صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
دورية فكرية محكَّمة يصدرها معهد الحياة
وجمعية التراث ــ القرارة، الجزائر (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 3
[صفحة بيضاء] (1/4)
صفحة 4
ابتداء من العدد 12
دورية الحياة
مجلة فكرية محكّمة
تصدر عن معهد الحياة وجمعية التراث
قواعد النشر:
*-تنشر دورية ”الحياة “ البحوث العلمية الأصيلة للباحثين من داخل القطر الجزائري ومن خارجه.
*-تهتمُّ الدورية بالبحوث والدراسات في شتَّى المجالات الفكرية والشرعية والأدبية والتراثية، شريطة أن تتميَّز بالأصالة والجدَّة، والعمق في الطرح، والأسلوب السليم، والمنهجية العلمية الدقيقة، مع الإحالة إلى المصادر والمراجع، والالتزام بالأمانة العلمية، والاعتدال في الفكر.
*-تنشر الدورية البحوث التي لم يُسبق نشرها في أيِّ مكان آخر.
*- تخضع جميع البحوث للتقويم من قِبل لجنة محكّمة، مكوَّنة من دكاترة وأساتذة يساعدهم خبراء من تخصُّصات معرفية مختلفة، وهذه اللجنة وحدها هي المخوَّلة بقبول البحوث أو رفضها.
*-لا تُعاد البحوث التي تُرسل إلى الدورية سواء نُشرت أم لم تُنشر، ولا تلتزم اللجنة المحكّمة بذكر أسباب عدم قبول نشر أي بحث، وتُعتبر قراراتها نهائية. (1/5)
صفحة 5
*-ترتيب البحوث في الدورية موضوعيٌّ وتنسيقي، ولا يعبِّر بأي حال من الأحوال عن مكانة الباحث أو البحث.
*-تُرسل البحوث مصفَّفة بنظام ( WORD) بصيغة ( DOC)، على قرص مضغوط ( CD) أو إلى البريد الإلكتروني للمجلة، مع كتابة اسم الباحث وذكر وظيفته الحالية، ورتبته العلمية. على أن لا يتجاوز عدد صفحات البحث 20 من مقاس A4 بحجم خط ( Taditional Arabic) 18، إلى العنوان البريدي:
دورية الحياة ــ جمعيةالتراث
ص، ب: 19 القرارة، غرداية، 47110، الجمهورية الجزائرية
أو أحد البريدين الإلكترونيين:
info@tourath.org ... ــــ ... ettourath@gmail.com
وللاتصال:
هاتف/ فاكس: 213.29.26.22.58+
www.tourath.org
ملاحظة:
*-ما تنشره الدورية لا يعبِّر إلاَّ عن الرأي الشخصي لصاحب البحث، ولا يعبِّر بالضرورة عن راي الدورية، أو اللجنة المحكمة، أو هيئة التحرير، أو الناشر.
المحتويات
الافتتاحيَّة ............................. أ. د/محمَّد بن قاسم ناصر بوحجَّام ز
في الدعوة ووحدة الأمَّة
*-سلوكُ الدَّاعية
فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم سعيد (كعباش) 15
*-الشيخ ناصر بن محمد المرموري ومنهجه في الدعوة
أ. د/ محمد بن صالح ناصر 21
*-أسلوبُ الاستدراج الدعوي (الجزء الثاني)
أ. د/ عمرو أحمد علي التندمِّيرتي 38 (1/6)
صفحة 6
ميزاب الحضارة والعمران
*-وادي ميزاب ... حضارةٌ تُصنع في صمت!
د/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج 60
*-تجَّار مزاب في دار السلطان
خلفيات الحضور الاقتصادي والنفوذ السياسي
د/ الحاج موسى بن بكير بن عمر 73
*-فنُّ العمارة الإسلاميَّة بوادي ميزاب جنوب الجزائر
ـــ دراسة في المكوِّنات الحضاريَّة والاجتماعيَّة ـــ
د/ يحيى بن بهون الحاج امحمَّد 87 (1/7)
صفحة 7
دراسات أدبية وشرعيَّة
*-اللغة العربيَّة ودورها في تنمية الذَّوق الأدبي (الحلقة الثانية)
أ. د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجَّام 166
*-دَور الإفتاء في التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة
«رسالة عمَّان» نموذجا (الجزء الثاني)
د/ علي بن مبارك 38
*-حكم التعامل بالأسهم في شركات المساهمة (دراسة فقهيَّة معاصرة)
أ/ أحمد بن صالح الشيخ أحمد 112
*-الدولة الدينيَّة والدولة المدنيَّة؛ إشكاليَّة المصطلح، والتأريخ، والنَّص
أ / بدر بن سالم بن حمدن العبري 166
شخصيَّات وأحداث من ذاكرة الأمَّة
*-الشيخ الناصر المرموري؛ سيرةٌ عطرة، ومسيرةٌ زاهرة
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 191
*-المقام الرابع من رسالة الشيخ بيُّوض إلى الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش
بشأن مشاركته في المجلس الجزائري، ومسألة الحماية الفرنسية على ميزاب
(الحلقة الثانية) أ/ محمد بن أحمد جهلان 201
تاريخ مُشرق مجيد
*-جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائرييِّن ــــ إباضيَّة ومالكيَّة ــــ
تعاونٌ وتكاملٌ وتسامح من أجل الحفاظ على الهويَّة الوطنيَّة
د/ صالح بن عبد الله أبو بكر 72 (1/8)
صفحة 8
*-الحضور الإباضي في مدينة «باتنة» وضواحيها،
منذ الدولة الرستمية حتى استرجاع الاستقلال الوطني
أ/ خيري الرَّزقي 263
*-صدى اللجنة البرلمانية الموفدة إلى الجزائر سنة 1937
في جريدة «الأمَّة» للشيخ إبراهيم أبي اليقظان
أ/ خيري الرَّزقي 263
*-موسوعة التُّراث الفلكي العُماني القديم
وأثر الكواكب والنجوم على النشاط الإنساني
د/ محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي 263
حدث تاريخي جليل
*-الشيخ محمد بن إبراهيم سعيد كعباش، وختمه تفسير آي البيان:
«نفحات الرحمن في رياض القرآن»
(هيئة التحرير) 279
خطبة العدد:
*- خطبة الأديب المغيَّب الدكتور عمرو خليفة النامي
في رثاء الإمام الشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر (- رحمه الله -) 305
واحة الإبداع
*-ذكرُك البلسمُ الشافي (شعر)
د/ محمد بن صالح ناصر 314
*-الرائد المغمور! (الشيخ المربي الأستاذ صالح بن إبراهيم باجو) (شعر)
أ/ مسعود بن محمد بن يحيى الجعدي 317
*-الحوار والتواصل وأثرهما في المجتمع المسلم
الطالب/ إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علواني 319 (1/9)
صفحة 9
الرسائل الجامعية
*-الفكر اللغوي في عُمان من خلال:
شرح مقاليد التصريف للشيخ المحقق الخليلي (دراسة وتحقيق)
(أطروحة دكتوراه) د/ محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي 321
*-الأسماء والأحكام عند الإباضيَّة
من خلال آراء الشيخ نورالدين السَّالمي (دراسة تأصيلية نقدية تطبيقية)
(أطروحة دكتوراه) د/ مصطفى بن محمد شريفي 331
أهلُ الله وخاصَّتُه
*-المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1435 ــــ 1436/ 2014 ــــ 2015) 344
دراسات بلغات أجنبية
*- Vue sur La Priere
L’emotionnel Et Le Rationnel Dans La Priere En Islam
Dr. Mohamed Aboulola 334
بسم الله الرحمن الرحيم
الافتتاحية
بقلم: أ. د/محمَّد بن قاسم ناصر بوحجَّام
كلية الآداب واللغات ــــ جامعة الحاج لخضر
باتنة ــ الجزائر
(رئيس جمعيَّة التراث)
ت
تُواصِل مجلَّة الحياة شقَّ طريقها بثباتٍ في مضمار نشر المعرفة، وبثِّ الوعي، وإكمال سبيلها في جمع الكتَّاب والمثقَّفين في مآدب علميَّة وأدبيَّة؛ تمنح لهم فُرص (1/10)
صفحة 10
التَّعبير والتَّحبير والتَّحرير .. في مختلف الموضوعات التي يريدون الكتابة فيها. فمنبرُها مفتوحٌ للكتَّاب من مختلِف التخصُّصات والاهتمامات .. ما تطلبه وترجوه: الجدَّةُ في الموضوعات، والجدِّيةُ في التناول، والعمقُ في المعالجة، والأصالةُ في العرض، والقوَّةُ في التحليل .. لتكون هذه المجلَّة انعكاسًا جيِّدًا وإيجابيًّا لشخصيَّة الكاتب المتمرِّس الواعي لرسالته الحضاريَّة، والوفيِّ لتوجُّهه العلميِّ، والملتزم بالكتابة الهادفة، والمتَّزن في تحريراته. يفيد القارئ، ويشدُّ بيد المتلقِّي، ويدفع بالبحث العلمي إلى التقدُّم، ويسهم في خدمة المجتمع؛ بما يقدِّمه من علم نافع مؤصَّل مؤسَّس على قواعد المنهجيَّة السَّليمة، وأسُس العلم الصَّحيح.
يبرُز العددُ التَّاسع عشر بموضوعات مختلفة، وأساليب متنوِّعة، وأطروحاتٍ عديدة، وإشكالاتٍ متعدِّدة .. ما يعدُّ تطوُّرًا في النشر في مجلَّة الحياة، إلاَّ أنَّها تطلب مزيدًا من التطوير والتنويع فيما تتلقَّاه من مقالات ودراسات .. هي تنتظر أقلامًا تكتب باللُّغات الأجنبيَّة؛ ليتَّسع نطاقُ انتشارها، ويتنوَّع قرَّاؤُها، وتزداد قوَّة تأثيرها في السَّاحات العلميَّة والباحات الفكريَّة .. (1/11)
صفحة 11
جاءت موضوعاتُ العدد موزَّعة بين عرض حياة شخصيَّات علميَّة ودعويَّة فاعلة في الميدان، تركت آثارًا إيجابيَّةً في المجالات التي كانت تتحرَّك فيها، وخلَّفت بعدها مأثوراتٍ، أفاد منها ويفيد الأخلافُ والأجيالُ المتعاقبة. ثمَّ قضايا تخصُّ مجالات التَّعليم والتربية والإرشاد والتوجيه والتكوين ... ومسائل تتعلَّق بالتاريخ والحضارة والعمران والثقافة بعامَّة، والإسلاميَّة بخاصَّة .. تُعْنَى بالجوانب الفقهيَّة والسِّياسة الشرعيَّة وغيرهما .. والدِّراسات الأدبيَّة واللُّغويَّة والاجتماعيَّة، مع لمحات نفسيَّة، وإشارات إلى عنصر العلاقات التي تكون بين الأفراد. وقد تُنووِلَتْ بطرقٍ منهجيَّة علميَّة مقبولة.
هذه الموضوعاتُ تصبُّ كلُّها في خانة تنظيم شؤون الحياة، وتَبْيِين طُرق البناء والتوجيه، والتثقيف والتوعية .. التي هي معارك يجب أن تُخاض وتُقتَحم بالعلم والمعرفة، وبدراية وكفاية وعناية .. وفيما قُدِّم ونشر في هذا العدد نماذج معرفيَّة، اجتهدت في تحقيق المسعى، وبلوغ المبتغى.
هذه العروض، وهذه الموضوعات تخلص بنا إلى أنَّ العمل التأسيسيَّ، والعمليَّة التنشيئيَّة يتطلَّبان معرفة قواعد البناء الحضاري، التي نذكر منها ما يأتي:
أولاً ـ العلمُ الصَّحيح؛ الذي هو الأساس الأوَّل في هذا البناء، وهو للإسلام الدّعامة الأولى، وهو مطلبُ كلِّ زمان ومكان، وواجبٌ على كلِّ فرد، في كلِّ وقت وفي كلِّ مراحل عمره. في هذا يقول المرحوم الشَّيخ عبد الرَّحمن بن عمر بكلِّي: من كان أعلم كان أغنم، ومن كان أفهم كان أسلم. وتبعًا لهذا يجب الاهتمام بالتَّعليم، الذي هو عمليَّة إعداد الفرد ليخوض معترك الحياة بقوَّة وثقة في النَّفس.
يجب الاعتناء بتوفير أسباب نشره وتعميمه على كلِّ طبقات المجتمع، وتطويره بما يستجيب لمستجِّدَّات كلِّ زمان، ويلبِّي حاجات كلِّ ميدان، وينسجم مع المبادئ والأصول والأركان، ويحقِّق التَّواصل مع مكوِّنات العصر الذي يوجد فيه الإنسان. بهذه المواصفات ينجح القائمون على مراكز التربيّة والتعليم ـ بكلِّ أشكالها ـ في النجاح بالعلم في بلوغ الأهداف المنشودة. (1/12)
صفحة 12
ثانيًا ـ النِّظام المحكم في كلِّ الشُّؤُون والأمور، وفي جميع الأصعدة والمستويات، وفي كلِّ أنواع العلاقات والتحرُّكات. ففي النظام حياة، وفيه الفوز والنَّجاح والظَّفر بالمطلوب والغايات. قال «أحمد شوقي» عن الأوروبيِّين:
وَمَا فَازُوا بمُعْجِزَةٍ عَلَيْنَا وَلَكِنْ في أُمُورِهِمُ نِظَامُ
إنَّ إسلامنا قبل كلِّ شيءٍ نظامٌ محكم، فلنأخذ منه قواعد العمل، ولنطبِّقها أحسن تطبيق لننجح ونفوز ونفلح، قبل أن نأخذ من غيرنا ما ننظِّم به حياتنا وشؤوننا وعلاقاتنا وحياتنا بعامَّة .. أضيف قائلاً:
يَعيشُ المَرءُ أصْلا ًبِالنِّظامِ ... يَشُقُّ بِهِ الطُّرْقَ في قَوام
فَيَهدِيهِ السَّدِيدَ مِنَ الفِعَالِ ... فَيمْضي مُستَريحًا في انْسِجَام
ويُعْطِيهِ السَّلامَةَ في المَسِيرِ ... وَفي كُلِّ قُعودٍ أَوْ قِيام
ثالثًا ـ حسنُ التَّخطيط: هذا التَّخطيط ينطلق من منظومة فكريَّة، تتضمَّن مضمونًا يعكس مذهبًا فكريًّا معيَّنًا، ومبادئَ محدَّدة في العمل، وأصولاً مقنَّنة في النَّشاط .. توجِّه المشروعات المقترحة بكلِّ وضوح ودراية .. هذا المنهج في التَّخطيط يساعد على ضبطِ المسار، والتركيز على ما هو مطلوب، وتحديد الأولويَّات، ويرشد إلى الطُّرق الصحيحة والسَّريعة في التنفيذ، ويهدي إلى الأقوم من الأعمال .. ويقتصد في الجهد، ويعطي فرصة الرؤية الشَّاملة في شؤون الحياة.
رابعًا ـ حُبُّ الجمال والتعامل مع الأشياء بمنظور الجمال، أو من منطلق الجمال، أو من مفهوم الجمال .. فإذا كان الجمالُ هو عملٌ مُتقن، فإنَّ الذي يؤمن بهذا ويعيه حقَّ الوعي سيحرص على توفير الإتقان في كلِّ ما يأتيه؛ قولاً أو فعلاً. يُتقن تطبيق دينه؛ لأنَّ الجمال يطلب ذلك. يُحسن في أخلاقه؛ لأنَّ الجمال يقتضي ذلك، علاقاته مع غيره تكون جيِّدة طيَّبة، لأنَّ الجمال يدفعه إلى ذلك، يحبُّ الخير لغيره، ويكره إيذاءَه أو الإضرار به؛ لأنَّ الجمال يحثُّه على ذلك، يمتنع عن التقصير في أداء الواجبات، ويكفُّ عن اقتراف الرَّذائل والموبقات وإتيان المنكرات؛ لأنَّ الجمال لا يرضى بذلك. هكذا فإنَّ حُبَّ الفردِ الجمالَ وجعلَه قاعدة ينطلق منها في التَّحرُّك والقول يسهم في البناء الحضاري للكيان والأركان والإنسان. (1/13)
صفحة 13
خامسًا ـ التَّحلِّي بالذَّوق السَّليم: حُبُّ الجمال وتملِّيه والانطباع به .. كلُّ ذلك يكوِّن في الإنسان حاسَّةً ذوقيَّة مرهفة، تتجاوب مع المناظر الجميلة، وتعجب بالمشاهد الرَّائعة، وتُشدُّ إلى المواقف النبيلة .. وتنفر من المناظر القبيحة، وتهرب من المشاهد السَّمجة، وتكره المواقف المخزية.
هذه الطبيعة في الإنسان السويِّ تجعل منه فردًا صالحًا يتقدَّم إلى مواطن الصَّلاح والبناء والتشييد والبدار .. ويبتعد عن مواقع الفساد والهدم والدَّمار والخسار. دليلُه في التفريق بين الصلاح والفساد، وبين الطيِّب والخبيث، وبين البناء والهدم، وبين المفيد وغير المفيد ... دليلُه في كلِّ هذا هو ذوقه السليم، الذي يمنحه إحساسًا مرهفًا، يدرك به الفروق بين كلِّ ما ذكرنا .. وبذلك يضيف قاعدة أخرى في قواعد البناء الحضاري.
هذه بعض القواعد التي تسهم في البناء الحضاري، وليست كلُّها. وما أحوجنا إلى أن نقيم بنياننا في كلِّ المجالات والميادين على قواعد وأسس وأصول؛ حتَّى نتمكَّن من إيجاد السُّبل الكفيلة بالوصول إلى أهدافنا ومقاصدنا من التنشئة والتربية والإعداد والبناء .. بقوَّة وبسرعة .. ونتوفَّر على أسباب اكتساب مهارات لتحدِّي ما يعترض سبيلنا في تنفيذ مخطَّطاتنا ومشروعاتنا .. فالعصرُ عصر العلم الصَّحيح، والتخطيط المحكم، والمنهجيَّة السَّليمة، والنَّظرة الشَّاملة، والتَّفكير الحضاريِّ، والفكر المتَّزن الأصيل ..
في الموضوعات المنشورة في هذا العدد كثيرٌ ممَّا تحمله هذه الوصفة التي قدَّمناها، فما على القرَّاء إلاَّ أن يقرؤوا بتركيزٍ، وينظروا بعمق، ويفهموا بتأنٍّ، وينقدوا بموضوعيَّة، ويشاركوا في الكتابة بقوَّة ... والله الهادي للصَّواب، هو نعم المولى ونعم النَّصير.
الجزائر العاصمة
الاثنين13شعبان 1436هـ/ 01جوان 2015م (1/14)
صفحة 14
سلوكُ الدَّاعية (*)
الشيخ العلاَّمة:
محمد بن إبراهيم سعيد (الشيخ كعباش)
رئيس «حلقة عزابة» العطف ـ غرداية ـ الجزائر
ي
(1) يقول الداعية الحكيم «محمَّد فتح الله كولن» في كتابه القيِّم «الموازين» تحت عنوان «رجل الدعوة»: «ليس بالضرورة لرجل الدعوة أن يكون على الدوام من القادة»، ويقول: «سلوكُ رجل الدعوة ثابتٌ لا يتغيَّر سواء أكان منتصرًا أو مغلوبًا» (2).
إذا كان الميزانُ من خصائص الصُّنع في القدرة الإلهيَّة كما تدلُّ عليه النصوص القرآنيَّة في قوله تعالى {وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} (3)
ويقول في شأن الأرض وتهيئَتها للحياة {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} (4) وذلك عن عالم الشهادة، ويقول عن عالم الغيب {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} (5) فالميزانُ هو
__________
(1) (*) - قبل فترة وجيزة من إتمام العمل في إخراج هذا العدد، أرسلنا إلى فضيلة شيخنا الجليل محمد بن إبراهيم سعيد كعباش طلبًا لتشريف هذا العدد من «الحياة» بكلمةٍبمناسبة الحدث التاريخي العظيم الذي شهدناه هذه السنة، وهو ختمُه المباركُ تفسيرَ القرآن الكريم بعد رحلة أربعين سنة من الرَّوح والريحان، ومن «نفحات الرحمن، في رياض القرآن». وبالرغم من وعكةٍ صحِّية ألَمَّت به حينذاك .. وبالرغم من ثِقَل السنين السِّتِّ بعد الثمانين، ورعشةِ اليَدَينِالمُتعبَتين .. فإنَّ الشيخ أبى إلاَّ أن يلبِّيَ طلبنا، مُوشِّحا هذا العدد بكلماتٍ طيباتٍ؛ وفاءً لمعهد الحياة، ومجلته المباركة، وتقديرًا ومحبَّة لقرَّائها الأوفياء. وستجد ـ أيها القارئ العزيز ـ في آخر المقال صورة الرسالة التي خطَّها الشيخ بيده المرتعشة، وثيقةً شاهدةً على حرصِه وصبره وإخلاصه، جزاه الله عنا وعن الأمَّة خيرًا. (رئيس التحرير).
(2) ـ محمد فتح الله كولن: الموازين أو أضواء على الطريق، تر/ أورخان محمد علي، دار النيل، 2012، ص: 203.
(3) - سورة الرحمن: الآية 07
(4) - سورة الحجر: الآية 19
(5) - سورة الأنبياء: الآية 47 (1/15)
صفحة 15
الأساسُ المتينُ الثابت في عمليَّة الخلق يرتكز عليه البناء الوجودي في كلٍّ من عالمي الغيب والشهادة، ولذا كانت الدعوةُ إلى الله هي في مقصدها الأعلى تجميعُ الخلق وتثبيتُهم في نشاط حياتهم حول محور ذلك الميزان، مصداقًا لقوله تعالى {لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (1).ولمَّا كانت مهمَّة الدعاة إلى الله من مهمَّة الرسل في التعليم والإرشاد والتوجيه، وكان لذلك ميزانه العدل عند الله بما أنزله من الوحي، وما شرعه من الأحكام، كانت الصِّفةُ الأساسيَّة للداعية في القيام بواجبه الدعويِّ في نظر الداعية المحنَّك الناجح «فتح الله كولن» هي الثباتُ في سلوكه، وذلك لأنَّ للدعوة الحقَّة ميزانها القويم العادل لتقييم الأوضاع، والتمييز بين الشرِّ والخير، وبين الحق والباطل، ولأنَّ واقع الحياة وسنَّة الابتلاء فيها هو مِمَّا يقتضيه التكليف الربَّاني لهذا الإنسان، كلُّ ذلك يُفرز مزيجًا من التناقضات، وحجمًا كبيرًا من التراكمات الملوِّثة لفطرة الإنسان، فتلتبس به الأحوالُ وتتنازعُه الأهواء، فلا يكاد يأنَسُ رشدُه إلاَّ بأن يُسَخِّر الله من يأخذ بيده من أولئك الدعاة إلى الله، ممَّن يمتازون بالتوازن في تفكيرهم، والثباتِ في سلوكِهم، بحيث يمتلكون المرجعيَّة الرَّاسخة الثابتة لأقوالهم، عندما تتهافتُ الأصواتُ، وتتعدَّد المشاربُ، وتتزاحم التوجُّهات.
والثباتُ قيمةٌ خُلقيَّة لا تتوفَّر لإنسانٍفي طبيعة سلوكه، إلاَّ إذا كان يستند إلى أصولٍ ثابتةٍ هي الأخرى في مجال المعتَقد الصحيح، الذي يجسِّده سُلوكٌ قويمٌ لا تُناوِئُه النزعاتُ الجسديَّةُ الشهوانيَّة، ولا تُغالِبُه الرَّغباتُ النفعيَّة الآنيَّة.
ولمَّا كان الداعيةُ إلى الله في مقام النبوَّة لمن يدعوهم، كان لزامًا عليه أن يتحصَّن بخلُق الثبات مهما تغيَّرت الأوضاع، ومهما طوَّحت بالخلائق الرغبات والأطماع. ألم تر كيف أشاد الله بهذه الصفة الخلقيَّة في القرآن الكريم، وجعلها سبيلاً إلى النجاح الدنيويِّ والأخروي، فقال عزَّ من قائل في تحقيق النجاح الدنيويّ
__________
(1) - سورة الحديد: الآية 25. (1/16)
صفحة 16
ويقول في تحقيق السعادة الأبديَّة: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1). ويقول في تحقيق السعادة الأبدية: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ} (2) والرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - - رضي الله عنها - المحتويات سدد خطاكم - رضي الله عنها - - رضي الله عنها - - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنها - - رضي الله عنهم - - صلى الله عليه وسلم - تمهيد - رضي الله عنه - - رضي الله عنها - - رضي الله عنهما - ـ وهو النموذج الأعلى للدعاة إلى الله ـ كان يدعو ربَّه بأن يمنحه هذا الخلق، وهو يخوض كفاحه المرير لإعلاء كلمة الله وتبليغ رسالته، فيقول: «اللًّهمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينِك».
وقد اهتديتُ ـ بتوفيقٍ من الله ـ في تجربتي المتواضعة من الدعوة إلى الله، وذلك عند انطلاقتي الأولى على منبر المسجد العتيق «بالعطف»،في دروس الوعظ والإرشاد، وكدتُ أفشَلُ وأتخلَّى عن تلك المسؤوليَّة، عندما كان المصلُّون ينفضُّون من حولي ويتسلَّلون لِوَاذًا، حتَّى أجدُ عرصاتِ المسجدِ أكثر من الحاضرين أمامي! فأشعُر بالإحباط والخيبة، ولا أقوى ـ أحيانًا ـ على إعادة الفكرة. ولكن عندما أُحكِّم ضميري فألتمس مقام العبرة من حياة رسول الله وأنا أتلو قوله تعالى {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً اَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا} (3) ثم أعظُ نفسي وأقول: يا هذا المتردِّدُ الغاضب، أأنتَ خيرٌ من رسول الله في دعوتِه ونُصحِه وإرشادِه ... ؟ أم تريد النصر والنجاح بدون تَعَبٍ ولا كفاح؟ وما استطعتُ أن أواصل المشوارَ على ذلك المسلكِ الوعر إلاَّ عندما وفَّرتُ لسعييَ الدؤوبِ عُنصر الثبات والاستمرار، وذلك عندما ألغيتُ من حُسباني واعتباري لأيِّ وجودٍ للخلق بيني وبين الله في ما أقوم به من أعمال البرِّ والقربات، فلم أُبَالِ بهم إن غابوا أو حضروا، وإن مَدَحُوا أو قَدَحُوا، وبذلك توفَّر لي ـ بعون الله ـ عنصُر الثبات في عملي، ما كان سببًا رئيسيًّا في نجاحيَ المتواضع. والله وليُّ التوفيق.
العطف يوم 08 شعبان 1436
26 ماي 2015
__________
(1) - سورة الأنفال: الآية 45.
(2) - سورة إبراهيم: الآية 25.
(3) - سورة الجمعة: الآية 11. (1/17)
صفحة 17
الشيخ ناصر بن محمد المرموري
ومنهجه في الدعوة
أ. د: محمد بن صالح ناصر
مؤلف وباحث متفرغ ــــ الجزائر (1/21)
صفحة 18
ا
الصورة الحقيقيَّة للشيخ ناصر بن محمَّد بن الحاج عمر المرموري هو أنَّه عالم داعية، أفنى سبعين سنة من حياته التي قاربت التسعين في رحاب الله جهادًا للدعوة إلى الله؛ وعظاً وإرشادًا وتعليماً، ولم يكد يعرف أيَّ مجال من مجالات الحياة الأخرى مثل الفلاحة أوالتجارة أو الصناعة، أو أيَّة مهنة يدويَّة أخرى، مثلما نجد ذلك عند أغلب مشايخنا وعلمائنا، فإنَّنا نجد أغلبهم أو جلهم يجمعون إلى مهنة التعليم الفلاحةَ أو التجارة أوالصناعة البسيطة اليدوية، حتى قيل إنَّ ذلك من متطلبات عضو «حلقة العزَّابة»، ليبتعد عن التطلُّع إلى ما في أيدي الناس.
ولكن الشَّيخ ناصر، وكأنَّ الله قد اختاره فوفَّقه ليخلص وقته، ونفسه، وأمره إلى الدعوة إلى الله، غير مهتم أو ملتفت إلى أمر آخر من أمور الدنيا الملهية، وكأنه لم يعرف الانشغال بأمر آخر إلا بها.
وكانت بداياته الحقيقية في هذه السبيل يوم دخلها من بوابة التعليم بمعهد الحياة سنة (1947)، بعد أن أنهى دراسته الابتدائية والثانوية بمدرسة الحياة ومعهد الحياة (الشباب سابقا)، تلقَّى العلم إبانها عن أساتذة أكفاء مثل: الأستاذ بسيس قاسم، وعلي بن صالح واعلي، ثم الشيخ علي يحي معمَّر، وأدَّاود إبراهيم، وبيُّوض بكير، وعلى رأسهم جميعا الشيخ بيُّوض والشيخ عدُّون، كما تلقَّى العلم في شؤون الحياة الأخرى ولاسيما الوطنية والسياسية عن الشيخ أبياليقظان، الذي ارتبط به ارتباط التلقِّي والبنوَّة، ولاسيما بعد مرض الشيخ أبي اليقظان سنة 1957م، فكانت زيارته له أسبوعية تذكر في الرسائل بلقاء الجمعة، وفي هذه المرحلة أي مرحلة التلقي لم يعرف الشيخ ناصر غير القرارة موطنَا و مربَعا، ولم يعرف غير مشايخها أساتذة وشيوخا، مما جعله يحتكُّ منذ بدايات حياته التعليمية والوعظيَّة بشرائح المجتمع القراريّْ كباره وصغاره رجاله ونسائه، (1/38)
صفحة 19
وكان مُضطَرَبَه في هذا المحيط من أقدم وأقوى الأسُس التي وجَّهته إلى هذه الوجهة الاجتماعية البسيطة (إن جاز التعبير).
ولا نكاد نصل بداية الخمسينيات حتى يبدأ بزوغ نجم الشيخ الناصر في ميدان الوعظ والإرشاد؛ شابًّا نشيطًا تقيًّا، وفيًّا للمدرسة الإصلاحيَّة التي أنجبته وأهَّلته، فكان حضورُه الدائم في حفلات الأعراس والأفراح والمناسبات الدينية وكذا في مشاهد المآتم والجنائز وغيرها التي لفتت الأنظار إليه؛ لتميُّزه عن غيره بأسلوبه البسيط وشخصيته المتواضعة التي جمعت حوله العامَّة رجالا ونساء. وما فتئ أن فتح تحت توجيهات شيخه بيوُّض دار العلاَّمة الشيخ بلحاج غير بعيد عن مسكن الشيخ بيُّوض نفسه؛ إحياءً لهذه الدار العريقة في العلم والدين، ولفتًا لنظر الناس إلى مدرسة كادت تُنسى في خضمِّ الزخم الذي عرفته النهضة الإصلاحية بمنهج جديد يتجلَّى في مدارسها ومعهد شبابها، ويتطلَّع إلى نهضة علميَّة قويَّة حديثة تجمع بين الأصالة والتفتُّح.
فكانت دروس الشيخ الناصر للعامَّة، ولاسيما لفئة النساء، منبرًا مُكمِّلا لمنبر الشَّيخ بيُّوض في المسجد الكبير، بل إنَّ دروس الشَّيخ الناصر اشتهرت وعُرفت بأنها لا تبدأ إلاَّ بعد أن يفرغ الناس من دروس الشيخ، ولاسيما بعد صلاة العشاء. وكان للشيخ الناصر جمهورُه الخاص من الجنسين، ولاسيما من كبار السن رجالا ونساء, ممن كانوا يجدون في دروسه مبتغاهم من الرقائق وتزكية الأنفس، والتوجُّه إلى الدار الأخرى بعيدًا عن صخب الحياة الدنيا، فكانوا يرتاحون إلى إنهاء بياض نهارهم في رحاب تلك الجلسات الروحية المفعمة بالوعظ والإرشاد.
وكنا نحن طلبة في معهد الحياة نرى إقبال الرجال والنساء المسنِّين على دار الشيخ بلحاج لسماع مواعظ الشيخ الناصر التي يأسر بها قلوبهم، ويستحوذ على مشاعرهم، وهو لا يجمعهم في حلقاته بموضوعاته ومعالجاته وحسب بل يلتقون حوله لحبهم الكبير لشخصه وإعجابهم بتواضعه، وثقتهم في ورعه وتقواه، واستئناسهم المريح إلى طريقته وأسلوبه الذي يجمع بين البساطة والاسترسال بلهجة يفهمونها، وشرح مستبين يوضِّح المسائل الفقهية المعقَّدة أمامهم، ولاسيما ما تعلق منها بفقه النساء.
وأحسب أنَّ هذه المكانة الدينية الاجتماعية التي تفوَّق فيها، واشتهر بها إنما جاءت انعكاسًا لتلك الدروس الوعظيَّة ذات الطابع الرقائقي التي تجعل المؤمن يتذكر (1/39)
صفحة 20
آخرته وينصرف إليها بعيدًا عن مرغِّبات الشيطانووساوسه التي تجذب الناس في الغالب الأعم مبهورين بمفاتن الدنيا وبهارجها المُغرية.
ولا نكاد نصل سنة 1954م حتى يبزغ هلال الشيخ الناصر لا في القرارة وحدها بل يمتدُّ صدى دروسه ليصل إلى بعض قرى وادي ميزاب، ولاسيما غرداية التي تربط أمُّه بعائلاتها بصلة القربى والنسب، وإليه يعود الفضل في التقرُّب من الوجدان النسوي، بأسلوبه المحبَّب وطريقة إلقائه المفضَّلة، فكان نتيجة ذلك أن قضى على كثير من العادات والتقاليد البدعية التي كانت تحسب من الدين، وهي ليست منه في شيء.
وما فتئ الشيخ الناصر أن أضاف إلى رصيده في الوعظ والإرشاد مجالا كان قد بدأه منذ أن أصبح أستاذًا بمعهد الحياة؛ وذلك بمشاركاته الحيوية في مناسبات الأعياد والأعراس، بقصائده وأناشيده الإسلامية وكلماته الطيِّبة، وقد تفوَّق الشيخ ناصر في الأناشيد الوطنية الإصلاحية التي كان مُبدعا في اختيار كلماتها وألحانها الشجية، وكان الجمهور يتفاعل تفاعلا إيجابيا واسعًا مع معانيها الإسلاميَّة الأصيلة وألحانها الشرقية العذبة. ومن المعلوم أنَّ الشيخ ناصر يتمتَّع بصوت شجيٍّ يسمح له بأداء أناشيده بصوته ونبراته. والواقع أنَّ الشيخ ناصر كان هلالا ساطعا في هذه المجالات الاحتفالية مما رشَّحه لحضور حفلات المولد النبوي حتى خارج القرارة؛ ففي رسالة كتبها السيد عيسى أبواليقظان لوالده الشيخ بتاريخ03فيفري 1954م، نوَّه بحضور الشيخ ناصر حفل المولد بالعاصمة الجزائر، فقد أضفى على الحفل جوًّا مُشرقا، يقول السيد عيسى ما يلي:
«وقد مرَّ حفلُ المولد عندنا في المركز في أحسن ما يكون، وقد زاده بهجة وجلالا خطابُ الأستاذ الناصر المرموري الذي أخذ بمجامع القلوب بحسن حديثه، وتقواه، وتوسعه العلمي (حفظه الله)».
وقد تفطَّن مشايخنا إلى هذه الخاصية التي تميَّز بها الشيخ ناصر عن أقرانه الآخرين، فرشَّحه الميدان العلمي والعملي، وتزكية الشيخ بيُّوض له ليكون نائبه في منبر المسجد، ولاسيما بعد مرض الشيخ أبى اليقظان، ولا نكاد نصل سنة 1979م حتى ينفرد بخلافة الشيخ بيُّوض في منبر المسجد الكبير بالقرارة؛ ذلك المنبر الذي لا يترشح له إلاَّ من أوتي بسطة في العلم وترشيحًا جماهيريا يجعل العامَّة من الناس تطمئنُّ إليه وتقبل على دروسه. (1/40)
صفحة 21
وأحسب أنَّ سلوك الشيخ ناصر القويم، وتمسُّكه الشديد بالدين، والتزامه السديد بمظاهره فعلا وتركا، وقبل هذا وذاك محبَّة الناس له وإقبالُهم على دروسه ولاسيما العامَّة منها كل هذه المؤهلات رشحته لهذه المهمَّة العظيمة التي نجح فيها ووُفق بفضل الله وعنايته، وقلما أُسنِدت هذه المهمَّة لكهل أو لشابٍّ في ظل الصِّيت الذائع الذي كان يرنُّ صداه في محراب مسجد القرارة من دروس الشيخ بيُّوض، الذي كان الفارس المجلَّى في منبر المسجد العتيق كما هو معلوم.
وما لبث - بعد وفاة الشيخ بيُّوض سنة 1981م - أن تفرَّد بهذا المنبر الذي لم ينافسه فيه سوى قلة قليلة من المشايخ الكهول الآخرين من أمثال الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج، والشيخ بكير بن محمد الشيخ بالحاج باشعادل، والشيخ محمَّد بيُّوض بن إبراهيم بيُّوض، والشيخ محمد بن الحاج عيسى فخَّار، ومن جاء بعد ذلك من دعاة شباب. وقد تميَّز كلُّ واحد من هؤلاء بطريقته وأسلوبه وجمهوره أيضًا. وهم قلَّما جمعوا ما جمعه الشيخ الناصر من رضى العامَّة، ولاسيما الجنس اللطيف، من النساء اللائي كن يُفضِّلن منهجه وطريقته المبسَّطة، واقترابه من أفكارهن واختيارهن، وقد ساعدته خبرته واحتكاكه بمشاكلهن مدَّة طويلة فكنَّ يُقبلن على دروسه وفتاواه، ويفضِّلن الاستماع إليه دون غيره؛ فكنَّ يقصدنه في بيته بطريقة مباشرة أو بواسطة (تمسيريدين)، وكنتُ كثيرًا ما سمعتُ إحداهُنَّ وهي أمِّي من الرضاعة المرحومة «عائشة بنت الحاج عمر بن يحي» تُعبِّر لي عن رضاها عن الشيخ الناصر، وتُبدي إعجابها الشديد بورعه وفقهه وأسلوبه.
ومع مرور الوقت أخذ صيتُ الشيخ ناصر يتَّسع إلى بلدان وقرى أخرى مثل ورقلة وتقُّرت، وباتنة، وقسنطينة، والجزائر العاصمة، ووهران وغيرها. هذا إضافة إلى قرى وادي ميزاب. وقد تكرَّرت سفريات الشيخ ناصر إلى قرى وادي ميزاب فأطال الإقامة بها ولاسيما غرداية، والعطف، وبنورة، ومليكة، وأخذ بذلك يَكثُر تغيُّبه عن مسجد القرارة إلاَّ في المناسبات؛ مثل شهر رمضان الذي كان يلتزم بحضوره إن لم يكن غائبا في عمرة.
وأحسب أنَّ من أهمِّ العوامل التي ساندت الشيخ ناصر في دعوته فجمعت هذا الجمهور العريض من حوله سفرياتُه المتكرِّرة إلى البقاع المقدَّسة حجًّا وعمرة؛ حتى قيل إنها تجاوزت الأربعين، وقد ظلَّ وفيا لتلك الرحلات، واستعصى على المسؤولين على (1/41)
صفحة 22
تلك الرحلات أن يجدوا له بديلا، وكان الجمهور يتحلَّقون حوله في شغف في سطح دار المدينة المنورة أو في أبهاء دار مكة وغُرفها، كما كانوا يتابعون خطبه، وإرشاداته، وتوجيهاته في رحاب منى وعرفات.
كما كانوا يتابعون خطواته المتأنية عبر المزارات الشريفة من المدينة في جبل أحُد، ومسجد قُباء، وآثار غزوة الخندق وغيرها، حيث ترى الجموع من الجنسين يستمعون إليه باهتمام شديد، وإنصات واع مأخوذين بنبرته الهادئة واسترساله المحبَّب وهو يسرد الوقائع التاريخية والمشاهد الجهادية من سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، تسعفه ذاكرة قوية إذ يغوص في التفاصيل والجزئيات المفعمة بالإيمان والبطولة.
والذي حبَّب الشيخ ناصر إلى الجمهور هو تواضُعه الجمُّ، وصبرُه الواسع، وحسنُ إصغائه وتعامله مع كل التيارات والأفكار التي تضمها دار الإباضية بالمدينة أو بمكة أو يجمع بينها خيمة منى أو عرفات. وكثيرًا ما كان فيصلاً وحكما بين ما ينشب بينهم من هذه الخلافات المعروفة.
وظلَّ الشيخ ناصر وفيًّا مخلصا للعمل الدعوي وعظا، وإرشادا، وتعليما إلى أن سقط الفرس المجلَّى في المضمار وهو يؤدي رسالته تلك إلى جوار داعية كبير من دعاة الإباضية وهو زميله الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في الثاني عشر من جمادى الآخرة 1432هـ الموافق لـ 15 ماي 2011م. تغمده الله برحماته الواسعة.
أسلوبه الدعوي:
أ البساطة والتواضُع:
بساطةُ الخطاب الدعوي عند الشيخ ناصر تنبعُ أولاً وقبل كل شيء من بساطة شخصيته التي تتميَّز بالعفوية والتلقائية والسهولة واليُسر، وهي صفاتٌ بارزة في تعامله مع الناس جميعا؛ الكبير منهم والصغير، الرجال والنساء، الحكام والمحكومين، الخاصَّة والعامة. ويعرفها الناس عنه دونما بحث أو إمعان نظرًا لأنَّها متجلية واضحة في شخصيته من خلال لباسه، ومظهره، وشكله، وأخلاقه، وتتجلَّى من أحاديثه العذبة وابتسامته المشرقة، وأحسب أنَّ أجلى ما يخبر عن تلك البساطة من مظهره لباسُه البسيط جدًّا الذي هو القندورة و} الحفاية}، والطاقية، وهو لا يتخلَّى عنها حتى عند ذهابه إلى رحلة (1/42)
صفحة 23
صحراوية، أو جولة في الغابة، أو سفر بعيد مثل تونس، وجربة أو سلطنة عُمان أو الكويت أو غيرها.
ولم أر الشيخ ناصر تخلَّى عن لباسه الميزابي ذاك إلا عندما كان مدرِّسا بمدرسة العُمانيين في القاهرة ما بين (1962 - 1965) حيث لبس اللباس الأزهري؛ فكنتَ تحسبه شيخا من شيوخ الأزهر بعمامته وقفطانه ولحيته السوداء المسترسلة.
وحتى وهو في هذا اللباس لم يكن يعرف الأناقة والترف، لا في الشكل ولا في الهيأة، مما يوحي بزهده الشديد، وبعده الواضح عن كل مظاهر التأنق والتجمل.
وقد رأيته أكثر من مرة في لقاءاته مع الوزراء والمسؤولين الكبار في الجزائر وسلطنة عُمان كيف يخاطبهم بالبساطة نفسها التي يخاطب بها العامَّة من الناس، لا يفتعل المواقف، ولا يختار الكلمات، ولا يتحرَّج في إرسال نفسه على سجيتها وطبيعتها، مهما كان المتحدِّث إليه ذا مستوى اجتماعي مرموق.
ثم تلمس بساطته المتناهية في مسكنه وأثاث بيته، إذ لا ترى في داره في القرارة علوًّا شاهقا، ولا صالة مُترفة، بل ولا مكتبة أنيقة، ولعله اختار مكانها مطلة على المقبرة مباشرة لا يفصل بينه وبينها سوى شارع ضيِّق لا يزيد عرضه عن ثلاثة أمتار، فهل هو تعبير آخر من الشيخ الناصر عن زهده في الحياة الدنيا ومتاعها، وانصرافه إلى الدار الباقية عن الدار الفانية؟ وكأنَّ لسان حاله يقول: إن سكني المحبَّب هو في جنَّة الخلد ما دامت النهاية هي هذه القبور الصامتة الخرساء. وعندما كان بالقاهرة سكن في حي شعبي من أحياء القاهرة قريبا من (شُبرا) على الرغم من أنَّ المدرسة كانت في حي الزمالك الراقي.
على أنَّ الشيخ الناصر الذي يغلب الزهدُ على مظهره وسيرته ومعيشته الشخصية لا تعرف عنه انتقادًا للناس إن هم اتخذوا لأنفسهم دورًا قوراء واسعة، وأجنَّة وارفة ظليلة، وسيارات فارهة جميلة، ولا يستنكف عن ركوبها، ولا الاستمتاع بجمالها أو قبول ضيافة أصحابها، وكأني به يذكرنا بسيرة عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي عُرف بورعه وزهده وتقواه ولكنه كان لا يحمل الناس على ما ذهب إليه من شظف وزهد وورع. وفي هذا تأكيد آخر على تعامله مع الناس بالتيسير والسلامة، وتقديم حسن الظنِّ في سلوك الناس وتصرفاتهم. (1/43)
صفحة 24
ثم نلمس هذه البساطة عند الشيخ ناصر في طريقة كلامه الذي يتميَّز بالهدوء وخفض الصوت، وقد يتحوَّل أحيانا ليكون إلى الهمس أقرب، وهو قلما يستخدم في حديثه حركة يديه، أو تحريك حاجبيه، أو تمطيط شفتيه كما يفعل كثير من الناس، وإنما خطابه كلامٌ مُسترسَل، ينساب من فمه في طواعية ويُسر، تشعر به وهو ينبع من قلبه مباشرًا صادقا هادئ النبرات متناسق الجمل دونما تكلف أو افتعال. وبساطة حديثه تلك تتجلَّى من خلال لغة كلامه التي عادة ما تكون مزيجا من اللغة العربية الفصحى واللّهجة الميزابيةالتي يستخدمها للشرح والتوضيح إذا كان في محيط ميزابي عامي ذكوري أو أنثوي، أمَّا إذا كان المحيط عربيا خالصا كمحيط عُمان مثلا التزم الحديث بالفصحى التي يتقنها أيَّما إتقان نحوًا وصرفا وبلاغة، نثرًا وشعرًا.
وهو قلما وضع لحديثه عناصر أو محاور كما يفعل الأكاديميون عادة، أو كما يفعل المحاضرون في الندوات واللقاءات، فهو حديثٌ عادي يسترسل فيه من جزئية إلى أخرى دون مراعاة لوحدة الموضوع أحيانا، مستشهدًا بما يحفظ من الحكم والأمثال العربية والمحلية، يصل بين أطراف حديثه بنسيجمن المرويات، والحكايات والقصص والنكات الظريفة التي تُبعد السأم، وتنفي الملل، وتصل المستمع بالمتحدث ولو طال حديثه، وهو قلما طال، وتسعفه في كل ذلك ذاكرة قوية، وحافظة واسعة. وأتذكر أنه فاجأني ونحن بجلسة أنس ربيع سنة 2010م ببيتين شعريين جميلين كنت قد قرأتهما عليه أيام الطلب بالمعهد أي قبل خمسين سنة تقريبا.
وهو عادة ما يستعين في اختيار موضوعات حديثه بدفتر صغير لا يكاد يفارقه أينما حل وارتحل، يسجل فيه مختاراته من مقروءاته أو مسموعاته مما لذ وطاب من طُرف التراث و فاكهته.
ولا يكاد هذا الدفتر الصغير يفارقه، ولعلَّ الملاحظ يلحظ فيه اهتراءه وقِدمه من كثرة الاستعمال حتى صار أوراقا موزعة لا دفترا، وتراه مكتوبا بكل الألوان وأنواع المداد بالحبر والقلم السيال وقلم الرصاص، ولا يهمُّه أن يكون ذلك على طريقة واحدة أو موزعا إلى موضوعات تسهل عليه الانتقاء، إذ المهم عنده أن يجد وسيلة للكتابة يحفظ بها ما يسمع من مأثور الكلام شعرا ونثرا، وحوادث التاريخ أمما وحضارات وأسماء وأماكن. (1/44)
صفحة 25
وللشيخ الناصر دقة متناهية في حفظ أسماء الأشخاص والأماكن والسنوات يعتني بحفظها، ويسهل عليه تذكُّرها وتلك خصيصة أخرى من الخصائص التي جعلته اجتماعيا محبوبا.
ومن بساطته أن لا يطيل الحديث، وهو يكره الإطالة والتكرار وينفر منهما نفورًا شديدًا، إلاَّ إن كان في موضع التوضيح والشرح لبعض المسائل الفقهية أو التاريخية أو العلمية، وتلك خصيصةٌ أخرى حببت أحاديثه ومواعظه إلى الناس ولاسيما العامة الذين ينفرون - ولهم الحق - من الدروس الطويلة التي تشعر بالملل حتى لو كانت عسلا مصفَّى.
ومن بساطته أنه يميل إلى الارتجال، ولا يميل إلى الخطابة والموعظة الكتابية إلا في مناسبات قليلة، وربما كان ذلك في بدايات حياته الدعوية، وهذه الخاصية جعلت من يتتبع آثاره الفكرية المكتوبة لا يحصل على شيء ذي بال، مع أنه كان في بداية حياته التعليمية كما قلت أديبا لامعا، وخطيبا مفوَّها، وشاعرًا مبدعا، وما إن مال إلى الفقه وعلوم الشريعة حتى تخلى عن الأدب كتابة، ولو أنه لم يتخلَّ عن صحبة الكتب الأدبية بل بقي لها وفيا مطالعة، وحفظا، وتذوقا، ونقدًا.
ومن بساطته أنه لا يهتم كثيرا بضبط مواعيده بالدقائق والثواني، ولا يظهر اهتماما كثيرا لهذا الجانب شأن من يأخذ الأمور بعفوية ويُسر ومسالمة، وقد يتخلَّف عن دروسه الأسبوعية إذا دعي إلى عرس أو مناسبة فرح أو ترح، وكنا نحن الطلبة نعرف منه هذا التراخي والتساهُل منه فيرضينا ذلك ونأنس له، ولقد عانت الإدارة في معهد الحياة من تخلُّفه ولم تُفِد جدِّية الشيخ عدُّون ولا ضبطُه في معالجة ذلك منه.
وقد استمر على هذه الطريقة ولاسيما العقدين الأخيرين من حياته المهنية بالمعهد بعد أن أثقلت حياته المواعيد ذات الطابع الاجتماعي؛ فكثر تغيُّبه عن القرارة حتى قيل له إنَّ عليك أن تصلِّي صلاة السفر إذا كنت بالقرارة! فهو عادة لا يضع رجله بالقرارة إلاَّوالأخرى على سيارة أو زيارة.
ومن بساطة الشيخ الناصر وعفويته أنه يكره الجدَّ والضبط والانضباط، ويفر منها نفور السليم من الأجرب، وكثيرًا ما رأيته شاكيا من الجلسات التي يطول (1/45)
صفحة 26
نقاشها ويحتدُّ جدالها، وتتوتَّر فيها الأعصاب، ويفتعل المعاذير والأسباب لعدم حضورها، وما زلتُ أتذكَّر كيف كان يلبِّي الدعوة لحضور جلسات أساتذة معهد الحياة مُكرها، وهي غالبا ما تكون بدار شيخنا عدُّون رحمه الله، وتكون عادة بعد العشاء، وهي كثيرا ما تطول مُدَّتها وتمتدُّ إلى منتصف الليل وما بعده، فترى الشيخ الناصر يتململ في مجلسه ويتأفَّف، لا يشارك في الحديث إلاَّ قليلا تعبيرًا منه بأنه مُرهق مُتعب، وكأنَّه ينادي دون أن يسمعه أحد خلصوني من جِدِّكم (يرحمكم الله).
وكان يتَّخذ من داء «الثعلبة» الذي أصيب به في السبعينيات (على ما أتذكر) حجة بأنَّ الطبيب يمنعه من السهر، وأنَّ الحد الأقصى المسموح له به من السهر هو الحادية عشرة ليلا. فإذا آن أوانها استأذن الشيخ عدُّون وقام من الجلسة - وقد تكون محتدمة النقاش - في أمر يهمُّ الجميع فينزل درج العلي سريعا دونما التفاتة إلى أحد فكنت أدعوه ممازحا (الصاروخ) فيضحك، وكثيرًا ما اتخذ ذلك عنوان اعتذار من الشيخ عدُّون فيقول: لقد سمَّاني فلان «الصاروخ» فسامحوني بالمغادرة.
لقد طبعت هذه الخاصية النفسية منهج الدعوة عند الشيخ الناصر بطابع الوداعة والمسالمة، وقد انعكست هذه الروح على نفسه حتى في دروسه التعليمية ومواعظه المسجديَّة، بل قُل حتى فتاواه الشرعية، وأعرف كثيرًا من الناس يفضلون فتاوى الشيخ الناصر على غيره لهذه الخاصية فيه، فهو يميل إلى الفتاوى ذات الرُّخص الشرعية بما يُسهِّل على الناس حياتهم، ويستنكف دوما من الأخذ بالتعسير والتنفير مصداقا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «بشِّروا ولا تُنفِّروا، يَسِّرُوا ولا تُعسِّروا» (1).
وأعرف كثيرا من الشباب يفضلون كتابة وصاياهم عنده لما يجدونه فيه من التعامل بالحسنى، فهو لا يُحرج سائليه بأسئلة تُسيل العرق إلاَّ أن يكون اعترافًا من صاحب الوصية، ولا يتدخَّل فيما لا يعنيه، وحسبُه من كل ذلك إبداء النصح العام والتوجيه إلى الطريق المستقيم، وهو ما يدخل البشر والاستبشار في قلوب كثير من التائبين، وقد كتب الله لهم التوبة النصوح، والإنابة، على يديه بفضل أسلوبه ذاك.
__________
(1) -حديثٌ مُتَّفقٌ عليه. (1/46)
صفحة 27
ب – العفوية والاستطراد:
ومن بساطة الشيخ الناصر وعفويته أنَّه يميل في أحاديثه ومواعظه ودروسه إلى الاستطراد، إذ يُخيَّل لمن يسمعه كأنه يصعد شجرة مثمرة باسقة الأغصان، متعانقة الأفنان ما إن تتسلَّق جذعها حتى تتلقاك أغصانها بكل ما لذ وطاب من فاكهة جنية وأوراق خضراء بهية، فيُسلمُك هذا الغصن إلى ذاك، وذاك إلى ذلك وهكذا، فمن آية قرآنية إلى حديث شريف، إلى نكتة أدبية طريفة، إلى خبر ظريف، إلى ترجمة علم من أعلام الصحابة والتابعين أو السلف الصالح، وهو يقدم لك كل ذلك في ابتسامة مُشرقة ووجه طليق، فلا تشعر بالزمن يمرُّ عليك ثقيلا أبدا، وأنت مستمتعٌ بهذا التنقُّل أو شئت التسلَّق من فنن إلى آخر.
وتجدك وأنت مأخوذ بهذه الرحلة الممتعة وقد تخفَّفت من أعباء الصرامة الأكاديمية والجدية المرهقة، ذلك أنَّ الشيخ الناصر كما أسلفتُ لا يعدُّ دروسه مُسبَّقا برسم خطوطه ونقاطه وعناصره، وإنما يترك ذلك للعفوية الآنية ويحملك بذاكرته القوية التي تنهال عليه بمحفوظاته التراثية المتنوعة، وقد درَّب ذاكرته المسعفة على هذا النحو منذ زمن بعيد.
ومن ثم يلحظ كلُّ من يتتبَّع دروس الشيخ الناصر بأنه عادة ما يكرر دروسه ومواعظه ومقولاته، ولاسيما في شهر رمضان الذي يبدأ عادة بفضل الصوم وأجره العظيم، ثم يتنقل إلى العبادات الأخرى كالصلاة والزكاة، وغيرهما وقد تكون الدروس سلسلة في حلقات عن المعاملات مثل بر الوالدين، والمعاشرة الزوجية، وصلة الأرحام ... وفي كلِّ محطة من هذه المحطات نراه يُعيد نفس الآثار والأحاديث والمرويات، فكنت ترى المثقفين بل حتَّى العامَّة يتندَّرون بالقول فيما بينهم في رمضان: «هل وصل الشيخ إلى قصَّة كذا أم لم يصل إليها بعد؟»
ومن عفوية الشيخ وبساطته ما يلحظ في بعض مروياتهواستشهاداته من سذاجة فكريَّة ولاسيما ما تعلَّق منها بكرامات الأولياء والصالحين، وأحيانا يتساءل المرء عن واقعية تلك القصص التي يصعُب على الفكر الناقد قبولها دون تمحيص أو نقاش، وقد قرأتُ في إحدى رسائله للشيخ أبي اليقظان وهو يحدِّثه عن زيارته إلى جبل نفوسة في طريقه إلى القاهرة سنة 1962م، قائلا: «وقد زرنا جلَّ المزارات على (1/47)
صفحة 28
سيارات خاصة واستروحنا من روائح الجنَّة فرحمة الله على مشايخ الجبل فلله ما عانَوا، ولله ما كابدوا، ولله ما خلَّدوا، وقد قال لنا الأستاذ علي معمَّر إنه نفسه كان يرى النور على ضريح المرحوم عاصم السدراتي في نالوت ... » (1).
ولعلَّ الذي أثَّر في الشيخ الناصر هذا التأثير هو أستاذُه في الوعظ والإرشاد الشيخ إسماعيل الجيطالي بكتابه «قناطر الخيرات»، الذي كان عمدة كثير من مشايخ الإباضية في الوعظ والإرشاد.
وفي كتب السير الإباضية شيءٌ كثير من هذه الكرامات، ولاسيما سير الشماخي، كما تأثر أيَّما تأثُّر بكتاب «إحياء علوم الدين» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وقد انطلق من هذه الكتب التراثية إلى قراءة في كتب محمد الغزالي الذي يبدو تأثره به واضحًا أيضًا، ولاسيما بعد تعرُّفه عليه وحضوره ندواته وحلقاته في القاهرة ما بين (1962 - 1965م)، ولولا ضيق المقام لأوردت أمثلة لما أقول.
ولو قارنَّا بين أسلوب الشيخ ناصر العفوي الاستطرادي وأسلوب شيخنا بيُّوض مثلا لوجدنا بعض الفوارق الأساسية، فإنَّ الشيخ بيُّوض ولو كان يفضِّل هو الآخر المنهجية الاستطرادية إلاَّ أنه لم يكن يقف عند حدود ما تختزنه الذاكرة من قراءات هنا وهناك دون نقد أو تمحيص، أو دون تحليل وتعليل، في جرأة عجيبة قد يخالف بها الجميع ويفاجئهم بها، بل قد يكون مدارُ حديثه أو درسه خبرٌ قرأه في صحيفة يومية من الصحف الداخلية أوالخارجية؛ فهو أكثر اهتمامًا بما يربط جمهوره بواقعهم الاجتماعي اليومي، لأنَّ دروسه يحضرها العامة والخاصة معًا وهو يتوجَّه عادة إلى المثقفين من الأساتذة والطلبة.
جـ: الظرف والفكاهة:
قد يخيَّل إليك أنك مع الشيخ الناصر ستواجه شيخًا متزمّتا وقورًا إن أصدرت حكمك عن بُعد دونما معاشرة أو صُحبة، ولكنَّك إن اقتربت منه أو صاحبته في رحلة أو سفر كشفت جانبا نيِّراً من شخصيته قد يُفاجئك كما يفاجئ الكثيرين بانطلاقته، وتفتُّحه، وتبسُّطه وظرفه، وحُبِّه للفكاهة، وميله إليها، وتجده
__________
(1) -رسالة من القاهرة، مؤرخة: بـ23/ 09/1962م. (1/48)
صفحة 29
مليئًا بالنكت والمُلَح الأدبيَّة تراثية وحديثة، مقروءة ومعيشة، يزيدها رونقا وتألقا طريقة الشيخ الناصر في روايتها بأسلوب تمثيلي لا يُغفل الجزئيات ولا يُهمل التفاصيل الدقيقة، وكلُّ ذلك يُضفي لفكاهاته رونقا وتشويقا، وذلك ما يحقِّق ما قلته عنه آنفا: إنَّ الشيخ الناصر أديبٌ قبل أن يكون فقيهًا، ومثله في ذلك مثل العديد من مشايخنا الأعلام الذين كانوا وما زالوا أدباء، ولو صاروا إلى الفقه والعلوم الشرعيَّة بحكم وظيفتهم الاجتماعية.
هذا الجانب الوضيء من شخصية الشيخ الناصر هي التي تطالعك من خلال دروسه الوعظية، حتى في بعض الأوساط الملتزمة الجادَّة مثل سلطنة عُمان مثلا، وهو الجانب الذي قد يطغى أحيانا على شخصية الشيخ، ولاسيما في جلسات الأنس مع زملائه وأصدقائه وطلبته، فلا ترى هناك إلاًّ عيونا متطلعة إلى ما ينشر من بدائع الحكم والأمثال، وما يسوق من نُكت ظريفة آسرة، والتي لا يمكنك معها أن تكبت ابتسامتك، وأحيانا ضحكتك المقهقهة، وقد طرَحَت تلقائيا لباس الجدِّ والتزمُّت والوقار.
وكان يحثُّنا - ونحن طلبة بمعهد الحياة - على حفظ الكثير من هذه النوادر والطُّرف التي قلَّما تخلو من فائدة للعقل وترويح للقلب، وتربية للنفس، والتخفيف عنهما من عناء مشكلات الحياة ومُنغِّصاتها.
والشيخ الناصر لا يحفظ هذه النكت الطريفة من مطالعاته المتنوعة وحسب، بل إنَّ كثيرا منها يحفظها من معاشراته الاجتماعية، وتجاربه الحياتية مع شتى الطبقات، ولاسيما المسنِّين منهم رجالا ونساء.
وقد عُرف عنه أنَّه شغوفٌ بسماع النكت من مصادرها، فتراه يحب الجلوس إلى الشخصيات الفكاهية، فهو يحفظ الكثير من نُكت المرحوم فرصوص أحمد، حتى عُرفت عند الناس بـ «الفرصوصيات»، وعند الفكاهي الطيب الذكر «عبد الرحمان (موستيك)» الخبر اليقين.
وأشهد مما سمعتُ ورأيتُ أنَّ الشيخ الناصر كان يحبُّفرصوص، كما كانفرصوص يحترم الشيخ الناصر ويجلُّه، وكان كثيرًا ما آثره بجلسات خاصة، إذ (1/49)
صفحة 30
يساعده في قضاء الكثير من القضايا الاجتماعية، ويحمل إليه فتاوى الناس، ولاسيما فئة الشباب الذين قد يمنعهم حياؤهم من السؤال المباشر واللقاء المحرج.
ومن دماثة أخلاقه وانبساطها وتفتُّحها وانطلاقها حبُّه الآسر للطبيعة، وما زلت أتذكر إيثاره بعقد جلسات الجمعيات الأدبية بمعهد الحياة تحت ظلال النخيل بعيدًا عن الأسوار والقاعات الضيقة. ويمكنني القول إنه لو يُخيَّر الشيخ الناصر بين محاضرة في قاعة مغلقة وبين مجلس أنسٍ في أحضان الطبيعة لاختار الثاني على الأوَّل دونما تفكير أو تردُّد، وكأنه خُلق كما يقول الشابِّي، وأنشد المرحوم «إبراهيم تاعموت»:
خُلِقْت طَلِيقًا كَطَيفِ النَّسيم***وَحُرًّا كنُورِ الضُّحَى في سَمَاهْ
فهو ينفر من كلِّ ما هو جدٌّ والتزام وانضباط في أمور الدنيا، ويكره مجالس الخصومات والمناقشات، إلاَّ إن أُكره على حضورها أو حُمِّل مسؤوليتها دون رغبة أو ميل منه، بل هو ينأى حتى عن المسائل الفقهية العويصة، ويطلب من محدِّثيه ومُستفتيه ألا يسألوه عن المعاملات الربوية، وتعدُّد الزوجات وغيرها من المشاكل المتعبة للعقل والنفس ... وما زلت أتذكر أيضًا كيف كان يقضي كثيرًا من وقته صحبة كتاب مع زميله وصديقه «الشيخ محمد بن زايط» وقد اتخذ لذلك مجلسًا شاعريا خاصا بـ «غابة اعمارة»، يقصد إليه مع أصدقائه ورفقائه.
ويُعرف عن الشيخ شغفُه الكبير بحبِّ الرحلات والسفر وعدم الاستقرار في مكان واحد يعبر بذلك عن رغبة قوية فيه بحب الاطلاع ومعاشرة الناس، والنفور عن كل ما هو وتيري روتيني مرهق.
وشاء الله أن يكون آخر حديث له مع جمهور القرارة بيتين شعرِيَّيْن جميلين ظريفين (1) استقبل بهما ضيف الجزائر الكبير مفتي سلطنة عُمان سماحة
__________
(1) -لم أحفظ البيتين، ومعناهما: أنَّ أحد شعراء المغرب قال لأحد المشايخ عندما عزم الهجرة إلى الشرق لا تفعل ذلك فإنه إن -فعلت- علامة على قيام الساعة، لأنَّ الشمس عادة تشرق من المشرق، فإن أشرقت من المغرب تكون القيامة.
(البيتان مقتطفان من مجموعة أبيات لأبي جعفر أحمد بن خاتمة المرِّي المغربي إلى بعض أشياخه يقول فيها:
أشمسَ الغربِ حقًّا ما سمعنَا***بأنَّك قد سئِمتَ بنا الإقامةْ
وأنَّك قد عزمتَ على رحيلٍ *** إلى شرقٍ سَمَوْتَ به علامَةْ
لقد زَلزَلْتَ مِنَّا كلَّ قلبٍ ***لا تفعل فَقَد تقم القيامةْ) (رئيس التحرير) (1/50)
صفحة 31
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي الذي ضحك لنكتته من الأعماق، واستشهد بهما في حديثه المتلفز من سلطنة عُمان بعد وفاته على انبساط نفسيَّة الشيخ ناصر وحُبِّه للظرف والفكاهة، وما كان أحدٌ يدري أنَّه سيلقى ربَّه بعد ذلك الحديث بخمس ساعات ضاحكا مستبشرا إن شاء الله.
د- التسامح وحبُّ الناس:
على الرغم من أنَّ الشيخ الناصر أوتي قلباً حسَّاسًا شاعرًا ينفعل لأقلٍّ لمسة تحرك المشاعر القلبيَّة، ويتفاعل مع كلِّ ما يخاطب العواطف النفسية: كلمة أو إشارة، مادية كانت أو معنوية، فإنه مع ذلك القلب الرقيق، واسع الصدر يحتمل المنغِّصات وما ينجرُّ عنها من إقلاق وضجر بقلب صابر مؤمن، ويخفض رأسه للعواصف لتمرَّ بسلام، وهو قلما فضَّل المواجهة والمجابهة. والواقع إنَّ هذه الخصائص النفسية التي تميَّز بها تبدو لمن لا يعرف الشيخ الناصر متناقضة متضاربة، وهي ليست كذلك على الإطلاق، فقد عرف في التاريخ البشري نماذج كثيرة من نفوس الحكام والأمراء والقادة والساسة، ودعني أقول من الصالحين المصلحين، ومن رزقوا بفضل الله الصبر المتين والإيمان اليقين الذي استطاعوا به التغلُّب على حوادث الزمن ومنغصات الناس، ومكائد الحساد والخصوم، فهو إذًا كما فطر يتأثر بأقل لمسة أو همسة وكأنَّ قلبه قلبُ طفلٍ لمَّا تُحنكه التجارب، وتصقله المحن، وهو إلى جانب ذلك يملك صدرًا واسعا متسامحا، يرعاه إيمانه بقضاء الله وقدره، فهو سرعان ما ينسى إذا أوذي، ويعفو إذا استُسمح، ويصفو بعد انزعاج وكدر، ولعلَّ الفيصل في هذه الظاهرة النفسية التي تبدو معقَّدة أنَّ الشيخ الناصر لا يتحمل الإذاية الشخصية إذا شعر معها بالظلم والحقارة، أو تبيَّن له من صاحبها الإصرار والكيد والشطارة، أو عرف من دوافعها الحسد والإثارة، وهنا يفضل المسالمة على المواجهة، وينأى بعيدًا عما يحرِّك المشاعر العدوانية، فعل المؤمن التقي (1/51)
صفحة 32
الصابر الذي يردد بلسانه وبقوله {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، متمسكا أبدا بقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف:200].
وحبُّ الشيخ الناصر للناس وتسامحه معهم يتجلَّى في مواقفه العلمية والدعوية ممن يخالفه في العقيدة أو المذهب أو الرأي والفكرة، وهو طالما رأيناه يحاور من يظنُّفيه الخروج عن الجماعة بقلب صادق، وإيمان ثابت، ونفس هادئة متسامحة، ويحاول أبدًا تبليغ رأيه دون تعنُّت أو إصرار أو تعصُّب أو استكبار، يكفيه في ذلك أن يذكر وجهة نظره، أو ما يعتقد أنَّه الصواب استنادًا إلى الأدلة الشرعية كتابًا وسُنَّة، ثم يترك المحاور أو المخالف حرًّا في أن يعتقد بعد ذلك ما يشاء، أو يتصرف كما يريد، ومع ذلك فهو يفضِّل دوما أن يجتمع المسلمون على كلمة سواء توحد صفوفهم، وتجمع شملهم، وتلمُّ شعثهم بما ينأى بهم عن الاختلاف الذي يولد الفُرقة والافتراق، ويتحوَّل من المشادَّات الكلامية إلى إحنٍ ومحن، وقد قام في هذه السبيل بجهود عملية في إطار المصالحة بين المتساكنين في مدينة القرارة، وفي بعض قرى وادي ميزاب، وقد سمعنا عن بعض أعيان القوم في القرارة شهادات ترفع من مقام الشيخ الناصر إلى مرتبة رفيعة من التسامح وحبِّ الناس، وتقديم يد المعونة والخير إلى كلِّ المسلمين، وقد عبَّر بعض من عاشره -بعد وفاته- عن مدى الخسارة التي خسرها مجلس أعيان القرارة بفقده، وتلهُّفُهم إلى من يسدُّ تلك الثغرة التي ما تزال شاغرة باكية برحيل الشيخ الناصر.
وأحسب أنَّ هذه الميزة هي التي أحلَّت الشيخ الناصر في هذه المكانة السامية من حبَّ الناس وتقديرهم له، وإلقاء تصاريف أمورهم إليه، وهي تتجلَّى أساسا في وداعة نفسه، وطيبة قلبه، وإخلاص عمله لله سبحانه وتعالى، ثم افتراض الجانب الخيِّر في الناس وحسن الظن بهم، وتلك هي علامات القلب السليم التي نوَّه بها القرآن الكريم.
وهذه المسالمة إنما جاءت من كثرة الاحتكاك بالناس والجلوس إليهم، والذهاب إلى مواطنهم دونما انتظار أن يبادروه بدعوتهم، وهذه سمةٌ من سمات (1/52)
صفحة 33
تواضعه وعفويته الصادقة، وقد اكتسب هذه المميزات أيضا من رحلاته المتعدِّدة إلى المشارق والمغارب من بلاد الله، ولاسيما البقاع المقدَّسة وسلطنة عمان، فقد أضفت هذه الرحلات على معاملاته تجارب وخبرات إنسانية ودعوية بارزة، وطبعت طريقة دعوته بطابع إنساني متميِّز، يجلِّله قبل هذا وذاك ورعُه وتقواه.
وقد شاهدنا أكثر من مرَّة مجالسه الدعوية تلك، وكيف يسعى أبدا إلى محاورة السائلين والمتلقِّين بالتي هي أحسن إلى الحد الذي يراه البعض تساهلا وتجاوزا غير محمود العواقب، ولاسيما إن كان المعنيُّ بالأمر من التيارات التي تخفي وراءها أهدافا غير معلنة، أو تضع في حساباتها تطلعات دنيوية ترمي إلى زعامة أو حظوظ نفسيَّة مما لا يعرفه الشيخ الناصر، وقد لا يتفطن له لأنَّ طبعه المتعفِّف الزاهد في الدنيا ينأى به عن هذه التطلعات الإنيَّة، أو الشهوات الدنيوية الفانية، ويرفعه حسن ظنه بالناس افتراض الخير فيهم دوما.
وسرُّ ذلك كما أسلفت فيما أقدر يعود أساسا إلى إخلاصه وورعه، وأنه يعمل دوما ابتغاء مرضاة الله، إذ لا حاجة له في دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، وقد سمعتُه مرة يقول: «إنَّ اكتساب الدراهم والدنانير وجمع حطام الدنيا آخرُ ما أفكِّر فيه»، وهو يذكِّرني بهذه المقولة بما يروى عن الإمام جابر بن زيد حيث قال لأصحابه: «أنا خيركُم ليس لي درهمٌ وليس علي دين».
ومن يدري لعلَّ صدق نيَّته هذه جعلت الله يسيِّر له دوما من يخدمه، ويقدم له المعونات المادية والمعنوية دونما أيَّة مبادرة منه، حتى عُرف بطبعه هذا الذي يجعله في مقام المدعو لا الداعي، والمخدوم لا الخادم. فترى الناس يتسارعون إلى تقديم الخدمات إليه، والسعي إلى بيته لمرافقته أو النظر في حاجاته، وتقديم ما يعوزه من هذه الضرورات المعيشية اليومية التي لا يستغني عنها أحد.
وقد عُرف عن الشيخ الناصر أنه يفضِّل الرفقة أينما حلَّ و ارتحل، حتى لو كان سفرًا بعيد الشقَّه، وقد يكون المرافق له من طلابه أو زملائه، أو أصدقائه، وأغلبهم يعبِّر عن تشريف الشيخ الناصر بقبول خدماتهم إليه، ويسعدهم أن يكونوا في رفقته ابتغاء الأجر عند الله، ورجاء ما يستفيدونه في هذه الرفقة من نصائح وتوجيهات وخبرات، وما يجنونه من فوائد وتجارب، وترويح عن النفس، أو ما ينالونه من إكرام الناس وتبجيلهم جميعًا، وأعرف كثيرًا من الشباب الذين (1/53)
صفحة 34
يضعون أنفسهم وسياراتهم وأجنَّتهم وديارهم بين يديه متى شاء الانتقال من مكان إلى آخر أو السفر من بلدة إلى أخرى، حتى ولو كانت سفرًا بعيدًا يجتاز الحدود الجزائرية من مشرق أو من مغرب.
الخلاصة:
هذه هي أهمُّ سمات الطريقة الدعويَّة عند الشيخ ناصرالمرموري - رحمه الله -،وهي البساطة والتواضع، والعفوية الاستطرادية، والظرف والفكاهة، والتسامح وحبُّ الناس. وهي مميزات ترتبط أساسًا بشخصيته وتصدر عن حسن طويته، وإخلاص عمله لله، ويجلِّلها دماثة أخلاقه وانبساط نفسه، وبه انطبعت دروسه المسجدية، والتعليمية والإخوانية، ومهَّدت له بسط الإخاء والمحبة والتقدير لدى الناس جميعًا أينما حلَّ أو ارتحل، فهو ممن يقال عنه بصدق «يألَف ويُؤلَف» ويجتذب إليه معاشريه منذ الوهلة الأولى، لأنَّ الحواجز النفسية التي تحول بين المتلقين والشيخ الناصر - رجل الدعوة وعالم الدين وفقيه الشريعة- يكون الشيخ نفسه قد ألغاها، وأزالها بحديثه العذب، وانطلاقة وجهه، وابتسامته المشرقة، واطمئنان الناس إليه.
رحم الله الشيخ الناصر في الخالدين، مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. والحمد لله رب العالمين
- - - (1/54)
صفحة 35
أسلوب الاستدراج الدعوي
- الجزء الثاني - (*)
أ. د: عمرو أحمد علي التندَمِّيرتي
كلية الآداب جامعة الزاوية ــــ ليبيا
suliger_m80@yahoo.com
ث
(1) ثالثا: أسلوب المباهلة والإدماج:
من أشكال الاستدراج الحكيمة إدخال المتحدث نفسه مع المخاطبين جدليا وإن كان يناقضهم في نفسه عقيدة وسلوكا، وذلك حتى يستأنسوا معه لمنطق المشاركة الباحثة عن الحقيقة وفق المنطق الفطري الذي لو جروا فيه إلى نهاياته لتهاوت الحواجز النفسية التي كثيرا ما يحيطون بها أنفسهم بحجة المحافظة على الذات والحرص على الهوية الموروثة، يقول الله تعالى موجها الخطاب إلى رسوله الكريم: {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} (2)، ويقول في السياق ذاته {قُلْ يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوِاْ اِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءِم بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا اَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (3).
__________
(1) (*) - هذا الجزء هو تتمَّة الموضوع الذي نُشر الجزء الأوَّل منه في العدد السابق (الثامن عشر)، وكان الباحث قد تناول فيه: تحديد مصطلح الاستدراج الدعوي لغويًّا وبلاغيًّا، واستعراض أهمِّية الاستدراج الدعوي، ثم عرض أسلوبين من أساليب الاستدراج: «المحايدة القولية»، و «الإبهام والتسوية». وفي هذا الجزء الثاني سيتناول الباحث بقيَّة أساليب الاستدراج الدعوي: «المباهلة والإدماج»، و «الصبر والمجاهدة»، و «الاستدراج الإعراضي»، و «الاستدراج العملي»، ثم مقارنة قرآنية بين منطق القوَّة ومنطق الحكمة في الدعوة، فخاتمة للموضوع. (هيئة التحرير).
(2) ـ القرآن الكريم، آل عمران: 60 ـ 61.
(3) ـ القرآن الكريم، آل عمران: 64. (1/55)
صفحة 36
هذه سبيل من سبل المباهلة الإدماجية الواعية يستدرج بها الداعية مخاطبيه، ومذهب من مذاهب الإنصاف ينتصف بها لهم بالعودة معهم ـ دونما تعال من الداعية أو استنكاف منه في الحوارـ إلى أساس من الاحتكام العادل وأصوله الفطرية التي من شأنها أن تستحث النفوس الطيبة إلى إجالة النظر وإعادته كرة بعد أخرى فيما تميل إليه الفطرة السليمة بعد أن ينزاح ما كان عائقا بينها وبين الداعية من عوائق تقيمها الأنانية الفردية والتعصب القبلي وما يتبع ذلك من موروثات أخلاق الجاهليين، ولا شك أن بقايا الفطرة الإيمانية والحياء الإنساني تحرج صاحبها من مثل هذه الجرأة التي تجعله يبتهل ليجعل ژ????ژ، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الذي يدعوه إلى هذا الدين الجديد أصدق من عرفته الجزيرة العربية حتى إنه لقب بالأمين، ثم إن مثل هذه اللحظات التي يقف فيها الطرفان بين يدي الله كلٌّ كما يؤمن به هو وليس هناك من حائل بينهم وبين الحقيقة إلا أن يتوجه القوم جميعا بهذا الدعاء الصادق ـ إن هذه اللحظات الجادة تهز كثيرا من النفوس وتخيفها النتيجة المرعبة التي تجعل الكاذبين مطرودين من رحمة الله، وهو ما يجعلها تفكر مليا وتعيد النظر في حياتها الروحية كلها.
ويتجلى هذا المسلك الإدماجي تجليا بينا في تأملات سيدنا إبراهيم عليه السلام في ملكوت الله السماوية، معبودات قومه الكلدانيين الذين كانوا يعبدون أحد مظاهر هذا الملكوت، ألا وهي النجوم، يقول الله تعالى:
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لآَ أُحِبُّ الاَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِّينَ (77) فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (1).
لقد صحب سيدنا إبراهيم عليه السلام قومه في رحلة من التأمل الاستدلالي المفضي بطبيعته المنطقية إلى اليقين، فتعمد إيهامهم بإدماج نفسه معهم بمشاركته
__________
(1) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 76 ـ79. (1/61)
صفحة 37
إياهم الرأي في إمكانية عبادة بعض مظاهر الكون، وإن كان يتحفظ عمليا في الوقت ذاته ـ إمعانا في الاستدراج ـ من مسألة التعدد، فادعى على سبيل الافتراض العلمي الجدلي وقال مشيرا إلى كوكب دري متوهج في السماء: ژ????ژ، على سبيل القصر الاستبعادي، وبذلك بدأ معهم رحلة التفكير الجاد بطريقة علمية منطقية، منطلقا معهم من أرضية لا ينكرونها، ألا وهي عبادة القوى الكونية الظاهرة (النجوم في هذه الحالة)، حتى إذا ما اطمأنوا وأرخوا له العنان والتفتوا إليه وقد وجدوا منه ما يجمعهم به، تدرج بهم من الكوكب الآفل إلى آخر هو ـ وفق منطقهم المادي ـ أولى بالعبادة من سابقه، ثم انتهى بهم إلى الشمس، أعظم ما يرون وأوضح ما يشاهدون في هذا الكون، ولقد كان التحول من كوكب إلى آخر بعلة الأفول وهي علة عقلية تبرر له ـ بحكم كونها مناط الاحتجاج في جدليته ـ مشروعية البحث عن القوة الأفضل والأعظم والأدوم، ولما كان أمر التحول ارتقائيا ولم يكن لهم من معاذير عقلية تمنع من ذلك الانتقال والارتقاء، انتقل بهم سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى ما لا يجري عليه شيء من هذه العلل الفاسدة، وقال لهم بطريق العلم والعمل والفطرة لنتجه إلى أفضل شيء وأعظم شيء وأدوم شيء، إلى الذي فطر ملكوت السماوات والأرض وما فيهن من كواكب ونجوم.
وحتى لا يتبادر إلى الذهن شيء من سوء التقدير والخلط بين الوسائل الفاسدة لذاتها أو التي تفسدها الغايات ينبغي ملاحظة أنه ليس في منزع إبراهيم عليه السلام ما يدل على أنه استباح وسيلة فاسدة أو أنها قد تفضي إلى غاية فاسدة، فهو لم يتبن غايتهم وإنما تبنى وسائلهم المشروعة التي إن اتبعوا منطقها إلى نهايتها أفضت بهم لا محالة إلى الغاية الكبرى، التوحيد الإلهي، وهذه حكمة بطبيعة الحال لا تتأتى بيسر وسهولة إلا لمن عرف غايات الكلام ومقاصد الشريعة الكبرى وخبر طبائع النفوس وخلجاتها فدخل إليها من أبوابها، وهو مغزى «به تفاوت الناس وتفاضلوا». (1)
هذا، وقد قال بعض العلماء: «ولا يريبك في هذا صدور ما ظاهره كفر على لسانه عليه السلام لأنه لما رأى أنه ذلك طريق إلى إرشاد قومه وإنقاذهم من الكفر واجتهد فرآه أرجى للقبول عندهم ساغ له التصريح لقصد الوصول إلى الحق وهو لا
__________
(1) ـ أبو الحسن علي ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تح. محمد محي الدين بن عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط3. (1981) 199. (1/62)
صفحة 38
يعتقده، (أي ربوبية الكواكب) ولا يزيد قوله هذا كفرا، كالذي يُكره على أن يقول كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، فإنه إذا جاز ذلك لحفظ نفس واحدة وإنقاذها من الهلاك كان جوازه لإنقاذ فريق من الناس من الهلاك في الدنيا والآخرة أولى» (1).
رابعا: أسلوب الصبر والمجاهدة
كثير من جوانب الخير والتوق إليه تبقى حبيسة في الإنسان ما بقيت فيه بقية من الفطرة الإنسانية الأولى على الرغم من ركامات الغفلة والنسيان وما يرين على قلبه من شبهات الضلالة والباطل، بيد أن رؤية هذه الجوانب لا تتأتى إلا في لحظات التجلّى التي تنتاب الإنسان في ومضات خاطفة وعابرة، فتتطلب من الدعاة والعاملين في حقل الفكر والثقافة رصيدا هائلا من الصبر ومجاهدة النفس ليظفروا بمدخل من المداخل المسالمة ينفذون منها إلى قلب المستقصَد وعقله، ولعل هذا الجانب من التمثل لأحوال الناس والترفق بمن يدفعه طغيان القوة واستبداد الرأي إلى أن يفرُط لمجرد المكابرة يعد من أخطر جوانب الأمانة التي تحملها الإنسان على ظلمه وجهله، ومن هذه الخطورة تأتي حكمة الله البالغة من تذكير آياته الكريمة بضرورة التحلّي بالصبر ـ وهو أمر من أهم أدوات الأسلوب الاستدراجي ـ والتحذير الدائم من الانزلاق إلى ردود أفعال كثيرا ما تدفع إليها استفزازاتُ الخصم واستثاراتُه المتعمدة، فالصبر ـ ما لم ينحرف الأمرُ عن دائرة القول أو يتجاوزالحوارَـ مطلب دعوي أصيل حتى في الحالات التي قد تبدو وكأنها تشارف المساس بالعقيدة، فهي على قدسيتها لا تبيح للمستفَز (بفتح الفاء) فيها أن يستسلم لهوى النفوس الأمارة التي تتوق بطبيعتها إلى الانتقام.
من نماذج هذا السياق التي تؤصّل هذا الأسلوب وتتجلى فيها مقاصد الاستدراج ومعالمه الرحيمة قول الله تعالى في أمر الوالدين المشركَيْن: {وَوَصَّيْنَا الاِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ اَنَابَ إِلَيَّ} (2).
__________
(1) ـ ابن عاشور، المصدر نفسه، ج.7:320.
(2) ـ القرآن الكريم، لقمان: 14 - 15. (1/63)
صفحة 39
نلاحظ هنا أنه على الرغم من المجاهدة العنيفة التي يُتوقع عادة أن يبذلها الآباء لمنع أبنائهم من «تسفيه» عقائدهم وعقائد أجدادهم والخروج عن سننهم المألوفة وشعائرهم الموروثة فإن الله تعالى لم يأمر الأبناء في هذا الأمر المصيري الخطير بألاّ يتجاوزوا عدم الطاعة وحسب، وإنما وجههم إلى أن يقابلوا مجاهدة الوالدين بالمصاحبة البارَة، والآية الكريمة لم تستعمل الصحبة (واصحبهما) للتعبير عن المعنى المراد، وإنما فضّلت صيغة المصاحبة لما في وزن المفاعلة من بذل الجهد في وجه طرف عنيد مقاوم شديد المدافعة، لا يستسلم ـ في مسألة يرى فيها كما بزعم مصير ابنه الأبدي ـ بلطف ولين، ولا ييأس من عودته إلى الحظيرة الدينية القديمة بسهولة وبيسر، سيحاول الوالدان استرجاع ما يظنانه فقدا ثمينا مرة بعد أخرى، لأن الغالب على الظن هو ألاّ يتقبل الوالدان محاولات البرّ الأولى من ابنهما، وسيبذلان ما وسعهما من الجهد لاستفزازه والتأثير فيه بما لهما من قوة العاطفة الأبوية التي سيحيلانها عمدا إلى عداء ظاهري وقد يتحول أحيانا إلى شيء من المناكفات الحقيقية والدائمة، ومن هنا جاء التعبير بالفعل «صاحبهما» الدال على المقاومة وتكرار محاولات الوالدين «لاستعادة» أعز ما يملكان، كما يرشد الفعل صاحب في الوقت ذاته إلى وجوب عدم استسلام الابن لأي نفور أو تنفير منهما، وما سمعت البشرية في دنيا المعاملات بتعليمات ارتقت في معالجتها الأخلاقية لأدواء نفسية اجتماعية إلى عدل مطلق وبرّ لا ينتهي مثل هذه التعادلية اللطيفة الرحيمة وهذا التوجيه الرباني الراقي المنصف لطرفي الأسرة التي يحرص الإسلام على حفظها ورعايتها ما أمكن.
كما نجد في توجيه الله تعالى رسوله الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم وتذكيره المتكرر بالتزام الصبر في المواقف التي يجنح فيها المكابرون من قومه إلى أساليب «الاستخفاف» والاستفزاز لمضايقته وتيئيسه ملمحاً ربّانياً لطيفاً يشير بوضوح إلى أن ذلك واحد من أهم أدوات الاستدراج المحايدة التي ينبغي أن يركن إليها الداعية عندما يكون الاستدراج القولي غير مجد، يقول تعالى: {وَلَئِن جِئْتَهُم بِئَايَةٍ لَّيَقُولَنَّ الذِينَ كَفَرُوا إِنَ اَنتُمُ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (58) كَذَالِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (59) (1/64)
صفحة 40
فَاصْبِرِ اِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذِينَ لاَ يُوقِنُونَ (60)} (1) فالصبر مقابل «الاستخفاف» عزيمة من العزائم التي ينبغي أن تتحلى بها كل همة كبيرة نذرت نفسها للنهوض بعظائم الأمور وخالد الرسالات، عزيمة عبّر عنها القرآن الكريم بكظم الغيظ، ولا يخفى ما في هذه الاستعارة البلاغية من أسلوب تصويري مشخّص يجمع بين صورتين: صورة القربة التي تكاد تنفجر من الهواء المنحبس داخلها فيكظم عليه برباط محكم حتى لا يتسرب منها (2)، وبين صورة الشخص المستفَزّ الذي يكظم في نفسه على أذى الخصم واستخفافه الذي يدعو إلى الانتقام وردة الفعل العنيفة، ومسار الدعوة وما يرافقها من إصلاح وبناء لا تستقيم بغير قيمة الصبر التي تمكّن من التواصل والمحاورة والحجاج الهاديء الهادف المسالم، وهي قيمة استقصدت لذاتها معيارا للتفاضل والعمل المحمود بحِكمة الخلق وحُكم الفتنة: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً اَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)} (3).
هذا الخُلق العزيز من عزيمة الصبر أسلوب من أساليب الحكمة الصامتة ـ إذا جاز الوصف ـ يسنح كثيرا من الفرص اللازمة، تمكّن بدورها الطرف الآخر من الإخلاد إلى نفسه قليلا، فيجيل النظر فيما طرح عليه ودعي إليه، وهو توجيه إلهي يندرج بكل الوضوح تحت أسلوب الاستدراج في مسألة لا تمس جوهر الرسالات التي تعاقب عليها أنبياء الله ورسله عليهم السلام جميعا وحسب وإنما تطال كل مسارب الحياة وشعابها.
خامسا: أسلوب الاستدراج الإعراضي
من الطرائق العملية المهمة التي ألمح إليها القرآن الكريم في هذا السبيل هي ما يمكن وسمه بالاستدراج الإعراضي، وهو أن يعرض الداعية ومؤيدوه عن التعرض لمعتقدات الخصم
__________
(1) ـ القرآن الكريم، الروم: 58 ـ 60.
(2) ـ هذا هو أصل الكظم اللغوي، انظر اللسان، مادة كظم.
(3) ـ القرآن الكريم، الفرقان: 20. (1/65)
صفحة 41
بأي نوع من الأذى الفعلي أو الكلامي الذي لا هدف له سوى استفزاز الخصم واستثارته، وذلك حتى لا يرتد طائش أذاهوكريه نزقه على معتقدات المسلمين ودور عبادتهم، يقول الله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواَم بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَالِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (108)} (1).
وقد توسع علماء الأصول في فهم هذه الآية الكريمة توسعا داخليا إذا جاز التعبير، فبنوا عليها أصلا من أصول سد الذرائع التي آثر بعضهم التركيز فيها على جانب المنع والتحريم أكثر من العمل على أن تبقى الآية معلماً من معالم الخطاب الإسلامي الذي يمد أسباب التواصل وأداة من الأدوات التي تقتضيها المقاصد الدعوية، وهي آية ترفدها آيات أخر محكمات في هذا التوجه الذي يتأسس على مفاهيم من حب الخير العميم ومعان من الرحمة الواسعة التي تسع العالمين جميعا، كقوله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمُ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)} (2)، وكقوله تعالى مخاطبا موسى وأخاه هارون عليهما السلام في شأن فرعون الذي تكبّر وطغى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)} (3) وكقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (4)، إن بعض الفهوم كأنها اكتفت باستصحاب
__________
(1) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 108.
(2) ـ القرآن الكريم، الممتحنة: 8، وهذه الآية بقدر ما تدعو إلى البر والإحسان فإنها بطبيعة الحق تستثني من هذا الأسلوب الاستدراجي كل محارب يرفع الحراب في وجه الدعوة الإسلامية وأصحابها، إلاّ أن يلقي السلم ويعود إليه عودا صادقا.
(3) ـ القرآن الكريم، طه: 44.
(4) ـ القرآن الكريم، النحل: 125، ولعل تكملة الآية الكريمة تجمع وسائل هذا الأسلوب الاستدراجي وأدواته في بيان توجيهي رائع، فقد دعت الآية إلى الحكمة والحسنى، ثم دعت حتى في حال القصاص إلى عدم تجاوز حد الجرم الذي يدعو إلى ذلك، ووجهت النبي صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنون أحوج إلى هذا التوجيه ـ إلى أن في الصبر خيرا: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (126)، ثم تؤكد تذييلات الآية هذاالمسلك التأديبي الرفيع في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الذِينَ اتَّقَوا وَّالذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128)} (1/66)
صفحة 42
مفهوم هذه الآية فيما يتعلق (1/67)
صفحة 43
بباب سد الذرائع في أمور الفقه من حلال وحرام، حتى لتكاد تنقلب دلالتها العميقة من كونها مظهرا من مظاهر الرحمة الإلهية التي لا يحتكرها المسلمون لأنفسهم ولا يستأثرون بها وحدهم إلى نقيض ذلك، فضيق بعضهم على أنفسهم ما يسع البشرية جميعا، ولا ريب في أن الفهم العميق والنظر البعيد هو الذي حدا بالصحابة الكرام أن يدركوا في ضوء هذه الآية بأن الحكمة تقتضي عدم التعرض لما قد يوجد في مدار المسلمين من معبودات غيرهم، وهو أمر إن لم يكن من باب الحفاظ عظةً وادّكارا على تراثٍ أمِن الناس على أنفسهم مظنة التوجّه إليه بالعبادة، فهو من باب هذا الاستدراج الذي ينبغي أن يوازن فيه أهل الرأي بين المصالح التي يجلبها التعرض لتلك المعبودات بالهدم والتخريب أو النهب والمصادرة وبين المفاسد التي يدرؤها الإبقاء عليها شاخصة، و لا يحيق إثمها إلا بأهلها.
ومن المفارقات التي لا تنشئها إلا مقامات الرحمة ومقاصد الخير التي تناط بذوي التعاليم الربانية وحَمَلةالرسالات الخالدة أن يؤمر النبي الكريم بالإعراض عن إعراض المشركين وأذاهم، وألاّ يستسلم لِعَنتهم وعنادهم حتى في المواقف التي يشتد فيها هذا الأذى ويثقل ذلك الإعراض ويكبر، يقول تعالى: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الاَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَآءِ فَتَاتِيَهُم بِئَايَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعُهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)} (1)، والجاهلية في هذا السياق هي تلك القوة الهائلة التي تستحوذ على كل ملكات الشخص النفسية والعاطفية وتتملك قواه العقلية فتدفع به إلى الاهتماملا بالدعوة وأمرها وحسب، وإنما ـ كما تلمح الآية الكريمة ـ بنتائجها التي يستعجلها الإنسان بطبعه، فيوجه الله تعالى نبيه الكريم ـ والمؤمنون أحوج إلى هذا التوجيه وبخاصة في زماننا ـ إلى أن لهذا الأمر سننا يجب اتباعها، ووسائل وأسبابا ينبغي
__________
(1) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 35. (1/68)
صفحة 44
الأخذ بها والتدرج في توظيفها، فلا يحزنك تكذيبهم ولا يستجهلنك أذاهم، واعتصم بالصبر: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيُحْزِنُكَ الذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكْذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)} (1)، إنها سنة الله وطريق المرسلين ترسمها الآية بكل الوضوح منهاجا لسيد المرسلين يسلكه على هدي من سبيل الاستدراج والارتفاق هو ومن تبعه ممن ترسّم خطاه.
لقد تعددت الشواهد التي تؤكد هذا الأسلوب من الاستدراج الإعراضي إلى درجة تجعل منه قاعدة عامة في التواصل والخطاب يُركن إليها كلما بدا من المخاطَب ما يؤذي، يقول تعالى: {اُوْلَئِكَ الذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُم} (2) ويقول: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}، (3) ويقول: {وَإِذَا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} (4) ويقول: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (5).
الإعراض الذي تتحدَّث عنه هذه الآيات الكريمات هو من باب الاستدراج الذي يعود بالحوار من الشخصي إلى الموضوعي كلما حاد عن مضامينه وأصوله، فهو لا يعني بحال تيئيس الداعية أو إيقافه عن أداء مهمته الشريفة، أو حتى الحد من عزيمته، وإنما هو توجيه تربوي رحيم إلى عدم الاهتمام بما يصدر عن المستقصدين بالخطاب من أذى فعلي أو قولي، وأن يستدرجهم بالابتعاد عن الفعلي وعدم الرد على القولي إلاّ بالتي هي أحسن.
__________
(1) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 33 ـ 34.
(2) ـ القرآن الكريم، النساء: 63.
(3) ـ القرآن الكريم، النساء: 81.
(4) ـ القرآن الكريم، الأنعام: 63.
(5) ـ القرآن الكريم، الأعراف: 199. (1/69)
صفحة 45
سادسا: أسلوب الاستدراج العملي
لم يهمل الإسلام الجوانب االإنسانية للنفس البشرية، وإنما حرص على تهذيبها وتوجيهها نحو الخير والفضيلة، فشرع للمسلمين ما يعينهم على توظيف هذهالنوازع الفطرية في سبل الهداية وتبليغ الكلمة الطيبة إلى الناس جميعا، فقد جعل أحد مصارف الزكاة مدخلا إلى قلوب أولئك الذين استمال الإسلام بعض عواطفهم وإن لم يتمكن بعد من امتلاك مشاعرهم لظروف تجعلهم يقفون في مناطق تتأرجح بهم بين التردد والإقدام وبين الحيرة واليقين، وإن سالم أكثرهم بانضمامهم الرسمي إلى دائرة الإسلام، فليس نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة في حقيقة الأمر إلا استدراج إنساني يعين المستدرجين أنفسهم على إزاحة ما تبقى من غبش رؤيوي في عيونهم، ويعمل على تليين قلوبهم، وإيناس لهم من غربة قد يحسون بها لفقدهم ما كانوا فيه من أبهة وجاه.
ومن المؤشرات الدالة على أصالة هذا المنزع الاستدراجي وتمثله الجلي في مفهوم المؤلفة قلوبهم هو ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المبدأ بسخاء منقطع النظيرعقب معركة حنين التي كان كل ما تعلق بها وما جرى فيها للمسلمين من بوادر هزيمةٍ لاغترارٍ بكثرة يوحي بنقيض تأليف القلوب أو استدراجها، لقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم «المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافاً من أشراف الناس، يتألّفهم ويتألّف بهم قومهم»، (1) فأعطى من بني أمية أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية، ومن بني عبد الدار شيبة بن عثمان، ومن بني مخزوم زهير بن أمية وهشام بن الوليد، ومن بني جمح صفوان بن أمية، وغيرهم كثير (2).
ومن أوضح دلالات الاستدراج في مسألة المؤلفة قلوبهم أن تأتي في أعقاب لحظات النصر المبين، وفي ذلك من الإشارات والإيماءات الصادقة والعميقة ما فيه، وأقرب هذه الإشارات التي تبدو من هذا المسلك الكريم هو أن الغاية التي ينشدها المسلم في سلمه وحربه ومن تدافعه مع الآخر هي تبليغ الرسالة الربانية وهداية الناس،
__________
(1) ـ أبو محمد عبد الملك ابن هشام، السيرة النبوية، تح. محمد شحاته إبراهيم، دار المنار، مج. 2: 273.
(2) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 275. (1/70)
صفحة 46
لا الانتصار عليهم والانتقام منهم لما قد يكون صدر منهم يوم كانوا منتصرين عليه، وأهم من ذلك وأرقى في دلالاته الأخلاقية في هذا السياق هو أن المسلم ليس مسالما لأنه لا يملك القوة وإنما هو مسالم لأن روح الرسالة التي يدين بها تنحصر أخلاقيا في قيمة الرحمة، {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (1).
وموقفه صلى الله عليه وسلم مع أبي سفيان ـ وأقول مع ولا أقول من ـ وموقفه مع ابنه لم يكن الأول ولا الأخير لمكانة الرجلين في قريش ولما يمتلكان من حنكة سياسية، فقد كان له عليه السلام مع أبي سفيان موقف استدراجي متميز في لحظة يكاد ينطق فيها لسان حال أبي سفيان بالنفاق القلبي (2)، لو قيست بمعاييرنا التي تترصد الخطأ بعيون مجهرية وتتكفل «بإغلاق منافذ النجاة في وجه النفس البشرية» (3)، لنفضنا منه أيدينا في لحظات، ذلكم بأنه لم يكن من مقام كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم أقوى وأقدر على الانتقام لنفسه ودينه ـ ونفسه لا تنفصل عن دينه ـ وعلى تصفية حسابات المسلمين مع رؤوس الكفر في قريش وما حواليها كما كان الشأن يوم فتح مكة، وقد أمكنه الله من أبي سفيان وأضرابه، ولكن ما الدين وما الرسالة إن لم يكونا لحمة ووشيجة! إنها دعو الإخاء، لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل من أبي سفيان ظاهر إيمانه وحسب ـ وهو الذي كان يقول قبل قليل في حق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: «أمّا هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا» (4) ـ وإنما جعل له شيئا من الاحترام لمكانته في قومه عندما قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» (5)، فلم يكن أمثال تلك القالة لتمنع النبي صلى الله عليه وسلم من أن يقبل من الناس ظواهرهم رحمة بالعالمين ولطفا، واستدراجا لقلوب أشرافٍ تُرتهن وراءها قلوب أخرى، ما تزال تتشبث ـ رغم فطرتها الأولى ـ بأولئك الأشراف، فلتُمكّن بعيدا عنهم من رؤية النور بكل سبل الخير.
__________
(1) ـ القرآن الكريم، الأنبياء: 107.
(2) ـ إن مقالة أبي سفيان قد صرحت في واقع الأمر بذلك.
(3) ـ عباس محمود العقاد، المجموعة الكاملة: العقائد والمذاهب، دار الكتاب اللبناني، بيروت، مج. 11: 325.
(4) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 213.
(5) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 213. (1/71)
صفحة 47
وتتجلَّى استحقاقات الروعة البيانية في أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته الرحيمة لصحبه الأنصار الأخيار في موقف من أشد المواقف استدعاء للتأمل في قيمة الاستدراج ومعناه ومقصده، فلا أخال المرء يقوى على مقاربة شيءمن هذه الروعة عندما يلاحظ بحق أن من أرقى أساليب الاستدراج وأعظمه هو ذلك الموقف الذي خاطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم جماعة الأنصار رضي الله عنهم، يستدرجهم بكلمات ربانية جمعت كل شمائل النفس البشرية، يتوجه بها لهم على ألسنتهم، لينتصف لهم من أنفسهم لو أرادوا الانتصاف لأنفسهم، وهو ما يجعلهم يفكرون فيما وراء ما ذكّرهم به النبي صلى الله عليه وسلم الذي فطن لما يمكن أن يعتمل في صدورهم ويختلج في دواخلهم وأخلادهم، فاختار لهم ما هو أفضل لهم وأبقى من «لعاعة» تذهب وتزول، لقد وجد بعض الأنصار في نفوسهم عندما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم «ما أعطى من تلك العطايا (غنائم حنين) في قريش وفي قبائل العرب»، (1) فجمع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في حظيرة قريبة وقال لهم: «يا معشر الأنصار ما قالةٌ بلغتني عنكم؟ وجِدة (حزن يشبه الغضب) وجدتموها عليّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلاّلا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل، ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بما نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المنّ والفضل، قال صلى الله عليه وسلم: أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدّقتم، أتيتنا مُكذَّبا فصدَقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليُسلموا ووَكَلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمّد بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً وسلكت الأنصار شِعباً لسلكت شِعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» (2). فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينتصر لنفسه ـ وما كانت نفسه إلا مع الحق المبين ـ وإنما كان ينتصر لهم من أنفسهم، وهذا هو سر هذه الكلمات التي لا تكتفي بحجة ظاهرة وإن كانت صحيحة، فسبر
__________
(1) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 8 ـ 279.
(2) ـابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 8 ـ 279. (1/72)
صفحة 48
أغوار نفوسهم وقال لهم بلسان الحال أنه لا يغيب عنه جهادهم ولا سابقتهم في الإسلام، ولكن أراد أن يبقى ذلك صفواً من كل دخن، بعيدا عن كل منّ، لا جزاء له إلا الرضى من الله ورسوله.
من المواقفالتي نهج فيهاالنبي صلى الله عليه وسلم شرعة الحكمة البالغة وسنّ فيها للمسلمين سنن الاستدراج بوضوح لا تشوبه شائبة من شك ولا يعتريه شيء من ريب أو وهم، موقف الحديبية، فقد مهد النبي صلى الله عليه وسلم لهذا اليوم التاريخي المشهود بسلوك مسالم منذ الوهلة الأولى التي اعتزم فيها اعتمار بيت الله الحرام في مكة، موطنه الذي أخرجته منه قريش ظلما وعدوانا، عمد عليه السلام إلى إبراد رسالة عملية مفتوحة يستدرج بها قومه إلى حالة شعورية يؤمن بها رَوْع الناس الذين «أكلتهم الحرب» (1) من حوله، يقول ابن هشام نقلا عن ابن إسحاق: «وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له» (2)، سلك النبي الكريم هذاالمسلك الحميد من تهدئة النفوس وطمأنتها بسَوق الهدي والتزيي بزي الإحرام لأنه عليه السلام يدرك جيدا غرور قومه وحميتهم الجاهلية التي تحركها عزة الإثم وينفث فيها شيطان الكبرياء، إن قدسية المنسك العظيم ومقاصده النبيلة وغاياته الدينية الشريفة لم تدفعه إلى ألاّ يحاولالتخفيف من غلواء خصومه، ولم تنسه الالتفات إلى الجوانب النفسية من طبائع الناس.
لقد كشفت الأحداث في هذا الصلح المبارك عن ملامح العظمة في توجهات الحوار الذي قاد إليه، وأبانت الأيام مكامن النصر المبين في ثنايا مواده، وهو انتصار للحق، تم في واقع الأمر بالانتصار للذين حادّوا النبي الكريم، فلو أمعنا النظر مليا لأدركنا كيف تلين القلوب وتتهذب الأساليب في شرائع النبيين حتى إن مظاهرها لتبدو ـ لمن لم تسعفهم حميتهم الدينية الصادقة في أن يسبروا أغوار الأمور ويبعدوا فيها النظر ـ وكأنها نوع من إعطاء الدنية في الدين، يقول ابن هشام: «فلما التأم الأمر ولم يبق إلا
__________
(1) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 142.
(2) ـ ابن هشام، المصدر السابق، الصفحة نفسها. (1/73)
صفحة 49
الكتاب وثب عمر ابن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه (ركابه) فإني أشهد أنه رسول الله، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني» (1).
موقف يكاد أن يزايل فيه الوقار نفوس رجالات في عظمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وثباته، وفي صدق إخوانه المؤمنين وعزمهم، ولكنها الرحمة المهداة، وأي رحمة أبلغ من هذه التي تترفق في مخاطبة خصومها، وتتسع لألد أعدائها في أشدّ المواقف وأوعر المنازل والمسالك، يقول ابن هشام واصفا كتابة عقد الصلح: «ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو» (2).
يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم في تأسيس هذا المنهج الاستدراجي الحكيم وتوطينه في أدب الدعوة وخطاب التبليغ والتواصل مع الذين يختلف معهم في العقائد والأصول مبلغا تتجلّى فيه الملاطفة في أسمى تجلياتها ومراتبها، وترتسم معه خطاه المنصفات كأوضح ما يكون الارتسام لمن يود أن يترسّمها في مثل تلك المواقف التي لا تنتصر فيها سوى النفوس الواثقة الكظيمة في غير ما ذلة أو هوان، لو تأملنا بشيء من التحليل موقف الرسول عليه السلام من رفض سهيل بن عمرو لكتابة اسمه الكريم (محمّد) مشفوعاً بصفة الرسالة لأدركنا آفاق هذا الموقف الحكيم، ولرأينا كيف أنه اختصر تلك الآفاق في بضع كلمات موجزة عندما ردّ على عمر رضي الله عنه، حيث قال: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني»، إنه صدق النبيين فيما يقولون، وثقتهم بوعود الله التي ترتسم أمامهم وهم ينظرون إليها من وراء الحجب وشفيف الأستار، فعندما قبل الرسول صلى الله عليه وسلم محو صفة الرسالة من على الوثيقة، كان يدرك تماما أن ذلك المحو ليس فيه ـ لا عقلاً ولا شرعا ولا عرفا سليما ـ ما يمكن وسمه بتسوية مشينة أو مساومة ذليلة على حساب الثوابت والقيم، فضلاً عن أن يكون فيه ما يلغي رسالته من قلوب المؤمنين بها، تماما كما أن إثباتها في تلك الوثيقة ليس فيه ما يثبتها في قلوب من ينكرون رسالته أويكفرون بها،
__________
(1) ـ ابن هشام، المصدر السابق، ص 147.
(2) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج.2: 147، وبنود الوثيقة كلها استدراج تفاوضي صادق، لايؤتاه إلاّ من أوتي الحكمة وفصل الخطاب. (1/74)
صفحة 50
فلم يبق عندئذ إلاّ الحكمة البالغة التي جمعت هذه القلوب المؤمنة وغير المؤمنة على كلمة سواء، ووقفت بهم على صعيد واحد، يتجسد في الاعتراف المتبادل بشخص النبي الكريم ـ بغض النظر عما وصف به في الوثيقة ـ ندّا بشريا لقريش الحامية لمقدسات العرب جميعا.
وهل هناك عند التأمل وتدقيق النظر من استدراج أعظم من هذا الاستدراج الصادق الواضح الرحيم الذي يستأثر في واقع الأمر وقادم الأيام ـ بعيداً عن أية ألاعيب سياسية ـ بالغنم كله دون أن يغرم القوم كلهم شيئا يذكر، وما بدا في ظاهر الأمر من أن قريشا قد استأثرت بشيء من الغنم ما هو في حقيقته إلا نصر ورقيّ، قد يرضي زهو الجاهليين ويداعب كبرياءهم، لكن دون أن يمس ثوابت المسلمين وعزتهم الموفورة بإيمانهم وعقيدتهم، وقد نجحت الرحمة المحمدية في حقن دماء الجميع، وهوالمقصد الأسنى للنبي صلى الله عليه وسلم من الوثيقة أصلا، فمَن مِن عرب الجزيرة كلها كان يمكن أن يخطر له على قلب قبل بضع سنين أنَّ محمداً الذي آذته أطفال الطائف حتى أدمت قدميه الطاهرتين وتجهمت له الدنيا بأسرها وتنكرت له بطون قريش وعشائرها وطاردته بخيلها يقف في مدة يسيرة بعد خروجه من وطنه مكة يفاوض كبار قريش كلهم على دخولها ثانية مع صحبه المؤمنين معتمرين على طريقة الإسلام وهدي رسالته التي لا تضع معتقدات القوم بالفعل ـ لا بالقول وحده ـ على ميزان جديد وحسب، بل وتسفّه آلهتهم وهي مكدّسة داخل الكعبة المشرفة! أو ليس في هذا إيماءة أخرى يمكن قراءتها بكل الوضوح مفادها أن تحطيم الأوثان والأصنام في قلوب الناس أولى من تحطيمها وهدمها في معابدهم ودورهم بل حتى في مساجدهم أحيانا؟ إن العناية الإلهية التي تحوطه وترعاه (1/75)
صفحة 51
هي التي أوقفته هذا الموقف الاستدراجي وهو على ثقة من السبيل التي يسلك والغاية التي يطلب، شعاره في كل ذلك: «لن أخالف أمره ولن يضيعني».
ما فعله الرسول عليه السلام في هذا الصلح المبارك هو في حقيقة الأمر مذهب من صميم مذاهب الاستلطاف وطريق من طرق الاستدراج، عالج به غرور النفس عند الخصم الخصيم، وكبح كثيرا من جموحها في لحظات يطغى عليها الغضب والاستعلاء والاستنفار والاستكبار، وعاد بتلك النفس الضالة ـ ما أمكن الظرف ـ إلى جوانبها الإنسانية بالصبر والمصابرة واليقين، فاجتاز بصحبه الأخيار إلى الهدف النبيل، متفاديا مسالك التهلكة عندما لاحت مواطنها بحكمة القرآن وأناة النبيين وواقعية الرجال المصلحين.
مقارنة دالّة
قد يكون من متممات هذا الحديث قبل أن نصل به إلى خواتيمه أن نقيم مقارنة عابرة بين مادتين من مواد الخطاب القرآني لتكشف لنا بوضوح كيف أن رسالة الإسلام الخالدة تنزع بطبيعتها إلى قوة المنطق و أسلوب الحكمة، وتنأى بنفسها عن منطق القوة وحكمها ما أمكنها ذلك، وهذا هو أصل الاستدراج وجوهره.
لقد ورد في غضون آيات القرآن الكريم مئة وسبعون (170) مادة من مواد الجذر «قتل»، توزعت على حوالي اثنتين وثلاثين (32) سورة، بما في ذلك ما أتى منها في سياقات دُعائية، وأخرى تاريخية وافتراضية لا علاقة لها بالقتال، كقوله تعالى: {قُتِلَ الاِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} (1)، وقوله: {اِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)} (2)، بل منها ما جاء في سياق يحارب ثقافة العنف، ويستنكر القتل وسيلة من وسائل الحوار، يقول تعالى: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً اَنْ يَّقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ} (3).
بينما تتردد مادة الجذر «قول» في ثنايا القرآن الكريم أكثر من خمس وتسعين وألفي مرة (2095)، في سياقات التبليغ والحوار والجدال، يحكمها كلها قول الله المحكم:
__________
(1) ـ القرآن الكريم، عبس: 17.
(2) ـ القرآن الكريم، المدثر: 19.
(3) ـ القرآن الكريم، غافر: 28. (1/76)
صفحة 52
{وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} (1) وقوله تعالى يخاطب موسى وأخاه هارون عليهما السلام المرسلين إلى طاغية الاستبداد المتجبّر: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا} (2).
هذا، وينبغي أن ندرك أن آيات التحريض على القتال تنحصر في سبع سور تشرّع للمسلمين سَنَن القتال وشروطهوتعاليمه، وهذه التعاليم بدورها تكاد تنحصر في حالتي الدفاع عن النفس ورفع الظلم والجور الواقع عليهم أو ما يرجّح في الظن أنه واقع عليهم لوقوفه في طريق الدعوة وسبيلها، بينما تتوزع مادة القول في القرآن الكريم من بدايته إلى نهايته على أكثر من سبعين (70) سورة كي يتربّى المسلم على تقبل الرأي واحترام القول ـ أهم وسائل التبليغ والدعوة ـ، فإذا عرفنا ذلك اتضح لنا بجلاء باهر كيف تتناقض صورة الإسلام التي يرسمها الإعلام بشتى مشاربه وثقافاته المتلونة ووسائله ووسائطه المعقدة مع الصورة الحقيقية السمحة التي يرسمها له القرآن تصريحا وتلويحا، وهكذا تتربع الصورة الأولى (القتل) الاستثنائية مجمّدة على شاشات العالم، ترسم في هدوء محكم ما يراد لنا أن نكونه في أذهان العالم، وتتوارى الصورة الثانية خجولة تدسّ رأسها في زوايا الأكاديميا وقد لا تسلم ..
ليس من باب المصادفة المحضة أن يعمد بعض المستشرقين إلى تقديم لغة الإسلام وأدبه في غفلة من بعض أبنائه عبر مسارب تصدم كل من يتطلع إلى معرفة العرب وتراثهم السمح، فلم يجد ( Gibb)، على سبيل المثال من مادة يصور بها طواعية لغة القرآن الكريم وقدرتها على الاستيعاب والتنوع الاشتقاقي غير الجذر «قتل» (3)، ولو أنصف لما تجاوز جذر «كتب» الذي يرسم بتقليباته المختلفة من الكتابة والمكتبة والمكاتبة الفقهية و الكتاتيب والكتّاب صورة صادقة للغة العربية وروحها وحضارتها، ولكن جذور الكتابة والقراءة هي مادة وزاد من يريد استدراج الناس إلى الخير العميم بالحسنى والفضل، وليست بمادة وزاد من تخذله النوايا، وتقعد به المقاصد عن إنصاف أهل اللغة، أو قل إن شئت أهله لو كان له بعيد نظر، وهكذا هو حال المسافات في طريق عرض
__________
(1) ـ القرآن الكريم، البقرة: 83.
(2) ـ القرآن الكريم، طه: 44.
(3) ـ H. A. R. Gibb: ArabicLiterature, Oxford U. P. 1962, p. 8. (1/77)
صفحة 53
ثقافتنا على الآخرين، فالخط المستقيم هو أقصرها فيما بين أية نقتطين، فإذا ما تم تفويض غير المؤهلين والمخلصين للقيام بمهمة التعريف كان الغبن الذي يصيب تاريخ الثقافة العربية والإسلامية جد كبير، لأن مسيرة الأساليب الحوارية والدعوية تتنكب بهم صراط الحكمة، فكان ما رأينا بين القتل والقول، مسافة حرف واحد، إلاّ أنها مسافة دلالية تفصل بين ألطف أساليب الاستدراج وبين أساليب الإحراج، أي بين ثقافة الحياة وثقافة الموت.
خواتيم الحديث
يتبيَّن مماذكر من شواهد اجتهدت أن تكون غاية في الدلالة والإيحاء، أن الاستدراج أسلوب بلاغي مكين في أدب الخطاب القرآني والهدي النبوي، غايته إسلاس مقاد الخصم وتذليل عواطفه بغية أن يلتفت إلى المخاطِب (بكسر الطاء)، فيتعرف على جوهر خطابه بعد أن تتضح ملامحه بعيدا عن كل عوائق التواصل والاتصال بين المختلفين في العقيدة والرأي، ولا يتأتى هذا الأسلوب الرفيع إلا لمن عرف مقاصد الكلام، وخبر أغوار النفوس المستقصدة بالخطاب، فيعبُر إليها من أبوابها، وقد رأينا أنه أسلوب لا ينال من محتوى الخطاب وفحوى أصوله، وإنما يتناول أسلوب التواصل وأدواته التي تستقصد تقريب المخاطَب (بفتح الطاء) من ذلك المحتوى وتلك الأصول.
فالاستدراج قدرات حوارية تلاطف الخصم وتؤانسه، يوظفها الداعية لإزاحة الحجب الحائلة بين الخصم ورؤيته للأدلة والبراهين، عله يتخلص من عقدة الخصومة و «الغيرية»، ولحظة ما يتم ذلك يكون قد صار وجها لوجه أمام الحقيقة، فيضع يده بنفسه على مكامن الضعف في فكره، ويكون ـ إن لم تنله ألطاف الهداية ـ قد ظللته الرحمة العامة، فيقبل العيش المسالم على أسس المحبة الإنسانية والأخوة البشرية، ولقد تبين مما مضى أن الاستدراج من حيث المقاصد والغايات نوعان:
1ـ كيدي مخادع، وهو ما عبر عنه ابن الأثير بمخادعات الأقوال، أي هو تزويق لفظي ظاهري لفكرة خاطئة بغية غرض منفعي، وهو تغرير بالقول ومراوغة تجعل المستدرَج (بفتح الطاء) يظن السيء حسنا والحسن سيئا، وهو أسلوب لا يتّسق مع قيم الإسلام ولا تقره تعاليمه، فلهذا لم أعن به ولم يستوقفني في هذا البحث إلاّ عبورا. (1/78)
صفحة 54
2ـ قرآني نبوي خيِّر ينزع إلى فضيلة التدرج في مخاطبة الخصم ليلتفت إلى الداعية، فيتمكن المدعو ـ عندما تنزاح من حواليه غواشي الأحكام المسبقة وثقل التقاليد وأحمال الأعراف ـ على التمييز الواعي بين مصالحه الحقيقية وبين وهْم المصالح الآنية، وهذا النوع في حقيقته حِلم من المستدرِج ورحمة منه، وهو ما حاولت إبراز ملامحه كما تجلت في كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام.
هذا، وقد حاولت تقسيم هذا الأسلوب الاستدراجي إلى ستة أقسام لغرض منهجي تبياني، فهذه الأقسام الستة لا تتمايز فيما بينها تمايزا كبيرا، وإنما هي في الحقيقة قد تتداخل تداخلا شديدا فتنعدم حدودها، وتبقى هذه الأساليب في إطارها العام، يجمعها جميعا منهجية إنسانية راقية، تتدرج مع المستقصدين بالخطاب في لطف ويسر، غايتها الهداية والإرشاد، ووسائلها كلمة طيبة وجدال بالتي هي أحسن، وزادها الذي لا ينضب رحمة مهداة إلى الناس أجمعين.
وتبقى ملاحظتان تنهيان هذا البحث بشيء من الاحتراس و التذكير المتفائل:
الأولى: ربما يود نفر من المنتسبين إلى حقل الدعوة أو ممن ينخرطون في سوق الإعلام والمزايداتالفكرية أن يخلطوا بين أحكام الله على بعض الجماعات والأقوام الماضية وبين أقوال الأنبياء وأساليبهم التي اتبعوها بحنان وشفقة في تبليغ رسالاتهم، إلا أن الفارق بين من يملك حق الإدانة وإصدار الأحكام وبين من لا يملك غير تبليغها كبير وجوهري، والمسافةبين الطرفين ـ كما يتجلى في آي الذكر الحكيم التي استعرضنا نماذج منها ـ شاسعة شسوع ما بين السماء والأرض، فأن يسم القرآن فرعون مثلا بالجبروت والطغيان وينعته بالعلو والفساد في الأرض ـ لحكمة لا تخفى وقدر قد سبق علمه ـ شيء، وأن يقول ذلك موسى عليه السلام أسلوبَ دعوة وتبليغَ رسالة شيء آخر، فإنه إذا ما تتبعنا مسيرة الدعوة كما تجلت في مثل موسى عليه السلام وفرعون نجد أنها مسيرة هادئة متزنة متأدبة تأخذ بمجامع الأسلوب الاستدراجي الحكيم، حتى إن الله تعالى ذكّر نبيه الكريم بذلك كما رأينا،} وقولا له قولا لينا}، لأن غاية الأنبياء هي الدعوة إلى الله لا التشهير بالباطل وحسب، وتلك تجليات الرحمة في أوسع مجاليها وأعمق معانيها، لا ينهض بها إلاّ من أتقن فن الاستدراج الحكيم. (1/79)
صفحة 55
الثانية: إنه لمما يبعث على التأمل أن نلاحظ في عهود ما بعد توطُّن الاسلام واستقراره في ديار فتوحاته الأولى، تباين حصائل الجهود المبذولة على مستويين تتناقض العُدد المادية بينهما تناقضا صارخا، فبينما تفلح فلاحا باهرًا جهود فردية عفوية في تواصلها الإنساني وتبليغ كلمة الإسلام على تواضع هذه الجهود الشديد في الوسائل والمعارف، يفشل الجهد الرسمي في تأمين صورة إيجابية ـ أو حتى حيادية ـ للعرب والمسلمين على ضخامة إمكاناته المادية ووسائطه الإعلامية، فعدد مسلمي فتوحات الأخلاق ـ إذا جاز التعبير ـ تفوق كثيرًا عدد مسلمي فتوحات السياسة، إن كان لها فتوحات تذكر!
وبعض سرِّ هذا التباين الكبير بين الجهدين هو لا شك في أنَّ الأنفاس القدسية لهذا الأسلوب الاستدراجي كانت قد سرت في مظاهر أدوات الخطاب الذي آثر الانسحاب من دنيا السياسة، واعتمد العمل القائم على حكمة الزهاد وصبر العلماء وأناتهم، وعفوية التجار وصدقهم، وهوما نجده ماثلا في حركة انتشار الإسلام في جزر شرق آسيا، وفي كثير من أطراف أفريقيا السوداء وغيرها من بيئات الإسلام البعيدة عن دياره السياسية، بينما ضلت تلك الأنفاس طريقها إلى أنساغ الخطاب الرسمي، وهو ما يبرر التذكير المتكرِّر بأنه ما من ظرف يمنع من الالتفات الجاد المتواصل لجعل خطابنا إنسانيا بالدرجة الأولى، يتميَّز في انطلاقته بالرحمة كما ترسُمُها أساليب الاستدراج الحكيمة، ويتحرَّر من عُقُل الشعارات العاطفيةالواهمة، ويخرج ـ وهو الأمر الآكد والأهم ـ من أسواق التهريج الثوري إلى رحابٍ أُسُسُها العلم والمعرفة والأخلاق المتسامحة، وما من أفق يلوح لتقديم الصورة الحقيقية للإسلام إلاَّ بوضع موازين أدبية تستوحي مقوماتها من روح هذه التعاليم الاستدراجية، وتنأى بأدواتها البلاغية عن مفاهيم الكرامة المفتعلة، والعزَّة الزائفة، وتبتعد عن تلبية رغبات النفس في انتصار الذات الواهم على الخصم، فأساليب الأنبياء عليهم السلام جميعا التزمت سبل تحقيق انتصار الفكرة الخيِّرة، الانتصار الذي لا يتم بتغلُّب النفس على الخصم، وإنما بانتصار الذات للخصم ومع الخصم، فهل يقوى خطابنا العربي الإسلامي على انتشال أدواته من وهاد الأسلوب العنتري المتشنج، ومزادات تضخيم الذات، ويعود بها إلى ديارها من إشراقات هذه الأساليب الاستدراجية الأصيلة؟ اللهم نعم، لأنَّ رصيده من أساليب الرحمة لا يفقد مفعوله بالتقادم، فإنه لا يصلح آخر هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أولها. (1/80)
صفحة 56
المصادر والمراجع
1ـ القرآن الكريم.
2ـ ابن الأثير، ضياء الدين: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تح. أحمد الحوفي وبدوي طبانة، مط. نهضة مصر، القاهرة، (1960).
3ـ ابن حجة، تقي الدين أبوبكر بن علي الحموي: خزانة الأدب وغاية الأرب، شرح عصام شعيتو، دار الهلال، بيروت، ط2، (1991).
4ـ ابن رشيق، أبو الحسن علي: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تح. محمد محي الدين بن عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط3، (1981).
5ـ ابن عاشور، محمد الطاهر: تفسير التحرير والتنوير، ج.29، الدار التونسية، (1984).
6ـ ابن العماد، أبو الفلاح عبد الحي الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار إخياء التراث العربي، بيروت (د ت، د م).
7ـ ابن قيم الجوزية، شمس الدين ابو عبد الله محمد بن بكر: زاد المعاد في هدي خير العباد محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، المطبعة المصرية، مكتبة دنديس، (د ت، د م).
8ـ ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي: لسان العرب المحيط، ترتيب يوسف خياط، مج. 2، دار الجيل، بيروت، (1988).
9ـ ابن هشام، أبو محمد عبد الله بن يوسف: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تح. مازن المبارك و محمد علي حمد الله، دار الفكر، ط6، (1985).
10ـ ابن هشام، أبو محمد عبد الملك: السيرة النبوية، تح. محمد شحاته إبراهيم، دار المنار، (د ت، د م).
11ـ الأنصاري، حسان بن ثابت: شرح ديوان حسان، وضعه عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت (1981). (1/81)
صفحة 57
12ـ الدرويش، محيي الدين: إعراب القرآن، دار اليمامة، بيروت، ط9، (1999).
13ـ الزبيدي، زين الدين أحمد بن عبد اللطيف: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح: مختصر صحيح البخاري، ضبط وتح. رضوان جامع رضوان، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة، (1424ـ2004).
14ـ الضبي، المفضل بن محمد بن يعلى: المفضليات، تح. أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف، القاهرة، ط3، (19964)
15ـ عبد الباقي، محمد فؤاد: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دار الحديث، القاهرة، ط1، (1406ـ 1986).
16ـ العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل: كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر، تح. علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا، (1986).
17ـ العقاد، عباس محمود: المجموعة الكاملة: المذاهب والعقائد، مج 11، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط2، (1411ـ1991).
18 - ـــــــــــــــــــــــ: المجموعة الكاملة: العبقريات الإسلامية، مج 4، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط2، (1411ـ1991).
19ـ الفارسي، أبو القاسم زيد بن علي: شرح كتاب الحماسة، تح. محمد عثمان علي، دار الأوزاعي، بيروت، (1982).
20ـ H. A. R. Gibb: Arabic Literature, Oxford U. P. (1962).
21 ـ Izutsue, The Structure of the Ethical Terms in the Quran, Tokyo,(1959).
22 ـ Eaton, Le Gai Charles, Islam and the Destiny of Man, State University of New York Press, Albany, N. Y. (1985).
- - - (1/82)
صفحة 58
وادي ميزاب ...
حضارةٌ تُصنع في صمت
د: قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج
كلية العلوم الإسلامية
جامعة الجزائر ــــ خروبةـ الجزائر
chikkhbelhadje@yahoo.com
ش
شاءت الإرادةُ الإلهيَّة أن تخلُقَ الإنسانَ من نفسٍ واحدة، ثم تخلُق منها زوجها، ثم تجعل منهما قبائلَ وشعوبًا وأُمَمًا تتعارفُ وتتآلفُ وتتخالط، ويستفيدُ بعضُها من خبرات بعضٍ. ومن تمام رحمة الله تعالى بالإنسانيَّة أن أكرمها بالعقل، وأعزَّها بالدين؛ الذي هو منظومة عقائد وشرائع وأخلاق تحقِّق الحياة الهنيئة المتناغمة مع الفطرة السويَّة لكلِّ نفس بشريَّة في إطار العبوديَّة لله تعالى، والاستخلاف في الأرض، تحقيقًا لمقصد الصلاحيَّة والخيريَّة من وجود الإنسان.
يقف هذا المقال مع تجربة إنسانيَّة تجسَّدت في مجتمع على أرض الجزائر، حاول أفرادُه أن يُقيموا حضارةً رفعت قواعدها على دين الإسلام في أبعاده المختلفة ... إنَّه مجتمع وادي ميزاب في جنوب الجزائر.
1 ـ الأصل والتسمية:
يعيد المؤرِّخون أصل تسمية بني ميزاب، إلى قبيلة «بني مصعب» التي عمرت هذه المنطقة قديمًا، وهي إحدى فروع قبيلة «زناتة» البربرية؛ إذ يذكر المؤرِّخ عبد الرحمن خلدون أنَّ «بني مصعب» يعود نسبُهم إلى «مصاب بن بادين» من قبيلة زناتة، الذي انتقل إلى «وادي ميزاب» هو وإخوته يقول: «وقصورُ مُصاب سكَّانها لهذا العهد شعوب بني بادين من بني عبد الواد وبني توجين ومصاب وبني زردال فيمن انضاف إليهم من شعوب زناتة، وإن كانت شهرتها مختصة بِمُصاب» (1).
__________
(1) ـ عبد الرحمن، ابن خلدون: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1402هـ \ 1981م، مج7، ص123 - 124. (1/83)
صفحة 59
ويرى الشيخ الفقيه المهتمُّ بتاريخ وادي ميزاب «عبد الرحمن بكلي» أن «سكَّان ميزاب الأصلييِّن من قبيلة بني مصعب البربريَّة، فرع زناتة العظيمة» (1). ثم تحوَّلت التسمية من «بني مصعب» إلى «بني ميزاب» مع مرور الزمن.
مع هذا الأصل الأمازيغيِّ البربريِّ البارز الذي عُرف به شمال إفريقيا عموما، فإنَّ سكَّان وادي ميزاب يجمعون في عروقهم دماءً أخرى عربيَّة، اختلطت بدمائهم من خلال الزواج والمصاهرة بين القبائل، على إثر الرحلات والأسفار بين الأوطان التي عرفتها المنطقة في أزمنة عديدة.
يقول المؤرِّخ محمَّد علي دَبُّوز: «وأصل الميزابييِّن من العرب والبربر؛ ففي عروقهم دماءُ العرب والبربر جميعًا» (2).
انصهرت هذه العرقيات بعضها في بعض مُشكِّلة المجتمعَ الميزابيَّ في صورته عبر مراحلَ طويلةٍ من التاريخ، وحينما كان الطابع الغالبُ للمجتمع هو الجنسُ الأمازيغيُّ فقد اكتسى حُلَّته وتمظهر بمواصفاته في جوانب الحياة المختلفة.
ما يمكن أن يُخلَص إليه هو أنَّ في بلاد ميزاب خليطًا من القبائل البربريَّة والعربيَّة، استوطنته وقدِمَت إليه في فتراتٍ متلاحقة من التاريخ؛ امتزجت فيما بينها مشكِّلة ما يُعرف بالمجتمع الميزابي، وقد أسهمت جميعها في بناء حضارته وتشييدها.
كما ينبغي تصحيح الرؤية الخاطئة التي ترى أنَّ سكان ميزاب نزحوا من تيهرت إثر سقوطها على أيدي الفاطمييِّن العبيديين مع نهاية القرن الثالث الهجري، فاتجهوا إلى سدراتة ووارجلان، ومنها نزحوا إلى وادي ميزاب. وذلك على شكل هجرات جماعية يتركون فيها موطنهم الأوَّل للاستقرار في الموطن الجديد.
كما ينبغي كذلك تصحيح الرؤية التي تعتبر سكَّان ميزاب الموجودين الآن هم أمازيغُ خُلَّص لم يحصل لهم أيُّ اختلاط بأجناس أخرى خاصَّة العرب منهم.
__________
(1) ـ عبد الرحمن بكلي: «فتاوى البكري»، ج1، المطبعة العربية، غرداية، 1402هـ \ 1982م، ص363.
(2) ـ محمد علي دبوز: «نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة»، ج1، ط1، مطبعة التعاونية، 1385هـ\ 1965م، ص167. (1/74)
صفحة 60
2 ـ نور الإسلام يسطع على وادي ميزاب:
لعلَّ أهمَّ حدثٍ سيكون له وقعُه في حياة الميزابييِّن، وأثره الفعال فيهم، هو اعتناقُهم للإسلام، لذا لنا أن نتساءل عن كيفية وصول الإسلام إلى وادي ميزاب، واعتناق أهله له باعتباره دينًا جديدًا سيتحوَّل مع مرور الزمن إلى عامل قويٍّ تتشكَّل على أساسه مظاهرُ الحياة لديهم.
مِمَّا هو معروفٌ في تاريخ الجزائر أنَّ عموم البربر الأمازيغ تصدَّوا بادئ الأمر للعرب الفاتحين، فقاوموا جيوشهم وخاضوا ضدَّهم حروبًا شديدة، واشتبكوا معهم في معارك عديدة، عبروا من خلالها عن معارضتهم لهذه الحملات التي رأوا فيها احتلالاً واستعمارًا جديدًا؛ أراد أن يحلَّ بدارهم ويهيمن على بلادهم، ويسلب حرياتهم، ويتحكَّم في مصائرهم، وينهب خيراتهم، ويستعبدهم ويسخِّرهم لخدمة مصالحه، كما فعلت حملات الاستعمار السالفة معهم (1).
كما أنَّ معتقداتهم ومعبوداتهم التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم قبل الإسلام ـ والتي كانت مزيجا بين الديانة اليهودية والنصرانية وعبادة الحيوانات وقوى الطبيعة ـ قد شوَّشت عليهم فَهْمَ حقيقة هذا الدين في الوهلة الأولى، الذي يدعو إلى توحيد الخالق، وعبادة الإله الواحد، وتنزيهه عن كلِّ أنواع الشرك، ونبذ ما سواه من المعبودات.
من الواضح أنَّ هذه العقيدة الجديدة قد استعصى على الأمازيغ فهمها بادئ الأمر، واحتاج الأمرُ إلى فسحةٍ زمنيَّة حتى يُدركوا حقيقتها ويقتنعوا بها، ثم يذعنوا لها.
كما سيكون لعامل اختلاف اللغة، وجهلهم باللسان العربيِّ دوره وأثره في رفض البربر للإسلام في العهد الأول.
من تلك المقاومات الشديدة التي خاضها الأمازيغُ ضدَّ العرب الفاتحين ما كان منها تحت إمرة ملكتهم المعروفة بـ «الكاهنة»، التي يبدو أنَّها كانت امرأة
__________
(1) ـ ابن خلدون: «كتاب العبر»، مج6، ص205. (1/75)
صفحة 61
حكيمة ذات شخصية قيادية قويَّة؛ استطاعت بحنكتها ورُشدها أن تُوحِّد صفوف شعبها من ورائها، ليُدافعوا عن وطنهم وحماهم الذي استهدفته الفتوحات العربية الإسلامية (1).
تمكَّن العربُ الفاتحون خلال النِّصف الثاني من القرن الأوَّل الهجري من الانتصار على البربر، وإخماد ثوراتهم، وبسط نفوذهم على أراضيهم، والاستقرار في شمال إفريقيا؛ بأن شيَّدوا أوَّل مدينة إسلاميَّة في المغرب الأوسط المتمثلة في «القيروان»، ثم واصلوا مسيرتهم حتَّى فتحوا كلَّ المغرب الأقصى، ووصلوا إلى المحيط الأطلسي بقيادة «عُقْبَة بن نافعٍالفهري»، و «موسى بن نُصَيْر» وغيرهما من القادة العظام.
كان إسلامُ البربر الأمازيغ تدريجيًّا، كما ابتدأ سطحيًّا ضعيفًا، إلى أن حسُن إسلامُهم واستقرَّ في قلوبهم، وارتضته عقولُهم، ثم أصبحوا بعد ذلك حماةً له ودعاةً إليه، فخرج من أصلابهم علماءُ وفقهاءُ وقادةٌ عسكريُّون أسهموا في نشر تعاليم الإسلام، وفي إيصال نوره إلى الأوطان التي لم تنعم به كبلاد الأندلس، وأوربا، وبلاد السودان الكبرى، وأدغال إفريقيا (2).
أمَّا عن منطقة «وادي ميزاب» فإنَّ المؤرِّخين لا يذكرون تاريخًا معيَّنًا دقيقًا لاعتناق أهلها الإسلام، كما لا يذكرون كيف تمَّ ذلك وعلى يد من، إلاَّ أنه يُتوقَّع حصول ذلك بعد مدَّة زمنية يسيرة من تمام الفتح الإسلامي لبلاد الشمال.
لا يُستبعد أن تكون قبائلُ الصحراء الجزائرية وسكَّانها هم الذين جلبوا الإسلام إلى أوطانهم من خلال أسفارهم ورحلاتهم بين الجنوب والشمال واحتكاكهم بالمناطق التي سطع عليها نور الإسلام.
بناء على ذلك يُرجح أن يكون الإسلامُ قد وصل وادي ميزاب، وغمرها بنوره مع مطلع القرن الثاني الهجري أو بعده بقليل.
__________
(1) ـ عثمان الكعَّاك: «موجز التاريخ العام للجزائر من العصر الحجري إلى الاحتلال الفرنسي»، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2003، ص99 - 105.
(2) ـ المرجع نفسه: ص106 - 108. (1/76)
صفحة 62
3 ـ قصة وادي ميزاب مع المذهب الإباضي:
تعيد مصادر التاريخ الإباضي (1) نشأة الحركة الدعوية الإباضيَّة إلى منتصف القرن الهجري الأوَّل، وبالذات إلى الأحداث الأليمة التي شهدها صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يُعرف في التاريخ الإسلامي بأحداث الفتنة الكبرى.
يَعتبر أتباعُالإباضيَّة أنَّ إمام مذهبهم هو التابعي الجليل «جابر بن زيد الأزدي»، العُمانيُّ مولدًا، والبصريُّ تعلُّما واستقرارًا، الذي كانت وفاته سنة 93هـ، حيث أرسى دعائم حركة دعويَّة ظهرت على إثر افتراق المسلمين بسبب الفتنة الكبرى وسقوط الخلافة الراشدة سنة 40هـ.
أطلقت هذه الجماعة الناشئة على نفسها تسمية «أهل الدعوة والاستقامة»، واتَّخذت من مدينة البصرة بالعراق مُستقرًا لها، وكانت تنشط في السرِّ توجُّسا من عيون السلطة الأمويَّة التي كانت تلاحق التيَّارات الخارجة عن سلطتها والجماعات المعارضة لحكمها.
أمَّا تسمية هذا الجماعة فهي تُنسب إلى زعيمها السياسي «عبد الله بن إباض المرِّي التَّميمي» المتوفَّى حوالي سنة 86هـ، فكان ينطق باسمها ويُعبِّر عن آرائها محتميًا بقبيلته المنيعة الكبيرة «بني تميم».
بعد وفاة القائدَين الأوَّلين تولَّى قيادة المذهبِ الإمامُ التابعيُّ «أبو عبيدة مُسلم بن أبي كريمة» المتوفَّى حوالي سنة 150هـ، الذي أولى عناية فائقة لتنظيم صفوف هذه الحركة، وتكوين نخبها، وإعداد قياداتها المستقبليَّة، حيث فتح مدرسة علميَّة دعويَّة في البصرة، كان يستقبل فيها طلبة العلم الذين قدِموا إليه من بلدان إسلاميَّة عديدة فتولَّى تكوينَهم ثم إرسالهم إلى أوطانهم؛ دعاةً ومعلِّمين لدين الله تعالى وفق منهج شيخهم، ونصرةً هذه المدرسة الإسلامية الجديدة.
__________
(1) ـ راجع مثلا: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، أربعة مجلدات، من القرن الأول الهجري إلى الخامس عشر الهجري، قسم المغرب، نشر: جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1420هـ/1999م، مجموعة من الباحثين: «معجم مصطلحات الإباضية»، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عُمان، 2008م. (1/77)
صفحة 63
كان ممن قصد هذه المدرسة خمسةُ طلبة من بلاد شمال إفريقيا، أو ما أضحى يعرف بـ «المغرب الإسلامي»، وقد عُرفوا في تاريخ المذهب الإباضي بـ «حَمَلَة العلم إلى المغرب»، إذ مكثوا في مدرسة الإمام أبي عُبيدة خمس سنين كاملة، نهلوا فيها علوم الشريعة، والعقيدة، واللغة، وفنون الدعوة، ثم عادوا إلى أوطانهم سنة 140هـ، فتفرَّغوا للعمل، وخاضوا غمار الحياة بمختَلِف أبعادها؛ دعاةً، وفقهاءَ، وقُضاةً، وقادةً، وسياسييِّن (1).
خلال تلك الفترة الزمنيَّة كانت الأوضاعُ السياسية لبلاد المغرب بين مدٍّ وجزر، وكرٍّ وفر، ولم تستب فيها الأمور لأحد، بسبب الصراعات المتكرِّرة على السلطة، وبسبب العصبيَّة القبليَّة، وعدم تمكُّن الولاة الأمويين والعباسيين على المغرب من بسط سيطرتهم على القبائل البربريَّة، كما لم يتمكَّنوا من إعطاء النموذج الأمثل للحاكم العادل المسلم؛ فقد ظهر منهم من قهر الرعيَّةَ وظلم وتعدَّى؛ وهو ما دفع السكان المغاربة بربرًا وعربًا للقيام بثوراتٍ عديدة ضدَّ هؤلاء الولاة الطغاة؛ مندِّدين بالجور والتعسُّف والظلم، ومطالبين بالحرية والعدل والمساواة، والمشاركة في دواليب الحكم (2).
في خضمِّ هذه الأحداث، وصل هؤلاء الطلبةُ الخمسة إلى شمال إفريقيا، وسرعان ما احتلُّوا مواقع متقدِّمة في أوطانهم وفي قبائلهم بين أهاليهم، وسرعان ما تقلَّدوا مناصب قيادية فيهم. وقد أهَّلهم لذلك ما كان لديهم من علمٍ وعزيمةٍ على العمل والتضحية في سبيل خدمة أوطانهم، وحمل هموم أهاليهم وقبائلهم؛ فرأيناهم في مسرح التاريخ يشاركون في إحداث التغيير وقيادة الثورات وإنشاء الدول وبلوغ هرم السلطة وتولِّي مناصب القضاء والإمامة والفتوى.
__________
(1) ـ قاسم الشيخ بالحاج: «الظروف السياسية لنشأة الفرقة الإباضية»، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1998م، ص28 ـ 31.
(2) ـ محمد ناصر: «منهج الدعوة عند الإباضية»، ط2، المطبعة العربية، غرداية، نشر: جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر،1418هـ /1997م، ص149 ـ 158. (1/78)
صفحة 64
قامت دولة الإباضيَّة الأولى في طرابس الغرب (ليبيا) سنة 140 ـ 144 هـ، وكان إمامها أحد هؤلاء الطلبة الخمسة وهو «أبو الخطَّاب عبد الأعلى بن السَّمح المَعَافِري» (1).
ثم كانت سنة 160هـ حين قامت «الدولة الرُّستميَّة»، بقيادة أحد هؤلاء الطلبة كذلك وهو «عبد الرحمن بن رستم»، وكان المذهب الإباضيُّ هو معتمدها، ومن خلال جهود الدولة تمكَّن المذهب من الانتشار بين العديد من القبائل البربرية والعربية التي استوطنت المغربين الأوسط والأدنى، خاصَّة منها قبائل «جبل نفوسة» بغرب ليبيا، وقبائل جنوب تونس، وقبائل صحراء الجزائر (2).
اعتنقت هذه القبائل الإسلام وتمذهبت بالمذهب الإباضيِّ وأعلنت ولاءها لمشايخه في المغرب والمشرق، وتحدَّثت المصادر التاريخية عن العلاقات الوطيدة المتواصلة بين ضفَّتَي المشرق والمغرب، من خلال تبادل المراسلات والزيارات واللقاءات، ومن خلال الأبحاث العلميَّة والتآليف والكتب التي حوت دراسة النوازل والمستجدات في مجالات الشريعة المختلفة فقهًا وعقيدةً وحضارة.
كما انطبع أتباعُ المذهب الإباضيِّ في بلاد المغرب بصبغة خاصَّة ميَّزتهم عن إخوانهم في الشرق، اشتملت على خصائص المجتمع المغاربي في أبعاده الحضاريَّة وجذوره الأمازيغيَّة.
كما ينبغي التأكيدُ أنَّ تبلوُر المذهب الإباضيِّ في شمال إفريقيا ـ باعتباره مقوِّمًا حضاريًّا فيها، وباعتباره وجودًا إسلاميًّا عريقًا على أرضهاـ يعود إلى تاريخ دخول الإسلام إلى هذه الربوع، فإنَّه لم يبق منعزلاً على الأحداث الدائرة حوله، بل تأثَّر بها وأثر فيها وتفاعل معها، مما جعله يلتقي في الأصول والثوابت في كثير من الجوانب مع بقية المذاهب الإسلاميَّة التي عرفها المغرب، وعلى رأسها المذهب المالكي، ويختلف معها في بعض المسائل التي تُعدُّ من الفروع أو من المتشابه في هذا الدين.
__________
(1) ـ علي يحيى معمر: «الإباضية في موكب التاريخ»، الحلقة الثالثة، الإباضية في ليبيا: ص162 ـ 165.
(2) ـ إبراهيم بحاز: «الدولة الرستمية»، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1994م. (1/79)
صفحة 65
أمَّا عن انتقال المذهب الإباضي إلى وادي ميزاب فقد كان ذلك بعد انتقاله إلى صحراء الجزائر، وبالذَّات إلى منطقة «سدراتة» و «وارجلان» و «وادي أريغ»؛ هذا الأمر الذي تمَّ في عهد الدولة الرستميَّة، حيث تثبت المصادر التاريخيَّة أنَّ نفوذها السياسيَّ شمل هذه المناطق من الصحراء (1).
مع نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجرييَّن، وصل المذهبُ الإباضيُّ إلى وادي ميزاب، من خلال الجهود الدعويَّة التي بذلها «الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن بَكْرٍ الفُرسطائيُّ النفوسيُّ» وطلبتُه، حيث استطاع أن يؤثِّر في سكان وادي ميزاب وينقلهم من المذهب الاعتزالي إلى المذهب الإباضي.
ومنذ ذلك الزمن إلى اليوم وحاضرةُ وادي ميزاب حاضرةٌ إسلاميَّةٌ جزائريَّة على المذهب الإباضي في بعده الحضاري، حيث امتزجت فلسفةُ هذا المذهب في فهم الإسلام وقِيَمه مع الموروث الثقافيِّ الأمازيغيِّ، في إطار البيئة الصحراويَّة الجزائريَّة؛ صانعةً إنسان وادي ميزاب وملامح حضارتِه في جوانب الحياة المختلفة.
4 ـ محفِّزات الفعل الحضاريِّ في وادي ميزاب:
عاش الميزابيُّون قبل وصول الإسلام إليه كسائر الأمازيغ حياة تحكمها نُظم القبيلة والعشيرة والأعراف المتواترة بين الأجيال، والمستمدَّة من الخبرة البشريَّة المتراكمة، حيث ضبطوا مسار حياتهم على وقعها.
بعد أن منَّ الله تعالى عليهم بنعمة الإسلام، وبعد أن تمكَّن من قلوبهم وفهموا أسراره وأدركوا مقاصده، فإنَّه قد جرى فيهم مجرى الدم في العروق، حيث قلب وجه الحياة لديهم جذريًّا، وغيَّر من نمطها رأسًا على عقب، وبدأ يشكِّل لديهم ملامح حضارة ذات وجوهٍ جديدة.
بلا شكٍّ فإنَّ حصول هذا الانقلاب لم يكن بالأمر السهل ولا اليسير، كما أنَّه قد استغرق وقتًا زمنيًّا طويلا، وكان بصفة تدريجيَّة بطيئة؛ احتاج إلى قرن من
__________
(1) ـ عمر لقمان سليمان بوعصبانة: «معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان، من نهاية الدولة الرستمية إلى زوال سدراته»، ط1، 2008، دار غرناطة، الجزائر، ص95 - 98. (1/80)
صفحة 66
الزمن أو يزيد من تاريخ اعتناقهم الإسلام، حتى يتحوَّل إلى محرِّك للفعل الحضاري لديهم.
أسلم وادي ميزاب أمره للإسلام في الأخير، فجعل منه مجتمعًا متميِّزا في حاضرة الصحراء الجزائرية ذاتالبعد الأمازيغي العريق.
لعلَّ أهمَّ ملامح هذا المجتمع تتجلَّى في الجدية في العمل، والتقشف في العيش، التي أملتها بيئةٌ صحراويَّةٌ قاسيةُ المناخ شحيحةُ الموارد، والصرامة في التربية، والانضباطُ في السلوك الاجتماعيِّ، والعمل بالأحوط في أمور الدين، والتوسعةُ في المصالح المرسَلة، والأخذُ بالبدع الحسنة، في إطار خدمة المقاصد الشرعية.
يعود الفضل في بناء هذا المجتمع إلى ثلاث مؤسَّسات أهليَّة حيويَّة هي «المسجد» و «العشيرة» و «الأسرة»، حيث كرَّست خطابًا دعويًّا قويًّا متناغمًا، يقدِّم الدين باعتباره محرِّكا محوريًّا للحياة، يتشكَّل من ثلاثة أبعاد منصهرة في بعضها البعض لا ينفكُّ أحدها عن الآخر؛ متمثِّلة في صدق الاعتقاد والقول والعمل، مع تفعيل مبدإ الخوف والرجاء، للكفِّ عن الحرمات، والانتهاء من الشرور والمفاسد، والاندفاع نحو الخير والعمل الصالح، والمنافسة في أبوابه المختلفة.
كانت ثمارُ هذه الفلسفة مُجتمعًا متكافلاً متعاونًا تَسُودُه القيمُ والأخلاقُ والاستقامةُ عمومًا، وتنحسر فيه المفاسدُ والشرور والآثام.
ولنا أن نُجمل مُحفِّزات الفعل الحضاري في مجتمع وادي ميزاب في النقاط الآتية:
أوَّلا ـ المحفِّز العقيدي:
تلقَّى هذا المجتمع تعاليم دين الإسلام كسائر المسلمين، إلاَّ أنَّه حرص على الالتزام بها في كامل جوانب حياته، فهو ينطلق من إيمانه بالله تعالى ليرسم مساره الاجتماعيَّ، وذلك بتجسيد نصوص القرآن والسنَّة الكثيرة الداعية إلى ربط الإيمان بالعمل، والقول بالفعل، من ذلك قول النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي وَلاَ بِالتَّحَلِّي، وَلَكِنْمَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلْ». (1/81)
صفحة 67
فَهْمُ الدين بكونه كُلاًّ متكاملاً يصدِّق بعضُه بعضًا، أعطى لأفراد هذا المجتمع الشحنة العمَلَيَّة التي تجعلهم أكثر فاعلية في الحياة، انطلاقًا من إيمانهم بالله تعالى، وأنَّه لا جدوى من إيمان بدون ترجمته عملاً، ولا جدوى من أقوالٍ يُردِّدها اللسانُ وتكذِّبها الجوارح.
فعل هذا المحفِّزُ العقيديُّ فعله في الفرد الميزابيِّ، من خلال التربية الأسريَّة والخطاب الدعويِّالمسجديِّ؛ الضاغطين على تنشئة الفرد بناءً على هذا الأساس، فترعرع في أجوائه ولم يعرف سواه، فشحن بشحنة إيمانية عملية ربطته بالله تعالى، وجعلت تحركه في إطار مبدإٍ آخر هو الخوف والرجاء، المترتب من أصل عقيدي راسخ هو مسألة الخلود في الجنة والخلود في النار.
فهو يلتزم بالوجبات وينتهي عن المحرَّمات ويفعل المبرَّات ويسارع إلى الخيرات خوفًا من عقاب الله تعالى وسخطه وعذابه المخلَّد، ورجاءً في ثواب الله تعالى ورضوانه ونعيمه المخلَّد. فكانت النتيجةُ فردًا ملتزمًا عمومًا ومجتمعًا تحكمه تعاليم الإسلام في مظهره العام.
ثانيًا ـ المحفِّز الأخلاقيُّ:
لعلَّ السِّمةَ الثانية المميِّزة للفرد في وادي ميزاب ومجتمعه هي الحرصُ على معاشرة الناس بالمعروف على أساس أخلاق الإسلام، المتمثِّلة في الأمانة والصدق والثقة والوفاء والاستقامة، وفي المقابل نبذ الخيانة والغدر والكذب والانحراف والفواحش والمفاسد.
لم تتجسَّد هذه القيم سلوكًا في أفراد الناس من فراغٍ أو من تمنٍّ أو من شعاراتٍ دينيَّة تردَّد، وإنَّما هي نتاجُ ذلك المحفِّز العقيدي السالف الذكر، الذي ربط فيه الإيمان بالعمل والاستقامة، وجعل الله تعالى مدار حياة الفرد رقيبًا له في حركاته وسكناته.
كما أنَّه ثمرةُ عملٍ دؤوبٍ مُضنٍ استمرَّ لسنوات وعقود، ويبذل يوميًّا في أحضان أُسَرٍ قوامُها أبَوَان صالحان حازمان، ووظيفةُ الأمِّ فيها وشغلها الشاغل (1/82)
صفحة 68
وهمُّها المقيم المقعد المرابَطَةُ على رعاية فلذات كبدها حتَّى تراهم على حظٍّ وافرٍ من استقامة الدين ونُبْل الأخلاق.
يُساهِم منبرُ المسجد في تنوير المجتمع بهذا الخطاب ويدعو إليه، وتواكب المدرسة القرآنيَّةُ جهودَ الأسرة في البيت، فتدعَمُه بحرصها على التربية حرصها على التعليم، ويعمل الرقيبُ الاجتماعيُّ في الشارع على تحصين هذا الجهد وحمايته ومعاقبة المعتدين عليه.
والنتيجة تكون بعد ذلك فردًا مستقيمًا دينيًّا، ملتزمًا أخلاقيا، منضبطًا اجتماعيًّا، وتنتج بالتبع مجتمعًا تحكمُه روحُ الإسلام وتعاليمه ومظاهره العامَّة.
ثالثًا ـ المحفِّز الاجتماعيُّ:
البصمةُ الثالثة التي يصطبغ بها مجتمع وادي ميزاب، هي تلك الشبكةُ من العلاقات الاجتماعيَّة المتراصَّة المتينة التي تحكم حياة أفراده، وتجمعهم للعيش في كنفها، استلهامًا لمبادئ الإسلام الدَّاعية إلى التكاتُف والتآزر والتعاوُن على البر والتقوى، كما أنَّها تجسيدٌ عمليٌّ لحديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - القائل: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَآزُرِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
استغرق إنشاءُ هذه الشبكة الاجتماعيَّة وتنظيمها وتأطيرها ونزع الشوائب منها مدَّة زمنيَّة ليست باليسيرة مقدرة بعدة قرون، حتَّى يتراصَّ المجتمع وينضبط وينصهر بعضه في بعض، مُشكِّلا لُحمَةً واحدةً متجانسة، تحكمه مجموعة معتبرة من الأعراف، والتقاليد، والنُّظُم المستلهمة من روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها. وقد أسهمت في ذلك مؤسَّسات المجتمع المختلفة المتمثِّلة أساسا في «المسجد» و «العشيرة» و «الأسرة» و «النادي» و «السوق» و «الجمعية».
تجسَّدت ثمار هذا العمل في كلِّ مظاهر التكافل والتعاون الاجتماعيِّ، وسيران روح الجماعة، ووحدة الصفِّ، والعمل الجماعي، والتطوُّع والتضحية (1/83)
صفحة 69
لخدمة الصالح العامِّ، وكلِّ ما يصبُّ في رعاية الإنسان وبناء عقله وروحه ونفسه وجسده، وصونه من المهالك والمفاسد المختلفة دينيا ودنيويا.
من أمثلة المشاريع المجسَّدة بناءً على فعل هذا المحفِّز؛ إنشاءُ العشرات من المساجد والمدارس والنوادي، وتأسيسُ الجمعيات الخيرية، وإقامةُ الأعراس الجماعيَّة، والتكفُّل بالفئات المعوزة من أرامل وفقراء ويتامى، ولجانُ الصلح بين الناس، والقضاءُ على العزوبة، والعنُوسة، والبطالة، والتسوُّل، ومحاربةُ المجاهرة بالفواحش والمنكرات.
رابعًا ـ المحفِّز العمَليُّ:
العمل وعمارةُ الأرض بشتَّى أفعال الخير، والمسارعة إليها والتسابق فيها هي خصلة جليَّة في سكان وادي ميزاب، فتجد أحدهم متفرِّغا في صباه وريعان شبابه لتلقِّي نصيبه من التعليم، ثم ليلتحق بعد ذلك بعمله الذي سُخِّر له؛ تجارةً، أو فلاحةً، أو حرفةً، أو وظيفةً.
كما تجد الفرد منقطعًا إلى عمله منهمكا فيه متفانيًا في أدائه، يعطيه جُلَّ وقته وجهده. وفي المقابل تجده يمقتُ الفراغ وتضييع الأوقات جُلوسًا على طاولات المقاهي أو على أرصفة الشوارع.
لم يأت هذا الأمر كذلك من فراغ، بل هو تراكمُ جهود الآباء والأجداد الذين غرسوا بذرة حبِّ العمل وقيمته في الأبناء جيلاً عن جيلٍ، واقتنعوا أنَّ الدنيا لا تُنال بالتمنِّي وإنَّما تُؤخذ غلابًا، وأنَّ النجاح ضريبتُه التعبُ والجدُّ والكد.
لعلَّ البيئة الصحراويَّة الصعبة مناخًا الشحيحةُ موردًا للمعيشة قد أثَّرت في تشكُّل هذا الأمر في الشخصيَّة الميزابيَّة، فعلى الفرد أن يعمل كثيرًا لأجل تحصيل القوت الحلال من عرق جبينه.
كما دفعت الأفراد للاعتماد على النفس، ونبذ الاتكالية وانتظار المساعدات من جهات أخرى تمنُّ عليه بفتات نعمها وقشور خيراتها، فالفردُ يسعى لتحصيل قوته وبناء مستقبله بكدِّ يمينه، وأن تكون يدُه هي العليا دائما تعطي ولا تأخذ. (1/84)
صفحة 70
كما يُعرف الفرد في هذا المجتمع بالتقشُّف في مظاهر حياته عمومًا، فهو يُحسِن التصرُّف في أمواله جمعًا وإنفاقًا واستثمارًا، كما يُحسِنُ ترتيب أولوياته في الحياة، ويُحسِنُ فرز ضروريَّاته من كمالياته، لذا تجده أبعد الناس عن مظاهر الإسراف والتبذير. كما أنَّه يحمل فكر الادِّخار لمستقبل أيَّامه، ويفكِّر في نفسه كما يفكر في والديه وأسرته وأبنائه ومجتمعه.
نستطيع اعتبار هذه المحفِّزات الأربعة هي الدعائم التي قامت عليها حضارة الإنسان في وادي ميزاب، في مسيرةٍ استغرقت ما يزيد عن ألف عامٍ من الزَّمن.
لعلَّ من الواضح أنَّ ما يميِّز هذه الحضارة ليس عظم مبانيها وزخرفها، ولا قوَّة عُدَّتها وعددها، وإنَّما هي القدرةُ على تجميع القوى الحيَّة في المجتمع، ثم توجيهها لرعاية الإنسان والاستثمار في عقله وروحه وجسده وفق تعاليم الإسلام، واعتباره حجر الزاوية في بناء الحضارة.
وإذا أردنا أن نخلُص في الأخير إلى نحت مفهومٍ لحضارة وادي ميزاب فنقول:
هي إقامةُ حياةٍ إنسانيَّة تحتكم إلى مبادئ الإسلام عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا، تُجسِّد مجتمعًا خيِّرًا صالحًا، يرعى بداخله إنسانًا سويَّ الفطرة، مُنضبط السلوك، وسطيَّ الفكر، متَّزن الشخصية، منشغلاً بعمارة الحياة بصالح الأعمال، يتحرَّك بدافع الدين في إطار مبدإ الخوف والرجاء، ليصنع الحضارة في مظاهرها المختلفة.
- - - (1/85)
صفحة 71
تجَّار مزاب في دار السلطان
خلفيات الحضور الاقتصادي
والنفوذ السياسي
د: الحاج موسى بن بكير بن عمر
المدرسة العليا للأساتذةـ بوزريعة ــــالجزائر
bhmoussahistory@yahoo.fr
م
ملخص:
تبحث هذه الدراسة في مدى فعالية أداء مجموعة من التجَّار تشترك في عدد من المواصفات القيميَّة والاجتماعيَّة والأنتروبولوجية لأدوارٍاقتصاديَّة، تمليها عليهم حاجتُهم المعيشيَّة من منطلق وجودهم الحضاريِّ، وتكوينهم التربويِّ، وواقعهم الجيوسياسيِّ؛ أدوار يجنِّدون من أجلها إمكاناتهم الاقتصاديَّة، وشبكاتهم العلائقيَّة، ومصداقيَّتهم الأخلاقيَّة، ووضعيتهم القانونيَّة.
يُتوخَّى من هذه الدراسة أيضًا الوقوف على دور تجَّار مزاب ومساهمتهم في تحريك الاقتصاد الجزائري في العهد العثماني، من خلال تجارة القوافل العابرة للصحراء، ومن خلال الأنشطة الاقتصادية والتجارية، بالخصوص تلك التي كانوا يمارسونها في أهم المدن الجزائرية «دار السلطان» أي مدينة «الجزائر»، نتيجة الامتيازات التي افتكُّوها من الحكَّام الأتراك جرَّاء الخدمات العسكريَّة وشبه العسكريَّة التي قدَّموها دفاعا عن «إيالة الجزائر» من الاعتداءات الخارجيَّة الإسبانية بالخصوص.
مدخل:
كانت السلطة المركزية العثمانيَّة في الجزائر تحتفظ لأهل مزاب بمكانة متميِّزة وتخصُّهم بمعاملة راقية، ومردُّ ذلك إلى مواقف مشهودة وفي مواقع مشهورة سجَّلها لهم تاريخ الوجود العثماني بالجزائروتونس (1).
__________
(1) ـسبق أن فصَّلنا ذلك في المقال الذي نشر في دورية الحياة، العدد: 12، 1429هـ/2008م، ص 121 - 143، بعنوان: «مزاب في العهد العثماني 1510 – 1830». (1/86)
صفحة 72
فقد كان للشيخ «باحيو بن موسى العطفاوي» (1) وفرقته الفدائية من الفرسان المزابيين المرابطين على السواحل الجزائرية اتصالات بالرايس «بابا عروج» (2) بتونس، إذ كانت لهذه الفرقة وقائدها مشاركة في مقاومة غارة الإسبان على جزيرة جربة التونسية سنة 916 هـ /1510م (3). ولقد أسفرت هذه المقاومة عن تحطُّم الأسطول الإسباني بقيادة دون غارصيا دو طليطلة. (4)
__________
(1) ـالشيخ باحيو بن موسى حي في: (916 هـ / 1510م) كان من أهل الحرب والبيان، أوتي قوَّة وفصاحة دافع بهما عن الحقِّ. وقد استدعاه خير الدين بربروس إلى قصره، بعد إحساسه الخطر المحدق على العاصمة، فكانت له المهمة الرئيسية في تكوين مجموعة من الفدائيين المزابين، وهزموا الإسبان بحيلة بتاريخ 925ه/24 أوت 1518م، أطنبت المصادر في ذكر تفاصيلها. وذكر أبو اليقظان في ملحق السير أن الشيخ باحيو كوَّن جيشاً من الصحراء الجزائرية، وقاده للمشاركة في الحرب ضدَّ الإسبان لمَّا استولوا على جزيرة جربة عام 927هـ/1520م. نظم قصيدة موجودة في وقائع هذه الحرب أورد منها الشيخ أبواليقظان في ملحقه تسعاً وعشرين بيتاً. انظر جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب الإسلامي، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000، رقم الترجمة 175.
(2) ـعروج بن يعقوب بن يوسف هو أحد أربعة إخوة إضافة إلى خير الدين، إلياس وإسحاق وهم ملاحون، اشتركوا في جهاد الصليبين .. انظر: مجهول، غزوات خير الدين وعروج، تحقيق نور الدين عبد القادر، الجزائر،1934م، ص. 26.
(3) ـ كان يحكم تونس وقتداك أبو زكريا يحي السمومني من مشايخ الحُكم بجزيرة جربة. استعان الشيخ يونس بن سعيد الصدغياني بأسرته لكفاءتها السياسيَّة والقياديَّة. قاد معركة ضدَّ الإسبان، بصفته شيخ الجزيرة، عام 916هـ/1510م، أثناء هجومهم على جربة وسواحل المغرب الإسلامي. وكان يترأس سلطتها الروحية شيخ حلقة العزابة بها أبو النجاة يونس بن سعيد بن يحيى بن تعاريت الخيري الجربي (ق: 10هـ/16م) اشتهر بابن تعاريت. أخذ العلم عن الشيخ أبي القاسم زكرياء بن أفلح الصدغياني، وأبي محمَّد عبد الله بن أبي القاسم البرادي. ورحل إلى جبل نفوسة فدرس على الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح التندميرتي. ثمَّ رجع إلى الجزيرة وتولَّى التدريس في جامع تجديت، بحومة «فاتو» من جهة صدغيان. تخرَّج على يديه جمع من الأعلام، كانت لهم يد في إصلاح المجتمع في جربة ونفوسة ومزاب. تولَّى أبو النجاة رئاسة حلقة العزَّابة في جربة سنة 908هـ/1497م. وكانت له السلطة العليا في شؤون أهل الجزيرة. للمزيد انظر: معجم أعلام الإباضية، المرجع السابق، رقم الترجمة على التوالي:337، و1082.
(4) ـ يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب، ط2، نشر وزارة الثقافة، الجزائر،2006، ص.63 (1/88)
صفحة 73
وترجع امتيازات المزابيين بإيالة الجزائر فيما رواه الجنرال «داماس» (1) إلى حملة الملك «شارلُكان» الفاشلة (في أكتوبر 1541)، بعدما أبحر خائبا راجعا إلى إسبانيا، «مخلِّفا وراءه نحو أربعة آلاف (4000) قتيل من جيشه، بالإضافة إلى خسائره الفادحة في المعدَّات الحربية والزاد والخيام (2)، ترك في قلعة الإمبراطور (3) حامية تقدر بحوالي ألف (1000) إسباني، وكانت تسلط يوميًّا نيران مدافعها على مدينة الجزائر بحيث إن الداي (4) (البايلرباي) والسكان أصبحوا يعيشون في ضيق كبير، وعندئذ قرَّر بعض مئات من المزابيين رفع هذه المحنة عن المدينة، فاقتحمت هذه المجموعة من المزابيين المسلحين الحامية بعد أن تقمَّصوا زيَّ النساء الجزائريات (5)، وقضت على جميع الإسبانيين».
ويذكر أن مجموع المقيمين في المدينة آنذاك من أهالي الجزائر والتجَّار والحرفيين المزابيين كان وافرا. فعزم بعض الرجال منهم على إنقاذ مدينة الجزائر من هجمات الإسبان، فتوجهوا إلى الباشا حاكم المدينة وأفصحوا له عن عزمهم فرحب بالمبادرة ووعدهم بامتيازات ومكافآت.
عمد هؤلاء الشبان المزابيون إلى حيلة- وفق الرواية المذكورة- مفادها تنكُّر هؤلاء الفدائيين في لباس نسوة متنقبات بنقاب كالذي تضعه النساء المغربيَّات، وغادروا مدينة القصبة من «الباب الجديد» في موكب متَّجهين نحو الموقع المقصود. وعندما رآهم الإسبان من مواقعهم، كفوا عن إطلاق النار، ظانِّين أنَّ سكان المدينة قرَّروا الاستسلام وطلب الأمان.
تمكن المهاجمون المتستِّرون من دخول الحصن دون مشقَّة، وما إن وطئت قدما آخرهم داخله حتى انقلبوا فجأة إلى الهجوم الخاطف، فأفرغوا أسلحتهم على رجال
__________
(1) ـ الجنرال دوماس ( Gl. Daumas) تقلَّد منصب إدارة الشؤون الجزائرية في وزارة الحرب الفرنسية.
(2) ـ مجهول، غزوات ... ، المصدر السابق، ص.116 - 121.
(3) ـ ويطلق عليها اسم برج بوليلة إشارة إلى سرعة إنجازه، ونسب فيما بعد إلى مولاي حسن. انظر:
Dumas,Moeurs et Coutumes de l'Algérie.Tell-Kabilye-Sahara.2èmeédition, L.Hachette et Cie, Paris 1855, p.120 .
(4) ـ هكذا ورد في النص. ونحن نعلم أن هذه الفترة كان الحاكم في الجزائر بصفة البيلرباي وليس الداي.
(5) ـ سيمون. بفايفر، مذكرات جزائرية عشية الاحتلال، ترجمة وتقديم وتعليق د. أبو العيد دودو، دار هومة، الجزائر،1998، ص164. (1/89)
صفحة 74
الحامية من الإسبان، فكانت معركة رهيبةأسفرت نهايتها عن مقتل آخر مدافع محتل لهذا المركز الحصين، واستشهاد العديد من رجال جماعة بني مزاب المنتصرين عندئذ وسادة الحصن الجدد (1).
ونتيجة لذلك كلِّه أقرت الإيالة العثمانيَّة بالجزائر بفضل هذه الجماعة، فتنازلت لها عن الإشراف على بعض المرافق العموميَّة مثل: المسالخ والحمامات والرحوات والمخابز بمدينة الجزائر، مكافأة لهم ولأحفادهم على هذا العمل البطولي، وقد احترم الحكَّام الذين تداولوا على الحكم هذه الامتيازات فبقيت متوارثة بينهم، ولايزال عدد من الحمَّامات بالجزائر العاصمة إلى اليوم ملكا للمزابيين، بالإضافة إلى منحهم صفة العضوية الكاملة والدائمة لأمينهم بمدينة الجزائر لحضور المجالس الاستشارية (2).
ويمكن حصر إسهامات المزابيين في تحريك دواليب التجارة فيما يلي:
أولا: تنشيط التجارة الداخلية في مدينة الجزائر العثمانية:
لقد كان وضع المزابيين مختلفًا عن بقية طبقة «البرَّانية» وهم العمَّال النازحون إلى المدينة، وهذا بحكم تمتُّعهم بحقوق الملكية داخل المدينة، فكانت لهم عقود ملكيَّة لمحلاتهم السكنيَّة، وأخرى لمحلاتهم التي يمارسون فيها مختلف الأنشطة التجارية والخدمية؛ مثل المتاجر والدكاكين المختلفة والأفران والحمَّامات، وكان لهذا دور في تحريك دواليب التجارة الداخلية وتنشيطها؛ فحضور المزابيين في الحياة اليومية داخل مدينة الجزائر لم يتوقَّف يوما، فإذا كانت أفران الجير والمحاجر تغلق يومي الخميس والجمعة باعتبارهما عطلة نهاية الأسبوع؛ فإنَّ أفران الخبز والحمَّامات تبقى مفتوحة على مدار الأسبوع تعرض خدماتها للزبائن (3). ويمكن حصر إسهامات المزابيين ودورهم في تنشيط التجارة الداخلية في مدينة الجزائر في النقاط المهمَّة التالية:
__________
(1) ـ Daumas (General), Op.Cit.,, pp135 - 137
(2) ـ سيمون بفايفر، المصدر السابق، ص164؛ والشيخ القرادي المرجع السابق، ص 176
(3) ـ محمد وقّاد، جماعة بني مزاب وتفاعلاتها الاقتصادية والاجتماعية بمدينة الجزائر،1700 - 1830م، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 2009 - 2010، ص.170. (1/90)
صفحة 75
التنويع في النشاط التجاري:
المقصود به هو خلق وإنشاء تخصُّصات عديدة داخل الحرفة الواحدة، بإيجاد مهن متفرِّعة عن المهنة الأم، فمهنة القصابة مثلا التي انفرد المزابيون بمزاولتها دون سواهم كانت توجد داخلها تخصُّصات أخرى؛ حيث تشير بعض الوثائق الإدارية إلى وجود حوانيت خاصة ببيع اللحم (1)، وأخرى معدَّة لبيع الشحم والأمعاء، وبعضها خاصٌّ بإزالة شعر قوائم المواشي المذبوحة، وأخرى خاصَّة ببيع رؤوسها، ووجدت أيضا محلاَّت معدَّة للتزليف (2).
ومثل ذلك ينسحب على الرحوات والطواحين؛ فنجد طواحين خاصَّة بطحن القمح والشعير، وأخرى خاصة بطحن الحمص، التي تسمى في الوثائق الإدارية «رحى اللبلبي» (3).
1. التنويع في خدمة الزبائن:
لقد كان تجار جماعة المزابيين في مدينة الجزائر يتوخَّون إرضاء زبائنهم وكسب ثقتهم بتقديم أرقى الخدمات وأفضلها، فقد كان ممتهنو حرفة الطحن مثلا يرسلون مستخدميهم من الغلمان بإحضار الحبوب من بيوت زبائنهم إلى الرحى والعودة بها مجدَّدا وهي طحين لأصحابها إلى حدِّ منازلهم، ونفس الخدمة تنسحب على الحرف الأخرى.
2. التكامل بين مهن الجماعة:
التكامل في المهن عند المزابيين يدعونا إلى الحديث عن مهنة «الفحَّام» التي مارسها بعض مزابيِّي مدينة الجزائر، وما لبثت هذه المهنة أن انتظمت في نقابة قائمة بذاتها كغيرها من النقابات المهنيَّة الأخرى الموجودة في المدينة والمهيكلة بنظامها الخاص، وكان المزابيون ممن يزاولون هذه المهنة يستقدمون من مزاب الفحم الذي ينتجه نوع من الأشجار يسمى «الأثل» (4)، والمعروف بجودة فحمه وقوَّة طاقته المولِّدة
__________
(1) ـ الأرشيف الوطني الجزائر، (أ. و. ج)، سلسلة المحاكم الشرعية، ع 23 - 2 و2.
(2) ـ نفسه، ع 14 - 2 و33
(3) ـ نفسه، ع 19، ص 107.
(4) ـ الحاج سعيد، المرجع السابق، ص 52. (1/91)
صفحة 76
لدرجة حرارة عالية تدوم لمدَّة طويلة، وكان الفحَّامون من المزابيين يزوِّدون الأفران والحمامات ومطابخ المزابيين خاصَّة بهذه المادة الأولية الأساسية، فكان امتهان أفراد الجماعة لنشاط المخابز والأفران والحمامات والمطابخ دافعا لهم لممارسة تجارة الفحم، وكانت تجارة اللحوم دافعًا أيضا لهم لعرض خدمة تحضريه وطهيه، كما كان إشرافهم على مطاحن ومخازن الحبوب حافزًا لهم لممارسة حرفة «لبلابجية» وهي بيع الحمص المعدِّ كمكسَّرات، وحرفة «السفاجين» وهي صناعة الفطائر المقليَّة. وهكذا يظهر لنا التكامل بين المهن التي مارسها المزابيون داخل مدينة الجزائر.
3. ممارسة مهن إضافية:
إذا أقررنا أنَّ المزابيين في مدينة الجزائر العثمانية كانوا مشرفين على بعض المهن والحرف ومستأثرين بممارستها دون سواهم؛ فإنَّ ذلك لم يمنعهم من مشاركة بعض الجماعات الأخرى في مهن أخرى؛ فعلى سبيل المثال نجد أنَّ المزابيين تقاسموا مهنة بيع الفحم مع جماعة «القبايل»، وفي هذا الصدد ورد في مخطوط قانون الأسواق ما يلي: « ... والقبايل الفحَّامين شاكيين لبابا حسن، لكن الفحم الذي كان يبيعه القبايل في رحبة الفحم خارج باب عزُّون كان موجَّها إلى عامَّة السكان، بينما الفحم الذي اختصَّ في بيعه المزابيون موجَّه إلى أصحاب الأفران والحمَّامات والمطابخ من المزابيين خاصَّة، أكثر ممَّا هو موجَّه للعامَّة» (1).
كما نجد أصحاب الحمَّامات والأفران في علاقة مع «التبَّانين» الذين يوفِّرون لهم المادَّة الأوَّلية وهي التبن الذي يستعمل وقودًا بجانب الحطب والفحم في الأفران والحمَّامات، التي تحتاج إلى طاقة حرارية كبيرة، خاصَّة في غياب أو ندرة المادة الأساسية المتمثلة في الفحم (2).
ونجدهم كذلك قد تقاسموا مهنة طهي الخبز وتحضيره مع جماعة «الجواجلة»، فمن ذلك قدم «فرَّانو» المزابيين شكوى سنة 1109هـ-1697م إلى الداي بابا حسن ضدَّ
__________
(1) ـ عبد الله بن محمد الشويهد، قانون أسواق الجزائر، (1107هـ/1117 هـ، 1695 - 1705) تحقيق وتقديم وتعليق الدكتور ناصر الدين سعيدوني، ط1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 2006، ص. 109 - 110.
(2) ـ نفسه، ص 114. (1/92)
صفحة 77
جماعة «الجواجلة» وطالبوا فيها بأن «يبقى لهم حقُّ القيام بطحن الحبوب للعسكر كما كان ساريًا به العمل في السابق وبالكمِّية التي تكفي حاجتهم، وما زاد عن ذلك يُباع»، فقبل الداي الشكوى وسمح لهم بذلك (1).
وشارك المزابيُّون بعض الجماعات الأخرى في مهنة «الحمالة»، لكنَّ ممارستهم هذا النشاط كانت محدودة؛ فقد اختصُّوا في حمل الزرع أي الحبوب الموجَّهة للطحن وحمل «البياض» وهو الجير الذي كان يُستخرج من الأفران الخاصَّة بذلك، وحمل مختلف مواد البناء التي تنتج في محاجرهم.
4. توفير مناصب شغل جديدة:
كان النشاط الاقتصادي الحثيث لجماعة المزابيين بمدينة الجزائر وما عرفه من توسُّع وتفرُّع حركاتهم التجارية من جهة، باعثا لتوفُّر خدمات نوعية مختلفة ظلَّت مطلوبة في السوق؛ لكن ضآلة تعدادهم القاصر عن تلبية كلِّ طلبات السوق من جهة أخرى، ولَّد حاجة حتميَّة لتشغيل يد عاملة إضافية لتلبية الطلبات المختلفة، فلذلك وجدنا عناصر أخرى من غير أفراد جماعتهم يشتغلون داخل أفرانهممثل «البساكرة» الذين اشتهروا بممارستهم للمهن المتواضعة أو الأقل أهمية (2)، لكنَّهم «قومٌ مسالمون ومخلصون جدًّا ... حيث كانوا يتمتَّعون بالثقة» (3).
فنجد أنَّ المزابيين قد شغّلوا البساكرة في أفرانهم وفي حماماتهم «كطيابين» نظرًا لما كانوا يتمتَّعون به من قوَّة عضلية ولياقة بدنيَّة كبيرتين، كما شغَّلوهم أيضا في حمل الخبز إلى المنازل المتفرِّقة على أحياء المدينة، وتوزيعه على أصحابه. ونجد أيضا أصحاب الطاحونات من المزابيين دائما يشغّلون «غلمانا» لمهمَّة حمل القمح والطحين (4) غالبيتهم من العبيد السود الذين ينشطون في مثل هذه الأعمال البدنية الشاقة التي تتطلّب جهدا كبيرا.
__________
(1) ـ الحاج سعيد، المرجع السابق، ص. 69.
(2) ـ الحاج سعيد، المرجع السابق، ص. 70.
(3) ـ وليم شالر، مذكرات وليم شالر قنصل أمريكا في الجزائر (1816 - 1824)، تعريب وتقديم إسماعيل العربي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1982، الجزائر، ص. 109 - 110.
(4) ـ الحاج سعيد، المرجع السابق، ص. 70. (1/93)
صفحة 78
ثانيا: تنشيط التجارة الخارجية للجزائر العثمانية
تصنَّف التجارة الخارجية للمزابيين كثاني نشاط اقتصادي بارز لأفراد الجماعة بعد الأنشطة المهنية الممارسة داخل المدينة، ويعود لهم الفضل في المساهمة في تنشيط وتحريك تجارة القوافل الخارجة والداخلة من وإلى مدينة الجزائر، وبفضل نصيب معتبر من مساهمتهم في هذا المجال أصبحت مدينة الجزائر تتَّصل بمختلف البلدان المغاربية كتونس وطرابلس ومراكش، وبقية البلدان الواقعة جنوب الصحراء الإفريقية، كبلاد السودان الغربي، وقد نسج المزابيون شبكة تجارية مترامية الأطراف من خلال هذه الممارسات الاقتصادية التي نذكر منها:
1. تغطية السوق الجزائرية بمختلف السلع:
وذلك بإدخال سلع جديدة غير موجودة بالبلاد محليًّا، ولا تستطيع الدخول إليها عبر البحر، فالقافلة المزابيَّة كانت تُعدُّ أفضل القوافل الداخلة إلى مدينة الجزائر، بحكم ما تحمله من مواد متنوِّعة وسلع نادرة ونفيسة، وتعدُّ التوابل المستقدمة من أعماق الصحراء خير مزيِّن للأطباق اليومية. وفي فترات الأزمات الاقتصادية التي تنجرُّ عن المجاعات والأوبئة تصبح السلع والمواد الاستهلاكيَّة القادمة عن طريق البحر غير قادرة على تلبية حاجيات السكان، فما من حلٍّ مناسب سوى تلك السلع التي يستقدمها المزابيون من تجارة القوافل الصحراوية، والتي يعود الفضل دائما في دخولها السوق الجزائرية إلى المزابيين (1).
2. تصدير السلع الجزائرية والترويج لها في الأسواق الأجنبيّة:
يعود الفضل للمزابيِّين في صرف إنتاج حبوب وبقول التلِّ الجزائري، كما يعود إليهم الفضل كذلك في عرض ماشية الجزائر في أسواق السودان، وكذا توابعها من شحوم ودهون وزيوت طبيعية، كما يحسب للمزابيين إسهامهم في التعريف ببعض المنتجات
__________
(1) ـ فرج محمود فرج، إقليم توات خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، أطروحة دكتوراه درجة ثالثة في التاريخ الحديث والمعاصر، إشراف أبو القاسم سعد الله، جامعة الجزائر، قسم التاريخ، 1998، ص. 67. (1/94)
صفحة 79
النسيجيَّة الجزائرية وترويجها في أسواق إفريقيا، وخاصة بلاد السودان، والمصنوعة أساسًا من صوف الأغنام ووبرالإبل (1). وبفضلهم أيضا وصل المرجان الجزائري المستغل من طرف الشركات الأوربيَّة والموجَّه إلى الأسواق العالمية إلى بلاد السودان الغربي، حيث يتمُّ تسويقه من طرف «الشركة الملكية الإفريقية» التي احتكرته. بالإضافة إلى ترويجهم لبعض الأسلحة الموجَّهة للزينة وللاستعمال الذاتي كالسيوف والخناجر والحليِّ المختلفة وأدوات الزينة. وأمَّا ريش النعام المحلِّي المنتج بوارجلان ونواحيها، فلم يكن ليعرف خارج حدود الأيالة لولا ترويج المزابيين له. وأمَّاالسلع الأوروبية والمشرقية فبحكم بعد المسافة بين أوروبا والبلدان التي تقع في أعماق إفريقيا فتكاد لا تصلها، ويعود الفضل من جهة أخرى للمزابيين في نقلها إلى هذه المناطق البعيدة وشبه المعزولة عن العالم، لتنال نصيبها منها دون جهد.
3. استيراد الحيوانات للنقل وتبادل المنتجات الحيوانية:
يعود الفضل كذلك للمزابيين في إدخال حيوانات جديدة إلى البلاد والمستعملة أساسًا في النقل التجاري مثل الخيول المستقدمة من «تافليلات» بالمغرب الأقصى (2)، والحمير المصريَّة المستقدمة من السودان الغربي (3)، وفي إطار تبادل المنتجات المحليَّة بالمنتجات المستوردة فإنَّه إلى جانب تصدير المزابيين لريش النعام الوارجلاني وشحمه، فهم كذلك يجلبون النعام حيًا أو ريشه وشحمه من بلاد السودان الغربي (4).
4. ربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب:
شاءت الأقدار أن يختار أسلافُ المزابيين منطقة «وادي مزاب» لبعدها عن القوافل التجارية في محاولة منهم لاعتزال التحرُّكات التنافسية التي تندرج التجارة ضمنها، وما
__________
(1) ـ محمد العربي الزبيري، التجارة الخارجية للشرق الجزائري في الفترة ما بين 1792 - 1830، ط 2، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 19984، ص. 166.
(2) ـ فرج محمود فرج، المرجع السابق، ص 67.
(3) ـ نفسه ص. 67.
(4) ـ Decrammont Henri Dlmans, Histoire d’Alger sous la domination turques (1515/ 1830), Paris, 1987, p. 76 (1/95)
صفحة 80
ينتج عنها من غنى ورفاهية فتجلب بذلك انتباه الطامعين وقطَّاع الطرق وعصابات اللصوص وغير ذلك من الأخطار، لكن لم تلبث القوافل التجارية أن حوَّلت مسالكها فأصبح «وادي مزاب» محطًّا لهذه القوافل وهمزة وصل بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب.
وخلال القرن الثامن عشر للميلاد، كانت القوافل المارة من غرداية تحمل إلى الشمال التمور والملح والعاج والذهب والجلود والأقمشة وريش النعام، وتحمل إلى الجنوب في أعماق الصحراء الحبوب والزيت والسكر والنحاس، ومختلف المنتجات المصنوعة في التلِّ وأوروبا.
ولقد ظلت «غرداية» لعدَّة قرون محطة للتبادل التجاري بين التل والسودان، كما كانت محطَّة للتبادل التجاري في أرجاء الصحراء بين «قورارة» و «توات» غربا و «وارجلان» شرقا.
5. جلب العبيد والخدم إلى الإيالة والبيوت:
أسهم المزابيُّون مساهمة معتبرة بداية من القرن السادس عشر للميلاد في إدخال العبيد السود إلى الجزائر، حيث كانوا يستوردونهم تطبيقا للاتفاقيات والمعاهدات التي وقعوها مع الحكام في إطار تجديد الولاء للدولة العثمانية.
في عهد صالح رايس (1552م-1556م) كان يصل مدينة الجزائر اثنا عشر عبدًا واثنتا عشرة أمَةً كلَّ سنة من وادي مزاب، كان يتكفَّل بتقديم هؤلاء العبيد أمين جماعة المزابيين في مدينة الجزائر، بعد أن يتسلَّمها من أحد أعيان المنطقة (1). ثم توسع العدد ليصل إلى ما بين مائة وخمسين إلى خمسمائة عبد زنجي سنويا من «وارجلان» و «تقرت» و «وادي مزاب» معًا (2).
وكان يتمُّ شراء هؤلاء العبيد عن طريق المقايضات، حيث يؤدِّي المزابيون دور الوسطاء بين العرب والتجَّار التوارق، ويختصُّ في هذا النوع من التجارة «شعانبة متليلي»
__________
(1) ـ Aucasitaine, Les Béni M’zab du shard algérienne, (S.D.L.E), 1868, p. 113.
(2) ـ عائشة غطاس، الوافدون إلى مدينة الجزائر (1787 - 1830)، بين التهميش والاندماج، المجلة العربية للدراسات العثمانية، العدد 6، 2002، ص. 170. (1/96)
صفحة 81
و «شعانبة وارجلان» و «القليعة» (المنيعة حاليا) و «زوايا عين صالح»، وكان يتمُّ بيعهم في سوق المزابيين ويتكوَّن هؤلاء العبيد من أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 14 إلى 15 سنة ينحدر أغلبهم من «النيجر» و «تمبكتو».ويتمُّ بيع الشاب الزنجي ما بين 300 إلى 500 فرنك، ويعاد بيعه مرَّة أخرى في أسواق النخاسة بـ 1000 فرنك (1).
ثالثا: الإسهامات الجبائية المزابية لصالح بيت المال
كان للمزابيين نصيبٌ معتبرٌ من المساهمة في المداخيلالماليَّة بفضل ما كانوا يصبُّونهفي بيت المال العثماني، واتَّبعوا في جمع الأموال وتحصيلها لصالح الخزينة العمومية سياسة جبائية خاصَّة بهم، يُشرف عليها أمين الجماعة الذي كان ينسِّق بين أمناء مختلف الحرف التابعين له في جمع المستحقَّات مثل «أمين الكواشين» و «أمين الحمامات» ... وغيرهما كلٌّ حسب الحرفة التي يشرف عليها.
وكان لأمين المزابيين حريَّة التصرُّف والصلاحية المطلقة في صندوق التضامن، الذي يصبح بين يديه مباشرة بعد تقلّد المنصب الجديد، ويعمل بعد ذلك على ملء هذا الصندوق بتحصيل جميع الإتاوات والضرائب من أفراد الجماعة. وتتمثَّل مداخيل هذا الصندوق في:
- الإتاواة السنوية التي يدفعها أصحاب المتاجر والمحلات والحمَّامات والمقدرة بـ 40 إلى 50 بوجة (بوجو) (2).
- مستحقَّات حقِّ الإجارة، وهي مبلغ مالي يدفعه أفراد المزابيين عند حلول شهر رمضان الكريم.
- مستحقَّات ضريبة العودة التي كان يدفعها الأفراد عندما يقررون العودة إلى وادي مزاب نهائيًا. ومن صندوق التضامن الخاص بأفراد الجماعة كان الأمين يدفع ضريبة تعرف بضريبة «البشماق» أو «ضريبة حقِّ الصبَّاط» لصالح بين المال (3).
__________
(1) ـ عوشت بكير بن سعيد، وادي مزاب في ظل الحضارة العربية الإسلامية دينيا تاريخيا واجتماعيا، غرداية، المطبعة العربية، 1991، ص. 92.
(2) ـ عوشت، المرجع السابق، ص. 93.
(3) ـ Tachrifat , recueil de notes historiques sur l’administration de l’ancienne régence d’Alger , Alger , l’imprimerie du gouvernement, 1853,p45 (1/97)
صفحة 82
بالإضافة إلى هذه الضرائب الثابتة التي كان يدفعها الأمين إلى بيت المال كان أصحاب «الكوش» والأفران والحمامات والفنادق يدفعون مبالغ معتبرة كمستحقات ترجع لصالح الخزينة العموميَّة، أو في شكل إعانات وهدايا في الأيام العادية، أو خلال أيام الأعياد والمناسبات الدينية.
وتحتوي الوثائق الأرشيفيَّة الشرعيَّة والإداريَّة على معلومات جدُّمهمَّة حول المستحقات المترتّبة عن بعض الممتلكات التابعة لأفراد جماعة المزابيين والتي توجَّه لصالح بيت المال (1).
ويمكن أن نصل إلى مقاربة تتمثل في أنَّ المزابيين قد أضافوا ضرائب جديدة إلى بيت المال؛ فبالإضافة إلى «ضريبة البشماق» المعروفة أصبحت هناك «دينية الكبير» و «دينية الصغير»، وهما خاصتان بعيدي الفطر والأضحى، وضريبة «حق العودة».بالإضافة إلى ضرائب أخرى تدفع كلَّيوم عاشوراء، وفي كل احتفال بالمولد النبوي الشريف من كلِّ سنة، وكلُّها إضافات أخرى تعود بالفائدة على بيت المال (2).
ولابدَّأن نشير في الأخير إلى أنَّالمتجر أو المحلَّ المزابي لم يكن مؤسَّسة اقتصادية صرفة فحسب؛ وإنَّما كان إلى جانب ذلك خلية اجتماعيَّة تضمُّ أرباب العمل والعمَّال البسطاء حيث يقومون باقتسام العمل الواحد، والمسكن الواحد، والمحلِّ الواحد، ويقومون بتناول الوجبات حول نفس المائدة، ويحتسون مشروبا واحدًا، في جوٍّ مُفعم بالثقة والاطمئنان والتعاون والنصح وشحذ الهمم، وهي صفاتٌ لفتت انتباه الكثير ممن كان يلحظُهم، فكتب عن صفاتهم وأخلاقهم وعاداتهم الكثيرون، فقد حدَّثنا الدبلوماسي الأمريكي «وليام شالر» عنهم، وهو من الأجانب عن المدينة حين قال: «هم قومٌ هادئون، نشيطون في التجارة، ومشهورون بالأمانة والنزاهة في الأعمال ... » (3).
__________
(1) ـ (أ. و. ج)، سلسلة البيلك، ع 30، ص. 252.
(2) ـ نفسه، ع 30، ص. 252.
(3) ـ وليم شالر، المصدر السابق، ص 111. (1/98)
صفحة 83
وقد لاحظ «شالر» هذه الصفات وكتب عنها، وهو الذي لم يمكث طويلا في الجزائر، فكيف لساكنة المدينة الذين هم دائمو الاحتكاك بأفراد الجماعة، فلا يكون هناك شكٌّ في دورهم في نشر ثقافة التعامل التجاري المنبنيِّ على الثقة والأمانة وخدمة الزبون بكل حبٍّ وإخلاص.
ونخلص إلى أنَّ جماعة المزابيِّين في مدينة الجزائر العثمانيَّة كانت من أكثر الجماعات نشاطا وحيوية وفعالية في جوٍّ كان يسودُه التنافس خاصَّة مع جماعتي «الجواجلة» و «القبايل» على كسب الامتيازات من طبقة الأتراك الحاكمة التي احتكرت حكم البلاد وتسيير دواليب السياسة والاقتصاد، ناهيك عن ضبط الأمن في جوٍّ كان يطبعه النظام الطبقيُّ، وتُعدُّ فيه طبقة «البرانية» في المقام الرابع بعد «الأتراك» و «الكراغلة» وسكان المدينة الأصليين.
ومما قلَّص من حظوظ مزيد من التألُّق والتفوُّق لهذه الفئة من التجَّار، هو الالتزام المعنوي بالإقامة المؤقَّتة بالمدينة؛ هذا الالتزام الذي ربطهم ببلدهم الأصلي مزاب البعيد جغرافيا، فكان ينتظر الإعمار والإمداد بما تُحصِّله أيادي كلِّ أولئك التجَّار المنتشرين في بلاد التَّل الجزائري؛ حيث لم تعُد موارد مزاب الفلاحيَّة كافية لسدِّ حاجة ساكنيه المعيشيَّة، وذلك ممَّا أضعف توجُّههم نحو امتلاك العقارات، التي تعدُّ ورقة قوية للتفاوض والتموقع.
وبالرغم من ضعف تعدادهم وحضورهم الكمِّي بالمدينة، وإقامتهم الظرفية المؤقَّتة، فإن جدِّيتهم المعهودة وصرامة نظامهم وقوَّة تضامنهم فيما بينهم، بالإضافة إلى الخدمات والمواقف التاريخية التي أسدوها للنظام العثماني بالجزائر أيام التأسيس؛ كل ذلك مكَّنهم من أن يتبوَّؤوا مكانة محترمة في المجال الاقتصادي، واستطاعوا بذلك أيضًا أن يعمِّقوا نفوذهم السياسي حتى افتكُّوا تمثيلاً لهم في الهيئات الاستشارية القريبة من مركز القرار لنظام الحكم في البلاد.
ولا شك في أنَّ هذا السلوك الجماعي هو مظهرٌ لحقيقة نظريَّة، وقناعات فكرية، تنطلق منها هذه الجماعة في تعاملها مع النظام الإداري والسياسي للبلاد من جهة، (1/99)
صفحة 84
وتعايشها مع الأفراد والجماعات التي تجمعها بها مدينة الجزائر من أجل خدمة ساكنيها، وتحصيل لقمة العيش التي فارقوا أوطانهم في سبيلها من جهة أخرى.
وأوَّل حقيقة لا ينبغي تجاهلُها، هي أنَّ هؤلاء التجَّار ينتمون إلىفكر عقدي لا يسمح بالتساهل في أداء الواجب وترك المحظور، ويقرُّ بنفاذ وعيد الله تمامًا مثل نفاذ وعده، ويدعو إلى العمل وعدم الاكتفاء بالقول والنيَّة. ولذلك فإنَّ الخلود عندهم في جهنَّم ثابتٌ لمستحقِّيه تماما مثل الخلود في الجنَّة لمستأهليها. وتظهر هذه العقيدة في سلوك التجَّار المزابيين وفي علاقاتهم مع الآخرين.
والحقيقة الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها، هي أنَّ النظام العثماني الذي كشف عن نيته في الجهاد بحماية الإسلام والمجتمعات الإسلامية وتحرير بلاد المغرب الكبير من الهجمات الصليبية الإسبانيَّة منذ بداية القرن السادس عشر؛ كان واجبًا شرعيا نصرة هذا النظاموتقديم الطاعة والولاء له. وفي الجزائر كان الأعيانُ والعلماء على رأس الوفد الذي طلب النصرة من السلطان العثماني.
هذا الولاء المبكِّر الذي قدَّمه المزابيُّون للرايس «بابا عروج» في 1510م في جربة التونسية، واستمر وتجدَّد في مناسبات ومواقف متعدِّدة، قابلته جملةٌ من التعهُّدات من حكَّام الجزائر الجدُد بعد أن قرَّروا إلحاق نظامهم بالخلافة العثمانية، تلك التعهُّدات نصَّت على حماية التجَّار المزابيين وممتلكاتهم في تلال الجزائر. وتبعتها امتيازات تنازل بموجبها النظام عن إدارة بعض المرافق العمومية الحيوية حينها مثل الحمَّامات والرحوات والمسالخ.
تلك هي أهمُّ المنطلقات والمبادئ التي استمدَّتفئة تجار جماعة المزابيين منها فعاليتها وتفاعلها وانسجامها وتعاونها مع الآخرين، من الحكام والمحكومين في الجزائر عهد الوجود العثماني.
- - - (1/100)
صفحة 85
فن العمارة الإسلاميَّة
بوادي مزاب جنوب الجزائر
ـ دراسة في المكونات الحضارية والاجتماعية ـ
د: يحيى بن بهون الحاج امحمد
كلية الآداب واللغات
جامعة غرداية ـالجزائر
yahiabenbouhoun@yahoo.fr
م
ملخص:
يعتبر «وادي مزاب» امتداداً حضارياً للدولة الرستمية (160هـ ـ 296هـ) التي كانت أول دولة إسلامية مستقلة عن المشرق العربي في شمال إفريقيا، وقد أفاد الرستميون الأمة الإسلامية في الكثير من الجوانب، واعتنوا بنشر الإسلام ورسالة التوحيد في ربوع إفريقيا السوداء، واعتنوا بالتأليف ونشر العلم، كما برزوا في الجانب الاقتصادي والاجتماعي بحوض المتوسط، وكان لهم باع طويل في المعمار والهندسة المدنية والعسكرية.
وبعد سقوط الدولة الرستمية وتشتُّت شمل أهلها في أرض المغرب الكبير، ورث خلقٌ من الناس عنهم العقيدة الإباضية؛ تماماً كما ورثوا عنهم حب العلم والعمل، فنبغوا في المعقول والمنقول وكانوا خير خلف لخير سلف، وإن لم يُنشئوا دولة كالرستميين إلا أنهم نزلوا بواد غير ذي زرع فعمروه واخضرت بجهودهم أجزاء من الصحراء الجزائرية، إذ أنشئوا واحات اصطناعية وحفروا الآبار واختطوا القرى وبنوها، ثم وضعوا نُظماً اجتماعية حفظت كيانهم وأعلت شأنهم في كامل الشمال الإفريقي .. ، وأعني بهؤلاء «المزابيين» أو سكان بادية بني مزاب في صحراء الجزائر اليوم.
يقع «وادي مزاب» شمال صحراء الجزائر، ولعل أروع أثر موجود فيه استرعى انتباه المعاصرين لاسيما المعماريين الأوروبيين منهم، هو الهندسة المعمارية الفريدة التي شيدت بها قرى هذا الوادي في مجموعها، والتوزيع المنظم الهادف لمرافق الحياة بحسب متطلبات (1/101)
صفحة 86
وحاجيات الإنسان، فما من شكل أو قاعدة هندسية تخضع لها قوانين المعمار في مزاب إلا ولها ما يسندها في هذا الفن إذ لا دخل للصُّدفة فيه.
سأحاول من خلال هذا البحث ـ إن شاء الله ـ الوقوف على بعض التفاصيل الدقيقة لهذا المعمار الإنساني المتميز وأستقصي من خلاله فن العمارة الإسلامية في منطقة وادي مزاب مع دراسة مكوناته الحضارية والاجتماعية.
ولعلي أذكر هنا مثلاً بأن توزيع القرى على مجرى الوادي له تفاصيل معمارية دقيقة وتخطيطات قام عليها، ونفس الشيء بالنسبة لإنشاء الأسوار والأنظمة الدفاعية المحيطة بكل قرية، وكذا حفر آبار المياه داخل القرية وخارجها، وإنشاء الواحات المحيطة بقُرى الوادي وطرق توزيع مياه السقي بين بساتينها .. إلى غير ذلك كثير.
وفن العمارة في وادي مزاب عموماً قام بجهود سكانه أنفسهم وكانت الروح الجماعية في كل شيء تقريبًا هي ما يجمع المسلمين المتساكنين في القرية الواحدة بدءًا ببناء المسجد والمنازل وانتهاء بالأعمال الزراعية الموسمية.
تنفرد المساجد والمنازل في وادي مزاب بتفاصيل هندسية معمارية دقيقة، جُمع فيها بين ما تنصّ عليه الشريعة الإسلامية من مراعاة الحقوق والواجبات كحق الجوار مثلاً .. ، وبين حاجيات الإنسان لعيش كريم ومريح بوسائل بسيطة في منطقة صحراوية جافة، فجميع الدور مُكيفة بهندسة بديعة تناسب المناخ القاري للمنطقة.
هذا وإنَّ في تخطيط الشوارع وتفاصيل هندستها حِكَمٍ جمَّة ودروسٌ في الدين والحياة لابد من الإشارة إليها، تماماً كما أنَّ تخطيط السوق ونظام العمل فيه متميز هو الآخر بهندسته الإسلامية وبدوره الحضاري والاجتماعي، وهو أحد أسباب عمران وادي مزاب وبقائه لأزيد من ألف عام.
1 - منطقة وادي ميزاب (الحيز الجغرافي)
أـ التضاريس:
تقع منطقة وادي مزاب شمال صحراء الجزائر، معدل ارتفاعها عن سطح البحر بـ 468 مترا، وتمتاز بطبيعتهاالصحراوية الجافة وهي تحتوي في تركيب تضاريسها على بعضالمنخفضات المتمثلة في الحمادات، وعلى بعض الهضبات الصخرية المتقطعة والتي تتكون (1/113)
صفحة 87
من طبقات كلسية تتخللها وديان عميقة متشعبة ومتداخلة، لذا سميت ببلاد الشبكة ومن أهم هذه الأودية: وادي مزاب - واد النساء - واد ز?رير - واد متليلي - وادي بالُّوح - واد السودان - واد الأبيض ... وغيرها.
ب- المناخ:
مناخ المنطقة صحراوي شبه مداري جاف، يتميز بمدى حراري كبير جدا بين النهار والليل وبين الصيف والشتاء والتي تقدر بـ 19° تقريبا تصل درجة الحرارة في فصل الشتاء بين 06° و18° مئوية، أما في فصل الصيف تصل بين 24° و 48°، وفيما يخص نسبة الرطوبة فهي ضعيفة جدا، ونسبة تساقط الأمطار فهي ضعيفة أيضا، بحيث يصل معدل التساقط السنوي إلى 60 ملم.
2 - وادي مزاب ضمن التراث الإنساني العالمي:
ـ في سنة 1956 أُدرج وادي مزاب في قائمة التراث الوطني الفرنسي وشمل آنذاك سور بني يزجن وواجهة قصر بنورة.
ـ في سنة 1971أُدرج في قائمة التراث الوطني الجزائري.
ـ في سنة 1982أُدرج في قائمة التراث العالمي لليونيسكو.
وقد أنشأت وزارة الثقافة الجزائرية ديواناً خاصاً وهو المسمى بـ: «ديوان حماية وترقية سهل وادي مزاب»، ومن بين مهامه الأساسية حماية المنشآت الأثرية، ومتابعة عمليات ترميم المساكن القديمة وفق المعايير المطلوبة وبالوسائل المحلية (1).
3 - فن العمارة الإسلامية في وادي مزاب (ماهيته وأشكاله):
شهد وادي مزاب تعاقب حقب تاريخية عديدة، وأبرز المحطات التي بقيت معالمها حاضرة إلى تاريخ اليوم نجد:
* فترة ما قبل التاريخ: تم العثور على العديد من المكتشفات الأثرية في بعض المناطق من وادي مزابمنها ما يعود إلى حقب تاريخية قديمة كفترة ما قبل التاريخ، بحيث شملت تلك المقتنيات على بقايا حيوانية ونباتية متحجرة، وأدوات حجرية، وأواني فخارية،
__________
(1) - كمال رمضان، التراث الثقافي بوادي مزاب، محاضرة حول السياحة الثقافية، بني يزجن، فبراير 2011. (1/114)
صفحة 88
وعلى نقوش صخرية في مناطق (أُوخِيرَة بالعطف، مُومُو ببني يزقن، وقصر باباسَّعد بغرداية، وعلى رسوم حجرية للزرافة والفيل ... في واد بَالُّوح ببريان.
*الفترة الإسلاميةالأولى (فترة المعتزلة):خلال القرنالسابع الميلادي ظهرت قرى بربرية على ضفاف وادي مزاب، حيث تشير بعض الروايات إلى أزيد من 24 قصرا مندثراعلى ضفاف وادي مزابومن أشهرها: أَغَرمْ نْ أُوخِيرَة43هـ/669م (بالعطف)، أَغَرمْ نْ تَلَزْضِيتْ92هـ / 710م (بالعطف)، أَغَرمْ نْ أَوْلَوَالْ (بالعطف)، أَغَرمْ نْ وَدَّايْ أسس سنة 1004م (بمليكة)، تْلاَتْنْ مُوسَى (ببني يزجن) تأسست 1228م، مُورْكِي تأسست 1257م (ببني يزجن) وفي هذه أيضا نجد قصور: بُوكْيَاوْ، تِرِشِينْ، مُومُو، أَ?ـنُونَّايْ، وفي غرداية أَغَرمْ نْ بَابَا السَّعد.
* الفترة الإسلاميةالثانية (فترة الإباضية):اعتنق المزابيون المذهب الإباضي على يد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفُرسطائي النفوسي في أوائل القرن الخامس الهجري. وأصل بني مزاب من قبيلة بني مصعب البربرية، وهي بطن من زناته، وهم في بلاد الشبكة منذ القرن الثاني الهجري، وتعتبر الشبكة أو بادية بني مصعب أو مزاب مهدا لقبيلة زناته البربرية التي اندمجت معها قبائل أخرى إثر هجرات وفدت من مناطق مختلفة.
أما تأسيس القرى فقد تأخر إلى القرن الخامس الهجري، وقد عُرفت بلاد بني مصعب بالبداوة واعتنق سكانها البربر الإسلام وسبقت إليهم آراء المعتزلة فأخذوا بها ثم صاروا إباضية بعد ذلك، وتأسيس قصور وادي مزاب كان على مراحل: فقد ظهرت خمس قرى عبر كامل سهل وادي مزاب وذلك خلال ثلاثة قرون ونصف من القرن 11م إلى القرن 14م، لا تزال قائمة إلى اليوم تصارع قساوة الطبيعة وقلة الإمكانيات، وهي على التوالي:
- تَجْنِينْتْ «العطف»: أول القرى تأسيسا سنة (402 هـ/ 1012م).
- آتْ بُنُورْ «بونورة»: في (457هـ).
- تَغَرْدَايْتْ «غرداية»: في (477هـ).
- آتْ إِزْجَنْ «بني يزقن»: في (729هـ).
-آتْ مْلِيشَتْ «مليكة»: في (756هـ).
-ثم قصور «المنيعة»، و «متليلي»، و «القرارة» في (1040هـ)، وبريان (1060هـ). (1/115)
صفحة 89
يتوسط كل قرية من قرى مزاب المسجد وتلتف حوله المنازل بشكل هرمي، وتوجد في أغلب القرى مكتبات علمية خاصة وعامة ثرية بالمخطوطات، كما شهد مزاب نبوغ مجموعة كبيرة من أبنائه في فنون المنقول والمعقول شهد لهم العالم الإسلامي بالرسوخ في العلم (1).
منظر عام لقصر غرداية، لاحظ المسجد في قمة الهرم وتشابك المساكن والتفافها من حوله
وصولاً إلى ساحة السوق في أقصى الصورة يساراً.
4 - توزيع القرى على مجرى الوادي:
لعل أروع أثر موجود استرعى انتباه المعاصرين لاسيما المعماريين الأوروبيين منهم، هو هذه الهندسة التي شيدت بها قرى وادي مزاب في مجموعٍ والتوزيع المنظم الهادف لمرافق القرى حسب متطلبات أو حاجيات الإنسان، وإذا قلنا هذا في القرى فإنه يظهر في الدُّورِ أكثر فأكثر، فمن المستحيل أن تكون الدُّور أو المدن بنيت اعتباطا هكذا بدون تفكير ولا تخطيط، والهندسة المعمارية _كما هو معلوم_ تعبير عن نوع من المعادلات وكل ما وجده الباحثون من الميزات في القرى أو في الدُّور يوحي بأن وراء هذه الروائع عقولاً حصيفة ذات مستوى حضاري في أرقى مراحله، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون فيها للصدفة أثر، ويقول البعض إن الفن المعماري سيتقدم ويتقدم ولكنه سيجد أمامه هذا
__________
(1) - صالح سماوي، العزّابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب، المطبعة العربية غرداية، ط1، 2005، ج1، ص 35. (1/116)
صفحة 90
الفن الموجود هنا، وما من شكل أو قاعدة هندسية تخضع لها قوانين المعمار في مزاب إلا ولها ما يسندها في هذا الفن، فلا دخل للصدفة في كل ما نرى وسنذكر الملاحظات التي أثارت إعجاب المعماريين المعاصرين.
توزيع القرى:
1 - لماذا وزع المزابيون قُراهم على مسافة عشرين كيلومتر عوض أن يبنوا مدينة واحدة كبيرة يضعون فيها كل إمكانيتهم ويجمعون فيها جهودهم؟!.
والجواب الذي اختاروا لهذا التوزيع هو أنهم: وزعوه حسب الأرض التي تكفي لزراعتهم فالمساحات التي أخذتها القرى متقاربة فلو أنهم تجمعوا في مكان واحد لبعُدت المسافات بين قريتهم ومزارعها، وفي هذا ما فيه من إضاعة الوقت اليومي للعامل، في الانتقال من القرية إلى الواحة إذا كانت المسافة بعيدة، ولعل هذا ما يرمي إليه اليوم المعماريون من عدم توسيع المدن فإن حياة الإنسان تكاد تكون سجنا في كبريات المدن، وبالعكس فإن الحياة أهنأ في القرى والمدن الصغيرة (1).
2 - لماذا يبنون على الجبال ولا يبنون في الأرض السهلة؟! والجواب هنا بسيط، أولا: لضرورة الدفاع، فقد كانوا في حالة دفاع دائم عن غارات الأعداء المتوقعين، ثانيًا: المحافظة على الأرض التي يمكن زراعتها، فلا يمكن أن نأخذ من المساحة القليلة المستغلة زراعيا ولو مقدار ما نبني بها دارا (2)، لذلك نجد فن العمارة في الواحة بسيطًا جدًا، إذ يكتفى فيه بما تحتاجه العائلة للإقامة الموسمية المؤقتة وذلك فصل الصيف.
وقد أثبتت الأيام بأن السكان الأوائل كانوا بالفعل على دراية بما ينفع مستقبل أيامهم، فقد تكبدوا عناء البناء في الجبال وما يستلزم ذلك من تكسير الحجارة وحفر الدهاليز وشق الطرق .. ولم يميلوا إلى البناء في الأراضي المنبسطة والسهلة، خوفًا من خطر السيول الموسمية الجارفة، فالسيل العارم الذي ضرب مزاب في 01 أكتوبر 2008 والذي يُصطلح عليه محلياً بـ «الَمَسَّاحْ» كشف عن الحدود الفعلية للسيول الموسمية التي يمكن أن
__________
(1) - الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، تح يحي حاج امحمد، نشر جمعية النهضة، العطف، غرداية، ط1، 2009، ص 30.
(2) - نفسه، ص31. (1/117)
صفحة 91
تضرب في أي لحظة، وقد جرف المئات من المساكن الحديثة التي بُنيت داخل الواحة بعد الانفجار السكاني الأخير والزحف الإسمنتي الذي طال الواحة .. وهو ما دعا العقلاء إلى التفكير من جديد في التحذير من أخطار بناء المساكن داخل الواحة.
5 - الأسوار والأنظمة الدفاعية المحيطة بكل قرية:
في قصور مزاب نجد نوعين من الأسوار، السور الذي يعتبر بناءً مستقلا عن الكتلة السكنية، ويحيط بمجموع المساكن في اتصال وبدون انقطاع، ويكون بين المساكن وتلك الأسوار شارع عريض وهو حال سور بني يزجن الحالي وسور غرداية قبل أن يندثر تمامًا وسط الامتداد العمراني (1)، ويبلغ طول آخر أسوار بني يزجن 2500متر وارتفاعه حوالي ثلاثة أمتار، تتخلله خمسة أبواب وأبراج متفاوتة الأهمية، أشهرها البرج الذي يعلو المدينة وارتفاعه حوالي أربعة عشر مترًا ويتألف من خمسة طوابق، يستند إلى دعامتين تسمى الواحدة منهما بالمزابية «بُولِيلاَ» (2).
