صفحة 1
الكتاب: مجلة الحياة العدد 20 - مبوبة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}
الحياة
20
دورية فكرية محكَّمة يصدرها معهد الحياة
وجمعية التراث ــ القرارة، الجزائر
رمضان 1437هـ / جويلية 2016م
طبع المطبعة العربية 11 نهج طالبي أحمد ـــ غرداية
ettourath@gmail.commail.com
(
6
ابتداء من العدد 12
دورية الحياة
مجلة فكرية محكّمة
تصدر عن معهد الحياة وجمعية التراث
قواعد النشر:
*-تنشر دورية "الحياة " البحوث العلمية الأصيلة للباحثين من داخل القطر الجزائري ومن خارجه.
*-تهتمُّ الدورية بالبحوث والدراسات في شتَّى المجالات الفكرية والشرعية والأدبية والتراثية، شريطة أن تتميَّز بالأصالة والجدَّة، والعمق في الطرح، والأسلوب السليم، والمنهجية العلمية الدقيقة، مع (1/1)
صفحة 2
الإحالة إلى المصادر والمراجع، والالتزام بالأمانة العلمية، والاعتدال في الفكر.
*-تنشر الدورية البحوث التي لم يُسبق نشرها في أيِّ مكان آخر.
*- تخضع جميع البحوث للتقويم من قِبل لجنة محكّمة، مكوَّنة من دكاترة وأساتذة يساعدهم خبراء من تخصُّصات معرفية مختلفة، وهذه اللجنة وحدها هي المخوَّلة بقبول البحوث أو رفضها.
*-لا تُعاد البحوث التي تُرسل إلى الدورية سواء نُشرت أم لم تُنشر، ولا تلتزم اللجنة المحكّمة بذكر أسباب عدم قبول نشر أي بحث، وتُعتبر قراراتها نهائية.
*-ترتيب البحوث في الدورية موضوعيٌّ وتنسيقي، ولا يعبِّر بأي حال من الأحوال عن مكانة الباحث أو البحث.
*-تُرسل البحوث مصفَّفة بنظام ( WORD) بصيغة ( DOC)، على قرص مضغوط ( CD) أو إلى البريد الإلكتروني للمجلة، مع كتابة اسم الباحث وذكر وظيفته الحالية، ورتبته العلمية. على أن لا يتجاوز عدد صفحات البحث 20 من مقاس A4 بحجم خط ( Taditional Arabic) 18، إلى العنوان البريدي:
دورية الحياة ــ جمعيةالتراث
ص، ب: 19 القرارة، غرداية، 47110، الجمهورية الجزائرية
أو أحد البريدين الإلكترونيين:
info@tourath.org ... ــــ ... ettourath@gmail.com
وللاتصال:
هاتف/ فاكس: 213.29.26.22.58+
www.tourath.org
ملاحظة:
ما تنشره الدورية لا يعبِّر إلاَّ عن الرأي الشخصي لصاحب البحث،
ولا يعبِّر بالضرورة عن رأي الدورية، أو اللجنة المحكمة، أو هيئة التحرير، أو الناشر. (1/2)
صفحة 3
المحتويات
الافتتاحيَّة ............................. أ. د/محمَّد بن قاسم ناصر بوحجَّام ز
التسامح ووحدة الأمة
* التسامح في المدرسة الإباضية
الأستاذ: ح أحمد بن ح حمو كروم 18
*- أسس الحوار والتفاهم بين المذاهب الإسلامية
الدكتور مبارك بن عبدالله بن حامد الراشدي 45
*- الوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم
أ/عيسى بن محمد الشيخ بالحاج 65
*-أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية
الدكتور. مصطفى بن محمد شريفي 81
قضايا مالية وفقهية معاصرة
*- التمويل الذاتي للأوقاف جمعية الحياة التربوية نموذجا
الدكتور محمد صالح حمدي 112
*- دراسة نقدية لهندسة الصكوك
أبونصر بن محمد شخار 130
قضايا اجتماعية وحضارية
*- المسكن الإسلامي في مدن مزاب
الأستاذ. عمر بن محمد زعابة 157
*- ملاحظات حول الهجرة غير الشّرعيّة
الدكتور حمو بن عمر فخار 184
*- عُمان بعيون جزائرية 1900م- 1964 م
الدكتور الحاج موسى بن عمر الجزائري 198
تاريخ وسير
*- سيرة الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب في الحدث الواقع
بعمان (عزل الصلت بن مالك الخروصي) دراسة تاريخية حضارية
الطالبة: بدرية بنت محمد بن شامس النبهاني 210
*- كتاب السِّير للشّيخ أحمد الشّمّاخي والبعد التّربوي فيه
الأستاذ الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام 239
*- الأمن (الشرطة) في عهد الرستميين
الأستاذ الدكتور/ إبراهيم بن بكير بحاز 255
*- التواصل بين إباضية المشرق والمغرب في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم
بن أبي كريمة (حوالي من سنة: 105هـ/ 724م إلى سنة145ه/763م).
الأستاذ: محمد بن بكير سعيد 262
خطبة العدد
*-نصائح للتّخلّص من القلق!! (1/3)
صفحة 4
الأستاذ: نور الدّين بن محمد قرِّي 283
الرسائل الجامعية
*- فقه الأولويات في السّياسة الشّرعية المعاصرة (دراسة فقهية مقاصدية)
ملخص رسالة ماجستير أ. خضير باعلي وسعيد 290
*-اعتماد الحساب الفلكي في نفي أو إثبات الأهلة: دراسة فقهية وفلكية
مقارنة
ملخص رسالة ماجستير أ. أحمد بن صالح الشيخ أحمد 304
واحة الإبداع الشعري
*- حوار الجد والحفيد
أ. الدكتور محمد صالح ناصر 311
*-رحلة الإنصاف والوفاء
الشاعر: سليمان بن عمر دواق 315
أهلُ الله وخاصَّتُه
*-المستظهرون لكتاب الله بالقرارة (1436 - 1437/ 2015 - 2016) 317
*-فهرس مواضيع دورية الحياة من سنة 1427هـ/2006م إلى سنة 1436هـ/2015م 322
دراسات أجنبية
* - Création des tribunaux ibaditesen Algérie pendant l'époque coloniale
Chercheur Salah Bendrissou 338
/
4 (1/4)
صفحة 5
افتتاحيّة العدد العشرين
بقلم: أ. د./ محمد بن قاسم بن الحاج عمر ناصر بوحجام
رئيس جمعيّة التّراث
bouhed@yahoo.com
نحمد الله تبارك وتعالى على بلوغ مجلّتنا (الحياة) محطّتَها العشرين. ونشكره على أن وفّقنا لننشر على صفحاتها رسالة الفكر الأصيل والكلمة الطّيّبة المسؤولة، والموقف الثّابت الملتزم، .. وأن نبلغ من خلالها ما كنّا نطمح إليه من تحقيق كثير من الأهداف المسطّرة المنوطة بها .. فحمدًا للمنعم المتكرّم المتفضّل .. ومزيدًا من نعمه نستجدي ونرتجي ... نرجو أن نكون بهذا الشّكر قد قيّدنا نعمًا وصِدْنَا أُخَرَ؛ مصداقًا لقوله عزّ من قائل: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (1). الّلهم لك الحمد حتّى ترضى، ولك الحمد إذا رَضِيت، ولك الحمد بغد الرّضا دوما وأبدا ..
في هذه الوقفة التّاريخيّة واللّحظة الاعتباريّة والتّذكيريّة والتّرشيديّة والتّقويميّة .. لا يسعنا إلاّ أن نعود بقرّاء مجلّة الحياة إلى افتتاحيّة عددها الأوّل (2) - بل يشرّفنا - لنعرض ما تفضّل به علينا أحد فرسان البيان، ومن كان في مسيرة معهد الحياة الأدبيّة من الأركان، ومن قدّم للأجيال المتعاقبة من الدّرر والحكم والإرشادات كثيرًا من الألوان .. أستاذنا وشيخنا حمّو من عمر فخّار (ت 1426هـ/ 2005م) -رحمه الله -
في مقاله هذا عرض الخطوط العريضة لمسيرة مجلّة الحياة، التي هي سليلة جريدة الشّباب ومجلّة الوعي الإسلامي وغيرهما ممّا صدر على منوالهما وبروحهما وأهدافهما ... ، التي يريد شيخنا أن تكون قدوة وإسوة لمجلّة الحياة في خطّها ونهجها وأسلوبها وما نتج عنها وما تفرّع منها .. في هذا الرّبط رسالة واضحة ودعوة قويّة للالتزام بالخطّ السّليم والنّهج الصّحيح والصّراط المستقيم في نشر ما تُسوّدُ به صفحات مجلّة الحياة،
__________
(1). إبراهيم:7.
(2). صدر في رمضان 1418هـ م / جانفي 1998م. ينظر الافتتاحيّة ص: 7 - 11.
ليكون بياضًا وغرّة في جبين مسيرتها وتاريخها .. ؛ امتثالاً لقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1)
شيخنا الفاضل حمّو فخّار تفضّل علينا بكلمات وزنها من ذهب، من لم يفهمها ولم يَعِها ولم يعمل بها ذهبَ عنه كلّ خير، ومن استوعبها ونفّد مضامينها ووعى الرّسائل التي تحملها ذهب مع الذين هداهم الله لما يحبّه ويرضاه، ومع الذين يجاهدون في الله حقّ جهاده، فيكونون من المحسنين الذين قال فيهم - عز وجل -: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (2)
قال الشّيخ حمّو: "استجابة لدعوة والدي الكريم الشّيخ عدّون - رعاه الله - (ت1425 هـ/ 2004م) - رحمه الله - الذي دعاني في رسالة خطّيّة يوم الجمعة 22 رمضان 1417هـ، الموافق لـ 31 جانفي 1997م، للمشاركة في المجلّة المزمع إبرازها بالقرارة باسم (الحياة)؛ لتكون لسان معهد الحياة العامر من طلبته وخرّيجيه، ومن سار على دربهم من كُتَّابٍ وشعراء ومفكّرين .. وقد كان في وسعي أن أعتذر، لولا أنّه أكَّد عليَّ شفويًّا، خلال زيارته لي بعد ذلك، أن يكون ما أحرّره افتتاحيّة للمجلّة، في أوّل عددها.
فلم يسعني إلاّ أن أبادر بكتابة الكلمة المتواضعة التّاليّة، لا اعتدادًا بما عندي من بضاعة مزجاة، بالقياس لما تزخر به القرارة من نوابغ فريدة، بل امتثالاً للأبوّة الرّحيمة الحانية، التي أمرنا المولى جلّ (1/5)
صفحة 6
وعلا - مهما كان حالنا من الضّعف - أن نطيع أمرها ونخفض لها جناح الذّلِّ من الرّحمة، ونقول على الدّوام: {رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (3)
كم رسالة تحملها هذه الفقرة؟ هي كثيرة يتلقّاها ويلتقطها من كان له قلب أو ألقى السّميع وهو شهيد. رسائل فيها الدّعوة إلى التّخلّق بالخلال والشّمائل العالية: برًّا بالوالدين، وطاعة لأولي الأمر، ووفاء بالعهد لمن له الفضل، وتواضعًا لا حدود له، وتوكّلا على الله في العون والتّوفيق، للإقدام على إنجاز الصّعب من الأعمال، وتنفيذ الكبير من المشروعات ..
في الفقرة رسالة موجّهة لمن يتلكّأ بانشغاله بالأعمال الاجتماعيّة، ويتعلّق بالأسباب التي تمنعه من الإسهام في الكتابة، فيعتذر عن
__________
(1). الأنعام:153.
(2). العنكبوت:69.
(3). الإسراء: 24.
تحرير مقالات أو تحضير دراسات، تكمّل رسالته في الحياة، وتوسّع من مجال نشاطه وعمله الاجتماعي نفسه .. فالشّيخ حمّو ممّن ابتلي بالعمل الاجتماعي الواسع، وممّن يضيق وقته لينشغل بالكتابة، مع كلّ ذلك حرّر من هذا الوقت الضّيّق، ووّسع فيه ليجد مجالاً ليكتب. ألا يعتبر المعتبرون؟! ألا يقتدي به من هم على شاكلته من المحصورين من كلّ جانب بالنّشاط الاجتماعي؟!!
هذه الخلال والفضائل والمكارم نقرؤُها في موقف شيخنا وأبينا الرّوحي الشّيخ عدّون بن بالحاج شريفي، في تواضعه وطلبه من ابنه وتلميذه المبادرة في تصدير أوّل عدد من مجلّة الحياة بافتتاحيّة تاريخيّة، وهو الذي درّبه على الكتابة على صفحات جريدة الشّباب، لَمَّا كان طالبًا عنده يدرس في معهد الحياة .. وقد كان يشرف على ما يكتبه طلبته - والشّيخ حمّو أحدهم - في جريدة الشّباب: تصحيحًا وتشذيبًا وتعليقًا وتوجيهًا .. ودفعهم، بل حملهم للكتابة للتّدريب والمشاركة في المسيرة الأدبيّة .. هذا الأستاذ المعلّم - بتواضعه وحبّه الشّديد لتلاميذه وحرصه الكبير على إشراكهم في الحياة العامّة - يلحّ على تلميذه أن يتولّى أمر خطّ نهج مجلّة الحياة، ووضع حدود للتّحرّك فيها، ورسم الأهداف المنشودة من الكتابة فيها ..
للتّلميذ (حمّو) نصيب من خلق التّواضع أيضًا، برز في عدم اعتداده بما يملك من بضاعة في الكتابة الأدبيّة، رغم تفوّقه وبراعته واقتداره فيها، وبروزه عملاقًا من عمالقة الكتابة الرّصينة العميقة الملتزمة الهادفة .. لكنّه بتواضع العلماء وذوي الأخلاق العالية .. يقدّم نفسه لقرّاء المجلّة كاتبًا بسيطًا، بل يعتذر لهم في استجابته لطلب أستاذه، وهو يرى نفسه غير مؤهّل لِما طُلِبَ منه .. رحم الله الشّيخين .. ووفّقنا للاقتداء بهما والانتفاع بأخلاقهما وعلميهما وأدبيهما ... (1/6)
صفحة 7
من أخلاق شيخنا حمّو، التي ترفع من قيمته وقدره، وتجعله مثالاً يحتذى، ونموذجًا يقتدى الوفاءُ الذي تكشف عنه الأسطر الآتيّة: " ... فحيَّى الله القرارة التي علّمتنا السّباحة في الضّحضاح، وبفضلها- بعد فضل الله - غدونا نحذق العوم في اللّجج، ولا تخيفنا أمواجها، ولو كانت كالجبال."
ألا يكون لنا هذا الاعتراف بالفضل للقرارة سندَا وعونًا ودعامةً، فَنُقدِم غير هيّابين للإسهام في مجلّة الحياة بكتاباتنا، ونحن الذين ما فتئنا ندعو ونلحّ ونلتمس. و. و .. المشاركة فيها، لكنّ الاستجابة هي أقلّ من الطّموح، وأضعف من تحيّة الطّلب والدّعوة، التي كان الواجب علينا أن نردّ عليها بأحسن منها، أو بمثلها على الأقلّ. بل حتّى الرّدَّ على هذه الدّعوات - أحيانًا - لا يكون ...
من النّصائح التي تضمّنتها الافتتاحيّة ملاحظاتٌ قدّمها شيخنا الفاضل حمّو فخّار. منها قوله:" ... تلك لمحة تاريخيّة فرضتها المناسبة، عشنا أدوارها، وكان لزامَا علينا أن نسجّلها حتّى لا يظنَّ المتأخّرُ أنّه نبت
كالكمأة في الأرض، لا جذور له، يستمدّ منها الغذاء والنّماء، وليعلم أنّه سوف لا يصلح للبقاء، إذا لم يتلقَّ أمثال هذه النّكبات، ويتعرّض لكثير من النّكسات. فصبرًا يا من عقدتم العزم على المُضِيِّ يا آل ياسر، وصبرًا أكبر وأعظم، كما صبر أولو العزم من الرّسل.
لا تحسبنَّ المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغَ المجد حتّى تلعقَ الصَّبِرا"
توجيه مهمّ يقدّمه خبير بما يدور في الصّدور، وقدير على استكناه ما يجول في الفهوم ... نرجو أن تكون مسيرة مجلّة الحياة في سنواتها العشرين متّصفة بهذا الشّعور، وفيّة لمن سبقها، متمسّكة بما نشّأها عليها مؤسّسوها وموجّهوها .. ملتزمة بالمضيّ قدما، من دون التّفكير في التّأخّر عن الركّب، مهما يعترض طريقها من عقبات .. الدّليل على ذلك، أنّها تخطّت كثيرًا من العقبات، وتجاوزت كثيرًا من الحواجز، وذلّلت كثيرًا من الصّعاب فاستوت على الجوديّ في محطّتها العشرين بإذن ربّها والحمد لله، وإنّها لترجو فوق ذلك مظهرًا، فتواصل سيرها نحو أهدافها بتعاون الجميع، وتكاثف الجهود .. وهذا منوط بمن يؤمن برسالة الكتابة والنّشر، ويوقن أنّ عليه مسؤوليّة خاصّة في النّهوض بالمشروعات الجادّة البانية للحضارة، والمربية للمجتمع ..
من بين متطلّبات الرّسالة الشّريفة العملُ على نصرة اللّسان العربي، والحفاظ على قواعده التي تضمن له الوقوف على قوائمه بقوّة وشدّة .. قال شيخنا حمّو: " ... وبعد! فإنّ أوّل ما يجب أن يكون شعار مجلّتنا الوليدة نصر اللّغة العربيّة، التي نزل بها الرّوح الأمين على قلب محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ليكون من المنذرين، بلسان عربيٍّ مبين ... "
نرجو أن يكون هذا النّداء قد جسّد في أعداد المجلّة العشرين، بما يرضي الله ورسوله، ويرضي أستاذنا .. كما نرجو أن تكون المجلة الوليدة - كما وصفها شيخنا - هي الآن ولودة بأبحاث ودراسات ومقالات وإبداعات، هي في مستوى الآمال والطّموح .. نسأل الله القبول لما قدّم من (1/7)
صفحة 8
كتابات، والمزيد واستدراك ما فات، وتلافي العثرات، والإحسان فيما هو آت ....
قدّمنا هذه الفقرات وهذه الملاحظات من المقال الافتتاحي للعدد الأوّل؛ في افتتاحيّة العدد العشرين؛ لنربط السّابق باللاّحق، وننظر ما تحقّق على صفحات المجلّة وما لم يتمّ تنفيده .. ثمّ لنقوّم المسيرة: محافظة على خطّ المجلّة، وتطوّرًا في أدائها، وتنوّعًا فيما قدّم فيها، وعدد المشاركين فيها .. باختصار نريد أن نعرف ماذا تحقَّق من الأهداف المسطّرة، وماذا كان نصيب الوفاء بمتطلّبات الكتابة الملتزمة المسؤولة ... فيما تضمّنته الأعداد التي صدرت ...
نقول بكلّ صراحة وإنصاف للعاملين المجدّين المجتهدين .. : إنّ المجلّة وفّت بكثير من الالتزامات التي رفعها على كاهلها وأناطها بها مؤسّسوها والقائمون عليها منذ بداية نشأتها .. فنشرت بحوثا ودراسات وإبداعات .. في مختلف حقول المعرفة، من عقيدة وفقه وأدب ولغة وتربية وتاريخ وحضارة وسياسة واقتصاد واجتماع ... كتبت في تراجم الرّجال والأعلام، ونشرت قراءات في كتب ودراسات، وقدّمت تأمّلات فكريّة متنوّعة .. وفسحت المجال للنّقد وتقويم الأعمال ...
العدد العشرون نموذج لهذه البحوث المتنوّعة، (الذي لا يختلف كثيرًا عن الأعداد الأخرى) فيه دراسات تاريخيّة، وتربويّة، وشرعيّة واقتصاديّة، وحضاريّة .. فيه بحوث حول السّير الإباضيّة .. وإبداعات شعريّة .. ما يؤكّد على التزام المجلّة بخطّها ومنهجها، اللّذين يتوخّيان التّوازن في تناول موضوعات لِمجالات متعدّدة، وعرض آراء مختلفة، والنّشر للباحث المتمرّس، والمبتدئ المتلمّس لطريقه في ميدان البحث، وتقديم نتاج المبدعين الكبار المعروفين والنّاشئين الذين يجتهدون في صقل مواهبهم، ومزاحمة الكبار بركبهم وقرائحهم ليلتحقوا بهم، وليضيفوا عليهم ويزيدوا إبداعات متميّزة ...
اجتهدت المجلّة وجاهدت لتكون في مستوى رسالة الكتابة الهادفة، وعند حسن ظنّ قرّائها قدر المستطاع، وحرصت أن تستقطب كتّابًا من أقطار عربيّة وإسلاميّة عديدة ... وعملت على إيصال منتوجها العلمي إلى أصقاع كثيرة في العالم ... لست أدري بعد ذلك هل وفّت بعهدها؟ هل أنجزت وعدها؟ هل أرضت قرّاءها؟ هل استفزّت الكتّاب ليواصلوا الكتابة؟ هل حرّكت قرائح من لا يزال خامدًا هامدًا لم ينشط؟ هل هيّجت وجدان المبدعين كي ينقلوا مشاعرهم وأشعارهم ونثرهم إلى المنتصرين والمتحمّسين للكلمة الجميلة والأسلوب الفنيّ الطريّ .. ؟
الإجابة على الأسئلة موكولة إلى قرّاء مجلّة الحياة .. أمّا نحن فنقول إنّنا راضون بما نشر على صفحاتها، لكنّنا نرجو المزيد من الكتابات، كيفًا، وتنوّعًا في الموضوعات وفي عدد المشاركين، وتعدّد اللّغات ... مع التّركيز على ما يكتب باللّسان العربي. في الدّرجة الأولى.
أهمس في آذان كتّاب المجلّة أنّنا في حاجة إلى دارسات أدبيّة وعلميّة وفكريّة ونقديّة هادفة، تنبع من أصالة ما ينبغي أن يسود مجتمعنا، الذي تحكمه مبادئ متميّزة، وفلسفة خاصّة، وتسيّرها أو توجّهها قوانين وقواعد أساسيّة ثابتة، لا تتغيّر بتغيّر الزّمن، إلاّ بقدر ما يمنحها من الحيويّة، ويضمن (1/8)
صفحة 9
لها الحياة؛ وَفق سنن التّطّور، من دون أن يصيبها في عمقها وجوهرها.
بمعنًى أوضح وأصرح نطلب دراساتٍ تراعي خصوصيّات أمّتنا وثوابتها. تنظر إلى المتغيّرات بعين فاحصة وبصيرة يقظة، تتعامل معها بما يعين على الإفادة منها في جانبها الإيجابي، غير مستسلمة إلى درجة الذّوبان فيها.
هذه الدّراساتٍ تتحصّن بالثّقافة الأصيلة: تتعمّق المبادئ، وتتشبّع بالأصول، وتتعلّق بالأهداف ... ثم تتفتّح على الثّقافات الأخرى؛ لتفُيدَ منها وتُفيدَها ...
هذه هي الرّسالة التي تحملها مجلّة الحياة، نرجو أن تواصل فيها، وتواظب على أدائها باحترافيّة عاليّة، وبمنافسة شريفة مع زميلاتها من الدّوريّات التي تنشر الفضيلة والعلم الصّحيح والأدب الجمّ، والمعرفة المتجدّدة، التي تواكب التّطوّر، وتلتزم التّجدّد.
وفّقنا الله إلى ما يحبّه ويرضاه، وهدانا إلى الأقوم من السّلوك، وإلى الأجدى من الأعمال. إنّه سميع قريب مجيب. {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (1)
الجزائر يوم الأحد: 22 من شعبان 1437هـ
29 من ماي ... 2016م
__________
(1). التّوبة: 105.
التسامح في المدرسة الإباضية
الأستاذ: كروم ح أحمد بن ح حمو
أستاذ الشريعة بمعهد عمي سعيد
غرداية - الجزائر
hajahmeedkerroum@gmail.com
موضوع «التسامح» هذا الواجب الذي هجره كثير من الناس ولم يولوا له بالغ الأهمية، ولم يجسِّدوه واقعا إلا بقدر يسير .. وربما قصَّر فيه العامة سبب تقصير الخاصة في مختلف البيئات والثقافات عبر الزمان والمكان ..
ومن خلال الرجوع إلى المصادر لاستنطاق الأدلة الصحيحة وتحليل منصف لتاريخ الحضارة الإسلامية فإننا نجد للتسامح خلفية زكية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والدينية للشعوب الإسلامية.
وقد شرفت أن أشارك القراء والباحثين بهذا الموضوع: (1/9)
صفحة 10
التسامح في المدرسة الإباضية
الأستاذ: كروم ح أحمد بن ح حمو
أستاذ الشريعة بمعهد عمي سعيد
غرداية - الجزائر
hajahmeedkerroum@gmail.com
موضوع «التسامح» هذا الواجب الذي هجره كثير من الناس ولم يولوا له بالغ الأهمية، ولم يجسِّدوه واقعا إلا بقدر يسير .. وربما قصَّر فيه العامة سبب تقصير الخاصة في مختلف البيئات والثقافات عبر الزمان والمكان ..
ومن خلال الرجوع إلى المصادر لاستنطاق الأدلة الصحيحة وتحليل منصف لتاريخ الحضارة الإسلامية فإننا نجد للتسامح خلفية زكية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والدينية للشعوب الإسلامية.
وقد شرفت أن أشارك القراء والباحثين بهذا الموضوع:
أما خطة الموضوع فهي كالآتي:
أما خطة الموضوع فهي كالآتي:
المبحث الأول: تعريفات أساسية:
المطلب الأول: تعريف التسامح.
المطلب الثاني: تعريف وجيز عن المدرسة الإباضية وأعلامها.
المبحث الثاني: حكم التسامح وأهميته:
المطلب الأول: حكم التسامح في الإسلام.
المطلب الثاني: أهمية التسامح.
المبحث الثالث: أنواع من التسامح ومجالاته:
المطلب الأول: التسامح في المجال الديني.
المطلب الثاني: التسامح في المجال السياسي.
المطلب الثالث: التسامح في المجال الاجتماعي.
المطلب الرابع: التسامح في المجال الفكري.
المطلب الخامس: التسامح في المجال الاقتصادي.
المبحث الرابع: آثار التسامح:
المطلب الأول: الآثار الأدبية.
المطلب الثاني: الآثار المادية.
وأختم هذا العرض بتوصيات أجدها ضرورية للرفع من مستوى الإنسان في العصر الحاضر.
المبحث الأول: تعريفات أساسية
أتناول في هذا المبحث التعريف اللغوي والاصطلاحي لألفاظ عنوان البحث، وهي كلمة «التسامح» وعبارة «المدرسة الإباضية».
المطلب الأول: تعريف التسامح
ففي اللغة: التسامح مشتق من: سمح يسمح له في الأمر، أي رفع عنه الحرج وسهل له.
ومنه المسامحة بمعنى المساهلة، وتسامحوا أي تساهلوا، وفي الحديث المشهور: «السماح رباح» (1)، أي: المساهلة في الأشياء تربح صاحبها. وسمح وتسمَّح: فعل شيئا فسهل فيه .. وعكس التسامح التعصُّب.
وفي الحديث النبوي الشريف: «بعثت بالحنيفية السمحة ... » (2) أي أن الرسالة المحمدية مستقيمة لا عوج فيها وسهلة لا شدة فيها ولا ضيق ..
والتسميح هو السير السهل ... يقال: أسمحت الدابة بعد استصعاب لانت وانقادت (3).
وأما في الاصطلاح: فإن الجرجاني في تعريفاته يقول: «والمسامحة ترك ما يجب تنزهًا» (4) ولعل هذا يفيد التسيب واللامبالاة وينقل الدكتور جميل صليبا عن فولتير وغيره من فلاسفة القرن 18م (1/10)
صفحة 11
قولهم: «إن التسامح هو ما يتصف به الإنسان من ظرف وأنس وأدب تمكنه من معايشة الناس رغم اختلاف آرائهم عن آرائه» (5).
ويرى الدكتور جميل صليبا «أن التسامح هو أن تترك لكل إنسان حرية التعبير عن آرائه وإن كانت مصادرة لآرائك» (6).
وفي وجهة نظر أخرى يرى «أن التسامح له معنى احتمال المرء بلا اعتراض كل اعتداء على حقوقه الدقيقة بالرغم من قدرته على دفعه» (7).
وقد ذهب الدكتور صليبا إلى أبعد من ذلك حينما اعتبر التسامح واجبا أخلاقيا في قوله: «فليس تسامحنا في ترك الناس وما هم عليه من عاداتهم
__________
(1) رواه القضاعي عن ابن عمر ورواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة وتتمته « ... والعسر شؤم».
(2) رواه الخطيب في التاريخ عن جابر بن زيد بن عبد الله وتتمته: « ... ومن خالف سنتي فليس مني».
(3) ابن منظور: لسان العرب مادة: «سمح».
(4) جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ج1، ص 271.
(5) المرجع نفسه.
(6) المرجع نفسه، ج1، ص 271 - 272.
(7) المرجع نفسه، ج1، ص 271 - 272.
واعتقاداتهم وآرائهم مِنَّة نجود بها عليهم، وإنما هو واجب أخلاقي ناشئ عن احترام الشخصية الإنسانية» (1).
وأما الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان فإنه يشترط أن يكون التسامح «من منطلق القوة لا من منطلق الضعف، بحيث تكون الأمة في مركز قوة» (2).
ويعلل ذلك بقوله: «لأن الأمة إن ظلت تتسامح وهي ضعيفة هزيلة فلا ريب أن ذلك يؤدي بها إلى أن يحتقرها الأعداء، بحيث يعدون هذا التسامح ضعفا منها، لا يحسبونه لطفا في المعاملة وحبا للخير» (3).
المطلب الثاني: تعريف موجز عن المذهب الإباضي وأعلامه:
المذهب الإباضي مدرسة من المدارس الإسلامية نشأت في مدينة البصرة على يد التابعي الجليل أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني (ت: 93هـ)، ولكنه كان ينسب لدى السلطات الرسمية الأموية إلى التابعي الجليل عبد الله بن إباض المري التميمي البصري لأنه كان يمثل أمام الخلفاء الأمويين لتبليغ صوت جابر بن زيد وأتباعه، ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان الإباضية يسمون (1/11)
صفحة 12
أنفسهم: «أهل الحق والاستقامة»، وسماهم الخوارج: «القعدة» لأنهم قعدوا عن قتال المسلمين واستحلال أموالهم في مدينة البصرة مع نافع الأزرق، وتبرؤوا من الخوارج.
انتشاره: كان المذهب الإباضي ينتشر عن طريق التعليم والدعوة إليه في المدارس والمساجد والحلقات والمجالس التي كانت تعقد في البصرة مستخفية عن أعين الاضطهاد السياسي الذي كان يتعرض له أتباع المذهب في كل زمان ومكان .. كما كان المشايخ يعقدون اتصالات بالاتباع في مواسم الحج والعمرة.
وإذا تعذر ذلك فإن المراسلات العلمية والأخوية والسياسية كانت تجوب أقطار الإباضية شرقا وغربا وتبادل الكتب والمساعدات المادية والأدبية لم تنقطع بين الخاصة والعامة، وأحيانا كانت الرحلات التجارية وتبادل الزيارات تقوم مقام المجالس العلمية. وبفضل هذه الرحلات وصل الإسلام إلى الصين والهند (4)، ومن مركز الإشعاع الفكري في البصرة وصل المذهب إلى عمان
__________
(1) المرجع نفسه، ج1، ص 272.
(2) الشيخ أحمد الخليلي: لقاءات، ج1، ص 229.
(3) المرجع نفسه.
(4) د. محمد صالح ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية، ص 265 - 310.
واليمن وليبيا وتونس ومصر وخراسان والجزائر والسودان ومالي وغانا في أواسط إفريقيا السمراء.
سر بقاء المذهب: قوة المذهب وسر بقائه إلى اليوم مع سائر المذاهب الإسلامية الأخرى هو بسبب مرونة فروعه، والتزامه بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدون عنف ولا تطرف، كما التزم أتباعه بالعقيدة الصحيحة التي تجمع بين القول والعمل.
دوله وسياسته: دخل الأئمة معترك السياسة في دول أقاموها في الجزيرة العربية وشمال إفريقيا وأواسطها ولكنها لم تعمّر طويلا، نذكر منها: الدولة الرستمية في الجزائر ودولة طرابلس بليبيا ودولة اليمن وعدَّة إمامات في عمان ...
وهذا الوضع يمثل مسلك الظهور السياسي، وأما مسلك الدفاع عن النفس فإنه يمثل إمامة مؤقتة تنتهي فيه مهام الإمام بانتهاء الحرب .. وإذا استشرى الفساد في الأواسط الاجتماعية فإن مسلك الشراء هو الذي يعلن رفض الظلم ويتولى فريضة الأمر والنهي إلى حين.
وعندما يكون عدد الإباضية قليلا وعدتهم ضعيفة فإنهم يلتزمون مسلك الكتمان، وذلك عن طريق ممارسة رسالة التربية والتعليم وجمع الكلمة والدعوة إلى الله بعيدا عن السياسة والسياسيين.
تراثه: لعل التراث الفكري الذي خلفه علماء محققون وفقهاء مجتهدون من هذا المذهب هو المظهر الصادق لثراء هذه المدرسة وقوتها العلمية في جميع العصور. فقد ألفوا في مختلف الفنون الدينية والعلمية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية، منذ القرن الأول الهجري موسوعات تشهد لعلمائها (1/12)
صفحة 13
بالتفوق العلمي، أذكر على سبيل المثال: ديوان الإمام جابر بن زيد الذي كان يتنافس على اقتنائه الملوك والأمراء .. وأذكر أيضا كتاب قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة للشيخ جميل بن خميس السعدي (ت1285هـ/1868م) هو عبارة عن موسوعة فقهية أدبية تشمل 92 جزءًا، وقد طبع مؤخرا في سلطنة عمان.
وقد جمع قبله الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي (ت: 508هـ) موسوعة «بيان الشرع الجامع للأصل والفرع» في 72 جزء وقد طبع سنة 1414هـ/1993م بسلطنة عمان.
وممن سجل اسمه في التفسير أيضا نجد الشيخ هود بن محكَّم الهواري الأوراسي (1) الذي ألف تفسير كتاب الله العزيز في ق 3هـ.
__________
(1) كتاب مطبوع بتحقيق الشيخ بالحاج شريفي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1420هـ/1990م.
وفي أصول الفقه نجد من الأسماء اللامعة الشيخ أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت: 570هـ) قد ألف كتاب «العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف» (1).
كما برع في مختلف الفنون العالم المجتهد قطب الأئمَّة الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش (ت: 1332هـ/1914م). ومن أروع ما يشهد له كتابه: تيسير التفسير (2)، وكتابه شرح النيل وشفاء العليل (3) الذي يعدُّ المرجع في الفقه والفتوى في مختلف الحواضر العلمية بالعالم.
ونجد في السياسة والصحافة الشيخ أبا إسحاق إبراهيم اطفيَّش في مجلَّة (4) المنهاج، والشيخ أبا اليقظان إبراهيم بن عيسى أبو الصحافة الجزائرية الذي جاهد بجرائده (وادي ميزاب - ميزاب - الأمة - البستان - الفرقان- النبراس - النور - المغرب) (5) وقد أبلى بها بلاء حسنا. ومن الأدباء شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء، ولا يزال الركب متواصلا مع علماء معاصرين جادين مثل الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض (6) والشيخ عبد الرحمن البكري (7) والمحقق الشيخ إبراهيم طلاي (8) والدكتور محمد ناصر (9)، وغيرهم ممن يعج بهم معجم أعلام الإباضية عجًّا.
المبحث الثاني: حكم التسامح وأهميته
المطلب الأول: حكم التسامح في الإسلام:
إن المدرسة الإباضية تستمد الدليل على نشر ثقافة التسامح من الكتاب والسنة وعمل الصحابة والصالحين في حياة الإسلام.
في القرآن الكريم:
قال الله تعالى بعد إبراز أسباب الخلاف بين المسلمين وعلاجها في سورة الحجرات {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
__________ (1/13)
صفحة 14
(1) كتاب مطبوع، ط1، وزارة التراث سلطنة عمان 1404هـ/1984م.
(2) كتاب مطبوع بتحقيق الشيخ إبراهيم طلاي، ط2، دار التوفيقية، الجزائر، 1431هـ/2011م.
(3) كتاب مطبوع بتحقيق الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش، ط3، مكتبة الإرشاد، جدة، السعودية، 1405هـ/1985م.
(4) مجلة تصدر بالقاهرة من سنة 1344 - 1350هـ.
(5) انظر: أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى: تاريخ صحف أبي اليقظان، ط1، دار هومه، 1423هـ/2003م.
(6) جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، ج2، ص36، رقم 33.
(7) جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، ج3، ص 520، رقم 548.
(8) الشيخ إبراهيم بن محمد طلاي باحث محقق في التراث حفظه الله.
(9) محمد صالح ناصر دكتور وأديب وشاعر ومحقق حفظه الله.
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (1) فبين أن الاختلاف العرقي والألوان بين البشر سنة كونية لا تفيد الاختلاف في الفكر، ولا تكون سببا للتناطح بل إنها تكون سببا للتعارف والتعاون والمحبة.
1. وعندما عاتب الله تعالى حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في سورة الممتحنة على الخطأ الذي صدر منه حين الاستعداد لفتح مكة المكرمة في السنة الثامنة للهجرة وضح له بنص محكم وصريح قائلا: ژ ? چ ... چ چ چ ? ? ? ? ? ... ? ... ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ... ? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ?ژ (2). فمن لم يشارك في القتال ضد المسلمين سواء في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو غيره فإن الله لا ينهانا عن المعاملة معهم في الأمور المفيدة للمجتمع المسلم، وإنما النهي ينحصر فقط عن معاملة المفسدين منهم.
2. ونفس المعنى تفيده الآية 46 من سورة العنكبوت عندما بين الله أن الجدال مع أهل الكتاب يكون بالتي هي أحسن فقال: ژ ? ... ? ? ? پ پ پ پ ? ... ? ... ? ?? ? ? ? ? ? ? ... ? S S S S ? ?ژ (3).
وهذا أسلوب في التسامح مع أهل الديانات الأخرى لينقادوا إلى الإسلام.
3. ويؤكد الله تعالى هذا المعنى بصفة خاصة مع الوالدين المشركين حتى يسود التسامح في الأسرة ولا يتشتت أعضاؤها فقال تعالى: ژ? ? ? ? چ ... چ چ چ ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ژ ژ s s ک ک ک ک گ گ گگ ? ?
__________
(1). الحجرات: 13. (1/14)
صفحة 15
(2). الممتحنة 8 - 9
(3). العنكبوت: 46.
? ?? ? ? ? ں ں? ? ? ... ? ? ? ہ ... ہژ (1).
4. ثم يعمم الله تعالى أسلوب التسامح مع جميع الناس في مجال الدعوة إلى الله تعالى سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين فيقول: ژہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ?ژ (2)
فهذه الآيات وغيرها من الآيات تؤكِّد أسلوب التسامح بين الناس، سواء في الكلام أو المعاملة حتى يسود الوئام والتعاون بين جميع الخلق.
في السنة المشرفة:
نجد أحاديث ووقائع كثيرة فعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعا إليها من أجل تعزيز أسلوب التسامح في المجتمع الإسلامي، نذكر من هذه الأحاديث وعلى سبيل المثال قوله - صلى الله عليه وسلم -:
1. «لا يؤمن أحكم حتى يجب لأخيه ما يحب لنفسه» (3)، فالتسامح من المسلم لأخيه المسلم هو أن يحب له من الخير ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه.
2. وأروع وجه من أوجه التسامح في الإسلام هو صحيفة معاهدة التعايش بين المسلمين واليهود والمشركين والمهاجرين والأنصار في المدينة المنورة (4)، والتي وافق عليها جميع أصناف المجتمع المدني، وأمضاها جميع الأطراف للتعايش السلمي فيما بينهم .. وهي تتضمن 47 بندا .. وقد بسقت شجرتها وأثمرت وأينعت خيرا كثيرا استفاد منه الجميع حتى غدت المدينة المنورة أول عاصمة للدولة الإسلامية.
3. وقبل ذلك شاهد المسلمون نماذج راقية من التسامح في مكة المكرمة، ضرب فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعلى الأمثلة، ولم يتسرع إلى المعاملة بالمثل، بل مال إلى التسامح مع أعدائه من المشركين الذين ما انفكوا يؤذونه قولا وفعلا هو وأصحابه في مكة والطائف، فكان لا يزيد عن دعائه لهم بقوله « ... اللهم اهد
__________
(1). لقمان: 14 - 15.
(2). النحل: 125.
(3) رواه الجماعة عن أنس بن مالك إلا أبو داود.
(4) ابن هشام: السيرة، ج2، ص 167.
قومي فإنهم لا يعلمون» (1). وفي نهاية المطاف يلتقي بقومه في فتح مكة المكرمة ممن آذاه ثم يعلن العفو الشامل وهو في أقوى ما يكون من القوة والتحكم فيقول قولته المشهورة: «لا تثريب عليكم (1/15)
صفحة 16
اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء» (2).
وفي هذا الموقف الشجاع يتبوأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - المقام الأعظم في التسامح، وكل من جاء بعده فهو تلميذ له في هذه المكرمة الإنسانية العالية.
4. ومن الصور العظيمة التي برز بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مجال التسامح عندما دخل شاب في مجمع من الصحابة يتصدرهم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا رسول الله إنني أستطيع أداء جميع فرائض الإسلام ولكنني لا أصبر على الزنى .. فعاتبه الصحابة وعنَّفوه .. فهدَّأهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال له: أدن مني .. فقال له: ماذا قلت؟ فأعاد له شرطه .. فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أترضاه لأمك؟ .. فقال: لا، ثم قال: أترضاه لأختك؟ فقال: لا .. ثم قال له: أترضاه لبنتك؟ قال: لا. فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «كذلك لا ترضاه لأم غيرك وأختهم وبنتهم» ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له قائلا: «اللهم حصن فرجه واهد قلبه واغفر ذنبه» (3).
المطلب الثاني: أهمية التسامح
تبرز أهمية التسامح في أشياء كثيرة توفر للفرد والمجتمع حياة سعيدة أذكر منها:
1) فتح باب الحوار ونبذ العنف والتطرف بين أفراد المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات وقبول الآخر.
2) محاربة التعصب السلبي للأفكار والترفع عن سفاسف الأمور.
3) الحصول على الاستقرار النفسي للأفراد والتطور الحضاري للمجتمع المسلم.
4) التعاون على البر والتقوى ودفع المضرة قبل جلب المصلحة في مختلف مجالات الحياة الإنسانية.
5) العمل على المحافظة على قوة المجتمع ووحدته عن طريق المصالحة ونبذ الافتراق.
6) حب الخير للجميع وتبادل الاحترام بين أفراده من مختلف الثقافات والملل والمذاهب.
7) التفكير الإيجابي في رعاية حقوق الآخرين ورفع الحرج عنهم.
__________
(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عبيد مرسلا، رقم 1747.
(2) ابن هشام: السيرة، ج5، ص74.
(3) رواه أحمد، ج5، ص 656.
المبحث الثاني: أنواع التسامح ومجالاته
لقد مارس أتباع المذهب الإباضي «التسامح» في مختلف مجالات الحياة، وجسَّدوه واقعا عمليا استفاد منه الخاصُّ والعامُّ. أذكر منها نماذج للعبرة والادكار:
المطلب الأول: المجال الديني:
لم يكن في المذهب الإباضي تشدد في الأصول والفروع ولا تطرف، بل كان هناك اعتدال (1/16)
صفحة 17
وتسامح، والدليل على ذلك هو تقبل كثير من الشعوب الدعوة إلى الإسلام على يد علماء المذهب الإباضي وتُجَّارِهِ من غير تقاطع ولا تصادم.
1. فقد وصل الإسلام إلى مالي وغانا على يد الشيخ علي بن يخلف الوارجلاني (1) سنة 575هـ في صحراء إفريقيا، وكان سبب ذلك أخلاقه العالية في المعاملة مع غيره، يقول الدرجيني: «وكان [ملك مالي] يتعجب من خلقه وخلقه وكثرة عبادته ومحافظته على دينه» (2).
2. ووصل الإسلام إلى الهند على يد التجار العمانيين الذين تصاهروا وانصهروا في مجتمع الهند (3) بخلق التسامح والتعاون.
3. وأما البحَّار التاجر أبو عبيدة عبد الله بن القاسم فقد أوصل الإسلام إلى الصين حوالي سنة 133هـ وسلك في ذلك منهج التسامح والرفق والرحمة حتى لقبه الإمبراطور الصيني (سون سين زون) بـ: «جنرال الأخلاقية الطيبة» لأنه كان رئيس الجالية العربية في الصين آنذاك وكانت له ممتلكات وقضى هناك عشرات السنين (4).
4. يقول الدكتور رجب محمد عبد الحليم: «ولذلك كان من مبادئ الإباضية بعد جابر الصلاة خلف أهل القبلة كلهم، وخلف الجبابرة في الأمصار التي تجب فيها صلاة الجمعة اقتداء بجابر؛ ولذلك كانوا يجيزون الإقامة في أي بلد غلب عليه الجبابرة، ويجيزون الغزو معهم أيضا، كما كانوا يأخذون بأحكامهم ولا يرون في ذلك بأسا طالما أن أحكامهم كانت موافقة للحق والعدل» (5).
المطلب الثاني: المجال السياسي:
__________
(1) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب، ج2، ص 340.
(2) المصدر نفسه، ج2، ص517.
(3) محمد صالح ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية، ص 292 ..
(4) المرجع نفسه، ص 294 - 295.
(5) الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ص 81.
1. لقد ضربت الدولة الرستمية أروع الأمثلة في المجال السياسي بفضل منهج التسامح الذي انتهجه أئمة الدولة الرستمية، فقد جمعت العاصمة تيهرت مختلف أتباع المذاهب الإسلامية الذين لجؤوا إليها ووجدوا الأمن والأمان، مثل المالكية والشيعة والنكار والمعتزلة، قال ابن الصغير: «ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانه على نفسه وماله .. حتى لا ترى دارًا إلا قيل: هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين، واستعملت السبل إلى بلد السودان وإلى جميع البلدان من مشرق ومغرب بالتجارة وضروب الأمتعة» (1). (1/17)
صفحة 18
2. وعندما تحدث عن حكم الإمام أفلح قال: «وأتته الرفاق والوفود من كل الأمصار والآفاق بأنواع التجارات، وتنافس الناس في البنيان حتى ابتنى الناس القصور والضياع خارج المدينة ... » (2).
3. وعندما تحدث عن أبي اليقظان محمد بن أفلح الإمام الخامس للدولة الرستمية - وقد لحق بعض أيامه - قال: «وكان المغرب كله مفتونا بهذا الرجل حتى إن من كان من الإباضية بسجلماسة يبعثون إليه بزكاتهم يصرفها حيث شاء» (3)، وسلجماسة كما لا يخفى علينا هي دولة بني مدرار في حدود المغرب.
4. وبفضل نهج التسامح الذي تمتاز به الدولة الرستمية فإن الأئمة اتخذوا لهم مجلسا للشورى يرجعون إليه في المهمات والملمات لكي لا يستبدوا برأيهم. نذكر من ذلك عند وصول مساعدات من إباضية البصرة لتأييد الإمامة الفتية في دولة تيهرت نادى منادي الإمام عبد الرحمن بن رستم بعد صلاة الظهر في المسجد: «ألا يتخلف من كل قبيلة وجوههم» (4).
5. ومن أساليب التسامح السياسي في دولة تيهرت نجد الإمام عبد الرحمن بن رستم الفارسي يزوِّج بنته أروى لمدرار بن اليسع وهو نجل الإمام الرابع لدولة بني مدرار بسجلماسة بالمغرب (5)؛ حتى يكرس سياسة حسن الجوار ويؤمِّن حدود الدولة الرستمية.
__________
(1) ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، ص 36.
(2) المصدر نفسه، ص 61.
(3) المصدر نفسه، ص 97.
(4) المصدر نفسه، ص 34.
(5) الباروني: الأزهار الرياضية، ص 169.
6. عندما عهدت الدولة الأموية الخلافة إلى الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله سنة 99هـ أرسل أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الإباضية في البصرة -رحمه الله- وفدا إليه يتكون من السادة: أبي الحر علي بن الحصين العنبري، وسالم بن ذكوان الهلالي وأبي مودود حاجب الطائي، وجعفر بن السماك العبدي ... والحتات بن كاتب فتفاوضوا معه واتفقوا على ثلاثة أشياء وهي:
1. أن لا يحاربوه ما دام عادلا.
2. أن يحيي كل يوم سنَّة ويميت كل يوم بدعة.
3. أن يبطل عادة لعن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على المنابر (1).
لقد كان الإباضية ممن أسهم بفعالية في إنشاء الحزب الدستوري التونسي الحر مع الزعيم عبد العزيز الثعالبي في القرن الماضي (2). (1/18)
صفحة 19
7. لقد دعا الشيخ سليمان باشا الباروني إلى إنشاء الجامعة الإسلامية من خلال جريدة «الأسد الإسلامي» التي كان ينشرها في القاهرة سنة 1324هـ/1906م (3).
8. لقد ساهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش في الدفاع عن القضية الفلسطينية مع الشيخ إبراهيم أبي اليقظان والشيخ إبراهيم بن عمر بيوض منذ بداية الاحتلال الصهيوني سنة 1948 وروجوا لها من خلال مجلة «المنهاج» وصحافة أبي اليقظان منذ سنة 1924هـ/1344م.
وأختم هذا المجال السياسي بشهادة الدكتور رجب محمد عبد الحليم، وهو أستاذ التاريخ في جامعة القاهرة وجامعة السلطان قابوس قائلا: «وهكذا تصدى الإباضية لكل غال ومتطرف حتى ولو كان يمت لهم بصلة القربى والعرف والنسب والأصل، وهكذا اجتمعوا على مقاومة الخوارج بشتى ألوانهم وأصنافهم في بلدان المشرق والمغرب، وطبقوا الشرع في معاملاتهم مع إخوانهم من المسلمين وقت الحرب ووقت السلم، وتصدوا للأفكار المغالية وقاوموها أشد المقاومة، وتسامحوا مع أهل الفرق الأخرى، فوجد أصحابها في بلدانهم وممالكهم، وعاش الجميع إخوة متحابين. وكانت هذه المواقف وهذه السياسة التي اتبعها الإباضية في مختلف عصورهم، وكان هذا الاعتدال وتلك السماحة التي تحدثنا عنها بتفصيل من الأسباب القوية التي أدت إلى انتشار مذهبهم في كل مكان
__________
(1) الدرجيني: الطبقات، ج2 ص 39. السير والجوابات لبعض علماء عمان.
(2) د. محمد صالح ناصر: الشيخ القرادي، ص 184.
(3) زعيمة البارونية: صفحات خالدة من الجهاد، ص20.
وصله دعاة هذا المذهب سواء في مصر أم في بلاد المغرب أم في غيرها من البلدان» (1).
المطلب الثالث: التسامح في المجال الاجتماعي:
1. بفضل منهج التسامح الذي انتهجه أئمة الدولة الرستمية استطاعت تيهرت أن تجمع في أطرافها بين العجم والعرب والبربر والأندلسيين من غير تميز ولا تحيز، بل الكل يجاور الآخر ولا يختفي عنه، والكل لهم نفس الحقوق والواجبات. والدليل على ذلك وصول بعض الأندلسيين إلى سدة الحكم رغم أنهم ليسوا من الأسرة الحاكمة مثل مسعود الأندلسي الذي عينه الإمام عبد الرحمن في لجنة الترشيح للخلافة مع ستة آخرين (2).
2. كما جمعت تيهرت في حكمها بين قبائل شتى وعشائر مختلفة نذكر منها: هوارة - لواتة - نفوسة -مزاتة- وزناتة - ومطماطة. وقد شملت مظلة تيهرت حتى أهل الذمة من اليهود والنصارى الذين كان الإمام يقبض منهم الجزية (3).
3. وكانت المرأة في الدولة الرستمية تتمتع بحقوق عديدة وبحرية واسعة، فهي تتعلم ولا تمنع من حقها في العلم بل إنها كانت تقرأ الكتب وتنسخها. وبعض منها كانت مرشدة للرجال مثل: نانة تابركانت السدراتية (4)، والبعض منها تشارك في المناقشة العلمية والحوار، وتفتي للنساء أمثالها (1/19)
صفحة 20
بفقه جليل، حتى كان الكثير منهن تتقن علم الحساب مثل أخت الإمام أفلح (5) وأخت عمروس بن فتح المساكيني (6).
4. وعن دور المسجد في تربية المجتمع في وادي مزاب، يقول الشيخ إبراهيم القرادي: «المساجد في وادي مزاب مصدر خير وهداية ونور لحياة
__________
(1) رجب محمد: الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ص81.
(2) أبو زكرياء الوارجلاني: سير الأئمة وأخبارهم، ص 54.
(3) ابن الصغير: أخبار الأئمَّة الرستميِّين، ص 41.
(4) أبو زكرياء الوارجلاني: سير الأئمَّة، 82.
(5) المصدر نفسه، ص 89.
(6) المصدر نفسه، ص 104.
اجتماعية تقوم على أسس إسلامية سليمة، تعطي في مجموعها صورة حية لملامح مجتمع مسلم في عصرنا الحديث» (1).
5. وعن التسامح العرقي الذي انتهجته عشائر وادي مزاب بالجزائر يقول الشيخ إبراهيم القرادي: «بل رأينا كثيرا من العشائر تقبل في صفوفها عائلات من غير الإباضية، ولا تلزمهم باعتناق المذهب في حال من الأحوال، وإن كانت ترحب بهم إذا جاءوا عن طواعية» (2).
المطلب الرابع: التسامح في المجال الفكري:
1. من خلال مطالعة كتب الفقه الإباضي نجد فيها من نهج التسامح أشياء كثيرة، وعلى رأسها الفقه المقارن والاستفادة من جميع المدارس الفقهية الأخرى، فلا حرج أن يذكر الإمام الشافعي إلى جانب الإمام جابر بن زيد، أو الإمام مالك إلى جانب الإمام الربيع بن حبيب بكل موضوعية.
2. ونجد ذلك في كتاب قواعد الإسلام (3) للشيخ إسماعيل موسى الجيطالي رحمه الله (ت: 750هـ) وكتاب الذهب الخالص (4) للشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش (ت1332هـ/1914م)، وفي كتابه الموسوعي القيم: شرح النيل وشفاء العليل.
3. ولا حرج أن يعتمد الشيخ أبو ستَّة محمَّد بن عمرو في حاشيته (5) المطولة على ترتيب مسند الإمام الربيع بن حبيب على الإمام ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري وغيره.
4. ونجد كتبا أخرى للفقه الشافعي يضع لها عالم إباضيٌّ حاشية فقهية مثل كتاب: زيادات أبي سعيد الكدمي (ت: 362هـ) على كتاب الإشراف على مذاهب العلماء (6) تأليف الإمام أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت: 318هـ).
5. ولا حرج أن يرجِّح فقيه إباضيٌّ ما رجَّحه علماء غير الإباضية، ولا يرجِّح ما رجَّحه علماء الإباضية مثله، ومن ذلك قول القطب (1/20)
صفحة 21
__________
(1) د. محمد ناصر: الشيخ القرادي، ص 48.
(2) المرجع نفسه، ص 57.
(3) كتاب مطبوع سنة 1976 بتحقيق وتعليق الشيخ عبد الرحمن البكري.
(4) كتاب مطبوع سنة 1343 بتحقيق وتعليق الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش.
(5) كتاب مطبوع سنة 1995 بتحقيق الشيخ إبراهيم طلاي.
(6) كتاب مطبوع سنة 2011 بتحقيق الأستاذ إبراهيم بن علي بولرواح.
اطفيش: «ولي ترجيح لأهل أندلس على غيرهم من قومنا لمزيد تحقيقهم مع ما هم فيه من قتال النصارى» (1).
6. وعندما انتقد الشيخ أبو يعقوب الوارجلاني مذهب ابن عبَّاس من إجازة ربا الفضل قال: «وليس مذهبه في الربا بفرض فيضيق على الناس مخالفته، وقد فطن لمذهبه محمد بن محبوب (2) فآثر السنة والجماعة والرأي، وهو النهاية في زمانه نسيج وحده وفرد زمانه» (3).
7. إن المناظرات الفكرية في علم الكلام التي كانت تنظم في مجالس الدولة الرستمية بين الإباضية والمعتزلة كانت تعتمد أسلوب مقارعة الحجة بالحجة، بعيدا عن العنف والتطرف والغلو، ومن ذلك مهدي النفوسي الذي أقنع سبعين عالما بحقيقة المذهب فاعترفوا به (4).
8. ومن هؤلاء نذكر الشيخ أبا عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (مؤسس حلقة العزَّابة) الذي كان يأتي إلى منطقة وادي مزاب بالصحراء الجزائرية، ويناظر المعتزلة حتى تحولوا إلى المذهب الإباضي في بداية القرن 5هـ (5).
9. واللغة هي وعاء الفكر .. فإننا لا نجد غضاضة أو ضعفا أن نتكلم بالأمازيغية ونؤلف باللغة العربية وندرّس باللغة العربية بعد أن كان التأليف في شمال إفريقيا باللغة الأمازيغية. يقول عمرو بن جُميع صاحب العقيدة: «فإنني وجدت هذه النكتة منسوخة بالبربرية في توحيد خالق البرية، فطلبني من لا أردُّ قوله ولا أجهل فضله أن أنقلها من لسان البربرية إلى لسان العربية، ليبين لفظها، ويسهل على القارئ حفظها ... » (6).
10. ولا يجد الإباضيَّة حرجا في أن يَدرُس الإباضيُّ في معاهد وجامعات المالكيَّة وغيرهم، مثل: جامع الزيتونة والجامع الأزهر بالقاهرة أو جامع قرطبة بالأندلس، أو جامع القرويين بالمغرب أو في إحدى الزوايا العلمية بالجزائر. فهذا الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت: 570هـ)
__________
(1) القطب اطفيش: شرح النيل، ج 15، ص 302.
(2) ينظر ترجمته في معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، ص425، رقم 1301. (1/21)
صفحة 22
(3) الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج2، ص102.
(4) أبو زكرياء: سير الأئمة وأخبارهم، ص 69.
(5) المصدر نفسه، ص 175.
(6) عمرو بن جميع: عقيدة العزابة، ص 1 - 2.
قد تخرج في جامع قرطبة بالأندلس (1)، والمؤرخ الكبير الشيخ محمد علي دبوز قد تخرج في جامع الأزهر بالقاهرة (2)، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش (3) فقد درس عند الشيخ عبد القادر المجاوي في الجزائر العاصمة.
11. والعكس صحيح، فإن علماء الإباضيَّة قد انتهجوا نهج التسامح وربَّوا عليه أبناءهم، فلا يجدون أيَّ حرج أن يدرِّسوا أبناء المالكية في معاهد الإباضية ومدارسها الحرَّة، في الجزائر أو تونس أو ليبيا أو مالي أو بوركينافاسو، منذ القديم إلى وقتنا هذا. نذكر من هؤلاء الشاعر: محمد الأخضر السائحي الذي درس في مدرسة الحياة بالقرارة سنة 1933 (4).
المطلب الخامس: التسامح في المجال الاقتصادي.
إن السمة التي برز بها الإباضية في المجال الاقتصادي هي الجدُّ والتفاني في رعاية الكسب الحلال والتضحية بالنفس والنفيس من أجل عمارة الوطن بالسلع المطلوبة، والتسامح والإحسان إلى الزبائن في أي منطقة من مناطق الجزائر مع مراعاة النصح والإخلاص في المعاملة وعدم الغش في السلعة.
يقول الشيخ محمد علي دبوز عن التجارة الميزابية أيام الاستعمار: «إن المشايخ في وادي ميزاب يدعون الميزابيين ويرشدونهم في دروسهم التي يلقونها في المناسبات المختلفة إلى الاهتمام بالتجارة والنهوض بها ومزاحمة اليهود في تجارة الجملة التي استأثروا بها في الجزائر، فصاروا وباء على التجارة الجزائرية وعلى تجارها الصغار، وكانوا يدعون الميزابيين في دروس وعظهم إلى اقتباس الأساليب العصرية الحديثة الراقية في التجارة، ويركزون على حسن المعاملة التي هي الأساس في نجاح التاجر أو عدم نجاحه، وعلى الأمانة والنشاط، والتضحية في سبيل العمل الجاد وإتقانه» (5).
وأما عن الشراكة الاقتصادية بين الإباضية والمالكية فإن الشيخ محمد بن بابه الشيخ بالحاج (6) يقول: «من هذا المنطلق أو من هذا المنظور ندرك مدى التقارب بل مدى التوافق بين المذاهب المتعايشة في هذه الأقطار المتجاورة من المغرب العربي، وخاصة الجزائر
__________
(1) المرجع نفسه، ج4 ص 440 رقم 37.
(2) جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية ج4 ص 812 رقم 840.
(3) المرجع نفسه، ج2 ص 44 رقم 840.
(4) رابح خدوسي: موسوعة العلماء، ص 49. (1/22)
صفحة 23
(5) محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة.
(6) هو أستاذ الشريعة الإسلامية بمعهد الحياة بالقرارة ولاية غرداية.
الحبيبة منذ ما يزيد على ألف سنة مما يعدون، وكم شهدت هذه الحقبة التاريخية الطويلة من تآزر وتعاون وتآخ بين الإباضيين والمالكيين خاصة في جنوب الجزائر -وادي ميزاب- إذ تجاوروا وما زالوا متجاورين في البيوت، وتشاركوا في شركات للزرع والحرث والمساقاة والمغارسة وتربية المواشي والأنعام في البوادي والحضر، وتاجروا في مختلف ميادين التشغيل الفلاحي والصناعي والتجاري وورشات الأشغال ومقاولات البناء وما أكثرها حتى اليوم». ثم استطرد الشيخ محمد موضحا: «وقولنا: إن ذلك ما أثبته التاريخ، فليس معنى ذلك أننا لا نجد أي خلاف يذكر بين إباضي ومالكي في بعض التصورات الإيديولوجية العقائدية أو بعض التصرفات العملية التطبيقية، فإن ذلك ما لا يكاد يسلم منه حتى أتباع المذهب الواحد كالإباضية فيما بينهم، أو المالكية فيما بينهم، والأحناف فيما بينهم، بل وحتى بين أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما بينهم» (1).
المبحث الثالث: آثار فكر التسامح في المدرسة الإباضية
بعد هذا العرض السريع عن مجالات التسامح في المدرسة الإباضية تظهر لنا من خلال ذلك بعض الآثار الإيجابية في الفرد والمجتمع، ويمكن أن نقسمها إلى نوعين: آثار أدبية، وآثار مادية.
المطلب الأول: الآثار الأدبية:
يمكن أن أحصر بعض هذه الآثار فيما يأتي:
1. تربية الفرد المسلم على حب الخير لجميع الناس.
2. المسارعة إلى الصلح بين المسلمين عند خصامهم مثلما فعل السلطان تيمور بن فيصل العماني مع الإمام محمد بن عبد الله الخليلي عندما أرسلا الشيخ سليمان باشا الباروني للوساطة بين شريف مكة علي بن الحسين وبين الملك عبد العزيز آل سعود في حرب الحجاز.
3. تنمية روح خدمة المصلحة العامة قبل خدمة المصلحة الشخصية، مثل إنشاء الجمعيات الخيرية ورعايتها لصالح اليتامى والمعاقين، وتأطير نشاطات الشباب.
4. رفض جميع أنواع العنف والظلم والأنانية والتفرق داخل المجتمع وخارجه.
__________
(1) الشيخ بالحاج محمَّد: أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي، ص21 - 22. (1/23)
صفحة 24
5. الاستقرار الاجتماعي والتطور الإيجابي والانقياد المثمر للمؤسسات الخاصة والعامة المؤطِّرة لحياة الأفراد والجماعات داخل وادي مزاب وخارجه.
6. التعاون مع الغير واحترامه لتحقيق حياة أفضل في جميع مجالات الترقية الاجتماعية لأفراد هذا الوطن العزيز.
المطلب الثاني: الآثار المادية:
إن فكر التسامح لدى المدرسة الإباضية أسهم بصفة دائمة وفعالة في التطور المادي لكثير من الأفراد، أذكر على سبيل المثال ما يأتي:
1. إضافة مؤسسات اقتصادية نشيطة في ربوع هذا الوطن العزيز وعدم الخضوع إلى البطالة والاستهلاك السلبي.
2. التنافس في رعاية أوقاف علمية لصالح التربية الدينية للأجيال وغرس فكر التسامح والوسطية لدى الجيل الصاعد.
3. التكفل المادي لفئة المحرومين عن طريق الجمعيات الخيرية والعشائر ومحاربة ظاهرة التسول في المجتمع المسلم.
4. المحافظة على أموال الأرامل واليتامى العمال عن طريق الاستثمار والإيثار في كل زمان ومكان.
5. التوسع العمراني الإيجابي في ضواحي المدن والأرياف وتحقيق التطور الاجتماعي الأكمل في جميع مجالات الحياة.
خاتمة وتوصيات
بعد هذا العرض المقتضب أصبح كل واحد منا يأمل أن يساهم في هذا الأسلوب الحضاري لتطوير الحياة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية والسياسية في هذا الوطن العزيز، ومن خلاله الإنسانية جميعا، لأنه بتطوير الجزء يتطور الكل، بفضل التكامل والتسامح والتعاون على البر والتقوى.
ولأن كل واحد منا مسؤول في دائرة اختصاصه على تحقيق السلم الاجتماعي والإنساني وإحيائه في جميع القلوب والأمصار والدخول فيه، وهذا مصداقا لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (1).
وفي ختام هذه الورقة البحثية أقترح طرقا عملية لتطوير فكر التسامح وبلورته ليدفع الفرد المسلم المضرة عن غيره قبل جلب المصلحة لنفسه:
__________
(1). البقرة: 208.
1. تنظيم دورات تكوينية من قبل المختصين في مختلف الفئات الاجتماعية، كالطلبة والطالبات والأسرة في الجمعيات الرياضية والمراكز الثقافية وبيوت الشباب والمعاهد والثانويات لإبراز أهمية فكر التسامح في المجتمع الإنساني. (1/24)
صفحة 25
2. تكثيف الإعلام بفكر التسامح عن طريق إظهار تحقيقات تلفزيونية من شركات اقتصادية ومؤسسات فكرية ناجحة حتى تكون قدوة لرجال الأعمال والمثقفين.
3. إنشاء مؤسسة التسامح الخيرية شعارها: «المعرفة والتعارف والاعتراف» لتكون سببا للاجتماع والحوار المثمر في مختلف مؤسسات الدولة.
4. نشر فكر التسامح عن طريق الصحافة المكتوبة والمرئية وبثها عن طريق المواقع الالكترونية العالمية وشبكات التواصل الاجتماعية، لتكون مرجعية يستفيد منها جميع رواد هذه الوسائل الإعلامية مثل: مجلة «التسامح» التي كانت تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بسلطنة عمان من سنة 2003 إلى سنة 2010 يكتب فيها رجال الفكر والثقافة والأدب والدين من المسلمين وغير المسلمين وتصدر بالعربية والإنجليزية، مع تسخير جميع وسائل الاتصال والتواصل الالكتروني معها، ثم تحولت إلى عنوان: «مجلة التفاهم» بنفس المواصفات يرأس تحريرهما الدكتور عبد الرحمن السالمي إلى يومنا هذا. وقد اطلعت على بعض أعدادهما.
5. تدريس نظرية «المعرفة والتعارف والاعتراف» التي وضعها الشيخ علي يحيى معمَّر الإباضي الليبي قبل أربعين عاما في المدارس والمعاهد العليا والجامعات والثانويات والمساجد والمؤسسات الخيرية والمراكز العلمية في مقدمة كتابه القيم: «الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كُتَّاب المقالات في القديم والحديث»:
«وأنا على يقين -في نفسي- أن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة ولا تتحطم بالقانون، فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة في ردود الفعل. وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف:
1. فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون ولماذا يتمسكون به.
2. وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات.
3. وبالاعتراف يتقبَّل كل واحد منهم مسلك الآخر برضًا، ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه (اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ).
وفي ظل الأخوة والتسامح تغيب التحديات وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنة، غير خائفة أن يقال عنها: تركت مذهبا أو اعتنقت مذهبا. ولن نصل إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا يقفون في صعيد واحد لا مزية لأحدهم على الآخرين إلا بمقدار ما قدم من عمل خالص لله تعالى» (1).
فإذا جسدنا هذه التوصيات والمقترحات في الميدان واقعا عمليا يفضِّله الجميع نجونا ونجت سفينتنا، وإن تركناها حبرا على ورق -لا قدر الله- هلكنا وهلكت سفينتنا.
وأختم هذا البحث مردِّدا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ (1/25)
صفحة 26
الْمُحْسِنِينَ} (2).والله أعلم.
المصادر والمراجع
1. ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق: د. إبراهيم بحاز، د. محمد ناصر، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1406هـ/1986م.
2. ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، تحقيق: يوسف البقاعي، ط1، مؤسسة الأعلمي، بيروت 1426هـ/2005م.
3. ابن هشام، محمد: سيرة ابن هشام، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، ط1، دار الجيل، بيروت 1411هـ/1991م.
4. أبو اليقظان، إبراهيم بن عيسى: تاريخ صحف أبي اليقظان، ط1، دار هومه، الجزائر، 1423هـ/2003م.
5. أبو زكرياء، يحيى بن أبي بكر الوارجلاني: سير الأئمة وأخبارهم، تحقيق: إسماعيل العربي، ط1، المكتبة الوطنية، الجزائر، 1399هـ/1979م.
6. أبو ستة محمد بن عمر: حاشية الترتيب، تحقيق: إبراهيم طلاي، ط1، مطبعة البعث قسنطينة 1415هـ/1995م.
7. اطفيش، امحمَّد بن يوسف: الذهب الخالص تحقيق: إبراهيم أبي إسحاق اطفيش، ط1، المطبعة العربية - غرداية.
8. اطفيَّش، امحمَّد بن يوسف: شرح النيل وشفاء العليل، ط1، دار الفتح جدة، 1392هـ/1972م.
9. الباروني، سليمان: الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، ط2، مكتبة الضامري، سلطنة عمان 1435هـ/2014م.
10. البارونية، زعيمة: صفحات خالدة من الجهاد، ط1، مطابع الاستقلال، القاهرة، 1384هـ/1964م.
__________
(1) علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 5.
(2). العنكبوت: 69.
11. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية ط1، المطبعة العربية، غرداية، 1420هـ/1999م.
12. الجيطالي، إسماعيل بن موسى: قواعد الإسلام، تحقيق: الشيخ عبد الرحمن البكري، ط1، المطبعة العربية، غرداية 1977هـ/1397م.
13. خدوسي رابح: موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين، ط1، دار الحضارة، الجزائر 1423هـ/2003م. (1/26)
صفحة 27
14. دبوز، محمد علي: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة ج1، ط1، المطبعة التعاونية، القاهرة، 1385هـ/1965م.
15. الدرجيني، أحمد بن سعيد: طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طلاي، ط2، الجزائر، 1428هـ/2008م.
16. رجب محمد عبد الحليم: الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة، ط1، مطابع النهضة، سلطنة عمان 1410هـ/1990م.
17. السعدي فهد بن علي: لقاءات الشيخ أحمد الخليلي في الفكر والدعوة ط1، مكتبة الأنفال، سلطنة عمان 1431، 2010.
18. الشيخ بالحاج، محمد بن بابه: أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي، ط1، دار البعث قسنطينة 1412هـ/1992م.
19. صليبا، د. جميل: المعجم الفلسفي، ط1، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1398، 1978.
20. عمرو بن جميع: عقيدة العزابة، تحقيق: عمر بازين، ط2، المطبعة العربية، غرداية 1421هـ/2000م.
21. الكدمي، أبو سعيد: زيادات على كتاب الأشراف، تحقيق: إبراهيم بولرواح، ط1، وزارة الأوقاف سلطنة عمان، 1432هـ/2011م.
22. معمر، علي يحيى: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث. ط1، مكتبة وهبة، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1396هـ/1976م.
23. ناصر، د. محمد صالح: الشيخ القرادي، ط1، جمعية النهضة، الطبعة العربية، غرداية، 1410هـ/1990م.
24. ناصر، د. محمد صالح: منهج الدعوة عند الإباضية، ط5، دار ناصر، الجزائر 1434هـ/2013م.
25. ناصر، د. محمد صالح: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، ط1، مطبعة أحمد زبانة، الجزائر، 1400هـ/1980م.
26. النوري، حمو محمد عيسى: دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، ط1، دار الكروان، باريس 1404هـ/1984م.
31. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية سلطنة عمان مجلة التفاهم، تحرير: عبد الرحمن السالمي، ط1، مؤسسة عمان للصحافة 1430هـ/2010م.
32. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، مجلة التسامح، تحرير: عبد الرحمن السالمي، ط1، مطبعة سيوكو، بيروت 1423هـ/2003م.
33. وزارة الشؤون الدينية، رسالة المسجد، رئيس التحرير د. محمد عيسى، ط1، س6، ع1، 1429هـ/2008م.
/
27. الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: الدليل والبرهان، ط1، وزارة التراث، سلطنة عمان، 1403هـ/1983م.
28. المجلات والدوريات
29. أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش: مجلة المنهاج ط1، المطبعة السلفية، مصر 1344هـ/1350م.
30. مؤسسة حراء: مجلة حراء، رئيس التحرير هاني رسلان، ط1، س9، ع1و4، اسطنبول، تركيا، 1435هـ/2014م. (1/27)
صفحة 28
أسس الحوار والتفاهم
بين المذاهب الإسلامية
الدكتور مبارك بن عبدالله بن حامد الراشدي
جامعة السلطان قابوس ـ مسقط ـ سلطنة عمان
بحث مقدم لمؤتمر المجلس الإسلامي الأعلى
الجزائر عام 2003
المقدمة
الحمد لله الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد القائل في كتابة العزيز: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (1)، والصلاة والسلام على سيدنا محمد هادي الأمة ومصباح الظلمة الذي آخى بين المهاجرين والأنصار وعلى آله وأصحابه العاملين الأطهار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ...
أما بعد؛
فإنني أشكر الحكومة الجزائرية على استضافتنا في رحابها وأخص بالشكر القائمين على هذا المؤتمر على دعوتهم لنا للمشاركة فيه، ولقد صادفت هذه الدعوة هوى في نفوسنا حيث أنها تهدف إلى الحوار والتفاهم بين أبناء هذا الدين الحنيف، ونظرا إلى أنها دعوة حق من المجلس الإسلامي الأعلى رغبنا في المشاركة بالكلمة الحسنة الطيبة التي عسى أن تكون كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وأن يكون لنا أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم الدين.
ونحن في سلطنة عمان تصبو نفوسنا إلى مثل هذا التفاهم الذي ما زاد البعد منه إلا شقَّة في الخلاف وابتعادا عن النهج الذي دعانا إليه الباري عز وجل، وكم دعا أئمتُنا إلى نبذ التعصب والالتفاف حول بعضنا البعض؛ لنتلفت جميعا إلى عدونا جميعا وهو الشرك بجميع أشكاله، وفي ذلك يقول (1/28)
صفحة 29
شاعرنا أبو مسلم البهلاني العماني قبل ما يقرب من تسعين عاما ما نصه:
لقد مكَّن الأعداءَ منا انخداعُنا وقد لاح آل في المهامة لامع
__________
(1). الأنفال: 46.
وسورة بعض فوق بعض وحملة لزيد على عمرو وما ثمَّ رادع
وتمزيق هذا الدين كلٌّ لمذهب ... له شِيَع فيما ادَّعاه تشايع
وما الدين إلا واحد والذي نرى ... ضلالاتُ أتباع الهوى تتقارع
وما ترَكَ المختار ألف ديانة ... ولا جاء في القرآن هذا التنازع
فيا ليت أهل الدين لم يتفرقوا ... وليت نظام الدين للكل جامع
لو التزموا من عزة الدين شرطها لما اتضعت منها الرعان الفوارع
وما ذبحَ الإسلامَ إلا سيوفُنا ... وقد جعلت في نفسها تتقارع (1)
إلى آخر ما قال، وكم من الملتقيات التي عقدت من أجل التقارب بين المذاهب وبذلت فيها جهود كبيرة من أجل الوصول على الحوار والتفاهم، ومن تم الاتفاق على إذابة الفوارق ونسيان الماضي، ولكن لم تلبث نتائج تلك الملتقيات أن تتبخر، وذلك- في نظري- عائد إلى أمرين:
1. فقدان الإرادة الحقيقية في هذا الشأن.
2. عدم المتابعة بسبب غياب الآلية المطلوبة لذلك.
وإذا كان الانغلاق والتعصب بين أبناء المذاهب الإسلامية المختلفة والذي أدى بها إلى التكفير والتضليل لمن خالفها ووصل بها الأمر إلى إباحة الدماء ليس من طبيعة الإسلام، ولا من أهدافه بل هو عين الذي نهى عنه، وهو من الذنوب التي تصل إلى أكبر الكبائر من حيث أن ذلك مخالف لأمره تعالى بعدم التنازع فيما بين المسلمين بعضهم بعضا إذ يؤدي بهم إلى الفشل وذهاب القوة، إذا كان الأمر كذلك ـ وكلنا يقرُّ به ـ فلماذا لا نجني ثمرة هذا الملتقى الفكري الهام؟ والذي قصد به وضع آلية للتفاهم والحوار البنَّاء المثمر.
إن وجود هذه الكوكبة من أصحاب الفكر والرأي الشرعي من أبناء المذاهب السائدة المختلفة يدل دلالة واضحة على الرغبة في التقارب ونبذ العصبيات، وجدير بنا أن نخرج بتوصيات للعمل الجاد في هذا الميدان.
وإن ورقة العمل التي أقدمها لكم ما هي إلا مشاركة قليلة لأدلي بدلوي حول الموضوع المطروح، ولا ترقى إلى أن تكون بحثا معمقا في هذه المسألة، وما ذلك إلا من أجل المشاركة في وضع إطار لتفاهم يقوم على المرتكزات الأساسية التي لابد من النظر إليها عند الحوار ووضع الحلول
__________
(1). انظر نهضة الأعيان، الشيخ محمد السالمي، ص.315، ط. أولى، دمشق. (1/29)
صفحة 30
المناسبة، وتدخل ضمن البند الثاني من المحاور وخاصة الفقرة الثانية منه والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
تمهيد
من المعلوم والمسلَّم به أن المولى عز وجل وهو الخالق الحكيم قد جعل الناس مختلفين في ألسنتهم وألوانهم وأقوامهم وأعرافهم ومداركهم وتصوراتهم، وأسكنهم أرضه الفسيحة، واقتضت حكمته أن يتعارفوا بينهم ليعيشوا بسلام على هذه الأرض، ولذا جاء في الكتاب العزيز قوله عز من قائل {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (1) وبطبيعة الحال يكون من عصاه فيها فاجرا مخذولا لأنه خالف الحكمة من هذا الخلق. ولذا: فإن الله جل شأنه لم يرد أن يكون اختلافهم في ألوانهم وألسنتهم مدعاة إلى النزاع والشقاق بل جعله الله دافعا إلى التآلف والوئام.
ذلك لأن الآية الكريمة السابقة تلفِت نظر الناس جميعا إلى حقيقة ثابتة لا جدال فيها وهي وحدة الأصل الإنساني، لكنه بحكمته جعلهم شعوبا وقبائل لأجل التعاون والتآلف بدليل لام التعليل في الكلمة، ولكن طبيعة البشر الاختلاف لاختلاف المدارك والتصورات.
وقد ذكر المولى عز وجل الاختلاف في آية كريمة أخرى حيث قال: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (2)
لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يكون هو السائد وإنما هو عرَضي بل المطلوب في أصل الخلق هو التعارف كما تدل عليه كلمة (لتعارفوا).
ونظرا إلى أن هذا الاختلاف حقيقة واقعة لاشك فيها إلا أنه لا ينبغي أن يتغلب على العلة في الخلق وهو التعارف المبني على الاحترام المتبادل والفهم المقنع والتعاون المشترك بين الجميع.
إذا كانت هذه هي الحكمة من خلق البشر جميعا على اختلاف أصنافهم، فمن الأولى أن يكون ذلك شأن الأمة المسلمة التي ينبغي عليها أن تضع ذلك في اعتبارها، وفي مقدمة أولوياتها، حيث أراد الله
__________
(1). سورة الحجرات، الآية 13.
(2). هود: 118 - 119.
لها أن تكون أمة واحدة قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (1) وقال: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ} (2).
وذكر عن معتنقي الإيمان به عز وجل إنهم إخوة وعبَّر عن ذلك بأداة الحصر التي لا ينبغي أن تنفك عنها حيث قال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (3)، كما ذكر في معرض خطابه للمسلمين عامة والذين في عصر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام خاصة الامتنان بالإسلام الذي وهبه لهم حيث قال: (1/30)
صفحة 31
{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (4)، وأمر المسلمين بالاعتصام بالعروة الوثقى والحبل المتين حيث قال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (5).
وأمرهم عند النزاع المؤدي إلى التفرق أن يردُّوا الأمر إلى الله ويخضعوا لحكمه وحكم رسوله، وبعد وفاة نبيه إلى قرآنه وسنته قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (6) وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (7).
إن هذه الأمة حَرية بأن تضم تحت جناحيها مختلف الشعوب التي تدين بالإسلام، على بعد ديارهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم وأعراقهم، لأن هدفها واحد فهي تعبد ربا واحدا ولها قرآن واحد لم يختلف عليه أحد من أبنائها، ولها قبلة واحدة يتجه إليها المسلمون أينما كانوا في صلواتهم، ويحجُّون بيتا واحدا في زمن واحد ويصومون شهرا واحدا مع اتفاقهم في أساسيات الشريعة وأحكامها العامة، وفي كل ما علم من الدين بالضرورة.
وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم أول شيء بعد وصوله المدينة بهذا المبدأ الهام وهو ربط المؤمنين بعضهم ببعض فعلا وقولا؛ فآخى بين
__________
(1). الأنبياء: 92.
(2). المؤمنون: 52.
(3). آل عمران: 103
(4). الحجرات: 10.
(5). آل عمران: 103.
(6). النساء: 59.
(7). الشورى: 10.
المهاجرين والأنصار بحيث ذابت الفوارق فيما بينهم، وكتب المعاهدة المشهورة في التاريخ وهي التي كانت بين المؤمنين بعضهم البعض وبين المؤمنين وغيرهم، وهذا أمر مشهور لا ينكره أحد.
كما أنه عليه الصلاة والسلام حث المؤمنين على الترابط والتعاون والتلاحم فيما بينهم ففي حديث عبد الله بن عمر عنه عليه أفضل الصلاة والسلام "وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه" رواه الشيخان (1)، وقوله عليه الصلاة والسلام من حديث النعمان رضي الله عنه "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" (2)، وقوله صلى الله عليه وسلم من حديث أنس "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (3) متفق عليه ومن رواية أبي موسى عند البخاري "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" (4) ولم يقتصر الكتاب والسنة على ذلك بل (1/31)
صفحة 32
أوجبا على المسلم ترك ما يؤدي إلى التفرق والشقاق أو يؤدي إلى البغضاء والشحناء بين المؤمنين، فمن الأول قوله عز من قائل:" وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين" (5) وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (6).
وقوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (7) وقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (8).
__________
(1). فتح الباري، ج.5/ 99.
(2). رواه البخاري (6011) ومسلم (2586)
(3). رواه البخاري (13) ومسلم (45)
(4). رواه البخاري (481) ومسلم (2585)
(5). الأنفال: 46.
(6). الأنعام: 159.
(7). آل عمران: 105.
(8). الأنعام: 153.
ومن الثاني قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (1) وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} (2) وهناك أحاديث كثيرة عضدت هذه الآيات الكريمة التي تنهى عن إيذاء المسلم لأخيه المسلم سواء بالقول أم بالفعل من كل ما يثير الضغائن والأحقاد وذلك كله من أجل الحفاظ على الأخوَّة ودوام التلاحم والتعاون بين المسلمين.
إن عوامل الوحدة بين المسلمين قائمة ومتينة لا تتبدل، فكتاب الله بيننا وسنة نبيه أمام أعيننا، ولغتنا القومية في العبادة هي العربية، وأساسيات التشريع في الحلال والحرام واحدة، والقبلة واحدة، وصومنا في شهر واحد، وحجنا في أسبوع واحد، فهذه عوامل الوحدة قائمة بين المسلمين إضافة إلى تراثنا التاريخي في الدفاع عن الإسلام، وتجمعنا كلنا كلمة التوحيد.
وإذا كان هذا الرصيد موجودا بين المسلمين وهم يتركونه ويسعون إلى عدم التوحيد بل يذهبون إلى التعصب والانغلاق ورمي البعض للبعض الآخر بالألقاب والكفر واستحلال الدم ونحن في زمان أحوج ما نكون يدا واحدة على عدونا الذي لا يبالي بنا وأن نتمسك بأصول ديننا لتبقى لنا (1/32)
صفحة 33
كرامتنا أليس هذا من السفاهة ورذالة الرأي وحمق التوجه.
إن الدول الأوروبية سعت إلى وحدتها وواصلت العمل بلا ملل ولا كلل مع اختلاف لغاتها ومكونات ثقافاتها ومصادر ثرواتها وعناصر شعوبها، حتى وصلت إلى اتحاد كامل وأصدرت عملتها الموحدة وسارت على هدف واحد ضد من تسميهم الأعداء رغم أنها خاضت حربين عالميتين، فكيف بنا ونحن نملك كل المقومات.
إذن لا بد لنا من البحث عن أسلوب للعمل انطلاقا من أسس التفاهم المؤدية إلى العمل الجاد والطريق الأمثل نحو إذابة الفوارق والوصول إلى الوحدة وذلك وفق ما يلي:
أساسيات التفاهم
__________
(1). الحجرات: 11.
(2). الحجرات: 12.
لقد سن القرآن الكريم سنة دعوة المخالفين في الدين من المشركين وغيرهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فأمرنا أن نجادلهم بالحسنى، قال عز من قائل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (1) وقال جل ذكره: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (2).
ولاشك أن الموافقين لنا في الإسلام أولى بهذه المعاملة الكريمة عند الخلاف في أمر من الأمور بحيث يدعو بعضنا بعضا بالتي هي أحسن، حتى لا يفرق بيننا الخلاف في الرأي، ولا يثير بيننا شيئا من العداوة والخصومة.
ومن شرف الإسلام أنه لم يجعل الخلاف بين الناس في الدين سببا من أسباب العداوة بينهم، فلم يرض للمسلمين أن يعادوا غيرهم لمجرد الخلاف في الدين، ولهذا قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (3)
ولاشك أن فرق المسلمين أولى بالمودة فيما بينهم لأن الخلاف فيما بينهم لا يبلغ ما يبلغه الخلاف بينهم وبين غيرهم.
وعند وضعنا لبعض الأسس في التفاهم فإنه يجب علينا قبل ذلك أن ننظر إلى أربع نقاط هامة:
1. أن تكون لنا منطلقات ننطلق منها للدخول في بحث هذه الأسس.
2. أن تتوفر فينا العزيمة الصادقة والإرادة الحقيقية للبحث في هذا المجال، وذلك من أجل الوصول إلى الهدف المنشود.
3. أن تمثل في هذا التفاهم جميع الدول الإسلامية.
4. أن يعين الموقع الذي يجري فيه الحوار. (1/33)
صفحة 34
أما المنطلقات المطلوبة في نظرنا فهي:
1. عدم البحث عن الفرقة الناجية.
2. غض النظر عن التكفير الموجود في كتب علم الكلام للفرق من بعضها البعض.
3. عدم الخوض في فتن الصحابة ومشاجرة بعضهم البعض.
4. توحيد الاعتقاد في الصحابة بالرضا عنهم بحيث نكل أمرهم إلى الله.
__________
(1). النحل: 125
(2). العنكبوت: 46.
(3). الممتحنة: 8.
5. عدم التشنج في الحوار على أية حال كان.
6. الابتعاد عن الخوض في مسائل العقائد ونكتفي بتوحيد البارئ واثبات صفات الكمال له وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وذلك بعدم الخوض في مسائل الرؤية وخلق القرآن والشفاعة والتشبيه.
7. إشراك الحكومات بطلب التأييد في حوار المذاهب، وإبلاغ النتائج إلى الناس.
8. أن يكون الممثلون ممن لهم الكلمة الدينية العليا في بلدانهم والمراكز الإسلامية.
9. العودة إلى الاجتهاد الجماعي لحل القضايا الجماعية للخروج برأي موحد فيها.
وأما العزيمة والإرادة فإنه إذا كان الإسلام في الماضي قد استوعب الثقافات والآراء بما في ذلك الفلسفات القديمة، وغذاها بتميزه ونماها بعطائه وهضمها في بوتقته فإن هذا الإسلام قادر على أن يعود ويهضم كل جديد ونحن نشاهد العلماء والمفكرين في هذا العصر يطبقون الإسلام على العلوم الحديثة والأفكار الجديدة في الفن والاقتصاد والاجتماع والسياسة، وذلك بما وجدوه من غزارة في الكتاب والسنة والإجماع ومقاصد التشريع.
فالإسلام أصوله الثابتة وفروعه الناشطة حسب الأحوال والمستجدات وعلى مر الأيام سواء كان في العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق إذ لها أصولها في الكتاب والسنة، ولها فروع تنمو وتطيب في كل عصر وكل قطر.
