من الطرفين المتساكنين، نزغ الشيطان بينهما وأشعل النار من جديد، ونفخ في رمادها الذي لا يسكن إلاَّ ليتأجَّج في لحظات الغضب العارم، وهذا الذي تشير إليه الآية بالتحديد، حيث يشير القرآن من خلال قولة سيدنا يوسف - عليه السلام - مخاطبا أباه، بعد اجتماع الشمل مع إخوته، بعد أن جاؤوا من البدو واجتمعوا متسامحين في أرض مصر: {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 100].
هذا الموقف يذكِّرنا بقولة يعقوب - عليه السلام - حين حذَّر يوسف في بداية القصة من أن يحكي لإخوته رؤياه خوفًا من حسدهم الذي هو مدخلٌ لإبليس اللعين حيث قال {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5].
الحقيقة الثانية: «الابتلاء يأتي غالبا من أقرب الناس إلى الانسان»:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (12/5)
صفحة 236
في قصة يوسف - عليه السلام - يحدِّد القرآن موطن الابتلاء ومركزه بأنه إنَّما جاء يوسف وأخاه من جهة إخوته منذ أن قال يوسف لأبيه {يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}، ومنذ أن قال يعقوب - عليه السلام - {يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} ... [يوسف: 5]. وتؤكد السورة الكريمة هذه الظاهرة من خلال مشاهدها المتتابعة صريحة أحيانا، وبالتلميح أحيانا أخرى، وتدلُّ بعض المشاهد التي حدثت بين إخوة يوسف وأبيهم يعقوب عليه السلام على أنهم طرف أساس في محنة يوسف وأخيه بن يامين كما جاء في قوله تعالى: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف: 66].
وبما أنَّ سيدنا يعقوب نبيٌّ يوحى إليه كان على علم مسبق بأحداث القصَّة ونتائجها، وجاء على لسانه تحديد مسؤولية الإخوة، وبأنهم طرف أول في تطورات القصة كلها كما هو معروف. (12/6)
صفحة 237
والعجيب من أمر الله سبحانه، أنَّ الابتلاء عند الأنبياء والمرسلين يأتي دوما من الأرحام والأقارب، فآدم - عليه السلام - جاءه من ابنيه قابيل وهابيل، ونوح - عليه السلام - من ابنه وزوجه، وهود وصالح وشعيب عليهم السلام من أقوامهم المقرَّبين إليهم، لوط - عليه السلام - من زوجه، وإبراهيم - عليه السلام - من أبيه آزر، ثم جاءه الامتحان من ابنه إسماعيل - عليه السلام - وزوجه هاجر، وموسى - عليه السلام - من أخيه هارون وقومه الأقربين منه، وعيسى - عليه السلام - من حوارييه، ويونس - عليه السلام - من قومه الذين دفعوا به إلى بطن الحوت، إلى أن نصل إلى سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - خير الخلق أجمعين فيأتي ابتلاؤه من أعمامه، وبني قومه من قريش وهكذا ... ألا يدلُّ هذا على أنَّ لله في هذا الابتلاء الذي يأتي من الأقارب حكمة بالغة وهي امتحان للصبر واليقين أولا وقبل كل شيء؟؟؟
*- المُقاربة:
في فتنة القرارة وغرداية يأتي الابتلاء من أقرب الناس إلينا من إخواننا المتساكنين معنا، من إخواننا وبني عمومتنا المجاورين لديارنا ومساكننا منذ مئات السنين في الولاية بل في البلدية نفسها، ولم يأت قطُّ من خارج حدود تلك البلديات، رغم أننا نتعامل والحمد لله مع كلِّ الولايات الأخرى إذ لم يقف تعامُلنا في حدود بلدياتنا، فهو لم يأت من ولاية الأغواط أو الجلفة أو غيرهما مثلا. فعلى الرغم مِمَّا يقال من حين إلى آخر عن يد خارجيَّة، محاولة للتبرير والتجاوز المبنيِّ على الظنِّ والحرص، أو على الدبلوماسية السطحيَّة، والسياسة الثعلبيَّة المراوغة، فإنَّ الأحداث هنا أكَّدت مرَّة أخرى أنَّ الشرارة اندلعت، والنار التهبت بأيادي من المتجاورين المتساكنين، بل شارك فيها من يُظنُّ فيهم الحفاظ على الأمن وسلامة المواطنين، وهذا مصداقا لقول القائل: «يؤتى الحذر من مأمنه»، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الحقيقة الثالثة: «الغفلة باب الهلاك والخسران»: (12/7)
صفحة 238
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في سورة يوسف - عليه السلام - يتجلَّى التحذيرُ من الغفلة صراحة حينًا وتلميحًا أخرى، وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الظاهرة منذ البداية على لسان النبي يعقوب عليه السلام حين خاطب أبناءه محذِّرا إياهم أن يغفلوا عن أخيهم يوسف فيأكله الذئب.
{قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} [يوسف: 13]، والغفلة ضعفٌ بشرى يعتري الإنسان من حين إلى آخر، ليبيِّن الله تعالى من خلالها ضعف هذا الإنسان المخلوق المحتاج دوما إلى ربه القويِّ القيُّوم الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، كما قال الشاعر العربي:
فَيَا للهِ للعَجَبِ العَجِيبِ ... وَلِلْغَفلاَتِ تَطْرَأُ لِلأَرِيبِ
والغفلةُ هي باب من أبواب الشيطان، يدخل منه إلى القلوب المؤمنة فيُفسدها، ويعكِّر صفو روحانيتها ولو للحظات خاطفة، ومن تم قال الله تعالى محذرا عباده المؤمنين: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205]، فالذكر إذا هو علاج هذه الآفة في النفس البشرية، وهي مركز الصراع الأبديِّ بين الذاكرين والغافلين، والساهين والمتيقظين، والواعين والجاهلين.
وإشارة القرآن الكريم إلى هذه الآفة من خلال هذه القصة المعجزة دليل آخر على أنها كثيرًا ما كانت سببًا رئيسا في الهلاك والخسران.
وعلى الرغم من أنَّ يوسف لم يأكله الذئب كما هو معروف، ولكنَّ مجرَّد ورود الكلمة على لسان يعقوب فتحت الباب مُشْرعا أمام الهلاك والخسران، إذ اتخذها إخوة يوسف حيلة، ومبرِّرًا كاذبا حين جاؤوا أباهم عشاء يبكون، متظاهرين بأن يوسف قد أكله الذئب في حال غفلتهم حين ذهبوا يستبقون وتركوا يوسف عند متاعهم وحيدا دون رقيب أو حسيب. (12/8)
صفحة 239
وأحسب أنَّ القرآن عندما يورد هذا المبرِّر الذي لم يقع لأنَّه تبريرٌ كاذب من إخوة يوسف وتمثيلٌ مفتَعَل لا صلة له بالواقع أصلا، يفعل ذلك ليحذِّر المؤمنين من خطر الغفلة على القلوب، المراد به ـ على ما نحسب ـ الغفلة عن ذكر الله مطلقا في جميع الحالات، التي تعايش الإنسان في حياته اليومية العادية، أكان ذلك في علاقته مع ربه أم في علاقته مع غيره من أبناء مجتمعه.
*- المُقاربة:
ما من شكٍّ في أنَّ غفلتنا عن الله وذكره من الأسباب الرئيسة التي أشعلت نيران الفتنة بين الإخوة المسلمين المتساكنين في القرارة وغرداية، فإنَّ الغفلة عن ذكر الله تُبعِد الإنسان عن حدوده الشرعيَّة في علاقته بربه أولا، وعلاقته بإخوانه ثانيا، وعلاقته بنفسه ثالثا.
فلولا الغفلة عن ذكر الله في جميع الحالات المشار إليها ما أدَّت مباراةُ كرة القدم إلى أن تكون شرارة عمياء تُشعل الحريق المهول الذي سرعان ما امتدَّ من ميدان كرة القدم في القرارة إلى ساحات وميادين غرداية، وبريان وبنورة، وبني يزقن، ولولا الغفلة عن ذكر الله في جميع الحالات، ما اندفع أولئك الشباب الطائشون ملثَّمون وغير ملثَّمين إلى استخدام كلِّ وسائل التدمير والتخريب، والتقتيل والترهيب، فتُزهق الأرواحُ، ويُروَّع الأمواتُ والأحياءُ معًا، وتُنتَهكُ حُرماتُ المحصنات، ويتعدَّى على الآمنين في بيوتهم جهارًا ونهارًا.
الغفلة بمفهومها المادِّي هذه المرَّة هي التي أدَّت الآمنين في لحظة اغترار، أو ثقة بالنفس زائدة، إلى هذا الأمان الذي انقلب فجأة إلى إعصار مدمِّر، وطوفان جارف، وقد قيل قديما وحديثا: «الأمان بدعة»، وقيل في الحكمة السائرة: «يؤتى الحذِرُ من مأمنه»، والثقة بالنفس أحيانا تكون بلاهة وسذاجة، فهل تكون هذه الصفعات المؤلمة بمثابة تلك الصفعة التي تجعل المغشيَّ عليه يعود إلى صحوته؟ وهل نفتح أعيننا لنرى الأفق واضحا أمامنا؟ (12/9)
صفحة 240
الحقيقة الرابعة: «الغضب يدفع إلى الجريمة، والشرارة تشعل الحريق»:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أشرنا في الحقيقة الأولى من قصة يوسف - عليه السلام - إلى أنَّ الحسد هو أمُّ المكائد، وأنَّ الحسد يورث الحقد، والحقد يُشعل الغضب، والغضب يدفع إلى الانتقام.
ففي هذه القصَّة القرآنية العظيمة إشارةٌ واضحة إلى أن إخوة يوسف سرعان ما دفعهم الحسدُ إلى حبِّ الانتقام منه بالقتل، حيث قال الله تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} [يوسف: 9]. فكما دفع الشيطان قابيل لحسده من أخيه إلى قتله، كذلك فعل هنا، حيث دفع إخوة يوسف في السعي إلى قتله وإزاحته من وجودهم ليخلوَ لهم وجه أبيهم ... ، ولكن الله أراد أن يكون في وسط نار الغضب وشعلة حبِّ الانتقام من يفكِّر بهدوء وبصيرة وراحة بال رغم ذلك، وكأنه يريد أن يقول لنا بأنه يوجد في الجماعة الضالَّة دومًا فردٌ صالح، وعقلٌ هادئٌ مستنير، قد يكون سببًا لرجوع الجماعة كلِّها إلى جادَّة الصواب، والطريق الصحيح، وقد يكون هذا الفرد الصالح بمثابة القطرات من الماء التي تخمد النار المشتعلة في القلوب، قال تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف: 10].
وتردَّد الموقف نفسُه من «كبيرهم» الذي أبى أن يغادر «مصر» دون الرجوع بـ «بن يامين» أخ يوسف، لأنه أخذ موثقا من أبيه يعقوب على ألاَّ يعود إلى مصر بدونه، {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80].
*- المقاربة: (12/10)
صفحة 241
ما من شكٍّ في أنَّ الغضب يُغشي الأبصار فلا تمييز في حالتها هذه بين الحق والباطل، وما بين الخطأ والصواب، بل هي لا تفرِّق بين البريء والمسيء، فإنَّ الذين قُتلوا في فتنة غرداية أناسٌ أبرياءٌ لا ذنب لهم سوى أنَّهم من بني فلان، وأنَّ ذلك الشاب الذي طُعن حتَّى الموت كان في موقف دفاعٍ عن حرمة بيته وعرضه، وأنَّ الذين اعتدوا على الحرمات من الملثَّمين الأوغاد، ومن المجاهرين الأنكاد، إنما كانوا مَقُودِين بالغضب العارم الذي لم يفرِّق بين المسالم والظالم.
وكما دفع الغضبُ إلى الجريمة النكراء من طرف الظالم، فإنَّ الغضب قد يدفع المظلوم إلى الحكم المعمَّم فيرى من خلال جريمة بعض الأفراد أنَّ القوم جميعًا من تلك الطينة العفنة، فلا يميِّز حينئذ بين الصالح والطالح، والمتَّهم والبريء، ويخيَّل إليه في ساعة الغضب الأحمر والحزن الأسود، كل الألوان حمراء ملتهبة، وكل الطرق ظلماء وكل الوجوه سوداء كالحة. (12/11)
صفحة 242
فإنَّ التعميم هكذا بدون تفريق أو تمييز، منهجٌ عقليٌّ ظالم؛ وعندئذ يركب المرء بتفكيرٍ على هذا المنهج الذي ركبه الظالمون أنفُسُهم، فلا يكون بينه وبين الظالمين فرق، ويستوي البريء والمسيء ويُصبحان عند الله سيَّان، مع أنَّ الله يقول: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة: 100]، فليست الكثرة الغالبة سببًا في أن نغضي الطرف عن القلَّة المحسنة، بل المفروض أن تكون سببًا في تعيين الكثرة المسيئة, والوقوف جميعًا ضدَّها، وقد رأينا من أحداث غرداية كيف وقف المنصفون في الجزائر كلِّها مع الفئة المظلومة، رغم قلَّتها ضدَّ الفئة الظالمة على كثرتها وادِّعاء الحقِّ إلى جنبها، فإنَّ الشمعة الضعيفة تُبدِّد الظلام على الرغم من ضعف نورها، والحقّ ساطع دومًا مهما اشتدَّ سواد الظلام حوله، وراية الحقِّ خفَّاقة ولو تمادى الباطل بكبريائه زمنًا، وحاول أن يُمَوِّه الحقيقة بحيلته ومكره، وكذبه وزيفه.
الحقيقة الخامسة: «التقوى والصبر هما مفتاح كل هم وبلاء، والفرج يأتي بعد الشدَّة»:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (12/12)
صفحة 243
مدار قصة يوسف - عليه السلام - من أوَّلها إلى آخرها هي هذه الحقيقة الربَّانية، إِنَّهُ مَنْ {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90]، بهذا أجاب يوسف إخوته عندما عرفهم وهم له منكرون، وعندما جاؤوه يطلبون الصدقة منه وهو في عزِّ الملك والسلطة، وهم في ذُلِّ الشقاء والمسغبة، وهي خلاصة أكَّدها القرآن بإعجازه البياني في كلمتين اثنتين هما: «التقوى والصبر»، ليطوي بذلك كلَّ المراحل التي مرَّ بها يوسف في محنته: في الجبِّ وحيدًا مظلوما، وفي السوق بين أيدي المشترين عبدًا مَهينًا، وفي بيت العزيز غريبًا حزينًا، وأمام شهوة زُليخاء العارمة تقيًّا أمينا، وعلى سُدَّة الحكم حفيظًا عليمًا، وعند اجتماع شمله بأبويه وإخوته ملِكًا مكينًا، وأخًا شفُوقا حليمًا، إنَّه المثل الأعلى من المجتَبين المخلصين الذين اختارهم الله لعباده المؤمنين الصابرين المحتسبين من خلال هذه السورة العظيمة الفريدة في أسلوبها وطريقتها وموضوعها.
وكان كذلك موقف أبيه النبي يعقوب - عليه السلام - في محنته واختباره صابرًا محتسبا أجره عند الله، يقابل الشدَّة بالصبر الجميل والفتنة باليقين الثابت، و لم ييأس قط من رحمة الله ولم يشك في فرجه مع شدة بلواه، {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
ومن مظاهر التقوى والصبر أن لا يشتكيَ العبدُ وهو في بلواه إلاَّ لربه وحدَه، {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86].
*- المُقاربة: (12/13)
صفحة 244
كثيرٌ من المتعجِّلين المظلومين يتعاملون في الأزمات مع الله الخالق الديَّان بمنطق تعاملهم مع المخلوقين الضعفاء من بني الإنسان، فيتعجَّلون الاستجابة، ويظنون بالله الظنونا، والمفترض في المؤمن أنَّه يقتدي بعباد الله الصالحين وكيف كانوا مع الابتلاء خيرًا أو شرًّا، كانوا يقدمون اليقين ستارًا واقيًا وإيمانًا ثابتًا، معتقدين في أنَّّ الله لا يظلم أحدًا، وأنَّ زاد التقوى خيرُ الزاد في كلِّ حال.
ومن مظاهر التقوى التحلِّي بالصبر والشكر عند البلوى، وعدم الشك طرفة عين في القيم الإسلامية والثوابت الحضاريَّة. قال بعض الناس ممَّن ابتُلوا في ممتلكاتهم أو أنفسهم وسوس لهم الشيطان بعدم الاعتماد على القيم الإسلامية الثابتة، ولاسيما من الشباب ذوي التجارب الفجَّة والإيمان المتلجلج، فانساقوا مع بعض التيَّارات التي تدعو إلى الدعاوى الجاهلية، مغترِّين ببعض الشعارات السياسيَّة الجوفاء، واهمين بأنها هي التي ستُدافع عن حقوقهم وتنتصر لقضيتهم، وما علموا ـ أو قد علموا فتعنَّتوا ـ بأنَّ العادل الأبدي والمنتصر القوي هو الله وحده لا غيره. فمن شأن المؤمن الذي يتحلَّى باليقين أن يتخلَّق بأخلاق المسلمين والصالحين الذين اجتباهم الله لهذه الخصلة الربانية العالية فيهم، لا يتزعزع في الشدائد، له إيمان بالثوابت، ولا يتلجلج لهم لسان في موقفَي الصبر والشكر معًا. ولنتذكَّر دوما أنَّ أجدادنا إنَّما اعتمدوا في بنائهم الحضاري على الصراط المستقيم عقيدةً وسلوكًا وأخلاقًا، فنجحوا، وطبَّقوا منهج القرآن الكريم في كلِّ أدوارهم الحضارية فنجوا، فكيف بنا نحن اليوم ننساق مع ما يريده الكائدون لنا بضرب رموزنا وتشويه سمعتنا؟ والاغترار بالبريق الدنيوي بعيدًا عن منهج الله ...
الحقيقة السادسة: «التوكل في مواجهة الأزمات على الله وحده، وأخذُ الأسباب لا ينافي التوكل»:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (12/14)
صفحة 245
عرضَ الله سبحانه وتعالى علينا هذا الموقف في قصَّة يوسف - عليه السلام - في مشهد واحد عابرٍ قد لا يتفطَّن له كثيرٌ من القرَّاء، وذلك أنَّ يوسف بعد محنته مع زُليخاء التي انتهت به إلى السجن، وبعد أن شرح رؤيا السجينين اللذين كانا معه بقرب خلاص ساقي الملك، وبقرب تنفيذ الصلب في ذلك الذي رأى الطير تأكل من رأسه. فإنَّ يوسف بدا له وهو إنسانٌ ضعيفٌ أن يطلب من ساقي الملك الذي تحقَّق خروجه من السجن أن يذكُره عند الملك ليُفرج عنه من سجنه الذي دخله مظلوما دونما جناية، وإنَّما لوشاية من امرأة العزيز وصويحباتها من نسوة المدينة كما هو معروف، ويقول الله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42].
وكأنَّ الله يعلِّمنا بأنَّ التوجُّه في الأزمات لا يمكن أن تكون فيه نية الاعتماد إلاَّ على الله وحده، مع الاحتياط بأخذ الأسباب، لكن دون أن تشوب نيتنا في الاعتماد على الله والثقة به والتوكل عليه بإشراك تلك القدرة مع أيَّة قوَّة مهما تكن هذه القوة البشريَّة على أنها هي التي ستخلصنا مما نحن فيه، وإنَّما القادر على ذلك وحده هو القويُّ، الجبَّار، المتكبِّر، المنتقم، المطَّلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وذلك كما قال سيدنا يعقوب - عليه السلام - وهو في قمة الحزن والبلوى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86]. (12/15)
صفحة 246
وقد جاء أخذُ الأسباب التي لا تُنافي التوكَّل في مشهد آخر من مشاهد السورة مع النبي يعقوب - عليه السلام - حين طلب من أبنائه الذهاب إلى مصر لطلب الميرة، وكان يوسف قد اشترط عليهم أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم وهو بن يامين، ولم يسلمه أبوه لهم ـ كما هو معروف ـ إلا بعد أخذ المواثيق من أبنائه، {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف: 86].
وهذا تأكيد على الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، قال لهم: {يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67].
وأحسب ـ حسب رأيي المتواضع، الذي أرجوا أن يكون صائبا ـ أن ليس معنى الدخول من أبواب متفرِّقة القصد منه الخوفُ من العين وحسب، بل معناه أيضا أنَّ على الإنسان المؤمن أن يطرُق كلَّ الأبواب لتُفتَح له في سبيل قضاء مصلحته الدنيويَّة، ولكن بشرط تسبيق هذه الأسباب بنيَّة الاعتماد على الله وحده معتقدًا {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} كما قال النبي يعقوب بصريح العبارة، وهي تعليم لنا قبل كل شيء.
*- المُقاربة: (12/16)
صفحة 247
بعضُ الناس من ضعيفي الإيمان يُخيَّل إليهم بأنَّ معارفهم من السلطة الإدارية هم الذين يحلُّون لهم مشاكلهم، وما أكثر المشاكل في وطننا العزيز، ويُصبح هذا الهاجسُ عندهم خطيرًا، ولاسيما عندما تضيق حلقات المصائب والأزمات حولهم، وعوض أن يرفعوا أعيُنهم إلى السماء متضرِّعين داعين الله المولى القدير ليحلَّ لهم تلك المشاكل، ينصرفون بقلوبهم وأبصارهم إلى الأرض ... إلى فلان الخطير وفلتان الوزير والضابط والخفير، والسكرتيرة والسكرتير ... علمًا بأنَّ هؤلاء لا يقدِّمون ولا يؤخِّرون إلاَّ بأوامر تأتي أحيانا بواسطة الهواتف دون أن يعلم أصحابُها، وقد ينفِّذون ما يُؤمرون به دون التحقُّق من جدوى تلك الأوامر وعدالتها وصوابها ... والمؤمن القويُّ ينبغي ألاَّ يرضخ للتهديد والوعيد مهما يكن مصدره.
وإذا توسل بأسباب المخلوقين من البشر، فعليه أن يُعاين عقاب الله ومثوبته من عمله ذاك الذي يقدِّمه، راجيا أبدًا الثواب من عند الله، خائفًا دوما العقاب منه أيضا، وبذلك يطبق قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]. وضعف الإيمان، والرغبة في الدنيا ومتاعها، تدفع هؤلاء إلى الوقوع في المال الحرام، هدايا، ورشاوى، تزلُّفا، وتملُّقا، لاعتقادهم الفاسد بأنَّ أولئك المسؤولين بيدهم الحلُّ والعقد، والأمرُ والنهيُ، والضيقُ والفرجُ، وقد يتبيَّن لهم بعد فوات الأوان وانجلاء الأزمة خطأ ما اعتقدوا أنَّه الصواب، فيندمون على ما اقترفوا ولات ساعة مندم، وقد يكون العقاب دنيويًّا قبل أن يكون أخرويًّا، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة.
الحقيقة السابعة: «الحضارة أن يعمل الفرد من أجل الجماعة، والجماعة من أجل الفرد»:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (12/17)
صفحة 248
في كلِّ المراحل الصعبة أو السهلة التي مر بها يوسف - عليه السلام - نعيما كانت أم بؤسا، كان قلبه دوما متعلِّقا بوالديه وإخوته وأهله، رغم كيدهم له وحسدهم وافترائهم ضدَّه بأنه هو وأخوه «بن يامين» سارقان، {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [يوسف: 77]. وكان يوسف يقابل سوء الظنِّ والافتراء بالإحسان لهم كلَّ مرة، فكان الكريم المفضال في ساعة العسر، {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [يوسف: 59]. وباعترافهم هم رغم كيدهم لأخيهم يوسف ـ الذي لم يعرفوه في تلك المرحلة من طلب الميرة والصدقة ـ قالوا لأبيهم وقد تصدَّق عليهم دون أن يأخذ بضاعتهم {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} [يوسف: 65].
كانوا يسيئون وهو يُحسن، يكيدون وهو يغفر، يكذبون وهو يتسامح، همُّه الوحيد أن يلتقي بأبويه وإخوته رغم ما عاملوه به {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93]، لأنَّ يوسف بشهادة القرآن ارتقى إلى درجة الإحسان التي بلغها باجتباء الله له، وبتقواه الذي صيَّره صفيًّا، {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 91، 92]. (12/18)
صفحة 249
تلك هي أخلاق القرآن التي نشأ عليها المخلصون من عباده، وهي مقابَلة الإساءة بالإحسان، هذه الدرجة التي هي بين العباد سرُّ الأمن والأمان، ولكن الشيطان ينزغ، ويصوِّر للإنسانِ الإحسانَ للمسيء بأنَّه ضربٌ من الخنوع، والرضى بالدونيَّة، إذ لو تصرَّف الناس فيما بينهم بهذه الدرجة العالية من الأخلاق الإسلاميَّة الكريمة، لانقلب ـ بشهادة الله ـ كلُّ عدوٍّ إلى حميم، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]، ولكنَّها مرتبة جليلة عظيمة لا يرقى إليها {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].
المقاربة: (12/19)
صفحة 250
لن يتحقَّق هذا الهدف الحضاريُّ الرائع بين المسلمين جميعًا ـ وهو أن يكون الفرد من أجل المجموع، والمجموع من أجل الفرد ـ، إلاَّ إذا عُمِّمت هذه الرؤية الحضاريَّة التي نشهدها صباح مساء في وادي ميزاب، وهي ما يُعرف في النظام الاجتماعي هناك «العشائر»، وليست العشيرة إلاَّ تجمُّعٌ عائليٌّ يبدأ بالأسرة لتنداح دوائره في تماسك إسلاميٍّ منتظم رائع، ليشمل القرية أو البلدية كلها، وفائدةُ هذا النظام الذي هو مكسبٌ حضاريٌّ إسلاميٌّ راقٍ يتمثَّل في التضامن، والتكافل، والتعاون بين طبقات المجتمع كلِّه بكلِّ شرائحه وفئاته، بحيث ينشأ الفرد منذ صغره وهو يفكِّر في الجماعة لا في نفسه، ومن ثمَّ يتوسَّع هذا التفكير بل هذه الرؤية على كلِّ أفراد المجموع، فتعود الفائدة الاجتماعيَّة على الكل، بحيث تكون الجماعة تفكِّر من أجل الفرد. وتجد روح هذا التفكير في كلِّ المؤسسات المدنية، والدينية في حلقة العزابة، والاجتماعية في العشائر، والتعليمية في المدارس الحرة، والاقتصادية في الجمعيات ذات الطابع المالي والتجاري والفلاحي، وهي تتجلَّى حتَّى في الناحية العمرانيَّة بهندستها الرائعة، وبدلا من أن يكون هذا المكسبُ الحضاريُّ مفخرةً من مفاخر الحضارة الإسلاميَّة في وادي ميزاب بل الجزائر قاطبة، تجد بعض من نزغ الشيطان بينهم وركب ظهورهم يعتبرون هذا النظام طائفيَّة مذهبيَّة، قبليَّة وعصبيَّة مقيتة، وكان الأولى بهؤلاء المتعصِّبين أن يحاولوا تطبيق هذا النظام في أحيائهم وقبائلهم هم ليعُمَّ الرخاء في كلِّ أنحاء الوادي. (12/20)
صفحة 251
كما كان الأجدى أن يبحث المثقَّفون من هذا الجيل الجامعيِّ الجديد عن مواطن الخير في هذا النظام الاجتماعي الإباضيِّ الميزابيِّ، بدل الكيد والدسِّ، والتشويه، والكذب بأطروحات يقيؤونها في كتاباتهم الصحفية واتصالاتهم الاجتماعية عن طريق النت صباح مساء، فإنَّ الكثير من تلك الكتابات ولاسيما في هذه السنوات الأخيرة، أساءت كثيرًا إلى العلاقات الاجتماعية بين المتساكنين، الذين كانوا قبل الاستقلال واستفحال نظام الحزب العتيد، يتعايشون في ظلِّ التسامح الكامل والتعاون الأمثل، ولاسيما فيما يحتاج إليه البدويُّ من الحضري، والرحَّالة من المستقر، والعامل من البطَّال، فهل تعود أيام الرخاء والألفة والمحبَّة بين المتساكنين كما كانت من قبل؟
نسأل الله ذلك وأكثر، وما ذلك على الله بعزيز، وذلك هو الدور المنتظر من المصلحين والأعيان والمثقفين من الطرفين. والحمد لله ربِّ العالمين.
الآيات العقديَّة والسلوكيَّة من سورة يوسُف - عليه السلام -
1 - ژ ? ? ? ? ? ? ژ
2 - ژ ژ ژs s ک ک ک ک گ ژ
3 - ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ
4 - ژ ? ? ? ? ژ
5 - ژ ? ? ?? ? ? ? ?S S ... S S ? ? ژ
6 - ژ ? ? ... ? ?? ? ? ... ? ? ژ
7 - ژ گ گ گ گ ... ? ? ? ? ? ... ? ژ
8 - ژ ? ? ں ں ? ?? ? ... ? ? ... ہ ہ ژ
9 - ژ پ پ ... ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? S S S S ? ? ? ?ژ
10 - ژ ژ ژs s ک ک ک ... کگ گ گ گ ? ? ? ? ? ?ژ
11 - ژ ? ? ? ?? پ پ پ پ ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ? ژ
12 - ژ ژ ژs s ک ک ک ک ژ
13 - ژ گ گ گ گ ? ? ? ? ژ
14 - ژ ? ? ?? ? ? ? ? ژ
15 - ژ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ژ
16 - ژ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ?? ? ?? ? ? ? ?ژ
17 - ژ ? ? ?? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ژ
18 - ژ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے? ژ
19 - ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ
20 - ژ پ پ پ ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... S ژ
21 - ژ ? ?? ? چ چ چ چ ژ
22 - ژ ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ژ (12/21)
صفحة 252
الميزابيُّون حُماة لُحمة ودُعاة وَحدة
أ. د: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
كلية الآداب واللغات ــــ جامعة باتنة
bouhed@yahoo.com
إ
إنَّ الفكر الوحدويَّ الذي نُشِّئَ عليه الميزابيُّون، والجماعيَّة التي طبعت سلوكهم، والعقيدة الرّاسخة التي أُشْرِبُوها حتّى الثُّمالة، والأخوَّة التي ترسَّخت في قلوبهم وعقولهم ... هذه القيم السَّامية والأساسيَّة في السّير السويِّ في الحياة، جعلت منهم كيانًا لا يقبل التّفريط في المقوِّمات، ولا يرضى أن يصاب في انتمائه، ولا أن يُمسَّ فيما يربطه بأرضه وفكره وعلاقاته مع من يتَّصل بهم بصلة، خاصَّة من يقاسمه الدِّين، ويشاركه الأرض. لذا كان الميزابيّون ويظلُّون متمسِّكين بلحمة الدين، ووَحدة التّراب؛ لن يساومهم أحد في هذا المسلك، ولن يحاورهم فردٌ في هذا المسار، ولن يغيِّر من مواقفهم شيء ممَّا يحدث لهم، أو يُجرُّون إليه .... الشواهد على ذلك كثيرة، من التاريخ القديم والحديث، ودلائله ومظاهره قائمة في الواقع المعيش في الجزائر؛ الوطن العزيز الغالي.
قال الشّيخ إبراهيم بن عيسى حمدي أبو اليقظان سنة 1927 في مقال عنوانه «نحن وأنتم» (1) نأخذ منه هذه الفقرة: « ... كفى، كفى أيُّها السّادةَ! من (نحن وأنتم)، فقد جعلت من قوَّتنا ضعفًا، ومن عُزّتنا ذلّة، ومن كثرتنا فقرًا، ومن علمنا جهلاً.
__________
(1) - جريدة وادي ميزاب، عدد: 26، (01/ 04/1927). (13/1)
صفحة 253
كفى، كفى من قولكم: هذا حنفيٌّ هذا قادريٌّ، هذا عربيٌّ، هذا قبائليٌّ، هذا ميزابيٌّ، هذا شرقيٌّ، هذا غربيٌّ، هذا شماليٌّ، هذا جنوبيٌّ، هذا من أهل البلاد الفلانيَّة، هذا من العشيرة الفلانيَّة، لقد فتح هذا بين صفوفنا المتراصَّة للغير ثغرات واسعة، نفذ منها إلى نفوسنا فأجَّج نارَها على بعضنا، وإلى قلوبنا فأعماها حقدًا وبغضًا، وإلى ألسنتنا فأطلقها ضدَّ بعضنا، وإلى أيدينا فأطلقها على بعضنا، وإلى جميع مواهبنا فعطَّلها أو استخدمها ضدَّنا، وإلى جموعنا فشتَّت شملها، وإلى أموالنا فبدَّدها، وإلى أخلاقنا فأفسدها، وإلى قوميَّتنا فأهانها، وإلى بلادنا فجاس خلالها، وإلى ديننا فهتك حرمته ... أفبعد كلِّ هذا نبقى في (نحن وأنتم)؟» (1).
أحزنَ كثيرًا الشّيخ أبا اليقظان، أن يفتقد الشّعبُ الجزائريُّ الفكر الوحدويَّ، الذي يبني الحضارة، ويؤسِّس للتّعاون، ويضمن التّآلف، ويخدم الوطن، ويساعد على وَحدة الشّعب. فالنتائج السّلبيَّة التي سردها الكاتب تبيِّن خطر الفرقة والتنازع والتّصادم على الأمَّة. والشّيخ أبو اليقظان يعكس الفكر الوحدوي الذي يتميَّز به الميزابيّون؛ خدمة للدِّين والوطن.
يمكن أيضًا الإشارةُ إلى موقف صارخٍ واضح مبين عن الرّوح الوحديَّة في الفكر الميزابيِّ، هو دورُ الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض - رحمه الله - في قضيَّة فصل الصحراء عن الجزائر، الذي يمثِّل موقف الميزابيِّين في موضوع الانتماء والارتباط والولاء والوفاء للوطن، وينقل حقيقة ما يدور في حناياهم وطواياهم وزواياهم ..
__________
(1) - أبو اليقظان إبراهيم، مختارات من صحف أبي اليقظان، (1)، جريدة وادي ميزاب، إعداد وتقديم د. محمد صالح ناصر، نشر مكتبة الرّيام، الجزائر، 1424ه/ 2003م، ص: 34، 35. (13/2)
صفحة 254
يوم 12 من جوان 1959، قام «جاك سوستال» بزيارة ميزاب لدراسة أوضاع الصحراء، بعد التقارير التي قُدِّمت للسّلطات الفرنسية عن وضعية الصّحراء المزرية، وسوء معاملة الاستعمار الفرنسي لسكَّانها, فبعد أن قدَّم تقريره عمَّا عزمت الحكومة الفرنسية فعله لتحسين الأوضاع، وتنفيذ بعض المطالب المقدَّمة، أجابه الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض - رحمه الله - (باسمه ونيابة عن الميزابيٍّين): « .. إنّي أشكُرُك على هذه الزّيارة لتطَّلع في عين المكان على حالة هذه المنطقة ... عندما اقترحْتُ إلحاقَ ميزاب بالجزائر رأسًا، أخذتُ بعين الاعتبار كون الغالبيَّة العظمى من سكَّان ميزاب كانت وجهتُهم نحو الشّمال في جميع عمليَّاتهم التٍّجارية، ومعاملاتهم الأخرى وحركاتهم الدِّينية والماديَّة والأدبية كالمساجد والمقابر والمحاكم الشّرعيَّة، وليس لها شيءٌ من ذلك في الجنوب». أجابه سوستال:} nous vérrons } (1) .
أخذ الجنرال ديغول قضيَّة فصل الصحراء بحزم وجدٍّ، وجعلها مسألة كرامة فرنسا وعزَّتها وقوَّتها وهيمنتها على المنطقة، لا يمكن التّفريط في هذا، ولا التّنازل عن حقّها في حيازة الصّحراء وضمِّها إلى ترابها وممتلكاتها .. فطلب من مستشاره «أوليفي قيشار» ( Olivier Guichard) دراسة ملفّ الصّحراء بعمق وعناية خاصّة ..
__________
(1) الشّيخ إبراهيم بيُّوض، أعمالي في الثّورة،، الجزائر، 1990، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، ص: 61، 62. (13/3)
صفحة 255
كبرت المؤامرة، وأحكمت الخطط، واشتدَّت الأزمة، وبان الخطر على مستقبل الجزائر كلّها؛ بالسّير بخطًى حثيثة لاقتطاع جزء مهمّ من ترابها .. «وبدأت نوايا الاستعمار تتَّضح في فصل النواحي في الصحراء عن الأوطان التابعة لها، وتأكَّد هذا الاتّجاه عند الفرنسيّين لمّا استفحلت حرب التّحرير الجزائرية، وبعد أن استقلّت تونس والمغرب، فكان أن وافق البرلمان الفرنسي في 10 من جانفي 1957 على تكوين المنظَّمة المشتركة للنّواحي الصّحراوية ( OCRS)، والغرض منها كما نصّ القانون استثمار الصّحراء والتّوسّع الاقتصادي ورفع المستوى الاجتماعي للمناطق الصّحراوية التّابعة للجمهورية الفرنسية» (1).
يتطلَّب التحرُّك لمقاومة هذه المؤامرات والمناورات، تخطيطًا محكمًا، وتدبيرًا قويمًا، ووقوفًا حازمًا، ونضالاً مستميتًا، يقود كلَّ ذلك رجالٌ أكفاء، يتمتَّعون بِحِسٍّ وطني كبير، وفكر وحدوي أصيل، ونظر شمولي للقضيَّة الصّحراوية؛ في حاضرها ومآلها، في عمقها الاستراتيجي بالنّسبة لمستقبل الجزائر كلّها: وَحدةً ترابية وفكرية وحضارية شاملة ..
فكان لها الوطنيُّون الكبار، الذين لبسوا الوطنيَّة دروعًا تقيهم ضربات المجهزين عليها من الأعداء بمختلف أشكالهم وألوانهم وأطيافهم, واتّخذوا من حبَّ الوطن حصنًا منيعًا يصرفهم ويحميهم من كلِّ استلاب واغتصاب لأرضهم وما يملكون عليه ...
__________
(1) - لقطات من تاريخ الولاية السادسة ومسألة الصحراء، إعداد وتقديم المركز الثَقافي الإسلامي، بسكرة، (الجزائر)، جمادى الثّانية 1416هـ/ أكتوبر 1995م، ص: 60. (13/4)
صفحة 256
من هؤلاء المناضلين الشّيخ إبراهيم بيُّوض الذي وقف موقفًا حاسمًا حازمًا صارمًا في قضيَّة فصل الصّحراء عن شمال الجزائر، رافضًا ومقاومًا كلّ محاولةِ سلبِ الوطن الجزائري قطعةً منه. هذا الوطنيُّ المجاهد الذي قال عنه «عبد الله بن طوبال»، وزير الدّاخلية في الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية، مثمّنًا دوره في القضيّة: « ... أصبح طرفًا مهمًّا في الكفاح ضدّ الاستعمار، إذ أصبح عرصة في قضيّة المحاولة الفرنسية لفصل الصّحراء عن بقيّة التّراب الوطني ... استطاع الشّيخ بيُّوض الإمام والزّعيم الرّوحي أن يجرّ الصّحراء الجزائرية في القضيّة التّحريرية (أي القضيّة المشار إليها)، وبعد ستَّة أشهر من ذلك دعانا ديغول إلى طاولة المفاوضات، فكانت في البداية (إيفيان) ثمَّ (مولان) ثمّ (إيفيان) مرّة ثانية، التي توصَّلنا بها إلى استقلال الجزائر والصحراء» (1).
رشَّحت الحكومة المؤقَّتة المناضل الوطني الشّيخ بيُّوض ليقوم بدور المحافظة على وحدة التّراب الوطني بمقاومة كلّ محاولة لفصل الصّحراء عن الجزائر وإلحاقها بفرنسا؛ لكفايته السّياسية، ووطنيَّته المتميّزة، ومكانته في قومه وبني وطنه .. فكان الشيخ بيُّوض ومنطقته وادي ميزاب من خير من يقوم بدور المحافظة على الصّحراء جزائرية. يقول عبد بن طوبال: « ... إنّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع، وغرداية تعني الشيخ بيُّوض» (2).
__________
(1) - محمد بن قاسم ناصر بوحجام، الشّيخ بيُّوض والعمل السّياسي، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1991م، ص:150،151.
(2) - المرجع نفسه، ص: 152. (13/5)
صفحة 257
حاولت فرنسا ضرب الوحدة الوطنيَّة بإشاعة أخبار كاذبة، والقيام بحرب إعلامية، إذ نشرت خبرًا في جريدة (ليبراسيون Libération) الفرنسية أنَّ وفدًا ميزابيًا سافر إلى باريس، وطلب الانفصال عن الجزائر، وإقامة جمهورية صحراوية؛ كذبًا وزورًا وبهتانًا، [فكذَّابو الأمس هم كذَّابو اليوم، والزُّورُ والبهتان طبيعةُ النفوس الشرِّيرة السفيهة الأفَّاكة. فكما دحضت مؤامرات أعداء الأمس سقط في أيدي أوغاد اليوم] وعلم القاصي والدَّاني زيف هذه الدَّعوى.
تصدَّى الشيخ بيُّوض لهذه المؤامرة وخاطب الحاكم الفرنسي. قائلاً: «وقلت بالحرف: إنّني ممثّل الأغلبيّة السّاحقة من بني ميزاب، والصَّحراء جزء لا يتجزّأ من الجزائر، قديمة لم تتغيَّر، ولن تتغيَّر، وقد دافعتُ بحرارة عن توحيد السياسة الإدارية بين الجنوب والشَّمال؛ لأنَّها قطر واحد، بخُطبٍ ونشرياتٍ ودعاياتٍ قبل صدور الدستور الجزائري، وقبل انتخابات المجلس الجزائري، ودافعتُ عن الفكرة ضدَّ الانفصاليٍّين من فوق منبر المجلس الجزائري، حتى اضطرَّت الحكومة الفرنسيَّة إلى إرسال لجنة بحث إلى ميزاب، فكانت مظاهرات، وكان لنا معها جولات، وبعد نحو عام أرسلت لجنة أخرى برلمانية لنفس الغرض، حيث لم ترضِها النّتيجة الأولى، فكانت النّتيجة كذلك، إنَّ ميزاب لا يريد بأيِّ ثمن فصله عن الجزائر، ثمََّ أكَّدتُ له أنَّه لا يوجد مطلقًا أيُّ وفدٍ في باريس يتكلَّم باسم ميزاب، وأنَّه لن يستطيع أحدٌ أن يجرُؤَ على التّكلُّم باسمه إلاَّ من اختارته الأمَّة بنفسها» (1).
__________
(1) - أعمالي في الثّورة، ص: 32، 33). (13/6)
صفحة 258
هذا هو موقف الشيخ بيُّوض ووادي ميزاب في مسألة فصل الصحراء عن الوطن الجزائري: الرَّفض القاطع لكلِّ تجزئة للتراب الجزائري، والتصدِّي لكلِّ تفرقة بين أبناء الشعب الواحد. هذا ما أكَّدته جريدة المجاهد، اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني الجزائرية: «فالصحراء الجزائرية جزء من الجزائر، والميزابيُّون الجزائريُّون مثلا كغيرهم من سكَّان أقطار الجنوب الآخرين، جزء من الأمَّة الجزائرية، وخير دليل على ذلك مشاركتهم الفعَّالة في كفاح التّحرير} (1).
أصدر الجنرال «ديغول» أمره بفصل الصحراء عن التراب الجزائري يوم: 02 من ديسمبر 1960. ثمّ أوفد مسؤولاً كبيرًا إلى وادي ميزاب، فجمع الأعيان الميزابييِّن، وقال لهم: «إنَّ فرنسا ترغب منكم أن توافقوا على تأسيس جمهورية صحراوية مستقلَّة، على غرار جمهورية موريتانيا، وإنَّها تعدكم بالتأييد والحماية. وأخبرهم أنَّه أمر أيضًا بإبلاغ هذه الرغبة إلى بعض الشخصيَّات الصحراوية، أجابه الأعيان بأنَّهم سيدرسون الأمر، ويجيبونه بعد حين» (2).
__________
(1) - «الصّحراء الفرنسيّة ... حلم وسراب» (د. إ)، جريدة المجاهد، ع:2، (د. ت)، ص: 38، 39.
(2) - الشّيخ بيُّوض والعمل السّياسي، ص: 72، 73. (13/7)
صفحة 259
مارست فرنسا مع الشيخ بيُّوض سياسة الإغراء، ونهجت معه أسلوب التّطويع والتّليين؛ محاولة منها إقناعه قبولَ الطلب، بصفته الشخصيَّة المحورية والأكثر نفوذًا في المنطقة، والأصعب محاورة ومفاوضة في الموضوع، فأغرته بالمال والنفوذ وبسط السَّيطرة على الصَّحراء .. فلم تَجِدْ منه استجابة، ولَمْ تُجْدِ مُحاولاتُها، ولم تنل منه ما تريد. إذ أجاب الشيخ موفد ديغول بدهاء سياسي وتملُّص ذكيّ ... قائلاً: «بما أنّ الصّحراء تضمُّ خليطًا من السُّكان: بني ميزاب والمخاليف والشعانبة وغيرهم، فالجوابُ على طلبكم لا يكون إلاَّ عن طريق استفتاء حرٍّ، فالقضيَّة قضيَّة الجميع، لا تخصُّنا نحن الميزابييِّن ... » (1).
تحرَّك الشيخ بيُّوض لإجهاض المحاولات التي قامت بها السلطات الاستعمارية لتمرير مشروعها، وبخاصَّة لقاء المسؤولين الفرنسييِّن ببعض الشخصيات الصحراوية .. قام الشيخ بالاتّصال بهذه الشخصيات لتنسيق الجهود معها، ولتنبيه بعضها، لخطر المشروع، حتَّى لا تقع في فخِّ المؤامرة المحبكة في القضيَّة.
__________
(1) - حمو محمد عيسى النّوري، نبذة من حياة الميزابيّين الدّينيّة والسّياسيّة والعلمية ... ج1، دار الكروان، باريس، 1984، ص: 19 بتصرّف. والشّيخ والعمل السّياسي، ص: 73. (13/8)
صفحة 260
هذه الخطوات الجريئة كانت محلَّ تقدير وتثمين من الرِّجال المخلصين للوطن، والعارفين أقدار العاملين الجادِّين، ولا يدرك عظمة الرجال إلاَّ العظماء في تفكيرهم وسلوكهم، وتصرُّفاتهم وحبِّهم الشديد للخير وللوطن. قال الدكتور محمد العربي الزّبيري: «ولقد تمكَّن أبو بكر حمزة من جعل عدد من الشخصيات الصحراوية يحضرون أوَّل لقاء في مدينة الأغواط من أجل إدخال مشروعه حيِّز التنفيذ [مشروع إقامة الجمهورية الصحراوية المستقلَّة ذاتيًّا]، لكنَّ الشيخ بيُّوض أجهض العمليَّة، واتَّصل بالحكومة المؤقَّتة للجمهورية الجزائرية، يحيطها علمًا بتفاصيل الموضوع، ويستصدر الأوامر اللاَّزمة لإفشال مساعي التّقسيم» (1).
نهض الشيخ بيُّوض فقام بواجبه الدّيني والوطني، ليسقط مشروع التّآمر على وحدة التراب الوطني، وكان من وسائله التّوعية والتذكير بالواجب الديني والوطني نحو الوطن بكلِّ مقوِّماته، قال لإخوانه في النضال والوطنيَّة: «إنَّ ديننا وكرامتنا ووطنيَّتنا لا تسمح لنا مطلقًا بأن ننفصل عن إخواننا الجزائريِّين في الشمال، وأنَّه من الخير لنا ولأبنائنا أن نربط مصيرنا بمصير الجزائر كلِّها ... وأن نجيب كلَّنا بكلمة واحدة: إنّنا نريد أن نكون دائمًا جزائريِّين، ومصير الصحراء هو مصير الشمال الجزائري، ولا نقبل الانفصال عنها في أيِّ حال من الأحوال» (2).
__________
(1) - د. محمد العربي الزّبيري، «ديغول ... والصّحراء»، ص: 17. نقل هذا التصريح عن السّيّد عبد الحميد مهري، وزير شؤون المغرب العربي في الحكومة المؤقَّتة للجمهوريَّة الجزائريَّة، في أثناء لقاء جمعه به في بيته يوم 21/ 02/1996. بجضور الرَّائد عبد المجيد كحل الرَّأس، والسيد محمد الصَّالح بوسلامة.
(2) - أعمالي في الثّورة، ص: 80. (13/9)
صفحة 261
أثيرت قضيَّة فصل الصَّحراء عن الشمال في المجلس الاقتصادي بورقلة في خريف 1961، تدخَّل الشيخ بيُّوض، وقدَّم عرضًا عن القضيَّة، وأفاض في حيثيَّاتها، وكان ممَّا قاله مخاطبًا رئيس المجلس: «سيِّدي الرئيس، إنَّ مجلسنا مجلسٌ اقتصاديٌّ بحت، ينظر في ميزانية العمالة، فاختصاصُنا لا يخرج عن دائرة المكاتب والمصحَّات والطرقات والمواصلات، وما أشبهها من الماديات، ولا يحقُّ لنا مطلقًا التكلُّم باسم الأمَّة في أمر سياسيٍّ هامٍّ خطير، الحقُّ فيه للأمَّة بأسرها. ثم من جهة أخرى سيّْدي الرئيس، إنَّ فرنسا لم تكن تستشيرُنا يوم قطعت الصحراء، وجعلت لها نظامَ التراب الجنوبيِّ الخاصِّ، ولم تستشرنا يوم فصلت أجزاء من الشمال، سمَّتها أحوازًا ممتزجة؛ فهي تصل وتفصل، وتتحكَّم كما تريد، بل أكثر من ذلك كنَّا نطلب أشياء من حقِّنا، ونرفع أصواتنا بها، فلا تسمعها، حتَّى في تطبيق قوانين سنَّتها هي، ولا يخفاكم موقفنا في المجلس الجزائري في المطالبة بتطبيق دستورها؛ فإذا أرادت فرنسا اليوم أن تستشير فلْتستشر صاحب الحقِّ، وهو الشَّعب الجزائري كلُّه» (1).
جرأةٌ لا تصدر إلاَّ من قلب شجاعٍ، يؤمن بواجبه الديني في الجهاد لصدِّ كل عدوان على الوطن، مهما يكنْ نوعه، وحسٌّ وطنيٌّ لا يسكن إلاَّ نفسًا أبيَّة عصيَّة على كلِّ مكر ومؤامرة، وتدبيرٌ لا يأتي إلاَّ من رؤية تتَّصف وتصدر عن وَحدة وشمولية في المعالجة ... هذه هي وجهة الشيخ بيُّوض ومن معه من أصدقائه وأبنائه الذين صنعهم على عينه، وِجْهَتُهُمْ قبلة الوَحدة والاتّحاد وعدم الابتعاد عن الحماعيَّة في التّفكير والتَّدبير والتحرُّك والنظر إلى قضايا الوطن ..
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 35، 36. (13/10)
صفحة 262
أكَّد الشيخ بيُّوض لكلِّ من حاوره وناوره وحاربه وجاوره ... في موضوع قبول الميزابييِّن بفصل الصحراء بعامَّة، ومنطقتهم بخاصَّة عن التراب الوطني الجزائري .. وبيَّن لهم بالتاريخ والمنطق والواقع والمصير والمآل أنَّ هذا العرض مرفوض جملة وتفصيلاً: « ... لكنَّهم كانوا يجدون منِّي عودًا صلبًا لا يلين، وإنّما أحاورهم بالمعقول والمنطق، ومن أقوى ما اعتمدت عليه هو أنّ جذور حياة ميزاب متغلغلة في أعماق أرض الجزائر، وأنَّ عروق اقتصاده ضاربة في كلِّ بقعة من بقاع أرض الجزائر منذ قرون قبل أن تقدموا أنتم إلى هذه البلاد، وأنَّه مدين للجزائر في بقائه، وفي الحصول على الوسائل التي قاوم بها الطبيعة القاسية في بلاده ولا يزال، فلن يستطيع الميزابي أن يرى نفسه يومًا ما أجنبيًّا في الجزائر، ولئن جاء ذلك اليوم ـ لا قدَّر الله ـ فإنّه يوم القضاء المبرم على بني ميزاب. بهذا المنطق كنت أَدْفَعُ محاولاتهم، فرجعوا بخُفَّي حنين والحمد لله» (1).
انفصالُ ميزاب عن الجزائر هو قضاء مبرم على حقيقة الميزابي الجزائري المتجذِّر بعروقه في وطنه الجزائر. ما يريد تأكيده الشيخ بيُّوض ـ نقلاً لتفكير الميزابيّين وشعورهم، وتعبيرًا عن مُعتقدهم في الموضوع ـ أنَّ انتماءهم إلى الجزائر أصيلٌ، وعلاقتهم بالوطن متأصِّلة، وارتباطَهم بأرضها وثيق، وتمسُّكهم بترابها ـ وحدةً لا تنفصل عراها ـ أمرٌ لا مساومة فيه ولا منازعة.
__________
(1) - المصدر السّابق، ص: 38، 39. (13/11)
صفحة 263
هذا الدور الذي قام به الشيخ بيُّوض في مسألة فصل الصحراء عن الشمال الجزائري، حُظي بتقدير الوفد الذي أوفدته قيادة الولاية السادسة إلى منطقة وادي ميزاب سنة 1961، وكان الوفد متكوِّنا من السّادة: «أحمد طالبي»، و «سعيد عبادو»، و «عثمان حامدي»، و «رشيد الصّائم». فقد اعترفوا بنضال الشيخ بيُّوض، وبمواقفه المشرِّفة في القضيَّة، بعد أن اقتنعوا بوجهة نظره، الذي كان رافضًا طَلبَ فرنسا موافقتَه فصلَ الجنوب عن الشمال.
النتيجة التي أسفرت عنها كلُّ المحاولات التي قامت بها السلطات الفرنسية لتليين موقف الشيخ بيُّوض والميزابييِّن للقبول بالمشروع يوضِّحه السيِّد رضا مالك، الناطق الرسمي للوفد الجزائري في مفاوضات «إيفيان»، وصاحب كتاب «الجزائر في إيفيان» ( L'Algérie a Evian): « سمعت من «أوليفي قيشار» مستشار برئاسة الجمهورية الفرنسية أنَّ الجنرال ديغول أرسله إلى الصحراء سنة 1960 ليتَّصل بالميزابييِّن، يعرض عليهم تكوين «مملكة ميزابية»، كما كلَّفه بالاتّصال بسكَّان تمنغاست لنفس الغرض. ويقول «أوليفي قيشار»: اتّصلتُ بالشيخ بيُّوض إبراهيم بغرداية لهذا الغرض، فرفض هذه الفكرة وهذا العرض رفضًا قاطعًا، وقال له الشيخ بيُّوض: إنَّ منطقة مزاب جزءٌ لا يتجزَّأ من التراب الجزائري» (1).
__________
(1) - المرحلة الانتقالية للثّورة الجزائريّة ... ، إنتاج جمعية أوَّل نوفمبر لتخليد وحماية مآثر الثّورة في الأوراس، (ملحق بموضوع مفاوضات حول اتّفاقيّات إيفيان) منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر، 1416/ 1995، ص: 381. (13/12)
صفحة 264
كان للشّيخ إبراهيم بيُّوض - رحمه الله - دورٌ كبيرٌ وأساس في المحافظة على صحراء الجزائر ملكًا لها، والإبقاء على وحدة التّراب الوطني، لم يدَّخر جهدًا، ولم يستسلم لأيِّ ضغط، ولم ينجذب لأيِّ إغراء وتغرير للتفريط في واجب الحفاظ على سلامة الوطن الجزائري من الاستلاب، بالدفاع عن ارتباط جنوب الجزائر بشماله. يقول بن طوبال: «فإنَّ الفضل يعود إلى الشيخ بيُّوض في إنقاذ وحدة التّراب الوطني وبقاء الصَّحراء بكلِّ خيراتها جزائرية. وبدونه كان يمكن أن تستمرَّ الثّورة عقدًا آخر، ومرَّة أخرى أقول: إنَّ دور غرداية (المنطقة) هو الذي كان حاسمًا في الموضوع، وغرداية تعني الشيخ بيُّوض» (1).
يقول بسَّام العسلي: « ... ونزل الشيخ بيُّوض إلى ميدان الجهاد الجديد، وقاد معارك كبرى ضدَّ فصل الصحراء عن الشمال، استمرَّت ستَّ عشرة سنة كاملة (من سنة 1947 إلى سنة 1962)، وكان رجال النهضة في ميزاب كلُّهم جنده وأنصاره في معاركه السياسية الكبرى، فالتفُّوا حوله، وهم يستنكرون فصل الصحراء عن الوطن الجزائري» (2).
هذا هو فكر الميزابييِّن، وهذا هو موقفهم، من مسألة الوحدة الوطنيَّة: أرضًا وفكرًا ونشاطًا، وتماسكًا وتآزرًا، وعلاقات تضمن العيش في أمنٍ وسلام ووئام ومحبَّة وإخاء .. ، وصدَّا ومقاومة لكلِّ من يسعى لإحداث فرقة بين أفراد الشعب الجزائري .. بأيَّة وسيلة، وفي أيِّ مجال، وبأيَّة حجَّة أو ذريعة ..
الشعبُ الجزائريُّ أمَّة واحدة، وترابُها ملكٌ لجميع أبنائها، وتاريخها تراثهم. ولنتذكَّر جميعًا قول شاعر الثّور الجزائرية «مفدي زكريّاء»، في أثناء الثورة الجزائرية المظفَّرة ولنَسْتوعِبْه (3):
__________
(1) - الشّيخ بيُّوض والعمل السّياسي، ص: 152.
(2) - بسّام العسلي، عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة الجزائرية، ط2، دار النّفائس، بيروت 1986، ص: 218، 219).
