صفحة 1
الكتاب: مقالات مِن مجلة نزوى العُمانية عنوان المقال الشاعر العماني حميد بن عبدالله الجامعي (أبو سرور)
صدر في العدد الخامس
الكاتب محمد أحمد القضاء
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
الشاعر حميد بن عبدالله الجامعي من الشعراء العمانيين المجيدين في حركة الشعر العماني، واستطاع أن يشق طريقه رغم ظروفه وسط المصاعب وان يلحق بركب الشعراء حتى غدا من الشعراء المهمين في الساحة الشعرية عمان ونظرا لدوره في حركة الشعر العماني نوقشت في الجامعة الأردنية في نهاية شهر مايو 1995 رسالة ماجستير بعنوان "شعر حميد بن عبدالله الجامعي (أبوسرور) " للباحث العماني محمود بن مبارك بن حبيب السليمي وتناولت الدراسة حياة الشاعر وبينته وجاءت في مبحثين الأول: عني بدراسة البيئة العمانية تاريخا وحضارة واسهاما في مسيرة الحياة الفكرية والأدبية، وتحدث عن مدينة الشاعر سمائل باعتبار أن الوسط الذي ينشأ فيه الشاعر لابد أن يترك بصماته على نشأته وثقافته ونشاطه الفكري.
والثاني: درس فيه الشاعر ولادته ونشأته، وتعليما، ثم درس أغراضه الشعرية، الغزل والشعر القومي، والوطني، والرثاء، والفخر والشكوى والزهد والحكمة إضافة الى دراسة فنية تناول فيها بنية القصيدة واللغة والصور الشعرية والتشكيل الموسيقي.
تسعي هذه الدراسة الى اماطة اللثام، عن شخصية شعرية، كان لها حضور على الساحتين العمانية والعربية، وكان لشعرها أثر واضح في أبناء الجيل. ويعد الشاعر أبو سرور من أشهر الشعراء العمانيين المعاصرين، ليس بسبب الجوانب الفنية التي ينطوي عليها شعره، بل لشهرته حضوره المتميز في المهرجانات الشعرية لمنتديات الأدبية، سواء في عمان أو في بلاد العربية الأخرى، فإلى جانب تصدره تلبدت المنتدى الأدبي، والنادي الثقافي خل عمان، فإن له اسهامات واضحة في المهرجانات العربية الأخرى.
لقد عاش أبو سرور في فترة تشكل تحولا تاريخيا وحضاريا في عمان، ووقف شاهدا على جوانب التغيير الواضع بين عهود مختلفة، وعايش ثورات متعددة الاتجاهات، متشعبة الأيديولوجيات ويمثل نتاجه الشعري تراثا، يعبر عن قيم معنوية، وأفكار تحررية وتطلعات وطنية وقومية،
تعبر عن مسعى الشاعر، ودعوته الى إقامة كيان عربي قومي متماسك، يقوم على مبدأ التعاون والشورى بين الجمهور والقيادات.
واستفاد الباحث من المناهج النقدية، التراثية منها والمعاصرة، بما يتناسب والنصوص الشعرية، وحيثما اقتضت الحاجة في معالجة الموضوعات ودراسة البيئة وأثرها في تشكيل تجربة الشاعر، وفق السياق الاجتماعي، والمنهج الخارجي في دراسة الأدب. ولا يعدم افادته من المنهج الداخلي في تحليل بعض النصوص الشعرية.
وتغنى الشاعر أبو سرور بأهله وقومه ووطنه وأجاد وصف عراقة عمان حتى لقب بـ "عاشق عمان " وهذا ما نلمسه في قصياته "عمان المفاخر» التي يقول فيها:
سواك سلوانا لو محلا نجم والبدرا
فانك مجد الدهر والفوز بالأخرى
رضعنا لبان المجد منك على القنا
وطلنا على العليا وكان لها الفخرا
بلادي لا أدري بماذا أجيبها
إذا ساءلتني من صحائفها نشرا (1/1)
صفحة 2
أفوضي لها هذي النجوم قلائدا
ولو شئتها تعدادها لا يفي قدوا
بلادي أم الماجد ين وتاجهم
اذاقت قنا كسرى مناضلها كسرا
وتبقى قصائده الجميلة تجري بسهولة ويسر، وتبقى هذه الدراسة خطوة مهمة ومتواضعة في التعريف بشعر أبي سرور، وقد برز فيها أن مصادر التجربة الشعرية، لها أثر بعيد في تحديد اتجاهاته وموضوعاته الشعرية، وتعميق بعضها دون الآخر، وهذا ما يفسر لنا سر اهتمامه بغرض الفخر أو التغني بعمان، تاريخا وحضارة. كما تركت الميول السياسية في بداية حياته، لمساتها على قصياته، لا سيما تلك القصائد التي كتبها وهو بعيد عن الوطن، إثر نشاطه السياسي، حيث عبرت تلك القصائد عن إحساسه بالغربة المشوب بالحنين، والشعور بالمرارة من الأوضاع السياسية.
وليست مصادر التجربة الشعورية العامة وحدها التي تركت أثرها فيه، بل إن تجربته الحياتية الذاتية، بكر عافيها من صعوبة الحياة، وعنت الدهر معه، وقسوة الأيام عليه، كل ذلك انطبع على شعره، بحيث يستطيع الباحث أن يقرر أن شعره كان تعبيرا صادقا عن وطنا وعن حياته.
وعلى الرغم من مصادر تجربته المتعددة لكنه لا يصدر عن اتجاه أدبي، أو مدرسة بعينها، فالشعر عنده فطرة حاول صقلها بثقافة محدودة، تقتصر على الجانب التراثي والتمسك به، نأت - الى حد بعيد - عن متابعة فروع الثقافة، ومنجزات القصيدة الحديثة على المستوى العربي والعالمي. مما حرم قصيدته من الانعتاق من أسر الدوران في جدران المصدرية التراثية، وبالتالي ضاعت عل الأدب العماني فرصة استثمار امكانية شعرية كان يمكن أن تكون علامة في تطور الحركة الشعرية
الحديثة.
ويمكن القول إن الشاعر من المتفردين بين أبناء جيله، في طرح القضية القومية، الى جانب القضية الوطنية. وقد احتلت " فلسطين " مساحة واسعة في إبداعه الشعري، وهو متفرد أيضا بين أولئك الشعراء في دعوته الى اعتماد (الشوري) المستندة الى التراث، المستمدة من واقع الأمة العربية وحاجاتها في آن معا. وكان في قصائده الوطنية، صريحا مباشرا ولم يتستر بقناعات وأغطية.
كما عبر الشاعر عن مهاناته الوجدانية، بشكر واضح، ولم يأبه بما يصكه من كونه قاضيا فقيها، فصرح بحبا، وكشف الستار عن دخائل نفسه ومكنوناتها. فنادى المحبوبة، وناجى الطبيعة، وفي هذا الاتجاه تنازعه اتجاهان: اتجاه رومانسي، من حيث المعالجة الموضوعية ومناجاة الطبيعة والهروب اليها، وإشارات الى حالته النفسية البائسة، وان قصر الشاعر عن بلوغ هذه المرتبة ويأتي الاتجاه (الكلاسيكي) التراثي وسيلة الشاعر الفنية، التي يعتمدها للتعبير عن هذه الموضوعات.
أما مهنة التعليم التي مارسها فكان لها أكبر الأثر عل لغته الشعرية، التي تميزت بالسهولة والوضوح والمباشرة في الخطاب، بداعي ايصال الفكرة الى المتلقين في سهولة ويسر. كما أن الرؤية التقليدية للشعر، باعتبار وظيفته الاجتماعية كانت سببا آخر في تعامله مع اللغة تعاملا وظيفيا مما أوقعه - أحيانا كثيرة - في اقتصار استخدامه للجانب المعجمي من المفردات، دون استثمار ما في الكلمات من طاقات ايحائية.
ويعد الشاعر أبو سرور شاعرا مكثرا. وغزارة نتاجه الشعري أدت به الى تكرار معانيه وألمفاظه، فظل يعيد الفكرة المرة تلو الأخرى، فيقع في شرك تكرار المعاني في غير موضع من موضوعات قصائده. واتخذ الشاعر الأسلوب القصصي والحكائي، وسيلة من وسائل التعبير، بحيث جعله إحدى الوسائل التي كان يبث آراءه من وراثها، ويخفي صوته خلف جدارها، لتحقيق ماربه الذاتية والوطنية والقومية والاجتماعية. وقد أفاد من الموروث الشعبي في استيحاء قصصه، وان كان ذلك لا يعني ادراكه لشروط القصص الشعري وعناصره، وانما كان حسبه، أن يستثمر موروثه الشعبي والتراثي في صياغة قصصه، التي أغلب ما عالجته قضايا (1/2)
صفحة 3
سياسية واجتماعية.
ومع أن الشاعر معاصر، لكن ارتباطه بالتراث، ظل أقوى من المعاصرة، حين مضى يتمثل الصيغ والتراكيب الجاهزة، فنالت اهتمامه، وعمد الى ادخالها في قصيدته، على نمط من الانساق المرسومة، لكن الشاعر وان تثمل هذه الصيغ والتراكيب، إلا أنه لم يخضع لسيطرتها القاموسية إذ استطاع أن ينقل تجربته - بصدق - من خلالها. فهي في حقيقتها تنتمي الى التراث من جهة، وتنتمي الى الشاعر نفسه من جهة أخرى. وقد تجلى تأثره بالتراث من خلال عدة محاور تم رصدها في دراسة لغة الشاعر.
أما الصور الشعرية عنده فكانت قليلة، وكان يلجأ اليها بعفوية، دون أن يكد ذهنه، أو يشغل خياله في تشكيلها. وكانت الحياة والمرأة والطبيعة، هي الأساس الذي يستمد منه الشاعر صوره. وقد تبين أن المرأة والطبيعة استحوذت على النصيب الأكبر من تشكيي الصورة عنده. لا سيما حين يبث هذه الطبيعة أحزانه ويتقاسم معها آلامه.
ومن اللافت في شعر أبي سرور، كثرة تنقيحاته واصلاحاته في شعره، التي اتخذت أشكالا متعددة، وتباينت الأسباب حول هذه التنقيحات، وكانت رغبة الشاعر في الجدة ومسايرة الواقع سببا رئيسيا في ذلك. وتبين للباحث ان اهتمام الشاعر بشعره، وكثرة نقله من مخطوطة الى أخرى، ومداومة مراجعته مرة تلو أخرى، كانت هي الأخرى، أسبابا في التغيير والاصلاح. ومن هنا تباين نجاح الشاعر في إحداث هذا التغيير، فبينما نجح حين كان الاصلاح ناشئا عن اضطراب أو قلق في العبارة أو محاولة تكثيف انعني، نواه قد أخفق عند محاولته جعل القصيدة مسايرة للواقع المعاش، وتثمل ذلك في حذف أبيات من صلب القصيدة الرئيسية، وإضافة أبيات عديدة اليها، مما جعلها غريبة على جسم القصيدة الأولى.
ووصل الباحث من خلال دراسة شعر أبي سرور، إلى أن إقامة صلة بين الغرض الشعري والوزن أمر لا يمكن ان يؤخذ به، وأظهرت الدراسة أن أي بحر عروضي، قابل لأن يحتضن القصيدة في كل غرض من أغراضها، وأن الفرض الواحد يمكن أن ينتظم في سلك أي من الأوزان الخليلية.
كما أظهرت احصائيات شعر أبي سرور، أن الشاعر حصر أوزانا الشعرية في ثمانية بحور هي: البسيط - الكامل - الطويل - الوافر - الخفيف - المتقارب - السريع - الرجز - أي أنه استخدم نصف الأوزان العروضية، وانتظم شعره في جميع دوائر الشعر العربي. ومجيء معظم قصائد الشاعر على هذه البخور، ينسجم مع ما هو متعارف عليه من شيوع هذه البحوث في الشعر العربي القديم. وهنا يلاحظ تأثره بالشعر القديم، حين استمد ما تيسر له من مخزون ذهني في أوزانه، وعلى الرغم من التزام الشاعر القافية الموحدة بأنواعها المختلفة، إلا أن الباحث وجد الشاعر قد مال الى التنويع في قوافي بعض قصائده أو أناشيده على وجه الخصوص.
وأخيرا فان الشاعر قد طرق معظم أغراض الشعر العربي التقليدية، عدا المدح والهجاء، فإنه لم يتطرق اليهما. ولعل اعتداده بنفسه كان سببا في ابتعاده عن شعر المديح.
محمد أحمد القضاء (كاتب أردني) (1/3)
صفحة 4
عنوان المقال ابو مسلم البهلاني رائد الشعر العماني الحديث
صدر في العدد السادس
الكاتب محمد المحروقي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
يحتل أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني (ت 1920م) مكانا مميزا بين شعراء عصره في (عمان)، فلقد لقي من الإعجاب الجماهيري ما لم يلقه سواه، فذاع شعره عبر وسائل مختلفة: مكتوبة ومسموعة، وتعددت المخطوطات التي تضم شعره: حتى بلغ عدد ما توصلنا اليه منها (17) مخطوطا، وهي نسبة مرتفعة في حد ذاتها، ونجزم - في الوقت ذاته - بوجود مخطوطات أخرى في مكتبات خاصة لم نستطع الحصول عليها لضنين أصحابها بها.
وكان ديوان أبي مسلم البهلاني أول ديوان عماني يأخذ طريقه الى المطبعة، إذ تم طبعه عام (1928م)، وهذا على خلاف ما جزم به عبدالله الطائي في كتابه "الأدب المعاصر في الخليج " من أن ديوان سعيد المجيزي هو أول ديوان عماني يطبع، وطبع هذا الأخير ط م (1917م) أي بعد طبع ديوان أبي مسلم بتسع سنوات، وقد توالت طبعات ديوان البهلاني بعد ذلك ثلاث مرات خلال الأعوام التالية (1957 م، 1980م، 1986م).
ولم يكن هذا الاحتفاء بالشاعر متصورا على ابناء جيله، فقد امتد بعد ذلك لدى الأجيال اللاحقة، التي استخدمت معطيات العصر الحديث لنقل قصائد البهلاني الوطنية، وقدمت الاشرطة السمعية فرصة غالية لمن يريد أن يستمع الى تلك القصائد ل أي وقت، وهي مسجلة بأصوات مشهورة بجمال إلقاثها حسب الطريقة العمانية المشهورة في التغني بالشعر، ومن بين هؤلاء الشداة: سالم الحارثي وموسى الرواحي ومحمد الغاربي.
وقد يتساءل المرء عن سبب هذا الاحتفاء الكبير بشعر البهلاني، والاجابة عل ذلك تحيلنا الى استحضار حالة العالم العربي في تلك الفترة (أي خلال القرن 19 وبداية القرن 20)، وصحوة الروح القومية المنادية باسقاط الاستعمار الغربي، وهي حالة تنسحب عل عمان بشكل أو بآخر، وكان شعر البهلاني هو ذلك النذير والمنبه الداعي الى جمع الكلمة ونبذ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، لذا فقد وجد العمانيون في شعر أبي مسلم توصيفا لمواطن أدوائهم، وتعبيرا عن الآمال التي يطمحون الى تحقيقها، وكانت قصائده تتري الى الزعماء العمانيين - رغم وجوده في افريقيا الشرقية - ليتكاثفوا يدا واحدة حول الامام سالم بن راشد الخروصي (13 19م - 1919م).
كما يشكل أبو مسلم البهلاني نموذجا جيدا للشخصية النهضوية متعددة الاهتمامات، فقد كان فقيها مشاركا بمؤلفه الضخم "نثار الجوهر" وقاضيا مبرزا احتل رئاسة هذا السلك، الى جانب ذلك قام البهلاني بتحرير أول صحيفة عمانية.، هي صحيفة (النجاح 1911م)، التي فتحت المجال أمام مشاركات عمانية عديدة، فظهرت عل خطي لم النجاح) الصحف التالية: (الكفاح، 1928م) و (الفلق 1929م) والنهضة، 1951م لم و (المرشد عام 1953م لم و (زنجبار، ... )
إن تلك الاهتمامات عل اختلاف مناشطها تجمعها روح البهلاني الاصلاحية، التي تجرب وسائل متنوعة لايصال صوتها ويظل الشعر بينها أقوى ملكات البهلاني، والأداة الفاعلة لايصال صوته الاستنهاضي، بما ضمه هذا الشعر من مقومات فنية ضمنت سيرورته وبما فتحه البهلاني من آفاق جديدة تبعته فيها مجموعة من الشعراء العمانيين بعده، ونشير هنا الى ظهور مدرسة شعرية يمكن ان نطلق عليها «مدرسة البهلاني» فقد كانت دعوة البهلاني الوطنية وكذلك مشاركاته الشعرية الخارجية واستلهامه التراث الشعري في أزهى عصوره أبوابا عديدة تدفعنا الى اعتبار البهلاني رائدا للشعر العماني الحديث.
المعارضة قنطرة الريادة: (2/1)
صفحة 5
ما مدى تمثل أبي مسلم البهلاني (ت 1920م) للتراث الشعري؟ كيف تعامل معه؟ هل أكتفى باجتراره؟ أم استطاع امتصاصه، وتوظيفه توظيفا خلاقا؟ ما هي المكانة الشعرية التي حققها أبو مسلم؟ وما مدى تأثيره على من جاء بعده من الشعراء العمانيين؟
يضع عباس محمود العقاد أربع مراحل ينتقل عبرها الشعر من دور الركود الى دور النهضة والاجادة وهذه المراحل هي:
"أولها": دور التقليد الضعيف، أو التقليد للتقليد.
و «ثانيها»: دور التقليد المحكم أو التقليد الذي للمقلد فيه شيء من الفضل، وشيء من القدرة.
و"ثالثها": الابتكار الناشىء عن شعور بالحرية القومية.
و"رابعها": الابتكار الناشىء من استقلال الشخصية أو شعور بالحريه االفرديه ". (1)
ومكانة أبي مسلم البهلاني من تلك الأدوار تقع في الدور الثالث، وهو بذلك يلتقي مع الدور الذي قام به محمود سامي البارودي (ت 1907م) في النهوض بالشعر العربي، وانتشاله من هوة التقليد التي سقط فيها، وذلك بالعودة الى النماذج الشعرية ابان عصور الازدهار الأدبي، وكانت المعارضات من أبرز القناطر التي عبرت بالشعر الى دور الاجادة الخلاقة، وهنا سؤال يفرض نفسه، ألم تظهر المعارضات الشعرية عند الشعراء العمانيين قبل أبي مسلم؟ وما الذي منع تلك المعارضات من تحقيق النهضة الشعرية في (عمان)؟ والحقيقة أن المعارضات ظهرت لدى الشعراء السابقين على أبي مسلم، لاسيما شعراء عصر النباهنة، كسليمان بن سليمان النبهاني (ت 915 هد/ 1509م) (وأبي بكر أحمد بن سعيد الخروصي الستالي من شعراء القرن السابع الهجري لم وغيرهما، إلا أننا لا نجد في علك المعارضات بروز الصوت الخاص بالشاعر، وذلك الامتصاص المطلوب، حتى تكون المعارضة جزءا من نسيج الشاعر، يستعين بها كلما أراد التعبير عن تجربته الذاتية، بل إننا نجد أولئك الشعراء يقعون تحت سيطرة النصوص التي يعارضونها، وذلك كما يبدو من النموذج التالي للنبهاني، أحد أشهر شعرائهم والذي يقول معارضا أبا العلاء المعري:
الا في سبيل المجد ما أنا صانع
نفرع وضرار ومعط ومانع
أعندي وقد أحرزت كل جميلة
يذعر جار أو يدعر وادع (2)
بينما يقول أبو العلاء المعري:
الا في سبيل المجد أنا في فاعل
عفاف واقدام وحزم ونائل
أعندي وقد مارست كل خفية
يصدق واش أو يخيب سائل (3)
ورغم لجوء النبهاني الى قافية مغايرة، إلا أن ذلك لم يحقق استقلالا لقصيدته، وهكذا اكتفى شعراء تلك الفترة باجترار تجارب سابقيهم وأسلوبهم، وظلت مهمة الشاعر المعارض مهمة توليفية. واذا عدنا الى أبي مسلم البهلاني، نجده يحسن توظيف النصوص الشعرية التراثية، ويتمكن في معارضته لتلك النصوص من خلق أجوائه الخاصة، والتعبير عن تجربته الذاتية. لدرجة أن النص المعارض يسجل غيابا ملحوظا، ما عدا بقاء (2/2)
صفحة 6
شكله الموسيقي الذي يحيل بطرف خفي الى القصيدة الأول المعارضة - وذلك أمر سنوضحه لاحقا. من هنا ندرك أن دور أبي مسلم البهلاني دور ريادي في البعث الشعري في (عمان)، ولن نتجنى على الحقيقة إذا قرنا دوره بدور محمود سامي البارودي آت 1907م) وعلى الرغم من عدم توافر الأدلة لدينا على أي علاقة كانت بينه وأبي مسلم، غير أننا نستطيع افتراض نوع من الصلة الأدبية، فقد كان أبو مسلم متابعا لما يدور في (القاهرة) من أحداث (4)، والى جانب دورهما في البعث الشعري فقد انشغلا بقضايا أوطانهما، وفضح المكائد والألاعيب التي كان يحركها الاستعمار، يقول عمر الدسوقي عن شخصية البارودي في شعره السياسي: "ومن الأغراض القديمة التي خلع عليها البارودي لباس الجدة، وظهرت فيها شخصيته مجلية تفصح عن نفسه الأبية المتمردة على الظلم والطغيان، المحبة للعدالة والشوري والمساواة بين الناس" (5)، أليست هذه النفس الأبية المتمردة عل الظلم والطغيان هي النفس التي يقابلها القاريء لشبر أبي مسلم، لاسيما في مقصورته وعلى الأخص عندما يقول:
وأصبح استقلالكم فريسة
بين كلاب النار يا أسد الشرى
أليس عارا أن نعيش أمة
مثل اللقا أو غرضا لمن رمى
يلفنا الخزى الى أو كاره
ويحكم النذل علينا ما يرى (6)
إن الانشغال بالهم السياسي والاجتماعي للوطن هو الذي فجر عند الشاعرين روح الابتكار، فهل لنا أن نؤكد ثانية على ما ذهبنا اليه في بداية الحديث: هن وضع أبي مسلم البهلاني في الدور الثالث من السلم الذي اقترحه عباس محمود العقاد، للمراحل التي ينتقل عبرها الشعر من دور الركود الى دور النهضة والاجادة.
ونقترح لبيان الكيفية التي تعامل بها أبو مسلم مع التراث الشعري المحاور التالية:
1 - رصد القصائد المعارضة والمعارضة.
2 - اختيار نموذجين ودراستهما.
3 - دراسة مستويات التضمين.
رصد القصائد المعارَضة والمعارضة:
يقدم لنا الجدول التالي بيانا بمعارضات أبي مسلم البهلاني، موضحا فيه أهم البيانات المتعلقة بالقصيدتين المعارضة والمعارضة:
1 - تتمدد المساحة الزمنية لمجالات النصوص المعارضة بدءا من القناص مع قصيدة الفرزدق (ت 772م) العينية، وال القناص مع قصائد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1870م) غير أن الملاحظ هو غياب النصوص التي تنتمي الى العصر الجاهلي، وان كان ذلك لا يعني غيابها الكامل، فهي تتواجد بشكل أقل كثافة كما يكشف عنها (التضمين)، الذي يعكس مدى تماهي النصوص القديمة مع النص المنتج لأبي مسلم البهلاني.
2 - كذلك يكشف الجدول السابق عن عدم انتقائية القصائد المعارضة. وعدم التقيد بالفرض الأصلي لها، فقد عارض أبو مسلم شاعرا متحررا كأبي نواس الحسن بن هانىء (ت 814م)، وعارض شاعرا ملتزما كابن الفارض عمر بن أبي الحسن (ت 1234م) وهو في معارضتيه لم يتقيد بمشاكلة الموضوعات المعارضة.
3 - حازت قصائد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (1287هـ/ 1870م) أولوية خاصة فقد عارضها أبو مسلم (2/3)
صفحة 7
ثلاث مرات مما يعكس مدى عكوف أبي مسلم على شعر الخليلي وتمثله له، فقد كانت تجربته الحياتية مثالا له حاول أن يقتفيه، ودعا الى الاطروحات نفسها التي نادى الخليلي بها، وهو في هذه المعارضات أكثر التحاما بالنص المعارض أو النص الأول – اذا افترضنا أن ثمة نص أول هناك – فقد حافظ ليس فقط على الموضوع (ديني – استنهاضي) بل على وحدة الأفكار ووحدة ترتيبها، لهذا كانت معارضته تخميسا مما يعزز قوة الترابط بين النصين.
4 - لم تكن معارضات أبي مسلم الأخرى تكشف عن مصدرها، فلا تشير الى اسم الشاعر المعارض أو الى قصيدته، وانما يلفت نظر الدارس - بصورة أولى - ذلك التشاكل في البناء الموسيقي بين قصائد أبي مسلم والقصائد التي عارضها، فقد كان أبو مسلم يخلق لنفسه عوالمه الخاصة التي تفرضها تجربته الشعرية، ولا يبقى إلا ذلك التناظر الشكلي الموسيقي، والا بعض المقاطع أو التراكيب المهاجرة عن النص الأول، كما حرص الشاعر على تأكيد تلك المجاوزة للقصائد المعارضة بزيادة عدد أبيات قصائده على نظيراتها من القصائد المعارضة، فعلى سبيل المثال تبلغ مقصورة ابن أريد (250) بيتا، بينما بلغت مقصورة أبي مسلم (398) بيتا وكذلك بلغت قصيدة أبي الفتح البستي النونية (59) بيتا، بينما بلغت نونية أبي مسلم (382) بيتا.
وسوف نحاول تعزيز فكرتنا حول مدى امتصاص أبي مسلم للتراث الشعري ومقدرته على إعادة توظيفا دون أن يعني ذلك مسخا أو سلخا له، واذا كان الظرف الحالي لا يمكننا من دراسة المعارضات جميعها فليس أقل من أن ندرس نموذجا منها، يمكن أن يقدم لنا تصورا عن مدى تمثل أبي مسلم للتراث الشعري العربي، وطريقته في إعادة توظيفه ويجيب على التساؤلات التي طرحناها في بداية هذه الدراسة.
دراسة نموذجين:
تمثل قصائد أبي مسلم استقلالا عن القصائد المعارضة، وتصلح المقصورة لبيان ذلك الاستقلال كما يصلح غيرها، وقد عارض بها أبو مسلم مقصورة ابن أريد الحسن بن محمد بن أريد (ت933م) والتي تحتل مكانة متميزة في ديوان الشعر العربي، فلقد عارضها كثير من الشعراء، الذين أخذوا باتساق بنائها الفني الداخلي، إذ جعل لها محورا واحدا هو شخصية الشاعر ذاتها (31)، وقد عارضها أبو مسلم بمقصورة حملت دعوته الوطنية، التي استنهض بها مواطنيه في «عمان» و (زنجبار) وحثهم على القيام ضد الاستعمار، وعدم الخنوع له.
على مستوى الغرضين يبرز لنا مدى تباعدهما، وانفلات أبي مسلم من اسار موضوع المقصورة الأولى، وامعانا في إبراز مدى استقلالية النص المعارض عن النص المعارض نقترح دراسة المقصورتين عبر وسيلتين:
أ - الموازنة بين موضوع فرعي مشترك ورد في كلتا القصيدتين.
ب - تتبع مقاطع النص المعارض، وابراز مدى سيطرة مقاطع النص المعارض عليه.
وبالطبع فإن الحركات الرئيسية المشكلة للقصيدتين تختلفان تمام الاختلاف، الا إننا نجد موضوعات جزئية عالجها النصان، وهي:
1 - البكاء على المشيب.
2 - طيف الأحباب.
3 - عتاب الدهر.
4 - الجديدان يبليان.
5 - وصف اليعملات.
6 - وصف الخيل. (2/4)
صفحة 8
7 - وصف الفارس.
8 - وصف السيف.
9 - وصف الفرس.
10 - وصف الذات.
11 - البرق.
12 - الحكمة.
وقد وقع اختيارنا على دراسة موضوع (وصف الذات). على اعتبار أنه الأكثر كثفا عن الهموم الذاتية لكلا الشاعرين.
أ - موضوع "وصف الذات" مشترك بين مقصورتي ابن أريد وأبي مسلم:
- ابن أريد يصف نفسه:
56 - لست اذا ما بهظتني غمرة
ممن يقول بلغ السيل الزبى
57 - وان ثوت تحت ضلوعي زفرة
تملا ما بين الرجا الى الرجا
58 - نهنهتها مكظومة حتى يرى
مخضوضعا منها الذي كان طغى
159 - ولا أقول إن عرتني نكبة
قول القنوط انقد في البطن السلا
160 - قد مارست مني الخطوب مارسا
يساور الهول إذا الهول علا
161 - لي التواء إن معادي التوى
ولي استواء إن موالي استوى
162 - طعمي شري للعدو تارة
والراح والأري لمن ودي ابتغى
163 - لدن إذا لوينت سهل معطفي (2/5)
صفحة 9
ألوي إذا خوشنت مرهوب الشذا
164 - يعتصم الحلم بجنبي حبوتي
إذا رياح الطيش طارت بالحبى
165 - لا يطيبني طمع مدنس
إذا استمال طمع أو أطبي
166 - وقد علت بي رتبا تجارب
أشفين بي منها على سبل النهى
167 - إن أمرر خيف لإفراط الأذى
لم يخش مني نزق ولا أذى
168 - من غيرها وهن ولكني امرؤ
أصون عرضا لم يدنسه الطخا (32)
- أبو مسلم يصف نفسه:
81 - إني أصون صفحتي مقتنعا
بما يطيف من علالات الحسي
82 - أنبو والهرب أواري ساعيا
عن مشرب أشربه عل القذى
83 - يحمي الكريم عرضه ويحتمي
أن يرد الآجن من كل الركي
85 - ولا أقامي طمعا مقاردا
ولست ولاجا بأسواه القمي
86 - كي لا ترى عين خسيس موقفي
ببابه منتظرا منه الجدا
93 - آليت لا تطو يدي يد امرىء
يسفلها اللؤم ويطغيها الفنى
98 - ولا أبات شاكها من حسد (2/6)
صفحة 10
قد هيأ الله لكل ما كفى
105 - ما سرني من الثراء وفره
ان كان بين اللؤم والحرص نما
106 - إذا نفته هكذا وهكذا
صنائع في أهلها فقد زكى
117 - لست على الحمد من الأمر إذا
غالطته خلابة فيما أتى
118 - آتيه نصا فإذا خادعني
فوضتها الله يقضي ما قضى
120 - ان وسع الدهر احتمال عاجز
فهو سلاحي وتلادي المجتبى
124 - وإنني الحتف على لئامه
انكأ في حلوقهم من الشجي
125 - أذود عن حريتي بحقها
وأجهد النصر لحر مبتلى
126 - وانني لا أعرف الحد لما
أسطيع أن أنجزه من العلى (33)
تكونت مقطوعة ابن دريد من (13) بيتا في 3 فصول، ابتدأها بنفي الضعف وقلة الاحتمال عنه، وأنه يكظم زفرته الحرى تحت ضلوعه فقد مارس الخطوب واعتادها، وهذا الفصل ورد في الأبيات (156 – 160).
وفي الفصل الثاني: الأبيات من (161 - 164) يتحدث الشاعر عن طريقته في التعامل مع الآخرين فهو سهل لين مع من يواليه، صعب ملتو مع من يعاديه، وقد أبرز ذلك في صورتين متقابلتين، تستمدان الجانب التذوقي في تعزيز فاعليتهما، الصورة الأولى أن طعمه كالحنظل «الشرى» في المرارة، ولا يستلذ طعم الحنظل أحد، ويقابل هذه الصورة المنفرة صورة مغرية فهو كالراح أو العمل في استلطاف أصحابه له، وهي صورة أملاها عليه ما عرف عنه من ميله الى الشراب واكثاره له.
ويتصل الفصل الثالث: الأبيات من (165 - 168) بنظرته الى المال فلا يستميله اليه طمع، إذ أن التجارب صقلته، ثم يختم هذا الفصل بما يمكن أن يعاد الى الفصل الثاني، فهو يتحدث عن طريقته في التعامل مع الآخرين وكيف أنه لا يفرط في الأذى.
تكونت مقطوعة أبي مسلم من (15) بيتا في (4) فصول، والملاحظة الأولى التي نسجلها هنا تكمن في طريقة من طرائق أبي مسلم في التعبير، والتي تتمثل في الاستطراد لتوضيح فكرة ما، فتكشف الفراغات التي تركناها ذلك، وقد حذفنا الأبيات التالية أرقامها: (84، 87،- 92، 94، 97. 99، 104، 107 - 116، 119، 121 - (2/7)
صفحة 11
123)، فقد حذفنا (29) بيتا مما رأيناه استطرادا لتوضيح الفكرة نفسها، وذلك ما لم نجده عند ابن أريد، فلم نحذف شيئا من مقطوعته وان كنا قد وجدنا أمرا آخر هو عودته الى تأكيد بعض الأفكار - كما سبق وأوضحنا.
ابتدأ أبو مسلم الفصل الأول بالحديث عن عزة نفسه، في الأبيات (18 - 83) فهو يكتفي بالقليل من القوت صيانة لماء وجها عن السؤال، وهو يترك الماء إذا أصابه قذى من شدة حاجته اليه، وهذا يذكرنا بقول المتنبي:
وأصدى فلا أبدي الى الماء حاجة
وللشمس فوق اليأملات لعاب (34)
فعزة نفس الشاعرين تجعلهما يستغنيان حتى عن الماء اذا ما نغصه منغص.
يمثل الفصل الثاني الأبيات (85 - 06 1) ويدور حول نظرته الى المال فهو لا يرده شيئا ذد بال، حتى لا يسقطه ذلك في التذلل الى من عنده المال منتظرا جداه، واذا ما حصل على المال فلن يضن به دون أن ينفقه في الوجوه التي تضمن له البقاء الحقيقي، وهو خلود الذكر الحسن، وهو معنى ورد عند ابن دريد في بيت ينفي فيه الطمع عن نفسه، وقد فصل أبو مسلم فيه وأبرز موقفه من المال.
وفي الفصل الثالث (117 - 118) يتحدث الشاعر عن منهجه في التعامل مع الأمور والقائم على المباشرة والوضوح، وقد أبرز بذلك جانبا غير الجانب الذي تحدث عنه ابن دريد، أما الفصل الرابع (120 - 122) فهو جوهر موضوع الموازنة اذ يتصل باعتداده بنفسه، فهو الحتف على اللثام، يذود عن حريته، وينصر المبتلين، وهو ماء القصيدة القائمة على الاستنهاض. ففي تصويره لنفسه في هذا المستوى من البطولة يقدم نموذجا يحاول قارئه المتوقع أن يمثله، وقد ورد هذا الفصل عن ابن أريد في بداية المقطوعة بصيغة النفي، ومن غير أن يصل الأمر عنده الى طلب الحرية ونصرة المعقدين، وذلك يتصل بالباعث الأول لقصيدة ابن دريد، والذي اختلف - حتما - عما هو عند أبي مسلم، فقد صور ابن دريد عذاب مهاجر جنوبي يواجه الشدائد وحيدا.
من خلال الموازنة السابقة نخلص الى أن أبا مسلم لم يبق في اسار أفكار القصيدة المعارضة، وحتى حينما اخترنا موضوعا فرعيا، ورد في كلا القصيدتين وجدنا ذلك الاختلاف الظاهر على مستوى الإنكار المطروحة، وعلى مستوى الصياغة، فقد ظهرت شخصية أبي مسلم ونظرته الحياتية الخاصة، بعيدا عن أفكار ابن أريد وأطروحاته بما تمليها عليه شخصيته المتحررة، وقد وجدنا أبا مسلم يعرض لتفصيلات وأفكار لم يعرض لها سلفه، كما اكتشفناه يستظهر فضاءات أخرى، كما في اشارتنا الى استلهامه بيت أبي الطيب المتنبي، وكل ذلك يعني أن اشتراك الشاعرين وفي موضوع واحد هو (الحديث عن النفس) لم يستتبع نسخا أو سلخا لأفكار القصيدة الأولى، وانما هو من قبيل المعاني الانسانية المشتركة الملقاة في الطريق على حد تعبير الجاحظ. وللتأكد من مدى مصداقية النتيجة التي توصلنا اليها سوف نقوم بدراسة مقاطع كلا المقصورتين.
ب- تناص المقاطع
من خلال المقطوعة السابقة لم نجد أبا مسلم البهلاني يستخدم مقاطع المقصورة المعارضة فلم نعثر على مقطع أعيد استخدامه مما يؤكد ضعف السيطرة التي مارستها القصيدة المعارضة على القصيدة المعارضة، واذا ما أغرانا ذلك بتتبع مقصورة أبي مسلم بصورة عامة، فإننا نجده يستخدم ستة مقاطع فقط مما ورد في المقصورة المعارضة، على مدار المقصورة بأكملها.
وقد أثرت تلك المقاطع على بنية البيت إذ قامت بنقل بعض الكلمات المجاورة لها، وفقا لقانون (العلاقات السياقية)، أو علاقات المجاورة حسب رأي جاكوبسون (35)، فعندما يأتي المقطع (المنتضى) فإنه يستتبع معه لفظ (السيف):
ابن دريد - واحترم الوضاح من دون التي
أملها سيف الحمام المنتضى (36)
أبو مسلم - إن هزك الممنى هز طرده (2/8)
صفحة 12
أو هزك الهول فسيفا منتضى (37)
ولكن على صعيد المعنى يستقل بيت أبي مسلم - فالفاعلية هي وظيفة (السيف المنتضى) عند ابن دريد، أما عند أبي مسلم فدور (السيف المنتضى) دور مجازي يقوم على علاقة التشبيه، فكأنه يقول لمن يخاطبه (كن كأنك سيف منتضى مضاء وعزما).
وفي موضع آخر كان الشاعران أكثر تقاربا، فقد جاء المقطع (الزبى) واستتبعته جملة (بلغ السيل):
ابن دريد - لست إذا ما بهظتني غمرة
ممن يقول بلغ السيل الزبى (38)
أبو مسلم - جاس البلاء بالبلاد طاميا
فبز حتى بلغ السيل الزبى (39)
ويبدو لنا أن ذلك التقارب ليس بفعل تأثير القصيدة الأولى على الثانية، بل لأن القصيدتين توظفان مثلا سائرا، يضرب في شدة الأمر وبلوغه مبلغا فظيعا، إذن فذلك التقارب ناتج عن وحدة المصدر الذي استقى منه الشاعران بيتيهما.
4 - التضمين: خصب الثقافة الشعرية.
يعالج (التناص) ظواهر عديدة من بينها (التضمين) وهو حسب تعريف أسامه بن منقذ: "هو أن يتضمن البيت كلمات من بيت آخر" (أ)، وهو صورة من صور التعامل مع التراث الشعري الى جانب المعارضة.
ويحفل شعر أبي مسلم البهلاني بالكثير من الأبيات المضمنة، والتي تحيل الى مدى خصب ثقافته الأدبية، فتلك الإحالات تهاجر عبر فضاء واسع، ينتظم العصور الأدبية وذلك ما سوف تزيده الأمثلة القادمة وضوحا - كذلك فإن تلك التضمينات تشير الى مخزون متعدد المشارب فنجد الأمثال والحكم والشواهد النحوية.
وبموازنة ظاهرة (التضمين) مع ظاهرة المعارضة نجد أن الأولى لم تحقق الاصالة والامتصاص نفسيهما اللذين رأيناهما في المعارضة، ولكنها حاولت المراوحة بين الاستعادة الباردة لقالب الصيغة السابقة، وبين الامتصاص الواعي للمعاني القديمة، واعادة توظيفها بعد أن يتم صقلها ضمن التجربة الشعرية لأبي مسلم، وهكذا فإن النماذج التي بين أيدينا يمكن أن تعالج في قسمين:
أ – اجترار صيغ الذاكرة
وفيه تبدو ظاهرة التضمين باردة الفعالية، فتدخل العبارات القديمة دخول الشاهد أو المرجع، دون أن تمتزج ببنية البيت، فغالبا ما تظهر كشطر كامل وضع بين معقوفتين، امعانا في إظهار الاستقلالية من ذلك قوله:
سائرا بالجد حتى نلته
"كل من سار على الدرب وصل " (41)
والشطر الثاني مثل سائر، نظما ابن الوردي إذ يقول:
لا تقل قد ذهبت أربابه
كل من سار على الدرب وصل (42) (2/9)
صفحة 13
وقد استعاده أبو مسلم بالصياغة ذاتها، ولم يتصرف في تحوير بنيته، والا لقيل أنه من المعاني الملقاة في الطريق - حسب الجاحظ، وقد ورد البيت في رثاء الشيخ نور الدين السالمي الذي سار على درب الجد فناله، وذلك إنه كل من سار على الدرب لابد أن يصل، وقد جاء المثل مدعما لوصول السالمي الى الجد والمجد وقد تهاجر أحيانا «صيغ الذاكرة» عن الثقافة النحوية يقول أبو مسلم:
لبست تقوى الله خوف المقت
"من لان ذا بنت فهذا بنتي" (43)
والشطر الثاني نظر فيه الى شاهد من شواهد شرح ألفية ابن مالك.
ويبدو لنا أن أبا مسلم نظر الى الشعر القديم نظرة تقدير، فهو عنده يمثل الفحولة أو النموذج الذي يحاول الوصول اليه ومن هذه النظرة اكتسب الشعر القديم مكانته عند أبي مسلم، فأورده كمؤكد على ما يقول، ولم يتجاسر عليه - ليس هذا الحكم على طول الخط - بالتغيير أو التصرف في الصياغة.
ب- محاولة الامتصاص.
وهي على قلتها تحاول أن تمنح البيت المضمن حركة، لما فيها من التمثل، ومحاولة سبك المعنى القديم في صياغة جديدة، وتجذيره ضمن أفكار القصيدة ذاتها، فلا يبدو منفصلا باستقلاليته، وانما يظهر مرتبط الوشائج بأبيات القصيدة، وهذا يذكر بمقدرة أبي مسلم على هضم التراث الشعري وامتصاصه ثم إعادة إنتاجه، وفقا لرؤية خاصة.
وفي الاشارة الى التاريخ القديم للنبي "ص" وهو في ظلال الجنة، ثم هبوطه الأرض مع آدم وزوجه حينما بدت لهما، سوأتهما، فطفقا يخسفان عليهما من ورق الجنة (44)، قام ابو مسلم بتحوير مجال استخدام هذه الفكرة، إذ أوردها في إطار مديح السيد حمود بن محمد البوسعيدي:
وترقبه العلياء من قبل آدم
الى أن بدا كالنور من حضرة القدس
وعمت نفوس الكون منه بشائر
فكانت مقام الحس من عالم الحس
فبشرى سرير الملك أم مليكه
تنزل منه منزل الروح في النفس (45)
ويقول العباس بن عبد المطلب:
من قبلها طبت في البلاد وفي
مستودع حيث يخسف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر
انت ولا مضغه ولا علق (46)
والجامع بين الأبيات السابقة هي أنها تثبت للممدوح قيمة معينة هي قيمة القدم، مما يعني أصالة المعدن، وقد قام أبو مسلم بتوظيفها ونقلها من مجال المديح النبوي الخالص أو من المجال الصوفي - إذ وظفها الصوفية (2/10)
صفحة 14
فيما بعد - الى مجال المديح البشري، كما أظهر استقلالية مستوى الصياغة فلا يكاد الدارس يلتفت الى ذلك الأصل الا بعد مداومة النظر.
ومن المعاني التي طرقها الشعراء ما يدور حول عدم جدوى الجهد الفردي إذا لم تسعفه إرادة الجماعة، يقول أبو مسلم:
أيهدم ألف ما بنى الفرد منكم
وكيف بناء الفرد والألف هادم (47)
وقول نظر فيه الى قول الشاعر:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه
اذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
لو ألف بان خلفهم هادم كفى
فكيف ببان خلفه الالف هادم (48)
وهنا نرى أن الشطر الثاني لبيت أبي مسلم يستقي من البيتين معناه، وقد سبكه أبو مسلم ضمن فكرته الخاصة التي وردت في إطار عتابه لمواطنيه على تقاعسهم، وقد صاغه أبو مسلم بأسلوب الاستفهام الانكاري لتعزيز فاعليته.
- تأثير ابي مسلم على الشعراء العمانيين:
ملأ شعر أبي مسلم البهلاني المنتديات الأدبية في (عمان) ولم يترك ظرفا سياسيا الا وكان له فيه رأي، وقد سار شعره عند العام والخاص، وكانت له فاعلية كبيرة في تحريك الأحداث.
ووجد شعره تقديرا كبيرا لدى الشعراء المعاصرين له، كما ترسم خطاه من جاء بعده من الشعراء، أما الشعراء المعاصرون له فقد سلموا له بالسبق، يقول عبدالله بن محمد الطائي: "وعاصر أبو مسلم عددا من الشعراء البارزين منهم خميس بن سليم، والمر بن سالم، ومحمد بن شيخان، فتمكن من أن يكون المؤثر الأول والشاعر المحلي رغم ازدهار محيطه الأدبي" (49)، ذلك لأن شعره لامس أهم قضيتين في حياة العمانيين في تلك الفترة وهما:
أ - البحث عن الحرية الوطنية.
ب- اللجوء الى الزهد الديني.
إن ريادة أبي مسلم للشعر العربي في (عمان) تتحقق من خلال عودته الى النماذج المشرقة في شعرنا القديم، وكذلك من خلال ما اكتسبه شعره من واقعية ومشاركة لهموم الناس، والتعبير عما لحقهم من ضيم.
والحقيقة أن محاولات العودة الى الماضي بدأت منذ الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1287هـ/1870م) وكذلك التعبير عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية المتردية، غير أن أدوات الشيخ سعيد الخليلي الشعرية لم تبلغ – نضجا وموهبة – مبلغ ملكة أبي مسلم فقصائده في فتوحات الامام عزان بن قيس (1836 – 1871م / 1252هـ 1278هـ) تقترب من اللغة النثرية، كما يبدو في النموذج التالي:
فحصن نتوف لم يمنع ولا
حصن سيق وهو في الجبل الكؤود (2/11)
صفحة 15
وبيت سليط أسلمه ولم
يغن عنه البني من حجر مشيد
وخلي الجامع الحصن الذي كا
ن بيتا للعبادة والسجود (50)
أما شعر الشيخ سعيد الخليلي الديني فهو أكثر قوة وايحاء، واحساسا بالألم الذي يعصر كل مسلم غيور على وطنه وشعبه، لذا فإن ابتهالاته الى الله عكست صدق توجهه، يقول الشيخ سعيد:
الى مالك الملك العظيم اقتداره
الى من له الاملاك خير عبيد
وقوفا على أبوابه منه راجيا
قيام حظوظي في العلا وجدودي (51)
وقد تبنى أبو مسلم فكر شيخه الخليلي، فاسعفته مقدرته الشعرية على تحقيق الريادة الحقيقية للبعث الشعري في (عمان)، فدور الشيخ سعيد الخليلي هو دور المثير، الذي أرسل الشرارة الأولى، أما أبو مسلم فقد تسلم الريادة وناضل عنها لتبقى عالية، وكان حظ الشيخ الخليلي أن تتحقق أطروحاته المذهبية والسياسية بتنصيب الامام عزان بن قيس البوسعيدي الامامة عام (1285هـ/ 1896م) أما أبو مسلم فقد أسهم في الحث على وحدة الصف، ولم الشمل حول الامام سالم بن راشد الخروصي (ت 1338هـ/ 1919م)، كما رسخ رؤى استلهمها الشعراء من بعده، واقتفوا أثره، ومن أبرز الأسماء الشعرية التي تأثرت به:
1 - عبد الرحمن بن ناصر بن عامر الريامي (1954م).
2 - أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي (1959م).
3 - هلال بن بدر البوسعيدي (1965م).
4 - سالم بن سليمان بن سالم البهلاني (1982م).
5 - عبدالله بن علي الخليلي (معاصر).
أما أبرز المجالات التي أسهم فيها أبو مسلم إسهاما فعالا، وتبعه فيها من جاء بعده:
1 - امتصاص التراث الشعري.
2 - تبني الدعوة الوطنية.
3 - الإلحاح على الشعر الديني.
4 - المشاركة في الأحداث الخارجية.
وقد رأينا أن عودته الى التراث الشعري - عبر معارضته - تختلف عن عودة من سبقه، فهي عودة هضم وتمثل، دون أن تكون سلخا لذلك التراث، وقد عارض الشعراء بعده من سبقوهم، ولعل هذا الاتجاه يبرز بشكل واضح لدى هلال بن بدر البوسعيدي. فقد عارض أبا تمام بقصيدته البائية التي مطلعها: (2/12)
صفحة 16
أكثرت في القول بل أكثرت و الخطب
أقلل فديتك وأعمل يا أخا العرب (52)
وعارض دالية المتنبي بقصيدة مطلعها:
إشراق وجهك للعروبة عيد
فاهنأ بدهرك إنه لسعيد (53)
وكذلك سار الشيخ عبدالله بن علي بن سعيد الخليلي على نهج أبي مسلم في معارضة القدماء، فعارض مقصورة ابن دريد بمقصورة أولها:
يا ساري البرق يهلهل السما
يخط اسطارا كلألاء السنا (54)
كما عارض نونية ابن زيد ون بقصيدة مطلعها:
قم عانق الحسن والثمه رياحينا
وداعب الزهو جوريا ونسرينا (55)
وقد تلقف الشعراء العمانيون دعوة أبي مسلم الوطنية، لاسيما مع استمرار نفوذ الاستعمار وبسط سيطرته، ومن بين أولئك الشعراء أبو سلام سليمان بن سعيد الكندي، وقد نظم قصيدة في كشف الدسائس الأجنبية (بعمان) من هذه القصيدة:
عمان انهضي واستنهني الشرق والغرب
ولا تقعدي واستصحبي الصارم العضبا
عمان انهضي واستعرضي كل باسل
كمي يجيد الطعن والرمي والضربا
عمان انهضي إن رب لك همنا
طلاب العلا ما نبتغي غيره كسبا (56)
ومن ضمن شعراء الاتجاه الوطني يأتي اسم عبدالله الطائي ل ت 1977م) الذي أشار في مقالة له عن أبي مسلم الى هذه الناحية الوطنية إذ يقول: "ولم يكن من هم أبي مسلم العيش فقط بل كان صاحب همم عالية، كان لا يفكر إلا في وطنه، ولذلك نجد شعره حافلا بالوطنيات وثابا بالحماس ففضل أن يترك بلاده ويرحل الى زنجبار بافريقية الشرقية حيث يستطيع أن يعيش في جو من الحرية ويرسل شعره دعوة صارخة باليقظة والنهضة " (57)، ومن غير شك فإن اقامه ابي مسلم و (زنجبار) أطلعته على أفكار زعماء الاصلاح المسلمين، وهكذا اتخذ أبو مسلم من صحيفته (النجاح 1911م) منبرا لأفكاره الإصلاحية.
ويشكل الشعر الديني جانبا مهما من الجوانب التي عالجها الشعراء العمانيون، وكتبوا في أهم محاورها، كتمجيد الذات الالهية أو المديح النبوي أو الشعر الصوفي، ولأبي مسلم ديوان كامل في هذا الفن أسماه: (النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني)، وهو عبارة عن ملحمة دينية، وقد مزج شعره الديني بهموم (2/13)
صفحة 17
عصره، فكشف عن الأوضاع المتردية على المستويات الاجتماعية والسياسية، ويلتقي معه في هذا الاتجاه نظراؤه من ينتسبون الى المدرسة نفسها كأبي سلام الكندي والشيخ عبدالله الخليلي، وان كان أبو مسلم أكثرهم مشاركة عبر تأليفه الدينية.
ولم تقتصر مشاركات أبي مسلم الشعرية فيما يدور في وطنه من أحداث، بل كان اهتمامه بما يقع في العالم الاسلامي عامة، كمشاركته بقصيدة في مؤتمر الصلح الذي أشرف عليه رياض باشا، وقد شارك الشعراء بعده في الأحداث السياسية للعالم العربي، كمشارك ت هلال بن بدر البوسعيدي في الأحداث التي عصفت (بفلسطين) (58)، وبذلك انفتح الشاعر العماني على هموم أخيه العربي، ملغيا القطرية الضيقة، ومتواصلا مع أبناء الوطن العربي الواحد.
القصيدة النهروانية
أبو مسلم البهلاني
ديوان ابي مسلم، تحقيق عبدالرحمن الخازندار دار المختار، د. م 1986
سميري وهل للمستهام سمير
تنام وبرق الابرقين سهير
تمزق أحشاء الرباب نصاله
وقلبي بهاتيك النصال فطير
تطاير مرفض الصحائف في الملا
لهن انطواء دائب ونشور
يهلهل في الآفاق ريطا موردا
طوال الحواشي مكثهن قصير
بمنتحبات مرزمات يحثها
حداء النعامي دمعهن غزير
تنبه سميري نسأل البرق سقيه
لربع عفته شمأل ودبور
ذكرت به عهدا حميدا قضيته
وذو الحزن بالتذكار ويك أسير
عهودا على عين الرقيب اختلستها
ذوت روضة منها وجف غدير
متاعي رجع الطرف منها وكل ما
يسرك من عيش الزمان قصير (2/14)
صفحة 18
وبي من تباريح الجوى ما شجا الهوى
وذلك ما لا يدعيه ضمير
وفت لرسيس الحب بالصبر مهجتي
وما كل من شف الغرام صبور
والا فما بالي وغور مدامعي
ودمع التصابي لا يكاد ينور
أدهري عميد الحب والعود ذابل
فهلا وأملود الشباب نضير
عذير غوايات الغرام من الصبا
وما لغوايات المشيب عذير
وكل غرام قارن الشيب سوءة
وكل غرير في المشيب غرور
أبعد تباشير المشيب غواية
وللعقل منها زاجر ونذير
تناقلنى عمران عمر قد انحنى
بشيب وعمر للشباب كسير
تناهت حياتي غير نزر على شفا
وذلك قدر لو نظرت يسير
صبابة عمر حشوها الغى والهوى
وهذا مقام بالتقاة جدير
تقضي ثمين العمر في نشوة الهوى
وحشو مزادي باطل وغرور
أألهو وقد نادى المنادي لمنتهى
اليه وان طال المطال أصير
وصبحان من عقل وشيب تنفسا (2/15)
صفحة 19
فذا مسفر هاد وذاك سفير
أأترك نفسي بعد ذا بيد الهوى
تسام كما جر الحمار جرير
وأوقرها شرا وفيها استطاعة
الى الخير والناهي الرقيب غيور
واني وان سومت نفسي بمسرح
مراعيه سم ناقع وشروع
يطور لي الشيطان أطوار كيده
ونفسي له فيما يشاء نصير
فلست بمتروك سدي دون موقفي
على الغي عقبي أشرفت ومصير
سيوقفني من رقدة اللهو ناعب
يحط بمحتوم الردى ويطير
يقضي بي المحيا وجهلي مطيتي
وقائدها دنياي وهي غدور
أمان وأوهام وزخرف باطل
سراب بقيعان الفلاة يمور
محصلها بالكد والكدح راقب
لفوت وتفريق اليه تحور
فليس سديدا جمع هم لجمعها
ودائرة التفريق سوف تدور
سنتركها بالرغم وهي حبيبة
ورب حبيب للنفوس عبير
ومن عجب ميل النفوس لعاجل
يحول على اكداره ويبور (2/16)
صفحة 20
واسراعها في الغي اسراع آمن
وناقد أعمال العباد بصير
متى أقلعت عنا المنون وهل لنا
بغير طريق الغابرين عبور
أم الأمل الملهى براءة غافل
من الموت أم يوم المعاد يسير
أتمرح ان شاهدت نعشا لهالك
اليك أكف الحاملين تشير
ستركب ذاك المركب الوعر ساعة
الى حيث سار الأولون تسير
نقي من غبار الأرض بيض ثيابنا
وتلك رفات الهالكين تطير
لي الويل هلا أرعوي عن مهالكي
أما في المنايا واعظ ونذير
أما في عويل النائحات مذكر
أم النوح حولي والبكاء صفير
أم الغارة الشعراء من أم قشعم
يشن أصيل هولها وبكور
على كل نفس غير نفسي رزؤها
ويمنعني منها حمى وستور
بلى سوف تغشاني متى حان حينها
فيعجز عنها ناصر وعشير
وتفجاني يوما ون ادي خطيئة
واثم وحرب في الكتاب كبير
أرى الخطب صعبا والنفوس شحيحة (2/17)
صفحة 21
على زخرف فان مداه قصير
وتلك ثمار الجهل والجهل مرتع
وخيم وداء للنفوس عقور
ولو حاولت نفس عن الشر نزعة
تنازعها طبع هناك خؤور
فزجت بها الآمال في غمراتها
الى أن دهاها منكر و نكير
فثبطها تسويفها وهو قارض
لرمة آجال النفوس مصور
ودأب النفوس السوء من حيث طبعها
اذا لم يصنها للبصائر نور
بها ترتمي في الخسر آفات طبعها
خلائق توحيها الجبلة بور
تدارك وصايا الحق والصبر انما
يفوز محق بالفلاح صبور
وخذ بكتاب الله حسبك انه
دليل مبين للطريق خفير
فما ضل من كان القران دليله
وما خاب من سير القران يسير
تمسك به في حالة السخط والرضا
وطهر بها الآنات فهو طهور
وحارب به الشيطان والنفس تنتصر
فكافيك منه عاصم ونصير
دعيت لأمر ليس بالسهل فاجتهد
وسدد وقارب والطريق منير (2/18)
صفحة 22
وأسس على تقوى من الله توبة
نصوحا على قطب الكمال تدور
وزن صالح الأعمال بالخوف والرجا
هما جنة للصالحات وسور
وبالعدل والاحسان قم واستقم كما
أمرت وبادر فالمعاش قصير
وراقب وصايا آتو سرا وجهرة
ففي كل نفس غفلة وفتور
وجرد على الاخلاص جدك في التقى
ففوقك بالشرك الخفي خبير
وثابر على المعروف كيف استطعته
ودع منكرات الأمر فهي شبور
ومل حيث مال الحق والصدق واستبق
مليا الى الخيرات حيث تصير
وأخلص مع الجد اليقين فانه
به تنضر الأعمال وهي بذور
وبالرتبة القصوى من الورع التبس
فللورع الدين الحنيف يحور
وكن في طريق الاستقامة حاذرا
كمين الاعادي فالشجاع حذور
يجوز طريق الاستقامة حازم
على حرب قطاع الطريق قدير
مراصدها شتى وفي كل مرصد
لخصمك حرب بالبوار تفور
فلا تخش ارهاقا وساور ليوشها (2/19)
صفحة 23
بعزم يفض الخطب وهو حسير
ورافق دليل العلم يهدك انه
طريق يحار العقل فيه وعير
وفعلك حد المستطاع من التقى
على غير علم ضيعة وغرور
فما زكت الطامحات الا لمبصر
على نور علم في الطريق يسير
أتأخر الأعمال جهلا بوجهها
وأنت الى علم هناك فقير
فيا طالب الله ائته من طريقه
والا فبالحرمان أنت جدير
فلست اذا لم تهتد الدرب واصلا
قبيلك في جهل السلوك دبير
وما العلم الا ما أردت به التقى
والا فخطأ ما حملت كبير
فكم حامل علما وفي الجهل لو درى
سلامته مما اليه يصير
وما أنت بالعلم الغزير بمفلح
ومالك جد في التقاة غزير
وحسبك علما نافعا فرد حكمة
بها السر حي والجوارح نور
تعلم لوجه آت واعمل لوجهه
وثق منه بالموعود فهو جدير
تعرض لتوفيق الاله بحبه
ودع ما سواه فالجميع قشور (2/20)
صفحة 24
هو الشأن بالتوفيق تزكو ثماره
ومتجره وآتو ليس يبور
كأي رأينا عالما ضل سعيه
وضل به جم هناك غفير
معارفه بحر ويصرف وجهه
الى الباطل الخذلان وهو بصير
وافلح بالتوفيق قوم نصيبهم
من العلم في رأي العيون حقير
وتلك حظوظ للإرادة قسمها
وحكمة من يختارنا ويخير
تحزبت الاحزاب بعد محمد
فكل الى نهج رآه يصير
وقرت عل الحق المبين عصابة
قليل وقل الأكرمين كثير
هم الوارثون المصطفى خير أمة
لمدحهم آي الكتاب تشير
أولئك قوم لا يزال ظهورهم
على الحق ما دام السماء تدور
على هضبات الاستقامة خيموا
اذا اعوج أقوام وضل نفير
تنافر عنهم رفض وخوارج
وحشوية حشو البلاد تمور
رأوا طرقا غير الهدى فتنافروا
اليها وبئست ضلة ونفور
لهم نصب من بدعة وزخارف (2/21)
صفحة 25
بها عكفوا ما للعقول شعور
تدعمهم أهواؤهم في هلاكهم
كما دع في ذل الأسار أسير
لأقوالهم صد وفيهم شقاشق
لهن ولا جدوى هناك هدير
دليلهم يهوي بهم في مضلة
وهم خلفه عمش العيون وعور
فيا أسفا للطم يطمسه الهوى
ويا أسفا للقوم كيف أبيروا
أرى القوم ضلوا والدليل بحيرة
وللحق نور والصراط منير
سروا يخبطون الليل عميا تلفهم
شمائل من أهوائهم ودبور
يتيهون سكها في المجامل ما بهم
بموطيء اخفاف المطي بصير
يقولون ما لا يعلمون وربما
على علمه بالشيء ضل خبير
ولو كان عين الحق منشود جهدهم
لما حال سد أو طوته ستور
نعم أبصر وه حيث غرهم الهوى
فصدهم عنه هوى وغرور
أقاموا لهم من زخرف القول ظهرة
وللبطل فيما استظهروه ظهور
وفي زخرف القول ازدهاء لمن غوى
وألهته عن لب الصواب قشور (2/22)
صفحة 26
وفي البدع الخضر ابتهاج لأنفس
تدور بها الأهواء حيث تدور
نشاوى من الدعوى التي يعصرونها
وليس لبرهان هناك عصير
وما روقوه من رحيق مفوه
فذلك سم في الاناء خثير
يدرون أنواء الكلام وما بها
رواء ولا يطفى بهن مجير
وما كل طول في الكلام بطائل
ولا كل مقسور الكلام قصير
وما كل منطوق بليغ هداية
ولا كل زحار المياه نمير
وما كل موهوم الظنون حقائق
ولا كل مفهوم التعقل نور
وما كل مرئي البصائر حجة
ولا كل عقل بالصواب بصير
وما كل معلوم بحق ولا الذي
تقيل علما بالأحق جدير
ولكن نور الله وهب لحكمة
يصير مع التوفيق حيث يصير
هدى الله حظ والحظوظ مقاسم
الى مقتضى العلم القديم تحور
وليس اختيار الله في فيض نوره
بمكتسب أو تقتضيه أمور
وفي ظاهر الأقدار أسرار حكمة (2/23)
صفحة 27
طلواهن من علم الغيوب ضمير
أرتني هدى زيد وفي العلم قلة
وضلة عمرو والعلوم بحور
وذاك دليل ان الله أنفسا
عليها من اللطف الخفي ستور
ظواهرها بله وتحوي بواطنا
لدى علمها جنس الوجود حقير
عليها خدوع من غبار غباوة
ولكنها تحت الخدور بدور
تجردن من لبس الخيالات وانطوى
عليهن ريش من هدى وشكير
سرين رياح الله تحدو ركابها
اليه وأنوار اليقين خفير
يغادرن فيه منزلا بعد منزل
يكاد بها الشوق الملح يطير
تدثرن خيل الله حتى بلغنه
وواحدها في العالمين دثور
وردن مياه النهر غرثى صوادئا
وليس لها حتى اللقاء صدور
أوانس في مرج الرجاء رواتع
وللخوف في احشائهن زفير
غسلن به أحكام سهم واشعر
ودرن مع القرآن حيث يدور
نحرن عقيب الدار بازل ناكث
وأمسى بصفين لهن هدير (2/24)
صفحة 28
فلو قدرتها هاشم حق قدرها
هشمن ابن صخر للحروب صخور
ولكن وهى رأي وحامت عزيمة
فحكم خصم واستبيح نصير
بني هاشم عمدا ثللتم عروشكم
وفي عبد شمس نجدة وظهور
على غير ذنب غير انكار قسطهم
وللجور من نفس المحق فكير
قتلتم جنودا حكموا الله لا سوى
وقالوا علي لا سواه أمير
فيا لدماء في حروراء غودرت
تمور واطباق السماء تمور
وانفس صديقين أزهقها الردى
وشقت عن التقوى لهن نحور
مخردلة الأشلاء للطير في الفلا
وهن بجنات النعيم طيور
على جنبات النهروان عقائر
كما وقيت بالمشعرين نذور
أبيد خيار المسلمين بضحوة
كما نحرت للميسرين جزور
يعجون بالتحكيم لله وحده
وهامهم تحت العجاج تطير
فيا أمة المختار هل فيك غيرة
فان محب الله فيه غيور
ويا ظهرة الايمان هل فيك منعة (2/25)
صفحة 29
وهيهات عزت منعة وظهير
ويا لرجال آتو أين محمد
وناصره بالنهروان عقير
ولو وقعة كانت بعين محمد
لما قر عينا أو يزول ثبير
فمن لصدور الخيل فوق صدورهم
ولله في تلك الصدور بحور
تطل دهاء المؤمنين على الهدى
وخيل ابن صخر في البلاد تغير
ويعصى ابن عباس اذا لم شعثها
ويسمع فيها أشعت وجرير
على أن علت فوق الرماح مصاحف
ونادوا الى حكم الكتاب نصير
مكيدة عمرو حيث رثت حباله
وكادت بحور القاسطين تغور
أبا حسن ذرها حكومة فاسق
جراحات بدر في حشاه تفور
أبا حسن أقدم فأنت على هدى
وأنت بغايات الغوي بصير
أبا حسن لا تعطين دنية
وأنت بسلطان القدير قدير
أبا حسن لا تنس أحدا وخندقا
وما جر عير قبلها ونفير
أبا حسن أين السوابق غودرت
وأنت أخوه والغدير غدير (2/26)
صفحة 30
أبا حسن أن تعطها اليوم لم تزل
يحل عراها فاجر وعبير
أبا حسن طلقتها لطليقها
وأنت بقيد الأشعري أسير
أتحبس خيل آت عن خيل خصمه
وسبعون ألفا فوقهن مصور
أثرها وعالا تنسف الشام نسفة
بشارات عمار لهن زفير
وصك ثغور القاسطين بفيلق
له مدد من ربه وظهير
فلم يبق الا غلوة أو تحسهم
ويبكي ابن صخر قبة وسرير
فمالك والتحكيم والحكم ظاهر
وأنت علي والشام تمور
أفي الدين شك أم هوادة عاجز
تجوزتها أم ذو النقار كسير
يبيت قريع الجفن بالجفن لاصقا
وجفن حسام ابن اللعين سهير
فلا جبرت حداه ان ظل مغمدا
وهندي هند منجد ومغير
ولا جبرت حداه يوم سللته
له في رقاب المؤمنين صرير
أتغمده عن عبد شمس وحزبها
ويلفح حزب الله منه سعير
فمالك والأبرار تنثر هامهم (2/27)
صفحة 31
كأنك زراع وهن بذور
ذروتهم عصفا وتبكي عليهم
بلى فابك خطب بالبكاء جدير
فما هي إلا جدعة الأنف ما شفت
غليلا وجرح لا يزال يغور
ستحصد هذا الزرع مهما تقصدت
عراقك لا يلوي عليك ضمير
تنازعها سل السيوف فتلتوي
وتخطب فيها والقلوب صخور
قتلت نفير الله والريح فيهم
وأصبحت فذا والنفير نفور
نشدت دوي النحل لما فقدتهم
ويعسوب ذاك النحل عنه خبير
أرقت دهاء المؤمنين بريئة
لهن بزيزاء الحرار خرير
عليا أمير المؤمنين بقية
كأن دهاء المؤمنين خمور
سمعناك تنفي شركهم ونفاقهم
فأنت على أي الذنوب نكير
وما الناس الا مؤمن أو منافق
ومنهم جحود بالإله كفور
وقد قلت ما فيهم نفاق ولا بهم
جحود وهذا الحكم منك شهير
فهل أوجب الايمان سفك دمائهم
وأنت بأحكام الدهاء بصير (2/28)
صفحة 32
تركتهم جزر السباع عطيهم
لفائف من ايمانهم وستور
مصاحفهم مصبوغة بدمائهم
عليهن من كتب السهام سطور
وكنت حفيا يا ابن عم محمد
بحفظ دهاء ما لهن خطير
وكنت حفيا ان يكونوا بقية
لنصرك حيث الدائرات تدور
تناسيت يوم الدار اذ جد ملكها
فللعاص فيها دولة وظهور
ويوم جبال الناكثين تدكدكت
وطلحة والعود الطليع عقير
وحربا تؤز الشام أزا قراعها
له في جموع القاسطين سعير
تعوذ منها القاسطون بخدعة
بجدعة تلك الأنف فاز قصير
مواطن أهوال تبوأت فلجها
الى أن دهتها فلتة وفتور
تفانت ضحايا النهر في غمراتها
وأنت شهيد والعدو وتير
تنادي أعيروني الجماجم كرة
فقد قدموها والوطيس سعير
أما والذي لا حكم من فوق حكمه
على خلقه ورد به وصدور
لقد ما أعاروك الجماجم خشعا (2/29)
صفحة 33
عليهن من قرع الصفاح فطور
فقصعتها إذ حكمت حكم ربها
فما بقيت عارية ومعير
فيا أسفا من سيف آل محمد
على المؤمنين الصالحين شهير
نبا عن رؤوس الشام في الحق وانثنى
الى ثفنات العابدين يجور
أحيدرة الكرار إن خياركم
وقواءكم تحت السيوف شطور
أحيدرة الكرار تابعت أشعثا
واشعث شيطان الدكفور
أعشرون ألفا قلبهم قلب مؤمن
بأوجههم نور اليقين ينور
بهاليل أفنوا في العبادة أنفسا
لهم أثر في الصالحات أثير
أسود لدى الهيجا رهابين في الدجى
أنا جيلهم وسط الصدور سطور
وفي القوم حرقوص وزيد وفيهم
أويس ومن بدر هناك بدور
ومن بيعة الرضوان فيهم بقية
بأيديهم منها ندى وعبير
أكلتهم في النهر فطرة صائم
فكيف أبا السبطين ساغ فطور
فيا فتنة في الدين ثار دخانها
وذاك الى يوم النشور يثور (2/30)
صفحة 34
نجونا بحمدالله منها على هدى
فنحن على سير النبي نسير
بصائرنا من ربنا مستمدة
اذا اشتبهت للمارقين أمور
وثقنا بأن الدين عروة أمرنا
وما شذ عنه فتنة وغرور
وان رجالا حكموا الله حجة
على من بتحكيم الرجال يصور
ببينة من ربهم وبصيرة
تجاهل فيها عسكر وأمير
وأنهم حجوا عليا وأعذروا
وما فاتهم ممن لديه عذير
على أنه من أبصر الناس للهدي
وكم بقضاء الله ضل بصير
تنورها الحبر ابن عباس منهم
فحج عليا والحجيج نصير
جزى الله أهل النهروان وضاءه
وما فوق مرضاة الاله أجور
كما جاهدوا في الله حق جهاده
وقاموا بما يرضى وفيه أبيروا
وماتوا كراما قانتين وكلهم
على الموت صبار هناك شكور
شراة سراة لا يخط غبارهم
وان أبلحت فوق الأمور أمور
اذا انتهكت من دين الاسلام حرمة (2/31)
صفحة 35
فليس لهم عيش هناك قرير
كرام شداد الغار في ذات ربهم
على كل حال والمحب غيور
نفوسهم حيث ابتلوا وجه ربهم
قرابين منهم قدمت ونذور
ندين لوجه الله طوعا بحبهم
وما ثسنآن الملحدين مضير
هم القوم بلتهم مخافة ربهم
ودارت عليهم أبطن وظهور
فلا بارح الروح الالهي ربعهم
ولا فارقتهم رحمة وحبور
واخوانهم أهل النحيلة بعدهم
وأتباعهم حتى يقوم نشور
ولا زال منهل السلام عليهم
ترادف آمال به وبكور
وأدخلهم دار السلام الههم
جميعا عليهم نضرة وسرور (2/32)
صفحة 36
عنوان المقال مهرجان مسقط التالي للشعر العربي
صدر في العدد العاشر
الكاتب سميح القاسم
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
ثمة قلاع ومراصد، وجنات نخل ومساجد. تحت جبال دونها جبال، هكذا! ما لا نهاية، الى أن يبتديء الرمل لعبة اللانهاية أيضا، هناك عند تخوم الربع الخال آن نرى احر وق مائجة كالبحر. هذه البلاد، بلاد المحاربين والفلاحين، بلاد البحارة والصيادين، وصانعي الفخار، والمناجل، بلاد الفقه المختلف، هذه البلاد لها في ثقافة العرب المنتخبة مكانة سؤالها الذي استغرق صخور المكان وقلاعه في مشرق الأمة، حتى القرى السبع المقدسة في مغرب الأمة.
ونحن الآتين الى هنا، تلبية لدعوة، وتشبثا بتاريخ نريد الا ينقطه، أقول لنا: ماذا نريد؟
وأقول لكم، يا من أرسلتم الينا رسالة الوشيج: ماذا تريدون؟ لن يكون في الجواب اختلاف أصم مادام السؤال و اضحا.
ثمة في إرادة مشتركة، رقبة مشتركة في إملاء الشأن الشقان، بتجلياته المتعددة، إبداعا وابداء.
وثمة الحاح على هوية يتهددها ما يتهددها.
ثمة الحا ح على لفة لا نريدها عجماء.
وهى سيادة أرض هي معراجنا الوحيد الى السماء وهكذا
نبدأ السبل: خطوة أولى، مهرجانا أول للشعر يتلوه ثان للشعر، فثالث للشعر ونقده .. الى أن تكون الخطي واثقة متصاعدة كالطريق الى القمة.
بهذه الأمنية، بهذا الدعاء الصادق، ختم مهرجان مسقط الثاني للشعر العربي أيامه الخمسة. أيام النشيد والنشيج. الأيام التي ضمت شعراء من مختلف البلدان والاتجاهات احتفلت مسقط بل كل عمان بأيام الحب والسلام والشعر، هذا التقليد الذي أرسى قواعده النادي الثقافي في السلطنة حيث كان مهرجان مسقط الأول للشعر العربي في نوفمبر 1995م بدأت فعاليات مهرجان مسقط الثاني للشعر العربي في يوم الثاني والعشرين من شهر (فبراير) الماضي، وانتهت في اليوم السادس والعشرين منه.
في اليوم الأول افتته المهرجان أمسيته بكلمة ترحيبية ألقاها الرئيس التنفيذي للنادي الثقافي الشيخ سيف بن هاشل المسكري، الذي رحب فيها بالضيوف شعراء المهرجان. وبأصحاب المعالي والسعادة وبالحضور الذين غصت بهم القاعة طوال أيام المهرجان.
كانت كلمات الشعر الأولى في الأمسية هي قصيدتان
لشاعرنا الكبير، ومعلمنا الملهم الشيخ عبدالله بن علي الخليلي الذي كانت مشاركته المفاجأة السارة التي قدمها لهذه التظاهرة الثقافية والتي أصر رغم مرضه أن يشارك فيها، احتفالا واحتفاء.
ألقى القصيدتين أحد تلامذته الذي تعلم على يديه، الشاعر حبراس بن شبيط بن لافي.
شارك في المهرجان خمسة وعشرون شاعرا منهم أحد عشر شاعرا عمانيا.
وزع الشعراء على ثلاث أمسيات، كل أمسية تتكون من جلستين وكانت كل جلسة تضم نحو أربعة شعراء. ضمت الجلسة الأولى من الأمسية الأولى كلا من الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد من العراق، والشاعر سعيد الصقلاوي من عمان، والشاعر محمد جبر الحربي من السعودية، والشاعرة ذكريات الخابوري من عمان. (3/1)
صفحة 37
أما الجلسة الثانية من الامسية الأولى فقد ضمت كلا من الشاعر قاسم حداد من البحرين، والشاعر هلال الحجري من عمان، والشاعرة ميسون صقر من الامارات العربية، والشاعر أمجد ناصر من الأردن.
أما اليوم الثاني للمهرجان فقد حوى في جلسته الأولى كلا من الشاعر عبدالله البراوني من اليمن، والشاعر طالب المعمري من عمان، والشاعر ممدوح عدوان من سوريا، والشاعرة سعيدة خاطر من عمان.
وكان كل من الشاعر سعدي يوسف من العراق، والشاعر هلال العامري من عمان، والشاعر مصطفى محمد الغماري من الجزائر والشاعرة نورة البادي من عمان هم شعراء الجلسة الثانية لليوم الثاني من مهرجان مسقط الثاني للشعر العربي.
في اليوم الثالث حط المهرجان رحاله في نزوى حاضرة العلم والثقافة والتاريخ، وكان يوما مفتوحا، تجول الشعراء في التاريخ بين الأثار بين القلعة والسوق، بين الجبل والوادي، استقبلت نزوى شعراء البلاد بالحفاوة والترحاب، وصبت لهم فناجين القهوة برائحة الهيل، وأذاقتهم طعم الحلوى العمانية بنكهة الزعفران.
وفي المساء كان الفناء وكان السمر، وكان الشعر، فحلقت أصوات الشعراء في سماء نقية صافية.
وكان اليوم الرابع، يوم الختام، اليوم الذي كان فيه للشعر مساءات في مساء، وجلسات في جلسة. هذه الأمسية أمسية القادمين من بعيد، الحاضرين دائما، المتوهجين بالضوء والضياء، الأمسية احتضنت في جلستها الأولى الشاعر سميح القاسم من فلسطين، والشاعر ابراهيم المعمري من عمان، والشاعر سركون بولص من العراق، والشاعر مهنا بن خلفان الخروفي، من عمان والشاعر المنصف المزعني من تونس، بينما ضمت الجلسة الثانية، الشاعر محمد القيس من فلسطين والشاعر محمد عبدالكريم الشحي من عمان، والشاعرة حبيبة محمدي من الجزائر، والشاعر أبو سرور حميد بن عبدالله الجامعي. في نهاية الأمسية، ألقى سالم العبري عضو مجلس إدارة النادي الثقافي للمشاركة في مهرجان مسقط الثاني للشعر العربي.
أخيرا ألقى الشاعر سعدي يوسف كلمة بالنيابة عن الشعراء، شكر فيها السلطنة على إقامة المهرجان، وألحد على أهمية استمراره وتواصله مع الشعراء العرب. اللافت للنظر أن مهرجان مسقط للشعر العربي، منذ المهرجان الأول وتأكيدا في الثاني شهد اختلاف وتعدد الاتجاهات الفكرية والشعرية، وكان لذلك أثر ملحوظ في قلوب الشعراء والحضور.
سعى مهرجان مسقط للشعر العربي منذ فكرته الأولى الى تأسيس قاعدة قوية للارتقاء بالوضع الثقافي في البلاد وذلك من خلال استمراره وتواصله مع شعراء البلاد العربية، ولقد فتح المهرجان نافذة كبرى على، ومن مسقط، وبقار ما آل اليه المهرجان من نجاح منميز فهو محتاج الى تعميق فكرتة نحو ايجابية العطاء على المستويات الثقافية العمومية انطلاقتها وتوجيهاتها.
افتحي نافذة أخرى
انزعي عن قمر الروح الستائر
السنونون تدنو من زجاج الشرفة المغلقة
الغرفة تكتظ بموت راكد
قومي الى الريح القريبة وافتحي نافذة.
أخرى لقداس البشائر
للسنونوة
هذا الحجر الصاعد من موتي
الى سدرة ميلادي المهيبة
افتحي نافذة أخرى على قلبي
قومي وافتحي نافذة اخرى على شعبي
وأعراس المقيمين لميعاد المنافي والمهاجر
ياابنة الشمس التي تطفح
زيتونا وتفاحا ولوزا
افتحي قلبي على اللغز
دمي فك بسمر الحب لغزا (3/2)
صفحة 38
واقذفيني حجرا
سميح القاسم (3/3)
صفحة 39
عنوان المقال العادات والتقاليد العمانية = المغربية: المرجعية التاريخية والاطار المشترك
صدر في العدد الثاني عشر
الكاتب ابراهيم القادري بوتشيش
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
من المقولات العلمية التي تقوم عليها نظريات المؤرخين والسوسيولوجيين والمهتمين بثقافة المجتمعات، أن العادات والتقاليد المشتركة بين بلدين من البلدان لا يمكن أن تولد من فراغ، بل تتأسس في الغالب الأعم من خلال رصيد تراكمي من الارث الحضاري الذي يفرزه واقع الصلات التاريخية المتجذرة بينهما.
من هذا المنظور، نتناول في هذا السطور دراسة بعض العادات والتقاليد المشتركة بين مجتمعين متباعدين جغرافيا، ولكنهما متقاربان في الكثير من العادات والتقاليد ويتعلق الأمر بمجتمعي عملان والمغرب. ونحن في غنى عن القول - من أول وهلة - أن العروبة والاسلام شكلا الاطار المرجعي العام لهذا التشابه الذي يسترعي انتباه كل دارس سبر غور المجتمعين المذكورين، لكن مع الاقرار بفاعلية هذه القاعدة الصلبة في تشكيل خيوط التقارب المنوه به، لا تعوزنا القرائن لاثبات ما تمخض عن الخصوصية التاريخية للبلدين من عادات متشابهة. ويخيل الينا أن هذا التشابه ما كان ليحدث لولا التواصل الحضاري الذي يصم صيرورة البلدين وتميز بالاستمرارية عبر العصور التاريخية، لذلك نكاد نجزم أنه من الصعب تفسير هذا الرصيد المشترك من العادات دون الرجوع الى الخلفية التاريخية التي ولدت هذه الأخيرة من رحمها، ومن ثم نرى ضرورة الاهتداء بها - ولو في عجالة - لتحليل هذه الظواهر الاجتماعية المشتركة وفك مغلقاتها، ولو أن الحوليات التاريخية لا تسعف كثيرا في هذا المجال لأن المؤرخ في العصر الاسلامي ظل أسير الحدث السياسي والتقارير العسكرية، ولم يورد بصدد العادات الاجتماعية سوى اشارات باهتة وشوارد محتشمة لا تفيد في الاحاطة والالمام بهذه الحلقة المفقودة في تاريخ المجتمعات. بيد أنه يمكن سد هذا النقص في الحوليات التاريخية بكتب الرحلات ومؤلفات السفير والتراجم.
أولا: الموجعية التاريخية
من الثابت أن العلاقات العمانية - المغربية - تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، ينهض دليلا على ذلك ما أفصحت عنه النصوص القديمة والحفريات الأثرية. وقد كفتنا الدراسات الحديثة مؤونة تتبع تفاصيل مسار هذه الصلات القديمة اذ أكدت بما لايدع مجالا للشك وجودها بين البلدين منذ الحقب الغابرة (1).
ومع مطلع الاسلام، اتخذت هذه العلاقات بعدا روحيا واجتماعيا عظيم الأهمية، فمنذ انطلاقة الشرارة الأولى للفتوحات الاسلامية، بدأت قبائل الأزد العمانية تتوافد على بلاد المغرب للمشاركة في حركة الجهاد ونشر الاسلام ببلاد المغرب. وفي هذا الصدد يزودنا المؤرخ ابن عبدا لحكم (2) بنص هام حول مساهمة ألف وأربعمائة من الأزد في الفتوحات الاسلامية بالمغرب الأدنى. وعند انتهاء عمليات الفتح، طاب المقام لبعضهم فآثروا المغرب موطنا، واستقروا في بعض حواضره كسجلماسة وتاهرت (3) مما ساهم في خلق امتزاج اجتماعي كان وراء ميلاد عادات وتقاليد عمانية - مغربية مشتركة دون شك.
وبظهور المذهب. الإباضي، تصاعدت وتيرة الصلات التاريخية بين البلدين، وصار عودها أشد ملامة، ولا غرر فقد نشط الدعاة الإبأضيون في بلاد المغرب، وتكثف نشاطهم التدريسي بها حتى أن أحدهم لقب بشيخ المغاربة (4). وبالمثل، ولغرض استيعاب المذهب الإباضي، شد المغاربة الرحال الى عمان أو البصرة التي كانت مدينة عمانية لكثرة التواجد العماني فيها كما يجمع على ذلك الدارسون (4م). وكان من بين أولئك المقاربة، الأقطاب الأوائل الذين تسميهم المصادر بحملة العلم 0 0.وقد تمخض عن هذه العلاقات العلمية نشوء مدرسة عمانية - مغربية لها توجهات فكرية مشتركة أسفرت - ضمن ما أسفرت عنه - عن تأسيس امارات إباضية في بلاد المغرب أفلحت في تمتين العلاقات السياسية بين البلدين (6).
وبالمثل أضافت الرحلات التجارية لبنة أخرى لتدعيم الصلات التاريخية بينهما، اذ يمم التجار الإباضيون وجههم شطر بلاد المغرب لاستثمار عملياتهم التجارية ونوظيفها لدعم نشاط دعاتهم بالمال الحلال. وفي المقابل، حمل التجار المقاربة بضائعهم وسلعهم نحو عمان (7)، مما أسفر عن تنشيه المبادلات بين البلدين.
كما أن رغبة الدعاة الإباضيين في تعريب البربر ونشر الاسلام سلميا بين القبائل الأمازيغية المغربية التي لم يكن الاسلام قد ترسخ فيها بعد، وفي المناطق الجبلية على الخصوص، زاد من تجذر الصلات بين المغرب وعمان. (4/1)
صفحة 40
وحسبنا أن كثيرا من المتطوعة منهم انبثوا في الجبال والواحات المغربية والمدن أحيانا، فعاشوا بين أحضان القبائل المغربية في علاقات ودية (8)
وفي نفس المنحى، ساهم لقاء المغاربة والعمانيين في مواسم الحج في تفعيل عملية التواصل حيث إن هذه المواسم شكلت مناسبات دينية كان يتم خلالها تجديد أوا هو الصلات الاجتماعية والروحية وعقد لقاءات تستمر أحيانا حتى ما بعد انتهاء أيام الحج. وتعبر كتب الطبقات والسير عن الحجاج الذين يظلون بمكة عقب نهاية موسم الحج باسم "المجاورين ". وكان من بين هؤلاء عدد من المقاربة والعمانيين نذكر من بينهم العالم العماني أبو سفيان محبوب بن الرحيل الذي كان ينصب الخيام لاقامة حجاج عمان
والمغرب (9).
يضاف الى ما تقدم مسألة الرحلات التي ساهمت بدورها في ترسيخ عرى التواصل بين البلدين، فإلى جانب الرحلات العلمية والتجارية، جاءت الرحلات الشخصية مثل رحلة ابن بطوطة المغربي الى عمان لترفع من ايقاع هذا التواصل وتعطيه طابع الاستمرارية (10).
الى جانب العوامل آنفة الذكر، يخيل الينا أن العامل التاريخي الأهم الذي ساهم بنصيب وافر في خلق قاعدة مشتركة للتقاليد العمانية المغربية يكمن في وحدة العرق، اذ أثبتت الدراسات التاريخية أن موطن الأمازيغ (البربر المقاربة) هو بلاد اليمن قبل أن يهاجروا في تاريخ غير مضبوط الى مصر ومنها الى المغرب. واذا علمنا أن أصل قبائل الأزد العمانية من اليمن أيضا - كما يجمع على ذلك جمهرة الباحثين - أمكن فهم سر هذا التلاقح والامتزاج في مجال العادات بين البلدين.
وثمة سيل من النصوص والأدلة الدامغة التي تعكس التواصل التاريخي بين عما دن والمغرب، إلا أننا سنقتصر على هذا الحيز رغم ضألته (11)، لأن ذلك لا يشكل جوهر موضوع الدراسة، بقد. ما يستهدف ابراز الخلفية التاريخية التي أفرزت العادات والتقاليد العمانية - المغربية المشتركة وهو ما سنعرض له في العنصر التالي.
ثانيا: عمان والمغرب إطار مشترك للعادات والتقاليد:
بديهي أن يتمخض عن هذا المناخ من التواصل التاريخي بكافة اشكاله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والمذهبية التي أتينا على ذكرها بإيجاز إطار مشترك انصهرت داخله مجموعة من العادات والتقاليد العمانية -المغربية بعضها لا يزال ماثلا حتى الوقت الراهن بفضل ما جبل عليه المغاربة والعمانيون من حصر شديد ووفاء مستمر لهويتهم وتراثهم الأصيل.
على محك هذه الرؤية، لم يكن من قبيل الصدفة أن يفطن ابن بطوطة حين زار عمان منذ ستة قرون خلت، الى أوجه الشبه بين العادات المغربية ونظيرتها العمانية. ففي كل مناسبة كان يقف فيها عل هذا الرصيد المشترك، كان يتأمله بعقل الملاحظ الدقيق، والرحالة المتمرس. ومن خلال مشاهداته العميقة وصل الى خلاصة أوجزها في جملة واحدة ولكنها معبرة عن التشابه في النمط الحضاري والعادات والتقاليد بين المجتمع العماني ونظيره المغربي حين قال متحدثا عن أهل ظفار: داوهم أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم" (12)، وهو نص غني عن كل بيان، ويعكس مدى قدرة الانسان على تجاوز مشكلة بعد المسافات، ذلك أن وجود بلدين أحدهما في أقصى المحيط وآخر في أقصى الخليج لم يحل دون افراز عادات وتقاليد مشتركة. ومن خلال قراءة نصوص رحلته تبرز معالم هذه العادات العمانية - المغربية المشتركة والتي وقف ابن بطوطة على خطوطها العريضة حسب ما يلي:
1 - تشابه طريقة تزيين البيوتات أو ما يمكن أن نعبر عنا - "ديكور" المنازل، حيث سجل الرحالة المغربي عادة شاعت لدى العمانيين والمقاربة على السواء، وتتمثل في وضع سجادات على جدران غرفهم لاستعمالها لأداء الصلاة، وفي ذات الوقت جعلوها مظهرا من مظاهر الزينة
وتجميل البيوت (13). ومعلوم اذن "الديكور"`في الحواضر الاسلامية ارتبط دائما بالشعارات الدينية. ولا تزال عادة وضع السجادات والزرابي على الحائط موجودة الى اليوم في بعض المنازل المغربية.
2 - وفي نفس المنحى يأتي كذلك تزيين جدران المنازل أو المساجد بالقيشاني العماني الذي أكد ابن بطوطة أنه (4/2)
صفحة 41
يشبه تماما الزليج المغربي. (14) ويعكس هذا التشابه وحدة الرؤية الفنية لدى المقاربة والعمانيين ولا تزال صناعة الزليج من أهم الصناعات التقليدية بالمغرب حتى الوقت
الراهن (15) والزليج التقليدي نفسه يحمل الشعارات الدينية.
3 - التشابه في الأطعمة: وهي ظاهرة أخرى لاحظ ابن بطوطة أنها تشكل قاسما مشتركا بين البلدين، فذكر منها على الخصوص الذرة والأسماك، خاصة سمك السردين والسمك المعروف في عمان باللحم، وهو شبيه بالسمك المسمى في المغرب بحصى اللبان. (16). وقد يكون للجغرافيا دور في هذا التشابه اذ أن كلا من عمان والمغرب يتميزان بسواحل بحرية طويلة، مما يجعل السكان يعتمدون على صيد الأسماك. والمغرب معروف بوفرة سمك السردين على طول سواحله الأطلسية والمتوسطية.
4 - التشابه في أسماء الجواري والخدم حيث نقف من خلال كلام ابن بطوطة وكأن المجتمعين العماني والمغربي قد اتفقا. بطريقة عفوية - على تسمية الخدم بأسماء مشتركة، وهذه ظاهرة لاحظها الرحالة ابن بطوطة حينما نزل بظفار بمنزل خطيب مسجدها الأعظم وهو عيسى بن علي فذكر عنه أنه "كان له جوار سميات بأسماء خدام المغرب احداهن اسمها بخيتة والأخرى زاد المال. (17)
5 - التشابه في الكلام الدال على تنبيه المخاطب: وهو ما أشار اليه ابن بطوطة عند حديثه عن لهجة أهالي قلهات، مؤكدا انهم يصلون كلامهم بمصطلح"لا" (18). ورغم انه اعتبر ذك مظهرا من عدم فصاحتهم، فالمقيتة أن لفظ "لا" في عقب الكلام هو اشارة للتنبيه والاصرار على الفعل من جانب المخاطب (بالكسر) تجاه المخاطب (بالفتح)، وهي نفس الصيغة المستعملة في الدارجة المغربية التي يتوخى منها الشخص تنبيه المستمع اليه والتأكيد عليه، وتلك قرينة أخرى على التشابه في العادات بين الشعبين، والتفاعل الاجتماعي الذي حدث بينهما على مستوى لهجة الكلام.
6 - بيد أن أهم أوجه الشبه التي استنبطها ابن بطوطة تتجسد في الأصل العرقي للانسان المغربي والعماني اذ لاحظ - بدقة العالم السوسيولوجي - ان تشابه العادات بين المقاربة والعمانيين تؤيد النظرية الافتراضية القاعة بأن سكان المغرب البربر يرجعون في أصولهم العربية الى قبائل حمير اليمنية التي ينتمي اليها أيضا أزد عمان (19). ولعل أهمية هذا الاستنتاج الذي وصل اليه ابن بطوطة يؤكد الوحدة الجنسية للشعبين، ويدحض الافتراءات والمزاعم الباطلة التي روجت لها المدرسة الأوروبية حول الأصل السالتي للبربر المقاربة، ونفي أي حس وطني أو وحدة عرقية لديهم، ساعية بذلك الى طمس الهوية العربية للمغرب، واضفاء المشروعية الحضارية على توجهاتها الاستعماريه (20).
انطلاقا من هذه الوحدة الجنسية، تأتي مشروعية التساؤل الذي طرحه احد الباحثين عن مغزى الشبه بين من يعرفون -"الشحوح " من سكان شمال عمان، و"الشلوح " من سكان الأطلس المتوسط بالمغرب، اذ للطائفتين معا ميزات مشتركة، وان كان هذا الاجتهاد في حاجة الى دراسة سوسيولوجية وتاريخية متعمقة للبرهنة عليه بدقة أكثر.
والراجح أن الظروف التي مر بها ابن بطوطة في عمان لم تسمح له باستقصاء عادات أخرى تدخل في عداد القواسم المشتركة بين العمانيين والمقاربة، ذلك أن اقامته القصيرة فيها لم تمهله الوقت الكافي للوقوف على كل كبيرة وصغيرة. وربما يكون قد اختصر ما لاحظه من أوجه التشابه، شفيعنا في هذا الافتراض قوله أن أهل ظفار "أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم ". ولعل مصطلح «شؤونهم» تجعل الباحث يستنتج أن هذا المعنى الذي جاء في صيغة الجمع يشمل كل أمور الحياة، من بينها ما ذكره بالواضح، ومنها ما سكت عنه باعتبار أنه أمر عادي ومألوف بالنسبة لمجتمعين عربيين اسلاميين.
ومما يدعم هذا الاستنتاج أن بعض العادات المغربية الشبيهة بالعادات العمانية لا تزال ماثلة للعيان الى يومنا هذا، مثل عادة حمل الخناجر الشائعة لدى العمانيين، وهي نفس العادة التي لا تزال موجودة لدى القبائل الضاربة في جنوب المغرب (22) وكذلك الحال بالنسبة للأزياء، فالعباءة الزرقاء والنعال التي يرتديها العمانيون تتماثل والأزياء التي يتميز بها أهل المغرب الجنوبي. أما العمائم التي يلبسها أهل المغرب الشمالي فلشدة تشابهها مع العمائم العمانية ما جعل أحد الدارسين يعبر عنها - وهو محق في ذلك - بأنها "عمانية الشكل" (23).
نفس القاسم المشترك نلمسه كذلك في أزياء النساء، خاصة العباءة السوداء التي تلبسها خارج البيت كل من المرأة (4/3)
صفحة 42
العمانية ونظيرتها المغربية في الجنوب.