إذا كان هذا حال الإسلام وإذا كنا نرغب في الحوار والتفاهم فلابد من العزيمة الراسخة والإرادة القوية لكي نتخطى هذه العقبة الكؤود ونصل إلى مبتغانا فنوحد كلمتنا ونجمع خطابنا لأمتنا ثم لغيرها من الأمم بلسان واحد يعبر عن الإسلام وثوابته قولا وعملا؛ ذلك لأن طبيعة الإسلام فيما سبق من الزمن قد أثبتت استعدادها للبقاء وتفاعلها مع الأحوال والمستجدات في كل بلاد الإسلام شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، ويكفيك شاهدا على ذلك تاريخ الإفتاء والاجتهاد بالرأي في الإسلام وتنامي الفقه وتفتحه عند جميع المذاهب، إذ لم يعرقله شيء عن ركب الحياة والارتقاء عن السبق في كل الميادين. (1/34)
صفحة 35
إذن لا بد لنا من الإرادة الثابتة لنستطيع الاستمرار في الحوار والتفاهم المستمر والذي لا ينقطع حتى ولو حصل سوء تفاهم في هذا الشأن يعالج في حينه ويقضى عليه.
وأما إشراك جميع الدول الإسلامية فيه، فذلك أمر مهم للغاية من حيث أن ضمان تفعيل ما يتمخض عنه الاجتماع مرهون بحضور ممثل تلك الدولة في المؤتمر، وبطبيعة الحال فإن ممثل الدولة يجب أن يكون أعلى شخصية دينية في تلك البلد، وذلك من أجل ضمان نفوذ ما يبلغ به عن المؤتمر لدى الهيئات الدينية في بلده ولدى أفراد المجتمع الذي يمثله.
أما لو كان الممثل شخصا عاديا فإنه لا تُسمع كلمته ولن تنفذ المبادئ التي يبلِّغها عن المؤتمر الذي يبلغ نتائجه، كما أنه من المهم بمكان أن تكون الدولة هي التي توجه موفدها بالاشتراك في مؤتمر التقريب أو ما نسميه
بالتفاهم من أجل الحصول على صفة الرسمية والتوصل إلى ثقة وقناعة المشتركين في الاجتماع فضلا عن الناس الذين يبلغهم نتائج المؤتمر.
ومن المعلوم والمسلَّم به أنه لو لم تشترك جميع الدول الإسلامية، فإن الدولة غير المشتركة في الاجتماع سوف لن تسلم بنتائج ذلك الاجتماع هذا من جهة، ومن جهة أخرى فمن ذا الذي يبلغها؟ أنها لا تكتفي بالمراسلة من منظم الاجتماع أيا كان مستواه أو نوعه، وبالتالي وحتى لو اكتفت بذلك فمن الذي يتابع التطبيق في داخل ذلك البلد؟
وفي هذا الإطار يجب أن لا ننسى أن أحد فخاخ الأجانب للمسلمين هو إشاعة العنصرية والقومية بين المسلمين حتى في البلد الواحد، فإذا ما أدخلنا كل البلدان الإسلامية في جمعية التفاهم ضمنَّا بعض ما نحذره من هذه الفخاخ ولو أنها قد تكون موجودة عندئذ، ولكن بعض الشر أهون من بعض.
ولابد من تمثيل المراكز ذات الشأن في الدول الإسلامية وأخص منها دُور الفتوى والجامعات الإسلامية ومراكز الفقه الكبرى لضمان وصول الكلمة إلى أتباعها على خير وجه.
أما اختيار البلد الذي يقام فيه الحوار، فإنه لابد للمشتركين في هذا الملتقى أن يقوموا بتعيينه واقترح في ذلك أحد البلدين، الأول القاهرة وذلك لمكانة الأزهر التاريخية والعلمية بين المسلمين من جهة، ومن جهة أخرى مكانة المركز الثقافي والسياسي لهذا البلد في الوطن العربي خاصة والوطن الإسلامي عامة.
فإذا قام الأزهر بالدور المنشود في هذا الجانب وتمكن من استقطاب الممثلين عن الدول الإسلامية عامة، وتوفرت العزيمة والنية الصادقة في مواصلة الحوار وتنفيذ ما يسفر عنه فسيكون له مردود إيجابي هام، خاصة وأن للأزهر منذ مدة ليست بالقصيرة جهودا سباقة في هذا المضمار ممثلة في مشايخ الأزهر وعلمائه، كما أننا يجب أن لا ننسى أن هناك مؤسسات إسلامية أخرى كانت لها جهود مشكورة في هذه القضية ولكن ليس هناك من مانع أن توحَّد هذه المؤسسات لتصبح موقعا (1/35)
صفحة 36
واحدا تطرح فيه جميع الأفكار المؤدية إلى النجاح المطلوب.
أما البلد الثاني فهي أم القرى حرم الله الآمن والبلد الأمين، لأن الدعوة الأولى انطلقت منه والبلاغ إلى المسلمين سيكون منه حتى لو كان في أيام الحج والمسجد الحرام جدير بأن ينطلق منه صوت الوحدة ونداء التقارب والتفاهم مع الاحتفاظ بجهود المؤسسات الأخرى، والاستفادة منها بحيث تتحد الجهود المبذولة من جميع المؤسسات الإسلامية لتصب في قالب واحد هو التفاهم والحوار من أجل الوصول إلى الهدف المنشود، فإذا انطلقنا من هذه المنطلقات الأربعة التي ذكرتها فعسى أن يبرز الجهد ويتحقق الوصول إلى التفاهم حول الأسس المقترحة. وأوجز هذه المقترحات فيما يلي:
أسس الحوار
إذا كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يأخذون عن بعضهم البعض الحديث والعلم وقد يختلفون في مسائل الرأي, وإذا كان التابعون بعدهم قد حذوا حذوهم في ذلك ولم يجدوا في أنفسهم حرجا من أن يأخذ الأصاغر عن الأكابر والحافظ يأخذ عمن هو أحفظ منه، فضلا عن أن غير الحافظ يأخذ عنهم جميعا كما أنهم ابتعدوا عن التقليد، بل أمعنوا النظر في الآيات القرآنية والسنة النبوية وأجمعوا على أمور استندوا فيها إلى أدلة الكتاب والسنة، وافترقوا على أمور للنظر والفكر فيها مجال، وتبعهم بعد ذلك أئمة المذاهب ولم يرض هؤلاء الأئمة بتقليد الناس لهم، واعترفوا فيما روي عنهم بوقوع الخطأ منهم في الاجتهاد فكيف بنا الآن ونحن في هذا العصر الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى التماس العذر لبعضنا البعض ونبذ الشقاق والفرقة والتفسيق بله التكفير.
مع أننا لو أمعنا النظر جيدا واطَّرحنا الأفكار البالية الجامدة خلف ظهورنا، فإننا لن نجد كبير خلاف بين كل من مذهب أهل السنة والشيعة الإمامية مثلا ولا بينهم جميعا وبين مذهب الإباضية ولا بينهم ومذهب الشيعة الزيدية.
إذا أن أبا حنيفة مثلا هو تلميذ للإمام زيد بن علي حيث أخذ عنه الفقه وأصول العقائد، والإمام زيد تلميذ لواصل بن عطاء أحد رؤوس المعتزلة وكان ملازما له، كما أن الإمام مالك بن أنس كان تلميذا للإمام جعفر الصادق وكان كلاهما إمامي المذهب، بل كان كل منهم يحترم الآخر ويجله ويحترم آراءه، كما يروى أن البخاري أخذ عن عمران بن حطان وقد تلقى عنه الحديث ودونه كما أن واصلا وعمروا بن عبيد المعتزليين أخذا عن الحسن البصري وكان جابر بن زيد والحسن البصري يأخذ بعضهما من بعض، واعترفا بقوة الباع في العلم وبعد النظر لبعضهما البعض، وإذا كان هؤلاء الأئمة هم أئمة المذاهب وبعدهم الشافعي واحمد قد ابلوا بلاء حسنا في جمع العلم ونشره وتلقوا الحديث ثم رووه، وجاهدوا في دين الله حق جهاده وقد عذر بعضهم بعضا في الخلاف، ونظروا إلى الهدف الأسمى وهو هداية الأمة ومنفعة أبنائها بغيث الرسالة، واهتموا بنشر الهدى بين الناس تحت مظلة التوحيد ومقاصد الشريعة الواسعة، فلماذا لا يعذر بعضنا (1/36)
صفحة 37
بعضا الآن؟
وهناك مسائل عديدة قد بليت الآن ويمكن السكوت عنها كمسألة ولاية الصحابة والدخول في فتنهم، ومسألة الإمامة التي اختلفت فيها أنظار الفقهاء، ومسألة تكفير أصحاب المذاهب بعضهم لبعض، فإذا ما غضضنا الطرف عن مثل هذه المسائل وتوجهنا إلى الحوار الجاد في الأمور التشريعية التي تحتاج إليها المجتمعات واستطعنا الخلاص من ربقة براثن المذهبية لا شك أننا سوف نصل إلى ما نريد، والآن أعرض
أهم النقاط التي ينبغي أن يكون فيها الحوار:
أولا: النظر إلى كتاب الله تعالى الذي هو الحبل المتين ونوره المبين والذي يجب أن نرجع إليه عندما نختلف، فنقصد الأمور المتفق عليها ونتمسك بها ونترك المسائل الخلافية؛ لأن لكل عالم فيها نظرة خاصة من
حيث الفهم اللغوي والعلة، لكن على شرط أن لا نحيد عن مقتضيات اللغة العربية التي هي وعاء لهذا التنزيل الحكيم، وليعذر بعضنا بعضا في الأمور التي قد نختلف فيها في هذا المنطلق.
ثانيا: النظر في السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ونأخذ بالمتواتر والصحيح من أقسامها، ولا نأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد بل نأخذ بها في العمليات من أحكام السلوك الإنساني، مطبقين في ذلك مبدأ العذر لبعضنا البعض في المسائل الخلافية العملية ولا نفسق ولا نكفر من يخالف في النظر والرأي في العمليات من المسائل الشرعية، فخلاف فقهاء المسلمين مظلة واسعة للتخفيف على المسلم وبذلك تبرز سماحة التشريع الإسلامي ومرونته في تطبيق الأحكام.
ثالثا: أن تلتزم بما أجمع عليه المسلمون، ففي ذلك عصمة للمجتمعات من التجاوز عن الحدود الشرعية.
وقد تكون هناك مستجدات يجب أن يطبق عليها القول الأضعف المستند إلى دليل ظني سواء كان غير ظاهر الدلالة من الكتاب أو ظني الثبوت من السنة، فقد عمل بذلك الصحابة رضوان الله عليهم في فهمهم للنصوص عندما أدى بهم الأمر إلى عدم تطبيق النصوص على المسائل كعدم قطع يد السارق في عام الرمادة، ومنع سهم المؤلفة قلوبهم، وعدم قسمة أرض الخراج، وغير ذلك من المسائل التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي في هذا العصر، مع الأخذ في الاعتبار أن عدم جواز الاجتهاد مع النصوص إذا كانت قطعية المتن والدلالة تطبيقا لقولهم لا اجتهاد مع نص.
وبعد هذا نعود إلى الأمور المختلف فيها من الأدلة الفقهية، إن الأدلة المختلف فيها في جانب الأصول ملجأ للفقهاء والمنظرين من الحكماء الذين ينظرون بعقولهم وبصائرهم إلى مصلحة العباد، التي تقتضي فيها مرونة واستنباط لما يستجد من أمور في حياة الناس وتدخل في ذلك الدلالات الظنية من القرآن والسنة ما للغة أو العرف والعادة فيها مجال للاستنباط والمقال.
فإذا نظرنا إلى الأدلة المختلف فيها وجدناها تنحصر بين القياس الصحيح إلى المصالح المرسلة إلى (1/37)
صفحة 38
الاستحسان وسد الذرائع والاستصحاب ومذهب الصحابي والشرائع السابقة مما لم يوجد فيه نص في شرعنا، وهذه كلها صالحة لأن تكون دليلا يعتمد عليها في هذا العصر لكثرة المستجدات من نوازل المسائل التي لابد للفقهاء من أن يجدوا لها حكما لكي يسلِّم الآخرون بأن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان.
ولنبدأ أولا بالقياس
القياس عند الجمهور هو المصدر الرابع للتشريع وهو (إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأصل ورد فيه نص) بمعنى أن وجود الشبه في معنى الحكم أو علته بين الأصل والفرع هو سبب القول بمشروعية القياس، وهو قدر مشترك بين الفقهاء، فهو أصل رابع من الأصول التي يعتمد عليها في إنزال الأحكام على الحوادث.
إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يكون مجالا للتفاهم بين المذاهب الإسلامية، في المسائل الخلافية؟ ولماذا لا يعذر البعض الآخر في الاختلاف في مؤدى النظر إلى علة الأصل من حيث ثبوتها من الفرع أم لا؟
خاصة وأن المذاهب قاربت على الاتفاق على العمل المقطوع به كالقياس المنصوص العلة، والقياس الذي قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، والخلاف فقط محصور في القياس المظنون العلة، لكن هذا أيضا لا يمكن تجاوزه أو نفيه، وإلا لم يوجد اجتهاد بالرأي أصلا أي الرأي المتفق مع روح الشريعة ومقاصدها العامة.
ثانيا: المصلحة المرسلة
تفاوت الفقهاء من جميع المذاهب في الأخذ بالمصلحة المرسلة دليلا شرعيا ما بين آخذ بها ورافض لها ولكل من الفريقين دليله وحجته، لكن القائلين بالمصالح لهم أدله من الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة وعمل الصحابة والتابعين، والعلماء المجتهدين مما له أثر في رفع الحرج عن الأمة وتوفر مقاصد الشارع من التشريع.
أما المانعون فأكثر أدلتهم عقلية تعليلية، لئلا يسترسل الناس في التشريع بالهوى والإفتاء بغير دليل.
ونحن إذا نظرنا إلى المستجدات من النوازل ونظرنا إلى مقاصد التشريع وأردنا الحلول للنوازل لابد لنا من الأخذ بها، لأن هذه المسألة من مسائل الرأي التي للنظر فيها مجال، وللقائل بها نصيب وافر من الصواب.
ثالثا: سد الذرائع
وقد أخذ بهذا المبدأ الهام من الأصول جمهور الفقهاء حتى قال بعضهم إنها ربع الدين أو ربع التشريع، والمقصود بالذرائع المطلوب سدها هي الوسائل الموصلة إلى فساد في الدين أو الموصل إلى الحرام، ومن هنا حرم النظر إلى العورات لأنه يؤدي في نهاية (1/38)
صفحة 39
الأمر إلى الزنا، وكقوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (1).
وفي هذا الأصل مجال للمجتهدين من هذه الأمة أن يستندوا إليه في إصلاح المجتمع الإسلامي، ومنع الناس من التساهل في الريبة كيلا يدخلوا في الحرام، وما دام الأمر كذلك، فإن الأخذ بقاعدة سد الذرائع لا يعنف، وما القصد من الأخذ بهذه القاعدة إلا جلب المصلحة العامة في آخر الأمر.
رابعا: العرف
وهو ما اعتاده الناس وساروا عليه وتمسكوا به سواء كان فعلا أو تركا، وهو حجة في الشرع عند اكثر الفقهاء بشرط أن لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا، ولكل قوم أعرافهم المتداولة بينهم وتقاليدهم الصحيحة التي ورثوها من بيئتهم، وما دام للتحليل فيها مجال ولم تصادم نصا، فما المانع من الأخذ بها؟ ولا بد من أن نعذر من تمسك بالعادة، وفي تغير العادات وتقلب الأحوال مجال للاجتهاد وإعمال الرأي، وقد استنبطوا من ذلك قاعدة تقول: "العادة محكَّمة" وقالوا: "المعروف عرفا كالمشروط شرطا"، وهذا يدل على سماحة الإسلام وسعة التشريع وقدرته على هضم كل ما هو جديد في كل العصور.
خامسا: الاستصحاب
وفي نظري إنه يدخل فيه شرع من قبلنا من الأمم السابقة ذلك لأنه إذا ورد في شرعنا فلا كلام فيه، أما إذا لم يوجد فيه شيء وكان له ذكر في الشرائع السابقة، فهل نأخذ به أم لا؟ فلو أخذنا بالبراءة الأصلية من قبل شرعنا وتمسكنا بما سبقنا كان أفضل لأن ذمتنا لم تشغل بشيء جديد بل استعملنا الاستصحاب للأصل الموجود قبلنا إذا صح هذا النظر.
والاستصحاب هو التمسك بالأصل حيث لم يرد نص بمعنى عدم شغل الذمة بشيء جديد، فنستمر على ما كنا عليه إذا لم يطلب منا فعل جديد، ومن هنا أخذت القاعدة التي تقول "لا يزيل اليقين إلا يقين مثله"، وهو دليل شرعي عند الجمهور وللاجتهاد فيه مجال، وللأخذ به مساغ وهو سمة لها قيمة كبرى في التشريع واستمراريته وشموله.
سادسا: مذهب الصحابي
__________
(1). الأنعام: 108.
أما مذهب الصحابي إذا لم تكن رواية لحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان من قبيل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء في الرأي و النظر والاستنباط، فلا يأخذ به الجمهور على أنه حجة ملزمة أو أصل من الأصول المهمة، ولكنه يسترشد به المجتهد ويقلده الضعيف.
أما مقاصد الشريعة العامة، والتي تؤول في النهاية إلى جلب المصالح للعباد ودفع المفاسد عنهم، وحفظ دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأموالهم فقد أقام عليها الفقهاء اجتهاداتهم وبنوا (1/39)
صفحة 40
عليها مصالح الدين والدنيا معا، وحافظوا على كيان المجتمع الإسلامي قبل الاستعمار.
أما اليوم نحن نعاني ما نعانيه من تغريب في كل مناحي الحياة وذلك نتيجة تفرقنا وتمزقنا، مما عاد ويعود وباله علينا، فإنه يجب علينا التلاحم من جديد، وأن نتمسك بأصولنا، ونعود إلى الأخذ بما يجمعنا لا بما يفرقنا، ففي ذلك غنية لنا من استيراد الأحكام والأفكار، وذلك بأن نعود إلى أصول الشريعة ومقاصدها العامة.
والعجب كل العجب من أن نترك الثوابت الآمرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة في العبادات مثلا ولا نأخذ بمثل تلك الثوابت وهي آمرة في حال الاجتماع والتكاتف من مثل قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" (1)، وكذلك الأوامر الناهية كقوله تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" (2)، فالله اخبرنا بسوء العاقبة من ذلك لكننا ما امتثلنا أمره ولا انتهينا عما نهى فهذا عصيان له، رغم أنه اخبرنا عن عاقبة هذا الأمر كما اخبرنا عن عاقبة أكل الربا، وشرب الخمر وسوء الظن.
ونحن إذا نظرنا إلى عواقب الأمور الثلاثة السابقة، وجدناها تهدف إلى مصلحة الفرد أولا ثم المجتمع، لكن بالنسبة لعاقبة التفرق والحقد هو تشتت وحدة الأمة كلها مما يجعلها نهبا لأعدائها.
وعليه:
فإنني أرى العودة إلى نسيان الأحقاد، وترك التكفير والأخذ بزمام التعاون الوثيق بين الأئمة والعلماء المجتهدين في هذا العصر لمحاربة هذا التعصب المقيت.
وبعد ذلك يجب أن نعود إلى الاجتهاد الجماعي في الاقتصاد، والاجتماع والثقافة والتربية، والتعليم والإعلام، ووضع قواعد عامة للمسلمين لكي يتمسكوا بها وتنشأ عليها الناشئة من أجيال المسلمين.
__________
(1). الشورى: 10.
(2). الأنفال: 46.
انطلاقا من تلك المنطلقات التي ذكرتها في ثنايا هذه المحاضرة القصيرة والأسس الأصولية التي عني بها المسلمون من كنوز التراث الإسلامي، وكذلك يجب أن لا ننسى لغتنا العربية ونركز عليها في جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا لأنها وعاء للشريعة الخالدة بحيث تعتز بها الناشئة قبل أن تعتز بلغة غيرنا لنفهم ديننا ونحافظ على هويتنا الثقافية والحضارية ونتمسك بقيمنا الإسلامية الأصيلة.
مراجع البحث:
1. القرآن الكريم.
2. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، ط. عيسى الحلبي، القاهرة.
3. صحيح مسلم، ط. عيسى الحلبي، القاهرة. (1/40)
صفحة 41
4. إسلام بلا مذاهب، الدكتور مصطفى الشكعه، الدار المصرية اللبنانية.
5. الاجتهاد الجماعي، بحوث ندوة أقيمت في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأمارات، عام 1996 م.
6. بحوث ندوة أقيمت بجامعة السلطان قابوس، عام1986 م، سلطنة عمان.
7. المصالح المرسلة ومكانتها في التشريع، للدكتور جلال الدين عبد الرحمن، دار الكتاب الجامعي، القاهرة، 1983 م.
8. أصول التقريب بين المذاهب، الدكتور وهبه الزحيلي، دار المكتبة سوريا.
9. رسالة التقريب الأعداد: 16، 17، 24، 26، 27، 28، 29، 30، 31، 32، الصادرة من المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بإيران.
10. الصحوة الإسلامية إلى أين، الدكتور عدنان علي النحوي، دار النحوي للتوزيع، الرياض، 1993 م.
11. أصول التشريع الإسلامي، الأستاذ علي حسب الله، دار الفكر العربي، القاهرة، 1982 م.
12. نهضة الأعيان، الشيخ محمد بن عبد الله السالمي، نسخة مصورة.
13. دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر، د. فتحي الدريني، طبعة دار قتيبة، بيروت، 1998 م.
14. السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، د. سعيد البوطي، دار الفكر المعاصر، دمشق، 1990 م.
15. المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي، د. فتحي الدريني، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1985 م.
- - -
الوحدة الإسلامية
من خلال القرآن الكريم
أ/عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة ـ القرارة.
aisamed54@gmail.com
محاضرة ألقيت في الملتقى الذي نظمته وزارة الشؤون الدينية تحت شعار الوحدة الوطنية مفهوم شرعي، وذلك بمركب محمد العيد آل خليفة بقسنطينة يوم الأربعاء 5 رجب 1437 هـ 13 أفريل 2016 م
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي دثَّرنا بدثار الإيمان، وأشعرنا بشعار الإحسان، وكرَّمنا بمنَّة القرآن، وشرَّفنا بأسوة حبيب الرحمن، سبحانه هو الواحد الأحد الفرد الصمد، تفرَّد بالوحدانية، (1/41)
صفحة 42
وندب إلى كلمة التوحيد، وحدب على وحدة الكلمة، فارتضانا أمَّة واحدة فقال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (1) والصلاة والسلام على موحِّد الأمَّة، وكاشف الغمَّة، ورسول الرحمة، محمَّدِ بن عبد الله القائل في جوامع كلمه، ونوافع نظمه «لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ» (2). فاللَّهم صلِّ وسلِّم على عبدك وحبيبك ما ازيَّنت السماء بزينة الكواكب، واحتفت اللَّيالي بنديِّ الرَّواتب، واتَّسقت الجنان بشذيِّ الكواعب، وأثنيِّ على الثلَّة السابقين، من الأنصار والمهاجرين، الذين اصطفاهم ربُّ الخلائق لآخر رسله صحبةً وبناةً، واختارهم لخير أممه نجومًا وهداةً. فكانوا خيَرة من ابتغوا إلى ربِّهم الوسيلة، وصفوةَ من زيَّنوا سماء الفضيلة، وثلَّة من جاؤوا من الخيرات بكلِّ جليلة، وأسوة من جسَّدوا للعالمين الوحدة ذلولة، الذين لو أنفق أحدنا ملء الأرض ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا قليله. وعلى القُلَّة من آل بيته الأطهار، والثلَّة من جلَّة صحبه الأخيار، وعلى من سلك دربه راشدا، واستلهم حبَّه واجدًا إلى يوم تشخص فيه الأبصار.
أيها الملأ الكريم من بني قومي السُّراة، ويا حظوةَ الأمة الأباة، ويا صفوةَ الأحبة الهداة، ويا أبناءنا الأعزة الأبرار، وفلذات أكبادنا الأطهار، ويا خلفنا الصالح بعد طول أعمار، سلام عليكم تكنُّه الجوانح من ربٍّ
__________
(1). الأنبياء:92.
(2). رواه مالك في الموطأ، رقم الحديث: 14.
غفور، ورحمة شاملة تحفُّها المدائح من برٍّ شكور، وبركة سابغة تذروها الصفائح من قويٍّ قدير، ما ازَّينت بمحيَّاكم مباسم الربيع، وانشرحت بمقامكم حنايا الضلوع، وازدهت بطلعتكم هذى الربوع، وانسكبت فرحا من محاجرها الدموع، في يوم عامر من أيام الله، وحدثٍ باهر قضى في ملكوت الله، يوم لقائنا بهذه النفوس الخيِّرة، والوجوه النيِّرة، في رحاب دار الثقافة التي تنتسب شرفًا إلى ركن شديد من أركان الإصلاح في ربوع الجزائر الفسيحة الشاعر الفحل الشيح محمَّد العيد آل خليفة رحمه الله الذي سجَّل اسمه خالدا مع العظماء في عاصمة الثقافة العربية مدينة قسنطينة العريقة، جوهرة نفيسة من جواهر البلاد الأنيقة، التي ضربت في جذور التأريخ، وتأصلت في تربة المعرفة، وتألقت في سماء النضال، وتفوَّقت في مراتب النجاح، في مثل هذا المرتع الإيماني، والمربع العلمي، والمجمع المعرفي الذي يجمعنا، أملا في الوصول إلى ما يجمعنا، نحن بناةَ الوئام، وبغاةَ السلام، وهداةَ الأنام، في زمان تحقَّقت فيه نبوءة المصطفى، فكانت الفتن تترى كقطع الليل المظلم، وتداعت الأمم على المسلمين كما تداعت الأكلة على قصعتها، وصار المسلمون كفَّارا يضرب بعضهم رقاب بعض، وتلكم الداهية الدهياء، والفتنة العمياء التي تبغي تمزيق ما تبقى في الأمة من أوصال، وتدمير ما تبدَّى فيها من أطلال، ولا عاصم اليوم من أمر الله إلاَّ من رحم. وقد صدق (1/42)
صفحة 43
قول محمود غنيم في قصيدته وقفة على طلل:
أنَّى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصا جناحاه
ويح العروبة كان الكون مسرحها فأصبحت تتوارى في زواياه
وإنَّني إذ أجزل الشكر لمن فكَّروا - ويجب أن يفكِّروا - ولمن حضروا - ويجب أن يحضروا - هذه الندوة القيِّمة التي نرجو أن نقدِّمها قربانًا إلى من لا تخفى عنه خافية، مساهمةً منَّا في الولوج إلى أجزل الحلول، ومحاولةً للعروج إلى أنبل المثل التي تحقِّق سنَّة المولى جلَّ وعلا، وتوثِّق مُنية خيرةِ من عبد وصلَّى، في توحُّد الأمَّة تحت راية واحدة ترنو إلى غاية واحدة إنَّها مرضاة الله الواحد الديان، وتلك غاية الغايات لكلِّ من آمن من إنس وجان.
هذا وإنَّني إذ استسمح سادتي الأعلام بأن أتقدَّم بين أيديهم وقد نهينا عن التقدُّم بين يدي الله ورسوله والعلماء ورثة الأنبياء، وأتطفَّل على حرمهم المعرفي بهذه المداخلة الموسومة بالوحدة الإسلامية من خلال القرآن الكريم لأقول: إنَّ الحديث في هذا الموضوع ليس بدعًا من القول لأنَّ الكلام فيه قد شغل بال الأولين والآخرين، لا يزال يَشغل فكر كلِّ من يريد الخير راشدًا لهذه الأمة، ويسعى جاهدا لاستنبات مراتع الرحمة، واجتثاث مرابع النقمة، وهذا ما ينبغي على كلِّ من يدَّعي الإيمان، ويجب على كلِّ من يزعم الإسلام، فيجعلُه نُصب عينه ليله ونهاره، لا يفارق خلده ما دام نبض الحياة يجري في أوصاله، لا يحيده عن هذا السبيل مهما تغيَّرت الأحوال وقد دالت دولة الكفر والطغيان، لأنَّ كلمة الله هي العليا مهما اشتدَّ الألم، وسنَّتَه هي المثلى مهما امتدَّ الأمل.
أيُّها الإخوة الأعزاء: لاشكَّ أنَّ كلَّ من تحدَّث عن الوحدة أو أراد أن يتحدَّث عنها لا يمكن له أن يخطو في مسالكها سربًا، أو ينحو في مقاسمها عجبًا إلاَّ مستأنسا بكلام الله الحكيم الحميد في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، على أن يكون موقنًا بنواميسه يقينه بحقيقة وجوده، ومؤمنا بقوانيه إيمانه بدقات فؤاده، ومصدِّقا باستحالة تغيُّر سننه تصديقه باستحالة تغيُّر جينات تكوينه، وإلاَّ طاش عنه سهم الهداية غاربا، وجاش فيه وهم الغواية حاربا، ولعلَّ هذا هو الأسُّ الأمكن الذي تولَّى عنه المسلمون، والجصُّ الأمتن الذي تخلَّى عنه المؤمنون، فكانوا ينظرون إلى آي القرآن الكريم نظر الشاكِّ في من أنزلها، ويفكِّرون في سنن الذكر الحكيم تفكير المستصغر لمن دوَّنها، وهذا الذي أرضي قبيل شانئيهم، وأشفى غليل مناوئيهم فجعلوا بينهم وبين القرآن حجابا مستورا، وقالوا لهم حجرا محجورًا، فاستكانوا إلى درب الهزيمة النفسية دهورا، وتولَّوا على أعقابهم دحورًا. فتمكنتهم الريبة، وغشيتهم الهزيمة، وولوا الأدبار، وانتزعتهم الأكدار، فضلوا فكانوا لا يهتدون سبيلا {أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (1)
أيُّها السادة الأفاضل: إنَّ القرآن الكريم ليجسِّد الوحدة الإيمانية في أكمل صورها، وأنبل مشاعرها، وأفضل مظاهرها، وأجمل مثلها، في آيات رتيبة، وأفكار عجيبة، وحقائق قريبة، حتى أنَّ المتدبِّر المنصف لا يضلُّ الطريق إن هو ابتغى إلى الوحدة سبيلا، ولاشكَّ أنَّ السادة العلماء الربانيِّين ممَّن (1/43)
صفحة 44
نصحوا لله ورسوله ولكتابه وللمسلمين قد عرَّجوا على هذه الآيات بالدَّرس فاستكشفوا من غوصهم في لججها المفاهيم الحقَّ التي لا تدع لغيرهم مجالا، مهما بذلوا في الجهد مُحالا، فما ترك الأولون للآخرين مقالا، ومن قصد البحر استقلَّ السواقي، وإن كان لا محالة من القول فمن باب الذكرى والذكرى تنفع المؤمنين، وقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، وعلى هذا النوى يحمد القوم السرى، ويبعد المرء عن نفسه المراء.
لقد سلك القرآن الكريم في بناء الوحدة مسالك عدَّة، وجاء في رباط الأواصر بروائع جدًّا، مازج فيها بين استدرار المنطق العقلي، واستدراج الوازع الديني، واستفزاز العامل النفسي، وتصريف المثل الحسِّي، بين شيء أراده المولى، وشيء ندب إليه، وشيء نهى عنه، وشيء حذر منه، كلُّ ذلك من أجل تحقيق الغاية المثلى التي أرادها لعباده ليحقِّقوا ما أرادوا من غزة وتمكين، ولا يتَّسع المقام لاستقصاء كلِّ ما ورد في القرآن الكريم من دلالات وشواهد، ومقامات ومراصد، وحسبنا من ذا ضرب أمثلة، واستعراض نماذجَ تُبين عن مكنون ما نريد الوصول إليه من خلال هذه
__________
(1). الزمر:15.
المداخلة القصيرة، {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (1) وقد أدرجت في هذه الورقة أربعة عوامل أعرضها على حضراتكم على سبيل الاستسقاء، لا على سبيل الاستقصاء.
أوَّلا: عامل إرادة الوحدة:
لقد جاء القرآن بآيتين عظيمتين بيَّن فيهما إرادة البارئ تعالى في جعل أمة الإيمان أمة واحدة، وإرادتُه لا محالة محقَّقة، لا يمكن اعتراضها دون تحقيق مرادها، لأنَّ كلَّ شيء أراده الله وقع، وكلَّ شيء وقع كان كما أراد، ومن ثمَّ يستأنس المؤمن من أنَّ عامل الإرادة الإلهية في تحقيق الوحدة ظاهر ولا بدَّ طال الزمان أو قصر، مهما حاول الشانئ، وطاول المناوئ، بالرغم من شدَّة العواصف والنوازع، وحدَّة الزواحف والزعازع، فما ذاك إلاَّ سراب خادع في صحراء لا يروي أحدًا، أو غراب ناعق في بيداء لا يروِّع أسدًا، فربُّك بالمرصاد يقول في سورة الأنبياء: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (2) وفي سورة المؤمنون، يقول: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (3) لقد جاء التدليل على إرادة الوحدة مؤكَّدة من قبل الحقِّ تبارك وتعالى في الآيتين بحرف التوكيد إنَّ، وباسم الإشارة هذه التي تدلُّ على التخصيص، وبالحال أمَّةً التي تدلُّ على التنصيص، فكيف يعقل بعد كلِّ هذه التوكيدات أنَّ تكون هذه الوحدة وهميةً لا يمكن أن تتحقَّق لمن جاء بالقيدين، أو اقترن بالشرطين، شرط العبادة في قوله: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} وشرط التقوى في قوله: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} فالذي يجب علينا أن ندركه معشر المؤمنين أنَّ الله تعالى لم يحدِّد مَن تَحقُّ لهم الوحدة بالجنس أو الزمان أو المكان، وإنَّما قيَّدها بتحقُّق (1/44)
صفحة 45
الفعلين العبادة والتقوى، فمن جاء بهما جاءته الوحدة مرغمًا وعاش في صبح من النور مُلهم، ومن تركهما تركته ممرَّغًا، وعاش في ليل من الشك مظلم، فعلينا نحن أهلَ هذا الزمان الذي تشرذمت فيه أواصر المسلمين فكانوا شيعًا، وتبهدلت فيه مظاهر المؤمنين فكانوا ضَيعًا، أن نتساءل بحقٍّ، ونجيب بصدق عن هذين السؤالين: هل نحن عابدون لله؟ هل نحن متَّقون لله؟ وأنا أقول والعقيدة تغمر قلبي، وأجيب بالمنطق العقلي الذي يغمره إيماني أنَّ المسلمين ليسوا كذلك، لأنَّهم لو كانوا كذلك لكنَّا أمَّة واحدة بالأمر الإرادي الذي أراده الله تعالى للأمة، لا بإرادة الأمة له، وليس معنى هذا أنَّ الواقع المرير الذي يعيشه المسلمون اليوم غالب على إرادة الله في تحقيق وحدة الأمة، كلاَّ، فما هم إلاَّ بشر ممَّن خلق، وهو قادر على أن يستبدلهم بقوم غيرهم يحقِّقون العبادة والتقوى فيحقِّق لهم ما أراد من تمام الوحدة والقوة {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (4) هذا والملفت للنظر حقًّا اختيار الله تعالى للسور التي أورد فيها هتين الآيتين، فقد وردت الأولى في سورة الأنبياء، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ. ووردت الآية الثانية في سورة المؤمنون والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (5) فالعلة الجامعة بين الأنبياء والمؤمنين هي علة الأخوة، إذن فالوحدة لا تحقِّقها إلاَّ الأخوة، والأخوة لا تحقِّق إلاَّ الوحدة، وهذا ما يقتضيه المنطق القويم والعقل السليم. ولكن بماذا قابل المسلمون هذه الأخوة المترتبة عن الوحدة؟ قال الله تعالى {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} (6) وقال: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (7) هذا هو الواقع المرير والأسف يمزق الفؤاد أبدًا، ويقطع الأحشاء كمدًا ما نراه رأي العين، يسود بلاد الإسلام، وإنَّ الله لا يغيِّر ما بقوم حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم.
ثانيا: عامل الندب إلى الوحدة:
يقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (8) إنَّ المتأمِّل في الآية الكريمة لتواجهه الحقيقة الماثلة في الجمع بين عوامل ثلاثة: الأمر
__________
(1). الزمر:27.
(2). الأنبياء:92.
(3). المؤمنون:52.
(4). محمد:38.
(5). الحجرات:10.
(6). الأنبياء:93. (1/45)
صفحة 46
(7). المؤمنون:53.
(8). آل عمران:103.
والنهي والتذكُّر، الأمر بالاعتصام بحبل الله، النهي عن التفرقة، التذكر بنعمة الله في التأليف، وكلُّ هذه لتأكيد المراد وقد يؤكَّد الشيء بنفي ضدِّه، وكان يكفي ذكرُ أحدها في الدلالة على غيرها، ولكن لعظم شأن الوحدة في مراد الخالق جلَّ وعلا، ومفهوم الإسلام عزَّ وسما أوردها الله تعالى جميعَها استثارةً لمختلف النوازع البشرية، واستنفارا لكلِّ الميول النفسية، فمنهم من يثيره الأمرُ فيجيب، ومنهم من يستنفرُه النهي فينتهي، ومنهم من يستعطفُه التذكر فيقبل، فلا يخرج أي إنسان من دائرة القصد والبيان، فتقوم الحجة ظاهرة على الجميع. كما تدلُّ الآية بورود أفعالها متصلة بضمير الجماعة أنَّ حقيقةَ الاعتصام بحبل الله، وعدمَ التفرُّق، وذكرَ نعمة الله لا يتحقَّق إلاَّ إذا كانت بصورة جماعية من عامة المسلمين لا فردية من بعضهم، كما دلَّ ذلك قوله تعالى قبل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1) فكما أنَّ الأمرَ بتقوى الله حقَّ تقاته، وعدمَ الموت إلاَّ مسلمين موجَّه إلى كافة المؤمنين، كذلك كان ما بعده موجَّهًا إلى عامتهم، ومفاد ذلك أنَّ الوحدة لن تتحقَّق للمؤمنين باستعصامهم بحبل الله فرادى، وبعدم تفرُّقهم فرادى، وبذكرهم نعمة الله فرادى، بل لا بدَّ من التوحُّد جميعًا على هذه الأركان الثلاثة، وإلاَّ ضاعت منهم المصلحة، وفاتتهم الفائدة. يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: ليس المقصود من الآية الأمرَ باعتصام كلِّ مسلم في حال انفراده اعتصامًا بهذا الدين، بل المقصود الأمر باعتصام الأمة كلِّها اه. ومن ثمَّ كانت العبادات في الإسلام شعائرَ، والشعائر ما يؤدى بصورة جماعية. كما أنَّ المراد بحبل الله تعالى ليس إلاَّ كتابَه كما ورد في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هو حَبْلُ اللهِ الْمتِينُ، وهو النور المبين وهُوَ الشِّفَاءُ النَّافِعُ، عِصْمةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، ونَجَاةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ (2). فيا ترى ما نسبة المسلمين الذين يعتصمون بحبل الله فيجعلون القرآن منهج حياة، بنوره يستضيئون، وبحكمه يلتزمون؟ يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: لقد انفضَّ المؤمنون عن الجامع الذي يجمعهم بأمر الله فانفضت عنهم الوحدة، وتدابروا حتى لم يَعُدْ يجمعهم إلا قَوْلُ «لا إله إلا الله محمد رسول الله» أما مناهجهم وقوانينهم فقد أخذوها من هنا أو من هناك، وسوف تعضُّهم هذه القوانين، وسوف تخذلهم هذه الحضارات، ويرون أثرها السيء، ثم يعودون في النهاية إلى الإسلام فهو مرجعهم الوحيد.
ثالثا عامل النهي عن الفرقة:
يقول الله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (3)
لقد استعمل الله تعالى فعل نزع الذي يدلُّ على شدَّة النزع وقوَّته بحسب جرسه اللَّفظي، وهذا ما يدلُّ عليه استعماله في بعض آي القرآن الكريم إذ يقول الله تعالى في ريح عاد: {تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} (4) وفي انتزاع الله تعالى الملك {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} (5) وفي فتنة (1/46)
صفحة 47
إبليس اللَّعين {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} (6) فهذه هي الشدَّة التي يدلُّ عليها فعل النَّزع الذي نهى الله تعالى المسلمين عن اجتنابه حتى لا يقعوا في حمأة اللَّجاجة والشحناء، والخصومة والبغضاء، والفشل والنكساء، ويتجنَّبوا ذهاب الريح التي هي القوة المحركة الضاربة في مختلف شؤون حياة الإنسان في هذا الكون، لذلك جاء الفعل على صورة المفاعلة التي تدلُّ على المشاركة بين طرفين ومن ثمَّ يقع التصادم، وهذا التنازع أعمُّ من أن يقتصر على المسلمين فيما بينهم أنفسهم، بل يتعداهم إلى أولي أمرهم، فهم إذا نُهوا عن التنازع بينهم فالتنازع مع ولي الأمر أولى بالنهي، والتنازع ينشأ عن اختلاف الآراء، وهو أمر مرتكز في الفطرة البشرية، ولكنَّ الله تعالى قد حكم في هذا الأمر بقوله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (7) وقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
__________
(1). آل عمران:102.
(2). مصنف بن أبي شيبة. رقم الحديث:30008. وعند مسلم بلفظ قريب.
(3). الأنفال:46.
(4). القمر:20.
(5). آل عمران:26.
(6). الأعراف:27.
(7). النساء:59.
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (1) فما أكثر المنازعات القائمة بين المسلمين في مختلف مناحي حياتهم، وما أكبر العداواتِ التي نشبت بينهم وأولي أمرهم، لقد جثم عليهم النزاع فشدَّ عليهم الخناق فما عادوا يتنفسَّون إلاَّ شهيق الفتنة ولا يزفرون إلاَّ غبار الفرقة، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت دهورًا، وأًصابت أجنحتهم كسورًا، وولَّوا على أدبارهم نفورًا. هذا وأريد أن أشير إلى أنَّ اختلاف الأنساب والأجناس، والمذاهب، والفرق ليس عامل فرقة بقدر ما هو عامل رحمة لو فقه المسلمون، فاختلاف الأمة رحمة كما يقول الربانيون، أو لم يسمِّ الله تعالى في كتابه طائفة بالمهاجرين وطائفة بالأنصار في قوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} (2) وقوله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} (3) كان يكفي أن يقول والسابقون السابقون من المؤمنين، أو يقول لقد تاب الله على النبئ والمؤمنين الذين اتبعوه في ساعة العسرة، ولكنَّه نصَّ على المهاجرين والأنصار لأنَّه وصف لا يمكن تجاهله على أن لا يستعمل لغرض التفرقة والرفعة والشحنة والضغنة، (1/47)
صفحة 48
ولكن متى أريد به ذلك ظهر الإسلام محطِّما كلَّ انتماء بقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (4) ولذلك لمَّا نادى المهاجرون: يا للمهاجرين، ونادى الأنصار: يا للأنصار برز النبيء - صلى الله عليه وسلم - بروز الأسد من عرينه وقالها بملء فيه مدويَّة: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنَّها منتنة، فإذا كان التنادي بصفة المهاجرين وبصبغة الأنصار دعوى جاهلية منتنة وهي أكمل صفة وأجمل صبغة يتمناهما مسلم فكيف بغيرهما من الصفات العرقية والمذهبية والطائية التي يتشدق بها كلُّ ناعق، ويتنطَّق بها كلُّ ناهق؟ لا شكَّ أنَّها أنحس جاهلية، وأنجس نتانة، {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} (5).
رابعًا: عامل التحذير من أهل الكتاب:
يقول الله تعالى {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} (6) إنَّ أجمل ما يَلفت انتباه المتدبِّر وهو يقرأ هذه الآية الكريمة ذلكم اللُّطف الرباني الذي يتبدَّى في إخباره المسلمين بحال أهل الكتاب وهو أعلم بسرائرهم، بأنَّهم يودُّون أن يردُّوهم كفَّارًا حسدًا من عند أنفسهم، ولو شاء لما فعل، ولأوكل ذلك إلى فطنتهم ونباهتهم، ولكنَّه فعل لأنَّه بيده الخير وهو اللَّطيف الخبير، وإنَّما ينصرف هذا الإخبار عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي وهو التحذير من أهل الكتاب، ولنا أن نتوقَّف مع هذا التحذير فنتساءل عن مدى تعامل أمَّة المسلمين معه، فهل هم يتعاملون معه تعامل الموقن به، أم هم يتعاملون معه معاملة الشاك فيه، أم هم يتعاملون معه معاملة المتحدي له؟ لعلَّني إن أنصفت المقال بالنظر إلى واقع الحال أقول: إنَّ أغلبية المسلمين اليوم إن لم يكونوا يتعاملون مع هذا التحذير معاملة المتحدي له، فهم يتعاملون معه معاملة الشاكِّ فيه، محقِّقين قول الله تعالى في أمثالهم: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (7) وإنَّ المرء البصير ليعجب حقًّا من واقع المسلمين المرير في تعاملهم مع مضمون هذه الآية الكريمة وهم يقرؤون قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (8) وقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (9) وهذا ما يدلِّلنا عليه قول أشقى القساوسة القس زويمر في المؤتمر الكنسي العالمي الذي انعقد بالقدس سنة 1939 إذ قال: علينا أن
__________
(1). النساء:83.
(2). التوبة:100 (1/48)
صفحة 49
(3). التوبة:117.
(4). الحجرات:13.
(5). النساء:78.
(6). البقرة:109.
(7). المائدة:52.
(8). المائدة:51.
(9). آل عمران:118 - 119.
نوظِّف لضرب وحدة المسلمين مثلهم القائل: إنَّ الشجرة لا يقطعها إلاَّ غصن منها، فلو لم نجد إلاَّ العَّته والبلَّه لاستخدمناهم في هذا السبيل. أوليس المسلمون اليوم يولون وجوههم شطر المسجد الأقصى مستدبرين شطر المسجد الحرام، لا أقول في صلواتهم - إن كانوا يقيمون الصلوات حقًّا - وإنَّما في معاملتهم المعيشية بمختلف فنونها وشؤونها، فكيف بعد هذا يرجو المسلمون أن يكونوا أمة واحدة؟
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنَّ السفينة لا تجري على اليبس
قد يتساءل المرء عن علاقة الآية الكريمة بوحدة الأمَّة، وأنَّها لا تتضمَّن ما يشير إليها من قريب أو من بعيد، لكنَّني أقول إنَّ كلمة كفَّارًا الواردة في الآية لها أكثر من مدلول، فأوَّل ما توحي به أنَّه الكفر الذي يقابل الإيمان، وهذا أمر صحيح، ولكن هل الكفر إلاَّ فرقة وشقاق، ونقمة وفراق؟ وظلمة ونفاق؟ أليس هذا ما كان عليه الناس قبل مبعث رسول الرحمة هدية من ربِّ العالمين إلى الناس أجمعين، أو لم يمتنَّ الله تعالى على نبيئه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1) على أنَّنا لو رجعنا إلى تفسير كلمة كفَّارًا من خلال ورود مثلها في كلام من لا ينطق عن الهوى نجدها تدلُّ على الفرقة والشقاق، وذلك قوله: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (2) فقد دلَّت كلمة كفَّارًا الواردة في الحديث الشريف على المراد الحقيقي من كلمة كفَّارًا الواردة في الآية الكريمة، وهو الفرقة والشقاق، لأنَّه - عليه السلام - لم يقل لا ترجعوا بعدي كفَّارًا لا تصلُّون أو لا تصومون، أو لا تزكُّون أو لا تحجُّون، أو تزنون أو تسرقون أو ترابون ... وإنَّما قال يضرب بعضكم رقاب بعض، فقد ذهب مباشرة إلى السبب المباشر الذي يجعل المرء كافرًا، ويجعله يقترف كلَّ ما من شأنه أن يؤدي إلى ارتكاب كبائر الإثم والفواحش وهو ضرب المسلمين بعضهم رقاب بعض. أليس هذا ما يعيشه المسلمون اليوم في أكثر من بلاد بصورة جماعية أو فردية بما لم يسبق له في التأريخ مثيل، فهانوا فجاس العدو خلال الديار يشيع كفورا وفجورا وخمورا ويغيِّر شرعًا وقانونًا ودستورًا. وما يوم حليمة بسرٍّ، وما يفتقر الواقع على دليل، وليس يصحُّ في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل. (1/49)
صفحة 50
أيُّها الإخوة الأفاضل: إنَّ بناء الوحدة في الأمة أمر حتمي لا مناص منه، وسبل بنائها واضحة جلية للعيان لا يختلف فيها اثنان جماعها في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
__________
(1). الأنفال:62 - 63.
(2). رواه البخاري: رقم:121.
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1) وأعظم رحمات الله تعالى - وله المنة - تحقيق الوحدة بين شتات الأمة، وهذا أعظم ما امتنَّ به ربُّ العزة ذو الجلال على نبيئه - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قال له: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (2) وستتحقَّق هذه الوحدة لا محالة لثلَّة من الآخرين كما تحقَّقت للثلَّة الأوَّلين، لأنَّه لا عزَّ لهذه الأمَّة ولا ذكر وهي بين الأنام مشتَّتة، وإن لم يتحقَّق هذا البناء على أيدينا فسيأتي الله بقوم غيرنا يبنونها وفق سنته وإرادته {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (3) ونرجو أن نكون نحن البانين لهذه الوحدة، المحققين لهذه العهدة، فنكون {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} (4) ولنمتثل قول المهلب بن أبي صفرة وهو يوصي بنيه وقد أدركه الموت:
كونوا جميعا يا بنيَّ إذا اعترى ... خطب ولا تتفرقوا آحادا
تأبى العصيُّ إذا اجتمعن تكسُّرًا ... وإذا افترقن تكسَّرن أفرادا
وهذا الذي تدعونا إليه قيادة بلادنا وفقها الله، رئيسا وقائدًا ووزيرا، وهذا ما تسعى إليه بعزم حديد ضمن برنامج سديد، ورأي رشيد، ونفس جديد، ومقوِّم عتيد، من خلال حرصها الدؤوب على فكِّ عرى الخصام، وهدِّ ذرى الشقاق، في ربوع الوطن الحسيب، وكلِّ بلد ينتسب إلى النبيء الحبيب، كما ننحنى إكبارًا لأفراد جيشنا البطل المرابط على حماية الحدود ردًّا لكل ِّكائد، وننثني إقدارًا لكلِّ الأجهزة الأمنية القائمة حدًّا لكلِّ ناكد،
__________
(1). التوبة:71.
(2). الأنفال:62 - 63. (1/50)
صفحة 51
(3). المائدة:54.
(4). النساء: 69 - 70.
داعين المولى جلَّ في علاه أن يكلأنا بعين رحمته فيجمع شملنا، ويوحِّد كلمتنا، ويوطِّد أمننا فيجعل بلدنا آمنًا مطمئنًا سخاء رخاء، وسائر بلاد المسلمين. وأختم بهذه الأبيات للشاعر التقي الفحل الدكتور محمد ناصر شفاه الله من قصيدة ألقاها في مهرجان ختم الإمام الشيخ بيوض تفسير كتاب الله العزير قبل 37 عاما.
الله أكبر في رحاب الله كم ... يسمو الشعور وتصغر الأشياء
كم في رحاب الله تلتحم ... الهداة قلوبهم كثيابهم بيضاء
تحنو على حبٍّ كمحراب حنا ... لله فيه تضرُّع ودعاء
ويضمُّهم شبر وشبر عند بيت ... الله من نور الصفاء فضاء
كم تجمل الأشياء عند رحابه ... فالخلق من حبٍّ سنى وسناء
لا شيء غير محبَّة في الله ... مخلصة لها السرَّاء والضرَّاء
{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (1) {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (2)
آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آمينا
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (3)
صلَّى الله عليه و على آله و صحبه و سلِّم تسليما
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (4).
__________
(1). البقرة:250.
(2). الحشر:10.
(3). الأحزاب: 56.
(4). الصافات: 180 - 182. (1/51)
صفحة 52
أسماء الذم
بين مقصد حفظ الدين وسائر المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية
د. مصطفى بن محمد شريفي
مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربيَّة
جامعة نزوى - سلطنة عُمان
mucherifi@unizwa.edu.om
مقدمة:
الحمد لله القائل في محكم تنزيله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (1). والصلاة والسلام على رسوله الذي مدحه بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (2)، وبقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (3). أمَّا بعد:
فإنَّ هذه الورقة البحثيَّة تتناول «أسماء الذمِّ بين مقصد حفظ الدين وبين حفظ سائر المقاصد الكلِّيَّة للشريعة الإسلاميَّة»، والمقصود بأسماء الذمِّ ما يتنابز به المسلمون فيما بينهم من تكفير وتفسيق وتبديع، وما في معناها، وما يترتَّب عليها من أحكام بالتعدِّي على حرمات المسلم والإنسانيَّة. والمقصود بالمقاصد الكلِّيَّة: حفظ النفس، والعقل، والنسل، والمال، وكذا القيم العليا مثل: الحرِّيَّة والرحمة والعدالة.
ولا شكَّ أنَّ خاصِّيَّة الربَّانيَّة التي تمتاز بها الشريعة الإسلاميَّة - مصدرا ومنهجا وغاية - يجعل من المستحيل التناقض بين نصوصها القطعيَّة الآمرة بحفظ المقاصد الكلِّيَّة، وبين النصوص التي يستند عليها من يدعو إلى التنافر بين المسلمين، بإصدار أسماء وتوظيفها على المخالفين في بعض المسائل الكلاميَّة أو السياسيَّة أو الفكريَّة ...
ولا يخفى أنَّ الدافع الأساس وراء إصدار تلك الأسماء وتوظيفها هو: دعوى المحافظة على الشريعة الإسلاميَّة (حفظ الدين)؛ وعليه فالإشكال المطروح هو: كيف يمكننا التوفيق بين تلك الدعوى - حفظ الدين، وهو مقصد قطعيٌّ من حيث المبدأ - وبين سائر المقاصد الكلِّيَّة التي جاءت الشريعة الإسلاميَّة لحفظها؟ فأين الخلل؟ هذا ما تسعى هذه المداخلة إلى الجواب عنه.
وسنحاول في هذه المداخلة المرافعة عن الأطروحة الآتية: إنَّ الخلل يكمن في سوء فهم الشريعة الإسلاميَّة، أو ادِّعاء القطعيَّة واليقين في قضايا هي في الأصل اجتهاديَّة، ولا يجوز أن تكون سببا في إقصاء كلِّ النصوص القطعيَّة الداعية إلى وحدة المسلمين ونبذ الفُرقة، والموجبة حفظ دماء الناس وأموالهم وأعراضهم ... مع إعطاء نماذج من الماضي والحاضر.
أسأل الله أن يوفِّقنا جميعا إلى ما يحبُّه ويرضاه، ويهدينا سبل السلام.
مدخل
1 - علاقة الأسماء والأحكام بمقاصد الشريعة:
أجمع علماء المقاصد على أَنَّ الشريعة الإسلاميَّة جاءت لحفظ الكلِّيَّات الخمسة (4)، وَلِكُلٍّ من هَذِهِ الكلِّيَّات علاقة بموضوعنا:
- فحفظ الدين والعقل مقصدان رئيسان في موضوعنا، وهو الجانب الأوَّل من ورقتنا هذه؛ فَإِنَّ التمييز بين الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ، وبين الملزم وغير الملزم، وبين الأصل والفرع، وبين الدين والرأي ... يهدف أساسا إلى حفظ الدين والعقل من التشوُّهات الفِكرِيَّة التي تراكمت عَلَيْهِ عَبْرَ قرون من (1/52)
صفحة 53
الفتن والمحن، وبالتالي يُؤَدِّي إلى عرض الإِسلاَمِ في صورته الحنيفيَّة السمحة البيضاء، لا تشوبه ألوان الدم والجمر، بالاقتتال بين الإخوة الأشقَّاء.
- وحفظ النفس والنسل والمال هو الجانب الثاني من هذه الورقة، إذ ما من شكٍّ في أَنَّ سوء التوظيف للأسماء والأحكام يُؤَدِّي إلى آثار وخيمة: إزهاقًا للأرواح، وإضرارا بالنفوس، وإهلاكًا للحرث والنسل، وإتلافًا للأموال، وتشويهًا لصورة الإسلام.
2 - أسماء الذمِّ القطعيَّة الثبوت والدلالة:
لا ريب أَنَّ ما نَصَّ عَلَيْهِ القرآن الكريم من أسماء الذمِّ بقطعيِّ الدلالة، هو التوظيف الإيجابيُّ لأسماء الذمِّ؛ لأنَّ الله تعالى هو أحكم الحاكمين، وهو أدرى بما يصلح لعباده لَمَّا صرَّح بتصنيف عباده إلى مؤمن وكافر، ومحسن ومسيء، ومخلص ومنافق ... وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه المسلمون، ويشمل ذلك ما يأتي:
أ- توظيف أسماء الذمِّ على المنصوص عليهم في القرآن الكريم، كإبليس وفرعون وقارون وأبي لهب ...
__________
(1). الأنفال:01.
(2). سورة الأنبياء: 107.
(3). سورة التوبة: 128.
(4). وإن اختلفوا في حصرها في الخمس أو زيادة مقاصد أخرى. ينظر: يوسف العالم: المقاصد العَامَّة للشريعة الإِسلاَمِيَّة، ص155، 167 ... البوطي: ضوابط المصلحة، ص218 - 220 ... جمال الدين عطيَّة: نحو تفعيل مقاصد الشريعة، ص51 - 54، 122 ... الريسوني أحمد: نَظَرِيَّة المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص70 - 71، 246 ...
ب- توظيف أسماء الذمِّ على الْمُتَّفَق عَلَيْهِم من عصاة الموحِّدين، كأسماء الزاني والسارق والقاذف وأحكامهم ...
غير أَنَّ الإشكال في توظيف أسماء الذمِّ حسب اجتهادات العلماء، مِمَّا هو عرضة لتأثير الظروف السِّيَاسِيَّة والاِجتِمَاعِيَّة، سواء الاجتهادات في فهم النصِّ، أم الاجتهادات في تنزيلها على الواقع، أم في} ابتداع} تسميات ذميمة وإطلاقها على الناس.
وسنحاول التركيز على توظيف المسلمين لأسماء الذمِّ وآثاره، ومقارنته بما تقرَّر في مقاصد الشريعة من حفظ الكلِّيَّات الخمسة.
أوَّلاً: مقصد حفظ الدين بين القطع والظنِّ
مقصد حفظ الدين في مجمله قطعيٌّ؛ وصيانة الأمَّة من الزيغ، يكتسي أهمِّية كبرى في الفكر والحضارة الإسلاميَّين، فقد يضحِّي المسلم بنفسه وماله من أجل المحافظة على الدين، ومن طبيعة (1/53)
صفحة 54
الإنسان الدفاع عن معتقده بشتَّى الوسائل، وهذه ظاهرة عَامَّة في المجتمعات البَشَرِيَّة، وليس أمرا خَاصًّا بالمسلمين (1).
ولقد تأسَّس علم الكلام بهدف إثبات العقائد الدينيَّة بإيراد الحجج ودفع شُبه أهل الزيغ والكفر والضلال (2) ... فالمقصد الأساس من هذا العلم هو حفظ الدين؛ وبالتالي فهذا من أولى أولويات المسلم من أجل الحفاظ على الاعتقاد، وهذا أمر واجب وضروريٌّ إذا عنينا بالاعتقاد القضايا المتَّفق عليها، وأدلَّتها قطعيَّة ثبوتا ودلالة.
ولكنَّ الموازين قد تنقلب رأسا على عقب إذا رُفعت بعض المسائل الخلافيَّة، والتي في أصلها ظنِّيَّة إلى مستوى القطع، فيصبح الدفاع عن الظنيَّات دفاعا عن الدين، وبهذا تختلُّ الموازنة بين مقصد حفظ الدين وبين سائر المقاصد، فتكون نتائجه على النفس والنسل والعرض والمال وخيمة. ولتصحيح الوضع، ولتفادي ظواهر العنف بين الطوائف الإسلاميَّة بات من الضروريِّ تصحيح الرؤى الاعتقاديَّة، والتمييز بين القطعيِّ والظنِّيِّ، وبين الوحي والاجتهاد البشريِّ وتقديم الأَوْلى منهما.
1 - الجانب القطعيُّ من مقصد حفظ الدين:
لا يخفى عن كُلِّ مطَّلع على علوم الشريعة الإسلاميَّة أَنَّ حفظ الدين أَوَّل المقاصد التي جاء الشرع لحفظها؛ ونظرا لِمَا يترتَّبُ عن الخطأ في إطلاق الأسماء الذميمة من سفك للدماء وهتك للأعراض، فَإِنَّ هنالك علاقة وطيدة بين أسماء الذمِّ وبين مقصديْ حفظ الدين وحفظ النفس.
والكلُّ يعترف بضرورة حفظ حقوق المسلم، لاسيما منها: الدماء، وترك التنابز بالألقاب، ولكنَّهم إذا تناولوا المسائل الخلافيَّة مع إخوانهم المسلمين، سلقوهم بألسنة حِداد، إلاَّ من رحم ربُّك. وسنبيِّن في الآتي خطورة الفكر التكفيريِّ، من حيث أدلَّته وأقوال العلماء فيه؛ وبالتالي سنلاحظ أَنَّ هناك انفصاما كبيرا بين الطرح النَّظريِّ، والواقع العمليِّ.
أ- رحمة الشريعة الإسلاميَّة ويسرها أمر قطعيٌّ:
إِنَّ مقصد التيسير ونفي الحرج من المقاصد القطعيَّة في الشريعة الإسلاميَّة (3)، فقد تكرَّر في القرآن الكريم التنصيص على هذا المقصد تكرارا ينفي عنه أيَّ احتمال للمجاز أو التأويل، منها قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (4)، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (5)، وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} (6) كما نصَّ الله تعالى على أَنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - جاء رحمة للعالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (7). ودعا - عليه السلام - في عدَّة أحاديث إلى التيسير وعدم التشديد، منها قوله لمعاذ وأبي موسى الأشعريِّ لَمَّا بعثهما إِلىَ اليمن: «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا» (8). وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بُعثت بالحنيفيَّة السمحة» (9)، وقوله: «عَلَيْكُمْ مَا
__________
(1). من ذَلِكَ: الصراع الكاثوليكي البروتستانتي، وغيرهما. وقد يكون الدين مُجَرَّد غطاء تبريري (1/54)
صفحة 55
لأسباب اقتصاديَّة أو اجتِمَاعِيَّة. ينظر: قبي: ظاهرة العنف السياسي، ص28 - 29.
(2). وردت عدَّة تعريفات لعلم الكلام، تختلف باختلاف توجُّه أصحابها. ينظر: الإيجي عضد الدين: المواقف، ص7. ابن خلدون: المقَدِّمَة، ص458. الجرجاني: التعريفات، 162 - 163. الثميني: معالم الدين، 1/ 17. الثميني: النور، ص24. الباجوري: تحفة المريد، ص17. السالمي: معارج الآمال، 1/ 184.
(3). ينظر: ابن عاشور: مقاصد، ص42.
(4). البقرة: 185.
(5). الحج:78.
(6). النساء: 28.
(7). الأنبياء: 107.
(8) متَّفق عليه. البخاري: كِتَاب الجهاد والسير، باب ما يُكره من التنازع والاختلاف ... رقم: 2873، 3/ 1104. مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم: 1733، 3/ 1359.
(9) رواه أحمد في باقي مسند الأنصار، حديث أبي أمامة الباهلي، رقم: 22345، 5/ 266. قال العجلوني: «رواه أحمد في مسنده بسند حسن». كشف الخفاء، 1/ 52.
تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ» (1)، وقوله: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ؛ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا» (2) ...
ولكن مع كلِّ هذا فإنَّ من العلماء من يميل إلى التشدُّد والتشديد في الدين، فيوسِّعون من دائرة الإلزام، ويضيِّقون من دائرة المباح و «إنَّ توسيع دائرة الإلزام ليس من مقصودات الشريعة، بل العكس هو الصحيح» (3)؛ لِذَلِكَ شدَّد النَّبيء - صلى الله عليه وسلم - النكير على من يضيِّقها، ففي الصحيحين: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» (4)، لأَنَّ في ذَلِكَ تضييقا لدائرة العفو والرحمة، وهو خلاف ما أمرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله العافية فإنَّ الله لم يكن نسيًّا»، وتلا هذه الآية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (5) (6).
وقد تعرَّضت دائرة الدين إلى تقليص شديد حَتَّى بدا أيُّ انحراف عن خطِّ المذهب قيد أنملة، ولو في قَضِيَّة اجْتِهَادِيَّة، انحرافا عن الدين، يعرِّض صاحبه إلى شفا حفرة من النار!.
وإذا تأمَّلنا كثيرا من المسائل الكلاميَّة والسياسيَّة وجدناها مسائل اجتهاديَّةً قائمة على استدلالات ظنِّيَّة، رُفعت إلى مقام أصول الدين، فضلا عن اجتهاد العلماء لرسم الحدود الفاصلة بين مسائل الدين ومسائل الرأي، أو المسائل القطعيَّة والمسائل الظنيَّة.
ب- وحدة الأُمَّة الإسلاميَّة مقصد قطعيٌّ: (1/55)
صفحة 56
مقصد توحيد الأُمَّة الإسلاميَّة مقصد قطعيٌّ، ثابت بنصوص كثيرة في القرآن والسُّنَّة، وإنَّ كلَّ دعوة في هذا السبيل هي التزام بأوامر الله، وكلَّ
__________
(1). نصُّ الحديث: «عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: فُلاَنَةُ لاَ تَنَامُ بِاللَّيْلِ، فَذُكِرَ مِنْ صَلاَتِهَا، فَقَالَ: مَهْ! عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا». البخاري: كِتَاب الجمعة، باب ما يكره من التشديد في العبادة، رقم 1100.
(2). بَقِيَّة الحديث: « ... وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». البخاري: كِتَاب الإيمان، باب الدين يسر، حديث رقم: 39، 1/ 23. النسائي: كِتَاب الإيمان وشرائعه، باب الدين يسر، حديث رقم: 5034، 8/ 122.
(3). عبد الجواد: السلطة في الإسلام، 1/ 16.
(4). البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب ما يُكره من كثرة السؤال وتكلُّف ما لا يعنيه، رقم: 6859، 6/ 2658. مسلم: كتاب الفضائل، باب توقيره وترك إكثار السؤال عمَّا لا ضرورة إليه، رقم: 2358، 4/ 1831.
(5). مريم: 64.
(6). رواه الحاكم في مستدركه، رقم: 3419، 2/ 406. قال ابن حجر: «أخرجه البزار وقال: سنده صالح. وصحَّحه الحاكم من حديث أبي الدرداء رفعه». وقال الهيثمي: «وإسناده حسن ورجاله موثَّقون». فتح الباري، 13/ 266. مجمع الزوائد، 1/ 171.
دعوة إلى غيره استنكاف عنها. والآيات القرآنيَّة، والأحاديث النَّبويَّة متضافرة في وجوب الأُخوَّة في الدين، والتحابب والتناصر في الله، ومراعاة حقوق بعض المسلمين تجاه بعض، نكتفي بأدلَّة القرآن الكريم في الدعوة إلى الوحدة (1)، مراعاة للاختصار:
- قال الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (2).
- وقال: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (3).
- وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (4).
ومع هَذِهِ الآيات الصريحة يحلو للبعض أن يستهينوا بهذا المقصد القطعيِّ، ويسعوا في تشتيت شمل الأُمَّة، لمجرَّد بعض الخلافات الكلاميَّة أو السياسيَّة، ويتَّهم مخالفيه بالكفر، أو البدعة، أو المروق من الدين ... ومع الأسف فإِنَّ مثل هذه الأصوات هي التي تَرُوجُ في العوامِّ أكثر، قال القاسميُّ: «وقد وُجد بالاستقراء أَنَّ صوت الغالي أقوى صدًى، وأعظم استجابة؛ لأنَّ التوسُّط منزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كُلِّ عصر ومصر، وأمَّا الغلوُّ فمشرب الأكثر، ورغيبة السواد الأعظم» (5)، وكيف لا والشيطان أقسم أن يكون أكثريَّة الناس من حزبه، وهو لهم بالمرصاد إذ قال: {أَرَأَيْتَكَ (1/56)
صفحة 57
هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} (6)، وقال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (7).
ج- أدلَّة خطورة التكفير وما في معناه:
الخطأ في التكفير له علاقة وثيقة بمقصديْ حفظ الدين، من حيث إنَّ الخطأ فيه يعدُّ تقوُّلاً على الله بغير علم. وقد ذكر الله تعالى من المحرَّمات: { ... وَأَنْ
__________
(1). عرض كثير من العلماء والباحثين أَدِلَّة هَذَا المقصد، ينظر على سبيل المثال: هاني ساعي: القانون في عقائد الفرق، ص31 - 34.
(2). الأنبياء: 92.
(3). الْمُومِنُونَ: 52.
(4). آل عمران: 103
(5). جمال الدين القاسمي: الجرح والتعديل، ص4.
(6). الإسراء: 62.
(7). الأعراف: 16 ـ 17.
تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (1)، وإنَّ الأدلَّة على خطورة التكفير وما في معناه كثيرة ومتضافرة من القرآن وَالسُّنَّة، نكتفي بالبعض منها:
- قال تعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (2)، فإنَّ فِعْل السخرية واللَّمز والنَّبز فسوقٌ (3).
- وقال تعالى في الحديث القدسيِّ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ! ... » (4).
- وقال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَالَ لأخيه: يَا كَافِرُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْكَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِالْكُفْرِ أَحَدُهُمَا» (5).
- وقال - صلى الله عليه وسلم -: « ... وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ» (6). قد يعجب المرء من تشبيه اللعن والتكفير بالقتل في هذا الحديث، وَلَكِنَّ المتأمِّل للواقع المعيش يدرك العلاقة الوطيدة بين التكفير والقتل والاقتتال؛ فكم من دماء سُفكت بسبب اتِّهَامها بالكفر، وقد تكون بريئة مِمَّا نُسب إليها.
وهكذا نلاحظ أنَّ الخطأ في إطلاق التسمية الذميمة على من لا يستَحقُّها يعدُّ من الفسوق، وقد يبوء التكفير على المكفِّر، واللعن كالقتل؛ وبالتالي فإنَّ لإطلاق أسماء الذمِّ مساسًا خطيرًا بمقصد حفظ الدين.
د- تشديد العلماء في مسألة التكفير والدماء: (1/57)
صفحة 58
روى الخلاَّل (7) في السُّنَّة، أَنَّ الإمام البخاريَّ لقي أكثر من ألف رجل من أهل العلم «ولم يكونوا يكفِّرون أحدا من أهل القبلة بالذنب» (8). والمقصود بالتكفير هنا هو الْمُخْرِج من الْمِلَّة؛ لأنَّ من علماء السلف من يقول بكفر دون كفر (9).
وقد رَدَّ المسلمون على منحى الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة كفر شرك، فقد روت المصادر أَنَّ جابر بن زيد ناقش الخوارجَ (10)، وَأَنَّ أبا بلال مرداس بن أديَّة (11) عارض نافع بن الأزرق (12)، وَأَنَّ عبد الله بن إباض آثر التسامح والدعوة إلى الشورى بدل الوقوع في صراع دمويٍّ مع الحكم الجائر (13)، وَأَنَّهُ انفصل عن ثورة عبد الله بن الزبير (14)، وَأَنَّهُ كان مع عبد الله بن الصفار (15) في رفضهما للتيَّار التكفيري (16). وقال ابن عبد العزيز « ... فاتَّقوا الله في الدماء! ثُمَّ اتَّقوا الله في الدماء! لا تقربوها إِلاَّ بحلِّها، فَإِنَّكُم إنْ تواقعوا دما حراما يُحبَطْ عملكم، ويُبطلْ كدحُكُم، فالتثبُّت التثبُّت، وَإِيَّاكُم والعجلة إلى الدماء والسرعة إلى الإقدام عليها إِلاَّ بأمر واضح» (17). ويضيف في مسألة شبيهة قائلا: «فاتَّقوا الله في الدماء، وعظِّموا أمرها، وتمكَّثوا، ولا تسرعوا إلى إصابتها، فإنَّ أمرها عند الله عظيم، فإنَّكم أن تتركوا دمًا أحلَّه الله لكم خير من أن تهجموا على ما تشكُّون فيه، والإقدام على الدماء بالشبهات حوبٌ عظيم، وبُعدٌ من الله سحيق لمن انتهك ذلك واجترأ عليه» (18).
__________
(1). الأعراف: 33.
(2). الحجرات: 11.
(3). ينظر: الطبري: 26/ 133 - 134. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 16/ 328. القطب اطفيَّش: تيسير التفسير، 13/ 433.
(4). البخاري: كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم: 6137، 5/ 2384.
(5). رواه الربيع بن حبيب واللفظ له، والشيخان. الربيع: بَابٌ فِي الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ وَالشَّرَائِعِ، حديث رقم: 65، ص45، بزيادة: «وَالْبَادِئُ أَظْلَمُ». البخاري: كتاب الأدب، بَاب مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ، حديث رقم: 5752، 5/ 2263. مسلم: كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ قَالَ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ يَا كَافِرُ، حديث رقم: 60، 1/ 79.
(6). مُتَّفَق عَلَيْهِ واللفظ للبخاري. البخاري: كتاب الأدب، بَاب مَا يُنْهَى مِنَ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ، حديث رقم: 5700، 5/ 2247. مسلم: كتاب الإيمان، بَاب غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ ... حديث رقم: 110، 1/ 104.
(7). أبو بكر أحمد بن محمَّد بن هارون الخلاَّل (311هـ/923م): مفسِّر حنبليٌّ عالم بالحديث واللغة. من بغداد. من كتبه:} تفسير الغريب}، و} طبقات أصحاب ابن حنبل}، و} السنَّة} ... ينظر: الزركلي: الأعلام، 1/ 206.
(8). اللالكائي: اعتقاد أهل السُّنَّة، 1/ 175. (1/58)
صفحة 59
(9). كما في حديث تكفير من ادَّعَى لغير أبيه، وَسَمَّاهُ علماء من السلف كُفْرًا دُونَ كُفْرٍ، كما يقسِّمون الفسق إلى نوعين أيضا: الفسوق، والفُسُوق دُونَ فُسُوقٍ، وهو مرويٌّ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ». الترمذي: كِتَاب الإيمان، باب ما جاء سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، حديث رقم: 2635، 5/ 21. وقد استعرض الغاربي جملة من القائلين بكفر النعمة من علماء السلف. وذكر منهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، وإبراهيم النخعي، وأبا بكر الجصاص، وابن عبد البر، وأبا العَبَّاس القرطبي، ومجد الدين ابن تيمية، والنووي، وأبا البركات النسفي، وأبا حيان الأندلسي، والعيني، وابن رجب، وابن حجر. ووثَّق أقوالهم بالإحالات على مصادرهم. ينظر: مقالتا الأسماء والأحكام، ص87 - 89.
(10). ينظر: الدرجيني: طبقات، 2/ 208 - 209. المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(11). أبو بلال مرداس بن حُدَيْر (أو ابن أُديَّة) التميمي (61هـ/ 670م): تابعيٌّ عالم شاعر ورع من أئمَّة الإباضيَّة. لازم جابر بن زيد وأخذ عنه، والتقى عددا من الصحابة منهم ابن عبَّاس وعائشة. شارك في صفِّين وأنكر التحكيم، وكان من أهل النهروان ونجا. أنشأ جماعة سرِّية منظَّمة ضدَّ جورة بني أميَّة، ولكنَّه أنكر على الخوارج تعرُّضهم للناس بالسيف. سجنه عبيد الله بن زياد، ثمَّ أطلقه. واجهَ جيش ابن زياد مرَّتين، انهزم مرداس واستشهد غدرًا في الثانية. ينظر: جمعِيَّة التُّرَاث: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة، ترجمة رقم: 874، 2/ 411 - 412.
(12). ينظر: المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(13). ينظر: النامي: دراسات، 84 - 85. المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(14). المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(15). عبد الله بن صفار الصريمي التميمي (نحو 60هـ/680م): تنسب إليه فرقة الصفريَّة من الخوارج. ينظر: الزركلي: الأعلام، 4/ 93.
(16). سامي صقر: جابر بن زيد، 60 - 61. نقلا عن المحرمي: الصراع، 306 - 308.
(17). [أبو غانم]: الديون المعروض، المدوَّنة، 3/ 322.
(18). المصدر نفسه، 3/ 323.
ومع أَنَّ أئمَّة السلف يحذِّرون أَشَدَّ التحذير من التكفير واستباحة الدماء، فإنَّ البعض لا زالوا مصرِّين على التكفير والتبديع لأتفه الأسباب. ولا يمكننا الفصل بين التكفير ونتائجه في الواقع المعيش. فما نراه يوميًّا من سفك للدماء بين المسلمين ليس إلاَّ نتائج للأفكار المتطرِّفة. فخطؤنا يكمن في أَنَّنَا نريد أن نعالج النتيجة دون أن نعالج الأسباب؛ فنكرِّس الواقع المتردِّي.
يقول حجَّة الإسلام أبو حامد الغزالي: «إِنَّهُ لا يسارع إلى التكفير إِلاَّ الجهلة، وينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد الإنسان إلى ذلك سبيلا، فإنَّ استباحة الدماء والأموال من المصلِّين إلى القبلة المصرِّحين بقول لا إله إِلاَّ الله محَمَّد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من (1/59)
صفحة 60
الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم» (1).
ومثله ما عزاه القاسميُّ إلى الحنفيَّة من قولهم فيمَا معناه: «لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُكَفَّرَ الْمَرْءُ فِي أَمْرٍ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ وَجْهًا، وَمِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ لاَ يُكَفَّرُ، يُرَجَّحُ عَدَمُ التَّكْفِيرِ عَلَى التَّكْفِيرِ لِخَطَرِهِ فِي الدِّينِ» (2). وعدَّ الإمامُ محَمَّد عبده (3) هذا الكلام من القواعد الدِّينيَّة المشتهرة بين المسلمين (4).
ويقول الدكتور محمَّد عمارة: «فالتقريب بين المذاهب، والذي يمثِّلُ الميدان الحقيقيَّ الفكريَّ المطلوب، هو الذي يوحِّد الأُمَّة في الأصول والثوابت، وفي أمَّهات العقائد والمسائل الفكريَّة .. وهذا هو ميدان علم الكلام .. والجهد التقريبيُّ ـ الغائب والمطلوب ـ هو نزع (الألغام الفكريَّة - التكفيريَّة) التي تقصم وحدة الأُمَّة بالتكفير لفريق من الفرقاء، أو مذهب من المذاهب؛ لأَنَّ التكفير هو نفيٌ للآخر، يقصم وحدة الأُمَّة ... » (5).
2 - الجانب الظني من مقصد حفظ الدين:
إنَّ أغلب الفرق الإسلاميَّة ترى نفسها هي الممثِّل الوحيد للإسلام، والمسائل التي تتميَّز بها هي من قبيل القطعيِّ، إذ الاعتقاد ينبغي أن يكون جازما، ومن باب حفظ الدين عليها أن تستميت في الدفاع عن آرائها. وهذا لا عتاب عليه إذا لم يؤدِّ إلى إقصاء الآخر، وإنَّما العتاب في اعتبار المخالف في تلك المسائل الكلاميَّة أو السياسيَّة خارجا عن حظيرة الدين، وإطلاق أبشع
__________
(1). الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص135. وينظر: السنوسي: شرح المقَدِّمَات، ص104 - 105. هاني ساعي: القانون في عقائد الفرق، ص303. محَمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص22، 62.
(2). جمال الدين القاسمي: الجرح والتعديل، ص39.
(3). محَمَّد عبده بن حسن خير الله (1266 - 1323هـ/ 1849 - 1905م): أحد أقطاب زعماء الإصلاح في العالم الإسلامي. ينظر: أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص357 - 429. الزركلي: الأعلام، 6/ 252 - 253.
(4). ينظر: الأعمال الكاملة للإمام محَمَّد عبده، دراسة وتحقيق: د. محَمَّد عمارة، طبعة بيروت، 1972، 3/ 283 - 289. نقلا عن محَمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص23.
(5). محَمَّد عمارة: المرجع نفسه، ص45.
الأسماء عليه. وهذا الإقصاء مبنيٌّ غالبا على أدلَّة ظنيَّة، منها: أدلَّة القرآن الظنيَّة الدلالة، وأدلَّة السنَّة الظنِّيَّة الثبوت أو الدلالة، والأقيسة والإلزامات الظنِّيَّة، وبيان ذلك في الآتي باختصار حسب ما يسمح به المقام:
أ- اعتماد أدلَّة ظنيَّة الثبوت أو الدلالة:
لا شكَّ أَنَّ القرآن قطعيُّ الثبوت، وأنَّه هو المرجع الأوَّل قبل الاختلاف وبعده، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ (1/60)
صفحة 61
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (1). وممَّا لا شكَّ فيه أيضا أنَّ في القرآن الكريم ما هو ظنِّيُّ الدلالة. وكلُّ الفرق الإسلاميَّة تدَّعي اعتمادها على محكمات القرآن وتذر متشابهه، ويمكن أن تجد فيه - ولو بتكلُّف أحيانا - ما يؤيِّد وجهة نظرها. كما أنَّ في السنَّة ظنِّيُّ الثبوت أو الدلالة، أو كلاهما؛ وبالتالي فإنَّ الخلاف لن يُحسم.
والآية لم تَنُصَّ على أَنَّ التنازع يرتفع بالكلِّيَّةِ إذا تمَّ الرَّدُّ إلى الله والرسول (القرآن والسنَّة)؛ لأَنَّ الاختلاف في الفهم من سنن الله في البشر، وإنَّما نصَّت على أَنَّ ذلك خير وأحسن مرجعا ومصيرا؛ فإذا بحثنا في مسألة خلافيَّة، ووجدنا أَنَّ المخالف يستند فيها إلى القرآن والسنَّة عذرناه وإن لم نتَّفقْ معه في الرأي، وفي هذا خير عميم، ومآل قويم، وهو جمع الشمل، وتقبُّل رأي المسلم الآخر بقبول حسن.
وفيما يخصُّ أسماء الذمِّ فكثيرا ما يستند علماء الكلام إلى ظنِّيِّ الدلالة من القرآن أو على أحاديث آحاديَّة، وقد تكون ظنِّيَّة الدلالة أيضا، ويقومون بتنزيلها على الفرق المخالفة وآرائها؛ فيظنُّها غير المتخصِّص في الشريعة أقوالا لا تعقيب عليها؛ لأنها تستند على القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه. وهنا مكمن الخطر، فيرتفع الرأي والاجتهاد في فهم النصِّ الظنِّيِّ الثبوت أو الدلالة إلى مرتبة الوحي المقدَّس.
ب- اعتماد إلزامات ظنِّيَّة:
أقرَّ الإمام أبو حامد الغزاليُّ بأنَّ كلَّ فرقة ترمي الأخرى بتكذيب شيء ممَّا جاء به القرآن أو الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -، إذ قال: « ... لأَنَّ كُلَّ فرقة تكفِّر مخالفتها، وتنسبها إلى تكذيب الرَّسُول. فالحنبليُّ يكفِّر الأشعريَّ زاعما أَنَّهُ كذَّب
__________
(1). سورة النساء: 59.
الرسول في إثبات الفوق لله تعالى [ ... ] والأشعريُّ يكفِّره زاعما أَنَّهُ شبَّه وكذَّب الرسول [ ... ] والأشعريُّ يكفِّر المعتزليَّ زاعما أَنَّهُ كذَّب الرسول في جواز رؤية الله تعالى [ ... ] والمعتزليُّ يكفِّر الأشعريَّ زاعما أَنَّ إثبات الصفات تكثير للقدماء [ ... ] ولا ينجِّيك من هذه الورطة إلاَّ أن تعرف حدَّ التكذيب والتصديق وحقيقتهما فيه؛ فينكشف لك غلوُّ هذه الفرق، وإسرافها في تكفير بعضها بعضًا» (1)؛ وما الجدال في أغلبه بين الفرق إلاَّ إلزامات!. وبالتالي نلاحظ أنَّ هذه الطريقة ليست دوما قطعيَّة؛ لأنَّها تُلزم الخصم بما لم يقله، وقد يُتأوَّل كلامه على غير مراده، وقد يُبتر من سياقه ...
لذلك لا بدَّ من الابتعاد عن الإلزامات؛ لأنَّ أغلبها ظنِّيٌّ والغزاليُّ نفسه لم يسلم من الوقوع فيما عابه على غيره، إذ كفَّر الفلاسفة في ثلاث قضايا (2)، مع أَنَّهُم مؤوِّلون غير مكذِّبين، فجاء ابن رشد ليبيِّنَ أنَّه كان مخطئا في تكفيره، وأنَّهُ لم يكن قاطعًا فيه (3). (1/61)
صفحة 62
ثانيًا: الواقع العملي
إنَّ علماء الإسلام قديما وحديثا بقدر ما تحرَّوا في مسائل الدماء، وحذَّروا من مغبَّة التساهل فيها ... إلاَّ أنَّ التطبيق العمليَّ صعُب في كثير من الأحيان الالتزام بذلك. ولا ريب أنَّ الواقع الذي نعيشه - منذ افتراق الأمَّة طرائق قددًا - من التكفير وما في معناه بين الفرق الإسلاميَّة أكبر شاهد، ولهذه الظاهرة أسبابها في تراثنا الإسلاميِّ. لا أريد أن أنكأ جراح الأمَّة باستعراض ما في المصادر الكلاميَّة من تبادل لِتُهَم التكفير بين المسلمين، فإنِّي أكتفي بالإشارة إلى بعض ما نجده فيها من مسائل وأحكام تكفيريَّة، بسبب خلافات كلاميَّة (4).
1 - أثر الخلافات الكلاميَّة في التكفير:
- من المسائل التي كانت سببا في التكفير: القول بإثبات خلق القرآن أو نفيه، ذمُّ أصحاب الحديث، رَدُّ شيء ممَّا جاء في كتاب شرح السُّنَّة للبربهاري، التأويل، الاشتغال بالمنطق ...
- ومن الشَّخصيَّات والفِرَق التي مَسَّها هذا التكفير: الإمام أبو حنيفة، والحسين الكرابيسي (5)، وأحمد بن نصر الخزاعي (6)، وأبو مسهر (7)، ومحمَّد بن حبَّان البستي (8)، وأبو الوليد الباجي (9)، ولسان الدين ابن الخطيب (10)، والجهميَّة، والمعتزلة، والفلاسفة، والأشعريَّة، والصوفيَّة، والمرجئة، والرافضة، والقدريَّة ...
- ومن الاتِّهامات الواردة في حقِّ بعضهم: نقض الإسلام عروة عروة، وأنَّهم أشدُّ على المسلمين من اللصوص، وأنَّ نيَّتهم إبطال القرآن والحديث،
__________
(1). فيصل التفرقة، ص24. ومن ذَلِكَ اتِّهَام أبي عَمَّار المخطئين في التأويل بالكذب على الله، أو التكذيب بالصدق: {فَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} (سورة الزمر: 32)؛ وبالتالي يسوغ الحكم عَلَيْهِم بالكفر. ينظر: أبو عَمَّار: الموجز، 2/ 262.
(2). حسب تصريح الغزالي، فقد كفَّرهم في إنكارهم حشر الأجساد، وفي إنكارهم العقوبات الحِسِّيَّة في الآخرة، وفي «أَنَّ الله لا يعلم إِلاَّ نفسه، وَأَنَّهُ لا يعلم إِلاَّ الكلِّيَّات»، فهذه عنده «أَوَّل درجات الزندقة»، وهي زندقة مقيَّدة لا مطلقة. ينظر: فيصل التفرقة، ص51 - 53. وأَمَّا حسب تعبير ابن رشد فقد كفَّرهم «في القول بقدم العالم، وبأنَّهُ تعالى لا يعلم الجزئيَّات تعالى عن ذلك، وفي تأويل ما جاء في حشر الأجساد وأحوال المعاد». فصل المقال، ص39
(3). وأرجع خطأه إمَّا إلى سوء فهم مقصود الفلاسفة، أو إلى الاختلاف في التسميات. ينظر: فصل المقال، ص39 - 45. تهافت التهافت، ص43، وفي أغلب الكتاب.
(4). ينظر: اللالكائي: اعتقاد أهل السُّنَّة، 2/ 227 - 329. ابن الصلاح: فتاوى ابن الصلاح، 1/ 210 - 211. ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ص 476 - 487. الشاطبي: الاعتصام، 2/ 343، 481 - 483. النشَّار: مناهج البحث، ص145 - 146. حسن المالكي: قراءة في كتب (1/62)
صفحة 63
العقائد، ص105 - 121، 143 - 150. السقَّاف: السَّلفيَّة الوهَّابيَّة، ص73 - 74. علاَّل: التعصُّب المذهبي، ص32 - 41. العربي إدناصر: الفكر الأصولي والوعي السياسي في إعادة التأسيس للمفاهيم. مجلَّة الكلمة، فصليَّة تصدر عن منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث: العدد 59، السنة الخامسة عشرة، 1429هـ/ ربيع 2008، نسخة رقميَّة.
(5). أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي (248هـ/862م): فقيه بغداديٌّ شافعيٌّ متكلِّم عارف بالحديث. له تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه والجرح والتعديل. ينظر: الزركلي: الأعلام، 2/ 244.