(3) - اللهب المقدس، ص: 283. (13/13)
صفحة 265
نَحْنُ في هَذهِ الجزائِرِ إِخْوا ... نٌ، جِرَاحاتُنَا الثَّخينةُ حَمْرَا
لُحْمَةُ الضَّادِ، والعُروبَةِ، والتَّا ... ريخِ، والدِّينِ، آيُ رَبِّكَ كُبْرَى
- - - (13/14)
صفحة 266
المقام الثالث من كتاب زعيم الأمَّة الميزابيَّة إلى صقر الكنانة
رسالة الشيخ إبراهيم بيُّوض
إلى الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش
بشأن جهاده الوطني، ودوافع مشاركته في المجلس الجزائري
تحقيق أ/ محمد بن أحمد جهلان
كلية الآداب واللغات ــ جامعة غرداية
djehlanem@yahoo.fr
ب
بين يدي الرسالة:
في أواسط سنة 1948م/ 1367هـ، أرسل «صقر الكنانة» الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش رسالة من القاهرة إلى زميله «شيخ الصحافة الجزائرية» الشيخ إبراهيم أبي اليقظان، مُعرِّضا فيها برجال الإصلاح، وخصوصًا زعيمهم الأستاذ الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض لمَّا فاز بعضوية المجلس الجزائري. وما دفع الشيخ أبا إسحاق واستفزَّه لكتابة هذه الرسالة سوى ما نقله إليه خصوم الشيخ الألدَّاء، الذين إن علموا خيرًا أخفَوه، وإن علموا شرّا أذاعوه، وإن لم يعلموا افترَوا زورًا وبهتانا.
في هذا الموضوع يشرّْفنا أن نضع بين يديك أيها القارئ الكريم وثائق ثمينة، وحقائق مهمَّة عزيزة، ودررًا من أدب المراسلة الرفيع، من جواب زعيم الأمَّة الشيخ بيُّوض إلى صديقه الشيخ أبي إسحاق، مبيِّنا له ما التبس فيه وارتاب، ومُدحِضًا لما زعم وعاب ... (14/1)
صفحة 267
غير أنَّ نصَّ الوثيقة الكامل يُناهز خمسين صفحة! قسَّمها الشيخ إلى مقدِّمة وخمسة مقامات، عدا نص رسالة الشيخ أبي إسحاق الذي جاوز بدوره خمسَ صفحات .. وهذا ما يجعل نشرها كلها كاملة أمرًا متعذِّرا في مجلَّة تخضع لضوابط النشر والإخراج؛ ولذلك فقد رأينا أن نجتزئ مقطعًا واحدًا من رسالة الشيخ أبي إسحاق، ومقطعا من ردِّ الإمام الشيخ بيُّوض، لنُرِيَ القارئ صورةً من هذا الكنز الثمين، آملين أن يوفِّقنا الله إلى إخراج النصَّين معًا كاملين في دراسة مستقلَّة معمَّقة تُحفظ للتاريخ، فأهميَّة الرسالة بمكان جعلت القليلين الذين تمكنوا من الاطلاع عليها يجزمون بأنَّ المرء لن يستطيع معرفة الشيخ بيُّوض حقَّ المعرفة: مُصلحًا، ومجاهدًا، ووطنيًّا، وزعيمًا سياسيًّا مُحنَّكًا، مُخلصا لميزابيَّته، وفيًّا لجزائريَّته، معتزَّا بإسلامه، متواضعًا لإخوانه ... ما لم يطَّلع على تلك الدرَّة الثمينة والوثيقة العظيمة.
وإنَّنا إذ ننشُر في هذا العدد نُتَفًا من هذه الوثيقة ـ كعادتنا في تخصيص باب للوثائق في كلِّ عدد من أعداد المجلَّة ـ فإننا نتقدَّم بالشكر الجزيل والثناء الجميل لكلِّ من مكَّنَّنا من أصول هذه الوثائق لنُتيحَها للقارئ الكريم، ونخصُّ بالذكر في هذا العدد، الأستاذ «الشيخ بكير بن محمَّد الشيخ بالحاج» (الأستاذ المحقق بمعهد الحياة، ورئيس حلقة العزابة بالقرارة) الذي مكَّننا من نسخته الخاصَّة من الرسالتين بخطِّ يده، وكذا الأستاذ «الشيخ صالح بن أحمد حدبون» (كاتب الشيخ بيُّوض المخلص، ورئيس داخلية الحياة بالقرارة) الذي تكرَّم بمقابلة نسخة الأستاذ بكير الشيخ بالحاج مع نسخة الفاضل «السيد الحاج عمر بن سليمان ملاَّل» آخر من بقي من الطبقة الأولى من تلاميذ الشيخ بيُّوض، رحمة الله عليهم أجمعين، الأحياءِ منهم والميِّتين، فكان هذا النص الذي بين أيدينا الأدقَّ والأكمل، جزاهم الله عنا، وعن مشايخنا، وعن الأمَّة خير الجزاء. (14/2)
صفحة 268
رسالة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش إلى الشيخ أبي اليقظان (1)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«أخي وعزيزي المفضال، العالم الكريم، الشيخ أبي اليقظان الحاج إبراهيم؛
عزيزي؛ استلمتُ كتابك بيد السرور والابتهاج بعد غياب طويل عليل، وقد احتوى على أنباءٍ كثيرةٍ، وكشف لي عن حالٍ بلغت فيما يبدو مبلغا، وما كنت لأظنَّ أنَّها تبلغ ما بلغت بين فئةٍ من الخيرة طالما تألَّبت على النوائب فدفعَتْها، وعلى الأعداءِ فدحرتهم، وعلى الخير فكسبته، وعلى رفع شأن الأمَّة والدين فنجحوا ... يا تُرى أأصابتها العينُ أم نكبةُ الحسد؟ وما كنتُ أعتقد أنَّ العين والحسد يُصيبان إلاَّ أفرادًا بأعيانهم لا الجمعيات والجماعات. فوالله لو سلِمَت النفوسُ من الدَّغَل لاستقامت الأحوال. أمَّا ما بدا لي فإنّه مُشبَعٌ بالأنانيَّة وعدم الاكتراث بالمصلحة العامَّة، بل ولا الاكتراثِ بشماتة الأعداء ولا انهزام الأمَّة. أمَا والله لو كانت تلك النفوسُ مُخلصةً في تعاديها لله لجعل الله لهم سبيلاً إلى التآلف والتآزر والتآخي.
( ... ) ولقد رأيتُ من دخولكم الانتخاب غيرَ ما ترون، والذي يظهر لي أنَّ الحقيقة خلاف ما تُظهرون؛ إنَّ في النفس شيئًا، نعم إنَّ في النفس شيئا، فتدبَّر الأمر ـ يا أخي ـ مجرَّدًا تَرَ ما رأيتُ. ( ... ) ولعلَّ الشيخ بيُّوض رسخ في نفسه أن يكون في برلمانٍ عضوًا كما جاء في فيلم السينما إلى مصر وهو ما كنتُ أربَأُ به أن يتنزَّل إليه وهو رجلُ النهضة العلميَّة القائد لحركة الإصلاح، أمَّا أن يكون هذا طغى على نفسه فلا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم.
__________
(1) - اجتزأنا من رسالة الشيخ أبي إسحاق ما فيه علاقة بالمقام الثالث من ردِّ الشيخ بيُّوض، كما سبق التنبيه إليه. (14/3)
صفحة 269
( ... ) وبعد ـ إخواني ـ إنَّني كلَّما خطر ببالي هذا الأمر وأنا أمشي إلاَّ وقفتُ، أو أكتبُ إلاَّ توقَّفت، أو في الفراش ذهب النومُ، فهل من رُقيةٍ من هذا الأرق أو ترياقٍ من هذا السَّقم؟؟
أبو إسحاق
27 رجب 1367 ـ القاهرة ـ دار الكتب المصرية
رد الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض على رسالة الشيخ أبي إسحاق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد؛
جناب العلاَّمة الجليل الشيخ أبي إسحاق إبراهيم أطفيش ـ حفظه الله ـ سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، من أخيك: بيُّوض إبراهيم بن عمر.
سيدي الشيخ أقرأني الشيخ أبو اليقظان كتابك الأخير إليه، ذلك الذي بسطتَ فيه القولَ في قضيَّة دخولنا في المجلس الجزائري فرأيتُ فيه ـ الشيخَ ـ غير الذي كنتُ أعهَدُه وأعرف منه الأناة والتبصُّر، لا يقول حتَّى يتبيَّن، ولا يحكم حتَّى يتصوَّر. رأيته اليوم وقد ركِبَتْه أوهامٌ علقت بذهنه فاطمأنَّ إليها، فقادته عن حسن نيَّة إلى أخطاءٍ في الحكم على أصل القضيَّة، وإلى أخطاء في الحكم على صفوة إخوانه، وأخلَصِ من حمل راية الجهاد في سبيل أمَّته ثلث قرن، فساء ظنُّه بهم وقال لهم: «أمَّا ما بدا لي فإنّه مشبع بالأنانية وعدم الاكتراث بالمصلحة العامَّة، بل ولا الاكتراث بشماتة الأعداء ولا انهزام الأمَّة». وقال: «والذي يظهر لي أنّ الحقيقة خلاف ما تُظهِرُون، إنَّ في النفس شيئًا» ... إلخ. «ولعلّ الشيخ بيّوض رسخ في نفسه أن يكون في برلمان عضوا وهو ما كنت أربأ به أن يتنزّل إليه» إلخ ... «أمَّا أن يكون هذا طغى على نفسه فلا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله ... »
سيِّدي الشيخ: إنَّ كلامنا معكم حول القضيَّة في خمسة مقامات (1):
المقام الثالث:
__________
(1) - سبق التنبيه إلى أننا سنكتفي من رسالة الشيخ بجزء من المقدمة وبالمقام الثالث الذي يركِّز فيه على مسألة الإخلاص في العمل لله، وجهاده الوطني طيلة ثلاثين عامًا. (محمد جهلان) (14/4)
صفحة 270
هل أُشبِعَ بيُّوض بروح الأنانيَّة فاستخفَّ بالمصلحة العامَّة ولم يكترث بانهزام الأمَّة؟ وهل رسخ في ذهنه أن يكون عضوًا في برلمانٍ فضحَّى من أجل ذلك بأمَّته؟
اللهم إنَّك تعلمُني فيما مضى فاعصِمنِي فيما بقي؛ {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}، أي ربِّي أنت حَكَمِي وكفى.
أُعيذُك بالله أيَّها الشيخُ أن تُسيء ظنَّك بأخٍ لك جالَدَ وجاهد في سبيل أمَّته، وكافح الاستبداد، وقاوم الاستعمار خمسًا وثلاثين سنة؛ خمسٌ منها كجنديٍّ بسيط مع زملائه الجنود، وثلاثٌ في صفوف الضبَّاط الأماميَّة، وسبعٌ وعشرون عامًا كاملة حاملاً للراية قائدًا للكتيبة، وما زالت الرايةُ بيده ما وقعت ولا انتُزعت ولا سئِم حملها فألقاها، وإنَّه لَمُقدِمٌ في كفاحه ماضٍ إلى غايته بنفس العزيمة الصارمة والنيَّة الصادقة وروح الإخلاص التي اندفع بها إلى الميدان من أوَّل يوم، وإنَّه ليَضرَعُ إلى الله كلَّ يوم أن يحفظ عليه هذه المواهب اللدُنِّيَّة حتَّى يلقاه بها، ما تملَّق لغنيٍّ، ولا تذلَّل لقويٍّ، ولا استخذى (1) لجبَّارٍ، ولا فتَنه بياضُ الدرهم ولا صُفرة الدينار، على فقرٍ وحاجة شديدة، وقلَّة وضَعفٍ من كلِّ جهة، إلاَّ من النفس فإنِّي أحسُّ بين جنبيَّ نفسَ جبَّار عزيز، وإلاَّ من الإيمان فإنِّي استشعر له قوَّةً لا تُحَدُّ ولا تضبط والحمد لله.
__________
(1) - استخذى: خضع وذلَّ. (محمد جهلان) (14/5)
صفحة 271
سيِّدي الشيخ: اسمح لي أن أقول لك في هذا المقام كلماتٍ ما جرت على لساني قَطُّ، ولا خطَّها قلمي قبلُ، أستجيزها لنفسي اليوم، لِما لي عليك من الدالة (1) ولِما أعرف فيك من صفاء النيَّة وسلامة الطويَّة. ثلاثون عامًا قضيتُها في كفاح مستمرٍّ في ميدان العلم والدين والسياسة والاجتماع، أصِلُ فيها الليل بالنهار، وأبيتُ على الطوى أو على الخبز القِفَار، وقد تفتَّحت ليَ الدنيا وتبدَّت لي في زينتها وفتنتها، ودُعيت إليها من كلِّ جهة وبكُلِّ لسان، وعندي لها استعدادٌ تامٌّ كاملٌ، فعزفتُ عنها وزهدتُ فيها وأعرضتُ عنها، وكأنِّي والله في ذلك غير مُختارٍ بل أُدفع إليه دفعًا قويًّا بقوَّة خفيَّة جبَّارة لا أستطيع لها حدًّا إلاَّ أنَّني أحسُّ بأنِّي مُلِئتُ إيمانا من مفرقي إلى قدمي، فإنِّني خُلقت لإنقاذ أمَّتي، وإنِّي إذا خرجتُ إلى الدنيا والعمل لنفسي عاقبني الله عقابًا شديدًا فاطمأنَّت نفسي إلى عملي، وكنتُ أجدُ في الكفاح مهما اشتدَّ وقسا غبطةً ولذَّة وسرورًا، ولطف الله بي فأراني من كرامات الإخلاص ما لا أستطيعُ له حدًّا ولا حصرًا، وما لا أزال أذكرُه، فأشكرُه فيضاعف وثوقي ويزيد إيماني. كنتُ أرى النتائج أكبر من الأعمال بما لا يخطر على بال، وكنتُ أرى عقباتِ الطريق تندكُّ وحُفَره تسوَّى، فلا أقتربُ من عقبةٍ كدتُ اندهشُ لها حتَّى أجدها دكّا (2) ولا أقترب من حفرة كاد القلب ينهلع (3) لها حتَّى أجدها مسوَّاة.
__________
(1) - لَهُ عَلَيَّ دَالَّةٌ: أي مَنْزِلَةٌ وفَضْلٌ، والدَّالَّةُ: ما تُدِلٌ به عَلَى حميمِك وصديقك، والدالة: الجُرْأَةُ، ما تتجرَّأ به على صديقك الحميم بسبب مكانتك عنده. (محمد جهلان)
(2) - دكًّا: مُسوَّاة بالأرض، والأرض المستوية: دَكَّاءُ، ودكَّ البناءَ هدمه وسواه بالأرض. (محمد جهلان)
(3) - كذا، ولعل الصواب: «يهلع»، أو «ينخلع»، انخلع فؤاده: داخله الفزع، خاف وارتعب. (محمد جهلان) (14/6)
صفحة 272
حتى ارتاضت نفسي فأصبحتُ لا أخافُ شيئًا أبدًا إذا اعتزمتُ وأخلصتُ. وكنتُ أحدِّث إخواني وتلاميذي بالعَجَب الغريب من هذه الألطاف الربَّانية حتَّى أقوِّيَ فيهم روح الإخلاص والثقة بالله والتوكُّل عليه، وقد نجحتُ إلى حدٍّ بعيد والحمد لله. أبعد هذا الذي بلوته من أثر الإخلاص في هذا الزمن الطويل حتَّى أصبح طبيعة لي لا أستطيعُ التخلُّص منها أنبُذُ الإخلاصَ وأطرَحُه؟ أبعد أن شاب فؤادي وأتيتُ على الخمسين قضيتُها كلُّها في العمل لله وللمصلحة العامَّة أصبحُ مُستَخِفًّا بالأمَّة غيرَ مكترثٍ للمصلحة العامَّة؟ لا أظنُّك واجدًا من إخوانك من ضحَّى بعُمره كلِّه في سبيل أمَّته غيرك مثل الكاتب والشيخ أبي اليقظان، أمَّا بقيَّة الإخوان فما منهم إلاَّ من خرج للعمل والكسب، وإن كانوا كلُّهم للإصلاح سواعدَ وأعضادًا، وقوادمَ وخوافي، ما نَسَوا أمَّتهم في عملهم، حفظ الله الجميع.
إنَّ أخاك هذا قد حارب آباءَه وعشيرته وعمومته وخؤولته وشاقَّهم في سبيل الحقِّ وما طرَّ شاربُه (1)، وكان بدعًا من أترابه ولِدَاتِه (2) في ذلك، في وقت كانت العنصريَّةُ فيه أغلبَ على النفوس، وما رأى لنفسه ولا لقومه الذين ظلموا حظًا. فلمَّا أقام للعدل قِسطَاسَهُ وقوَّم للحقِّ قناته يُصبح أنانيًّا يقدِّم حظَّ نفسه، أو عنصريًّا يتعصَّب في الباطل لقومه؟
__________
(1) - طَرَّ: نبَتَ، طرَّ شاربُ الولد: نَبَتَ شَعرُه. (محمد جهلان)
(2) - التُّرْب (بالضم والكسر): المماثل في السِّن ذكرا كان أم أنثى، واللِّدَةُ: التِّرْبُ، وهو الذي وُلِدَ يومَ ميلادك. (محمد جهلان) (14/7)
صفحة 273
سيِّدي الشيخ: ثلاثين عامًا، أي وربِّي، ثلاثين عامًا كاملة غير منقوصة قضيتُها في مكافحة الاستعمار الغاشم في عقر داره، وأنا بين مَخالِبه وأنيابه، أقاوم جبروت أفظع حُكمٍ عرفه تاريخ الإنسان، وأنا تحت سلطانه وبين ماضغَيه، ما رمَيتُه بسهمٍ من بلدٍ قَصِيٍّ ولا قاتلتُه في قرية محصَّنة أومن وراء جُدُر. أقمتُ بين ظهراني أمَّتي أبعثُ فيها الحياة وأشيعُ النور، وأدفع بها دفعًا نحو المثُل العليا، وأذود عنها الأعداء وأدفع عنها العوادي (1)، وأضع الحجُب وأحوكُ الأستار لأُخفِيَ حركتها عن الأنظار، حتى إذا نَمَت عينٌ أو وشِيَ لسانٌ لجأتُ إلى التأويل، وانتحلتُ الأعذار، وأرخيتُ الشعرة، وداورتُ العاصفة وداريتُها، ثمَّ أمشي قُدُما في سبيلي، لا أعرف توقُّفا ولا سكونًا، كذلك أصنع طوال هذه المدَّة، حتَّى رأيتَ من الأثر ما رأيتَ وما أقلَّه، وشهدتَ له وباركتَه. ثلاثون عامًا مضت منذ بدأت اتِّصالاتي بالحكَّام لا أُفتَن في كلِّ عام منها مرَّة أو مرَّتين بل المرار العديدة، فما وُلِّي حاكمٌ في الإدارة العُليا لهذه المناطق ولا إدارة غرداية خاصَّة طوال هذه المدَّة إلاَّ كانت لي معه مقابلات فيها، ومناقشات ومجاملات وتهديدات، واتّهام ودفاع، يُحَلُّ بعضها في مكاتبهم، ويُرفَع البعضُ إلى المراجع العليا في الجزائر، وأحيانا إلى باريس، فأضطرُّ إلى الدفاع هناك، وما منهم إلاَّ مَن قدَّم تقارير سوداء ضدِّي فكُدِّست رُزَمًا فوق رُزَمٍ في مكاتب الولاية، وما زالت وما زالوا حتَّى ساعة كتابة هذه الأسطر. والله الذي لا ربَّ غيرُه ما نالوا منِّي شيئًا بفضل الله ولُطفِه، ولقد نلتُ منهم لأمَّتي الشيء الكثير. وإنَّهم ليرَونني أخطر شخصٍ على نفوذ فرنسا في هذه الديار، وينعتونني «بالمهيِّج الخطير».
__________
(1) - العوادي: الظلمُ والشرُّ، وعوادي الزمن: نوائبه ومصائبه. (محمد جهلان) (14/8)
صفحة 274
وكتبت بعضُ جرائدهم مرَّة بأحرفٍ بارزةٍ في صفحتها الأولى «لينين بوادي ميزاب»! ومرَّة أخرى عند تبدُّل السياسة «هتلر بوادي ميزاب»! (1) وهكذا ممَّا لا يُحصى. وغُرِّمت مرارًا وهُدِّدت بالنفي. وعُزِل قائدٌ مُصلح وسبَبُ عزله في تقريرٍ رسميٍّ قُدِّم إلى مجلس الدولة عند رفعنا القضيَّة إليه: «إنَّه صديقٌ مناصرٌ للمهيِّج الخطير عدوِّ فرنسا المسمَّى بيُّوض». وكان ممَّا لو ذهبتُ أعدِّده لكتبتُ سِفرًا كبيرًا ولقرأتَ فيه قصَّةً طريفة (2) عجيبة، ولو شئت لما ذهبت بك بعيدًا ولقصصتُ أطرف قصَّة في كفاحي للاستعمار الحاكم الخادع الذي ظاهره رحمةٌ وإنسانيَّة وباطنُه عذابٌ ووحشية، بدأت مناورته ومقدِّماته منذ ثلاث سنوات، ودخلت المعركةُ في طورها الحاسم منذ بضعة أشهر، والآن وأنا أكتب إليك هذه الرسالة حين حمي الوطيس، وإنَّ بشائر الانتصار قد بدت لنا، لكن الخصم لا يزال قويًّا عنيدًا لم يستسلم بعدُ.
__________
(1) - كانت جريدة «النجاح» ـ ولا سيما بين (1931 و1939) ـ أداة في يد الطرقيَّة والاستعمار، تكيل العداء لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكانت تعتبر الشيخ أبا اليقظان «نكبة على الأمَّة الميزابية»، وتصف أقطاب النهضة الإصلاحيَّة في ميزاب وعلى رأسهم الشيخ بيُّوض بأوصاف (هتلر) و (لينين)! (محمد جهلان).
(2) - الطَّرِيفُ: العجيب، والغريب، والنادر (محمد جهلان). (14/9)
صفحة 275
القضيةُ هي قضية احتكار المياه العميقة بجنوب الجزائر بما فيه ميزاب التي هي أخطر على الأمَّة من الحكم العسكريِّ ومنها الجنديَّة الإجبارية، لأنَّها استعبادٌ مرير للشعب واحتكارٌ دائمٌ لموارد حياته وأسباب عيشه وخنق لأنفاسه، والخصمان أحدُهما الإدارةُ العسكريَّة كلُّها من أصغر صغيرٍ إلى أكبر كبير تُظاهرها (1) إداراتٌ مختلفةٌ مدنيَّة قويَّة لها شركة في التملُّك والاستغلال من بينها أقوى إدارات الولاية العامَّة «إدارة الإنشاء والتعمير ومصلحة المياه». والخصمُ الثاني هو سَوَادُ الأمَّة الأعظم. ولكن من هذا المنازل المبارز؟ هو بيُّوض الذي نبَّه إلى الخطر وأهاب بالأمَّة أن تَهُبَّ للدفاع، وطاف مُدُنا وقرى يشرح الخطر ويُظهره وقد ظهر حقًّا دقيقًا خفيًّا. ثمَّ حمل راية الكفاح وكتَّبَ (2) أوَّل كتيبةٍ نزل بها إلى الميدان ليُنازل الخصم ويناوشه ويكسب الوقت، ريثما تجمع الأمَّة شملها وتُكتِّبَ كتائبَ أخرى، تلك هي «نقابة القرارة» التي أسَّسها بصفة قانونيَّة أوَّل هذه السنة السيِّد الهمام خبزي عيسى بن عمارة (3)
__________
(1) - تُظاهِرُها: تساعدها، والظهير: المعين والمساعد والمؤيِّد (محمد جهلان).
(2) - كَتَّبَ الكتائبَ: هيَّأها كتيبةً بعد كتيبة. والكتيبة: الفرقة من الجيش (محمد جهلان).
(3) - من رجالات القرارة، ومن رجال الحركة الإصلاحية بميزاب وبسكرة، (و: 1305هـ/1887م– ت: 1375هـ/15 جويلية 1955م). رجل أعمال سخي، وداهية سياسيٌّ خطير، لعب دورًا مهمًّا في اعتراف الحكومة الفرنسية بجمعية الحياة، وكان وكيلها لدى الدوائر الرسمية، وقام بعمل جبَّار في قضية المياه، وتُوِّج جهاده بإنجاز أول بئر ارتوازية بالقرارة. تنظر ترجمته الكاملة في: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، (قسم المغرب)، نشر جمعية التراث، غرداية، ط1، 1999، ج3، ص: 689 ـ 691. (محمد جهلان) .. (14/10)
صفحة 276
وبيُّوض بعد كفاحٍ شديد وتولَّى قيادتها ورئاستها، فنازلا بها الخصم اللدود شركة الاستغلال والاحتكار الإداريَّة، ولم تزل المعركة حامية. وقد قال الخبراءُ بفنون الحرب في هذا الميدان إنَّكم لا تَهزِمُون خصمكم ولا تظفَرُون برغبتكم حتَّى تؤسِّسوا في كلِّ قرية من قرى ميزاب السبعة نقابةً قانونيَّة للحفر والاستغلال، ثمَّ تجتمع السبعةُ في جامعةٍ نقابيَّةٍ تعمل متَّحدة في الميدان. وبحَّ صوتي في الدعوة إلى هذا، وما زالت سائرُ القرى تتعثَّر في أذيالها، لم تصنع شيئًا إلاَّ العطف فقد أتَمَّت تشكيل نقابتها بقيادة الشيخ سليمان (1). وهي بصدد تهيئة موادِّ الملف الذي تقدِّمه للحكومة للمصادقة القانونيَّة، إلاَّ أنَّ هيئاتٍ كثيرة في جميع القرى، وحتَّى بعض الجاليات في التلِّ، قدَّمت برقيات احتجاج ضدَّ شركة الاستغلال، كما رفض الناس شراء أسهُم هذه الشركة الاستعماريَّة، وقد بثَّت لها دعاية واسعة عريضة. واستعانت الإدارة عليها بأذنابها من الموظَّفين ومن الأغنياء والوجهاء المتزلِّفين ومن بعض العامَّة المنخدعين، وقد كان لنا في تلك الاحتجاجات وفي هذا الإعراض عن شراء الأسهم عونٌ كبيرٌ على الاستبسال والثبات في المقاومة.
__________
(1) - سليمان بن داود بن باسعيد، ابن يوسف: من رجالات العطف وعلمائها الكبار، من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كان كاتبًا خاصًّا للشيخ ابن باديس، (و: 1323هـ/1905م– ت: 1412هـ/28 ماي 1992م). مصلحٌ غيور، ومجاهدٌ وطنيٌّ وثائرٌ جسور، مؤرِّخٌ وكاتبٌ وباحث. كان يلقَّب «بشيخ الشباب وشابِّ الشيوخ». من مؤسِّسي جمعية النهضة بالعطف، ومن ركائز الثورة التحريرية في غرداية والجنوب ... تُنظر ترجمته الكاملة في: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، (قسم المغرب)، ج3، ص: 413 ـ 416. (محمد جهلان). (14/11)
صفحة 277
ولمَّا كان بيُّوض وحده في الميدان، وهو من عرفوه صلابة عودٍ لا تلين قناتُه، وزادَه قوَّة تكلُّمه باسم نقابة القرارة التي تضمُّ سبعمائة مشترك، وضاعف قوَّته اليوم نيابتُه بالمجلس عن الأمَّة كافَّة، توجَّهت أنظارُ الإدارة إليه، فقامت بكلِّ محاولة ممكنة لاستمالته، وعرضت عليه عضوية هذه الشركة بصفة رسميَّة على يد حاكم المنطقة نفسِه في مجلسٍ حافلٍ ضمَّ نحو الخمسين من سُراة الأمَّة وأعيانها في السابع من شهر مايو الماضي، وله فيها نفعُ نفوذٍ، ونفعٌ مادِّيٌّ كبيرٌ، لكن رفضتُ بإباءٍ وشَمَم، وصرَّحتُ بأنَّ هذه الشركة استعبادٌ للأمَّة وتعدٍّ على حقوقِها، ولستُ براضٍ عنها، ولا قابلٍ لها حتى أنخرط في إدارتها، وسأقاومها بكلِّ ما أوتيتُ من قوَّة. ثمَّ أعيدت المحاولة في الجزائر فرفضتُ فطلَبَتْ إليَّ فسخَ النقابة، أعني حلَّها، فامتنعتُ، ثمَّ انبريتُ لِمهاجمتها وهدمها والمطالبة بحقِّ الأمَّة في امتلاك مائِها أينما كان من طبقات الأرض، وقضيتُ بالجزائر شهرًا ونصف شهر، أيَّام اجتماع المجلس في مايو ويونيو، وأنا بين مختلف الإدارات والذوات (1) أكافح وأنافح، حتَّى أمام الوالي العام نفسِه. ولمَّا عدتُ إلى ميزاب في أوَّل يوليو لم أفتُر عن المنافحة بالكتاب، وقد بلغ التوتُّر اليوم بيني وبين الإدارة ومديريها بالعاصمة حدًّا لم يبلغه من قبلُ على ما أذكر، إلاَّ في حادثٍ خطيرٍ سنة 1933، وآخر في سنة 1941، ولا يزال مستمرًّا.
__________
(1) -الذواتُ: جمع ذَات، والذَّواتُ: الأَعْيَانُ، وأكَابِرُ القَوْمِ. (محمد جهلان). (14/12)
صفحة 278
وقد رُفِع ملفُّ قضيَّتنا إلى المراجع العليا ونحن واثقون بالنصر بإذن الله، لكنَّ الإدارة هنا ـ وقد أحسَّت بالخطر من فوقها ـ قد ابتكرت مساومةً جديدةً من نوعٍ بارعٍ لتَصِيدَنا به، وتستُر هزيمتها المحقَّقَة في أوَّل هذا الأسبوع، لكنَّنا تنبَّهنا للُّعبة فانفلتنا، وما ندري ما هي صانعةٌ، بَيْدَ أنَّنا ننتظر البشارة بالفوز كلَّ يوم.
أمَّا تفصيلُ هذه القصَّة وكشفُ الحجاب عن المكر الخفيِّ فيها وطريقتنا في الكفاح والحُجج التي دحضنا بها شُبَهَهُم التي زخرفُوها حتَّى انخدع لها كثيرٌ من الحاكمين والمحكومين، وما كان بيننا وبينهم من لفٍّ ودورانٍ وغير ذلك من لوازم الصراع في هذه الحروب الباردة، فلا يفي به إلاَّ مجلَّدٌ، ولو سجَّلناه جميعاً لقرأتَ فيه صفحة من أروع صفحات الجهاد في سبيل الأمَّة والوطن، ولستُ ـ وإن كنتُ أتحدَّث هنا عن نفسي ـ بباخسٍ حقَّ إخواني الذين هُم سواعدي وأعضادي، وهم عُدَّتي وعتادي في كفاحي وجهادي، أستمدُّ منهم القوَّة والرأي والمال، فأندفعُ بقُواهم جميعًا، فلَهُمُ الفضلُ في كلِّ حال. (14/13)
صفحة 279
وبعدُ؛ فهل آمنتَ أيُّها الشيخ أنَّ أخاك بيُّوض ليس ممَّن يبيع أمَّته بحظِّ نفسه، ولا ممَّن يتعشَّق الوظائف والمناصب والأوسمة والمال، ولو أرادها لكانت ـ والله ـ له كما أراد، ولا أذيعُ في هذا الشَّجن من الحديث أسرارًا لم يحن بعدُ أوانُ إفشائها. وإلاَّ فما الذي منعه من التوظُّف قبل اليوم؟ وكيف ينتظر ثلاثين عامًا هذا المجلسَ الذي لم يكن يعرف أحدٌ ولادَتَه قبل أن يُولد؟ أم كيف يزهَدُ في الوظائف أيَّام شبابه واكتهاله ووقت حاجته وقلَّة ماله، على تعرُّضها له واستعداده، حتَّى إذا نيَّفَ على الخمسين، وضعُفت مُنَّتُه (1)، وكلَّ بصره، ورزقه الله الكفاف، رغِب فيها وتحمَّل منها أوزارًا تنقُضُ الظهر وتقصف العُمر؟ ما أبعد هذا عن المعقول أيَّها الشيخ.
__________
(1) -المُنَّة: (بالضمِّ) جمعها: مُنَن، والمُنَّة: القوَّة. (محمد جهلان). (14/14)
صفحة 280
أمَّا دخولي في المجلس، فوالله الذي حرَّم الكذب وأوجب الصدق، فلا خَطَرَ ببالي قطُّ وأنا أدرس قضيَّة المشاركة، ولا أنا أحمل راية الدعوة إليها بعد اقتناعي بوجوبها، أن يجري اسمي على لسانِ أحدٍ عند عرض المرشَّحين، ووالله ما مرَّ بخاطري قطُّ وأنا أدرُس شخصياتنا وأَعُدُّ أسماء من أرتضيهم لهذا الكرسيِّ أنَّني سأُدعى إليه، حتَّى كان الأسبوعُ الأخير من فبراير، وقرَّر إخواني القائمون بالحركة بالجزائر ـ وأنا بميزاب ـ عقدَ مؤتمرٍ عامٍّ بالعاصمة في فاتح مارس يضمُّ شتات المفكِّرين من رجال الأمَّة من العمالات الثلاث، للبثِّ في قضيَّة المشاركة وتعيين المترشِّح، وإعداد العدَّة لخوض المعركة إن قرَّر المؤتمر الدخولَ، ثمَّ بثُّوا الدعوة إليه وأعددتُ أنا عدَّتي للسفر، وفي إحدى مكالماتي لبعض إخواني في التلفون سألني: من الذي أعددته للنيابة إنْ قرَّر المؤتمرُ المشاركة؟ فذكرتُ له أسماء ثلاثة أو أربعة، فقال لي: ولم لا يكون الشيخ بيُّوض؟ فقلت له والله بالحرف: دعكَ من الهُراء والمزح فالوقت وقتُ جدٍّ! فقال في لهجة صارمة: والله إنِّي لجادٌّ، وإنَّ هذه فكرة الأغلبيَّة من عِلية القوم وإنَّا والله غير عادلين عنها. فقلتُ: حرامٌ عليكم أن تشغلوني عمَّا أنا فيه مما خُلِقتُ من أجله، وأن تُلقوا عليَّ أثقالاً مع أثقالي التي أنوءُ بحملها، وأن تزجُّوا بي في هذا الأَتُون (1)، وإنِّي غير قابلٍ أبدًا فانظروا لأنفسكم. هنا انقطع الحديث.
__________
(1) -الأَتُونُ: الفُرْنُ الضَّخْمُ أو الموقِدُ الكَبيرُ، كَمَوْقِدِ الحمَّامِ وغيره. (محمد جهلان). (14/15)
صفحة 281
فلمَّا عُقد المؤتمر وقرَّر المشاركة، عيّن لجنة تتركَّب من اثني عشر للترشيح، فاجتمعت هذه وقرَّرت أن يكون الترشيح سرِّيًّا فلمَّا تُليَت البطاقاتُ ظهر ترشيحُ بيُّوض بأغلبية ساحقة، ثمَّ أجمع المؤتمر على الأمر، ولم يُقبل منِّي صرفًا ولا عدلا. فقبلتُ الأمر وحملتُ الأمانة، وما كان يسوغُ لي في مثل ذلك الموقف المتحرِّج من كلِّ جهةٍ أن أخذِلَ أمَّتي، ولا أن أفسح المجال للخونة والمنافقين وأنا أرى تكالُبَهم، وأخشى غائلتهم (1)، والإدارةُ جادَّة في تقديم أحدِ أبنائها من أصحاب البرانس الحمراء (2)، وقوَّة الخصم عتيدة، وهذه الدورة الحرجة بحاجة إلى شخصيَّة ثقيلة ترجح بها كفَّة الميزان، ولن تكون غير فلان.
وبعدُ؛ فقد رأيتَ أيُّها الشيخ أنَّه لم تستهوني فخفخةٌ ولا أبَّهةٌ ولا خُيلاء، ولم يَفتنِّي درهمٌ ولا دينار. فَشَلَّ الله قوَّةً عمِلَت لهذا وسَعَت إليه، ولكن وقفتُ حياتي على أمَّتي منذُ عرفتُ الحياة فلستُ مِلكًا لنفسي، بل مِلْكًا لأمَّتي، فلأَكُنْ حيث تريد أن أكون، ولأكُنْ فداءً لها من خزيٍ وذلٍّ وهوىً، لا أتقدَّم إلى مقام رغبة فيه ولا أتأخَّر عنه فَرَقًا منه (3)، ولستُ ممَّن يفرُّ من المسؤولية ويخاف من التَّبِعة، وعلى الله توكُّلي هو وليِّي، نعم المولى ونعم النصير».
__________
(1) - الغائلةُ: الفسادُ والشرُّ، أخشى غائلته: أخشى عاقبة شره (محمد جهلان).
(2) - يقصد موظفي الإدارة الفرنسية من الجزائريين، «القيَّاد» و «الباشاغاوات» الذين يشتهرون رسميًّا بلبس البرانيس الحمراء (محمد جهلان).
(3) - فَرَقًا: خَوفا (محمد جهلان). (14/16)
صفحة 282
الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش وجهوده الإصلاحية
أ: معمَّر بن العربي شعشوع
كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية
ــــ جامعة حسيبة بن بوعلي ـــ الشلف ــــ
mammar_ch02@live.fr
م
مقدمة:
يُعتبر الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش رائدًا من رواد الإصلاح في القرن الماضي، فقد كانت له مواقفُه من قضايا العالم العربي والإسلامي، وتناول عديد المسائل التي كانت مطروحة على المشهد السياسي والفكري بعد الحرب العالمية الأولى؛ كمسألة الاستعمار، والتخلُّف، والجمود، وتدني مستوى التعليم، وتشتُّت وحدة المسلمين، وكان قلقا على مستقبل العالم العربي والإسلامي في ظلِّ حالة التخلُّف وتكالب القوى الاستعمارية، وتناولَ هذه المسائل بعمقٍ في التحليل والتنظير في كتاباته وإسهاماته في الصحافة العربيَّة. ولعلَّ السؤال الذي يتوجَّب طرحه هنا: ماهي فلسفة الشيخ ومرجعيته الإصلاحيَّة؟ وهل هو مجدَّد للفكر الإسلامي؟ وماهي مدرسته ومنهجه الإصلاحي؟
وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة لا بأس أن نقدِّم ترجمة لهذه الشخصية، فمن هو الشيخ إبراهيم اطفيش؟ (15/1)
صفحة 283
ولد الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش بقرية (بني يزقن) بضواحي مدينة غرداية (الجنوب الجزائري) عام 1304هـ الموافق لعام 1886م، وسط عائلة علميَّة محافظة. نشأ وتربى في أحضانها، وكان من أبرز علمائها عمُّه قطب الأئمة امحمد بن يوسف اطفيش (1) « ... آخر من بلغ درجة الاجتهاد المطلق في ميزاب» (2). وحفظ القرآن وعمره إحدى عشر سنة، وتشبع بمسقط رأسه بمبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية (3)،
__________
(1) - هو أحد علماء بني يزقن، سُمِّي بالقطب لسعة علمه وتمكُّنه في العلوم الدينية، ولد عام 1237هـ، تكون تكوينا عصاميا بمسقط رأسه، اهتمَّ بالتدريس ونشر العلم بوادي ميزاب، سافر إلى المشرق العربي لأداء مناسك الحج، وزار في طريقه الحواضر العلمية كجامع الزيتونة بتونس، والأزهر بمصر. أهدى إليه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني نيشانا في إحدى المسابقات بين معاصريه، ترك ما يربو عن ثلاثمائة مؤلَّف، قام بتحقيق بعضها الشيخ إبراهيم اطفيش. توفي القطب عام 1332هـ/1914م. للمزيد العودة إلى كتاب: محمد علي دبوز، «نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة»، ج1، منشورات وزارة الثقافة، الجزائر، ط2007، ص80. والعودة كذلك إلى بكير بن سعيد أعوشت: قطب الأئمة أمحمد بن يوسف اطفيش، المطبعة العربية، الجزائر 1989م.
(2) - عبد الرحمن بن عمر بكلي (البكري): «مسيرة الإصلاح في جيل (1918ـ1948)»، مكتبة البكري، الجزائر، ط2004م، ص111.
(3) - جمعية التراث، «معجم أعلام الإباضية»، ج2، منشورات عالم المعرفة، الجزائر، ط2008، ص ص24، 25. للمزيد أيضا العودة إلى كتاب عبد الله بن محمد بوراس الناصري: «سبيل الخلود، أبو إسحاق إبراهيم اطفيش»، مطبعة الشهاب، الجزائر (قسنطينة)، ط1965م، ص 7 .. (15/2)
صفحة 284
ثم انتقل إلى العاصمة وتتلمذ على يد الشيخ عبد القادر المجاوي (1).
__________
(1) - ولد عبد القادر المجاوي بمدينة تلمسان عام 1267هـ/1848م، أتم دراسته بمدينة فاس و طنجة وجامع القرويين بالمغرب الأقصى، عاد إلى الجزائر بعد أداء مناسك الحج، وتولى التدريس بقسنطينة، ثم انتقل إلى العاصمة للتدريس بالمدرسة الثعالبية، وعين أيضا إماما خطيبا بجامع سيدي رمضان بالجزائر العاصمة، عرف بسعة علمه حيث وصفه أحد تلامذته بن أبي شنب بأنه «صاحب المعارف الواسعة»، ينتمي المجاوي لمدرسة الشيخ محمد عبده، ترك العديد من المؤلفات في اللغة والنحو والشريعة الإسلامية، للمزيد العودة إلى كتاب: محمد علي دبوز، «نهضة الجزائر» /ج01، ص82 و ما يليها. (15/3)
صفحة 285
وفي عام 1336هـ (1917م) انتقل إلى تونس لإتمام الدراسة بجامع الزيتونة (1)، ونال إعجاب شيوخه لتفوُّقه وسعة علمه، ثم انضمَّ إلى صفوف الحركة الوطنية التونسية، فكان عضوا بارزًا في اللجنة المركزية «للحزب الدستوري التونسي» الذي كان يتزعَّمه الشيخ عبد العزيز الثعالبي (2).
__________
(1) - الملاحظ أنَّ هجرة العلماء خلال هذه المرحلة كانت قصريَّة تداخلت فيها العديد من العوامل السياسية والعلمية والاقتصادية، فقد تعرَّضوا لضروب من المضايقات والمتابعة من السلطات الاستعمارية بسبب مواقفهم المعارضة لسياسة فرنسها وقوانينها الجائرة، ومنع حرية التعبير، كما أن هجرة العلماء إلى تونس أو بلاد المشرق العربي كان لسبب دراسي وعلمي بحت لانعدام مؤسَّسات تعليمية، كجامع الزيتونة بتونس، والأزهر الشريف بمصر، والحجاز، وغيرها من الجامعات الإسلامية. للمزيد عن هذا الموضوع انظر: خير الدين شترة، «الطلبة الجزائريون بجامع الزيتونة (1900 - 1956)» ج1، دار البصائر، الجزائر، ط2009، ص23.
(2) - الثعالبي من أصول جزائرية، ولد عام 1293هـ/1876م بتونس، ويعتبر أحد زعماء الإصلاح في القرن العشرين، وزعيم سياسي ناضل رفقة زعماء المغرب والمشرق العربيين للتخلص من ربقة الاستعمار، أسَّس الحزب الدستوري عام 1920م، ثم نفته السلطات الاستعمارية من تونس عام 1923م، وبقي يناضل خارج وطنه إلى أن عاد إليه عام 1937م، شارك في المؤتمر الإسلامي بالقدس عام 1931م، وعرف بنشاطه الصحفي وكتب في عدَّة صحف عربية، توفي عام 1944م، للمزيد العودة إلى كتاب صالح خرفي: «عبد العزيز الثعالبي من أثاره وأخباره»، دار الغرب الإسلامي، بيروت. ط1995م. (15/4)
صفحة 286
كما كان يشرف على البعثات الطلابية الميزابيَّة بتونس رفقة صديقه الشيخ إبراهيم حمدي أبي اليقظان (1)، وساهم أيضا في الكتابة على أعمدة الصحافة التونسية، وناهض السياسة الاستعمارية في الجزائر وأقطار المغرب العربي، الشيء الذي أقلق السلطات الفرنسية التي قرَّرت نفيه من تونس إلى مصر عام (1342هـ/1923م)، وهي نفس الفترة التي نُفي فيها الأمير خالد الجزائري (2) والشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي كانت تربطه بهما علاقات العمل والنضال السياسي.
__________
(1) - هو الشيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان، ولد بمدينة القرارة عام 1306هـ/1888م، تتلمذ على يد الشيخ القطب أمحمَّد بن يوسف اطفيش، سافر إلى تونس عام 1912م وواصل دراسته بجامع الزيتونة، وانخرط في الحزب الدستوري الحر، عاد إلى الجزائر وأصدر مجموعة من الصحف العربية الجزائرية. انضمَّ إلى جمعية العلماء المسلمين وأصبح عضوًا بارزا في إدارتها. ترك العديد من المؤلفات أهمها «ديوان أبي اليقظان» و «سليمان الباروني باشا في أطوار حياته» و «سلَّم الاستقامة» و «إرشاد الحائرين» ومؤلفات أخرى في تفسير القرآن وغيره. للمزيد طالع معجم أعلام الإباضية، مجموعة باحثين ج02.
(2) - ولد الأمير خالد عام 1292هـ/ 1875م بدمشق، تلقَّى تعليمه الأول بمسقط رأسه ودرس اللغتين العربية والفرنسية، ثم واصل دراسته بباريس فانضم إلى الكلية الحربية الفرنسيَّة وتخرج منها عام 1897م، بدأ نشاطه السياسي في الحركة الوطنية وتصدَّى لدعاة الاندماج، وأسَّس جريدة الإقدام عام 1920م، نفته السلطات الاستعمارية من الجزائر عام 1923م، واستقر بمصر وضلَّ يناضل من أجل القضية الجزائرية والقضايا المغاربية، ويعتبره الدكتور أبو القاسم سعد الله مؤسِّس الحركة الإصلاحية بالجزائر، توفي عام 1936م. للمزيد العودة إلى كتاب أبو القاسم سعد الله: «الحركة الوطنية الجزائرية». (15/5)
صفحة 287
وعندما نزل بأرض مصر ربط علاقات الصداقة والعمل مع أبرز أعلام المشرق العربي، فكان على اتصال بمحبِّ الدين الخطيب (1) صاحب مجلَّة الفتح، ومدَّ له يد المساعدة لتأسيس مجلَّة المنهاج عام1344هـ (1925م) التي كانت تطبع بالمطبعة السلفية، كما كان عضوا في «جمعية الشبان المسلمين» وجمعية «الرابطة الشرقية» التي كانت تضمُّ في صفوفها العشرات من المثقفين المشارقة والمغاربة (2).
__________
(1) - ولد محبُّ الدين الخطيب بدمشق عام 1304هـ/1886م من أسرة علمية، درس وتتلمذ على يد الشيخ الطاهر الجزائري، وهو مفكِّر وزعيمٌ سياسيٌّ كبير، أسَّس بالقاهرة المطبعة والمكتبة السلفيَّة، وأصدر مجلتي «الزهراء» و «الفتح». تولَّى الإشراف على مجلَّة المنهاج للشيخ إبراهيم اطفيش وتحريرها في بعض فتراتها، وتحرير مجلة الأزهر الشريف. شارك في أنشاء جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة، توفي عام1389هـ/1969م. للمزيد العودة إلى كتاب محمد عبد الرحمن برج: «محبُّ الدين الخطيب ودوره في الحركة العربية»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1990م.
(2) - يبدو أنَّ الشيخ إبراهيم اطفيش لم ينضمَّ إلى جمعيات وتنظيمات مغربية أخرى كجمعية الدفاع عن إفريفيا الشمالية التي تأسست في 18/ 02/1944 بالقاهرة على أيدي نخبة جزائرية ومغربية مهاجرة، كالشيخ محمد الخضر حسين والفضيل الورتلاني، ولم ينضمَّ إلى مكتب المغرب العربي الذي تأسَّس عام 1947م، ربَّما لانشغاله بالتحقيق والتأليف منذ التحاقه بدار الكتب المصريَّة، عن هذه الجمعيات راجع كتاب الفضيل الورتلاني: «الجزائر الثائرة»، دار الهدى للطباعة والنشر، الجزائر، ط2007م، ص254 وما يليها. (15/6)
صفحة 288
وشارك في المؤتمر الإسلامي بالقدس عام 1350هـ (1931م)، ودافع عن القضية الفلسطينية، وندَّد بسياسة الاحتلال الإيطالي بليبيا، ودعا المسلمين إلى الوحدة لمواجهة القوى الاستعمارية، وأوكلت له مهمَّة الإشراف على لجنة الجامعة والثقافة ضمن فعاليات المؤتمر الإسلامي (1).
في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي شغلته القضية العُمانية، وسافر إلى الأمم المتحدة للمطالبة باستقلالها (2)، وعرض قضيتها في المحافل الدولية لما كان يمتاز به من حنكة سياسيَّة، كما سافر إلى زنجبار بشرق إفريقيا (تانزانيا)، وكان له نشاط مكثَّف هناك في المجال الدعوي والإصلاحي.
أصيب الشيخ بمرض ألزمه الفراش بعد إجراء عملية جراحية، واشتدَّ عليه المرض فوافته المنية - رحمه الله - عام 1385هـ (1965م)، ووري الثرى بالقاهرة، وحضر جنازته جمع غفيرٌ من زعماء المشرق العربي وأعلامه.
ترك الشيخ مؤلفاتٍ غزيرة؛ منها مقالات متنوعة في «مجلة المنهاج»، وكتاب «الدعاية إلى سبيل المؤمنين»، وكتاب «الصوم بالتلفون والتلغراف»، رسالة «الفرق بين الإباضية والخوارج»، وكتاب «النقد الجليل في العتب الجميل»، رسالة «عُمان الإباضية» ... وغيرها.
كما له مؤلفات مفقودة لم ترى النور إلى يومنا هذا وهي في حكم النسيان أو الإهمال بالمشرق العربي؛ كتفسير الفاتحة، وتأويل المتشابه، وغيرها من المؤلفات.
1 - ظروف نشأة الحركة الإصلاحية بميزاب:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) - محمد ناصر: «الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي»، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، ط1991م، ص54.
(2) - عادل نويهض: «معجم أعلام الجزائر»، مؤسسة نويهض الثقافية، بيروت، ط1403هـ/1983م، ص19. (15/7)
صفحة 289
كان التخلُّف والجهل سمةً عامةً تطبع المجتمع الجزائري منذ نهاية القرن التاسع إلى بداية القرن العشرين، وكانت السلطات الاستعمارية بسياستها وأساليبها تحاول تكريس هذا الواقع باستمالة بعض أصحاب الطرق الصوفية للسيطرة على عقول البسطاء من عامَّة الناس، ومن ناحية أخرى تشجيع النخبة الجزائرية للإقبال على التعليم والثقافة الفرنسية (1).
ولاشك أنَّ الظروف الاجتماعية والتعليميَّة للشعب الجزائري خلال هذه المرحلة كانت صعبة جدًّا؛ فقد اندهش أحد أعلام المشرق العربي محمد فريد بك (2) عندما زار الجزائر بداية القرن العشرين من سياسة التضييق على التعليم في الجزائر، وكان الطلبة والعلماء يواجهون صعوباتٍ جمَّة في الدراسة والتنقل، ومما ضاعف من معاناتهم أيضا فرض قانون التجنيد الإجباري، وخضوع مناطق الجنوب الجزائري لنظام الحكم العسكري والقوانين العرفيَّة.
__________
(1) - ابن عمر الحاج موسى بن بكير: «الحركة الإصلاحية في ميزاب تحت مجهر الإدارة الاستعمارية»، دورية الحياة، العدد10، الجزائر، 1427هـ/2006، ص73.
(2) - محمد فريد بك، مؤرِّخ وسياسي مصري كبير، شارك في الحركة الوطنية المصرية، ترأَّس الحزب الوطني بمصر، ودافع عن القضايا القومية العربية، من أشهر مؤلفاته كتاب: «الدولة العلية العثمانية». (15/8)
صفحة 290
وإلى غاية الحرب العالمية الأولى، كانت مبادرات الإصلاح بالجزائر محدودة، إلاَّ أنها كانت واعية بأهميَّة الدفاع عن مقومات الشعب الجزائري ومقاومة مخططات الاستعمار الفرنسي؛ نذكر على سبيل المثال قلم وصوت «عمر راسم» (1) صاحب جريدة «ذو الفقار» في الدفاع عن حقوق الشعب الجزائري وكشف نوايا السلطات الاستعمارية، وكان ساخطا على أوضاع الجزائريين، وأنَّ الفساد الأخلاقي والاجتماعي انتشر في المجتمع و «أنَّ الجزائري هو آخر الآدميين فقرًا وجهلا» (2).
__________
(1) - ولد عمر راسم بمدينة الجزائر عام 1300هـ/1883م، تعلَّم اللغتين العربية والفرنسية، يُعتبر من أول الرسَّامين الجزائريين، مارس الصحافة في سن مبكرة، وأصدر جريدة الجزائر عام 1908م، ثم أصدر جريدة الفاروق عام 1913م، كان يوقع مقالاته باسم مستعار «ابن منصور الصنهاجي»، وهو من المتأثرين بمدرسة الشيخ محمد عبده الإصلاحية، وبسبب مواقفه المناهضة للاستعمار الفرنسي والحركة الصهيونية صادرت قوات الاحتلال جريدته وزج به في السجن، ثم أفرجت عنه بعد الحرب العالمية الأولى، لكنه اعتزل الصحافة وبقي يعمل كفنان رسام إلى أن توفي - رحمه الله - عام 1379 هـ/1959م، للمزيد العودة إلى كتاب: محمد ناصر: «عمر راسم المصلح الثائر»، الطباعة الشعبية للجيش، الجزائر، ط2007.
(2) - توفيق مزاري عبد الصمد، «أهمية الإصلاح وعوامله في الجزائر»، ملتقى دولي حول عمر راسم، قصر الثقافة، الجزائر، يومي 14/ 15فيفري 2009، منشورات مخبر البناء الحضاري للمغرب الأوسط، جامعة الجزائر 2، ص94. (15/9)
صفحة 291
إلى جانب ذلك ظهرت إسهامات «جمعية الصديقية» التي أنشأت أول مدرسة نظامية عصرية عام1331هـ (1913م) بتبسة، برئاسة الشيخ «عباس بن حمانة»، وكان يساعده بالدعم المادي والتأييد بعض الشخصيات والتجار الميزابيين بمدينة تبسَّة، وكانت هذه المدرسة تقدِّم تعليما عصريا من علوم نقلية وعقلية كالتاريخ والجغرافيا والرياضيات والرياضة البدنية واللغات الأجنبية، وكانت ينظمُّ إليها طلبة المنطقة وكثير من أبناء الميزابيين المتوجهين إلى هناك من عمق الصحراء الجزائرية (1).
ورغم قصر عمر هذه المدرسة التي لم تدم إلاَّ حوالي ستة أشهر، حيث أغلقتها السلطات الاستعمارية وجمَّدت نشاط الجمعية، إلاَّ أنها ساهمت في توعية الشباب الجزائري وتثقيفه، بل يمكن أن نعتبرها النواة الأولى لنشأة الحركة الإصلاحية في التعليم لدى الميزابيين.
ولعبت بعض الشخصيات الميزابية مجهودات كبيرة في بعث الحركة الإصلاحية ونخص هنا بالذكر الشيخ أبا إسحاق الذي عاصر هذه الأحداث بعد الحرب العالمية الأولى، ووقف بإسهاب على حالة التفكُّك والضعف الذي أصاب المجتمع الجزائري بصفة خاصَّة والعالم العربي والإسلامي بصفة عامَّة، في ظل السيطرة والهيمنة الاستعمارية مشرقا ومغربا. وساهمت هذه الأخيرة في تعميق حالة التخلف والتقهقر، وأفرزت تناقضات اجتماعية وثقافية داخل المجتمع الجزائري.
2 - فلسفة الشيخ أبي إسحاق الإصلاحية:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) - ابن عمر الحاج موسى بن بكير، مرجع سابق ص75. (15/10)
صفحة 292
حاول الشيخ أبو إسحاق استنباط أسباب مظاهر التخلُّف والأزمات التي أصابت حالة المجتمع الإسلامي، انطلاقا من واقع المجتمع الجزائري الذي عاش فيه، وتقلب في أحواله، وفي نظره أنَّه لا يمكن فهم الأبعاد الحقيقية لهذه الأزمة المتعدِّدة المظاهر والأوجه دون العودة إلى التاريخ وفهم أسراره، حيث لاحظ أنَّ الأمة الإسلامية كانت قوية في أزهى عصورها، وبلغت حضارتها مشارق الأرض مغاربها «زاهرة مغتبطة تعنو لإرادتها الأمم الأخرى وتقتبس من أنوارها وتأنس لجوارها» (1)، وأن هذا المجد الحضاري الذي بلغته الأمة الإسلامية يعود إلى اهتمامها بمختلف العلوم النقلية والعقلية، والتي ألحَّ عليها الدين الإسلامي على اعتبار أنَّ القرآن والسنَّة مرجعية المسلمين يحثان على العلم والأخذ بأسباب المعارف، وانفتاح المسلمين على مختلف الشعوب كذلك واقتباسهم من الحضارات الأخرى.