وثمة وجه آخر´يعكس هذا التراث المشترك بين عمان والمغرب، ويتمثل في تشابه لهجة أهل ظفار مع نظيرتها المغربية اذ أن المخرجات الصوتية و استعمال المصطلحات العامية تكاد تكون متشابها (24)، كما يمكن تلمس التماثل في العادات والتقاليد المغربية. العمانية في الفولكلور والرقصات الشعبية خاصة الرقصة المسماة بـ "الكدرة " وهي رقصة تشبه تماما الرقصة التي تؤديها النساء العمانيات في حركاتها مما يحمل على القول أن العادات العمانية والمغربية في الزواج والأفراح والأعياد والمأتم تكاد تكون متطابقة (26).
ويمكن - دون عناء - ملاحظة تشابه أسماء العائلات المغربية والعمانية الذي يعد في نظرنا انعكاسا أمينا للصلات الاجتماعية والثقافية دون شك، فالاسم القبلي لبعض الأسر العمانية يوجد بوفرة في المغرب والعكس صحيح. ونسوق في هذا الصدد بعض الأسماء مثل أسرة الغساني والحارثي والعلوي والزواري والسالمي والراشدي والحميري والشكيلي وغيرها من الأسماء التي تجد صداها في كل من المغرب وعمان (27)، بل أن أسرة العزفي التي أسست في مدينة سبتة المغربية امارة قوية تنحدر - اذا صحت فرضيات بعض الدارسين - من اسرة قابوس بن النعمان بن المنذر (28). وبالمقل لم يكن من قبيل الصدفة - بحكم ارتباط الأندلس بالمغرب وتبعيتها السياسية والحضارية له - ان تنتقل بعض الأسماء العمانية اليها مثل المهلب بن أبي صفرة ويزيد بن المهلب (29).
ولا تزال عادة الصيد بالصقور سائدة الى اليوم في منطقة دكالة الواقعة في غرب المغرب. ويذكر أهل هذه المنطقة أن هذه العادة ترجع الى القواسم الذين ينحدر أصلهم منهم. ومعلوم أن القواسم ~كانوا يستوطنون عمان منذ العصر الأموي. ويحدد السيابي (30) مناطق تجمعاتهم بعمان في ملتقى بوادي سمائل وفي نفعا بوادي منمح في جبال الحجر. كما استقروا في فلج الحجر بوادي رسيل وفي صحم بالباطنة وأراضي وادي الميح وفي بندر جصة جنوبي مسقط ومع بني علي في صور وجعلان، وهذه قرينة أخرى على العادات المشتركة التي أفرزها الانصهار الاجتماعي.
وبالمثل فان تشابه أسماء بعض المناطق تؤكد مقولة التواصل التاريخي، ففي مسقط مثلا توجد مقاطعة الحمرية، وهو نفس الاسم الذي تحمله أحدى المقاطعات الحضريه مدينه - مكناس المغربيه (31). ويمكن للطوبونيميا - اذا أحسن توظيفها - أن تضيء مساحات كبيرة من هذا الجانب.
وختاما يمكن احالة القاريء على كتاب "العادات العمانية " لمؤلفه سعود بن سالم العنسي (منشورات وزارة التراث القومي والثقافة 1991) ليتبين التماثل الواضح بين العادات العمانية والمغربية في الحقبة المعاصرة، وان كان هذا لا يهم مجال الدراسة، ولكنة يعتبر نتيجة لها.
كل هذه القرائن تؤكد بالملموس وجود قاعدة تراثية مشتركة بين المغرب وعمان. ويخيل الينا أن هذا الاطار المشترك لم ينبثق من لا شيء ودون توافر رصيد من الصلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمذهبية، وما كان له أن يستمر ويصمد في وجه الزمن لو لم يؤسس على قاعدة تاريخية صلبة تعكس التواصل الحضاري بين أجزاء الوطن العربي من المحيط الى الخليج، وتنفي مقولة القطيعة الابستيمولوجية المزعومة بين جناحي هذه الأمة.
الهوامش:
1 - راجع: محمد سليمان أيوب: صفحات مطوية من تأثيرات الحضارة العمانية في المغرب. بحث نشر ضمن أعمال ندوة حصاد الدراسات العمانية، نوفمبر 1980، مجلد 4 ص 45.
2 - فتوح مصر وأخبارها، نشره شارل طوري ليدن 1920 ص 184. Ir
3 - محمد سليمان أيوب: م. س. ص 90.
4 - يتعلق الأمر بالشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة، انظر الجعبيري: علاقة عمان بشمال افريقيا. بحث قدم لندوة عمان في التاريخ، جامعة السلطان قابوس، سبتمبر 1994، ص 18 نشر مؤخرا في كتاب: عمان في التاريخ، دار اميل للنشر، لندن 1995، ص 224. (4م) انظر: سيدة اسماعيل كاشف: اباضية عمان ونشر الاسلام في بلاد (4/4)
صفحة 43
المغرب. بحث نشر ضمن أعمال حصاد ندوة الدراسات العمانية، نوفمبر 1980، مجلد 3،ص 261، 264 وقد عبرت هذه الباحثة عن ذلك بقولها عن البصرة أنها أصبحت "الوطن الثاني للعمانيين ".
5 - الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب. تحقيق ابراهيم طلاي، قسنطينة، الجزائر (د. ت) ج ا، ص 20. انظر أيضا: سالم بن حمود السيابي: ازالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، تحقيق سيدة اسماعيل كاشف. القاهرة 1979، ص 38.
6 - عن هذه الامارات انظر: محمود اسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب الاسلامي. بيروت - القاهرة 1976. دار العودة، دار مدبولي، ص 107 وما بعدها.
7 - كتاب المحبر: ص 265 - 266 عن: عبدالرحمن عبدالكريم العاني: دور العمانيين في الملاحة والتجارة الاسلامية حتى البقرن الرابع الهجري، منشورات وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط 1981، سلسلة تراثنا، عدد 26ص 31.
8 - آمال خليل: دور الاباضية في نشر الاسلام في بلاد المغرب. بحث قدم لندوة عمان في التاريخ (مرقون) ص 13.
9 - ابن سلام: الاسلام وتاريخه من وجهة نظر اباضية، تحقيق شفارتز وسالم يعقوب، بيروت 1985، ص 130.
10 - انظر دراستنا: التواصل الاجتماعي بين المقاربة والعمانيين من خلال الرحلات، بحث مرقون.
ا 1 - قمنا بدراسات مفصلة عن الصلات التجارية والاجتماعية والثقافية بين عمان وبلاد المغرب نعمل الجهود الأخيرة لاخراجها في كتاب عما قريب بحول الله.
12 - تحفة النظار، تحقيق محمد علي المنتصر الكتاني، منشورات مؤسسة الرسالة (د. ت. م) ج 1ص 287.
13 - نفس المصدر والصفحة.
14 - نفسه، ص 299.
15 - عبدالهادي التازي: الصلات التاريخية بين المغرب وعمان. بحث نشر ضمن أعمال ندوة حصاد الدراسات العمانية. مسقط نوفمبر 1980، مجلد 3. ص 217.
16 - نفسه، ص 315.
17 - ابن بطوطة: م. س، ص 387.
18 - نفسه ص 396.
19 - نفس المصدر والصفحة.
20 - Camp: L,origine des Berberes.paris 1981,p.19.
ا 2 - عبدالهادي التازي الصلات التاريخية بين المغرب وعمان. مسقط 1983، منشورات وزارة التراث القومي والثقافة، ص 20.
22 - نفسه، ص 18.
تعرف باسم (الدشداشة) في عمان. (4/5)
صفحة 44
23 - محمد سليمان أيوب: م. س، ص 54.
24 - لاحظت من خلال معايشتي للاخوة العمانيين أن لهجة أهل ظفار أقرب فهما واستيعابا للمفا ربة وأكثرها قربا منها.
25 - أتاح لنا التليفزيون العماني فرصة مشاهدة فلكلور الرقص العماني ومن خلال مقارنة الحركات والايقاعات توصلنا الى هذه النتيجة.
26 - محمد سليمان أيوب: م. س. ص 54.
27 - لاحظنا ذلك من خلال القيام بجرد للاسماء القبلية للطلبة العمانيين الذين نقوم بتدريسهم فتبين بوضوح تماثل هذه الأسماء مع الأسماء المغربية.
28 - عبدالهادي التازي، م. س. ص ا 2.
29 - الصبي: بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس. تحقيق ابراهيم الأبياري، طبعة القاهرة -بيروت 1989، دار الكتاب المصري- دار الكتاب اللبناني.
30 - عمان في التاريخ، ج 1، ص 67.
31 - توجد هذه المنطقة بمدينة مكناس في القسم الذي يعرف بالمدينة العصرية.
ابراهيم القادري بوتشيش
(أستاذ بجامعة السلطان قابوس - سلطنة عمان) (4/6)
صفحة 45
عنوان المقال من الشعر العماني
صدر في العدد الثالث عشر
الكاتب هلال الحجري
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
توطئة:
ليس من باب المبالغة اذا ذهبنا الى أن ديوان الشعر العماني يمثل ثلث ديوان الشعر العربي القديم، وانه ظل مغمورا ومطويا حتى عن معظم أهله وذويه.
فمن حيث الكم يشكل النظم (بمعناه الذي يقابل النثر) لغة تكاد أن تكون أشيع وسيلة للخطاب بين الناس، حتى لقد قالوا «خلف كل صخرة عمانية شاعر"، وهذه الجملة وان كان من الصعب هضمها فنيا لحساسية كلمة «شعر» ومسؤوليتها الفنية وعدم مجانيتها، إلا أنها مؤشر قوي الى العدد الهائل ممن يتعاطون الشعر - بمفهومه التقليدي- في عمان.
واليوم يدرك المثقفون العمانيون جيدا أن هناك فجوة عميقة بين جيل الشباب من المثقفين وموروثهم الشعري والأدبي وذلك إما لتورط بعضهم في المفهوم القاصر والأبله «للحداثة " من حيث الاكتفاء بثقافة الصحف والمجلات والمقاهي ونحوها .. وتصعير الخد لكل موروث وان كان ابداعا أصيلا، واما لانطلاق بعضهم من أصول عرقية لا أحد يعرف مداها!
وعليه فإن محاولة إعادة قراءة ديوان الشعر العماني بعين المبدع لا المؤرخ وبعين الأصالة لا الادعاء أصبحت ضرورة ندعو اليها كل المثقفين العمانيين.
وها نحن بهذه المحاولة نلقي حجرا في هذا النهر الراكد، فأما قولنا "بعين المبدع لا المؤرخ " سنخرج هذه المحاولة من تلك الاختيارات التي تراعي في الشعر المناسبات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية، وأما قولنا «بعين الأصالة لا الادعاء". ستخرج به هذه المحاولة مما تتورط فيه بعض الاختيارات لاعتبارات بلاغية أو نحوية أو لغوية تقليدية.
ولنا بعد ذلك أن نتصور أننا اخترنا من الشعر العماني ما يخضع لقوانين الشعر ذاته .. لا لما يخلعا عليه بعض النقاد من أحكام جاهزة، وليس لدينا تعريف جاهز للقوانين الذاتية للشعر، ولكن حسبنا ما ستكشف عنه هذه المختارات الشعرية من صور وأخيلة غريبة انتزعت انتزاعا من ركام ضخم من النظم والثرثرة الموسيقية في دواوين الشعر العماني، ولا نكاد نقرأ مثل هذه الصور إلا لدى المتنبي وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وأبي نواس وغيرهم من عمالقة الشعر العربي. ونحن بذلك لا نصادر رأي أي مثقف أو ناقد، وانما نراهن كثيرا على ذائقة الشعر التي يهتز لها قلة من المبدعين.
ولا ندعي أن هذه المحاولة جديدة في طرحها، فقد سبقتها محاولات شتى على مستوى الشعر العربي منذ "الاصمعيات " و"المفضليات» و"حماسة أبي تمام" ووصولا الى تجربة أدونيس في " ديوان الشعر العربي" والتي لا ننكر أنها الشرارة الأولى التي انطلقت منها هذه المحاولة في الشعر العماني، عدا أن بين تجربة أدونيس وهذه المحاولة مساحات من الفوارق تشبه المساحات الفاصلة بين ألوان الطيف، ولعل ذلك راجع الى الذوق الشعري الذي لا مشاحة فيه.
ونحسب أن هذه التوطئة تكفي- الآن - تشريعا لهذه المحاولة، ونراهن كثيرا كما أسلفنا على الصور والأخيلة الغريبة التي تتضمنها هذه المختارات
الشعرية.
وبعيدا عن التنظير سنترك المساحة المخصصة في كل عدد من مجلة نزوى كي تفصح عن الألق الشعري لهذه المختارات، على أمل أن تصدر لاحقا في مصنف يلم شتاتها، ولكن ليس قبل ان تفتح أفواها وتلجم أفواها أخرى .. ! (5/1)
صفحة 46
إضاءات بين يدي هذه المحاولة:
* اعتمدنا طريقة التشكيل النحوي والصرفي للأبيات اعتقادا منا بضرورتها في توجيه. قراءة. فنية للأبيات
وتصحيح ماوقع فيه بعض المحققين من كمصر لموسيقاها.
* لجأنا لتفسير بعض المفردات حسب الضرورة خلأفا للطريقة المدرسية التي يتبعها بعض المحققين لدواوين الشعر العماني.
* اقترحنا عناوين للفقرات الشعرية أو الأبيات استنباطا من الدفقة الشعرية التي تتضمنها، وذلك خروجا بها من السياق المناسباتي الذي أتت فيه.
* حاولنا قدر الامكان أن نختار للشاعر ما لنشر في ديوان أو
لم يتشر وما صرح به أو سكت عنه!
* سننأى بهذه المختارات- حاليا على الأقل- عن التعريف بالشاعر أو الزمن الذي عاش فيه رغم أهمية ذلك، خشية الاطالة وحرصا على افراد المساحة المعطاة للنشر للاضاءات الشعرية.
* لن نعتمد التسلسل الزمني للشعراء، وذلك لظروف النشر، وما يتطليه ذلك من استقصاء، ويقيتا منا بأن حداثة الشعر وجودته غير مرتبطة بزمن ما ..
* نهدي هذه الاضاءات الشعرية العمانية لكل أولئك الذين يتعصبون لقالب شعري دون غيره؟ أو من يحرصوق على توقيع أسمائهم قبل كنابة النص!
الستالي (1163م-1255م)
ا- لعاب الأدب!
فهاتها يا أبا اسحاق صافية
حمراء تلمع في الابريق كالذهب
في فتية كنجوم الليل قد ألفوا
حالين من كرم الأخلاق والحسب
تنازعوا بينهم صرفا مروقة
ممزوجة بلعاب البر والأدب!
2 - تصابي
كبرت .. والبيض واللذات من أدبي
حتى كأني لم أكبر ولم أشب!
3 - عتاد قوم (5/2)
صفحة 47
إذا غدا لهم جيش وقد قصدوا
قوما .. تقدمهم جيش من الرعب!
4 - الاجدوى
اذا هوت في فم الابريق بارقة
كأنها كوكب ينقض في الكوب
نرجو من الخمر أن نسلوا فتورثنا
شوقا الى وطن أو وجه محبوب!
5 - لعاب الشمس
ولقد أبيت الليل أعتسف الفلا
وأجوب من ظلم الدجى جلبابها
وأخوض بالبيداء رقراق الضحى
والشمس حائرة تمج لعابها
6 - أيام الشباب
ورتعت بين الغانيات مقبلا
وردا الخدود معضعضا تفاحها
واذا السمهام من العيون جرحنني
داويت من ريق الثغور جراحها!
7 - ارتياع
إني وجدك مذ قالوا الفراق غدا
أرتاع ما ذكرت لي فى الكلام غد!
8 - شيب
أحسها شعرات في شائبة
كأنما نشبت في مفرقي إبر
إذا رأيت مشيبا أنت تنكره (5/3)
صفحة 48
فإن ذلك من لمع الأسى أثر!
9 - مجلس اللذات
وأبتدي مجلس اللذات يشهده
بيض الوجوه كرام سادة زهر
أعلهم كأس خرطوم (1)، إذا قرعت
بالماء يرفض من أرجائها الشرر
ورب ليل وقد غابت كواكبه
الى السقام، وشابت للدجى طرر
نبهت كل ثقيل الرأس مال به
كأس الكرى، وثنى أعطافه السكر
أدعوه لأيا (2) و .. ولأيا ما يكلمني
وجفنه شنج بالنوم منكسر!
10 - أ رق من الخمر
تحكمت يا أقسى فؤادا من الصفا
بدلك في قلب أرق من الخمر!
11 - رضيع التصابي
تمتع من شرخ الصبا ما تمتعا
فلما تغشى رأسه الشيب ودعا
رضيع تصاب وسط مهد شبيبة
قضى وطرا من لهوها ثم أقلعا
وقد كان صبا بالكواعب مغرما
ومازال مغرى بالبطالة مولعا
يزور الكعاب الرود (3) في خدر أهلها
إذا هوم السمار بالليل هجعا
ويغدو مع الفتيات في مسرح الصبا (5/4)
صفحة 49
يعاطيهم ماء الدنان المشعشعا!
12 - الخمرة العانس
لما غدا الديك في علياء مشرفة
يحثنا بزمير بعد تصفيق
نبهت كل ظريف طيب غزل
باللهو والخمر مصبوح ومغبوق
وقلت يا صاحب الحانوت كيف لنا
بعانس بليت من طول تعتيق؟!
إن عزت الخمر من هيت (4) فهات لنا
ما استل من "مستل " (5) أو سيق من "سيق " (6)
13 - نوأسية
وشاد يتهادى في الصبا غيدا
ميس القضيب. تثنى ثمت اعتدلا
يسعى علينا بنور في زجاجته
لولا وقوع مزاج الماء لاشتعلا
من قهوة كنسيم المسك تحسبها
دما .. جرت في فم الابريق متصلا
كأن ريقتها مما ترقرق في
صفو الزجاج .. دموع غمشيت مقلا
والشرب (7) قد مزجوا صفوا خلائقهم
كما مزجت بماء المزنة العسلا!
14 - مازوشته
كليني لطول الليل .. وليهنك الكرى
من النوم ... أني بته غير نائم
صحبت لشجوي كل شجو كأنما (5/5)
صفحة 50
بما فاض من عيني بكاء الحمائم
بذلت لحق الوجد عبرة بائح
وصنت بفضل الصبر لوعة كاتم
إذا لم أجد للعتب في البث مذهبا
طويت عليه كالطيف حيازمي!
15 - يأس
كنا نرى الشيب مكروها نحاذره
فاليوم حاجاتنا أن نبلغ الهرما!
سليمان النبهاني؟ -1494م
1 - نرجسية الشاعر
إني أنا الابريز (8) أصلا وعلى
والناس صفر بالدقيق يشترى
أنا ذعار الخيل إن مج القنا
دما، وسم الخصم يوما إن عتا
أنا عتيق الطير قلبا في الوغى
والضيغم الورد اذا التف القنا
أنا ربيع الناس في عام القسا
وكعبة الوفد اذا ضن الحيا
أنا المجلى في الفخار والعلى
وكل ملك حيثما سرت ورا
أنا أخو الفضل وينبوع الندى
ومعدن الصدق- لعمري- والوفا
ففي يمينى للورى ويسرتي
بحران جاشا من منون ومنى!
2 - خمرة
ومرة الطعم عقار قرقف (5/6)
صفحة 51
لو ذإقها الطود الأشم لانتشى
3 - امرأة
كأن رضابها من بنت كرم
سلاف زوجت بابن السحاب
مهفهفة القوام لها ابتسام
كايماض البروق من الرباب
إذا والت رأيت لها ارتجاجا
كما يرتج ملتطم العباب!
4 - فلسفه الحب
وما الحب إلا نظرة، إن تمكنت
من العقل أمسى في مهاوي المعاطب
لقد أثرت أيدي الهوى في فؤاده
صدوعا كأعشار الزجاج المشاغب (12)
اذا جنة الليل البهيم تأوبت
عليه سواري الهم من كل جانب
5 - مفهوم الكرم
ففي السلم إطعام العفاة سجيتي
وفي الحرب إطعام النسور السواغب!
6 - وهب ونهب
واذا تعاظمت الأمور رأيتني
أهب الحياة، وأنهب الأرواحا!
7 - عاشقات
إذا أبصرنني يختال زهوا
بي المهر المطهم حين سارا.
برزن من الخبا متتابعات (5/7)
صفحة 52
كما قد يقذف الزند الشرارا
8 - امرأة
محجبة بالخيل والبيض والقنا
وكل أشم الأنف أروع كالصقر!
أبى نهدها أن يلمس الدرع بطنها
وأردافها من أن تدب على الخصر!
9 - معشوقة الشاعر
إذا نظرت أصمت (13) قلوبا وأن مشت
مشى الشوق في أحشاء عاشقها جهرا
وظلت تمج الخمر والشهد في فمي
وتفرشني اليمنى وتلحقني اليسرى!
10 - بدوية
برهرهة (4 1) رعبوبة بدوية
منعمة خود، بها يضرب المثل
تنوء بأخراها، فلأيا قيامها
وتقعدها الأرداف والتيه والكسل
11 - الخمرة الشمس
عقار تمزق ثوب الظلام
بضوء شعاع لها مستمي
اذأ أسدل! الليل جلبابه
أرتل سنا القبس المضرم
كأن الحباب (15) بها لؤلؤ
على ذهب ذائب مسجم
كأن الحبيب- بها طائفا
علينا ونحن ولم نظلم
بتشبيهنا قمر زاهر (5/8)
صفحة 53
يطوف بشمس على أنجم!
12 - أحلى الايام
لله أيامنا، والشمل مجتمع
وعيشنا من أذى التنغيص قد سلما
أيام لا كاشح نخشى ولا عذل
يغشى هناك، ولم نحفل لمن غشما
أيام تفرشني زندا وتلحفني
ردفا وتمطرني من وصلها ديما
وألثم الثغر منها وهي باسمة
والدهر عن ثغر مسرور قد ابتسما
تهوى هواي وأهوى كل ما هويت
وحاكم الحب في أحشائنا حكما!
13 - قبلة
زودينى منك يوما قبلة
علها توجدني بعد عدم
قد براني الشوق سقما مثلما
قد برى الكاتب للخط قلم!
14 - حرب نفسية
تريق الدما من قبل سيفي مهابتي
ويسبق سيفي الموت نحو الغلاصم!
أمر من الموت الزؤام توعدي
وأنفذ من شهب النجوم عزائمي
15 - المجد للعرب
هل الناس إلا نحن أبناء يعرب
فسل تعلمن عن فعلنا في الأقالم
ونحن الأسود الغلب والناسر غيرنا
ضباع، أتحكي أضبع بضراغم؟ (5/9)
صفحة 54
ونحن البزاة الشهب والناس كلهم
حمام، فيا ذلأ لها من حمائم
لنا الملك والتيجان والتخت والعلا
على كيد ذي ختر ورغم مراغم
16 - صورة جسديه
إذا خطرت ومر بها نسيم
أماد قوامها ذاك النسميم
ميود إن أتتك وإن تولت
تلاطم خلفها كفل فعيم
تقوم فتمسك الخصر اضطرارا
فتقعدها العجيزة إذ تقوم!
17 - رومانسية
يصيح الصبر بي فأروغ عنه
ويدعوني هواك فأستقيم
أحن إليك من وله وشوق
كما قد حن للثدي الفطيم
18 - هدير الخمر
راح اذا هرقت وأشرق نورها
سجد السقاة الا على الأذقان
ولها هدير في الدنان كأنه
نغم القسوس قبالة الصلبان!
هوامش:
1 - الخرطوم الخمر السريعة الاسكار.
3 - لأيا الأولى تعني الشدة والثانية تعني الابطاء.
3 - ا لرود: ا للينة (5/10)
صفحة 55
4 - هيت:. موضع بالعراق
5 - مستل: واد من أودية جنوب الباطنة في غمان.
6 - سيق. بلدة بالجبل الأخضر من عمان.
7 - الشرب: جمع شارب كصحب جمع صاحب.
8 - الابريز: الذهب الخالص.
9 - العقار: الخمر لملازمتها الدن
10 - القرقف: الخمر التي ترعد صاحبها
11 - الطود: الجبل العظيم.
13 - المشاعب: المفرق أو المتباعد
13 - أصمت: قتلت
14 - برهرهة: المرأة البيضاء الشابة الناعمة
15 - الحباب: لفقاقيع.
هلال الحجري (شاعر وأستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس) (5/11)
صفحة 56
عنوان المقال إضاءات من الشعر العماني أبو مسلم البهلاني (1859 - 1920)
صدر في العدد الرابع عشر
الكاتب اختيار هلال الحجري
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
1 - خمرة الله
نصبت لهم من نير الذكر معلما
وبوأتهم من أنفع الذخر مغنما
وصيرت نفسي خادما لطريقة
بها هام أهل الله في الأرض والسما
فيا لرجال الحب، والكاس مفعم
هلم اشربوا هذا المغني ترنما
عصرت لكم من خمرة الله صفوها
فموتوا بها سكرا، فما السكر مأثما
لقد هام أهل الاستقامة قبلنا
بها فانتشوا بين الخليقة هيما
تراهم سكارى ينشر الجمع فهمهم
ويطويه نور الفرق في أبحر العمى (6/1)
صفحة 57
ملأت لكم دني شرابا مروقا
وحركت أوتاري فأنطقت أعجما
2 - نديم الأنبياء
من كمثلي؟ وذا الشراب شرابي
والنبيون كلهم ندماني
هام قلبي به الخليل وموسى
ثم عيسى وصاحب القرآن
هذه حالتي وهذا مقامي
فاعرفوني أو انكروا عرفاني!
3 - الوادي المقدس
طنبت في الوادي المقدس خيمتي
ورعيت بين شهوبه أغنامي
قل للذئب الكاسرات تفسحي
عز الحمى وأعز منه الحامي
فلقد نزلت على عظيم قادر
عز الجلال إليه والاكرام (6/2)
صفحة 58
يقضي ولا يقضى عليه، نزيله
-لو كاده الثقلان- غير مضام
من بعد ما طردت كل مطرد
ونشبت بين أظافر الأيام
سترتني الأسماء في ملكوتها
فحجبت عن فهمي وعن أوهامي
وسقتني الأسرار شربة ذوقها
فعجزت عن تعبيره بكلامي
وذكرت من هو في الحقيقة ذاكري
وحقيقتي لا شيء وهو مقامي
وحقيقتي أني محوت حقيقتي
إذ ثبتها صنم من الأصنام
لما محوت اسمي باسم محققي
مكنت فوق رؤوسهم أقدامي!
4 - صوفية (6/3)
صفحة 59
هو الله بسم الله ما صمت لحظة
على أنني لم تعهد القطر فطرتي
هو الله بسم الله والنور باسمه
تشعشع نور الله في بشريتي
تعلقت بالله بالجليل تعلقا
نسخت به مني ظلال الخليقة
ولما تجلت لي نعوت جلاله
تصاعدت من نفسي الى العدمية
تجلت على نعتي نعوت جلاله
كما أنه منها نعوتي تجلت!
تعرضت الأفياء فانتسخت به
ولم يبق إلا نور قدس ووحدة
نهاية ما آتي به حمد حائر
ولهجة مضطر واجلال دهشة
إلهي ألبسني جلالا يليق بي
جلالا يرقيني إلى كل حضرة (6/4)
صفحة 60
به أرتقي يا ذا الجلال وأنتهي
إلى موقف أنهى رجال المحبة!
5 - دعاء الى التماهي
وخذني بنور الله عن بشريتي
إلى عالم التقديس من شهواتيا
وأشعل وجودي من بوارق فيضه
بلامعة تمحو ظلام صفاتيا
وحقق بلاهوتية الاسم ذلتي
لتلبس ناسوتيتي العز وافيا
وجرد وجودي حيث لا أحديتي
وجود وجودي آمرا بك ناهيا
6 - الفناء في الذات العليا
أقمت لعز وجهك ذل نفسي
فأفن النفسى فيك لك البقاء
إليك يسوقها شوق ملح
وأصوات الصفات لها حداء (6/5)
صفحة 61
أمزق باسمك الأعلى صفاتي
وألبس من صفاتك ما أشاء!
7 - دفاع عن المتصوفة
وإذا نزعت إلى الهدى عن غيره
فالاستقامة نزعة المتصوفه
لله نحلتنا ونعم سبيلها
أصلا وفرعا لا تخالف مصحفه
هي عين ما نزل الأمين به على
الهادي الأمين، وما سواها زخرفه
لا نعبد المحسوس ذاتا، كل محـ
سوس حدوث ذاته متألفه
بل نعبد الله الذى عرفاننا
إياه عرفان بأن لن نعرفه!
8 - الهوى العذري
لا أحسب الروح إلا أنها خلقت
من الهوى، فاختفت عن عالم الصور (6/6)
صفحة 62
وجدت روحي صريعا في مصارعه
يا حب لا تبق من روحي ولا تذر
طارحت أهل الهوى حتى بليت به
ففتهم ومشوا خلفي على أثري
لا يصدق الحب إلا من يموت به
ما للهوى دون حسو الموت من قدر!
9 - حوارية الذكرى والسمر
سميري! وهل للمستهام سمير؟
تنام وبرق الأبرقين سهير!
تمزق احشاء الرباب نصاله
وقلبي بهاتيك النصالط فطير
تنبة سميري نسأل البرق سقيه
لربع عفته شمأل ودبور
ذكرت به عهدا حميدا قضيته
وذو الحزن بالتذكار ويك أسير
عهودا على عين الرقيب اختلستها (6/7)
صفحة 63
ذوت روضة منها وجف غدير
متاعي رجع الطرف منها، وكل ما
يسرك من عيش الزمان قصير
وفت لرسيس الحب بالصبر مهجتي
وما كل من شف الغرام صبور
وإلا فما بالي وغور مدامعي
ودمع التصابي لا يكاد يغور
أدهري عميد الحب والعود ذابل
فهلا وأملود الشباب نضير؟!
تناقلنى عمران: عمر قد انحنى
بشيب، وعمر للشباب كسير!
10 - دنيا؟
سنتركها بالرغم وهي حبيبة
ورب حبيب للنفوس مبير
أتمرح إن شاهدت نعشا لهالك (6/8)
صفحة 64
إليك أكف الحاملين تشير؟
ستركب ذاك المركب الوعر ساعة
الى حيث سار الأولون تسير!
نقى من غبار الأرض، بيض ثيابنا
وتلك رفات الهالكين تطير!
11 - وجهة نظر تاريخية
تحزبت الأحزإب بعد محمد
فكل إلى نهج رآه يصير
وقرت على الحق المبين عصابة
قليل، وقل الأكرمين كثير
على هضبات الاستقامة خيموا
إذا اعوج أقوام وضل نفير
تضافر عنهم رفض وخوارج
وحشوية حشو البلاد تمور!
وفي البدع الخضر ابتهاج لأنفسى (6/9)
صفحة 65
تدور بها الأهواء حيث تدور
نشاوى من الدعوى التي يعصرونها
وليس لبرهان هناك عصير!
12 - فلسفة في سياسة النفس
جرد النفس وانهها عن هواها
لا تذرها في غيها تتلاهى
واعتقلها في مبرك الزهد بالخوف
الى أن تبدو هزالا كلاها
فإذا انحلت القوى فأثرها
لمراعي اليقين تشفي طواها
وإذا أرزمت وحنت لإلف الطبع
فارفض حنينها وبكاها
فمروج اليقين فيها زهور
معصرات التوفيق تسقي رباها!
13 - شفافية
ليت أني أذهبت ألف حياة (6/10)
صفحة 66
وتراءت لي لمحة من خباها!
أنا من تيمته غزلان نجد
وخميلات الرند بين رباها
لي نفس- لولا التشفي بأروا
ح صباها ذابت بحر جواها!
14 - في الحب الالهي
آه والحب لا تسليه آه
وحرام آه على ذي وداد!
لي نفس أذابها وهج الشوق
فلم يبق غير حر الفؤاد
قمت أشكو سري بسري إلى الحب
فكان الشكوى كوري الزناد
ثم ألقت إلي هيمنة الحق
اصطبر في محبتى يا مرادي!
أيها الراكب المغذ إلينا
يا ترى هل شارفت ذاك الوإدي!
هل ترحلت منك شبرا إلينا
أنت في مركز الهوى متماد
فتخلص محمديا من العلة
واشطح على رؤوس العباد!
وأفن فينا، فلا حياة لحى
وحياة الأحياء بعد النفاد
واحتجب منك بي ولا تحتجب
مني بسجف التأثير والإيجاد
دعك من ذا وتلك والرسم (6/11)
صفحة 67
والاسم، فما في الميدان إلا جوادي!
واحترق من محبتي أنا وحدي
من طباق النيران في كل واد
فعلى صحة المحبة تستعذب
تعذيب الصد والإبعاد
وإذا صحت المحبة لم تحفل
برقص النعيم والأنكاد
لو صدقت الهوى لأغناك حبي
وتمسكت في الهوى بمرادي
تطلب الوصل- والمقام صدود-
قبل قض الحصى وخرط القتاد!
رب لبيك، دعوة الحق أعلى
لملم وعيون الجلال بالمرصاد
من أنا؟ والأنا خيال ووهم
في مقام الخطاب والإرشاد
من أنا؟ والأنا فناء ومحو
في مقام التعذيب والاشهاد
من أنا؟ والأنا مجاز وظل
في مقام الابعاد والايجاد
بل أنا نسبة الى أثر الحق،
شهيد للحق بالانفراد
وأنا من حيث انتسابي إليه
ملك الحمد والثنا والمجاد
وأنا من حيث انتسابي إليه
منعش الروح باعث الأجساد
نسبة الحق صرفتني إلى أن (6/12)
صفحة 68
قمت أتلو الزبور بين الجماد
إن يكن في الوجود سمع شهيد
فأنا في الوجود أحسن شاد
ما ألنت الحديد إلا لأني
قصت أشدو بنغمة الحداد!
15 - لوعة الاغتراب
تلك البوارق حاديهن مرنان
فما لطرفك يا ذا الشجو وسنان
شقت صوارمها الأرجاء واهتزعت
تزجي خميسا له في الجو ميدان
إن هيج البرق ذا شجو فقد سهرت
عيني وشبت لشجو النفس نيران
وصير البرق جفني من سحائبه
يا برق حسبك، ما في الأرض ظمآن!
إني أشح بدمعي أن يسح على
أرض وما هي لي يا برق أوطان
هبك استطرت فؤادي فاستطر رمقي
إلى معاهد لي فيهن أشجان
تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت
وهن وسط ضميري الآن سكان
نأيت عنها ولكن لا أفارقها
بلى كم افترقت روح وجثمان
وكيف أنسى عهودي في مسارحها
وهن بين جنان الخلد بطنان
أم كيف يمكن سلواني فضائلها (6/13)
صفحة 69
نعم لدي لذا السلوان سلوان
نزحت عنها بحكم لا أغالبه
لا يغلب القدر المحتوم إنسان
كأنني واغترابي والغرام بها
حي قضى، خلفته بعد أحزان
هي النوى جعلتني في محاجرها
مثل الخيال وروحي ثم جثمان
أعيش في غربة عيش السليم على
رغمي، وليس الى الترياق إمكان
يا برق حرك همومى إن تكن سكنت
فكل حظي تحريك وإسكان!
عهدي بها ونضير العيش يصحبها
والدهر في غفلة والشهب إخوان
فحال حكم النوى بيني وبينهم
هنا تيقنت أن الدهر خوان
حتى متى أتقاضى الدهر قربهم
والدهر يهرم والآمالى ولدان!
حتام يا دهر لا تبقي على بشر
حر، وحتام ضيم الحر إحسان؟!
أكل رأيك حربي أم لها أمد
فإن عهدي وللحالات ألوان!
حل العقال وأطلقني الى سعتي
ففي سجونك للميدان فرسان
يا دهر يا باخس الأحرار حقهم
أعط العدالة، إن الله ديان (6/14)
صفحة 70
16 - بلاغ!
يا للرجال - ألم يدهش عقولكم
صوت الأرامل والأيتام إذ هانوا؟
هذا اليتيم قد انحازت مفاصله
من جلبة الجوع والظلام تخمان!
يا للرجال .. دماء المسلمين غدت
هدرا، كما عبثت بالماء صبيان
يا للرجال .. أفيقوا من سباتكم
فقد أحاط بكم بغي وعدوان
إن السيوف التي كانت لسالفكم
ما ضمها معهم رمس وأكفان
مريضة هي في الأجفان أم مرضت
قلوبكم أم نأى عنهن وجدان؟
بئس السيوف إذا حلت عواتقكم
وما بها لعتيق المجد أحزان!
لا تحجبوها إناثا في مغامدها
فإن تلك اليمانيات ذكران
فديتكم أوردوها إنها عطشت
إن كان فيكم يلاقي الري عطشان
تكاد أن تتلاشى من تحرقها
غيظا على صار، أو حزنا على كانوا!
لا تحملوها إذا كانت لزينتكم
إن الرجال بفعل السيف تزدان
أين العصائب من قحطان أجمعها
وأين من نتجت للمجد عدنان (6/15)
صفحة 71
ربوا لكم بالظبي والسمر ملتكم
وأنتم اليوم تجار ورهبان!
تمشون هونا كأن الزهد أثقلكم
وأنتم بهوان النفس ثقلان!
أقول للبعض منكم، وهو عن أسف
والحر يأسف للأحرار إن شانوا
قد كنت نخبة هذا المجد من قدم
واليوم أنت على الأبواب ذبان!
بيض العمائم لا تجدي إذا انكدرت
بيض القلوب .. وللإيمان عنوان!
17 - قوم وجيادهم
قوم على صهوات الخيل طفلهم
يربو له من دم الأبطال ألبان
مساعر الحرب، إن تنزل لهم نزلوا
وإن تعاضلهم ركبا .. فركبان
أسد خدورهم شمر الرماح، فإن
شب الهياج .. فتلك السمر شهبان
صعب شكائمهم .. سحب مكارمهم
إن حاربوا صعبوا .. أو أكرموا هانوا!
لا يقتنون رياشا فوق سابغة
كأنهن إذا ألقين غدران
وغير صفحة هندي (1) مفللة
كأنها بنفاث الموت ثعبان
وغير أنياب (2) أغوال مسننة
من عهد عاد لها ذكر وأسنان (6/16)
صفحة 72
وغير شمس (3) شراحيب مفنقة
كأنها في قتام الحرب غربان
تعلمت من مراس الحرب نجدتها
فهن تحت يد الشجعان شجعان
18 - الام المهجر
خليلي في أعشار قلبي بقية
أضن بها إن ناوحتها الحمائم
خذا عللاني عن أحاديث جيرتي
فإني بحب القوم ولهان هائم
ولا تسلما عقلي إلى هيمانه
فذكرهم عندي رقي وتمائم
نزحت وفي نفسي شجون نوازع
إليهم، ونازعت الأسى وهو خائم
أحاول أمرا، لونبا السيف دونه
لما عيب .. والأقدار عنه تصادم
أيغمدني كالسيف دهري عن العلى؟
وما حمدت قبل الفعال الصوارم
ويقدح زند المجد من زاد همه
كهمي .. وأقوى ما لزندي ضارم!
كفى حرنا ... أن أحسو الموت ليس في
جناحي خواف (4) للعلا وقوادم!
أفارق في "افريقيا" عمر عاجز
وبي كيس كالطود في النفس جاثم!
كأني كهيم (5) الطبع أو قاصر الوفا
او الخصم مظلوم .. أو الحق ظالم! (6/17)
صفحة 73
19 - رأي في المذهبية
لقد مكن الأعداء منا انخداعنا
وقد لاح آل في المهامه لامع
وسورة بعض فوق بعض وحملة
لزيد على عمرو ... وما ثم رادع
وتمزيق هذا الدين كل لمذهب
له شيع فيما ادعاه تشايع
وما الدين إلا واحد والذي نرى
ضلالات أتباع الهوى تتقارع!
20 - الصوفي
ومحترق الأركان من حب ربه
له صعقات بينه ومصارع
يلذ فطام النفس عن كل لذة
ولذات هذا العيش ... بئس المراضع
يبيت وللأحزان جمرة قلبه
تشب إذا سالت عليها المدامع
إذا ذكر الأخرى تضاءل جازعا
كأن راعه من هادم العمر رادع
وإن ذكر الدنيا تفانى وأصعقت
مشاعره تلك الصعاب القوارع
على الأرض منكور ويعرف في السما
له مخبر بين الملائك شايع
تراه متى ما الليل عمد بيته
عمودا على محرابه وهو راكع!
يرجع في الديجور رنة ثاكل
نحيبا كما ناح الحمام السواجع
يناوحه همان: هم مخافة (6/18)
صفحة 74
وهم رجاء، والبرايا هواجع
بأمثال هذا يرحم الله خلقه
وإن عظمت أحداثهم والشنائع
21 - اطلال
تلك ربوع الحي في سفح النقا
تلوح كالأطلال من جد البلى
أخني عليها المرزمان (6) حقبة
وعاثت الشمأل فيها والصبا
عرج عليها والها لعلها
تريح شيئا من تباريح الجوى
تربع الآنس من أرجائها
واستأنست بها الظباء والمها
فقف بنا عند غصون بانها
نشاطر الورق البكاء والأسى
بحيث أهريق بقايا دمعتي
وأتبع النفس إذا الدمع انقضى
إن من الحق على مدامعي
أن تسبق السحب على ربع عفا!
22 - الأحبة
وربما منيت نفسي طيفهم
وهو حلال لي إن حل الكرى!
ولو قصدت هفوة بحبهم
أو كنت من عاهدهم فما وفى
أرسلت طرفي رائدا لدهشة
بربعهم تذهلني عن الأسى (6/19)
صفحة 75
لكن لي قلبا عرته سكرة
ما ضل في خمارها ولا غوى
ليعمل الحب بنفسي ما يرى
إن ضلالي بهوى القوم هدى!
22 - هموم الشاعر
أشاطر النجم السهاد ساريا
فيغرب النجم وعيني في السرى
كأن أفعى نهشت حشاشتي
من لازب (7) الهتم وتلهاب الحشا
أذكى من النار بقلبي زفرة
يخرجها المظلوم من حر الأسى
24 - خطة حربية!
ما تنفع الغيرة في مكمنها
والسيف في قرابه لا ينتضي
حتى تكر الخيل كشفا (8) ساقطا
تهوي هوى العاصفات في الوغى
تجمز جمزا بالكماة (9) شزبا
وعوابسا شمسا كسيدان الغضا
في فيلق حالكة أركانه
يجلل الأرض الدجى رأد الضحى
لولا بروق المشرفيات به
لم يهتد الجيش الأمام والقفا!
تضطرم الأرض بما تقدحه
سنابك الجرد وتقراع الشبا
بهذه الخطة نشفي غيظنا
إن كان بالسيف أخو الغيظ اشتفى (6/20)
صفحة 76
25 - حقوق السيف
كم نظلم السيف بمنع حقه
أما يجازى ظالم بما جنى؟
إن السيوف طبعت لحقها
وحقها تحكيمها على الطلى!
والسيف أوفى صاحب رافقته
إن خانك الدهر وأهلوه وفى
والسيف فيه فرج معجل
إن الغموم بالسيوف تجتلى
والسيف يعطيك الذي اشتهيته
إن توله من حقه كما اشتهى!
إن السيوف عاهدت أربابها
بالمصدر الأعلى وتقريب القصا
والمجد حيث أبرقت وأمطرت
ينبت من ساعته ويرتعى!
قد آن للإحرام أن نحقه
وننحر الهدي على رأس الصفا!
قد آن للصائم وقت فطره
لطالما أرمض بالصوم الحشا!
قد آن للوضوء أن ننقضه
بالسافح الثائر فرصاد الكلى!
والمجد لا يملك عن وراثة
لكن بتحطيم الشبا على الشبا!
26 - واقع ....
فتحت عيني فرأيت غافلا (6/21)
صفحة 77
يحمله السيل وليته درى!
ونائما والنار في جثمانه
كأنه جزل الغضا وما وعى
وراضيا بذلة مفتخرا
بأن يعيش خازيا ومزدري
ومؤمنا مستضعفا يفزه
ظالمه من الرجا إلى الرجا!
وحاسدا لنعمة تخاله
أسعر ما كان إذا قلت خبا!
وبائعا لوطن فيه انتشى
بلقمة يلذها وهي الودى! (10)
بطاقة دعوة الى عُمان
تفضل بالزيارة في عمان
تجد أفعال أحرار الرجال
تجد ما شئت من مجد وفضل
وأحساب عزيزات المثال
قطين الشرق نمتم نوم عبد
فنبهكم صناديد الكمال
فقوموا عندنا أولا فناموا
هنيئا بين ربات الحجال!
سنأخذ حقكم ونذود عنكم
ذيادا باليمين وبالشمال
بأسياف "الغبيراء" المواضي
ستخضر الأسافل والأعالي
وإن مطامع الأوغار فينا (6/22)
صفحة 78
سترجع وهي فارغة القلال
بأسياف قديمات المزايا
مخلدة المفاخر والفعال!
تصول بها أسود بني نزار
ومن قحطان أقيال النزال!
فإن شئت العيان فقم إلينا
تر الأفعال مصداق المقال
تشاهد أن في العرب البقايا
وللباقين أقلام الجدال!
فلا تقنع بسمع دون عين
فما عين الحقيقة كالخيال!
28 - توحد
أنا وحدي لذا الزمان عدو
لم ليس لي في اعتدائه شركاء!
غير أني إذا هززت اصطباري
هان عندي من الزمان العداء
29 - مواهب
نمسي ونصبح نبكي في مخادعنا
ندب العجائز موتاهن في الترب
لنا مواهب تفنى في متى وعسى
وفي التأوه والأحزان والكرب!
30 - اختزال!
نظرت في الكون نظرة
من نحو منفذ إبره
فما انثنى الطرف حتى
حلبت دهري شطره!
31 - الإمام المنتظر! (6/23)
صفحة 79
ساحر الطرف سقيم جفنه
قمري الوجه ليلي الشعر
ناحل الخصر ثقيل ردفه
مائس القد رديني الخطر
طول ليلي ومنتظر
ليلة من وصله ألف شهر!
يا غضيض الطرف هب لي نظرة
إن إعراضك أدهى وأمر
يا إمام الحسن هل منتظر!
لم تزل عندي الإمام المنتظر!
32 - البيض احلى!
أنا في عالم السواد وعقلي
في رياض التفاح ظل عقيلا
ما الهوى في السواد إلا جنون
والهوى في البياض أقوم قيلا
ليس من ضل بالنهار كمن
ضل بليل ... فذاك أهدى سبيلا!
من عذيري مما جنته العذارى
أخذتني في الحب أخذا وبيلا!
33 - ليلة ما ...
فدا نفسي لبهكنة لعوب (11)
لهوت بها على لثم الشقيق
أنا ولها من الشاهي كؤوسا
فقالت هكذا طعم الرحيق
كأن الكأس في يدها وفيها (6/24)
صفحة 80
عقيق (12) في عقيق في عقيق
تقول وملؤها لعب ولهو
أتعدل شرب شاهيكم بريقي؟
فقلت لها: منى نفسي أفيقي
بريقك ينطفي لهب الحريق
فأدنت ثغرها مني وقالت
تمتع بي إلى وقت الشروق!
فبت أمص وردة وجنيتها
وأرشف جمر مبسمها الشريق
فلما أذهلت عقلي ورشدي
طفقت أصيح يا هادي الطريق!
34 - سلطة الشاهي
ذؤاب من الياقوت في وسط كوكب
به فرج المهموم بل متعة اللاهي
إذا صففت أكوابه وسط مجلس
رأيت نجوم الزهر تهوي لأفواه
أرى كل ما تحوي مجالس أنسنا
جنودا لدفع الهم سلطانها الشاهي
35 - فتوى في الهيام
ما على المستهام إثم بهذا
وأرى الاثم راجعا للحبيب
هيمان العشاق شبه جنون
ومناط التكليف عند القلوب!
مكنوني أعض منه كما شئت
وخلوا بيني وبين الذنوب!
36 - في حمى المسباح!
حملوا عصيهم .. وأحمل سبحتي
شتان بين سلاحهم وسلاحي (6/25)
صفحة 81
ظلموا .. فما انتصر الحسام لظلمهم
ولكم قصمت الجيش بالمسباح!
37 - المرثي
عجبا من نعشه .. تحمله
فتية .. وهو على الكون اشتمل
جمع العالم في حيزومه
أترى العالم في القبر نزل!
هوامش:
1 - الهندي من صفات السيف وهو الذي صنع في الهند.
2 - المقصود بأنياب الأغوال الرماح.
3 - الشمس السراحيب: من الخيل الطويلة النافرة.
4 - القوادم عشر ريشات في مقدم الجناح وهي كبار الريش والخوافي صغاره وهي تحت القوادم، والمقصود أنه غير قادر على الطيران.
5 - الكهيم: من لا غناء عنده كالمسن والضعيف.
6 - المرزمان: نجمان مع الشعريين، والشاعر هنا يضفي بعض آثار القدم على أطلاله.
7 - اللزوب تعني اللصوق، والهم اللازب بمعنى الدائم.
8 - الأكشف الساقط من الخيل: الذي استرخى في عدوه حتى انكشفت ناصيته كناية عن شدة السرعة.
9 - الكماة هم الشجعان.
10 - الودى هو الموت.
11 - البهكنة اللعوب من صفات النساء وتعنيان: المرأة الغضة التي تحسن الدلال.
13 - العقيق: خرز أحمر، ويقصد الشاعر منه اللون وهو حمرة الشاهي
اختيار هلال الحجري (مدرس مساعد في جامعة السلطان قابوس) (6/26)
صفحة 82
عنوان المقال النخلة روح الريف العماني، ويد السخاء التي لاتنقبض
صدر في العدد التاسع عشر
الكاتب محمود الرحبي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
كيف تتمتع شجرة واحدة بهذا الثراء العجيب
الذي يصل في وفرته الى حدود الوهم!!
استطاعت النخلة أن تبرهن على أنها الأكثر عطاء دون سائر الأشجار، فهي الى جانب سخائها الذي لا ينقبض على مدارا لعام، تحتوي على اشتقاقات انتاجية كبيرة، حيث تشكل - على هزالها الظاهر- مصنعا بشريا لا نظير لتنوعه بين المخلوقات الخضراء، فلنتوقف مثلا عند حدود السعفة، ولننظر الى بحر الأيادي التي تركض فلفها، وكيف ينتفع بأخضرها ويابسها.
فبداية من التشريط الذي يعتبر أحدى مهن البيدوة الأساسي وانتقالا الى الظفر أو السف _في مشهده الجماعي الحميم _ متهاطلا من بين أصابع المسنين في دائرة أحاديثهم وتشنجاتهم (1) التي لا تدور بعيدا عن النخلة وشؤونها، ثم ما يرصد ذلك من تنويع هندسي يعكس فجوات الحاجة المتعددة التي استطاعت النخلة أن تسدها على مدار حياة الريف العماني، فالأجربة بأحجامها المختلفة وبنوعيها. المفتوحة (القفر) والمغلقة (3) (الضروف)، والمضفورة بمهارة وقوة تعص عن اختراقها والعبث بها أكثر أشعة الضوء سطوة ونشاطا.
وهناك الجبب أوعية السعف الصغيرة التي يتأرجح بها الأطفال والصبايا حديثات الزواج في التواءات الظهيرة والغروب باحثين عما تسقطه الريح في، الأرض من بلح وخلال (4).
لذا يمكن رؤية هذه الأواني بأحجامها المختلفة منتشرة بين مسالك الأحواش ومرابض الماشية (5) أو معلقة في نتوءات الأشجار وكرب النخل.
وهناك ضفائر أخرى لا تقل أهمية (6) يمكن اشتقاقها من السعف فالسمة
تلك الرقعة الدائرية المتفاوتة الأحجام، لا معنى لعدم وجودها في مناسبات الولائم والذبح في الريف العماني وحبال طلوع النخل من أهم اشتقاقات السعف وأكثرها مرونة في هندسة الشكل واتقانه، لدورها المصيري في توثيق حياة طالع النخلة المعلقة في فجوة هلامية بين رأس النخلة والأرض.
وهناك الدعون (7) مرابض النوم الضحية، التي تجمع سكان البيوت فوق
أسطحها المعلقة والقريبة من ترددات الريح ونسائم الليل يرطنون الأحاديث الخافتة الى أن تغشاهم سحب النوم.
الى جانب قائمة أخرى من المشتقات التي تبرهن على سخاء جانب واحد من
تكوينات النخلة وهو السعف، فهناك الملاهب (8) بثقوبها البارقة بوميض متردد وهي تموج أمام الوجوه المعروقة والنظرات الساهمة في المدى القائظ، والمجامع (9) المسنونة في أحزمة من العصي توجه انحناء السقف في وجه نثار النفايات المبعثرة فوق الأحمرة المصنوعة بدورها من السعف. والمباخر (10) التي تتمايس سيدة لساحات الأعراس وموائد البخور بدخانها العطري الكثيف الى جانب الشتوت (11) والمناسف (12).
كما ساهم السعف في ترحب الأنواع المختلفة لأفرشة الجلوس والتحميل في الحيوانات مثل الاثواج الاأحلاس (12) والتي لا بد منها لاناطة دور عملي للحمير. واذا توقفنا عند هذه القائمة من الاشتقاقات الصناعية التي يوفرها السعف وحده وانتقلنا الى أحد النتاجات أو الزوائد الخارجية للنخلة وهو الليف ذلك اللحاء البني ذو القسمات المجروشة. المترددة بين التشابك والانفراد، لنجد تعددا غير هين للوظائف، فمن هذا العنصر يمكن استصناع أحجام مختلفة من الحبال يرى لتنوعها وكأنما اشتقت من منابع مختلفة وليس من ذلك اللحاء الذي لا يلمح لهامشيته، فمن الاستصناعات التي توفرها مادة الألياف الجواني أو الأشوال بأحجامها ووظائفها المتباينة والحبال بأنواعها الكرار (14) والصواع (15)، والموارد (16) ومقاود أخطمة الدواب، الى جانب دخوله في (7/1)
صفحة 83
الكثير من الصناعات اليدوية كالحصائر الحبلية وأغطية المنازل السعفية وغيرها.
واذا توقفنا عند الكربة، فإننا نجد بجانب وظيفتها الطبيعية الظاهرة وهو اعتمادها كمسند لتسلق النخلة حيث توضع أصابع القدمين فيما اعتلت وتوثقت منه أصابه اليدين، نجد هناك وظائف أخرى، فالكرب يعتبر مادة فعالة للتدفئة، والطبخ وتسوير جداول الأفلاج، ويمكن أن يثبت كوتد مصقول في صدور بيوت الطين، وكل هذه المعطيات والمشتقات المذكورة آنفا، تبين على أن الثمرة ليست هي المحطة المباشرة والأولى للقطاء، فرغم ما توفره الثمرة من متوالية انتاجية متعددة فهي لا تشكل إلا جانبا ضمن هذا الدفق العجيب.
حيث نجد في الثمرة نفسها تنويعا وتحولات يعسر حصرها، فيمكن ملاحظة في واحة صغيرة من النخل عدة أنواع من الثمر تتضارب في أحجامها وألوانها وطعمها، ولكل نوع منها قيمة خاصة ومذاق مختلف يميزه ويفرده، رغم ما يشترك فيه من سقي وتسميد (17) واحاطة وطقس.
فالثمرة بمجرد ما يكسوها الصفار ويبدأ بالزحف الى قشرتها الخارجية،
تجمع في مراجل ضخمة وتفي الى أن تلين وطفر حلاوتها فتكتسي طعما لذيذا يتسابق الناس الى تذوقه وهو ما يعرف بالفاغور (18)، ويأتي كإحدى المراحل التنويعية في التصرف بالثمرة، وعندما تترطب قشرتها بعد ذلك وينتصفها الشحواح (19)، فإن المجالس تتبارى ال الاستحواذ عليها، وفي هذه الاثناء لا تتوقف أيادي الخرافين عن طفها، فترى مسالك الواحات عامرة بالصواني والحبال، وتدب بحركة لا تنقع والاهفال الذين تمور بين جوانحهم الفحولة يتناهون متسلقين الاثداء الصفراء والحمراء يساعدهم في ذلك العجائز بتحريض مبحوح وأعين مغمضة.
أما حين يفي الشحواح الثمرة بأكملها، فإن في ذلك إشارة عر اقتراب موسم الجداد الجماعي، هنا يمكن رؤية روح التعاون في أوج عظمتها حين تتوافد العائلات في فرح ونشاط يموج بينهم الضحك والفكاهة وتطو النداءات.
وما يتم جنيه فإنه يجمع في أوان وأحمرة واسعة ويتم تنقيته من الخشاش
(20) الا وشاب، فيعزل ما يلين منه ويكنز في أجربة وصفائح إما موضعا، أو منثورا أو مدلو كا (21) مما يضمن استمراره هول أيام الشتاء في دورة لا تعرف الصمت. الى جانب إمكانية استخلاص مادة العسل من القمرة نفسها، فبعد أن يفصل التمر عن قمعه (22) ونواته، يصب في قدور ضخمة ويترك أياما طويلة حتى يتماهى ويتحول الى سائل غليه يقترب في هيئته من عسل النحل البري.
وهكذا فإن البلحة تتدرج في فوائدها ويتحول كل شيء فيها الى مادة صالحة في حياة الريف العمانى، فالفلحة أو النواة مثلا تتحول الى وجبة فاخرة للماشية وخاصة البقر الحلوب منها، حيث يمكن صناعة طبق المغبرة وهي مزيج من مدقوق النسوى والبرسيم والقاشع (23).
بل إن الفاعلية الانتاجية للنخلة تستمر حتى الى ما بعد انحنائها وموتها، حن تعتمد جذوعها كمادة صلبة وفعالة في بناء بيوت الطين، حيث تستعمل كوتد لتقويم الزوايا أو تجرش وتقطع ويتم خلطها بالطين لصقل سماكته وغلظته، أو تعمد فوق أحواض تصريف المياه كنواعير تحركها الدواب، وكل ما ذكر دلالة على ثراء هذه الشجرة وشساعة مواردها، فكل جزئياتها قابلة للانتفاع الفوري الى الحد الذي لا تترك فيه آثار تكنسها الرياح. ثم أن التعقيد والتشابك الذي نواه في تكوين الأفلاج وشقها وتصريفها والتواء مجاريها (24) يقابله تعقيد أشد في عملية توزيع الوظائف والقسمة من المياه وما يرصد ذلك من متابعة وحرص وأيد بانية (25).
وهكذا تظل النخلة كائنا محكما في غموضه وكثافته، في شموخه (26) وتواضعه .. القلب الذي كان العمانيون يشدون نياطه الشاسع في دأب مؤرجحين حياتهم بين ظلاله في أفراحهم والعابهم (27) واعراسهم وماتمهم.
الهوامش
ا - تضطلع النخلة فى تحديد أمزجة المحيطين بها ومدى انسجامهم النفسي والعصبي، فرخاؤها وتوافر حاجاتها يعكس رخاء أهلها ووضاءهم بينما جفافها ومرضها معني تبرمهم وتعبهم، ففي سنوات المحل المتقطعة يكون الناس في أوج توترهم وخلوقهم كأنما أصابها الجفاف يظهر ذلك من نبرتهم الحزينة حين يتحدثون عن النخلة وجفافها، وحين يصيبها مس فإن وجوههم تشحب وتموج بظلال الخوف والترقب ويتحدثون طوال الوقت وبنبرة (7/2)
صفحة 84
منكسرة عما أصاب النخلة، بينما في حالات السخاء والفيض تتهلل وجوههم ويموج بينهم النشاط والفرح ويتحدثون _ طوال الوقت كذلك _عن الخير الذي يستشعرونه تحت ظلالها.
2 - القفير هو أكبر الأوعية السعفية المفتوحة حجما، وتسمى مجتمعة باسمه، ويناط لكل منها دور في التحميل والجمع ويمكن حصرها حسب حجمها في المتوالية التالية:
قفيرـ مبدع ــ زبيل ــ مخرافة ــ جبة
وتمتاز الجبة بالخفة والدوران وخلوها من العصمين أو الاذنين المستخدمين
كمماسك.
3 - الضروف: عتل معفية تستخدم غالبا في تخزين التمر وحفظه وهي غير قابلة للتفريغ اليومي لتركيبتها الطولية، يسمى أكبرها في الحجم بالوضيع (بحذف الألف وضم الواو) وأصغرها يسمى الساعنه
(بشد النون)، ويمكن حصرها حسب حجمها في المتوالية التالية:
وضيع ــ جراب ــ ضميده ــ ساعنه ــ
4 - الخلال: هو المرحلة الثانية من مراحل الثمرة في طريقها الى النضج:
عجنجيز ـــ خلال ـــ بسر ـــ رطب ــــ تمر
5 - في انتشار هذه الأوعية بين مرابض الماشية دلالة على أهمية الجني المسائي كغذاء يومي للحيوان، حيث تلقي الجني مكانها بعد أن ترتفع أمام أفواه المراثي، وذلك لسهولة ايجادها وتوفير البحث عنها في المساء التالي.
6 - السمة: حصيرة معفية تنقسم الى أحجام وسميات حسب الدور والوظيفة ونذكر منها. أ - سمة خباط: توضع تحت الأشجار المراد خبطها خاصة شجرة النبق، والأشجار الشوكية التي تنفض في مواسم جني الجراد.
ب - سمة عزاف: تستخدم غالبا كسفرة لتقطيع اللحم والأكل.
ج - سمة المنظف: تستخدم كمصلى.
7 - الأعن أو السجم: سرير سعفي واسع، يركز في أحواش بيوت الطين، ويلخص تركيبه جل مكونات النخلة من أخواص وجذوع وألياف، ويتوافق موسم جني النخلة مع أعلى درجات الحرارة في العام، ليعكس بالتالي مدى انسجام هذه المشتقات مع هذا الفصل القائظ ومقدرة عقلية الريف على توظيف هذه المواد مع حاجتها للتحايل على قيظ هذا الفصل وما توفره النخلة في سبيل ذلك.
8 - الملاهب: مراوح هوائية مصنوعة من السعف.
9 - المجامع: أحزمة معفية مسنونة الأطراف بخوص طري، تمتاز بخفتها في كنس الأرضيات.
10 - تشبه المبخرة في هيئتها سلة معفية مقلوبة الشكل، ومعمدة باربعة قوائم رفيعة، توضع كغطاء لمجامر البخور وتقوم بتوزيع الدخان في أوسع رقعة ممكنة من المكان المراد تعطيره.
11 - جمع شت: أغطية معفية متفاوتة الأحجام ومزدانة بنقوش وألوان محدبة قليلا من أعلاها وتنتهي بمقبض يدوي، يغطي بها أواني التمس والطعام، كما تشكل رادعا فعالا لهجمات الدبي والذباب.
12 - جمع منساق أو موخل: غربال سعفي حوافه مائلة الى الأعلى يستخدم في تنقية الأرز والحبوب. (7/3)
صفحة 85
13 - الأثواج والأحلاس: أوعية معفية مثنية بين جانبي ظهر الدابة، ينتهي كل جانب منها بجيب واسع يساهم بفعالية في حمل المؤن والأثقال.
14 - جمع كر: وهو الحبل الذي يتبع الدلو أو المنزفة في طريقها الى قاع البئر.
15 - جمع صوع: وهو مادة ليفية تدخل في تركيب حبل الطلوع المكون من (الاذنين، الصوع، الكفة) وهو بمثابة الركيزة من هذا الحبل.
16 - جمع موراد وهو الحبل الذي يظل منتصبا طوال فترة الجني، ويسحب
بواسطته وعاء الخرافة ممكنا في هبوطه خاويا متراقصا في صعوده.
17 - أصحاب العدد الوافر من النخيل يعمدون _ من أجل تعجيل فترة الجني أو ابطائها – الى استخدام نوعين من السماد:
أ - السماد الحار المعد من روث الغنم والذي يساهم في تعجيل نضج الثمرة لطبيعته الحارة الدافعة للنمو.
ب - السماد البارد المعد من روث البقر، وتساهم طبيعته في إبطاء نضج الثمرة وتمديد فترة وجودها. وبهذا يستطيع ملاك المساحات الواسعة من النخيل قبض زمام البشارة عن طريق تسميد الحار وسد ثغرة النقص والحاجة التي يوفرها سماد البقر بمقعوله البارد البطيء مما يضمن وجود الثمرة الى فترة متأخرة من القيظ.
18 - يجمع البس بلونه الأصفر الخشن في مراجل ضخمة مليئة بالماء ويترك هكذا فترة من الزمن الى أن تتضح حلاوته من مسام الثمرة وتلين خشونته، وبعض أصناف البس لا تصلح للتفغير مثل بسرة الفرض، وبالمقابل فإن بعضها هو الأكثر قابلية ومرونة للتفغير كما هو الحال في بسرة المبسلي الممكنة والسريعة في تحولها.
19 - الشحواح: هو القشرة اللينة التي تزحف الى القمرة في مراحل نضجها وعندما تكسوها الى منتصفها تسمى رطبا، وعندما تغطيها كاملة تسمى تمرا.
20 - الخشاش: هو الهش من الملح وغالبا ما تلفظه النخلة من رأسها الى الأرض إثر كل هزة ريح عابرة.
21 - يكنز التمر في الأوعية على ثلاث حالات:
أ - موضعا: مصفوفا باتساق، كل تمرة بجانب الأخرى.
ب - مدلوكا: تفصل خبات التمر عن نواتها وتدمك بتماه تام حتى تصبح عكة متماسكة.
ج - منثورا: مصنفوفا كما اتفق.
22 - القمع: الغطاء الملتصق برأس القمرة.
23 - القاشع: أنواع من السمك صغيرة الحجم، تجمع بكميات ضخمة وتجفف تحت الشمس، وتلمح بجلاء أمام بيوت الصيادين ببريقها الفضي الساطع.
24 - يراعى في تسوير الأفلاج موقع النخلة بشكل أساسي وقد يضطر أحيانا الى إمالة وتعريج جدول مستقيم لأن نخلة ما اعترضت طريق بنائه، وأحيانا مسافة صعبة الى أن يأخذ استقامته مرة أخرى لذلك فإن خط الأفلاج لا يسلك مسلكا مستقيما إلا في حالات معينة كأن يبني في أطراف الحقول أو على مشارف الأودية.
25 - يمتاز أهل الريف بالمقارنة مع غيرهم من سكان الصحاري والسواحل باكتظ شهم الذاتي وقلة هجراتهم - فيما مضى- للبحث عن عمل، ولم يكن سبب ذلك في رأيي سوى ما كانت توفره النخلة من شروط الاصرار والبقاء، وفي هذا دلالة على أنه لم يكن هناك مجال واسع للبطالة تحت كنف النخلة فلابد وانها ستقطع له من (7/4)
صفحة 86
جسدها عملا يعتاش عليه.
26 - من المفارقات المؤلمة أن بعنى البيوت الخرسانية بدأت تزحف الى الحقول على حساب البيوت الواطئة والتي رغم بساطتها إلا أنها بنيت حسب متطلبات المناخ والهواء واصغاء لنغم الطبيعة وحاجتها، الى جانب انفتاحها واحتضانها للنخيل ومسارح الحيوان والدجاج، بينما البيوت المستحدثة تمتاز بضخامتها وعلوها واحكامها فنرى النخلة إثر ذلك منكسة الهامة ونتوء بحزن ثقيل.
27 - من الألعاب العديدة التي توفرها النخلة لعبة العصا، وتبدأ باقتراع الفتية على أحدهم ليلتقط العصا التي ستطير عنه مرتعدة الى أبعد مسافة ممكنة، وعندما يصل الى مكانها يكون رفاقه قد اعتلى كل منهم نخلة وصعد الى رأسها بأتى قوته، وكل من يتأخر في الصعود فإن العصا كسعه في رجله ليردد عبارة (عني وعن وباعتي) أي أن اصابتي هذه تساوي إصابة جميع رفاقي فينتكسوا هابطين ويبدأوا باللعب من جديد، وأفطن. الفتية من يختار لنفسه نخلة طويلة تكون مصدرا للمنافسة من الجميع ولا يستطيع حامل العصا مجاراتها، ويستمر الفتية في لعبهم وجنونهم العذب الى أن يغشاهم الظلام.
محمود الرحبي (كاتب من سلطنة عمان) (7/5)
صفحة 87
عنوان المقال إضاءات من الشعر العماني
صدر في العدد العشرون
الكاتب هلال الحجري
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
* المعولي: محمد بن عبدالله المعولي، من شعراء القرن الحادي عشر الهجري، أكثر شعره في مدائح اليعاربة.
له ديوان طبعته وزارة التراث القومي والثقافة سنة 1984، بتحقيق الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي.
له طرق غريبة في صناعة الشعر، كأن يكتب ابياتا إن قرأتها كان مدحا، وإن عكستها كان ذما، مثل قوله:
سير لهم طابت فما خبثت ... ربحت لهم سلع فما خسروا
أو أن يكتب بيتا واحدا، ثم يفرع من كل كلمة منه بيتا آخر يكون تكملة لتلك الكلمة، فتظهر القصيدة من حيث الرسم الكتابي وكأنها هرم!
1 - المرأة الماء
تكاد من لينها تجري إذا قعدت
كأنما جسمها من لينه الماء
لا غرور إن لم ير لي بعد رؤيتها
في القلب صاد ولا باء ولا راء!
2 - صاغة الشعر
إنما صاغة القريض قليل ... وكثير روائه وشداته!
3 - دواء العاشق!
ودوائي من السقام ارتشاف الريق
مع ضم غصنها المياد
واعتلاق الخدود شما وضما
واعتناق الأجياد بالأجياد
والتفاف القدين عركا وتقبيلا
وضم الأكباد بالأكباد!
4 - مغازلة
أغازل فيها كل حوراء كاعب
عليها من الحسن البديع بدائع (8/1)
صفحة 88
مهفهفة غيداء غراء غادة
قيود لها في السن عشر ورابع
إذا ما بدت شمس، وكالليل فرعها
سوادا وكالبلور منها الأصابع
وخضر حوته قبضة الكف ناحل
وردف ثقيل للمآزر دافع!
5 - شفافية امرأة
إذا قعدت تجري على الأرض رقة
وإما مشت تهتز منها الروادف!
يؤثر في جثمانها وشي بردها
فتؤلمها أثوابها والمطارف!
يشف سناها من وراء لحافها
فليس تواري صفحتيها الملاحف!
6 - حبيب من حروف
النون حاجبه والعين مقلتة
والميم لاشك إن فكرت فيه فم
وفوق مبسمه سيناته رسمن
ناهيك من أحرف ما خطها قلم
7 - انهزام!
حاز المحاسن من خلق ومن خلق
كأنه من جنان الخلد منهزم
8 - صائد العشاق
عنون الكون فيه صورة قوس
من من العالمين منه سليم؟
قوسه حاجباه، والأنف نشابته
تحتهن جفن سقيم! (8/2)
صفحة 89
9 - صمود
سأصبر صبرا يقصر الصبر دونه
الى أن يصيح الصبر مني تألما!
وإلا فلست الباسل البطل الذي
تردى بأثواب الردى وتعمما!
ولو قص مني الدهر ريش قوادمي
فلا أتشكى للعدو،. فيبسما
ولا أتشتكى للصديق مكاشفا
فيبقى حزينا لا يطيق تكلما!
تمرست بالآفات حتى ألفتها
فلما ذهتني لم تزدني تحلما
10 - شكوى
وقضيب إن قام ماس دلالا
أو مشى ماج ردفه من ورائه!
يشتكي خصره الى الردف إن شاء
قياما ينقد كل من إعيائه!
ابن عرابة
* ابن عرابة: هلال بن سعيد بن عرابة، شاعر هاجر الى افريقيا، وخصص ديوانه "جواهر السلوك في مدايح الملوك " في مدح السلطان سعيد بن السيد سلطان بن أحمد بن سعيد، وقد طبعته وزارة التراث القومي والثقافة سنة 1984 بتحقيق الدكتور داوود سلوم.
لم نعثر على تاريخ ولادته ولا وفاته، ولكنه ينتمي الى شعراء القرن الثالث عشر الهجري حسب تصنيف الخصيبي في "شقائق النعمان"، بيد أن محقق الديوان يذكر أن المخطوطة بقلم الشاعر نفسه وقد أرخها بتاريخ 1342هـ- 1924 وهذا وهم من المحقق لأن السلطان سعيد بن سلطان الذي اختص الشاعر بمدحه كانت فترة حكمه بين (1806 - 1856م)، وسنة 1924م التي ذكرها المحقق بعيدة جدا عن هذه الفترة، ولعل التاريخ الصحيح للنسخ كان سنة 1242هـ أي سنة 1826م.
1 - ديون الهوى
يزورني والدجى جم جلاببه
والعالمون غفول والرقيب غبي
عللتة الصرف (1) حتى صار يسمح لي (8/3)
صفحة 90
بما يشح،. ويدنيني على رغب!
وبات يقضي ديونا في الهوى وجبت
وملت أقبض منه أول الطلب!
2 - واوات!
وأغيد ميال القوام مهفهف
له ملعب في مهجتي واسع رحب
يذود وشاحيه برمان صدره
وقلقل قرطيه التخوف والرعب!
ضئيلات عقصيه بمتنيه تلتوي
وواوات صدغيه تمنتهما الكتب!
3 - وقفة وداع
وقفنا وأسياف الصباح بوارق
على الليل والجوزاء يبلعها الغرب
وللنبين أسياف حداد يهزها
ويظهر من صيحاته النعق والنعب
4 - الحلال والحرام!
أتت منزلي، والليل أرخى سدوله
وأنجمه في أفقه لؤلة نثر
وباتت تفت الدر وهي عفيفة
حكته ثناياها وما حمل النحر
علي حرام ما حواه نطاقها
علي حلال ما تضمنه الثغر
5 - قوت العاشق
طعامي الأسى، والشرب فيض مدامعي
وما كان ظني أن أجوع وأعطشا
6 - جباه كالسيوف
تشابه أسياف لهم جبهاتهم (8/4)
صفحة 91
لها في علو الخافيق شروق!
7 - المن والسلوى!
بليت وما أبلى الهوى غير مهجتي
وفرقة أهل العشق من أعظم البلوى
وحبي له حب البخيل لماله
وراض عليه، .. لو يحملني "رضوى" (2)
ولو من لي من ريقه بجريعة
عرفت بأن المن أحلى من السلوى!
علي الساساني: علي بن ثابت الساساني، من شعراء القرن الثالث عشر الهجري، له ديوان (مخطوطة) بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، قصره على مدح الشيخ محمد بن ناصر الجبري، وفي ديوان قصيدة يحتفل فيها بتغيير مذهبه الاباضي!
اعتمدنا في اختيار هذه الاضاءات على المخطوطة، وهي بخط جميل رغم الاخطاء اللغوية القبيحة.
1 - فتى
إذا شن يوما للمشارق غارة
فلا برحت منه تموج المغارب
فتى هذبته كل يوم مصيبة
سما،. وانتمى،. مذ هذبته التجارب!
2 - تضاريس امرأة
وقد فوقه شمس وليل
ورمان، وقد حمل الأكاما (3)
وخصر يشتكى نحفا وسقاما
من الردف الذي انفعم انفعاما! (4)
لقد كملت جمالا في دلال
كما أني كملت بها سقاما
3 - خلق آخر!
هذا المصور من فخر ومن كرم (8/5)
صفحة 92
ومن معال ومن مجد وإجلال
لا كالبرية من طين،. ومن عجل
ومن مخرس ترب ثم صلصال!
4 - روما نسية
يا قدها الخطار، أو يا ريقها
الخمار، أو يا طرفها السحار
رفقا بمهجة عاشق لعب الهوى
بفؤاده، ودموعه مدرار
5 - خيزرانة!
ذي قامة كالخيزرانة تنثني
بتمس وتميد وتخضع
الدر تحت شفاهها، والشمس
تحت نقابها، والليل تحت المقنع
ماء الحياة بثغرها، لكنه
بعقارب الأصداغ أي ممنع!
6 – أيام ..
أيام كنت أجر ذيل شبيبتي
تيها بربع الكاعب الكسلاء
أجري على مرح الصبى وفنونه
ثملا بريق العاسل اللمياء!
7 - رزق العاشق!
رزقت منها سلاما وهي باسمة
فالدر منتظم منها،. ومنتثر!
8 - رأي في السياسة!
سلامة الملك في بيع النفوس وفي (8/6)
صفحة 93
شق الؤوس،. فلا في الأثغر اللعس!
9 - شخص ما
هانت عليه المشكلات، وما له
خيم (5) .. سوى العليا يبوس ذراها
10 - امرأة
البيض في لحظاتها .. والرمح في
حركاتها،. والليل فاحمها المجن
تبري وتبري .. بالوصال وبالجفا
لهفي إذا وصلت .. ولهفي إن تبن
11 - دعوة!
مت بالهوى، فلك الهنا، فالموت في
طرقا الهوى .. من أشرف الأقسام!
12 - عاشق
ثوى كلفا،. لو شاهدته عداته
لرقت وناحت بكرة وأصيلا
يوارى عن الحساد ماء جفونه
ويشهد جسم حين صار عليلا
13 - بلاد الفتى!
وكل بلاد عن بلاد فغاضة
إذا كنت فيها قاصر القول والفعل!
بلاد الفتى حيث الركاب تحله
وفيها لديه طولة اليد والرجل!
14 - فتى
فتى جاز في علم الغيوب سباحة
فلا زال في تياره وهو عائم! (8/7)
صفحة 94
15 - حصاد!
جيوش المنايا في البرايا مغيرة
ولا زال سيف الموت فيها مجردا
الغشري
الغشري سعيد بن محمد الخروصي، من شعراء القرن الثاني عشر الهجري، يغلب على شعره طابع الزهد والمواعظ.
له ديوان طبعته وزارة التراث التومي والثقافة بتحقيق رديء للدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي، خلا من اي اضافات علمية للمخطوطة، عدا بعض التخريجات اللغوية، وبعض الأخطاء العروضية، حتى وإن أراد الكتور خفاجي ان يعلن على غلاف الكتاب (بتحقيق ومراجعة وشرح)!
1 - رؤيا
لتسمعن وشيكا في ديارهم
للسيف فيها حنين الريح في السحب!
2 - فتنة الرمان!
إذا بدت رمانتا صدره
وقر بدا من تحتهن الوشاح
خر على الأذقان مستسلما
عاشقه ثم غلا بالنواح!
3 - الحلال والحرام
وقد اجتمعنا .. ما احتواه إزارها
حجر، .. وحل كل ما تحت الردا
قد بت أجني ما ألذ وأشتهى
يالميت هذا الليل .. ليلا سرمدا!
4 - معادلة!
إذا عظمت نفس الفتى في مرادها
فما الجسم إلا قاحم في المهالك
5 - قوم (8/8)
صفحة 95
ما ضعضع الدهر همات لهم أبدا
ولا استكانوا الجبار وخناس!
أبو الشيبة السالمي
* أبو الشيبة السالمي هو نور الدين، عبدالله بن حميد السالمي، عالم وفقيه وشاعر، وصفه أبومسلم في رثائه بأنه "جمع العالم في حيزومه "! وذلك لعلمه الواسع وثقافته المتنوعة، ويدلى على ذلك مؤلفاته الكثيرة والمتنوعة، رغم أن
الزمان ضن واخترمه الموت وهو في السادسة والأربعين عطاء!
اعتمدنا في اختيار هذه إضاءات الشعرية له، من ديوان الذي حققه عيسى بن محمد السليماني كرسالة ماجستر سنة 1996م.
1 - عهد
ومن تحت ظل السيف فالتمس البقا
إذا حكمته في المعادي مضاربه
وإن فتى لم يطلب المجد عمره
فقد خسر المسعى وضلت مطالبه
فهلم بلغ عني بني المجد أنني
على العهد لا أنفك عما أطالبه
وأن صوبت نحوي الليالي سهامها
ودق عظامي من زماني نوائبة
2 - طريق المجد
لم أجد للعلا طريقا قريبا
مثل طعن اللهى وجز الغلاصم (6)
فأشبع الوحش من لحوم الأعادي
وارو من دمهم ظما كل هائم!
3 - قضاء المعالى
قضت المعالي بالبعاد عن الذي
تخطي مضاربه أعالي الراس!
ما أبعد المجد الشريف مناره
عن منزل العجاز والأنكاس! (8/9)
صفحة 96
أحمد بن النظر
* ابن النظر هو أحمد بن سليمان بن النظر- ويصححها الخصيبي في "شقائق النعمان" على انها النضر، بالضاد لا بالظاء - عالم وشاعر عاش في القرن الخامس الهجري، كما جاء في مقدمة ديوانه "كتاب الدعائم".
يروى أنه كان آية في الحفظ الى الحد الذي يتذكر فيه أحداثا مرت به وهو ابن عشرين يوما! قصة موته مغولية شنيعة انتهت الى رميه من فوق القصر، حين أنكر على الملك النبهاني خردلة بعض تعسفه واستبداده ولم يكتف خردلة بذلك وانما أمر بحرق مكتبته ومؤلفاته لم يروى أن له ديوانا في الغزل مزقه، وانصرف الى الشريعة وعلم الفرائض. طبعت له وزارة التراث القومي والثقافة ديوانه "كتاب الدعائم" وهي منظومات في العقيدة والفقه اعتمدنا عليه في اختيار لهذه الاضاءات الشعرية.
1 - انتصار للشعر
سلي أولي الصنعة من حاكة
الديباج، أو من صاغة التبر
من حيث ما غاروا وما أنجدوا
من حد صنعاء ان مصر
هل صنعة أحكم في صنعها
عند أولي الألباب من شعر؟!
أن بيان الشعر سحر، وفي
الأشعار ما يربو على السحر
وربما طاف به طائف
فجاش من طائفه صدري!
فتوى
وما بريح الفرج بأس إذا
جاءت من الغانية البكر
وليس في النظرة بأس الى
الكفين والوجه مع الثغر
عمدا ولو أدخل ابهامه
في فمها وهو على طهر!
3 - حسام! (8/10)
صفحة 97
وقد طال ما باتت سليمى ضجيعتي
وبات وسادي ثني كف ومعصم
ليالي يدعوني الهوى فأجيبه
وحد حسامي صارم لم يثلم!
4 - رأي في النبيذ
فدع النبيذ، فما يطيب شرابه
حتى تطيب خلائق الجلساء
فإذا ابتليت به، فدونك ذا التقى
حتى تطيب خلائق الجلساء
واشربه في الوطب الملاث رؤوسها
أو في المشاعل من أديم الشاء
5 - عناء الشعر
إذا نظام القوافي عز مسلكها
عليه حركه فانصب وانسكبا
فأحرز المخ من علياء هامتها
وجانب العجز والعرقوب والذنبا
باتت تصدى له، والليل معتكر
حتى تلقفها والليل قد نضبا
6 - قصيدة
فدونكها، فخذها واتخذها
شعارا في الركوع وفي السجود!
الهوامش:
1 - الصرف: يقصد بها الخمر
2 - رضوى: اسم يطلقه العمانيون على "الجبل الأخصر"
3 – الأكام: جمع أكمة، وهي التل، ويقصد بها هنا الردف (8/11)
صفحة 98
4 – انفعم: صورة أخرى لفعم أو أفعوعم بمعنى امتلأ حتى فاض.
5 - الخيم: الطبع والسجية.
6 – الغلاصم" جمع غلصمة وهي أصل العنق.
اختيار: هلال الحجري (اكاديمي من سلطنة عمان) (8/12)
صفحة 99
عنوان المقال اضاءات من الشعر العماني الموضوعات التقليدية قبل النهضة
صدر في العدد الحادي والعشرون
الكاتب شبر بن شرف الموسوي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
تتشكل ملامح الشعر العماني قبل النهضة من الموضوعات التقليدية نحو شعر الأخوانيات والغزل والرثاء والمدح والوصف ومن الموضوعات المجددة التي تتناول القضايا الوطنية والتفاعل مع القضايا القومية والتوجه نحو الشعر الذاتي والوجداني. وفي هذا البحث سوف نعرض لهذه الموضوعات والأغراض الشعرية، محاولين الكشف عن ملامح الشعر العماني في تلك الفترة ورؤيته الشاعر العماني لهذه الموضوعات وعمق تناوله لها وتفاعله مع محيطه العربي في الموضوعات المشتركة، ونعرض في هذه الحلقة قسما من الموضوعات التقليدية في الشعر العماني قبل النهضة
1 - شعر الاخوانيات:
من الموضوعات الشعرية التي اهتم بها الشعراء العمانيون في هذه الفترة والتي غلبت على جانب كبير من دواوينهم هو الإخوانيات، وهو موضوع شعري قديم عبر عنه الشعراء العرب والعمانيون القدماء، واستمر وجوده في شعر هذه الفترة كتقليد أدبي اتبعه شعراء هذه الفترة للتعبير عن مشاعرهم اتجاه أصدقائهم وأحبتهم. ويضم قصائد العتاب بين الشعراء والردود على رسائل الأصدقاء الشعرية واظهار الود والاحتفاء بالشاعر الآخر أو تهنئة صديق عزيز بعيد عن الشاعر أو قريب منه بمناسبة مهمة، وتسجيل الذكريات والطرائف التي تحدث بين الشعراء وأصدقائهم شعرا، وقد يبدأ الشاعر قصيدته الإخوانية بشعر الغزل وأحيانا يدخل في الموضوع مباشرة، وفي حالة الرد على شاعر آخر فإنه يلتزم بنفس الوزن والقافية وفي شعر الاخوانيات عندهم ما في الإخوانيات عادة من محاولة التبسط والتفكه والتحلل من رصانة العبارة والاقتراب من لغة الحديث.
ومن قصائد الإخوانيات قصيدة للشاعر خالد بن هلال الرحبي (1) أرسلها الى صديق له بعد أن أهداه صديقه هذا ديوانا لعنترة، فيقول:
دعني أؤم محمدا بثنائي
لم لا وقد ملكت يداه ولائي
يا أيها العلم الذي بخصاله
نار الفخار وكفه البيضاء
يا من يرى فعل السماحة والندى
طبا ومسك المال مثل الداء
يا خير خل من سلالة سالم
يا نجل عبس زبدة الأحياء
طوقتني بنداك طوقا حاليا
أبلى ولا يغشاه نوع بلاء (9/1)
صفحة 100
أهديتني سفرا يصور لي سطا
أبائك العظماء في الأعداء
أهديتنى ديوان عنترة الذي
ذلت لسطوته بنو حواء (2)
ومن مطارحات الشاعر أحمد بن حمدون الحارثي (3) مع أحد أصدقائه هذه الأبيات التي كانت ردا على قصيدة سابقة لذلك الصديق: بلبل الأيك ترنم طربا
أنعش الروح وحي الأدبا
وانشدن نظما بهيا رائقا
جاء يقضي للإخا ما وجبا
جاء يهدي من صفي مخلص
من فتى عيس سمي المجتبا
يا أخا الفطنة ما نظم أتى
لفظه الدر مصوغ ذهبا
ذكرتنا بعهود سلفت
كان فيها الشعر يسمو منصبا
أعلمتنا كيف يرقى كاتب
من بني العصر ويحيى الادبا (4)
وتحمل القصيدة في معانيها وألفاظها ما يشير الى عمق العلاقة بين الشاعر وصديقه المحتفى به ولهذا فهو يصف صديقا بمجموعة من الصفات التي تدل على تعلقه واعتزاره واحتفائه به وهي كالتالي صفي، مخلص، سمي المجتبي، أخا الفطنة، كما نلاحظ انطلاق الشاعر في التعبير عن مشاعره النفسية اتجاه صديقه وذلك عبر ذكره مجموعة من الألفاظ المعبرة عن هذه المشاعر وهي البلبل، الترنم، الطرب، النظم الرائق.
للشاعر هلال بن بدر البوسعيدي (5) قصيدة يجيب بها على قصيدة بعث بها اليه الأديب عبدالله الطائي (6) الذي كان من تلامذة الشاعر ومعاصريه يقول فيها: لك يا صفوة الشباب الراقي
محض ود مدى حياتي باقي
لك مني صفو الوداد مع الد
هر وحب مؤكد الميثاق
أنت لي أول الشباب مناد
بقريض أحلى من الاغتباق (9/2)
صفحة 101
يملأ العقل نشوة وانتعاشا
فأنا المحتسى وأنمت الساقي
فأدر لفظك ورجع
نغمة الحب في المعانى الرقاق (7)
وقد حاول الشاعر أن يخرج في هذه الأبيات من نطاق الاخوانيات الى الحديث عن مشاعره الخاصة، فابتعد نسبيا عن النظم وعن شعر المناسبات الخاصة.
ويدير الشاعر بدر بن هلال ندوة شعرية مع الشيخ القاضي سالم بن حمود السيابي (8) حيث يبدأ الشيخ السيابي بإرسال قصيدة يمدح فيها الشاعر هلال بن بدر يقول فيها:
سلام مثل منتظم اللآلي
وشكر لم يزل فوق الكمال
لذي الأدب البديع وذي الأيادي
وجيد الشأن محمود الخصال
خلاصة مجمع الآداب طرا
فريد الذوق شاعرنا هلال
حليف الفضل صافي الود طبعا
ترده آخذا بيد المعالي
أديب في معانيه أريب
حسيب في مراقيه العوالي (9)
وفي هذه الأبيات تبدو سمات الأخوانيات في أوضح صورها في تلك الخلال المنظومة على غرار أسلوبي واحد، وفي هبوط التعبير الشعري في بعض الأشطار.
ويرد عليه الشاعر هلال بن بدر بقصيدة في مستواها يذكر فيها فضائل الشيخ السيابي، ويحافظ على نفس الوزن والقافية في القصيدة الأولى، فيقول: الى علم المعارف والكمال
الى من حاز تقدير الرجال
الى العلامة الحبر المرجي
لحل المعضلات لدى السؤال
الى رب القريضى اذا تسامى
رجال الشعر في نسج الخيال (9/3)
صفحة 102
الى المفتي الذي اذ قال قولا
أقر له الفحول على التوالي
زففت لي القريضى بفيض ود
إلا ان القلوب على اتصال (10)
ولا تخرج القصيدة السابقة عن كونها خطابا كتب في صورة شعر، وهو نوع من المدح المتبادل بين وزير في الدولة وقاض من قضاة الدولة أيضا، فالرجلان ينشغلان منصبين مهمين في الدولة، ويذكرنا هذا الشعر عامة بشعر الاخوانيات الذي انتشر في العصر العباسي الثالث عندما أصبح الشعراء وزراء وأصبحوا يتراسلون بالشعر كما يتراسلون بالنثر، فاستعملوه في التهنئة والتعزية والشكر والعتاب والاستعطاف وغير ذلك مما يدور بين الأصحاب من مراسلات، ولسنا في حاجة الى تأكيد ما في بعض الأبيات من نظم رديء في مطلع الأبيات كقوله: «لحل المعضلات، لدى السؤال، أقر له على التوالي".
2 - شعر الغزل:
ويشكل موضوع الغزل أحد الموضوعات الهامة في شعر هذه الفترة، وشعر الغزل من الموضوعات الذاتية وهو على خلاف المديح الذي يعبر فيه الشاعر عن غيره وربما تكون فيه عواطفه ومشاعره زائفة وبالتالي تكون تعابيره تقليدية، وعلى هذا فإن شعر الغزل من المفترض أن يعبر فيه الشاعر عن مشاعره الخاصة.
وشعر الغزل لهذه الفترة ينقسم الى مستويين، غزل تقليدي ينقل صورة المرأة القديمة ويتحدث عن جسد المرأة والتشبيب بمحبوبة الشاعر، وغزل يتخلص من المعاني التقليدية والعبارات ويقترب فيه الشعر من ذاتية الشاعر وعواطفه الداخلية.
ومن شعر المستوى الأول في الغزل التقليدي قول الشاعر أحمد بن حمدون:
أذى الشمس قد لاحت وأشرق نورها
أم البدر جلى ضوؤه كل دامس
وذا بلبل يشدو بألحان مطرب
يرددها فوق الغصون الموائس
أم الخرد البيض الكواعب أقبلت
تهادى نشاوى بالعيون النواعس
أأم غادة ميلاء منت بزورة
على غير وعد في الحلى والطنافس
تبدي محياها كصبح سناؤه
وولى الدجى من حينه وجه عابس
وهذا عبيق المسك ضوع طيبه (9/4)
صفحة 103
فأحيا رميمات العقول الدوارس (11)
ونلاحظ تكرار صورة المرأة القديمة في هذه الأبيات في تلك التشبيهات التقليدية اليسيرة غير المركبة أو الجديدة، نحو تشبيه المحبوبة بالشمس والبدر والغصون والصبح والمسك.
ويقول في قصيدة أخرى متبعا الأسلوب التقليدي نفسه والتشبيهات اليسيرة المألوفة:
تألق برق في ليال بهيمة
وثغر حبيب باسم بالمسرة
وبدر تمام أم عقود زبرجد
بها غادة حسنا شموع تحلت
وورق الضحى يشدو على غصن بانة
يردد بالألحان في سفح بركة
ونسمة روض بالبشارة قد أتت
تهني بوصل من حبيب وزورة (12)
وتأتي أكثر هذه الغزليات كمطالع لقصائد المدح ولذلك لا نكاد نجد فيها شيئا من صدق المشاعر. وأغلب الغزل يأتي على هذا النحو الذي يشبهون فيه المرأة بالبدر والغزال وبالشمس وشعرها بالليل وقوامها بغصن البان وعيونها بعيون البقر الوحشي وهي صفات وردت كثيرا في الشعر العربي القديم.