(6). أبو عبد الله أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي (231هـ/846م): من أشراف بغداد. كان يخالف من يقول بخلق القرآن ويقدح في الواثق بالله. بايع له جماعة فأراد بهم الخروج، فقبض عليه الواثق وقتله بيده في سامراء وبعث برأسه إلى بغداد فنصب فيها ستَّ سنوات! وجسده بسر من رأى. ينظر: الزركلي: الأعلام، 1/ 264.
(7). أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي (140 - 218هـ/757 - 833م): من حفَّاظ الحديث والمغازي وأيَّام الناس والأنساب. ويقال له: ابن أبي دارمة. امتُحن ليقول بخلق القرآن فأبى فأدخل السجن، ومات فيه. ينظر: المرجع نفسه، 3/ 269.
(8). أبو حاتم محمَّد بن حبَّان بن أحمد التميمي البستي (354هـ/965م)، ويقال له: ابن حبَّان: مؤرِّخ، علاَّمة، جغرافيٌّ، محدِّث. ولد في بست من سجستان، وتنقَّل في الأقطار. تولَّى قضاء سمرقند. ثمَّ توفِّي في بست. مصنَّفاته كثيرة، منها:} المسند الصحيح}، و} روضة العقلاء}، و} الثقات}. ينظر: المرجع نفسه، 6/ 78.
(9). أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي (403 - 474هـ/1012 - 1081م): فقيه مالكيٌّ كبير، من رجال الحديث. أصله من بطليوس ومولده في باجة بالأندلس. رحل إلى الحجاز وبغداد والموصل ودمشق وحلب وعاد إلى الأندلس، فولي القضاء في بعض أنحائها. من كتبه:} السراج في علم الحجاج}، و} إحكام الفصول}، و} المنتقى} ... ينظر: المرجع نفسه، 3/ 125.
(10). لسان الدين ابن الخطيب أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله (713 - 776هـ/1313 - 1374م): وزير مؤرِّخ أديب. ولد ونشأ بغرناطة، وبها كان وزيرا. ثمَّ انتقل إلى فاس. وُجهت إليه تهمة الزندقة واتِّباع الفلاسفة. أفتى بعض الفقهاء بقتله، فقتل وهو في السجن. له نحو ستِّين مؤلَّفا، منها:} الإحاطة في تاريخ غرناطة}.ينظر: المرجع نفسه، 6/ 235.
ووصمهم بالزندقة والتعطيل والارتداد، وأنَّهم أشدُّ كفرا من المشركين، شيعةُ الشيطان، مثلُ الصابئين، مجوسٌ، ملحدون، يهودٌ، أكفر من اليهود والنصارى، أكفر من المشركين ...
- ومن الأحكام المترتِّبة عن هذا التكفير: جواز اللعن، وعدم إجازة عيادة مرضاهم، ولا مجادلتهم، (1/63)
صفحة 64
ولا التسليم عليهم، ولا مناكحتهم، ولا أكل ذبيحتهم، ولا الصلاة عليهم، لا نصيب لهم في الإسلام، ووجوب استتابتهم فإن تابوا وإلاَّ قُتلوا، والحكم عليهم بالخلود في النار، ولا يخلَّد في النار ـ عند أهل السُّنَّة ـ إلاَّ المشركون.
فهذه الأحكام تدلُّ على أَنَّ الكفر المقصود هو المخرج من المِلَّة، ويؤدِّي إلى فقدان المكفَّر كُلَّ حقوقه باعتباره مسلمًا موحِّدًا، وهو موقف أخطر بكثير ممَّا ذهب إليه قدماء الإباضيَّة، حيث يحافظ المكفَّر عندهم - كفر نعمة بسبب خلاف كلاميٍّ - على كُلِّ حقوق المسلمين، إلاَّ الولاية، وهي في أصلها قلبيٌّ، لا تظهر آثاره في السلوك العمليِّ إِلاَّ قليلا.
وهذا التسرُّع في التكفير أزمة الفكر الإسلاميِّ عمومًا، نتيجة ظروف الصراع الفكريِّ المحتدم، والتعصُّب (1)، ونقص الالتزام بضوابط التكفير، كـ «معرفة حجج الخصم، وارتفاع موانع تكفيره، ومعرفة شبهه واعتذاراته من قوله لا من نقل خصمه» (2)، وكذا ضوابطُ التحرِّي والتبيُّن المطلوبان شرعيًّا ومنهجيًّا (3). قال أحد الباحثين ما ملخَّصه: لقد اكتشفنا خطأنا إذ كفَّرنا أبا حنيفة وأصحابه، فهذا يدعونا إلى مراجعة تكفيرنا لفرق أخرى كالشيعة والمعتزلة والصوفيَّة والأشاعرة وغيرهم، وقد اكتشفنا خطأنا في النقل ونسبة أقوال إلى أبي حنيفة هو بريء منها؛ «فمعنى هذا أنَّ عندنا خللاً في النقل، فنصحِّح الروايات في تشويه الخصم ولا نتفهَّم حجَّة الطرف الآخر، ولا نسمع له، ونكفِّر بأشياء ليست مكفِّرة، أو نكفِّر بإلزامات لا يجوز التكفير بها، فلازم القول ليس بقول، وهذا أيضًا كُلُّهُ ممَّا ينبغي أن يُدرس، لننقد أنفسنا قبل نقد الآخرين، ولنعرف مدى قولنا بالباطل وتصديقنا له، ومدى تفهُّمنا لحجَّة الطرف الآخر» (4). وهذا الكلام ينبغي أن يقوله كُلُّ باحث نزيه لأتباع فرقته.
وأمَّا التسرُّع والتعميم في الحكم بالتفسيق والتضليل والتبديع فلا شكَّ أنَّ المطَّلع على التراث وعلى مواقع الإنترنت سيجد أمثلة كثيرة من هذا القبيل. وقد استعرض البستيُّ في كتابه «البحث عن أدلَّة التكفير والتفسيق» عدَّة أدلَّة
__________
(1). ينظر: علاَّل: التعصُّب المذهبي، ص32 - 41.
(2). حسن المالكي: قراءة في كتب العقائد، ص108.
(3). ينظر: بازمول: التكفير وضوابطه، ص19 - 51. محَمَّد الحسن الدَّدو الشنقيطي: فقه العصر، ص47 - 49.
(4). حسن المالكي: قراءة في كتب العقائد، ص108.
ـ أغلبها عَقلِيَّة ـ على التكفيرات والتفسيقات المتبادلة بين فرق المسلمين، وتوصَّل في أغلبها إلى أَنَّهَا ليست صحيحة (1).
ومثل هذه الأسماء والأحكام الخطيرة قد تلقَّفتها بعض الجماعات المتطرِّفة، واستندت إليها في (1/64)
صفحة 65
جرائمها ضدَّ الإنسانيَّة، وأهلكت بها الحرث والنسل، وشوَّهت بها صورة الإسلام. ووضعت في آذانها وقرًا عن سماع الأصوات المعتدلة، المنادية بتحكيم قواطع الوحي، وضوابط العقل. كما استغلَّتها بعض السياسات المتعاقبة على الأمَّة الإسلاميَّة، لتتفنَّن بشتَّى وسائل التعذيب والقتل والتدمير. وما ذاك إلاَّ بالبعد عن المنهج الربَّانيِّ القطعيِّ. مع أنَّ ديننا هو الإسلام، وهو من اشتقاقات كلمة «سلم»، وتحيَّتنا السلام، وسمَّانا أبونا إبراهيم مسلمين!.
2 - توظيف أسماء الذمِّ على المخالفين:
كثيرا ما تطلق كلُّ فرقة من المسلمين شرَّ الأوصاف وأقبحها على مخالفيها (2)، وقد يكونون من نفس المدرسة (3)، وأحيانا دون تثبُّت أو مناقشة. قال حجَّة الإسلام أبو حامد الغزالي: «واعلم أَنَّ للفرق في التكفير مبالغات وتعصُّبات، فربَّما انتهى بعض الطوائف إلى تكفير كُلِّ فرقة سوى الفرقة التي يعتزي إليها» (4).
يُلاحَظ لدى أغلب الفرق الإسلاميَّة أَنَّ المسألة الكلاميَّة التي تختلف عن رأي المذهب (أيِّ مذهبٍ) إذا قال بها أحد علماء المذهب حاولنا أن نوجد لها مبرِّرات ترفع عنه حكم التكفير، وأمَّا إن جاء بها المخالف اعتبرناها مسألة قطعيَّة (مسألة دين لا مسألة رأي) لا يجوز الخلاف فيها، وقطعنا فيها عذره. وأَنَّ النقاش إذا كان ردًّا على أحد المخالفين كان الأسلوب عنيفا، ولا مكان فيه لحسن الظنِّ بالآخر إلاَّ قليلا، أمَّا إذا كان النقاش ردًّا على أحد علماء المذهب كان أسلوب الحوار أرفق، والتماس الأعذار فيه أسبق.
وهذا ما يعتب عليه الإمام أبو حامد الغزالي بكلام في غاية الأهمِّيَّة، إذ قال فيما معناه: إذا كانت مخالفة الإمام الأشعريِّ كفرا، فقد خالفه الباقلاَّنيُّ في بعض المسائل الكلاميَّة (5)، فإن شُدِّد عَلَيْهِ ووُسم بالكفر، فلِم كان أولى بالكفر
__________
(1) نوافقه في أغلبها، وبعضها تحتاج إلى نقاش. ينظر: أغلب صفحات الكِتَاب، لاسيما ص166 - 174.
(2). مثال ذلكَ أنَّ المعتزلة أُطلقت عليهم تسمية: القدريَّة، والثنويَّة والمجوسيَّة، والمعطِّلة. ينظر: زهدي جار الله: المعتزلة، ص6 - 11.
(3). ينظر نماذج من تكفير الزيديَّة لبعض فرق الشيعة الغالية: البستي الزيدي: البحث عن أَدِلَّة التكفير، ص162 - 164.
(4). الاقتصاد في الاعتقاد، ص133. وينظر: محمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص59.
(5). ذكر الغزالي منها: أَنَّ صفة البقاء في حقِّ الله تعالى ليست وصفا زائدًا على الذات. ينظر: فيصل التفرقة، ص24. ولم نعثر على هذه الفكرة في كتاب التمهيد للباقلاني، لاسيما عند حديثه عن صفة البقاء الذَّاتِيَّة لله تعالى، ينظر: التمهيد، ص299 - 300. (1/65)
صفحة 66
من الأشعريِّ، أَلِمُجرَّد السبق الزمنيِّ، فإن كان السبق مقياسا فقد سبق المعتزلةُ الأشعريَّ فلِمَ لَمْ يكونوا أَوْلى بالحقِّ منه؟ وإن رُخِّص في الخلاف للباقلاَّنيِّ فلِم يُحجَر على غيره؟ ولِمَ يَتعسَّف بعض المتعصِّبين في تبرير آرائه، ويعدُّونها من قبيل الخلاف اللفظيِّ، بينما يشدِّدون على المعتزلة في خلافهم للأشاعرة؟ (1).
وإذا كان هذا الطرح الراقي من الإمام الغزالي في حقِّ أهل السُّنَّة فحسب، فنحن نعمِّمه على سائر الفرق الإسلاميَّة. وقد سبَقَنَا الشيخُ البستي الزيدي إلى هذا التعميم، وإلى التماس الأعذار للفرق، فأغلب كتابه اعتذارات لمقالات الإسلاميِّين، ليصل في النهاية إلى أَنَّهَا لا تستلزم التكفير ولا التفسيق، واستوى في نقده للمكفِّرين والمفسِّقين السُّنِّيُّ والمعتزليُّ والشيعيُّ على حدٍّ سواء (2)، بأسلوب جدليٍّ رصين، ولكنَّ صوت أمثاله غير مسموع في أغلب التراث الإسلاميِّ مع الأسف!.
نودُّ لو أَنَّ المسلمين جميعا نظروا إلى علماء مخالفيهم مثلما ينظرون إلى علماء مذهبهم، بتقمُّص شَخصِيَّة المخالف، وبإيراد الآراء في سياقها الخطابيِّ، وعدم بترها، وبالنظر إليهَا نظرةً أشمل وأعدل ضمن منظومتها الفكريَّة، وبالتماس الأعذار مثلما يلتمسونها لأتباعهم؛ إذن لتجنَّبنا كثيرا من الانزلاقات والصدامات، وتبادل الاتِّهامات!.
3 - الاهتمام بالجزئيَّات على حساب الكلِّيَّات:
نبَّه جمال الدين القاسميُّ إلى مفارقة قد يتعجَّب منها كُلُّ متأمِّل، وهي أَنَّ الغلاة قد يهتمُّون بالخلافيَّات الفرعيَّة، فيضخِّمونها، ولا يدرؤون عن المخالفِ فيها حُكمَ التكفير أو القتل لوجود الشبهة، فقال: « ... مع أنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، ونعني بالحدود ما نُصَّ عليه في الكتاب العزيز والسنَّةِ الغرَّاءِ، فإذا كانت في تلك المكانة وقد شرع فيها محاولة درئها بالشبهات، فكيف بحدود لا سند لها إلاَّ الاجتهاد، وليس لها أصلٌ قاطعٌ، ولا نصٌّ محكمٌ، فلا ريب أنَّها أولى بالدرء، وأجدر بالدفع، ولا يدري المرء ما الذي حملهم على نسيان هذه الموعظة حتَّى عكسوا القضيَّة، وأصبحوا يُكبِّرون الصغير، ويعظِّمون الحقير، ويهوِّلون الأمور، ويدعون بالويل والثبور، مِمَّا لا يقومون بِعُشُرِه للمنكرات المجمَع عليها، والكبائرِ التي يُجَاهَرُ بها، فلا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بالله!» (3).
__________
(1). ينظر: فيصل التفرقة، ص24 - 25.
(2). ينظر: البحث عن أَدِلَّة التكفير، في معظم الكتاب، ولاسيما نقده للشيعة، على سبيل المثال: من ص162 إلى آخر الكتاب ص231.
(3). جمال الدين القاسمي: الجرح والتعديل، ص47.
4 - دور السياسة والإعلام في نشر الفكر التكفيريِّ بين فرق الأُمَّة:
لنفترض أَنَّ الدولة العبَّاسيَّة لم تفرض على الناس اعتقاد خلق القرآن، ولم يكتوِ الإمام أحمد بنارها، ولم يتعاطف معه أنصار دافعوا باستماتة عن فكرته، فمن المؤكَّد أنَّ فكرة خلق القرآن، وهي فكرة (1/66)
صفحة 67
فلسفيَّة تجريديَّة بعيدة عن واقع الناس المعيش، سوف تبقى حبيسة الكتب ورفوف الخزائن، لا يعبأ بها إلاَّ أهل الاختصاص. أَمَا وقد حدث فيها ما حدث، فإنَّ الأحكام التي صدرت ضِدَّ المخالف كانت أقسى من كُلِّ التوقُّعات!. فقد جاءت رَدَّة الفعل من السلطة السِّياسيَّة مرَّة أخرى بحجَّة درء الفتنة لمناصرة نظريَّة قِدم القرآن، فاضطهدت القائلين بأنَّ القرآن مخلوق.
والإعلام اليوم ـ بشتَّى وسائله ـ مكَّن غيرَ المتأهِّلين وعوامَّ الناس من اقتحام حمى لا شأن لهم بها، فبعد أن كان علم الكلام خَاصًّا بالعلماء وطلبة العلم، وبعد أن كانت الألغام التكفيريَّة لأهل القبلة لا تعدو فئة قليلة، صارت اليوم قضيَّة «يشيع الحديث عنها، والجدل حولها، والتقاذف بها بين من لا يحسن الفقه لفروع العبادات والمعاملات، فضلا عن الفقه لدقيق الكلام في أصول الاعتقادات!!. بل لقد غدت (شهوة الشغب) فنًّا من الفنون التي يتبارى في عرض فصوله المتفرِّغون له، ويسعى لإدمان مشاهدته وتفريغ الغرائز الصراعيَّة في متابعته جمهور عريض من الناس» (1). ومسؤوليَّة ما ينجرُّ عن ذلك تعظُمُ بقدر إسهام كُلِّ متورِّط في نشر الفكر التكفيريِّ، سواء من رجال الإِعلام، أم حتَّى من العلماء الأَعلام.
كُلُّ هذا يقع فيه المسلمون مع أَنَّ لهم عوامل وحدة متعدِّدة، وهي: «1 - العقيدة. 2 - والشريعة. 3 - والحضارة. 4 - والأُمَّة. 5 - ودار الإسلام» (2). فعلى العلماء والإعلاميِّين التركيز على هذه الجوانب الجامعة، ما دامت في القلوب النوايا الحسنة؛ فهنالك من ينشر الفكر التكفيريَّ بدعوى تحصين أتباعه من الفكر المخالف، وبدعوى فضحه، وبيان خطورته. ولكنَّ هذا لا يشفع في درء تبعات هذا النشر؛ لأَنَّ من المقرَّر في مقاصد الشريعة أَنَّ درء المفاسد أولى من جلب المصالح، ولا بُدَّ من فقه الموازنات في مثل هذه الموضوعات.
وكلُّ هذا يقع بين موحِّدين يقرُّون كلُّهم بوعيد الله تعالى القطعيِّ في شأن قاتل المؤمن متعمِّدًا: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (3).
__________
(1). محَمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص84.
(2). المرجع نفسه، ص87.
(3). سورة النساء: 93.
ثالثًا: أسماء الذمِّ ومقاصد حفظ النفس والنسل والمال
إنَّ كلَّ متتبِّع لما في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشريفة من نصوص يجدها قطعيَّة في النهي عن الاعتداء على النفس أو المال أو النسل، وترتِّب عليهما وعيدا شديدا، نذكر منها ما يأتي:
1 - قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا (1/67)
صفحة 68
تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (1).
2 - قَوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (2).
3 - قَوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (3).
4 - قَوله تعالى الذي جمع فيه بين حفظ المال وحفظ النفس: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (4).
5 - قَوله تعالى الذي توعَّد فيه من يفسد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل بجهنَّم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} (5).
__________
(1). الأنعام: 151
(2). النساء: 93.
(3). المائدة: 2
(4). النساء: 29.
(5). البقرة: 204 - 206.
6 - ما روي أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» (1).
7 - ما روي أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ» (2).
8 - قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَيَحُولَنَّ بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَرَاهَا كَفٌّ مِنْ دَمِ مُسْلِمٍ يُهْرِقُهَا» (3).
ومع أنَّ فيما ذكرناه من روايات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالاً للمحدِّثين في بعضها من جهة الإسناد، إلاَّ أنَّ في أدلَّة القرآن الكريم ما يغنينا، وهي قطعيَّة الثبوت والدلالة، ولا تدع مجالا للشكِّ في أهمِّيَّة حفظ النفس في الشريعة الإسلاميَّة، وأنَّ التعدِّي عليها أعظم الكبائر على الإطلاق بعد الشرك بالله. وقد وعى عمر بن الخطَّاب عظم جريمة القتل فقال حين قُتل غلام غيلةً: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا» (4).
وكذا يقال في حفظ النسل والمال والبيئة، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينهى (1/68)
صفحة 69
النافرين للحرب عن المثلة، وعن قتل الشيخ الكبير، أو الطفل، أو المرأة، وعن قطع الشجر أو النخل أو حرقها، وعن ذبح الشياه أو البقر أو الإبل إلاَّ لمأكلة.
وبالموازنة بين ما سردناه وبين الأدلَّة التي يستشهد بها أصحاب التيارات التكفيريَّة، قديما وحديثا، نتيقَّن بأنَّها لا يمكن أن ترقى إلى إلغاء كلِّ هذه الأدلَّة القطعيَّة في حفظ النفس والنسل والمال.
رابعًا: بدائل مقترحة لتجاوز الفكر التكفيري
الاجتماع على المتَّفَق فيه:
__________
(1). رواه ابن ماجه، كِتَاب الدِّيَاتِ، بَاب التَّغْلِيظِ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا، حديث رقم: 2620، 2/ 874. وأورده الوارجلاني ضمن زياداته على مسند الربيع، في الأَخْبَارِ الْمَقَاطِيعِ عَنْ جَابِرِ بن زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، رقم: 960، ص368. ضعَّفه العلماء بسبب يزيد بن زياد. ينظر: المناوي: فيض القدير، 6/ 72.
(2). رواه الترمذي، كتاب الديات، بَاب الْحُكْمِ فِي الدِّمَاءِ، رقم: 1398، 4/ 17. وقال: «حَدِيثٌ غَرِيبٌ». أورده الوارجلاني في زياداته على مسند الربيع: بَابُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ
(3). رواه الطبراني في الكبير، بلفظ: «لا يَحُولَنَّ بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى أَبْوَابِهَا مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهرَاقَهُ ظُلْمًا». رقم: 1681، 2/ 165. وأورده الوارجلاني ضمن زياداته على مسند الربيع (واللفظ له)، في الأَخْبَارِ الْمَقَاطِيعِ عَنْ جَابِرِ بن زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، رقم: 958، ص367. قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير [ ... ] ورجاله موثَّقون». مجمع الزوائد، 1/ 185.
(4). مالك: الموطَّأ، كتاب العقول، باب ما جاء في الغيلة والسحر، رقم 1561، 2/ 871. وينظر: البخاري، كتاب الديات، بَاب إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ، 2/ 251.
إنَّ الدين عند الله الإسلام، والله تعالى ارتضى لنا التسمية التي سمَّانا بها أبونا إبراهيم - عليه السلام - «مسلمين»، وعليه فليكن تسمية الآخر الموحِّد باسم الإسلام، وترك الألقاب المشينة التي فرَّقت ـ ولا تزال تفرِّق ـ المسلمين. وهذا يعدُّ من أهمِّ البدائل المقترحة، والتي يركِّز عليها كثير من العلماء والباحثين (1)، لتفادي التنافر بين المسلمين، وإذا ذُكرت الألقاب المستحدثة (الإباضيَّة، أو الأشاعرة، أو أهل السُّنَّة، أو السَّلفيَّة ... ) فليس للافتخار بها ووسم المخالف بضدِّها، وإنَّما للتمييز العِلمِيِّ بين المناهج.
كما دعا بعض أولئك الباحثين إلى عدم إثارة المسائل الكلاميَّة الخلافيَّة أصلا؛ والتركيز على النقاط المشتركة التي تجمعهم، ولو في أصول تلك القضايا الخلافيَّة نفسها. وبما أنَّ الله تعالى سمَّانا أُمَّة (1/69)
صفحة 70
واحدة (2)، فلا بُدَّ أن تكون هناك قواعد وأصول تجمعنا. والجمع على تلك الأصول والقواعد أمر ممكن عَمَلِيًّا إذا صدقت النوايا. وإنَّ العالَم الغربيَّ اليوم يعيش تكتُّلات وتجمُّعات، رغم ما بينهم من اختلافات وتناقضات! {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} (3)، ونحن ـ إذا خلصت النوايا ـ نستطيع أن لا يكون بيننا أيُّ بأس، ونكون جميعا، وقلوبنا واحدة!.
نستطيع ذلك إذا صدقت العزائم، وزال بيننا «التحاسد أو التباغض، والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها: طلب الرياسة والاستبداد بالأمر ... وجمعُ الأُمَّة على الفطرة الإسلاميَّة بعد تشعُّب الخلاف ممكن عقلا ... » (4).
1 - لا تكفير إلاَّ فيما نصَّ عليه القرآن قطعيًّا:
دعا الإمام أبو حامد الغزاليُّ إلى أن لا كفر في غير التكذيب المحض للرَّسُول J في شيء ممَّا جاء به (5)، وأوصانا قائلا: «أَمَّا الوصيَّة فأن تكفَّ لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين: لا إله إلاَّ الله محمَّد رسول الله، غير مناقضين لها. والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بعذر أو غير عذر، فإنَّ التكفير فيه خطر» (6)، وهو معيار مهمٌّ، إلاَّ أننا نعقِّب عليه بما يأتي:
__________
(1). ينظر: نور الدين السالمي: العقد الثمين، 1/ 126 - 127. أبو بشير السالمي: نهضة، ص123 - 124. القرضاوي: مبادئ التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة، بحث ضمن كِتَاب: محنة التقريب بين السُّنَّة والشيعة، ص34 - 37.
(2) كما في قَوله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} (سورة الحجِّ: 78). والآيات في هذا الموضوع كثيرة، ينظر: هاني ساعي: القانون في عقائد الفرق، ص22 - 23.
(3). الحشر: 14.
(4). السالمي: العقد الثمين، 1/ 126 - 127. أبو بشير: نهضة، ص123 - 124.
(5). فيصل التفرقة، ص27 - 28، 39. وينظر: محمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص51.
(6). فيصل التفرقة، ص55. وينظر: محمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص53. وللإمام الحسن البنَّا كلام شبيه به إذ قال في رسالة التعاليم: «لا نكفِّر مسلما أقرَّ بالشهادتين، وعمل بمقتضاهما وأدَّى الفرائض، برأي أو معصية، إلاَّ إن أقرَّ بكلمة الكفر، وأنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذَّب صريح القرآن، أو فَسَّرَه على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربيَّة بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر». الهضيبي: دعاة لا قضاة، ص9.
1 - أنَّ في الكبائر العمليَّة ما هو منصوص على تكفير مرتكبيها، ككفر من لم يحكم بما أنزل الله، وكترك الصلاة، وقتال المسلم، فلا يسوغ العدول فيها عمَّا كان منصوصا عليه، فإن كان عن تكذيب قطعيٍّ ثبوتا ودلالة فهو كفر شرك، وإن كان عن انتهاك فهو كفر دون كفر، أو كفر (1/70)
صفحة 71
نعمة، لا يخرج صاحبه من الملَّة، ويحافظ صاحبها بكلِّ حقوق المسلم.
- أنَّ هناك أعمالا لا تكذيب فيها تعدُّ كفرًا، كإلقاء المصحف في القاذورات، حسب تعقيب التفتازاني على الغزالي (1)، أو كالسجود لصنم، أو للشمس أو القمر، حسب قول السالميِّ (2).
- أنَّه ينبغي ضبط مفهوم التكذيب، كما أوضحناه آنفا من أَنَّ كُلَّ فرقة ترمي الأخرى بتكذيب شيء ممَّا جاء به الوحي بناء على إلزامات.
وبما أَنَّ معيار التكفير والتفسيق غير دقيق، وَأَنَّهُ عرضة لاجتهاد العلماء، فإنَّ البديل الذي أراه أقرب إلى جمع الشمل هو أن لا يكون التكفير إِلاَّ لمن جاء التصريح بتكفيره في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة المتيقَّن صحَّتها، وندع كُلَّ ما وراء ذلك من أخبار الآحاد، وما كان صادرا عن أقيسة أو اجتهاد؛ قال الشيخ الهضيبي: «لا يجوز أن نسمِّي كافرا إلاَّ من سَمَّاهُ الله كافرا» (3). وبما أنَّ المسلم دخل الإسلام يقينا عند تصريحه بكلمة التوحيد، فلا يجوز إخراجه منه إلاَّ بيقين، بقول أو فعل، مع الاختيار (غير مكره) ممَّا «يدلُّ دلالة يقينيَّة على اعتقاد يخالف أصول الإسلام (في اعتقاد أو تشريع)، مخالفةً صريحة قطعيَّة، لا شبهة فيها ولا تأويل ... وكلُّ فعل أو قول صدر عن مسلم احتمل ـ ولو بضعف ـ ما ليس كفرا حُمل عليه حتَّى يَبِينَ عكسه (ضدُّه) بيقين» (4).
2 - {وَمَآ أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ}:
قال الله تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ... ?? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ (5)، لم يأت الردُّ الإلهيُّ على دعوى اتِّهَام الَّذِينَ أَجْرَمُوا المؤمنين بالضلال - كأن يبيِّنَ أنَّ هؤُلاء المجرمين هم الضالُّون، وإنَّما نفى تكليفهم بحفظ أعمال العباد. وفي ذلك ـ فيما يبدو ـ تلميح إلى أنَّ إصدار الأحكام
__________
(1). ينظر: التفتازاني: شرح المقاصد، 2/ 267.
(2). ينظر: معارج الآمال، 2/ 246.
(3). دعاة لا قضاة، ص71.
(4). هاني ساعي: القانون في عقائد الفرق، ص303.
(5). المطفّفين: 29 ـ 33
بالضلال وما شابهه ليس من عملنا نحن المكلَّفين، فيما لم يثبت بيقين، وإنَّما هو من عمل الملائكة الحافظين؛ ونخصُّ بالذات ما كانت فيه الأسماء وأحكامها غير مبنيَّة على القطع واليقين.
3 - لا لزوم للاستعراض ولا للعرض:
نُقل عن الخوارج أَنَّهُم كانوا يستعرضون الناس، أي يطلبون منهم عرض آرائهم في شأن الفتن وبعض مسائل الكلام، حتَّى يصدروا حكمهم النَّظريَّ بالتكفير المخرج من الملَّة، وحكمهم العمليَّ بالقتل. وكأَنِّي بهذه الطريقة عادت إلينا في المنتديات الإلكترونيَّة، وسائر منابر الإعلام المقروءة (1/71)
صفحة 72
والمرئيَّة (1).
وعلى كلِّ من يتعرَّض لمثل هذا الموقف أن يسعى للتركيز على ما يوحِّد الأُمَّة لا على ما يفرِّقها. وفي المنهج القرآنيِّ إشارة إلى أنَّك لست ملزما بإظهار موقفك إذا خفت على الدعوة، فهذا سيِّدنا موسى - عليه السلام - لَمَّا سأله فرعونُ وژ? ? ? ? ... ?ژ (2)، لم يجبه سيِّدُنا موسى بإطلاق أحد الأسماء: إنَّها مشركة، أو كافرة، أو فاسقة ... ولم يذكر أحكامها الأُخرويَّة بأنَّهَا من أهل النار ... وإنَّما ژ ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ?ژ (3). فما نستفيده من هذا الموقف هو:
- أن لا نتشبَّه بفرعون في استعراض رأي الناس، ممَّا نعلم سلفا أَنَّهُ يخالفنا أو يسوؤنا، ففي مؤتمرات التقارب بين المذاهب الإسلاميَّة لا يسائل السُّنِّيُّ والإباضيُّ الشيعيَّ عن معتقداته، ولا العكس، وإنَّما علينا أن نعمل فيما اتَّفَقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
- أن تكون لنا في سيِّدنا موسى - عليه السلام - أسوة حسنة، نردِّد في شأن سلف هذه الأُمَّة قوله تعالى على لسان موسى - عليه السلام -: ژ ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ?ژ (4)، أو ژ? ? ? ?? ? ? ? ... ? ? ?? ? ? ? ? ?ژ (5)،
__________
(1).لا مانع من تخصيص ملتقيات ومحاضرات لطلبة العلم للتعريف بآراء المخالف، بموضوعيَّة ودون تهجُّم، ومناقشتها مناقشة علميَّة نقديَّة، بل هذا مطلوب؛ حتَّى يتعرَّف كلُّ واحد على الآخر. والذي أقصده: أَنَّهُ عندما يتعلَّق الأمر بمصالح الأُمَّة الإسلاميَّة علينا أن نتغاضى عن هذه الفوارق الكلاميَّة.
(2). طه: 51.
(3). طه: 52.
(4). طه: 52.
(5). البقرة: 134، 141.
قصْدَ الحفاظ على الدعوة الإسلاميَّة، وعلى وحدة الأُمَّة، وعدم التنازع، امتثالا لقوله تعالى: ژ? ? پ پ پژ (1).
4 - التماس العذر للجميع دون تمييز بين موافق ومخالف:
لا نعدم في تراثنا من يدعو إلى التماس العذر للجميع دون تمييز بين موافق ومخالف، ولنضرب بأنموذجين:
- أحدهما سُنِّيٌّ، وهو الإمام الغزاليُّ، وقد سبق أن ذكرنا عتابه على من يلتمس العذر للخلاف بين الأشاعرة، ولا يلتمس مثله للخلاف بين أهل السُّنَّة والمعتزلة (2).
- ثانيهما زيديٌّ معتزليٌّ، وهو البستيُّ، إذ يلتمس العذر والتأويل لمقالاتٍ لبعض شيوخ المعتزلة ممَّا قد يَعُدُّه قارئُها كفرا صريحا في حقِّ الله تعالى (3)، والذي يمنع من إصدار حكم التكفير في مثل (1/72)
صفحة 73
هذه المواقف هو وجود التأويل.
5 - نقد التراث، وتعديل المقررات:
نضمُّ صوتنا إلى صوت الدكتور محمَّد عمارة بالتوصية بـ «وضع خُطَّة ـ طويلة المدى ـ لتهذيب كتب التراث في المذاهب الإسلاميَّة المختلفة، وحذف المأثورات والمقولات والأحكام التكفيريَّة الواردة فيها؛ وذلك لاستبعاد هذه} الألغام التكفيريَّة} من المادَّة العلميَّة التي تُقَدَّمُ للأجيال الجديدة في الحوزات والجامعات والمكتبات ... » (4). هذا الكلام من حيث المبدأ والإجمال مقبول، أَمَّا من حيث التفصيل فليس «حذف المأثورات والمقولات والأحكام التكفيريَّة» حلاًّ؛ لأَنَّ المتهوِّرين المندفعين بتقديس حرفيَّة التراث متضافرون، والمتطوِّعين لنبش المقبور من الآراء كثيرون، والمأجورين لتمزيق شمل الأُمَّة لا يخلو منهم زمان ولا مكان .. وإنَّما الحلُّ ـ في تصوُّرنا ـ أن لا مناص من ترك تلك الآراء القاصمة لوحدة الأُمَّة في تراثنا، ولكن لا بدَّ من إجراء مراجعات جريئة، لا تتأثَّر بالمقبولات، ولا بدَّ من النقد والتعليق بأسلوب يجمع ولا يفرِّق، وبحجج قويَّة دامغة يذعن لها القارئ، بصرف النظر عن مكانة المنقود، فإنَّما يعرف الرجال بالحقِّ، ولا يُعرف الحقُّ بالرجال.
خاتمة
توصَّلت هذه الورقة البحثيَّة إلى ما يأتي:
- عند إطلاق أسماء الذمِّ بسبب الخلاف في المسائل الكلاميَّة لا يمكن الاستغناء عن مقاصد الشريعة.
__________
(1). الأنفال: 46.
(2). ينظر: فيصل التفرقة، ص24 - 25.
(3). أورد عدَّة أمثلة، منها ما نسبه إلى النظَّام أنَّه «اعتقدَ أَنَّ الله تعالى لا يقْدر على ما لو فعله لكان قبيحا، واعتقد في كثير من الأجناس المقدورة لله تعالى أنَّها ليست بمقدورة له، وفي كثير منها أنَّه يفعلها بواسطة لا يتأتَّى منه الابتداء بها». البستي: البحث عن أدلَّة التكفير، ص82.
(4). محمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص6.
- ما نَصَّ عليه القرآن الكريم من أسماء الذمِّ بقطعيِّ الدلالة، هو التوظيف الإيجابيُّ لأسماء الذمِّ.
- مقصد حفظ الدين في مجمله قطعيٌّ، ولكنَّ الخطأ يكمن في رفع بعض المسائل الخلافيَّة الكلاميَّة إلى مستوى القطع، أو وَسْمِ المخالف بأقبح الأسماء، بناء على أدلَّة ظنِّيَّة.
- لقد ثبت بالقطع أنَّ الشريعة الإسلاميَّة شريعة رحمة ويسر، وأنَّ وحدة الأمَّة مقصد قطعيٌّ.
- التكفير وما في معناه خطير جدًّا، والنهي عنه وعن التعدِّي على حرمات المؤمن قطعيٌّ.
- كثيرا ما يَستند علماء الكلام في إطلاق أسماء الذمِّ إلى ظنِّيٍّ، سواء في الدلالة أم الثبوت، أو إلى (1/73)
صفحة 74
إلزامات ظنيَّة، بدعوى حفظ الدين.
- نجد في التراث الإسلاميِّ أحيانا تسرُّعًا وتعميمًا في التكفير والتفسيق والتضليل والتبديع ... بسبب خلافات كلاميَّة، طالت حتَّى كبار الأئمَّة.
- في التراث الإسلاميِّ أحيانا اهتمام بالجزئيَّات على حساب الكلِّيَّات.
- كان ولا يزال للسياسة والإعلام دور كبير في نشر الفكر التكفيريِّ بين فرق الأُمَّة.
- ما يستند إليه أصحاب التيارات التكفيريَّة، قديما وحديثا، لا يمكن أن يرقى إلى إلغاء كلِّ الأدلَّة القطعيَّة في حفظ النفس والنسل والمال.
- لتجاوز الفكر التكفيريِّ لا بدَّ من الاجتماع على المتَّفَق فيه، ولا تكفير إلاَّ فيما نصَّ عليه القرآن قطعيًّا. وإصدار أسماء الذمِّ ليس من عمل المكلَّفين، فيما لم يثبت بيقين. ولا لزوم للاستعراض ولا للعرض. وينبغي التماس العذر للجميع دون تمييز بين موافق ومخالف.
وفي الأخير نوصي بضرورة نقد التراث، وتعديل المقرَّرات التي تُقَدَّمُ للأجيال الصاعدة، لاستبعاد} الألغام التكفيريَّة} منها، والعمل على منع كلِّ ما من شأنه تفريق الأمَّة في القنوات الفضائيَّة، وتطهير المواقع الإلكترونيَّة منها.
ولا سبيل لنا لتصحيح الوضع المزري القائم إلاَّ بالرجوع إلى قواطع الذكر الحكيم، وأن لا نكون كالذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، ولا من الذين نسوا الذكر فكان بأسهم بينهم شديدا كما قال تعالى: { ... فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ اِلىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (1).
نسأل الله تعالى أن يؤلِّف بين قلوبنا، ويصلح ذات بيننا، ويلهمنا رشدنا، ويهدينا سبل السلام.
__________
(1). المائدة: 14.
/
ا (1/74)
صفحة 75
التمويل الذاتي للأوقاف
جمعية الحياة التربوية نموذجا
الدكتور محمد صالح حمدي
جامعة الحاج لخضر ـ باتنة ـ الجزائر.
ecohamdi@gmail.com
مقدمة:
خلق الله الإنسان ليكون خليفته في الأرض لأداء رسالة العمارة وإقامة العدل، فهيأ له كل الظروف المواتية للعيش في هذه الأرض وسخر له الكون لخدمته، بعد أن كرمه وفضله على سائر الخلق لما ميزه بخصائص وصفات تمكنه من أداء الوظيفة ويتحمل مسؤوليته كاملة.
ومن أهم وظائف الإنسان عمارة الأرض واستخراج كنوزها بمعرفة سننها وقوانينها، والسبيل للوصول إلى ذلك يتأتى بتعبئة المدخرات وتوظيفها واستثمارها بما يحقق التنمية، وهناك طريقان للوصول إلى تحقيق هذه الأهداف، إما عن طريق الاقتصاد الربحي أو الاقتصاد غير الربحي، وهما متكاملان لا يمكن الاستغناء عنهما في ظل الاقتصاد الإسلامي.
ومن أهم سبل الاقتصاد غير الربحي الزكاة التي هي أداة توزيعية هامة تقوم بإعادة التوزيع وتحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي، ويُشكّل الوقف الرافد الثاني لهذا الجزء الهام من الجانب التمويلي والاستثماري منه، وتتكامل سائر الحلقات في أداء الوظيفة الاجتماعية والاقتصادية مع الشق الثاني المتمثل في الاقتصاد الربحي.
إشكالية البحث:
إذا سلمنا بأهمية الوقف في تحقيق التنمية وتوفير الحاجات المتعددة، إلا أن المؤسسات الوقفية تتطلب التمويل الدائم المستمر، ومن أهم السبل لتوفير التمويل المتدفق باستمرار، التمويل الذاتي للمشروع الوقفي.
فما هو التمويل الذاتي؟ وما أهميته على الحياة الاقتصادية؟ وكيف نطبقه على المؤسسة الوقفية؟ وهل استطاعت جمعية الحياة التربوية تحقيق التمويل الذاتي؟ وما التحديات التي تواجه هذا التمويل وما هي آفاقه؟
تلكم هي الإشكالية التي تحاول هذه الورقة الإجابة عنها، ضمن خطة تشتمل على مقدمة وخمسة فصول وخاتمة
المبحث الأول: التمويل والتمويل الذاتي مفهومه وأساليبه.
المبحث الثاني: الوقف مفهومه وأقسامه وتطوره.
المبحث الثالث: جمعية الحياة التربوية ومشروعها الوقفي.
المبحث الرابع: مدى مساهمة مستثمرة الحياة في تمويل مشاريع الجمعية.
المبحث الخامس: التحديات التي تواجه مستثمرة الحياة وآفاقها المستقبلية.
الخاتمة.
المبحث الأول: التمويل والتمويل الذاتي مفهومه وأساليبه
مفهوم التمويل اقتصاديا: (1) أسلوب للحصول على المبالغ النقدية اللازمة لدفع أو تطوير مشروع خاص أو عام، فالمشروع يعتمد على الناحيتين التاليتين: (1/75)
صفحة 76
ناحية مادية: حصر كل الوسائل المادية: الأبنية، الآلات، اليد العاملة
ناحية مالية: تتضمن كلفة المشروع ومصدر الأموال الضرورية وكيفية استعمالها، فهذه الناحية هي التي تسمى بالتمويل.
ويتم التمويل بثلاث طرق:
تمويل ذاتي: حيث يعتمد المشروع على إمكانياته الذاتية.
تمويل حكومي: يتم بواسطة القروض التي تقدمها الحكومة.
تمويل خاص: حيث يطرح المشروع في الأسواق المالية وتحصل على القروض الضرورية.
فالتمويل الذاتي: يعني اعتماد المشروع على أمواله الخاصة، وذلك بواسطة جزء من الأرباح المحققة، ويلجأ المشروع إلى التمويل الذاتي لعدة أسباب:
- عدم التمكن من التمويل من الأسواق المالية.
- ارتفاع سعر الفائدة بالنسبة للقروض الخارجية.
- المحافظة على استقلالية المشروع تجاه الحكومة والمقرضين.
- التقليل من الضرائب على الأرباح المحققة.
يعتبر التمويل النواة الأساسية التي تعتمد عليها المؤسسة في توفير مستلزماتها الإنتاجية، وتسديد جميع مستحقاتها ونفقاتها، لذا حاول الباحثون في إبراز أهمية الوظيفة التمويلية وأثرها على حياة المؤسسة.
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمؤسسة الاقتصادية الربحية، فإن أهمية التمويل تظهر أكثر أهمية وحساسية بالنسبة للمؤسسة الوقفية غير الربحية، حيث يتوقف أداء خدماتها وتجسيد إرادة الواقف على التمويل، مما يتطلب توفير تدفق مستمر للدخل وتطوره وزيادته مع تطور وتوسع الوقف نفسه، ومن جهة أخرى يتطلب وجود إدارة فعالة للأموال بالطرق المحاسبية الفنية وتتسم بالكفاءة والشفافية والمساءلة.
لقد استطاع الغرب أن يطور المؤسسة الخيرية فيما يسميه القطاع الثالث الذي استطاع أن يشبع حاجات أساسية عامة خاصة في المجالات الاجتماعية
__________
(1) د: بشير علية، القاموس الاقتصادي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط:1، سنة:1985، ص:127.
والتربوية والصحية والبحث العلمي، ومن أهم عوامل هذا النجاح التسيير الاقتصادي والإداري لهذه المؤسسات (1).
أساليب تمويل المؤسسات الوقفية:
يتم تمويل المؤسسة الوقفية بأسلوبين رئيسيين اثنين: (1/76)
صفحة 77
أولا: أسلوب التمويل التقليدي، يتم بوقف أهل البر والإحسان لجزء من أموالهم العقارية أو المنقولة. لجهة بر معينة الدينية والاجتماعية والتربوية وسائر الخدمات الإنسانية، وهذه الصيغة قد ساهمت منذ نشأة الوقف في تقديم خدمات جليلة للمجتمع الإسلامي بمختلف أنواعه، وإليها يعود الفضل في رقي الحضارة الإسلامية وعطائها وإنجازاتها. إلا أن هذه الصيغة قد لا تتلاءم مع تطور أساليب الإدارة وتصطدم بعقبات فقهية مما يتطلب تطويرها لتتلاءم مع التطور الاقتصادي.
ثانيا: أسلوب التمويل المعاصر، يتم باكتتاب أسهم وقفية في مؤسسة خيرية ثم تقوم بتوظيفها واستثمارها لصالح منافع جهات اجتماعية وتربوية وعلمية وصحية ... الخ
إذ تقوم المؤسسة الوقفية بتصور عام للمرافق التي تحقق حاجات خدمية هامة للمجتمع، ومن جانب آخر تضع مخططا لإقامة مشاريع استثمارية، تشكل المصادر التمويلية لمرافق الوقف بحيث تصبح تمول تمويلا ذاتيا لمختلف مرافق المؤسسة الوقفية وتستغل الفائض منه في التوسع في المرافق الوقفية.
وبعد تحديد الكلفة الإجمالية للمشروع تقوم المؤسسة الوقفية بإصدار أسهم وقفية، ويقوم بعرضها للاكتتاب للأفراد والشركات والجهات الرسمية.
مزايا وخصائص هذه الصيغة:
1 - أنها مجال يقصد بها الرحمة والتبرع والتقرب إلى الله تعالى.
2 - تتيح المجال لكافة شرائح المجتمع الاجتماعية في المساهمة.
3 - تصلح لتطوير وإصلاح عقارات خربة (وما أكثرها في الجزائر).
4 - تصلح لإنشاء مرافق ومؤسسات خدمية جديدة.
5 - يتم جمع الأموال من القطاع العام والخاص على حد سواء، بما يتيح المجال لاستخدام أفضل للموارد.
المبحث الثاني: الوقف مفهومه وأقسامه وتطوره
__________
(1). انظر: أسامة عمر الأشقر، تطوير المؤسسة الوقفية الإسلامية في ضوء التجربة الغربية، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، ط:1، سنة:1433هـ /2012 م
الوقف لغة: (1) من وقف بمعنى الحبس والمنع، يقال: وقفت الدابة إذا حبستها في مكانها، ومنه الموقف، والحُبس بالضم: ما وقف، يقال وقفت العقار إذا حبسته ومنعته من أن يُملّك للغير.
الوقف اصطلاحا: حبس العين وتسبيل ثمرتها، أو منع التصرف في رقبة العين للتصدق بمنفعتها لجهة برّ ابتداء وانتهاء (2)
المفهوم العام للوقف وضع أموال وأصول منتجة في معزل عن التصرف الشخصي بأعيانها وتخصيص منافعها وخيراتها لأهداف خيرية محددة شخصية، أو اجتماعية أو دينية أو عامة (3). (1/77)
صفحة 78
المفهوم الاقتصادي للوقف: بما أن البحث يدور حول استثمار الوقف وأساليبه، فالجدير أن نبين المفهوم الاقتصادي للوقف والذي هو: تحويل الأموال عن الاستهلاك واستثمارها في أصول رأسمالية إنتاجية، تنتج المنافع والإيرادات التي تستهلك في المستقبل، فهو إذن عملية تجمع بين الادخار والاستثمار معا، فهي تتألف من اقتطاع أموال كان يمكن للواقف أن يستهلكها إما مباشرة أو بعد تحويلها إلى سلع استهلاكية، عن الاستهلاك الحاضر العاجل، وبنفس الوقت تحويلها إلى استثمار يهدف إلى زيادة الثروة الإنتاجية في المجتمع.
أنواع الوقف وأقسامه:
يوجد العديد من المعايير في تحديد أقسام الوقف، منه المضمون الاقتصادي والشكل القانوني وشكل الإدارة وتنوع الوقف حسب أغراضه وأهدافه، ونكتفي بالقسم الأول لعلاقته بموضوع البحث.
ينقسم الوقف بالاعتبار الاقتصادي إلى قسمين اثنين: (4)
(أ) الأوقاف المباشرة: وهي التي تقدم خدمات مباشرة للموقوف عليهم، مثال ذلك المسجد الذي يوفر مكان الصلاة للمصلين، ووقف المدرسة الذي يوفر مقاعد دراسية للتلاميذ وكذا المكتبة والمستشفى، فهذه تقوم بإنتاج الخدمات المباشرة تمثل الإنتاج الفعلي أو المنافع الفعلية لأعيان الأموال الوقفية نفسها، وتمثل الأموال الوقفية بالنسبة لهذه المنافع الأصول الثابتة الإنتاجية.
__________
(1). المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروقالدولية، مصر طك4، سنة: 1429 هـ/ 2008ن ص: 1094.
(2). محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي، القاهرة، ط:2، س:1391 هت/ 1971، ص: 7.
(3). منذر قحف، الوقف الإسلامي، تطوره، إدارته، تنميته (دمشق: دار الفكر المعاصر، ط:1،1421 - 2000) ص17.
(4). منذر قحف، الوقف الإسلامي، مرجع سابق، ص:33
وهي بهذا المعنى تُعدّ رأس مال إنتاجي يهدف إلى تقديم فيض من المنافع للأجيال المقبلة، كان قد اقتطعه جيل سابق من دخله من أجل البناء الإنمائي للمستقبل، وهو يهدف لإنتاج منافع مباشرة للموقوف عليهم.
(ب) الأوقاف الغير مباشرة-الاستثمارية- ونعني بها الاستثمارات الصناعية والزراعية والتجارية والخدمية لا تقصد بالوقف لذاتها ولكن يقصد منها إنتاج عائد إيرادي صاف يتم صرفه على أغراض الوقف، فالأملاك الوقفية في هذا الصنف يمكن أن تنتج أي سلعة أو خدمة مباحة تباع لطالبيها في السوق وتستعمل إيراداتها الصافية في الإنفاق على غرض الوقف.
الفوارق بين طبيعة القسمين: (1/78)
صفحة 79
(أ) الفارق الأول في منهج الإدارة، فالوقف المباشر يُدار بأسلوب المؤسسة الإدارية، أداء الخدمة المنوطة به، زيادة على الحفظ والصيانة والترميم، أما الوقف غير المباشر فيدار بأسلوب المؤسسة الاقتصادية بوضع خطة إنتاج، وحساب التكاليف وتحقيق الأرباح.
(ب) الفارق الثاني في طبيعة التمويل، فالقسم الأول يمول من مصدر خارج عن عين الوقف نفسه، لكونه لا ينتج إيرادا يمكن استخدامه لهذا الهدف، أما الوقف الاستثماري فإن إيراداته ينفق جزء منها على ما يحتاجه للإبقاء على الأصل سليما قادرا على الإنتاج وينفق الجزء الآخر على الأغراض التي حددها الواقف.
مفهوم التمويل الذاتي للوقف: (الأسلوب المعاصر):
بعد عرض أنواع الوقف من المنظور الاقتصادي يمكن لنا بلورة مفهوم التمويل الذاتي للوقف، وتتلخص في الجمع بين القسمين في منظومة وقفية واحدة تكمل بعضها البعض، فالمؤسسة الوقفية المباشرة تقوم بتقديم الخدمات والمنافع حسب إرادة الواقف، بينما تقوم المؤسسة الاستثمارية بتغذية المؤسسة الأولى بالموارد المالية بانتظام، مع بقاء كل منهما منفصلتين في الإدارة للاستفادة من المزايا الإدارية، وبها يتحقق التمويل الذاتي فتصبح المؤسسة المباشرة لتقديم المنفعة تُغذّى وتُموّل من مؤسسة اقتصادية استثمارية تابعة لها فيضمن لها موردا قارا ثابتا، فتتحقق لها الاستمرارية والتوسع والزيادة. وفي هذا الأسلوب علاج لكثير من المشاكل التي تعاني منها الأوقاف التي توقفت منفعتها بسبب توقف موارد تمويلها التقليدية فلم تستطع مواكبة التطورات المتلاحقة، أو لسبب سوء إدارتها أموالها بواسطة النظار الذين لا يتقنون الفن الإداري والاقتصادي للمؤسسة.
وأهم ميزة تتميز بها مؤسسة التمويل الذاتي للوقف هو الفصل التام في الجانب التسييري بين المؤسسة المباشرة التي تقوم بتقديم المنافع والمؤسسة الاستثمارية التي تضطلع بمهام التمويل.
أهمية التمويل الذاتي للوقف:
إن أهمية التمويل الذاتي لا يخدم المؤسسة الوقفية لوحدها بل تتعدى منافعها وتتنوع فوائدها: (1)
1. تنوّع في مصادر تمويل الوقف، وتبدو الحاجة ماسة مع تراجع أداء الأوقاف القديمة، حيث يستلزم توجيه جزء من التمويل مبدئيا للإنفاق على عمارة الوقف وصيانته قبل الصرف على جهة البر الموقوف لها.
2. يفتح مجالات واسعة ومتعددة للاستثمار بإدخال اعتبارات اقتصادية عملية وتكوين رأس مال للدخول به في مشاريع تنموية ذات عوائد مجزية.
3. التمويل الذاتي للوقف مصدر دائم ومتجدد وهو عامل أساسي في عملية التنمية المستدامة في المجالات المتعددة: التعليم، الصحة، البحث العلمي، البيئة.
4. تحقيق استقلالية إدارة أموال الوقف من خلال إدارتها بكفاءة، وتفعيل وسائل رقابية إجرائية لتحسين أداء مشاريع مؤسسة الوقف. (1/79)
صفحة 80
تطبيقا لمفهوم التمويل الذاتي للوقف، وبيانا لأهميته كأسلوب من أساليب تسيير المشاريع الوقفية إلى جانب فوائده الاقتصادية، نعرض تجربة رائدة خاضتها أحد المؤسسات التربوية التي حملت "شعار التربية والثقافة قبل العلم" فاهتمت بغرس القيم والمبادئ الدينية والخلقية في نفوس الناشئة والتمسك باللغة العربية والهوية الوطنية، وهي جمعية الحياة، وقامت في السنين الأخيرة بإنشاء مؤسسة اقتصادية فلاحية لتغذية وتمويل مشاريع الجمعية المتعددة.
نموذج لمؤسسة وقفية تقوم على أساس التمويل المعاصر
المبحث الثالث: جمعية الحياة التربوية ومشروعها الوقفي
__________
(1). محمد علواني: الصناديق الوقفية: إنشائها، تمويلها واستثمار أصولها، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم الاقتصادية، جامعة أريس، الولايات المتحدة الأمريكية، السنة الجامعية: 2012/ 2013، ص: 41
تأسست جمعية الحياة عام 1937 في مدينة القرارة (1) برئاسة الشيخ: بيوض إبراهيم بن عمر (2) وحصلت على رخصتها من الحكومة بعد أشهر، بفضل مساعي وكيلها ورئيسها الشرفي السيد عيسى بن عمارة خبزي، وهي مؤسسة تربوية تعني بالتعليم القرآني والمحافظة على الشخصية الإسلامية واللغة العربية والهوية الوطنية، تهدف للتصدي لمخططات الاستعمار الفرنسي الجاثم على أرض الجزائر الساعي لطمس الشخصية الإسلامية العربية للجزائر، وهي الإطار القانوني والتمويلي للمؤسسة الحرة القرآنية المتمثلة في مدرسة الحياة ومعهد الحياة وداخلية الحياة، وهي منذ نشأتها تسعى لتحقيق أهدافها فأسست فروعا لمدارس قرآنية ابتدائية في مناطق عديدة من الجزائر إلى جانب معهد الحياة الذي يضم المرحلة المتوسطة والثانوية من التعليم، ومن مؤسساتها أيضا داخلية الحياة التي تأوي الطلبة الوافدين من قرى وادي ميزاب وخارجه. ويتم تمويل نفقاتها المتزايدة من تبرعات المحسنين وصدقاتهم السخية، ولا يطالب التلاميذ والطلبة المزاولين للدراسة أية رسوم أو اشتراكات، وإذا سجلت ميزانيتها السنوية عجزا فإنه يغطى أيضا من قروض المحسنين وتبرعاتهم.
يعتبر الميزابيون ومنهم أبناء القرارة أن التعليم القرآني جزء لا يتجزأ من العملية التربوية الذي تقوم به المدرسة العمومية، فلم تستغن عنه بعد الاستقلال كما فعلت جمعية العلماء المسلمين بمدارسها الحرة، بل حافظت عليه ووسعته وطورته بما يواكب التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي حصلت في الجزائر بعد الاستقلال الوطني، فأنشأت الجمعية فروعا لها في كل حي من أحياء البلدة لمواكبة تزايد عدد التلاميذ مما تطلب تضاعف الهياكل والتجهيزات والطاقم التربوي والإداري.
ومع تزايد عبء النفقات والتوسع في الهياكل وتضاعف عدد التلاميذ، أصبح التفكير في موارد جديدة دائمة وثابتة تدعم وتسند المورد الأساسي من التبرعات والصدقات لضمان سير وديمومة (1/80)
صفحة 81
نشاطها وتحقيق أهدافها التربوية والاجتماعية.
__________
(1). محمد علي دبوز: إعلام الاصلاح في الجزائر، ج:4، دار البعث، قسنطينة، ط:1 سنة:1400 هـ/1980، ص:236
(2). ولد الشيخ بيوض عام 1313 هـ/ 1899 م بالقرارة ولاية غرداية وهو احد علماء الجزائر ورائد النهضة الإصلاحية بالجنوب الجزائري وبمنطقة وادي ميزاب، خاصة، شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين، وتولى عدة مناصب منها رئاسة جمعية الحياة وحلقة العزابة بالقرارة، ومن أهم إنجازاته تفسير القرآن الكريم تفسيرا شفويا بدروس كان يلقيها بالمسجد الكبير بالقرارة، وافته المنية عام 1401 هم 1981 م
كثيرا ما ترددت جمعية الحياة في الدخول إلى مجال الاستثمار وعلى رأسها الشيخ عدون (1) رئيس الجمعية السابق الذي كان يؤمن بنظرية أن "خزينة الجمعية هي جيوب المحسنين"، فكان يدرك تمام الإدراك مخاطر الاستثمار، كما أن هناك بعض التجارب السابقة في الميدان الاستثماري لم تلق النجاح، وقد استطاع مستشاروه إقناعه أخيرا بالاستثمار في المجال الفلاحي، حيث كان الجو ملائما مع اتجاه الدولة الجزائرية لتشجيع الاستثمار الفلاحي خاصة في منطقة الجنوب، حيث أصدرت الحكومة مراسيم وقرارات تحفيزية، بمنح حق الامتياز لاستغلال الأراضي والتكفل بحفر البئر الارتوازي وشق الطريق الفلاحي الذي يربط المحيط الفلاحي بشبكة طرق البلدية، والتزويد بفسائل النخيل وشتلات أشجار الزيتون فاغتنم الفرصة الثمينة فتقدمت الجمعية بالطلب الرسمي. وشرع في العمل الميداني ابتداء من سنة 2004.
البطاقة الفنية للمستثمرة: (2)
تقع هذه المستثمرة بمنطقة "الدّرين" على بعد عشرة كيلومتر شرق بلدية القرارة، تتربع على مساحة إجمالية تربو عن مائة هكتار، قابلة للتوسع، على تربة رملية ذات مناخ صحراوي يتميز بالجفاف والزوابع الرملية.
بعد صدور قرار الامتياز وتفجير العين نصبت الجمعية لجنة فنية فلاحية لتهيئة الأرض ومد شبكات الري والشروع في غرس النخيل وأشجار الزيتون، وهي النوعية التي تتلاءم مع الجو الصحراوي الحار والجاف.
تمت عملية الغرس على مراحل ووصلت سنة 2011 ما يزيد على عشرة آلاف نخلة بمختلف أنواعها وتحتل نوعية "دقلة بيضاء" حصة الأسد لميزاتها الاقتصادية، وحوالي سبعة آلاف شجرة زيتون، وقد وصلت إلى مرحلة الإنتاج المبكر منذ سنة 2008 أي بعد أربع سنوات من انطلاق الأشغال، وهذا جدول من إحصائيات المستثمرة
إنتاج الفسائل: (1/81)
صفحة 82
السنة ... غرس ... دقلة نور ... دقلة بيضاء ... تفزوين
2009 ... 233 ... 408 ... - ... -
2010 ... - ... 1212 ... 110
__________
(1). الشيخ عدون هو سعيد بن بالحاج بن عدون، ولد سنة 1319 هـ/ 1902 م بمدينة القرارة، ولاية غرداية، زاول تعليمه بمسقط رأسه القرارة ثم بسريانة، ولاية باتنة، عاملا ومتعلما، عاد مرة أخرى إلى القرارة ليلتحق بمعهد الشيخ الحاج عمر والتقى هناك بالشيخ بيوض ليكون فيما بعد العضد الأيمن في تأسيس معهد الحياة و جمعية الحياة، بقي مرابطا فيه معلما ومديرا وأمين مال الجمعية إلى أن وافته المنية سنة: 1425 هـ/ 2004 م
(2). استثمار الأملاك الوقفية ودورها في التنمية، مذكرة تخرج، مقابلة مع الأستاذ حميد أوجانة عبد العزيز مهندس فلاحي في مستثمرة الحياة خير الناس ربيع وآخرون ..
إنتاج التمور:
السنة ... غرس ... دقلة بيضاء ... دقلة نور ... أنواع عولة
2008 ... - ... 34 ق ... 11 ق ... -
2009 ... - ... 78 ق ... 55 ق ... -
2010 ... 15 ق ... 126 ق ... 106 ق ... 3 ق
2011 ... 9 قناطير ... 245 ق ... 220 ق ... 2 ق
المصدر: وثائق إدارة المستثمرة لإحصائيات 2011
نلاحظ التطور النوعي في إنتاج التمور خاصة نوعي "دقلة بيضاء"و"دقلة نور" حيث تتميز الأولى بسهولة معالجتها وتسويقها نحو الدول الجنوبية المجاورة، ويتميز النوع الثاني بشهرتها وأسعارها العالية
أما عن إنتاج الزيتون فقد كانت حصيلته الأولية في سنة 2011 حوالي تسعين قنطار عصرت زيتا وبيعت بالمزاد العلني التبرعي.
الخصائص الاقتصادية لمستثمرة الحياة "روضة الحياة":
ومما تتميز بها هذه المستثمرة الوقفية من الجانب الاقتصادي:
1 - انخفاض التكاليف التشغيلية والاستثمارية
2 - ارتفاع مواردها التسويقية المحلية
أولا: إن مستثمرة فلاحية بهذا الحجم تحتاج إلى توفير جهاز إداري وتقني وعدد كبير من العمال، مما يتطلب ضخ أموال ضخمة يستحوذ على جزء هام من مداخلها، غير أن الطبيعة الوقفية (1/82)
صفحة 83
لمستثمرة الحياة وشيوع ثقافة الخدمات التطوعية والعمل في سبيل الله، الذي لا يتوقف عند تزكية المال والتبرع به، بل يمتد لتزكية البدن ومنح ساعات عمل مجانية لصالح مؤسسات وقفية وخيرية، وهذا ما تعوّد عليه أبناء القرارة بخدمة كل ما هو في سبيل الله. بفضل توجيهات شيوخهم وما تعلموه من المدرسة القرآنية التي تخرجوا منها.
هذا العامل قلص كثيرا من الأعباء والتكاليف من خلال تنظيم حملات تطوعية دورية تقوم بها جمعيات ودور العشائر لأبنائها والقيام بكل الخدمات المطلوبة بدءا بغرس أشجار النخيل والزيتون، وتقليمها وتأبيرها وجني المحصول عند موسم القطف والجداد، كل ذلك تنظم له حملات تطوعية مجانية، مما وفر مبالغ ضخمة وتجنيد فرق من العمال.
إن تكاليف اليد العاملة في المستثمرات الفلاحية أصبحت مشكلة عويصة تعاني منها سواء في ندرتها أو ارتفاع تكلفتها، غير أن مستثمرة الحياة استطاعت أن تتغلب على هذا الجانب بالحملات التطوعية، فلم يبق
للفريق العامل الدائم إلا القيام بالمتابعة اليومية، ونلحظ ذلك من خلال العدد القليل جدا للفريق الإداري للمستثمرة.
وإذا كانت هذه الأشغال التطوعية يقوم بها الرجال في الميدان، فإن نصيب الجانب النسوي التطوعي عند الجداد يتمثل في فرز التمر وتصنيفه حسب نوعيته إعدادا لها للتسويق، حيث تجمع التمر في مخازن خاصة، ويقمن هنّ بتنظيم عملهن في شكل جماعات طيلة موسم الخريف.
ثانيا: ارتفاع مواردها التسويقية المحلية: تبادر إدارة المستثمرة في موسم كل جداد وحصاد ببيع جزء من محصولها بطريقة المزاد العلني، وتستغل أيام الحملات التطوعية، إذ يفد جماهير جمة من الشباب، فتقوم بفتح التبرعات عن طريق المزاد العلني، فيتبارى المحسنون في التبرع من خلال الزيادة في سعر محصول المستثمرة من تمر أو زيت، فقد يصل اللتر الواحد من الزيت إلى أكثر من عشرة آلاف دينار، فالهدف من المشتري ليس شراء ذلك المعروض وإنما المساهمة بالتبرع لفائدة المشروع، فتجمع مبالغ معتبرة تصب في صندوق الجمعية.
المبحث الرابع: مدى مساهمة مستثمرة الحياة في تمويل مشاريع الجمعية
إذا كان الهدف الأساسي لإنشاء مستثمرة الحياة هو الجانب التمويلي، فلا بد من الإشارة إلى بعض الأهداف غير اقتصادية للمشروع وهي:
1 - عمارة الأرض: إن عمارة الأرض والاستثمار مهمة الإنسان الأولى في الحياة، وخاصة لدى المؤمن، وهو ما أدركه سكان القرارة منذ تأسيسها بتحويل الأراضي القاحلة الجرداء إلى واحات غناء، وما ينفك أهل هذه البلدة أفرادا وجماعات في توظيف فوائضهم المالية في إحياء الأراضي ابتغاء الأجر والمثوبة عند الله تبارك وتعالى قبل التفكير في العائد الربحي، ويندرج هدف إنشاء مستثمرة الحياة في هذا الإطار. (1/83)
صفحة 84
2 - إيجاد فضاء ومحيط أخضر يضيف رونقا وجمالا لمحيط بلدة القرارة ومنتجعا جماعيا، يوفر الجو المنعش والظلال الوارفة وسط محيط صحراوي، يتميز بقساوة الطبيعة.
3 - توفير الجو الاجتماعي والعمل التطوعي للشباب والطلاب والمنظمات الكشفية، فقد أشرنا أن كثيرا من الخدمات التي تحتاجها المستثمرة تلبى من طرف أبناء البلدة بالعمل التطوعي، الذين يتشوّقون لمثل هذه الحملات التطوعية، فالعمل الجماعي أُرضِعوه من لبان أمهاتهم ويسري في عروقهم. فهو يلبي قيمة من القيم الأساسية لهذا المجتمع سعت الجمعية لإيجاده.
ففي هذه الجوانب قد تحققت أغلب أهداف الجمعية، فماذا عن الأهداف التمويلية؟
للإجابة عن هذا التساؤل نستقرئ الإحصاءات المذكورة والتي تبين نتيجة المحصول في سنة 2011، كنموذج، لكن قبل ذلك لابد لنا من تسجيل بعض الملاحظات:
1 - أن طبيعة دورة الاستثمار في الفلاحة بطيئة وتأخذ وقتا أطول حتى يظهر نتائج الاستثمار.
2 - إن المستثمرة في طور الإنجاز والتوسع ولم تصل بعد إلى مرحلة الإنتاج الحقيقي، فكثيرا من مواردها ما تزال تعود لها في شكل استثمار، إما للتوسع بزيادة المساحة المزروعة بالنخيل والزيتون، وإما لاستكمال مرافقها.
3 - عدم توفر إحصائيات دقيقة ومتلاحقة عن السنوات نظرا لعدم تخصيص المؤسسة لقسم الإحصاءات والدراسات والتوقعات.
ومع ذلك نلاحظ ما يلي:
أ- إنتاج الفسائل: في بداية المشروع كانت الفسائل يستورد من خارج المنطقة، لكن بداية من سنة 2010، انتقلت إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي فأصبحت تنتج ما تحتاجه للتوسع في الغرس، وستشكل إنتاج الفسائل موردا هاما بعد الانتهاء من مرحلة التوسع، ببيع الفائض منها.
ب- إنتاج التمور: تضاعف إنتاج نوعي و"دقلة بيضاء" و"دقلة نور" من 34 قنطار و11 قنطار، على التوالي سنة 2008 إلى 245 قنطار و220 قنطار سنة 2011، يدل على التطور النوعي والكمي في الإنتاج بدخول الكثير من النخيل مرحلة الإنتاج، ومن المتوقع أن يتضاعف الإنتاج بأضعاف مضاعفة عند الوصول إلى الطاقة القصوى بعد سنوات.
ومما نخلص إليه من خلال المعطيات الأولية أن مستثمرة الحياة ستحقق في المستقبل جزءا هاما من التمويل الذاتي لجمعية الحياة وتغطية جانب من نفقاتها المتزايدة، من الناحية الاقتصادية، إلى جانب أهدافها الاجتماعية والبيئية التي بدأت تظهر نتائجها، غير أن ذلك يتطلب بعض الشروط الضرورية:
*الفصل التام بين الإدارة التعليمية للجمعية وإدارة المستثمرة
*اعتماد الأساليب التقنية والمحاسبية في حساب التكاليف والأعباء واستخراج النتائج.
المبحث الخامس: التحديات التي تواجه المستثمرة وآفاقها المستقبلية (1/84)
صفحة 85
إن الإيمان بالفكرة والقناعة بجدواها ومواجهة التحديات هي السبيل الوحيد لتحقيق أهداف أية فكرة، فمشروع مستثمرة الحياة هبة إلهية منحها الله لهذه الجمعية التي آلت على نفسها تلقين النشء كلام الله العلي القدير وغرس المبادئ والقيم الدينية والخلقية في نفوسهم وربطهم بكتاب الله العزيز، فيسر
الله لها السبيل لتحقيق هذا المشروع، فمهما كانت التحديات التي تواجهها فيعتقد أعضاؤها أنهم ما داموا على الخط والأهداف السامية التي وضعها المؤسسون أول يوم، فالله تعالى سيبارك أعمالهم ويوفقهم في تسيير مشروعاتهم.
ومع ذلك فاتخاذ الأسباب وتدبير الخطط ومواجهة التحديات ينبغي أن لا يغيب عن مسيري المستثمرة منها:
1 - النشاط الاقتصادي الفلاحي في منطقة صحراوية تعترضه صعوبات كثيرة، منها ارتفاع الحرارة في فصل الصيف والزوابع الرملية التي تؤثر على المحصول.
2 - انسياب مياه العين الأورتوازي الذي له منسوب محدود، قد لا يكفي مستقبلا، أو يتناقص على مر الأيام والسنوات، فعلى إدارة المستثمرة التفكير في البدائل من الآن.
3 - تسويق المنتوج: إن تسويق التمور في الجزائر لم يعرف سياسة واضحة، رغم تشجيع الدولة للتصدير خارج المحروقات، لذا نجد منتوج التمر يسوق في موسمه بأبخس الأثمان، فالتحدي المفروض على المستثمرة التفكير في أساليب التسويق عند وصولها إلى الطاقة القصوى.
4 - اتباع الأساليب الإدارية العصرية في تسيير المستثمرة واعتماد التخطيط والتنظيم وتوظيف أهل الخبرة والتجربة، وربط نمو الجهاز الإداري مع نمو المؤسسة الاستثمارية.
هذه أهم التحديات التي تواجه مستقبل المستثمرة، غير أن الميزة التي تتمتع بها تجعلها قادرة على مواجهة هذه التحديات، منها أن كثيرا من نفقاتها التشغيلية معدومة بفضل التطوع والأعمال المجانية التي تقدمها فئات المجتمع، وللروح العالية التي يتحلى بها المسيرون إذ يشعرون أنهم يخدمون مشروعا وقفيا يبتغون به رضوان الله قبل الأجر المادي.
ومن آفاق المستثمرة بعد الانتهاء من مرحلة غرس كل المساحة والوصول إلى مرحلة الإنتاج القصوى ما يلي:
إنشاء وحدات تحويلية فرعية تكون مدخلاتها من محاصيل المستثمرة والمحيط الفلاحي تتمثل في:
*وحدة لعصر الزيتون.
*وحدة لتكييف التمور.
*وحدة لتوظيف النفايات الأشجار والنخيل وبقايا التمر وتحويلها إلى علف الحيوان ومشتقات أخرى.
*وحدة لتربية البقر والأغنام والاستفادة من الكلأ والأعشاب. (1/85)
صفحة 86
الخاتمة:
بعد هذا العرض في مفهوم التمويل الذاتي وأهميته ومدى تطبيقه على المؤسسة الوقفية، مع استعراض نموذج مستثمرة الحياة كمؤسسة تمويلية نخلص إلى النتائج التالية:
أهمية الاهتمام بالاقتصاد غير الربحي وعدم الاقتصار على الاقتصاد الربحي، لكون الاقتصاد غير الربحي رافدا أساسيا لإشباع الحاجات العامة بمختلف أنواعها.
اهتمام الإسلام بالأوقاف ومدى مساهمته عبر العصور في رقي الحضارة الإسلامية.
التمويل الذاتي للأوقاف أسلوب أساسي من أساليب التمويل يغذي التنمية المستدامة.
ساهمت مستثمرة الحياة منذ تأسيسها على تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
من أجل ضمان استمراريتها وأداء أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، عليها اعتماد أسلوب إداري عصري منفصلة عن إدارة الجمعية ذاتها.
و الحمد لله أولا وأخيرا وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد (ص) في الأولين والآخرين والحمد لله رب العالمين.
قائمة المراجع:
1 - د. بشير علية، القاموس الاقتصادي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط:1، سنة:1985
2 - مجموعة من الاقتصاديين، تعريب: عادل عبد الهادي، د: حسن الهموندي، الموسوعة الاقتصادية، دار ابن خلدون للطباعة والنشر، بيروت، ط: 1، سنة:1980
3 - د: أحمد بوراس، تمويل المنشآت الاقتصادية، دار العلوم للنشر والتوزيع، الجزائر، ط:1، سنة: 2008
4 - منذر قحف، الوقف الإسلامي تطوره، إدارته، تنميته (دمشق: دار الفكر المعاصر، ط:1،1421 - 2000)
5 - محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي، القاهرة، ط:2، س:1391 هـ/ 1971
6 - ربيع خير الناس، داود بن زايط، عبد الرشيد بابكر، استثمار الأملاك الوقفية ودورها في التنمية، دراسة حالة مستثمرة الحياة القرارة، مذكرة تخرج، لنيل شهادة الليسانس في تخصص الاقتصاد الإسلامي، إشراف الأستاذ: موسى كاسحي، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، السنة الجامعية: 1434 هـ/1433 - 2011 م/ 2012
7 - محمد علواني: الصناديق الوقفية: إنشاؤها، تمويلها واستثمار أصولها، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم الاقتصادية، جامعة آريس، الولايات المتحدة الأمريكية، السنة الجامعية: 2012/ 2013
8 - أسامة عمر الأشقر، تطوير المؤسسة الوقفية الإسلامية في ضوء التجربة الغربية، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، ط:1، سنة:1433هـ /2012 م
9 - محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، مطبعة البعث، قسنطينة، ط:1، سنة 1400 هـ / 1980م
- - - (1/86)
صفحة 87
دراسة نقدية
لهندسة الصكوك
إعداد: أبونصر بن محمد شخار
طالب دكتوراه في الفقه والمالية الإسلامية
بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا IIUM.
وباحث زائر في جامعة فرايبورغ الألمانية
nacer37@gmail.com
الملخص.
تهدف هذه الورقة إلى إلقاء الضوء على مفهوم الصكوك وفلسفة تصميمها وهندستها، وأهم الأنواع الموجودة في السوق المالية الدولية، مع تقديم تحليل شرعي قانوني وفني لمدى موافقة هندسة تلك الصكوك للنظرية الاقتصادية الإسلامية المتمحورة حول تحريم الربا. وتم تقسيم الورقة إلى ثلاثة مباحث: الأول كان لبيان هندسة الصكوك وتركيبها الفني، والمبحث الثاني خُصِّص للتحليل الشرعي القانوني لهندسة الصكوك، والمبحث الثالث تطرق إلى أشهر أنواع الصكوك، مع التمثيل ببعض أشهر الإصدارات الدولية مع تحليل طريقة إصدارها.
مقدمة:
إن مصطلح "الهندسة المالية" من المصطلحات المعاصرة، ودعت الحاجة إلى هذا الفن مع تعقّد الأسواق المالية وأدواتها وتعويم العملات وتداخل الأسواق، وتصاعد المنافسة بين البنوك والمؤسسات المالية، وتضخّم القطاع المالي، و"الهندسة المالية" يُقصد بها: تصميم وتطوير أدوات تمويلية مبتكرة، وصياغة حلول إبداعية للمشاكل التمويلية (1)، وتقييم المخاطر وإدارتها، وهيكلة المحافظ الاستثمارية (2).
والهندسة المالية تُعنى أساسا بابتكار العقود المالية المركبة، مع ضمان الكفاءة الاقتصادية والتوافق مع القوانين السائدة، والاستعانة بالتكنولوجيا الرقمية والخبرة الرياضية في ذلك، ويُقصد عادة بـ"المهندس (1/87)
صفحة 88
__________
(1). Constantin Zopounidis, Michael Doumpos, Panos M. Pardalos, Handbook of Financial Engineering (New York: Springer, 2008),
pVII.
(2) John F. Marshall, Dictionary of Financial Engineering (New York:
John Wiley & Sons, 2000), p79
المالي": الخبير المالي المتخصص في هيكلة العقود المالية، ولكن قد يمتد الإطلاق إلى كل خبير في الأسواق المالية (1).
ومن أهم مجالات الهندسة المالية تصميم الأوراق المالية، وتعتبر الصكوك الإسلامية من أهم أدوات التمويل الإسلامية، وقد صدرت عدة إصدارات دولية، ووقع جدل في مدى موافقتها للنظرية الاقتصادية الإسلامية، وقبل ذلك هناك سوء فهم عند شريحة واسعة من المتابعين حول طريقة هندستها وأنواعها، وتهدف هذه الورقة المتواضعة إلى إلقاء الضوء على مفهوم الصكوك وفلسفة هندستها، والأنواع الموجودة في السوق المالية الدولية، ثم تقديم تحليل شرعي وفني لمدى موافقة هندسة تلك الصكوك للنظرية الاقتصادية الإسلامية المتمحورة حول تحريم الربا.
وقسمت الورقة إلى ثلاثة مباحث، خصصت الأول لبيان هندسة الصكوك وتركيبها الفني، وخصصت المبحث الثاني للتحليل الشرعي القانوني لهندسة الصكوك، والمبحث الثالث جمعت فيه أشهر أنواع الصكوك ممثلا بإصدارات دولية مع تحليل طريقة إصدارها.
المبحث الأول: هندسة الصكوك الإسلامية.
إن مصطلح "الصكوك" معاصر في الفقه الإسلامي وفي واقع المالية الإسلامية، والنظر الفقهي التفصيلي فيه حديث، فلقد ناقش مجمع الفقه الإسلامي موضوع صكوك الإجارة في دورته الثانية عشرة بالرياض سنة 1421هـ/2000م (2)، وقبل ذلك ناقش سندات المقارضة في الندوة المشتركة مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية سنة 1987 (3)، إضافة إلى ما صدر عن المجلس الشرعي بهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بخصوص صكوك الاستثمار في المعيار السابع عشر من المعايير الشرعية.
والصكوك جمع صك، وفي الاصطلاح المالي الإسلامي المعاصر عرفتها هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية بأنها: "وثائق متساوية القيمة تمثل حصصا شائعة في ملكية أعيان أو منافع، أو خدمات أو موجودات مشروع معين أو نشاط استثماري خاص، وذلك بعد
__________ (1/88)
صفحة 89
(1) منظمة المؤتمر الإسلامي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي (جدة: منظمة المؤتمر الاسلامي، 1421ه/2000م)، قرار المجمع رقم:110، ج4، ص12؛ ج12، ص460.
(2). مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ج4، ص1570.
(3). هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية، كتاب المعايير الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية (البحرين: 2007م)، البند 2 من المعيار الشرعي رقم 17ص288.
تحصيل قيمة الصكوك وقفل باب الاكتتاب وبدء استخدامها فيما أصدرت من أجله" (1)، والملاحظ أن التعريف غير دقيق ولا مانع، لأنه لا يبرز ميزة الصكوك الأساسية التي تفرقه عن السهم، وتبرِّر تخصيصه باصطلاح جديد.
كما أن التعريف السابق لا يشمل التطبيق الماليزي القائم على بيع الديون وبيع العينة (2)، لعدم أخذ هيئة المحاسبة بمشروعية بيع الديون، وعلى ضوء التطبيق الماليزي فإن الصكوك هو ربط الأوراق المالية بالديون المجمّعة في محفظة ثم تداولها، فقد عرفتها لجنة الأوراق المالية الماليزية بأنها: وثائق متساوية القيمة تمثل حصصا شائعة في استثمار أو ملكية أصول مطابقة للمقاييس الشرعية (3)، على أن مصطلح الأصول ( Assets) يمكن أن يشمل الأصول المالية كذلك كالديون.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق: بما أن الصكوك -حسب التعريفات السالفة- أوراق مالية قابلة للتداول وتعبر عن ملكية شائعة في أصل أو استثمار؛ فما الداعي إلى نحت مصطلح جديد خاص بها مع وجود مصطلح "الأسهم"؟ ولكنّا في الحقيقة نجد فروقا واضحة بين الأسهم والصكوك في التطبيق العملي، بعضها يبرّرها النظر الشرعي وبعضها قد تكون مصدر الإشكال الأساسي لهذه الأوراق المالية.
أما الفرق الأول فهو في العلاقة القانونية بين حامل السهم أو الصك والشركة المُصدِرة له، فالسهم عادة يمثل ملكية على المشاع في شركة معينة، ولحامل السهم حقوق مباشرة على إدارة الشركة؛ فله صوت في تعيين الإدارة وعزلها، كما أن له صوتاً في إقرار الحسابات الختامية وتوزيع الأرباح، أما حامل الصك فله حقوق في موجودات محددة، تُستغل تحت إدارة مدير الاستثمار، وليس له الحق في تعيين إدارة الصكوك ولا في عزلها (4)، وهذا الفرق لا يعارض أصلا شرعيا.
__________
(1) بيع العينة هو أَنْ يَبِيعَ الإنسان سِلْعَةً بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا نَفْسَهَا نَقْدًا بِثَمَنٍ أَقَل، وَفِي نِهَايَةِ الأَجَل يَدْفَعُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الأَوَّل، فتكون محصلة الصورة أنه أخذ مبلغا من المال نقدا ثم يرجعه بأكثر منه في الأجل، والسلعة انتقلت ثم رجعت في نفس المجلس. ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية. ج9 ص96.
(2) Securities commission, Islamic Securities Guidelines (Sukuk Guidelines) (Malaysia: SC, 2011), P5. (1/89)
صفحة 90
(3). معبد علي الجارحي، عبد العظيم جلال أبوزيد، "الصكوك؛ قضايا فقهية واقتصادية"، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي، الدورة التاسعة عشرة، إمارة الشارقة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ص6.
(4) Razi Pahlavi Abdul Aziz, Anne-Sophie Gintzburger. 2009. } Equity-Based, Asset-Based and Asset-Backed Transactional Structures in Shari'a-Compliant Financing: Reflections on the Current Financial Crisis } Economic Papers, vol. 28. no 3 (sep2009). p270 - 278.
أما الفرق الثاني والذي قد يكون مصدر إشكال شرعي؛ فهو أن الأسهم غير محددة بزمن معين فهي باقية ما دامت الشركة المُصدِرة باقية، أما الصكوك فهي محددة ابتداء بمدة معينة تجري في نهايتها تصفيتها وإطفاؤها، والإشكال ليس في تحديد المدة لأن شركات المضاربة قد تكون محددة بمشروع مؤقت، ولكن الإشكال في كيفية تحديد المدة وكيفية التصفية، وإمكان وجود التواطؤ بين طالب التمويل ومدير الصكوك مما يمكن أن يكون حيلة إلى الربا -كما سنبين لاحقا-.
كما تختلف الصكوك والأسهم عن الوحدات الاستثمارية في صناديق الاستثمار المفتوحة بمبدأ التداول العام وبتوزيع أرباح دورية، لأن الوحدات الاستثمارية يمكن استردادها دون تداولها، كما أنها لا توزع أرباحا دورية.
وعملية إصدار الصكوك تمرّ على مراحل مُنمّطة تقريبا، ولا تختلف إلا في بعض الجزئيات والتكييفات الشرعية، والتي عادة لا تُغيِّر من سيرورة العملية في جوهرها، ويمكن تمييز طريقتين أساسيتين: - الأولى لتصكيك الديون على المنهج الماليزي، - والأخرى لتصكيك الأصول في الدول الإسلامية الأخرى، ففي الطريقة الأولى يتم توريق الديون الحاصلة من تمويلات المصارف الإسلامية المختلفة، ويتم تجميع حزمة الديون الحاصلة من مختلف الأدوات كالسحب على المكشوف وأنواع المرابحات المحلية والدولية، ثم يتم توريقها وتباع تحت مبدأ بيع الدين وتسمى كذلك في ماليزيا بالسندات الإسلامية ( Islamic Bonds)، والطريقة الثانية تتمّ بتصكيك حصص شائعة في أصل من الأصول، وهذه الصكوك تصمم على مبدأ الإجارة أو الاستصناع أو المرابحة أو المشاركة، وغير ذلك (1).
أما الطريقة الأولى فتمر على أربع مراحل (2):
1 - توليد الديون من خلال أدوات التمويل المصرفية القائمة على بيع العينة كالبيع الآجل والمرابحة والسحب على المكشوف، أو على الإجارة كالبيع الإيجاري الإسلامي.
__________
(1) Razi Pahlavi Abdul Aziz, Anne-Sophie Gintzburger. 2009. (1/90)
صفحة 91
} Equity-Based, Asset-Based and Asset-Backed Transactional Structures in Shari'a-Compliant Financing: Reflections on the Current Financial Crisis } Economic Papers, vol. 28. no 3 (sep2009). p270 - 278
(2) Saiful Azhar Rosly & Mahmood M. Sanusi, } The Application of Bay al Inah and Bay al Dayn in Malaysian Islamic Bonds: An Islamic, Analysis } International Journal of Islamic Financial Services, Vol. 1, No. 2, p3.
2 - يتم توريق الدين وبيعه في السوق الأولية.
3 - يتم تداول تلك الأوراق المالية في السوق الثانوية.
4 - يتم إطفاء السندات وتسديد القيمة الاسمية لحامليها.
وأغلب السندات الإسلامية الماليزية منذ أول إصداراتها سنة 1992 قائمة على بيع العينة وبيع الدين (1).
وفي ماليزيا كذلك نوع من الصكوك قائم على الأصول، وتتم هندستها من خلال بيع العينة المجردة كما في السندات الحكومية مثلا، حيث يشتري المُصدر أصلا من الحكومة ثم يعيد بيعه لها بالآجل بثمن أزيد، ويورّق الدين الحاصل ويباع للجمهور (2).
أما الطريقة الثانية فتمر على خمس مراحل (3):
1 - أولا تقوم الشركة طالبة التمويل ( The Originator) بتأسيس شركة ذات الغرض الخاص ( Special Purpose Vehicle.، SPV) وهي مُصدِر الصكوك.
2 - مرحلة إصدار الصكوك Issuance: يتم بيع الأصول محل التوريق إلى المُصدِر ليتولى إصدار الأوراق المالية بقيمتها، ودور المُصدِر يتمثل في إصدار الصكوك وتسديد قيمة الأصول إلى طالب التمويل، وضمان مستحقات حملة الصكوك، ويستفيد من فارق السعر بين ما يدفع للممول وما يجمع من الصكوك، إضافة إلى علاوات الإصدار المضافة إلى قيمة الصكوك.
3 - يقوم المُصدر ( SPV) بإصدار صكوك لشراء الأصل، وتدفع القيمة من مدخلات البيع الابتدائي للصكوك، وربما يلجأ إلى الاستدانة لدفع قيمة الأصول ريثما يجمع عوائد الصكوك.
4 - مرحلة إدارة محفظة الصكوك ( Servicing): في حالة صكوك الإجارة يعيد المُصدر ( SPV) تأجير الأصل إلى طالب التمويل، مقابل أجرة ثابتة، أو متغيرة محاكاةً للفوائد المدفوعة على السندات (4)، وقد تكون إجارةً منتهية بالتمليك، أو إجارة ثم بيعًا.
5 - وفي مرحلة إطفاء الصكوك ( Redemption): يتم إعادة بيع الأصل إلى مالكه الأول -وهو المستأجر نفسه-، وبقيمته الاسمية لتسديد القيمة الاسمية للصكوك. (1/91)
صفحة 92
__________
(1) Rosly and Sanusi, p1.
(2) Rosly, Saiful. (2005). Critical issues on Islamic banking and financial markets. USA: Author house. P 474 - 475.
(3) . ISRA. (2012). Islamic financial system, Priciples & operations. Kuala lupur. p377. Rosly, Critical issues on Islamic banking and financial markets. p474 - 475. Iqbal, Zamir and Mirakhor, Abbas, An Introduction to Islamic Finance: Theory and Practice (Singapore: John Wiley & Sons، 2007 p178. 180.
(4) . ISRA, Islamic financial system, p377.
وقد يدخل في العملية شركات التصنيف الائتماني لتقييم درجة مخاطر الإصدار والدرجة الائتمانية للشركة المنشئة للإصدار، وقد تتدخل شركات التأمين وغيرها.
وتختلف مراحل إصدار الصكوك جزئيا حسب نوع الصك، وقد عدّد المعيار الشرعي (17) الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أنواعا من الصكوك مثل: صكوك ملكية الموجودات المؤجرة. صكوك ملكية المنافع. صكوك السلم. صكوك الاستصناع. صكوك المرابحة. صكوك المشاركة. صكوك المزارعة. صكوك المساقاة. صكوك المغارسة.