__________
(1) - إبراهيم اطفيش: «الدعاية إلى سبيل المؤمنين»، تقديم الحاج بن أحمد كروم، الجمعية الثقافية القطبية، غرداية، ط1431هـ/2010م، ص12. (15/11)
صفحة 293
لكن حين ضعفت الأمَّة الإسلامية وذبلت حضارتها، أصبحت أكلة سائغة بين أنياب الأعداء يتربصون بها، فآلت إلى الانحطاط والهمجية. والأخطر من هذا يرى الشيخ أبو إسحاق أنَّ الجهل تفشَّى في المجتمع الجزائري على وجه الخصوص، حيث كثر السذاج من المرابطين وأصحاب الطرق الصوفية الذين يدَّعون أنهم يدافعون عن الدين، لكنهم في حقيقة الأمر يستغلُّون عقول البسطاء وعامَّة الناس لتحقيق امتيازات ومنافع مادية من السلطات الاستعمارية الفرنسيَّة، وذكر الشيخ أنَّ أحد دعاة التخلُّف من هؤلاء المرابطين تحفَّظ على ذكر اسمه نشر رسالة بين عامَّة الناس، ضمَّ فيها مجموعة من الأقوال الباطلة، مزج فيها بين الحق والباطل، والغثِّ والسمين، كمحتطب في الليل (1) ... وتتلخَّص هذه الأقوال والأفكار الباطلة في ذمِّ العلوم الفلسفيَّة مطلقا، والعلوم العصرية، والأسلوب العصري في التعليم، والحكم على رجال النهضة والإصلاح بالضلال ... الخ.
ولاشك أن الشيخ أبا إسحاق وجد معارضة شديدة من خصومه المعارضين لدعوته ومنهجه الإصلاحيِّ، حيث انتقد هؤلاء واعتبرهم عقبة في تقدم المجتمع الجزائري، وسبب التخلف الذي آل إليه بنو جلدته من بني ميزاب بغرداية، وأصيب المجتمع بأمراض الجمود والخمول. لهذا اضطرَّ إلى مغادرة مسقط رأسه متجها إلى العاصمة في مرحلة مبكرة، حيث تلقى مختلف العلوم العصرية على رجال العلم والإصلاح، وعلى رأسهم الشيخ عبد القادر المجَّاوي أحد المتأثرين بمدرسة الشيخ محمد عبده.
وبعد سنوات قليلة من مكوثه بالعاصمة انتقل إلى تونس عام1336هـ (1917)، وحمل معه بذرة الفكر الإصلاحي من الجزائر، وينضج فكره ويتعمَّق أكثر بجامع الزيتونة، حيث درس على يد ثلة من العلماء الذين لهم باع طويل في العلوم النقلية والعقلية كالشيخ طاهر بن عاشور والشيخ النخلي.
__________
(1) - نفس الصدر السابق، ص9. (15/12)
صفحة 294
وأثنى الشيح عبد الحميد ابن باديس أثناء زيارته لتونس عام 1921م على الطلبة الميزابييِّن، وحرصهم الشديد في الإقبال على العلوم العصريَّة في جريدة «النجاح» تحت عنوان: «نهضة جزائرية بالحاضرة التونسية» جاء فيها ما يلي: « ... وهاهم أولاد إخواننا الميزابية سرى فيهم شعورٌ صحيحٌ فولعوا بالتقدُّم، فأخذوا يتمسَّكون بأسبابه بجدٍّ واجتهاد ... الذي يجمع بين العلوم الدينية والدنيوية ... » (1). وهذه الشهادة من زعيم الحركة الإصلاحية في الجزائر لها أكثر من دلالة؛ فهي أولا تعني اهتمام الطلبة الميزابيين بالعلم والفكر، الشيء الذي جعلهم ينتظمون في شكل بعثاتٍ علميَّة مؤطَّرة من علماء ومصلحين أكفَّاء، ثانيًا تعني هذه الشهادة أيضًا التمسُّك بالحركة الإصلاحية وتمجيد العقل، والانفتاح على العلوم العصرية، والثورة على المناهج العلميَّة التقليدية المحصورة في الزوايا، والتي احتكرها بعض المحافظين بدعمٍ من سلطات الاحتلال الفرنسي بالجزائر.
ومكَّنته مشاركتُه السياسيَّة في الحركة الوطنية بتونس من اكتساب تجربة النضال السياسي والإصلاحي، ذلك أنَّ ظروف النشاط متاحة بهذا البلد الشقيق الذي يتوفر على قدر من حريات التعبير السياسي والفكري لما كانت تتمتَّع به في ظل نظام الحماية، عكس الجزائر التي تخضع لاستعمار مباشر وفرض قوانين استثنائية على الجزائريين (2) ورقابة مشددة على نشاط النخبة الجزائرية.
__________
(1) - نقلا عن خير الدين شترة: «الطلبة الجزائريون بجامع الزيتونة (1900 - 1956)»، ج1، دار البصائر، الجزائر، ط2009، ص23.
(2) - Charle Andres JULIEN, } Histoire de l’Algérie contemporaine (1827 - 1871) } , casbah édition, Algérie, ed 2005, p 227. (15/13)
صفحة 295
وحمل الشيخ معه آلام المجتمع الجزائري وآماله، وكتب في عديد الصحف التونسية يستنهض هِمَم الجزائريين، ويناهض سياسة الاستعمار الفرنسي وأساليبه في قمع حرية التعبير وضرب مقوماته الشخصية، كما شنَّ حملة واسعة على دعاة الجمود والتخلف من المرابطين حيث وصفهم بالرجعييِّن المعارضين لمنهجه الإصلاحي.
ويبدو أنَّ منهج عمله يقوم على المواجهة المباشرة مع الاستعمار الفرنسي وحلفائه من المرابطين الرافضين لحركة الإصلاح وتحديث المجتمع الجزائري، لهذا كان يكتب على أعمدة الصحافة التونسية والمشرقية، والذي يطالع «مجلة المنهاج» التي أسَّسها الشيخ أبو إسحاق يقرأ الكثير من المقالات في فضح الاستعمار؛ عكس جمعية العلماء المسلمين التي آثرت عدم الخوض في المسائل السياسية، أو الدخول في مواجهة مباشرة مع سلطات الاستعمار الفرنسي.
كما أن كتاب «الدعاية إلى سبيل المؤمنين» الذي انتهى من تأليفه الشيخ عام1342هـ (1923) م يجيب فيه على أزمة التخلُّف وأسبابها التي تضرب أطناب المجتمع الجزائري، وبعمقٍ من التحليل والفهم يقدم البديل ضمن مشروع متكامل لتحقيق النهضة العلمية والحضارية لمواكبة الغرب.
وتقوم فلسفته الإصلاحية في جوهرها على تمجيد العقل وفروعه المعرفية، من منطق وفلسفة، والاقتباس من الحضارة الغربية لتحديت المنظومة التعليمية والاقتصادية، مع مراعاة الخصوصية الحضاريَّة والدينيَّة للمجتمع الجزائري.
وبشيءٍ من التفصيل فإنَّ منهجه الإصلاحي يقوم على محورين أساسيين:
أولا: إصلاح المنظومة التعليميَّة ومحاربة الجمود والتخلف، ثانيا: المحافظة على وحدة المسلمين.
أ- إصلاح المنظومة التعليميَّة: (15/14)
صفحة 296
يقوم مشروع إصلاح المنظومة التعليمية على عنصرين أساسييَّن؛ أولا تربية الشباب المسلم وثانيا عصرنة التعليم، فبالنسبة للعنصر الأول يلحُّ الشيخ على أهمية تربية الشباب المسلم وتقوية الشعور الديني في شخصيتهم، وأنه لا حياه للمسلم إلا بدينه، «ولا سعادة إلاَّ بالتمسُّك بأهداب تربيته الفاضلة والتحلي بأخلاقه الطاهرة التي بها يكون المرء فائزا في الحال والمال» (1)، ومن بين الخصال التي يجب أن يتحلى بها الشباب الصدق والإخلاص والأمانة والوفاء والعفة، وغيرها من الصفات الحميدة التي تضمَّنها القرآن الكريم والسنَّة النبوية، وهي خصال تمسك بها الأولون من الصحابة والتابعين وعضوا عليها بالنواجد (2).
كما اعتبر هذه الأخلاق الإسلاميَّة خصالاً جوهرية تبنى عليها شخصية المسلم وإعداده لتحمُّل هموم الحياة ومصاعبها، وبالتالي مواجهة مخاطر المستقبل وتحديات العصر، وأنه متى تمسَّك المسلمون بمبادئ دينهم فإنَّ الغزو الثقافيَّ لا يعصف بشخصيتهم وكيانهم، وما أحوج شبابنا اليوم إلى مثل هذه المبادئ والمنهج التربوي الذي دعا إليه الشيخ في مناسبات عديدة.
ولاشكَّ أنَّ الشيخ يتقاطع مع شيوخ جمعية العلماء المسلمين في المنهج التربوي الذي عملت على ترسيخه في أبناء المجتمع الجزائري، وأنشأت لهذا الغرض العديد من المدارس لتعليمهم الدين الإسلامي واللغة الغربية، وهو نفس الهدف الذي كان يسعى إليه الشيخ أبو إسحاق، غير أن ظروفه ووسائله لم تسمح له بتحقيق هذا البعد التربوي، وكان يرى في ميدان الصحافة والتأليف وسيلة لتوعية الجزائريين بأهمية هذا الجانب الحيوي ليلقى صداه داخل الأسرة والمجتمع.
__________
(1) - إبراهيم اطفيش: «الدعاية إلى سبيل المؤمنين»، مرجع سابق، ص15
(2) - نفس المصدر السابق، ص16. (15/15)
صفحة 297
كما كان الشيخ يخشى على الشباب الجزائري من الاندماج في المجتمع الفرنسي، والانبهار بالحضارة الغربية التي روَّج لها دعاة الاندماج غداة الحرب العالمية الأولى، وبالتالي ينسلخ هؤلاء الشباب عن هويَّتهم وانتمائهم العربي الإسلامي، فكان يردُّ بقوة على أنصار الاندماج بقوله « ... نريد مجاراة العاملين الذين هم أكبر مثال محسوس في الشعب، لا الاندماج في غيرنا أو التفصي من المبادئ الصحيحة الممتزجة بدمائنا ... » (1).
وينبِّه من مخاطر الاستلاب الثقافي الذي يروِّج له هؤلاء بدعوى الحصول على الحقوق السياسيَّة والمدنيَّة على قدم المساواة مع المستوطنين الفرنسييِّن، ونادى بذلك أنصار الاندماج بزعامة «بن تهامي» و «بوضربة» وأنَّه لا مانع من التجنُّس بالجنسية الفرنسية بغض النظر عن الأحوال الشخصية للجزائريين، وشكلوا ما يسمى «برابطة العمل الفرنسية الإسلامية» منذ شهر جويلية 1919م (2)، مما يؤدِّي إلى الذوبان في المجتمع الغربي والانبهار بمظاهر الحضارة الغربية التي تقوم على مبادئ علمانية بحتة وإبعاد الدين الإسلامي عن شؤون الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية.
لهذا فإن الدين الإسلامي ـ في نظر أبي إسحاق ـ هو نظام شامل لكل شؤون حياة المسلمين في الدنيا والآخرة، ولا يمكن فصل السياسة عن الدين ولا تنافيه «بل هي داخلة ضمن تعاليمه الحيوية، هي رعاية الحقِّ والسعي وراءه بعقل وحكمة، أو قل السياسة رعاية العدل والنظام ونشر الإسلام» (3).
__________
(1) - نفسه، ص17.
(2) - جمال قنان: «قضايا ودراسات في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر»، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر، ط1994م، ص182.
(3) - إبراهيم اطفيش: «الدين والسياسة»، مجلة المنهاج، العدد01، محرم1344هـ/1925م، م1، ص66. (15/16)
صفحة 298
ويرى الشيخ أنَّ نجاح الأمم وبلوغها أوج الحضارة متوقِّف على مدى محافظتها على هويَّتها وخصوصيَّتها الحضارية، وتنافس الأمم في نشر ثقافتها ولغتها حتى تتبوَّأ مركز القيادة والريادة «أفلا يكون لنا في ذلك عبرة؟» (1). ومن ثمة فمن واجب المسلمين المحافظة على هويتهم ومبادئهم و «إحياء ما اندرس منها وعليها نحيا ونموت، تلك المبادئ الصادقة التي استمات في سبيلها رجال جهابذة وأعلام كرام» (2). ومن واجب العقلاء والمخلصين في المجتمع الاهتمامُ بإحياء التراث العربي الإسلامي، وتلقينه للناشئة لتقوية العنصر الديني والقومي فيهم.
أمَّا العنصر الثاني في الفكر الإصلاحي للشيخ أبي إسحاق يتعلَّق بتحديث المنظومة التعليمية، ذلك أنَّ الأمَّة العربية تمرُّ بأزمة تخلُّف خطيرة متعدِّدة الجوانب والأبعاد، فهي غير قادرة على مواكبة تحديات العصر، مما جعلها في تبعيَّة مستمرة للغرب وعاجزة عن تحقيق ما يسمى بالاكتفاء الذاتي وتوفير أدني الحاجيات كالإبرة مثلا التي تُستورد من خارج البلاد، حتى ظن البعض على أنَّ المسلمين غير قادرين على الإنتاج والإبداع، وروَّجت السلطات الاستعمارية لهذه الفكرة واحتلوا الشعوب المستضعفة بحجَّة عمارة الأرض وتحضير الشعوب المتخلِّفة، فعندما احتلت فرنسا الجزائر عام1246هـ (1830م) اعتبرت الشعب الجزائري بدون تاريخ ولا حضارة، وروَّج للدعاية الاستعمارية أيضا أنصارُ الجمود والتخلُّف من بعض المرابطين وأصحاب الطرق الصوفيَّة، حين ظنَّ هؤلاء أنَّ الاستعمار الغربي قدرٌ محتومٌ على الشعب الجزائري ولابدَّ من الاستسلام لفرنسا والإيمان بالقضاء الإلهي.
__________
(1) - نفس الصدر السابق، ص16
(2) - نفسه، ص17. (15/17)
صفحة 299
وإصلاح المنظومة التربوية ـ في نظره ـ يرتكز على تطوير مناهج التعليم التي لا تتماشى ومتغيرات العصر، ذلك أنَّ التعليم التقليدي المنحصر في الزوايا ودور العبادة أضحى لا يواكب متطلَّبات العصر، في ظل العزوف عن العلوم العصرية كالفلسفة والكيمياء والرياضيات والفيزياء والكيمياء والمنطق وغيرها من العلوم الإنسانية والتجريبية.
وكانت هذه العلوم الحديثة في نظر بعض المحافظين من أصحاب الطرقيَّة والمرابطين مظهرًا من مظاهر الإلحاد أو الشرك، واندلعت معركةٌ قويَّة بينهم وبين علماء الإصلاح، وكان قلمُ الشيخ أبي إسحاق في مواجهة هؤلاء الذين تخلَّفوا عن ركب الحركة والتقدُّم وأصابهم الجمود والتخلُّف.
لهذا كان يرى أنه من الضروري الاعتماد على العلوم الحديثة وعلى رأسها الفلسفة مثلا، و «التي لاوجود لها في البرامج الدراسية ... وعلى أنَّ الفلسفة الصحيحة حرم منها معاهد التعليم الإسلامي بهذه الأرجاء، والحال أنها من أجلِّ الفنون التي توصل الإنسان إلى المدارك السامية والوقوف على الحقائق والأسرار الكونية» (1). ويضيف «على أنَّ الذين يظنون أن الفلسفة تسيء للعقيدة فهذا وهم، بل على العكس من ذلك فهي التي تبحث في العلل وحقائق الأشياء، وهي من العلوم النافعة التي حث عليها القرآن الكريم استنادًا إلى قوله تعالى ژ ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ?? ژ (2).
__________
(1) - نفسه، ص21.
(2) - سورة البقرة، الآية 269. (15/18)
صفحة 300
وأفاض في التنويه بأهميِّتها، حيث استدلَّ بأقوال الكثير من العلماء الذين اهتموا بالفلسفة وفروعها المعرفية، كالإمام الجيطالي (1) الذي اعتبر المنطق من فنونها، كما حذا حذو الشيخ السالمي (2) والوارجلاني (3) في هذا المجال.
__________
(1) - هو إسماعيل بن موسى الجيطالي، يرجع نسبه إلى منطقة جيطال بليبيا، وهو أحد المحقِّقين والفلاسفة الذين ذاع صيتهم، ترك العديد من المؤلفات منها «كتاب الفرض والحساب والجبر» وكتاب «المناسك»، و «قناطر الخيرات» و «قواعد الإسلام» وغيرها، توفي بجزيرة جربة عام750هـ، للمزيد العودة إلى إبراهيم اطفيش: «الدعاية إلى سبيل المؤمنين».
(2) - هو نورالدين أبو محمد السالمي العُماني، عُرف بتآليفه الغزيرة والجمَّة في العقيدة والفقه والتاريخ التاريخ والفلسفة، منها كتاب «مشرق الأنوار»، و «تاريخ أئمة عمان» والحواشي، توفي في نفس سنة وفاة القطب اطفيش امحمد بن يوسف عام 1332هـ/ 1914م.
(3) - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (نسبة إلى ورجلان، ورقلة حاليا، بالجنوب الجزائري)، نبغ في علوم التفسير والفلسفة والحديث، توفي عام 570هـ. (15/19)
صفحة 301
كما أشاد الشيخ بأهميَّة بعض العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى كالتاريخ والجغرافيا واللغات الأجنبية وعلم النفس؛ فبالنسبة للتاريخ يقول عنه إنه «علم نافع لا يجهل قدره إلاَّ جامد لا يعرف من أين يستفيد وينمِّي عقله ويوسع مجال نظره، ولا كيف يصل إلى الحقائق» (1)، ويتعرَّف الإنسان على تجارب الأمم وحوادثها ويعتبر في أحواله واستخلاص المواعظ. وفي نظره أنه «ليس كلُّ من يكتب في التاريخ مؤرِّخًا حقًّا، فقد اتخذه كثير ممن يدعي العلم مع عظم فائدته هزؤا ولعبة يا للأسف» (2)، فبعض الكتابات التي ألفها هؤلاء تفتقد إلى قواعد وأصول المنهج العلمي، فوقعوا في كثير من الزلات والأخطاء، لأنه لا يمكن فهم الظاهرة التاريخية دون الوقوف على أحوال الأمَّة الإسلامية وأطوارها التي تقلَّبت فيها، وكيف تشتَّتت وتمزَّقت إلى فرق وطوائف، كل ذلك لا يقف عليه إلاَّ من عرف التاريخ، وهو بهذا المفهوم يتقاطع مع العلامة ابن خلدون في مفهوم الظاهرة التاريخية التي أرجعها إلى طبيعة العمران (انظر المقدمة)، وهذا يدلُّ على أنَّ الشيخ أبا إسحاق له حسٌّ تاريخي عميق (3)، والالتزام بالمنهج العلمي من نقد وتمحيص كما يشير إلى ذلك الأستاذ أبو القاسم سعد الله (4).
__________
(1) - إبراهيم اطفيش، «الدعاية إلى سبيل المؤمنين»، ص36.
(2) - نفسه، ص37.
(3) - وجدنا أنه عاب على الأمام العلاَّمة نورالدين السالمي العُماني أنه لم يذكر أهل العلم ويرتبهم في كتابه «تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان» في حين أنه أحسن ذكر حكَّام عُمان وترتيبهم، وبالغ أحيانا في الإشادة بحكمهم، ولم يُشر إلى مساوئهم وما ارتكبوه من أخطاء أو تجاوزات في حقِّ الرعيَّة، وبالتالي فإنَّ السالمي سرد الروايات والأحداث دون تمحيصها ونقدها، واكتشف الشيخ أبو إسحاق ـ بحسه النقدي ـ هذه الملاحظات ونبَّه إليها.
(4) - أبو القاسم سعدالله، «بحوث في التاريخ العربي الإسلامي» دار الغرب الإسلامي بيروت، ط2003م، ص 390 .. (15/20)
صفحة 302
كما اعتبر اللغات الأجنبية ذات أهمية بالغة يجب تلقينها للأجيال، ومن الواجب تعلُّمها لعدة اعتبارات: إذا تعلم الشاب المسلم لغة العدو «تعرف كيف تتقي صولته وتقاوم تعسُّفه وتستفيد بخصائصه» (1)، خاصة وأنَّ أقطار المغرب العربي كانت تحت السلطات الاستعمارية، كذلك فإن تعلُّم اللغات الأجنبية يساهم في نشر الدعوة الإسلامية، وإبراز الصورة الحقيقية للدين الإسلامي بين شعوب العالم، لما لحقه من تشويه وطعن في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - و «كثيرًا ما تُنعت الأمَّة الإسلامية بالأمَّة المتوحشة التي لا مدنيَّة لها ولا أخلاق، لما يوحيه إليهم شياطين الكنيسة وأنصار الاستعمار» (2).
نوَّه الشيخ كذلك بقيمة بالعلوم التجريبية في تحقيق النهضة الاقتصادية، والتي هي مكمِّلة للعلوم الإنسانية والاجتماعية فإذا كانت هذه تستثمر معارفها في بناء الإنسان وتكوينه، فإن العلوم التجريبية لها أهميتها الحيوية في تطوير الجانب التكنولوجي والاقتصادي للدولة، لهذا يرى أنه من الواجب على العلماء والطلبة تحصيل هذه العلوم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية وغيرها من العلوم الأخرى التي حرمت منها الأقطار العربية والإسلامية وخاصة الجزائر.
ب- المحافظة على وحدة المسلمين:
من القضايا التي شغلت فكر الشيخ أبي إسحاق الإصلاحيَّ مسألة وحدة المسلمين، فلا يكاد يخلو عددٌ من مجلَّة المنهاج إلاَّ تناول فيه أحوال المسلمين ومستقبلهم، منبِّها إلى خطورة الانقسام والتشتُّت والتعصب الذي يمزق وحدتهم.
__________
(1) - إبراهيم اطفيش، «الدعاية إلى سبيل المؤمنين»، ص 57.
(2) - نفسه، ص57. (15/21)
صفحة 303
ودعا في مناسبات عديدة إلى الوحدة التي هي أساس النجاح، ففي أوَّل مقال له تحت عنوان «ماذا يراد بالإسلام والمسلمين» أشار فيه إلى خطورة الحركة الاستعمارية التي تهدف إلى ضرب وحدتهم بقوله: «لم يزل المستعمرون يكيدون للإسلام والمسلمين ويأتون بكلِّ ضرب من ضروب الظلم والإرهاق، لكي يخمدوا للمسلمين حركاتهم ويسلبوا منهم كل قوة للحياة» (1)، ويضيف أنَّ الاستعمار استعمل كلَّ الأساليب لإخضاع هذه الشعوب وتفريقها بمهارة عظيمة، حتى يتيسَّر له بسط نفوذه وسيطرته.
__________
(1) - إبراهيم اطفيش، «ماذا يراد بالإسلام والمسلمين»، المنهاج، العدد01، محرم 1434هـ/1925م، م1، ص40. (15/22)
صفحة 304
لذلك فالوحدة هي السبيل والأساس لإخراج هذا الدخيل الاستعماري، وتحقيق النهضة العربية الإسلامية، وقد اتخذها الشيخ أبو إسحاق منهجا ومارسها عملا (1)، وهذا ما يتجلَّى من خلال النشاطات المكثَّفة التي قام بها، وأولى أهميَّة كبرى للوحدة في الجمعيات والنوادي الفكرية التي كان ينشط فيها بالمشرق العربي، فقد ألقى العديد من المحاضرات لشحذ همهم المسلمين لتوحيد صفوفهم، فألقى محاضرة في «جمعية تعاون جاليات شمال إفريقيا» (2) أكد فيها على أهمية الاتحاد والتعاون في المحافظة على كيان الأمة الإسلامية بقوله: «الاتحاد والتعاون ما ظهر في أمَّة إلاَّ ونالت مبتغاها من العظمة والكمال، واقتعدت مقاعد العزِّ والجلال، وكان لها القدح المعلَّى في كل مجال» (3).
__________
(1) - محمد بابا عمي: «الأبعاد المنهجية لوحدة المسلمين في فكر أبي إسحاق اطفيش، مجلة المنهاج نموذجا»، ملتقى حول الشيخ أبي إسحاق اطفيش، أيام 25 و26 مارس 2009م، غرداية – الجزائر (ورقة منشورة على الإنترنت، موقع معهد المناهج، 2010).
(2) - تأسَّست هذه الجمعية عام1343هـ/1924م بالقاهرة، ضمت في عضويتها عددا من أعلام المغرب والمشرق العربي أمثال: محمد عبد الوهاب المحامي، عبد العزيز المراكشي، الطاهر محمد التونسي، ومحمد التهامي ... الخ، ترأَّسها الشيخ محمد الخضر الحسين، كان من أهداف هذه الجمعية «إسعاف ذوي الحاجات، والقيام بتعليم الفقراء، وإلقاء المحاضرات لتنوير الأفكار، وبث الأخلاق الحميدة» ... الخ، انظر شترة مرجع سابق، ج01 على الهامش، ص ص610، 611، نقلا عن جريدة الوزير التونسية العدد 175 بتاريخ 23/ 09/1924م.
(3) - إبراهيم اطفيش، «محاضرة في الاتحاد والتعاون»، المنهاج، العدد 01، محرم 1344هـ/1925م، ص 55. (15/23)
صفحة 305
ويضيف أنَّ الأمَّة الإسلامية لها من المقومات الروحية والمادية التي تمكِّنها من تحقيق النهضة والوحدة العربية لمنافسة الأمم الأخرى، ويكفي أن نشير إلى أنَّ القرآن الكريم يحثُّ المسلمين على العمل وكسر قيود الشقاء، لكنهم أهملوا المبادئ الإسلامية وعلى رأسها الاتحاد والتعاون و «هما أساس العمران، وركن سعادة الأمة» (1).
ويضرب الشيخ أبو إسحاق أمثلة واقعية عن ثمار الاتحاد والتعاون، حيث أنَّ الغرب أدرك أهمية هذه المبادئ، واتَّحدوا وبلغوا مراتب الحضارة والقوَّة، وتعزَّزت الروابط القومية «وأصبحت مرتبطة ببعضها البعض ارتباط الأفراد، كلٌّ يستمد من الآخر ويستعين بمواهبه» (2). وكأن الشيخ تنبَّأ بقيام الاتحاد الأوروبي في مرحلة مبكِّرة من عقد عشرينيات القرن الماضي ليصبح حقيقة ملموسة توحَّدت بموجبها أروبا الغربية ضمن منظومة تكتُّل سياسي واقتصادي تنافس القوى العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية مثلا رغم الفوارق الإثنية والاجتماعية والعقائدية، ذلك أنَّ قضية التعاون تُعدُّ من المسائل الجوهرية والاستراتيجية التي تبنى عليها سياسة الأمم وبرامجها.
__________
(1) - نفس المصدر السابق، ص85.
(2) - نفسه، ص 56. (15/24)
صفحة 306
والشيخ أبو إسحاق يطرح مشروعا وحدويا للعالم الإسلامي وفي مرحلة مبكرة من عقد العشرينات من القرن الماضي وقبل أن تعرف أروبا فكرة الوحدة الأوروبية، لكن هذا المشروع لم يُكتب له النجاح، ذلك لأنَّ العصر الذي واكبه الشيخ شهد فيه العالم الإسلامي إرهاصات وانتكاسات خطيرة بسبب الاحتلال الغربي، والعقبات التي وضعها أمام العلماء والمفكرين في التنقل والاتصال. ويرى صالح الخرفي أنَّ الشيخ أبا إسحاق إبراهيم اطفيش كان من بين المفكرين الأوائل الذين طرحوا مشروع فكرة الوحدة العربية قبل الحرب العالمية الثانية، والتي كانت على ما يبدو النواة الأولى لتأسيس جامعة الدول العربية، والعديد من المنظمات والجمعيات التي تهدف إلى وحدة الرابطة العربية خلال عقد الأربعينات من القرن الماضي (1).
وفي مناسبات أخرى جمعته مع زعماء العالم الإسلامي بالمؤتمر الإسلامي بالقدس عام 1350هـ/ (1931م) دعا إلى الوحدة لمواجهة الحركة الصهيونية التي أنجبت من رحم الاستعمار، وحين نشب الخلاف بين الوهابيين والحنفيين داخل جلسات المؤتمر تدخَّل ليهدِّئ المتخاصمَين ويدعو إلى الوحدة، وترك الخصومات والنزاعات المذهبية جانبا، والتي كانت سببًا في تفريق المسلمين وضياع قضاياهم المحورية أمام الغزو الاستعماري، والأمَّة أصبحت مشتتة وتعيش عصر الضعف والانحطاط والتخلف والفتن.
__________
(1) - صالح خرفي، «عبد العزيز الثعالبي من أثاره وأخباره»، دار الغرب الإسلامي، بيروت. ط1995م، ص145. (15/25)
صفحة 307
لهذا كان يرى في المؤتمر الإسلامي المنعقد بالقدس فرصةً لمعالجة همُوم الأمَّة الإسلامية وحماية مقدساتها، والنظر في حالها ومصيرها بجدية لمواجهة المخاطر التي تتربَّص بها، وخاصة الاستعمارَ الغربيَّ وحلفاءه الصهاينة الذين عبثوا بالمقدسات الإسلامية في القدس، وزرعوا بذور التفرقة والشقاق بين المسلمين بقوله: «إنَّ اليهود يطمعون فينا معشر المسلمين حيث ظنوا أنهم أمام أمَّة متفكِّكة متشتِّتة»، ومن هذا المنطلق دعا إلى توحيد صفوف المسلمين على اختلاف أجناسهم وانتماءاتهم، وترك التعصُّب المذهبي، والعودة إلى القرآن الكريم لتدبُّر آياته الحاثَّة على التآزر والوحدة، فالمسلمون يربطهم حبلُ الإيمان والأخوَّة أينما وجدوا في أصقاع العالم، امتثالا لقوله تعالى ژ ? ? ?ژ (1)، فالقرآن الكريم وحَّد المسلمين وآخى بينهم منذ العصر الإسلامي الأوَّل، لكن المسلمين اليوم في حال تشتُّت وتمزُّق ويمرُّون بآيات القرآن دون تدبُّر.
ومن هذا المنطلق فإنَّ الشيخ أبا إسحاق لم يكن يؤمن بالفوارق المذهبية أو السياسية أو الجغرافية، مادام المسلم ينتمي إلى العالم الإسلامي فهو مُطالب بالانضمام إلى مشروع الجامعة الإسلامية وتوحيد المسلمين تحت راية واحدة، وهو نفس الهدف الذي كانت تسعى إليه النخبة العربيَّة ذات التوجه العربي الإسلامي كمحبِّ الدين الخطيب الذي دعا إلى جامعة إسلامية توحد المسلمين «فإنَّ الرابطة الإسلامية التي أوجدها الله في هذه الشعوب تنطوي على محبَّة صادقة فطر عليه المسلمون بعضهم بعضا» (2).
__________
(1) - سورة الحجرات، الآية 10.
(2) - أنور الجندي، «تاريخ الصحافة الإسلامية»، دار البصائر، مصر، ص188 (نقلا من مجلة الفتح، م 3، 18 يونيو 1928م). (15/26)
صفحة 308
وحتى لا يبقى هذا المشروع نظريًّا فقد اقترح الشيخ أبو إسحاق آليات وأدوات لتحقيقه، فكان يرى في المؤتمر الإسلامي وسيلة لجمع وحدتهم، فالدول المسيحية رغم تعدُّد طوائفها وأقلياتها وأجناسها نجحت في التوحُّد والتكتل لمواجهة الإسلام والمسلمين، لهذا على المسلمين الاقتداء بالأوروبيين لإعادة بعث مجدهم ووحدتهم و «إنا لنتمنى أن يكون هذا المؤتمر هو المجدِّد لوحدة المسلمين أمام الخطر الداهم الذي جعل حتى اليهود يسخرون منَّا، والاستعمار يعبث كما يشاء بهذه الأمَّة المحمدية» (1).
كما تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الشيخ أبا إسحاق دافع بقوة عن سقوط الخلافة العثمانية عام 1343هـ (1924م)، فحين قامت الحركة «الكمالية» بزعامة كمال أتاتورك كان يرى في البداية أنَّ هذه الحركة التي وُلدت في تركيا مركز الخلافة الإسلامية ستحافظ على الخلافة الإسلامية، والتي تمثِّل رابطتهم الروحية وحامية دينهم ومقدساتهم الإسلامية، حتى وإن كانت هذه الخلافة شكلية أو رمزية إلاَّ أنَّ لها أثرها في التقاء قلوب ملايين المسلمين ورمز وحدتهم وجامعتهم الإسلامية، ومن هذا المنطلق أيَّد هذه الحركة وتفاءل بها في الحفاظ على الخلافة الإسلامية وتقويتها «كنا منذ ذلك الحين نرقب الحركة التركيَّة وانقلابها بعين الإجلال والإكبار و نقول هذه الحركة مباركة و تفاءلنا بها» (2)، ولكنه سرعان ما تفطن إلى النوايا السيئة لـ «أتاتورك» الذي ظهر بمظهر المدافع عن الدين و الخلافة الإسلامية و «لم يلبثوا أن قطعوا أثرها وطردوا الخليفة شرَّ طرد، فهوى من ذلك الشاهق إلى أسفل حظيظٍ فاضطرب العالم الإسلامي اضطرابا» (3).
__________
(1) - محمد ناصر، «الشيخ إبراهيم اطفيش في جهاده الإسلامي»، مرجع سابق، ص54
(2) - إبراهيم اطفيش، «الانقلاب التركي الأخير»، المنهاج ج01، العدد 03، ربيع الأول 1344/ 1925م. ص176.
(3) - إبراهيم اطفيش، نفس المرجع السابق، ص178. (15/27)
صفحة 309
لقد حاول الشيخ أبو إسحاق بعث فكرة الجامعة الإسلامية، وتوحيد صفوف المسلمين مشرقًا ومغربًا، وسعى لتحقيق هذا المشروع الذي نادى به الشيخان الأفغاني ومحمَّد عبده والشيخ رشيد رضا، لكن أوضاع الأقطار الإسلامية تحت الاحتلال الغربي من جهة، والرقابة الاستعمارية على نشاط وتحركات العلماء حالت دون تحقيق هذا القصد من جهة أخرى.
خاتمة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من خلال هذه الدراسة في فكر ونشاط الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش توصَّلنا إلى بعض النتائج والتي نشير إليها في شكل نقاط:
*- قاوم الشيخ أساليب الاستعمار الفرنسي الذي حاول القضاء على عناصر الشخصية الجزائرية، من لغة ودين وموروث تاريخي وحضاري.
*- اهتمَّ بالجانب التعليمي والتربوي للشباب المسلم لتحقيق نهضة علمية، وكان يشرف على البعثات الطلابية بتونس رفقة الشيخ أبي اليقظان، واعجب الشيخ ابن باديس بهؤلاء الطلاب من حيث التنظيم والتكوين والتأطير وفق مناهج وبرامج عصرية.
*- قدَّم الشيخ أبو إسحاق مشروعًا شاملاً لنهضة عربية وإسلامية، يرتكز على جانبين مهمَّين؛ جانبٍ سياسيٍّ وهو التأكيد على الأبعاد الوحدوية للمسلمين لمواجهة الاستعمار، وجانب تعليميٍّ يتمثل في عصرنة المنظومة التعليمية لتحقيق القفزة الاقتصادية والحضارية.
*- الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش يُعتبر أحد دُعاة الجامعة الإسلاميَّة، وفكره امتدادٌ لفكر أستاذه ومدرسته الشيخ محمد عبده، وكذا الشيخ رشيد رضا الذي كانت تربطه به علاقات الصداقة والعمل بالمشرق العربي، ونوَّه بمجهوداته في ميدان الإصلاح والاهتمام بقضايا العالم الإسلامي.
*- اهتمامه بإحياء التراث الأدبي والعلمي للمسلمين، والمطالبة بإدراجه ضمن البرامج الدراسية للطلبة، لتنمية الثقافة العربية الإسلامية والشعور بالانتماء إلى الأمَّة الإسلامية لمواجهة مخاطر الغزو الثقافي الغربي.
- - - (15/28)
صفحة 310
جهود الدكتور محمد صالح ناصر في تحقيق التراث الجزائري
عنايته بجمع التراث الإباضي وتحقيقه (نموذجاً)
د: يحيى بن بهون الحاج امحمد
كلية الآداب واللغات ــــ جامعة غرداية
yahiabenbouhoun@yahoo.fr
إ
إنَّ تراثنا الأدبيَّ الجزائريَّ حافلٌ بالأمجاد في أشخاصه أو صانعيه وفي إنتاجه وإبداعاته شعرًا ونثرًا، وأبدأ في الحديث انطلاقا من تجربتي المتواضعة في تدريس مقياسي الأدب الجزائري الحديث للسنة الرابعة (قسم الليسانس) (1)، والأدب المغربي والأندلسي (2) السنة الثانية أدب عربي، وكذا من خلال تخصُّصي في دراسة التراث وتحقيق المخطوطات، وقد وفّقت ولله الحمد إلى تحقيق بعض المخطوطات الأدبية لأعلام جزائريين قدماء ومحدثين، وهو ما دفعني إلى إدراك أهمية التراث الأدبي الجزائري ودوره في تركيز الشخصية الوطنية، فاستعراض مسيرة شخصيات تاريخية وفكرية من أمثال الأمير عبد القادر الجزائري، والدكتور محمد بن أبي شنب، والشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، والشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ إبراهيم أبو اليقظان، وشاعر الثورة مفدي زكرياء ..
__________
(1) - يحي حاج امحمد، محاضرات في الأدب الجزائري، (مطبوعات موزعة على طلبة السنة الرابعة أدب)، السنة الجامعية 2009/ 2010، جامعة غرداية.
(2) - يحي حاج امحمد، دروس في الأدب المغربي والأندلسي، (مطبوعات موزعة على طلبة السنة الثانية أدب)، السنة الجامعية 2008/ 2009، جامعة المدية. (16/1)
صفحة 311
وغيرهم الكثير ممن أثروا الساحة الفكرية والأدبية بإنتاجاتهم الشعرية والنثرية، والتي يتداولها الدارسون والباحثون مند زمن وما يزالون، هي ما يؤكد صلتها الدقيقة والوثيقة بتاريخنا الحضاري الماجد، ولا أحد يشكك في أنَّ تدريس تاريخ هؤلاء الأبطال والنابغين لأبناء الجزائر من الناشئة يعزِّز ويركِّز فيهم انتماءهم، ويبني شخصيتهم الوطنية، فينشؤوا بذلك متَّزني الشخصية متعلقين بأوطانهم وتاريخ أسلافهم، مقتدين بسيرهم، متبعين لنهجهم، ومبلغين لرسائلهم لمن يأتي من بعدهم. ويعزِّز هذا الرأي أقوال المؤرخين والمتخصصين، إذ يقول عبد الرحمن بن محمد الجيلالي في كتابه تاريخ الجزائر العام في التقديم لكتابه الجليل: « .. وأسهبتُ مشبعًا البحث في العصور الإسلامية إسهابًا يحمل الشابَّ المسلم الجزائري على احترام بلاده وتمجيد تاريخه اللامع العظيم، والثقة بمستقبله الزاهر النيِّر، مع نفخ روح القومية فيه، وإعداده لوصل حاضره بماضيه، حتَّى تتكامل فيه أركان الحياة الأربعة: المحافظة على شخصيته وميزته، وتقديس أسلافه الأمجاد، والتمسُّك بدينه، والعمل على الإشادة بوطنه .. » (1).
وفي وادي ميزاب بولاية غرداية جنوب الجزائر تنتشر خزائنُ المخطوطات وتتوزَّع بين مختلف قصور الوادي السبعة ومدينة وارجلان، وهو موطن تركز الإباضية الجزائريين منذ أمدٍ بعيد، كما تتنوَّع الخزانات من حيث الملكية بين الخاصَّة والعامَّة، ويزيد عددها بوادي ميزاب وحدها عن 120 خزانة؛ ومعظمها مفهرسٌ ومصورٌ رقمياً.
__________
(1) - عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، «تاريخ الجزائر العام»، المطبعة العربية، الجزائر، ط1، 1953، التقديم ص6. (16/2)
صفحة 312
وقد وضعت بعض الجمعيات الناشطة في مجال حماية المخطوطات فرق بحث، واستطاعت بفضل الله وإرادتها الخيّرة أن تتوصَّل إلى وضع العديد من الفهارس العلمية للخزائن والمكتبات، تحت إشراف وتأطير نخبة من الأساتذة والباحثين ذوي الاهتمام بمجال التراث والمخطوطات؛ ومن هؤلاء المؤطِّرين والباحثين: الدكتور محمد صالح ناصر والدكتور محمد عيسى وموسى والدكتور إبراهيم بحّاز ... وغيرهم؛ ومن أبرز الجمعيات ذات الاختصاص نجد: «جمعية التراث»؛ والتي باشرت عملية الفهرسة في مطلع التسعينيَّات، بعد أن أصَّلت لعملٍ أكاديمي ومنهجي متميِّز تحت إشراف من ذكرنا من الأساتذة المتميِّزين الذين قدَّموا جهدهم في التعريف بجزء مهمٍّ من التراث الجزائري المخطوط.
وممن أسهم في التعريف بالتراث الإباضي الجزائري جمعاً ودراسة وتحقيقاً، كما أسلفنا؛ الدكتور محمد صالح ناصر، أستاذ الأدب الجزائري الحديث بجامعة الجزائر سابقاً، والذي أثرى المكتبة الوطنية والعربية برصيد مهمٍّ من المؤلفات الأدبية والفكرية، وكانت له بصمته المتميزة في تحقيق التراث الإباضي؛ وفي رحاب «جمعية التراث» ـ على الخصوص ـ إذ ترأَّس اللجنة العلمية التي صنعت «معجم أعلام الإباضية»، وهي التجربة المعجميَّة المتخصِّصة التي تضمُّ ترجمة لأزيد من 4200 علم من أعلام الإباضية في المغرب والمشرق، كما ترأَّس لجنة تحقيق التراث الإباضي ونشره ضمن منشورات جمعية التراث والمسماة «تراثنا»، والتي أصدرت العديد من الكتب المحقَّقة ... إلى غير ذلك من الإنجازات، دون أن نغفل عن جهوده الشخصية في جمع المخطوطات والرسائل والوثائق النادرة ... ، وكذا التأليف في مناهج التحقيق وتدريس ذلك للطلاَّب ... إلخ؛ ومن هنا تأتي هذه الورقة البحثية لتعرِّف بجهود هذا العالم الجليل وتنوِّه بما قدَّمه للتراث الوطني ليقتدي به الباحثون في ميدان تحقيق التراث المخطوط ونشره.
1 - محمد ناصر حياته وآثاره: (16/3)
صفحة 313
ـــــــــــــــــــــــــــــ
محمد صالح ناصر من مواليد بلدة القرارة بولاية غرداية، جنوب الجزائر، في الفاتح من ديسمبر 1938م، وهو باحث وأديبٌ وشاعر، حفظ القرآن الكريم سنة 1954م، وتلقَّى مبادئ العلوم من لغة وفقه ودين بمسقط رأسه وفي خارجه، على يد شيوخ وعلماء بارزين في الحركة الإصلاحية منهم: الشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض، والشيخ إبراهيم أبو اليقظان؛ رائد الصحافة العربية الجزائرية، والشيخ محمد علي دبوز، والشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي (البِكري)، والشيخ إبراهيم بن يحي القرادي، والشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون)، والشيخ حمو فخار، والشيخ الناصر بن محمد المرموري؛ وخلال دراسته في مصر بُعيد الاستقلال احتك بشيخ المحققين آنذاك في دار الكتب المصرية الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش الجزائري، والدكتور شكري فيصل وآخرين فاستفاد منهم أيما إفادة (1).
* متحصل على شهادة الثانوية من معهد الحياة بالقرارة، في جوان 1959م.
* شهادة الليسانس في الأدب العربي من جامعة القاهرة، في جوان 1966م.
* شهادة دكتوراه حلقة ثالثة من جامعة الجزائر، في جوان 1972م.
* شهادة دكتوراه دولة من جامعة الجزائر، في أكتوبر 1983م.
* جائزة الدولة التقديرية في النقد والأدب والشعر سنة 1984م.
ألّف الدكتور محمد صالح ناصر في كثير من فنون الأدب شعراً ونثراً، واعتنى بالتراث جمعاً وتحقيقاً ونشراً؛ وفي النقد، وله تأليف جليلة في السير والأعلام، وفي أدب الأطفال عدّة مجموعات قصصية متميِّزة، وله ستَّة دواوين شعرية في الأدب الإسلامي، وله بحوث ومقالات صحفية تعنى بقضايا الأدب والتراث الجزائري مبثوثة في الصحف الوطنية الجزائرية والعُمانية خلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات.
__________
(1) - محمد صالح ناصر، «مشايخي كما عرفتهم»، دار ناصر، الجزائر، ط2، 2014، الكتاب كله. (16/4)
صفحة 314
كما أشرف على رسائل ماجستير وأطروحات دكتوراه بجامعة الجزائر في مواضيع تُعنى بتحقيق المخطوطات والتعريف بالتراث الأدبي الجزائري منها:
1. «عبد الكريم العقُّون شاعراً» الشريف مريبعي، ماجستير، جامعة الجزائر.
2. «تحقيق ديوان ابن الخلوف: ديوان الإسلام» العربي دحُّو، دكتوراه دولة، جامعة الجزائر، 1986.
3. «محمد الهادي السنوسي، حياته وشعرُه» عبد الحميد غنَّام، دبلوم الدراسات المعمقة، جامعة الجزائر، 1987.
4. «عبد الرحمان الديسي، حياته وشعره» عمر بن قينه، دبلوم الدراسات المعمقة، جامعة الجزائر، 1975.
5. «أدبُ الرحلة في الأدب الجزائري الحديث» عمر بن قينه، دكتوراه دولة، جامعة الجزائر، 1992.
وقد عقدت العديد من الصحف الوطنية لقاءات معه وكذلك فعل التلفزيون الجزائري، كما ألقى دروساً رمضانية عديدة في مساجد العاصمة الجزائر وعبر أثير الإذاعة الوطنية وإذاعة عُمان، في تفسير كتاب الله العزيز (1) ...
ورغم معاناته مع المرض المزمن ـ شفاه الله ـ فما يزال الدكتور محمد ناصر دأبه التأليف والكتابة في الشأن الإسلامي، ينتقل من التفسير البياني لآيات الله إلى الكتابة للبراعم المسلمة وإلى هموم الأمَّة ... ، بارك في أعماله وأوقاته.
2 - محمد ناصر محقِّقاً وناشراً للتراث:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) - ينظر بتفصيل السيرة الذاتية للدكتور محمد ناصر، في موقع «فيكوس» وذلك بمناسبة تكريمه بوسام العالم الجزائري لسنة 2008:
http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=1221:dr-salah-nacercv&catid=91:medal-1429 - 2008&Itemid=49. (16/5)
صفحة 315
بمعهد اللغة والأدب العربي بجامعة الجزائر درَّس الدكتور محمد صالح ناصر «منهجية البحث» لطلاب الدراسات العليا، خلال الفترة (1971 ـ 1991م)، وأثناء فترة إقامته بسلطنة عُمان (1991 ـ 2001م) درَّس مقياس «مناهج البحث وتحقيق التراث» بمعهد العلوم الشرعية، وقد وضع كتاباً قيّماً في هذا الفن سمَّاه «منهج البحث وتحقيق النصوص»، طبع في عُمان سنة 1995، وألّف كتاباً آخر في مناهج البحث الأدبي سمَّاه «كيف تكتب بحثاً جامعياً» (1) وطُبع بالجزائر.
وعمل عضواً في لجنة تقييم المخطوطات بالمؤسسة الوطنية للنشر والتوزيع، بالجزائر بين 1975 و1985.
وعضواً في لجنة تقييم المخطوطات بديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر بين 1988 و1990.
وكان إلى عهد قريب رئيساً للمجلس العلمي لجمعية التراث، بالقرارة (الجزائر).
بالإضافة إلى تدريس مناهج التحقيق وتوجيه الطلاَّب إلى تحقيق المخطوطات والإشراف على الرسائل والأطروحات ذات الصلة المباشرة بقضايا التراث والمخطوط الأدبي الجزائري، فقد كان للدكتور محمد ناصر بصمات ذاتية وجهود شخصية في تحقيق المخطوطات ونشرها، وفيما يأتي بعض النماذج؛ ومنها على الخصوص:
أ - تحقيق ديوان إبراهيم أبي اليقظان:
يقع هذا الديوان في جزأين، بمجموع 346 صفحة، من القطع المتوسط، أمَّا الجزء الأول منه فقد صدر أوَّل مرَّة سنة 1931م، وقد رأى الدكتور إعادة طبعه مرة ثانية نظراً لما يحتوي عليه من قصائد تؤرِّخ لفترة من أهم فترات تاريخينا الوطني المجيد؛ لاسيما في مجال الإصلاح الاجتماعي والنضال السياسي.
__________
(1) - محمد صالح ناصر، «كيف تكتب بحثاً جامعياً»، كلية المنار للدراسات الإسلامية، الجزائر، ط5، 2005. (16/6)
صفحة 316
وقد حرص الدكتور على تقديمه على صورته التي ظهر بها في طبعته الأولى دون إضافة إلاَّ ما كان من تصحيحٍ أو تعليقٍ رآهما ضرورييَّن من حين لآخر، وقد أشار إلى ذلك حرصاً منه على الأمانة العلمية (1).
أما الجزء الثاني فقد أخرجه الدكتور محمد ناصر للنور لأوَّل مرة، ويهو يحوي الإنتاج الشعري لأبي اليقظان ما بين 1931 إلى سنة 1973 تاريخ وفاته، وقد رتّب المحقق أغراضه بعد إذنٍ من مؤلفه، ولم يستثن شيئاً من شعره فجمع كل آثاره حفاظاً على تراثه من الضياع وتبليغاً لرسالة الأجداد إلى الأحفاد (2) ...
وقد وضع المحقِّق دراسة وافية شاملة لحياة الشيخ أبي اليقظان، تقع في 48 صفحة، ولما كان المحقِّق ضليعاً في الأدب الجزائري الحديث ـ وقد وضع في ذلك دراسات أكاديمية متخصصة ـ فإنه استطاع دراسة طبيعة شعر أبي اليقظان والوقوف على نزعته الإصلاحية والتربوية والوطنية في الشعر وصنعته فيه، وبذلك وضع القارئ بين يدي الكتاب، وبهذا وقع إقبال الطلاَّب على شعر أبي اليقظان دراسة وبحثاً، يختارون لبحوثهم ما راق لهم من المواضيع، خاصة وأنَّ شعره من الأدب الجزائري الرصين.
ب - تحقيق كتاب أخبار الأئمَّة الرستميِّين لابن الصغير:
يقع هذا الكتاب النفيس في 142 صفحة، من القطع المتوسط، وقد حقَّقه الدكتور محمد ناصر رفقة الدكتور إبراهيم بحَّاز، وهو يدخل ضمن برنامج «جمعية التراث» عند تأسيسها، وعزمها على إحياء التراث الإباضي عموماً والجزائري منه خصوصاً، لما رأوه من فراغ في المكتبة العربية والإسلامية في مجال تاريخ المغرب الإسلامي بعامَّة، وتاريخ الدولة الرستمية بخاصَّة (3).
__________
(1) - إبراهيم أبو اليقظان، «ديوان أبي اليقظان»، تح: محمد صالح ناصر، نشر جمعية التراث، غرداية - الجزائر، ط2، 1989، ص3.
(2) - نفسه، ص4.
(3) - محمد صالح ناصر وإبراهيم بحّاز، «أخبار الأئمة الرستميين» لابن الصغير، (تح)، نشر جمعية التراث، غرداية، ط1، 1986، ص 5. (16/7)
صفحة 317
والواقع أنَّ الباحثَين قد قاما بجهد واضح في تحقيق متن الكتاب وترجمة الأعلام الذين جاء ذكرهم في الكتاب، وتبيين الكثير من الأماكن أيضاً، ولم يتركوا مُبهماً إلاَّ أوضحوه ولا غامضاً إلاَّ أظهروه، رغم أن الكتاب قد صدر في نشريَّة سنة 1905 من طرف أحد المستشرقين وهو «موتلانسكي»، وكانت النشريَّة هي «المجلة الإفريقية» الشهيرة، هذا وقد قام الدكتور محمد ناصر بتعريب النص الفرنسي، ووضع عناوين صغيرة للرسالة إلى جانب النص الأصلي، تسهيلاً للقارئ العادي والباحث المتخصص، كما وضع المحققان فهارس لموضوعات الكتاب (1).
ج- تحقيق كتاب القسمة وأصول الأرضين لأبي العباس أحمد الفرسطائي النفوسي:
يقع هذا الكتاب النفيس في 635 صفحة، من القطع المتوسط، يقول الدكتور محمد ناصر في مقدمة تحقيقه لهذا الكتاب النفيس: «طالما سمعنا مشايخنا يتحدّثون عن هذا الكتاب القيِّم، ويستشهدون به عندما تُطرح بين أيديهم قضيَّة تتعلق بالنزاعات التي يكون سببها مال الدنيا، إمَّا في القسمة بين الشركاء، وإمَّا في الحقوق بين المتجاورين، حتى غدت شهرة هذا الكتاب أكثر من شُهرة مؤلفه .. »، إلى أن يقول: «وكان الاهتمام بالتراث الفكريِّ الإباضيِّ من أوَّل اهتمامات «جمعية التراث» التي وفَّقنا الله إلى تأسيسها والعمل في إطارها، وجاء الحديث مرَّة أخرى في إحدى المناسبات عن هذا المخطوط النفيس، وهنا عزمتُ على البحث عنه وجعله ضمن اهتمامات الجمعية دراسةً أو نشراً، وكانت النيَّة بعد الاطلاع على نسختين منه الاكتفاء بكتابة بحثٍ يعرِّف بهذا المخطوط ويبيِّنه للباحثين والمحققين ... » (2).
__________
(1) - نفسه، ص 9 - 10.
(2) - محمد بن صالح ناصر وبكير بن محمد الشيخ بلحاج، «القسمة وأصول الأرضين»، لأبي العباس أحمد، (تح)، نشر جمعية التراث، غرداية، ط2، 1997، ص11. (16/8)
صفحة 318
بعد البحث والتقصي في الخزائن العامَّة والخاصَّة، توصل الدكتور محمد ناصر ورفيقه في العمل إلى الحصول على خمس نسخٍ مخطوطة كاملة الأجزاء، وذلك بعد عمل مُضني استنزف من جهدهما الكثير، لتناثر النسخ هنا وهناك، ولاختلاط ترتيب الملازم والأوراق، فالكتاب يقع في ثمانية أجزاء، وهناك تفاوت في النسخ وقع فيه النسَّاخ مما صعَّب عملية التحقيق ... ، وإلى جانب عناية المحققَين بالكتاب، ظهر الجهد في التعريف بصاحب الكتاب وهو عمل لا يقلُّ أهمية عن تحقيق المؤلَّف ونشره.
إنَّ كتاب «أصول الأرضين» نبعٌ ثرٌّ يمكن أن يستفيد منه المهندس المسلم في معرفة الأصول الفنية للعمارة الإسلامية، وهو يهمُّ القاضي في معرفة الأصول التي يحكم بها في المنازعات المتعلقة بقضايا الأموال، واستعمال الطرق وإنشائها، ومعرفة حريم البناء، وحقوق الأجوار وأهل البلدة في استعمال المرافق ... إلخ (1)، وهو من هنا صفحة خالدة سجلها الدكتور محمد ناصر في سجلِّ أيامه وخلَّد بها ذكره، بتحقيقه لهذا الكتاب النفيس وإنقاذه من التلف والضياع.
3 - جمعه للوثائق والأرشيف:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أ- جمع أرشيف الشيخ إبراهيم أبي اليقظان ومخطوطاته:
لقد قيَّض الله لهذه الأمَّة رجالاً مخلصين، كانت لهم اليد الطولى في صيانة جزء مهمٌّ من ذاكرتنا الوطنية، والتعريف بها للخلف حتى ينشؤوا مدركين لأصولهم معتزِّين بتاريخهم، ساعين لبناء مجدهم وإعلاء صروح العلم والعمل كما فعل أسلافهم، وديدنهم في ذلك قول الشاعر:
لسنا وإن أحسابنا كرُمت يوماً على الأحسابِ نتَّكِلُ
نبني كما كانت أوائِلُنا تَبنِي، ونفعلُ مثلما فعَلُوا
__________
(1) - محمد ناصر وبكير بن محمد الشيخ بلحاج، «القسمة وأصول الأرضين»، ص 9. (16/9)
صفحة 319
وقد زرته مرَّة في بيته بالعاصمة (1)، فوجدته بصدد ترتيب مجموعة قيِّمة من الوثائق والرسائل المخطوطة في مصنَّف ضخم، فذكر لي ما كان من قصة تلك الوثائق المخطوطة، وكيف أنقذها من الحرق في آخر لحظة؛ فقد صادف وهو يزور أحفاد الشيخ أبي اليقظان في محلٍّ جديد لهم خارج العاصمة ليبارك لهم، فإذا هم يقومون بحملة نظافة ويحرقون بقايا ورق وخشب في برميل أعدوه لذلك، وما أن وصل أمام البرميل إذ بأحد الأحفاد يلقي رزمة محكمة الربط على شكل طرد داخل البرميل، فمد الدكتور يده مباشرة وسحب تلك الرزمة قبل أن تلتهمها النار، وأخذها معه إلى بيته ففتحها وبدأ يقلِّب ما فيها فإذا هي تحوي أزيد من 563 رسالة بين الشيخ أبي اليقظان وابنه عيسى أبي اليقظان، على شكل تقارير يوميَّة كان يرسلها الابن لأبيه خلال فترة الحرب العالمية الثانية، حيث كان يدير «المطبعة العربية» للشيخ أبي اليقظان بالعاصمة بدلاً عن أبيه الذي كان في ميزاب خلال سنوات (1940 ـ 1947).