ويقول الشاعر سعيد بن مسلم المجيزي (13) مكررا نفس المعاني القديمة:
لذكر ليالي الوصل يستعذب الذكر
ويحلو وإن التباعد والهجر
فيا ذكر ليلى شنف السمع موقرا
أحاديث من ليلى يذوب لها الصخر
ويا سعد عللني بذكر أحبتي
فعندك يا سعد الأحاديث والذكر
ومن لي بأن ألقي جبينا إذا بدا
لطلعته تخبو الكواكب والبدر
تسلط في قلبي بسلطان حبه
فبحت بما تخفي الجوانح والصدر
كذلك سلطان الغرام وحكمه (9/5)
صفحة 104
برغم جنود العشق يقضي له الامر (14) والأبيات نظم تختلط فيها العبارات النثرية بالاقتباس من مفردات الشعر العربي القديم دون أن يكون بينها شيء من الترابط، وقد وردت هذه الأبيات في مطلع لقصيدة يمدح فيها أحد سلاطين عمان، ونلاحظ أن الشاعر يلجأ الى ذكر أسماء ليلى وسعدي وهي أسماء وردت كثيرا في شعر الغزل القديم وقد استخدمها الشعراء لما فيها من وزن موسيقي، فهي أسماء لم يكن لها وجود حقيقي في حياة الشاعر، وربما تكون استخدمت كأسماء رمزية ترمز لمحبوبات الشاعر. ومن شعر الغزل التقليدي والوقوف عند أماكن الذكريات القديمة وتذكر الأحبة قول الشاعر صالح بن عيسى الحارثي. (15)
دعاني الهوى والشوق نحو الأحبة
وزادني التذكار مخفى علتي
وذكرني عهد الوصال الذي مضى
فهيج ما بي من غرام ولوعة
وفي طي أحشائي لظى الهجر أضرمت
فلا تنطقي إلا بوصل الأحبة
أبيت ونار الشوق بين جوانحي
لها زفرات بين قلبي ومهجتي
لقد ذبت من هجر الحبيب وصده
وإعراضه عني على غير زلة
ويقول عن لقائه بمحبوبته:
بروحي من قد زارني بعد بعده
بليل حذار من رقيب فممقت
فوسدته زندي وبات مضاجعي
الى أن جلا نور الضيا كل ظلمة
فبتنا وكأس الأنس قد دار بيننا
ونحن نشاوي بين ضم وقبلة
لهوت به والليل مرخ سدوله
علينا بأنوع الهنا والمسرة (16)
ومن المستوى الثاني في شعر الغزل تأتي قصائد كل من الشاعرين هلال بن بدر البوسعيدي وعبدالله الطائي اللذين توافرت لهما أسباب الحياة العصرية والاطلاع على مصادر الثقافة العربية المعاصرة ربما أكثر من الشعراء الذين ذكرناهم سابقا، لذلك جاءت قصائدهما الغزلية أفضل من القصائد السابقة حيث تخلصت من المعاني القديمة لشعر الغزل وعباراته التقليدية. (9/6)
صفحة 105
ونلاحظ ملامح الاختلاف هذه في بعض قصائد هلال بن بدر البوسعيدي ففي قصيدة ثمرة الأشواق، نلاحظ سيطرة النبرة الذاتية على هذه القصيدة وغناء الشاعر الحزين واقتراب ألفاظها من ألفاظ الرومانسيين، فيقول:
أغني ولكن الغناء أنين
وأحدو ولكن الحداء حنين
وان قلت شعرا فهو مجر صبابتي
على أنه وسط الضلوع دفين
فمن لفؤاد وهو ولهان خافق
ومن لجفون دمعهن هتون
لواعج أحزان وآلام فرقة
قد أعتورا قلبي فكيف يكون
أخلاي قد ذقت الأمرين بعدكم
وكل شجا غير الفراق يهون
كتمت هواكم برهة بحهد طاقتي
وإني به حتى الممات ضنين
فلا عتب إن باعت دموعي بسره
واني لأسرارا لحبيب مصون (17)
وعلى الرغم من وجود بعض الصيغ التقليدية إلا أن عبارات الشاعر الشعرية تتسم بيسر العبارة وسلاسة البناء، وخفرت الايقاع، لكنه مع ذلك يدور في فلك تلك الفترة التي كانت تقع في برزخ بين الكلاسيكية المطلقة وبدايات التجديد، والشاعر في هذه القصيدة يمزج بين التجربة العاطفية وتجربة الاغتراب الداخلي وتبدو في القصيدة روح الشكوى التي سماها الدكتور نزار العاني «السمة التوجعية " وتسأل عن مصدرها في حياة الشاعر، «من أين تجيء هذه المشاعر والأحاسيس المغلفة تماما بسمة توجعية واضحة عند رجل عهدناه معتدا بفكره متعاليا على ما هو مدفون وسط الضلوع، جوابا في ميادين الحياة الشاسعة؟ "
ويجيب قائلا "إن البو سعيدي في لحظة مراجعة صوفية مع الذات، يقرأ بعض علامات القهر الدفين داخل تضاريس
روحه الشاعرة والتي تبدو غالبا متعافية وغير مأزومة، هناك لا شك في ثنايا شعره وتلافيف قصائده سمة توجعية مستترة، وهناك سوداوية خفية تشكل منطلقا لنداء القصيدة الجمالي والفني والمعنوي. (18)
وللدكتور العاني الحق في هذا التساؤل لأن الشاعر كان يعيش في وسط أجواء السلطة والترف، وتسرب هذه الروح الحزينة وسمات التوجع الى عالمه وشعره مدعاة التساؤل وربما تعكس هذه السمة التوجعية رومانسية البوسعيدي، كما يمكن أن تكون صدى لحالة من حالات التمرد على الواقع الذي يعيشه ويحاول تغييره. (9/7)
صفحة 106
وللشاعر عبدالله الطائي قصائد ذات توجه عاطفي، ولكنها تجيء في مقطوعات صغيرة مرتبطة بموضوع الحنين والتذكر لزوجته ولقمان ولأهله في عمان، وربما يرجع ذلك الى انشغال الشاعر بهموم وطنه أكثر من انشغاله بمشاعره وعواطفه القلبية، وحتى قصائد الحنين والتذكر فإنه يوظفها للحديث عن وطنه وما أصابه من تخلف وتأخر، وربما نجد في قصيدة أو قصيدتين هذا التوجه العاطفي الواضح فيقول في إحدى قصيدتيه التي يصور فيها حالة انقطاع الحب:
انتهينا لا الهوى يحنو علينا
قد محوناه كلانا بيدينا
انتهينا لا لقاء ممكن
يكشف الأعذار عما قد جنينا
يا لسر القلب هل يظهره
ليس مثل القلب إشفاقا علينا
إنه الحب الذي جمعنا
وأرانا من صفاء الدهر لونا
يا حبيبي انقطاعا بعد أن
أزهر العمر غراما فازدهينا (19)
وقد يختلط الغزل عند بعض هؤلاء الشعراء بتجارب شخصية كالفقد أو الغربة أو الحنين للوطن، ولهذا تمتزج تجربة الفقد الرومانسي العام بالفقد العاطفي في بعض مقطوعات عبدالله الطائي الذي يتحدث بضمير يعود الى بعض المحبين أو كليهما ولا يتحدث عن نفسه مفردا ولا عن محبوبته وحدها كما في الأبيات الماضية.
ويصور الشاعر في قصيدة أخرى أمسية من أماميه الرومانسية على ضفاف الخليج، فتبدو في مفرداته وابنيته الأسلوبية رقة رومانسية غير معهودة عند شعراء هذه المرحلة ويمزج الشاعر فيها بين مشاعره وبعض لحظات الطبيعة ومشاهدها المألوفة في الشعر الرومانسي العربي، ولعل بقنص أبياتها يذكرنا بنظائر لها عند علي محمود طه، والقصيدة بعنوان أمسية على الخليج (وهي من القصائد التي كتبها في سنوات حياته الأخيرة):
سألت هل لك في سهرتنا هذي قصيدة أنظر الليل وقد رصع بالأنجم جيده وأرمق الجو وقد لحن بالصمت نشيده أفما حرك في القلب أحاسيس جديدة؟ قلت والاغراء من حولي قد فاق حدوده صوت حسناء بجنح الليل يستجلي وجوده وحديث يجبر العازف أن يلقي عوده ها هنا تحلو الأماسي ويصب الكون جوده وضياء البدر أغناه بألوان جديدة فبدا الشاطيء روضا نثر الأفق وروده (20) ويبدو تأثر الشاعر برواد الاتجاه الرومانسي في العالم العربي وبالخصوص علي محمود طه في قصيدته كليوباترا، ويعبر الشاعر عن عواطفه تعبيرا صريحا. وهو ما ليس مألوفا في شعره الذي انشغل فيه بالتعبير عن همومه الوطنية والانسانية.
ويبرر الدكتور أحمد درويش هذا التغيير الذي طرأ على مفردات هذه القصيدة وعلى نفسية الشاعر، بأنه نوع من التعبير عن قرب الانتصار الذي بدأ يلوح في الأفق فيقول «وهو يرى الخليج في هذه القصيدة لا كما كان يراه دائما من خلال قضية الكفاح التي شغلته طويلا بركانا ثائرا من الأمواج، وانما يراه في لحظة الصفو موجا هادئا وغناء ووجها حسنا. وهذه واحدة من القصائد القليلة في انتاج الشاعر التي تلجا الى الأوزان المجزوءة القصيرة والى الروح المرحة، والى استخدام معجم تتردد فيها كلمات مثل «اللحن، الانشاد، رصع، السهرة. النجوى، السعد" وتتشكل من خلالها صور تتحرك في القلب أحاسيس جديدة على حد تعبير الشاعر (21). (9/8)
صفحة 107
3 - شعر الوصف
ويلتف شعراء هذه الفترة الى مشاهد الطبيعة ومناظر الحياة في المدينة والريف فيصفون الحدائق والمروج وخيام الصيد والقلاع والحصون التي تشتهر بها عمان. ويصف الشاعر سعيد المجيزي خياما مضروبة وسط الصحراء فيقول:
خيام ما يطاولها السحاب
وشهب في البسيطة أم قباب؟
وإطناب بأوتاد أنيطت
أم الجوزا بأيديها شهاب؟
وأعمدة تجللها سماء
من الياقوت يكسوها ضباب
فتلك مصانع نشأت بأيد
أم الافلاك ليس لها حجاب (22)
وترتكز الأبيات على بنية التقليد، تنظر الى تعبيرات معروفة في الشعر العربي القديم، كالخيام والأطناب والأوتاد والجوزاء. ويقف الشاعر هلال بن بدر البوسعيدي أمام حصن جبرين الذي يقع وسط البساتين والنخيل ويتذكر كل تلك الانجازات الحضارية ويقلب طرفه في دقة هندسة البناء ويستعيد تاريخ بناء هذا الحصن وذكرياته السعيدة والمحزنة، فتختلط في نفسه كل هذه المشاعر فتخرج الأبيات ممزوجة بالمشاعر المتباينة، فيقول:
يا نسمة من ربى مجبرين مسراها
أهدت لقلبي ذكرى لست أنساها
وأنعشتني وما في القلب من وطر
سوى عهود أناجيها وأرعاها
في ظل قصرك يا مجبرين مرتعها
وتحت دوحتك الشماء مأواها
من لي بجبرين أو من لي بدوحتها
من لي بساحتها من لي برباها
يومي بقصرك يا مجبرين قد قصرت
ساعاته ودقيق الفن أفناها
أقلب الطيف في أشكال هندسة (9/9)
صفحة 108
وأستعيد خيالي في ثناياها
يا قصر حدث وفي التأريخ مفخرة
فقد خبرتك مزهوا وتياها (23)
ولا تقتصر نظرة هلال بن بدر البوسعيدي التأملية فقط على أمور الحياة، وإنما يشغله التأمل في التراث التاريخي والحضاري لعمان، ويقدم صورة تفصيلية لحصن جبرين وموقعه وسط البساتين والأشجار ويعبر عن اعجابه بالفن الهندسي، كما يجعل الشاعر من القصر شاهدا على أحداث التاريخ العماني.
ومن قصائد الوصف التي قالها الشاعر عبدالله الطائي قصيدة يصف فيها جمال ظفار المنطقة الجنوبية من عمان حيث تكثر الخضرة فيقول:
حاك السحاب لها ثوبا تكون من
زهر فوشته من أفراح لقياها
فالأرض من بشرها بالخير ناطقة
اللفظ خضرتها والزهر مبناها
الخصب في أرضها تبدو خمائله
عرائسا يفتن الأبصار مرآها
كأن بابل بالجنات قد هجرت
بلادها واستقرت في زواياها
هذا النسيم أتى يشكو صبابته
لأنه اعتل لما زار مرعاها
وحمرة الورد جاءته على خجل
إذ لاح منظرها يزهو محياها (24)
ولا يخفى ما في المقطوعة على الرغم من ايقاعها المنساب - من تقليد وبخاصة في البيتين الأخيرين.
4 - شعر الرثاء
يعد شعر الرثاء من فنون الشعر الموروثة والتقليدية والشاعر يرثي أصحابه ويبكيهم ويصور هول الفجيعة التي ألمت بهم ويتحدث عن صفات المرثي، وأحيانا يؤبن المتوفى بذكر أفعاله أو بذكر صفاته وحزن الكائنات والليل عليه.
وينقسم شعر الرثاء في هذه الفترة الى نوعين من الشعر شعر يتوجه بالرثاء الى الأهل والأحبة والأصدقاء وشعر يتوجه الى قادة الأمة ورجالها العظام الذين فقدوا في فترة كفاحهم ضد الاستعمار والتخلف. وخير من يمثل الشعراء العمانيين في مجال الرثاء في هذه الفترة الشاعر عبدالله الطائي، حيث ينقسم شعره في الرثاء الى قسمين أساسيين، الأول يختص برثاء أهله وأقربائه، والثاني يختص برثاء الشخصيات الوطنية العمانية والقومية العربية التي كانت تقود النضال من أجل الحرية والتحرر. (9/10)
صفحة 109
ومن قصائد القسم الأول الخاص برثاء الأقرباء، قصيدة في رثاء أمه وقد توفيت وهو في الغربة فأضافت وفاتها جرحا الى جروحه الكثيرة، ويصف الشاعر يوم وفاتها بأنه اليوم الذي ضعفت فيه مقاومته الى حد بعيد ويتمنى إن يسمح له لكي يزور قبرها في مسقط فيقول:
اليوم لانت يا زمان قناتي
ولكم صمدت لأعنف الهزات
أصبحت أرجو أن أشاهد قبرها
ولو أنني أرضيت كل عداتي
فأطوف مسقط لائذا متحاميا
الموت يدفعني لمحو شكاتي
أمي لقد ملك القضاء سهامه
فاتاك منها قاتل النبلات
لكن موتك قد ألان تجلدي
وأضاعني حتى زهدت حياتي
اليوم أشعر بالمصائب جمعت
والنفس تغرق في دجى الظلمات
يا قلب حسبك حسرة وتخاذلا
فاصمد على المكروه والعقبات (25)
ويكاد يكون الشاعر عبدالله الطائي شاعرا رثائيا لكثرة ما كتب من قصائد رثائية وخصوصا وهو يرثي شهداء عمان وكذلك
بعض أحبته الذين أنكبه فيهم الموت وهو في ديار الغربة فعمقت هذه الأحداث جروحه وأضافت الى هموما الشخصية هموما جديدة، ولهذا فإن رثائياته تكاد تنطق بحزنه وبصدق مشاعره ويتجلده وهو حتى في رثائه يربط بين كل هذه المآسي ويعكسها في النهاية على حالة البلاد في تلك الفترة.
ويرسل الشاعر مرثاة أخرى الى المرحوم الشيخ أحمد بن سعيد الكندي وكان خال الشاعر عبدالله الطائي وأحد أساتذته في
نفس الوقت وقد رعاه في طفولته وشبابه، فيقول فيها:
بكيتك حتى كدت بالدمع أشرق
وروحي من بين الجوانح تزهق
ففقدك أذوى في الحياة شبابها (9/11)
صفحة 110
وكنت لها زهوا به يترقرق
رفعنا بك الأعناق في كل بلدة
فقد عشت رمزا بالمفاخر ينطق
وكنت لنا العنوان في كل مسلك
معالمه رأي وخلق وموثق (26)
ونلاحظ على قصائد الرثاء الخاصة صدق الشاعر وانطلاق في التعبير عن أحزانه وآلامه التي طالما رماه بها الدهر، ومن
شدة صدق الشاعر ومعاناته لفقد أحبته فإننا نكاد نستشعر حزنه ودموعه التي تتساقط على وجناته وهو يرثيهم بكل حرقة وانكسار.
ويسلك الشاعر بدر بن هلال البوسعيدي منهجا جديدا في موضوع الرثاء، فلم تحد قصائد الرثاء لديه مخصومة لذوي الجاه
والسلطان وأصحاب المناصب مثلما فعل في قصائد المدح، فقد تنوع رثاؤه ما بين شخصيات دينية وبعض القادة التاريخيين
للامة الاسلامية الذين وقفوا في وجه الظلم وأصحاب المثل العليا مثل الحسين بن علي وبعض الذين شاركوا في تحرير أوطانهم مثل زعيم باكستان محمد علي جناح خان، ولبعض شعراء الأمة الذين كانوا من معاصري الشاعر وتوفوا في حياتهم نحو أحد شوقي وحافظ ابراهيم، فلقد أنشد الشاعر قصيدتين في رثاء الامام الحسين بن علي رضي آلله عنه، فيقول في إحدى قصيدتيه:
روع الكون أرضه والسماء
يوم ضجت بخطبها كربلاء
يا لخطب من دونه كل خطب
ومصاب قد عز فيه العزاء
لبس الدهر فيه ثوب حداد
فهو والدهر ما له انضاء
ليت شعري وهل يبلغني الشـ
ـعر مقاما يجود فيه الرثاء
سبط نحير الأنام والصفـ
ـوة الكبرى وأبوه وأمه الزهراء
فصلاة من الاله عليه (9/12)
صفحة 111
وسلام ورحمة وثناء (27)
وينطلق الشاعر في رثائه من وازع ديني يعكس تقديره وحبه لآل البيت، كما تعبر القصيدة عن صدق مشاعر الشاعر وتأثره بمصيبة الحسين، ويذهب الدكتور علي عبدالخالق الى هذا الرأي فيقول عن قصيدتي الشاعر "ولعل في هذين المثالين ما يدل على أن رثاء هلال بن بدر للحسين استوفى غايته بما أفاض فيهما من شعور صادق، واثارة لعاطفة الحب " (28).
ويظهر الشاعر في رثائه لشاعري الجيل أحمد شوقي وحافظ ابراهيم تأثرا كبيرا لفقدهما لكنه يرثي مصر ودولة الشعر
لوفاتهما، ولاشك بأن الشاعر يعتبر فقدهما خسارة للشعر وللامة العربية فيقول:
خر نجمان من علو سماك
أنت يا مصر ما الذي قا دهاك؟
حافظ مات ثم يتلوه شوقي
أي خطب أجل مما أتاك!
شاعر النيل من تركت لمصر
بعدك النيل ما جرى غير باك
حزن الشرق يوم أن مات شوقي
روح شوقي أطلي من علياك
يا أمير القريض هذي القوافي
أصبحت حرة بغير امتلاك (29)
ونستطيع أن نشعر مدى حزن الشاعر
وانكسار نفسه الرقيقة إزاء حادثة الفقد الكبيرة التي حلت بشاعري الجيل أحمد شوقي وحافظ ابراهيم، ولقد نجح الشاعر في إشاعة جو الحزن والكآبة خلال الأبيات الماضية وتصوير حزنه الدفين عبر مجموعة من الأساليب التعبيرية التي تناسب موضوع القصيدة نحو النداء «شاعر النيل يا أمير القريض "، والاستفهام «أنت يا مصر ما الذي قد دهاك "، ثم أسلوب التكرار " روح شوقي، ساعديني يا دولة الشعر"، «فهذه أساليب وان بدت فيها الخطابية الجهيرة إلا أنها عبرت عن الحزن الدفين والألم الممض الذي انتفض له الشاعر فراحت قيثارته تنشده في ترجح وتألم " (30).
وبهذا التوجه في الرثاء أخرج الشاعر هلال بن بدر موضوع الرثاء من إطاره المحلي الضيق الى الاطار العربي والاسلامي الواسع، وقد اتضح ذلك من تنوع رثائه ما بين رثاء شخصيات دينية مثل الحسين، وأدبية مثل شوقي وحافظ وسياسية مثل محمد علي جناح، وهو توجه جديد على الشعر العماني ويدلل على عمق تفكير الشاعر وسعيه للخروج من الإطار المحلي والتفاعل الدائم مع قضايا أمته.
ومن عجائب القدر أن الشاعر عبدالله الطائي يقوم برثاء الشاعر هلال بن بدر البوسعيدي الذي كان من أساتذته الذين تلقي العلم على أيديهم في المدرسة السعيدية في مسقط، والذي يلتقي معه في نفس خط الدعوة الى تحرير عمان من الجهل والتخلف، فيقول: (9/13)
صفحة 112
يا ليلى ما من الظلام سدولا
واجعل سوادك ياظلام ثقيلا
لا شأن لي بالصبح تشرق شمسه
والقلب ينشد في الصباح فتيلا
مهلا أبا شعرائنا من للمني
يتلو لدى تحقيقها ترتيلا
وبقيت نسرا لا جناح بجنبه
يرجو من الرجل العنيد جميلا
يا ناعيا لهلال بدر أنني
أجد اصطباري للنبا مخذولا
قد كنت أمل ان يعيش لكي يرى
للنصر فوق جبالنا إكليلا
ويرى الشباب وقد توافد جمعه
ليقيم مجدا في عمان أثيلا
ويصوغ في نصر الشباب قصائدا
يلقي بها عند البناء دليلا (31)
ونلاحظ أن الطائي يخرج عن الاطار العام لشعر الرثاء عند الشعراء العرب القدماء ومعاصريه من العمانيين كذلك، فهو لا يعدد خصال البوسعيدي ومناقبه ولكنه يؤنبه بمواقفه الوطنية الشجاعة التي تهدف الى رفعة عمان وإعادة دورها الحضاري القديم.
ونجد للشاعر الطائي قصائد أخرى في رثاء عدد من الشخصيات العربية مثل أمير الكويت والزعيم العربي جمال عبدالناصر وزعيم باكستان لياقت خان.
الهوامش:
1 - الشيخ خالد بن هلال الرحبي 1908 - 1953 كان أديبا مولعا بالشعر هاجر الى زنجبار وقضى بقية عمره فيها، له ديوان شعر يسمى السحر الحلال لكنه ضاع مع ما ضاع من تراث الشعراء العمانيين في زنجبار.
2 - شقائق النعمان في شعراء عمان ص 329.
3 - الشيخ أحمد بن حمدون الحارثي (1906 - 1966) كان من رجال العلم واللغة قضى معظم حياته في مدينة نزوى هاجر الى زنجبار في أواخر حياته حيث توفي هناك ليس له ديوان شعر مطبوع.
4 - شقائق النعمان في شعراء عمان ج 2ص 16. (9/14)
صفحة 113
5 - هلال بن بدر البوسعيدي (1903 - 1966) من ابرز شعراء هذه الفترة وهو احد افراد الأسرة الحاكمة في عمان شغل مناصب عديدة منها مدرس في المدرسة السعيدية في مسقط ثم رئيسا لاول مجلس بلدي في مسقط ثم سكرتيرا للسلطان سعيد ومستشاره الخاص له ديوان شعر مطبوع صدر عام 1985.
6 - عبدالله بن محمد الطائي (- 1973) من ابرز شعراء النهضة الادبية شارك في الدعوة الى تحرير عمان من التخلف والجهل، عاش اكثر حياته مهاجرا خارج عمان وذلك في اكثر من بلد عربي واجنبي منها العراق والكويت وابوظبي ومصر والهند، له ديوانان مطبوعان الفجر الزاحف ووداعا ايها الليل الطويل عام 1974 وله أيضا مجموعة من الدراسات المطبوعة والقصص والروايات.
7 - المصدر السابق قصيدة صفو الوداد ص 45.
8 - الشيخ سالم بن حمود السيابي شاعر ومؤرخ معاصر له عدة كتب في تاريخ عمان وله ايضا اسهامات شعرية متفرقة لم يصدر له ديوان توفي عام 1994.
9 - ديوان الشاعر هلال بن بدر ص 47.
10 - المصدر السابق ص 51.
11 - شقائق النعمان في شعراء عمان ج 2 ص 22.
12 - المصدر السابق ج 2ص 19.
13 - سعيد بن مسلم المجيزي (1864 - 1953) شاعر عماني عاش في البلاط السلطاني وكان من شعراء السلاطين خصصي اكثر شعره في مدح السلاطين البوسعيديين عايش ثلاثة سلاطين منهم اول شاعر طبع له ديوان في تاريخ عمان حيث طبع له ديوان شعر في لوزاكا في اليابان عام 16 19 واعيد طبعه في القاهرة 1982 ..
14 - ديوان ابي الصوفي سعيد بن مسلم المجيزي إصدار وزارة التراث القومي والثقافة تحقيق د. حسين نصار، عام 1982 ص 45.
15 - صالح بن عيسى الحارثي شاعر عماني له شعر قليل كان يقيم في القاهرة ليس له ديوان مطبوع.
16 - شقائق النعمان في شعراء عمان ج 2ص321.
17 - ديوان الشاعر ثمرة الاشواق ص 93.
18 - جولة تحليلية في عالم السيد هلال بن بدر د. نزار العاني ص 73، 74.
19 - ديوان وداعا ايها الليل قصيدة نهاية حب ص 63
20 - المصدر السابق قصيدة امسية على الخليج ص75.
21 - مدخل الى دراسة الأدب ص 178، 179.
22 - ديوان ابي سعيد بن مسلم المجيزي, ص 24.
23 - ديوان الشاعر قصيدة يا نسمة من ربى جبرين ص 131.
24 - ديوان حادي القافلة المخطوط، قصيدة سلطان مسقط اثر عودتا ص 32. (9/15)
صفحة 114
25 - ديوان وداعا ايها الليل قصيدة يرحمها الله ص 33.
26 - ديوان وداعا ايها الليل قصيدة سلاما تراب العامرات ص 82.
27 - ديوان الشاعر قصيدة سبط خير الأنام ص 141، وللشاعر قصيدة أخرى في رثاء الحسين بعنوان سادة اطهار انظر ديوان الشاعر ص 147
28 - الشعر العماني، د. علي عبدالخالق ص 149.
29 - ديوان الشاعر قصيدة ساعديني يا دولة الشعر ص 153.
30 - الحس الوطني والجمعي في شعر السيد هلال بن بدر د. عبدالباسط عطايا دراسة منشورة في جريدة عمان السبت 6سبتمبر1997.
31 - ديوان الفجر الزاحف قصيدة سحابة حزن.
شبر بن شرف الموسوي (باحث من سلطنة عمان) (9/16)
صفحة 115
عنوان المقال إضاءات من الشعر العماني خلف بن سنان الغافري (القرن السابع عشر الميلادي)
صدر في العدد الثاني والعشرون
الكاتب هلال الحجري
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
فقيه وشاعر مولع بالمحسنات البديعية، مجهول تاريخ الولادة والوفاة، الا أنه عاش في ثلثي القرن الحادي عشر الهجري، وأوائل القرن الثاني عشر، خلال رحلة تناهز التسعين عاما.
يتضح من شعره نقمته على النساء رغم تعدد زوجاته! له مكتبة ضخمة تحوي (9370) مخطوطة، وعيبها أن زمانها زمن نحس لقلة من يعنى بها. على حد قوله. فقد ذهبت أثرا بعد عين. ليس له ديوان مطبوع، الا أن الشيخ سيف بن حمد البطاشي جمع له بعض أشعاره في كتاب "إيقاظ الوسنان في شعر وترجمة خلف بن سنان".
1 - قوم
كم فيهم من عابد راهب
من شدة الخوف غدا عبره!
2 - تراث!
لنا كتب في كل فن كأنها
جنان بها من كل ما تشتهي النفس
جرى حبها مني ومن كل عالم
ذكي الحجى والفهم حيث جرى النفس
ولا عيب فيها، غير أن زمانها
لقله من يعنى بها، زمن نحس!
3 - سحقا للبيض!
رب جاز البيض واجعل
هامها تحت نعالي
صيرت عشرة مثلي
بسفال ويعال! (10/1)
صفحة 116
4 - أنا شهريار!
لو جاز لي وقدرت .. ذبحت النسا
الا. القليل. بخنجر متثلم
اذ رب ناهدة حكت شمس الضحى
شغفت بأسود مثل ليل مظلم!
5 - مثل
ما الجاه الا كعصا أشخر (1)
هدد به الأعدا ولا تضرب!
6 - سلام!
أهدي سلاما حاكيا
مر النسيم على العرق
7 - تربص
لو رأى الناس غفلة لي في سم
خياط لأدخلوا فيه جذعا!
يا اله الورى سدادا وتوفيقا
وجدعا لأنف أعداي جدعا!
8 - مناضل
نهضت اليهم. في رضا الله. نهضة.
فغادرتهم حلما ترآه حالمه (10/2)
صفحة 117
وطرت مجدا، فاختطفت نفوسهم
كما اختطفت بابن البزاة حمائمه!
9 - فاتنة
اذا ما تثنت في الملا قال صاحبي
على فقد هذي لا يطيب منام
فلو شامها رهبان لبنان أثروا
هواها وساحوا في الغرام وهاموا!
10 - الدهر
من ذا الذي ما لعب الدهر به
كمثل تلعاب الصغار بالكرى!
من ذا الذي ما حملته حمر الدنيا
الى دار الأسى .. بلا كرا!
من ذا الذي ما حرم الدهر على
عينيه بعض الحين لذات الكرى!
11 - مقارنة
لقد جمعنا العلم حرفا حرفا
اذ جمعوا الأهوال ألفا ألفا!
اذ بغوا حرفا بألف لم نكن
نرضاه عنه صاحبا والفا!
12 - تنبيه!
مهلا .. بني الأيام إن طريقنا (10/3)
صفحة 118
زلق حوى ماء يزل وطينا!
13 - غفلة!
كم غر هذا الدهر من مستيقظ
ولكم فجأن خطوبه من غاف
اني بصرت بخضرة فظننتها
بلدا .. فبانت أجمر من غاف!
14 - نعم للصمت
إذا ما رأيت امرءا واجما
فلا تسألنه لماذا وجم
فليس بمستنكر في الدنا
اذا طم ماء الوجوم وجم!
19 - الى حبيب
نوب الزمان تنوشنا
ومنى فؤادي أن أراك
مثل البعير يموت
والعينان منه في الأراك!
16 - ساقية أفضل من جارية!
ساقية أعينها جارية
أحب من جارية ساقية!
اذ كيس هذي غافر حالتي (10/4)
صفحة 119
وكاس هذي عاقر ساقية!
17 - أممي
جعلت نفسي والدا لكل ولد أدم
لكن قلبي من صنيع عاملي السوء دمي!
18 - عصيان
عصيت الهوى عصر الشبيبة والصبا
فكيف إذ عم المشيب ذو ائبي
ومارست صرف الدهر طفلا ويافعا
فهانت على مثلي صروف النوائب
19 - تحد
حسرت حميا الصبر في كل حالة
فكن يا زماني في الأمور كما ترى!
20 - مرتزقة
على الكريم الرحيم رزق شرذمة
من كل ناحية في الدهر بي داروا
هذا أجير، وذا جار، وذلكم
خويدم لي، وهذا بعد بيدار (3)!
21 - رأى في المرأة
متى يوما ترى امرأة (10/5)
صفحة 120
فشاورها وخالفها!
22 - اياك والغيرة!
ان كنت. مهما زوجة زاغت.
صرمت حبالها، فاقعد عن النسوان!
ان النساء لهن عربدة مذهمة
كعربدة الفتى النشوان!
32 - عيرتني بالشيب
تقول لي غرثي الحشا
والرأس مني منغض
من أجل شيب رأسه
فتى فلان يبغض
كذلك الشاب به
عهد الغواني ينقض!
من حل فيه قل له
منه اليدين ينفض!
24 - غير مكترث
تلون ألوان الزمان وأهله
ونجل سنان ناظر يتبسم!
عليما بأن الأمر لله وحده
فليس سوى ريح القضا يتنسم!
منصور بن ناصر الفارسي (10/6)
صفحة 121
فقيه وقاض وشاعره له مؤلفات منها كتاب في علم الكلام، وبمجموعة قصائد في الأديان والأحكام، وشرح لمقصورة أبي مسلم البهلاني.
كما له ديوان مطبوع عن مكتبة الضامري سنة 1992م. عنوانه "سموط
الفرائد على نحور الحسان الخرائد"
1 - ناقة
تدع الذيب والحصى عاريات
تتصدى جهاتها مقلتاها
فتراها كالبرق تطوي البراري
وتخال الفلاة تعدو وراها
تتراءى في الرأي عود خلال (4)
أو هلالا خوى، وليت تراها!
2 - لم الخلق؟
خلق الوري زرع الحمام وإنما
نمضي على قدر هناك نسير
والى الفنا تعدو الحياة، وقد مضى
أمم به، جم هناك غفير.
3 - صدر وخصر .. وأشياء أخر!
وصدر مضيء مشرق النحر، قد حكى
ضيا الشمس في صحن اللجين .. ولا سحب
عليه نهود قد علون نواعما
كأنهما حقان من فضة .. كعب
هما وضعا رفقا على مثل مرمر
فأثبتنها مثل المسامير لا ينبو (10/7)
صفحة 122
وبطن أقب (5) لين ومهفهف
وخصر دقيق كاد من ردفها ينبو
ألاعبها ضما ولثما وقبلة
فتظهر تغنيجا، ويضحكها اللعب
فطورا أشم الطيب منها وتارة
أمض للعسيها .. فينحدر الضرب
وأجذبها طورا الي فنتثني
تقول رويدا بي .. يؤلمني الجذب
فيا لائمي في حبها ومفندي
دع اللوم والتفنيد .. قلبي لها يصبو
4 - مصارحة في الحب
فقالت فانا نشتكي الحب، الجوى
كما تشتكي .. بل حبنا فيك أعضل
ولكننا من طبعنا .. يكتم الحيا
بوادر ما نهوى ولو كان يقتل!
5 - في محرابها!
الا طالما فوق الترائب
على مرمر صاف صقيل الجوانب
وكم سجدة يوما عيها سجدتها
وكم قربة قربتها بالرغائب
علام يلمني العازلون عن الهوى
ولم أهو منه غير حبي صواحبي؟! (10/8)
صفحة 123
6 - قميص ونهد
وناهدة مثل الحقاق نهودها
وضعن على مثل اللجين عتودها
فأثبتنها لما خشين سقوطها
مسامير مسك، فاستقل عمودها
علون ارتفاعا .. فاشتكين قميصها
مخافة أن ينبو عليها صعودها!
ومنها اشتكي ذاك القميص مخافة
عليه، إذا يعلو يكون قدودها!
رويدك دعها تستقل كما تشا
فحظك منها لثمها وشهودها
لك الفخر أن قد صرت حارس بيتها
وقيمها الحاوي لها، وتذودها!
7 - نشيد القهوة
عذبوها بالنار كيما تطيبا
عذبوها بها عذابا وصيبا
هل سمعتم معذبا طاب حسنا
وابتهاجا ونظرة وشبيبا
هذه من عجائب الدهر صارت
بعذاب الجحيم شيئا عجيبا
يا لها من نتيجة وفتاة
يبتغيها العباد مردا وشيبا
الفوها طب فحنوا اليها (10/9)
صفحة 124
مثل حب يلفى يحن حبيبا
أترع الكأس أيها الساقي وقل لي
هاكها قهوة تزيل اللغوبا (6)
وأدرها ما بيننا من كؤوس
مترعات ولا تمل السكوبا!
مالك بن فهم
(قبل الاسلام بألفي عام)
ملك وشاعر، حكم عمان سبعين سنة، وكان ذلك بعد انهيار سد مأرب
باليمن، أي، قبل الاسلام بألفي عام، كما ذكر ذلك نور الدين السالمي في "تحفة الأعيان". له قصة مشهورة في التاريخ العماني تسجل نضاله مع
قبيلته الأزد في طرد الفرس من عمان، كما له قصة مأساوية تسجل موته بسهم أحابه خطأ من ابنه سليمة. عاش مئة وعشرين سنة. وقد امتدحه
الشاعر أوس بن زيد العبدي، وكان ملكا عظيما مهابا، حتى أن العوتبى في
"الأنساب" يرجح أن مالكا هو المقصود في الأية (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا)!
1 - الى عمان
تحن الى أوطانها بزل مالك (7)
ومن دونها عرض الفلا والدكادك
وفي كل أرض للفتى متقلب
ولست بدار الذل طوعا برامك (8)
ستغنيك عن أرض الحجاز مشارب
رحاب النواحي واضحات المسالك
2 - تحرير
جلبت الخيل من "برهوت " شعثا
الى "قلهات" من أرضي عمان (10/10)
صفحة 125
قتلت بها سراة بني قباذ (9)
وحاميت المعاني غير وان
نصفناهم فنصف الخيل قتلى
ونصف في الوثاق وفي القران!
3 - حين ملك السهم قصده!
جزاه الله من ولد جزاء
سليمة، إنه ساما (10) جزاني
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني!
الا شت يمينك حين يرمي
وطارت منك حاملة البنان!
ازهراء السقطرية
(القرن التاسع الميلادي)
فاطمة بنت حمد بن خلفان الجهضمية من سمد الشان، ولعل أباها كان واليا للامام الصلت بن مالك الخروصي على "سقطرى" في جنوب عمان،
وحين اعتدى الحبشة على الجزيرة ونكبوا بأهلها، أرسلت هذه القصيدة الى الامام تستغيثه بها، فأغاثها الامام بجيشه فمررها. والعجيب حقا أن فتح
عمورية على يد المعتصم كان سنة 223هـ، وتحرير سقطرى على يد الامام الصلت كان سنة ,123هـ أي أن بين الحادثتين بين سنة فقط، فهل قرأت الزهراء، قصيدة أبي تمام في فتح عمورية، رغم العزلة وبعد المسافة؟!
1 - واصلتاه!
قل للامام الذي ترجى فضائله
ابن الكرام وابن السادة الذجب (10/11)
صفحة 126
وابن الجحاجحة (11) الشم الذين هم
كانوا سناها وكانوا سادة العرب
أمست "سقطرى" من الاسلام مقفرة
بعد الشرائع والفرقان والكتب
لم تبق فيها سنون المحل ناضرة
من الغصون ولا عودا من الرطب
كم من منعمة بكر وثيبة
من آل بيت كريم الجد والنسب
تدعو أبدها إذا ما العلج هم بها
وقد تلقف منها موضع اللبب
وباشر العلج ما كانت تضن به
على الحلال بوافي المهر والقهب
وحل كل عراء من ملمتها
عن سوأة لم تزل في حوزة الحجب
وعن فخوذ وسيقان مدملجة
وأجعد كعناقيد من العنب
قهرا بغير صداق لا ولا خطبت
إلا بضرب العوالي السمر والقضب
أقول للعين والأجفان تسعفني
يا عين جودي على الأحباب وانسكبي!
أبو فيروز الأشقري
هو كعب بن معدان الأشقري، شاعر فارس، عاش في كنف المهلب بن ابي
صفرة مادحا له، ثم انقلب على آل المهلب وهجاهم، ولذلك أوغروا صدر (10/12)
صفحة 127
ابن أخيه عليه. وهو الذي كان قد هجاه لسواده. فضربه بفأدر وهو نائم
تحت شجرة. قال في حقه الفرزدق: شعراء الاسلام أربعة: أنا وجرير
والأخطل، وكعب الأشقري.
1 - هجاء الوطن
بئس التبدل من "مرو" وساكنها
أرضى عمان وسكني تحت أطواد
يضحى السحاب مطيرا دون منصفها
كأن أجبالها علت بفرصاد!
2 - وصف معركة
كان القنا الخطي فينا وفيهم
شياطين بئر هيجتها الموانح
هناك قذفنا بالرماح فما يرى
هناك في جمع الفريقين رامح
ودرنا كما دارت على قطبها الرحى
ودارت على هام الرجال الصفائح!
3 - عاشق الأهوال
ومبهمة تحيد الناس عنها
تشب الموت. شد لها الإزارا
شهاب تنجلي الظلماء عنه
يرى في كل مبهمة منارا!
أبو الفضل الحارثي (10/13)
صفحة 128
(1898 - 1946)
محمد بن عيسى بن صالح الحارثي، ينحدر من بيت امارة ورئاسة، اشتهر بفروسيته، ويتضح من شعره ولعه الشديد بالخيل، له ديوان مطبوع سنة 1994، بتحقيق حسن بن خلف الريامي.
1 - لا يشبعون
وليس تشبع أنثى قط من ذكر
والأذن من خبز .. والعين من نظر!
2 - عادة!
نخوض صفوف الجيش يمنى ويسرة
ونلعب بالهندي تلعاب كرة
ترانا وقوفا، والقنا متشابك
وما إن تهش النفس قط لرجعة
3 - عشيقان
تصوفنا غراما وامتزجنا
فروحي روحها، والحين عيني
وجسمي جسمها ذاتا ومعنى
تمازج ذات بينهم وبيني
وصرنا واحدا طبعا وقلبا
ووصلهم غدا ديني وديني
وأعدل شاهد في ذاك لما
رأت قمر السما بـ "الرقمتين"
فرؤياها له رؤياي لما
رأيت بعينها، ورأت بعيني! (10/14)
صفحة 129
4 - دنيا الأحرار
اذا ما الليل أرخى من ستور
رأيت الهم يحتشد احتشادا
أبيت أسامر التذكار طورا
لمن أهوى وملكني القيادا
وأخرى أنتضي سيف الأماني
ووهنا أمتطي أملي جوادا
وقائلة أراك أخا هموم
قدحن بقلبك الواري زنادا
فقلت لها: وهل أنا غير حر
ودنيا الحر تلتزم العنادا!
5 - هيئة المناضل
خيوله للقنا حلت قلائدها
لكن عليها حرام حوزة الكفل!
فالرمح حامية، والدرع سابغة
والخيل سابقة، والسيف في شغل
6 - مقاتلة
عجبت لخالها لم يحترق من
لظى الوجنات، أمسى وهو خال
وسلت من لحاظ الطرف سيفا
به تسطو وجالت بالعوالي
وراشت أسهما من مقلتيها (10/15)
صفحة 130
لعاشقها، وأرست بالنبال
سلمة بن مالك الازدي
(قبل الاسلام بألفي عام)
قاتل أباه، مالك بن فهم، فر الى أرض فارس بعد مقتل أبيه، وكان له سلطان على أرض كرمان مدة من الزمن، سجل له السالمي في "التحفة" قصة مدهشة لا تخلو من الطرافة الأدبية: ولم يروعنه غير بيتين من الشعر قالهما في الغربة.
1 - اغتراب
كفى حزنا أني مقيم ببلدة
أخلاي عنها نازحون، بعيد
أقلب طرفي في البلاد فلا أرى
وجوه أخلاي الذين أريد!
الهوامش
1 - الأشخر: شجر صحراوي إذا يبست أغصانه تتقصف بسهولة.
2 - الغاف: نوع من الشجر.
3 - البيدار: البيدر في اللغة: الوصي على مال اليتيم، والعمانيون يطلقون (البيدار) علي من يكلفونه بسقي نخيلهم والاعتناء به.
4 - الخلال: البسر إذا اخضر.
5 - البطن الأقب: الضامر.
6 - اللغوب: الإعياء الشديد.
7 - البزل: النوق.
8 - الرامل: المقيم بالمكان، العاكف به.
9 - قباذ: أبو كسرى. (10/16)
صفحة 131
10 - السام: الموت.
11 - الجحاجحة: مفردها جحجاح وهو السيد المسارع في الكرم.
اختيار وتقديم: هلال الحجري (10/17)
صفحة 132
عنوان المقال الشيخ عبدالله الخليلي عميد شجرة الأنساب الشعرية
صدر في العدد الرابع والعشرون
الكاتب سيف الرحبي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
الشيخ عبدالله بن علي الخليلي هو من تلك السلالة الشعرية الكبيرة في عمان والوطن العربي، التي حفظت للشعر مجده ورصانته وتاريخه، من أبي مسلم البهلاني الرواحي، عمانيا وحتى بدوي الجبل والجواهري عربيا، بما يعني ذلك الحفظ من تواتر قيم ابداعية وارث من الرؤى والتصورات أبدعها اسلاف الشعر العظام من مختلف العصور .. الشيخ الخليلي ينتمي الى شجرة الانساب الشعرية هذه عبر مناخاته العمانية وخصائصها المكانية والروحية، هو ابن العائلة التي تمتد أرومتها عميقا في هذه التربة بشوامخ معرفية لا تبتدئ ولا تنتهي بالعلامة الشهير سعيد بن خلفان الخليلي، رغم وطأة الزمن والمرض ظل الشيخ الشاعر وفيا للمعرفة والكتابة كجزء من نسيجه الكيان والوجودي معتكفا في بيته غائبا عن كل ما يعكر عليه صفاء أعماقه ورؤيته للعالم والحياة في زمن قل، وربما قل حتى الاضمحلال رجال من هذا النوع حيث الاطماع الصغيرة وسطوة القيم الهابطة هما عنوان هذا السلوك المهيمن بتفريعاته وتنظيراته المختلفة، ظل الشيخ الخليلي وفيا لشاعريته الفذة التي بدأت مبكرا منذ طفولته في واحة العلم والمعرفة التي جسدت سمائل مكان احتضانها وعرين مخيلتها المخترقة لفضاءات الشعر المختلفة، هذه المدينة التي لخصت شعريا، نوعا من سيرة ثقافية للمكان العماني، وفي هذا السياق لا يمكنني ان أنسى رغم غبار السنين، تلك المطارحات الشعرية في حارة (الحباس) حيث يقطن الشاعر والقارئ المتميز علي بن منصور الشامسي، مع نخبة من شعراء البلاد في مقدمتهم الشيخ الخليلي أو في بيت الشيخ نفسه، بحضور أخيه الشيخ سعود بن علي الخليلي أحيانا حيث يبدأ الانشاد الشعري الذي يقوم به علي بن منصور بنبرته السمائلية الخاصة التي تتوسل لديه عناصر لحنية ترتفع الى مقام الانشاد المموسق الذي ينهمر مطرا وعذوبة في تلك الارجاء السمائلية الباذخة، وأحيانا يقوم الشيخ الخليلي بإلقاء القصائد بأسلوب مختلف حيث يجري التركيز على منابع الكلمات وتشرب المعانى كأنما يقذف به في كتابة ثانية هي بمثابة قراءات ابداعية للقصيدة.
لا أنسى ذلك وغيره الذي يندرج في التكوين الأول للذائقة والوعي الشعريين والذي أدين له بالكثير .. وكانت تلك القراءات المتنوعة يعقبها جدل ونقاشات حول المقروء والمستجد في الكتابة الشعرية مما يوحي بعناصر مناخ معرفي متكامل في ذلك الزمان.
لم يكن الشيخ الشاعر، رغم وفائه لتقنياته وقيمه الشعرية والفكرية المتوارثة، متعصبا ومتزمتا ضد آراء الآخرين وممارستهم في الكتابة بل ظل كمن ينطلق من أسس صلبة ومتينة يحاور ويجادل بروح خلاقة منفتحا على التجارب والمستجدات في أرض الشعر والأفكار في هذا العالم الذي يمور بالتيارات والمتغيرات آخذا ما يناسب سياق قناعاته وخصائص فكره التي بناها عبر السنين طارحا ما يناقض ذلك، لم يكن الشيخ الشاعر متعصبا ومنغلقا مثلما يفعل عجزة الفكر وعميان التاريخ الذين لا يؤمنون الا بسحق الرأي الآخر وتحويل الحوار والبناء الى ساحة بطش وعنف لا طائل من ورائها، الا مزيدا من التقهقر والاندحار. لقد كتب الشيخ نثرا شعريا وكان مسرحا في ذلك على الصعيد العماني وكتب نثرا شعريا وفي كل ما كتب نلمس بوضوح سمات الشاعر الكبير.
وظل وفيا لشجرة أنسابه الروحية والشعرية كما كان وفيا للايجابي في عصره.
هذه ليست إلا إشارة وفاء للشيخ الشاعر وما يستحقه مشروع كتابة أوسع وأعمق تقوم بها جهات مختلفة في والوطن العربي. (11/1)
صفحة 133
عنوان المقال سمات أسلوبية في الشعر العماني المعاصر
صدر في العدد الرابع والعشرون
الكاتب ثابت الآلوسي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
أحاول في هذه الصفحات القليلة تقديم مقاربة أولى في التعرف على بعض السمات الأسلوبية التي تهيمن على مساحة واسعة من الشعر العماني المعاصر، من خلال أبرز اتجاهاته الت ما زالت فاعلة فر الساحة الأدبية، منطلقا من كون الأسلوب هو ما يميز الخطاب الأدبي من غيره وان أدبية النص لا تتحقق من خلال موضوعاته وافكاره وقضاياه برغم أهميتها، وانما تتحقق هذه الأدبية في الطريقة التي تتحول فيها هذه القضايا والأفكار الى وقائع جمالية 0
وطبقا لهذا الرأي، فإنه من الخطأ الإعتقاد بأن الأسلوب قشرة خارجية يسبح على جسد النص، أو إنه شكل خارجي مستقل عن تحركات المضمون ... لأن القصيدة هي: مضمون يتشكل، ومن خلال شكلها، ومن خلال وسائط تحويل تجربتها تكتسب شروط أدبيتها وعناصر شعريتها:
لقد انشغل كثير من نقادنا على امتداد العصور بمطاردة شعرية النص من خلال مرجعيات تاريخية واجتماعية ونفسية وغالبا ما كانوا يقيسون جماليات النصوص الأدبية من خلال وفائها بشروط المحاكاة، أو استجاباتها لنظريات الإنعكاس بوصف الأدب مرآة تعكس الأعراف والتقاليد أو تعكس المتغيرات الإجتماعية أو تعكس ذات المبدع نفسه، متجاهلين أن النص الشعري هو قبل ذلك فن وواقعة جمالية، تستجيب لعناصر بنائها وتشكلها الفني قبل أي شئ آخر، وهذا التشكل يعود الى بنيته الأسلوبية، ومستويات التحويل الجمالي لتجربته .. وبخاصة تلك الطرق والتراكيب والصيغ غير العادية التي يلجأ اليها الشاعر في إنتاج دلالته الشعرية.
ولا جدال في أن النقاد العرب القدامى قدموا رؤى وإستبصارات نافذه في جماليات النصوص وأساليب التشكيل .. في إطار الجزئيات، ما يعجز الكثير من المتأخرين عن مجاراتها لغة ومعجما ونحوا وصرفا وبلاغة .. ووقفوا طويلا أمام تقنيات علم المعاني والبيان والبديع التي كان لها دور لافت في الصياغة الأدبية .. ولكنهم للأسف لم يستطيعوا التخلص من مأخذين إثنين كان لهما اثر سلبي في مسيرة النقد العربي:-
الأول: الرؤية المعيارية التي تقسم الأساليب والتقنيات ليس من خلال أهميتها في الواقع أو حسب ترددها في النصوص وإنما بحسب قيمتها المثبته في الذهن أو العرف سلفا.
الثاني: عدم النظر الى النصوص وحدات كاملة .. وإنما كانوا يعمدون الى تفتيتها جزئيات إستجابة لنزعة التقعيد.
قد تتداخل مباحث الأسلوب مع الشعريات، غير أن الذي لا شك فيه أن مباحث الأسلوب يمكن أن تمد النقد الأدبي بروافد مثمرة يمكن أن تضيء الكثير.
أسوق هذه المقدمه وأنا أتابع خارطة الشعر العماني المعاصر في مساحة واسعة من النتاجات الشعرية المختلفة المتباينة في اتجاهاتها ومستوياتها، ما يصعب معه استخلاص قواعد عامة وقوانين محددة تضبط أساليب الشعر العماني بكل اتجاهاته .. لذلك سأكتفي بإبراز بعض السمات الأسلوبية التي تهيمن على هذه الإتجاهات.
فالاتجاه التقليدي: الذي يقوم على استدعاء القالب الموروث واستحضار نموذجه القديم شكلا ومضمونا، هذا النمط من الشعر يعتمد على الذاكرة ولا يحفل كثيرا بالتخييل، وغالبا ما يقدم نصوصا يمكن أن تكون ظلا لنص قديم أو لخليط من نصوص كتبت في عصور سابقة ... قد تمييز هذا النمط بجزالة اللغة ومتانة البناء التركيبي حسب المقاييس البلاغية المألوفه. ولكنه منغلق على الأغراض التقليدية من مديح وفخر ورثاء وغزل .. وغالبا ما تقوم أسلوبيته على مضاعفة الجانب الإيقاعي، واللعب في التشكيلات الصوتية، والسعي أحيانا لإظهار البراعة اللفظية كتعويض عن محدودية الرؤية ونقص المخيلة.
يقول سالم بن علي الكلباني:-
أنا حر عربي مسلم (12/1)
صفحة 134
والوفا دوما شعار المسلم
يحتمي الحق بأقدامي
شرف الحامي وعز المحتمى
نور الله بي الأرض ولن
تكتسي ما عشت ثوب الظلم
ان كنت امشي على الثرى
فطموحي فوق هام النجم
نلاحظ ارتفاع النبرة الخطابية، وأسلوب المبالغة،،اطلاق العبرات المنتفخة والأسلوب التوجيهي المباشر. كل ذلك يذكرنا بأساليب الفخر الشائعة في الشعر العربي القديم. فما الجديد في قوله: انا حر عربي مسلم وقوله والوفاء دوما شعار المسلم وقوله يحتمي الحق باقدامي وقوله نور الله بي الأرض إنها صيغ تتحرك بخط مستقيم وفي وضوح فاقع.
أما قوله فطموحي فوق هام الأنجم فهو مستقى من الرصيد التراثي المحفوظ. واذا كانت المحسنات البدعية قد تقلصت في هذا النص نسبيا .. فان الذي لا شك فيه أن هذا النص يسترجع القالب المحفوظ والرؤية الجاهزة والنزعة الخطابية الصائتة بكل اللواحق دون تفرد في بناء الجمل أو خصوصية في التشكيل.
ويقول أبو سرور
هذا هو المجد من يعشقه لم ينم
فالمجد بالجد لا بالنوم والحلم
هذا هو المجد لو قيست مناصبه
تلقي الثريا له تمشي على القدم (2)
لا شك ان ابا سرور أحد الشعراء الكبار الذين يمثلون الإتجاه الكلاسيكي المحافظ في السلطنة حيث نلاحظ في شعره سطوة العقل وبروز الحكمة ..
اللغة الجزلة والتراكيب المنضبطة ولكننا لا نغفل ان هذا النص يعارض أو يجاري نصا سابقا عليه (البردة) للبوصيري أو (نهج البردة) لأحمد شوقي أو يتناص على نحو واضح مع عشرات النصوص السابقة عليه التي قيلت في باب الفخر .. المبالغة وارتفاع النبرة الخطابية واللغة الحادة .. والصور المستدعاه من حقل الذاكرة وانكماش في مساحات التحويل الأدبي .. إن شعرية هذا النص متأتية الى حد كبير من الترجيع الإيقاعي الصائت في كل بيت.
ويقول هلال بن بدر البوسعيدي: "أكثرت في القول، بل أكثرت في الخطب أقلل - فديتك - وأحمل يا أخا العرب جردت سيفا .. ولكن لإمضاء له فكأنما السيف منسوب الى الخشب بني العروبة .. هل طاب المقام بكم وفي فلسطين أشلاء على لهب.
امتلاك لناصية اللغة، وسيطرة على استثمار القالب الشعري القديم .. وحس قومي عال، وطاقة تحريضية مؤثرة ولكن ذلك كله يساق عبر شكل نمطي معروف. وصور مكررة مستدعاة من حقل التراث ومن رصيد القالب الجاهز ولا يمكن أن نغفل ان هذه القصيدة تجاري او تعارض قصيدة ابي تمام في فتح عمورية التي مطلعها: (12/2)
صفحة 135
السيف اصدق انباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
"كثرة القول مقابل العمل"
"السيف الذي لا مضاء له" والاستفهام الإنكاري في هل طاب المقام لكم ذلك كله مستدعى من أساليب الشعر التحريضي في عصوره المختلفه يعزز ذلك صيغ الأمر والنبرة الخطابية العالية وذلك التقابل البلاغي بين السيف والخشب 00 بين طيب المقام هنا وأشلاء اللهب هناك.
ويقول خميس بن ماجد:
حكم القضاء على الأنام
دقيق عاداته التفريق والتمزيق
بنيا يكون المرء بين رفاقه
حتى يودع ما لدية رفيق
والنفس غافلة تخادعها المنى
ويغرها التفخيم والترقيق
طبقت على حب البقاء نفوسنا
هيهات ليس الى البقاء طريق
الى أن يقول:
يا كوكبا أشجى النفوس كسوفه
أضنى رفاقك بعدك التحديق
هذا المقطع من ديوان صغير صدر عام 1998 لكن الغريب ان الشاعر قدم في ذيل الصفحات حوالي 140 هامشا يشرح فيها المفردات التي يراها صعبة .. وغير خاف ان هذه القصيدة تسترجع قصيدة التهامي التي مطلعها:
حكم المنية في البرية جاري
ماهذه الدنيا بدار قرار
وتجاريها رؤية وشكلا ومضمونا، كما نلاحظ النبرة الخطابية العالية وارتفاع الجانب الإيقاعي، وتراجع مستويات التحويل الدلالي والصور القاتمة على حدود المنطق، كما نلاحظ الحكمة الباردة المستدعاة من رصيد الذاكرة المألوف عبر تقنيات بلاغية أدت المدى القصير.
ان أغلب قصائد هذا الاتجاه تتواجه فيها مستويات التحويل الدلالي الذي هو شرط الشعرية الأول .. لتسقط في فذ التقليد واستحضار القالب القديم الجاهز، محاولة تعويض الفقر الدالي بتوفير أعلى درجات الإيقاع، سواء في القافية الصائته وانواع التكرار وأشكال المحسنات البديعية الأخرى. (12/3)
صفحة 136
تتراجع في اغلب شعر هذا الاتجاه تقنية الكناية .. واشكال المعادل الموضوعي .. كما تتراجع اساليب المفارقة الدرامية وتتقلص الى حد كبير تقنيات التشبيه التمثيلي والاستعارات الكبرى المستدعاة من اصقاع الحلم لترتفع نبرة الخطاب العقلاني القائم على حدود المنطق .. ولتسبح على جسد النص تشكيلات البديع وبنية المشابهة التي لا تحلق بعيدا ولا تتجاوز المألوف.
ولا شك في ان هناك بعضا من النصوص الأخرى التي كتبهإ الخليلي وابو سرور وسالم بن حمود السيابي وهلال بن بدر البوسعيدي .. وآخرون .. قد استطاعت أن تتفلت قليلا من ضغط النموذج القديم .. وسطوة القالب الجاهز لتلامس قضايا العصر محققة المعادلة الصعبة: الجدة في إطار الموروث، ولكنها ظلت نصوصا قليلة لا يمكن ان تشكل ظاهرة.
الإتجاه الثاني:
وهو اتجاه يستجيب لإيقاعات العصر الحاضر، وفيه أجواء القرن العشرين .. يستفيد من الشكل القديم أطارا عاما بعد زحزحة قوالبه الكلاسيكية، المفردة تصبح أكثر إيحاء، والتراكيب تغادر جزالتها وفخامتها لتقترب من ايقاع الحياة اليومية، والصور تبتعد عن حدودها المنطقية تتقلص موضوعات الفخر والمديح والهجاء الفردي لمعانقة هموم حياتية أوسع. لا يعتمد هذا الاتجاه على استرجاع القالب القديم لينسج على منواله، وإنما يتحاور معه متمثلا نصوصا شعرية احدث .. تلك التي ظهرت مع المهجر وجماعة ابولو وشعراء التفعيلة مشكلا منها ومن خبرته الجمالية وخصوصية تجربته إطارا اكثر استجابة لمتغيرات العصر.
يقول عبدالله الطائي:
يا شعر يا وجدان
يا أوزان فني يا افق
ما النفع من خواطري
ارسلها مع النجوم منطلق
ما النفع من جواهري
أنثرها كواكبا على الشفق
وها انا تحيط بي سحابة
اكاد من دجاها اختنق
كأنها موكولة بي
بابها مثل السجون منفلق
نلاحظ الإيقاع الهادئ واللغة الهامسة، والانفلات من حدود المنطق مع خصوصية التجربة التي تتسرب عبر الكواكب والنجوم .. قد ينوى هذا النص امام قلق بعض القوافي التي ترهق النص بيد ان الذي لا شك فيه ان هذا النص لم يكن ظلا باهتا لنص سابقا عليه.
ويمكن تلمس بذور هذا الاتجاه في بعض ما كتبه الخليلي وهلال البوسعيدي لم يهمل رواد هذا الاتجاه الجانب الايقاعي .. بل تطور على ايديهم حتى اصبح شرطا حيويا من شروط ادبية النص، ليس بوصفه سلاسل تطريبية وإنما بوصفه جزءا من مسلسل الدلالة الشعرية، إيمانا منهم بان الايقاع والوزن جزء منه قادر أن يطلق التجربة الشعرية الى منطقية في النفس الانسانية لا تصل اليها الجملة النثرية .. هذا الايمان قادهم الى المبالغة احيانا في (12/4)
صفحة 137
توفير مستويات إيقاعية متعددة في النص بدء من الوزن والقافية وانتهاء باشكال التوازي والتكرار والتقابل والتماثل .. قد لا يتطلبها النص احيانا عبر توسيع مديات التحويل الدلالي. من خلال بنية المشابهة التي تجاوزت أطرافها المنطقية لتصل احيانا الى إصقاع الحلم.
شعرهم يبني جسرا بين الذاكرة والتخييل 00 فإذا كانت اللغة في النمط الكلاسيكي اكثر جزالة واقرب الى المعجم فانها هنا أكثر ايحاء وشفافية واذا كانت القصائد هناك تستثمر البحور الطويلة، فانها هنا تعتمد على البحور القصيرة 00 هناك الزخارف البديعية والصور الملتقطة من الذاكرة، وارتفاع النبرة الخطابية وهنا الصور الملتقطة من الذات أو من الواقع المعيش، هناك امتداد للشعر في عصوره الأولى .. عصور النباهنة واليعاربة 00 وهنا امتداد للشعر لدى جماعة المهجر وابولو والسياب ونزار قباني والبياتي.
يقول سعيد الصقلاوي:
"كنت في السبق وحيدا ثم جئت
انت الهثت جيادي وسبقت
ماعلى ايامنا إن أنت لحت
في سماها مثل نجم وسفرت
كالصباح الياسميني وعزمت
في سعاف الكون الحانا وطفت (ا)
ايقاع متدفق .. والشاعر يستخدم اسلوب التضمين والقافية المدورة عبر صور متلاحقة تقوم على بنية المشابهة "مثل نجم" "كالصباح الياسميني" "إصطخبت نيرانا" "انفجرت عطاء" "انغرست نخلا" "أنت تأريخي"، عنواني، صوتي، انطلاقاتي وهو في قصيدة "حبك موسم النعمي" التي تصبح الحبيبة وطنا والوطن حبيبة، يطلق عشرات الصور التي تقوم على تقنية التشبيه والاستعارة.
(تعالي وأغرسي فرحا
بقلبي ساحر الفتن
تعالي وأعزفي شغفي
نشيدا في صدى الزمن
افيضي في شراييني
عطاء زاخر المننن
ورفي بين اجفا ني
ربيعا زاهي الفنن
ويستمر في توليد هذه الصور التي تتراكم على نحو تراصفي "رفي ربيعا" طلي صبا، أنت العود والمنفى، وأنت الطهر، وانت بلاغة البلغاء، وأنت الماسة، وانت طموح خلاق، وانت فخار مفتخر ... الخ بحيث اننا نجد صعوبة في ملاحقة هذه الصور التي تتراكم تحت نزعة التوليد غير ان نشد بعضها بنية دراسية تحفظها من التشتت فهو مصور بارع وبقدر ما تتاح صوره من عالم المألوف وتمتص من اصداء الرومانسيين العرب فإنه أحيانا يفاجئك بالجديد الذي تنتجه مخيلته "الصباح له صهيل" (12/5)
صفحة 138
"وهو مبحر .. والليل أشرعة" "ورداؤه الإرهاق والتعب"
فالمألوف ان يقال: صباح جميل .. أو ابيض او وردي الى آخر هذه السلسة من حقل الخيارات المألوفه ولكن يكسر التوقع باختيار لفظة "الصهيل" التي تفاجئك بكل ايحاءاتها واصدائها البطولية المتفائلة ..
واذا قال "هو مبحر" فهذا مجتلب من رصد الذاكرة .. اما ان يستحيل "الليل" الى اشرعة فهذا تشغيل المخيلة بعيدا عن سطوة المألوف.
ويمكن القول أن شعر حسن المطروشي يتحرك في هذا الاتجاه .. حيث اللغة الموجية والايقاع المرتفع والهم المعاصر عبر صور تتجاوز حدود المنطق معتمدة على التخييل لمعانقة المأساوي والفاجع مستثمرا في الغالب تقنية التشبيه والاستعارة يقول:
حقا أتيتك محتاجا الى وطن
انا الغريب الذي يغتالني تعبي
كل الموانئ والشطآن تعرفه
وجهي المعلق بين الماء والسحب
هذه القصيدة التي تجعل من الحبيبه وطنا وملاذا تستثمر بنية المشابهة على نحو لافت "محتاجا الى وطن" "يفتالني تعبي" "تلم عن الاه عن شفتي" "يا قطرة الغيث" "أنا الصحاري" "سفائن الفجر في عينك" "صبي الحرائق" "اوقديني شموعا" كما اننا نجد بنية التقابل والتضاد التي تتجاوز الأشكال اللفظية المألوفة فهو غريب وهي وطن، وهو جدب وهي غيث، وهو بوار وهي غيمة ماطرة .. وهو منفى وهي سفينة النجاة وبقدر ما تعتمد القصيدة على بنية التقابل فإنها ايضا تفجر طاقاتها الإيقاعية عبر بنية التماثل والترادف.
فقوله: وجهي المعلق بين الماء والسحب .. فالماء والسحب من حقل دلالي واحد. وقولة "هذا سؤالي وهذا منتهى طلبي" فالسؤال والطلب ينصرفان الى حقل دلالي واحد. وقوله "أن يمطر الغيم بعد القحط والنصب" فالقحط والنصب من حقلين متقاربين ومثل ذلك قوله "النور والذهب" و "لا تبكي ولا تكتئبي" أو "كمأسورة ومغترب" فبقدر ما توفر هذه التماثلات من توسيع للمستوى الايقاعي .. وإنعاش الحقل الدلالي بيد ان تكرارها بهذا الشكل يوحي ان بعضها جاء حشرا فائضا لتحقيق مساند إيقاعية ليس غير.
أما شعر هلال العامري، فلا شك في انه يمثل انعطافه في هذا الاتجاه ويمكن القول ان شعره الذي يقوم على التفعيلة، يعد حظوة باتجاه قصيدة النثر، حيث الرؤية التي تتجاوز المألوف، واللغة التي تقترب من ايقاع اللغية اليومية، وما يجعلها قريبة من النثر. والبناء الذي يستفيد من السرد وأساليب المفارقة، مع زهد واضح في استخدام التشبيه والمحسنات البديهية .. وعدم التديل على التشكيل الايقاعي الصائت محاولا جهد امكانه ان يرفع اليومي الى صفة المدهش:
(اتوسد أحزاني
بصقيع الليل القاتل
وتدثر خطوي اهاتي
وأعانق أمنية
تهرب من مقصلة الفزع الآتي) 9
ليس في هذا النص مفردات يمكن ان تسقطها .. حتى نبرة الايقاع العالية نسبيا .. جاءت لتخدم الدلالة .. نلاحظ (12/6)
صفحة 139
الرؤية الاكثر عمقا والصورة الغرائبية الأمنية التي تهرب من مقصلة الزمن القادم .. ان شعرية هذا المقطع لا تكمن في تلك الاستعارات الجزئية .. (اتوسد أحزاني) (وتدثر خطوي أهاتي) .. بل ان شعرية هذا المقطع جاءت من خلال أسلوب المفارقة أو المفاجأة التي باغتت المخيلة بما لا تتوقعه .. (أعانق أمينة، تهرب من مقصلة الفزع الآتي)
الهوامش
1 - الندوة الأولى لشعراء دول الخيلج العربية ص 161
2 - فعاليات ومناشط 93/ 94 الاصدار الخامس ص 177
3 - الديون ص 105.
4 - المنهل الجاري ص 61.
5 - ...
6 - اجنحة النهار ص 51
7 - نفسه ص 35
8 - قسم ص 33
9 - رياح للمسافر بعد القصيدة ص 42
ثابت الآلوسي (أكاديمي من العراق) (12/7)
صفحة 140
عنوان المقال عبدالله الخليلي .. شيخ القصيدة العمانية الذي سحر البيان بلغته العذبة
صدر في العدد الرابع والعشرون
الكاتب محمد بن سليمان الحضرمي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
إذا قلنا إن عبد الله الخليلي هو شيخ القصيدة العمانية خلال النصف الأخير من القرن العشرين فليس في ذلك مبالغة ولا إطراء، قصيدته جامعة للكثير من اللطائف البلاغية بمعانيها وبيانها، إلى جانبا ما تمتاز به من انفراد لغوي، إذ فيها خليط سحري من الإلهام المقذوف في لب الشاعر والاستلهام الذي يوظفه ليوشي به قصيدته، عشق يتجلى في لغة ناصعة ليس فيها حشو ولا مفردات ركيكة، واذا كان الشعر لا يورث كبقية الأشياء التي تنبت في ارض خصبة من عبقرية الإنسان، إلا انه لا يمكن القول بأن الشاعر الكبير عبد الله الخليلي لم يرث الشعر!، إذ ثمة جذور ذهبية ينتسب لها وتنتسب اليه كابرا عن كابر، فهو ينحدر من سلسلة مرصعة بدرر أدبية قدمت الكثير وأثرت المكتبة العمانية بنتاجها، فأبوه كان شاعرا وجده عبد الله بن سعيد كان له ديوان شعر بقيت منه قصائد متفرقة بعد أن ضاع ديوانه في ظل ظروف غامضة، وعمه الأمام محمد بن عبد الله الخليلي كان معروفا بنزوعه للشعر وهو صاحب عبارة وشيقة تنم عن حصافة وملكة خفية، حيث يظهر ذلك في فتاواه، وكذلك جده لأبيه العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي صاحب الباع الطويل في علوم اللغة، الذي بلغ الذروة العليا والسنا لم الرفيع في الفقه والأدب، حتى أصبح مرجع العمانيين خلال النصف الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي، وله من نتاجه المشهود له بالنبوغ ألفية حوت أبواب علم الصرف، شرحها شرحا مستفيضا في كتاب أسماه (مقاليد التصريف) كما إن له كتاب (المظهر الخافي في علم العروض والقوافي) وله ديوان شعر في التصوف والسلوك، ولعل أشهر نصوصه قصيدة (سموط الثناء) تتضمن 84 بيتا يقول مطلعا:
سموط ثناء في سموط فريد
بكل لسان قد بثثن وجيد
وحمد تغص الكائنات بنشره
إذا نشرت منه أجل برود
الخ القصيدة الرائعة التي أشبعها بالتوسل في الذات الإلهية وقد شرحها الأديب جمعة بن خصيف الهنائي - أحد تلامذة الشيخ سعيد الخليلي - وخمسها شاعر العرب الكبير أبو مسلم الرواحي، الى جانب مؤلفات أخرى.
هذه نبذة عن نسب الشاعر الأدبي، وعلاقته الوطيدة بالإبداع، وهذه هي روافد الإبداع التي تغذى منها عبد الله الخليلي وغذى بها موهبته الأصيلة التي نمت وترعرعت في أرض خصبة، حتى أصبح ظاهرة لغوية يشار لها بالبنان.
فهو شيخ القصيدة العمانية بلا منازع، لأن الشعراء العمانيين المعاصرين أغلبهم خرجوا من معطفه ونشأوا تحت ظلال قصيدته وتغذوا بلغته واقتاتوا من مفردات قصائده، وبالأخص أولئك الذين تعلقوا بأهداب القصيدة العمودية ولا يزالون، رغم أن عطاءهم ضعيف مقارنة بانتاج عبد الله الخليلي، لقد اكتفوا بترصيع القوافي ولم يستطيعوا اقتناص المعاني، يبدو أنها غير طيعة فهي حصان حرون وغزال شارد في براري اللغة الشاسعة.
ومع ذلك، مع هذه الملكة الفذة، ومع هذه اللغة الساحرة الآخذة بنواصي البيان والأخاذة في مرايا القلوب، الا أن الشاعر ظل مغيبا عن النقد، مع أن له حضورا في الساحة الثقافية العمانية في ثمانينات القرن الماضي.
لم يكن الشاعر ذا حظ مع واضعي المنهج الدراسي لطلابنا، إذ لم نقرأ له سوى قصيدة يتيمة! كانت في الحث على طلب العلم يقول في مطلعها:
أقم على العلم واترك رأي من خملا (13/1)
صفحة 141
واستعمل الفكر حتى تبلغ الأملا
فهل هذه القصيدة تكفي بالتعريف بشاعر كبير في حجم الخليلي؟ لا أظن ذلك في منهج مزحوم بعشرات الأسماء التي كسبت شهرة تاريخية، أن واضعي المنهج لا يعرفون عن الخليلي شيئا سوى أنه شاعر عماني معاصر فقط، أما التفاصيل الأخرى من حياته فذلك أمر مغيب عن ذهن الطالب والمدرس أيضا، وبالأخص هذا الجيل الجديد من المدرسين الذي لا يكلف نفسه شراء صحيفة أو كتاب يثقف بها نفسه، الا من رحم ربك وهم قليل، وهذه مأساة أخرى تنعكس سلبا على المستوى الثقافي لطلابنا الذي يتقدم الى الوراء.
مثل هذا التجاهل أودى بالكثير من الأقلام المبدعة التي أعطت وكتبت في صمت، وهذا حال أدبنا العماني الذي غيب وطمر ولم يظهر منه سوى القليل، مع أن مقولة "خلف كل صخرة في عمان شاعر" رائجة جدا ولا تحتاج الى أدنى توضيح.
لقد عرفت الشاعر الكبير عبد الله الخليلي عن قرب وكثب، وحسبي أنني أفخر بتلك المعزة التي يكنها لي، كان يعدني أحد أبنائه وكل الكتاب الشباب والشعراء هم أبناؤه حقيقة، فمن منا لم يقرأ شعر الخليلي ولم يعجب به، كنت أحد المقربين من الشيخ، وكنت مهووسا بحب شعره، وطالما قرأت ديوانه "وحي العبقرية"، وكل قصيدة قرأتها أشعر أنها فريدة زمانها ويتيمة عصرها.
هذا هو عبد الله الخليلي اذن، سليل أولئك المبدعين الذين قرأنا لهم قصائدهم وتصفحنا كتبهم، انه ولا ريب في قامة أدبية تطاول قامات أخرى عرفها الأدب العربي من أمثال شوقي ومطران وأمين نخلة وبدوي الجبل وغيرهم الكثير، كان يرتدي ثوب التواضع ويضفي على جلسائه شيئا من الأريحية، وينتقل بجلسائه من قصيدة لأخرى، وكان يعجبه أن يقرأ عليه شعره، واكتشفت بعد ذلك انه يحلو له تغيير كلمات قصائده حين تقرأ عليه، فكثيرا ما كنت أقرأ عليه بعد أن أسعدني استقباله لي واستحثني للجلوس معه في الفترة الصباحية، وكنت أجد في ذلك سرورا بالغا، وكثيرا ما كان يخصني بقصائد جديدة لنشرها في الملحق الثقافي بالجريدة، كنت أسعى اليه سعي الطالب للأستاذ، فأبدا بقراءة قصائده، والذي لفت انتباهى توقف الشاعر عند بعض الكلمات فيصحح ما قرأت، مع أن ما قرأته عليه كان مكتوبا في قصيدته، لكنه يستهويه تبديل كلمة بأخرى وقد يلغي البيت بكامله ويضيف عليه بيتا آخر، أو يبقي على الصدر، ليكتب عجزا جديدا ثم صدرا آخر لعجز ذلك البيت الذي أبقى منه صدره، فتأكدت أن القصيدة عنده تنمو باستمرار، لا تتوقف، حلقات مفرغة لا تعرف لها نهاية، وتدفق جارف لكتابة قصيدة لا تنتهي مداراتها، وتوسل مستمر لا يعرف التوقف، حتى القصائد التي تضمنها ديوانه الرائع جدا وحي العبقرية يحدث فيه تغييرا، وحين ناقشت حول هذه المسألة أجاب باجابة صريحة قائلا: ان الشاعر رب شعره وهو حر فيما كتب ويكتب واذا ما أحدث الشاعر تغييرا في قصيدة كتبها منذ سنوات فذلك من شأنه هو، هو أم القصيدة التي تتخلق في رحم ذاكرته وأبوها الذي تخرج من صلب عبقريته، وكشف لي ابنه أحمد أن ذلك شأن أبيه، فاقترحت عليه أن يخصص لوالده دفترا آخر ليكتب فيه ما يشاء من تغيير كي يبقي على النص الأول، قال: لقد حاولنا ذلك فكان يبدي الرفض، فهو لا يحب أن يؤثر عنه من شعر الا ما يستقر عليه وجدانه وما يقر عينه.
هذا هو دأب هذا الشاعر الكبير، حب جم للشعر، واخلاص متناه، وعشق حقيقي للقصيدة، عمل يتواصل ليلا ونهارا من أجل أن يكتب قصيدة تعبر عن مكنونات وجدانه وخلجات فكره، لقد كشف أكثر من مرة أنه يعيش مع الشعر ليل نهار ولا يفارقه، حتى لربما يرى في منامه أنه ينظم أبياتا وحين يصحو يتذكر بعضها ويثبتها في قصيدة جديدة، وقال لي أكثر من مرة أنه حين يأتيه الإلهام فان نفسه تنصرف للكتابة بكليته ولربما يكون نائما فيوقظه هاجس الشعر الذي يشتعل في الجوانح كما تشتعل النار فى جزل الغضا حسب تعبير ابن دريد في مقصورته، فيستيقظ لا ليستحث ذهنه لكتابة شيء ما، بل لملاحقة ذلك التدفق الذي يأتيه من حيث لا يدري، تدفق واشتعال واحتراق ومعاناة يعيشها كما تعيش الحبلى حالة مخاض عسيرة الى أن تنجب جنينها فيهدأ روعها، وهكذا يعيش الشاعر ألم مخاض ولادة صعبة لكنها لا تتعسر بإذن الله.
لقد مرت بالشاعر الكبير عبد الله الخليلي أحداث جسيمة استطاع أن يسيطر عليها بالشعر، كان يجد في الشعر ملاذه من النوائب وبلسمه من المصائب، وما أجمل هذا الحامي الذي ينبض بالحياة.
من يصدق أن هذا المشاعر قد توفاه الله والرصاصة لا تزال في أحشائه! وهذه حقيقة يعلمها المقربون منه، حيث تعرض لطلق ناري في عام 1979م، نفذت ثلاث رصاصات من جسده وبقيت واحدة مستقرة أعلى القلب في منطقة القفص الصدري، حيث تعذر انتزاعها من جسده وبقيت مستقرة إلى أن لقى ربه، وبمرور الأيام سببت له (13/2)
صفحة 142
مرض شلل الرعاش الذي عانى منه كثيرا وبالأخص في السنوات العشر الأخيرة من حياته، التي عاشها في كمد ونغص ومعاناة، لكنه كان يلجأ كثيرا الى التضرع إلى ربه بالشعر ويتوسل له بأن يخفف عنه صعوبة ما يلاقى من ضني وألم، ورغم صعوبة ما يكابده ومشقة ما يلاقيه من هذا المرض المزعج إلا أنه كان بكامل قواه العقلية، والحمد لله، فهو يستوعب وقادر على التذكر.
ذات مرة حدثتني نفسي أن أطلب من الشاعر أن يكتب قصيدة في مدينة نزوى، أعلم أن هذه المدينة أثيرة في نفسه وعزيزة عليه، فإذا لابد من تهييج مشاعره، فكتبت رسالة ذكرت فيها مكانة هذه المدينة في قلبه وقلب عمه الأمام، وطلب مني مراجعته بعد أسبوع، فإذا به يسكب في حبها قصيدة تعد من أروع شعره، طاف بها حقول النور لهذه المدينة التي تعد تخت الأمة الأباضية، وكان ذلك تجاسرا مني تولد عنه قصيدة قمت بنشرها في حينها، يقول في مطلعها:
هلم الى الوادي المقدس من نزوى
الى أن نشم النور من هضبة النجوى
لنرتبع العلياء من شرفاته
نعز بها قدرا ونسمو بها علوا
وذات مرة قابلته بضع دقائق، وقال بصوت حزين: "ثفلى بمرضي يحرمني لقاء أحبتي"، فأدركت ما فيه من حزن بالغ حاولت أن أشد من عزمه وأن اللقاء سوف يتجدد ان شاء الله، وبالفعل تجدد اللقاء، وكنت من الحريصين على مجلس الاثنين الذي يحضره رجالات العلم والأدب وعشاق الشعر من أمثال الأديب الفقيه سعيد بن خلف الخروصي والأديب الشاعر سليمان بن خلف الخروصي والنحوي الشاعر موسى بن عيسى البكري والفقيه الأديب د ابراهيم الكندي الذي كان يضفي عليه الشاعر الخليلي لقب (الصناجة) وهو كذلك، وآخرون لا تحضرني أسماؤهم وكذلك أبناؤه أحمد وعبد الملك ومحمد، إن أتراب الشيخ الخليلي كثيرون وتلامذته أكثر من أن يعدوا ويحصوا، ولقد دخل مجلس الاثنين متواصلا لأكثر من ثلاث سنوات، وكلما كانت السنوات تزحف، كان المرض يزحف بوحشية الى جسد الشاعر وكانت قصيدته تقترب من المتجليات الصوفية والأشراقات، لقد نضجت القصيدة على نار المعاناة، ونضج جسد الشاعر بنار المرض وأصبح لا يقوى على لقاء أصدقائه فتقطع حضوره عن مجلسه، غير أن أبناءه كانوا في استقبال كل تلك الكوكبة المتعطشة للقائه، وكان الهدوء يخيم على المجلس والصمت يطبق على المكان فلا تسمع الا الهمس بين المتحاورين، انهم يفتقدون صاحب وحي العبقرية وفارس الضاد، لأنه في غمرة المرض ممدد على سريره في حجرته الخاصة، يعيش حالة عزلة يتفطر منها القلب كمدا وألما، فكلنا مشتاقون اليه والى إطلالة وجهه، وما هي الا أسابيع حتى انفض سامر مجلس الاثنين، ولم يعد أحد من محبيه يطرق الباب، الا في حالات نادرة للسؤال عن حاله والاطمئنان على صحته المتراجعة والمتهاوية.
وفي سانحة منها الله علي، قادتني الأقدار الى منزل الشاعر بمدينة القرم، فلعل نسمة تكون قد مرت على الشاعر فتحمل لي خبرا عنه .. هأنذا أخطو بقدمي الى حيث لا أدري، مترددا هل أدخل بيت الشاعر أم لا؟، مازلت أحوم ببيت الشاعر كما تحوم نحلة الى زهرة عباد الشمس، هناك تستقر غرفته، وفي ذلك الدور العلوي يستقر عرين الأسد، وهناك يربض الأسد الهصور، هل أطرق الباب فأظفر بلقائه، اني أعلم أن مجلس الاثنين مغلق أبوابه منذ أشهر، لكن لا بأس من طرق بيت الشاعر .. هأنذا أطرق، دخلت المجلس، مقر مجلس الاثنين، أشعر بغصة لأن فارس الميدان في صمت مطبق لا يقوى على الحركة، بادرت بالسؤال عن صحة الشيخ، كيف حاله، قيل: لقد تعاطى الدواء قبل نصف ساعة فلعله يستطيع الكلام، لكنه لا يقوى على الحركة، قلت: أبلغوه مني السلام وأود لقاءه لو كان في الإمكان ذلك، وبينما أقلب الذاكرة وأستعيد شريطا من الأيام البيضاء، اذا بالشاعر الذي أعرفه، يزحف الي مجلسه متكئا على أكتاف أبنائه، ويستقر في ذات الكرسي الذي افتقده منذ زمن، الحياة تدب في أوصاله، لقد عادت له بعد صمت مطبق، قلت للشاعر إن لي رغبة في محاورتك، ثم أنشره على صفحات الجريدة، قال: لك ذلك وأنا معك الى أن يثقل لساني، أسرعت أسائله وأملي عليه أسئلة عامة، بدأتها ببداياته الأولى لأختبر ذاكرته وقدرته على التذكر، لقد تذكر الشاعر الأبيات الأولى التي نظمها وكانت في أحد أصدقائه، وظللت أنخل ذاكرته وأقلبها وأسأله عن الشعر متى يكتب؟ وكيف تفاجئه القصيدة؟ وعن آرائه فيما كتب من شعر خلال نصف قرن من الزمان وهو عمر تجربة الشاعر، وكان الشاعر طيعا في إجابته، متدفقا ومنهمرا أحيانا، يلفظ المفردة سليمة، وقال انه كتب قصيدة بمناسبة تكريمه سماها (شبح الهوى) ويخص الملحق الثقافي بها لنشرها في (13/3)
صفحة 143
يوم إلقائها، وأن بلبل سمائل الشاعر حبراس بن شبيط الشعملي هو من سوف ينشرها على الناس، حتى ملئت الأوراق بالحوار معه، لكن لسان الشاعر بدأ يثقل وعلى أن أتوقف عن طرح الأسئلة، وحانت لحظة الوداع، وهي لحظة فاجعة، لقد أحسست أني لن أقابل الشاعر بعد هذا اليوم، ها هو الأسد يعود الى عرينه والناسك الى عزلته، حينها ودعته مستشعرا رهبة المصافحة الأخيرة، ومضيت فرحا بهذه السانحة التي أضفت علي حبورا، وقد تم نشر اللقاء، ومضت أسابيع عدة، لأعلم أن الشاعر دخل غيبوبة أبدية لم يفق بعدها إذ استمرت أكثر من عام ونصف العام، نومة أشبه بنومة أهل الكهف، وصمت أشبه بصمت الصخور، حتى ودعت روحه الزكية دنيانا صباح الأحد الموافق 28 ربيع الآخر 1426هـ 30 يوليو 2000م بعد حياة استمرت زهاء ثمانين عاما.
ولد الشيخ عبد الله بن علي بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي في السابع من محرم عام 1340هـ الموافق 1920م في منزل أسرته المسمى بيت السبحية بولاية سمائل الفيحاء أحدى خمائل المنطقة الداخلية بعمان، كانت سمائل مسرح طفولته الغضة ومرتع صباه الباكر، استوحى من خمائلها واخضرار نخيلها وتكاثف أشجارها وتدفق نهر السمدي وتثني صباياها، فجاءت قصيدته ناعمة ترفل في دمقس الكلام وحرير اللغة، وقصيدته السينية في وحي العبقرية تكشف ذلك، فما أبلغ وصفا لتلك الخميلة السمائلية حين قال عنها:
وخميلة حاك الربيع بساطها
خضرا ونمنمها بزهر كاس
من أحمر مثل العقيق وأصفر
ومورد زاه كوجنة حاس
غناء باكرها الحياء فأتاحها
ثغر ونرجسها ذوات نعاس
والياسمين على البنفسج طافح
والورد جوري على منعاس
والآس من تحت النسيم كأنه
مرح المليح بقده المياس
وكأنما النسرين في باقاته
أقراط غانية على مقباس
وكأنما الرمان أثداء المها
والكرم يلحفه بليل عاس
وكأن زغردة الهزار بغصنه
نغم الحسان تهيم في الأجراس
وكأن ترجيع البلابل حوله
داود هاج بلابل الجلاس (13/4)
صفحة 144
وكأن وسوسة الجداول في الدجا
حلي الكعاب برنة الوسواس
وكأن هينمة الصبا وحفيفها
همسات مشتاقين خوف حراس
كتب الشاعر الخليلي في أغراض شعرية متنوعة، فهو عذري في شعر النسيب، وفنان تشكيلي في شعر الوصف، ورائد عملاق في شعر التصوف، ومتعبد راهب في محراب شعر الوسيلة، انه راهب سمائل الذي ملأ مغانيها وأفياءها وساحاتها وضواحيها شعرا عذبا فيه من الشفافية والرقة ما يتخطر له القلب، كتب الشاعر الخليلي القصيدة بدم القلب وهو لا ينتمي إلى سلسلة النظامين بل الي سموط المبدعين، وهو مهندس ماهر في اللغة، فحين تقرأ قصيدته للمرة الأولى تشعر ان فيها سحرا وأنها من لدن وحي العبقرية، وأن هذا الشعر الذي يكتبه الخليلي هو ضرب من نبوءات الحكمة التي هي ضالة المؤمن والتي أجهد الشاعر ذاته في البحث عنها طيلة نصف قرن من الزمان، كتب الشاعر القصة الشعرية، وضمنها ديوانه وحي العبقرية لكنها لم تكن بحثا في التفاصيل التاريخية بقدر ما كانت مفتاحا للولوج من خلالها إلى عوالم جديدة، تكشفها العبقرية في دروب الذاكرة ودهاليزها الخفية، فيضفي عليها فيضا من سحر بيانه.
كتب الشاعر المقامة الأدبية النثرية بلفة رفيعة، وكتب القصة القصيرة، وكتب في التاريخ كتابا يعرف باسم الحقيقة، وله دواوين شعرية مطبوعة من بينها وحي العبقرية ووحي النهى وعلى ركاب الجمهور وهذا الأخير سلك فيه درب شعر التفعيلة، ودواوين أخرى لم تطبع بعد من بينها فارس الضاد والمجتليات وأرج البردة والخيال الزاخر والخيال الوافر وسجلات الأدب، ولعل الأيام القادمة تيقظ سبات أبنائه من رقدتهم التي طالت لطباعة أعمال أبيهم، لقد رحل الشاعر ونفسه راضية مرضية، ويزيد رضاءه ذلك الإبداع الذي ابتغى فيه رضا الله وخدمة لغة القرآن الكريم .. فسلاما لروح الشاعر في معراجها القدسي، سلاما عليها تسبح باطمئنان في فضاء الله البعيد وسماواته العلية.
محمد بن سليمان الحضرمي (صحفي بالقسم الثقافي من جريدة عمان) (13/5)
صفحة 145
عنوان المقال عبدالله الخليلي فارس الضاد نصوص شعرية قيد الإصدار
صدر في العدد الرابع والعشرون
الكاتب أحمد درويش
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
لاشك أن الانتاج الشعري الغزير الذي فاضت به قريحة الشاعر العمانى الكبير الراحل عبدالله الخليلي (1922 - 2000م) لم يصل كاملا الى قراء الشعر العربي رغم الدواوين التي صدرت في حياته: "من نافذة الحياة" و "وحي العبقرية" و "وحي النهى" و "بين الفقه والادب" و "على ركاب الجمهور" الى جانب بعض القصائد التي نشرت متفرقة في الصحف والمجلات ولم تتضمنها هذه الدواوين.
وقد كان الشاعر- رحمه الله- غزير الانتاج، وازداد هذا الانتاج غزارة وتنوعا في السنوات الاخيرة بعد طبع دواوينه التي أشرنا اليها، ولم تكن رحلة المرض التي مر بها في أخريات حياته عائقا له عن مواصلة انتاجه بل انها على العكس دفعته الى الانغماس فى بحور الشعر وكأنه يتداوى به ويرسل من خلاله دعاءه وزفراته وأناته وتأملاته، ولقد ظل يقظ القريحة متوقد الذهن حريصا على أن يدون قصائده ومقطوعاته ولمحاته ويتأنق في كتابتها بيديه ما ساعدته الظروف على ذلك، ويملي على جلسائه حين يشق عليه الامر، ويودع هذه الفيوضات أجهزة التسجيل حين يخلو به المجلس ويراجع ما كتب او ما أملى أو ما سجل، ويطمئن الى الصورة الاخيرة ويستبقيها دون ما عداها إلا ما ند عنه انطلاقا من حرص المحيطين به على الاحتفاظ ببعض مسوداته. وسلوك كهذا يؤكده خلطاؤه وابناؤه، يبعث على الاطمئنان الى امكانية الحصول على جل تراثه ان لم يكن كله، وعلى امكانية حفظه مم الضياع ومحاولة اخراجه بطريقة ملائمة تساعد على التمتع به ودراسته والافادة منه واثراء التراث العربي عامة والعماني خاصة بهذا العطاء الشعري المتميز. لكن ذلك الهدف لا يكفي للوصول اليه حسن النوايا، وانما يتطلب قدرا كبيرا من الحذر ومن الجهد، ومن اسهام المؤسسات الاكاديمية والثقافية العمانية، ومن جهد الباحثين المتخصصين حتى يظهر ذلك النتاج بصورة مناسبة.
ان جانبا من هذا العطاء الثري، ضمته مجموعة كبيرة من الأوراق، وحملت عنوان "ديوان فارس الضاد عبدالله بن علي الخليلي" وهي ما تزال قيد الاصدار، وقد أتيح لي أن ألقي نظرة عليها وانا بصدد اعداد هذا المقال وأود أن أتوقف أمامها قليلا، لفتح الحوار حول الطريقة المناسبة للعناية بالتراث الشعري لرواد من أمثال عبدالله الخليلي.
وأول ما ينبغي تسجيله في هذا الصدد هو الاشارة الى الأهمية القصوى لها ثم القيام به حتى الآن من جمع للاوراق المتناثرة، وتفريغ للأشرطة المسجلة، ورقم هذا كله على الآلة الكاتبة، ثم جمعه في أوراق يضمها غلاف، او حفظه على أقراص ممغنطة، فتلك كلها خطوات اساسية، يمكن ان تبنى عليها الجهود التالية، ولم يكن من الممكن في غيابها القيام بأي جهد أكاديمي أو تحقيقي او تصنيفي او طباعي لاحق، والقيام بهذا الجهد ومتابعته سنوات وشهورا يؤكد توافر ذلك الحس الحضاري والفني الراقي عند من تصدوا له وادراكهم أنهم يحافظون على تراث عام لأمة وليس على ميراث خاص لأسرة.
والاوراق التي تحمل عنوان "فارس الضاد" كثيرة، تشكل سفرا كبيرا، وهي تضم أكثر من مئتي قصيدة او مقطوعة، وقد حملت كل منها رقما مسلسلا، وتحمل القصيدة الاخيرة منها رقم 204، وحمل بعض منها "عناوين" للقصائد او المقطوعات، أو إشارات الى المناسبة التي قيلت فيها، وذيل بعضها بالتاريخ الذي كتبت فيه من خلال تسجيل التأريخين الهجري والميلادي أو احدهما، وتركت نحو مئة وخمسين قصيدة او مقطوعة دون اشارة الى تاريخ كتابتها. وكذلك كان الشأن في مكان الكتابة الذي كانت تتم الاشارة اليه أحيانا، كأن يشار الى ان القصيدة كتبت في مسقط او سمائل او باريس او لندن أو القاهرة أو لبنان، ولكن الاشارة المكانية تهمل في معظم الأحايين، وقد يكون في ذلك اشارة الى أن القصيدة ولدت في مهدها الطبيعي، في بيت الشاعر. وتبلغ صفحات هذا السفر أكثر من خمسمائة صفحة مكدسة السطور لا يفصل فيها بين القصيدة وتاليتها أي فراغ في الصفحة الواحدة، ومعنى ذلك أنها لو حولت بلغة الطباعة الحديثة الى صفحات شعرية لتجاوزت ألف صفحة بالتأكيد، وربما فاقت ذلك ببعض المئات، وذلك كله يعطي انطباعا أولا، مؤداه، انه مع جودة المادة الشعرية وأهميتها في هذا السفر، إلا انه ينبغي التريث قبل طبعها في مجلد واحد، مراعاة لمقتضيات الطباعة الحديثة ولذوق القارئ العصري، ولحق الشعر على طابعه وقارئه في ان تجد القصائد مجالا للتنفس، وحدا أدنى من التلاؤم بين الوحدات الشعرية التي يضمها ديوان واحد، وهو حد لا يكفي فيه أن تكون القصائد كلها منسوبة الى مؤلف واحد كما سيتضح ذلك فيما بعد. أما العنوان الذي يتصدر الأوراق وهو "فارس الضاد" فهو عنوان قديم اختمرت (14/1)
صفحة 146
فكرته في ذهن الشاعر في حياته وتجسدت في بعض قصائده التي تضمها هذه المجموعة ومنها قصيدة: "شاعر الضاد" التي تبين مدى احساس الشاعر بمتعة الفروسية فوق صهوات خيل اللغة الشموس:
شاعر الضاد قد ركبت من الضا
د جموحا يهوى بغرم ضروس
شاعر الضاد قد لطفت ورقت
من حواشيك طرة الملبوس
شاعر الضاد كم عقرت على الضا
د خميسا يرمى بقلب خميس
وركبت الفصحى الى الله فانقا
دت سيوفا تهوى بوجه عبوس
انما الضاد للذي يركب الضا
د جريئا على جنان تبيس
وخبير بالضاد طردا وعكسا
عالم عن مكيلها والمقيس
شاعر الضاد قد نبغت فجرد
ك جوادا في شعرك الملموس
وهذا الشاعر الذي تجرد جوادا هو الفارس الذي تجلت فروسيته في كثير من قصائد هذه المجموعة وغيرها، وظهر عشقه للغة في ذاتها وللشعر في ذاته وتمكنه من وسائلهما والعدو في مضمارهما مؤهلا له لحمل لقب "فارس الضاد".
واذا كانت القصيدة التي تحمل هذا اللقب "شاعر الضاد" غير مؤرخة في الديوان، فان النية في اطلاق لقب "فارس الضاد" على مجموعة شعرية للخليلي يعود فيما يبدو الى أوائل العقد الأخير من القرن العشرين الميلادي عقد التسعينات، الموازي للعقد الثاني من القرن الخامس عشر الهجري.
ففي هذه الفترة بدأ التأهب، فيما يبدو، لطباعة ديوان يحمل هذا العنوان "فارس الضاد" وكتبت بعض المقدمات وكلمات التقريظ على هذا الاساس، ومن بينها كلمة سماحة مفتي السلطنة، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي والتي كتبت في رجب الأصم 1414هـ وجاءت فيها اشارة واضحة الى العنوان المقترح حين قال "وقد سبق لشاعرنا اصدار دواوين من شعره أهمها "وحي العبقرية" الذي جمع فأوعى من أغراض الشعر المختلفة ما يشفي غليل كل ذي بغية في الأدب، وها هو ذا يقدم من جديد الى عشاق الأدب ورواد المعرفة ديوانه "فارس الضاد" الذي يضم بين دفتيه من زاد الثقافة وسليل الأدب ما يكفي كل سائب ويروي كل ظامئ".