ولكن أكثر الصكوك إصدارا هي صكوك الإجارة، لقبولها في الخليج وماليزيا معا، ولضمانها عائدا ثابتا للمستثمرين من خلال تدفقات الإيجار (1).
المبحث الثاني: الإشكالات الشرعية في هندسة الصكوك.
من ملاحظة الفروق بين الصكوك والأسهم نفهم أن الصكوك أريد لها أن تكون المقابل الإسلامي للسندات، ففي الاقتصاد التقليدي عندما تحتاج شركةٌ قائمةٌ إلى تمويلٍ إضافي فإما أن تلجأ إلى فتح رأس مالها لمزيد من المساهمين وإما أن تقترض. وقد لا ترغب في فتح رأس مالها لئلا تُفتَّت أنصباء الملاّك من الأرباح على مزيد من المساهمين وهو ما يسمى ( Leverage)، فتلجأ إلى الاقتراض من البنوك، أو من سوق الأوراق المالية عبر إصدار السندات، وبما أن الوسيلتين الأخيرتين ربويتان فما البديل للمصارف والشركات الإسلامية؟ وهل يجب أن يكون هنالك بديل أصلا؟!
من هنا كان مبدأ هندسة الصكوك، لهذا فإن الشبهة تلاحقها منذ المنطلق والمقصد والهندسة، لأنه أريد لها أن تكون أدوات مديونية مربحة لحامليها في مقابل الأسهم التي هي أدوات مشاركة، وهذا يناقض المبدأ الإسلامي الذي يربط الربح بالمشاركة لا بالديون، ولكن يمكن بالنظر الفقهي والمآلي الدقيق أن نجمع بين المشروعية وهدف ( Leverage)، وذلك بأن تبيع الشركة أحد أصولها الذي يدرّ تدفقا مالياً، ويتم تصكيكه للجمهور، ليكون حاملو الصكوك مالكي الأصل، يستفيدون (1/92)
صفحة 93
من تدفقات أرباحه من الاستثمار، وتستفيد الشركة من عوائد بيع الأصل. ولكن ليس كل الشركات تقبل أن تتخلى عن أحد أصولها المثمرة، وليس كل الجمهور يقبل أن يساهم في استثمار حقيقي قابل للربح والخسارة، فقابلية حاملي الصكوك للمخاطر تختلف عن قابلية حاملي الأسهم.
__________
(1). Razi and Anne-Sophie, Equity-Based, Asset-Based and Asset-Backed Transactional Structures ... , p270 - 278.
وينظر كذلك: سامي إبراهيم السويلم، "منتجات صكوك الإجارة" (جدة: جامعة الملك عبد العزيز، بحث مقدم لندوة الصكوك الإسلامية، 24 - 25 مايو 2010)، ص11.
من هنا تأتي الهندسة المالية لتركِّب من مختلف العقود الشرعية منتجا ماليا، فيه معنى الربا وظاهر الشرع، ومعنى الربا في الصكوك يتجلى في ضمان رأس المال أو القيمة الاسمية للصك وضمان العائد، فأي صك في مآله يضمن القيمة الاسمية ويضمن عائدا عليه فهو في معنى الربا، ولا يختلف عن حقيقة السندات الربوية في جوهرها، ويختلف جوهريا عن الأسهم المشروعة التي تمثل حصة شائعة في مشروع استثماري تُقاسمه أرباحَه وخسائره، فالنظر المآلي يبسط لنا المسألة ويغنينا عن كثير من التعقيدات الجزئية التي تلبّس الأمر من دون تغيير في المآل الربوي.
والالتفاف على مشكلة الربا في الصكوك كان بإيجاد وسائل مشروعة في الظاهر تقصد إلى ضمان رأس المال والعائد في المآل، فتخرم بذلك علة تحريم الربا ومقاصده، ويتم التحايل على ضمان القيمة الاسمية للصك بالتعهد الملزم من طالب التمويل بشراء أصول الصكوك بالقيمة الاسمية (1)، وشراء موجودات الصكوك قد يكون في نهاية الأجل أو عند رغبة حاملي الصكوك أو عند التعثر (2)، أو يكون بالتعهد بشراء موجودات الصكوك ببقية أقساط الإجارة المتبقية في صكوك الإجارة المنتهية بالتمليك، أما الفتوى بجواز أن يتعهد بذلك طرف ثالث تبرعا، فأراه فتحا لباب الحيل كذلك، فأي طرف ثالث سيضمن ذلك من غير منفعة تحصل له؟ فيتم الاتفاق مع المستأجر، أو تتم الكفالة بمقابل وكلاهما ممنوعان شرعا عند جمهور العلماء، فالأول عينة والثاني كفالة بأجر، ولا مفر من قبول النظرية الإسلامية كما هي؛ المشاركة الحقيقية في المشروع، وتحمُّل أرباحه وخسائره كما هو حال طبيعة الأسهم (3)، وحتى لو كانت مشاركة مؤقتة تنتهي بتصفية المشروع بالقيمة السوقية.
وأما ضمان العوائد فيتمّ بالتعهد باستئجار الأصل قبل بيعه - في صكوك الإجارة - أو بشراء حصص حاملي الصكوك بقيمتها الاسمية -في صكوك المشاركة-، وتكون العوائد ثابتة محددة سلفا، ويُخرَّج ذلك فقهيا على أنه إذا لم يظهر ربح النشاط الذي استثمرت فيه حصيلة الصكوك في التاريخ المحدد لتوزيع الأرباح أو ظهر ربح وكان دون المتوقع لحملة الصكوك في فترة من فترات التوزيع - فإن مدير الصكوك يلتزم بإقراض حملة الصكوك ما يحقق الربح المتوقع في (1/93)
صفحة 94
__________
(1). الجارحي وأبوزيد، الصكوك، ص21 - 22.
(2). . Rahail Ali, Sukuk and Islamic Capital Markets (London: Globe Law and Business, 2011), p65
(3) . واقترح بعض الباحثين تضمين مدير الصكوك على أساس دراسة الجدوى المقدمة، أي في حالة الخسارة يكون مدير الصكوك قد خالف دراسة الجدوى التي قدمها وأثبت فيها نجاح المشروع وربحيته، ولا أعرف كيف لدراسة الجدوى تضمن الربح؟! الجارحي وأبوزيد، الصكوك، ص20.
التاريخ المحدد لتوزيع الأرباح، ثم يسترد مدير الصكوك ما أقرض لاحقاً من الأرباح التالية، أو من أصول الصكوك إن لم يتحقق أي ربح، وفي الحالة الأخيرة، يشتري مدير الصكوك عند إطفائها موجودات الصكوك بالقيمة الاسمية مضافاً إليها المبلغ المقتطع في وفاء القرض، بعد أن نقصت القيمة الاسمية بهذا الاقتطاع (1).
والأصل قبل اللجوء إلى تشقيق المسائل الفقهية الجزئية، وملاحقة أقوالها وفروعها وحالاتها، يجب ملاحظة الصورة العامة ومآل التركيب، وعلة تحريم الربا معقولة المعنى سهلة الملاحظة لا يخطئه عالم شريعة ولا خبير اقتصاد، وذلك بمساءلة التركيب الحاصل عن آلية عمله، فإن كان أداة تمويلٍ تضمن رأس المال مع ضمان عائد معلوم مشروط مسبقا في العقد، فهو ربا بلا خلاف، أما إن سلم حاصل التركيب من معنى الربا ساغ لنا بعد ذلك مقايسة جزئياته إلى شرع الله تعالى وقواعده، فليس من الحكمة -مثلا- أن نحدث زوبعة خلافات فقهية حول مكوِّنات مشروبٍ معين مع أننا نعلم علم اليقين أن مآل خلطة تلك المكونات مسكرة! فحتى لو سلمت تلك المكونات من النقض جزئيا، فإن تضافرها معا إلى المآل الحرام يمنع اجتماعها على ذلك النحو.
فلا حاجة إلى الجدل في مسائل جزئية في تصميم الصكوك إن كانت هيكلتها تؤول إلى حقيقة السندات الربوية، التي يُحفَظ فيها رأس المال مع ضمان عائد عليه، بل نجد كثيرا من الصكوك تحسب العائد فيها على وفق أسعار الفائدة! ولا يعجز أي فقيه بصير بالصنعة الفقهية أن يلفق المسائل لينتج معنى الربا انطلاقا من عقود مشروعة استقلالا، ولا يمنع العلماءَ من ذلك إلا مخافةُ العليم الخبير، وهذا تماما معنى التحايل غير المشروع الذي استفاض فيه الإمام الشاطبي في كتابه "الموافقات" (2).
ففي كثير من الصكوك نجد أن رأس المال مضمون بالتعهد والوعد الملزم بالشراء بالقيمة الاسمية، والعوائد مضمونة بتعهد مدير الصكوك بدفع عوائد محددة بمؤشر سعر الفائدة، فما نقص عن المؤشر فمدير الصكوك متعهد بالإقراض، وإن زادت فحاملو الصكوك هم الذين تنازلوا عن الزائد، وفي حالة تغير قيمة الأصول يلزم المصدر بشرائها، والنتيجة سندات مديونية مسجلة على الشركة (1/94)
صفحة 95
المصدرة، ولا تختلف عن السندات ( Bonds) لا عند المستثمرين ولا عند المُصْدِرين ولا عند شركات التصنيف الائتماني (3)، وبذلك يلد لدينا السند الإسلامي مضمون الأصل والعائد، فإن كان هذا جائزا فما هو الربا المحرم إذن؟
__________
(1). الجارحي وأبوزيد، الصكوك، ص24.
(2). إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: عبد الله دراز (بيروت: دار المعرفة، د. ط، د. ت)، ج2، ص387.
(3). السويلم، منتجات صكوك الإجارة، ص15، 16.
واتحاد المآل بين كثير من الصكوك والسندات في تحصيلها لزيادات مضمونة على رأس المال؛ جعل التفريق بينهما يلتبس على الكثيرين خاصة الفنيين، فلم يجدوا من الفروق المؤثرة بين الصكوك الإسلامية والسندات التقليدية إلا أن الأولى قيل لهم إنها شرعية والأخرى غير شرعية!
واحتج البعض أن الفرق بين الصكوك والسندات أن الصكوك تختلف عن ( ABS Asset Based Securities) في أن أصولها ليست ديونا وإنما أصولا عقارية (1)، فما الذي يفرقها عن قروض الرهن العقاري الربوية إذن؟ وتمّ بذلك القفز على إشكالية الربا إلى إشكاليات أخرى، ولذلك ليس غريبا أن تجد في الكتب الفنية لحساب مالية الصكوك الإسلامية كلاما عن نسب الفوائد المحددة عند الإصدار، وكلاما عن أجل محدد لإطفائها بالقيمة الاسمية، وكلاما عن تصنيف ملاءة المُصدِر الائتمانية وقدرته على السداد وغير ذلك من الخصائص الجوهرية للسندات والتي تميّزها عن الأسهم الشرعية (2).
وليس غريبا أن تسمع أزمات عن توقف السداد، وأخبارا عن اللجوء إلى مفاوضات مع حاملي الصكوك، وأخبارا عن اللجوء إلى إعادة تمويل الصكوك! كما حدث لصكوك شركة "دانة غاز" وصكوك نخيل وغيرها، فهل يمكن أن يحدث ذلك لو كانت حصصا مالية بنسب شائعة في الأرباح كما يذكرون في تعريفها، فمثلا في صكوك شركة "دانة غاز" المقدّرة بمليار دولار، مع عوائد محددة سلفا بـ 7.5%، وتعهد بإطفاء الصكوك عند انتهاء مدتها أو عند رغبة حاملي الصكوك (3) - قامت أزمة عند توقف الشركة عن سداد العوائد في 31 أكتوبر 2012، واضطرت إلى إعادة تمويل ديونها (4).
فالتحيّل في الصكوك قائم على بيع العينة والوعد الملزم وبيع الدين، فالوعد الملزم يخرق أهم قاعدة لتحصين حمى الربا وهو بيع ما لم يُملك ولم يضمن، وهو يؤدي إلى العينة في هندسة الصكوك، فعندما تتعهد الشركة الطالبة للتمويل بشراء الأصل بالقيمة الاسمية في نهاية الأجل، فذلك يؤول إلى بيع العينة بوضوح، والفرق الوحيد بين التطبيق الماليزي والخليجي لبيع العينة هو الأجل بين البيعتين، ففي التطبيق الماليزي يتم (1/95)
صفحة 96
__________
(1). Maha-Hanaan Balala, Islamic Finance and law, Theory and Practice in a Globalized World (New York: I.B.Tauris, 2011), p31. 32.
(2) . See for example: ISRA, Islamic financial system. p353 - 449.
(3) . Rahail, Sukuk and Islamic Capital Markets , p125. 126
(4) . ينظر تصريح الشركة على موقعها:
< http://www.danagas.com/ar/pressrelease/media-center/press-releases/pressrelease-78.html>,(Accessed on 15 January, 2013).
البيع وإعادة البيع في المجلس نفسه، وفي التطبيق الخليجي يتم إعادة البيع في أجل إطفاء الديون، مع وجود كافة الضمانات لبقاء الأصل تحت صيانة مالكه الأول، ودفعه لتأمين ضمان التلف، فهو في الحقيقة بيع صوري غير حقيقي، لهذا فرّقت وكالة التصنيف الائتماني ( Moody's) بين Sukuk asset-backed و Sukuk asset-based في أن الأولى مدعومة بأصول، ولحامليها أولوية على غيرهم من الدائنين، أما الثانية فليس لحاملي الصكوك أية أفضلية على غيرهم من الدائنين، وقررت أن الضابط الفارق بينهما هو تعهد المدين بشراء الأصول عند الأجل بقيمتها الاسمية، فإن فعل كانت أداة ائتمانية محضة والأصل عبارة عن رهن فحسب ( Sukuk asset-based) (1) ، وهذا يدل -في الحقيقة- على فهم عميق منهم للفرق الجوهري بين الربا والمشاركة، وأنهم لا يرون فرقا هندسيا واضحا بين الصكوك والسندات، والباحث يتفق تماما معهم.
وبيع الدين محرم إن اختل التساوي في القدر والأجل تحرزاً عن الربا، وذلك باتفاق جميع الفقهاء دون خلاف (2)، وعلى هذا استقر قرار مجمع الفقه الإسلامي في قرار رقم: 92 (4/ 11) (3)، وأما بيع العينة فإن الخلاف في الاعتبار القضائي دون الدياني إن لم تظهر نية العاقدين على التحيّل على الربا، لإمكان أن تكون إعادة الشراء حدثت دون اتفاق مسبق، ولا أظن أن أحدا يمكنه أن يقارن هذه الحالة بهندسة الصكوك التي تتضافر فيه خبرات القانونيين والشرعيين والجهات الحكومية وتصاغ الاتفاقات فيه سلفا، فهل يمكن أن تكون عملية إعادة الشراء في الصكوك مجرد بَداءٍ حدث من غير اتفاق ولا تخطيط مسبق!
ونلاحظ تشابها جليا في حيل المرابين في العهد الروماني وفي العهد الكنسي وفي العهد الإسلامي بعد صدره الأول الطاهر، ومن الحيل التي تواردت على عقول المتحايلين هو بيع الوفاء (4)، فقد كان من الوسائل المشهورة للتحيل على الربا وقت التحريم القانوني للربا من السلطة (1/96)
صفحة 97
__________
(1). ISRA, Islamic financial system, p 376.
(2) . والوهم الذي حصل لدى البعض منشؤه من وجود خلاف بين بعض الفقهاء في قضية الغرر المصاحب لبيع الدين الخالي من الربا، هل يغتفر ذلك الغرر أم لا؛ عبد العظيم أبوزيد، "بيع الدين وتطبيقاته المعاصرة في المصارف الإسلامية"، مجلة "الإسلام في آسيا"، المجلد 5، العدد2، 2008 ..
(3). مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ج11، ص213.
(4).بيع الوفاء أو بيع الإقالة أو بيع الأمانة هو:"بيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري المبيع إليه؛ لأن المشتري يلزمه الوفاء بالشرط. وإنما أطلق عليه (بيع الأمانة) عند من سماه كذلك من القائلين بجوازه لأن المبيع بمنزلة الأمانة في يد المشتري، لا يحق له فيه التصرف الناقل للملك إلا لبائعه، ويسميه المالكية "بيع الثنيا" والشافعية "بيع العهدة" والحنابلة "بيع الأمانة". وقد ذهب المالكية والحنابلة، والمتقدمون من الحنفية، والشافعية إلى: أن بيع الوفاء فاسد. وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية إلى جوازه. وذهب بعض الحنفية أيضا إلى أن بيع الوفاء رهن، ويثبت له جميع أحكامه". الموسوعة الفقهية الكويتية، ج9، ص49.
الكنسية، بحيث يبيع طالب التمويل إحدى ممتلكاته ثم يستأجرها منه، مع اتفاق مسبق على إعادة البيع بالقيمة الاسمية (1)، وعلى النهج نفسه تقريبا تُصمم اليوم صكوك الإجارة، ليكون محصلتها تمويل مع عائد ثابت، ففي القرن الثالث عشر وتحت القانون الكنسي المانع للربا أثارت سندات الإجارة في أروبا جدلا واسعا (2)، وكان مدار الجدل حول مدى مناقضتها لقانون منع الربا، ولكن مع نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر وقع شبه اتفاق على مشروعيتها، ولكن بشرط ألا تخالف قانون الربا وذلك بألا يسترجع المؤجر أصل ماله، وإلا كان حيلة على قانون منع الربا، لأنه سيؤدي إلى عائد ثابت محدد سلفا (3)، ثم ثار الجدل بعد ذلك حول مشروعية إعادة الشراء وإطفاء هذه السندات ( Redemption)، وانتهى الأمر إلى إمكانية بيع ذلك الحق إلى طرف آخر، أو بإمكان بائع الأصل أن يسترد الحق بكامل إرادته دون طلب من حامل السند، واعتبرت هذه الطريقة أصلا للتمويل السيادي الربوي الحديث (4).
فمظاهر التحيّل واضحة جلية في الصكوك، وتحت هذا الوضع المتأزم لهندسة الصكوك انتفض رئيس المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة ( AAOIFI) الشيخ محمد تقي العثماني، وبيّن أن أغلب الصكوك المتداولة غير إسلامية! يقول: "إن جميع الصكوك المصدرة اليوم تضمن رد رأس المال إلى حملة الصكوك عند إطفائها، مثل السندات الربوية سواء بسواء، وذلك بوعد ملزم إما من مُصدر الصكوك أو من مديرها أنه سيشترى الأصول التي تمثلها الصكوك بقيمتها الاسمية التي اشتراها بها حملة الصكوك في بداية العملية، بقطع النظر عن قيمتها الحقيقية أو السوقية في ذلك اليوم، وبهذه الآلية المركبة استطاعت الصكوك أن تحمل خصائص السندات الربوية من حيث إنها لا (1/97)
صفحة 98
تعطي حملة الصكوك إلا نسبة معينة من رأس المال مبنية على سعر الفائدة، وفي الوقت نفسه إنها تضمن لحملة الصكوك استرداد رأس مالهم في نهاية العملية" (5).
__________
(1). Chown, F. (1994) . A history of money: from ad 800. London: Routledge, p121
(2) . John Munro, The Late-Medieval Origins of the Modern Financial, Revolution: Overcoming Impediments from Church and State (Toronto: University of Toronto, 2003), p22 - 29.
(3) . المرجع السابق، ص 29.
(4) المرجع السابق، ص 39.
(5).العثماني، محمد تقي. (أبريل 2009). "الصكوك وتطبيقاتها المعاصرة". بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي. الدورة التاسعة عشرة. الشارقة، ص3.
ثم ينعي التجربة الإسلامية الحقيقية التي وُئدت تحت ركام هذه الحيل فيقول: "كانت الفكرة الأساسية من وراء إصدار الصكوك الإسلامية: أن يشارك حملة الصكوك في ربح المشاريع الكبيرة أو الدخل الناتج منها، ولو أصدرت الصكوك على هذا الأساس لأدت دورا كبيرا في تنمية العمل المصرفي الإسلامي، وساهمت مساهمة كبيرة في الوصول إلى المقاصد النبيلة التي تهدف إليها الشريعة الغراء" (1).
المبحث الثالث: نظرة في هندسة بعض الإصدارات.
تمثل صكوك الإجارة والمشاركة والبيع الآجل الحصة الأعظم من إصدارات الصكوك، فمن سنة 2005 إلى 2010 مثلت صكوك البيع بثمن آجل وصكوك الإجارة والمشاركة حوالي 90% من إصدارات ماليزيا من الصكوك (2)، وتمثل النسبة الساحقة من إصدارات الدول الخليجية (3)، وهي صكوك مطلوبة في السوق لأجل أمانها وحصولها على تصنيفات عالية من حيث قلة المخاطر، ولضمانها عائدا ثابتا للمستثمرين (4).
أولا: صكوك البيع بثمن آجل.
معظم الصكوك في ماليزيا يتم هندستها تحت مبدأ بيع الدين وبيع العينة، واللذان تمّ الحكم بمشروعيتهما من طرف هيئة الرقابة الشرعية على أسواق المال ( SAC) (5) ، ومبدأ هيكلتها بسيط واضح، فبعد إنشاء شركة الغرض الخاص ( SPV)، يبيع لها طالبُ التمويل أصلا من أصوله نقدا ثم يعيد شراءه بالآجل بثمن أعلى، ثم تصدر الصكوك للتداول انطلاقا من ذلك الدين الناشئ.
ووفق هيكلة صكوك البيع الآجل ( BBA Islamic Debt Securities, BAIDS)، (1/98)
صفحة 99
أصدرت -مثلا- الشركة العقارية "مدينة ريم" ( RIM CITY) صكوكها في 30 سبتمبر 2008 بقيمة (واحد) مليار رينغت لمدة ثلاث سنوات، بفوائد شهرية تعادل الفائدة السوقية (6)، وتولى التصكيك بنك CIMB، وتمت عملية التصكيك بمبدأ بيع العينة، حيث باعت الشركة أصولا لها إلى مدير التصكيك بالنقد ثم أعادت شراءها بالآجل مع زيادة
__________
(1).العثماني، الصكوك وتطبيقاتها المعاصرة، ص1.
(2). Noriza Binti Mohd Saad, } Sukuk In Malaysian Capital Market } (3rd International Conference On Business And Economic Research, 2012), p3115 - 3116.
(3) . السويلم، منتجات صكوك الإجارة، ص11.
(4). Razi and Anne-Sophie, Equity-based, asset-based and asset-backed transactional ... , p270 - 278.
(5) . Rosly, Critical issues on Islamic banking and financial markets, p474
(6) .. ومعادلة فوائد السوق كان بالاتفاق على إبراء الشركة من دفع فوائد فيما زاد على الفوائد السوقية، ينظر: ISRA, 403. 404 ..
على الثمن الأول، وأصدرت صكوكا لسداد السعر العاجل (1). ولضمان عائد دوري يتم تقسيم قيمة إعادة الشراء الآجل إلى قسمين؛ الشهادات الأولية ( Primary notes PN) وتمثل رأس المال وتُستحق في الأجل لإطفاء الصكوك، والشهادات الثانوية ( Secondary Notes SN) وتمثل الأرباح على شكل عوائد شهرية محددة النسبة سلفا (2)، ولا أظن أنه يخفى على من فهم معنى الربا ومقاصد تحريمه أن هذه حيلة صريحة إلى أكل الربا.
ثانيا: صكوك الإجارة.
صكوك الإجارة تُعتبر الورقة المالية الأكثر قبولا بين المستثمرين، لضمانها عائدا دوريا ثابتا للمستثمرين (3)، وهو ما يحاكي ( Coupon Bond) في السوق التقليدية، والصورة الشائعة لصكوك الإجارة في الخليج هي القائمة على الإجارة ثم البيع أو الإجارة المنتهية بالتمليك (4)، وهندستها قائمة على مبدأ بيع الوفاء (5)، بحيث يتم شراء الأصل ثم يعاد تأجيره للبائع، مع وعدٍ ملزم بإعادة شراء الأصول بالقيمة الاسمية عند أجل إطفاء الصكوك (6)، بل إن هذه الهيكلة أقرب إلى الربا من بيع الوفاء، لأنها قائمة على الوعد الملزم، بخلاف بيع الوفاء الذي فيه احتمال عدم السداد وبالتالي عدم الاسترداد (7)، فهي إلى بيع العينة أقرب، ولهذا تصنف هذه الصكوك على أنها أدوات مداينات خالية من المخاطر غير الائتمانية، وهي دين محض على منشئها ( The (1/99)
صفحة 100
originator) (8) .
__________
(1) Securities Commission Malaysia website, File:
(2) Rosly, Critical issues on Islamic banking and financial markets, p452. 453
(3) . Razi and Anne-Sophie, Equity-based, asset-based and asset-backed transactional, p270 - 278.
(4) . السويلم، منتجات صكوك الإجارة، ص11.
(5). المرجع نفسه، ص11؛ الجارحي وأبوزيد، الصكوك، ص28 - 29.
(6). Clifford Chance LLP, Sukuk Guidebook (Dubai: Dubai International Financial Centre, 2009), p17. 18.
(7) . السويلم، منتجات صكوك الإجارة، ص10.
(8). المرجع السابق، ص10.
ومما أسهم في تحريف مسار هذا النوع من الصكوك قيودُ أنظمة السندات العالمية، فلكي تباع هذه الصكوك في أسواق المال العالمية يجب أن تصنف ائتمانيا، ولكي تصنف ائتمانيا يجب أن تتحوط للمخاطر (1)، وأهم تحوطٍ هو تعهد طالب التمويل بإطفاء الصكوك وذلك بإعادة شراء تلك الأصول بالقيمة الاسمية، وكذلك تحويل كافة نفقات الأصول ومخاطرها إلى طالب التمويل مع ضمان عائد ثابت (2)، وبهذا أصبحت هذه الصكوك ديونا محضة، وازداد الأمر سوءا بإلزام المنشئ في العقد
__________
(1) وجوابا على هذه الحجة يقول محمد تقي العثماني: "وقد يُستدل لتمشية هذه الصكوك بأن هيئات التصنيف العالمية لا تصنفها بالمستوى العالي المطلوب إلا بمثل هذه الآليات التي تضمن لحملتها رأس مالهم، وتوزع عليهم الربح بنسبة معينة من رأس المال، ولذلك لا يتيسر تسويقها على نطاق واسع إلا بمثل هذه الآليات. والجواب عنه أننا لو مشينا خلف هيئات التصنيف العالمية التي لا تفرّق بين الحلال والحرام، لما أمكن لنا أبدا أن نتقدم إلى منتجات إسلامية خالصة تخدم أهداف الاقتصاد الإسلامي، وذلك لأن هذه الهيئات نشأت في جوّ ربوي لا تعترف بجودة الاستثمار إلا بضمان رأس المال وتوزيع العائد على أساس ربويّ، والحال أن جودة المنتج من الناحية الشرعية تعتمد على تحمل الأخطار وتوزيع الربح العادل فيما بين المستثمرين، فالعقلية (1/100)
صفحة 101
الإسلامية مضادة تماما لعقلية هذه الهيئات". محمد تقي العثماني، الصكوك وتطبيقاتها المعاصرة، ص11.
(2). Rafe Haneef, } From } Asset-backed } to } Asset-light } Structures: The Intricate History of Sukuk } ISRA International Journal of Islamic Finance (Kuala lumpur: Vol. 1.no 1 (2009), p109 .
بشراء الأصول في حالة نزول قيمتها حمايةً لحاملي الصكوك، كما حدث مع صكوك نخيل (1).
وإضافة إلى مآلها الربوي نجد دلالات صريحة على تحقق معنى الربا في صكوك الإجارة مع الوعد الملزم بإعادة الشراء (2)، من ذلك:
1. تحويل كافة مخاطر العين المؤجرة وتكاليف صيانتها إلى البائع الأول (وهو المالك الحقيقي)، ويتم ذلك بتعهده الشراء بالقيمة الاسمية ولو نزلت قيمة الأصول السوقية، وبتكليفه بكلفة التأمين وكلفة الصيانة التي -في الأصل-يتحملها المالك، ويتم ذلك عن طريق تقسيم الأجرة إلى ثلاثة أقسام:
o الأجرة الثابتة: ويمثل مجموعُ أقساطها كلفةَ شراء الأصول من المصرف، هذا في هيكلة الإيجار المنتهي بالتمليك، وهذا يدل على أنها بيع عينة مستتر، أما في الإيجار ثم البيع، فيتم إعادة شراء الأصول بالقيمة الاسمية عند الأجل بوعد ملزم مسبق.
o الأجرة المتغيرة: وتمثل ربح المصرف، وهي عملياً متعلقة بمؤشر نسب الفائدة السائد في السوق (اللايبور).
o الأجرة المضافة: وتمثل النفقات الطارئة، كنفقات الصيانة الأساسية.
2. قيام هذه الصكوك أحيانا على أصول لا يمكن بيعها حقيقة، كالممتلكات السيادية التي لا تباع؛ كالمطارات والمباني الحكومية والموانئ، وصدق ابن القيم لما قال: "ولما تفطن المحتالون أن هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر، وأنها ليست مقصودة بوجه، وأن دخولها كخروجها تهاونوا بها ولم يبالوا بكونها مما يتمول عادة أو لا يتمول، ولم يبال بعضهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة، بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو مما لا يباع؛ كالمسجد والمنارة والقلعة، وكل هذا وقع من أرباب الحيل وهذا لما علموا أن المشتري لا غرض له في السلعة فقالوا أي سلعة اتفق حضورها حصل بها التحليل" (3).
ومن أمثلة صكوك الإجارة ما أصدرته دولة البحرين في جويلية 2004، حيث أصدرت صكوكا لمدة عشر سنوات بمبلغ 106 مليون دولار، وبنسبة عوائد 5.125% (4)، لتطوير المطار، فباعت جزءا من أرض المطار لشركة الأغراض الخاصة ( SPV)، مع تعهد بالشراء
__________
(1). السويلم، منتجات صكوك الإجارة، ص13. (1/101)
صفحة 102
(2). الجارحي وأبوزيد، الصكوك، ص28 - 29.
(3). ابن القيم، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر. (1973م). أعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد. ط1. بيروت: دار الجيل، ج3، ص115.
(4). Salman Syed Ali, Islamic Capital market Products: Developments and Challenges (Jeddah: Islamic Research and Training Institute, Islamic Development Bank, 2005), p38.
بالقيمة نفسها عند إطفاء الصكوك، ثم استأجرت الحكومة القطعة. وصادق على مشروعية هذه الصكوك كلٌّ من محمد تقي العثماني ونظام اليعقوبي وعبد الستار أبو غدة ومحسن العصفور وعبد الله المنيع (1)، ويبدو أن محمد تقي العثماني وعبد الله المنيع تراجعا عن قرارهما بعد ذلك (2).
وبعد انتفاضة محمد تقي العثماني في 2007 على صكوك الإجارة؛ أعدّت AAOIFI ورقة تعديلات على معايير الصكوك، ولكنها رسخت موضوع العينة نفسه، وبطريقة لم يقل بها أحد من العلماء (3)، وذلك باشتراط العينة في العقد نفسه! (4)، فقد جاء في الفقرة الخامسة من الإعلان: "يجوز للمستأجر التعهد في صكوك الإجارة بشراء الأصول المؤجرة عند إطفاء الصكوك بقيمتها الاسمية، على ألا يكون شريكا أو مضاربا أو وكيلا بالاستثمار" (5)، وفي هذا ترسيخ للإشكال الرئيس، فالعينة لا تقع إلا عند إعادة الشراء من البائع الأول، وهو المستأجر في حالة صكوك الإجارة والمالك الحقيقي.
ثالثا: صكوك المشاركة.
عندما نلمح كلمة "المشاركة" قرينة الصكوك يسبق إلى الذهن أمل أن ذلك ما كنّا نبغي، ولكن للأسف مع تفحص هيكلة هذه الصكوك نجد أن الأمر ليس إلا وهما، وأن الأسماء لا تغني عن الحقيقة شيئا.
تتم هيكلة هذه الصكوك بأن تُنشَأ شركة الغرض الخاص ( SPV) لتقوم بإصدار صكوك لتجميع الأموال من الجمهور، وبتلك الأموال المجمعة إما أن تشتري أصلا من طالب التمويل، وإما أن تشترك معه مباشرة في مشروع، على أن يساهم طالب التمويل بمال أو بأصل في الشركة، ويتعهد تعهدا ملزما قضاءً بدفع عوائد ثابتة محددة مسبقا لحاملي الصكوك، وبشراء حصص المشاركين بقيمتها الاسمية عند الأجل (6).
__________
(1). Central Bank of Bahrain, Islamic Finance Review (Bahrain: CBB, April 2008, Issue. 21), p1.
(2) . العثماني، الصكوك وتطبيقاتها المعاصرة؛ جريدة الرياض، "الشيخ المنيع يشرح الواقع ويقدم الحلول، 85% من الصكوك الإسلامية المتداولة في الأسواق العالمية مغلفة بالربا"، 27 اكتوبر (1/102)
صفحة 103
2009م - العدد 15100.
(3). لأن الذين أجازوا العينة قضاء كان باعتبار خفاء قصد النفوس، ولكن إن دلّ العقد على العينة فبالاتفاق يمنعون ذلك ديانة وقضاء، أما قرار الهيئة فقد أجازت الاتفاق على التعهد بشراء الأصول من قبل طالب التمويل.
(4). السويلم، منتجات صكوك الإجارة، ص15.
(5). أشار السويلم إلى صدور مسودة أولى للقرار فيها منع لهذا الأمر المشكل، ولكن في البيان الختامي صدر القرار على عكس ذلك كما هو مثبت أعلاه؛ السويلم، منتجات صكوك الإجارة، ص15. وليس من السهولة لهيئة رسمية أن تصدر قرارا بمنع التعهد الملزم بالاستئجار والتعهد الملزم بإعادة الشراء لأن هذا سينسف الأساس الذي قامت عليه الصكوك جميعا، فتصبح مجرد أسهم استثمارية، ولم تنشأ الصكوك لتكون أسهما لها شطر من الملكية الدائمة.
(6). Ayman H. A. Khaleq and Philip Dowsett, } Managing Sukuk in the Current Climate: Moving the Goalposts and Calling Time } , the Islamic Finance Review, no. 10 (jun2009), p48.
وإذا لم يدفع طالب التمويل (المضارب) العائد المحدد سلفا بعد سبعة أيام من ميقات الأجل الدوري لها، فإنه يُلجَأ إلى إعادة هيكلة تلك الديون أو يُلجأ إلى حل الشركة، ويُلزم -عندها- بدفع الحصص الاسمية لحاملي الصكوك كاملة مضافا إليها العوائد التي لم يدفعها إلى أجل حلّ الشركة، وإن لم تتمكن الشركة من ذلك فإنه يُلجأ بعد ذلك إما إلى إعادة جدولة تلك الديون أو رفع دعوى قضائية (1)، وهذه هي نفسها مقومات السند التقليدي، والذي يعرِّفه الماليون بأنه ورقة مالية مؤقتة، محددٌّ مسبقا تاريخ إطفائها، مع التزام بتقديم عائد أو عوائد دورية محددة سلفا (2).
ولا أدري كيف سيتمحَّن من أجاز مثل هذه الصكوك ليُكيّفها فقهيا، إلا أن يقول بأن الكل اشترك في أصل من الأصول، وأن صاحب الشركة يدفع إيجار نصيب حاملي الصكوك، ولكن على أي وجه سيُحْمل التعهد بشراء الأصل بقيمته الاسمية وبضمان العوائد حتى في حالة الخسارة، وهذا كله تلفيق فقهي موحد في أغلب الصكوك، وهي تؤول إما إلى العينة، أو ضمان رأس المال والعائد في المضاربة، وكلها صور ظاهرة من صور الربا أو على الأقل التحيّل المستور عليه.
وفي التطبيق لا يوجد بيع حقيقي للأصل، وإنما مجرد انتقال الحقوق المالية إلى ( SPV)، ولهذا تصنف هذه الصكوك من قبل شركات التصنيف الائتماني ضمن ASSET-BASED SECURITIES (3) ، يعني أن حقوق مالكي الصكوك تتعلق بذمة طالب التمويل، وليس بعوائد الأصول أو الشركة الناشئة، فمثلا في صكوك دبي الذهبية الصادرة في 2005 بقيمة 200 مليون دولار على أنها صكوك مشاركة، بنسبة 80% للمستثمرين و20% لمدير الصكوك، ولكن (1/103)
صفحة 104
في الواقع لم يتم أي تملّك حقيقي للأصول من قبل حاملي الصكوك (الشركاء)، وتمّ ربط العوائد بمؤشر لايبور، وخُرِّج ثبات العائد فقهيا على أن الأرباح إن زادت على المؤشر اعتبر الزائد تحفيزا للمدير، وما قل عنه اعتبر قرضا منه أو ربما هبة، مع بقاء جميع المخاطر على الشركة الطالبة للتمويل، ولم تقع أية عملية بيع أو إيجار حقيقية (4).
ومثل ذلك صكوك "دار الاستثمار الكويتي" التي أصدرت صكوكا بقيمة 100مليون دولار سنة 2005، بعائد محدد مسبقا قدر بـ200 نقطة أساس فوق مؤشر لايبور ( Libor+2%)، وتعهدت الدار بشراء حصص
__________
(1). المرجع السابق، ص51.
(2). Perry H. Beaumont, Financial Engineering Principles, a Unified Theory for Financial Product Analysis and Valuation (New Jerse: John Wiley & Sons, 2004), p3.
(3) . Razi and Anne-Sophie, p270 - 278.
(4) . Simon Archer and Rifaat Ahmed, Islamic Finance; the Regulatory Challenge (Singapore: John Wiley & sons, 2007). p260 - 263.
حاملي الصكوك لإطفاء الصكوك (1)، وهذا واضح أنه ضمان للعائد ولرأس المال، وهو في معنى الربا الصريح.
ومن الأمثلة كذلك صكوك شركة "دانة غاز" التي أصدرت صكوكا بقيمة مليار دولار، مع عوائد محددة بـ 7.5%! مع تعهدٍ بإطفاء الصكوك بقيمتها الاسمية عند انتهاء مدتها أو عند رغبة حاملي الصكوك (2)، وما يؤكد أنها لا تعدو أن تكون سندات ربوية؛ قيام أزمة عند التوقف عن السداد واضطرار الشركة إلى إعادة تمويل ديونها (3).
فإن كانت مثل هذه الحيل جائزة في الصكوك فلِمَ لا تُنصح المصارف الإسلامية بأن تلجأ إلى هذه الحيل في التمويل المصرفي للشركات دون العنت بتعقيدات التورّق المنظم، فمن أراد التّمويل فليذهب إلى البنك وليعقد معهم شراكة مضمونة العائد ورأس المال، ومن أراد التّموُّل للاستهلاك فليذهب إلى البنك وليبع لهم بيته مع تعهد ملزم بإعادة الشراء بالقيمة الاسمية، ثم يؤجر له البنك بيته، على أن يتحمل جميع المخاطر ونفقات الصيانة كما في صكوك الإجارة، وليُسمّ هذا المنتج "تمويل الوفاء" مثلا نسبة إلى بيع الوفاء، وما هذا ببعيد عن منهج هذه المصارف.
خاتمة
عند التحليل الفني والشرعي لهندسة الصكوك نجد أنها أقرب إلى السندات التقليدية، وأنه لا يفصلها (1/104)
صفحة 105
عنها فروقات ذات بال تؤثر على الحكم بمشروعيتها، فهي أداة مداينة تشترك في أنها صُممت بطريقة تمكّن المصارف من ضمان عائد ثابت محدد سلفا، وذلك مناقض لعلة تحريم الربا المجمع على تحريمه، فهندسة الصكوك سائرة بوتيرة متسارعة للقضاء على أهم شيء يميز التمويل الإسلامي وهو التمويل المشاركاتي الذي يرتكز على تقاسم الربح والمشاركة مع الاقتصاد الحقيقي في تحمل أعباء مخاطر عالم الأعمال، فقد تم القضاء شبه النهائي على التمويل بالمشاركات في المصارف، وها هي الصكوك تستدرجنا من مبدأ الأسهم التشاركي تُجاه مبدأ السندات المدايناتي.
وما يجمع تقنيات الهندسة العَقْدية للصكوك هو محاولة ابتكار تركيبات صورية تؤدي إلى الضمان العقدي المسبق للقيمة الاسمية للصك مع ضمان عائد محدد سلفا لحاملي الصكوك، دون التورط في
__________
(1). المرجع السابق، ص 263 - 264.
(2). Rahail, Sukuk and Islamic capital markets, p125 - 126.
(3) . Dana Gaz Website:
المشاركة الحقيقية على شاكلة الأسهم، ورأينا أن غالبية الصكوك المصدرة في السوق المالية الدولية صُمّمت بطريقة تضمن رد رأس المال إلى حملة الصكوك عند إطفائها، مع ضمان تدفق دوري للعائد، مثل السندات التقليدية تماما، وتم التوّسل -للوصول إلى ذلك-بالوعد الملزم بإعادة الشراء، وتحويل مخاطر العين المؤجرة كلها إلى المستأجر.
وتوجّه المصارف إلى أدوات المداينات المحاكية للأدوات التقليدية فوّت على الاقتصاد العالمي فرصة بديلٍ يضمن له الاستقرار، ويضمن للبشرية التوزيع العادل للثروة، وفوّت على البلاد العربية انطلاقة تنموية قائمة على تحويل أموال المودعين إلى الاستثمار الحقيقي في المشاريع الإنتاجية، عوض التركيز على المداينات التي تكرس الاستهلاك والتوريد وتضغط على الاقتصاد الحقيقي.
المراجع:
- إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: عبد الله دراز (بيروت: دار المعرفة، د. ط، د. ت).
- ابن القيم، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر. (1973م). إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد. ط1. بيروت: دار الجيل
- العثماني، محمد تقي. (أبريل 2009). "الصكوك وتطبيقاتها المعاصرة". بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي. الدورة التاسعة عشرة. الشارقة.
- سامي إبراهيم السويلم، "منتجات صكوك الإجارة" (جدة: جامعة الملك عبد العزيز، بحث مقدم (1/105)
صفحة 106
لندوة الصكوك الإسلامية، 24 - 25 مايو 2010)،
- معبد علي الجارحي، عبد العظيم جلال أبوزيد، "الصكوك؛ قضايا فقهية واقتصادية"، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي، الدورة التاسعة عشرة، إمارة الشارقة، دولة الإمارات العربية المتحدة
- منظمة المؤتمر الإسلامي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي (جدة: منظمة المؤتمر الاسلامي، 1421هـ/2000م).
- هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية. (2007م). كتاب المعايير الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية. البحرين.
- وزارة الأوقاف والشئون الدينية. (1404ه-1427هـ). الموسوعة الفقهية الكويتية. الكويت.
- Ayman H. A. Khaleq and Philip Dowsett, "Managing Sukuk in the Current Climate: Moving the Goalposts and Calling Time", the Islamic Finance Review, no. 10 (jun2009),
- Central Bank of Bahrain, Islamic Finance Review (Bahrain: CBB, April 2008, Issue. 21),
- Chown, F. (1994). A history of money: from ad 800. London: Routledge
- Clifford Chance LLP, Sukuk Guidebook (Dubai: Dubai International Financial Centre, 2009)
- Constantin Zopounidis, Michael Doumpos, Panos M. Pardalos, Handbook of Financial Engineering (New York: Springer, 2008
- Iqbal, Zamir and Mirakhor, Abbas, An Introduction to Islamic Finance: Theory and Practice (Singapore: John Wiley & Sons، 2007)
- ISRA. (2012). Islamic financial system, Priciples & operations. Kuala lupur
- John F. Marshall, Dictionary of Financial Engineering (New York: John Wiley & Sons, 2000).
- John Munro, The Late-Medieval Origins of the Modern Financial, Revolution: Overcoming Impediments from Church (1/106)
صفحة 107
and State (Toronto: University of Toronto, 2003
- Maha-Hanaan Balala, Islamic Finance and law, Theory and Practice in a Globalized World (New York: I.B.Tauris, 2011
- Noriza Binti Mohd Saad, "Sukuk In Malaysian Capital Market" (3rd International Conference On Business And Economic Research, 2012),
- Perry H. Beaumont, Financial Engineering Principles, a Unified Theory for Financial Product Analysis and Valuation (New Jerse: John Wiley & Sons, 2004),
- Perry H. Beaumont, Financial Engineering Principles, a Unified Theory for Financial Product Analysis and Valuation (New Jerse: John Wiley & Sons, 2004)
- Rafe Haneef, "From "Asset-backed" to "Asset-light" Structures: The Intricate History of Sukuk" ISRA International Journal of Islamic Finance (Kuala lumpur: Vol. 1.no 1 (2009)
- Rahail Ali, Sukuk and Islamic Capital Markets (London: Globe Law and Business, 2011),
- Razi Pahlavi Abdul Aziz, Anne-Sophie Gintzburger. 2009. "Equity-Based, Asset-Based and Asset-Backed Transactional Structures in Shari'a-Compliant Financing: Reflections on the Current Financial Crisis" Economic Papers, vol. 28. no 3 (sep2009).
- Rosly, Saiful. (2005). Critical issues on Islamic banking and financial markets. USA: Author house
- Saiful Azhar Rosly & Mahmood M. Sanusi, "The Application of Bay al Inah and Bay al Dayn in Malaysian Islamic Bonds: An Islamic, Analysis" International Journal of Islamic Financial Services, Vol. 1, No. 2
- Salman Syed Ali, Islamic Capital market Products: Developments and Challenges (Jeddah: Islamic Research and (1/107)
صفحة 108
Training Institute, Islamic Development Bank, 2005),
- Securities commission. (2011). Islamic securities guidelines, Sukuk guidelines. Malaysia: Securities commission.
/
المسكن الإسلامي في مدن مزاب
أ. عمر بن محمد زعابة
قسم التاريخ وعلم الآثار
شعبة علم الآثار جامعة تلمسان
البريد الإلكتروني: zaabaathar@gmail.com
المقدمة:
تمتاز العمائر المدنية في وادي مزاب بالبساطة في مظهرها الخارجي والداخلي، وباستخدام مواد بناء محلية، مما أنتج لنا ذلكم التراص والوحدة اللونية المتقيّدة بالعرف العمراني في البناء، ومما أضفى التناسق والانسجام على عمائرها المتنوعة ما بين الدينية والمدنية والدفاعية، بحيث تمّت صياغة فضاءات تتلاءم مع نشاطات الأسرة وعلاقاتها والتي تضمن القيم والمبادئ التي تسود في المجتمع، والمجسدة في ذلكم المسكن التقليدي الذي يشكل النسبة الكبرى من هذا النسيج العمراني.
أولا: البيئة الطبيعية لمنطقة وادي مزاب:
تمتاز منطقة وادي مزاب ببيئة قاسية وقاحلة تجتمع فيها قساوة المناخ الصحراوي بالأرضية الجبلية والرملية القاحلة (الحمادة).
1. الموقع الجغرافي:
ينتمي وادي مزاب إلى الحوض الشرقي للصحراء ويبعد عن الجزائر العاصمة بحوالي 600 كلم، وتقدر مساحته بحوالي 86106كلم2 (1).
يقع وادي مزاب بين خطي عرض °32 و°33 '20 شمالا، وبين خطّي طول °0 '4 و°2 '50 شرقا، ويتراوح ارتفاعها عن سطح البحر من 300 إلى 800م، ويطلق على وادي مزاب اسم "الشبكة" بسبب الشعاب والوديان العديدة التي تلتقي في وادٍ واحد متّخذة شكل شبكة، ويبلغ طول الوادي حوالي 20كلم من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وقد بنيت على الهضاب الواقعة في ضفافه خمس مدن، وهي العطف (تاجنينت)، وبنورة (آت بنور)، وغرداية (تغردايت)، وبني يزجن (آت يزجن)، ومليكة (أتمليشت).
__________
(1). Pierre Donnadieu et autres; Habiter le Desert, Les Maisons (1/108)
صفحة 109
Mozabites, Reucharches sur un type d'architecture traditionnele: Architecture+ Recherches/ Edition Pierre Mardaga, Bruxelles, 1977, p:24.
2. جيولوجية وهيدروغرافية المنطقة:
وادي مزاب عبارة عن هضبة شبه مستوية، صخورها رسوبية تكونت في العصر الطباشيري، من كلس دولوميتي، وبفعل السيلان القوي للمياه في بداية العصر الجيولوجي الرابع وبعامل الحت بفعل المياه والرياح القوية تم تشكيل مجموعة معقدة من الوديان والشعاب، ومن أهم هذه الوديان نجد وادي مزاب، والذي يستقبل مياه كل من وادي لعذيرة ووادي لبيض ووادي توزوز حيث يسقي واحات مليكة وغرداية، وتنسكب فيه من الغرب مياه وادي انتيسا الذي يسقي واحات بني يزجن، ومن الشرق وادي أزويل الذي يسقي جزءا من واحات بنورة، ثم يتّجه نحو العطف مرورا بزلفانة لينتهي ويصب في الأخير بسبخة الهيشة على بعد 16كلم من نقوسة شمال ورقلة (1).
3. المناخ:
لقد حدّد معدّل درجات الحرارة اليومية في شهر جانفي إلى حوالي 10°مع مدى حراري بين الليل والنهار يصل إلى12°، وأمّا في شهر جويلية فيصل معدّل درجات الحرارة اليومية إلى 33° مع مدى حراري يصل إلى17.5°، ويبلغ الحد السنوي الأدنى إلى 0°والحدالأقصى 46° (2).
أما معدّل الأمطار في السنة، فيصل إلى 50 و60 مم، وفي سنوات الجفاف قد يصل إلى 20 و30 مم، وأقصى معدّل تم تسجيله وصل إلى 120مم، وأدنى معدّل وصل إلى 18مم، وقد تمّ تحديد ما يقارب 10 أيام معدّل سقوط الأمطار في السنة، ولكي يسيل الوادي يجب سقوط أمطار قوية وغزيرة خلال ساعات، ويصل معدل سيلان الوادي في كل سنتين أو ثلاث (3).
وعن الرطوبة فتصل في شهر أكتوبر وأفريل إلى 42 %، بينما تصل من ماي إلى سبتمبر إلى 4%، تهب على المنطقة في فصل الشتاء رياح شمالية غربية باردة ومحمّلة بالرطوبة، وأمّا في فصل الصيف فتهب رياح شمالية شرقية قوية وساخنة، في حين تهب زوابع رملية من
__________
(1). يحيى بوراس، العمارة الدفاعية في منطقة وادي مزاب، (نموذج بني يزقن)، رسالة ماجستير في الآثار الإسلامية، معهد الآثار، جامعة الجزائر،2002 م، ص:19.
(2). Claude Pavard; Lumières Du M' ZAB, Edition Dilroisse, Paris,France, p: 06
(3) . Pierre Donnadieu et autres; op.cit, p:26. (1/109)
صفحة 110
الجنوب الغربي خاصة في شهر مارس وأفريل وماي، وتصل سرعة الرياح القوية 16م/ثا أو أكثر، وتستمر لحوالي عشرين يوما في العام (1).
ثانيا- الإطار التاريخي لوادي مزاب:
كغيرها من المناطق الجزائرية يحتوي وادي مزاب على عدة شواهد أثرية، تبيّن تعاقب عدّة حضارات على المنطقة منذ فترة ما قبل التاريخ إلى الفترة الإسلامية.
1. فترة ما قبل التاريخ:
تحتوي منطقة مزاب على شواهد ومخلّفات عديدة، تدل على وجود حضارات ما قبل التاريخ، حيث قام الباحث بيير روفو ( Pierre Roffo) وجويل أبونو ( JoelAboneau) بدراسات وأبحاث تخص فترة ما قبل التاريخ في المنطقة (2)، ومن نتائج بحوثهم إحدى عشر محطّة تعود أدواتها البالغة عددها 2959 أداة إلى العصر الحجري الأوّل، بالإضافة إلى ذلك فإنّ المنطقة غنية بالرسومات الصخرية مثل رسومات حيوانية أو هندسية إلى جانب رسوم لبعض أجزاء الجسم البشري كاليد والرجل، وهذا كله يثبت أن إنسان ما قبل التاريخ استقر في هذه المنطقة (3).
2. الفترة الإسلامية:
يتم تقسيمها إلى فترتين: الأولى وتمتد من الفتوحات الإسلامية إلى بداية القرن 5هـ/11م، والثانية تمتد من مطلع القرن 5هـ/11 إلى نهاية القرن 9هـ/15م.
3. الفترة المبكرة:
لا تشير كثيرا المصادر التاريخية والجغرافية لا من قريب ولا من بعيد إلى منطقة وادي مزاب في الفترة المبكرة، إذ كانت معزولة وليس لها شأن، وأغلب ما قيل عنها كان مجرد روايات شفوية تناقلتها الذاكرة الشعبية، وجاءت أوّل إشارة في كتاب سير الأيمة الرستميين لأبي زكرياء حيث يذكر أنّ قبيلة زناتية يطلق عليها اسم "بنو مصعب" اعتنقت
__________
(1). Marcel Mercier; La civilisation Urbaine au M'zab, Gharadaia la Mysterious, Edition P et G. SOU BIRON, Alger,1932, p :38.
(2) . Pierre Roffo; contribution à l'Etude de la préhistoire du sahara Septentrional, Ancienne Imprimerie, Alger, 1934, p: 04.
(3) . بلحاج معروف، العمارة الإسلامية، مساجد مزاب ومصلياته الجنائزية، دار قرطبة،2007م، ص:41.
الإسلام على مذهب المعتزلة الواصلية (1)، قامت بتشييد بعض القرى فوق المرتفعات الصخرية.
وقد ورد ذكر هذه القبيلة باسم "بنو مصاب" عند المؤرّخ يحيى بن خلدون حين تحدّث عن شعوب (1/110)
صفحة 111
بني عبد الواد حيث يقول: "بادية من أهل الوبر استوطنوا الصحراء ينتجعون مراعيها من سلجماسة إلى جنوب إفريقية، وبجبل مصاب اليوم منهم بقايا أهل مدر" (2).
يشير عبد الرحمان بن خلدون إلى قبيلة مصاب في كتابه: "العبر" ما نصه: "ومن بني واسين هؤلاء بقصور مصاب على خمس مراحل من جبل تيطري في القبلة بما دون الرمال، وعلى ثلاث مراحل من قصور بني ريغة في الغرب، وهذا الاسم اسم للقوم الذين اختطوها ونزلوها من شعوب بني بادين ووضعها في أرض حرة على أحكام وضراب ممتنعة في مسارحها، وبينها وبين الأرض المحجرة المعروفة بالحمادة في سمت العرق متوسطة فيه قبالة تلك البلاد فراسخ في ناحية القبلة، وسكانها لهذا العهد شعوب بني بادين من عبد الواد وبني توجين ومصاب وبني زردال فيمن يضاف إليهم من شعوب زناتة، وإن كانت شهرتها مختصة بمصاب" (3).
يذكر جون هيغي (4) أنّ بالمنطقة نحو خمسة وعشرين قصرا، وذلك اعتماداً على مصادر إباضية لم نتمكّن من الاتّصال بها، وهي عبارة عن قرى بسيطة موزّعة على امتداد وادي مزاب، وقد اندثرت كلّها ولم يبق منها سوى بعض الأطلال والخرائب التي تمكنت الذاكرة الشعبية من الاحتفاظ بأسمائها ومنها: تلزضيت (قصر الصوف) وأوْلوال بالعطف،
__________
(1). يوسف الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب دراسة اقتصادية وسياسية، المطبعة العربية، غرداية، 2003م،، ص: 03. ينظر أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر الشهرستاني، الملل والنحل، تح أمير علي مهنا، ج1، ط6، دار المعرفة، بيروت، 1997م، ص: 59 - 63.
(2). أبو زكريا يحيى بن خلدون، بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، تق وتح: عبد الحميد حاجيات، ج1، المكتبة الوطنية، الجزائر، 1996م، ص:186.
(3). عبد الرحمان ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، مج:7، دار الكتاب المصري- دار الكتاب اللبناني، القاهرة- بيروت، د ت، ص:123.
(4). J.Huguet, <
اتْمِزَّارْتْ بين بونورة ومليكة على يسار الوادي، بابا السعد بغرداية، تيريشين، تْلات، تفيلالْت وبوكياوْ وأقْنُوناي ببني يزجن، موركي والأحنش ببنورة، أَغَرْم نْوَاَّدايْ (القصر السفلي) بمليكة.
4. الفترة الثانية (من مطلع القرن 8هـ/11م إلى نهاية القرن 9هـ/15م):
أهم ما شهدته هذه الفترة هو تحوّل القبيلة الزناتية من حياة البداوة إلى الاستقرار، وبداية تخلّيها عن مذهب الاعتزال واعتناقها للمذهب الإباضي، على يد العالم الإباضي الداعية أبي عبد الله محمد بن (1/111)
صفحة 112
بكر الفرسطائي النفوسي الذي كان يرتاد المنطقة مع تلاميذه طلبا للكلأ والمرعى (1).
أما عن تاريخ تأسيس مدن مزاب السبعة فيسودها بعض الاختلاف والغموض، فقد ثمّ تأسيس المدن بالتتابع الكرونولوجي: العطف (تاجنينت):402هـ/1012م، وبنورة (آت بنور):438 ـ 458 هـ/1046 ـ 1056م، وغرداية (تغردايت):447هـ/1053م، وبن يزقن (آت يزجن):720 هـ/1321م، ومليكة (آت مليشت):756هـ/1385م، والقرارة 1041هـ/1631م وبريان في1090هـ/1679م.
ثالثا- النسيج العمراني لمدن مزاب:
إنّ القيم الدّينية والفكرية، والطبيعة المناخية والجغرافية التي تتميّز بها منطقة مزاب لها تأثير كبير في تشكّل النسيج العمراني للمنطقة وفي التّصاميم المعماريّة المكوّنة له.
تتميز المدن العتيقة في وادي مزاب بنمطها المعماري المتميز من حيث وحدتها المتجانسة وتخطيطها المحكم، فكل مدينة قد بنيت على أعلى قمة الجبل لغرض دفاعي، يتوسطها المسجد الذي تعلوه مئذنة هرمية الشكل وتلتف حوله منازل تتخللها أزقة ضيقة وملتوية مشكّلة بذلك حلقات دائرية حول المسجد، وفي سفح المدينة ساحة سوق للتعاملات التجارية، وكل مدينة محاطة بسور دفاعي تتخللها أبراج للمراقبة تمّ تصميمها وتخطيطها بهذا الوضع للحصانة الدفاعية وأن تكون في مأمن من سيلان الوادي وأن تحافظ على الأراضي الزراعية القليلة (2). (الصورة1)
تتميّز العمارة بوادي مزاب بعدة خصائص، المتانة والجمال والوظيفية والبساطة والاقتصاد في الوسائل، فليست هناك مدن مشيّدة بل هناك نظم وأعراف تتّبع وتطبّق، قائمة على التّدرّج في تقسيم المجالات
__________
(1). بلحاج معروف، المرجع السابق، ص:50.
(2). ليندة علال، دور الحركة التجارية في ازدهار قصور إقليم توات ووادي مزاب وتطورها خلال العصور الحديثة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العمران، المدرسة الوطنية المتعددة التقنيات للهندسة المعمارية والعمران، 2012م، ص:191.
حسب أصنافها وعلى حسب الهيكلة الاجتماعية المتشبّعة بالفكر الإباضي الذي يعتمد أساسا على مبادئ وقيم الدين الإسلامي الحنيف.
يبتدأ الفريق المؤسّس للمدينة (حلقة العزّابة) ببناء المسجد بعد اختيار موقع مناسب فوق الهضبة ثمّ يقومون بعد ذلك برسم حدود المدينة بأسوار وأبراج، وأخيرا يقوم السكّان بتشييد مساكنهم انطلاقا من حوالي محيط المسجد مرورا بالشوارع وأنواعها إلى غاية الأسوار، وبالطبع فإنّ بناء المساكن يتمّ على قواعد عُرفية عمرانية بحتة تستند إلى أسس أربعة، يأتي في مقدّمتها تعاليم الدين الإسلامي ثمّ النشاطات الاجتماعية، وعنصر الاقتصاد ومعطيات المحيط البيئي (1). (الصورة1) (1/112)
صفحة 113
رابعا: المسكن:
تعتبر المساكن الخلايا الرئيسية المكونة لنسيج المدن فهي تشترك ـ مهما كان حجمها ـ في عناصر أساسية تختلف اختلافا طفيفا بين مسكن وآخر، وتتوزع هذه العناصر بين الطابقين الأرضي والعلوي والسطح ونادرا الطابق السفلي (2).
تجسد تصاميم المسكن التقليدي انعكاسا لفكر المجتمع وقيمه، فهو بذلك يوفر الراحة النفسية لساكنيه، ويحوي مختلف الفضاءات المعيشية بتوزيع منتظم حسب الاستعمال، وفي تأقلم دائم مع التقلبات المناخية مما يوفر أجواء معتدلة على مدار السنة، إضافة إلى رحلتي الشتاء والصيف بين المدن والواحات بحثا عن المناخ الملائم. (الصورة:1)
كما يعتمد المسكن التقليدي على المركزية في التوزيع الفضائي انطلاقا من وسط الدار الذي يعتبر الحلقة الرئيسية التي تربط بين مختلف فراغات الطابق الأرضي ومنه يتم التنقل إلى الطابقين العلوي والسفلي (3). (الصورة:3)
رغم أن المسكن المزابي يخضع في تخطيطه وهيكلته لأسس المسكن المنتشر في البحر المتوسط وفي شمال إفريقيا على الخصوص، وذلك باعتماده على فراغ أو فضاء يتوسطه ويهيكل مختلف الفضاءات حوله، إلاّ أن له خصوصيات تميزه عن غيره وذلك ناتج عن تفاعله مع محيطه الطبيعي (الجغرافي والمناخي)، إضافة إلى أنه كان انعكاسا لفكر المجتمع و نمط حياته، إذ نجد أنّ
__________
(1). مقابلة مع الأستاذ صالح بن عمر سماوي، عند دكان صالح عبد العزيز بساحة السوق بقصر تاجنينت، يوم 18 أفريل 2012م.
(2). ديوان حماية وادي مزاب وترقيته، المسكن التقليدي وعرف العمران بالقطاع المحمي لسهل وادي مزاب، غرداية، الجزائر، 2004م، ص:03.
(3). بلحاج معروف، محمد جودي، النسيج العمراني لمدن وادي مزاب، مجلة منبر التراث الأثري، مخبر التراث الأثري وتثمينه، جامعة تلمسان، 2012م، ص:72 - 73.
المساكن كلها (مهما كان حجمها) تعتمد على طابقين أحد هذين الطابقين أرضي لا يتصل عادة بالفضاء الخارجي إلا من خلال المدخل وفتحة الشباك، الذي من خلاله أيضا تنفذ أشعة الشمس ويتم تهوية مختلف مجالات المسكن، بحيث تكون الطوابق الأرضية كأنها مبنية تحت الأرض مما يوفر لها عزلا حراريا جيدا، أما الطابق العلوي فالمساحة المبنية فيه غالبا لا تتعدى المساحة غير المبنية التي تستعمل كسطح وهو ذو أهمية بالغة في فصل الصيف وخاصة في الليل حيث ينزل الهواء البارد الذي يحدّ من حرارة الشمس خلال النهار (1)، وتشترك المساكن في مزاب باختلاف أحجامها على عناصر أساسية بين الطابقين الأرضي والعلوي: (الشكل1)
1 - الواجهات: (1/113)
صفحة 114
لقد اتسمت الحياة الاجتماعية في مزاب بالابتعاد عن كل مظاهر التكبر والاستعلاء، حتى أننا لا نكاد نميز بين غني أو فقير في الممارسات كالأعراس مثلا، أو المعمار، ومنه واجهات المساكن التي تفتقر إلى أشكال الزخرفة أو النقوش، بل إنها لا تعدو أن تكون حيطانا عادية متساوية في الارتفاع، بها باب خشبي فقط وميزاب بارز مع بعض الفتحات الصغيرة الموزعة على الطابق الأرضي والطابق العلوي على حسب مساحة المسكن (2). (الصورة2)
2 - المدخل:
تميزت مساكن مزاب بوجود المدخل في إحدى الزوايا كما هو الحال في مساكن شمال إفريقيا (3)، محليا يسمى "إمِي نَ تْوُورْت"، وعادة ما يكون كبير الحجم نسبيا ارتفاعا وعرضا يعلوه عقد بسيط، المداخل تُفتح دوما إلى المدينة، ويمنع كل من أراد أن يفتح مدخلا له خارج المدينة من جهة السور (4)، أما بالنسبة للمقاسات فيقدر معدل عرض المدخل
__________
(1). مختار قرميدة، المساكن التقليدية بوادي ميزاب، دراسة فنية معمارية، ديوان حماية وادي مزاب وترقيته، غرداية، 2001م، ص:6.
(2). محمد جودي، واجهات مساكن قصور سهل وادي مزاب: دراسة تنميطية، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في علم الآثار والمحيط، قسم علم الآثار، جامعة تلمسان، 2006 - 2007م، ص:43.
(3). Michal Van der Meeschen; Les Médinas Magrébines, UNESCO, p:77 ..
(4) . أحمد أبو العباس بن محمد بن بكر النفوسي الفرسطائي، القسمة وأصول الأراضين كتاب في فقه العمارة الإسلامية، تح وتع وتق بكير بن محمد الشيخ بلحاج، محمد صالح ناصر، ط2، جمعية التراث، القرارة، غرداية،1997م، ص:24 - 25.
بحوالي1.04م، ويبلغ ارتفاع المدخل الرئيسي للمسكن، 1.60م (1)، أما تلك الموجودة في الممرات غير النافذة فتتراوح بين 1.80 إلى 2م بالتقريب (2). (الصورة2)
3 - الباب:
يطلق عليه محليا "تَوُورْتْ"، يُصنع من خشب النخيل، عادة ما يكون كبير الحجم ارتفاعا وعرضا وذلك نتيجة استعماله بصفة متكررة طوال النهار، إلا أنه يمثل مدخل الدابة التي عادة ما تكون محمّلة بالمحصول الفلاحي أو الحطب أو دِلاء الماء ممّا يستوجب فتحة كبيرة لتسهيل دخولها (3)، ينتمي نوع هذا الباب تحت تسمية ذو الحربة، وهو مكون من القفل والحلقات والمطارق (4). (الصورة2)
4 - العتبة: (1/114)
صفحة 115
إن مفهوم العَتْبَة لا يقتصر على حجر صلب أو قطعة من اللوح تحت الباب، بل وإضافة إلى ذلك فإنها تمثل في مزاب الحاجز والخط الفاصل بين الفضاء العام وهو الطريق والفضاء الخاص الذي هو المسكن، كما أن للعتبة التي ترتفع حوالي 20 سم دورا آخر يتمثل في حماية المسكن من تسرب ماء المطر إليه أو الهواء البارد في الشتاء أو الرياح الرملية، كما أنّها تعتبر حاجزا مانعا من دخول الحشرات السامة والزواحف التي لا تخلو منها منطقة مزاب (5). (الصورة2)
5 - السقيفة:
تأخذ السقيفة في مزاب موقعها في زاوية المسكن كما هو الأمر في المساكن الموجودة في شمال إفريقيا وتسمى محليا "تَسْكِيفْتْ"، وهي تعتبر فضاء فاصلا وعازلا صوتيا بين داخل المسكن وخارجه، فبينما تمنعُ رؤيةَ ما في المسكن من الخارج، فإن السقيفة تكون مراقبة من الداخل بواسطة فتحة تكون عادة بينها وبين تِزَفْرِي أو وسط الدار، كما أن
__________
(1). محمد جودي، المسكن الإسلامي في القصور الصحراوية بالجزائر: دراسة تحليلية مقارنة لقصور مزاب وورقلة، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في علم الآثار والمحيط، قسم التاريخ وعلم الآثار، جامعة تلمسان، 2013 - 2014م، ص:112.
(2). Brahim benyoucef; Le M'Zab, espace et société, Imprimerie Abou Daoud, Alger, 1991, p: 209.
(3) . Donnadieu C,et P / Didillon H et J.M; Habiter le désert les maisons mozabites, 3é Ed , ED pierre Mardage, Bruxelles, Belgique, 1986, P:74.
(4) . محمد جودي، المسكن الإسلامي ... ، المرجع السابق، ص:114 - 116.
(5). Marcel Marcier; Op.cit.,P:135.
السقيفة تعتبر فضاء الانتظار لمن يطلب الإذن بالدخول، وتنتهي السقيفة بفضاء انتقالي يفصل بينها وبين وسط الدار يستغل في العادة للقيام برحي الحبوب كالقمح بواسطة رحًى مثبتةً في ركن منه يُطلق عليه محليًّا: " تَهْجَة" (1).
إنّ لوجود السقيفة أهمية كبيرة في تهوية المسكن، ذلك أنها بخاصياتها السابقة تعطي إمكانية لأنْ يبقى الباب مفتوحا كامل النهار، فيحدث تيار هوائي بينه وبين فتحة الشباك يساعد على توفير المناخ الملائم في المسكن وخاصة في فصل الصيف الشديد الحرارة (2). (الشكل2،1)
6 - وسط الدار:
لوسط الدار في مساكن شمال إفريقيا، وفي المسكن المزابي خصوصا أهمية كبيرة، ذلك بأنه يسمح باستعمالات أكثر لكونه شبه مغطى كليا ولا يتصل بالفضاء الخارجي إلا من خلال فتحة الشباك، (1/115)
صفحة 116
في السقْف، التي يمكن أن تُغَطى بيُسر ضد عوارض الطقس المختلفة، فإضافة إلى كونه يمثل مجالا للعب الأطفال، فإنه يعتبر الفضاء الذي تحصل فيه كل النشاطات المنزلية تقريبا، ابتداء من المطبخ حيث يأخذ الموقد زاوية منه، وغسل الأواني والثياب وغيرها، كما أن النسيج الذي يعتبر من أهم نشاطات المرأة فإنه عادة يحتل جانبا معينا ومخصوصا من وسط الدار (3). (الشكل2،1) (الصورة3)
ويكون وسط الدار أيضا مكانا يرقد فيه الأطفال ليلا عندما يكون الطقس معتدلا، كما يُستعمل في الأعياد الدينية والأفراح.
فوسط الدار هو الفضاء الرئيسي في المسكن، ليس فقط من حيث توزيعه وهيكلته لمختلف الفضاءات فيه، ولكن من حيث أنه يمثل الفضاء الرئيسي الذي تدور فيه مختلف الأنشطة (4).
وانعكست أهمية هذا الفضاء الحساس والهام في شكله الاستطالي ومساحتُه تتراوح عموما: 17.91م2، وتتوسّطه دعامات لتدعيم السقف، وفي بعض الأحيان تحل محلها أعمدة يتراوح عددها بين اثْنين وثلاثة، وقد تكون في بعض الحالات مدمجة في الجدران، ومن حوله مختلف الفضاءات مما جعل شكله متوازنا، وكانعكاس
__________
(1). Marcel Marcier; Op.cit.,p:248 - 251.
(2) . André Ravéreau; Le M'zab une leçon d'architecture ,Sindbad, Paris, 1981, P:124.
(3) Ibid, P:125
(4) . أسامة النحاس، عمارة الصحراء، دار الكتب المصرية، د. ت، ص:207.
لكثرة النشاطات فيه فإن مقاييسه تكون مرتفعة نسبيا ويكون بذلك أهم فضاء في المسكن.
7 - غرفة الاستقبال للرجال (لَعْلِي) (1):
كما سبق ذكره عن هذه الغرفة من حيث اتصالها المباشر بالسقيفة واختصار وظيفتها على الرجال دون النساء، فإنها أيضا يمكن أن تكون في الطابق الأرضي، فتُدعى بذلك "حُجْرة" أو"دْوِيرة" أو في الطابق العلوي حيث تكون معزولة أكثر عن فضاء النشاط اليومي للنساء فيطلق عليها "لَعْلِي"، كما يكون لها فتحات على الطريق أو السطح، ويُخصص لها مدرج يكون عادة في السقيفة أو بجانبها (2). (الشكل2،1)
8 - غرفة الاستقبال للنساء (تِزَفْري) (3):
إنّ من أنشطة المرأة الرئيسية في مزاب النسيج، الذي يوفر لوازم العائلة من اللباس والغطاء والفراش، إضافة إلى كونه يشكل سندَها الاقتصادي باعتبار ضعف مورد رزقها المتمثل في الفلاحة التي كثيرا ما كانت تلاقي صعوبات جمة من حيث قلة المياه وصعوبة المناخ. (1/116)
صفحة 117
لذلك نجد المرأة تقضي كامل يومها تقريبا أمام المنسج الذي يتحول معها كامل السنة وحسب الفصول من فضاء إلى آخر ومن المدينة إلى الواحة، ونجده ينتقل في المسكن ذاته من تِزَفْرِي إلى وسط الدار ومنه إلى الرواق إكُومَار، كما أن النساء في مزاب كثيرا ما ينتقلن من مسكن إلى آخر للتعاون في النسيج.
وتبعا لما سبق، وباعتبار أن تزفري هو الفضاء الذي تقضي فيه المرأة معظم يومها تقريبا، وتستقبل فيه ضيوفها، فقد كان موقعه أساسيا في المسكن، حيث يحتل أفضل مكان فيه من حيث الوجهة فيكون عادة موجها إلى القبلة ليتمتع بأشعة الشمس صباحا خلال الشتاء وذلك عبر فتحة الشباك الأفقية التي تكون قريبة منه، ويتصل هذا الفضاء بوسط الدار مباشرة بواسطة فتحة كبيرة دون باب كما يكون بجانب السقيفة دون أن يفتح عليها، حيث تستطيع المرأة ومن خلال ثقب صغير مراقبة من يريد الدخول إلى المسكن، أما مراقبة وسط الدار فهي تتم من خلال تلك الفتحة الكبيرة وينطلق المدرج عادة من جانب تزفري، ويتم بذلك مراقبته
__________
(1). ديوان حماية وادي مزاب وترقيته، المسكن التقليدي ... ، المرجع السابق، ص:06.
(2). محمد التريكي، خالد بوزيد، المعمار والممارسات الاجتماعية، مزاب بين الماضي والحاضر، رسالة دكتوراه الدرجة الثالثة، المعهد التكنولوجي للفنون والهندسة المعمارية والتعمير، تونس، جوان 1989م، ص:75.
(3). ديوان حماية وادي مزاب وترقيته، المسكن التقليدي ... ، المرجع السابق، ص:06.
دون أن تتكلف المرأة مشقة عناء التنقل، وبالتالي التوقف عن النسيج، كما يحتوي هذا الفضاء أحيانا على رحى حجرية بحيث يمكن لإحدى النساء طحن القمح دون الابتعاد عن رفيقاتها (1).
إن لتزفري مقاييس لا يمكن تجاهلها عند التصميم، وهي راجعة أساسا لمقياس المنسج المستعمل في مزاب، فلا يمكن بأي حال أن تكون مساحة تزفري أقل من 2 - 6م، كما أنه لا يمكن تجاوز المقاييس التي تحددها مواد البناء. (الشكل2،1)
9 - الغُرَف:
تتوزع غرف المسكن بين الطابق الأرضي والطابق العلوي، وهي مخصصة لأسر العائلة حيث تكون التي في الطابق الأرضي للأسر القديمة، بينما تُخصص التي في الطابق العلوي للأسر الحديثة، أي حديثة الزواج، وذلك مراعاة للسن حيث أن الجد والأب لا يقدران عادة على الصعود إلى الأعلى بسهولة ويسر، وتوفيرا لنوع من الاستقلالية والراحة النفسية التي يتطلّبها الزوجان الجديدان.
إن هذه الغرف تكون صغيرة، لا تحتوي عادة على الأثاث، فالفراش عبارة عن دكانة أو مسطبة والخزانة عبارة عن كوات في الحائط، الذي تُثْبت فيه أوتادٌ تُستعمل عادة لتعليق الثياب، أما عن عرض هذه الغرفة فهو يتناسب مع عرض الفراش، وتغلف هذه الغرف في الشتاء بالزرابي، والسقف (1/117)
صفحة 118
ذاته يُغَلف بنوع من القماش ذو ألوان طبيعية زاهية توفر للنائم مساحة جميلة ينظر إليها، وتمنع عنه تساقط حبات الرمل أو الجير من السقف (2).
أما عن فتحات الغرف، فإنّنا لا نجد سوى بعض الفتحات الصغيرة نسبيا التي تساهم في عملية التهوية والإضاءة، والباب الذي رغم قصر طوله حيث لا يتجاوز عادة 1.30م، والدخول منه عاديا وسهلا وذلك بعد تجاوز العتبة التي ترتفع حتى40 سم، لمنع تسرب الرياح والهواء البارد في الشتاء والحشرات والزواحف السامة في فصل الصيف. (الشكل2،1)
10 - المطبخ:
في الحقيقة لا وجود للمطبخ في المسكن المزابي قديما كفضاء خاص مستقل بالمفهوم المتداول حاليا، ويُطلق عليه محليا "إنَّايَنْ"، ذلك أن الأكل لا يعتبر في التراث المزابي والإسلامي عموما مهمة رئيسية، بل إنّه لا يعدو أن يكون تلبية عابرة لحاجة فطرية كما يقول المثل "نأكل لنعيش، ولا نعيشُ لنأكل".
__________
(1). Donnadieu C,et P / Didillon H et J.M; op.cit, pp :82 - 83.
(2) . Donnadieu C,et P / Didillon H et J.M; op.cit, pp :84 p: 84.
ويقتصر المطبخ في مزاب على موقد يمنع عند إنشائه إسناده إلى حائط الجار إلا برضاه أو يحدث له ضررا، أما عن موقعه فإنه يكون عادة في زاوية من وسط الدار بشكل تستطيع المرأة من خلاله مراقبة كل ما يحدث في المسكن والمدخل بصفة خاصة، كما تجدر الإشارة إلى وجود موقد في الطابق العلوي فوق الموقد الأرضي مباشرة لاستعماله في فصل الصيف (1). (الشكل2،1)
11 - غرفة التخزين (بَاجُو):
الحياة الصحراوية القاسية وقلة الموارد ومحدودية عطاء وإنتاج الأرض أجبرت الإنسان في مزاب أن يخصص غرفة أو غرفتين للتخزين في كل مسكن، تقي العائلة شر الأزمات الغذائية المتتالية الناتجة عن الجفاف وقساوة الطبيعة، وبفضل هذا الأسلوب استطاع الإنسان البقاء والصمود في هذه المنطقة الصحراوية الجافة طيلة هذه القرون العديدة (2).
أما عن موقع هذه الغرفة فهي تقع في الطابق الأرضي أو العلوي أو كليهما معا، وبها إناء كبير من الفخار أو من مواد بناء أخرى يبنى على شكل نصف جرة يتخذ لخزن التمر. (الشكل2،1)
12 - الكنيف (أَجْمِيرْ) (3).
نجدهما في الطابقين الأرضي والعلوي من مؤخر المسكن وفي مستوى عمودي واحد لتسهيل عملية جمع الفضلات، ويرجع وجودهما في الطابقين إلى الاستعمال المتوازي لهما، ويمتاز هذان الفضاءان بمحدودية مساحتهما ويفتقران عادة إلى الأبواب لأن شكلهما المعماري صيغ بطريقة تحجب النظر من الخارج إلى الداخل. (1/118)
صفحة 119
وتبعا لندرة الماء في هذه المنطقة سابقا، فإن استعماله يخضع لعدم الإسراف والتبذير والاكتفاء بالحاجة فقط، ولذلك نجد سابقا أن الرطوبة في الجدران تكاد تكون منعدمة تماما عكس بعض المساكن الموجودة في شمال إفريقيا، وكذلك فقد منع توجيهه إلى جهة القبلة وإسناد المرحاض والمغسل إلى حائط الجيران دفعا للضرر (4). (الشكل2،1)
13 - الرواق (إِيكُومَارْ):
إن وجود إيكومار في كل مسكن هو تعبير عن أهميته، حيث أنه يمثل فضاء انتقاليا بين الغرف في الطابق العلوي والطابق الأرضي من جهة، والسطح غير المغطى وغير المحمي تماما من عوارض الطقس المختلفة من جهة أخرى.
__________
(1). محمد التريكي، خالد بوزيد، المرجع السابق، ص:79.
(2). نفسه، ص:101.
(3). ديوان حماية وادي مزاب وترقيته، المسكن التقليدي ... ، المرجع السابق، ص:09.
(4). محمد التريكي، خالد بوزيد، المرجع السابق، ص:103.
إنّ هذا الفضاء وبتوجيهه نحو القبلة والغرب فإنه يوفر لمن يستعمله خلال النهار شتاء حدًا أقصى من الكسب الشمسي وبالتالي التدفئة الطبيعية، زيادة إلى أنه يكون بمعزل عن الرياح الباردة ولذلك نجده غالبا ما يستعمل من طرف العائلة خلال النهار في فصل الشتاء كمكان للجلوس وقضاء الحوائج المنزلية، حيث يكون مُعرَّضًا للشمس تقريبا من ساعة شروقها إلى ساعة غروبها، كما يُحوَّل إليه المنسج في بعض الأحيان للاحتماء من البرد بأشعة الشمس الدافئة (1) هذا عن وظيفته، أما عن شكله فهو عبارة عن رواق بشكل حرف " L" مفتوح نحو السطح بواسطة سلسلة من الأقواس، وفيه نجد مداخل الغرف والمدرج الذي يصعد من الطابق الأرضي. (الشكل2،1) (الصورة:4)
14 - السطح (أَنّجْ أَمُقْرَان):
باعتبار أن وسط الدار في الطابق الأرضي غير مفتوح كلية كبقية المساكن في شمال إفريقيا حيث تقتصر فتحته على شباك أفقي، وباعتبار قلة الفضاءات المسقوفة في الطابق العلوي فإن ذلك يوفر مساحة كبيرة غير مغطاة تستعمل طيلة السنة، نهارا خلال الشتاء؛ وليلا خلال الصيف للنوم، بالإضافة خصص مكان فيه لخزن الحطب، ونلاحظ معماريا اختلاف في مستويات أرضية السطح نظرا للطبيعة الجبلية التي بني عليها المسكن، وجدرانه قصيرة نسبيا بقامة الإنسان أقيمت على أساس العرف المبني على فقه العمران الإسلامي (2). (الشكل:2،1) (الصورة:5)
15 - وسائل الدعم والإنارة والتهوية:
يضم المسكن التقليدي مجموعة من العناصر المعمارية، التي تتشابه ومساكن المغرب والمشرق (1/119)
صفحة 120
الإسلامي إلا إذا استثنينا أنها في منطقة وادي مزاب بسيطة في إنشائها وخلوها من الزخارف.
16 - الأعمدة:
العمود هو ما تحامل الثقل من فوق كالسقف يعمد بالأساطين المنصوبة (3)، وهو ما يدعم به السقف والجدار (4)، وقد عرفت الأعمدة في الأبنية منذ العصور القديمة، ففي العمارة المصرية القديمة نجد الأعمدة المربعة والمستديرة وذات القنوات التحليلية وأعمدة اللوتس والبردي والأعمدة المركبة، وفيما يتعلق بالعمارة الإغريقية العمود الدوري والعمود الأيوني والعمود الكورنثي الذي انتقل من العمارة الرومانية إلى العمارة البيزنطية ثم أضاف الرومان إلى هذه الأعمدة المشار إليها العمود التوسكاني الذي هو اشتقاق
__________
(1) Marcel Marcier; Op.cit.,P:186
(2) يوسف الحاج سعيد، المرجع السابق، ص:117.
(3) عبد الرحمن ابن منظور، المصدر السابق، ج:4، ص:295.
(4) عبد الرحيم غالب، موسوعة العمارة الإسلامية، جروس بيرس، بيروت، لبنان، 1988م، ط:1، ص:33.
مبسط من العمود الدوري وثانيهما العمود المركب (1). (الشكل:2،1) (الصورة:4)
أمّا في العصر الإسلامي فقد بدأ المسلمون في استخدام جذوع النخيل لحمل سقوف مساجدهم الأولى مثل ما حدث في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومسجد عمرو بن العاص في الفسطاط ثم شرعوا في استخدام ما وجدوه من أعمدة في الأبنية القديمة وخاصة منها المهجورة في البلاد المفتوحة، سيما منها الأبنية الإغريقية والرومانية والبيزنطية والقبطية فانتفعوا بأعمدتها وتيجانها وقواعدها فيما أنشأوه من العمائر (2). ولكن ما لبثوا أن استنفذوا ما وجدوه من أعمدة في هذه العمائر القديمة، فابتدع المعماري المسلم طرازا فنيا جديدا حيث ابتكر أول هذه الأشكال: أعمدة البدن ذات تيجان قوسية أو رومانية ومن أمثلتها ما نراه في أطلال قصر المعتصم المعروف بالجوسق الخاقاني بسامراء، ثم تنوّعت الأعمدة الإسلامية فاحتوت على أشكال: دائرية ومثمّنة ومستطيلة، واستخدمت لعدة أغراض للتدعيم حينا وللزخرفة أحيانا أخرى في استعمالها على جانبي الأبواب والمداخل (3).
لم تكن الأعمدة الإسلامية كثيرة الارتفاع حيث لم تتجاوز المترين إلا نادرا وكان يعوض عن هذا القصر برفع العقود فوقها ثم يعلو بعضها بعضا أحيانا للحصول على المطلوب للسقف (4)، أما من الناحية المعمارية للعمود فيتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية وهي: التاج وتعلوه القرمة وتعلوه الحدّارة فيستريح عليها كتف العقد، ويرتكز التاج على البدن وهذا يتكئ على قاعدة دائرية تحملها حليات، قد تخرج عن دائرة أسفل العمود، وعادة تحمل الدائرية وله أساس تحت مستوى بلاط (1/120)
صفحة 121
الأرض تسمى وسادة (5).
كما أنّ المباني الجزائرية المشيدة خلال الفترة العثمانية تحوي على نوعين من الأعمدة المصنوعة من الرخام والأعمدة المصنوعة
__________
(1) عاصم محمد رزق، العمارة والفنون الإسلامية، مكتبة مدبولي، دار جهاد، 2000م، ص:203.
(2). نفسه.
(3). نفسه.
(4). عبد العزيز قرمان، الدعائم والحوامل في العمارة الإسلامية، دراسة نموذجية للمنشآت المدينة لمدينة مليانة في العهد العثماني، مجلة الآثار، معهد الآثار، جامعة الجزائر، دار الملكية، الحراش، الجزائر، العدد: 08، 2009م، ص: 212.
(5). عبد الرحيم غالب، المرجع السابق، ص:193.
من الحجر الجيري أو الكلسي، فالنوع الأول مستورد من إيطاليا، حيث لم يكن للأتراك مثل هذا الإنتاج المتقن الصنع (1).
تحتوي المساكن في مزاب على أعمدة أسطوانية، بنيت بالحجارة والتِّمْشَمْتْ، ترتكز على أرضية لها قاعدة مستطيلة.
17 - الدعامات:
جمع دعائم وهي عماد المسكن الذي يقوم عليه، وهو ركيزة من الخشب أو عمود حجري من قطعة واحدة أو مبني من عناصر بنائية مختلفة تحمل حائطا أو تدعم سقفا (2)، كما تكون أضخم من العمود العادي قاعدتها مستطيلة ومربعة أو دائرية مثل جامع ابن طولون بالقاهرة، كما تقوم الدعائم بسند الجدار ودعم السقوف وتثبيتها، حيث يوزع ثقل السقف توزيعا عادلا كما تعمل على حمل أطراف العقد، وهي عنصر معماري قديم وجد بالمباني القديمة، واستعملت في أول الأمر بطريقة نظامية في آثار سوسة إذ تضفي ضخامة جمالية للمبنى، كما أن الدعامة أسهل في التشكيل من العمود وقليلة التكلفة (3)، ونلاحظ أنها على انتشار واسع في العمارة الصحراوية وخاصة منها عمائر بني مزاب، مثلما نجده في المسكن المزابي المتزاوجة بين الدعائم ونصف الدعائم الموجودة في صحن الطابق الأرضي. (الشكل2،1) (الصورة4)
18 - العقود:
لقد عرف العرب المسلمون أنواعا عديدة من العقود في أشكالها وأساليبها، ويعتبر العقد المدبب ابتكارا معماريا عربيا إسلاميا، وهي على نوعين: العقد ذي المراكز الأربعة والعقد ذي المركزين، فالأول ظهر في بداية الأمر في باب بغداد بمدينة الرقة في سوريا سنة 722م وفي باب العامة (1/121)
صفحة 122
بسامراء في العراق، وفي جميع البوائك في جامع أبي دلف أما العقد المدبب ذي المركزين فقد ظهر في جامع الأمويين بدمشق، وجامع ابن طولون بمصر (4).
وعرف المسلمون العقد الشبيه بحذوة الفرس في الشام والمغرب والأندلس، كما عرفوا العقد المنفرج في الجوامع الفاطمية، وبجامع القيروان وجد عقد يجمع بين العقد المدبب ذي المركزين، وعقد حذوة الحصان، كما عرف العرب العقد المفصص ويتكون من مجموعة
__________
(1). عبد الرحيم غالب، المرجع السابق، ص:293، ينظر كذلك: محمد الطيب عقاب، قصور مدينة الجزائر في أواخر العهد العثماني، دار الحكمة، الجزائر، 2000م، ص:130.
(2). عبد الرحيم غالب، المرجع السابق، ص:108.
(3). منى دحمون، قصر بوسمغون بولاية البيض، دراسة أثرية تحليلية، رسالة لنيل شهادة الماجستير في الآثار الإسلامية، معهد الآثار، جامعة الجزائر، 2005م، ص:130.