وقد ذكر لي الدكتور محمد ناصر بأنَّ تلك المراسلات من الأهميَّة بمكان فهي تحوي معلومات دقيقة عن يوميات العاصمة الجزائر، كالحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ... ، ومن خلالها استطاع الدكتور محمد ناصر ضبط وتصحيح الكثير من تواريخ الأحداث التي وقعت بالعاصمة خلال تلك الفترة التاريخية المغمورة، فكانت تقارير عيسى بن أبي اليقظان مضبوطة جيداً في مراسلاته مع والده.
ب- جمع أرشيف شاعر الثورة مفدي زكرياء ومخطوطاته:
__________
(1) - لقاء مع الدكتور محمد صالح ناصر، في بيته بحي الأبيار، الجزائر العاصمة، بتاريخ: 15 مايو 2010م. (16/10)
صفحة 320
لقد اشتغل الدكتور محمد ناصر ومنذ أمد غير يسير على إبراز تراث وأشعار مفدي زكرياء، وذلك في الفترة التي تنكَّر له من تنكَّر من أبناء وطنه، فكتب عنه في الجرائد الوطنية والعربية، وكان بذلك رائد الأدباء الجزائريين الذي أنصفوا مفدي هذا الرجل الوطني الحقيق. وقد قام الدكتور محمد ناصر بإعداد دراسة أدبية وافية عن مرحلة مغمورة من حياة مفدي زكرياء وهي مرحلة الفتوَّة والتكوين، ثم مرحلة النضال السياسي في صفوف حزب الشعب في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وطرحها في كتابه «مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة» (1)، وهو ما فتح المجال لاحقاً أمام الباحثين الشباب لإعداد بحوث ورسائل ماجستير ودكتوراه سار جلُّها على ضوء ما أعده الدكتور محمد ناصر.
وفيما يلي مقالات الدكتور ناصر التي نشرها قبل إصدار الكتاب في طبعته الثانية، وشجعت المؤلف على المزيد من البحث والتنقيب وإضافة فصولٍ أخرى إلى الطبعة الثانية:
1. «مفدي زكرياء في ذكراه»، 5 حلقات، يومية الشعب، أوت 1983، الأعداد:6159 - 6163.
2. «المغرب العربي الكبير في شعر مفدي زكرياء»، الحياة الثقافية، تونس، أكتوبر 1984.
3. «هذا الشاعر الذي لا نعرف عنه الشيء الكثير»، الجمهورية (الملحق الأسبوعي) 10 ديسمبر 1984.
4. «مفدي زكرياء بين الإنصاف والإجحاف»، 4 حلقات، يومية الشعب، ديسمبر 1986.
وقد أضاف فصلاً يتعلق بنضاله وأدبه وراء القضبان، وركَّز فيه على رسائله ومقالاته التي كان يراسل بها أصدقاءه من سجن بربروس والحراش، كما تعمَّد دراسة الجانب الذي ظلَّ مجهولاً إلى الآن وهو نثر مفدي الذي لا يقلَّ روعة وبياناً عن شعره، كما ضمَّن الكتاب نصوصاً وشهاداتٍ ووثائق تاريخية بعضها ينشر لأوَّل مرَّة (2).
__________
(1) - محمد صالح ناصر، «مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة»، نشر م. و. ن. ت، الجزائر، ط2، 1989.
(2) - نفسه، ص 5. (16/11)
صفحة 321
ويضمُّ الكتاب أزيد من خمس وثلاثين قصيدة من شعر مفدي المجهول، ومجموعة مهمَّة ومعتبرة من الوثائق والشهادات التي جمعت ونشرت لأول مرَّة، بالإضافة إلى قائمة ببليوغرافية ثريّة جداً ضمَّت كلَّ ما كُتب عن مفدي في الصحف الوطنية والعربية وحتى والأجنبية، وما نشره من أعمال في الصحف التونسية على الخصوص ... إلخ؛ لذلك فإن جهود الدكتور محمد ناصر في هذا المضمار لا ينكرها إلاَّ جاحد أو معاند، ومهما حاول الباحثين اليوم إنصاف مفدي فإنَّ فضل محمد ناصر يسبقهم جميعاً كما أسلفنا.
4 - عنايته بالتأليف في مناهج البحث وتحقيق النصوص:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
درَّس الدكتور محمد صالح ناصر بقسم اللغة والأدب العربي بجامعة الجزائر «منهجية البحث» لطلاب الدراسات العليا، وذلك خلال الفترة الممتدة بين (1975 ـ 1991)، ولما انتقل للتدريس في سلطنة عُمان، درّس مقياس «مناهج البحث وتحقيق التراث» في الفترة الممتدة بين (1991 ـ 2001م) وذلك بمعهد العلوم الشرعية.
بالإضافة إلى ذلك فقد وضع كتاباً قيِّماً في هذا الفن سمّاه «منهج البحث وتحقيق النصوص»، وقد طبع أوَّل مرة في عُمان سنة 1995، ثم وضع كتاباً آخر في مناهج البحث الأدبي سمّاه «كيف تكتب بحثاً جامعياً» (1)، وقد طبع بالجزائر عدَّة طبعات آخرها كان سنة 2005م.
أمَّا كتابه الثاني فيقع في سبع وسبعين صفحة من القطع المتوسط، وقد وضعه في تسعة فصول، وهي زبدة محاضرات كان قد ألقاها في رحاب جامعة الجزائر ومعهد القضاء الشرعي في عُمان، وقد مزج فيها الجانب النظري بالتطبيق الميداني، فجاء كتابه سهلاً ميسوراً للطلاّب المبتدئين يتعلمون منه كيف يعدّون بحثاً جامعياً وكيف يتعاملون مع المصادر والنصوص، ويبث فيهم روح التفكير والنقد (2) ...
__________
(1) - محمد صالح ناصر، «كيف تكتب بحثاً جامعياً»، كلية المنار للدراسات الإسلامية، الجزائر، ط5، 2005.
(2) - نفسه، ص 4. (16/12)
صفحة 322
5 - إنجازه لمعجم أعلام الإباضية (قسم المشرق) وإشرافه على إنجاز (قسم المغرب):
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقد أضحت الحاجة إلى المعاجم المتخصِّصة ضرورة مُلحَّة تتبع التطور ويفرضها التوسع الكبير في شتَّى العلوم والمعارف الإنسانية ... ، ومع حاجة الباحثين إلى التعرُّف على أعلام الفكر الإباضي في شمال إفريقيا، فقد برزت جهودٌ علميَّة حاولت تقديم عمل متميز في هذا المجال، أثمرت بعد حوالي تسع سنوات من العمل الجاد معجماً متخصصاً سمي بـ «معجم أعلام الإباضية»، قسم المغرب (1)، من نشأة المذهب إلى العصر الحاضر، ويعتبر هذا المعجم بفهارسه العلمية المتنوعة مدخلاً أساسياً لمعرفة تاريخ الإباضية من خلال أعلامها، وما تركوه من بصمات في ملحمة تاريخ الإسلام.
وهذا الجهد العلمي هو من إبداع أدباء ومفكرين جزائريين، ويجمع بين دفتيه تراجم لأزيد من 3400 عَلَم، طبع أول مرة بالمطبعة العربية بالجزائر، سنة 1999 في أربعة مجلدات، وطبع طبعة ثانية في دار الغرب الإسلامي بلبنان سنة 2000 في مجلدين من القطع الكبير.
__________
(1) - قسم المشرق أنجز مستقلا: «معجم أعلام الإباضية» (قسم المشرق)، من تأليف الدكتور محمد صالح ناصر، وسلطان بن مبارك الشيباني العُماني، وقد طُبع في مجلد واحد، في دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 2006. (16/13)
صفحة 323
وإذا عرفنا بأنَّ عدد المكتبات العامَّة والخاصَّة وما تحويه من خزانات للمخطوطات في ميزاب يزيد عن 120 خزانة، وجميعها غنيٌّ بنتاج فكري ومعرفي في مختلف فنون المعرفة، فقد أطلقت «جمعية التراث» (1) والتي كان يرأس مجلسها العلمي فضيلة الدكتور محمد صالح ناصر مشروعاً يهدف إلى فهرسة خزائن مخطوطات وادي ميزاب أسمته «دليل مخطوطات مكتبات وادي ميزاب»، واستطاعت من خلاله فهرسة أكثر من خمسة آلاف مخطوط، وطبعت أزيد من عشرين فهرساً، وما تزال ماضية في جهودها خدمة للتراث والثقافة الإسلامية والإنسانية.
ويتَّضح لمتصفح مضمون المعجم الجهد العلمي للفرقة التي أعدته، كما تتَّضح الغاية الحضارية التي وُضع من أجلها، والمقصد الإسلامي النبيل منه، فقد أزال هذا المعجم الكثير من الغموض عن أتباع هذا المذهب السنِّي المسلم، كما أقام الحجة على الدارسين والباحثين الذين أخطأوا في حقِّ أعلامه، فذلل هذا المعجم الصعاب للمهتمين، وقرَّب كثيراً المادة المخطوطة من الباحثين، بعد وضع دلائل المخطوطات لخزائن وادي ميزاب؛ فصارت وفود الطلبة والباحثين تقصد وادي ميزاب باستمرار بحثاً عن المخطوطات، قصد دراستها وتحقيقها في إطار أبحاث علمية متخصصة وإعداد رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه.
وقد أنبت «معجم أعلام الإباضية» فروعاً وتوابع مهمة له منها:
معجم أعلام الإباضية قسم المشرق:
__________
(1) - تأسست «جمعية التراث» في أواخر الثمانينيات في ولاية غرداية، الجزائر، على يد ثلة من المشايخ والباحثين والمفكرين والغيورين من أبناء المنطقة، وكان من أهدافها بعث التراث وإعادة طبعه وإخراجه، فطبعت العديد من الكتب المحقَّقة، وأعادت طبع كتب نفذت طبعاتها، وطبعت دراسات حديثة متعلقة بتاريخ وأعلام المنطقة ... ، ثم تطور هيكلها واتسع نشاطها، وما تزال تتبنى مشاريع عديدة كفهرسة مخطوطات وادي ميزاب وإعداد معجم أعلام الإباضية، والمساهمة في تحقيق التراث ونشره وطنيا ودوليا. (16/14)
صفحة 324
وقد جاء هذا القسم ثمرة للجهود التي زرعها الدكتور محمد صالح ناصر بحنكته ورعايته في القسم الأوَّل من المعجم، فباشر مشواره المبارك في هذا الجزء أيضا لما كان يحاضر في معهد القضاء الشرعي بسلطنة عُمان، وقد ساعده في إنجازه تلميذه: سلطان بن مبارك الشيباني العُماني، ومما ورد في تقديم المعجم ما يلي: « ... أمَّا الدافع الخاصُّ، فهو تلبية لرغبة الدارسين والباحثين في تاريخ الإباضيَّة في الحصول على مصادر تساعدهم على الوصول إلى هذا التاريخ بأيسر طريقة، ولاسيما في مجال التراجم الذي ما يزال للأسف الشديد في حاجة إلى تضافر جهود المؤرِّخين والمؤلفين، فقد لمسنا معاناة طلاب الدراسات العليا، الذين تتطلَّب منهم طبيعة بحوثهم الأكاديمية الدقَّة والوضوح، والإحالة إلى المصادر والمراجع، والتعريف بالشخصيات الواردة في بحوثهم.
وهنالك دافع موضوعي آخر، وهو أنَّ هذا العمل يعد تكملة ضرورية «لمعجم أعلام الإباضية (قسم المغرب)» الذي أنجزته جمعية التراث بالجزائر، فإنَّ تاريخ الإباضية متداخل، متكامل، متَّصل الحلقات بعضه ببعض، لا يمكن الكشف عن جانب منه، وإغفال جانب آخر، لأنَّ طبيعة انتشار المذهب في الأمصار الإسلامية جاء نتيجة لبذرة صالحة غرسها أئمَّة المذهب في البصرة ثم توزعت ثمراتها إلى بقية الديار الإسلامية عن طريق الدعاة والقادة .. حملة العلم إلى المغرب الإسلامي، وعُمان وخراسان، واليمن، والحجاز، وزنجبار، ومصر، وغيرها من الأماكن النائية، عن طريق التجَّار والرحَّالة الإباضية مثل شرق إفريقيا، والهند، والصين، والملايو، وإندونيسيا، وغيرها ... » (1).
معجم المصطلحات الإباضية:
__________
(1) - محمد صالح ناصر، معجم أعلام الإباضية (أعلام المشرق)، التقديم، موقع: alamalalmushriq.net. ( الإصدار الثاني). (16/15)
صفحة 325
إن من الأعمال الجليلة لجمعية التراث وضعُها لـ «معجم المصطلحات الإباضية» (1)، والذي يهدف بدوره إلى التعريف بالإباضية من خلال المعجم، كما يهدف إلى تصحيح المفاهيم للمسلمين، وضبط التعاريف، وتسهيل البحث على الدارسين للتراث الإباضي، ويُعرِّفُ المصطلح الإباضي بأنه اللفظ الذي اختص به الإباضية، لمعنى متمِّيزٍ عندهم تقييداً واستقلالاً (2).
« ... إن هذا العمل دام قرابة سبع سنوات، من الفكرة إلى التطبيق، ومن التخطيط إلى الإنجاز، وقد شارك فيه أكثر من أربعين باحثا بين محرِّر ومدقِّق ومُراجع، وقد أنجز في دورات وتربُّصات مغلقة بلغ عدد ساعات العمل فيها 17 ألف ساعة بحثية خالصة».
إليك أخي القارئ فقرة من مقدمة هذا الكتاب عساها توضح لك الغاية من هذا العمل: «تتطلع الأمَّة الإسلامية اليوم إلى منظومة معرفية صادقة، تحقِّق لها مداخل دقيقة لوعي الذات وفهم الآخر، ومن المؤكَّد أنَّ الموسوعات والمعاجم التي تحمل رسالة قرآنية توحيدية؛ هي من أبرز وسائل هذه المنظومة. وما هذا المعجم ـ الذي يهدف إلى التأثير والتأثّرـ إلاَّ لبنة في هذا الإطار، يؤسِّس لبديل فكري معرفيٍّ، يتجاوز ما كرَّسته السياسات بمختلف مشاربها عبر التاريخ ... إنَّ ما ورد في هذا المعجم من المؤتلف والمختلف؛ يدلُّ في شقه الأول على وحدة أصول المسلمين ووحدة مصيرهم، وفي شقه الثاني على ثراء وتنوُّع، يعرف للآخر قدره، ولا يدَّعي الصواب المطلق. فالاجتهاد العلمي في هذا السبيل حريٌّ أن ينقل العقل المسلم إلى مكانته الحضارية التي خلق من أجلها} (3).
__________
(1) - معجم مصطلحات الإباضية، مجموعة من الباحثين، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 2008م، جزأين اثنين.
(2) - مصطفى بن ادرسيو، معجم مصطلحات الإباضية الفكرة والبداية، مجلة الحياة، القرارة، ع5، صفحات: 274 - 280.
(3) - موقع جمعية التراث، صفحة إصدارات جديدة:
http://www.tourath.org/ar/component/option,com_frontpage/Itemid,1 (16/16)
صفحة 326
6 – التراجم والسير الذاتية:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جهود الدكتور محمد ناصر في وضع التراجم والسير الذاتية، يدخل ضمن اهتماماته بإحياء التراث والتعريف بالآثار الفكرية والأدبية، ومما يريده في ذلك زيادة عن التعريف بتلك الشخصيات، هو لفتُ عناية الباحثين لدراستها وتحقيقها، وقد خصَّ هؤلاء الأعلام بدراسات وتآليف مفصَّلة ترشد إلى تراثهم، منها: «أبو اليقظان وجهاد الكلمة»، و «أبو إسحاق إبراهيم أطفيَّش في جهاده الإسلامي»، و «محمد علي دبوز ومنهجه الإسلامي في كتابة التاريخ»، و «رمضان حمود الشاعر الثائر» ... ؛ ناهيك عن تقديم مجموعة كبيرة من الأعلام إلى الأطفال على شكل قصصٍ مُرَبٍّ للناشئة والفتيان، ومنها: «عمر راسم المصلح الثائر»، «الإمام عبد الحميد بن باديس»، «الشيخ البشير الإبراهيمي أمير البيان»، «أبو مسلم الرواحي حسان عُمان»، «أبو إسحاق إبراهيم أطفيَّش صوت الجزائر في المنفى» (1) ... وغيرها.
7 - الخلاصة والتوصيات:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
__________
(1) - محمد صالح ناصر، سلسلة أدب الفتوة، طبع وزارة الثقافة، الجزائر، ط1، 2006. (16/17)
صفحة 327
لو ذهبنا نستقصي السيرة الذاتية لفضيلة الدكتور محمد صالح ناصر لدبَّجنا لذلك صفحات وصفحات، ولوجدناه حاضراً في كلِّ مشروع فكريٍّ وحضاري ينهض بأمَّته، لا يتخلَّف عن مشاركة إخوانه وأبنائه فيما يرغبون من صالح العمل، فجهوده في تأسيس «جمعية التراث» منذ أوَّل عهدها واضحة ومعلومة، ومتابعته لمختلف مشاريع الجمعية الفكرية والعلمية كذلك مشهورة ومعروفة؛ فمن إحياء كتب التراث بالتحقيق والدراسة والنشر، إلى وضع دليل مخطوطات وادي ميزاب، إلى معجم أعلام الإباضية وما لحقه من ثمرات يانعة كقسم المشرق من نفس المعجم، ومعجم المصطلحات الإباضية ... هذا بالنسبة للجهود الجماعية في التأليف والعمل، أما الجهود الفردية فهي لوحدها أعمال تنوء بالعصبة من باحثي اليوم، لما فيها من جزالة عرض ودقَّة بحث وعمق نظر ...
أنَّ الدكتور محمد ناصر ما كان هنالك من نبات حسن يُعنى بالتراث في ميزاب إلاَّ وله فيه بذرةٌ صالحة وعناية وتوجيه منه حاضرين، والرسائل والأطروحات الجامعية التي أشرف عليها وناقشها خير دليل على ذلك، نسأل الله أن يبارك لنا في صحَّته ووقته وأن يقبل منه صالح العمل.
وقد كفانا الدكتور محمد صالح ناصر وتلامذته الأوفياء مؤونة البحث المضني في خزانات مخطوطات وادي ميزاب، وذلك بوضعهم لمجموعة الفهارس العلمية الرائدة في شكلها ومضمونها، لتكون أفضل مرشد ودليل إلى كنوز ميزاب من نفائس المخطوطات، وهو الذي بلغت أعداده أزيد من 20 جزءاً، وفي ثناياها التعريف بأزيد من 5000 مخطوط؛ فليت الباحثين الشباب يقتفون خطاه ويسيرون على نهجه ويوحِّدون جهودهم في فهرسة مخطوطات قُراهم وحواضرهم، فتجتمع لدينا فهارس مخطوطات قطرنا الحبيب وكل أقطار المغرب الكبير بل والعربي والإسلامي. (16/18)
صفحة 328
ولعلي في الأخير أوصي بضرورة الاستفادة من الدكتور محمد صالح ناصر بنشر أعماله المخطوطة، وإعادة طبع بعض مؤلفاته التي نفذت طبعاتها الأولى، وذلك في إطار التظاهرات التي تقام بالمناسبات المختلفة، وكذا من خلال صندوق دعم الإبداع بوزارة الثقافة الجزائرية، وهو نفس المطمح الذي نرجوه ونتمناه تجاه جهود أعلام الفكر الجزائريين الآخرين كشيخ المؤرخين الجزائريين الفقيد الدكتور أبو القاسم سعد الله (- رحمه الله -).
قائمة المراجع
1 - عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، «تاريخ الجزائر العام»، المطبعة العربية، الجزائر، ط1، 1953.
2 - إبراهيم أبو اليقظان، «ديوان أبي اليقظان»، تح: محمد صالح ناصر، نشر جمعية التراث، غرداية - الجزائر، ط2، 1989.
3 - محمد صالح ناصر، «مشايخي كما عرفتهم»، دار ناصر، الجزائر، ط2، 2014.
4 - محمد صالح ناصر، «كيف تكتب بحثاً جامعياً»، كلية المنار للدراسات الإسلامية، الجزائر، ط5، 2005.
5 - محمد صالح ناصر وإبراهيم بحّاز، «أخبار الأئمة الرستميين» لابن الصغير، (تح)، نشر جمعية التراث، غرداية، ط1، 1986.
6 - محمد بن صالح ناصر وبكير بن محمد الشيخ بلحاج، «القسمة وأصول الأرضين»، لأبي العباس أحمد الفرسطائي النفوسي، (تح)، نشر جمعية التراث، غرداية، ط2، 1997.
7 - محمد صالح ناصر، «مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة»، نشر م. و. ن. ت، الجزائر، ط2، 1989.
8 - معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب)، محمد صالح ناصر وآخرون، نشر جمعية التراث، المطبعة العربية غرداية ـ الجزائر، ط1، 1999.
9 - معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، محمد صالح ناصر، وسلطان بن مبارك الشيباني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 2006.
10 - معجم مصطلحات الإباضية، محمد ناصر وآخرون، نشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، الطبعة الأولى، 2008.
11 - مصطفى بن ادرسيو، معجم مصطلحات الإباضية الفكرة والبداية، مجلة الحياة، القرارة، ع5. (16/19)
صفحة 329
14 - لقاء مع الدكتور محمد صالح ناصر، في بيته بحي الأبيار، الجزائر العاصمة، بتاريخ: 15 مايو 2010.
15 - السيرة الذاتية للدكتور محمد صالح ناصر في موقع فيكوس بمناسبة تتويجه بوسام العالم الجزائري لسنة 2008. http://www.veecos.net/
16 - موقع جمعية التراث، صفحة إصدارات جديدة
http://www.tourath.org/ar/component/option,com_frontpage/Itemid,1
- - - (16/20)
صفحة 330
نماذج من أسفار الشيخ عدُّون ورحلاته عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة
د/ عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة
مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربيَّة
جامعة نزوى ــ سلطنة عُمان
omarlokmane42@yahoo.fr
م
مقدمة:
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ژ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ژ (الروم: 42). صدق الله العظيم
هذا حثٌّ على الضرب في الأرض للاعتبار بما آل إليه أمرُ المشركين، وكيف حلَّ عليهم غضب الله في سالف العصور والدهور.
ولاشكَّ أنَّ الأسفار لطلب العلم ونشر الفضيلة والإسلام في أقاصي العالم قد ترقى في الأهمية إلى مرتبة النظر والاعتبار.
لقد ضرب العلماءُ أكباد الإبل إلى مشارق الأرض ومغاربها لرواية حديث عمن سمعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , أو لحضور مجلس عالم ذاعت شهرته أو لجلب كتاب نادر عرفت أهميته. هذا غير الذين ذهبوا وسافروا بعيدا إلى غرب إفريقيا أو إلى شرقها أو إلى شرق الصين إلى كانتون مثلا، [«قوانزو» الآن»]، لنشر الإسلام وللتجارة، أو الذين طافوا حول العالم ورسموا الخرائط وكتبوا عن عادات الشعوب وتقاليدها من ذوي كتب الرحلات المشهورة.
أمَّا الآن فقد صارت الرحلة لسائر الناس مُتنفَّسا من الأعمال، وفرارًا من ضيق المكان إلى رحابة الفضاء الواسع، ومن المناظر المتكررة، إلى المناظر الجديدة التي يضيفها المرتحل إلى ثقافته، ليسعد بها في حلِّه، ويحنُّ إليها بعد ظعنه في إقامته، ويشتاق إليها في أوبته. ولكن لا تعدو أن تكون تلك السعادة إشباعًا لغريزة حبِّ الاطلاع، ولها من الأنانيَّة أكثر من خدمة هدف أسمى. (17/1)
صفحة 331
أمَّا إذا قصرنا الحديث في هذا الموضوع على الشيخ عدُّون (- رحمه الله -) فأغلب الناس لا يعرفون أنَّ أسفاره لأهداف سامية، وفيها من العناء ما لا يعرفه إلاَّ الخاصة، فلو جمعت بعدَّاد المسافات أو بالعدَّاد الزمني لوجدنا أنها تفوق آلاف الأميال وأنَّها أخذت من عمره سنوات عدَّة. لقد جعل الشيخ عدُّون - رحمه الله - من الرحلة قمَّة العمل، وبالتنقُّل من مدينة إلى مدينة جسرًا إلى غاية شريفة، فمرَّة لتفتيش مدارس قرآنية متعدِّدة، وأخرى للقاء جماعات في التلِّ متآزرة، جمعًا لتبرعات المحسنين من تجَّار أمناء، وأجراء بسطاء، لمشاريع خيرية، فيلتقي بهم، ويستغلُّ الفرصة ليعظهم مذكرا إياهم بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم. يعلِّمهم الاقتصاد في المأكل والملبس، ويحذِّرهم من الإسراف والتبذير، ويعلِّمهم الأمانة، ويحذرهم من أموال الناس والسرقة والغشِّ؛ ليتمكَّنوا من البذل والكرم والسخاء لبناء مدارس ومساجد ومعاهد وقصور في جنَّة الرضوان لنيل رضوان الله، ژ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ژ (التوبة: 21)، دون أن ينسوا أنَّ من الأوليات الاعتماد على النفس لبناء سكنٍ لهم حتى ولو كلَّفهم ذلك شظف العيش سنين عددًا. (17/2)
صفحة 332
وقد يغبطه البعض حينما يعقد رحلة إلى طبيعة البادية ليوم أو يومين مع أبنائه أساتذة معهد الحياة، لكنَّه لا يعلم كم يعاني هؤلاء من إرهاق لحلِّ المسائل العويصة التي تتطلَّب تركيزًا لحلها، وجلساتٍ متتابعة طويلة لا تنتهي إلاَّ بوجود حلولٍ مُرضية لها، ولا يتأتَّى ذلك إلاَّ بالانقطاع لها وإعداد كلّ جهده وطاقته لذلك؛ فحينما يرتحل مع أبنائه الأساتذة يأكل معهم، ويشرب معهم، ويبيت في خيمة بالبادية معهم أو بدارة من دارات أطراف واحة المدينة، ولكنَّه يلزمهم خلال تلك الأيام، ويلتزم معهم لسماع انشغالات المعهد دون ملل بالجلوس أكثر منهم، فقد وهب الله له طاقة الجلوس لساعات متتالية ما يجعل بعض الحاضرين يستأذن لاستنشاق الهواء مرَّة بعد مرَّة، أو لطلب راحة البدن، وهم أقوى منه بدنا، وأسلم منه حواسَّ، ولكن أقل منه احتمالاً وصبرًا، قد يُصلِّي أحدهم لعذرٍ شرعي جالسًا ولكنه ـ وقد تجاوز المائة ـ لا يصلِّي الفرض إلاَّ واقفا!
وقد تكون الرحلةُ إلى خارج الوطن كالحجِّ والعمرة إلى البقاع المقدسة أو لغرض الاطلاع على أماكن ذات حضارة عريقة، أو لعلاج مرض ألمَّ به، أو لزيارة الأحباب والأصحاب، أو لأداء واجب التعزية في حقِّ عالم جليل تربطه به أواصر المحبَّة في الله.
أولا: حالات الأسفار ووسائلها في عهده:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لم تكن الأسفار متاحة لجميع الناس، ولا بالسهولة التي نراها الآن، لاسيما من مدينة القرارة إلى بقية المدن؛ وذلك لأنَّها كانت معزولة في الصحراء عن المدن المجاورة التي تربطها بالشمال. (17/3)
صفحة 333
لم يُعبَّد الطريق إلى أقرب مدينة لها أي «بريان» إلاَّ مع نهاية عهد الاستعمار. والسيارات التي تقلُّ الناس إلى «تُقُّرت» شرقا أو إلى «غرداية» غربا كانت قليلة جدًّا, وحينما تسافر الشاحنة محمَّلة بالبضائع وفوقها المسافرون قد تصادف في طريقها العروق الرملية، وقد تغوص كلُّ عجلاتها في الرمال، وينزل من يستطيع إزاحتها من تحتها ودفعها إلى الأمام بعد وضع الصفائح الحديدية تحت عجلاتها، ويتعطَّل الناس عادة لساعات تحت الشمس المحرقة والرياح العاتية، ولا ينفعهم إلاَّ زادُهم أو معارفهم من عرب الصحراء الكرماء إن صادف ذلك العطب قرب خيامهم.
ثانيا: أمثلة من معاناة الأسفار في عهد الشيخ عدُّون:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يمكننا أن نسوق مثالا لمعاناة الأسفار في الزمن الذي عاشه الشيخ عدُّون، وقد كتبه بقلمه ليكون المصدر موثوقا منه. يقول الشيخ عدُّون (- رحمه الله -) في رسالة إلى الشيخ أبي اليقظان إبراهيم (- رحمه الله -) مؤرخة بـ26 أوت 1939: «تعطلت سيارة خبزي عيسى بن أعماره إلى أن أدركته سيارة الشركة ... ». ويعني هذا أنَّ هناك مدَّة زمنية لإسعافه قد تطول وقد تقصر, ثم يواصل فيقول: «كان هناك معارفُه من العرب، مشى إليهم فوجد فيهم سعة ورحبًا، فأقام فيهم أحسن مقام». ويقول بعد ذلك: «تأخَّر السفر لعدم وجود سيارة تَمُرُّ ببريان». علمًا بأن الهاتف منعدم في البوادي، ولا وجود له إلاَّ في المدن، وبعدد محدود. إذا كان هذا في الثلاثينيات فكيف يكون قبل هذا؟
هذا نموذج من حالات السفر البرِّي. وإذا أردنا أن نأخذ نموذجا من الأسفار البحرية علينا أن نبحث أيضا فيما كتبه الشيخ عدون بنفسه في الصحافة اليقظانية.
لقد كتب الشيخ عدُّون مقالا رائعا في هذا الجانب، إذ استشاط غضبًا مما قام به السماسرة الجزائريون، إلى جانب إهانة المستدمر للحُجَّاج الميامين الذين أرادوا السفر مع باخرة تقلُّهم إلى البقاع المقدسة من الجزائر إلى جدَّة. (17/4)
صفحة 334
سيسافر الحاجُّ مودِّعا أهله ووطنه لمدَّة طويلة فوق سفينة تتقاذفها الأمواج، وعادة ما يكون ذلك لأوَّل مرَّة في حياته، لقلة فرص تكرار الحجِّ، فينتابه الخوف من زرقة السماء وزرقة البحر الذي قيل عنه: «الداخل فيه مفقود، والخارج منه مولود، والناس فيه دود على عود». وإذا أضفنا إلى ذلك ما قيل عن استغلال صاحب امتياز شركة النقل إذ زاد في سعر التذاكر، وضاعف من عدد المسافرين لزادنا الخبر تصوُّرا أوضح للمعاناة.
لقد نشر الشيخ عدُّون مقالا في جريدة «الأمة» اليقظانية بعنوان: «إلى م العبث بكرامة وفد الله؟!»، يقول فيه: «إنَّ الحجَّ ركنٌ من أعظم أركان الدين الإسلامي، وفريضة يقدِّسها المسلمون أكثر مما يقدِّسون سائر الفرائض، لأجل القيام بهذه الفريضة المقدَّسة يفارقون أوطانهم وأهاليهم، ويصرفون أوقاتا طويلة عزيزة، وينفقون آلافا مؤلفة، ويقطعون آلاف الأميال» (1). لقد عانى هؤلاء الحجاج من ضيق السفينة التي كان من المفروض أن تحمل 1300 راكب فحملت 2682. وحيث إن الحجَّاج مع ذلك حُرموا من تأدية مناسك حجهم، وذلك ما يُفهم من الفقرة التالية إذ يقول متحسِّرا: «ولكن المصيبة التي لا تهون، والخسارة التي لا تُعوّض، والجرح الذي لا يندمل، واللوعة التي لا تنطفئ هي هذا الحرمان القاسي، وهذا الانقلاب الخائب، وستبقى هذه الحادثة سبَّة الدهر، يتحمَّل عارها من تسببوا فيها، ولعنة الأجيال تنصبُّ على هؤلاء القساة الذين لم يكفهم استنزاف الأموال، فتجاوزوه إلى استنزاف الدموع. لكم الله أيها المتخلِّفون، فهو ملجأكم الوحيد الذي إليه تلتجئون، وركنكم الشديد الذي إليه تأوون، فهو الذي يأخذ بحقكم من الظلَمة، وينتصف منهم شر انتصاف، يوم يعضُّ الظالم على يديه، وإن للمظلوم دعوة لا ترد» (2) ...
__________
(1) - السنة الثالثة، العدد: 109، 28 ذو القعدة 1355هـ/ 9 فيفري 1937م.
(2) - المصدر نفسه. (17/5)
صفحة 335
هذه بعض المعاناة التي كان يعانيها جيل ذلك الوقت، وما لم يُذكر لجهلنا به أكثر وأكثر.
ثالثا: نماذج من رحلات الشيخ عدٌّون:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أ- النموذج الأول: الرحلة إلى ليبيا لأداء واجب التعزية:
توفي العلاَّمة المفكر الشيخ «علي يحيى معمَّر» (- رحمه الله -) يوم 15 جانفي 1980م بطرابلس بالقطر الليبي الشقيق، بعد كفاح مرير في طلب العلم ونشره، وتعريف بالمذهب الإباضي إلى أتباعه وأتباع المذاهب الأخرى، وكان سببًا في إزالة كثير من الأوهام التي علقت لدى أفكار الناس عنه، بقصد أو بغير قصد. وقد ألَّف كتبا مهمَّة في تاريخ الإباضية كانت سببًا مُهمًّا في التقريب بينه وبين غيره من المذاهب الإسلاميَّة، وهو صاحب المقولة المشهورة: «المعرفة، والتعارف والاعتراف». وهو من أهمِّ مشايخ الإباضية الليبيين.
لقد تتلمذ (- رحمه الله -) بمعهد الحياة بالقرارة بوادي ميزاب في الجزائر، بداية من سنة 1937م، وأقام بها سبع سنوات، تتملذ خلالها على مشايخ منهم: الشيخ إبراهيم بيُّوض، الشيخ شريفي سعيد (الشيخ عدُّون) رحمهما الله. وحينما بلغ خبر وفاته إلى القرارة وإلى مجلس العزابة، بادر الشيخ عدُّون بجمع وفد يمثِّل ميزاب ومن له به علاقة قديمة أو حديثة على الفور، وأعلمه بالذهاب إلى ليبيا لأداء واجب التعزية غدًا الجمعة 27/ 2/1400هـ = 16/ 01/1980م (1).
و قد تألف الوفد من المشايخ والسادة الآتية أسماؤه:
*- الشيخ شريفي سعيد بن بالحاج (الشيخ عدون).
*- الشيخ مرموري ناصر بن محمد.
*- الشيخ أبو القاسم عبد الحميد بن أحمد.
*- الشيخ فخار حمو بن عمر.
__________
(1) - رسالة موجهة إلى الدكتور محمد ناصر يُعزِّيه في أمِّه رحمها الله، ويخبره بذهاب الوفد غدًا، والرسالة مؤرخة بيوم الخميس 26/ 02/1400هـ = 15/ 01/1980م. ينظر كتابه: «مشايخي كما عرفتهم»، دار الريام 1429هـ/2008م، ص373. (ليس الثلاثاء كما ذُكر في معجم أعلام الإباضية ... ). (17/6)
صفحة 336
*- الشيخ الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى، الشهير بـ «القرادي».
*- الشيخ أوراغ باحمد بن عمر.
*- الشيخ أبو العلا عيسى بن عبد الله.
ومن غير المشايخ:
*- الأستاذ سليمان بوعصبانة عمر (لقمان) (1).
*- السيد بافولولو بكير.
*- السيد لخبيطي محمد.
والتحق بالوفد جوًّا الشيخ ابن يوسف سليمان بن داود.
وصل الوفد في اليوم الثالث من وفاة الشيخ علي بن يحيى معمَّر، والسرادق منصوبٌ ووفود المعزِّين لا زالت تتوافد وتتوالى، وكلمات التعزية تُلقى، ومن بينها كلمة الوفد التي ألقيت نيابة عن أهل ميزاب كلهم.
أهم ما في الرحلة:
- لقاؤنا مع المرحوم الدكتور عمرو خليفة النامي، ومؤسِّسي مسجد الفتح ومدرسته بطرابلس.
- لقاؤنا بالسفير الشيخ بالحاج الحاج عمر بن محمد القراري.
- لقاؤنا بالمشايخ المعزِّين.
نذكر شيئا مهمًّا وهو:
- إلحاح الإخوة على قبول توفير زاد للطريق قبل الانطلاق، رغم توفر ذلك في تونس (وذلك لحكمة أرادها الله) في طريقنا.
- زيارتنا لجزيرة جربة.
- لقاؤنا بالشيخ سالم بن يعقوب المؤرِّخ الداعية.
- لقاؤنا بآل الباروني.
في الطريق إلى الحدود الجنوبية التونسية، وفي قفصة، وقبل اجتياز قفصة تسبَّب تمزُّق إطار عجلة السيارة ليلاً في التعريج إليها والذهاب إلى النزل، واخترنا النزل الذي نزلنا به عند قدومنا أوَّل الأمر (نزل الواحة) حتى يتم إصلاح العجلة الممزقة تماما في الصباح إن شاء الله.
__________
(1) - لقد كان اختياره لي لوجود علاقة تربطني بالمرحوم، وهي أني كنت مدرسا بمدرسته القرآنية في السنة الفارطة. (17/7)
صفحة 337
وخوفا من السرقة (كما حدث عند قدومنا) أنزلنا كلَّ شيء حتى الزاد والأمتعة وتركنا السيارتين في محطَّة البنزين المحروسة ليلاً ونهارًا. في منتصف الليل سمعنا دويا قويًّا خلناه انفجار قارورة غاز، وفي الصباح علمنا أنَّ كل من خرج من قفصة في اتجاه وادي سوف في تلك الليلة تعرض للقصف والموت، كما شاع أنَّ المتسببين جزائريُّون، ويحملون أوصافنا، لهم «قشابيات» وملتحون. فكان القتل والدمار للأبرياء العُزَّل، والذبح في الشوارع، والزج بالناس في أقسام المدارس، وإلقاء القنابل عليهم من نوافذها.
بقينا في النزل ننتظر الموت المحتوم، والرصاص يدوِّي من فوق النزل، خمسة أيام قضيناها بلا زاد إلاَّ الزاد الذي أُلزمنا بأخذه من الإخوة الكرماء.
كان الشيخ عدُّون أكثرنا ثباتا، والمتصدِّر لختمات القرآن، وللدعاء. وكان الشيخ عدُّون أكثرنا بذلا حينما اضطررنا لشراء إطار العجلة من جديد.
هكذا السفر دروسٌ ومحكٌّ لمعرفة الرجال ومواقفهم. ولعلَّ الاستجابة للأمور الجليلة ـ مثل الأسفار ـ أعظم محكٍّ لمعرفة إخلاص الرجال ومدى صبرهم.
ضرب الشيخ عدُّون أروع الأمثلة في الصبر والكرم والتواضع، كما ضربت الجماعة أروع الأمثلة في طاعة الشيخ، فلا أحد ينفرد برأيه، والكلُّ يخاطبه بأرق العبارات، ويقدم له كلَّ الخدمات. لقد كانت الرحلة كلُّها ـ بحلوها ومُرِّها ـ تحفُّ بها الكرامات الإلهية, ومِنَنٌ من الله عزَّ وجلَّ، نرجو ذخرها وثوابها عند الله يوم القيامة.
ب- النموذج الثاني: رحلته إلى الغرب الجزائري:
من خلال المقال الذي كتبه الشيخ عدُّون سنة 1351هـ الموافق لـ 1932م (1) يصف فيها رحلته إلى الغرب الجزائري مرافقا للشيخ بيُّوض رحمهما الله، تعدُّ هذه الرحلة نموذجا لرحلة داخلية استطلاعية دعوية من رحلات الشيخ الكثيرة.
__________
(1) - جريدة النور اليقظانية. (17/8)
صفحة 338
*- المحطة الأولى: ابتدأت الرحلة في 28 صفر 1351هـ من الجزائر إلى البليدة رافقهم فيها الشيخ أبو اليقظان، وعُقدت هناك جلسات تناولت عدَّة مواضيع إصلاحيَّة، وكانت الاجتماعات جلسات علميَّة دراسية.
*- المحطة الثانية: هي مدينة «الأصنام» كما كانت تسمَّى (وتسمَّى «الشلَف» حاليا)، وقد ميَّز الشيخ جماعة «الأصنام» بقوله: «رأينا فيهم الكرم الفيَّاض، والخلق الكريم، والصلاح والتقوى، قد امتازوا عن سائر البلاد بالقيام بمسجدهم وعمارته، حيث إنَّهم كلُّهم يقفلون دكاكينهم عند صلاة العشاء ويؤمُّون جميعا المسجد، ولدى اجتماعهم يدرسون حزبين من القرآن الشريف، وهذا دأبُهم كل يوم» (1).
أقام الوفد في مدينة «الأصنام» ليلتين، وألقى الشيخ بيُّوض في الليلة الأولى درسا في التفسير في قوله تعالى: ژ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ژ (التوبة: 18).
في الليلة الثانية أقيمت لهم حفلة أدبية شيِّقة، ألقى فيها الشيخ بيُّوض درسا في موضوع أهمية التعليم وبذل كلِّ شيء في سبيله.
أمَّا المحطة الثالثة فهي مدينة «مستغانم»، فرغم عدم إخبار جماعتها بالقدوم فقد قاموا بواجب الاحتفاء بالوفد، وطافوا به بين أقسام المدينتين القديم والجديد، وألقى الشيخ بيُّوض درسًا حثَّ فيه الجماعة على التضامن وإصلاح ذات البين، والسعي في تأسيس مدرسة لتعليم أولادهم، إلى استغلال وإصلاح دار موقوفة لهذا الغرض.
__________
(1) - المصدر نفسه. (17/9)
صفحة 339
أمَّا المحطة الرابعة فهي مدينة «غليزان»، فقد لقي الوفد حفاوة بالغة من الميزابيين وأهالي غليزان على السواء، لقد أشاد الشيخ عدُّون (- رحمه الله -) بالحفاوة التي استُقبلوا بها: «رأينا منهم من الكرم الحاتميِّ والسخاء النادر، ومن الصفاء والتضامن والإخلاص، وإكبار شأن العلماء وتقديرهم حقَّ قدرهم ما يفوق حدَّ الوصف» (1)، وألقى فيهم الشيخ بيُّوض درسا بليغا في موضوع الوحدة، دام ساعة ونصفًا.
ويقول الشيخ عدُّون واصفا هذا الدرس بأنَّه: «ضمته عظات وعبر تاريخية، وأدَّلة وبراهين على وجوب الاتحاد والتعاون صفًّا واحدًا في سبيل خدمة الدين وإعلاء كلمة الله، على أنَّ مبادئ المذهب لا تمنع من انضواء الكلِّ متساندين جنبًا إلى جنب تحت لواء لا إله إلا الله ... » (2). ولقد ترك الشيخ بيًّوض المستمعين مندهشين لِسَعَة علمه وحُسنِ بيانه، وتلقَّوا ما سمعوه بالقبول والإذعان والإعجاب.
وهكذا ... فإنَّ الشيخ عدَّون (- رحمه الله -) أراد أن يُفيد القارئ والسامع بهذه الرحلة المباركة، وقد أراد أن يشارك قرَّاء جريدة الشيخ أبي اليقظان بما استفاده من رحلته هذه، وكان همُّه انتقاء أهمِّ أخبار الرحلة.
كما نلاحظ أنَّ الشيخ بيُّوض (- رحمه الله -) كان ينتقي الدروس حسب ما يقتضيه المقام.
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - المصدر نفسه. (17/10)
صفحة 340
ومن كلام الشيخ عدُّون نأخذ وصفا جميلا للمأدبة التي أقامها الأهالي للوفد، ولنتائج التضامن والوحدة وللحفاوة بالعلماء من سكان «غليزان» أهالي وميزابييِّن. يقول الشيخ عدُّون: «وفي الليل أدَّب إخواننا الأهالي مأدبة فاخرة كانت مثالا للكرم الحاتمي العربي البدوي، إذ كانت في سرادق بديع؛ مضروب على أعمدة مرتفعة من جميع جهاته على شكل مظلة، مزدان بأنوار الكهرباء، مفروش بزرابي مبثوثة في ساحة خارج البلدة فسيحة، والهواء طلق، والنسيم عليل، وكانت المائدة حاوية لكلِّ ما لذَّ وطاب من مأكل ومشرب، وقد حضرها كلُّ من حضر في الصباح وأكثر» (1). على إثر ذلك ألقى الشيخ درسا في حقِّ المسلم على المسلم، وكذا في البذل والكرم، وشرح قوله تبارك وتعالى: ژ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ژ (2).
وكان الشيخ بيُّوض يستغلُّ فرصة وجود الشباب، فكان يحثُّهم على الافتخار بالتدين، وأنَّ الدين لا يتنافى مع المدنيَّة، مقارنا ذلك بما يقع في أوروبا أنَّها تعتز دائما بالكنيسة، أمَّا ناس اليوم فيرون ذلك سبَّة وعارًا.
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - سورة البقرة: 261 - 262. (17/11)
صفحة 341
أمَّا المحطة الخامسة فهي «تيارت» «تاهرت»: حيث زار الوفد والمرافقون له آثار الدولة الرستميَّة، وتذكَّروا فيها أمجادها. يقول الشيخ عدُّون: «ومن تيارت زرنا أطلال «تاهرت» فذكَّرتنا لما للدولة الفخيمة من حضارة واستبحار عمرانها، وازدهاره أثناء تألُّق نجمها في سماء الجزائر، واستواء بدرها في كبد سمائها، ولم يبق لذلك من أثر غير هذه الأطلال التي تنشد بلسان حالهم: «تلك آثارنا تدل علينا»» (1).
*- المحطة السادسة مدينة «السوقر»: ذكر الشيخ عدُّون لقاءهم بالوطني الغيور الطيب عمر ـ القسنطيني الأصل ـ ووصف ما رأى فيه من الشهامة والغيرة الصادقة والشدَّة على الخرافيِّين وأهل البدع، واللين من جهة أخرى على المصلحين وخفض الجناح لهم.
هكذا انتهت زيارتهم عبر «أفلو» و «الأغواط» حيث وصلوها يوم الثلاثاء 7 ربيع الأول 1351هـ.
فوائد هذه الرحلة:
لقد ختم الشيخ عدُّون مقاله هذا بكلمات علينا أن نكتبها بماء الذهب، ونحفظها للأجيال الصاعدة، ويمكن أن تأخذ منها فوائد جمَّة، إذ يقول:
«الآن الفوائد المستخلصة:
*- إنَّ في الأمَّة استعدادًا للنهوض والرقيِّ إن وُجِدَ من يأخذ بيدها من الرجال المخلصين، ويتقدَّم بها في الميادين الصالحة.
*- إنَّ بذور الوفاق والأُلفة قد أثمرت ثمارًا طيِّبة وآتت أكلها ضعفين.
*- إنَّ دعاة التفرقة وسماسرة السوء قد لقيت دعايتهم الخبيثة فشلاً وخيبة.
*- إنَّنا لم نشاهد إلاَّ تضامنًا وتكاتفًا والتئامًا والتحامًا ... وهُتافا بحياة أنصار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومؤيِّديها ... كلُّ هذا من جهود رئيسها الجليل وأعضائها المخلصين» (2).
كلمة أخيرة في شأن هذا الموضوع:
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - المصدر نفسه. (17/12)
صفحة 342
أنهى الشيخ عدُّون مقاله بكلمة أخيرة، فيها دعوةٌ مباشرة لكلِّ واحد منا حتى يسعى في رحلة إصلاحيَّة لرأب صدع المسلمين، وإحباط دسائس المندسِّين، ويقول فيها: «إنَّ الأمَّة بحاجة أكيدة إلى أمثال هؤلاء الدعاة المخلصين، حتى يزول منها تماما ما علق من الأوهام والأغراض السيِّئة التي ينفثُ سمومها الدجاجلة والانتفاعيون، وذوو الأغراض السافلة، فلَرحلةٌ واحدةٌ في ظرف أسابيع أعظم أثرًا وأجدى نفعا من جريدة سيَّارة قائمة بوظيفتها عدَّة سنين» (1).
ووجَّه الكلام إلى المصلحين المخلصين قائلا: «فليوجِّه المصلحون العاملون عنايتهم إلى هذه الناحية من الإصلاح، فإنَّها أقصر مسافة، وأضمن طريقة للنجاح، وأجزل فائدة وأعم نفعا» (2).
ولا يسعنا إلاَّ نستثمر هذه الجهود السابقة من شيخنا في أمثال هذه الرحلات الطيبة، مهتدين بهدي الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين والأئمَّة المهتدين رضوان الله عليهم أجمعين.
ج- النموذج الثالث:
من خلال جلسة تاريخية شيِّقة (مصورة بالفيديو) بمنزله مع الشيخ شريفي بالحاج بن الشيخ عدون، دار حديثنا حول:
1 - زيارة الشيخ إلى جربة ونفوسة سنة 1972:
المشاركون في الرحلة:
الشيخ بيُّوض، الشيخ عدُّون، السيد عمر بن بكير الحاج مسعود، الشيخ حمُّو بن عمر فخَّار، السيد عمر سكوتي، الشيخ بالحاج بن عدُّون شريفي، السيد الحاج أحمد خياط.
*-محطات الرحلة:
*- من القرارة إلى مليكة.
*- من وارجلان إلى الحدود التونسية من جهة الوادي مباشرة إلى جربة.
*- الاستقبال في «البطَّاح» المؤدي إلى جربة.
*- جلسات مع الشيخ سالم بن يعقوب (- رحمه الله -).
*- كان نشاط جربة في الليل لسماع دروس الشيخ بيُّوض.
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) - المصدر نفسه. (17/13)
صفحة 343
*- زيارة غار «أمجماج»، ذلك المعلم التاريخي الذي اجتمع فيه سبعة من المشايخ لتأليف «ديوان الأشياخ»، ولا يسع لأكثر من عشرة أنفار، لأنَّ طوله أربعة أمتار وعرضه متران، وارتفاعه ما يقارب المترين. وبعد زيارته عقد الوفد ختمة القرآن، ودعا الشيخ بيُّوض بدعاء، فخنقته العبرة لجلال الموقف، ذلك ما جعل الشيخ بالحاج شريفي يختنق بالعبرات أيضًا، بعد أن تذكر الموقف الرهيب وهو يقصًّه علينا بعد 27 سنة.
*- التوجُّه إلى ليبيا.
*- المبيت في الحجر الصحِّي.
*- استقبال الشيخ علي يحيى معمَّر للوفد صباحا بمعيَّة أحد الطلبة القدامى.
*- الانطلاق إلى «جبل نفوسة»، والنزول في المدارس التي كانت تحت إشرافه.
*- التوجُّه إلى مدينة «جادو».
*- زيارة الآثار القديمة الموجودة بجبل نفوسة.
2 ــ زيارته لفرنسا منها إلى المشرق: سوريا ولبنان ومصر سنة 1974:
المشاركون في الرحلة:
الشيخ بيُّوض، الشيخ عدُّون شريفي، الشيخ بالحاج بن عدُّون شريفي، السيد عمر بن بكير الحاج مسعود، السيد الحاج أحمد خياط، السيد بوقرطاس محمد بن عمر.
*-محطات الرحلة:
*- من الجزائر إلى باريس.
*- من باريس إلى دمشق، ومنها إلى حلب.
في المطار أعجب بعض الحاضرين بهيئة الشيخ بيُّوض واستضافوه إلى عزاء كان المتوفى أحد أقارب «فاروق النبهان».
*-المزارات والشخصيات:
*- زيارة سجن المتنبي.
*- زيارة قبر خالد بن الوليد ـ سيف الله المسلول ـ في العودة إلى دمشق.
*- الاتصال بالدكتور شكري فيصل مشرف الدكتور محمد ناصر.
*- الاتصال بعز الدين بليق الذي طبع شرح النيل للشيخ اطفيش، واصطحب الوفد معه إلى لبنان.
*- الاتصال بالدكتور فتحي، كانت له مؤسَّسة علمية من الحضانة إلى الجامعة.
*- زيارة الجامع الأموي.
*- زيارة قبر صلاح الدين الأيوبي.
*- زيارة جبل قاسيون، وكان عاريا تماما من البناء آنذاك.
*- زيارة منابع نهر بردى، وكان غزيرا دفاقا آنذاك، وكانت مياهه صافية قبل أن يلوث بمياه الصرف. (17/14)
صفحة 344
*- زيارة غوطة دمشق الفيحاء.
*- لقاء بالمحدث الكبير الشيخ الألباني.
*- في القاهرة كان نزول الشيخ بيُّوض عند الإمام الشيخ غالب وأخيه طالب، ونزل بقية الوفد عند الشيخ الحاج محمد اطفيش بالمطرية.
*- زيارة بعض المعالم التاريخية.
هذا ما شاهده الشيخ شريفي بالحاج مع الوفد، وقصَّه علينا في الشريط المسجَّل، ولم يستطع زيارة خطِّ «بارليف» مع الوفد لحلول أجل الدخول الجامعي.
*- زيارة مدينة الإسكندرية.
ولقد ذكر ابنه الشيخ بالحاج بن عدُّون في آخر الحصَّة بقية رحلاته باختصار بأنَّه حج أوَّل مرَّة سنة 1934، وحجَّ آخر مرة سنة 1987، وربما قد حجَّ مرة ثالثة.
*- سافر إلى أوروبا، ومنها إلى المشرق مرَّتين.
*- سافر إلى فرنسا عدَّة مرات، منها ما هو للعلاج.
*- سافر إلى تونس عدَّة مرات، وزار البعثة بعد 1951م.
ويتساءل الشيخ بالحاج: هل زار الشيخ عدُّون عند افتتاح دار الحديث سنة 1937م مع المشايخ الشيخ بيُّوض والشيخ أبو اليقظان، ويقول: «لقد استغللت حضور ضيوف تلمسان إلى «مهرجان الوفاء» (1) وسألت أحدهم فأكَّد لي أنَّ الشيخ عدُّون حضر ذلك الافتتاح، ولكن لم يظهر في الصورة مع الشيخ بيُّوض والشيخ أبي اليقظان»، رحم الله الجميع.
خاتمة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقد حرصنا أن نعتمد على أوكد المصادر وأقربها لكتابة هذا المقال، وقد أجرينا لقاء مع فضيلة الشيخ بالحاج شريفي (2)، وتتبعنا ما كتبه الشيخ عدُّون بيده، وكنَّا أحد المصادر في الرحلة إلى ليبيا كشاهدٍ أوَّل، وندعو الله أن نكون أمناء، وأن الذاكرة لم تخنا بعدُ إن شاء الله.
__________
(1) - كان ذلك خلال «مهرجان الوفاء» لتأبين الشيخ عدٌّون وافتتاح المبنى الجديد لمعهد الحياة، والذي أقيم بالقرارة، أيام: 4 - 6 جمادى الأولى 1430هـ / 29 - 30 أفريل و1 ماي 2009م.
(2) - وذلك خلال ربيع الثاني 1430هـ / أفريل 2009م. (17/15)
صفحة 345
كانت هذه مصادرُنا، ونأمل مستقبلاً أن تتوفر لدينا بقية المعلومات، لاسيما مذكرات الشيخ، وتقارير التفتيش التربوي، لمعرفة طبيعة الأسفار، كمبيته في مدينة وانتقاله سحرًا ليفتش المدارس القرآنية فجرًا ... وسنبحث بقية المعلومات من المصادر الأخرى إن شاء الله، من المصادر الشفوية ممن سافر معه، كما آمل أن أجد المادَّة في مذكرات الشيخ حمُّو فخار، فالموضوع في بدايته، أقترح على الباحثين مواصلة التعمُّق فيه. وأشكر الشيخ بالحاج بن عدُّون حفظه الله الذي فرح لهذا الموضوع الطريف. كما أشكر الذين وفروا لي المادة الخبرية عن الشيخ عدُّون من خلال صحافة أبي اليقظان (- رحمه الله -)، وهي أوثق وأهم مصدر. والله من وراء القصد.
ژ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ژ (التوبة: 105).
- - - (17/16)
صفحة 346
"مكتبة السيِّد" معلمٌ من معالم العلم والمعرفة والثقافة بسلطنة
أ: إدريس بن بابه باحامد القراري
أمين مكتبة السيد ــــ سلطنة عُمان
idbahamed@yahoo.com
م
(مقدمة:
من المعلوم لدى كل مسلم أنَّ الله سبحانه وتعالى دعا إلى العلم وحث على السير في طريقه، وجعل ذلك بابا من أبواب الجهاد، من خلال ما وضَّحه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - في سنَّته المطهرة من أحاديث تؤكد الأمر وترغب فيه، وهو أمر لا مناص ولا بد منه، وخاصة في هذا العصر.