والنوع الثاني هو السور الذي يتكون من ظهور المنازل التي لا تفتح أبوابها إلى داخل القصر، مشكلة واجهة عالية مصمتة تقوم مقام جدار السور، كما هو الحال بالنسبة لأجزاء من سور قصر العطف والواجهة الجنوبية الغربية لقصر بنورة (3).
تكتسي الواحة في القصور الصحراوية أهمية بالغة، وهي العنصر الأساسي والرئة التي تمد القصر بمصدر الغذاء الضروري المتمثل في التمر وبعض المحاصيل الزراعية الأولية، وإن الجهود المضنية التي تستمر لعدة أجيال في إنبات تلك الواحة ورعاية مختلف المزروعات دون شك بأنها تحيط علمًا بما يستوجب حماية تلك الغلال حتى جنيها ويستدعي وضع أنظمة محكمة تساعد على حراستها من اللصوص والغارة أو من الآفات والكوارث (4).
أما موقعها داخل الواحة فهو في ثلاث مظاهر: قمم التلال لتقوم بدور الرقابة والإشعار عند طروق خطر ما، وتعتبر بمثابة الخط الدفاعي الأمامي، وعلى منحدرات التلال لتقوم بدور
__________
(1) - يحي بوراس، العمارة الدفاعية في منطقة وادي مزاب، نموذج قصر بني يزجن، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 2002، ص45.
(2) - تاريخ بني مزاب، حاج سعيد يوسف، المطبعة العربية، غرداية، ط1، 1991، ص86.
(3) - السابق، ص45.
(4) - يحي بوراس، العمارة الدفاعية في منطقة وادي مزاب، ص122. (1/118)
صفحة 92
الحارس والمدافع في آن واحد، وفي مضائق الشعاب على الحواف والقريبة من الواحة، وداخل الواحة تتخلل الأجنة والبساتين لتقوم بدور الحارس على الغلال (1).
patri11 وما من شك فإن بناء تلك الأسوار والأبراج قد أثقل كاهلهم وكلفهم ثمنًا فادحًا، ولم يكن ذلك التكافل إلا وحيًا من ضمائر الساكنة ومراعاة للمصلحة الجماعية، والتضامن هو السمة بين السكان الذين يتحملون تلك الأعباء لوحدهم مع ضيق ذات اليد والعدد القليل في تلك الفترات التاريخية (2).
(جزء من سور العطف القبلي والمكون من ظهور المنازل)
(جزء من سور قصر بني يزجن وهو يحيط بالقصر في اتصال تام)
__________
(1) - نفسه، ص123.
(2) - إبراهيم طلاي، مزاب بلد كفاح، طبع دار البعث قسنطينة، ط1، 1970، ص 71. (1/119)
صفحة 93
6 - حفر آبار المياه داخل القرية وخارجها:
تعد واحة منطقة مزاب واحة صناعية أي أن الإنسان هو من أنشأها، فالواحات التي تكونت في الصحراء الكبرى من بسكرة والأغواط إلى أدرار وتيميمون نشأت على نقط طبيعة من الماء الحي مثل بعض الأودية الغزيرة أو العيون الفوارة .. ، إلا واحات وادي مزاب فهي واحة من صنع البشر إذ ليس بها عين فوارة ولا واد دائم الجريان مثل الواحات الأخرى، ولقد حفر سكان القرى الخمس ما يزيد عن «أربعة آلاف» بئر يتراوح عمقها بين 20 إلى 60 مترًا، ويكاد يُجمع الناس أن هذه الآبار حفرت بالطرق البدائية أي أن البارود والمفرقعات لم تستعمل إلا في الآونة الأخيرة، ولقد كان حفر الآبار يخضع للعديد من شبه القوانين والأعراف التي تواضع عليها الناس (1).
أما الأجور التي كانت تعطى للعمال الذي يحفرون الآبار لاسيما إذا كانوا يحفرون في الصخور، فإنهم كانوا يحاسبون الأجير على حسب ما يقتلع من الحجر فكلما ملأ وعاءً بالحجر إلا وملئوه له بالقمح أو الشعير وهذا على حسب الأوقات والظروف، وأما من كان يُصفِّي البئر فهو بالطبع يعمل طول يومه في الماء فإنه علاوة على أجره يعطون له رطل سمن يشربه قبل النزول في الماء لئلا تتضرر صحته بطول الوقوف وسط ماء البئر (2).
كيفية استغلال مياه الآبار داخل القرية:
وكانوا يقسمون البئر إلى أربع وعشرين خَرُّوبَة فمن ملك ستةً فله رُبع البئر، ومن ملك اثني عشرة خروبه فله نصف البئر، وقد تقسم الخروبة إلى أربعة وعشرين ميزونه أو ميزورة وهذا يقع غالبا في الآبار الغزيرة، ومن المعلوم أن استغلال الآبار يكون بالأيام فمن كان يملك نصف البئر قد يتفق مع الشريك على أن يحتل البئر يوما بيوم، وقد لا تكون له دابتان لنضح الماء فيكون اتفاقهم حينئذ أن يشغل أحد الجوانب دائما وشركاؤه يشغلون الجانب الآخر، أما إذا كانت البئر غزيرة المياه في أيام الشدة والقحط فإن الطلب يكثر عليها فيبيع مُلاكها الأصليون عددا من القسمات فيها، فيقسمون الاستسقاء منها بالساعات أو يتبعون في التوقيت أوقات الصلوات، وقد يستأجرون أمينا ليضبط لكل شريك وقته، وقد يتفق
__________
(1) - الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، ص 36.
(2) - نفسه، ص 38. (1/120)
صفحة 94
الشركاء حول الوقت أن تكون أغلب الأدوات التي يستقون بها مشتركة فلا يبدلون إلا الدلو والدَّواب لئلا يضيعوا الوقت في تبديل الأدوات مِرارا في اليوم (1).
pui* صورة لبئر بواحات مزاب، وعليها «الدْلُو» ينهمر ماءً. والراجح أنه يُسحب بالدواب (الجمال أو البغال) نظراً لكبر حجمه. وقد كانت البساتين تُسقى باستمرار في كل الفصول تقريبا رغم العناء، ولا يكاد أحد يتخلى عن خدمة أرضه ورعاية ما يتركه له أسلافه.
وفي نفس السياق فإن الآبار المحفورة داخل القرى شهدت مراحل من الكفاح المرير الذي خاضَهُ سكان مزاب، فهي أولاً كلها لله لا لسقي غابة ولا شجرة بل لتكفيَ ضرورات الناس في الغسل والوضوء، ابتداء من آبار المساجد والأسواق، وانتهاء بمختلف الآبار الموجودة في البلدة، ومن المستحيل أن تجد في قمة الجبل غير الصخر ومع ذلك فقد حفروها، وقد يقضون أكثر من ثلاثين سنة في حفر بئر وذلك طبعا قبل أن يستعملوا البارود، ومن عجيب أمر هذه الآبار أنه لا توجد فيها مياه صالحة للشرب وإن كانت مياهها نظيفة (2).
تنقسم آبار القرية إلى قسمين منها ما هو تابع للمسجد وإن كانت بعيدة عنها وحبلها (3) وما تستلزم من مصاريف يشرف عليها وكيل المسجد، وكذلك إصلاحها وتصفيتها وترميمها.، ومنها ما حفر بجانب دار من دور المحسنين يفتح من داره كُوَّة يَجر منها الماء لنفسه ويترك القسم الأكبر من البئر خارج داره ويقسمها إلى نصفين قسم للرجال وقسم للنساء ويقوم هو دوما بمصاريف البئر وحبلها، وقد يوزع المجلس البلدي
__________
(1) - نفسه، ص 39.
(2) - نفسه، ص 38.
(3) - أي: الحبل الذي لجلب الماء من البئر. (1/121)
صفحة 95
هذه الآبار ويحدد صلاحيتها طبقا لما يقتضيه أمن المواطنين فيقرر مثلا: ثلاث آبار موزعة على حسب التقسيم الجغرافي للقرية لسقي عمال البناء لما يكون فيه من احتكار البئر في عشر ساعات من اليوم، ويُلزم البنَّاء أو صاحب الدار التي تُبنى بإتيان حبل من عنده ولا يستعمل حبل الوقف لسقاية البِناء، ففي العطف على سبيل المثال كانت أربعة آبار مُعدَّة للبنّائين هي «حَاسِي الشّيخ» في وسط البلدة، و «حَاسِي تَاسَه» في جانب السوق، و «حَاسِي نُونَه» بجانب الرحبة القديمة، و «حَاسِي بِيَّاع الزَّيت» في أبي سالم، وقبله كان سكان أبي سالم يستقون من «حاسي المسجد»، وكان «حَاسِي بَاشْ عَدَلْ» (الحاج محمد بن مسعود) مُختصّاً بالخبَّاز، وهو أعذب ماءً من بقية آبار البلدة.
وهذا التنظيم موضوع أولاً: لمنع الاختلاط مع النساء والأطفال، ثم: لئلاَّ يطول انتظار الناس إذ لو كانت كل الآبار محجوزة لعمال البناء لتعطلت مصالح الناس واحتاجوا إلى الماء في منازلهم؛ وقد تُغرس بجانب البئر نخلة تمتص ما قد يتدفق من ماء السُّقاة ويُنتفع بجمالها، وتمرها لِحبل تلك البئر، وذلك كله تحت إشراف المسجد، ولا يزال بعضها شاهدا على ذلك إلى تاريخ اليوم كما هو الحال في مْلِيكَة العُليا (1).
7 - إنشاء الواحات المحيطة بالقرى:
لقد نشأت قرى وادي مزاب مقسمة بالكيفية الحكيمة التي شاهدنا فيها تقسيم المناطق الزراعية الكافية لكل قرية، ولذلك نشأت حول كل قرية واحة يزرع فيها المواطنون ما يحتاجون إليه من خضر الشتاء والصيف وإن كان اعتمادهم على النخيل أكثر، لأنها تزدهر في جو الصحراء وتصبر على انقطاع الماء وقد تكون بُورًا لا تعيش إلا على مياه الأودية وفيها منافع كثيرة منها أن تمرها يصبر سنوات قد تزيد على العشرة ويحتفط التمر فيها بحلاوته وإن تغير لونه، ثم إن نواه علف للدواجن والجمال، وأما الخشب والجريد فهم ينتفعون به في البناء، وأما العراجين اليابسة فهي للكنس وللوقود، وكذا لَكْرَبْ «الكَرْنَافْ»، وأما اللِّيف فتصنع منه الحِبال أو الغَنَانِيتْ (2)، وأما السعف فتصنع منه القِفاف والمراوح وكثير من الأواني كالأطباق والكَسَاكِس والقنينة للماء أو للبن أو الحصير، وقد تصنع من السعف
__________
(1) - نفسه، ص 39.
(2) - هي: أشبه بالشْوَارِي أو الزنابيل، يُنقل فيها الرمل على ظهور الحمير خاصة وكذا مختلف مواد البناء. (1/122)
صفحة 96
غرائر لحمل التمر من مكان لآخر أو زنابيل (1) وهو ما يعبر عنه بِالشْوَارِي، وكل هذا يرجع أخيرا إلى الوقود، ولكن النخيل على عمومه يحتاج غرسه ومعالجته إلى صبر أيوب فإنتاجه للتمر لا يكون في الغالب قبل خمس سنين، وتَأبِيرُهُ وتعديل عراجينه واقتطافه وقطعه أخيرا يحتاج إلى المجهود المتواصل الدائب الذي لا يكفي فيه الرجل وحده بل لابد أن يشترك جميع أفراد العائلة في خدمته، وهذا ما استلزم إيجاد بعض دُورٍ بسيطة في الغابات يقتصرون فيها على القدر الضروري من المرافق وأغلبها كان إلى عهد ليس ببعيد مبنيا بالطوب وأرضه مفروشة بالتراب، لا يستعمل الجير والحصباء إلا في صقل السطح العلوي المعرَّض للمطر وتغطية أعالي الجدران لأن الطوب كما يقول العامي: «غَطِّ لِي رَاسِي وُخَلِّينِي انْقَاسِي»، وقد يصقلون بالجير كذلك أرض المغتسل لا غير، وقد دعا إلى ذلك أمران ضروريان منها ربح الوقود فإن نقل الحطب دائما من الغابة إلى البلدة فيه كثير من التعب وكذلك الماء فإن ماء الآبار الموجودة في البلدة غير صالحة للشرب كما تقدم، وبهذا يستريح أب العائلة من نقل الماء العذب والحطب وغسل الملابس مدة نصف سنة على الأقل، هذا زيادة على ما تستفيده العائلة من صبغ الصوف وغسلها وما يستفيده أب العائلة من استخدام الجميع في التقاط التمر في بدء نضجه أو التقاط التمر الذي يتساقط بفعل الرياح، فيُنتقَى ليأكُل الأولاد ما كان صالحا ويُجفَّفَ الباقي على السطوح ليُخزن علفا للدواب (2).
(صورة نادرة تُظهر محصول القمح الموسمي،
وبين ظلال النخيل يظهر البيت المخصص للإقامة الصيفية)
__________
(1) - وتعرف عند العامة أيضا بـ «الخُرْجْ».
(2) - نفسه، ص 41–43 بتصرف. (1/123)
صفحة 97
8 - طرق توزيع مياه الأمطار الموسمية:
من الأدلة الحية على روح التنظيم التي كان يتمتع بها المزابيون منذ أول نزولهم هذا الوادي تلك السدود التي أقيمت على فروع الأودية أو الروافد التي تصب في وادي مزاب أو التي أقيمت على وادي مزاب بالذات.
هذه السدود والمواقع التي بنيت فيها، والمواد التي استعملت فيها، ومقدار الجهد الذي بذلوه في تشييدها، كل ذلك يدل دلالة صادقة على مقدار ما كانوا يتمتعون به من روح التنظيم والتضحية، ولقد كانت معلوماتهم الهندسية تقتضي أن يوائموا بين مجرى الماء من ناحية وبناء المساكن في الواحة لئلا تتضرر هذه المساكن بسيل الأودية، وهذا كان يستدعي منهم نظرة شاملة لمجموع المساكن ومراعاة مجارى السيول، حتى في حفر الآبار وتأسيس القرى، مما يدل على أن الأمر هذا لا دخل للصدفة فيه (1).
أما سد أَحْبَاسْ بالعطف فهو يستقبل مياه واديين في سد واحد، ولو أن من بنوه شيدوه في غير المكان الذي هو فيه الآن، ووضعوه في «أَمَعْدُورْ» مثلا لفاتهم ماء أَوْلَوَالْ ولو أنهم بنوه في مجرى أَوْلَوَالْ لفاتهم واد مزاب، ولكنهم جمعوهما فتحققت الفائدة المرجوة، فقد تسيل شعاب أولوال ولا يسيل وادي مزاب، والملاحظة الثانية هي الكيفية التي بُني بها، فنراه لا يعترض السيل بل جاء في أضيق مكان بين جبلين من جهة، وكان متجها محاذيا للوادي لا معارضا له، وإذا رأينا إلى عرض الجدار والدكاكين التي وراءه ـ وهي الآن مطموسة بالرمال ـ ورأينا «الَمْنَافَسْ» وهو قسم من السد ولكنه أقل ارتفاعا منه، فيتركون الماء يتنفس أي يسيل إلى ما وراء «أَحْبَاسْ»، فإذا جاءهم الخبر من غرداية ـ وهي الناحية التي يأتي منها السيل ـ ربطوا هذه المنافس بأكياس من الرمل مملوءة تُجعل كالمتاريس بعضها فوق بعض حتى يصلوا إلى مستوى ارتفاع السد، وهذا يزيد قسما مهمًّا من الماء المخزون.
__________
(1) - نفسه، ص 45. (1/124)
صفحة 98
* جزء من «سد أَحبَاسْ» أو «سد تَجْنِينْتْ» من جهة «لَمْنَافَسْ». ويُعد هذا السّد الأقدم في وادي مزاب من حيث الإنشاء، وهو يستقبل مياه السيول التي تصب في كل «واد مزاب» ويمتلأ عادة بعد هطول الأمطار الموسمية في فصل الخريف.
وعملية ترميم مجاري الأودية والسدود تقع تطوعا في كل صيف استعداد لاستقبال الأمطار الموسمية في الخريف، ويتشارك جميع المواطنين كبارًا وصغارًا في تلك الأعمال كل حسب جهده واستطاعته، فحتى الشيوخ والعجزة يُسهمون بالتمر، وكان العزَّابة يشاركون بمجهودهم وبقسم من تَمر المسجد، وكان الناس يقومون بجمع أكثر ما يمكن من نوى «دَقْلَة نُورْ» ويخلطونه للحصباء والجير وذلك لتصحيح البناء وتقويته.
وبالنسبة لتوزيع مياه الأمطار الموسمية فهي طريقة عجيبة لاشك أنها تدل على عقول مخترعيها ومعرفتهم، ولكل قرية من القرى اسم لمخترع هذه الطريقة الدقيقة من التوزيع العادل لماء المطر.
إن من السهل جدا أن نقسم المياه الحية الجارية لأننا على الأقل نراها ونعلم مقدار قوتها وغزارتها، ولكن ليس من السهل أن نقسم مياه أودية لا تسيل إلا في فترات متباعدة تقسيما عادلاً يأخذ القريب من مدخل الوادي ما يأخذه البعيد كل حسب مساحته من الأرض بدون أن يكون هناك حيف، وهذا العمل يزيد إعجابنا به كلما عرفنا مقدار الصراع الذي عرف به ناس الصحراء على الماء، ومن المعلوم أن هذا التقسيم ينفع ويعظم خطره إذا كان السيل ضعيفا، أما إذا كان السيل جارفا فلا تكون له القيمة النادرة، أما إذا كانت كمية الماء قليلة فرأيت الناس يشاهدون عدالة هذا التوزيع، فهنا محل الاعتراف لهذا العقل العالم الجبار. (1/125)
صفحة 99
أما واضع هذا التنظيم في واحة غرداية فهو الشيخ «حَمُّو وَالحَاج»، أما في العطف فإن مجرى «لاَيتْ مْزَابْ» قسّمه الشيخ «بَابَه دادي» وهو من عشيرة «آت حريز» من «آل عبد العزيز»، وهناك أسماء أخرى مغمورة ما تزال مجال بحث وتحقيق نظرًا لقلة المصادر المكتوبة التي تخبر عنهم.
HPIM4108 وهذه التقسيمات تخضع لعمليات الترميم والتحسين بصفة دورية، ويتناقل الخبرة في شؤون المياه الراغبون بالتوارث إذ يتعلم فيه الصغير على الكبير القواعد والأعراف والقوانين وكل ما يستطيع أن تحل به المشاكل التي يمكن أن تحدث بسبب تغيير فتحة أو توسيعها.
(نظام تقسيم مياه السيل وهو يشتغل بواحة «تَغَردَايتْ» ناحية «بُوشَّنْ»)
* لقد أبدع الأسلاف في حفر الأثلام والأخاديد على الجبال الصخرية القاسية فبعثوا الحياة في الواحات الجرداء، ولا يدري أحدٌ كم استغرق ذلك العمل الشاق والمُضني من الوقت ومن الجهد، إنه دون شك الإيمان بالله وإرادة الحياة. (1/126)
صفحة 100
* إن حقوق كل جار محفوظة وفق التنظيمات والقوانين الشرعية، وبحسب «اتفاقيات المجالس العامة للعزَّابة» ويسهر على مراقبة هذه الأنظمة «أُمناء السَّيل»، فالفتحات المُفضية للأجنّة مقيسة ومُحددة بحسب المساحة وعدد المزروعات.
9 - بناء المساجد وتفاصيل هندستها المعمارية (في القرية والواحة):
يكون البدء دائما ببناء المسجد الذي يقع في أعلى قمة من القرية، لأنه بناء هادف ودليل قاطع لما في نفوس الناس من تقديس للمسجد وإعطائه الأولوية في البناء والرفعة الحسية في المكان وتسمية صومعته بـ «أَعَسَّاسْ» أي الحارس.
وبالرغم من تقديس المزابيين للمساجد فأبوابها لا تختلف في طولها وعرضها عن أبواب الدُّور وما ذلك إلا لأنها جعلت لدخول وخروج الرجال لا غير، وإذا كان المسجد كبيرا واحتيج إلى أن يجعل له باب ثاني فإنه يفتح، ولكنه لا يكون عاليا بل عاديا فلا حاجة لأي ارتفاع، فأطول الرجال قامة لا يزيد عن المترين وكل ما زاد عن قدر الحاجة فهو إسراف وتضييع، وقل مثل ذلك في سقوف المساجد فهي لا ترتفع أكثر من خمسة أذرع وذلك أدعى لطقسيتها ( climatisation) ولتقليل النفقات، أما الكُوَّات التي توجد في جدران كل المساجد وحتى في بعض سواريها، وكذا الرفوف، فكلها ذات منفعة لعُمَّار المساجد كوضع النوى أو الأحذية أو تعليق الملابس الخارجية، كل هذه وظائف نستغني فيها عن الالتجاء لجلب الأثاث من الخارج أو صنعه من الخشب الذي كان لا يزال نادرا، وأقل ما يقال في استغلال الأماكن الممكنة للرفوف نقول إنه اقتصاد في المواد (1/127)
صفحة 101
التي يبنون بها. ويراعى في مساجد مزاب البساطة والتقشف والابتعاد عن كل ما قد يشغل المصلي عن الخشوع في عبادته، حتى المحراب فإنه خال من كل زخرفة.
على الركن الشمالي للمسجد تنصب المئذنة على شكل هرمي مقطوع ذي قاعدة مربعة، وبجانب المسجد الميضأة ومحاضر تعليم الصبيان، وفوقه المخازن والسطح ومقر اجتماعات العزَّابة الذي يسمى «تَمْنَايْتْ» (1).
وما قلناه عن المسجد في القرية يمكن قوله عن مسجد الواحة من ناحية الوظيفة أما المرافق فمسجد الواحة أقل بكثير من مسجد القصر وذلك لطبيعة وظيفته الموسمية فهو يستعمل لفصل واحد تقريبًا هو فصل الصيف.
يمكننا القول بان ما نشاهده من هندسة بسيطة في المساجد لا دخل فيه للصدفة بل إن وراء تلك الهندسة عقل عالم ومتتبع لقواعد هندسية معروفة لدى المهندسين المعاصرين، ولنضرب لذلك أمثلة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، الأعمدة الأربع التي فوق الصوامع، أيمكن أن تكون جعلت للزينة؟ كلا إن المهندسين المزابيين أعقل من أن يخاطروا بالبنَّاء الذي يخرج من نافذة الصومعة إلى سطحها من أجل الزينة فقط، بل إن الأعمدة اقتضتها هيكلة البناء وتقنيته وذلك لأن سقف الصومعة مُقبَّبٌ وفي غالب الأحيان يجعلون فيه زِيرًا من الفخار فهذا التقبيب يقتضى ثِقلاً لا على كل القبة بل على الأطراف الأربع للجدران، فلو نقوم وننزع من إحدى هذه الصوامع أعمدتها الأربعة فإنها تنحل في مدة قريبة وقد تسقط (2).
patri04
( مصلى الشيخ إبراهيم بن مناد الزَّناتي بالعطف، والذي يُعد تحفة معمارية خالدة)
__________
(1) - حاج سعيد يوسف، تاريخ بني مزاب، ص 87.
(2) - الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، ص 31. (1/128)
صفحة 102
10 - تخطيط المنازل وتفاصيل هندستها المعمارية (في القرية والواحة):
بالنسبة لتخطيط المساكن في مزاب فإنه ليست هناك أنواع مختلفة من الدور بل شكل الدار واحد، قد يختلف اتساعا وضيقا تبعا لحاجة كل عائلة على حسب عدد أفرادها، أما العلو فهو واحد والشكل واحد، فليس هناك دار للغني ودار أخرى بشكل آخر للفقير، وهذا يدل دلاله صادقة على مدى المساواة التي كانت منتشرة بين السكان.
وأول ما يستوقف نظرك في الدُّور هو الاكتفاء الذاتي في المواد أو سياسة الإمكانيات، فقد اختاروا مادة «تِمْشَمْتْ» وهي موجودة، والحجر الصغير وهو موجود ولا يحتاج التقاطه من الجبال أو اقتلاعه عناءً، والجريد والأخشاب من النخيل، وأكثر الأثاث الذي يحتاج في الدار مبنِيٌّ اقتصادا في الخشب لأنه كان قليلا ونادرا جدا، فيصنعون أبواب الدور والحُجْرات بخشب النخيل، ولذلك يضيّقون الأبواب ويستغنون عنها في المطبخ والمرحاض وما لا ضرورة إليه، ويبنون مرتفعات من الأرض لوضع أمتعتهم والدكاكين (1) للنوم والصلاة.
وكل الدور القديمة التي رأينا والتي لا تزال بقايا منها موجودة تنطق وتعبر تعبيرا صادقا عن مدى ما استعمل الأولون من ذكاء في البناء على بساطته منها مثلا هذه المادة التي يبنون بها فهي لا تتأثر بالحرارة القوية ولا بالبرودة فنجد الدور التي بُنيت بها إلى اليوم باردة في الصيف دافئة في الشتاء، وهو ما يسمى اليوم _تكييف الهواء_ فهذه الدور لا تحتاج إلى تسخين أو تبريد، ثم إن هذه المادة نستطيع أن نبني بها جدرانا صحيحة بحجر صغير وهو موجود بدون عناء، ثم إن تصغير الأبواب يستجيب إلى شيئين أولا: التقليل من حرارة الشمس في الصيف ومن الضوء تبعًا لذلك والتخفيف من حدة البرد، ثم ثانيا: الاقتصاد في الخشب الذي كان نادرا أو غاليا.
جعل الدور مفتوحة نحو السماء منغلقة عن الجيران يستجيب لمطلبين، أولا: أن النساء يقضين أكثر الأوقات في البيوت ولا يخرجن إلا قليلا فلابد لهن من فسحة واسعة يتمتعن فيها بالشمس، وقد رأينا حرصهم على مقدار من الشمس يدخل الدار لما للشمس من أثر على صحة السكان، ثم انعدام الشبابيك وتعويضها بِكُوًّى صغيرة جدا
__________
(1) - ج دُكَّانة: وهي مرتفع قليل من الأرض يبنى لغرض رفع أماكن الصلاة والنوم عن بقية أرض المنزل. (1/129)
صفحة 103
يعطى مثل ما تعطي النافذة من الضوء والهواء، ويحتفظ المحل بكل طقسه البارد في الصيف والدافئ في الشتاء، ثم إن انغلاق الدور يجعل الناس في سرية مطلقة في داخل دورهم فلا يراهم ولا يسمع أصواتهم أي جار ولا أي مارٍّ في الطريق، فالدور على شدة تقاربها تعطينا هذه الحرية والسرية التي ينشدها كل إنسان في بيته.
أما الكُوَّات التي تكون بين قوسين فهي تنفع لوضع بعض الأدوات الخطيرة كالمقص والموس والكبريت وكل ما يجب إخفاؤه عن الصبيان، وهو يدل على علم دقيق بالهندسة، فهم متأكدون أن الثقل الذي تحمله الأروقة أو الأقواس ينصب فوق السواري، وبالتالي فإن فتح هذه الكُوَّى بين الأقواس لا يؤثر في صحة البناء ولا يُضعفه (1).
* في الكوة العُليا (أعلى العرصة) تحفظ المواد الخطرة كالموسى والكبريت، وفي الكوّة الوسطى، وفيالسفلى نوى التمر. وفي هذا الدليل على تقدير نعم الله تعالى.
11 - تخطيط الشوارع وتفاصيل هندستها:
الأزقة في قصور مزاب عادة ذات ثلاثة أذرع عرضًا، روعي في عرضها أقل ما يكفي لتلاقي دابتين، ولتمرير جنازة، كما روعي في تخطيطها مقاومة الرياح وكسر العواصف الرملية التي تتحول على نسمة هواء، وكذا التقليل من مدة إشعاع الشمس في فصل الحرارة، كما تتميز باعتدال انحدارها بحيث يتمكن السكان من استعمال الدواب للتنقل والنقل (2)، ولعل في تضييق الشوارع وبعض التواءاتها اختصار للمساحات وتشويش على الأجنبي الذي لا يعرف القرية، في حين أنه يمكن أن تتخذ بعض الشوارع خطًّا مستويا خاصة المؤدية إلى المسجد.
ويلاحظ أيضا وجود بعض الطرق والأنهج المسقفة لأهداف دفاعية، منها أن العدو الراكب إذا تمكن من دخول البلدة لا يستطيع الوصول على المسجد وهو قلبها النابض
__________
(1) - الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، ص 35.
(2) - حاج سعيد يوسف، تاريخ بني مزاب، ص 87. (1/130)
صفحة 104
ومقر القيادة فيها، ومستودع الذخيرة والمؤن إلا بصعوبة، كما أن بواسطة هذه التسقيفات يمكن لأهل المدينة التنقل على السطوح، من حي إلى حي دون اللجوء إلى الأزقة، وقد يكون الداعي إلى إنشاء تلك السقائف الحصول على المزيد من الظل صيفًا، والوقاية من الرياح والزوابع الرملية (1).
وفي تلك السقائف أيضًا كسب للمساحة من جهة وتخفيف لحرارة الشمس في الشوارع، وفسحة لبعض المناسج التي لا يمكن أن تنسج في البيوت الضيقة (2).
(نهج مسقَّف في قصر غرداية والشوارع الواسعة تفضي عادة من السوق إلى المسجد مباشرة)
12 - تخطيط السوق ونظام العمل فيه:
لقد كانت الأسواق في بداية إنشاء القصر هي بعض الشوارع الأكثر عرضا من غيرها، وتكون مزودة بمقاعد مبنية أو مصاطب حجرية، وكلما ازداد عدد السكان واتسعت القرية إلا وتراجع السوق ليكون في سفح الجبل، كما تطورت وظيفته
__________
(1) - نفسه، ص 87.
(2) - الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، ص 31. (1/131)
صفحة 105
الاجتماعية، إذ كانت أول الأمر مكانًا لتبادل المنتجات بين أهل المدينة الواحدة ثم بين أهل المدن المجاورة ثم بينهم وبين قوافل البدو التي تقصد التجمعات السكنية للتجارة، ثم أصبحت بعد ذلك تؤدي وظيفة اجتماعية أساسية، إذ هي المكان العمومي الوحيد بعد المسجد الذي يمكن لسكان البلدة أن يجتمعوا فيه، ويتبادلوا الأخبار ويتفقدوا أحوال بعضهم، ويستريحوا فيه من تعب العمل اليومي بالإضافة إلى ممارستهم البيع والشراء (1).
إذا فالسوق وما حوله هو وحده منتدى الرجال ومركز الحركة، ولا يمكن لأي إنسان كان أن يفتح في داره دكانا أو أي مركز للحركة (2).
إذا يحتل السوق مركزا ممتازا في كل قرية من قرى مزاب من حيث الروعة المعمارية ومن حيث أنه مركز ثقل في القرية، ففيه توجد محلات أو «حُجْرَاتْ» (3) العشائر وفيها يلتقي الرجال، إما للأعمال التجارية وإما للمراقبة، ومجمل القول إنه مركز ممتاز في جميع الشؤون الدُّنيوية للبلد، فكما أنه من واجب المؤمن أن يحضر الصلوات الخمس في المساجد فكذلك من واجبه حسب عُرف مزاب أن يأخذ مكانه بعد العصر في السوق، هذا هو العرف الذي جرى به العمل حتى عهد قريب.
والسوق في مزاب هو مجمع البيع والشراء في كل يوم، فالمنتوجات الصوفية كانت تباع في الأسواق وكذلك الدواب والأنعام، وكل التَّركات، وكل ما يأتي به البَدوُ الرُّحَّل من حطب وبُرٍّ وشعير وأصوافٍ وألبانٍ وسمنٍ كل هذا كان يوجد في السوق دوما، وإذا لم يوجد في السوق وُجد عند أحد السكان الذين قد يدَّخرون مادة من المواد لوقت الحاجة، ولذلك شُرعت له قوانين أو أعراف أجمع عليها الناس وعملوا بمقتضاها في أغلب الأحيان، ومنها:
يشرف العزَّابة على افتتاح البيع بالمزاد بعد صلاة العصر من كل يوم، ثم يتابع «الدَّلاَّلُون» حركة البيع وهم يُنادون بسعر السلعة التي بأيديهم وهو في تلك الحال يُنادي بمن أعطاه السعر الأول، وإن لم يكن قد ساومه أحد دار على السوق وهو يقول: «اعْلَى
__________
(1) - السابق، ص 88.
(2) - الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، ص 31.
(3) - هي مكتب العشيرة يجتمع فيها أعضاؤها كل عشِيَّةٍ تقريبًا، ولم يبق أثرها الفعال إلا في بني يسجن، وتنطقُ مُرَقَّقَةً. (1/132)
صفحة 106
بَابْ الله» ومعنى هذا أن الشيء لازال بدون سِعر، فإذا أعطاه أحد الحاضرين سعرًا نادى به، فإذا زاده الثاني في السعر اتجه من بعيد للأول وهو ينادي بالسعر، فإن أراد الأول أن يزيد حرك رأسه ثم يلتفت إلى الآخر مادامت الزيادة مستمرةً، فإذا توقف أحدهما زاد هو دورانه على السوق حتى يستقر السعر النهائي، فإذا استقر مَكَّن ذلك الشيء لمن استقر عنده السعر، ثم يذهب ليستشير مالك الشيء، فإن أعجبه السعر واقتنع باع وإن لم يقتنع طلب رد المَبِيع، وقد يطلب سعرًا أغلى وقد يرد له المَبِيع، فالخيار دائما للبائع في كل ما يبيع بالدلالة (1).
وأما الدلال فهو رجل مُختار ولابد أن يكون مقبولا من طرف العزَّابة ويشترطون عليه أن يكون له «ضَمِين» يصرح بضمانٍ لدى العزَّابة حتى يضع الناس عنده مبيعاتهم، كما أن له دفترًا يسجل فيه اسم كل بائع واسم المشتري والعدد الذي بِيع به المَبيع، واسم الشيء الذي بيع، وبهذا يتمكن الأمين من مراقبته، والأمين رجل عاقل حافظ للأعراف والقوانين مُعيَّن من طرف العزَّابة أو من جماعة «الَمْقَادِيمْ» (2) ولكنه مقبول ومُزكَّى من طرف العزَّابة، وعمله ينحصر في مراقبة السوق والدَّلالين وفَضِّ أي نزاعٍ بين متخاصمين، لأنه يحفظ الأعراف التي يحكم بها، وعدد الدَّلاَّلين مَحصور ولا يستطيع أحد أن يدخل في زُمرتهم إلا بموافقة العزَّابة (3).
بعض النقاط التي تتعلق بالسوق، بل بتاريخه في الماضي لا بأس بذكرها إفادة للقارئ الكريم، منها: الزيادة حق لكل المواطنين الحاضرين أو الأجانب (4)، ولكن من أُعلنت عليه البراءة لا تُقبل زيادته في السوق ولا دلالته وإن كان دَلاَّلاً حتى يتوب، ولا يجلس في السوق غير المتزوجين، ولابد بلبس البرنوس وليس معنى هذا أنه يُطرد من السوق، ولكن يُرى بعين النقص لاسيما من طرف عشيرته، وفي هذا بيان للأهمية الاجتماعية للسوق (5).
__________
(1) - الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، ص 156.
(2) - هم رؤساء العشائر التي تتكون منها البلدة.
(3) - نفسه، ص 157.
(4) - مفدي زكرياء، أضواء على وادي مزاب، تح إبراهيم بحاز، منشورات ألفا، الجزائر، ط1، 2010، ص 206.
(5) - نفسه، ص 160. (1/133)
صفحة 107
صورة نادرة لسوق «تَجْنِينْتْ» وفيها يظهر الناس بِـ «البُرنُس» التقليدي
souk 01 ... وتحت هذه الأقواس التي تحيط بساحة السوق توجد «الحُجْرَاتْ».
«الدْلاَلَه» في سوق «لاَلَّة عَشُّو» بـ «بَنِي يَزْجَنْ» عقب صلاة العصر من كل يوم،
أما «لاَلَّة عَشُّو» فهي المرأة التي تبرعت بهذه القطعة من الأرض وبئرها، وحُوّلت إلى سوق.
13 - الخلاصة والتوصيات:
يعتبر التراث الحضاري المعماري وغيره على اختلاف أنواعه وأشكاله مبعث فخر للأمم واعتزاز لها ودليلاً على عراقتها وأصالتها، لأنه معبّر عن الهوية الوطنية الخالصة وحلقة وصل بين الماضي والحاضر، يتكشف لنا عن ملامح الخصوصية الطبيعية والحضارية لفئة أقامت بالصحراء الكبرى دهرًا طويلاً، وكان لها دور حضاري متميز (1/134)
صفحة 108
تجلى في دور الإنسان الصحراوي في معادلة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بالمنطقة وفي ربط الشمال بالجنوب.
فهذه المجموعة البشرية تأقلمت مع ظروف الصحراء القاسية وتقوت بالشكل الذي حفظ لها كيانها وأمد في عمرها، تماما كما تواصل معها مجموعات بشرية صحراوية أخرى عديدة وتعايشت معها وإن شئت قل كان ذلك التعايش متبادلاً بالشكل الذي عزز من حركة وحيوية المجموعتين فالمزابيون استفادوا مما يجلبه الأعراب البدو من بضاعة تنتجها أغنامهم وإبلهم. وأفاد الأعراب من أسواق قرى مزاب كمكان لبيع تلك المنتجات واقتناء مختلف المصنوعات.
كما توضح لنا من هذا العرض الموجز الأهمية التاريخية والاجتماعية لدراسة مناطق الصحراء الكبرى، وضمنها القصور؛ إن الهندسة المعمارية لمختلف مرافق الحياة داخل قصور وفي واحات وادي مزاب، ترتكز أساسا على قواعد الشريعة الإسلامية في أبهى مقاصدها، من دفع الضرر قبل جلب المنفعة، ومراعاة الحقوق السترة وعدم فتح النوافذ على الجيران ووضع أبواب المنازل متقابلة، وفي البساتين تراعى الاتفاقيات الخاصة بتنظيم تقسيم مياه السيول التي تشق الشوارع بحيث يأخذ كل فلاح مقداراً محدداً من خلال فتحات محددة العدد ومقيسة الطول والعرض بحسب حجم المزروعات وعدد النخيل والأشجار ويسهر على مراقبة تلك الفتحات «أمناء السيل» قبل بداية موسم الأمطار في الخريف.
هذا وإن دور ومساهمة الصحراء في العلاقات الحضارية عبر العصور والأجيال أمر بديهي وواضح فالحركة التجارية للقوافل شمالاً وجنوبًا، ووجود مراكز عمران حضرية أسهم بقدر جليل في إقامة تلك العلاقات وفي تعزيز أمرها.
ولعل القراءة التاريخية والاجتماعية للتواجد الحضاري في منطقة وادي مزاب فما تزال بحاجة إلى دراسات معمقة لمكوناته الحضارية، تماماً كما تحتاج إلى تثمين نتائج تلك الدراسات في واقع الميدان وذلك بتشجيع البحوث حول الحضارات الإنسانية التي استقرت بأطراف الصحراء الكبرى بما سيساهم في إنقاذ الإرث الثقافي وإبراز الخصوصية الطبيعية والحضارية لساكنة الصحراء .. ؛ ويمكن تلخيص البحث في مجموعة من التوصيات منها:
* تثمين التواصل بين الباحثين المهتمين بشؤون العمارة الإسلامية في الواحات والصحراء الكبرى، وجمع ما أقيم حولها من دراسات قصد طبعها ونشرها، وعقد ملتقيات دورية تبحث هذا الشأن وتُعنى به، وتطعيمها بالزيارات الميدانية. (1/135)
صفحة 109
* إنشاء مجلة دورية تعنى بتشجيع البحوث والدراسات المنجزة حول الإنسان والصحراء الكبرى.
* السهر على تطبيق الاتفاقات الدولية التي تحمي التراث العمراني الصحرواي واعتبار إنكاره خرقاً للقوانين والأعراف الدولية.
* استحداث مقاييس تعنى بدراسة التراث الثقافي لإنسان الصحراء في عموم الجامعات العربية.
* حث الطلبة والباحثين على إعداد بحوث منهجية تعنى بدراسة المكونات الحضارية للإنسان في الصحراء.
* بعث مراصد للسياحة الثقافية في الصحراء الجزائرية وعموم الصحراء الكبرى والخليج العربي.
* إنشاء المتاحف التي تعرِّف بخصوصيات الإنسان والصحراء لتسْهم في توعية الناشئة في المحافظة عليها.
* استعمال الروابط الإلكترونية ومواقع الإنترنيت في الإشهار السياحي والثقافي للعمارة الصحراوية.
قائمة المصادر والمراجع:
1 ـ الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب، تحقيق يحي حاج امحمد، نشر جمعية النهضة، العطف، غرداية، ط1، 2009.
2 ـ كمال رمضان، التراث الثقافي بوادي مزاب، محاضرة حول السياحة الثقافية، بني يزجن، فبراير 2011. مرقون.
3 ـ يحي بوراس، العمارة الدفاعية في منطقة وادي مزاب، قصر بني يزجن نموذجاً، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 2002.
4 ـ حاج سعيد يوسف، تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية، غرداية، ط1، 1991.
5 ـ مفدي زكرياء، أضواء على وادي مزاب، تحقيق إبراهيم بحاز، منشورات ألفا، الجزائر، ط1، 2010.
6 ـ إبراهيم طلاي، مزاب بلد كفاح، طبع دار البعث قسنطينة، ط1، 1970.
7 ـ صالح سماوي، العزّابة ودورهم في المجتمع الإباضي بمزاب، المطبعة العربية غرداية، ط1، 2005.
8ـ مصادر شفوية محلية عديدة في منطقة وادي مزاب؛ جنوب الجزائر.
- - - (1/136)
صفحة 110
اللغة العربية
ودورها في تنمية الذوق الأدبي
ـ الحلقة الثانية ـ (*)
د: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
كلية الآداب واللغات ـــجامعة الحاج لخضر
باتنةـ الجزائر
ا
(1) الأدب ودوره في تعلم اللغة والتفقّه فيها:
تكشف اللّغة العربية حقيقتها، وتُظهر جمالها في النّصوص الأدبية، وتبرز حسنها في درس الأدب، لهذا كان الأدب مجالاً أساسًا وتربة خصبة لترعرعها ونموّها وتطوّرها، واستكناه حسنها. والأدب يمكّن الكلمة من القوّة في البروز وبيان ما تمتلك من خصائص، فتؤثّر في المحيط بجمالها ورونقها. يقول الدّكتور جودت الرّكابي: «والأدب ذو أثر فعّال في تربية الشّعوب، وتكوين الأجيال. وبالكلمة الجميلة نحارب القبح والظّلم لنبني عالم الخير والجمال؛ ولذا كان الأدباء دومًا مشاعل هداية تنير للعالم الطّريق نحو الحياة المثلى» (2).
يرى الأستاذ مصطفى لطفي: « ... الأفضل أن نقول: إنّ العمل الأدبي بناء لغوي، يستغلّ كلّ إمكانات اللّغة الموسيقية والتّطويرية والإيحائية؛ لينقل إلى القارئ خبرة جديدة
__________
(1) (*) - هذه الحلقة هي تتمَّة الموضوع الذي نُشر الجزء الأوَّل منه في العدد السابع عشر من الحياة، وكان الباحث قد تناول فيه بعد التمهيد العناصر الآتية: «مفهوم التذوق الأدبي»، «التذوق الأدبي والتحليل الأدبي»، «الشروط المطلوبة في تنمية التذوق»، «اللغة ودورها في ترقية الأدب»، «ما يجب مراعاته في تدريس اللغة العربية»، وفي هذه الحلقة الثانية سيتناول الباحث العناصر الآتية: «الأهداف التربوية من تدريس النصوص الأدبية»، «القرآن والدّراسة الأدبية والارتقاء بالذّوق الأدبي»، فخاتمة للموضوع. (هيئة التحرير).
(2) - الدّكتور جودت الرّكابي، طرق تدريس اللّغة العربية، ط2، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر، دمشق، سورية، 1996م، ص: 173. (1/137)
صفحة 111
متأثّرة بالحياة» (1). ويقول أيضًا: «الأسلوب ليس مجرّد طريقة للكتابة، يتعلّمها من يشاء، بل هو صورة لغوية، تنقل بدقّة العواطف والأفكار الخاصّة بالكاتب ... » (2)، هذه هي العلاقة بين الأدب واللّغة، إنّهما مترابطان ومتداخلان أو مشتركان في أداء وظيفة النّقل والتّبليغ، أو لنَقُل كلّ منهما يحتاج إلى الثّاني في هذا المجال.
تحقيقُ هذه الغاية، والوصول إلى الأهداف المنشودة والمنوطة بالأدب - الذي ينطلق من الكلمة، وينبني على اللّفظ - وتجسيدُ هذا المفهوم للأدب المرتبط باللّغة، يحتاج إلى عنصر مهمّ في عمليّة البناء الأدبي هو «التّذوُّق الأدبي». يقول جودت الرّكابي: «عندما نتحدّث عن الأدب وطريقة درسه ونقده، نأتي على ذكر تعبير (التّذوُّق الأدبي)، ويقصد به في عرف الأدباء والنّقاد تلك الملكة الموهوبة التي يستطاع بها تقدير الأدب الإنشائي، والمفاضلة بين شواهده ونصوصه، أو تلك الحاسّة الفنّيّة التي يهتدى بها إلى تقويم العمل الأدبي وعرض مزاياه وعيوبه، وملكة التّذوّق لا تحصل بمعرفة طائفة من القواعد والقوانين التي استنبطها أهل البيان، ولكنّها تكتسب بممارسة الكلام الجيّد والتّفطّن لخواصّه ومزاياه، مع توافر الاستعداد، واستجابة الطّبع» (3).
اللّفظة تختزن طاقات هائلة كامنة فيها، تحتاج إلى من يفجّرها بالأساليب والطّرق المناسبة، والأدب مجال كبير وفسيح لتفجير هذه الطّاقات. من جملة ما تخفيه اللّفظة وتضنّ به الإيحاءُ، الذي لا تسمح بظهوره إلى على يد الأدب، ولا تمنح فرصة امتطائه إلاّ على صهوته، فالإيحاء يسمح بالكشف عن وجه من وجوه الحسن والجمال والقوّة في اللّفظة منتظمةً في خيط مع زميلاتها؛ لتكوّن نظمًا محكمًا يُبين عن المكنون، ويفصح عن الأفكار، ويفضح المشاعر، ومن جماع ذلك يتقدّم المتلقّي ليتملّى الرّواء والبهاء اللّذين يقدّمهما الإيحاء، بواسطة الذّوق السّليم. يقول مصطفى لطفي: «أمَّا ميزة اللّغة حين تستخدم استخدامًا أدبيًا، فهي أنّها إيحائية، لا تكتفي بالقول والتّعبير، بل تهدف إلى التّأثير
__________
(1) - اللّغة العربية في إطارها الاجتماعي، ص: 197.
(2) - المرجع السّابق، ص: 199.
(3) - المرجع السّابق، ص: 182. (1/135)
صفحة 112
في القارئ وتوجيهه، وتحويله من موقف إلى موقف، وإقناعه وتغييره تغييرًا تامًّا. إنّ كلّ لغة لها إمكاناتها، والعمل الأدبي يستغلّ أكبر قدر ممكن من هذه الإمكانات بصورة تبعده عن الانصباب في قوالب جامدة، وأشكال هندسية، لا محيد عنها، وتقرّبه من التّطوّر النّامي الذي يزخر بالحيوية والحركة» (1).
يحمل النَّصُّ الإشارات الآتية:
1– طاقات اللُّغة الكامنة يفجّرها الأدب، وعلى رأس هذه الإمكانات الإيحاء.
2– العمل الأدبي الصّحيح يبعد عن الجمود، ويحمي من البقاء أسير قوالب جاهزة، بل يعين على التّطوّر الإيجابي النّامي.
3– اللّغة الإيحائية تؤثّر في المتلقّي، وتبعث فيه القابلية للتّغيّر لمسايرة تطوّر الحياة، والتّأقلم مع المتغيّرات.
4– اللّغة المتدثّرة بالأدب تفعل فعلها السّحري في النّفوس والقلوب والعقول. كلّ هذا لن يحدث إلاّ إذا أحاطه ورفده تذوّق أدبي فنّيّ سليم، يدفع إلى الولوج إلى داخل النّفس والغوص فيها؛ فاللّغة رموزٌ لحالات نفسية، ومادةٌ فكرية ..
لماذا يقدر الدّرس الأدبي على تفجير طاقات اللّغة، ويعين على الارتقاء بالذّوق إلى الدّرجات العالية؟ لأنّ: «الدَّرس الأدبي أداة من أدوات التّهذيب الرّفيع الذي يصقل الإحساس، ويرهف المشاعر، وينقّي الوجدان، ويتاخم مكارم الأخلاق، كما أنّ الدّرس الأدبي النّاجح يسمو بصاحبه إلى مزيد من التّطلّع إلى آفاق الفن الأدبي العالية ... » (2).
هذه الثّمرات التي ذكرها النّصّ هي من نتاج التّذوّق الذي يوفّره الدّرس الأدبي. وهو ما يطلب في تناول النّصوص الأدبية، وفي التّدرّب والتّمرّس على إدراك الجمال، والارتقاء بالذّوق الأدبي إلى آفاق عالية، والسّياحة به في فضاءات فسيحة.
__________
(1) - اللّغة العربية في إطارها الاجتماعي، ص: 196.
(2) - في الدّراسة الأدبية تذوّق النّصّ الأدبي، ص: 9. (1/136)
صفحة 113
5 - نضيف إلى ما ورد في النّصّ التّنبيه والإشارة إلى أنّ اللّغة الأدبية تتجاوز المدلولات الذّهنية المجردة إلى آفاق تخيّلية، تتّكئ على الصّورةوالإيحاء، ولا تقتصر على نقل المعنى، وإنّما تتعدّاه إلى الإيحاء به، فاللّغة الشّعرية لغة خاصّة وظيفتها تجاوز حدود العبارة الظّاهرة، لها القدرة على التّأويل، وإظهار المعنويات في صورة موحية وتجسيدها. لتحقيق هذه المهارة ينبغي على المعلم أن يتناول فكرة من النّصّ ويناقش التّلاميذ في معانيها الحقيقية ويبيّن المعانيالمجازية، وتأثيرَ ذلك في تجسيد المعنويات، والأهداف البعيدة التي يرمي إليها النّصّ، وأن يجريَ الموازنات بين نصّ وآخر شبيه به؛ لبيان الفرق بين النّصينفي إظهار المعنى، وأسلوب استخدام الكاتب للرّمز، وتأثير ذلك الاستخدام على إبراز المراد (1).
للأدب إذن دور كبير في الكشف عن اللّغة، من يقوم بهذا؟ الأديبُ الفنّان المبدع. قال كارليل عن رجل الأدب: هو «نور الدّنيا وكاهنها الذي يقودها، كأنّه عمود النّار المقدّس، في جوّها المظلم خلال هباء الزّمن، وفضاء الأحقاب» (2).
يقول محمد المبارك: «أذكر أنّي قرأت كلمة لأحد كبار نقّاد الأدب الفرنسي في معرض تعريفه للأدب الأصيل، المسمّى بالفرنسية ( Classique) خلاصتها: أنّ روائع الأدب الأصيل في أمّة هي تلك التي تجلّى فيها ـ في فترة من فترات تاريخ أدبها ـ الأصيلُ من خصائصها، والنّقيُّ الصّافي من صفاتها، والخالدُ الباقي من روحها، والرّفيعُ من مزاياها. فلا تزال في تاريخ أدب تلك الأمّة منهلاً يرتاده القاصدون، ومرتعًا ينتجعه الرّوّاد النّابغون .. » (3).
لهذه القيم التي يحملها الأدب فإنّ من ينتسب إليه، ومن ينتج ويبدع فيه يجب أن يعرف دوره ورسالته وهو يتحرّك في حرمه، ويدرج في رحابه، ويقود سفينته، ويسير بالنّاشئة في مضماره .. لابدّ أن يعرف أوّلا الأهداف التي ينبغي أن يحقّقها بالأدب، ثمّ الصّفات التي يجب أن يتحلّى بها وهو يبني بنيان النّابتة الأدبي باللّغة.
__________
(1) - ينظر موقع منتدى وادي العرب الجزائري http:||www.wadijarab.com المقال بعنوان: «مهارات التّذوّق الأدبي وأساليب المعلّم وإجراءاته لإكساب التّلاميذ تلك المهارات».
(2) - أساسيات تدريس اللّغة العربية، ص: 222.
(3) - دراسة أدبية لنصوص من القرآن، ص: 90. (1/137)
صفحة 114
الأهداف التّربوية من تدريس النّصوص الأدبية أو الأدب:
1 - تنمية المعلومات والمعارف في الطّالب، وتوسيع أفقه الثّقافي. 2– تنمية ثروته اللّغوية. فإنّ زيادة الذّخيرة اللّغوية فيه تساعده على حسن فهم المقروء والمسموع أو الزّيادة فيه، والقدرة على استعمال ما يحصل عليه منهما. 3– تنمية قدرته على القراءة الصّحيحة المعبّرة، وتنمية مهاراتها. 4– اتّصاله بالتّراث الأدبي في عصوره المختلفة، وتمثّله والتّزوّد من قيمه الفنّية والمعنوية؛ لذا يعتمد في المرحلة الثّانوية (1) على النّصوص الأدبية المختارة بعناية من العصور المختلفة، والتّركيز على التّحليل الفنّي لتنمية الذّوق الجمالي في الطّالب. 5 - إثارة وجدانه، وإرهاف شعوره، وتحريك عاطفته. 6 - تنمية الذّوق الأدبي. 7– تنمية القدرة على النّقد. 8– تنمية القدرة على استخراج الصّور البيانية من الآثار الأدبية. 9– تنمية إدراكه للقيم الأخلاقية والاجتماعية والأدبية والجمالية. 10 _ تمكينه من الكتابة بأسلوب أدبي جميل، تظهر فيه سلامة التّفكير، والقدرة على المناقشة والتّذوّق والإبداع. 11 - إثارة النّزعات الشّريفة في نفسه, 12– تنمية الإحساس بالحياة فيه، والتّعبير عنها. 13– فهمه للحياة ورؤيتها بوضوح ووعي في آثار الأدباء, فيتجاوب معهم، ويستمتع بالمظاهر التي تنقلها عيون الفنّانين، فيشعر بمتعة فنيّة مع كلّ ذلك. .. (2)
باختصار ما يجنيه دارس الأدب بتطبيق هذه الأهداف: متعلّمًا أو معالجًا للنّصوص الأدبية، هو التّمتّع بما في الأدب من جمال الفكرة وجمال العرض، وجمال الأسلوب، وموسيقى اللّغة والإيقاع والسّجع والقافية, ثمّ السّموّ بالذّوق الجمالي الأدبي وتنميته؛ نتيجة قراءة الأدب الجميل، أو سماعه، فتتربّى في الفرد عاطفة حسّاسة وقويّة، تؤثّر فيما يتخيّره من الأدب لقراءته، أو ما ينتجه هو من أدب. يحصل هذا أيضًا حين يدرك الفرد المتذوّق للأثر الأدبي أهميّة الكلمة في النّصّ. يضيف الدّكتور نهاد الموسى: « ... إنّ موقف
__________
(1) - لأنّ الطّالب في هذه المرحلة يكون قد بلغ المرحلة التي يتفتّح فيها وجدانه، وعاطفته تكون قابلة لأن تتلقّى ما ينمّيها، وبذلك يكون قادرًا على تلمّس ما يقدّم له في درس الأدب وما يهذّب وجدانه، وينقّي شعوره، ويصقل ذوقه وينمّيه، ويرهف إحساسه ...
(2) - ينظر أساسيات تدريس اللّغة العربية، ص: 231، 232. وطرق تدريس اللّغة العربية، ص: 174ـ176. (1/138)
صفحة 115
المتعلّم هنا يتمثّل في تذوّق هذه الأعمال (التي يقرؤها) وتفسيرها، كما يتمثّل في قراءتها قراءة إضافية، يصبح فيها متلقيًا منشئًا في آنٍ معًا. فإذن يصبح المتعلّم يمارس نشاطًا إبداعيًا، يستثمر فيه ما استدخل من هذه النّماذج، فيضع لنفسه مذكّرات أو سيرة ذاتية، أو يحاول شعرًا أو نثرًا، أو كتابة قصّة أو مشهدًا تمثيليًا» (1)
ماذا نقرأ في هذه الأهداف؟ نقرأ فيها:
1 - التّنمية المتنوّعة لشخصيّة الفرد المعنيّ بالإعداد لخوض معترك الحياة بقوّة.
2 - تمكين المكوّن بقدرات مختلفة.
3 - التّكوين في الجانب اللّغوي والفنّي.
4 - التّزوّد بالقيم والمضامين التي يتضمّنه ويحتويه التّراث، وإحكام الصّلات به.
5 - التّدريب على التّحليل والمناقشة، وحسن التّحاور مع النّصوص.
6 - غرس قيم الجمال والإحساس والنّقد في النّفس.
7 - تنمية الذّوق الأدبي الذي يسوق الفرد إلى تملّي الجمال والحسن في الآثار الأدبية.
كلّ هذه القدرات وهذه المكاسب - التي هي أهداف منوطة بالدّرس الأدبي - تنطلق من اللّغة، وتُبنَى بها. هذه إحدى الوشائج التي تربط اللّغة بالأدب، وتصل بينهما بقوّة وشدّة في منهج الإعداد العلمي والتّربوي للفرد. يبيّن هذا أنّ تدريس اللّغة عن طريق الأدب يكوّن الذّوق، وينمّي الإحساس، ويوفّر فرص إدراك الحسن والجمال في النّصوص ... عن طريق التّمثّل والهضم والتّفاعل في الدّرس الأدبي واللّغة التي كتب بها,
هذه بعض الأهداف المنوطة بالدّرس الأدبي، ومن يقوم بتحقيقها مدرّس الأدب. هناك دور آخر يقوم به الأديب الفنّان. فما هو هذا الدّور؟ وما الشّروط المطلوبة فيمن يقوم به؟
إنّ الدّور الخطير الذي تقوم به الكلمة المعبّرة واللّغة الرّاقية تتطلّب من المبدع والمتلقّي شروطًا أو مطالب لتحسين الأداء، وحسن التّلقّي:
1– أن يكون ملمّا بأسرار اللّغة وواقفًا على دلالاتها، وفقيهًا بحقيقتها، وواعيًا بدورها في سيرورة الحياة .. ؛ لينجح في استنفاذ ما فيها من طاقات تعبيرية، واستثمار ما
__________
(1) - اللّغة العربية الرّاهن والمأمول، ص: 484. (1/139)
صفحة 116
لها من إمكانات تصويرية ... ليتمكّن من الملاءمة بين مشاعره الفيّاضة المتدفّقة، وأفكاره المتنوّعة المتداعية، وإيجاد الانسجام والتّناغم بين اللّغة المستعملة ومواقفه وأهدافه المنشودة بهذه اللّغة. وقد قيل: «إنّ الشّاعر الذي لم تسلم إليه اللّغة أسرارها لأعجز من أن تثير أيّ حالة شعورية» (1).
2– كي يرتقي الفنّان إلى مستوى مكانة اللّغة، ويوفّق إلى تحقيق وظيفتها: في الإفصاح عن المكنون من المشاعر، وبلوغ الغاية في نقل الأفكار إلى الآخر وغير ذلك ... عليه أن يحذق كيفية استغلال كلّ صفة في اللّغة: تنوّعِ دلالاتها، وموسيقى ألفاظها، والظّلال التي تمدّها، والإيحاء الذي تمنحه للماهر في اللّغة، وذلك من خلال ما توفّره بانسجام حروف ألفاظها، ووَفق اتّساق كلّ لفظة بأخرى مجاورة لها، في نظم محكم بديع ... (2) فالأدب أداة للكشف عن عالم الكلمة، ووسيلة لبيان غناها، والفنّان كما يقال: مطالب بالتّعامل مع الكلمة على أساس الكشف عن أسرارها وما تختزنه في أعماقها، وما يمكن أن تحمله من دلالات. ولهذا قيل عن الشّعر، (والقول ينطبق على الكتابة الفنّية بعامّة): «هو استكشاف دائم لعالم الكلمة، واستكشاف دائم للوجود عن طريق الكلمة، ومن ثمّ كان الشّعر هو الوسيلة لغنى اللّغة، وغنى الحياة على السّواء، والشّعر الذي لا يحقّق هذه الغاية الحيوية لا يمكن أن يسمّى شعرًا بحقّ ... » (3).
إنّ الكلمة غنيّة، لكنّ غناها يبقى كامنًا، غير ظاهر، وغير متيّسر لكلّ النّاس الكشف عنها، وتكون للأديب القدرةُ على القيام بهذه المهمّة، هنا تبدو مسؤوليته كبيرة في هذه العملية. هذا ما يبيّن ويؤكّد – أيضًا - دور الأدب في إبراز حقيقة اللّغة، وفي الوقت نفسه يثبت دور الكلمة في البناء الفنّي للأثر الأدبي، فتكون الأدوار متبادلة ومتكاملة بين الأدب واللّغة.
__________
(1) - ينظر يحي الشّيخ صالح، شعر الثّورة عند مفدي زكريّاء، دراسة فنّية تحليلية، رسالة ماجستير (مخطوطة)، معهد الآداب واللّغة العربية، جامعة قسنطينة، الجزائر، السّنة الجامعية: 1985م. ص: 347. طبعت الرّسالة سنة 1987م.
(2) - ينظر محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث (1925 – 1976م)،ج1، ط1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 128.
(3) - الدّكتور عزّ الدّين إسماعيل، الشّعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنّية والمعنوية، ط3، دار العودة، بيروت، 1981م، ص: 174. (1/140)
صفحة 117
3– بما أنّ الألفاظ تتأثّر بالمعاني، بمعنى أنّ المضمون هو الذي يستدعي كلمات معيّنة، ينتقيها الفنّان المبدع لتعبّر عن حقيقة ما يتنبّاه من أفكار، أو ما يحمله من مشاعر، أي إنّ الكلمة هي رهن بالمعنى في بروزها، وتبوّئها مقعدًا أو مكانًا في سياق الجملة والنّصّ ... فإنّ على الأديب أن يكون مرنًا في اختيار الكلمات والتّصرّف المبدع في رسم كلمات النّصّ، وبمعنى أفصح أن تكون الكلمات منحوتة من أفكار الأديب، ومصبوغة بمشاعره، لا تبقى في دائرة اللّغة المعجميّة، وأن تبرز آثاره الأدبية مطبوعة بطابعه الشّخصي: « ... وإنّ هذه الألفاظ تتأثّر بالمعنى. وعلى الأديب أن لا يتشبّث بالوقائع كما هي فيسردها دون إضفاء شيء من نفسه عليها، أو دون استخراج الجمال الكامن في هذه الأشياء أو الأحداث، فإنّ تلوين الأفكار بأصباغ جمالية ونفسية له أثر كبير في تقدير النّقّاد والقرّاء، وهذا التّلوين يكون عن طريق التّصوير والخيال» (1).
يقول مصطفى لطفي: «والفرق بين العبقري وسائر النّاس أنّ هؤلاء يستخدمون اللّغة كما يجدونها، وكما وصلت إليهم. أمّا العبقري فإنّه يستخدم اللّغة لأداء ما توحي إليه عبقريته من أغراض خاصّة، ويشكّلها بالشّكل الذي يتلاءم مع مواهبه وإبداعه، وبهذا تتطوّر اللّغة إلى الأفضل، على يدي الشّخصيات الأدبية الخلاّقة والنّخبة الممتازة» (2).
إذا حصل الإبداع، وتمّ استثمار المواهب في التّجديد والتّطوير، وسخّرت العبقرية في كسر الجمود وتجاوز المألوف، واستغلّت الإمكانات والطّاقات في السّير بعملية الابتكار قدمًا ... دبّت الحيوية في الأوساط، وتقدّمت الحياة وسارت بخطى ثابتة صحيحة نحو الأهداف المنشودة، بل تحقيق الغرض الأساس منها، وهو عمارة الأرض بما يتلاءم مع الظّروف والمستجدّات. فالأدب يخدم اللّغة بالفنّيات التي يمنحها لها، واللّغة تقدّم للأدب شحنات وقوّة ليتطوّر، بما يصنعه العبقري الذي يحسن التّعامل مع اللّغة؛ بما أشار إليه النّصّ السّابق. هذا التّناغم والتّرابط بين اللّغة والأدب في الأداء والبروز في فضاءات التّعبير والتّصوير والتّحبير يحصلان حين يكون هناك ذوق سليم، يدفع إلى حذق طرق الأداء وتحسين العمل. وهذا الذّوق يعمل كلّ من اللّغة والأدب على توفيره بينهما بشكل متداخل متبادل دومًا. هذا ما استوحيته من نصّ مصطفى لطفي.
__________
(1) - مدخل إلى تحليل النّصّ الأدبي، ص: 39.
(2) - اللّغة العربية في إطارها الاجتماعي، ص: 195. (1/141)
صفحة 118
4 - للمتلقّي دور في عمليّة الارتقاء بالذّوق الأدبي، وذلك من خلال ما يحذقه من طرق جيّدة في قراءة النّصوص؛ وَفق ما يتقنه من مناهج صحيحة في تناول الآثار الأدبية. هذه المهارة أو المعرفة تتيح له القدرة على تحليل النّصوص تحليلا صحيحًا، يظهر فيه الإبداع والإمتاع، ويعينه على تنمية ذوقه الأدبي، فيمتاح ما في اللّغة من إمكانات وطاقات. ما دام البحث متعلّقًا ومنصبًّا على اللّغة ودورها في الارتقاء بالتّذوق الأدبي.
نأتي بأمثلة من التّأمل في اللّفظة واستعمالاتها أو وجودها في النّصّ، ومكانها في سياقه، بل دورها في التّعبير والتّصوير وإيجاد المعاني:
1– اللّفظة المفتاح:
الوقوف على اللّفظة المفتاح في النّصّ يعين على الفهم الجيّد، والتّذوّق الفنّي، وإدراك الجمالية ... في لفظة «القميص» وقف الدّكتور محمد علي أبو حمدة، مقدّمًا الدّلالات التي أوحي بها القميص في سياق الأحداث التي ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة يوسف بالتّحليل، عامدًا إلى استخراج ما فيها من جمال فنّي، مسلّطًا عليها ذائقته الأدبية. وهو بذلك يمثّل نموذجًا للمتلقّي الذي وظّف عنصر «اللّفظة المفتاح» في النّصّ الأدبي. يقول الدّكتور: «ولعلّ هذا القميص كان قد لبسه إسحاق ويعقوب على نحو له مباركة سماوية وشارة إلهية، تمثّل ما كان التّابوت على نحو أو آخر. ويبدو أنّ يعقوب كان قد خلع هذا القميص على يوسف تفاؤلاً بما رآه فيه من مخايل الذّكاء، ويبدو أنّ هذا القميص قد كان ممّا يلي الجسد» (1).
انطلق من هذه المقدّمة ليعرض المواطن التي وردت فيها لفظة «القميص» في آيات سورة يوسف عليه السّلام، وفي كلّ مرّة يذكر الدّلالة التي يدلّ عليها القميص في الآية، ويربطها بمجموع الدّلالات الأخرى، التي تبيّن حقيقة يوسف الفتى العفيف، الوزير المخلص، الأخ الرّحيم، الابن البار ...
«وأوّل ما يطالعنا (القميص) هو في قوله تعالى: {وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمُ أَنفُسُكُمُ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)} (يوسف/18) وإذن
__________
(1) - الدّكتور محمد علي أبو حمدة، في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف، دراسة نقدية إبداعية، ط2، دار البشير، عمّان، الأردن، 1412هـ/ 1991م، ص: 36 (1/142)
صفحة 119
يكون هؤلاء الإخوة قد أخذوا القميص الخارجي، وبقي قميصه الدّاخلي لاصقًا بجسده. فلمًا أن رأى يعقوب القميص الخارجي هو الذي عليه الدّم لم يصدّق أنّ يوسف قد أكله الذّئب، إذ كيف يأكل الذّئب يوسف بالكامل ولا يكون تقطيعه (الذّئب) لجسد يوسف وملابسه بالكامل؟ وهذا أعطى يعقوب انطباعًا أنّ قميص النّبوّة لم يمسّ بسوء. وإذن فيوسف والقميص الدّاخلي إنّما هما في مأمن وأمان. ولعلّ هذا ما يفسّر كيف أنّ يعقوب كان متأبِّيًا على كلّ الرّوايات التي قدّمت، وكان دائم التّطلّع إلى (عودة ظافرة) ليوسف والقميص أيضًا» (1).
تتبّع الدّكتور أبو حمدة الآيات التي وردت فيها لفظة (قميص) وبيّن ما تعنيه في سياق كلّ آية، وربط بينها والدّلالات التي تحملها. جاء القميص في معرض الإغواء والمراودة، فخرج يوسف بشخصية الرّجل المحافظ على خصائصه الفاضلة كما أراد النّسق القرآني أن يظهره. «لقد وجد يوسف نفسه يهمّ مقبلاً على المرأة، ثمّ فجأة ينتفض متأبِّيًا. فهل رؤية القميص الدّاخلي الذي يلامس جسده (قميص النّبوّة) قد أعاد إليه أمانة السّرّ مع يعقوب وإسحاق؟ يبدو أن لا شيء غير هذا. يُعزِّز هذا الاستنتاجَ دورانُ التّنويه بالقميص في حكاية الحكومة بين الخصمين، ثمّ حكاية البشير ورجوع البصر لدى يعقوب» (2).
سرد محمد علي أبو حمدة مجموعة أدلّة تبيّن بطولة (القميص)، الذي أبان عن شخصيّة يوسف عليه السّلام المتماسكة القويّة الأصيلة. ففي الآيات (26–28) دارت لفظة (القميص) أربع مرّات. يقدّم هذا دليلاً على الرّمزية التي يحملها، والتي تستوقف المتأمّل في النّصّ الأدبي بالذّائقة الأدبية، والمتدبّر في آي الذّكر الحكيم، وتسوقه لأن يستنتج شيئًا يكون مهمًّا يختفي وراء الكلمة (القميص)، ومعنى ينتظم ويسري في التّراكيب. «فهل دوران لفظة (القميص) أربع مرّات في هذا السّياق لا تعكس أهمّية منوطة بهذا القميص؟ إنّ الذي يعرف أساليب العرب في القول لا يعوزه كبير اجتهاد كي يتبيّن الدّور (البطولي) الذي خاضه (القميص) في هذه (المعركة الجانبية)، وخرج (القميص) هذه المرّة أيضّا (منتصرًا) فهل كان (القميص) الذي قُدَّ من دبرٍ هذه المرّة هو قميص النّبوّة صاحب السّرّ؟ أغلب الظّن أن نعم ... » (3).
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 37، 38.
(2) - المرجع السّابق، ص: 38، 39.
(3) - المرجع السّابق، ص: 38، 39. (1/143)
صفحة 120
في الآية: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَاتِ بَصِيرًا وَاتُونِي بِأَهْلِكُمُ أَجْمَعِينَ (93)} (يوسف/ 93) وفي الآية: {فَلَمَّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمَ اَقُل لَّكُمُ إِنِّيَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (96)} (يوسف/ 96).
يعلّق الدّكتور قائلاً: «وحين يتحدّث يوسف عن القميص هنا، فإنّما يتحدّث بصيغة بالغة الخصوصية. فهو يقول: (اذهبوا بقميصي هذا) وقوله (يوسف) قميصي، بإضافة القميص إلى ياء المتكلّم، ثمّ تأكيده باسم الإشارة (هذا) لهو في الدّلالة الكبيرة على أنّ هذا القميص يقوم الآن بدور (البطولة) وحسم النّصر لصالح معركة الحقّ. ولو لم يكن هذا القميص هو قميص النبوّة ما كان يوسف ليتحدّث بمثل هذه الثّقة بالنّتيجة في مثل قوله: {فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَاتِ بَصِيرًا} وقد حصل: {أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} (1).
العثور على (اللّفظة المفتاح) مِنْ هدي التّذوّق الأدبي، والوقوف عليها في النّصّ الأدبي يساعد على فهم الدّلالات التي يحملها البناء اللّغوي للنّصّ، كما يعين على ربط أفكاره وأجزائه ببعضها، وفقه دور العلاقات التي تنتظمها، ومتابعة المآلات التي توصل إليها كلّ لفظة وكلّ تركيبة في النّصّ، كما يساعد في الحصول على الوحدة العضوية في النّصّ ..
هذا ما جسّده الدّكتور بما قرّره في ختام بسط الحديث والتّحليل لدلالات (القميص) لفظةً مفتاحية في النّصّ: «وهكذا يكون (القميص) قد قام بدور كبير من أدوار البطولة، وكان وراء تأمين الاتّصالات (اللاّسلكية) بين يوسف من جهة وبين يعقوب من جهة أخرى، عبر لغة (الشّيفرة) التي كان يسمع بعضَ مفرداتها إخوةُ يوسف، ولكنّهم ما كانوا يقدرون على حلّ مغاليقها وفكّ رموزها. وقد كان هذا (القميص) يقوم بتأمين الاتّصالات في حدود الإمكانات البشريّة وآفاقها المتاحة لها، من تأويل وفراسة وألمعية واستنتاج وقياس، من غير ما وحي وإخبار إلهي. وفي ذلك ما فيه من إلهاب المشاعر وتطهير العواطف ورياضة النّفس على الصّبر، وعلى التّرقّب، وعلى الاحتمال، وعلى
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 29، 30. (1/144)
صفحة 121
العزم، وعلى الشّعور بحلاوة التّقوى، ونشوة النّصر، واجتياز التّحدّيات والمصاعب والحواجز والعقبات» (1).
الدّكتور أراد أن يبيّن للقارئ أنّ يوسف عليه السّلام بطل في الأخلاق، وقويّ في شخصيته، أَبِيٌّ على الإغراء والإغواء، وفيّ للمبادئ ولأصحاب الفضل ... وحرص أن يشرك المتلقّي في تذوّق نظم القرآن في سرد الأحداث التي مرّت على يوسف عليه السّلام، فركزّ على أحد العناصر التي تحقّق هذه المتعة، وتكشف عن جمال الأسلوب القرآني، وهو عنصر (اللّفظة المفتاح) فتتبّع المعاني التي دلّت عليها لفظة (القميص) في السّورة، واستخلص منها بطولةَ يوسف عليه السّلام، وقهرَه لكلّ التّحدّيات والضّغوط، فانتصر في نهاية المطاف. والعمليّة ذاتها سلكها مع لفظة (الشّيطان) في السّورة نفسها (2). هذا نموذج من تأثير اللّغة في الأدب، ودورها في الارتقاء بالتّذوّق الأدبي.
2– يقول الدكتور فوزي عيسى: «إنّنا مع تقديرنا لكلّ الإشكالات المطروحة نؤمن بحتمية دخول النّصّ من بوّابة اللّغة. فالأدب في جوهره فنّ لغوي، واللّغة هي وسيلة الأديب، كما أنّ الرّخام أو البرونز أو الفلّين هي مادة النّحّات» (3) هذا يعني أنّه يجب على المتلقّي في معالجة النّصّ أن ينطلق من اللّغة. وممّا يركّز عليه اكتشاف صفة التّكثيف في اللّفظة وما تحمله من دلالات، وما ترسمه من ظلال وامتدادات شعورية، نتيجة هذا التّكثيف. نضرب مثلا بنصّ شاعر الثّورة الجزائرية مفدي زكرياء (1326–1397هـ/ 1908–1977م) نقف معه في لفظة (نطق) التي «لها في القاموس الشّعري لمفدي زكريّاء مدلول خاصّ، فهي تعبّر عن قوّة ردّ فعل الشّعب الجزائري على الظّلم والتّعسّف وغمط الحقوق، وتشير إلى حسم الأمر باتّخاذ القرار بالزّحف، واستعمال القوّة من دون رجعة» (4).
__________
(1) - المرجع السّابق، ص: 40، 41.
(2) - ينظر المرجع السّابق، ص: 31 – 36. سمَّى الدّكتور ما تناوله بالحبكات: «ولو شئنا أن نتبيّن ملامح هذه الحبكات الصّغرى، أو قل أردنا أن نتبيّن ملامح (الأبطال) الصّغار التي ساعدت في تطوير الأحداث بطريقة فيها نقاط تعتيم وإضاءة لكانت كالآتي: ... » (ص: 30)
(3) - الدّكتور فوزي عيسى، تحليل النّصّ الشّعري، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2002م، ص:15.
(4) - الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، محاضرات عن الثّورة التّحريرية الجزائرية، ط1،نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 2011م، ص: 123. القصيدة تعدّ 77 بيتًا، نظمها الشّاعر في سجن بربروس بالجزائر العاصمة. (1/145)
صفحة 122
نطق الرّصاصُ فما يُباح كلامُ ... وجرى القصاصُ فما يُتاح مَلامُ
وقضى الزَّمانُ، فلا مَردَّ لحكمهِ ... وجرى القَضاءُ، وتمَّت الأحكامُ
وَسَعَت فرنسا للقيامة، وانطوى ... يومُ النُّشورِ، وجفَّت الأقلامُ
لُغةُ القنابلِ في البيانِ فصيحةٌ ... وُضعت لمن في مَسْمَعَيهِ صمامُ
و (لَوافِحُ) النِّيران خيرُ (لوائِحٍ) ... رُفعت لمن في ناظريه رُكامُ
و (روائحُ) البارودِ مِسك (نوافج) ... سُجرت لمن في منخرَيه زُكامُ
والحقُّ والرشَّاشُ إن نطقا معًا ... عَنَتِ الوجوهُ، وخرَّت الأصنامُ (1)
قال الشّاعر هذا الكلام، وأرسل هذا الخطاب من السّجن سنة 1957م، وثورة التّحرير الجزائرية على أشدّها. بعد خذلان المنظّمة الدّولية القضيّة الجزائرية في دورتها الثّالثة عشرة، في الوقت الذي كبّد فيه الثّوّار العدوّ خسائر فادحة، وحقّقوا انتصارات متتالية، حتّى عرف هذا العام بعام الانتصارات الكبرى في الثّورة الجزائرية (2)، بعد هذه لانتصارات قبلت الأمم المتّحدة إدراج القضيّة في جدول أعمالها. سبق هذا تشكيك بعض النّاس في نجاح الثّورة الجزائرية ـ حين اندلعت في الفاتح من نوفمبر 1954م ـ في صمودها أمام القوّة الفرنسية العاتية، بسبب ضعف إمكانات الجزائريّين. بل هناك من سخر من خطل الثّوار وخورهم. كما أنّ فرنسا كانت تنشر دعاية مضادة للثّوار، وتصوّرهم أوباشًا، قطّاع طرق، خارجين عن القانون ... كلّ هذا الكلام وهذا الهذيان، قضى عليه منطق الرّصاص والرّشاش.
__________
(1) - مفدي زكرياء، اللّهب المقدّس (ديوان شعر)، ط2، منشورات وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينية، الجزائر، 1972، ص: 42، 44.
(2) - ينظر جودي الأخضر بوالطّمين، كتابه: لمحات عن ثورة الجزائر، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1981م، ص: 61، 62. (1/146)
صفحة 123
إذن «حين يكون الشّاعر في حالة كبيرة أو عالية من التّوتّر النّفسي والتّدفّق الشّعوري، يكثّف من لغته الشّعرية، ويلجأ إلى اللّغة القويّة، وإلى الرّموز، التي تختصر الطّريق بينه وبين المتلقّي، وهو ما يعينه على إيجاد صور موحية مؤثّرة، معبّرة عن المشاعر بقوّة، مصوّرة المواقف والمواقع بصدق» (1).
هذه المعاني ضمّنها الشّاعر لفظة (نطق) وكثّف فيها مشاعره، وأرسلها من غياهب السّجن المظلم، لتضيء طريق النّضال للسّائرين فيه خارج المعتقل.
الذّوق العالي عند المتلقّي يعينه على اكتشاف هذه المعاني، ومعرفة مشاعر الشّاعر، وهو يغوص في النّصّ، ويربط أجزاءه ببعضها، ويجهد في إيجاد العلاقات التي تصل بين الكلمات والجمل. بهذا ندرك قيمة التّذوّق الأدبي، ونقف على دور اللّغة في الارتقاء بالذّوق الفنّي.
3– تأمّل دقّة استعمال الألفاظ؛ لنقل المشاعر، والتّعبير عن الأحاسيس، وتصوير المشاهد، وإبراز الشّخصية ... في كتاب: «في التّذوّق الجمالي لسورة يوسف» نماذج كثيرة محلّلة ومبسّطة ومعروضة ومقدّمة بعنصر التّذوّق الفنّي، الذي ينطلق من دلالة اللّفظة. نأخذ مثالا من تعليق الكاتب على الآية: ژ?? ژژssککککگگگگژ (يوسف/8) « .. وأحبّ إلى أبينا منّا: تركيب بالغ الجمال، فائق الحسن. وهو تعليق ألفاظ على بعض، فيها من الانسيابية والموسيقى الدّاخلية ما يجعل حروف الجرّ ذات طعم مميّز. إنّ حروف الجرّ في اللّغة العربية ما كانت لتكون بأحسن من مثل هذا السّياق، وهذا التّعبير، وهذه التّحوّلات في المواقف والعواطف.
وتقديم (إلى أبينا) على (منّا) واضح التّركيز على ما يعلّقه الإخوة على اللّفظة الدّالة على الأب، مركز هذا الثّقل والتّجاذب. وها هي اللّفظة الدّالة على الأب لهي في مركز القضية معنى، وهي في مركزها لفظًا ومساحة وتوسّطَا من الجملة، وللقارئ أن يتخيّل
__________
(1) - محاضرات عن الثّورة التّحريرية الجزائرية، ص: 122. ينظر أمثلة عن توظيف الشّاعر للفظة (نطق) بتكثيف وقوّة: اللّهب المقدّس، ص: 31، 42، 44، 134. ومجلّة الأصالة (وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينية، الجزائر)، ع: 13، مارس، أفريل، 1973م، ص: 59 ... (1/147)
صفحة 124
أوتادًا مشدودة إلى المركز والوتد الذي يمثّل الأخوين قريبًا من المركز قربًا يفوق أوتاد الإخوة (العصبة)، وواضح أنّ جملة (ونحن عصبة) جملة حالية من الضّمير في منّا. وقولهم: (إنّ أبانا لفي ضلال مبين) جملة عربية، حوت من أساليب التّوكيد وقوّة الرّأي أعلاها. إنّ: حرف توكيد، واللاّم المزحلقة للتّوكيد. والإضافة فيها عنصر التّوكيد أيضًا. والنّعت (مبين) فيه زيادة توكيد أيضًا» (1).
نقدّم مثالاً آخر من تحليل الدّكتور محمد الأمين الخضري، الذي ركّز على الدّقة في استعمال اللّفظة، والتي تنتج عنها دلالات بليغة، تربط بين المعاني التي يحملها النّسق، والنّجاح في حسن تصوير المشاعر، وتبليغها إلى المتلقّي ... يحصل هذا من حسن التّأمّل والتّملّي اللّذين ينتجان عن الذوق المرهف، ويقود إلى ترقية التذوّق. هذا المثال من عمليّة تجلية المعاني من بعض الألفاظ في سورة المدَّثِّر.
يقول الدّكتور: ... فهذا لفظ (المدّثّر)، الذي جيء به ملاطفة للنّبيّ، في مطلع السّورة، وأصله (المتدثّر) أبدلت التّاء (دالا)، وأدغمت في مثيلتها، وهي تحمل نفس المعنى، لكنّ الإدغام جسّد حالة المبالغة في التّخفّي؛ إيماء إلى شدّة الفزع. فجاء إدغام الحروف، وهو نوع من الإخفاء محاكاة للمعنى. وعلى العكس من ذلك فكّ الإدغام في قوله (ولا تَمْنُنْ) مع صحّة الإدغام. وذلك لأنّ في الفكّ وضوحًا، وتكرار الحرف يتناسب مع حبّ الظّهور والشّهرة الذي هو معنى المنّ. وكلمة (الرُّجز) المعبّر بها عن العذاب أو الإثم، تُشيع بجرسها وأصول مادّتها جوًّا من النّفور واستقذار المعصية؛ لأنّ من دلالتها معنى القذر، وذلك يتناسب مع الأبرار الذين تنفر طباعهم من المعاصي، وهو السّرّ الذي من أجله عُبِّر بالهجر، بدلا من التّرك في قوله (والرُّجز فاهْجر)؛ لأنّ الهجر يشي بالقطيعة والتّدابر. فإذا ما لجأ السّيّاق في التّهديد، وتعالت نذر الوعيد اكتسبت الألفاظ أردية القوّة والخشونة. فالنّفخ في الصّور يُعبّر عنه بالنَّقر في النّاقور، والنّقر هو الفزع، والمادّة بدلالتها تصوّر أجواء هذا اليوم، وما يحيط به من الأهوال، وهي بجرسها وصيغتها تدقّ طبول الفزع وأجراس الخطر. ويختار القرآن مادّة (الرّهق) بما تحمله من معنى القهر للدّلالة على ما يلحقه الله بـ (الوليد) من العذاب في قوله (سأُرهقه صَعودًا)، وتتجاوب معها في
__________
(1) - في التّذوّق الأدبي لسورة يوسف، ص: 62، 63. (1/148)
صفحة 125
التّصاعد بالمشقّة والإرهاق (صعودا)، حتّى لكأنّنا نرى (الوليد) ونحسّ أنفاسه المتقطّعة، وهو يتصعّد في عقبة شاقّة ... (1)
التّأمّل في اللّفظة القرآنية، وملاحظة دقّة استعمالها، يعين على استخراج ما تحمل من حسن وجمال، وما تتضمّن من معان عالية، وقوّة البيان الذي تشتمل عليه .. هذه العمليّة يدفع إليها الحسّ المرهف، وقوّة الإدراك اللّذان ينتجان ما يسمّى بالتّذوّق الفنّي الجميل. إذن اللّفظة إذا اسْتُكْنِهَت وغيص إلى أعماقها، وربطت بما جاورها؛ بما يدفع إليه أو يهدي التّذوّق الأدبي أثمرت مثل هذه النّتائج.
4– من العناصر التي تبرز الجمالية في النّصّ الأدبي، وفي نظم القرآن المبين البديع، عنصر الحبكة، التي نشدّ إليها خيوط الموضوع أو القصّة، أو الأحداث التي تحرّك المسار وكلّ ما يتّصل بمشاهدها ونسقها ... ، وهو ما يطلق عليه بعض الدّارسين بؤرة النّصّ، أو نقطة المحور أو المركز الذي تدور حوله بقية النّقط ... وتكون هي نقطة الارتكاز في النّصّ. «ولأنّ قصّة يوسف - عليه السلام - مقصود بها وضع الأمور في إطارها الصّحيح، وشدّ الخيوط إلى حبكة واحدة متجانسة، تحت مظلّة الفكر الإسلامي والرّؤية الإسلامية، كان قوله تعالى افتتاح السّورة الكريمة: {الر تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)} (يوسف/ 1 - 3)
بعض الألفاظ التي بدئت بها السّورة تكشف عن بعض ملامح النّظم الذي تميّزت به السّورة، فهناك (أحسن القصص، المبين ... ) وهو ما يدعو إلى التّأمّل فيها، وتملّي هذا الجمال، والتّذوّق الأدبي يعين على ذلك، كما أنّ الذّوق الفنّي نفسه يرتقي بإعماله.
القرآن والدّراسة الأدبية والارتقاء بالذّوق الأدبي
اللّغة العربية مرتبطة بالقرآن الكريم، الذي أبرز حسنها وجمالها وجلالها .. إنّ لغة القرآن الرّاقية في دلالتها، القويّة في تعبيرها، تمتاز بخصائص جعلتها تتسنّم الذّروة في البلاغة والبيان، وقد فتحت لغة القرآن المجال واسعًا للكتّاب والشّعراء لكيفية الإفادة منها،
__________
(1) - ينظر أساليب التّعبير الأدبي، ص: 23، 24. تراجع الآيات: 1 – 17، سورة المدّثّر. (1/149)
صفحة 126
والتّفنّن في أضرب القول، وأفادت طرق التّعامل مع اللّغة وأساليب التّعبير، وأتاحت الفرصة للمعلّمين والمكوّنين في حذق سبل إعداد المتعلّمين اللّغة السّليمة، وغرس حاسة التّذوّق فيهم. وألهمت الكتاب والشّعراء ضرورة الالتفاف حول اللّغة العربية للمحافظة على الكيان، وتربية الوجدان، وتنمية الذّوق، وتهذيب أسلوب الكتابة ...
يقول محمد المبارك: « ... ويمكن أن ينظر إلى القرآن من ناحية فنّية وطرائق تعبيره – فقد عرف القرآن بفنّ خاصّ انفرد به – فتدرس الوسائل الفنّية التي كانت فيه مظهرًا للمعاني والأفكار والفنون الأدبية التي تفرّقت في سوره وآياته، وطرائق القرآن في صوغ الكلام وتركيبه، وفي نظمه وترتيبه، وما يتكوّن من ذلك من نغمات موسيقية، تتجاوب مع الموضوع، وما يتألّف منه القرآن من مفردات لغوية، لم تكن فيه على أنّها وحدات فكرية فحسب، بل وحدات فنّية أيضًا، لها خصائصها الفنّية، كما أنّ لها خصائصها الفكرية والمنطقية» (1).
إنّ ما يتميّز به القرآن من نظم محكم، ونسيج مترابط ... يكون رافدًا ومعينًا ومنهلا لغرس ذائقة الجمال والحسن في الكتابة الفنّية الأدبية، ثمّ التّدريب على حسن صوغ بديع الكلام والقول. قال عن لغته مصطفى صادق الرّافعي: «أيّ معنى أعجب من أن تتجاذبك معاني الوضع في ألفاظ القرآن، فترى اللّفظ قارًّا في موضعه، لأنّه الأليق في النّظم، ثمّ لأنّه مع ذلك الأوسع في المعنى، ومع ذلك الأقوى في الدّلالة، ومع ذلك الأبدع في وجوه البلاغة، مع ذلك الأكثر مناسبة لمفردات الآية، ممّا يتقدّمه أو يترادف عليه ... » (2). قال الإمام إبراهيم بن عمر بيُّوض: « ... إنّ مقصدي من هذه الدّروس ... أن أخلق عقولاً تتذوّق بلاغة القرآن، ونفوسًا فيها طهر القرآن، وتلامذة مصلحين يكونون جند القرآن ... » (3). هدف الشّيخ هو إنشاء أجيال تفهم بلاغة القرآن، وإعداد نفوس
__________
(1) - دراسة أدبية لنصوص من القرآن، ص: 92.،
(2) - مصطفى صادق الرّافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النّبوية، ط8، دار الكتاب العربي، ببيروت، (ب. ت)، ص: 247.
(3) - محمد علي دبّوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج،2ط1، المطبعة العربية، الجزائر، 1391هـ/ 1971م، ص: 30. (1/150)
صفحة 127
تتدرّع بعدّة الفصاحة والبيان. فما هي خصائص اللّفظة القرآنية التي بوّأتها المنزلة الرّفيعة والذّروة في القوّة والدّقة والفصاحة؟
خصائص اللّفظة القرآنية
نذكر هنا بعض هذه الخصائص؛ بما يعيننا على فهم دور القرآن في تذوّق الأدب، والإفادة منه في الكتابة الفنّية:
1 ـ تمتاز بالدّقة في الاستعمال وصفًا وتعبيرًا وتصويرًا.
2 ـتمتاز بأنّها تحاول استكناه المعاني التي يمكن أن تدلّ عليها؛ ممّا يتيح للقرآن استنفاذ الطّاقة التّعبيرية الكامنة في الألفاظ.
3 ـتمتاز بجمال جرسها الذي يترك أثرًا جميلا في الأذن، لينساب في الوجدان، بعد أن يرسم المعنى في مخيّلة المتلقّي، فيحصل الجلالُ والجمال.
4 ـتمتاز ألفاظ القرآن بالتّناسق بينها. «ونعني به اتّساق القرآن وائتلاف حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته، واتّصالاته وسكتاته، وذلك ما يسترعي الأسماع، ويستهوي النّفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أيّ كلام آخر من منظوم أو منثور» (1). لهذه توصف اللّغة القرآنية بأنّها «مختارة منتقاة، بما يناسب أغراضها، وبما يؤثّر في النّفس الإنسانية، ويستميلها إلى الاستجابة والإذعان» (2).
ممّا يستميل النّفس فنيّة الأسلوب القرآني، وجمال نسقه، وبديع بنائه، وفصاحة كلماته ... كلّ هذا يزرع في النّفس النّشوة، ويمنحها المتعة والرّوعة، فتحاول الإفادة منه فنًّا،
__________
(1) - الدّكتور بكري شيخ أمين، التّعبير الفنّي في القرآن، ط4، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1980م،، ص: 185. ينظر مزيدّا من التّفاصيل عن هذه المميّزات، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 131 – 133.
(2) - شلتاغشرّاد عبّود، أثر القرآن في الشّعر العربي الحديث (المرحلة الإحيائية)، رسالة دكتوراه الحلقة الثّالثة (مخطوطة)، معهد اللّغة والأدب العربي، جامعة الجزائر، السّنة الجامعية 1983 - 1984م، ص: 103. طبعت الرّسالة في دار المعرفة، دمشق، سورية، سنة: 1408ه/ 1987م. (1/151)
صفحة 128
والاستقاء منه مضمونًا. يقول محمد المبارك: «والقرآن كالطّبيعة تلتقي فيه الحقيقة والجمال ويتلازمان، ويقابل ذلك التقاء الفكر والفن المعبّرين عن الحقيقة والخيال.
لقد تضمّن القرآن دعوة إلى تصوّر معيّن للوجود، وإلى سلوك طريق يتناسب مع هذا التّصوّر، ولذلك تجلّى الفكر القرآني في تصوير حقائق الوجود أوّلا، كما هي في واقعها؛ وفقا لنظرته الجديدة، ثمّ في الحقائق التي دعا إلى إيجادها وإنشائها، وصوّرها ليطلب إلى النّاس أن ينتقلوا إليها، وهي الحقائق الأخلاقية والسّلوكية» (1).
ما أشار إليه النّصّ هو فعل الفنّ والأدب. بهذا ندرك أنّ القرآن يتميّز نظمه بالطّابع الأدبي؛ لهذا يجب أن نجعله في المقدّمة في دراساتنا الأدبية، ونستمدّه منهجًا في التّحليل والتّذوّق الأدبي للغة العربية. ومن خلاله نرهف حسّنا نحو العربية، وندرك جمالها، ونعرف أسرارها، ونتقن التّعبير بها ...
هذا نموذج من الأعمال التي استلهمت القرآن الكريم في الكتابة الفنّية، وفيه نقف على جانب الذّوق الأدبي. الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي (1307–1384ه/ 1889–1965م) تهكّم من محمد العاصمي، الذي كان يراه أداة طيّعة في يد المستعمر الفرنسي، يسخّره كيف يشاء، وبعرفه حربًا عل جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بخاصّة، والمصلحين بعامّة. « ... ما أشأم العاصمي على نفسه! فقد سكتنا عنه فأبى، بعد أن جارانا فكبا، وما تحدّثنا عنه في الماضي إلاّ باعتباره أداة لا شخصًا، وما سكتنا عنه بعد ذلك إلاّ لأنّنا أوسعنا تلك الأدوات تحطيمًا وتهشيمًا، ورُغنا عليه ضربًا ياليمين، ولكنّ هذا الرّجل (المصنوع)، يأبى علينا إلاّ أن نعتبره شيئًا قائمًا بذاته، ولذلك فهو لم يسكت لمّا سكتنا، وتمادى على السّبّ والشّتم، ليشغل العاملين بهذا الفراغ ... وقديمًا فهمنا أنّ له أربًا في اللّجاج والمراء، لأنّ هذه الطّريقة هي التي تظهره وتقرّبه زلفى إلى آلهته، وهل لشركائه مثل رأيه، حتّى يعرّضهم لما كانوا منه في أوسع عاقبة؟ أنّه لهم مولى شؤم وعشير سوء، لبئس المولى ولبئس العشير» (2).
__________
(1) - دراسة أدبية لنصوص قرآنية، ص: 93، 94.
(2) - محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، دار المعارف، القاهرة، 1963م، ص: 144، 145, الفقرة من مقال للكاتب: «أهذه هي المرحلة الأخيرة من قضيّة فصل الحكومة عن الدّين؟»، نشر في جريدة البصائرالثانية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين)، ع: 139 (29/) 01/ 1951م). (1/152)
صفحة 129
تذمّر الكاتب من محمد العاصمي كان كبيرًا؛ بسبب أعماله التي أضرّت بالإسلام والمسلمين، وبسبب سيره في ركاب الاستعمار وتنفيذ خططه، صوّره الكاتب عابد أصنام، بل هو يراه صنمًا قائمًا بذاته، يجب القضاء عليه، ليزاح عن طريق نشر الإسلام عائق وحاجز كبير. استلهم الكاتب في ها التّصوير ما صنعه إبراهيم - عليه السلام - مع الأصنام التي أضلّت النّاس، وصدّتهم عن سواء السّبيل، بعد أن حاول أن يستنطقها، فلم تنطق، وعرض عليها الطّعام فلم تأكل. بعد أن فعل هذا معها تهكّمًا وسخرية، وأقام الحجّة عليها {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباَم بِالْيَمِينِ (93)} (الصّافات/93) أي أفرغ شحنة غضبه عليها، وشفى نفسه من الحسرة والضّيق والغيظ من هذا الضّلال المبين. كذلك فعل محمد البشير الإبراهيمي مع محمد العاصمي: قولا لا فعلا، كما صنع إبراهيم - عليه السلام -، لكنّ ذلك بؤثّر فيه نفسيًا ومعنويًا، إذ يصيبه في شخصيته؛ لأنّ هذا المشهد القرآني المستلهم يثير حفيظة العاصمي المسخور منه، حين يعدّه الكاتب صنمًا، من حيث كونه هيكلاً لا يحرّك ساكنًا، وجامدًا لا حياة فيه، لكنّه بحمل في داخله خصائص الغواية والضّلال، كما كانت صفة الأصنام.
يزيد الكاتب النّصّ سخرية، والمسخور منه احتقارًا ومهانة، فيستعير جواب المشركين لمّا لِيمُوا: لماذا تعبدون الأصنام؟: نحن نعبدهم ليقرّبونا إلى الله: {وَالذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمُ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزّمر/ 3) أي إنّ العاصمي يكثر من المناوأة ومضايقة المصلحين والعلماء ليزداد قربًا من معبوده، وهو الاستعمار. هذه الصّورة بهذه الإشارة كافية لزرع بذرة احتقار العاصمي، وازدرائه والسّخرية منه في قلوب الأحرار وكرام النّفوس.
الشّخص الذي يكون على هذه الشّاكلة، هو مزعزع العقيدة، متقلّب الإيمان، هو كمن يعبد الله على حرف، يتّحه في عبادته إلى أيّ شيءٍ: شخص، وثن، صاحب مصلحة وحاجة ... هكذا كان العاصمي مع من يقصده لينفّذ له مآربه مع المستعمر الفرنسي،: بئس المولى، وبئس العشير، كما قال تعالى: {يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِيسَ الْمَوْلى وَلَبِيسَ الْعَشِيرُ (13)} (الحجّ/ 13). (1/153)
صفحة 130
المرشد والهادي إلى هذا التّوظيف لأسلوب القرآن، أو استلهام نظمه، هو الذّوق الفنّي الذي يتوفّر عليه الأديب. بهذا ندرك دور لغة القرآن المحكمة في الارتقاء بالتّذوّق الأدبي. (1)
الخاتمة
1 ـ دراسة النّصّ من الدّاخل يعني الكشف عن العلاقات التي تكون بين أجزائه: كلمات وجملاً ونظمًا، هذه العملية يعين عليه ما يقوم به التّذوّق الأدبي. وهو نفسه يستفيد منها في السمّوّ والارتقاء.
2 ـ تناول الأسلوب بشمولية وعمق، وبيان آثاره ودوره في الصّياغة، والتّبليغ والتّعبير والتّصوير ... يساعد على نموّ الذّوق الأدبي في النّفوس.
3 ـ المتذوّق يسعى إلى اكتشاف أسرار اللّغة العربية، وما توجده من معانٍ جديدة وكبيرة وطريفة ..
4 ـ للمكوِّنين (المعلّمين) دور كبير في إيقاظ حاسّة التّذوّق في النّابتة والنّاشئة، وصقلها وتنميتها وتطويرها ... ؛ بحذق أساليب وإجراءات فاعلة وناجعة لإكسابهم مهارات التّذوّق.
5 ـ بيان حقيقة الجمال والحسن والإبداع والإمتاع ... يتمّ عن طريق الممارسة والمدارسة والتّمرّس .. أي عن طريق التّطبيق الجيّد لمعالجة النّصوص الأدبية.
6 ـ تدريس اللّغة العربية في إطار الأدب أنجع في وأجدى.
7 ـ من الإجراءات المهمّة لفهم النّصّ جيّدًاً: مضمونًا وشكلاً، وتملّي ما فيه من جمال وفنيّة الوقوفُ على الكلمات المفاتيح في الأثر الأدبي.
8 ـ تناول عربية الخطاب القرآني، وما يجب فهمه ووعيه في هذه المسألة وهذه الملاحظة أو الإشارة أو الوصفة؛ لحذق الوسائل والأساليب والطّرق والمنهجية المعينة على الارتقاء بالتّذوّق الأدبي.
9 ـ دور الأديب مهمّ في عمليّة تهذيب الذّوق، هو يسهم في ترسيخ ملكة التّذوّق الأدبي. عليه أن يحسن استعمال الكلمة، ويوجّه عنايته وقوّته الإبداعية للكشف عن
__________
(1) - ينظر تعليقاتنا على هذا النّصّ كتابنا: السّخرية في الأدب الجزائري الحديث: 1925 – 1962م)، ط1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، نشر جمعية التّراث، القرارة، الجزائر،1425هـ/ 2004م، ص: 399، 400. ثمّ بعض النّماذج من ذلك ص: 395 – 400. (1/154)
صفحة 131
دلالات الألفاظ وعالمها، وسبر أغوارها لتختار التّراكيب التي تنقل التّجربة الشّعورية، التي تعبّر عن حقيقة الحياة، بما يعمل على انجذاب القارئ والمستمع إليها؛ ليعرف كيف يتعامل مع هذه الحقيقة .. إذا تمكّن من القيام بهذا الدّور، وفّر المجال للذّوق الأدبي كي يتكوّن ويترقّى.
10 ـ تنمية التّربية الخلقية والنّزعة الجمالية عند الطّلبة. يكون من أساسيات الدّراسة الأدبية، التي تعنى بالتّذوّق والتّحليل من النّاحيتين الاجتماعية والجمالية. هذا التّذوّق الأدبي ينتج عن عمليّات التّمثيل والهضم والتّفاعل والاستمتاع بالأثر المدروس.
11 ـ من الأهداف المنوطة بالدّراسة الأدبية أو التّحليل الأدبي إقدار الطّلبة على فهم النّصوص الأدبية، وإدراك نواحي الجمال فيها، وعلى تذوّقها وتحليلها ونقدها، وتنمية ثروتهم اللّغوية؛ بما في النّصوص المدروسة من الألفاظ والتّراكيب والمعاني. وإقدار الطّلبة على الكتابة في موضوع أدبي بأسلوب صحيح جميل، تتجلّى فيه سلامة التّفكير، والقدرة على المناقشة والتّذوّق والإبداع ... لذا يجب تدريس اللّغة العربية عن طريق الأدب أو مقترنة بالأدب لتكوين الذّوق وترقيته، وتنمية الحسّ بالمتعة الفنيّة، وتوفير قيمة إدراك الجمالية، وتملّي الحسن ... فالأدب يوفّر هذه المطالب.
12 ـ للمتعلّم أيضًا دور في تكوين الذّوق الأدبي، بما يقوم به من عمل كبير واجتهاد ومثابرة بطريقة منهجية في سبيل ذلك. فموقفه يتمثّل أساسًا في تذوّق الأعمال الأدبية وتفسيرها، كما يتمثّل في قراءات إضافية معمّقة لها مرارًا وتكرارًا، إنّ هذا يدفعه إلى التّغلغل بين سطور النّصوص، ويساعده على فقه حقيقة المعاني التي تتضمّنها، وعلى تملّي جمالياتها، والوقوف على أسرار كثيرة فيها .. كلّ هذا يكون ثمرة الذّوق الأدبي ... فيصبح المتعلّم كما يقال: متلقّيًا ومنشئًا في آن واحد. أي يصبح يمارس نشاطًا إبداعيًا، يستثمر فيه ما وعى واستوعب من هذه النّصوص.
- - - (1/155)
صفحة 132
دور الإفتاء
في التقريب بين المذاهب الإسلامية
”رسالة عمَّان“نموذجا
ـ الجزء الثاني ـ (*)
د: علي بن مبارك
المعهد العالي للدراسات التطبيقية والإعلامية بنابل
جامعة قرطاج ــــ تونس
benmbarek.alii@yahoo.fr
ث
ثالثا: الفتاوى: القضايا والإشكاليات:
(1) أولاً: الإفتاء والمفتي ومكانة كلٍّ منهما:
لقد أكّد أصحاب الفتاوى أهمية الإفتاء ومكانته في المنظومة الإسلامية، فهو –على حدّ إفتاء القرضاوي- «منصب عظيم الأثر بعيد الخطر فإنّ المفتي –كما قال الإمام الشاطبي – قائم مقام النبيّ صلى الله عليه وسلّم فهو خليفته ووارثه .. وهو نائب عنه في تبليغ الأحكام وتعليم الأنام وإنذارهم بها لعلّهم يحذرون، وهو في جوار تبليغه في المنقول عن صاحب الشريعة، قائم مقامه في إنشاء الأحكام في المستنبط منها بحسب نظره واجتهاده، فهو من هذا الوجه –كما قال الشاطبي- شارع واجب اتّباعه والعمل على وفق
__________
(1) (*) - هذا الموضوع هو تتمَّة الدراسة التي نشر الجزء الأول منها في العدد السابق من الحياة. وكان الباحث قد تناول فيه العناصر الآتية: «أولا: رسالة عمَّان وأهميتها في مسألة التقريب بين المذاهب»، «ثانيا: بنية الاستفتاءات: من يسأل من؟». أما في هذا الجزء الثاني فسيتناول الباحث العناصر الآتية: «ثالثا: الفتاوى القضايا والإشكاليات»، وفيه: «أ- تعريف الإفتاء والمفتي ومكانة كل منهما»، «ب-ضوابط الإفتاء وشروط المفتي»، «ج- مهام المفتي»، ثم «خاتمة تضم مكاسب البحث». (هيئة التحرير). (1/156)
صفحة 133
ما قاله وهذه هي الخلافة على التحقيق» (1) وتثير هذه المقدمة التي اعتمدها القرضاوي في مستهلّ حديثه عن شروط الإفتاء عدّة إشكاليات فالرّجل جعل المفتي في مقام أسطوريّ لا يستجيب لمعطيات التاريخ، ولئن توارى صاحب الفتوى وراء الشاطبي فإنّه عمل قصارى جهده على إعادة الاعتبار للمفتي كما رسم معالمه التقليد الإسلامي بصفة عامة والسنّي بصفة أخصّ فجعله قريبا من درجة الأنبياء قائما مقامهم وصيّا على الشريعة فهيما لمقاصدها وأحكامها، بل هو ممثّل لله في الأرض يوقّع باسمه ولذلك «اعتبر أبو عبد الله ابن القيم المفتي موقّعا عن الله تعالى فيما يفتي به» (2).