وكذلك كان الشأن في مقدمة أخرى كتبها الشيخ سليمان بن خلف الخروصي وأرخها بعام 1415هـ/ 1994م، وأشار خلالها الى الخليلي بأنه "فارس الضاد" وهو أعرف من أن يعرف وأجل من أن يذكر" ثم ختم المقدمة بقوله: "وفي هذه الصفحات من الديوان (فارس الضاد)، يطلع القارئ على شعر رائع، وأدب بارع، وحكم باهرة، وأمثال سائرة ... الخ)). (14/2)
صفحة 147
وكذلك كان الشأن في كلمة تقريظية للشيخ ابراهيم الكندي، حملت تاريخ شعبان 1413هـ (فبراير 1994م) وتمت الاشارة فيها الى "الديوان، ذلك النجم الوقاد "فارس الضاد". فالتسمية إذن تعود الى الفترة التي اتجهت فيها النية الى اصدار ديوان "فارس الضاد" وجرى تجميع مادته وكتابة مقدماته، ثم توقف الاصدار لأمر ما، وتراكم على الانتاج بعد ذلك ما خلفته نحو سبع سنين من الحصاد الشعري فتضاعف الحجم وتداخلت القصائد، ومن هنا فان التريث قد يكون مطلوبا مرة أخرى، قبل أن يطلق على الكل ما كان يراد اطلاقه على الجزء.
×××
إن التواريخ المسجلة في ذيل بعض القصائد تعطي مؤشرا واضحا على اتساع المدة الزمانية التي كتبت خلالها قصائد هذه المجموعة وهي مدة، تكاد تبلغ ثلاثين عاما تمتد من أوائل السبعينات الى أواخر التسعينات في القرن العشرين الميلادي، فهناك مثلا قصيدة "قاعة الأفكار":
ودعيه من قاعة الأفكار
ودعيه لقسوة التذكار
ودعيه فانه في ذهول
يتهاوى كفاقد الابصار
ودعيه عساه يسترجع الرشد
وإن كان شارد الأفكار
وقد كتب في آخر القصيدة "سمائل: 1972"
والى حقبة السبعينات أيضا تنتمي قصيدة ة "وحي تونس":
دعاني على هذى الربوع أهيم
فثمت تأثير الجمال عظيم
ويرتع بي بين الحدائق شاعر
وطائر فكري كيف شاء يحوم
وقد ذيلت القصيدة بتاريخ 8/ 8/1974، وقد وضعت هذه القصيدة في مجموعة فارس الضاد تحت رقم 100، ويلفت النظر أن تكون احدى القصائد السابقة عليها وهي قصيدة "اخوانى"، والتي تحمل رقم 98، قد كتبت في 5/ 11/1990م، أي بعد هذه القصيدة بنحو ستة عشر عاما، وان تكون احدى القصائد التالية لها وهى قصيدة "الشأو والشأن" والتي تحمل رقم 103، يعود تاريخها الى 26/ 9/1992م، أي بعد قصيدة "وحي تونس " بنحو ثمانية عشر عاما، وهذا يدل على ان ترتيب المقطوعات والقصائد فى "الديوان المقترح" لم يتم الالتفات فيه الى التناسق الزمني على الاطلاق، ولا الى التناسق الموضوعي، كما يمكن ان يفهم من عناوين هذه القصائد ذاتها.
وهناك قصائد تنتمي الى أوائل حقبة الثمانينات مثل القصيدة الموجهة الى الاستاذ احمد الفلاحي أيام كان يعمل مستشارا ثقافيا في البحرين:
سلام يرتدى حلل الفلاح
يوجه وجهه نحو الفلاحي (14/3)
صفحة 148
كأن أريجه بالمسك يسري
ونغمته بحي على الفلاح
وخلال القصيدة ترد أبيات موجهة الى شاعر البحرين الشيخ احمد بن محمد آل خليفة صاحب ديوان "العناقيد الاربعة" والذي كان قد أهدى ديوانه للشاعر عبر صديقهما المشترك، أحمد الفلاحي.
ويمتد تاريخ ما اثبت من قصائد ليغطي معظم سنوات العقود الثلاثة، اضافة الى قصائد كتبت غفلا من التاريخ وهي تمثل نحو ثلث الديوان، وقد يساعد التعرف على تواريخها في تصنيف بعض مراحل الشاعر الفنية.
×××
فى الدواوين السابقة للشيخ عبدالله الخليلي كان هنالك لون من الحرص على وجود تناسق "موضوعي" بدرجة أو بأخرى بين القصائد المتجاورة، سواء ضمها ديوان مستقل، او جزء من ديوان، ولا شك أن السمة الواضحة لديوان مثل "على ركاب الجمهور" هي سمة القصائد القصصية الطويلة المكتوبة على شعر التفعيلة، وان النصائح والمواعظ والحكم تغلب على "وحي النهى" وان "وحي العبقرية" على تنوع موضوعاته النسبي حرص على ان يضم القصائد التي تنتمي الى حقل واحد، الى بعضها البعض، مثل "الوطنيات" و "القوميات" و "الآلهيات " ... الخ، ومع ان الحدود ليست فاصلة دائما في الشعر، فإن هذا النوع من التبويب الذي درجت عليه بعض الدواوين الكلاسيكية يساعد الى حد ما على تشكيل وحدة المذاق.
والاوراق التي تحمل عنوان "فارس الضاد" تتداخل فيها هذه الحقول وغيرها الى أبعد مدى، وتحتاج دون شك الى لون من اعادة النظر في تنسيقها وتبويبها ووضع بعضها في دواوين مستقلة أو أجزاء متميزة من ديوان، قبل ان يدفع بها الى الناس في كتاب مطبوع.
ومن أهم المجالات التي تلفت النظر في الديوان مجال الاهتمام بالشاعرية والخيال في ذاتهما، وتأمل الشاعر في مواهبه وادواته وعالمه الخاص، وهو تأمل تتضح من خلاله الفروق منذ الوهلة الاولى بين "الشاعر" و"الناظم " ويثبت الخليلي قدمه بجدارة في أرض الأول منهما، وان كان يجنح بين الحين والحين الى بعض مجالات الثاني، في قصيدته "الزوراء" تأتي هذه السبحات في عالم الشعر:
أرؤى ما ينتابني أم تراء
أم خفايا يتيه فيها الخفاء
شق جنح الدجى كما فلق الفجـ
ـر وخاض الصلاة منه نداء
واجتلاني عليه ومضة نور
وحداني ونفثتي لألاء
أيها الشعر كم تلطفت باسمى
ولكم قد تلطف الشعراء
وحدوت اليراع وهو بكفي
فاذا باليراع وهو حداء (14/4)
صفحة 149
واذا بالسطور مثنى فمثنى
قسمة الضاد والبيان اجتلاء
وأنا تحت نير تلك القساما
ت جواد قد هده الاعياء
إن هذا اللون من النشوة الشعرية، كثيرا ما يعتري الشعراء المبدعين، فيحلقون في آفاقهم ويحملون على أجنحتهم من يجيد الاصغاء الى ترانيمهم، وفي قصيدته "الحمول " يكشف الخليلي عن لحظة من لحظات الشاعرية المجنحة:
وأنا امتطي الزمان وان كنـ
ـت أعاني من شفرتيه ندوبي
أركب الجد فيه رحلين رحليـ
ـن أقاسيم شاعر موهوب
رحلة الصيف والشتاء ومهري
موغل في شمالها والجنوب
وكأن الدنيا حوالي سطر
من حروف توحي بكل عجيب
وكأن السماء وهي نجوم
تتجلى عنها عيون الرقيب
وكأن الفضاء خيمة عرس
عرست حولها حداة القلوب
وكأن النسيم في حافيتها
نفحة من رداء غير لعوب
وكأن المياه تنساب فيها
نفس الروح او جلاء الكروب
وكأن الأرض التي تعتليها
قبضة من محاسن وعيوب
وكأن الحسان بين رباها (14/5)
صفحة 150
طيب عرف أو لمسة من طيب
وكأني والكون مد وجزر
زورق بات موجه يرتمي بي
وتستمر الصورة على هذا النحو من التدفق الغنائي الجميل، وتتكرر أداة التشبيه "وكأن" في صدر الأبيات، زهاء عشرين مرة متتالية وهي تغرس مجموعة من المرايا الناصعة التي يرى من خلالها الشاعر روعة الكون ويرينا إياها. والى جانب هذه النزعة الغنائية الصافية التي توجد في عدد طيب من قصائد الديوان وخاصة في مجالات الشكوى والانين والمناجاة الروحية والتجليات الصوفية والرثاء والتي تمثل نمطا شعريا متميزا، يمكن افراده والتمتع به في اطار ديوان معقول الحجم، الى جانب هذه النزعة، توجد نزعة درامية واضحة في عدد لا بأس به من قصائد الديوان، والنزعة الدرامية في شكلها القصصي او الملحمي او المسرحي ليست غريبة على طموحات عبدالله الخليلي الادبية عامة، والشعرية خاصة، فكتاباته النثرية تحتفي من بين ما تحتفي به بالمقامات، وله فيها نتاج جيد، وتلم بين الحين والحين بالاقاصيص، ودواوينه الشعرية السابقة ضمت قصائد قصصية كثيرة بل ان واحدا منها وهو: "على ركاب الجمهور" يتسم كله بالطابع القصصي.
وفي مجموعة "فارس الضاد" توجد قصائد قصصية كثيرة، بعضها يحتل اكثر من عشرين صفحة متتالية، مثل قصة "الملك ووزيراه " والتي تتعدد فيها الشخصيات بين الملك والوزير الكبير والوزير الصغير، وزوجة الملك الاولى وزوجة الملك الثانية، الى جانب شخصيات ثانوية تتناثر هنا وهناك مثل "بائع الحكمة" وخدم القصر، ووالد الزوجة الثانية، وافراد من قبيلته، ويدور فيها الحوار الشعري ساعيا لتشكيل قصة لها عقدة وتبحث عن حل، وفيها جوانب مشوقة، وجوانب غامضة تنجلي شيئا فشيئا، ويدور بناء القصة الشعرية على مقاطع متتالية من بحر الخفيف تتغير فيها القافية في كل مقطع، لكن الاصوات لا تتداخل ولا تتقاطع اثناء الحوار وانما يرد كل صوت على حدة ثم يعقبه بعد ان ينتهي صوت آخر يعقب عليه موافقا او معارضا، ويعطي الشاعر للمقاطع عناوين جانبية مثل: الملك يحدث نفسه، الملك يحدث وزيريه، الوزير الكبير يستأذن الملك في السفر لبعض شؤونه، الوزير الكبير يحدث نفسه ... الخ ومن نماذج حواراتها بين الوزير والشيخ "بائع الحكمة":
الشيخ: أنا شيخ ولي تجارة مثلى
فادن مني لمتجر الحكماء
الوزير: أي شيء تبيع، قل لي، فاني
لا أرى قط ما يراه الرائي
الشيخ: أنا في متجري أبيع كلاما
جملا أحكمت به احكاما
جمل حشوها سلامة عقبا
ك وان انت لم تعرها اهتماما
قيمة الجملة الفريدة ألف
من نقود البلاد فابتع كلاما
والى جانب هذا النمط من القصص الشعرية الحوارية توجد القصة الشعرية السردية وبعضها يشكل حكايات واقعية معاصرة ترد فيها كلمات مثل "المدير" و"المكتب" بل وترد فيها اسماء بعض المعاصرين التي يتم التعريف بها في الهامش، مثل قصة "سراب بقيعة" وبعضها الآخر يستمد مادته من اعماق التاريخ ومن التراث الديني مثل قصة "المسيح والخائن"، او التراث العربي قبل الاسلام مثل قصة "هند والكاهن"، واحيانا تختار (14/6)
صفحة 151
القصة السردية وضع عناوين داخلية تتغير معها القافية ولكن يظل المتحدث الراوي هو الشاعر كما حدث في قصة "أخت الزليخا" التي تمتد نحو مئتي بيت تتخللها عناوين مثل: "خطاب في السر، الاب يوصي بولديه خالهما" ويتم اختيار اسماء عصرية مثل نجاة زوجة الخال، وعبلة، والمختار للأبناء، نجاة تناجي قلبها، نجاة تبدأ المهمة:
فسآتيك في ثياب الشذاء
يا حبيبي أجر فضل الرداء
وأدير المصراع للباب غلقا
كالزليخا في حسنها الوضاء
وتستمر القصة على هذا النحو من العناوين الداخلية مازجة بين الموروث الديني في قصة "زليخا ويوسف" وبين احداث عصرية مشابهة.
وتتتابع القصص الشعرية السردية في المجموعة على هذا النحو تارة تستمد من أحداث التاريخ مثل قصة "ايمان الفاروق" وتارة تنسج من خيال الحاضر، كما في قصة "البائسة" وأخرى تستلهم حكايا البادية كما هو الشأن في حكاية "مضل البعير" او تقود مرة أخرى الى استلهام فكرة القصور ومكائد النساء كما في قصة "الغار الرهيب " التي تستخدم طريقة العناوين الداخلية.
ولا تتوقف أنماط الشعر الدرامي في هذه المجموعة على ما يمكن ان يسمى بالقصة الشعرية، سواء منها الحوارية او السردية وانما تمتد الى أنماط أخرى يقترح الخليلي منها نمطا يسميه "الصورة الشعرية" التي تشتمل على مشاهد متعددة، كما حدث في قصة "جذيمة والاحداث" التي قدم لها الشاعر بقوله: "صورة شعرية تشتمل على عشرين مشهدا في عصر ما قبل الاسلام" ويمهد لها الشاعر بمقطوعتين قصيرتين، تحمل الأولى عنوان "تقديم" والثانية عنوان "توطئة"، ثم تتوالى المشاهد، المشهد الاول، المشهد الثاني ... الخ، ويحتفظ الشاعر فيها بدور الراوي مع مزج بين الطريقة الحوارية والطريقة السردية، ولعل هذا هو ما دفع الشاعر لان يطلق عليها صورا ومشاهد تصل أبياتها الى نحو مئة وثلاثين بيتا من بحر الخفيف.
ومن الأنماط التي تقدمها المجموعة ايضا نمط يطلق عليه "شبه الملحمة" ويتمثل هذا في قصيدة "ذبذبات الاثير" وهي قصيدة يقول الشاعر في مقدمتها انها "أشبه ما تكون بملحمة تاريخية فى ستة ادوار وفي مئة وعشرين بيتا" ويلاحظ استخدام كلمة "الدور" هنا في مقابل المشهد في الصورة القصصية السابقة، والواقع ان القصيدة استعراض تاريخي لامجاد الخليج، ودعوة الى نهضة أبنائه.
ان وجود هذه الانماط من الشعر القصصي او الدرامي في مجموعة "فارس الضاد" يكاد يجعل منها قسما خاصا، له مذاقه وطرائق التمتع به، ويمكن ان يستقل بديوان خاص، يشكل في ذاته حجما ملائما للحجم المعتاد في الدواوين العصرية، ويقدم فرصة للدارسين للوقوف أمام خصائص هذا اللون الفني عند الخليلي ولمتذوقي الشعر في ان يستقبلوا طائفة متناسقة المذاق.
×××
الى جانب هذين الفنين الرئيسيين في مجموعة "فارس الضاد" وهما اللون الغنائي، واللون القصصي الدرامي. واللذان يمكن ان يشكل كل منهما مجموعة مستقلة، توجد طائفة أخرى من "المقطوعات" أو القصائد القصيرة التي تحمل مذاقا متميزا، وفن المقطوعات فن دقيق لا يستطيع النهوض به الا المتمرسون في فنون القول، لانه ينشد الى الكثافة والتكامل، ويحاول ان يقدم في أبيات قليلة، ما تقدمه القصيدة الطويلة، ويذكر في نفس الوقت بشعر الحكمة والابيات السائرة وبيت القصيد وغيرها من المصطلحات التي كانت تطلق على الابيات الشائعة التي تستحسن وتجري على ألسنة الناس، ومقطوعات الشيخ الخليلي تأخذ أحيانا شكل الحكمة والعظة مثل:
إن شئت ان تعرف الانسان معرفة (14/7)
صفحة 152
صحيحة في كريم الخلق والنسب
ففي ثلاث من الأحوال تعرفه
في أخذه النوم او في الضيف والغضب
او اللمحة الغزلية مثل:
طاف بي طائف الهوى فتمنيت
جمالا يلفه تذكاري
فاذا بالمنى تنزل سيبا
واذا بالجمال في أزراري
فتمتعت من هواه ولكن
لحظات قصيرة الاعمار
وقد تشكل المقطوعة قصة شعرية قصيرة:
ومشوق بات يشتاك الهوى
حسكا والليل يغريه به
صاح بالنجم أما تنقذني
قال من بعدي على مصعبه
فتولى واذا من خلفه
هازئ يضحك في ملعبه
وينادي من يرد عيش الهوى
يهنى الهون على مركبه
وهذه المقطوعات شائعة في مجموعة "فارس الضاد" شيوعا يجعلها تشكل حيزا معقولا يسمح لها ان تتجمع في ديوان صغير او في جزء من ديوان. وهنالك قصائد أخرى في المجموعة تنتمي الى فنون شعرية قديمة يعزف الشاعر على ايقاعها، مثل فن الموشحات، وفن التخميس الذي يلجأ اليه الشاعر مرات عديدة في مواجهة قصائد تراثية او معاصرة وفن المشترك اللفظي الذي يتناوله الشاعر بين الحين والحين كأن يلجأ الى كلمة مثل "العجوز" فيستخدمها في قصيدة واحدة اثنتين وسبعين مرة في اثنتين وسبعين معنى مختلفا، وكذلك الشأن في كلمة "الخال" وفن المطارحات الشعرية الذي ترد منه نماذج متعددة في الديوان، وغالبا ما يعود الشعراء اذا طبعت دواوينهم في حياتهم الى أمثال هذه المطارحات فيفرقون فيها بين ما كتب لساعته استجابة لمكاتبة صديق وأدى مهمته في حينه، وبين ما يستحق ان يثبت في تاريخ المطارحات الشعرية، وفي هذا الاطار أيضا تدخل قصائد "الألغاز" التي أصبحت فنا من الفنون التي تنسب الى تاريخ "النظم" أكثر من نسبتها الى الشعر وينطبق هذا التصور ايضا على قصائد "الأسئلة والاجابات" التي كانت شائعة بين الفقهاء- الشعراء في مرحلة سابقة، وهي- على أهميتها من الناحية الفقهية- لا تعد مما يدخل في باب "الامتاع الشعري". إن الخطوة الهامة التي اتبعت في تقييد مجموعة "فارس الضاد" ينبغي ان تتلوها خطوات مماثلة في تمحيصها وتصنيفها وتوزيعها على (14/8)
صفحة 153
مجموعة من الدواوين تلائم ذوق القارئ العصري، وتعطي للتراث الشعري للشيخ عبدالله الخليلي مزيدا من فرص الانتشار والامتاع على مستوى الوطن العربي.
أحمد درويش (أستاذ النقد الادبي والأدب المقارن بجامعة القاهرة، مستشار جامعة السلطان قابوس) (14/9)
صفحة 154
عنوان المقال هلال بن سالم السيابي شاعر من عمان
صدر في العدد الرابع والعشرون
الكاتب عبداللطيف الأرناؤوط
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
الشاعر "هلال سالم السيابي" من سلطنة عمان، هو أحد فرسان الشعر العربي الأصيل، تربطه بالشعر القديم أواصر عشق واستلهام وإعجاب وولاء، حتى ملك ديباجته، وفك مغاليق أسراره الفنية، فغدا البيان العربي الناصع طيعا على لسانه، يرفده تمكن لغوي لابد منه لمن ينظم الشعر التقليدي، لأن هذا الشعر لا يفتح بابه إلا لمن يمتلك ناصية اللغة، فإذا لم يكن متمكنا من اللغة فسرعان ما يظهر عجزه وترديه. على نقيض بعض شعراء القصيدة الحديثة الذين يدارون عجزهم اللغوي برفض كل ما ابتدعته القرائح من صور بيانية موروثة، لأنها في زعمهم بليت وفقدت تأثيرها، وهم في ذلك يحطمون ذلك النسيج اللغوي المتين، ويهربون من التزاماتهم تجاه سلامة التركيب ودقة اللغة واحترام بنيتها ودلالاتها.
وليس غريبا ألا نعرف عن شعر شاعر عماني كالسيابي إلا مصادفة، فالمجلات والصحف عندنا، سدت أبوابها في وجه هذا الشعر، فهي تريد أن تنزع عن الشعر العربي عمامته، وتلبسه القبعة الفرنجية الوافدة، لأنه في نظر المنظرين للتجديد جمدت أساليبه وتجاوزه الزمن، فبدا شعراء القصيدة التقليدية اليوم معلقين غبين ماض يقدرونه ويعتزون به، وحاضر لا يشجعهم على تقديم أنفسهم للناس، وكيف نسمع عن شاعر عماني في بلد عربي آخر، وقد عز التواصل الفكري، وأقيمت الحدود والحواجز بين الواحات الثقافية في الوطن العربي.
واستقل كل بلد بإبداعه، فلا يتاح للقارئ العربي أن يخرج من حدود إقليمه ولا أن يتفاعل والروافد التي تكون نهر الثقافة العربية.
ويبدو أن في طبع الشاعر "هلال السيابي" لونا من التواضع والتهيب والتحرج، فهو لم ينشر من شعره إلا قصائد محدودة في المجلات والصحف المحلية، مع أنه عاش بحكم عمله الدبلوماسي سفيرا لبلده متنقلا بين الأقطار العربية، ودفعه اعتزاره بعروبته وإسلامه إلى أن يخص الأقطار العربية وعواصمها بقصائد غر تفصح عن شاعرية متميزة، وموهبة نادرة لا ترقى إليها قرائح شعراء يحتلون صفحات الجرائد وتنهمر دواوينهم لتملأ الأسواق، فمن حق أولئك الذين يمنعهم الحفاظ عن التماس الشهرة أن ينصفهم النقد، ويضعهم في مكانهم الصحيح بغض النظر عن الشهرة الأدبية التي يسهل اقتناصها، مع ضياع النقد وتحوله، مع الأسف الشديد، إلى أداة ترويج وتكسب وتبادل مصالح.
وقد أسعفني الحظ بالتوصل الى مخطوطة ديوان الشاعر "السيابي" الذي يضم أكثر من مئة قصيدة نصفها في الوطنيات ومثلها في القوميات، وكأن الشاعر وقف شعره على حب وطنه وقومه، فنسي في ذاته، وشغله الهم الوطني والهم القومي عن كل ما عداهما، فهو موزع القلب بين أسى جارف لما آلت إليه حال الأمة العربية من ترد وضعف وفرقة، وما يطمح إليه من أمل في النهضة واسترجاع ما غبر من ماضي الأمة المجيد. يوم دان لها المشرقان، ونشرت نور الاسلام والحضارة في العالم.
ويبدو أن اغتراب الشاعر عن وطنه خلال عمله المتنقل قد أجج في أعماقه حنينا الى الديار والأهل والمرا بع، فبدت "عمان" بقراها ومدنها وجبالها وأوديتها وطبيعتها وعزة شعبها وإبائه، أمله المرتجى وصبوته الحرّى، فيستهل قصائده الوطنية بمطلع أخاذ يناجي فية وطنه ويحييه عن بعد:
حي عني الحمى وحي الديارا
واسق من مهجتي الربا والصحاري
والثم الترب من ثراها، فإني
ما أراه إلا أريجا وغارا
كم مشى موكب العلاء عليه (15/1)
صفحة 155
وتعالى الجلال فيه منارا
ويظهر لوعته لفراق الوطن وحنينه اليه، ويستغفره من أنه غادر جسدا لكنه يحمله في قلبه وروحه أينما كان:
سبحت باسمك بعد الله ولهانا
عمان فاغتفري لي البعد أحيانا
فما نأيت ولكني حملت هوى
راياتك الشم في الآفاق إيمانا
غمست روحي على شطيك والهة
وإن رحلت مع الأمواج جذلانا
ويكني عن عمان بالسمراء التي تظل عيناها مرافئ يلتجئ اليها مهما بمد عنها:
سمراء إني إلى عينيك التجيء
فقد سرى في ضلوعي الجوع والظمأ
تلك المرافئ في عينيك ملتجأ
من الدوار إذا ما عز ملتجأ
أظل فيك وإن أبحرت مبتعدا
من قال إني على الإبحار اجترئ
ويجعل حب "عمان" في مطلع قصائده الوطنية حبا عذريا من طبيعته أن يقوم على الافتراق والتباعد، فالبعد يلهب نار ذلك الحب العذري ويعمقه:
ما افترقنا "عمان"، كيف الفراق؟
وكؤوس الهوى علينا دفاق
فاعذريني مسافرا فركابي
يا بلادي على ضياك تساق
واعذريني فمن سمات الهوى العـ
ـذري الا تضمنا الأطواق
فإذا لج به الهجر والنسيان، عزى نفسه، ودافع عنها معتذرا، مكفرا عن جريمته في غياب صورتها عن خاطره، أو صمت لسانه عن ذكرها:
أتراه غفا على أوتاره (15/2)
صفحة 156
أو تناسى عهد الهوى في دياره
لم يعد يعرف الوقوف (بسلع)
أو (قفا) نبك في بعيد مزاره
لا طيوب الندى تثير صداه
أو طيوب الهوى بسمر جراره
في هذا المطلع الجميل يتسع المفهوم الوطني حتى يشمل الخليج كله، وكأن الشاعر ينظر الى "عمان" على أنها جزء من وحدة جغرافية وتاريخية تجمع دول الخليج وشعبه، مثلما يشهد لذلك ماضيه المشترك، وسبل عيش أهله:
بلد واحد، وشعب أبي
شامخ من "عراقه" لـ "ظفاره"
ولتعش نهضة الخليج، ويحيا
وطن العرب شامخا بانتصاره
هذه المطالع القوية التي يحشد لها الشاعر كل عناصر القوة الفنية تعد مفاتيح ينفذ منها إلى فضاء رحب من الاعتزار بالوطن. والذوبان فيه، مثلما يهيئ للنص الشعري إيقاعا موسيقيا يهيمن عليه، تسوقه المشاعر الدافقة، و"هلال السيابي" في ذلك يحاكي اعلام الشعر القديم الذين كانوا يحتفون كثيرا بمطالع قصائدهم، ومثلهم شعراء عصر النهضة من الاتباعيين المحدثين "أحمد شوقي- حافظ ابراهيم - الأخطل الصغير" ومع تقفيه بعض أوزان مطالعهم وقوافيها لم يكن مقلدا أو ناسخا معانيهم، فهو يجهد في اختيار المعاني الطريفة المبتكرة، وندر أن يقف عند حدود المحاكاة الطبيعية التي نلمحها في مطلع قصيدته "أهوى عمان" فقد استهلها بمخاطبة حمائم الوادي. فقد قرن نفسه الساجية المتألمة بحزن ذلك الحمام الذي يسجع كئيبا، ويحسدها على حريتها وهو مكبل بالأصفاد:
بيني وبينك يا حمام الوادي
نسب الشجون ورنة الأعواد
فإذا شكوت فان جرحي نازف
وإذا بكيت فان حزني باد
يا بنت فواح الغصون طليقة
من لي بمثل جناحك المياد
تمشين من فنن لآخر راقص
وتداعبين مطوق الأجياد
والأفق مسرح خافقيك وفي يدي
"ما في سماء الشرق من أصفاد" (15/3)
صفحة 157
فالشاعر يستعير من تراث الشعر العربي على غرار الشاعرين: الزركلي وجبري، وقبلهما الشاعر "أبو فراس الحمداني" مناجاة الطير، لكنه يضيف إلى الصورة غبطته الطير على حريته، ويضمن قول الأخطل الصغير "ما في سماء الشرق من امجاد" الشطر الأخير من البيت الثالث بعد تحويره.
فإذا كان الطائر حزينا على الرغم من حريته، فكيف لا يكون حزينا وهم الوطن يكبله بالأصفاد ... ؟!
وفي هذه المطالع بالذات بما تحمل من حنين جارف واستسلام لعاطفة رومانسية واضحة تنأى بها عن سمة الاتباعية التي تغلب - في رأي بعضهم - على العربي قبل الخمسينات فالعاطفة المتوهجة، والاستسلام لمنطقها السائد يجعل شعر "هلال السيابي" ومن سبقه من شعراء النهضة فوق كل تصنيف نقدي مدرسي مستورد، ففيه يتضافر المنطق العقلي والمنطق العاطفي اللذان يتحكمان في سلوك الفرد وتصرفاته.
وإلا فكيف نفسر منطق الشاعر بأن وطنه أجمل الأوطان وطبيعته أروع طبيعة يقدمها الخالق للبلدان، بل إن سحرها يفوق سحر شعب بوّان الذي وصفه المتنبي:
لبست حلة الربيع برودا
نفحت بالعبير من ريحانه
بين ظهر النسرين يبسم للورد،
وينصب في هوى اقحوانه
وغناء الحمام حن الى الإلف.
فلذ الغناء في تحنانه
وهيام العصفور بلله القطر،
وشدو الشحرور في أغصانه
وتغنى النسيم يلعب بالأغصان
لعب الهوى بخصر حسانه
أو كهمس الحسان في أذن
الصب وللحب لوعة بحنانه
قد كسته يد الطبيعة وشيا
لم تنله الشعاب في "بوانه"
مسرح دونه البيان قصيرا
يا بياني أعن على تبيانه
فإذا تحولنا عن مطالع قصائده الوطنية الرائعة الى مضامينها وجدنا الشاعر "السيابي" مفتونا بتاريخ وطنه المجيد: (15/4)
صفحة 158
وطن طاول النجوم جلالا
وأضاء القرون منه فخارا
رف من جانبيه ضوء "الجلندى
والمهنا" وشع فجرا ونارا
وتراءى "ابن مرشد" فيه ضوءا
و "بنو يعرب" به أقمارا
وسلوا عنه "أحمد بن سعيد"
حين نادى الحماة والأنصارا
و "ابن سلطان" كم تعالى على الدهر،
وقاد العرمرم الجرارا
صفحات مشى الجلال عليها
مشرئب الأعناق يزهو افتخارا
تنطح الشمس في جلال ومجد
وتباري الكواكب الزهر دارا
فإذا تحول الى حاضر وطنه شدته اليه
مرابعه الخضر، وأهله الغر الميامين:
فمن لنفسي "بالفيحاء" يغرمني
هواؤها العذب نسرينا وريحانا
على جداولها يمشي الهوى عطرا
وينتشي المجد من وديانها حانا
وتستحم العلا زهوا بأنهرها
وتستريح اليها الشهب ميزانا
ومن لنفسي بـ "شاذان" وطلعتها
يا صبح الله بالأنوار شاذانا
مثل الكواكب يستامون عليتها (15/5)
صفحة 159
خلقا وخُلقا وأعراقا وإيمانا
تفيأوا ظلها العالي فما وجدت
منهم سوى العز إسرارا وإعلانا
ويستثيره جمال حسانها وسحرهن الذي لا يماثله سحر في بلدان الأرض:
أين الملاح اللواتي ما رأى قمر
لهن شبها وأين الريم والرشأ؟
القاتلات بأجفان مكسرة
ما أن يضل بها عن قصدها خطأ
والساحرات بمثل الورد قبله
ذوب الندى فانجلى عن خده الصدأ
من كل بلقيسة شماء نيرة
ما أنجبت مثلها في زهوها سبأ
ولعل من أطرف صوره المبتكرة قوله في الحنين إلى بلده:
كلما هينعت لساني بذكر الله،
أو فاض بالصفا الخلاق
قلت: يا رب موطني وجرى
الدمع وهزني الاشتياق
فاعذريني على دموع رقاق
إن أمضى السيوف تلك الرقاق
أما شعره القومي فأبرز ما يميزه الصفاء والصدق، فقد كتب "هلال السيابي" أكثر قصائده القومية ما بين السبعينات والتسعينات من القرن العشرين، في مرحلة تمخضت عن أحداث جسام في حياة الأمة العربية، منها تشتت الصف العربي في مواجهة العدو الصهيوني، وانقسامه وتشرذمه، ومحاولات التطبيع بعد حرب الخليج ونتائجها الخطيرة على المنطقة، وهي احداث مؤسية لشاعر حساس يفيض ألما حين يشهد حاضر قومه المتردي بعد مجدهم الغابر:
يا قادة العرب، بل يا أيها العرب
ومن ضميري لهم الحب والعتب
أكلما أشعل الطغيان نار وغى (15/6)
صفحة 160
تثور من بيننا الأشعار والخطب
حتام من مجلس نسعى لمختلس
والعرض منتهك والحق منتهب
ختام نطرح للدنيا ظلامتنا
ونشكي ودموع العين تنسكب
أين الفيالق؟ بل أين الجحافل ا؟ بل
أين الأسنة والحظية القضب
والشاعر لا يحمل القادة "فحسب" مسؤولية هذا التردي، بل الشعب كله وينثني مذكرا أبناء أمته بماضيهم المجيد ويحثهم على الجهاد والمقاومة:
صونوا حماكم وحاموا عن مواطنكم
كالأسد ليس بها عن غيلها رهب
حان الجهاد، وحق الموت عن وطن
قد بات بالعهد والتدنيس يغتصب
وفي الخليج رجال لا يروعهم
قرع الخطوب ولا تحنيهم النوب
وتفجعه مأساة غزو الكويت، فلا يندد بالمعتدي ويقسو في توبيخه كما فعل الذين نددوا، بل يخشى أن يعمق الجرح، ويزيد محنة الانقسام، فيتوجه الى العراق وشعبه وحكامه بعتاب رقيق لكنه أقسى من كل تنديد، يكتب رسالة حب وعتب الى بغداد. ويذكرها بوحدة المصير والدم، وحرمة الإخاء، ويستنكر ذلك العدوان على الشقيق الذي حطم الوشائج، وبه وجه الأخ سلاحه لصدر أخيه:
نزفت جراحك في الهوى وجراحي
بغداد .. فاقترعي على أقداحي
قلبي كقلبك نازف بجراحه
أو ما رأيت على رباك جراحي
دمك الطهور دمي وروحك مهجتي
لولا الجنوح الي الحسود اللاحي
يا امنة المنصور أي جريرة
شوهاء بين عشية وصباح (15/7)
صفحة 161
فبدا حسامك في فؤادي غائرا
وسطا قناك بمعطفي ووشاحي
فاستدركي بغداد إن لنا غدا
سيضمنا روحا الى أرواح
وهو عتاب لطيف لكنه جارح في الوقت ذاته، يكشف عن وعي الشاعر السياسي، الذي يدرك أن وحدة الصف أهم في نظره من تأجيج الفرقة، ويعرف جيدا أن الانقسام في الصف العربي لا يخدم إلا أعداء الأمة العربية .. والشاعر "هلال السيابي" معتز بالاسلام، فهو وجه أمته الناصع، وأعظم ما قدمته للبشرية، وهو الذي برسالته النبيلة بوأ الأمة مكانتها السامية في التاريخ، فلما قعد المسلمون عن مكارم الأخلاق، وفترت بهم الهمة، وشغلتهم مشاغل الدنيا وأغراضها دب بهم الضعف والخذلان:
صحابي والتذكار بعض مواجعي
وبي من جراح الحادثات عناء
أشاهد دور الأكرمين ولا أرى
لهم أثرا أنى غدوا وأفاؤوا
وأسأل عنهم مربعا بعد مربع
وكيف تجيب الدار وهي خلاء
زهت بهم الدنيا زمانا، كما زها
بأمثالهم عرش ونار سماء
تضيء لهم داجي العجاج سيوفهم
وأوجه صدق كالنجوم وضاء
ويطوف الشاعر "السيابي" سفيرا لبلاده شتى الأقطار العربية، فلا يشعر الا أنه بين أهله وعشيرته، يترنم بالعواصم العربية، فيخص تونس والجزائر والشام بقصائد يعلن فيها أن هذا الأرض أرضه أنى حل:
أرض العروبة أرضي أينما ذهبت
ركائبي فهي لي كالأم والولد
فما أغادر من أرضي ولا وطني
إلا إلى وطني والله أو بلدي
ويذكر أبناء هذه الأمصار بماضيهم التليد وكفاحهم الاستعمار لنيل الحرية، ويدعوهم الى الجد والعمل في مواجهة أعداء الوطن العربي .. وبهذه الأنفاس الرائعة، وبمثل هذا الشعر الذي لا نجد في أبياته إلا الجياد، ولا في مضامينه إلا الاقناع، ولا فيما يحمل من مشاعر إلا الصدق - يضع الشاعر "هلال بن سالم السيابي" نفسه في طليعة شعراء القصيدة التقليدية في عصرنا، وقد دانت له اللغة، فليمس في نظمه إلا إصابة المعنى بالتركيب المحكم المتين، وبمثل هذا الشعر يجدر به أن يعد واحدا من أبرز فرسان الشعر العربي الأصيل المعاصر. (15/8)
صفحة 162
وأن شعره ليس تقليدا وإتباعا بقدر ما هو تجديد وابتكار، وهو كالشعراء الرواد الذين سبقوه يثبت بشعره أمام أولئك الذين يريدون أن يزعزعوا دعائم الشعر العربي الموروث الذي واكب الأزمنة السالفة انه قادر على أن يساير حاجات العصر، ويعبر عن نوازع الإنسان العربي في كل زمان ومكان.
عبداللطيف الأرناؤوط (كاتب من سوريا) (15/9)
صفحة 163
عنوان المقال الأسلاف المعاصرون إضاءات من الشعر العُماني
صدر في العدد السادس و الاربعون
الكاتب عبد الرحمن الريامي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
عبد الرحمن بن ناصر الريامي، من الشعراء العمانيين في المهجر الأفريقي، عاصر أبا مسلم البهلاني، ويفصح ديوانه عن تأثره به مضمونا وشكلا، بيد أنه تميز إيقاعيا ببحور سهلة ومجزوءة. توفي سنة 1954. ليس له ديوان مطبوع، وقد اخترت له هذه الإضاءات من مخطوطة ديوانه، وتتكون من جزأين.
? بشير بن عامر بن عبد الله الفزاري. لم أجد مصادر تؤكد الفترة الزمنية الدقيقة التي عاش فيها، غير أن السيد حمد بن سيف البوسعيدي ذكر في «قلائد الجمان» بأن الفزاري عاش في القرن الثالث عشر الهجري، أي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ولكني أشك في هذا التاريخ؛ لأن الفزاري مدح اليعاربة، وتوعد البرتغاليين بسحق العمانيين لهم إن عادوا إلى قتالهم. وإذا كان البرتغاليون قد طردوا من عمان نهائيا سنة 1650، في عهد الإمام سلطان بن سيف، كما أن الفزاري قد مدح ابني الإمام، فإني أرجح بأن الفترة التي عاش فيها هي النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي، وربما امتد به العمر إلى أوائل القرن الثامن عشر. اخترت له هذه الإضاءات من مخطوطة ديوانه بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، ويعكف الدكتور محمد المحروقي الآن على تحقيقها للنشر.
1 - تغابي الغبي
وأعَجَبُ ما لا قيتُ في الدَّهْرِ كُلِّه
تغابي غَبيٍّ ليس يَدْري حقائقي
يُرينيَ بَدْرَ التَّمِّ في غَسَقِ الدُّجَى
وكنتُ أرى نَجْمَ السما في المشارقِ
ولا عجبٌ فالطِّفْلُ إنْ نَظَرَ السَّمَا
يظنُّ بِسَاطاً فيه نَقْطُ زَنَابِقِ
2 - صمود الشاعر
يا دهرُ أغْلَظَتَ جِدّا في مُعَانَدتي
قَعَدتَّ بي عن نُهوضٍ في المُلِمَّاتِ
صبراً لشَنْشَنَةِ الأيّامِ ما بَقِيَتْ
حُرّيّتي أنِفَتْ فِعْلَ الدّنيّاتِ
هل من مُعينٍ على الآداب يُسْعدُني
إذْ لم يَكُنْ ليَ مالٌ في اتجاهاتي
3 - عزيز
قد كنتُ أغبِطُه الحياةَ سريرةً (16/1)
صفحة 164
واليوم أَغْبِطُه المَمَاتَ علانِيَهْ!
جاورتُ حُسَّادي وجاور ربَّه
شتّان بين جوارِه وجِوَارِيَهْ
4- عزاء
إنّا خُلقنا للتجلّد والأسى
لولاهما لم تَبْقَ مِنّا باقيهْ!
5- أهل الدنيا
فهمُ الكِلابُ بجيفةٍ يَنْتاشُها
هذا، وذاك يَجُرُّها، أو يجذبُ!
6- نحن ...... !
معركُ الحَرْب قد أخذناه مَغْنى
فيه نلهو بمَدْفَعٍ يتغنّى
وحُسَامٍ على الرؤوسِ تثنّى
فإذا كُنتَ تجهل الشأنَ منّا
فسَلِ السيفَ أو سَلِ الأقلاما
7- مداخلة عروضية!
وأنفاسُنا قد قُطّعِتْ من حياتِنا
عَروضَ قوافٍ وهي من أَفْظَعِ الشِّعْرِ!
8- انتصار للشيب
أين رَيْعانُ الصّبا لمّا أتى
رائعُ الشيب ينادي بالبِدَارْ
ظِلّةٌ ولّتْ، فلا تحفلْ بها
وَضحَ الحّقُّ، وقد شطّ المَزَارْ
عن نَوَار صاح شُغْلٌ شاغِلٌ
مَنْ يكنْ فكّر في معنى ((نَوَارْ)) (16/2)
صفحة 165
بومةٌ قد عشّشتْ في هامتي
بعد غِرْبيبٍ بها حلّ وطارْ
أقبل الشيبُ بنورٍ زاهرٍ
وشبابٌ قد تولّى باعتكارْ
9- إعفاء!
لئن غاب فضلي عن غَبيٍّ فعاذرٌ
كما غاب نورُ الشَّمسِ عن مُعْدِم البَصَرْ
كذلك نَصْلُ السَّيفِ بالغِمْد سِتْرُه
وخيرُ جَوَادٍ بالقَتَام قد اسْتَتَرْ!
10 - أنا ..... !
إذا ما تلتوي الآراءُ يوماً
فرأيي كان أمضى من حُسامِ
قَنَاتي لا تلينُ، وكُلُّ هَوْلٍ
أراه مِثْلَ أضْغَاثِ المَنَامِ!
11- متنبّية!
فإنْ يَزْدري شِعْري أناسُ تحاسدٍ
فلا عجبٌ شِعْري بأفهامِهم يُزري
إذا قرأوا ((والليل)) عند انتقادِه
تقومُ معاني الشعر تَقْرأُ ((والفجر))
إذا قلتُ لَمْ أَتْرُكْ مقالا لقائلٍ
وإنْ صُلْت لم أَتْرُكْ مقاماً لذي فَخْرِ
وما الشِّعْرُ إلا إنْ يَكُنْ يُسْكرِ النُّهى
وإنْ قِيلَ يوماً عُدّ ضَرْباً من السِّحْرِ
12 - إلى حمامة ......
دعي دَعْوى الصَّبَابة في حنينٍ (16/3)
صفحة 166
فتصديقُ الهَوَى سَفْحُ السَّوَاجمْ
خَلَوْتِ من الهَوَى إذْ نِمْتِ ليلا
وذو الأشْواقِ طُولَ الليلِ قائمْ
إذا أعجمتِ بالكافاتِ صَوْتاً
لصَبٍّ، أعربتْ منه اللوازمْ
13 - قهوة
كَدَمِ الغزالِ بدتْ لنا
وشَذىً هي المِسْكُ الفَتَيقْ
مَنْ ظلّ في حاناتِها
تالله ما ضَلّ الطَّريقْ
لو للمجوسِ تلألأتْ
لم يَعْبدوا لَهَبَ الحريقْ!
14 - حلوى
ما المنُّ؟ ما السلوى؟ إذا ما ذقتَها
ما قُلتَ إلاّ من طُعوم جِنانِ
قامتْ محاسنُها تُنادي جهرةً
هذي الفريدةُ، هل لها من ثانِ
تخبرْك عن ((رضوى)) بريح الورد من
نفحاتِها أو عن شَذَى ((رَضْوَانِ))
ما عَيْبُها إلاّ الكرامُ تُحبُّها
ولها البخيلُ يؤوب بالشَّنَآنِ!
15 - صفات الشاعر
وأصفحُ عمّن كان مثلي كرامةً
فمنْ جاءني مُسْتَعْتِباً، غيرُ خائبِ
ومَنْ كان دوني لا أُجازيه ذَنْبَه (16/4)
صفحة 167
متى نَقَر البازي صَريرُ الجَنَادِبِ!
و ما كنتُ أرضى الذئبَ صيداً فَهْل تَرى
أكنْ راضياً يوماً بصَيْد الثَّعَالبِ!
وما كُلُّ رَعْدٍ أستشيم بُروقَه
ولا كُلُّ داعٍ قلتُ لبّيكَ صاحبي!
16 - الحبيب
إنْ قيل غُصْنٌ، قلتُ معنى قَدّهِ
أو قيل ظَبيٌ، قلتُ بعضُ شُؤونِهِ
أو قيل بَدْرٌ، قلتُ بعضُ صِفاتِه
أو قيل سِحْرٌ، قلتُ فِعْلُ عُيونهِ
أو قيل رَوْضٌ، قلتُ نُقْطةُ خَدِّه
قسماً به وبقافِه وبنُونِهِ
يحمى لوردِ الخدِّ نرجسُ لَحْظِه
هيهاتَ يُجْنَى الوَرْدُ من نَسْرينِهِ
إن ضَلّ عَقْلي في ليالي شَعْرِه
فقد اهتدى مِنْ فَجْرِ صُبْحِ جَبينِهِ
17 - إلى مناضل ......
كافحتَ فُرْسانَ العِدا بكتائبٍ
منها المَنَايا والمُنى تَتَوَلّدُ
فقضى حسامُكَ فرضَه لك طائعاً
من حَيْثُ يَرْكعُ في الرُّؤوسِ ويَسْجُدُ!
18 - حياة الشاعر
دَهْرٌ مُمضٌّ، وبِلىً مُثقلٌ
وعاش طولَ العُمْرِ في فَقْرِهِ
ناصبني الدهرُ بغارِاتِه (16/5)
صفحة 168
حتّى متى أسلمُ مِنْ كرِّهِ
قابلتُه بالعَزْم -إذْ كادني-
والصَّبْرِ، فاخْضَوْضَع مِنْ أَمْرِهِ
فهل ترى دهري شكاني إلى
صَرْفِ القَضَا، إذْ عِيل من صَبرِهِ؟!
يا دَهْرُ مهلاً، واتّئدْ إنّني
استعذبتُ حُلوَ العيشِ مِنْ مُرِّهِ
19 - الحبيب
أفديه مِنْ ناشطِ الأجْفَانِ في تَلَفْي
في حالةِ الوَصْلِ أرضاه، وإنْ هَجَرا
ما لاح بارقُ ثَغْرٍ مِنْ تَبَسُّمِه
إلاّ وأرعد قلبي مِنْه وانْفَطرا
مُوَرَّدُ الخَدِّ إلاّ أنّه قَمَرٌ
به تكامل سَعْدي حينما سَفَرَا
شَمْسٌ مِنْ الحُسْنِ إلاّ أنه بَشَرٌ
وآيةُ السِّحْرِ، فيه ضلّت الشُّعَرا
20 - تصوف
فهذا هو الخَمْرُ الحَلال فخذْ به
مَنْ ازداد سُكراً منه أصبح صاحياً
فَجِيءْ نحو دَنّي، فالشِّرابُ مُرَوّقٌ
بكاساتِه، فاشرْب ولا تكُ ساهياً
نداماه رُسْلُ الله في خير حضرةٍ
تحفُّ بها الأملاكُ والروحُ ساقياً
21 - الكيمياء العُظمى
أمعنتُ في الكيميا العُظْمى فبات (16/6)
صفحة 169
لي الصُّنْعُ الإلهيُّ ما بين الصناعاتِ
تسقي لتربتنا الأرواح، فامتزجتْ
أجسادُنا حَسْب تطويرِ الإراداتِ
22- على مذهب أهل السلوك
فناؤُكَ عن هذا الوجود وجودُ
وغَيْبُكَ عن غير الإله شُهودُ
وَطيُّك نَشْرٌ في الحقيقةِ شائعٌ
ونَشْرُكَ شتّى والحَراكُ جمودُ!
23 - نصيحة
ومَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ وَجْهِه أُسْدَ حَيِّهِ
فلا لَوْمَ إنْ بالتْ عليه ثَعَالبُهْ!
24 - فتى
يا رُب مَحْتقَرِ خفيٍّ خَاملٍ
ويُزاحِمُ الأمْلاكَ في حَضَرَاتِها!
25 - صلة دمّ
من غاب عنكمْ أصلُه
ففعالُه تُبدي النَّسَبْ!
26 - القصيد
طَفِقْتُ فيه للمعاني
والمَعالي أجِتلي
أشْربُ منه قَرْقَفاً
أو لَبَنَاً بالعَسلِ
وكلما ازددتُ شراباً
زاد صَحْوُ الثّملِ
27 - خمرة الآداب (16/7)
صفحة 170
أَدَرْ لي خَمْرةَ الآدابِ صِرْفاً
فإنّ بِخَمْرَةِ الآدابِ ريّي
فطال تشوّقي شوقا إليها
كغِبِّ الوَحْي يومًا عن نبيّ
28 - حال الأدباء
أرى الأيّامَ تُدني كُلَّ جِلْفٍ
وتُقْصي كُلَّ ذي أدبٍ شهيِّ
كأنّ لها على الأدباءِ ثَأراً
تطالبُهمْ على ذَحْلٍ عَميِّ
29 - في زنجبار
تُغَنّي على العيدانِ فيها كواعِبٌ
وتشدو على الأغصانِ فيهنّ أطيارُ
لمن يبتغي الفَنَّ الرضيَّ ملاعِبٌ
ومَنْ يبتغي أُنْساً يَضُمُّ ويختارُ
30 - قائد
وقبلَ فِطَامٍ زُرّ في جَيْبِه العُلى
فتاهتْ به مجداً ونالتْ مفاخرا
31 - أنثى
ولستُ أهاب الموتَ مِنْ طَعْنِ فاتكٍ
ولكنْ سِهَامٍ من جُفُونٍ هي السِّحْرُ
تُمِيتُ وتُحْيي الصَّبَّ في شِرْعَةِ الهَوَى
إذا أَرْسَلتْ سهماً فقل ذهب العُمْرُ
وإنْ أرسلتْ يوماً سَلاماً لميّتٍ
من العِشْقِ أحْيَتْه، وما وَصَل الحَشرُ
32 - الشاهي (16/8)
صفحة 171
نجومُ تِبْرٍ على كاساتِه انسكبتْ
قامتْ تُقَبّلُ أقمارا بأفْوَاهِ
مليكُ دَوْلةِ أُنْسٍ في مجالِسنا
يقوم في مِيزَةٍ كالآمِرِ النّاهي
33- عاشق
وإنّ نُحولي في هواها وخَصْرِها
شبيهُ هلالِ الشَّكِّ تحت غَيَاهِبِ
خَفِيتُ ضَنىً حتّى لقد ضلّ عُوّدي
مكاني فلمْ يَدْروا مَحَلّي وجانبي!
34 - في تمجيد الشعر
مَنْ يُقْسِمَنّ بنورِهِ تَرَك النُّهى
في أَسْرِه، قد بَرّ في قَسَماتِهِ
نورٌ تجسّم من لطيفِ بلاغةٍ
فاحتار بَدْرُ التمّ في هالاتِهِ
أَوْهتْ قوى الشُعَرَاء منه رَقَائِقٌ
وعواملُ الأشْواقِ فيه لا تَهي
وافى إليّ فلمْ يكنّ لي غيرُه
همّا ولا أُنْساً بغير صِفاتِهِ
فطربتُ مِنْ ترديدِه فكأنني
إسحاقُ قد غَنّى على أصواتِهِ
أو أنني داودُ عند زَبورِهِ
قد شَنّف الأسْماعَ مِنْ نغماتِهِ
ومتى خلوتُ به وحيدا مُفْرَداً
فكأنّني في عَسْكرٍ وحُمَاتِهِ
فكأنّما الأقلامُ أَسْهُم قانِصٍ (16/9)
صفحة 172
وكأنّما الهَمْزَات مِنْ ظَبْيَاتِهِ
أو قُلْ أرى الألِفاتِ فيه أَسْهُمَاً
وكأنما الأقواسُ مِنْ نُوناتِهِ
وكأنّما الصاداتُ أعينُ شاخِصٍ
يتصيّدُ الألبابَ مِثْلَ مَهاتِهِ
هذا هو الخَمْر الحَلالُ فخذْ به
وإذا دعاك إلى الشرابِ فواتِهِ
فكأنّ مِغْناطيسَه جَذَب النُهى
والْتَاطتِ الأرْوَاحُ خوفَ فَوَاتِهِ
وانْعَمْ به صَفْواً ورَوِّقْ كأسَه
صِرْفاً، ومِلْ للشُرْبِ بين سُقاتِهِ
35 - في هجاء قوم
يا غَرْزَةَ السُّوء في بُرازٍ
قفي، فقد جفّتْ المياهُ
26 - حكمة
ما طال ذو بَغْيٍ على طُغْيانهِ
إلاّ وصَكّتْهُ مُصمّاتُ البِلى
إذا طغى بالكَبْشِ فَرْطُ سَمْنِه
أُدْرِجَ رأسُ الكَبْشِ في شَحْمِ الكلى!
27 - قوم وجيادهم
خُلقَتْ تحتهمْ فكانوا عليها
مثلَ نبتِ الرُّبا عليها قيامُ
أَسَمْعَ الصُّمَّ نَقْعُها حين تَجري
ويُواري الأبصارَ منها قَتَامُ
تشتكي خلفها الرياحُ عياءً (16/10)
صفحة 173
حين كلّتْ وفات عنها الزحامُ
38 - الصافنات
عَرقُ الخُيولِ الصافِنَاتِ إذا جرى
قُلْ أين ماءُ الوَرْدِ مِنْ عَرَق البَدَنْ
ولَكَمْ بها من قائمٍ في سَرْجِها
تعدو، فهل هي دَوْحةُ وهو الفَنَنْ
ولَكَمْ بها مِنْ فارسٍ مُتفَرِّسٍ
فكأنه في سَرْجِها اتخذ الوَطَنْ
39 - صنوف من الخمر
وما السُّكْرُ في خَمْرٍ تُطيقُ اجْتنابَها
ولكنّه في خَمْرَةٍ للشَّبِيبةِ
وأعَظْمُ منها سُكْرةُ العِلْم إنها
تصدُّ عن التقوى بِنَار شَريّةِ
وأعظمُها ضُرّاً على الناس كلهم
إذا كان سُكْرُ العلم شيبَ بِسُلْطةِ!
40 - إلى الطغاة
لا تأمنوا فسِهَامُ الليل نافذةٌ
يَريشُها دَمْعُ مَظْلومٍ يَمُدُّ يدا
? بشير بن عامر الفزاري:
1- استبداد بالرأي
فَمْنَ قال فيه غَيْرَ قولي فإنّه
لأَعْمى أصمُّ السَّمْعِ أبكمُ جاهلُ ...
2- قصائد
كأنّ سَلاسَةَ الألفاظِ منها
إذا أنشدتها خَمْرٌ وماءُ (16/11)
صفحة 174
3- الممدوح
وما أنتَ إلا النورَ في جُثّةِ العُلى
وما أنتَ إلا النورَ في مُقْلَةِ العَصْرِ
4- قائد
شمسٌ ولكنْ ظهورُ الخيلِ أبرُجُها
وليثُ حَرْبِ ولكنْ غابُه الأسَلُ
5- قصائد
ملابسُ من غَزْلِ الفصاحةِ حالَها
فتىً هان في أذهانِه النَّظْمُ والنّثْرُ!
6- كريم
قد حكّم الأسيافَ في أعدائهِ
تحكيمَه الأضيَافَ في أنعامِهِ
تُجنى الفصاحةُ والسماحةُ والهدى
من رَأيهِ وبنانِهِ وكلامِهِ
7. عاشق
بَرَاني الهَوى حتى رثا ليَ حاسدي
وملّ حياتي عائدي وطبيبي
كتمتُ الهوى جَهْدي فباح به الجوى
ودلّ عليه مَدْمعي وشحوبي
8- الحبيب
فكم بتُّ أحْسو مِنْ مَراشِفِ ثَغْرِه
مُداماً لأَنْوَاعِ الهُمومِ تُريحُ
وكم قطفتْ كفّايَ رُمّانَ صَدْرِه
وبالأُفْقِ مِنْ نسْجِ الظلامِ مُسوحُ
9- خمرة الريق (16/12)
صفحة 175
باتتْ تُعاطيني مُداماً لم تُقَمْ
فيها عليَّ وإنْ سَكِرْتُ حُدودُ
مِنْ مَبْسِمٍ عَذْب المذاقةِ طيّبٍ
لم يَحوِها دَنٌّ ولاَ عُنقودُ
10 - هي
ماذا عليها لو تزورُ مُتيَّماً
تركتْه مُذ بانتْ بغير فؤادِ ...
أصبحتُ طوْعَ قيادِها وهي التي
كانت قُبيل الشّيْبِ طَوْعَ قيادي
11- حسناء
ولو أنّ ملسوعاً ترشّف رِيقَها
سَحَراً لعُوفي ذلك المَلْسُوعُ
دَفَعَ القميصَ نهُودُها عن بَطْنِها
وِبِردْفها عن ظَهْرها مَرْفوعُ
وإذا مَشتْ ماسَتْ كأنّ قِوَامَها
ليسَتْ عليه أعظمٌ وضلوعُ
12 - وحيد
وإذا المُلوك على المَرَاقدِ ضاجعوا
نِسْوانهَم، فله الحُسامُ ضجيعُ!
13 - دبيب
يدبُ إلى العلياءِ سِرًّا بجودِهِ
هناك دبيبَ الشمسِ في كَبدِ الظلِّ
14 - نظرة في الجَمال
فكم غادةٍ راق العُيونَ جمَالُها
ولكنّها للروحِ خِزْيٌ وميسَمُ (16/13)
صفحة 176
15 - حال العاشق
دِقّةِ الخَصْرِ أورثتني نُحولاً
وسَقَامُ الجُفونِ منه سَقَاما
ليتَه جاد في المنام بطيفٍ
كيف والعيونُ لا تذوقُ منَاماً
16 - بخيل
يَكْفيكَ ذمّاً ما تُسمّى به
يا من لفَرْطِ الشُحِّ لا يَبْصِقُ
إن كنتَ قد نِلْتَ غِنىً مُطغيا
فالغيثُ قد يُسْقى به الشّبْرَقُ
لو رُزِقَ المَرْءُ على قَدْرِه
ما كنتَ منها حبّةً تُرْزَقُ
17 - أنوثة
مرّتْ وطيبُ ثيابِها يتضوّعُ
وقوامُها مِنْ لينِه يتهزّعُ
ويكادُ من فَرْط النّعُومَةِ جِسْمُها
يَعْروه مِنْ دَرْز القميص توجّعُ
سَقَط النصيفُ وما دَرَتْ بسقوطِه
فبدا لنا بَدْرٌ وليلٌ أسْفعُ
وتلفّتَتْ فإذا به في مَوْضعٍ
مِنْ ردْفها، يا نِعْم ذاك المَوْضِعُ
قالتْ لها إنّ النصيفَ مع الذي
يَصْبو الحكيم إليه والمتورِّعُ
وتُجاب أمواجُ البحار لأجلِهِ
ويُجاب داعيه اللطيفُ ويُسمَعُ (16/14)
صفحة 177
18 - إلى البرتغاليين
ألا بَشّر الإفرنجَ إنْ أقبلوا إلى
قِتال العُمانِيّينَ بالأسْر والقَتْلِ
لَئِنْ لم يكفّوا أيديا عن قتالِنا
أذقناهمُ حَرَّ الصّوارم والذُّبْلِ
وهِجْنا لهم هيجاءَ تَضْري جُسومَهَمْ
بأنيابِ أسيافٍ هنالكَمُ عُصْلِ
يَذوب الصَّفا من حَرِّها ولهيبِها
ويَبْيَضُّ مِنْ أهوالِها مَفْرِقُ الطِّفْلِ
19 - كريم
بنى كعبةَ المَعْروفِ في حَرَمِ التُّقى
فَحَجّ إليها الحَمْدُ من كُلِّ جانبِ
20 - إلى بثينة
بُثَيْنَةُ ليتَ العَيْنَ مِنْكِ بها قَذَى
فقد فَعَلَتْ بي فَوْقَ ما يَفْعَل الخُرْصُ
أهيم ببَدْرِ مِنْ نقابِكِ طِالعٍ
يميل به غُصْنٌ ويُمْسكه دَعْصُ
صَدىً ليسَ تَرْويه المِياهُ وإنْ حَلَتْ
ولكنّما يَرْويه مِنْ رِيقِكِ المَصُّ
21 - سحابة
يَنُوءُ بها الحِمْلُ الذي في بُطونِها
فَتَحْسَبُها في السَّيْرِ تمشي على مَهْضِ
22- طعنة النهد
وكم طَعَنَتْني وهي مِنّي بعيدةٌ
بِرُمْحِ نُهودٍ دونه طَعْنةُ الرُّمْحِ (16/15)
صفحة 178
23 - عذراء
عذراءُ يُعذرُ مَنْ أودى بها شغفاً
عبد الرحمن الريامي
اختيار: هلال الحجري (16/16)
صفحة 179
عنوان المقال جيل التسعينيات الشعري العُماني بين امتداد الرؤى، وخصوصية التجربة
صدر في العدد السادس و الاربعون
الكاتب فاطمة الشيدية
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
إن محاولة الوقوف على حافة الكتابة عن جيل التسعينيات (1) الشعري العماني، يجعلك في مأمن تام من دوار يسقطك في فخ العبثية أو التكرار، لأنها محاولة ظامئة للملمة أطراف مشهد متنام في حضوره من جهة، ومتغافل عنه نقديا من جهة أخرى.
إن الكتابة عن هذا الجيل هي محاولة بكر بالضرورة لم يتم كشف حجبها وفك ارتباطاتها المسكوت عنها (إلا من بعض الكتابات الخارجية التي استهدفت بعض الشعراء، على خارطة المشهد الشعري في إطار التنظير الهامشي لهذا المشهد) لتقديمه للقارئ ليتعرف كلية المشهد بشكل عام، دون قراءة تستهدف تلمس رؤاه وطبيعته الخاصة.
لقد أثرى جيل التسعينيات المشهد الشعري العماني المعاصر في العقد الأخير من القرن الفائت بزخم حضوره الشعري الممتد الأطر، وتشكيلاته الفنية المكتظة بأسماء تشكله بجدارة وحيوية: كـ (طالب المعمري - إبراهيم المعمري - سيف الرمضاني - هلال الحجري - عاصم السعيدي - علي المخمري - أحمد الهاشمي - يحيى الناعبي - أحمد الرحبي، عامر الرحبي، يحيى اللزامي - زاهر السالمي - عبدالله البلوشي - بدر الشيباني - محمد بن عبد الكريم الشحي - ناصر البدري - هلال الشيذاني- عبدالله محروس - صالح الفهدي - ابراهيم الحجري - نورة البادية -هاشمية الموسوية - عبدالله الكلباني - إسحاق الهلالي - زهران القاسمي- أحمد العبري - حسن المطروشي - سعيد المكتومي - عامر العيسري - بدرية الوهيبية - حصة البادية - ذكريات الخابورية- نسرين البوسعيدية - عبدالله المعمري -خميس بن قلم الهنائي - سميرة الخروصية -علي الرواحي- خالد العريمي .. الخ (2)
يتكئ الشعر العماني على ماض شعري عريق، وموروث عتيد يتميز بالكلاسيكية شكلا ومضمونا، - يؤرخ له العمانيون بقرون قبل الإسلام - وبقي هذا الموروث ممتدا في طغيان حضوره حتى السبعينيات من القرن الفائت، مما شكل خصوصية عامة للمشهد الشعري العماني، إلا أن جيل التسعينيات بالإضافة إلى هذا الموروث العظيم، كان يتنازع تكوينه الفني، استناده بقوة على تجربة حديثة مغايرة تماما، وهي تجربة جيل الثمانينيات الذي شهد انفلاتا صاخبا من عباءة ذلك الماضي، وتمرد عليه تمردا حقيقيا (مع احترام للإرث الثقافي والحضاري والفخر به، واعتماده كمرجعية ثقافية ومكانية).
ففي حين قضى الشاعر العماني ردحا من الزمن في عزلة حالكة كانت كفيلة بإقصاء تجاربه وتعتيم عطاءاته الفنية، إلا أنه وبعد زمن ليس بقليل من العزلة والانصراف للداخل في قراءة المكتوب، والمنجز الشعري، جاءت مرحلة الانفتاح على استحياء، وكمحاولات فردية تحاول الانتصار للذات وللمكان، كما تحاول الالتصاق الفني بالجديد لتكتسب من مهاراته وفنياته، عبر الوسائل والطرق المتاحة (كالقراءة والسفر والصداقات الشعرية، والاحتكاكات المباشرة، وغير المباشرة «الإلكترونية» مع المنجز الشعري العربي والعالمي) لاستيفاء شروط الشاعرية المحدثة، وتشرب مذاهبها وأفكارها.
وهذا ماحققه جيل الثمانينيات الذي حرر انطلاقا من قبضة تلك العزلة، بسبب خروج الكثير من شعرائه، خارج الحيز المكاني طلبا للعلم أو العمل، مما هيأ له الاتحاد مع الجديد، والاطلاع الواعي على مخرجات الثقافة العربية والعالمية، وهضم عناصرها، والاتحاد بمخرجاتها الفنية، والذي بدوره أسفر عن قصيدة جديدة ناضجة فنيا.
وبذلك مهد جيل الثمانينيات أرضية جيدة وجديدة للجيل التسعيني (جيل جامعة السلطان قابوس كما يمكننا أن نسميه نظرا لتفتح أغلب تجاربه في الجامعة)، هذا الجيل الذي بدأ يوقع حضوره في المشهد الشعري، الخاص والعام، مع بداية التسعينيات من القرن الفائت، مراهنا على ذاته لأحداث سبق الحلول، في الشعرية الجديدة، مستفيدا من ماضيه القريب والبعيد، مازجا بين مختلف التجارب والأشكال الشعرية الماضوية، والحداثوية ليجيء مختلفا إلا مع ذاته.
لقد تهيأت لهذا الجيل أرضية صلبة من التعددية الثقافية، والانفتاح الذي ليس آخره المشهد الإلكتروني الذي غيّر جغرافية المشهد الشعري العربي الشعري الجديد من الورق إلى الضوء والورق معا. (17/1)
صفحة 180
? ? ?
إن المتتبع لنتاج أغلب جيل التسعينيات يجده أفرز نصا مغايرا، في رؤاه، ولغته خارجا من عباءة جده الخليل بن أحمد العماني، سيما في مرحلة متقدمة من تجربة هذا الجيل، لأن بعض شعرائه مارس كتابة الشعر الخليلي في بداياته، كما جاء نصه ممتزجا في تأسيسه الفكري والفني، لكونه استقى روافده الشعرية من منابع ماضوية وحداثوية معا.
لذا نجد أن معظم شعراء هذا الجيل انطلقت تجاربهم محاكية لتجارب سابقة في الشعر العربي، بشكله البعيد والقريب، واسترفدوا رؤاهم وخصائصهم الفنية، من بوتقة التراث الشعري العماني (بحكم المجتمع الممتد السلالات الشعرية، ووفقا لطبيعة التعلم الأولي، والتكون البدئي الثقافي). إلا إنهم ما لبثوا أن انطلقوا خارج مناطق الداخل مكانيا، وكتابيا ليبنون ذواتهم الشعرية الخاصة بفرادة من جهة، وائتلاف مع الآخر الجديد (عربيا وعالميا) من جهة أخرى.
لقد خرج هذا الجيل على الشكل الظاهر لنمط الكتابة الشعرية القديمة. بحيث استنجز بوفرة الوعي واللغة والصورة نصا حقيقيا مائزا، مقتفيا أثر بعض التجارب الشعرية العمانية المميزة في الجيل الثمانيني، والتجارب الأصيلة في الشعري العربي، بالإضافة إلى اطلاعه على المنجز الجديد في خارطة المشهد الشعري العالمي، معتنيا بالأسلوبية، المتسمة بالصنعة الشعرية الدقيقة، والزخرفة الفنية بذهنية عالية ووعي شعري خاص.
لذا فإن النصوص الشعرية لهذا الجيل تقدم ذاتها نصوصا مختلفة، مع المتلقي العادي، فهي لاتشبهه، بل قد تثير قلقه ورعبه، لأنها نسجت بشكل يستنفر لغة الداخل، ويرفض أن يجاهر بلغة الخارج، معتمدة التكنيك الفني المحدث في صناعة النص، وعدم استرفاده من الذاكرة الشفهية القريبة أو التداعي الحر (الإلهام) كما استلذ البعض هذا الحضور الهش زمنا طويلا، كما شكلت الطبيعة والمكان والواقع (العماني) المتنوع جمالا وقسوة، رافدا حقيقيا لذلك النص.
? ? ?
لقد جاء نص جيل التسعينيات متباينا في تجاربه من حيث الشكل الفني، والقالب الهيكلي لشعريته، وفي بعض المعاني والمضامين، إلا أنه ومع ذلك الاختلاف الشكلي في قوالب النص، ومع وجود ضروب الاختلاف الطبيعية بين شاعر وشاعر، هناك تقارب واضح وجلي في الخصائص الفنية، التي تميز هذا النص الشعري، ولعل ذلك يرجع لتشابه المكونات المعرفيةوالثقافية لجيل كامل.
وهنا يمكننا أن نضع بعض الخصائص الفنية المشتركة لنص الجيل التسعيني، بمستوييه النثري والموزون، لنجده يتسم بعدة خصائص منها:
تفاوت الالتزام بالوزن والقافية:
فشعراء هذا الجيل يختلفون فيما بينهم، من حيث التزامهم بنمط القصيدة المجرسة (العمودية / التفعيلة)، أو النثرية، فمن شعرائه من كتب القصيدة العمودية (مستحضرا روح جده الخليل بن أحمد) ومنهم من بدأ منها، ثم انطلق خارجها، حيث كتب قصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، ومنهم من راوح في استخدامها هي وقصيدة التفعيلة، ومنهم من جمع الأشكال الثلاثة.
حيث اهتم أصحاب النص المجرس أو المموسق، بتطعيم نصوصهم بالموسيقى كقوة شعرية، وقدرة خاصة، تهم الشاعر والمتلقي معا، كما اهتموا بأن يصل هذا النص لأوسع شريحة من المتلقين، لذا نجد في هذا الجيل الكثير من الشعراء الذين التزموا النص المموسق في أغلب نصوصهم مثل: سيف الرمضاني، وعاصم السعيدي، وهلال الحجري في بعض نصوصه، وحسن المطروشي ومحمد عبد الكريم الشحي، وغيرهم.
فمثلا هنا نلمح الموسيقى المنسابة في نص سيف الرمضاني، والتزامه بالبحور الخليلية، حيث يقول:
قالتْ: سئمتكَ، حوِّلْ ناظريْكَ إلى (17/2)
صفحة 181
أُخرى سِوَايَ تحبُّ الشعرَ والشُّعَرَا
لقدْ مَلَلْتُ كلامًا لَسْتُ أفهمُهُ
وليْس عنديَ ما أجلو به السُّورا
لنْ أعتني بكتابٍ سَوْف ترسلُهُ
لنْ أشتهي الليلَ بعدَ اليومِ والسَّهَرا
فامنعْ نشيدكَ أنْ ينساب أغنيةً
تهزُّ أوتار قلبي إنْ سَرَتْ سَحَرا
قالتْ كلامًا كثيرًا لسْتُ أذكرُه
ويومها قد تَرَكْتُ الدارَ مُنكسِرا
أشكو إلى القلبِ قلبي فهْو لي حَكَم
يُبدي الحُلولَ، وخصْمٌ يورث الكَدَرا (3)
وكذلك نجد هذا الافتتان بالموسيقى، والعروض في شعر محمد عبدالكريم الشحي، حيث يقول:
حرية بحتوف النسغ والنصب
نغفو ومن موتها المائي لم نؤب
ما يممتك محارات الصهيل فهل
ينثال بعثك منداحا من الحجب
قل للتي اتسخت بالشمس سرتها
رشي الرباب بطفل اللحن واغتربي
قل للمصابة بالوعد افتلي وطنا
من الغيوم بلون السرمد الرحب
جري التخوم وحلف النخل ثم قفي
على ذراع دمي المحروق وانتسبي4
بينما مال الكثير من شعراء هذا الجيل لنص النثر، ميالين بذلك لزعزعة القالب الشكلاني القديم، بقصدية شعرية للخروج من هيكل الإرث الشكلي، للشعر العربي مركزين على اللغة، وحشد الصور والدلالات الرمزية البعيدة، التي تعبر عن هموم الشاعر وانشغالاته، كما تخاطب نخب المتلقين، في لغة خارجة عن مستوى العام، وبعد تام عن الجرس والموسيقى، ومن أبرز شعراء قصيدة النثر في هذا الجيل، طالب المعمري، إبراهيم المعمري، عبدالله البلوشي، اسحاق الهلالي، عبدالله الكلباني، يحيى الناعبي والكثيرون غيرهم. (17/3)
صفحة 182
يقول طالب المعمري في نص محلق خارج الرتم والموسيقى، معتنيا بالطاقة الداخلية للنص وهي اللغة والصورة، كمعيار لجودة النص فقط:
وحده يتأمل الأشياء
باحثا عن موسيقى
لأرخبيلات الاستشفاء
ضاحكا من اللاجدوى
يرفع قبَّعة المساء
عبدالله يعصر الوقت
حيث الأصدقاء معجون الصَّباح (5)
وكذلك يفعل عبدالله البلوشي، إذ يجعل اللغة هي أداة الشعر، وعلامة فنيته الحقيقية، وقدرته المنوط بها فتنة المتلقي، حيث يقول:
أصمت
عندها لا أرى في اصطفائك الطليق
إلا صورتي الباكية
أنت ترنيمة الصحراء
سوف آتيك هنا
في البقعة العذبة حاملا يباب الروح (6)
التعبير عن الذات بفجائعية عالية:
أغلب شعراء هذا الجيل اكثروا من استحضار الذات بهمومها الخاصة، وإعلاء قيمة الألم الخاص، وطرحه كثيمة شعرية تتصدر أغلب النصوص، كما تفنن أغلبهم في كتابة الذات بعواطفها المشمولة بالحب والحنين والألم، والغربة والوجع، والفرح والحب، إلى غير ذلك من مشاعر خاصة تعتري الكائن في رحلته الممتدة حتى النفس الأخير.
يقول عامر الرحبي، منطلقا من ذاته في توحد جمعي مع المتلقين، مشاركا إياهم وحدة الذات والوجع والطفولة والحلم، كمفصل للنص يرتكز عليه في دلالاته الرمزية والنصية، التي تستدعي بنية لغوية مختارة، مشحونة بالحنين والماضي والذكريات، ومجاهرة بالداخل موظفة الـ (نحن) في بث رسائل الذات والتقرب لها:
حين تباركنا الخطوات بهتافاتها
ويتجاهلنا الآخرون، مذ كنا
أطفالا نلعب في زاوية الممرات
وأزقة الحواري، نلبسها الشتاء القادم (17/4)
صفحة 183
من ذلك الحلم المرسوم في أعيننا
والهواء يقذفنا نحو السراديب المظلمة
نحن أشباه عراة في هذا الليل (7)
وتقول بدرية الوهيبية في استحضار لسحر الحلم البعيد، ورسم دقيق لتحليق الذات في عوالم موغلة في الوجع والحلم معا، وبلغة تشد إليها صورا متتابعة للتعبير عن ذات ترسم عوالمها الخاصة من أقصى مكان في المخيلة، موظفة ضمير (المتكلم) المباشر في تراكيبها الممتدة لفضح بؤرة النص الداخلية الخاصة، وتسليط بقعة الضوء على مركز ثقله وتبئيره، وهو (الأنا):
وكنتُ أشدُ الرحالُ على هودجِ
،تغفو السماءُ على كفِّ ساحر
وتدنو الشواهينُ حتى تصيبَ رؤوسَ الجبالِ بدوختِها
ثم تدنو الرياحُ لتزرعَ في هدأةِ الطيرِ أعشاشَها
لقد كانت الأرضُ في راحةِ الغيمِ تفاحةً
وكنت هناك أصلي على شرفة الانتظارِ
لعل الجراحَ تعودُ لأوكارِها
فأغدو لأزرعَ فوق الرذاذِ قبورا بلا ساعةٍ أو يدين (8)
الاهتمام بالواقع، والتماس مع القضايا القومية الكبرى:
فالشاعر يتناول هموم الإنسان الـ (هو / آخر) في عبوره الحي، كما يجنح إلى قضايا المجتمع المتأصلة والطارئة، في طرح عميق، ورؤية واضحة، مشغولة برمزية فنية وعمق تارة، أو بغنائية ساذجة تارة أخرى معتمدة الطوباوية والتغني بالمجد الغابر، لذا كثرت في أشعار هذا الجيل قضايا الحب، والفقر، والفقد، والألم، كما شاع في أشعارهم استخدام المفردات الحياتية القريبة حيث اقتناص الصورة من المشهد الحسي والقريب في توحد غير مائز في طرح قيم المعاناة الخاصة والعامة، في نص مكشوف وبين تارة، ومعمى باللفظ تارة أخرى في اختزال لأعلى درجات الألم، كما اهتم البعض بطرح قضايا الأمة، وأهدافها وأوجاعها وفضح أعدائها، مع تسييس نسبي للقصيدة، وجعلها في مستوى المتلقي من حيث الطرح والفكرة، ومخاطبة الشعور والمستوى المعرفي، مع الاهتمام بالزخرف والبيان الجمالي.
يقول عاصم السعيدي، متناولا قضية الغربة والألم والفقد المبكر، متحدا مع الوجع في علائقية خاصة، منطلقة من الذات وإلى الذات، معبرة عن فكرة الغربة الحقيقية، والمتخيلة، لينسج نصه على منوال «الأنت» المخاطب ليصعد من وتيرة الألم الحسي، حين يلقي بظلال الخطاب على المتلقي ليصبح هو المتشكل بالوجع.
قد كنتَ طفلاً ..
عندما سرقوكَ من أحضان أُمّكْ
ورموكَ في سجن بعيدْ
لم تبكِ شيئاً، لم تودّع صمتَ لعبتكَ (17/5)
صفحة 184
الصغيرةِ ..
لم تعانق ظلّ صاحبكَ الوحيدْ
وما لمحتَ دموعَ أمكْ ..
كنتَ طفلاً مثقلاً بالطفل فيكْ
ورحلتَ عنها .. مثلَ نهرٍ من جليدْ
ورحلتُ فيكَ على مشيئة غربةٍ، أو
موجةٍ
لا تنتهي .. إلا لتبدأ من جديدْ
قد كنتَ طفلاً عندما قتلوكَ
لا تدري لماذا جئتَ، أو ماذا تريد (9).
في حين تستحضر حصة البادية، مفردات قومية كالـ «جسر» لتشكل نصها الخاص، متحدة مع القضية الفلسطينية، مستحضرة ثيماتها الخاصة «مدائنَ من قصبْ» في لغة درويشية ماثلة بذات الوجع العروبي القومي، على قدر كبير من الاتساق مع الأيدلوجيا السائدة حول ذات الموقف، ولغة مشحونة بالدلالات الحميمة، حيث تقول:
في الروحِ يغفو الجسرُ
يا مَن تعبرون إلى مدائنَ من قصبْ
في الروحِ نورسةٌ تنامْ
تعبى تهدهدُ دربَنا المجدولَ أعمارًا من الذكرى
وعمرًا من عتبْ
في الروحِ نورسةٌ تنامْ
تلهو بأوراقِ المسافةِ والترقبِ والكلامْ
دربُ الغوايةِ مُذْ بدأنا كان سيدُها الكلامْ
في الروحِ نورسةٌ تنامْ
تلهو بلعبةِ حزننا الغافي على وجعٍ
بألوانِ البدايةِ في توجسها على حلم ارتواءْ .. (10)
التفاوت في الفنية والغوص في الدلالات
والاستعارات والتشبيهات، وكثافة اللغة الشعرية: (17/6)
صفحة 185
ففي حين يجنح البعض لجعل نصه خفيفا، قريبا من المتلقي العام، يميل أغلب شعراء هذا الجيل لخلق نص كثيف من حيث البلاغة، متشح بالرمزية، معززين ذلك بغموض الفكرة، والابتعاد عن المستهلك من الألفاظ والمعاني، والاعتناء بالغاية الجمالية للنص، والهدف الإمتاعي للغة القلقة المكثفة، والبناء الذهني المتصاعد الوعي. فالنص غالبا ما يأتي مستحضرا من مناطق جديدة ووعرة في اللاوعي، مشربا بفرح طفولي، وذكريات قريبة، أو مضمخا بروائح الفقد والأسى القار في مكامن الروح، هادفا لكسر التكوين المؤتلف للنصوص القديمة، خارجا عليها.
وقد يتمحور النص حول قضايا ذاتية أو عامة، منطلقا من الداخل ليخاطب المتلقي المتحفز بوعي لقراءة نص مغاير، محدث الصيغة، جديد التآلف بين عناصره وتراكيبه المرصوفة بحرفية خاصة، وحس فني عميق، وامتلاك بيّن لعناصر الشعرية الجديدة.
يقول يحيى الناعبي، مجسدا خصوصية الدلالات، ودهشة البناء اللغوي القائم على تقريب عناصر اللغة المنتزعة من مناطق متفاوتة، وهندسة النص بشكل خاص من خلال التقريب بين المتخيل والواقعي:
لا شيء
سوى جريان من أحلام
يتلمسها المكفوفون
وصيادون يعبثون برائحة الشيخوخة
المكنونة تحت شجرة
ملتهبة الجرح.
لا شيء
سوى وصية المرآة
لهذا الوجه
بعينيه المندلقتين
وشلال المطارق يهوي
بجنازات آلامه
في الصباح
لا شيء
سوى ضجر يرتعش كعصفور
ويصنع فخا
لمصير يتوعده. (11)
ويقول ابراهيم المعمري في تكثيف دلالي متصاعد إلى أقصى حدود الصوغ الشعري، في اقتراف للمزج بين (17/7)
صفحة 186
الحي والجامد في تراكيب تختزل الدهشة، وترسم الحقيقي في خط مواز للبعيد في سبك صنعوي نصي مائز:
تتكسر المسافات
بين قباب المتاهة
ورغوة الليل
الطرقات المرصوفة بالجدران
وسهم الإشارة الحمراء
اللامع كجمرة ملتهبة تخطت دخان الخطوة
ومرايا الأيام
تقلبات الروح الشرسة
مندفعة بسكرة المشتعل
كشرارات البرق
على طول المسافة (12)
التناص:
اهتم شعراء التسعينيات بالتناص القرآني والشعري، وهم مع كل التمرد الشكلي على القديم، إلا أن التشبع الموضوعي بدلالاته الدينية والتاريخية تظهر واضحة جلية في الكثير من أشعارهم، وبذلك يؤكدون اعتمادهم الموروث اللغوي كجزء من ثقافتهم الشعرية، واتصالهم المباشر والحقيقي بالتراث الشعري والنصي القديم.
يقول حسن المطروشي مستحضرا الكثير من الدلالات والرموز التي يستجلبها من مناطق متباينة، وحقب مختلفة في التاريخ العربي، ليشكل بها نصا معتمدا التكوين الرمزي في حالاته القصوى، خالعا تلك الرمزية على الذات وعلى اللغة الشاعرة التي يكتب بها:
وماتلفظه البطحاء
من أحشائها الحبلى:
مطايا الزير
أشعار الصعاليك
مُدى الحجاج
أقداح امرئ القيس
خطى داحس والغبراء
فوانيس لكهان (17/8)
صفحة 187
وأسلاب جبتها آخر
الغارات للسطو
وفصل من ترانيم الشتات (13)
شيوع ثيمات مثل: «الحزن»، و «الغربة»،
و «الموت»، و «الصمت»، و «الجسد»، و «المكان»، و «المرأة»:
إن المتتبع لمعظم النتاج الشعري التسعيني يلمح، شيوع ثيمات (الحزن، والغربة، والموت، والصمت، والجسد، والمكان، والمرأة) بشكل ملفت في شعر هذا الجيل، مما يشكل ظاهرة سيميلوجية، من حيث عدد ورود هذه الثيمات، وأهميتها، وأسباب حضورها .. وتحقيق الغرض الشعري الخاص من ورود هذه الثيمات، والرسائل المبثوثة من خلال تلك النصوص.
يقول هلال الحجري معبرا عن الضياع، والعبثية واللاجدوى، منطلقا من الفلسفة العدمية في بعدها الأعمق لكائن متخبط في حياة موجعة، معادلا بذلك ثيمة الحزن كاشفا عن حالات الغربة التي تتلبس الكائن وترسم ملامح النص المتوهج بانطفاء عناصر الضوء خارجه، مولدا بذلك التأثير الأعمق في نفس المتلقي المشارك بالضرورة للحالة:
مساء الزمان الذي قُدَّ من صرح بلقيس (تحسبه لجة)
مساء الخرافات - لاشيء غير الخرافات-
نبتدئ الحب منها ونختتم القبلة الآخرة ....
مساء الزمان الذي قد مضى ....
مساء الزمان الذي لن يجيء ...
مساء:
بحجم الخيانات في (ألف ليلة) ....
بحجم المسافة .... بين سويّ يُعِدُّ الثقاب ليحرق قريته ...
وآخر يغرقها في الفساد ...
بحجم الصهيل الذي لعقته .... طبول الدراويش ...
في قرية الملح والشائعات ...
بحجم الوصايا التي مزقتها ... يد الطفل ....
راعشة في السماء ....
بحجم اللغات التي في فمي .... (14)
وتقول نسرين البوسعيدية مستحضرة الألم، والوجع المتكاثر الذي يتوالد من رحم الغيب، ويشكل مشيمة مفترضة داخل الكائن الشعري، يرفعه بذلك نحو النص الأبلغ دلاليا ولغويا، مقتفية تقنيات السرد النثري لتوصل للمتلقي (17/9)
صفحة 188
ذروة الألم المتخلص من أي إيقاع يهدف لتغيير نمطية المشهد الداخلي المشبع بالحرقة.
تمد السماء ذراعيها لتعانق وجعا
يطفو في الدماء
تتهدج مسافات الذاكرة على سرير
الليل
ليس بيني وبينك سوى
شتاء أخير
ليس بيننا سوى حزن اغتسلت
اطرافه في زرقة
اللون
ويوم سقطت عن الربيع
صفصافة الروح
ارتجفت ودائعي تأوي اليها
حمى الانتظار (15)
أما علي المخمري، فيشكل نصه وفق ثيمة «الجسد» عابرا بذلك حدود الخطوط الحمراء، التي تشكل دائرة الممنوع في الثقافة العربية، متماديا في توصيف الرغبة وانثيالاتها، وتشكيلها في بناء متصاعد الحس الأيروسي في مشهدية حية للمألوف من تداخل النسيج النصي بالجسد.
أُنثاكِ تسلكُ
تعرجات أوديتي
فتتدفقُ المياه
ناحتة تضاريس كونيةً
في نوافذ زرقاء
تتهيأ أمامي
وهي تدمدمُ
بوسائد جديرة
بالعاصفة. (17/10)
صفحة 189
طَرَقاتُكِ، تُديرُ رَأس الكوكب
طَرقاتُكِ في سقوفِ
الجسد
كإرثٍ فائضٍ من النمل
تنقعين الأرضَ، في شهوةٍ دكناء.
في الأعالي لكِ خوذة محاربين
أساطير من سلالة الرغبات (16)
في حين نلمح المكان بكل تفاصيله وخصوصياته يشكل الثيمة الأكثر طغايانا، وحضورا متقنا للوصف في نصوص زهران القاسمي، الذي أتقن استحضار المكان (العماني) للنص ليجعله محور النصوليشكل منه علامة فنية، ويلزم المتلقي بصحبة ذلك المكان، وإقامة علاقة خاصة معه نتيجة هيمنته على النص. ومن ذلك قوله:
يصعد أبي قمة الجبل الذي يحتضننا
ومنظاره العجيب يسافر للتخوم السحيقة ..
يخبرنا بعدها أن الجبل الفلاني
قد التحف بشال المطر وأن الوادي الفلاني
سيصل سيله بعد كذا ساعة من الآن
عندها تبدأ الأهزوجة الجميلة ..
نكدس أشياءنا تحت شجرة الأمبا ونتشكل
قطارا بشريا يحمل المتاع إلى أمكنة آمنة
تأتي الوديان هادرة ومخيفة (17)
بينما يستحضر اسحاق الهلالي المرأة، من خلال المكان، فيقيم في المرأة (المكان) خالعا ظلها عليه، ليجعلها وهو في تبادل رمزي للحضور وللغياب، موظفا ثيمة (المرأة) توظيفا قائما على نظم نصي مختلف، لايركن للعادي، وهو يشهرها كتميمة ضد القحط والجفاف ليتبرأ من خلالها من توحده ومن حيرته الممتدة، ويضاعف من تأثيرها الطري على الروح ليصبغ على المكان كل طراوتها وظلها الشفيف.
حيث يقول:
نخلة في القرية جالستني
ألقت بظلها عليّ
كنت كمن يتفيَّأ
في صحراء شاسعة (17/11)
صفحة 190
وفلج يعانقني كحبيبة
أغيب فيه كضياء
أحيانا لاأجد روحي
حيث ألتقطها بعد عناء طويل
تائهة هناك (18)
إحالات وإشارات:
1- التعريف يشمل الشعراء الذين نشروا نصوصهم مابين (1990 - 1999) مع عدم الأخذ في الاعتبار المرحلة العمرية للشاعر.
2- أسماء الشعراء ليست حصرية، بل من خلال نشر نتاجاتهم سواء كمطبوعات أو من خلال الصحف والمجلات.
3- www.omania.net/avb/archive/index.php/t-135452.html - 36k
4- www.omania.net/avb/archive/index.php/t-135452.html - 36k
5- من يأمن اليابسة. دار الجديد.1996.ص51
6- فصول الأبدية. الرؤيا للنشر. مسقط. 1996.ص13
7-سحب تمر ببطء. الانتشار العربي بيروت. 2001.ص58
8- ... http://www.arabiancreativity.com/rose-spirit.htm
معجم البابطين الشعري
9- http://www.albabtainpoeticprize.org/poetDetails.aspx-ptId=288
01- ... http://www.madeenah.net/vb/showthread.php?t=9490
11 - مجلة نزوى - العدد الأربعون
12 - بهو الشمس. مؤسسة عمان للصحافة والانباء والنشر والاعلان. مسقط. 2001. ص72
13 - مجلة نزوى. العدد الخامس والأربعون.
14 - مجلة نزوى - العدد الحادي والأربعون
15 - ... http://www.alwatan.com/graphics/2002/ 01jan/1.1/heads/ot12.h (17/12)
صفحة 191
16 - مجلة الطليعة / العدد 1686/ 13 يوليو 2005
17 - مجلة نزوى. العددالخامس والأربعون
18 - سيجارة على سطح البيت. دار الجديد1998 ص 29 (17/13)
صفحة 192
عنوان المقال عُمان في الشعر الإنجليزي: مايك هايْويل ديفيز وجماليات المكان
صدر في العدد الثامن والأربعون
الكاتب هلال الحجري
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
استكمالا لمشروع بدأتُه في أعداد سابقة من نزوى، أقدم اليوم نموذجا آخر من الشعر الإنجليزي الذي تناول عمان ثقافة ومكانا. رأينا سابقا أن الربع الخالي، وهرمز، وظفار، ومسقط، وقلهات، وأماكن أخرى من عمان كان لها صدى قوي في الشعر الإنجليزي منذ القرن السادس عشر وحتى القرن الحالي. وإذا كان حضور عمان في قصائد شعراء مشهورين من أمثال شيلي، ووايت مان، وجون ميلتن، وتوماس مور يمثل في الماضي استلهاما رومانسيا للشرق وغرائبيته، فإن تجربة شاعر إنجليزي معاصر مغمور، هو مايك هايويل-ديفيز Mike Hywel-Davies، في مجموعة أصدرها في مسقط سنة 1999، بعنوان «عمان تزورها ولا تنساها»، تمثل بعدا ونوعا آخر من الشعر. (1)
ليس ثمة مصادر تتحدث عن الشاعر، ولكن عبر مقابلة شخصية معه في مسقط يمكنني على الأقل تسليط الضوء على جانب يسير من حياته. ولد مايك هايويل-ديفيز في لندن سنة 1942، ويبدو أنه لم يرغب في إكمال تعليمه الجامعي، فانخرط في العمل المهني مبكرا. كانت أولى زياراته إلى عمان سنة 1977، لكنها لم تدم طويلا، ليعود بعدها مرة أخرى سنة 1990 ليعمل في شركة النفط العمانية ( PDO) مدة أحد عشر عاما، حتى سنة 2001. يعمل حاليا مديرا عاما لمشروع نادي مسقط الريفي للجولف.
هذا كل ما يتوفر من معلومات حول الشاعر، لكن مجموعته التي اشتملت على ستة عشر نصا إيقاعيا، ترصد المكان والثقافة معا في عمان. النصوص جاءت مصحوبة بروعة الصور التي التقطتها كاميرا الفنانة التصويرية جوليا دي فير ماكلروي ( Julia de vere McIlroy)، والتي تربطها بعمان «ذاكرة ثرة سعيدة» لا تقل عن عشرين عاما، كما تقول.
أهمية قصائد مايك هايويل أنها ترتبط ارتباطا حميميا بتفاصيل الحياة اليومية في عمان. هذا الارتباط الذي يعبر عنه جاستون باشلار في كتابه الرائع جماليات المكان «بقيم الألفة»، القيم التي تمتلك جاذبية تجعل القارئ يتوقف لا إراديا عن قراءة قصيدة حول مكان ما ليصغي لذكرياته حول ذلك المكان.2 «قيم الألفة» هذه تزدحم بأصدائها في كل قصيدة من قصائد مجموعة «عمان تزورها ولا تنساها».
في جبل شمس يلتقط مايك هايويل صورةَ شعرية لرجلٍ عجوز، دامعِ العينين، رثِّ الهيئة، يسوم للسيّاحِ مقتنياتِه البسيطةَ من منسوجاتٍ، وحفريّاتٍ، وفضيّات. يتلكأ في التخلصِ منها، وحين لا يُرضيه الثمن يُولي وجهَه، زاهدًا، شَطْرَ الهاوية السحيقة للجبل، ليُطلَّ على غِرْبانٍ تذرعُ المنحدراتِ في كل حين.
وفي يوم ماطرٍ من أيام الصيفِ الحارقة في عمان، ما مِنْ شيءٍ أجمل وأروعُ في عينِ الشاعرِ الغريبِ من مشهدِ قلعةٍ تلوحُ بعيدا على التلال كدُمْيةٍ في الأفق، أو مشهدِ مئذنةٍ وحيدة وغريبةٍ تحرسُ مسجدًا صامدَا منذ الأزل، أو مشهدِ نُهيْرٍ فضيٍّ يخترق الشِّعاب.
وفي مَحْفلٍ من المحافلِ الشعبيةِ الخاصة بالنساء، لا تُخطئ عينُ مايك هايول صورةَ مهرجانِ الألوانِ الطبيعيةِ الزاهية التي تتبهرجُ بها النساءُ من مختلفِ الأعمار. وفي أسواقِ الماشيةِ يُذهله تَيْسٌ حرونٌ جُلِب للبيع، يَرْشُقُ المساومينَ بعينِ الكراهية والازدراء، بينما تخطرُ أمامَه العنزاتُ بشَبَقٍ ماكر. ويرى الشاعرُ أنّ هذا التيسَ سينتهي لاحقا إلى مُجَرّدِ وَجْبةِ برياني بالتوابل والبهارات، مُهيِّجةٍ للجنس ونافخةٍ للكرش!