ويزداد الأمر أهميه وخطورة - في آن واحد - حينما نرى أن العالم الإسلامي يُقَاوَمُ وبكل شراسة من قبل أعدائه على مختلف المستويات والأصعدة، لذا كان لزاما الحفاظُ على هذا الأمر الرباني وهو طلب العلم؛ لا بالأوامر فقط بل بالعمل الذي يُعَدُّ السَّاعِدَ المتينَ للعلمِ، على كافة المستويات، وباختلاف الوسائل والتقنيات، ومن بين تلك الوسائل: إعداد مراكز للعلم، بكل ما تحويه كلمة العلم من معنى، فلا يتعلَّق العلم بالتلقي عن الأستاذ أو الشيخ أو المربي، أو اللجوء إلى مخابر للتحليل والتدقيق والتجربة والإحصاء، أو بالجلوس ساعات طويلة على كراسي المكتبات المختلفة؛ وإن كنا لا ننكر هذا؛ فهو في الحقيقة ضربٌ من ضروب طلب العلم، وتحويله إلى معرفة. (18/1)
صفحة 347
فالمعرفة والعلم يجب أن يكونا متلازمين تلازم الماء والهواء ليبقى الكائن الحي حيًّا، إذ المعرفة ثمرة للعلم والعمل المتلازمين، لذا فإن الله تعالى قيَّضَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَنْ يحمي لها موروثها العلمي والحضاري، فيمزج بين التراث الذي تركه الأجداد من علم الذي سهروا وبذلوا النفس والنفيس من أجله، فراحوا يدوَّنون الكتب والموسوعات، بما تيسر لهم من وسائل بسيطة جدا، لا تعدوا أن تكون منتجات محليَّة من إنتاجهم أحيانا، بل هو الغالب الأعم عند كثير من العلماء، فتركوا لنا بفضل علمهم وجهادهم تراثا علميا ضخما، في مختلف ميادين العلم والمعرفة؛ بداية من العلوم الإسلامية والدينية التي كانت ميدان كثير من العلماء، إيمانا منهم بأن هذا هو أول علم ينبغي أن يُتَعَلَّمَ، امتثالا لقول سيد البشرية وخير البرية محمد - صلى الله عليه وسلم - «علموا أولادكم القرآن فإنه أوَّل ما ينبغي أن يُتعلم من علم الله هو» (1)، مرورا ببقية العلوم الأخرى، كالفلك والطب والفيزياء والكيمياء، والرياضيات وعلوم الأحياء، وهذا مما برع فيه المسلمون، منذ رعيلهم الأول، فتركوا لنا رصيدا ضخما ومهمًّا جدا، وموروثا حضاريا قيِّمًا لا يمكن التغافل عنه، أو الزهد فيه.
وقد قيَّض الله تعالى لهذا كله من يحميه ويبلِّغه إلى الخلف جيلا عن جيل، محفوظا مصفوفا مرتبا ومصنّفا.
__________
(1) - رواه الربيع بن حبيب، «الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب»، (باب في ذكر القرآن)، مكتبة الاستقامة مسقط، سلطنة عمان، ص7. (18/2)
صفحة 348
ومن بين هؤلاء الذين قيَّضهم الله تعالى لتحَمُّلِ عِبْءِ هذه المسؤولية، السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي - رحمه الله - (المستشارالخاص لصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد للشؤون الدينية والتاريخية)؛ الذي كان من أهل الله تعالى وخاصته، فَهِمَ وَوَعَى حَقِيقَةَ مَا يجب عليه؛ فلم يُثْنِهِ مَنصبه السياسي وانشغالاته الكثيرة والمتعدِّدة عن الاهتمام بالعلم والمعرفة إلى أبعد الحدود، فقد كان عَالِمًا وَعَلَمًا بارزا يضاف إلى قائمة العلماء الذين لم ينشغلوا بتدوين الكتب، والمصنفات، - إلاَّ ما ندر - بقدر ما كان عالما بما فيها، ومحافظا عليها.
ومن تمام حفاظه على تلكم المعارف والعلوم، تأسيسه لمكتبة ضخمة تُعَدُّ كَعْبَةً للقرَّاء والباحثين، والزائرين والمطَّلعين، ونادرة من نوادر الثقافة في سلطنة عُمان، لما تحويه من جواهر ونفائس، قلَّ أن تجد مكتبة في العالم على غرارها، وليس المقصود بهذا شكلُهَا أو نَوْعُهَا، بِقَدْرِ مَا يُقصد من هذا القيمة التاريخية والعلمية لهذه المكتبة، التي تحوي موادَ ثقافية وفكرية وعلمية متنوعة، بداية من المخطوطات النفيسة، والكتب المطبوعة القيمة، والأثريات التاريخية العريقة التي تجسِّد وتحكي تاريخ شعب وتراث أمَّة.
ولإبراز جزء من قيمة هذه المكتبة العريقة للعيان، ارتأيت أن أقدِّم في هذه النبذة بعض معلومات عن المكتبة على الوجه العام، علَّ الله سبحانه وتعالى يمد في الأنفاس ليرى الكتاب الحاوي لكلِّ ما تتضمنه المكتبة النور قريبا، وحسبي في هذا المقال أن أضع النقاط على بعض حروف هذه المكتبة العريقة، والصرح العلمي الأشم.
- - اسم المكتبة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (18/3)
صفحة 349
تسمَّى المكتبة «بمكتبة السيِّد»، أو «مكتبة السيد محمد بن أحمد»، وقد صار هذا الاسم علما على مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالغلبة، فحينما يطلق اسم «مكتبة السيِّد» ينصرف الذهن إليها مباشرة دون غيرها من المكتبات، وقد تعارف الباحثون والرُّواد على هذا الاسم، وهي تقع داخل مزرعته - رحمه الله - في منطقة الشَّرادي من ولاية السيب، بمحافظة مسقط.
- - مؤسِّسُها:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أسَّس المكتبة السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي، من أسرة جليلة القدر والمكانة، ولد بولاية صور حوالي 1322هـ، وتلقَّى تعلُّمه الأول في نزوى ونشأ بها، واحتكَّ بالعلماء الأفاضل والأماثل، وطالما كان يلتقي بالعلماء فهو من عائلة عِلْمٍ لها سيطُها وباعها الطويل في هذا الميدان، وهذا ما كان دافعا وسببا في بروز ونبوغ السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، حتى صار قطبا من أقطاب الثقافة والفكر، لما اكتسبه من معارف في شتى المجالات والعلوم الفقهية الدينية وكذا العلوم الدنيوية وعلى رأسها علم الفلك.
عُرف بالحكمة والرصانة والمهابة، وله مواقف جليلة يتداولها خلق كثير من بعده، ولا يتسع المقام لذكرها الآن، وهذا ما سنفرد له بحول الله تعالى بابا خاصا في غير هذا المقام، حتى نذكر جميل من تعب وسهر وضحى من أجل أن يبني مجتمعه ويضيف لبنة من لبنات التَّقدم والازدهار طيلة حياته التي عاشها مواطنا ومسؤولا سياسيًّا كبيرا، تُشدُّ إليه الرحال للاستفسار والعلم والاستشارة وغيرها. (18/4)
صفحة 350
تولى معالي السيد عدَّة وزارات في عهد صاحب الجلالة السلطان قابوس، كان فيها المسيّر المحنَّك، الذي يقدِّر الأمور قدرها، ومن هذه الوزارات: وزارة العدل والأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة الداخلية، ووزارة شؤون الأراضي، ثم عيّن بعد ذلك مستشارًا خاصًّا لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، وكان هذا في يوم: 25 جمادى الثانية 1399هـ، الموافق 22 مايو 1979م. وبقي في هذا المنصب الذي أجاد فيه وأحسن وأبدع في القيام بمسؤوليته إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى يوم الخميس 22 نوفمبر 2012م. محرم 1434هـ.
- - التأسيس:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لمكتبة السيد محمَّد بن أحمد تاريخ عريق إِنْ عَلَى مُسْتَوَى التأسيس أو بعده، فقد كانت بدايات تأسيس المكتبة في السبعينيات من القرن الماضي، حيث كان معالي السيد يجمع الكتب والمخطوطات في غرفة صغيرة وهذه الغرفة كانت في محلِّ المكتبة حاليا، فقد كان رجلا شغوفا بالعلم وأهله، يرعى العلم بالحفاظ عليه ويقرب العلماء بإكرامهم وبذل النفس والنفيس لهم، الأمر الذي جعله يجمع من فنون العلم القدر الكبير من مخطوطات ومطبوعات وغيرها.
وقد أكرم اللهُ سبحانه وتعالى السيد محمد بن أحمد فوفَّقه لبناء المبنى جديد للمكتبة وهو ما عليه شكل المكتبة حاليا، والداخل لهذا المكان يجد له خصوصية راقية من حيث الشكل الهندسي البديع، فهي ذات شكل ثُمَانِي، يتميّز بفن معماري عماني عريق، تتوسط المكتبة باحة واسعة تلقى طاولة مستديرة جناحها عليها لتغمر الباحثين بالجد والكدِّ والعطاء لتحقيق المسائل، والإبداع في شتى فنون العلم. (18/5)
صفحة 351
كما تحوي المكتبة بعضا من الوسائل العصرية التي تفيد الباحثين وروَّاد المكتبة من طلبة وغيرهم، كجهاز كمبيوتر، وطابعة لنسخ ما يلزم نسخه، وكان السيد محمد بن أحمد يعتبر هذه المكتبة لشدَّة تعلُّقه بها (منسكا من مناسكه اليومية)، فكان يقول: «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في المكتبة!»، إيمانا منه بضرورة احترام العلم وأهله، لمن أراد الاستفادة والإفادة.
بدأ السيد محمد بن أحمد البوسعيدي في جمع مخطوطات المكتبة وما تحويه كما سبق من السبعينات وكان اهتمامه بالمخطوط لعدة أسباب منها:
1 - تأثُّره بضياع مكتبة الشيخ خلف بن سنان والتي تحوي سبعة آلاف (7000) مخطوطة أو تزيد.
2 - اهتمامُه الشديد بالعلم والمعرفة قبل كلِّ شيء، ما جعله يسعى لجمع المخطوطات بشتى الطرق والوسائل مهما صعبت المسالك، وعزَّت المقاصد، وغلت التعويضات.
3 - يرى السيد محمد أنَّ المخطوط: يمثل عصرًا من العصور وجيلا من الأجيال؛ فينبغي الاهتمام به لوصل الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل، فهو ذاكرة الشعوب والأمم، وهو هوية المجتمع، فمن خلاله نستكشف جوانب المجتمعات المتعدِّدة، كالجانب الأدبي والتاريخي والحضاري على اختلاف ميادينه وفنونه.
4 - عشقه الفريد للعلم، ونهمُه الشديد للمعرفة، والاطلاع على ما ورد من علم في بطون تلك المخطوطات، التي قد لا يرعى لها البعض بالا جهلا لما تحويه من كنوز ودرر، تحرك الحضارة، وهي سبب من أسباب التمكين لدين الله تعالى.
5 - يُعتبر المخطوط كنزًا من كنوز التاريخ لا ينبغي تضييعه، ففيه حياة الأمم.
6 - المخطوط جهد إنسانيٌّ بذل فيه مؤلِّفه مجهودًا كبيرًا، وفرَّغ فيه زبدة علمه، وجوهر خبرته، فكيف لا نهتم به؟!
7 - المخطوط ركيزة متينة من ركائز المعرفة، ومصدر مهمٌّ من مصادر المعلومة التي يرجع إليها الباحثون والمحقِّقون والمنقبُّون، لتنير لهم طريقهم وهم يخوضون عباب بحور العلم والمعرفة المتنوعة. (18/6)
صفحة 352
- - مراحل جمع وترتيب وتصنيف معالي السيد محمَّد للمخطوطات:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقد بذل السيد محمد بن أحمد - رحمه الله - جهودًا معتبرة في سبيل الوصول إلى المخطوط واقتنائه ممن يملكونه، وكانت له طرقٌ خاصَّة في الوصول إلى المخطوط، وله مراحل مهمَّة في ترتيبه ومراجعته وتصنيفه، إلى أن يجد المخطوط مكانه المناسب في الرَّف داخل المكتبة، بوسع كلِّ باحثٍ أن يصل إليه ويستفيد منه بكل سهولة ويسر.
ففي كثير من الأحيان بل وأغلبها كان السيد محمد هو من يزور المناطق والولايات متجشِّما عناء السفر ووعورة الطرق بحثا عن المخطوطات، وقد يرسل أحيانا من ينوب عنه في تلك المهمَّة، ليصل إلى المخطوطات، ويشتريها من أصحابها بما يرضيهم هم، فصاحب المخطوط هو من يقدِّر مبلغ المخطوط، ولا يبخل السيد - رحمه الله - في ذلك بل يعطي صاحبَ المخطوط ضعف ما طَلَبَهُ، إيمانا منه بأهمية ذلك المخطوط، وإن كان صغيرا في الحجم.
وفي بعض الأحيان يأتي إليه الناس ببعض المخطوطات فيقوِّمها وينظر فيها، مستعينا بمن معه؛ من أهل الخبرة في الميدان، ومنهم الفاضل/ عبد الله بن سلطان المحروقي، الذي كان مديرا لمكتبه زمناً - وقد تقاعد حاليا – فيقوِّمون المخطوط، ويعطى لصاحبه ما طلبه من مبالغ وزيادة.
وقد زار في هذا الشأن عدَّة ولايات وقرى ومدن، ومن بين الولايات التي زارها: ولاية الرستاق، وصور، وسمائل، وقريات، وغيرها من ولايات ومحافظات السلطنة، وقد وقعت له مواقف ووقفات مهمَّة في سبيل ذلك، ومن بين المواقف التي وقعت له، موقفه مع تلك المرأة التي جاءت إليه وقالت له: عندي مخطوطة كمثل الجزلة (نصف جراب تمر) فقال لها: هات الجزلة والجراب، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على استعداده لاقتناء المخطوط مهما كان حجمه وثمنه. (18/7)
صفحة 353
ولم يثنه العزم على أن يكلِّف ويوجِّه من يتولَّى جمع المخطوطات من خارج السلطنة، وقد حكى لي مدير مكتبه السابق الفاضل/ عبد الله بن سلطان المحروقي (1)، أنه كلِّف من طرف معالي السيد في مرَّات عديدة للسفر إلى زنجبار في الثمانينيات من القرن الماضي، لهدف جمع المخطوطات والوثائق العُمانية التي لا تزال موجودة هنالك، وقد جلب له نصيبًا كبيرًا منها، وما زنجبار إلى مثال من أمثلة جلب المخطوطات من خارج عُمان.
ومِمَّا وجدته في المكتبة، بعضُ المخطوطات المغاربية التي جُلبت لمعالي للسيد من خلال بعض زوَّار المكتبة من الجزائر وبالتحديد ميزاب وغيرها، على غرار الجزء الحادي عشر من «شرح النيل» بخط مغربي، وهو كما وجدت في تقييد السيد للمخطوطات أنه بخط القطب نفسه ورقم المخطوط (2067)، ونسخة من تفسير الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، بخطِّ الشيخ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، ومصحف مخطوط بخط مغربي من مليكة العليا، كان يملكه الفاضل/ سليمان بن عبد الرحمن بن لولو الميزابي، كما هو مكتوب في الصفحة الأولى من المصحف المخطوط، إضافة إلى بعض المخطوطات الفارسية والتركية، مثل مخطوطة «بحر المعاني» باللغة الفارسية، و هي تحمل رقم: (1548) بالمكتبة، ومخطوطة «ديوان محمد بن فاضل بن ملا محمد شريف خوقندي»، والتي تحمل رقم: (1597)، وغير ذلك مما يدل على سعة أفق معالي السيد، في جمعه لهذا الكنز الثمين.
__________
(1) - كانت لي زيارة للفاضل في بيته في شهر 12/ 2102م، وقد حدّثني عن المكتبة ودور معالي السيد - رحمه الله - في إنشائها، معقِّبا على الجهود الجبارة التي بذلها معاليه - رحمه الله - في سبيل هذه المكتبة. (18/8)
صفحة 354
وقد كانت لمعالي السيد صناديق من حديد يضع فيها المخطوطات، يأخذها معه إلى بيته بالأشخرة (منطقة ساحلية في محافظة الشرقية) فهو مكان يتَّسم بالهدوء والسَّكينة والجو الطيِّب، يتفرَّغ فيه أيام إجازته الأسبوعية مع حبيبه وقرَّة عينه المخطوط، يتناول المخطوطات التي جمعها واحدًا واحدًا، يتصفَّح فيها، ويدوِّن ما يجب تدوينه من ملاحظات عن المخطوط، ثم يصنِّفه، ويضع كلَّ مجموعة من المخطوطات على حده، فهنالك مخطوطات تحتاج إلى تسجيل، وهنالك مخطوطات تحتاج إلى تجليد، وهنالك مخطوطات تحتاج إلى تجمير، وهنالك مخطوطات تحتاج إلى تصنيف، وأخرى تحتاج إلى صفٍّ وترتيب، وهكذا يعيش إجازة أسبوعه غارقا في بحار تلك الكنوز التي - بفضل الله ثم بفضل جهوده المخلصة - وصلت إلينا.
وقد كان يسهر مع المخطوط إلى ساعات متأخرة من الليل، ليتمكَّن من تصنيف المخطوط وما يحويه من فوائد، وفي المكتبة دفترٌ من الحجم الكبير فهرس فيه كلَّ ما في المكتبة من مخطوطات ووثائق بخط السيد نفسه، الأمر الذي يؤكِّد ما سلف ذكره.
- - عدد المخطوطات في المكتبة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- - الكتب المخطوطة الأصلية:
تضمُّ مكتبة معالي السيد عددًا كبيرًا جدًا من المخطوطات يقدّر بـ: (2079) مخطوطا حسبما وجدت في تقييد المخطوطات الأصليَّة بخط الشيخ: محمد الرمضاني، وكان آخر مخطوط دوَّنه هو: «أنوار الرسول» في جزأين.
أمَّا ما وجدته مقيَّدًا بخط السيد نفسه فهو (2073)، وكان آخر مخطوط دوَّنه بعنوان: «كتاب حقائق الإيمان»، ورقم هذا المخطوط هو نفسه في تقييدات الشيخ الرمضاني، وهذا يدلُّ على أنَّ الشيخ الرمضاني أضاف ستة (6) مخطوطات لم يدوِّنها السيد محمد بخط يده في دفتر تقييد المخطوطات الخاص به. (18/9)
صفحة 355
على أنَّه يجب التنبُّه إلى أمر مهمٍّ ألا وهو ما يتعلَّق ببعض الموسوعات الفقهية الضخمة مثل: «بيان الشرع»، و «قاموس الشريعة»، و «المصنف»، فإنَّ هذه المصنفات، قد رقَّمها السيد ترقيما خاصًّا بها، كما هو الأمر بالنسبة للمصاحف والتفاسير، فكان السيد يستأنف الترقيم عند كل موسوعة من الموسوعات، وكذا المصاحف والتفاسير، فيكون بالتالي:
1 - مجموع المصاحف والتفاسير: (129) مخطوطا.
2 - مجموع بيان الشرع: (423) (448 ما وجدته في تقييد الهيئة!).
3 - مجموع قاموس الشريعة: (161) في الفهرسة الخاصة بالقاموس، (156) في الخزانة!
4 - مجموع المصنَّف: (172)، في الفهرسة الخاصَّة بالمصنف.
5 - مجموع منهج الطالبين: (71) في الفهرسة الخاصة بالمنهج. في الخزانة (61)!
- - المجاميع:
في المجاميع مجموعتان:
1 - المجموعة الأولى من الفهرس فيها (252) مجموعًا.
2 - المجموعة الثانية من الفهرس نفسه فيها (30) مجموعا. (31 مجموعا مصوَّرًا).
- - الوثائق المخطوطة:
توجد بالمكتبة أكثر من (1441) وثيقة مخطوطة مختلفة الأحجام، وفي مختلف المواضيع.
- - المخطوطات المصورة: (18/10)
صفحة 356
لا يخفى على كلِّ من زار المكتبة أو يرغب في زيارتها أن بها خزانة خاصَّة تضم مجموعة مهمة من المخطوطات المصورة التي تحصل عليها السيد محمد من المؤلفين أو من المالكين للمخطوطة الأصلية، ولا تقل أهمية عن المخطوطات الأصلية بالنظر إلى الموضوعات المهمَّة التي تحويها في مختلف فنون العلم، ففيها ما يتعلق بالتاريخ، والفقه، والأدب، والأسرار، والطب وما إلى ذلك. لذلك فإنَّ مجموع المخطوطات التي قُيِّدت بخط السيد محمد، وكذا الشيخ الرمضاني، تعتبر بعضا مما قُيِّد إذا علمنا أنَّ هنالك فهرسا خاصا بالموسوعات الضخمة، والوثائق، فيكون بالتالي عدد المخطوطات أكثر من العدد الإجمالي الذي سبق ذكره بكثير، خاصة إذا جزَّأنا المجاميع ووضعنا كل موضوع من المجاميع على حده، وأضفنا إلى ذلك المخطوطات المصورة، فإنَّ العدد سيتضاعف مرتين أو ثلاث مرَّات.
وبهذا تُعدُّ مكتبة «السيِّد محمد بن أحمد» معلمًا مهمًّا من معالم المخطوطات في الوطن العماني والعربي، فهي لا تقلُّ شأنا عن كثير من المكتبات التي تحوي بين جدرانها كنوزا مهمة من هذا التراث الإنساني ألا وهو المخطوط.
وتتنوع مواضيع تلك المخطوطات بين الفقه، واللغة، والكيمياء، والطب، والأسرار، وغير ذلك من مختلف أنواع العلوم الإنسانية والإسلامية، ولا يخلو أن تجد ضمن المخطوطات مخطوطات بغير اللغة العربية، وإن دلَّ هذا على شيء فإنما يدلُّ على سعة أفق معالي السيد؛ إذ لم يكن متحجر الفكر، أو مركِّزا على جانب معين، بل كان هدفه جمع المخطوط كيف وأيًّا كان، إيمانا منه بأن فائدته للأجيال المتعاقبة لا محالة ستكون مهمَّة، وقد اطّلعتُ على بعض المخطوطات مكتوبة باللغة التركية، وأخرى بالفارسية، وأخرى بالسواحلية. (18/11)
صفحة 357
سلك السيد محمد بن أحمد في فهرسة مخطوطات المكتبة مسلكا معيَّنًا وواضحا وهو مسلك الترقيم الأبجدي لعناوين المخطوطات، وهو مسلك سهل وبسيط يساعد الباحث في الرجوع إلى المخطوط بأيسر طريق؛ حيث تجد كلَّ مخطوط يبتدئ بالهمزة في خزانة الهمزة، وكلُّ مخطوط يبتدئ بحرف الباء في خزانة حرف الباء وهكذا، إضافة إلى الأرقام الخاصة بكلِّ مخطوط، وهذا ما ستجده واضحا في فهرس مخطوطات المكتبة، حيث تجد لكُلِّ مخطوط معلوماتٍ وافيةً بِدَايَةً من المُسَلْسَلِ العام للمخطوط، ثم اسم المخطوط، ثم الموضوع، ثم المؤلف، ثم اسم النَّاسخ، ثم تاريخ النَّسخ، ثم إلى من نُسخ إن وجد، ثم بيانات المخطوط من مقاسه طولا وعرضا، وعدد أوراقه، ثم وصف للحالة العامة للمخطوط، ثم نوع الحبر، وعدد الأسطر، وبعض الملاحظات إن وجدت، مع الإشارة إلى أنَّ المكتبة تحتاج إلى ضبط كلِّ ما فيها من الوثائق والمخطوطات والمحفوظات بطريقة أدق وأشمل.
- - إصدارات المكتبة من مخطوطات محقَّقة وكتب مطبوعة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقد تولَّى السيد محمد بن أحمد مسؤولية نشر بعض المخطوطات المهمَّة التي تحويها المكتبة، وذلك بتكليف بعض الباحثين من الداخل والخارج لتولي عملية تحقيقها وإخراجها، وهو من يقوم بطباعتها، بعد أن يتمَّ التنسيق مع بعض المتخصِّصين في موضوع الكتاب الذي هم بصدد تحقيقه ونشره، ويتمُّ دعم الفريق المشارك في العمل ماديًّا ومعنويًّا حتى يرى ذلك المخطوط النور، وتتمَّ الاستفادة منه على مستوى الأفراد والجماعات. ولا بأس بذكر بعض العناوين التي نشرتها المكتبة على سبيل المثال لا الحصر:
1 - «شرح لامية ابن النظر في الحج»، الشيخ منصور بن محمد بن ناصر الخروصي، طبع سنة: 1988.
2 - «القسمة وأصول الأرضين»، للشيخ أحمد بن محمد الفرسطائي النفوسي، طبع سنة: 1993.
3 - كتاب «العين» (1 - 6 أجزاء)، للخليل بن أحمد الفراهيدي، طبع سنة: 1994. (18/12)
صفحة 358
4 - «إيقاظ الوسنان في شعر وترجمة الشيخ خلف بن سنان»، الشيخ سيف بن حمود بن حامد البطاشي، طبع سنة: 1995م.
5 - «ديوان أنوار الأسرار ومنار الأفكار» (ديوان شعر)، طبع سنة: 1996م.
6 - «جزيرة مصيرة بين الماضي والحاضر»، سالم بن حمدون بن حامد المعمري، طبع سنة: 1997م.
7 - «مفردات من اللهجة الشحرية»، الشيخ سالم بن محمد بن مسلم بن طفل المسهلي، طبع سنة 1997م.
8 - «المسالك النقية إلى الشريعة الإسلامية»، الشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، طبع سنة: 1998.
9 - «البركة في شرح القصيدة النحوية المشتركة»، للشيخين: محمد الزاملي، وسعيد الخروصي، طبع سنة: 1999م.
10 - «الإرشاد في شرح مهمَّات الاعتقاد» (1 - 2) الشيخ سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي، طبع سنة: 1999م.
11 - «تحفة الودود في ترجمة وأسئلة الشيخ سيف بن حمود»، الشيخ عبد الله بن سلطان بن راشد المحروقي، طبع سنة: 2000م.
12 - «ديوان الدرمكي»، للشيخ سالم بن محمد بن سالم بن محمد الدرمكي، طبع سنة: 2000م.
13 - «زاد المسافر في الرد على من جاء يناظر»، تأليف الشيخ: سليمان بن بلعرب بن محمد بن بلعرب بن أبي القاسم البوسعيدي.
14 - «التفسير الميسر للقرآن الكريم»، للعلامة: سعيد بن أحمد الكندي، تحقيق: مصطفى بن محمد شريفي، ومحمد بن موسى بابا عمِّي.
15 - «أسرار الحروف وأسماء الله الحسنى»، تأليف: الشيخ مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي.
16 - «النواميس الرحمانية في تسهيل الطريق إلى العلوم النورانية»، للعلامة المحقق الشيخ: سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي.
17 - القرآن الكريم بالقرآءات السبع.
18 - «مسهل الحقائق المتركب على الدقائق» تأليف الشيخ: عيسى بن صالح أبو محمد الصوافي.
19 - «إرشاد السالك إلى أقصد المسالك»، تأليف الشيخ القاضي: سليمان بن راشد بن مسلم بن رشيد بن مصبح الجهضمي.
20 - «الفلك المشحون في علم الرَّمل المصون»، تأليف: الشيخ محمد بن شمَّاس بن ناصر البحري. (18/13)
صفحة 359
21 - «رسالة السيد العلاَّمة الرئيس جاعد بن خميس الخروصي، إلى السيد الأمير محمد بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي»، حققها وقدّم لها: الشيخ مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي.
22 - «ثبوت الهلال بين الرؤية البصرية وحساب المراصد الفلكية»، للإمام إبراهيم بن عمر بيوض، تفريغ من الشريط، عمر سليمان آل الحكيم.
ولم يقتصر دور المكتبة على تحقيق المخطوطات وإبرازها إلى الوجود فحسب، بل كان السيد يكلِّف بعض العلماء والأساتذة المتمكِّنين في علم من العلوم بالكتابة في موضوع محدَّدٍ ومعيَّن، ويتمُّ دعمه ماديًّا ومعنويًّا، وتسخَّر له كل الوسائل والمراجع في سبيل تحقيق ذلك العمل، وإنجازه على أكمل وجه، ومن بين هؤلاء العلماء، الشيخ سيف بن حمود بن حامد البطاشي، الذي أسند إليه معالي السيد أمر تأليف كتاب عن علماء عُمان، فأنجز ثلاثة أجزاء مهمَّة عن تاريخ بعض علماء عُمان، وسمى الكتاب: «إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان»، كما ألَّف أيضا الشيخ سيف البطاشي أيضا كتابا بعنوان: «تاريخ المهلَّب القائد وآل المهلَّب»، إضافة إلى كتاب آخر بعنوان: «الطالع السعيد نبذ من تاريخ الإمام أحمد بن سعيد» وهي كتب مهمَّة جدًّا في بابها.
- - ما تحويه المكتبة من كتب مطبوعة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (18/14)
صفحة 360
إضافة إلى ما تحويه المكتبة من كنوز في باب المخطوطات، لم يألُ السيد محمَّد بن أحمد جهدًا في جمع كمٍّ هائل جدًّا من الكتب المطبوعة في شتى الميادين والعلوم، من طرق مختلفة وعلى رأسها الشراء من المعارض وغيرها، وبعض الإهداءات التي تهدى إليها من مؤلفيها، ويصل عدد الكتب المطبوعة في رفوف المكتبة إلى (7594) كتابا، عدا المجلات الثقافية المتنوعة؛ التي تصدرها بعض المؤسسات الإعلامية والثقافية، ما يُشَكِّلُ رصيدًا مهمًّا جدًّا من العلوم والمعارف، وبهذا تكون المكتبة من بين المكتبات العمانية المتميِّزة في هذا المجال، نظرًا لما تحويه المكتبة من عناوين نادرة، ومواضيع مهمَّة، خاصة في جانب التاريخ العماني والحضارة والأنساب.
وقد صُنِّفَتِ المكتبة وفق التصنيف العالمي الديوي العشري، بداية من المعارف العامَّة، مرورًا بالتفسير والحديث والفقه الإسلامي على اختلاف المدارس الفقهية، وغيرها من العلوم والمباحث الدينية والدنيوية، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على سعة أفق السيد - رحمه الله - وحبُّه لنشر العلم والمعرفة، ونشدان الحقيقة دون تعصُّب أو تزمُّت مقيت ترفضه المنهجية العلمية. فجلُّ الباحثين الذين يزورون المكتبة يعجبون بما تحويه من كنوز العلوم في مختلف الأصعدة، وكثيرًا ما يصرِّحون ويقولون إنهم وجدوا بغيتهم في هذه المكتبة وزيادة، ولم يكونوا يتوقَّعون أنَّ هذه المكتبة تحوي هذا الكم الهائل والثري من المطبوعات والمخطوطات.
- - روَّاد المكتبة وزوَّارها:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (18/15)
صفحة 361
يختلف روَّاد هذه المكتبة بين طالب علم، وأستاذ ودكتور وبروفيسور، وشيخ جليل في العلم، وحبٍّ للعلم متفرغ له، من داخل السلطنة ومن خارجها، وما أكثر طلاب المعاهد والجامعات الذين يزرون المكتبة بُغية الاستزادة من العلم في إطار تخصُّصاتهم المختلفة، فقد يكونون في مرحلة تحضير لرسالة بكالوريوس أو ماجستير أو دكتوراه، فيجدون بغيتهم في المكتبة، وكثيرًا ما يرغبون في تحقيق مخطوط استكمالا لمرحلة من مراحل الدراسات العليا، ولا يكلِّفهم الأمر شيئًا إلاَّ مخاطبة رسمية من جهتهم العلمية سواء كانت جامعة أو معهدًا، ولن تألو المكتبة جهدًا في سبيل توفير ما تراه مناسبا وفق طلب صاحب الرِّسالة.
وقد زار المكتبة شخصياتٌ مهمّة من داخل السلطنة وخارجها؛ من بينهم دكاترة في جامعات عالمية، وطلبة من جامعات دولية ودول مختلفة، إضافة إلى الباحثين والأساتذة والدكاترة العُمانيين، أمثال الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، العالم العامل المثابر مثال الجد والإخلاص، ومنهم الدكتور عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة، عاشق المخطوطات وهو الذي يقضي فترات طويلة جدا داخل المكتبة متفحصا ومطَّلعا على خزائن المخطوطات، ومنهم الأستاذ محمد بن أحمد جهلان الباحث المثابر وقد زار المكتبة عدّة مرات مستفيدا ومفيدًا، ومن ميزاب أيضًا، الباحث محمد إمناسن، والشيخ الحاج أحمد بن حمو كرُّوم، والدكتور محمد بن الشيخ من المملكة المغربية الشقيقة، وغيرهم كثير لا يتسع المقام لذكرهم كلهم الآن. (18/16)
صفحة 362
ولعلَّ الزيارة التي لا ولن ينساها التاريخ هي زيارة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ للمكتبة بتاريخ: 9 صفر 1418هـ الموافق لـ: 14يونيو 1997م. وقد تفضَّل سيدنا ومولانا صاحب الجلالة بإهداء مجسَّم لبيت الله الحرام كهدية منه للمكتبة، وإهداء مخطوطة مهمَّة للمكتبة، وقد تشرَّفت المكتبة بأن ضمت هاته الهدايا إلى المتحف الذي تحويه، وسيأتي الحديث عنه لاحقا.
وستجد بالمكتبة سجلاًّ ضخما يحوي تعليقات الزُّوار والباحثين، ما يزيدك تعلُّقا بهذا الصرح العلمي والثقافي.
- -فعاليات المكتبة ومشاركاتها:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
للمكتبة كلَّ سنة جناح خاص في معرض مسقط الدولي للكتاب تعرض فيه أهمَّ مطبوعات المكتبة من كتب مؤلفة ومخطوطات محقَّقة، ويسعى كثير من الباحثين والدارسين إلى الجناح لاقتناء مطبوعات المكتبة لما تحمله من أهمية، في شتى الميادين العلمية، وأحيانا يزورون المكتبة سائلين عن النسخ وقد تنفذ أحيانا لكثرة الطلب عليها، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على القيمة المعرفية والعلمية لما تطبعه المكتبة، ومن باب آخر فإن المكتبة تشارك في كثير من الفعاليات، ومن بينها معارض الوثائق والمخطوطات العمانية التي تقام بين الفينة والأخرى في بعض المراكز الثقافية والعلمية مثل جامعة السلطان قابوس.
- - النسخ والتصوير داخل المكتبة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ (18/17)
صفحة 363
أمَّا ما يتعلق بتصوير الوثائق والمخطوطات فهذا أمر راجع إلى توجيه المشرفين والقائمين على المكتبة، ويراعى في ذلك الطلب المقدَّم من الجهة التي جاء من طرفها طالب العلم أو الباحث، فلا إفراط ولا تفريط، لما للمخطوطة والوثيقة من قيمة تاريخية، وعلمية، ففي بعض الأحيان يُخشى على المخطوط والوثيقة التلف والضياع، بين أيدي من لا يحسن التَّصرف مع الوثيقة، لذا رأى المشرف العام على المكتبة «الدكتور مبارك بن مسلّم الشعبني» وبتوجيه من معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي أن تصوَّر المكتبة تصويرًا رقميا للحفاظ على المخطوط من التلف والضياع، بسبب التداول المباشر لها، وكان ذلك ولله الحمد، من طرف هيئة الوثائق، ونحن ننتظر بفارغ صبر وصول النسخة الرقمية ليتمَّ التعامل معها، بدل أن نتعامل مع المخطوط مباشرة.
وقد زار وفد مهمٌّ من الجزائر وعلى رأسهم رئيس مخبر مخطوطات شمال إفريقيا الأستاذ «الدكتور عبد المجيد بن نعمية» المكتبة فأعجب بها أيما إعجاب، لكنَّه تعجَّب من تعامل الباحثين مباشرة مع المخطوط، فقال لا بد أن تراعى هذه المخطوطات ولا توضع هكذا في أيدي الباحثين، وإن لزم الأمر فلا بأس أن تنسخ المكتبة كلَّها ويتعامل مع النسخ لا مع الأصل، فهذا كنزٌ وتراث مهمٌّ لا ينبغي أن تصل إليه يد كلِّ باحث، وخاصة المبتدئين الذين قد لا يحسنون التَّصرف مع المخطوط.
أمَّا ما يتعلق بالإعارة فإنها ممنوعة ومتوقفة لأسباب كثيرة بعدما كانت حسبما ذكر لي مدير مكتب المستشار الحالي الفاضل/ راشد بن حمد الحارثي، فقال بأن المخطوطات والمطبوعات وكلَُ مقتنيات المكتبة لا يمكن أن تخرج منها، فقد كان معالي السيِّد يعير بعض الكتب في البداية لكن مُنعت لعدَّة أسباب وقد أنشأ معالي السيِّد أبياتا في هذا يقول فيها:
أعرتُ الكتابَ عدَّة مرَّاتٍ فراحَ الكتابُ والمستعيرُ
ذهبت خيرُ كُتبنا في الإعاراتِ فهذا الذي تبقَّى اليسيرُ (18/18)
صفحة 364
فَحِفْظًا على ما تَبَقَّى فَإنَّا لا نُعيرُ ولاَ نَستَعِيرُ
وقد وجدتُ هذه الأبيات مخطوطةً في دفتر خاصٍّ للسيد محمد بن أحمد يضمُّ بعض مذكراته ومجموعاته التي أسأل الله تعالى أن يوفِّقني لإكمال العمل فيها لترى النور قريبا بحول الله تعالى.
- - المتحف الموجود بالمكتبة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إضافة إلى ما تحويه المكتبة من كنوز في باب المخطوطات والمطبوعات، فإنها تحوي جانبا مهمًّا يمثل ويجسِّد الشخصية التاريخية العُمانية، وهو متحفٌ تاريخي وتراثي مهمٌّ جدًّا، يضم بعض الأسلحة القديمة المتمثلة في خناجر وبنادق وسيوف، ورماح يعود تاريخ بعضها إلى القرون الهجرية الأولى، كما يضمُّ أواني فخارية قديمة جدًّا عليها مسحة جمالية فائقة، يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين، إضافة إلى بعض الصور الفوتوغرافية التاريخية القديمة، التي تحكي وبكل واقعية تاريخ سلطنة عُمان قديما، وأنت ترى بأمِّ عينك ما بلغته من ازدهار وتقدم في عصر النهضة المباركة.
إضافة إلى بعض المقتنيات الفضية التي تشكل بنسبة كبيرة حليَّ المرأة العمانية قديما، بداية من الأسورة والخواتم والخلاخيل وغيرها، ولا تغفل عينك عن بعض مقتنيات بعض أئمَّة العلم من محابر وغيرها كدواة الإمام سالم بن راشد الخروصي - رحمه الله -، وبعض الأواني النحاسية التي كان يستخدمها الرعيل الأول. (18/19)
صفحة 365
كما لا تغفل عينك وأنت تتجول في هذا الصرح العلمي والتاريخي أن ترى بعض مقتنيات معالي السيِّد المتنوعة بين هدية وتكريم، وتشريف، فستشاهد كثيرًا من الهدايا التي قدَّمها بعض رؤساء دول العالم لمعاليه في زيارات مختلفة؛ كزيارته للرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، والملك الأردني الحسن بن طلال، وزيارته للعراق سنة 1974م، حيث أهدى له الرئيس الراحل صدام حسين سجَّادًا لا يزال شاهدًا على ذلك داخل المكتبة، كما سترى بعض العملات الفضية لبعض الدول التي زارها معاليه ـ وهو الرجل المولع بالرحلات والاستطلاعات والاستكشافات ـ مثل العملة الجزائرية القديمة، والمغربية، والأمريكية وغيرها، إضافة إلى بعض المجسَّمات والمداليات والأوسمة التي كانت تقدَّم كتكريم لمعاليه في رعاية فاعلية من الفعاليات أو نحو ذلك.
كما أنَّ للسيِّد قسما كبيرا ومهما جدا من الصور الفوتوغرافية التي تؤرخ لبعض رحلاته وزيارته لبعض المناطق التاريخية، ولبعض المناسبات الدينية التي كان - رحمه الله - يعقدها في مسجده، كما يوجد له كمٌّ وافر من الأقراص المضغوطة المختلفة والمتنوعة وهي عبارة عن أشرطة وثائقية عن عُمان وغيرها، وبعض المناسبات العائلية، وكذا المناسبات الدينية والوطنية. (18/20)
صفحة 366
وبهذا كلِّه، وهو نزر قليل مما تحويه المكتبة من كنوز، فهي بكل جدارة معقل للعلم والمعرفة في سلطنة عُمان، يحقُّ لعُمان أن تفتخر به وبمثل هذه المراكز العلمية التي تعدّ استمرارًا لحلقة التاريخ، فهي تربط الماضي بالحاضر وتستشرف المستقبل، وتعلن بلسان فصيح أنَّ لعُمان حضارة وتاريخا وماضيًا زاهرًا، ومستقبلا يانعًا تسعى لتشييده وفق حاضرها الذي أعلى ركائزه صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله تعالى ورعاه، بفضل مجهوداته الجبارة، على مختلف الأصعدة الثقافية والعلمية والحضارية، وما مكتبة السيِّد إلاَّ يد من تلك الأيادي البيضاء على عُمان، فرحم الله معالي السيد محمَّد بن أحمد بن سعود البوسعيدي، المستشار الخاص لصاحب الجلالة للشؤون الدينية والتاريخية، وجعل هذا المركز والمعقل الثقافي وما يقدمه من خدمات ثقلا له في ميزان حسناته.
- - - (18/21)
صفحة 367
قراءة في ديوان «مُدُّوا الأيادي نتصالح» للشاعر الأمين أحمد مصطفى بن محمد ابن ادريسو
أ: مصطفى بن محمد ابن ادريسو
كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية
ــــ جامعة غرداية ــــ
mustapha_bendrissou@yahoo.fr
ب
بعد أن تمَّت عملية جمع التراث الشعري للأستاذ الأمين أحمد (1) - رحمه الله - وتحقيقه، رغبتُ أن أنجز قراءة وصفيَّة وتحليلية لشعر هذا المبدع، من خلال استعراض مواضيع أشعاره، وملاحظات عن تأثره ومحاكاته لغيره، ثم تسجيل بعض اللمسات الفنية البارزة في شعره.
أولا: مواضيع أشعار الأمين:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يستطيع المتتبِّع لأشعار الأمين أحمد أن يجد في شعره صورة كاملة عن حياته وخُلقه، ومنفذا لأنفاسه وأحاسيسه، وتعبيرًا عن شعوره، ويمكن أن نرصد فيها أيضا ملحمة تاريخية للجزائر، وسنسعى أن نقرأ بعضا من إنتاجه الشعري:
أوَّل قصيدة متوفرة بين أيدينا كانت في حداثة سنه ولما يبلغ العشرين، بعنوان: «يَا رِجَالَ الْهُدَى خُذُوا بِيَدِ القَوِم» (2)، يرجع تاريخ نظمها إلى 26 جويلية 1988، والقصيدة وإن كانت قد نُظمت بلغة تقريرية مباشرة، وبأسلوب الخطبة المنبرية الحماسية، إلاَّ أنها تنمُّ عن وجود محاولات قبلها، كانت أقل تحكُّما في الوزن والقافية، ومما جاء فيها:
أَفَتَدْرُونَ مَا المَصِيرُ إِذَا لَمْ ... نَسْتَفِقْ مِنْ سُبَاتِنَا وَهَوَانَا؟
إِنَّهُ الاِنْدِثَارُ وَالمَوْتُ هَوْنًا ... بَعْدَ عِزٍّ لَمْ يَعْتَلِيهِ سِوَانَا
__________
(1) - ولد الشاعر بتاريخ 20 مارس 1969 ببني يزقن، ولاية غرداية، الجزائر، وتوفي يوم الاثنين 29 جوان 2009، اشتغل أستاذا للغة العربية، وترك مجموعة قصائد جمعناها في ديوان سميناه «مدوا الأيدي نتصالح»، تحقيق: خرازي مسعود، وابن ادريسو مصطفى، نشر عشيرة آل خالد: 2012.
(2) - الأمين أحمد: ديوان مدوا الأيدي: 130. (19/1)
صفحة 368
شرع بعد ذلك ينظم قصائد يغلب عليها التحدُّث عن نفسه، ووصف أحواله، مسايرة لرأي من يرى أنَّ المرء إنما «يُشعِّر» بنفسه قبل أن يشعُر بغيره، ويتغنى بعواطفه قبل أن يتغنى بعواطف سواه، وهذا يظهر في العناوين التالية: «قُلْتُ ذَاتَ مَرَّةٍ أَشْكُو ضِرْسًا تُؤْلِمُنِي ... »، و «مُخَيَّمُ بَنْ يَزْقَنْ»، و «ذِكْرَيَاتٌ طُفُولِيَّةٌ».
وضرب بعد ذلك على أوتار القلوب فكتب أشعارًا وطنيَّة (1) يتغنى بها عن الجزائر، وجمال سحر طبيعتها، وشعبها المغامر، افتتانا ببلاده، وتقليدا للمعجب به مفدي زكرياء.
ثم راح يكتب بصراحة مستمدَّة من طبعه الصحراوي عن الأحوال المزرية التي مرَّت بها البلاد؛ من انتشار الإجرام، وتفشي القتل بغير عنوان، وأخذ يبيِّن ضلال معتقد الإرهاب، وفساد منهجهم، مثلما نجده في «فَصْلُ الخِطَابِ»، وفي قصيدة «ذِكْرَى وَعِبْرَةٌ».
وتألم كثيرا لضحايا الغدر، وشهداء البراءة، ممن فتك بهم الأوغاد دون جرم ولا بيان، مثل ابن أخيه «عبد الباسط»، كما رثى أصدقاءه الشهداء الذين قاسموه كوابيس الرعب عند أدائهم الخدمة الوطنية، وخاطبهم قائلا (2):
نَمْ يَا شَهِيدُ وَذُقْ هَنَاءً إِنَّنَا ... نَرْعَى ذِمَامَكَ بِالوَفَا وَنُثَابِرُ
وَلَسَوْفَ نَثْأَرُ كُلُّنَا لَكَ عنْوَةً ... حَتَّى يَذِلَّ المُجْرِمُ المُتَآمِرُ
وَنُعِيدَ لِلْوَطَنِ الْحَبِيبِ بَهَاءَهُ ... وَيَسُودَ عَدْلاً شَعْبُنَا المُتَآزِرُ
ثم تابع قضايا شعبه، والسياسات المنتهجة في تسيير وطنه، فأشاد بضرورة الصلح، وإطفاء الفتن، ودعا إلى التخلق بالوحدة والوئام في صفاء ويقين، فكتب منشدا (3):
مُدُّوا الأَيْدِي نَتَصَافَحْ
مُدُّوا الأَيْدِي نَتَصَالَحْ
__________
(1) - تشكل مضامين الشعر المتعلقة بالوطنية (ثورة، وبلدا، وسياسة، وشخصيات) حوالي نصف إنتاجه الشعري، بينما يتوزَّع النصف المتبقى على الأغراض الأخرى.
(2) - المصدر السابق: 84.
(3) - المصدر السابق: 95. (19/2)
صفحة 369
لِجَزَائِرِنَا .. لِحَبِيبَتِنَا
ولم يقف عند المدح والإشادة، وإنما أخذ يصرخ في وجوه الساسة والمسؤولين يدعوهم إلى الرشاد في القول والفعل، ويؤنِّب الضمائر الحيَّة على توانيها في تحقيق السعادة لشعوبها، فقال (1):
الاِنْهِزَامَاتُ اِسْتَمَرَّتْ ..
وَالاِنْكِسَارَاتُ اِسْتَبَدَّتْ ..
أَتُرَاهُ حَظٌّ عَاثِرٌ؟!
أَتُرَاهُ جُرْحٌ لَمْ يَزَلْ فِي نُكْسِهِ لَمْ يَنْدَمِلْ؟!
لاَ ذَاكَ، لاَ هَذَا وَلَكِنْ
ذَا مَصِيرٌ سَوْفَ يَحْكُمُ ذُلَّنَا أَبَدَ الأَبَدْ ..
مَا لَمْ نُرِدْ أَنْ نَعْتَرِفْ
أَنَّ الْخَطِيئَةَ نَحْنُ
وَالإِحْبَاطَ نَحْنُ
وَكُلَّ أَسْبَابِ الْهَزَائِمِ نَحْنُ فِي هَذَا الْوَطَنْ
ثم بدأ يتساءل عن المخرج من التيه؟ ومن سيرفع الراية بيديه؟ وفي أسئلته تتجلى لنا عبرات متدفقة، وعواطف صابرة راجية، فقال مثلا (2):
مَنْ ذَا سَيُخْرِجُنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ مَنْ؟ ... مَنْ ذَا يُخَلِّصُنَا وَتَنْفَعُ خَارِقَاتُهْ
كان الأمل معقوداً ببعض الساسة، لولا الغدر والخيانة، ولولا الانقسام والخصام، وقتل «بُوضْيَاف»، وهو ما بثه في قصيدة «ذَنْبُهُ أَنَّهُ يُحِبُّ الجَزَائِر». وعلى نفس الإيقاع اللفظي، سلك أحمد في رثاء آية الجزائر «مفدي»، ووظف كلمات جريئة، وتعابير قوية. ثم خفَّت حدة التعابير حينما رثى الشاعر «صالح خرفي»، أو حينما بكى شيخه «صالح بزملال» فانطلق لسانه بأخلص العبارات، وأبسط التراكيب.
ولقد بالغ الشاعر في تصوير حال المعلم، والإنذار بواقعه وآلامه، فكانت كلماته تنبض حرارة، وتلتهب حسرة، يدعو فيها المعلم إلى الدفاع عن حقه، واسترجاع كرامته، فقال في «إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمًا» (3):
قُمْ وَانْتَزِعْ حَقَّ الْحَيَاةِ بِأَخْذَةٍ مُتَحَكِّمَهْ
وَانْصُرْ جِهَادَكَ كَيْ تَنَالَ بِهِ حُقُوقَكَ مُكْرَمَا
__________
(1) - المصدر السابق: 104.
(2) - المصدر السابق: 108.
(3) - المصدر السابق: 176. (19/3)
صفحة 370
إِنْ لَمْ تَقُمْ دَاسَتْكَ أَقْدَامُ الْخُطُوبِ المُظْلِمَهْ
إِنْ لَمْ تَقُمْ سَتَمُوتُ هَوْنًا قَبْلَ مَوْتِكَ مُرْغَمَا
وتسهيلا لمهمة المعلم، فإنه دعا أولياء النشء إلى تحمُّل عبء الأمانة، والنصح لأولادهم، في قصيدة «إِلَى الآبَاءِ .. » وإشادة باصطفاء الله تعالى لمعلم البشرية، المرسل رحمة للعالمين، والملهم بالوحي، والمحفوف بالعصمة، فإنه نظم قصيدتين؛ الأولى منهما «الآيَةُ الكُبْرَى مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -» خصها ببشرى ميلاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومآثره الطيبة، وكريم خصاله، وحسن خلقه. أما الثانية «نصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -» فكانت دفاعا عن الحبيب المصطفى صلوات الله عليه، وتبيانا لواقع المسلمين، وهوانهم على الناس، حتى تجرأ الحاقدون، ونكل المفسدون، وأظهروا خبث باطنهم في حق المبعوث رحمة للعالمين.
وإلى جانب هذه المواضيع السابقة والتي تمثلت فيها معاني النبل والكرم، وتجسدت فيها الأفكار الحكيمة والعالية، فإنه لم ينس أن يتحفنا بمرآته الصافية، ويداعب العواطف العفيفة، بأسلوب مشوق وحساس، فقال وأجاد، وعبر وأطرب حينما استولى حب «زهرة» على قلبه، فقال عنها (1):
يَا زَهْرَتِي، يَا حُلْوَتِي ... أَنْتِ الْمُنَى يَا زهْرَتِي
أَنْتِ الْحَيَاةُ وَنُورُهَا ... أَنْتِ الْحُبُورُ وَجَنَّتِي
كما أودع شعره فلسفته حول النظم الأصيل، ورأيه حول الشعر الحر سماه «بالشعر اللقيط»، وأبرز رسالة الشاعر في الحياة، بأن تكون مواضيعه نابعة من أعماق فؤاده، وتكون أوصافه إطارًا لأحاسيسه، وخلفية للمشاهد التي يرغب في رسمها، فكتب قصيدة «ضَمِيرُ الشِّعْرِ». وفي هذا المنحى عبر عن يده بخيال بديع، وتشبيه بليغ في قصيدة «يَدِي لُغْزُ الْحَيَاةِ .. ».
__________
(1) - المصدر السابق: 201. (19/4)
صفحة 371
وفي المواقف الخاصة لأحمد، وعند معاناته المريرة في الحياة، نجد روحه ماثلة بوضوح، وقريحته الشعرية تنبض صدقا وثورانا، ويظهر هذا في: «رِسَالَةٌ .. » التي قال فيها (1):
وَتَلَذَّذُوا لَمَّا رَأَوهُ (مُمَرْمَدًا) ... يَغْدُو، يَرُوحُ، يَهِيمُ كَالوَلْهَان
ثانيا: قراءة في شعر الأمين:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1 - تأثره بمفدي زكرياء:
أهم ما يميز العمل الشعري عند الأمين أنه حذا حذو الشاعر مفدي زكرياء في صياغة القصائد الوطنية، فاتَّبع سيره ووزنه، ونظم الأناشيد مثله، كـ «نشيد الجيش الوطني الشعبي»، و «نشيد الشرطة» (2)، كما وقَّع بعض قصائده باسم مستعار «مفدي الصغير» (3)، وهذا ما أورث الأمين رفعة وشرفا في بداية حياته، ثم حاول الاستقلال بشخصيته الشعرية لما بلغ أوج عطائه، وتمام بنيانه في عصر الكهولة. وهذه بعض الأدلة التي تؤكد وجهة نظرنا:
أ) تتجلَّى صورة محاكاة الأمين لمفدي من خلال التشابه الملحوظ بين قصيدة «بِلاَدِي الْجَزَائِرُ» للأمين، والمقطع الأول من إلياذة مفدي، ويظهر ذلك فيما يأتي:
*- تشابه مطلع القصيدتين: فقد ورد في مطلع القصيدة الأولى (4):
جَزَائِرُ .. يَا حُرُوفًا مِنْ جَلاَلِ ... تُسَطَّرُ فَوْقَ مُعْجِزَةِ الرِّجَال
وجاء في مطلع الثانية (5):
جزائرُ يا مَطلَعَ المعجِزَاتِ ... ويَا حُجَّةَ الله في الكَائِنَات
__________
(1) - المصدر السابق: 194.
(2) - تمنى الشاعر كثيرا أن يُرسَّم النشيدان، ولازلنا نأمل ونسعى في ذلك.
(3) - يذكر منتدى المربين اليسجنيين أن الأستاذ: بلقاسم عبد الله هو من أصر على تسمية الأمين بمفدي الصغير؛ انظر: منتدى المربين اليسجنيين ترجمة، مختصرة عن الشاعر أحمد الأمين، مصففة.
(4) - ديوان مدوا الأيدي: 23.
(5) - المقطع الأول من الإلياذة، انظر: مفدي زكرياء: إلياذة الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1987. (19/5)
صفحة 372
*- تشابه التكرارات وبعض الصيغ: ففي قصيدة «بلادي الجزائر» للأمين تكرار لنفس اللفظة «أحبك» في خمس أبيات متتالية، وتصوير للجزائر بتعبير لا يليق إلاَّ بجلال الله تعالى، من قول الشاعر: يُسَبِّحُ بِاسْمِ حَمْدِكِ وَالْجَلاَلِ.
وفي المقطع الأول من الإلياذة خمس تكرارات للنداء في مطلع الأبيات «يا بسمة، ويا لوحة، ويا قصة، ويا صفحة، ويا للبطولات»، واستعارة ألفاظ متعلقة بالله لوصف الجزائر، من قول مفدي:
ويا بَسْمَة الرَّبِّ في أرضِهِ ... ويا وَجْهَهُ الضَّاحِكَ القَسَمَات
ب) من اقتباسات الأمين من شعر مفدي، نذكر المثال التالي من قصيدته «ذِكْرَيَاتٌ طُفُولِيَّةٌ» (1):
فَكَمْ كُنْتُ أَعْدُو في خِرَافي حِيَالهَا ... وَأَجْنِي بِهَا آمَالَ حُبٍّ طِوَالاَ
ى
وللصيغة شبه في قصيدة مفدي بعنوان: «فلا عزَّ حتَّى تستقلَّ الجزائر»، يقول فيها (2):
ونمرَحُ والأغنَامُ تَرْعَى حيَالَنَا ... تُدَاعِبُهَا أَطْفَالُ قَرْيَتِنَا فَجْرَا
ج) ولِهَ الأمين بمفدي، وتعلَّق به إلى درجة توحي بتقديسه واستلابه كلية بسحر بيانه، حتى عَدَّ شعره في مصاف الوحي، وما هو بالوحي، إن هو إلاَّ قول البشر، فيقول الأمين في: «مُفْدِي .. آيَةٌ أَنْتَ لِلْجَزَائِر» (3):
فِي صَبَاحٍ وَفِي مَسَاءٍ كِتَابٌ ... أَنْتَ تُتْلَى عَلَى الدَّوَامِ وَتُقْرَا
ويقول كذلك:
وَأَنَا مَؤْمِنٌ بِشِعْرِكَ وَحْيًا ... إِي ـ وَرَبِّي ـ وَحْيًا .. وَمَا قُلْتُ كُفْرَا
ومع ذلك سيبقى البحث مطروحا للدارسين، لكشف أغوار أثر شعر مفدي على الأمين ..
2 - روح الثقافة الإسلامية:
__________
(1) - ديوان مدوا الأيدي: 190.
(2) - مفدي زكرياء: اللهب المقدس: 317.