ولعلّ أخطر ما جاء في استهلال القرضاوي اعتباره ـ على لسان الشاطبي ـ المفتي «شارعا، واجبا إتباعه، والعمل على وفق ما قاله»، ولئن كانت مسألة إلزامية الفتاوى محلّ خلاف فإن القرضاوي انتصر لأقلّ الآراء رواجا ممّا يجعل للمفتي سلطة تنفيذية إجرائيّة تناهز سلطة القاضي والحاكم، ولعلّه بذلك يشرّع لما نتج عن تطبيق فتاوى فاسدة أضرت بالبلاد والعباد، من قبيل إراقة الدماء أو سلب المال بموجب التكفير أو التفسيق. ولقد تناول ابن الصلاح هذه المسألة في إطار حديثه عن شرطي الحرية والذكورة بما هما شرطان من شروط الإفتاء فذهب أنّه «لا يشترط في المفتي الحرية والذكو رة وينبغي أن يكون كالراوي ... فالمفتي في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص وفتواه لا يرتبط بها الزام بخلاف القاضي» (3)، وكأنّ ابن الصلاح كان يعي جيدا أنّ مؤسسة الإفتاء لا يجب أن تتجاوز البعد الأهليّ الاستشاري، إذ يستشير أحدهم رجل دين فيرشده بما يراه أصوب دون أن يلتزم المستفتي بما قال المفتي، ولذلك يمكن للمستفتي أن يتحوّل من مرجع فقهيّ إلى آخر وأن يرجح بين رأيين أو أكثر على سبيل «التبعيض» أو «التلفيق».
وإذا تحوّل المفتي إلى صاحب قرار إلزامي يتوجب على المقلّد السائل العمل بموجبه فإنّ الفوضى ستعمّ وسينتشر الخراب والاضطراب، وهذا ما نلحظه بجلاء في عصرنا
__________
(1) ـ اعتمدنا النصّ المنشور رقميا في وموقع «رسالة عمّان»: http://ammanmessage.com
(2) ـ فتوى القرضاوي، ن، م
(3) ـ تقي الدين عثمان بن عبد الرحمان ابن الصلاح، آداب المفتي والمستفتي، عالم الكتب، بيروت، تحقيق: موفق عبد القادر (1/158)
صفحة 134
الحالي إذ تصدر فتاوى غريبة هنا وهناك بتكفير أحدهم أو ضرورة مقاطعة مجموعة دينية أو إثنية فيهرول بعض المتديّنين السذج لتطبيقها وإقامة حدودها وكأنّها قانون فوق القانون أو دولة داخل الدولة ممّا يضرّ بمقوّمات السلم الاجتماعي. وعلى هذا الأساس نعتبر أنّ تحويل الفتوى من خطاب استشاري إلى خطاب إجرائي إلزامي يعدّ معوّقا حقيقيا يحول دون التقريب بين المسلمين ويكرّس سلطة رجال الدين دون غيرهم من العلماء والمثقفين، ولقد تنبّه حسين محمّد الملاح إلى دور مقولة «إلزامية الفتاوى» في تكريس سلطة الإفتاء الفردي فخصّص مبحثا في كتابه عنوانه «خطورة الإفتاء الفردي في عصرنا الحالي وأهمية الإفتاء الجماعي»، نبّه فيه إلى سلبيات إفتاء «الفرد» في زمن تشعبت في المعارف، وحذّر الناس من تحويل الفتاوى إلى سلوكات اجتماعية دون تمحيص وتدبّر إذ «لا يجوز للمستفتي العمل بالفتوى بمجرّد صدورها من المفتي إذا لم تطمئن نفسه وحاك في صدره من قبوله لقوله صلى الله عليه وسلّم «استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك (1)» (2)
وجدير بالذّكر أنّ علماء السنّة اعتمدوا نفس التعريف للمفتي وبوّؤوه مكانة عاليّة، وفي هذا الإطار يتنزّل تعريف محمد الحبيب بن الخوجة الذي اعتبر «المفتي هو المتمكّن من إدراك الوقائع ومعرفة أحكامها الشرعية بالدليل من غير معاناة مع حفظه لأكثر الفقه .. فهو وارث علم النبيّ وموقّع عن ربّ العالمين يبيّن أحكامه ويطبّقها على أفعال الناس» (3)، وهو من منظور معاصر يحتكر كلّ السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وينفّذ سلطان الربّ دون خلل أو زلل، وبهذا المعنى رأى الطنطاوي أنّ «كلمة المفتي تطلق على كلّ من يردّ على أسئلة النّاس ردّا صحيحا نابعا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمّد صلى الله عليه وسلّم، ومن العلم الصحيح» ولا ندري ما ذا يقصد صاحب الفتوى بصحّة ردّ المفتى والحال أن الاجتهاد نسبيّ وظنّي الدلالة، فكيف بالظنيّ يتحوّل قطعيا وكيف بالنسبيّ يستحيل حقيقة لا شكّ فيها؟.
__________
(1) ـ الحديث أخرجه الدارمي في البيوع (2/ 696)، ورواه أحمد في مسنده (4/ 311 حيث رقم 17966)
(2) ـ الملاح، م، س، ص 776
(3) ـ فتوى ابن الخوجة، أعمال الندوة (1/159)
صفحة 135
ولئن تداخل تعريف المفتي بمؤسّسات أخرى لها حضورها في المنظومة الإسلامية من قبيل «القاضي» و «الفقيه» (1) فإنّ جلّ المفتين أدرجوا «المفتى» ضمن خانة المجتهد، وهذا ما استخلصه التسخيري في نهاية ردّه إذ قال «وخلاصة الأمر يجب أن يكون مجتهدا حتى يمكن أن يفتي النّاس» (2) وسانده في ذلك بقية علماء الشيعة الإثني عشرية إذ ماثل السيستاني بين المفتي و «المجتهد الجامع لشرائط التقليد المذكورة في الرسالة العملية» (3) وهذا التعريف ضيّق من مفهوم المفتي بما هو مجتهد ليحصره في مجتهدي الشيعة فحسب، وهذا التضييق نرصده بجلاء أكثر عند إسحاق الفياض الذي حصر المفتي في المجتهد الذي «مارس الدراسات الإسلامية» في فترة «لا تقلّ عن ثلاثين أو أربعين سنة بجد وجهد وتفهم في الحوزات العلمية كالنجف الأشرف ونحوه» (4)، فهل يعني ذلك أن من لم يتلقّ دروسا في إحدى الحوزات العلمية الشيعية لمدّة تتجاوز ثلاثة عقود أو تزيد لا ينسحب عليه تعريف «المفتي»؟ وهل يعني ذلك أيضا أنّ من لم يرتق إلى رتبة مجتهد مرجع بعد مناقشة «رسالته العملية» لا تشمله مؤسّسة الإفتاء؟
إنّ هذا التضييق المذهبيّ في مفهوم «المفتي» لا يساعد على التواصل الحقيقيّ بين المسلمين ولا يسهم في بناء رؤية إسلاميّة موحّدة تخصّ الإفتاء وقضاياه، لأنّه يقوم أساسا على الإقصاء، ولا يمكن التقريب بين المذاهب الإسلامية إلا من خلال استحضار الآخر الأدنى (5) فكرا ومفهوما، وكأنّ الافتاء بهذا المعنى يعبّر عن حاجة مذهبية لا غير.
ولنا أن ننبّه أنّ «فتاوى الفتاوى» جاءت أساسا لتميّز بين ضربين من المفتين، أوّلهما حقيقي تنطبق عليه المواصفات التي أقرها التقليد وأثبتها أصوليو كلّ مذهب، أمّا الضرب الثاني فيشمل المفتين «المزيفين» كما يصفهم خصومهم الذين لا يستجيبون لتقنينات المقننين ولا يسرون فيما حدّد لأهل الإفتاء من مسارات، وعلى هذا الأساس حاول إبراهيم بن محمد الوزير (أحد زعماء الفكر الشيعي الزيدي باليمن) أن يضبط معالم «المفتي
__________
(1) ـ يعرّف على جمعة المفتي بأنّه «الفقيه الذي يستنبط الحكم الشرعيّ من الدليل، فهم القائم بعلم الفقه تطبيقا».
(2) ـ فتوى التسخيري، أعمال الندوة عن بعد www.ammanmessage.com
(3) ـ فتوى السيستاني، ن، م
(4) ـ فتوى الفياض، ن، م
(5) ـ نقصد بالآخر الأدنى كلّ مسلم مهما كان مذهبه أو فكره (1/160)
صفحة 136
الحقيقي» فإذا هو «العالم الحقيقي الذي درس علوم القرآن وعرف آيات الأحكام واتبع علم سنة سيد الأنام وعرف مقاصد الشرع وعرف بالتقوى والورع في دينه ... » (1).
ولئن توقف بعضهم عند مفهوم الفتوى لغة واصطلاحا (2) فإنّهم جميعا تجنّبوا التعرّض لمستويات الفتوى وعلاقتها بأقوال المفتي وأعماله في الآن ذاته، ولا نبالغ إذا اعتبرنا عدم تماثل أقوال المفتي مع أفعاله من أهمّ أسباب الأزمة التي يعيشها الإفتاء اليوم والتي تتمثّل أساسا في اهتزاز الثقة بين أصحاب الفتاوى «الشرعيين» كما يسمون أنفسهم ومقلديهم من عامة الناس، والمتتبع لتنظيرات القدامى لمسألة الإفتاء يلاحظ هذا التركيز على البعد العملي السلوكي، ولقد خصّص المالكي مبحثا في كتابه يتعلّق بـ «الفتوى بالقول والفتوى بالفعل» ذهب فيه أنّ «الفتوى من المفتي كما تحصل من جهة القول ... كذلك تحصل من جهة الفعل» (3).
نلاحظ أنّ مختلف الفتاوى التي نشتغل عليها تحاول أن تعيد بناء صورة المفتي بعد أنّ أفسدت معالمها موجة من الفتاوى الموازية (فوضى الإفتاء) التي استطاعت أن تستقطب العامة وأن تؤثر في سلوكهم. هذه العملية الإصلاحية (بمعنى إصلاح ما فسد) ارتبطت من جهة بالتأكيد على سلطة المفتي وهي سلطة متعددة الوجوه تمسّ العقيدة والأخلاق والمجتمع والسياسة ونفسيّة المستفتي وتوجّه سلوكه توجّها قد لا يتماشى مع قواعد العيش المشترك والحوار والتقريب، ولذلك نعتبر ما حصل في الفتاوى من انزياحات على مستوى تعريف «المفتي» و «الإفتاء» وترسّخ مكانتهما الريادية يؤثر سلبا في مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية ممّا يحتّم علينا مراجعة المفاهيم المعاصرة للإفتاء وخاصّة ما تعلّق منها بمبدأ «الإلزامية».
2/ ضوابط الإفتاء وشروط المفتي
يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من الشروط اعتبرها القدامى ومن جاراهم من المحدثين ضوابط ملزمة للتصدي للإفتاء وعمل أصحاب الفتاوى على ترسيخها: الشروط العلمية، الشروط الأخلاقية، الشروط الخلقية ويمكن الاستعانة بالجدول التالي لتبين ذلك.
__________
(1) ـ فتوى الوزير، ن، م
(2) ـ كما هو حال أحمد الخليلي الذي ذهب أنّ «الإفتاء لغة بمعنى الإبانة وفي الاصطلاح ... الشرعي هو إبانة حكم الله تعالى في قضية ما ... ».
(3) ـ الملاح، م، س، ص49 (1/161)
صفحة 137
جدول: شروط الإفتاء بحسب ما جاء في نصوص الفتاوى (1)
شروط الإفتاء ... فـ1 ... فـ2 ... فـ3 ... فـ4 ... فـ5 ... فـ6 ... فـ7 ... فـ8 ... فـ9 ... فـ10 ... فـ11 ... فـ12
الشروط العلمية ... الإحاطة بأدلة الأحكام ... x
الدراية بعلوم العربية ... x ... x ... x ... x ... x ... x
المعرفة بالحياة والناس ... x
__________
(1) ـ سنعتمد في هذا الجدول الترميز التالي:
- فتوى يوسف القرضاوي: فـ 1
- فتوى محمد الحبيب بن الخوجة: فـ 2
- فتوى محمد سيّد طنطاوي: فـ 3
- فتوى علي جمعة، مفتي مصر: فـ4
- فتوى علي السستاني: فـ5
- فتوى محمد علي التسخيري: فـ 6
- فتوى بشير النجفي: فـ7
- فتوى إسحاق الفياض: فـ 8
- فتوى محمد بن محمد بن إسماعيل المنصور، و حمود بن عباس بن عبد الله المؤيد: فـ9
- فتوى إبراهيم بن محمد الوزير: فـ10
- فتوى أحمد الخليلي: فـ11
- فتوى الآغا خان زعيم الطائفة الإسماعيلية: فـ12 (1/162)
صفحة 138
التمرُّس بأقوال الفقهاء ... x
التمرُّس بأصول الفقه ... x ... x ... x ... x
معرفة القياس والعلَّة ... x ... x
معايشة الفقهاء في كتبهم وأقوالهم ... x
معرفة موارد الكلام ... x
معرفة علوم القرآن ... x ... x ... x ... x
العلم بالسنَّة ... x ... x ... x ... x
معرفة مذاهب الفقهاء ... x ... x ... x
أن يراعي المقاصد الشرعيَّة ... x ... x ... x
حفظ القرآن ... x
أن يكون مجتهدًا ... x ... x
الدراسة بالحوزة ... x (1/163)
صفحة 139
علم الكلام ... x
معرفة آيات الأحكام ... x
معرفة مراتب الروايات ... x
معرفة المصالح المرسلة وسدّ الذرائع والاستحسان ... ... x
الشروط الأخلاقية ... الحلم والوقار ... x
أن تكون ... x ... له نيَّة
أن يكون مسلمًا ... x
أن يكون ثقة مأمونا ... x
أن يكون ورعا تقيا ... x ... x
غير مبتدع في الدين ... x
عدم التساهل في الفتوى ... x (1/164)
صفحة 140
أن يكون صالحا مستقيما ... x
أن لا يكون محاربا لأهل البيت ... x
الشروط الخِلقيّة ... الذكورة ... x
البلوغ ... x
صريح القول
سليم الذهن ... x
القدرة على التمييز ... x
ملكة الفقه والاستنباط ... x ... x
أن تكون له قريحة (موهبة) ... x
نلاحظ من خلال هذا الجدول أن مسألة شروط المفتي وآدابه لم تكن محلّ اتّفاق بين أصحاب الفتاوى، بل نجدها متباينة أحيانا داخل المجموعة الدينية الواحدة، وهذا يؤكّد أن وضع ضوابط للإفتاء كان إجراء اجتهاديا فحسب خضع إلى حاجيات التاريخ وتطوّر الفكر الإسلامي في مراحله المختلفة، ولذلك لا يمكن أن نتحدّث عن ضوابط قارّة وشروط ثابتة يمكن تطبيقها في كلّ زمان ومكان، ويمكن لنا من خلال تفكيك معطيات هذا الجدول أن نخلص إلى الاستنتاجات التالية:
* إنّ تقسيم شروط الإفتاء إلى شروط علمية وأخرى أخلاقية وثالثة خِلقية ليس حكرا على هذا المجال بل هي صفات مثالية قياسية ارتبطت في التراث الإسلامي بعدّة (1/165)
صفحة 141
مجالات من قبيل آداب المفسر (1) وشروط المجتهد (2) وضوابط القضاء (3)، وهي في عمومها آداب افتراضية وشروط قياسية تتكرّر هنا وهناك ويتمّ استهلاكها بطريقة نمطية لا تستجيب أحيانا لتطوّر التاريخ ورهاناته. وآية ذلك أنّ المفتي لا بدّ أن يلمّ بعلوم العربية بكلّ تفريعاتها، وأن يستوعب بقية العلوم الشرعيّة من أصول وفقه وتفسير وأن يكون مطلعا على مختلف الاجتهادات المذهبيّة والآراء الكلاميّة، ومن جهة ثانية لا بدّ أن يكون كاملا في أخلاقه معصوما من الكذب، ممثّلا للحقيقة كما أرادها الشارع، موقّعا في فتاويه باسم الله، وهو من جهة ثالثة عاقل قويّ الشخصية والبدن صبور لا يتسرّع في إصدار الحكام، وكذلك موهوب يكتسب من الملكات ما لا يكتسبه غيره من الخلق، وكأنّه بهذا المعنى كائن أسطوريّ يتعالى عن التاريخ، ولكنّ المشكلة أنّ من يتتبّع خطاب الفتاوى المعاصرة حتّى من قبل من يسمون أنفسهم «كبار العلماء» يلاحظ وجود أخطاء كثيرة على مختلف المستويات منها ما تعلّق باللغة العربية استعمالا واستنباطا ومنها ما تعلّق بدقّة المعارف وفهم سياقات الفكر الإسلامي ... الخ
* بعض الشروط الأخلاقيّة والخلقيّة تدعو إلى الاستغراب، فما معنى أن يشترط أحدهم أن يكون صاحب الفتوى مسلما، أو عاقلا غير معتوه؟ وما معنى أن يكون غير مبتدع وأن يكون صالحا مستقيما وأن يكون قادرا على التمييز؟ إنّ هذه الشروط وغيرها ممّا لم نذكر تؤكّد أنّها لم تكن غير مواصفات ثابتة تناقلتها الذاكرات وأعادت صياغتها بطريقة لا تستجيب لمبادئ الفتى في حدّ ذاتها كما رسم معالمها الأصوليون القدامى.
* تعكس بعض هذه الشروط رؤى ضيّقة ومنزعا اقصائيا يتنافى مع مبادئ الحوار والعيش المشترك والاعتراف بالآخر. ولهذا الإقصاء عدّة تجلّيات، فهو إقصاء مذهبيّ
__________
(1) ـ راجع في هذا الإطار رسالة الماجستير التي أعددناها تحت عنوان «علم التفسير من خلال كتاب البرهان في علوم القرآن» لبدر الدين الزركشي، تحت إشراف توفيق بن عامر، ونوقشت سنة 2006 بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، وخصصنا في هذا العمل مبحثا يهتمّ بشروط المفسر.
(2) ـ تعمّق علماء الأصول في ضبط شروط المجتهد ويمكن مراجعة أمهات الكتب في هذا المجال.
(3) ـ يمكن مراجعة:
- محمد الزحيلي، القضاء في الإسلام، دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، 1998 (سلسلة: دراسات إسلامية)
- محمد حسين فضل الله، فقه القضاء، دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2004. (1/166)
صفحة 142
بامتياز عندما يستحضر مقولات المذهب دون التفكّر في مرجعيّة الفكر الإسلاميّ في ثرائه وتنوّعه، ولذلك اشترط علي جمعة في المفتي «معرفة المصادر المعتمدة في كلّ مذهب فقهي من المذاهب الموثّقة» واقترح في فتواه نماذج مختلفة من كتب اعتبرها أساسية لمعرفة أصول كلّ مذهب من المذاهب الإسلامية. وهذا المنزع الاقصائي نرصده في الفتاوى السنية والشيعية الإثني عشرية وهو أقلّ حدّة عند الإباضيّة والزيديّة والإسماعيليّة، ولعلّ هذا يعكس طبيعة فقه الأقليات المذهبية التي تسعى دائما إلى إيجاد سبل التواصل مع الآخر.
ولا نبالغ إذا اعتبرنا هذا المنزع المذهبي الاقصائي من أهمّ معوّقات التقريب بين المسلمين لأنّه يكرّس الحدود التي طوّق بها كلّ مذهب نفسه لقرون عدّة، ولا يمكن الخروج من هذه الدائرة الضيّقة إلا باعتماد المقارنات وربّما التأسيس لـ «فتاوى مقارنة» تعطي المقلّد إمكانية الاختيار بين اجتهادات مختلفة دون التقيّد برأي أو حكم. ولعلّ من وجوه الإقصاء المذهبي المعرقل للتقريب اشتراط الدراسات الحوزوية وهذا الشرط ملزم للمذهب الشّيعيّ الإثني عشري فقط ولا ينسحب على بقية المجموعات الدينية.
ومن وجوه الإقصاء أيضا حصر الإفتاء في الذّكور دون الإناث ولعلّ هذا الحصر نتاج طبيعي لما طرأ على الفتوى من انزياح خطير تحوّلت بموجبه من خطاب استشاري إلى خطاب إجرائي إلزامي يعكس سلطة روحية وعملية، وهذا يجعل من الإفتاء وجها من وجوه الولاية العامة وهيعند أغلب الفقهاء القدامى ولاية الذكور دون النساء (1)، ولذلك أكّد المرجع الشيعي بشير النّجفي في فتواه شرط الذكورة، وهذا الشرط في علاقته بالإفتاء كان (ومازال) محلّ خلاف بين العلماء، ولقد أقرّ ابن الصّلاح «لا يشترط في المفتي الحرية والذكورة وينبغي أن يكون كالراوي ... فالمفتي في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص .. » (2)
* يكاد يجمع أهل الإفتاء المعاصرون - على غرار القدامى - على اشتراط الاجتهاد في الإفتاء، وهذا الشرط وإن بدا طبيعيا فإنّه يعكس غموضا واضطرابا، فمفهوم
__________
(1) ـ يمكن للتوسع في مسألة ولاية المرأة العامة مراجعة كتاب «الولاية العامة للمرأة في الفقه الإسلامي»، لمحمد القضاة، دار النفائس للنشر والتوزيع، 1997
(2) ـ ابن الصلاح، آداب المفتي والمستفتي، ص106 (1/167)
صفحة 143
الاجتهاد مختلف فيه لا في الفضاء السني فحسب بل عند مختلف المجموعات الإسلامية، ولئن ميّز القدامى بين مراتب للاجتهاد، فإنّنا لا نجد ذكرا لها في الفتاوى التي نشتغل عليها، ولقد ميّز حسن محمد الملاح بين عدّة أصناف من المفتين وتعمّق في ذكرها وبيان أعلامها فميّز بين «المجتهد المستقل المطلق» و «المفتي المجتهد في نوع من العلم» و «المفتي المجتهد المقيّد» و «المفتي المجتهد في المذهب أو مجتهد التخريج» و «المفتي المجتهد المرجع أو مجتهد الفتيا» و «المفتي المقلّد» و «المفتي الذي يفتي بكتاب» ... ولئن تعددت أصناف «المفتين» في التراث الإسلامي فإنّ فتاوى رسالة عمّان تحاول حصر المتعدد وتوحيد المتنوّع وترسيخ نمط واحد من الإفتاء يضطلع به مراجع الدين وعلماء المذاهب المعترف بهم وبمرجعيتهم. وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن خلفية هذا الاستصفاء، وعلى أيّ أساس وقع ترشيح هذا الخيار ليكون الخيار الأمثل والأوحد؟
* يبدو أنّ أصحاب الفتاوى كانوا يسعون بكلّ جهد إلى محاربة فتاوى «غير المختصين» كما يسمونهم، والحدّ من «فوضى الإفتاء» التي أصبحت جزءا من المشهد الثقافي الإسلامي، ولذلك كان الإصرار على إزالة غطاء الشرعية على هذه الفتاوى المزعجة بين أبناء الملّة الواحدة، وعلى هذا الأساس انتقد أصحاب الفتاوى من يزاحمهم الاختصاص ويشاركهم الجمهور المستهدف من إفتائهم بدرجات متفاوتة، وحجتهم في ذلك - كما يقول أحمد الخليلي - أنّ «من لم يكن أهلا لذلك فهو ليس أهلا للفتيا، لأنّه إلى الجهل أقرب منه إلى العلم، وإلى العمى أدنى منه على البصيرة، فلا يؤمن منه أن ينقاد للشيطان فيقول ما ليس له به علم وذلك قرين الفحشاء والمنكر» (1) بل نجده يقرنهم بـ «الإثم والبغي» الناتج عن «الاقتحام على الفتيا بدون بصيرة»، ولم يجد القرضاوي بدّ من التذكير بـ «إنكار السلف على من أفتى بغير علم» وذلك أنّ السلف كانوا «ينكرون أشدّ الإنكار من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهّل لها» (2)، والملاحظ أن الحديث عن «حمى الفتوى» يحمل من التقديس والتعظيم ما يذكّرنا بحمى الدين وحمى الوطن ... وهذا يعني أنّ الفتاوى بما هي نصوص ظنية قائمة على التأويل والاجتهاد تحوّلت إلى نصوص قطعية لا
__________
(1) ـ فتوى الخليلي، ن، م
(2) ـ فتوى القرضاوي، ن، م (1/168)
صفحة 144
يمكن التمرّد عليها وعلى أصحابها بل إنّ المفتي «بعد تبيّن جهله وخلطه» إن «أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم وعاص ومن أقرّه من ولاة الأمور على ذلك فهو عاص أيضا» (1)، وكأنّ القرضاوي بذلك يريد أن يحافظ لا على تقليد الإفتاء كما أرساه السلف وكرّسه الخلف فحسب بل أيضا على التحالف التاريخي بين الفقيه المفتي والسلطان، لذلك صنّف كلّ من يتجاوز سلطة العلماء الرسميين من الساسة، ويحاول تغييرها بمرجعية جديدة من العصاة الخائبين في الدنيا والآخرة.
وحتّى يتأكّد حقّ النخبة العالمة في الإفتاء دون غيرها عمل القرضاوي على تقديم «المفتي الجديد المتمرّد» في صورة تهجينية تدعو إلى الإنكار، إذ أنّ «كثير من هؤلاء ليسوا من «أهل الذكر» في علوم الشريعة، ولا كلّف نفسه أن يجلس إلى أهل الذّكر ويأخذ عنهم، ويتخرّج على أيديهم، إنّما كوّن ثقافته من قراءات سريعة في كتب المعاصرين، أمّا المصادر الأصلية فبينه وبين قراءتها مائة حجاب» (2). ولئن سلّمنا بوجود هذه الشريحة من «المفتين الجهلة السذّج» فإنّ هذا التوصيف لا يمكن أن يجيب عن أسباب أزمة «الإفتاء» اليوم، لأنّ عددا كبيرا من خريجي الجامعات والمحرزين على شهادات عليا (ماجستير ودكتوراه) ومن أساتذه الجامعات المرموقين يصدرون بدورهم فتاوى غريبة تكفّر الآخر وتفسّقه وتبدّعه وتقيم عليه الحدود وتدعو العامّة على مضايقته وتخليص الأمّة من فساده، ولنا في التجربة المصرية خير مثال على ذلك إذ لا شغل لشريحة كبيرة من علماء الدين والمثقفين الجامعيين إلاّ توسيم هذا أو ذاك بوسام كفر أو ضلال فيقيمون عليه الدعاوى القضائية وربّما أقاموا عليه الحدّ فأخرجوه عن «دار الإسلام» على رحابتها، وربّما فرّقوا بينه وبين زوجته كما حصل مع نصر حامد أبو زيد (3) وغيره (4).
__________
(1) ـ ن، م
(2) ـ ن، م
(3) ـ راجع في الإطار:
- كتاب «نصر حامد أبو زيد بين التفكير و التكفير مسألة حصانة الإنسان في الإسلام»، برهان زريق، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، 1997
(4) ـ عدد كبير من المثقفين والأدباء وقع تكفيرهم، منهم من توفي فكان تكفيره إقرارا بضلاله ومنهم من هو حيّ يرزق فكان تكفيره دعوة لإقامة الحدّ عليه، لعلّ أهمّهم
- لطفي السيّد
- طه حسين
- نجيب محفوظ
- نوال السعداوي
- جمال الغيطاني
- فؤاد زكريا
- جابر عصفور
- نصر حامد أبو زيد
- عبد السلام المسدي
- محمد أركون ... وآخرون
وتثار هذه الأيام قضية المؤلفة «بسنت رشاد» (صحفية في جريدة «الكرامة» الأسبوعية الناصرية) بعد إصدارها كتابها الأخير «الحبّ والجنس في حياة النبيّ» وشككت في صحة أحاديث تناولت خصوصيات الحياة الأسرية والجنسية للرسول، ولقد وقع تكفيرها وإهدار دمها، (1/169)
صفحة 145
إنّ ما تثيره إشكالية الفتاوى المعاصرة من حيث طبيعة المفتي وتعريفه وشروطه تدفعنا إلى الحديث عن مهام المفتي على ضوء ما توصلنا إليه في المباحث السابقة.
3/ مهام المفتي
يمكن أن نذكّر بما جاء في صيغ الأسئلة (الاستفتاءات) الموجهة لمجموعة من علماء الدّين، حيث عرض السائل بعض مهام المفتي من قبيل «إفتاء الفتاوى» و «تعريف الناس بالشريعة الإسلامية» و «الردّ عل الأسئلة»، ونجد لهذه التلميحات تحليلا يتراوح بين العمق والسطحية في قسم الإجابات (الفتاوى).
يبدو من خلال حديث أصحاب الفتاوى أنّ المفتي في صيغته الرّسمية يمثّل امتدادا للنبوّة ومهامها، فهو الوارث لعلم النبيّ بعد جيل الصحابة والتابعين عن أهل السنة وبعد عصر الأئمة المعصومين عند الشيعة بكلّ تياراتهم، وهذا يعني أنّ وظيفته تجمع بين سلطتين دينية روحية وزمنية اجتماعية ممّا يكسبه دورا استراتيجيا في تطوير سلوك المجتمع وتوجيه أفراده. ولعلّ هذا ما يفسّر سرعة انتشار الفتاوى وقوّة تأثيرها على عقول الناس وخاصّة محدودي الثقافة ممّن يعانون من أميّة حضاريّة فكريّة. ويبدو أنّ هذه الوظيفة (1/170)
صفحة 146
التوجيهية الخطيرة لها انعكاسات سلبية على العلاقات الاجتماعية والثقافية بين المسلمين، لأنّ مجرد فتوى قد تحوّل الأمن على رعب والهدوء على اضطراب مستفحل، وقد تجعل من حياة الناس ومالهم وعرضهم أهدفا، ولذلك اقترنت الفتاوى المعاصرة اليوم بصفة كبيرة بفتاوى «التكفير» و «التبديع» وما ينتج عنها من ثقافة «رعب» تحوّل الدّين بموجبها من سبب سعادة (كما هو مقرّر له) إلى منتج للخوف والقلق والاضطراب في بعديه الاجتماعي والنفسي.
ولقد أكد الطنطاوي من خلال فتواه أنّ المفتين بما هم تواصل للنبوّة لا يقصدون «من وراء فتواهم إلاّ خدمة الحقّ والعدل ومكارم الأخلاق والمصلحة العامة التي تعود على الأمة بخير» (1)، وهو بهذا المعنى مصلح اجتماعي هاجسه إسعاد البشر وإطلاعهم على حقيقة لا يعرفها إلاّ هو وقلّة «من أهل الذكر» ممّن تأكّد علمهم. وكما يضطلع المفتي بمهمّة المحافظة على إرث الأنبياء فإنّه أيضا يحافظ على التراث الفقهي فهو –كما وصفه علي جمعة- «القائم بعلم الفقه» وهنا تطرح بصفة جدّية علاقة المفتي بالفقيه وعلاقة كليهما بالمجتهد، هل العلاقة بينهم علاقة تطابق كما توهمنا نصوص الفتاوى التي نشتغل عليها؟ أم هي علاقة تباين؟؟
والطريف أن القرضاوي بعد سرد شروط المفتي حصر وظيفته في «أن يتكلّم في الحلال والحرام» وكأن الهاجس الذي أرّق الفكر الإسلامي هو ضبط قائمة مطوّلة غير متناهية من الحرام وحصر مجالات الحلال التي أصبحت تقلّ عددا ونوعا كلّما تقدّمنا في حتى اختفت القاعدة القائلة بأنّ «كلّ شيء حلال حتّى يثبت تحرميه» لتتحوّل إلى قاعدة بديلة نصها «الأصل في الأشياء التحريم»، وهذا النوع من التفكير الديني يفرز «خطابا تبديعيا» مدمّرا يجعل من إبداعات الإنسان بدعا ومن ابتكاراته عدوانا على الدّين، ومن اجتهادات الآخرين فسقا وكفرا وخروجا عن الطريق المستقيم، وهذه الرؤية لا تتماشي مع ما حققه الإنسان المعاصر من مكاسب تتعلّق بالحوار بين الأديان والمذاهب والثقافات والاعتراف بالتنوّع الثقافي والعقائدي، وعلى هذا الأساس شكّل هذا النوع من الخطاب الديني عائقا في مجال التقريب وإن ورد في وجال تقريبيّ احتضنته «رسالة عمّان».
__________
(1) ـ فتوى الطنطاوي، ن، م (1/171)
صفحة 147
وحتّى يقرّب لنا إسحاق الفياض مهام المفتي شبّهه بالطبيب، ولا يبدو ها التشبيه اعتباطيا، بل شبّه من قبل الزركشي المفسر بالطّبيب أيضا وشبّه غيره الفقيه بنفس الصفة، ولهذا التشبيه عدّة دلالات، فالطبيب يمتلك حقيقة علّة المريض لأنّ قام بدراسات معمّقة في مجال «تشخيص الأمراض» وأنجز تجارب واقية لتأكيد نظرياته، وكذلك المفتي يمتلك حقيقة الشريعة ويفهم حقّ فهم الوقع الاجتماعي الذي يعيشه، وعلى ضوء ذلك يشخّص النوازل ويصدر الفتاوى، وكما يتميّز الطبيب بصرامته وعدة تسامحه فكذلك المفتي، ولكن غاب عن صاحب المقارنة أنّ الطبيب يتعامل مع حقائق علميّة محسوسة ولا يبني أعماله على ظنّيات وافتراضات ولكنه يبنيها على حقائق تجربية على عكس المفتي الذي يفترض أنّه - كما تواتر- «مجتهد» و «فقيه» يتعامل مع ظنيات وفق الاستنباط والتأويل وإعمال العقل لذلك كان التنوّع في الآراء الاجتهادية وكان الاختلاف في الحكام الفقهية. ولئن كانت وصفة الطبيب ملزمة حتى يتعافى المريض فإنّ فتوى المفتي إذا سئل غير ملزمة بأيّ حال من الأحوال.
والملاحظ أنّ العلماء الشيعة لم يعمّقوا في ذكر مهام المفتي، على عكس علماء السنة، ولعلّ ذلك يعود أساسا إلى اعتقادهم أنّ مؤسسة المجتهد المفتي المرجع قد استوت تاريخيا ولا تحتاج إلى تفصيل، فالمرجع يضطلع بعدّة مهام دينية تشريعية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ويثير هذا التجميع لمختلف الوظائف عدّة إشكاليات على مستوى المنظومة الشيعية الإثني عشرية، خاصة بعد إقرار «ولاية الفقيه» (1) منهجا في الإفتاء والسياسة، ممّا أثار تحفظات عدد كبير من المفكرين حتى من داخل المنظومة الشيعية ذاتها.
لقد كان حديثنا عن «صورة المفتي المعاصر» حديثا عنصراع خفيّ ومعلن في الآن ذاته في فئتين من «رجال الدين» - إن صحّ أن يكون للدين رجال-: فئة محافظة تعمل على تركيز سلطانه المعهود وحصر الفتاوى في عدد مضبوط من العلماء والمراجع الذين اعترفت مؤسساتهم الدينية بشرعيتهم، وفئة ثانية مهمّشة تحاول التمرّد على قوانين
__________
(1) ـ يمكن الاستفادة من كتاب: «بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه: الدولة والمواطن» لوجيه كوثراني، دار النهار للنشر، بيروت، 2007 (1/172)
صفحة 148
ضبطت شروط المفتي وآدابه، والاقتراب من عامة الناس من خلال التواصل معا ذاكراتهم وإثارة عواطفهم ومشاعرهم.
* مكاسب البحث: التأليف
لقد حاولنا من خلال تفكيك بنية «الفتوى» أن نتبيّن وجوه التجديد فيها، وأن نرصد ما وقع من انزياحات على مستوى الشّكل والمضمون، ولعلّ ما يهمّنا في هذا المجال البحث في مدى استجابة هذه الانزياحات لحاجيات التقريب بين المذاهب الإسلامية باعتباره الهدف الأساسيّ من انعقاد ملتقى عمّان وصدور رسالته. ويبدو أنّ مختلف الفتاوى التي تناولناها ذهبت في اتجاه واحد يرى أنّ ما يسمّ بـ «فوضى الإفتاء» أو «الفتاوى الموازية» تضرّ بكلّ تقريب وتنسف كلّ حوار مع المخالف من داخل الملّة ومن خارجه، ولذلك لا بدّ من حصر الإفتاء في عدد مضبوط من العلماء لهم من المؤهلات م يمكّنهم من الاضطلاع بما اُنيط لهم من مهام.
ولكنّ المشكلة تتجاوز ظاهرة «تحرّر الفتاوى» وانتشارها الفوضويّ وتصدّي «المتطفّلين» لها، وإن كانت فتاوى التكفير تمثّل معوّقا حقيقيا أمام كلّ تواصل بين المسلمين. إنّ المشكلة فيما نرى تكمن أساسا في «الإفتاء» في حدّ ذاته في بعده «الرسميّ» و «الهامشيّ»، ولا نبالغ إذا اعتبرنا «خطاب الإفتاء» خطاب التناقض بامتياز، فأصحاب مؤسسات الإفتاء الرسميّة وإن أعربوا عن رفضهم لفتاوى التكفير المتعجّلة واستنكارهم لفتاوى العامة فإنّهم لم يظهروا في ممارساتهم وتنظيراتهم رغبة حقيقية في الاعتراف بالمخالف والدخول معه في حوار بنّاء قوامه التعدد والتنوّع والاختلاف، وهذا المنزع الاقصائي الرّسميّ رصدنا بعض معالمه في فتاوى ملتقى عمّان كما نرصده بجلاء في مختلف الفتاوى الإسلامية المعاصرة.
من جهة أخرى، قد يتحوّل أصحاب الفتاوى الجديدة «المشبوهة» إلى مدافعين عن الفتوى الشرعية كما صاغها التقليد الدينيّ وينتقدون بدورهم «فوضى الإفتاء» ويلحونـ وربما أكثر من غيرهم ـ على شروط المفتي وآدابه، ولنا في سليمان بن صالح (1/173)
صفحة 149
الخراشي (1) خير مثال على ذلك، فالرّجل أفتى بتكفير أكثر من أربعين مبدعا ومثقّفا وأباح أحيانا إقامة الحدّ على بعضهم (2)،وأكّد في كتابه «أسئلةقادت شباب الشيعة إلى الحق» (3)، هذا المنزع الاقصائي طابق بين السلفية والحقيقة المطلقة وجعل غيرها في ظلال مبين، ولكنّه من جهة ثانية يسخر عن التكفيريين وينتقد «فتاوى التكفير» (4) ويدعو إلى احترام مؤسسات الإفتاء، هذا التناقض في «خطاب الإفتاء المعاصر» يكاد يهيمن على المشهد الثقافي الإسلامي اليوم، ويمكن لمن يتتبّع فتاوى يوسف القرضاوي -على سبيل المثال- أن يلحظ هذا التناقض في الخطاب، فالرجل من دعاة التقريب ومنظّريه ومن محاربي الإفتاء العشوائي الذي يكفّر المخالف (5)، ولكنّه في المقابل يمارس «إفتاء الإقصاء» كما هو الحال في بياناته الأخيرة التي حذّر فيها من التبشير الشيعي في مناطق نفوذ أهل السنة، واعتبر أهل الجماعة أهل الصواب والفرقة الناجية وصنّف الشيعة ضمن الفرق المبتدعة التي انحرفت عن الصواب، وتبع هذا البيان بيانات شيعية مضادة تورّطت بدورها في التفسيق والإقصاء.
__________
(1) ـ شخصية دينية معاصرة مثيرة للجدل، لكثرة ظهورها في الفضائيات ووفرة كتبها ومقالاتها بالصحف ..
(2) ـ يمكن للتوسع مراجعة مقال، أحمد أبو المطر، «فقهاء التجهيل و فتاوي حسب الطلب!» المنشور في موقع «إيلاف» بتاريخ 24 فيفري 2007 http://www.elaph.com، وفيه تحدّث عن «أحدث مهنة في الوطن العربي تحديدا هي مهنة الفقيه أو الداعية أو المفتي، حيث في العقود الأربعة الأخيرة تحديدا تصدرت هذه المهنة كافة المهن، فأصبحت تدرّ على أصحابها ذهبا وعسلا وشهرة من المستحيل أن يحصل عليها علماء مشهورين ... وهي مهنة من خلال حالة غالبية العاملين فيها والممارسين لها لا تحتاج إلى مؤهلات عالية وصعبة، فيكفي الإلمام ببديهيات الدين الإسلامي وحفظ بعض الآيات والقرآنية والأحاديث النبوية التي يمكن لوي عنقها لتناسب الحالة أو الحدث المزمع الإفتاء فيه، ... »
(3) ـ مكتبة الرضوان، القاهرة، 2005
(4) ـ انظر مثلا مقاله «من هم التكفيريون» ..
(5) ـ يمكن التذكير بكتابه، الفتوى بين الانضباط والتسيب، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، 1995،كما يمكن النّظر النظر في كتابه الجديد «موجبات تغير الفتوى في عصرنا»، دار الشروق، 2008 (1/174)
صفحة 150
أردنا من خلال هذه المحطات التي توقفنا عندها أن نبيّن خطورة الفتاوى في مفهومها العامة وتوظيفها السلبيّ ممّا يدفعنا بجدّ إلى مراجعة موقفنا من مؤسسة الإفتاء ووظيفتها الدينية والاجتماعية، ولقد تفطّن بعض رواد التقريب المعاصرين إلى المصاعب المتعلّقة بوجود شخص يتصدّى للإفتاء ويوهم نفسه والآخرين بأنّه يلمّ بكلّ المعارف ويعلم الحقائق ويمتلك لوحده طرق الرّشاد، ولذلك طُرحت مسألة الإفتاء الجماعي ووجدت لها عددا كبيرا من المؤيدين من علماء الدين والمثقفين، ولقد أكّد عبد الرحيم علي محمد إبراهيم في مقال له بمجلّة «رسالة التقريب» (1) على حتمية اعتماد الإفتاء الجماعي بديلا عن فتاوى الأفراد معتمدا «مجمع الفقه الإسلامي بالسودان نموذجا»، وانتشرت هذه الرؤية البديلة للإفتاء عند شريحة كبيرة من الباحثين ومختصين، وفي هذا الإطار خصّص «حسين محمد الملاح» مبحثا (2) مستقلا حول «خطورة الإفتاء الفردي وأهمية الإفتاء الجماعي في عصرنا» رأى فيه أنّ الإبقاء على «المفتي الفردي» ضرب من العدم وتمديد لأزمة الإفتاء ودعا إلى ضرورة تفعيل دور مجامع الفقه الدولية والمحلية حتى تضطلع بدورها في ترشيد النّاس دون وصاية أحد من رجال الدين رسميا كان أو مهمّشا.
وحتى تكتسب هذه المجامع ثقة المقلّدين فلا بدّ أن تحافظ على البعد الاستشاري غير الإلزامي للفتاوى، ولا بدّ أيضا أن تعتمد رؤية تعدّديّة تتحرّر فيها من احتكار «النخبة العالمة» لأسئلة الدين، وفتح المجال للمختصين في كلّ مجالات الحياة بل وللبسطاء من النّاس لتحسّس واقعهم أكثر والاستجابة لرهانات التاريخ بصفة أعمق وأنجع. وهذا بدوره سيدفعنا إلى مراجعة كلّ ما تعلّق بـ «فتوى العّامي»، وإعادة تحديد مفهوم العامي على ضوء المتغيرات، فهل العامي هو الأميّ الذي لا يحسن القراءة والكتابة؟ هل هو كلّ من لم يلتحق بالدراسات الدينية التقليدية وإن كان جامعيا متميّزا؟ هل هو المخالف في المذهب؟ ثمّ هل من المشروع أن يتقيّد المقلّد بفتوى مخصوصة دون أن يأخذ بغيرها ودون أن ينوّع من موارده
__________
(1) ـ عبد الرحيم علي محمد إبراهيم، الاجتهاد الجماعي ومجامع الفقه الإسلامي نموذج مجمع الفقه الإسلامي في السودان، مجلة رسالة التقريب، عدد،43 - 35، خريف 1423 هـ، 2002، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية (معاونية شؤون الإعلام والنشر) طهران،، ص365 - 379
(2) ـ وهو المبحث الخامس من الفصل الثاني (1/175)
صفحة 151
ومجالات اهتماماته الدينية والفكرية والحال أنّ من حقّه في عرف أهل الأصول أن يغيّر ويأخذ بما شاء ومن شاء (1) وأن يرجّح بين الفتاوى (2) وأن «يبعّض» (3) و «يلفّق» على حدّ تعبير الفقهاء، وأن يترك ما قالوا ويهجر فتاواهم إن شاء ذلك ولم ترق له.
وجدير بالذّكر أنّنا نجد من بين رواد التقريب من كان جريئا في تعامله لمسألة فتاوى الفقهاء فانتقد مرجعيتهم كما هو حال من دعا إلى الإفتاء الجماعي أو نبّه تصريحا وتلميحا إلى ضرورة «تغيير الأحكام الفقهيّة بأحكام قانونيّة» وهو عنوان مقال لمحمد حسين آل كاشف الغطاء، عرضه وقدّم له في «مجلّة التقريب» (4) محمّد السّاعدي، وتناول فيه «مجلة الأحكام العدلية» التي تبنتها الدولة العثمانية سنة 1869 وصدرت سنة 1876. وهذا المشروع القديم المتجدد يدفعنا إلى التفكير بصفة جدية في تعويض فتاوى الفقهاء باستشارات خبراء القانون، وتبديل «مؤسسات الإفتاء» بمؤسسات قانونية مدنية تكتفي بإرشاد المواطن وتوجيهه دون إلزامه بما لا لزوم له.
والطريف أنّ هذه الفتاوى التي اشتغلنا عليها كانت مجالا خصبا للتعرّف على خصوصيات مختلف المنظومات الإسلامية الفرعية (5) فيما يتعلّق بالإفتاء وقضاياه، فكانت بحق فضاء للتعارف والتعرّف، والمقارنة بين مختلف الأدبيات، ولقد لاحظنا أنّ الفتاوى السنية (6) كانت طويلة تمتدّ على عدّة صفحات وتنزع على التفصيل وتقف عند التعريفات، وهذا ما حوّل الفتوى التي اشترط منظروها (7) القصر والاختصار، على
__________
(1) ـ هذا مذهب الشافعي والشيرازي والخطيب البغدادي (راجع، المالكي ص37)
(2) ـ وهذا ما ذهب إليه ابن السمعاني والشاطبي
(3) ـ التبعيض اصطلاح شيعي إثني عشري يطابق «التلفيق» في المنظومة السنية وهو أن تأخذ الحكام الشرعية من أطراف مختلفة دو التقيّد بطرف واحد
(4) ـ مجلة رسالة التقريب، عدد،43 - 35، خريف 1423 هـ، 2002، (ركن حصاد التقريب)
(5) ـ لمزيد الاطلاع على مواقف مختلق المذاهب الإسلامية من «الإفتاء» يمكن العودة إلى حسن محمد الملاح في كتابه «الفتوى: نشأتها وتطورها» إذ خصص أربعة مباحث تخص على التوالي: الإباضية والزيدية والإمامية والإسماعيلية ومنهجها في الفتوى (ص200 - 271)
(6) ـ يتجلّى ذلك خاصة في فتاوى القرضاوي وعلي جمعة والطنطاوي
(7) ـ يذهب ابن الصلاح: «يحسن بالمفتي الاختصار الذي لا يخلّ بالبيان المشترط عليه دون ما يخلّ به» (م، س، ص141 - 142) (1/176)
صفحة 152
دراسة حول المفتي والإفتاء توظف الشواهد النصية والتاريخية وتبوب المباحث وكأنّها تطوّرت من «إجابة» عن سؤال مخصوص إلى تنظير. وعلى النقيض من ذلك كان ردود علماء الشيعة مختصرة جدا مع الإثني عشرية والزيدية ومعتمة غامضة مع الإسماعيلية، بينما حاولت المدرسة الإباضية كما تجلت في فتوى الخليلي المراوحة بين الطول والقصر وانتهز فرصة الإجابة عن السؤال المطروح للتعريف ببعض آراء المذهب. ولقد دفعتنا هذه المقارنات على بساطتها إلى التفكير في واقع «الفتاوى المقارنة» وهو مجال مازال ضعيف الأثر على الأفراد والمؤسسات ولا يستهوي الباحثين.
لا ندّعي في هذا العمل الإلمام بكلّ مشاغل الإفتاء في علاقته بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، ولكنّنا حاولنا فحسب أن نباشر الموضوع من منظور مخصوص بعيدا عن المجاملات، ولا نبالغ إذا أكدنا أنّ تجاوز أزمة الإفتاء المعاصرة تكمن أساسا في إعادة الاعتبار للإنسان وتحريره من وصاية الأوصياء وتدريبه على أخذ القرارات واستفتاء القلب حينما توصد دونه الأبواب.
المصادر والمراجع
- الزحيلي (محمد)،القضاء في الإسلام، دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، 1998 (سلسلة: دراسات إسلامية).
* الزحيلي (وهبة مصطفى)، مسيرة التقريب بين المذاهب الإسلامية في بلاد الشام، المؤتمر العالمي الثامن عشر للوحدة الإسلامية: «استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية»، 15 - 17 ربيع الأول 1426، المجمع العالمي، ط12006، إعداد محمد حسن تبرائيان، ص455 - 466
* ابن الصلاح (تقي الدين عثمان بن عبد الرحمان)، آداب المفتي والمستفتي، عالم الكتب، بيروت، تحقيق: موفق عبد القادر
* ابن مبارك (علي)، علم التفسير من خلال كتاب «البرهان في علوم القرآن» لبدر الدين الزركشي، ماجستير في اللغة والآداب العربية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس،2005 - 2006، إشراف توفيق بن عامر (1/177)
صفحة 153
* أبو غدة (عبد الستار)، مؤهلات الإفتاء: الشروط والآداب رسالة التقريب، عدد 57، ص189 - 206
* الحنبلي (أحمد بن حمدان الحراني)، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، 1984، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني.
* الزهري (خالد)، شرط الحياة في المجتهد بين أهل السنة والشيعة الجعفرية، التقريب بين المذاهب الإسلامية، أبحاث الندوة الثانية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالرباط، من 27 إلى 29 أغسطس 1996،منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، إيسيسكو، 1997، ص51 - 73.
* السلامي (محمد المختار)، مؤهلات الإفتاء وشروطه وآدابه، رسالة التقريب، عدد 57،ص 98 - 112.
* القضاة (محمد)، الولاية العامة للمرأة في الفقه الإسلامي، دار النفائس للنشر والتوزيع، 1997.
* القطعاني (أحمد)، خصائص السيرة النبوية الشريفة، المؤتمر الدولي العشرون للوحدة الإسلامية «خصائص السيرة النبوية الشريفة»،ربيع الأول 1428 هـ ق، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، 1428، 2007 م، ص 281 - 392.
* المالكي (محمد بن علي بن حسين المكي)، ضوابط الفتوى: من يجوز له أن يفتي ومن لا يجوز له أن يفتي، دار الفرقان، باكوس، سوريا، 1997.
* المبلغي (أحمد)، بحث فقهي تحليلي حول شرائط المفتي، رسالة التقريب، عدد 57،155 - 188.
* زريق (برهان)، نصر حامد أبو زيد بين التفكير و التكفير مسألة حصانة الإنسان في الإسلام، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، 1997.
* شعبان (سفيان)، الإفتاء المعاصر والوعي بالحداثة، شهادة دراسات معمّقة، 2999 - 2000، كلية الآداب بمنوبة، إشراف منصف بن عبد الجليل.
* شلتوت (محمود)، فتوى، مجلة «مجلّة الإسلام» السنة 11، العدد 43، محرم 1379 هـ، يوليو 1959م. (1/178)
صفحة 154
* فضل الله (محمد حسين)، فقه القضاء، دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2004.
* مطر (فؤاد)، ألف فتوى .. وفتوى! مسملون في مهب فوضى الفتاوى، الدار العربية للعلوم ناشرون، دار الناشر العربي الدولي، بيروت، 2009.
* نجف (محمد مهدي)، مؤهلات الإفتاء وشروطه في الشريعة الإسلامية مجلة «رسالة التقريب»، عدد 57، رمضان وشوال، 1428 هـ، 2006 م، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية (معاونية شؤون الإعلام والنشر)، (ملف: مؤهلات الإفتاء)، ص 113 - 154.
* Ducrot Oswald, Dire et ne pas dire: principes de sémantique linguistique, Hermann, 1972
*Goffman Erving, La Mise en scène de la vie quotidienne 1: La Présentation de soi, trad. de l'anglais par Alain Accardo, Ed. de Minuit, 1979 (1973 The Presentation of self in everyday life
- - - (1/179)
صفحة 155
حكم التعامل بالأسهم
في شركات المساهمة
ـ دراسة فقهية معاصرة ـ
أ: أحمد بن صالح الشيخ أحمد
باحث ماجستير ــــ سلطنة عُمان
hmidachikh766@yahoo.com
م
مقدمة:
مع ازدهار التجارة وتطوُّرها، وتنوُّع طرق المعاملات وتشعُّبها، ظهرت صورٌ جديدةٌ لمعاملات الناس، تحقِّق أرباحًا طائلةً في مدَّة وجيزة، ويتمثَّل ذلك في الشركات الحديثة، ومن بينها شركات المساهمة أو شركات الأسهم. وتُعدُّ شركة المساهمة من أهم الشركات التجاريَّة القانونيَّة المعاصرة، وهي من شركات العقود والأموال، وتسمى «بالشركة المغفلة» (1). ونشاط هذه الشركات قد يكون مشروعًا مباحًا، وقد يكون محرًّمًا، وهذان النوعان لا خلاف بين العلماء في حكمها، وقد تكون أنشطة الشركة المساهمة في الأصل مباحةً، ولكنَّها تتعامل في بعضها بمعاملات غير مشروعة، كإيداع أموالها في البنوك بفوائد، أو اقتراضها منها مقابل فائدة تدفعها، وهذه تسمى «شركات مختلطة»، وهو حال معظم شركات المساهمة الآن. وقد اختلف العلماءُ في حكم إنشائها والتعامل معها. ومدارُ البحث سيكون على هذه «الشركات المختلطة».
__________
(1) - د. عبدالعزيزالخياط: الشركاتفيالشريعةالإسلاميةوالقانونالوضعي، ط4،1414هـ- 1994م، مؤسسةالرسالة، بيروت،2/ 13،14،71،84.أ. د. فوزيعطوي: الشركاتالتجاريةفيالقوانينالوضعيةوالشريعةالإسلامية، ط1،2005م، منشوراتالحلبيالحقوقية، بيروت- لبنان، ص71،109.أ. د. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، ط4 معدلة، 1418هـ - 1997م، دار الفكر، دمشق،5/ 3970،3971. (1/180)
صفحة 156
المبحث الأول: تعريف الشركة المساهمة وعلاقتها بالشركات في الفقه الإسلامي:
المطلب الأول: تعريف شركة المساهمة:
عرفها المشرع اللبناني بما يلي: «الشركة المغفلة هي شركة عاريةٌ من العنوان، تؤلِّف بين عددٍ من الأشخاص يكتتبون بأسهم؛ أي بأسناد قابلة للتداول، ولا يكونون مسؤولين إلاَّ بقدر ما وضعوه من المال» (1).وسُمِّيت بالشركة «المغفلة» لإغفال الاعتبار الشخصيِّ فيها، فلا تُعَنْوَن باسم أحد الشركاء (2).وعرفها الخياط بقوله: «شركة المساهمة هي الشركة التي يكون رأسمالها مُقسَّما إلى أسهم متساوية قابلة للتداول، ولا يكون كلُّ شريك فيها مسؤولاً إلاَّ بمقدار حصَّته من رأس المال» (3).
المطلب الثاني: علاقة الشركة المساهمة بالشركات في الفقه الإسلامي:
إنَّ الشركات التي سنَّتها القوانين الوضعية ليست غريبة عن قواعد الشريعة الإسلاميَّة، وإنَّما هي منسجمة مع أنظمة الشركات في الفقه الإسلامي، ولكن متطوِّرة بحسب حاجات العصر (4).ويمكن إدراجها تحت نوع من أنواع الشركات في الفقه الإسلامي «كالعنان» و «المضاربة». فشركة المساهمة قيل: ينطبق عليها معنى شركة المضاربة، وقيل معنى شركة العنان، مع بعض أوصاف المضاربة والمفاوضة أيضًا.
فسواء أكانت شركة المساهمة مضاربة أو عنانًا فهي جائزة إجمالاً، أمَّا من حيث التفصيل فتنبني أحكامُها على معرفة أنواع الأوراق المالية التي تصدرها هذه الشركة، وعلى تحديد المشروع التجاري الذي تمارسه (5).
__________
(1) - المادة77منقانونالتجارة، نقلاعنعطوي: الشركات، ص112.
(2) - الخياط: الشركات،2/ 87. الفقهالإسلاميوأدلته،5/ 3975.
(3) - الشركات،2/ 86،87،نقلهمنالوجيزفيالقانونالتجاريلمصطفىكمالطه،1/ 259.
(4) - الفقه الإسلامي وأدلته،5/ 3976،3977.
(5) - انظر: الخياط: الشركات،2/ 208. عليالخفيف: الشركات، معهدالدراساتالعربية، القاهرة،1962،ص97. الفقه الإسلامي وأدلته،5/ 3975، 3977. (1/172)
صفحة 157
المبحث الثاني: الأسهم المالية التي تصدرها الشركة المساهمة (المغفلة) (1) وحكمها الشرعي:
تنصُّ المادة 103 المعدلة من القانون التجاري اللبناني على ما يلي: «تصدر الشركات المغفلة أسهما، ويمكنها أن تصدر سندات، كما يمكنها أن تصدر سندات قابلة للتحول إلى أسهم» (2).
المطلب الأول: تعريف الأسهم وأنواعها:
الفرع الأوَّل: تعريف السهم في اصطلاح فقهاء القانون التجاري: عرَّفه علماء القانون بأنه «هو عبارة عن الصك الذي يُعطى للمساهم في شركة المساهمة (أو الشركة المغفلة) لكي يمثل مقدار الحصة أو الحصص التي يشترك بها في رأس مال الشركة» (3).
الفرع الثاني: أنواع الأسهم: تتنوع الأسهم باعتبارات مختلفة إلى أنواع هي (4):
أ-الأسهم العينيَّة والأسهم النقدية: السهم العينيُّ: هو الذي يكتتب به المساهم ويدفع ثمنه عينًا، سواء أكان عقَّارًا أو منقولاً. السهم النقديُّ: هو الذي يدفع المساهم قيمته نقدًا.
ب-أسهم التمتُّع وأسهم رأس المال: سهم التمتُّع: هو السهم الذي تستهلكه الشركة، وتردُّ قيمته إلى المساهم قبل انقضاء الشركة، ويبقى مالكها شريكًا، له حقُّ الأرباح والتصويت في الجمعية العموميَّة.
سهم رأس المال: هو السهم الباقي في عداد الحصص غير المستهلكة، ولا يجوز لمالكها استرداد قيمته ما دامت الشركة قائمة.
__________
(1) - انظر: الخياط: الشركات،2/ 94ومابعدها. عطوي: الشركات، ص 135 وما بعدها. د. محمدعثمانشبير: المعاملاتالماليةالمعاصرةفيالفقهالإسلامي، ط1،1416هـ1996م، دارالنفائس، الأردن، ص 161 وما بعدها.
(2) - عطوي: الشركات، ص135،136.
(3) - نفسه، ص137. شبير: المعاملاتالماليةالمعاصرة، ص163.
(4) -د. محمدصبريهارون: أحكامالأسواقالمالية (الأسهموالسندات)،ط1،1419هـ - 1999م، دارالنفائس، الأردن، ص222ومابعدها. الخياط: الشركات2/ 220ومابعدها. عطوي: الشركات، ص143ومابعدها. شعبانمحمدإسلامالبرواري: برصةالأوراقالماليةمنمنظورإسلامي- دراسةتحليليةنقدية، ط1،1423هـ - 2002م، دارالفكرالمعاصر، بيروت، دارالفكر، دمشق، ص118. شبير: المعاملاتالماليةالمعاصرة، ص164ومابعدها. (1/173)
صفحة 158
ج-الأسهم العادية والأسهم الممتازة، وتسمى (أسهم الأفضلية أو الأولوية والأسهم ذات الأصوات المتعدِّدة).الأسهم العادية: إنَّ الأسهم التي تصدرها الشركة المغفلة هي من حيث المبدأ أسهما عادية، من حيث المساواة في قيمتها وفي الحقوق المقررة لها. الأسهم الممتازة: هي الأسهم التي تعطي لأصحابها حقوقا تتميز بها عن الأسهم العادية، تلجأ إليها الشركة عندما تنوي زيادة رأس مالها.
ويجوز للشركة أن تنشئ أسهما ذات أفضلية تمنح أصحابها حق الأولوية، إما في الربح وإما في استعادة رأس المال، فتسمى هذه الأسهم أسهم الأفضلية أو الأولوية.
وقد تصدر الشركة أسهما ممتازة ذات أصوات متعددة في بعض الأحوال، بحيث يُعطى حملة هذه الأسهم أكثر من صوت واحد للسهم الواحد عند التصويت في الجمعيات التي تعقدها الشركة.
د-الأسهم الاسميَّة، والأسهم لحاملها، والأسهم للأمر: السهم الاسمي: هو الذي يحمل اسم المساهم الذي يسجل باسمه. السهم لحامله: هي الذي لا يحمل اسما لمساهم محدد، وإنما يعتبر حامل السهم هو المالك له في نظر الشركة. السهم الإذني أو للآمر: وهو الذي يصدر لشخص محدد، ويتضمن عبارة (لإذن أو لأمر)، ويستطيع نقل ملكيته عن طريق التظهير دون الرجوع إلى الشركة، بأن يكتب على ظهر صك السهم تحويله إلى شخص آخر، فيصبح الثاني هو مالك السهم.
المطلب الثاني: آراء العلماء في حكم التعامل بالأسهم ومناقشتها (1)
الفرع الأول: آراء العلماء في الأسهم عامَّة
للعلماء في حكمها العام قسمان:
- قسم أباحها مطلقا ولم يتعرض لتفصيل أنواعها، ومنهم: الشيخ محمود شلتوت، والشيخ علي الخفيف، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ عبد الوهاب خلاف. قال الزحيلي: «وإصدار الأسهم أمر جائز شرعا» (2).
__________
(1) - الخياط: الشركات،2/ 185ومابعدها.
(2) - الفقهالإسلامي وأدلته،5/ 3975. (1/174)
صفحة 159
قال الخياط: «وكل من العلماء الذين أجازوا شركات المساهمة بقيد أو بغير قيد، أجازوا إصدار الأسهم والتعامل بها، واعتبروا التعامل بها حلالا لا شبهة فيه» (1).
- وقسم حرم التعامل بها، ومنهم: الشيخ تقي الدين النبهاني، حيث قال: « ... وبذلك صارت هذه الأوراق المالية التي هي الأسهم مالا حراما، لا يجوز بيعها ولا شراؤها ولا التعامل بها» (2).
مناقشة الآراء:
ناقش الخياط هذه الآراء فقال في شأن القسم الأول: «أما المبيح فقد أطلق القول في الأسهم ولم يفصل الرأي في أنواعها، وهذا الإطلاق في الإباحة لا يصح؛ لأن الأسهم يختلف بعضها عن بعض، ولابد من عرض لها ومن بحث في كل نوع منها ثم معرفة الحكم الشرعي في كل نوع منها، فإن من الأسهم ما يدخله الربا أو الغرر أو الإضرار بالشركاء ... » (3).وقال في شأن القسم الثاني: «وأما المحرم لأسهم الشركات فهو يبني رأيه على أن شركة المساهمة في أصلها باطلة كما بينا ذلك، وما يصدر عن الباطل فهم باطل، إلا أن هذا الرأي لا يقوم على دراسة وتمحيص لواقع الأسهم، فإن من الأسهم ما يكون فيه حرمة كبعض أسهم الامتياز، ومنها ما لا يكون كذلك كالسهم العادي ... ثم إن دعواهم بأن الشرع نهى عن معاملة شركات المساهمة مطلقا دعوى غير مسلمة، فهو لم ينه إلا عما كان تعاملا بالربا أو فيه غرر أو جهالة مُفضِية إلى نزاع أو غبن أو خديعة للشركاء، وهذه حالات متفق على تحريمها في شركات المساهمة في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي» (4).
هذه آراء العلماء في الأسهم إجمالا، ولكن عند التفصيل نجد أن الحكم الشرعي يختلف بحسب نوعها.
__________
(1) - الشركات،2/ 186.
(2) -النبهاني، محمدتقيالدين: النظامالاقتصاديفيالإسلام، ط1964، بيروت، ودارالأمةللطباعةوالنشر، ط4،بيروت، ص174. انظر: د. محمودالخالدي: اقتصادنامفاهيمإسلاميةمستنيرة، ط1،1426هـ - 2005م، عالمالكتبالحديث، الأردن، ص375.
(3) - الشركات،2/ 188.
(4) - نفسه،2/ 188،189. (1/175)
صفحة 160
الفرع الثاني: الحكم الشرعي لكل قسم (1):
أولا: الأسهم المتفق على جوازها، وهي:
الأسهم النقدية، والأسهم لأمر، والأسهم الاسمية، والأسهم العادية، وأسهم رأس المال (2).
ثانيا: الأسهم المختلف في حكمها، وهي:
- الأسهم العينية: اختلف فيها حكمها، فقيل بجوازها، وقيل بحرمتها، وقيل الراجح هو الجواز، تيسيرا على المسلمين في معاملاتهم، ولا دليل على منعها (3).
- الأسهم لحاملها: هذا النوع من الأسهم لا يصح إصدارها شرعا، لجهالة المشترك، ولأن ذلك يفضي إلى النزاع والخصومة، وعلى هذا تعتبر الأسهم لحامله في أية شركة باطلة. هذا هو القول المشهور في حكم هذا النوع. وقيل بجوازها، وبه صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي ما نصه: «بما أن المبيع في (السهم لحامله) هو حصة شائعة في موجودات الشركة، وأن شهادة السهم هي وثيقة لإثبات هذا الاستحقاق في الحصة، فلا ما نع شرعا من إصدار أسهم في الشركة بهذه الطريقة وتداولها» (4).
ثالثا: ما يختلف حكمه باختلاف نوعيته أو قيمته، وهي:
- الأسهم الممتازة: يختلف حكمها باختلاف نوعية الامتياز فيها (5).
- أسهم التمتع: يختلف حكمها بحسب قيمتها الحقيقية والاسمية، فمنها ما هو جائز، ومنها ما هو غير جائز (6).
__________
(1) - نفسه،2/ 220ومابعدها. شعبان: برصةالأوراقالمالية، ص118. هارون: أحكامالأسواقالمالية، ص222ومابعدها. شبير: المعاملاتالمالية، ص164ومابعدها.
(2) - أحكام الأسواق المالية، ص223 - 232.برصة الأوراق المالية، ص118.
(3) - القولبالجوازهواختيار: هارون: أحكامالأسواقالمالية، ص223. وشعبان: برصةالأوراقالمالية، ص118.
(4) - مجمع الفقه الإسلامي، الدورة 7،1412هـ -1992م، مجلة المجمع، ع7،1/ 711،712. انظر: أحكام الأسواق المالية، ص225، شبير: المعاملات المالية المعاصرة، ص 165،174.
(5) - انظرتفصيلذلك: الخياط: الشركات،2/ 222 - 224. أحكامالأسواقالمالية، ص229،230. برصةالأوراقالمالية، ص118.
(6) - انظرتفصيلذلك: الخياط: الشركات،2/ 225 - 227. أحكامالأسواق المالية، ص233،234. (1/176)
صفحة 161
بعد أن بيَّنا حكم التعامل بالأسهم، نذكر الآن أقسام الشركات باعتبار نوع نشاطها التجاري.
المبحث الثالث: تقسيمُ الشركات باعتبار نوعِ نشاطها التجاري وحكمُها الشرعي (1)
المطلب الأول: أقسامها بحسب نوع نشاطها التجاري
تنقسم هذه الشركات باعتبار نوع نشاطها التجاري إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شركات أصل نشاطها مباح، وتتعامل في دائرة الحلال، وتسمى: (شركات نقية أو مباحة). فهذه يجوز التعامل بأسهمها بلا خلاف.
القسم الثاني: شركات أصل نشاطها محرم، وهي التي أُنشئت أصلاً للمتاجرة في المحرمات أو للعقود المحرمة، مثل شركات صنع الخمور أو بيعها، والمصارف الربويّة، وتسمى: (شركات محرمة أو غير مشروعة). فهذه لا يجوز لا يجوز المساهمة فيها، ولا الاكتتاب فيها.
القسم الثالث: ما كان عملها في الأصل مباحا، ولكنها تتعامل في بعض أنشطتها بالحرام، كأن تودع بفوائد، أو تقترض و تقرض بفوائد، أو تستثمر أموالها بمعاملات محرمة، وهذا هو حال معظم الشركات المساهمة الآن، وهذه الشركاتتتفاوت فيما بينها ما بين مقل ومكثر في تعاملها بالمحرم. وتسمى: (شركات مختلطة). وهي محل خلاف بين العلماء.
منشأ اختلاف العلماء في حكم الشركات المختلطة:
اختلف العلماء الذين تناولوا بحث شركات الأموال والأوراق التي تصدرها هذه الشركات بناء على اختلافهم فيما يجوز من الربا وما لا يجوز، فكانوا ثلاثة فرق:
1 - فريق فصل بين ربا محرم كربا النسيئة وبين ربا غير محرم كربا الفضل.
2 - وفريق حرم الربا، ولكنه أباحه للاضطرار والحاجة.
3 - وفريق حرم قليله وكثيره، سواء أكان ربا نسيئة أو ربا فضل، ولم يبحه لضرورة أو حاجة. وبنُوا على ذلك حكمهم على الشركات وأوراقها المالية (2).
__________
(1) - برصةالوراقالمالية، ص113. انظر: القرهداغي: الأسواقالماليةفيميزانالفقهالإسلامي، مجلةمجمعالفقهالإسلامي، دورة7،1/ 95.
(2) - الخياط: الشركات،2/ 153. (1/177)
صفحة 162
المطلب الثاني: أحكام التعامل مع شركات المساهمة المختلطة
اختلف العلماء في حكم التعامل مع هذه الشركات إلى ثلاثة أقوال:
الفرع الأول: القول بحرمة شركات المساهمة المختلطة: يرى أصحاب هذا القول بحرمة شركة المساهمة، وحرمة التعامل بأسهمها ما لم تقم على الحلال المحض (1)، وهو قول جمهور العلماء منهم: الشيخ ابن باز (2) , والشيخ ابن عثيمين (3) , والشيخ عبد الله بن بيه (4) , والشيخ الصديق الضرير (5) , والشيخ الخليلي (6)، وعلي السالوس (7)، وتقي الدين النبهاني (8)، وماجد الكندي (9)، وغيرهم (10)، وصدر به قرار من مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (11) , و مجمعالفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (12) , واللجنة
__________
(1) - شبير: المعاملاتالماليةالمعاصرة، ص167. برصةالأوراقالمالية، ص113.د. حنانعبدالرحمنأبومخ: زكاةالشركاتفيالفقهالإسلامي، ط1،1428هـ2007م، دارالمأمونللنشروالتوزيع، عمانالأردن، ص92.أحكامالأسواقالمالية، ص218. مجلةمجمعالفقهالإسلامي، عدد7،1/ 691 - 707.
(2) - فتاوىللجنةالدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 14/ 353 - 354.
(3) - مجموعفتاوىورسائلالشيخمحمدبنصالحالعثيمين , جمعوترتيبفهدبنناصرالسليمان18/ 195196.
(4) - الشيخعبداللهبنمحفوظبنبية: توضيحأوجهاختلافالأقوالفيمسائلمنمعاملاتالأموال، ط1،1418هـ - 1998م، المكتبةالمكية، مكةالمكرمة، دارابنحزم، بيروت، ص58, ومجلةمجمعالفقهالإسلامي , الدورة7،1/ 416 - 417.
(5) - فتاوىندواتالبركةص127.
(6) - أحمد بن حمد الخليلي: فتاوى المعاملات، الكتاب الثالث، ط: 1434هـ/2013م، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ص 238 وما بعدها.
(7) - مجلةالمجمعالفقهي، العددالسابع،1/ 705.
(8) - النبهاني: النظامالاقتصاديفيالإسلام، ص161.
(9) - د. ماجد بن محمد بن سالم الكندي: الوجيز في المعاملات المالية عند الإباضية، ط1، 1434هـ/2013م، د. م. ط، ص 374، 376، 396.
(10) - انظر: مجلةمجمعالفقهالإسلامي، عدد7،1/ 691 - 707. وشعبان: برصة الأوراق المالية، ص 113.
(11) - قراراتالمجمعالفقهيالإسلاميالتابعلرابطةالعالمالإسلامي , الدورةالرابعةعشر، سنة 1415هـ - 1995م، ص31.
(12) - قرارات وتوصيات مجمعالفقهي الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي، الدورة السابعة، 1412هـ - 1992م، ص135، 136. ومجلة المجمع، عدد 7، 1/ 73. (1/178)
صفحة 163
الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية (1) , وهيئة الفتوى والرقابة الشرعية لبيت التموين الكويتي (2) , والهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي, وهيئة الرقابة الشرعية بالبنك الإسلامي السوداني (3).
وقد ذكر قرار مجمع الفقه الإسلامي علة التحريم، حيث جاء فيه: « .. والتحريم في ذلك واضح لعمومالأدلة من الكتاب والسنّة في تحريم الربا، ولأن شراء أسهم الشركات التي تتعاملبالربا مع علم المشتري بذلك، يعني اشتراك المشتري نفسه في التعامل بالربا؛ لأنالسهم يمثل جزءاً شائعاً من رأس مال الشركة، والمساهم يملك حصة شائعة في موجوداتالشركة، فكل مال تقرضه الشركة بفائدة، أو تقترضه بفائدة فللمساهم نصيب منه؛ لأنالذين يباشرون الإقراض والاقتراض بالفائدة يقومون بهذا العمل نيابة عنه وبتوكيلمنه، والتوكيل بعمل المحرم لا يجوز» (4).
أدلة أصحاب هذا القول:
قالوا: إن هذه الأسهم ما دام قد دخل فيها الحرام فإنها تصبح محرمة. واستدلوا بعموم أدلة تحريم الربا من القرآن والسنة، والنصوص الدالة على وجوب الابتعاد عن الحرام والشبهات، «فمن اتَّقى الشُّبُهات فقد استبرأ لدينِه وعِرضِه، ومن وَقَع في الشُّبُهاتِ وقع في الحرام» (5).كما استدلوا بالقواعد الفقهية الدالة على ذلك، منها: (إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام)، أو (إذا اجتمع حظر وإباحة غلب جانب الحظر) (6).
__________
(1) - فتاوىللجنةالدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 14/ 353 - 354.
(2) - الفتاوىلشرعيةفيالمسائلالاقتصادية، من إصدارات بيت التمويل الكوتي، ص505.
(3) - انظر: د. يوسفالشبيلي: الخدماتالاستثماريةفيالمصارفوأحكامهافيالفقهالإسلامي،2/ 256.
(4) - قرارات المجمعالفقهيالإسلاميالتابعلرابطةالعالمالإسلامي , الدورة14، المنعقدة بمكة المكرمة، سنة 1415هـ - 1995م.
(5) - أخرجهالبخاري، كتابالإيمان، بابفضلمناستبرألدينه، حديثر52،1/ 28. ومسلم، كتابالبيوع، بابأخذالحلالوتركالشبهات، حديثر1599. انظر: صحيحمسلمبشرحالنووي،6/ 27.
(6) - علي أحمد الندوي: القواعدالفقهية، مفهومها، نشأتها، تطورها ... ،ط8،1430هـ2009م، دارالقلم، دمشق، ص223،242،250. وانظر: توضيحأوجهاختلافالأقوالفيمسائلمنمعاملاتالأموال، ص71. وبرصةالأوراق، ص113. (1/179)
صفحة 164
قال الخياط: بعد مناقشة آراء وحجج المبيحين: «ومن ذلك يظهر لنا أن ما استند إليه المبيحون للشركات بما فيها من ربا سواء أكان ذلك مطلقا أو مقيدا بالضرورة لا وجه له، وأن التعامل الربوي في الشركات حرام مطلقا» (1).وقال: «والذي أطمئن إليه هو أن الربا لا يجوز بحال من الأحوال» (2).
الفرع الثاني: القول بجواز شركات المساهمة المختلطة (3). وذهب إلى هذا الرأي كثير من الفقهاء المعاصرين، منهم: محمود شلتوت (4)، وعلي الخفيف (5)، وعبد العزيز الخياط (6)، ومحمد عثمان شبير (7)، ووهبة الزحيلي (8)، ومصطفى الزرقا (9)، وغيرهم (10).
أدلة أصحاب هذا القول:
1 - اختلاط جزء محرم بمال حلال لا يجعل مجموع المال حراما، مع التفرقة ما هو حرام لذاته كالخمر، فهذا لا يجوز التعامل به مطلقا، وما هو حرام لغيره (بالكسب)، كالمال المأخوذ غصبا، فهذا المال إذا اختلط بغيره من الحلال لم يحرمه.
قال شعبان: «وعلى ضوء هذا المبدأ الذي يجيز التعامل مع من كان في ماله حرام ولكن غالبه حلال، أجازوا التعامل بأسهم هذه الشركات، مع أنها تتعامل مع بنوك ربوية مثلا» (11).
__________
(1) - الشركات،2/ 174.
(2) - نفسه،2/ 205.
(3) - شبير: المعاملاتالماليةالمعاصرة، ص167.أحكامالأسواقالمالية، ص217.
(4) - الإماممحمودشلتوت: الفتاوى، دراسةلمشكلاتالمسلمالمعاصرفيحياتهاليوميةالعامة، ط16،1411هـ - 1991م، دارالشروقومطابعالشروق، القاهرةوبيروت، ص355.
(5) - الخفيف: الشركات، ص96،97.
(6) - الخياط: الشركات،2/ 159
(7) - شبير: المعاملاتالماليةالمعاصرة، ص167.
(8) - الزحيلي: المعاملاتالماليةالمعاصرة، ص129ومابعدها، وص415.
(9) - الفتاوى، ص636.
(10) - انظر: د. محمديوسفموسى: الإسلامومشكلاتناالحاضرة، المكتبالفني، القاهرة،1958،ص58. أحكامالأسواقالمالية، ص217، 218. صالحالمرزوقيالبقمي: شركةالمساهمةفيالنظامالسعودي، مطابعالصفا،1406هـ، السعودية، ص345.
(11) - برصةالأوراقالمالية، ص114. (1/180)
صفحة 165
2 - قاعدة: «يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا» (1). إذا كانت نسبة الحرام في الشركة بسيطة فهي تبع وليست أصلا مقصودا بالتملك والتصرف، ما دامت أغراض الشركة مباحة، وكذلك إيداع بعض سيولتها في البنوك أو الاقتراض منها هو عمل تبعي لا يجعل بقية تصرفات الشركة محرمة، ويأثم فاعل ذلك (يعني إدارة الشركة) (2).
3 - قاعدة: «للأكثر حكم الكل» (3). يقول الكاساني: «كلُّ شيء أفسده الحرامُ، والغالبُ عليه الحلالُ فلا بأس ببيعه» (4). وقال العز بن عبد السلام: «وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة» (5).
4 - قاعدة: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة» (6)، وقاعدة: «عموم البلوى ورفع الحرج عن الناس» (7). قال ابن تيمية: «إن الشراء ممن في ماله شبهة لا كراهة فيه إذا وجدت الحاجة إليه» (8).
5 - أن الاضطرار يبيح التعامل بالربا (9)، استنادا إلى القاعدة الفقهية: «الضرورات تبيح المحظورات» (10).
فيجوز التعامل بأسهم هذه الشركات سدًّا للحاجة الضرورية لعامَّة المسلمين؛ لأنَّ امتناع المسلمين عن شراء هذه الأسهم يؤدِّي إلى توقف المشروعات الحيويَّة للمجتمع (11).
__________
(1) - عليحيدر: دررالحُكّامشرحمجلةالأحكام، تعريب: المحاميفهميالحسيني، دارعالمالكتب، السعودية،1423هـ - 2003م، شرحالمادة54،1/ 56. مترجمةمنالتركيةبلفظ: «قديجوزتبعامالايجوزابتداء».
(2) - انظر: الأسواقالماليةفيميزانالفقه، مجمعالفقهالإسلامي، دورة7،1/ 106.
(3) - الندوي: القواعد الفقهية، ص 32، 380.
(4) - علاء الدين أبو بكر الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط2، 1402هـ - 1982م، دار الكتاب العربي، بيروت،6/ 144.
(5) - السلمي، عزالدينعبدالعزيزبنعبدالسلام: قواعدالأحكامفيمصالحالأنام، مؤسسةالريان، بيروت، ط2،1410هـ،1990م،2/ 72،73.
(6) - دررالحكامشرحمجلةالأحكام، المادة32،1/ 42. الزرقا: شرحالقواعدالفقهية، المادة32،ص209. الندوي: القواعدالفقهية، ص143،233.
(7) - انظر: شبير، المعاملات المالية، ص 171.
(8) - مجموعالفتاوى،29/ 341.
(9) - الخياط: الشركات،2/ 160. زكاةالشركات، ص93ومابعدها.
(10) - الندوي: القواعدالفقهية، ص102.
(11) - الأسواقالماليةفيميزانالفقهالإسلامي، مجمعالفقهالإسلامي، دورة7،1/ 107.وشبير: المعاملاتالماليةالمعاصرة، ص171. (1/181)
صفحة 166
6 - جواز التعامل بهذه الأسهم كجواز التعامل مع غير المسلم، مع العلم أن أصوله المالية ليست كلها حلالا، ولا تؤمن تعاملاته من الربا (1).
الفرع الثالث: تقييد جواز شركات المساهمة المختلطة بضوابط.
قيد بعض العلماء جواز التعامل معها بضوابط شرعية (2):
واختار هذا القول كل من الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية (3) , والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني (4) , وأكثر المشاركين في ندوة البركة السادسة (5) , وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (6) , وعدد من العلماء المعاصرين؛ كالشيخ عبد الله بن منيع (7) , والشيخ القرضاوي (8) , ومصطفى الزرقا، وعلي القره داغي، ومحمد تقي الدين العثماني وغيرهم (9).
وتتمثل هذه الضوابط فيما يلي:
ضوابط التعامل بأسهم الشركات المختلطة (10):
1 - أن جواز التعامل بهذه الأسهم مقيد بالشركات الحيوية التي تؤدي خدمات عامة للناس، وأن انهيارها يوقع الناس في حرج ومشقة (11).
__________
(1) - برصةالأوراقالمالية، ص114،117.
(2) - نفسه، ص114.زكاةالشركات، ص92.
(3) - قراراتالهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية،1/ 241. انظر: شبير: المعاملات المالية، ص 170 وما بعدها.
(4) - الخدماتالاستثماريةفيالمصارف،2/ 239, نقلاًعنالفتاوىلشرعيةللبنكالإسلاميالأردنيالفتوىرقم1.
(5) - فتاوىندواتالبركة،1403 - 1417هـ، ص127.
(6) - المعاييرالشرعية , وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلاميةص385.
(7) - بحوثفيالاقتصادالإسلامي , للشيخعبد الله بن سليمان بن منيعص239.
(8) - انظر: د. مباركآلسليمان: الاكتتابوالمتاجرةبالأسهممعبيانحكمتداولأسهمالشركاتالمشتملةعلىنقودأوديون، ص15.
(9) - مجلةمجمعالفقهالإسلامي، عدد7،1/ 109.الاستثمارفيالأسهم , بحثمقدملمجمعالفقهالإسلاميفيدورتهالتاسعة.
(10) - برصةالأوراقالمالية، ص116،117.شبير: المعاملاتالمالية، ص169ومابعدها.
(11) - نفسه، ص170،171. (1/182)
صفحة 167
2 - أن يكون الهدف من شراء أسهم هذه الشركات هو التغيير نحو الحلال المحض، ويأثم من وجد مجالا للتغيير ولم يسع إليه، وخاصة المسؤولين وأعضاء الإدارة (1).
3 - لا يجوز للمساهم الانتفاع بالمال الحرام الذي دخل في عوائد الشركة، بل يجب التخلص منه بإعطائه للفقراء والمحتاجين (2)، وإن تعذرت معرفته اجتهد في تقديره.
4 - أن يكون النشاط الأساسي والجوهري للشركة حلالا (3)، وأن تكون قد أسست على قواعد الشرع، كالتزامها بعدم التعامل بالمحرمات كالربا إقراضا واقتراضا.
قال الخياط: «وعلى هذا فإن المعاملات الربوية التي تكون في الشركات ينبغي –في رأيي- استبعادها ومنعها، وهو أول ما أقول به وأقرره بالنسبة لشركات الأموال وشركة المساهمة» (4).وقالت الدكتورة حنان: «أرى رجحان القول بجواز شركة المساهمة شرعا، إلا أنها بحاجة إلى قيود معينة كعدم التعامل بالربا أو بيع المحرمات كالخمور» (5)، وبهذا قال الدكتور محمد هارون (6).
الفرع الرابع: رأي الباحث في شركات المساهمة:
يرى الباحث جواز شركات المساهمة شرعا، بشرط ألا يدخل في معاملاتها الحرام، وأن تتقيد بضوابط معينة كعدم تعاملها بالربا أو بيع المحرمات كالخمور، وإن أبيح المحظور للضرورة فإن إباحته لا تعني الإباحة المطلقة، ولا تتعدى تلك الضرورة؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. هذا فيما يخص شركات المساهمة عموما.
أما شركات المساهمة المختلطة ـ التي دخل في بعض معاملاتها الحرام ـ فالباحث يرى عدم جوازها ولو كان مقدار الحرام فيها قليلا، والله أعلم.
__________
(1) - الأسواقالماليةفيميزانالفقه، مجلةمجمعالفقهالإسلامي، عدد7،1/ 109.
(2) - نفسه،1/ 109،110. شبير: المعاملاتالمالية، ص171.
(3) - انظر: العثماني، تعقيبعلىبحثالقرهداغي: الأسواقالمالية، مجلةمجمعالفقه، عدد7،1/ 702.
(4) - الشركات،2/ 206.
(5) - زكاةالشركات، ص98.
(6) - أحكامالأسواقالمالية، ص220. (1/183)
صفحة 168
خاتمة البحث
تتلخَّص نتائج البحث فيما يلي:
1 - «شركةُ المساهمة هي الشركة التي يكون رأسمالها مقسَّما إلى أسهم متساوية قابلة للتداول، ولا يكون كلُّ شريكٍ فيها مسؤولاً إلاَّ بمقدار حصَّته من رأس المال».
2 - تنبني أحكامُ شركة المساهمة على معرفة أنواع الأوراق الماليَّة التي تصدرها هذه الشركة، وعلى تحديد المشروع التجاريِّ الذي تمارسه.
3 - تُصدر شركة المساهمة أوراقًا مالية تتداولها في أسواقها المالية، وأهم هذه الأوراق هي: الأسهم
4 - اختلف العلماءُ في حكم التعامل بالأسهم إلى فريقين: فريقٌ أحلَّها، وفريقٌ حرَّمها، ولكن عند التفصيل نجد أنَّ حكمها يختلف بحسب كلِّ نوع منها.
5 - تنقسم هذه الشركات باعتبار نوع نشاطها التجاري إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوَّل: شركاتٌ معاملاتُها مُباحة لا تمارس الأنشطة المحرَّمة، فحكمها الجواز.
القسم الثَّاني: شركاتٌ معاملاتُها محرَّمة محظورة، فحكمها الحرمة.
القسم الثَّالث: ما كان عملها في الأصل مباحًا، ولكنها تتعامل في بعض عملياتها بالحرام، وتسمَّى «الشركات المختلطة»، وهذا هو حال معظم الشركات المساهمة الآن.
اختلف العلماء في حكم التعامل مع هذه الشركات إلى ثلاثة أقوال: حيث يرى الفريق الأوَّل بحرمتها، ويرى الفريق الثاني بجوازها، وقيَّد الفريق الثالث جوازها بضوابط معيَّنة.
وخلاصةُ القول: إنَّ الحكم الشرعيَّ لشركة المساهمة يكون تابعا لنوع النشاط الذي تمارسه الشركة، فإن كان نشاطُها في الحلال فحكمُها الجوازُ، وإن كان نشاطُها في الحرام فحكمُها الحرمة، أمَّا الشركاتُ المختلطة فحكمُها الحرمة ولو كان مقدارُ الحرام فيها قليلاً، وقد تُباح في حالات معيَّنة يقدِّرها العلماء. فينبغي لمن أن أراد المساهمة في أيِّ شركةٍ أن يتقصَّى أحوال الشركة حتى يطمئنَّ من نشاطها، وعليه أن يحتاط أيضًا حتَّى لا يقع في المحظور، وأن يبتعد عن الشُّبهات حتَّى لا يقع في الحرام، والله أعلم.
- - - (1/184)
صفحة 169
الدولة الدينيَّة والدولة المدنيَّة
إشكالية المصطلح، والتأريخ، والنص
أ: بدر بن سالم بن حمدان العبري
باحث وكاتب ــــ سلطنة عُمان
bader1981s@hotmail.com
ا
اشتدَّ الصراع في نهاية القرن التَّاسع عشر، وبداية القرن العشرين في الكتابات العربية والإسلامية حول الدولة الدّينية والدّولة المدنية، وهو متأخر نوعا ما عن الدّراسات الغربية في هذا المجال، والتي بدأت مبكرا، ومن هذه الدراسات النقدية للفكر الديني اليهودي مثلا كتاب: «رسالة في اللاهوت والسياسة» لـ «اسبنوزا» الهولندي (ت: 1677م) (1)، والتي تعود إلى القرن السابع عشر.
وأزمة الصراع في الكتابات العربية حول الدولة وأشكالها تعود ـ في نظري ـ إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
*- السبب الأول: أزمة المصطلحات.
*- السبب الثاني: أزمة التاريخ.
*- السبب الثالث: أزمة النّص.
السبب الأول: أزمة المصطلحات:
يعود الكثير من الجدل الوارد في الكتابات العربية حول المصطلح، فيزيد به فجوة الجدل والصراع القائم حوله، والمترتب عليه في حالة كونه هلاميا غير
__________
(1) -راجع مثلا: اسبينوزا: «اللاهوت والسياسة»، الفصل السادس عشر مقومات الدولة وحق الفرد الطبيعي وحق الحاكم، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ترجمة وتقديم، د. حسن حنفي. ص 367 وما بعدها. (1/185)
صفحة 170
محدد منطقيا حيث يمكن التفريق بين حده ورسمه، ومعرفة لوازمه الذّهنية وتصديقاته الخارجية.
ومن هذه المصطلحات مثلا «الحاكمية» و «العلمانية» و «الحداثة» و «اللبرالية» و «الأصولية» و «العقلانية»، عندما تكون مجرَّد ألقاب سلبية من قبل البعض تحت مظلة الاتهام أو التّصنيف السّلبي، أو تحت دائرة التّحزب الفكري أو السياسي أو الأدبي الذي يرتضيه بعضهم لأنفسهم كلقب حزبي في دائرة فكرية معينة، ولغياب التّحديد الواضح لهذه المصطلحات وأبعادها يظهر الخلل في التّطبيق، وما يدور حوله من حكم إيجابي أو سلبي.
ولكي تتَّضح الصورة بشكل أكبر للقارئ الكريم نأتي إلى مصطلحي «الدولة الدّينية»، و «الدولة المدنية»؛ فهي تدور وفق ألفاظ مفردة تدل على ماهية ذهنية معينة مرتبطة بالصّيرورة البشرية، والتّطور الزمني البشري، وهذه الألفاظ الثّلاثة: «الدولة»، و «الدين»، و «المدنيَّة».
أما «الدولة» كمصطلح مُعرَّف فنراه في معاجم اللغة في الجملة يدور حول شقين رئيسين: الأول: الغلبة، والثّاني: ما يتداول فيكون لهذا مرَّة ولذاك مرَّة (1).
لفظة دولة لم ترد في القرآن الكريم إلاَّ مرة واحدة في قوله تعالى في سورة الحشر (آية 7): (مَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ اَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةَم بَيْنَ الاَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
قرأ جميع قرَّاء الأمصار «دُولة» (بضمِّ الدَّال)، وحكي عن أبي عبد الرحمن الفتح فيها (2)، والدُّولة: الشيءُ المتداول يُدار بينهم، تارة عند هذا
__________
(1) - انظر مثلا: معجم الرائد في اللغة، مادة دول.
(2) -الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، ج23، ص279. (1/183)
صفحة 171
وتارة عند هذا (1). وقيل: هما بمعنى واحد ـ أي بالضم أو بالفتح ـ (2)، وقيل: بالضمِّ في المُلك، وبالفتح في النصر (3)، وعلى هذا يأتي بمعنى «دولة» للمَعنَيَين في اللغة المتقدم ذكرهما آنفا. والآية تميل غالبا إلى معنى التداول، ويدخل فيه ضمنا الغلبة كما يبدو، وهذا يعود إلى مفهوم اللفظ ومدى تصديق الخارج عليه كما عند المناطقة.
إلاَّ أنَّ إطلاق الدولة بالمفهوم الحديث لم يرد عند القدامى في اللغة ولا في الأدبيات العربية والإسلامية، فمصطلح الدولة لم يأخذ مفهومه السياسي المحدَّد في الأدبيات السياسية الإسلامية إلاَّ بعد مرور قرون عديدة على قيام المجتمع الإسلاميِّ الأوَّل، فقد استخدم علماء المسلمين الأوائل مصطلح: «دار الإسلام» أو «الأمصار» للإشارة إلى الأقاليم التابعة للسلطة الإسلامية. كما استخدموا مصطلحات «الخلافة» أو «الإمامة» أو «الولاية» للدلالة على الهيئات السياسيَّة المركزيَّة للأمة (4).
ومع هذا سنرى معاجم اللغة المعاصرة تدرج مصطلح الدولة بالمعنى الحديث، فجاء في المعجم الوسيط تعريف الدولة كالآتي: الدَّوْلَةُ جمع كبير من الأفراد، يَقْطن بصِفة دائمة إقليمًا معيَّنًا، ويتمتَّع بالشخصية المعنويَّة، وبنظام حكوميٍّ، وبالاستقلال السياسي (5)، وفي الرائد: بلد يخضع سكَّانه لنظام إداريٍّ سياسيٍّ اقتصاديٍّ خاصٍّ (6)، وفي معجم الغني في اللغة العربيَّة: نِظامُ البِلادِ وَجِهازُها الإِدارِيُّ والسِّياسِيُّ والاقْتِصادِيُّ والاجْتِماعِيُّ (7).
__________
(1) -اطفيَّش: امحمَّد بن يوسف، تيسير التفسير للقرآن الكريم، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1415هـ/ 1994م، 13/ 237.
(2) - المصدر نفسه، 13/ 237.
(3) - المصدر نفسه، 13/ 237 (بتصرف).
(4) - (صهيب) محمد أفقير: مقال: مفهوم الدولةبين الفقه السياسيِّ المعاصر والفقه السياسيِّ الإسلاميِّ، نشر موقع رابطة أدباء الشام، نقله الكاتب عن كتاب العقيدة والسياسة، ص117.
(5) - المعجم الوسيط: مادة دول.
(6) - معجم الرائد: مادة دول.
(7) - معجم الغني: مادة دول. (1/184)
صفحة 172
أما تعريف الدولة في كتب السياسة والقانون، فالدولة هي تجمُّع سياسيٌّ يؤسِّس كيانا ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد، ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة (1)، والعناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة والشعب والإقليم (2).
وعليه سيكون مصطلح الدولة يساوي مصطلح الإمارة أو الخلافة أو الولاية في العناصر الرئيسة، وهي: الحكومة والشعب والإقليم، وهذه أيضا عناصر الخلافة أو الإمارة، وهي عناصر الولاية، خاصة إذا كانت مستقلة بذاتها، فلا إشكالية في مصطلح الدولة، وهذا ما ارتضاه الكُتَّاب الإسلاميُّون في وقت مبكِّر، فالدولة هي شعب منظَّم خاضع للقانون يقطن أرضا معينة (3)، وعليه لا مشاحة في الاصطلاح.
وهذا الصراع والجدل حول مصطلح الدولة لا قيمة له في نظري.
والآن نأتي إلى المصطلح الثاني والذي يكثر الجدل حوله، وهو أساس الصراع قديما وحديثا في الأدبيات اليهودية والمسيحية والإسلامية، وهو الدين المسند أو المحكوم إلى الدولة المسند إليه.
الدِّين في أصله الطَّاعة والانقياد لأي فكر أو توجه أو قضية، جاء في مختار الصّحاح: والدِّينُ أيضا الطاعة، تقول: دَانَ له يدين دِينًا أي أطاعه، ومنه الدِّينُ، والجمع: الأَدْيَانُ، ويقال: دَانَ بكذا دِيَانَةً فهو دَيِّنٌ، وتَدَيَّنَ به فهو مُتَدَيِّنٌ، ودَيَّنَهُ تَدْيِينًا: وَكَلَهُ إلى دينه (4).
وعليه اعتبر بعض الفلاسفة التديُّن غريزة فطرية، جاء في معجم (لاروس) للقرن العشرين: إنّ الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها
__________
(1) - موقع ويكبيديا http://ar.wikipedia.org.
(2) - المرجع نفسه.
(3) -اطفيَّش أبو إسحاق: المنهاج، مجلة سياسية اجتماعية، ط مكتبة الضامري، مسقط/ عمان، الطبعة الأولى 2010م، 1/ 325.
(4) - مختار الصحاح، مادة دان. (1/185)
صفحة 173
همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية ... وإنّ الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية ... إنّ هذه الغريزة الدينية لا تختفي بل لا تضعف ولا تذبل، إلا في فترات الإسراف في الحضارة وعند عدد قليل جدًّا من الأفراد.
والقرآن استخدم الدين مساويا للإسلام من باب نسبة التساوي بين الكلِّيَّتين في قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَهمُ الْعِلْمُ بَغْياَم بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَّكْفُرْ بِئَايَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (1)، واستخدمه من باب العموم والخصوص المطلق، كما في قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (2)، فدين مشركي مكَّة مخالف لدين الإسلام، ومع هذا سماه القرآن دينا.
ويعرّف «كوربت» الدين بأنه نظام متكامل من المعتقدات، وأسلوب حياة وشعائر ومؤسسات يمكن للأفراد من خلالها أن يعطوا أو يجدوا معنى لحياتهم بالتوجه إلى ما يعتبرونه مقدسا، أو له قيمة نهائية، وبالالتزام به (3).
فمفهوم الدين يتميَّز بأمرين: الأول التطور؛ فهو متطور بتطور الإنسان، وتطور فكره ولغته واتصاله بالبيئة والعالم البشري ككل، والأمر الثاني: الشمولية بحيث لا يقتصر على قوم أو منهج معين، فالكل متدين بما يراه صحيحا.
فالتديُّن وخطوطه الكلية تزيد بحركة الإنسان في الحياة، ومدى استفادته لما وصل إليه من علوم إنسانية وتجريبية.
فمثلا في التقنين المروري يرى الفقهاء أنّ سلامة المركبة أساس من أسس أدبيات السلامة المرورية، وهو جملة داخل في القواعد الفقهية العامة، كقاعدة: «لا
__________
(1) - آل عمران/ 19.
(2) - الكافرون/ 6.
(3) -كوربت مايكل، وجوليا ميتشل: الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ترجمة: عصام فايز وناهد وصفي، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الثانية 1423هـ/ 2002م، ص 12. (1/186)
صفحة 174
ضرر ولا ضرار»، وقاعدة: «الضرر يزال»؛ لذا قرر الفقهاء أنّ حمولة المركوب أكثر من طاقته، مما يحدث له ضررا، وبالتالي يعمُّ هذا الضرر المارة ومستخدمي الطريق، اعتبروا من فعل ذلك ضامنا (1)، وعلى هذا إذا كان صاحب الآلة يعلم أنّ في سيارته عيبا لا بد من المسارعة إلى إصلاحه، هنا لا يصح شرعا قيادتها في طرق المسلمين إلا بقدر الضرورة، مع الحذر الشديد، وتسويفه في الأمر يجعله ضامنا لكل ما يترتب عليها من أثر، يقول: الشيرازي (ت: 2001م): «مسألة: من ركب حيوانا من جمل وناقة وما أشبه ذلك، فلو فعل ما أضر الحيوانُ بشخص ضمن الراكبُ ذلك الضرر، ولو فعل شخص ثان ما جعل الحيوان يضرُّ براكبه أو بشخص آخر ضمن ذلك الثاني الضرر، ومن ركب حيوان غيره إذا أضرّ الحيوان ضمن، وهكذا الحكم في وسائل النقل الأخرى» (2)، وقرروا أنّه يندب له شرعا فحصها والنظر فيها بين فترة وأخرى، إلا إذا كان يعلم أنّ بها ضررا فيجب عليه هنا فحصها رفعا للضرر، وإلا كان ضامنا لما ينتج عنها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض» (3)، حيث إنّ للإبل الحق في أن تأخذ نصيبها من الراحة والطعام والشراب؛ لأنّ في هذا حفظا لها ولسلامة من يقودها ويركبها، والحال كذلك مع المركبات المعاصرة (4).
سنجد هذه الأدبيات المرورية جزءًا من التطبيقي الفقهي [الديني] الإسلامي، مع أنها قوانين لم ينزل بها وحي، وإنما استقرأها الفقهاء بما لديهم من آلة ذاتها وجدت متأخرة عن العهد النبوي الأول، ووفق نصوص وكليات متقدمة، وهي ذاته ما تقرره القوانين المدنية.
__________
(1) -ينظر محمد علي مشبب القحطاني: أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، جامعة أم القرى، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، بحث ماجستير، 1408هـ، 1988م، ص 48.
(2) -الشيرازي: محمد؛ فقه المرور، ط هيئة محمد الأمين (ص)، الكويت، الطبعة الأولى 2000م، نسخة إلكترونية.
(3) - رواه مسلم من طريق أبي هريرة، حديث رقم: 1926.
(4) -العبري: بدر بن سالم؛ آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي، منشور في أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية، الفقه الحضاري، فقه العمران، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط الأولى 1433هـ، 2012م، ص 750. (1/187)
صفحة 175
لذا لو انتقلنا إلى الدولة الدينية ـ إن صحَّ التعبيرفسنجد أنَّ الإشكال ليس في المصطلح ذاته؛ وإنما الإشكالية في الصّراع بين الأطراف، مما أوجد ضبابية تحوم بين المختلفين، كما أنّه بسبب احتكار بعض رجال الدين ـ كما في المسيحية في القرون الأولى - مفهوم التفسير والحكم والقضاء لرجال الدين والكهنة، فأصبح مفهوم الدولة الدينية لصيق الكهنة ورجال الدين ومصالحهم، وليس لصيق قوانين وتفاسير الدولة ذاتها.
هذا بالنسبة لمصطلح الدين في الدولة الدينية، أمّا مصطلح المدنية فهو نسبة إلى مدني من المدينة، والمدنية الجانب المادّيّ من الحضارة، كالعمران ووسائل الاتّصال والتّرفيه، يقابلها الجانب الفكريُّ والرُّوحيُّ والخلقيُّ من الحضارة (1)، ومنه اشتقت مصطلحات معاصرة، كالقانون المدنيِّ، والحرية المدنية، والخدمة المدنية، والحقوق المدنية، ونحوها ...
ومن خلال التأمل في الموقع الإلكتروني «دولة مدنية» نجدهم يعرّفون الدولة المدنية بأنّها «اتحاد من أفراد يعيشون في مجتمع يخضع لنظام من القوانين، مع وجود قضاء يطبِّق هذه القوانين بإرساء مبادئ العدل» (2)، وعليه فالدولة المدنية تقوم على أربعة خصائص: خضوع الفرد لسلطة الدولة والجماعة، والثاني أنَّها تتأسس على نظام مدني من العلاقات التي تقوم على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات، والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة، والثالث أنّها تقوم على المواطنة العادلة لجميع الأفراد، والرابع نظام الحكم فيها يقوم على الشورى والديمقراطية (3).
فالدولة المدنية في الجملة كناية عن التطور البشري في سياسة الملك والقانون والحكم العام (4)؛ فيتحول هذا التطور إلى قوانين لها قدسيتها للشعوب والأمم؛
__________
(1) - المعجم الوسيط، مادة مدن.
(2) - موقع: دولة مدنية. http://www.dawlamadaneya.com.
(3) - المرجع نفسه. (بتصرف).
(4) - الحكم البشري بطبيعته حكم متطور في قانونه ومعاملاته وطرق تفكيره. للمزيد عن التطور السياسي ينظر كتاب: تطور الفكر السياسي لـ «جورج سباين» في خمسة أجزاء، ترجمة: حسن جلال العروسي، ط الهيئة المصرية العامة ط. 2010م. (1/188)
صفحة 176
وعليه عند التخلص من عقدة المصطلحات وحساسيتها سنجد التقارب الكبير بين الدولتين الدينية والمدنية ليس في الخطوط العامة فحسب؛ بل حتى في العديد من التفصيلات لهذه الخطوط على شتى جوانب الحياة.
السبب الثاني: أزمة التاريخ:
يُلحظ من كتاب الحقيقة الغائبة لفرج فودة (ت: 1992م) (1) مدى أزمة التأريخ وتأثيرها في صيرورة الأمة وواقعها، إلا أنّ الدارس لهذا التأريخ يجده متشكلا لا يمكن أن يحدد نظرية سياسية (دولية) محددة المعالم؛ لذا نراه يعيد القراءة للخلافة الراشدة والدولة الأموية والدولة العباسية، فيخلُص من ذلك إلى قوله: «إنّ وقائع التاريخ التي سردناها في الكتاب، تنهض دليلا دامغا على ضرورة الفصل، وعلى خطورة الوصل، وعلى سذاجة المنادين بعودة الخلافة» (2).
في حين طرف آخر يتصور أبعد من هذا، فالأنبياء كانوا يستهدفون إقامة الحكومة، وأوضح الأمثلة هو رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - الذي سعى وجاهد منذ اليوم الأول وكرّس مساعيه لإقامة النظام الإسلامي حتى تسنى له تحقيقه في المدينة المنوَّرة، وظلَّ يذود عنه ويوسع نطاقه، واستمرت هذه الحركة سنوات طويلة (3).
ويقرر عبد الرزاق السنهوري (ت: 1971م) - في رده على كتاب: «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرزاق (ت: 1966م) - أنّ الإسلام دين ودولة، ويثبت ذلك من فعل النبي - عليه السلام - وأنه نبي وملِكٌ في الوقت نفسه (4).
المشكلة بين الفريقين أنّ الأول ينظر إلى الجانب التفصيلي، وهذا غير موجود بصورة خاصة، بل التاريخ بذاته سيناقض الفكرة العامة، فالنبي مثلا أقرّ ملوك
__________
(1) -ينظر: فودة: فرج: الحقيقة الغائبة، ط مطابع المستقبل/ الإسكندرية، الطبعة الثانية، 2003م.
(2) -المرجع نفسه، ص 160.
(3) -الخامنائي: علي، الإسلام المحمدي، ط دار الوفاء، بيروت/ لبنان، الطبعة الأولى، ص 187.