وفي رمالِ الشرقية بولاية بدية يلتقط الشاعرُ هايويل-ديفيز مشهدا لفجرٍ صيفي في أعالي الكثبانِ الذهبية، حيث تتكوّنُ مفرداتُ الصورةِ من سماءٍ باهتة، وشُجيراتٍ عطشى، وعظامِ إبلٍ بالية، ورسومِ أقدامٍ عابرة، وقُميرٍ خجولٍ في السماء، ودُخانِ مواقد، وغيومٍ كالحةٍ تبدد شائعاتِ الليل وتصرخُ عاليا في القُبّةِ الزرقاء، وأشعةِ شمسٍ قاسيةٍ تقتحم ظهورَ الكثبانِ تنتزع نداوةَ الفجرِ من أعشابٍ مناضلةٍ تحلم بالحياة.
وفي شواطئ عمان يلمحُ الشاعرُ صيّادِين، لهم عثانينُ قصيرة وعيونٌ ثاقبة، تلتمعُ ملابسُهم الرثّةُ مع حراشفِ أسماكِهم، أصواتُهم الصاخبةُ هازئةٌ بالأفق، وهم يُلقون شِباكَهم الماكرةَ في البحر لتتلقفَ أسرابَ سردينٍ صغيرة، (18/1)
صفحة 193
تُنازعُهم عليها النوارس والخطاطيف.
وفي وادٍ خصيبٍ من أوديةِ عمان، يحتفي هايويل-ديفيز كثيرا بالصمتِ الذي يُطْبقُ على الأوديةِ بُعَيْدَ سقوطِ المطر وهدوءِ العاصفة. صمتٌ يصفُه بأنه جافٌّ «جفافَ عظمِ عِجْلٍ حتى البيَاض». صَمْتٌ لا يَحْتفِرُه إلا سَيْلٌ عَرَمْرَمٌ ينزلقُ فجأةً من أعالي الجبال، ليجرفَ كلَّ شيء وينتهي إلى أسماكٍ لاهثة وطحالبَ لَزِجة.
ويلفتُ نظرَ هايويل-ديفيز في عمان طريقةُ التحيّةِ الشائعةِ بين البدويّات، وهي رَفعُ البُرْقُع والتصافحِ بأرْنَبةِ الأنف. طريقةٌ يرى فيها من الألفة والحميميّةِ ما يشدُّ من روابطِ الصلة و «أختيّةِ الإنسانِ الكامنة» بين النساء. وهايويل-ديفيز الذي جاء من مجتمعٍ قد تحررت فيه المرأةُ من التقاليدِ القديمة، لا يرى غضاضةً في البراقع ولا ينظرُ إليها بسخريةِ الخِطابِ الغربي من الحجاب؛ بل يُعظَّمُ الجَمالَ في العيون المكحولةِ لظِباءِ الفلاة. ويرى في العينينِ المُدّخَرتيْنِ وراء البُرقعِ حُريّةً كاملةً تمنح الأنثى أن ترى ما تُريد!
وفي قصيدتي «الدخان» و «دائرة الزمن»، لعلهما من أروعِ ما في هذه المجموعة، مشاهدُ لا أعتقد أنّ أحدا قد التفتَ إليها شِعريًّا. في الأولى يصفُ دُخانًا يَصّاعدُ بين سَعَفِ النخيل، حيث المشهدُ يمتزج مع صورةِ يومٍ من أيامِ العيد في عُمان. هتافاتُ الأطفال وهم يمرحون بين النُّخيلاتِ تُزنِّرُ مشهدَ أشرطةٍ من دُخانِ الخُوص والكَرَب وهي ترفرفُ من سَعْفةٍ إلى سعفة، حاملةً معها آمالَ الصغار والكبارِ إلى أفقٍ مجهول، مُخلِّفةً وراءَها شَذىً من عَبَقِ الطبيعةِ الأولى. وفي القصيدةِ الثانية يلتقط هايويل-ديفيز بعينٍ شِعريةٍ ثاقبة مَشهدًا من مشاهدِ الصِّبا التي مَرّ بها كثيرٌ من العمانيين في طفولتِهم القُرويّة. مشهدٌ يرصدُ فتىً مُطرِقَ الرأس، عن تأمُّلٍ لا عن خنوع، يجتازُ سِكّةً غبراءَ من الطين وبقايا الخوص، يحثُّ الخُطى إلى الكُتّابِ أو المسجد، مُكْتهِلا في حديثِه وتفكيرِه، مُحاصَرًا بزمنٍ لا يَريم، بينما هو يحرقُ مراحلَ العُمرِ شوقا إلى عالَمٍ مجهول.
هذه بعض من «جماليات المكان» أو «قيم الألفة» -كما يسميها باشلار- تتردد بشكل مدهش في هذه المجموعة الشعرية الصغيرة. صُوَرٌ شعرية لتفاصيلِ الحياةِ في عمان لا تبثُّ روعتَها في النفس عبر جسور البلاغة القديمة من تشبيه أو استعارة، وإنما من خلال الكلمات البسيطة وكثافة المشهد. (3)
الهوامش
1- العنوان الأصلي:
( Oman Once Visited Never Forgotten (Muscat: Modern Colour Printers, 1999)
2- جاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، الطبعة الثانية (بيروت: المؤسسة الجامعية، 1987).
3- استثنيت من ترجمة قصائد المجموعة قصيدتين، الأولى بعنوان «مخيمو عطلة الأسبوع» والثانية بعنوان «المغتربون في اللهو» وذلك لركاكة وضعف فني فيهما لا يتلاءم مع جودة القصائد الأخرى.
تقديم وترجمة: هلال الحجري (18/2)
صفحة 194
عنوان المقال المعارضات الشعرية في عُمان
صدر في العدد الحادي والخمسون
الكاتب أيمن محمد ميدان
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
إن قراءةً واعيةً للشعر العُماني منذ تحقَّق له الانفصالُ والتميُّزُ بعد فترة تماهٍ دامتْ خمسةَ قرونٍ ونصفَ القرنِ من الزمان - تشي بأنَّ فَنَّ المعارضةِ واحدٌ من أهم ظواهره امتداداً وبروزاً وقدامةً، وهو أمرٌ طبيعي، وليس «غريباً على منطق النهضات الأدبية الإحيائية في عمومها، إذ عادةً ما يتمُّ فيها الإحياءُ مقترناً بنوع من الرجعةِ إلى الماضي، أو الارتدادِ إلى التراث، ومن ثَمَّ قد يبدو وكأنَّ آدابَ الأُممِ في بداياتِ تطورها تَسْلُكُ طريقاً معكوساً حين تنحو إلى التغيير فلا تجد سبيلاً إليه إلا بمحاكاةِ أروعِ النماذج التي حفظها تاريخُ هذه الأممِ». ... (1)
وتعدُّ المعارضة رافداً من روافد إثراء التجربة الشعرية بمعين لا ينضب من التجارب الفنية الناضجة التي يُجْرِي معها الشعراءُ في العصور اللاحقة حواراً فنياً يتسم بالانبهار الذي لا يبلغ حَدَّ الاستلاب، والرغبةِ في المجاراة والتجاوز، وهما ملحمان ينطوي عليهما مفهوم المعارضةِ لُغةً.
إنَّ قراءةً واعية للأصل اللغوي للفظة (المعارضة) (2) تشي باحتضانها لمنظورين دلاليين يتكاملان أكثر مما يتفاضلان، هما: المماثلة التي ترتكز على غريزة المحاكاة (3) والمقابلة التي تُجَسِّدُ غريزةَ المنافسة التي فُطِرَ الإنسانُ عليها (4)، والمعارضة بهذين المنظورين المتكاملين «لا تحدُث إلا حين يأنس المعارِضُ من نفسه رغبة التحدِّي وحُبَّ الغَلبِ، وفي هذا ما فيه من شهوة التفوق والتفرُّد بالكمال». (5)
والمعارضة باعتبارها ضرباً من ضروب نَظْمِ الشعر يختصُّ به الأدبُ العربي وسُنَّة أدبية اتبعها العرب منذ القِدَم - لم تَحْظَ بدراسةً علمية تضبطُ مصطلحاً أو تمحِّص مفهوماً (6)، فظل المصطلح ضبابيَّ الدلالةِ غائمَ المفهوم؛ ففي الوقت الذي يُوَسِّعُ الدكتور فتّوح من حدود المصطلح (الظاهرة)، فيزيل الحدود الفاصلة بين المعارضة القائمة على أسس فنية بحتة، والنقيضة القائمة على مُحَرِّضاتٍ قبلية أو عِرقيّة أو دينية (7)، يأتي الدكتور محمد محمود قاسم ليخفِّفَ من شرائط المعارضة قائلاً بمعارضة ناقصة، فأوشك أن يُدْخلَ فيها الشعر العربي كُلَّهُ!!. (8)
ونظراً لسعة الظاهرة زماناً وضخامتها مُنْجزاً، وحرصاً على الاتشاح بوشاحٍ علمي فإننا سوف نحصر دراستنا في معارضات ستة شعراء عُمانيين يتوزّعون على الخارطةِ الشعرية، مع الاستعانة بالأشباه والنظائر لدى آخرين، والشعراء هم: السّتالي والنبهاني واللواح الخروصي وابن رزيق وأبو مسلم البهلاني وأبو سرور السمائلي.
أولاً- أنماط المعارضة:
يمكن أن ندرجَ معارضات الشعراء العُمانيين وفق ثلاثة أُطُرٍ تتمايزُ فيما بينها، وهي: معارضات ملفوظة ومضمرة ومجملة.
1/ 1 - المعارضة الملفوظة:
وهي ما صاحبها نَصٌّ صريحٌ على نِيَّةِ المعارضة، وتُعَدُّ أقل الأنماط بروزاً، إذ قلما صرَّح الشاعر العُماني بقصد المعارضة، مثال ذلك ما حدث في معارضة النبهاني لأبي العلاء المعرّي حين نقرأ في بداية المعارضة الجملة الآتية (وقال أيضاً يعارض المعرّي) (9)، ومثله أيضاً ما حدث في معارضة ابن رزيق لمعلقة طرفة بن العبد إذ صُدِّرَتْ معارضته بالجملة الآتية: (وقال يمدحه ويُعارض بها معلقة طرفة المشهورة) (10) وأما أبو الصوفي فإنَّه أشار إلى المعارضة صراحةً في أربعة مواضع، حيث صدَّر حائيته التي مدح بها السلطان فيصل بقوله: «وقال مُجارياً لقصيدة ابن النحاس». (11)
1/ 2 - المعارضة المضمرة: (19/1)
صفحة 195
وهي تلك التي لا تُصَدَّرُ بنصٍّ صريح، وإنما يمكن رصدها من خلال الاتِّساقِ الإيقاعي بين القصيدتين، فيحمل إنشادُ القصيدة الخالفةِ استدعاءَ السالفةِ، والمسكوكاتِ اللفظيةِ والتركيبية التي تُهاجرُ قَصْداً أو طواعيةً من القصيدة الأم، أو تضمين صدر بيت أو عَجُزِ آخر في تضاعيف القصيدة المُعارِضة، ويُعَدُّ هذا النمطُ أوسعَ الأنماطِ الثلاثة شيوعاً لدى الشاعر العُماني.
ويمكن جلاءُ هذا النمطِ في عينية سليمان النبهاني التي رثى بها أخاه حُساماً، مُصَدِّراً إيّاها بقوله: (12)
نَبأ له تَصْلى القلوبُ وتَخْشَعُ
وتَفِيضُ بالعِبَرِ الجفونُ وتهمعُ
وهو طالعُ يستدعى إيقاعُه نَصّاً شعرياً غائباً يتجلّى في عينية أبي ذؤيب الهذلي في رثاء أبنائه الخمسة الذكور، ويُصَدِّرها بقوله: (13)
أمِنَ المنونِ ورَيْبها تتوجَّعُ
والدَّهْرُ ليسَ بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
على أنني أسارع فأقرر أنَّ الاتساقَ الإيقاعيَّ وحده لا يصلح معياراً للحكم بوقوع المُعارَضة، ولكن وحدةَ الغَرَضِ وتناصَّ القوافي والتضمين وامتصاصَ بعضِ المعاني تُصْبِحُ عناصرَ ترجيح - بل قُلْ إن شِئْتَ: تأكيد - لحدوث المُعارَضة.
فقد ضَمَّنَ النبهاني البيتَ الثالثَ والعشرين عَجُزَ بيتٍ لأبي ذؤيب، فقال:
لما أتاحَ لكَ الإلهُ مَنِيَّةً
(فإذا المنيةُ أقبلتْ لا تُدْفَعُ) (14)
1/3- المعارضة المجملة:
وإذا كان النمطان السابقان يَنْصَبّان على عدد محدد من القصائد، ويسهل رصدهما تصريحاً وإضماراً فإن ثمّة نمطاً ثالثاً من المعارضة يتجلّى فيما أبدعه شعراءُ العصر النبهاني بصفة عامة والنبهاني بصفة خاصة، إذ اصطبغت قصيدته بصبغة تراثية شكلاً ومضموناً، ممّا يجعلُ من شعره معارضةً كليةً للمنجز الشعري السابق تُجاريه مُسْتَوْعِبةً إياه استيعاباً يحمل في طيّاته حُلْمَ الغَلَبةِ والتجاوز.
ثانياً- نطاق المعارضة:
ونقصد به تلك البؤر الضوئيةَ التي انجذبوا إليها، وهي نِطاقاتٌ تختلفُ سعةً وضيقاً، وتتباينُ كثرةً وقلةً من حقبةٍ إلى أخرى ومن شاعرٍ إلى آخر، وقد استفاد الشعراء العُمانيون المتأخرون زمناً من اتساع الحقبة الزمنية المُبْدِعَةِ من جهةٍ وضخامة ما أفرزتْ من جهةٍ ثانية، فكثرت معارضاتُهم وتنوَّعت.
2/1- المعارضات الخارجية:
فلو راجعنا معارضات ثلاثة شعراء من العصر النبهاني، وهم: الستالي والنبهاني واللواح للمسنا كثرةَ معارضاتهم قصائِدَ وشعراءَ، وإن اختلفوا فيما بينهم في بؤر الضوء التي انجذبوا إليها: إذ عارض الستالي خمسة شعراء ينتمون إلى ثلاثة عصور هي: الجاهلي (دوقلة المنبجي) والأموي (كُثَيِّر عزَّةَ)، والعصر العباسي (ابن الرومي، والمتنبي وأبو فراس الحمداني) مما يُشَكِّلُ طغياناً لأثر القصيدة العباسية عليه، بينما انجذب سليمان النبهاني إلى القصيدة الجاهلية بصفةٍ عامة وعالمِ امرئ القيس بصفة خاصَّةٍ (15) واحتلت القصيدةُ العباسيةُ مكاناً محدوداً مقارنةً بالستالي من جهة وبقية معارضاته من جهةٍ ثانية. فعارض امرأ القيس وطرفةَ ولبيداً وعمر بن معدي (19/2)
صفحة 196
كرب وعلقمة بن عَبَدَة، ومن المخضرمين عارض الخنساءَ وأبا ذؤيب، وكذلك الأمر بالنسبة لعمر بن أبي ربيعة وابن دُرَيْد وأبي العلاء المعرّي. (16)
أما اللواح الخروصي فعارض شاعرين، هما: أبو ذؤيب الهُذَلي مُجارياً الستالي في معارضة عينيته الذائعة، وأبو الطيب المتنبي. (17أ)
وإذا انتقلنا إلى المرحلة الأولى من الدولة البوسعيدية متخذين من معارضات ابن رزيق نموذجاً لراعنا كثرةُ المعارضاتِ لديه كمّاً وكَيْفاً وسعةً زمنيةً (17ب)، حيث عارض ثمانيةَ شعراء عبر خمسَ عشرةَ قصيدةً، عارضها باثنين وعشرين قصيدة، ولم يقف ابنُ رزيق عند القصيدة يعارضها بصنوها تارةً أو بأخريات تاراتٍ أُخر، بل نراه يعارض ديواناً شعرياً لصفي الدين الحلي بديوانين، هما: جَوْهَرة التيجان وفصوص المرجان.
فقد عارض من شعراء الجاهلية طرفةَ بن العبد في معلقته الذائعة (18). ومن شعراء العصر العباسي عارض أربعة شعراء، هم: أبو تمام (19) والبحتريّ (20) والمتنبي (21) والشريفُ الرَّضِيُّ (22)، ومن الأندلس ابن هانئ (23)، وامتدت معارضاتهُ لتشمل العصر المملوكي فعارض اثنين من أعلامه الكبار، هما: البوصيري (24) وصفي الدين الحليّ. (25)
وقد لقي البوصيري عناية ثلاثة شعراء ينتمون إلى هذه الحقبة، هم: ابنُ رزيق وابنُ عُرابة والنبهاني التنوفي، وقد تجلّت هذه العناية في معارضتهم لواحدةٍ من عيون شعره، إذ عارض النبهاني التنوفي بُرْدَتَهُ بقصيدةٍ تَتَّسِقُ معها إيقاعاً وغرضاً وعددَ أبياتٍ - تقريباً - فقال: (26)
بَرْقٌ تَبَسَّمَ بالزَّوْراءِ والعَلَمِ
فأمْطَرت مُقْلتي دَمْعَ البُكا بِدَمِ
ويعارضها ابنُ رزيق بقصيدةٍ متسقةِ الإيقاع، مغايرة الغرض، ودونها عددَ أبياتٍ ونضجاً فَنِّيَّاً، يقول في طالعها: (27)
إنْ جِئْتَ فَنْجَةَ دارَ العِزِّ والكَرمِ
فاقر التحيةَ أهْلَ الفَضْلِ والشِّيَمِ
أما ابنُ عُرابةَ فقد عارضها مرتين، وإن اتسم بِقصَرِ نَفَسٍ شعريّ؛ إذ جاءت معارضَتُهُ الأولى في ثمانية وعشرين بيتاً، وزادت الثانية بيتاً واحداً. (28)
وإذا انتقلنا إلى آخر مرحلةٍ مهتدين بما أنجزهُ باحثان واعدان من دراسةٍ لمعارضاتِ اثنين من شعراء العصر الحديث، هما: أبو مسلم البهلاني وأبو سرور السمائلي، وهما دراستان تَتَّسمانِ بالدِّقَّةِ والمنهجيةِ، وإن كانتا لا تخلوان من مؤاخذة، وتلك سِمَةُ كُلِّ جَهْدٍ بشريِّ، يسعى لإدراكِ درجةِ الكمالِ البشري ولا يُدْرِكُه.
وبمراجعة ثبت معارضات البهلاني يتجلّى لدينا مدى انجذاب البهلاني إلى العصر العباسي، فراح يعارض خمسة شعراء ينتمون إليه، هم: أبو نواس وابن دُرَيْد والمتنبي وأبو الفتح البُسْتيّ (أو أبو البقاء الرُّنْديّ) والتهامي، واكتفى من العصر الأموي والأيوبي والمملوكي بشاعرٍ واحد لكُلِّ عَصْرٍ، وهم: الفرزدق وابنُ الفارض والبوصيري، قانعاً بمعارضةٍ واحدة لكلِّ شاعرٍ، وهي قناعةٌ تعكس ثقتَهُ فيما أبدع من معارضات، وقدرتَهُ على تجاوز النموذج المُعارَضِ، وقد تجلَّتْ هذه القدرةُ في ملمحين بارزين هما: التجاوز الكمي والتخلُّص من إغراءات النَّصِّ الأُمِّ، فسجَّلَ النَّصُّ الغائِبُ غياباً ملموساً في معارضاته. (29)
أما أبو سرور السمائلي فقد حققت معارضاتُه توازناً بين مَنْ عارضهم من معاصريه، ومَنْ عارضهم من شعراء العربية القُدامى. فعارض أربعة شعراء قدامى، هم: عمرو بن كلثوم (ت93ق. هـ) وجريرٌ والمتنبي وابنُ زيدون (ت364هـ)، وعارض أربعة آخرين من شعراء العصر، هم: البارودي (ت1904م) وشوقي (ت2391م) وحافظ إبراهيم (ت1932هـ) وأبو وسيم السمائلي. (30) (19/3)
صفحة 197
2/2- الانجذاب إلى قصائد محددة:
ثمة ملمحٌ بارزٌ يتجلّى في انجذابِ الشاعر العُماني صوبَ قصيدةٍ ما، فلا يَقْنَعُ بمعارضتها مرَّةً واحدةً، بل نراه يُعارضها مرتين أو ثلاثاً مُجَسِّداً شَغَفَهُ بالنموذج المُحاكي أوّلاً، وحَيْرَتَهُ أمام المستوى الفني لما أبدع ثانياً. ويأتي ابنُ رزيق في هذا الجانب نسيجَ وَحْدِهِ، عندما عارض أربعَ قصائِدَ من عيون شعرنا القديم بإحدى عشرة معارضة، حيث عارض كُلاً من معلقة طرفة بن العبد ومقصورة البحتري مرتين (31)، وكافيَّةَ الشريفِ الرّضيِّ ثلاث مرّات (32)، وبائيّةَ أبي تمام التي يبدؤها بقوله: (33)
السَّيْفُ أصْدَقُ أنْباءً من الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بينَ الجَدِّ واللَّعِبِ
بأربع قصائدَ تَتَّسقُ معها بحراً وقافيةً وغَرَضاً، وإن لم تَتَّسق معها عددَ أبيات، فقد جاءتْ بائيةُ أبي تمام في واحد وسبعين بيتاً، بينما لم تتجاوز أطولُ معارضة لابن رزيق ستة وأربعين بيتاً. فقال في معارضته الأولى: (34)
شَرُفْتَ بالنسبِ يا سَيِّدَ العَربِ
لكَ المنابِرُ والتأييدُ في الخُطَبِ
وقال في الثانية: (35)
يا بَدْرُ دونك بدرُ التَّمِّ في الرُّتَبِ
ودونكَ السادةُ الأمجادِ في النَّسبِ
وقال في الثالثة: (36)
أُهدي إليكَ فريدَ الفكرِ والأدبِ
وأنتَ أوْلى به يا سَيِّدَ العربِ
وقال في معارضته الأخيرة: (37)
سَلِّ الهمومَ بترياقِ ابْنَةِ العِنَبِ
واسْتجْلها من أكُفِّ الخُرَّدِ العُرُبِ
ويتحقق هذا الملمحُ أيضاً لدى ابن عُرابة، عندما عارض بُرْدَة الإمام البوصيري التي يفتتحها بقوله: (38)
أمِنْ تَذَكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ
مَزَجْتَ دَمْعاً جرى من مُقْلَةٍ بدَمِ
بقصيدتين، يقول في الأولى: (39)
يا حادِيَ العِيسِ قِفْ بالجزعِ والعَلَمِ
واسْكُبْ هُناكَ دموعَ العَيْنِ كالدِّيَمِ
ويقول في الثانية: (40) (19/4)
صفحة 198
ما بالُ قَلْبِكَ لا يَنْفَكُّ مِنْ سَقَمِ
والعَيْنُ منكَ تَسِحُّ الدمعَ كالدِّيَمِ
2/3- المعارضات الجماعية:
ومن الظواهر الفنية الأبرزِ فيما أبدع الشاعر العُماني من معارضاتٍ ما يمكن تسميتها - تجاوزاً - بجماعيةِ المعارضة، وتتجلّى هذه الظاهرةُ في أن تلقى قصيدةٌ ما استحسان عَدَدٍ من الشعراء الذين قد تجمعهم حقبةٌ زمنيةٌ واحدة، أو يتوزَّعون على حِقَبٍ متعاقبة - فينبرون لمعارضتها.
من بين هذه القصائد عينيةُ أبي ذؤيب (41) وتائيةُ كُثَيِّر عَزَّةَ (42) ومقصورة ابن دُرَيْد (43) وحائية ابن النحاس (44) وميميتان للمتنبي (45) ونونيةُ ابنِ زيدون (46) وبُرْدَةُ البُوصيري (47). وغيرها.
ولم يقف الأمرُ عند هذا الحدِّ بل امتدَّ إلى بعض القصائد العُمانية، فراح الشعراء العُمانيون يعارضونها، مثال ذلك نونية الشيخ سالم بن محمد الدرمكي الإزكوي، ومطلعها:
ما بين بابي عَيْنِ سعنة واليمنْ
سوقٌ تُباعُ به القلوبُ بلا ثمنْ
التي عارضها ابن رزيق فقال:
بَيْنَ العتيكِ وسوقه ظبيٌ أغَنّ
لا يشتري إلا القلوبَ بلا ثَمَنْ
وعارضها - أيضاً - الشيخ ناصر بن محمد الخروصي. (48)
ولم تقتصر عنايةُ الشعراء العُمانيين عند القصيدةِ يُعْجَبونَ بها فيعارضونها مرّاتٍ بأسلوبٍ أحاديٍّ تارةً، أو جماعي تاراتٍ أُخر، بل راحوا يعجبون بعدد من شعراء العربية الكبار كامرئ القيس (49) وأبي تمام وأبي الطيب المتنبي وغيرهم، معارضين إياهم في بعض ما ذاع من أشعارهم، وهو ملمحٌ يفتح البابَ واسعاً لدراساتٍ أكاديمية تُعْنى بتجلياتهم على مرآة الشعر العُماني وفق منهج إحصائي مقارن.
جاء أبو الطيب المتنبي نسيجَ وَحْدِهِ، إذ احتلَّ مكانةً متميزةً بين الشعراء العُمانيين، فعارضه ستٌّ منهم في إحدى عشرة قصيدة من عيون شعره، وهم: اللواح الخروصي وابن عرابة (لكلٍّ قصيدةٌ)، والستالي والبهلاني (لكُلٍّ قصيدتان)، وأبو سرور السمائلي (ثلاث قصائد)، أما ابنُ رزيق فقد عارضه في أربع قصائد. وقد تقاطع كلٌّ من ابن عُرابة وأبي سرور فعارضا قصيدةً واحدة، وكذلك الأمر بالنسبة لابن رزيق والبهلاني إذ عارضا قصيدةً أُخرى. (50)
أما أبو تمام فإنَّهُ لم يُدْرِكْ المتنبي مساحةً زمنيةً وعددَ قصائِدَ، إذ اقتصرتْ معارضته على ابن رزيق، الذي عارضه في سِتٍّ قصائدَ من غُرَرِ أشعاره، بتسع معارضات، حيث استأثرت بائيتُه تمام الذائعة وحدها بأربع مُعارَضاتٍ من بينها. (51)
2/4- المعارضات البينية:
ولئن كان الشاعر العُماني قد انفتح بذائقته الإبداعية على مجمل اللوحة الشعرية، فراح يُعارِضُ أنضجَ قصائدها ويُجاري أعلامَها فيما أبدعوا من قصائد ودواوين، تحدوه رغبةٌ عارمةٌ في مَدِّ جسورِ التواصل مع منجزهم والجري إلى جارهم في المضمار، فإن هذا الانفتاحَ صاحبه محاولاتُ انكفاءٍ على الذاتِ فراح يُعارِضُ شعراءَ آخرين من بني جلدته، فيما يمكن تسميتُه - تجاوزاً - بالمعارضات البينية أو الداخلية، وسوف يتجلى هذا النمط (19/5)
صفحة 199
لدى شعراء الدولة البوسعيدية بمرحلتيها.
فقد عارض ابنُ رزيق الشيخَ سالم بن محمد الدرمكي في قصيدةٍ له طالعها:
ما بين بابي عينِ سعنة واليمنْ
سوقٌ تُباعُ به القلوبُ بلا ثمنْ
بقصيدة طالعها:
بين العتيك وسوقِهِ ظَبْيٌ أغَنّ
لا يَشْتَري القلوبَ إلا بلا ثمن
كما عارضها أيضاً الشيخُ ناصرُ بن محمد الخروصي. (52)
ويمكن تعقُّبُ هذه الظاهرةِ لدى النبهاني التنوفي وأبي سرور السمائلي وغيرهما. (53)
ثالثاً- الصوت والصَّدى، دراسة مقارنة:
رسَّخَ شعراءُ العربيةِ القدامى - عبر حِقَبٍ زمنيةٍ متعاقبة - شرائِطَ فَنِّ المُعارَضةِ، وتجلَّتْ في محوري الإيقاع والمضمون، وإذا كان نُقّادُ العربيةِ قد اشترطوا الاتّساقَ الإيقاعيَّ شرطاً أساسيّاً لا تستقيمُ المعارَضةُ إلا بتحقُّق فإنهم خلَّفوا نوافِذَ المضمونِ مُشْرَعَةً أمام الشاعر مانحين إيّاه حُريةَ الاقترابِ من النموذج الأصليّ وامتصاصه أو استيعابه وإعادة تشكيله.
3/1- أولاً - الإيقاع:
القارئ للشعر العُماني في ضوء ما استقرَّ من شرائِطَ وما أُنْجِزَ من معارضاتٍ لدى شعراء العصور الخوالي - يمكنه أن يرصد ثلاثة مواقف متباينة اعتنقها الشعراء العُمانيون فيما أبدعوا من معارضاتٍ، تجلَّتْ في ثلاثية: المماثلة والمغايرة والجِدَّة.
1/أ- المماثلة: ونعني بها الاتِّساق الإيقاعيَّ التامَّ (بحراً وقافيةً) بين كُلِّ قصيدتين (مُعارَضَة ومُعارِضَة). والحقُّ أنَّ جُلَّ ما أبدع الشاعر العُماني من معارضاتٍ قد خضع لهذه القاعدة.
1/ب- المغايرة: ونقصدُ بها الخروجَ على قاعدةِ الاتِّساقِ الإيقاعيّ بين القصيدتين لغاياتٍ يراها المبدعُ مبرراً مقبولاً لخَرْقِ مبدأ طقسية القاعدة، وهو خَرْقٌ له جذورٌ تاريخيةٌ في نقائض الإسلاميين والأمويين (54) ويمكنُ للباحث رَصْدُ هذا الملمح لدى سليمان النبهاني في قصيدتين، عارض في الأولى ذا الرُّمَّةِ، وعارض في الثانية أبا العلاء المعرّي، وإن اختلفَ الحافِزُ في الحالتين.
عارض النبهاني ذا الرُّمَّةِ في قصيدةٍ بائية الرَّوِيِّ مدح بها عبدالملك بن مروان، يبدؤها بقوله: (55)
ما بالُ عَيْنِكَ منها الدَّمْعُ مِدْرارُ
كأنَّما فَيْضُها في الخَدِّ أنهارُ (56)
ثمّة ملمحان يسترعيان انتباه المُتلقِّي يتمثّلان فيما يُسَمَّى ببؤرةِ الإشعاع أو ما يدعوه النقّادُ بالمفتاح الذي يُفْصِحُ عن هُوِيَّةِ المعارضة من جهةٍ، ويربط بين الشاعرين من جهةٍ ثانية، وتتجسَّدُ بؤرةُ الإشعاعِ هنا في قولهما (ما بالُ عَيْنِكَ منها الدَّمْعُ) وهو تماثلٌ صياغيٌّ لا يستعصي رصده.
أمّا الملمح الثاني فيتجلّى في عنصر المغايرة بين القافيةِ في القصيدتين وإنْ اتّسقتا بحراً، فروِيُّ قصيدةِ ذي الرُّمَّةِ (19/6)
صفحة 200
الباءُ مضمومةً، بينما جاء رَوِيُّ قصيدة النبهاني الراء مضمومةً. والمغايرةُ هنا تعكس ما يكمن خلفها من غاياتٍ فنيةٍ تخدم التجربةَ وتُنَمّيها.
فإذا كان وَصْفُ الدموعِ قاسماً مشتركاً بين الشاعرين، أرادا وصفها بالغزارة، وإذا كانت لفظةُ (يَنْسَكِبُ) تُعطي إيحاءً بالغزارةِ فإنَّ الإيقاعَ الصوتيَّ يَحِدُّ من هذه الغزارة عندما يجعلها مؤقتة، بينما تأتي لقطةُ (مدرار) منميةً المعنى السابق من خلال صوتِ الراء التكراري مسبوقاً بألف مَدٍّ، فأشاعتْ إيحاءً بالغزارة والتدفق والديمومة، وهو ما أراد النبهاني رصدَه في مقدمة قصيدته عبر لوحتين فقال:
ما بالُ عَيْنِك منها الدَّمْعُ مِدْرارُ
كأنَّما فَيْضُها في الخدِّ أنْهارُ
أو ماءُ حَنَّانةٍ وطْفاءَ حَلَّ بها
رَعْدٌ من الجانِبِ الغَرْبيِّ مِهْدارُ (57)
أما القصيدةُ الثانيةُ فقد عارض بها لامِيَّةَ المعرّي الذائعة التي يبدؤها بقوله:
ألا في سبيلِ المجدِ ما أنا فاعِلُ
عَفافٌ وإقْدامٌ وحَزْمٌ ونائِلُ
أعندي وقد مارَسْتُ كُلَّ حَفِيَّةٍ
يُصَدَّقُ واشٍ أو يُكَذَّبُ قائِلُ (58)
فقال:
ألا في سبيلِ المجْدِ ما أنا صانِعُ
نَفُوعٌ وضَرَّاءٌ ومُعْطٍ ونافِعُ
أعندي وقد أحْرزتُ كُلَّ جميلةٍ
يُذَعَّرُ جارٍ أو يُذَعَّرُ وادِعُ (59)
إنَّ قراءةً مقارنةً تشي بوشائجِ القُرْبى الرابطةٍ بين هذين النَّصَّيْن تتجلّى فيما يُسمّى ببؤرةِ الإشعاع أو المسكوكاتِ اللفظية وإيقاعِ بحر الطويل باندياحه وانبساطه، ولكنهما اختلفا قافيةً، وهو اختلافٌ أقدم النبهانيُّ عليه - فيما نعتقد - إقدامَ المقتدر تحدوه رغبةُ ردِّ يقينِ القدرةِ على مُجاراةِ الأقدمين إلى معاصريه وتابعيه من شعراء، فاختار العين قافيةً لقصيدته «وهو أكثرُ صعوبةً من حرف اللام؛ لأنَّهُ أقلُّ تردُّداً في الكلمات العربية بنسبةٍ كبيرة، وتلك حقيقةٌ توصَّلَتْ إليها الدراساتُ اللغويةُ الحديثةُ من خلال لجوئها إلى المنهج الإحصائي، فقد أثبت الدكتور إبراهيم أنيس في تجربة له أنَّه من بين كل ألف حَرْفٍ يتردَّدُ حرفُ اللامِ مائةً وسبعاً وعشرين مرّة، على حين يتردّد حرفُ العين سبعاً وعشرين مرّة فقط، وذلك مقياسٌ يُوَضِّحُ إلى أيِّ حَدٍّ تكثر الكلماتُ التي يتردد فيها حرفُ اللامِ عن تلك التي يتردَّدُ فيها حرفُ العين. فإذا أضفنا إلى ذلك اشتراطَ أن يكونَ الحرفُ في نهاية الكلمة، كما هو الشأنُ مع القافية ازدادت الصعوبة. ومع هذا كله فالشاعر لم يكن مضطراً إلى أن يركب الصَّعْبَ. فقانون المعارضة العام في الشعر العربي كان يعطيه حَقَّ استخدامِ قوافٍ من حرف اللام، وقد آثر هو - تمكُّناً - أن يُلْزِمَ نَفْسَهُ مالا يلزم في حضرة أبي العلاء». (60)
على أنني أسارع فأقرر أنّ خَرْقَ النّبهاني للاتساق الإيقاعي لم يكن خرقاً مطلقاً، بل جاء استثناءً فرضته غاياتٌ فنيةٌ أو ذاتية، وظلت بقيةُ مُعارضاتِه شديدةَ الاتساق إيقاعياً مع النماذج الشعرية المعارَضة، فعندما يعارض امرأ (19/7)
صفحة 201
القيس في قصيدته الرائية التي يصدرها بقوله:
سما بكَ شوقٌ بعدما كان أقصرا
وحلَّتْ سُليمى بَطْنَ قَوٍ فَعَرْعَرا (61)
يأتي بقصيدة تَتَّسِقُ معها بحراً وقافيةً، حظيت بإعجاب الشيخ نور الدين السّالمي إذ رأى - وهو حُكْمٌ لا يخلو من مُبالغةٍ - أنَّها تُزاحم المعلقاتِ السبعَ بلاغةً، وتزيدُ عليها جزالةً ورشاقةً (62) فقال:
نعم ساورَ السهمُّ الفؤادَ فأبْهرا
ولجَّ به البَيْنُ المُشِتُّ فأسْهرا (63)
ولم يكن الخروجُ على قدسيةِ القاعدةِ محصوراً في نموذجيْ النبهاني السابقين، بل تعدّاه إلى ابن رُزيق الذي حافظ على اتفاق القافية بين القصيدتين، وجاء ببحر مُغاير، وقد تجلّى هذا الملمح في ثلاث معارضات، عارض فيها طرفةَ بن العبد والشريف الرّضي (64)، مثال ذلك معارضته لمعلقة طرفة بن العبد التي يبدؤها بقوله:
لخولةَ أطلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ
تلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظاهِرِ اليدِ (65)
إذ عارضها بقصيدتين جاءتا على بحر الكامل، بينما جاءت المعلقة على بحر الطويل، فقال في معارضته الأولى:
بَرْقٌ تألَّقَ لا لُبُرَقةِ ثهمد
سَحَراً فحرَّمني لذيذَ المَرْقَدِ (66)
وقال في الثانية:
دِمَنٌ لبارِق لا لُبْرَقةِ ثهمد
هَيَّجْنَ لي بالمَصْحِ نارَ تَوَقدِ (67)
1/جـ- الجِدَّة:
إذا كانتْ معارضاتُ السّتالي والنبهاني قد رَدَّتْ إلى الشاعر العُماني يقينَ القدرةِ على مُجاراةِ الشعراء القدامى جاهليين وإسلاميين وعبّاسيين فإنَّ هذا اليقين أفضى بالشاعر العُماني إلى رغبةٍ مُلِحَّةٍ في التجاوز والابتكار، وهما ملمحان يحكمان حركةَ المعارضاتِ في الشعر العُماني لاسيما الحقبة البوسعيدية.
ولئن جَسَّدَ بعضُ الشعراءِ العُمانيين ولعهم بعدد من الشُّعراء الكبار كامرئ القيس وأبي تمام والمتنبي فراحوا يعارضونهم في أكثر من قصيدةٍ فإنَّ مجال المعارضة لم يَتَّسِعْ ليشمل مجملَ إنتاجِ شاعرٍ بعينه. وهنا يبرز ملمحُ الجِدَّةِ جليّاً، إذ يُحْرِزُ ابنُ رُزيق قَصَبَ السَّبْقِ عندما يُعارض ديواناً شعريّاً كاملاً، كان للسَّيَّد ثويني بن سعيد دورٌ كبيرٌ في إنجازه، عندما راح يُحَرِّضُ شاعره على مدحه بديوان شعريٍّ تام يُحاكي ديوان (دُرر النحور في امتداح الملك المنصور) لصفي الدين الحِلِّي، وإلى ذلك أشارَ ابنُ رزيق في مُقَدِّمَةِ ديوانه فقال: «لقد سألني مَنْ مواهِبُهُ سيول، وبهجةُ رِضاهُ إليَّ رَوْضَةٌ وقبول .. أن أُباري نِظامَ الصَّفِيِّ المشهور الذي نسَّقَهُ للملك المنصور، وسمّاه (قلائد النحور) فأجبته بالطاعةِ الصّريحةِ وسمَّيْتُه جوهرة التيجان». (68)
وقد جارى ابنُ رزيق صفِيَّ الدين الحِلِّي في بناء ديوانه وفق طريقته التي جسَّدَت ولعه الشديدَ بفنون البديع التي كانت شائعةً في زمانه، عندما جعل ديوانه - قصائد وأبياتاً - يسير وفق الألفبائية العربية عدداً وترتيباً، فعدد القصائد تسعٌ وعشرون، وعدد أبيات كل قصيدة تسعةٌ وعشرون بيتاً، ثم ألزم نَفْسَهُ بأن تكون قافيةُ كل قصيدة (19/8)
صفحة 202
موحدةً في بدايات الأبيات ونهاياتها، مثال ذلك قول ابن رزيق:
أسماء أسما أرضها الخضراء
اللهُ أكبر إنَّها بَضّاءُ
أنست بأفْلاكِ الفخار ولم تَزَلْ
برجاً إليها الكلَّة الحمراءُ
إنَّ الصَّباحَ إذا أضاء أُعِدُّهُ
من ضَوُّها إذ ضَوُّها أضواءُ (69)
والحقيقة أنَّ ابن رزيق وإنّ وُفِّق في مُجاراةِ الحِلِّي فيما ذهب إليه من صَنْعَةٍ فإنَّهُ لم يَدْنُ منه مَوْهِبَةً؛ نظراً لأن ابن رزيق لم يُقْدِمْ على المعارضة إعجاباً بالتجربة دام وقتاً يُتِيحُ الاستيعاب التامَّ لمفرداتها، بل عارض استجابةً فورية لطلب مَنْ لا يُرَدُّ له مَطْلَبٌ.
ولم تقف معارضةُ ابنِ رزيق لصفي الدين الحلِّي عند ديوان (جوهرة التيجان) بل امتدّ إلى ديوان ثانٍ لا يزال مخطوطاً (70) عنوانه (فصوص المرجان) مدح به السيد محمد بن سالم بن سلطان ابن الإمام أحمد البوسعيدي، يقول فيه: (71)
حَيِّ بسَفْحِ البانِ أهْلَ الصّلاحْ
يحمي ظبا الإنْسِ بحَدِّ السِّلاحْ
حباهمُ الخيرُ ووالاهمُ
بِشْراً يَسُرُّ الصَّدْرَ بالانشراحْ
ويقول من أخرى: (72)
هجرَ الحبيبُ فما أمَرَّ جفاهُ
وَيْلاهُ مِنْ هجرانهِ وَيْلاهُ
هامَ الفؤادُ بحبِّهِ فتأجَّجَتْ
نارُ الصَّبابةِ والجوى بهواهُ
3/2- النَفَسُ الشعري:
أمام ظاهرةٍ شديدةِ الاتساع مُنْجَزاً وإطاراً زمنياً يَصْعُبُ على الباحث وَضْعُ قاعدةٍ تؤطر العلاقة بين المعارضات الشعرية العُمانية وأمهاتها من جهة طول النفس الشعري وقصره، إذ تجتمع لدى الشاعر الواحد مستوياتٌ ثلاثة، فتارة يقترب من الشاعر المعارَضِ طولَ نَفَسٍ، وتارة ثانية يتجاوزه، وتارة أخرى يقصر عنه. ويمكن رَصْدُ هذا الملمح من خلال مراجعة الجداول الملحقة بدراستنا تلك.
وإذا كان الستالي قد حَقَّق تقارُباً مع النماذج الشعرية التي عارضها فإنّ أبا مسلم البهلاني يبقى نسيجَ وَحْدِهِ إذ حققت معارضاته طولَ نَفَسٍ تجاوز القصائد المعارضة تجاوزاً شديداً وثراء دلالياً ما عدا معارضتين فقط قَصُرَ نفسه الشعري عن النموذجين المعارضين؛ وهما: همزيته التي عارض بها همزية البوصيري التي جاءت أبياتها (19/9)
صفحة 203
أربعمائة وثمانية وخمسين بيتاً، ويبدؤها بقوله:
كيف تَرْقى رُقِيَّكَ الأنبياءُ
يا سماءً ما طاولتْها سَماءُ
فجاءت همزيته في سبعين بيتاً، بادئاً إيّاها بقوله:
نَسَبٌ صانَهُ الجمالُ الإلهيّ
لربِّهِ عليه انطواءُ (73)
أما رائيته التي عارض بها رائية التهامي فقد جاءت دونها طولَ نَفَسٍ، فبينما حققت رائية التهامي طولَ نَفَسٍ شعري أثمر ثمانيةَ وثمانين بيتاً، اتسمت رائية البهلاني بقصر نفس، تجلّى في ستة عشر بيتاً. (74)
3/3- المضمون:
إذا كان علماءُ العربيةِ القدامى قد سَنُّوا لفنِّ المعارضةِ شرائِطَ ينبغي الالتزامُ بها، تجلَّتْ في وحدةِ الإيقاع وتوَفُّرِ نِيَّةِ المعارضة إضماراً أو تصريحاً فإنَّهم تركوا للشاعر المُعارِضِ حريةَ التعاملِ مع المعنى، فتعددت آلياتُه: اتساقاً وتنوعاً، ومغايرةً، واجتزاءً.
وإنَّهُ لمن الصعوبة بمكانٍ إصدارُ حُكْمٍ رياضيٍّ ينتظمُ آلياتِ تعامُلِ الشاعرِ العُماني مع النصوصِ الشعريةِ التي تناصَّ معها مُعارضةً، نظراً لاجتماع هذه الأنماطِ الثلاثة لدى الشاعرِ الواحد، وتباين نسبة شيوعها من شاعرٍ لآخرَ؛ وإنَّ نظرةً دقيقةً للجداول الملحقة بذيل دراستنا تشي بصدق ما ذهبنا إليه.
فلو نظرنا إلى معارضاتِ السَّتالي باعتباره أشدَّ الشعراء العُمانيين التصاقاً بمن عارض إيقاعاً ومسكوكاتٍ لفظيةً ونَفَساً شعريّاً لوجدنا أنَّها جعلت من المَدْحِ غرضاً أساسياً، مما يجعلها غيرَ متسقةٍ مع أغلب النماذج المُعارَضة، فعندما عارض تائيةَ كُثَيِّر عزَّة التي خَلُصَتْ للغزل وما يلحق به من صَدٍّ وشَوْقٍ ولَوْعَةٍ - جاءت معارضتهُ مُوَزَّعةً بين غرضين هما: الغزل والمدح. جارى كثير عزة في المقدمة الغزلية وإن جاء دونه صِدْقَ عاطفةٍ وتنوُّعَ أفكارٍ وجدَّةَ تصويرٍ وخيال.
واستجاب في الشقِّ المدحي لما استقرَّ في الوجدان العربي الجمعي من صفاتٍ للبطل الأنموذج، فجاء هذا الجانب تقليديَّ البناءِ والمضمونِ وحُسْنَ تخلُّصٍ، تجلّى في انتقالٍ لطيف، عندما جعل من حُبِّ ممدوحهِ وسيلةً ناجِعةً للتخلُّصِ من آلامِ حُبِّ مُعْرِضٍ عنه؛ فقال:
وللهِ ما صَبْري وكتماني الهوى
وما إنْ بَدَتْ لي فيه نَحْوي فَدَلَّتِ
سوى زَفْرَةٍ نَهْنَهْتُها فتصدَّعَتْ
لدى عَبْرَةٍ كفكفتها فاسْتَهَلَّتِ
وكم غُلَّةٍ في الصَّدْرِ منْ حُبِّ مُعْرِضٍ
عرضتُ لها بالصَّبْرِ حتى اضمحلَّتِ
سوى حُبِّ ذُهْلٍ لستُ عنه بذاهِلٍ
ضمائِرُ أصيفها لذُهْلٍ وقَلَّتِ (75) (19/10)
صفحة 204
وتمتدُّ رغبةُ السّتالي في إقحام المديح في تضاعيف أشعاره إلى درجة أصابتْ بعضَ معارضاته بتناقُضِ الوَقْعِ النفسيِّ بين أجزائها، ويتجلّى هذا الملمح في داليته التي عارض بها داليةَ ابن الرومي في رثاء ولده الأوسط محمد، إذ خَلُصَتْ قصيدةُ ابنِ الرومي للرثاء وجَسَّدَتْ إحساساً فادِحاً بالفَقْدِ وتجلياته، بينما توزَّعَتْ مضامينُ قصيدةِ الستالي على محوريْ: الرثاء (عزاء السلطان معمر بن عمر في وفاة ولده أبي بكر) والمدح له. فاختلفت القصيدتان صِدْقاً ووَحْدَةً ووَقْعاً نَفْسِيّاً، وإنْ فاقتْ قصيدةُ الستالي نَفَساً شعرياً.
ولم تقف رغبةُ الشاعرِ العُماني في المديح عندَ حَدِّ اصطباغ معارضاته بالفتور الوجداني تارةً، وتناقض الوَقْعِ النَّفْسِيِّ بين أجزاء معارضاته تارة أخرى، بل امتدَّ ليشمل أفق التوقع لدى المُتَلَقِّي، ويتجلّى هذا الملمح لدى ابن رزيق في بعض معارضاته، مثال ذلك معارضته لكافِيَّةِ الشريف الرضيّ الغزلية الذائعة، إذ عارضها بثلاثِ مُعارضاتٍ، اتخذتْ من المدحِ ثيمةً أساسيةً كاسراً بصنيعه هذا أفق التوقع لدى المتلقي، ويمكن تلمُّسُ هذا الملمح في مُعارضته لبردة البوصيري الذائعة التي يُصَدِّرُها بقوله:
أمِنْ تَذكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ
مَزَجْتَ دَمْعاً جرى من مُقْلَةٍ بدم
إذ عارضها بقصيدة مدحية، قال فيها:
إنْ جِئْتَ فَنْجَةَ دارَ العِزِّ والكَرَمِ
فاقر التحيةَ أهْلَ الفَضْلِ والشِّيَمِ (76)
أما الاجتزاء فقد تجلّى في معارضة النبهاني التنوفي للشق الغزلي من نونية أبي بكر الستالي التي مدح بها السيد أبا القاسم النبهاني وهنأه بعيد الفطر، قائلاً:
قَصَرْنَ الخُطا وهَزَزْنَ الغصونا
ورَقْرَقْنَ تحتَ النِّقابِ العيونا
وفَلَّجْنَ كالأقحوانِ الثنايا
وكحَّلْنَ بالسِّحْرِ منها الجفونا (77)
إذ غطَّى هذا الجانِبُ لدى الستالي تسعة عشر بيتاً، فعارضه النبهاني التنوفي بقصيدةٍ عدادُ أبياتها ثمانية عشر بيتاً، مفتتحاً إيّاها بقوله:
كتَمْنَ الهوى وأسَلْنَ العيونا
وأرْدَفْنَ طول الحنينِ الأنينا (78)
رابعاً- نقد النقد:
إن قراءة نقديةً للجهد النقدي الذي واكب القصيدة العُمانية تشي بضيق المساحةِ التي منحها الباحثون لفن المعارضات، فخلت المكتبةُ العُمانيةُ من دراسةٍ تتخدُ منها إطاراً، وهو ضيقٌ يثير الدهشةَ، نظراً لكونها واحدةً من أهم الظواهر الفنية بروزاً وأكثرها امتداداً.
ولم يقفِ الأمرُ عند حدود الضِّيقِ بل امتدَّ إلى المعالجةِ، فاتَّسمتْ بالعجلة حيناً والسطحية أحايين أُخر، مما أوقع بعض الباحثين في مزالق منهجيةٍ متعددة، من بينها: (19/11)
صفحة 205
4/أ- الخطأ في تحديد القصائد المُعارَضة:
ويتجلّى هذا الملمحُ فيما ذهب إليه د. شكري بركات (79) من أنَّ النبهاني عارض الخنساءَ في قصيدةٍ من الطويل، طالعها: (80)
قَذىً بعينكَ أم بالعَيْنِ عُوَّارُ
أم ذَرَفَتْ إذْ خَلَتْ من أهلها الدار
بقصيدة تتَّسقُ معها بحراً وقافيةً، طالعها: (81)
ما بالُ عينك منها الدمعُ مدرارُ
كأنَّما فَيْضُها في الخَدِّ أنهارُ
والحقيقة أنَّ القراءةَ المتأنيةَ تَدْحَضُ ما ذهب إليه، وتؤكد أنَّه عارض ذا الرُّمَّةِ في واحدةٍ من عيون شعره، يقول في طالعها: (82)
ما بالُ عينك منها الدمعُ ينسكبُ
كأنَّهُ من كُلىً مَفْريّةٍ سَربُ
فإذا كانت قصيدتا الخنساءِ والنبهاني قد اتَّسقتا بحراً وقافية، وهما عنصران أساسيان في ترجيح حدوث المعارضة، فإنهما وحدهما لا يصلحان للجزم بصحةِ ذلك. وهنا يأتي دَوْرُ الناقدِ، فَيُخْضِعُ القصيدتين لقراءةٍ داخلية تتلمَّسُ مواطن التَّماسِّ بينهما، وهي مواطِنُ يمكن رَصْدُها من خلال ما يُسَمَّى بـ (تناصِّ القوافي) أو بؤرةِ الإشعاع أو المسكوكاتِ اللفظيةِ التي تُهاجِرُ لطواعيةً من القصيدة الأم إلى تابعتها المعارِضة.
وإذا كان (تناصُّ القوافي) أمراً غير مُتَحَقَّقٍ هنا، نظراً لكون النبهاني اختار قافيةً مغايرةً لغايةٍ فنية ذُكِرَتْ في غير موضع، فإنَّ بؤرةَ الإشعاع الممثلة في التماثل الصياغي لصدر البيت الأول (ما بال عينك منها الدمع) تشير إلى أنَّ النبهاني عارض ذا الرمة ولم يعارض الخنساء.
وتزداد العلاقةُ بروزاً عندما نرصُدُ هجرةَ بعضِ المسكوكات اللفظية والتركيبية من نَصِّ ذي الرمة إلى نَصِّ النبهاني، ونذكر منها هذين الموطنين: قال ذو الرمة: (83)
يبدو لعينك منها وهي مزمنة
انُؤْيٌ ومُسْتَوْقَدٌ بالٍ مُحْتَطَبُ
فقال النبهاني: (84)
يبدو لعينك منها بعدما مصحتْ
نُؤْىٌ ومُحْتَطَبٌ بالٍ وأحجارُ
وإذا قال ذو الرمة في موطنٍ ثانٍ:
إلى لوائحَ من أطْلالِ أحْوِيَةٍ
كأنَّها حُلَلٌ مَوْشِيَّةٌ قُشُبُ (19/12)
صفحة 206
فإن النبهاني يُضَمِّنُ صَدْرَ البيتِ فيقول:
إلى لوائح من أطْلالِ أحْوِيةٍ
كأنما أرْسُمَها في الطِّرْسِ أسْطارُ
4/ب- الاختلاف حول القصيدة الأمّ:
ويتجلّى هذا الملمحُ في اختلاف الباحثين حول القصيدةِ المعارَضة، لاسِيما القصائد التي لا تحمل إشارةً واضحةً إلى نِيَّةِ المعارضة أو مصدرها، مثال ذلك ما دار حول نونية أبي مسلم البهلاني المُسَمَّاة بـ (الفتح والرضوان في السَّيْفِ والإيمان)، والتي يبدؤها بقوله: (85)
تلك البوارِقُ حادِيهنَّ مِرِنانُ
فما بَطَرْفِكَ يا ذا الشَّجْوِ وَسْنانُ
حيث ذهب د. هيكل إلى أنَّ «رائعةَ أبي مسلم معارضةٌ متميزةٌ لرائعةِ الشّاعِرِ الأندلسي أبي البقاء صالح بن شريف الرُّنْدِي الذائعة الصِّيت:
لكلِّ شَيءٍ إذا ما تَمَّ نُقْصانُ
فلا يُغَرُّ بِطيبِ العَيْشِ إنْسانُ (86)
بينما ذهب د. محمد المحروقي إلى أنَّها معارضةٌ لنونية أبي الفتح البُسْتِيّ، وطالعها:
زيادةُ المَرْءِ في دُنْياهُ نُقْصَانُ
وربحه غير مَحْضِ الخَيْرِ خُسْرانُ (87)
وإذا أعدنا النظرَ مُقارنينَ بين القصائد الثلاث لوجدنا اتِّساقاً إيقاعياً تاماً يجمعها (بحراً وقافيةً)، وهو اتِّساقٌ لا يَحْسِمُ - في حالتنا تلك - خلافاً أو يُرَجِّحُ احتمالاً.
ولما كان البهلاني حريصاً على خَلْقِ عالمٍ خاصٍّ يُحَقِّقُ له خصوصيةً تبلورت في إعجابه بالنصِّ الشعري التراثي، إعجابَ القادرِ على تجاوزه والفكاك من أسره فطالت معارضاتُه طولاً مفرطاً، فإننا سوف نعجز عن رَصْدِ مسكوكاتٍ لفظية تُقَرِّبُ معارضَتَهُ من قصيدةِ البستي أو قصيدةِ الرُّنْدِيّ. وهنا يُصْبح الموضوعُ وحده آخرَ عنصرٍ يمكن أن يَرُدَّ نَصَّ البهلاني إلى مصدره الذي عارضه.
ودراسة موضوع قصيدتي البستي والرُّنْدِي تجعل قصيدةَ البهلاني أشدَّ انجذاباً إلى قصيدة الرُّنْدِي، فكلتاهما تُعَبِّرانِ عن واقِعٍ إسلامي مُزْرٍ، وتدعوان إلى تجاوزه باستنهاض الهمم، أما قصيدة البستي فقد غرقت في طوفان من الحكم التي تتقاطع دلالياً مع مقدمة قصيدة الرُّنْدِي، إذ تُقَرِّرانِ قاعدةً إنسانيةً عامةً تتجلى في أنَّ تمامَ الشيءِ بَدْءُ نقصانه. (88)
4/جـ- الافتقار إلى الدقة:
ثمة أحكامُ أطلقها بعض الباحثين تفتقر إلى الدقة، من تلك الأحكامِ ما ذهبت إليه سعيدة خاطر في معرض تناولها للمعارضات في عصر النباهنة، عندما قصرتْ هذا الفن على شاعرين هما: السّتالي والنبهاني، وعندما جاءت إلى اللوّاح والكيذاوي أصدرتْ حكماً قائلةً «أما اللوّاح والكيذاوي فقد لا نكاد نلمح لهذا النوع من الفَنِّ ملمحاً بارزاً لديهما، واقتصر استلهامهما للتراث في استعارةِ لفظٍ أو عبارةٍ أو معنى أو تَشَابُهِ مَطْلَعِ قصيدة» (89) وهو حكم تهدمه العودةُ إلى ديوان اللّوّاح الخروصي، حيث تشير القراءةُ العَجْلى إلى عددٍ من القصائد التي حاورها مُعارَضةً، كعينية أبي ذؤيب التي عارضها بقصيدة تتَّسِقُ معها إيقاعاً وغَرَضاً فقال: (19/13)
صفحة 207
حُزْنٌ يفورُ ومُهْجَةٌ تتقطَّعُ
وأسىً يجيشُ وعَبْرَةٌ تتربَّعُ (90)
كما عارض - أيضاً - أبا الطيب المتنبي في لاميته التي قالها مادحاً بَدْرَ بن عمّار، وطالعها: (91)
بَقائي شاءَ ليس هُمُ ارتحالاً
وحُسْنَ الصَّبْرِ زمُّوا لا الجمالا
بقصيدة تتسق معها إيقاعاً ومقدمةً غزليةً، وإن جاءت مغايرةَ المضمونِ، يقول في صدرها: (92)
أرى بَدْراً فصارَ به هِلالاً
نَحيلاً بعدما نَظَرَ الكمالا
يُضاف إلى ما سبق افتقارُ بعضِ الدراسات إلى شموليةِ الرَّصْدِ، فلو عدنا إلى دراسة الدكتور علي عبدالخالق عن الستالي لمسنا مدى الجهد المبذول في تعقُّبِ معارضاته لشعراء العربية القدامى، محللاً إياها تحليلاً يرصد نقاط التَّماسِّ بينها، وهو جَهْدٌ رائد يُشْكر عليه. ومع ذلك فثمة معارضات أُخر لم يرصدها رصداً دقيقاً أو تجاهلها تجاهلاً تامّاً، من بينها معارضته لدالية ابن الرومي التي رثي فيها ولده محمداً، فقال: (93)
بكاؤكما يشفي وإنْ كان لا يُجْدي
فجودا فقد أوْدى نظيرُكما عندي
بقصيدة تتسق معها إيقاعاً ومضموناً، وتعدُّ «أصدق قصائد الرثاء في الديوان وأشدَّها إثارةً للوعة الصادقة» (94)، يقول فيها: (95)
أعندكَ مِنْ فَرْطِ الصَّبابةِ ما عندي
فيعلم ما أُخْفي بظاهِرِ ما أُبدي
ومن مُعارضاتِهِ التي لم يرصدها الدكتورُ علي عبدالخالق قصيدتُه التي مدح بها السلطانَ عليَّ بن عمر بن نبهان، ويُصَدِّرها بقوله:
صُدِّي دَلالاً فإنّي عنكِ مَصْدودٌ
أعْرَضْت عَمْداً وقَلْبُ الصَّبِّ مَعْمودُ
به اصْفرارٌ وفي أجفانه مَرَه
وأنتِ كحلاءُ في خَدَّيْكِ توريدُ
وفي مَفارِقهِ شَيْبٌ وقد نَشَرتْ
حُسْناً عليكِ فروعٌ جثلةٌ سُودُ
يَهنيكِ من ليْلٍ هَدَأْتِ به (19/14)
صفحة 208
فإنّما ليلنا دَمْعٌ وتسهيدُ (96)
عارض بها دالية المتنبي التي قالها مُغادِراً مِصْرَ بَليْلٍ، يَجُرُّ بقايا أحلامه الجسام، فقال:
عِيدٌ بأيَّةِ حالٍ جئتَ يا عِيدُ
بما مضى أمْ بأمْرٍ فيكَ تَسْهيدُ (97)
وإذا كانت رسالة الدكتور راشد بن حمد الحُسَيْني واحدةً من أنضجِ الأطروحاتِ العمانية العلميةِ التي تناولتْ جانباً من المشهد الشعري العُماني رصْداً ومعالجةً فإنَّ ثمة هناتٍ بسيطةً يمكن رَصْدُها في معرض دراسته لمعارضاتِ شعراءِ العصرِ البوسعيديِّ (1154 - 1285 هـ/1741-1868م) تجلَّتْ في:
أ- ذهب إلى أنَّ بحر فائية ابن رزيق التي مدح بها السيد ثويني بن سعيد، ووازن بها قصيدةً للمتنبي - من بحر الكامل، والصواب أنها من بحر الطويل، وبذلك تتسق إيقاعياً مع قصيدة المتنبي. (98)
ب- ثمة معارضاتٌ أُخر لابن رُزيق لم يُشِرْ إليها، من بينها:
- معارضة ابن رزيق لصفي الدين الحلي بديوان ثانٍ تام، هو «فصوص المرجان»، نقوم بشأن تحقيقه الآن.
- معارضة ابن رزيق لنونية الشيخ سالم بن محمد الدرمكي وطالعها: (99)
ما بين بابي عين سعنة واليمنْ
سُوقٌ تُباعُ به القلوبُ بلا ثَمَنْ
بقصيدة طالعها:
بينَ العتيك وسوقه ظبْيٌ أغَنّ
لا يشتري إلا القلوبَ بلا ثَمَنْ
ويمكن تلمُّسُ هذا الملمح فيما أخذه الموسويُّ على بحث الدكتور صقر الجيِّد حول شعر أبي سرور. (100)
مما سبق يتجلى للباحث أن الشاعر العماني ظل دوما على اتصال وثيق بتراث أمته الشعري، وقد تجلت وشائج هذه العلاقة في المعارضات الشعرية التي تعد من أشد الظواهر الفنية لصوقا بإبداعه مذ تحقق له ملمح استقلالية الوجود وحتى اللحظة، وقد ظل متأرجحا في انجذابه هذا بين الانبهار الذي يبلغ أحيانا حد التماهي ' والإعجاب المشوب برغبة مشروعة في التجاوز، وإذا كان شعراء العصرين النبهاني والبوسعيدي قد جسدوا النمط الأول، فإن أبا مسلم البهلاني يجسد النمط الثاني، إذ جاءت معارضاته شديدة التميز طول نفس واستقلالية معها حقق النص الأم غياباً ملحوظا.
الهوامش والتعليقات
(1) فتّوح: معارضات البارودي، في ضوء الدراسات النقدية الحديثة ص11.
(2) ابن منظور (أبو الفضل، محمد بن مكرم المصري): لسان العرب مادة (عرض)، والرّازي: مختار الصّحاح مادة (عرض)، وطبانة: معجم البلاغة العربية ص416، ووهبة: معجم مصطلحات الأدب ص983 والطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيّات ص239.
(3) محمود عباس العقاد: شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص89-90، حيث ذهب إلى أن التقليد يُعدَّ المرحلة الفنية الأولى للتكوين الفني للمبدع. (19/15)
صفحة 209
(4) علي الجارم: الجارميات ص222.
(5) محمد فتّوح أحمد: معارضات البارودي ص4.
(6) محمد الهادي الطرابلسي: خصائص الأسلوب في الشوقيّات ص239.
(7) فتّوح: معارضات البارودي ص4-10، ولعلَّه جارى الشاعر علي الجارم فيما رمى إليه، انظر: جارميات، الفصول الخمسة التي تناولت ظاهرة المعارضات في الشعر العربي تناولاً تاريخياً ص219 - 253.
(8) قاسم: تاريخ المعارضات في الشعر العربي ص13 وما بعدها.
(9) النبهاني: ديوانه ص154.
(10) ابن رزيق: ديوانه ص97.
(11) أبو الصوفي: ديوانه ص41.
(12) النبهاني: ديوانه ص148.
(13) أبو ذؤيب: ديوانه ص.
(14) النبهاني: ديوانه ص151. وانظر تناصَّ القوافي بين تائيتي كُثَيِّر عزة والستالي في: الستالي لعلي عبدالخالق ص164.
(15) انظر عوامل تأثُّر النبهاني بامرئ القيس في: الشعر في عصر النباهنة ص283.
(16) بركات: ديوان النبهاني، دراسة موضوعية فنية ص135 والفارسي، سعيدة: الشعر في عصر النباهنة ص282.
(17) عارض اللواح عينية أبي ذؤيب بقصيدة طالعها: (ديوانه 2/169)
حُزْنٌ يفورُ ومهجةٌ تتقطعُ
وأسىً يجيش وعَبْرَةٌ تتربَّعُ
كما عارض قصيدة المتنبي: (الواحدي: شرح ديوان المتنبي 216)
بقائي شاء ليس هم ارتحالا
وحسن الصبر زمُّوا لا الجمالا
بقصيدة يصدّرها بقوله: (ديوانه 2/219)
أرى بدراً فصار به هلالاً
نحيلاً بعدما نظر الكمالا
(17ب) الحُسيني: الشعر في عُمان في عصر البوسعيديين ص249. (19/16)
صفحة 210
(18) ابن رزيق: ديوانه ص79، 101.
(19) السابق ص9، 15، 51، 108، 128، وانظر أيضاً سلك الفريد 1/128، 951، 238، 243. حيث عارضه في ست قصائد بتسع قصائد.
(20) عارض البحتري في قصيدة واحدة مرتين. انظر ديوانه ص841، وسلك الفريد 3/429.
(21) عارض المتنبي في أربع قصائد. انظر سلك الفريد 1/350،370، 2/350، 355.
(22) عارض الشريف الرضي في كافيته الذائعة ثلاث مرّات. انظر ديوانه ص57، 126، 130.
(23) ابن رزيق: سلك الفريد 1/424.
(24) ابن رزيق: ديوانه ص67.
(25) عارض ابنُ رزيق صفيّ الدين الحلي في ديوانه (درر النحور) بديوانين كاملين هما: جوهر التيجان وفصوص المرجان.
(26) التنوفي: ديوانه ص128. جاءت قصيدة البوصيري في مائة وثلاثة وستين بيتاً، بينما قلَّت معارضة التنوفي بيتين.
(27) ابن رزيق: ديوانه ص67.
(28) عارض ابن عرابة بردة البوصيري مرتين، انظر ديوانه ص241، 245.
(29) المحروقي: الشعر العُماني الحديث ص263، وللباحث وقفة دقيقة أمام مقصورتي ابن دريد والبهلاني نقاطَ تماسٍّ ومواطن تمايز.
(30) صقر: شعر أبي سرور ص117 وما بعدها.
(31) عارض ابنُ رزيق معلقةَ طرفة بن العبد التي يصدرها بقوله:
لخولةَ أطلالٌ ببرقة ثهمد
تلوحُ كباقي الوَشْم في ظاهر اليد
بقصيدتين متغايرتين بحراً، وصُدِّرتا بنية المعارَضة تصريحاً، يبدأ الأولى بقوله: (ديوانه ص97-99)
بَرْقٌ تألَّق لا لبرقة ثهمد
سَحَراً فحرَّمني لذيذَ المَرْقدِ
وطالع الثانية: (ديوانه ص101-102)
دِمَنٌ لبارِقَ لا لبرقة ثهمد
هَيَّجْنَ لي بالمَصْحِ نار تَوَقُّدِ
كما عارض البحتريَّ في قصيدته التي طالعها: (ديوانه 1/202) (19/17)
صفحة 211
لنا أبداً بَثٌّ نعانيه في أرْوى
وحَزْوَى وكم أدْنَتْكَ من لَوْعَةٍ حَزْوَى
بقصيدتين تتسقان معها إيقاعاً (بحر الطويل) وغرضاً (المدح)، يقول في الأولى: (ديوانه ص148)
وحَقِّ الهوى العذريِّ لم أرْوَ (أرْوى)
غرامي إلى خِلٍّ خَصَصْتُكِ بالشكوى
ويقول في الثانية: (سلك الفريد 3/429)
وميضُ بروقٍ أم فَمٌ لكِ يا أروى
فجودي عسى ثغري بسائغه يُرْوَى
(32) عارض ابنُ رزيق الشريفَ الرَّضيَّ في غزليته الذائعة، التي يبدؤها بقوله: (ديوانه 2/107)
يا ظبيةَ البانِ تَرْعَى في خمائلهِ
ليَهْنكِ اليومَ أنَّ القَلْبَ مَرْعاكِ
بثلاث قصائد، ثنتان من بينها تتسقان معها إيقاعاً (بحراً وقافية)، وواحدة تخالفها بحراً، أما المضمون فالمعارضاتُ الثلاث تدور حول المدح بينما قصيدة الرضي جاءت خالصة للغزل. فقال في الأولى، وقد جاءت على تفعيلات بحر الكامل: (ديوانه ص57-58)
مَنْ ذا بِفَتْكِ حشاشتي أفْتاكِ؟
فأطَعْتِهِ يا ظَبْيَةَ الأتراكِ
وقال في الثانية: (ديوانه ص126 - 127)
هل سَيْلُ مَدْمَعِهِ المُرْفَضِّ سلاكِ؟
فاسْتَغْرَبَ النُّوْمُ من فِيكِ بأسْلاكِ
وقال في الثالثة: (ديوانه ص130)
كَرى جفوني ممنوعٌ بذكراكِ
عَنِّي فَعَزَّ فما المعنى بإهلاكي
(33) أبو تمام: شرح ديوانه ص18.
(34) ابن رزيق: سلك الفريد 1/238.
(35) السابق: 2/159.
(36) السابق: 2/159. (19/18)
صفحة 212
(37) ابن رزيق: ديوانه ص51.
(38) البوصيري: ديوانه ص190.
(39) الحُسيني: الشعر في عُمان في عصر البوسعيديين ص249. وللحُسيني رَصْدٌ دقيقٌ لمعارضات شعراء تلك الحقبة أنظره هناك.
(40) ابن عرابة: جواهر السلوك ص241.
(41) عارضها النبهاني واللواح الخروصي، وطالعها:
أمن المنون وريبها تتوجَّعُ
والدهرُ ليس بمُعتبٍ مَنْ يجزعُ
انظر: ديوان النبهاني ص151، وديوان اللواح 2/169.
(42) عارضها الستالي والنبهاني، وطالعها:
خليليّ هذا رَبْعُ عزّة فاعقلا
فلوصَيْكُما، ثُمَّ ابكيا حيثُ حَلَّتِ
انظر: ديوان الستالي ص69 وقد أخطأ محقق الديوان إذ جعلها من البسيط، بينما جاءت تفعيلاتها على بحر الطويل، وديوان النبهاني ص34.
(43) عارضها النبهاني وأبو مسلم البهلاني، وعارضهما الخليلي. وطالع المقصورة:
يا ظبية أشبه شيءٍ بالمها
ترعى الخزامى بين أشجار النقا
انظر: ديوان النبهاني ص1، وديوان البهلاني ص336-352، دومة: الشعر العُماني ص90.
(44) عارضها كل من: عبدالله بن سعيد الخليلي وأبو وسيم السمائلي وسعيد بن مسلم المجيزي وحمود بن حمد بن خلفان الحميدي وغيرهم، وطالع حائية ابن النحاس هو:
باتَ ساجي الطَّرْفِ والشوق يلح
والدُّجى إنْ يَمْضِ جُنْحٌ يأت جُنْح
انظر: شقائق النعمان 3/286.
(45) عارض ابنُ رزيق وأبو مسلم البهلاني ميمية المتنبي التي طالعها:
إذا كان مَدْحٌ فالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ
أكلُّ فصيحٍ قال شعراً مُتَيَّمُ
انظر: سلك الفريد 2/355، وديوان البهلاني ص423 - 430. (19/19)
صفحة 213
أما الميمية الثانية فعارضها ابن عرابة وأبو سرور السمائلي، وطالعها:
على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قَدْرِ الكرام المكارِمُ
انظر: ديوان ابن عرابة ص252، وديوان أبي سرور 1/116.
(46) عارض نونيةَ ابنَ زيدون: أربعة شعراء هم: أبو سرور السمائلي وسعيد بن خلف الخروصي وعبدالله الخليليّ وهلال السيابي. انظر: دومة: الشعر العُماني ص100-103.
(47) عارض بردةَ البوصيري ثلاثةُ شعراء، هم: ابن رزيق والنبهاني التنوفي وابن عرابة (في قصيدتين). انظر ديوان ابن رزيق ص67، وديوان ابن عرابة ص214، 245، ديوان النبهاني التنوفي ص128.
(48) ابن رزيق: الفتح المبين ص196 - 203 ولم يرصدها الدكتور راشد الحُسيني فيما أورد من معارضات لابن رزيق.
(49) عارض النبهاني امرأ القيس في أربع قصائد. انظر مبررات ولع النبهاني به سيرةً وإبداعاً: الفارسي، سعيدة: الشعر في عصر النباهنة ص283. وديوان النبهاني ص155، 223، .. 260.
(50) انظر الجدول الخاصّ بمعارضات الشعراء العُمانيين لأبي الطيب المتنبي.
(51) انظر الجدول الخاصّ بمعارضات الشعراء العُمانيين لأبي تمام.
(52) ابن رزيق: الفتح المبين ص196 - 203.
(53) عارض النبهاني التنوفي الستالي في نونية طالعها: (ديوانه ص414)
قَصَرْنَ الخُطا وهَزَزْنَ الغصونا
ورقرقن تحت النقابِ العيونا
بقصيدة طالعها: (ديوانه ص110)
كتمن الهوى وأسَلْنَ العيونا
وأرْدَفْنَ طول الحنين الأنينا
وعارض سعيدَ بنَ خلفان الخليلي في عينية طالعها:
تلألأ بَرْقٌ في الدياجي مشعشع
بضاحكة أبكاك فالعينُ أدْمَعُ
(54) الجارم، علي: الجارميات (دار الشروق، القاهرة 1992م) ص242.
(55) ذو الرمة: ديوانه ص.
(56) النبهاني: ديوانه ص134. (19/20)
صفحة 214
(57) النبهاني: مصدر سابق ص134.
(58) الخُوِي: شرح التنوير على سَقْطِ الزّند (مطبعة المعارف العلمية، القاهرة 1924م) ص109.
(59) النبهاني: مصدر سابق ص182.
(60) درويش: مدخل إلى دراسة الأدب في عُمان ص131.
(61) امرؤ القيس: ديوانه ص.
(62) السالمي: تحفة الأعيان 1/377.
(63) النبهاني: مصدر سابق ص155.
(64) عارض ابنُ رزيق الشريفَ الرضيَّ في كافيته الذائعة بثلاث معارضات تنتمي إلى المعارضة الملموحة، جاءت ثنتان من بينها متسقتين إيقاعياً مع الكافية، بينما جاءت الثالثة مغايرة بحراً وإن اتسقت قافية، فعندما يقول الشريف الرضي متغزلاً ضمن إيقاعات بحر البسيط:
يا ظَبْيَةَ البَانِ ترعى في خمائله
أيهنك اليومَ أنَّ القلبَ مَرْعاكِ
يعارضه ابن رزيق بقصيدة مدحية من الكامل، يقول فيها:
مَنْ ذا بِفَتْكِ حُشاشتي أفْتاكِ
فأطَعْتِهِ يا ظبية الأتراكِ
انظر: الرضي: ديوانه (بيروت 1961م) 2/107 وابن رزيق: ديوانه ص35.
(56) قميحة: شرح المعلقات العشر (دار ومكتبة الهلال، بيروت 7891م) ص501.
(66) ابن رزيق: ديوانه ص97.
(67) المصدر السابق ص101.
(68) ابن رزيق: سلك الفريد 3/161.
(69) المصدر السابق 3/136.
(70) ثمة نسخة خطيّة منه بالمكتبة البريطانية، رقمها or6563، جاءت في 29 ورقة. نُشرت بعض قصائده في تضاعيف ديوان ابن رزيق الذي طبعته الوزارة سنة 1403هـ/1982م، بعناية الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي. ويقوم الباحث على تحقيقه.
(71) ابن رزيق: ديوانه ص95.
(72) المصدر السابق ص147.
(73) المحروقي: الشعر العُماني الحديث ص256. (19/21)
صفحة 215
(74) السابق ص257.
(75) الستالي: ديوانه ص71-72.
(76) الحُسيني: الشعر العُماني ص248.
(77) الستالي: ديوانه ص414.
(78) التنوفي: ديوانه ص110.
(79) بركات: ديوان النبهاني، دراسة موضوعية وفنية ص88.
(80) الخنساء: ديوانها ص48.
(81) النبهاني: ديوانه ص106.
(82) ذو الرمة: ديوانه ص125.
(83) المصدر السابق ص127.
(84) النبهاني: ديوانه 107.
(85) البهلاني: ديوانه (1986م) ص299
(86) هيكل: بين أبي مسلم البهلاني الرواحي وأبي البقاء الرُّنْدِي، جوانب أدبية وفنية مقارنة ص55.
(87) المحروقي: الشعر العُماني الحديث، أبو مسلم البهلاني نموذجاً 286.
(88) اختلف صقر والموسوي حول تحديد القصيدة الأم التي عارضها أبو سرور السمائلي في نونيته التي يفتتحها بقوله:
جئنا لنحوك في ذكرى لماضينا
فغننا كيفما تهوى تُغَنِّينا
حيث ذهب صقر إلى أنها عارضت أندلسية شوقي التي يبدؤها قائلاً:
يا نائح الطلح أشباهٌ عوادينا
نشجي لواديك أم تأسى لوادينا
على حين ذهب الموسوي إلى أنها معارضة لنونية ابن زيدون التي يصدرها بقوله:
أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا
ونات عن طيب لُقْيانا تجافينا
انظر: صقر، شعر أبي سرور ص116، والموسوي: تعقيب على بحث صقر ص179. (19/22)
صفحة 216
(89) الفارسية، سعيدة: الشعر في عصر النباهنة ص284.
(90) اللواح: ديوانه 2/169. وطالع عينية أبي ذؤيب:
أمِنَ المنونِ ورَيْبِها تتوجّع
والدَّهْرُ ليس بمعتبٍ مَنْ يجزعُ
(91) الواحدي: شرح ديوان المتنبي ص216.
(92) اللوّاح: ديوانه 2/219.
(93) ابن الرومي: ديوانه ص1/67.
(94) زايد: الستالي ص26.
(95) الستالي: ديوانه ص126.
(96) السابق ص131.
(97) الواحدي: شرح ديوان المتنبي ص691.
(98) الحُسيني: الشعر في عُمان ... ص244.
(99) ابن رزيق: الفتح المبين ص196 - 201.
(100) صقر: شعر أبي سرور ص104 - 169. (19/23)
صفحة 217
عنوان المقال الشاعرة العمانية سعيدة خاطر: نمر في حالة من الفوضى الثقافية والإعلامية
صدر في العدد السابع والخمسون
الكاتب عزيزة الحبسي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
عن الاغتراب (الازمة الوجودية عند المثقف الخليجي والعماني) .. عن النقد (الذي هو انطباعات تذوقية .. رغم انه ابداع منبثق من الابداع كما تصفة سعيدة بنت خاطر) .. وعن الشعر كواحة للتطهر والخلاص وعن الابداع الجديد في ساحتنا وانتشار الجمعيات الاهلية وانعكاس ذلك على الفكر والثقافة في عمان) .. (وعن هوامش الحرية في الصحافة العمانية وكيفية تعاطي الاقلام بالساحة مع الحرية المتاحة صحافيا) .. (عن دور الترجمة في رسم صورتنا وتقديمها للعالم) .. (عن النشر وهمومه كأمة لا تعيش على نتاجها الكتابي) تحاورنا فكان حوارا شفافا يضيء عتمة القلب
yy عن ابداعاتها القادمة سألت سعيدة خاطر؟؟؟
قالت أقوم باعداد كتاب نقدي عن الادب في عمان «الابداع العماني» هي الثيمة التي يحملها الكتاب هناك مجموعة من الكتاب والمبدعين العمانيين يركز عليهم الكتاب وعلى كتاباتهم وابداعاتهم مثل ناصر البلال والروائي سعود المظفر وهناك دراسة للشاعر سيف الرحبي عن ديوانه ارق الصحراء ولدي مشروع آخر لطباعة كتاب, يرصد الحركة الشعرية النسوية في عمان ويشمل الرصد الفترة منذ بداية السبعينات الى الوقت الحالي ويتضمن كذلك الشعر بمختلف مشاربه واتجاهاته التسجيل سيكون لشاعرات الشعر الفصيح فقط اذ من الصعوبة أن تجمعي الشعر الشعبي فهو متناثر ضمن الولايات وغير مجموع وغير مطبوع كذلك اضافة الى انني اعد دراسة نقدية للشاعرة غنيمة زيد الحرب حيث اقوم حاليا على الاشتغال على المادة العلمية للكتاب.
وكان لدي منذ فترة مشروع تحقيق لديوان الكيذاوي لكن في احيان كثيرة الصدفة تقود خطاك فتضطر لتغيير اتجاهك حيث طلب مني احد الادباء في المملكة العربية السعودية بحثا عن المشهد الثقافي الشعري في عمان وتحديدا طلب فيه التركيز على المرأة العمانية لينشر في المجلة لذلك أرجأت الاشتغال على ديوان الكيذاوي بسبب ظروف تطرأ دوما تدعو لارجائه .. وتضيف الشاعرة الدكتورة انني ساتوجه لوزارة التراث و الثقافة للطباعة , تقدمت في السابق لطباعة كتابين فتمت الموافقة على طباعة كتاب وتم ارجاء الاخر بحجة اعطاء فرصة للاخرين .. لكن السؤال هو لمن تعطى الفرصة .. هل كل من امسك القلم يجب ان تعطى له الفرصة. وهل كل من كتب يجب ان تعطى له الفرصة, لا يوجد للاسف اطار تقييمي للجيد ولغير الجيد؟ ,رغم أم أن (غير الجيد يمكن معرفته من أول صفحة يكتبها) .. !!
دراسات في النقد
yy دراسات حول الادب في عُمان، مشاريعك المقبلة الاكثر كثافة لماذا؟؟
لان النقد في عُمان للاسف لا يتوازى مع الابداع في عمان. فالابداع كثير ومتنوع وهذا اتاح الفرصة لمن لا يعنيه الامر لأن يدخل الساحة ويسمها بالضحالة لذلك هناك العديد من الدراسات النقدية التي أعمل عليها حاليا مثل اخر ديوان لتركية البوسعيدي وآخر ديوان لعقيل اللواتي وآخر ديوان لعبدالله العريمي ودراسة نقدية للشاعر المهندس سعيد الصقلاوي ..
yy اذن النقد مغيب في الابداع العماني؟؟
النقد من أصعب المهن الحرفية وأغلب ما يدور من أوراق نقدية هي قراءات انطباعية تذوقية فروح النقد العلمية شبه مغيبة لأن النقد مثل التحقيق علم صعب يستنزف وقت الناقد , فحتى اقرأ كل نتاج الكاتب أو كل منجز المبدع قراءة تامة يمكنني أن أتعرض للنقد .. لكننا في هذا الزمن السريع ذي الوجبات السريعة .. ذي الايقاع السريع, نعطي قراءة سريعة للموضوع لكنها ليست معايشة حقيقية لفعل النقد .. اليوم النقد بحد ذاته هو ابداع منبثق من الابداع أما المدح للآخر مثل افضل واجمل أو الاحكام المسبقة فهذا لا يعد تحليل ..
yy رسالة الماجستير الخاصة بك حملت عنوان ظاهرة الاغتراب عند الشعر النسائي الخليجي في التسعينيات فهل ما زالت ظاهرة الاغتراب موجودة عند المبدعة الخليجية؟؟
كلما قرات وتوغلت في الادب الخليجي عموما والادب العماني بوجه خاص شعرت أن لدينا مشكلة اغترابية كبيرة نتيجة لتحولات الحياة عموما, الاغتراب «معشعش» ويزداد عمقا لانه أزمة وجودية من الازل , نتيجة لاشكالات العالم اجمع , كتعملق الآلة والمباني وتعملق العلم وتقزم الانسان مقابل كل ذلك .. الانسان المعاصر فعلا انسان مغترب, وعموما الاغتراب يزداد عن التغيرات الكبرى التي تطرأ ويزداد بشعور الانسان أنه صغير في كون كبير بمتغيراته .. هنا أؤيد الشاعرة الكويتية نجمة ادريس عندما كتبت ديوانها الشعري (الانسان الصغير) فالانسان يرى نفسه فعلا صغيراً ومهمشاً حيث يفترض ان يكون الكبير الكبير .. اليوم عن طريق الكمبيوتر تستغني المصانع عن الاف العمال .. والاغتراب ليس في الشعر وحده .. الكتابات الخليجية (20/1)
صفحة 218
والوجودية يوجد فيها كثير من الاغتراب حيث اضحى الانسان كائنا مهمشا ..
yy في ظل تعملق الآلة .. وتقزم الانسان .. هل بقي للشعر قيمة؟؟
لا بد من واحة .. لابد من خلاص .. الفن ككل نوع من التطهر والخلاص .. نلوذ بالفن والشعر والموسيقى ..
الفنان بلحنه والشاعر بابداعاته بعمل نوع من التوازن بين انسانية الانسان والآلة وسرعة دورانها
في تهميش الانسان .. الابداع هي الواحة التي تطهر الانسان مما يدور من سلبيات فهو اضحى كائنا مهددا .. حاليا حتى وجودنا الكوني مهدد بين الاوزون والعوادم , قد ينقرض الانسان كما انقرض الديناصور لأن البيئة اصبحت مسممة أكثر من اللازم ..
صراع الانسان ضد الزيف
yy ثورة المعلوماتية تحديدا ثورة الانترنت هل ستبقي على الابداع الحقيقي؟؟
ما نبحث عنه هو صراع الانسان ضد الزيف .. جودة ما يكتب كيف يمكن أن تبقى في ظل الانترنت حيث خالط الغث السمين؟؟؟ .. كيف يمكن أن يبقى الادب والابداع في ظل هذا الزيف؟ الابداع قطرة ماء للانسان شاء ام أبى عليه أن يحافظ عليها لأنه يحتاجها ويحتاج لبلورتها ويسعى لأن تكون سائدة .. فأن يسود الشعر أفضل من أن يسود الخراب , الفن لمحة من لمحات الجمال الالهي .. ، يسود الجمال ضد القبح فهو المحور الذي يحارب اليه الانسان .. فاذا ذهبت الدهشة .. والابتكار .. والابداع معنى ذلك أن يموت الانسان!! .. الانترنت اضاف فضاء غير محدود ومساحات من الحرية والتواصل .. الانترنت طبعا مفيد ولكل عملة وجهان يستفيد منها المبدع صاحب الخبرة والمبدع الحقيقي .. لكنها يمكن ان تضر ضررا حقيقيا اصحاب انصاف وارباع الموهبة .. لاحظنا كثير من السرقات الادبية والاخلاقيات الغريبةبعد دخول الانترنت, موضوعات غريبة وسباق غير شريف ولكن لكل شئ سلبياته , فلم يعد هناك شيء ممنوع أو شيء يستحق أن تغامر لاجله كل شيء مفتوح .. لم يعد هناك دهشة أوممنوع فعالم الحواس هو المسيطر وهذه خطورتها في ان الطاقات الابداعية للانسان تعطل.
هناك من اخذ بحوثا كاملة من الانترنت وشارك بها في مسابقات وفاز, هناك قضايا من الدمار الابداعي والقيمي نتيجة للانفتاح غير المحدود , لكن في النهاية جميل ان نتواصل مع العالم بكل هذه الثراء فان تكون مغلقاً في عالم يسوده الانفتاح هنا مكمن الخوف.!!
yy الحديث عن الابداع يقودنا الى سؤال حول الابداع الحقيقي في عمان وهل هو موجود أم أن ما يظهر أو كثير منه هي محاولات للظهور والتمترس خلف ستار الابداع؟؟
الابداع موجود .. وبكافة التصنيفات الابداعية. شاهدت مؤخرا عرضاً مسرحياً رائعاً لجاسم البطاشي .. والابداع الشعري موجود وبكثافة عالية .. فالابداع هو فطرة الله في الانسان أما كونه ,اي الابداع يتوارى خلف كومة القش فالجوهرة الحقيقية لا يختفي لمعانها لا بد من أن هناك من سيدل عليها وعلى مكانتها , الغبار والقتامة والزيف موجودات لكنها في آخر المطاف ستنقشع .. ! والساحة فرزت الكثير وهناك نوع من التواصل والمد يتواصل , لو البحر يظل بموجة واحدة قذفت ما بداخلها وانتهت لمات البحر .. اسس الحياة أن موجة ترفد موجة والموجود حاليا من ابداع رفد السابق .. لكن المشكلة انه لايوجد تفاعل بين كل ما هو موجود ومع ما قبله وقفت على كتف من قبلي وجاء من بعدي من سيقف على كتفي سنطل على الاخرين بعدها من مكان على .. لكن الامر صار انه كلما جاءت امة لعنت ما قبلها .. انه عيب في المجتمع العربية ككل وليس على الصعيد الابداعي فحسب أنه لايوجد تكامل بين المسؤؤل الجديد ومع ما وضعه من هم قبله .. فهل ستضيف شبرا؟. لأنك مهما اجتهدت لن تستطيع بناء عشرة أدوار , وهى مشكلة كبرى يجب أن ينتبه لها المجتمع العماني .... !! لا يوجد كم تراكمي نقف عليه بحيث أن كل من يأتي يضيف لما قبله .. !!
yy رغم الانتشار المعرفي والابداعي ما زالت مقولة أن الفن والشعر والابداع «لا يؤكل عيش» كيف ترين هذ الكلام كمبدعة؟؟
الفن القولي أو الكتابي لا يؤكل عيشا خاصة في الدول المتخلفة ,لانه من الممكن أن يصدر أي واحد كتاب في اوروبا فيصبح بعدها غنياً , نحن أولا (أمة لاتقرأ) واذا اصدرت كتبا فقدر انك اصبحت اكثر فقرا نحن لسنا ممن يعيش على نتاجه الكتابي الا اذا اقترف الممنوع , اسم مثل نزار قباني نعم ولظروف خاصة كان مقروءا ويبيع ايضا «أحمد مطر» هذه اسماء كانت ضد التابوهات تابوه الدين وتابوه السياسة أن تتناول التابوهات وتكتب في الدين والجنس والسحر والجن والشعوذة والغيبيات والمكياج فهذا كلام يمكن أن تشتريه النساء أما ان تتكلم في العلم , لا أحد يشتري ذلك .. !! الكاتب مهدد بالفقر في الوطن العربي ايا عربية , نجيب محفوظ عشرات السنين كان يعيش بيننا .. هل ترجمت له روايات؟؟
الا التي تحولت الى سيناريوهات سينمائية .. لولا الاعتراف من الخارج لما عرف نجيب محفوظ وهو بضاعتنا التي ردت الينا بعد اعادة تصنيعها في الخارج. الاهتمام بالمبدع عندنا اهتمام ظاهري .. أما مسالة تطوير القدرات أمر ملغي أوغير موجود ايا كان نوعه , فنحن لا نعترف بمبدعينا الا اذا تم الاعتراف بهم في خارج حدود قاموسنا العربي ..
الترجمة بين حجازي ودرويش
yy الترجمة في عالم اليوم عامل عظيم في نقل الابداع العربي وتقديمه للآخر الذي ظل طويلا يحمل صورة (20/2)
صفحة 219
سلبية عنا كـ (عرب) فأين انت من الترجمة كشاعرة عمانية؟؟
الترجمة تحتاج لإجادة تامة للغتين ,من النادرأن تجدي من يجيد اللغتين اجادة تامة , من هنا خرجت مقولة (المترجم ايها الخائن) لان المترجم تتحكم فيه اشياء كثيرة قد لا تكون موجودة في اللغة الثانية التي يترجم اليها (لذا روح النص يفقد .. وجوهر النص يروح» .. الترجمة تتطلب دقة في الترجمة , علما بأن اللغة الابداعية هي لغة ايحائية تفقد الكثير من متعتها بعد الترجمة .. أنا لا أتفق مع الكثير من الكتاب الذين يقولون انا ترجمت كتبي لعدة لغات .. فوجئت في مهرجان قرطاج بتونس انه عرض على ترجمة قصائد نثرية قصيرة سهلة وهذا يبين ان ليس كل نص يمكن ترجمته فالنص النثري سهلة ترجمته , لكني اعتقد أنه اذا كان لهذا النص قيمة ويسعى المترجم لترجمته فأهلا وسهلا من محليتي الى العالمية أما أهمية الترجمة فكانت واضحة في معرض الكتاب في فرانكفورت كان عبدالمعطي حجازي لا يقل كقامة شعرية عن محمود درويش لكن الحضور كان بسيطا جدا عند حجازي وكان كثيفا عند درويش لان أدب درويش مترجم وليس للجودة فقط ربما لانه يحمل قضية كذلك , نعم الترجمة مهمة للتواصل بين الشعوب ..
yy ماذا يحتاج المبدع في ظل راهننا الثقافي؟
يحتاج للرعاية الفعلية وليست الشكلية , يحتاج للفرز .. هذه الفوضى غير خلاقة .. أصبح الادب مهنة من لا مهنة له .. الجميع يكتب في الصحف .. والصحف قطعا ستتحارب عليك .. لكن المادة المقدمة للصحف هل هي ضعيفة .. مسروقة .. لا يهم .. نحن نحتاج لغربلة صادقة مع الذات .. فهل المبدع هو الانسان وهو الوجه الحضاري للانسان؟ .. أم أنها مقولات نضحك بها على انفسنا .. هل هناك ايمان حقيقي بان هذا المبدع يشكل ثقلاً ما وبالتالي لا بد من الاهتمام به أم أن القضية قضية أخرى؟ .. مشكلتنا أننا دول تعتمد على المظهر أكثر من الجوهر كي يكتب عنها انها متحررة .. هذه الفوضى أدت الى انعزال كثير من المبدعين الحقيقيين فتركوا الساحة للغث.
yy ظاهرة انتعاش الجمعيات الأهلية وجمعيات الكتاب والأدباء والصحافيين ما أثرها على الثقافة والمثقفين في ساحتنا الثقافية المحلية؟ وأين أنت من هذا؟
– هذه الظاهرة خطوة حضارية نرجو أن يقطف المجتمع ثمارها , والخوف أن لا يتجاوز هذا الانتعاش السطح الخارجي فيقف عند حدود الكم لا الكيف , ونتقصد الظاهرة الدعائية الإعلامية منها فقط , مكتفين بالقشرة لا جوهر العمل الثقافي , وهناك بعض الظواهر السلبية ضمن هذه الجمعيات خاصة تلك التي تتعلق منها بالثقافة وأعتقد أن غياب كثير من المثقفين ورفضهم العضوية والانتماء إليها دليل على خلل ما في تلك الجمعيات.
أين أنا من كل ذلك؟ الأديب الحقيقي هو قيمة لا يستهان بها ومن ثم لابد من أن يُسعى إليه , ولا يلهث هو خلف الفتات, أما التقاتل والتناحر على المسميات والمناصب, كما هو حادث الآن فهو أمر لا يدخل في حساباتي, إن وقتي أثمن من أن أضيعه فيما لا طائل منه , وحتى لا نجافي الحقيقة أنا عضوة غير فاعلة في الجمعية كنوع من التواجد وتشجيع الآخر للانضمام, فمن يدري ربما الأيام تكتنز في جعبتها الحلم العصي.
yy هل استطاع المثقف والمبدع العماني إيصال صوته للمجتمعات الخليجية والعربية في ظل ثورة التواصل؟؟.