(4). محمد حسين جودي، العمارة العربية الإسلامية، خصوصياتها، ابتكارها، جماليتها، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان، الأردن، 1998م، ص:69.
أقواس متتالية، وأول ظهوره كان في باب بغداد في مدينة الرقة، وسامراء في نوافذ جامعها الكبير المشيد في القرن 9م، وشاع خصوصا في المغرب والأندلس حيث ظهر في رواق المسجد الجامع بقرطبة والذي يرجع تأريخه إلى القرن 10م، كما يوجد العقد المكوّن من ثلاثة فصوص في مداخل المدارس المملوكية في مصر في مدرسة السلطان حسن، ومدرسة السلطان برقوق، واستخدم العقد الذي يزين باطنه المقرنصات في بلاد المغرب والأندلس، وأجمل مثال على ذلك وجد في قصر الحمراء في غرناطة وفي مدارس المرينيين بفاس وأضرحة السلاطين السعديين بمراكش، كما أن العقد المستقيم الذي يتكون من أحجار متداخلة تؤلف خطا مستقيما وجد في قصر الحير الشرقي ببادية الشام وفي المداخل الثانوية في جامع الحاكم بأمر الله الفاطمي بمصر (1)، كما عرف المسلمون العقد الذي كان يرسم على هيئة نصف دائرة من غير تدبيب في قمته أو تطويل في أرجله أو أطرافه، وهو نوع من الطرز التي كانت سابقة على الإسلام ولكن استعماله ساد لفترات طويلة.
وقد استعمل في العمائر الرومانية والبيزنطية ولقد اختلف الباحثون في أصله مثله: قوس النصر الروماني المؤرخ بحوالي:200ق م وكذلك استعمله البيزنطيون، ثم انتقل إلى العمارة الإسلامية وانتشر بالشام والمغرب والأندلس، ومنها المستعمل في قبة الصخرة وقصر الحير الشرقي (110هـ/728م) وقصر الأخيضر ببادية العراق 161هـ/777م)، والجوسق الخاقاني بسامراء (2)، كما ظهر في الفترة العثمانية بالجزائر بمسجد الباشا بوهران وعلى أبواب مسجد علي بتشين بالجزائر (3).
أما التي استعملت في المسكن المزابي فهي العقد المنكسر والعقد المتجاوز والعقد نصف إهليليجي (1/122)
صفحة 123
والعقد النصف الدائري وهذا الأخير هو الأكثر استعمالا في العمارة المزابية لسهولة انجازه بالمقارنة بالأنواع الأخرى ونجدها في الطابق الثاني في الممر المسقوف على شكل بوائك تطل على الصحن، وتبنى هذه العقود بالحجارة المصفوفة بالترتيب بالتقابل. (الشكل2،1) (الصورة4)
19 - الكوات:
__________
(1). محمد حسين جودي، المرجع السابق، ص:70.
(2). عبد العزيز قرمان، المرجع السابق، ص:222.
(3). مبروك مهيرس، المساجد العثمانية بوهران ومعسكر، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، 2009م، ص:130.
نقصد بمصطلح الكوّات هنا الكوات غير النافذة أي الفتحات الصماء، وتكون عبارة عن تجاويف مفتوحة في جدران المباني الداخلية، وقد لاحظنا أنها تشغل حيزا معتبرا من جدران المساكن، وذلك تبعا لطبيعة الوظائف الاجتماعية حيث تستعمل لوضع المصابيح الزيتية للإنارة ووضع المواد المضرة بالصغار كالسكاكين والمقص والكبريت، ولها عدة أشكال: مربعة ومستطيلة ومتفاوتة الأحجام وقد تكون معقودة بعقد نصف دائري مثل الكوات التي تحلي بعض جدران الغرفة (1)، ونلاحظ كثرة استعماله في المسكن وهذا راجع إلى عدم اعتماد الأثاث بكثرة. (الصورة:5،3)
20 - الفتحات:
يعد الهواء والضوء عنصرين أساسيين للحياة، فكان لابد من تأمينهما داخل المباني، وهنا جاء الدور الهام للفتحات في العمارة المدنية، كما أنها تعمل على تجديد التيار الهوائي وبالتالي عدم تركه في المسكن (2)، بالإضافة إلى ما تؤديه هذه الفتحات في عمليتي الإضاءة والتهوية داخل المباني، ويمنع تقابل النوافذ أو فتحها مباشرة على أملاك الغير، وكل هذا حتى لا يؤذي الجار بالكشف عن حرماته، وقد وردت كيفية إقامة النوافذ في كتاب ابن الرامي في سد محدثة من المدونة، قال سحنون: "قلت لابن القاسم: أرأيتَ لو أن رجلا بنى قصورا إلى جانب داري ورفعها عليّ وفتح فيها أبوابا وكوى يشرف منها على داري وعيالي، أيكون لي أن أمنعه من ذلك في قول مالك (رحمه الله)؟ قال: نعم، إنه يمنع من ذلك، قال مالك: وقد قال ذلك عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في رجل أحدث غرفة على جاره ففتح فيها كوة، فكتب عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): أن يوضع وراء تلك الكوة سرير، ويقوم عليه شخص، فإن كان ينظر إلى ما في الدار منع من ذلك، وإن كان لا ينظر لم يمنع. وما كان من ذلك مما لا يتناول النظر إليه لم يمنع من ذلك، وأما إذا أحدث كوى أو أبوابا يشرف منها فهذا الذي يمنع منها ويقال سدها" (3). (الصورة:4،2)
الخاتمة:
العمارة المدنية في منطقة وادي مزاب التي جسدها العنصر الهام والمكون لها وهو المسكن، بحيث (1/123)
صفحة 124
ظل وفيا لاحتياجات ساكنيه مع
__________
(1). بلحاج معروف، المرجع السابق، ص:242.
(2). محمد الطيب عقاب، مساكن قصر القنادسة الأثرية، دراسة معمارية أثرية، دار الحكمة، الجزائر،2007م، ص:105.
(3). أبي عبد الله محمد بن إبراهيم اللخمي عرف بابن الرامي البناء، الإعلان بأحكام البنيان، تحقيق ودراسة: فريد بن سليمان، تق: عبد العزيز الدولاتي، مركز النشر الجامعي،1999م، ص:67.
استجابة والتزام بالتعاليم الدينية أو بما يسمى بالعرف التقليدي في البناء والعمران.
خضع المسكن المحلي في تخطيطه وهيكلته لأسس المسكن المنتشر حول البحر الأبيض المتوسط وفي شمال إفريقيا على الخصوص، وذلك باعتماده على فضاء يتوسطه ويهيكل مختلف الفضاءات حوله، والذي من خلاله أيضا تنفذ أشعة الشمس ويتم تهوية مختلف مجالات المسكن الأخرى، بحيث له خصوصيات ميزته عن غيره، وذلك ناتج عن تفاعله مع محيطه الطبيعي الجغرافي والمناخي، إضافة إلى كونه انعكاسا لفكر المجتمع و نمط حياته. (الشكل2،1).
/الصورة 1: الهندسة المعمارية لمدن وادي مزاب عن OPVM.
/
/
الصورة3: وسط الدار بمسكن لمدن منطقة مزاب.
/
/الصورة5: سطح مسكن بمدينة مليكة.
/
الرحمن (1/124)
صفحة 125
ملاحظات حول الهجرة غير الشّرعيّة
الدكتور حمو بن عمر فخار
أستاذ القانون الجنائي
قسم الحقوق جامعة غرداية
Fekhar71@gmail.com تمهيد:
الهجرة ظاهرة جغرافيّة، تعبّر عن ديناميكيّة سكّانيّة، على شكل تنقل سكان من مكانٍ إلى آخر، و ذلك بتغيير مكان الاِستقرار الاِعتيادي للفرد، و هي جزء من الحركة العامة للسكان. (1)
كما تعني أيضا في أبسط معانيها حركة الانتقال -فرديا كان أم جماعيا- من موقع إلى آخر بحثا عن وضع أفضل اجتماعيا كان أم اقتصاديا أم دينيا أم سياسيا (2).
فإذا كانت الهجرة في السابق تتم بصورة انسيابية تبعا لأغراض محددة سلفا, فإن اعتماد مبدأ ترسيم الحدود بين الدول وتنازع المصالح السياسية والاقتصادية زاد من حدة التعاطي مع مسألة الهجرة، مع فارق مهم هو أن توالي موجات الهجرة في هذه الرقعة من العالم في العقود الأخيرة كانت تتم بصورة عمودية من الجنوب نحو الشمال.
ولما كان موقع الجزائر يحتل موقعا استراتيجيا مهما من حيث اطلالها على البحر الابيض من جهة، وامتدادها في العمق الافريقي من جهة ثانية، وبحكم ثرواتها والمشاكل الاجتماعية المتزايدة بها، كل هذه المعطيات جعلت منها بلد هجرة بامتياز. فهي من جهة مصدرة للهجرة بالنسبة إلى الضغوط الاجتماعية التي يعيشها شبابها، وبلد عبور للمهاجرين غير الشرعيين بحكم اتصالها بالمتوسط، وبلد استقبال في العقد الأخير بالنظر إلى ما تزخر به من ثروات واستقرار أمني نسبي بالمقارنة مع دول الجوار (3).
في هذه المقالة نحاول الإجابة على الإشكالية الآتية:
كيف هو واقع الهجرة غير الشّرعية في الجزائر وما هي الآليات المتخذة من أجل مكافحتها؟
__________
(1). www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=144798.
(2) . ساعد رشيد، واقع الهجرة غير الشرعية من منظور الأمن الإنساني، مذكرة ماجستير في العلوم السياسية، جامعة محمد خيضر بسكرة، 2011/ 2012، ص 10.
(3). عبد الحليم بن مشري، جهود الجزائر لتحقيق التعاون الدولي في مجال مكافحة تهريب المهاجرين، مجلة المفكر، جامعة محمد خيضر بسكرة، العدد 12، ص 102.
وقبل التطرق إلى الإجابة على هذا السؤال حري بنا الوقوف عند المقصود بهذا المصطلح (الهجرة غير الشرعية) ثم واقع الهجرة غير الشرعية في الجزائر وأخيرا الآليات المتخذة في هذا الصدد.
أولا: المقصود بالهجرة
أـ الهجرة الشرعية (القانونية)
هي السفر من البلد الأصلي إلى بلد آخر، بصفة شرعية أي عن طريق إجراءات قانونية واضحة؛ إذ يخضع الأجنبي "وهو الشخص الّذي لا يتمتع بجنسية البلد الذي يقيم فيه أو لا يتمتع بأية جنسية". (1) وفيما يخصّ دخوله إلى الإقليم وإقامته به وتنقّله فيه لاستيفاء الإجراءات المنصوص عليها في (1/125)
صفحة 126
هذا القانون ونصوصه اللاّحقة، ويجب على الأجنبي فيما يخص إقامته أن يكون حائزًا على وثيقة السفر وتأشيرة قيد الصّلاحيّة، وكذا الرّخص الإداريّة عند الاِقتضاء. كما يجب عليه إثبات وسائل العيش الكافية له طوال مدّة إقامته بالإقليم، مع مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل، ويخضع الأجنبي الذي يرغب في الإقامة المؤقّتة بالإقليم الجزائري للاِلتزام باِكتتاب التأمين على السّفر. (2)
إذ يمكن للأجنبي التّنقل والتجول في البلد المستقبل بكل حرية مع مراعاة الإجراءات التي يفرضها القانون والمحافظة على الأمن العام والصحة العامة. (3)
ب ـ الهجرة غير الشرعية (غير القانونية):
هي انتقال الأفراد أو جماعة من مكان إلى مكان آخر بطرق سرية مخالفة لقانون الهجرة، كما هو متعارف عليه دوليا (4). بالإضافة إلى استعمال عدة وسائل للوصول إلى المبتغى (الضفة الأخرى) منها: الاختباء في السيارات أو حافلات السواح أو السفن التجارية أو السياحية، الاختباء في مناطق صغيرة في السفينة بجانب المحرك تعرض حياته للخطر الأكيد.
__________
(1). ابتسام القرام، المصطلحات القانونية في التشريع الجزائري، قصر الكتاب، البليدة، طبعة 1998، ص 30.
(2). المادّة 04 قانون رقم11.08، المؤرخ في21 جمادى الثانية 1429 الموافق لـ 25 يونيو (جويلية) 2008، المتعلق بشروط دخول الأجانب إلى الجزائر وإقامتهم بها وتنقلهم فيها.
(3). بن عبيدة عبد الحفيظ، الجنسية ومركز الاجانب في الفقه والتشريع الجزائري، دار هومة، 2005، ص 45.
(4). مجلة الجيش، العدد497، ديسمبر2004، ص32
ومن الوسائل الشائعة في الهجرة غير الشرعية، ركوب قوارب صغيرة مطاطية يكدس فيها آلاف المهاجرين بطريقة عشوائية وغير مهيأة للسفر، ولخطورتها وقلة الناجين من ركوبها، تدعى: قوارب الموت. وتحجز الأماكن في هذه القوارب مسبقا، وبطريقة في غاية السرية عن طريق مجموعات وشبكات مخصصة لذلك، مقابل مبالغ مالية تتراوح ما بين 1000 إلى 5000 دولار أمريكي. وقد تنخفض المبالغ أو ترتفع عن هذا المستوى وذلك حسب ضمانات نجاح الرحلة (1).
وقد أخذت الهجرة غير الشرعية اليوم، مصطلح: "الحرقة" باللهجة العامية الجزائرية، وذلك لقيام المهاجرين الذين كتبت لهم النجاة من الغرق في البحر الأبيض المتوسط ويصلون سالمين إلى شواطىء أوروبا بحرق أوراق هويتهم، أملا في اكتساب هوية جديدة (2).
ثانيا: واقع الهجرة غير الشرعية في الجزائر
من خلال متابعة الإحصائيات وما تنشره الصحافة الوطنية والدولية عن أخبار الهجرة السرية عن طريق البحر، نجد أن الظاهرة بدأت سنة 1998 بدأت بأعداد قليلة ثم تفاقمت سنة بعد سنة حتى (1/126)
صفحة 127
وصلت درجة عالية من الخطورة مست العديد من الدول و منها الجزائر (3).
إذ أن الدراسات الحديثة المتعلقة بالموضوع قد وضعت تحليلا لمجموعات المهاجرين وصنفتهم كالآتي:
أ- المهاجرون غير الشرعيين من حيث السن:
معظم المهاجرين غير الشرعيين نجدهم شبابا تتراوح أعمارهم ما بين 20 إلى 35 سنة، كما تدل على ذلك مختلف الدراسات ومحاضر مصالح الأمن في دول المغرب العربي، والتي تبرز بعضها أن الرغبة في
__________
(1). www.swmsa.com/modules.php?name-News&file-articel&sid-1777.
(2) . وعن دوافع الشباب لهذه الهجرة، ذكر تقرير صادر عن الأمم المتحدة أن أسباب الهجرة الجماعية غير الشرعية يعود إلى ازدياد أعداد الشباب في دول العالم الثالث وتناقص فرص العمل، إضافة الى زيادة حدة الفوارق بين الدول الغنية والفقيرة، كما ازداد الوعي بهذه الفوارق وأصبح السفر متاحا للجميع بسبب التقدم الذي حدث في الاتّصالات الدولية ووسائل السفر والعولمة، في الوقت الذي تقلصت فيه منافذ الهجرة الشرعية وبالتالي يقع الشباب في المحظور من خلال اللجوء إلى سماسرة السوق الذين يتقاضون من كل شاب يريد السفر الى قرابة 30 ألف جنيه وتنتهي رحلة الشباب إما بالموت أو السجن./طارق عبد الحميد الشهاوي، الهجرة غير الشرعية '' رؤية مستقبلية، دار الفكر الجامعي، الاسكندرية، مصر 2008، ص48.
(3). ساعد رشيد، المرجع السابق، ص 22.
"الحرقة"، موجودة عند 19% من السكان النشيطين وهي أعلى عند الطلبة إذ تبلغ 54%.
ولكن اليوم لم يعد لفظ الشباب لصيقا بعبارة "المهاجرين غير الشرعيين" بل انتقلت عدوى هذه الظاهرة إلى أطفال (قصر) ما فتئوا أن تعرفوا إلى بلادهم، اختاروا التربص بالشاحنات المحملة بالبضائع المستعدة لعبور البحر في المدن الساحلية، بحثا عن مخابئ سرية في الأسفل قريبا من العجلات والمحرك، حيث يقضي هؤلاء "الحراقة الجدد"، أكثر من عشرين ساعة في البحر المعرض للخطر الأكيد، حتى يصلوا إلى وجهتهم. بحيث يلاحظ وجودهم بشكل هائل وغير متوقع في بعض المدن جنوب القارة الأوروبية (1).
والشيوخ أيضا صارت تستهويهم المغامرة، إذ لم يفقدوا الأمل بعد بعيش حياة أفضل من السابقة، فيصرون على حجز مكان ما بقارب من قوارب الموت أملا في بلوغ الضفة الأخرى.
ومن اللاّفت للنظر في تفاصيل رحلة الموت التي تربصتها جريدة "الشروق" اليومية، وجود عجوز تبلغ الستين من عمرها، المنحدرة من ولاية قالمة الجزائرية، والتي كانت قد طردت من فرنسا لعدم (1/127)
صفحة 128
حيازتها على وثائق الإقامة ترافق مجموعة من المغامرين الشباب في رحلتهم الخطرة. وأمام تقدم سنها وتدهور حالتها الصحية والنفسية طالت مسيرتها وقطعت مسافة 40 كلم، مشيا على الأقدام، للوصول إلى اليونان عبر غابة كثيفة مؤدية إلى مدينة "أليكسندربول" اليونانية. (2)
ومن هنا يتضح أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بالرجال لوحدهم بل النساء أيضا يشاركن في الهجرة غير الشرعية.
ب- المهاجرون غير الشّرعيين من حيث الجنس:
اللافت للنظر في الدراسة التي أعدتها خلية الاتصال بقيادة الدرك الوطني أن هذه الأخيرة أجهضت العديد من رحلات الموت، أسفرت عن توقيف 7824 مرشح للهجرة غير الشرعية، منهم 129 امرأة أغلبهن شابات، أي بنسبة تعادل 2.45% من مجموع الموقوفين.
__________
(1). www.swmsa.com/modules.php?name-News&file-articel&sid-1777
(2) . جريدة الشروق اليومية، العدد الصادر يوم 03/ 02/2009.الخبر المعلن تحت عنوان "قراصنة أوروبيون احتالوا على حراقة جزائريين، وزجوا بهم إلى السجن".
حيث لم تشر الدراسة إلى أعمارهن ووضعياتهن الاجتماعية والمهنية، لكنها وصفت الأمر بالخطير والإجرامي. (1)
إذ أصبح وجود العنصر النسائي في المجال الاقتصادي لدول الاستقبال، لا يقتصر فقط على هذا الصنف من النساء اللواتي هاجرن تحت رعاية أزواجهن، فالنساء أصبحن يهاجرن فرادى. ويتعلق الأمر هنا بفتيات عازبات ونساء مطلقات أو أرامل وأحيانا نساء متزوجات (أمهات أو بدون أطفال)، يقصدن دول الاستقبال.
جـ- المهاجرون غير الشرعيين من حيث المستوى الدراسي:
لم يصبح المهاجرون غير الشرعيين هم العمالة البسيطة التي يمكن أن تقبل أدنى الأعمال بأدنى الأجور، ولكنهم أصبحوا الآن من حاملي الشهادات المهنية، وفي بعض الأحيان من خريجي كليات كالطب، الهندسة، الصيدلة ... وغيرها من كليات القمة.
هذا النموذج من المهاجرين، واكب بروز نمط للإنتاج في دول الاستقبال، يحتاج إلى الاختصاصات، خاصة منها: قطاع التكنولوجيا الجديد للاعلام والاتصال. (2)
حصيلة هذا النوع من الهجرة، تظل مثيرة للقلق، فالمنظمة الدولية للهجرة سجلت سنويا 20.000 انتقال للكفاءات الإفريقية العربية فقط في اتجاه دول الشمال، حيث الأجور ومستوى المعيشة أعلى.
تقدّر المنظمة الدولية للصحة فيما يقارب 50% نسبة الأفارقة الحاصلين على دبلوم في الطب، (1/128)
صفحة 129
الراغبين في مغادرة بلدانهم. ولعل هذه النسب ستظل مرتفعة كذلك في الدول العربية الموفدة.
د -المهاجرون غير الشرعيين من حيث الانتماء الجغرافي:
إذا كانت الدول المغاربية هي بمثابة مناطق عبور بالنسبة لآلاف الأفارقة الذين يتوافدون على سواحل المتوسط، قاصدين أوروبا، فهذا لا يعني أن المهاجرين غير الشرعيين هم المغاربة أو بالأخص هم من أصل مغربي التي أصبحت في المرتبة الأولى من حيث تصدير المهاجرين على مستوى الدول العربية. وهذا ناتج عن موقعها الذي يعتبر استراتجيا لنجاح عملية الهجرة بسبب القرب الجغرافي من قارة أوروبا "مضيق جبل طارق".
كما تعد ولاية تمنراست الجزائرية الحدودية، منطقة عبور للمهاجرين غير الشرعيين الأفارقة القادمين من: النيج، مالي، نيجيرييا، بوركينافاسو، وغيرها. (3)
__________
(1) جريدة الشروق اليومية، العدد الصادر يوم:22/ 01/2009. الخبر المعلن تحت عنوان "توقيف 129 امرأة حراقة خلال سنة 2008."
(2). www.youm7.com/News.asp?/NewsID=44236&IssueID=30.
(3) . مجلة الدركي، العدد السابع، ديسمبر2005، ص 30.
لهذا تعتبر دول المغرب العربي أو الدول العربية، إجمالا بلدان المعبر لمختلف الجنسيات من قارات مختلفة، أغلبها من الدول النامية، استغلت الدول العربية لقربها الجغرافي من الدول الأوروبية (1).
وقد تصدى حراس الحدود الجزائرية لِما يزيد عن 4422 مهاجر غير شرعي خلال الفترة الممتدة من 2006 إلى 2011.
ثالثا: فنون الهجرة غير الشرعية:
حلم الهجرة إلى أروبا يراود فئة عريضة من سكان الدول النامية بصفة عامّة، هربا من الظروف الاقتصادية الصعبة؛ وفي سبيل تحقيقه يطرق الحالمون بالهجرة جميع الأبواب ويقومون بمحاولات عدّة لاستيفاء شروط الحصول على تأشيرة. في حين يختار بعضهم المغامرة في قوارب الموت لكن سرعان ما أصبحت هذه الأخيرة وسيلة تقليدية للوصول إلى أروبا. وذلك عند اكتشاف المهاجر السري لأساليب أكثر راحة وضمانا، ومن بين الأساليب التي يلجأ إليها الراغبون بالهجرة إلى أروبا:
الزواج الأبيض:
يجد هذا الزواج إقبالا كبيرا من طرف الشبان والفتيات غير أنه يواجه هذا الزواج معارضة شديدة من قبل الأهل والوسط الحقوقي؛ بسبب أنّ هذا الزواج يربط بين عربيات وأروبيين، بغض النظر عن عقيدتهم ووسطهم الاجتماعي ومعتقداتهم ويزيد من حدّة مشاكل الزواج المختلط.
هذا الزواج الأبيض أشبه بشراء وثائق الهجرة، فهو زواج صوري على ورق، يقبل به الطرفان؛ إذ (1/129)
صفحة 130
يلتزم الطرف الأول وهو الراغب في الهجرة، بدفع مبلغ مالي على ثلاث دفعات: الأولى عند إبرام عقد النكاح، الثانية عند الحصول على وثائق الإقامة، والثالثة عند الطلاق. بينما يلتزم الطرف الثاني بتسريع الحصول على تأشيرة الهجرة ووثائق الإقامة. وحين تنتهي إجراءات الحصول على التأشيرة والإقامة، ينتهي هذا الزواج (2).
ورغم الجدل الذي يثيره هذا الزواج في الأوساط القانونية والاجتماعية، فإنّ الشباب يعتبرونه الطريقة الأكثر أمانا للوصول إلى أروبا.
استغلال تأشيرة السياحة لغرض الإقامة:
__________
(1). www.dw-world.de/dw/article/01633352.00html0
(2) . www.africa-union.org/root/ua/conferences/2008/mai/sa/12 - /AENEAS_project_summary_AR.doc14mai
بعد الدراسات المطوّلة لأساليب الهجرة غير الشرعية، واكتشاف مدى خطورتها وقفت هذه الدراسات على صنف آخر من (الحرّاقة)، الذين طلّقوا بالثلاث "قوارب الموت" وحولوا الوجهة نحو طريقة أخرى وجدوها سهلة وفعّالة، وتقلّل تعرّض حياتهم للخطر.
فقد استغلّ البعض المدن السياحية مثل تركيا التي تتعانق فيها أصالة الماضي الإسلامي بالحضارة الأروبية المعاصرة، في الهجرة غير الشرعية. وذلك بالدخول إلى البلد المقصود بطريقة شرعية (قانونية) بتأشيرة سياحية أي لمدّة معيّنة، وبعد انتهاء هذه المدّة المقرّرة في التأشيرة، يبقى هذا الشخص فيه؛ حتى تتحوّل صفته من سائح إلى مهاجر غير شرعي، يُطارَد من قبل حكومته لعدم حيازته على الوثائق القانونية. حتّى وإن لم يبق هذا المهاجر في بلده بعد انتهاء المدّة المقرّرة في التأشيرة، فإنّه يهاجر بطريقة غير شرعية إلى بلد مجاور، إذ يتسلل عبر حدود هذه الدولة السياحية.
وعن طريق هذا الأسلوب من الهجرة غير الشرعيّة، خفّضت سلطات الدول السياحية من السماح للأجانب دخول أراضيها، حتّى السيّاح منهم بعدما كانت تسلّم مليوني تأشيرة سنويا.
إذ إنّ اللافت للنظر في المقال الذي أعدّته جريدة الشروق عن رحلة غير شرعية، التي تكشف عن تجربة حقيقية لـ15 شخصا من ولايات عديدة من الوطن عقدوا العزم على دخول اليونان انطلاقا من تركيا، لكنّهم في النهاية تعرّضوا إلى احتيال فريد من نوعه، إذ زج بهم الأمن التركي في السجن.
عقود العمل المزوّرة:
بعد مسار دراسي هزيل وتجارب مهنية فاشلة، لم يتفوّق بعض الشباب إلاّ في أساليب الاحتيال والنصب على الراغبين في الهجرة وادّعائهم التوسّط لهم للهجرة إلى الضفّة الأخرى، بعد أن يلجؤوا إلى تزوير عقود انقضت صلاحيتها. (1/130)
صفحة 131
كشفت وزارة الداخلية الإسبانية في آخر تقرير لها حول ظاهرة "الهجرة السرية" أنّ الجزائر تتصدّر لائحة المعتقلين بسبب تزوير بطاقات الإقامة وجوازات السفر من أصل 25 ألف شخص متورّط في أقل من سنتين.
وأمام هذه الأوضاع نتساءل ما هو دور السلطات الجزائرية وما الآليات المتخذة من أجل القضاء أو الحد من هذه الظاهرة، وهذا ما سيتم التطرق إليه فيما يلي:
رابعا: الآليات المتخذة لمكافحة الهجرة غير الشرعية:
تُسْهِمُ الجزائر بفعالية في مكافحة الهجرة غير الشرعية بالطرق القانونية، كما تتحمل- بدون مبالغة - أعباء التزاماتها الدّولية. (1)
فقد أصبحت الهجرة السرية في الجزائر من يوم: 25/ 02/2009، جريمة بموجب المادة 175 مكرر 1 من قانون العقوبات، التي تجرم الضلوع غير
__________
(1). مجلة الجيش. العدد497.ديسمبر2004.ص:32
الشرعي في حركة هجرة الأشخاص، وتعاقب المهاجرين غير الشرعيين بالسجن لمدة قد تصل إلى ستة أشهر.
بالرجوع إلى نصّ 303 مكرر 30 التي أدخلت في قانون العقوبات بموجب الأمر رقم 09 - 01 (1) والذي تضمن العديد من الأحكام؛ حيث جاء في المادَّة سالفة الذكر الواقعة في «القسم الخامس مكرر2 تهريب المهاجرين» على أنه ''يعد تهريبا للمهاجرين القيام بتدبير الخروج غير المشروع من التراب الوطني لشخص أو عدة أشخاص من أجل الحصول بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على منفعة مالية أو أي منفعة أخرى. ويعاقب على تهريب المهاجرين بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات وبغرامة من 300.000 دج إلى 500.000 دج''.
كما نصت المادَّة 303 مكرر 31 بما يتعلَّق بحماية القصَّر على أنَّه تشدّد العقوبة لو كان من بين الأشخاص المهربين قاصر (2).
هذا فيما يتصل بالأحكام الموضوعية أما فيما يتعلق بالأحكام الإجرائية فإن الإجراءات الخاصة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية المستحدثة في القانون رقم 04 - 14 وكذا القانون 06 - 22 المعدلان لقانون الإجراءات الجزائية الجزائري، هي إجراءات يمكن تطبيقها في مجال المتابعة على جريمة تهريب المهاجرين، وتتعلق هذه الأخيرة أساسا بالاختصاص المحلي الخاص، وإجراءات التفتيش الخاصة، وأساليب التحري والتحقيق الجديدة، ومسألة تقييد الحرية.
حرصا من الجزائر على دعم الجهود الاقليمية والدولية في مجال مكافحة الجريمة وتعقب مرتكبيها ومثولهم أمام الجهات القضائية المختصة، يتم التعاون والتنسيق مع الأجهزة المعنية بالدول المختلفة فيما يتعلق بموضوع تسليم المجرمين من خلال مبدأ المعاملة بالمثل والاتفاقيات الثنائية ومتعددة (1/131)
صفحة 132
الأطراف على المستويين الإقليمي والدولي التي صادقت عليها الجزائر. كما لا يسعنا تجاهل جانب آخر من تلك الجهود المبذولة في الإطار الإقليمي للتصدي لهذه الظاهرة والتي يمكن إيجازها في ما يلي:
مجهودات القارتين (الأوروبية والإفريقية) للحد من الهجرة غير الشرعية:
__________
(1). قانون رقم 09 - 01 ممضي في 25 فبراير 2009، المتضمن قانون العقوبات، الجريدة الرسمية عدد 15 مؤرخة في 08 مارس 2009، الصفحة 3، يعدل ويتمم الأمر رقم 66 - 156 المؤرخ في 18 صفر عام 1386 الموافق 8 يونيو سنة 1966.
(2). شرعت محكمة الجنايات بالجزائر العاصمة يوم الاثنين 27 ماي 2013، في محاكمة 13 متهما متورطا في تهريب عدد «غير محدد» من الأطفال الجزائريين نحو أروبا سيما نحو فرنسا، حيث يتم تبنيهم مقابل مبالغ مالية طائلة حسبما لوحظ بعين المكان. راجع: النهار الجديد، نشر في النهار الجديد، بواسطة أ. ل، 27/ 05/2013 12:59:00 بموقع: http://www.ennaharonline.com/ar/algeria_news/162722.html#.U8bCQZR5OWU:
أمام تعقد المسائل الأمنية وتشعبها على مستوى الحوض الأبيض المتوسط، استدعت الضرورة لإرساء أطر للحوار والتعاون بين دول ضفتي المتوسط من أجل محاولة معالجة المشاكل العالقة التي تهدد استقرار الحوض وهذا بإقحام جميع الأطراف المعنية.
يتصدر هذه المشاكل، ملف الهجرة غير الشرعية التي أخدت أبعادا خطيرة من خلال السنوات الأخيرة خاصة في منطقة غرب المتوسط، هذه المنطقة عمدت إلى إنشاء إطار للحوار والتعاون تمثل في "منتدى 5+5" الذي يضم الخمس دول الواقعة شمال المتوسط "فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال ومالطا" ودول جنوبه "الجزائر، المغرب، تونس، ليبيا وموريتانيا" (1).
منتدى الحوار 5+5:
يمكننا القول إن هذه الآلية قد خرجت إلى الوجود بداية من 10 أكتوبر1990بعد إعلان روما.
إن أهم ما يهدف إليه المسار هو رعاية حوار فعال مبني على تبادل وجهات النظر حول المسائل ذات الاهتمام المشترك، خاصة القضايا السياسة والأمنية على مستوى المتوسط. وقد أبدت الجزائر اهتماما خاصا لهذا الإطار الذي دعت مع الدول المغاربية إلى ضرورة إرساء حوار وتعاون أكثر فعالية بين دول شمال وجنوب المتوسط للخروج بنتائج ملموسة لحل المشاكل.
ولقد وضع "منتدى حوار 5+5" منذ إنشائه نصب أعينه أهمَّ القضايا الأمنية المتوسطية من بينها الهجرة غير الشرعية بعد أن دعت الجزائر إلى ضرورة متابعة الحوار. وتجلى ذلك في ثاني لقاء"5+5" بعد لقاء روما 1990، والذي انعقد بالجزائر (26 أكتوبر1991)، ثم لقاء "سانت (1/132)
صفحة 133
ماكسيم" بفرنسا (2003). وفي أوّل قمة لرؤساء الدول العشرة الأعضاء في "منتدى5+5" (ديسمبر2003).
طرحت الدول المغاربية من بينها الجزائر بالعاصمة التونسية تداعيات الهجرة غير الشرعية وانعكاساتها على الأمن في المتوسط. كما دعت إلى ضرورة إيجاد مقاربة جديدة شاملة لحل المشكل في ظل تعاون فعال.
هذا في أشغال المؤتمر الإفريقي للمديرين والمفتشين العامين للشرطة بالقارة السمراء المنعقدة بالجزائر يومي 10 و11 فيفري 2014، على أن يتم إدراج مشروع الأفريبول في جدول أعمال القمة القادمة لرؤساء دول وحكومات الإتحاد الإفريقي المزمع عقده في جويلية 2014 بملابو غينيا الاستوائية، وقد جاء في الكلمة التي ألقاها الوزير الأوّل الجزائري في افتتاح أشغال المؤتمر الإفريقي للشرطة المنوه عنه أعلاه بأن التفكير في إنشاء الأفريبول جاء في ظل تحولات عميقة تشهدها القارة الإفريقية، الأمر الذي يحتم على مختلف أجهزة الشرطة بالقارة مواكبة
__________
(1). مجلة الجيش، المرجع نفسه، ص32.
المستجدات والتطورات كما جاء التأكيد على ضرورة تأمين الحدود ومراقبتها (1) من خلال التعاون والتنسيق الفاعلين وتبادل المعلومات والمعطيات لمنع تسلل مختلف أنواع الجرائم بما فيها الجريمة المنظمة العابرة للأوطان، والحد من الهجرة السرية وتهريب المهاجرين (2). وما دمنا في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى دور التكنولوجيا كآلية للحد من هذه الظاهرة وهو ما سنوضحه فيما يلي:
التكنولوجيا تُسْهِمُ في الحد من الهجرة غير الشرعية
نظمت قيادة الدرك الوطني تكنولوجيات جديدة جد فعالة تتمثل في نظامين رقميين الأول خاص بـ: "التشخيص البيومتري" والثاني نظام: "الخبرة البالستية" ويكمن الهدف من وضع هذين النظامين في مكافحة الإجرام بصورة ناجعة والإسهام في منع العمليات الإجرامية بشكل رهيب في بلادنا تبعا لانطلاق مشروع إنشاء المعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام للدرك الوطني.
بالنسبة للنظام الأوّل، فإنه قادر على التّحديد والتعرف على هوية الأشخاص المطلوبين لدى العدالة أو المشبوهين بناء على تصريحات شهود عيان بفضل عدة تركيبات:
1/ FACES: هذه التركيبة عبارة عن بنك المعلومات الإلكتروني يحتوي على صور للهوية، وكذا العلامات الخصوصية للأشخاص من وشم، بصمات الإصبع ....
2/ PHANTOM: تسمح هذه التقنية برسم صورة نموذجية للشخص عن طريق وصف شاهد ما، بفضل جميع التفاصيل عن هذا الشخص كلون الشعر، شكل الفم والأنف، ... إلى غاية الوصول إلى الصورة النموذجية النهائية التي ستكون محل البحث في بنك المعلومات. (1/133)
صفحة 134
بفضل هذه التركيبات، يتم التعرف على الأشخاص بسهولة وبطريقة فعالة حتى بالنسبة للأشخاص الذين قاموا بإجراء تغييرات على ملامح الوجه. إضافة إلى هذا فإنه قادر على القيام بتحليل صور الفيديو. وبصورة خاصة، فإن هذا النظام سيقدم دعما معتبرا في مجال التعرف على هوية المهاجرين غير الشرعيين. (3)
خلاصة:
__________
(1).إذا ترجمنا دور الجزائر إلى لغة الأرقام، نقول: لقد قامت مصالح الدرك الوطني بنشر حصيلة حول عملياتها في مكافحة الهجرة السرية التي تعرف تزايدا، حيث تم توقيف 3807 شخصا خلال التسع الأشهر الأولى من سنة 2003، ليرتفع العدد إلى 4195 شخص سنة 2004 فتحت فيها مصالح الدرك الوطني 861 قضية أحالتها للعدالة/ مجلة الجيش، المرجع نفسه، ص:35.
(2). عبد الحليم بن مشري، المرجع نفسه، ص 117/ 118.
(3). مجلة الجيش، المرجع نفسه، ص34.
بناء على ما تقدم يمكن القول: إنّ ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي أضحت تقلق بال حكومات الدول لا بد من تقصي أسبابها، من أجل إيجاد علاج مناسب لها، ومن ثم يقع على عاتق الأجهزة المعنية بالدولة وضع سياسات تنموية تمكن من إيجاد فرص عمل مناسبة وذلك للحفاظ على سمعة أبنائها في الخارج و كذا أمن البلاد وسلامته.
- القيام بحملات توعية حول مخاطر الهجرة غير الشرعية للسكان المحليين تحديدا الشباب في المناطق التي تكثر فيها نسبة الهجرة.
- ضمان مراقبة أكثر فعالية على مستوى الحدود.
- إنشاء إطار مناسب لتشجيع عودة المهاجرين أو على الأقل مشاركتهم المعتبرة في الجهود الرامية إلى الاستثمار وإدارة بعض القطاعات الاستراتجية في بلدانهم.
/ (1/134)
صفحة 135
عُمان بعيون جزائرية
1900م - 1964 م
الدكتور الحاج موسى بن عمر الجزائري
قسم التاريخ ـ جامعة الجزائر ـ الجزائر
bhmoussahistory@yahoo.fr
لقد كان تمكّن السيطرة البريطانية على سواحل عمان في عهد السلطان فيصل يعود إلى عهد السلطان سعيد بن سلطان (1804 - 1856)، حين استعان بهم على الوهابيين من بني بوعلي. ويقول صاحب "تحفة الأعيان" في هذا الصدد « ... ثم استعان عليهم بالنصارى ... فخرجوا (يعني بني بوعلي) من مكمنهم ووثبوا على النصارى وثبة الأسد الباسل، فكانت المدافع تضربهم بالسلاسل، فتأخذ منهم جانبا فيلتحمون، حتى ضربوا رماة المدافع. وكان قد قتل أكثرهم بالمدافع، وانهزم الباقون إلى بلادهم، ودانوا حين استشعروا العجز، فأسرهم النصارى، وسلبوا من ذراريهم، وحملوا من نسائهم إلا من شاء الله. وكذلك استعان السلطان بالنصارى على حرب أهل الشارقة من أرض الشمال، فقهر بهم عدوه. وكانت هذه الاستعانة منه أول سبب تدخلت به النصارى في ممالك المسلمين من أهل عمان. فبقوا آفة في ذراريه، وعلة في مملكته، يظهرون الصداقة ويضمرون العداوة، وإنَّ أنكى الأعداء من يأتيك في صورة صديقك يظهر محبتك، ويضمر هلاكك» (1).
وعلّق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش الجزائري، وهو المحقق للكتاب المذكور على ذكر النصارى المراد بهم الإنجليز، «وهذه البادرة كانت أوّل ظهور الاستعمار الإنجليزي في الخليج الفارسي [العربي] بالفعل، بعد أن مهّدوا له بالدسائس، ثم أخذت بعد، تظهر المنافسة الفرنسية، لكنها لم تستطع الصبر إزاء اليد الإنجليزية فصفا الجو للأخيرين، فكان منهم ما يشاهد اليوم من تمكنهم بالخليج وجزيرة العرب والأمر لله ... » (2).
1. أحوال عمان مطلع القرن العشرين
__________
(1). الشيخ نور الدين السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج 2، تحقيق أبي إسحق أطفيش، مكتبة الضامري، د. ت.، ص.208 - 209.
(2). نفسه، ص.209.
كانت عمان مع بداية القرن العشرين مستعمرة غير معلنة لبريطانيا وذلك بعد أن حاصرت السفن الإنجليزية في 15 فبراير 1899 مسقط وهدّدت السلطان فيصل، الذي عرفت عنه مواقفه المعادية للسياسة البريطانية ورغبته في تعزيز استقلال عمان، بتدمير مسقط واعتقاله. وأرغم السلطان فيصل (1888 - 1913) على التسليم الكامل لما تمليه الإرادة البريطانية.
لقد كان هذا على مناطق الساحل العماني، أما في الداخل فكانت الحروب والصراعات القبلية تمزق القبائل العمانية المنقسمة بين غافرية وهناوية. وفي أفريل 1913 تمّ في تنوف اجتماع مجموعة من أهل الحلّ والعقد بجهود مكثّفة من العلّامة الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي أسفر عن انتخاب الشيخ سالم بن راشد الخروصي إماما على عمان لتوحيد البلاد وتحريرها من الهيمنة الإنجليزية.
واستطاعت هذه الحركة أن توحّد 70% من عمان خلال العام الأوّل لها 1913م، كما أنها وللمرة الأولى جمعت بين شقي القبائل المنقسمة والمتحاربة للتعاون لما فيه مصلحة البلاد. وفي أكتوبر 1913 توفي السلطان فيصل وتولّى ابنه السيد تيمور الحكم. وفي جانفي 1914 توفّي (1/135)
صفحة 136
الإمام نور الدين السالمي (1) عن عمر يناهز الأربعين فقط. وفي ديسمبر 1914 عقد أول اجتماع في مسقط بين السلطان تيمور وممثل الإمام الشيخ عيسى بن صالح الحارثي، ولم يسفر الاجتماع عن توقيع اتفاق، وفي مطلع 1915 هاجمت قوات الإمامة مسقط، فتدخلت القوات البريطانية وألحقت الهزيمة بالإماميين. وفي أوت 1915 تمّ أول لقاء رسمي في بلدة السيب بين ممثلين عن إمامة عمان هما الشيخ عيسى بن صالح والشيخ سعيد بن ناصر قاضي الإمام وممثلين من الحكومة البريطانية.
وخلال فترة الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918م تدهورت الأوضاع الاقتصادية في عمان، فقلت الأموال في أيدي العمانيين حتى أن عدد الوفيات تجاوز بكثير 20 ألف نسمة حسب تقرير بريطاني، كما بلغ العجز في ميزانية الدولة 300 ألف جنيه إسترليني. وفي1919 تم تنصيب الإمام محمد بن عبد الله الخليلي إماما على عمان بعد اغتيال سلفه الإمام سالم بن راشد الخروصي. وفي أكتوبر 1920 أصبحت بلاد عمان مقسمة بين إمامة عمان التي تحكم المناطق الداخلية وسلطنة مسقط التي تسيطر على الساحل، وذلك بموجب اتفاقية السيب الموقعة بين الطرفين، بعد حصار اقتصادي قاس فرضته
__________
(1). هو الفقيه العالم قائد حركة النهضة العمانية وأب التاريخ العماني، خلف ثروة فكرية وأدبية وفقهية في حوالي 40 مجلدا. انظر: جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، أعلام المغرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2005.
القوات الإنجليزية على الواردات العمانية من التمور وغيرها من المنتجات الزراعية لداخل عمان.
وكانت البلاد بحكم هذه الاتفاقية في حالة هدنة التزم بها الطرفان بالرغم من هشاشتها، إذ لم يكن بين الطرفين أي اتصال جدي، ولو أن السكان لم يعرفوا أي نوع من القطيعة أو الاختلاف سوى الولاء إلى هذا الطرف أو ذاك. وفي نوفمبر 1931 تنازل السلطان تيمور لابنه السيد سعيد عن الحكم بعد فترة انقطاع طويلة استمرت عشر سنوات عاشها السلطان تيمور في الهند. وفي1937 منح السلطان سعيد بن تيمور عقد امتياز لشركة النفط العراقية البريطانية للتنقيب عن النفط.
وكان إمام عمان قد التزم بموجب اتفاقية السيب الموقعة مع سلطان مسقط، بكبح جماح القبائل الخاضعة له من مهاجمة المناطق الساحلية في مقابل تعهد السلطان بألا يتدخل في شؤون الإمامة الداخلية وفي جوان 1944 انضم إقليم جعلان إلى حكم الإمامة، وبذلك وصلت إمامة عمان إلى أقصى اتساع لها في القرن العشرين.
ويرى البعض أن معاهدة السيب حوت اعترافا من الإمام بسيادة السلطان على جميع مناطق عمان، لكن إباضيي الداخل رفضوا هذه السيادة بتاتا، عقب وفاة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي (1) سنة 1954 مما أبرز إلى الوجود القضية العمانية على الصعيدين العربي والدولي. (2) (1/136)
صفحة 137
وفي سبتمبر 1954 بدأت حرب معلنة بين القوات البريطانية وقوات السلطان من جهة وبين الإمامة في عمان، بعد أن أمرت بريطانيا بالتنقيب في منطقة فهود التابعة للإمامة مما يعتبر نقضا لمعاهدة السيب، كما قامت بتشكيل جيش خاص لحماية بعثات التنقيب سمي (مشاة مسقط وعمان). وفي نهاية هذا العام احتلت القوات البريطانية بالتعاون مع قوات السلطان مدينة عبري (3).
2. أعلام مزاب بالجزائر والقضية العمانية
__________
(1). شيخ الإمامة الإباضية في عمان، تولى أمور عمان في القسم الداخل منها، كانت سلطته قائمة على أساس الشريعة الإسلامية، عرفت عمان في عهده نهضة كبيرة، انظر محمد الدرعي، التطورات السياسية في الوطن العربي، (الفترة الواقعة بين الحربية العالميتين) المرجع السابق، ص125.
(2). جمال زكريا قاسم، الخليج العربي، دراسة لتاريخ الإمارات العربية 1914 - 1954، ص 10؛ د. محمد حسن العيدروس، تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، ط1، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 1996، ص 244.
(3). روبرت جيران لاندن، عمان منذ 1856 مسيرا ومصيرا، تر. محمد أمين عبد الله، ط4، وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، 1409هـ - 1989، ص. 453 وما بعدها.
لقد كانت العلاقات بين عمان وأعيان مزاب وعلمائها قائمة باعتبار الاهتمام المشترك بقضايا الأمة الإسلامية التي كانت تتربص بها الأطماع الاستعمارية والأخطار التنصيرية، وباعتبار الوحدة في المذهب.
وباعتبار منطقة مزاب والجنوب الجزائري عامّة مفتوحة على تيارات الحركة الإسلامية عن طريق تونس وليبيا وعمان وجزيرة زنجبار؛ فقد كانت دعوة الإمام الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش اليزجني الجزائري في نفس السياق الذي نحته النهضة الإسلامية العامة، فقد عايش حركة الجامعة الإسلامية وأدلى بدلوه فيها، وكان الإمام -حسب بعض الدراسات- يتجاوب مع هذه الحركة أكثر من علماء القطر الآخرين، لكونه اطلع بنفسه على نشاطها في رحلتيه الحجازيتين (1).
وكانت مع مطلع القرن العشرين مراسلات بين الشيخ امحمد أطفيش والشيخ نور الدين السالمي، وكان الشيخ سعيد بن أحمد الرستاقي العماني قد زار مزاب في 1907م، ولم يذكر تقرير الاستعلامات الفرنسي سبب زيارته. (2) ومن المحتمل أن تكون هذه الزيارة في إطار التواصل بين أتباع المذهب الواحد، كما فعل سليمان الباروني الليبي في السنة ذاتها حين زار شيخه الإمام امحمد أطفيش الذي كان قد تقدمت به السن (3).
وكان سليمان الباروني بعد مغادرته الحجاز في أواخر ذي الحجة 1342 الموافق لـ 1924 قد توجه إلى سلطنة مسقط، رغم معارضة بريطانيا لهذه الزيارة. فأكرمه السلطان تيمور بن فيصل (1/137)
صفحة 138
وقلده الوسام السعيدي. وزار دواخل عمان الإمامية واستقبل استقبالا عظيما ولقي من الإمام الخليلي التكريم والتقدير والاحترام (4).
وفي غضون الإقامة في عمان استثمر الباروني علاقاته الطيبة بين قيادتي الإمامة والسلطنة، فبادر إلى الوساطة بينهما، ومهد لإزالة الجفاء الذي ظل مستحكما لربع قرن، بهدف توحيد الجهود بين الإخوة وتوجيهها لحماية البلاد من أطماع الأجانب (5).
__________
(1). د. أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج3، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998، ص264 - 267.
(2). A.O.M., G.G.A, 23H94(109), Rapport annuel de 1907, Territoire de Ghardaïa
(3) . كان عمره إذاك قرابة 90 حولا.
(4). محمد مسعود جبران، سليمان الباروني وآثاره، الدار العربية للكتاب، 1991، ص. 53.
(5). الحاج إبراهيم أبو اليقظان، سليمان الباروني باشا في أطوار حياته، ج1، الدار العمانية، مسقط، 1956، ص.249 - 250.
وفي عمان عرض الإمام الخليلي على الباروني مسؤولية رئيس الوزراء، وكان الإمام قد حصل قبل عرض هذا الأمر على تزكيته من أكابر رجال عمان وعلمائها مثل الشيخ عيسى بن صالح مفتي الجبل الأخضر، والشيخ سعيد الكندي قاضي قضاة مسقط (1). وتولى الباروني زمام الأمر، فبادر إلى تنظيم مصالح الدولة بدءا بالشؤون العسكرية والمالية.
ويبدو أن وجود الباروني في عمان وفي مركز نوعي خلال العشرينات، كان السبب الأهم في إنعاش علاقات مزاب بعمان وتفعيلها، وذلك بحكم دراسته السابقة هناك وما صاحبها من علاقات مع زملائه القدامى الذين خاض بعضهم غمار السياسة والإعلام، وآلت مقاليد الأمور الثقافية والاجتماعية إلى كثير منهم في جنوب الجزائر وفي شمالها، وفي تونس والقاهرة أيضا.
وكان بعض أعيان مزاب يتبادل الرسائل مع الرئيس سليمان الباروني وهو على رأس الحكومة العمانية الإمامية، ومن هؤلاء نذكر مقربين إليه على الأخص، وهما صديقاه الشيخ الحاج عمر العنق والشيخ إبراهيم أبو اليقظان. وكانت صحيفة وادي ميزاب أبرز صحف الجزائر التي كانت تنشر مقالات الباروني وتتابع أعماله وإنجازاته، شأن بعض الصحف العربية في القاهرة والشام (2).
وفي هذا الصدد عبرت هيئة تحرير جريدة وادي ميزاب عن سرورها بتفويض إمام عمان إدارة البلاد للشيخ سليمان باشا الباروني، واعتبرته نوعا من التضامن الإسلامي معبرة عن ذلك بقولها: «إن عظمة الإمام أبي عبد الله الخليلي قد استوزر عطوفة سليمان باشا الباروني، وفوضه بإدارة المملكة حسب النظم الحديثة، وأوكل إليه أمر السياسة الداخلية والخارجية ... وهو تطور عظيم (1/138)
صفحة 139
تدخل فيه هذه المملكة العربية القوية، ... وقد اهتزت لهذا التطور العظيم الجزائر، كما اهتزت به تونس ومصر، ولا غرو في أنه يبشر بدخول تلك البلاد العزيزة في حياة جديدة» (3).
وكانت جريدة وادي ميزاب قد أشادت بقرار إمام عمان واعتبرته صائبا فهو بذلك قد «صادف الهدف وصادف من نرجو أن يكون خير البلاد على يده، فينهض بالأمة على مستوى المحافظة على كيانها ... » (4).
__________
(1). جريدة وادي ميزاب، (أسبوعية جزائرية)، "في شرق بلاد العرب، وزارة سليمان الباروني في عمان"، ع.19، لـ15ربيع الأول 1345 الموافق لـ11فيفري 1927.
(2). محمد مسعود جبران، المرجع السابق، ص. 55.
(3). جريدة وادي ميزاب، "عمان نبأ عظيم "، ع. 17: 21/ 01/1927م، ص 1.
(4). وادي ميزاب " سليمان باشا الباروني "، ع. 4 الصادر: في 22/ 10/1926م، ص 1.
وأشادت جريدة وادي ميزاب كذلك بقدرة عمان على التوفيق بين النهضة ومبادئ الشريعة الإسلامية، واعتبرته مثالا حيا لأولئك الذين يقولون بوجود تعارض بين التحديث والإسلام حين «هب الشعب العماني في جملة شعوب عربية شقيقة في هذه السنوات الأخيرة إلى الإصلاح والنهوض، وإدخال نظم جديدة لا تخرج عن دائرة الإسلام» (1).
واسترسل أبو اليقظان وطاقمه الصحفي في الاهتمام بالوضعية السياسية في عمان الإمامية، وأشاد بقيادتها الرشيدة، وحافظت على سيادة البلاد كاملة» ... وهو تحت تصرف الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخليلي ولا يد للأجنبي فيها أبدا، وهو فيه مطلق التصرف، وأحكام الشريعة جارية فيه «(2).
وممن كتب على صفحات جريدته مفدي زكريا، وتغنى بالنصر الذي حل بعمان في قصيد عنونه بـ"ته يا عمان بنصر الله"، وأشاد فيها بنهضة عمان، وبشعبها المقبل على رفع التحدي في ظل إصلاحات رئيس وزرائها الزعيم سليمان الباروني الذي عينه إمام عمان في هذا المنصب الحساس (3).
ولم تخف الجريدة إعجابها بالولاء الذي يوليه الشعب العماني لإمامهم، والتفافهم حوله، وتفطنهم لمساعي عرقلة إصلاحاته، ويظهر ذلك من خلال قولها: «رنا بعض ذوي الأطماع والجمود إلى الحكومة عظمة الإمام الخليلي، وحاولوا عرقلة مساعي الأحرار المصلحين وكاد يؤثر بمساعيه الدينية في سير الإمامة ونهوضها، فقامت البلاد جمعاء شرقها وغربها، جنوبها، وشمالها مطالبة بإيقاف أولئك المعرقلين إلى حدهم، والسير بالإمامة نحو الفلاح والرقي» (4).
ولم يتردد الشيخ أبو اليقظان المصلح الحازم عن انتقاد أولئك الذين يعيقون المساعي الإصلاحية هناك، واستبشر بنجاح الإمام الخليلي في رد هؤلاء لمّا «بلغنا من بعض المصادر الوثيقة أنه وقعت (1/139)
صفحة 140
معارضة من بعض رجال الدين على حركة الإصلاح التي قام بها المصلحون الأحرار من العمانيين، والتي كادت تذهب زوابعها بأعمال أولئك الأحرار المفكرين أدراج الريح، ولكن قد توفقت أخيرا جهود المصلحين، وبعض المفكرين منهم إلى تأليف حزب قوي
__________
(1). وادي ميزاب، سليمان باشا الباروني "، ع.4، الصادر في: 22/ 10/1926م، ص 1.
(2). وادي ميزاب "ما هي حالة عمان السياسية"، ع. 40، الصادر في 20/ 07/1927م، ص 1.
(3). القصيدة في 77 بيتا، انظر: وادي ميزاب، ع.12، لـ17/ 12/1926.
(4). جريدة وادي ميزاب، "حكمة التشريع الإسلامي"، العدد 79، الصادر في: 20/ 04/1928م، ص 2.
انضوى تحت لوائه سائر عمال عمان المصلحين، أما قوة المعارضة فقد وهنت، وفشلت أنفاسها إزاء تلك القوة الهائلة المؤسسة على التقوى» (1).
ولا يخفى على الدارس أن الاهتمام الذي أولاه أبو اليقظان في جريدته لتغطية أخبار عمان، و للتطورات المختلفة التي كانت تعرفها عمان خلال العشرينيات يعود إلى أن هذه المنطقة العربية يسكنها شعب مسلم بأغلبية إباضية المذهب، وتحكمها سلطة إباضية (2)، وباعتبار أن إبراهيم أبا اليقظان مسلم إباضي المذهب، فقد خصص في صحيفته حيزا كبيرا للمستجدات في عمان مركز الإباضية في المشرق العربي، إضافة إلى وجود صديقه سليمان باشا الباروني في عمان، الذي يحظى بتقدير كبير عند أبي اليقظان، لذلك تتبعت الجريدة أخباره هناك، واستعانت به مراسلا من عمان وقلما ذا سمعة نافذة في الساحة العربية والإسلامية.
وكان لأبي اليقظان الاهتمام نفسه بسلطنة مسقط والساحل؛ فتحت عنوان "حادث خطير بساحل عمان"، كشف أبو اليقظان سياسة الإنكليز في هذا القطر العربي، وأطماعهم فيه. وعبر عن عدم ارتياحه من العلاقات بين العمانيين والإنكليز، لإدراكه بالنيات الحقيقية للإنكليز، فقد» كانت بلاد عمان منزوية عن العالم، وكانت انكلترا مكتفية بنصب حمايتها الاسمية على سواحلها بدعوى حماية طريقها إلى الهند، ثم أخذت انكلترا تضرب أخماسها في أسداسها عندما أصبحت عمان تطمح إلى الرقي والتقدم، وأخذت تحسب لهذه النهضة المباركة ألف حساب، إذ لا يروقها وهي عجوز الاستعمار أن تخفق في طريقها إلى الهند راية عربية إسلامية وأخيرا سمحت لها الفرصة لإحداث مطارات بسواحل عمان، وقد أذن لهم السلطان بذلك، وذلك الحادث الذي يستهدف بلاد عمان بخطر لا يعلم كنهه إلا الله «(3).
وقد كان للشيخ إبراهيم اطفيش اليزجني الجزائري دور سياسي نشط لصالح عمان، وقد وضع ثقله، بصفته سفير الإمامة في القاهرة، ليحصل على انضمام عمان إلى الجامعة العربية، وعلى إدانة (1/140)
صفحة 141
العدوان البريطاني على هذا البلد العربي.
ولقد انطلق الشيخ في جهوده تلك منذ سنة 1952م، بطلب من الإمام غالب، فاتصل بالأمين العام للجامعة، وعبّر له عن رغبة الإمام لاستصدار اعتراف الجامعة العربية بعضوية الإمامة فيها. ولشرح المسألة العمانية للدول الأعضاء في الجامعة، بادر الشيخ أبو إسحاق اطفيش إلى تأليف رسالة
__________
(1). وادي ميزاب، "أبناء عمان"، العدد 106، الصادر في: 26/ 10/1928م، ص 1.
(2) للاطلاع أكثر انظر: زاهية قدورة، المرجع السابق، ص 8. ومحمد الدرعي، التطورات السياسية في الوطن العربي، (الفترة الواقعة بين الحربية العالميتين)، المرجع السابق، ص125.
(3) وادي ميزاب، "حادث خطير على ساحل عمان"، ع. 45: الصادر في 19/ 08/1927م، ص 1.
مختصرة وطبعها حول تاريخ عمان وجغرافيته (1). ولقد لقي الشيخ ردّا إيجابيا من المسؤول الأول للجامعة العربية، بأنها « ... مستعدة للاعتراف بها وكذا دول الجامعة، فلتقدّم الطلب بالاعتراف، فإننا نفعل في الحال» (2).
وفي هذا السياق كلفت الجامعة العربية الشيخ أبا إسحق في 1955 للالتقاء بالإمام والسلطان، واستمرت رحلته حوالي ثلاثة أشهر واجه فيها الموت عدة مرات، واستقلّ من أجل ذلك السيارات والجمال واضطرّ إلى السير على الأقدام لاجتياز الصحراء والمسالك الوعرة. وبذل الإنجليز كل ما في وسعهم لمنعه من الاتصال بالزعيمين، وأصدر حاكم الخليج أمرا بالقبض عليه حيا أو ميتا (3). ومع ذلك تمكن الشيخ من لقاء وفد للإمام إلى الملك السعودي ليلا بدبي، فحمّله الشيخ اطفيش رسالة الجامعة إلى الإمام. ورفع إليها تقريرا عن مهمته كشف فيه ما يحاك ضد عمان (4).
وبالرغم من الدعم الدبلوماسي والمالي والعسكري الذي لقيته القضية العمانية من البلدان العربية وخاصة من مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا، فإن التحاق الإمامة بالجامعة العربية لم يكن أمرا ممكنا، فقد كان ملف الإمامة محل دراسة من قبل اللجنة السياسية للجامعة، ثم أحيل إلى مجلس الجامعة، لكن معظم الأعضاء أبدى تحفظه عند التصويت. وكان مرد هذا التردد، فيما يبدو، إلى الوضعية الاستثنائية التي اختلفت فيها مصالح الأنظمة العربية، وربما إلى الغموض الذي كان يحيط بكيان الإمامة السياسي المستقل.
ورغم ذلك فقد تقدمت جامعة الدول العربية في 15 أوت 1957 بطلب عاجل لانعقاد مجلس الأمن لدراسة الاعتداءات البريطانية على عمان. وإلى جانب ذلك فقد كانت الحكومة البريطانية من وراء بعض حلفائها الأعضاء في الجامعة العربية، وطلبت منهم الامتناع عن التصويت، ولم يقف الإنكليز عند هذا الحد، بل طلبوا من الولايات المتحدة التأثير في موقف السعودية لثنيها عن مساندة (1/141)
صفحة 142
القضية العمانية.
وتوسعت مهام الشيخ اطفيش الدبلوماسية، فامتدت مع مطلع 1961 إلى جمعية الأمم المتحدة بنيويورك، لما كلّف بعرض قضية عمان على الهيئة الأممية، فدامت رحلته ثلاثة أشهر، حرص خلالها على مقابلة وزراء الدول الأعضاء وسفرائها ورؤساء وفودها، وتعريفهم بتاريخ عمان وموقعها
__________
(1). الرسالة بعنوان "عمان الإمامية"، طبعت في ذي الحجة 1375هـ/ مايو 1955، انظر: د. محمد ناصر، الشيخ إبراهيم أطفيش في جهاده الإسلامي، جمعية التراث، القرارة الجزائر، 1991، ص. 77.
(2).نفسه، ص77، نقلا عن رسالة مؤرخة في 20 ربيع الأول 1372هـ الموافق لـ7/ 12/1952.
(3). لقاء مسجل في شريط سمعي بصري مع السيد محمد اطفيش نجل الشيخ بالقرارة في 1986.
(4) محمد ناصر، المصدر السابق، نقلا عن رسالة للشيخ إبراهيم اطفيش إلى أبي اليقظان، غير مؤرخة.
الجغرافي ومركزها السياسي، وشرح القضية العمانية لهم في مواجهتها للاستعمار.
ولقد اجتهد الشيخ في مسعاه الدبلوماسي الحسّاس في أن يبدي مهارة وحنكة في عرضه للقضية المضطلع بها، بمراعاة الفروق في الطروحات السياسية والفكرية بين الشخصيات التي قابلها، وباعتبار الحكومات التي يمثلونها «حيث إن هذه الحال تستلزم البيان الوافي وتكييفه حسب ما يقتضيه الحال وما يستوجبه المقام من رعاية الشخص والدولة التي ينتمي إليها ... فقد استلزم الأمر مجهودا ومهارة ودقة في التصوير، حتى أتاح لنا القدر أن نفوز على العدو في الجلسة الأولى لدى اللجنة السياسية ثم في الجلسة الثانية والحمد لله، وكان اندهاش الناس بهذا الفوز بالغا حيث لم تحظ قضية بمثل هذا الفوز فلله الحمد والمنة، ولعلك تعلم أن أخاك عنيد في مثل هذه المواقف» (1).
وطوت القضية مرحلة هامّة في كسب التأييد الدولي، حتى أوشكت جهود الشيخ أن تثمر، وعيّن ممثلون عن الإمامة في البلاد العربية، وكان عبد الله بن حمد الحارثي ممثلا لها في الجزائر.
وألحّ العديد من الدول العربية على طرح هذه المسألة على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما أدّى في 1963 إلى إرسال لجنة لتقصي الحقائق في عين المكان، غير أن هذه اللجنة وضعت تقريراً مخالفاً للحقائق، فاتهمتها الدول العربية والعديد من دول العالم الثالث بالانحياز لبريطانيا، فتكونت لجنة ثانية من بلدان أعضاء في الأمم المتحدة لدراسة القضية ذاتها، فكانت نتيجتها أن وضعت تقريراً يوصي بأن تنهي بريطانيا «حمايتها» أو احتلالها لعمان فوراً.
غير أنّ القوة العسكرية على الأرض حسمت الموقف لصالح السلطان فدانت كل بلاد عمان إلى حكم مسقط، فصارت عمان موحّدة لأول مرة في القرن العشرين تحت حكم السلطان سعيد بن تيمور (2).
وهكذا نخلص في الأخير إلى أن عمان عرفت منذ بداية القرن الميلادي العشرين نشاطا فكريا وسياسيا حثيثا تبلورت من خلاله دولة عمان المعاصرة، وفرضت وجودها الحضاري في محيط جيوسياسي تتدافع فيه القوى الإقليمية والدولية.
ونتأكد من خلال ما تقدّم أيضا عمق العلاقات التي جمعت الجزائر وعمان، بالرغم من بعد المسافة بين البلدين، وتبدو الفكرة الدينية كما يؤكّد عليها المفكر الجزائري مالك بن نبي هي العنصر الأقوى والعامل الأهم الذي يحرّك الأفراد والمجتمعات ويدفعهم إلى العمل والاجتهاد والتضامن والتآزر بين الجماعات والشعوب.
__________
(1). من رسالة من اطفيش إلى أبي اليقظان بتاريخ 10 صفر 1381هـ الموافق لـ23 يوليو جويلية 1961م
(2). د. حسين غباش، عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث 1500 - 1970، ط3، در الفارابي بيروت، 1999، ص. 315 وما بعدها.
/ (1/142)
صفحة 143
سيرة الشيخ أبي المنذر بشير
بن محمد بن محبوب
في الحدث الواقع بعمان
(عزل الصلت بن مالك الخروصي)
دراسة تاريخية حضارية
بدرية بنت محمد بن شامس النبهاني
طالبة دكتوراة في التاريخ
جامعة السلطان قابوس، سلطنة عمان
umbalaqees@gmail.com
المقدمة:
إن قراءة السير التي كتبها الفقهاء العمانيون لتدفع الباحث للتعمق في تتبع هذه السير بمختلف صنوفها ودوافع كتابتها. ورغم أن كثيرًا منها لا زال في حالته المخطوطة إلا أنَّ فك خطوط ورموز هذه المخطوطات ليعتبر انجازا علميا لأي باحث كان. فمؤلفو السير من علماء وأئمة وغيرهم لديهم من الدراية والمعرفة في شتى صنوف العلوم، الأمر الذي ينعكس كثيرا في مؤلفاتهم من السير المتعددة. كما أن قراءة السير وتحليلها ليعتبر مادة تاريخية مثرية ونادرة حيث تمكن الباحثين من خلالها إعادة كتابة التاريخ العماني بصورة أكثر وضوحا وشمولا. (1/143)
صفحة 144
ويُعَدُّ الشيخ أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب من أبرز العلماء العمانيين في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، والذين دونوا أراءهم ومعارفهم من خلال مجموعة من السير والتي تعكس المخزون العلمي الديني والدنيوي لديه. وتهدف هذه الورقة إلى تحليل واحدة من أهم سير الشيخ
بشير بن محمد بن محبوب ورأيه في واحدٍ من أهم الأحداث التاريخية التي مرت بها عمان خلال القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي وهي حادثة عزل (1) الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237هـ/851م-273هـ/886م) من قِبَلِ الشيخ موسى بن موسى وتنصيبه راشد بن النظر إمامًا.
بالإضافة إلى ذلك ستوضح الورقة موقف بعض العلماء من هذا الحدث الكبير من خلال تحليل رأي الشيخ بشير في دعوى موسى بن موسى، مبينا السبب والنتيجة مستشهدا بنصوص وأحداث تاريخية ومنطقية. ومما لاشك فيه إن السِّجال حول قضية عزل الصلت بن مالك أبرزت لنا العديد من الآراء الفقهية والتي دونها العمانيون في مؤلفاتهم التي تزخر بها المكتبات العمانية اليوم.
وقد تيسرت للباحثة العديد من المصادر أبرزها سير العلماء العمانيين والتي كُتِبَت في ذات الإطار الذي كُتِبَت فيه هذه السيرة مَحِلُّ الدراسة هُنا، بالإضافة إلى بعض المراجع التي تُعنى بالتاريخ العماني عامة والإمامة الإباضية الثانية خصوصا.
وستتبع الباحثة المنهج التاريخي التحليلي الاستقرائي لربط الأحداث ببعضها. وستعتمد الباحثة على السيرة المخطوطة في وزارة التراث والثقافة تحت رقم 3557 والمعروفة بسير العلماء المحبوبية وغيرهم والتي نسخها حمد بن مسلم بن علي الحبسي للسلطان برغش بن سعيد بن سلطان في محرم 1299هـ/1881م وقد عاونه فيها عدد من المتعلمين من طلاب الشيخ محمد بن سليّم الغاربي، وتحمل هذه السيرة رقم 7 من مجموع السير التسعة الموجودة في هذا الجزء من المخطوطة. كما سنعتمد على اعتبار النقطة الملونة التي كتبها الناسخ في المخطوطة فقرة. (2)
وقُسِّمَت هذه الورقة إلى ثلاثة مباحث مع مقدمة وخاتمة. تناول المبحث الأول نسب الشيخ أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب وعصره، أما المبحث الثاني فتناول وصفًا للسيرة ومحتوياتها، في حين ركز المبحث الثالث على تحليل السيرة وما جاء فيها من مواضيع.
المبحث الأول: نسب الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد وعصره
__________
(1). عزل الامام يعني إنهاء لمهام الإمام وتوقيف عقد الإمامة، وفسخه يسنه وبين الرعية، يتولى ذلك أهل الحل والعقد في ثلاث حالات هي اذا حلت بالإمام عاهة تمنعه من أداء مهامه كزوال العقل أو إحدى الحواس، وإذا أحدث ما ينقض ما اشترطه عليه المسلمون في العقد من السير وفق الشرع واتباع السنة والعدل، وإذا أحدث معصية توجب إقامة الحد عليه. ولا يتم العزل إلا بعد (1/144)
صفحة 145
استتابته وإصراره واستكباره (مجموعة باحثين، معجم مصطلحات الإباضية: العقيدة - الفقه-الحضارة، تقديم عبد الله بن محمد السالمي، ج1، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط: 2008م، ج1، ص 64 - 65)
(2). ملحق رقم (1) صورة من السيرة في المخطوط المعتمد في هذه الدراسة.
هو أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل بن العنبر (1) بن هبيرة. وأمه هي ابنة شيخ العلماء موسى بن علي بن عزرة (2)، ولا يعرف تاريخ ولادة محددة للشيخ أبي المنذر إلا أن الغالب أنه ولد في بدايات القرن الثالث الهجري أي قبل سنة 230هـ/ 844م، وذلك لأن جَدَّهُ لِأُمِّه زاره قبل وفاته وكان لا يزال غلاما صغيرا، أي أنه ولد في الفترة بين 215 - 220هـ/830 - 835م.
أما عن نشأته فقد تربى الشيخ في بيئة علمية دينية، بدءًا من والده الشيخ محمد بن محبوب (3) والذي كان شيخ العلماء بعد وفاة موسى بن علي، كذلك تتلمذ على يد كبار العلماء أمثال الشيخ عزان بن الصقر النزوي العقري (ت:268هـ/881م)، وهناك بعض الفتاوى لأسئلة وجهها للفضل بن الحواري (4)، وكان له عدد من التلاميذ المشهود لهم بالعلم مثل سعيد بن الحكم، ومحمد بن خالد بن يزيد وكان أبو ابراهيم وعثمان بن محمد بن وائل يستفتيانه (5).
كان الشيخ أبو المنذر من المراجع الفقهية المشهود لها في عُمان وله آراء فقهية كثيرة نجدها منثورة في كتب الفقه العماني، ولعله يأتي في المرتبة الثانية في الفتيا في عمان بعد وفاة والده سنة 260هـ/873م، جاء في مخطوطة أسماء علماء عمان قول المؤلف: " ... ثم كان مدار أهل عمان على أربعة رجال في عصر واحد، بأبي المنذر بشير وأبي محمد عبدالله بن محمد بن محبوب
__________
(1).الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد (ت:670هـ/1271م)، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم محمد طلاي، ط2، ب. د، ج2، ص16، الشماخي، أبو العباس أحمد بن أبي عثمان بن سعيد، كتاب السير، تحقيق محمد حسن، ج1، دار المدار الاسلامي، بيروت:2009،ص208.
(2). عالم فقيه وشيخ العلماء في وقته، عاش في الثلث الأخير من القرن الثاني والثلث الأول من القرن الثالث الهجري. نشأ في إزكي، وتتلمذ على يد والده علي بن عزرة وهاشم بن غيلان ومسعدة بن تميم وغيرهم. تولى القضاء للإمام المهنا بن جيفر وعرف عنه ورعه ورفضه للخلاف والشقاق توفي سنة 230هـ/844م (السعدي، فهد بن علي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية، ج3، مكتبة الجيل الواعد، مسقط:2007م، ص 229 - 232).
(3). هو الابن الأكبر للشيخ محبوب بن الرحيل، تعلم على يد موسى بن علي وتولى رئاسة العلماء بعد وفاته، بايع الصلت بن مالك والذي ولاه قضاء صحار سنة 251هـ/865م، حتى وفاته (1/145)
صفحة 146
260هـ/873م (البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، ط3، ج1، مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، مسقط:2010م، ص 250 - 253).
(4). من فقهاء القرن الثالث الهجري وحدث عن سعيد بن محرز والوضاح بن عقبة وكان كثيرا ما يسال محمد بن محبوب ونقل عن زياد بن مثوبة، وعاصر من العلماء هاشم بن الجهم وعزان بن الصقر حيث يعبروا جميعا مع الفضل بن الحواري كعينين في جبين وكان يضرب بهما المثل في عمان لعلمهما وفضلهما، وكان ممن تولى موسى بن موسى وراشد بن النظر، قتل في القاع سنة 278هـ/891م على اثر خروجه على الامام عزان بن تميم وعقد للحواري بن عبدالله الحداني (السعدي، معجم، ج3،ص11).
(5). السعدي، نفسه، ج1،ص 75.
رحمه الله وأبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر وأبي الحواري محمد بن الحواري المعروف بالأعمى ... " (1).
وقد برز الشيخ بشير بن محمد بعد حادثة عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237هـ/851م - 273هـ/886م)، في حدث يُعَدُ الأول من نوعه في عُمان. ورغم صلة القرابة التي تجمعه وموسى بن موسى بن علي بن عزرة (2)، إلَّا أنَّ الشيخ كان واضحا في طرح رؤيته ورفضه لهذا التحرك الغير مبرر من وجهة نظره. وقد شهد الشيخ بشير هذه الحادثة وكان ممن يبرأ من خاله الشيخ موسى بن موسى والإمام راشد بن النظر (3)، إلَّا أنَّه بعد ذلك ارتأى الوقوف، نتيجة استنكاره لكثير من أعمال الإمام عزان بن تميم (277هـ/890م-280هـ/893م) والذي بويع له بعد عزل الإمام راشد بن النظر وعلى ما يبدو ووفقا لروايات الأزهر بن محمد بن جعفر قد غادر البلاد الى مكة المكرمة وتوفي فيها، وذلك لأن السالمي يروي عن الأزهر بن محمد بن جعفر نقلا عن بشير بن محمد وهو في مكة المكرمة آراءه في بعض القضايا المختلفة (4).
وللشيخ بشير العديد من المؤلفات إلاَّ أنَّ أكثرها مفقودة منها: كِتَابُ الخِزانةِ، وَيُذكَرُ أنَّهُ يقع في سبعين جزءًا، و كِتَابُ البستان في الأصول وهي جميعها مفقودة (5)، أمَّا كتاب الرضف في التوحيد وأحكام القرآن والأسماء والأحكام والسنة والإمامة وأسماء الدار وأحكامها وحدوث العالم فهو مطبوع في وزارة التراث والثقافة (6)، أمَّا سيرته المشهورة المعروفة بالمحاربة فهو لا زال مخطوطا.
__________
(1). الكندي، زاهر بن عبدالله بن موسى بن صالح، تواريخ العلماء ومعرفة أسمائهم وكناهم وبلدانهم، مخطوط بوزارة التراث رقم 2424، ص13، كتب في المخطوطة ثلاثة، ولكن الأسماء (1/146)
صفحة 147
المذكورة هم أربعة فقهاء وليس ثلاثة.
(2). في القرن الثالث الهجري، تربى على يد والده شيخ علماء زمانه موسى بن علي ومحمد بن محبوب ونقل عنه الحواري بن محمد بن الأزهر، وقام بحركة ثورية ضد الإمام الصلت بن مالك وعقد لراشد بن النظر والذي عاد لاحقا فعزله وعقد لعزان بن تميم، إلا أنهما لم يتفقا طويلا فانتهت خلافتهما بمقتل موسى بن موسى سنة 278هـ/891م لتتحرك النزارية بعدها للاستعانة بالعباسيين ضد العمانين (السعدي، معجم، ج3، ص: 237 - 238).
(3). يُعَرِّف السالمي راشد بن النظر بأنه إمام موسى بن موسى، بويع له لما وصل خبر اعتزال الصلت لدار الامارة سنة 272هـ/885م (السالمي، تحفه، ج1،ص 213). لم نجد له سيرة قبل إمامته.
(4). لتفاصيل أنظر السالمي، مصدر سابق، ج1، ص 196.
(5). السعدي، معجم، ج1، ص 76
(6). لدى الباحثة نسخة منه، ويشير الباحث فهد السعدي بأنَّ هذا المُؤلَّف مفقود إلَّا أنَّ الباحثة عثرت على المؤلف مطبوع وهي عبارة عن رسائل أو سير قصيرة.
وهذه المؤلفات نجدها على هيئة سير محددة الهدف والغاية، ويظهر فيها جليا المخزون المعرفي لدى الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد. بأسلوبه الذي يجمع بين جزالة اللغة والعلم بها وبين المنطق والفلسفة. وسنلاحظ المكانة العلمية الواضحة للشيخ من خلال السيرة التي نحن بصدد إلقاء الضوء عليها وتتبعها.
المبحث الثاني: وصف السيرة ومحتوياتها:
1 - وصف السيرة:
سيرة الشيخ بشير بن محمد بن محبوب في الحدث الواقع بعمان هي السيرة رقم 7 من أصل 9 سير يضمها الجزء الأول من سيرة العلماء المحبوبية (1)، والتي تقع في ثلاثة أجزاء تبدأ بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم للعلاء بن الحضرمي وتنتهي في جزئها الثالث بسيرة ابن مداد (2).
وقد تم نسخها من قبل حمد بن مسلم بن علي الحبسي للسلطان برغش بن سعيد بن سلطان في محرم 1299هـ/1881م وقد عاونه فيها عدد من المتعلمين من طلاب الشيخ محمد بن سليّم الغاربي (ت:1301هـ/1884م) (3). وتتكون السيرة من 9 صفحات و215 سطرا، وكتبت بخط شرقي واضح ويمكن قراءتها بسهولة عدا في بعض المواضع والتي قد تعود لعدم القدرة على قراءة النسخة التي نقل عنها الناسخ، إذ ترك فراغات في بعض الأسطر قد تعود لذات الفراغات في النسخة التي نقل عنها الناسخ. ويوجد في كل سطر حوالي 13 - 14 كلمة.
2 - الأهداف:
يبين الشيخ بشير أن سبب كتابة هذه السيرة هي الرد الشافي والوافي على المزاعم والادعاءات التي (1/147)
صفحة 148
حملت موسى بن موسى وراشد بن النظر على ما قاموا به من عزل لإمام منتخب بإجماع الأمة وتسييرهم لجيش كبير نحو دار الامارة، كما يؤكد الشيخ أنه لولا خشيته من أن تتحول هذه القضية إلى نزاع أهلي ويجر البلاد لحرب أهلية يرى فيها الضعفاء الجاهلون إجازة لحمل السلاح لكان لديه من الحجج والبراهين العديدة ضد هؤلاء والتي قد لا تحمد عقباها (4).
__________
(1). مخطوط السير المحبوبية وغيرهم، مخطوط رقم 3557، وزارة التراث والثقافة، مسقط.
(2). الأجزاء الثلاثة على التوالي تحمل الارقام 3557،3558،3559.
(3). عالم فقيه عاش في القرن الثالث عشر الهجري من بلدة الخبة في ولاية السويق حاليا. ويُعَّد ثالث أركان جولة الإمام عان بن قيس، ويقال إنه توفي على أثر سُم أرسل إليه في كتاب أرسله السلطان له (السعدي، نفسه، ج2،ص 112).
(4). لفقرة 23 من المخطوطة الاسطر 49 - 53.ص146
3 - الأحوال السياسية التي كُتبت فيها السيرة:
إنَّ الفترة التاريخية التي تم كتابة هذه السيرة فيها تُعَدُّ من أبرز الفترات التاريخية التي عاشتها عمان، وذلك من حيث حجم الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية التي بلغت أوجها في عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي. فقد عُرِف عن الإمام الصلت حرصه الشديد على متابعة قضاته وولاته بنفسه والذي يعكس رغبة الإمام الحقيقية في سيادة العدالة والنظام بين الناس جميعا. وقد عَمَّرَ الإمام الصلت في الإمامة (1)، وحكم لما يقرب من 36 عاما. ويذكر الكندي في بيان الشرع: "لمَّا طال عُمْرُ الصلت بن مالك مَلّوه لَمَّا كَبِر وضَعُف، فأما السمع والبصر والعقل واللسان فلم يعلم أنَّه ضاع منه شيء، ولا نقص منه شيء" (2). ولَعَلَّ هذا السبب لا يبدو منطقيا كافيا لقيام حركة أشبه ما تكون بالانقلابات في عصرنا الحاضر ضد واحد من أهم الأئمة الذين حكموا البلاد خلال هذه الفترة. ويرى علي الريامي أنَّ مبادئ العزل لم تكن واضحة في الفكر السياسي الإباضي قبل هذه الحادثة، وأن هذا المفهوم يعد تطورا في مفاهيم الامامة عند الاباضية، وأفرز أزمة سياسية وفكرية حادة بين الفقهاء والعلماء العمانيين (3). إلا أننا في الحقيقة ومن خلال قراءة سيرة الشيخ أبي المنذر نجدنا نخالف هذا الرأي؛ لأن مفهوم العزل والاعتزال والخلع والاختلاع كان واضحا جدا في هذه السيرة من حيث الفهم العام له؛ وعليه فلا يمكننا أن نُعِدَّ سبق الحدث حجة لعدم وضوح مثل هذه المفاهيم، لأنها تدخل بصورة أساسية ضمن مجال التنظير في الفكر السياسي الإباضي (4).
لقد اتخذت الأسباب التي جعلت موسى بن موسى ومن معه يقومون بخطوة كبيرة كعزل الإمام مُنْحَنَيَيْن مهمين، أهمهما كِبَر سِّن الإمام وطول فترة إمامته التي وصلت إلى 36 عاما وأنهم خافوا على الدولة بسبب ذلك (5). وهذان السببان أجمع العديد من الرافضين لعزل الإمام على عدم (1/148)
صفحة 149
قبوله لأن الإمامة لا تسقط إلا بشروط واضحة ومحددة وهي لم تنطبق على الصلت بن مالك، حيث أنه لم يفقد أيا من السمع أو البصر أو العقل أو اللسان وإنما كان
__________
(1). أبو قحطان، خالد بن قحطان، سيرة أبو قحطان ضمن كتاب السير والجوابات لعلماء وائمة عمان، تحقيق سيده كاشف، ج1،ص117.
(2). الكندي، محمد بن ابراهيم، بيان الشرع، ج3، وزارة التراث والثقافة، مسقط: 1984م، ص220.
(3). الريامي، علي، قضية عزل الصلت بن مالك، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة السلطان قابوس، السيب:2006م، ص50 - 51
(4). لقد سبق للعمانيين أن قاموا بعزل أول أئمة الإمامة الثانية وهو محمد بن عبدالله بن أبي عفان (177هـ/ - 179هـ/) بعد أقل من سنتين من تنصيبه إماما، كما أن إباضية حضرموت عزلوا إمامهم عبدالله بن سعيد (للتفاصيل انظر السالمي، مصدر سابق، ج1، ص 109 - 111).
(5). السالمي، نفسه، ج1، ص195.
ضعفه في رجليه كما ذكروا (1). ناهيك أن التاريخ السياسي لمن سبق إمامة الصلت بن مالك لا يجعل كِبَر السِّن ذريعة لعزل الإمام أو خلعه. كما أن الحجة التي ذكرها المخالفون من أن الإمام لم يعد قادرا على قيادة الجيوش والإشراف عليها وعلى مجاهدة الأعداء أيضا لا يوجد ما يؤيد هذه الحجة في نظرية الإمامة عند الاباضية.
وفي الحقيقة فالباحث في الأسباب العامة التي أعلنتها المعارضة لقيامها بحركة ثورية ضد الإمام الصلت بن مالك لم تجد سندا يدعمها لا من أعمال الإمام نفسه ولا من خلال الإطار الفكري للإمامة عند الإباضية، ولهذا لجأوا إلى أسباب أخرى كقولهم إن خروجهم إنما هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2).
ويرى أبو قحطان في سيرته أن موسى بن موسى جمع كل من له أطماع شخصية ضد الدولة وضد الإمام وكوَّن منهم حلفًا قام ضد الإمام الصلت بن مالك حيث يقول:" ... حتى انتهت به الأيام أن جمع الأعراب والأطغام من الناس ومن يسرع إلى الفتنة، فتبعه الناس على منازل مختلفة من بين رجل قد غصبه أحكام المسلمين وأوغر به فهو يطلب عزَّتهم ... وآخر يتعبّد بغير بصر فيظن أنه محق وأنه يطلب حقا ... " (3).
وفي سيرة أبو المؤثر ما قد يقطع الرأي في هذه المسألة حين يقول:" ... فإذا ثبتت بيعة الإمام ووجبت طاعته فمن بغى عليه وامتنع من طاعته ودعى إلى ذلك، فان امتنع قوتل حتى تفنى روحه أو يفيء إلى أمر الله ويدخل فيما خرج منه من طاعة الإمام العدل ... " (4)، وهذا ما قد يكشفه ريا أبي المؤثر حين يرى أن خروج هؤلاء ما جاء إلا لأن لديهم اطماعًا بالإمارة، والدافع (1/149)
صفحة 150
الاقتصادي له دوره إذ يذكر أن موسى بن موسى كان يكتب الى تجار صحار ليقرضوه المال او ليتاجروا له وذلك في عهد الامام راشد بن النظر (5).
__________
(1). سيرة أبي قحطان، خالد بن قحطان، مخطوطة رقم 2335، وزارة التراث والثقافة، ص 128.
(2). أبو المؤثر، الصلت بن خميس الخروصي (ت: 278هـ/891م)، كتاب الأحداث والصفات، تحقيق جاسم ياسين محمد الدرويش، وزارة التراث والثقافة، مسقط:1996م، ص 6.
(3). أبو قحطان، نفسه، ص 129
(4). سيرة الشيخ أبو المثر الصلت بن خميس، مخطوطة السير المحبوبية وغيرها، ج1، وزارة التراث والثقافة رقم 3557، ص 99.
(5). يوردها السالمي في رسالة من الامام الصلت يوضح فيها دوافع موسى بن موسى لعزله عن الامامة (السالمي، تحفه، ج1، (194 - 212)
وقد قسم العبيدلي الفئات التي أيدت عزل الصلت بن مالك إلى ست فئات هي (1):
1 - أهل فتنة، استغلوا الأوضاع المضطربة في البلاد وهم في مجملهم أصحاب مطامع دنيوية.
2 - أصحاب الثأر والانتقام، قد يكونون من الأفراد الذين تم الحكم عليهم من قبل الإمام نفسه أو ولاته أو قضاته.
3 - ضعاف القلوب والنفوس من محدودي العلم، ويدخل معهم عامة الشعب ممن قد تأخذهم الحمية القبلية دون سواها.
ورغم أنه حاول تحديد أتباع هذه الفئات إلا أنه وقع في أخطاء عديدة ومسلمات لا يمكن الجزم بصحتها إذ لا نجد في كتب التاريخ العماني ما يؤيده.
وقد بدأ التحرك العسكري الفعلي ضد الإمام الصلت سنة 272هـ/885م منطلقين من إزكي مسقط رأس الشيخ موسى بن موسى. إلا أنه تجدر الاشارة هنا أن جمعًا من العلماء تحرك نحو موسى بن موسى لثنيه عما هو مقبل عليه، وفي هذا يقول أبو المؤثر: " أن نفرا من المسلمين (2) دخلوا على موسى بن موسى فقالوا: لا نجيبك الى ما تريد، حتى تحتج على الإمام، ثم انطلقوا فدخلوا على الإمام فكلموه فقال لهم: أنا تبع للمسلمين، بما احتج به المسلمون أجبتهم إليه فقبلوا منه، ثم انصرفوا من عنده إلى موسى فأخبروه فقال لهم: ما أنتم فاعلون؟ قالوا: قد قبلنا منه، قال لهم موسى: وأنا قبلت أيضا، وكل هذا ولا أعلمهم يسمون للصلت نبا بعينه يقفون عليه، ويستتيبونه منه" (3).