(4) -السنهوري: عبد الرزاق، الدين والدولة في الإسلام، تقديم وتحقيق: محمد عمارة، ط مجلة الأزهر، 1432هـ، ص 44. (1/189)
صفحة 177
عمان على ملكهم (1)، وكانوا يتوارثونه، ولم يجبرهم بالدخول في مملكته، إلا مجرد الدخول في الإسلام.
كما أنّ الأنصار كانوا يرون أحقيتهم في الخلافة منذ حادثة السقيفة، وسعد بن عبادة (ت: 14هـ) زعيم الخزرج ظلّ رافضا لبيعة أبي بكر حتى وفاته (2)، وأبو بكر (ت: 13هـ) أوصى لعمر بالخلافة في كتاب مغلق (3)، وعمر بن الخطاب (ت: 23) أوصى لستة ممن اختارهم (4)، وما بعد ذلك من مقتل عثمان (ت 35هـ) وصعوبة دفنه، وانقسام الناس في عهد علي (ت: 40هـ)، وانتقال الحكم وراثيا، واستمرار هذه الطريقة لفترة زمنية طويلة (5).
وعليه طالب فرج فودة (ت: 1992م) ممن يدعو إلى الدولة الدينية أن يقدموا برنامجا متكاملا لكافة جوانب الحياة، وفق الأيديولوجية الدينية.
في المقابل عندما سيجيب الطرف الآخر سيلجأ إلى الكليات كالعدل والحرية والمساواة والقسط والشهادة لله تعالى من الجميع، ومقاصد الشريعة ومآلاتها، وسيجد نفسه أمام تطبيق بشري ممتد في التاريخ رفعه البعض إلى درجة النص، وهو ذاته تطبيق بشري قابل للنقد، لا للرفع والقداسة.
لذا يخلص كوربت إلى أنّ الدين والسياسة بحكم طبيعتهما العامة لا يمكن تجنب ترابطهما وتتخذ العلاقة بينهما أشكالا عديدة ... ولكن على الرغم من تعدد أشكال هذه العلاقة؛ فإنها ستظل موجودة دائما (6).
__________
(1) -انظر: نص رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى جيفر وعبد ابنَي الجلندى وأهل عُمان، ابن القيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، تح/ شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ومكتبة المنار الإسلامية، بيروت/ الكويت، ط14، 1407هـ، 1986م، ج3، ص 605.
(2) - الحقيقة الغائبة، مرجع سابق، ص 18.
(3) - المرجع نفسه، ص 19.
(4) - المرجع نفسه، ص 19.
(5) - المرجع نفسه ص 20 فما بعد.
(6) - الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، مرجع سابق، ص 33. (1/190)
صفحة 178
السبب الثالث: أزمة النّص:
أعطى النص القرآني - لتلاؤمه مع الزمان والمكان - معالم صارت مرتكزات للدولة المدنية، ومن هذه مثلا مبدأ الشورى، فالقرآن يقول: وَالذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (1)، ولن نجد تفصيلا دقيقا للشورى، وإنما مرجع ذلك للتطبيق البشري وفق دائرة الزمان والمكان.
وقد يعترض البعض على تسمية الشورى بالديمقراطية، باعتبار الشورى مبدأً قرآنيًّا، والديمقراطية مبدأً غربيًّا، بينما يرى آخرون أنّ الشورى مبدأ تقليدي بائد، والديمقراطية مبدأ معاصر قويم، وكلا الرأيين ـ في نظري ـ مخالف للصواب، فالشورى مبدأ عامٌّ أَمَر به الشارع، فهي من حيث المبدأ مطلب إلهي، أما من حيث التطبيق فقد أرجع الأمر لعقول البشر وفق الزمان والمكان، لذا ارتأت العديد من المجتمعات المعاصرة اليوم تطبيق الشورى وفق آلية ووسيلة الديمقراطية، ولا تعارض بينهما البتة (2).
وكذا الحال في العدل، فالله تعالى يقول: اِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمُ أَن تُوَدُّوا الاَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاَم بَصِيرًا (3)، والعدل بين الناس له مظاهر عدة، منها العدالة في الحكم ومناصبه، وهي مبنية على الكفاءة، بجانب حسن الأخلاق والسيرة (4)، والعدلُ في توزيع الثروة، فلابد أن توزع وفق القانون بشكل عادل (5)، والعدل بين الناس في الثواب
__________
(1) - سورة الشورى/ 38.
(2) -العبري: بدر بن سالم، مقالات في القيم الخلقية رؤية قرآنية، نشر: جريدة عمان، رمضان 1432هـ/ 2011م.
(3) - سورة النساء/ 58.
(4) -مقالات في القيم الخلقية رؤية قرآنية، مرجع سابق.
(5) -المرجع نفسه. (1/191)
صفحة 179
والعقاب (1)، فهذه مبادئ تصورية تطبيقاتها تعود إلى الحراك المجتمعي، والبعد الزماني والمكاني.
ومن المبادئ القرآنية مبدأ المساواة، حيث إنَّ الله تعالى خلق الإنسان متساوين، لا فرق بينهم في جنس أو دين أو لون أو لغة، وإنزالها يكون وفق الحراك البشري، قال تعالى: يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير (2).
فالقرآن جملةً لم يفصل في ذلك، وعليه صعب التمييز بين الدولتين؛ لأنَّ النظم السياسية كانت تقوم غالبا على اعتبارات دينية، دون أن يغيِّر ذلك في طبيعتها المدنية (3).
القرآن تطرق جزئيا وبشكل بسيط إلى بعض الأحكام المتعلقة بالأسرة والمعاملات، ومع ذلك هذه النصوص ذاتها كانت مجملة في مفرداتها، مفتوحة للتفكير البشري، مما تعددت الآراء في تفسيرها، والتعامل معها زمانا ومكانا.
الخلل الذي حدث هو إضافة نصوص جديد قيَّدت الحراك السياسي، إما نسبة إلى الرسول أو الصحابة، أو السلف، أو الجمود حول آراء الفقهاء واعتبارها في منزلة النص.
ومن هذا مثلا رواية: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» (4)، فهذا نص ولد في ظل صراع سياسيٍّ تحول إلى نصٍّ مقدس عند قوم، أثَّر في الحراك السياسي للمجتمع في التاريخ الإسلامي.
وعليه نخلص مما سلف إلى ضرورة التخلُّص من عقدة أزمة المصطلحات والتأريخ والنص البشريِّ، والانطلاق من المشترك، لتحقيق البناء المتوازن، بعيدا عن دائرة التهم والإقصاء ومحاسبة النيات.
- - -
__________
(1) -المرجع نفسه.
(2) - سورة الحجرات/ 13.
(3) - الدين والدولة في الإسلام، مرجع سابق، ص 37.
(4) -رواه أحمد عن أبي بردة. (1/192)
صفحة 180
الشيخ الناصر المرموري
سيرةٌ عطرة، ومسيرةٌزاهرة
أ: عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
معهد الحياةـ القرارة ــــ غرداية ــــ الجزائر
aissamed54@gmail.com
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
و
وَعِبَادُ الرَّحمن الذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا (63) وَالذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) اِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) نحمده جلَّ في علاه هو أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمُ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلاَوَّابِينَ غَفُورًا (25) ونقدِّسه ذلَّ من سلاه يُوتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ اوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ونسبِّحه ضلَّ من قلاه القائل: وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُم بِالتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنَ ـ امَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ (37) ونُصلِّي ونُسلِّم على خير من بُعث للناس معلِّما، ولمكارم الأخلاق مُتمِّما، ولشتات الأمَّة مُلملما، النبيءِ الأميِّ القائلِ صدقًا من الحديث وبلسمًا: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنْ مُلُوكِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: كُلُّ ضَعِيفٍ مُسْتَضْعِفٍ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ». فاللَّهم صلِّ وسلِّم على عبدك محمَّد بن عبد الله، ما ازيَّنت السماوات بسنيِّ الكواكب، واحتفت اللَّيالي بنديِّ الرَّواتب، واتَّسقت الفراديس بشذيِّ الكواعب، وأثنيِّ على القُلَّة من آل بيته الأطهار، والثلَّة من المهاجرين والأنصار، الذين اصطفاهم خالق الأرض والسماوات العلا لخاتم أنبيائه صحبةً وبناةً، (1/193)
صفحة 181
واختارهم فالق الحبِّ والنوى لآخر أممه نجومًا وهداةً. فكانوا خيَرةَ من ابتغوا إلى ربِّهم الوسيلة، وصفوةَ من زيَّنوا سماء الفضيلة، وجلَّةَ من جاؤوا من الخيرات بكلِّ جليلة، الذين لو أنفق أحدنا ملء الأرض ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا قليله. وأثلِّث على كلِّ من سلك درب المصطفى راشدا، واتبع هدي من ينطق عن الهوى ماجدا، ورفع ذكر من رأى من آيات ربِّه الكبرى واجدا، فاللَّهمَّ ألهمنا رشدنا كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) اِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35).
أيها الملأ الكريم من القوم السُّراة، ويا حُظوةَ النفس من الأمَّة الأباة، ويا صفوةَ القلب من الأحبة الهداة، ويا أبناءنا الأعزة الأبرار، ويا فَلَذات أكبادنا الأطهار، ويا خلفنا الصالح بعد طول أعمار، سلام عليكم تكنُّه الجوانح من ربٍّ غفور، ورحمة شاملة تحفها المدائح من برٍّ شكور، وبركة سابغة تذروها الصفائح من قويٍّ قدير، ما ازَّينت بمحياكم مباسم الربيع، و انشرحت بمرآكم حنايا الضلوع، وازدهت بمطلعكم هذى الربوع، وانسكبت بمقدمكم من محاجرها الدموع. في يوم عامر من أيام الله، وحدثٍ باهر قضى في ملكوت الله، يوم لقائنا بهذه النفوس الخيِّرة، والوجوه النيِّرة، في رحاب جامعة الأمير، لإحياء ذكرى رجل في عليين بين الحور أمير، الشيخ الوقور، والرَّجل الصَّبور، والأب الشغوف، المربِّي العطوف، ناصر بن محمد المرموري، القراري مولدا، الجزائري موطنا، العربي محتدا، العالمي سمعة، الإسلامي صبغة، صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) وما رأيتني في هذه الندوة إلاَّ مؤدِّيا فرضا أجده حتما على مثلي، ومتحمِّلا واجبا أعدُّه جمًّا على كلِّ من ينتمي إلى هذا البلد الأمين، عرفانا بالجميل لمن تحمَّل شهمًا عبء الدعوة إلى دار السلام، في زمن زلزلت المجتمع في أصوله ريح صِرٍّ عاتية، وعصرٍ كادت تؤذن بأفوله موج قرٍّ عالية، ولكنَّه استمسك بالعروة الوثقى فكانت له من الشرور واقية. فما نرى لنا عليه من فضل ونحن نقيم هذا الاحتفال، فهو صاحب الفضل الكبير، وما له علينا من أجر ونحن نُديم له الابتهال، فما نُنيله إلاَّ الجزل اليسير، لكنَّ كرامة النفوس تسعى إلى الوفاء للأبوة الماجدة، وتأبى إلاَّ التعلق بالقيم الخالدة، ولا ترى سوى التأسي بالخلل التالدة، حرصا (1/222)
صفحة 182
على البنوة الصاعدة، وأملا في الفتوة الواعدة، أن تغدو ذرية بعضها من بعض، وتنمو شجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، تبني كما كانت أوائلها تبني، وتفعل مثلما فعلوا، صونا لحمى المدين، ودفعا عن كرامة الدين، مخافة أن يؤسفوا ربَّهم، فتصيبهم قارعة أو تحلُّ قريبا من دارهم. ولقد وسمت هذه الندوة بالشيخ الناصر سيرة عطرة ومسيرة زاهرة.
أيها السادةُ الأفاضل، ويا أبناء الأمة الأماثل، ما أجمل بالأمة الإسلامية أن تحييَ في نفوس أبنائها أجملَ المناسبات، وتغرس في قلوبهم أسمى العبر والعظات، فتقصَّ عليهم جميل الذكريات، وتحكي لهم جليل المكرمات عن أنبل أسلاف مضوا، وأكرم أمجاد قضوا، مدًّا لبارقة الأمل، وشحذًا لعزيمة العمل، واستنارةً لدرب الحياة مهما امتدَّ بها الأجل، امتثالا لأمر العزيز الحكيم: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) وتجسيدًا لقول السميع العليم: إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلاَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وبخاصَّة في هذه العصور الأخيرة التيِّ يشتدًّ فيها تكالب قوى الشرِّ دون هوادة، ويزداد فيها تقارب مِلل الكفر في فضاضة، مكشِّرة أنيابَها في صلف، ومبرزة مخالبها في شغف، لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنَ اَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمُ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) تبغي التهام ما تبقَّى في الأمة من أوصال، وتنوي تدمير ما تبدَّى فيها من أطلال، حتىَّ لقد صدق فيها قول الأديب محمود غنيم في قصيدته وقفة على طلل:
أنَّى اتَّجهتَ إلى الإسلام في بلدٍتجدْهُ كالطَّيرِ مقصُوصًا جناحَاهُ
ويحَ العُرُوبةِ كان الكونُ مسرَحَها ... فأصبحت تتوارَى في زواياهُ
إنَّ المرء عندما يقف في ختام عمر هذا المجاهد الباسل، ويُرجع البصر كرتين عبر سنوات هذا العمر الحافل، لتبدو له من أمد سحيق قسماتُ هذا العلم المجيد، بما تفخر به من حميد الخصال، وترنو له من أفق عميق بصماتُ هذا العمر المديد، بما تخلِّده من جليل الأعمال التيِّ تنوء بالعصبة أولي القوة من الرجال، وتجلو له من بين سنا البرق (1/223)
صفحة 183
حباتُ هذا العقد النَّضيد بما تَسبِكُه من مآثر ترصِّع قنن الجبال، لكنَّها المروءة متى حلَّت بقلب فطن أثمرت يانع الثِّمار، وأنبتت العزَّ والفخار، غير أنِّي أراها شحيحة هذه الأيام، عزيزة عند الأنام، لم يعد لها في الورى مقام.
مررتُ على المروءةِ وهي تبكيفقلتُ: عَلامَ تَنتَحِبُ الفتاةُ
فقالت: كيف لا أبكي و أهليجميع دون خلق الله ماتوا
أيُّها الإخوة الأكارم لن أستطيع في هذه الوقفة القصيرة التيِّ تُختصر فيها العِباراتُ، وتُعتصر فيها العَبَراتُ، أن آتي على مآثر المحتفى مهما أسلت من لعاب البنان، ومهما أوتيت من أسباب البيان، ولو كانت في فصاحة قُسٍّ أو سحبان، ولعلَّ هذا ما ستتبدى بعض جوانبه من خلال ما سنسمع من عاطر ما يتحفنا به السادة المحاضرون، في الجلسات العلمية المسجَّلة في هذا اللِّقاء الذي يشهده المقربون، تُجلِّي أكمل ما يخلب الألباب في محتفانا، وتُحلَّى أجمل ما يحيِّر الأفهام في متوفانا، أليس هذا أولَ ما يعنينا أن نفركه، وأولى ما ينبغي علينا أن ندركه، من سيرة شيخنا هذا الذي به نفخر، وبمآثره نجهر، وقد بلغ أعنان الخضراء مجدا لن يحول، وغدا في آفاق الغبراء نجما ما له من أفول؟ وحسبي برهانا على زعمي هذا، عشرة فصول من حياته رحمه الله، أعرضها على سبيل الحجة والبرهان، ودليل المجة لكلِّ إنس وجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان:
فخذها كما أدري وإن كلَّ خاطري ... وإن لم يكن منها البديعُ الَّذي تدري
أوَّلا: الإيمان الخالص
لقد أشعر الشيخ الناصر نفسه بشعار قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) فكان من الذين جسَّدوا بحقٍّ مبادئ الحياة، ومن الذين لم يكونوا ليتخلَّفوا عن سنَّة الحياة، ولا ليرغبوا بأنفسهم عن مداركة سرِّ الحياة، التيِّ أشعرها خالق الحياة، دستورًا خالدًا في أقدس مقدسات الحياة يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ (1/224)
صفحة 184
اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) هذا الذي استساغه الأماثل طعما لذيذا للحياة، واستظهره الأوائل دربا قويما إلى الممات، فدانت لسلطانهم عروشُ الطغاة راغمةً، ودالت لدولتهم أباطرة العتاة دامغةً، فأبدلوا النفوس من بعد خزيها فضلا، وأحيَوا القلوب من بعد موتها بذلا، وملؤوا الأرض من بعد قهرها عدلا، فعاشوا للأنام قوَّادا، وصاروا للأقوام روَّادا، فاستبشرت بها البلاد إذا حلُّوا، واستنصرت بهم العباد إذا ذلُّوا، فأكرم بهم نفوسا طموحة، وأعظم بهم قلوبا طفوحة، فما ساسوا بغير السماحة الأنام، ولا رادوا بغير الصراحة الأقوام، فما عرفوا للظلم تملُّقا، ولا ألفوا للإفك تشدُّقًا، ولا أوجفوا للصفِّ تفتُّقا، هذا الذي نشأ عليه شيخنا المحتفى به منذ نعومة أظفاره، وارتضاه نهجا قويما يدعو إليه وهو يجوب العالم في أقطاره، واستساغه سرحا يعتلي ذراه شامخا بين أنصاره، فما فضلكم الشيخ ناصر بكثرة صلاة ولا بكثرة صيامن ولكن بشيء وقر في صدره.
ثانيا: الصلابة في الدين
أمَّا الصلابة في الدين فأعظم بها مذهبا في الشيخ الناصر لا يلين، وأعذب به مشربا عنه لا يَبين، لقد كان تقيًّا عابدًا، وورعًا زاهدًا، وسبُّوحا واجدًا، وقَّافًا عند حدود الله، غضوبًا أن تنتهك حرمات الله، لا يَثنيه عن صلابته في دينه إغراء نادم، ولا إغواء حاكم، لا يَفري شدَّته في دينه تلهُّف منصب، أو تلحُّف مرأب، عاش لربه، تقيًّا، ولدينه نقيًّا، فأكسبه ذلك مجدًا أثيلاً، وقدرًا جليلاً، وذكرا جميلاً، وما ضرَّه أن يكتفيَ بأكلة سمك، إذا كان يسقى من رحيق مختوم ختامه مسك، يعتقد أنَّ المرء بأصغريه قلبه ولسانه، ويعدُّه مخبوءا تحت طيِّ لسانه لا تحت طيلسانه. فكان يتَّقد غيرة في كلِّ ميدان وطئته رجلاه، ويتجدَّد عزيمة في كلِّ عمل بطشته يمناه، يأتي بما لا يأتي به من هو أكثر منه مالا وأعزَّ نفرًا، ولكأنيّ به يردِّد مع شاعر الفقهاء الإمام محمد بن إدريس الشافعي مقولته الشهيرة:
عليَّ ثيابٌ لو تباع جميعُها ... بفلسٍ، لكان الفلسُ منهنَّ أكثرَا
وفيهنَّ نفسٌ لو تُقاسُ ببعضِهانفوسُ الورى، كانت أجلَّ وأكبرَا
ما ضرَّ نصلَ السَّيف إخلاقُ غمدِهإنْ كان عَضبًا حيثُ وجَّهته فَرَى (1/225)
صفحة 185
تلكم مآثر أولئك الآباء الأحساب، لقد استمسكوا بعروتها ترقُّبا ليوم الحساب، وسدُّوا ابتغاء النصر دونها كلَّ الأسباب، فانهزمت بين أيديهم جموع الأحزاب، وعاشوا بها غرة في جبين الدَّهر مدى الأحقاب، وتفيؤوا بها أفانين الجنان، والملائكة يدخلون عليهم من كلِّ باب. فلتكن لنا معاشر شباب الإسلام من سيرتهم عبرة، ومن نومتنا يقظة، ومن غفلتنا فطنة، ومن عثرتنا وقفة، وقد بدت تباشير الصبح بالبلج، ودياجير الفتن بالفرج، فهلمُّوا إلى محراب الإيمان راكعين، وأقدموا إلى رياض المعارف كارعين، وأقبلوا إلى رحاب الحيِّ القيوم ضارعين، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ
وجوهُ القوم أورثوا الجودَوالتُّقى ... وعند الوغى يوم الكريهةِ كالأُسدِ
فسيماهُم عند التُّقى في وجوههم ... وعند النَّدى والمجدِ من كثرة الرَّفْدِ
ثالثا: الأسوة الحسنة
لقد كان الشيخ الناصر منبعَ الصبر، وينبوعَ الصدق، ومعينَ الرضا، وبلسمَ الأذى، ورمزَ الفدا، ودليلَ الهدى، وكان المعزيَ عند حلول الكروب، والمسليَ عند نزول الخطوب، والمؤنسَ عند وحشة القلوب، فاسألوا عنه المحافل التي عمرها، والمنابر التيِّ صعدها، والمدارس التي غشيها، والأيادي التي صنعها، والمكارم التي نشرها، والمغانم التي حررها، وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) لقد كان شعاره الذي يثدثَّر به إلى سبيل ربِّه داعياً يَاقَوْمِ أَرَآيْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنُ اخَالِفَكُمُ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنُ ارِيدُ إِلاَّ الاِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) لقد ترك فينا وفيكم سنيَّ خلاله، ورضيَّ خصاله، وجنيَّ فعاله، ولا يرضيه منَّا كثرة البكاء، أو تمديد العزاء، أو ترديد الإطراء، بقدر ما يسرُّه أن نكون لأثره مقتفين، ولذكره صادقين، لفكره ناشرين، وهذا الذي يعزيه فينا، أُوْلَئِكَ الذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ
بنو الصَّالحينَ الصَّالحونَ ومَنْ يَكُنْ ... لآباءٍ صِدْقٍ يَلْقَهم حيثُ سيَّرَا (1/226)
صفحة 186
وما هذا الحشد الحافل، ولا هذا المشهد الهائل إلا شهاداتُ صدق عند الكبير المتعال، لجهاد الرجل الصبور الناذر المثال، وألسنة الخلق أقلام الحق، فرحماك رحماك شيخنا الفاضل، وسعداك سعداك محتفانا الماثل
أمَّا القبور فأنَّهنَّ أوانس ... بجوار قبرك والديار قبورُ
عمَّت فواضلُه فعَّم مُصابُه ... والناسُ فيه كلُّهم مأزُورُ
ردَّت صنائِعُه إليه حياتَهُ ... فكأنَّه من نَشرِها منشُورُ
رابعا: سلامة القلب
لقد ذاع للشيخ الناصر رحمه الله صيت في الأنام بأنه يملك قلبًا سليمًا، لا يجد فيه شيئًا على أحد، فهو لا يعرف تمييزًا بين الإخوان، ولا تفريقًا بين الأديان، ديدنه جمع الشمل، ودأبه وحدة الكلمة، ومذهبه التعايش في وئام مهما اختلفت الأفهام، وتقلَّبت الأيام، فمصير البلد واحد، أن يعيش في أخوة وسلام، وهذا الذي أعلى ذكره، وأجل قدره، وآضاء قبره، وأعظم أجره.
لقد كانت وحدة الأمة شغلَه الشاغل، وهمَّه الشامل، وجهادَه الكامل، لا يتوانى في إقامة الصِّلات أن يُكثر من إقامة الصلاة، ولا يَنثني عن توطيد العلاقات جزيل الصلات، يسعى إلى تحقيق ذلك بقالبه وقلبه، بروحه ونفسه، بلسانه وقلمه، في منشطه ومكرهه، وفي ظعنه وإقامته، كيف لا يكون كذلك وهو الذي جعل نصب عينيه مقولة الرحمن الرحيم في آي القرآن الكريم إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) - وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52).
واتَّخذ شعارًا رفعه سلف قبله بأزمان، الفحل البطل عمران بن حطَّان:
مَن كانَ مِن أَهلِ هذا الدينِ كانَ لَهُ وُدِّي وَشارَكتُهُ في تالِدِ المالِ
اللَهُ يَعلَمُ أَنّي لا أُحِبُّهُمُإِلاَّ لِوَجهِكَ دونَ العَمِّ وَالخالِ
ورفع لواء له عبر العصور مقولة الشَّاعر أحمد نسيم أصدق ما قيل عبر الدهور
إنَّا لنرجو وفاقاً غيرَ منقطعٍ منَّا ومنكم وهذا مُنتهى الأملِ
دَعِ التحيُّزَ واصنع كلَّ صالحةٍ تنجُ البلادُ وحاذِر سقطة الزللِ (1/227)
صفحة 187
إنَّها لروابط حميمة، وصلات قويمة، وأهداف جليلة، وغايات نبيلة تلكم التيِّ تربط الأمة الإسلامية، يجمعها الجهاد العلمي ابتغاء مرضاة الله، والتَّمكين لدين الله، والرفع من لغة كتاب الله، وتنشئة أجيال صالحة تطمئن قلوبهم بذكر الله، وتسعد نفوسهم يوم لقاء الله، فأعظم بها رسالة جليلة، وأكرم بها وسيلة نبيلة. فليست الأوطان مهما تباعدت إلاَّ مهادا، وليست الأجناس مهما تجددت إلاَّ ترابا، وليست اللُّغات مهما تعدَّدت إلاَّ لسانا، فنحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلنا الله، ونحن قوم هدانا الله بالقرآن ومهما ابتغينا الهدي في غيره أضلنا الله، ورحم الله الشيخ البشير الإبراهيمي إذ قال: أي شباب الإسلام، إنَّ الأوطان تجمع الأبدان، وإنَّ اللُّغات تجمع الألسنة، وإنما الذي يجمع الأرواح ويؤلِّفها، ويصل نكرات القلوب فيعرِّفها هو الدين، فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضيقة، ولكن التمسوها في الدين، والتمسوها في القرآن، تجدوا الأفق أوسع، والدار أجمع، والعديد أكثر، والقوى أوفر. وتلكم هي رسالة الشيخ الناصر الذي أحدثكم اليوم عنه.
أَبَت عِزَّةً أَن تَقبَلَ الضَيمَ نَفسُهُ وَذُو العِزَّةِ القَعْسَاءِ كَيفَ يُضَامُ
وَذُو المَجدِ لا يَستَغرِقُ الجَهلُ حِلمَهُ وَلَو قَعَدَ الواشُونَ فيهِ وَقامُوا
لقد تميَّز الشيخ الناصر برحابة الصدر، وحسن المعشر، وسلامة المخبر، فكان من أحبِّ الناس إلى الله، وأقربهم منازل يوم القيامة إلى رسول الله، إذ كان من أحاسن الناس أخلاقا الموطئين أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، فلا يلقى أحدا إلاَّ بوجه ضاحك، ولسان مازح، تسبق البسمة حديثه، ويسود الأنس مجلسه، فلا تكاد تشعر إلاَّ وهو يغمرك بلطف كلمه، ويعمرك بفضل علمه، ويأسرك بحسن طويته، ويسلبك بصدق لهجته، فتلين له القلوب مهما تصلَّبت، وتسلس له العقول مهما تشعبت، وتخضع له النفوس مهما تقلَّبت، وأحسبه ممَّن يصدق فيهم قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَاأَحَبَّاللَّهُالْعَبْدَنَادَىجِبْرِيلَإِنَّاللَّهَيُحِبُّفُلَانًافَأَحْبِبْهُفَيُحِبُّهُجِبْرِيلُفَيُنَادِيجِبْرِيلُفِيأَهْلِالسَّمَاءِإِنَّاللَّهَيُحِبُّفُلَانًافَأَحِبُّوهُفَيُحِبُّهُأَهْلُالسَّمَاءِثُمَّيُوضَعُلَهُالْقَبُولُفِيالأَرْضِ» (1/228)
صفحة 188
خامسا: التواضع في هِمَّة
عُرف شيخنا بتواضع كبيرٍ، فكان يجلس إلى ذي الحاجة والفقير، كما يجلس إلى ذي المقام والوزير، يملك نفسا طموحة، ويعرك عزيمة طفوحة، لا تستهويه المناصب، ولا تغريه المراتب، ولا تغرُّه الألقاب، تكفيه شهادةً شهادةُ ربِّ الأرباب بين العباد، ويُجزيه تكريما كرامة العزيز الوهَّاب له يوم المعاد، عرف قدر ربِّه فعرف له قدره، تواضع له افتقارا، فرفع شأنه افتخارا، هيبته بادية من هيئته، وقدره بارز من نظرته، حبِّب إليه الحياء، وبغِّض إليه الرياء، حتىَّ لكأنَّه يردِّد مع الإمام محمد بن إدريس الشافعيِّ: وددت أنَّ الخلق يتعلَّمون هذا العلم ولا ينسب منه إليَّ شيء، وودت أنَّ كلَّ علم أعلمه يعلمه الناس أوجر عليه ولا يحمدونني. أين منه هذا اليوم ـ إلاَّ من رحم ربي ـ شباب مائع يلهت وراء ورقة يمتطي بها العلم ليجعل منه الوظيفة التيِّ يضمن به الرغيف، لا رسالة لتحقيق غرض شريف. وأين هي همم الثلَّة المتدفقة في دروب التعلُّم في العصر الحاضر، من تلك الكوابد التيِّ عانى منها الفتى ناصر، والأوابد التيِّ قاسى منها الصَّبور الباصر، وقد تبدَّدت اليوم الموانع، وتعدَّدت في الأمم الجوامع، وكثرت الوسائل، ونثرت السوائل، ولكن هيهات هيهات، فهل تسمو الهمم نحو القنن إلاَّ عند اشتداد المحن؟
على قدر أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
وتعظُم في عين الصغير صِغارُها وتصغُر في عينِ العظيمِ العظائمُ
وأين منه اليوم محترفو الأقلام الصنيعة، ومحرِّفو المثل الرفيعة، ومخِّرفو الثقافة الوضيعة، ممَّن باعوا ضمائرهم، وأهانوا حواضرهم، ورتعوا في فتات أراذل الفجَّار، وكرعوا من أسؤر أفواه الكفَّار، فتردَّوا أسفل سافلين، وقد كانوا في أحسن تقويم. ألا لعنة على زمان يحكي فيه الهرُّ انتفاخا صولة الأسد، ويطاول فيه الغرُّ انسلاخا سورة الأحد. ولله ما أصدق الشاعر إذ قال
تصدَّر للتدريس كلُّ مهوِّس بليدٍ تَسمَّى بالفقيه المدرِّسِ
فحقَّ لأهل العلمِ أن يتمثَّلوا ببيتٍ قديمٍ شاع في كلِّ مجلِسِ
لقد هزلت حتىَّ بدا من هزالها كِلاَها وحتىَّ سامها كلُّ مُفلسِ (1/229)
صفحة 189
تلكم هي همَّته العالية التي لا تستكين، في عزة أبية لا تلين، وبها شاد وساد، وأجاد وأفاد، فأغنته عن دنس التملُّق وكفته مذلة التسوُّل، ومكَّنته من شغافِ قلوب الرجال، والتربُّعِ فوق قنن الجبال.
أين منها اليوم همم من تكدَّست في خزائنهم الكنوز، ومن صار ديدنهم حبُّ المحمدة والبروز، أين منه اليوم من اكتملت مجامع قوَّته، واتَّسعت مراتع قوته، واتَّسقت منازع وقته، لقد ضاعت الهمم في ثنايا الخفايا، وسلب بريقها سوء النوايا، ودنَّس عِرضها دسُّ الهدايا، فهوى سرحها شنيعا إلى المنايا، فها هي ذي الأمَّة كما نرى، تغطُّ في سبات الكرى، وها هو القدر عليها قد جرى، يمزِّق جسدها آساد الشرى، فهل من مغيث؟
فيا مَوتُ زُر إنَّ الحياةَ ذميمةٌويا نفسُ جِدِّي إنَّ دَهركِ هازِلُ
فواناصراه ووا باديساه, ووا بيُّوضاه، ووا بشيرًا ووا يقظاناه، لقد تقطَّعت كبدي وحرقتها لواعج الكمد.
سادسا: عزَّة النفس
أمَّا عزَّة النفس فأكرم بها شيمةً مغشَّاة بجلباب التواضع، وأقبح بها رزيَّة موشَّاة بخمار الترفع، وما كنَّا نرى محتفانا في المجالس - مهما عزَّ شأنها - إلاَّ وجلباب التواضع يزيده محبَّة وجلالا، ودثار الوقار يزينه هيبة وجمالا، فأين منه مَن شأنه الدعة والاستعلاء، وأنَّى يرقى مرقاه من دأبه الخطل والكبرياء، فما بالترفع تنال المنائح، ولا بالتَّمنُّع تكال المدائح. لقد كان الرجل يعمل في صمت مهيب، ويصدع بالحقِّ في صوت رهيب، ويفري المعضلات بفكر أريب، ويأتي ربَّه بقلب منيب، وما كنتَ تحسبه فاعلاً ذلك في نحافة جسم، ونحالة ثوب، وبساطة بيت.
تَرى الرَجُلَ النَحيفَ فَتَزدَريهِ وَفي أَثوابِهِ أَسَدٌ هصور
وَيُعجِبُكَ الطَريرُ فَتَبتَليهِ فَيُخلِفُ ظّنَّكَ الرَجُلُ الطَريرُ
ضِعافُ الأُسدِ أَكثرُها زَئيراً وَأَصرَمُها اللَواتي لا تَزيرُ
لقد عاش الشيخ الناصر عيشة بسيطة طوال حياته، أبيَّ النفس قانعا شاكرا، عزيز الجانب زاهدًا صابرًا، وكان بإمكانه - لو أراد - أن يعيش وأهله غنيًّا كاثرًا، ولكنَّه كان (1/230)
صفحة 190
يرتضي منزلاً قول ربِّ البرية لحبيبه خير البشرية تَبَارَكَ الذِي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَالِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا (10) وكان يبتغي موئلا موئل خير الخلق فيما رواه عنه أنس - رضي الله عنه -: أنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - كانعلىسريروهومرملبشريط، فدخل عليه عمر - رضي الله عنه -،فانحرفالنبيء - صلى الله عليه وسلم - فإذاالشريطقدأثَّربجنبه، فبكىعمر، قال النبيء - صلى الله عليه وسلم -: «ما يبكيك يا عمر؟ قال عمر: واللهإنَّا لنعلم أنَّك أَكْرَمُعَلَىللَّهِعَزَّوَجَلَّمِنْكِسْرَىوَقَيْصَرَوَهُمَايَعْبَثَانِفِيالدُّنْيَافِيمَايَعْبَثَانِفِيهِ، وَأَنْتَيَارَسُولَاللَّهِبِالْمَكَانِالَّذِيأَرَى، فَقَالَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أمَاتَرْضَىنْتَكُونَلَهُمْالدُّنْيَاوَلَنَاالْآخِرَةُ؟ قَالَعُمَرُبَلَى». كذلك كان هذا ديدن الشيخ الناصر إلى يوم مماته، يعدل عن مناه، ويعضل من تمناه بقوله: إنَّما أرجو في حياتي تجارة لن تبورا، ولا أبغي من أحد جزاءً ولا شكورا، فأجمل به من قلب منيب، ونسب حسيب، وفكر أريب، أوليس هو ومثله من عناهم سيِّد الأنام بقوله: «أَلاأُخْبِرُكُمْبِأَهْلِالْجَنَّةِ؟ قَالُوابَلَى، قَالَ: كُلُّضَعِيفٍمُتَضَعِّفٍلَوْأَقْسَمَعَلَىللَّهِلأَبَرَّهُ»، وعناهم الشاعر بقوله:
ومخرِّق عنه القميصُ تخالُه بين الدِّيارِ من الحياءِ سقيمَا
حتىَّ إذا برزَ اللِّواءُ رأيتَه تحتَ اللِّواء علَى الخميسِ زَعيمَا
سابعا: الابتسامة الدائمة
لقد كانت البسمة الجميلة السِّمةَ الغالبةَ التيِّ يتحلَّى بها الشيخ الناصر في كلِّ مظهره، والشيمةَ الغالية التيِّ يتجلَّى بها في كلِّ مجلسه، بها يأسر القلوب، وبها يأزر النفوس، فترى الوجوه من إشراقة وجهه ناضرة، وإلى عذب حديثه ناظرة، فيسلس له زمام المجلس مهما تنوَّع، ويجلس إليه الجمع مهما توزَّع، وتلك لعمري سمة عزَّ لها في غيره من نظير، مهما حاول البعض محاكاتها كلفًا، ولكن أنَّى يكون لها بجدير.
إنَّ هذه الخلَّة الحميدة لم تفارقه طول حياته، حتىَّ قبل خمس ساعات من وفاته، حيث كان في رحاب معهد الحياة، لاستقبال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عُمان، الذي زار الجزائر لحضور ملتقى ضوابط الفتوى في عاصمة الثقافة (1/231)
صفحة 191
الإسلامية تلمسان، وأصرَّ على الحضور إلى ميزاب لملاقاة صديقه الحميم الشيخ الناصر المرموري وقد سمع بمرضه، ولم يكن يخطر ببال من حضر أنَّ اللِّقاء سيكون وداعا، لا لقاءَ بعده إلى يوم يقوم الأشهاد، لقد خاطب الشيخ الناصر سماحة الشيخ الخليلي، وردَّ على دعوة وجَّها له لزيارة سلطة عمان، بنبرته الهادئة، وأسلوبه المتَّزن، ومنطقه المرح قائلا: إنَّنا نحن معاشرَ المغاربة نستبشر باستقبال علماء المشرق في بلاد المغرب، ولكنَّنا نستاء بانتقال علماء المغرب إلى المشرق لأنَّ ذلك سيكون بمثابة طلوع للشمس من مغربها، فاستشهد ببيتين قيلا لعالم من علماء المغرب عزم على التنقل إلى بلاد المشرق:
أشمسَ الغرب حقًّا ما سمعنا بأنَّك قد سئمت بنا الإقامة
وأنَّك عازم على الرحيل لا تفعل فقد تقم القيامة (1)
فضج الشيخ ومن في القاعة أنسًا بهذا الكلام، ولكنَّ القدر كان يبتسم ويقول لشيخنا المرحوم: إنَّ القيامة ستقوم عليك أنت، وأنت في بلاد المغرب، وأما شمس المشرق فستأفل إلى مغربها ولا تقوم القيامة.
ثامنا: الموعظة الحسنة
ألا رحماك شيخنا لَكَم كنت لنا دوما ظلاًّ ظليلا، ويا بشراك لكم حنوت على النشء عطفا جزيلا، ويا نعماك لكم سقيت البنوة ماء الحياة عذبا سلسبيلا، ويا سعداك لكم أسديت إلى المحافل رأيا جليلا، ويا صبراك لكم تحمَّلت مما تنوء به أولو العصبة من القوة عبئا ثقيلا. لقد كنت الملاذَ في معترك الأهواء، والفيصل في مشتجر الآراء، والبلسم في موضع الداء، إنَّ الشيخ الناصر رحمه الله ليعتبر في زماننا هذا سيِّد الدعاة إلى سبيل ربِّه على بصيرة، لما يتميَّز به أسلوبه في الدعوة من خصوصيات كثيرة، ترفعه إلى سماء الحكمة، وتبعده عن دنيا الحمقة، تدفعه إلى سعة الموعظة الحسنة، وتمنعه من ضيق المجادلة الخشنة، فلا تكاد تسمع إلى صوته الشجيِّ، وتصغي إلى منطقه النديِّ حتىَّ تشعر بوعظه يغشاك، فيسري في حنايا نفسك يمدُّها ببرد اليقين، سريان الدم في خبايا جسمك يمدُّه بورد الأكسيجين، وبنصحه يحيي في
__________
(1) -ذكر الشيخ الناصر (رحمه الله) هذين البيتين بهذا اللفظ، ويظهر الكسر جليا في البيت الثاني. وقد سبق وأشرنا في مكان آخر من هذا العدد إلى أنَّ البيتين مقتطفان من مجموعة أبيات لأبي جعفر أحمد بن خاتمة المرِّي المغربي أرسلها إلى بعض أشياخه يقول فيها:
أشمسَ الغربِ حقًّا ما سمعنَا***بأنَّك قد سئِمتَ بنا الإقامةْ
وأنَّكَقد عزمتَ على رحيلٍ*** إلى شرقٍ سَمَوْتَ به علامَةْ
لقد زَلزَلْتَ مِنَّا كُلَّ قَلْبٍ ***لا تفعل فَقَدْ تَقُمِ القيامةْ) (هيئة التحرير) (1/232)
صفحة 192
قلبك ذكرا لربِّك وتبتيلا، هبوب النسيم على الروض يوسع الزهر شمًّا وتارة تقبيلا، لا يعرف للموعظة إطالة، ولا للنصيحة إحالة، ولا للسماحة إدالة، ولا للعثرة غير الإقالة، فطوبى له وحسن مآب، وبشرى له بالفوز يوم يقوم الحساب، فعن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال الله تعالى: اطلبُوا الحوائِجَ من السُّمَحَاءِ فإنِّي جَعَلْتُ فِيهِم رَحْمَتِي»، فيا سماءً ما طاولتها سماء، ما كانت تصدر إلاَّ عن ضوئك الأضواء:
ذهبَ الصواب برأيه فكأنما آراؤُه اشتُقَّت من التأييدِ
فإذا دجَا خطبٌ تبلَّج رأيُه صُبحًا من التوفيق والتأييدِ
فهل نرى له من باقية، تكون لنا من بعده واقية، ولأسقامنا من نفثه راقية، ولعطاشنا من ورده ساقية. هذا الذي تهفو إليه نفوسنا، وترنو إليه قلوبنا، وتسمو إليه جموعنا، مستمسكة بحبل الله المتين، معتصمة بنور كتابه المبين، ولمثل هذا يحتفِي المحتفون، ولمثل هذا فليعمل العاملون.
تاسعا: القطبية العالمية
لقد طوَّح الشيخ الناصر رحمه الله المشارق والمغارب كالنجمة القطبية حكمة وعلمًا، وربط أوصال الأمَّة في الدائرة العالمية رحمة وحلمًا، ساعدته في ذلك مؤهلات إلهه، ودعوات مشايخه، وصالحات أعماله، وخالصات مقاصده، فهو بين الفقهاء فقيه، والعلماء عالم، وبين الأدباء أديب، وبين الظرفاء ظريف، وبين الخاصَّة خاصَّة، وبين العامَّة عامَّة، لا يحمل غير شهادة التوحيد شهادة، لكنَّه ينزل البلاد كالغيث إذا همى، ويؤتي أكله كالزرع إذا نما، لا ينفكُّ حالاًّ مرتحلا، بين أقصى البلاد وأدناها محتملا، لا تلين له قناة، ولا تفتر له (1/233)
صفحة 193
عزيمة، وكانت النفوس إليه تهفو، ولشهود مجلسه ترنو، ولحضوره إليها تدعو، فيستجيب في غير تملُّص، ويقبل في غير تحرُّز مردِّدا مقولة أبي الطيب المتنبي:
أنا النجمُ الذي تستضي بي صُحبتي إذا حالَ من دُونِ النُّجومِ سَحَابُ
غَنيٌّ عن الأوطانِ لا يَسْتَفزُّني إلى بَلَدٍ سافرتُ عنهُ إِيَابُ
بدرٌ أنتم والله يُفتقد في اللَّيلة الظلماء، ونجم ولا زلتم يُشِعُّ في أفق السماء، وحصن يلوذ إليه الصحب خوفًا من العدا، وهاد يسترشد به من ترنو نفسه إلى الجوزاء، فتلك آثاركم تدل عليكم في كلِّ واد، وتشير إليكم في كلِّ ناد، وتمجدكم في صفائح الصدور، وتخلدكم في صحائف السطور. وكأنيِّ بكم ترددون في عزة وثبات مقولة الشاعر الأريب ابن الوردي:
قلْ للأُلى حسدوا علايَ وشهرتي أيهالُ ضرغامٌ بنبحِ كلابِ
ما أنتمُ مثلي وليسَ لنقصِكمْ فضلي ولا أسبابُكمْ أسبابي
كم ذا أجدُّ وتلعبونَ ألم تروا أنِّي امرؤٌ دأبُ العلومِ ودابي
أنا فارسُ المنظومِ والمنثورِ هلْ تسري المعاني تحتَ غيرِ ركابي
فدعوا ملامي ثم لوموا الناسَ إذْ قدْ أُولعوا بسؤالِهِمْ وجوابي
ومن ثمَّكان حريصًا على متابعة الحجِّ والعمرة، حتىَّ لقد قاربت الأربعين حجة، مقتديا في ذلك بالإمام أبي الشعثاء، تلميذ أمِّ المؤمنين الحميراء، وصاحب ابن عباس بلا مراء، حتى غدا المرشد الدينيَّ لبعثات الحجِّ لسنوات عديدة، وله في مسائله اجتهادات كثيرة، وكان يقول عن نفسه: لقد بلغت في مسائل الحج والعمرة درجة الاجتهاد، وفق الواقع المعيش في حاضر الحياة، وفقه المقاصد الكبرى للشريعة والمآلات. كما اشتُهر برحلاته العلمية الكثيرة، إلى مختلف أنحاء بلاد الجزائر، شماله وجنوبه، ومعظم دول العالم الإسلامي، مشرقه ومغربه، داعيا إلى الله، موحدا أمة رسول الله، فكانت له في كلِّ بلد بصمة، وفي كلِّ كبد بسمة، فخلَّف تراثًا فكريًّا بشريًّا يتمثَّل في آلاف الطلبة الذين تخرجوا من علمه، وكرعوا من نبعه، وتراثًا فكريا نثريًّا يتمثَّل في مئاتِ الفتاوى المبثوثة في مختلف الأنحاء، ومختصرِ تفسير الشيخ بيوض في ثمانية أجزاء، وبحوثٍ فقهيةٍ كثيرةٍ، وقصائدَ (1/234)
صفحة 194
بليغة، وخطبٍ مبثوثة، ومقالاتٍ منشورة، وتراثٍ مسموعٍ يتمثَّل في شرح الجامع الصحيح في الحديث، وآلاف الدروس المسجلة في مختلف مساجد وادي ميزاب، والجزائر، وتونس: وليبيا، ومصر، والحجاز، وعمان، وزنجبار وغيرها من البلدان التي يحلُّ فيها فارسا مغوارا. وبخاصة لمَّا ترأس البعثة العلمية العمانية في أرض مصر، فأثبت وجوده في كلِّ مصر، وخلَّد ذكره في كلِّ عصر، وما أنساه مكوثه الطويل في أرض القناطر، يوما بلده الحبيب الجزائر، فما نازعته عن بلاده جنان الخلد كما يدعي الأمير، ولكنَّه كان دوما يقول أريد لأهلي أن أمير. لقد كانت سحائب فكره تَهمَى على البلاد فتوتي خراجها بأكثر من سحابة الرشيد، وكانت صواريخه العابرة تنطلق فتصيب أهدافها بأدق من تقنيات صواريخ دافيد. فحقَّ له بهذا لسان صدق في الآخرين، واستحقَّ بذاك مقام صدق في عليين.
عاشرا: حسن الخاتمة
لقد انتابت فقيدَنا رحمه الله فترةٌ قصيرة من الضعف والشيبة، لم تشتعل به رأسه وقد أحفاها حلقا حاجًّا معتمرًا، بقدر ما تبدَّت وهنًا في عظمه الذي أرهقه في الدعوة إلى ربِّه داعيا مصطبرًا، فكانت سببًا في استشهاده، ومغادرته هذه الدنيا الفانية، ولحاقه بدار الخلد الباقية، بعد عمر حافل بالمكرمات قارب التسعين، ودهر كامل بالمنجزات حتىَّ أتاه اليقين، قضى صباه في ميدان التعلُّم والتَّحصيل، وأفنى سواده وبياضه في التعليم والتبليغ والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في كلِّ مسلك وسبيل، وإنَّنا لعلى يقين تامٍّ بهول الصدمة التيِّ أنزلتها على قلوبكم هذه الوفاة، وبشدة البطشة التي أحلَّها على نفوسكم خالق الموت والحياة، ولكنَّني أقول - حضراتِ السادةِ المطمئنة قلوبهم ـ إنَّكم لن تبلغوا مدى الهول الذي أصابنا، وصدى الجزع الذي انتابنا ـ نحن معشرَ الذين جلسنا إلى فقيدنا قبل خمس ساعات من وفاته في رحاب معهد الحياة، لاستقبال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عُمان، ولو شهدتم معنا معشر الإخوة الطيبين الكلمة التيِّ ألقاها فضيلة الشيخ الناصر ترحيبا بضيفه العزيز لازداد عجبكم بتصرفات الذي يعلم السرَّ وأخفى، ولازددتم ألما وحسرة بفراق من تحدَّث وأوفى، لقد استأذن الشيخُ الشيخَ في عدم متابعة الرحلة معه في القرارة لأنَّه سينتقل إلى غرداية (1/235)
صفحة 195
لملاقاة طبيبه الذي يتابع فحصه غدًا، ولقد صدق الشيخ في كلامه حقًّا، ولكن كان اللِّقاء بعد خمس ساعات مع طبيب الأطبَّاء، خالق الداء والدواء، الذي قال له: إنَّه ليس لدائك شفاء في دار الفناء، وإنَّما دواؤك ستتناوله سائغا في دار البقاء. فيا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك. ويا مقدِّر الأمور إنَّا لا نسألك ردَّ قضائك ولكن نسألك اللطف فيه.
لقد كان آخرَ ما ختم به الشيخ حياته توديعُه معهدَ الحياة، محضنَه الأمين الذي ترعرع فيه، ومعقلَه الحصين الذي جاهد فيه، والثلَّة الطيبة من أخوانه الأساتذة المرابطين في أحد ثغور الإسلام، والبنوَّة الصاعدة من أبنائه الطلبة الذين هم بضاعته الغالية التيِّ يصنعها على عينه، كما حظي بتوديع صديقه الحميم، وحبيبه الكريم الشيخ أحمد الخليلي، أحد أقطاب الفكر في عالم الإسلام، كحال الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد إذ كان آخر من ودَّع قبل وفاته صديقه الكبير أبا سعيد الحسن البصري. على أنَّ آخر ما ودَّع من حياة الدنيا الفانية الصلاة التيِّ كانت أكبر همِّه، فقد أدركه الموت وهو بين يدي زوجته عائشة تعينه على إسباغ الوضوء استعدادًا لصلاة العصر، وما أدراك ما صلاة العصر، فهي الصلاة الوسطى على رأي أغلب المفسرين، ولكنَّه لم يدركها إلاَّ في الرفيق الأعلى بين رياض الجنان حيث الأحبة محمَّد وصحبه، وكأنَّه ختم عليه بخاتمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما روتها زوجته عائشة أمُّ المؤمنين إذ قالت: «دَخَلَعَبْدُالرَّحْمَنِبْنُأَبِيبَكْرٍعَلَىلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَامُسْنِدَتُهُإِلَىصَدْرِي، وَمَعَعَبْدِالرَّحْمَنِسِوَاكٌرَطْبٌيَسْتَنُّبِهِ، فَأَبَدَّهُرَسُولُاللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُالسِّوَاكَفَقَضَمْتُهُوَنَفَضْتُهُوَطَيَّبْتُهُثُمَّدَفَعْتُهُإِلَىلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَنَّبِهِ، فَمَارَأَيْتُرَسُولَاللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَنَّاسْتِنَانًاقَطُّأَحْسَنَمِنْهُ، فَمَاأَنْفَرَغَرَسُولُ - صلى الله عليه وسلم - رَفَعَيَدَهُأَوْإِصْبَعَهُثُمَّقَالَ: فِيالرَّفِيقِالأَعْلَىثَلاثًا، ثُمَّقَضَى، وَكَانَتْتَقُولُمَاتَبَيْنَحَاقِنَتِيوَذَاقِنَتِي». فنعمت الخاتمة خاتمته، ونعمت الموتة موتته، فطوبى له وحسن مآب. لقد حجَّت لتوديع الشيخ الجليل إلى رياض قبره جموع غفيرة رجالا وعلى كلِّ ضامر من كلِّ فج عميق، في جنازة مهيبة لم تشهد القرارة مثلها طيلة عمرها، وأبَّنه من أقصي المعمورة وأدناها عامة الناس وسادتهم، فأعظم به فضلا ونبلا، وأكرم به خُبْرًا وذكرًا.
علوٌّ في الحياة وفي الممات ... لحقٌّ تلك إحدى المعجزات (1/236)
صفحة 196
الخاتمة
أيُّها النشء الوفيٌّ، تلك عشر خصال كاملة، عرضتها على سبيل الاقتداء فرضا لا نافلة، فعليك أن تشعر بثقل المسؤولية الملقاة على كاهلك، نحو هذا الدين الحنيف، والجمع النظيف، والشيخ الشريف، فاعرف لكلٍّ قدره، احفظ كرامته، وارفع مقامه، وصن عرضه، وأخصب أرضه، لعلك تردَّ جميله أو توفِّيه بعضه
يا لقومي إنَّ أمَّتي ترتجي من بَنِيها عملاً يرفعُها
فانهضُوا للمجدِ واسمُوا للعُلا إِنَّمامَوضِعُكُم مَوضعها
فالحمد لله الذي جعل لنا من عباده الصالحين منارات يهتدي بها السعاة طلبا للخير العميم، ومصابيح يستضئ بها السراة في الليل البهيم، ومثلا يستن الدعاةبخالص إيمانهم في معترك الجهاد، وسكينة تطمئن النفوس الحيارى لشذا ذكرهم في كل واد، ورحمة يستوكفها المخبتون إلى ربِّهم في ربوع البلاد. فما أحسب زمانا يخلو منهم، أو تتسق الحياة بدونهم، أو تتدارك النفحات بعدهم، وإن صاروا في أوان الغثائية قلة، وفي زمان الغربة عملة، وفي أوان التداعي أذلة، فطوبى لمن أوتي سؤله، فرزق ساعة يتفيأ فيها بأحدهم ظلَّه، أو يستعيد من غابر مجده قلَّّه، فيحلُّه من سويداء قلبه محلَّه. وعند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة.
لصلاحِ قومي أعشقُ التأليفا ويزيدُني حبِّي لهم تكليفا
هذي مكارمُهم فخذها من فتى ما كانَ إلاَّ باسلاً وظريفا
وقُلِ السلامُ على أصولٍ أنبَتَت هذي الفروعَ فشرّفَت تَشريفا
هذا غيض من فيض، ووشل من حوض، وزهر من روض، فمن أراد المزيد فعليه بعزم شديد، وبصر حديد، ليقرأَ ما كتب من زمن بعيد، مما نشر أو لا يزال ثاويا في ركن شديد، وبعد فهل نحن من سبائكه نتحلَّى، ومن فيضه نتعلَّ، أم نحن فقط بذكره نتسلَّى؟ فأَعْظِمْ بلباس التقوى فلاحا، وأَجْمِلْ بخلق الوفاء وشاحا، وأَكْرِمْ بفضل الدعاء سلاحا، وأَنْعِمْ بمنَّة العصاميَّة نجاحا. (1/237)
صفحة 197
فتشبَّهوا إن لم تكونوامثلَهُمإنَّ التَّشبُّه بالكِرَامِ فَلاَحُ
ألا فهبُّوا بني قومي وارفعوا عن أمَّتكم ذلَّ المهانة، وزينوها بحلل الجدِّ والمهابة، ودثِّروها بجلباب العزِّ والقيادة، وَثِّقُوا العُرى مع الباري جلَّ في علاه، غيِّروا ما بأنفسكم من معرَّة واستكانة، يُغيِّر ما بكم إلى عزَّة ومكانة.
هبُّوا لتشحيذ القريحة حرِّكوا الأ قلامَ تَجنُوا الثمرَ في أدراجِ
وارفعُوا لواءَ الدِّينِ والإصلاحِ وانهَضُوا فالعظائم تَرتَجي وتناجي
فلنرفع أكفَّ الضراعة لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أن يحقق في فقيدنا ومحتفانا قوله: لِّلذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الاَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَالِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32). وأن يجمعه في عليين مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَالِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) والحمد لله ربِّ العالمين. (1/238)
صفحة 198
الشيخ الناصر المرموري
في سطور
*-في 1 رجب سنة 1346هـ/ 7جانفي 1927م ولد الشيخ النَّاصر بن محمَّد بن الحاج عُمر المرمُورِي، بمدينة القرارة، ولاية غرداية، الجزائر.
*-تلقَّى مبادئَ التعليم الابتدائيِّ في مَسقط رأسه بمدرسة الحياة، على يد الشيحين: أبي الحسن علي بن صالح، وبسيس قاسم بن الحاج سعيد.
*-في 15 جوان سنة 1942 استظهر كتاب الله العزيز على يد أستاذه بسيس عمر بن الحاج سعيد، ثم التحق بمعهد الحياة، لمتابعة تعليمه الثانويِّ، فتلقى تعليمه على يد جملة من الأساتذة الأفاضل منهم: علي يحيى معمَّر النَّفوسي اللِّيببي، وبكير بن عُمَر بيُّوض، وعُمَر بن صالح أدَّاود، وبخاصَّةالعَلَمَين الفذَّين الشيخ بيُّوض والشيخ عدُّون رحمهم الله جميعًا. ولم يتلقَّ شيئًا من التعليم المنظَّم عن غيرهم، ولا في مؤسَّسة (1/239)
صفحة 199
تعليميَّة غير معهد الحياة، إلاَّ من عصاميَّته الَّتي سَوَّدَتهُ علمًا بين الأعلام، وعلَّمته الكرَّ والإقدام.
*-في 1 أكتوبر سنة 1947رشَّحه شيخُه الشيخ بيُّوض رحمه الله للتَّدريس في معهد الحياة، واستمرَّ في تحمُّل هذه الرسالة النبيلة والشاقَّة إلى يوم وفاته طيلة 65 سنة كاملة.
*-في 1 سبتمبر سنة 1962 انتدبه الشيح بيُّوض رحمه لرئاسة البعثة العلميَّة العُمانيَّة في القاهرة، التي استمرَّت ثلاث سنواتٍ، عاد بعدها إلى رحاب معهد الحياة ملِيء الوطاب، ليواصل رسالته مع ثلَّة مباركة من الأساتذة.
*-لازم وهو في مصر متابعة محاضرات بعض مشايخ القاهرة في «مركز المؤتمر الإسلامي»، فاستفاد من معارفهم؛ منهم: الشيخ محمَّد أبو زهرة، ومحمد الغزالي، وسيد سابق، وأحمد الشرباصي، وفتح الله بدران ... كما كانت له لقاءاتٌ عديدةٌ مع الشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي، والشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، رحمهم الله جميعًا.
*-في سنة 1965 عاد إلى معهد الحياة مُدرِّسًا للعلوم الشرعيَّة والعربية، فنبغ فيهما نبوغا مُتميِّزًا، فكان فقيهًا أديبًا.
*-في سنة 1971 انضمَّ إلى حلقة العزابة في القرارة، فكان مثالاً للنشاط والتضحية، والقيام بأعظم أعباء المسجد الجسام وأجلِّها، مسؤولية الوعظ والتوجيه الإرشاد.
*-في سنة 1979 عيَّنه الشيخ بيُّوض رحمه الله خلفًا له على منبر الوعظ في المسجد، فقام به أحسن قيام. عمَر بصوته الشجي كلَّ نادٍ، وغمر بنُصحه النديِّ كلَّ واد. ويتميَّز وعظُه بالحكمة، والسلاسة، والرزانة، والوسطية، والاعتدال.
*-في سنة 2004 عيِّن شيخًا «لحلقة العزابة» بالقرارة ورئيسا لها بعد وفاة الشيخ عدون باعتباره أعلم وأفقه عضوٍ فيها.
*-عضوٌ حيويٌّ في «مجلس عمِّي سعيد» الهيئة الدينية العليا المشرفة على مساجد الإباضية في وادي ميزاب ووارجلان. مرجعٌ من مراجع الإفتاء في القرارة، ووادي ميزاب، والجزائر، والعالم الإسلامي. (1/240)
صفحة 200
*-شيخ «لندوة الشيخ عبد الرحمن بكلٍّي البكري» ببريان، وعمدة الفتوى فيها بعد وفاة مؤسِّسها سنة 1986م.
*-رئيسٌ لعشيرة أولاد جهلان بالقرارة، وعضوٌ نشيط وفعال وأساسي في إدارتها.
*-شارك في عدَّة ملتقياتٍ علميَّة، محلية ووطنية ودولية.
*-حريصٌ على متابعة العمرة والحج؛ فقد قاربت حجَّاتُه الأربعين حجَّة، وكان المرشد الديني لبعثات الحجِّ.
*-اشتهر الشيخ برحلاته العلمَّية الكثيرة إلى مختلِف ربوع الجزائر، ودول العالم الإسلاميِّ، داعيًا إلى الله، مُوحِّدا أمَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
*-خلَّف تراثًا فكريًّا بشريًّا يتمثَّل في آلاف الطلبة الذين تخرجوا من مدرسته، وكرعوا من علمه، وتراثًا فكريا نثريًّا يتمثَّل في مئات الفتاوى المبثوثة في مختلف الجهات، و «مختصر تفسير الشيخ بيُّوض» في ثمانية أجزاء، و «شرح الجامع الصحيح» في الحديث، وبحوث فقهية كثيرة، وقصائد بليغة، وخطب ومقالات منشورة ومخطوطة. وترك تراثًا مسموعا يتمثَّل في مئات الدروس الصوتية والمرئية المسجَّلة في مختلف مساجد وادي ميزاب، والجزائر، وتونس، وليبيا، وعُمان، وزنجبار، وغيرها.
(رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه) (1/241)
صفحة 201
المقام الرابع
من كتاب زعيم الأمَّة الميزابيَّة إلى صقر الكنانة
رسالة الشيخ إبراهيم بيُّوض
إلى الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش
الحلقة الثانية:
بشأن مشاركته في المجلس الجزائري،
ومسألة الحماية الفرنسية على بلاد ميزاب
تحقيق أ/ محمد بن أحمد جهلان
كلية الآداب واللغات ــ جامعة غرداية
djehlanem@yahoo.fr
ب
بين يدي «المقام الرابع» (1):
بعد أن نشرنا المقام الثالث في العدد السابق من هذا المجلة، تلقينا عددًا لا يستهان به من المطالب بمواصلة نشر بقية فصول الرسالة، بل ألح علينا كثير من الفضلاء بإخراج الرسالة المطولة كلها بجميع تفاصيلها بدون حذف أو زيادة أو نقصان في كتاب يُخلِّد للتاريخ جهاد الشيخ الإمام وحنكته السياسية، وحبه لإخوانه المجاهدين المصلحين، ومعاناته مع الإدارة الاستعمارية من جهة، ومع بعض الغافلين من أبناء وطنه وأمته من جهة أخرى ... وإذ يتعذَّر علينا في الوقت الراهن الاستجابة للطلب الأخير بتمامه، فاللبيب يدرك أن ليس كلُّ ما يعرف من حقائق التاريخ قابلاً للإذاعة والنشر، وأنَّ بعض ما يرد في المراسلات الإخوانية يُعدُّ شأنا شخصيًّا خاصًّا بين
__________
(1) -هذا الموضوع هو تتمَّة للموضوع المنشور في العدد السابق (18) من مجلة الحياة، والذي أشرنا حينها إلى أنَّ نصَّ الوثيقة التاريخية التي بين أيدينا يُناهز خمسين صفحة! وأنَّالشيخ بيُّوض قسَّم ردَّه على رسالة الشيخ أبي إسحاق اطفيش إلى مقدِّمة وخمسة مقامات. (1/242)
صفحة 202
المتراسلَين ليس من حق الباحث البوح به. قلت، مع ما سبق فإننا رأينا أن نجتزئ في هذا العدد مقطعًا آخر من رسالة الشيخ أبي إسحاق، ومقطعا من ردِّ الإمام الشيخ بيُّوض عليه. فكان هذا المقام الرابع الذي ينبري فيه الشيخ بيُّوض للردِّ على شبهتين كادتا تنطليان على الشيخ أبي إسحاق، أولاهما: أنَّ الشيخ بيُّوض بدخوله المجلس الجزائري قد استأمن الولاة العسكريين وانخدع بوعودهم، وأنَّه لا يفقه لغة الاستعمار ومراوغاته! والثانية: أنَّوجود ممثل لميزاب في المجلس الجزائري يقوِّض معاهدة الحماية بما يهدد الميزابيِّينبذوبان هويتهم الدينية والاجتماعية وضياع حقوقهم السياسية.
وإذ نعرض في هذا الموضوع ردَّ الشيخ بيُّوض، فإننا ننبه القارئ الكريم إلى مسألة مهمَّة، وهي أنَّ من المسلم به في علم التاريخ أنَّ أحداث التاريخ ووقائعه لا تُحاكَم بطريقةٍ رجعيَّة؛ معنى هذا أنَّ فهم النصوص التاريخية وطبيعة المواقف والآراء الواردة فيها ينبغي أن يتمَّ فيالإطار الزمني والتاريخي الذي حدثت فيه، لا وفق تصوراتنا ومواقفنا وآرائنا وقناعاتنا الراهنة؛ وعلى سبيل المثال فإن مفاهيم: «الوطن الجزائري الموحَّد» و «التراب الوطني» و «مسألة الكفاح المسلح» وحتى مسألة «الاستقلال عن فرنسا» كلُّها مفاهيم لم تنضج بعد وتتبلور عند عامَّة الجزائريين قبل فترة الخمسينيَّات، فاعتبارُ الجزائريِّ في بلاد القبائل أنَّ وطنه هو تلك الأرض يفديها بالغالي والنفيس، أوتعبير الفرد من «أولاد نائل» أو «ميزاب» عن قومة «بالأمَّة النايلية» أو «الأمَّة الميزابية» و «الوطن الميزابي» أو «أرض الطوارق» «وبلاد الزيبان»، وغيرها لا يُفهم منه التعصُّب للطائفة أو الانتماء الجغرافي الجهوي، بل هو شعور محمود بالانتماء، سابقٌ للشعور بمفهوم الوطن الجزائري الموحَّد، هذا الشعور الحديث الذي تبلور مع قيام الثورة التحريرية، وتجسد أكثر بعد الاستقلال.
ويبقى أن نذكِّر بأنَّ المقتطف المتناول في هذا الموضوع يعدُّ جزءًا من الرسالة الطويلة التي نأمل أن تُدرس بتأنٍّ وحكمةٍ وعُمق، مع وثائق أخرى للشيخ بيُّوض رحمة الله عليه، تُبرز للأجيال شخصية هذا الرجل: مُصلحًا، ومجاهدًا، ووطنيًّا، وزعيمًا سياسيًّا مُحنَّكًا، مُخلصا لميزابيَّته، وفيًّا لجزائريَّته، معتزَّا بإسلامه، متواضعًا لإخوانه ... (1/243)
صفحة 203
من رسالة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيش إلى الشيخ أبي اليقظان (1)
« ... وقد انتقدتُ نُقطًا لا تزالُ تَرِنُّ في أذني إلى الآن؛ أمَّا دخولها كمجلس للأمَّة الجزائرية فنسخٌ للحماية والمعاهدة قطعًا لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، وقد نسختموها والأمر لله فتحمَّلوا. أمَّا الاعترافُ مرَّة أخرى من جانب الحكومة بامتيازات ميزاب فليس هو إلاَّ من قبيل حقوق الأقلِّيات لو كنتم تفقهون لغة الاستعمار حقَّ الفهم!.
( ... ) يا أيها الإخوان هداكم الله وأخذ بيدكم إلى سبيل السعادة، لا تجتمع حمايةٌ وعضويةُ مجلسٍ مُنتخبٍ إلاَّ إذا كان كمجلس «الدومنيون» فقط، فاستبشروا بنسخكم للمعاهدة إن خيرًا فخيرٌ، وأن شرًّا فشر. وهذا ما يريده أولئك الذين يسايرونكم من «كولونيل» و «كوموندان» ووالي عام إلخ ...
فقد كانت المعاهدةُ حقًّا طبيعيًّا تستطيعون أن تهدموا به كلَّ ما يعمل ضدَّ إرادة الأمَّة بإصراركم على رفضه. أمَّا الآن فلا تغالطوا أنفسكم، ولستُ ممَّن تنطلي عليه المغالطة. أمَّا ذلك التصريح الذي أرسلتَ إليَّ به فإنَّما هو من قبيل التخدير حتى تؤتي اللعبةُ أكلها! أمَّا إن كنتم سئمتم العهد العسكري الطويل الأمد القذر المنظر فأردتم استبداله، فشيءٌ آخر، فله ميدانٌ آخر مع المحافظة على معاهدة البلاد فتنبَّهوا إخواني من غفلتكم ...
وبعد أيُّها السادةُ قضيتم على سلاحٍ كان يفيد الوطن، حصل عليه رجال الماضي، فوصل إلينا ففرَّطنا فيه، وكان شبه سورٍ نتحصَّن به فهدمناه، وكان الهادم رجلا طالما رُجي خيرُه ونفعُه، وقد باركتُ أعماله العلميَّة، وكنتُ أرى فيه رجلاً دبلوماسيًّا يسيل رقَّة وجزالةً ولطفًا وذكاءً وعبقريَّة أيضا، وإخلاصًا لأمَّته ودينه، لا يتطرَّق إليَّ ريبٌ فيه ... ولكنَّه خدعه الوالي و «الكولونيل» و «الكومندان» والقبطان!
__________
(1) -في هذ الجزء الثاني من الموضوع، اجتزأنا من رسالة الشيخ أبي إسحاق ما فيه علاقة بالمقام الرابع من ردِّ الشيخ بيُّوض، كما سبق التنبيه إليه. (1/244)
صفحة 204
( ... ) ومن الخطأ أن يستأمن الرجلُ إلى أولئك العسكريِّين الذين دأبوا على اتِّخاذ كلِّ وسيلة إلى هدم الحماية على وادي ميزاب، ألاَ قد بلغوا، لكن لا على يد المنافقين الذين تيقَّظت الأمَّة لخيانتهم، وإنَّما على يد رجلٍ أمن جانبه لدينه وعلمه وذكائه ويقظته؛ إذن قد أُوتي الإسلامُ من مأمنه. وقد تكلَّمتُ في هذه المسألة مع كثيرٍ من أهل الدراية، فما أحدٌ منهم استطاع أن يجمع بين عضويَّة مجلس مُنتخبٍ محلِّي وحماية قُطرٍ اشترك في انتخابه، بل كلُّهم أجمعوا على أنَّ المشاركة في الانتخابات نسخٌ للحماية.
( ... ) وبعدُ ـ إخواني ـ إنَّني كلَّما خطر ببالي هذا الأمرُ وأنا أمشي إلاَّ وقفتُ، أو أكتبُ إلاَّ توقَّفت، أو في الفراش ذهب النومُ، فهل من رُقيةٍ من هذا الأرق أو ترياقٍ من هذا السَّقم؟؟».
أبو إسحاق
27 رجب1367 ـ القاهرة ـ دار الكتب المصرية
رد الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض على رسالة الشيخ أبي إسحاق
( ... )
«هل استأمن بيُّوض للولاة العسكريِّين؟ وهل نالوا على يده ما لم ينالوه على أيدي المنافقين؟ وهل كان جاهلا بلغة الاستعمار؟
الجواب: إنَّ بين هذه الفروض وبين الحقيقة بُعْدُ المشرقين؛ فما نالوا والله من الأمَّة شيئًا على يد بيُّوض، وقد نالت الأمَّة منهم الشيء الكثير على يده، وما نالت قرية من القرى الرازحة تحت الحكم العسكري وما يشبهه من الحكم الممتزج منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى حتَّى اليوم مثل ما نال قومُ بيُّوض، وما سبب ذلك إلاَّ حذقُه للغة الاستعمار، وفقهُهُ في أساليبها، وبصرُه باللغة التي تُجاب بها، وإنَّ هذا الذي زعمتَ أنّهم نالوا على يده ما نالوا لا يعزون سبب إخفاقهم في كثير من محاولاتهم الماكرة طوال هذه المدَّة إلاَّ إليه. ولئن سألتهم ليجيبنَّك إنَّ ألدَّ أعدائهم (1/245)
صفحة 205
في هذه الديار هو الذي تظنُّ أنَّه تذلَّل لهم واستخذى وانخدع واستأمن جهلا بلغتهم! ومن أحذقُ بلغة الاستعمار ممَّن قضى عمره كلَّه وقد نيَّف على الخمسين ولم يزل بين ماضغي الاستعمار، يضرَّس بأنيابه ويُوطَأ بمناسمه منذ كان وهو في الخامسة من عمره يذهب إلى الكتَّاب فيجد الباب مُغلقا لأنَّ «الرُّومي» قد جاء إلى البلد. ويسمع مرارًا عن المؤدِّب وهو ينادي في الصبيان في أواخر بعض العشايا «لا تقدموا غدًا فإنَّ الرومييزور البلد» فنلعنُ الروميَّالذي يمنع كتاب الله أن يُتلَى، ثمَّ نختفي عن الأنظار خوفًا على أنفسنا من سياط الزائر «الكريم» وعلى مؤدِّبنا من السجن والتعذيب، حتَّى كان مؤدِّبُنا معلِّما يربِّي أمَّة ويخلق أجيالاً ويدير مؤسَّساتٍ ويقوم بأعمال كلُّها ضدَّ الاستعمار في عقر داره، وتحت كابوسه حتَّى أخرج لأمَّته جيلاً من شباب هم عدَّتها في المدلهِمَّات وزينةً في الحفلات؛ دينٌ وخلقٌ وعلمٌ وأدبٌ ووطنيَّةٌ وغيرةٌ وطموحٌ إلى المعالي شجًى في حلوق الظالمين وقذًى في أعين المستبدِّين، حلوُ الفكاهة مرُّ الجدِّ يتَّقدون غيرةً وحماسًا، لولا أنّنا نكبح جماحهم لأتوا بالعجب، قد امتحنَّاهم فتكشَّف الامتحان عمَّا ملأ القلوب غبطةً وانشراحًا وطمأنينة. خُضنا بهم معارك ودفعناهم إلى المخاطر فأبلوا فيها البلاء الحسن وعادوا ظافرين، قد عمروا اليوم ميادين وسدُّوا ثغورًا ومن ورائهم أجيالٌ متتابعة تسير على وتيرتهم، قد أصبحوا في الأمَّة مطمح أنظارٍ ومضربَ أمثالٍ. وإنَّ الإدارة ـ والله ـ لتَقرَأُ لهم حسابًا، ويكفي أحدهم أن يقول في بيان هويَّته: «تلميذُ بيُّوض» حتى يُنظر إليه نظرةً خاصَّة، ويُعامل معاملةً خاصَّة أيَّا كانت (1).
__________
(1) - من غريب تناقضات التاريخ أنَّ كثيرًا من هؤلاء التلاميذ الذين تحدَّث عنهم الشيخ، وكانت الإدارة الاستعماريَّة تحسب لهم ألفَ حسابٍ، وتعتبرُهم أعداءَها الألدَّاء، أنكر بعض انصاف المسؤولين في الحزب الحاكم بغرداية بعد الاستقلال فضلَهم، فكان يكفي أن يُعرف عن أحدهم بأنه «تلميذُ الشيخ بيُّوض» لينظروا إليه نظرة خاصَّة، ويجحدوا تاريخه النضاليَّ، ويحرموه من بطاقة الاعتراف بجهاده الثوري، ناهيك عن تقليده منصبًا إداريًّا، أو مسؤوليةً رسميَّة عسكرية أو مدنية! لمزيد اطلاعٍفي هذه المسألة ينظر كتابَي: أبو العلا محمد بن سليمان، «صفحاتٌ من الكفاح، لمجاهدي القرارة في الثورة التحريرية» نشر جمعية التراث 2006، و «صفحاتٌ من الكفاح، خاص بالشيخ بيُّوض ضدَّ الاستعمار الفرنسي في الجزائر» نشر جمعية التراث، 2012. (1/246)
صفحة 206
أيصنع هذا من يستكينُ ويستخذي ومن يقدِّم حظَّ نفسه ومن يتعشَّق الوظائف ومن يستأمن وينخدع ومن لا يفهم لغة الاستعمار؟
لقد نَكَبَكَ الاستعمارُ أفدح نكبةٍ أيُّها الشيخ إذ أقصاك عن بلدك، لكنَّه دفع بك إلى «الكنانة» فعشتَ فيها رُبعَ قرنٍ حُرًّا طليقًا لا تُحسُّ للاستعمار من أثرٍ ولا تسمع له ركزًا، إلاَّ ما تقرؤه في الكتب والصحف، وشتَّان بين هذا وبين من قضى عمرَه في بؤرة الاستعمار والاستعباد، وليس عايشًا فيها عيشة فردٍ عاديٍّ قد لا تكتحل عينُه بحاكمٍ من حكَّامه أعوامًا طوالاً، ولا عيشة النَّكراتِ من النَّاس، بل يعيش عيشة قائمٍ بأعمالٍ لها خطرُها تجعلُه مُرَاقَبًا في كلِّ لحظة، محاسَبًا على كلِّ حركةٍ، مضروبةٌ حوله الأرصاد والعيون، وتُخلق له من بني جلدته أعداءٌ وحَسَدَة، وخصومًا لا يفتأون يمكرون به، يَسعَون ويَشُون، ويتَّهمونه لدى ذوي السلطان الظلمة بما يوغر صدورهم عليه ممَّا كان وممَّا لا يكون، وذلك بطبيعته يقتضي أن يُجَرَّ إلى مواقف الاتِّهام أمام السادة الحكَّام، ويعيش عيشة مُطالِبٍ بحقوق مُغتَصَبَة، مُدافعٍ لمظالمٍ واقعةٍ أو متوَقَّعة، وهذا يقتضي الاختلاف إلى مكاتبهم، والكتابة والردَّ على كُتبهم، ودحض شُبَههم، مع اتِّقاء شرورهم، وتجنُّب إثارة سخطهم، وإيغار صدورهم، وفي كلتا الحالتين إمَّا أن يُنجيَه حذقُه وبصرُه بأساليبهم في الخطاب والجواب، ولطفُه في المدخل والمخرج، ومرونتُه السياسيَّة، وإمَّا أن يُرديه جهلُه وتهوُّره وخرقُه!
ومن عالج ذا ثلاثين عامًا أدرك فيها ما ابتغاه ونال مراده ومُتمنَّاه، ولم يزل ماضيًا في سبيله صحيح الدين، متين الخلق، قويَّ الإرادة، صارم العزم، حاملاً راية الدفاع عن أمَّته ضدَّ الظلَمَة من ذوي السلطان وأذنابها من حُمر الاستعمار، لا يقال فيه: «إنَّه لا يفهم لغة الاستعمار»!
هل ميزاب بلاد حماية؟
لا أتعجَّل الجواب؛ فالموضوع جدُّ خطيرٍ، لكنَّني أعرضه بحثًا مختصرًا ودراسة قصيرةً، وعلى الشيخ بعد أن يحكم. (1/247)
صفحة 207
سيِّدي الشيخ: إنَّ كلَّ ما كان منك من تحاملٍ على إخوانك، وزعزعة عقيدتك فيهم، وكلَّ ما أصبت به من لوعةٍ وأسًى وهمٍّ مُقيم مُقعدٍ لأمرٍ كلَّما ذكرتَه وأنت ماشٍ وقفتَ، أوأنت كاتب توقَّفت، أو في الفراش ذهب عنك النوم، فأنت تطلب رقيةً أو ترياقًا ... إنَّما كان مرتكزًا على مقدِّمات ثلاث:
*- ميزاب بلاد حماية.
*- والمجلس الجزائري مجلسٌ تشريعيٌّ منتخب.
*- والجمعُ بين عضوية مجلس مُنتخب محلِّي وحماية قطرٍ اشترك في انتخابه مُحالٌ قانونا.
سلَّمنا لك المقدِّمة الثالثة فقد قالت فيها حذام قولها (1)،ولنا معك نزاعٌ في الثانية، بيد أنَّه ليست بنا حاجةٌ في القول فيها حتَّى تسلِّم الأولى.
وبعد؛ فإنَّ الموضوع قانونيٌّ دقيقٌ، وقد استعملتَ أنت فيه في رسالتك لغة القانون الصريحة الواضحة فأحسنت. فعلينا إذن أن لا نستسيغ لأنفسنا التجوُّز في الكلام، ولا إلقاء الكَلِمِ على عواهنها، وعلينا الدقَّة في التعبير والتحديد في التصوير والتزام الحقيقة، فلا نستعمل كلمة إلاَّ في معناها المطابق الذي وُضعت له حتَّى لا نزلَّ ولا نخطئ ولا نضلَّ.
فما هي الحماية؟ ( Protectorat):
يحدِّدها معجمٌ فرنسيٌّ صغير بين أيدينا الآن تعريبه بالدقَّة: «حالةُ دولةٍ أجنبيَّة موضوعة تحت سلطة دولة أخرى، خاصَّة في ما يتعلَّق بجميع علائقها الخارجيَّة».
وليست لدينا موسوعاتٌ تشرح لنا هذا الحدَّ، ولكن بنا حاجة ـ فيما نظنُّ ـ إلى شرح أو تفسير بالحدِّ صريح واضح، وما نعرفه من الأوضاع السياسية لحماية الجارتين تونس والمغرب الأقصى، ومن الحواجز الجمركيَّة بين الجزائر وبينهما، ومن مصادر
__________
(1) - «حذام» اسم امرأةٍ في القديم كانت صاحبة رأي، وأصبحت مضرب مثل، قال الشاعر:
إذا قالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا *** فإنَّ القولَ ما قالت حَذَامِ. (1/248)
صفحة 208
التشريع وسُلَط التنفيذ ونُظُم الحكم والإدارة فيهما، ومن ذوي السلطان الذي تسنُّ القوانين في الدولتين بأمره وتنفيذ الأحكام باسمه، ولا يوضع قرارٌ مَّا موضع التنفيذ إلاَّ إذا كان حاملا لطغرائه (1) وختمه.
أقول: ما نعرفه من ذلك وما إليه كافٍ في الكشف عن حقيقة الحماية في القانون والواقع، ولستم أيَّها الشيخُ بجاهلين لشيءٍ من ذلك. فما هو النصُّ الصريح الذي وضع ميزاب وضع حماية؟ وما هي آثارها؟ وأيُّ فرعٍ من فروع هذه الإدارة والحكم والسلطان في ميزاب يبدو فيه؟
إنَّه يخيَّل إليَّ أنَّكم لو سألتم «أهل الدراية الكثيرين» عن حقيقة الحماية في العُرف الدوليِّ ثمَّ شرحتم لهم وضع ميزاب الواقع الحالي، قبل أن تسألوهم عن إمكان الجمع بين حماية قطرٍ واشتراكه في مجلس مُنتخب محلِّي، لكان خيرًا لكم، وإذن لتكشَّفت لكم الحقيقة المرَّة المؤلمة؛ أنَّ ميزاب بلد حماية، أو لارتَبتُم فيما كنتم تعتقدونه، فلم تتعجَّلوا بالحكم حتَّى تعيدوا الدرس والبحث والنظر.
وإنَّه يُخيَّل إليَّ أنَّكم لم تطَّلعوا على نصِّ معاهدة (1853)، ولو اطَّلعتم عليها لرَابَكُم أمرُ الاعتماد عليها في دعوى الحماية، لا في دعوى الامتيازات، وإن أردتم بعثنا إليكم بنسخةٍ منها بالنصِّ الفرنساوي وبترجمتها، إنَّها معنونة بـ «معاهدة خضوع أو طاعة ( soumission) بني ميزاب لفرنسا». واستُعملت الكلمة نفسُها في صلب العقد، ووردت فيها كلمة «الخُدَّام» ( serviteurs) مرَّتين، ولم ترد كلمة «الحماية» إلاَّ في جملة واحدة وهي: «وإذا فعلتم هذا من الشروط التي اشترطها الوالي العام «الكونت راندون» فإنّكم تحسبون من خُدَّامنا وإنَّ حمايتنا تغطِّيكم في كلِّ جهة في أسفاركم، بين قبائلنا وفي إقامتكم بمدننا». وكلُّ ما نصَّت عليه فيما نسمِّيه نحن استقلالنا الداخليِّ هو هذا بالتعريب الدقيق: «إنَّنا لا نريد بأيِّ كيفيَّة أن
__________
(1) -الطُغْرَاءُ: ما يُكتبُ في أَعلى الكُتُب والرسائل غالبًا، تتضمَّنُ نعوتَ الحاكم وألْقابَهُ، وأصلها «طورغاي» وهي كلمةٌ تَتَرِيَّةٌ استعملها الرومُ والفُرْسُ، ثم أَخَذهَا العرَبُ عنهم، وهي ما نعرفه اليوم بالاسم الفرنسي: ( Entête). (1/249)
صفحة 209
نتدخَّل في أموركم الداخليَّة ( vos affaires interieures) وستبقون من هذه الناحية مثل ما كنتم في الماضي».
فتأمَّل جيِّدا كلمة «أموركم» ( vos affaires)، وأنت تعلم مرونتها؛ وهل تشمل في لغة السياسة الإدارةَ والحكمَ؟ وهل يصحُّ الاعتماد عليها عند النزاع؟ إنِّي والله في ريبة من ذلك، وأرى الذين قبلوها وأمضَوها هم الذين لم يفهموا لغة الاستعمار، على أنِّي ـ والله ـ أُكبِرُ عملَهم وأُجلُّه، وأرى أنَّ ذلك أقصى ما قدروا عليه (1). ولا أتعرَّض للتصريحات الأخرى من بعض الولاة والمسؤولين، لأنَّها كلَّها متفرِّعة عن هذا الأصل.
وأمَّا من حيث الواقع؛ فإنَّ ميزاب لم يتَّصل يومًا بوزارة الخارجيَّة، ولم يزل متَّصلا بوزارة الداخلية من طريق حاكم المستعمرة، وقد قيل إنَّه كان وقتا مَّا متَّصلا بوزارة الحربية من طريق القائد الأعلى لجيش الاحتلال. ولم يكن في ميزاب ذو سلطانٍ تصدُر الشرائعُ وتُنفَّذ الأحكام باسمه، لا فردٌ ولا هيئة، ولم يزل قضاتُه يكتبُون في رسوم الأحكام العبارة التقليدية: «الحاكم الجمهوريُّ الفرنسيُّ أمر وأوصى جميع العمَّال والمتصرِّفين إلخ» ...
ولم يزل أمرُ التوليةِ والعزلِ في جميع الوظائف، شرعيَّة كانت أم إداريَّة، في جميع الدرجات بيد الحكومة الفرنسوية، لا يصدُر شيءٌ من ذلك إلاَّ باسم الوالي العام ممثِّل الحكومة الجمهوريَّة، أو حكومة الملك، أو رئيس الدولة، حسب تقلُّبات أوضاع الحكم في فرنسا، لا شيء من ذلك في يد الأمَّة مطلقًا! وإن كان يُطلَبَ إلى سراتها في سنوات الاحتلال الأولى أن تقدِّم أسماء مُرشَّحِين للوظيف الشاغر، إلاَّ أنَّ الاختيار والتعيين إنَّما هو بيد الحاكم وحده، باسم دولته لا باسم
__________
(1) -هنا يظهر للقارئ الكريم حنكة الشيخ بيُّوض السياسية والتاريخية، وأنه قرأ الواقعة التاريخية المعروفة بمعاهدة الخضوع أو الحماية (1853) وفق إطارها الزمني، والملابسات والظروف التي دفعت أعيان ميزاب آنذاك لتوقيعها. في حين نجد اليوم بعض من يكتب في تاريخ وداي ميزاب ـ بعنصرية وبغير تجرد علمي ـ ينظر للواقعة بمنطق رجعي فيتهم أعلام ذلك الزمن بالتواطؤ والعمالة والخيانة، وهم برآء من كل ذلك، فليُتأمل! (1/250)
صفحة 210
الأمَّة، ولا باسم ذي سلطانٍ فيها. وحتَّى شيوخُ العشائر الذين يُنتخبون انتخابًا على ضيق دائرة سلطتهم، وحصر أعمالهم في جمع الغرامة ومعونة القائد في تنفيذ أوامر الحكومة، وبعض الإصلاحات البلديَّة الداخليَّة، لا يستطيعون أن يقوموا بعمل مَّا مهما كان تافهًا حقيرًا وكانت فائدته كبيرة للسكان، ولم يكن بحيث يمسُّ نفوذ الدولة أو سلطة الحاكم، إلاَّ بعد أن يقدِّموا في ذلك عريضةً مفصَّلةً كلَّ التفصيل لمشروعهم هذا، أو يطلبوا الإذن والموافقة من السيِّد الحاكم، والأمرُ بعد ذلك له وحده، إن شاء أذن وإن شاء منع.
وهذا الانتخابُ لشيوخ العشائر الذي كنَّا نعدُّه ميزةً من ميزات ميزاب يوم كانت هذه المناطق الصحراوية محرومة منه، إنَّما كان بقرارٍ صادرٍ من الوالي العام، إلاَّ أنَّه مقيَّدٌ بحقِّ الرفض ( Veto) الذي خوَّله الحاكمَ العسكريَّ. فللحاكم أن يرفُض مُنتخَب عشيرةٍ، أو يقول لهم أبدلوا به غيره، فإن امتثلوا وإلاَّ قدَّم عليهم شيخًا رغم أنوفهم لدورة كاملة من دورات الانتخاب. وقد نعِمنَا ـ والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه ـ زمنا طويلا تحت رحمة شيوخ فُرِضُوا علينا فرضًا بعد إصرارنا، فرفعنا قضايانا إلى مجلس الدولة طمعًا في العدالة، فدفع في صدورنا وقيل إنَّ ذلك حقٌّ من حقوق الحاكم العسكري لا يُنسخ، لكنَّنا واصلنا كفاحنا حتَّى قيَّض الله لنا من قَبلَ شكوانا، فأنصَفَنا في هذه القضيَّة الوالي العام (شاتينيون) الذي هو اليوم سفيرٌ لفرنسا في موسكو، وقال لنا في مكتبه يوم 9 يونيو 1947 وقد قدَّمنا له عريضة من مطالبنا (1)، وفيها هذا ونحن خمسة:
__________
(1) - هذه العريضة تعد وثيقة تاريخية مهمَّة في تاريخ علاقة وادي ميزاب بالإدارة الفرنسية الاستعمارية، وتعتبر المطالب الواردة فيها ـ والتي أطلق عليها صفة «الإصلاحات» ـ مطالب ترقى إلى مطالب الحكم الذاتي والاستقلال والحرية، في وقت كان فيه الحس الوطني الجزائري التحرري ضعيفا بشكل عام في الجنوب على الأقل. حرِّرت العريضة بميزاب يوم الجمعة 19/ 06/1366هـ يوافقه10/ 05/1947م بالنيابة عن الأمَّة الميزابية. ينظر نص الوثيقة: الحاج امحمد عمر بن عيسى العطفي: «مذكرات ووثائق رسمية عن وادي ميزاب»، ص ص06ـ12. (1/251)
صفحة 211
الكاتبوعمر بن عيسى (1) وباسعيد عدُّون (2) والكولونيل «تان» والحاكم العسكري لمنطقة غرداية «لوهيرو» والمدير العام لجميع أوطان الجنوب بالعمالات الثلاث. قال لنا الوالي العام وقد وصل إلى مطلب إلغاء حقِّ الرفض: «إنَّني من الآن قد انتزعتُ حقَّ الرفض من الحاكم العسكريِّ وأبطلتُه، لأنَّ هذا ليس انتخابًا ديموقراطيًّا فاطمئنُّوا».
رجعنا مسرورين ننتظر يوم الانتخاب، لكنَّ ذلك الطاغية المدير العام ومن ينضوي تحت لوائه دبَّروا مكيدة لتعطيل الانتخاب من أغرب وأعجب ما أنت سامع ( ... ) كنَّا نشكو أمس من الانتخابات المقيَّدة فأصبحنا اليوم محرومين من مطلقه ومقيَّده، في وقتٍ أصبحت فيه قبائل البوادي كلُّها التابعة للجلفة والأغواط وتيقورت والعين الصفراءوغيرها سوى ميزاب تتمتَّع بجماعات منتخَبَة، ولرؤساء الجماعات حقُّ الإشراف على الميزانية ومناقشتها، وهذا كلُّه قبل صدور الدستور الجزائري وانتخاب مجلسه، أمَّا اليوم فستزداد حالتهم تحسُّنا ومنزلةً طمحنا إليها قبلهم، وحقٌّ كنَّا نطلبه من قبل أن يخطر لهم على بال أدركوه باتِّحادهم وفاتنا بتخاذلنا.
لقد قلتُ آنفا: في هذا شجن طويل أُرجئ الحديث فيه إلى فرصة أخرى فما أدري كيف عدتُ فيه.
لنعُد إلى ما كنَّا فيه من بيان وضع الأمَّة الراهن، باحثين عن أثر الحماية في زاوية من زواياه.
__________
(1) - عمر بن عيسى بن إبراهيم الحاج امحمد، العطفي [وكيل الأمَّة الميزابية] سياسي ووطني محنَّك، ولد سنة 1884 بالعطف، ساهم في حركة الأمير خالد الوطنية، وفي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان يدعمها بالمال والعتاد حتى سنة 1958. أنشأ أول مدرسة عصرية في العطف. فوَّضته الأمَّة الميزابية للدفاع عن حقوقها لدى الإدارة الاستعمارية، وبخاصة في مسألة التجنيد الإجباري. ألقي عليه القبض إبان ثورة التحرير وقضى فترات طويلة في سجون الأغواط والبليدة. وأطلق سراحه لكبر سنه، فواصل جهاده الثوري حتى استقلال الجزائر. له مؤلفات ومقالات عديدة في جرائد الشيخ أبي اليقظان. توفي في 23/ 12/1973. . تُنظر ترجمته الكاملة في: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، (قسم المغرب)، ج3، ص: 647 ـ 649.
(2) -باسعيد عدون بن بكير عدون. (1/252)
صفحة 212
تدخَّلت الإدارة في كلِّ شيء؛ فلا فتح لمدرسةٍ، ولا لقسمٍ، ولا تعيين لمعلِّمٍ في مدرسةٍ مُرخَّصةٍ، ولا تأسيس لجمعيَّةٍ أو شركةٍ أو نقابةٍ إلاَّ برخصة، والطريق إليها طويلٌ، والشقَّة بعيدة، ولا بناء ولا حقَّ إلاَّ بإذن، ولا أدب بسوطٍ في مسجدٍ، ولا في عشيرةٍ، ولا في محضرةٍ، ولا في مدرسةٍ، ولا في بيتٍ، ولو من الأب لابنه أو ابنته على فاحشة، لأنَّ التعذيب الجسديَّ ممنوعٌ قانونًا، ولأنَّ الزجر من خصائص الإدارة، ولأنَّ الناس أحرارٌ إلاَّ فيما يُعكِّر صفو الأمن العام، ولأنَّ البنين والبنات «أولادُ البايليك»! هذه الكلمات تسمعها بالحرف من شفاه رجال الإدارة في مناسباتها. وقد تقابلت فتاةٌ مع أبيها أمام حاكمٍ، وكانت فرَّت مع خليلٍ استهواها، فردَّها الأبُ، فقال الحاكم للأب: «لا سلطان لك عليها، وقد بلغت الحُلُم، فلتذهب مع من تريد»!، ورُفِع أمرُ والدٍ أدَّبَ ولَدَه على شُرب الدُّخان إلى الحاكم فدعاهما وزجر الأبَ وتوعَّده، وأعطى الابن سيجارةً وقال «تكيَّف» أمام والده ... ! وفي الزوايا خبايا لو شئت لكشفتُ لك عن أسرارها، لكن هذه العيِّنة تكفيك.
لقد جاهدنا طويلا في سبيل غلق حانات ومواخير بميزاب، فرُدِدنا على أعقابنا خاسرين، لأنَّ القانون رخَّص لهم، ولأنَّهم يُؤَدُّون الضريبة المقرَّرة. ولم ينفعنا في هذا اتّحادُ كلمة الأمَّة ولا إجماعٌ ولا إعطاءُ الحماية! فما أدري ـ والله ـ أيَّ شيءٍ بقيت إدارتُه بيد الأمَّة؟
قالوا: إنَّ شيوخ العشائر هم الذين يجمعون الضرائب من عشائرهم ثمَّ يدفعونها، أهذا استقلال؟ أي والله لقد وجدت الإدارةُ قومًا يعملون لها بغير أجر! تُسخِّرهم تسخير الأنعام، وتسخَرُ منهم وتستهزئ بهم، على أنَّ هذا خاصٌّ بالضريبة الأولى المقرَّرة في المعاهدة، مع أنَّ الحكومة ضاعفتها أضعافا كثيرة بلا مشاورة للأمَّة ولا اتِّفاق، ولا تزال ترفعها في كلِّ عام، ولا يُكلِّفها إلاَّ أن تُصدِرَ أمرها ثمَّ تُعلِنَه، ومن توزيعها الذي نصَّت المعاهدة أنَّه بيد الأمَّة لا يقرَّر اليوم إلاَّ بعد عرضه على الحاكم كتابة في صورة اتِّفاق، وموافقته كتابة كذلك.
أمَّا ضرائب المكوس على الأسواق والمجازر، ورسوم التسجيل للرسوم المدنيَّة من بيعٍ ورهنٍ وقسمةٍ وغير ذلك، وغرامة الإرث المرهِقَة التي أذابت الشحم، وأكلت (1/253)
صفحة 213
اللحم، وانتَقَتِ العظمَ (1)،فأمرُها كلُّها راجعٌ إلى إدارتها القانونيَّة المختصَّة، لا شأن للأمَّة فيها إلاَّ الإذعانُ والدفع.
قالوا: المساجدُ والأوقافُ؛ وتبجَّحوا بهذا بملء أشداقهم. قلنا: عجبًا وما للحكومة ومساجد ميزاب وأوقافه، وقد أعطي بيده واستسلم ولم يؤخذ عنوة؟ وهل استولت الحكومة إلاَّ على ما صادرته أيَّام الاحتلال وعند إخماد بعض الثورات المحلِّية؟ هذه مئات من المساجد في جميع أنحاء القطر الجزائري وهذه أملاكٌ لا تُعدُّ ولا تُحصى موقوفةٌ عليها لم تتعرَّض لها الحكومة بسوءٍ بل بقيت حرَّة يديرها أصحابها كيف شاؤوا لأنَّها ممَّا استسلم أصحابُها كميزاب، أو ممَّا وُقِّف وبُنِي بعد الاحتلال، كهذه العشرات من المساجد التي شُيِّدت في السنوات العشر الأخيرة بعد صدور قرار (ميشال)، فلا ميزة ولا مزيَّة. على أنَّ أكثر أوقاف ميزاب ليست قائمة العين، بل حقوقًا في ذمم معلَّقة بأملاك معيَّنة تصنع خبزًا وطعامًا للفقراء والمساكين وتعطى وقودًا للمسجد يستضاء به وما أشبه ذلك.
أمَّا الدينُ والعبادةُ؛ فلا شأن للحكومة فيه، وليس فيه احتلالٌ ولا استغلالٌ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. آمن أناسٌ بباريس وكفر آخرون بمكَّة. من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدا.
قالوا: القضاءُ؛ فقلنا: لا ميزة مطلقًا؛ المحاكم في القطر الجزائري ثلاثة: إباضية ومالكية وحنفية. فأمَّا التَّولِيَةُ والعزلُ فأمرُهما في الجميع إلى الحكومة الفرنسيَّة، وأمَّا النُّظُم والإجراءات والأجورُ فكلُّها متشابهة متساوية، من وضع وزير العدلية، بإذن الحكومة الفرنسية، إلاَّ ما كان من فَرْقٍ يُقرِّره القانونُ أيضًا بين محاكم الشمال ومحاكم الجنوب. وأمَّا أصول الأحكام ومستنداتُها فالكتُب المعتبرةُ في كلِّ مذهب من المذاهب الثلاثة، والشريعة العرفيَّة في بلاد القبائل الأخرى، ولا شأن للحكومة في هذا أبدًا، وإنَّما الأمرُ كلُّه إلى القاضي.
__________
(1) -اِنْتَقَى العَظْمَ: أَخْرَجَ نَقاهُ، أَي مُخَّهُ ولُبَّه. (1/254)
صفحة 214
فأين ميزتُكم يا بني ميزاب؟ أعترِفُ أنَّ لنا هناك ميزةٌ واحدةٌ؛ هي والله وبالٌ علينا، ذلك أنَّه ليس لنا حَمَلَةُ شهاداتٍ من المدارس الرسميَّة، لأنَّ الفقه الإباضي لا يُدرَّس فيها، فانفتح البابُ للجهلة أنصافِ الأمِّيِّين، فقفزوا إلى مناصب لم يكن يقترب منها غير المجتهدين، يُقدِّم أحدهم مطلبه ويقدِّم بين يدي نجواه صدقة، فيُدعى إلى الامتحان على يد ضابطٍ فرنسيٍّ تعلَّم بعض كلماتٍ من العربيَّة الدارجة فيُجيزُه ويشهد له بالأهليَّة، فيصبح قاضيًا للمسلمين! وإنَّنا من هذا الأمر في بلاءٍ ليس يشبهه بلاء!
فقُضاتُنا وخلفاؤُهم أضحوكةٌ وسخريةٌ بين الموظَّفين الشرعيِّين الجزائريِّين، وقد بحَّت أصواتُنا بالنداء لمعالجة هذا الداء، لكن داء العنصريَّة وحميَّة الجاهليَّة لا يزال غالبا، والأمر لله.
إنَّنا منذ سنواتٍ عديدة نحاول بيع قِطعٍ من الأرض حول سور البلد ليَبنِيَ فيها المحتاجون مساكن لهم، وقد غَصَّت القريةُ بالسكَّان، وبلغت قِيَمُ الدُّور حدًّا لا يكاد يُصدِّق به العقل، وانتشرت أوبئةٌ وأمراضٌ بسبب تراكم السكَّان بعضهم على بعض مع دواجنهم ودوابِّهم في مساكن غير صحِّيَّة. وإنَّ ثمن ما يُباع يدخُل في كيس الجماعة يُنفق في مصالح البلد، والميزانيةُ تُعرض شهريًّا على الحاكم للمصادقة أو الرفض، وأكثر الصناديق فارغة قد أرهقتها القروضُ، وكلُّ شيءٍ واضحٌ كالشمس في الزوال. وقد قدَّمنا تقارير ضافية مفصَّلة في هذا، فوالله ما حصلنا على إذن!
وتحمَّلت الجماعة في القرارة مليون فرنك وربع لبناء الطابق الأوَّل من مصحَّة القرية، وبُنِيَ فعلاً، ولا يزال البناء متعطِّلا منذ سنتين بسبب منع الإدارة لبيع الأراضي التي قرَّرت الجماعة بيعها لهذا الغرض، ففائدة بيعها مزدوجةٌ تُبنَى عليها دورٌ جديدة للترفيه عن السكَّان، والتخفيف من وطأة الزحام، والنقص من غلاء البيوت شراءً وكراءً، وتشغيل اليد العاطلة في أعمال البناء، وإعداد موادِّه، وزيادة دخل صندوق (1/255)
صفحة 215
الجماعة البلديَّة بغرامة الدور الجديدة، ومن وراء هذا كلِّه إنشاءُ مصحَّة واسعةٍ للقرية بثمنها، قد كتبنا كلَّ هذا وبسطناه، فوالله ما أُذِنَ لنا حتَّى الساعة (1)!
وقد أُصِبنا بالقرارة بكارثة من الجدب والجفاف، هلك بها الزرعُ والضرع، وماتت آلافُ النخيل والأشجار، وقد عزَّ ماء الشراب، وإنَّ ما أنفقه بعضُ المحسنين في شهر رمضان خاصَّة لتسهيل سقي الماء للشرب يتجاوز مائتي ألف فرنك! وإنَّنا منذ شهورٍ نُطالب الإذن في حفر عينٍ لإنقاذ الأمَّة من الهلاك، وحفظ ما تبقَّى من نخيلٍ يُسَدُّ به رمق الحياة، بمالنا الخاصِّ ووسائلنا الخاصَّة، وقد أعددنا للأمر عُدَّته من نقابةٍ قانونيَّة، ومالٍ وجاهٍ وأعوانِ الحكومة، فشاهدوا خطر الحالة واعترفوا بوجوب الإسراع إلى الإنقاذ، فوالله ما حصلنا على إذنٍ حتَّى كتابة هذه السطور! وليست الإدارةُ ولا الحكومةُ مُنفقةً على هذا ولا ذاك درهمًا ولا دينارًا، ولسنا بِمُرزِئيها شيئًا، وإنَّها مع ذلك لَمانعةٌ، ولسنا بمستسلمين أو ننال!
هذه هي الحماية! وهذا هو استقلالُميزاب الداخلي! وهذا هو تمتُّع الأمَّة الميزابية بإدارة شؤونها بنفسها، اجتماعيًّا وسياسيًّا كما يقول سادتُنا الجامدون! لا والله، ما نعرف شيئًا بقي أمرُه بيد الأمَّة في ميزاب. ولقد تحدَّينا الأمَّة بهذا في اجتماعاتٍ ضمَّ بعضُها بضعةُ آلاف، فما واحدٌ منهم استطاع أن يذكُر شيئًا واحدًا. ولقد قلنا لهم: إذا كنتم مُستقلِّين استقلالاً داخليًّا، وكنتم تتمتَّعون بإدارةِ شؤونكم الداخلية بأنفسكم فما لهذه الحانات؟ وما لهذه المواخير؟ وما لهذه المقامر؟ وما لهذه السيول المتدفِّقة نحو واديكم؟ وما لهذه السدود المضروبةِ دون التعليم والتعمير والإنشاء والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي؟ فلا حركة ولا سكون إلاَّ بإذنٍ، والإذنُ بين ماضِغَيْ أسَدٍ أو في منقارِ عَنقاء (2). أم ترون أنَّ هذه شؤونٌ خارجيَّة؟ فما الداخلية؟ أإيواؤُكم إلى فُرُشِكُم وإفضاؤُكم إلى نسائكم، أم ماذا!؟
__________
(1) -تتجلى في هذه المقاطع شخصية الشيخ بيوض الزعيم القائد المحنك، والتي عز مثيلها، وفيها يظهر اهتمامه بكل جوانب حياة أمَّته وقومه؛ اقتصاديًّا واجتماعيَّا وصحيًّا ودينيًّا وأخلاقيًّا ... رغم عراقيل السياسة الاستعمارية الفرنسية وتعقيداتها.
(2) -العنقاء: طائر خيالي أسطوري، ويضرب هذا المثل للأمر المستحيل استحالة استرجاع شيء من منقار هذا الطائر الخيالي. (1/256)
صفحة 216
( ... ) إنَّنا ـ والله الذي لا إلاه إلاَّ هو ـ لا نعرفُ في التاريخ انخداعًا بالترَّهاتِ، ولا سعيًا على غير هُدى وراء الخيالاتِ والأطيافِ والأباطيل، ولا اغترارًا بالسراب وزخرُف القول وأضغاث الأحلام، مثل هذا الذي ابتُليَت به هذه الطائفةُ التي ابتليت أمَّتنا العزيزةُ المسكينة بزعامتها وقيادتها! يطرَبُون للمدى المشحَّذة (1) للإجهاز عليهم، ويرقصون على نغمات أوداجهم المغرية وهي تَشخَبُدمًا (2)، أسكرتهم حتَّى أفقدتهم الوعي والرشد كلماتُ «الحماية» و «الاستقلال الداخلي» و «التمتُّع بإدارة الشؤون» ... ألفاظٌ لا معنى لها، وأوهامٌ لا حقائق لها، وإلاَّ فأين هي الشعرةُ البيضاءُ من جلد الثور الأسود (3) التي بقيت بأيديهم يتصرَّفون فيها كما يشاؤون؟
( ... ) كبُرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاَّ كذبا ( ... ) كتبوا هذا إنَّما كتبوه في نفس الأيَّام التي مدَّت فيها الإدارةُ يدها بأفظع صورة إلى حرمٍ آمنٍ مُقدَّس كنَّا نظنُّه ملجأً أمينًا؛ حرَمُ المسجد؛ فقادت جماعةَ عزَّابة بريان وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحمن (4)، بغطرسةٍ وجبروتٍ إلى قفص الاتِّهام، فأجرت التحقيق معهم في
__________
(1) -السكاكين الكبيرة الحادة المخصَّصة للذبح.