(3) - ديوان مدوا الأيدي: 49. (19/6)
صفحة 373
سيلمس القارئ لشعر الأمين الأثر الجليَّ للثقافة الشرعية على شعره، والتي طعَّمته بملامح الجمال والأصالة في تشبيهاته وخيالاته، إذ نجد استخدام الصور الشعرية المستمدة من كلام رب العزة، والمستوحاة من حديث خير الرسل، والمستدل عليها بأحداث من التاريخ الإسلامي، وتوظيفه للمصطلحات العقدية، وهو ما يبين استفادته من التعليم القرآني بالمدرسة الجابرية لبني يزقن، وتوسعه في مطالعة الفكر الإسلامي، واحتكاكه بأساتذة مختصين في الشرعيات، وتفاعله مع وسطه المحافظ، وهذه بعض النماذج:
1) القرآن:
* - ذكر في «فَصْلُ الخِطَابِ»: «وَالشَّعْبُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ أَمْرَهُ هَلاَّ اكْتَفَيْتْ» (1)
*- وقال في «لَقَد انْتَهَيْت .. »: «الشَّعْبُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ أَمْرَهُ دُونَ الْجَدَلْ» (2)
وهو اقتباس من قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ?? ژ (سورة الأنعام: 124).
* - يقول في «ذَنْبُهُ أَنَّهُ يُحِبُّ الجَزَائِر» (3):
قَتْلُ (بُوضْيَافَ) كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ... إِذْ أَمَدَّ الْحَيَاةَ فِي كُلِّ ثَائِرْ
وتوظيف «خِطئا» عوض خَطأ، دليل على اعتبار الأمين أن هذا القتل كان عمدا وليس خطأ، وهو توظيف ذكي، اقتباسا مما ورد في نهي الله تعالى عن قتل الأولاد من إملاق، حيث يقول جل وعلا: ژ ? ? ? ? ژ (الإسراء: 31).
*- وفي قصيدة «نصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -» (4):
نَعْرِفُ الدِّينَ صُورَةً دُونَ فِعْلٍ ... شَأْنُنَا كَالحِمَارِ يَحْمِلُ سِفْرَا
شبَّه واقع المسلمين المنحلّ، وغير المتبع لهدي الله، بشأن بني إسرائيل الذين أُعطُوا التوراة ولم يعملوا بمقتضاها، ومَثلهما كمَثل دابة تحمل كتبا ولا تعي قيمة حملها، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ژ ژ ژ s s ک ک ک ک ... گ گ گگ ژ (سورة الجمعة: 05).
__________
(1) - المصدر السابق: 72.
(2) - المصدر السابق: 73.
(3) - المصدر السابق: 59.
(4) - المصدر السابق: 142. (19/7)
صفحة 374
*- جاء في «مُدُّوا الأَيْدِي»: «لِنُغَيِّرْ مَا بِالنَّفْسِ لِكَيْ نَتَغَيَّرْ» (1)
وهو اقتباس من قوله تعالى: ژ ھ ھ ے ے ? ? ... ? ? ? ?? ژ (سورة الإسراء: 11).
2) الحديث:
ومن المصادر التي اعتمد عليها الشاعر، أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمثلا عند مدحه لسيرة الأولين، وفخره بإرث سلفه الصالح، استقى صورة من حديث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليؤكد على أهمية السير على خطى الذين حملوا الدين ناصعا، وأخذوا العلم بالسند العالي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام - رضي الله عنهم -، فقال في «مُلْتَقَى الْمَوَدَّةِ .. » (2):
تَسَلْسَلَ مُسْنَدًا (3) نَسَبًا صَحِيحًا ... تَسَلْسَلَ بِالتَّوَاتُرِ مِنْ قَدِيم
فَمِنْ عَلَمٍ إِلَى عَلَمٍ تِبَاعًا ... تَأَلَّقَ ذِكْرُهُمْ مِثْلَ النُّجُوم
بَأَيِّهِمُ اِقْتَدَيْنَا اِهتَدَيْنَا ... بِمَا قَدْ وَرَّثُوهُ مِنَ العُلُوم
فقوله: «بَأَيِّهِمُ اِقْتَدَيْنَا اِهتَدَيْنَا»، إشارة لما جاء في حديث «إنما أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم» (4).
3) المصطلحات العقدية:
وظَّف الشاعر في أكثر من بيت شعري بعض الألفاظ العقدية الموحية، ليؤكد معرفته بالمصطلحات المتداولة في الفكر العقدي الإسلامي والمسيحي، وتبدو لنا تصويراته مناسبة، وإشاراته معبرة عما يجول في خاطره، ونختار ما يأتي:
__________
(1) - المصدر السابق: 100.
(2) - المصدر السابق: 166.
(3) - يقصد مسند الربيع بن حبيب، المسمى الجامع الصحيح، انظر: الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، المطبعة العربية، غرداية، 1985.
(4) - رواه ابن بطة العكبري في الإبانة الكبرى عن ابن عباس، باب التحذير من استماع كلام قوم يريدون نقض الإسلام، رقم 709. (19/8)
صفحة 375
*- الإصرار: ويعني التمادي على الذنب والإقامة عليه، وعدم التوبة منه، واللفظ وارد في القرآن من قوله تعالى: ژ ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ (آل عمران: 135)، وبهذا المعنى ضمن الشاعر بيته إشارة إلى ضرورة توبة المغرَّر بهم، وإقلاع الإرهاب عن ضلاله وغيه، فقال في «مُدُّوا الأَيْدِي» (1):
فَلِمَ الإِصْرَارُ عَلَى خَطَإٍ أَحْمَقْ؟
خَطَإٍ قَدْ أَهْلَكَ بِالرَّأْيِ الأَخْفَقْ؟
خَطَإٍ قَدْ دَكَّ الأَزْمَةَ لِلأَعْمَقْ؟
*- الصراط: وتعني في إحدى معانيها أنها طريق الله للنجاة، ودينه الذي افترضه على عباده، من باب قوله تعالى: ژ S S S ژ (سورة الفاتحة: 05)، فقال مخاطبا الجزائريين بضرورة الالتفاف للوئام، واستعادة الوعي واتباع الرشاد، فقال (2):
وَإِلاَمَ نَحْنُ نَحِيدُ عَنْ ... نَهْجِ الصِّرَاطِ المُؤْتَمَنْ؟
وَنُصِرُّ فِي وَأْدِ السُّنَنْ ... وَنَظَلُّ نَرْزَحُ فِي العَفَنْ
ّ
*- المعراج: يقصد بها رحلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء العليا، وعروجه إلى سدرة المنتهى حسب ما ثبت في أحاديث كثيرة (3)، والشاعر وظَّف المعراج ليصور الارتقاء الذي سيحصل عليه الصابر والمحتسب أجره عند الله؛ من الذين فقدوا ذويهم في عدوانية الإرهاب على الجزائريين، فقال في القصيدة «إِنَّ الوِئَامَ هُوَ الرُّشْدُ» (4):
وَالصَّبْرُ مِعْرَاجُ القِيَمْ ... تَسْمُو بِهِ كُلُّ الأُمَمْ
__________
(1) - ديوان مدوا الأيدي: 95.
(2) - المصدر السابق: 101.
(3) - منها حديث مالك بن صعصعة في البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، حديث رقم 2968.
(4) - ووظف أيضا هذا المصطلح في قصيدة «إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمًا»، من قوله: «إِنْ كُنْتَهُ أَصْبَحْتَ مِعْرَاجًا لِغَيْرِكَ سُلَّمَا». (19/9)
صفحة 376
*- الخلاص: استعار الشاعر الأمين ألفاظا جديدة مستعارة من القاموس المسيحي، مثل الخلاص، الذي يقصدون به خلاص الإنسان من خطاياه بعد أن فدى المسيح بنفسه على الصليب، وفي هذا التوظيف مواساة لطيفة لأم الشهيد، وتعبيرٌ عن نجاة الشهيد يوم القيامة بغير حساب، يقول الشاعر في «شَهِيدُ الوَطَنِ» (1).
فَمَهْمَا مَنَحْتِ فَتَاكِ مِنَ الْحُبِّ فَيْضًا غَزِيرَ المَطَرْ
وَمَهْمَا بَذَلْتِ لَهُ مِنْ حَنَانٍ وَعَطْفٍ سَخِيِّ الدُّرَرْ
فَلَنْ تَمْنَحِيهِ الْخَلاَصَ وَلاَ جَنَّةَ الْخُلْدِ فِي المُسْتَقَرْ
فَحُبُّ الإِلَهِ لَهُ فَوْقَ حُبِّكِ يَا أُمَّهُ قَدْ ظَهَرْ
4) أحداث التاريخ:
استغل الأمين أحداث التاريخ الإسلامي، والصراع المحتدم في وقعة صفين بين الصحابة الكرام، ليشبِّه صورة المسلمين الماضية، بحالهم في الحاضر؛ انقسام وشتات، إلغاء وإقصاء، وكل فرح بشيعته ورأيه، يقول في «إِصْرَارٌ عَلَى الْخَطَإِ .. » (2):
مَا لَمْ نُرِدْ أَنْ نَعْتَرِفْ
يَتَكَرَّرُ الْخَطَأُ الْمُقَدَّسُ مِنْ زَمَانِ (مُعَاوِيَهْ)
اللاَّحِقُونَ يُكَرِّرُونَ سِيَاسَةَ الإِلْغَاءِ وَالإِقْصَاءْ ..
كُلٌّ يُبَرِّرُ سَعْيَهْ ..
5) تراث الشعراء:
كثيرا ما يستعرض الأمين مقاطع من شعر غيره، يضمِّنه أبياته، وهو اقتباس يؤكِّد ثقافته الأدبية، ومرجعيته الشعرية، ويعين على تصوير الفكرة، وإجلائها بوضوح، إلاَّ أننا لا نعدم احتمال التجاء الشاعر إلى بعض تلك الاقتباسات احتياجًا إلى إيصال فكرته وأحاسيسه إلى مستمعيه، ونختار الأمثلة التالية:
* - اقتباس من قصيدة حافظ إبراهيم في: «ذِكْرَى وَعِبْرَةٌ»:
هَدْيَ الأُلىَ صَنَعُوا الْجَزَائِرَ أُمَّةً ... لِتَسُودَ (شَعْبًا طَيِّبَ الأَعْرَاقِ) (3)
__________
(1) - ديوان مدوا الأيدي: 88.
(2) - المصدر السابق: 104.
(3) - انظر: محمد رشيد رضا: مجلة المنار، جمادى الأولى 1328هـ/، جوان 1910م، المجلد 13، ج5، ص 371. (19/10)
صفحة 377
* - اختار أكثر من تضمين في قصيدة «وَيْحَ المُعَلِّمِ .. » من إبراهيم طوقان:
إِذْ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُبَجَّلاً؟ ... (مَنْ كَانَ لِلنَّشْءِ الصِّغَارِ خَلِيلاَ) (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* - وفي قصيدة «الآيَةُ الكُبْرَى مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -»، آثر الشاعر أن يقتبس من هَمْزية البوصيري:
فَعَلَيْكَ الإِلَهُ أَثْنَى وَصَلَّى ... (وَعَلَى الآلِ وَالصَّحَابَةِ طُرَّا) (2)
6) الحكم والأمثال:
ضمَّن الشاعر قصائده في بعض الأحيان حكما بليغة، وأقوالا تجري على الألسن مجرى المثل، فزاد ذلك في تصوير المعنى وتقريبه إلى الذهن، ومما جمعناه للأمين في هذا الصدد قوله في قصيدة «إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُعَلِّمًا» (3):
لَنْ تُورِقَ الأَشْجَارُ مَادَامَتْ تُغَذَّى بِالظَّمَا
لَنْ تُشْتَهَى ثُمُرٌ إِذَا كَانَتْ مُشَوَّشَةَ النَّمَا
وكذلك ما ورد في قصيدة «لَمْ يَعُدْ يُجْدِي النَّشِيجُ» (4):
دَوْلَةُ البَاطِلِ تَبْقَى مَا إِذَا لَمْ تَأْتِ بَغْيَا
دَوْلَةُ الْحَقِّ سَتَفْنَى إِنْ طَغَتْ جُورًا وَغِيَّا
7) الدعاء:
أكثر من إيراد صيغ الأدعية في نهاية بعض قصائده، بأسلوب المناجاة والابتهال، فكانت أبياتُه تلك قطعا من الأدعية المباشرة، نورد بعضها:
__________
(1) - مقتبس من قصيدة لإبراهيم طوقان يرد فيها على شوقي، يقول فيها:
اقعُد فَدَيتُكَ هَلْ يكُونُ مُبَجَّلاً ... مَنْ كَانَ لِلنَّشْءِ الصِّغَارِ خَلِيلاَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(2) - انظر: مجموعة ناظمين: الدر الثمين في معجزات سيد المرسلين، المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1973، ص93.
(3) - ديوان مدوا الأيدي: 175.
(4) - المصدر السابق: 113. (19/11)
صفحة 378
• كرَّر نفس الدعاء في قصيدتين في نفس الغرض؛ الأولى بعنوان «الآيَةُ الكُبْرَى مُحَمَّدٌ ح"، والثانية «نصرة الرسول ح»، والملفت للانتباه أن الأولى كانت في مقتبل عمره، والأخرى قبل وفاته بسنة:، فقال (1):
يَا رَسُولَ الْهُدَى صَلاةٌ سَلاَمٌ ... بَزَكِيِّ الوِدَادِ تُوجَبُ أَمْرَا
صَلِّ يَا رَبِّ ثُمَّ سَلِّمْ وَبَارِكْ ... كُلَّ حِينٍ عَلَى المُحَمَّدِ دَهْرَا
• وبتضرع خاشع، وتوجه صادق إلى المولى عز وجل، نادى الشاعر ربه ليفرج محنة أهل بريان، ويطفئ نار الغلِّ بين المتساكنين، فقال عن «بريان» (2):
هَيَا رَحْمَانُ جُدْ بِجَمِيلِ صُلْحٍ ... وَجُدْ بِحَيَاةِ أَمْنٍ مُسْتَقِرَّهْ
وقال:
فَمَنْ ذَا غَيْرَكَ اللَّهُمَّ نَدْعُو ... وَمَنْ ذَا يَا عَظِيمُ يَمُدُّ نَصْرَهْ
وَمَنْ ذَا يَسْتَطِيعُ سِوَاكَ رِزْقًا ... لِيَمْنَحَنَا وَلَوْ مِثْقَالَ ذَرَّهْ
• وألح في الدعاء في قصيدة «مُلْتَقَى الْمَوَدَّةِ» .. رجاء نيل مرضاته تعالى، والفوز بأجر المحتفى بهم، من حافظي القرآن الكريم، فجاءت أربع أبيات في التوسل بالله (3).
أَغِثْنَا يَا مُغِيثُ مِنَ الرَّجِيمِ ... أَجِرْنَا يَا قَوِيُّ مِنَ الْجَحِيم
وَصَلِّ عَلَى الْحَبِيبِ (مُحَمَّدٍ) مَنْ ... دَعَا لِلحَقِّ بِالْخُلُقِ الكَرِيم
ثالثا: قراءة في اللمسات الفنية:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حتى تكتمل لدينا القيمة الشعرية للأمين، نحاول أن نستعرض بعضا من اللمسات الفنية التي لاحظناها في شعره، وهي:
1 - اتسمت لغة الأمين بسهولتها وخلوها من الغريب، وبثراء لغوي معتبر يتجلى في التمكن النحوي والصرفي.
__________
(1) - المصدر السابق: 140.
(2) - المصدر السابق: 92.
(3) - المصدر السابق: 168. (19/12)
صفحة 379
2 - يفضل الأمين الأسلوب الواضح؛ الممتع والمقنع، فلا يخرج عن المألوف في الاستعمال اللفظي أو التصوري أو التركيبي، ولا يميل في الغالب إلى الاستنجاد بالصيغ الموروثة الجاهزة «ليت شعري»، «لا أب لك»، ونكاد لا نعثر على ألفاظ عامية إلا في قصيدة واحدة، ليقربنا إلى حالته الواقعية، ويرسم لنا صورة حية عما يختلج في نفس خصمه، الذي يرغب أن يشاهد أحمد شقيا حزينا كئيبا، تتقاذفه الظروف يمينا وشمالا، فقال في «رِسَالَة» (1):
وَتَلَذَّذُوا لَمَّا رَأَوهُ (مُمَرْمَدًا) ... يَغْدُو، يَرُوحُ، يَهِيمُ كَالوَلْهَان
3 - يسعى في أكثر من موضع إلى تجسيد مشاعره النفسية وأحاسيسه في صور بديعة خيالية، يطرب لها السمع، ويخفق لها القلب، ويتضح ذلك في «ذِكْرَيَاتٌ طُفُولِيَّةٌ»، وفي «يَدِي لُغْزٌ الحَيَاةِ .. » أين رسم حياته في صورة شعرية فحكى أطوار حياته؛ من ميلاده واختيار حظه، وقدره في الحياة، وبراءة الطفولة، وطيش الفتوة والمراهقة، إلى أحلام الشباب وصوغ القوافي، وانتظار الموت والفناء، وما يخبئ الغيب، والمصير الأخروي. ثم رجع إلى الحياة مرة أخرى متنبئا إن كتب له العيش حتى المشيب ـ وكأني به يستبعد أن يرى تلك المرحلة ـ أن سيحيا حياة الشباب، ويستمتع بعمر الهوى أين تحلو الحياة.
4 - يميل الشاعر الأمين في أكثر من موضع إلى استعراض الجماليات الشكلية، والتلاعب بالآلة الموسيقية. وذلك في مثل المواطن التالية:
* - نظم قوافي متقابلة بين الصدر والعجز، وغيرها بين مقطع لآخر، كدليل على تحكمه الشعري، ويبرز هذا في قصيدة «الشَّيْخُ صَالِحُ بَزَّمْلاَل فِي الْخَالِدِينَ» (2).
لَخْطبٌ عظِيمٌ وأَمْرٌ جَلَلْ ... لَقَدْ غَابَ نَجْمُ الْهُدَى وأَفَلْ
ثم يقول:
فَقَدْنَاكَ يَا حُجَّةَ الأَتْقِيَاءْ ... فَنَحْنُ .. إِذًا، بَعْدَكَ الأَشْقِيَاءْ
__________
(1) - المصدر السابق: 194.
(2) - المصدر السابق: 146. (19/13)
صفحة 380
* - نمق القوافي في «يدي لغز الحياة»، فكتب كل مقطوعة من بيتين، حيث حافظ في البيت الأول وصدر البيت الثاني على نفس القافية، بينما ختم عجز البيت الثاني بقافية أخرى، وقام الشاعر بذلك مع الحفاظ على الجرس الموسيقي والخيال الشعري في القصيدة البديعة (1):
أَرَاكِ يَدِي غَيْرَ رُؤْيَا الْجَمِيعْ ... أَرَى فِيكِ شَيْئًا فَرِيدًا بَدِيعْ
يَرَوْنَكِ رَبَّةَ كُلِّ صَنِيعْ ... وَلَكِنْ أَرَى فِيكِ لُغْزَ الْحَيَاةْ
وفعل الأمر نفسَه مع قصيدة «مُخَيَّمُ بَنْ يَزْقَنْ» (2):
مِنْ حَنَايَا كُلِّ شَابْ ... يَسْجَنِيٍّ مِنْ مِزَابْ
خُلْقُهُ دِينُ الصَّوَابْ ... قَدْ بَنَيْنَا ذَا المَخَيَّمْ
* - استرسل في قصيدة «الشَّخْصِيَّة» في الملاءمة بين كل لفظة وضدها بأسلوب سلس، ووزن خفيف، وإسهامات فلسفية محيرة أجراها على كامل القصيدة، كقوله (3):
مَنْ ذَا تَظُنُّكَ فِي الوَرَى؟ ... أَمَعَ الأَمَامِ أَمِ الوَرَا؟
أَمَعَ الْحَيَاةِ أَمِ الرَّدَى؟ ... أَمَعَ [الثُّرَيَّا أَمِ] الثَّرَى؟
* - حمله الاهتمام بالجرس الموسيقي في بعض الأحيان إلى العناية بالبديع، واختيار الألفاظ والمعاني، من مثل استعماله للجناس الناقص في «مَرَّةً أُخْرَى الجَزَائِر» (4):
اخْتِلاَفٌ فِي الظَّوَاهِرْ ... وَائْتِلاَفٌ فِي الْجَوَاهِرْ
5 - انفردت قصيدة واحدة في الديوان بتعدد مواضيعها، أما البقية فكلها متقيدة بالوحدة الموضوعية، وهذه القصيدة هي «شاع خبرا شاح قبرا»، حيث استهلها بالتحسر من إقامة الذكرى لعظيم لم يكن يُعبأ به حيا، ثم أشاد بأعمال المرثي، وهجا خصومه من أهل الشعر النثري، ومدح مسقط رأسه الثري، واشتكى من غربة اللغة العربية على أهلها، وهيمنة الغرب على عقولهم، فضاعت العراق وفلسطين من بين أيديهم، وختمها بالاعتذار عن الإطالة.
__________
(1) - المصدر السابق: 213.
(2) - المصدر السابق: 133.
(3) - المصدر السابق: 227.
(4) - المصدر السابق: 30. (19/14)
صفحة 381
6 - يتنوع إنتاجه بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، فلا هو يرضى بشكل ثابت لقصائده، ولا هو مؤثر التحرر الدائم من الوزن والقافية، مما يدل على أصالته ومعاصرته، وتحكمه في تصوير عاطفته في أي شكل من أشكال الوزن الخليلي.
7 - خلاصة الشعر عنده رسالة مقدسة، وليست خيالات منسوجة في أبيات، فيقول عن الشعر في «مَوْقِفٌ شِعْرِيُّ .. » (1):
إِنَّهُ الشِّعْرُ مِزَاجٌ عَبْقَرِيٌ وَعَجَبْ
نَابِعٌ مِنْ عُمْقِ رُوحٍ بِالْمُعَانَاةِ انْسَكَبْ
ويؤكد أنَّ ضمير الشعر هو أساس الشعر فيقول في «قَلْبُ شَاعِرٍ» (2):
يَا رَبِّ مَتِّعْنِي بِقَلْبٍ شَاعِرٍ ... إِيَّاكَ يَعْبُدُ بِالْجَمَالِ السَّاحِر
هذا ما تمكنَّا من رصده في هذه القراءة الأوَّلية لديوان الأمين، آملين أن يفتح الله بمن يتفرَّغ لدراسته وتحليله بما يليق وهذا المنجز الشعري المتألق.
قائمة المراجع
1. ابن بطة العكبري: «الإبانة الكبرى» (قرص المكتبة الشاملة).
2. الأمين أحمد: ديوان «مدوا الأيدي نتصالح»، تحقيق: خرازي مسعود، وابن ادريسو مصطفى، نشر عشيرة آل خالد، 2012.
3. البخاري: «صحيح البخاري»، (قرص المكتبة الشاملة).
4. الربيع بن حبيب، «الجامع الصحيح»، المطبعة العربية، غرداية، 1985.
5. مجموعة ناظمين: «الدر الثمين في معجزات سيد المرسلين»، المطبعة العربية لدار الفكر الإسلامي، الجزائر، 1973.
6. محمد رشيد رضا: «مجلة المنار»، جمادى الأولى 1328هـ/، جوان 1910م، المجلد 13، ج5، (قرص مجلة المنار).
7. مفدي زكرياء: «اللهب المقدس»، بيروت، 1961.
8. مفدي زكرياء: «إلياذة الجزائر»، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1987.
9. منتدى المربين اليسجنيين: «ترجمة مختصرة عن الشاعر أحمد الأمين»، مصففة.
- - -
__________
(1) - المصدر السابق: 222.
(2) - المصدر السابق: 212. (19/15)
صفحة 382
البابا يجلِد .. ليعمِّد علي وأحمد! إبراهيم سعيود
د: إبراهيم سعيود
قسم التاريخ ــــ جامعة الجزائر 02
brasayoud60@yahoo.fr
هـ
(1) هذه ليست خاطرة بل تاريخ وذاكرة! دونتُها للأجيال من بني جلدتي وملَّتي اعتمدتُ في سردها على وثائق أرشيفيَّة، عثرتُ عليها في دور الأرشيف الإيطالية، قرأتها فأحسستُ بدافع نفسيٍّ يلحُّ بوجوب نشرها، وشعرتُ بأنَّ النكول عن هذه الرغبة عقوقٌ لديني وحسَبي وقومي وتاريخي، ولا أريد لقلمي أن ينكمش في دواته.
أسواق النخاسة في إيطاليا، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، هرجٌ ومرجٌ وازدحام، سادةٌ وعبيد، وعبيد وسادة، أسرى من كلِّ الأعمار، ومن كلِّ الأقطار، شيوخا وكهولا، شبابا وأطفالا، أسرى من الجنسين اللطيف والخشن ذكورًا وإناثا، هم من بلاد البربرسك، ومن بلاد الشرق والترك. هيَّا فليقترب الجميع، هذه تصلح خادمة، وهذا للتجديف، وذاك مُزارع وتلك حرملك.
مأساتهم عبَّر عنها الشاعر العربي، فقال:
ولو رأيت بُكاهُم عندَ بَيعِهِمُ لَهَالَك الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ
يا ربِّ، أمٌّ وطفلٌ حِيلَ بينَهُما كما تُفرَّقُ أرواحٌ وأبدانُ
وطفلةٌ مثل حُسْنِ الشمسِ إذْ طَلعَتْ كأنَّما هي يَاقوتٌ ومُرجَانُ
يقودُها العِلْجُ للمَكرُوهِ مُكرَهَةً والعينُ باكيةٌ والقلبُ حَيْرَانُ
أحمدُ بيد جلاَّده .. سيِّدٌ اشتراه ولبيت التعميد أهداه.
أحمدُ طفلٌ صغير، عبدٌ أسير، بضاعةٌ من الرقيق، قلبُه مُرهَفٌ بالحس رقيق يشبه قلب العاشق، أمَّا عقله فكبير، كبر وطنه وأمَّته، زار أسواق النخاسة الإيطالية كلَّها تقريبا باعه جلاد في «باليرمو»، وابتاعه سيِّد في «مسين»، وفي «روما» بيع المسكينُ، لينتهي به المطاف في بيت المعمّدين.
__________
(1) (*) - إهداء إلى أسرى القضيَّة الأم، في أرض الإسراء والمعراج .. قُدسِها والخليلِ وبيتِ لحم. (20/1)
صفحة 383
في «كازا» المعمّدين، ذات يوم من 11 يونيو، دخل الصغير هذا البيت الرهيب والذي تأسَّس ـ كما ورد في المصادر التاريخية الإيطالية ـ في الثامن من شهر نوفمبر من عام 1543م بغرض تنصير كلِّ من يقع أسيرًا من أحفاد سيِّدنا إبراهيم عليه السلام، سواء من أبناء إسحاق، أو من أبناء إسماعيل.
ونشرت البراءة البابوية لحضرة الكرسي البابوي «خليفة المسيح» بتاريخ 12 يناير1549، أفتى فيها صاحب المقام والاعتزاز «البابا باولو فرناز»، بجواز شراء الأسرى من أسواق النخاسة البابوية وغير البابوية، من «نابولي» جنوبا حتى «توسكانيا» شمالا مرورًا بـ «شيفيتافيكيا» ميناء البحرية البابوية، وبمقتضى براءة «البابا فارناز» صار الأسير عبدًا لا يُفتدى، بل يظلُّ من الرقيق حتى وإن دخل صندوق الاعترافات ولبس الصليب، وأدَّى الصلوات، سيظل عبدًا بمقتضى براءة صاحب البراءات من عهد «فارناز» ومن جاء من بعده إلى بلاط البابوات.
«أحمد» في عمر الأزهار التي تفتَّحت في شهر آذار، أمَّا البابا الذي حضر حفل التعميد، فشيخ في أرذل العمر، أنهكه القدر، له قلب نُحت من سواد المرمر، الذي نَحت به «رفائيلو» تمثال النبي موسى، المقام في بهو الصلاة في الكنيسة، الكنيسة المطلَّة على حدائق الفاتيكان، وساحة المطران، أين يتجمَّع المريدون للحج الأكبر ليطل عليهم صاحب الصليب الذهبي من الشرفة العالية، التي أطلَّ منها ربَّما أسيرُنا «حسن الوزَّان» المدعو «ليو الإفريقي» ذات يوم من أيام القرن الخامس عشر.
انتقل أحمد المسكين إلى بيت المعمّدين، مكبَّلاً بالسلاسل في اليدين وبالحديد في الرجلين، يسحبه الجلاَّد البشع، الذي يشبه الضبع، نحو مصير مرير، مرَّ أحمد بممرٍّ ضيِّقٍ بمحاذاة كنيسة «سان جيوفاني لاتيرانو»، ومنه ولج صاحب الجسد النحيف إلى البيت المخيف المضاء بفوانيس القرون الوسطى. (20/2)
صفحة 384
تقدم أحمد مثقل الخطى، وزادته سلاسل الأسر ثقلاً، وصور المآسي التي واجهها أمام مُرهِبه قد شلَّت قواه، وما رآه من فظاعة القسوة جعله والموت وجهان لآلام واحدة، هذه الآلام أوهنته وأدنَتهُ من الموت الحقيقي، ولا شكَّ أنه ردَّد ما سيقوله شاعر متألم ذات يوم:
وهدرتُ بالألم الكَمِينِ بخاطرِي المتوَجِّعِ
متأجِّجَ الأحقادِ ... مجروحَا لإبقاء الأروعِ
رغمَ السلاسلِ في يدِي، والسوط يُلهِبُ أضلُعي
وصرامة الرًّكل الممِيتِ تَدُوسُ أرهَفَ موضِعِ
وقف أحمد أمام قس هو أمين وكاتب بيت التعميد، قس نبتت على رأسه الزنابق التي قال عنها شكسبير: «إنَّ الزنابق المتعفِّنة أنتن رائحة من الأدغال الضارّة».
بدأ القسُّ في استجواب أحمد، ليسجّْل معلومات عن هذا البريء الذي قاده القدر إلى هذا البيت الذي شيَّده الرومان من حديد وحجر.
السؤال الأول، وتليه بعد ذلك بقية الأسئلة:
- ما اسمك؟
- ردّ الطفل: اسمي أحمد
- ماذا؟ آمت ( Amet)؟
- لا يا سيدي، بل أحمد
- ابن من ومن؟
- اسم أبي عبد الرحمان، واسم أمي فاطمة
لم يستوعب القس الحروف جيِّدا، فسجلها مثلما سمعها، ونطق العين «آ»، والحاء «هاء».
- كم عمرك؟
- ثلاثة عشرة سنة
التفت القسُّ نحو يساره، وهمس في سمع قسِّيسةٍ عجوز، أكل عليها الدهر وشرب ظهر على وجهها التعب والغضب، أمَّحَت أثار الأنوثة من على ساقيها وارتسمت ذنوبها وآثامها حتى تدلَّت كعناقيد للخطيئة والظلم، كلّ ذلك من كثرة الذنوب وثقلها، التي لم تمحها الاعترافات الكنَسيَّة، وقال لها:
- أنه صغير، فرد أحمد
- لا بل كبير!
- من أي البلاد أنت؟
- آه آه، أنا من مدينة عبد القادر الجزائري الذي سيقول عنها:
مَزْغَنَّة سُلْطَانَة المْدُوْنْ بَالجمْلَة
لَجْنَاسْ تْخَافْها فَالْبَرْ وْبَحْرِينْ
من جِهَة البحْر قَاعْ النَّاسْ تْخَافْهَا
بُرْجْ الفْنَارْ منُّو كِي مَذْعُورِينْ
يَا سَامعِين هَذْ القَّصَّة خَلِّيوْ ذَا الأمر يَصْرَفْ (20/3)
صفحة 385
حَسْرَاهْ وِين ذِيكْ المْرسَى وَغْنَايَم القهَاوِي وَمْلَفْ
أقطر مَاتْ بِهم رْصى بَسْنَاجَقْ لَحْرِير تَرْفْرَفْ
قُرصَان دَاخْلَة لَلْمَرسَى قَدَّاشْ مَن أَسِيرْ مَكَتَّفْ
للكَافرِين كَانَتْ بَخْصَة لَجْنَاسْ قَاعَ فِيها تَحْلَفْ
مَنْهَا لَجْنُوسْ وَلاَّتْ نَسَا مَن جَا يَطَلْ يَمْشِي رَاعَفْ
شَاعُو اخْبَارْهَا فِي لِيَّام الفَايْتِينْ
- أنا من مدينة سيُصنع فيها مدفعٌ عملاق اسمه «بابا مرزوق»، أنا من مدينة قال عنها عبد الرحمن الجامعي الفاسي:
بِلاَدٌ برأس الغربِ تاجٌ مُكلَّلٌ ... وخلْخَالُ سُوقِ الشَّرقِ غِيرُ ضوَامِرِ
بَدَت بِمِنصَّاتِ الزَّمانِ كأنَّها ... عَرُوسٌ تجلَّت في أعالِي المنَابرِ
وقَد قلَّد من بَحرها بِمُوَشَّحٍ ... وصِيغَت لَهَا الأمواجُ خِلْخالَ حَاسِرِ
وَلاحَ بها بابُ الجزِيرةِ مثلَمَا ... َبسَّم ثَغرٌ فِي وُجُوهِ البَشَائِرِ
كأنَّ مَجازَ البحرٍ مِعصَمُ غادَةٍ ... تَحلَّى سِوارًا واكتَسَى بِجَواهِرِ
والله أبراجٌ بِشاطِئِ بَحرِهَا ... تُحاكِي النُّجومَ الزُّهْرَ في عَينِ خَازِرِ
- أنا من مدينة الألف مدفع، وسيكتُب عن تاريخها رائد المدرسة التاريخية العثمانية المؤرخ «مولاي بَلَّحمِيسِي»، بعد ثلاثة قرون، وثلث القرن من هذا التاريخ.
هزَّه الجلاد هزَّة عنيفة، حتى كاد أحمد أن يسقط على إثرها أرضا وقال:
- تكلّم باحترام، أنت في حضرة صاحب المقام القس الذي وإن فعل مكروها لا يلام، أو مارس محظورا وممنوعا لا يعاتب ولا يعاقب، إنه كاتب صاحب المقام الديني والدنيوي، الحبر «الأعظم» القديس «الكسندروس»!
انزلقت على خدي أحمد دمعتان صافيتان بريئتان، دمعة تنمُّ عن شيء من الكبرياء، والثانية عبرت عن حزن فيه شموخ، ثم قال:
- أنا من مدينة الجزائر .. الجزائر المحروسة.
- سجَّل القس: «آمت موروم دي ألجيري» أي أحمد عربيٌ من الجزائر، ثم سجَّل أيضا تاريخ التنصير وهو 11 يونيو 1658. (20/4)
صفحة 386
انسلَّ رأس القس من رقبته قليلا، وحدَّق في زاوية المكان، وقال: هل من عرَّاب وعرَّابة لهذا العبد؟
تقدَّم الكاردينال «ياكوبوس نينوس» نحو القس وقال: أنا عرَّابه، سأتخذه عبدًا، فأنا أحقُّ به من غيري، أنا ابن أخ البابا «ألكسندروس»، قد يكون الأخ غير الشقيق أو غير الشرعي لأنَّ دهاليز الكنائس الرومانية وغير الرومانية فيها من الغرائب ما حدثنا عنها التاريخ، وفيها من الفضائح ما يندى له الجبين، وقد حدثنا عن بعضها الكاتب الإيطالي «أمبيرتو إيكو» في كتابه الموسوم: «باسم الوردة» ( Amberto Ecco), (Alla nome della rosa)
ثم سأل أين الشهود؟ فتقدَّم ... لا لا لا يوجد شهود، لأنَّ «ياكوبوس نينوس» وبقية أفراد الأسرة البابوية غير معنيين بمسألة الشهود، إذا فهم ليسوا بحاجة لأن يشهد على تنصيرهم القسري لأحمد شهودٌ هكذا صرّح القس الكاتب. لكن الوثيقة التي عثرتُ عليها في مركز أرشيف «الفيكارياتو» في روما سنة 1996 كشفت المستور، وأماطت اللثام، عمّا ظل مجهولا لسنين وقرون، وأخرجت قضية التنصير المفروض الذي مسَّ أكثر من ألف مسلم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر إلى النور.
وبعد استكمال إجراءات التعميد، لا بل التنصير القسري، وما عسى أن يفعل أحمد الصغير أمام مُرهِبهِ، فقد ارتسم الألم في صورة نفس أحمد أوتارًا عزف عليها، مازجا بين الألم النفسي من جرَّاء التنصير، والتعذيب الجسدي من جراء الأسر، وبين الغربة النفسية التي بلغت معنى التغريب، فتحوَّلت الغربة إلى تغريب قسري يُضاف إلى التنصير القسري.
صرَّح القس الكاتب أمام الحضور أنَّ هذا الذي كان يدعى «أحمد»، سيدعى مستقبلا «يوانوس فورتوناتوس» ( Ioannes Fortunates)، وشرب الجميع نخب الحفل. حينها انفطر قلب «أحمد» الصغير، ودمعت عيناه، وارتعش جسده النحيف، وتذكَّر بلا شك أبويه، وبدأت الآه في نفسه تتلو الآه ... واكرباه، وامعتصماه، وربَّما تلا ما سيتلوه الإمام الشافعي: (20/5)
صفحة 387
إنَّ الغريب له مخافة سارقٍ وخضوع مديونٍ وذلَّة مُوثَقِ
فإذا تذكَّر أهلَهُ وبلادَهُ ففُؤادُه كجناحِ طَيرٍ خَافِقِ
وفجأة استجمع قواه، وردَّد بدون شكٍّ ما رددته الأسيرة البربرية «كسيبيكا» التي كانت برفقة أمِّها فاطمة، وكانتا أسيرتان في نابولي، حيث نظرت «كسيبيكا» إلى البحر وقالت: «يا محمد أيُّ ألمٍ أحمله في قلبي؟!».
أظنُّه قرَّر أن يقول ما قالته «لوكريسيا» وهي أسيرة من شمال إفريقيا، اشتراها أحد البرجوازيين النابوليتان من سوق النخاسة في مسين في صقلية، وقد صرَّحت لوكريسيا: «أنّ قلبها سيظل معلَّقا بدين أجدادها العرب!».
اعتقد أنه قرَّر ما قررته «مرقريتا» الأسيرة المغاربية (قد تكون من المغرب الأوسط أو الأقصى أو الأدنى) حيث قررت بأن لا تؤدِّي الاعترافات الكنسيَّة، ولا الصلوات المسيحيَّة حتى ولو وضعوا على كاهلها حملا من حطب وأشعلوا اللهب، وهي التي صدر بشأنها (وهي ذات شأن عظيم) حكما كنسيًّا بتاريخ 15 فيفري 1617 بسجنها لأنها مرتدَّة.
أظنُّه قرَّر أن يقول ما قالته «سيسيليا» وهي أسيرة من شمال إفريقيا أيضًا، اشتراها «ألفونسو دي أكورينيا» من «باليرمو»، وقدمها وصيفة لزوجته لتخدمها ـ أظنه يحب زوجته حبًّا جمًّا ـ بعدما أجبرها على اعتناق المسيحية، وقد اشتكت «سيسيليا» من سوء المعاملة التي كانت تتلقاها من سيدها وسيدتها، فهي تتعرض للضرب والشتم، وربما أجبرت على ...
صرَّحت «سيسيليا» أمام قاض في محكمة كنسية في «باليرمو» قائلة: إن ربّ المسيحيين ليس ربًّا، لأنَّه لم يحرِّرها مما هي فيه، ووصفت زوجة سيدها بأنها خنزيرة.
«أحمد»، و «سيسيليا»، و «كسيبيكا»، و «لوكريسيا»، و «فاطمة»، و «علي»، و «سليمان»، و «مباركة»، و «قاره علي»، وآخرون وهم كثر تجاوز عددهم الألف تمَّ تنصيرهم على مدار القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهم من الجزائر، وتونس، وطرابلس، ومراكش، وبقاع أخرى، كلُّ هؤلاء كانوا أسرى بدار الظلم. (20/6)
صفحة 388
أسيرٌ بدار الظلم أعياه آسره ... آما من فتى في الناس حرًّا يُناصرُهْ
أفي الناس أحرارٌ وفيهم أحبة ... ما لأخيهم لا يرى من يُؤازرُهْ
ألَمَّ به خطبٌ في الجور فادح ... كما انقضَّ بازٌ أقتم الريش كاسرُهْ
تنادَوا به والضعف ملء قلوبهم ... وقالوا «وحيدٌ ما لنا لا نُكاثرُهْ»
هؤلاء الأسرى هم ضحيَّة قراصنة أوروبا، الذين بدون شك ردَّدوا الأغنية المشهورة التي غناها القرصان البريطاني «لونج جون سيلفر»:
«كانت لدينا سفينة رائعة، ومدفعها النحاسي الطويل
وكنا نحمل حول وسطنا الخناجر
هذه كلُّها تشهد ضدَّنا، وحقيقة مكروهة
وكنا نلاحق سُفُن التجَّار، ونصعد إليها
ونملأ بالقتلى مصارف السفينة، والأسرى في السلاسل
غطَّت رؤوسهم الألواح المصبوغة
تسلقناها، سرقناها، وأغرقناها
وتركنا بعض الناجين متعلقين في الألواح»
نعود إلى أحمد المأسور، ذو الجناح المكسور، وأظنُّه أنشد ما سينشده الشاعر الشعبي محمد بلخير:
سَلاَّكْ المغبُون مَن وْطَنْ الكُفَّارْ قادَرْ كُلْ غْرِيبْ لَبلاَدُو تَدِّيهْ
سَلَّكني يا خَالْقِي مَنْ لَعْدَا والتَّزْيَارْ قَادر تَبنِي الرِّيح والكَافْ تْوَطِّيهْ
سَلَّكني يا خَالْقِي مَنْ هذا الْجَارْ حَبْسْ الرُّومِي لا تْخَلِّي مسْلَمْ فِيهْ
دخل أحمد وخرج مُعمَّدا، من ينتصر له؟ وضعوا في عنقه خيطا من قماش يتدلَّى منه صليب عليه المسيح مصلوبًا. مشى أحمد متعثِّر الخطى، دينه منه مسلوب، كيف لا وقد أرغموه على اعتناق دين لا يرغب فيه. (20/7)
صفحة 389
نظر إليه البابا «ألكسندروس»، ثمَّ أقام قدَّاسا وصلى شاكرا المسيح، واعتبر هذا التمسيح نصرًا للرب وروح القدس، وكلاهما بريء مما اقترفه (خليفة المسيح) في كنيسة القديس «بطرس»، حتى بطرس هو الأخر بريء، فقد صلبوه ذات يوم في روما، وأقاموا على قبره كنيستهم، صلبوه بعدما سجنوه في حفرة منحوتة في صخرة، الصخرة بحجم قبة «سيكستين» ( Chapelle Sixtine) لا تزال هذه المنحوتة جاثمة في الفوروم الامبريالي بروما إلى يومنا هذا، هذه الحفرة سجن فيها أيضا جد أحمد قبل قرون من أسر وتعميد الحفيد، سجن فيها «يوغرطة»، وقد كانت في يده قطعة نقدية، فسأله جلاَّده. هل تريد أن تفدي بها نفسك؟ فردَّ يوغرطة لا لا أيها الجلاد البائس. ألم يخبروك بأنَّ روما في السوق تباع وأنا المبتاع!!
أمر «ياكوبوس نينوس» بنقل أحمد المعمَّد إلى «شيفيتافيكيا» فهناك الأشغال الشاقَّة والتجديف على متن السفن البابوية.
هذا عن أحمد، فماذا عن علي؟
بعد قرن وثُلث القرن من التنصير الذي فُرض على «أحمد»، وقع «علي» في الأسر، وعليٌّ هذا من تونس، وقع أسيرًا في يد قراصنة «أونزيو» الإيطالية سنة 1777م، وكان عمره؟ 19 سنة! وعلي أيضا في عمر الأزهار التي أينعت في شهر أيار!
ومن المؤكَّد أنَّ عليا قد مرَّ بما مرَّ به أحمد، وذاق من العذاب ومرارة السؤال أشكالا وألوانا، فقد جلبه جلاده من سوق النخاسة في أونزيو، وفي سوق روما بيع المسكين، شروه بثمن بخسٍ دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين!
ومن سوق النخاسة الروماني، نقله سيده إلى بيت المعمِّدين، وكان ذلك بتاريخ 13 مايو 1780.
حضر البابا «بيوس» حفل التنصير والتعميد، وكان ذلك اليوم بالنسبة له عيدًا، ففيه تمَّ تحويل الأسرى إلى عبيد.
ومن فرط الفرح طلب الحبر «الأعظم» من الجلاد أن يناوله عصا، لا ليتوكأ عليها، أو يهشَّ بها على غنمه، بل له فيها مآرب أخرى، فقد أمر البابا بضرب علي المسكين ثمانين ضربة (80 colpi de batone)! (20/8)
صفحة 390
ما الذي ارتكبه علي حتى يُجلد؟ عجيبٌ أمر هذا البابا، فقد أراد أن يعلم علم اليقين إن كان عليا قد اعتنق هذا الدين عن اقتناع ويقين!!! هكذا اعتقد بيوس.
كان البابا يجلِد ليعمِّد الأسير والمستعبَد.
الجزائر المحروسة في 11 مارس 2012
هوامش المقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*- أسماءُ الأعلام والأماكن الواردة في هذه الذاكرة ليست مُستعارة، بل حقيقيَّة ورد ذكرها في الوثائق والدراسات التي اعتمدنا عليها:
1 - A.S.V.R, Catacumeni e Neofiti.
2 - A.S.P.F, SC (Barbaria)
3 - Ibid, SOCG.
4 - A.S.R, Bando Sopra al tenere Schiavi e Schiave in Roma.
5 - B.A.V, Vat, Ottoboni, Repertori di familie Romane.
6 - Belhamissi (M), Les Captifs Algériens et l’Europe Chrétienne.
7 - Belhamissi (M), Alger la ville aux mille canons.
8 - Bennassar (B), « Conversions, Esclavages et Commerce des femmes ... . »
1 - المقري أحمد بن محمد: أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض.
2 - الشيخ عبد القادر الجزائري من أعيان مدينة الجزائر له قصيدة طويلة في الأدب الشعبي يرثي بها العاصمة بعد نكبة 1830م.
3 - أبو زيد عبد الرحمان بن عبد الله الفاسي الشهير «بالجامعي»، عاش خلال القرن 11هـ/17م، ورد ذكر بعض الأبيات من القصيدة في مذكرات الشريف الزهار نقيب أشراف الجزائر، نشرها المرحوم توفيق المدني. أيضا في التحفة المرضية لمحمد بن ميمون.
4 - المعوش سالم: شعر السجون في الأدب العربي الحديث.
5 - أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: ديوان الشافعي.
6 - بلجريف تشارلز: ساحل القراصنة، ترجمة عيسى أمين.
- - - (20/9)
صفحة 391
الشهيد عبد الرَّحماني محمَّد بن يحيى الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
(- رحمه الله -)
(ولد: 1983 ــ توفي: 2013)
الأستاذ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
معهد الحياة ــــ القرارة ـــ غرداية ـــ الجزائر
aissamed54@gmail.com
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ت
ژ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) ژ نحمده جلَّ في عُلاه وهو الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه، ونقدِّسه ضلَّ من سلاه، تعاظمت نُعماه، هو الوليُّ الحميد ژ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) ژ القائلُ في محكم تنزيله ژ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) ژ وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الواحد الديانُ المتفرِّد بالعزَّة والجبروت، المتوعِّد الظالمين بقوله ژ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) ژ والصَّلاة والسَّلام على أعظمِ المبتلين، وأجملِ الصابرين، وأسوةِ المحتسبين، ورحمةِ الله للعالمين، محمَّدِ بنِ عبد الله، القائل تسليةً للمبتلين وتخفيفًا عن المصابين: «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ، الإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ دُونَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُفْتَحُ لَهَا (21/1)
صفحة 392
أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ: بِعِزَّتِى لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ». فاللَّهمَّ صلِّ على خيرِ من وارى الثرى بَدَنَا، وسلِّم على أكملِ من كان للورى سَنَنَا، وعلى آل بيته الأكرمين، وأنبل صحبه أجمعين، وعلى من استمسك بحبل الله المتين، واعتصم بهدي نبيئِه الأمين، مستعينًا بالصبر والصلاة إلى يوم يقوم الناس لربِّ العالمين. (21/2)
صفحة 393
سعادة والي ولاية غرداية، حضرات أعضاء المجلس الأمنيِّ الولائيِّ، أيُّها السادةُ الأفاضل النجباء، كافَّةُ السلطات الإداريَّة والأمنية، والهيئات الدينية والاجتماعية، يا أيُّها الأماثل من بني قومي الأباة، ويا كلَّ نفس راضيةٍ بقضاء الفعَّال لما يريد، سلامٌ عليكم تُكنُّه الجوانح من ربٍّ غفور، ورحمةٍ شاملةٍ تحفُّها المدائحُ من بَرٍّ شكور، في هذا المشهد الرهيب الذي يلتئمُ في هذا المحشد المهيب، وهذا المعلم الرحيب مساء يوم السبت 11 صفر الخير 1435هـ 14 ديسمبر 2013م وقد وجلت القلوب، وذرفت العيون، وزاغت الأبصار، وراغت الأفكار، بنبإ جلَّ كالقارعة، وخبر حلَّ كالصاعقة، حتَّى ما كاد المرءُ بالخبر استبعادًا يصدِّق، ولا بالنبإ امتعاضًا يحقِّق، لولا عُقدة من الإيمان في القلب راسخة، وثقةٍ في الملإ الأعلى شامخة، وكيف لا يُصاب الكلُّ ذهولاً شيبًا وكهولا، والموتُ قد أفجعنا في الفتى الشهيد، والبطل الصنديد، والولي الودود محمَّد بنِ يحيى بنِ يحيى عبد الرحماني الذي فارق الحياة بعد عشرين يومًا قضاها يصارع سكرات الموت في غيبوبة كاملة، فانحبست الأنفاس وجلة تُتابع في قلقٍ حالته الصحيَّة على مدار الساعة، خشية أن يكون الضحيَّة التي اغتالته يدٌ غادرةٌ آثمة، في فتنةٍ عمياءَ أوقد نيرانها شرذمةٌ لنا غائظة، أحالت البلاد من بعد أمنِها خوفَا، وأورثت العبادَ من بعد ودادهم ضغنا، تحريقًا وتخريبًا وتهجيرًا، وترويعًا وتشميتًا وتكفيرًا، ألا تبَّت يدَا كُلِّ من أوقد وأيقظ، وشُلَّت يمينُ كُلِّ من سعى وفكَّر، وخطَّط ودبَّر، وحرَّق ودمَّر، وفحَّش وهجَّر، لكَّنه قضاءُ الله القاهر ولا رادَّ لقضائه، وحكمُه النافذُ ولا مُعقِّب لحكمه، وأمرُه الجاري ولا يُسال عمَّا يفعل، وإنَّه الموتُ كان يترصَّد قاطعا كلَّ أجل، والحٍمام كان يتهدَّد رادعًا كلَّ أمل، في غمرةٍ من الفرح عاينت، وغفلة من المرح لاينت، ژ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ (21/3)
صفحة 394
الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) ژ فحمدًا لك في الحال والمآل يا من لا يُحمد على مكروه سواه، وإنَّ القلب ليخشع، وإنَّ العين لتدمع، وإنَّا على فراقك يا محمَّد لمحزونون، غير أنَّا لا نقول إلاَّ ما يرضي الربَّ، فـ ژ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) ژ فما أحكم مشيئةَ الرحمن في كلِّ ما تأتي وتذر، وما أرحم عدالةَ الديَّان في كلِّ ما عظم ونزر، وما أتعس الإنسانَ إن هو طغى وكفَر، ويا بُشراه بالسعادة إن هو احتسب وشكر، تلك لَعَمري أعظمُ المِنَّة في المنية، وذلك إي وربِّي جزيل الثواب على عظيم المصاب ژ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) ژ وإذ كان الأمر كذلك فـ
دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ ... وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي ... فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ (21/4)
صفحة 395
أيُّها الأحبَّة الأكارم، ما أصعب الحديثَ عن موت نفسٍ مؤمنة، وَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، فكيف والموتُ قد تصيَّد شابًّا من خيرة الشباب تقوىً وصلاحَا، وترصَّد فتىً من خيرة الفتيان أسوةً وفلاحَا، خرج يُدافع عن حمى إخوةٍ له مؤمنين، ومن قُتل دون ماله وعرضه فهو شهيد، لقد أراد الإرهابُ الأعمى اغتيال الفقيد في ميدان «محمود» نكايةً به ومكرَا، فأراد العزيزُ الحكيمُ له أن ينال في «المقام المحمود» وسامًا وفخرًا، لقد أرادوا للقتيل قبرًا، وأراد الجبَّار أن يرفع له ذكرَا، فمن منَّا كان يعرف الفقيد محمَّدًا قبل أن تُبرزه الأحداثُ فيغدوَ مذكورًا على كلِّ لسان، ومحبورًا بكلِّ بَنان، حتى كانت تُتابع نبضاتِ قلبه الأنينِ ـ مخافةَ أن تتوقَّف ـ كلُّ نفس في هذا البلد الأمين، ويراقب أنفاسَه المتبقِّية ـ خشية أن تنفذ ـ كلُّ إنسان في هذا الرَّبع الحزين، ولا أدلَّ من هذا الحشد الكبير الذي ألقت فيه أركان الولاية بفلذات أكبادها إلى هذا المأتم الكبير مُعزِّية مسلِّية، مؤاسيةً مُضحِّية.
أيُّها الأحبَّة في الله، لنا في كلِّ موتٍ عبرة جليلة، ولنا في كلِّ ميِّت فكرة جميلة، فما أرى الموت إلاَّ خاطفا كلَّ نفسٍ مهما اشتدَّ بها الأمل، ودائلاً كلَّ دولةٍ مهما امتدَّ بها الأجل، وكلُّ نفسٍ ذائقةُ الموت، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، فيا معاشر الناس أعِدُّوا العدَّة قبل فوات الأوان، واستعدُّوا للرحيل قبل أن يُرفع للموت الأذان، فما تدري نفس بأي أرض تموت ... (21/5)
صفحة 396
وإيه يا زمان، وآهٍ يا وجدان، لقد تغيَّرت الدنيا فصرنا نعيش أشراطها، وامتدَّ بنا الزمان فعُدنا نرى من الأجنَّة أوغادها، فكان القابض على دينه كالقابض على الجمر، يُمسِي المرءُ على الإيمانِ فيُصبحُ على الكفر، لقد استُبيحت الدماء، وانتُهكت الأعراضُ، واستُحلَّت الأموال، وتلك لعمري المحنةُ التي تدكُّ البلاد، والفتنةُ التي تُنهك العباد، والإحنَةُ التي تفتِكُ الأكباد، فرحماك ربي ليس إلإَّ إليك الملاذ، ثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي دار المعاد، ووفِّقنا إلى الشكر عند السرَّاء، والصبر عند الضرَّاء، فكلُّ شيء أردتَه وقع، وكلُّ شيء وقَع كان كما أردت، وإرادتك متعلِّقة بالحكمة المطلقة، وحكمتُك المطلقة متعلقة بالخير المطلق ژ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) ژ ژ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) ژ أكثروا من ذكر الله، واصبَغوا أنفسكم بصبغة الله، وليِّنوا قلوبكم بذكر الله ژ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) ژ. (21/6)
صفحة 397
أيُّها الإخوة الأعزَّاء إنَّ الذين أشعلوا نار الفتنة في القرارة رهطٌ يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون، ولا يرقبون في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمَّة، لم يكونوا يقصدون حرقَ القرارة وحدها وتدنيسَ سُمعتها وسُمعة ولايتنا الطيِّبة غرداية التي سار بِذِكرها الركُّبان، وشادَ بها كلُّ من زارها من السَّادة والأعيان، إنَّما كانوا يُريدون أن يمتدَّ لهيبُ الفتنة إلى ربوع الجزائر كلِّها، حَسَدًا من عند أنفسهم أن تَظَلَّ قلعةً صلبةً آمنة، ودولةً مُستمسِكةً مطمئِنَّة في عالم مَريج، تتخطَّفه الطيرُ أو تهوي به الريح مكان سحيق. (21/7)
صفحة 398
فيا معاشر الإخوة المؤمنين لسنا دُعاة فتنة، ولا بُغاة إحنة، ولا سُعاة ضِغنَة، نحنُ أبناء أمَّة الإسلام، شعارُنا السِّلمُ والسلام، وأنضاء الإيمان دِثَارُنا الأمن والإيمان، لا نرضى لنهج بارئنا تَعدِّيا، ولا نبغي لحكم خالقنا تحدِّيا، سبحانه إنَّه القائل: ژ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) ژ والقائل ژ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) ژ والقائل: ژ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ژ والقائل: ژ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ژ والقائل ژ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) ژ يُملي للظَّالم حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِته، والقائل ژ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) ژ «فيا قاتل الرُّوح وين تروح»، فالسكينةَ السكينة، والوقارَ الوقار، والهدوءَ الهدوء معاشرَ الأحباب، لا نَرضى لأحدٍ أيًّا كان، ولأي دافعٍ كان أن يركب أمواج القضيَّة، أو أن يَتْجَر بدماء الضحيَّة، فمطالبُنا جليَّة واضحة، ومساعينا حثيثةٌ ناصحة، إلى قمَّة هرم سلطة البلاد راكضة، رعايةً لمصالح المتضرِّرين، وإطلاقًا لسراح المعتَقلين، وتعزِيةً لأُسَر المُصابين، ژ ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ژ فالسلطانُ بين الجموع حاضر، وعليه وحده لا لغيره القصاص، فما نطلب منه إلاَّ إقامةَ الوزن بالقسطاس، ونشرَ لواء العدالة بين الناس، بما آتاه الله (21/8)
صفحة 399
من قوَّة وشدَّة بأس، هذا مطلبُنا منه في دار الفناء، وموعدُنا معه في دار البقاء، يوم تُجزى كلُّ نفسٍ بما تسعى، فما لنا من رُكنٍ شديدٍ نأوي إليه بعد القويِّ القاهر فوق عباده سوى ركنِ دولتنا الأبيَّة وأمن عدالتنا الوفيَّة، وحسبُنا توكُّلا ترديدُنا قوله تعالى: ژ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) ژ. (21/9)
صفحة 400
يا أبناء عائلة الشهيد الصابرين، والدةً ووالدًا، وزوجةً ووَلدَا، وإخوةً وحفَدَة، ماذا عسانا نقول لكم وأنتم المصابُون المفجوعون، وبماذا نسلِّيكم وأنتم التُّقاة المحتسِبُون، فما لنا من بيان مُسلٍّ سوى الركونِ إلى كلام المولى، والسكون إلى حديث المصطفى، فلكُم ولأمثالكم ممَّن آثرهم الرحمن واصطفى، نِعمَ البشرى ونِعْمَتِ الزُّلفى، فاستمعوا لما قال وأنصتوا، وثقوا بمن قال واحتسبوا، وكفاكم تعزيةً تعزيةُ من لا ينطق عن الهوى لسيِّدنا معاذ بن جبل في وفاة ولد له: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى معاذ بن جبل، سلامٌ عليك، فإنِّي أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو، أمَّا بعدُ فأعظَمَ الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشُّكر، فإنَّ أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، يُمتِّع بها إلى أجل ويقبضها إلى وقتٍ معلوم، وإنَّا نسأله الشكر على ما أعطى، والصبرَ إذا ابتلى، وكان ابنُك من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودَعة، متَّعك الله به في غبطةٍ وسرور، وقبضه منك بأجرٍ كثير، الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته فاصبر، ولا يُحبِطْ جزَعُك أجرَك فتندَم، وأعلم أنَّ الجزَع لا يردُّ ميِّتا ولا يدفع حزنا وما هو نازل فكان قدرًا، والسلام. فاحتسبوا أبنكم يا أهل الفقيد على الحوض فَرَطا، وإيَّاكم أن تُسلِمُوا لنوازع الوساوس، وتُنصتُوا لنوازغ الخنَّاس فيكونَ أمرُكم فُرطا. (21/10)
صفحة 401
هذا وإنَّني أصدُقكم القول أيُّها الجمع الكريم إنَّنا لمَّا تلقَّينا نبأ وفاة محمَّدٍ مساء الخميس عن طريق رئيس الدائرة المحترم في مكتبه صُعقنا جميعًا إذ انتابتنا حيرةٌ شديدةٌ وفجعةٌ أليمة، كيف نخبر أهله بالوفاة، كيف يكون وقع النبإ عليهم وعلى الناس، كيف تُنظَّم الجنازة في أمان، وبعد الانتهاء من وضع البرنامج غادرنا مقرَّ الدائرة في حيرة كيف نخبر أباه، كيف تكون ردَّةُ فعله، لكنَّنا لمَّا نعينا إليه ابنه وجدناه صابرًا نعم العبدُ إنه أوَّاب، وألفيناهُ محتسبًا أمرَهُ عند مولاه مبتغيًا رضاه، لم تُزعزع رواسخَ إيمانه عواطفُ الحزن على وفاة ابنه، فصُعِقْنا مرَّة أخرى لهذا الصبر الجميل والإيمان الأصيل، والاحتساب المثيل، فصِرنا بدل أن نعزيَّه على فقدان فلذة كبده نهنِّئُه على أن أبلغه الله تعالى حقيقة الإيمان كما قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - لِكُلِّ شَىْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، فطوبى له وحسن مآب.