- أعتقد أن المبدع العماني خاصة من الشباب قد عرف قيمة النشر الالكتروني وتواصل بشكل جيد مع منتدياته وتصلني بعض مشاركاتهم , وبعض الأسماء , لكنها تبقى مشاركات قليلة , بالنسبة لاتساع مناحي الثقافة والمثقفين في عمان , وبالنسبة لأهمية التواصل الالكتروني كثورة حالية ومستقبلية يعد المتجاهل لها يعاني من أمية جديدة , حكم فيها على نفسه العزلة وعدم التواصل مع الثقافة والمثقفين عبر العالم.
المشاركة في التغيير
yy صحافتنا كبر فيها هامش الحرية , لكن الساحة اقتحمها كثيرون من أنصاف وأرباع الخبرة في الكتابة .. حيث تمنح مساحات مجانية لأقلام صغيرة لتعطي رأيها في قضايا كبيرة .. فما رأيك؟
- نحن نمرّ في حالة من الفوضى الثقافية والإعلامية حتى أصبحت الثقافة والكتابة خاصة مهنة من لا حرفة له , فهناك جعجعة كبيرة لا ينتج عنها طحنا , الأمر الذي أدى إلى ابتعاد الإعلامي والصحفي الجيد تاركا الغبار للباحثين عن فساد الرؤى وعن ما ينجم عنه من شهرة زائفة زائلة لأنها آيلة للسقوط عاجلا أم آجلا , لكن الأيام ستنخل كل ذلك .. بمنخل البقاء للأفضل وليس للأدعياء , وإلى أن يصل المجتمع إلى مرحلة النضج والوعي المطلوب علينا أن لا نكتفي بالمراقبة فقط من بعيد , بل نشعل في الظلام شمعة ولا نكتفي بلعنه , إنها المشاركة في التغيير ولو بخدش السائد المألوف المتراكم عبر الزمن.
حوارتها: عزيزة الحبسي
كاتبة من عُمان (20/3)
صفحة 220
عنوان المقال محمد ناصر الجزائري في أوراق ثقافية من عُمان
صدر في العدد الثاني والستون
الكاتب سميرة أنساعد
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
تعد الرحلة من الألوان التعبيرية الأولى، التي تعتمد السرد بضمير المتكلم، وتعبّر عن الأنا مع انفتاحها على الآخر، وتقديمها صورة عنه، منطبعة بأحاسيس الإعجاب، أو الاستغراب، أو الاعتزاز بالذات، وهي من الأنواع القصصية التي تتداخل فيها أنواع عديدة من الخطابات التي عرفتها المجتمعات الإنسانية، وتداولتها، كالشعر، والجغرافيا، والتاريخ، والسيرة الذاتية، أو الغيرية، والإيديولوجيا ... وغيرها من الخطابات، كما تضمن نصوصُ الرحلة لقرّائها توفير المتعة، والتشويق، وتخبرهم بالكثير مما يجهلون، استنادا على ما يولّده فعل السفر، والتنقل من أحداث متراتبة، ومشاهدات، ورؤى متجددة بتجدد المكان، والزمان، وحالات النفس الرحالة. (1)
وقد أنجز الجزائريون رحلات كثيرة نحو المشرق منذ دخول الإسلام إلى بلاد إفريقية، والمغرب العربي، لأغراض مختلفة، أبرزها طلب العلم، والقيام بفريضة الحج، والسياحة ببلدان المشرق الكثيرة، واقترنت الرحلة إلى المشرق حديثا، بأسباب سياسية، وحضارية، من مثل القيام برحلات كشفية، أو التعريف بالجزائر، وكذلك القيام بمهمات سياسية، وسفارية، وكذلك حضور مؤتمرات، وملتقيات علمية.
وكانت أبرز المدن المقصودة في أول عهود الجزائريين بالرحلة، بغداد محل الخلافة الإسلامية، وكذلك قاهرة مصر، وهي محل علم وثقافة، ومعروف عن أهلها، وعن أهل مصر جميعا، حسن الضيافة، والعناية بالغرباء، وفيها جامع الأزهر، الذي كان أشهر المراكز الثقافية والإسلامية في الوطن العربي؛ إذ إن أغلب العلماء وطلبة العلم تخرجوا منه، ونالوا إجازات كبار شيوخه، أما الحجاز- بأشهر مدنه، كمكة والمدينة وجدة والينبوع- فكان مقصد الحجاج والطلبة من كل ناحية، وكذلك سجلت أعداد كبيرة من الرحلات والهجرات من الجزائر نحو دمشق الشام، التي كانت كذلك حاضرة علم عامرة، يتمتع أهلها بكرم الضيافة، وحسن المعاملة، أما رحلات العصر الحديث، فقد اقترنت بوجهات جديدة مشرقية سجّل أحداث السفر إليها عدد من الرحالين الجزائريين، ومن هذه الوجهات: الكويت، والبحرين (2)، وسلطنة عمان.
ويقدّم الصحفي الرحالة محمد ناصر (3) نموذجا نادرا في الأدب الجزائري؛ حيث اعتنت رحلته بتسجيل أحداث سفره إلى مسقط عاصمة عُمان (4)، بهدف حضور ندوة ثقافية خصصت لإلقاء الضوء على شخصية الصحابي مازن بن غضوبة رضي الله عنه، وبدعوة من وزارة التربية التعليم، فاشتملت الرحلة المدونة حلقتين معنونتين بـ «الصحابي الجليل مازن بن غضوبة رضي الله عنه في ندوة ثقافية»، و «جسور للمحبة والتعاون»، مندرجتين تحت عنوان عام هو: «أوراق ثقافية من عمان»، إضافة إلى عناوين أخرى شملتها الحلقة الثانية، وهي: «إحياء التراث الفكري والعلمي»، و «كنوز ومخطوطات»، و «معالم حضارية رائدة».
ومن هذه العناوين، نستخلص أن محمد ناصر لم يكتف بسرد أعمال الندوة ومحاضراتها، بل آثر أن يسجّل مختلف انطباعاته، ومشاهداته أثناء زيارته مسجد الصحابي مازن بن غضوبة ببلدة سمائل، ومدينة الرستاق، وحصن الحزم، وغيرها من الأماكن التي وصفها الرحالة، وأظهر محاسنها، دون أن ينسى مدح أهل عُمان، والثناء على خصالهم، وإنجازاتهم الثقافية والدينية، لخدمة الإسلام والأمة الإسلامية.
1. أحداث الرحلة:
كان انطلاق محمد ناصر من الجزائر نحو مطار مسقط (السيب سابقا) في مسقط يوم السبت السابع والعشرين من شهر أكتوبر عام تسعين وتسعمائة بعد الألف، ولم يحدد لنا الكاتب مراحل السفر الأولى، بل شرع في التقديم لرحلته بالرجوع إلى ماضي الكتابة، وقبل ثلاث سنوات بالضبط، متى قرّرت وزارة التربية والتعليم والشباب بالسلطنة تنظيم ندوة ثقافية كل سنة تخصص لموضوع بارز، يشارك فيه الباحثون من كل مكان، ويصل إلى سنة التأليف فيقول: «أما ندوة هذه السنة فقد خصصت لدراسة حياة وأدب الصحابي الجليل مازن بن غضوبة السعدي الذي يعد في نظر المؤرخين أول من أدخل الإسلام إلى عمان أسلم على يد الرسول الكريم والتقى به مرارا في المدينة ومكة وقد تحدثت المصادر القديمة عن فضله وأخلاقه العالية، وقد شرفتنا وزارة التربية أنا وزميلي الأستاذ محمد بوحجام من جامعة باتنة بدعوة كريمة للمشاركة في هذه الندوة ببحثين حول حياة هذا الصحابي الجليل، وكانت فرصة لنا للالتقاء بالمشائخ والعلماء والأدباء هناك، وزيارة المعالم الأثرية للحضارة الإسلامية في تلك الربوع العريقة، والحق لقد كانت الحفاوة بالغة، والعناية بالمشاركين في الندوة فائقة والجو العلمي رائعا، تنظيما ورعاية، وإقبالا مشجعا من طرف المسؤولين أو من طلاب الجامعة والمعاهد الإسلامية.» (5)
وبعد هذه الافتتاحية، انتقل المؤلف إلى ذكر تفاصيل الندوة، ومحاضراتها، التي انطلقت أعمالها يوم الأحد التالي ليوم وصوله إلى مسقط، وتمّت أعمالها يوم الأربعاء من الأسبوع ذاته، وكان تتالي الأحداث في برنامج الندوة يقوم على تعيين يوم، ووقت المحاضرة، واسم المحاضر وموضوع تدخله، ثم المعقبين على التدخل في الأخير، وكانت الجلسة الثانية: «للبحث الذي قدّمه محمد ناصر من جامعة الجزائر بعنوان «مازن بن غضوبة (رضي الله (21/1)
صفحة 221
عنه) ومكانته الأدبية. عقّب عليه الدكتور سعيد الأعظمي رئيس تحرير مجلة البعث الإسلامي بالهند، والدكتور أحمد شلبي أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة» (6)، ويظهر في النص التأطير الماضي للأحداث، المختزلة في حالة قصوى، تجعل من نمط الكتابة هنا يختلف عن نمط الرحلات، ويتماثل مع نمط التقارير الصحفية الموجزة، وقد عبّر عنها ذاك العنوان العام أوراق ثقافية من عمان، تعود ربما أساسا إلى ميل الكاتب إلى الطابع الصحفي.
2. أبرز لقاءات الرحالة في عمان:
ذكر محمد ناصر الشخصيات التي نظمت الندوة، كالمفتي العام لسلطنة عُمان الشيخ أحمد بن محمد الخليلي، الذي أضفى بشخصه وطبعه على أعمال الندوة: «جدية وثراء، وحوارا علميا هادئا» (7)، كما أشرف على الندوة وزير التجارة والصناعة، ووزير التربية والتعليم والشباب بالسلطنة، وعدّد الرحالة الأساتذة المشاركين بمحاضراتهم في إثراء جانب حياة الصحابي مازن بن غضوبة رضي الله عنه، دون وصفهم منهم: مدير الشؤون الإسلامية بوزارة العدل، والشيخ مبارك بن عبد الله الراشدي، والدكتور اليقظان بن طالب الهنائي من عمان، والدكتور سعيد الأعظمي من الهند، والدكتور أحمد شلبي من مصر، والدكتور فرحات بن علي الجعبيري من تونس.
كما سجل محمد ناصر، في الحلقة الثانية والأخيرة من رحلته، حدث لقائه بالطلبة، والأساتذة الجزائريين، والتونسيين المقيمين هناك، واغتنامه فرصة وجوده بمسقط لإجراء محادثتين صُحفيتين، وتسجيلهما، وكانتا مع السفير الجزائري: «الذي يعجز القلم عن وصف الحفاوة والرعاية التي استقبلنا بها، منذ دخولنا مطار (السيب) بمسقط إلى لحظة وداعنا له، والحق إن المرء ليشعر بهذا الاهتمام البالغ الذي يوليه لإخوانه الطلبة الذين يدرسون ببعض المعاهد الإسلامية هناك» (8)، وأشار إلى شيخين عمانيين جليلين جمعته معهما لقاءات أخوية في الرستاق، وهما: الشيخ الخليلي، والشيخ سعيد بن حمد الحارثي، وهذا الأخير، عُرف بظرفه وأدبه، وبرحلاته الكثيرة في بلدان العالم. (9)
3. الحياة الثقافية والاجتماعية في عُمان:
اعتنى محمد ناصر خلال وجوده في مسقط، بزيارة المعالم الحضارية والثقافية، التي يتمتع برؤيتها، وخدماتها سكان المدينة، وقد أخبر ناصر بمسعى سلطنة عمان النهضوي في مجال الثقافة، أُسس له منذ السبعينات، يهدف إلى إحياء التراث وفهمه، وتحديث الفكر بما يصلح من أوجه للمعاصرة، ولذلك عملت وزارة التراث (القومي) والثقافة بجهود كبيرة لإحياء التراث وجمعه، والحفاظ على مخزون المخطوطات، بالتنقية، والترميم، والتجليد، والزخرفة، وكذلك بنشر الكثير منها، وتحقيقها، وقد وصلت الوزارة حتى سنة زيارة الرحالة إلى البلاد إلى تحصيل أربعة آلاف مخطوط، وتحقق ذلك بمساعدة العمانيين المالكين للمخطوطات، وجلب الدولة العديد منها من دول أخرى، هذا إضافة إلى مخطوطات ما تزال عند أصحابها تشرف وزارة التراث الثقافة على صيانتها، وأفادنا ناصر بتميّز العمانيين بالكتابة في العلوم الفقهية، وعنايتهم بمن يؤلف كتبا حولها: « .. عُرف العمانيون بتأليف المطولات الفقهية نظما ونثرا، يكفي أن نذكر مثلا أن (قاموس الشريعة) يبلغ سبعين جزءا، وقد تفضلت الوزارة بطبع العديد من مؤلفات الشيخ أطفيش محمد بن يوسف الجزائري» (10)
ولاحظ محمد ناصر وجود المكتبات، ووفرتها في أغلب المؤسسات العامة، كالمعاهد، والمساجد، والأندية، .. تحتوي على أحدث الوسائل التي يحتاج إليها القارئ، إضافة إلى وجود مكتبات خاصة في كل بلدة، تقدم للباحثين كنوزا من المخطوطات التراثية، وتسهل لكل راغب في المعرفة تصفح المخطوطات، وتوفر له كل الوسائل للنسخ والتصوير، وذكر الرحالة منها مكتبة السالمي في منطقة اسمها «بدية»، ومكتبة السيد محمد البوسعيدي، وهي من أغنى المكتبات بالمخطوطات، وأضخمها في عمان. (11)
ومن الأخبار الاجتماعية التي قدّمها الرحالة عن شعب عمان، تمسك الناس هناك بتعاليم الدين الإسلامي، باد ذلك في سلوكهم، وأخلاقهم، إذ عرفوا بالكرم، والتواضع، والمحافظة على الأصالة في اللباس والأكل، وكذلك في هندسة المباني، التي ظلت على الطابع العمراني العماني الأصيل، رغم ضخامتها، وتطور مرافقها (12)، وقد عبّر الكاتب عن كل ذلك قائلا: « .. فالعمانيون يتمسكون بالقيم الإسلامية ويحافظون على الأصالة في كل مظاهرها الحضارية .. لا سيما في العلاقات الاجتماعية مثل الكرم الحاتمي الفياض، فإن ما يؤذي العماني الأصيل أن يدعوك إلى قهوة أو غذاء أو عشاء وترد طلبه، ومن الأخلاق العربية الأصيلة التي يتحلى بها العمانيون هذا التواضع الجم .. حتى أنهم ليخجلونك أحيانا بتواضعهم ذاك .. على أن الدعوة إلى القهوة والغذاء ليس معناها الأكل والشرب والتطيب بالبخور ثم الانصراف إنها عادة عربية أصيلة وجلسة شرقية مريحة .. وقد استمتعنا والحق، بجلسات مفيدة مع الشيخ الخليلي تحت ظلال النخيل بالرستاق .. » (13)، يبيّن النص انطباعات الرحالة الذاتية بشكل واضح، من خلال الاستحسان، واختيار ألفاظ تقويمية ذاتية (الكرم الحاتمي الفياض، الأصيل، التواضع الجم، جلسات مفيدة)، وانطباعات نبعت عن مشاهدة، واستمتاع بجلساته مع العمانيين، التي لاحظ بفضلها الكرم، والتواضع فيهم.
وأفاض الرحالة الحديث عن مدينة الرستاق، ومكانتها العلمية، والفكرية، فذكر شخصيات قديمة اشتهرت فيها بمؤلفاتها، وعلمها، قال عنها: «وقد احتلت ولاية الرستاق في السابق المركز الأول من الناحية الفكرية إذ كانت مركزا ثقافيا يجمع الكثير من العلماء والأدباء ومقرا للسلطة والامامة .. وتعرف بمشاهيرها من الأئمة والعلماء، (21/2)
صفحة 222
مثل الإمام سيف بن سلطان بن سيف الملقب (بقيد الأرض) وقاضي القضاة راشد بن سيف اللمكي ت (1915م) .. » (14)
4. المعالم الحضارية في عمان:
قدّم محمد ناصر لقرّاء رحلته صورة عن المكان، ومعالمه الحضارية، فنجد وصفه لمسقط، التي ذكر أنها تمتاز بموقعها الساحلي الخلاب، وهي ذات مسجدين ملفتين للنظر، لضخامتهما، وهندستهما الرائقة، وكذا انسجام النقوش وروعتها بهما، وعجب محمد ناصر لوجود مرافق أساسية بمساجد مسقط تؤمن للزوار المطالعة، والاستراحة، والإطعام، وايضا ولاية سمائل، التي تضم مسجد الصحابي مازن بن غضوبة رضي الله عنه، ويحظى جبلها باحتضان قبره، على السفح، بموضع يدعى (الدقدقين).
وكانت مشاهدته لمدينة الرستاق، مثار تذكر لفضاء مشابه، له سابق معرفة به، يقول: «أما الرستاق المدينة فقد ذكرتني في جمالها الطبيعي الأخاذ بمدينة غرداية بواحة نخلها المنعطفة مع الوادي بين الجبال المحيطة بها من كل جانب .. بل إن الداخل إليها من جهة مسقط أشبه ما يكون بداخل إلى غرداية من منعطفات (بوهرارة) .. وقد لاحظت هذا التشابه حتى في الحشيش الذي هو من نوع (النجم) الموجود بكثرة في غابات وادي ميزاب والذي يشتكي منه الفلاحون عندنا كما يشتكي منه الفلاحون هناك لأنه من الطفيليات المقلقة للأشجار والخضروات وتكثر بواحتها الأفلاج، فإن بالولاية حوالي مائتي فلج تسقي النخل والأشجار قِبل السفرجل، والمانجو، والباباي» (15)، قدّم الكاتب في جمال تصوير، كليشيهات مكانية ثلاثة موازية، ومقارنة، تنتمي لفضاء الذات، الذي ثبّته دلاليا لفظ (عندنا)، فكانت لقطة البداية عرض منظر واحات مدينة غرداية (بالجنوب الجزائري)، بين جبال محيطة، وواد متخلل لها، وهو منظر يوحي بتعدد الألوان، والأصوات الطبيعية، يحرك خيال القارئ، ليضفي على الصورة المزيد من العناصر المكانية المكملة، كمنظر السماء، وألوان عامة تغشى اللوحة لتعبر عن الوقت، وقد يكملها بعناصر أخرى تشغل الفضاء، كالطيور، وقليل من الناس، أو الفلاحين، أما المنظر الثاني، فهو يعكس صورة لمدخل مدينة غرداية جهة بوهرارة، وقد آثر الكاتب في هذا التصوير الاقتصاد التعبيري، مكتفيا بذكر الشبه بين مدخلي المدينتين: الرستاق، وغرداية، فكان فضاء متروكا للقارئ، ليكمل رسم المنظر مجهول الملامح، إلا بالنسبة لمن سبقت له زيارة غرداية، ومشاهدة المدخل المعبر عنه، والمنظر الثالث، هو صورة مقربة أكثر من الصورتين السابقتين، ارتبط بتحديد نوع من النبات الطفيلي الموجود في غابات وادي ميزاب (بغرداية)، والذي يعرف بالنجم، وهي لوحة يسيطر عليها اللون الأخضر، مع ألوان أخرى مكملة، واختار الكاتب تدعيم الصور الذاتية التي قدّمها بشاهد شعري يتغنى بجمال المدينة للشاعر العماني محمد بن شيخان السالمي، يقول فيه:
«وما الرستاق إلا عرش ملك
عليه يستوي المسعود قهرا
دعته لنفسها الرستاق كفؤا
وكانت في حمى الماضين بكرا» (16)
ورجع بنا محمد ناصر إلى الوراء، ليسرد علينا أخباراً تاريخية عن حصن الحزم: «الذي بناه الإمام سيف بن سلطان اليعربي سنة (1708م) ويعتبر من أروع بدائع الفن المعماري الإسلامي العماني، فقد أنفق فيه الإمام مبالغ طائلة ويمتاز بعدم وجود أية أخشاب بسقوفه في عقود مستديرة ثابتة على أسطوانات عليها نقوش بالجص والحجر، ولا يقل عرض الجدار الواحد فيه عن ثلاثة أمتار، وله عدة أبواب فخمة، وبه ممرات سرية عرض كل منها وارتفاعها متران تمر بجنبات الحصن الأربعة وتخرج بعد ذلك إلى المدينة كما توجد بداخل الحصن مدافع قديمة برتغالية وإسبانية كانت تستخدم لضرب العدو من مسافات بعيدة وتوجد به غرف لتدريس القرآن والدين، ويخترق الحصن فلج ذو مياه نابعة تتدفق مياهه حتى الآن لتسقي من في الحصن وتروي أشجار النخيل المحيطة به» (17) استخدم في هذا المقطع أسلوب السرد الوصفي، الذي تفتتح عباراته الوصفية، بأفعال مختلفة دالة عل فعل التأسيس والبناء، والتزيين، والتحديد للأجزاء المكونة، .. ويقدم الكاتب رأيه في الحصن، بأسلوب التفضيل (أروع بدائع الفن المعماري)، الذي لا يعهد في الوصف التاريخي المحض، وإنما يدخل في الوصف الأدبي، ويعد هذا من خصائص الوصف في فن الرحلة.
5. ما وراء كتابة الرحلة:
جاءت رحلة محمد ناصر إلى عمان بلغة مباشرة، وصريحة، تدعو مواطنيه إلى أخذ العبرة، والاقتداء بإخوانهم العمانيين، ووضع استراتيجيات فعالة لتنمية قطاع التعليم في الجزائر، وهذا عندما قدّم انطباعاته الشخصية عن الندوة الثقافية، التي أقيمت في عمان للتعريف بالصحابي مازن بن غضوبة رضي الله عنه، إذ لاحظ إحكام التنظيم، والتسيير لأعمال الندوة، ومحاضراتها، وأعجب بالمبادرة التي قامت بها اللجنة المشرفة، من طبع المحاضرات، وتقديمها للحاضرين سلفا، حتى يتمكنوا من المتابعة الجيدة، والرد، والتعقيب عليها، وما زاد إعجابه، هو تكليف أحد المحاضرين: «بإعداد كتاب الندوة حول العلم الذي سيكون محور الندوة يراعي فيه صاحبه الدقة والشمول ليكون معتمدا بعد التصحيح والإضافات والطبع مرجعا هاما للمناهج والمقررات الدراسية في الثانويات والجامعات .. وحبذا لو يعمل بهذا التنظيم الجيد الجاد في ملتقياتنا الفكرية التي طالما بقيت توصيات (21/3)
صفحة 223
على الورق أو بحوث في المجلات والكتب لا يستفيد منها الطلاب في حياتهم العلمية» (18) وبهذا قدّم الرحالة اقتراحا لمسؤولي الوطن، والعاملين في التربية، بتفعيل نتائج الندوات الثقافية والعلمية، عن طريق طبع بحوثها في كتب مستقلة، ممنهجة، ومبسطة للباحثين، وللعاملين على تهيئة برامج التعليم، ومقرراته، بعدما عرض انطباعه الإيجابي لهذا المجهود المقام في ندوة عمان، التي حضرها محمد ناصر. (19)
أما حديث الرحالة عن التطور الثقافي الكبير الذي استطاعت عمان تحقيقه منذ سنة 1970، والجهود الجبارة، التي بذلت من أجل إحياء التراث، والمحافظة على أصالة الثقافة، والفكر، وحماية كنوز المخطوطات التي تتوفر عليها البلاد، وانبهاره بالمكتبات الضخمة، الخاصة، التي زارها، لمن الخطابات غير الصريحة الموجهة إلى مواطنيه للاعتناء بتراثهم، وتحديث مكتباتهم الخاصة، أو تسهيل وصول الباحثين إليها.
الإحالات:
1. قدّمت الكثير من الدراسات العربية مفاهيم، أو مقاربات لفن الرحلة، منها ما ركّز على القيمة العلمية للرحلة كدراسة حسين محمد فهيم: أدب الرحلات، سلسلة عالم المعرفة، 1989، وكتاب الرحلات لشوقي ضيف، دار المعارف، مصر، 1987، .. ومنها ما عالج جماليات الرحلة، واعتنى بمكوناتها الأدبية، كدراسة عبد الرحيم المودن، أدبية الرحلة، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط.1، 1996، ودراسة شعيب حليفي: الرحلة في الأدب العربي التجنيس .. آليات الكتابة .. خطاب المتخيل، دار رؤية، القاهرة، ط.1، 2006.
2. من الرحلات الجزائرية الحديثة نحو الكويت والبحرين رحلتا أحمد توفيق المدني السياسية، وهي المدونة في مذكراته: حياة كفاح (مذكرات)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ج. 3، 1982، ص. 358. وكذلك رحلة أحمد منور «الكويت اليوم» التي كانت لحضور فعاليات مهرجان القرين السنوي، المنظم من قبل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، أنظر: جريدة القبس، الكويت، 3، 4 جوان 1996.
3. ولد محمد ناصر سنة 1938م في القرارة، ولاية غرداية، وفيها أخذ تعليمه حتى نهاية مرحلة الثانوي، تابع بعد ذلك دراسته في جامعة القاهرة، للحصول على شهادة الليسانس في الأدب العربي، فكان ذلك سنة 1966، رجع محمد ناصر إلى الجزائر، فبقي بها مشتغلا بالدراسة والتدريس، فحصل على شهادة الدكتوراه درجة ثالثة عام 1972، ودكتوراه دولة سنة 1983، وعمل أستاذا في معهد اللغة العربية وآدابها بجامعة الجزائر، للكاتب في مجال التأليف، عدّة كتب، ودراسات في الأدب الجزائري الحديث، أهمها: «المقالة الصحفية الجزائرية، نشأتها، وتطورها، وأعلامها»، و «مفدي زكرياء شاعر النضال والثورة»، و «الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية»، وله مشاركة في نظم الشعر، وطبع من ذلك ديوانين: «أغنيات النخيل»، و «البراعم الندية».
4. نشرت الرحلة في جريدة السلام، الجزائر، ع.18، 19، الثلاثاء 27، والأربعاء 28 نوفمبر 1990.
5. محمد ناصر، أوراق ثقافية من عمان، السلام، الجزائر، ع. 18، الثلاثاء 27 نوفمبر 1990.
6. المصدر نفسه.
7. المصدر نفسه.
8. المصدر نفسه، ع. 19، الأربعاء 28 نوفمبر 1990م.
9. المصدر نفسه.
10. المصدر نفسه.
11. المصدر نفسه.
12. المصدر نفسه.
13. المصدر نفسه.
14. المصدر نفسه.
15. المصدر نفسه.
16. المصدر نفسه.
17. المصدر نفسه.
18. محمد ناصر، أوراق ثقافية من عمان، السلام، ع. 18، الثلاثاء 27 نوفمبر 1990.
19. المصدر نفسه.
سميرة أنساعد
أكاديمية من الجزائر (21/4)
صفحة 224
عنوان المقال عُمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى
صدر في العدد الخامس والستون
الكاتب عبد الله بن علي العليان
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
عرفت عُمان منذ أقدم العصور بريادتها البحرية وصلاتها التاريخية الكبيرة مع الحضارات القديمة للتبادل الثقافي والنشاط الاقتصادي، لاسيما الحضارات السومرية والبابلية والفرعونية والرومانية وغيرها من الأمم والحضارات في حقب مختلفة. كان العمانيون في الطليعة يرتادون البحر والحرفة الملاحية، والذين اعتبرت مغامراتهم وأسفارهم مثلاً يحتذى به في الإقدام والجرأة والشجاعة للتواصل مع الشعوب والحضارات، ونشر الدين من خلال المعاملة والأمانة والصدق، ومن ضمن هذه الاهتمامات وضع مرتكزات أساسية للتواصل الحضاري والاقتصادي. (1)
أولا: الاهتمام بالتجارة البحرية
حتى أنهم لقبوا بسادة البحار لكثرة نشاطهم البحري العريق عبر التاريخ. وفي بعض المصادر وردت تسمية عمان ببلاد الفضة والنحاس، وذلك إشارة إلى كثرة وجود هذين المعدنين قديماً في عمان، وقد ورد ذلك في اللوحة الخاصة بالملك الأكادي المسمى (ماني شتوسو) والتي تذكر أن هذا الملك قد أحضر معدن الفضة من عمان، كما تشير اللوحات التي ترجع إلى ما قبل القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد إلى وجود صلات تجارية بين مجان (عمان) والأكاديين ولعل ذلك بسبب انتزاع سيادة طرق التجارة البحرية عبر المحيط الهندي، وفي صفحات مطوية من تأثير الحضارة العمانية – يشير الباحث د. محمد سليمان أيوب – في تقديمه لبحث في هذا الصدد إلى أن الأكاديين ومن بعدهم السومريين قد سلموا بسيادة العمانيين، وقنعوا باستقبال السفن العمانية القادمة بتجارة الهند وتوابل جنوب الجزيرة العربية، ذاهباً إلى القول أن عمان القديمة كانت حلقة الوصل بين حضارتي وادي النيل وما بين النهرين من جهة وحضارة وادي السند من جهة أخرى. (2).وما أن أزف القرن الثالث قبل الميلاد حتى كانت عمان تملك ثاني أسطول بعد قرطبة وطيرة، وربما كان أسطولها أقوى أسطول بحري في العالم أو أكثر عدداً، وكان بلا ريب الوسيلة الوحيدة لنقل حضارة مينا وبابل وسوسة إلى الهند (:) ولهذه شكلت البحرية العمانية ومنذ البداية العمود الفقري للحياة الاقتصادية في عمان، وأوكلت إليه مهام عديدة، كصيد الأسماك واللآلئ والنقل والتجارة وحماية الوطن وأبنائه (على اليابسة وعلى ظهر سفنهم)». (3).
ولا شك أن هذا الدور انعكس على الحياة الاقتصادية في عمان، واضطلعت بدور كبير في جانب تفعيل التجارة البحرية بين آسيا وأفريقيا بحكم الموقع واتصالها بساحل أفريقيا ومدخل بحر الهند والصين، ولا غرابة أن أطلق بعض المؤرخين على العمانيين اسم رواد الملاحة منذ أقدم العصور.
ولعل أجلى المعلومات عن البحرية العمانية في العصور القديمة، تأتينا مع الفتوحات الكبرى للإسكندر المقدوني (356 - 322 ق. م)، التي أدت إلى تغييرات عميقة في الطابع السياسي والحضاري لغرب آسيا رغم قصرها، بالرغم من اعتماد الاسكندر على البحارة الفينيقيين في البحر الأحمر والخليج العربي فقد لعب العمانيون دوراً أساسياً وإيجابياً في النشاط البحري في المحيط الهندي ومن جهة أخرى فإن الفرس سعوا لمنافسة العمانيين في الفترة السابقة للاجتياح المقدوني، وبشكل خاص في عهد دارا الكبير ملك الفرس الأخميني (521 - 584 ق. م) إلا أن العمانيين لما اتصفوا به من عزيمة وتصميم ما لبثوا أن استعادوا دورهم البحري الدولي في عام 100 ق. م. وعندما برز الرومان كقوة دولية ما بين عام 50 وحتى 200م، شاهد العالم توسعاً في النشاط البحري الدولي على أيديهم خاصة ما بين الشرق والغرب، ولم يؤثر ذلك كثيراً على نشاط البحرية العمانية بل دل على العكس من ذلك، فقد زاد العمانيون من نشاطهم البحري الدولي وقاموا بتغيير طرقهم البحرية المعهودة من قبل، ليسايروا شواطئ فارس والسند وصولاً إلى الهند متحاشين بذلك الاصطدام مع السفن المعادية لهم. (4).
عند ظهور الإسلام كانت عمان بلداً عربياً مستقلاً يحكمه اثنان من أهل الجلندى العرب هما جيفر وعبد، فدخلت عمان في الإسلام طواعية بعد وصول مبعوث الرسول (ص)، وقد أسهم العمانيون في الدعوة إلى الإسلام وشاركوا في الكثير من الفتوحات، مثل فتح فارس وبلاد السند وبلاد المغرب العربي، ويروى أن عثمان بن أبي العاص الذي عيّن عاملاً على عمان من قبل الخليفة عمر بن الخطاب، قد قام سنة 636هـ بحملة بحرية ضد بلاد السند انطلق بها من الموانئ العمانية بأسطول عماني وبحارة وجنود من عمان. وأسهم العمانيون في العصر الإسلامي أيضاً بدور بارز ومتميز في تجارة التوابل بحكم ريادة أسطولهم البحري ونشاطهم التجاري «واشتهر العديد من موانئ عمان بمكانة تجارية رفيعة ومتميزة في العالم في ذلك العصر. وكانت صحار، قصبة عمان تعد أهم مدن عمان التجارية مع الشرق الأقصى وأفريقيا ويصفها المقدسي بأنها (دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن)، وقد نقل عنه ياقوت الحموي في معجم البلدان هذا الوصف. (5)
وفي هذه الفترة برزت عمان في العصر الإسلامي من الدول ذات الأهمية التجارية بحكم موقعها الهام على طرق (22/1)
صفحة 225
التجارة العالمية، وأصبحت مدنها «المرفئية في التجارة ذات بعد عالمي، وفي طليعة هذه نجد: صحار عاصمة عمان القديمة.
كما أصبحت عمان بفضل هذه المكانة الجديدة في الدورة التجارية العالمية مضرب الأمثال في سعة الرزق، ورواج التجارة، فقد قيل: «من تعذر عليه الرزق فعليه بعمان»، وهناك من ينسب هذا القول إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا لم تثبت نسبته فإنه يدل على مدى توفر وسائل الكسب بعمان، وقد قال الأصمعي: «الدنيا ثلاث عمان، والأبلّة، وسيراف»، وجاء في «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للجغرافي المقدسي «من أراد التجارة فعليه بعدن، أو عمان، أو مصر». ويتحدث الجغرافيون العرب عن الإنتاج الزراعي لعمان فيقول الحميري: «وبلاد عمان مستقلة في ذاتها، عامرة بأهلها، وهي كثيرة النخل والفواكه والموز والرمان والتين والعنب»، وقد بلغ خراج أهل عمان على المقاطعة ثمانين ألف دينار، وجمع في العصر العباسي من الجباية مبلغ ثلاثمائة ألف دينار. (6)
وكان العمانيون منذ القدم معروفين عند الحضارات والأمم القديمة بأنهم ملاحون ماهرون، ولهم باع طويل في التجارة البحرية مع آسيا وأفريقيا، وبقي هذا الإرث الهام يتفاعل باطراد وفق ظروف الاستقرار ومناخ الحركة الاقتصادية العالمية، ولم تقتصر «علاقة العمانيين بالسفن في صناعتها وإدارتها، بل كانوا يمتلكونها أيضاً، فقد ذكر المسعودي في كلامه على بحر الزنج» وذكر جماعة من نواخذة هذا البحر من ... العمانيين وهم أرباب المراكب، كما قال في كلامه عن الخليج: «وقد ذهب كثير من نواخذة هذا البحر وهم من أرباب المراكب من ... العمانيين ممن يقطعون هذا البحر ويختلفون إلى عمائره في الأمم التي في جزائره وحوله». ووصف سفالة فقال: «وهي أقاصي بلاد الزنج وإليها تقصد مراكب العمانيين». وقد ذكرت المصادر أسماء بعض من امتلك المراكب من أهل عمان وممن ذكرتهم، اسمعيلويه الذي خرج في سنة 300هـ في مركبه من عمان إلى قنيلة، وإسحاق وكان قد قدم من الصين سنة 300هـ على ظهر مركب يملكه وحمولته، وكاوان الذي وصل عمان سنة 317هـ في مركبه قادماً من سرنديب، ومحمد بن بابشاد بن حرام. وهكذا فإن أهل عمان لم يقتصر نشاطهم على الملاحة، بل امتد إلى مختلف جوانب النشاط التجاري البحري، فكان بعضهم يدير السفن ويبحر فيها، وبعضهم يمتلك السفن ويستخدمها لنفسه أو لمن يؤجره، وبعضهم يقوم بالتجارة أيضاً، وهذا مكنهم من القيام بنقل سلع أفريقيا والهند والشرق الأقصى مباشرة دون الاعتماد على العناصر الأخرى.» (7).
فالجغرافيا جعلت عمان على مفترق الطرق ونقطة التقاء بين الشرق والغرب تجارياً، بحكم موانئها التجارية الهامة، فبالنسبة إلى الصين والشرق الأقصى، كانت عمان أحد المراكز التجارية التي توزع منها متاجر الصين، لذا تصف العديد من المصادر صحار خاصة بأنها «دهليز الصين» نظراً لما يمر بمينائها من المنتجات الصينية. وهناك على ما يبدو أكثر من طريق بحري إلى الشرق غير أن الأشهر من هذه الطرق طريقان اثنان سلكتهما السفن التجارية. الطريق الأول: تسلكه عادة السفن الكبيرة التي يمكن أن يطلق عليها عابرة المحيطات وهو من أطول وأشق الطرق البحرية الدولية إذ تستغرق الرحلة فيه من الخليج العربي إلى الصين قرابة عام ونصف، وقد أشار إلى هذا الطريق بشكل مفصل سليمان التاجر في معرض حديثه عن البحار الشرقية.» (8).
ويشير أحد الباحثين الصينيين الى أن العمانيين كانوا من أمهر الملاحين في التجارة وكانت صحار بوابة الصين «ولم تكن عمان مركزاً مهماً للسلع المتبادلة بين الشرق والغرب لشبه الجزيرة العربية فحسب، بل كانت همزة الوصل للمواصلات للسفن التي لا بد أن تمر بين الشرق والغرب. وعندما تحدث سليمان في سجل رحلته عن الممر المائي في منطقة الخليج فإنه يذكر أكثر من مرة مدينة مسقط. وفيما بعد جاء حسن العالم التاريخي العربي الذي أضاف معلومات جديدة إلى سجل رحلة سليمان إلى الصين حيث اعتبر عمان وميناء سيراف الذي يقع على رأس الخليج هما الميناءان المهمان على نفس المستوى في مجال القيام بالتجارة مع الصين.
ثم تبحر السفن من هذه المنطقة إلى الشرق بعد مرورها بكثير من الدول وبعد أن تمضي 36 أو 37 يوماً يمكنها الوصول إلى دولة موي (وهذه الدولة تسمى ووشيون في عهد أسرة سون الصينية) وان ما يطلق عليه اسم موي أو ووشيون كلاهما يعبر عن اللفظة المقابلة MAZUN وهي صحار الآن في عمان. (9)
وإذا كان العمانيون قد أصبحوا بحكم خبرتهم على هذا النحو من المقدرة والشهرة في ركوب البحر فلا غرابة إذا قال بعض الباحثين من أن الطريق البحري إلى الشرق الأقصى كاد أن يكون حكرا على رجال البحر العمانيين دون غيرهم, وان النشاطات التجارية أصبحت في أيديهم حتى عام 264هـ / 878مـ, وان ملاحي عمان وتجارها كانوا هم العناصر المؤثرة في ازدهار النشاط العربي الملاحي في المحيط الهندي. فمن صحار ومسقط والموانئ العمانية الأخرى برز عدد كبير من الملاحين العمانيين الأكفاء الذين أوردنا أسماء بعضهم والذين سيطروا على التجارة البحرية مع الشرق الأقصى وافريقيا الشرقية, وكانوا أكثر مهارة من السيرافيين بل وكانوا يتفوقون عليهم ويسيطرون على معظم الطرق التجارية البحرية لأنهم كانوا أمهر المسلمين عامة في فنون البحار في العصور الوسطى. (10).
وإذا جئنا إلى العلاقة بين عمان والهند والسند، يرى الكثير من الباحثين أن العمانيين وصلوا إلى الهند، وكانت لهم علاقات تجارية نشطة، كان العمانيون يستوردون العديد من المنتجات من الهند، ويشترون أيضاً الأخشاب التي يصنعون منها السفن في عمان وبعضها يتم صناعتها في الهند. (22/2)
صفحة 226
وكانت عمان تصدر إلى الهند العديد من المنتجات منها اللبان والصمغ والجلود والتوابل، وكان بعض هذه المنتجات في فترة من الفترات يستعمل في التحنيط والتبخير وصناعة العقاقير كما امتد نشاط العمانيين الى سرنديب وسيلان والعديد من المدن الآسيوية. وفي العصور المتأخرة كان يصدر إلى الهند من ظفار بسلطنة عمان اللبان والخيول والجلود. (11).
فالعمانيون منذ انفتاحهم على الحضارات والشعوب، فإنهم أدركوا أهمية موقع عمان ومركزها الدولي، وأهميتها التاريخية، لذلك انطلقوا في أنشطة التجارة البحرية على وجه الخصوص، «وقد ساعدت طبيعة السواحل العمانية، بجانب هذا الموقع، على قيام موانىء عمانية ملاحية نشطة أصبحت علاقات بارزة في شبكة الملاحة الدولية طيلة العصور القديمة والعصر الوسيط. فبالرغم من طبيعة تكوينات السلاسل الجبلية العمانية وتنوعها في مناطق الشمال عن مناطق الجنوب، إلا أنها سمحت بتكوين سهل ساحلي برزت عليه سلسلة من الموانىء النشطة على امتداد تلك السواحل. كما أن لكل ميناء من تلك الموانىء العمانية محيطه الحيوي وحيزه الجغرافي وظهيره القاري.
كما أن المحيط الهندي كان له منفذان لحمل تجارته وسلعه عبر العصور التاريخية، وهما: الذراع الأيمن ويتمثل ذلك في الخليج العربي، ثم المنفذ الأيسر وهو البحر الأحمر. وبسبب عوامل طبيعية وحضارية لم يتمكن البحر الأحمر من احتلال مركز الصدارة في حمل تجارة المحيط الهندي إلى مدنيات البحر المتوسط، واستمر الخليج العربي يقوم بالدور الهام والأساسي في تجارة المحيط الهندي، ولأسباب جغرافية وبشرية ظلت الحركة التجارية مرتبطة بالساحل العربي وهو الساحل الغربي، وكانت السواحل العمانية تشكل جانباً هاماً على تلك السواحل. (12).
وإذا اتجهنا إلى العلاقة التجارية بين عمان وجنوب الجزيرة العربية وشرقي إفريقيا فإن هذه العلاقة الوطيدة تشكل مرحلة هامة من مراحل تاريخ عمان الوسيط والحديث، فقد ارتبط العمانيون ما قبل الإسلام بشرق أفريقيا تجارياً، وقد توثقت هذه العلاقة باطراد «بحكم التبادل التجاري الذي ترتب عليه قيام مراكز ساحلية أسسها العمانيون لخدمة الأغراض التجارية، وعن هذه الفترة المبكرة في تاريخ العلاقات العمانية / الأفريقية يؤكد مؤلف الدليل الملاحي للبحر الارتيري PERIPLUS MARIS ERYTHRAEI، كثرة تردد السفن العربية القادمة من أقطار الخليج العربي ومن بينها عمان على الساحل الشرقي لأفريقيا، كما يتحدث عن اختلاط العرب وتزاوجهم من القبائل الإفريقية. وعلى مدى التاريخ الطويل نظر أبناء تلك المنطقة من شرق أفريقيا إلى عمان على أنها الدولة الأم بطبيعة الحال. ولقد ساعدت الظروف المناخية السائدة بالمحيط الهندي على نشاط الملاحة بين شرق أفريقيا وعمان كما سبق أن ذكرنا، فكثيراً ما دفعت الرياح الموسمية الشمالية في فترات هبوبها على منطقة الخليج في فصل الشتاء العمانية من سواحل عمان إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، كذلك كانت الرياح الموسمية الجنوبية الغربية تدفع نفس تلك السفن في طريق عودتها عبر مياه المحيط الهندي إلى عمان في فصل الصيف.
ولم يتوغل العمانيون كثيراً قبل ظهور الإسلام داخل أفريقيا فقد اكتفوا بالاستقرار على سواحلها الشرقية، وإقامة مراكز تجارية بها، وعملوا على مقايضة الأفارقة فكانوا يحملون إليهم منتجات الهند والصين في مقابل العاج والذهب». (13)
وبسبب التجارة العمانية النشطة مع شرق أفريقيا أصبح هناك اهتمام خاص من جانب العمانيين بشرق أفريقيا حيث استقر العديد من العمانيين في بعض المدن في شرق أفريقيا، لأسباب سياسية واقتصادية وجغرافية في عمان ويسجل مطلع القرن السابع أيضاً كما تذكر بعض المصادر هجرة عمانية إلى الساحل الشرقي لأفريقيا وتواصلها مع عمان، (14).
ولا شك أن هناك الكثير من الصلات والعلاقات التجارية والاجتماعية، أسهمت في توطيد هذه العلاقة التجارية الكبيرة، مما جعل البعض من الباحثين يربط بين الصلة التجارية وبين تأثير العمانيين الحضاري في شرق أفريقيا، لأن العملية التجارية كما يرون هي في حد ذاتها وسيلة احتكاك حضاري بالغير على الرغم من اختلاف الجنس والدين والمعتقد والمذهب, وهي أيضا عملية حضارية فيها الكثير من علائم التأثير والتأثر, وهو الأسلوب الذي مارسه البحار العماني والتاجر العماني في الدائرة الجغرافية التي تاجر معها أو أبحر إليها .. وبما أن التجارة هي في حد ذاتها معاملات حسابية محددة ومقننة, فهي في الوقت نفسه أسلوب ممتاز لإقامة صلات حضارية قائمة على أساس الأخلاق والمبادئ, وهو ما مارسه العمانيون أثناء عملياتهم التجارية والبحرية على طول تاريخهم الممتد, وقد أكسبهم هذا خبرة من جراء احتكاكهم بغيرهم.
وعلى الرغم من وجود هجرات عربية محدودة إلى مناطق شرقي إفريقيا والمناطق الإفريقية الداخلية المتاخمة للساحل في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام إلا أن جذور الهجرات السكانية العمانية إلى تلك المنطقة كانت بعد ظهور الإسلام, بخاصة في فترة حكم الدولة الأموية وما انتابها من منازعات .. وقد تتابعت الهجرات السكانية العمانية في حقب تاريخية مختلفة .. وكان جل نشاطها الاقتصادي يرتكز على التجارة لأن العمانيين أحبوا البحر وركوبه, وأحبوا العمل بالتجارة .. وقد تركز هذا الجهد بشكل واضح في العصر الحديث. (15)
وهذه الخلفية التجارية للعمانيين والتراكم المعرفي في أنشطة التجارة والعوامل الأخرى التي ساهمت في هذه (22/3)
صفحة 227
الخبرة الاقتصادية جعلت العمانيين محل ثقة وتقدير من المتعاملين مع هذه الشعوب حيث الأخلاق الإسلامية السمحة و زودت التاجر العماني بروح الصدق والتسامح ذات الصلة بالمعاملات الفردية والجماعية وتمكن العمانيون أن يثبتوا كيانهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ليس في منطقة الساحل الإفريقي فحسب وإنما في بعض المناطق الداخلية التي تتصل بالساحل عن طريق المعابر التجارية .. ولم يقتصر العمل التجاري العماني على مناطق شرقي إفريقيا بل تعداه إلى مناطق الهند والصين .. وأصبحت التجارة العمانية رائدة الطرق التجارية البحرية الموصلة إلى الهند. والى الساحل الشرقي الإفريقي, على الرغم مما كان يعترض ذلك من صعوبات». (16)
كما أن السلع المتبادلة بين عمان وشرق أفريقيا، وهي عنصر هام من عناصر الصلة التجارية الوطيدة، فإن بعض المصادر الجغرافية تذكر أن العمانيين كانوا يمارسون التجارة التبادلية بصورة كبيرة، إلا أن الذهب يعد أهم سلعة كانت السفن العمانية تصدرها من شرق أفريقيا إلى الخارج، باعتبارها أهم معدن هام يتم تسويقه لقيمته النفيسة بين دول العالم.
ثم تأتي السلع الأخرى ذات الأهمية التجارية وهي المواد العطرية وأهمها العنبر «في مقدمة البضائع المنقولة بين عمان وشرق أفريقيا، وذلك لما له من شهرة واسعة في الأسواق العربية. فالعنبر هو من أهم أنواع الطيب الذي يتوفر في بلاد الزنج، وشق طريقه إلى عمان وبقية أقطار الخليج العربي، وأصبحت مناطق وجوده في شرق أفريقيا، مثل مالندي ومقديشو وزنجبار، مقصد التجار. ويبدو أن أصحاب المراكب العمانيين كانوا يعرفون مناطق جمع العنبر والطرق الخاصة التي استخدمها سكان سواحل شرق أفريقيا في جمعه.
كما نجد في قائمة التبادل التجاري العماني مع شرق أفريقيا الجلود، لا سيما جلود النمور الزنجية ذات الجودة والنعومة الشديدة. أما أهم المراكز التي كانت تصدرها في شرق أفريقيا فهي مالندي ومومباسا حيث كان أهلها يحملون الجلود إلى الساحل ومن ثم يأتي أصحاب المراكب من عمان وغيرها من أجل شرائها. كما كانت جزيرة قنبلو التي ذكرها المسعودي من أهم المراكز التجارية التي حمل العمانيون منها جلود النمور. (17).
وفي أوائل القرن التاسع عشر كان الأسطول العماني والحربي أيضاً يعتبر ثاني أكبر أسطول ويأتي في المرتبة الثانية بعد الأسطول البريطاني كما تذكر بعض المصادر «وكان لهذا الأسطول الضخم قواعد رئيسية على الساحل الشرقي للخليج العربي في موانئ بندر عباس وحاسك وشامل وسياب ولنجة وجزر قشم، وهرمز، ولاراك، وكانت قواعده على الساحل العماني مطرح، وجزيرة مصيرة. أما على الساحل الأفريقي فكان لعمان قواعد بحرية في ممباسة، ولامو وكلوة، ومركة، ومقديشو، وزنجبار. وكان السيد سعيد بن سلطان البوسعيد الذي حكم أكثر من نصف قرن دولة واسعة في الخليج العربي والمحيط الهندي ينتقل بين ممتلكاته في عمان والساحل الأفريقي، وكان يقضي فترة طويلة على ظهر السفن يتفقد بلدان هذه الدولة الشاسعة الأطراف.
وقد ذكر أحد التجار الأمريكيين الذي زار زنجبار في بداية الثلاثينات من القرن التاسع عشر، أن السيد سعيد وصل البلاد على رأس قوة تتألف من سفينة مزودة بأربعة وستين مدفعاً، وثلاث فرقاطات مزودة لكل منها بستة وثلاثين مدفعاً، وسفينتين مزودة كل منهما بأربعة عشر مدفعا، وحوالي مائة مركب نقل عليها ستة آلاف مقاتل. ورغم بعد الممتلكات العمانية في أفريقيا عن عمان بأكثر من ألفي ميل إلا أن الأسطول العماني كان من القوة بحيث استطاع أن يحرس هذه الممتلكات الشاسعة الممتدة بين بندر عباس وزنجبار، كما استطاع أن يحرس عشرات الموانئ الواقعة على السواحل العربية والأفريقية وعشرات الجزر المتناثرة في الخليج العربي والمحيط الهندي». (18)
العمانيون وصناعة السفن
عندما فكر العمانيين في التجارة البحرية، وبروز موقع عمان الاستراتيجي على الخطوط العالمية للتجارة، اتجهت أذهانهم إلى صناعة السفن، والاعتماد على أنفسهم في بناء هذه الوسائل الهامة في النشاط الاقتصادي، بدلاً من استجلابها من الخارج، فكان هذا التحدي الهام في حياتهم العملية، «ولكون عمان مركزاً للملاحة والتجارة البحرية، كان يستلزم أن تقوم فيها صناعة السفن. وكان العمانيون يتبعون في صنع سفنهم التقاليد السائدة في صناعتها في المحيط الهندي والتي تتميز عن صناعتها في البحر المتوسط من حيث أن سفنها كانت تخرز بالألياف وتشد ولا تسمر بمسامير الحديد.
وكان بعض العمانيين يذهبون إلى الهند ليصنعوا سفنهم فيها نظراً لتوفر الأخشاب هناك، غير أنهم كانوا في نفس الوقت يجلبون من تلك المناطق الأخشاب ويصنعون البعض الآخر من السفن في عمان نفسها، وفي كلتا الحالتين كان العمانيون هم الذين يصنعون السفن. وهذا واضح من كلام أبي زيد الذي يذكر أن من يقصد الجزر التي تنتج جوز الهند «ومعهم آلات النجارة وغيرها فيقطعون من خشب النارجيل ما أرادوا، فإذا جف قطعوا ألواحاُ ويفتلون من ليف النارجيل ما يخرزون به ذلك الخشب ويستعملون منه مركباً وينحتون منه أدق لآلئ وينسجون من حوضه شراعاً ومن ليفه حزابات وهي القلوى .. فإذا فرغوا منه جميعاً شحنت المراكب بالنارجيل فقصد بها عمان فبيع». (19)
وتذكر بعض المصادر أن السفن التي كانت تبحر إلى شرق أفريقيا ويديرها ملاحون عمانيون كانت صناعة عمانية خالصة، «وكان العمانيون يتبعون في صنع سفنهم التي تذهب إلى شرق أفريقيا التقاليد السائدة في صناعة (22/4)
صفحة 228
السفن التي تمخر المحيط الهندي من حيث كونها تخاط بالألياف المصنوعة من ليف جوز الهند ولا تدخل في إنشائها مسامير الحديد والسبب في ذلك يعود إلى كثرة الصخور في مياه المحيط الهندي فإذا كانت السفينة مسمرة بالحديد واصطدمت بالصخور فإنها تنكسر وإذا كانت مخيطة تكون لينة لا تنكسر ويعزو المسعودي سبب الخياطة بالألياف إلى أن الحديد لا يثبت في المركب لأن مياه المحيط تذيبه ولذلك عمد العمانيون إلى خياطة ألواح السفن بالليف ثم يطلونها بالشحوم والنورة.
وهكذا شمل النشاط التجاري البحري العماني مع شرق أفريقيا مختلف الجوانب من امتلاك السفن وصناعتها وإدارتها، ولابد أن نشير بشكل موجز إلى طبيعة عمل الأفراد الذين عملوا في السفن العمانية المبحرة إلى شرق أفريقيا، فقد كان بعضهم يمتلك السفن ويديرها، والبعض يديرها فقط، فقد يؤجر ملاح لقيادة السفينة لرحلة واحدة أو أكثر بأجر متعارف ومتفق عليه يختلف باختلاف طول الرحلة التجارية، ويعمل مع الملاح مجموعة من العاملين ويقسمون عادة إلى اثنتي عشرة مرتبة كل لها عملها الخاص. (20)
ويعتقد أن المراكب العمانية أدخلت عليها تعديلات عديدة مع مرور السنين بهدف السعة الاستيعابية ومواجهة الرياح والأمواج العاتية، وبدأت السفن الجديدة الكبيرة تحل محل السفن التقليدية والقديمة وهكذا.
وكان خشب الساج والنارجيل يستوردا من الهند والمالديف والكالديف وهي المناطق التي يحتمل أن انتقلت منها زراعة النارجيل إلى ظفار خلال العصور الوسطى. وقد شهدت هذه الجزر نشاطاً ملحوظاً في بناء السفن ويقول أبو زيد الحسن السيرافي الذي عاش في القرن الرابع هـ/العاشر م بأن جماعات من عمان كانوا يفدون إلى تلك الجزر التي تزرع جوز الهند ومعهم أدواتهم وعدتهم ويقوموا بقطع ما يشاؤون من تلك الأشجار ثم يتركونه ليجف، وينزعون عنه الأوراق ويفتلون من لحاء أشجاره حبالاً يصنعون منها المراكب. وكان شجر جوز الهند متعدد الفوائد بالنسبة لأهل عمان فمنه أيضاً يصنعون أشرعة السفن.
تتحدث بعض المصادر عن شكل نوع من المراكب كانت مستعملة في عمان وذلك مما ذكره الادريسي عن أسطول قيس من أن ملك جزيرة قيس كان مرهوب الجانب وكان أهل الهند يخشونه ولا يستطيعون مقاومته إلا بنوع من المراكب تسمى «المشيات»، تستطيع رغم أنها من قطعة واحدة أن تحمل مائتي رجل كما يقول أن أحد الرحالة المعاصرين قد ذكر أن لملك قيس خمسين من هذه المراكب، وهي مصنوعة من كتلة خشبية واحدة تبدو وكأنها قارب ضخم جداً من قوارب «الهورى» الذي لا يزال يستخدم في عمان حتى اليوم. (21)
(بقية الدراسة في موقع المجلة الالكتروني)
ويصف أبو سعيد البلخي في القرن التاسع الميلادي (القرن الثالث للهجرة) الطرق التقليدية لبناة السفن العمانيين كما يلي: «كان هناك قوم في عمان وصلوا إلى الجزر التي تنتج جوز الهند وقد حملوا معهم أدوات النجارة وما شابهها، وبعد أن قطعوا من الأخشاب ما يشاؤون، تركوها لتجف ثم أزالوا الأوراق كما غزلوا خيوطاً من لحاء الشجر ثم خاطوا الألواح ببعضها وقاموا ببناء الدفة، وباستخدام نفس الخشب، قاموا ببناء الصواري، كما حاكوا من الأوراق أشرعتهم وحولوا الليف إلى حبال للسفينة، وبعد أن انتهوا من بناء مركبهم، حملوه بجوز الهند وجلبوه ليباع في عمان». (21)
وتعتبر صناعة السفن حرفة متوارثة في العديد من المدن العمانية منذ القدم ومن هذه المدن صور التي تعد صناعة السفن فيها قديمة نظراً للنشاط البحري العماني في هذه المدينة وبقية المدن العمانية وموانئها الهامة، وتذكر بعض المصادر أن في صور نوع تشتهر بصناعته وهو البغلة والشكل الأصغر منه هو الغنجة وكليهما سطح مرتفع ونوافذ في مؤخرة السفينة على نمط السفن البرتغالية الحربية القديمة المسماة غليون. واليوم تسير المراكب بمحركات أما في فترة الستينات فلم تكن تتحرك إلا بالأشرعة. وتنتهي عملية بناء السفن بعد بناء الهيكل وسدّ شقوق السفينة. لقد سبق للبحارة الذين ركبوا البحار أن عملوا الأشرعة وجهزوا السفن وأقلعوا بها من أرض المرفأ. وقد قام «آلن فيليرز» Alan Villiers، المؤرخ البحري، بعدد من الرحلات البحرية على مركب عربي في الثلاثينات وهو يصف في كتابه «أبناء السندباد» آخر أكبر سفينة من نوع البغلة تم بناؤها في عمان. كانت السفينة تسمى أمل الرحمة وكانت تزن مايقرب من 200 طن و سعتها 3000كيس من التمر ولكنها صغيرة نسبياً إذا ما قورنت بالسفن التي بنيت قبلها والتي تصل من حيث الوزن إلى 500 و 600 طن وتحمل 400 رجل أو أكثر. (22)
وهناك الكثير من المواقف والمعلومات للتاريخ البحري العماني لا يتسع المقام لسردها. و في عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم أعيد الاعتبار لهذا التاريخ المجيد للبحرية العمانية، وقامت حكومة جلالته بتخليد هذا التاريخ البحري المجيد لعمان. وانطلاقاً من هذا المجد البحري العريق تسعى سلطنة عمان في جهد دؤوب وعمل متصل لإحياء تراث الأجداد البحري بأسلوب حضاري حيث قام البحارة العمانيون بقيادة سفينتهم الشراعية (شباب عمان) إلى موانىء العالم مستلهمين في ذلك التقاليد البحرية العمانية الرائدة التي يعود تاريخها إلى ما قبل أربعة آلاف عام.
وفي 22 مارس عام 1986م وبأمر من جلالة السلطان قابوس المعظم أبحرت القطعة البحرية السلطانية «شباب عمان» في أول رحلة لها إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في احتفالاتها بالعيد المئوي لتمثال الحرية في (22/5)
صفحة 229
نيويورك في 4 يوليو من العام نفسه, وذلك بناء على دعوة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. ولتكون السفينة «شباب عمان» السفينة العربية الوحيدة التي شاركت في تلك الاحتفالات. وقد استغرقت رحلة الذهاب والعودة من مسقط إلى نيويورك في سبعة شهور ونصف من الإبحار وعلى متنها 131شاباً عمانياً.
ورغبة من جلالة السلطان قابوس المعظم في إحياء الأمجاد البحرية العمانية، كان التفكير في تسيير رحلة بحرية مشابهة للرحلات التي كان يقوم بها العمانيون في القرون الماضية عبر تاريخهم البحري الطويل، وتم اختيار مدينة كانتون الصينية التي ربطتها بعمان روابط تجارية وثقافية لتكون المحطة التي تقصدها السفينة «صحار» لتكتب من جديد فصول هذه الملحمة التاريخية العمانية بمداد الإصرار والتحدي وحب المغامرة.
كما تبنت السلطنة الدعوة العالمية التي أطلقتها منظمة التربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» لدراسة طريق الحرير والتجارة القديمة التي كانت تتبادلها القوافل التجارية البرية والبحرية بين شعوب العالم. نظرا للأهمية الحضارية للمشروع ولموقع عمان الجغرافي والدور الذي لعبته في مسيرة التواصل الإنساني بين الشرق والغرب، فقد كان لها دور ريادي في الرحلة البحرية لطريق الحرير يتمثل في الالتفاتة الكريمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – بتخصيص اليخت السلطاني فلك السلامة مع كل طاقمه لتستخدمه اليونسكو لهذه الرحلة, وذلك تقديرا من جلالته للمردود العلمي للدراسة ونتائجها الايجابية والاستفادة من معطياتها لزيادة الترابط بين شعوب العالم. وشملت دراسة طريق الحرير رحلات برية وبحرية، فاحدى الرحلتين البريتين بدأت من (اسطنبول) وانتهت في مدينة (اكسيان) بالصين، والرحلة البحرية فقد بدأت من البندقية يوم 23/ 11/1990 م مروراً بـ 21 ميناء منها مسقط وصلالة، وانتهاء بأوساكا باليابان، حيث المحطة الأخيرة.
ثانيا النشاط التجاري البري
تعتبر الطرق البرية ولا تزال إحدى الوسائل الهامة للعمانيين ولغيرهم في كل العصور سواءً للرحلات أو التنقل بغرض النشاط التجاري الخ أو غيره من حاجات الإنسان ومتطلباته.
ولذلك اهتم العمانيون بسلامة هذه الطرق وخلوها من المعوقات والمخاطر لسلامة أي نشاط تجاري في عمان خاصة النشاط التجاري الداخلي بين المدن العمانية ودول الجوار نظراً لاتساعها وبعد بعضها البعض، فسهولة المواصلات حيث تكون القوافل البرية أكثر قدرة على توزيع السلع على أكبر قدر من المراكز الحضرية، وتصبح شبكة الخطوط البرية الداخلية الوسيلة الوحيدة للإتصال والنقل بين المدن والقرى الداخلية البعيدة عن السواحل والشطوط.
ومن أهم الطرق الرئيسية البرية في عمان:
1ـ الطريق الشمالي: وهو الطريق الذي يربط المناطق الشمالية في عمان (مسندم وتوام والسر)، ولهذا الطريق العديد من المسارات:
أ المسار الأول: يتبع وادي الجزي ويربط منطقة توام بصحار وسهل الباطنة ويسير هذا الطريق بمحاذاة سلسلة جبال الحجر الغربي.
ب المسار الثاني: يتبع وادي حام ويربط المناطق الشمالية بمناطق دبا وخور فكان وعموم سهل الباطنة في الشرق.
ج المسار الثالث: يتبع وادي حتى وهو من أهم الطرق البرية العمانية في فترة الدراسة فقد سارت عليه أغلب الحملات العسكرية البرية القادمة من خارج الإقليم. ويصل بين السهول الشمالية ومنطقة توام وبين سهل الباطنة الرئيسية خاصة منطقة صحار.
و المسار الرابع: يخترق منطقة توام إلى منطقة السر ومنها إلى منطقة الجوف بمحاذاة سلسلة جبال الحجر الغربي.
2 الطريق الجنوبي: وهو الطريق الذي يربط المناطق الجنوبية الشرقية من عمان بمنطقة الجوف وبقية عمان وله أيضاً عدة مسارات:
أ المسار الأول: يتبع السهل الساحل الشرقي المطل على بحر العرب من مناطق رضاع ورأس الجمحة في الشرق ماراً بقريات حتى يصل وادي حطاط منه إلى مسقط أو جوارها ومن ثم إلى بقية منطقة الباطنة. وقد وصف الإدريسي جزءا من هذا الطريق، كما سلك ابن بطوطة هذا المسار في زيارته الشهيرة لعمان على ما يبدو، ووصف جزءاً منه.
ب المسار الثاني: ويسلك الطريق الداخلي عبر منطقة جعلان ومنها إلى إبرا وسناو ثم إلى منطقة الجوف، وهو الطريق الذي سار عليه ابن بطوطة على ما يبدو في طريقه من قلهات إلى نزوى، في رحلته التي استغرقت سبعة أيام.
3 طريق الباطنة: هذا الطريق من أهم الطرق الداخلية في عمان، وهو يربط مناطق إقليم الباطنة الحيوي ببقية المناطق، ويبدأ هذا الطريق من مسقط ثم يسير بمحاذاة الساحل حتى يبلغ النهايات الشمالية لسهل الباطنة، وقد ذكر الإدريسي جزءا من هذا الطريق، عندما ذكر الطريق من مسقط إلى صحار، وحدد المسافة بين المدينتين بأربعمائة وخمسين ميلاً.
4 طريق الجوف: يخترق هذا الطريق وادي سمائل الشهير الذي يشكل حلقة الاتصال الرئيسية للمناطق الداخلية (22/6)
صفحة 230
في عمان، كما يربط هذه المنطقة بكل من المناطق الشرقية (جعلان وجوارها) والمناطق الشمالية. (23)
1 - الطرق القديمة
في العصور القديمة كانت هناك العديد من الطرق القديمة المعروفة عند الجغرافيين والرحالة والباحثين، وذكروها في كتبهم ودراساتهم وأبحاثهم العديدة عندما زاروا عمان في فترات مختلفة أو سمعوا عنها من آخرين.
وكان سوق صحار المدينة العمانية المشهورة قبل الإسلام حيث تأتيها القوافل الكثيرة للتجارة و المعارف والأدب وغيرها بالإضافة إلى نشاطها التجاري البحري وقد ذكر الإدريسي بعض الطرق التي تعبر عليها القوافل العربية وغيرها إلى صحار، تلك المدينة التي قال عنها بأنها على ضفة الخليج وأنها من أقدم مدن عمان، وأكثرها أموالاً وبها الكثير من الخيرات سيما المنتوجات الزراعية وتكلم عن الفترة التي عاش فيها. (24)
كانت هناك طرق تجارية برية إلى جانب الطرق التجارية البحرية إلى مدينة النحاس (صحار) التي اشتهرت في العصور القديمة بصهر هذا المعدن الهام التي تستورده بعض الحضارات القديمة مثل بلاد ما بين النهرين وغيرها من الحضارات الأخرى.
وتقول بعض المصادر أن الاتصالات الخارجية مع الحضارات والشعوب القديمة، كانت قائمة بين عمان والمراكز الحضارية الأخرى وغالبية هذه الطرق كانت مسلطة نحو صحار أولاً ومن ثم تتجه نحو الخليج العربي وبلاد ما بين النهرين ومن ثم إلى بلاد الشام في موقع صحار في منطقة وسطية من الساحل العماني من منطقة الباطنة وكيف تصب الطرق الممتدة من الجبال نحو المدينة وغالبية المواقع في حقيقة الأمر شهدت بداية للتحضر أو المدنية. وهناك مؤشرات واضحة على أن غالبية هذه المواقع إما أنها كانت موانئ تجارية رئيسية موجودة على الساحل وإما انها كانت مدناً ومواقع زراعية مهمة لكن المهم في هذه الفترة, أو من مقومات هذه الفترة كانت مادة النحاس، وهكذا عرفت عمان أكثر ما عرفت في المصادر المكتوبة التي وردتنا من بلاد ما بين النهرين.» (25)
كانت حركة التنقل البرية بين مدن عمان مع بعضها البعض والمدن العربية المشهورة كالبصرة وصنعاء والحجاز والبحرين نشطة تجارياً، وكانت مدن صحار وظفار وصور وقلهات ومسقط بعد ذلك تعد من المدن العمانية التجارية التي اشتهرت بالتجارة والتبادل التجاري في حقب متعددة، وكانت لها طرق تجارية برية معروفة تنقل من وإليها البضائع والسلع من الدول التي تربطها طرق برية آمنة سواءً على السواحل أو الجبال أو الصحراء.
ومن الطرق البرية العمانية التي اشتهرت بنقل اللبان والبخور من ظفار إلى الحضارات الأخرى، تلك الشبكة من الطرق التي تمتد عبر الصحراء وترتبط بالعديد من الأقاليم في شبه الجزيرة العربية «كما تربط بين شبه الجزيرة العربية وبين منطقة غرب آسيا والهلال الخصيب بل انها تمتد إلى منطقة الشمال الإفريقي عبر سيناء أو صحراء مصر الشرقية وبذلك نسجت ظفار أول شبكة للتجارة البرية عرفها العالم القديم, وتأتي أهمية ظفار في تلك الشبكة البرية إلى إنتاجها لسلعة اللبان الاستراتيجية لسكان ومدنيات العالم القديم, حيث تغطي أشجار اللبان مساحة كبيرة من أرض ظفار. وكانت تلك الطرق البرية تستخدم البغال والحمير والخيل والجمال منذ العصور القديمة. كما ارتبطت ظفار بأسواق العرب القديمة مثل سوق الشحر المجاور لها وحضرموت وغيرها من الأسواق في شبه الجزيرة العربية مثل سوق صحار قبل الإسلام. (26)
كان اللبان العماني الذي تشتهر به محافظة ظفار منذ القديم له منافذ كثيرة للتصدير منها ما يتم تصديره عبر ميناء سمهرم البحري، وتذكر الباحثة «سنت دتشس «في كتابها [حيث وقف الزمن] أن التجارة «كانت تعتمد أساساً على الطرق البحرية حتى زمن زيارة سليمان بن داوود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، حيث بعد الزيارة استطاعت بلقيس ملكة سبأ السفر عبر الصحراء متجهة شمالاً مستخدمة طريقاً للقوافل التي سارت عليها الجمال لأول مرة في تاريخ جنوب شبه الجزيرة العربية. واستخدام الجمل في طريق القوافل البرية لم يكن مألوفاً قبل رحلة بلقيس، التي بها أكدت للجميع أن السفر بالجمال من شأنه أن يختصر المسافة. وذلك لأن القافلة أخذت تتخذ لنفسها مسارات في خطوط مستقيمة مختصرة المسافة والزمن، والفضل في هذا يرجع إلى أن الجمل بطبعه يستطيع السفر في الصحراء متحملاً العطش دون أن يلوي في طريقه إلى موارد الماء لأيام، ولذا فإن القافلة لا تتقيد بالسير من بئر ماء لآخر كما كان الحال قبل استخدام الجمال.
أخذت القوافل تمضي من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى شمالها على الجانب الداخلي من الأنجاد الساحلية في غرب شبه الجزيرة العربية، وكان هذا الطريق مناسباً لتزويد القوافل بالمؤن، وملائماً من حيث المناخ، ومن هنا نرى أن لبان ظفار كان ينقل عن طريق المحيط الهندي إلى الهند وشرقي آسيا وإلى شرق أفريقيا، وعن طريق البحر الأحمر إلى مصر وعن طريق القوافل إلى غزة والشام. (27)
وتؤكد المصادر الكثيرة أن هذه السلعة الثمينة في العصور القديمة والوسيطة لها طرق برية عديدة، لكنها شاقة عندما كانت الحمير والبغال هي الوسيلة الوحيدة، لكن بعد ما تم استخدام الجمل كما يقول عبد القادر بن سالم الغساني بعد القرن الحادي عشر قبل الميلاد «أخذ طريق اللبان يعتمد عليه في تجارة البخور, ويعتبر استخدام الجمل في نقل البخور بمثابة ثورة في مجال النقل والتجارة في ذلك الوقت». (22/7)
صفحة 231
وسارت تجارة اللبان عبر الصحراء لفترة 1500سنة, وكان هذا الاستمرار نتيجة لأن البديل لهذا الطريق هو السفر عبر البحر الاحمر الذي كانت تنمو فيه الحواجز المرجانية, حيث شكلت خطورة على المراكب, بالإضافة إلى التيارات الجارفة التي تجري فيه, وفوق كل هذه وتلك هنالك سفن القراصنة التي تجوبه من شاطىء لآخر, واضعين أيديهم «القراصنة» على بضائع القوارب التي تبحر فيه. كان طريق القوافل المار بعدن وحضرموت وجدة ثم الشام عن طريق شمال شبه الجزيرة العربية, ومن انطاكيا, كان منحنى إلى دول أوروبا رابطاً إياها بجنوب شبه الجزيرة العربية، وبالتالي موصلاً للبان إلى الغرب.» (28)
وفي العصور الوسيطة والحديثة اهتم العمانيون بالطرق البرية الآمنة من مخاطر البحر وفي فترات الكساد وسوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية، باعتبارها أقل تكلفة وميسورة خاصة التجارة البيئية بين عمان وبعض المراكز الحضارية العربية «حيث تكون القوافل البرية أكثر قدرة على توزيع السلع على أكبر قدر من المراكز الحضرية، وتصبح شبكة الخطوط البرية الداخلية الوسيلة الوحيدة للاتصال والنقل بين المدن والقرى الداخلية البعيدة عن السواحل والشطوط». (29)
وبعض القوافل العمانية القديمة المحملة باللبان من ظفار إلى البلدان الاخرى من خلال بعض الطرق البرية من صحراء الربع الخالي إلى حضرموت، ثم تمر بمعين، ثم تسير شمالا إلى نجران ومنها إلى خميس مشيط، ثم غربا إلى أبها او قد تتجه شرقا بيسام الحجاز والى مكة المكرمة أو ينبع أو المدينة المنورة، ومنها إلى البتراء وتدمر، أو إلى مدائن صالح (الحجر)، وددان (العلا حاليا). ومن البتراء قد تتفرع عن طريق فينيقيا شمالا أو فلسطين وميناء غزة. أو قد تتجه إلى ايلات ثم إلى مصر. وقد تستغرق هذه الرحلات من تمنع (بيحان) إلى غزة 65 يوما بالجمال. (30)
كانت الطرق البرية متعددة المسارات وأغلبها كانت تقع على مسارات الأودية والسواحل والصحارى والجبال، في جنوب عمان ومن هذه الطرق الرئيسية الهامة في عمان وهناك العديد من الطرق الفرعية الداخلية تستخدم على نطاق محدود داخلياً، لكنها تلعب دوراً هاماً في ربط مناطق عمان بعضها ببعض، ومع بقية المناطق المجاورة تجارياً واجتماعياً على الرغم من وعورة بعضها وصعوبة مساراتها للإنسان العماني، لكن هذا هو التحدي الجغرافي الذي قبله العمانيون، وعملوا على جعله سهلاً وميسوراً.
ثالثا الانفتاح على الآخر
انفتح العمانيون عبر تاريخهم الحضاري الإنساني على الآخر، واعتبروا أن قيم الحوار في الحوار والتفاهم مع الآخر ضرورة إنسانية يجب انتهاجها واعتبارها صيغة حضارية للتفاعل والتعاون والتواصل مع الحضارات والأمم الأخرى، بهدف إيجاد الطرق والوسائل لبناء حضاري وتبادل تجاري قائم على المشتركات الإنسانية والرغبة الصادقة في إثراء الخبرات المتبادلة من العبر والاستفادة منها، وفي إقامة علاقة متكافئة ندية.
ومن هذه المنطلقات اهتم العمانيون بمسألة الانفتاح على الآخر والتفاهم والتعاون معه، مع الاحتفاظ بالخصوصيات والهويات الذاتية والاعتزاز بها، مما أسهم في توفير مناخ ملائم للتبادل النافع في مجال الاقتصاد والثقافة والمعارف الإنسانية الأخرى.
عندما يرجع المرء إلى التراث الكبير لعمان والعمانيين يجد أن أغلب الباحثين والرحالة والمستشرقين من الغرب والأجانب الذي كتبوا عن عمان والعمانيين تطرقوا إلى هذه المسألة، وناقشوا قضية الانفتاح على الآخر عندهم، وكيف أنهم تفاعلوا وتواصلوا مع شعوب وأمم كبيرة في الجانب الاقتصادي والمعرفي والإنساني بصورة تبعث على الاهتمام والمراجعة في مضامين هذا الانفتاح والتوصل مع الآخر، وإقامة علاقة معه.
قد يقول البعض أن قدر عمان أن تكون جغرافيتها وموقعها الهام على طرق التجارة العالمية والموقع الاستراتيجي في العصر الحديث السبب في هذا الانفتاح والتواصل مع الآخر، لكن هذا القول ليس دقيقاً بالمرة إذا ما جئنا إلى أولويات هذا الانفتاح ودوره في هذه العلاقة بما تتضمنه من أساليب وقيم حضارية وتواصل، لأن التواصل، والانفتاح قد لا تستسيغه الكثير من الشعوب لاعتبارات كثيرة، ومع ذلك فإن العمانيين سعوا إلى الآخر في بلاده، وفي أقاصي الدنيا وتبادلوا معه المعارف والتجارة وعرضوا عليه قيمهم وثقافتهم ودينهم، وكان هذا الانفتاح والحوار سبباً في انتشار الدين الإسلامي في العديد من دول العالم، لا سيما في آسيا وأفريقيا.
وفي العصور القديمة تذكر العديد من المصادر أن مدينة صحار كانت مدينة مفتوحة تجارياً بالمعنى الحديث للكلمة على شعوب وأديان كثيرة كانت تعمل وتتاجر في صحار في شتى المجالات والتبادلات التجارية على وجه الخصوص، «وأصبحت صحار أشبه ببورصة عالمية للاستثمار فقد هاجرت إليها رؤوس الأموال من موانئ الخليج الأخرى لظروف أمنية وسياسية واستقرت بصحار، واستقر بها التجار من كل مكان بحيث أصبحت المركز التجاري الهام في العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري، حتى اعتقد البعض بوجود دار لسك العملة في صحار لتوفر السيولة النقدية بها. وقد وردت بالمصادر روايات تدل على ذلك ومن تلك الروايات ما روي من أن تاجراً من أهل صحار ورد من الصين في مركب لنفسه وجميع ما فيه له، وأن قيمة العشور المستحقة على سلع المركب بلغت ألف ألف درهم ونيف». (31) (22/8)
صفحة 232
ولم يتوقف العمانيون عند هذا الحد، بل أن صحار المدينة الشهيرة عالمياً في فترة ما قبل الإسلام وبعده، كانت محط أنظار التجار والمستثمرين من شعوب وحضارات كثيرة عندما بلغت عنها السمعة بالنسبة للنشاط التجاري، وتلك المكانة الكبيرة «لصحار في حركة المال والنقد العالمي في تلك الفترة تعود إلى إمكانيات المنطقة بالإضافة إلى نشاط تجارها الذين ضرب بهم المثل في الوصول إلى أماكن بعيدة نائية والتعامل مع مختلف الأجناس والمستويات، وقد اكتسبوا بنشاطاتهم ثقة الحكام والشعوب كما روي في حكايات التاجر محمد العماني ويزيد العماني.
وتبوأت صحار بذلك مكانتها العالمية في حركة التجارة والملاحة العالمية الدولية. واستقر بها تجار من أجناس مختلفة ومناطق متباينة، فتنوعت بها السلع وظهرت الأسواق المتخصصة بالمدينة، واتسع ميناء صحار ليمتد على طول أربعة أميال على الساحل. واتسعت مساحة المدينة لتصبح أضعاف مساحة صحار الحالية. وأصبح بها مركز التجارة العالمية فمنها يتجهز التجار المتجهون إلى أية منطقة، فصارت دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن». (32)
ومن المدن العالمية التي كان لها اتصال وتفاعل مع الحضارات القديمة مدينة ظفار أو أوفير عند بعض الحضارات حيث كانت تصدر اللبان تلك السلعة العمانية الرائجة في العصور القديمة وما بعدها، ويذكر الرحالة الإيطالي ماركو بولو أن ظفار «كانت مكاناً هاما لتصدير سلعة من أهم السلع العمانية في العصور الوسطى هي الخيل. وقد كان للتجارة بالخيول العمانية والفارسية شرقا دور عظيم في خلق وحدة الجماعة التجارية في المحيط الهندي. وواضح أيضا أن قيام ظفار أدى إلى تجديد تجارة اللبان القديمة العهد. وكان لهذا المنتوج شأن عظيم عند الصينيين الذي بدأت معرفتهم ببلاد العرب تتزايد. وقد كانت مرباط بين أوائل المرافئ العربية التي تمر بها المراكب القادمة رأسا من الصين والهند وهي لذلك من أكثرها ذكرا وأوسعها وصفا في كتاب «شو – فان- شى أو» وصف الشعوب العربية وهو كتاب عن التجارة الصينية العربية في القرنين الثاني والثالث عشر للميلاد كتبه شاو جو – كوا. مفتش التجارة الأجنبية في فوركيان حوالي 650هـ/ 1252م. وكان الصينيون على معرفة ببلاد العرب تكاد تكون كاملة وهو ما يمكن الاستدلال عليه من هذا الخليط الساحر من وصف دقيق إلى إقحام خيالي للفيلة في الوصف لإنتاج اللبان الظفاري.» (32).
ويشير الباحث الصيني تشانغ زون يان إلى الاتصالات والتواصل الحضاري بين عمان والصين في العصور القديمة والوسيطة بأنها قائمة ونشطة في الجوانب التجارية والمعرفية، وتبادل السلع والخبرات «وحسب السجل العماني ففي القرن الثامن الميلادي قام رجل عماني يدعى أبوعبيدة عبد الله بن القاسم بأول رحلة بحرية إلى قوانتشوا في الصين وربما أن هذه الرحلة إلى الصين هي أقدم وأبكر سجل موجود من جانب العرب. وهذه الرحلة تكاد تسبق سجل رحلة سليمان إلى الصين بقرن واحد وسجل رحلة سليمان تم تأليفه في منتصف القرن التاسع الميلادي. ويعتقد أن هذا الرجل من مدينة صحار.
كما أن العالم الجغرافي الصيني المشهور في عهد أسرة تانغ قد ألف كتاباً بعنوان «الطرق البحرية من قواننتشو إلى الدول الأجنبية» بعد أن جمع المعلومات المتوفرة من العرب الذي جاؤوا إلى الصين. وسجل بالتفصيل الطرق البحرية من قوانتشو إلى الدول العربية المختلفة.
ثم تبحر السفن من هذه المنطقة إلى الشرق بعد مرورها بكثير من الدول وبعد أن تمضي 36 أو 37 يوماً يمكنها الوصول إلى دولة موي (وهذه الدولة تسمى ووشيون في عهد أسرة سون الصينية) وأن ما يطلق عليه اسم موى أو ووشيون كلاهما يعبر عن اللفظة المقابلة MAZUN وهي صحار الآن في عمان.
ولم تكن عمان في ذلك الوقت مركزاً مهماً للسلع المتبادلة بين الشرق والغرب لشبه الجزيرة العربية فحسب، بل كانت همزة الوصل للمواصلات للسفن التي لا بد أن تمر بها بين الشرق والغرب. وعندما يتحدث سليمان في سجل رحلته عن الممر المائي في منطقة الخليج فإنه يذكر أكثر من مرة مدينة مسقط. وفيما بعد جاء حسن العالم التاريخي العربي الذي أضاف معلومات جديدة إلى سجل رحلة سليمان إلى الصين اعتبر عمان وميناء سيراف الذي يقع على رأس الخليج هما الميناءان المهمان على نفس المستوى في مجال القيام بالتجارة مع الصين. (34)
كما ازدهرت المدن الصينية الجنوبية من تجارة اللبان العماني في ظفار، وكان ميناءا مرباط وسمهرم نشطين بهذه التجارة الرائجة في الصين، كما أن هناك اتصالات ودية «عمانية صينية» كانت قد نشأت وتطورت إلى علاقات اقتصادية بفضل تجارة البخور الرائجة آنذاك، وكانت صلة الصين بظفار معروفة حتى على الصعيد الشعبي، لدرجة أن الناس إلى عهد قريب كانت تلقب صلالة (بصلالة الصين)، وهذا دليل على عمق ومتانة العلاقات بين الشعبين العماني والصيني والتي هي بطبيعة الحال انعكاس منطقي للعلاقات الرسمية بين الدولتين ولكن ما نحن يصدده كيف نشأت هذه العلاقة إلى هذه الدرجة من المتانة ولم يأت على ذكرها أحد من المؤرخين العرب أو الأجانب، سيما وأن ازدهار هذه العلاقة كان في القرن الخامس عشر الميلادي». (35)
ويرى الباحث د/ محمد قرقش أن التجار العمانيين من ظفار كانت لهم علاقة تجارية كبيرة مع منطقة المحيط الهندي، وأسهموا في نشر الإسلام في هذه المنطقة إلى جانب نشر الثقافة العربية والفنون والآداب، والتواصل الحضاري مع هذه الشعوب والمدنيات في سواحل المحيط الهندي. (36)
ومن المدن العمانية التي اشتهرت بالانفتاح على الآخر والتواصل مع الحضارات والشعوب الأخرى مدينة (22/9)
صفحة 233
صور، وكان ميناء صور أحد الموانئ العمانية التي برزت في عصور ما قبل الإسلام وبعده، وشكلّت «منطقة صور بما فيها رأس الحد حلقة الاتصال الحضارية بين مناطق العالم القديم والوسيط، حيث تكالبت قوى العالم القديم على سلع ومنتجات المحيط الهندي، كما تنوعت حضارات ومدنيات المنطقة في مستوياتها الحضارية. الأمر الذي أدى إلى ضرورة التبادل بينها بصورة مستمرة، عبر سواحل صور.
كما شكلت سلع المحيط الهندي أهمية قصوى بين سكان العالم القديم، وفي العصور الإسلامية أيضاً، نظراً لأهميتها في المجالات الحياتية، وفي الجوانب العقائدية، في العصر القديم، خاصة سلع البخور واللبان والتوابل، التي لعبت دوراً هاماً في حياة سكان عالم العصور القديمة والوسطى، وكانت تلك السلع الاستراتيجية تتركز على جانبي مينائين: صور على سواحل الهند أو سواحل شرقي أفريقية. ولذلك فقد برع سكان صور في دورهم كوسيط بين مناطق الإنتاج على سواحل المحيط الهندي، وبين مناطق الاستهلاك والطلب في بلدان الشرق الأدنى القديم والبحر المتوسط. (37)
ولذلك فإن هذا التفاعل والاهتمام من جانب الشعوب والحضارات الأخرى بعمان والعمانيين، والتواصل معهم، والانفتاح والتحاور من جانب العمانيين مع الآخر والتعاون معه، في الجوانب الاقتصادية وغيرها بطرح مسألة جهود العمانيين وإرساء القيم الأساسية في الحوار والتعاون من «خلال معاملاتهم التجارية وعلاقاتهم الإنسانية مع السكان والتي اتسمت بقدر كبير من المرونة والتسامح والصدق مما ساهم في تقوية المناخ الحضاري المؤثر وأكسب عمان سمعة حضارية كبيرة». (38)
ونتيجة هذا التفاعل والتواصل مع الآخر والتعاون معه في شتى المجالات والمصالح، فإن العمانيين استوطنوا في العديد من الأمصار في العالم في آسيا وأفريقيا وأثروا وتأثروا مع شعوب هذه الدول، وأصبحوا جزءاً من نسيج تلك المجتمعات مع الاحتفاظ بموروثاتهم وثقافتهم، بل استطاعوا بفضل تسامحهم وأخلاقهم أن يغرسوا قيمهم وثقافتهم في تلك المناطق، ولعبوا دوراً فكرياً وثقافياً كبيراً لا نستطيع في هذا الفصل الإحاطة بكل تلك الأدوار العظيمة خاصة في شرق أفريقيا، حيث الإسهام العماني الرائع في المجالات الثقافية والفكرية والسياسية.
وتذكر بعض المراجع أن التجار العمانيين كانوا يقيمون في بعض المناطق التي يزورونها، وأدى هذا إلى انتشار اللغة العربية ودخول بعض السكان في دين الإسلام، وقد تكونت العديد من الجاليات والمستوطنات والمراكز التجارية العمانية والعربية في بلاد «الملايو وفي غيرها من جزر الأرخبيل. فيذكر القلقشندي أن فيها مدينة عامرة يسكنها المسلمون وغيرهم والمقصود بطبيعة الحال من كلمة غيرهم هم أهل البلاد الأصليين الذين لم يعتنقوا الإسلام بعد مما يعني أن الإسلام لم يكن قد غمر كل هذه المجتمعات في ذلك الحين.
ان التاريخ الدقيق لدخول الإسلام في الملايو وأرخبيله أمر غير معروف على وجه التحقيق, ولكن من المحتمل أن تجار عمان الذين كانوا يقومون بمعظم النشاط الملاحي في تلك المناطق كما سبق القول حملوه هم وغيرهم من تجار العرب إلى هذه البلاد في القرون الأولى للهجرة حيث كانوا يزاولون مع بلاد الشرق الأقصى تجارة واسعة النطاق منذ عصور مبكرة». (39)
وفي العصور الحديثة يذكر العديد من الرحالة والباحثين الغربيين في مسقط العاصمة العمانية الحالية كانت فاعلة ومنفتحة على شعوب كثيرة. ويذكر الرحالة «جيمس ريموند ولسند «أنه وجد عند زيارته مدينة مسقط في القرن الثامن عشر منفتحة على العديد من الشعوب، وأن الانفتاح على الآخر سمة بارزة في العمانيين، وهذه المدينة الجميلة تتحاور مع مدن وعواصم عديدة في القارات في العالم، مما أكسبها حراكاً تجارياً مهماً منذ القدم. (40)
وهكذا فإن العمانيين عرفوا ولا يزالون بانفتاحهم على الآخر والتواصل معه، من المنطلق الإنساني، والتعاون في المصالح والمنافع التي تعود بالفائدة على الطرفين، وهذا ما تجلت به النهضة المباركة التي قادها جلالة السلطان قابوس في بناء الجسور مع الآخر، وبهذه النظرة كان الفكر السياسي لجلالة السلطان المعظم يهتم بقضية الحوار وتفعيله بين مختلف الأجناس والأعراق والشعوب، ومن خلال فهم العلاقات الدولية والمصالح المشتركة لدول العالم المختلفة.
يقول جلالته المفدى في خطابه إلى الاجتماع السنوي للمنبر العالمي في لاهاي 1997: «لقد كانت بلادنا عمان في ما مضى وما زالت تعتز بتقاليدها وتاريخها، ومع أن المجتمع العماني يعيش اليوم متغيرات عصره، إلا أنه لم يفرط في هويته وتراثه، بل استطاع أن يجمع بين الطيب من تقاليده والطيب من واقع حاضره والحمد لله» مضيفاً جلالته في فقرة أخرى. «بل أننا نؤكد أن ديننا في جوهره يدعو إلى ذلك دون المساس بالأساسيات العقيدية، وهو يدعو إلى مواكبة مستجدات كل عصر من الاجتهاد كلما توفرت شروطه».
وهذه نظرة ثاقبة من جلالته تجاه الانفتاح على الآخر، يقوم على مبدأ التفاهم والتفاعل والتسامح الثقافي والرغبة المشتركة في بلورة تفاهم في قضايا إنسانية متشابكة، ويسهم في تقارب يؤدي إلى تنمية العلاقات الدولية بصورة دائمة ومتوازنة بعيداً عن هواجس الصراع ومقولات الصدام معتمداً على النظرة المنصفة والعادلة في قضايا الحوار والنقاش والتفاعل الإنساني، في ما يتم الاختلاف عليه في وقت تتطلع إليه البشرية في رغبة ملحة لتعاون يسوده السلام والاستقرار والعدل. (41)
العمانيون وقيم الحوار مع الآخر (22/10)
صفحة 234
عبر تاريخهم الحضاري الإنساني انفتح العُمانيون على الآخر، واعتبروا أن قيم الحوار في الحوار والتفاهم مع الآخر ضرورة إنسانية يجب انتهاجها واعتبارها صيغة حضارية للتفاعل والتعاون والتواصل مع الحضارات والأمم الأخرى، بهدف إيجاد الطرق والوسائل لبناء حضاري وتبادل تجاري بقاء على المشتركات الإنسانية والرغبة الصادقة في إثراء الخبرات المتبادلة من العبر والاستفادة منها، وفي إقامة علاقة متكافئة ندية.
ومن هذه المنطلقات اهتم العمانيون بمسألة الانفتاح على الآخر والتفاهم والتعاون معه، مع الاحتفاظ بالخصوصيات والهويات الذاتية والاعتزاز بها، مما أسهم في توفير مناخ ملائم للتبادل النافع في مجال الاقتصاد والثقافة والمعارف الإنسانية الأخرى.
عندما يرجع المرء إلى التراث الكبير لعمان والعمانيون يجد أن أغلب الباحثين والرحالة والمستشرقين من الغرب والأجانب الذين كتبوا عن عمان والعمانيين تطرقوا إلى هذه المسألة، وناقشوا قضية الانفتاح على الآخر عندهم، وكيف أنهم تفاعلوا وتواصلوا مع شعوب وأمم كبيرة في الجانب الاقتصادي والمعرفي والإنساني بصورة تبعث على الاهتمام والمراجعة في مضامين هذا الانفتاح والتوصل مع الآخر، وإقامة علاقة معه.
قد يقول البعض أن قدر عمان أن تكون جغرافيتها وموقعها الهام على طرق التجارة العالمية والموقع الاستراتيجي في العصر الحديث السبب في هذا الانفتاح والتواصل مع الآخر، لكن هذا القول ليس دقيقاً بالمرة إذا ما جئنا إلى أولويات هذا الانفتاح ودوره في هذه العلاقة بما تتضمنه من أساليب وقيم حضارية وتواصل، لأن التواصل، والانفتاح قد لا تستسيغه الكثير من الشعوب لاعتبارات كثيرة، ومع ذلك فإن العمانيون سعوا إلى الآخر في بلاده، وفي أقاصي الدنيا وتبادلوا معه المعارف والتجارة وعرضوا عليه قيمهم وثقافتهم ودينهم، وكان هذا الانفتاح والحوار سبباً في انتشار الدين الإسلامي في العديد من دول العالم، لا سيما في آسيا وأفريقيا.
ولذلك فإن هذا التفاعل والاهتمام من جانب الشعوب والحضارات الأخرى بعمان والعمانيين، والتواصل معهم، والانفتاح والتحاور من جانب العمانيين مع الآخر والتعاون معه، في الجوانب الاقتصادية وغيرها بطرح مسألة جهود العمانيين وإرساء القيم الأساسية في الحوار والتعاون من «خلال معاملاتهم التجارية وعلاقاتهم الإنسانية مع السكان والتي اتسمت بقدر كبير من المرونة والتسامح والصدق مما ساهم في تقوية المناخ الحضاري المؤثر وأكسب عمان سمعة حضارية كبيرة».
ونتيجة هذا التفاعل والتواصل مع الآخر والتعاون معه في شتى المجالات والمصالح، فإن العمانيين استوطنوا في العديد من الأمصار في العالم في آسيا وأفريقيا وأثروا وتأثروا مع شعوب هذه الدول، وأصبحوا جزءاً من نسيج تلك المجتمعات مع الاحتفاظ بموروثاتهم وثقافتهم، بل استطاعوا بفضل تسامحهم وأخلاقهم أن يغرسوا قيمهم وثقافتهم في تلك المناطق، ولعبوا دوراً فكرياً وثقافياً كبيراً خاصة في شرق أفريقيا، حيث الإسهام العماني الرائع في المجالات الثقافية والفكرية والسياسية.
(يتبع بقية المادة بموقع المجلة على الانترنت)
الإحالات والهوامش
1 - انظر كتاب عُمان في أمجادها البحرية إعداد/عبد المنعم عامر العدد الثامن إصدار وزارة التراث والثقافة يونيو 1980م طبع بمطابع سجل العرب القاهرة ص5.