وبعد مشاورات ومفاوضات بين الإمام والمعارضة كما يقول علي الريامي إن الامام اعتزال دار الإمارة لدار أحد أولاده خاصة أن العديد من مؤيديه قد انحازوا للفريق الثاني؛ مما أدخل العلماء في (1/150)
صفحة 151
إشكالية أخرى وهي رفضهم للتصرف الذي قام به الإمام ودوافعه في ذلك (4).
والمتتبع لما قام به الإمام الصلت بن مالك وردة فعله على تحرك موسى بن موسى ومن معه ومطالبتهم إياه بترك منصب الإمام لتجعل منه داهية سياسيا ومحنكا عالما بالإمامة ومصوغات عزل الإمام وتنصيبه. فنجده يعتزل دار الإمارة لكنه يخلِّف وراءه وكيلا لها. ونجده يعترف باعتزاله ولكنه يرى أنه اعتزل الموضع ولم يعتزل الإمارة،
__________
(1) العبيدلي، أحمد، الدولة العمانية الاولى (132 - 280هـ/749 - 893م)، دار جريدة عمان للصحافة والنشر، مسقط:1996م، ص:144 - 145. العبيدلي صنفهم في ست فئات ولكن الباحثة ترى أنها أربع فئات مختلفة تشمل الست التي ذكر العبيدلي. وهذه الفئات الثلاث سنجدها واضحة في سيرة الشيخ بشير محل الدراسة هنا.
(2). المسلمين مصطلح درج الإباضية على تسمية أنفسهم به.
(3). أبو المؤثر، الأحداث، ص: 10 - 11.
(4). الريامي، مرجع سابق، ص:69 - 70.
وإنما اعتزل حقنا للدماء حتى يرى العلماء أمرهم في الإمامة. كما أنه أنكر على المعارضة سلبها لبيت المال في ولاية إزكي ويؤكد أنَّ العُقولَ الراجحةِ من العلماء هي التي جعلت موسى بن موسى ومن معه يتجرؤون على مؤسسة الإمامة بهذه الطريقة. ولهذا يُثني السالمي على الصلت بن مالك فيقول: " يدهش المرء حينما يقف أمام هذه المبادئ الديمقراطية، ولا يسعه إلا أن يعجب بأخلاق الأئمة الذين كانوا لا يرون غضاضة أبدا، في التنازل عن أكبر مركز في الدولة إذا كان هذا الأمر فيه مصلحة الشعب نفسه" (1).
ومما أنكره العديد من العلماء على موسى بن موسى في هذه القضية كذلك أنه لم ينتظر قدومه لنزوى وإلى دار الإمارة بل عاجل بمبايعة راشد بن النظر مباشرة بعد اعتزال الصلت لها، مخالفا بذلك العرف السائد من العقد للإمام الجديد في عاصمة الإمامة وبحضور كبار العلماء من أهل الحل والعقد (2).
والغريب في الأمر كذلك أن الصلت بن مالك بعث بخَاتَم الإمامة والكُمَّة ومفاتيح الخزانة لراشد بن النظر ولم يعارضه بل وظل في جواره حتى وفاته سنة 275هـ/888م. لتبدأ عمان تاريخا سياسيا مليئا بالاختلافات السياسية والفكرية التي ستدخل البلاد في معمعة من الأحداث ستؤدي لحرب أهلية لتقع بعدها فريسة سهلة للدولة العباسية سنة 280هـ/893م.
ويُبدي الفضل بن الحواري (3) في كتاب له رأيه في الإمام الصلت بن مالك - وهو أحد العلماء الذين وقفوا مع موسى بن موسى من البداية - فيقول: " ... والظاهر الشاهر أنه قد اعتزل لأنه قد ترك عسكر المسلمين وبيت مالهم وسلاحهم وترك سجنين مخوفين .. وركب بعيرا وخرج حتى (1/151)
صفحة 152
نزل دار ابنه من غير أن يلقى من القوم حجة ما يريدون أو نصيحة أو عزلا أو دعاء إلى توبة، وقال لمن بقي في العسكر: احفظوا عسكركم حتى يأتيكم إمامكم، وقال قوم أتانا كتاب من تخلف على العسكر أن يعجلوا إلى العسكر، قال الإمام قد اعتزل فقدم القوم إماما وساروا حتى
__________
(1). السالمي، محمد بن عبدالله، عمان تاريخ يتكلم، دار الكتاب المصري، القاهرة و دار الكتاب اللبناني، بيروت:2013م، ص 110.
(2). أبو قحطان، سيرة، ص123.
(3). من فقهاء القرن الثالث الهجري وحدث عن سعيد بن محرز والوضاح بن عقبة وكان كثيرا ما يسأل محمد بن محبوب ونقل عن زياد بن مثوبة، وعاصر من العلماء هاشم بن الجهم وعزان بن الصقر حيث يعبرون جميعا مع الفضل بن الحواري كعينين في جبين وكان يضرب بهما المثل في عمان لعلمهما وفضلهما، وكان ممن تولى موسى بن موسى وراشد بن النظر، قتل في القاع سنة 278هـ/891م على إثر خروجه على الإمام عزان بن تميم وعقد للحواري بن عبد الله الحداني (السعدي، معجم، ج3،ص11).
نزلوا العسكر، وقدم إمام مكانه وبعث إليهم بالخاتم والكمة وآلة الإمامة. ولم يقل لهم بيني وبينكم الحق إني لم اعتزل، فأي اعتزال أبين من هذا من غير أن يرى حربا ولا اختراط سيف ولا هدًّا بعصا ولا رميا بحجر، فان قالوا اعتزل تقية خاف على نفسه، فأئمة العدل القاطعة للشرى لا تسعها التقية، وعليها الجهاد حتى تَقتل او تُقتل كما قال الله تعالى ... " (1).
أما الصلت بن مالك نفسه فيذكر السالمي أنه كاتب الجمهور بن سنجه يخبره عن اعتزاله فيقول:" وذكرت الذي كان في قضاء الله وقدره، من سير هذا الرجل ابن موسى ومن كان معه، وقصدهم في ذلك لما أراد الله حتى اعتزلت من الموضع وبلغك نهب بيت مال المسلمين وجعلوه دولا، وكل ما وصفت من ذلك فقد فهمته عنك إن شاء الله. واعلم يا اخي أن هذه الدولة قد كان لها رجال لهم حلوم راجحة عالمة، وقلوب سليمة، كانوا على أمر واحد، فلم يبلغ بهم الأمر إلى مثل هذه الغاية، فلم يزالوا على ذلك حتى مضوا فانقرضوا رحمة الله عليهم، ثم خلفنا نحن وأنتم من بعدهم، وبليت بهذا الأمر من غير محبة مني فيه، ولا طلب له إلى أن طلب ذلك من طلب إليَّ من أفاضل المسلمين وأهل الفقه في الدين ورغبت في ظل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحق ورجوت نصرة المسلمين لي على ذلك، فكان يومئذ من قد عرفت من اشياخ المسلمين فقمت بهذا الأمر ما شاء الله والمسلمون لي أعوان ... إلى أن ذهب أهل الحق وأهل العدل، ونشأ اليوم شباب وناس ظهرت رغبتهم في الدنيا وطلبوا الرياسة فيها، وكان موسى هذا يصل إلينا ويقول إنه يأتي بنصح، ويكاتب الناس ويؤلب على الدولة، ومرة يظهر الشتم لأهل الدولة، ومرة يطلب خلاف ذلك، فلم تزل الأيام ترقى به، وهو يدعو الناس إنما يطلب الصلاح وإظهار الحق والأمر بالمعروف (1/152)
صفحة 153
والنهي عن المنكر، ويطلب إلينا مطالب لا أراها ولا أعرفها من الحق ولا مقاربة إلى ذلك ... وما اختلعت وما تبرأت" (2).
وهكذا من خلال رسالة الصلت بن مالك هذه و ما كتبه الفضل بن الحواري ليخرج بعدة نتائج حول ما حدث في عمان في هذه الأيام وهي:
1 - إن اعتزال الصلت بن مالك لدار الإمارة جاء لإفساح المجال للعلماء للاجتماع والنظر فيما يحدث من أحداث، ولإعطاء الحكم فيما قام به موسى بن موسى ومن معه. إلا أن انقسام الأمة آنذاك يبدو أنه خذل الصلت بن مالك ولهذا رضخ لانتخاب راشد بن النظر إماما وأرسل إليه بأدوات الإمارة.
__________
(1). السالمي، تحفة، ج1، ص 198 - 199. سيرة أبي قحطان، مخطوطة السير المحبوبية وغيرها، ص: 130 - 131.
(2). للتفاصيل انظر السالمي، تحفة، ج1، ص 201 - 203.
2 - إن تحرك موسى بن موسى ومن معه لنزوى لخلع الصلت بن مالك أو مطالبته باعتزال الإمامة كان مطلبا يدرك موسى ومن معه أن الصلت غير قادر عليه بمفرده. فلا يجوز وفقا للنظرية السياسية للإمامة أن يتنازل الإمام عن منصبه دون الرجوع لأهل الحل والعقد.
3 - تختلف الأسباب التي دفعت بموسى ومن معه للسير لعزل الصلت بن مالك، إلَّا أن أيَّا منها لم يجد له سندا قانونيا - إذا أمكننا وصفه هكذا- مما أدى إلى دخول البلاد في صراع داخلي عسكري وحرب أهلية راح ضحيتها العديد من الفقهاء والعلماء خلال أقل من سنتين من خلع الصلت بن مالك.
4 - ظهور ما عرف بالمدرستين الرستاقية والنزوانية (1)، واللتان تزخر بمؤلفاتهما المكتبات العمانية. وقد عبرت هاتان المدرستان بصورة واضحة على العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، السياسية والدينية.
5 - تعرض عُمان لأطماع خارجية عديدة تمثلت في غارات القرامطة المتتالية والدولة العباسية التي رسخت مكانتها في البلاد بعد قدوم محمد بن نور إليها وتعيينه لبني سامه ولاة على عُمان.
وما يهم أنه رغم هذه الاختلافات والتشعبات في الآراء لم يكفروا بعضهم البعض وإنما رآها الكثير اجتهادات خلقت هذا الموقف السياسي فالأزكوي يقول: "وجدنا جميع من ينتحل دين الاباضية وأهل الاستقامة من المسلمين في الأحداث التي جرت بعمان في أمر الصلت بن مالك وموسى بن موسى وراشد بن النظر وعزان بن تميم منازل ثلاثة، من لدن الحدث في ظواهر الأمور إلى يومنا هذا، كل أهل منزلة من هذه المنازل يظهر التوحش من أهل المنزلة الأخرى ويظهر التعتب والتوجد من غير أن تقع من أحد منهم في الآخر خلاف في دينونة في أمر تلك الأحداث التي سلفت وإن (1/153)
صفحة 154
كانت مقالاتهم قد اختلفت فإن مذاهبهم قد ائتلفت ... " (2).
المبحث الثالث: تحليل السيرة:
1 - منهج الشيخ أبي المنذر في الكتابة:
تضم السيرة التي كتبها الشيخ بشير بن محمد بن محبوب جوابا لكل دعوى ادعاها موسى بن موسى ومن معه للقيام بعزل الإمام الصلت بن مالك من خلال 62 فقرة شملها النص. وقبل تحليل النص بدقة سنتتبع منهج الشيخ أبي المنذر من خلال هذه السيرة وهي كالتالي:
__________
(1). هاتين المدرستين لم تظهرا مباشرة إثر هذا الحدث بل إن تتابع الأحداث بعد عزل الصلت بن مالك وتغير آراء الكثير من العلماء.
(2). الأزكوي، سرحان بن سعيد، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تحقيق حسن محمد النابودة، ج2، دار البارودي، بيروت: 2006م، ص879.
- السيرة لم تبدأ كبقية السير العمانية بما يشبه المقدمة الطللية الطويلة، بل دخل أبو المنذر مباشرة من الفقرة الثانية في موضوع السيرة، حيث اكتفى بحمد الله في البداية بقوله "الحمد لله الذي شرع دينه وبَينهُ، وأَوضح حجته وبراهينه ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حَيي عن بينةٍ، وإنَّ الله لسميعٌ عليم".
- يوضح الشيخ بشير مباشرة من الفقرة الرابعة في السيرة الهدف من كتابة هذه السيرة وهو الرد على كتاب كتبه موسى بن موسى يبين فيه وجهة نظره مما قام به، مدعما كتابه بالشهود، مؤكدا الشيخ أنه سيأتي "بحجج قاهرة وبراهين نيّرة وأدلة ظاهرة على الدينونة لله بالبراءة (1) فيما شاهده من الأحداث الواقعة بعمان من موسى بن موسى بتقديمه راشد بن النظر إماما لأهلها على إمامة الصلت بن مالك" (2).
- يبرز الشيخ قوة حجته ورأيه والهدف الأسمى من كتابة هذه السيرة كذلك في الفقرة 23 من السيرة، وربما هنا هدف تخصيصي ومباشر لكتابة هذه السيرة حيث يقول: "ولو أنا لم نضع هذا الكتاب على الاستقصاء لذكرنا من عللهم مما هو أقوى مما وجدناه لهم ولبسطناه بسطا شافيا لمتأمله منا ومنهم، لكنا لم نأمن من أن يكون منهم المعتقد لذلك فيتخذ ذلك سلالة على الضعفاء دون ما وصفناه به فيحل بمنزلة من حمل السلاح إلى دار حربه، لكنا نقتصر على ما قد ظهر لنا في عللهم إن شاء الله والتوفيق والعصمة منه إنه هو أرحم الراحمين". هذه الفقرة تكشف لنا حقيقة مهمة جدا هي المكانة العلمية والفقهية والسياسية للشيخ بشير بن محمد بن محبوب، و لولا خشيته من تحول المسألة لحرب أهلية لفصل تفصيلا شافيا في تخطئة ما قام به موسى بن موسى، ولعله هنا أعطى أيضا للقرابة عذرها. كما نلاحظ أن لغة الخطاب في البداية تبدو قوية واضحة في تخطئة ما قام به كلٌّ من موسى بن موسى وراشد بن النظر ومن ساندهما في ذلك. وهذا واضح من بداية (1/154)
صفحة 155
المخطوطة حين يقول في الفقرتين الثالثة والرابعة: "وإن كان لأهل عمان دعوة قائمة وجملة بها سالمة، فرقوا بها عن من ضل عنها إلى أن تنازعوها، أحدث من بعضهم فيها أحداثا أوجبت
__________
(1). البراءة هي البغض في الله بالقلب لمن ثبت ارتكابه للكبيرة، وعدم الاستغفار له وعدم الدعاء له بخير الآخرة، وهي من الأصول العقدية المنصوص عليها في الكتاب والسنة، وعني بها الإباضية عناية كبيرة. ومنها البراءة من الأشخاص كعامل زجر وتعديل للسلوك (مجموعة من الباحثين، معجم المصطلحات الإباضية، ج1، وزارة الاوقاف والشؤون الدينية، مسقط: 2008م، ص:100 - 103.
(2). مخطوطة رقم 3557، ص 144.
بينهم براوات لم يتجاهروا (أوجاها) بها، ولا تلاقوا شفاها بذكرها، الى أن طلع من أحد مساند عوامها".
- يكثر الشيخ بشير من التأكيد على موضوع البراءة من هذا الفعل الذي قام به موسى بن موسى وممن معه خاصة في مطلع السيرة، وذلك في الفقرات (4، 9، 10، 11، 13، 14، 17، 27، 32، 38، 39، 42، 43، 56)
- يلاحظ أن الشيخ يستخدم لفظ مملكة في إشارته إلى عمان في أكثر من موضع، بين المملكة ومملكته وذلك في الفقرات (14، 16، 17، 27، 31، 36)
- يقتبس الشيخ بشير في بعض فقرات السيرة ببعض آيات من القرآن الكريم، مثلا ينهي الفقرة 12 بقوله " ... فيما اختلف فيه منها عندهم والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم" (1)، الفقرة 22 " ... لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد" (2).
- ترد كلمة (البغي) و (البغاة) في السيرة في ثلاث مواضع. الفقرة 18 والفقرة 27 كلمة (بغيه)، (بغيهم) في الفقرات 36، 37، 41 (3).
- بعد تبيان هدف السيرة نجد أنه يغلب على السيرة مناقشة الأسباب التي دفعت موسى بن موسى وأتباعه لعزل الصلت بن مالك ونجد السيرة في بدايتها تكثر فيها قوله: "وقالوا ... ، وقال الحاضرون ... ، وأقاموا ... ".
- يحدد الشيخ بشير ردوده على حجج الشيخ موسى بن موسى على الإمام الصلت بن مالك، فنجده يذكر في الفقرتين 32 و33 جملة "وأما قوله ... "، "وأما احتجاجه ... " الفقرتان 34، 35، "وأما اعتزاله ... "وذلك في إشارة لموسى بن موسى.
- نلاحظ الشيخ بشير يستبعد راشد بن النظر من رسالته هذه ويحدد كما ذكرنا أنها موجهة لموسى بن موسى ففي الفقرة 25 يقول: "فأما راشد فلم يظهر له معنا فيما ركب من الحدث حجة يعلمها، وأما موسى فالذي بلغنا أنه احتج به لنفسه في جواب كان منه أن قال ... ". (1/155)
صفحة 156
__________
(1). النور: 46.
(2). ق: 37.
(3). يطلق هذا الحكم (الباغي وبغي) على الأفراد والجماعات وعلى الإمام أحيانا، ويحمل عدة معان منها الباغي على غيره من المسلمين والممتنع عن أداء حق طولب به، ويعني كذلك - كما هو في هذه السيرة- قوم من المسلمين خرجوا على الإمام وعن طاعته بعد وجوبها، إما بحمية عصبية أو بتأويل سائغ أو غير سائغ، في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تأكيد الخروج عن الطاعة، وإذا لم يخرجوا لم يسمَّوا بغاة ولا تجري عليهم أحكام البغي (معجم مصطلحات الإباضية، ج1، ص: 123 - 125.
- يستعرض الشيخ أهم ما شمله كتاب موسى بن موسى الذي كما يبدو وجهه للعلماء كافة موضحا فيه حججه في قيامه بما قام به. الفقرات 25، 26.
- يجمل الشيخ وجهة نظر العلماء عامة في الفعل الذي قام به موسى في الفقرات 26، 27، 28
- يكثر من الدعاء في مواضع مختلفة خاصة بعد مناقشته للادعاءات المفترية على الإمام الصلت بن مالك، مثل قوله حسبنا الله (41، 54)، الحمد لله (1، 27، 54)، والله ارحم الراحمين (24، 54،59).
- في ختام السيرة في الفقرة 54 ينهي الشيخ آراءه بالصلاة والسلام على خير المرسلين، ليسترسل مباشرة منها رأيه في العقد لعزان بن تميم وما قام به الفضل بن الحواري موضحا أنه قاس هذه على ذاك في مقدمة سيرته. وعلى ما يبدو فالشيخ بشير هنا يشير للحدث الذي وقع بإزكي على أثر مقتل موسى بن موسى. فالفضل بن الحواري جمع النزارية بعد مقتل موسى بن موسى وعقد للحواري بن عبدالله الحداني (1).
- ورد في السيرة ثلاثة ألفاظ رئيسية في شرح الشيخ للحدث الذي وقع وهي في هذه السيرة العزل والاعتزال (26، 39) وفسخ وانفساخ (35، 27، 28) والخلع والاختلاع والانخلاع (38، 39، 45، 49، 52)
- وتشير خاتمة هذه السيرة أن أبا المنذر قرَّر اعتزال المشهد السياسي بعد هذه الواقعة أي بعد عام 278هـ/891م حيث يقول:" ... وقد رأينا الإمساك بعد هذا الفراق عن إلزام كل واحد منهم تسميته وتسمية حدثه بما يجب عليه فيما دخل فيه إلى حال الاتفاق على ما وصفنا ... ". وبالفعل لا نجد ذكرا كثيرا للشيخ بعد ذلك في المؤلفات العمانية، وكما يبدو أنه ارتحل كما ذكرنا لمكة المكرمة وأقام فيها حتى وفاته.
2 - ردود الشيخ أبي المنذر على موسى بن موسى:
حاول الشيخ أبو المنذر بشير في سيرته هذه تبيان رأي المذهب قبل أي شيء آخر في الحدث الذي (1/156)
صفحة 157
وقع في عمان، من قيام موسى بن موسى ومن ومعه بالخروج على الإمام الصلت بن مالك، ولهذا لا تعكس الآراء الموجودة في هذه السيرة وجهة نظر شخصية وإنما وجهة نظر علمية منطقية يُفّنِّد فيها الشيخ أبو المنذر ادعاءات موسى بن موسى ومن معه، ولهذا وجد الباحثون أن هذه السيرة في مفرداتها كانت أقل تشددا مما جاء في سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس في آرائه ضد هذه المعارضة (2).
__________
(1). للتفاصيل انظر السالمي، التحفة، ج1، ص:250 - 253.
(2). السالمي، عبدالرحمن، من مصادر التاريخ والثقافة السير العمانية، مجلة نزوى، www.nizwa.com.
ويمكننا توضيح أبرز هذه الدعاوى أو الأسباب وردود أبي المنذر عليها في التالي:
3 - الادعاء الأول: كبر سن الإمام الصلت وعدم قدرته على ممارسة مهام الإمامة:
جاء في السيرة على لسان موسى بن موسى: " .. أمَّا الصلت فإنَّا أنكرنا عليه كثيرة شهد عندنا العدول بها ما استحللنا به استحللنا، ثم صار إلى حدِّ الزَّمانة وتغيَّر العقل ... ".
ونجد الرد واضحا ومفنَّدا من قبل الشيخ أبي المنذر حيث يقول: " ... وأما قوله إنه صار إلى حدِّ الزمانة أو تغيُّر العقل فذلك أيضا دعوى فقد تقدم الإجماع على براءته منه ... وما كان في رجليه وفي جسمه من الضعف زمانة عن فروض الإمامة فقد كان ذلك الضعف موجودا معه قبل تقديمهم عليه ... ".
ومن ضمن احتجاجاتهم أن الإمام من ضعفه لم يعلن النفير حينما بلغه خروج موسى بن موسى ومن معه عليه. وفي هذا يرد أبو المنذر بصورة فقهية واضحة على هذا الادعاء: "وأما احتجاج من احتج بترك الصلت للنفير (1) على من أشهر السلاح في العسكر عندما كان تجاوز موسى فيه فاعلموا رحمنا الله أنه لا يجب أن ينخلع أئمة العدل من إمامتهم، وتوقع البراءات (2) منهما بالظنون والتهم من رعيتها، ومحاولة من تقوى به دولتهم، أمناء للمسلمين على ذلك فيها، بذلك جرت السُّنة (3)، ما لم تخرج فيها إلى صراح المعصية لله في أفعالها، وليس في دين المسلمين اعتلال على أئمتهم فيما يحتمل من أفعالهم، والعذر فيه لهم في إمامتهم، ولو كان إشهار هذا السلاح من المحدثين للقيام بالجماعة به ليسوا بأمناء فيها على ما وكلوا به منها ولا مصدقين على ما هو محتمل لعذرهم في معانيها عند إشراف المخوف لهم عليها فيما قد وكلوا بحمايته والذب عنه منها لكان ذلك فيما يجاز منهم التغلب على رعيتهم، وما في أيديهم من إمامة المسلمين التي ائتمنه الإمام عليها ووكلهم بها، ولكان لهم أن يتصرفوا بهذا السلاح عن هذا المتغلب عليهم ... ولو وجب ذلك لجاز عليه إشهار الواحد سلاحه في الجيوش والعساكر حتى يخلعوا إمامهم بذلك الفعل، وكل محرم ظهر مالم يعلموا إنكار الإمام له مع احتماله العذر له ولهم فيه. ولوكان ذلك كذلك ما ترك المسلمون (1/157)
صفحة 158
نصيحته عندما كان يحدث من ذلك في عساكر الأئمة وجيوشها دون أن يقيموا الحجة عليه ويأخذوه بما يلزمه فيه فإن ادعوا ذلك من الفعل كان ظاهرا في العسكر مشهورا في الرعية مع إمامها ... ".
الادعاء الثاني: تَغّيُّر عقل الإمام:
جاء في السيرة على لسان موسى بن موسى ان السبب الرئيسي الذي دفعهم للخروج على الصلت بن مالك هو كِبَر سن الإمام وأنَّ عقله تغيّر ولهذا ظهرت منه أفعال استنكرها العدول كما جاء في هذه السيرة، فيرد عليه أبو المنذر ويقول: " ... وأما قوله أنه شهدت العدول معه بما استحله فأوضّح لهذا القول معنى المعصية، ما كان ذلك إلا ادعاء منه لها على الإمام، مُحرَّم ذلك عليه وعلى قائله منهم وولاة بعضهم بعضا عليه، ما لم يكن على ذلك شاهدا مفسرا في المملكة من مشهور العدالة مضمنا ذلك بالامتناع من التوبة ليقوم في ذلك تقدم الثاني على المسلمين".
يؤكد أبو المنذر بلهجة تشير إلى امتعاضه واستنكاره لادعاءات موسى بن موسى ومن معه بهذه الحجة فيقول في موضع آخر:" واما احتجاجه بتغير عقله فذلك المجاهرة بالزور وصراح الكذب الذي يجب للعاقل الاستحياء من الاحتجاج به، وان لم يكن له دين يمنعه من ادعائه به. ولو جاز هذا الادعاء على الصلت لجاز على غيره وعلى مدعيه عليه فيبطل ذلك دعواه، وكيف يجوز ذلك على الصلت واستبان ذلك على الناس فيه مع شهرته فيهم وكثرة دخولهم إليه قبل تقديم راشد عليه ... ".
الادعاء الثالث: كتاب عزان بن تميم وشارات الإمارة:
ادعى موسى بن موسى ومن معه أن عزان بن تميم كاتبهم بعد اعتزال الصلت بن مالك وأنهم بعد تأكدهم من ذلك فقط عقدوا لراشد بن النظر وأن الصَّلت بن مالك وَجَّه إليهم بالخاتم والكمَّة ومفاتيح الخزانة. والحقيقة أن أبا المنذر يستنكر الحدثين من إرسال الخطاب من عزان بن تميم وعقدهم لراشد بن النظر بعد وصول خبر اعتزال الصلت بن مالك كما قالوا، فيقول أبو المنذر على لسان موسى بن موسى أولا ليأتي ردّ الشيخ لاحقا: " ... ثم اعتزل أيضا وأرسل إلينا أن ننظر للمسلمين. ووصل إلينا كتاب من عزان بن تميم يذكر (4) من اعتزاله ويستحثنا على التعجيل، فلما صحَّ عندي أنه تبرأ (5) واعتزل، اتفق المسلمون (6) هنالك على ما اتفقوا عليه، فهذا أمر الصلت ليس معي فيه شك ولا ريب. فهذه حجته ولا ندري ليس المحتج بغير ما ذكره، يضيف ذلك إليه ولا نعلم ... سوى إشهار السلاح في العسكر ... وإنَّ الصَّلت وَجَّه إلى راشد بعد أخذه
__________
(1). كتبت (النكير) في المخطوطة.
(2). كتبت في المخطوطة (البراوات).
(3). زيادة في المخطوطة كلمة (لها).
(4). ورد في المخطوطة (نذكر). (1/158)
صفحة 159
(5). مكتوبة (تبرى).
(6). يقصد الإباضية العمانيين.
الأمر منه بالخاتم والكمة ومفاتيح الخزانة فهذا جميع ما وقع الاحتجاج به منهم في تجويز الفعل المجتمع على ظهوره وتحريمه فيما دان المسلمون به، ألاَ فتفصحوا أصلحكم الله، هذه الحجج بالمناصحة منكم لأنفسكم، هل تجدون ما يقوله صادقا أن يحتج به محقا، وهل للمسلم أن يُلبِسَنَّ في دين الله بما لا معنى له ولا حقيقة فيه أو يُمَوًّه على المسلمين به ... وكيف يجب ذلك في الدين وما لا يكون الحق إلا واحدا منه بين المختلفين، بل لو لم يحتمل كل عيلة منها إلا على معنى واحد، ما كان ذلك إلا ادعاء الباطل فيما ظهر من صحيح المحتج للاجتماع على تقديم بغيه والبراءة منه، بل لو ظهر بعض معاني ما احتجوا به كظهور الحدث المجتمع عليه ما وجب".
ويعود أبو المنذر في موضع آخر مستبعدا صحة هذا الادعاء فيقول: "وأما قوله ان الصلت وجه إليهم ان ينظر للمسلمين فقد أحسن الصلت في ذلك. وما نظر لهم من هتك دعوتهم وأوقع الفرقة بينهم بغير حجة يقيمها فيهم".
الادعاء الرابع: اعتزال الصلت بن مالك والعقد لراشد بن النظر:
إن هذا الادعاء أخذ حيزا كبيرا في أكثر من موضع في السيرة، ابتدأها أبو المنذر استنكار كلا الأمرين من قبل أبي المنذر، وهذه الرؤية وافقه فيها الكثير ممن عاصره. فموسى بن موسى ومن معه (1) أكدوا أن الصلت بن مالك حين اعتزل عقدوها لراشد بن النظر بعد أن وصلهم كتاب من عزان بن تميم يستحثهم ويستعجلهم لذلك، وأن الصلت بن مالك اعترف بهذه الإمامة وأرسل الخَاتَم والكُمَّة ومفاتيح الخزانة إليه. ونجد في السيرة تفنيدا كبيرا لهذا الادعاء بل تجاوزه الشيخ أبو المنذر في تحليل جوانب الاعتزال والعزل والاختلاع في الامامة، وأفرد لها جزءًا كبيرا في السيرة، مؤكدا على نقاط مهمة فيما يتعلق بادعائهم اعتزال الصلت بن مالك وهي:
1 - لا يجوز من الإمام المنتخب أن يعتزل الإمامة بنفسه، فالإباضية لا تثبت الاعتزال إلا بالإجماع يقول الشيخ بكير بن بلحاج: "فكما أن الإمامة تثبت بالإجماع فإن العزل كذلك، ولا يمكن لإمام المسلمين أن ينزع نفسه بدون موجب" (2).
__________
(1). الفضل بن الحواري وهو من أكبر مساندي موسى بن موسى أكد على هذا الأمر كذلك، من أنهم عقدوا لراشد بن النظر بعد اعتزال الصلت بن مالك ووصول كتاب عزان بن تميم.
(2). وعلي بكير بن بلحاج، الإمامة عند الاباضية بين النظرية والتطبيق مقارنه مع أهل السنة والجماعة، تقديم عبدالرزاق قسوم، ج1، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب:2010م، ص 290. (1/159)
صفحة 160
2 - لا تسقط الإمامة من الإمام المنتخب إلا إذا وقع في ذنب يوجب الحَدَّ وامتنع عن التوبة أو أصابه مرض يعجزه عن القيام بواجبات الإمامة، أو موافقته.
3 - تسقط الإمامة إذا رفض الإمام تنفيذ الحدّ فمن حُكِمَ عليه بذلك.
يقول أبو المنذر في توضيح ما سبق: " ... لا يحِّلُ تقديم إمام على إمام صحيح العقدة وهم مقيم المملكة إلا بأحد وجوه ثلاثة، إما أن يحل جسمه عجز موهن عن أحد فروض الإمامة أو موافقة حدٍّ لا تقوم إلا لإمام، أو أصاب ذنبا يمتنع به عن التوبة ... ألا فمن ادَّعى للصَّلت بن مالك أحد هذه الأحوال قبل تقديم راشد عليه ردت الجماعة ذلك من قولة وسقط عن المناظرة ... ومن قال بفسخ الإمامة وأجاز التقديم عليها بغير ما ذكرناه ودون ما وصفناه كان مدعيا لذلك على المسلمين لتقديم الإجماع على الخطر له (1). وقد قلنا إن الادعاء لزوال ما قد ثبت لا يُحِّقُ شيئا، كما أن ما وجب قد زال بالصحة كذلك. ثم لا يخلو انفساخ الامامة وجب فرضها ولزم ما فيها، عقدت عليها من ان يكون ذلك بجميع الحجج فيجتمعوا بها ولكل واحد منهم أو لبعضهم. فإن كان ذلك لجميعها فلا يوجب ذلك بكل حجة منها وفي خروج كل حجة منها ... ".
ويوضح أبو المنذر ببساطة وبصورة فلسفية النظرة الفقهية في هذا الإدعاء فيما يتعلق باعتزال الصلت بن مالك، فهو لا ينكر أن الصَّلت اعتزل وإنما يستنكر تفسير هذا الاعتزال فيقول: "فإن زعموا أنَّ اعتزاله من دار الإمامة إلى غيرها هو اعتزال الإمامة وترك لها، فقلنا فقد صارت الإمامة مضمنة بالدار، تزول عن الإمام بزواله عنها ويثبت له تمكنه فيها، ولو جاز ذلك لجاز الانتقال إلى هذه الدار يوجب الإمامة للمنتقل إليها، وإن لم يقدمه المسلمون لها، ولكان كل من انتقل عنها فقد زالت بذلك إمامته ... ".
أما أبو المؤثر فيستنكر هذا الفعل كذلك حيث يقول: "فإن قال إن الصّلت تبرأ من الإمامة وجددنا لراشد البيعة من حيث لا يعلم الناس، فهذا هو الخطأ، وأجهل الجهل، لأن الإمامة من الدين والدين لا يجمجم ولا يبكم، والإمامة لا تختلس ولا تغتصب ... فلم يفعل موسى بن موسى شيئا من ذلك ... " (2).
يعود أبو المنذر فيحاججهم على حجتهم بزحفهم لدار الإمامة، والتي يتضح فيها مدى ضحالة هذه الحجج، وما أرادوه فعليا من قيامهم بهذا الأمر، فيقول: " فان قالوا إنا لم نزعم أن اعتزال الصلت بن مالك عن المنزل اعتزال عن إمامته ولكن دل ذلك على اعتزاله عنها عندما كان
__________
(1). هكذا جاءت في المخطوطة.
(2). أبو المؤثر، الأحداث، ص: 22 - 23.
الزحف إليه، قلنا فهذا يرجع عليكم بمثله في أن زحفكم دليل على بغيكم عليه، فإن قالوا لم يعلم ما أرادوا بزحفهم، قيل لهم وكذلك هو انتقاله لم يعلم ما أراد به فهذا وليس يحتمل بآلتهم (1/160)
صفحة 161
ومسيرهم له به عن إلزام البغي لهم إلا وله مثل ذلك في انتقاله فإن قالوا فقد ظهر الترك منه لإمامته قلنا وكيف يكون تاركا لها وقد استخلف فيها ووكل بها، ولو كان تاركا لها لتخلى منها بل استخلافه فيه تمسك منه بها بإجماع المسلمين على أن الوكيل لما في يده منهم في أعمال اماراتهم وسائر أحكامهم غير مخرج ذلك يده منه، ولا يزيل حكمه عنه ولا ذلك عند أحد من المسلمين براءة منه، وبعد فما في اعتزاله من منزله دليلا على براءته من إمامته، أرأيتم لو أنَّ رجلا حلف بطلاق زوجته (1). لقد تبرأ الصلت بن مالك من إمامته واختلع منها مرسلا ليمينه ولا يعلم منه خلاف غير ما ظهر من نقلته التي كانت منه وما كان الحكم عندكم فيه عندما ذهبتم إليه من أن الحالف على مغيب (2) عنه، حانثا فيما حلف عليه. أرأيتم لو ان رجلا وزوجته جمعهما منزل لها ثم ظهر اعتزاله بجميع آلته (3) عنها إلى غيره وقطع جميع ما يلزمه بها أو تزوج أمة عليها ففعلت ذلك هل يكون هذا الفعل منه أو منها يدل على فراقها أو منها يدل على اختيار نفسها حتى يحكمك بذلك عليها ويشهد به فيهما، ولهذا نظائر من غير هذا الوجه يطول ذكرها".
يعود أبو المنذر بأسلوب هادئ وحكيم لمناصحتهم إنهم وإن صح ادعائهم اعتزاله الامامة فيجب أن يطلبوا منه التوبة أولا قبل العقد لإمام آخر، وهذا هو المتعارف عليه عند الاباضية فيخاطبهم قائلا:" وإلا اذا كان ذلك من فعل الصلت دليل عندهم على براءته من إمامته لسألوه عن ذلك ودعوه إلى التوبة منه قبل أن يعقدوا للإمام عليه ولم يسألوه الشورى بعد عقده الثاني من إمامته وهو عندهم مختلع منها، وهل كان انخلاعه وبراءته بعد عقدتهم لصاحبهم مما يصلحها له ولهم أن هذا العجب من فعلهم بأنفسهم في دينهم ودعوتهم، حسبنا الله منهم بل تأليبهم ومسيرهم من غير حجة تظهر عنهم أدل في بغيهم من نقلته على اعتزال إمامته لما ظهر من فعلهم ... ".
1 - أما الحجة الأخرى التي يوردها أبو المنذر هي قولهم إن الامام الصلت بن مالك لم ينكر خروج جماعة من عساكره مع موسى بن موسى ولم يعلن النفير لقتالهم. ويرد الشيخ هنا برد عقلاني يتضح أسلوب الحكمة فيه والهدوء مؤكدا أن أفعال الأئمة لا تفسر بتفسيرات العامة، وإنما لهم
__________
(1). قد يكون أبو المنذر يقصد أن الرجل فقط كان يفكر بطلاق زوجته ولكنه لم يطلقها، وهكذا فعل الصلت بن مالك حين سمع عن الزحف نحو دار الإمامة.
(2). هكذا جاءت في المخطوطة.
(3). هكذا كتبت في المخطوطة ولعله يقصد بجميع أشيائه وما له في المنزل.
رؤيتهم في التعامل مع الأوضاع في البلاد ما لم يخالفوا الأمانة التي بين أيديهم.
2 - ينهي أبو المنذر سيرته بآخر ادعاءاتهم بصحة إمامة راشد بن النظر وذلك أن الامام الصلت أرسل اليهم بالخاتم والكمة ومفاتيح الخزانة والتي تمثل جميعها رمزا للإمام وشرعيته. وهنا يقف أبو (1/161)
صفحة 162
المنذر على رأيه السابق أن توجيه الإمام الصلت بهذه الرموز قبل العقد لراشد لا يعد تنازلا عن الإمامة. فكيف وقد تم هذا بعد عقدهم لراشد بن النظر والذي لا يعني كذلك أن الصلت بن مالك اعتزل الإمامة بنفسه. "فهذا ولها احتجاجهم بتوجيه الصلت بن مالك إلى راشد بن النظر بالخاتم والكمّة ومفاتيح الخزانة. فلو كان ذلك قبل تقديم راشد عليه ما كان ذلك انخلاعا من الامامة، فكيف وإن كان ذلك فيما ادعوه بعد تقديم راشد عليه. وقد قلنا إن ما كان من أفعاله بعد لا يصح لهم العقد المحرم لأنه ليس في عقد الامامة نفل ولا محرم يقوم مقام الفرض منهما ولا جعل الله للخلق التخيير فيها".
3 - ينهي الشيخ سيرته باستطراد لعقد الإمامة لعزان بن تميم بحضور من قاموا ضد الصلت بن مالك واشهروا توبتهم مما قاموا به، وممن عقدوا لعزان بن تميم ومنهم الفضل بن الحواري. إلا أن الشيخ يورد بأسلوب فلسفي نتيجة مهمة أن ما شرحه من بداية سيرته في أمر أهل عمان وموضوع الولاية والبراءة يتوافق وما قام به عزان بن تميم في إزكي، والتي انتهت أحداثها بمأساة كبيرة اسمها وقعة القاع سنة 278هـ /891م (1).
الخاتمة:
لقد أظهرت هذه الورقة أهمية الحدث الذي قام في عمان ضد الإمام الصلت بن مالك الخروصي في سنة 273هـ/886م، حيث كمنت هذه الخطورة في آثاره وانعكاساته الجليلة على البلاد كافة في مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية كذلك، إلا أنها أثرت المكتبة العمانية بمؤلفات عديدة برز فيها الكم المعرفي في العلوم الفقهية لدى العلماء والفقهاء العمانيين أيا كانت اتجاهاتهم، ومن أبرز هذه النتائج:
1 - المكانة العلمية التي كانت للشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب، اذ كما وضحت السيرة فهو كان من كبار العلماء الذين يعتد برأيهم، كيف لا ووالده محمد بن محبوب كان شيخ العلماء قبل ذلك وهو استاذه ومربيه.
2 - بيَّن الشيخ بشير بن محمد بن محبوب وجهة نظره في هذه السيرة بأسلوب أدبي راقي، يعكس سعة المعرفة اللغوية والأدبية والفقهية لديه.
__________
(1). لتفاصيل أوفى انظر السالمي، تحفة، ج1، ص 244 - 252.
3 - السيرة اتخذت أسلوب المحاججة في الرد على ادعاءات موسى بن موسى ومن معه، اذ تتبعت الباحثة كل سبب ورد في السيرة وكيف كان رد أبو المنذر عليها. فقد كان يوضح رأيه بأسلوب استفهامي استنكاري تارة، وتارة بقياس المسألة بمسائل أخرى تشابهها.
4 - وضحت السيرة رأي الشيخ بشير بن محمد بن محبوب في الحدث الواقع بعمان من عزل الصلت بن مالك الخروصي مؤكدا أن الإمامة مؤسسة لا يجب الخروج عليها إلا بأدلة وبراهين (1/162)
صفحة 163
تعرض للجميع ولا يمكن المساس بها دون ذلك.
5 - كما وضحت السيرة أنه حتى الإمام القائم على الإمامة باعتبارها المؤسسة السياسية لا يمكنه التنازل عنها أو خلع نفسه دون موافقة العلماء والعامة كذلك. فهي ليست ملكية فردية، بل هناك اجراءات يجب اتباعها اذا ما صح رغبة إمام من الائمة في ترك منصبة.
6 - كذلك أكد أبو المنذر في سيرته أن اعتزال الصلت بن مالك كان حقنا للدماء ولحرب أهلية لا تحمد عواقبها. ودلل على اعتزاله الدار وليس الإمامة والدليل أنه ترك وكيلا في دار الإمارة لحمايتها ومن كان فيها من السجناء.
7 - السيرة وضحت الأسباب والخطوات المتبعة لعزل أي إمام، وتنصيب إمام آخر. وقد خطَّأ أبو المنذر موسى بن موسى في الأمرين.
8 - تؤكد السيرة أن أبا المنذر بشير بن محمد بن محبوب كان ممن قرر الوقوف على الأحداث التي تلت عزل الصلت بن مالك ولم يعلن براءته من موسى بن موسى أو راشد بن النظر (1).
9 - توضح السيرة كذلك بعد نظر الشيخ أبي المنذر لما قام به موسى بن موسى حيث أنه جرَّ البلاد لأحداث مشابهة كما حدث لاحقا مع عزان بن تميم والفضل بن الحواري.
10 - تبين السيرة أن الشيخ بشير بن محمد بن محبوب كان حيا حتى سنة 278هـ/891م.
المصادر والمراجع:
أولا: المخطوطات:
1 - مخطوطة السير العلماء الإباضية المحبوبية. وزارة التراث والثقافة: مسقط، رقم 3557، 3558، 3559.
2 - الكندي، زاهر بن عبد الله بن موسى بن صالح، تواريخ العلماء ومعرفة أسمائهم وكناهم وبلدانهم، مخطوط بوزارة التراث رقم 2424.
ثانيا: المصادر والمراجع الحديثة:
1 - الأزكوي، سرحان بن سعيد، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تحقيق حسن محمد النابودة. ج2. دار البارودي، بيروت: 2006م.
2 - أبو المؤثر، الصلت بن خميس (ت:278هـ/891م)، الأحداث والصفات، تحقيق جاسم ياسين محمد الدرويش. وزارة التراث والثقافة، مسقط:1996م.
__________
(1). بجانب هذه السيرة فإن الأزهر بن محمد بن جعفر يؤكد ذلك في لقائه بأبي المنذر بمكة (السالمي، تحفة، ج، ص 196).
3 - الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد (ت:670هـ/1271م)، كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق ابراهيم محمد طلاي، ط2، ب. د، ج2. (1/163)
صفحة 164
4 - الريامي، علي، قضية عزل الصلت بن مالك، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة السلطان قابوس، السيب:2006
5 - السالمي، محمد بن عبدالله، عساف، ناجي، عمان تاريخ يتكلم، المطبعة العمومية، دمشق: 1963م.
6 - السالمي، نورالدين عبدالله بن حميد، تحفه الأعيان بسيرة أهل عمان، ج:2، مكتبة الامام نورالدين السالمي، السيب:2000م.
7 - السعدي، فهد بن علي، معجم الفقهاء والمتكلمين الاباضية، ج 4، مكتبة الجيل الواعد، مسقط:2007م.
8 - سيرة أبو قحطان، السير والجوابات لعلماء وائمة عمان، تحقيق سيده كاشف، ج:2، وزارة التراث والثقافة، مسقط.
9 - الشقصي، خميس بن سعيد. منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، وزارة التراث والثقافة، تحقيق سالم بن حمد الحارثي. وزارة التراث والثقافة، مسقط: 1979م.
10 - الكندي، محمد بن ابراهيم. بيان الشرع، ج:53، وزارة التراث والثقافة، مسقط: 1984م.
11 - مجموعة باحثين. معجم مصطلحات الإباضية: العقيدة - الفقه-الحضارة، تقديم عبدالله بن محمد السالمي. 2ج. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مسقط: 2008.
المراجع الإلكترونية:
السالمي، عبدالرحمن. من مصادر التاريخ والثقافة: السير العمانية. مجلة نزوى. www.nizwa.com
/ (1/164)
صفحة 165
كتاب السِّير للشّيخ أحمد الشّمّاخي
والبعد التّربوي فيه
أ. د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام
رئيس جمعيّة التّراث
bouhed@yahoo.com
تمهيد
إنّ موضوع السّيرة يُعْنَى أساسًا بحياة فردٍ، في مختلف أبعاد شخصيّته الجسميّة والاجتماعيّة والعقليّة والعاطفيّة والتّاريخيّة، تقدّم بطريقة تتيح للقارئ التّعرّف على هذه الجوانب. هذه الشّخصيّة غالبًا ما تكون من العباقرة أو العظماء أو الأدباء أو الشّعراء أو السّياسيّين، أو من الرّجال الاجتماعيّين .. الذين أثروا الحياة، أو أثَّروا في محيطهم. أو تركوا آثارًا مهمّة للتّاريخ، تشكّل نقطًا مضيئة في حياة البشر. وقد يكون في هذه السّير ما هو سلبي وغير مقبول، أو ما يكشف عن ضعف أو نقص أو خروج عن الفطرة، أو نشاز في العمل، أو شذوذ في السّلوك .. وغير ذلك ...
يقول الدّكتور سالم المعوش في تعريف السّيرة: "هي من الفنون الأدبيّة التي تتّخذ القصّ شكلاً تعبيريًّا، يراد به الحديث عن حياة شخصيّة ما بأسلوب مشوّق، يراعي تاريخها في وجودها الخاصّ والعام، يكتبها أفراد عن أنفسهم وحياتهم وأعمالهم وآثارهم .. أو يكتبون عن سواهم. يتابعون فيها تطوّرها ومراحلها المختلفة وتحوّلاتها في الزّمان والمكان، من حالة إلى أخرى، مراعين وجود الشّخصيّة ضمن بيئتها وعلاقاتها بهذه البيئة .. " (1) هذا هو المفهوم العام للسّيرة كما عرفت في الكتابات العربيّة، أمّا مفهومها عند الإباضيّة - فبحسب استقرائنا لِما اطّلعنا عليه من بعض السّير التي كتبت، بخاصّة في القديم، - فيتميّز بخصوصيّة، لها علاقة بالحياة التي عاشها الإباضيّة، والظّروف التي تقلّبت فيها مسيراتهم، والأحوال التي مرّت بهم، وطبيعة أنشطتهم التي أملتها أسباب خاصّة، ووفقَ الأهداف التي سطّروها ...
قال محمد حسن" كما اقترن ظهور كتب السّير الإباضيّة مع الأخطار التي كانت تحدق بهذه الجماعات بجنوب إفريقيّة، وتهدّد وجودها في كثير من الأحيان، مفضية إلى انحسار تدريجيّ لها، في مجال ضيّق، وهو ما مثّل نوعًا
__________
(1). الدّكتور سالم المعوش، الأدب العربي الحديث، دار النّهضة العربيّة، 1432هـ/ 2011م، ص: 389.
من المثاقفة الدّفاعيّة لهذه الأقليّات، إزاء الضّغوطات الخارجيّة والدّاخليّة." (كتاب السّير للشّمّاخي، ص: 19). (هذه الملاحظة في حاجة إلى توضيح ومناقشة، فما رأي الدارسين فيها).
إذن إنّ مفهوم السّيرة ودلالاتها عند الإباضيّة تختلف عن مفهومها عند بقيّة المسلمين .. فهي تتجاوز المحتوى التّاريخي إلى تناول الجوانب المختلفة، من عقيدة وفقه وسياسة وحضارة وتربية وتعليم، واقتصاد واجتماع .. وتتضمّن توجيهات ووصايا وإرشادات ومواقف ومشاهد، وذكر فضائل ومناقب وكرامات وغيرها .. ما يكشف عن حقيقة الفكر الإباضي. قال الدّكتور تواتي بن تواتي (من الجزائر) عن سير المشايخ للشّمّاخي - مثلاً - إنّ الكتاب احتوى على جوانب عديدة: عقديّة وفقهيّة واجتماعيّة وتربويّة واقتصاديّة وسياسيّة .. وغيرها، أي كان شاملاً لمختلف متطلّبات الحياة، وبعبارة أخرى هو مشروع دولة ... خاصّة وأنّه كتب في عصر عرفت فيه منطقة المغرب الإسلامي اضطرابات كثيرة: سياسيّة واجتماعيّة وغيرها. (1)
لهذه الخاصيّة كانت سير الإباضيّة متميّزة، ولهذا السّبب - أيضًا - كانت دراستها ضرورة حضاريّة، وواجبًا أكيدًا، واستحقّت أن تنال هذه الحظوة وهذا الاهتمام ... في هذا المقال نقدّم تعريفًا بكتاب السّير للشّيخ الشّماخي، مع ذكر ملاحظات عن البعد التّربوي فيه .. (1/165)
صفحة 166
التّعريف بكتاب السّير لأحمد بن سعيد الشّماخي
ترك أبو العبّاس أحمد الشّمّاخي مصنّفات كثيرة، أشهرها كتاب السّير. وهو عمل ضخم عُنِي بسير أعلام الإباضيّة البارزين، وذلك منذ تأسيس المذهب، إلى نهاية القرن التّاسع / الخامس عشر. يحتوي الكتاب - كما في بقيّة كتب السّير الإباضيّة المغربيّة ككتاب أبي زكريّاء الوارجلاني ومصنّفات الدّرجيني - تفاصيل كثيرة عن حياة البربر الاجتماعيّة وعاداتهم ... إلخ (2).
يعدّ كتاب سير الشّمّاخي من الحلقات الأخيرة في سلسلة المصنّفات - ربّما الحلقة الأخيرة من مجموعة كتب سير الإباضيّة- التي عُنيت بكتابة السّير الخاصّة بتاريخ المجموعات الإباضيّة وتراجم أعلامهم، في جبل نفوسة، ودمّر وجزيرة جربة، وفي واحات فزّان والجريد ووارجلان ... تراجم هؤلاء الرّجال لا تخلو من المواعظ والعبر والدّروس .. وهي بحقّ ما يعنيه مفهوم السّيرة، التي تسجّل سير الأعلام في طبقات، مقدّمة نبذًا من تاريخهم ومآثرهم ومناقبهم ..
__________
(1). ذكر هذه الملاحظة في النّدوة الدّولية العلميّة حول السّير الإباضيّة، الدّورة الثّانيّة، التي أقيمت في نزل الأكروبول Acropole بضفاف البحيرة بتونس العاصمة أيّام: 17 - 19 من محرّم 1437ه، الموافق لـ: 30، 31 من أكتوبر - 01 نوفمبر 2015م. كانت قد خصّصت لدراسة كتاب السّير.
(2). ينظر تادبوس ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون في إفريقا الشّماليّة، ترجمة: ماهر جرّار و ريما جرّار، ط1، دار الغرب الإسلامي، 2000م، ص: 47.
الكتاب ذو قيمة علميّة وتاريخيّة وحضاريّة وفكريّة كبيرة .. بعض الدّارسين يربطون بين كتاب ابن خلدون وكتاب السّير للشّمّاخي؛ من حيث الدّلالات والأبعاد الحضاريّة، بما احتواه الكتابان من مادة علميّة قيّمة وقويّة وغزيرة .. منهم من قال: إنّ الشّيخ أحمد الشّمّاخي في المذهب الإباضي كابن خلدون في المذهب المالكي، من هذه الزّاوية أو المنظور الحضاري ..
هذه المقاربات والمقارنات العميقة الواعية الفاحصة .. تبيّن قيمة الكتابين، وخاصّة كتاب السّير المجهول عند أغلب النّاس، وكثير من الباحثين. فعلى ماذا يحتوي مصنّف السّير للشّمّاخي؟ وبماذا يتميّز؟
مميّزات كتاب السّير للشّمّاخي:
يقول محمد حسن: "يحتوي مصنّف أبي العبّاس أحمد الشّمّاخي على مادّة صالحة لدراسة الحياة اليوميّة وأوجه النّشاط الزّراعي والحرفي والتّجاري، الذي يمارس في هذه المجتمعات الإباضيّة والأحوال الثّقافيّة من علم وتعليم .. " (كتاب السّير للشّمّاخي، ص:50).
إنّ كتاب سير الشّمّاخي يتميّز بمميّزات كثيرة، نذكر منها ما يأتي:
1 تضمّن تراجمَ وتاريخًا. وشروحًا ومختصراتٍ، وتعليقاتٍ، ومواعظَ وحكمًا، ووثائقَ ورسائل .. (1/166)
صفحة 167
2 تميّز باختصار الرّوايات وانتقاء المادّة التّاريخيّة الخاصّة بالأعلام المترجم لهم. وبالإيجاز والتّركيز على جوانب معيّنة، وعناصر منتقاة.
3 لجأ صاحب الكتاب - في بعض الأحيان - إلى نقد الرّوايات التي أثبتها في كتابه، مقارنًا بينها، أو ملتجئًا إلى التّأمّل فيما ذكره، كي ينفيه أو يؤكّده ...
4 التّاريخ السّياسي حاضر بقوّة في كتاب السّير، وبتنوّع لافت للنّظر، من ذلك تسجيل رأي الإباضيّة في موضوع الإمامة وغيره ..
5 احتوي الكتاب على مادة اقتصاديّة واجتماعيّة مهمّة .. ويعرض نبذًا من حياة مختلف الفئات الاجتماعيّة: حياتها اليوميّة ونشاطاتها وعلاقاتها ومشاغلها .. ما يقدّم صورة مهمّة عن هذين الجانبين الاقتصادي والاجتماعي اللّذين عرضهما المؤلّف بعناية وتركيز ..
6 في الكتاب وصف دقيق ومهمّ لحالات العسر والضّيق والقهر والظّلم ... التي مرّ بها المسلمون، ورصدٌ كبير لحالات الفساد التي كانت في المجتمع في مختلف الفترات ...
7 الجانب الثّقافي والمذهبي .. مقدّم في الكتاب بصورة بارزة، من ذلك التّواصل الفكري والثّقافي بين المشرق والمغرب، وغيره من الموضوعات التي تكشف عن ثراء الحياة التي كانت تطبع الفترات التي أرّخَهَا الشّمّاخي .. فجاء الكتاب ملمًّا بجلِّ المحطّات التّاريخيّة التي مرّ بها القرنان: الأوّل والتّاسع الهجري/ السّابع والخامس عشر الميلادي. منفردًا بذكر عدّة أحداث لم نجد لها صدى في سائر المصنّفات التّاريخيّة. ورغم
تسجيله تواريخ قليلة في الكتاب، وتركيز اعتنائه خاصّة بتراجم العلماء، فإنّه تناول بالدّرس عدّة مواضيع، نخصّ بالذّكر الأحداث العسكريّة والسّياسيّة، والمؤسّسات القضائيّة والحياتيّة. وتطوّر الفكر السّياسي العربي، الإسلامي، إلخ ..
8 _ سجّل الكتاب المناظرات المتنوّعة الذي جرت بين الإباضيّة فيما بينهم، والإباضيّة وغيرهم.
9 ركّز الكتاب كثيرًا على الجانب الحضاري، وأكثر من إيراد المسائل العقديّة والفقهيّة، وَذَكَر المواقف والمشاهد والفضائل والمناقب والقيم والأخلاق وقواعد العمل، وعَرَض التّجارب، وحرص على بيان قيمة الرّجال .. كما نقد كثيرًا ممّا نقل .. فرغم اشتمال الكتاب على بعض الأخبار والوقائع التي نجمت عن الفتن والظّلم والجور والتّعسّف، ورغم تضمّنه بعض الجزئيّات والتّفصيلات فيما هو سلبي وغير مقبول في السّلوك وبعض الأنشطة ... إلاّ أنّ الشّيخ الشّماخي كان يركّز على الجانب الحضاري في سرد سير من نقل عن حياتهم .. تمثّل هذا في ذكر مناقبهم وأفضالهم والخصائص الإيجابيّة في حياتهم ومسيرتهم، ثمّ توجيه الأنظار إلى الإفادة منها.
10 ركّز الشّمّاخي على التّعريف بمشائخ المغرب أكثر، وذكر كثيرًا من كراماتهم وفضائلهم ..
11 مصادر الكتاب عديدة ومتنوّعة، توزّعت بين المصادر الإباضيّة وغير الإباضيّة. ثمّ المصادر اللّغويّة والنّحويّة. والمصادر الشّفويّة .. اشتمل الكتاب على عدد كبير من المصنّفات الإباضيّة، (1/167)
صفحة 168
ذات الصّبغة الفقهيّة والعقديّة من المشرق والمغرب ..
باختصار، إنّ الكتاب يكشف عن الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة والعلميّة والفكريّة للفترات التي غطّاها وأرّخَهَا. بشكل كبير وعميق.
أهميّة كتاب السّير للشّمّاخي
أهميّة الكتاب - في نظري - تأتي من كونه:
أوّلاً: جاء متأخّرًا عمّا كتبه المؤلّفون في السّير الإباضيّة، أمثال أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471هـ/ 1078م) (يعدّ كتابه من بين المصنّفات الأولى التي حملت تسمية السّير) وأبي زكريّاء والورجلاني والدّرجيني والوسياني والبغطوري .. وغيرهم، هو متأخّر عن هؤلاء الكتّاب في الزّمن. وقد أفاد منهم، واستدرك وأضاف على ما دوّنوه. بمعنى أوضح، إنّه غطّى فترات كثيرة جاءت بعد وفاة أولئك الرّواد.
ثانيًا: في تنوّع مصادره ومنابع استقاء المعلومات التّاريخيّة.
ثالثًا: إنّ في اختيار الشّيخ إبراهيم أبي اليقظان (ت 1393ه/ 1973م) مواصلة ما دوّنه البدر الشّماخي، وإكمال الحلقات بعده، بمؤلّف سمّاه ملحق السّير، دليلاً على هذه الأهميّة .. أي كأن الشّيخ أبا اليقظان لم يجد ما كتب بعد الشّماخي من تاريخ وتراجم، اتّخذ منهج السّير طريقةً للكتابة .. فألّف ملحق السّير في ثلاث حلقات ..
سألني أحد الشّباب _ ممّن حضر النّدوة مستمعًا مستفيدًا اسمه عبد الحليم بن رجب بن هلال - عن ندوة كتب السّير الإباضيّة، وطلب توضيحات عن الموضوع. قلت له باختصار، هذه النّدوة الدّوليّة العلميّة حول السّير الإباضيّة لهذه السّنة هي الثّانية التي تقيمها جمعيّة جربة التّواصل. الأولى كانت عن السّير العمانيّة، أقيمت بمدينة العلوم في تونس العاصمة، في السّنة الماضيّة. النّدوة الثّانية كانت عن سير المشايخ للبدر الشّمّاخي. والثّالثة ستقام - إن شاء الله - في العام المقبل بدرجين بالجريد عن طبقات المشايخ لأبي العبّاس الدّرجيني. قلت له إنّ دراسة السّير الإباضيّة ضروريّة لفهم جيّد وصحيح للفكر الإباضي، أو المذهب الإباضي وتاريخه وكلّ ما يتّصل به .. وقد أحسن - صنعًا - الشّيخ الدّكتور فرحات بن علي الجعبيري ومن معه في جمعيّة جربة التّواصل في اختيار هذا الموضوع للنّدوة السّنويّة للجمعيّة ..
البعد التّربوي في كتاب السّير
قدّم كتاب سير الشّمّاخي وصفًا دقيقًا لما كان يعانيه المسلمون من عسر وقهر وقساوة الحياة وصعوبتها .. والهدف الكبير هو تربيّة النّفوس على ما ينتظرها من مهمّات ومسؤوليّات، وكون هذه الحياة لا تخضع بسهولة لمن يغازلها، ولا يستفيد متها إلاّ صاحب الإرادة والعزيمة والطّموح غير المحدود، ومن يتدرّب على التّحدّي والصّبر والجلد ...
قدّم الشّيخ الشّماخي قصصًا ومواقف ومشاهد، تبيّن وتبرز كيف صبر هؤلاء المقهورون والمتقلّبون (1/168)
صفحة 169
في أتون هذه الحياة .. وكيف تمسّكوا بدينهم، وحافظوا على عقيدتهم، واستمرّوا في العمل والقيام بواجباتهم الدّينيّة والاجتماعيّة، وما هم مطالبون به .. واستمرّت معهم الحياة تمتحنهم وتقدّم لهم صنوفًا وأشكالاً من المظاهر، لهم وعليهم .. لكنّهم لم يتأخّروا ولم يغترّوا .. هذه الدّروس التّربويّة كانت من أهداف الشّمّاخي في سرد سير الأعلام الذين ترجم لهم في مصنّفه السّير. أو كانت حاضرة وماثلة أمامه وهو يصنّف كتابه، ويقدّمه لمن يُفيدُ منه تاريخًا مصبوغًا بالصّبغة التّربويّة ..
في الكرامات التي نقلها وأثبتها المصنِّف، من دون مناقشتها أو التّعليق عليها - في أغلب الأحيان - دروس تربويّة، توخّاها وهدف إلى الإرشاد إليها وتلقينها لمن يُفيدُ منها. فرغم ما يقال عن هذا المسلك، هي في نهاية المطاف عند الشّمّاخي مهمّة في تقديم توجيهات تربويّة؛ في الإيمان بقدرة الله على صنع كلّ شيء، وقوّته الكامنة في (كن فيكون). وفيها إرشاد إلى اليقين في الله في استمداد العون والنّصرة والحفظ منه ... فما على المرء إلاّ أن يقدم على العمل غير هيّاب ممّا يلحقه فيه من مشقّة أو ردّ فعل عدواني، ولا خائف من الفشل، وغير فَزِعٍ من كيد الحسّاد، ويتحرّك بعيدًا عن الرّعب ممّن يطغى ويتجبّر، والاستسلام للضّعف والوهن؛ بسبب ظروف قاهرة، أو عدوّ قاهر، فإنّ القاهر لكلّ ذلك هو المهيمن الجبّار المتكبّر ..
الكلمات الأكثر ورودًا في الكتاب، أي إنّ الشّيخ الشّمّاخي استعملها كثيرًا، وهو ما يعطي الانطباع على قصده إلى نثر توجيهات تربويّة للإفادة من سير من ترجم لهم. هذه الكلمات هي: علم، عمل، حلم، تقى،
فقه، دين، دنيا، الحقّ، فضل، صلاح، زهد، القوّة، الشّجاعة، العدل، السّخاء، الحزم، العزم، النّسك، الأدب، الحكمة، الحياء، الخلق الكريم، المنزلة العليا، أحسن السّيرة، حسن عشرة ..
قال مثلا عن عاصم السّدراتي: "وكان رحمه الله تعالى جمع العلم والعمل والجهاد والحزم وشدّة العزم والرّأي ... " (1) وقال عن عمر بن يمكتن: "ساد أهل زمانه علمًا وعملاً، وسارع إلى الخيرات قولاً وفعلاً." (2)
هذه الكلمات تحمل دلالات خاصّة، تتضمّن قيمًا حضاريّة، استثمرها الشّيخ الشّمّاخي في التّوجيه التّربوي والتّكويني والإعدادي ..
الجانب الحضاري بارز في الكتاب، فمن قام بدراسته برويّة وعمق، يجد نفسه يسير في دراسته وتعليقاته مردّدًا كلمة حضارة وما اشتقّ منها. الشّاهد على هذا ما نجده متردّدًا ومتكرّرًا في دراسة الدّكتور محمد حسن لكتاب السّير .. فقد وجدناه يكرّر لفظة (حضارة) بمشتقّاتها عشرات المرّات .. هذا استنتاج وصل إليه الدّكتور، ممّا أوحت به الرّسالة الذي يحملها كتاب الشّمّاخي، وهي الرّسالة التّربويّة ...
إنّ البعد التّربوي في كتاب سير الشّمّاخي ينكشف ويظهر فيما يأتي:
1. من خلال الوقوف على المعاني الحضاريّة فيه .. التي تسعى إلى بناء المجتمع على قواعد العمل (1/169)
صفحة 170
الصّحيحة، البانية للشّخصيّة السّويّة .. مثل العلم، الأخلاق، العناية بالعقيدة، التّفقّه في الدّين، فعل الخيرات وترك المنكرات، الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
2. ذكر المناظرات العلميّة والحوارات الثّقافيّة، والمساجلات الأدبيّة، وإثبات الأسئلة الفقهيّة وأجوبتها، وإثارة المسائل المتنوّعة التي تستجدّ في الحياة المتغيّرة باستمرار ..
3. سرد المواقف والمشاهد والمناظر .. المشّرّفة وغير المقبولة، بحسّ تربوي، ولغاية تعليميّة وتوجيهيّة, فكثيرًا ما يورد الشّمّاخي عبارات: (أوصنا، أوصنِي، بماذا توصي .. ) في أثناء سرده سيرة علم .. كما يورد أحيانًا عبارات: (كهفٌ للإسلام، ومأوى للأخيار .. )
نماذج من التّوجيهات التّربويّة في الكتاب:
أ - التّمسّك بالدّين والرّجوع إلى الله أو التّقيّد بأوامر الله.
في سرد الشّمّاخي لسيرة إمام المذهب الإباضي أو أهل الدّعوة والاستقامة،
__________
(1). الإمام أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشّمّاخي، كتاب السّير، ج1، تح أحمد بن سعود السّيابي، مطابع النّهضة، مسقط، سلطنة عمان، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، 1407ه/ 1987م، ص: 126.
(2). المصدر السّابق، ص: 127.
أورد الرّواية الآتية، منقولة عن أبي سفيان محبوب بن الرّحيل: "أصاب النّاسَ على عهد جابر بن زيد ظلمة وريحٌ ورعد، ففزعوا إلى المساجد، فخرج أبو الشّعثاء إلى بعض المساجد، فجلس يذكر الله والنّاس في تضرّع وضجّة، فلما انجلت أخذ النّاسُ ينصرفون إلى أسواقهم ومنازلهم، فدعا من كان قريبًا منه، فقال: ما كنتم تظنّون هذا الأمر، قالوا خفنا أن تكون القيامة قامت، قال: وإنّما خفتم على الدّنيا والإفضاء للآخرة، قالوا نعم، قال: خفتم أمرًا عظيمًا، فحقّ لكم أن تخافوه، ثم قال: أين تذهبون الآن، قالوا: إلى منازلنا، قال: لقد خفتم أمرًا ففزعتم إلى الدّعاء، ولو جاء ما خفتم لم يغنِ عنكم ما كنتم فيه شيئًا. فالآن إذ ردَّ الله عليكم دنياكم، فاعملوا حين قبول العمل، فأمّا ما كنتم فيه فلو كان الأمر كما خفتموه لم يغنِ عنكم دعاؤكم من الله شيئًا." (1)
البعد التّربوي في هذه الرّواية يظهر في الآتي:
1 الحوار الذي دار بين جابر بن زيد ومن كان في فزع وخوف ممّا حصل. الحوار الذي يعين على معرفة الحقائق، وحسن التّوجيه، عن طريق الإقناع والتّدرّج في وعي الأخطاء، أو على الأقلّ إدراك الأمور بدقّة.
2 تربية النّفس على الصّدق في القول، والصّدق مع الذّات - وذلك من خلال الاعتراف - بعد الأسئلة المعروضة على المخاطب بما كان يدور في أخلاد النّاس، وهم يدعون الله، أن ينجيهم ويصرف عنهم شرّ ما هم فيه .. وهم ما فزعوا إلى الله إلاّ خوفًا على الدّنيا أن تنفلت منهم، (1/170)
صفحة 171
ويفضون هم إلى الآخرة .. هذا ما يجب أن يقلع عنه المؤمن ولا يفكّر فيه ..
3 توجيه المؤمن أن يستعين بالدّعاء عند الفزع والخوف، وحين يكون في حالات العسر والضّيق .. في هذا توجيه إسلامي، يرسّخ العقيدة في القلب، ويوطّد الصّلة بالربّ.
4 التّنبيه إلى لطف الله بعباده ورحمته بهم، بالاستجابة لدعائهم، وكشف الغمّة عنهم، ولو شاء أن يبقيهم على حالهم لفعل. فليحمدوه وليشكروه على نعمته عليهم بالفرج وكشف كربتهم. فإنّ الدّعاء لن ينفع إذا كان الله أراد إهلاكهم. ثمّ عليهم بالعمل وعدم الاكتفاء بالدّعاء وحده .. في هذا التّنبيه توجيه عقدي.
5 التّحذير من الغفلة عن نسيان الله في الرّخاء والسّرّاء، وتذكُّرِه - فقط - في البلاء والضّرّاء، ثمّ العودة إلى الضّلال بعد كشف الضّرّ عنهم ..
6 العمل الدّؤوب والمتواصل في الدّنيا بما يبقي العباد في عبادة دائمة، إذ ردّ الله عليهم دنياهم.
__________
(1). كتاب السّير، ج1،، ص: 68، 69.
توجيهات كثيرة عميقة وكبيرة، أراد الشّيخ الشّمّاخي إيصالها إلى المتلقّي، وهو ينتقي من سيرة الإمام جابر بن زيد هذا المشهد. ما ذكرناه هو القليل ممّا يعطيه من الأبعاد التّربويّة في هذه السّيرة ..
ب - موقف من مواقف أبي الخطّاب بن السّمح المعافري
ذكر الشّمّاخي أنّ عاصم السّدراتي مات مسمومًا، وأنّ أهل القيروان هم الذين ارتكبوا هذه الجريمة، تأثّر أبو الخطّاب تأثّرًا كبيرًا، فأمر أهل العسكر بالخروج ليلا للانتقام لعاصم من هؤلاء القتلة .. فعلاً هزموا أهل القيروان .. :" فلمّا تراءى الجمعان ووقع القتال، انهزم أهل القيروان وولَّوا مدبرين، فتبعهم حتّى دخل القيروان فخرج أهل المدينة إلى موضع القتال، فإذا بثيابهم لم يسلب أحدٌ منهم، فقالت امرأة كأنّهم رقودٌ، وسمّي الموضع رقادة. إلى أيّام عبد العزيز بن أحمد، المكنّى بأبي فارس، فسمّاه نبهانه، على ما قيل. وخرجوا إلى زروعهم، فإذا هي كما كانت لم يقع فيها فسادٌ، ولا مضرّة، لا بالنّاس ولا بالمواشي. فعجب النّاس من عدل أبي الخطّاب وطاعة أصحابه له. فتفقّد - رحمه الله - القتلى، فوجد واحدًا منهم مسلوبًا، فنادى مناديه، من أخذ من القتلى شيئًا فليردّه، فلمّا أيس دعا الله ربّه - وكان مستجاب الدّعاء - أن يفضحه، على رؤوس الأشهاد، فركبوا خيلهم ليجروها، وانقطع حزام جميل السّدراتي، وسقط وظهر السّلب تحت سرجه، فأخذه الإمام وأدّبه. وكان - رحمه الله - أحسن السّيرة فيهم حين هزمهم. لم يجهز على جريح، ولم يتبع مدبرًا، فقال له خالد اللّواتي: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا .. قال أبو الخطّاب: حقيق على الله أن يدخلنا معهم النّار: {كلّما دخلت أمّة لعنت أختها حتّى إذا ادّاركوا فيها جميعًا قالت لأخراهم أولاهم ربّنا هؤلاء أضلّونا فآتِهِمْ ضعفًا من النّار قال لكلٍّ ضِعْفٌ ولكن (1/171)
صفحة 172
لا تعلمون} (الأعراف:38) " (1).
الوفاء، السّماحة، حسن المعاملة، الإنصاف، تمثيل حقيقة الإسلام، تطبيق شرع الله، تحمّل المسؤول مسؤوليّته، مقابلة الإساءة بالإحسان، بيان أنّ الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، وأنّ الله يفضح العبد المذنب إذا لم يعترف بذنبه ولم يتُب، الدّعاء الموجّه إلى الله وحده خالصًا مستجابٌ بإذنه ...
هذه الدّروس والعبر والمواعظ المستفادة من هذا المشهد. هي تربّي الفرد على الالتزام بشرع الله، والتّحلّي بتقوى الله في السرّ والعلن .. هذه المعاني يريد الشّمّاخي الكشف عنها في مواقف الأعلام وأصحاب السّير؛ ليُفيد منها من يريد أن يتعلّم ..
جـ - مواقف من سيرة الإمام عبد الرّحمن بن رستم.
روى الشّمّاخي عن الإمام عبد الرّحمن بن رستم طرفًا من عدله وسياسته الرّشيدة وهو في الحكم، وحسن تدبيره لشؤون الدّولة، وقدّم صورة عن أخلاقه،
__________
(1). كتاب السّير، ج1، ص: 117، 118.
التي تقدّم نموذجًا للقائد الذي يقدّم دروسًا عمليّة للرّعيّة، بمشاركته في حياتهم؛ باعتباره أحدَ أفراد المجتمع، وبصفته فردًا مسلمًا يقوم بما يقوم به المسلمون، لا اعتبار لمنصبه ومستواه الاجتماعي، ولا لمرتبته في قومه .. في هذا العرض ما فيه من دروس تربويّة للخلق كافّة، أن ينشؤوا على حبّ العمل والتّواضع للنّاس .. وغير ذلك من الخلال التي تثبت إنسانيّتهم بعامّة، وصفتهم الإيمانيّة الإسلاميّة بخاصّة.
من هذه الرّوايات أو المشاهد ما حصل حين وصلت أحمال من المساعدات الماليّة للدّولة الرّستميّة من أهل البصرة .. " فلمّا بلغت الرّسل إلى تيهرت ألفوا الإمام فوق دار يُطيِّنُها والعبيد يناولونه الطّينَ، فسألوا العبيد أن يستأذنوا لهم على الإمام، وقد سمع قولهم وما طلبوا، فنزل وغسل الطّين، فأذن لهم فدخلوا، فسلّموا وردَّ عليهم، وفتّتَ لهم خبزًا، وعصر عليه عكّة، فلمّا أكلوا خلصوا ... " (1).
ما هذا المشهد البديع في معناه! ما هذا المنظر الرّفيع في مبناه! رئيس دولة يقوم بالعمل بالطّين ليبني دارًا! إمام المسلمين يناول ضيوفه طعامًا بنفسه! وأيّ طعام كان من نصيب قائد الأمّة ورئيس الجماعة، طعام متكوّن من خبز وعكّة .. أليس في هذا إرشاد للنّاس أن يكونوا في مثل هذه الأخلاق، وأن تكون حياتهم بسيطة كما كانت حياة رئيس الدّولة عبد الرّحمن بن رستم؟! درس تربوي آخر من دروس كتاب سير الشّمّاخي نتعلّمه!!
بعد هذا الإكرام، قدّم الوافدون على الإمام ما أتوا به من مال لرئيس الدّولة، قبل أن يقبل هذا المال: " نادى الصّلاة جامعة، فلمّا صلّوا شاور أخيار المسلمين وذوي الرّأي والفقه منهم، فأشاروا (1/172)
صفحة 173
عليه أن يفرّقه في ذوي الحاجات، ففعل ذلك بمحضر الرّسل. فلمّا رجعوا أخبروا بما رأوا وشاهدوا من عدله .. " (2).
ماذا في هذا مشهد؟:
1 لجوء الإمام عبد الرّحمن إلى المشورة، قبل اتّخاذ القرار في شأن المعونة القادمة من المشرق إلى الدّولة، التي هو رئيسها ..
2 المشورة خصّ بها أهل الرّأي، وأهل الحلّ والعقد، أي سراة القوم: الحكماء الحصفاء .. وفي هذا ما فيه من حسن التّفكير والتّدبير والتّسيير لأمور المسلمين.
3 تصريف المال في الحاجات الضّرورية، وإعطاؤُه لمن يستحقّه، ما دامت هي مساعدات، بذلك تأتي المساعدة بثمراتها، بعد أن وجدت طريقها إلى أهلها. وفيه أيضًا ترشيد الإنفاق، وسدّ الحاجات ..
__________
(1). المصدر السّابق، ص: 125.
(2). المصدر السّابق، ص: 126.
4 عدم الاستحواذ على المال، والتّصرّف فيه من دون النّظر إلى الأولويّات؛ بأخذ رأي الجماعة، والإسلام دين الجماعة، ومنهجه الجماعيّة في التّسيير .. عدم مراعاة هذا الأمر وعدم الالتزام به خطأ في التّدبير وخلل في التّسيير .. يجب تفاديهما ... وقد فعل عبد الرّحمن بن رستم .. فلنَعِ هذا الأمر جيّدًا ..
بعد أن رجع الوافدون الحاملون للمساعدة الماليّة إلى البصرة، ونقلوا الصّورة الرّائعة التي شاهدوها في حضرة رئيس الدّولة الرّستميّة .. اطمأن أهل المشرق لسيرته، فجاءت المكافأة على ذلك بمعيار (لئن شكرتم لأزيدنّكم)، فكانت الزّيادة هذه المرّة أضعافًا مضاعفة. فبعد أن كانت في المرّة الأولى ثلاثة أحمال، صارت عشرة أضعاف أو أكثر بقليل .. فماذا وكيف كان ردّ فعل الإمام هذه المرّة؟
"فلمّا وصلوا إلى تيهرت وجدوا البلد قد تغيّر عمّا تركوه عليه ... فلمّا تلقّوا النّاس سألوهم عمّا أتوا به، قالوا مال للأمير، قالوا إن قبله منكم. فلمّا بلغوا وجدوه على حاله الذي تركوه عليه، فأخبروه بالمال، قال: قد علمتم السّيرة، فنادى: الصّلاة جامعة، فلمّا صلّوا واجتمعوا شاورهم على عادته، قالوا الرّأي إليك. فلمّا ردّوا الرّأي إليه قال للرّسل: ارجعوا بمالكم، فإنّ أربابه أحوج إليه منّا؛ لأنّا في أرض قد استولى عليها العدل، وهم في بلد غلب عليهم الجور، يدارون به عن أنفسهم ومالهم ودينهم ...
قال أبو زكريّاء: وشقّ ذلك على الرّسل. ولم يكن لهم بدٌّ من طاعة الإمام، فردّوها إلى المشرق، فتعجّبوا من زهده في الدّنيا ورغبته في الآخرة، واعترف كلّ إباضي بإمامته ووصلوه بكتبهم ووصاياهم." (1). (1/173)
صفحة 174
ماذا قدّم النّصّ من دروس وعبر ومعانٍ ومغازٍ؟؟ قدّم الكثير، منها ما يأتي:
1. أبرز خلق الإيثار، من نوع خاصّ، ايثارُ رئيس دولة غيرَه على ما تفضّل به المنعمون، إذ أرجعها إلى مصدرها، مكان من تصدّق به، رأت أريحية الرّئيس أنّ أهلها الحقيقيّين هم من تكرّموا بها .. هذا التّصرّف من قائد على الجماعة درس لأولي الأمر والمسؤولين، ليعرفوا لكلّ حال ما يصلح لها، ولا يكون بريق المال مطمعًا لهم على استغلاله من دون تفكير وتدبير سليمين.
2. كشف عن متابعة إمام للمسلمين في المغرب مما يدور ويحدث في المشرق ... هذا من تمام الاهتمام بشؤون المسلمين عامّة. كما أبرز هذا التّصرّف قوّة التّواصل بين المشرق والمغرب.
__________
(1). المصدر نفسه.
3. بيّن مدى تقدير الظّروف، ومعرفة مَنِ الأولى بمن تقدّم له المساعدات ..
4. سجّل صفات: الزّهد في الدّنيا، والابتعاد عن الجشع، واستغلال النّفوذ.
5. أظهر قيمة طاعة أولي الأمر، ولو كان فيه إحراج .. كما حصل لرسل المشرق، حين عزّ عليهم أمر إرجاع المساعدات إلى حيث أتت، وشقّ عليهم عدم بلوغها إلى حيث قصد أصحابها .. لكن طاعة أولي الأمر، كما جاء بذلك الدّين الحنيف أولى وأجدى وأوكد ..
6. ثمّن خلق تقدير أصحاب الأخلاق العالية، وحسن تصرّفاتهم، والاعتراف لهم بما يمتّعون به.
أليست هذه كلّها دروسًا تربويّة، تسعى إلى بناء الشّخصيّة، وتشييد قواعد العمل المؤسّس الذي يقدّم إضافات إلى الحياة لتستقيم، من أيّ فرد في المجتمع، وخاصّة إذا كان هذا الشّخص قائدًا أو رئيسًا أو زعيمًا، فما بالك إذا كان إمامًا للمسلمين .. !
د - حفظ عمر بن يمكتن للقرآن الكريم.
ذكر الشّمّاخي عن عمر بن يمكتن، أنّه أوّل من علَّم القرآن في جبل نفوسة، نقلا عن ابن سلاّم. وكان ذلك في منزل يقال له (إيفاطمان).
فيما نأخذه من الرّواية الآتية عن تعلّم عمر يمكتن القرآن الكريم عبرة ودرس، هو طريقة تعلّمه وجدّه وحرصه الذي لم تقف أمامه قلّة الإمكانات أو عدم توفّر الظّروف، فكان ممّن طبّق ما قال الشّاعر:
بقدر الكدّ تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر اللّيالي
ومن طلب العلا بغير كدٍّ ... أضاع العمر في طلب المحال
"ويقال إنّ عمر بن يمكتن إنّما تعلّم القرآن بطريق مغمداس، يتلقّى فيها السّابلة من المشرق، فيكتب عنهم لوحه من القرآن، وينصرف، فإذا حفظه رجع إلى المحجّة فيكتب من المارّة والرّفاق كذلك، حتّى حفظ القرآن، وتعلّم العلم ... " (1). (1/174)
صفحة 175
البعد التّربوي في هذا المشهد يكمن فيما يأتي:
7. هذا المشهد يبيّن لنا كيف يكون الحرص على طلب العلم سبيلاً لإيجاد طرق الإفادة والتّعلّم.
8. حين يتحدّد الهدف، يأتي التّفكير في الوسيلة الموصلة إليه.
9. عدم توفّر الوسائل وعدم وجود الإمكانات .. لا يقفان أمام الإرادة والطّموح، فالمستحيل يغدو ممكنًا، إذا توفّرت الإرادة، والممكن يصبح مستحيلاً إذا غابت الإرادة، كما يقول الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان ...
__________
(1). كتاب السّير ... ج1، ص: 127.
هذه بعض الدّروس التّربويّة المستفادة من هذا المشهد. الذي يكشف أيضًا عن حالة العسر والحرمان اللّذين كان يعيشهما من أرسى قواعد هذه الحضارة الكبيرة في المغرب الإسلامي .. فليعرف لهم قدرهم وفضلهم، وليحرص على المحافظة ما تعبوا من أجل إيجاده وتوفيره وبنائه وتشييده وتوصيله إلينا ثمرات سائغة، نتغذّى بها ونتقوى ونعيش في رغد ودعة ويسر ...
هذه بعض الملامح العامّة عن كتاب السّير للشّيخ أحمد بن سعيد الشّمّاخي، الذي يعدّ بحقّ أحد المعالم والمصادر في تسجيل جانب من جوانب الحضارة في مسيرة الفكر الإباضي، الحافلة بالإنجازات الكبيرة الفكريّة والتّاريخيّة والعلميّة والتّربويّة ... الحضاريّة. وهو أيضًا نقطة فاصلة في مسيرة الفكر الإباضي، يمثّل نهاية مرحلة وبداية مرحلة فيها.
هذا الكتاب في حاجة إلى أعمال كبيرة؛ للإفادة ممّا يحويه من أفكار وتسجيلات، وما يزخر به من مواد، تفيد الكبير والصّغير, وكلّ فئات المجتمع .. وتصلح أن تتحوّل إلى قصص وروايات ومقامات ومقالات ودراسات وبحوث .. أي هو مصدر مهمّ في الفكر الإباضي، بالمعنى الواسع لدلالة الفكر ومضمونه .. وهو مجال لاستلهام أعمال، وابتكار مشروعات كثيرة .. نرجو أن نجد لها تنفيذًا في الميدان .. وما ذلك على الله بعزيز، وما ذلك على المجدّين الجادّين المجدّدين ببعيد.
/ (1/175)
صفحة 176
الأمن (الشرطة)
في عهد الرستميين
أد/ إبراهيم بن بكير بحاز
كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية
جامعة غرداية
bahazhistory@yahoo.com
الأمن هذه النعمة التي قد لا يشعر بها الآمن على نفسه وماله وعياله، إلا إذا زالت عنه، وحينها
فقط ينتابه الخوف والرعب ويتملكه القلق، فلا النهار نهار ولا الليل ليل، ولا كل الحياة حياة، لذلك نبه الله قريشا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيمة هذه النعمة، ومن خلال قريش نبهنا الله إلى عظيم نعمةِ ومنةِ الأمن فقال عز وجل: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)} (1)
ولا أبالغ إن قلت نحن جل معشر الجزائريين اليوم، وربما الأخص منهم الذين لم يدركوا عهد الاستعمار وعهد الثورة العارمة بالذات (1954 ـــ 1962)، لم نكن نعرف معنى لقيمة الأمن، إلا بعد أن فقدناه في عشرية التسعينيات من القرن الماضي (1990 ـــ 1999)، فاستغاث الكثيرون منا ينادون السلمَ السلمَ، الأمنَ الأمنَ ... وإن الجزائر قد مرت في تاريخها الوسيط بمثل تلك الظروف العصيبة من انعدام الأمن، ذلك في أواخر القرن الثالث الهجري، التاسع للميلاد: عهد الدولة الرستمية (160 - 296هـ/777 - 909م) فماذا وقع في تيهرت الرستمية؟ وما هو الجهاز الذي قضى على تلك الفتنة؟ وكيف تم الأمر؟ أسئلة نجيب عنها في هذا البحث: "الأمن في العهد الرستمي"، وإنه موضوع جدير بالدراسة ولا شك.
بداية نبدأ بمن على كاهله حفظ الأمن في الدولة وهم الشرطة، نعرّف بهم:
فالشرطة هم الرجال الذين يُعتمد عليهم في حفظ الأمن، والقبض على الجناة والمفسدين، والضرب على أيدي المريبين وتأديبهم، وما يتصل
__________
(1). سورة قريش.
بذلك مما يكفل سلامة الناس وأمنهم على أنفسهم وأموالهم، وأول من أسس نظام الشرطة في الإسلام هو عمر بن الخطاب (1).
بعكس بعض الوظائف في الجهاز الإداري للرستميين، كالكاتب والبريد، اللذين اكتشفنا وجود المنصب والوظيفة دون وجود التسمية الرسمية، فإن الشرطة وُجدت بمصطلحها وبمهامها الموكولة إليها، بارزة لم نحتج معها إلى إبرازها أو إعمال العقل لتفسيرها كما هي عادتنا في كثير من المهام الإدارية لدى الرستميين.
لقد وجُد عند الرستميين بتيهرت وبجبل نفوسة جهاز الشرطة يرأسه صاحب الشرطة، بل وُجد في فترة من الفترات صاحبا شرطة أي اثنان وليس واحداً.
فمنذ عهد مؤسس الدولة عبد الرحمن بن رستم (160ــ 171ه)، يذكر ابن الصغير أصحاب شرطة هذا الإمام ويصفهم بأنهم "قائمون بما يجب" (2)، وأن الإمام يصرف مرتباتهم من أموال الخراج والجزية، مرتبا واحداً في السنة.
وفي عهد الإمام عبد الوهاب (171ــ 208هـ) نجد طائفة من الرعية البدوية في تيهرت وأحوازها، تتصل بأبنائها من نفس القبيلة يقطنون تيهرت وذلك أثناء موسم الربيع لما تنتجع من (1/176)
صفحة 177
أوطانها البدوية في عمق المغرب الأوسط نحو العاصمة تيهرت كما هي عادتها كل سنة، إلا أنها في سنة من سنوات حكم الإمام عبد الوهاب، يبدو أن علاقة رئيس هذه القبيلة وهي قبيلة هوَّارة الزناتية ساءت بالإمام عبد الوهاب، فحاول التآمر عليه بواسطة هؤلاء البدو الذين وجَّههم إلى الإمام يشتكون من فساد بعض الإداريين ويقولون له إن:" صاحب شرطتنا فاسق" (3) ولما تحقق معهم الإمام لم يجدوا جواباً لِمَا أنكروا على الموظفين من الأفعال، كما لم يعرفوا مبرراً لقولهم بفسق صاحب الشرطة، لأنهم إنما أُرسِلوا بأخبار مغلوطة ضمن مؤامرة محبوكة لم تكتمل خيوطها إلى النهاية.