أيُّها الجمع الكريم، إنَّها النكبةُ كبرى، وإنَّها النفوسُ جزعى، وإنَّهنَّ الأراملُ ثكلى، وإنَّهم الأيتام جَوْعَى، فليست المؤاساةُ تعزيةً تُلفِّقها الألسنة، أو تتشدَّق بها الأفواه، أو تذرَفُ بها الدموع، وإنَّما المؤاساةُ الحقُّ رعايةُ الأرملة، وكفالة اليتيم، وكفاية المحتاج، وإعالة الجائع، وإغاثة الملهوف، وفي هذا فليتنافس المتنافسون، ولمثل هؤلاء فليقُم القائمون، وفي مثلهم فلينفِقِ المنفقون، ژ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ژ. (21/11)
صفحة 402
أمَّا فقيدنا الذي عاش مسكينًا ومات مسكينًا وسيحشر مسكينًا فهذه ترجمة مختصرة لحياته:
*- ولد محمَّد بن يحيى عبد الرحماني يوم 26 جوان سنة 1983 بالقرارة من عائلة مؤمنة تقيَّة.
*- زاول تعليمه الابتدائيَّ بمدرسة الحياة الحرَّة وبمدرسة الشيخ الحاج عمر بن يحيى الرسمية، ثم التحق بإكمالية ابن خلدون لمتابعة مرحلة الإكمالي، ثم بثانوية الشيخ بيوض لمرحلة التعليم الثانوي.
*- تحصَّل على دبلوم الكهرباء المعماريَّة من مركز التكوين المهني بالجزائر العاصمة.
*- انضمَّ إلى منظَّمة الكشافة الإسلامية الجزائرية صغيرًّا فتدرَّج بين صفوفها إلى أن صار قائدا متميِّزًا في أفواج الجابرية.
*- تزوَّج في سنة 2011 فرزق بولد سمَّاه «داود»، نرجو أن يكون نجيبا يحيي ذكر والده لبيبًا.
*- يتمتَّع بروح إسلاميَّة صادقة جعلت منه رجلا عفًّا تقيًّا.
*- يتميَّز بدماثة أخلاق عالية وبخاصَّة خلق التضحية والإخلاص والتفاني في فعل الخير أكسبته محبَّة معاشريه.
*- تُوفي رحمه الله يوم الخميس 9 صفر الخير 1435هـ 12 ديسمبر 2013م، تغمَّده الله برحمته وأسكنه فراديس جنانه.
هذا فإذا كانت الترجمة صغيرةً في شكلها فإنَّها كبيرة في مضمونها، وإن بدا وضيعًا في عين العباد فإنَّه رفيعٌ في عين ربِّ العباد الذي يقول: ژ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) ژ.
معاشر السَّادة المكرَّمين، جرت العادةُ عند وقوع المظالم وحدوث المناكر أن ننهى عن المنكر على رؤوس الأشهاد في المساجد، فما حدث اليوم منكرٌ عظيم يستوجب النهي عنه معذرةً إلى الله، فردِّدوا معي: «ننهى عن المنكر»، «ننهى عن المنكر»، «ننهى عن المنكر». (21/12)
صفحة 403
أيُّها السادة الأفاضل باسم حلقة العزَّابة الموقَّرة، وباسم أعيان القرارة، وباسم كلِّ الجمعيات الحرَّة الخيِّرة، وباسم كلِّ الطيِّبين من سكَّان القرارة جمعاء، وباسم كلِّ ذي كبدٍ رطبةٍ تجأر إلى الله ضارعةً، نتقدَّم بالتعزية الخالصة إلى أنفسنا أوَّلا ونحن المفجُوعُون، وإلى أسرة الفقيد، وأهله الأقربين ثانيًا، وإنَّا وإيَّاهم جميعًا لمحزونون، وحسبُنا تأسيةً بشارةُ فالق الحبِّ والنَّوى: ژ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ژ
كما نشكر لكلِّ الوافدين إلينا من كلِّ حدب وصوب تحمُّلَهم مشاقَّ التنقل لأداء واجب العزاء، وفي ذلك تخفيفٌ من أحزاننا، وتفتيتٌ لمصابنا، فحفظكم المولى الرحيم يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، وصلَّى عليكم البَرُّ الكريم طرفي النهار وزلفا من اللَّيل، فلا أراكم مكروهًا فيمن تحبُّون، ولا أجزع نفوسكم فيما تأملون. فاللهمَّ جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهمَّ إنَّا لا نسألك ردَّ قضائك ولكن نسألك اللُّطف فيه، فنجِّنا يا حليم، وارحمنا يا رحيم، ژ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) ژ ژ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) ژ آمين آمين ژ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) ژ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه و سلِّم تسليما كثيرًا. (21/13)
صفحة 404
ژ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182) ژ
http://t0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcRg4TourIDbXK1DFcQlZrYW5DmW3HUvrSoq0K6HFYymDQeBLl7U0Q ألقيت هذه الكلمة في جنازة المرحوم،
مساء السبت 11 صفر 1435 هـ الموافق 14 ديسمبر 2013م (21/14)
صفحة 405
تحية إجلال إلى ميزاب وأبنائها الأبطال
سعادة الشيخ: هلال بن سالم بن حمود السيابي
مسقط ـ سلطنة عُمان
ميزابُ لو سالَ من عَيْنَيَّ ميزابُ ... لَمَا وفَّيتُ، فإنَّ الحبَّ غَلاَّب
وكيفَ للدمعِ أنْ يُوفِي محاجِرَهُ ... حَقًّا، له بنُجومِ الأُفْقِ أَسبَابُ
أَمْ كيف للقلبِ أَنْ يَثنِي بَوَادِرَهُ ... والحبُّ بين نياطِ القلبِ يَنْسَابُ
على هواكِ تَعَلَّمتُ الهوى قَدَرًا ... ومن هَوَاكِ رأيتُ اللَّيلَ يَنْجَابُ
وفي هواكِ تَسَامَى الحُبُّ وائتَلَقَتْ ... زَهْوًا وجوُهٌ به بِيضٌ وَآرَابُ
كم جئْتُ نحوَكِ وارِي القَلْبِ دَامِيَهُ ... فَرَاعَنِي مِنْكِ تَجلِيلٌ وَتَرْحَابُ
وطوَّقَتْنِي أيادٍ منكِ طَاهَرةٌ ... ورَاعَ قَلْبِيَ رَوْحٌ مِنْكِ خَلاَّبُ
أهلُوكِ أهلِي، وأربَابُ الهوَى خَدَمِي ... وَلِي نُجومُكِ يَومَ الفَخْرِ أَصْحَابُ
ضَاءَتْ بأمجادِهِم هَذِي الحيَاةُ كَمَا ... ضَاءَتْ بأسْلافِهِم في الدَّهْرِ أَحْقَابُ
توَارَثُوا المجدَ مَزْهُوَّ الرِّدَاءِ فَلَمْ ... يَفُتْهُمُ فِي العُلاَ لَحْنٌ وَإعْرَابُ
ولم تَقْصُر بِهِم عن نَيْلِ ذِرْوَتِه ... خُطىً، ولاَ قَصَّرَتْهُمْ عَنْهُ أحْسَابُ
أكارِمٌ نَفَخَ الرُّوحُ الأمينُ بهم ... رُوحَ الهُدَى، فَسَمَا شِيبٌ وَشَبَابُ
وصَاحَبَتْهُم يَدُ اللهِ عَاصِمَةً ... حتَّى تقاصَرَ إيجازٌ وإِطْنَابُ
- - -
ميزابُ يَا مَوْطِنَ الأمجادِ مَعْذِرَةً ... إذَا أصَابَكَ أوْبَاشٌ وأَوشَابُ
وَمَسَّكَ الغَدْرُ قد هَاجَتْ غَرَائِزُهُ ... وَرَاعَكَ الحِقْدُ يُذكِيهِ الأُلَى خَابُوا
ولَيسَ مِن ذِمَّةٍ تُرعى، ولا حُرمٍ ... لِحِرمَةٍ، لاَ، ولا دينٌ وَأنْسَابُ
وإنَّما هيَ نَارُ الحِقْدِ أَشعَلَهَا ... على مقامِكَ: تَكفِيرٌ وإِرْهَابُ
طارَتْ شَرَارَتها نَاراً مُؤَجَّجَةً ... دُخَانُها فِي عُمَانَ المجدِ أوصَابُ
ولامَسَتْ ـ رَغْمَ بُعْدِ الدَّارِـ أَكْبُدَنَا ... وَكيفَ لا وَوَقُودِ النَّار مِيزَابُ!! (22/1)
صفحة 406
يا لَلْجَآذِرِ في مِيزَابَ رَوَّعَهَا ... عَادٍ مِنَ الوَحْشِ خَدَّاعٌ وَصَخَّابُ
وللعذارى، وقد رُيِّعَتْ لِذِي لبدٍ ... كَيفَ اكْفَهَرَّتْ أَسىً لمَّا بَدَا النَّابُ
شُلَّتْ وتبَّتْ يَدٌ بالبغيِ قَدْ رَفَعَتْ ... سِكِّينَها، ورَمَاهَا العَارُ والعَابُ
- - -
ميزابُ لا تجزعِي فالحَقُّ مُنْبَلِجٌ ... والأمرُ مُتَّضِحٌ، والسَّيفُ قِرْضَابُ
بَنُوكِ أهلُ الوَغَى، لم يَأبَهُوا أَبَدًا ... لها، ولاَ مِنْ لَظَاهَا لَحظَةً هَابُوا
محنَّكون صَنَادِيدٌ قَسَاوِرَةٌ ... لها مَخالِبُ إنْ تَغْضَبْ وَأنيَابُ
دَارُوا مع الدَّهرِ في أحوَالِهِ أُسُدًا ... كمَا تَزَلْزَلَ عَن أَشْبَالِهِ الغَابُ
لا يَأبَهُونَ لِذِي حِقْدٍ وَذِي أَفَنٍ ... وإنْ تَعَالَى بِهِ وَفْرٌ وَأَلقَابُ
فَلَيسَ مِن بِينِهم دَاعٍ لِمُحْتَرَبٍ ... ولَيسَ مِن بَينِهِم فِي الرَّوْعِ هَيَّابُ
شُمُّ المعاطِس ما في خُلْقِهِم أَفَنٌ ... كَلاَّ، ولَكِنَّهُم لِلْمَجْدِ أرْبَابُ
مِنْ كِلِّ عَالِي الحِجَا إِنْ تَدْعُهُ فِتَنٌ ... يَأبَى، وإِنْ تَدْعُهُ الجُلَّى فَوَثَّابُ
مَا إِنْ رَأى الدَّهرُ منهم غَيْرَ ذِي صَيَدٍ ... أَخلاقُهُ لِجَلالِ المجدِ جِلْبَابُ
ولا رَأَى مِنْهُمُ إِلاَّ الُهدَى خُلُقاً ... كأنَّ مِيزَابُ لِلإِيمَانِ مِحرَابُ
- - -
بَنِي الجزائرِ يَا أَهْلَ الفَخَار وَمَنْ ... أعتَابُهُمْ للعُلَى وَالعِزِّ أَعتَابُ
ومَن هُمُ القَومُ في عَالِي أرُومَتِهِمْ ... ومَن هُمُ الشُّمُّ، إنْ بَانُوا وإنْ غَابُوا
ومَن هُمُ الفَارِعُونَ المَجْدَ إِنْ فَخَرَتْ ... يَومَ الفَخَارِ أَمازِيغٌ وأعْرَابُ
صُيَّابَةُ المَجْدِ أنتُمْ دُونَمَا فَنَدٍ ... إنْ كَانَ - عَمْرِي - بَقِيْ لِلْمَجْدِ صُيَّابُ
اللهُ في ذِمَمٍ، اللهُ في حُرَمٍ، ... اللهُ في شَمَمٍ مَا مسَّهُ عَابُ
لا تَركَبُوا الفِتَنَ الهوجَاءَ طَامِيَةً ... فإنَّ ركابها للظلمِ ركَّابُ (22/2)
صفحة 407
ولا تُصِيخُوا إلَى الأَضْغَانِ يَنْفُثُهَا ... إبلِيسُ أَو جُندُهُ، فالحقُّ غَلاَّبُ
لا تَسْمَحُوا لِغَوِيٍّ أنْ يُفَرِّقَكُمْ ... كلاَّ، ولا لِذَوِي التَّكفِيرِ لَو جَابُوا
وحاذِرُوا أن يَدُسَّ الخَصْمُ بينَكُمُ ... سُمُومَهُ، فنَصِيحُ الخَصْمِ كَذَّابُ
سُدُّوا الذرائعَ عَنْ غَاوٍ وذِي عَتَهٍ ... فإنَّمَا هي أوهَامٌ وأَلعَابُ
ولْتَعْمَلُوا كَفَريقٍ غَيرِ مُفتَرِقٍ ... كالسَّيف: حَدَّاهُ قَطَّاعٌ وَضَرَّابُ
بِذَاكَ قَد جَاءَت الآياتُ صارخةً ... وَهْباً من الله، إنَّ الله وَهَّابُ
- - -
ميزابُ إنَّا على الجُلَّى بَنُو رَحِمٍ ... آلامُكُمْ فِي حَوَاشِينَا هِيَ الصَّابُ
شَطَّ المزَارُ وَمَا شَطَّتْ مَوَدَّتُكُمْ ... فإنَّها في نِيَاطِ القَلْبِ تَنْسَابُ
إنَّا وإيَّاكُمُ دَوْمًا علَى مِقَةٍ ... لَو شَطَّتِ الدارُ إِخِوَانٌ وأَحبَابُ
إنْ مَسَّكُمْ ألَمٌ بِتْنَا عَلَى كَمَدٍ ... كأَنَّما مَسَّنَا مِنْ أَقْرَعٍ نَابُ
فَنَحْنُ منذُ أبي الشَّعثَاءِ آصِرَةٌ ... ونحنُ مُنْذُ أبي الشَّعْثَاءِ أَصْحَابُ
كَمْ قَادَ مَوْكِبَنَا مِنْ بَعْدِهِ نَفَرٌ ... مِنَ الأَئِمَّةِ أَعْلاَمٌ وَأَقْطَابُ
لم يَعْرِفِ الدَّهرُ مِن شِبْهٍ ولاَ مَثَلٍ ... لهُمْ، وَأَنَّى لِشُهْبِ الأُفْقِ أَتْرَابُ
فنَحنُ ـ عَمْرِي ـ في حُكمِ الهُدَى شَرَعٌ ... كُلٌّ مِنَ الكَوْثَرِ المَحْمُودِ مُنْسَابُ
سِرْنَا عَلى السُّنَّةِ الغَرَّاءٍ دَيدَنُنَا ... عِلْمٌ، وَفَضْلٌ، وَإِيمَانٌ، وآدَابُ
لِوَاؤُنَا بِكِتَابِ اللهِ مَعْتَصِمٌ ... وَزَحفُنَا لجلالِ اللهِ أَوَّابُ
فما رَأى الدَّهرُ مِنَّا غَيرَ مَكْرُمَةٍ ... يَزْهُو بِأَمْثَالها كُتْبٌ وكُتَّابُ
ولَم نَحُلْ وزَمَانُ الَجوْرِ مُزْدَهِرٌ ... ولم نَحِدْ وَبِحَارُ الغيِّ تَنْسَابُ
لا ريبَ في نَهجِنَا أو في طَريقَتِنَا ... وَلَيسَ مِنْ بينِنَا واللهِ مُرْتَابُ
وإِنَّمَا هُو نَهْجُ المصْطَفَى أَبَدًا ... نارت عُمَانُ بِهِ دَوْمًا وَمِيزَابُ
- - - (22/3)
صفحة 408
الدينُ يعرفهم والشمسُ والقمرُ! أبو الحسن محمد بن أحمد بن سليمان الهنائي
الأستاذالشاعر:
أبو الحسن محمد بن أحمد بن سليمان الهنائي
مسقط ـ سلطنة عُمان
القلبُ مِن ألمٍ بميزابَ منفطرُ ... والدمعُ في إثرِه لاشَكَّ مُنحَدِرُ
والروحُ تغدُو كأنَّ الحشرَ روَّعَها ... إليكَ ميزابُ لَمَّا هالَها الخبرُ
والعينُ حارتْ ـ وَرْبِّي ـ في مَحاجِرِها ... قد أدهشَتْها لَعَمْرِي تِلكُمُ الصُّوَرُ
لما تَنَفَّس شيطانُ المذاهبِ في ... سمَاءِ غردايَةَ فانساقَتِ البَقَرُ
غابتْ عقُولُ الهُدَى عن رأيِ أَكْبَرِهِمْ ... فعاثَ أصْغَرُهُمْ تَهوِي بِهِ الحُفَرُ
وقالَ قَائِلُهُم كُفْرًا يُرَدِّدُه ... إنَّ الأمازيغَ حِلٌّ بعدَمَا كَفَرُوا
يعنِي الإبَاضِيَّةَ الزُّهْرَ الكرامَ وَهُمْ ... في العالمينَ هُدَاةٌ أينَمَا نَظرُوا
يَا وَيْحَ مُبغِضِهِم، يَا ويحَ قَاتِلِهم ... يا ويحَ شاتِمِهِم خابُوا بما مَكرُوا
ما للرَّعَاعِ وقد حَدُّوا خنَاجِرَهُم ... يَسْتَأسِدُون على الإسلامِ قَد فَجَرُوا
ما للرَّعاعِ عَلَت رَايَاتُهُم سَفَهًا ... يستَنْزِفُون بني الإسلامِ مَا فَتَرُوا
ما بَالُهم قَطَّعُوا بالسيف «واعْتَصِمُوا» ... أمرَ الإلهِ تنَاسَوا أَم بِهِمْ عَوَرُ
كَمْ جَبْهَةٍ سجَدَت لله قَانِتَةٍ ... قَدْ عَفَّرُوها بِبَغْيِ الأرضِ وافتَخَرُوا
كَمْ مِن صُدُورٍ فرَوْهَا دُونَما زَلَلٍ ... تَبكِي اللَّيالي لَها والآيُ والسُّوَرُ
كَمْ مِن شَفِيقِ أبٍ أمسى يُقلِّبُه ... لحنُ المنونِ بِفَقْدِ الإبنِ إذ غَدَرُوا
شُلَّت يَمينُك أشقَى الناسِ عاقبةً ... لَمَّا بسيفِكَ أهلُ الحقِّ قد نُحِرُوا
يا أمَّةً من رَعَاعٍ أَصلُ مَنبِتِها ... أكْلُ الحرامِ خَسِئْتُمْ شاهَتِ الصُّوَرُ
أتأكلُونَ حَرامًا مَالَ إِخوَتِكُم ... وتَسرَقُونَ جِهَارًا رأسَ مَا تَجَرُوا؟
وتُحرِقُون بيوتًا بَاتَ عَامِرُهَا ... يتلُو القُرَانَ ألَمْ تَطْرُقْكُمُ العِبَرُ؟
روَّعتُمُ بِخَلاَقِ السُّوءِ صِبْيَتَها ... حتَّى النساءَ أَخْفُتُم، أنتُمُ بَشَرُ؟ (23/1)
صفحة 409
أوقَدتُمُ بِفِعَالِ الشَّرِّ جَذْوَتَها ... الدينُ يأمرُكُم أم هِيْ لَكُمْ فِطَرُ؟
حقدُ اليهودِ رَضَعتُم يَا رَعَاعُ وقدْ ... أُورِثْتُمُوهُ خَبيثًا بِئْسَتِ السِّيَرُ
الحشرُ مَوْعِدُكُمْ، وَالخَزْيُ مُوقِفُكُم ... والبغيُ أرْكَسَكُم، مأوَاكُمُ سَقَرُ
أتشتِمُونَ هُدَاةً سَادَةً نُجُبًا ... الدينُ يَعْرِفُهُمْ والشَّمْسُ والقَمَرُ؟
قد حَارَبُوا الكُفْرُ دَهْرًا دُونَما وَهَنٍ ... والعدلُ يَعْرِفُهُم حقًّا إِذَا انْتَصُرُوا
لَم يَزرَعُوا البَغْيَ في أرضٍ لَهُم أبَدًا ... ولاَ جَنَوْهُ حَرَامًا حِينَما اقتَدَرُوا
قد أرْضَعُوا الطفلَ مِنْهُمْ حُبَّ خَالِقِهِ ... وُحُبَّ أَحمَدَ ما حَادُوا وَمَا بَطَرُوا
والآل والصَّحْب أقمار الهُدَى لَهُمُ ... كأَنَّ وَاحِدَهُم في هَدْيِهِ عُمَرُ!
والمُسلِمُونَ جَميعًا إخوةٌ أبَدًا ... لا فرقَ بَيْنَهُمُ بَدوًا وَمَنْ حَضَرُوا
لمَ يَلعَنُوا أحدًا على منابرهم ... ما استنقصُوا أُممًا كلاَّ ولا احتَقَرُوا
ما سَلَّ فَارِسَهُمْ سَيْفًا على رَجُلٍ ... صَلَّى لِمَكَّة يومًا، إنَّه الخَطَرُ
يَا حُسْنَ مَعْشَرِهِمْ، يَا طِيبَ مَنبتِهِمْ ... يَا صَفْوَ مَشْرَبِهِم لم يَغْشه الكَدَرُ
أكرِمْ بهم مَثلاً يَدْعُونَ أُمَّتَهُم ... للاتِّحادِ فَلَم يَعرِفْهُمُ النَّخَرُ
ماذا أقولُ وَحَرفِي دونَ وَصْفِهِمُ ... في الله حُبُّهُمُ، والقلْبَ قَد سَحَرُوا
أَفدِي بِرُوحي تُرابًا تَحْتَ مَوْطِئِهِمْ ... اللهُ يَرفَعُهْمْ عِزًّا فلاَ صَغرُوا
لا بَارَكَ اللهُ كَفًّا بالأذى رُفِعَتْ ... نَحوَ الأمَازِيغِ خُذْهَا أيَّها القَدِرُ (23/2)
صفحة 410
من وحي الواقع نانة بنت محمد زقاو
الطالبة: نانة بنت محمد زقاو
متخرجة من معهد الفتح للبنات ـ بريان
لا أريد للأحداث أن تلجم حروفنا أو تخرس أقلامنا أو تئد ما بقي من فكرنا، ولا أريدها كلمات مجرَّدة من روح إيمانية مشعلة لنار أبدية، موقظة لفتنة قديمة أزليَّة، أريدها حروفًا تحرِّك ما تبقى من الإيمان وتوقذ مشاعل الإحسان وتدعوا لاتِّباع سنَّة خير الأنام - صلى الله عليه وسلم - ونابعة من شرع ربِّ البريَّة .. نعم أريدها هكذا كلماتٍ وربَّما هذا ما جعلها تتأخَّر إلى حدِّ الآن ...
حاولتُ كثيرًا استيعاب الأحداث وفهم المفردات وتعليق الوقائع الجاريات فلم أفلح إلاّ قليلا، وكثيرًا ما أجد قلمي منهكًا كما فكري ووجداني ....
ولكن توصلتُ إلى شيءٍ واحدٍ بعد حديثٍ متكرِّر مع من أوتي من العلم في مختلف تخصصاته إلى أن ما نعيشه هي محطّة خيرية لنا، فيها تصفو القلوب وتطهر الأفئدة وترتقى بالروح إلى مكانها ... فيها تصبح الأفئدة رطبة بذكر الله وتسعى لتطبيق نهج الله وتزكى النفوس من أدرانها ...
فرأيتُ أنَّ كل ما نعيشه هو خيرٌ لنا، فإن كان ابتلاءً من الله فإنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا ابتلاه، وإن كان تمحيصًا للإيمان فهنيئًا لمن أدرك ذلك وسعى في طلب الجنان، وإن كان عقابًا فحمدًا لربٍّ عاقبنا لنتذكَّر ونتَّعظ إن كان لدينا ألبابًا تتفكَّر وذلك قبل فوات الأوان، فشتَّان بين عقابٍ لا رجعة فيه للتصحيح، وعقابٍ فيه فرصة للتبديل والتصحيح .... أترون أليس فيما يحدث لنا خيرًا عظيمًا وأملا كبيرًا؟ فاشتدِّي يا أزمةُ تنفرجي قد آذن ليلك بالبَلَجِ .... وما كان النهارُ جميلا حين إشراقته إلاَّ حين يكون الليل شديد السواد في حلكته ... (24/1)
صفحة 411
هي هذه كلماتي المبعثرة حاولتُ لَمَّها كما أحاول كلَّ يوم جمع فكري الصغير لأستوعب ما أرى وأسمع، قد يكون فيها الكثير من الهوان والضعف ولكنها تتقوَّى بيقينٍ أنَّ الله يحبُّنا فهل نحن نحبُّه؟ وهل اتَّبعنا نهجه؟ وهل سرنا على خطى نبيِّه؟ وهل عُدنا إلى كلامه؟ وهل استقينا من ينابيعه؟ وهل وهل وهل؟؟؟ أسئلةٌ كثيرةٌ لابدَّ أن نطرحها على أنفسنا ...
وعلينا أيضًا أن نُدرك ونتيقَّن يقينًا لا يخالطه شكُّ طرفة عين بأنَّ الله لا يخلف وعدَه؛ فحين قال جل وعلا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} فهو صادقٌ فيه وسينفذه، فإذا هي معادلة بسيطة لا تحتاج منَّا إلى جهد تفكُّر، فقط نسعى لإصلاح أنفُسنا ونصرة الله في دواخلنا على أهوائنا وشهواتنا وأنانيتنا وسيتكفل الله بالباقي ....
إخوة الإيمان حان الوقت فلا تضيِّعوه، وآن الأوانُ فلا تسوِّفوه، لنعُد إلى ربِّنا وإلى رُشدنا، ولنعد إلى عِلمِنا الأصيل نشد عليه بالنواجد .. جملةٌ قيلت يومًا من أحد معلمينا وأكرِّرها: «إذا اشتدَّت الأزمة فاشتغل بالدرس» , ... نعم حان الوقت للاشتغال بالدرس .. إنها دفعة وضربة ليستيقظ فكرنا وتحيا قلوبنا، لنبني أجيالنا، ولنقوِّيَ صروح علمنا، ولندعوَ إلى نهج ربِّنا، حان الوقت للقيام ورفع اللواء، لا يهمُّ إثباتُ من أنت للآخر بل ما يهم أن ترضى أنت بما أنت عليه، فاعرض كل شيء فيك على ميزان الحقِّ فإن وافقه فاطمئن أنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا ابتلاه، وأبارك لك أنك من أحباب الله فتمسَّك به وسر على هديه، ولا تكُفَّ يوما عن وزن نفسك .. إن وجدت اعوجاجًا فقوِّمه واحمد ربَّك الرحيم أن نبَّهك قبل المنايا عن نومة الغفلة والكسلان ... (24/2)
صفحة 412
إذا هيا لم يبقى وقتٌ للكلام لنشمِّر على سواعد الجدِّ ونمسك يدًا بيد، لأجل غدٍ أفضل لك ولي وله، وللأجيال المقبلة التي ستقطف ثمار ما زرعناه وتسكن جدران وأسقف ما بنيناه، وفي التاريخ العِبَر العظام على مقاومة الأجداد للظلم، وثباتهم على الحق، وكيف رغم الفتن والشدائد بنوا وشيَّدوا وزرعوا ...
فرحماك ربِّي، اهدنا إلى طريقك القويم، واجمعنا بسيد المرسلين حبيبك وحبيبنا وحبيب الخلق أجمعين، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، والحمد لله رب العالمين.
بريان يوم: 07 فيفري 2014م الذي يوافقه 07 ربيع الثاني 1435هـ
https://encrypted-tbn1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSuxtG5KaByF1pDTo0YeGzkP3mDjUudkH5uoVtC0UbGIT8JJArCCw (24/3)
صفحة 413
رسائل جامعية ملخص أطروحة دكتوراه يحيى بن بهون الحاج امحمد
د/ يحيى بن بهون الحاج امحمد
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حاشية على مختصر التفتازاني
تأليف سليمان بن عبد الرحمن الجربي
(دراسة وتحقيق)
م
مقدمة
إنَّ الحديث عن التراث حديث عن مجد الأمَّة العريق، وحديث عن حضارة أنتجتها عقول أجيالٍ عبر كثير من الاجتهادات الإنسانية الصائبة والخيِّرة، والتي استطاع فيها أبناء الأمَّة أن يقدِّموا كلَّ خدمةٍ جليلةٍ ومكرمةٍ خالدة، ونتاجٍ إنسانيٍّ نافع؛ أسهم في صنعها الذوق الفنِّي الرَّفيع. ولمَّا أدركت فئة خيِّرة من أبناء هذه الأمَّة حقيقة الحفاظ على التراث، سارعت إلى إعادته صفحة مشرقة من صفحات الحضارة الإسلامية، ليغترف منه شباب الأمَّة الدروس والقيم الخالدة.
لقد امتاز الكثير من العلماء المسلمين الذين شيدوا الحضارة الإسلامية بخاصية فريدة وهي الموسوعية، فلم يكن الواحد منهم عالماً متخصصاً في فنٍ واحدٍ أو في فرعٍ واحدٍ من فروع العلم والمعرفة؛ بل كان موسوعياً يعرف معظم ما انتهى إليه العلم في معظم التخصصات. وقد كان من نتائج رحلات العلماء في الأمصار العربية والإسلامية توسيع المدارك وانتقال المعارف من مصر إلى آخر، وتأليف الكتب وتبادلها بالنسخ والاقتناء والإهداء، فوصلت أقطار المغرب الكبير أمَّهات الكتب في شتى فنون المعارف ومختلف العلوم، وذلك بواسطة طلاب العلم الذين زاولوا دراساتهم بالحواضر العلمية في المشرق العربي وبخاصة الأزهر الشريف أو بمكة المكرمة والمدينة المنورة؛ إذ كانت الكتب المخطوطة تصل أقطار المغرب الكبير تباعاً وذلك من خلال عودة العلماء إلى أوطانهم وهم محملين بالكتب التي اقتنوها من المشرق، ومن خلال رحلات الحجّ التي كان يغتنم فيها المولعون الفرصة لاقتناء ما يعثرون عليه من نفائس وذخائر لينقلوها إلى أوطانهم، وكذا مع القوافل التجارية المتنوعة والتي لم تتوقف إلى اليوم وقد تتطور شكلها. (25/1)
صفحة 414
ومن الكتب المخطوطة التي حظيت بالاهتمام ونالت شرف الرحلة والانتقال من مصر المحروسة إلى معظم أقطار المغرب نجد كتاب «حاشية الجربي على مختصر التفتازاني» للشيخ سليمان بن عبد الرحمن الجربي ـ نزيل مصرـ؛ إذ ونظراً لأهمية الكتاب ومحتواه فقد انتقل إلى معظم أقطار المغرب الكبير، وكان معتمداً في التدريس في كثير من حلقات العلم وخاصة في جربة بتونس، وميزاب بالجزائر، وفاس بالمغرب ... ؛ وقد حظي الكتاب بالعناية والاهتمام آنئذ لما برز فيه من إحاطة صاحبه بمادة تخصُّصه من جهة، وغنى مضمونه بروافد من علوم أخرى زادت في قيمته من جهة أخرى، وكذا وقوفه على أهم الأهداف التي أهَمَّت البلاغيين في دراستهم لعلم البلاغة؛ وهي: تحقيق الهدف الديني، والتعليمي، والنقدي؛ أمَّا الهدف الديني فهو: مرتبط بدراسة الإعجاز البياني في القرآن ومحاولة بيانِهِ وتعليلِهِ؛ والهدف التعليمي هو: تعليم الناشئة فنون القول والكتابة بعد شيوع اللَّحن وفساد الألسنة؛ في حين أنَّ الهدف النقديَّ: يتَّصلُ بتمييز الكلام الحسن من الرديء، والموازنة بين الأجناس الأدبية شعراً ونثراً، كالقصائد والخطب والرسائل .. وغيرها، والبحث عن أسرارها الجمالية (1).
وفي هذا الكتاب تتجلَّى معظم هذه الأهداف بصورٍ ونماذج عديدة تُبرز تمكن المؤلف من هذا الفن، واضطلاعه بعلوم أخرى تتصل بمادة الكتاب كعلم المنطق والجدل خصوصاً، وتبحُّره فيهما؛ وهو ما يؤكد حقيقة كون البلاغيين في غالبيتهم من المتكلِّمين أو من الأصوليين والفقهاء، وأنَّ تأثيرهم في علم البلاغة يدخل ضمن حدود التأثُّر والتأثير الذي تعرفه الثقافات والعلوم في كلِّ العصور.
*- اختيار الموضوع
__________
(1) - أحمد مطلوب، مناهج بلاغية، وكالة المطبوعات الجامعية، الكويت، ط1ـ 1973، صفحات: 32 - 36. (25/2)
صفحة 415
لقد دلَّني على هذه المخطوطة الأستاذ الفاضل «يحي بوراس»، وهو المفهرس المتمرِّس بخزانات مخطوطات وادي ميزاب منذ عقود وما يزال، وكان قد اقترح عليَّ سابقاً موضوع مذكرتي للماجستير في تخصّص تحقيق المخطوطات، والتي كانت بعنوان: «ديوان ابن بِحمان؛ الشّيخ إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي محمَّد بن عبد الله بن عبد العزيز الثميني اليسجني المُصعبي؛ المتوفَّى سنة 1272هـ/1817م؛ دراسة وتحقيق»؛ إذ أفادني حينها بما حباه الله من علم ودراية في التخصص، ودلّني على النسخ المخطوطة المتناثرة في خزانات وادي ميزاب فجمعتها وعقدت الدراسة.
أما في أطروحة الدكتوراه فكنت قد عزمت أوَّل الأمر على تحقيق أحد الكتابين: «ربيع البديع» أو «بيان البيان»؛ وهما من تأليف الشيخ امحمد بن يوسف أطفيَّش الشهير بـ «قطب الأئمة»، لكن المقترحين رُفضا من قِبل المجلس العلمي للكلية وذلك لقرب المؤلف من عصرنا الحاضر، كما بلغني لاحقاً بأنَّ بعض المشارقة في عُمان بصدد تحقيق الكتابين وقد يطبعان قريباً. (25/3)
صفحة 416
وخلال فترة انتظار تقرير الخبرة وردّ المجلس العلمي للكلية؛ كنت أبحث عن عناوين لمخطوطات أدبية أخرى للتحقيق، وأفكر بخاصة في مقترح الأستاذ «يحي بوراس»، وهو تحقيق «حاشية سليمان الجربي على مختصر التفتازاني»، فطلبت منه إحدى النسخ المحفوظة من هذه الحاشية والمحفوظة في بعض خزانات ميزاب فمكّنني منها، ثم أفادني لاحقاً بمكان وجود النسخ المخطوطة الأخرى في خزانات ميزاب، وبالمعلومات التوثيقية والوصفية عنها، كما دلّني على اسم المؤلف وهو سليمان الجربي في كتاب «توشيح الديباج» لبدر الدين القرافي، وبه رجّح فرضية ذكره في مؤلفات مشرقية أخرى وبخاصة المصرية منها؛ وما شجَّعني أكثر هو الرغبة في إبراز هذا العَلَم الذي ظل مغموراً ولم تظهر نسخٌ أخرى من مؤلفاته المخطوطة مع استمرار البحث والتنقيب عنها في المكتبات العربية والغربية، وقد كنت خلال طول فترة البحث متفائلاً بإيجاد نسخٍ أخرى من حاشية الجربي في أقطار المشرق العربي، وهو ما تمَّ بالفعل إذ بلغ مجموع ما عثرت عليه إلى قبيل انتهاء آجال فترة البحث والدراسة ثمانية عشر (18) نسخة.
وعقب اعتماد المشروع من طرف المجلس العلمي لكلية الآداب بجامعة الجزائر، شرعت مباشرة في البحث المعمَّق في الفهارس المتوفرة بين يديّ وعلى شبكة (الأنترنيت)، وبالمراسلات مشرقاً ومغرباً بحثاً عن نسخ أخرى لهذه الحاشية وغيرها من تآليف أخرى للجربي إن وُجدت. وفي أثناء البحث والتنقيب شرعت في نسخ الحاشية من ن (أ) والتي قدمتها على سائر النسخ نظراً لأهميتها وكونها منقولة من النسخة الأم مباشرة، كما قابلتها بالنسختين الأخريين الموجودتين بميزاب أيضاً وهما: ن (س) ون (ث)، وقد تميّزت ن (ث) باحتوائها على تعاليق وطُرر بخط الشيخ عبد العزيز الثميني اليسجني؛ وهو ما يفيد مقابلته إيَّاها مع نسخ أخرى، والراجح وبعد مقارنة الخطوط أنه قد قابلها بالنسخة (أ). (25/4)
صفحة 417
ومع مرور الأيام بدأت النسخ المخطوطة الأخرى تتكشف لي شيئاً فشيئاً، فصرت أطلبها من مصادرها؛ فأُهدِيَ لي بعضها، كحال النسخ الثلاث في الخزانة الحسنية بالرباط بالمغرب الشقيق؛ فقد أرسلها لي الدكتور أحمد شوقي بنبين مدير الخزانة، بعد أن دلّني عليها مشكوراً الدكتور مصطفى طوبي المحترم؛ وأرسل لي الدكتور يحي بكلي المحاضر بجامعة طيبة نسخة مكتبة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وفيه من النسخ ما سافرت لأجله ودفعت مقابله تكاليف التصوير الغالية كحال نسخة المكتبة الوطنية بتونس، ونسخة مكتبة الإسكندرية بمصر، ومنها ما تعذر الحصول عليه لانقطاع التواصل مع أصحابها كحال نسخة مركز نجيبويه بفلندا، ونسخة مكتبة كوبرلي بتركيا، أو لغلاء تكاليف التصوير كحال نسخ مركز جمعه الماجد بِدُبي.
أمَّا عنوان الحاشية فهو مستخرج من طُغراء النُّسخ المخطوطة، فبعد أن جمعت كلَّ النسخ المتوافرة بين يدي وقلَّبت عناوينها فإذا هي متباينة ومختلفة، إذ لا تكاد تتفق نسختان على عنوان واحد، خاصة إذا عرفنا بأنَّ النسخة (أ) المنقولة عن نسخة المؤلف مخرومة الأول؛ ولعلَّ العنوان كان مثبتاً بها ثم ضاع؛ هذا ولم تؤكد أيُّ نسخة مما نحوز بأنَّ العنوان الذي عليها من وضع المؤلف، فاقترحت عليها أقرب العناوين وهو: «حاشية الشيخ سليمان الجربي على مختصر المعاني»؛ والذي جاء في طُغراء بعض النسخ، وقد يكون هو الأقرب ـ في نظري ـ لِمَا يحمله من دلالات كثيرة (1).
__________
(1) - تنظر تفاصيل أكثر عن عنوان الحاشية في ثنايا البحث. (25/5)
صفحة 418
وقد فضلت هذا العنوان لأنه يحفظ اسم المؤلف، فيتميَّز به عن غيره ممن اشتغلوا بتأليف الحواشي على مختصر المعاني وهم كُثُر؛ إذ يسبق الجربي أزيد من عشرة مؤلفين وضعوا حواشي على مختصر المعاني، كما لحق به أزيد من عشرين مؤلِّفاً آخر حذوا حذوه؛ لهذا ما زلت آمل أن تتبوأ هذه الحاشية مكانتها بين حواشي المختصر الأخرى، وتنال حظَّها من الدراسة والتعمق مثلما نالته حواشي: الدسوقي، ومًلاَّ زاده، والعليمي ... وغيرها.
إنّ لكّل بحث ـ مهما صغُر ـ فائدته العلميَّة التي لا تحتاج إلى مُبرّر، ولكنَّه لا مانع من ذكر بعض الأسباب التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع.
فقد كنت ـ وأنا لا زلت ـ أتأمل في حواشي المختصر العديدة، وأتطلع إلى التعرُّف على جهود العلماء المغاربة في هذا المضمار، يزيد بي الشوق إلى البحث أكثر والغوص أعمق في التّراث المخطوط كلَّما صادفت أسماء من مثل: المغربي والتلمساني والفاسي والزواوي ... ، فيشدُّني الكتاب ذو المسحة المغربيَّة، ولا أدعه حتى أتصفحه وأعرف مؤلفه وعصره وموضوعه؛ وبخاصة إن كان في فنٍّ من فنون اللغة العربية؛ ولَمَّا كُنت من أبناء الشمال الإفريقي أو المغرب الكبير، وأنتسب في القطر الجزائري إلى منطقة غنيَّة بتراثها حاضِرة بتاريخها وعلمائها وأدبائها؛ وهي منطقة وادي مزاب في شمال صحراء الجزائر، والتي تحوز رصيداً هاماً من المخطوطات في شتى فنون العلم، يدعوني ويدعو غيري للتقرب منها بالدراسة والتحقيق، واستخراج دررها وجواهرها بعد نفض غبار السنين عنها.
وحين عُرض عليَّ هذا الكتاب وقرأته، شدَّتني فيه آراؤُه وتحليلاته المنطقية، وحاولتُ أن أربط بينها وبين بعض آراء الفكر الإباضي الذي يتقاطع مع الفكر المعتزلي في كونهما مدرستين عقليتين، تتفقان في بعض القضايا الكلامية التي اشتغل بها ثلة من اللغويين والبلاغين انطلاقاً من دراسة الإعجاز البياني في القرآن الكريم ومحاولة بيانه وتعليله. (25/6)
صفحة 419
كما شدَّتني أفكار أخرى أهمها: رحلة هذا الكتاب النفيس الذي سافر إلى معظم الأقطار الإسلامية العربية والعجمية، وذلك سنوات قليلة بعد تأليفه؛ وأفكاراً أخرى عن طرق جلب المغاربة عموماً والمزابيين خصوصاً لمثل هذه الكتب النفيسة والغالية الثمن في عصر تأليفها.
إنَّ واقع الحال يدعونا بداية للاعتزاز بهذا الموروث الحضاري، ثم العمل بجدّ على صيانته والعناية به، وذلك بالتقرب من مخطوطات المنطقة أكثَرَ وأكثَرَ وفَضِّ مكنوناتها، وهي التي لطالما تاقت إلى أيدي الباحثين ليفضّوا مكنوناتها، ويخرجوا نفائسها لترى النور، وتنال نصيبها من الدراسة والتحقيق، وبذلك تتحقق غاية مؤلفيها من وضعها.
*- منهجيتي في البحث:
بعد طول بحثٍ وتنقيبٍ، وسفرٍ وتغريبٍ، استطعت أن أجمع نسخاً أخرى من حاشية الجربي، وبالرغم من أهميتها في عملية التحقيق إلاَّ أنها لم تكن لتسبق في الترتيب أولَّ نسخة حصَّلتها وهي بخزانة دار التلاميذ «إروان» بغرداية من وادي ميزاب؛ ومن هنا تكون ن (أ) هي الأصل لأنها منقولة من نسخة المؤلف مباشرة، وتليها النسخ الأخرى كما رتَّبتُها في مكانها من الدراسة، وقد جاءت لتدعِّم الأصل وتسنده؛ وبتضافرها جميعاً تكون دليلاً على صحَّة نسبة الكتاب إلى صاحبه، فتشابه الخطوط، ودقَّة التّواريخ، وصحة الأعلام المذكورين في الكتاب، بالإضافة إلى أسلوب المؤلف في التحليل المنطقي والمطّردِ في نقد المسائل الكلامية والقضايا المنطقية ... إلى غير ذلك من الشواهد والأدلة؛ جميعه يعزّز ما ذهبنا إليه. (25/7)
صفحة 420
ورغم أنَّ العثور على الأصل المنقول من نسخة المؤلف قد رفع من معنوياتي وشجعني على عقد الدراسة والتحقيق، إلاَّ أنَّ عناء البحث عن النسخ الأخرى وتجميعها قد أضناني كثيراً، كما أرهقتني عملية المقابلة بين النسخ وتفكيك ما غمُضَ وتمحَّل من خطوطها، وحسبي من عملي هذا أن يكون من الجودة فيه ما يُلاقي الاستحسان فيُنسيني ما لاقيته فيه من التعب والسهر ومن الاغتراب والسفر في جمع النسخ والبحث عن آثار أخرى للجربي، فقد سافرت إلى ليبيا وتونس وجربة ومصر والمغرب وسوريا والأردن؛ في حين تعذّر عليَّ السفر إلى الرّياض واسطنبول وطهران وبغداد؛ وإن كان (البريد الإلكتروني) في عصرنا هذا يغني عن عقد الكثير من الأسفار والرحلات البعيدة، ويسمح بنقل الملفات والكتب المخطوطة في دقائق معدودات، إلاَّ أن فوائد الرحلة ومنها لقاء المختصين وذوي الاهتمام المشترك، وزيارة المكتبات والجامعات ودور البحث العلمي ... من الأهمية بمكان؛ ومتى ما تهيأت الأسباب والظروف المواتية لذلك فلا يمكن الاستغناء عنها.
وقد شرعتُ في تحقيق الكتاب معتمداً ـ كما أسلفت ـ على النّسخة الأم المذكورة، وبعد أن ذلَّلَ لي مشكورين بعض الإخوان الكثير من العقبات، بتصوير النّسخ وتصفّح المخطوطات والفهارس، ومساعدتي في قراءة بعض النّصوص المُتمحِّلَة، ونسبة الخطوط إلى أصحابها وأعني بذلك شكري وتقديري للأستاذ الفاضل يحي بوراس، وغيره من الأصفياء والأوفياء.
وقد رأيت أن أجعل عملي على قسمين رئيسيين وهما:
القسم الأوَّل: (25/8)
صفحة 421
وهو فصل الدراسة؛ وقد قسَّمته إلى ثلاث مباحث، تحوي تحتها مجموعة من العناوين؛ المبحث الأول وفيه: نظرة على أوضاع مصر وتونس خلال القرن العاشر الهجري؛ السادس عشر الميلادي، ثم الشيخ سليمان الجربي نسبه ومولده، ثم نشأته ووفاته، وأسفاره ورحلاته، أمَّا المبحث الثاني ففيه: مصادر ثقافته وعوامل نبوغه، مشائخه، تكوينه الذاتي، مكانته العلمية، وتطلعه إلى التجديد ثم علاقته بعلماء عصره، المبحث الثالث؛ وفيه: جهوده في التعليم، نشاطه في التدريس بمصر، وتلاميذه فيها، ثم نشاطه العلمي بتونس وتلاميذه فيها، ثم بسط في مسألة مذهب الشيخ سليمان الجربي، ثم آثاره العلمية، يليه وصف للنسخ المخطوطة المعتمدة في التحقيق، والنسخ الأخرى في مكتبات العالم الإسلامي، ثم قراءة في تملّكات ووقفيات النسخ المخطوطة، ثم أبرز الخصائص الفنية في حاشية الجربي، وفي الأخير جدول بالرّموز المستعملة في التّحقيق.
القسم الثّاني:
التّحقيق؛ وقد سلكت فيه الطرُّق الفنِّية والمنهجية العلمية خاصَّة ما يتعلق بتحقيق النّصوص ونشرها، فأخرجت النصَّ نقلاً محقَّقاً من المخطوط إلى المبيضة قدر المستطاع دون إضافة أيِّ شيء على المتن، وتركت كلَّ ملاحظة أو تعليق مُهمٍّ إلى الهامش، ولم أضف إلاَّ بعض العناوين المكملة مستعيناً في ذلك بالشروح الأخرى على المختصر، وقد وضعتها بين قوسين وأشرت إلى ذلك في الهوامش، ليظهر النصَّ بذلك مقارباً لما تركه عليه مؤلِّفه آخر مرَّة، ولأحقق الأمانة العلمية المنشودة، ولم أكثر من التعاليق على الهوامش وفضلت التركيز أساساً على المقابلة بين النسخ، وهو المراد من تحقيق النص؛ أي إبرازه أقرب ما يكون إلى آخر مرة تركه عليه مؤلفه؛ لأنَّ اختلاف النَّسخ يبيّن لنا الصحيح الذي ينبغي أن يكون في النص، وهذا مذهب معظم المهتمين بهذا الفن (1).
__________
(1) - صلاح الدين المنجّد، قواعد تحقيق المخطوطات، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط7، 1987، ص24. (25/9)
صفحة 422
وقد أبرزتُ مصادر الحاشية والمذكورة من طرف المؤلف على الهوامش، خاصة الكتب التي اعتمد عليها في التأليف أو النقول التي علّق عليها، كما عرَّفت بمعظم الأعلام الذين أتى ذكرهم في الكتاب إلاّ ما كان منهم مغموراً لم أستطع الوصول إليه، وكذلك الأمر بالنسبة للأماكن؛ وأشير هنا إلى أنَّ البحث عن بعض الأعلام استغرق وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً لأنَّ منهم ممن لم يأت ذكره في المصادر والمراجع، فاستعنت ببعض الباحثين المتخصصين بالأعلام والأنساب، وقد اهتديت والحمد لله إلى التعريف بأغلبهم.
كما شرحت ما غمض من الألفاظ معتمداً على أمَّهات المعاجم، وضبطتُ قبل ذلك النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة والأبيات الشعرية وكل ما غمض من الألفاظ والعبارات التي يستوجب ضبطها لدفع اللبس أو الخطأ في القراءة، كما خرَّجت الآيات والأحاديث والأشعار من مظانِّها في المصادر والمراجع مشيراً ومعلِّقاً في ذات الوقت على الاقتباسات، وقد حافظتُ أيضاً على تسلسل مادة الكتاب، خاصة وأنَّ جلَّ النسخ تميزت بمحافظتها على نظام التعقيبة، كما نظَّمت بداية الفقرات ونهايتها قدر المستطاع، وأشرت إلى وجه المخطوطة بالحرف (و) وإلى ظهرها بالحرف (ظ) وذلك بما يوافق ن (أ) التي اعتمدتها أو أصلاً، حتى يستطيع القارئ استيعاب النص.
كما أنني حافظت على رسم بعض الكلمات التي جاءت في ن (أ) والتي اعتمدتها أصلاً، إذ استعمل الناسخ عبارات واختصارات على غرار مؤلفي الحواشي، وقد أشرت إلى معانيها في الهوامش بعد أن تأكدت من دلالاتها بمقارنة النسخ الأخرى، وحفظي لهذا الرسم جاء مراعاة للأمانة العلمية في التحقيق؛ وقد أنهيت الدراسة بملحقٍ يحوي عرضاً لنماذج من النسخ المخطوطة الأوراق الأولى والأخيرة، وفي الختام فهارس الموضوعات، والآيات القرآنية والأحاديث، والأعلام والأماكن، والأبيات الشعرية، ومصادر المؤلف، وفهرسا للمقابلات والمراسلات، ثم المصادر والمراجع.
*- خاتمة (25/10)
صفحة 423
لقد بالغ بعض الباحثين عندما عابوا على الفترات التاريخية المتأخرة بأنها عصر الشروح والحواشي، وأنه شابها الحشو والتكرار وجمود القريحة ... إلخ، غير أنَّ المؤكد بأنَّ كثرتها في عصر الشيخ سليمان الجربي لم يكن إلاَّ وليد «الأمانة العلمية»، وحرصاً من أولئك المؤلفين على بقاء الأصول صافية كما هي، ومنسوبة إلى أصحابها، واحترام ما جادت به قرائح السابقين، ولعلَّه جدير بالذكر أيضاً هو أنَّ هذه الشروح تتمتَّع بالأصالة العلمية، إذ قد يفوق شرحٌ أصلاً، وربما فاقت أيضاَ حاشية شرحاً.
لقد كان الهدف من دراستي لحاشية الجربي هو إبراز شخصيته وإظهارها، حيث أنه لم يتناولها باحث بالدراسة المستفيضة والمتأنية من قبل، ولتتضح لنا كل جوانب شخصيته العلمية والأدبية.
من أجل ذلك فقد استقصيتُ كل معلومة يمكن أن تفيدني في التعريف بهذا العالم من خلال آثاره وسعة انتشارها في الآفاق، وقد تحدثت في الدراسة عن البيئة والأحوال المحيطة بعصره والأمصار التي عاش بها جربة ومصر، وعن نسبه ونشأته، وعن مصادر ثقافته وعوامل نبوغه وعن مشائخه وعلاقته بعلماء عصره، وعن نشاطه في التدريس بمصر وتلاميذه بها، وعودته إلى تونس ونشاطه بها أيضاً، ثم تحدثت بإسهابٍ عن آثاره العلمية، ووصفت النسخ المخطوطة التي وقفت عليها والتي اعتمدت عليها في تحقيق متن الكتاب، ثم أنهيت بإبراز بعض الخصائص الفنية في حاشية المؤلف، وكان من أهمها: سعيه إلى تيسير البلاغة لطالبيها والتنويع في الشواهد وتحليل الأمثلة والتحليل المنطقي للمسائل البلاغية وتنظيم مادة الكتاب ...
ومن نتائج هذا العمل، وبعد هذا التطوف مع الجربي في حاشيته، أرجو أن أكون قد وفقت في استقصاء ملامح تفوقه ونبوغه، وعرض آرائه وجهوده البلاغية، وبيان مقدار الجهد الذي بدله في سبيل إيصال فكره البلاغي إلى المتلقي، ومما تجدر الإشارة إليه ما يأتي: (25/11)
صفحة 424
لم يكن الجربي مجرَّد شارح وناقل لما قاله البلاغيون، بل تبيّن أنه ذو شخصية مستقلة ومتميزة، وقد ظهر ذلك في توجيهاته وردوده على بعض آراء التفتازاني وعبد القاهر الجرجاني والزمخشري والسَّكاكي والقزويني، فكان يأخذ ما يراه واجباً ويعدل عما يراه بحاجة إلى تعديل وقد يخالف ما لا يعجبه وما لا يرتضيه، كما رأيت منه التفاتات ذكية تنم عن ذوق أدبي واهتمام بمواطن الجمال، وإشارات ذوقية يمكن للقارئ المتأني أن يجمعها ويستخرجها.
كما تبين استخدامه للمنطق والفلسفة لعرض القضايا البلاغية وتبسيطها، ويعود ذلك إلى ثقافته المتعمقة فيهما، ولم يكن في ذلك متميزاً بل جارى سابقيه فحافظ على العلم الذي اكتسبه وسعى لأدائه بأمانة.