2 - التاريخ البحري العماني عبدالله بن علي العليان مجلة نزوى العدد (29) يناير 2003 مسقط ص12.
3 - الهوية مجلة فصلية تصدر عن الديوان الاميري دولة الكويت سلطنة عُمان ريادة بحرية وحضارية تشرق من جديد عبدالله بن علي العليان عدد خامس بمناسبة انعقاد قمة دول مجلس التعاون الخليجي الثامنة عشر في الكويت العدد التاسع 1998م ص 26 انظر كذلك مجلة نزوى مرجع سابق ص16، 15.
4 - الملتقى العلمي الأول حول تراث سلطنة عُمان قديماً وحديثاً مرجع سابق ص213.
5 - دور عُمان في نشاط التجارة العالمية د/حبيب الجنحاني حصاد ندوة الدراسات العُمانية المجلد الثالث نوفمبر 1980م ص 52.
6 - العُمانيون رواد البحر إسماعيل الأمين رياض الريس للكتب والنشر ص1 1990م ص35، 34.
7 - الحياة الاقتصادية في عُمان مرجع سابق ص273، 272
8 - الاتصالات الودية المتبادلة بين الصين وعُمان عبر التاريخ تشانغ زون يان سلسلة تراثنا العدد (21) وزارة التراث والثقافة يوليو1981م ص11.
(9) العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الاسلام ـد/ رجب محمد عبد الحليم طبع بمطابع النهضة مسقط ـ1989 ص57، 58.
10 - العُمانيون رواد البحر مرجع سابق ص31 تاريخ ظفارـ من عام 798هـ/1396م د/محمد جاسم حمادي المشهداني كتاب ظفار عبر التاريخ حصاد الندوة التي اقامها المنتدى الأدبي في صلالة 19 - 21 أكتوبر 1997م ط1 200 ص79، 78. (22/11)
صفحة 235
11 - ظفار و مكانتها في التجارة العالمية دراسة تاريخية فيما بين القرنين الثالث والثامن الميلادين د/محمد قرقش ظفار عبر التاريخ مرجع سابق ص151.
12 - عُمان وتجارتها مع الشرق الأقصى وشرق أفريقيا في العصر الإسلامي د/سحر عبد العزيز سالم ورقة مقدمة إلى ندوة عُمان عبر التاريخ مسقط سبتمبر 1994م مرجع سابق ص32، 31.
13 - المرجع السابق ص33.
14 - أضواء على جوانب التأثير الحضاري العُماني في شرق أفريقيا د/عبد الفتاح حسن أبو عليه ورقة مقدمة إلى ندوة عُمان في التاريخ مسقط سبتمبر 1994م مرجع سابق ص3
15 - المرجع السابق ص3.
16 - الصلات التجارية بين عُمان وشرق أفريقيا في العصر الوسيط د/صباح إبراهيم الشيخلي ورقة مقدمة إلى ندوة عُمان في التاريخ مرجع سابق ص14، 13.
17 - عُمان عبر التاريخ مرجع سابق ص335.
18 - العُمانيون رواد البحر مرجع سابق ص31.
19 - الصلات التجارية بين عُمان وشرق أفريقيا مرجع سابق ص191، 190.
20 - عُمان وتاريخها البحري مرجع سابق ص108، 107.
21 - عُمان ونهضتها الحديثة مرجع سابق ص186.
22 - المرجع السابق ص186 أنظر كذلك إطلالة على الملاحة البحرية عبر ميناء صور مسلم بن جمعة بن علي العريمي صور عبر التاريخ حصاد ندوة اقامها المنتدى الأدبي في صور 1995م ط1 2000 ص20.
23 - الحياة الاقتصادية في عُمان مرجع سابق ص252.
24 - صحار في كتابات الجغرافيين والمؤرخين د/سعيد بن محمد الغيلاني صحار عبر التاريخ مرجع سابق ص25.
25 - صحار عبر التاريخ مرجع سابق ص11، 10.
26 - ظفار عبر التاريخ مرجع سابق ص158.
27 - ظفار أرض اللبان عبدالقادر بن سالم الغساني بحث مقدم إلى ندوة الدراسات العُمانية 1980م المطابع العالمية مسقط ص53، 52.
28 - المرجع السابق ص53 - 57.
29 - الحياة الاقتصادية في عُمان مرجع سابق ص252، 251.
30 - الآثار التاريخية في ظفار سعيد بن مسعود المعشني طبع بمطابع ظفار الوطنية صلالة 1997 ص19.
31 - صحار عبر التاريخ مرجع سابق ص101.
32 - المرجع السابق ص102.
33 - عُمان وتاريخها البحري مرجع سابق ص43.
34 - الاتصالات الودية المتبادلة بين الصين وعُمان عبر التاريخ مرجع سابق ص8 - 11.
35 - ظفار عبر التاريخ مرجع سابق ص62.
36 - المرجع السابق ص 169.
37 - صور عبر التاريخ مرجع سابق ص45، 44.
38 - عُمان في التاريخ مرجع سابق ص485.
39 - العمانيون والملاحة البحرية مرجع سابق ص110، 109.
40 - تاريخ عُمان .. رحلة في شبه الجزيرة العربية مرجع سابق ص27.
41 - انظر قراءة في خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم في الاجتماع السنوي للمنبر العالمي في لاهاي كتاب في النهوض العماني الحديث وتحديات الواقع العربي وقضايا العولمة والنظام الدولي عبدالله بن علي العليان مؤسسة عُمان للصحافة والنشر والإعلان مسقط ط1 2001 ص42، 41.
كاتب من عُمان (22/12)
صفحة 236
عنوان المقال مختارات من الشعر العماني الحديث
صدر في العدد الخامس والستون
الكاتب هلال الحجري
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
قامت منظمة IDAM، وهي مؤسسة ثقافية اجتماعية تابعة للسفارة الهندية في مسقط، بتمويل ترجمة ونشر مختارات من الشعر العماني الحديث إلى اللغة المالايالامية، إحدى اللغات الرسمية في الهند، خاصة في كيرالا. وقد ترجم هذه القصائد الأستاذ عبد الكبير V.A. Kabeer رئيس التحرير السابق لجريدة Madhyamam الأسبوعية في كيرالا والباحث في الأدب العربي والفكر الإسلامي. تضمنت المجموعة قصائد متفرقة لعدد من الشعراء العمانيين المحدثين، هم سيف الرحبي، وزاهر الغافري، وناصر البدري، وسماء عيسى، وفاطمة الشيدي، وبدرية الوهيبي، وصالح العامري، وحسن المطروشي، ومحمد الحارثي، وناصر العلوي، وعبد الله الريامي، وهلال الحجري. وقد دشنت IDAM هذا الإصدار في حفل بفندق روي يوم 29 أكتوبر 2010، حضره من الجانب العماني زاهر الغافري، وناصر العلوي، وهلال الحجري، وحسن المطروشي. تأتي أهمية هذا الإصدار في أن اللغة المالايالامية تعتبر من أهم اللغات الهندية الرسمية؛ إذ يتحدث بها حوالي 36 مليون نسمة في جنوب الهند، إضافة إلى الجاليات الهندية في أوروبا، وأمريكا، وكندا، والخليج العربي. ننشر هنا الكلمة التي ألقاها مترجم هذه المختارات، الأستاذ عبد الكبير، في الحفل الذي أقيم لتدشين هذا الإصدار: الشعراء العمانيون الأفاضل وأحبائي من كيرالا مساء الخير وسلام الله عليكم جميعا جميل جدا أن يصادف هذا الملتقى مرور الذكرى الأربعين سنة من مسيرة سلطنة عمان، ففي البداية يسرني أن أقدم لكم تحياتي وتحيات من أهالي كيرالا وأتمنى لكم التوفيق لإحراز مزيد من الارتقاء والازدهار. كانت سلطنة عمان حلما من أحلامي الرائعة منذ زمان. كنا نسمع أن في عمان منطقة تسمى صلالة توجد فيها أشجار جوز الهند والموز. الطقس فيها نفس الطقس في كيرالا. فتجسدت العاصمة مسقط كأنها مسقط رأسي. حين كنت طالبا في الثانوية كنت أقرأ في جرائدنا اليومية أخبارا عن ثوار ظفار. ثم غابت تلك الأخبار ربما نتيجة للمساعي الحميدة من جانب حكومتكم الحكيمة في احتواء تلك الأزمة. كنت فترة في دولة قطر. وفي تلك الحقبة أصبحت أكثر قربا من سلطنة عمان وتقاليدها وأسلوب حياة مواطنيها عبر شاشة التلفاز، كلما ينعقد في مسقط مؤتمر مجلس التعاون لدول الخليج كنت أصغي الى خطاب جلالة سلطانكم، مع ما يعجبني طريقته في معالجة القضايا الشائكة، كانت تثير اهتمامي لهجته كتلفظه حرف الجيم مثل ما يتلفظه اخواننا المصريون. سلطنة عمان دولة خليجية ولكنها تطير خارج السرب. ولها شخصية خاصة تمتاز عن أخواتها في كثير من الجوانب. الأزياء والملابس وطريقة لباس العمائم حتى المذهب الفقهي، كلها تميز السلطنة عن غيرها من الدول الخليجية. وملابس البنات العمانيات تتشابه كثيرا مع ملابس نساء شرق الهند والباكستانيات. ولا أدري كم من الهنود المقيمين حتى المسلمين يعرفون عن المذهب الإباضي في عمان. ولا أدري كم من الجيل الناشئ في عمان يعرفون عن جذور تاريخ عمان العريقة التي تربط بها أرض ماجان والتي ورد ذكرها في الوثائق الأنثروبولوجية البابلية. ونرى أرض ماجان التي غابت من خريطة العالم تولد من جديد في شعر ناصر البدري حيث يسأل «هل أرض ماجان استعادت سطوة اسمها القديم؟» وإنني اذ أحكي لكم قصة أحلامي التي تدور حول سلطنة عمان لابد أن أذكر مذكرات الأميرة سالمة بنت سعيد بن سلطان. الأميرة سالمة رغم أنها هربت إلى ألمانيا مع عاشقها وبدلت ديانتها وغيرت اسمها إلى اميلي روث لم تنس أرضها الأم ولا ثقافتها. فكتبت مذكراتها ليقرأها أبناؤها لكي يتعرفوا على الجانب المجهول من ثقافتهم العربية. على أجنحة تلك المذكرات سافرت أول مرة إلى عمان التي تمتد حدودها الى أرض القرنفل زنجبار. تذكر الأميرة سالمة في هذه المذكرات الهندوس والبانيان الموجودين في السلطنة ذلك الزمان. يتبين منها أن العلاقات الثنائية بين عمان والهند ليست ظاهرة جديدة بل جذورها التاريخية تمتد إلى الماضي البعيد. فمن قرأ كتب رحلات ابن بطوطة يجد نماذج تدل على ذلك، إذ كتب ذلك الألمعي المغربي في إحدى رحلاته أنه وجد قاضيا عمانيا في «فرندن» وفرندن هذا هو نفس القرية التي لا تزال معروفة حتى الآن باسم «بندلايني» وقد كتب صديقي الكاتب بابو بهرادواج عن رجل أعمال عماني كان يتردد إلى مدينتنا كالكوت من حين لآخر، كان يحب الموسيقى حبا جما، وشاطئ كالكوت مشهور بالموسيقى والغناء حيث توجد بيوت تعقد فيها حفلات الموسيقى والغناء كل ليلة. انتبه التاجر العماني الى أصوات الغناء والموسيقى التي ترتفع من تلك الديار فأصبح ضيفا منتظما في تلك الأمسيات. اكتشف هناك لحنا جديدا تجسد دما ولحما، فتاة جميلة قد شغف بها حبا. وانتهت الحكاية بأن تحولت إلى أنشودة تندمج في إيقاعات عود حياته وسافرت معه إلى العمان. وقد كتب «بهرادواج» أيضا عن عامل يدعى جون أقام خيمة ثابتة على إحدى تلال وادي بني خالد حيث عاش سنين عديدة كعضو من أعضاء القبيلة الموجودة في تلك المنطقة يرعى مواشيهم ويصطحب أولادهم إلى المدارس ناسيا أهله وبلاده وراضيا مرضيا. ... وعندما قرأت مذكرات الأميرة سالمة لم يخطر ببالي أنني يوما ما سوف أصل جسدا داخل حدود عُمان. ها أنا ذا موجود هنا أمامكم والفرحة تغمرني. وكان القدر أن تكون «مختارات من الشعر العماني الحديث» بوابة دخولى إلى (23/1)
صفحة 237
عمان. فأولا أعبر عن عميق شكري وخالص امتناني للدكتور هلال الحجري الذي اختار روائع هذه الأشعار. اجتاحني عارم من اللذة والسعادة حين دخلت هذا البستان وكل زهرة فيه على عودها الخاص بجمالها وأريجها. وهذه المجموعة من الشعر العماني ذكرتني بـ «وادي عبقر» المذكور في الأساطير العربية. كانت العرب قبل الاسلام تؤمن بكائنات مستورة لا ترى. جنس ينتقل بغمضة عين من مكان إلى آخر وبعضه يقيم في «وادي عبقر». مكان لا تحديد لمكانه، أي لا مكان. واعتقدت العرب أن جن هذا الوادي هي التي تملي الشعر على أي شاعر. فسمي الشاعر عبقريا: أي على صلة خفية وغامضة بوادي عبقر، بكائنات مستورة. ويبدو كأن الشاعر يحذف أصوات الإنس من عالمه. وكان حبه كله منصبا على الجبال والأشياء ليس الناس. كان يستأنس البراري وأحاديث الحجارة والسنابل والطيور كما يقول الروائي الفلسطيني في روايته «الضوء الازرق». عندما نقرأ «هذيان الجبال والسحرة» للشاعر سيف الرحبي أو «مرثية من الشمال البعيد» للشاعر زاهر الغافري نحس كأننا نمر على وادي عبقر هذا، وتتضح لنا جليا عبقرية الشعر. يقولون إن الشاعر سيف الرحبي رحال يكون في حقيبته شعر ينام، يملأ ربعه الخالي بالشعر. القصيدة الجديدة عند سيف كما يقول هو نفسه انحراف المركز عن وهم الاكتمال. إنها مفتوحة على الاحتمالات كلها بما فيها من النقصان. يقول: «لا أميل إلى جر المعارف المنجزة كالفلسفة وبقية الحقول المعرفية الأخرى إلى ساحة الشعر، إنما أميل إلى أن على الشعر أن يخلق أدواته وتصوراته الخاصة بنفسه وعبر نزوعه الخاصة وحريته اللامحدودة بالتقاط أشياء العالم». إن خبرات الشاعر سيف الوجدانية توجز دائما في زمنين الماضي والحاضر أو الغربة والحنين بحسب رأي الشاعر اللبناني محمد العبدالله، وحداثة هذا الشاعر كما يقول الشاعر اللبناني الراحل يوسف الخال ليست حداثة افتعال، «ولو كانت كذلك فلا تستحق دمعة حبر، إنها انفجار الوعي والحساسية الجديدة في تعبير هو عن شقاء الإنسان وفي غربته وفي منفاه». يقول الشاعر أدونيس إن الشاعر محكوم بأن يعيش في منفاه الداخلي. لست بصدد تحليل شامل لكل شعر من هذه المجموعة ولكن أرجو أن أؤكد أن كل شعر فيها يحمل لواقح العبقرية مع ما تتميز كل زهرة في هذا البستان على عودها بجمالها الخاص كما قلت سالفا. المهمة التي كلفني إياها أصدقائي في عمان كانت نقل جمال وأريج هذه الأزهار إلى لغتنا المالايالامية، اقتلاع شجيرات الأزهار ونقلها من بستان إلى بستان آخر دون أية إصابة لجذورها. كانت تلك مهمة عويصة. لأن المسافة بين المجرم والمترجم ليست بعيدة. يصبح المترجم مجرما فقط بحذف حرف وتقديم وتأخير حرفين. والترجمة حرفا بحرف تقتل روح العمل. فالترجمة إذا جريمة اغتيال. مع الدقة والأمانة على المترجم إجادة لغة المصدر ( Source Language) ولغة الهدف ( Target Language)، الترجمة التعبير بلغة الهدف عما عبر عنه بلغة المصدر مع الحفاظ على الخصائص الدلالية والأسلوبية للنص المنقول. فلا بد للمترجم من أن يكون قارئا مدققا للنص الذي يريد ترجمته لما فيه من دلالات وإيحاءات فكرية وثقافية. ويتوقع من المترجم ألا يلتزم بأسلوبه الخاص بل عليه أن يتميز بالقدرة على تلوين أسلوبه ليحاكي الأصل دون أن يفقد قالب اللغة المترجم إليها. لأن لكل لغة قالبها الخاص. وتكون مهمته شاقة وعسيرة في حالة ترجمة الأعمال الإبداعية. فعليه أن يحافظ على المعنى والمبنى والجمع بينهما خصوصا في حالة ترجمة الشعر كما يشير إليه الكاتب المصري محمد عناني. وترجمة الإبداعيات يجب أن تكون قريبة من المستوى الفني للأصل. وذوق المترجم عنصر هام في هذا الصدد. فإذن الترجمة ليست مجرد نقل من لغة إلى لغة أخرى بل هي أيضا عمل إبداعي – Transcreation not mere translation. وقديما قالوا إن ما يفقد في الترجمة هو الشعر. ويضيف العمل الأدبي الذي أجيدت ترجمته إضافة مهمة إلى التراث الأدبي للغة المترجم. وأتمنى أن تكون هذه الترجمة إضافة إلى التراث الأدبي في لغتنا. وإنني إذ أختتم هذه الكلمات أرجو أن أعبر عن خالص امتناني لصديقي الحميم شاه جهان لتعاونه البناء في تدقيق هذه الترجمة وأشكركم لحسن استماعكم كما أشكر الناشطين في الجالية الملايالامية لجهدهم الجهيد في نشر هذا العمل الأدبي، وليس في قاموسي كلمات للشكر لهذه الحفاوة والمودة، فليكن ختام المسك لهذه الكلمات مقطع من شعر الشاعر الكبير نزار قباني: «وكلامنا في الحب يقتل حبنا إن الكلام يموت حين يقال». ...
تترجم إلى اللغة المالايالامية
شاعر وأكاديمي من عُمان (23/2)
صفحة 238
عنوان المقال الثورة الجزائرية في الوجدان المصري
صدر في العدد الثالث والسبعون
الكاتب شعبان يوسف
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
لم تكن العلاقة بين مصر والجزائر مجرد شعارات متبادلة بين شعبين في مرحلة من مراحلها، أو زيارات بروتوكولية كما يحدث عادة بين الدول، بل كانت العلاقة متجذرة إلى حد بعيد على أرضية من الكفاح المشترك ضد كافة أشكال الاستعمار المتعدد والذي كان متنفذا في جسد المنطقة العربية والأفريقية بشكل متوحش، وكان هذا الاستعمار الذي يعود الآن بأقنعة أخرى، يعيش على نهب ثروات هذه الشعوب، من خلال توحش سياسي وعسكري واقتصادي، وكان الاستعمار الفرنسي يكثف كافة أشكال توحشه في الجزائر منذ قرن ونيف، وكان يعتبر هذا الأمر مهمة مقدسة، دون أي اعتبارات، مع تواطؤات دولية عديدة، دخلت في لعبة تقسيم ثروات الأمم، ومقدرات الشعوب، وكانت الجزائر مقاطعة فرنسية، تعود ثرواتها على أغنياء فرنسا، والعملاء الذين يتعاونون معها بالداخل، وقد ظهرت مؤلفات وكتب في مصر وغيرها من البلدان العربية عديدة، وإن لم تكن بالكثلفة التي ظهرت بها بعد عام 1954، ومن هذه الكتب التي ظهرت في الاربعينيات كتاب جاد للكاتب السياسي أحمد رمزي، وكان عنوانه «الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقية»، وأسهب الباحث في الكتاب شارحا الاوضاع التي آلت إليها السياسات الاستعمارية في الجزائر، ومن خلال الفصول التي خصصت للجزائر كتب عن قصة الاعتداء على الجزائر منذ بداية الاحتلال، ثم كتب فصلا رائعا عن الأمير عبد القادر الجزائري، ثم اختتم الكتاب بفصلين عن المواجهة العربية للاستعمار، والثاني عن المواجهة الإسلامية لهذا الاستعمار، وقد صدر الكتاب عام 1948 عن دار «لجنة البيان العربي»، ولأن انتصار الجزائر فيما بعد وفي مرحلتها النضالية الأعنف والأكثر شمولا منذ نوفمبر 1954، كان انتصارا لكافة الشعوب المناضلة ضد الاستعمار وأعوانه، وقيادات هذه الشعوب، وكانت الدولة المصرية الفتية في ذلك الوقت، بقيادة جمال عبدالناصر قائد ثورة يوليو من أشد المناصرين لثورة الجزائر، وكانت الدولة المصرية تحتضن في ذلك الوقت كافة قيادات الحركات التحررية في العالم العربي، وكذلك كانت الحركة الثقافية والسياسية التقدمية المصرية تلعب دورا كبيرا في التعريف بالثقافة الجزائرية، وبالكتاب الجزائريين على نطاق واسع، وفي مجلات وصحف واسعة الانتشار، وبأقلام كتاب ومفكرين مصريين كبار ومؤثرين، وذي حضور ثقافي واسع بين الجماهير، وعلى رأس هؤلاء الدكتور طه حسين، وكان حضور طه حسين كبيرا في الثقافة المصرية والعربية، ومازال هذا الحضور يحظى باحترام وتقدير كبيرين، وبالإضافة إلى ذلك فطه حسين كان يكتب عن أعمال ذات قيمة عالية، وكان لا يعرف المجاملة، وعندما صدرت رواية الكاتب الجزائري «مولود معمري» الربوة المنسية عام 1952، وكانت الرواية تتعرض للعلاقة بين الجديد والقديم، وكان معمري منحازا ككاتب طليعي للعالم الجديد، دون كراهية للتقاليد والعادات والقيم النبيلة والأصيلة التي يحملها أهله، بل أنه كان متمسكا بهذه الأبعاد، شريطة أن تكون مناسبة للعصر الذي نعيش فيه، ولا تكون مناقضة له بأي شكل من الأشكال، لذلك فقد عانى من هجوم عنيف من بعض النقاد الكلاسيكيين، والذين كانوا منحازين بقوة للقديم تحت رايات الاصالة والدين وماشابه ذلك من ذرائع، فماكان من معمري إلا أن أرسل روايته للدكتور طه حسين، وقرأها العميد، وتحمس لها، وكتب مقالا نقديا رصينا ومنصفا للرواية، ونشره في أول يناير عام 1954 بجريدة الجمهورية، ثم أعاد نشره في كتاب «نقد وإصلاح» وصدرت طبعته الأولي في بيروت عام 1956، وقد لفت هذا المقال النظر للرواية فيما بعد، ولم يكن طه حسين يعرف مولود معمري على أي مستوى شخصي أو أدبي، أي أن المقال جاء لوجه النقد خالصا، يقول طه حسين في صدر المقال: (صاحب هذا الكتاب أخ لنا من أهل الجزائر لا أعرفه ولا أكاد أحقق اسمه الذي يحمله كتابه هذا مكتوبا باللغة الفرنسية)، وبعد أن يلخص طه حسين الرواية، وهو يعتبرها كتابا، حيث يقول: (الكتاب دراسة اجتماعية عميقة دقيقة مفصلة مستقاة تصور أهل الربوة هذه في عزلتهم تلك، وقد فرغوا لأنفسهم واعتمدوا عليها)، وبعد تحليل دقيق للرواية، وقراءة وافية يختتم طه حسين مقاله قائلا: (ما اشد إعجابي بهذا الكتاب الذي لا أنكر من أمره شيئا إلا أنه لم يكتب بالعربية، وكان خليقا أن يكتب بها، ولكن هذا عيب لا يؤخذ به الكاتب وإنما يؤخذ به الاستعمار، وما أكثر ما يؤخذ به الاستعمار من العيوب والذنوب).
وأظن أن هذا المقال لم يكن تعريفا بمولود معمري فحسب، ولا بروايته «الربوة المنسية» فقط، بل كان لفتاحادا لأدب يكتبه جزائريون، ولا يعرف المشرقيون عنهم شيئا، ولذلك تواترت الكتابة النقدية عن الكتاب الجزائريين والتعريف بهم بشكل واسع في محيط الثقافة المصرية والعربية ككل، وتضافرت هذه الحملة الواسعة التي تقوم بالتعريف بالأدب الجزائري، مع محاولات لترجمة نصوص روائية وقصصية وشعرية جزائرية، وأحيانا تتم (24/1)
صفحة 239
ترجمة العمل الواحد أكثر من ترجمة، مثلما حدث مثلا مع محمد ديب الذي ترجم له المترجم والشاعر المصري محمد البخاري مجموعته القصصية «في المقهي» عام 1959، وصدرت عن سلسلة «كتب ثقافية» بالقاهرة، وأعيد ترجمة المجوعة نفسها في بيروت، وقام بترجمتها أحمد غرايبة عام 1964، وصدرت عن مؤسسة المعارف اللبنانية، كذلك حدث مع ثلاثيته، وقام بترجمتها الكاتب والدبلوماسي السوري سامي الدروبي، وكذلك قام بترجمتها الكاتب بهيج شعبان، هذا يدل على أن هناك حركة تعريف واسعة حدث في الشرق العربي عبر النقد والترجمة والصحافة، ولا نستطيع بالطبع في هذه الصفحات القليلة أن نلم بكل ذلك، لكنني سأحاول الإشارة إلى أبرز تلك المتابعات التي كتبت في مصر، وقام بها كتاب فاعلون، وعلى خطي طه حسين، وكانت أبرز هذه المحاولات سلسلة دراسات كتبها المفكر الذي رحل منذ شهور الدكتور أنور عبدالملك، وكانت هذه الدراسات في مجلة المجلة، والتي كان يرأس تحريرها في ذلك الوقت الدكتور محمد عوض محمد، ففي العدد الثامن الصادر في أغسطس عام 1957، كتب عبدالملك تحت عنوان «أضواء على الأدب الجزائري» قائلا: (في الجزائر اليوم، وفي قلب المعركة التحريرية الكبرى، نهضة أدبيةتلعب دورا هاما في الحركة الوطنية الجزائرية، وفي إثارة الرأي العام العالمي ووعيه لفهم حقيقة هذا الشعب الشقيق الباسل الذي يابى إلا أن يحيا حياة مستقلة، إن معالم الأدب الجزائري المعاصر تحجبها عنا أنباء الدماء من ناحية، ودعاية الاستعمار المغرضة من ناحية أخرى، ولابد لنا، أن نبرز ما للأدب الجزائري المعاصر من خصائص مميزة تكاد تكون مزيدة في مجال الآداب المعاصرة)، ويستطرد عبدالملك قائلا: (ذلك أن السياسة الفرنسية الاستعمارية التي كانت _ولا تزال_ تعمل على إدماج الجزائر في فرنسا، وكأن الجزائر لا تعدو أن تكون ثلاث مقاطعات من مقاطعات فرنسا) ويستمر عبدالملك في طرح القضية الجزائرية بشكل موسع، وكما هو معروف، ولا يوجد مجال لاستعادته هنا، حيث أن ذلك صار من الكلاسيكيات السياسية، ولكن الملفت للنظر أن عبد الملك كتب ذلك مبكرا، وربطه بالقضية الثقافية والأدبية، ومحاولات التعبير عنه في الشعر والقصة والرواية، وكانت أولى تطبيقاته على الكاتب الكبير محمد ديب، هذا الكاتب الذي مساحة من التعريف والنقد واسعة جدا في مصر، وبعد أن كتب عبدالملك تمهيدا طويلا عن الأدب الجزائري، وارتباطه الجدلي بالقضية الوطنية، قال عن محمد ديب: (إنه شاعر أولا وقبل كل شئ فهو لا يرى الواقع كما هو، ولايصفه في ركوده، وإنما نراه دائما يتلمس الجوانب الوجدانية في هذا الواقع ليصوره لنا تصويرا حيا متأججا، ينفذ إلي قلوبنا، ويهز كيان القارئ، وهو كاتب واقعي بالمعني الدقيق، إنه لا يحلق بخياله في الفضاء، ولكنه يقف وقفة راسخة على أرض الجزائر، بين الفلاحين وأهله وعشيرته، يتحدث حديثهم، ويستنشق هواءهم، ويتألم آلامهم، ويكتب لهم وعنهم)، ويأخذ عبدالملك القارئ في رحلة مشوقة، غزيرة بالمعاومات، وعميقة وناصعة في التحليل، ثم يتناول في الأعداد اللاحقة أعمال مولود معمري ومولود فرعون، وأنا هنا لا أرى أن هذه الدراسات المجهولة تأخذ أهميتها من حيث ريادتها في الثقافة المصرية فحسب، ولا من زاوية أهميتها التاريخية، ولكن العمق الذي تناول به عبدالملك نصوص الكتاب الجزائريين، كان ملفتا للنظر، والزاوية الثانية، هي الأهمية التي صار يشغلها عبد الملك نفسه في الساحة الفكرية العالمية، ومن هنا أشدد على جمع هذه المقالات وإعادة نشرها للأبعاد المتعددة التي تمثلها هذه الدراسات في مجال النقد والتحليل للأدب الجزائري في بواكير نهضته.
وأظن أن قوة الدفع التي بدأت تغزو الحالة الثقافية العربية، واهتمامها بالأدب الجزائري عموما، المكتوب بالفرنسية والعربية على حد سواء، وإن كان الأدب المكتوب بالعربية كان مازال قليلا، ولكننا صرنا نرى اهتماما كبيرا راح يفرض نفسه على الصحف والمجلات المصرية، خاصة المجلات والصحف التي تنحاز بقوة للأدب والفكر الطليعي عموما، وسنلاحظ أن مجلة الرسالة الجديدة، وهي المجلة الثقافية التي كانت تصدرها الدولة الفتية آنذاك، وكان يرأس تحريرها الكاتب يوسف السباعي، اتخذت المجلة في الصادر في مايو 1958 محمد ديب شخصية العدد، تحت عنوان خبر وصورة، هذه الصورة - الببوتريه، جاءت مصحوبة بتعريف فخم ورصين، وبعد معلومات عن الكاتب يقول الخبر: (الفنان الجزائري الذي تعذب طويلا بمأساة كتابة أعماله ونشرها باللغة الفرنسية، سوف تحقق أخيرا له ثورة الجزائر حلما عاش يحلم به وتصدر له قريبا في المنطقة المحررة من الجزائر وباللغة العربية مجموعة قصصية «في المقهي».
ولأن الباب صار مفتوحا، واشتد عود الثورة الجزائرية، وكذلك اشتد الحقد الاستعماري المتمثل في السحق والمحو والإلغاء، وكان حوار الرصاص بين الأطراف المتعادية كثيفا، وعلى التوازي كانت المؤازرات الثقافية والأدبية والفكرية جنبا إلى جنب مع المؤازرات السياسية، ففي ديسمبر 1958 صدر كتاب عن سلسلة إقرأ التي أسسها الدكتور طه حسين في الأربعينيات، عنوانه «أدباء من الجزائر»، من تأليف الدكتور ابراهيم الكيلاني، تناول فيه الأدب الجزائري بالتعريف والنقد والتحليل، وقدم قراءات في أعمال محمد ديب ومولود فرعون وكاتب ياسين ومولود معمري، وجاءت هذه القراءات لتضيف بشكل كيفي إلي ماقدمه النقاد والكتاب الذين خاضوا في هذا الحقل، مع العلم أن حركة الترجمة لم تكن بالقوة التي كانت سائدة في النقد والتعريف والتحليل، لكن كل هؤلاء كانوا يكتبون عن الأعمال الادبية لهؤلاء الكتاب في اللغة الفرنسية، وقدم الكاتب كتابه (24/2)
صفحة 240
بمقتطفات معبرة من كتاب جزائريين، وكانت هذه المقتطفات تدل على أن هؤلاء الكتاب ينطلقون من منطلق يؤكد على الهوية القومية من ناحية، وعلى البعد الإنساني من ناحية أخرى، فنجد الاقتباس الذي يخص مولود فرعون يقول: (إن المهم عندي أن نجد آثار كتاب أفريقيا الشمالية أناسا من لحم ودم يشبهون الذين أراهم حولي)، ويقول محمد ديب: (يخيل إلي أن أدبا قوميا بكل ما في هذه الكلمة من معنى واسع وسخي في طور التكوين، وهذا ينطبق بنوع خاص على الجزائر)، وفي اقتباس ثالث يقول عامر جديرة: (الأدب مرجع ثابت، وكتاب جماعي يحوي صورا وعواطف وارتكازات، وباختصار هو انعكاس لروح الأمة)، كلنت هذه الكلمات مدخلا مناسبا لقراءة الأدباء الذين تناولهم الكاتب، وبالتالي كان تركيز الكاتب على التعرف على الملامح الاساسية التي تربط بين النصوص التي تناولها، وبين الوجوه المتعددة للقضية الجزائرية، هذه القضية التي صارت الإنشغال الأعظم لكافة الشعوب المحيطة بالجزائر، ولم تصر الثورة الجزائرية قضية محلية فقط، بل صارت قضية إقليمية وعربية ودولية وإسلامية واجتماعية، إنها قضية تخص الضمير العالمي بشكل شامل، لأن الذي كان يحدث كان مهولا، في الوقت الذي كانت فرنسا الدولة المستعمرة تزعم أنها بلاد النور والحرية، وللأسف كان هناك من يناصرها، وكانت تجد من عملاء محليين بعض المؤازرات الظالمة والمجحفة، ومنعدمة الضمير، وبالتأكيد كان الأدب في تلك اللحظة أداة وسلاحا ماضيين، للتعريف بالقضية الجزائرية، وكذلك بالهوية الجزائرية الحقيقية، والتي كان الاستعمار يعمل على طمس ملامحها طوال الوقت، ومن هنا كان من ضرورات النقاد الأحرار العرب أن يعملوا بكامل قواهم لمناصرة هذه القضية التي تخص _كما أسلفنا_ الضمير الانساني عموما، ولأن هؤلاء الأدباء كانوا على وعي كبير بقضيتهم، استطاعوا أن يقدموا أدبا راقيا، ينافس الأدب الفرنسي ذاته، للدرجة التي كان بعض هؤلاء الكتاب يحصلون على جوائز في فرنسا، أمام روايات كتبها فرنسيون، مثلما حدث مع مولود فرعون في روايته «ابن الفقير»، وتفوق الكتاب الجزائريين بشكل واسع على الكتاب الفرنسيين في التعريف بأدبهم على المستوي العالمي، فحازت هذه الكتابات تقديرا عاليا من كتاب ونقاد على مستوى العالم، ودون أن نسترسل فيما قدمه هذا الكتاب الصغير، نقتبس فقرة من المقدمة تجمل النظرة العامة التي انطلق منها الكاتب، إذ يقول: (الأدب الجزائري أدب مستقل، ذو خصائص ذاتية مستمدة من البيئة التي يعيش فيها الشعب الجزائري، فهو أدب قومي وإن شارك الجزائريين فيه كتاب فرنسيون وأجانب ولدوا وعاشوا في إفريقية الشمالية، لأن أدب هؤلاء تجاوز في تصوراته وموضوعاته المحيط الإفريقي إلى آفاق تتصل بالادب الأوروبي والروح الاممية أكثر منه بالأدب العربي والروح العربية، فهو أدب مصنوع، مجلوب غريب، في حين أن الأدب الجزائري الذي يكتبه كتاب جزائريون هو أدب واقعي، فيه انعكاس لروح الامة الجزائرية في عواطفها وارتكاسها تجاه الوجود، وأمانيها وأساطيرها وتقاليدها، فالأدبان منفصلان متميزان يصدران عن عالمين منفصلين متميزين: اللاتيني والعربي).
وحتى نستكمل بعض أجزاء الصورة التي رسمها المصريون، أريد أن أقول: إن مجموعة القصص التي صدرت في القاهرة عام 1959، وهي «في المقهي» لمحمد ديب، نالت اهتماما واسعا، وانعقدت لها ندوة في إذاعة «البرنامج الثاني» الذي تحول اسمه الآن إلى «البرنامج الثقافي» وشارك في هذه الندوة لفيف من الكتاب والنقاد المرموقين، وهم يحيى حقي، والدكتور شكري عياد، والناقد عبدالمحسن طه بدر، والأديب عبدالرحمن فهمي، وقدمت الندوة الإذاعية الكبيرة سميرة الكيلاني، ولم يكتف يحيى حقي بالمشاركة في الندوة، بل أنه كتب مقالا نقديا طويلا، نشره في العدد الخامس من مجلة «المجلة» في نوفمبر 1959، وكان قد ترأس تحريرها الناقد الدكتور على الراعي، ثم أعاد نشره فيما بعد في أهم كتبه النقدية «خطوات في النقد»، وفيه يقف أمام قصص المجموعة السبع، محللا لها، وقارئا لتفاصيلها، ويقول في مستهل دراسته: (هذه المجموعة الصغيرة لها قدرة عجيبة على أن تأسرك في قبضتها من أول مصافحة وهذه الميزة هي سمة الأعمال الفنية الباقية التي يرفع جذبها قدميك عن أرضك، تنزعك من نفسك، وتلقي بك في عالم غير عالمك، تخلفه لك ثم تتلاشي صور مخصصة بأقوام وزمان ومكان، وعالم مسحور تختلط فيه الحواس، ويتعطل النطق، وتشل الإرادة، ويسرح العقل مفلوت القياد)، ويعترف يحيى حقي أنه راح يتعرف على الجزائر من خلال هذه القصص القصيرة البديعة، هذه القصص التي تشع بكل ماهو جزائري، ويثني على هذا النوع من الكتابة التي لا تعاني من أي إسهاب أو استطراد لا لزوم له، فاستطاع الكاتب بفضل لمحات مندسة تمر بك كأنها عابرة غير مقصودة، وبفضل تخصيص الأشياء بذكر أسماء أنواعها الجزائرية أن يجعلك تشم من بلاده رائحة أرضها وأشجارها ورياحها ومقاهيها وسجونها وعطر حقولها وخبث زرائبها بقمامتها وروثها وتسمع زقزقة عصافيرها ونبح كلابها، وتقابل الفلاح والعامل المشتغل والمتعطل والشحاذ والمهاجر العائد من باريس والمجاهد الثائر يموت شهيدا والعربي الذي يفخر أنه يتكلم الفرنسية خيرا من أهلها والموظف الاستعماري والمتوطن المسعور، وهكذا يسترسل يحيى حقي في سرد وشرح خصائص الكتابة عند محمد ديب في هذه المجموعة، ويتدرج في قراءته من البسيط إلي المركب، ليقدم لنا وصفا وتحليلا عميقين لكاتب من أنبل من أنجبتهم الأمة الجزائرية. (24/3)
صفحة 241
وهناك كاتب آخر لم يأخذ حقه من التعريف والنقد بشكل كاف، ولم تتركز عليه الأضواء كما تركزت على آخرين، وربما يستطيع البعض أن يقدم تفسيرا لذلك، هذا الكاتب هو عبدالله الركيبي، وقد أصدر مجموعته القصصية الأولى «نقوش ثائرة» في القاهرة، أثناء إقامته هناك من 1960 حتى 1964، وقد أهدي الكاتب مجموعته إلى «روح صديقي البشير بن رابح، الذي استشهد من أجل الجزائر الحرة» وكان الكاتب قد شارك في جبهة التحرير كمناضل ومسؤول وجندي في جيش التحرير الوطني الجزائري، واعتقلته السلطات الفرنسية بمعتقل «آفاو» احد عشر شهرا، ثم أرغم على الإقامة الجبرية ببسكرة والتي فر منها حيث التحق بجبال الأوراس، وهاجر إلي تونس، ثم جاء إلي القاهرة والتحق بكلية الآداب، وكان رئيسا لاتحاد طلاب الجزائر بالقاهرة.
وعندما أصدر مجموعته الأولى عام 1962 قدم لها الدكتور شكري محمد عياد بدراسة ممتازة، وأكد عياد كما كان يؤكد على ذلك غالبية النقاد، أن الأدب الجزائري، والثورة الجزائرية شقيقان وتوأمان، ليس لأنهما برزا معا في أفق النهضة العربية والآمال الانسانية الكريمة، بل كليهما تعبير عن روح الشعب الجزائري الباسل الصامد في معركة الكرامة الانسانية والحرية الانسانية، فالأدب الجزائري أدب ثوري بكل معاني الكلمة، ادب يعيش الثورة، ولا يتحدث عنها أو يدعو لها فحسب، ويقدم عياد رؤية ناصعة لارتباط الأدب الجزائري بالنضال الباسل، والحركة الوطنية الجزائرية، ثم يربط قصص المجموعة بهذا المفهوم الذي قدمه، واقفا أمام قصص المجموعة قصة تلو قصة، وإن كان اعتبر هذه المجموعة من البواكير التي ينتظر من كاتبها الكثير في المستقبل القريب.
ولا تنقطع حركة التعريف والترجمة والنقد، ولا تتوقف الصحف عن المتابعة الدؤوبة والنشيطة للجزائر، والثقافة الجزائرية، والكتاب الجزائريين، وكانت جريدتا «المساء» و «الجمهورية» من أكثر الجرائد حماسا وتقديرا، ومنذ عام 1956 حتي عام 1964، لم تخل صفحات هاتين الجريدتين من أخبار ومقالات عن الوضع الجزائري، وبورتريهات عن أبطال الجزائر، وعن الشهداء، وأعتقد أن ارشيف الصحافة المصرية متخم بمادة جزائرية رهيبة بالحالة الجزائرية، وكانت مانشيتات هاتين الجريدتين مخصصة لمتابعة الحالة الجزائرية، ويكفي أن أول ترجمة لكتاب «يوميات معركة الجزائر» لمولود فرعون، حدثت في القاهرة، ونشرت مسلسلة بشكل أسبوعي في جريدة المساء، وكان ذلك بعد صدورها باللغة الفرنسية مباشرة، ولم يحظ كاتب عربي بهذه الميزة سوى مولود فرعون، وحتى لم ينل هذا الحظ كتاب مصريون، إلا من طراز نجيب محفوظ ويوسف ادريس، ومن شابههم، وكتب المترجم عبدالعاطي جلال مقدمة تعريفية بالكاتب والكتاب، ملخصا في فصل أحداث مانشر في العدد السابق، وكانت مقدمة دالة وذكية وحميمية، ونشرت الطبعة الأولى في كتاب عام 1970 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بعد أن تعرف علىها المصريون بشكل واسع، إذ كانت تنشر على صفحة كاملة مصحوبة برسوم لأحد الفنانين الكبار وموحية للأحداث التي كانت تحكي عنها اليوميات، وعدا ذلك كانت القاهرة تنشر بشكل دوري كتبا سياسية عن الثورة الجزائرية، تشرح وتحلل الأوضاع والتعقيدات التي كانت تمر بها الجزائر، وكان كتاب «ثورة الجزائر» لعلي الشلقامي، والصادر عن دار النديم عام 1957، وقدم له علال الفاسي، وفيه يشرح الكاتب البواعث الاقتصادية التي قام على أساسها استعمار الجزائر، وبعد ذلك صدرت كتب كثيرة، تتابع الأوضاع في الجزائر، كما صدر كتاب «الجزائر المنتصرة» للكاتب الطليعي محمود عبد المنعم مرتضى، وزادت وتيرة نشر الكتب الساسية عن الجزائر، وهناك كتاب لافت للنظر كتبه الناقد الأدبي والعروبي رجاء النقاش عن الزعيم بن بيلا، وصدر عن دار الآداب، ولم تصدر له طبعة ثانية، وكتب يوسف ادريس أشياء كثيرة عن الجزائر، ويوسف ادريس يعتبر أن قضية الجزائر قضية عربية يراد اختصارها في دولة، لذلك كتب يقول: (لقد تعودنا أن نبدأ حديثنا عن الجزائر بالحديث عن قادتها وعن أزماتهم، حتى تكاد الجزائر تصبح في نظرنا أعضاء المكتب السياسي أو أعضاء الحكومة المؤقتة، ولكن الجزائر ليست هذا في الواقع، إنها أكبر وأغنى وأكثر بلادنا العربية فتوة وحماسا وشبابا) وكان ادريس يكتب هذا الكلام في ظل السلطة الناصرية، التي تعتبر أن القضية الجزائرية هي قضية مصرية وعربية، وهذا ما حاول أن يكتبه ادريس في كتاباته العديدة، مقدرا التغيير الهائل الذي حدث للجزائر بعد الاستقلال، وإن استفضنا في الكتابة عن العلاقة التي حدثت بين الشعبين ومثقفيها وساستها، سيحتاج الأمر إلى مجلد ضخم، لغزارة وتنوع المادة، فقط أريد أن أشير إلى بضعة كتابات إشارة سريعة، حيث أن القاهرة كانت ترسل بعض كتابها وفنانيها وشعرائها ليروا على الطبيعة مايحدث في الجزائر، وضمن من ذهبوا كان الشاعر العربي والمصري الكبير أحمد. عبدالمعطي حجازي ..
وكتب ديوانه الثاني «اوراس»، وكذلك ذهب الفنان الكبير أحمد طوغان، وصعد إلي جبال الأوراس، وحمل السلاح مع المقاتلين، وخاض معارك ضارية معهم، وفي حمايتهم، وعندما عاد كتب كتابا رائعا، وشهادة من أرق وأجمل الشهادات، تحت عنوان «أيام المجد في وهران، وسجل بريشته أبطال المعارك الذين استشدوا، (24/4)
صفحة 242
والذين ظلوا مقاومين حتي النصر، وحكي في هذا الكتاب قصص البطولة التي أبدعها أناس عاديون، وأناس دخلوا المعركة بالصدفة، ولكنهم بذلوا أرواحهم نظير أن تحيا وتعيش الجزائر، ولن أتحدث عن فيلم «جميلة» الذي أنتجته الفنانة ماجدة الصباحي، وأخرجه يوسف شاهين، لأنه أشهر من أن تقدمه كلمات أو سطور قليلة، ولكنني أريد أن أشير إلى أن هذا الفيلم معلما للوطنية، ومن الكلاسيكيات التي ننهل منها كل معاني الاستبسال من أجل الوطن، وكانت المناضلة جميلة بوحريد رمزا أسطوريا بالنسبة للمصريين، فعدا هذا الفيلم، كتب عبدالرحمن الشرقاوي مسرحيته الشعرية الطويلة «مأساة جميلة» واستطاع من خلالها أن يشرح القضية الجزائرية وآمالها الكبرى، وعن جميلة أيضا كتب شعراء كثيرون، وعلى رأسهم أحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح جاهين وفؤاد حداد وحسن فتح الباب ومحمد الجيار، ولصلاح عبدالصبور قصيدة عنوانها «جميلة علم وهران»، ولكن هذه القصيدة لم يدركها أي ديوان من دواوين صلاح عبدالصبور، وظلت مجهولة حتي الآن، وفي تلك اللحظة، أي عام 1958، وكانت جميلة تتعرض لأبشع أنواع التعذيب، صدر بيان في القاهرة تحت شعار «لا بد أن تعيش جميلة»، يدين الاستعمار الفرنسي إدانة مطلقة، وقد وقع على هذا البيان معظم الكتاب والمثقفين والفنانين المصريين الكبار مثل احسان عبدالقدوس واحمد رشدي صالح وكامل زهيري والفريد فرج وفاتن حمامة وعمر الشريف وعلى الراعي وعبدالرحمن الخميسي وكامل الشناوي، وغيرهم، وكانت الصحف المصرية تكتب بتواتر أعلى في هذه المرحلة، أكثر بكثير من أي مرحلة أخري، ولم تتوقف مساندة القضية الجزائرية من قبل المثقفين والكتاب المصريين في أي لحظة من نضالها، باعتبارها قضية مصيرية، تتحدد من خلالها آنذاك مصائر حركة الشعوب المقاومة للاستعمار في كل مكان، وحتي بعد الاستقلال كانت المتابعات من اتجاهات كثيرة، وكانت مجلة الهلال تنشر دراسات ومقالات بغزارة، وكان الكاتب الراحل كامل زهيري، أحد الذين ساهموا بشكل كبير في إثراء الكتابة عن الجزائر، وكانت دراسات للمناضل والمفكر فرانز فانون تترجم وتنشر في المجلة، وكان كذلك الكاتب أحمد بهاء الدين يساهم بشكل ملحوظ في الكتابة عن قضية الجزائر، وظلت المجلة تنشر مساهمات عديدة تخص ملف الجزائر، وفي العدد الصادر في يناير 1967نشرت المجلة حوارا شاملا مع الأديب مولود معمري، وكان مولود يزور القاهرة ليحضر اجتماعات اللجنة التحضيرية لمؤتمر الكتاب الأفريقي الآسيوي، وقد أجرت الكاتبة الصحفية هذا الحوار معه، وفي العدد ذاته نشرت المجلة عرضا وافيا لمسرحية «أبو دخان» للاديب الكبير كاتب ياسين، قدمته الكاتبة صوفي عبدالله، وكذلك نشرت في العام نفسه ثلاث مسرحيات لكاتب ياسين في مجلد واحد، صدر عن المؤسسة الرسمية وهي «دار الكاتب العربي للطباعة والنشر» والمسرحيات هي (الاسلاف يضاعفون ضراوتهم، ومسحوق الذكاء، والجثة المطوقة) وقام بترجمة النصوص هيدي بانوب والدكتور حمادة ابراهيم، الذي كتب مقدمة شاملة عن الكاتب ونصوصه، وموقعه في خارطة المسرح الجزائري والعربي والعالمي، وربط هذه النصوص بشكل أساسي بقدرتها التعبيرية والفنية عن الواقع الجزائري، رغم اللغة الفرنسية التي كتبت بها هذه النصوص، واصلا بين خيط اللغة من ناحية، وخيط المناخ الذي انطلقت منه، وتأثرت به هذه النصوص الطليعية، وبعد فالمجال يضيق فعلا عن الإلمام برصد كافة اشكال التفاعل المتعددة بين الشعبين المصري والجزائري، عبر وسائط متعددة، منها السلطة المصرية بقيادة جمال عبدالناصر في ذلك الوقت، تحت مظلات كذلك متعددة، وعلى رأسها مظلة العروبة، أي كانت التحفظات على الشكل العام الذي كان مطروحا في ذلك الوقت، والذي أبدع ثمارا مشتركا نفتقدها في هذا الزمان الذي نعيش فيه، وكذلك كانت مظلة الأفرقة، وهذا وذاك كانا يتلمسان طريقهما نحو مقاومة كافة أشكال الاستعمار التي كانت ومازالت متفشية حتي الآن، ولم تستطع شعوبنا اقتلاعها بشكل حاسم ونهائي،
شعبان يوسف
كاتب وصحفي من مصر (24/5)
صفحة 243
عنوان المقال: الآراء العقديّة عند الإباضيّة الأوائل من خلال سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عُمان في أمر هارون بن اليمان
صدر في العدد ....
الكاتب: الحسني غابري - باحث واكاديمي من تونس -
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
2 نوفمبر,2014
يعتبر الاختلاف من أبرز السّمات المميّزة للحياة الإنسانية، فهو قانونها الأساسي بل عليه يتوقّف تطوّر الحياة البشريّة من فترة تاريخية إلى أخرى. ولولاه لظلّّت هذه الحياة سائرة على وتيرة واحدة. وإذا كانت هذه سمة الحياة المميّزة، فإنّ الفكر البشري لا يمكن أن يُستثنى منها فهي سمته كذلك. ومن هذا المنطلق يمكن أن ننظر في تاريخ فكرنا الإسلامي الذي جسّدته فرقه المتعدّدة منذ صدر الإسلام. وإن كان لظهورها أسباب مختلفة لعلّ أبرزها الاختلافات السياسية التي بدأت تحتدّ منذ أواخر عهد الخلافة الرّاشدة، فإنّ ذلك لا يمنع من النّظر إليها من زاوية إيجابية متفائلة باعتبار ما تشير إليه من تنوّع في المجال الفكري الذي هو سمة مميّزة لتراثنا الحضاري. فثراء هذا التّراث لا يمكن أن يُحسب إلى إنتاج طائفة معيّنة أو فرقة بعينها.
وفي إطار الإيمان بهذه الحقيقة يتنزّل عملنا هذا الذي يعتني بدراسة أثر من آثار الفكر الإباضي وهو «سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان».والملاحظ أنّ هذا الجهد يعود إلى القرن 2 هـ/8 م فهو يتنزل ضمن فترة التّأسيس التي لا يمكن لباحث في المذهب الإباضي أن يتجاهلها لما لمعرفتها من دور في إدراك استمرار هذا الفكر وتطوّره. ولعلّه من المفيد في هذا السّياق التّذكير بأنّ ما يميّز العقيدة الإسلاميّة هو اختلاف منهج تعامل معتنقيها مع النصوص التي تثبتها» (1) ممّا ساهم في ظهور مدارس فكرية متعدّدة يتميّز كل منها بمنهج معيّن في التعامل مع هذه النصوص وهو ما أدّى إلى ظهور آراء عقدية لكلّ مدرسة. وفي هذا الإطار استقلت المدرسة الإباضية بعلمائها وآرائها في العقيدة الإسلامية. وللتّذكير فإنّ الإباضية هي إحدى أقدم الفرق الإسلامية التي تعود نشأتها إلى النّصف الأوّل من القرن الهجري الأوّل، وقد أخذت اسمها من عبد الله بن إباض أحد فقهائها الأوّلين المتوفّى سنة 86هـ/705م. وقد ارتبطت هذه النشأة بالظّروف السّياسية التي عرفها المسلمون وهم يتنازعون حول السّلطة وخاصّة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان سنة 36هـ/656م. فبعد معركة صفّين التي دارت بين علي وأنصاره من جهة ومعاوية وعمرو بن العاص وأنصارهما من جهة أخرى سنة 37هـ/657 م وقبل فيها علي بن أبي طالب بالتحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان انقسم المسلمون إلى ثلاث كتل هي كتلة علي بن أبي طالب التي تحوّلت تسميتها فيما بعد إلى شيعة وكتلة معاوية بن أبي سفيان المتوفى سنة 60هـ/680م التي تحوّلت تسميتها إلى سنّة والكتلة التي عُرفت بالمحكّمة وهي التي رفضت التّحكيم وتمّ تلقيبها بعد ذلك بالخوارج. وبين هذه الكتلة الأخيرة وعلي بن أبي طالب جرت معركة النّهروان سنة 38هـ/658م التي قتل فيها عدد كبير منها ولم تبق إلا فئة قليلة كما قتل في هذه المعركة عبدالله بن وهب الراسبي الذي بايعته الجماعة فتحوّلت إلى الكتمان التّام وتولّى أمرها عروة بن أديّة وأخوه أبو بلال بن مرداس بن حدير وانضم إلى هذا الثنائي جابر بن زيد وعبد الله بن إباض ونافع بن الأزرق وعبد الله بن الصّفار ونجدة بن عامر. وبتولّي زياد بن أبيه المتوفّى سنة 53هـ/673م السّلطة على العراق وتشديده ملاحقة كلّ المناوئين للسّلطة الأموية انقسمت المحكّمة إلى قسمين «قسم فضّل مراجعة النفس والرّجوع إلى السّلم والتفكير في استخدام أساليب أخرى ومن هؤلاء زُرعت بذرة الاتّجاه المعتدل الذين منهم الإباضية» (2). ومن هؤلاء كان الإمام جابر بن زيد المتوفّى سنة 93هـ/712م و عبد الله بن إباض المتوفّى سنة 86هـ/705م. وقد كان هؤلاء يرون ألاّ سبيل إلى النّجاة بحركتهم «إلا بالقعود وتركيز ثقافة محورها حفظ تعاليم الإسلام» (3). أمّا القسم الثاني فقد مثّله نافع بن الأزرق ومن والاه وقد اعتمد مبدأ ردّ القوّة بالقوّة وأقرّ مبدإ الاستعراض الذي يعني قتل كلّ المعترضين من المخالفين بما في ذلك الأطفال والنّساء «وعن هذا المنهج تبلورت الأزارقة والنجدات والصّفرية» (4). وبتحوّل حركة نافع بن الأزرق من القول إلى العمل بما ذكرنا من الأسس السابقة برئت منها حركة جابر بن زيد وعبد الله بن إباض اللّذين فهما الخروج بأنّه مروق عن الدين وفي هذا الإطار يقول عبد الله بن إباض في رسالته إلى عبد الملك بن مروان «إنّا براء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام في ما ظهر (25/1)
صفحة 244
لنا ولكنّه أحدث وارتدّ وكفر بعد إسلامه فنبرأ إلى الله منهم» (5). ومن هذا المنطلق يمكن فهم رفض الإباضية تسميتهم بالخوارج.
وممّا تجدر الإشارة إليه في بداية هذا العمل تنوّع مصادر الآراء العقدية عند الإباضية وخاصّة في القرون الثلاثة الأولى حيث نجدها في مختلف كتب الفكر الإسلامي العقدية منها والفقهية والتّاريخيّة. ولذلك فإنّ البحث في الآراء العقدية خلال الفترة المذكورة التي تمثل فترة التأسيس في هذه الفرقة يستوجب الرجوع إلى مصادر العقيدة والتفسير والفقه والتّاريخ والسير والمراسلات. وضمن هذه المصادر تحتلّ الرّسائل والسّير موقعا مهمّا، وهي رسائل بين الأئمّة والعلماء وسير ترد فيها معلومات تاريخية وتناقش فيها القضايا المستجدّة ومنها سيرة محبوب بن الرّحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان موضوع هذا العمل. ومحبوب بن الرّحيل هو أحد أئمة العلم في عمان في القرن 2 هـ/8م وتحديدا في النّصف الثّاني منه، عرف بكنيته الشّائعة بأبي سفيان. وقد اشتهر هو وأبناؤه وأحفاده بالفضل والعلم. ويشير صاحب كتاب «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» إلى أنّ الإطار التّاريخي لهذه السيرة هو زمن مبايعة الإمام غسّان بن عبد الله اليحمدي (192هـ-208هـ) الذي «كان في أيّامه جمّة من العلماء واختلف في تلك الأيّام هارون بن اليمان الشعبي ومحبوب بن الرّحيل» (6) الذي يردّ عليه في هذه السيرة حول «صفة التّقوى والشّكّ في حكم العاصي وعدم البراءة إلاّ في معصية توجب الحدّ في الدنيا أو الآخرة. وهارون ممّن يذهب مذهب الثلاثة الذين خالفوا أبا عبيدة في حياته وبعد موته في عهد الربيع حول المسائل الثلاث التي وقع حولها النقاش والرّدود» (7). وأمّا الثلاثة المتحدث عنهم فهم شعيب بن المعرّف وأبو المؤرج السدوسي وعبد الله بن عبد العزيز وهم من تلاميذ أبي عبيدة مسلم الذين لم تقتصر مخالفاتهم للسابقين على هذه المسائل بل طالت مسائل أخرى مثل «عدم صلاة الجمعة وراء أئمّة الجور وعدم تكفير المرأة التي زنت فيما دون الفرج وتشريك المخالفين لهم من أهل القبلة في مسألة صفات الله» (8). وإن كانت السيرة ردّا على ثلاث مسائل مذكورة سابقا، فإنّ استنطاقها يكشف أنّها لم تقتصر عليها من الآراء العقدية بل تجاوزتها إلى مسائل كثيرة عمد فيها صاحبها إلى ذكر الرأي المخالف في كلّ مسألة أوّلا عارضا بعد ذلك موقفه مبرّرا إياه بالحجج والبراهين الممكنة متوسّلا بما وسعه من القرآن والسنّة وآثار الأوّلين من أئمّة الإباضية مؤكدا في كلّ مناسبة على انسجامه واستجابته لآراء السلف وبالتّالي لجوهر الشريعة بعيدا عن كلّ بدعة وضلالة. ويمكن ضبط أهمّ محاور هذه السيرة في ثلاثة أقسام كبرى هي: الإلهيات والرساليات والإنسانيات تفرّع كلّ منها إلى قضايا جزئية كانت في قسم الإلهيات مجسّدة في المتشابه ثمّ التّوحيد بينما احتوى قسم الرساليات على قضيّتي النبوّة وصلاة الجمعة في حين تفرّع قسم الإنسانيات الذي كان الأكثر حظّا إلى قضايا: الإيمان والكفر، الشّرك والنّفاق، الذّنوب والتّوبة، الولاية والبراءة والوقوف.
ضمن قسم الإلهيات يأتي حديث محبوب بن الرّحيل عن المتشابه ردّا على اتّهامه من قبل هارون بن اليمان بأنّه يعتبر المتأوّل في النبي صلى الله عليه وسلّم مشركا بينما المتأوّل في الله ليس بمشرك (9). ولتوضيح موقفه من هذه المسألة عرض صاحب السّيرة نوعين من التّأويل أوّلهما الصادر عن المقرّ بوجود الله وبوحدانيّته الذي يتّجه إلى القرآن الكريم فيجد فيه آيات من قبيل «وجاء ربّك والملك صفّا صفّا» (10) وو «قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها» (11) فذهب إلى تأويل ذلك على غير تأويل المسلمين «غير أنّه مقرّ لا شبيه له ولا نظير ولا عدل ولا ندّ وضدّ ينفي عنه هذه الأشياء فهو مقرّ عندنا حُكمنا فيه حكم المقرّين» (12). أمّا النّوع الثّاني من التّأويل فهو الذي ينقله قوله التّالي ويعرب فيه عن موقفه منه وهو لـ «من قال إنّ له شبيها أو مثلا أو نظيرا فهو بهذا مشرك» (13). وهكذا فإنّ التأويل عند الرجل صنفان الفاصل بينهما الإقرار بوحدانية الله و «تنزيهه عن متشابه الخلق استنادا إلى الآيات المحكمات من كتاب الله» (14). لذلك فهو يوضّح هذا الموقف في رأي نعتبره فصلا وهو «من تأوّل في الله بما يعلم أنّه جاحد لله أو منكر له أو مكذّب له فهو مشرك ومن تأوّل فلم يبلغ به تأويله جحود ولا إنكار ولا تكذيب لله ولا ملائكته ولا كتبه ولا اليوم الآخر شهدنا عليه بالكفر والضّلال والنّفاق وحكمنا عليه بأحكام أهل قبلتنا كما يحكم فيهم المسلمون قبلنا لا نسمّيهم مشركين ولا نستحلّ منهم سبيا ولا غنيمة» (15). ويستند صاحب السيرة في ذلك إلى رأي السّلف من العلماء والأئمّة من ذلك الحادثة التي قيل فيها لأبي عبيدة وهو من علماء الإباضية المتقدمين أنّ مقاتل بن سليمان الأزدي المتوفّى سنة 150هـ/767م يقول إنّ الله خلق آدم على صورته فقال «كذب مقاتل ولم يسمه بالشّرك ولا نسبه إليه» (16). فخلاصة رأي محبوب بن الرّحيل إذا أنّ المشبّهة كما يرى أئمّة الإباضية عموما لا سيّما المتقدّمين منهم الذين أخذ عنهم آراءه وقال بقولهم نوعان نوع ينسب إلى الشّرك ويتفرّع إلى فرعين هما المجسّمة وأشباه المجسّمة، أمّا القسم الثّاني فهم المشبّهة وهم المخطئون في التّأويل الذين لم يحكم عليهم علماء هذه الفرقة بالشّرك ولا بالرّدة و إن اختلفوا معهم. أمّا عن التّوحيد فقد ورد الحديث عنه في مواطن مختلفة من هذه السّيرة لاسيّما ضمن المجالات المعنية بصفات الإنسان المختلفة ونعني الإيمان والكفر وخاصة الشّرك باعتبار أنّ التّوحيد هو مفتاح الإيمان لذلك فإنّ الإباضية يسمونه بـ «جملة التوحيد» «نظرا لتعبيرها عن كلّيات الإيمان التي تندرج تحتها مدلولات جزيئاته فإنّ كلّ اعتقاد صحيح عن الله وصفاته وأفعاله دنيا وأخرى تفسير لها كما أنّ كلّ ما تستلزمه عقيدة التّوحيد من الأعمال الصّالحة وفاء بحقّها» (17). وإذا كان التّوحيد هو مفتاح الإيمان فهو القاسم المشترك الأوّل بين جميع المسلمين بل إنّه ممّا لا يمكن أن يختلف فيه اثنان بما أنّه الأصل الأوّل الذي يجتمعون حوله «فليس بين المسلمين (25/2)
صفحة 245
والحمد لله اختلاف وأنّ جميع قولنا ممّن يقرّ بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله، والإقرار بجميع ما جاء من الله، إنّهم مقرّون ... والتوحيد إقرار وتوحيد» (18).إنّه إذا إقرار العبد بالشهادتين الذي يترتّب عنه عدم قدرة أيّ كان إخراجه من هذه المنزلة وهو ما يؤكده صاحب السيرة في تعليقه على قوله تعالى «قولوا آمنا بالله وماأنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما هم في شقاق» (19)، حيث يقول «فمن أقرّ بهذه الآيات خرج من الشّرك ونفى عنه الإنكار والتّكذيب لا يرجع إلى منزلة أهل الشرك إلاّ بالتولّي عمّا أقرّ به من الوحدانية لأنّه قد أقرّ بما أقرّ به الموحّدون .. وفي إقراره لله بطاعته واجتناب محارمه فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين» (20). فـ «جملة التوحيد» هي التي تفتح للإنسان باب الإيمان. ولذلك فإنّ معرفتها من الأمور التي لا يجوز أن يجهلها الإنسان متى بلغ مرحلة التّكليف. ومن ثمّ فإنّه لا خلاف بين أصحاب هذا الفرقة وبقيّة الفرق في وجوب معرفتها، وإن كان الاختلاف بين من يرى أن الطّريق إليها هو العقل وما الشّرع إلا متمّم له ومكمّل ومبيّن وهو رأي أهل العدل والتوحيد ومن يرى أنّ طريق معرفتها هو الشّرع الذي يكون العقل مصدّقا له وهو الرأي الذي يذهب إليه الإباضية باعتبار أن لا حكم للعقل في شيء من الوجوب الشرعي. ولئن تحدّث ابن الرحيل عن موضوعين في هذا الإطار وهما المتشابه والتّوحيد فإنّ ما غاب في هذا الموضوع أكبر ولا شك من ذلك أنّه وإن تعرّض لبعض صفات الله في إطار ردّه على موقف هارون من المتأوّلين خطأ فأشار إلى الإرادة ونفي الشّبه (21) ... فإنّه لم يثر مسائل كثيرة مثل: – وجود الله تعالى – ذات الله تعالى – أسماء الله تعالى – صفات الله تعالى: صفات الذات، صفات الفعل،- ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الله تعالى. ولعلّ ذلك راجع بالأساس إلى التزام الرّجل بالردّ على آراء خصمه هارون الذي لم يطرح مثل هذه المسائل. مع الملاحظ أنّ ما جاء في باب التّوحيد هو أقرب إلى الإنسانيات منه إلى الإلهيات ذلك أنّ تناوله قد كان في إطار علاقة وثيقة بينه وبين الأسماء والأحكام من إيمان وكفر وشرك وهو ما سيتمّ التعرض إليه في قسم الإنسانيات.
بالنّسبة إلى قسم الرّساليات تجدر الإشارة إلى أنّ الخوض في مسألة النّبوّة مرتبط بمبحث التّوحيد ذلك أن جملة التّوحيد عند الإباضية عموما تحتوي بدورها على الإقرار بالرسول صلى الله عليه وسلّم في إطار الشّهادتين. وقد جاء حديث محبوب بن الرحيل عنه في إطار ردّه على خصمه هارون بن اليمان الذي زعم أنّ الرّجل يعتبر المتأوّل في النّبي مشركا بينما لا يعتبر المتأوّل في الله كذلك. وإن كنّا قد فصّلنا الحديث في المسألة الثّانية في إطار مبحث «المتشابه»، فإنّنا سنعتني بالمسألة الأولى في هذا المبحث فنشير أوّلا إلى ارتباط الأمرين بموضوع الشّرك إقرارا أو جحودا بمعنى أن الشّرك لا يرتبط بإنكار الله فحسب أو جحوده بل بإنكار الرّسول كذلك وفي هذا الإطار يقول «وزعم هارون أنّي أزعم أنّ المتأوّل في النّبي صلّى الله عليه مشرك وأنّ المتأوّل في الله ليس بمشرك فانظروا في قولي وقوله! وأنّ محمدا رسول، ثمّ قال ليس هو هذا الذي يقولون! فهذا إنكار لمحمّد وإنكار لنبوّته لأنّه إذا قال هو غير هذا فقد جحد وأنكر وليس هذا تأويل إنّما هو إنكار منه أن يكون محمد رسول الله» (22). إنّه يميّز إذا بين التّأويل والإنكار في ما يتعلّق بالرّسول الكريم كما هي الحال في ما يتعلّق بالله تعالى ليكون الحاصل مجدّدا هو ضرورة الإيمان بالرّسول وبنبوّته باعتباره من مفاتيح الإيمان والإقرار كما يمكن أن يتحوّل إلى مفتاح للشّرك في حالة الإنكار والجحود. وعلى هذا الأساس شكّلت النبوّة مبحثا أساسيا من مباحث الفكر الإباضي الذي منه هذه السيرة فتفرّع إلى مسائل متعدّدة منها الحاجة إلى النبوّة وقيام حجة الله بإرسال الرّسل، وصفات الأنبياء والرّسل، والإيمان بالأنبياء والرسل، ودلائل النبوّة واقتران المعجزة بالنبوّة (23). وإن لم يتوقّف محبوب بن الرحيل عند هذه المسائل بالتفصيل والتدقيق فإنّها حاضرة ولاشك باعتبارها من مستلزمات النبوّة. وقد يفسّر غيابها كذلك بالإطار الذي يستدعي ذلك إذ أن الأمر يتعلّق بردّ على سيرة سابقة إضافة إلى أنّ الغاية هي دفع تهمة تحتاج إلى توضيح وتدقيق في نفس الإطار حتّى يكون الرأي واضحا والبرهان جليّا. وفي حديثه عن صلاة الجمعة انطلق من رأي لهارون بن اليمان يورده في قوله التّالي: «أزعم أنّه يقول قد جمع المسلمون خلف أئمّة قومنا ولم يختلفوا فيها فزعم أنّه يجوز لهم ما فعلوا وقد أدّى فريضة وأنّ الرجل لم يجمع وتنزّه فهو أفضل» (24). وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المسألة كانت موضع اختلاف بين أصحاب هذا الفرقة كما هي الحال مع هارون بن اليمان الذي يعتبرها انطلاقا ممّا تقدّم من قول صاحب السيرة جائزة غير لازمة أو مفروضة. وهو في هذا الرّأي يبدو مخالفا لرأي عامّة المسلمين السّابقين الذين لا اختلاف بينهم في أنّها واجبة. ويذهب محبوب بن الرّحيل إلى أنّ هذا الواجب مطلق غير مشروط بطبيعة الإمام عادلا كان أو جائرا لذلك تحدّث عن هذا الأمر في موضعين، يقول في الموضع الأوّل «الجمعة خلف أئمّة قومهم فريضة» (25) أمّا في الموضع الثّاني فقد تحدّث عن الإمام جابر بن زيد قائلا إنّه «كان يجمع خلف زياد وعبيد الله بن زياد والحجّاج وهم الذين بلغوا في قتل المسلمين ما لم يبلغه أحد من الناس» (26) ممّا يؤكّد أن أداء هذه الفريضة غير مشروط بطبيعة الإمام والحجّة في ذلك سيرة الأئمّة الأوائل الذين تعدّ مخالفتهم بدعة. فحضورها» واجب على من كان من أهل البلد مع من أقامها من أئمّة العدل وأئمّة الجور لقول الله عزّ وجلّ (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَاسُعَوْا إِلَى ذَكِرِ اللَهِ) (27) فوجب بهذه الآية إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة أن يسعوا إلى ذكر الله وأمّا من زعم أنّها واجبة خلف أئمّة العدل لا تجب خلف أئمّة الجور فعليه البرهان بما ادّعى» (28). وإذا كانت طبيعة الإمام لا تحول دون هذه الفريضة فإنّ المسافات لا يجب أن تمنع من آدائها وفي ذلك يقول الإمام جابر بن زيد «تؤتى من رأس فرسخين وثلاثة ومن قدر أن (25/3)
صفحة 246
يأوي إلى منزله فعليه الجمعة» (29) فكلّ من هو قادر على إدراكها فهي واجبة عليه ولذلك كلّه فإنّ ما ثبت على السابقين من جميع أئمّة المسلمين ومنهم أئمة الإباضية أنّهم أكّدوا على ضرورة القيام بها بل إنّهم لم يجوّزوا عدم القيام بها إلاّ بعذر شرعي. والملاحظ أنّ ابن الرحيل قد أورد في سياق حديثه عن صلاة الجمعة موقفا لم يفصّل فيه الحديث كثيرا وهو المتعلّق بالأعطيات مع أئمّة الجور التي يجب أن تؤخذ حسب رأيه لأنّها من حقوق المسلمين جميعا وفي ذلك بدا مخالفا لخصمه الذي يورد موقفه في ما يلي « ... وكذلك أيضا قال في العطاء إنّ من أخذه فجائز له و من تنزّه فهو أفضل، فهذا خلاف منه لقول المسلمين قبله وترك لما مضى عليه أوائل المسلمين وسلفهم ... » (30).
وأمّا بخصوص قسم الإنسانيات فيمكن الانطلاق فيه من قول ابن الرحيل متوجّها إلى أهل عمان «أوصيكم بتقوى الله العظيم فإنّها وصيّته إلى جميع خلقه، بها أمرهم وعليها نبيّهم، وبالتّقوى نجا النّاجون وفاز الفائزون، والتّقوى من الله بمكان، فآثروها على ما سواها واعتصموا بها فإنّها ليس بين التّقوى وبين الكفر منزلة» (31). وهو ما يؤكد أن لا منزلة بين الكفر والإيمان إذ هما ضدّان كالأضداد كلّها بمعنى أن لا إمكانية لوجود وسط بينهما وهو ما أقرّته الأمّة وأجمعت عليه معتبرة من ليس بمؤمن فهو كافر مستندة في ذلك إلى القرآن الكريم من ذلك قوله «هُوَ الذِي خَلَقَكُمِ فَمِنْكُمْ كَافِرُُ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنُُ» (32). ومن هذا المنطلق كانت دعوة صاحب الرّسالة إلى المرسل إليه لزوم التّقوى باعتبارها الفاصل بين الإنسان والكفر إذ من لم يكن تقيّا كان كافرا بل إنّ الثّواب لا يمكن أن يرتبط إلاّ بها. ومن ثمّ فإنّ التّقوى لا يمكن أن ترتبط بغير طاعة الله فيما أمر به ونهى عنه فلا تثبت لأحد إلاّ إذا التزم بأوامر الله ونواهيه أمّا الخارجون عن هذه الصفة فهم المضيّعون للطّاعة إذ لا تقوى ولا إيمان دون طاعة. فمن لم يلتزم أوامر الله ونواهيه خرج من دائرة التّقوى فحلّت به من الله البراءة واستحقّ العقوبة. فهذه المنزلة خاصّة بيّنة لا يمكن الاختلاف فيها بل إن تبيّنها يساعد على تبيّن المنزلة المقابلة وهي المرتبطة بالإقبال على ما نهى عنه الله تعالى والانتهاء على ما أمر. ولتوضيح هذه المسألة يعرض صاحب السّيرة مجموعة من الأمثلة أهمّها ما ورد في شأن المرأة التي شربت النبيذ وسقته الشباب وجرى بينهم الفحش دون بلوغ موضع الزنا مخافة الحدّ وفضيحة الولدان» (33) ليبيّن أنّ مثل هذه المعاصي لا يمكن أن تلزم أصحابها بغير الخروج من التّقوى فإن وافقه في ذلك خصمه فقد كان على صواب أمّا إذا خالفه إمّا بعدم إخراجهم من دائرة التّقوى أو بالشكّ في الأمر وهو ما يبدو الإيحاء به فقد كان على ضلال ممّا يؤكد أنّه لا خلاف في الإيمان وما يناقضه بل لاشك فيهما فكلّ من خرج من دائرة التّقوى عملا وتركا دخل في دائرة الكفر. ولذلك يعلّق على حكم هارون بشأن المثال المذكور سابقا بقوله «وإن زعم أنّه سلك متحيّر لا يدري لعلّ اسم التّقوى لهم ثابت فإنّهم متّقون عند الله فهذا الشك والعمى» (34). فكلّ معصية أصابها العبد ممّا نهى الله عنه وأوجب فيها عذابا في الآخرة ونكالا في الدّنيا سواء كانت «من الكبائر أو ما يشبه الكبائر أو يقاربها التي تنزل منزلتها» (35) تخرج الإنسان من الإيمان إن لم يتب عنها ويتراجع بمعنى أنه لا يشترط في الكفر أن يرتبط بالكبائر التي «توجب الحدود في الدنيا والعذاب في الآخرة» (36) ذلك أن الكفر نوعان كما يجمع أغلب علماء هذه الفرقة كفر مرتبط بالمشركين ويسمّى كفر الشرك أو الجحود وكفر مرتبط بغير المشركين من المقرّين المقبلين على المعاصي ومنها الكبائر وترتبط بهؤلاء تسميات عديدة منها كفر النعمة وكفر دون كفر وكفر فوق كفر وكفر النفاق وكفر الأعمال.
أمّا القضيّة الثّانية ضمن هذا القسم فهي الشّرك والنّفاق التي يمكن الانطلاق فيها من بديهة عند الإباضية تبدو تجليّاتها واضحة في سيرة محبوب بن الرحيل مفادها القول بمنزلة النّفاق بين منزلة الإيمان والشرك دون القول بوجود منزلة بين الإيمان والكفر (37). وانطلاقا من ذلك فإنّ الشّرك منزلة لا يمكن أن يحلّ بها إلاّ من لم يقرّ بالتّوحيد وبطريقة مغايرة لا يمكن للمقرّ بالتّوحيد أن ينزل هذه المنزلة فالذين «يصلّون إلى البيت الحرام ويحجّون إليه ويعتمرون ويصومون شهر رمضان ويشهدون جميعا بالجملة التي دعا إليها النّبي صلّى الله عليه وسلّم من الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكانوا بها عنده مقرّين خارجين من الشّرك براء من التّكذيب والجحود والإنكار داخلين في جملة المقرّين» (38). فالتّوحيد أو «جملة التوحيد» كما يسمّيها الإباضية هي المدخل الأوّل والأساسي لمنزلة الإيمان التي لا يمكن أن يغادرها إلاّ من أظهر عكس ذلك. وبهذا يبدو الجمع بين الشّرك والتّوحيد بالنّسبة إلى الإباضية أمرا مرفوضا بل غير منهجي وغير معقول لما بينهما من تناقض وتضارب وهو ما يحسمه ابن الرّحيل بقول إنّ «جميع قولنا ممّن يقرّ بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله. والإقرار بجميع ما جاء من الله. أنّهم مقرّون وأنّهم بإقرارهم خارجون من الشّرك لأنّ الشّرك لا يكون إلاّ إنكارا وتكذيبا والتّوحيد إقرار وتوحيد» (39). واستنادا إلى ذلك يشير صاحب السّيرة إلى مجموعة من الذّنوب التي وإن اختلفت في درجتها فهي لا تنزل صاحبها منزلة الشّرك بل منزلة النّفاق فمن «قصّر في إقراره وركب محارم الله وتأوّل القرآن على غير تأويله وحرّفه على غير مواضعه صار بذلك منافقا كافرا بريئا من الإيمان وثوابه وبريئا من الشّرك وأحكامه» (40). وبناء على ما تقدّم يمكن القول إنّ صاحب السّيرة كما الإباضية عموما يستعملون كلمة النّفاق للدّلالة على المعاصي العملية لذلك فقد أطلقوها على من ارتكبها في أي زمان فسمّوا أصحابها منافقين أو كفّار نعمة واعتمدوا في ذلك على أدلّة كثيرة من الكتاب والسّنة كما يقول علي يحيى معمر في كتابه الإباضية بين الفرق الإسلامية (41). فيذهبون إلى أنّ مفردات من نوع الظلم والفسوق والكفر والنفاق تحضر بمعنى واحد. فهذه (25/4)
صفحة 247
التّسمية الوسط بين الإيمان والشّرك مؤكدة بما ورد في أحكام الله ورسوله التي تثبت أنّهم موحّدون وليسوا بمشركين ذلك أنّ القرآن الكريم إنّما ينعى عليهم في أكثر مناقشاته لهم إخلالهم بالجوانب العملية وكذلك الشأن بالنسبة إلى السّنة، وهو ما يدلّ دلالة واضحة أنّ النّفاق يعني الإخلال بما يقتضيه الإيمان من سلوكات عمليّة من المقرّين بالتّوحيد. وانطلاقا من الجمع بين النفاق والكفر ردّ محبوب بن الرحيل على هارون بن اليمان الذي يشير إلى أنه «لا يبرئ ولا يكفر إلاّ من ركب معصية توجب عليه حدّا في الدّنيا وعذابا في الآخرة» (42). بمعنى إنّ الكفر يقترن بالنسبة إليه بالكبائر وهو ما يبدو مرفوضا من ابن الرحيل في ردّه استنادا إلى أمثلة على مجموعة من المعاصي كتعمّد أكل لحم الخنزير وترك صوم شهر رمضان إلخ ... للتأكيد على أن السّابقين يبرئون من مثل هؤلاء بمعنى يبغضونهم في الله من أجل المعصية ولا يتقون عنهم وما يبرّر ذلك أنّ مثل هذه المعاصي وإن لم يوجد في القرآن حدّ عليها ولا عقوبة مسمّاة فإنّ المسلمين قد علموا أنّ ما أشبه الكبير أو قاربه فالكبير أولى به وأنزلوه بمنزلته» (43). وعلى هذا الأساس كذلك يذهب معظم علماء الإباضية إلى عدم تشريك من خالفهم في تأوّل صفات الله تعالى وهو ما يخالف فيه صاحب السيرة هارون بن اليمان الذي تثبت المصادر أنّه حكم بالشرك للمتأوّل المخطئ في تأويله على الله (44). فيكون بذلك قد خالف السّلف من علماء الإباضية وهم الذين يستند إليهم ابن الرحيل باعتبار استنادهم بدورهم إلى ما ورد في القرآن الكريم مثل قوله تعالى «مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» (45). وكذلك في ما يتعلق بتحليل أكل ذبائحهم وجريان المواريث بينهم وبين المسلمين وحجّهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم» (46). وبهذه الحجج يرد صاحب السيرة على الخوارج الذين ذهبوا إلى تسمية كل أهل القبلة بالشرك وكذلك الجهمية الذين يذهبون إلى تشريك من وصف الله وكذب في وصفه» (47) مؤكدا رأي أغلب الإباضية الذين يعتبرون المتأوّل في الله الذي لم يبلغ به تأويله إلى الجحود والإنكار كافرا ضالا منافقا. فالشّرك عند الإباضية كما توضّح هذه السّيرة النموذج منزلة الفاصل فيها والمحدّد «جملة التّوحيد» إقرارا أو جحودا. وفي المقابل فإنّ منزلة النفاق التي تعتبر محلّ إجماع باعتبار أنّ أغلب الفرق تعتبر المنافقين كافرين وأنّ مصيرهم الدّرك الأسفل من النّار مصداقا لقوله تعالى «إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ولن تجد لهم نصيرا» (48) فإنّها تقرّ بأنّهم موجودون مع المسلمين كما وجدوا مع الرسول صلى عليه وسلم حجّوا معه وجاهدوا ولكنّهم مذبذبون بين الإيمان والشرك. وعلى ذلك يكون النّفاق مميّزا عن الشرك بعيدا عنه مرادفا لكفر النّعمة والفسوق والظّلم. ومن ثمّ يتّضح تمييز صاحب السّيرة بين الإيمان والشّرك منزّلا النّفاق منزلة وسطا بينهما كما ذهب إلى ذلك سلفه من الأئمّة والعلماء. وبذلك يكون النّاس ثلاثة أقسام هم المؤمنون الملتزمون بجميع ما جاء به الإسلام، والمشركون الواضحون في شركهم إمّا بإنكار وجود اللّه تعالى أو إشراك غيره معه في العبادة، أمّا أصحاب الفريق الثالث وهم المنافقون» فهم الذين أعلنوا كلمة التوحيد وأقرّوا بالإسلام ولكنّهم لم يلتزموا به سلوكا وعبادة» (49). وأمّا بخصوص قضيّة الذّنوب والتّوبة فقد ذكر محبوب بن الرحيل في حديثه عن الذّنوب أنّها تصنّف إلى صنفين «ذنب يهلك به صاحبه عند المباشرة والمواقعة وذنب يهلك به صاحبه بترك التّوبة والمقام عليه» (50) ويعني ذلك أنّ الذّنوب على منزلتين عموما لا يمكن الخروج عنها وتتمثّل المنزلة الأولى في الإقدام على الذّنب أو المعصية وتنفيذها أمّا المنزلة الثّانية فتتمثّل في الإصرار عليه وعدم التّوبة منه. وبذلك فهو يخالف القائلين بأنّها ثلاثة كما ذهب إلى ذلك هارون صاحب الرّسالة موضوع الردّ إذ هي «ذنب يكفر به من ركبه، وذنب لا يدري أيكفر به أم لا فيقف عن أهله فيه، وذنب يعفو الله عنه» (51). وانطلاقا من المقارنة بين الموقف الثاني لصاحب الرسالة موضوع الردّ والموقف الأول لابن الرحيل نتبيّن أنّه لا وسط في الذّنوب من حيث وجودها باعتبار الإقدام عليها أو الإصرار عليها يجعلها حاصلة غير أنّها وإن انقسمت إلى كبائر وصغائر فإنّها تتساوى من حيث علاقتها بالتّوبة بمعنى أنّها لا تسقط ولا يتمّ العفو عن المقبل عليها إلاّ بها، ولذلك فإنّه يردّ على خصمه بقوله «فإن قال إنّ عليهم فيه التّوبة، وبالتّوبة يعفو الله عن الذّنوب فقد صدق وقال بقولنا وقول المسلمين وإن قال مغفور بلا توبة فقد كذب لأنّ الله تبارك وتعالى يقول:» وتوبوا إلى الله جميعا أيُّها المؤمنون لعلكم تفلحون» (52). فالتّوبة كما يؤكّد صاحب هذه السيرة واجبة إزاء كلّ ذنب صغر أو عظم بل إنّ قيمتها وأهميّتها تتّضح في التّخفيف من هالة «الكبيرة» إن هي حصلت والتّرفيع من شأن الصغيرة إن هي لم تحصل «فعلى الخلق التّوبة من كلّ صغيرة وكبيرة فمن دين المسلمين أنّه لا كبيرة مع توبة ولا صغيرة لمن أقام من النّاس على صغيرة فهو هالك» (53). وممّا سبق تبدو أحكام الإباضية في ما يتعلق بالذّنوب على درجة كبيرة من الاعتدال لاسيما في ما يتعلّق بالحكم على مرتكب الكبيرة حيث لم يذهبوا مذهب الخوارج المتشدّد الذين اعتبروه مشركا ومن ثمّ فهو خالد في النّار كما لم يحكموا فيه حكم المرجئة الذين يرون بأنّه لا تضرّ المعصية مع الإيمان وفي هذا الإطار يقول علي يحيى معمر متحدّثا عن هذا المذهب «ولم يتطرّف في موضوع مرتكب الكبيرة فيوافق من يحكم عليه بالشّرك ولم يقف موقف المرجئة الذين يفتحون أبواب الجنّة للعصاة كأن ها فندق يملكون هم مفاتيحه على مبدأ لا تضرّ مع الإيمان معصية» (54). وبالنّسبة إلى القضيّة الأخيرة فهي قضيّة الولاية والبراءة والوقوف. فالولاية والبراءة دالّتان على موقف المؤمنين من إخوانهم المسلمين ومن الكفّار بمعنى الحبّ في الله من أجل الطّاعة الذي تتعلّق به كلمة الولاية والبغض في الله من أجل المعصية الذي تتعلّق به كلمة البراءة. وهما أمران واجبان على المسلم. أمّا العبارة الثّالثة وهي الوقوف فتعني التحفّظ. فإذا لم يكن المؤمن متيقّنا من أعمال الشّخص أو إيمانه كان عليه أن يمتنع عن إصدار حكم عليه إلى أن يصبح على يقين من أعماله وإيمانه وبالتّالي يكون له موقف محدّد يستطيع بموجبه أن يتولّى هذا الشّخص أو يبرأ منه وهو ما يوضّحه علي يحيى معمر في قوله « .. أمّا من عرف في زمانه ولم يعرف أحوالهم من الطّاعة والمعصية فيجب أن يقف فيهم لا يتولاّهم (25/5)
صفحة 248
ولا يبرأ منهم حتى يعرفهم بيقين لأنّ الولاية والبراءة عند الاباضية لا تلزم إلاّ باليقين كالمعرفة الشخصية أو شهادة العدلين ولا تبطل إلا بيقين» (55). وقد وردت هذه الكلمات الثّلاث موزّعة في سيرة محبوب بن الرحيل في مواطن مختلفة. فقد تحدّث عن الولاية رابطا إيّاها بالتّقوى مؤكّدا على معناها المتمثّل في «أن الله جعل تقواه طاعته فيما أمر به ونهى عنه ثم أثبت اسم التّقوى لأهلها بوفائهم له بحقوقه وتسليمهم له الطّاعة» (56) مشيرا إلى أصحاب الحكم المقابل وهو البراءة التي تتعلّق بالخارجين عن اسم التّقوى المضيّعين للطّاعة لذلك يقول «وأبغضهم إليه المضيّعين للطّاعة وهم الخارجون من اسم التّقوى ... وحلّت بهم من الله البراءة واستحقّوا العقوبة» (57). مع الملاحظ أنّ محبوب بن رحيل يؤكد على أنّ البراءة يجب أن تُبنى على يقين وليس على مجرّد رأي أو كلام لذلك فإنّه يخالف خصمه في شأن المرأة التي قيل أن المغيرة بن شعبة قد زنى بها حيث يقول «لو أنّ رجلا من المسلمين برئ من هذه المرأة وسعه ذلك وجاز له» (58) بينما يرى هو أنّ هذا «ما لا يحلّ ولا يجوز لأحد أن يزيل اسم التّقوى عنها برأي حتّى يزيله الله عنها كما أثبته فمن أثبت له اسم التقوى فهو ثابت له حتى يزيله الله عنه فمن قال غير ذلك فقد أخطأ وخالف المسلمين» (59). فمثل هذه الأحكام لابدّ أن تُبنى على الدّليل والحجّة والبرهان باعتبار أنّ البراءة كما الولاية لا تلزم إلاّ باليقين. وبخصوص رأيه في الوقوف ففيه تأكيد على أنّه لا يعني معنى الشكّ عموما وهو ما يخالف فيه هارون بن اليمان الذي استند في وقوفه في بعض أصحاب المعاصي بعدم جلد عمر بن الخطاب للمغيرة بن شعبة وعدم استتابته وكذا المرأة التي قيل أنّه قد زنى بها ولا الشّاهد الرّابع الذي ارتبك في شهادته (60) وكذلك وقوفه في أمر عائشة في حادثة الإفك مؤكّدا على خطأ هذه الاستشهادات مبيّنا أنّها مرتبطة بمفهوم الشّكّ لذلك يتحدث عن وقوف هارون فيقول «إنّ وقوف هارون جهل وشكّ وعمى وحيرة» (61). أمّا هو فيميّز بين وقوف الفقهاء أو المسلمين في أمر من لم تعرف حاله من الطّاعة والمعصية ووقوف الرّسول صلى الله عليه وسلّم انتظارا لما يأتيه من وحي من ربّه. خلاصة القول إنّ مفهوم الولاية مرتبط باليقين المتعلّق بالطّاعة لله كما يرتبط مفهوم البراءة بالمعصية له ليكون الوقوف مرتبطا بعدم معرفة أحوال الإنسان بين الطّاعة والمعصية دون أن يعني ذلك الشكّ الذي يبدو أمرا مرفوضا عند محبوب بن الرحيل ذلك أنّه من غير دين المسلمين. ويستدلّ في ذلك بإنكارهم الشّكّ على عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي شكّ في بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فيقول «ولو أنّ المسلمين يجوّزونه لأحد لأجازوا لابن عمر» (62). وانطلاقا ممّا تقدم تبدو مفاهيم الولاية والبراءة والوقوف باعتبارها أحكاما بل واجبات واضحة عند عامّة المسلمين لا التباس فيها ولا تداخل بينها تماما كما وضوح الطاعة والمعصية أو عدم ظهور أيّ منهما وهو ما عبّرت عنه هذه السيرة في مقولة يمكن أن تكون خاتمة لهذا القسم من المبحث هي «ما نرى أن أحدا من المسلمين يخفى عليه قول أهل الدّين والعلماء والفقهاء والذين مضوا لسبيلهم رحمهم الله ... بيّنوا حلالهم وحرامهم ووليّهم وعدوّهم ومن يكفّون عنه وذلك من لا يعرفونه بإيمان ولا كفر ... فدينهم الكفّ عنهم حتّى يعرفوا الوليّ منهم والعدوّ، فهذا دينهم وديننا من بعدهم» (63).
ختاما يمكن القول إنّ هذا العمل هو محاولة لسبر بعض أغوار التّراث الإسلامي مجسّدا في فكر فرقة من الفرق الإسلامية وهي الإباضية. وقد نظرنا إلى بعض جوانبه من خلال أثر من آثاره المتنوعة يعود إلى مرحلة التأسيس. وقد حرصنا فيه على تنويع المراجع خصوصا الرّاجعة لأصحاب هذه المدرسة الفكرية تجنّبا للتّجنّي أو الأحكام المسبقة مقتربين من رأي أحد أعلامها يرى أنّ «من يكتب عن فرقة معتمدا على مصادر غيرها يكون بعيدا كلّ البعد عن الحقيقة لا يسلم من التجنّي أو هو في الحقيقة واقع في الخطأ من أوّل خطوة وأنّ ما يجيء على لسانه أو قلمه من الصّواب فيها هو بمحض الصدفة» (64).وعلى هذا الأساس نظرنا في سيرة محبوب بن الرحيل لرصد مختلف الآراء العقدية التي انطوت عليها فرأيناها مجسّدة في ثلاثة مجالات هي الإلهيات والرساليات والإنسانيات. ويمكن إجمال ما ورد فيها من آراء ومواقف في قضايا ومواضيع متعدّدة في النتائج التّالية:- تنزيه الباري في مجال الإلهيات انطلاقا من التوحيد وانتهاء إلى القول بالمجاز في مجال ما يوحي بالتجسيم والتشبيه.
-الإيمان بالرسالة وهي حجة الله، على أساسها يكون احترام الإمامة مهما كانت إلى حدّ ما، لذلك يصلّى وراء أصحابها وتؤخذ الأعطيات لأنّها من حقوق المسلمين.
– الوسطية في قضايا الأسماء والأحكام والإلحاح على ربط نيل الشفاعة والجنّة بالتّوبة.
-ضبط أساس في التّعامل بين أفراد المجتمع قائم على واجبات الولاية والبراءة والوقوف.
وهي في نهاية المطاف ليست غير نموذج من نماذج الاجتهاد التي تمثّلها هذه الفرقة بعيدة كلّ البعد عن أشكال التطرّف، وفيّة لروح الاعتدال المميّزة للشريعة الإسلامية مؤكّدة بذلك أنّ الاختلاف لا يجب أن يكون غير عامل إضافة، وأنّ الغيرة على هذه الحضارة لا تعني إلغاء الآخر من الأفكار بإثبات التّهم عمدا أو سهوا بل بالتّحاور معه واعتبار كلّ جهد مقدّم زاوية من الزّوايا العديدة التّي ننظر من خلالها إلى هذا التّراث العريق حتى تكون الإضافة الخلاّقة التي تشهد بأن الاختلاف نعمة لا نقمة. (25/6)
صفحة 249
الهوامش
1 – مصطفى بن محمّد بن إدريسو: الفكر العقدي عند الإباضية العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري، جمعية التراث، غرداية – الجزائر د. ت، ص 27.
2 – محمد صالح ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية ص 30.
3 - فرحات الجعبيري: تحليل ما يتعلّق بأصول الدين من التراث الإباضي بالمغرب في القرون التالية 10 – 11 – 12 هـ / 16 – 17 – 18 م، شهادة التعمّق في البحث العلمي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس 1406 هـ / 1985م، ... ص ص 20 – 21.