إن شرطة عبد الرحمن قائمة بالواجب، وصاحب شرطة عبد الوهاب فاسق، هكذا بهذه السرعة في عز الدولة الرستمية، أمر غير واقعي، خاصة وأن الإمام عبد الوهاب عُرف بالقوة والحنكة والنباهة والحزم، وهو في نهاية المطاف الإمام الذي يجمع جميع السلطات في يديه ومنها
__________
(1). أبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة 135 وما بعدها، عن الشرطة انظر الرحموني: نظام الشرطة في الإسلام، وانظر كتابنا: القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية، الفصل الثاني من الباب الثاني.
(2). ابن الصغير 35.
(3). نفسه: 48
الشرطة، فلا يُعقل أن تكون شرطة الإمام الثاني في الدولة الرستمية إلا قائمة بما يجب هي الأخرى تماما مثلما كانت شرطة سلفه عبد الرحمن.
ويبدو أن الشرطة كانت في العهود اللاحقة: عهد الإمام أفلح (208 ـ 258ه) فأبي بكر (258 ــ 261ه) فأبي اليقظان (261 ــ 281ه)، يقظة قائمة بمهامها، وربما ارتبكت في فتنة ابن عرفة التي اندلعت في حدود عام 261هـ/855م، إذ عرف المجتمع الرستمي اضطرابات عنيفة عصفت بأمنه واستقراره.
وفي عهد أفلح، كانت الشرطة تراقب المدينة من أقصاها إلى أقصاها، إلا أن صاحب الشرطة في هذا العهد، جَبُن من دخول سوق أحد الأثرياء هيبةً منه، يذكر ابن الصغير أنه" كان صاحبَ شرطة أفلح إذا تخلل بالمدينة لافتقادها، لم يجسر أن يدخل سوق ابن وردة ولا يتخلله هيبةً" (1) منه، وهذا مؤشر صريح على طغيان المال في أواخر عهد الإمام أفلح، إذ سيترك أثاراً سلبيه في العهود اللاحقة، وسيرهق الأئمة الذين تعاقبوا على السلطة بعد أفلح بن عبد الوهاب.
وإذا جئنا إلى عهد الإمام أبي حاتم يوسف بن أبي اليقظان (281 ــ 294هـ) الذي عاش فتنة المنافسة على السلطة بينه وبين عمه يعقوب بن أفلح، مما أدى إلى فساد البلد وانقلاب أمنه اضطراباً، يذكر ابن الصغير دائماً، وهو المعاصر للأحداث دون سواه من المؤرخين، وهو بذلك (1/177)
صفحة 178
العمدة في التاريخ الرستمي، أن أبا حاتم لما استردّ عاصمته ودخلها منتصراً على عمِّه يعقوب بن أفلح المنافس له، جمع مشايخَ الإباضية وغير الإباضية وسألهم: "من ترضوْن أن نوليه الشرطةَ فقال قومٌ: زكار وقد قُتل ابنه بين يديك وله نصيحة، وقال قومٌ: إبراهيم بن مسكين فإن له صلابةً في الحق، فولاّهما جميعاً" (2)
إن اختيار صاحبي شرطة اثنين وليس واحداً، كما جرت العادة في المدن والعواصم، وبالمواصفات والشروط التي جاءت في النص وهي أن زكاراً صاحب نصيحة ورأي وولاء للإمام أبي حاتم، وإبراهيم بن مسكين تميز بالصلابة في الحق، الأمر الذي رشحهما لتولي منصب صاحب الشرطة، تدعو إلى التساؤل، فما معنى صاحبي شرطة؟ لماذا اثنان وليس واحداً؟ كيف كانا يتعاملان؟ كيف كان تنسيق عملهما؟ أسئلة يطرحها النص سالف الذكر، وربما للإجابة عنها يمكن أن نتحدث عن مبلغ الفساد الذي أصيب به المجتمع التيهرتي جراء فتنة المنافسة على السلطة من جهة، وتفاقم الثروة التي رأينا بعض سلبياتها منذ أواخر عهد أفلح على جهاز الشرطة نفسه فضلاً عن المجتمع، فقد فسد أهل تيهرت فانغمسوا في حياة اللهو والمجون، استباحوا المحرمات واتخذوا المسكر أسواقاً والغلمان أخداناً (3)، لقد تمكَّنت المفاسد في أفراد المجتمع مع غياب الرقابة وامتداد الفتن، فاحتاج الإمام بمجرد أن استقامت له الأمور أن يختار صاحب شرطته، ويستشير في ذلك مشايخ الإباضية وغير الإباضية فكلهم مسؤولون عن هذا الخراب الذي أصاب المجتمع.
ويبدو أن عاصمة الرستميين، امتد عمرانها، واتسعت آفاقها، وكثرت أسواقها وأزقتها وشوارعها وسكنتها طوائف من الناس حتى عرفت باسم عراق المغرب وقد زارها في هذا الزمن تقريباً، الجغرافي الرحالة والمؤرخ الثقة، أحمد بن واضح اليعقوبي وقال عنها:" المدينة العظمى مدينة تاهرت (كذا)، جليلة المقدار، عظيمة الأمر، تسمى عراق المغرب" (4)
فهذه المدينة العظمى بحاجة إلى صاحبي شرطة، لإعادة الأمن والطمأنينة إلى رعاياها ولاجتثاث الفساد الذي ضرب أهلها في الصميم، لمَّا غفلت الرقابة ردحاً من الزمن أو غابتْ. ولعل الإمام أبا حاتم كلف صاحب شرطةٍ بجناح من المدينة وكلف الآخر بجناحٍ آخر، المهم أن الجهود تكاثفت واتصلت للقضاء على ذلك الفساد في أسرع وقت ممكن وقد تم للإمام ما أراد.
لقد قامت الشرطة بأعمال جبارة في هذه الفترة لاستئصال جذور الفساد من المجتمع (5)، وهي الفترة التي بدأت فيها مطارق أبي عبد الله الشيعي داعية الفاطميين وقائد ثورتهم، تدك قلاع دولة الأغالبة في المغرب الأدنى.
وإذا كان الأستاذ هوبكنز يذكر أن ابن الصغير، تحدث عن الشرطة إلا إنه لم يأت بالتفاصيل (6)، فإن الأستاذ عثمان الكعاك وشيخ بكري وجيرارد دانجيل ( Gerard Dangel) كلهم (7)، استطاعوا أن يستشفوا من النصوص المذكورة لابن الصغير، العديد من مهام الشرطة أهمها:
1. تخليل المدينة، أرى أن كلمة تخليل تعني التوغل في أزقتها وشوارعها الضيقة فضلاً عن الواسعة.
2. تخليل السوق، وتحمل نفس الدقة في المراقبة والمتابعة للسوق ومتاجره. (1/178)
صفحة 179
3. السهر على أخلاق السكان.
__________
(1). ابن الصغير: أخبار 54.
(2). ابن الصغير: أخبار 101، الشماخي: سير 263.
(3). نفسه: 56 وانظر ابن تاويت الطنجي: دولة الرستميين. 122.
(4). اليعقوبي: البلدان 104 - 105 وانظر الميلي: الجزائر 2/ 76، الجيلالي: تاريخ الجزائر 1/ 231.
(5). الباروني: الأزهار 277، الجنحاني: تاهرت، 23
(6). هو بكنز: النظم 244
(7). الكعاك: موجز 127، Chikh.B. Khasijime . P 171 Dangel : Imamat. 118
4. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
5. إقامة الأمن.
6. مراقبة سلامة السكان وحراسة عاداتهم وتقاليدهم.
وكما نلاحظ، فإن معلوماتنا عن الشرطة عند الرستميين تكاد تنحصر على شرطة العاصمة، وهو ما دأب عليه المؤرخون في العصور الوسطى الإسلامية المتقدمة، إذ التركيز يكون على العاصمة أكثر من الأقاليم التابعة لها، ومع ذلك لم نعدم إشارة من الشماخي (1) عن شرطةٍ قبضت على امرأة في مدينة من مدن جبل نفوسة، مما يدل على وجود شرطة في هذه القرى ربما تكون تابعة للوالي وإليه مسؤوليتها.
لقد رأينا أن الشرطة عند الرستميين، وُجدت منذ بداية الدولة، وكان تعيين صاحب الشرطة من مهام الإمام في العاصمة تيهرت. ولقد تطور جهاز الشرطة في رقابته بحيث احتاج إلى قائديْن للشرطة، وذلك مع أواخر عهد الرستميين لما تفاقم الفساد في المجتمع، كما اطلعنا على مهام الشرطة، وهي المهام التي تولتها الشرطة في المجتمع الإسلامي عموماً في المشرق والمغرب والأندلس.
وجدير بالملاحظة أن الأستاذ شيخ بكري، ذهب إلى استنتاج أنواع العقوبات ووسائلها التي تطبقها الشرطة في تيهرت على المقبوض عليهم، نذكر من ذلك:
7. إقامة الحدود الشرعية المعروفة، كقطع يد السارق وجلد الزاني أو الزانية ...
8. الجَلدُ والسجن.
9. تقييد اليدين بالحديد.
10. التعزيرات (2).
وهذا كله يؤكد أن الشرطة عند الرستميين كانت واضحة المعالم بارزة المهام، على الأقل في العاصمة تيهرت. والنصوص التي حافظ عليها كتاب ابن الصغير بالذات، هي التي أسعفتنا في إماطة الغموض عن هذه المؤسسة الرقابية المهمة في الدولة الرستمية، وأسهمت في إحضار نموذج المغرب الأوسط (الجزائر) ضمن نماذج الأمن والشرطة في العصور الوسطى الإسلامية مشرقا ومغربا، ولا تزال الشرطة تؤدي دورها إلى اليوم.
__________
(1). الشماخي: سير 167
(2). Chikh.B: Kharigisme .p 71، والتعزيرات هي العقوبات دون الحدود التي حددها الله في كتابه العزيز.
/ (1/179)
صفحة 180
التواصل بين إباضية المشرق والمغرب
في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم
بن أبي كريمة
(حوالي من سنة: 105هـ/ 724م إلى سنة145هـ/763م)
الأستاذ: سعيد محمد بن بكير
ماستر تاريخ وحضارة المغرب الإسلامي الوسيط
جامعة أبي بكر بن القايد تلمسان
Said47chikhou@gmail.com
لم تستطع الدولة الأموية أن تقضي على المذهب الإباضي بالمشرق، مع أنها استخدمت كل وسائل التقتيل والإبادة الجماعية ضدهم، مما دفع بهم إلى التفكير في مصير حركتهم وإيجاد طرق بديلة تضمن لهم الاستمرارية، وهكذا فكروا أن يتوجهوا إلى أماكن بعيدة عن المراكز الأموية في المشرق فاتجهوا صوب أطراف العالم الإسلامي، ومن بين الأماكن التي التجأوا إليها لنشر دعوتهم شمال إفريقيا (بلاد المغرب الإسلامي)، التي شرعوا بإيفاد الدعاة إليها للتمكين لمذهبهم في هذه البقعة من بلاد الإسلام، خاصة وأن ظروف المنطقة في تلك الفترة كانت مهيأة لاستقبال أية أفكار مخلصة، في ظل ظلم الولاة الأمويين بها وسياسة القهر والتعسف التي كانوا يطبقونها على الأمازيغ (البربر)، وسنحاول فيما يلي أن نتطرق إلى الدور الذي لعبته جماعة الإباضية بالمشرق للتمكين لمذهبها بشمال إفريقيا، مركزين على أبرز أشكال التواصل بين إباضية المشرق والمغرب في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (1)، وهي الفترة الممتدة من ظهور المذهب الإباضي ببلاد المغرب الإسلامي إلى سقوط إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، (حوالي من سنة: 105هـ/ 724م إلى سنة145ه/763م). (1/180)
صفحة 181
__________
(1). أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، تميمي بالولاء، مولى لعروة بن أدية، أصله من فارس، أخذ العلم عن جابر بن زيد وروى عن كثير من الصحابة منهم، أنس بن مالك، وأبو هريرة وابن عباس وعائشة أم المؤمنين، نذر نفسه لطلب العلم فقعد أربعين سنة متعلم، وأربعين أخرى معلما، تولى إمامة الإباضية بعد شيخه جابر بن زيد، وذلك بعد خروجه من سجن الحجاج سنة 95هـ/713م، وعرفت الإباضية في عهده كثيرا من النجاحات والإنجازات. أبو العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد الشماخي، كتاب السير، تح: محمد حسن، ج01، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2009، ص196 - 199. وجمعية التراث، معجم أعلام الإباضية منذ القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر، مج04، المطبعة العربية، ط01، الجزائر، 1999، ص873 - 877.
لا شك أن تطور الحركة الإباضية ونمو تنظيمها، وانتشار حركتها السريعة في اليمن وعُمان وخراسان وشمال إفريقيا، يعود إلى الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، أحد أبرز فقهاء الإباضية وأعلامهم الأوائل، فبفضل قدراته كعالم وكرجل سياسة معا وأفقه الواسع، تمكن من تنظيم الدعوة الإباضية في مرحلتها السرية بشكل دقيق وذكي.
وقد لعب الدور الأكبر باعتباره القائد الأكثر نجاحا للحركة الإباضية في أثناء الفترة الأخيرة من العهد الأموي وبداية العهد العباسي (1).
في شمال إفريقيا تروي المصادر الإباضية أن أول داع لمذهبها بالمنطقة هو سلمة بن سعد الحضرمي (2)، والذي كان مبعوثا من أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الجماعة الإباضية في البصرة في تلك الفترة (3)، والذي كان مدفوعا بطموح وحماس وقاد في أن يرى إمامة الإباضية سائدة في شمال إفريقيا، إذ يروى عنه أنه كان يقول: "وددت أن لو ظهر هذا الأمر ـ يعني مذهب الإباضية ـ يوما واحدا من أول النهار إلى آخره فلا آسف على الحياة بعده" (4).
قام أبو عبيدة بإرسال الداعية سلمة بن سعد إلى شمال إفريقيا في فترة حساسة من تاريخ المنطقة، والتي كانت تتسم بالظلم والتعسف في الأموال والجبايات ومعاملة الأمازيغ المسلمين معاملة العبيد، بما لا يمتُّ إلى الدين الإسلامي بأية صلة، وقد تحدث كثير من المؤرخين الأوائل، عن السياسة الجائرة التي جرى عليها بعض ولاة بني أمية ببلاد المغرب الإسلامي، ومن أمثلة ذلك ما قام به يزيد بن أبي مسلم (102هـ/ 721م، 103ه/722م.)، والذي اعتبر البربر المسلمين في منزلةٍ أدنى من العرب الفاتحين، وفيئا للمسلمين وقام بتخميسهم، وفرض عليهم الجزية، وتمادى في الظلم إلى درجة أنه أراد أن يسِم (الوشْم) أيدي حراسه ليميزهم عن غيرهم.
__________
(1). عمرو خليفة النامي، دراسات عن الإباضية، تر: ميخائيل خوري و ماهر جرار، دار الغرب الإسلامي، ط01، بيروت، 2001، ص96. (1/181)
صفحة 182
(2). سلمة بن سعد بن علي بن أسد الحضرمي اليمني، حي في حوالي 135هـ/752م، عالم عامل وداعية. صنفه الدرجيني في طبقة تابعي التابعين. أخذ العلم عن إمام المذهب جابر بن زيد وعن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وعن ضمام بن السائب وغيرهم، ويعتبر أول من جاء يدعوا إلى المذهب الإباضي بشمال إفريقيا، و قد نجحت جهود سلمة بن سعد في الدعوة للإباضية بشمال إفريقيا، إلى حد كبير. جمعية التراث، المرجع السابق، مج 03، ص391.
(3). أبو زكرياء يحي بن أبي بكر، سير الأئمة وأخبارهم، تح: إسماعيل العربي، المكتبة الوطنية، الجزائر، 1979، ص25. و أبي العباس احمد الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، تح: ابراهيم طلاي، ج1، مطبعة البعث، قسنطينة، ص10.
(4). أبو زكرياء، المصدر السابق، ص26. و أبو العباس احمد الشماخي، المصدر السابق، ج01، ص212. و أبي العباس احمد الدرجيني، المصدر السابق، ج01، ص10 - 11.
وعمد عامل عبد الله بن الحبحاب (116ه/735م، 123ه/746م.) على طنجة، عمر بن عبد الله المرادي، إلى أن يخمس البربر المسلمين، وزعم أنهم غنيمة للمسلمين الفاتحين (1).
وكانت أخبار الولاة وأعمالهم بالمغرب الإسلامي، تصل إلى المشرق خصوصا من طرف الأمازيغ سكان شمال إفريقيا الذين قدموا لعرض شكاويهم، فلا يؤذن لهم بالدخول إلى الخليفة لفترة طويلة من الزمن، وربما عادوا دون أن يقضوا حاجتهم.
ولقد اهتمت جماعة الإباضية وعلى رأسها الإمام أبو عبيدة بالدعوة في هذه المنطقة وأرسل إليهم من يبين لهم أن الاضطهاد والظلم الذي يلقونه من الولاة ليس من الإسلام في شيء.
إن تحرك الإمام أبي عبيدة في هذه اللحظة يدل على تتبعه لأخبار هذه المنطقة من العالم الإسلامي ومواكبته لمجريات الأحداث السياسية فيها، وكان يترقب الفرصة المواتية لإرسال رسوله إليها لبث دعوته بها، والظفر بها إلى جانب الجماعة الإباضية الأم بالبصرة.
هذا وإن المبادئ الإباضية كسبت لها أولاً أنصارا بين الفاتحين العرب الذين قدموا في مجموعات قبلية لشمال إفريقيا، والذين استوطنوا بعد ذلك في البلاد الجديدة، وليس من المستبعد أن يكون جزء من الأخبار التي كانت تصل إلى البصرة وردت من الإباضية الذين كانوا ضمن جيوش الفتح المتجهة إلى شمال إفريقيا، فقد استمرت عملية فتح هذه البلاد إلى نهاية القرن الأول الهجري، وكلفت الكثير في سبيل إخضاعها، وشارك في فتحها المسلمون بجميع توجهاتهم وانتماءاتهم، فعند قدوم سلمة بن سعد إلى شمال إفريقيا كانت هناك مجموعات إباضية كبيرة موجودة من قبل في بعض المناطق الوسطى في شمالي إفريقيا، أي في القسم الغربي من ليبيا، ويعتقد أيضا أن السكان المحليين وجدوا في التعاليم الإباضية الحافز الديني، لمقاومة الحكم الاستبدادي للأمويين ومن بعدهم العباسيين (2).
وما يرجح ذلك أن الوجود الإباضي بمصر التي كانت تمثل نقطة انطلاق جيوش الفتح نحو الشمال (1/182)
صفحة 183
الإفريقي يعود إلى فترة مبكرة من تاريخ الإسلام بالمنطقة، فلعل دخولهم إليها كان بعد سنة 78هـ/697م، ففي هذه السنة فرّق الحجاج بن يوسف الثقفي شمل الخوارج في العراق ولربما وصلوا إلى المغرب أيضا (3)، هروبًا من بطش الحجاج وسياسته التعسفية تجاه الحركات المناوئة للسلطة الأموية.
لم يكن اختيار الداعية سلمة بن سعد من طرف الإمام أبي عبيدة مسلم اعتباطيا، فظاهر من خلال تحركاته في بلاد المغرب الإسلامي والسياسة التي انتهجها لاستقطاب أفراد جدد إلى صف المذهب الإباضي أنه كان داعية بارعا ومحنكا وخضع إلى تكوين جيد، ذلك أنه وبعد أن استقر به المقام في شمال إفريقيا رفع شعارات كانت تجد لها صدى كبيرا بين البربر، منها المساواة والعدل ورفع الظلم ومبادئ الأخوة الإسلامية، كما كان مدفوعا بحماس وطموح كبير في سبيل نصرة قضيته، إذ يُروى عنه أنه كان يقول: (وددت أن لو ظهر هذا الأمر يعني مذهب الإباضية يوما واحدا من أول النهار إلى آخره فلا آسف على الحياة بعده) (4).
يظهر أن الهدف من السفرية التي أوكلت إلى سلمة بن سعد من طرف إمامه أبي عبيدة، كان بالإضافة إلى الدعوة إلى مذهبه، محاولة استطلاع أحوال تلك المنطقة والوقوف على مدى استعداد أهلها لتقبل آراء جماعة المسلمين التي ينادي بها الإباضية (5).
أثمرت جهود سلمة بن سعد بتوجه محمد بن عبد الحميد بن مغطير الجنَّاوني النفوسي (6) إلى المشرق للاستزادة من تعاليم المذهب
__________
(1). أنظر حول الموضوع خاصة: ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، تح: عبد المنعم عامر، ج1، شركة الأمل لطباعة والنشر، القاهرة، 2001، ص287 إلى ص300. وابن عذاري (أبوعبد الله محمد المراكشي كان حيا 712هـ)، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تح: ج. س. كولان و إ. ليفي بروفنسال، ج1، دار الثقافة، ط2، 1980، ص47 إلى ص69. و ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج4، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1987، ص64 إلى ص87. وابن خلدون (أبو زيد عبد الرحمن بن محمد ت808هـ/1406م)، ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ج4، دار الفكر، بيروت، 2000، ص240 إلى ص244.
(2). عمرو خليفة النامي، المرجع السابق، ص111.
(3). مسعود مزهودي، جبل نفوسة في العصر الإسلامي الوسيط (21 - 442) ه (642 - 1053) م، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، 2010، ص69.
(4) أبو زكرياء، المصدر السابق، ص26.وأبو العباس احمد الشماخي، المصدر السابق، ج01، ص212.أبو العباس أحمد الدرجيني، المصدر السابق، ج01، ص10 - 11.
(5) عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، المطابع الذهبية، ط01، مسقط عمان، 2002، (1/183)
صفحة 184
ص136.
(6). محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي: (حي بعد: 160هـ / 776م)، شيخ فاضل، وعالم فقيه، من قرية إيجنَّاون بجبل نفوسة، هو أوَّل من رحل إلى المشرق للتعلُّم، فدرس على أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، ثمَّ عاد إلى موطنه جبل نفوسة، وصار علماً ومرجعاً للفتوى، إلى أن عاد حملة العلم من مدرسة أبي عبيدة، فكفَّ عن الإفتاء، لوجود من يقوم بالمهمَّة، ويكفيه تبعاتها، عمَّر ابن مغطير طويلا، فأدرك نشأة دولة أبي الخطاب عبد الأعلى ابن السمح المعافري سنة 140هـ/757م، ودولة أبي حاتم الملزوزي سنة 154هـ/770م، والدولة الرستمية سنة 160هـ/777م، وعايش أحداث هذه الدولة، فاتَّخذه الإمام عبد الرحمن ابن رستم مرجعا للفتوى في جبل نفوسة، وكان يحضر مجالس علمه. جمعية التراث، المرجع السابق، مج04، ص808 - 809.
الإباضي، تعد رحلة ابن مغطير الجناوني النفوسي، إلى مدينة البصرة بالعراق أولى الرحلات التي خرجت من جبل نفوسة (1) الذي كان يمثل في تلك الفترة أحد أهم مراكز الإباضية في شمال إفريقيا ومنه كانت تنطلق جماعات الدعوة نحو المناطق الأخرى.
تتلمذ ابن مغطير الجناوني على يد الشيخ أبي عبيدة مسلم، واغترف من نبعه، وبعدما أنهى تعليمه بالعراق قفل راجعا إلى موطنه ناقلا معه ما تعلمه من علوم ومعارف لينشرها بين بني قومه الذين كانوا نوعا ما حديثي العهد بالإسلام، فتصدى لمهمة الإفتاء بالجبل لفترة معينة (2).
في الوقت الذي كان فيه ابن مغطير يتلقى تعليمه بالمشرق، كان سلمة بن سعد يواصل جهوده الدعوية، في اختيار شخصيات محلية لإرسالها إلى البصرة، لتدريبها على يد إمام الإباضية أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، بحيث تستطيع تحمل عبء القيادة الإباضية في شمال إفريقيا ولمثل هذا التوجه أن يجعل السكان المحليين ينظرون إلى التعاليم الإباضية باعتبارها شيئا خاصا بهم، مما يؤمِّن دعم الأمازيغ الكامل للقضية (3).
وما كادت أقدام محمد بن عبد الحميد بن مغطير الجناوني تطأ بلاد المغرب الإسلامي، حتى كانت مجموعة سلمة بن سعد مستعدة، لتتجه إلى المشرق الإسلامي، لتغترف من منبع العلم وأصله، فتتكون في شتى العلوم والمعارف، على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، مسجلة أول بعثه علمية منظمة في تاريخ الحركة الإباضية بشمال إفريقيا، والتي سيكون لها الدور البارز في الشمال الإفريقي في السنوات اللاحقة.
قبل عودة ابن مغطير الجناوني من رحلته إلى المشرق، تجدر الإشارة إلى أن بلاد المغرب الإسلامي في هذه الفترة شهدت تطورات جد مهمة للحركة الإباضية، فحين شعر الإباضيون بكثرة عددهم وبقوتهم وبتأييد إباضيي المشرق لهم، حاولوا إقامة دولة إباضية في شمال إفريقيا، تحت زعامة عبد الله بن مسعود التجيبي (4)، الذي حاول أن يؤسِّس أوَّل دولة (1/184)
صفحة 185
__________
(1). (12) - جبل نفوسه: جبل غربي طرابلس، كانت تقطنه قبيلة نفوسة البربرية التي سمي الجبل بسمها، أبو العباس أحمد الشماخي، المصدر السابق، ج03، ص 875.
(2). محمود حسين كوردي، الحياة العلمية في جبل نفوسة وتأثيراتها على بلاد السودان الغربي من القرن 2 - 8ه/8 - 14م، دار الكتب الوطنية، ليبيا، 2008، ص 116.
(3). عمرو خليفة النامي، المرجع السابق، ص111.
(4). عبد الله بن مسعود التجيبي (ت: 126هـ / 743م):أحد المشايخ الأوائل بالمغرب الإسلامي، ذكر أنَّه أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد الأزدي، وقيل بل عن تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وأخذه عن سلمة بن سعد في أوائل القرن الثاني الهجري ببلاد المغرب، ركَّز دعوته على قبيلة هوارة البربرية، فاستجابت له، وحاول أن يؤسِّس أوَّل دولة إباضية بالمغرب عام 122هـ، تمتدُّ من سرت شرقا إلى قابس غربا، وقد فشلت محاولته المبكِّرة هذه إذ أَجهض إلياس بن حبيب والي طرابلس مبادرته هذه، وقتله سنة 126هـ/743م.
إباضية بشمال إفريقيا عام 122هـ/740م، تمتدُّ من سرت (1) شرقا إلى قابس (2) غربا، وقد فشلت محاولته المبكِّرة هذه إذ أَجهض إلياس بن حبيب (3) والي طرابلس مبادرته هذه، وقتله سنة 126هـ/743م.
لم ينتظر الإباضية كثيرا لمعاودة الكرة لتحقيق الحلم المنشود، فحاولوا ثانية بعد فشل المحاولة السابقة، فتجمعوا واختاروا الحارث بن تليد الحضرمي (4) إماما، وعبد الجبار بن قيس المرادي (5) قاضيا، اللذين تزعَّما ثورة ضدَّ السلطة الأموية ببلاد المغرب الإسلامي، ثأرا لقتل زعيمهما
__________
(1). سرت: مدينة ساحلية قديمة شرقي طرابلس. أبو العباس أحمد الشماخي، المصدر السابق، ج03،ص856.
(2). قابس: مدينة وواحة بالجنوب الشرقي من البلاد التونسية. أبو العباس أحمد الشماخي، المصدر السابق، ج03،ص864.
(3). إلياس بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري (ت138هـ/756): أمير شجاع كان مع أخيه لما استولى على إفريقية، ثم انقلب عليه وقتله، وكان مصرع إلياس على يد ابن أخيه حبيب بن عبد الرحمن الذي ثأر لمقتل والده. خير الدين الزركلي، الأعلام، مج02،ط،05 دار العلم للملايين، بيروت، ماي 1980.
(4). الحارث بن تليد الحضرمي (ت بين: 131 و 140هـ / 748 - 757م) و عبد الجبار بن قيس المرادي (ت بين: 131 - 140هـ / 748 - 757م):من قادة الإِبَاضِيَّة الأوائل ببلاد المغرب، أخذا العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وشاركا في ثورة أبي حمزة الشاري، الذي (1/185)
صفحة 186
أرسله الإمام طالب الحقِّ عبد الله بن يحي الكندي، لافتكاك مكة والمدينة من جور الأمويين، واتَّجه عبد الجبَّار مع الحارث إلى المغرب الأدنى، حيث ترأَّس ثورة ضدَّ جيش إلياس بن حبيب الفهري، الذي قتل زعيم الإباضية عبد الله بن مسعود التجيبي (ت: 126هـ/743م)، وانتصر عليه بفضل مبايعة قبائل: هوارة، وزناتة، ونفوسة، ولماية، حكما طرابلس الغرب، فنظَّما شؤونها، وسآساها بالعدل، وعمَّ الخير والصلاح، وقتل الحارث وعبد الجبَّار خدعة، وأغمد سيف كلٍّ منهما في جسد الآخر، وكان الحارث وعبد الجبَّار عادلين، وقد اهتمَّا بإلقاء دروس العلم بالمسجد، فجمعا بذلك إلى إمامة الأحكام إمامة العلم والدين. جمعية التراث، المرجع السابق، ص241 - 242 و ص508 - 509.
(5). الحارث بن تليد الحضرمي (ت بين: 131 و 140هـ / 748 - 757م) و عبد الجبار بن قيس المرادي (ت بين: 131 - 140هـ / 748 - 757م):من قادة الإِبَاضِيَّة الأوائل ببلاد المغرب، أخذا العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وشاركا في ثورة أبي حمزة الشاري، الذي أرسله الإمام طالب الحقِّ عبد الله بن يحي الكندي، لافتكاك مكة والمدينة من جور الأمويين، واتَّجه عبد الجبَّار مع الحارث إلى المغرب الأدنى، حيث ترأَّس ثورة ضدَّ جيش إلياس بن حبيب الفهري، الذي قتل زعيم الإباضية عبد الله بن مسعود التجيبي (ت:126هـ/743م)، وانتصر عليه بفضل مبايعة قبائل: هوارة، وزناتة، ونفوسة، ولماية، حكما طرابلس الغرب، فنظَّما شؤونها، وسآساها بالعدل، وعمَّ الخير والصلاح، وقتل الحارث وعبد الجبَّار خدعة، وأغمد سيف كلٍّ منهما في جسد الآخر، وكان الحارث وعبد الجبَّار عادلين، وقد اهتمَّا بإلقاء دروس العلم بالمسجد، فجمعا بذلك إلى إمامة الأحكام إمامة العلم والدين. جمعية التراث، المرجع السابق، ص241 - 242 و ص508 - 509.
عبد الله بن مسعود التجيبي، وحين لم يتمكن عبد الرحمن بن حبيب (1) من التغلب على خصميه بقوة السلاح، لجأ إلى الخديعة، فأغمد سيف كلٍّ منهما في جسم الآخر.
كان عبد الله بن مسعود التجيبي، أحد المشايخ الأوائل بالمغرب الإسلامي، ذكر أنَّه أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد الأزدي، وقيل بل عن تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وأخذه عن سلمة بن سعد في أوائل القرن الثاني الهجري ببلاد المغرب (2)، وكان الحارث وعبد الجبار بن قيس المرادي، من الإباضية الذين اشتركوا في ثورة أبي حمزة الشاري (3)، الذي أرسله الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي لافتكاك مكة والمدينة من يد الأمويين وجورهم، وبعد ذلك اتَّجه الحارث رفقة عبد الجبار إلى المغرب الأدنى.
إن المتمعن في مجريات هذه الأحداث (ثورة عبد الله بن مسعود التجيبي، وثورة الحارث وعبد الجبار) يلاحظ مدى الارتباط الوثيق بين المشرق والمغرب في هذه الفترة، والذي كان دائما تحت رعاية شيخ الجماعة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، فكل من عبد الله بن مسعود التجيبي، والحارث (1/186)
صفحة 187
بن تليد الحضرمي، وعبد الجبار بن قيس المرادي، تتلمذوا على يد أبي عبيدة مسلم، واغترفوا من نبعه الصافي، واحتكوا به
__________
(1). عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري (ت137ه/755م): أمير من الشجعان الدهاة، أقام بتونس وبايعه أهلها سنة 126هـ، فسار بهم إلى القيروان وملكها، غزا تلمسان وصقلية وسردينيا فغنم غنائم عظيمة ودوخ المغرب، ولم ينهزم له عسكر قط، قتله أخوه إلياس وعبد الوارث غيلة في قصره بالقيروان. خير الدين الزركلي، المرجع السابق، مج03، ص303.
(2). جمعية التراث، المرجع السابق، مج03، ص578.
(3). أبوحمزة الشاري: من أعلام تابعي التابعين، ولد بقرية مجز بعمان وانتقل إلى البصرة، فأخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ونبغ في البلاغة، ويعدُّه الباحثون من أعلام الأدباء في عصره، لا تزال خطبه شاهدة على ذلك، أرسله أبو عبيدة مسلم مددا لثورة عبد الله بن يحيى طالب الحقِّ، التي هزَّت كيان الأمويين في آخر عهدهم بمنطقة حضرموت واليمن، وظلَّ أبو حمزة الشاري قرابة ثلاثة عشر شهرا في المدينة، محاربا بارعا، وعادلا ورعا، اعترف له أهلها بالصلاح والعدل، إلاَّ أنَّهم لم يساندوه خوفا من جور وبطش الأمويين، خطب أبو حمزة على منبر الرسول (ص) خطبة قال عنها الإمام مالك ابن أنس: « ... خطبنا أبو حمزة المختار بن عوف خطبة حيَّرت المبصر وردَّت المرتاب»، وممَّا جاء فيها: « ... تعلمون يا أهل المدينة، إنَّا لم نخرج من ديارنا ... أشراً ولا بطراً ... يا أهل المدينة مالي رأيت رسم الدين فيكم عافيا؟»، وجَّه إليه مروان بن محمَّد (قتل: 132هـ/749) جيشا كثير العدد والعدَّة، بقيادة عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، فحارب المختار بن عوف في المدينة، وتفرَّق الشراة نحو مكَّة لعدم التكافؤ بين الجيشين، فلحقهم عبد الملك، فكانت الواقعة التي استشهد فيها القائد الفذ أبو حمزة الشاري، ولقي أكثر من معه حتفه، وذلك سنة 130هـ/748م. جمعية التراث، المرجع السابق، مج04، ص 856 - 857.
واستفادوا منه الكثير، ولاشك أن لتكوينه وتوجيهه، كرجل سياسة وكعالم دين، الأثر الكبير فيهم. (1)
ومن مظاهر الارتباط والتواصل بين المشرق والمغرب في زمن أبي عبيدة كذلك، تلك القيادة التي منيا بها إباضية المغرب في ثاني ثوراتها، فقد كان الحارث وعبد الجبار، من الإباضية الذين اشتركوا في ثورة أبي حمزة الشاري، الذي أرسله الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي لافتكاك مكة والمدينة من يد الأمويين وجورهم، وبعد ذلك اتَّجه الحارث رفقة عبد الجبار إلى شمال إفريقيا (2)، ولعلَّ ذلك كان بإشارة من الإمام أبي عبيدة مسلم، ناقلين معهما التجربة التي اكتسبوها في (1/187)
صفحة 188
مواجهة السلطة الأموية، ليكونوا خير عون وسند لإخوانهم في بلاد المغرب الإسلامي، لمواجهة التحديات والتطورات التي ألمت بحركتهم. مدفوعين بحماسهم الشديد لنصرة إخوانهم، ولإقامة إمامة إباضية طالما كانت أمل وطموح الجماعة الإباضية.
إلا أن النهاية التي آلت إليها ثورة الحارث وعبد الجبار، تسببت في كثير من المشاكل، وكان لها أثر كبير في بلاد المغرب الإسلامي، إذ تفرق الإباضية على إثرها وتنازعوا إلى حين، وكثر الشقاق بينهم رغم بقائهم على ولائهم للمذهب الإباضي (3).
وتختلف المصادر المتوفرة حول مصير الحارث وعبد الجبار، فالمصادر السنية تذكر أنهما قتلا أثناء المعركة، وأما الإباضية فتقول إنهما وجدا مقتوليْن وسيف كل واحد منهما مغمد في جثة الآخر (4).
مهما تكن الحقيقة فإن مسألة الحارث وعبد الجبار، قد أدت إلى جدل كبير بين الإباضية في المشرق والمغرب وخلقت مشكلة فقهية لدى زعماء الإباضية واختلفوا في مسألة الوَلاية والبراءة (انظر عن المصطلح: معجم مصطلحات الإباضية).
ويبدو أن الخلاف حول هذه المسألة قد أدى إلى إضعاف الروح المعنوية لدى أتباع الحركة في شمال إفريقيا، فاستعان وجهاء الناس
__________
(1). فرحات بن على الجعبيري، العلاقة بين إباضية المغرب وإباضية البصرة وعمان من القرن الأول إلى القرن الحادي عشر الهجري، مجموعة سراس، تونس، 2005، ص56.
(2). فرحات بن على الجعبيري، العلاقة بين إباضية المغرب وإباضية البصرة وعمان من القرن الأول إلى القرن الحادي عشر الهجري، مجموعة سراس، تونس، 2005، ص56.
(3). محمود إسماعيل عبد الرزاق، الخوارج في بلاد الغرب حتى منتصف القرن الرابع الهجري، نشر وتوزيع دار الثقافة، ط2، المغرب، 1985، ص84 ..
(4). عوض خليفات, المرجع السابق, ص141 ..
وقادتهم بأئمة الإباضية في البصرة الذين اختلفوا بدورهم حول هذه المشكلة (1).
وخوفا من الفرقة والنزاع وخشية من فقدان مواقعهم في شمال إفريقيا، جاء الرد من مشايخ الإباضية بالبصرة، أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري، وحاجب بن مودود الطائي (2) إلى أهل المغرب.
ولقد ركز مشايخ البصرة في ردهم، على التأكيد على مبدأ الأخوة في الدين، والحض على التقوى والورع، وطاعة أولي الأمر، ونبذ الخلاف والفرقة، والتمسك بالكلمة الجامعة وبما فيه مصلحة الجماعة:
رسالة الإمامين أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري وحاجب بن مودود الطائي إلى أهل (1/188)
صفحة 189
المغرب:
(إلى من بلغه كتابنا هذا من المسلمين: سلام عليكم فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وإنا نوصيكم بتقوى الله والاجتماع على طاعته والإصلاح لذات البين، والتناصح والتودد بالصدور السالمة والقلوب الصادقة والكلمة الجامعة والأعمال الزكية، والغلظة والشدة على أعدائكم، والنظر لله ولدينه ولأهل دينه، والتعاون على البر والتقوى والعز للإسلام وأهله.) (3).
__________
(1). الرقيق القيرواني, تاريخ إفريقية والمغرب, تح: عبد الله العلي الزيدان و عز الدين عمر موسى, دار الغرب الإسلامي, ط1, بيروت, 1980, ص92. و عوض خليفات, المرجع السابق, ص 141.
(2). حاجب بن مودود الطائي أبو مودود (ت: حوالي 150هـ): عالم وفقيه وداعية. هو أبو مودود حاجب بن مودود الطائي، من طي، أصله من البصرة، ومولده بها، تلقى العلم عن أبي عبيدة مسلم، وكان ساعده الأيمن في نشاطاته. أوكل إليه مهمة الإشراف على الشؤون المالية والعسكرية، والمتابعة لسير الدعوة خارج البصرة، بينما اختص أبو عبيدة بأمر الدين والإفتاء والتعليم، وكان منزل حاجب مجلسا للذكر، يحضره المشايخ والفتيان، ويقصدونه خفية وتسترا من ولاة الأمويين، جاوز أثره البصرة إلى حضرموت واليمن والمغرب، ويذكر أن حاجبا هو الذي جمع الأموال التي جهز بها أبو حمزة الشاري جيشه لدخول مكة والمدينة وإنقاذها من جور الأمويين، إلى جانب ذلك كان فقيها وخطيبا ومناظرا، وله سيرة تدل على سعة علمه وغزارة فقهه، ولما مات قال الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (ت: 158هـ/775م): "ذهبت الإباضية".جمعية التراث، المرجع السابق، مج02، ص238.لقد أورد الأستاذ مبارك بن عبد الله الراشدي، الرسالة في أطروحته لنيل شهادة الدكتور من الجامعة الزيتونية، مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي، الإمام أبوعبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه 45 - 145ه، مطابع الوفاء، ط01، المنصورة، 1993. ص579 - 584.
(3). لقد أورد الأستاذ مبارك بن عبد الله الراشدي، الرسالة في أطروحته لنيل شهادة الدكتور من الجامعة الزيتونية، مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي، الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه 45 - 145هـ، مطابع الوفاء، ط01، المنصورة، 1993. ص579 - 584.مبارك بن عبد الله الراشدي، نفسه، ص581 - 582.
ثم كان الرد على قضية الحارث وعبد الجبار والتفصيل في أوجهها، وقد أعرب الإمام أبو عبيدة عن استيائه للتطورات التي آلت إليها حركة الحارث وعبد الجبار في الرسالة التي وجهها إلى أهل المغرب، والظاهر أنه لم يكن راضيا عن اشتباكهما مع الولاة في المعارك من غير مشورة ولا تخطيط (وإنكم اختلفتم في رجلين كلاهما كان عندنا غير محموديْن ما أحسنا النظر ولا أحسنا الأمر فيما (1/189)
صفحة 190
وُلِّيا من أمر من كان عندهما من أهل الإقرار بالسمع والطاعة، والتسليم لأمر المسلمين، حتى ختما بما حمل أحدهما من وزر صاحبه، فالله يلي أصل القضاء بينهما عنده يوم القيامة إذا وقعا بين يديه.) (1).
وفي الأخير أوصاهم بعدم ذكر الرجلين حتى يقطع الأحقاد ويجنب أتباعه الفتنه: (فارجعوا إلى ما كنتم عليه، ودَعوا ذكرهما، فإن في ستركم لما في أنفسكم بلاغا ومتاعا لكم، واحذروا الغلو والزيغ عن سبيل المسلمين .... ) (2).
وعندما جاءتهم أوامر إمامهم أبي عبيدة بوجوب عدم الخوض في هذه المسألة، ودعوته إياهم للتكاتف، عادوا والتأموا من جديد واختاروا إمام دفاع لهم هو أبو الزجار إسماعيل بن زياد النفوسي (3)، الذي لم تدم إمامته طويلا ليقضي عليها عبد الرحمن بن حبيب بسهولة.
إثر ذلك رأى دعاة الإباضية الأوائل أن الحاجة تدعو إلى مزيد من البعثات العلمية للمشرق ليتفقهوا في أصول المذهب على أيدي مشايخ الإباضية في البصرة، فحاولوا انتقاء رجال البعثات من بين القبائل البربرية المختلفة، من أجل أن تستند الدعوة الإباضية ببلاد المغرب إلى أسس صحيحة، إذ تقوم فئة من أبناء المنطقة نفسها بالتنقل إلى البصرة حيث الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة لتعلم مبادئ الدعوة وأصولها
__________
(1).مبارك بن عبد الله الراشدي، نفسه، ص581 - 582.مبارك بن عبد الله الراشدي، نفسه، ص583.
(2).مبارك بن عبد الله الراشدي، نفسه، ص583.إسماعيل بن زياد النفوسي (أبو الزاجر) (قتل في: 140هـ /757م): إمام من أيمة الإباضية بالمغرب، بويع بإمامة الدفاع بطرابلس سنة 131 أو 132 هـ / 748 أو 749م. بعد مقتل الحارث بن تليد، وعبد الجبار ابن قيس المرادي، وبعد جولات من القتال مع عبد الرحمن الفهري، تمكَّن هذا الأخير من قتل إسماعيل بن زياد في معركة قرب قابس، وذلك سنة 140هـ/757م. جمعية التراث، المرجع السابق، مج02، ص111.
(3). إسماعيل بن زياد النفوسي (أبو الزاجر) (قتل في: 140هـ/757م): إمام من أيمة الإباضية بالمغرب، بويع بإمامة الدفاع بطرابلس سنة 131 أو 132 هـ / 748 أو 749م. بعد مقتل الحارث بن تليد، وعبد الجبار ابن قيس المرادي، وبعد جولات من القتال مع عبد الرحمن الفهري، تمكَّن هذا الأخير من قتل إسماعيل بن زياد في معركة قرب قابس، وذلك سنة 140هـ/757م. جمعية التراث، المرجع السابق، مج02، ص111.عوض خليفات، المرجع السابق، ص137.
على يديه، حتى يسهل عليهم إقناع قبائلهم بعد رجوعهم، لتقبل الآراء والأفكار التي يبشرون بها. (1)
بناء على ذلك فقد اتجهت إلى البصرة أول بعثة علمية منظمة، اختير رجالها من قبائل ومناطق (1/190)
صفحة 191
مختلفة، وتألفت من أربعة أشخاص وهم:
إسماعيل بن درار الغدامسي (2) من غدامس جنوب طرابلس، وعبد الرحمن بن رستم (3) فارسي الأصل من القيروان، وعاصم بن جميل
__________
(1). عوض خليفات، المرجع السابق، ص137.اسماعيل بن درار الغدامسي (أبو المنيب) (حي في: 211هـ / 826م):من طرابلس الغرب، سافر إلى البصرة في البعثة التي أرسلها سلمة بن سعد، والتحق بحلقة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لتلقي العلم، بعد أن قامت إمامة الظهور في طرابلس الغرب تحت قيادة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري بين 140 و145هـ، عُيِّن إسماعيل قاضيًا للإمامة، وصدقت فيه فراسة شيخه، واشتهر بالعدل والحكمة، وكان إسماعيل فضلاً عن اشتغاله بالقضاء يؤدِّي رسالته في تعليم الأجيال، ومن أشهر تلامذته: أبو المنيب محمَّد بن يانس الدركلي. جمعية التراث، المرجع السابق، مج02، ص109 - 110.
(2).اسماعيل بن درار الغدامسي (أبو المنيب) (حي في: 211هـ /826م):من طرابلس الغرب، سافر إلى البصرة في البعثة التي أرسلها سلمة بن سعد، والتحق بحلقة الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لتلقي العلم، بعد أن قامت إمامة الظهور في طرابلس الغرب تحت قيادة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري بين 140 و145هـ، عُيِّن إسماعيل قاضيًا للإمامة، وصدقت فيه فراسة شيخه، واشتهر بالعدل والحكمة، وكان إسماعيل فضلاً عن اشتغاله بالقضاء يؤدِّي رسالته في تعليم الأجيال، ومن أشهر تلامذته: أبو المنيب محمَّد بن يانس الدركلي. جمعية التراث، المرجع السابق، مج02، ص109 - 110.عبد الرحمن بن رستمابن بهرام بن كسرى (حكم: 160هـ -171هـ / 777 - 788م) أحد حملة العم المشهورين إلى المغرب، عيِّن واليًا وقاضيًا على القيروان في دولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى ابن السمح المعافري (140 - 145هـ/757 - 762م)، بعد أن افتكَّها هذا الإمام من يد ورفجومة الصفريَّة التي عاثت فيها فسادًا، وولايته على القيروان هي من أولى مسؤولياته السياسيَّة، اختير عبد الرحمن بن رستم عام 160هـ/777م إماماً لأوَّل دولة إسلاميَّة مستقلَّة بالمغرب الأوسط، عرفت في التاريخ باسم «الدولة الرستميَّة» نسبة إلى والد عبد الرحمن، كما جرت العادة في تسمية الدول الإسلاميَّة في العصور الوسطى بأسماء آباء المؤسِّسين، وكانت عاصمتها مدينة «تيهرت» - «تاهرت»، «تيارت»، ولم يكتف عبد الرحمن بتأسيس الدولة ونشر المذهب، بل اشتغل بالتأليف، فترك كتابين: أحدهما في تفسير كتاب الله العزيز، ولكنَّه لم يصلنا، والثاني: يذكره أبو يعقوب يوسف الوارجلاني، اطَّلع عليه جمعت فيه خطبه، وتوفِّي رحمه الله سنة 171هـ/787م. جمعية التراث، المرجع السابق، مج03، ص515 - 519.
(3). عبد الرحمن بن رستمابن بهرام بن كسرى (حكم: 160هـ -171هـ / 777 - 788م) أحد حملة العم المشهورين إلى المغرب، عيِّن واليًا وقاضيًا على القيروان في دولة أبي الخطَّاب عبد (1/191)
صفحة 192
الأعلى ابن السمح المعافري (140 - 145هـ/757 - 762م)، بعد أن افتكَّها هذا الإمام من يد ورفجومة الصفريَّة التي عاثت فيها فسادًا، وولايته على القيروان هي من أولى مسؤولياته السياسيَّة، اختير عبد الرحمن بن رستم عام 160هـ/777م إماماً لأوَّل دولة إسلاميَّة مستقلَّة بالمغرب الأوسط، عرفت في التاريخ باسم «الدولة الرستميَّة» نسبة إلى والد عبد الرحمن، كما جرت العادة في تسمية الدول الإسلاميَّة في العصور الوسطى بأسماء آباء المؤسِّسين، وكانت عاصمتها مدينة «تيهرت» - «تاهرت»، «تيارت»، ولم يكتف عبد الرحمن بتأسيس الدولة ونشر المذهب، بل اشتغل بالتأليف، فترك كتابين: أحدهما في تفسير كتاب الله العزيز، ولكنَّه لم يصلنا، والثاني: يذكره أبو يعقوب يوسف الوارجلاني، اطَّلع عليه جمعت فيه خطبه، وتوفِّي رحمه الله سنة 171هـ/787م. جمعية التراث، المرجع السابق، مج03، ص515 - 519.عاصم بن جميل السدراتي (ت: 141هـ / 758م): من أيمَّة المغرب ومشاهير علمائه، قيل إنَّ أصله من قبيلة سدراته في جبال الأوراس بشمال الجزائر، وقيل بل من قرب وراجلان جنوب الجزائر، وهو أحد حملة العلم الخمسة الذين سافروا من المغرب للتعلُّم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، ومكثوا عنده خمس سنين من 135هـ إلى 140هـ، حمل عاصم لواء الدعوة والتعليم بمواطنه، وجعل يبصِّر الناس بأمور دينهم، ويحلُّ مشاكلهم، وظلَّ يتنقَّل بين القرى والبوادي من جبل نفوسة إلى غدامس وجبال الأوراس، واتَّخذ في طريقه عدَّة مصليات، كانت معقد حلقات علمه، وتتلمذ على يديه علماء أجلاَّء منهم الطبقة التي تلت طبقة حملة العلم: كعبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وأيوب بن العباس، وأبي مرداس، وأبي الحسن الأبدلاني، ومحمد بن يانس وغيرهم، لزهده وورعه كان مستجاب الدعاء، كما اشتهر بالشجاعة والفروسية، وأسهم في إقامة إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري بطرابلس سنة 140هـ/757م. وشارك معه في حصار قبيلة ورفجومة التي عاثت فساداً بالقيروان، وأصابه المرض أثناء الحصار، فدسَّ له أعداؤه قثَّاء مسمومة، وكان يشتهي القثَّاء، فمات بسببها سنة 141هـ/758م. جمعية التراث، المرجع السابق، مج03، ص499 - 500.
السدراتي (1) من سدراته غربي الأوراس، وأبو داود القبلِّي النفزاوي (2) من نفزواة جنوبي إفريقية (تونس)، وانضم إليهم في البصرة أبو الخطاب
__________
(1). عاصم بن جميل السدراتي (ت: 141هـ / 758م): من أيمَّة المغرب ومشاهير علمائه، قيل إنَّ أصله من قبيلة سدراته في جبال الأوراس بشمال الجزائر، وقيل بل من قرب وراجلان جنوب الجزائر، وهو أحد حملة العلم الخمسة الذين سافروا من المغرب للتعلُّم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، ومكثوا عنده خمس سنين من 135هـ إلى 140هـ، حمل عاصم لواء الدعوة والتعليم بمواطنه، وجعل يبصِّر الناس بأمور دينهم، ويحلُّ مشاكلهم، وظلَّ يتنقَّل بين (1/192)
صفحة 193
القرى والبوادي من جبل نفوسة إلى غدامس وجبال الأوراس، واتَّخذ في طريقه عدَّة مصليات، كانت معقد حلقات علمه، وتتلمذ على يديه علماء أجلاَّء منهم الطبقة التي تلت طبقة حملة العلم: كعبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وأيوب بن العباس، وأبي مرداس، وأبي الحسن الأبدلاني، ومحمد بن يانس وغيرهم، لزهده وورعه كان مستجاب الدعاء، كما اشتهر بالشجاعة والفروسية، وأسهم في إقامة إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري بطرابلس سنة 140هـ/757م. وشارك معه في حصار قبيلة ورفجومة التي عاثت فساداً بالقيروان، وأصابه المرض أثناء الحصار، فدسَّ له أعداؤه قثَّاء مسمومة، وكان يشتهي القثَّاء، فمات بسببها سنة 141هـ/758م. جمعية التراث، المرجع السابق، مج03، ص499 - 500.أبو داود القبلي النفزاوي (حي في: 140هـ / 757م): أحد الأعلام الكبار، أصله من نفزواه بتونس؛ أخذ علومه الأولى عن سلمة بن سعد، ثمَّ انطلق مع عبد الرحمن بن رستم من المغرب إلى العراق، ليتلقَّى مختلف العلوم عند أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ما بين سنتي 135 - 140هـ/752 - 757م، فكان أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب، وعند رجوعه إلى بلدته، اعتزل السياسة، واهتمَّ بالتدريس وتكوين الأجيال، وتعليمهم أمور دينهم، كان شيخا عالما، حتَّى روي أنَّ الإمام عبد الوهَّاب مع غزارة علمه إذا جلس بين يديه ظهر كالصبي أمام المعلِّم. جمعية التراث، المرجع السابق، مج02، ص285.
(2). أبو داود القبلي النفزاوي (حي في: 140هـ/757م): أحد الأعلام الكبار، أصله من نفزواه بتونس؛ أخذ علومه الأولى عن سلمة بن سعد، ثمَّ انطلق مع عبد الرحمن بن رستم من المغرب إلى العراق، ليتلقَّى مختلف العلوم عند أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ما بين سنتي 135 - 140هـ/752 - 757م، فكان أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب، وعند رجوعه إلى بلدته، اعتزل السياسة، واهتمَّ بالتدريس وتكوين الأجيال، وتعليمهم أمور دينهم، كان شيخا عالما، حتَّى روي أنَّ الإمام عبد الوهَّاب مع غزارة علمه إذا جلس بين يديه ظهر كالصبي أمام المعلِّم. جمعية التراث، المرجع السابق، مج02، ص285.أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني (أبو الخطَّاب) (ت: 144هـ / 761م): من علماء اليمن في القرن الثاني الهجري، أخذ علمه عن أستاذ المذهب أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة، وهناك التقى بالطلبة المغاربة الذين وفدوا إلى أبي عبيدة لطلب العلم سنة 135هـ، تولى إمامة الإباضية بطرابلس سنة 140هـ، واستطاع الإمام - بعد ذلك - أن يطهِّر القيروان من جور قبيلة ورفجومة الصفريَّة، وانتصر في معركة مغمداس سنة 142هـ، على جيش العبَّاسيِّين بقيادة أبي الأحوص العبَّاسيُّ، امتدَّ سلطان دولته شرقًا إلى برقة، وغربًا إلى القيروان عاصمة بلاد المغرب الإسلاميِّ، وجنوبًا إلى فزَّان، وخشي الخليفة العبَّاسيُّ أبو جعفر المنصور عواقبها في زعزعة ملكه، فبعث إليه جيشًا ضخمًا بقيادة محمَّد بن الأشعث الخزاعي، الذي قضى على أبي الخطَّاب وإمامته، في معركة تاورغاء سنة 144هـ. جمعية التراث، المرجع السابق، مج03، ص505 - 507. (1/193)
صفحة 194
عبد الأعلى بن السمح المعافري (1) وهو عربي من اليمن، وقد سمي هؤلاء في المصادر الإباضية بحَمَلَة العلم إلى المغرب.
أمّا تاريخ رحلتهم إلى المشرق فلا تذكره المصادر إلا أنها تشير إلى رجوعهم عام 140هـ/758م، ولما كانت المدة التي قضوها في البصرة خمس سنوات، فمن المرجح أنهم توجهوا إلى المشرق عام 135هـ/753م. (2)
بقي حمَلة العلم خمسة أعوام متتالية يتلقون العلم عن إمام الإباضية أبي عبيدة التميمي في مدرسته التي أقامها لهذه الغاية في سرداب سري في البصرة، وبعد أن أتموا مهمتهم واطمأن الإمام إلى تعمقهم في معرفة أصول المذهب وإحاطتهم بشتى العلوم والمعارف التي تلزمهم لمواجهة التحديات التي قد تطرأ عليهم في بلادهم، عزم حملة العلم المغاربة على مغادرة البصرة والعودة إلى بلدهم كلموا شيخهم أبا عبيدة واستشاروه في إقامة إمامة في بلادهم إذا أنسوا من أنفسهم القوة، فقال لهم أبو عبيدة: (توجهوا إلى بلادكم، فإن كان في أهل دعوتكم ما تجب به عليكم التولية في العدد والعدة من الرجال، فولوا على أنفسكم رجلا منكم، فإن أبى فاقتلوه فأشار إلى أبي الخطاب رضي الله عنه) (3)
و قد أشار عليهم أبو عبيدة باختيار أحد رجال المذهب من عرب المشارقة لزعامتهم ولما له من دراية بأحوال المغرب ولحصافته ودرايته بأحوال السياسة وفنون الحكم، واشترط ضرورة حشد القوى المادية والمعنوية لذلك.
كما تخصص بعض أفراد الوفد في مسائل الفقه والشريعة لمواجهة ما يعن لهم من مسائل تتعلق بالثورة ومواجهة الخصوم، وإدارة الأقاليم التي
__________
(1). أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني (أبو الخطَّاب) (ت: 144هـ / 761م): من علماء اليمن في القرن الثاني الهجري، أخذ علمه عن أستاذ المذهب أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في البصرة، وهناك التقى بالطلبة المغاربة الذين وفدوا إلى أبي عبيدة لطلب العلم سنة 135هـ، تولى إمامة الإباضية بطرابلس سنة 140هـ، واستطاع الإمام - بعد ذلك - أن يطهِّر القيروان من جور قبيلة ورفجومة الصفريَّة، وانتصر في معركة مغمداس سنة 142هـ، على جيش العبَّاسيِّين بقيادة أبي الأحوص العبَّاسيُّ، امتدَّ سلطان دولته شرقًا إلى برقة، وغربًا إلى القيروان عاصمة بلاد المغرب الإسلاميِّ، وجنوبًا إلى فزَّان، وخشي الخليفة العبَّاسيُّ أبو جعفر المنصور عواقبها في زعزعة ملكه، فبعث إليه جيشًا ضخمًا بقيادة محمَّد بن الأشعث الخزاعي، الذي قضى على أبي الخطَّاب وإمامته، في معركة تاورغاء سنة 144هـ. جمعية التراث، المرجع السابق، مج03، ص505 - 507.
(2). عوض خليفات، المرجع السابق، ص137. أبي زكرياء يحي، المصدر السابق، ص36. وأبو العباس أحمد الدرجيني، المصدر السابق، ج01، ص21. (1/194)
صفحة 195
(3). أبي زكرياء يحي، المصدر السابق، ص36. و ابو العباس احمد الدرجيني، المصدر السابق، ج01، ص21.محمود إسماعيل عبد الرزاق، المرجع السابق، ص85.
يتسنى لهم انتزاعها من الحكام الأمويين، وأخيرا أوصاهم بموافاته بتطورات حركاتهم وضرورة مشاورته فيما يعن لهم من أمور. (1)
هذا وقد كان حمَلَة العلم على سعة كبيرة من العلم والمعرفة، فمثلا تذكر المصادر الإباضية أن إسماعيل بن درار الغدامسي سأل شيخه أبا عبيدة في ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام، وذلك عندما كان يهم برحيل هو وزملاؤه صوب بلاد المغرب الإسلامي (فلما أرادوا الخروج من عنده، تهيأ الشيخ للركوب ولموادعتهم وجعل رجله من الركاب، فسأله إسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام، قبل أن يستوي على متن الدابة .... ) (2)، وفي ذلك إشارة واضحة إلى سعة علم أبي عبيدة وتضلعه في هذا الميدان، واجتهاد ومثابرة إسماعيل الغدامسي، لتحصيل أكبر قدر ممكن من المعارف، والاستزادة من أستاذه قدر الإمكان.
حاول الشيخ قدر الإمكان أن يمد طلبته بكل ما يحتاجونه في سبيل إنجاح المشروع الإباضي، والترسيخ للعقيدة والفكر الإباضي بين أوساط الأمازيغ في شمال إفريقيا، وأن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وهو الذي درَّسهم وأحاط بمعارفهم ومهاراتهم، ومن شأنه أن يخط لهم طريقا يقلل عليهم العقبات والعثرات، مستفيدا من التجارب التي مرت بها الجماعة الإباضية ببلاد المغرب الإسلامي خاصة تجربة الحارث وعبد الجبار التي فرَّقت شمل الجماعة الإباضية بالمنطقة.
عاد حملة العلم إلى المغرب بعد أن مكثوا خمس سنوات كاملة، بصحبة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وجماعة شيوخ المذهب لنشر المذهب بين أقاربهم وذويهم، وقد تذرعوا بالأساليب والوسائل الكفيلة بإنجاح حركتهم، ليساهموا بدورهم في تنشيط الدعوة لينقطع عبد الحميد بن مغطير الجناوني عن الفتوى، لأولوية حملة العلم في ذلك كونهم أخذوا عن الإمام أبي عبيدة بعد أن حرر جميع أقواله واجتهاداته في المذهب. (3)
ولم ينتظر الإباضية كثيرا للقيام بمحاولة أخرى لإقامة الإمامة الإباضية، بعد مقْدم أبنائهم من المشرق حاملين معهم العلم وهو الأصل والأساس لنجاح أي فكرة ومشروع، فبايعوا عبد الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري بالإمامة سنة 140هـ، وسار في المغرب بسيرة حسنة وحكم الرعية بالعدل، وسلك بالأمَّة مسلك المسلمين، وأحيى ما أُمِيت من أمر الدين، وامتدَّ سلطان دولته شرقًا إلى برقة، وغربًا إلى القيروان عاصمة بلاد المغرب الإسلاميِّ، وجنوبًا إلى فزَّان.
__________
(1). محمود إسماعيل عبد الرزاق، المرجع السابق، ص85.أبي زكرياء يحي، المصدر السابق، ص36. و أبو العباس احمد الدرجيني، المصدر السابق، ج01، ص21.
(2). أبو زكرياء يحي، المصدر السابق، ص36. و أبو العباس احمد الدرجيني، المصدر السابق، (1/195)
صفحة 196
ج01، ص21.أبو العباس احمد الشماخي، المصدر السابق، ج02، ص270.
(3). أبو العباس احمد الشماخي، المصدر السابق، ج02، ص270.
وقد بلغت أخبار دولته الجماعة الإباضية بالمشرق، فسروا بالأمر أيما سرور، وأمّلوا خيرا في هذه الدولة أن تلبي طموحهم وتحقق آمالهم، فلم يتوانوا في مدها بالنصح والإرشاد ودعمها، لتقوم على أسس صحيحة ولتعمر طويلا.
كان أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وكالعادة، المعلم الحريص الذي لا يترك أبدا أبناءه ولا ينقطع عن متابعة أخبارهم وكان على دراية بالتطورات الواقعة في صفوف الحركة الإباضية ببلاد المغرب الإسلامي، وذلك حسب الرسالة التي بعث بها إلى أهل المغرب مجيبًا عن استفساراتهم في موضوع الزكاة والتي حملت عنوان (رسالة أبي كريمة في الزكاة) (1)، والتي قال فيها في هذا الصدد: (فلعمري قد سرني ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يَخفَ عنا غير أنَّا لم نظن الذي كتبتم به إلينا، والله سيتم لكم الخير كله بعونه وتوفيقه).
والظاهر من فحوى الرسالة أن أبا عبيدة كانت له وسائله وطرقه التي تمده بالأخبار وهذا يدل على حرصه على مواكبة تطورات جماعته بشمال إفريقيا، وقد سر واغتبط للتطورات التي آلت إليها الحركة واستبشر خيرا بمستقبل الجماعة، قال رحمه الله:
(أتانا كتابكم تذكرون فيه عظيم ما منَّ الله عليكم من جمع كلمتكم، وائتلاف أمركم في كثرة من بحضرتكم من أهل الخلاف لكم، ولعمري ما كثرتهم وإن كثروا بأكثر ممن كان قبلهم على من كان قبلكم من سلفكم، فاقتدوا بهم تهن عليكم كثرتهم على خلافكم، نسأل الله العون والتوفيق لكم في جميع أموركم، وأن يكفينا وإياكم بأسهم، وأن يجعل لنا ولكم ولجميع المسلمين الدائرة عليهم ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم).
فلعمري قد سرني ما انتهيتم إليه من أمركم، وإن كان ذلك لم يخف عنا غير أنا لم نظن الذي كتبتم به إلينا، والله سيتم لكم الخير كله بعونه وتوفيقه.
أتانا كتابكم بمسائل فمنها ما رأيت أن أجيبكم فيها، ومنها ما رأيت ألا أجيبكم فيها من غير هون ولا تقصير إلا الذي رأيته أصلح لجماعتكم، وأقوم لشأنكم وأعطف لقلوبكم وأجمع لأموركم وما توفيقي إلا بالله، وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه ... ) (2).
يظهر لنا من خلال مقدمة الرسالة مدى ارتباط الإمام أبي عبيدة بأهل المغرب، وارتباطهم به كونه شيخ الجماعة الإباضية ومرجعها في تلك الفترة، إذ أرسلوا إليه هذه الرسالة طالبين الإفتاء لهم عن المسائل الواردة في الرسالة رغم وجود حملة العلم بينهم والذين كانوا يمثلون علم وفقه أبي عبيدة، وقد شهد لهم أستاذهم أبو عبيدة بالنبوغ والتفوّق.
__________
(1). مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي، المرجع السابق، ص509.
(2). مبارك بن عبد الله بن حامد الراشدي، نفسه، ص513 - 514.
ساهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة بشكل كبير في توطيد المذهب الإباضي بشمال إفريقيا بتكوينه وسهره على تعليم الطلبة الوافدين إليه من المنطقة، كما ساهم في إنجاح الحركة الإباضية وقيام مشروعها السياسي المتمثل في دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، ثم الدولة الرستمية بعد ذلك، كما أدَّتْ مراسلته واتصالاته بأهل المغرب التي وصل إلينا بعضها دورا بارزا في خدمة الإسلام والمسلمين والسهر على مصالحهم وما يؤلف بينهم ويوحِّد صفوفهم ويجمع شملهم وكلمتهم.
/ (1/196)
صفحة 197
خطبة العدد
نصائح للتّخلّص من القلق!!
الأستاذ: نور الدّين بن محمد قرِّي
ألقيت الخطبة في إحدى الجمعات
من عام 1436هـ/2015م
بالمسجد الكبير بالقرارة.
بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلّا على الظّالمين .. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، أوجب على نفسه أن يمنح الطّمأنينة والسّكينة كلَّ من عمل صالحًا، من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فقال في كتابه العزيز {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1)
وأشهد أنَّ سيّدنا محمَّدا عبده ورسوله، بشّر عمّار المساجد ومجالس العلم بالطّمأنينة والسّكينة فقال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا وحفّتهم الملائكة وغشيتهم الرّحمة ونزلت عليهم السّكينة وذكرهم الله فيمن عنده" (2) فاللّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدّين.
أيها الإخوة المؤمنون: إنّ القلق مرض خطير، إذا استولى على الإنسان حوّل حياته إلى تعاسة وكآبة فلا أمل تشرق له نفسه ولا قدرةَ تكون له، تعينه على التركيز والتّفكير فيما بين يديه، ولا استقرار على رأي أو قرار يتّخذه. بل تَذَبْذُبٌ وتَرَدُّدٌ وفقدان للثّقة في النّفس وانطواء عليها واستسلام لليأس والقنوط. فترونه أيّها الإخوة المؤمنون يطرق كل باب، تارة باب طبيب عضوي وتارة باب طبيب نفسي، وتارة أخرى باب طبيب أعصاب ... فإن أعياه الدّاء واستبطأ الشّفاء (1/197)
صفحة 198
طرق دهاليز الدّجالين والمشعوذين، فهوّلوا له من حاله، وأَقنعوه ألا مخرج له ممَّا فيه إلا باتّباع ما يصفون له من مستحضرات الأعشاب وأصناف الأبخرة، مستعينين بطلاسم الجنّ وإيحاءات الشّياطين والعياذ بالله، فيأتون على ما تبقَّى له من عقيدة وإيمان، وإن بدا له بعض الفرج .. فيدخل نفقًا مظلمًا، وقانا الله شرَّه وحفظنا من كلِّ سبب يؤدّي إليه.
__________
(1). النحل: 97.
(2). رواه مسلم رقم:2699.
أيّها الإخوة المؤمنون! إذا شاع القلق في ديار الكفر فهذا أَمرٌ واضح ومتوقَّع؛ فلأنَّ قلوبَهم خاوية وآمالَهم مقصورة على دنياهم، وقد أَشبعوا أنفسهم من متاعها. فما بالُ الكثير منَّا نحن المسلمين، صرنا نشكو من هذا الدّاء؟! لا أدري أَانْبِهارٌ بدنيا الكفر وحياة الكافرين؟! أم زُهدٌ فيما حبانا الله به من نعم فلم نعد نرغب فيها؟! أم أنَّنا صرنا نأتي الفرائض على أنَّها عاداتٌ، لا عبادات فقدت طعمها وروحها؟! أم أنَّ حياتنا بدأت تصطبغ بالصِّبغة المادية الجافَّة؟! فهي كالسَّراب، كلما اقتربت منها ازدادَ بعدا، أو كماء البحر، كلَّما شربت منه ازددت عطشا؟! حالات واحتمالات .. الواحدة منها تكفي لأن تجعل من الحياة جحيما {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (1)
أيُّها الإخوة المؤمنون! إن القلق - فعلا - داء أرهق المرضى وأعيى ذويهم، غير أن الانفلات من قبضته ممكن، لمن اتّبع الخطوات التّالية:
أوّلا: أن يملأ المرء قلبه إيمانا بالله عزّ وجلّ، ويوقنَ أنّ النّفس ملك لله، يتصرّف فيها بما يشاء وكيفما يشاء الله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} (2)
ثانيا: حسن التّوكُّل على الله ببذل كلّ ما في وسع الإنسان لدفع المرض؛ وقاية وعلاجا وبعده يتمّ تفويض الأمر لله فيما لا طاقة به. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم التجأ إلى غار ثور في أثناء هجرته؛ تعميةً لأعين الكفّار؛ بعد أن توكّل على الله فحلّت السّكينة قلبه قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} (3)
__________
(1). طه: 124.
(2). الرّوم: 54.
(3). التّوبة: 40. (1/198)
صفحة 199
ثالثا: الرّضا بقضاء الله وقدره: خيره وشرِّه، أنّه من الله قال الله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} (1)
وهذا يوسف عليه السلام خير مثال على ذلك، فبعد البلايا المتعاقبة عليه لعقود من الزّمن جاءه الملك يسعى إليه إذ صار وزيرا للاقتصاد في مصر {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (2).
رابعا: تلاوة القرآن آناء اللّيل وأطراف النّهار، فإن الله قد أودع في كتابه أسرارا عجيبة من الشّفاء، لا يعلمها إلا هو، لا تنال إلا بالتّلاوة المتأنّية أو بالإصغاء المتمعّن {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} (3) {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} (4) ويصرح القرآن الكريم أن في تلاوته حفظًا وتحصينًا من الأفعال الشّرّيرة التي تصدر من شياطين الإنس والجنّ: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} (5)
خامسا: الإكثار من ذكر الله تعالى بكلّ أشكاله: تحميدا وتسبيحا وتهليلا وتكبيرا، دعاء واستغفارا .. ففي كلّ ذلك مجلبة للطّمأنينة والسّكينة إلى القلوب وطرد للهموم والوساوس قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (6). وهذا يونس عليه السّلام. فلولا تسبيحه الله تعالى في بطن الحوت للبث فيه إلى يوم يبعثون {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} (7).
__________
(1). التوبة: 51.
(2). النساء: 19.
(3). يونس:57.
(4).الإسراء:82.
(5). الإسراء:45.
(6). الرّعد:28.
(7). الأنبيّاء: 87،88.
سادسا: شهود مجالس الذكر وحلقات العلم. فإنّها مواطن تتنزّل فيها الملائكة، وتحلّ بها السكينة وتفرّ منها الشّياطين. فقد قال صلى الله عليه وسلّم: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلّا وغشيتهم الرّحمة، ونزلت عليهم السّكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. (1) وإيّاكم ومجالس اللّغو واللّهو والطّرب فإنّها محطّ رحال الشّياطين، فيها يتصيّدون ضحاياهم، ويقذفون الوساوس في قلوبهم، ويزرعون العداوة والبغضاء بينهم {إِنَّمَا (1/199)
صفحة 200
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (2).
سابعا: الشّفقة على النّفس والاعتقاد أنّ كلّ إنسان سويٍّ له من الطّاقات ما لو استغلّها لاستطاع بنفسه أن يقضي على كثير من مشاكله التي تسبّب له القلق، والإقدام على حلّها بكلّ شجاعة وحزم، ووضعها في حجمها الذي تستحقّ، دون تهوين أو تهويل ..
ثامنا: الاستعانة بذوي الخبرة، ممّن يوثق في علمهم أو خبرتهم، على أن يكونوا أهل سريّة. ففي عرض الإنسان معاناته على مثل هؤلاء يعدُّ تنفيسا للضّغط الدّاخلي الذي يعانيه. وهذا ما يجرّبه أطبّاء النّفس مع مرضاهم.
تاسعا: تحديد الأهداف بدقّة من كلّ عمل يقوم به الإنسان، حتّى لا يستغرق وقتا طويلا في الوصول إليها، مع اختيار أنجع السّبل، فإنّ غموض الهدف يجعل صاحبه متذبذبا في أموره، يخبط خبط عشواء، فتكثر إخفاقاته، ومن ثمّ يلفّه القلق ويرمي به في جنح الظلام.
عاشرا: الجلوس إلى الآخرين والاندماج معهم في أنشطة ثقافيّة أو اجتماعيّة أو رياضيّة. فعلاوة على ما في ذلك من فائدة فإنّه يساعد على خروج الإنسان من ضيق قوقعته إلى رحابة مجتمعه، وبالمقابل الابتعاد عن كلّ انزواء أو انطواء.
حادي عشر: تفكيك المشاكل بعضها عن بعض، ومعالجتها بصفة فرديّة، فإنّ ذلك أدعى للوصول إلى الحلّ بأيسر جهد، بينما تجميعها وتناولها معا في آن واحد يُرهق العقل، ويُشتّت التّركيز، ويَحجب أيَّ حل ممكن، فحزمة الأعواد تكسّرت لمّا تفرّقت.
ثاني عشر: أن يعيش المرء في حدود يومه، دون تكدير اليوم بهموم الأمس التي انقضت وانتهت، أو تعكيره بهواجس الغد، التي قد لا تقع.
__________
(1). رواه مسلم رقم:2699.
(2). المائدة:91.
والعيش في حدود اليوم يتّسق - كما قال الإمام محمد الغزالي - مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "من أصبح آمنا في سربه، معافًى في بدنه، له قوت يومه، كأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (1)
ثالث عشر: التأمل في جمال الطبيعة وما أودع فيها من أسرار ومفاتن تنشرح لها الصدور وفي هذا يقول الشاعر:
أيُّها المشتكي وما بك داء داء ... كيف تغدو إذا غدوت عليلا
إنّ شرَّ النّفوس نفس يؤوس ... يتمنَّى قبل الرّحيل الرّحيلا
ويرى الشّوك في الورود ويعمى ... أن يرى فوقها النَّدى إكليلا (1/200)
صفحة 201
والذي نفسه بغير جمال ... لا يرى في الوجود شيئا جميلا
أيُّها المُشتكي وما بك داء ... كن جميلا ترى الوجود جميلا
اللّهم إنّا نعوذ بك من الهمّ والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك من غلبة الدّين وقهرِ الرجال.
اللّهم إنّا نسألك نفوسا مطمئنّة، ترضى بقضائك، وتقنع بعطائك، وتؤمن بلقائك، وتصبر على بلائك، يا أرحم الراحمين.
اللّهم طهّر قلوبنا من النّفاق، وألسنتنا من الكذب، وأموالنا من الحرام، وأعمالنا من الرّياء، وأعيننا من الخيانة، فإنّك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور.
اللّهم إنّنا نسألك الأمن في البلد، والصّلاح في الولد، والسّلامة في الدّين والجسد. اللّهم من سعى إلى فتنة فأشغله في نفسه، وردّ كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره بقدرتك يا عزيز يا جبّار.
اللّهم انصر إخواننا المضطهدين في كلّ مكان. اللّهم انصر إخواننا المضطهدين في فلسطين، اللّهم اجمع كلمتهم، ووحّد صفوفهم، واطرد الشّيطان من بينهم، واشف مرضاهم، وارحم موتاهم، وانصرهم على عدوّهم. اللّهم عليك باليهود الغاصبين، ومن والاهم من الخائنين والمنافقين، اللّهم شتّت شملهم، واقذف الرّعب في قلوبهم، ولزلزل الأرض تحت أقدامهم، فإنّهم لا يعجزونك، يا قويّ يا عزيز.
__________
(1). رواه الترمذي: رقم: 2449.
/ (1/201)
صفحة 202
الرسائل الجامعية
ملخص رسالة ماجستير فقه الأولويات في السّياسة الشّرعية المعاصرة
خضير باعلي وسعيد
جامعة اليرموك، الأردن، 2016م.
فقه الأولويات في السّياسة الشّرعية المعاصرة
(دراسة فقهية مقاصدية)
تهدف هذه الورقة إلى تقديم لمحة تعريفية عن رسالة ماجستير بعنوان: فقه الأولويات في السّياسة الشّرعية المعاصرة (دراسة فقهية مقاصدية)، قسم الفقه وأصوله، كلية الشريعة، جامعة اليرموك، 2016م. وهدف تلك الرسالة هو الكشف عن منهج التوصّل إلى الأولويات التي لها حقّ التقديم على غيرها في مجال السّياسة الشّرعية، ثم كيفية تطبيق ذلك على بعض النماذج ذات الأهمّية في الواقع المعاصر. ومن أهم ما توصلتْ إليه أن ترتيب الأولويات في السياسة الشرعية يتمّ من خلال دراسة الخيارات السياسية المتاحة؛ في ضوء مقاصد الشريعة، وفقه الواقع والمآل، وسد الذرائع؛ مع مراعاة التدرج، والقيم السياسية في الإسلام، وثوابت الشريعة ومتغيراتها، والأخذ بعين الاعتبار مقتضيات التخطيط والاستشراف ودراسة السنن الكونية، ونتائج العلوم الحديثة. كما توصلت إلى أنّ السياسة الشرعية تُعنى بتقديم تنمية الوعي -عن طريق التربية والتكوين- قبل الإلزام بالتشريعات وفرض العقوبات، بالإضافة إلى أنّها تُولِي أهمية كبيرة لتنمية قيم التسامح وتقوية الدولة؛ بتنميتها من الجانب الاجتماعي والاقتصادي، والاعتناء بالعلوم بمختلف أنواعها إلى جانب تنصيب الكفاءات من أجل تكوين دولة متماسكة وقوية تُثبِت صلاحية التشريع الإسلامي لقيادة البشرية، وهذا كله وفق مرحلية مدروسة. أما ما يتعلق بتوجّه نظام الدولة فيجب فيه تقديم المصلحة الأساسية على المصلحة الشكلية، والتركيز على المبادئ والقيم لا على المسمّيات.
الكلمات المفتاحية: فقه، مقاصد، ترتيب، الأولويات، السياسة، الشرعية.
المقدمة:
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومتبعيه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فهذا تقرير عن الرسالة الجامعية: "فقه الأولويات في السّياسة الشّرعية المعاصرة (دراسة فقهية مقاصدية) " يشتمل على بيانات الرسالة، وتلخيص لأبرز ما جاء فيها، ثم عرض لنتائج الرسالة وتوصياتها.
أولا: بيانات الرسالة
العنوان: فقه الأولويات في السّياسة الشّرعية المعاصرة (دراسة فقهية مقاصدية).
الوصف: رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات الماجستير، فقه وأصوله.
إعداد: خضير باعلي وسعيد.
الجهة العلمية: جامعة اليرموك، كلية الشريعة، قسم الفقه وأصوله، الأردن.
إشراف: د. أسامة عدنان الغنميين.
العام الجامعي: 1436/ 1437 - 2015/ 2016.
ثانيا: لمحة مختصرة عن الرسالة
تمهيد:
يشهد العالم تغيرات جذرية في عدة جوانب؛ وخاصة على مستوى الجانب السياسي، وفي هذا الخضم أضحى لزاما تكوين رؤية واضحة للتعامل الإسلامي مع القضايا السّياسية على مختلف أصعدتها؛ إنْ على مستوى علاقة الدولة بالأفراد، أو على مستوى علاقة الدولة بغيرها من الدول (1/202)
صفحة 203
والتنظيمات العالمية؛ لتكون هذه الرؤية نبراسا تستضيء به المجتمعات المسلمة في الوقت المعاصر؛ لتحُلّ كثيرا من إشكالاتها.
ومن جانب آخر؛ فإن غياب تصوّر واضح فيما يتعلّق بتعامل الشّريعة الإسلامية مع القضايا المعاصرة أدّى بالبعض إلى القول بأن الشّريعة الإسلامية غير صالحة لهذا العصر؛ نظرا لبعدها عن الواقع، وأدّى بالبعض الآخر إلى التهوّر في التعامل مع هذه القضايا السّياسية؛ انطلاقا من نصوص مبتورة من سياقها النّصي والتاريخي؛ فأدّى ذلك إلى تشويه صورة الإسلام لدى العالم، والتشكيك في صلاحية هذا الدّين لتحقيق طموحات البشرية من التنمية والعدل والكرامة.
ومن ذلك مثلا الاعتقاد بأن الهدف الأول والأخير للحكم الإسلامي هو قطع الأيدي وجزّ الرقاب تطبيقا للحدود؛ في غفلة عن الرؤية الشمولية والكلية للتصور الإسلامي للحكم من وجوب أداء الأمانات، والعدل، فكان ذلك سببا لتشويه صورة الإسلام. ومن ذلك أيضا بعض الممارسات التي فَرضت -باسم الإسلام- بعض التعاليم الإسلامية على كافة المواطنين جبرا؛ دون إقناع، وكذا من ينادي بالحرية والديمقراطية، لكن ما إن يتسلم زمام الأمور يتحوّل إلى الاستبداد، وكأن الديمقراطية مجرّد سلَّم في طريق الحكم.
ومن ذلك انشغال بعض الدعاة ببعض الخلافات المذهبية الفرعية التي تناولها العلماء عبر التاريخ -وإشغالهم الناس بذلك- بعيدا عن التحديات التي تواجه الأمة وما يلزم لها من تكوين في فقه سنن التغيير وفقه النهوض الحضاري ونحو ذلك.
وربّما ليس الخلل في النّصوص أو الأدلة التي يعتمد عليها هؤلاء جميعا؛ لكن في فهم تلك النّصوص وتنزيلها؛ بتقديم ما هو أولى باختلاف الظروف والحالات. ومن هذا المنطلق وجب إجراء بحوث ودراسات حول هذه القضايا وتبيين حكمة تشريعها وكيفية تطبيقها بما يتناسب مع سماحة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.
وفي هذا السّياق جاءت رسالة الماجستير بعنوان: "فقه الأولويات في السّياسة الشّرعية المعاصرة (دراسة فقهية مقاصدية) "؛ سعى فيها الباحث إلى الكشف عن الأُسُس التي من خلالها يتمّ ترتيب الأولويات في السّياسة الشّرعية، ثم قدّم نماذج تطبيقية لذلك على بعض القضايا العامة التي لها علاقة بالواقع المعاصر؛ استنادا إلى الأدلة الشّرعية والقواعد الأصولية ومقاصد الشّريعة الغرّاء ونتائج الدراسات الحديثة.
1. مشكلة الدراسة وأسئلتها:
المشكلة الرئيسة للدراسة: كيف يمكن التوصّل إلى الأولويات التي ينبغي سلوكها في مجال السّياسة الشّرعية، وكيف يمكن تطبيقها على بعض النماذج ذات الأهمّية في الواقع المعاصر؟
وتتفرّع عن هذه المشكلة عدة أسئلة فرعية؛ أهمها:
1. ما المراد بفقه الأولويات في السّياسة الشّرعية؟ وما تأصيله الشرعي؟ (1/203)
صفحة 204
2. كيف يتمّ ترتيب الأولويات في السّياسة الشّرعية؟
3. كيف يمكن تطبيق فقه الأولويات في السّياسة الشّرعية على نماذج ذات صلة بالواقع المعاصر؟
2. أهداف الدراسة:
يهدف البحث إلى التوصّل إلى أُسُسِ ترتيب الأولويات التي ينبغي العمل عليها فيما يخصّ القضايا السّياسية انطلاقا من التشريع الإسلامي، ثم تطبيق ذلك على بعض النماذج ذات الأهمّية لصلتها بالواقع. ويندرج تحت هذا الهدف العام عدّة أهداف كما يأتي:
1. تحديد معنى فقه الأولويات في السياسة الشرعية.
2. التوصل إلى كيفية ترتيب فقه الأولويات في السياسة الشرعية.
3. تطبيق فقه الأولويات في السياسة الشرعية على نماذج من الواقع المعاصر.
3. أهمّية الدراسة:
تتمثل أهمّية الرسالة في كونها:
1. تلقي الضوء على الواقع المعاصر من خلال مقتضيات الفقه السياسي؛ خاصة في هذا الوقت الذي التبس فيه مفهوم تطبيق الشّريعة على كثير ممّن ينادي به؛ في ظل غياب منهجٍ واضح ونموذج عملي في هذا؛ فتجد البعض يسعى إلى إعادة صياغة الماضي كما هو بتفاصيله وجزئياته، والبعض الآخر ينادي بإلغائه مطلقا.
2. تُوضِّح الرّؤية للعاملين في المجال السياسي؛ بتقديم أُسسٍ لترتيب الأولويات للوصول إلى حُسْن التّعامل مع التّحديات المعاصرة في قضايا السّياسة.
3. تُظهِر مدى صلاحية الشّريعة لكل زمان ومكان، وأنها رسالة رب العالمين للخلق أجمعين؛ بمختلف ثقافاتهم وعصورهم وظروفهم.
4. تُطبق فقه الأولويات على بعض القضايا في السّياسة الشّرعية ذات الصلة بالواقع؛ بهدف إيجاد حلول لإشكالات عالقة.
4. منهج الدراسة:
سَلكت الدراسة عدّة مناهج؛ أهمّها:
1. المنهج الاستقرائي: باستقراء النّصوص الشّرعية المتعلقة بفقه الأولويات في السّياسة الشّرعية، وكذا استقراء بعض حوادث التاريخ المتعلقة بالموضوع، لاستخلاص قواعد عامة وأحكام كلية.
2. المنهج الاستنباطي: بتحليل النّصوص الشّرعية محلّ البحث ودراستها، لاستنباط الأحكام منها، لإدراك أبعادها ومضامينها والاستفادة منها في كشف سلم الأولويات في السّياسة الشّرعية، وكذا تحليل الواقع في بعض القضايا؛ لفهمه وإدراك الحكم الشّرعي المتعلق به.
5. الدراسات السابقة:
توصّل الباحث -قبل البحث وأثناءه- إلى عدد من الدراسات السابقة في الموضوع؛ وهي ما يأتي: (1/204)
صفحة 205
1. دراسة الغنميين، وآخرين، مسالك التّمكين في السّياسة الشّرعية؛ -الموازنة في المصالح والمفاسد (1)، وكانت إشارات مختصرة عن أهمّية فقه الموازنات وضرورة تفعيله للتمكين في السّياسة الشّرعية، مع نماذج وأمثلة واقعية لذلك؛ استنادا إلى نصوص الشّرع وتطبيقات الخلفاء الراشدين، وكانت -بحجمها- مختصرة؛ درَستْ جانبا من الموضوع في شقّيه التأصيلي والنموذجي، وذُكر فيها بأنّ الأمر لا يزال بحاجة إلى بحث وتمحيص ومدارسة ونقاش، وهو ما تطرق إليه الباحث، مع محاولة الكشف عن المنهج العام لترتيب الأولويات في السياسة الشرعية.
__________
(1) الغنميين، أسامة عدنان، وآخرون، مسالك التّمكين في السّياسة الشّرعية؛ -الموازنة في المصالح والمفاسد، (أصله بحث محكم في مجلة الجامعة الأردنية)، ط1، دار عمار للنشر، عمّان، الأردن، 2014م.