(2) -شَخَبَ اللبنُ: خَرَجَ مِنَ الضَّرْعِ مَسْموعاً صَوْتُهُ، وشَخَبَ الدَّمُ مِنَ الجُرْحِ: اندَفَعَ بِصَوتٍ مسموعٍ، «يُبْعَثُ الشَّهِيدُ يَوْمَ القِيَامَة وَجُرْحُهُ يَشْخَبُ دَمًا».
(3) -إشارة إلى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله ابن مسعود، قال: «كنا مع النبي في قبة، فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة». قلنا: نعم، قال: «أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة». قلنا: نعم، قال: «أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة». قلنا: نعم، قال: «والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أنَّ الجنة لا يدخلها إلاَّ نفسٌ مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلاَّ كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر». صحيح البخاري – رقم الحديث: 6528.
(4) -الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي، الشهير بالبكري؛ من أشهر شخصيات وادي ميزاب في العصر الحديث، من مواليد العطف يوم 03/ 10/1900، خريج جامع الزيتونة بتونس، متكون في الثقافتين العربية والفرنسية، عيِّن عضواً في لجنة صياغة القانون الأساسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. من المؤسسين لجمعية النهضة في العطف، وجمعية الفتح ببريان. شارك مشاركة فعَّالة في العمل السياسي والتنظيمي الثوري، فألقي عليه القبض عام 1957م، هو ورفيقه الشهيد باسليمان إبراهيم لمنوَّر، الذي قتل تحت سياط التعذيب. بعد الاستقلال عين عضوًا في المجلس الإسلامي الأعلى، وتولى رئاسة مجلس عمي سعيد بميزاب في بعض فتراته. خلَّف ما يناهز خمسين عملا بين تأليف وتحقيق وترجمة، بعضها مطبوع وأكثرها مخطوط، ناهيك عن عشرات المقالات المهمَّة التي كان يوقِّعها باسم (البكري) في صحف أبي اليقظان. توفي في بريان يوم الاثنين 13/ 01/1986. تُنظر ترجمته الكاملة في: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، (قسم المغرب)، ج3، ص: 521 ـ 529. (1/257)
صفحة 217
إهانة (1/258)
صفحة 218
وإذلال، ثمَّ أقامت ضدَّهم دعوى لدى المحكمة الحربيَّة لأنَّهم أدَّبُوا في المسجد هاتك حرمةٍ ـ مُرتكب فاحشةٍ قامت عليه بيِّنةٌ ثمَّ أقرَّ واعترف ـ أدبًا شرعيًّا، ما آذوهُ ولا جرحوه، كان هذا في شهر أفريل من العام الماضي سنة 1947، فقام إخوانُنا المصلحون خير قيام، حتَّى رفضت المحكمة الحربيَّة الدعوى، وما ظننَّا أنَّها ستُستأنف من طريق أخرى. لكنَّ الإدارة أصرَّت على طلب معاقبتهم، فأقامت دعوى في المحكمة المدنيَّة، ورغم الجهود المبذولة من طرف الإصلاح، فقد حكمت المحكمة على كلِّ واحدٍ من العزَّابة المؤدِّبة بتسعة آلاف فرنك غرامةً، وألفَي فرنك أرشًا للمضروب! ولم نرض بهذا الحكم فاستأنفناه، وإنَّ القضية حتَّى الآن بين أيدي محكمة الاستئناف، لم تفصل فيها بعدُ. كان هذا الحكمُ في نوفمبر سنة 1947.
( ... ) أمَّا إخوانك المصلحون فقد قاموا ولم يزالوا قائمين بكلِّ ما وسعهم لكسب القضية. وأخوك الشيخ ابن يوسف سليمان (1) قد أبلى فيها البلاء الحسن، وأخوك الكاتب قد قام فيه بجُهد المُقِلِّ؛ قدَّم تقريرًا إلى المحكمة صدَّره بالآية الكريمة: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ... ، وناقشني الحاكمُ هذا في القضية مناقشةً حادَّة دحضتُ فيها جميع شُبَهِه، حتَّى أُفحِمَ وكُبتَ. ثمَّ أقسمتُ له أخيرًا يمينًا
__________
(1) -سليمان بن داود بن باسعيد، ابن يوسف: من رجالات العطف وعلمائها الكبار، من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كان كاتبًا خاصًّا للشيخ ابن باديس، (و: 1323هـ/1905م– ت: 1412هـ/28ماي 1992م). مصلحٌ غيور، ومجاهدٌ وطنيٌّ وثائرٌ جسور، مؤرِّخٌ وكاتبٌ وباحث. كان يلقَّب «بشيخ الشباب وشابِّ الشيوخ». من مؤسِّسي جمعية النهضة بالعطف، ومن ركائز الثورة التحريرية في غرداية والجنوب ... تُنظر ترجمته الكاملة في: جمعية التراث: «معجم أعلام الإباضية»، (قسم المغرب)، ج3، ص: 413 ـ 416. (1/259)
صفحة 219
مغلَّظة إنَّنا لا نتركُ هذا الحدَّ لهاتكي الحُرَمِ، وأن نجلدهم، وإنَّنا قد أقمنا الحدَّ على فلانٍ ابن فلان من أجل كذا وكذا في مجلس القرارة بعد حادثة بريان بنحو شهرين، فإن بدا لك أن تقيم علينا دعوى فدونك؛ هكذا والله بالحرف، لكنَّه لم يفعل، لأنَّه وجد حُمرًا امتطاها إلى غايته ولم يجد بالقرارة مطيَّة!
وبعد فقد رأيتَ أيَّها الشيخ أنْ لا مظهر، ولا أثر، ولا شبح، للحماية بميزاب، ولا للاستقلال الداخليِّ، ولا لتمتُّع الأمَّة بإدارة شؤونها، فما هذا الذي نسخناهُ بدخولنا في المجلس الجزائريِّ؟ وما هو هذا الشيءُ الذي بأيدينا فنبذناه أو انفلت حين قبضنا على كرسيِّ النيابة؟ وما هذا السور الذي هدمناه إذا آوينا إلى المسجد؟ إنَّه لا شيء فيما نعلم».
كتب بالقرارة يوم 20 ذي الحجة 1367 الموافق لـ: 24 سبتمبر 1948 (1/260)
صفحة 220
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
- إباضيَّة ومالكيَّة -
تعاون ٌوتكاملٌ وتسامحٌ
معا من أجل الحفاظ على الهويَّة الوطنيَّة
د: صالح بن عبد الله أبو بكر
كلية الحقوق والعلوم السياسية ــــ جامعة غرداية
aboubakerapn@hotmail.com
ب
بعد احتفال فرنسا بمرور قرنٍ على احتلال الجزائر، وكان احتفالاً استفزازيَّا للشَّعب الجزائري، ظنًّا منها أنَّ الهويَّة الوطنيَّة قد درست وامَّحت، وأنَّ الجزائريِّين لم يعودوا يفكِّرون أو يحلمون باسترجاع الهويَّة الوطنيَّة الجزائريَّة لغة ودينا وثقافة، واطمأنَّت فرنسا إلى ظهور جيل جديد من الشَّباب الجزائريِّ المتغرِّب، متأثرًّا بالحضارة الفرنسيَّة ينادي بالمساواة وبالاندماج، وبالجنسية الفرنسيَّة، كما تحوَّلت بعض الزوايا إلى مراكز للخرافات والبدع، ومظاهر الشرك، وبتشجيع من فرنسا، وكما شجعت فرنسا الظهير البربري عام 1930م، لضرب الوحدة الوطنية وإقصاء الشريعة الإسلامية من الاحتكام إليها وتعويضها بالعادات والتقاليد النوميدية وإحياء اللهجات المحلية، على حساب اللغة العربية الفصحى (1).
في الحقيقة كانت تلك الاحتفالات التي قامت بها فرنسا بداية النهاية للاستعمار في الجزائر وإفريقيا كلِّها (2). تأسَّست جمعية العلماء، بفضل نخبة من فطاحل العلماء،
__________
(1) ـمجلةالثقافة: السنةالعشرونالعدد108ـماي، جوان1995ص70،73.
(2) ـمحمدالعيدتاورتة، إسهاماتجمعيةالعلماءللإعدادلثورةنوفمبر، مجلةالإحياءالعدد01،ص216. (1/261)
صفحة 221
خرِّيجي المعاهد وبعثات تونس المتخصِّصين في الشريعة الإسلاميَّة، وقد رأت الجمعية أن الوحدة الوطنيَّة عامل مهمٌّ من عوامل الالتقاء بين الجزائريِّين، وأساسا مكينا من أسس بقاء كيانهم واستمرار وجودهم التَّاريخي، والحضاري (1). ورغم أن الجمعية تنصُّ في قانونها الأساسيعلى أنَّها جمعية إرشاديَّةٌ تهذيبيَّة، وأنَّه لا يسوغ لهذه الجمعية بأيِّ حال من الأحوال أن تتدخَّل في المسائل السياسيَّة، إلاَّ أن هذه التقيَّة كانت لدرِّ الرَّماد في عيون الاستعمار وأذنابه، فقد كان شعار الجمعية ـ العربيَّة لُغتُنا، والإسلامُ دينُنا، والجزائرُ وطنُنا ـ وهذا هو أساس النضال السياسيِّ، وقلع الاستعمار من جذوره، بإحياء عناصر الهويَّة الوطنيَّة، وتحضيره للثورة المسلَّحة، وهو عمل إستراتيجيٌّ هام بمقياس تلك الفترة وتلك الظروف (2).
كانت الثلَّة الأولى من العلماء في مدن الشَّمال وفي الجنوب منهم تلاميذ قطب الأئمَّة الشيخ اطفيش، ومن تلاميذ زاوية الهامل، فتكوَّنت لجنة مباركة منهم لوضع قانونها الأساسي، فكان من واضعيه الشَّيخ بيُّوض إبراهيم والشَّيخ البشير الإبراهيمي، والشَّيخ الطَّيِّب العقبي، والشَّيخ أحمد توفيق المدني، والشَّيخ محمد خير الدِّين، وذلك في غياب الشَّيخ عبد الحميد ابن باديس، فتمَّ وضعُ القانون الأساسي والاتِّفاق على إسناد الرئاسة للشَّيخ ابن باديس، فانتخبوه غيابيًّا، ووجَّهوا له الدَّعوة فحاول التَّنازل عن الرئاسة للشَّيخ البشير الإبراهيمي، لكنَّ الجميع أصرَّ على رئاسة ابن باديس، فتمَّ ذلك في يوم مشهود، هو الخامس من ماي 1931م، في مركزها الأوَّل «نادي التَّرقِّي» بالعاصمة.
لقد كان من أطماع العدوِّ الفرنسيِّ تحطيمُ الوحدة الوطنيَّة وزرع العصبيَّات والعرقيَّات والمذهبيَّات، وتركها تتصارع وتتناحر، والشَّعب الجزائري في تلك الظروف كان في أمسِّ الحاجة إلى إعادة التفكير في مقوِّمات وحدته ونبذ الخلاف والتعصُّب، خصوصا التعصُّب المذهبي؛ لأنَّ الصراع الديني يُعدُّ من أعنف وأقسى أنواع الصراعات
__________
(1) ـد. فلوسيمسعود، مجلةالحياة، ص41.
(2) ـمحمدالعيدتاورتة، إسهاماتجمعيّةالعلماءللإعدادلثورةنوفمبر، مجلةالإحياءالعدد01،ص219. (1/238)
صفحة 222
في العالم، وكانت رؤية الشيخ عبد الحميد ابن باديس في الحفاظ على الوحدة الوطنيَّة من أهمِّ محاور العمل الإصلاحي، الذي قاده في واقع المجتمع الجزائري خلال النّصف الأوَّل من القرن الماضي (1).
إنَّ منهج جمعية العلماء في الإصلاح الديني والاجتماعي كان شاملا لكلِّ جوانب الحياة، بداية من انتشال الأمَّة الجزائريَّة من أوحال الجهل والتخلُّف والاستعباد، والعمل على استنهاض فكر الأمَّة إلى مستوى الأمم الرَّاقية.
ولعلَّ أخطر أساليب الاستعمار في تشتيت الوحدة الوطنيَّة تأجيج أسباب الفرقة والشقاق بين أفراد المجتمع بإثارة النَّعرات العرقيَّة والجهويَّة، واللُّغويَّة، والعمل على حمل الجزائريِّين على الاشتغال بها، والغفلة عن غيرها من القضايا المصيريَّة. يقول الشيخ عبد الحميد ابن باديس في ذلك: «لقد كان هذا العبدُ ـ يتحدَّث عن نفسه ـ يُشاهد قبل عقد من السِّنين هذا القطر قريبًا من الفناء، ليست له مدارس تُعلِّمه، وليس له رجال يدافعون عنه ويموتون عليه، بل كان في اضطراب دائم مستمرٍّ، ويا ليته كان في حالة هناء، وكان أبناؤنا يومئذ لا يذهبون إلاَّ إلى المدارس الأجنبيّة، التي لا تعطيهم غالبا من العلم إلاَّ ذلك الفتات الذي يملأ أدمغتهم بالسفاسف، حتى إذا خرجوا منها خرجوا جاهلين دينهم ولغتهم وقوميَّتهم وقد ينكرونها» (2).
كانت جمعية العلماء مدركة أنَّ الوحدة الوطنيَّة لا يمكن أن تُبنى بدون إحياء ما تبقَّى من مقوِّمات الشخصية الوطنيَّة بكلِّ أبعادها، وكلِّ المقومات المشتركة التي تجمع بين أفراد الشعب الجزائري، ويرى الشيخ عبد الحميد ابن باديس أنَّ الوحدة الوطنيَّة فريضة دينيَّة، إذ يقول: «الواجب على كلِّ فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التَّضامن والالتحام، حتَّى يكون منهم جسد واحدٌ، كما قال الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا
__________
(1) ـد. فلوسيمسعود، مجلةالحياة، ص41.
(2) ـآثارالإمامعبدالحميدبنباديس، ج4،ص148. (1/239)
صفحة 223
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمى» (1)،ألا ترى البنيان كيف يتركَّب من الحجارة الكبيرة والصغيرة والمواد الأخرى التي تلحم بها الحجارة وتُكسى، وكلُّ ذلك محتاجٌ إليه في تشييد البنيان، فكذلك مجتمع المؤمنين فإنَّه متكوِّن من جميع أفرادهم على اختلاف طبقاتهم فالكبير والجليل له مكانه، والصغير والحقير له مكانه، وعلى كلِّ واحدٍ أن يسدَّ الثغرة التي من ناحيته، مع شعوره بارتباطه مع غيره من جميع أجزاء البنيان التي لا غناء لها عنه، كما لا غناء له عن كلِّ واحد منها، فكلُّ واحد من المؤمنين عليه تبعته، بمقدار المركز الذي هو فيه، والقدرة التي، ولا يجوز لأحد وإن كان أحقر حقير أن يبخل بواجبه من ناحيته، فإنَّه إن أزيل حجر صغير من بنيان كبير دخل فيه الخلل بمقدار ما أزيل، وإذا ابتدأ الخلل من الصغير تطرَّق إلى الكبير» (2).
يرى الشيخ عبد الحميد بن باديس أنَّ الإسلام دين أخوَّة وإنسانيَّة ومحبَّة وتسامح وتضامن بين كلِّ المجتمعات الإنسانيَّة بجميع أجناسها وأعراقها ومللها ونحلها، ونهى عن التعصُّب والحقد والنَّعرات الضيِّقة وذلك بنصِّ قوله تعالى: يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) (3).
كان همُّ الشيخ ابن باديس رحمه الله، الحفاظ على وحدة الشعب الجزائريِّ وتماسكه كي يكون قوةً أمام الاستعمار، الذي تعمَّد تفريقه وزرع الفتنة بين أفراده، تارة باسم اللغة، وتارة باسم المذهبيَّة ... ويستدلالشيخ بما مرَّت به الأمَّة الإسلاميَّة في تاريخها من تشتُّت وتشرذم، وما شهدته من فتن وافتراق، أدَّت إلى انهيار حضارة المسلمين، يقول: «لقد كان افتراقهم السببَ الأوَّل الأقوى لجميع البلايا والمحن الداخليَّة والخارجيَّة، التي لحقتهم في جميع أجيالهم، أيَّام قوَّتهم وأيَّام ضعفهم، وإنَّ تاريخهم لعبرة، وإنَّ في أنبائهم لمزدجرًا». ثمَّ يوجِّه خطابه إلى الشعب الجزائري فيقول:
__________
(1) ـرواهمسلمفيصحيحهعنالنّعمانبنبشير، كتابالبرّوالصّلةوالآداب، رقم4685.
(2) ـمجالسالتذّكيرمنحديثالبشيرالنّذير، ص155ـ151بتصرف.
(3) ـسورةالحجرات، الآية13. (1/240)
صفحة 224
«حقَّ علينا معشر الجزائريِّين اليوم أن نتدبَّر تلك العبر، وأن نزدجر عمَّا في مصائب الفرقة من خطر} (1).
وكانت الوحدة والاتِّحاد ولم الشَّمل بين كلِّ الجزائريِّين، من الثوابت التي لا يجوز التحوُّل عنها لضمان وحدة الصفِّ وقوَّة المجتمع، يقول الشيخ ابن باديس: «علينا أن نعتقد بقلوبنا أنَّ الاتحاد واجبٌ أكيدٌ محتِّم علينا مع جميع المؤمنين، وأنَّ فيه قوَّتنا وحياتنا، وفي تركه ضعفنا وموتنا، وأن نُعلن ذلك بألسنتنا في كلِّ مناسبة من أحاديثنا، وأن نعمل على تحقيق ذلك بالفعل باتحادنا وتعاوننا مع إخواننا، في كلِّ ما يقتضيه وصف الإيمان الجامع العام» (2).
يوجِّه الشيخ عبد الحميد ابن باديس الفرد الجزائري إلى مقتضيات الوحدة في عناصر الهويَّة الوطنيَّة فيقول ناصحا له: «حافظ على حياتك، ولا حياة لك إلاَّ بحياة قومك، ووطنك، ودينك، ولغتك، وجميع عاداتك» (3).
إنَّ اعتزاز الشيخ ابن باديس بوحدة الشعب الجزائري لا يعني نكرانه للعالم الإسلامي ولجميع الإنسانية. فإنَّه كان يرى أنَّ حبَّ الوطن لا يتناقض مع حبِّ الإنسانيَّة جمعاء، بل هو تكاملٌ وانسجامٌ، وينسجم رأيه مع المبدأ العالمي، وهو المعاملة بالمثل مع كلِّ من يحترم الجزائر أو يبغضها. يقول: «إنَّنا نحبُّ الإنسانية ونعتبرها كلاًّ، ونحبُّ وطننا ونعتبر منها جزءًا، ونحبُّ من يحبُّ الإنسانية ويخدمها، ونبغض من يبغضها ويظلمها، وبالأحرى نحبُّ من يحبُّ وطننا ويخدمه، ونبغض من يبغضه ويظلمه، فلهذا نبذل غاية الجهد في خدمة وطننا الجزائري وتَحبيب بنيه فيه، ونخلص لكلِّ من يخلص له ونناوئُ كلَّ من يناوئه من بنيه ومن غير بنيه» (4).
__________
(1) ـآثارابنباديسج: 6،ص80،81.
(2) ـمجالسالتّذكيرمنحديثالبشيرالنّذير، ص102.
(3) ـآثارابنباديس، ج4،ص43.
(4) ـالمنتقد،:1،ذيالقعدة،1343هجويلية1925م. (1/241)
صفحة 225
يفصِّل الشيخ عبد الحميد ابن باديس عناصر الهويَّة ويوضِّح أبعادها وأثرها في تماسك الشعب الجزائري فيقول: «تختلف الشعوب بمقوِّماتها ومميِّزاتها، كما يختلف الأفراد. ولا بقاء لشعب إلاَّ ببقاء مقوِّماته ومميِّزاته كالشَّأن في الأفراد، فالجنسية والقومية هي مجموع تلك المميِّزات والمقوِّمات، وهذه المقومات والمميِّزات هي اللُّغة التي يُعبِّر بها ويَتأدَّب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها، والذكريات التاريخية التي يعيش عليها وينظر لمستقبله من خلالها، والشعور المشترك بينه وبين من يشاركه في هذه المقوِّمات والمميِّزات» (1).
لما وصلت الدعوة إلى الشيخ بيُّوض بواسطة الشيخ عمر إسماعيل، استبشر خيرًا وردَّ على قبول الدَّعوة والاستجابة لها بما يلي: «سيِّدي إنَّ منظر الشَّعب الجزائري والأمراض الاجتماعيَّة منه تهدُّ قواه، وتهدم بنيانه، وسبل الإلحاد والتفرنُج تتَّخذ في جسده شكلا مريعًا، ونفايات الأسبان والطليان يبتزُّون أمواله ويمتصُّون دماءه، ويتَّخذون من أبنائه الأحرار عبيدًا، ويجثون أمامهم على الرُّكب رُكَّعا، ويَخرُّون للأذقان سُجَّدًا على الأتربة والقاذورات، فتتَّسخ ثيابهم وأيديهم وأرجلهم وجباههم ووجوههم، لتنظيف نعال سادتهم، يتعبون ليستريحوا، ويشقون لينعموا، ويسهرون ليناموا، وأخيرا يموتون ليحيوا، إنَّه لمنظرٌ يُفتِّت الأكباد ويُذيب القلوب حسرةً وأسى، وإنَّ تفكُّك روابط الجزائريِّين والمصاب عظيمٌ، وانفصام عراهم، والخطب ملمٌّ، وتنازعهم والبلاء بهم محيط، واختلافهم البيزنطي والخطر محدقٌ، وغطيطهم في سباتهم، والويلات تتوالى عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وتأخُّرهم دنيًا وخلقًا وعلمًا وصناعة وبناء، وإخلادُهم للدَّعة والسكون، ورضاهم بالدُّون، وقد سبقتهم إلى قسبات السَّبق في ميدان الحضارة والرُّقيِّ شعوبٌ لم يكن لها مثل تاريخهم، ولا مثل حضارتهم وفنونهم، ومثل أبطالهم ونوابغهم، شعوبٌ كانت متوحِّشة إلى عهد قريب وجودهم وقد نفض الجماد، وسار وطار وغاص في لجج البحار، وتصاممهم وقد انزعجت بأصوات النُّذُرِ الطُّيورُ في أوكارها، والأنعام في
__________
(1) ـالشّهاب، ج: 12،م: 12ذيالحجّة1355هفيفري1937م. (1/242)
صفحة 226
مراتعها، والهوامُ في أحجارها، تزهق به الأرواح، وتموت الضمائر الحيَّة، ..... غير أنَّ من دواعي الغبطة وبواعث الأمل تنبُّهُ أمثالكم لهذا الخطر العظيم والخطب المدلهمِّ، وقيامكم بصادق العزم بتلافي خطرها» (1).
في يوم الثلاثاء 17 ذي الحجَّة 1319هـ،05 ماي 1931م اجتمع بنادي التَّرقِّي 72 عضوا من علماء الجزائر في جمعيَّة عموميَّة، لوضع القانون الأساسي للجمعيَّة، وتمَّت المصادقة عليه، ثمَّ في المساء انتخبت الهيئة الإداريَّة التي اجتمعت على الساعة الثامنة مساء لانتخاب الرئيس وتوزيع المهام، فكُلِّف الشّيخ إبراهيم بيُّوض بمهمَّة نائب أمين المال (2)، فكان نشاطُه الإصلاحي والسياسي ضمن إطار جمعية العلماء سببًا كافيا لإثارة غضب الاستعمار الفرنسي فحكم عليه بالإقامة الجبرية في بلدته القرارة لم يغادرها مدَّة أربع سنوات، فكان الشيخ بيُّوض أوَّل عضوٍ ميزابي في إدارة الجمعية، ولكنَّه لكثرة ارتباطاته في القرارة ووادي ميزاب، خصوصا معهد الحياة ودروس التفسير في مسجدها والبُعد عن العاصمة، طلب من أعضاء الجمعية أن يَخلفوه بزميله وعضده الأيمن في مجال السياسة، والصحافة الشيخ إبراهيم أبي اليقظان فسُرَّ الجميع بذلك (3).
انضمَّ الشيخ أبو اليقظان إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م، ليتم انتخابُه بمجلسها الإداري سنة 1934م، نائبًا لأمين المال إلى غاية سنة 1938م.
بعد تأسيس الجمعية شُرع في تأسيس الفروع والشُّعب، فبدأ بفرع قسنطينة فوُجِّهت الدعوة إلى علمائها وأعيانها وما جاورها من مدن الشرق، وتمَّ الحضور في الجامع الأخضر ليلا بعد صلاة العشاء، برئاسة رئيس الجمعية الشيخ عبد الحميد ابن باديس، الذي أعلم الحاضرين بحصول الجمعية على رخصة التأسيس، فحضرها من الميزابيِّين الإباضيَّة الشّيخ ابن يوسف سليمان بن الحاج داود، وأعيان الميزابيِّين بقسنطينة، وقد عُيِّن ابن يوسف أمينا للمال بفرع الجمعية بقسنطينة (4).
__________
(1) ـ
(2) ـأ. أحمدشقارالثعالبي، كتابالملتقىلأوللفكرالإمامالشيخبيوض، ص173.
(3) ـحموعيسىلنوري، دورالميزابيّينفيتاريخالجزائرقديماوحديثا، المجلّد01ص379.
(4) ـالمرجع نفسه، الصفحة نفسها. (1/243)
صفحة 227
في اليوم الثالث من التأسيس أقيم حفل كبير بعد تجديد انتخاب المجلس الإداري لجمعية العلماء وانتخاب الشيخ عبد الحميد ابن باديس رئيسا لها للمرَّة الثانية في أوت 1936م بنادي الترقِّي بالعاصمة، حضره ما يربو على أربعة آلاف شخص (1) من العمالات الثلاث فاكتظَّ النادي وحجراته والطرقات حوله بالجمهور، يتخلَّلهم عيون الاستعمار والبوليس السرِّي والدَّرك وأبواق المسمِّع مدويِّة في رحاب النَّادي وعلى ساحة الشُّهداء (2)، وكان ممَّن حضروا من ميزاب الشيخ عدُّون شريفي سعيد بن بالحاج مدير معهد الحياة بالقرارة، والشَّيخ بكلي عبد الرَّحمن بن عمر رائد الحركة العلميَّة ببريَّان، والشَّيخ إبراهيم بن بنوح متياز مدير المدرسة الإباضيَّة بالعاصمة، والسيِّد الحاج أحمد العساكر رئيس الجماعة الإباضية في تيارت، والسيِّد إبراهيم بن عيسى غرَّافة من الأعضاء البارزين في حزب الشعب الجزائري، والشَّيخ حمُّو عيسى النُّوري، هذا الأخير ألقى قصيدة مهمَّة في هذا الاجتماع التاريخي، نشرت في مجلَّة الشِّهاب، وكان حفلا تاريخيًّا رائعا، وكلُّ الألسن تلهج بالشُّكر والثَّناء على العلماء الذين فكَّروا في توحيد صفوف الجزائريِّين حول التآلف والأخوَّة الإسلاميَّة ومحق الفوارق مطلقا، والتنديد بالشِّقاق ودعامته التَّضامن والمحبَّة والاتحاد.
إثر الوفاة المفاجئة للشَّيح عبد الحميد ابن باديس يوم 16 أفريل 1940م، اجتمع المجلس الإداري للجمعية يوم 19 أفريل 1940م فانتخبت بالإجماع الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيسًا جديدًا للجمعية، وهو غائبٌ ومنفيٌّ بآفلو، ومغضوب عليه من السلطات الاستعماريَّة الفرنسيَّة، وكُلِّف كلُّ عضو من المجلس الإداري أن يكاتب الشَّيخ في المنفى، ويخبره بانتخابه رئيسًا للجمعيَّة لتأكيد ذلك القرار، ويعتبر هذا القرار الشّجاع تحدِّيًا للاستعمار الذي سجن الشّيخ ظلما، قبل أيَّام؛ فقط لأنَّه رفض الرضوخ لطلبها، وهو أن يعلن مساندته لفرنسا في الحرب العالميَّة الثانية، التي اندلعت قبل أيَّام، كما كانت فرنسا تغريه بأن تعيِّنه في منصب شيخ الإسلام» (3).
__________
(1) ـالمرجع نفسه، ص377.
(2) ـساحةالحكومةسابقا.
(3) ـمحمدالهاديالحسني، منوحيالبصائر، ص312. (1/244)
صفحة 228
ومن أمثلة تطابق شخصية الشيخ بيُّوض والشيخ محمد البشير الإبراهيمي في الذَّوق الأدبي أنَّ الشيخ بيُّوض رأى يوما نقدا بمجلَّة الرسالة المصريَّة، فأَنْكَرَ على الناقد رفع كلمةٍ في بيتٍ عوض نصبها، ولما اطَّلع الشيخ البشير الإبراهيمي بعده على النقد أنكر هو الآخر رفعَ الكلمة نفسها، فقال الشيخ بيُّوض: «لما رأيت الإبراهيمي لأوَّل مرَّة أكبرتُه، ولكن عرفت عمق ذوقه لما رمى بالمجلَّة لمجرَّد وقوع بصره على النَّقد الذي استنكرتُه، ومحلُّ النقد هو كلمةُ «سجيَّة» في البيت المشهور:
فلا تحسبوا هندًا لها الغدر وحدها *** سجيَّةَ نفسٍ، كلُّ غانيةٍ هندُ
فالنَّاقد يرى رفعها والشَّيخان لا يستسيغان إلاَّ نصبها حالا، وإلاَّ ذهبت روعة البيت وهدرت ألمعيَّة الشاعر» (1).
أمَّا العلاقة بين أبي اليقظان وابن باديس فقد جمعت بينهما خدمة الصالح العام والدِّفاع عن مقدَّسات الأمَّة بمختلف الوسائل وفي جميع الأصعدة، والسَّعي إلى توحيد الصُّفوف لمواجهة المستعمر الذي يريد طمس الهويَّة. بدأت العلاقة بين العلمين منذ 1917م في ميادين العلم وطلاَّبه بربوع تونس الخضراء فقد كان ابن باديس يزور بعثة الطلبة الميزابيِّين ويستقبله الطَّلبة بحفاوة بالغة وحفلات فنيَّة، بأناشيد وطنيَّة ومسرحيَّات هادفة، كل هذا تقديرا للمكانة العلميَّة للشَّيخ ابن باديس كشخصيَّة وطنيَّة بارزة.
ممَّا يؤكِّد تلك العلاقة المقال الذي نشره ابن باديس في مجلَّة الشِّهاب تحت عنوان «الشّيخ أبو اليقظان» عدد 115 ص 16 يوم 29 سبتمبر 1927م جاء فيه: «ممَّن قرأوا العلم للعمل والتَّفكير، وأُشربُوا في زمن التعليم حبَّ الاطِّلاع والنهوض بالأمَّة» (2).
العلاقة بين أحمد توفيق المدني وأبي اليقظان فكلاهما من الأعضاء البارزين في جمعية العلماء، قال أحمد توفيق المدني: «والشيخ أبو اليقظان عالمٌ جليل، لم يبلغ علم
__________
(1) ـالشيخحموفخار، مناقبالقائدالمربّيالشّيخإبراهيمبيوض، مجلّةالحياةالعدد03ص69.
(2) ـمجلةالشّهابمقالتحتعنوان} الشّيخأبواليقظان} عدد115ص16يوم29سبتمبر1927م. (1/245)
صفحة 229
إبراهيم أطفيش، إنَّما امتاز بدماثة أخلاقه، وصفاء روحه، وتوقُّد ذهنه، وازدهار قريحته، وتعمُّق الكتابة ومشاركته في الشِّعر، ما آذى إنسانا طول حياته، ولا آذاه إنسان، لا يتكلَّم إلاَّ عن عقيدة، ولا يكتب إلاَّ عن إيمان، ولا يجاهد إلاَّ في سبيل الإسلام وبلاد الإسلام، وقد أظهرت الأيَّام من بعده أنَّه مقارع مجاهد ومقاوم معاند صرع الاستعمار ولم يصرعه الاستعمار، ضرب بسهم في الجهاد الصحفي والفكري ما لم يبلغ في الجزائر أحد شأوه» (1).
يضيف أحمد توفيق المدني وصفه لمعاشرة علماء الميزابيِّين في تونس فيقول: «وتوالت الاجتماعات بيني وبين أولئك السَّادة الفضلاء، وكنَّا نتناقش بإيمان واقتناع حول قضايا الوطن الإسلامي ... وأثناء تلك الجلسات الإسلامية الرائعة، وما كان يتجلَّى فيها من إيمان وصدق وإخلاص ووضوح الهدف، فهمت حقَّ الفهم إخواننا الميزابيِّين، عنصرًا، ومذهبًا، وأخلاقًا، وسيرةً، فإذا بهم من أكرم العناصر، ومن أزكى المذاهب، ومن أكمل الأخلاق، ومن أحسن السِّيَر، فأحببتهم وأحبُّوني، وربطت حبلي بحبلهم، وسألت الله أن يُمهِّد لي الأسباب حتَّى أقدِّمهم للنَّاس على حقيقتهم، لا كما تريد السُّلطة في الجزائر [قبل 1931م أي السّلطة الاستعماريّة] وفي تونس أن تقدِّمهم بصورة مُشوَّهة محاطة بأساطير باطلة وتُهم فظيعة لا تمتُّ إلى الحقيقة بأيِّ نسب، وقد أمكنني الله من ذلك على خير وجه، فأفردت لهم في كتاب الجزائر الذي نشرتُه بالحضرة الجزائريَّة عام 1931م فصلاً شاملا ممتعًا، أماط اللِّثام عن ذلك العنصر الطيِّب المسلم الصادق العربي الجسور، فنقضتُ بذلك الفصل ما غزله الاستعمار على مدى قرن من الزمن، وصار «الشيخ صالح بن يحيى» الجسور المقدام زميلي في اللجنة التنفيذيَّة بالحزب الدُّستوري، وأصبح الشيخ إبراهيم أطفيش صديقي الحميم بالقاهرة أيَّام الكفاح الجزائري العظيم» (2).
أمَّا العلاقة بين حركتي الإصلاح للشَّيخ بيُّوض وابن باديس، فقد توطدت منذ 1925م عبر الصَّحافة، حيث برز التَّوجُّه الوطني والوعي الإصلاحي بين الحركة
__________
(1) ـأحمدتوفيقالمدني، حياةكفاح، ج01،ص157.
(2) ـالمرجع نفسه، ص158و159. (1/246)
صفحة 230
الإصلاحيَّة في الجنوب بزعامة الشيخ بيُّوض والحركة الإصلاحيَّة في الشَّمال، بزعامة الشَّيخ عبد الحميد بن باديس في العديد من المجالات، وخصوصا في ظهور العديد من الأقلام الإصلاحيَّة من ميزاب، كانت تشارك بمقالات حماسيَّة في «المنتقد» و «الشِّهاب». نذكر منهم أبا اليقظان ورمضان حمُّود والفرقد والطَّرابلسي (1) وغيرهم.
يقول الأستاذ أحمد شقَّار الثعالبي عضو جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين: «الشَّيخ بيُّوض عالمٌ عاملٌ، ما أقلَّ أمثاله في فترة ظهور نبوغه، أنْعم الله عليه بمواهب نادرة، وقدرات متعددِّة وضعها تحت تصرُّف إدارة حرَّة قويَّة، حدَّدت غايتها، وهي إعادة الرُّواء لوجه الإسلام الصَّحيح، الذي نكرته الخرافات والبدع، والتزمت برفض أنصاف الحلول التي يناور بها أعداء الدِّين والوطن» (2).
وضع الشيخ عبد الحميد بن باديس للشهاب شعارًا يحمل الكلمة الخالدة لمالك بن أنس: «لا يصلح آخر هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أولها»؛ ولعلَّه من أجل هذا الاختيار الذي وحَّد االطريق في خطى المصلحين الجزائريِّين الأوَّلين، اعتبر ابن باديس الشيخ أبا اليقظان حقًّا ركنا من أركان نهضتنا الفكريَّة والإصلاحيَّة، وزعيم النَّاهضين من إخواننا الميزابيِّين (3). فكان ابن باديس ينظر إلى صحف أبي اليقظان دائما بعين التقدير والإعجاب، وأنّها «صدرت لتكون للشِّهاب عضدًا متينًا، وعضوا عاملا نافعا» (4).
وغداة تعطيل الإدارة الاستعمارية الفرنسية جريدة أبي اليقظان «المغرب» شيَّعها ابن باديس بكلمات حارَّة، تصف مرَّة أخرى الوضع الذي كانت تعانيه الصُّحف العربيَّة الجزائريَّة من المستعمر الفرنسي، فقال: «رُوِعَتْ الصَّحافة الإسلاميَّة الجزائريَّة بنبإ تعطيل رصيفتها «المغرب»، فكان الأسف عليها شديدًا، وكيف لا تروَّع والتَّعطيل إثر التَّعطيل، والمصرع إزاء المصرع؟ أم كيف لا نتأسَّف والتَّنقيص ما برح يعمل في عددها القليل؟} (5).
__________
(1) ـد. محمدناصر، أبواليقظانوجهادالكلمة، ص19و20.
(2) ـأ. أحمدشقّارالثّعالبي، كتابالملتقىلأوللفكرالإمامالشيّخبيّوض، ص167.
(3) ـالشّهاب، عدد115،29/ 09/1927.
(4) ـالشّهابج01م05،فيفري1929.
(5) ـالشّهابج4م7أفريل1931. (1/247)
صفحة 231
كما آزر ابن باديس أخاه الشَّيخ أبا اليقظان عندما عطَّلت فرنسا جريدة «الأمَّة»، فقد شيَّعها بالكلمات التالية: «جريدة الأمَّة خلف جرائد عدَّة، كلُّها استشهدت في سبيل واجبها، والأستاذ أبو اليقظان في كلِّ مرَّة يتحمَّل أضرارًا مالية وأدبيَّة، ويعود للجهاد، وقد عُطِّلَتْ جريدة الأمَّة مثل أخواتها فضمَّت وساما جديدًا إلى صدر الأستاذ، ونحن ننتظر من همَّته، ومضائه أن يطلع على قرَّائه في أمدٍ قريب أنَّه من الظُّلم والاحتقار للصَّحافة العربيَّة أن تبقى هكذا تحت سيف التَّعطيل، دون سؤال ولا جواب» (1).
يبادل أبو اليقظان زميلة ابن باديس الاعتبار والتقدير نفسه فيقول: «إننا نعدُّ الشِّهاب عضدًا متينا لنا، وسندا قويًّا في تحطيم المفاسد والشُّرور، وهدم الخرافات والبدع» (2).
الواقع إنَّ الدارس والمتتبِّع لتاريخ الحركتين الإصلاحيَّتين: حركة الشيخ بن باديس، وحركة الشيخ بيُّوض يجد بينهما تشابهًا في التخطيط، والتقاء فكريًّا دقيقا، قبل تكوين جمعيَّة العلماء أي قبل تلاقي الحركتين في جمعيَّة واحدة. مفاد هذه الخطَّة هو استعمال سلاحين يصلحان للهجوم والدِّفاع في آن واحد، وهما التَّعليم والصَّحافة، ويقول الدكتور محمد ناصر: «حدَّثني أستاذي الشيخ عدُّون بأنَّ المصلحين في ميزاب عقدوا اجتماعا تاريخيًّا في سنة 1924م بدار الجماعة بالقرارة استمرَّ أيَّاما، اتَّفقوا خلاله على هذه الخطَّة، ونقرأ في كتاب سِجلِّ جمعية العلماء الجزائريِّين ما يشبه هذه الخطَّة تماما، وهي اعتماد الإصلاح على التَّعليم والصَّحافة» (3).
تفرَّغ أعضاء جمعية العلماء في الشمال والجنوب لتبليغ رسالتهم، وركَّزوا على التَّعليم، فكانت دروس ابن باديس في الجامع الأخضر وفروعه، كما كانت دروس الشيخ بيُّوض في معهد الحياة ومساجد ميزاب جناحين، انطلقت بهما النهضة الإصلاحيَّة في الجزائر، تخترق أجواء المعرفة، وترمي شياطين المكر والتّضليل بشهب حارقة، تنطلق من
__________
(1) ـالشّهابج03م14ماي1938.
(2) ـواديميزابعدد119،01/ 02/1929.
(3) ـد. محمدناصر، أبواليقظانوجهادالكلمة، ص45والهامش. (1/248)
صفحة 232
دروس التفسير والحديث، وروائع الأدب العربي الرفيع وشواهده، وكانت البصائر والشهاب في الشمال، وصحف أبي اليقظان في الجنوب مدافع تدكُّ بقذائفها قلاع الشرك والبدع والجمود، ومعاقل الظُّلم والخيانة والعمالة والجهل والتَّخلُّف (1).
من أجل التجرُّد من الذاتية والمذهبيَّة لنشر الإسلام وترسيخ تعاليمه يصرح الشَّيخ أبو اليقظان عضو جمعيَّة العلماء، كما صرَّح قبله الشيخ ابن باديس على فكره العالمي والإنساني، يقول أبو اليقظان: «إنَّ رسالتي إنسانيَّة، لا يقظانيَّة ولا مذهبيَّة؛ إذا كتبتُ أو وعظتُ، أوجِّه نصائحي ووعظي وإرشادي إلى كلِّ المسلمين، فإنَّه يعلم الله كم يكون فرحي شديدًا برجوع المسلمين إلى جادَّة الحقِّ والإسلام ... وكلُّ فرد كنتُ أنا السَّببَ في إنقاذه من النَّار، كم يلحقني من فرح وسرور وبهجة بذلك» (2).
قال الشيخ أبو اليقظان في مقدِّمة قصيدة ألقاها في مهرجان جمعيَّة العلماء سنة 1934م: «أيَّها السَّادة لا يخفاكم أنَّ جمعيَّة العلماء بمثابة الطبيب الحاذق، والأمَّة الجزائريَّة بمثابة المريض، وقد انتابته العلل والأسقام من نواح مختلفة، فحص الطبيب هاتيك العلل فأرجعها إلى علَّة واحدة، ألا وهي ضعف الإيمان ولهذا فقد وجَّه كامل جهوده لمعالجة هذا المرض قبل كلِّ شيء» (3).
لم يقف جهاد الشيخ بيُّوض عند حدود مذهبيَّة أو طائفيَّة؛ لأنَّه سخَّر علمه ووعظه وكفاحه للمصلحة الدينيَّة، أوَّلا والوطنيَّة ثانيًّا، فأينما حلَّ أو ارتحل إلاَّ ودعا إلى الوَحدة ونبذ العصبيَّة والتفرقة التي اتَّخذها الاستعمار أسلوبا للتشتيت. يقول المجاهد محمود الواعي: «كان الشيخ بيُّوض واعظًا فذًّا ومرشدًا مجاهدًا في دروسه وخطبه التي كان يلقيها بالمسجد العتيق بمدينة باتنة، الذي كان يؤمُّه الشيخ الطَّاهر مسعودان، وكانت جموع المصلِّين من المذهبين المالكي والإباضي، وقد أدرك الجميع أنَّه لا فرق بين المذهبين في الأصول والجوهر، وإنَّما هناك فرقٌ بسيط نتيجة اجتهادات العلماء، وقد دعا في
__________
(1) ـأ. أحمدشقّارالثّعالبي، كتابالملتقىلأوّللفكرالإمامالشّيخبيّوض، ص175.
(2) ـالأصالةع14ـ15جوانسبتمبر. ص288.
(3) ـديوانأبياليقظانج02ص33. (1/249)
صفحة 233
دروسه إلى التَّآخي والتَّآزر، وطلب العلم ولمِّ الشَّمل، لمواجهة سياسة فرنسا الاستعماريّة التضليليَّة ... وكان يصحب الشيخ بيُّوض في مساجد باتنة كلٌّ من الشّيخ الطَّاهر مسعودان والشيخ عمر دردور» (1).
الشّيخ بيُّوض رغم اعتزازه بمذهبه الإباضي، واعتباره مدرسة عقديَّة وفقهيَّة كغيره من المدارس الإسلاميَّة، إلاَّ أنَّه كان صاحب مشروع حضاري، وكان قد برز على غيره، وكان أقواهم جرأة، إذ حطَّم الحاجز النفسي بين المذاهب. فالإسلام عند الشيخ بيُّوض أعلى من جميع المذاهب؛ لأنَّ شعار الأنبياء ژ??چچچچژ (2).
يُلاحظ الانسجام التَّام بين العلماء الإباضيَّة والمالكيَّة؛ ضمن أنشطة جمعية العلماء، فقد رفعت جمعية العلماء لواء التجديد، وحملت شعار العصرنة في الأسلوب والتَّوعية والأخذ بتجارب الغير؛ بالمحافظة والمنافسة، واقتحمت الميدان برجال أكفاء أمثال المشائخ: عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، والعربي التبسِّي، والطَّيِّب العقبي، ومحمد خير الدين، وإبراهيم بن عمر بيُّوض، ومبارك الميلي، وإبراهيم أبي اليقظان ... وهم بحقٍّ يُعتبرون من أعمدة جمعية العلماء في الجزائر، تصدُق فيهم المقولة الآتيّة:
فللميادين أبطالٌ لها خُلقوا *** وللدَّواوين كُتابٌ وحُسَّابُ
كما كانت حركة العلماء عبر كلِّ مدن الجزائر لنشر الدَّعوة واستنهاض الهمم. فيلقون الدُّروس والمحاضرات في كلِّ المساجد المالكيَّة والإباضيَّة دون تمييز، يقول الدكتور التواتي بن التواتي: «وإنِّي لأذكر كيف كان العلاَّمة إبراهيم أبو اليقظان ـ قدَّس الله سرَّه ـ يأتي إلى الأغواط لألقاء دروس رمضانيَّة، وكيف كان النَّاس يتسارعون لحضور هذه الدُّروس الوعظيَّة بتزاحم، وتسابق لأخذ الأماكن. ولديَّ صورة للشَّيخ بيُّوض أثناء تدشينه لمدرسة الشّبيبة التَّابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهي مدرسة لأهل الأغواط المالكيَين ... وأذكر كذلك الشّيخ أبا اليقظان ـ رحمه الله ـ فإنَّه
__________
(1) ـمقتطفمنمحاضرةالدكتورمحمدالعيدمطمر، أستاذبجامعةبسكرةفيموضوعجهادالشيخبيوضمحرَّرةيوم04/ 04/2000م
(2) ـسورةآلعمرانالآية19. (1/250)
صفحة 234
كان كثير الأسفار إلى الشَّمال فيحلُّ في الأغواط، فيسارع النَّاس للسَّلام عليه والاستفادة منه، فأثَّر فيهم بأحاديثة ودروسه» (1).
كان يسود بينهم الانسجام في التفكير وفي العمل اليومي، وتراهم جميعا ملتزمون بنهج الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، وهو ما نستشفُّه من الخطاب الذي ألقاه في الجامع الأخضر بقسنطينة عام 1938م، بمناسبة اختتامه لتفسير القرآن. وقد استشهد بخطابه كذلك أخوه وزميله الشَّيخ بيُّوض بمناسبة المهرجان الذي أقيم له أيضا في فيفري 1980م، حين ختم تفسير القرآن الكريم بمدينة القرارة. فمن الفقرات التي استشهد بها العالمان معًا في غياب أحدهما عن الآخر قال ابن باديس: «بسم الله الرّحمن الرّحيم: إنّنا والحمد لله نربِّي تلاميذنا على القرآن من أوَّل يوم، ونوجِّه نفوسَهم إلى القرآن في كلِّ يوم، وغايتُنا ـ التي ستتحقَّق إن شاء الله ـ أن يكوِّن القرآنُ منهم رجالا كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرِّجال القرآنيِّين تُعلِّق الأمَّةُ آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودُنا وجهودُهم، وإنَّ أعزَّ ما وصلنا إليه هو تبيين الغاية وتلاقي الجهود، والحمد لله}.
ثمَّ يقول الشّيخ: «إنني أعاهدكم على أنني سأقضي بياضي على العربيَّة والإسلام، كما قضيتُ سوادي عليهما، وإنَّها لواجبات، هذا عهدي لكم ... وأطلب منكم شيئًا واحدًا، وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن» (2).
في أيام الملتقى الأوَّل لفكر الإمام الشَّيخ بيُّوض، في ذات الأيام نفسها انعقد الملتقى الأوَّل لفكر الشَّيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، فبادرت جمعيَّة الحياة بالقرارة الرَّاعية للملتقى، برسالة تهنئة جاء فيها: «لقد شاء الله أن يجمع بن العالمين الجليلين والإمامين الصديقين: الشَّيخ ابن باديس والشَّيخ إبراهيم بيُّوض في وحدة العمل ووحدة الهدف، ويلتقيان معًا على درب الحياة، جاهدين مع زملائهم الأوفيّاء في سبيل تحقيق أسمى المبادئ على أرض الجزائر الطَّاهرة: الإسلام ديننا، والعربيَّة لغتنا، والجزائر وطننا، فلم يحيدا على ما تعاهدا عليه؛ حتَّى لقيا ربَّهما راضيين مرضييَّن. كما شاء الله
__________
(1) ـمحاضرةألقاهاالدكتورالتواتيبنالتواتيبالمركزالثّقافيببلديةبريَّان، فييومالأربعاء30جوان2010م.
(2) ـد. محمدناصر: فيرحابالقرآنالإمامالشّيخإبراهيمبيُّوضالقسمالأوّل، ص23. (1/251)
صفحة 235
أن يجمع في هذه الأيَّام بين الملتقيين لفكر كلٍّ من هذين العظيمين: أحدهما في القرارة والآخر في قسنطينة، لما علم الله من صدق النّوايا ووحدة الكلمة، فكان الملتقيان توأمين لأبٍ واحدٍ، هو الإسلام وأمٍّ واحدةٍ هي الوطنيَّة» (1).
في الرِّسالة التي أرسلها فخامة رئيس الجمهوريَّة السيد عبد العزيز بوتفليقة للملتقى الأوَّل لفكر الشّيخ بيُّوض يقول فيها: «وإذا أردنا أن نتحدَّث عن الشَّيخ بيُّوض فإنَّما نتحدَّث عن رؤيته الاستشرافية في مجال التربية والتعليم والنُّهوض بالنَّشء، وعلى قدرته على تمثُّل حضارة العصر، من خلال دعوته الثائرة إلى الأخذ بمجامع معارف الآخرين، وتخيُّر فضائلهم الإيجابيَّة، لاستلهامها في بناء ذاتنا الحضاريَّة».
يضف قائلا: «إنَّ الشيخ بيُّوض الذي شبَّ وترعرع في بيئته المحافظة، والتي لم يبرحها، لا قبل الثورة ولا أثناءها، يستشعر اللَّمسات الخفيَّة والبادية في الحضارات الأخرى، ويدعو إلى الأخذ بعلوم العصر النافعة، دون أن يفرِّق بين الجنسين، وهو في هذا كان مجدِّدًا، ويعدُّ من أهمِّ العارفين بحقيقة عقيدتهم، خاصَّة عندما شدَّد على أن الخلاف في العرض لا في الجوهر، وفي الفروع لا في الأصول، ومن ثمَّ زاد في توحيد صفوف الأمَّة».
ويضيف: «إنَّ الرجال تخلِّدهم أعمالهم وتمجِّدهم آثارهم، والمغفور له الشيخ بيُّوض الذي تلتقون اليوم للتعريف به، والذي اختصَّ بتربية النشء وتكوين جيل مثقَّف مستنير، ومحاربة الفساد بكلِّ أنواعه وتنقية العقيدة من كلِّ ما شابها من شعوذة وخرافات، وكانت له مواقف مشهودة في الدَّعوة إلى التآخي والتراحم والتعاون بين أبناء هذه المنطقة، كان من الرَّعيل الأوَّل الذي تشهد عليه أعماله التربويَّة، ورسالته الخالدة التي ورَّثها لهذا الجيل الذي يواصل الآن بإخلاص ووفاء، ويقيم له هذا الملتقى عرفانا منه بفضله وتقديرا لمكانته» (2).
- - -
__________
(1) ـبيانجمعيَّةالحياةلملتقىلشيخابنباديس، القرارةفي12محرم1421هـ، كتابملتقى فكر الإمام الشيخ بيوض، ص352.
(2) ـرئيسالجمهوريةعبدالعزيزبوتفليقةرسالةالملتقىفي07محرم1421هالموافق12أفريل2000م. (1/252)
صفحة 236
الحضور الإباضي في مدينة ”باتنة“وضواحيها منذ الدولة الرستمية
حتى استرجاع الاستقلال الوطني (*)
أ. لُمباركية نوَّار
مجاز في علوم الأحياء وعلوم التربية
جمعية التاريخ والتراث الأثري لمنطقة الأوراس
lombarkia.nouar@gmail.com
ت
(1) توطئة:
تستوقفني، في البداية، ثلاثُ ملحوظاتٍ لا أرى جواز التكتِّم عنها أو القفز عليها؛ وغرضي من الإفصاح عنها هو جعلها سندًا لي لتجاوز بعض قيود الحرج الشاقِّ الذي لا استبعد أن يستجلبه عنوان هذه المداخلة كما سطرته، وهو: «الحضور الإباضي في مدينة} باتنة» وضواحيها منذ الدَّولة الرستميَّة حتى استرجاع الاستقلال الوطني».
الملحوظةُ الأولى: لا أريد أن يدفعنا عنوان هذه المحاضرة إلى السير في متاهات الغرابة والتعجُّب البتَّة، وكأننا أمام اكتشافٍ جديد، وغير مسبوق! لأنَّ مثل هذه العلاقة، أو العلاقات التي نبحث فيها لا تمثل شذوذا مخالفا أو حالة نادرة؛ وإن امتداد مثل هذه العلاقة أو العلاقات هو أمرٌ طبيعيٌّ لاعتبارات عديدة.
الملحوظةُ الثانية: إن ظهرت هذه العلاقةأو العلاقات نامية وبارزة في اتجاه واحد، فذلك بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية وتاريخية فرضت فرائضها على رسمها وتوجيهها، وتحكمت فيها، ولونتها بلون صروف الدهر ومفاجآت الزمان، وحركة ونشاط واندفاع وطموح الإنسان.
__________
(1) (*) - هذا الموضوع عبارة عن محاضرة ألقيت في نادي متقاعدي عمَّال التربية لولاية «باتنة»، وبدعوة من رئيسها الأستاذ المربِّي «صالح مخلوفي» في صبيحة يوم السبتالسادس والعشرين جويلية 2014م، الموافق للثامن والعشرين رمضان 1435هـ. (المؤلِّف). (1/253)
صفحة 237
الملحوظةُ الثالثة: لئن يُرى بأنَّ صيغة العنوان تحدِّد التخوم الجغرافية التي سيشغلها الموضوع تحديدا معلّما ومحكما، فإنه في الواقع لا يرسم المدى الجغرافي بصورة مضبوطة في ما يخص عبارة: «باتنة وضواحيها»؛ بسبب أنَّ بعض جوانب البحث لا تستجيب إلى معيار التحديد الذي أصبو إليه. فلفظة «الأوراس»، مثلا، التي تسبَّبت في بروز هذه الملحوظة المنهجيَّة يطرح إشكالاً ذا جانبين تصعب السيطرة عليهما: جانب الحيِّز المكاني وجانب الاستقصاء البحثي. واستطرادًا من أجل التوضيح، فإن بقعة «الأوراس» التي تذكرها الكتب القديمة قد انحسرت عمَّا كانت عليه. وأرغب الاستفادة من هذه الملحوظة لتبرير بعض اقتباساتي واستشهاداتي إن لوحظ بأنها أقحمت رغما عن العنوان.
جذور العلاقة الضاربة في أعماق التاريخ:
في الحقيقة، إنَّ العلاقة بين الإباضيين و «الأوراس» ـ عموما ـ هي علاقة قديمة بدأت مع نشأة الدولة الرستمية الإباضية سنة 160هـ ـ 776م، والتي تُعد أوَّل دولة إسلامية ثابتة الدعائم والأركان في المغرب الإسلامي، وقد جرى انشقاقها عن الدولة العباسية في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور على يد عبد الرحمن بن رستم الفارسي نسبًا، على أغلب الآراء، والإباضي مذهبا. واستمرت حتى سقوطها سنة 296هـ ـ 909م على يد الفاطميين بقيادة أبي عبد الله الشيعي. وبعد خسوف شمسها التي سطعت مزدهرة ردحًا من الزمن، فرَّ أنفارٌ منها إلى جبال «الأوراس» المنيعة، واتخذوا منها ملاذات وملاجئ للحفاظ على أنفسهم من التشرُّد والهلاك، ولصون مذهبهم الديني من الاندثار والزوال (1)، وإن استنجدوا بالأوراسيين؛ فذلك لأنَّ هؤلاء ممن يأبون الضيم، ويكرهون الظلم والاضطهاد، ويحفظون العهود، ولا يفرِّطون في من يقصد ديارهم طلبا للحماية والنجدة. ومنذ كان «الأوراس» الحصينُ، فهو ملجأ للضعفاء والمضطهدين ولمن سلب منهم الجاه والسلطان والعز.
يرسم لنا ابن الصغير المالكي المعاصر للدولة الرستميَّة، والذي عُدَّ من ألمع مؤرخيها، وكتب عمن تداولوا الحكم فيها كتابه الشهير: «أخبار الأئمة الرستميين» رغم
__________
(1) ـ حسب ما ورد في بعض كتب التاريخ. (1/257)
صفحة 238
بغضه المصرّح به الذي يحمله في قلبه لهذا الكيان، يرسم لنا صورة ناصعة عن هذه الدولة، نستشفُّ منها انفتاح صدرها واتساعه لكل الوافدين عليها في كنف الحرية المعبرة عن المناخ الديمقراطي الذي ساد فيها بمصطلح أيامنا. وهذا ما شجع البربر والعرب والعجم على الانضواء تحت لوائها، إذ يدوِّن واصفًا ظروف الحياة في ربوعها وتحت ظلالها، قائلا: «قويَ الضَّعيفُ، وانتعش الفقير، وحسُنت أحوالهم وخافهم جميع من اتَّصل به خبرُهم، وأمنوا ممَّن كان يغزوهم، ثم شرعوا في العمارة والبناء، وإحياء الموات، وغرس البساتين، وإجراء الأنهر، واتِّخاذ الرِّحاء (1) (*)، وغير ذلك. واتّسعوا في البلد وتفسَّحوا فيها، وأتتهم الوفود والرفاق من كلِّ الأمصار وأقاصي الدِّيار. ليس أحدٌ ينزل بهم من الغرباء إلاَّ استوطن معهم، وابتنى بين أظهرهم، لمِاَ يرى من رخاء البلد، وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيَّته، وأمانه على نفسه وماله، حتَّى لا تَرى دارًا إلاَّ قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويِّين ورحبتهم، وهذا مسجد الكوفيِّين، وهذا مسجد البصريِّين» (2).
ونجد إحدى الشَّهادات الرَّاسخة عن قدم العلاقة بين أهل «الأوراس» والإباضيِّين في ما يقوله المستشرق الفرنسي ويليام مرسييه: « ... ومن حسن حظِّ بني رستم أن اعتمدوا على أبناء «الأوراس»، وهم رحَّل يتعاطون الفلاحة، وعلى سكَّان قرى جبال طرابلس. وكانوا يجدون من بينهم الجندَ المخلصين والدُّعاة المتحمِّسين والمموِّلين لخزائنهم بما يدفعونه من ضرائب» (3).
وفي سياق قريب وموسَّع، يقول رائد الإصلاح وسيِّده بلا منازع في الجنوب الجزائري الإمام الشَّيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض (1899 ـ 1981م) (رحمه الله)، يقول:
__________
(1) (*) ـ الرِّحاء مفردها: الرَّحىلذي يجرش مختلف الحبوب بفضل الطاقة المتولدة عن جريان الماء.
(2) ـ علي يحيى معمَّر ـ الإباضية في موكب التاريخ ـ الحلقة الرابعة: الإباضية في الجزائر ـ الجزء الأول ـ المطبعة العربية «غرداية» ـ الصفحة: 14.
(3) ـ جوليان شارل أندري ـ تاريخ إفريقيا الشمالية ـ تونس، الجزائر، المغرب الأقصى ـ من الفتح الإسلامي إلى سنة 1830م ـ تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة ـ الدار التونسية للنشر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ـ الجزائر ـ الطبعة الثالثة ـ الجزء الأول ـ الصفحة: 42. (1/258)
صفحة 239
«إنَّنا نحن الميزابيِّين جزائريُّون منحدرون من أصل جزائري، ولنا في قلب الجزائر الشَّمالية آثارٌ عظيمة، وتاريخ مجيدٌ، وذكرياتٌ لا تُنسى. ومن ذا الذي ينسى الدَّولة الرُّستميَّة في «تيارت».لكنَّ تقلُّبات الدَّهر دفعتنا إلى هذه الزَّاوية من جنوب الجزائر على أبواب الصَّحراء، فاستوطناها، ولم تنقطع علاقاتنا بالشَّمال أبدا، كما أنّها لم تتصل بالجنوب أبدًا ... ويستحيل أن تتغيَّر هذه الحالة فيما يُستقبل من الزَّمان.
إن حياتنا ومصادر عيشنا ومنابع اقتصادنا كلَّها في الشّمال. فالميزابيُّون كلُّهم منذ ولادتهم متَّجهون إلى الشَّمال منذ أقدم العصور، تشهد بذلك الآلاف المؤلَّفة من أبناء ميزاب المنبثِّين في العمالات الثَّلاث لطلب الرِّزق بالتجارة، ولتغذية عائلاتهم التي تنتظر بفارغ صبر في ميزاب ما يبعثون به إليها ... » (1).
نقرأ في قول الشَّيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض (رحمه الله) إقرارًا وشرحًا لعبارة متداولة تجري مجرى الأقوال المأثورة والمتواترة على ألسنة إخواننا الإباضيِّين، ومؤدَّاها بلهجتهم المحليّة: «أَغْلانْ َيَتْشَّردْ سَالتَّلْ» (2) (*)، ومعناها أنَّ النَّهضة التي شهدتها مدائن وادي ميزاب السَّبع كانت بفضل ما درَّته جهة شمال الوطن التي ارتحلوا إليها بكثافة طلبا للرِّزق.
اضطرَّ الإباضيُّون إلى مغادرة مدينتهم «إسدراتن»: سدراتة القريبة من «ورجلان»: ورقلة، التي تفننوا في تعميرها بالدُّور والقصور، وملئِها بالبساتين، بعد أن ضاق بهم جيرانُهم ذرعًا، وامتلأت قلوبُهم عليهم حنقًا وحسدًا وحقدًا، وخشوا منهم المنافسة والمزاحمة، واستجاشوا عليهم بجيوشالمرابطين، فأجلوهم عنها ليحلَّ محلَّهم الزُّنوج. وفرض على الإباضيِّين النّزوح إلى جبال «بني مُصاب» أو «مزَابْ» أو «ميزاب»، ونزلوا بالوادي المحْل الجديب (3). ولما انطلقوا في تأسيس مدائنهم التى تسلَّقت المرتفعات والتِّلال والهضبات، وحطَّت عليها كأعشاش النُّسور.
__________
(1) ـ بيوض إبراهيم بن عمر ـ أعمالي في الثورة ـ نشر جمعية التراث ـ القرارة «غرداية» ـ الصفحة 72.
(2) *ـ أغلان باللهجة الميزابية المحلية هو: الموطن. وهم على خلاف بقية اللهجات البربرية في الجزائر يقلبون حرف «الكاف» إلى حرف «التاء».
(3) ـ محمد الجيلالي عبد الرحمن ـ تاريخ الجزائر العام ـ ديوان المطبوعات الجامعية «الجزائر»، ودار الثقافة بيروت «لبنان» ـ طبعة جديدة مزيدة ومنقحة ـ 1982 ـ الجزء الثاني ـ الصفحة: 176. (1/259)
صفحة 240
ظلَّ اسم «الأوراس» حاضرًا وراسخا في الذاكرة التراثية الجماعيَّة للإباضيِّين، فاسم مدينة العطف «تجنينت» أولى مدنهم في تلك الفيافي المهجورة، وحسب أحد الأقوال المرويَّة، هو «نسبة إلى بعض العائلات البربريَّة الزناتيَّة التي سكنت هذه المدينة، وما يزال هذا الاسم تلقَّب به بعض العائلات في «وادي ميزاب» و «الأوراس»، وهو لقب: «عطفاوي»» (1).
وكذلك سارت التخمينات التي أمعنت النّظر في مصدر اسم مدينة «بني يسجن» التي يحيط بها جدار حصين إلى اليوم، حيث ترى أن «الاسم الأصلي بربري من «أث إسجن»، وقيل نسبة إلى بعض العائلات التي عمَّرت هذه المدينة بحيث نجد عدَّة عائلات تحمل هذا اللَّقب إلى يومنا هذا في «وادي ميزاب» و «الأوراس» وتلقّب بـ: «إسقني»» (2).
هود بن محكَّم بن هود الهوّاري "الإباضي" "الأوراسي" ...
أوَّل مُفسِّر للقرآن الكريم في المغرب الإسلامي
اكتفى محقِّق كتاب: «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» للشيخ عبد الرحمن الثعالبي بإيراد إشارة خاطفة عن هذا الاسم المنسيِّ في مطاوي التَّاريخ، ولم يسترسل في التعريف به. وممَّا قاله عنه: «لم ينقطع سكَّان هذا البلد الجزائري عن درس القرآن، وحفظه وتفسيره في السِّلم وفي الحرب، في الظُّروف اليسرى، وفي العسرى، ابتداءً من أوَّل تفسير قام به هود بن محكَّم الهواري» (3).
أمّا أستاذ اللِّسان العربي بكليَّة العلوم الإسلاميَّة بجامعة الجزائر، بالحاج بن سعيد شريفي ـ وبعد أن أضاف إلى اسمالمفسِّر نسب «الأوراسي» ـ فقد اهتمَّ بسيرة حياته مستندا إلى الاستنباط وتغليب الرَّأي محتكما إلى الشَّواهد والاستدلالات من غير جزم
__________
(1) ـ أعوشت بكير بن سعيد ـ وادي ميزاب في ظلِّ الحضارة الإسلامية: دينيا، تاريخيا، اجتماعيا ـ المطبعة العربية «غرداية» ـ 1991م ـ الصفحة: 66.
(2) ـ نفس المرجع السابق ـ الصفحة: 69.
(3) ـ الطالبي عمَّار (دكتور) ـ الجواهر الحسان في تفسير القرآن ـ للشيخ سيدي عبد الرحمن الثعالبي ـ المؤسسة الوطنية للكتاب ـ الجزء الأول ـ الصفحة (أ) من المقدمة. (1/260)
صفحة 241
لشحّ مصادر المعلومات، وكذلك فعل مع والده الشّيخ هود الهوَّاري الذي امتهن القضاء. ويقول بصدد الأوَّل: «أمَّا قبيلته فهي من قبيلة البرانس البربريَّة، وقد سكنت بطونها عدَّة مواطن في إفريقيا والمغرب. فقد جاورت هوَّارة قبيلة نفوسة بالجبل الذي ينسب إليها، جنوب طرابلس الغرب، وسكنت بطون منها بلاد الجريد، جنوب الحدود الجزائريَّة التونسيَّة الآن، وكانت قاعدتها توزر. وسكنت بطون منها جبل أوراس ونواحيه، وهذا الموطن الأخير هو الذي يعنينا في موضوعنا» (1).
ويواصل قائلا: «في تلك المواطن من جبال أوراس وما يحيط بها، وفي كنف هذا الوالد الورع التَّقيِّ، القاضي الحازم، وتحت رعايته، نشأ عالمنا الشَّيخ هود بن محكَّم الهواري. إنَّنا لا نعرف بالتَّحديد عام مولده، ولكنَّنا نقدِّر أن يكون في العقد الأوَّل أو الثَّاني من القرن الثَّالث الهجري. والذي يبدو لنا أن يكون قد أخذ العلم، أوَّلا، في مراتع طفولته ومرابع صباه عن والده، بعد حفظه لكتاب الله. وأنَّه قد تفقَّه في مجالس العلم وحلقات الدروس التي كانت تُعقد بالمساجد في القرى الجبليَّة أو في البوادي، وحتَّى في المغارات إذا اختلَّ الأمن، واضطربت الأمور، وخيفت الفتن» (2).
ويضيف في موضع قريب من الاقتباس السابق: «وفي ظلِّ هذه الحياة يكون الشيخ هود قضى فترة صباه، وشيئا غير قليل من شبابه في بلده، وفي موطنه بأوراس يكون قد أخذ جلَّ علومه. فهل خرج الفتى هود من بلده في رحلة لطلب العلم؟ أنا لا استبعد ذلك، بل إنّني أميل إليه، وأكاد أجزم به؛ ذلك أنَّ مركزين عظيمين كانا في ذلك العهد بإفريقيَّة يَشِعَّان بأنواع المعرفة عامَّة، وبالعلوم الدينيَّة خاصَّة، وأعني بهما: القيروان وتيهرت» (3).
وأمَّا عن وفاته، فيقول: «أمَّا عن وفاة الشيخ هود، فلم تذكر أيضا بالتحديد في أيِّ مصدر. وأقدِّر أنَّها كانت في العقد الثامن أو التاسع من القرن الثالث الهجري، أي حوالي سنة ثمانين ومائتين. فإنَّ كلَّ ما ذكره من المؤرِّخين وكُتَّاب السير، يؤكِّد أنَّه من علماء
__________
(1) ـ شريفي بالحاج بن سعيد ـ تحقيق تفسير كتاب الله العزيز للشيخ هود بن محكّم الهواري «الأوراسي» ـ دار البصائر للنشر والتوزيع ـ الجزائر ـ الطبعة الثانية ـ الجزء الأول ـ الصفحة: 13.
(2) ـ نفس المرجع السابق ـ الصفحتان: 17 و18.
(3) ـ نفس المرجع ـ الصفحتان: 18 و19. (1/261)
صفحة 242
الطبقة السادسة (250 ـ 300هـ). فهل أدرك نهاية الدولة الرستميَّة سنة ستٍّ وتسعين ومائتين للهجرة؟ أنا استبعد ذلك، ولكن لا استطيع أن أجزم بشيء في الموضوع» (1).
الوجود الإباضي في مدينة "باتنة" وضواحيها قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر
يعود استقرار عائلات إباضيَّة في قرية «تازولت» إلى سنة 1512م، أي قبل دخول الأتراك إلى الجزائر بأزيد من عقد ونصف العقد من الزَّمن. وقد شجَّعهم على النزول فيها قبل مدينة «باتنة» كونها ـ أوَّلاـ مدينة رومانيَّة قديمة سبقت في الوجود مدينة «باتنة» التي تأسَّست في سنة 1844م في موقع يبعد عنها بحوالي عشر كيلومترات، ولأنَّها ـ ثانيا ـ كانت عاصمة تجاريَّة فيها سوق رائجة وشهيرة من أكبر أسواق الشَّرق الجزائري. وكانت تنعقد كلَّ يوم ثلاثاء، وتباع فيها المحاصيل الزراعيّة السنويَّة والغلال الموسميَّة، كالقمح والشعير وصنوف التمر المستقدمة من واحات النخيل في الجنوب. وأمَّا في بقيَّة أيَّام الأسبوع فتفرغ السوق، ويجوب الباعة المتجوِّلون المؤقَّتون والموسميُّون قرى «الأوراس» ومداشره ودواويره وقلاعه للابتياع والمبادلة.
جاءت العائلات المزابيَّة الأولى التي استوطنت قرية «تازولت» من «مليكة»، وهي المنتمية إلى: «آل فرصوص»، «آل بعمارة» و «آل شرع الله». ورافقهم في المجيء عائلات أخرى جاءت من مدينة «القرارة»، وهي من: «آل بوسحابة»، «آل بولحية»، و «آل صالح بن لخضر». وما تزال دار تعرف، إلى اليوم، باسم: «دار بني ميزاب» في «تازولت» جعل من أحد محلاَّتها مصلى تنعقد فيه الصلوات الخمس جماعة.
بعد زحف الاستعمار الفرنسي على منطقة «الأوراس»، وتأسيس مدينة «باتنة» التي شُيِّدت كمعسكر للجيش الفرنسي، والبدء في تعميرها من طرف السكان الأصليِّين، دخلتها أولى العائلات الإباضيَّة في سنة 1848م، من بعد أن تأسَّست فيها سوق نشطة في يومي الاثنين والثلاثاء من كلِّ أسبوع في حيّ «المعسكر». ولما وجدت سوق قرية «تازولت» نفسها منفضَّة الجموع وغير مقصودة إثر غروب صيتها وسمعتها، انكمشت الحركة فيها حتَّى ألغيت.
__________
(1) ـ نفس المرجع ـ الصفحة: 23. (1/262)
صفحة 243
وكانت العائلات الإباضيَّة التي سبقت إلى حطِّ رحالها في مدينة «باتنة» ذات الطراز المعماري الأوروبي هي عائلات: «آل بعمارة»، «آل القيرع»، «آل شرع الله». وأسَّست بها عائلة «بربوشة» أولى شركة تجاريَّة. وتنتمي هذه العائلات إلى «مليكة». وقصدتها من مدينة «القرارة»، عائلات: «آل بولحية»، «آل بوسحابة»، «آل صالح بن لخضر»، «آل أبو العلا»، «آل يحي بن باحمد»، وعائلات من ألقاب: «لَعْصَابين»، «أزقاو»، «مجاهد»، «بوقرينات» و «أوجانة».
استمرَّت العائلات الإباضيَّة التي سكنت مدينة «باتنة» للاشتعال في المجال التجاري، نظرا لولع الإباضيِّين بالتجارة وتفوُّقهم فيها منذ أيَّام الدولة الرستميَّة، ففتحوا الحوانيت والدكاكين وملؤُوا المخازن والمستودعات. وكانوا هم أوَّل من افتتح أول حمَّام جماعي في حي «المعسكر» من طرف «آل بعمارة»، ثم ألحقوه بثان في نهج ( Fedherbe) سابقًا، من قبل «آل شرع الله»، وبثالث في شارع (فيكتور هيغو) سابقا، هو ملك «لآل قيرع». وكان من أسباب ازدهار تجارتهم واتساعها وتنوُّعها في مدينة «باتنة» تنامي علاقاتهم مع تجَّار مناطق الصحراء كـ «بسكرة» و «وادي ريغ» و «ورقلة»، وخاصّة مع التّاجر ذائع الصيت في مدينة «بسكرة» «عفاري الميزابي» (1).
استمال التجار الإباضيُّون قلوب سكان مدينة «باتنة» وضواحيها، وكسبوا مودَّتهم بفضل أخلاقهم العالية في التعامل المبنية على الصدق والوفاء والسماحة والتسامح في البيع والشراء، واللَّين الفطري في الخدمة، والنزاهة في الكيل والميزان، وحفظ الودائع والأمانات، وردِّها إلى أهلها حين طلبها، واحترام المواعيد، ومبارحة الغشِّ، وترك كلِّ صنوف التحايل والغدر ونقض العهود ومخالفتها، والإعراض عن الرِّبا وأكل أموال الناس بالباطل، واحترام أوقات إخراج الزكوات، وقرض من يحسنون الظنَّ فيه.
__________
(1) ـ أخذت هذه المعلومات مكتوبة بواسطة «الدكتور محمد بن صالح حمدي»، من المجاهد المتقاعد «مسعود بن محمد باحماني» مالك مصنع الصوف، سابقا، بمدينة «باتنة». (1/263)
صفحة 244
دور «الحاج يحي زوَّاي» الإباضي في استرجاع أراضي ضيعة «لمدينة القديمة» بعد ثورة 1879م:
يمكن اعتبار ثورة 1879م في «الأوراس» فصلا مهمًّا من فصول مقاومة الاحتلال الفرنسي مقاومة شعبيَّة صلبة، لم تعرف التملمُل والتراجع، ووقوفا في وجه مخطَّطاته الماكرة. ولكن، لما مُنيت هذه الثورة بالهزيمة والانكسار، وفرار قائدها «محمد بن عبد الرّحمن بن جار الله» المعروف باسم: «محمد أمزيان»، والمكنى بـ «أبي برمة»، أي: «بوثقنوشت» صوب أرض «تونس» بحثا عن حبل النَّجاة لنفسه وبعض شيعته وأعوانه الذين رافقوه، لجأت فرنسا ـ التي تُحسِنُ نسج شراك الانتقام وحِيَل التنكيل ـ إلى ترحيل مجموعات من السكان الذين ثار غبار هذه الثورة على أراضيهم، وتجريدهم من ممتلكاتهم، وتعمير قراهم ومداشرهم بالمستوطنين الأوروبيِّين الغرباء المستقدمين من وراء البحر، لخلخلة انسجام وتناسق التركيبة البشريَّة للمنطقة. وجلبت إلى ضيعة «لمدينة القديمة» قسًّا داهية متضلِّعا في الختل والخبث. ولما أفضت محاولاته السافرة والمتأرجحة بين التَّرغيب والتَّرهيب إلى فشل ذريع وخيبة مريرة، يئست فرنسا وقرَّرت الخروج من المنطقة. وبعد أن استفادت من خيرات أراضي «الضَّيعة» لمدَّة أشرفت عن نصف قرن من الزَّمن، عرضتها للبيع في المزاد العلني سنة 1928م في مدينة «قسنطينة»، ورُوِّج الإعلان في الجرائد، وقرَّرت تسع عائلات من قبيلة «التوابة»، وهي من مالكيها الحقيقيِّين استرجاعها عن طريق الشِّراء، وهي: «ابن شائبة»، و «ابن عكشة»، و «أوراغ»، و «بوسعد»، و «تيماقولت»، و «عثامنة»، و «عزوي»، و «قرزة» و «زاوش». وكادت هذه الأراضي الخصيبة أن تذهب إلى جهة أخرى بسبب عدم توفُّر نصيب المال المشروط لاستردادها، لولا مساعدة «الحاج يحي زوَّاي» صاحب مصنع العطور المعروف في حي «باب الواد» في «الجزائر العاصمة». فقد قبل هذا المحسن قرضهم مالاً لاسترجاع أملاكهم المسلوبة، على أن يسترد ماله بأن يكون له نصيب «العُشر» من غلال أراضي «الضَّيعة»، واتّفقوا أن تسدَّد له تلك الدُّيون تقسيطًا على مدار تسع عشرة سنة (1).
__________
(1) ـ عزوي محمد الطاهرـ مقاومة الأوراس في القرن 19 ـ من1837م إلى 1879م ـ مجلة «التراث» ـ إصدار جمعية التاريخ والتراث الأثري لمنطقة الأوراس ـ العدد: 1 ـ ذو القعدة 1406هـ، يوليوز 1986م ـ الصفحة 74. (1/264)
صفحة 245
ذكر بني ميزاب في شهادة الشيخ سيدي محمود بن سيدي محمد عبد الصمد عن ثورة 1916في «الأوراس»:
دوَّن الشيخ العلاَّمة المربِّي، والفقيه والشَّاعر، سيدي محمود بن سيدي محمد عبد الصَّمد (1852م ـ 11 جويلية 1952م) تدوينات تاريخيَّة قليلة عاصرها أو كان شاهدًا عليها، في كنَّاش زاوية أجداده التي انتصبت في فجٍّ من فجاج جبل «بوعريف» المطلَّة من النَّاحية الشَّمالية على مدينة «باتنة»، ومنها مقالة واحدة دعاها: «الرِّحلة الوطنيَّة والأخبار الحديثة» خصَّصها للحديث عن ثورة1916مفي «الأوراس» التي تدعى، كذلك، بثورة: «عين التوتة». وكان حينها من بين العشرة المعُيَّنين من طرف الإدارة الفرنسيَّة للنظر في بعض القضايا التي تخصُّ السكان الجزائريِّين الأصليِّين، ومن ذلك قبول فئات من الشباب الجزائري للتجنيد في الجيش الفرنسي تجنيدًا إجباريًّا وفق القانون الذي سُنَّ في سنة 1912م. ويقول في حديثه عن الصباح الذي تلا ليلة اندلاع هذه الثّورة التي شاهد آثارها: «ولَمَّا دخلتُ الفيلاج (1) (*)، رأيت «الكومندان» والطَّبيب و «الأجودان» ومعهم العسكر الذين باتوا يطوفون، فقال لي مثل ما قال «المير». ودخلت إلى «السوبريفي» وهو يتقلَّب بين العساكر الممرضين له، وعينه اليمنى مسدودة ومنتفخة، وفوق شاربه جرح خفيف، وهو في لباس النَّوم. ولَمَّا خرجت من عنده إلى سكك [كذا] الفيلاج، وجدت نحو أربعة أو خمسة من الأهالي مقتولين، ونظرتُ إلى مخازن بني ميزاب، فلم أجد فيها أصلاً شيئًا، والأبواب منكسرة والحبوب منثورة. وبعد مدَّة، وجدت شخصًا من «بني ميزاب» أعرفه يقال له «سي أعمر بن حمُّودة» وله سنين عديدة في عين التوتة، فقلتُ له: هل عرفت أحدًا من الذين اقتحموا «الفيلاج». فقال: نعم، هم «الخذران» و «أولاد سلطان». أمَّا خليفة الحاكم «كارلي»، لمَّا قدم إلى دوار «أولاد عوف»، بات عندهم، فظنَّنا أنّه مات» (2).
__________
(1) *ـ يقصد بـ «الفيلاج» قرية: «عين التوتة» الذي جاءه الشيخ صباحا بعد أن قضى ليلته في دوَّار «معافة» القريب عند صديقه «حمَّة خندودي».
(2) ـ بندقية من جبل بوعريف ـ مذكرات الملازم الثاني المجاهد محمد الصغير عبد الصمد ـ تحرير لمباركية نوّار ـ مؤسسة المختار للطباعة والنشر ـ باتنة ـ الصفحة 55. (1/265)
صفحة 246
تُظهر هذه الشهادة التي عايشها الشَّيخ سيدي محمود عبد الصَّمد عن ثورة 1916م، والتي جرت في «الأوراس» مهد الثورات، وكتب فصولها وأطوارها كما تبدَّت أمام عينيه أو بلغت مسمعه، تظهر اشتراك أبناء الشّعب الجزائري في تقاسم المصائب في أوقات البلاء.
أثر زيارة الشيخ إبراهيم بيُّوض لمدينة «باتنة» في زمن استفاقتها الإصلاحيَّة:
إنَّ المعلومات التي تخصُّ هذه الزيارة التي قادت الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض (رحمه الله) إلى مدينة «باتنة» شحيحة، ولا استبعد أن تكون قد فرضتها معاينة الحراك الإصلاحي الذي كان يعمُّ القطر الجزائري بفضل الجهود المبذولة من طرف جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين، ومتابعة وتقويم الخطوات التي قطعتها. ومثلما يحتمل أن تكون قد تمَّت بتكليف من جهة مشرفة، فلا يُستبعد أن تكون وليدة مبادرة شخصيَّة تجمع بين التفسُّح ضربا في الأرض وحبِّ الاستطلاع.
وقد وردت أخبار هذه الزيارة مقتضبة في تقرير أمنيٍّ أعدَّه وأرسله رئيس أمن «باتنة» إلى رئيس دائرتها في يوم 25 ديسمبر 1934م. ويشير فيه إلى أنَّ إعداد هذا التَّقرير ينسجم مع التوجيهات الأخيرة التي تفرض مراقبة شديدة ومتابعة مكثَّفة لتحرّكات الأهالي، كما سمَّاهم. ويسجِّل أنَّ عدد سكَّانهم كان في ذلك الزَّمن معادلا لـ 8500 نسْمة.
يمنح هذا التقرير ذو الطابع السرِّي عناية لافتة لنادي «الإصلاح» الذي أسَّسته شعبة جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين في مدينة «باتنة»، ممَّا يدلُّ على أنَّه كان واحدا من مقلقات الإدارة الفرنسيّة في مدينة «باتنة». وقد ورد في هذا التّقرير بشأنه ما يلي: «ما انفكَّ نادي «الإصلاح» يتحسَّن يوما بعد يوم. وقد أصبح مزوَّدا بالتّسخين المركزي، وبجهاز لالتقاط الإذاعات. ونجد به مكتبة وافرة وغنيَّة بإنتاجات فكريَّة حرَّة، وروايات لمختلف المؤلفين أين تسيطر مؤلفات «بيار لوطي» (1) (*)، وبها اليوميَّات الجهويَّة الرَّئيسة المنشورة باللغة الفرنسيَّة التي توزَّع بانتظام، وتصل، أيضا، «وبعضها من أجل توزيع كلّ الصّحف الجهويَّةوغيرها، التي تنتقد الإدارة الفرنسيَّة والمكتوبة باللُّغة الفرنسيَّة واللُّغة العربيَّة، مثل: «الدفاع»، «ضربة الخيزران»، « Tam Tam»، « الشعب الجزائري»، «الثَّبات».
__________
(1) *ـ بيار لوطي: ( Pierre Loti)(14 جانفي1850 ـ 10 جوان 1923م)، هو كاتب فرنسي، امضى عمره ضابطا في جيش البحرية. (1/266)
صفحة 247
قُلّصت، منذ مدّة قصيرة، اشتراكات أعضاء النّادي، وأصبحت تتراوح بين خمسوثلاث فرنكات في الشّهر. يَعمُر النَّادي أشخاص تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات وعشرين سنة من أجل المطالعة أو لعب الدومينو أو البليار أو الورق أو ألعاب أخرى. يشار، أيضا، إلى أنَّ الميزابيِّين، ومنذ فترة قصيرة، باتوا يبحثون عن مصاحبة الأهالي في مدينة «باتنة». وأنَّ بعضًا منهم يأتون بخجل إلى نادي «الإصلاح»، وخاصَّة منذ أن جاء من الجزائر المدعو «بيُّوض» شيخ جماعة العلماء الميزابيِّين إلى مدينة «باتنة»، والذي شجَّع هؤلاء الأخيرين على التّآخي مع الأهالي» (1).
حضور وفد من الإباضيين تدشين مدرسة "النَّشء الجديد" بباتنة:
تعتبر مدرسة «النَّشء الجديد» أوَّل مدرسة عصريَّة عربيَّة اللِّسان تشيد في مدينة «باتنة»، لتعليم أبناء الجزائريِّين مختلف العلوم بلغة وطنهم. وقد ساهم سكَّان مدينة «باتنة» وضواحيها بأموالهم التي اقتطعوها من خبز أبنائهم. وفي يوم تدشينها الذي جرى في الأسبوع الأوَّل من شهر سبتمبر من سنة 1954م، أي قبيل اندلاع الثَّورة التحريرية المجيدة بفاصل زمني يقل عن شهرين، حضرت وفودٌ من مختلف مدن وقرى القطر الجزائري. وقد حدَّثني الشيخ الميزابي القراري «الشيخ بالحاج محمد بن بابة» المعروف باسم: «الشِّيخ بن الشّيخ» عن حضوره برفقة الشَّاعر والأديب صالح الخرفي (رحمه الله) يوم: «باتنة العظيم»، كما دعاه آنذاك الشَّاعر المغرِّد محمد العيد آل خليفة (2).
الشّيخ سعيد شريفي «الشيخ عدُّون» في قرية «سريانة»:
كُتب للشَّيخ سعيد بن بالحاج شريفي المعروف باسم: الشيخ «عدُّون» (1902 ـ 2004م)، وهو رفيق الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض في مسيرة الحركة الإصلاحيَّة في الجنوب الجزائري التي انطلقت من حاضرة العلم مدينة «القرارة»، كُتب له أن يقضي شطرًا من
__________
(1) ـ في حوزتي نسخة من هذا التقرير الذي يقع في صفحتين.
(2) ـ كان ذلك في جلسة بعد وليمة عشاء أقامتها إحدى العائلات القرارية في صيف سنة 2006م، وكنت من بين المدعوين إليها. (1/267)
صفحة 248
زمن شبابه الأوَّل في قرية «سريانة» القريبة من مدينة «باتنة» عاملا مساعدًا في أحد المتاجر. وقد ردَّ عن أسئلتي حول هذا الموضوع الشَّيخ الفاضل بكير بن محمد الشيخ بالحاج في رسالة خطيَّة لطيفة غير مؤرَّخة بعد مقابلته للشيخ «عدُّون» ـ رحمه الله ـ، ويقول فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على رسول الله محمد وآله وصحبه.
أخي في الله: الأستاذ الكريم لمباركية نوَّار
السَّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. تحيَّة طيِّبة مباركة خالصة يبعثها إليكم أخوكم الذي لا ينساكم أبدًا، ولا تمَّحي من ذاكرته ذكريات حلولكم بالقرارة ضيفا كريما بين ظهرانينا.
وبعد، فقد تسلَّمتُ بكفِّ الغبطة والسُّرور رسالتكم الكريمة، وابتهجتُ بها، وبلَّغتُ سلامكم لفضيلة شيخنا وأستاذنا «عدُّون بن الحاج شريفي». وهو يُحيِّيكم بمثلها، وبأحسن منها.
أخي العزيز:
لقد كانت رسالتكم على مكتبي طوال هذه المدَّة نصب عينيَّ، وأنا أرقب فرصة لإجابتكم. ولكنَّ تراكم الأشغال، وفي مقدِّمتها الاختباراتُ السنويَّة، وما تتقاضاني من جهد، على غيرها، كلُّ ذلك حال دون التعجيل بالإجابة. فمعذرة. والعذر عند كرام النّاس مقبول. هذا عن المكاتبة.
أمَّا عن مقابلة الشَّيخ عدُّون، ومحاورته في شأن الفترة التي قضاها في مدينة «سريانة»، فقد قمتُ بها فور اتِّصالي برسالتكم، ولكنَّ تبييض ما سوَّدتُه أثناء مقابلته في شأن حياته في الفترة المشار إليها، وعن بعض التّفاصيل التي تفضَّلت بالسؤال عنها، ممَّا له علاقة بهذه الفترة، فإنَّني لم أتمكَّن منه إلاَّ مؤخَّرا. (ولله الأمر من قبل ومن بعد).
أخي العزيز: دونك بعض هذه المعلومات، ولعلَّها مع وجازتها تفي ببعض المقصود: (1/268)
صفحة 249
سافر من القرارة وهو ابن عشر سنين إلى مدينة سريانة بتاريخ 02 جويلية 1912م. ومكث بها إلى غاية شهر مارس من سنة 1915م، وهي الفترة الأولى.
كان الدَّافع لاغترابه وتحمُّله مشقَّة العمل، رغم صغر سنِّه شدَّة الفقر والحاجة. وسافر ليعمل على تحمُّل أعباء نفقات أسرة تركها والده من دون مال ولا معيل، بل مات وعليه ديون.
كان أثناء هذه الفترة يتلقَّى بعض الدُّروس في المدرسة الفرنسيَّة خلال أربعة أيَّام في الأسبوع، ويعمل في بقيَّة يومه، أيَّام الدِّراسة، وفي بقيَّة الأيَّام التي لا دراسة فيها. ومع هذه الدِّراسة النَّاقصة كمًّا وكيفا، وهي خير من لا شيء، «خير من بلاش»، كان يضطرُّ في يوم السُّوق الأسبوعي لمدينة «سريانة» يوم الثلاثاء للتخلُّف عن الدراسة لمساعدة عمَّال المتجر من كبار أرباب الدّكان: «المعاليم» باللُّغة العاميَّة وصغار الصُّنَّاع: بلغتنا. والذي كان يتراوح عددهم بين ستَّة وثمانية. وكان الدّكان الذي يشتغل فيه هو أشهر دكان في «سريانة». ولم يكن فيها حسب ما يذكر الشيخ إلاَّ دكَّانٌ صغير لأحد الميزابيين، وآخر لأحد إخواننا من بلاد القبائل.
ولم تتجاوز فترة دراسته سنتين وخمسة أشهر.
السَّنة الدّراسيَّة 1912م/1913م، السّنة الدّراسيَّة 1913م/1914م، السّنة الدراسيَّة 1914م وجزء قليل من سنة 1915م.
والفترة الثّانية لإقامته في «سريانة»، امتدَّت ما بين شهر ديسمبر 1915م إلى أواخر مارس 1919م. وقد انقطع بشكل كلِّي عن الدراسة ليتفرَّغ للعمل في الدكان تحت وطأة الحاجة الملحَّة، كما تقدَّم.
عاد إلى القرارة، وتزوَّج في شهر أفريل من عام 1919م. هذا ملخص عن فترة استقراره في سريانة، وعن عمله فيها.
أما من قابَلَ أو عرف من رجال «الأوراس» في «سريانة» أو ضواحيها، فقال: إنه يتذكَّر اسم «الشّيخ علي فردي» شيخ زاوية «مول القرقور». وكانت تبعد عن سريانة (1/269)
صفحة 250
حوالي خمس كيلومترات في الطّريق الذاهب إلى «باتنة» (1) (*). ويتذكَّر اسم الشيخ «قامة»، وهو شيخ أحد الدَّواوير الثلاثة التي تتمركز حول «سريانة». ولا يعرف منهم ـ بحكم صغر سنِّه، وعدم مخالطته الكثيرة للنّاس ـ شيئًا غير ما ذكر.
كان كثير التردُّد على مدينة «باتنة»، ويقصد دكَّان السيِّد الحاج عاشور بالحاج بن الحاج الناصر (أحد أعيان عشيرة الشَّيخ عدُّون بالقرارة). يتوجَّه إليها أحيانا للعلاج، وأحيانًا لقضاء بعض المناسبات كمناسبات الأعياد الشرعيَّة ترويحا عن النَّفس وطلبا للاستجمام.
والفترة التي قضاها في «سريانة» هي من مجموع فترة الاستعمار الغاشم الذي عزل النّاس عن كلِّ نشاط سياسي أو ثقافي.
يذكر أنّه وقعت ثورة في بعض المناطق الجبليَّة. ولكنْ سرعان ما قضت عليها السلطة الحاكمة. ولم يكن لها كبير أثر (2) (**).
كانت تصل إلى «سريانة» وإلى إلى دكَّانهم صحيفة «الزَّهراء» من تونس، وهي صحيفة سياسيَّةإخبارية. وكان يراها عند خاله السَّيِّد جهلان أحمد بن الحاج سعيد. وكان له شيء من المعرفة باللُّغة العربيَّة.
لا يذكر من شيوخ الإباضية الذين استقرُّوا في منطقة «الأوراس» إلاَّ الشّيخ «باعتبار ما سيكون» الحاج عمر بن يحي ويرُّو [كذا]. وقد عاش على مثل حال الشيخ أو الشَّاب آنذاك عدُّون شريفي، عاملا بسيطا لا يملك من أسباب الثّقافة شيئا. ولكنَّ كلاًّ منهما ينقطع عن العمل ويعود إلى مسقط رأسه يستقبل الحياة الثقافيَّة من جديد في أخريات العقد الثاني من عمره.
كان ذلك منعرجا مهمًّا في حياته: شمَّر عن ساعد الجدِّ، ووصل الليل بالنهار في طلب العلم. وسرعان ما ظهرت آثار النُّبوغ عليه. وقطف بعض ثمار الجدِّ وصدق النيَّة في تحصيل العلم. وكان للشَّيخ «عدُّون» دورٌ رئيسٌ في تأسيس «معهد الحياة». فإذا كان
__________
(1) *ـ الصواب هو الطريق المؤدية إلى «مروانة» مرورا عبر قرية «وادي الماء».
(2) **ـ هي ثورة «الأوراس» التي وقعت في سنة 1916م. (1/270)
صفحة 251
المؤسِّس هو زعيم الحركة الإصلاحيَّة الشيخ بيُّوض (رحمه الله)،فإنَّ القلب النَّابض، والدَّافع القويَّ، والمحرِّك الفعَّال، والعضد الأيمن هو الشيخ «عدُّون» إلى طائفة من المشايخ والعاملين بإخلاص في هذا الميدان (1).
الشاعر صالح الخرفي في مدرسة «التربية والتعليم» في مدينة «باتنة»
يذكر المرحوم الشيخ محمد عبد القادر العوبي (1924 ـ 2005م) أنَّه زامل في فترة تتلمذه في مدرسة «التربية والتعليم» في مدينة «باتنة» التي كان لوالده الشيخ الحنفي العوبي (1875 ـ 1976م) يد طولى في تأسيسها مع آخرين، يذكر أنَّه زامل في الدِّراسة التِّلميذين «يحي بوهون» و «يوسف بوهون»، وهما إباضيَّان من قاطني مدينة «باتنة». في حين لم يعد يذكر صورة الفتى «صالح الخرفي» الذي كان واحدًا من تلاميذ هذه المدرسة في تلك الفترة (2).
ولد المرحوم الشَّاعر صالح الخرفي في مدينة «القرارة» جوهرة مدائن «وادي ميزاب» السَّبع سنة 1932م. ومن خلال التذييلات والشروح التي زوَّد بها كتابه: «من أعماق الصَّحراء»، بات مؤكَّدا أنَّ انطلاقته التعليميَّة الأولى كانت في مدرسة «التربية والتعليم» بمدينة «باتنة»، إذ ارتشف في فضائها أعذب رضاب الحروف الهجائيَّة باللغة العربيَّة وأنقاها ممزوجا بصبا ذرى جبال «الأوراس» الأشمِّ، وأريج أزهار حقولها ومروجها. فلمَّا بلغ عمره سبع سنوات، ولج مدرسة «التربية والتعليم» في مدينة «باتنة»، وقضى بها سنتي 1939 و1940م. ويقول في هذا السياق مسترجعا شقًّا من سيرته الذاتيَّة في صباه: «كان التحاقي بالقسم الخامس في مدرسة الحياة سنة 1941 بعد سنتين ابتدائيَّتين في مدرسة التربية والتعليم في باتنة، وهي من المدارس الحرَّة لجمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريّين.
وأذكر من بين مشائخي فيها الشّيخ «القمقوم» ابن عيسى العربي.
__________
(1) ـ لمباركية نوّار ـ الشيخ محمد عبد القادر العوبي ـ حياته ودوره في الحركة الإصلاحية في مدينة باتنة ـ مطبعة عمّار قرفي وشركائه ـ باتنة ـ الصفحة: 47.
(2) ـ الخرفي صالح «دكتور» ـ من أعماق الصحراء ـ دار «الغرب الإسلامي» ـ بيروت ـ لبنان ـ نوفمبر 1991م ـ الصفحة: 28. (1/271)
صفحة 252
وكان العمُّ ـ رحمه الله ـ «محمد بن الحاج عبد الله الخرفي» يزاول التِّجارة في «باتنة». والعمُّ هو المربِّي والوالد الرُّوحي، وصاحب الأفضال عليَّ في تحريري من مسؤوليّة التِّجارة، وتفريغي لطلب العلم رغم حاجته الماسَّة والملحَّة إلى ذلك» (1).
يقع حانوت عمُّ الشّاعر «صالح الخرفي» في قلب مدينة «باتنة» القديمة، في شارع «قامبيطا» سابقًا، أي شارع «الفدائيِّين» حاليا قبالة السُّوق البلدي المغطَّى والمسرح الجهوي. في حين كان السَّكن العائلي موجودًا في حيِّ «المعسكر»، وهو أقدم أحياء مدينة «باتنة».
لاشكّ أنَّ السنتين اللَّتين قضاهما الشَّاعر صالح الخرفي ـ رحمه الله ـ في مدينة باتنة قد تركت في نفسه أثرا طيّبا، رغم أن قصر مدَّة الإقامة لم تسمح بتوثيق الصِّلة بين المدينة وساكنها من جهة، وبين مدرسة «التربية والتّعليم» وتلميذها النَّجيب، من جهة ثانية. ولم يكن الشَّاعر جاحدًا ومتنكِّرا لجميل مدينة «باتنة» ومدرستها الحرَّة، ولأفضالهما عليه، إذ كيف ينسى الوليد أوّل ثدْي رضع منه أخلص لبن، وأنفس خُثارة؟ وفي قصيدة «إخوة وجوار» المحمولة في كتابه سابق الذكر «من أعماق الصحراء» يصوِّر لنا صورة ناصعة البياض عن تلك الأيّام الخوالي التي نهم فيها أحلى قطيرات نُسغ العربيَّة وأعذبه، وفيها يقول:
حيّ (تقرتَ) واحتسبْ لكَ أهلاَ ... حيِّ (بسكرةَ) بعدَها، حيِّ (باتنة)
هي مرعى الصِّبا، وبين يديه ... لحروف الهجاءِ، أصبحَ معنى
كان شيخًا من (القبائل)، فردًا ... خضَّبَ الشَّيب بالوقار، وحنَّى
لقَّبوه (القمقوم) لفتة عزٍّ ... وهو، في العزِّ، بـ (ابن عيسى) يُكنَّى
جمعتني به بـ (باتنة) الأمس ... صفوفٌ، في دوحة العلم، تُبنَى
من مغاني (جمعيَّة) هالها القُطرُ ... فهبَّت تبنيه، رُكنًا فرُكنا
وهو في (بُرْنُس) الوقار، يُداري ... فلذات الأكباد، حسًّا ومعنى
ذاك شيخي، من (أيت داود)، سلني ... بذرى (جرجرا)، ألا أتغنَّى؟؟ (2)
__________
(1) ـ نفس المرجع السابق ـ الصفحة: 70.
(2) ـ نفس المرجع السابق. (1/272)
صفحة 253
علاقة الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض بمجاهدي الولاية الأولى أثناء الثَّورة التحريريَّة واتصالاتُه بهم:
يذكر الشيخ إبراهيم بيُّوض في كتابه: «أعمالي في الثَّورة» الذي نُقل من أوراق مسوَّدة كتبها بنفسه في حين سريان الأحداث التي عايشها، يذكر قائلا: «عملتُ كثيرا أيّام الثّورة الأولى مع «الريحاني»، وكان يحدِّثنا عن ذهابه إلى «الأوراس» ورجوعه واجتماعه بالمجاهدين. وأنَّ كلَّ ما جمعناه يوصله إلى الأوراس. وكنَّا نصدِّقه. ولم يكن في أيَّام الثورة الأولى فرقٌ بين حزبٍ وحزب، العمل لإنجاح الثورة وكفى. وما ندري بنيَّته والله يتولَّى أمره إن كان قد خدعنا» (1).
ويذكر، كذلك، قائلا: «في أواسط السَّنة ـ يقصد سنة 1955م ـ، قدم علينا «جغابة محمد» بواسطة أولاد «الخبزي» من بسكرة، فاتَّصلت به كما اتَّصل به إخوان آخرون، وتعاهدنا على العمل معا. وذهب ليستقرَّ في «متليلي» التي يتَّخذها مركزًا، كما قال. ولم يلفت قدومه الأنظار؛ لأنَّه أتى في زيِّ مدنيٍّ كأعرابي من البادية» (2).
كانت للشَّيخ إبراهيم بيُّوض اتِّصالات مكثَّفة بعدَّة مناطق أثناء الثورة التحريريَّة. ولما كان رجلا عمليَّا وحازما وصادقا في مناصرته لتحرير وطنه من براثن الاستعمار الغاشم الذي جثم على صدره، فقد حمل نفسه مشقَّة المجيء إلى مدينة «باتنة» في شهر جوان 1955م، ومقابلة بعض المسؤولين عن الثَّورة بمنزل السيِّد «سليمان بوعصبانة عمر بن الحاج إبراهيم» مع «محمد بن يحي»، وهم المجاهدون: «سعادة إبراهيم» و «محمود الواعي» و «دردوري محمد الهاشمي» (3).
__________
(1) ـ بيوض إبراهيم بن عمر ـ أعمالي في الثورة ـ الزيتونة للإعلام والنشر ـ نشر جمعية «التراث» ـ القرارة ـ غرداية ـ الصفحة: 21
(2) ـ نفس المرجع السابق ـ الصفحة: 22.
(3) ـ ناصر بوحجام محمد بن قاسم ـ الشيخ بيُّوض والعمل السياسي ـ المطبعة العربية ـ غرداية ـ 1991م ـ الصفحة: 66. (1/273)
صفحة 254
حوصلة واستنتاجات:
يتبيَّن لنا من خلال هذه المتابعة الوجيزة أنَّ الحضور الإباضي في مدينة «باتنة» وضواحيها كان حضورًا متواصلاً، لم يعرف الانقطاع منذ عهد الدَّولة الرستميَّة، ولو تباينت شدَّة وتيرته بين زمن وآخر، وأنَّ تعاقب الأيَّام لم يزده إلاَّ تكثُّفا وتفاعلا. ويظهر أنَّ العلاقة الوطيدة بين الإباضيِّين والأوراسيِّين هي كما عبَّر عنها «الشَّيخ بكير بن محمد الشِّيخ بالحاج» في الرِّسالة التي بعث بها إليَّ علاقة ذات جوانب عديدة.
وأمَّا أهمُّ الاستنتاجات التي نبلورها، فهي:
1 ـ إنَّ الحضور الإباضي في نواحي «باتنة» من قرى ومداشر كان أسبق من المجيء إلى «باتنة» ذاتها لكونها مدينة متأخِّرة النَّشأة والتّشييد.
2 ـ إن موقع وبساطة مدينة «باتنة» التي جمعت بين الطَّابع الرِّيفي المتواضع، والتَّمدُّن الحضاري المعتدل، شجعت الإخوة الإباضيِّين للتوافد عليها، والعيش بين سكَّانها الذين يأنسون بغيرهم في هدوء وسكينة.
3 ـ إنَّ الوجود الإباضي في مدينة «باتنة» وضواحيها لم يكن منمَّطًا من حيث أهدافه وغاياته، كما يُعتقد ويُختصر في الجانب التِّجاري دون غيره من الجوانب الأخرى، وإنّما كان ـ فضلا عن ذلك ـ وجودا علميًّا وتعليميًّا وتربويًّا وتعارفيًّا وتثاقفيًّا وتعاونيًّا، ومن أجل مؤازرة الثّورة يوم أن دقَّت ساعتها أيضًا.
4 ـ لم يكن إسهامُ الإخوة الإباضيِّين في مدينة «باتنة» وضواحيها بارزًا في مجال الحركة الإصلاحيَّة، التي تحرَّكت عجلة نشاطها في مطلع ثلاثينيَّات القرن الماضي؛ لانشغال رجال الإصلاح الإباضيِّين الذين توكل إليهم هذه المهمَّة بالدَّرجة الأولى بالعمل الإصلاحي في الجنوب الجزائري، ولوجود من أعفاهم من هذا الواجب من أبناء المدينة وضواحيها، وممَّن جاؤوها من مناطق أخرى، كبلاد القبائل الكبرى، وغيرها. وقد يكون بُعد المسافة عاملا آخرًا مانعا للسَّير في هذا الاتِّجاه سيرًا مؤثِّرا، يخلِّف بصمة ويترك أثرًا واضحيْن للعيان.
- - - (1/274)
صفحة 255
صدى اللجنة البرلمانية الفرنسية
الموفدة إلى الجزائر سنة 1937
في جريدة الأمَّة
للشيخ إبراهيم أبي اليقظان
أ: خيري الرزقي
كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية
جامعة محمد بوضياف ــــ المسيلةـ الجزائر
khairi2028@yahoo.com
م
مقدمة:
امتازت السياسة الفرنسيَّة بالجزائر طيلة فترة الاحتلال الفرنسي بالمراوغة والتسويف، في شتى المجالات التي طُرح فيها النقاش حول مختلِف القضايا العالقة، وتزداد هذه المراوغة إذا تعلَّق الأمر بمناطق تعدُّ حسَّاسة بالنسبة للإدارة الفرنسيَّة وتخوِّفها من انقلابٍ محتمل ضدَّها.