وقد أكثر الجربي من الاستشهاد بالآيات القرآنية والنصوص الشعرية، كما تجلى اعتماده على آراء عبد القاهر في عرض القضايا البلاغية وفي بيان الصلة القوية بين المدرسة الأدبية والمدرسة الكلامية في البلاغة، ولم يكن يتعصب لرأي من الآراء وإنما كان يحاول التوفيق بينها، وقد يذكر الرأيين كما هما إنصافاً لصاحبهما ...
وإني من هنا آمل أن أكون قد أزلت الغموض الذي اكتنف هذه الشخصية، إذ لم يهتم أحد بدراستها دراسة متأنية مستفيضة تكشف لنا اللثام، وتظهر مكانة الرجل العلمية، وأن يكون هذا العمل مشاركة في إحياء التراث العربي، وإخراج هذا الأثر البلاغي المغربي من بين ركام الأيام ورطوبة خزانات المخطوطات المعتقة، حتى يتحقق النفع وتعم الفائدة، وبهذا يتجلى وفاء الخلف للسلف، وتستبين الروابط الفكرية بين اللاحقين والسابقين. (25/12)
صفحة 425
كما ضمن سليمان الجربي كتابه آراء عديدة لعلماء البلاغة المتقدمين والمتأخرين، وقد ذكر فيها بعض التقريرات والتوضيحات لهؤلاء جميعاً، وكان في بعض الأحيان يقف مؤيداً أو معارضاً ... ، وهو ما دفعني إلى رصد بعضها في هذه الدراسة، والتفكير مستقبلاً في جمع تلك الآراء والأفكار وبيان وجهات النظر المختلفة حول موضوع واحد؛ أو عقد دراسة مقارنة بين حاشية المؤلف وحواشي معاصرة له.
وإني أرجو أن أكون قد وفيت البحث حقه فيما قمت به من عمل، وإن كان هنالك تقصير فهذا أوَّل الطريق، وأي باحث بحاجة إلى توجيه وإرشاد في تلمسه الصواب، ولاشك أنَّ مجال التحقيق والدراسة في حاجة إلى مجهود وصبرٍ وطول عناء ... وهذا يدعوني لأن ألتمس العذر فيما قصَّرت فيه؛ وأرجو الله أن يوفقني في مستقبل الأيام إلى عقد مزيد من الدراسات في مجال إحياء التراث وخدمة اللغة العربية وإعلاء شأنها، والله الموفق والهادي للصواب.
- - - (25/13)
صفحة 426
رسائل جامعية ملخص أطروحة دكتوراه صالح بن بشير بوشلاغم
د/ صالح بن بشير بوشلاغم
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أصول الشرعية السياسيَّة وتطبيقاتها المعاصرة
دراسة تأصيليَّة فقهيَّة نقديَّة مقارنة
في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية
ت
تُعد قضيَّة الشرعية السياسية محورية مركزية ليس فقط في تشكيل هرم السلطة وتنظيم الحياة السياسية العامَّة، بل بكل ما يتعلق بالمصالح العامَّة والشؤون العامَّة للمجتمعات، إذ الشرعية السياسيَّة ترصد مدى رغبة الناس واندفاعهم الطوعي للتعاطي الإيجابي مع أوامر السلطة الحاكمة وتوجيهاتها. ويمكن تعريفها ابتداء بأنها الحقُّ في الحكم. وإذا كان هذا الحق، الشرعية السياسية ( Political Legitimacy)، في كثير من الأنظمة الغربية المعاصرة تُستمد جملة وتفصيلا من الشعوب؛ فإنَّ تصور فقهاء الإسلام لمصدر الشرعية السياسيَّة وما يتعلَّق بها من أحكام دلت عليها نصوص الشرع وقواعده العامَّة ما يفتأ مشكلا على الباحث فيه، غير واضح المعالم، -وخاصة عند استحضار المذاهب الإسلامية كافَّة- وما تزال هذه القضيَّة في حاجة إلى مراجعة شاملة؛ تؤصِّل لمباحثها، وتعرض آراء الفقهاء فيها، آخذة بعين الاعتبار مقاصد الشريعة الإسلامية عامَّة وخاصة ما يتعلَّق منها بباب السياسة، وذلك ما يتناسب مع ندرة النصوص السياسية التفصيلية. والناظر إلى التاريخ السياسي الإسلامي يلحظ دون كبير عناء دموية هذا التاريخ، والذي كان مداره استحقاق الشرعية السياسية وادعاؤها، أو ضربُ مقوماتها وهدم بنيانها الذي دشَّنه الرسول الكريم. (26/1)
صفحة 427
وما تزال تطالعنا الأخبار يوميًّا بإحصاءات القتلى والجرحى وعدد الغارات والمدن المحطمة في مناطق عدَّة من العالم الإسلامي، والقضيَّة المحورية التي أسيلت لأجلها كل تلك الدماء هي الشرعية السياسيَّة، فقد يدَّعيها أحدُهم ولا يوافقه فيها غيره، وقد يؤصِّل فقيهٌ لشرعية سياسية على مقاس حاكمه، وبين هذا وذاك اختلط الفقه بالتاريخ وامتزج، واستصنع التاريخ له مكانة ضمن الأحكام الفقهيَّة إلى درجة لبَّست على الناس الحقَّ والصواب، ومن علامات ذلك ومفارقات التديُّن أن ترى المسلم الذي ينتسب إلى دين العدالة والحقِّ يقف في صفِّ الظالم القاتل المفسد في الأرض ويُشرعن لكلِّ أفعاله ويجعل طاعته والرضا به بل ومحبَّته من أصول اتِّباع السنَّة!
*- أسباب اختيار الموضوع:
يمكن تلخيص ما يدعو لتناول موضُوع الشرعية السياسيَّة بالدِّراسة والبحث في أربعة أسباب:
*- عدم وجود دراسة خاصَّة ومستقلَّة شاملة ـ حسب اطلاع الباحث ـ تؤصِّل للموضوع وتبحث العلائق التي لا تنفكُّ عنه في الفقه الإسلامي مع أهمِّيته والحاجة الواقعية إليه.
*- نجاحُ كثيرٍ من الأنظمة غير الإسلاميَّة في تحقيق مستويات عُليا من الشرعية السياسية في مقابل اضطراب الشرعية السياسية في تاريخ المسلمين وواقعهم، فما تزال السلطة تتداول بطرق عنيفة غير سلمية. مع ادِّعاء أطرافٍ حصول الشرعية السياسية لأنظمة معيَّنة بناء على مفاهيم منسوبة إلى الفقه الإسلامي، مِمَّا يدعو إلى التحقيق في مدى توافق ذلك ـ فعلا ـ مع مبادئ الإسلام وتشريعاته.
*- تبايُن وسائل المطالبة بإصلاح الشرعية السياسية؛ ودخولُ شعوبٍ في تجارب قاسية لإصلاح الشرعية السياسية، وتطرُّف شباب الأمَّة بين رافضٍ لتلك الدعوات الإصلاحيَّة جملة وتفصيلا، وموظِّف للسلاح والقتل تحت راية الجهاد في سبيل الله. (26/2)
صفحة 428
*- نسبةُ أقوالٍ إلى مذاهب إسلامية بجواز التكفير وتقتيل المسلمين مع ما يُشاهد لدى أولئك من تورُّعٍ عن الدماء ودماثة في الأخلاق وسماحة في التعامل مع إخوانهم المسلمين، مما يدعو إلى تحقيق القول في تاريخ الخروج على الحكَّام من أجل إصلاح الشرعية السياسية وموقف الرعيل الأوَّل من الصحابة الكرام والتابعين.
*- أَهمِّيةُ البحث:
لعلَّ الواقع السياسي الراهن للدول الإسلامية والعربية منها خصوصًا بكلِّ مفرداته من صراع ووفاق ونزاعات، بما تُشن فيه من حروب، وما تندلع فيه من فتن، جرَّاء ادِّعاء شرعية نظام للحكم أو خلعها، أو نفي المشروعية عن تصرُّفٍ حزبي أو فردي ذي صلة بالشرعية السياسية أو إثباتها ... يجعل المسلمين في حاجة أكيدة لمعرفة ما يتعلَّق بفقه الشرعية السياسية ليتعاملوا معها على بينة من أحكام ربهم، وحتى لا يُتخذ الدين مدخلا لتحقيق أطماع خاصَّة تستغل الضبابية الحاصلة في الوعي العام حول الشرعية السياسية دينيًّا. فالبحثُ عن أصول الشرعية السياسية وضوابطها وشرائطها وتطبيقاتها ذو أهميَّة يقتضيها توجيه واقع المسلمين في ممارساتهم السياسية في كافة الأقطار.
*- مشكلة البحث:
بناء على مقتضيات التاريخ، وتداعيات الموضوع، ومجريات الواقع لقضية الشرعية السياسية، التي أشرتُ إليها فيما سبق، فإنَّ إطار مشكلة هذه الدراسة النظرية هو علاقة الحاكم بالمحكوم من حيث اعتبار الشرعية السياسية فيها، أي مدى مراعاة النظرية السياسية الإسلامية ـ متمثلة في التيار السنِّي بمذاهبه الأربعة والشيعي الإمامي والإباضي ـ لرضا المحكوم عن السلطة الحاكمة واستعداده الطوعيِّ للتعاطي الإيجابي مع أوامرها. فمشكلة الدراسة تستند إلى ثلاثة أبعاد: (26/3)
صفحة 429
1. البعد التاريخي: فالتاريخ السياسيُّ للمسلمين منذ وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - يشهد خلافا حول الشرعية السياسية، من حيث مصادرها، ومستنداتها النصيَّة والواقعية، وطرائق تحصيلها. والاضطراب الحاصل فيه أفرز واقعا فكريا لا يحرص غالبا إلاَّ على حقوق الحاكم.
2. البعد الموضوعي: نتيجة للواقع التاريخي والعقدي الذي ضغط على الفقيه ـ السنِّي والشيعي ـ تولَّدت أنواعٌ من الشرعية قائمة على الغلبة والقوَّة العسكرية والاستيلاء القهري على السلطة ... وأخذت طريقها إلى التنظير الفقهي و «الشرعنة»، جنبًا إلى جنب مع أسُس تصوُّرية تستند إلى عدالة الله والدين، وقواعد فقهيَّة أصيلة تؤكد أنَّ الإمامة عقد وكالة ونيابة يُبطلها الإكراهُ والإجبار. فهذا التعارُض بين الإقرار بتفرُّد المعصوم وسلطته على الكون كله، وإقرار التغلّب وولاية العهد القهرية وتغييب دور الأمَّة فقهًا وتاريخًا، من جهة وتثبيت أصالة المحكوم في بناء السلطة ونيابة الحاكم فيها وفق النصوص الشرعيَّة وبعض المدونات الفقهية يستدعي دراسةً ترفع إشكالاته، وتبين محل الخطأ والزلل.
3. البعد الواقعي: تُعاني المجتمعات المسلمة اليوم في غالب الدول الإسلامية من مشكلة في الشرعية السياسيَّة، فالأنظمة الحاكمة تتنوَّع بين أنظمة فاقدة للشرعية وأخرى تعاني من أزمة فيها؛ ولطالما حاول المحكومون إصلاح هذا الخلل وإعادة الأمور إلى نصابها؛ غير أنَّ ضعف الإلمام بأحكام الشرعية السياسية والوسائل المشروعة لإصلاحها، وكون الشرعية السياسة أضعف الحلقات تنظيرًا في الفقه السياسي الإسلامي ولد وسائل إصلاح تحتاج إلى تحكيم فقهي. (26/4)
صفحة 430
فهذه الدراسة تبحث علاقة الحاكم بالمحكوم من حيث اعتبار الشرعية السياسية، في ثلاثة مستويات؛ الأول: أصول الأحكام الفقهيَّة من نصوص القرآن والسنَّة، ومقاصد الشريعة السياسية، الثاني: الأقوال الفقهيَّة ومواقف الفقهاء من الشرعية السياسية. الثالث: الشرعية السياسية في الأنظمة المعاصرة في صورتها النظرية.
وقد سعى الباحث في هذه الدراسة للجواب عن مشكلة البحث وفق هذه الأسئلة: ما مفهوم الشرعية السياسية؟ وما الفرق بينها والمشروعية والمصطلحات ذات الصلة؟ وما أنواعها؟ وما حالاتها؟ وكيف نشأت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وتطورت في التاريخ الإسلامي السنِّي والشيعي والإباضي؟ ما أصولُ الشرعية السياسية في الكتاب والسنَّة؟ وما مقاصد الشريعة الخاصَّة بالسياسة؟ وكيف أصَّلت للشرعية السياسية إيجادًا وممارسة، وإصلاحا وحماية؟ ما آراء الفقهاء في معيار الشرعية السياسية؟ وما الراجح منها؟ وما خصائصُ المعيار الراجح منها وفق نصوص الكتاب والسنَّة والمقاصد السياسية؟ ما موقع طرق إسناد السلطة في الفقه الإسلامي من الشرعية السياسية؟ وما مدى تحقيق كلٍّ منها للمقاصد السياسية؟ ما علاقة الشرعية السياسية الإسلامية بأنظمة الحكم المعاصرة؟ وما مبطلات الشرعية السياسية؟ وما الوسائل الحديثة الكفيلة بإصلاح الشرعية السياسية سواء منها السلمية وغيرها؟
*- حُدودُ البحث: (26/5)
صفحة 431
الدراسة محدودةٌ موضوعًا بمفهوم الشرعية السياسية ومصادرها وآليات تحقيقها وحمايتها في الفقه الإسلامي، فالجوانبُ المتعلّقة بقضايا القانون الدستوري أو السياسي للشرعية السياسية غير مشمولة بالبحث إلاَّ من حيث استجلاء مفهوم الشرعية السياسية عند المنظرين له، وبيان أنواع الأنظمة السياسية المعاصرة وعلاقتها بالشرعية السياسية. والدراسة لا تُعنى بالشأن الخارجي؛ فالشرعية السياسية الدولية خارجة عن إطار البحث إلاَّ باعتبارها وسيلة لإصلاح الشرعية السياسية للأنظمة، وتتبع الجانب التاريخي خارج عن إطار البحث أيضًا إلاَّ في تقديم بسطة موجزة عن مسار الشرعية السياسية في التاريخ الإسلامي بما يُعين على فهم التطوُّر التشريعي ذي الصلة، وبيان أثر التاريخ السياسي على الآراء الفقهية في الشرعية السياسية.
*- منهج البحث:
استعانت الدراسة ـ ابتغاء تناولٍ علميٍّ منْهجيٍّ للموضوع ـ بالمنهج الاستقرائي في جمع الأدلَّة وتتبُّع الآيات القرآنية ذات الصلة بالشرعية السياسيَّة، وكذا الأحاديث النبويَّة، واستقراء المقاصد السياسية التي جاءت الشريعة لتحقيقها، وتتبُّع آراء الفقهاء في الأحكام ذات الصلة بالشرعية السياسية، وتتبع تاريخ الشرعية السياسية ـ إجمالا ـ في تاريخ الإسلام. كما توسَّلت بالمنهج الوصفيِّ التحليلي لبيَان مدلولات النصوص الشرعية ومكنوناتها، ومحاولة استجلاء حقيقة الأقوال الفقهية وتحليل مستنداتها ومراميها، ووظفت المنهج النقدي المقارن لعرض الآراء على بعضها رجاء التمييز بين راجحها ومرجوحها، ونقدها في ضوء النصوص ومقاصد الشريعة.
*- الدراسات السابقة:
تعرضت جملة من الدراسات لمشكلة هذه الورقة منها ما ركَّز على بيان مفهوم الشرعية السياسية، ومنها ما تحدث عن الشرعية السياسية بمنظور إسلامي. ونجملها فيما يأتي: (26/6)
صفحة 432
1. شرعية السلطة في العالم العربي، بهاء الدين (1984) تناول المقال الأوَّل من هذا الكتاب شرعية السلطة في العالم العربي؛ وعُنيَ ببيان الفرق بين مصطلح الشَّرعيَّة والقانونية والقدرة على البقاء في السلطة، وعلاقة الشرعية السياسية بالمعارضة والتأييد للنظام الحاكم، وشرائط قيام الشرعية السياسية.
2 - شرعية السلطة في الإسلام، عبد الحافظ (1988).ينقسم الكتاب إلى محورين: الأول مقارنة بين الشرعية في الإسلام والشرعية في الغرب. الثاني تعريف بمضمون الشرعية وضماناتها في الإسلام من خلال الأدلة الشرعية. ويؤخذ على هذه الرسالة تقريرها التَّرادف بين الشَّرعية والمشْروعية في الفقه الإسلامي وبنت عليه كلَّ المضامين التي أعقبته، فالشرعية عنده هي: «التزام القائم على السلطة السياسية بإقامة مجتمع إسلامي كما صور بالكتاب والسنة» فهو لا يفرق واقعًا بين سلطة شرعية وغير شرعية طالما كان هناك التزام بالكتاب والسنَّة، وهذا الالتزام يراد به المشروعية لا الشرعية السياسة.
3 - شرعية السلطة في التراث الإسلامي ( Boulaabi) (1993). اعتنت هذه الرسالة بسرد واقع شرعية السلطة في التاريخ الإسلامي في الخلافة الراشدة والدولة الأموية والعباسيَّة. أمَّا الجانب الفقهي التشريعي لشرعية السلطة فكان مختصرًا بقدر ما تتضح الفكرة للقارئ في السياق التاريخي للأحداث ذات الصلة بشرعية السلطة.
4 - في النظرية السياسية من منظور إسلامي. إسماعيل (1998). في الفصل السادس من هذا الكتاب، اعتنى المؤلف بدراسة الشرعية السياسية، فتناول مفهوم الشرعية السياسية، والشرعية السياسية والواقع العربي المعاصر، ولم يعتن الباحث فيه بالجانب التأصيلي للشرعية السياسية من القرآن والسنَّة، كما أنَّ الدراسة المقصدية لم تُحظ بعد بالاهتمام اللائق بها في موضوع الشرعية السياسية. (26/7)
صفحة 433
5 - الشرعية السياسية في الآيات المكِّية مفهومًا وتأصيلاً، الكيلاني (2002). اهتم هذا البحث بمفهوم الشرعية السياسية في الآيات المكية، وقسَّمه شقَّيْن: مفْهوم الشرعية السياسية، حيث أصَّل المصطلح ودرس علاقته بالمشرُوعيَّة، كذا نشأة الدولة والاستقرار الاجتماعي وعلاقتهما بالشرعية السياسية، ثم في الشق الثاني للبحث تحدَّث عن الشرعية السياسية في العهد المكيِّ وتعامُل الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - مع النظام القرشي الذي لم يكن يعترف بشرعيَّته، والبحث محدود زمنيا بالعهد المكي.
6 - النظم السياسية والقانون الدستوري. ذنيبات (2003). ركز الكاتب حديثه عن علاقة نظم الحكم بالقانون الدستوري، وعرج على قضية الشرعية السياسية للسلطة؛ فبين أهميتها والمبادئ التي تتحقق بها، والوسائل التي تضمن استمرار الشرعية السياسية وتراقبها من رقابة سياسية وإدارية وقضائية.
7 - خطاب الشرعية السياسية في الإسلام، العلوي (2006). تعرَّض فيه الكاتب لمدلول الشرعية السياسية وموقعه من السلطة السياسية وكونها المعيار التاريخي للمؤرخ السِّياسي، ثم قسم مقاله إلى أربعة محاور: الشرعية السياسية والشَّرع الإلهي، الشرعية السياسية في الخطاب الكلامي، الشرعية السياسية في الخطاب الفقهي، الشرعية السياسية في الفكر الإسْلاَمي المعاصر. والجانب الوثيق الصلة بالموضوع ما يتعلق منه بالخطاب الفقهي، حيث كان منصبًّا على علاقة الفقهاء بالسلطة السياسية الحاكمة، ودورهم في إضفاء «الشرعية» على الواقع.
8 - النظام السياسي وجدلية الشرعية والمشروعية، ناصوري (2008). تحدث هذا البحث عن مفهوم النظام السياسي وتركيبته، ومفهوم السلطة السياسية وطبيعتها، ومدى حاجتها إلى الشرعية، ثم تناول مفهوم الشرعية عند المنظرين من علماء الاجتماع السياسي، وارتباطها بالمشروعية والقانون والرضا العام، ثم تناول أزمة الشرعية السياسية في الوطن العربي. (26/8)
صفحة 434
9 - مفهوم العلاقة بين الشرعية الدستورية وشكل نظام الحكم في الدولة، عميش (2010). يتناول هذا المقال مشكلة العلاقة بين الشرعية السياسية والنظام الحاكم، وطرق اكتساب النظام الحاكم للشرعية الدستورية، وركز على النموذج الليبي وانقلاب سنة 1969م. وجدير بالذكر أن ما يتعلق بالمقاصد الخاصة بباب السياسة الشرعية لم يجد الباحث ـ حسب اطلاعه ـ من كتب فيها فضلا عن الحديث عن علاقة الشرعية السياسية في المنظور الإسلامي بالمقاصد وهذا مما سعت دراستي لتجليته والبحث فيه.
*- هيكل البحث:
تضمُّ الدراسة ستَّة فصول؛ الأول: تمهيدي. الثاني: مفهوم الشرعية السياسية وأنواعها وحالاتها وتاريخها في الإسلام. الثالث: أصول الشرعية السياسية. الرابع: معايير الشرعية السياسيَّة في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية. الخامس: الشرعية السياسية وإسناد السلطة في الفقه الإسلامي. السادس: تطبيقات معاصرة للشرعية السياسية في ضوء المقاصد السياسية. يُضاف إليها الخاتمة والتوصيات. وفيما يلي عرضٌ موجزٌ لنتائج البحث في أبرز القضايا التي تناولتها الدراسة:
*- مفهوم الشرعية السياسية: لابد من البحث في مفهوم الشرعية السياسية لدى المنظومة الغربية كونه مصطلحا وافدا، ويعد ماكس فيبر أول علماء الاجتماع السياسي الذين اهتموا بموضوع الشرعية السياسية؛ غير أنه ركز على بيان مصادرها، ولم يهتم بوضع تعريف لمفهومها، غير أننا نلتمس ذلك في قوله: الشرعية السياسية هي التي يُعتقَد بشرعيتها، ومدار التعريفات حول تقييد مفهوم الشرعية السياسية بمفهوم قيمي موضوعي أو إسنادها إلى مجرَّد القبول الشعبي كيفما كانت مُنطلقاته، ويمكن صياغة مفهوم الشرعية السياسية في أوجز عبارة في أنها: «الحقُّ في الحكم على نحو خاص».
*- حالات الشرعية السياسية: للشرعية السياسية أربعة حالات: «حالة فقدان الشرعية»، «أزمة الشرعية»، «عجز الشرعية»، «الشرعية السياسية التامَّة». (26/9)
صفحة 435
*- أنواع الشرعية السياسية: تتنوَّع الشرعية السياسية بحسب مصدرها إلى أنواع: «الشرعية الكارزمية»، «الشرعية الدستوية» (العقلانية)، «الشرعية الدينية»، «الشرعية الثورية»، «الشرعية العرفية» (التقليدية)، «شرعية الإنجاز».
*- مفهوم التأصيل الفقهي: يُراد بالتأصيل الشرعيِّ البحثُ عن أصول شرعيَّة تصلح لأن تكون مستنداتٍ وأدلةً ضابطةً لحركة الاجتهاد، فتشكل بذلك مرجعية شرعية للمسألة قيد البحث. فالدور الوظيفيُّ للتأصيل هو إيجادُ قاعدةٍ متينة ينبني عليها تصوُّر المسائل والأحكام وينضبط بها، أي بناء معيار شرعي يضطلع بمحاكمة الاجتهادات البشرية إليه لبيان صوابها ومواطن زللها. ويصبُّ هذا المنهج في مسعى التخلُّص من الأغلال التي قد تكون علقت بالفقه السياسي الإسلامي نتيجة واقع سياسي واجتماعي فرض عليه اتجاهات فكرية سياسية، صبَّت في صالح السلطة القائمة في حين أنها لا تتوافق مع الأصول المرجعية للفقه الإسلامي. (26/10)
صفحة 436
*- أصول الشرعية السياسية في القرآن الكريم: عرض القرآن الكريم لموضوع الشرعية السياسية من خلال آيات الشورى والآيات الآمرة بالعدل والآيات الناهية عن طاعة الظالمين. فالشورى في آيات عدَّة منها قوله تعالى: ژ S ? ? ? ? ? ?? ژ [آل عمران:159] ژ ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ژ [الشورى:38]. والآيات الآمرة بالعدل منها قوله تعالى: ژ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ... ? ? ? ?? ژ [النساء: 58، 59]. وآيات النهي عن طاعة الظالمين أبرزها قوله تعالى: ژ ? ? ? ... ? ? ? ? ژ. وكان لزاما عند البحث في الآيات القرآنية التمييز بين الطاعة السياسيَّة وغيرها، كالطاعة في الإيمان والكفر. وتؤكد آيات الشورى حقَّ كل مؤمن في صناعة القرار السياسي العام وإنتاجه، وهو ما يمارسه عبر آلية الشورى، فهذه الآيات تؤسِّس للمساواة في الحقوق السياسية بين المؤمنين وتجعله أصلا قرآنيا لا يجوز العدول عنه ابتداءً، والإقرارُ بحقِّ كلِّ مؤمن في الشورى واعتبار رضاه أساسًا للتعاقد ضمن مجموع المؤمنين ليس إلاّ تعبيرًا عن الشرعية السياسية، عندما يتعلّق الأمر بالحق في الحكم وإسناد السلطة لمن يمارسها أو الموافقة على استمراره فيها. وفي التعبير القرآني تعيين لأولي الأمر بوظيفتهم، وهذا ما يتلاءم مع مفهوم الشرعية السياسية، الذي هو اعتقاد طوعي بالأحقية في الحكم. وبناء عليه فإنَّ تولي السلطة والتصرُّف بناء عليه يجب أن يكونا خاضعين للشرعية السياسية الصادرة عن المؤمنين. (26/11)
صفحة 437
وبالإمكان إيجاز نتائج التأصيل للشرعية السياسية من القرآن الكريم في ثلاثة مبادئ عامة: أ- أصالة المساواة والمشاركة السياسية في التصوُّر القرآني للسلطة، ب- السلطة لا تزيد عن كونها نيابة عن الأمَّة، وأنَّ الحكام لا يستحقّون الطاعة إلاَّ في مقابل أدائهم للأمانات وإقامتهم العدل. ج- مسؤوليةُ منح الشرعية السياسية هي مسؤولية شخصية فردية تقع على كل مسلم مكلَّف. (26/12)
صفحة 438
*- أصولُ الشرعية السياسية في السنة النبوية: درستُ الرسالة الشرعية السياسية في تصرفات النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال الأمر بالهجرة إلى الحبشة، وبيعة العقبة الثانية، وغزوة بدر، وبيعة الرضوان. وبحثتُ فيما يزيد عن ثلاثين حديثًا ذي علاقة بالشرعية السياسية أسانيدَ ومتونًا، وقسَّمَها الباحثُ إلى مجموعات: أ- أحاديث السلطان ظلُّ الله في الأرض. ب- الأحاديث المطلقة في الأمر بالطاعة، ج- الأحاديث المقيِّدة للطاعة، د- الأحاديث التي تنهى عن الطاعة في أحوال مخصوصة، هـ- أحاديث الأمر بتغيير المنكر، و- أحاديث تأمر بالطاعة والصبر عند الجور والفسق. وقد أبانت تصرفات النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات الصلة بالشرعية السياسية عن وجه ميداني للرسول الحاكم الذي استمدَّ شرعيته من رضا المحكومين وحافظ عليها، وسعيه لبناء قراراته السياسية على شرعية سياسية مصدرها عموم المحكومين، وكان الهدف في بحث المجموعة «أ» من الأحاديث فحص مدى ثبات مفهوم صلة الحاكم بالله وتمثيله له في الأرض تحت عنوان «ظل الله في الأرض» وقد ظهر ضعف جميع الطرق التي ورد منها الحديث، وأمَّا المجموعة «ب» فكانت أحاديث عرضت وجوب طاعة الحاكم في صيغة مطلقة من دون تقييد، في حين أن المجموعة «ج» جاءت مقيِّدة للطاعة السياسية لتكون متوافقة مع التأصيل القرآني الذي يجعل الشرعية السياسيَّة أساس الطاعة، وأما المجموعة «د» فهي أحاديث نصَّت بمنطوقها على ما كان مفهوما في المجموعة السابقة فرفعت حقَّ الطاعة عن كل حاكم فاقد للشرعية السياسية، ثم كانت المجموعة «هـ» أحاديث تشرِّع لواجب تغيير المنكر وتحض المسلمين على عدم السكوت عن المنكر، وأوَّل المناكر التي يجب تغييرُها فور القدرة والاستطاعة مُنكرُ الحاكم الفاقد للشرعية السياسية المسمَّى في المصطلح الإسلامي «بالحاكم الجائر». (26/13)
صفحة 439
أمَّا المجموعة الأخيرة وهي الأحاديث التي نصَّت على طاعة الحاكم الجائر مع جوره وفسقه فقد توصَّل البحث فيها إلى أنَّها تتعلَّق بحالات مخصوصة مستثناة من الأصل وهي حالة عدم إمكان تغيير الحاكم لشدَّة سَطْوَته وجبروته، وخلُصت الدراسة فيه إلى أنَّ تلك الطاعة يجب أن لا تكون في غير المعروف، فلا طاعة في معصية، فلا يجوز اعتقادُ الرضا عن الحاكم الجائر ونظامِه أو القبول القلبي به، أي لا يجوز منحُه الشرعية السياسيَّة، كما أنَّ هذه الرخصة لا يجوز المصير إليها إلاَّ عند العجز عن التغيير، فالتيسير بالرخصة لا يُشرع إلاَّ عند توفّر دواعيها، ولا يجوز أيضا تجاوُزُ الرخصة عن مواضعها، فلا يجوز أن يتجاوز بها رفع الاضطرار مقدارًا ونوعًا وزمنًا.
*- الشرعية السياسية ومقاصد الشريعة: أثبتت الدراسة أنَّ مقاصد الشريعة الخاصَّة بباب السياسية أربعة: العدل وهو المقصد الأصلي، والحرية والأمن والعمران وهي مقاصد مكمِّلة تابعة له. والشرعية السياسية وسيلة لإقامة العدل، ولا يتحقّق العدل السياسيُّ من غير حصولها، إذ هي تجيب عن إشكال الحكم الذي يمنح لبعض الأفراد حقَّ السلطة ويأمر الآخرين بالطاعة طوعًا وكرها، كما أنَّها مثبتة للحريات السياسية، وبوجود الشرعية السياسية تتحقَّق مستويات عُليا من الأمن العام وذلك ما يساعد بمجموعه في تحقيق التنمية والعمران في جميع المجالات. فالشرعية السياسية أولى وسائل تحقيق المقاصد السياسية. (26/14)
صفحة 440
*- معايير الشرعية السياسيَّة في الفقه الإسلامي: دوَّن الفقهاء المسلمون ثلاثة معايير للشرعية السياسية. الأول: تبنَّاه المذهب الشيعيُّ وهو معيارُ نسل النبوَّة الذي يحصر الشرعية السياسية في نسل الحسين بن علي. وينبني المعيارُ الشيعيُّ للشرعية السياسية على معتقدات وأساسات أربعة: عصمة الحاكم، إلهية تعيين الحاكم (الإمامة شأنٌ إلهي لا بشري)، التسلسل الوراثيُّ العمودي للحكام (نسل علي من فاطمة)، الإمامةُ مبحثٌ عقدي لا يتمُّ إيمان المسلم إلاّ بالاعتقاد بالمعيار الشيعيِّ. وخلصت الدراسة إلى عدم صحَّة أدلته واضطراب تنزيله التاريخيِّ، وعدم وجود الوصيَّة التي يستند إليها هذا المعيار. وتعرَّضت الدراسة أيضا لقضية ولاية الفقيه وبيَّنت علاقتها بالشرعية السياسية وأثبتت أنها لا تستحضر رأي الأمَّة إلاَّ في بعض الجزئيات التي لا تؤثر في قرارات المرشد الأعلى (الفقيه) فهو المستبدُّ بالحكم والسلطة ولا اعتراض على حُكمه، واسترشد الباحث بموادّ الدستور الإيرانيِّ الذي هو ترجمة لولاية الفقيه، فلا تعدو أن تكون نظريَّة ولاية الفقيه مخرجًا من المأزق الذي انحصرت فيه السلطة في المجتمعات الشيعية. الثاني: معيار النسب القرشي وتبنَّته المذاهب السنِّية الأربعة والمذهب الظاهري، وقد أثبتت الدراسة أنَّ أدلة هذا المعيار منها ما لا يصحُّ، ومنها ما يعكس ظروفًا سياسية في جزيرة العرب حيث كانت قريش تشكل القوَّة الضروريَّة لاستقامة الأمور، فالأمر معلَّل بالقوة لا بالنسب. وناقش الباحث باستفاضة رواية السقيفة التي اتخذها المعيار القرشيُّ السند الأقوى لإثبات اختصاص قريش بالإمامة والاعتراضات التي توجَّه لهذا الاستدلال. والمعيار الثالث: هو معيار الكفاية الذي تبناه المذهب الإباضيُّ ومن وافقه، وهو المعيارُ الراجحُ بناءً على استقراء الأدلَّة والنصوص. (26/15)
صفحة 441
واقترح الباحث له وجهًا معاصرًا، باعتبار الأنظمة المعاصرة التي تضاءل فيها نفوذ شخص الحاكم لخضوعه لمقتضيات النظام السياسي والبرنامج الذي اختير لتنفيذه. فيشمل معيار الكفاية ثلاثة أمور: «الكفاية في النظام» بأن يكون نظامًا مُراعيا لسيادة الشرع وأصالة حقِّ الأمَّة في السلطة، و «الكفاية في البرنامج السياسي» بأن يتوافق مع مبادئ الشريعة ومقاصدها في خطوطه العريضة وفي مقاصده السياسية، و «الكفاية في الأشخاص» بأن يكونوا من ذوي الأمانة والقوَّة وذلك بتوفر شروط: الإسلام، العدالة، السن القانونية، الكافية الجسمية، الخبرة والأداء.
*- مفهوم الشرعية السياسيَّة الإسلاميَّة: بعد التأسيس لتصوُّر الشرعية السياسية في الشريعة الإسلامية، أمكن وضعُ تعريفٍ للشرعية السياسية في المنظور الإسلامي، وهو: الاعتقادُ الطوعيُّ بالحقِّ في الحكم في نظر أغلب المحكومين ابتداءً، واستدامته وفق المعيار الإسلامي الذي يشترط الكفاية في النظام والبرنامج السياسيين والأشخاص المرشحين. فالشرعية السياسية الإسلاميَّة تختلف عن الشرعية السياسية الغربيَّة في احتكامها إلى معيار إسلاميٍّ يفرض ضوابط خاصَّة على المسلم تتعلّق بنظام الحكم والبرنامج السياسي والأشخاص المؤهلين للحكم. وهذا الاحتكام موكولٌ إلى الأفراد أن يلتزموا به بعد أن يقتنعوا به بناء على قواطع القرآن وأدلَّة السنَّة وتطبيقاتها، فالشرعية السياسية الإسلامية تستند إلى أساس إيمانيٍّ أخلاقيٍّ قيميٍّ يضبط تصرفات الإنسان في المجال السياسيِّ وغيره، وينسجم مع تصوراته عن الله والكون والإنسان، وفي هذا ملحظٌ دعوي بأنّ الإصلاح السياسيَّ يجب أن ينطلق من إصلاح الفرد وبث الوعي بأحقية مبادئ الشريعة وأهدافها ومقاصدها. (26/16)
صفحة 442
*- طرق إسناد السلطة في الفقه الإسلامي والشرعية السياسية: تناول الفصل الرابع من الدراسة الطرق الثلاثة للوصول إلى السلطة كما صورها الفقه الإسلامي؛ الطريق الأول: بيعةُ أهل الحل والعقد، وبيَّنت الدراسة أنه الطريق الشرعي مع تسجيل أنَّ أهل الحل والعقد تختلف مواصفاتهم وفي الواقع المعاصر هم أقرب إلى أعضاء المجالس النيابية التي تختار بنزاهة حيث يمثِّل النوَّاب فيها فعلا مجتمعاتهم وينوبون عنها باستحقاق، الطريق الثاني: ولاية العهد وبينت الدراسة أنَّ هذا الطريق لا يحظى بالشرعية السياسية إلاَّ إذا كان بمشورة الأمَّة في تعيينه بما يجعل ولاية العهد مجرَّد اقتراح من الحاكم قد تمضيه الأمَّة وقد ترفضه. الثالث: ولاية الغلبة وبينت الدراسة أنه طريق لا يُحظى بأيِّ شرعية سياسيَّة بناء على ثوابت الكتاب وتطبيقات النبي - صلى الله عليه وسلم - وما تقتضيه مقاصد الشريعة ومبادئها.
*- الشرعية السياسية والأنظمة السياسية المعاصرة: عرضت الدراسة خصائص كلٍّ من النظام البرلماني والرئاسي ونظام حكومة الجمعية، وبيَّنت أنَّ كلا منها يمكن أن يحظى بالشرعية السياسية إذا كان نظامًا مقبولا من طرف المحكومين، وأنَّ الشريعة الإسلامية لم تحدِّد نظامًا معيَّنا بل اكتفت باشتراط الشورى أداءً والعدل مقصدًا. غير أنَّ أحسن الأنظمة السياسيَّة في رعاية الشرعية السياسية ـ في نظر الباحث ـ هو النظام البرلمانيُّ لما يُتيحه من رقابة شعبيَّة قويَّة على أعمال الحكومة.
*- مبطلات الشرعية السياسية: تبطُل الشرعية السياسية في المنظور الإسلامي لفقدان القوة لإدارة السلطة أو لفقدان الأمانة والعدالة، وعرضت الدراسة خلاف الفقهاء في عزل الحاكم لأجل الفسق، ورجَّحت وجوب عزله عند الإمكان. كما تبطُل الشرعية السياسية عند ارتكاب أخطاء لا تُغتفَر، ومردُّها إلى مخالفة القانون، ومخالفة المصلحة العامَّة، وفقدان حرية التصرُّف. (26/17)
صفحة 443
*- إصلاح الشرعية السياسية بالمظاهرات السلميَّة: ذهب بعض الفقهاء إلى تحريم المظاهرات السلميَّة لأنها خروج على الحاكم، وذلك لا يجوز ما دام الحاكم مسلمًا، واستدلوا بأدلة أبرزها الأحاديث المانعة للخروج على السلطان وكون المظاهرات تقليدًا للغرب الكافر، وقد بيَّنت الدراسة عدم صحَّة ذلك، بينما ذهب جمهور العلماء إلى جوازها، وبيَّن الباحث ثبوت أصل الجواز، وعرض ضوابطه. ولا يختلف حكم الاعتصامات والإضرابات والعصيان المدني عن المظاهرات فحكمُها الإباحةُ، وجوازُها مرهونٌ بالموازنة بين المصلحة والمفسدة الناتجة عنها.
*- الثورة الشعبيَّة المسلَّحة ضدَّ الحاكم غير الشرعيِّ: اختلف الفقهاء في حكم الثورة المسلحة ضدَّ الحاكم الفاقد للشرعية، وأثبتت الرسالة أنَّ جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين والفقهاء على مشروعيَّتها، وقد ترجَّح لدى الباحث أنَّ الثورة على الحاكم الجائر مشروعةٌ ابتداءً، وحكمُها يتقلَّب بين الوجوب والندب، ارتباطا بمدى رُجحان تحقيقها للمصلحة واختلاف محلّها بين الأفراد والأمَّة، وقد تحرُم إذا كان ضررُها متحقِّقا على الأمَّة بما يجعل مصالحها مرجوحة عند مقارنتها بالمفاسد.
*- الاستعانة بالمنظمات العسكرية الدولية لإصلاح الشرعية السياسية: بعد الرجوع إلى النصوص القرآنية التي تحدِّد علاقة المسلم بغيره من حيث الاستعانة به في الحروب وتحقيق الأمن، ودراسة تفصيلات الفقهاء في الاستعانة بالكافر، رجَّح الباحث عدم جواز الاستعانة بحلف الناتو، وأنَّ ذلك لا يجوز شرعًا إلاَّ في الحالات الاضطرارية على أن تكون مصلحتُه راجحةً على المفاسد التي قد تنشأ عنه، وذلك ما يفصل فيه الراسخون في العلم بالتعاون مع خبراء الأمن والسياسة.
- - - (26/18)
صفحة 444
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 06 شعبان 1434 هـ / 15 جوان 2013 م
إلى تاريخ: 14 شعبان 1435 هـ / 12 جوان 2014 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخ الميلاد ... المدينة
1 ... أولاد بُهون فاطمة الزهراء بنت إبراهيم بن لخضر ... 06 شعبان 1434هـ 15/ 6/2013م ... 1992 - 11 - 01 ... مليكة
2 ... سليمان بوعصبانة شرين بنت نور الدين بن الحاج ... 21 شعبان 1434هـ 30/ 6/2013م ... 1989 - 08 - 09 ... القرارة
3 ... عباس منير بن يحيى بن عمر ... 22 شعبان 1434هـ ... 1992 - 12 - 15 ... بريان ... 01/ 07/2013م
4 ... أولاد الحاج مسعود سعيد بن عيسى بن صالح ... 24 شعبان 1434هـ ... 1990 - 10 - 14 ... القرارة ... 03/ 07/2013م
5 ... أولاد باحماني بيُّوض بن إبراهيم بن صالح ... 02رمضان 1434هـ ... 1993 - 03 - 28 ... القرارة ... 11/ 07/2013م
6 ... ابن الشيخ عائشة بنت عبد الله بن إبراهيم ... 07رمضان 1434هـ ... 1985 - 10 - 31 ... القرارة ... 16/ 7/ 2013م
7 ... جاغاييتي حسن بن يحيى بن موسى ... 14 رمضان 1434هـ ... 1991 - 06 - 29 ... باماكو ... 23/ 07/2013م
8 ... جهلان بكير بن محمد بن سليمان ... 15 رمضان 1434هـ ... 1991 - 09 - 02 ... القرارة ... 24/ 07/2013م
9 ... مجاهد سليمة بنت نصر الدين بن محمد ... 22 رمضان 1434هـ ... 1995 - 02 - 07 ... القرارة ... 31/ 7/ 2013م
10 ... أولاد باحماني عائشة بنت أحمد بن بكير ... 23رمضان 1434هـ ... 1993 - 03 - 31 ... القرارة ... 01/ 08/2013م
11 ... موسلمال رستم بن الناصر بن بايوب ... 25 رمضان 1434هـ ... 1994 - 04 - 24 ... بريان ... 03/ 08/2013م
12 ... بوكراع زكرياء بن عمر بن بهون ... 26 رمضان 1434هـ ... 1993 - 03 - 07 ... بريان ... 04/ 08/2013م
13 ... أولاد داود سليمان بن عيسى بن سليمان ... 27 رمضان 1434هـ ... 1993 - 05 - 17 ... بريان ... 05/ 08/2013م
14 ... امحمدي فتيحة بنت عمر بن بكير ... 28رمضان 1434هـ ... 1993 - 10 - 16 ... القرارة ... 06/ 08/ 2013م
15 ... سليمان بوعصبانة محمد بن يحيى بن محمد ... 29 رمضان 1434هـ ... 1993 - 02 - 02 ... القرارة ... 07/ 08/2013م (27/1)
صفحة 445
16 ... عبد اللاوي خميرة بلال بن عمر بن إبراهيم ... 03 شوال 1434هـ ... 1993 - 07 - 04 ... القرارة ... 10/ 08/2013م
17 ... مجاهد يسين بن نور الدين بن بابا ... 06 شوال 1434هـ ... 1987 - 05 - 07 ... القرارة ... 13/ 08/2013م
18 ... أبي اسماعيل حجوجة محمد بن سعيد بن الحاج أحمد ... 13شوال 1434هـ ... 1991 - 06 - 20 ... القرارة ... 20/ 08/2013م
19 ... أبي سحابة محمد بن حمو بن محمد ... 14 شوال 1434هـ ... 1994 - 03 - 07 ... القرارة ... 21/ 08/2013م
20 ... بوراس الناصر بن حسين بن بامحمد ... 15شوال 1434هـ ... 1996 - 02 - 07 ... القرارة ... 22/ 08/2013م
21 ... خياط الحاج إبراهيم بن يحيى بن موسى ... 19شوال 1434هـ ... 1992 - 05 - 05 ... القرارة ... 26/ 08/2013م
22 ... بعاج عبد الكريم بن قاسم بن إبراهيم ... 21 شوال 1434هـ ... 1990 - 02 - 11 ... القرارة ... 28/ 08/2013م
23 ... ابن صالح عبد الرحمن بن الهاشمي بن محمد ... 21 شوال 1434هـ ... 1994 - 11 - 01 ... القرارة ... 28/ 08/2013م
24 ... تاجرونة إلياس بن اسماعيل بن يحيى ... 25 شوال 1434هـ ... 1993 - 01 - 29 ... غرداية ... 01/ 09/2013م
25 ... بامون عبد الرحمن بن الناصر بن الشيخ ... 28شوال 1434هـ ... 1983 - 12 - 22 ... مليكة ... 04/ 09/2013م
26 ... دبوز خالد بن الوليد بن إبراهيم ... 30 شوال 1434هـ ... 1993 - 03 - 06 ... بريان ... 06/ 09/2013م
27 ... خبزي حسين بن عمارة بن بكير ... 02 ذو القعدة 1434هـ ... 1996 - 08 - 28 ... بريان ... 08/ 09/2013م
28 ... تاوريرت جابر بن علي بن بكير ... 02 ذو القعدة 1434هـ ... 1995 - 02 - 20 ... القرارة ... 08/ 09/2013م
29 ... أولاد بابهون كريمة بنت بكير بن باحمد ... 12 ذو القعدة 1434هـ ... 1996 - 01 - 16 ... القرارة ... 18/ 9/ 2013م
30 ... ابن عمور نسيمة بنت بشير بن بكير ... 14 ذو القعدة 1434هـ ... 1995 - 08 - 09 ... القرارة ... 20/ 9/ 2013م
31 ... العنق الحاج عمر بن محمد بن بالحاج ... 21 ذو القعدة 1434هـ ... 1993 - 03 - 09 ... القرارة ... 27/ 09/2013م
32 ... أولاد باحماني زينب بنت أحمد بن بكير ... 24ذو القعدة 1434هـ ... 1993 - 06 - 27 ... القرارة ... 30/ 9/ 2013م (27/2)
صفحة 446
33 ... حريز الربيع بن مصطفى بن عبد الله ... 24ذو القعدة 1434هـ ... 1991 - 12 - 14 ... القرارة ... 30/ 09/2013م
34 ... قرَّاس منير بن عبد الله بن صالح ... 03 ذو الحجة 1434هـ ... 1991 - 05 - 13 ... بريان ... 08/ 10/2013م
35 ... حاجي ياسين بن مصطفى بن محمد ... 04 ذو الحجة 1434هـ ... 1989 - 06 - 09 ... القرارة ... 09/ 10/2013م
36 ... خياط سهيل بن عبد الحميد بن مسعود ... 08 ذو الحجة 1434هـ ... 1996 - 12 - 05 ... القرارة ... 13/ 10/2013م
37 ... سليمان بوعصبانة باية بنت عمر بن علي ... 08 ذو الحجة 1434هـ ... 1993 - 08 - 08 ... القرارة ... 13/ 10/ 2013م
38 ... رمضاني أحمد بن اسماعيل بن إبراهيم ... 15 ذو الحجة 1434هـ ... 1993 - 04 - 27 ... القرارة ... 20/ 10/2013م
39 ... أبو بكر الحاج إبراهيم بن مصطفى بن بابا ... 23ذو الحجة 1434هـ ... 1993 - 01 - 16 ... القرارة ... 28/ 10/2013م
40 ... أبو العلا بكير بن أحمد بن بكير ... 24ذو الحجة 1434هـ ... 1991 - 04 - 17 ... القرارة ... 29/ 10/2013م
41 ... محمدي زكية بنت عبد الهادي بن محمد ... 25 ذو الحجة 1434هـ ... 1986 - 06 - 05 ... القرارة ... 30/ 10/ 2013م
42 ... فخار حمو بن عيسى بن محمد ... 02 محرم 1435هـ ... 29 - 02 - 1994 ... غرداية ... 06/ 11/2013م
43 ... حمدي إبراهيم بن محمد بن صالح ... 05 محرم 1435هـ ... 1993 - 12 - 21 ... القرارة ... 09/ 11/2013م
44 ... تامجرت سفيان بن أحمد بن محمد ... 11 محرم 1435هـ ... 1992 - 08 - 23 ... القرارة ... 14/ 11/2013م
45 ... سكّوتي عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بابا ... 15 محرم 1435هـ ... 1996 - 06 - 19 ... مليكة ... 19/ 11/2013م
46 ... حمّودة فاطمة بنت حمو بن محمد (متزوجة) ... 18 محرم 1435هـ ... 1995 - 12 - 01 ... القرارة ... 22/ 11/ 2013م
47 ... باحماني الراعي إبراهيم بن عيسى بن قاسم ... 23 محرم 1435هـ ... 1994 - 05 - 14 ... القرارة ... 27/ 11/2013م
48 ... خرفي توفيق بن بكير بن أحمد ... 02 صفر 1435هـ ... 1997 - 05 - 01 ... القرارة ... 06/ 12/2013م
49 ... حمدي جابر بن إبراهيم بن أحمد ... 06 صفر 1435هـ ... 1992 - 01 - 06 ... القرارة ... 10/ 12/2013م
50 ... بوعبون رتيبة بنت عبد العزيز بن محمد ... 10 صفر 1435هـ ... 1992 - 10 - 05 ... القرارة ... 14/ 12/ 2013م (27/3)
صفحة 447
51 ... بهون علي محمد بن بهون بن باعلي ... 14 صفر 1435هـ ... 1991 - 05 - 27 ... القرارة ... 18/ 12/2013م
52 ... ابن عمور عائشة بنت الحاج بن بكير ... 15 صفر 1435هـ ... 1992 - 12 - 19 ... القرارة ... 19/ 12/ 2013م
53 ... كعبوش ناني بنت عبد الحميد بن عيسى ... 15صفر 1435هـ ... 1997 - 09 - 27 ... غرداية ... 19/ 12/ 2013م
54 ... بوسنان عمر بن سعيد بن باعيسى ... 21 صفر 1435هـ ... 1993 - 12 - 01 ... غرداية ... 25/ 12/2013م
55 ... ناصر مسعودة بنت إبراهيم بن يحيى ... 22 صفر 1435هـ ... 1996 - 03 - 17 ... القرارة ... 26/ 12/ 2013م
56 ... الحاج عيسى رقية بنت إبراهيم بن عبد العزيز ... 27 صفر 1435هـ ... 1993 - 09 - 26 ... القرارة ... 31/ 12/2013م
57 ... يوسفي الحاج بكير بن محمد بن الحاج بكير ... 27 صفر 1435هـ ... 1993 - 06 - 28 ... مليكة ... 31/ 12/2013م
58 ... موسلمال عبد السلام بن عيسى بن محمد ... 01ربيع الأول 1435هـ ... 1996 - 03 - 08 ... بريان ... 03/ 01/2014م
59 ... أبي سحابة زينب بنت إبراهيم بن حمو ... 02 ربيع الثاني 1435هـ ... 1996 - 08 - 28 ... القرارة ... 02/ 2/ 2014م
60 ... جهلان عبد العزيز بن قاسم بن بكير ... 06 ربيع الثاني 1435هـ ... 1994 - 06 - 09 ... القرارة ... 06/ 02/2014م
61 ... أبي سحابة سميرة بنت إبراهيم بن صالح ... 09 ربيع الثاني 1435هـ ... 1988 - 03 - 28 ... القرارة ... 09/ 2/ 2014م
62 ... كفوس ستّي بنت عمر بن بكير ... 10 ربيع الثاني1435هـ ... 1991 - 02 - 01 ... القرارة ... 10/ 2/ 2014م
63 ... بوقايلة رستم بن عمر بن أحمد ... 13 ربيع الثاني 1435هـ ... 1996 - 08 - 21 ... غرداية ... 13/ 02/2014م
64 ... أولاد حمادي خديجة بنت قاسم بن صالح ... 19 ربيع الثاني 1435هـ ... 1994 - 09 - 03 ... القرارة ... 19/ 2/ 2014م
65 ... الطالب يمينة بنت حمو بن الناصر ... 26 ربيع الثاني 1435هـ ... 1994 - 06 - 06 ... القرارة ... 26/ 2/ 2014م
66 ... ابن عمر أسماء بنت صالح بن عمر ... 27 ربيع الثاني 1435هـ ... 1992 - 09 - 04 ... القرارة ... 27/ 2/ 2014م
67 ... صُلاَّح عمر بن نور الدين بن سليمان ... 27 ربيع الثاني 1435هـ ... 1993 - 07 - 27 ... مليكة ... 27/ 02/2014م (27/4)
صفحة 448
68 ... اولاد دادة سارة بنت الناصر بن إبراهيم ... 28 ربيع الثاني 1435هـ ... 1994 - 06 - 14 ... القرارة ... 01/ 3/ 2014م
69 ... بلعيدي أسماء بنت محمد بن إبراهيم ... 08 جمادى الأولى 1435هـ ... 1994 - 02 - 10 ... القرارة ... 10/ 3/ 2014م
70 ... بافو حبيبة بنت إبراهيم بن محمد ... 09 جمادى الأولى 1435هـ ... 1993 - 05 - 10 ... القرارة ... 11/ 3/ 2014م
71 ... بريان دليلة بنت محمد بن الناصر ... 10 جمادى الأولى 1435هـ ... 1988 - 02 - 26 ... القرارة ... 12/ 3/ 2014م
72 ... أوجانة صبرينة بنت بكير بن أحمد ... 11 جمادى الأولى 1435هـ ... 1991 - 02 - 28 ... القرارة ... 13/ 3/ 2014م
73 ... أحمد مجوج سليمان بن بكير بن سليمان ... 13 جمادى الأولى 1435هـ ... 1994 - 08 - 26 ... القرارة ... 15/ 03/2014م
74 ... ويرو الحاج يحيى أسامة بن عيسى بن عمر ... 17 جمادى الأولى 1435هـ ... 1993 - 11 - 28 ... القرارة ... 19/ 03/2014م
75 ... ابن عمر أسماء بنت الحاج بن محمد ... 18 جمادى الأولى 1435هـ ... 1994 - 11 - 21 ... القرارة ... 20/ 3/ 2014م
76 ... الأطرش الربيع بن علي بن إبراهيم ... 20 جمادى الأولى1435هـ ... 1996 - 08 - 10 ... بريان ... 22/ 03/2014م
77 ... الحاج مسعود فخار محمد بن الحاج عيسى بن عبد الرحمن ... 24 جمادى الأولى 1435هـ ... 1997 - 10 - 11 ... مليكة ... 26/ 03/2014م
78 ... خرفي مريم بنت محمد بن البشير ... 04 جمادى الأولى 1435هـ ... 1989 - 09 - 08 ... القرارة ... 05/ 4/ 2014م
79 ... ويرو الحاج يحيى ليلى بنت عبد الرحمان بن صالح ... 08 جمادى الأولى 1435هـ ... 1991 - 12 - 25 ... القرارة ... 09/ 4/ 2014م
80 ... خياط وليد بن مسعود بن الحاج حمو ... 11 جمادى الأولى 1435هـ ... 1992 - 07 - 01 ... القرارة ... 11/ 04/2014م
81 ... كفُّوس زليخاء بنت سعيد بن أحمد ... 15 جمادى الأولى 1435هـ ... 1997 - 06 - 17 ... القرارة ... 16/ 4/ 2014م
82 ... ابن صالح عائشة بنت الناصر بن اسماعيل ... 19 جمادى الأولى 1435هـ ... 1991 - 03 - 10 ... القرارة ... 20/ 4/ 2014م
83 ... الأطرش يعقوب بن محمد بن الحاج إبراهيم ... 16 جمادى الأولى 1435هـ ... 1994 - 05 - 24 ... بريان ... 16/ 05/2014م (27/5)
صفحة 449
84 ... رمضاني أسماء بنت بكير بن محمد ... 25 جمادى الآخرة 1435هـ ... 1981 - 04 - 20 ... القرارة ... 25/ 5/ 2014م
85 ... الحاج مسعود نانة بنت صالح بن إبراهيم ... 26 جمادى الآخرة 1435هـ ... 1994 - 11 - 01 ... القرارة ... 26/ 5/ 2014م
86 ... باحماني عبد العزيز بن يحيى بن عمر ... 26 جمادى الآخرة 1435هـ ... 1991 - 10 - 15 ... مليكة ... 26/ 05/2014م
87 ... شريفي قاسم بن بكير بن الناصر ... 27 جمادى الآخرة 1435هـ ... 1995 - 01 - 09 ... القرارة ... 27/ 05/2014م
88 ... غول عبد المالك بن امحمد بن إبراهيم ... 28 جمادى الآخرة 1435هـ ... 1993 - 12 - 29 ... مليكة ... 28/ 05/2014م
89 ... ابن عيسى فتيحة بنت إسماعيل بن عيسى ... 29 جمادى الآخرة 1435هـ ... 1992 - 05 - 01 ... القرارة ... 29/ 5/ 2014م
90 ... خياط الحاج عمر بن محمد بن الحاج عمر ... 02 شعبان 1435هـ ... 1996 - 11 - 14 ... القرارة ... 31/ 05/2014م
91 ... ناصر يوسف بن سليمان بن الناصر ... 13 شعبان1435هـ ... 1992 - 11 - 03 ... القرارة ... 11/ 06/2014م
92 ... ابن صالح إدريس بن محمد بن سليمان ... 14 شعبان1435هـ ... 1992 - 11 - 19 ... القرارة
12/ 06/2014م (27/6)