2. دراسة الكربولي، فقه الأولويات في ظلال مقاصد الشّريعة (1)، وتناول تعريف فقه الأولويات وعلاقته بمصطلحاتٍ ذات صلة، ثم تأصيل فقه الأولويات من القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين، ثم تطرّق إلى أُسسِ الترجيح بين المصالح والمفاسد، ثم تطبيقات عامة على فقه الأولويات. وقد استفاد الباحث من هذه الدراسة -كغيرها- من قضية الموازنات وبعض الأمثلة النموذجية، وحاول بعد ذلك إيجاد التصور الكلي للأولويات من منطلق السياسة الشرعية، ثم إسقاطه على نماذج تطبيقية معاصرة.
3. دراسة ملحم، تأصيل فقه الأولويات وتطبيقاته في حفظ الدين في السّياسة الشّرعية (2)؛ ركّزت على الجانب النّظري لتأصيل فقه الأولويات بشكل عام، وأسس الموازنات بين المصالح والمفاسد، ثم تطرقت إلى معنى السياسة الشرعية ومقاصدها ومجالاتها، وأتبعت ذلك بنماذج لأولويات من السياسة الشرعية.
وما أضافه الباحث هو محاولة الكشف عن منهج ترتيب الأولويات في مجال السياسة الشرعية بشكل خاص؛ تبعا لخصوصية المجال وتغيره، وهذه النقطة لم تتطرق إليها جميع الدراسات السابقة - على حدّ اطلاع الباحث-، ثم محاولة تطبيق ذلك المنهج على قضايا نموذجية.
4. دراسة رازي، فقه الأولويات ودوره في الحكم على القضايا السّياسية المعاصرة (3)، وركّزت -كسابقتها-على الجانب النّظري من تأصيل فقه الأولويات بشكل عام، مع التّطرّق إلى أهميتها وأثرها في الواقع، ثمّ أوردَت نماذج لترتيب الأولويات في السّياسة الشّرعية؛ متمثلة في حكم تولية المرأة وغير المسلمين للوظائف العامة، وإمامة غير المجتهد، وعلاقة الدولة المسلمة بغيرها والمشاركة السّياسية.
وما أضافه الباحث -إضافة إلى الكشف عن منهج ترتيب الأولويات في السياسة الشرعية- هو تطبيق ذلك المنهج على مزيد من القضايا السياسية لإيجاد حلول لبعض الإشكالات في الواقع. (1/205)
صفحة 206
__________
(1). الكربولي، عبد السلام عيادة علي، فقه الأولويات في ظلال مقاصد الشّريعة، رسالة دكتوراه، كلية الفقه وأصوله، الجامعة الإسلامية، العراق، إشراف حسين الجبوري، ط1، دار طيبة، دمشق، 2008.
(2). ملحم، محمد همام عبدالرحيم، تأصيل فقه الأولويات وتطبيقاته في حفظ الدين في السّياسة الشّرعية، أصله رسالة دكتوراه بقسم الفقه وأصوله، الجامعة الأردنية، إشراف أ. د. محمد نعيم ياسين، 2006م.
(3). رازي، نادية، فقه الأولويات ودوره في الحكم على القضايا السّياسية المعاصرة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الحاج لخضر، باتنة، الجزائر، إشراف صالح بوبشيش، 2005 - 2006م.
5. دراسة رحال، تأصيل الأولويات وكيفية تحديدها (1)، وتناولت مفهوم الأولويات وتأصيلها من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال بعض العلماء، ثم كيفية ترتيب الأولويات؛ من خلال بعض المحددات.
6. حساني، نظرية الأولويات في الشّريعة الإسلامية (2)؛ تطرقت إلى اهتمام كلٍّ من القرآن الكريم والسنة النبوية والصحابة والتابعين بفقه الأولويات، ثم نتيجة الخلل في ترتيب الأولويات، ثم عرَض نظريته؛ بدءا من الأولويات في التعامل مع السنة، ثم مع الأوامر والنواهي، ثم أولويات المصالح والمفاسد، وعلاقة الأولويات بالظروف والواقع، وبعده ضوابط لترتيب الأولويات، وأخيرا تطبيقات معاصرة لفقه الأولويات.
7. دراسة الوكيلي، فقه الأولويات (3)، عرّف فيها فقه الأولويات، وتطرق إلى أسباب ظهوره، ثم التأصيل الشّرعي للأولويات، وطرق معرفتها، وضوابط الأولويات في حالة التزاحم وحالة التدرج الدعوي.
والجديد الذي أضافته تلك الرسالة -فقه الأولويات في السياسة الشرعية المعاصرة- على الدراسات الثلاثة الأخيرة والتي قبْلها؛ هو التأسيس لفقه الأولويات في السّياسة الشّرعية بشكل خاص -إذ إنّ أُسس الترتيب بين الأولويات قد تختلف من مجال إلى مجال-، ثم محاولة تطبيق هذا الفقه في بعض النماذج المختارة من السّياسة الشّرعية؛ على أساس صلتها بالواقع، ومن ذلك ما يخصّ الجانب السياسي للدولة، ثم الجانب الاقتصادي، والجانب الاجتماعي، ثم الجانب الدعوي والإعلامي، وتخلّل ذلك المناقشة والترجيح في بعض المسائل المختلف فيها.
6. تقسيمات الدراسة:
قسم الباحث دراسته إلى ثلاثة فصول، وتضمن كل فصل مباحث ومطالب؛ كما يأتي:
الفصل الأول: وفيه تعريف السياسة، والسياسة الشرعية، وفقه الأولويات في السياسة الشرعية، ثم (1/206)
صفحة 207
تطرّق إلى أهمية فقه الأولويات في السياسة الشرعية؛ من حيث أثره في الواقع، ومن حيث نظرة غير المسلمين إلى الإسلام، ثم من حيث الحكم الشرعي.
__________
(1). رحال، علاء الدين حسين، ونهيل علي صالح، تأصيل الأولويات وكيفية تحديدها، بحث منشور في المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، مج2، عدد2، مايو2006م، ص129 - 159.
(2). حساني، نور محمد، نظرية الأولويات في الشّريعة الإسلامية، رسالة دكتوراه قسم الشّريعة الإسلامية، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، تحت إشراف أحمد يوسف سليمان، 2006م.
(3). الوكيلي، محمد، فقه الأولويات، دراسة في الضوابط، سلسة الرسائل الجامعية، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هيرندن، فرجينيا، 1997م.
الفصل الثاني: وفيه تأصيل فقه الأولويات في السياسة الشرعية؛ من القرآن الكريم، ثم من الحديث النبوي، ثم نماذج لذلك من تاريخ الخلافة الراشدة.
ثم تطرق إلى أسس ترتيب الأولويات في السياسة الشرعية، وتتمثل في مقاصد التشريع، والموازنة في المصالح والمفاسد، وفقه الواقع، ومآلات الأفعال وسد الذرائع.
وبعد هذا عرج إلى ضوابط ترتيب الأولويات في السياسة الشرعية، فذكر فيها التدرج في التطبيق، ومراعاة الثوابت والمتغيرات، ومراعاة القيم السياسية، والاستشراف والاستفادة من التاريخ. ثم قدم خلاصة للمنهج الذي توصل إليه.
الفصل الثالث: وفيه نماذج تطبيقية للمنهج الذي توصل إليه في الفصل الثاني. وقد قسمه إلى ثلاثة مباحث:
1. نماذج تطبيقية معاصرة لفقه الأولويات في الجانب السياسي للدولة: بدأ بترتيب الأولويات في اختيار توجه النّظام ما بين ديمقراطي أو علماني أو إسلامي أو غير ذلك، وكيف يمكن التعامل مع القضية. ثم كشف عن أولوية وجوب إظهار صلاحية النظام الإسلامي وسماحته؛ قبل الإلزام بتشريعاته؛ مستندا في ذلك إلى الأدلة والواقع. ثم عالج قضية أولوية تنصيب الكفاءات قبل محاسبة المتورّطين في قضايا الفساد.
2. تطبيقات معاصرة لفقه الأولويات في الجانب الاقتصادي للدولة: ناقش فيه أولا؛ ما ترتب عن أزمة انخفاض النفط من آثار، ونظرة الشريعة إلى هذا، فبدأ بقضية أولوية تحفيز الشعب على العمل بدلا من توزيع الرّيع دون جهد؛ وهذا من خلال بيان وجه الأولوية ثم إيراد بعض الوسائل التي يمكن اعتمادها لتحفيز الشعب على العمل. ثم ثَنَّى بضرورة تنويع الموارد عوض الاعتماد على القطاع الواحد، فناقش آثار الاعتماد على القطاع الواحد، ووجه الأولوية في ذلك، ثم عرَض مجموعةً من البدائل التي يمكن سلوكها لتفادي الآثار السلبية لأُحادية القطاع. وفي المطلب الثالث ناقش ضرورة توفير البدائل الاقتصادية الناجحة الموافقة للشرع؛ في سبيل الحدّ من الاقتصاد المبني (1/207)
صفحة 208
على الربا وما يترتب عنه من آثار سلبية؛ مستندا في ذلك إلى دراسات حديثة وتجارب معاصرة.
3. تطبيقات معاصرة لفقه الأولويات في الجانب الاجتماعي للدولة: حاول فيه أولا تصحيح ما تقوم به بعض الممارسات باسم الإسلام من تطبيق الحدود في هذا العصر، فعالج قضية أولوية تحسين المستوى المعيشي بدل التركيز على العقوبات؛ من خلال بيان وجه الأولوية، ثم أورد مجموعة وسائل لتحسين المستوى المعيشي. ثم تعرض لإحدى سبُل تفادي الطلاق وما يترتب عنه من مشاكل؛ من خلال مناقشة أولوية تأهيل الفرد لبناء الأسرة؛
قبل المتابعات القضائية؛ مستندا في ذلك إلى إحصاءات وتجارب معاصرة من مختلف الدول.
4. تطبيقات معاصرة لفقه الأولويات في الجانب العلمي والإعلامي للدولة: إذا كان في الدولة مشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية وغير ذلك، فهل الأَوْلى -من باب السياسة الشرعية- معالجة كل مشكلة على حدة علاجا مظهريا، أم الأَوْلى التركيز على التربية والتعليم لعلاج مثل هذه المشاكل من أساسها؟ في هذا الفصل تمت مناقشة هذه القضية استنادا إلى الأدلة الشرعية والتجارب المعاصرة. ثم تلا هذا مناقشةُ قضية الأولوية بين تطوير البحث العلمي في الدولة أو الاستمرار في استيراد التكنولوجيا، وفي ثنايا ذلك نظرةٌ شرعية معاصرةٌ إلى حُكم تعلُّم العلوم الحديثة والتقدم فيها؛ استنادا إلى أدلة شرعية وشواهد تاريخية وتجارب حديثة لبعض الدول.
وفي شقّ الجانب الإعلامي ناقشت الرسالة الأولوية بين حظر الدولة للمواقع والقنوات الإباحية ونحوها؛ وبين التدرج في إصلاحِ ما فيها مما يضر بثقافة الفرد والمجتمع، أو يؤدي به إلى العنف والانحلال الخلقي. وقد استندت في جميع ذلك إلى أرقام وإحصاءات ودراسات عربية وأجنبية.
ثالثا: نتائج الرسالة وتوصياتها وما تقترحه
1. نتائج الدراسة:
توصلت الدراسة إلى النتائج الآتية:
- ترتيب الأولويات في السياسة الشرعية يكون عند وجود التزاحم بين الخيارات السياسية المتاحة، ويتم الترتيب عن طريق دراسة كل خيار في ضوء مقاصد الشريعة وفقه الواقع والمآل وسد الذرائع؛ مع مراعاة التدرج، والثوابت والمتغيرات في الشريعة الإسلامية، والقيم السياسية، مع الأخذ بعين الاعتبار مقتضيات دراسة السنن الكونية، كما أن للعلوم الحديثة دورها في ذلك؛ انطلاقا من وجوب اتخاذ كل الأسباب من أجل تحديد أولويات التصرفات بناء على ذلك.
- من مقتضيات فقه الأولويات في الجانب السياسي للدولة عدم التركيز على الشعارات بل الأَوْلى العملُ على تحقيق القيم السياسية الإسلامية وإظهار سماحة الإسلام وصلاحيته لقيادة البشرية، كما يقتضي - فقهُ الأولويات في السياسة الشرعية- العملَ على تنصيب الكفاءات قبل محاسبة أصحاب الفساد.
- من مقتضيات فقه الأولويات في الجانب الاقتصادي للدولة التركيز على بثّ روح العمل في (1/208)
صفحة 209
الشعب وتأهيله، وتنويع موارد الدولة عوضا عن التركيز على الموارد الريعية من نفط ونحوه؛ نظرا لما يترتب على هذا الأخير من مفاسد على المستوى القريب والبعيد.
- التحوّل عن الاقتصاد الربوي يتم عن طريق توفير البدائل الاقتصادية غير المخالفة للشرع، وإثبات أولويتها على غيرها من خلال ما تحققه من نتائج اقتصادية واجتماعية؛ إعمالا لقاعدة التدرج في تطبيق الأحكام.
- تُعنى السياسة الشرعية بتقديم تنمية الوعي -عن طريق التربية والتكوين- قبل الإلزام بالتشريعات، كما تُعنى بتنمية المستوى الاجتماعي قبل فرض العقوبات.
- لتحديد الأولويات في السياسة الشرعية لابدّ من الاستفادة من نتائج الدراسات والعلوم الحديثة، ونفس الشيء بالنسبة للتجارب السابقة التي حققت نجاحا نسبيا في إحدى مجالات السياسة انطلاقا من البناء التراكمي للخبرة البشرية؛ لكن مع مراعاة متغيرات كل واقع وظروفه.
2. التوصيات:
في ختام الرسالة؛ يوصي الباحث بما يأتي:
1. يوصي الباحث الحكومات بتعميم ثقافة فقه الأولويات في السّياسة الشرعية؛ وذلك عن طريق الجامعات والمدارس والصحافة والنوادي الفكرية وغير ذلك، وهذا كله من أجل توجيه الرأي العام وإقناعه بالقرارات الأصوب اتخاذها في كل ظرف؛ إذ لم يعد القرار بيد السّلطة فقط، بل للجماهير دور في ذلك، كما أن المجتمع المثقف الواعي بفقه الأولويات في السّياسة الشرعية؛ من شأنه ألا يقع في تطرفات تعود عليه سلبا؛ إن على المستوى القريب أو المستوى البعيد.
2. كما يوصي الحكومات أيضا بإنشاء مراكز للدراسات تعنى بالسّياسة الشرعية، من مسؤوليتها أن تدرُس الواقع مستفيدة في ذلك من العلوم الحديثة، وتحدد الاستراتيجيات والأولويات التي ينبغي أن يسلكها المجتمع أو الدولة حسب متغيرات كل عصر وظرف.
3. يوصي الباحث العلماء وهيئات الإفتاء أن تكون الفتوى في القضايا السّياسية من خلال المجامع الفقهية استنادا إلى مراكز الدراسات المذكورة في النقطة السابقة؛ وهذا تجنبا للفتاوى التي تستند إلى جهد فردي يتسم بقصر النّظر ومحدوديته مهما بلغ من العلم والفكر، مما يؤدي إلى تضارب الفتاوى وتخبّط المجتمعات، لأنّ مجال السّياسة يتسم بالتعقيد والتشابك، وضرورة فقه الواقع والمآل على المستوى الداخلي والخارجي للدولة، وكل ذلك يستدعي دراسات واسعة من عدة تخصصات.
4. يوصي الباحث المؤسسات التعليمية بانتقاء بعض الطلبة الموهوبين منذ المراحل الأولى، وتوجيههم والأخذ بأيديهم وتكوينهم علميا وشرعيا ومهاراتيا -عبر دورات وفعاليات ميدانية- من أجل تحمل المسؤولية والسعي بالمجتمع والبلد نحو التنمية والتطور ومواجهة التحديات؛ وفق استراتيجية واضحة وسلّم أولويات واعٍ ينطلق من نصوص الشّريعة ومقاصده الكبرى؛ ويراعي فقه (1/209)
صفحة 210
الواقع والمآل وما إلى ذلك، ويوظف الدراسات والعلوم الحديثة.
3. مقترحات:
إتماما للفائدة؛ اقترحت الرسالة بعض الأبحاث لمن يأتي من الباحثين، وهذا كالآتي:
1. تطبيقات لفقه الأولويات في السياسة الشرعية على العلاقات الخارجية، وقد تكون رسالة دكتوراه، تتضمن ما يأتي:
- أولويات في التعامل مع المنظمات الدولية بين المصالح والمفاسد، وكيفية التأثير في السياسة العالمية من خلالها؛ بهدف رفع الظلم ونشر السلام.
- الأولويات في التعامل مع اللجوء الإنساني بين الأعباء الاقتصادية، والقيم السياسية الإسلامية.
- مدى جواز الإمضاء على الاتفاقيات الدولية ولو خالف بعض بنودها مصلحة إسلامية، وأحكام التعامل مع القضية.
2. أولويات في علاقة مؤسسات المجتمع المدني بالدولة؛ بين السماح المطلق الذي قد يترتب عنه استغلال تلك المؤسسات لأهداف غير مشروعة، وبين حظرها الذي قد يترتب عنه حرمان الدولة من فرص كبيرة لتطوير المجتمع من عدة نواحٍ، وهذا يتطلب دراسةَ مؤسسات المجتمع المدني وأنواعها، ثم دراستها بنظرة فقهية مقاصدية؛ للتوصل إلى نتائج بناءة على واقع معين.
3. دور الدراسات الإنسانية والاجتماعية في تفعيل الفقه الإسلامي، ويكون بمحاولة فهم الارتباط بين الفقه الإسلامي وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم السياسية وغير ذلك، ومدى إمكانية الاستفادة منها في تفعيل الفقه الإسلامي وتقديمه بلغة أقرب إلى الدقة، مثلا: دور علم النفس وعلم الاجتماع في قضايا الأسرة. مع التأكيد بأن هذه العلوم نفسَها بحاجة إلى نقد وتمحيص في ضوء القرآن الكريم ومقاصد التشريع؛ إذ هي جهد بشري لا يزال يتطور ويتغير.
4. تفعيل فقه الأولويات في السياسة الشرعية على إحدى الجوانب الاقتصادية أو الاجتماعية أو الإعلامية لدولة معينة في وقت معين، وتراعَى فيها متغيرات ذلك الواقع، لتخرج بحلول ميدانية لواقع معين؛ انطلاقا من معطياته وخصائصه.
وفي الأخير؛ ويأمل الباحث من رسالته أن تكون إضافة نوعية في ميدان الفقه السياسي الذي لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتّحقيق، وأن تؤتي ثمارها فهما سليما لبعض القضايا الشّرعية لدى المسلمين وغير المسلمين، وأن تكون إسهاما في الرّقيّ الحضاري بما ينبغي أن تكون عليه الإنسانية من عمارة للأرض بالعدل والخير والتسامح.
/
الرسائل الجامعية (1/210)
صفحة 211
ملخص رسالة ماجستير جامعة أم درمان الإسلامية
قسم الفقه المقارن2016م
الأستاذ أحمد بن صالح الشيخ أحمد
اعتماد الحساب الفلكي في نفي أو إثبات الأهلة
(دراسة فقهية وفلكية مقارنة)
لقد طال الجدال والاختلاف بين العلماء قديما وحديثا في تحديد بدايات الشهور القمرية العربية ونهاياتها، واختلفت كلمتهم في ذلك اختلافا كثيرا، ويتجدد هذا النزاع في كل عام، وتحتدم المناقشة بينهم في هذا الشأن، ولهذا الاختلاف الأثر الكبير على عبادات المسلمين، وخاصة في تحديد بداية شهر رمضان ونهايته، وكذلك تحديد بداية شهر ذي الحجة لمعرفة أيام الحج ومناسكه، وقد يصل الفارق في أول الصيام ونهايته بين الدول الإسلامية إلى ثلاثة أيام أو أكثر، فهذا ما لا يرضاه شرع ولا علم ولا عقل.
ويرجع هذا الاختلاف إلى أمور كثيرة، فقد يحدث طبيعيا بسبب اختلاف مطالع البلدان وتباعد المسافات بينها، وقد يحدث بسبب الأخطاء البشرية وعدم التقيد بضوابط الرؤية الشرعية، ومراعاة ما يقرره علم الفلك القطعي، مما يؤدي إلى وقوع بعض البلدان في أخطاء فادحة، ويترتب على ذلك صيام المسلمين يوما أو يومين من شعبان، أو إفطارهم يوما أو يومين من رمضان. والأدهى من ذلك أن يؤدي المسلمون من مختلف بقاع العالم مناسك الحج، وخاصة الوقوف بعرفة في غير وقتها، بسبب عدم التقيد بضوابط الرؤية الشرعية، وتبعية أغلب الدول الإسلامية لدولة معينة دون مراعاة نتائج الحساب الفلكي القطعي، وقد حصل هذا مرات كثيرة.
إن مثل هذه الحالات تتطلب من علماء الدين وقفة جدية، ومناقشة دقيقة ومستفيضة، وحوار موسع مع علماء الفلك، خاصة ونحن نعيش زمن التطور والتكنولوجيا المتقدمة.
وكان إثبات دخول الأشهر القمرية عند فقهائنا يتمثل في إحدى الوسيلتين التاليتين:
أ - رؤية الهلال من عدل أو عدلين.
ب - إكمال الشهر ثلاثين يوما.
ويدخل تحت الوسيلة الأولى (الرؤية) الإخبار برؤية الهلال من الشهود أو من الجهة المسؤولة، أو بأمر من الحاكم.
هذه هي الوسائل التي اتفق عليها علماء الإسلام منذ فرض الصيام.
ومع تطور العلوم أثبتت الحسابات الفلكية اليوم دقتها المتناهية في تحديد الأوقات والظواهر الفلكية التي سوف تحدث لعشرات السنين القادمة، مما جعل الكثير من العلماء المعاصرين يعتبرون الحسابات الفلكية من العلوم القطعية التي يستأنس بها في إثبات رؤية الهلال أو نفيها، وجعلوا لذلك (1/211)
صفحة 212
معايير وضوابط، وفي المقابل رفض علماء آخرون هذه الوسيلة الجديدة رفضا قاطعا.
وقد عقدت عدة مؤتمرات فلكية وندوات فقهية لدراسة هذا الموضوع من طرف المجامع الفقهية والهيئات الشرعية، وصدرت عنها الكثير من القرارت والتوصيات، ومع ذلك لا يزال الجدل فيه قائماً، والحاجة ملحة إلى دراسة معمقة، تجمع بين ما جاءت به الشريعة الإسلامية من نصوص، وما توصل إليه علم الفلك من حقائق في حساباته ومراصده، وتمحص فيها وجهات النظر المختلفة للوصول إلى حلول ناجعة.
أهمية الموضوع:
تكمن أهمية هذا البحث فيما يأتي:
أن الأشهر القمرية لها أهمية كبيرة في حياة المسلم، وخاصة أنها تتوقف عليها أحكامُ ثلاثةِ أركانٍ من أركان الإسلام وهي: الصيام، والزكاة، والحج، إضافة إلى بعض العبادات منها: مدة الإيلاء، عدة المتوفى عنها زوجها، تحديد أيام الرضاعة والفطام، معرفة الأشهر الحرم.
كما أن هذه الأشهر تساعد المسلم على تسجيل الأحداث المهمة من مواليد ووفيات، وتوقيت مواعيد الزرع والحصاد ... الخ.
وقد جعل الله تعالى الأهلة علامة على مواقيت هذه العبادات، قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ
تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1).
أسباب اختيار موضوع البحث:
لقد تظافرت عدة دواع إلى اختيار هذا الموضوع منها:
أ - واقع الأمة الإسلامية المتمثل في اختلاف المسلمين في مواقيت بعض العبادات كالصيام والإفطار والحج، حيث تعددت أيام بداية صومهم وفطرهم وأيام مناسك الحج، وذلك بسبب شهادات الرؤية الظنية المتضاربة حتى في البلد الواحد، بل والمعارضة للحساب الفلكي في كثير من الحالات، سواء أكان ذلك في إثبات الأهلة أم في نفيها.
ب -الرغبة الشديدة في معرفة آراء الفقهاء والفلكين وخاصة المعاصرين منهم في هذه المسألة.
ج- عدم وجود دراسات معاصرة كافية تناولت الموضوع بتفاصيله الدقيقة، وحوت كل عناصره.
مشكلة البحث:
تتمثل الإشكالية العامة للبحث في التساؤلات الآتية: (1/212)
صفحة 213
أ - هل المسلمون متعبدون بالرؤية البصرية للهلال أم غير متعبدين بها؟
ب - هل نتائج الحساب الفلكي قطعية أم ظنية؟
ج- هل يعتبر الحساب الفلكي وسيلة من وسائل نفي وجود الأهلة أو إثباتها؟
د- إذا تعارضت الشهادة برؤية الهلال مع نتائج الحساب الفلكي، هل تقدم الرؤية أم الحساب؟
هـ- هل المراد من قوله صلى عليه وسلم: "فاقدروا له" إكمال العدة أم الاستعانة بالحساب.
هيكلة البحث:
اشتمل هذا البحث على مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة.
حيث تناولت في الفصل الأول: علم الفلك نشأته وتطوره ومحل الخلاف فيه.
وجعلت هذا الفصل في أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف مصطلحات عنوان البحث
المبحث الثاني: بيان المصطلحات المتعلقة بالموضوع.
المبحث الثالث: نشأة علم الفلك وتطوره، وانفصاله عن التنجيم.
المبحث الرابع: أسباب اختلاف العلماء في العمل بالحساب، وبيان آرائهم
__________
(1). البقرة: 189.
وفصلت القول في هذه الآراء على النحو الآتي:
حيث تناولت في الفصل الثاني: القول بعدم جواز العمل بالحساب الفلكي وجعلت هذا الفصل في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: القول بعدم جواز العمل بالحساب مطلقا لا في نفي الأهلة ولا في إثباتها وأدلته ومناقشتها
وتناولت في المبحث الثاني: القول بعدم جواز العمل بالحساب في الإثبات، وجوازه في النفي فقط (أي جواز العمل بالحساب للنفي دون الإثبات) وأدلته ومناقشتها
وتناولت في المبحث الثالث: القول بجواز العمل بالحساب للإثبات في حال الغيم دون الصحو وأدلته.
وتناولت في الفصل الثالث: القول بجواز العمل بالحساب مطلقا في النفي والإثبات
وجعلت هذا الفصل في مبحثين:
المبحث الأول: القول بجواز العمل بالحساب للنفي والإثبات وأدلته ومناقشتها
المبحث الثاني: الخلاف في اشتراط إمكانية الرؤية، وشروطها ومعاييرها
وجعلت في آخر البحث خاتمة عرضت فيها أهم نتائج البحث، والتوصيات المقترحة، وملحقا (1/213)
صفحة 214
لقرارات وتوصيات المجامع الفقهية والمؤتمرات الإسلامية، ثم فهارس عامة: للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والقواعد الأصولية والفقهية، والمجامع الفقهية والمؤتمرات، والأعلام، والأماكن والبلدان، والمصادر والمراجع، والمحتويات.
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى:
أ - معرفة المستجدات العلمية الفلكية الدقيقة التي استعان بها الفقهاء في ضبط بدايات الشهور القمرية ونهاياتها.
ب - دراسة الأدلة الشرعية والفلكية والعقلية ومناقشتها واختيار الراجح منها.
ج- الوقوف على الضوابط الفقهية والمعايير الفلكية التي وضعها العلماء في اعتبار الحساب الفلكي وسيلة من وسائل إثبات الأهلة أو نفيها.
د- محاولة جمع كلمة المسلمين ورأب الصدع وتقريب وجهات النظر وحسم التشتت والخلاف في مواقيت بعض المناسبات الدينية.
- مسألة إثبات الأهلة أو نفيها بالحساب الفلكي هي محل خلاف بين المسلمين إلى يومنا هذا.
- ويرجع اختلافهم إلى سببين رئيسين:
السبب الأول: اختلافهم في كون الرؤية تعبدية أو غير تعبدية.
السبب الثاني: اختلافهم في كون نتائج الحساب قطعية أو غير قطعية
ونتج عن هذا الاختلاف ثلاثة آراء:
الرأي الأول: عدم جواز العمل بالحساب مطلقا لا في النفي ولا في الإثبات. ويمثل هذا الرأي أغلب المتقدمين وبعض المتأخرين.
ولكن تبين بعد مناقشة أدلتهم أنها ضعيفة من عدة أوجه.
الرأي الثاني: جواز العمل بالحساب في النفي دون الإثبات. ويمثل هذا الرأي بعض المتقدمين وأغلب المتأخرين.
وبعد مناقشة أدلتهم تبين أنه قول راجح من حيث قوة أدلتهم في نفي الشهادة بالرؤية إذا تعارضت مع الحساب، وهو مرجوح من حيث عدم دلالة أدلتهم على الاقتصار على النفي دون الإثبات.
الرأي الثالث: جواز العمل بالحساب مطلقا في النفي والإثبات. وتبنى هذا الرأي كثير من المتأخرين؛ لأنهم يرون أن الحساب الفلكي من العلوم القطعية اليقينية التي لا مجال للشك فيها. وهو يختلف اختلافا كبيرا عن التنجيم المنهي عنه.
وهو القول الراجح للباحث بشرط توفر شروط إمكانية رؤية الهلال، وتوفر على الأقل أدنى القيم المسجلة لمعايير إمكانية رؤية الهلال، وهي: (عمر الهلال، ومدة مكثه بعد غروب الشمس، ودرجة (1/214)
صفحة 215
استطالته).
- يشترط لإمكانية رؤية الهلال توفر شرطين أساسين وهما: حدوث الاقتران قبل غروب الشمس، وغروب القمر بعد غروب الشمس.
- اختلف العلماء في العمل بحكم الحاكم أو بنداء السلطان في ثبوت رؤية الهلال أو عدم ثبوتها:
فقال كثير من الفقهاء بوجوب اتباع أمره دون قيد أو شرط، ولو خالف الحساب الفلكي؛ لأن حكمه يرفع الخلاف.
وقال آخرون: إن اتباع أمر الحاكم أو نداء السلطان مشروط بعدم مخالفة نتائج الحساب الفلكي القطعي، فإن خالفه لم يلزم اتباعه.
وبعد مناقشة أدلة الفريقين تبين أن القول الثاني هو القول الراجح لأن نتائج الحساب الفلكي قطعية وأمر الحاكم ظني، فالقطع مقدم على الظن عند التعارض.
توصيات البحث:
تكمن أهم التوصيات التي خرج بها الباحث من هذا البحث فيما يلي:
أولا: تكثيف الحوارات وتبادل الخبرات بين الفقهاء والفلكيين.
ثانيا: عقد المؤتمرات الفلكية والندوات الفقهية لدراسة المستجدات العلمية المتعلقة بالموضوع.
ثالثا: السعي إلى الجمع بين النصوص الشرعية والنتائج العلمية الفلكية، وتقريب وجهات النظر للم شمل المسلمين وتوحيد صفوفهم.
رابعا: أن تكون آراء الفلكيين وفتاوى الفقهاء ناتجة عن اجتهاد جماعي من مؤتمرات علمية أو مجامع فقهية.
خامسا: أن تكون قرارات المجامع الفقهية والمؤتمرات العلمية مبنية على قواعد وضوابط علمية بعيدة على التوجهات السياسية والمذهبية أو التبعية لدول معينة.
فما الذي قاله الشيخ لهذا الحفيد بعد عودته اليوم؟ وحفيده ذاك فوق الأربعين من عمره وقد بلغ أشدَّه واستوى؟ (1/215)
صفحة 216
حوار الجد والحفيد (1)
الدكتور محمد صالح ناصر
الأبيار ـ الجزائر.
تخيلت الشيخ أبا اليقظان عائدًا إلينا بعد ثلاث وأربعين سنة من وفاته (1973 - 2016) وخُيِّل إليَّ أنَّه أجرى حوارا مع حفيد له، وكان هذا الحفيد قد ولد في السنة نفسها التي توفي فيها الشيخ بعد أن شهد ميلاده، وأذَّن في أذنيه، واحتفل بعقيقته.
الجدُّ:
ولدي، مرحى بلغتَ المرتقى ... وسموت اليوم أسرًا ونما
أربعون اكتَمَلَتْ وازْدَهَرَتْ ... وعلى فَوْدَيْكَ نورٌ باسمًا
هذه تَدْعُوك للدنيا وتُغرِ ... يكَ وشَعْر الشَّيْب يدعوك لِمَا؟
إنَّه الداعي ليوم مُفجِع ... لحساب مرُّه يُبكي دَمَا
أنت فيه ـ وَلَدِي ـ مُرتهَنٌ ... للقاء الله فردًا نادمَا
كيف أعدَدْت ليوم هَوْلُه ... قد شيَّب الوِلدان، أعيى الفُهَمَا؟
لستُ أحميك إذا ما جئتَه ... ليس غيرُ الله حصنًا وحِمَى
كنتَ في المهد فراشًا حالمًا ... تُرقصُ الدنيا سعيدًا ناعمًا
تزرع البهجة في البيت وُرُو ... دًا حسنُها في وجنتيك ارتسمَا
يوم أذَّنت بنفسي داعيَا ... عند أُذْنيْك لتحيى مسلمَا
__________
(1). ألقيت بمناسبة (أسْ أنتعْشِرْت) في مركب العالية يوم 04/ 03/2016.
حولك الفتيان صلَّوا بالمثا ... نِي فازدهى البيت بأنوار السما
وزغاريد الهنا ثمَّ انتشتْ ... لا تُبالي في السكون النُّوَّمَا
والهدايا تملأ الحضن دُعَا ... والصبايا راقصات كالدُّما
قد أحطْن المهدَ فيه قمَر ... نُوره يسبي ويُغري الأنجُمَا
يوم أذَّنْتُ بحيَّا يا فتى ... فاحفظ العهد وراع الذمما
راقب الفجر تقيًّا ناشطًا ... تدرك الخير كريمًا حازمَا
ها بلغتَ الرشد تبغي فضله ... هل رقيت العزَّ مثلي سلَّمَا
الحفيد:
أبتاه، أنت نِعم المقتدَى ... نهجك الحقُّ سويًّا قيِّمَا
كلُّ شيء في بلادي شاهد ... يُنطق الصخر ويهدي من عمى
ثروة الأجداد سيل دافق ... مثل زقرير يوالي الكَرما
غير أن النهج أضحى بعدكم ... فيه شوك، في حُفافِيهِ احتمى
كنتم بالعلم حصنًا باذخًا ... كنتم بالدين قلبًا وفمَا
لم يعكِّر "عنكبوت" بيتكم ... أو "بعوض" قذِر مصَّ الدَّما
لم يقوِّض صفَّكم ملتبس ... بفتاوى صاغها من أجرما
لم تهجِّنكم دعاوى غيرةٍ ... لونُها البرَّاق هدَّ القِيَمَا
لم يعكِّر أمنكم "ذئب" سطا ... تحت شمس الناس يسبي الغنمَا (1/216)
صفحة 217
زرعوا الفتنة في تربيته ... واستباحوا ـ ويحهم ـ ما حُرِّمَا
وتمادى ظلمهم، لا يرعوي ... لم يراعوا عند نهب معدَمَا
أتُرانا نحن هُنا؟ أم همُ؟ ... خفروا الذمَّة، عقُّوا الحُرَمَا؟
أيُّ صبر أبتاه نأتسي؟ ... حار فكري في طريق معتِمَا؟
الجد:
لا تبالي ولَدي من ناعق ... شيمة الغربان تقفو الرِّممَا
لم يقوِّضنا "عتيد" حاسد ... مرضُ الحقد احتواه فعمى
ركب الطيش فعرَّى خيرنا ... وكذا الخير يُطيش اللُّؤمَا
لا تماشي ظالمًا مهما عتا ... ـ لك بالحقِّ ـ نصير دائمَا
حوضك القرآن فاحفظ نبعه ... من يلذ بالحوض لا يخشى الظما
وادَّكِر إسمًا تُسمَّيت به ... هو معنى من معاني الرحما
فخليل الله سمَّانا به ... وحبيب الله زكَّى ونما
مسلم أحيى، وأقضي مسلمًا ... ذاك عهدي، رغم أنف مجرمَا
فاحفظ الإسم، ومن سمَّاكَهُ ... كم فتًى بالإسم علاَّ فسمَا
واسأل التاريخ عن مجد دعا ... لسبيل الحقِّ، يحيي الهِمما
خطَّه الأبطال فكرًا نيِّرًا ... واسأل الصحراء عمَّن حكما
وأسأل الآبار؟ واسأل نخلنا ... واسأل العُمران، واسأل من رمى؟
شاهدات بيِّنات ـ ولدي ـ ... بحبال الله كن معتصمَا
واحترم مئذنة شامخة ... تجمع الصفَّ، تعِشْ محترَما
وطني مسراك دومًا في دمي ... ذلك عهدي ونشيدي "قسمَا"
مسلم أحيى، وأقضي مسلمًا ... فلتعش مثلي عزيزا مسلِمَا
الأبيار: 23 جمادى الأولى 1437هـ
03 مارس 2016م
/ (1/217)
صفحة 218
رحلة الإنصاف والوفاء
أ. سليمان بن عمر دواق
بني يزقن ـ غرداية
قديما قال الشاعر: إِنَّ الشَّجَاعَةَ فِي الُحرُوبِ كَثِيرَةٌ ... وَوَجَدْتُ شُجْعَانَ العُقُولِ قَلِيلا
بهذا البيت الخالد، أحيّي روح مفدي في عليائه وأحيّي من سعوا إلى إقامة رحلة الإنصاف لمفدي زكرياء، فاجتازوا العديد من ربوع الوطن، إلى أن ألقوا عصا التّسيار في مسقط رأس مفدي.
وهؤلاء بهذه الرحلة التاريخية يحملون رسالة مقدسة، تهدف إلى غرس روح الوفاء للرجال المخلصين للوطن، في عصر قلّ فيه الأوفياء.
بارك الله فيمن هندس لهذه الرحلة، وتقبل جهد من سعى إلى تحقيقها، وجزى خيرا كلّ من باركها من قريب أو بعيد.
وأنا بدوري، تقديرا لهذه المبادرة النبيلة، وإعجابا بهذا المسلك الحضاري، يشرفني أن أضع بصمة، -ولو متواضعة- في نهاية مسار هذه القافلة بقصيدة شعرية، أهديها إلى روح فقيد الوطن، شاعر الثورة بدون منازع. مفدي زكرياء.
رِحْلَةٌ لِلْوَفَاءِ، خُصَّتْ لِمُفْدِي ... فِي رُبُوعِ البِلَادِ رَمْزًا لِوُدّ
إِنَّهَا رِحْلَةُ اعْتِرَافٍ بِفَضْلٍ ... لِأَدِيبٍ مُمُيَّزٍ بِالتَّحَدِّي
مَنْ تَصَدَّى بِفِكْرِهِ فِي إِبَاءٍ ... لِلْأَعَادِي، وَيَا لَهُ مِنْ تَصَدّ
شَاعِرُ الثَّرْوَةِ الغَزِيرَةِ أَهْلًا ... لِبَيَانٍ مِنَ الهُدَى مُسْتَمَدّ
شَاعِرُ الثَّوْرَةِ الْمَجِيدَةِ حَقًّا ... بِاقْتِدَارٍ وَفِي شَجَاعَةِ أُسْد
حَنَّكَتْهُ السُّجُونُ فَازْدَادَ عَزْمًا ... وَفَدَى وَطْنَهُ العَزِيزَ بِوَجْد
مَنْ كَمُفْدِي بِشِعْرِهِ كَانَ حَقًّا ... مِشْعَلًا لِلْجِهَادِ، وَرْيًا لِزِنْدِ؟
لَيْسَ بِدْعًا إِنْ لَقَّبُوهُ بِمُفْدِي ... فَهْوَ فَادٍ لِوَطْنِهِ فِي أَشُدّ
كَمْ دَعِيٍّ مُفَاخِرٍ بِجِهَادٍ ... لَمْ يَكُنْ قَطُّ فِي الجِهَادِ بِنِدّ
أَعْلَنَتْ نَفْسَهُ العَدَاوَةَ جَهْرًا ... لِأَدِيبِ الفِدَاءِ سَعْيًا لِكَيْد
فَتَوَلَّى يَجُرُّ ذَيْلَ انْهِزَامٍ ... أَوْهَنَتْ عَزْمَهُ فُحُولَةُ مُفْدِي
(قَسَمًا) لَمْ يَزَلْ يَمِينَ تَحَدٍّ ... سَوْفَ يَبْقَى مُدَوِّيًا دُونَ حَدّ
فَلْيَبُؤْ بِالْهَوَانِ مَنْ رَامَ يَوْمًا ... أَنْ يُزِيحَ النَّشِيدَ مِنْ عَرْشِ مَجْد
أَيُّهَا الزَّائِرُونَ رَبْعًا لِمُفْدِي ... فِي انْتِهَاءٍ لِرِحْلَةٍ ذَاتِ حَمْد
مَرْحَبًا بِالْكِرَامِ، أَهْلًا وَسَهْلًا ... مِثْلُكُمْ يُلْتَقَى بِزَهْرٍ وَوَرْد
إِنَّ (مِيزَابَ) بِالْكِرَامِ حَفِيٌّ ... لَيْسَ يَرْضَى بِغَيْرِ قُبْلَةِ وُدّ
فِي جَبِينِ الرِّجَالِ مِمَّنْ أَقَامُوا ... رِحْلَةَ الخَيْرِ مُنْصِفِينَ لِمُفْدِي
هَكَذَا فَلْتَكُنْ نَزَاهَةُ قَوْمٍ ... إِنْ أَرَادُوا بُلُوغَ نُبْلٍ لِقَصْد
لَيْتَ شِعْرِي! ... لَوْ أَنَّ مُفْدِي أَتَانَا ... بَعْدَ بَيْنٍ، أَيَسْتَسِيغُ التَّرَدِي؟
فِي شِقَاقٍ أَصَابَ مَسْقَطَ رَأْسٍ ... كَانَ يَوْمًا مَحَلَّ حُبٍّ وَرَغْدِ؟
لَا وَلَا أَحْسَبُ الهُمَامَ سَيَرْضَى ... بِنُزُولٍ إِلَى حَضِيضٍ لِوَهْد
فَلْتَكُنْ رِحْلَةُ الوَفَاءِ شِعَارًا ... لِلْوِئَامِ الفَقِيدِ، عَوْدًا لِرُشْد
وَحِفَاظًا عَلَى أَمَانٍ تَغَنَّى ... بِهِ مُفْدِي فِي شِعْرِهِ قَبْلَ فَقْد
بَارَكَ اللهُ فِي الجَمِيعِ وَأَلْقَى ... رَحْمَةً فِي القُلُوبِ رَحْمَةَ وُدّ
بني يزقن ربيع الأول1436هـ
الموافق لـ ديسمبر 2014م (1/218)
صفحة 219
أهل الله وخاصته
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة
من تاريخ: 20 شعبان 1436 هـ / 08 جوان 2015 م
إلى تاريخ: 15 شعبان 1436 هـ / 22 ماي 2016 م
1. 0 ... الحاج مسعود سلمى بنت عبد الحميد ... 20 شعبان 1437 هـ ... القرارة
بن مسعود ... 08 - 06 - 2015 م
2. ... باعماره بكير بن مصطفى بن محمد ... 22 شعبان 1436هـ ... مليكة ... 10 - 06 - 2015 م
3. ... فخار سارة بنت بكير بن محمد ... 28 شعبان 1436 هـ ... القرارة ... 15 - 06 - 2015 م
4. ... أبو العلا رقية بنت أحمد بن قاسم ... 03? 1436هـ ... القرارة ... 20 - 06 - 2015 م
5. ... كفوس سليمان بن حمو بن علي ... 15? 1436هـ ... القرارة ... 02 - 07 - 2015م
6. ... بكوش نادية بنت صلاح الدين بن عمر ... 24? 1436هـ ... القرارة ... 11 - 07 - 2015 م
7. ... الشيخ أحمد إيمان بنت يحيى بن أحمد ... 29? 1436 هـ ... القرارة ... 15 - 07 - 2015 م
8. ... ناصر أنس بن يحي بن محمد ... 10? 1436 هـ هـ/26 - 07 - 2015م ... (1/219)
صفحة 220
القرارة
9. ... ابن عيسى سليمة بنت أحمد بن حمو ... 12? 1436 هـ ... القرارة ... 28 - 07 - 2015 م
10. ... أبي اسماعيل احجوجة لطيفة بنت محمد ... 22? 1436 هـ ... القرارة ... بن الحاج عيسى ... 07 - 08 - 2015 م
11. ... حفار أسماء بنت عبد الحميد بنت إبراهيم ... 24? 1436 هـ ... القرارة ... بن باحمد ... 10 - 08 - 2015 م
12. ... بسيس إلياس بن مسعود بن يوسف ... 28 ? 1436 هـ هـ/31 - 08 - 2015م ... القرارة
13. ... بولرواح خولة بنت مصطفى بن بكير ... 03 ذو القعدة 1436 هـ ... القرارة ... 18 - 08 - 2015 م
14. ... حموده محمد العلمي بن جمال ... 04 ذو القعدة 1436 هـ هـ/19 - 08 - 2015م ... القرارة ... بن إبراهيم
15. ... الحاج عشور عبيد بن أحمد بن الناصر ... 09 ذو القعدة 1436 هـ هـ/24 - 08 - 2015م ... القرارة
16. ... رشوم محمد بن مصطى بن حمو ... 13 ذو القعدة 1436 هـ هـ/28 - 08 - 2015م ... بريان
17. ... خرفي حفيظة بنت بكير بن أحمد ... 15 ذو القعدة 1436 هـ ... القرارة ... 30 - 08 - 2015 م
18. ... سليمان بوعصبانة أسيا بنت أحمد ... 16 ذو القعدة 1436 هـ ... القرارة ... بن قاسم ... 31 - 08 - 2015 م
19. ... بوقرينات جويرية بنت الهاشمي بن عيسى ... 17 ذو القعدة 1436 هـ ... القرارة ... 01 - 09 - 2015 م
20. ... خرفي سندس بنت محمد بن أحمد ... 17 ذو القعدة 1436 هـ ... القرارة ... 01 - 09 - 2015 م
21. ... الوارث بكير بن مصطفى بن بكير ... 24 ذو القعدة 1436 هـ هـ/08 - 09 - 2015م ... القرارة
22. ... الراعي جابر بن بكير بن إبراهيم ... 24 ذو القعدة 1436 هـ هـ/08 - 09 - 2015م ... القرارة
23. ... ابن الشيخ يسين بن عبد الله بن إبراهيم ... 01 ذو الحجة 1436 هـ هـ/15 - 09 (1/220)
صفحة 221
- 2015م ... القرارة
24. ... ابن الشيخ يوسف بن صالح بن عمر ... 04 ذو الحجة 1436 هـ هـ/18 - 09 - 2015م ... القرارة
25. ... رمضاني أفلح بن البشير بن يونس ... 08 ذو الحجة 1436 هـ هـ/21 - 09 - 2015م ... القرارة
26. ... حميد أوجانة سيرين بنت عبد العزيز ... 12 ذو الحجة 1436 هـ ... القرارة ... بن الحاج محمد ... 26 - 09 - 2015 م
27. ... ناصر يوسف الأمين بن إبراهيم بن الناصر ... 18 ذو الحجة 1436هـ ... القرارة ... 01 - 10 - 2015م
28. ... جهلان يسين بن قاسم بن عمر ... 19 ذو الحجة 1436هـ ... القرارة ... 02 - 10 - 2015م
29. ... الراعي شيماء بنت محمد بن قاسم ... 18 ذو الحجة 1436 هـ ... القرارة ... 02 - 10 - 2015 م
30. ... ابن عمر غنية بنت عمر بن إبراهيم ... 24 ذو الحجة 1436 هـ ... القرارة ... 08 – 10 – 2015 م
31. ... عبد النور أحمد بن صالح بن أحمد ... 25 ذو الحجة 1436 هـ ... غرداية ... 08 - 10 - 2015م
32. ... قري إلياس بن صالح بن بكير ... 28 ذو الحجة 1436 هـ ... القرارة ... 12 – 11 - 2015 م
33. ... خياط سارة بنت مصطفى بن محمد ... 28 ذو الحجة 1436 هـ ... القرارة ... 11 – 10 - 2015 م
34. ... خرفي حمزة بن يوسف بن قاسم ... 30 ذو الحجة 1436 هـ ... القرارة ... 14 - 10 - 2015م
35. ... الشيخ بالحاج عائشة الحاج بكير بن يحيى ... 04? 1437 هـ ... القرارة ... 18 – 10 – 2015 م
36. ... أبي اسماعيل احجوجة عقيلة بنت عبد العزيز بن عيسى ... 10 ? 1437هـ ... القرارة ... 24 – 10 – 2015 م
37. ... حفار عزيزة بنت أعمارة بن عيسى ... 15? 1437 هـ ... القرارة ... 29 أكتوبر 2015 م
38. ... بعاج أسماء بنت عمر بن باحمد ... 27? 1437 هـ ... القرارة ... 10 نوفمبر 2015 م (1/221)
صفحة 222
39. ... بسيس حليمة بنت بكير بن عمر ... 02? 1437 هـ ... القرارة ... 14 – 11 - 2015
40. ... خياط عائشة بنت إبراهيم بن يوسف ... 05? 1437 هـ ... القرارة ... 17 – 11 - 2015
41. ... أبو العلا خولة بنت أحمد بن قاسم ... 05?1437 هـ ... القرارة
17 – 11 - 2015
42. ... حمدي صالح بن قاسم بن محمد ... 10 ?1437 هـ ... القرارة ... 22 - 11 - 2015م
43. ... الشيخ بالحاج حفيظة بنت يوسف ... 14? 1437 هـ ... القرارة ... بن أحمد ... 26 – 11 - 2015
44. ... الشيهاني إبراهيم بن حمو بن عيسى ... 26 ?1437 هـ ... القرارة ... 08 - 12 - 2015م
45. ... عبد الرحمن الحاج امحمد بن بكير ... 28 ?1437 هـ ... القرارة ... بن عمر ... 10 - 12 - 2015م
46. ... تامجرت محمد علي بن سعيد بن إبراهيم ... 06 ?1437 هـ ... القرارة ... 18 - 12 - 2015م
47. ... حريز إلياس بن أحمد بن يوسف ... 07 ?1437 هـ ... القرارة ... 19 - 12 - 2015م
48. ... الأطرش راضية بنت عبد العزيز بن بكير ... 09 ?1437 هـ ... القرارة ... 21 - 12 – 2015
49. ... أوعيسى سكوتي يسين بن عبد الحميد ... 10 ?1437 هـ ... مليكة ... بن عمر ... 22 – 12 - 2015م
50. ... باي أحمد خرناش حفيظة بنت إبراهيم ... 12 ?1437 هـ ... القرارة ... بن صالح ... 24 - 12 – 2015 م
51. ... ابن عمور خولة بنت بنوح بن بكير ... 14 ?1437 هـ ... القرارة ... 26 - 12 – 2015 م
52. ... الحاج عيسى فخار يوسف بن محمد ... 16 ?1437 هـ ... مليكة ... بن عبد الرحمن ... 28 - 12 - 2015م
53. ... تاوريرت رضوان بن أحمد بن بكير ... 17 ?1437 هـ ... القرارة ... 29 - 12 - 2015م (1/222)
صفحة 223
54. ... ابن عمر فافة بن عمر بن محمد ... 04 ?1437 هـ ... القرارة ... 14 - 01 – 2016 م
55. ... حميد أوجانة هناء بنت أحمد بن سليمان ... 11 ?1437 هـ ... القرارة ... 21 - 01 – 2016 م
56. ... احماني فردي هاجر بنت بهون بن باحمد ... 13?1437 هـ ... القرارة ... 23 - 01 - 2016 م
57. ... شريفي بالحاج بن يوسف بن بالحاج ... 16 ?1437 هـ ... القرارة ... 26 - 01 - 2016م
58. ... بهون علي كنزة بنت بهون بن باعلي ... 18?1437 هـ ... القرارة ... 28 - 01 - 2016 م
59. ... بوراس زايد بن إبراهيم بن اسماعيل ... 21 ?1437 هـ ... القرارة ... 31 - 01 - 2016م
60. ... باي أحمد يسين بن محفوظ بن محمد ... 24 ?1437 هـ ... مليكة ... 03 – 02 - 2016م
61. ... عبد اللاوي اخميرة مارية بنت بكير ... 02 ?1437 هـ ... القرارة
بن إبراهيم ... 11 - 02 – 2016 م
62. ... حمدي إلياس بن قاسم بن سعيد ... 04 ?1437 هـ ... القرارة ... 13 - 02 - 2016م
63. ... الكيوص ليلى بنت عمر بن الناصر ... 16 ?1437 هـ ... القرارة ... 25 - 02 - 2016 م
64. ... الشيخ بالحاج حمزة بن عمر بن بكير ... 18 ?1437 هـ ... القرارة ... 27 - 02 - 2016م
65. ... بوراس الربيع بن عيسى بن محمد ... 23 ?1437 هـ ... القرارة ... 03 - 03 - 2016م
66. ... بازين ياسر بن صلاح الدين بن حمو ... 28 ?1437 هـ ... غرداية ... 08 - 03 - 2016م
67. ... حشحوش حفيظة بنت يحيى بن إبراهيم ... 04 ?1437 هـ ... القرارة ... 13 - 03 – 2016 م
68. ... ثمينة عبد الرزاق بن محمد بن عبد القادر ... 07 ?1437 هـ ... وارجلان ... 16 - 03 - 2016م (1/223)
صفحة 224
69. ... ابن صالح مريم بن يوسف بن باحمد ... 06 ?1437 هـ ... القرارة ... 15 - 03 – 2016 م
70. ... سليمان بوعصبانة مارية بنت بشير بن محمد ... 08 ?1437 هـ ... القرارة ... 17 - 03 – 2016 م
71. ... الشيخ أحمد هاجر بنت محمد بن باحمد ... 09 ?1437 هـ ... القرارة ... 18 - 03 – 2016 م
72. ... حمودي رحمة بنت عمر بن صالح ... 10 ?1437 هـ ... القرارة ... 19 - 03 – 2016 م
73. ... حشحوش وهيبة بنت كمال بن محمد ... 15?1437 هـ ... القرارة ... 24 - 03 – 2016 م
74. ... الأطرش إبراهيم بن عبد الرحمن ... 16 ?1437 هـ ... بريان ... بن إبراهيم ... 25 - 03 - 2016م
75. ... الحاج مسعود وهيبة بنت عبد الرحمن ... 17 ?1437 هـ ... القرارة ... بن محمد ... 26 - 03 – 2016 م
76. ... مجاهد إلياس بن أحمد بن محمد ... 19 ?1437 هـ ... القرارة ... 28 - 03 - 2016م
77. ... أوجانة صبرينة بنت محمد بن أحمد ... 02 ? 1437 هـ ... القرارة ... 10 أقريل 2016 م
78. ... الحاج عشور أمال بنت محمد بن موسى ... 04 ? 1437 هـ ... القرارة ... 12 أقريل 2016 م
79. ... كرشوش راضية بنت أحمد بن حمو ... 06 ?1437 هـ ... القرارة ... 14 أقريل 2016 م
80. ... الحاج عشور آمنة بنت نور الدين بن الناصر ... 13? 1437 هـ ... القرارة ... 21 أقريل 2016 م
81. ... حريز عشو بنت إبراهيم بن محمد ... 15 ? 1437 هـ ... القرارة
23 أقريل 2016 م
82. ... محمدي علي بن بكير بن عمر ... 16 ?1437 هـ ... القرارة ... 24 - 04 - 2016م
83. ... تامجرت آسية بنت سعيد بن محمد ... 22 ? 1437 هـ ... القرارة ... بن قاسم ... 30 أقريل 2016 م (1/224)
صفحة 225
84. ... نجار زكرياء بن مصطفى بن حمو ... 03 شعبان 1437 هـ ... مليكة ... 10 - 05 - 2016م
85. ... سليمان بوعصبانه قاسم بن بكير بن قاسم ... 05 شعبان 1437 هـ ... القرارة ... 12 - 05 - 2016م
86. ... الكيوص عبد المجيد بن أحمد بن الناصر ... 10 شعبان 1437 هـ ... القرارة ... 17 - 05 - 2016م
87. ... امعيز الحاج أحمد رستم بن عمر بن داود ... 14 شعبان 1437 هـ ... مليكة ... 21 - 05 - 2016م
88. ... بوراس طارق بن نور الدين بن محمد ... 15 شعبان 1437 هـ ... القرارة
22 - 05 - 2016م
الرحمنالرحمنالرحمنالرحمنالرحمنالرحمنالرحمنالرحمن
فهرس مواضيع دورية الحياة
من سنة 1427هـ/2006م إلى سنة 1436هـ/2015م
العدد العاشر
رمضان 1427هـ/أكتوبر 2006م
عنوان المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحية ... د/صالح بن عبد الله أبو بكر ... 05
قبل البدء، عددٌ عاشر ٌ، ومرحلةٌ عاشرة ... أ/ محمد بن أحمد جهلان ... 12
من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة ... د/ محمد بن موسى باباعمي ... 18
الشيخ بيُّوض وصلاحيَّة الخطاب لزمانه ومُستقبَل الأجيال البعيد ... أ/ محمد بن سليمان أبو العلا ... 30
الشيخ حمُّو بن عُمر فخَّار وفكرُه السياسي ... د/صالح بن عبد الله أبو بكر ... 48
الحركة الإصلاحيَّة في ميزاب تحت مجهر الإدارة الفرنسية ... أ/ ابن عمر الحاج موسى بن بكير ... 73
الاستثمار المحلِّي وسياسة الاعتماد على الذات (بلدية القرارة نموذجًا) ... أ/ محمد بن صالح حمدي ... 91
منهجُ العدِّ والإحصاء وأهميتُه في العلوم الإجتماعية ... أ/ بشير بن الحاج عمر مرموري ... 104
منهجُ التخريج العلميِّ للحديث (دراسة تطبيقية) ... أ/ صالح بن محمد حمدي ... 118
الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العُماني الحديث ... / محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 139 (1/225)
صفحة 226
فنُّ الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان ... د/ محمد زغينة ... 157
الشيخ عدُّون في سطور ... 183
الشيخ عدُّون الأستاذُ المربِّي ... د/ محمد بن صالح ناصر ... 189
آخرُ ما قاله الشيخ عدُّون ... أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... 205
الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين ... د/ مصطفى بن صالح باجو ... 231
الشيخ عدُّون معدنُ التجديد والتطوير ... د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 255
الشيخ عدُّون وجمعيةُ قدماء التلاميذ ... أ/ محمد بن سليمان أبو العلا ... 262
سِيَر الوسياني، دراسة مجموعة الوسياني وتحقيق الجزء الأول منها. ... د/ عمر بن لقمان حمو سليمان بوعصبانة ... 274
الجريمةُ السياسية بين الفقه الإسلاميِّ والقوانين الوضعية ... د/ صالح بن عبد الله أبو بكر ... 288
الهجرة مفهومٌ وحقيقة ... أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... 299
في وداع رمضان ... د/ محمد بن صالح ناصر ... 309
«عدُّونُنا» فوق السِّمَاكِ الأعزل ... أ/ عيسى بن سليمان قرقر ... 311
«أهلُ الله وخاصَّتُه»؛ المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة ... 314
فهارس الأعداد التسعة السابقة من دورية الحياة ... 320
دورية الحياة مجلَّة فكرية مُحكَّمة ... 333
العدد الحادي عشر
رمضان 1428هـ/أكتوبر 2007م
عنوان المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحية ... د/محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... خ
كيف نُعلِّم العقيدة في المدارس القرآنية؟ ... / مصطفى بن الناصر وينتن ... 01
بيداغوجيا التدريس والتقويم في العلوم الشرعية (مادة الفقه المقارن نموذجا) ... د/ محمد دباغ ... 22
كيف تُلقي درسًا وعظيًّا في العقيدة؟ (الخلود نموذجًا) ... أ/مصطفى بن محمد شريفي ... 30
المجتمع المزابي ونَسق القيم، من ضبطية التغيُّر إلى تغيُّر الضبط ... د/ عبد العزيز بن محمد خواجة ... 55
التنشئة السياسية، أولوية حضارية ومستقبلية ... أ/ قاسم بن حمُّو حُجاج ... 81
موقف سُكان وادي مزاب من التجنيد الإجباري في الجيش الفرنسي ... أ/ الحاج بن باحمد ناصر (1/226)
صفحة 227
103
كيف نتعامل مع التراث؟ ... د/ محمد بن قاسم ناصر
بوحجام ... 123
الحياة الثقافية بمنطقة أريغ، من القرن الرابع إلى السادس للهجرة ... د/ عمر بن حمو سليمان بوعصبانة (لقمان) ... 141
العُمانيون ونشر الإسلام والثقافة العربية في شرق إفريقيا ... أ/ زياد بن طالب المعولي ... 161
المنهج الإسلامي في التوازن بين واجبات المسلم المعاق واحتياجاته الخاصة ... د/ مصطفى بن صالح باجو ... 184
آثار النهضة العلمية التونسية في فكر الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب ... أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ... 209
فقه المال العام عند الإباضية (الحلقة الأولى) ... أ/ محمد بن صالح حمدي ... 221
كتاب «شرح أصول الدين» للشيخ اطفيش دراسة وتحقيق القسم الأول ... (أطروحة دكتوراه) د/ مصطفى بن الناصر وينتن ... 231
تعليمية النص القرآني في إطار التكوين الجامعي المتخصص في اللغة العربية وآدابها ... (أطروحة دكتوراه) د/ يحيى بن صالح بوتردين ... 238
حياة من أجل القرآن .. ! ... أ/ الشيخ صالح بن أحمد حدبون ... 255
خطبة العدد: خطبة عيد الفطرالمبارك 1427 هـ /2006م ... أ/ الشيخ يوسف بن سليمان كرشوش ... 263
عميد التاريخ الوطني ... د/ محمد بن صالح ناصر ... 270
فجر الكرامة ... د/ مصطفى بن صالح باجو ... 274
هل يُضير نُباحٌ نَجمَةً سَطَعَت؟ ... أ/ الشيخ صالح بن إبراهيم باجو ... 277
أفارسٌ أم حمَّارٌ؟ ... د/ مصطفى محمد الغماري ... 280
إلى أستاذي الأديب؛ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... يوسف بن أحمد أمبوعلي ... 283
إلى إخواني الطلبة ... محمد بن بكير الشيخ بالحاج ... 296
«أهلُ الله وخاصَّتُه»؛ المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة ... 299
العدد الثاني عشر
رمضان 1429هـ/ سبتمبر 2008م
المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحية ... د/مصطفى بن صالح باجو ... ذ (1/227)
صفحة 228
مسيرة الإباضية مع القرآن ... د/ إبراهيم بن بكير بحاز ... 14
إعجاز الهداية في القرآن الكريم ... أ/ الشيخ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... 22
معالم قرآنية لتحقيق ميثاق الوحدة الإسلامية ... د/مصطفى بن صالح باجو ... 31
التوثيق؛ واجب شرعي ومهمة اجتماعية واقتصادية ... د/ صالح بن عبد الله أبوبكر ... 57
فقه المال العام عند الإباضية (الحلقة الثانية) ... د/ محمد بن صالح حمدي ... 72
مقاربة منهجية للتنظير الفقهي ... أ/ عيسى بن محمد بوراس ... 86
البدائل الحديثة في استثمار الأوقاف ... أ/ محمد بن قاسم حدبون ... 107
مزاب في العهد العثماني (1510م ــــــ 1830) ... أ/ الحاج موسى بن بكير ابن عمر ... 121
الحقائق الحضارية حول كتاب آراء الخوارج الكلامية (دراسة نقدية) ... د/ موسى بن إبراهيم حريزي ... 144
وثائق الأرشيف التونسي المتعلقة بجماعة بني ميزاب ... (1881 ــــ 1956) ... أ/ بالحاج بن باحمد ناصر ... 182
فهرسة المكتبات والمخطوطات في وادي ميزاب (دراسة وتحليل) ... أ/ مصطفى بن محمد ابن ادريسو ... 192
الهوية في شعر مفدي زكرياء ... د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 220
مذكرات البكري «الشيخ عبد الرحمن بن عمر بكلي» (قراءة منهجية) ... د/ محمد بن موسى باباعمي ... 242
المحافظون والمجددون في الحركة الإصلاحية الجزائرية ... ... أ/ عزيز كعواش ... 261
الأسس الفكرية للنهضة الإصلاحية بوادي ميزاب ... أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ... 299
توازن الموازنة العامة، دراسة مقارنة بين الفكر المالي الإسلامي والوضعي ... (أطروحة دكتوراه) د/ محمد بن صالح حمدي ... 312
منهج هود بن محكَّم الهواري في التفسير ... (أطروحة دكتوراه) د/ سعاد زغيشي ... 318
رسالة من الشيخ سعيد شريفي الشيخ عدُّون، إلى الإمام الشيخ إبراهيم ... بن عمر بيوض (مؤرخة بسنة 1376هـ/1956م) ... 323
السيدات والأوانس، وأوجاع الثامن مارس ... أ/ الشيخ نورالدين بن بكير الأطرش ... 331
مهرجان القرآن ... أ/ الشيخ صالح بن إبراهيم باجو ... 337
يا حافظ القرآن شمر برسالة ... د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 341
«أهلُ الله وخاصَّتُه»؛ المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة ... 343 (1/228)
صفحة 229
العدد الثالث عشر
رمضان 1430هـ/ سبتمبر 2009م
عنوان المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحية ... د/يحيى بن صالح بن يحيى ... ذ
إصلاح الأنفس بالقرآن وليس بتغيير الإنسان! ... د/ محمد بن صالح ناصر ... 12
مدلول كلمة "حرب " في القرآن الكريم ... أ/ الشيخ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... 25
خصائص تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض ... د/ نادية الوزناجي ... 35
المضمون الإسلامي في الشعر الجزائري الحديث ... د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 50
البعد العقدي والحضاري للفن (قراءة تحليلية في فكر بيجوفيتش ومالك بن نبي) ... د/ محمد بن موسى باباعمي ... 80
فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكِّمة ... (الحلقة الأولى) ... د/ موسى بن إبراهيم حريزي ... 92
فقه المال العام عند الإباضية (الحلقة الثالثة: عند فقهاء إباضية المشرق) ... د/ محمد بن صالح حمدي ... 122
محطات في تاريخ بلدة القرارة (الحلقة الأولى: زمن التأسيس) ... أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ... 135
مقياس "علم الاجتماع الإسلامي" في الجامعة الجزائرية .... ... د/ عبد العزيز خواجة ... 143
التعليم القرآني في الزوايا والمدارس القرآنية بين الواقع والمأمول .... ... د/ رابح دفرور ... 160
قراءة سوسيوأخلاقيةلمنظومة قيم التدريس ... أ/ بشير بن الحاج عمر مرموري ... 173
أهمية توثيق عقد الزواج، ومخاطر الزواج العرفي على الأسرة والمجتمع ... د/ صالح بن عبد الله أبو بكر ... 196
الحماية القانونية المتميِّزة للأملاك الوقفية في الجزائر ... أ/ عيسى بن محمد بوراس ... 213
في الذكرى العشرين لرحيل شيخ الشباب وشاب الشيوخ (الشيخ إبراهيم قرادي) ... أ/ يحيى بن بهون حاج امحمد ... 226
قراءة في رسالة مهرجان الوفاء ... أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ... 239
الأطعمة المُصنَّعة الحديثة، بين التأصيل الشرعي والتحليل العلمي ... (أطروحة دكتوراه) ... 244 ... د/ باحمد بن محمد ارفيس
القضايا الوطنية والعربية والإسلامية من منظور أعلام ميزاب (1902 ــــ 1962) ... (أطروحة دكتوراه) د/ الحاج موسى بن بكير ابن عمر ... 257
خطاب الشيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض في مؤتمر قدماء التلاميذ بغرداية ... تسجيل وتقديم الأستاذ (1/229)
صفحة 230
الشيخ: بالحاج بن سعيد شريفي ... 273 ... (مؤرخ بـ 29/ 11/1373 - 29/ 07/1954)
تحية لوادي ميزاب ... د/ عبد الله بن راشد السيابي ... 290
تحية الجزائر لسلطنة عُمان ... أ/ الشيخ صالح بن إبراهيم باجو ... 294
اعتراف بالمقام ... د/ مبروك زيد الخير ... 297
محمد عاشق السواد ... ! (نثر) ... د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 302
«أهلُ الله وخاصَّتُه»؛ المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة ... 310
العدد الرابع عشر
رمضان 1431هـ/ سبتمبر 2010م
المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحية ... د/قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ... ر
الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش حياته وجهوده العلمية ومواقفه الوطنية ... د/ بلقاسم شتوان ... 13
قراءة في نماذج من مُراسلات القطب إلى أهل عُمان (الحلقة الأولى) ... أ/ مصطفى بن محمد شريفي ... 22
الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش فقيها (الحلقة الأولى) ... د/ مصطفى بن صالح باجو ... 51
القضية الفلسطينية عند الشيخ أبي إسحاق من خلال مجلة المنهاج ... د/ صالح بن عبد الله أبو بكر ... 69
من تاريخ جماعة بني يزجن ... أ/ مصطفى بن الحاج بكير حمُّودة ... 91
محطات في تاريخ بلدة القرارة (الحلقة الثانية: الحياة العلمية قبل القرن العشرين) ... أ/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ... 118
أهمِّية الجمعيات الأدبيَّة في إعداد الطالب الناجح ... د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 132
الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر ... الطالب: علي بن أحمد موسى وعلي ... 149
فن كتابة السيرة النبوية للأطفال ... أ/سعيد بن يحيى بهون علي ... 167
فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكِّمة .... (الحلقة الثانية) ... د/ موسى بن إبراهيم حريزي ... 183
أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب الإسلامي ... د/ ساعد خميسي ... 213
نظرة على السفن الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط في عهودها الذهبية ... أ/ بكير بن عيسى بوعروة ... 237 (1/230)
صفحة 231
الأستاذ الشيخ قاسم بن موسى بن عمر بكُّوش ... أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... 246
الفتى الثائر رمضان حمُّود وجهاده الفكري في الذكرى الثمانين لوفاته ... أ/ خضير بن بكير باباوعمر ... 253
معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر ... ... (أطروحة دكتوراه) د/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ... 268
جمعياتنا وترسيخ القيم ... رسالة الدكتور صالح خرفي إلى الجمعية العامة لجمعية التراث (مؤرخة بـ 02 رجب 1410 – 29 جانفي 1990) ... 279
على وقع خطى مالك بن نبي من سمات النخلف إلى بذور الحضارة ... د/ محمد موسى باباعمي ... 283
القرآن دستور ومنهج حياة ... الطالبة: زينب بنت إبراهيم بن أحمد أبو بكر ... 290
رسالة من الطفل الفلسطيني ... د/ محمد بن قاسم ناصر
بوحجام ... 299
من وحي وثيقة المصالحة بين أهالي بريان ... أ/ الشيخ صالح بن الحاج إبراهيم باجو ... 304
المجد أنت .. قطب الأئمَّة ... د/ مصطفى بن صالح باجو ... 306
تربة الطيبين ... أ/ مسعود بن بالحاج خرَّازي ... 309
الحسد .... الداء والدواء ... أ/ الشيخ نورالدين بن محمد قُرِّي ... 311
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1430ــــ 1431/ 2009 ــــ 2010) ... 317
العدد الخامس عشر
رمضان 1432هـ / أوت 2011م
المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحية ... د/مصطفى بن الحاج بكير حمُّودة ... ر
الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم (تحريم الربا) ... أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... 13
الإشراف وأثرُه في تفعيل حلقات تحفيظ القرآن الكريم ... أ/ رابح دفرور ... 47
الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش فقيهًا (الحلقة الثانية) ... د/ مصطفى بن صالح باجو ... 57
فقه المال العام عند الإباضيَّة (الحلقة الثالثة: عند فقهاء إباضيَّة المشرق) (ج 2) ... د/ محمد بن صالح حمدي ... 81
الرياضة البدنيَّة من وجهة نظر شرعيَّة (المصالح والمفاسد) ... أ/ رستم بن عيسى إتبيرن ... 91
اللغة العربيَّة والفكر العالمي ... د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 109 (1/231)
صفحة 232
رمزيَّة النخلة في أدبيَّات الشاعر محمد صالح ناصر ... أ/ محمَّد بن أحمد جهلان ... 134
فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكِّمة .... (الحلقة الثالثة) ... / موسى بن إبراهيم حريزي ... 160
نظرات في عوائق انتشار الفكر الإباضي ... أ (ة) / سناء مهنِّي الباروني ... 189
القانون الجديد المتعلِّق بعمليَّات التحقيق العقاري وتسليم سندات الملكية ... ... د/ صالح بن عبد الله أبو بكر ... 194
القِراض بالمحل التجاري (وجهة نظر أخرى) ... د/ خالد بن محمد بابكر ... 201
عقوبة الإعدام؛ بين الجدل الفقهي والتشريعات الجنائيَّة ... أ/ حمو بن إبراهيم فخَّار ... 212
جيل طلبة القُطب ودورهم في الإصلاح بوادي ميزاب ... د/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ... 232
قراءة في نماذج من مُراسلات القُطب إلى أهل عُمان (الحلقة الثانية) ... أ/ مصطفى بن محمد شريفي ... 246
أبو زكرياء فصيل بن أبي مِسْوَر ودورُه في جزيرة جربة ... أ (ة) / حنان الحسين الطرابلسي ... 266
الفكر العقدي عند الشيخ بيُّوض، منهجُه وأبعاده ... (أطروحة دكتوراه) د/ حمُّو بن عيسى الشيهاني ... 285
دراسة وتحقيق لكتاب تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين ... ... (أطروحة دكتوراه) د/ عمر بن إسماعيل آل حكيم ... 297
مفدي زكريَّاء وإنتاجُه الأدبي في مرحلة ما قبل الثورة ... (أطروحة دكتوراه) د/ مصطفى بن الحاج بكير حمودة ... 305
احتفال المعاهد الحرَّة بميزاب بيوم العلم: السبت 12 جمادى الأولى 1432هـ /16 أفريل 2011 م ... أ/ مصطفى بن قاسم كَارَه ... 314
في رثاء العلاَّمة النَّاصر بن محمَّد المرموري ... د/ عبد الله بن راشد السيابي ... 318
وقفة إجلال وترحُّم على الغائب الحاضر الشيخ النَّاصر ... أ/ سليمان بن عمر دواق ... 320
فات الأوان ... يا ملِك الزمان! ... أ/ إدريس بن عمر علواني ... 322
خطبة عيد الأضحى المبارك (الثلاثاء 10 ذوالحجة هـ الموافق 16 نوفمبر 2010م) ... أ/ عيسى بن محمَّد الشيخ بالحاج ... 323
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1431ــــ 1432/ 2010 ــــ 2011) ... 332 (1/232)
صفحة 233
العدد السادس عشر
رمضان 1433هـ/ أوت 2012م
المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحيَّة ... أ/عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... ر
قواعد في البناء الحضاري ... أ. د/ محمَّد بن قاسم ناصر
بوحجَّام ... 17
البشرية الحائرة ودور العالِم، على ضوء السراج النبوي ... د/ محمَّد بن موسى باباعمِّي ... 29
سمات الدرس العقدي عند الشيخ إبراهيم بيُّوض ... د/ حمُّو بن عيسى الشيهاني ... 45
الصلح والوساطة في القانون الجزائري ... د/ صالح بن عبد الله أبو بكر ... 68
الفتوى بين التشدُّد والتيسير والاعتدال ... أ. د/ بلقاسم شتوان ... 78
مقدار ديَّة الخطأ بالعملات المتداولة ... د/ محمد بن صالح حمدي ... 94
حكم نكاح مزنية الرجل ومزنية غيره (دراسة مقارنة بين الفقه الإباضي والمالكي) ... الباحث/ إدريس بن بابه باحامد ... 101
الاستعارة القرآنية؛ أثرها النفسي وجمالها البلاغي ... أ (ة) / زينب دوَّادي ... 125
شوقي وحافظ في ميزان الرافعي ... أ/ محمد لقدي ... 144
مصادر تاريخ إباضيَّة المغرب في العصور الوسطى. ... أ. د/ إبراهيم بن بكير بحاز ... 160
الشيخ سالم بن يعقوب، حياة رجل وتجربة جيل ... أ/ علي البوجديدي ... 170
قراءة في نماذج من مُراسلات القُطب إلى أهل عُمان (الحلقة الثالثة) ... أ/ مصطفى بن محمد شريفي ... 183
المشروع الثقافي للاستعمار الفرنسي في الجزائر ومقاومتُه في مِزاب ... د/ الحاج موسى بن بكير ابن عمر ... 202
كتاب بدءُ الإسلام وشرائع الدين للَّواب بن سلاَّم الإباضي ... ... أ (ة) / حنان الحسين الطرابلسي ... 217
قراءة تحليلية نقدية في شرح إسماعيل الجيطالي للمنظومة النونيَّة ... ... أ (ة) / سناء مهنِّي الباروني ... 232
منهج فقهاء الإباضية في التعامل مع السنَّة ... د/ قاسم بن عمر الحاج امحمد ... 240
الإمام الربيع بن حبيب ومُسندُه ... الباحث/ إبراهيم بن علي بولرواح ... 261
الزاوية وبُعد القبيلة في منطقة «توات» (رؤية سوسيولوجية) ... أ/ بوهناف عبد الكريم ـــ أ (ة) /باشيخ أسماء ... 275
العلاَّمة الشيخ ناصر بن محمد المرموري في علِّيين ... الأستاذ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... (1/233)
صفحة 234
286
في رثاء الشيخ النَّاصر بن محمَّد المرموري (قصيدة) ... الباحث/ رستم بن عيسى إتبيرن ... 295
المفهوم الغائب ... الباحث/ عيسى بن عمر الشيخ أحمد ... 298
التفسير الشفاهي وأثره في الإصلاح الحديث ... (أطروحة دكتوراه) د/ نادية الوزناجي ... 301
رسالة الشيخ بيُّوض إلى آل بريان «رسالة شكر وعرفان» ... عرض وتعليق أ/ محمد أحمد جهلان ... 304
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1432 ــــ 1433/ 2011 ــــ 2012) ... 317
العدد السابع عشر
رمضان 1434هـ/ أوت 2013م
عنوان المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحيَّة ... أ/صالح بن أحمد حدبون ... ز
القرآن أساس التجديد والاجتهاد، الشيخ بيوض إبراهيم نموذجا ... أ. د/ مصطفى بن صالح باجو ... 15
ولاية المرأة القضاء بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي ... د/ خالد بن مبارك الوهيبي ... 42
الرواية عند الإباضية وقاعدتي العرض على القرآن وعمل المسلمين مدونة أبي غانم الخراساني أنموذجا ... أ/ بدر بن سالم بن حمدان العبري ... 69
اللغة العربية ودورها في تنمية الذوق الأدبي (الحلقة الأولى) ... أ. د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 82
ثنائية العنف والرقة في القصيدة الثورية الجزائرية ديوان أطلس المعجزات لصالح خرفي القراري الجزائري نموذجا ... د/ حني عبد اللطيف ... 104
الترسل الأدبي في البيت الرستمي، مقاربة أسلوبية ... أ/ ناصر بوصوري ... 122
فقه المال العام عند الإباضية: فقه المال العام من خلال كتاب «المصنَّف» ... د/ محمد بن صالح حمدي ... 140
نظرية الربا، التماسك والاضطراب ... أ/ أبو نصر محمد شخار ... 155
البعثة العلمية الميزابية بتونس: أهداف وعوائق ... د/ مصطفى بن الحاج بكير حمودة ... 173
إصلاح ذات البين وتجربة المجتمع الميزابي الإباضي في الجزائر (الحلقة الأولى) ... د/ صالح بن عبد الله أبو بكر ... 189
الشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر وبناء الشخصية العلميَّة ... أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... (1/234)
صفحة 235
212
العلاَّمة أبو صفرة عبد الملك بن صفرة وكتابه «الجامع» ... أ/ إبراهيم بن علي بولرواح ... 233
الشيخ سالم بن يعقوب، حياة رجل وتجربة جيل (الحلقة الثانية) ... أ/ علي البوجديدي ... 249
تحية الوفاء لوادي العطاء ... أ. د/ عمرو أحمد علي التندميرتي ... 274
الحاج محمد بن عيسى بن عمارة خبزي (:) (1927 ـــــ 2013) ... أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... 284
سلام نفوسة ... د/ زياد بن طالب المعولي ... 297
اليوبيل الذهبي، (الذكرى الخمسون لاستقلال الجزائر) ... أ/ أحمد لزعل موسلمال ... 299
من وحي «أماه» للشهيد المغيَّب عمرو النامي، منه إليه ... أ. د/ عمرو أحمد علي التندميرتي ... 302
سيرة الأجداد ... الطالبة/ نانة بنت محمد زقاو ... 305
القواعد الفقهية عند الإباضية ... (أطروحة دكتوراه) د/ مصطفى بن حمُّو ارشوم ... 309
الأطروحات الناقدة والمناهضة للعولمة الأخيرة .... ... (أطروحة دكتوراه) د/ قاسم بن حمُّو حُجَّاج ... 316
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1433 ــــ 1434/ 2012 ــــ 2013) ... 326
العدد الثامن عشر
رمضان 1435هـ/ جويلية 2014م
عنوان المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحيَّة ... د/عمر بن حمُّو لقمان سليمان بوعصبانة ... ز
أسلوبُ الاستدراج الدعوي (الجزء الأول) ... أ. د/ عمرو أحمد علي التندميرتي ... 17
دَور الإفتاء في التقريب بين المذاهب الإسلامية «رسالة عمَّان» نموذجا (الجزء 01) ... د/ علي بن مبارك ... 38
ردُّ الشبهات عن رسالة عبد الله ابن إباض إلى عبد الملك بن مروان ... د/ إسماعيل بن صالح الأغبري ... 53
إصلاحُ ذات البين وتجربة المجتمع الميزابيِّ الإباضيِّ في الجزائر (الجزء الثاني) ... أ. د/ صالح بن عبد الله أبو بكر ... 72
صُور الحماية القانونية للأسرة في التشريع الجزائري ... أ/ حمو بن إبراهيم فخَّار ... 93
مسافةُ السفر؛ دراسة مقارنة بين المذهبين المالكي والإباضي ... أ/ أحمد بن صالح الشيخ أحمد ... (1/235)
صفحة 236
112
حركيَّة الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني ... د/ محمد بن موسى بابا عمي ... 127
أزمة القيم في ظلِّ التعدُّدية الثقافية للمجتمع وعلاقتها بظاهرة العنف ... أ/ إبراهيم بن حمو تامتلت ... 144
الأستاذ العنصرُ المهمُّ في عملية التدريس الجامعي؛ ... أ. د/ إبراهيم بن بكير بحاز ... 166
سبعُ سنبلاتٍ خُضرٍ .. ! أو فتنةُ ميزاب مقاربة من سورة يوسف ... أ. د/ محمد بن صالح ناصر ... 176
الميزابيون حُماةُ لُحمة ودُعاة وَحدة ... أ. د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام ... 191
رسالة الشيخ إبراهيم بيُّوض إلى الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش بشأن جهاده الوطني، ودوافع مشاركته في المجلس الجزائري (وثيقة العدد) ... أ/ محمد بن أحمد جهلان ... 201
الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش وجهوده الإصلاحيَّة ... أ/ معمَّر بن العربي شعشوع ... 214
جهود الدكتور محمد صالح ناصر ... د/ يحيى بن بهون الحاج امحمَّد ... 233 ... في تحقيق التراث الجزائري عنايتُه بالتراث الإباضي وتحقيقه (نموذجا)
نماذج من أسفار الشيخ عدُّون ورحلاته ... أ. د/ عمر بن حمُّو لقمان سليمان بوعصبانة ... 248
«مكتبة السيِّد»؛ معلمٌ من معالم العلم والمعرفة والثقافة بسلطنة عُمان ... أ/ إدريس بن بابه باحامد القراري ... 263
قراءةٌ في ديوان «مدُّوا الأيادي نتصالح» للشاعر الأمين أحمد ... أ/ مصطفى بن محمد ابن ادريسو ... 279
البابا يَجلِد ... ليُعمِّدَ علي وأحمد ... ! ... أ. د/ إبراهيم سعيود ... 295
الشهيد محمد بن يحيى بن يحيى عبد الرحماني (:) (1983 ـــــ 2013) ... أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... 305
تحيَّة إجلال إلى ميزاب وأبنائها الأبطال (شعر) ... سعادة الشيخ هلال بن سالم بن حمود السيابي ... 314
الدينُ يعرفُهم، والشمسُ والقمر! (شعر) ... أ/ أبو الحسن محمد بن أحمد بن سليمان الهنائي ... 317
من وحي الواقع (خاطرة) ... الطالبة/ نانة بنت محمد زقاو ... 319
حاشية على مختصر التفتازاني تأليف سليمان بن عبد الرحمن الجربي (دراسة وتحقيق) ... (أطروحة دكتوراه) د/ يحيى بن بهون الحاج امحمد ... 321
أصولُ الشرعية السياسيَّة وتطبيقاتها المعاصرة دراسة تأصيلية فقهية نقدية مقارنة في ضوء مقاصد (1/236)
صفحة 237
الشريعة الإسلامية ... (أطروحة دكتوراه) د/ صالح بن بشير بوشلاغم ... 331
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1434 ــــ 1435/ 2013 ــــ 2014) ... 344
العدد التاسع عشر
رمضان 1436هـ / جويلية 2016م
عنوان المقال ... الكاتب ... الصفحة
الافتتاحيَّة ... أ. د/محمَّد بن قاسم ناصر بوحجَّام ... ز
سلوكُ الدَّاعية ... فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم سعيد (كعباش) ... 15
الشيخ ناصر بن محمد المرموري ومنهجه في الدعوة ... أ. د/ محمد بن صالح ناصر ... 21
أسلوبُ الاستدراج الدعوي (الجزء الثاني) ... أ. د/ عمرو أحمد علي التندمِّيرتي ... 38
وادي ميزاب ... حضارةٌ تُصنع في صمت! ... د/ قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج ... 60
تجَّار مزاب في دار السلطان خلفيات الحضور الاقتصادي والنفوذ السياسي ... د/ الحاج موسى بن بكير بن عمر ... 73
فنُّ العمارة الإسلاميَّة بوادي ميزاب جنوب الجزائر ـــ دراسة في المكوِّنات الحضاريَّة والاجتماعيَّة ... د/ يحيى بن بهون الحاج امحمَّد ... 87
اللغة العربيَّة ودورها في تنمية الذَّوق الأدبي (الحلقة الثانية) ... أ. د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجَّام ... 112
دَور الإفتاء في التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة «رسالة عمَّان» نموذجا (الجزء02) ... د/ علي بن مبارك ... 134
حكم التعامل بالأسهم في شركات المساهمة (دراسة فقهيَّة معاصرة) ... أ/ أحمد بن صالح الشيخ أحمد ... 157
الدولة الدينيَّة والدولة المدنيَّة؛ إشكاليَّة المصطلح، والتأريخ، والنَّص ... أ / بدر بن سالم بن حمدن العبري ... 171
الشيخ الناصر المرموري؛ سيرةٌ عطرة، ومسيرةٌ زاهرة ... أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج ... 182
الشيخ الناصر المرموري في سطور ... 202
المقام الرابع من رسالة الشيخ بيُّوض إلى الشيخ أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش بشأن مشاركته في المجلس الجزائري، ومسألة الحماية الفرنسية على ميزاب (الحلقة: 02) ... أ/ محمد بن أحمد جهلان ... 203 (1/237)
صفحة 238
جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائرييِّن ــــ إباضيَّة ومالكيَّة ــــ تعاونٌ وتكاملٌ وتسامح من أجل الحفاظ على الهويَّة الوطنيَّة ... د/ صالح بن عبد الله أبو بكر ... 221
الحضور الإباضي في مدينة «باتنة» وضواحيها، منذ الدولة الرستمية حتى استرجاع الاستقلال الوطني ... أ/ خيري الرَّزقي ... 236
صدى اللجنة البرلمانية الموفدة إلى الجزائر سنة 1937في جريدة «الأمَّة» للشيخ إبراهيم أبي اليقظان ... أ/ خيري الرَّزقي ... 256
موسوعة التُّراث الفلكي العُماني القديم ... د/ محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي ... 270 ... وأثر الكواكب والنجوم على النشاط الإنساني
الشيخ محمد بن إبراهيم سعيد كعباش، وختمه تفسير آي البيان: ... (هيئة التحرير) ... 280 ... «نفحات الرحمن في رياض القرآن»
خطبة الأديب المغيَّب الدكتور عمرو خليفة النامي في رثاء الإمام الشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر ... 290
ذكرُك البلسمُ الشافي (شعر) ... د/ محمد بن صالح ناصر ... 296
الرائد المغمور! (الشيخ المربي الأستاذ صالح بن إبراهيم باجو) (شعر) ... أ/ مسعود بن محمد بن يحيى الجعدي ... 298
الحوار والتواصل وأثرهما في المجتمع المسلم ... الطالب/ إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علواني ... 301
الفكر اللغوي في عُمان من خلال: ... (أطروحة دكتوراه) د/ محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي ... 308 ... شرح مقاليد التصريف للشيخ المحقق الخليلي (دراسة وتحقيق)
الأسماء والأحكام عند الإباضيَّة ... (أطروحة دكتوراه) د/ مصطفى بن محمد شريفي ... 318 ... من خلال آراء الشيخ نورالدين السَّالمي (دراسة تأصيلية نقدية تطبيقية)
المستظهرون لكتاب الله العزيز بالقرارة (1435 ــــ 1436/ 2014 ــــ 2015) ... 329
- Vue sur La Priere ... Dr. Mohamed Aboulola ... 335
L’emotionnel Et Le Rationnel Dans La Priere En Islam
/ (1/238)