ففي كلِّ مرَّة كان الساسةُ الفرنسيُّون يلجؤون إلى إنشاء وبعث لجان تحقيقٍ وتَقَصٍّ للأوضاع العامَّة للجزائريين؛ ومن هذه اللجان تلك التي تم إرسالها إلى الجزائر سنة 1937 لإعداد تقارير عن الأوضاع المعيشيَّة، والمطالب العامَّة للسكان في ربوع الوطن من شماله إلى جنوبه، وكان هذا بعد المطالب الجزائرية في المؤتمر الإسلامي المنعقد في شهر جوان 1936.
ولقد حَظِيت اللجنة البرلمانيَّة الموفدة إلى الجزائر باهتمام عدَّة صحف كانت تصدر آنذاك؛ تطرقت إلى تحرُّكاتها، وبرنامج نشاطها، وأعضائها، واللقاءات التي عقدتها في كلِّ مكان حلَّت به. (1/275)
صفحة 256
ومن هذه الجرائد الناطقة بالعربية، كانت جريدة الأمَّة للشيخ إبراهيم أبي اليقظان؛ والتي خصَّصت مساحاتٍ كبيرةً من صفحاتها عبر عدَّة أعداد منها للحديث عن اللجنة البرلمانية الفرنسية، وبالخصوص عند وصولها إلى منطقة «وادي ميزاب» بالجنوب الجزائري؛ حيث كانت الحركة الإصلاحيَّة في مطالبة مستمرَّة بتحسين الأوضاع العامَّة عن طريق أعمدتها الأساسية من أمثال: الشيخ إبراهيم بيُّوض، والشيخ إبراهيم أبي اليقظان، وغيرهما.
ولقد حملت الجريدة على عاتقها إيصال مطالب العامَّة إلى أعلى المستويات في إدارة الاحتلال، عن طريق نشر العرائض الموجَّهة للجنة. فإلى أيِّ مدى تفاعلت الجريدة وصاحبها «أبو اليقظان» معها؟ وهل استطاعت تبليغ مطالب السكَّان وبالخصوص مطالب العامَّة؟ وماهي استراتيجية الشيخ أبي اليقظان في كلِّ هذا، طيلة وجود اللجنة بالجزائر؟ وما هو موقفها منها؟.
1/ جريدة الأمَّة واللجنة البرلمانية الفرنسية الموفدة إلى الجزائر:
كان لبعثة البرلمان الموفَدَة من قبل الحكومة الفرنسيَّة إلى الجزائر صدًى واسعًا في جريدة الأمَّة؛ حيث انبرى قلم الشيخ أبي اليقظان لمعالجة هذه القضيَّة شخصيًّا، وكتب عنها وعن وصولها، وهيأتها المكونة لها، ونشرت برنامج رحلاتها داخل الجزائر بالتفصيل.
ومن الملاحظ أنَّ هيئة التحرير في الجريدة قبل أن تتطرَّق إلى الكلام عن مهمَّة هذه البعثة البرلمانية أوردت مقارنة في هذا الظرف بين أوضاع الجزائر التي بلغت درجة عالية من التدهور في مختلف المجالات وانعدام العدالة، إلى أن أصبحت فقيرة بائسة لا تملك قوت يومها ـ حسب تعبير الجريدة ـ، بينما في الوقت نفسه كان الفرد الفرنسيُّ ينعم بالحرية، والمساعدة، والسعادة، في ظل الحكومة نفسها. وربما أوردت الجريدة هذه المقارنة على سبيل إثبات الحجَّة على البعثة البرلمانية؛ وكأنَّ حالها يقول: كما تمَّ السهر على رفاهية الفرد الفرنسيِّ يجب السهر أيضًا على رفاهية الفرد الجزائري، لأن تلك الهيآت تستمد قوتها من خزانة الحكومة الفرنسية. (1/271)
صفحة 257
ومن خلال تتبُّع برنامج هذه البعثة فإنَّ المجالات الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت هي المعنيَّة بالدراسة والتتبُّع، وإعداد التقارير حولها، بشرط بقاء كلِّ شيء تحت إدارة الاحتلال.
أمَّا عن تاريخ وصول البعثة البرلمانية الفرنسية إلى الجزائر فقد أرَّخت له الجريدة بيوم 04 مارس 1937، بعدما كان مقرَّرا يوم 03 مارس من نفس الشهر، وذلك بعد انقسام الوفد إلى فريقين، الأوَّل قدم عبر الطائرة والثاني قدم عبر الباخرة، بسبب الأحوال الجوية وهيجان البحر، وهنا كتبت الأمَّة مقالا جاء فيه ما يلي: « ... فما أن ألقت الباخرة مراسيها حتى ابتدرت الهيآتُ الرسميَّة والشخصياتُ البارزةُ إلى استقبالها وكان من ضمن المستقبلين وفدُ المؤتمر الإسلامي الجزائريِّالمتركِّب من نحو 30عضوًا تحت رئاسة الدكتور البشير، وقد قدم إلى البعثة هذه الهيآت الرسمية والشخصيات «م- شوفرو» مدير مكتب والي عموم الجزائر الذي وصل في نفس الباخرة» (1).
وفي اليوم نفسه دخلوا إلى العاصمة وزاروا السيد «لوبو» في قصر الحكومة الذي عرَّفهم على عمال العمالات الثلاث، وربما ذلك قصد تسهيل مهمَّة التنقل (2).وكموقف من جريدة الأمَّة ووقوفا عند ما تقتضيه الأعراف، فقد رحَّبت بأعضاء البعثة، وفي الوقت نفسه وجهت لهم رجاء وأعطتهم النصيحة كي يكون عملهم جادًّا ونافعًا. كتب أبو اليقظان قائلا: «نظرًا لكون هذه البعثة صرَّحت قبل مجيئها بأنَّها لا تقبل أن تُشغَل عن أداء مهامِّها بما تقابل به من مظاهر الحفاوة والتكريم التي أعتيد إقامتها لأمثالها، بل تريد أن يتوفَّر لها الوقتُ الكافي لأداء مهمَّتها بنزاهة وإتقان، فإننا نرحِّب بها كبعثة محترمة تسعى لغاية نبيلة، ونحيِّي فيها هذا الشعور الذي يدعو إلى التفاؤل بحسن النتيجة، ونتمنَّى لها رحلة طيبة مباركة» (3).
__________
(1) - أبو اليقظان: بعثة البرلمان في الجزائر، الأمَّة، العدد 112 (09/ 03/1937) ص1، عمود2. للمزيد حول وصول اللجنة البرلمانية ينظر:
Mahfoud kaddache: la vie politique A Alger de1919a1939 Alger page313
(2) - « لوبو» هو والي عموم الجزائر في قصر الحكومة وهو الذي أوعز بأن ينزل رئيس البعثة وكاتم سره في نزل سان جورج وباقي الأعضاء في نزل أليني.
(3) - الأمَّة: العدد112، السابق ص1، عمود5 (1/272)
صفحة 258
وكعادة الشيخ أبي اليقظان الذي لا يفوِّت الفرصة إلاَّ وأشار إليها في حينها، وكي لا تكون مقابلاتُ البعثة مقتصرة على «مشيخات» المدن فقط، أو رؤساء العمالات، فقد أرادها أن تنزل إلى العامَّة لمعرفة الأوضاع الحقيقيَّة، ومنه اقترح على أعضائها: « ... أن لا تقتصر مقابلتها على جدران مشيخات المدينة بل واجب المأمورية يقضي عليها ـ إذا أرادت بلوغ غايتها الحقيقية ـ أن تزور بنفسها جهات كلِّ ناحية حلت فيها، وأن تشاهد مناظرها، وحالة سكانها رأي العين، فتأخذ من ذلك صورة صادقة لتلك الناحية، حتى تكون على بصيرة مما تقرِّر، إذ رُبَّ منظر يكون لها أفيد وأفصح» (1).
ومن هذا الاقتراح يتَّضح لنا حرص الجريدة على جدِّية العمل في هذه البعثة، وأن لا تكون كسابقتها دون فائدة، بل الوقوف على الحقيقة في مكانها، لأنَّ معظم المشيخات كانت غايتها تحقيق رضا الإدارة الفرنسيَّة، وبالتالي طمس الحقيقة التي يعيشها الجزائري، وربما هذا قصدٌ من أبي اليقظان بأن يقف أعضاءُ البعثة على نتائج سياسة بلدهم الاستعماريِّ في الجزائر لمدة فاقت القرن، والتي تميَّزت بالتهميش والفقر والجوع والمرض والاضطهاد ... وهي التي جاءت في البداية بدعوى نشر الحضارة والدفاع عن حقوق الإنسان، فأراد أبو اليقظان أن يُثبت لهم العكس من خلال هذا المقترح.
ولقد كانت اللجنة البرلمانيَّة الفرنسيَّة على دراية تامَّة بدور رجال الحركة الإصلاحيَّة في الجزائر، ومالهم من قوَّة تأثير في المجتمع، لذلك سعت إلى الاحتكاك بهم؛ وخير مثال على ذلك حضورُها إلى درس «الشيخ الطيب العقبى» في نادي الترقِّي بالجزائر العاصمة، يوم الجمعة 16أفريل1937 مساءًا، إلى جانب بعض الأعضاء الآخرين من المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين وذكرتهم جريدة الأمَّة بقولها: « ... منهم الرئيس الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ العربي التبسي، والشيخ مبارك الميلي، فزادوا الاجتماع روعةً، وتحوَّل من اجتماع لسماع درس من دروس الشيخ التي يلقيها عادة، إلى اجتماع سياسيٍّ له خطرُه العظيم، وأثره البالغ، ورنَّتُه الداوية» (2).
__________
(1) - نفسه.
(2) - أبو اليقظان: اللجنة البرلمانية في نادي الترقي، جريدة الأمَّة، العدد 118 (20/ 04/1937) ص1، عمود5. (1/273)
صفحة 259
ويبدو أنَّ اهتمام الأمَّة بنشاط جمعية العلماء، دليلٌ واضح وصريحٌ بتكاتف وتآزر صحافة أبي اليقظان مع العلماء من أجل الدفاع عن الهوية الوطنية والدفاع عن كبرى الاهتمامات في كلِّ المجالات.
وحسب ما أوردته الجريدة فإنَّ رئيس اللجنة البرلمانية هو من طلب الحضور إلى نادي الترقِّي، وأُجِّل موعد الدرس من الساعة الثالثة مساء إلى الساعة الخامسة نزولا عند رغبة اللجنة، بعد أن تفرغ من أعمالها، وعند الموعد رحَّب الشيخ الطيب العقبى بأعضائها، وحياهم باسم النادي وباسم جمعية العلماء، وكان المترجم في كلِّ الحالات والمراحل هو «الأستاذ ابن حورة»، وبعده تكلَّم «السيد رجيس» (1) (*) الذي « ... ألقى خطابًا شديد اللهجة حمل فيه على المعمِّرين الأغبياء الذين يريدون إذلال الأهالي، ولفت أنظار اللجنة إلى ما يلاقيه المسلمون من عَنَتٍ وظلم وحرجٍ بالنقد على تصريحات «م. أوبو» نائب وزير الداخلية» (2).
ومن الشخصيات التي أخذت الكلمة في هذا اللقاء، كان السيد «سيل ميلي» وهو خطيب نصرانيٌّ، فتكلَّم عن الروابط الاقتصادية والثقافية التي تربط الجزائر بفرنسا، ودعا إلى وجوب إعطاء الأهالي كامل الحقوق، وضرورة توسيع مشروع «فيوليت» الذي لا يحقِّق أماني المسلمين لضيقه.
ومن خلال مداخلات أعضاء اللجنة في نادي الترقِّي، والتي لم ترق إلى تطلُّعات العلماء، فقد أصبح من الواضح أنَّها تسعى إلى إيجاد خيوط ـ مهما كانت رقتها ـ لتبرير ضرورة التكامل بين الجزائر وفرنسا، وهذا هو نفسه توجُّه دعاة الإدماج، لذلك ـ وبعد انكشاف النوايا الحقيقية ـ نجد أنَّ هيئة التحرير في جريدة الأمَّة وعلى رأسها الشيخ أبو اليقظان قد حذَّرت من الانزلاق والوقوع في هذا التوجُّه منذ انعقاد المؤتمر الإسلامي في جوان 1936، وذهاب الوفد إلى باريس حاملاً بعض المطالب.
__________
(1) *- هو نائب الجزائر في البرلمان، من الموالين للأهالي ومناهض للمستوطنين ـ حسب جريدة الأمَّة.
(2) - الأمَّة: العدد 118 السابق. (1/274)
صفحة 260
وما دام هذا الدرس قد تحوَّل من درسٍ دينيٍّ مُعتاد إلى اجتماع سياسيٍّ، فقد تدخَّل الشيخ عبد الحميد بن باديس وألقى خطابا قالت عنه الجريدة كان « ... خطابا مختصرًا من أبدع خطبه وأروعها وأبلغها تأثيرا، فترجمه الأستاذ العمودي» (1).
وهذا الوصف هو تمام الرضا لدى الشيخ أبي اليقظان عن فكرة الشيخ ابن باديس في الدفاع عن حقوق الأهالي، من منطلق إصلاحيٍّ يبدأ من الجانب الإنساني والحقوق الكاملة، مع اتخاذ شعارات الحكومة الفرنسيَّة كحجَّة ضدَّها، وإلزامية تطبيقها في الجزائر مثل «الحرية» و «الأخوة» و «المساواة».
وقد دارت كلمة ابن باديس في هذا الاجتماع (2) مع الوفد الفرنسي حول محور الإنسانية في الإسلام وفي غيره من الديانات، وهي فكرة منبِّهة إلى ثقافة التعامل بالتسامح، وإلغاء العبودية والاضطهاد فقال: « ... نرى الإنسانية معذَّبة عندما نرى هذا في طبقة، وهذا في أخرى، وهذا في خيرٍ، وهذا في شرٍّ، ونراها في سعادة عندما نرى سموًّا في الأفكار على اختلاف الأجناس والبيئات ... وأرجو ـ كما يترقَّى المجتمع الإنساني في دائرة التفكير ـ أن يترقَّى كذلك في دائرة الإنسانيَّة الكاملة ... أحيِّي السادة بل الإخوان أعضاء اللجنة الذين يمثلون حرِّية فرنسا وديمقراطيتها ... » (3).
وحقًّا، وعند تحليل مضمون كلمة ابن باديس في نادي الترقِّي بالعاصمة، نجد أبعادًا عالمية في فكره الإصلاحي، خاصَّة البُعد الإنساني، وأنَّ ما تتعرَّض إليه الجزائر من فقدان للسيادة ترفُضه كلُّ الإنسانيَّة وليست الجزائر فقط، وهي دعوة موجَّهة مباشرة إلى أعضاء اللجنة الفرنسيَّة الذين طالما تغنَّت حكومتهم بثقافة التسامح والمبادئ الإنسانيَّة، وهي فكرةٌ سديدة من ابن باديس، وتلميحه إلى وثيقة حقوق
__________
(1) - نفسه.
(2) - للاطلاع على الكلمة كاملة ينظر: جريدة الأمَّة العدد 118. للمزيد حول آمال ابن باديس من اللجنة ينظر:
Charles Robert Ageron : l'Algérie Algérienne de Napoléon /// a de Gaule. imprimerie Tardyquerry Bourges , paris ,1980, page 154
(3) - نفسه. (1/275)
صفحة 261
الإنسان والمواطنة التي صدرت بعد الثورة الفرنسيَّة. وقد دام اللقاء إلى غاية الساعة التاسعة مساءًا ختمه الشيخ الطيب العقبى بشكر أعضاء اللجنة البرلمانية، وترجم قوله أيضا الأستاذ ابن حورة، الذي ختم الترجمة مخاطبا اللجنة: «إنَّنا واثقون بأنَّ الحكومة تجيب مطالبنا لأنَّنا واثقون بكم» (1).
وبما أنَّ صحافة أبي اليقظان كانت هي اللسان الناطق باسم سكان الجنوب بعامَّة ووادي مزاب بخاصَّة، فقد كتبت بشكل مُستفيض عن زيارة اللجنة إلى المنطقة بدءًا من العدد 119، وخاصَّة مع تزامن زيارة «الدكتور ابن جلول» و «الدكتور الأخضري» إلى مزاب مع زيارة اللجنة في أسبوع واحد.
وأرَّخت جريدة الأمَّة لهذه الزيارة بأيام 8 - 9 - 10 - أفريل 1937، وشبَّهت هذه الأيام بموسم الحجِّ لأنَّها اعتبرت أنَّ أعضاء اللجنة يمثِّلون فرنسا، والشخصيات المذكورة تمثِّل الجزائر إلى درجة أن كان عنوانُها في المقال هو: «فرنسا والجزائر في ضيافة مزاب».
واستعدادًا لملاقاة هذه اللجنة، توافدت على مدينة غرداية شخصياتٌ أخرى ذات باعٍ طويل في الحركة الإصلاحيَّة بالجزائر، ذكرتهم الجريدة ومن بينهم: «الشيخ إبراهيم بيُّوض»، و «أحمد بن الحاج إبراهيم»، و «الأديب بوحجام الحاج عمر»، و «إبراهيم أبو اليقظان» وكلهم من مدينة القرارة، بالإضافة إلى «الشيخ إبراهيم بنوح»، ووكيلي الأمَّةالمزابية وهما السيدان «عمر بن عيسى» و «عيسى بن بكير»، ورئيس جمعية التعاون العام «حجوط إبراهيم»، والناشط في جريدة الأمَّة «عيسى تعموت» من الجزائر.
كما كانت هناك شخصيات قدمت من خارج مزاب مثل «الأديب عبد الرحمان بن إسماعيل» من قسنطينة والسيد «ذواق عمر» من قالمة «وعيسى بن عمارة خبزي» من بسكرة (2).
وما يلاحظ على هذه القائمة من الشخصيات، أنَّها تمثل خيرة المصلحين، لمقابلة اللجنة الفرنسية، وربما سيكون لهم دورٌ في توضيح الرؤية لديها من دون شكٍّ، مع
__________
(1) - نفسه.
(2) - لمعرفة باقي الشخصيات الأخرى، تُراجع جريدة الأمَّة العدد 119ص1. (1/276)
صفحة 262
المطالبة بحقوق السكان، خاصَّة إذا علمنا أن الدكتور بن جلول والدكتور الأخضري يعتبران أول من وصل لأخذ الاستعدادات اللازمة رغم التوجهات المختلفة.
ففي 09أفريل1937، وصل أعضاء اللجنة البرلمانية التي يقودها السيد «قروز بلير» إلى مقرِّ الإدارة العسكرية تحت قيادة الرائد «بينو»، وعن فحوى اللقاء قالت جريدة الأمَّة: «استدعوا جماعة القيَّاد ثم القضاة وأعوانهم ثم مشايخ العرب، ثم نوَّاب الأمَّةالمزابيَّة، ثم أبا اليقظان، ثم أعضاء جمعية الإصلاح، ثم السيد عيسى بن عمارة، ثم الشيخ بيُّوض، ثم بقية الطالبين للمقابلة من أعيان التجَّار، وأصحاب السيارات، وأعيان اليهود، وغيرهم» (1).
وبهذه التشكيلة تكون تقريبًا كلُّ أطياف المجتمع ممثَّلة في شخصية أو هيئة، وما إبراز جريدة الأمَّة لها سوى التنبيهُ أنَّ العامَّة لم يكن لها كلمة أمام هذه اللجنة، وخاصَّة أنَّ أبا اليقظان نادى بأن لا تقتصر لقاءاتُها على «البروتوكولات» وإنَّما يجب أن تنزل إلى الواقع لتسمع وترى، وهذا ما يخدمها أكثر، إلى جانب كون أعضاء اللجنة قد وصفتهم الجريدة بأنهم ليسوا من غلاة الاستعمار، ولا عبدة المادَّة الرأسماليين، وإنَّما تكوَّنت من ذوي الإحساس الإنساني والنفوس الكريمة نحو الإنسانية (2).
وكما سبق فإن زعماء الأمَّةالمتوافدين على مزاب قد بذلوا جهودًا كبيرة في تحضير أرضية مطالب تُقدَّم للُّجنة الفرنسيَّة حين قدومها، كما فعل ممثلو الشعب في بلاد التل (الشمال)، وهذه المطالب قد عبَّرت عن الظلم الشديد، والشكاوى الأليمة الناتجة عن طيش الإدارة الاستعماريَّة.
وحسب مقال الشيخ أبي اليقظان، فإنَّ إعداد هذه المطالب تطلَّب وقتا طويلاً، وحكمةً كبيرة، إلى درجة أنَّه في نهاية صياغتها قد حُذفت منها بعض المطالب الثانوية أو التي تم تقديمها من قبل.
__________
(1) - أبو اليقظان: فرنسا والجزائر في ضيافة مزاب، جريدة الأمَّة، العدد 119 (27/ 04/1937) ص1 عمود2.
(2) - كما أسلفنا فإنَّ اللجنة تكونت من الاشتراكيين، والراديكاليين، والشيوعيين المعتدلين، ولم تكن هذه التركيبة صدفة وإنَّما عينهم وانتقاهم البرلمان والحكومة الشعبية. (1/277)
صفحة 263
وبعد جاهزيَّة العريضة، أمضاها أعضاء العزَّابة وجماعة الضُّمَّان، وقدَّموها إلى اللجنة، ومعهم السيد «عمر بن عيسى بن إبراهيم»، والسيد «عيسى بن بكير» وهما وكيلا الأمَّةالمزابيَّة، ومهما كانت هذه المطالب فإنَّها تعبِّر عن رفض سكَّان المنطقة، وعلى رأسهم زعماءُ الإصلاح، العيش في ظروفٍ أوجدها الاستعمارُ، وتحت قوانين فرضتها الإدارة الفرنسيَّة، وبذلك عُدَّت هذه العرائض مظهرًا من مظاهر الرفض والمناهضة للسياسة الاستعماريَّة في الجنوب، وفي هذا نشرت جريدة الأمَّة قائلة: « ... وقدمت مطالبها المُجْمَع عليها إلى اللجنة، ورجاؤنا أن تجد من الحكومة الفرنسيَّة قبولا حسنا وتحظى بالتنفيذ العاجل، حتَّى يأمن هذا الوطن اليائسُ من خطر الهلاك الذي يُهدِّده» (1).
2/ موقف جريدة الأمَّة من زيارة اللجنة البرلمانية الفرنسيَّة:
إنَّ المتتبِّع لزيارة اللجنة الفرنسيَّة لوادي مزاب يجد أنَّها أسالت حبرًا كثيرًا على صفحات الجريدة، في مساحاتٍمهمَّة، وأعداد كثيرة؛ فلم تقتصر فقط على سرد أو نقل الخبر، وإنَّما تعدَّت إلى الشروح والتعاليق، وبالتالي إبراز الموقف منها، حيث كانت تنظر إليها من جانب سلبيٍّ وآخر ايجابيٍّ، وحسب رأي أبي اليقظان فالمحاسن كانت كثيرة وبدأ بذكرها هي الأولى وأوردت الجريدة ما نصه: « ... ليس المرادُ من قصِّ الأخبار، وسرد الحوادث مجرَّد التفكُّه والتسلية ... ولا حبَّ الظهور والمنافسة ... وإنَّما المراد من ذلك والغاية السامية منه ما وراءه من استجلاء العبرة واستيضاح الآية واستخلاص العظة واستخراج الحكمة، وغاية الغاية من ذلك إحقاقُ الحقِّ وإبطالُ الباطل، وتصويبُ الصواب، وتخطئةُ الخطأ، وتمييزُ الخبيث من الطيِّب والمخلص من المنافق، والوطنيِّ من الخائن، والصديق من العدو» (2).
__________
(1) - الأمَّة: العدد119 السابق.
(2) - أبو اليقظان: شروح وتعاليق على ما جرى حول زيارة اللجنة البرلمانية وابن جلول لوادي مزاب، جريدة الأمَّة، العدد 121 (18/ 05/1937) ص1 عمود1. (1/278)
صفحة 264
ومن هذا التصريح يتَّضح أنَّ أبا اليقظان لم يقتصر على تقديم هذه الحادثة مجرَّد خبرٍ صحفي فقط خال من أي موقف أو شروح وتعاليق، واعتبر العرض العادي للمعلومة الصحفيَّة مجرَّد لغطٍ من دون معنى، وبالتالي خصَّص مساحة في جريدة الأمَّة لإبداء الموقف، وهذا هو أهمُّ جانب في الصحافة الإصلاحيَّة الجزائرية التي غالبا ما يُعبَّر عنها بصحافة الرأي.
ويمكن أن نلخص بعض المحاسن التي سردها أبو اليقظان في النقاط الآتية:
• الوحدة التي ظهرت بها الأمَّة أمام اللجنة البرلمانية الفرنسيَّة.
• إبرازُ دور منطقة غرداية في المطالب الوطنيَّة كلَّما سمحت الفرصة.
• إجبارُ أعوان الإدارة الفرنسيَّة على اتِّباع الحياد التام، وخروج المكاتب العربية عن عقليتها المألوفة في الاضطهاد والزجر والظهور بالمظهر الحسن.
• حسنُ إصغاء أعضاء اللُّجنة، وإبداء موقف المجاملة والمعاملة الحسنة تجاه الأهالي والأعضاء الممثلين للأمَّة الجزائرية.
• التلاحُم بين جميع الطبقات المعدِّة لاستقبال اللجنة البرلمانية.
• المستوى الفكري والثقافي العالي الذي بدا عليه أعضاء الوفد الجزائري، سواء من المثقفين بالعربية مثل الشيخ بيُّوض، أو المثقفين بالفرنسيَّة مثل الدكتور ابن جلول.
• اجتماع والتقاء شخصيات الإصلاح بعد طول انفصال وتفرُّق عبر الوطن.
• التحاقُ العديد من الشخصيات بركب زعماء الأمَّة ومسايرتهم لركبها.
• الهدوءُ الذي شهدته منطقة مزاب أثناء زيارة اللجنة البرلمانية وقلة البطش الاستعماري.
• حدوثُ التقارب بين زعماء الإصلاح بعد سوء تفاهم.
أمَّا الجوانب السلبيَّة التي سجَّلتها جريدة الأمَّة على هذه الزيارة، فهي عديدة ويمكن أن نلخِّص بعضًا منها فيما يلي: (1/279)
صفحة 265
• إقحامُ بعض الشخصيات بين النواب المستقبلين للوفد الفرنسي، وهي شخصيات لم ترض لا جماعة العزابة ولا جماعة الضمان القبول بها في هذه المهمَّة.
• سوءُ تمثيل هذه الشخصيات لأمَّتها أمام لجنة البحث.
• إنكارُ موقف بعض القيَّاد لَمَّا قدَّموا هذه الشخصيات (1) إلى أعضاء اللجنة على أساس أنهم من الوجوه البارزة الموكلة بطرح المشاكل، وأوضحت الجريدة أنَّهم لم تقدمهم الجماعة، وصرحت «إنما نوَّبَتْ عنها اثنين ... » (2)، وربما إقحامُ مثل هذه الشخصيات كان الغرض منها إبعاد الممثلين الحقيقيين مثل الشيخ بيُّوض وغيره.
• استنكارُ موقف التطاوُل على عمدة الإصلاح في الجنوب الشيخ بيُّوض.
• انتقادُ قاضي يزقنلتعسُّفه على هيئة القضاة أمام اللجنة البرلمانية الفرنسيَّة، لأنَّ هيئة القضاة ظلَّت تسعى من «الحركة والنشاط وعقد الاجتماعات وتقديم المطالب في كلِّ فرصة وعند كلِّ مناسبة» (3).
ومما سبق عرضُه، فإنَّ جريدة الأمَّة بقلم صاحبها أبي اليقظان قد قيَّمت زيارة اللجنة البرلمانية الفرنسيَّة إلى منطقة مزاب، وأبرزت محاسنَ هذه الزيارة وعيوبَها التي فضحت بعض الشخصيات التي حاولت الإدارة الفرنسيَّة دسها في أوساط العلماء والمصلحين الممثلين للأمَّة قصد التشويش. وهم الذين سعوا إلى إفشاء سرِّ عريضة المطالب قبل عرضها على اللجنة، وهذا ما أغضب الشيخ أبا اليقظان حيث قال: «وهذا التزلُّف الباردُ والتصرُّف في أمر الأمَّة الذي لا يخص إلاَّ نوَّابها، وإفشاءُ سرٍّ من أسرارها لِمن هو خارج عن دائرة إطاره، يُعدُّ خيانة فظيعة واعتداءً جارحًا على كرامة الأمَّة ... وجرأةً ووقاحةً على هيأة نوَّابها
__________
(1) - لمعرفة أسماء هذه الشخصيات يراجع: أبو اليقظان: شرح وتعليق حول زيارة اللجنة البرلمانية، الأمَّة، العدد 124 (08/ 06/1937) ص1، عمود1.
(2) - نفسه ص2 عمود2.
(3) - نفسه. (1/280)
صفحة 266
الأجلاَّء، وانتهاكًا لحرمة لجنة البحث التي لا يحقُّ لغيرها أن يطَّلع على ما هو من خصائصها» (1).
ولعل أبرز فكرة اهتدى إليها الشيخ أبو اليقظان هي عقدُ اجتماعاتٍ بعد ذهاب اللَّجنة البرلمانيَّة، القصد منها شرح ما جرى من مواقف وحوارات بين أعيان الأمَّة وهذه اللجنة، بهدف إطْلاعها على كلِّ الحيثيات لأنَّها من حقِّها معرفةُ ما يدور من أحداث، خاصَّة وأنَّ اللقاء كان قد أبعدهم واقتصر على مُمثِّليهم فقط، وفي هذا بعدٌ آخر في صحافة أبي اليقظان وهو نشر المعلومة على أوسع نطاق لتعميم الفائدة خدمةً للرأي العامِّ، والحفاظ على قرَّائها في مختلف المناطق «وأنَّ لهم الحقَّ في إطلاعهم على نتائج أعمال القادة والزعماء ما أمكن ذلك تقوية لجأشهم، وربطا لقلوبهم، وتطمينا لنفوسهم» (2).
وفي هذا تدريبٌ للعامَّة على العمل، وتمرينٌ على الحركة للتكفل بالخلافة في الحركة السياسية والمطالبة بالإصلاح المنشود، ولكن المؤسف حسب تتبُّع الأخبار أنَّ هؤلاء لم يقوموا بذلك في مناطقهم بعد رجوعهم، إلاَّ في بلدة القرارة التي تُعتبر مسقط رأس الشيخ أبي اليقظان حيث عُقدت جلساتٌ تمَّ فيها إطْلاعُ السكان على ما دار من حوارات أثناء زيارة اللجنة البرلمانيَّة.
بعد عرضنا هذا في كيفيَّة تتبُّع جريدة الأمَّة لحركة المصلحين في مقابلة اللجنة الفرنسيَّة، فقد كانت هناك ردودُ أفعالٍ أخرى صحفيَّة من خارج الجريدة تَعيبُ عليها طريقة معالجتها لهذه القضية؛ واعتبرتها منفِّرة ومفرِّقة في بعض المواقف، وهذه الآراء منها ما نشرته جريدة الأمَّة نفسها ـ وهي نقطةٌإيجابية تُحسب لها في طرح الرأي والرأي الآخر ـ حيث لم يحتكر الشيخ إبراهيم أبو اليقظان الرأي في جريدته وهي خاصَّة به ومنبر حرٌّ له.
__________
(1) - أبو اليقظان: شرح وتعليق حول زيارة اللجنة البرلمانية، الأمَّة، العدد 125 (15/ 06/1937) ص1 عمود1.
(2) - نفسه. (1/281)
صفحة 267
وباختصار فإنَّ المقال المعاتب لجريدة الأمَّة والمنشور فيها في العدد 133، أوضح صاحبه أنَّ ما نشرته الجريدة يحتوي على حسناتٍ وسيِّئة واحدةً فقط، وليس كما تطرَّقت إليه في شكل حسنات وسيئات.
واعتبر صاحبُ المقال أنَّ السيئة الوحيدة هي «إثارة الماضي الدفين في وقت يجب فيه تناسيه»، لأنَّ جريدة الأمَّة ذكرت بعض الشخصيات بعين لا تدلُّ على الرضا، في حين كان على المجتمع احتواؤُهم وليس إبعادُهم، ومما جاء في هذا المقال ما يلي: « ... لا يخفى أنَّ ميزاب ـ كما في غيره من الأوطان ـ جماعات متباينين فكرةً، ومختلفين سيرةً متفاوتين وطنيَّة، وعلى رأس هذه الجماعات أفرادٌ لهم نفوذٌ وسلطانٌ عليها، يسيرونها على مقتضى فكرتهم، إن سديدةً وإن خاطئة ... ولَكَم سعى المصلحون بمختلِف الوسائل لإزالة الفروق والحواجز بين هؤلاء، وإلحاق المتخلِّفين عن قافلة الإصلاح إليها، أو على الأقل تقريب المسافة بينهم» (1).
ورغم هذا الكلام، والخارج عن منهج الجريدة وتوجُّهها إلاَّ أنَّها نشرته انطلاقًا من قناعات أبي اليقظان في حرِّية التعبير.
وعند تحليلنا لهذا المقال، نجده يعتبر أنَّ ما ظهرت عليه الأمَّة في مزاب من وحدة أثناء مقابلة اللجنة البرلمانية بأنَّها وحدةٌ صوريةٌ هشَّة حتَّمتها الظروف، وانتهازُ دعاة الإصلاح هذه الفرصة لتبليغ مطالبهم مباشرة دون المرور على أعوان الإدارة، هذا مع استحسان الرأي العام هذه الوحدة، اعتبر أنَّ فيها خيرًا، لأنَّها تهتمُّ بالمسائل الوطنيَّة، وتقترب من مواطن الإصلاح. اعتبر صاحب المقال أنَّ ما نشرته جريدة الأمَّة هو كشفٌ عن المستور، وعن مساوئ بعض المصلحين «وكان حتمًا عليها أن تكبر صوت هذه الوحدة وإن اعتقدت صوريَّتها، وتشيد بذكر الذين شاركوا فيها وإن علمت من بعضهم ماضيهم المظلم» (2).
__________
(1) - أبو اليقظان: حول ما نشرته جريدة الأمَّة الغراء عن لجنة البحث البرلمانية، الأمَّة العدد133 (10/ 08/1937).
(2) - نفسه. (1/282)
صفحة 268
ومما استحسن في هذا المقال هو كتابة جريدة الأمَّة في موضوع اللجنة لأنَّه يعدُّ تنويرًا للأمَّة، وإعطاء درس للعامَّة، وتعويدهم على التفكير في مسائل العامَّة، وتحليل القضايا قصد أخذ العبرة، وتكوين فكرة وبعد نظر، وأنَّ الوطني حقيقة والمصلح فعلاً هو من عاد من حالة انحرافه واقتنع بالنصيحة.
الخاتمة:
يمكن القول بكلِّ ثقة بأنَّ جريدة الأمَّة قد غطَّت بكل احترافية تحت إدارة صاحبها الشيخ إبراهيم أبي اليقظان حدثَ زيارة اللجنة البرلمانية الفرنسيَّة سنة 1937 إلى الجزائر بعامَّة ووادي مزاب بخاصَّة، وهذه التغطيةُ لم تقتصر فقط على نقل الخبر، وإنَّما كانت عن طريق تحليل دور هذه اللجنة والهدف الحقيقي منها، واستغلال الفرصة لتبليغ مطالب السكَّان الحقيقية، وعدم تفويت الفرصة التي أُريدت لها من قبل الإدارة الفرنسيَّة؛ وهي المماطلة وربح الوقت فقط.
كما استطاعت الجريدة أن تلمَّ بجميع تحركات اللجنة البرلمانية، عن طريق تقصِّي أخبارها ولقاءاتها التي كانت تعقدها، ثم تقوم بنشرها عبر صفحاتها بغرض إيصال المعلومة لقرَّائها، ولم تكتف الجريدة بهذا فقط، وإنَّما كان لها موقفٌ خاصٌّ منها حيث صنَّفها صاحبُها إلى محاسن ومساوئ.
وبهذا يمكن اعتبارُ جريدة الأمَّة اللسان الناطق بحال سكان الجزائر بعامَّة آنذاك؛ لتكفُّلها بالدِّفاع عن حقوقهم أمام ممثِّل الإدارة الفرنسيَّة، وتحمَّلت آثار ذلك التمثيل؛ لأنَّ هذه الإدارة بدأت منذ سنة 1937 في تغيير رأيها تجاه الجريدة، وأصبحت تعدُّها من الجرائد الوطنيَّة السياسيَّة، وليست جريدة إصلاحيَّة اجتماعية كما كانت، وتحيَّنت لها الفرصة عند مناصرتها لحزب الشعب الجزائري، ومختلف القضايا الوطنيَّة السياسيَّة واتخذت القرار بتوقيفها في السنة الموالية، عام 1938.
- - - (1/283)
صفحة 269
موسوعة
الموروث الفلكي العماني القديم وأثر الكواكب والنجوم
على النشاط الإنساني (*)
أ. د: محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي
مدير تحرير مجلة «الثقافية»
مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم
مسقط ـ سلطنة عُمان
msaharthy@hotmail.com
ع
(1) عن الموسوعة:
موسوعة الموروث الفلكي العماني القديم وأثر الكواكب والنجوم على النشاط الإنساني، من تأليفمحمد بن سالم بن عبدالله الحارثي (تخصُّصيٌّ أوَّل بحوث بمركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، ومدير تحرير المجلة «الثقافيَّة». رمى المؤلف من وراء تأليف الموسوعة إلى التعريف بهذا الفن، والجهود المبذوله فيه؛ من خلال دراسة النجوم في الموروث الفلكي العماني القديم مقارنة بالموروث العربي عامة، وعلاقة ذلك كلِّه بالأنشطة التي يقوم بها إنسان شبه الجزيرة العربية في المجالات الزراعية والبحرية والاجتماعية والدينية؛ عبر تقديم مادَّة علميَّة رصينة، تستمدُّ مفرداتها من المخطوطات والوثائق العُمانية والعربية بشكل عام، المخبوءة في مكتباتنا العامَّة والخاصَّة، وتستقي معارفها كذلك من الميدان والخبرات المتراكمة التي حملها الخلف عن السلف، فيتحقَّق بذلك إعادة إخراج الموروث بطريقة علميَّة حديثة، توافق مقتضيات العصر ومطلوباته، وتراعي النَّهج البحثيَّ السَّائد في المحافل العلميَّة والأكاديميَّه المتخصِّصة.
__________
(1) (*) -نقلا عن مجلَّة «الثقافيَّة»، مركز السُّلطان قابوس العالي للثَّقافة والعلوم، مسقط، سلطنة عُمان، العدد الحادي والعشرون، محرَّم 1436هـ/ نوفمبر 2014م. ص: 72 - 79. (هيئة التحرير). (1/284)
صفحة 270
حاولت الموسوعة وضع لبنة أولى في هذا البناء العلمي، الذي يتطلَّع له الجميع أن يستمر ويتواصل وينداح؛ وصولا إلى تحقيق الرؤية السامية -أيدها الله-؛ على النحو المنشود، الذي تتحقَّق به خدمة تراثنا العظيم.
يقع العمل المنجز من الموسوعة في قسمين اثنين (زراعي وبحري)؛ قدَّم لهما الباحث بدراسة ضافية للنهوض بمشروع واعد لخدمة التراث العُماني؛ أراد له الباحث أن يتدرج وفق المراحل الآتية:
أولا) مرحلة رقن التراث: حيث ستحقِّق هذه المرحلة اختصار الوقت على الباحثين، ممهدة بذلك الطريق أمام إطلاق مكتبة إلكترونية عُمانية شاملة، ينبغي لها أن تشمل المحقَّق وغيره؛ ولتوضيع هذه المرحلة موضع التنفيذ لا بد ـ كما يرى ـمن:
أ) إيجادُ شراكة حقيقيَّة وفاعلة بين القطاعين الحكومي والخاص؛ من خلال التعاقد، وتوزيع الأعمال، والالتزام ببرامج زمنية واضحة للاستلام والإدراج.
ب) تخصيصُ موازنة مجزية للطباعة؛ قابلة للتعزيز، يتمُّ التعاقد على ضوئها مع المعنيين؛ بتقدير ذوي الاختصاص، على أن يشمل ذلك المطبوعات أيضًا.
ت) تكليفُ جهة تنفيذيَّة راعية؛ للنهوض بأعمال الإشراف على تنفيذ هذا المشروع، ويقترح ابتداء أن يتمَّ اختيار إحدى الجهات الآتية: «وزارة التراث والثقافة» - «مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم» - «هيئة الوثائق والمحفوظات».
ثانيا) مرحلة الدِّراسة والتَّحقيق: حيث تقتضي فرز الكتب التي تمَّ رقنها، بحسب موضوعاتها، والتعاقد على ضوء ذلك مع الشخصيات العلميَّة والأكاديمية؛ للقيام بما يفرضه واجبُ الدراسة والتحقيق، والطباعة؛ وفق أصول النشر المرعيَّة.
ثالثا) مرحلة النقد والتقويم: مع تنبيهه إلى وجوب مراعاة الأولويات في هذا السياق؛ إذ الحرص على التفكير في الأولويات وترتيبها، دليل على النضجالمنهجي، والرؤية السديدة لطبائع الأشياء، وهو ـ كذلك ـ من السنن التي أصبح العالم المتحضر ينهجها؛ لتحقيق الأهداف بأيسر الطرق وأسرعها.
رابعا) مرحلة التحديث والتطوير: وذلك حسب ما هو مفصل في الموسوعة بشكل متكامل. (1/281)
صفحة 271
وقد بدا للباحث بعد الاستعراض المتقدِّم أنَّ غياب إستراتيجية واضحة لدراسة التراث وتحقيقه، وعدم التنسيق بين المؤسسات الرسميَّة والأهليَّة، والإخفاق في تسريع إنجاز مشروعات الفهرسة الحالية؛ وذلك للتعويل على جهود أفراد قابلة للانقطاع، وعدم مبالاة بعضهم للأسف بهذا الإرث المهم الذي خلفه لنا الآباء، وتقديمه إذا ما قُدِّم على استحياء، وبتواضع شديد، وتسليط الضوء على جانب منه بات معروفا ومألوفا لدى الجميع، دفع كبريات المؤسَّسات الأخرى من خارج البلد على التنافس للحصول على موطئ قدم؛ من خلال بعض الوسطاء؛ لوضع اليد على هذا التراث، ولو في الحدِّ الأدنى ببذل الغالي والنفيس لعمليات الاقتناء والتصوير؛ وهذا الأمر ينبغي أن ينبه إليه، وألا نخجل من إثارته وتوجيه النظر إلى مخاطره؛ ما دمنا حريصين فعلا على التراث.
موسوعة الموروث الفلكي العماني القديم .. تهدف إلى خدمة جانب مهم مما أشير إليه آنفا، عبر محاولة جادة، تصبو إلى تقديم مقاربة منهجية دقيقة؛ تعين على تصوُّر تقدير العمانيين القدماء وفهمهم لحركة النجوم في السماء، وضبطهم مسارات الحياة والأنشطة المرتبطة بها؛ على بصيرة، بوحي وإرشادٍ مما تمليه أو تفصح عنه نتائج الرصد المتكرر لتلك النجوم.
ويتمثل جهد الموسوعة في القسم الأول بالآتي:
أ) توصيف الكواكب والنجوم والمنازل والبروج الاثني عشر التي عرفها الأوائل، توصيفا فلكيا دقيقا، مشتملا على الأشكال والصور والرسوم القديمة والحديثة، وتذييل المعلومات المتصلة بها بأهمِّ المقرَّرات الفلكية التي انتهى إليها العلم. ويحوي كل نجم قوائم بالتأثيرات المحتملة له؛ على الطقس والأحوال الجويَّة، والطعوم والنباتات والطيور والحيوانات، إلى غير ذلك.
ب) التعريفُ بنجوم المحاضرة العمانيَّة، وبيان ما يترتَّب عليها من أحكام، ووصف المواسم الزراعية العمانيَّة، والأنواء التي ينبني عليها النشاط الزراعي في السلطنة قديما، إلى جانب التعريف بالفصول الأربعة، وما يرتبط بها من نجوم وحكم وأمثال وشواهد .. إلخ. (1/282)
صفحة 272
وفي سياق النشاط البحري كشف القسم الخاص بذلك عن: عمق التجربة البحرية العُمانية، وتبيَّن: البعد الحضاري والفكري الضارب للموروث البحري العُماني الأصيل، الذي خلَّفه لنا الآباء، كما أجلى حقيقة: الإسهام العُماني الرائد والمتفرِّد في خدمة التقانة الملاحية التقليدية؛ من خلال الأدوات والوسائل البحرية التي تمَّ عرضها وتوصيفها ودراستها، وأوضح ـ كذلك ـ مدى تعلق العُمانيين بالنجوم؛ منذ وقت مبكر جدا، كما مثَّل على ضبطهم المجاري والمسالكَ البحرية المختلفة عن طريق الاهتداء بالكواكب والنجوم المتناثرة في صفحة السماء، موضحا ـ في الوقت نفسه ـ نظام الأخنان المعتمد عليه عندهم لتحقيق الضبط المشار إليه، كما تعرض أيضًا لنصين بحريين شعريين مهمين لابن ماجد؛ بالدراسة والشرح والتحليل، وأفرد مساحة أخرى لمناقشة موضوعات مختلفة تتصل بعلوم البحار (كالتثبيت البحري، وحساب السنة الشمسيَّة، وحساب سنة النيروز .. إلخ)، واستطاع بذلك أن يقدِّم رؤية واضحة ودقيقة لها، ثم أقدم على قراءة رحلة بحرية ماتعة، تمَّ عقدها في العهد الحديث الزاهر؛ بقيادة عاهل البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ؛ لتكون امتدادًا لخط التاريخ البحري العُماني المتصاعد.
وقد حاول الباحث جاهدًا أن يعتمد في جمع ذلك وتوثيقه على أكبر قدر ممكن من المصادر والمراجع والوثائق والتقويمات المتاحة له، كما أنَّه عمد إلى بعض الشَّخصيَّات المجرَّبة، فأفاد منها، وهو برغم كل أولئك يقرُّ بأنَّ ما صنع لا يعدو أن يكون محاولة بحثيَّة تنشد تحقيق أهدافها المتمثِّلة فيما تقدَّم ذكره.
ويمكن من خلال الآتي الوقوف على أهم النتائج التي خلصت إليها الموسوعة بنحوين اثنين، متصلين بالقسمين الزراعي والبحري:
أولا) في النشاط الزراعي: حيث تبين للباحث ما يلي:
أ) النتائج الخاصة باستخدام النجوم لضبط نظام الري في عُمان:
1) اعتمد نظام الرَّي العُماني القديم بالنهار على: المزولة الشمسية؛ بحيث يتم مراقبة ظل الشمس من خلالها وفق آلية محددة؛ عبر تقسيم الأرض أقساما ثابتة، يدل كل قسم منها على وقت معين، ويسمى هذا النظام الشمسي لحساب الوقت بالأمد. (1/283)
صفحة 273
2) هدفَ استخدام المزولة إلى تحديد مواقيت الرَّي، وتنظيم تقسيم حصص الماء على أصحاب المزارع؛ بحسب أنْصِبَاء كل مالك منهم.
3) ابتكر العُمانيون كذلك -لضبط الوقت ليلا- علمًا آخر، أسموه: (الحيانة)؛ يعين (أيضًا) على تقسيم حصص الفلج على المساهمين؛ كلٌّ بحسب استحقاقه.
4) قسم العُمانيون السنة أقساما توازي السنة الشمسية في الحساب؛ وذلك لسببين رئيسيين، هما: الزراعة والملاحة.
5) استورد العُمانيون بعض الاصطلاحات والاستخدامات من حضارات أخرى؛ فقد اعتمدوا مثلا: حساب سنة النيروز؛ وذلك في نظرهم يعود إلى أن تقويم السنة الفارسية من أدق التقاويم الفلكية؛ إذ يتفوق الحساب فيه على النظام الشمسي الغربي المعمول به في حساب شهور السنة.
6) تطور استخدام النيروز في عمان من تطبيقه في الزراعة أساسا، إلى استخدامه في الملاحة.
7) عوّل العُمانيون في علم الحيانة غالبًا على (24) جرما في الليل لحساب الوقت، وفي النهار على الشمس، وبالتالي يكون مجموع الأجرام المستخدمة: (25) جرما، وقد أظهرت بعض الوثائق العُمانية أن عدد النجوم المستخدمة لتحديد الوقت يزيد على ذلك.
8) قسَّم العُمانيون ظرف استعمال المياه عموما إلى وحدات، أبرزها (الأثر)، وقسموا الأثر إلى وحدات أصغر منه، أسموها (القياس)؛ وجعلوا الأثر (24) قياسا، كل قياس منها يقسم: (8) مثاقيل، وكل مثقال يقسم: (36) حبة، وبذلك تكون مدة الحبة الواحدة (0.26) ثانية.
9) استخدم العُمانيون المعالم الجغرافية الطبيعية، كالجبال، أو تلك المصطنعة، كالأبراج الطولية؛ لتحديد حركات النجوم ومواقعها في السماء، وبالتالي تحديد الاتجاهات .. ، وحصص الأفلاج بدقة متناهية.
ب) النتائج العامة لاستخدام العُمانيين النجوم في النشاط الزراعي بصورة شاملة:
1) يتطابق التوصيف الفلكي القديم -فيما يتعلّق بالبروج والمنازل-، مع التوصيف الحديث في كثير من الجوانب، ويختلف في أمور بسيطة ومحدودة، تتعلَّق بعدد النُّجوم، وخصائصها المميِّزة، وأوقاتها دخولا وخروجا. (1/284)
صفحة 274
2) تتَّفق أغلب الأمم والشُّعوب على الاستعانة بالنجوم؛ لمعرفة الظواهر المناخية المصاحبة، والتأثيرات المتوخاة من تقلبات الجو، وحركة الفلك.
3) تختلف أسماء البروج من منطقة إلى أخرى، ومن حضارة إلى حضارة أخرى، وهي في الفلك القديم اثنا عشر برجًا، معروفة لدى الجميع.
4) ينسجم التصوير العُماني الذي وضعه البهلاني للنجوم مع الواقع أكثر من تصوير غيره من المهتمين بعلم الفلك، الذين مثلنا لهم.
5) يتميَّز العُمانيون في تسيير الحالات المناخية المختلفة التي تمرُّ عليهم، وتحديد الأوقات الليلية، وقسمة المياه بأجرام سماوية، تعرف عندهم بنجوم المحاضرة، ولها أسماء معروفة، تتباين في القليل النادر من منطقة إلى أخرى، ويرتبط بطلوعها طلوع نجوم أخرى، يستدل بها على انتصاف الوقت، أو ذهاب ثلثيه أو نهايته وهكذا، وقد ضبطت هذه النجوم عندهم بدقّة عجيبة؛ طلوعا وغروبا، وأعطيت أوقاتا معيّنة، وربطت بطرائق محددة وواضحة أثناء الرصد.
6) يتَّفق العُمانيون مع غيرهم في تقسيم الوقت الزراعي إلى مواسم معروفة، مضبوطة الأيام والتبعات، وتختلف مواسمهم هذه في حدود بسيطة عن مواسم غيرهم؛ دخولا وخروجا، وهذا الأمر ينسحب ـ كذلك ـ على الفصول؛ فهي عندهم أربعة، ولها نجوم معروفة، يستدلُّ بها على دخول الفصل أو خروجه، وتختلف فصول المنطقة الجنوبية في عمان عنها في باقي المناطق؛ من حيث الترتيب، والدُّخول، والخروج؛ بحسب الموروث المقتبس من اليمن؛ والذي يحتاج إلى مراجعة في بعض جوانبه.
7) يبني العُماني ـ شأنه شأن غيره من العرب ـ على طلوع نجم ما أحكامًا عديدة، ويربط زراعة بعض الأصناف بتلك النجوم، كما يستدل بها على الحر أو على البرد أو على المطر، ويتقي بعض الظواهر النجومية، أو يعقد عليها، كما هو الحال في مسائل الاقتران ونحوها، كما إنَّه يستدلُّ بها على دخول الفصول، كفصل الخريف مثلا، وعلى نزول الأمطار وما شابهها؛ حسب البيان المتقدِّم.
ثانيا) القسم البحري:
تتمثل النتائج الخاصة التي انتهى إليها في هذا القسم بالآتي:
1) أصرّ التجَّار العرب المسلمون (بما فيهم العُمانيون) على ركوب المخاوف والأهوال (1/285)
صفحة 275
في طريقهم إلى الصين، والتزموا الجديَّة والحزم والصرامة في تخطِّي كل تلك العقبات التي واجهتهم في طريقهم إلى ذلك المكان القصيّ، كما هو حال إخوانهم من الصينيين، المدفوعين بدافع حبِّ الاستكشاف والمغامرة، والراغبين في تعزيز العلاقات التجارية بين بلدهم والبلدان العربية؛ بما فيها سلطنة عمان.
2) كان الرواد الأوائل من التجار العرب والعُمانيين المسلمين الذين وصلوا الصين أصحاب رسالة سامية؛ إذ لم يكتفوا ببناء العلاقات التجارية فحسب، بل نشروا ثقافتهم وتاريخهم وتراثهم حيثما حلُّوا، وضربوا بحسن تعاملهم، ومروءتهم أبلغ الأمثال، التي بقيت شاهدا لهم على جميل ما خلَّفوه من سمعة حسنة، وذكرى طيِّبة.
3) كان وصول التجار والدعاة العرب والعُمانيين إلى الصين دافعا نحو مقابلة تلك الزيارات بزيارات أخرى مثيلة من قبل الجانب الصيني، الذي ما فتئ يقابل الوفود الرسمية العربية والعُمانية بوفود رسمية صينية أخرى، رفيعة المستوى، عملت جاهدة على تعزيز العلاقة -المشار إليها- بين الجانبين، واستبقت -بالتالي- الود وحسن المعاملة؛ ترسيخًا لأواصر الصداقة، وتثبيتا لسامي التواصل فيما بينهم والآخرين.
4) لم يكتف الصينيون الذين وطأت أقدامهم شبه الجزيرة العربية ببناء العلاقات التجارية مع البلاد التي زاروها فحسب، بل رصدوا ملاحظاتهم وانطباعاتهم عن تلك البلاد، ووازنوا بينها وبين وطنهم الأم، ووثَّقوا خلفية تلك الرحلات؛ على نحو متقن، كما حفظ الإرشيف الصيني كثيرا من الأمور المتصلة بالعرب والعُمانيين، الذين زاروا الصين، وبقوا فيها، وتزوّجوا منها، واكتنزت السجلات الصينية عموما بجوانب مشرقة من تلك العلاقات التاريخية، التي باتت محفورة في الذاكرة العربية والعُمانية والصينية لأجيال.
5) إن معرفة العُمانيين بالنجوم، وطرق الاسترشاد بها، وإحاطتهم كذلك بسر الرياح الموسمية كان هو السبب الأول والأخير لتوفيق الله ـ تعالى ـ إياهم في بلوغ مقصدهم.
ختاما) التوصيات النهائية:
وبعد: فخدمة للموروث البحري العُماني الأصيل، وإثراء للمعارف والعلوم البحرية التي أسهم فيها العُمانيون إلى جانب إخوانهم، ودفعا بالعمل المخلص نحو تحقيق مزيد من الإبداع والتفرّد في مجال خدمة المخطوطات العُمانية؛ سواء تلك المتصلة بعلوم الفلك والبحار، أم غيرها من الموروثات الفكرية الأخرى، التي تكشف لنا عن (1/286)
صفحة 276
عظمة المنجز، ورسوخ قدم العالم العُماني في التحقيق والتحرير العلمي بمختلف الفنون، فقد انتهت الموسوعة إلى رفع التوصيات الآتية:
1 - ضرورة إنشاء مركز يُعْنى بتحقيق الموروث الفكري العُماني، ودراسته؛ يعمل على رقن المخطوطات العُمانية، ودمجها رقميا، وتحقيقها عن طريق المقارنة (الموازنة) بين نسخها المختلفة؛ للخروج بالنص الذي يُتوخَّى أن يكون أقرب إلى ما وضعه المؤلِّف، ثم دراسة المادَّة المحقَّقة دراسة علميَّة منهجيَّة، وطباعتها بطريقة عصريَّة حديثة.
2 - تسليط دراسات معمَّقة على شعر ابن ماجد؛ تستجلي جوانب مختلفة من جملة الأمور التي تعرَّض لها في منظوماته البحرية، وموازنتها مع المعارف الفلكية والملاحيَّة الحديثة، ونشرها، والتعريف بها؛ إسهامًا في خدمة النتاج الأدبي والبحري والفلكي الذي قدَّمه.
3 - طباعة الدراسات والبحوث التي تُعنى بتعريف الأوساط العلميَّة والأكاديميَّة بالمنتج الثقافي العُماني، ودعم الباحثين والدارسين فيها، وتهيئة الكوادر التي من شأنها العمل على خدمة التراث العُماني الفكري، ودراسته وتحقيقه، وتجنيد المركز آنف الذكر بها.
4 - توجية الدراسات العليا نحو بذل مزيد من الجهود؛ لخدمة المخطوطات العُمانية، وطرح مساق خاص بآلية التعامل معها، وسبل تحقيقها ودراستها دراسة علمية واعية ومنصفة.
5 - قطع الطريق أمام المتطلعين إلى تحقيق مآرب معروفة؛ من خلال إعادة طباعة الكتب العُمانية، وإخراجها محقَّقة تحقيقًا علميًّا لربما يسيء إلى الكتاب أو إلى مؤلفه أو إلى بلده. ويمكن تفعيل هذا المقترح من خلال: دعم موازنة طباعة الكتب العُمانية المخصَّصة لوزارة التراث والثقافة، وللمؤسَّسات المنبثقة منها، وتخصيص موازنات أخرى مثيلة للمراكز المعنية بالشأن الثقافي بالبلد، وتوجيه المؤسَّسات المختلفة المهتمة بالتراث نحو: خدمة الموروث العُماني أوقع أثرًا.
6 - توحيد الجهود المبذولة من مختلف الجهات، نحو: مسح المخطوطات العُمانية، وفهرستها، وتصويرها؛ منعًا للازدواجية، والتلاعب، وهدر الأوقات والأموال والطاقات. (1/287)
صفحة 277
7 - إصدار مجلَّة عُمانية علميَّة فلكيَّة؛ تُعنى بخدمة الموروث الفلكي العُماني القديم، والتعريف بأهم ما انتهى إليه العلم في العصر الحديث؛ على أن يتمَّ رفدها بما تحتاج إليه من كادر صحفي وباحثين، ووسائل وأدوات، والتوجيه بتكليف مختلف الوحدات والمؤسسات البحثية بمدها بما يسهم في تلبية احتياجاتها؛ من المواد العلميَّة والبحوث، وتحقيق تطلعاتها المأمولة للتعريف بالتراث الفكري العُماني المجيد.
8 - تتويج الجهود المبذولة من قبل الجمعية الفلكية العُمانية والقائمين عليها، بانتظامها تحت مظلة مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، على غرار الجمعيات الأخرى الموجودة حاليا، وتمويل أنشطتها وملتقياتها العلمية، ودعمها بما تحتاج إليه من وسائل وأدوات.
ولقد أقيم احتفاءٌرسميٌّ بصدور الموسوعة، وقُدِّمَ له بعرضٍ مرئي حول الموسوعة والمراحل التي تبعتها، أعقب ذلك كلمة للأمين العام للمركز سعادة: حبيب بن محمد الريامي، المشرف على الموسوعة، تحدَّث فيها حول خلفية العمل، والخطوات التي سلكها وصولا إلى تحرير مادته العلميَّة، وشكر من خلالها الجهود المبذولة والتعاون المقدم من قبل مختلف الجهات الرسمية والأهلية لخروج هذا العمل بحلته القشيبة، من جانبه فقد ألقى مؤلف الموسوعة كلمة تعريفية شاملة، لفت فيها النظر إلى محتويات الموسوعة، ومنهجية التأليف، والمصادر والمراجع التي عاد إليها، وأهم العقبات التي تجبَه العمل التراثي بعامة، كما وجَّهَ الأنظار إلى خطورة إهمال التراث، وعدم العناية به.
في ختام الاحتفاء سلمت النسخة الأولى من الموسوعة للأمين العام لمجلس الدولة راعي الحفل؛ تتويجا للعمل، وتوثيقا لهذا الفصل المهم منه.
تجدر الإشارة إلى أن الموسوعة حظيت بتغطية صحفية وإلكترونية وإعلامية واسعة؛ الأمر الذي يعكس مدى الأهمية البالغة لمثل هذه المشروعات الحضارية، التي تعرف بسلطنة عمان .. علما وفكرا وآدابا.
- - - (1/288)
صفحة 278
- - -
- - - (1/289)
صفحة 279
وختمُه تفسير آي البيان:
«نفحاتُ الرَّحمَن في رياضِ القُرآن»
ا
(1) الشيخ محمد سعيد كعباش، حياة وآثار (*):
أوَّلا: النشأة والتعلُّم:
هو محمد بن ابراهيم سعيد المعروف بـ (كعباش)، من مواليد بلدية العطف ولاية غرداية، من الجمهورية الجزائرية، وآل سعيد فرع أصيل من عشيرة أولاد باكّة في بلدة «العطف» إحدى قرى وادي ميزاب السبع، وتسمى باللغة المحلية (تَجْنِينْت).
أبصر نور الحياة خلال سنة 1929م في حضن أبوين كريمين هما: «سعيد إبراهيم بن باحمد»، و «بهون شيخة بنت الحاج محمَّد»؛ توفي والده وتركه يتيماً فقيراً لا يزيد عمره عن سنتين، وليس معه إلاَّ أختان، تُوفِّيت إحداهما فأصبح وحيد أمِّه وقرَّة عين لها، فاعتنت بتربيته على حبِّ الله ورسوله وعلى حفظ كتاب الله في سنٍّ مبكِّرة. وقد وهبه الله ذاكرة قويَّة وذكاءًا لامعاً. فدفعته إلى كُتَّاب القرية ليتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة؛ وكان أبرز معلميه آنذاك شيخه المرحوم «الحاج ابراهيم محمد بن بهون» والذي ترك في نفسه أثراً قوياً وحبًّا غامراً للعلم والمعرفة.
__________
(1) (*) - اعتمدنا في إعداد هذا الموضوع ـ بشكل واسع ـ على الملف الذي أعدَّته جمعية النهضة وحلقة العزابة بالعطف، بمناسبة الاحتفال بمهرجان ختم تفسير القرآن الكريم لفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم سعيد كعباش، المنعقد بـ (تجنينت) بتاريخ السبت 21 جمادى الثانية 1436هـ الموافق لـ: 11 أفريل 2015م، تحت شعار: ژ? ? ? ? ? ? ?ژ. (رئيس التحرير). (1/290)
صفحة 280
ولم يكن كُتَّابُ قريته ليُقْنِع طموحَه في التَّعلُّم، فارتحل إلى «معهد الحياة» العامر بالقرارة، عند الشيخ الإمام «إبراهيم بن عمر بيُّوض»، ومكث فيه خمس سنوات من عام 1945 إلى 1950م، وانتقل بعدها إلى تونس الخضراء، حيث التحق بالجامع الزيتوني أين درس علوم العربيَّة والشريعة، وبالمعهد الخلدوني أين درس العلوم التطبيقية، وذلك إلى غاية سنة 1954.
وقد تتلمذ هنالك على يد علماء تونس الفطاحل من أمثال: «الشيخ الفاضل بن عاشور»، و «الشيخ محمد الزغواني» في التفسير، و «الشيخ البشير النيفر» في أحكام القرآن، و «الشيخ اللقاني» في مقاصد الشريعة، و «الشيخ أحمد بن ميلاد» في أصول الفقه، وغيرهم.
ثم انتسب لاحقاً إلى جامعة الجزائر وذلك في أوائل السبعينيات، أين حصل على شهادة الليسانس في اللغة والأدب العربي سنة 1972.
ثانيا: المسيرة العلمية والاجتماعية والسياسية:
بدأ العمل في مجال التربية والتعليم أستاذاً ومديراً في القطاع الدِّيني الحرِّ في فترة الاستعمار الفرنسي، ثم في التعليم الرسميِّ بعد الاستقلال الوطنيِّ، حتى تقاعد عن العمل سنة 1990م.
انخرط عُضواً رسميًّا في «حلقة العزَّابة» للمسجد الجامع بالعطف في سنة 1958م، ثم عيَّنته الحلقة إماماً ومرشداً في سنة 1970م، وهو ما يزال يقوم بمهمَّته النبيلة في الإصلاح الديني والاجتماعي نُصحاً وإرشاداً، وتجليةً لمعاني كتاب الله وسنَّة رسوله على منبر المسجد، بعد أن حدا بصفوف الأجيال على مقاعد الدِّراسة لما يقرب من أربعين سنة، في مسيرة مهنيَّة متواصلة لم تنقطع بتاتاً عن الخط الذي ارتضاه مبدأً ومنهجاً، وذلك بفضل الله تعالى وتوفيقه.
بداية من سنة 1972، بدأ ينتقي لجمهور الآباء والأمَّهات من عمَّار المسجد العتيق بعض السُّور القصار لتفسيرها وبيان فضلها ومعانيها، والتي يؤدِّي بها الجمهور صلواته، ثم تدرَّج بعد ذلك إلى تفسير السُّور القرآنيَّة التي تُتلى في المناسبات المختلفة (1/291)
صفحة 281
كسورتي «يس» و «الأنعام»؛ وبعد إتمام تفسير هذه السُّور شرع بعون الله وتأييده في تفسير القرآن الكريم من سورة الفاتحة نزولاً إلى سورة الناس، وذلك في دروس منتظمة إلقاءً وتحريراً منذ سنة 1985، والذي أسماه «نفحات الرحمن في رياض القرآن»، إلى أن أتمَّ بعون الله وتوفيقه تفسير سورة الناس يوم الجمعة 01 جمادى الأولى 1436هـ الموافق لـ: 20 من فبراير 2015.
ويقع هذا التفسير النفيس في أربعة عشر مجلَّداً، مشفوعة بفهارس فنِّية متنوعة، وله بالإضافة إلى ذلك أعمال أدبيَّة وفكريَّة عديدة مطبوعة ومخطوطة، وهي فيما يقرب العشرين مؤلفاً بين التفسير، وشرح الحديث، والخُطب، والفتاوى، والتراجم، والرسائل، والأشعار ...
في سنة 2004 أنشأ مكتبته الخاصة «مكتبة التوفيق» المتنوِّعة المصادر والمراجع، ومن مهامِّ هذه المكتبة أيضًا؛ احتضانُها للُجنة الفتوى للبلدة، والتي يترأَّسها فضيلة الشيخ كعباش منذ انبعاثها سنة 2002، وهي تجتمع كلَّأربعاء للنظر في أسئلة الجمهور والردِّ على استفساراتهم الشرعيَّة المختلفة.
وقد أسهم الشيخ بقسطٍ وافرٍ من التضحية والجهاد، وهو من المجاهدين الأوائل بالبلدة، وممن حافظوا على المقوِّمات الأساسيَّة للشخصية الوطنية من خلال عمله النضاليِّ في المجلس البلدي السرِّيِّ للمنطقة الخامسة للولاية السادسة التاريخية. معتزٌّ بانتمائه إلى منظَّمة المجاهدين، وإلى صفوف جبهة التحرير الوطني، قبل وأثناء ثورة التحرير المجيدة؛ كما تقلَّد بعد الاستقلال مناصب إداريَّة محلية لمدَّة عشر سنوات، ويتشرَّف بعضوية منظمة المجاهدين دون منٍّ ولا غرورٍ، فضلاً عن تقلُّده لمسؤولية تمثيل بلدته في كلِّ من مجلسي «الشيخ عمي سعيد» (الهيئة العليا لإباضية الجزائر)، والشيخ «باعبد الرحمن الكرثي» (الهيئة العليا لعشائر أعيان وادي مزاب)، وتربطه إلى جانب ذلك علاقات ودٍّ وإخاءٍ مع علماءَ جزائريِّين عديدين، وعلماء من مختلف أقطار العالم الإسلامي.
ونختم هذه النبذة الوجيزة عن حياة شيخنا الفاضل ومسيرته المباركة بما ختم به ترجمته لنفسه في كتابه «جيل النهضة والإصلاح»، إذ قال: « ... قد حملتُ لبلادي بين (1/292)
صفحة 282
جوانحي منذ نعومة أظفاري حبًّا غامرًا، وأملا فيَّاضا أن أمنحه من جُهدي وعَرَقي ما يُثبِّت أركانه، ويُعلي بنيانَه، ويرفع شأنه، ورجائي في الله أنني وفَّيت بما تعهَّدت، وقمتُ بما استطعت، ويعلم الله أنني ما طلبتُ زعامةً، ولا انتظرتُ شكرًا ومحمدة، بل كلُّ ما أرجوه من أبنائي ورفاقي هو شرفُ الأحدوثة، وكرمُ الإنصافِ، وحُسنُ الذِّكر، تحقيقاً لِما تمثَّلتُ به من قول الشاعر:
وما خابَ بينَ اللهِ والناسِ عَامِلٌ ... لهُ في التُّقَى أو في المحامِدِ سُوقُ»
فطوبى لهذا العالم العامل؛ الذي آمن برسالته في الوجود، فأخلص في أدائها مُحتسباً أجره على الله؛ وتقبَّل منه جهادَه وتضحياته في سبيل أمَّته ووطنه؛ وبارك في أنفاسه؛ وقيَّض للأمَّة من يقوم مقامه.
ثالثا: إنتاجه العلميُّ والأدبيُّ:
حبى الله الشيخ كعباش يدًا جادَّة مجتهدة في الكتابة والتأليف، حيث أثرى المكتبة الإسلاميَّة بمؤلفات عدَّة، منها المطبوع ومنها المخطوط، وهي كالآتي:
أ الأعمال المطبوعة:
• تفسير القرآن الكريم «نفحات الرحمن في رياض القرآن» في أربعة عشر مجلَّدًا.
• «صوتُ المنبر» في ثلاثة أجزاء (مجموعة من الخطب المنبريَّة لصلاة الجمعة).
• «حديث الشيخ الإمام» في جزأين (تخريج لدروس ألقاها الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض).
• «من أخلاق القرآن» في ثلاث حلقات (صفات عباد الرحمن) و (الوصايا العشر ووصايا لقمان) و (تفسير سورة الحجرات والمجادلة).
• «صرخاتٌ على مسرح المجتمع» (مجموعة خطب وأحاديث في عدَّة مناسبات).
• «مسابقة شهر رمضان» (أسئلة مع الأجوبة النموذجية) 1416 - 1417 - 1418 ه.
• «تجنينت أم القرى الميزابية في ذكراها الألفيَّة».
• «جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح» (تراجم لشخصيات إصلاحية في العطف). (1/293)
صفحة 283
• «شرح الصدور لتفسير النور».
• «الدرُّ النظيم في فعاليات التدشين والتكريم» (مجموعة الأحاديث والخطب التي قيلت في مناسبات التكريم أو التدشين لبعض المشاريع).
• «رحلة العمر» (ترجمة مفصَّلة لحياة الشيخ).
ومن المخطوط والمسجَّل:
• «حديث يوم الخميس»: شرح لمسند الربيع بن حبيب (رضي الله عنه) مجلَّدان.
• «صرخات على مسرح المجتمع»، الحلقة الثانية.
• «النداء الرباني للمجتمع الإيماني».
• «المجموعة السنيَّة للرسائل الفنية».
• «من مقام المسؤولية في المجالات السياسية».
• «جمعية النهضة بين الفكرة والتأسيس والفعالية».
• «القول الوثيق في زيارة البيت العتيق».
• «مجموعة محاضرات».
• «مواجد وخواطر شاعر» (ديوان شعر).
• دروس دينية مسموعة ومرئية متنوعة تزيد عن 1000 شريط وقرص رقمي.
خصائصُ تفسير «نفحات الرحمن في رياض القرآن» ومميِّزاتُه:
تفسير كتاب الله العزيز مهمَّة نفسية ونعمة غالية يهبها الله من يشاء من عباده الصالحين، يستشرفها الكثير من العلماء وقليلٌ من يحقِّق الله له ذلك، لا سيما تفسيره كاملاً، ولعلَّ شيخنا الفاضل من هذا النوع المكرمين، فقد وفَّقه الله على مدار أكثر من أربعين عامًا إلى تحقيق مبتغاه وأمله، ولم يكن يقصد في الأصل هذا المقام من تفسير القرآن كاملاً، وإنَّما سعى فقط ليكمل حلقة مفقودة من التفسير الذي خلَّفه شيخه وإمامه «إبراهيم بين عمر بيُّوض» (رحمه الله)، ولحسن نيَّته ونبل مقصده، فقد أتمَّ الله له غايته وزيادة. (1/294)
صفحة 284
يقول الشيخ كعباش مبيِّنا دوافعه لتفسير كتاب الله، وكيفية ابتدائه فيه: «وفي بلدة العطف ـ مسقط رأسي ـ كان لي دورٌ اجتماعي يُعتبر رافدًا آخر لنهر التربية والتعليم يخصُّ المواطنين الكبار ممن عاشوا يرزحون في وطأة الجهل والأميَّة من الآباء والأمَّهات، فلا بدَّ من التذكير والإرشاد على منبر المسجد، وما يتبعه من هياكل لتجميع هؤلاء المواطنين.
بدأت أنتقي لهؤلاء بعض السور القصار التي يحفظونها لأداء صلواتهم؛ أفسِّرها لهم تفسيرًا مبسَّطا في أوقات رتيبة خلال الأسبوع، ثمَّ تدرَّجت إلى تفسير السور المتداولة في المناسبات كسورة (يس) و (الأنعام) ... ثم قرَّرت أن أسير في دروسي في المسجد السيرَ الطبيعيَّ ابتداءً من أمِّ الكتاب فالسور الطوال، تنازلاً في ترتيب المصحف الشريف، وكان أحدُ رفقائي في الحلقة يتولَّى تسجيل الدروس في أشرطة سمعيَّة، أرتِّبها وأرقِّمها حسب الآيات في كلِّ سورة، لتبقى محفوظة في مكتبة المسجد، وبعد مشوارٍ غير قصير انتهى بي إلى أوائل سورة النساء، وبعد الفحص لمدى حفظ الشريط لوضوح الصوت وفصاحته تبيَّن لي أنَّ الجو الحارَّ وانعدام الرطوبة قد أثَّرا في الشريط، حتَّى كاد الصوتُ ينطمس في البعض منها، فحزَّ ذلك في نفسي، إذ أرى ضياع جهدي في هذا المجال، وأنا ما أزال على قيد الحياة، فكيف بمستقبل الأجيال؟
وكان ذلك سببًا لحفز همتي إلى تأليف تلك الدروس كتابةً وتدوينًا. غير أنَّ التأليف والتدوين لهما صياغتهما الخاصَّة غير التي تكون في الوعظ والإرشاد أمام الجمهور، وذلك ما يُضاعف من مسؤوليَّتي ويتطلَّب مني جهدًا إضافيًّا، والاستعانة بالتفاسير المختلفة لتجميع المادَّة، ثم صياغتها وفق خطَّة العمل التي انتهجتُها، جمعًا بين الأصالة والعصرنة في المبنى والمعنى، وبين الاتجاهات والأفانين المختلفة للتفسير».
(من مقدمة التفسير: ج1/ص: خ. د)
1. منهجيته في التفسير:
سلك شيخنا محمَّد بن إبراهيم سعيد مسلكًا واضحًا وسهلا في تفسير السورة القرآنية، يدلُّ على نبوغه وإلمامه بعلم التفسير تنظيرًا وتطبيقًا، فهو يبدأ في مطلع السورة بتعريفها من حيث موضوعها الرئيسي، ثم يسرد محاورها الفرعيَّة، وأجواء نزولها، (1/295)
صفحة 285
ومقاصدها التي تناسب مرحلة نزولها، وعلاقتها بالسابق واللاحق، ثم يمضي في تفسير ذلك المقطع وفق منهج التزمه طوال مشواره في التفسير يقوم على عناصر وهي:
1. اختيارُ عنوان المقطع القرآني من السورة المراد تفسيره بمعدَّل 70 مقطعا في كلِّ جزء.
2. ضبطُ النصِّ القرآنيِّ برواية ورش عن نافع، بالبنط العريض، وبشكل دقيق وجذَّاب.
3. التحقيقُ اللُّغويُّ وشرحُ غريب القرآن الكريم. ويُظهر ذلك مدى نبوغه وعمق تكوينه الأدبي والبلاغي.
4. بيانُ أوجه القراءة، وتوجيهها، وإنزالها على أصحِّ المعاني وأحسنها.
5. البيانُ والتفسيرُ المفصَّل للمعاني والأحكام.
6. تراجمُ الأعلام والأماكن والنبذ التاريخيَّة إن وُجدت.
وكان لالتزام الشيخ العلامَّة بهذه الخطَّة الموجزة المحكمة أثر في تفسيره، فقد جنَّبته الكثير من النقائص؛ كالحشو، والاستطراد، والتكرار.
2. مصادره في التفسير:
أمَّا من حيث مصادره فهي متنوِّعة بين القديم والحديث، ويصدق فيه قول ابن خلدون عن كتاب «المحرر الوجيز» لابن عطية «لقد لخَّصه من كتب التفسير كلِّها» وكان دقيقًا أمينًا في النقل، بحيث ينقل اقتباساته حرفيًّا، مراعيا المعنى والسياق والحال، فلا تكاد تلمس توظيف اقتباسٍ واحدٍ في غير المعنى الذي سيق من أجله، وهذه درجة من الأمانة والورع والحيطة تحسب للمؤلف.
وأمَّا مصادره في الحديث والسنَّة والسيرة النبويَّة فهي كثيرة متنوعة، وهي تعكس إلمام الشيخ وسعة اطلاعه ومعرفته بصحيح الأخبار والمرويات، ومن هنا نراه يكتفي بالمرويات الصحيحة والقويَّة ويستغني عن الأخبار الواهية والموضوعة.
3. موضوعيتُه وإنصافُه للمخالفين:
إنَّ مما ميَّز الشيخ محمَّد بن إبراهيم في تفسيره ابتعادُه عن المذهبيَّة الضيِّقة، بل كان يرى أنَّ القرآن الكريم هو الحاكم على المذاهب والتيارات المختلفة، وليست هي الحاكم عليه، (1/296)
صفحة 286
والقارئ للكتاب يلمس صحَّة ما قلناه في كلِّ صفحة من صفحاته، وخير مثال على ما نقول رجوع الشيخ الإمام إلى مختلِف المصادر والمراجع ليقتبس منها ما يراه أقرب إلى معنى الآية القرآنية، وكان ينقل ثم يناقش ما ينقل، ويعارض ويوافق، ويقبل ويردُّ، ولكن يفعل كلَّ هذا بقلمٍ هادئ ولسانٍ عَفٍّ وقلب سليم.
4. بعض جوانب الجدَّة والإبداع في التفسير:
1. هو تفسير حركيٌّ اجتماعيٌّ.
2. يجمع بين الأسلوب البسيط الموجَّه للعامَّة والمنهجيَّة المنضبطة.
3. يعرض آراء الإباضيَّة العقديَّة والفقهيَّة.
4. خالٍ من الروايات والآثار الإسرائيليَّة.
5. إسقاطُ المُثُل القرآنية على الواقع.
6. الجمعُ بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي.
7. يحتوي مادَّة تاريخيَّة مهمَّة من التراجم والحوادث المحليَّة.
8. يهتمُّ ببيان أوجُه الإعجاز القرآنيِّ لا سيما العلميِّ والبلاغي.
9. يمتازُ بالأسلوب المعتدل في مناقشة شُبَه المستشرقين المشكِّكة في القرآن.
10. يُبرِز الوحدة الموضوعيَّة للسور، ولا يكتفي بالتفسير الجزئيِّ الذي لا تتَّضح معه مقاصد القرآن.
(بعض محتوى هذا العنصر مقتبس من محاضرة للدكتور رمضان يخلف حول تفسير فضيلة الشيخ).
من أقوال فضيلة الشيخ محمد سعيد كعباش
1. « ... إننا على ما أعددناه من إمكانيات مادية وتربوية لتحفيظ أولادنا القرآن، فإنّنا نستقلّها أزاء ما يجب علينا أن نوفّره، لأن من خطب الحسناء لم يُغله المهر؛ وإننا لنعتبر كلّ ولد لنا أو بنت استظهرت القرآن درّة غالية نُغلي ثمنها ونقدّر قيمتها ونصونها من الرّخص والابتذال ... ". [شهر القرآن واليُمن والبركات لسنة 1425هـ/2004م؛ صوت المنبر، الحلقة الثالثة]. (1/297)
صفحة 287
2. «أيُّها الأبناء الأعزاء؛ كونوا بحقٍّ في زمرة الشباب المحمَّدي؛ مثالا للجدِّ والمثابرة، ورمزا للطهر والاستقامة، حتى تنالوا بذلك حبَّ الله وحب الناس، واصبروا على عناء التحصيل، فإنَّ العلم ممتنع شرود، لا ينال إلاَّ بطول السهر، وإدمان التفكير والنظر، واحتمال المعاناة والضجر ... » [الدخول الاجتماعي 2003ـ2004، صوت المنبر، الحلقة الثالثة، ص: 119]
3. « ... فلتقدروا أيها الإخوة موقفكم التاريخي من هذه الأجيال الصاعدة، فإنها أمانة بين أيديكم، وهي وحدها معقد الآمال لهذا الوطن الجريح، وهو اليوم يستصرخ ويصيح، أن تمدوا له يد العون والمساعدة، وترشدوه إلى الطريق الصحيح ... ؛ تلكم هي مهمتكم النبيلة، ومسؤوليتكم الشريفة، وحسبكم من الأجيال أن تكونوا من صانعي الرجال، وحسبكم من الله أن يثيبكم بالرضوان وحسن المآل». [يوم ألقيت عصا التَّرحال، صرخات على مسرح المجتمع. ص: 94].
4. « ... وأنَّ العمل التربويَّ ليس مجالاً لمتاع الدنيا ولتأثيل الأموال، وكنَّا ننظر إلى تلامذتنا أنَّهم الكنز الغالي والمعدن النفيس الذي نتعهَّدُه بالصقل والتهذيب وبالتزكية والنماء، لأنَّهم النبتةُ الطيِّبةُ أصلُها ثابتٌ وفرعها في السماء، ولا نخالكم ـ أيها الزملاء الكرام ـ إلاَّ وأنتم على هذا الدرب سائرون، وفي نشاطكم دائبون، ولعهد الله والوطن راعون، سدَّد الله خُطاكم، وحباكم الصبر والثبات واليقين ... ». [من كلمة بمناسبة تكريم المتقاعدين من قطاع التربية والتكوين، صرخات على مسرح المجتمع، ص114].
5. « ... لئن استطاع الاستعمارُ البغيضُ أن يُشوِّه معالم حضارتنا الأصيلة في بعض حواضرنا، أو يفتِنَنا في هويَّة شخصيَّتنا بثالوثها المبارك «الإسلام، والعروبة، والأمازيغية»؛ فإنَّ هذه المنطقة الغالية من وطننا المُفدَّى قد ضربت أروع المُثُل في الصُّمود والتحدِّي، إذ بقيت مأزراً لذلك الثالوث لا تبغي عنه بديلاً، ولا عرفت عن وجهته تحويلاً، تُنشئ على مبادئه أبناءها جيلاً بعد جيل، وترسي بناءها على قواعده في كلِّ مسلكٍ وسبيل، فلتستنطقوا كلَّ ذرَّة من هذا التراب تجدُوا فيه خير دليل ... ». [مهرجان ألفية العطف؛ صرخات على مسرح المجتمع، ص 147 - 148]. (1/298)
صفحة 288
من أهداف مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم (1436هـ ـ 2015م):
1. التعريفُ بشخصية فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم سعيد (كعباش) في ميدان الإصلاح الاجتماعيِّ والوسطيَّة، وإسهاماته في حقل التربية والتعليم وتفسير القرآن الكريم.
2. إبرازُ الفكر الإصلاحيِّ لهذا العالم العامل ومنهجه في التفسير.
3. خدمةُ التراث الوطنيِّ من خلال الأنموذج المحلِّي؛ باعتبار الشيخ أحد روافد الدراسات الأدبية والقرآنية، ومجالاً خصباً للبحوث الأكاديمية في جامعاتنا الوطنية.
4. الوقوفُ على منهج الشيخ في التعامل مع القرآن الكريم؛ درساً وتفسيراً، وإضافته إلى جهود السابقين والمعاصرين له.
5. إبرازُ رسالة الشيخ التربويَّة، وجهوده المباركة في تنشئة الأجيال على المبادئ والقيم الدينية والخلقية والوطنيَّة.
6. إبرازُ جهود الشيخ في تجسيد مقاصد الرسالة المحمَّدية، ومدى مساهمته في الفكر الوسطي المعتدل، والتي جسَّدها فضيلة الشيخ من خلال صوت المنبر.
7. تقريبُ تراث الشيخ المطبوع والمخطوط من الباحثين قصد دراسته وإبرازه، وتجسيد مبدأ التواصل بين الأجيال، من خلال تعريف الجيل الجديد بتراث السلف الصالح وبإسهامات العلماء الجزائريين المعاصرين.
- - - (1/299)
صفحة 289
خطبة الأديب المُغَيَّب:
في رثاء الشيخ الإمام إبراهيم بن عُمر بيُّوض (*)
بسم الله الرحمن الرحيم
كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)
(1) إنَّ في الله عزاءً من كُلِّ مُصيبَة، وعِوَضًا من كُلِّ مَرْزِئَة، ودَرَكًا من كلِّ فائِت، وخَلَفًا من كُلِّ هالك، وإنَّما الثقةُ في الله عزَّ وجلَّ، والرجاءُ في رحمتِه وفضلِه، وإنَّما شأنُ المؤمنين عند نزول المصيبةِ الرِّضَا بقضاءِ اللهِ والتسليمُ
__________
(1) (*) -سجل الدكتور عمرو خليفة النامي الخطبة بصوته، ليلة المولد النبوي الشريف بتاريخ 17 جانفي 1981، كما يؤكده ابنه محمد النامي في قوله: «عندما علم والدي الدكتور عمرو بوفاة الشيخ بيُّوض قرَّر الذهاب لحضور الجنازة، ولكن لم يُؤذن له بذلك، فكتب هذه الخطبة وسجَّلها بصوته ليرسلها إلى الجزائر ولا أعلم أقدِّر له ذلك أم لا». ولقد تم نشر التسجيل الصوتي في الأنترنت منذ بضعة أشهر. ونحن إذ نقدم للقارئ الكريم هذه الدرَّة الأدبية الثمينة ـ مرقونة بعد انقضاء أربع وثلاثين سنة كاملة على وفاة الشيخ الإمام ـ فإننا نضرع إلى الله أن يُنزل رحمته على الدكتور النامي، ويغمُره بعطفه ولطفه حيثما هو، حيًّا أم ميِّتًا، ويجعل كلماته هاته في صحائف أعماله. (رئيس التحرير). (1/300)
صفحة 290
لأمرِه، تَنجُّزًا لما وعدَ الله من حُسْنِ الثوابِ وجعلَ للصابرين من الصَّلاة عليهم الرحمة، فإنَّ الله تبارك وتعالى يقول: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157).
ونحنُ في التعزِّي عن مصابِنَا الكبير، ووفاةِ مُصلح العصرِ، ومَنَارِ الهُدى، وقَبَسِ الرَّحمة، ومِشكاةِ العلم، أستاذنا الجليل الشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر رحمة الله عليه، إنَّما نَصدُر في ذلك بما أدَّبنا اللهُ تعالى من أدبه، وما هدانا وأرشدنا إليه نبيُّنا وقُدوَتُنا عليه السلام، وبما رَكَزَهُ في نُفُوسنا هذا الأستاذُ الكريم من أدَبِ الإسلامِ وهدايَتِهِ وتوجيهِه. ولا يكونُ شأنُ العالمِ الهادِي في حياتِه ومماتِه شأنَ سائرِ الناس، لقد جاء هذا الإمامُ رحمةً من الله ليَقوم بدورٍ فذٍّ في إحياءِ هذا الدِّين وبعثِ هذه الرسالة العظيمة؛ فأنفاسُه من أنفاسِها، وحركتُه في الدُّنيا علامةٌ عليها، ونهايتُه هي كمالُ ذلك الدَّور الذي أرادَهُ اللهُ له، كما قدَّره في سابق علمه، وناهيك بها سيرةً جليلةً عطِرة، أحيَتْ شبابَ الإسلام في هذه الرُّبوع الكريمة، وامتدَّ أثرُها لا تَقومُ له الحدود، ولا تحبسُه الأوطان، فهو في مُتناول أصقاعِ الأرضِ حيثُ شاءَ الله.
رَحِم اللهُ أستاذَنا الإمامَ الجليلَ الشَّيخ بيُّوض إبراهيم بن عُمر .. رحمه الله وجزاه الله كأحسنِ ما يكونُ من جزاءِ الداعية المؤمن الصابر، والمعلِّم المُحسنِ المثابر، والمرشِد المتمكِّن الأمين. (1/302)
صفحة 291
وما كان شخصُ الإمام في الأرضِ إلاَّ عَلَمًا للهدى، ولسانًا للحقِّ، وتُرجُمانا للرسالة العظيمة في كتابها الشريف، وسيرةِ نبيِّها العطرة، وأعبائها التي واجهت بها مُلِمَّات هذا القرن العشرين.
ماذا كان رحمهُ الله غيرَ آياتٍ تُتلَى وأخبارٍ تُروى، وسيرةٍ تُبعَثُ وتُعَاد، وبناءٍ من بناءِ الإيمان يُرفَع ويُشيَّدُ على أسُسٍ من التقوى، ومُنطَلَقات من الرُّشد، وآفاقٍ من الصلاح المستمَدِّ من سرِّ الله سبحانه.
ماذا كان أستاذُنا بيُّوض رحمه الله إلاَّ روحًا جديدة تسري في هذه الرِّحاب على امتداد الزمان، فتمدُّها بأمداد الهداية من منازل الوحي الكريمة، وماذا كان إلاَّ أشواقًا عميقةَ الجذورِ تتَّصل برحاب مكَّة والمدينة، وتتشابك مع أرواح الطُّهرِ في دار ابن أبي الأرقم، وحول الكعبة، وفي دروب الهجرة، وفي المسجد الذي أُسِّس على التقوى، ومع أهل الصُّفة في صُفَّتهم، ومع أهل الجهاد في مواقفِهم، وفي تلك الأجواء الخاشعة التي تتجاوب مع أصداء الوحي الكريم طوال عشرين عامًا، هي نورُ هذا الدهر، وهي رحمةُ الزمان كلِّه، فحيث أشرق منها قبسٌ أنار فيوضًا من ذلك النور. وهل كان بيُّوض رحمه الله إلاَّ قابِسًا من ذلك النور؟ أشرق به في هذه الربوع ما شاء له الله، فإذا النورُ يَسْطَع، وإذا الحقُّ يتلألأ، وإذا أنفاسُ الإيمانِ كأطهرِ وأرفعِ ما تكون في هذه الديار الطيِّبة الكريمة.
فجزاك الله خيرًا أيُّها الحَبرُ العظيم، وأنارَ اللهُ عليك قبرَك بما أنرتَ علينا من أقباسِ الوحي الشَّريف، ورفع مقامَك في الجنَّة بما رفعتَ من رايةِ محمد - عليه السلام -، تجلُوها وتحدُوها، رفيقًا بها، حدبًا عليها .. تملأ جوانحكَ الغيرةُ، (1/303)
صفحة 292
ويؤجِّجُ عَزْمَك الإخلاصُ، ويسدِّدُ سيرتَكَ الصدقُ، ويمدُّك في جهادِكَ الطويل الصابرِ رَوْحٌ مِن الله.
أيُّها الشيخُ الجليل؛ أنتَ أكبرُ من أن نَبكِيك أو نرثِيك، وإنَّما أنت في حياتِكَ ومماتِكَ آية نتدبَّرُها، وسيرة نتأثَّرُها ..
أيُّها الشيخ الكريم:
لو كان يَبكِي كتابُ اللهِ مِنْ أَحَدٍ لِطُولِ إِلْفٍ، بَكَتْكَ الآيُ والسُّوَرُ
ويا أيُّها الإمام العظيم؛ أنت أكبرُ من أن نتعزَّى عليك، أو نُعزِّيَ فيك، وإنَّما أنتَ في حياتِك ومماتِك أمَّةٌ وحدَك، ثم أنت رحمةٌ لأهل وقتِك.
ما خصَّرُزؤُك لا قيسًا ولا مُضَرًا إنَّ الرزيَّةَ مَعمُومٌ بها البَشَرُ
أمسَى لِفَقْدِكَ ظَهَرُ الأرضِ مُختَشِعًا بادِي الكآبةِ واختالتْ بِكَ الحُفَرُ
ويا أيُّها الأستاذُ الجليل؛ نخجلُ أن نُعدِّدَ مآثرك وقد حَوَيْتَ كلَّ خير، واتَّصفتَ بكلِّ فضل، إنَّما أنت جماعُ كلِّ صفاتِ الفلاح، وهل «أفلحُ» رحمه الله إلاَّ كما قيل:
عَفُّ الضَّميرِ رَحيبُ البَاعِ مُضطَلِعٌ لِحُرمَة الله والإسلاَمِ مُنْتَصِرُ
لا يَزْدَهِيهِ لِغَيْرِ الحقِّ مَنْطِقُهُ وَلاَ تُناجِيهِ إِلاَّ بِالتُّقَى الفِكَرُ
ثَبْتٌ على زَلَلِ الأيَّامِ مُضْطَلِعٌ بالنَّائِبَاتِ، لِصَعْبِ الدَّهرِ مُقتَسِرُ
سامي الجفُونِ يرُوقُ الطَّرْفَ مَنْظَرُهُ وأطْهَرُ النَّاسِ غَيبًا حِينَ يُخْتَبَرُ
الحِلمُ يُصْمِتُهُ، والعِلْمُ يُنْطِقُهُ وَفي تُقَى اللهِ مَا يَأْتِي وَمَا يَذَرُ (1/304)
صفحة 293
ويا أيُّها الإمامُ العظيم؛ لقد حملتَ الرسالة َوبلَّغتَها، وتلقَّيتَ الأمانةَ وأدَّيتَها، وأثرُكَ في هذه الأرضِ مُمتَدُّ الجذور في أعماق الزمن، إذ وَصَلتَهُ بسرِّ الهداية الإلهيَّة، وأحكمتَ صَنْعَتَهُ في المدرسةِ القرآنيَّة، فهو خالدٌ فيها بخلود القرآن، وباقٍ عليها ببقاءِ الإسلام، ولْيَهْنِكَ جهادُك يا شيخنا الكريم، فثمارُه يانعةٌ مُتاحَة، وآثارُه باديةٌ مؤثِّرة، ولقد أقرَرْتَ أعيُن أهلِ الإيمان، وأبقيتَ لإبليسَ غَيضًا لا ينقطع، فرحِمَكَ اللهُ دوامَ آثارِ عِلْمِكَ وجهادِك، وجزاك الله عنَّا خير ما يَجزِي المرشِدَ الموفَّقَ والمربِّي البارَّ، والأبَ الحنون. ويا سيدي الجليل:
إمَّا ثَوَيْتَ فَمَا أَبقَيْتَ مَكْرُمَةً إِلاَّ بِكَفَّيكَ مِنْهَا العَيْنُ والأَثَرُ
فسلامٌ عليك أيُّها الإمامُ كما أراد الله، وكما يليقُ بِك. سلامٌ عليك في الأوَّلين، وسلامٌ عليك في الآخرين، وسلامٌ عليك في العلماءِ العاملين، وسلامٌ عليك في الأتقياءِ الصالحِين المصلِحين، وهنيئًا لكَ ما قدَّمتَ من خيرٍ وبِر، وذُخْرٍ وشُكر، ومِن كُلِّ صالحٍ وباقٍ من أعمالِ الجهادِ الخالص.
ويَا دارَ الفقيد؛ لم تَفْقِدِيه فقد أغنتكِ آثارُه، فافتخري بشهابٍ لا تَنطفئُ أنوارُه، وببحرٍ لا تُدرَك أغوارُه، ومحيطٍ لا تُحاطُ أسرارُه.
ويا أهلَهُ؛ لستُم وحدَكُم المصابُون في الشيخ، فنخصّكُم بالعزَاء، فإن خصَّكُم منه بعضُ سعيِه وخصَّه منكم الرفقُ والحَدَبُ والرعايةُ، فقد عَمَّنا منهُما اتَّسق له من فيُوض الخير في ذلك المحضَنِ الأمين، وكلُّنا فِرَاخُ ذلك العُشِّ، وكلُّنا نتاجُ ذلك الجناح، فإن فقدتُم منه أُنْسَ الرَّوحَةِ والغَدْوَة، فقد فقدنا منه الصُّحبَةَ والقُدوَة! وإنَّ فقَدَه الأولادُ والأحفادُ، فقد فقِدَتْهُ الأذكارُ والأوْرَاد! وإن فقِدَتهُ الدُّورُ والمعاهد، فقد فقِدَتهُ المحاريبُ والمساجد! (1/305)
صفحة 294
أمَّا عزاءُ الجميع فهو أنَّ للشيخ العزيزِ امتدادٌ في كلِّ هذه الأنحاء، فقد مدَّها من روحِه ما اتَّصل فيها جميعًا فلا ينقطعُ بإذن الله؛ فقد ترجم جهادَه المتَّصل إلى واقعٍ عمليٍّ ملموسٍ، تنهَضُ به الطرُوسُ والرؤُوس، ويقوم عليه الشبابُ والكِتَاب، وتَرفَعُ رايتَهُ المدارسُ والجمعيَّات، وتضطلعُ به المعاهدُ والمساجد، وذلك سرُّ المجدِ التاريخيِّ الذي يَطبع حياةَ أئمَّة الإصلاحِ وعظماءِ الرِّجال، أن تكون نهايةُ الرحلةِ في هذه الدنيا بدايةَ هَبَّة ناصعةِ الأرجاءمتعدِّدة الأنحاء، بدأها واحدٌ واتَّصلت بالآلاف، فذلك برهانُ البركة والنماء في شُهُودِ أولياءِ الله الأتقياء.
وأنتم يا طلاَّبَ الشيخِ وأعوانَه؛ لا نقولُ غابَ البدرُ وأفَل، وذهبَ نورُه، ولكن نقول: لقد امتدَّ شعاعُ الأصل في فُرُوعِه حتى عمَّ نورُها، فإن غابَ ذلك البدرُ النيِّر ففي سِتْرِ نوركم المستمدُّ من أصله، فارفعُوا رايتَه، وَاجْلُوا مرآتهُ، وتَمِّمُوا وعَمِّمُوا، وأجمِعُوا وصَمِّمُوا، أصلحكم الله بصلاحِه، وأنجحكم بفَلاَحِه.
ويا أرضَ الجزائر الحبيبة؛ إنَّكِ استأثرتِ من أمجادِ الإسلام عِصابَةً تَفرَّدْتِ بها دونَ الأصقاع، وافتخرتِ بها على جميعِ البقاع، كان «ابنُ باديسَ» شارةَ شَرَفِها، وطُغْرَاءَ عِزِّهَا، وقام عليها مِن أقرانِه وأعوانِه مثلُ الهالةِ حولَ البَدر، وما زالت تضُمُّ إليها جِنسَها مِمَّن أضاؤُوا بنورِ الإسلام أرجاءَكِ، وزيَّنوا بأمجادِهم أرضَكِ وسماءَك، فكان إبراهيمُ بيُّوض آخرَالفراقد أوبة، لأنَّه كان أطيبَها عنصرًا وأبعدَها أثرَا، وعاد إلى أصلِهِ بعد أن عمَّالضياء أنحاءَ الصَّحراء ...
رحِمَ اللهُ شيخَنا الكريم، ورزَقَنا برَكَتَهُ، ونفعنَا بعلمِه، ولا أعْدَمَنَا أمثاله، والسلام عليكم ورحمة الله. (1/306)
صفحة 295
ذِكرُك البلسمُ الشافي
الدكتورمحمد صالح ناصر
القرارة ـ الجزائر
يَا رَحمةَ اللهِ حُلِّي عند وَادِينَا ... وَعانِقِي البِشْرَ زَهْرًا في رَوَابِينَا
وقَبِّلِي النخلَ في وَاحاتِنَا فرحًا ... طلْحًا نضِيدًا، وشَهْدًا مَالَ عُرْجُونَا
ورَاقِصِي القَلبَ مسرورًا بفطرتِهِ ... يَحُوطُهُ الدِّفْءُ فِي الأهْلِينَ مَيْمُونَا
وَرَوِّحي النفسَ ذِكرًا في مَسَاجِدِنَا ... وَبَارِكِي العِزَّ في أرجَاءِ وَادينَا
الغَيثُ، والأمنُ، والأعراسُ بهجتُنا ... َ ... والحمدُ والشكرُ لِلرَّحمنِ حَامِينَا
وَنِعمَةُ الدِّينِ تاجٌ فوقَ مَفرقِنَا ... لِتَرفَعَ الَهامَ إِعزازًا وتَمْكِينَا
وَوَحْدَةُ الصفِّ تُرسِينَا وتَجمَعُنَا ... فِي مَوكبِ الخيرِ حُجَّاجًا مَيامِينَا
شبَابُنا أنجُمٌ زهراءُ في أَلَقٍ ... وَشِيبُنَا هالةٌ بالنُّورِ تهْدِينَا
فَإِنْ دَجَى الليلُ يُعْمِينَا بِحُلْكَتِه ... أنارنَا النورُ مِنْ أَلْطافِ بَارِينَا
- - -
لاَ يَعرِفَ الظلمُ دارًا في محلَّتِنَا ... وليسَ نَقْبَلُ جبَّارًا يُعادِينَا
ومَنْ يُرِدْ سَفَهًا في ظِلِّ وَاحتِنَا ... رميْنَاه مِثلَ النَّوَى فالتَّمْرُ يَكفِينَا
ومَنْ يُرِدْ سَكَنًا فِي فَيْءِ واحتِنَا ... يُلاقِهِ الودُّ أَعْنابًا وزَيتُونَا
لاَ نُشعِلُ النارَ إِلا للضُّيُوف أَتَوْا ... حُسنُ الضيافَةِ موصولٌ بِمَاضِينَا
علَى الحضارةِ شِدْنَا أُسَّ نهضَتِنا ... عِلمًا وَمَالاً وتحصِينًا وتَحْسِينَا (1/307)
صفحة 296
هذَا هُو النَّهجُ موصولٌ بِمَنْبَعِهِ ... مِنْ حَوضِ أحمدَ، يَسْقِينا فَيُروِينَا
هَذِي القرارةُ يَا ربَّاهُ، فِي فرحٍ ... تُجدِّدُ العهدَ بالقرآنِ مَقْرُونَا
فكُلُّ بيتٍ تَراتِيلٌ وموعظةٌ ... وكُلُّ دَاعٍ إِلى لُقْيَاكَ يَدْعُونَا
أنتَ المجُيبُ عَقَدنَا فِيك دَعْوتَنَا ... فَأشرَقَ النورُ فَجْرًا فِي دَيَاجِينَا
لُذْنَا إليكَ وموْجُ الظلمِ مُصْطَخِبٌ ... فَسُقْتَ مَركبَنَا لِلشَّطِّ مَأْمونَا
أُبْنَا إليكَ، عثَرْنَا فِي مَعَاصِينَا ... أَقَلْتَ عَثْرتَنَا بالعفْوِ تُؤْوِينَا
نُحْنِي الجِبَاهَ تَسَابيحًا وَمَعْذِرة ... فَليسَ إِلاَّ كَ فِي الإِعذَارِ يُنْجِينَا
وَحِصْنُك الأملُ الرَّاسِي لِوَحْدتِنَا ... وذِكرُك البلسَمُ الشافِي وعَافِينَا
فكلُّ خصمٍ وإن أشقَى بِمحنتِهِ ... يُزَوِّدُ القلبَ إِيمَانًا بِقَاضِينَا
تبارَكَ العدلُ ربِّي، ليسَ يُعجِزُه ... طَاغٍ تَفَرْعَنَ بالسُّلطانِ مَجْنُونَا
وكلُّ بدرِ سَمَا لم تَهْدِ طلعتُه ... ما لمْ يكنْ قَبَسًا مِنَ نُورِ مُهْدِينَا
كَمْ ذَا مَنَحْتَ عطايًا لا نُقَدِّرُهَا ... وَأنْتَ مَوْئِلُنَا يَا ربِّ فَاكْفِينَا
أنْتَ الرَّحِيمُ، فَلا تَقْطَع مودَّتَنَا ... أنْتَ العَفُوُّ، فَلاَ يُغضِبْكَ شَانِينَا
ثبِّتْ عَلَى الحقِّ خُطْوَاتٍ تُنِيرُ لَهَا ... بِنُورِ وَجْهِكَ للجنَّاتِ تَهْدينَا
القرارة؛ صباح الجمعة؛ 27 مارس 2015
- - - (1/308)
صفحة 297
الرَّائدُ المغمُور! (1)
(في رثاء الشيخ المربِّي: صالح بن إبراهيم باجو)
أ. مسعود بن محمد بن يحيى الجعدي
وادي ميزاب ـ الجزائر
في صَمتِكَ المَعْهُودِقَد غَادَرْتَنَا ... (بَاجُو) بِغَيرِ صَحَائِفٍتَتَصدَّرُ
الحِلْمُ أنتَ، الصِّدقُ أنتَصَفِيُّهُ ... وَالصَّبْرُ أنتَ زعيمُهوالمصْدَرُ
(بَاجُو) لَكَم عَطَّرْتَنابِبَدَائِعٍ ... مِسْكُ المَعَارِفِبِالمَجَالِسِ أَعْطَرُ
وَلَكَمْ أَسَلْتَ لُعَابَنَابِحَلاَوَةٍ ... مِن خِبْئِكَ العُلْويِّدَومًا تَقْطُر
وَخَوَابِ مَجْدٍ في الحَشَاأَحْكَمْتَها ... لِغدٍ بِهَا تِلْكَ الصَّحَائِفُ تُنْشَرُ
فِيهَا المَكَارِمُ والمَقَاصِدُوالحِجَا ... والوُدُّ بالقَلْبِ المُتَيَّم يغمرُ
(بَاجَوُ) حَوَيْتَ بَلاَغةًوَشَهَامَةً ... جَارَتْكَ فِي نَظْمِ القَوَافِيأَبْحُرُ
غَمْرُ البَدِيهَةِ بِالمَشَاعِرِمُرْهفٌ ... وَالشِّعرُ مِن وَحْيِ المَقَامِمُسَطَّرُ
مَا كانَ شِعْرًا فِي الغِوَايَةِإنَّمَا ... مِن بَعْد إِلاَّشِعْرَنَا يَتَبَخْتَرُ
عَبَّدْتَ فِي دُنيَا الكِبَارِتَوَاضُعًا ... فِإِذَا خُطَى المُسْتَكْبِرِينَتَقَهْقَرُ
وَأَسَلْتَ حِبْراً فِي المَفَاخِرِبِالدُّنَى ... إنَّ المَفَاخِرَ لِلْعُلاَلاَ تُقْبَرُ
__________
(1) ـ ألقيت هذه القصيدة مساء يوم الجمعة 10 جمادى الثانيّة 1436هـ، يوافقه10 أبريل 2015م، في جنازة المرحوم شهيد التربية والتعليم: «صالح بن إبراهيم بن عمر باجو»، وأعيدإلقاؤها في تأبينه بمعهد الحياة في القرارة مساء يوم السبت 27 رجب الأصم 1436هيوافقه16 ماي 2015م، بشيء من التصرُّف والإضافات. (1/309)
صفحة 298
وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَات إِلَى الَّذِي ... يُوفِي الأُجُورَ غَداًبِهِنَّ سُتَفْخَرُ
لاَ المالُ غَرَّكَ، لاَ الزَّعَامَةُفِي الوَرَى ... إِنَّ التَّعَفُّفَ قُوَّةٌلاَ تُقْهَرُ
وَصَقَلْتَ أَلْسِنَةَ الشَّبَابِبِمَعْهَدٍ ... إَنَّ الحَيَاةَ بِأَرْضِ رُسْتُمَ (1) أَزْهَرُ
عَلَّمْتَنَا فِيهِ البَيَانَفأُطْلِقَتْ ... تِلْكَ المَوَاهِبُلِلْفَضَا تَتَفَجَّرُ
وَسَقَيْتَنَا كَأْسَ البَلاَغَةِلَذَّةً ... مَنْ ذَاقَهَا يَوْمًا أَعَنْهَايَصْبِرُ؟
وَأَرَيْتَنَا مَعْنَى الثَّبَاتِوَالاِرْتِقَا ... إِنَّا عَلَى نَهْجِ المَبَادِينُنْصَرُ
أَهْدَيتَنَا مِنْ كُلِّ رَوْضٍزَهْرَةً ... فَالنَّفْسُ مِنْ دُونِ الشَّدَاتَتَحَسَّرُ
عَلَّمْتَنَا قِيَمَ التَّآخِيوَالوَفَا ... إِذْ كُنْتَ سَمْحًا فِي البَلاَلا تَثْأَرُ
هَذِي خِصَالٌ لِلْمَشَايِخِلَيْتَهَا ... كَانَتْ مَدَارِسُنَابِهَا تَتَأثَّرُ
فَلْيَحْيَ مَعْهَدُنَا الَّذِيقَدْ أَمَّهُ ... «بَاشْعَادِلٌ» (2) فِكْرٌ قَوِيمٌنَيِّرُ
غَرْسٌ أَبَى «بَيُّوضُ» إِلاَّ جَنْيَهُ ... لاَ العُنْفُ يَطْغَى، لا الشَّمَائِلُ تُكْسَرُ
الدِّينُ والتَّهذيبُقَبْلَ مَعَارِفٍ ... وَالفَرْدُ فِي عُمْقِ الجَمَاعَةِيُصْهَرُ
هَذِي خِصَالُ الخَيِّرِينَبِرَبْعِنَا ... وَالمَرْءُ بِالخُلُقِ الجَمِيلِلَيُبْهَرُ
رَغْمَ المَصَاعِبِ فِي الحَيَاةِفَإِنَّهُ ... طَلْقُ المُحَيَّا، وَجْهُهُ وَالمَخْبَرُ
جَمَعَ الإِلَهُ مَنَاقِبًافِي شَخْصِهِ ... عِلْمًا وَحِلْمًا بِالمَوَاهِبِ يَزْخَرُ
__________
(1) ـ إشارة إلى الدولة الرستمية.
(2) ـ هو شيخ «حلقة عزَّابة» القرارة الأستاذ: بكير بن محمَّد بن بكير الشيخ بالحاجالمعروف بـ (الشيخ باش عادل). (1/310)
صفحة 299
وَدُعَابَةً لِلأَهْلِقَلَّ نَظِيرُهَا ... فَنَّا وَذَوْقًابِاللَّطَافَةِ أَجْدَرُ
لَمْ تُثْنِهِ الظَّلْمَاءُعَنْ إِقْدَامِهِ ... نَحوَ المَعَالِيفِي خُطًى تَتَعَثَّرُ
كَمْ مِنْ بَصِيرٍ زَلَّ عَنْ سَنَنِالهُدُى ... ولَرُبَّ أَعْمَىبِالبَصِيرَةِ يُبْصِرُ؟!
أَنْعِمْ بِزَوْجٍ آزَرَتْهُعَلَى المَدَى ... فهْيَ الرِدَاءُ بِلُطْفِهَاوَالمِئْزَرُ
وإِذَا النِّسَاءُ عَشِقْنَأَهْلَ مَعَارِفٍ ... شَغفَ المُعَلِّمُ، لَوْ جَهَلْنَ سَيَنْفِرُ
يَا «صَالحًا» صَلُحَ الهُدَاةُبِوَعْظِهِ ... وَالصُّلْحُ خَيْرٌ، دَأبُهُ لا يَضْجَرُ
عَشِقَ القَرَارَةَ مخْلِصًا فِي عَهْدِهِ ... بِالمَعْهَدِ المَحْبُوبِكَمْ يَتَأثَّرُ!
وَإِلَى مَعَادٍ رَدَّهُ المَوْلَىلَّذِي ... فَرَضَ الكتاَبَبِآيِهِ نَتَذَكَّرُ
ثَبِّتْهُ بِالقَوْلِ الصَّحِيحِإِلَهَنَا ... وَارْزُقْهُ فَضْلاً فَوْقَ مَا نَتَصَوَّرُ
فَاهْنَأ قَرِيرَ الْعَيْنِيَا رَمْزِ الصَّفَا ... وامنُنْ بَأَجْرٍ فِي القِيَامَةِيَكْبُرُ
ولقد أتَمَّ النَّهْجَ بَعْدَكَ «مُصْطَفَى» ... وَبِالاِقْتِدَا بِالخَيِّرِينَسَنَعْبُرُ
- - - (1/311)
صفحة 300
الحوار والتواصل
وأثرهما في المجتمع المسلم
الطالب: إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علواني
ماستر كلية العلوم الاجتماعية والإسلامية
جامعة الحاج لخضرباتنةـ الجزائر
tafoura47@gmail.com
ا
الحمد لله أن جعل من كلمة «التواصل» كلمةَ «الوصول»، وهذا ليدلنا على أنَّ للتواصل بين فئات المجتمع دورًا فعَّالا في الوصول إلى قيادة ناجحةٍ راشدةٍ له، وجعل من كلمة «الحوار» كلمةَ «المحور»، لينبِّهنا إلى أن الحوارَ هو المحورُ والفلكُ الذي يجب أن تدور حول رَحاه أفراد أيِّ أسرة أو مجتمع (1).
إنَّ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لن تقوم لهم قائمةٌ من مجدٍ وعلوٍّ وحضارةٍ وخلافةٍ لله في أرضه إلاَّ باتحادهم كأنامل اليد الواحدة، ولذا جاء الحضُّ على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرُّق في القرآن بصيغة الأمر التي تفيد الوجوب في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ (2)، وبيَّن المقصد من هذا الأمر في آية أخرى فقال عزَّ من قائل: وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (3)، وذيَّل الآية بقوله: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ- ليشمل الصبرَ على القتال، وطاعةِ الله ورسوله، وعلى عدم التنازع، وكذا الصبرُ على تحقيق ما يستأصل شأفةَ النزاع أيضا، فدون بلوغ هذا الغرض النبيل والأمل المنشود من الانسجام والتوافُقمفاوزُ ومراحلُ لا تعزُب
__________
(1) - لا يُفهم من هذا أني أقول بتوقيفية اللغة، وإنما قصدت «بالجعل» المفهوم العام للخلق، إذ إنَّ عقيدة الإباضية أنَّ الله خالقٌ لجميع الأفعال، والعباد مكتسبون لها، كما قال الشيخ السالمي في منظومته «غاية المراد»: ... «وإنَّما الفعلُ مخلوقٌ ومُكتسبٌ ... فالخلقُ للهِ والكسبُ لِمَن فَعَلا»
(2) - آل عمران: الآية 103.
(3) - الأنفال: الآية 46. (1/312)
صفحة 301
عمن اتخذ من الحوار والنقاش الهادئِ، والمصابرة عليهما مطيّةً يجمع بها الشتات، ويلمُّ بها الفُتات، ويمدُّ بها حبال التواصل وجسوره بين مختلِف الفئات، لذا نجد الرُّسلَ الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام وهم أسوتُنا وقدوتُنا، وفي مقدمتهم الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ـ قد حازوا قصَب السبْق في ذلك، ويشهد لهم القرآن الكريم بذلك في أكثرَ من موضع، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - يحاور قومَه ويناقشهم بالحجَّة الساطعة والبرهان البَيِّن، دون أدنى تعصُّب أو ضجَرٍ من الحوار، بل لم يمنعه شركُ والده من الدعاء له وندائه له بنداء الأبوَّة. ولنا في قصَّة يوسف - عليه السلام - أيُّما عبرةٍ في حواره مع صاحبَيْ السجن، ومحاولة إقناعهم بوحدانية الله. وكذا ما وقع بين سيدنا موسى - عليه السلام - وفرعون؛ إذ رغم ادِّعائه للربوبية واستضعافِه لبني إسرائيل، يأمره المولى عزَّ وجلَّ بالحوار الهادئ الليِّن في قوله: اَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) (1). ولعلَّ المثال أجلى وأوضح، وأبلج وأصرح، حينما نوجِّه تأمُّلنا إلى خاتم الأنبياء والمرسلين وما كان من تعامله مع مشركي مكَّة، ضاربا لنا أروع مثال للتجرُّد من أيِّ خلفيَّة في الحوار والنقاشوالمحاجَجَةِ، فقال الله تعالى مبيِّنا هذا في القرآن الكريم: قُلْ مَنْ يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّآ أَوِ اِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى اَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (2)، ومحلُّ الشاهد، أنَّه - عليه السلام - أقرَّ لنفسه احتمالَ كونه في ضلال عند محاججته للمشركين رغم علمه القاطع بأنَّ ما جاء به هو الحق، ولا أدلَّ على إمعان الرُّسل عليهم الصلاة والسلام في الحوار والمناقشة من قول قوم نوح لنوح - عليه السلام -: قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا (3)، وهذا لِما رأوا عليهم السلام في الحوار من نجاعة. فسلطان الكلمة الطيبة الحسنة على النفس ليس له من رادع إلاَّ الجحود والإنكار والموت القلبي، كما قال الله تعالى في محكم تنزيله مخاطِبا رسوله الكريم: فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ اِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (4).
__________
(1) - طه: الآيتان 44،43.
(2) - سبأ: الآية 24.
(3) - هود: الآية 32.
(4) - الروم: الآية 52. (1/309)
صفحة 302
إنَّ بناء أيَّ مجتمع أو أسرة يتطلَّب التواصل بين مكوِّناته وأجزائه، تماما كالإسمنت الذي يرصُّ ويشدُّ من لَبِنات البنيان، ويحُول دون أن تهدَّها الرياحُ العواصف، أو أن تجرفها السيولُ القواصف، ووصف التماسك الاجتماعي شاعر فقال:
كم في التوحُّد من خيرٍ ومنفعةٍ ما مسَّ مجتمعًا إلاَّ ارتقى وسمَا
كالطودِ في شَمَمٍ لولا التلاحُمُ في أجزائِه كتَلاً ما شكَّل القِمَمَا
والذي يدعونا إلى تكوين شبكة التواصل في المجتمع هو الواقعُ السائر وَفقَ سنن الله؛ إذ ركَّب الخالق عزَّ وجلَّ في بني الإنسان غريزة التناسل، وهذا بدوره يؤدِّي إلى تعدُّد الأجيال وتداخلها، كما أنَّه تعالى جعل الناس طبائع ومعادن، وخصَّ كلَّ فرد من الأفراد بنمط تفكير معيَّن، فتنوَّعت الثقافاتُ ووِجْهات النظر بينهم، واختلفت العقول والقرائح، وهلُمَّ جرًّا في أسباب التباينالمركوزة في بني البشر. فكلُّ هذا وغيرُه يسعى بنا سعيًا حثيثا إلى تأسيس قاعدة حوار توفِّق بين هذه الاختلافات، وتقوِّي من الروابط والائتلافات، فجمال الثوب في تعدُّد ألوانه إذاما كانت متناسقةً فيما بينها، وهذا بين المسلمين أولى وأحرى؛ إذ يملكون أهمَّ عامل مشترك بينهم، وهو وَحدة الدين والعقيدة التي تَصدُر عن منبع ومنهل مشتركٍ وهو الكتاب والسنَّة، ولله ذرُّ الشاعر أحمد شوقي حينما نعت المسلمين بالسُّبات والتخبُّط في الظلمات ونورُ القرآن الكريم والسنَّة الشريفة بين أيديهم، فقال مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم:
شعوبك في شرقِ البلاد وغربِها ... كأصحابِ كهفٍ في عَميقِ سُباتِ
بأيمانهم نُورَانِ ذِكرٌ وسُنَّةٌ ... فما بالهم في أحلكِ الظُّلُماتِ؟
لقد جنى المجتمعُّ الإسلامي جرَّاء إهمال عنصرِ الحوار فيما بينهم، وفيما بينهم وبين غيرهم من الأمم الأخرى خِزيا وتناحُرا وتفرُّقا لا يُحسدون عليه، ويظهر ذلك بشكل جليٍّ في الوضعين الداخليِّ والخارجيِّ، ففي الوضع الخارجيِّ نجد علاقاتِ الدول الإسلاميَّة سيئةً ومتوتِّرة مع غيرها من الدول، ولا شكَّ أنَّ لانعدام الحوار الهادف الحكيم نصيبَ الأسد في التأجيج من لهيب هذه المشكلة، وهي ليست موضع حديثنا في هذا المقام. وأمَّا آثار غياب الحوار في الوضع الداخليِّ للمجتمع المسلم فهي كثيرةٌ، لا (1/310)
صفحة 303
تُعدُّ ولا تحصى، وتُقتفى فلا تُستَقصى، والذي يقضُّ المضجع أن نجد التفكُّك الأسريَّ ضاربا أطنابه وأوصاله في أغوار المجتمع، كما يلفت نظرنا بشكل مريع تلك الهوَّة السحيقة بين الشباب والشيوخ، والآباء والأبناء، والعصاة والصالحين، وبين الراعي أيًّا كان موقعه والرعيَّة، فانقسم المجتمع بذلك إلى قِطع غيارٍ لا تتناسب وهيكلَها، فكلُّ فِرقة في واد تهيم، ولا غرابة حينئذٍ أن نجد في أمتنا ترِكةً ثقيلةً من الشباب الضائع، تلك التركة التي يتَّسع خرقها على راقعها يوما بعد يوم.
إنَّ أهمَّ إفراز أنتجه عدمُ التواصل والحوار ذلك الانفصامُ الكبير في الدروس والمواعظ بين الكلام النظري والواقع المعيش، إذ أصبح الفرد المسلم لا يجد حاجته وبغيته فيها، من حيث إنَّ هذه الدروس تُلقى من برج عاجي لا تمتُّ إلى الواقع المعيش بصِلَة. فأيُّ معالج لظاهرة عدم عمارة المساجد لا بدَّ وأن يتطرق إلى هذه المشكلة العويصة ويبحثَ في حلِّها، ليجد في الأخير أنَّ المنبع الرئيس والذي تنبثق عنه هذه المعضلةُ ـ مسألةُ الانفصام ـ هو الغيابُ الفادح الفاضح لثقافة الحوار والتواصل بين هيئات المجتمع على وجه العموم، وبين المرشد والرعيَّة على وجه الخصوص، ولهذا اشترط العلماء في المجتهد الفقيه لصحَّة اجتهاده «فقهَ النفس» ويقصدون بها الملكة الفقهية، وفقه الواقع.
اعلم أخي المسلم أن لا مناص لنا ولا خلاص من المشاكل الاجتماعية إلاَّ بالرجوع إلى منهج ربنا سبحانه وتعالى، والذي سارت على وَفقه الرسل عند تبليغهم الدعوةَ التي أرسلوا بها، والمتمثل في الحوار والمناقشة بكل ما يحفُّهما من آداب وضوابط تحقق المعنى الحقيقي للأخوَّة الإسلامية والرابطة الإيمانية؛ كالحكمة والروية والجدال الحسن، وفي هذا الصدد يقول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ (1)، وقوله: وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) (2)، ويعضِّدُ معنى
__________
(1) - النحل: الآية 125.
(2) - فصلت: الآية 34. (1/311)
صفحة 304
هاتين الآتين قولُ النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» (1)، وقول الشاعر الحكيم وهو يدعو إلى اللين اللطافة في التعامل:
كن ليِّنًا في النَّاس واحذَر أن تُرى فَظَّ الطبيعة إنه لم يَحْسُنِ
وانظُر إلى الأكحالِ وهي حِجَارَةً لانَت فصَارَ مَحَلُّها في الأعْيُنِ
وكفى دليلا على أهمِّية الحوار وقيمته محاورةُ المولى عز وجل لإبليس اللعين، فرغم تكبُّره واستنكافه عن طاعة أمر الله في السجود لآدم عليه السلام، إلاَّ أنَّ الله لم يحْرِمه فرصةَ الحوار والإبانة عن سبب العصيان، بل أكثر من ذلك، فقد أجاب طلبه في أن يُنظِره إلى يوم البعث، وهكذا يعلِّمنا ربُّنا أن لا نُقصيَ أحدًا من دائرة الحوار مهما قبُح عملُه وسمُج، لأنَّ الحوار كقيمة إنسانيَّة فوق كلِّ انتماء واعتبار.
إنَّ للحوار في أدبيات العلم الحديث مكانَه وموقعَه الرفيع، ألا ترون معي أنَّ العلاج الطبيَّ نفسيًا كان أم عضويًّا يحتاج إلى فن الحوار احتياج المريض للدواء، إذ أولى له الباحثون في المجال النفسي وفي أساليب التربية كلَّ اهتمامهم، كما أصبح هذا الفن من معايير القبول في مؤسَّسات التوظيف، وبخاصَّة التسويقيَّة منها، كما يعتبر معيارا أساسا للنجاح في مسابقات الدكتوراه والتعليم. وما الحوار في حقيقته إلاَّ استعمال لنعمة اللسان فيما وُضعت له كالكلام الطيب، والذكر، والإصلاح بين الناس، ومبادلة الخبرات، فلا يخرج الحوار في أهدافه عن هذه الأغراض النبيلة، وما أروع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الشاب الذي قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متلهفا يستأذنه في الزنا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أترضاه لأختك، فقال: لا، فقال عليه السلام: كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم، ثم قال له: أترضاه لأمك، قال الشاب: لا، فقال له: كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم يده على قلب ذلك الشاب ودعا له» (2)، فيقول ذلك
__________
(1) - متفق عليه.
(2) - الحديث مروي في مسند أحمد، رقم 22112، 16/ 236. (1/312)
صفحة 305
الشاب: ما دخلت في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ وأحبُّ شيء إليَّ الزنا فما قمتُ من عنده إلاَّ وأبغضُ شيء عندي الزنا (1). ولم يكن الشاب في نظري إلاَّ مُعربا عن أثر دعاء الرسول له، وعن أثر ذلك الحوار وبلوغه مبلغه في نفسه. قال الدكتور محمد المعمري معلِّقا على الحديث: «وهكذا فتح رسول الله للشاب ذهنه وبصيرته على معانٍ كان من فرط جهله قد غفل عنها، هكذا بتربية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلو قوبل ذلك الشابُّ بالغلظة وبالفظاظة، وفتك به الصحابة الذين كانوا يغارون على حدود الله جلَّ وعلا، لكان هذا الشابُّ له شأنٌ آخر، ولكن الرحمة والشفقة والمعاملة الطيبة، والجدال بالتي هي أحسن، وبالتدرُّج في بيان الطريق المستقيم، كان لكلِّ ذلك أثره الطيب في نفسية ذلك الشاب» (2).
وأختم القول بأنَّ الشواهد على قيمة الحوار وأهميته كثيرة، والأهم في الموضوع أن يوطّن الإنسان نفسه على ثقافة الحوار، إذ هو فنٌّ حضاريٌّ يدلٌّ على رفعة قدر صاحبه وحصافته ورجاحة عقله، على أن هذا الأمر مطلوبٌ في هذا العصر أكثرَ من أيِّ عصرٍ مضى، هذا العصرِ الذي اندثرت فيه لغةُ الشدَّة والعنف في التربية وفرْض الآراء، لأنَّها لم تعُد مجديةً، وحلَّت محلَّه لغة الإقناع بالحجة والبرهان والنقاش العلمي الدقيق الرفيق، فحريٌّ بساسة المجتمع وقادته وبكلِّ مسؤول عن رعيَّته بدءًا من الأسرة، وانتهاءً عند رئاسة الدولة، أن يعوا هذه الحقيقة حقَّ الوعي، فيفتحوا قنواتِ التواصل والحوار، والتي بدورها تُفعِّل كلَّ طاقات المجتمع بكل عناصره ومكوّناته، شيبا وشُبّانا، ذكورا وإناثا. ولن يكون لهذا التواصل من معنى إذا لم نتَّخذ من مقولة الإمام الشافعي «رأيي صوابٌ يحتملُ الخطأ ورأيُ غيري خطأٌ يحتمل الصواب» دستورًا لنا، فيعضُدُ بعضُنا بعضًا فيما اتَّفقنا فيه، ويعذُرُ بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، كيف
__________
(1) - محمد المعمري، أدب الدعوة، ص14 (المكتبة الشاملة).
(2) - المرجع نفسه، ص14. (1/313)
صفحة 306
لا وأرجى آيةٍ في القرآن الكريم (1) كما قال أبو بكر الصديقُ - رضي الله عنه - قولُه تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمُ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً (2)، وبذلك ستتناسق الجهود وتتساوق، وبخاصَّة بين الشباب بفتوتهم وقوتهم، والشيوخ بحكمتهم وتجربتهم، كما قال شاعر وهو يصف الشباب:
فهُم كنهر ٍ دافقٍ متفجِّر يسخو بماء طيِّب كزلالِِ
إن لم يجد عقلَ الشيوخ سواقيا فالنفع منه يُعدُّ ضرب خيالِ
جعلنا الله من المهتدين سبيلا، المكثرين فعلا المقلِّين قيلاً، نسأله أن يحلَّ فينا الإلفة حتى نجيب داعي الوحدة بيننا، ويجعلنا من حزبه أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلآَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (3)، والحمد لله رب العالمين.
- - -
__________
(1) - رجَّح الشيخ بيُّوض في تفسيره «في رحاب القرآن» قول الإمام عليٍّ كرم الله وجهه في أنها قوله تعالى: قُلْ يَاعِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - الزمر: الآية 53.
(2) - الإسراء: الآية 84.
(3) - المجادلة: الآية 22. (1/314)
صفحة 307
رسائل جامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الفكر اللغوي في عمان من خلال:
شرح مقاليد التصريف
للشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي
(دراسة وتحقيق)
ا
التأمت بقاعة صالح القرمادي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة تونس الأولى اللجنة العلميَّة لمناقشة أطروحة دكتوراه دولة، المتقدم بها الباحث محمد بن سالم بن عبدالله الحارثي من سلطنة عُمان، وذلك برئاسة أ. د خالد ميلاد، وعضوية كل من: أد. المختار كريم (مشرفا)، ود. سامية الدريدي (عضوة)، د. المنصف عاشور (مقررا)، د. محرز أبو دية (مقررا). وبمشاركة لفيف من الأساتذة والباحثين وطلبة العلم، وعلى رأسهم أ. د فرحات الجعبيريشيخ الإباضية بتونس.
عالجت الأطروحة موضوع «الفكر اللغوي في عمان من خلال: شرح مقاليد التصريف للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، دراسة وتحقيقا»؛ وذلك عبر عمل يقع في: ثلاثة (3) مجلدات من القطع الكبير. استهلَّ الباحث اللقاء بشكر اللجنة العلمية على الجهود المبذولة، مقدرًا رعاية الجامعة لهذا العمل، وانتظامه في سلاكة الأعمال المجازة للمناقشة. (1/315)
صفحة 308
بعدها قدَّم الباحث استعراضا وافيا حول حدود الدراسة، والصعوبات التي اعترضته في سبيل إنجازها، ومسوغاتها العلميَّة، ومشتملاتها الموضوعيَّة، ليخلص في نهاية المطاف إلى أهمِّ النتائج والتوصيات التي خرجت بها.
ثم أتيحت الفرصة لأعضاء لجنة المناقشة، الذين أبدوا -بعد تسجيل الارتياح الشديد والإشادة بالعمل والجهد المبذول فيه - آراءهم وتوجيهاتهم، والأفكار المعززة للعمل، وآفاق المساهمة المتوقعة من الباحث مستقبلا.
بعد مداولات ونقاشات علميَّة مستفيضة استغرقت حوالي: خمس (5) ساعات تقريبًا، استقرَّ رأي اللجنة في جلسة علنية حضرها المشاركون والأطر الإدارية والأكاديمية بالكلية على منح الباحث درجة الدكتوراه في اللغة والآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بمرتبة: «مشرِّف جدًّا».
أولا) خطَّة العمل:
تتضمَّن الأطروحة بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة قسمين اثنين: الدراسة والتحقيق؛ في مقدِّمة العمل عرض الباحث للحديث حول مكانة المؤلف وقيمة كتابه في سياقه العلمي والتاريخي؛ وقال:
«يحتل كتاب شرح مقاليد التصريف للشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1287هـ) مكانة سامية في قلوب الدارسين والباحثين، وطلبة العلم في عُمان؛ لِمَا لِصَاحِبِهِ (رحمه الله) من منزلة، ولما تضمَّنه كتابه من فوائد عظيمة، ودقائق جليلة، قلَّ أن تجد مثلها لمؤلف عُماني في حقبة ذلك الشيخ الكبير، الذي يُعَدُّ كتابه هذا عَلَقَة في منظومة الكتب التي ألَّفها الإباضيَّة في المشرق العربي، ويقابله في المغرب كتاب شرح لامية الأفعال للقطب محمَّد بن يوسف بن عيسى اطفيش الإباضي اليسجني الميزابي (ت 1332هـ)، والذي وضعه رغبة منه في خدمة علم الصَّرف بشرح لامية الأفعال للإمام محمد بن عبدالله بن مالك (ت 672هـ)؛ مشاركة منه في جهود من تقدَّمه من العلماء الذين عنوا بها، شرحًا وتحليلاً، ودراسة وتحقيقًا، ومن بين هؤلاء: بدر الدِّين محمد المعروف بابن النَّاظم (ت 686هـ)، وأبو عبدالله محمد بن عبَّاس التلمساني، (1/319)
صفحة 309
المسمَّى شرحه: (تحْقِيقُ الْمَقَالِ وتَسْهِيلُ الْمَنَال)، والذي فرغ منه سنة (851 هـ)، ومنهم كذلك: محمد ابن عمر الحضرمي، الشهير ببَحْرَق (ت 930هـ)، وهذا الأخير قد اعتمد العلماء شرحه، وتلقَّاه المتخصِّصون بالقبول، وجرى عندهم كما جرى شرح ابن عقيل (ت 769هـ) عند الناس، وقد عوَّل على كتابه الموسوم بِ (فَتْح الأقْفَال وحلِّ الإشكَال بِشَرْح لاميَّة الأفعال، المشهور بالشَّرح الكبير) الخليليّ في كتابه اعتمادًا كبيرًا، كذلك كتابه الآخر المعروف بِ (الشَّرح الصَّغير)، الموضوع فيما بعد عونًا للمبتدئين، الرَّاغبين في دراسة هذا العلم».
ثم سجَّل الباحث ملاحظة جديرة بالاهتمام؛ بخصوص تعالق الأدبيات المشرقية بالمغربيَّة، والجهود المبذولة من قبل العلماء في كلٍّ من عُمان والجزائر؛ يقول: «اللافت للنظر أنَّ كلاًّ من الخليلي والقطب ـ المذكور سابقًا ـ قد قاما بعمل مختصر في علم الصرف؛ تسهيلاً منهما لطلبة هذا الفنِّ حين استصعبوا ارتقاءه، الأول سمَّاه المشرقي: «التيسير في شيء من الصرف اليسير»، والثاني سماه المغربي: «الكافي في التصريف»، وذان الكتابان من الأهميَّة بمكان؛ فالموضوع فيهما واحد، وطريقة العرض متشابهة إلى حدٍّ ما، وقد خرجا في وقت متقارب ـ كما يظهر لي ـ؛ من عالمين كبيرين، الأوَّل يمثِّل إباضيَّة المشرق، والآخر يمثِّل إباضية المغرب».
وفي معرض تعليل اهتمامه بمقاليد التصريف تحديدا يقول: «لقد كُلِفْتُ بقراءة هذا الكتاب منذ وقت طويل، فوجدت فيه ضالَّتي؛ جلأنَّه كتاب جامع لمسائل مختلفة، مقيِّد لشوارد متباينة، يُعْنَى بدراسة كثير من الظواهر النحويّة، والصرفية، والصوتية، ويعالج مستويات لغوية مختلفة، بأسلوب يجمع فيه المؤلِّف بين العمق والبساطة، والجدَّة والمتعة؛ العمق في معلوماته، والبساطة في تقديمها لطالب العلم .. الجديَّة في لغته التي نثر بها منظومته، والمتعة فيها، وكان إلى ذلك كلّه ينظِّم المعلومة بأسلوب ينمُّ عن وضوح المسائل في ذهن صاحبها، ويقدِّمها بطريقة تميل إلى الإيجاز والاختصار، ويبدي عند عرض الآراء رأيه بوضوح وصراحة، ويعرض موضوعات جانبية تتعلَّق ببحثه بعجالة وابتسار، معتمدًا على مصادر أصيلة أحيانًا، وعلى ما تمليه الذاكرة أحيانًا أخرى، ثمَّ (1/320)
صفحة 310
لأنِّي رأيت الكتاب المطبوع سنة (1407 هـ/ 1986م) في ثلاثة أجزاء، على نفقة وزارة التراث القومي والثقافة، بوساطة مطبعة دار إحياء الكتب العربية لصاحبها فيصل عيسى البابي الحلبي، رأيته بالرَّغم من الجهود الكبيرة التي بذلت في سبيل إخراجه بصورة مرضية قد مُلئ بأخطاء جسيمة تزعج القارئ، وتصرف النَّص عن الصُّورة الصحيحة التي أرادها المؤلِّف، وتوقع المتعلِّم في مزالق كثيرة تحملني على التصدي لها ـ وإن كنت لست هناك ـ، ولكن لمَّا وجدت إخواني يكِعُّون عن خوض غمرات هذا الكتاب، ويتهيَّبون تسنُّم صهوات مسائله، استجبتُ لدعوات كثير من الأساتذة والعلماء؛ كيما يخرج هذا العمل بطريقة علميَّة تُرضي المؤلِّف، وتعين المتعلِّم».
ويشرح طريقته في العمل، وخطته قائلا: «طفقتُ ابتداء أبحث عن نسخ للكتاب، واعتمدتُ ما وُفِّقت إلى الحصول عليه، وعكفتُ وقتًا طويلاً أقابل وأُلفِّق بين تلك النسخ، وأثبت الاختلافات الواردة، والسَّقط، والزيادة في الهوامش، ثم أتبَعتُ ذلك كلَّه بتقويم المتن، وضبطه بالشَّكل، وتزويده بعلامات الترقيم، ثمَّ فسَّرت بعض المفردات التي لم يشرحها المؤلِّف، ونبَّهت إلى التي وضَّحها أخذًا من المعجمات العربية، وحاولت إحالة النُّصوص إلى مصادرها قدر المستطاع، وعلَّقت على ما يحتاج إلى تعليق، ودعمت بعض القواعد بالأمثلة، وخرَّجت الشواهد، وترجمت للأعلام، ثمَّ قمت بعمل دراسة للكتاب جعلتها القسم الأوَّل لهذا العمل، وقد جاء في فصلين اثنين، الأوَّل: ترجمة للمؤلِّف، اشتملت على الآتي:
1 - اسمه ونسبه.
2 - كنيته ولقبه.
3 - مولده ونشأته.
4 - شيوخه وتلاميذه.
5 - جهوده وجهاده.
6 - صفاته وأخلاقه.
7 - آثاره العلمية.
8 - وفاته. (1/321)
صفحة 311
والثاني: دراسة للكتاب، اشتملت على أحد عشر مبحثًا، هي:
1 - عنوان الكتاب، والتَّعريف به.
2 - توثيق نِسْبَة الكتاب إلى الخليلي، وسبب تأليفه.
3 - أرجوزة مقاليد التَّصريف.
4 - محتويات الكتاب.
5 - منهج المؤلف فيه.
6 - شواهده، ومصادره.
7 - مذهبه النَّحوي، وموقفه من العلماء.
8 - ملاحظات على مقاليد الخليلي.
9 - الأسباب الداعية إلى تحقيق الكتاب.
10 - وصف النُّسخ.
أمَّا القسم الثاني من العمل فخاص بالمتن المحقَّق، وقد أتبعه الباحث بفهارس فنية للآيات القرآنية والأحاديث والشواهد الشعرية والألفاظ اللغوية والأعلام والقبائل والأمكنة، والكتب الواردة في المتن، إلى جانب المصادر والمراجع التي اعتمد عليها لإخراج هذا العمل بالصورة العلمية المقبولة.
أخيرا اشتملت الخاتمة على أهمِّ النتائج التي توصل إليها الباحث، والتوصيات التي رآها مناسبة.
ثانيا) منهج العمل:
اعتمدت الدراسة في القسم الأوَّل على المنهجين: التاريخي والوصفي معًا؛ حيث رأى الباحث أنَّ الاعتماد على منهج واحد لا يفي بالغرض؛ فترجم في الفصل الأوَّل لمؤلف الكتاب، وقدم لمحة موجزة عن حياته، وذلك بالاعتماد على المنهج التاريخي القائم على الاستقراء والتحليل، وفي الفصل الثاني الذي تناول الكتاب فيه بالدراسة اعتمد على المنهج الوصفي التحليلي.
أمَّا القسم الثاني من الأطروحة (التحقيق)، فقد طبَّق الباحث فيه منهجية (1/322)
صفحة 312
التحقيق المتَّبعة؛ وقد تمثل عمله بهذا القسم في الآتي:
1 - قابل بين النُّسخ التِّسع التي اعتمدها، مبيِّنًا الصَّواب، ومثبتًا ما هو أولى في المتن مع الإشارة إليه، والإشارة إلى التَّغييرات في الحاشية، واعتبار الأقرب إلى الصِّحة.
2 - حرص على إخلاء المتن من الأخطاء الإملائية، والنَّحوية، والصَّرفيَّة، وتجريده من التحريف قدر المستطاع.
3 - خرَّج الآيات الكريمة، والأحاديث النَّبوية، والشَّواهد الشِّعريَّة، وحاول ضبطها، وتصويبها، وإكمال النَّقْص، والإشارة إلى ذلك في الحاشية، ونبَّه إلى مصادر الشَّواهد، معتمدًا في تخريجها على بعض الكتب النَّحوية المحقَّقة، ومعاجم الشَّواهد، والدواوين الشعرية والأدبية المختلفة.
4 - أحال النُّقول التي اعتمدها المؤلِّف إلى كتبها الأصليَّة: معجميَّة كانت، أم نحويَّة، أم صرفيَّة، وهكذا، قدر الجهد، والاستطاعة.
5 - أثبت تحت كلِّ عنوان من عنوانات المؤلِّف المصادر الممكنة لبحث الموضوع، خصوصًا تلك التي اعتمدها المؤلِّف: كشرح اللامية، وشرح المرادي، وبعض الكتب الأخرى التي حضرت وقت التحقيق، والتي عالجت جوانب من الموضوعات التي عرض لها الكتاب.
6 - ضبط الأرجوزة، والشَّرح، والشَّواهد، وبعض التعليقات المهمَّة، المشتملة على بِنَى صرفيَّة بالشَّكل، علمًا بأنَّ النُّسخ التي اعتمدها كانت تضبط الأرجوزة فقط، وكانت تضبط في بعض الأحيان البنَى الصَّرفيَّة، والكلمات الغريبة، وقد وقع في كثير من ضبط النُّسَّاخ أخطاء، وتجاوزات، واختلافات ظاهرة، نبه إليها، وحاول جاهدًا التَّحقق من صحَّة الشَّكل فيها.
7 - فسَّر الكلمات التي لم تشرح، ونبَّه إلى موضع الكلمات التي شرحها المؤلِّف من القاموس للفيروز آبادي بالصَّفحة، وأكمل بعض ما ذكره المؤلف أخذًا من القاموس، وأشار إلى أرقام الصَّفحات التي احتملت المادة التي يذكرها المؤلِّف أو يشرحها. (1/323)
صفحة 313
8 - ترجم للأعلام المذكورين في المتن، وذكر الكتب المترجمة لهم بالجزء والصَّفحة.
9 - علَّق على بعض القضايا المُحْوِجَة إلى تعليق، وأوضح بعض المبهمات، وشرح بعض العبارات، وأكمل النَّقص في بعض المواضع، وضرب أمثلة أخرى للأفعال في الحاشية أحيانًا.
10 - اعتنى بعلامات التَّرقيم، فأورد المهمَّ منها، ووزَّع الفقرات توزيعًا ييسِّر فهم المادَّة، وفرَّق بين بعض العبارت؛ كيلا يقع الخلط فيها، ورمز داخل النَّص برموز وعلامات كثيرة؛ تيسيرًا للطَّالب، وتسهيلاً له، وضبطًا للمتن.
ثالثا) الصعوبات التي واجهت الباحث:
تتمثَّل الصعوبات التي واجهت الباحث أثناء العمل في الآتي:
1 - الاعتماد على أكثر من مخطوطة أثناء المقارنة، الأمر الذي استلزم منه جهدًا مضاعفا أثناء العمل.
2 - عدم وجود دراسات علميَّة مستقلَّة، تكشف عن حياة المؤلِّف، الأمر الذي ... اضطره للبحث عن حفدة المؤلف وذويه، والسفر إليهم في مواطن سكناهم؛ لمزيد من استيفاء الدراسة الخاصة بترجمة المؤلف حقها.
3 - كثرة المصادر التي يشير إليها المؤلف بالاسم، الأمر الذي تطلب منه العودة إليها جميعًا؛ للتحقق من الآراء التي يذكرها.
4 - عدم توفُّر عدد من الكتب الصرفية المهمَّة التي تستلزمها الدراسة، ويعتمد عليها في التحقيق، ما دفعه إلى طلبها من خارج المكتبات المحلية المتاحة له في بلده.
5 - قلَّة المصادر دفعته ـ في بعض الأحيان ـ إلى الاعتماد على طبعات قديمة غير محقَّقة، يعود بعضها إلى العام 1900م، وكانت طبعات رديئة، لا توجد لها فهارس، الأمر الذي كلفه الغوص في أعماق تلك الكتب؛ للظفر برأي ما في بعض الأحيان. (1/324)
صفحة 314
رابعا) النسخ المعتمد عليها في التحقيق:
اعتمد الباحث في تحقيق الكتاب على تسع نسخ؛ خمس منها موجودة بدار المخطوطات بوزارة التَّراث القومي والثَّقافة بسلطنة عمان، وهي:
• نسخة رقم: 2385، ورمز لها بالرَّمز (د).
• نسخة رقم: 3527، ورمز لها بالرَّمز (و).
• نسخة رقم: 2417، ورمز لها بالرَّمز (ز).
• نسخة رقم: 1954، ورمز لها بالرَّمز (ح).
• الكتاب المطبوع: (1407هـ/1986م)، وقد رمز له بالرَّمز (ط). وعلى نسختين من مكتبة السَّيد محمّد بن أحمد البوسعيدي بولاية السِّيب من سلطنة عمان، وهما:
• نسخة رقم: 1130، ورمز لها بالرَّمز (أ).
• نسخة رقم: 1954، ورمز لها بالرَّمز (هـ).
كما اعتمد على نسخة أخرى غير مرقَّمة بمكتبة عبدالله بن حميد السَّالمي، بولاية بديّة من شرقيَّة عمان بنسخة، رمز لها بالرَّمز (ب).
وبثلاث نسخ أخرى حصل عليها من القاضي: حسن بن خلف بن سعيد الرِّيامي، بولاية إزكي من داخليَّة عمان، وهي مصوَّرة على ما يبدو من دار المخطوطات بوزارة التراث ما عدا واحدة، رمز لها بالرَّمز (ج).
وقد اعتمد المخطوطة (أ) آنفة الذكر من بين تلك المخطوطات المذكورة لأسباب عديدة، يشخص من بينها:
• كونها أقدم النُّسخ التي عثر عليها؛ حيث نُسِخَت عام 1270 هـ.
• وضوح خطِّها، وتميُّزه، وفصل الأرجوزة بطريقة منظَّمة، وكتابة الأبيات بلون أحمر ظاهر، والشَّرح بالأسود. (1/325)
صفحة 315
• ضبْط الأبيات فيها بالشَّكل، وكذلك بعض الكلمات والبِنَى الصَّرفيَّة، ممَّا يَسَّر مُهمَّة الباحث.
• قِلَّة أخطائها، ودقَّة قلمها النسخي، وتمييزه العنوانات بمدِّها وإطالتها.
• وفرة التعليقات والإيضاحات والهوامش فيها، بخلاف النُّسخ الأخرى.
• سلامة ورقها من الحفر والخرم، أو التكسُّر الذي يحول دون الوصول إلى النَّص، إلى جانب قلَّة الطَّمس والسَّقط فيها.
خامسا) النتائج التي توصَّلت إليها الدراسة:
خرجت الدِّراسة بجملة من النتائج القيمة، وذلك على النحو الآتي:
1 - عالج مقاليد التصريف للخليلي موضوعات لغوية مختلفة: نحويّة، وصرفيّة، وصوتيَّة؛ وشمل أنواعا من التَّأليف؛ فقد بحث المؤلِّف في بداءته مسائل صرفية بحته، أتبعها بحوثا صوتية ينتظمها فنُّ التصريف، ثم أفرد للأدوات والحروف ركنًا خاصًّا بها، وجعل الرسم الإملائي خاتمة لعمله.
2 - انتهج المؤلِّف لنفسه منهجًا واضحًا في الكتاب؛ يتمثل في أنه: قدَّم له، وذكر سبب تأليفه، وموضوعه، وقسَّمه أركانا خمسة، وعنون لجزئياته عنوانات تتناسب والمحتوى، وجعله معتمدا على النظم والنثر، وشرح مفرداته الغامضة، وحلَّل أبيات أرجوزته تحليلا ينمّ عن إدارك الرَّجل وسعة أفقه وتمكنه من المادة العلمية، وأكثر من الاعتماد على المصادر الأصيلة، وأطال النَّقل، واختصر في بعض المواضع، واعتمد البساطة والإيضاح طريقة له، متَّبعًا في ذلك كلِّه أسلوبًا علميًا عمليًا، ربط فيه بين الأركان والأبواب ربطًا يدلُّ على المهارة والاقتدار.
3 - استشهد بالقرآن الكريم، والحديث الشَّريف، والشعر العربي، والأمثال والأقوال العربية، ولمْ يردَّ قراءة ولو كانت شاذّة، ولم يمتنع من إيراد شعر المولَّدين (المحدثين)، مستئناسًا به، منبهًا إلى قائله غالبًا. (1/326)
صفحة 316
4 - اهتمَّ بالقياس اهتمامًا كبيرًا، وعوَّل عليه في كثير من المسائل التي يوردها، وعلَّل، وحلَّل، وسلَّم لإجماع نحاة البلدين: البصرة والكوفة، شأنه في ذلك شأن النُّحاة المتأخرين.
5 - ظهرت شخصية المؤلِّف في شرحه المقاليد من خلال تمحيصه للآراء اللغوية، وترجيحاته النحوية، وموقفه من العلماء الذين يذكر آراءهم، أو ينقل عنهم.
تأثّر المؤلف بالمذهب البصريّ، يظهر ذلك من خلال غلبة الآراء البصرية التي تبنَّاها في الكتاب على غيرها، وهذا لم يمنعه ـ بطبيعة الحال ـ من عرض آراء الكوفيين، والموافقة على بعضها، وذِكْرِ مذاهب كثير من العلماء التابعين للمدارس الأخرى، مجاريًا مرَّة، ومتابعا أخرى، ومخالفا ثالثة.
- - - (1/327)
صفحة 317
رسائل جامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ مصطفى بن محمد شريفي
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الأسماء والأحكام عند الإباضية
من خلال آراء الشيخ نورالدين السالمي
(دراسة تأصيلية نقدية تطبيقية)
أ
أولا: بيانات البحث:
• عنوان الأطروحة: «الأسماء والأحكام عند الإباضيَّة، من خلال آراء الشيخ نور الدين السالمي، دراسة تأصيليَّة نقديَّة تطبيقيَّة». أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في العقيدة.
• إعداد الطالب: مصطفى بن محمَّد شريفي.
• إشراف الأستاذ: الدكتور عمار طسطاس، وقد كان المشرف من قبلُ هو: الأستاذ الدكتور صالح نعمان، إلاَّ أنه لظروف انتقاله إلى خارج الجزائر، قدَّم تنازلَه للدكتور طسطاس.
• أعضاء لجنة المناقشة:
1 - أ. د. سعيد عليوان / رئيسا / أستاذ التعليم العالي / جامعة الأمير عبد القادر.
2 - د. عمار طسطاس / مقررا / أستاذ محاضر (أ) / جامعة الأمير عبد القادر.
3 - د. حسن برامة / عضوًا / أستاذ محاضر (أ) / جامعة الأمير عبد القادر. وهو الذي حلَّ مكان الدكتور فرحات عبد الوهاب الذي انتقل - أيضا - إلى الخارج. (1/328)
صفحة 318
4 - أ. د. عمار جيدل / عضوا / أستاذ التعليم العالي / جامعة الجزائر.
5 - أ. د. محمَّد عبد النبي / عضوا / أستاذ التعليم العالي / جامعة الجزائر.
6 - أ. د. مصطفى وينتن / عضوا / أستاذ التعليم العالي / جامعة غرداية.
• - تاريخ المناقشة ومكانها: جرت المناقشة صبيحة يوم الخميس 8 جمادى الأولى 1436هـ/ 26 فيفري 2015م. بقاعة المحاضرات الكبرى (ابن باديس) بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية.
• - حجم البحث: 929 صفحة، منها 746 ص لمتن البحث، و183 ص للملاحق والفهارس والملخَّص باللغتين العربيَّة والإنجليزيَّة.
• - النتيجة: قرَّرت اللجنة منح الطالب درجة الدكتوراه بتقدير مشرِّف جدًّا، بعد إجراء التعديلات الآتية: اختصار الباب الأوَّل في فصل تمهيدي. والاقتصار على ما له علاقة مباشرة بالموضوع. وإعادة النظر في مبحث السنَّة أحكامًا وأشخاصًا. وتعديل الإشكالية وفقا للتصوَّر الجديد.
ثانيا: ملخص البحث:
تتناول الأطروحة: الأسماء والأحكام الدنيويَّة المتبادلة بين المسلمين المترتِّبة عن الخلافات الكلامية، من وجهة نظر إباضيَّة، من خلال آراء الإمام نور الدين السالمي، ومحاولة تأصيلها، ونقدها، مع ربطها بالواقع المعيش، قديما وحديثا.
والمقصود بالأسماء: ما يطلق على العباد شرعا من تسميات شرعيَّة، من مدح أو ذمٍّ، كالمؤمن، والمسلم، والصالح، والتَّقيِّ ... والكافر، والمنافق، والفاسق، والضالِّ ... والمقصود بالأحكام ما يَتَرَتَّبُ عَلَى تلك الأسماء من مواقف في الدُّنيا من حيث المعاملات وفي الآخِرَة من حيث المصير. وتختصُّ هذه الدراسة بالجانب الدنيويِّ فقط.
والمقصود بالتأصيل: البحث عن مستند تلك الأسماء والأحكام، من الكِتَاب وَالسُّنَّة والإجماع والقياس، وسائر طرائق الاستدلال.
والمقصود بالنقد: بيان مدى سلامة منهج الاستدلال المستخدم في الموضوع، ومدى تطبيق المنهج السليم لدى علماء الإِبَاضِيَّة. (1/329)
صفحة 319
والمقصود بالتطبيق: ربط تلك الأسماء والأحكام بالواقع المعيش، قديما وحديثا.
ولا شكَّ أنَّ الفتن الواقعة بين المسلمين منذ القديم إلى يومنا هذا تعكس حقيقةَ تصوُّر المسلم لأخيه المسلم وتصرُّفاته تجاهه، وبالتالي بات من الضروريِّ تصحيح التصوُّر الخاطئ، وتثمين التصوُّر الصائب.
وينطلق البحث من الأطروحة الآتية:
إِنَّ الله تَعَالىَ صنَّف الناس بأسماء وأحكام مختلفة؛ لأجل مقاصد سامية، منها: حفظ الكلِّيَّات الخمسة. ولكنَّ المسلمين لَمَّا أساؤوا فهم تلك الأسماء وتوظيفها، أدَّى بهم الأمر إلى التعدِّي على تلك الكلِّيَّات، لاسيما منها حفظ النفس والعرض والمال. والإباضيَّة ـ كغيرهم من المسلمين ـ قد أطلقوا أسماء، وأصدروا أحكامًا تجاه الآخرين. وإِنَّ البحث الموضوعيَّ، والتأصيل، والنقد العلميَّ كفيل بتصحيح الرؤى الخاطئة، لكفِّ أذى بعض المسلمين على بعض، وقمينٌ بإبراز الرؤى الصائبة، لتوحيد صفِّهم، وجمع شملهم.
قسَّمت البحث ـ في صيغته الأصلية قبل طلب اللجنة تعديله ـ إلى مقدِّمة وفصل تمهيديٍّ وثلاثة أبواب وخاتمة، ثمَّ ملحقين فالفهارس.
تناولت الأطروحة في الفصل التمهيديِّ ما يأتي: تحديد الموضوع وأبعاده، وبيَّنَتْ أنَّه يقتصر على الأسماء والأحكام الدُّنيَوِيَّة المتبادلة بين المسلمين من وجهة نظر إباضيَّة، مع التركيز على الشيخ السالمي، وبعض المقارنات بغيره من العلماء من شتَّى الفرق والمذاهب. وأنَّ خطوات البحث تتمثل في تشخيص واقع المسلمين في علاقاتهم بعضهم ببعض، وبيان أسبابه وتقويمه، سلبا أو إيجابا. وكانت الدراسات السابقة غير وافية بالغرض المتوخَّى من هذا البحث، لاسيما عند الإباضيَّة، حيث كان النقد فيها قليلا، مع اعترافنا باستفادتنا منها.
وبما أنَّ الخلافات الكلاميَّة ترجع في جذورها غالبا إلى خلاف في مناهج الاستدلال، فقد كان من الضروريِّ تخصيص الباب الأوَّل من البحث لمنهج الاستدلال على العقيدة وعلم الكلام عند الإباضيَّة. وضَّحت فيه الفرق بين العقيدة وعلم الكلام، فالعقيدة يقينيَّة متَّفق عليها، وعلم الكلام فيه القطعيُّ والظنِّيُّ. (1/330)
صفحة 320
ثمَّ درست في الفصل الأوَّل نظَرِيَّة المعرفة للتمييز بين القطعيِّ منها والظنِّيِّ، وركَّزت على المعرفة الصوفيَّة وبيَّنت أنَّ ما بني على الإلهام أو ما في معناه، أو كان غير مؤصَّل لا يُلزم الغير.
وفيما يتعلَّق بالعلم لاحظت نقصًا في التمييز بين العلم اليقينيِّ وما دونه؛ وبالتالي فإنَّ الأسماء والأحكام المترتِّبة على أحد النوعين مختلفة، وكذا الأساليب المبنيَّة المكوَّنة منهما مختلفة، ولا يصلح للإلزام غير الأسلوب البرهاني، وما دونه قد يصلح للإقناع فقط.
وفيما يخصُّ الجهل فمنه ما يسع جهله ومنه ما لا يسع، بتفاصيل كثيرة، تتعلَّق بدرجة المعلوم من حيث بساطته وتركيبه، ومن حيث الظنُّ والقطع، ومن حيث تعلُّقه بالاعتقاد أو العمل. وكذا يقال في مسائل الشكِّ والسؤال ...
وفي موضوع قيام الحجَّة، رأينا أنَّها لا تقوم ـ فيما يخصُّ بحثنا ـ بالعقل ولا بالخاطر، وأنَّ فيها غموضا، لاسيما فيما يتعلَّق بجانبها الغيبيِّ الإلهيِّ، وليست محسومة بنصٍّ قطعيٍّ؛ وبالتالي فإنَّ الأسماء والأحكام المترتِّبة عنها ليست يقينيَّة دومًا.
(درست في الفصل الثاني مصادر الفكر العقديِّ والكلاميِّ، وبدأت بالاستدلال بالنقل، وأوَّل مصدر هو القرآن الكريم، فما كان منه متواترًا قطعيَّ الدلالة، يعدُّ رادُّه مشركا، وما كان دون ذلك لا يجوز تكفيره. والنسخ جائز في الأحكام العَمَلِيَّة، لا في العقائد ولا الأخبار. ولا يصحُّ اجتزاء نصوص منه، دون اعتبار للرؤية القُرآنِيَّة الشاملة، مع وعي عميق بتنزيله في الواقع المعيش، لاسيما في الأسماء والأحكام.
والمصدر الثاني هو السنَّة. والإباضيَّة يعتمدون على كلِّ الصحاح والمسانيد دون استثناء، غير أنَّهم يقدِّمون الربيع بن حبيب على الشيخين. وللمتواتر من السنَّة ـ إن ثبت ـ حكم القطع، وردُّه مخرِج من الملَّة. وأمَّا ما دونه من المستفيض والآحاديِّ فهو ظنِّيُّ الثبوت، لاسيما وأنَّ العمل العظيم الذي قام به علماء الجرح والتعديل لم يكن معصوما ولا نهائيًّا، نظرًا لوجود بعض الثغرات التي لاحظها بعض النقَّاد في المنهج الإسناديِّ؛ وبالتالي لا يجوز إخراج أحد من الملَّة بإنكار سوى المتواتر منها. كما لا يصحُّ اعتماد نصوص حديثيَّة مبتورة عن سياقها، دون تبصُّر بمقاصدها، أو عرضها عَلَى القرآن، ومبادئ الشرع الكُلِّيَّة، وحقائق العقل والعلم والتاريخ. (1/331)
صفحة 321
والمصدر الثالث هو الإجماع، ولا يزال إشكال حجِّيَّته قائما، وبالتالي لا يصحُّ تأسيس أسماء وأحكام خطيرة بالذمِّ بسبب إنكار مسائله التي لم تثبت بغيره.
ويُلحق بالنقل الآثار وأقوال السلف، والتي يحرص كثير من العلماء على الاستشهاد بها، وقد بيَّنَّا أنَّ ما كان منها عن رأي واجتهاد ليس ملزِما، ولا حجيَّة فيه لذاته، وإنَّما لقوَّة دليله.
وأمَّا ما يخصُّ الاستدلال بالعقل، فمَهَمَّتُه في موضوعنا هي إعماله في النصوص والآثار، ولا يسوغ له أن يستقلَّ بتأسيس وإصدار الأسماء والأحكام الشرعيَّة، لاسيما ما يتعلَّق منها بالعقيدة وعلم الكلام.
(وتناولتْ هذه الأطروحة في فصلها الثالث قواعد أصول الفقه، وأولاها: القياس، وأوضحَتْ أنَّ القياس في أغلب صوره ظنِّيٌّ، وبالتالي لا تنبني عليها أسماء الذمِّ الشرعيَّة وأحكامها، لاسيما في جانبها التعبُّديِّ غير معقول المعنى.
ومن مسائل أصول الفقه: التقليد والاجتهاد في مسائل الاعتقاد، وقد تعدَّدت آراء علماء الكلام بين قبولهما ورفضهما، سواء في حال الخطأ أم الصواب. ويكفي أن تكون المسألة الكلاميَّة اجتهاديَّة للحكم بظنِّيَّتها، وبالتالي لِكَفِّ ألسنتنا عن التنابز بألقاب الذمِّ بسببها. وهي العقبة التي نأسف لعدم قدرة المسلمين تجاوُزَها قديما وحديثا.
وفي مبحث دلالات الألفاظ درسنا المحكم والمتشابه، والعامَّ والخاصَّ، والمطلق والمقيَّد، والمفاهيم وحجِّيَّتها، فتوصَّلنا إلى أنَّ واحدًا منها فقط يفيد القطع؛ وبالتالي يسوغ بناء الأسماء الشرعيَّة عليه باليقين، وهو} النصُّ} من المحكم الثابت أنَّه وحي من الله. وما سوى ذلك فهو من الظنِّ، والأسماء والأحكام المبنيَّة عليه ظنِّيَّة.
وفي مبحث التعارض والترجيح رأينا أنَّ هناك تعقيدًا كبيرا؛ فليس من السهل إصدار الأسماء والأحكام عند التعارض الظاهريِّ بين نصوص التشريع، إمَّا في ثبوتها أو في دلالاتها. وكلَّما زاد المعارِض ازداد التأكيد على التريُّث في إصدار الأسماء والأحكام في حقِّ المخالف.
(وكان الفصل الرابع لطرائق الاستدلال والقواعد الكلاميَّة، ومنها: القياس الكلاميُّ، والتقسيم والسبر، وإنتاج المقَدِّمَات النتائج، والاستدلال بالْمُتَّفَق عَلَيْهِ عَلَى (1/332)
صفحة 322
المختَلَف فيه، والإلزام والاستلزام، وبطلان الدَّلِيل يؤذن ببطلان المدلول، والاستقراء، ونفي اجتماع الضدَّين. وهذه الطرائق كلُّها تختلف درجات نتائجها قطعا وظنًّا، ولاحظنا أنَّ كثيرًا ممَّا استخدمه علماء الكلام ليس قطعيًّا؛ وبالتالي لا يصحُّ اعتماده في إثبات أسماء وأحكام عقديَّة.
وفيما يخصُّ الحقيقة والمجاز والتأويل، من حيث تعريفها، والتأويل من حيث القبول والرفض، وأقسامه، وشروطه، توصَّلنا إلى أنَّه لا يمكن رفض المجاز والتأويل بشروطه، ولا فرق في ذلك بين مسائل الإلهيَّات وغيرها. ولاحظنا أنَّ التأويل لم يخل منه مذهب، بين مقتصد ومسرف فيه، ولاسيما إذا كان لتأييد آراء المذهب. وفي كلِّ الأحوال إنَّ التأويل السائغ مانع من إصدار أسماء الذمِّ وأحكامها.
وفيما يخصُّ القطع والظنَّ والأصول والفروع في المسائل الكلاميَّة، والحقَّ والباطل، ومسائل الدين ومسائل الرأي، قمنا بدراسة هذه الثنائيَّات من حيث مفهومهما وأحكامهما ومستند التفريق بينها والمعايير التي اتَّبعها العلماء في ذلك، من خلال عدَّة نماذج من التراث وأحكامها، فتوصَّل البحث إلى أنَّ أغلبها غير مضبوط بإحكام، وموضع خلاف بين علماء الأمَّة؛ وبالتالي فإنَّ كثيرًا ممَّا اعتُبر قطعيًّا أو حقًّا، أو من مسائل الأصول، أو من مسائل الدين، هو في الواقع دون ذلك؛ وبالتالي لا يصحُّ تأسيس أسماء الذمِّ الخطيرة، وأحكامها عليها. والملاحظ أنَّ للسياسة دورا كبيرا في تضخيم بعض المسائل على حساب أخرى.
ويتناول الباب الثاني من البحث الأسماءَ والأحكام (تأصيلا وتحليلا ونقدًا) وذكرنا أن ليس للعقل أن يستقلَّ بتأسيس أسماء وأحكام شَرعِيَّة بلا بدليل نقليٍّ، وأنَّ الخطأ فيها خطير.
(يتناول الفصل الأَوَّل بالتحليل أسماء المدح وأحكامها، وتركَّز الكلام على الأسماء الأساسيَّة، وهي الإيمان، والإسلام، والتوحيد، والجملة. وقد تراوحت الآراء فيها بين طرفي نقيض، من أكثر الطوائف تشدُّدا في الدين وهم الخوارج، إلى أكثرها تساهلا في تعاليم الدين وهم المرجئة. وخلاصة ما توصَّل إليه البحث بعد عرض ما دار من مناقشات كلاميَّة تراثيَّة حولها هو أنَّ من دخل في الإسلام يقينًا لا يخرج منه إِلاَّ بيقين. (1/333)
صفحة 323
هذا في الأسماء الأساسيَّة، وأمَّا في الأسماء الفرعيَّة، فالملاحظ أنَّ الجميع يطوِّعها لتناسب فرقته، ومنها: الاستقامة، والسنة والجماعة، والسلف الصالح ... وتوصَّل البحث إلى أنَّ على الجميع أن يتقبَّل ما ارتضاه الآخر من تسميات التمدُّح لنفسه، ولكن دون أن ينفيها عن أخيه المسلم الآخر، بمفهوم المخالفة. مع جمع الكلِّ تحت تسمية الإسلام، ولا غضاضة في الإبقاء على التسميات التراثيَّة التي ارتضاها كلٌّ لنفسه؛ لا تعصُّبا، ولكن كوسيلة للفهم، والتمييز بين المناهج.
(ويتناول الفصل الثاني أسماء الذمِّ وأحكامها، بدءًا ببيان الفرق بين الكبائر والصغائر، ومناقشة آراء طوائف المسلمين بشأنهما، من حيث وجوب الفرز بينها، ومفهومها، وثبوتها، وأسماء مرتكبها وأحكامه الدنيويَّة، سواء منها العمليَّة أم الاعتقاديَّة، وأحكام التوبة منها. وتوصَّلَ إلى أن لا مبرِّر للتشدُّد الكبير بتشريك من لم يفرز بينها، وأنَّ الكبيرة التي تَتَرَتَّبُ عَلَى ارتكابها أسماءُ الذمِّ وأحكامه هي المنصوص والمُتَّفَق عَلَيْهَا، دون سواها ممَّا اختلف فيه العلماء.
ثمَّ ناقشت كذلك أسماء الذمِّ الأساسيَّة، وأحكامها التي ذكرها العلماء الإباضيَّة أساسا، مع بعض المقارنات بغيرهم، وهذه الأسماء هي: الشرك، والكفر والنفاق والفسق، وفي كلٍّ منها درست أقسامها وصورا منها، وحاولت نقد ما ظهر لي بشأنها، ممَّا أثار ـ ولا يزال ـ شقاقا بين المسلمين، لاسيما ما كان نتيجة خلافات كلاميَّة؛ وتوصَّلت إلى أنَّ أغلب ما يتراشق به علماء الكلام من ذمٍّ تجاه المخالف لا ينبني على أساس قطعيٍّ متين. ومن ذلك حكم الإباضيَّة على المخالف في المسائل الكلاميَّة بكفر النعمة، أو نفاق الخُلْف، أو نفاق التحليل والتحريم، أو الفسق، رغم أنَّها لا تعني الإخراج من الملَّة.
ثمَّ استعرضت 32 مصطلحا للذمِّ ممَّا له علاقة بالموضوع، ومنه: الابتداع، والخارجيَّة، والزندقة، والضلال، والمروق من الدين، واتِّباع الهوى ... وتبيَّن لنا أنَّ الحكم بها على المخالف لا ينبني على أساس قطعيٍّ، فضلاً عن أيادي السياسة في صياغتها وإطلاقها بالباطل غالبا على من لا يستحقُّها.
ونظرًا للآثار الخطيرة لإطلاق أسماء الذمِّ وتوظيفها، فقد كان من الضروريِّ بيان علاقة أسماء الذمِّ بمقاصد الشريعة، ونعني أساسا الكلِّيَّات الخمسة (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال). وبعد الدراسة اتَّضح أنَّ العلماء بقدر ما أبدعوا في الطرح (1/334)
صفحة 324
النظريِّ في وجوب حفظ تلك الكلِّيَّات، إلاَّ أنَّ الواقع العمليَّ شهد أنَّ مواقف المسلم تجاه أخيه المسلم لمجرَّد خلافات كلاميَّة وسياسيَّة كان ـ ولا يزال ـ متجاوزا تجاوزًا مفرطًا وخطيرا لكلِّ المقاصد الكلِّيَّة الخمسة، لاسيما منها حفظ النفس. هذا بالإضافة إلى الوقوع في بعض التناقضات والازدواجيَّة في المواقف، ولا يخفى ما للسياسة والإعلام من دور في تأجيج الفتن، باستغلال تلك الأسماء والأحكام أسوأ استغلال، ثمَّ اقترحت سبعة بدائل لتجاوز الفكر التكفيريِّ.
وأخيرا اختصَّ الباب الثالث من الأطروحة بعلاقة الأسماء والأحكام بالواقع المعيش.
(تناول الفصل الأَوَّلُ منه أحكام البغي عند الإِبَاضِيَّة. وأهمُّ ما فيه: أحكام الخروج على الحكَّام الجورة، بين الجواز والمنع، بين الطرح النظريِّ والتطبيق العمليِّ. وبقدر ما في هذا الموضوع من} ألغام} وحساسيَّة وَسَعَة، فإنَّ مسؤوليَّة ضبطه، والتروِّي فيه تزداد أكثر. وفي عموم تاريخ الإباضيَّة كانت لهم مواقف نظريَّة وعمليَّة صارمة لحفظ الدماء والأموال والأعراض، بالرغم من معارضتهم المتواصلة لظلم بعض الحكَّام وطغيانهم.
(وتناول الفصلُ الثاني موقف الإِبَاضِيَّة من الفتن التي وقعت بين الصحابة، بين متبرِّئ من بعض أقطاب الفتنة، وساكت عَمَّا شجر بينهم، ومصرِّح بولاية جميعهم. وتوصَّلنا إلى أنَّ الأصل في الصحابة هو ولايتهم ـ لاسيما العشرة المبشَّرين بالجنَّة ـ حتَّى يثبت ما ينقضها بيقين، ولا يقين في تفاصيل التاريخ، لاسيما أوقات الفتن. ولا يمنع ذلك من دراسة تاريخهم للاعتبار، لا لإصدار الأسماء والأحكام الشرعيَّة.
(وتناول الفصلُ الثالث مواقف الإِبَاضِيَّة من مخالفيهم، وكانت لهم عدَّة مواقف إيجابية، فكريَّة، وسياسيَّة، وكلاميَّة، واجتماعيَّة.
فمن المواقف الفكريَّة: قبول آراء المخالف الصائبة مهما كان قائلها، والسعي نحو لَمِّ شتات المسلمين، والمقارنة بين آراء المذهب وغيره، واعتماد رواياتهم ومصادرهم، بـ} تأبيضها} والتعليق عليها وشرحها وتدريسها للطلاَّب.
ومن المواقف الكلاميَّة: الرفض القاطع للحكم على المخالف بالشرك إن كان له تأويل، والحرص على حفظ كلِّ حقوقه المادِّيَّة والمعنويَّة باعتباره مسلما، إلاَّ الوَلاية فيرى أغلب الإباضيَّة أنَّه لا يُترحَّم عليه، وأمَّا الإصلاحيُّون اليوم فيتولَّونهم ويترَّحمون عليهم بلا إشكال. (1/335)
صفحة 325
ومن مواقفهم السياسيَّة تجاه مخالفيهم: الاهتمام بأمورهم، والإصلاح بين المتنافرين منهم، ونصرة المظلومين منهم، والتعايش معهم باحترام متبادل.
ومن مواقفهم في العلاقات الاِجتِمَاعِيَّة والأحوال الشَّخصِيَّة: التسوية بين جميع المسلمين في الحقوق والواجبات، وإجازة الصلاة خلفهم وعليهم، والتناكح فيما بينهم.
ومن جهة أخرى فإنَّ للإباضيَّة مواقف سلبيَّة تجاه مخالفيهم، ولها أسبابها وجذورها التاريخيَّة، بسبب ما تعرَّضوا له على مرِّ التاريخ من تشنيع وتنكيل وتشويه للحقائق، بالحكم عليهم بالخروج والمروق من الدين، ومن أبرز المواقف السلبية من الإباضية تجاه مخالفيهم: تكفيرهم كفر نعمة، غير مخرج من الملَّة. ورغم أنَّ المخالف يحتفظ بكلِّ حقوقه باعتباره مسلمًا، إلاَّ أنه بعد التحقيق في استدلالاتهم على ذلك بالقرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة والإجماع والقياس، وببعض طرائق الاستدلال الأخرى، تبيَّن أنَّ كلَّ ذلك غير كافٍ للتكفير ولو مجرَّد كفر نعمة. وفيما يتعلَّق بالأحكام الْمُتَرَتِّبَة عَلَى موقفهم من مخالفيهم في حال السلم وحال الحرب، تبيَّن أنَّ الإباضيَّة لم تجرَّهم حميَّة الانتقام إلى تجاوز حدود الله، سلمًا أو حربًا، على مرِّ تاريخهم، وبشهادة مؤرِّخين غير إباضيِّين.
وخلاصة ما يجب أن نقوله في هذا المقام: ژپپپپ????????????SSSژ (سورة الحشر: 10).
ثالثا: انطباعات عن المناقشة:
أمَّا عن سير المناقشة فإنَّ الذي يؤسف له أنَّها لم تتناول القضايا الأساسيَّة للبحث، وكانت على هامش الموضوع الرئيس «الأسماء والأحكام»، ولم تتجاوز القسم النظري (الباب الأوَّل) من البحث إلاَّ قليلا. وقد كنَّا نودُّ أن لا تغفل الأبواب الأخرى، وفيها ما يقضُّ مضاجع المسلمين من تعدِّيات بعضهم على بعض، في الدماء والأموال والأعراض ... مع وزن آراء الإباضية في الموضوع بميزان علميٍّ تريص، إلاَّ شيئا من ذلك لم يُناقش!!. (1/336)
صفحة 326
وقد دامت المناقشة قرابة خمس ساعات، كانت فيها نبرة النقاش - غالبا - حادَّة، لم تدع للباحث في أحيان كثيرة التعبير عن فكرته بشكل وافٍ. لاسيما فيما يختلف مع وجهة نظر المناقش.
والذي آسفني أكثر أمران:
1 - الأمر الأوَّل: اتِّهام أحد المناقشين اعتمادي على أحمد صبحي منصور (الذي ينكر السنَّة النبويَّة)، وهو اتِّهام خطير، والحقيقة أنِّي لم أذكره باسمه في متن البحث إلاَّ مرَّتين -عَرَضا وليس اعتمادًا- (ص155، وص543)، ومرَّة واحدة في هامش ص192، وأشرت إليه في متن ص87، ولكن رددت على طروحاته المنافية لما أجمعت عليه الأمَّة. فكيف يكون الردُّ اعتمادا عليه واستشهادا به؟! كالذي يردُّ على شبهات مستشرقين أو ملحدين هل يعني أنه يستشهد بهم ويعتمد عليهم؟!.
2 - الأمر الثاني: طلب اللجنة منِّي تلخيص الباب النظري (في مصادر الاستدلال ومناهجه)، ومع الأسف يبدو أنِّي لم أستطع بيان أهمِّيَّة هذا الباب، وسبب الإطالة في بيان القطعيِّ من الاستدلالات والظنِّيِّ منها. وفي تصوُّري أنه ضروريٌّ من جهتين:
أ- ضروريٌّ لإقناع من يعتمد على بعض الأدلَّة الظنيَّة على أنَّها يقينيَّة، ويتَّخذ منها مشرطا لتقطيع أوصال هذه الأمَّة. فالإطالة - إذن - إنَّما جاءت نتيجة تعنُّت المصرِّين على تمزيق الشمل بالاعتماد على الظنِّيِّ على حساب النصوص القطعيَّة في وجوب الوحدة ونبذ الفُرقة، وبالتالي كان عليَّ تتبُّع كلِّ المنافذ لسدِّها، والتي يمكن أن تكون تُكأة لبعض أولئك المتعصِّبين.
ب- ضروريٌّ لأجل وضع أرضية صلبة لدراسة الأسماء والأحكام؛ ذلك أنَّ كثيرا من الاختلافات الكلاميَّة أساسها الاختلاف في مناهج الاستدلال، وإن لم أفعل فسنبقى ندور في حلقة مفرغة من النقاش حول القضايا ذاتها، ولا نصل إلى أيَّة نتيجة، بسبب عدم وجود أرضية مشتركة متَّفق عليها، وهي الأصول والمناهج المعتمدة، والتي هي أصل الخلاف. وهذا ما يبدو أنَّ اللجنة المناقِشة لم تستوعبه. كما أنَّ كثيرا من الأسماء والأحكام والاتهامات المتبادلة بين المسلمين منبنيَّة على مناهج تفتقر إلى اليقين، وكان لابدَّ من بيان ذلك. (1/337)
صفحة 327
وقد كان قرار التعديل والاختصار صادما بالنسبة لي، إذ لم أكن أتوقعه، لاسيما وأنه يعني: إعادة الصياغة لـ300 صفحة، وتقويض ركن هامٍّ وأساسيٍّ في البحث، وما يتبعه من تعديل للمقدِّمة والخاتمة والملخَّصين، وإعادة إنجاز الفهارس كلِّها (الآيات، والأحاديث والآثار، والشعر، والقواعد، والحكم والأمثال، والمصطلحات، والأعلام، والأديان والمذاهب والطوائف، والأماكن والبلدان، والجداول، والمحتويات)، وكذا تعديل الإحالات الكثيرة على أجزاء البحث في الهوامش ... ووقتي محدود جدًّا بأسبوع واحد يجب عليَّ الرجوع إلى جامعة نزوى بعُمان.
ولولا لطف الله لكانت الصدمة أعنف نفسيًّا؛ لاسيما وأنَّ قرار التعديل جاء بعد قرار التأجيل في شهر أفريل، حين تمَّت دعوتي للمناقشة، فجئتها مهرولا من بُعد آلاف الأميال، ليقال لي - في آخر لحظة - إنها تأجَّلت ... فهاهي ذي لجنة المناقشة تصدمني مرَّة أخرى بهذا القرار، بعد حولين كاملين من الانتظار، وبعد خمس سنوات من البحث ليل نهار!!.
قلت: لولا لطف الله ... وأضيف كذلك: مواقف أفاضل جماعة قسنطينة والخروب ومعهد الحياة والطلبة الجامعيين، وغيرهم ... والتي رفعت من معنوياتي، سواء بالإعدادات المضنية والأعمال الدؤوبة قبل المناقشة المؤجَّلة، أو المناقشة الواقعة، أم أثناءها، أم بعدها بالتكريمات التي تفضَّلوا بها على هذا العبد الضعيف، والذي هو دون ما رفعوه إليه بمراحل ... ولكنَّها عين الرضا عن كلِّ عيب كليلة .. فلهم جزيل الشكر، وجميل الثناء، وصالح الدعاء، لهم ولكل العاملين المخلصين من جنود الخفاء، ولا أريد أن أذكر الأسماء، خشية أن أنسى واحدا منهم، وندع أمر مكافأتهم لله عزَّ وجلَّ فهو الذي يجازيهم خير الجزاء.
هذه انطباعات سريعة كتبتها على عجل حول سير المناقشة ... ولعلَّ الله ييسر لي الرجوع إلى ملاحظات الأساتذة التي دوَّنوها في نُسخهم لأستفيد منها، والكمال لله وحده، ورحم الله من أهدى إليَّ عيوبي بالأسلوب العلميِّ الرصين لا بالتهجُّم والأسلوب الخطابيِّ الموهِم .. والحمد لله أوَّلاً وآخرًا.
- - - (1/338)
صفحة 328
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ:11شعبان1435هـ /09جوان 2014 م
إلى تاريخ:15شعبان 1436هـ/02جوان 2015 م
رقم ... الاسم الكامل ... تاريخ الاستظهار ... تاريخالميلاد ... المدينة
1 ... حشحوش إيمان بنت عبد المجيد بن محمد ... 11شعبان 1435هـ ... 04 - 03 - 1996 ... القرارة ... 09/ 06/2014م
2 9 ... ناصر يوسف بن سليمان بن الناصر ... 13شعبان1435هـ ... 1992 - 11 - 03 ... القرارة ... 11/ 06/2014م
3 ... ابن صالح إدريس بن محمد بن سليمان ... 14شعبان1435هـ ... 1993 - 05 - 27 ... القرارة ... 12/ 06/2014م
4 ... حريز المهدي بن محمد بن حمودة ... 20?1435هـ ... 1996 - 11 - 19 ... القرارة ... 18/ 07/2014م
5 ... حمودة امباركة بنت حمودة بن بابا ... 27شعبان1435هـ ... 1977 - 03 - 27 ... القرارة ... 25/ 06/2014م
6 ... العايب رتيبة بنت سليمان بن إبراهيم ... 08?1435هـ ... 1981 - 07 - 23 ... القرارة ... 06/ 07/2014م
7 ... جهلان خولة بنت عمر بن بكير ... 19?1435هـ ... 1996 - 03 - 17 ... القرارة ... 17/ 07/2014م
8 ... حجاج عبد العزيز بن صالح بن بكير ... 28?1435هـ ... 1994 - 02 - 22 ... بريان ... 26/ 07/2014م
9 ... ألجون محمد الأمين بن يوسف بن محمد ... 29?1435هـ ... 2000 - 06 - 02 ... القرارة ... 27/ 07/2014م
10 ... يوسفي رستم بن ياسين بن محمد ... 29?1435هـ ... 1996 - 05 - 27 ... مليكة ... 27/ 07/2014م
11 ... خرفي رضوان بن أحمد بن إبراهيم ... 09?1435هـ ... 1994 - 04 - 01 ... القرارة ... 06/ 08/2014م
12 ... ابن صالح فردوس بنت مصطفى بن داود ... 13?1435هـ ... 1998 - 03 - 08 ... القرارة ... 10/ 08/2014م
13 ... حريز إدريس بن مصطفى بن عبد الله ... 14?1435هـ ... 1997 - 01 - 30 ... القرارة ... 11/ 08/2014م
14 ... محمدي إيمان بنت عبد الحميد بن بهون ... 14?1435هـ ... 1994 - 01 - 01 ... القرارة
11/ 08/2014م (1/339)
صفحة 329
15 ... أولاد حمادي محمد بن حمادي بن الأخضر ... 16?1435هـ ... 1996 - 04 - 04 ... القرارة ... 13/ 08/2014م
16 ... علواني يحي بن يوسف بن يحي ... 18?1435هـ ... 1996 - 07 - 23 ... مليكة ... 15/ 08/2014م
17 ... شريفي بكير بن سعيد بن الناصر ... 18?1435هـ ... 1997 - 03 - 10 ... القرارة ... 15/ 08/2014م
18 ... معيز الحاج أحمد الحاج عمر بن داود بن باعمور ... 21?1435هـ ... 1998 - 06 - 18 ... مليكة ... 18/ 08/2014م
19 ... قلو إدريس بن حمو بن سليمان ... 23?1435هـ ... 1997 - 06 - 16 ... بريان ... 20/ 08/2014م
20 ... بوستة عبد الكريم بن محمد بن العيد ... 27?1435هـ ... 1990 - 08 - 14 ... مليكة ... 24/ 08/2014م
21 ... ابن عيسى فيصل بن نور الدين بن مسعود ... 29?1435هـ ... 1997 - 05 - 15 ... القرارة ... 26/ 08/2014م
22 ... خفياني مسعودة بنت الحاج إبراهيم بن باحمد ... 29?1435هـ ... 1989 - 05 - 20 ... القرارة ... 25/ 08/2014م
23 ... الخن سارة بنت عبد الحميد بن محمد ... 30?1435هـ ... 1996 - 04 - 16 ... القرارة ... 26/ 08/2014م
24 ... أبي إسماعيل حجوجة بكير بن علي بن أحمد ... 02 ذو القعدة 1435هـ ... 1999 - 01 - 10 ... القرارة ... 28/ 08/2014م
25 ... ابن يامي ياسين بن سليمان بن بالحاج ... 07 ذو القعدة 1435هـ ... 1995 - 05 - 01 ... القرارة ... 02/ 09/2014م
26 ... حفار ياسين بن كمال بن عيسى ... 09 ذو القعدة 1435هـ ... 1992 - 12 - 15 ... القرارة ... 04/ 09/2014م
27 ... معيان توفيق بن أحمد بن عمر ... 11 ذو القعدة 1435هـ ... 1997 - 12 - 12 ... القرارة ... 06/ 09/2014م
28 ... سعودي توفيق بن الناصر بن محمد ... 14 ذو القعدة 1435هـ ... 1996 - 12 - 24 ... بريان ... 09/ 09/2014م
29 ... باحميدة خالد بن سعيد بن الحاج محمد ... 16 ذو القعدة 1435هـ ... 1991 - 08 - 19 ... بريان ... 11/ 09/2014م
30 ... حريز طه بن عمر بن بكير ... 17 ذو القعدة 1435هـ ... 1997 - 10 - 09 ... القرارة ... 12/ 09/2014م
31 ... أيوب عمر بن البشير بن بايوب ... 20 ذو القعدة 1435هـ ... 1997 - 10 - 15 ... بريان ... 15/ 09/2014م
32 ... علواني إسماعيل بن مصطفى بن بكير ... 23 ذو القعدة 1435هـ ... 1998 - 04 - 11 ... مليكة ... 18/ 09/2014م
33 ... بافو ياسين بن الحاج بن محمد ... 27 ذو القعدة 1435هـ ... 1998 - 09 - 06 ... القرارة ... 22/ 09/2014م
34 ... الشيخ بالحاج عبد المجيد بن قاسم بن محمد ... 29 ذو القعدة 1435هـ ... 1996 - 10 - 22 ... القرارة
24/ 09/2014م (1/340)
صفحة 330
35 ... عبد الجبار جابر بن محمد بن بكير ... 29 ذو القعدة 1435هـ ... 1997 - 01 - 07 ... مليكة ... 24/ 09/2014م
36 ... مسن فتحية بنت حمودة بن بابا ... 05 ذو الحجة 1435هـ ... 1979 - 06 - 10 ... القرارة ... 29/ 09/2014م
37 ... حريزي وليد بن الناصر بن يوسف ... 06 ذو الحجة 1435هـ ... 1997 - 12 - 05 ... بريان ... 30/ 09/2014م
38 ... لالوت عيسى بن صالح بن داود ... 06 ذو الحجة 1435هـ ... 1997 - 04 - 28 ... غرداية ... 30/ 09/2014م
39 ... محرزي وليد بن موسى بن بالحاج ... 08 ذو الحجة 1435هـ ... 1995 - 03 - 12 ... بريان ... 02/ 10/2014م
40 ... حمدي وهيبة بنت بكير بن عيسى بن صالح ... 09 ذو الحجة 1435هـ ... 1997 - 05 - 30 ... القرارة ... 03/ 10/2014م
41 ... عدون الحاج عمر بن الناصر بن عمر ... 16 ذو الحجة 1435هـ ... 1992 - 03 - 22 ... القرارة ... 10/ 10/2014م
42 ... ابن عبد الله عبد العزيز بن أحمد بن داود ... 21 ذو الحجة 1435هـ ... 1998 - 08 - 01 ... القرارة ... 15/ 10/2014م
43 ... ابن الناصر جمال الدين بن صالح بن محمد ... 23 ذو الحجة 1435هـ ... 1996 - 03 - 10 ... القرارة ... 17/ 10/2014م
44 ... الراعي هاجر بنت محمد بن قاسم ... 24 ذو الحجة 1435هـ ... 1998 - 04 - 18 ... القرارة ... 18/ 10/2014م
45 ... علواني المهدي بن عبد الحميد بن عمر ... 25 ذو الحجة 1435هـ ... 1996 - 05 - 28 ... مليكة ... 19/ 10/2014م
46 ... الشيخ بالحاج الحاج يوسف بن بكير بن صالح ... 27 ذو الحجة 1435هـ ... 1998 - 01 - 07 ... القرارة ... 21/ 10/2014م
47 ... ويرو الحاج يحيى حفيظة بنت عيسى بن عمر ... 28 ذو الحجة 1435هـ ... 1996 - 04 - 02 ... القرارة ... 22/ 10/2014م
48 ... خياط مختار بن سعيد بن محمد ... 30 ذو الحجة 1435هـ ... 1990 - 06 - 16 ... القرارة ... 24/ 10/2014م
49 ... شريفي سارة بنت محمد بن إبراهيم ... 30 ذو الحجة 1435هـ ... 1997 - 10 - 02 ... القرارة ... 24/ 10/2014م
50 ... بوقايلة علي بن عمر بن أحمد ... 02?1436هـ ... 1995 - 12 - 19 ... غرداية ... 26/ 10/2014م
51 ... ابن عمر أروى بنت الحاج موسى بن بكير ... 04?1436هـ ... 1997 - 01 - 01 ... القرارة ... 28/ 10/2014م
52 ... ابن باحماني مروان بن حسن بن الناصر ... 06?1436هـ ... 1997 - 06 - 05 ... القرارة ... 30/ 10/2014م
53 ... الدوادي عائشة بنت رشيد بن الحاج يوسف ... 11?1436هـ ... 1998 - 05 - 18 ... القرارة ... 04/ 11/2014م
54 ... بسيس يمينة بنت عبد الرحمان بن بكير ... 13?1436هـ ... 1990 - 08 - 01 ... القرارة
06/ 11/2014م (1/341)
صفحة 331
55 ... لعساكر الشيخ بكير بن عمر بن قاسم ... 21?1436هـ ... 1997 - 02 - 14 ... بريان ... 14/ 11/2014م
56 ... عشور فاطمة الزهراء بنت محمد بن قاسم ... 24?1436هـ ... 1998 - 07 - 05 ... القرارة ... 17/ 11/2014م
57 ... الشيخ صالح يحي بن محمد بن عمر ... 03?1436هـ ... 1994 - 10 - 04 ... غرداية ... 26/ 11/2014م
58 ... حريز جابر بن محمد بن أحمد ... 09?1436هـ ... 1998 - 01 - 18 ... القرارة ... 02/ 12/2014م
59 ... بوسعدة زهيرة بنت أحمد بن خير الدين ... 10?1436هـ ... 1993 - 07 - 06 ... القرارة ... 03/ 12/2014م
60 ... طوبال عيسى بن الأخضر بن محمد ... 11?1436هـ ... 1989 - 12 - 24 ... القرارة ... 04/ 12/2014م
61 ... قشار إسماعيل بن عمر بن حمو ... 19?1436هـ ... 1991 - 07 - 01 ... بونورة ... 12/ 12/2014م
62 ... سليمان بوعصبانه ع. الكريم بن مصطفى بن عيسى ... 26?1436هـ ... 1992 - 10 - 14 ... القرارة ... 19/ 12/2014م
63 ... سكوتي محمد بن خالد بن عيسى ... 02?1436هـ ... 2000 - 03 - 07 ... مليكة ... 24/ 12/2014م
64 ... نجار أحمد بن منصور بن سليمان ... 07?1436هـ ... 1997 - 11 - 15 ... غرداية ... 29/ 12/2014م
65 ... حميد أوجانه عيسى بن الناصر بن قاسم ... 08?1436هـ ... 1994 - 01 - 15 ... القرارة ... 30/ 12/2014م
66 ... الداغور فاطمة بنت صالح بن أحمد ... 08?1436هـ ... 1979 - 02 - 28 ... القرارة ... 30/ 12/2014م
67 ... ملال أسامة بن بكير بن الحاج إبراهيم ... 09?1436هـ ... 1996 - 05 - 16 ... غرداية ... 31/ 12/2014م
68 ... أبو بكر سعيدة بنت صالح بن عبد الله ... 12?1436هـ ... 1987 - 08 - 17 ... القرارة ... 03/ 01/2015م
69 ... ملال سعيد بن قاسم بن أحمد ... 02?1436هـ ... 1995 - 01 - 31 ... غرداية ... 23/ 01/2015م
70 ... باجو مارية بنت بكير بن صالح ... 04?1436هـ ... 1997 - 05 - 26 ... القرارة ... 26/ 01/2015م
71 ... خفياني قليل عمر بن عيسى بن الأخضر ... 07?1436هـ ... 1997 - 10 - 16 ... القرارة ... 28/ 01/2015م
72 ... وعلي نور الدين بن صالح بن بكير بن عيسى ... 08?1436هـ ... 1989 - 02 - 02 ... القرارة ... 29/ 01/2015م
73 ... ابن صالح حفصة بنت إبراهيم بن عمر ... 15?1436هـ ... 1995 - 10 - 14 ... القرارة ... 05/ 02/2015م
74 ... الشيخ أحمد عيسى بن صالح بن عمر ... 16?1436هـ ... 1989 - 11 - 13 ... القرارة (1/342)
صفحة 332
06/ 02/2015م
75 ... فخار مريم بنت بكير بن عمر ... 24?1436هـ ... 1995 - 12 - 26 ... القرارة ... 14/ 02/2015م
76 ... كروشي الحاج سليمان بن حمو بن سليمان ... 26?1436هـ ... 2002 - 03 - 31 ... بريان ... 16/ 02/2015م
77 ... بهون علي عائشة بنت سليمان بن باعلي ... 27?1436هـ ... 1996 - 01 - 25 ... القرارة ... 17/ 02/2015م
78 ... باي أحمد خرناش كريمة بنت محمد بن صالح ... 04?1436هـ ... 1995 - 07 - 30 ... القرارة ... 23/ 02/2015م
79 ... باي أحمد خرناش مسعودة بنت محمد بن بالحاج ... 09?1436هـ ... 1995 - 10 - 27 ... القرارة ... 28/ 02/2015م
80 ... سليمان زيتون عائشة بنت إبراهيم بن الحاج محمد ... 14?1436هـ ... 1998 - 06 - 18 ... القرارة ... 05/ 03/2015م
81 ... بن لولو سعاد بنت عبد الرحمان بن أحمد ... 16?1436هـ ... 1999 - 10 - 13 ... القرارة ... 07/ 03/2015م
82 ... سليمان بوعصبانة ندى بنت بهون بن علي ... 21?1436هـ ... 1996 - 11 - 08 ... القرارة ... 12/ 03/2015م
83 ... وعلي إلياس بن موسى بن محمد ... 25?1436هـ ... 1996 - 08 - 21 ... القرارة ... 16/ 03/2015م
84 ... باسعيدوالحاج موسى بن بللو بن عمر ... 25?1436هـ ... 1993 - 08 - 22 ... غرداية ... 16/ 03/2015م
85 ... العنق عائشة بنت مصطفى بن عمر ... 26?1436هـ ... 1997 - 02 - 02 ... القرارة ... 17/ 03/2015م
86 ... مجاهد إيمان بنت عيسى بن بابا ... 28?1436هـ ... 1995 - 12 - 15 ... القرارة ... 19/ 03/2015م
87 ... معيان فافة بنت مصطفى بن مسعود بن عمر ... 28?1436هـ ... 1994 - 03 - 01 ... القرارة ... 19/ 03/2015م
88 ... ابن عمور سارة بنت يوسف بن الناصر ... 29?1436هـ ... 1994 - 01 - 01 ... القرارة ... 20/ 03/2015م
89 ... وعلي صلاح الدين بن محمد بن صالح ... 03?1436هـ ... 1995 - 02 - 13 ... القرارة ... 23/ 03/2015م
90 ... ابن الشيخ هاجر بنت مصطفى بن عمر ... 05?1436هـ ... 1995 - 12 - 29 ... القرارة ... 26/ 03/2015م
91 ... بوراس سندس بنت حسن بن محمد ... 06?1436هـ ... 1999 - 08 - 29 ... القرارة ... 27/ 03/2015م
92 ... بوعبون حمزة بن إبراهيم بن بكير ... 09?1436هـ ... 1994 - 06 - 05 ... القرارة ... 29/ 03/2015م
93 ... بوقرينات لالة بنت مصطفى بن محمد ... 11?1436هـ ... 1997 - 10 - 20 ... القرارة ... 01/ 04/2015م
94 ... أولاد داود سندس بنت إبراهيم بن الحاج علي ... 15?1436هـ ... 1991 - 08 - 22 ... القرارة ... 05/ 04/2015م
95 ... سليمان زيتون هاجر بنت قاسم بن سليمان ... 18?1436هـ ... 1995 - 11 - 06 ... القرارة
08/ 04/2015م (1/343)
صفحة 333
96 ... حفار سارة بنت صالح بن داود ... 26?1436هـ ... 1995 - 10 - 05 ... القرارة ... 16/ 04/2015م
97 ... أبي اسماعيل احجوجة مامة بنت علي بن يوسف ... 04?1436هـ ... 1992 - 11 - 20 ... القرارة ... 23/ 04/2015م
98 ... سليمان بوعصبانه قاسم بن نور الدين بن محمد ... 09?1436هـ ... 1992 - 12 - 25 ... القرارة ... 28/ 04/2015م
99 ... خفياني قليل إلياس بن محمد بن بكير ... 16?1436هـ ... 1996 - 12 - 31 ... القرارة ... 05/ 05/2015م
100 ... الشيخ بالحاج أسماء بنت قاسم بن أحمد ... 18?1436هـ ... 1997 - 07 - 24 ... القرارة ... 07/ 05/2015م
101 ... بوراس رميساء بنت حسن بن محمد ... 29?1436هـ ... 2001 - 08 - 17 ... القرارة ... 18/ 05/2015م
102 ... أبو العلا فائزة بنت حمو بن عيسى ... 01شعبان1436هـ ... 1996 - 03 - 03 ... القرارة ... 20/ 05/2015م
103 ... سليمان بوعصبانه علي بن أحمد بن قاسم ... 13 شعبان 1436هـ ... 1992 - 06 - 25 ... القرارة ... 31/ 05/2015م
104 ... الجَرِي راشد بن محمد بن سالم ... 15 شعبان 1436هـ ... 1985 - 08 - 31 ... زنجبار
02/ 06/2015م (1/344)
صفحة 334
VUE SUR LA PRIERE
L’EMOTIONNEL
ET LE RATIONNEL
DANS LA PRIERE EN ISLAM
Dr. MOHAMED ABOULOLA
Professeur à la Faculté de Médecine
aboulolam@yahoo.fr
A
AVERTISSEMENT
l'importance de la prière en Islam est telle que le Coran en parle dans près de 90 versets. ce qui ramène le titre de ces quelques lignes à une courte présentation d'un des aspects de ce piler de la religion. je voulais attirer l'attention du croyant sur la conception architecturale d'une construction où rituel et gestuel s'articulent si harmonieusement pour atteindre cette élévation spirituelle voulue par la prière.
*****
Si la croyance religieuse semble à priori une adhésion émotionnelle, la raison n’en appelle pas moins à la foi.
Le verset 100 de la sourate «Younes» le confirme: «il n’est au pouvoir d’aucune âme de croire, si ce n’est sur licence de Dieu, et Dieu jette l’opprobre sur ceux qui se refusent à la raison».
Ainsi, si l’homme a la liberté du choix moral, le bon choix dépend essentiellement de la grâce de Dieu. cette grâce que le musulman sollicite par la Prière. Et dans celle-ci, il y a précisément union entre intuition et raison
En effet, lorsque le croyant a une pensée vers Dieu, il (1/345)
صفحة 335
pratique spontanément sa prière dans un élan logique. Le verset 14 de la sourate 87 , l’une des premières de la révélation coranique le confirme: «bien heureux qui s’est purifié Se rappelant le nom de son Seigneur, a prié»
Rappelons ici, que c’est en exerçant sa raison qu’Abraham arrive à une émouvante perception du monothéisme . Les versets 76 à 78 de la sourate 5 nous en donnent une sobre allégorie.
Et ce sont les êtres dénués de raison qui se détournent de la prière : «quand vous appelez à la prière, ils la tournent en dérision, se jouant d’elle. Et cela parce qu’ils sont un peuple qui n’exercent pas leur raison» sourate 5 verset 58.
Un observateur averti ne manquera pas de remarquer que la prière , dans sa cadence rituelle et son expression gestuelle, est structurée selon un réel ordre numérique . Cet aspect rationnel ne se limite pas à la sécheresse des chiffres, mais puise sa source dans le texte coranique lui-même.
Relisons certains versets de la sourate 27 «Ennaml» (les fourmis)
Voici le verset 59: «dis: louange à Dieu (alhamdou lillah) salut (salam) sur ses élus ... ».
Alhamdou lillah et salam sont les termes qui inaugurent et terminent chaque prière.
Les versets 60 à 64 de la soura 27 forment 5 courtes strophes à refrain: «avec Dieu peut il y avoir un dieu ?».
Non, il n’y a pas d’autres dieux que Dieu, et les 5 versets comme nous allons le voir en donnent la démonstration.
V60 «Lui qui créa les cieux et la terre , et fait pour vous descendre une eau du ciel, dont Nous faisons pousser des vergers merveilleux, quand il n' était pas en votre pouvoir d'y faire pousser des arbres .... Avec Dieu peut -il y avoir un dieu? mais c'est un peuple qui se détourne (de la vérité)».
V 61 «Lui qui rend stable la terre; la sillonne de rivières, la fixe par des ancrages, interpose un seuil entre les deux mers, avec Dieu peut-il y avoir un dieu? .... Mais la plupart ne le savent». (1/346)
صفحة 336
V62 «Lui qui exhausse quand on L'invoque dans la nécessité ,dissipe le mal. établit les hommes lieutenants sur la terre,, avec Dieu peut-il y avoir un dieu? ... Mais combien peu vous méditez!».
V 63 «Lui qui vous dirige dans les ténèbres du continent et de la mer, envoie les vents s'épandre aux devant sa Miséricorde, avec Dieu peut-il y avoir un dieu? ... Dieu si haut par-dessus tout ce que l'on Lui associe».
V 64 «Lui qui instaure la création, puis la recommence, vous attribue des biens du ciel et de la terre, avec Dieu peut-il y avoir un dieu? ... Dis produisez vos arguments si vous êtes véridiques»
tels sont les versets démonstratifs, Leur nombre rappelle les 5 prières canoniques de tous les jours. Chacune d’elles commence par la récitation de la «Fatiha», la première sourate révélée dans sa totalité en une seule fois.
Elle est récitée 17 fois par jour. 17 est le numéro de la sourate «El Isra» (le voyage nocturne).
C’est au cours de cette expérience mystique du prophète, que furent décrétées par Dieu les 5 prières quotidiennes comme pilier essentiel de la foi.
Et la foi accompagne en permanence le croyant lui permettant d’être en relation directe avec son Créateur par la prière dans une cadence qui rappelle les 5 étapes essentielles de sa vie:
-le jour où il nait
-le jour où il meurt
-sa période de croissance
-l’âge où il devient géniteur
-quand il sera ressuscité
C'est moins un rappel statistique qu’ un appel à savourer cette belle ferveur islamique.
Revenons au symbolisme mystique de la sourate 27. Nous savons qu’il y a autant de Basmallah que de sourates dans le Cor’an. Il en manque une au début de la sourate 9 «Ettawbah» (le Repentir). Elle va se retrouver au verset 30 de cette sourate 27. (1/347)
صفحة 337
Un chercheur dont j’ai oublié le nom (qu’il m’en excuse) a montré que le choix de cette place n’est pas aléatoire
La sourate 27 compte 93 versets, le 30e portant la Basmallah qui manquait à la sourate 9 qui compte 129 versets. 93,27,30,9,129 sont 5 chiffres multiples de 3 Telle est la découverte de notre chercheur
Quant à nous, nous allons trouver la pertinence de ce chiffre 3 dans la suite de notre étude: La prière en Islam a une gestuelle propre.
Chaque prière est composée de cycles : «Rakaates» au nombre de 4 ou 2, 3 pour la prière du crépuscule. Chaque Rakaa comporte 3 postures: 1 inclination suivie de 2 prostrations.
Elles sont ponctuées chacune par l’un des 3 plus beaux noms de Dieu:
••Dieu Le plus Grand «Allahou Akbar» pour toutes . 5 fois pour chaque cycle rappelant les 5 prieres canoniques.
••Dieu Le Sublime «SobhanaRabia Al ‘Adim» pendant l’inclination et à réciter 3 fois.
••Dieu Le Très Haut «sobhanaRabiaAl-A’la» pendant la prostration et à réciter 3 fois.
Ces invocations sont essentiellement une contemplation de la transcendance divine dans une grande émotion mystique inspirée par ce verset 180 de la sourate 7 «Al-A’raf»: «A Dieu appartiennent les noms les plus beaux. Invoquez Le par eux ... »
La Basmallah au nom de laquelle nous faisons nos prières comporte elle aussi 3 des plus beaux noms de Dieu : Allah , Le Tout Miséricorde , Le Miséricordieux.
Arrêtons-nous quelque peu à ce verset 180; Nous évoquons effectivement dans nos prières 6 des plus beaux noms de Dieu : 3 dans la Basmallah, 3 dans notre inclination et nos prostrations.
Les mathématiciens nous disent que 6 est un nombre parfait (1) .
__________
(1) - un nombre est dit parfait si la somme de ses diviseurs (sauf lui-même) est égale a lui-mêmediviseurs de 6 . 1.2 et 3 1+2+3 = 6 (1/348)
صفحة 338
Les théologiens nous disent que la prière est une forme parfaite de l’adoration de Dieu. Quelle belle rencontre de la foi et de la raison!
Il existe aussi une autre raison de s’ émerveiller; Réciter 3 fois la formule spécifique de l'inclination et de la prostration à chaque prière nous conduit au chiffre 15 pour elles toutes.
On s’ aperçoit que Dieu Le Sublime se retrouve dans 15 versets coraniques. Et que le texte coranique est ponctué de 15 prostrations dites «soujoud ettawil» prostrations de la récitation.
IL SE DEGAGE AINSI UN SENTIMENT D’ EQUILIBREqui nous plonge dans un état mystique où la conscience s’absorbe en Dieu dans chacune de nos prières.
Peut-on extraire la Besmallah de cet édifice si bien proportionne?
Certes, le khalife Omar Ibnou El Khattab, pour lui le contentement de Dieu, ne la citait pas ,mais uniquement entre sourate «El Fil» et sourate «Quraysh» quand il dirigeait la prière à la mosquée. il les considéraient - comme d’ autres compagnons du Prophète - comme une seule soura .on les retrouve.
d’ailleurs ainsi groupées dans le recueil coranique de OubeyIbnouKaab.
En dehors de cet aspect arithmétique, gestes et évocation sont parfaitement coordonnés dans notre prière.
Après s’être incliné, le croyant en prière se redresse en prononçant: «Dieu est à l’écoute de celui qui Le loue». Oui Dieu est à l’écoute de l’homme dans sa prière. Moment d’intense émotion qui appelle une première puis une deuxième prosternation dans une belle humilité religieuse. humilité exaltante ! car la prière permet l'élévation du croyant vers son Créateur
Rappelons que le croyant avait commencé sa prière par la récitation de la «Fatiha» également appelée « sourate Al Hamd » sourate des louanges.
Il convient de citer à son sujet le Hadith koudsi (1) qui lui est
__________
(1) - Hadith koudsi : inspiré par Dieu et formulé par le Prophète. (1/349)
صفحة 339
consacré:
«Allah ,subhanahouwata’ala a dit "j’ai séparé la prière entre Moi et Mon serviteur en deux parties, et Mon serviteur recevra ce qu’il a demandé.
Lorsque le serviteur dit "Al-hamdoulillahi rabbi l’alamin" (Louange à Allah Seigneur des mondes) Allah, dit :Mon serviteur m’a loué.
Et quand il dit: "Ar-rahmani Ar-rahim" (Le Miséricordieux, Le Tres Miséricordieux), Allah dit: Mon serviteur M’a exalté.
Et lorsqu’il dit "Malikiyaoumid-din" (Maitre du Jour Dernier), Allah dit : "Mon serviteur m’a glorifié".
Et lorsqu’il dit : "Iyyakana’boudouwaIyyakanasta’in" (c’est Toi seul que nous adorons et c’est Toi seul dont nous implorons le secours) ,Allah dit: "Ceci est entre Moi et Mon serviteur, et Mon serviteur aura ce qu’il a demandé".
Et lorsqu’il dit "Ihdinaessirata-l-moustakim, siratalladhina an amtaalayhimghayril-maghdoubialayhimwalad-dalin" (guides nous dans le droit chemin, le chemin de ceux que Tu as comblés de faveurs, non pas de ceux qui ont encouru Ta colère, ni des égarés), Allah dit : "ceci est pour Mon serviteur, et Mon serviteur aura ce qu’il a demandé"».la prière du fidèle est réellement exhaussée qu' il dise ou non "AMEN".
Voici si bien exprimée cette relation de proximité entre Dieu et Ses serviteurs et qui répond au sens profond du mot «SALATE». C’est une autre raison de nous émerveiller devant cet enchainement logique des données qui s’offrent à l’observateur.
Et de telles réalités sont saisissables avec le regard de l’intelligence et de la foi. Ce regard nous permet de mieux comprendre le sens du verset 238 de la sourate 2 «El Baquara»: «soyez assidus aux prières, à la prière médiane et dressez-vous vers Dieu en pleine dévotion».
Dans ce cycle répétitif de 5 , chaque prière est médiane entre les 2 prières qui la précèdent et les 2 qui la suivent, c’est dire que (1/350)
صفحة 340
l’assiduité à toutes les prières est constante et ne concerne pas une prière en particulier « la prière est pour le croyant un devoir lié à un moment donné ... .. » précise le verset 103 de la sourate «An-nissa» (les Femmes )
Ce devoir que nous rappelle l’appel à la prière qui s’élève de nos minarets, appel dont les paroles ont une telle charge émotionnelle.
Celle-ci nous met en parfaite disponibilité d’attention et de sensibilité intérieure pour aborder la prière dans les meilleures conditions
On peut ainsi suivre consciencieusement l’esprit et la lettre du verset 31 de sourate «Al’A’raf»: «O fils d’Adam, revêtez votre belle parure (zintakoum )en toute oraison ... .»
Il est de bonne tradition qu’un homme ou une femme qui se respecte, ne se présente devant un dignitaire que sous son meilleur aspect. Ceci devient un impératif absolu lorsque l’on va vers Dieu, notre Seigneur Dieu présent en tout temps et partout que nous vénérons avec exaltation.
«Transcendance de Dieu, quand vous êtes au soir et au matin».
«Gloire à Lui aux cieux et sur terre, lors de vos midis et lorsque le soleil décline» Sourate 30 « Ar-Rum » (les Romains) versets 17 - 18. Belle exclamation qui résonne à chaque moment ici mentionné et qui évoque les 5 prières canoniques .
Puissions-nous les accomplir avec foi sans renoncer à l’exercice de l’intelligence pour cerner la crédibilité de ce qui a été révélé. Et sans oublier aussi que : «La prière réfrène l’infâme et le blâmable»sourate 29 «Al’Anakabout» ( L’Araignée) verset 45
Le blâmable exprime ce qui est contre le bon sens et la Raison. Oui ; la prière mérite bien l'intérêt qu' on doit lui porter. Le verset 206 de la soura 7 nous le rappelle: .. (ordonne aux tiens la prière , sois y toi-même constant,) «ceux qui sont auprès de ton SEIGNEUR , point d’ orgueil qui les détourne de L’ adorer, de proclamer Sa transcendance, de se prosterner devant Lui».
les prophètes ,sur eux le salut et la bénédiction de Dieu, en sont un exemple comme en témoignent plusieurs versets tel que celui- (1/351)
صفحة 341
ci: «Mon SEIGNEUR fais de moi celui qui accomplit la prière , fais-le aussi de mes descendants ,notre Seigneur, accepte mon invocation» S 14 V 40.
par leur communion avec Dieu, ils aspirent à s’abreuvoir abondamment à la fontaine de la Morale Divine. telle devrait être notre propre aspiration intérieure, même si l’on pense que les portes du Paradis pourraient s’ouvrir à quelque un qui n’a jamais prié de sa vie.
il s‘agit en fait d'une exception dont le seul bénéficiaire semble être Ouseyrym Aamr Ibnou Thabit, un compagnon tardif du Prophète. c’était un farouche réfractaire à l‘Islam et à son prophète. On le trouve blessé à mort sur le champ de bataille à (Uhud).
«J‘ai cru en Dieu, et en son prophète, et j’ ai aussitôt pris mon épée pour venir défendre l‘islam» dit-il aux personnes surprises de le trouver là, avant de rendre l'âme.
Quand ces propos furent rapportés au Prophète, salut et bénédiction de Dieu sur lui, il assura que Ousseyrim méritait le paradis.
- - - (1/352)