4 - محمد صالح ناصر: م ن ص 30.
5 – فرحات الجعبيري: م ن ص 22.
6 - نور الدين عبد اللّه بن حميد السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، مكتبة الاستقامة د. ت، ج I ص 122.
7 - ابن إدريسو مصطفى بن محمد: الفكر العقدي عند الإباضية، ص 217.
8 - ابن إدريسو مصطفى بن محمد: م ن، ص 214.
9 - انظر: محبوب بن الرحيل: سيرته إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان: السير والجوابات، ص 297.
10 – سورة الفجر: الآية 22.
11 – سورة المجادلة: الآية الأولى.
12 – محبوب بن الرحيل: م ن، ص 298.
13 – محبوب بن الرحيل: م ن، ص 298.
14 - علي يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ (الحلقة الأولى)،مكتبة وهبة – القاهرة د. ت، ص 60.
15 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص ص 298 – 299.
16 – محبوب بن الرحيل: م ن، ص 299.
17 – صابر طعيمة: الإباضية عقيدة ومذهبا، دار الجيل بيروت د. ت، ص 88.
18 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 293.
19 - سورة البقرة: الآيتان 136 و 137.
20 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 291.
21 – انظر سيرة محبوب بن الرحيل – السير و الجوابات، ص 294 - 295.
22 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 297.
23 – انظر مصطفى بن محمد بن إدريسو: الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري من ص 358 إلى ص 364.
24 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 287.
25 – محبوب بن الرحيل: م ن، ص 288. (25/7)
صفحة 250
26 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 288.
27 - سورة الجمعة: الآية 9.
28 - أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي: تقديم كتاب التّحف- فرحات الجعبيري- دراسات حول جزيرة جربة: جمعية صيانة جزيرة جربة - لقاء الصيانة أفريل 1991.ص 113.
29 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 288.
30 - محبوب بن الرحيل: م ن ص ص 287 - 288.
31 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 273.
32 - سورة التغابن: الآية 2.
33 - انظر محبوب بن الرحيل: م ن، ص 276.
34 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 277.
35 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص ص 284 - 285.
36 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 284.
37 - «وذلك أنّ معناهم لا منزلة بين المنزلتين أي بين الإيمان والكفر، وهما ضدّان كالأضداد كلّها شبه الحركة والسكون والحياة والموت» علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج II ص 91.
38 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص ص 290 - 291.
39 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 293.
40 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 291.
41 - انظر علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج II ص 94.
42 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 284.
43 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 284.
44 - مصطفى بن محمد بن إدريسو: الفكر العقدي عند الإباضية، ص298.
45 - سورة النساء: الآية 143.
46 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 293.
47 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص ص 292 - 293.
48 - سورة النساء: الآية 145.
49 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 273.
50 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 287.
51 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص ص 286 - 287.
52 - محبوب بن الرحيل: م ن،، ص 287. (25/8)
صفحة 251
53 - محبوب بن الرحيل: م ن ص 287.
54 - علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج II ص 143.
55 - علي يحيى معمر: م ن، ص 141.
56 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 276.
57 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 276.
58 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 282.
59 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص ص 282 - 283.
60 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 280.
61 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص ص 279 - 280.
62 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 283.
63 - محبوب بن الرحيل: م ن، ص 286.
64 - علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج II ، ص 121. (25/9)
صفحة 252
عنوان المقال: الأصوات الروائية الجديدة في عُمان
صدر في العدد ...
الكاتب: منى بنت حبراس السليمية
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
28 فبراير,2016
إن الشروع في الحديث عن الأصوات الروائية الجديدة في عمان، يستدعي مجموعة من التساؤلات التي تفرض نفسها بإلحاح، ولابد من الإجابة عنها بما يتناسب مع السياق السردي العماني المختلف - كما أحسبه - عن غيره في الأقطار الخليجية والعربية الأخرى، وهي أسئلة من قبيل: المقصود جدة المكتوب أم جدة الكاتب؟ وكم يقدر المدى الزمني الممتد من هذه اللحظة عودا إلى الوراء ما يمكن أن ننعته جديدا؟
فإن كانت الجدة جدة المكتوب (حديثا)، فالرواية العمانية برمتها مما يعد جديدا. وإن كانت جدة الكاتب (سنا)، فهناك من المؤسسين ممن عاودوا الكتابة بعد انقطاع يقترب من العقد والنصف من الزمان، فجاء جديدهم بجديد. أما إذا كانت الجدة الزمنية فإن ما بدأ من ثمانينيات القرن العشرين - التي يؤرخ بها ميلاد الجنس الروائي في عمان - وحتى (مايو 2014) لأحسبه جديدا في مشهدنا الثقافي العماني (2).
تاريخ النشأة:
يضعنا الحديث عن الرواية في عمان أمام إشكالية تاريخية لا يمكن تجاوزها، فحسب الدراسات التي تناولت الرواية العمانية - على قلتها - تشير إلى أن أول رواية عمانية منشورة تعود للعام 1981م، أي أن عمر الرواية العمانية لا يتجاوز تاريخيا 33 عاما فقط (3)، وقد يعود بنا التاريخ إلى أقدم من ذلك، إلى عام 1963م، حين كتب عبدالله الطائي - الذي يعد أول من كتب رواية في عمان - روايته «ملائكة الجبل الأخضر»، ثم أتبعها بأعوام روايته الثانية «الشراع الكبير» التي كتبها ما بين عامي 1969 - 1971م وهي التي نشرت في عام 1981م (4)، غير أنهما روايتان مما لا يمكن عدهما روايات بالمستوى الفني المعروف إلا على سبيل التأريخ لهذا الفن الذي سجل الطائي إرهاصاته الأولى في عمان، كما يقول سيف الرحبي: «إن التسلسل التاريخي يفترض عبدالله الطائي من غير تحفظ أو استثناء أول روائي عماني» (5) - أو على سبيل المجاملة كما تقول آمنة الربيع (6).
كما قد يحدث أن تؤرخ الرواية العمانية أحيانا - كما تشير بعض الدراسات - برواية «قاعا للسقوط اسمه مسقط» في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وما تزال مخطوطة لصاحبها أحمد الزبيدي (7).
ومنذ مطلع الثمانينيات وحتى عام 1999م ظهرت مجموعة روايات لعدد من كتّاب الرواية الذي بهم تشكل الجنس الروائي على مدى عقدين من الزمن وبنحو متقارب فنيا، غير أن روايات هذه المرحلة لم تدرس فنيا، واكتفى كل من تناولها بدراستها سوسيولوجيا، وعلى سبيل تتبع النشأة والتأريخ للرواية بما يحفظ للتاريخ حقه، نظرا لكونها مما يتشكل وليس مما اكتمل نضجه حتى تستقيم معه دراسات فنية، إلا ما كان مؤخرا من دراسة الباحثة «باسمة الراجحية» لروايات «سعود المظفر» (8)
وتدور معظم روايات المرحلة الروائية الأولى الممتدة من عام 1963م وحتى عام 1999 حول قضايا التطور الاجتماعي والاقتصادي وقضايا تصادم الحضارات وتأثير العمالة الوافدة، وغيرها من الموضوعات المكررة في السياق الزمني ذاته، ومن روائيي هذه المرحلة:
- سعود المظفر، الذي يعد الروائي الأكثر إنتاجا بـ 10 روايات منذ روايته الأولى «رمال وجليد» المنشورة في عام 1988 التي تعد البداية الفعلية لكتابة الرواية في عمان، ثم روايته «المعلم عبدالرزاق» التي صدرت في عام 1989م، و «رجل وامرأة» في عام 1990م، و «الشيخ» في عام 1991م، و «رجال من جبال الحجر» - وهي الجزء الأول من ثلاثية لم تكتمل في ذلك الوقت - في عام 1995م، و «إنها تمطر في أبريل» في عام 1997م، و «عاطفة محبوسة» في عام 1998م، إلى أن أصدر في عام 2012 ثلاثيتي: «رجال الحجر» - وهي الجزآن الثاني والثالث لرواية «رجال من جبال الحجر» - وثلاثية «المحرمات»، وذلك بعد توقف عن الكتابة استمر لأكثر من 14 عاما. (26/1)
صفحة 253
- وأصدر سيف السعدي في عام 1988 أيضا روايتين هما: «خريف الزمن»، و «جراح السنين»، ثم بعد عام أصدر روايته «الجانب الآخر» في عام 1989م.
- كما أصدر حمد الناصري عددا من الروايات، وهي على التوالي: «أوجاع الزمن الماضي» في عام 1989م، و «الليلة الأخيرة» في عام1989، و «ساعتي لا تزال تدق» في عام 1990، و «مأساة في المدينة ونيران قلب» في عام 1993م، و «حكاية سوداء» في عام 1995م.
- وأصدر مبارك العامري أولى المحاولات الجادة في كتابة الرواية بروايته «مدارات العزلة» في عام 1994م، ثم أتبعها بروايته الثانية بعد عامين «شارع الفراهيدي» في عام 1996م.
- وأصدر علي المعمري روايته الأولى - بعد أربع مجموعات قصصية - «فضاءات الرغبة الأخيرة» في عام 1999م. قبل أن يستأنف في الألفية الجديدة مشروعه الروائي، فأتبع روايته الأولى بـ 3 روايات أخرى، هي: «رابية الخطار»، و «همس الجسور»، و «بن سولع».
- ولعلي أنهي المرحلة الأولى ببدرية الشحية التي أصدرت روايتها الأولى في عام 1999م الموسومة بـ «الطواف حيث الجمر» لتنهي بذلك مرحلة من مراحل النشأة والتأسيس للرواية العمانية، وتعلن بروايتها مرحلة جديدة أوسع أفقا، ومبشرة بمرحلة جديدة من الكتابة الروائية، بطرحها لموضوعات أكثر جرأة، مرتادة مناطق كتابية لم تكن مأهولة بالأقلام الروائية من قبل.
المرحلة الثانية:
أقول: إن المرحلة الأولى تنتهي عند «الطواف حيث الجمر» في عام 1999م، وبها تبدأ المرحلة الثانية رغم أن باحثا آخر، هو الدكتور شبر الموسوي، رسم حدود المرحلة الروائية الأولى تاريخيا من عام 1963م وحتى عام 2007 حين صدرت رواية «همس الجسور» لعلي المعمري - وهي مدة أنتجت نحو 30 رواية فقط على امتداد ما يقترب من نصف قرن من الزمان (9) - بيد أن عددا من الروايات صدرت قبل هذا عام (2007م) كان جديرا أن تؤسس بها المرحلة الثانية من عمر الرواية العمانية القصير، بدءا من طواف بدرية الشحية حيث الجمر وحتى هذه اللحظة (10).
فبدرية الشحية في طوافها لم تؤسس لنص روائي جديد - من حيث الطرح والمضمون وحسب - وإنما أسست لميلاد الرواية النسوية العمانية بوصفها أول روائية عمانية بدأت تخط للأنثى الكاتبة طريقها الخاص في التعبير عن همومها وقضاياها، وتعد روايتها «صرخة احتجاج ضد قمع المرأة، ودعما لها في نضالها من أجل حريتها وحقها في اختيار شريك حياة تحبه وتتزوجه وفقا لاختيارها، وتدور [أحداث هذه الرواية] في ستينيات القرن الماضي» (11) مازجة بين البعدين التاريخي والاجتماعي، كما أنها الرواية التي تبدأ منها معظم الدراسات الفنية للرواية العمانية، إذ إن معظم تلك الدراسات يندر ألا تشير إليها ما لم تكن مادة بحثية تحت عدسة مجهرها المباشرة.
ومع مطلع الألفية الجديدة كان المشهد الروائي العماني على موعد مع أسماء روائية جديدة، بدأت تعطي الرواية العمانية روحها وحياتها، وشكلها الذي يقربها - على تفاوت - من السياق الروائي العربي العام، وقد تنوعت تلك الأسماء وتعددت، فمنها من يكتب الرواية للمرة الأولى، ومنها من قدِم من منطقة القصة القصيرة، كما قدم آخرون من منطقة الشعر - وقد واكب أصحابها مؤخرا الرواية في زمنها ليوجدوا لأنفسهم مكانا في مساحاتها السردية الأوسع، وهو ما بدا ظاهرة عامة توجُه الشعراء إلى الكتابة سردا - في حين استمر عدد قليل من جيل الثمانينات والتسعينيات في كتابة روايات جديدة، وغاب بعضهم الآخر قسرا أو اختيارا.
وقد بدا أن جملة الظروف التي أدت إلى قلة الروايات العمانية خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، التي من بينها تأخر نشأة المدينة العمانية بالمعنى الحديث للمدينة المقترنة بظهور الرواية كجنس أدبي مديني من جهة، وسيطرة الشعر في عمان ودوره في تكوين الذائقة الأدبية وإبعاده لكل تفكير في كتابة فنون أدبية أخرى حتى وقت قريب (12) من جهة أخرى، فضلا عن سمة الهدوء التي اتسمت بها الحياة العمانية غالبا، وغياب الأحداث الكبرى التي تغذي الكتابة الروائية بنحو يخرجها عن الأنماط الكتابية السائدة، تلك الظروف قد جوبهت كلها بنقيضتها التي أعطت الرواية في عمان دفعة جعلتها تتزايد عددا وبوتيرة أسرع، وتخوض غمار التجريب في محاولة لكسر الطابع الذي شاع في العقدين السالفين، وقد استفادت روايات هذه المرحلة في معظمها «من اشتباك كتّابها بالمنجز الروائي العربي والعالمي، فباتت في كثير منها أقرب إلى الفن الروائي الحقيقي، متجاوزة مثيلاتها في القرن العشرين» (13)، ونظرا لغياب الدراسات الببليوغرافية (26/2)
صفحة 254
الراصدة للمنتج الروائي العماني فإن التتبع الفاحص لكل الروايات الصادرة منذ عام 2000م ألزمني جهدا مضنيا في تتبعها، ذلك التتبع الذي لن يسلم من مزلق السهو الذي قد يسقط روايات حقها أن تكون تحت دائرة الرصد.
ولكن إذا كان الدكتور شبر الموسوي - كما أشرنا سابقا - أحصى 30 رواية منذ عام 1963 وحتى عام 2007م، فإن حمود الشكيلي أحصى 60 رواية حتى عام 2012م (14)، مما يعد كافيا للتدليل على الزيادة الكمية في عدد الروايات، فما تم إنجازه في قرابة نصف قرن - حسب الموسوي - أنجز مثيله في خمسة أعوام فقط، يضاف إليه ما أحصاه «سليمان المعمري» من روايات صدرت خلال عام 2013م منفردا، مشيرا إلى أن قرابة 13 رواية جديدة وجدت طريقها إلى القارئ العماني والعربي في ذلك عام وحده (15)، وهو رقم قد يبدو ضئيلا في سياقات خليجية وعربية أخرى، غير أنه رقم ملفت في السياق الروائي العماني على نحو خاص.
ولما كان صعبا على ورقة عجلى كهذه أن تحتوي كل الأسماء التي سجلت اسمها ممهورا على غلاف رواية، إلا أن الأصوات الروائية الحقيقية تفرض حضورها في المشهد الروائي الجديد، ولكني مع ذلك حاولت تتبع الأسماء التي دخلت العالم السردي الروائي رغم خطورة المحاولة، ولهذا فإن هذه الورقة وإن كانت لا تعد برصد المنتج الروائي العماني كله الذي يقصر عنه مجهود ورقة عجلى، غير أنها تعد بأن تكون نواة لمشروع بحثي أوسع تقصيا، وأعمق غوصا في الأبعاد الفنية:
1ـ حسين العبري:
في عام 2001م صدرت لحسين العبري روايته الأولى «ديازبام»، ولكنه كرّس نفسه روائيا بصدور روايته الثانية «الوخز» التي صدرت في عام 2006م، والتي عدها بعضهم سيرة روائية، إذ تناول فيها أحداث عام 2005م الذي شهد ما عرف بالتنظيم السري وسعيه لإحياء الإمامة في عمان، عبر بطل يروي بضمير المتكلم بوصفه واحدا ممن عايشوا تفاصيل الحدث بشكل أو بآخر، ثم يصدر العبري روايته الثالثة «المعلقة الأخيرة» التي صدرت في عام 2008م، وأخيرا روايته الرابعة «الأحمر والأصفر» التي صدرت في عام 2010م.
وباستثناء روايته/ «الوخز»، اختط حسين العبري في رواياته خطا سيكولوجيا في اختيار موضوعاته ورسم شخوصه، بدءا من روايته «ديازبام» التي تعني نوعا من العقاقير الطبية المستخدمة في العلاج النفسي، مرورا بالمعلقة الأخيرة التي يصور فيها شخصية تعاني عطبا نفسيا ما، ينتهي بها الحال إلى الانتحار على أحد جسور العاصمة، وكذلك الشأن مع رواية «الأحمر والأصفر» التي لا تختلف نهايتها عن نهاية سابقتها؛ تجسيدا للفشل في صنع التوازنات النفسية لشخصيات رواياته (16).
ومنذ رواية الوخز بدا «العبري» ملفتا في تبينه لقاعدة كسر التابوهات الثلاثة، وارتياده للمناطق المحرمة لاسيما في روايتيه «الوخز» و «الأحمر والأصفر» اللتين بدتا صادمتين على نحو لم يتعوده القارئ من كاتب عماني من قبل.
2ــ محمد بن عيد العريمي:
فقد ظهر كاتبا يتخذ من الكتابة تحديا في سبيل الحياة، وحلا وجوديا إزاء أزمة البحث عن الذات، فأصدر سيرته الروائية «مذاق الصبر» في عام 2001م، وهي رواية يصور فيها مكابداته مع الإعاقة التي تعرض لها إثر حادث سير تعرض له في عام 1981م، صاغها في قالب له نكهته الروائية الموجعة. وواصل الكتابة من بعد بإصدار روايته الثانية «حز القيد» التي صدرت في عام 2005م، مستلهما أحداثا مشابهة لتلك التي تناولها «العبري» غير أنه آثر ألا يحدد مكانا وزمانا حقيقيين، ثم يصدر في عام 2008 روايته الثالثة «بين الصحراء والماء»، وهي سيرة روائية أخرى تسبر رحلته بين بحرين أحدهما من رمل وآخر من ماء، فقد بدا من خلال هذه الرواية مسكونا بذاته وأوجاعه التي لم تشفها «مذاق الصبر» حتى أتبعها بهذه الرواية الثالثة/ السيرة الثانية.
ومؤخرا صدرت له رواية «حكايات يونس حيم» في معرض مسقط للكتاب الأخير في فبراير 2014م، وفيها يلمس القارئ نفسا مغايرا عما سبق للعريمي كتابته (17)، يصور صراع الطبقة البورجوازية من أجل النفوذ، والتضحية بروابط الدم من أجل المال.
3ــ علي المعمري:
الذي بدأ مع جيل التسعينيات بروايته «فضاءات الرغبة الأخيرة» الصادرة في عام 1999م، فقد أصدر روايته الثانية «رابية الخطّار» في عام 2003م، ليؤكد على مسيرته الروائية، إلا أن البداية الحقيقية لعلي المعمري - والبصمة الأدبية (26/3)
صفحة 255
- كانت مع روايته «همس الجسور» الصادرة في عام 2007م - التي، كما سبق، جعلها الدكتور الموسوي مفتتحا للمرحلة الروائية الجديدة في عمان - وهي الرواية التي وظف فيها أحداث حرب «ظفار» في ستينيات القرن العشرين، وقد كرّس «المعمري» اشتغاله على البعد التاريخي في روايته الأخيرة «بن سولع» الصادرة في عام 2010م، قبل أن يغادر عالمنا في الـ 14 من يناير من عام 2013م، وكان قد عزم على ترك كتابة التاريخ سردا18 ولكنه تركها برمتها ليترك لنا ما مجموعه أربع روايات وأربع مجموعات قصصية قبلها (19).
4 ــ محمد بن سيف الرحبي:
الذي كانت له في تسعينيات القرن الماضي 3 مجموعات قصصية، يصدر روايته الأولى «رحلة أبو زيد العماني» في عام 2005م، وهي رواية تصور تنظيما سريا محظورا آخر في عام 1994م، ثم أصدر روايته الثانية «الخشت» في عام 2008م التي تصور واقعا صادما لما يدور خلف الأبواب المغلقة في مدينة كبيرة كـ» مسقط»، ثم بعدها بثلاثة أعوام يصدر روايته الثالثة «السيد مر من هنا» في عام 2011م، ليحاكي سيرة حياة السلطان سعيد بن سلطان مؤسس الإمبراطورية العمانية بجناحيها الشرقي والأفريقي (20)، ويعيد بعثه عبر بطل غريب يحب هذا السلطان، لتدور أحداث الرواية بين زمنين، زمن الحاضر الذي ينتمي إليه الفتى (البطل)، وزمن السلطان سعيد بن سلطان، ويجمع المؤلف بينهما لكشف ما يمكن به استنطاق ما لم يقله التاريخ من سيرة حياة هذا الرجل الإمبراطور، والشخصيات التاريخية الأخرى في عصره كشخصية أول مبعوث عربي إلى الولايات المتحدة الأمريكية «أحمد بن النعمان». وأخيرا أصدر الرحبي قبل أشهر - في معرض مسقط للكتاب 2014 - روايته الرابعة «الشويرة» تيمنا باسم بلدته في «سرور» بولاية سمائل. تناول فيها ثيمة «المهمشين» عبر إثارته لقضية الطبقية الاجتماعية التي يرزح تحتها بطل الرواية، الواقع بين طبقتين تشدانه صعودا وهبوطا بين درجاتهما فيدهسه في تفاصيلهما المنتمون إلى الطبقتين معا.
5 ــ أحمد الزبيدي:
القادم من جيل سابق، ليضع بين أيدينا ثلاث روايات مثيرة للجدل - بعد أن كانت له رواية مخطوطة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي موسومة بـ «قاعا للسقوط اسمه مسقط» وليس يُعلم على وجه الدقة ما إذا كانت تلك المخطوطة هي إحدى الروايات الثلاث المنشورة بين أيدينا الآن أم ما تزال مخطوطة لدى صاحبها - أما أولاها، فهي رواية «أحوال القبائل عشية الانقلاب الإنكليزي في صلالة» (21) الصادرة في عام 2008م، وهي رواية مسكونة بأحداث حرب ظفار، متبنيا خط الدفاع عن الثورة، ومهموما بالهم السياسي الذي رافق تلك الفترة. وبقي الزبيدي يكتب أعماله السردية من وحي المنطقة الزمنية ذاتها، وممتلئا بالمكان ذاته، فأصدر في عام 2012م روايته الثانية «سنوات النار»، ثم في عام 2013 أصدر روايته الثالثة التي حملت عنوان: «امرأة من ظفار» أو «ثيت من ظفول» حسب الترجمة إلى اللهجة الشحرية الظفارية، «ولم تقتصر الرواية على أحداث الثورة وإرهاصاتها، بل تناولت الثقافة في ظفار، المعتقدات واللغات والعادات والتقاليد والمساكن وطرق الحياة» (22). وقد عدّها محمد الشحري جزءا ثالثا لروايتيه السابقتين، محيلا إلى الثورة المرموز إليها بالمرأة، غير أن المختلف في روايته الثالثة هو تخليه عن الرمز، ولجوؤه إلى اللغة المباشرة وكأنما - حسب قول الشحري (23) - أراد التخلص من ذاكرته دفعة واحدة التي بقيت إصدارا بعد آخر تراوده عما شهد من تفاصيل عايشها ونافح من أجلها، لعله بعد شفائه منها يُخرج للقارئ جديدا مغايرا عما شغل نفسه به في إصداراته كلها.
6 ــ عبدالعزيز الفارسي:
يخرج في عام 2007م بروايته الأولى «تبكي الأرض يضحك زحل» - والوحيدة حتى الآن - لتقدم بطلا متمثلا في الطبيعة التي أنسنها وجعلها صانع الحدث الأول، لتعلو كلمتها وصوتها على كل أصوات شخصيات الرواية، التي بدت شخصيات سلبية تجاه الواقع، تتحرك وفق الحدث ولا تحركه، متخذا في روايته تقنية تعدد الأصوات، التي تؤدي كلها في الختام صوت الطبيعة والممثلة لها (24).
7 ــ خالد الكندي:
الذي بدا أنه اتخذ لنفسه منحى وثيق الصلة بالتراث العماني، والمرويات الشعبية، التي وجدت طريقها - من خلاله - عبر سلسلة روايات بدأها بـ «صراع العقول» الصادرة في عام 2010م التي تتخذ طابعا بوليسيا في أجواء قروية تتولى القلعة ممثلة في شخص الوالي حل النزاعات بين أهل القرية، وفك لغز ما قد يحدث هنا وهناك بحثا عن فاعل ومقترف، ثم في عام 2012م يصدر رواية «أم الدويس» (25) التي تخبرنا عن شخصية وهمية تدعى «أم الدويس» المرأة الحسناء - أو المرعبة أحيانا - التي تظهر في الليل لتخيف الكبار والصغار على حد سواء، ويختلف عقابها لهم بحسب الجرم، لتبقى الصورة واحدة في الأذهان، عن امرأة ليلية تثير الرعب في النفوس. غير أن الكندي قدم المرأة في هذه الرواية في صورة (26/4)
صفحة 256
البطولة في أكمل صورها الذكورية، في مقابل الرجل السلبي قليل الحيلة. وبعدها أصدر «الكندي» روايته «القافر» في عام 2013 التي تشبه في مناخها العام روايته الأولى «صراع العقول»، وأخيرا يصدر مرارة الذئب في عام 2014م، وقد صاغ «الكندي» رواياته في قالب لغوي رصين ذي بعد أخلاقي تربوي تعليمي، موثقا التراث الحكائي العماني.
8 ــ أحمد الرحبي:
أصدر روايته «الوافد» في عام 2012م، وقد بدت قريبة من السيرة الذاتية، حفلت بتناقض العنوان مع المعنى الذي ترومه الرواية، من أن الوافد - الذي يحيل إلى الأجنبي عادة - ليس إلا ابن الأرض العائد إليها بعد غياب، وقد بدا أنها رواية تقترب هي الأخرى من القصة الطويلة أكثر من كونها رواية (26).
9 ــ يونس الأخزمي:
يصدر روايته الأولى «الصوت» الصادرة في عام 2012م، بعد تجربة قصصية، وهي الرواية التي تمتزج فيها الأشياء، وتعلي من شأن الحواس، وما الصوت إلا مدخل من مداخلها، غير أنها رواية ذات بعد فلسفي مشبع بالروحانية.
10 ــ سلطان العزري:
يصدر روايته الأولى - والوحيدة حتى الآن - «سفينة نوح» في عام 2012م، بعد مجموعته القصصية - الوحيدة أيضا - «تواطؤ»، متناولا فيها كارثة إعصار جونو الطبيعية، وما فعله في البشر والحجر، غير أنه جعل منها رواية عتب وإدانات للإعلام والحكومة ولكل ما هو سلطوي (27)، بشكل أخرجها (الرواية) من الأدبية إلى التقريرية (28).
11 ــ محمود الرحبي:
وفي الوقت الذي بزغ فيه نجمه كاتبا ملفتا للقصة القصيرة - بثلاث مجموعات قصصية: «اللون البني»، و «لماذا لا تمزح معي»، و «أرجوحة فوق زمنين» ليتوج في عام 2012 بجائزة السلطان قابوس للثقافة والآداب والفنون في دورتها الأولى عن مجموعته القصصية الرابعة «ساعة زوال»، وجدناه في عام 2010م - يصدر روايتين دفعة واحدة، هما «درب المسحورة» (29) التي يحاكي فيها حكاية تراثية أوردها نور الدين السالمي شعرا في كتابه الشهير «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» عن قصة فتاة اختطفها السحرة من أهلها، وعثرت عليها عائلة أخرى، وبعد مدة الزمان وجدها أهلها ترعى الغنم، لتعود في الختام إلى عائلتها الحقيقية بعد أن يتعرف عليها أهلها، غير أن الرحبي لم يفعل في هذه الرواية غير تحويل قالب الحكاية من نص شعري إلى آخر سردي، وقد كان بوسعه أن يغدق عليها من خياله بما ينتج نصا روائيا أكثر إدهاشا. أما روايته الثانية فهي رواية «خريطة الحالم» وهي الأخرى التي لم تكن فنيا بمستوى ما أنتجه في القصة القصيرة، إذ تحكي قصة إمام مسجد يغادر إلى دولة أجنبية ليكتشف عكس التصورات الذهنية المسبقة التي غُذي عقله بها عن الغرب (غير المسلمين)، وفي علاقتهم بالآخر المسلم.
وفي عام 2013م يصدر «الرحبي» روايته الثالثة «فراشات الروحاني»، وهي الرواية التي عدّها الرحبي نفسه روايته الأولى رغم روايتيه السابقتين، وهي رواية نختلف عن سالفتيها، وتقدم الرحبي عارفا بمداخيل علم النفس من خلال شخصية بطله الروحاني المعالج النفسي، التي يوصّف علاجات نفسية لحالات مختلفة ومتنوعة لا يعدم أن يكون القارئ واحدا منها، غير أن شخصيات روايته كانت كلها - باستثناء الروحاني - شخصيات عابرة، كحال جميع مرتادي العيادات عادة، حتى «كرمة» التي يقع الروحاني في حبها، لم تكن إلا شخصية عابرة، تخرج من حياة الروحاني طبيعيا كما دخلتها ذات مؤتمر في أبوظبي.
12 ــ سالم آل توية:
يسجل حضوره الروائي عبر روايته الجريئة «أيوب شاهين» الصادرة عام 2009م التي تنتصر للمهمشين - أيضا - من أبناء المجتمع العماني، الذين دخلوا في نسيج المجتمع من أعراق مختلفة، ليحكي معاناة لا يصدقها الواقع، ولكنها في الواقع النصي تبدو حكاية محكمة، أظهرت سالم آل تويه روائيا ناضجا، قادرا على إبراز ثيمته الخاصة بما يكشف عن قدرة ظهرت متأخرة.
13 ــ سليمان المعمري:
الذي أعلن إخلاصه للقصة القصيرة وتعهده بالبقاء وفيا لها (30)، يخرج للقارئ بروايته الأولى - التي، رغم إخلاصه للقصة القصيرة، كانت منتظرة - «الذي لا يحب جمال عبد الناصر» في عام 2013م، وهي رواية ترصد أحداث عام (26/5)
صفحة 257
2011م في عمان على خلفية السياق العربي العام المسمى بـ «الربيع العربي» وتأثيراته الجانبية على السلطنة، بأسلوب روائي ساخر (31) راصدا وموثقا، وقد أراد لها «المعمري» أن تكون رواية شاهدة على ما حدث، فأنطق شخصياته معظمها، وأسكت الشخصية الرئيسة التي يحيل إليها العنوان، في لمحة غير مباشرة إلى أن ما يعتمل من أحداث ليس مما يوجب قولا فصلا، وهو الذي ما يزال جدله مستمرا حتى اللحظة وما بعدها، مازجا بين الواقع والفنتازيا، من خلال إعادة بعثه لشخصية جمال عبد الناصر من مرقده ليقابل مصريا بسيطا - يكن لجمال عبدالناصر كرها عميقا - يقيم في السلطنة، لأسباب تسوقها تضاعيف الرواية بدت مقنعة للقارئ إذا ما تعلق الأمر بشخصية «بسيوني سلطان» الذي صودرت أمواله وأراضيه بقرار ناصري مدفوع برغبة في إعادة توزيع ثروات الوطن بين أبناء الشعب. وتحسب لهذه الرواية: توظيفها للفنتازيا من جهة، واحتفاؤها بالسخرية من جهة أخرى، اللتان لولاهما لوقعت في فخ التوثيق الصرف، رغم أنها لو استمرت في مد خيط الفنتازيا حتى النهاية وجعلت من شخصية جمال عبد الناصر لاعبة في الأحداث العمانية التي تتعرض لها الرواية لاتخذت بعدا - وفق رؤية شخصية - أكثر إدهاشا (32).
14 ــ نبهان الحنشي:
الذي أصدر مجموعة قصصية واحدة حملت عنوان «سقوط مدوٍ لريشة» يصدر في عام 2014 روايته الأولى «امرأة تضحك في غير أوانها»، مقدما الحب المطارد بأعراف المجتمع التي توزع أفراده إلى مستويات لا يملكون الفكاك منها، وموظفا بعض الأحداث - كما فعل آخرون - أبرزها أحداث عام 2011م، وتداخل التيارات الفكرية في عمان، الإسلامية منها والليبرالية - إن جاز التعبير - مرورا بإعصار جونو الذي أطبق سقف البيت على أم بطل الرواية وأخته في ولاية جعلان.
15 ــ حمود الشكيلي:
وفي سياق الثيمة نفسها يصدر حمود الشكيلي - بعد ثلاث مجموعات قصصية - روايته الأولى «صرخة واحدة لا تكفي» منتصرا فيها للعمال الكادحين عبر شخصية أحمد - سائق سيارة الغاز - موظفا أحداث عام 2005م في روايته مرورا بإعصار جونو في عام 2007م الذي قضى على أصدقائه الذين راحوا ضحية مع من راح غرقا في منطقة الخوير بقلب محافظة مسقط. غير أن الشكيلي أثقل روايته بالإيديولوجيا (33)، وأتخمها بأفكار أكبر من شخصياتها، وقد شهدت هذه الرواية صنعا للأحداث بما يخدم هذا التوجه دون منطقية بعضها أحيانا، حتى بدت رواية تنطق باسم مؤلفها وليس باسم شخصيتها المواطن البسيط «أحمد الغازي» الذي لم يكمل تعليمه، ليكون قدره أن يعمل سائقا لسيارة بيع الغاز في منطقة الخوير 33.
16ــ محمد الفزاري:
في حين بدت رواية محمد الفزاري «خطّاب بين غيابات القبر» الصادرة في عام 2013م قصة طويلة أكثر من كونها رواية، إذ تناول فيها «الفزاري» أحداث 2011م أيضا، وما سماه في نصه بقضية معتقلي الرأي - أو قضية معتقلي «التجمهر» - وقد بدت رواية تنشد التوثيق بالدرجة الأولى بما يشبه السيرة الذاتية أو اليوميات، بيد أنها افتقدت لمقومات الإقناع الفني الذي غاب عنه تعدد الرؤى، مكتفيا بالرؤية الأحادية، مقلصا الحوار - غير المباشر تحديدا - ليكون متسعا من طرف واحد في حين لم يكن الطرف الآخر سوى مجرد فكرة عامة ونمطية وجاهزة تحاكي الساحات العربية الأخرى، وتلغي خصوصية الزمان والمكان.
17ــ سالم الجابري:
ممن ظهر فجأة من الروائيين، وقد حققت رواياته نسبة مبيعات هي الأعلى - حسب تصريح لمدير عام دار النشر «مؤسسة بيت الغشام» - الروائي سالم الجابري، الذي أصدر - دون سابق وجود - روايتين في عام واحد، هما: «الديك»، و «حياة بين زمنين» في عام 2013، وقد اعتمد الجابري على الخيال المحض في روايته، لاسيما في روايته الأولى التي يصور فيها بطل الرواية متحولا من شكله الآدمي إلى «ديك»، بدءا من الصياح الذي بدأ يحسه بداخله ويشعر برغبته في إطلاقه، انتهاء بتحوله إلى ديك، ليبقى يفكر في طريقة تجمعه بحبيبته وهو في هيئته العصفورية - إن جاز القول - الجديدة.
18ــ عبدالله الحرسوسي:
ومن المحاولات في كتابة الرواية - بل هي قصة طويلة أكثر منها رواية - ما كتبه «عبدالله الحرسوسي»، في إصداره «سنوات العزلة» في عام الحالي 2014، وهو نص يقوم على فكرة بسيطة مؤداها أن الشفاء بيد الله وليس بيد أحد، مهما (26/6)
صفحة 258
بدا المشعوذ قادرا على تحقيق الشفاء، ذاك المشعوذ الذي يتكشف في الختام أنه غير قادر على جلب الشفاء لنفسه، في قالب سردي ينقصه الكثير من النضج.
شعراء روائيون:
شهد المشهد الروائي العماني - كغيره - ظاهرة الشاعر روائيا، فنشط عدد من الشعراء في الكتابة السردية، بدءا من سيف الرحبي - ومثله سماء عيسى، وزاهر الغافري، وصالح العامري (34) - إذ بدأ الرحبي سردياته بكتابة سيرته «منازل الخطوة الأولى» وانتهاء بيومياته (من الشرق إلى الغرب) في عام 2013، غير أن سرده لم يفرز رواية كما فعل شعراء آخرون، كـ:
19ــ محمد الحارثي:
الذي أصدر روايته «تنقيح المخطوطة» في العام 2013م، وهو عنوان بدا مستغربا وغير أدبي من شاعر، إذ يحيل إلى كتاب أقرب إلى المضمون العلمي منه إلى الرواية الأدبية.
وقد أظهرت «تنقيح المخطوطة» معرفة مؤلفها الدقيقة بالجيولوجيا والحفريات وعلوم تطور الكائنات، مستعرضا فيها خبرته ومعرفته العلمية الكبيرة، غير أنها بسبب علميتها هذه وجدناها رواية صعبة، وتحتاج من قارئها صبرا طويلا حتى يتمها، إذ بدت - على خلاف المتوقع من شاعر يكتب سردا - رواية جامدة بحكم المادة التي حوتها.
20ــ زهران القاسمي:
أما الشاعر زهران القاسمي، فقد أصدر روايتين في عامين متتاليين: جبل الشوع في عام 2013م، والقناص في عام 2014م، وقد بدا أنه استفاد من تجربته الروائية في «جبل الشارع» ليتجاوز كثيرا من هناتها في روايته الثانية «القناص» التي جعل فكرتها تدور حول مفهوم الحلم الذي يكون أجمل عندما نكون في الطريق إليه، ولكننا إذا ما بلغناه فإننا نفقد المعنى الذي من أجله نحيا. صور ذلك عبر رحلة بطل روايته في صيد «الوعل» الحيوان الجبلي الكبير. حلم أجداده الذي لم يحققوه، فحققه هو، ولكنه بعد الظفر به، يفقد الإحساس بمتعة الحياة.
وقد تميز القاسمي في الروايتين - والقناص تحديدا - بتصوير الطبيعة الجبلية على نحو دقيق، مقدما تفاصيل قلما يمسك عليها من لم تعش الطبيعة في روحه، مثلما عاش في أكنافها.
21ــ إبراهيم سعيد:
لم يكن إبراهيم سعيد ليتخلف عن ركب الكتابة السردية، فأصدر في عام 2014م روايته «الحمدي، الأعمى الشعري» التي تمزج بين النص السردي والنص الشعري معا، حتى التبس على القارئ جنسها الأدبي ما إذا كانت رواية أم شيئا قريبا منها - كما يقول الباحث حمود الشكيلي الذي كتب عنها قراءته بعنوان «كادت حياة الأعمى أن تكون رواية» (35) - وكما يسأل هو نفسه: «أهي رواية حقا؟» (36) غير أنها نص يمزج كل شيء، في قالب لا يخلو من عمق شعري ونظرة فلسفية، وقد بدا أن التحول إلى القوالب النثرية مقصدا يلجأ إليه الشعراء بحثا عن فضاء أوسع ضاقت عنه بحور الشعر، وليس مهما بعد ذلك ما إذا كان الناتج رواية أو شيئا يقترب منها في قضية أخرى تتعلق بتجنيس النص الأدبي.
الرواية النسوية في عمان37:
لم تكن البداية في عام 1999 الذي صدرت فيه أول رواية نسوية عمانية بداية عادية، فقد وعت بدرية الشحية مسؤولية أنها تشق طريقا لكل من سيكتبن - ويكتبون بالضرورة - بعدها، فكتبت روايتها على خلاف ما شاع من كتابات سبقتها، سواء على مستوى الثيمة المطروقة أو على مستوى التقنيات الموظفة، إذ تجلت أكبر مظاهر الجرأة الكتابية في «الطواف حيث الجمر» باستخدامها لضمير المتكلمة في سردها لحكاية زهرة، فتاة الجبل الهاربة إلى الجناح الإفريقي من عمان في ذلك الوقت - كما يشير إلى ذلك علي المانعي في كتابه القصة القصيرة في الخليج العربي - فلم تكن تشق طريقا روائيا جديدا على المستوى النسوي وحسب، بل شقته على مستوى الرواية العمانية عامة.
ولم تكتفِ الشحية بروايتها الأولى، بل أصدرت بعد عقد كامل من صدور روايتها الأولى، الرواية الثانية «فيزياء 1» - التي لا مبرر للرقم 1 في عنوانها ما لم تتبعه بفيزياء 2 - معالجة قضايا إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب، وقد «استطاعت بقدرة فائقة إثارة الكثير من الجدل الثقافي المحموم» (38)، وكاشفة، في الوقت نفسه، عن شخصية جريئة - هي «كريمة - المتمردة أخلاقيا، مستغلة إقامتها في مسقط بعيدا عن عين الرقيب العائلي لتمارس حريتها غير المحدودة، (26/7)
صفحة 259
فبدت رواية صادمة تصور بطلا غير مثالي على الإطلاق، بيد أنها تكشف عما يمكن أن يرشح عنه الواقع من شخصيات مماثلة بسيرورة حياتها ومصيرها ومآلاتها، حتى تزوجت بأجنبي لتنجب منه طفلا بعينين خضراوين.
غير أن «فيزياء 1» بقيت رواية لم تحظ بما حظيت بها روايتها الأولى من درس نقدي كما تستحق - باستثناء ما كتبه الدكتور محمد الشحات في كتابه «نحو كتابة جديدة» (39) كما أحسب - فمازال دوي الرواية الأولى يغطي على الرواية الثانية.
2ــ جوخة الحارثية:
ظهرت «جوخة الحارثية» روائية - بعد مجموعتها القصصية «مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل» التي فازت بجائزة الشارقة في عام 2001م - إذ أصدرت روايتها الأولى في عام 2004م حملت عنوان «منامات» في مزج غرائبي بين الحلم والواقع، ليجد القارئ نفسه يُكمل في الحلم ما لم يكتمل في الواقع والعكس (40)، وقد بدت لكثير من قرائها بأنها رواية غامضة، غير أنها تفتح أبواب التأويل كشأن الأحلام والمنامات عادة، في انسجام تام بين عنوان الرواية ومادتها.
وفي عام 2010م تصدر «الحارثية» روايتها الثانية «سيدات القمر»، التي عدّت الرواية الأنضج فنيا في ذلك الوقت، وقد حفلت هذه الرواية بعدد كبير من الشخصيات، بيد أنها لم ترتبك أمام زحمتهم، ومضت تناقش ثيمة اختلاف المستويات الاجتماعية بين شخصياتها، ورحلة صناعة الأحلام غير المتحققة، وقد استطاعت اللعب على الحكايات مستغلة تعدد الشخصيات وتنوعها، إذ لم تكن ثمة شخصية بلا حكاية، غير أن تلك الحكايات بتعددها وتنوعها، لم تكن لتساوي بين شخصيات الرواية، فلم تجعل كل نساء الرواية سيدات كما يشي عنوان الرواية، بل إنه مثلما كانت هناك سيدات، وُجدت الإماء والعبدات أيضا، ولم يحملنا النص على التعاطف مع الفئة الأخيرة التي وجدت نفسها أدنى منزلة دون اختيار منها أو قرار.
3ــ غالية آل سعيد:
في عام 2005م أصدرت غالية آل سعيد روايتها الأولى «أيام في الجنة» وألحقتها بعامين روايتها الثانية «صابرة وأصيلة» في عام 2007م، ثم تتبعهما في عام 2008 روايتها الثالثة «سنين مبعثرة»، لتصدر مؤخرا في عام 2011م روايتها الرابعة «جنون اليأس»، وبذلك تعد غالية آل سعيد أكثر الروائيات العمانيات إنتاجا، غير أن نتاجها لم يلتفت إليه على الأرجح إلا قلة أو على سبيل التنويه من بعضهم ليس إلا، وقد بدا أن لنشأتها في أوروبا وإقامتها هناك دور في خلق عوالم بعض رواياتها - لاسيما روايتها «سنين مبعثرة» - التي تروي حكايةً مكانها وزمانها وشخوصها تنتمي إلى ذلك العالم، بيد أن غالية آل سعيد من الروائيات المخلصات للكتابة بصرف النظر عن درجة الاهتمام النقدي برواياتها، فضلا عن كونها ممن يكتب عن بعد، لذلك غابت عن رواياتها مقاربة الواقع كما يحدث على الأرض.
4 ــ فاطمة الشيدية:
في عام 2009 أصدرت الشاعرة فاطمة الشيدية روايتها الأولى والوحيدة «حفلة الموت» متخذة من فكرة السحرة والدجالين، والموت الظاهري واختطاف الجسد بتلبسه موضوعا لروايتها، وقد حفلت روايتها باللغة الشعرية المسكونة بالوطن ومقوماته، معتمدة على دهشة العنوان في ولوج القارئ إلى متن النص، بغرائبيته التي تجمع ضدي الحفلة والموت41، غير أنها حفلة مما يعرفه السحرة والدجالين بموت أحدهم/ أكله.
5 ــ أزهار أحمد:
أما أزهار أحمد، التي عرفت بالكتابة في أدب الطفل، فقد خرجت للقارئ بروايتها الوحيدة أيضا في عام نفسه 2009م، بعنوان «العصفور الأول» وهي رواية تحكي هاجس الكتابة وهمها، في مقارنة تجمع بين الكتابة والغربة والمعاناة، لينطلق بطل الحكاية «مقرن النوري» في رحلة بحثه عن نصه الروائي بالسفر إلى الهند ومعايشة البؤساء، وخلال رحلة الحكي يكتشف القارئ أنه إنما كان يقرأ الرواية الداخلية لـ «لمقرن النوري»، في الوقت نفسه الذي كان يقرأ فيه الرواية الخارجية لأزهار أحمد.
وقد بدا أن رواية «العصفور الأول» من الروايات التي لم تحظَ بحقها هي الأخرى نقديا، وقد أحسب أن عاملين كانا سببا في هذا الإهمال النقدي، أما أولهما فهو أن أزهار أحمد شغلت القارئ بكتابتها عن أدب الطفل، فغفل عن إمكانية أن تكتب رواية للكبار، ومن جهة أخرى، أساء العنوان إلى الرواية، إذ إنه من العناوين المحيلة إلى عناوين أدب الطفل في حين أنها ليست كذلك، لاسيما أنه جاء من كاتبة تعودت الكتابة للطفل أصلا. (26/8)
صفحة 260
6ــ هدى حمد:
أما هدى حمد - التي أصدرت مجموعتين قصصيتين من قبل «نميمة مالحة» و «ليس بالضبط كما أريد»، ثم مجموعة ثالثة «الإشارة برتقالية الآن» من بعد - فقد أصدرت روايتها الأولى «الأشياء ليست في أماكنها» في عام 2009م، وهي الرواية التي حازت على المركز الأول في مسابقة الشارقة للعام 2008م، وقد كانت هذه الرواية هي بوابة هدى حمد للدخول في عالم السرد الروائي، متناولة قضية التصنيف الاجتماعي بين مستويات الأشخاص، ولكنها هذه المرة عبر الطبقة الوسيطة المسماة «البياسرة» التي هي منزلة وسيطة تقع بين الأعلى مكانة والأدنى منزلة، غير أنها استطاعت الغوص في عمق القضية عبر شخصية «أمل» المنبوذة من الطبقة الأعلى، والرافضة للطبقة الأدنى، لتبقى معلقة في الحياة/ المجتمع، فتختار حريتها المطلقة بأن تفعل ما تشاء، فالبقاء في البرزخ أمر غير محتمل، فلا هي في الأعلى وتهنأ، ولا هي في الأدنى وتستريح. وقد كان تناول هدى حمد لهذه لإشكالية من هذه الطبقة من المجتمع جرأة في وقتها، لم يتجاسر إلا قلة من الكتاب العمانيين في إعمال أقلامهم في هذه الثيمة التي بقيت طويلا في منطقة المسكوت عنه اجتماعيا.
ومؤخرا، صدر لـ هدى حمد روايتها الثانية «التي تعد السلالم» في مارس 2014م التي أنجزت خلال محترف نجوى بركات في البحرين، وقد بدت رواية مغايرة تماما في الثيمة والتقنية، إذ وظفت فيها هدى حمد إشكالية الحنين في اتجاهين، مركزة عدستها على قضايا العمالة الوافدة، مقتربة من هموم «فانيش» عاملة المنزل الأثيوبية، عبر فكرة دفتر المذكرات الذي تعثر عليه ربة المنزل - الشخصية الرئيسة - «زهية». ومن جهة أخرى - وعبر «زهية» - تدخل هدى في تفاصيل ما لم يعتد الإنسان العادي تدقيق النظر فيه بحكم اعتياديته، غير أنها بالنسبة لقارئ رجل، فقد استطاعت هدى حمد أن تدخل قارئها الرجل في تفاصيل حياة امرأة، في مطبخها، وصالة جلوسها، أحاديث صديقاتها، وهلوساتها.
ولعل الأهم الذي وظفته هدى حمد في هذه الرواية، هي أحداث الانقلاب الأفريقي على الوجود العماني/ العربي في أفريقيا في منتصف ستينيات القرن الماضي، عبر شخصية عامر «زوج زهية» المولود من أب عماني وأم أفريقية لا يعرف عنها إلا ما يحكيه أبوه له عن أمه «بيسورا» ولم يبق له منها إلا «الليسو» أو غطاء الرأس الذي لفه به أبوه غداة الهروب من نيران الثوار الأفارقة، ليقرر - وقد كان قرارا متأخرا - أن يسافر إلى زنجبار مقتفيا أثر أمه، غير أنه يعود دون رؤيتها، وقد امتلأت روحه بأفريقيا التي رآها لأول مرة بعد أن كان يسمع عنها فقط (42).
والجدير بالقول أن ما ورد في الرواية على لسان - عامر ووالده - من أحاديث عن أهوال الانقلاب الأفريقي، ليجده القارئ - غير العماني تحديدا - صادما وكشفا جديدا لعله لم يكن يعرف عنه من قبل، وهو ما تشي به العبارة المكتوبة على الغلاف الخلفي «تاريخ عماني مهمل يتكشف عبر هذه الرواية وقصص مرت من دون أن ينتبه إليها أحد» - وأحسبه (أي التعليق) لنجوى بركات.
7ــ زوينة الكلبانية:
أما زوينة الكلبانية، فقد نشطت روائيا في آخر أعوام ثلاثة، فأصدرت «ثالوث وتعويذة» في عام 2011م، و «في كهف الجنون تبدأ الحكاية» في عام 2012م، و «الجوهرة والقبطان» في عام 2014م التي سعت فيها إلى محاكاة الرحلة التاريخية للسفينة الشراعية «جوهرة مسقط» بعد إعادة صنعها على طرازها الأول القديم، والسفر بها عبر عدة محطات وصولا إلى سنغافورة، وقد جمعت في روايتها هذه ما بين الواقع بوصفه سياقا تاريخيا لحدث بحري كبير، بالمتخيل الذي شكل حكاية القبطان مع زوجته وحبه لامرأة أخرى، لينبثق السؤال: إلى أي مدى يمكننا توليد حكاية من صنع الخيال وتركيبها على شخصية حقيقية تعيش معنا دون أن يكون ممكنا القول إنها لا تعنيه، ليتولد سؤال آخر: ما تراه سيكون موقف القبطان في حال أنه قرأ رواية «الجوهرة والقبطان» وقد حل فيها بطلا بحكاية ليست له!
8 ــ عزيزة الطائية:
ولجت عزيزة الطائية، عالم الرواية فكتبت روايتها الأولى «أرض الغياب» في عام 2013م، غير أنها رواية بدت مغرقة في الذاتية ومفتقرة إلى الحبكة، تمتاح شخوصها وعالمها من حياة الكاتبة - كما يعرفها المطلع. قال عنها الدكتور محمد زروق تحت عنوان «تعطل السرد في رواية أرض الغياب»: «إن بساطة الأحداث وأُلفة الشخصيات وغياب هزات السرد الكبرى جعل العمل في تصوري قصة قصيرة طالت بتعسف الذات الراوية، فلم تقدر على تمثل الأحداث وتحويلها إلى سرد مرغّب أو إلى سردٍ مُشْكل» (44) (26/9)
صفحة 261
واضافة إلى الروائيات الثمان، فإن المشهد يسجل روايات لكل من: فاطمة أنور اللواتية، وصفاء الدغيشية، وربما غيرهما ممن لم أوفق في التوصل اليه، ولكني أوردهما هنا ضمن سياق محاولة التقصي التي تحاول الاحاطة ولا تدعيها. غير اني لم أقع على نتاجهما حتى اعداد هذه الورقة.
إذن:
1. شاع لدى الأصوات العمانية الجديدة التطرق إلى الثيمات الأكثر حساسية، وقد وجد الكاتب متنفسه روائيا، وهو ما لم تتحه - بطبيعة الحال - أشكال الكتابة الأخرى. وقد تركزت تلك الثيمات على:
- التاريخ العماني، ومحاولة بعثه على الصعيد الأفريقي - الفردوس العماني المفقود - واستنطاق ما حدث خلال الحكم العماني هناك، أو محاولة تقريب الصورة الفجائعية التي رافقت الانقلاب الأفريقي على ذلك الوجود هناك، كما تمثل لدى محمد بن سيف الرحبي، وبدرية الشحية، وهدى حمد.
- السياسة: المتمثلة في ثورة ظفار - كما يطالعنا أحمد الزبيدي وعلي المعمري- أو فيما يتعلق بالتنظيمات السرية المحظورة في الأعوام 1994 و2005 - وقد حاكاها محمد بن سيف الرحبي، ومحمد بن عيد العريمي، وحسين العبري، وحمود الشكيلي.
- الكوارث الطبيعية: التي اجتاحت عمان في عامي 2007 و2009 بإعصاري جونو وفيت/بيت وقد مثلها سلطان العزري، وحمود الشكيلي، ونبهان الحنشي على تفاوت في مساحة المعالجة، فضلا عن غيرها من الأعمال السردية الأخرى غير الروائية شعرا وقصة قصيرة ويوميات.
- المسكوت عنه اجتماعيا: وما تحدثه من شروخ على المستوى النفسي والاجتماعي، بدءا من الظواهر الاجتماعية المتمثلة في أنماط السلوك، وانتهاء بالطبقيات الاجتماعية كما تعكسها روايات بدرية الشحية، وهدى حمد، ونبهان الحنشي، ومحمد بن سيف الرحبي.
2. تنوعت التقنيات الروائية الموظفة لدى الروائيين العمانيين منذ عام 1999م، فأتقن عدد منهم صنعته بما يجعله مثالا لخط التطور التصاعدي للرواية العمانية، بدءا من التحول الفني الذي طالعتنا به رواية «الطواف حيث الجمر» في خروجها عما كان سائدا من تقنية الراوي العليم - رغم أن هناك من كان يرى أنها التقنية الأنسب لهذه الرواية - مرورا بتقنية تعدد الأصوات التي نجدها في رحلة أبو زيد العماني لمحمد بن سيف الرحبي، وتبكي الأرض يضحك زحل - كما تصفها هدى حمد بأنها أم الرواية العُمانية متعددة الأصوات (45) - إلى التقنيات التي وظفت الراوي المساعد لبطل الشخصية كما ظهر في أحمر وأصفر حسين العبري - وليس أخيرا الراوي الذي يروي من موقع الشاهد كما فعل محمد بن سيف الرحبي في روايته الشويرة.
3. لعل ما بدا أن الرقابة الرسمية قد أجازته في السرد الروائي العماني، قد وقفت الرقابة الاجتماعية له بالمرصاد على نحو لا يعكس سعة قرائية بقدر ما يعكس شحنا عاطفيا يفترض في النص الروائي وسيلة لنشر الفضيلة وتأصيل القيم في مجتمع يحب أن يكون في عين نفسه مثاليا، متناسيا أن للنص الأدبي مثاليته الخاصة التي لا صلة لها بمثاليات العامة.
4. الوفرة العددية في الآونة الأخيرة لم تواكبها حركة نقدية موازية، فبقيت الروايات العمانية تتكاثر بدون كاشف نقدي، مع الدعم المؤسسي والخاص على الكتابة والنشر بصرف النظر عن أهلية كثير من الأقلام للكتابة الروائية الرصينة، غير أنها كثرة حميدة رغم ما قد تسببه من استسهال يكثر من الغث ولا يضيف للمنجز شيئا حقيقيا.
أخيرا:
هذا هو مشهدنا الروائي العماني كما يبدو في تطواف سريع بين الأسماء والثيمات، وأحسب أن هذا العمل لن يكتمل ما لم يتوج بدراسة توسعه وتحفر في عمق كل نص على نحو يكشف ما اكتنف تضاعيفه من تفاصيل على صعيديه الفني والموضوعي، وآمل أن تكون هذه الصفحات الضئيلة بوابة لعالم بحثي في الرواية العمانية الجديدة في قادم الوقت.
الهوامش (26/10)
صفحة 262
1 ورقة قدمت في ملتقى السرد الخليجي في الكويت (6 - 8 مايو 2014م) ضمن جلسة حملت عنوان (الأصوات الروائية الجديدة في الخليج)
2 رغم أن حسين العبري اعترض على مفهوم الجدة في الثقافة والكتابة بشكل عام مادامت تجاوزت الثلاثة عقود من الزمان. انظر كتابه الثقافة المخاتلة، كتاب نزوى، الإصدار التاسع عشر يوليو 2013م، مسقط، ص57 وما بعدها
3 حتى لحظة تقديم هذه الورقة في مايو 2014م
4 تشير بض الدراسات في الرواية العمانية القليلة إلى أن أقدم نص روائي عماني يعود إلى عام 1939م، وهو رواية «الأحلام» التي نشرت باسم مستعار في زنجبار لكاتب مجهول. انظر: بحث الكندي، محسن: البواكير الروائية العمانية، نماذج من رواية الاستعارة والإشهار، المنشور بكتاب: الرواية في عمان، النشأة والتطور، إصدارات المنتدى الأدبي، مسقط، 2011م، ص11. والقريني، بخيتة: توظيف التراث في الرواية العمانية في العقد الأخير من القرن العشرين، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، 2014، ص11. والسليمية: منى بنت حبراس: الطبيعة في الرواية العمانية، مسقط، مؤسسة بيت الغشام للنشر والترجمة، 2013، ص. والشكيلي: حمود بن حمد، تحليل خطاب الراوي في الرواية العمانية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013م، ص 15
5 انظر: الرحبي، سيف: ذاكرة الشتات، لبنان، بيروت، دار الفارابي، 1991، ص68 وما بعدها.
6 انظر: الموسوي: شبر شرف، تجربة السرد الروائي في سلطنة عمان، موقع سبلة عمان http://www.s-
oman.net/avb/archive/index.php/t-491024.html
7 تحليل خطاب الراوي في الرواية العمانية، مرجع سابق، ص15.
8 الراجحي، باسمة: الشخصيات في روايات سعود المظفر، دراسة سيميائية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة السلطان قابوس، مسقط، 2013م
9 انظر: الموسوي: شبر شرف، تجربة السرد الروائي في سلطنة عمان، موقع سبلة عمان http://www.s-
oman.net/avb/archive/index.php/t-491024.html
10 كما يحلو لبعض الدارسين أحيانا أن يحددوا المرحلة الثانية من عام 2000 وحتى عام 2006م، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن هي مرحلتها الثالثة، بيد أنني لا أجد في القولين مبررا مقنعا
11 انظر: الموسوي: شبر شرف، تجربة السرد الروائي في سلطنة عمان، موقع سبلة عمان http://www.s-
oman.net/avb/archive/index.php/t-491024.html
12 توظيف التراث في الرواية العمانية، مرج سابق، ص14
13 المرجع السابق، ص15.
14 تحليل خطاب الراوي في نماذج من الرواية العمانية، مرجع سابق، ص16
15 بمدينة صحار، حملت عنوان الرقم 13 ليس نحسا في فبراير 2013م. كشف سليمان المعمري عن هذه الإحصائية في ورقة قدمها
16 راجع الفصل الثالث من كتابنا «الطبيعة في الرواية العمانية»، مرجع سابق، حيث خصص الفصل الثالث برمته لدراسة الطبيعة البشرية في رواية الأحمر والأصفر.
17 كتب الدكتور ضياء خضّير مقالا نشر في «ملحق شرفات» بجريدة عمان، العدد 448، بتاريخ 15 من أبريل 2014، بعنوان «حكايات يونس حيم .. بين منطق الواقع ومنطق السرد»، ص6 (26/11)
صفحة 263
18 نظم النادي الثقافي ندوة عنوانها «عالم علي المعمري السردي» صدرت في كتاب مؤخرا من إصدار النادي الثقافي بالعنوان نفسه، دار مسعى، البحرين، 2014
19 تولت دار الفرقد مؤخرا نشر الأعمال الكاملة لعلي المعمري في طبعة ثانية وصدرت في العام الجاري 2014م.
20 تلتها صدور مجموعته القصصية الرابعة «الصفرد يعود غريبا» في عام 2012م
21 درس هذه الرواية الباحث والروائي سالم آل توية في كتابه «الثورة والانقلاب الإنكليزي، دراسة في شخصيات أحمد الزبيدي وفضاءاته السردية»، بيروت، دار الفارابي، 2012م.
22 انظر: امرأة من ظفار أم ثورة من ظفار، جريدة القدس العربي، الصادرة بتاريخ 3 من مايو 2014م http/www.alquds.co.uk/?p=163883
23 انظر: امرأة من ظفار أم ثورة من ظفار، المرجع السابق http/www.alquds.co.uk/?p=163883
25 راجع كتابنا: الطبيعة في الرواية العمانية، مرجع سابق، الفصل الثاني: الطبيعة المؤنسنة في رواية تبكي الأرض يضحك زحل.24
لمقدمة الورقة قراءة في رواية أم الدويس حملت عنوان «البطولة المقلوبة أو سلبية المذكر» ضمن فعاليات معرض الكتاب 2013م، علما أنها الرواية التي فازت بالمركز الأول في مسابقة المنتدى الأدبي لعام 2012م.
26 كتب عنها محمد بن سيف الرحبي في كتابه: سرديات عمانية، بيت الغشام، مسقط، 2013، ص27 وما بعدها.
27 انظر: سرديات عمانية، مرجع سابق، ص43 وما بعدها.
28 انظر، سرديات عمانية، مرجع سابق، 43 وما بعدها.
29 كتب عنها محمد بن سيف الرحبي، سرديات عمانية، مرجع سابق، ص35 وما بعدها.
30 قال ذلك في لقاء أجرته معه اللجنة الوطنية للشباب في معرض مسقط الدولي للكتاب 2014 بتاريخ 4 من مارس، إثر فوزه بأعلى الأصوات على استفتاء أجرته اللجنة عن أكثر الكتّاب العمانيين مقروئية من الشباب.
31 كتبت ميسلون هادي: بسيوني الذي لا يحب جمال عبد الناصر وسليمان الذي أدخله في غيبوبة، ملحق شرفات بجريدة عمان، العدد 441 بتاريخ 25 فبراير 2014م.
32 لمقدمة الورقة قراءة غير منشورة عن رواية «الذي لا يحب جمال عبد الناصر»
33 كتب عنها الدكتور ضياء خضيّر في مجلة أكثر من حياة: http://hayaah.net/?p=277792
34 راجع: تحليل خطاب الرواي، مرجع سابق، ص14
35 الشكيلي، حمود: كادت حياة «ا الأعمى» أن تكون رواية، ملحق شرفات، جريدة عمان، العدد (445) بتاريخ 25 من مارس 2014م
36 أطلق سؤاله هذا في لقائي به بمعرض الكتاب بمسقط 2014م
37 تخصيص مبحث خاص للرواية النسوية لدواع بحثية لا أكثر.
38 الشحات، محمد: نحو كتابة جديدة، دار الدوسري، البحرين، 2012، ص145
39 نحو كتابة جديدة»، مرجع سابق، ص140 وما بعدها
40 انظر: اللواتي، إحسان: في السرد العماني المعاصر، كتاب نزوى، مسقط، 2013، ص95 وما بعدها.
41 راجع: نحو كتابة جديدة، مرجع سابق، ص131 وما بعدها. (26/12)
صفحة 264
42 لمقدمة الورقة قراءة نقدية في رواية «التي تعد السلالم» ضمن احتفاء الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالإصدارات العمانية بتاريخ 21 من مايو 2014م لم تنشر بعد.
43 انظر: زرّوق، محمد: الشعلة والمرآة، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، 2014م، ص69 وما بعدها
44 الشعلة والمرآة، مرجع سابق، ص69
45 ورقة قدمتها هدى حمد في ندوة سبقت هذه الجلسة بأسرع في الكويت أيضا، حملت عنوان «الرواية الخليجية من الكلاسيكية الى التجريب».
منى بنت حبراس السليمية (26/13)
صفحة 265
عنوان المقال: العدد ... النبهاني شاعر التنوع والاختلاف لسعيدة خاطر الفارسي
صدر في العدد ...
الكاتب سعيدة خاطر الفارسي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
13 يوليو,2015
يزخر العصر النبهاني بالشعراء والعلماء، وهو عصر كان وما زال يشكل مفارقة كبيرة في أذهان العمانيين من حيث كونه قد عدَّ متميزاً فنياً واقتصادياً، ومن أزهى عصور الأدب في عُمان، وفي الوقت ذاته عدَّ من عصور الفساد والانحطاط والظلام ووصف حكامه بالجبابرة والطغاة والمفسدين!! (1) الأمر الذي أوقع كثيراً من المؤرخين في تداخل الآراء وتضاربها ومن ثم حيرة الدارسين المحدثين أمام تجليات ذلك العصر.
ويعد النبهاني أحد أبرز شعراء العصر، وأرى أنه إذا كان العصر بمجمله قد أهمل من قبل المؤرخين العمانيين فإن هذا الشاعر- تحديدا - قد تعرض للتجاهل والإهمال المطلق، مقارنة مع غيره من شعراء عصره، والسبب واضح، إذ يكفيه أنه كان ممثلا للبيت النبهاني ومحاربا ضدَّ الأئمة، وساعيا إلى تثبيت ملكه وملك أجداده بالقوة والقسر، حتى وإن اضطره ذلك إلى الاستعانة بالقوة الأجنبية ضدّ أبناء وطنه، وبالتالي فإن مؤرخاً واحداً لم يذكر متى ولد هذا الشاعر، وأجمعوا على أنه ولد في النصف الأول من القرن التاسع الهجري وإن كانوا قد حددوا موعد خلعه ووفاته بالسنة، فإن ذلك يعود إلى تولية الإمام الذي خلعه من الحكم وتتبع المؤرخون حياة الشاعر الأخيرة لأنها ارتبطت بمناوشات بينه وبين الإمام محمد بن إسماعيل الحاضري.
ولهذا السبب لا تتوفر إلى الآن نسخة مخطوطة واحدة في وزارة التراث والثقافة من ديوان الشاعر النبهاني، بينما وجدت أكثر من مخطوط ومخطوط لغيره من شعراء عصره، فعلى سبيل المثال تتوفر الآن اكثر من خمس نسخ مخطوطة لديوان الكيذاوي بالدائرة المعنية، فمن هو هذا الشاعر الذي أصابه ما أصاب العصر من حيرة وعبث وضياع لنتاجه، حتى تضاربت حوله الأقوال لدرجة التناقض والتضاد؟
النبهاني هو الملك الشاعر سليمان بن سليمان بن مظفر بن نبهان النبهاني , من ملوك الدولة النبهانية, وينتمي بنو نبهان في أصولهم إلي العتيك، تلك القبيلة الأزدية العمانية، ومن المعلوم أن العتيك المنتمين إلي قبيلة الأزد العربية القحطانية، ينتهي نسبها إلي يعرب بن قحطان بن هود النبي عليه السلام» (2)
ولد النبهاني في النصف الأول من القرن التاسع الهجري (؟) وتوفي في أوائل القرن العاشر على وجه التقريب سنة (915هـ = 1510) م (3)
(تلقى علومه الأولى من قراءة وكتابة وحساب بمدينة بهلا , وواصل علومه اللغوية التي بلورتْ تمكنه من اللغة وإحكامه لعلوم العروض والقوافي فيها، وقد عكس شعره الفذ ثقافتة الواسعة وتمكنه من اللغة، وإحكامه للقوافي، ودرايته بعلوم الآلة فهو سلطان وشاعر واسع الثقافة) (4) والحقيقة أن النبهاني يملك ذخيرة لغوية وثقافة واسعة استطاع ان يوظفها في شعره، وعملت على بقاء نصاعة الشعر العربي والعودة به إلى عصوره الزاهرة.
وقد اتضح هذا في كثرة معارضاته للشعراء فقد عارض النبهاني العديد من فحول الشعر الجاهلي أمثال امرئ القيس وطرفة بن العبد وعنترة بن شداد وعمرو بن معد يكرب، ويوضح شعره مدى إعجابه بشعر امرئ القيس خاصة , فمن تقليده لامرئ القيس إكثاره من المواطن والأماكن التي يمر بها يقول امرؤ القيس: (وحلتْ سليمى بطن قوٍ فعرعرا) ويقول النبهاني:
ألِلدَّارِ من أكنافِ قَوٍّ فَعَرعر ِ
فخبتْ النَّقا بطن الصَّفا فالمشقر ِ (5)
متمثلا حال الشاعر الجاهلي في توقفه وبكائه على الربع المهجور الذي تركه الأحبة , وموظفا المعجم الجاهلي من حيث المفردات والأساليب , حتى كأنَّ القارئ يقرأ قصيدة لأحد فحول شعراء العصر الجاهلي , وهو بهذا قد أسهم في إحياء متانة اللغة والمحافظة على قوتها من الضعف والتردي والتلاعب بالمحسنات البلاغية والبديع، الذي كان سائدا آنذاك في (27/1)
صفحة 266
الحواضر الكبرى من ارجاء الوطن العربي، كما عارض النبهاني عمر بن أبي ربيعة , والمعري , وابن دريد , فالمعارضة الشعرية تعتبر من سمات شعره الفنية البارزة.
إن الاقتراب من شعر أي شاعر يقتضي منا التعرف على البعد أو المحور الأساسي في تجربته الشعرية، ومن ثم محاولة الكشف أو الإمساك بالخيوط النفسية والشعرية والفكرية التي يتألف منها نسيج الرؤية الشعرية لديه، وبتتبعنا لديوان النبهاني، اتضحتْ لنا الأبعاد الأساسية التي قامت عليها تجربته، ووجدنا أن هذا البعد - عادة- ما يختفي خلف المحاور الكثيرة التي تناولها الشاعر تلبية لهيكل بناء القصيدة العربية القديمة لكن إخلاص الشاعر لفنه جعله يقتطع لنفسه قسطا وافرا من أبيات كل قصيدة، ليسجل فيها بعده الأساسي الذي يبلور رؤيته الشعرية الخاصة. أو لنقل أن النبهاني بحكم سخونة الصراع والأحداث الجارية حوله لم يهتم كثيرا بتعدد أغراض القصيدة لديه فقد كان كثيرا ما يهجم مباشرة على هدفه خاصة عندما يحتدم الصراع في داخله، وهو لم يحافظ على تعدد أغراض القصيدة إلا في تلك القصائد التي يعارض فيها الشعراء، مظهرا لقدراته الفنية، وفي هذه الحال عادة ما يكون هادئا رائق البال، لكن لأن النبهاني ينتمي إلى فئة الشعراء الفرسان، فان لحظات الصفاء هذه كانت نادرة في حياته وقليلة، فالنبهاني أمير وشاعر من شعراء الفروسية مثله مثل أبي فراس الحمداني، والشريف الرضي .. والمعتمد بن عباد، ومن ثم فقد قامتْ تجربته على شبكة من الصراع، متلاحمة تلاحما شديدا ومكونة نسيجا واحد متجانسا أضفى على رؤية الشاعر لونا متميزا من الوحدة النفسية، فالنبهاني في حالة صراع مستمر، وأصعب أنواع هذا الصراع، صراعه مع النفس إنه:
(1) - يصارع حبه لأخيه مع شهوة الانتقام التي ولدتها جرأة أخيه عليه وتهوره ووقوفه مع الأعداء ضده.
(2) - صراعه مع أعدائه من بعض القبائل العمانية.
(3) - صراعه مع الإمام وأتباعه (الرافضين) لشرعية حكم النباهنة.
(4) - وأخيرا صراعه مع أطماع الغزو الخارجي المتكرر على عمان والذي لم ينقطع طيلة حكم النباهنة. هذا القلق والخوف المستمر، خلق نوعا من التوتر الذي أصاب أوتار نفس الشاعر المتعبة، مما حوله إلى قلق خلاق أغنى تجربة الشاعر وأخصبها فنيا، ونتيجة لهذا القلق تعددتْ صور الصراع لديه، فالثور يصارع الكلاب- والحمار الوحشي يصارع القدر المفاجئ المتمثل في الصياد المترقب للأتن، وهو يصارع حبه لأخيه وغضبه منه وخوفه عليه، ويصارع خوفه على ملكه، وهذا الصراع الحاد شكل لدى النبهاني نوعا من الدراما الشعرية، لذا وجدنا الحركة الدائبة التي يتطلبها الحدث، ووجدنا وضوح الملامح المكانية والزمانية، وقد انساق النبهاني إلى هذه الظاهرة بوحي السليقة، لا عن إدراك فني منه، ولذا فكثيرا ما يختار البحور ذات التفعيلة الواحدة لتسجيل ألوان الصراع، تلك البحور التي تساعد على تدفق الحركة وبلورة الدراما، يقول:
وأبتُ بسيفي قد تثلَّمَ حدَّه
وجفلةُ فيها للكلامِ محاجمُ (6)
هنا الصورة مجسده الملامح بصريا وسمعيا وحركيا وتصف عودته من إحدى المعارك مع أخيه حسام ... ثم ينتصر النبهاني على أخيه في عدة معارك .. لكن النبهاني رغم هذه الانتصارات غير راغب في استمرار الصراع بينه وبين أخيه شريك صباه وربيب تخته الملكي ولذا كثيرا ما نجد الاستعطاف يلي كل وصف لمعاركه معه، أو بعد كل نصح وتحذير له تأتي نبرة الاستعطاف والرجاء بالكفِّ عن القتال واضحة قوية:
وإني وإن سلمتمُ أو نصرتمُ
لخلٌّ وفيٌّ بالمودةِ دائمُ
أراكم بعينِ الودِّ غيباً ومشهداً
وأسمو بكم واللهُ بالغيبِ عالمُ
فلِمْ تخذلوني عندَّ كل عظيمةٍ
وكفى بكم يالَ المروءةِ لازمُ (27/2)
صفحة 267
تخليتمُ عنا فطالتْ يدُّ العدىَ
علينا وثارَ المستنيمُ المخاصمُ (7)
وبعد حروبه مع الإمام أبو الحسن بن عبد السلام، يصبح النبهاني وحيدا طريدا حزينا وقد فقد ملكه يصور الليل في زمن سرمدي لا ينتهي:-
ألا ما لهذا الفجرُ لم يبدُ نورُه
وما بالُ ليلي لا تغورُ كواكبُه
إذا قلتُ ينجابُ الظلامُ ترادفتْ
كتائبُ همي خلفَه وكتائبُه
ألا هل سُلافٌ أطردُ الهمَّ مقصرًا
بها الليلَ أو ريمٌ كريمٌ ألاعبُه (8)
ويقول النبهاني من القصيدة نفسها موظفا الموروث في قصة سيف بن ذي يزن الذي وجد النبهاني في ملامح شخصيته وفي أبعاد تجربته الحياتية والوجدانية ما يتراسل مع ملامح شخصيته وأبعاد تجربته هو الخاصة، وقد عقد النبهاني مع هذه الشخصية أواصر صلة حميمة وراح يمتاح من موروثها الخصب وما يجسد به أبعاد رؤيته الشعرية:-
فإن أكُ قد فارقتُ قومي وأسرتي
لإدراكِ شأوٍ شاسعٍ أنا طالبُهْ
فقبلي سيفٌ ربُّ غُمْدَانَ طوحتْ
به نيةٌ إذ* أنكرَ الضَّيمَ جانبُه
سأفجاُّ أجنادَ الطغاةِ بفيلقٍ
من العزمِ مَجْرٍ مردفاتٌ كتائبُه
يسيرُ به النَّصرُ الذي هو حزبُه
وينجدُه النَّصرُ الذي هو صاحبُهْ (9)
وأخيرا يحقق النبهاني حلمه بالانتصار على مناوئيه انتصارا ساحقا، ويصور صراعه مع الأعداء والمتحالفين ضده في صورة كلية استغرقتْ نصف القصيدة بعد نغمة الفخر الفردي والقبلي مسجلا لإحدى المعارك التي دارت بينه وبينهم وكانت معركة فاصلة، ويبدو أن النبهاني قد استرد بها ملكه على عمان، وينتظم الصراع أمثال هذه الصورة في خيط قصصي أقرب إلى طابع الحكاية:
ويوم غزوتُ عُمانَ وقد
رأتْ أنني ثمَّ لم أَنْصرِ
وأن المهيمنَ لي خاذلٌ
وأني على المُلكِ لم أقدرِ
وذلكَ ظنٌ وبعضُ الظنونِ
ذنوبٌ تُتاحُ فلم تُغْفَرِ (10) (27/3)
صفحة 268
ويستمر النبهاني يصف المعركة وصفا تسجيليا إلى نهايتها في صور حسية تنبض بالحركة مسجلا فتكه بالأعادي، ومهاجمته لهم كما يهاجم الأسد فريق عانه الحمر النافرة.
لقد خاض النبهاني معارك كثيرة ضدّ من يناوؤه على الحكم وتكاثر حوله الخصوم، لكن أصعب هذه المعارك ما دار بينه وبين شقيقه حسام بن سليمان منافسه على الحكم , الذي كثيرا ما كتب فيه القصائد مستعطفا بدماء الأخوة أن يتراجع عن حربه وقتاله، وهاهو يناديه في إحدى قصائده بأبي ناصر تلطفا وتعطفا , يقول النبهاني:
أبا ناصر ٍ لا تجهل الحرب َ إنها
لتقطيع ِ أسباب الإخا والمناسب ِ
أبا ناصر ٍ إن الحروبَ لصعبة ٌ
على راكب ٍ لم يَلق َ قِدْمًا لراكب ِ
ألمْ تنهكَ الحربُ التي سلفتْ لنا
بحبل الحديد يا كريمَ المناسبِ (11)
ويقول من قصيدة أخرى مفصلا ما دار بينهما من هول المعركة:
ألا ليتَ صَوْلةَ يوم ِ الحُبيل
وقد كشَرَ الموتُ عن نابِه (12)
وقد حذر النبهاني أخاه كثيرا وطلب منه مراعاة القربى لكنه لم ينصع له , وكانت النتيجة أن قتل النبهاني أخاه حساما في معركة الحبيل , فندم ندما شديدا ورثاه متوجعا , ومن أشهر تلك القصائد , قصيدته العينية التي يقول فيها:
لهفي عليك كلهف أم ٍّ برَّة ٍ
فقدتْ جنينا فهي ثكلى تنزع ُ
ضعضعتنا أسفا عليك ولم نكن
لولا رداكَ لنكبة ٍ نتضعضع ُ
قطعتْ يدي عمدا يدي وتوهمي ...
من قبل أنَّ يَدًا يَدًا لا تقطع ُ. (14)
وكانتْ بين النبهاني والأئمة حروب عديدة - كما أوضحتُ سابقا - حيث دارت بينه وبين الإمام عمر بن الخطاب معارك: أهمها واقعة (حممتْ) عام 886 هـ في وادي سمائل , وانتهتْ بانتصار الملك سليمان على الإمام , فجدد أنصار الامام البيعة مرة ثانية له فانتصر على النبهاني, وقضى في أموال أولاد سليمان بن مظفر بالمصادرة , فيما يعرف بحادثة التفريق , سنة 887 هـ. وبعد موت الإمام عمر بن الخطاب , خرج النبهاني على الإمام أبي الحسن بن عبد السلام ودارت بينهما معركة أسفرتْ عن رحيل الشاعر النبهاني إلى هرمز من أرض فارس , وظل هناك يعاني الغربة والوحدة وفي ذلك يقول:
دَعاني الهَوى العُذريُّ بالقسْمَ موهنا
لبرق ٍ تنشَّتْ من عمانَ سحائبهْ
فأرَّقني والخاليُ البال ِ هاجعٌ
فبِتُّ له حتى الصباحِ أراقبُهْ (15) (27/4)
صفحة 269
وعندما توفى الإمام أبو الحسن رجع النبهاني إلى عمان واستعاد الحكم.
ونلاحظ أن حياة النبهاني وشعره يشبهان إلى حدٍّ كبير حياة المعتمد بن عباد (ت/ 488 هـ) (16) وشعره، فكلاهما شاعر ملك فارس، خاضا الحروب من أجل الحفاظ على ملك ورثاه من الأجداد، ومهدد بالضياع.
ونتيجة لفروسية الشاعر يعد الفخر والغزل والفروسية والطرديات أهم الأغراض الشعرية التي تستوقفنا لدى النبهاني: فالفخر ضرورة حتمية للشاعر الفارس المقاتل فهو الركن الذي يلوذ به ضد الأعداء , ومن ثم كثرتْ الأنا والنحن في أشعاره فعلى سبيل المثال: يتكرر الضمير أنا تسع مرات , ويتكرر الضمير نحن ست مرات , في قصيدة واحدة , وتحمل مئات الأبيات في مطالعها هذين الضميرين، (فالأنا أثبات للذات , والنحن للمحافظة على القيم الجمعية للقوم والقبيلة) (17)
وقد فخر النبهاني بنفسه فخرا جعل كثيرا من الدارسين يشيرون إليه بأصابع الاتهام، ويرمونه بالنقص وبالعقد النفسية (18)
وكان موضوع الفخر الذاتي عند النبهاني هو الأخلاق العربية التي كان العربي يعتز بها، ولم يكن النبهاني بدعا عن غيره من شعراء الفخر فكلّ ما كان يفخر به النبهاني هو خلاصة المروءة العربية، ولكل أمة ميراث من القيم والمبادئ تفخر بها وتصاغ في ملاحم تمجد تلك القيم والبطولات. « ... والأخلاق والعادات تماشي عند كل أمة حاجاتها وصور معيشتها ومن ثم فقد كانت الأخلاق والعادات التي فخر بها العرب ثمرة حاجاتهم وصور معيشتهم، وقد فخروا بكرم العنصر، وقوة العصبية ومنعة الجانب والشجاعة والكرم والإباء والوفاء والمروءة، وما إلى ذلك مما كان شأنه عظيما عندهم» (19)
وفي هذه المبادئ والقيم يقول النبهاني:-
أنا منهلُ الشعراءِ هذا باكرٌ
غادٍ عليَّ وذاكَ عني رائحُ
سعدُ السُّعودِ* على العُفاةِ وأنني
لعلى طغاةِ القوم ِ سعدٌ ذابحُ*
وعلى العدوِ حمامُ موتٍ قاتلٍ
وعلى الصديقِ أبٌ شفيقٌ ناصحُ
بأسي تذلُ له الليوثُ وهمتي
يعنو لرتبتها السماكُ الرامحُ*
أعطي إذا شحَّ الغمامُ تفضلا
وأجودُ إنْ ضنَّ الجوادُ المانحُ0
وأنزهُ العرضَ المصونَ عن الردى
والذمِ إنَّ البخلَ عيبٌ فادحُ (20)
* نلاحظ: بوضوح ثقافة الشاعر في استخدامه لمصطلحات الفلك: سعد السعود، سعد ذابح، السِّماك الرامح، والسعود: عدة كواكب يقال لكل منها سعد كذا ومنها سعد الذابح، وسعد بلع وسعد الأخبية وسعد السعود وهو أحمدها، ولذا أضيف إليها، وهذه الأربعة من منازل القمر)
ويقول النبهاني مفتخرا بصيغة النحن الجمعية حيث يفتخر بقومه ونسبه وعزتهم ومكانتهم وتمكنهم:
نحنُ الملوكُ وأبناءُ الملوكِ ومن (27/5)
صفحة 270
سادوا ومن لهم في الأمرِ تقديمُ
نحن التبابعةُ الغُرُّ الأولي بذخوا
ومهدتْ بمغازيها الأقاليمُ
لنا تخرُّ ملوكُ الأرضِ ساجدةٍ*
ومعطسُ الخصمِ مجدوعٌ ومرغومُ (21)
* يتناص البيت الأخير مع قول عمرو بن كلثوم: إذا بلغ الفطامَ لنا رضيعا .. تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا) ومجدوع: مقطوع، مرغوم: غصبا عنه.
وقد أودع النبهاني فخره إعجابه بقومه مباهيا بمكارمهم معددا، مناقبهم، كما أودعه إعجابه بنفسه، واعتداده المفرط بها .. يقول:-
هل الناسُ إلا نحنُ أبناءَ يعربٍ
وهل سيدٌ إلا لنا وهو تابعُ
إذا نحن فاخرنا الملوكَ تخاذلوا
وهل يشبه الدرُّ الثمينُ اليرامعُ (22)
ويقول معددا مكارم قومه، مفتخرا بمناقبهم مقابلا شرف اليمن وعزها بخشونة عرب الشمال وسوء حالهم، موضحا انتسابه إلى حضارة عرب الجنوب ..
فهل مركزٌ حازَ الفخارُ كمركزي
وهل منبعٌ ضمَّ الفخارَ كمنبعي
فهل في الورى قومٌ كقومي إذا انتموا
بأشرفَ بيتٍ في يمانٍ ومرفعِ (23)
أما الغزل: فهو واحة الشاعر , خاصة الشاعر الفارس المحارب يستريح فيها و يبثُّ فيه عاطفته, ومن ثم يكثر الغزل لدى شعراء الفروسية بشكل عام , فها هو النبهاني يستخدم الغزل التقليدي أو التمهيدي ليصل منه إلى غاية أخرى، وهل للنبهاني الملك المتوج حاجات يريد قضاءها والجواب نعم ما دام النبهاني إنسانا يتصف بخصائص آدميته نعم ستظل دائما «في النفس حاجات».
إن شاعرا ملكا كالنبهاني يستخدم هذا الغزل من وجهة نظري وسيلة يمهد بها لأهدافه التي تختلف عن أهداف الستالي والكيذاوي مثلا، فهو ينشد تثبيت ملكه والإعلام عن مدى قوته وجدارته للحكم. خاصة ونحن نعلم أن فترة حكمه كانت فترة حروب وفتن داخلية وخارجية- لذا فقد كان النبهاني ينتقل مباشرة من الغزل إلى الفخر الشديد بنفسه شجاعة، كرماً، مروءة، نسبا، علما، ... .الخ أو الفخر بقومه، ومن هنا ارتكزت التجربة الشعرية لدى النبهاني على الصراع الذي استغل غرض الفخر لتجسيده.
وقد ساندتْ الأغراض الشعرية التي يحتاجها النبهاني محور الفخر ودعمته، ومن ثم تبلورتْ رؤية النبهاني الشعرية في تجربة الشاعر الفارس، واصطبغتْ تجربته بصبغة الفروسية الحقة، وبأبعادها الإنسانية النبيلة.
يقول النبهاني في إحدى مقدماته متغزلا بحبيبة تسمى موذيه:-
دمعٌ يرقرقُ في الخدو
دِ أرقتُ ثَمَّتَ ما اكتفيتُ (27/6)
صفحة 271
لولاكِ مؤذيةَ* النفو
سِ لما غضبتُ ولا صبوتُ
لا تبخلي ذاتَ الدلا
لِ عليَّ منكِ بما رجوتُ
لو أشربُ السلوانَ عن
ذكراكِ «موذي» ما سلوتُ
لولا التعلل ِباللقا
والوصلِ منكِ أسىً قضيتُ
ما لي وللبينِ المشتِّ
وما الذي فيه جنيتُ
يا بينُ حسبكَ أنني
كلَّ المكارمِ قد أتيتُ
بأسي تذلُ له الأسودُ
ولي على النسرينِ بيتُ (24)
ويستطرد في الفخر إلى نهاية القصيدة، فالقصيدة تتكون من غرضين غزل ثم فخر يسند ذلك الغزل، وغزل يغذي الفخر على نفس النهج الذي ينتهجه شعراء الفروسية.
وقد أعتاد النبهاني أن يستخدم هذا النوع من الغزل للغرض الذي ذكرته سابقا حيث يبتدئ الشاعر القصيدة هينا، لينا غزلا متغزلا، قبل أن يشنَّ هجومه العنيف على أعدائه، وقبل أن يبلغهم الرسالة التي يريد توصيلها إليهم، إنه يستخدم أسلوبا أقرب إلى الأسلوب الإعلامي المعاصر حيث يقدم الدعاية اللازمة لبيان مزايا حكمه السياسي، واقتداره على تسيير دفة الأمور ثم يشنّ حربا إعلامية باردة شكلا، عظيمة الفوران والعنف مضمونا.
يقول النبهاني متغزلا بمكتومة:-
للهِ أيامُنا ما كان* أحسنها
فيها وللِهو إيرادٌ وإصدارُ
أيامَ مكتومةٌ لم يثنها عَذَلٌ
عني ولم يغشَ صفو العيش أكدارُ
خودٌ حِصًانٌ رداحٌ لا يلمُّ بها
عابٌ يقالُ ولم يعلقْ بها عارُ
يا أيُها الراكبُ المُزْجي مطيَّته
به تقاذَفُ أوعارٌ فأوعارُ (27/7)
صفحة 272
أبلغْ لديكََ ملوكَ الأرضِ مالكةٌ
قد صاغَها قائلٌ بالصدقِ فخَّارُ
مُتَوَّجٌ من بني هُودَ النبيِّ له
أباءُ صدقٍ أقاموا المُلكَ أطهارُ
إني نذيرٌ لكم مني مجاهرةٌ
ولا يلامُ فتى يهديه إنذارُ
لابُدَّ أن أتركَ الأقيالَ ثاويةً
صَرْعى لها جارحاتُ الطيرِ زوَّارُ
أين المفرُّ لكم من ضيغمٍ حكمتْ
في لحمكم منه أنيابٌ وأظفارُ (25)
ويستمر النبهاني هادرا محذرا مزمجرا على أعدائه مفتخرا بنفسه وعشيرته إلى نهاية القصيدة.
والنبهاني كغيره من شعراء الفروسية شاعر غزل يجيد التغزل لينفث فيه ما تمور فيه أعماقه من هموم ويرى النبهاني نفسه أنه مرجع العشاق وأهل الهوى ... يقول:
أنا العاشقُ الصبُ المتيَّمُ في الهوى ... وهل عاشقٌ إلا لعشقيَ راجعُ (26)
يتمثل هذا الغرض الشعري بوضوح في شعر النبهاني، وعادة ما يرتبط لديه بوحدة الموضوع، فغزل التجربة يولِّد حرارة العاطفة وحدتها مما يجعل النبهاني مستلبا استلابا تاما، مأخوذا بحرارة الموقف وواقعا في أسر التجربة لا يستطيع فكاكا، ولا يستطيع طرق شعاب أخرى إنه في هذا النوع من القصائد يتخلص من نمطية هيكل البناء الجاهلي للقصيدة ويختصر المسافة بالوصول المباشر، دون التوقف في محطات التهيئة فنجده، لا يعباً بالوقفة على الطلل يبكي ويستبكي .. بل يهجم مباشرة على غرضه يحثه صدق الشعور ويؤججه جيشان العاطفة وفي الديوان كثير من القصائد التي يعتبر الغزل موضوعها الوحيد. ومن هذه القصائد قصائده في راية، وقد سجل الشيخ نور الدين السالمي إعجابه بقصيدة النبهاني الرائية في تحفة الأعيان وقال عنها:
(أنها تزاحم المعلقات السبع بلاغة وتزيد عليها عذوبة ورشاقة) (27)
ومن هذه القصيدة يقول النبهاني:
وفيهن بيضاءُ المجرَّدِ طَفلةٌ
لطيفةُ طيِّ الكشحِ ريا المؤزّر ِ
عقيلةُ بيض ٍ من خرائد يَعربِ
حللنَ السَّنامَ الضخم َ من متن ِ حميرِ (28)
وراية أشهر حبيبات النبهاني ولها النصيب الأوفر من غزلياته , ودارت حولها حكايات أقرب للأساطير (29) وفيها يقول:
لرايةَ وجه ٌ يكسفُ الشمسَ والبدرا
ولدنُ قوام ٍ يُخجلُ الصعدة َ السمرا
وثغرٌ كممطورِ الأقاحِيِّ واضحٌ (27/8)
صفحة 273
وسلسالُ ريقٍ يفضحُ الشهدَ والخمرا
وجيدٌ كجيدِ الريمِ حالٍ مطوقٍ
يزينُ الجمانَ واليواقيتَ والشذرا
إذا نظرتْ أصمتْ قلوبًا وإن مشتْ
مشى الشوقُ في أحشاءِ عاشقها جهرا (30)
وراية هذه كما ذكر بعض المؤرخين، ربما كانت زوجة الشاعر. إلا أن المحقق التنوخي استبعد هذا يقول: «ويتغزل النبهاني بأوصاف الغواني ولاسيما خليلته أو زوجته المحبوبة راية التي ذكرها في أكثر قصائده، وشعره لا يشعر بأنها زوجة كما ترى في ترجمته» (31) ورفض التنوخي هذا مستند إلى استبعاد أن يتغزل شاعر بزوجته ويصرح بهذا على الملأ، ولست أرى ما يمنع ذلك فتراثنا العربي يحفل بذكر أسماء شعراء تغزلوا بزوجاتهم وذكروا محاسنهم (32) ومن هؤلاء شبيهه في التجربة الشاعر الملك الفارس المعتمد بن عباد الذي قال الكثير من قصائده متغزلا في زوجته المحبوبة.
يقول النبهاني في قصيدة اخرى مقسما بجمال وجه رايه ومبينا فروسيته وكرمه ومروءته:
يا رايُ قد- وجمال وجهك حِلْفَةً
أيقظتِ راقدَ كلِّ حزنٍ كامنِ
يا رايُ لستُ بناكلٍ *هيَّابةٍ
يومَ الهياجِ ولا الجبانِ الواهنِ
إِني وحقكِ أمنُ قلبٍ خائفٍ
أَلفَ الهمومَ وخوفُ قلبِ الآمنِ
أنا سعدُ كلِّ مسالمٍ بل نحسُ كلِّ
مصارمٍ بل حتفُ كلِّ مشاحنِ
فمنازلُ المُهدي المديح منازلي
وخزائنُ العافي الفقيرِ خزائني
يلقى المعزةَ والغنيمةَ سائلي
فضلاً كما يلقي الحِمَامَ مطاعني
كتبَ الإلهُ على ذُبابِ مهندي
أنتَ الحِمامُ وفيكَ حينُ الحائنِ (33)
(وإذا أنصفنا الشاعر جازَّ لنا أن نتساءل ما الفرق بين هذا النمط من الغزل وغزل قصائد الفروسية والفرسان في الشعر العربي؟ حتى لينسب أغلب الدارسين النبهاني إلى شعراء المجون واللهو والغزل الفاضح؟
ولست أوافق د. علي عبد الخالق فيما ذهب إليه من أن النبهاني يمثل اتجاه النزعة التقليدية في الغزل والمجون ووصف مجالس الشرب «فشعره تعبير صادق عن ملذاته، ونمط حياته، وهي ذاتية ملك شاعر تماما كما كان الشأن في «امرئ القيس» الملك الضليل، فالنبهاني هو الملك العربيد وقد دفعه إلى ذلك حياة الترف، واللهو والغنى والملك التي عاشها «.
ثم يقول ... . «وشعر النبهاني أصدق مثال للغزل الفاضح واللهو والمجون وغلب عليه التأثر بأمرئ القيس في طريقة العيش وأسلوب التفكير» (43) (27/9)
صفحة 274
ولا أتفق مع د. شكري بركات فيما ذهب إليه أيضا عندما تحدث عن العوامل التي أثرت في اتجاهات الغزل عند الشاعر النبهاني إذ يقول بعد أن يعدد صاحبات الشاعر «هو كعمر بن أبي ربيعة مطلوب من المرأة ليس طالبا لها ففي الأبيات شبهة نرجسية، وراية صاحبة الشاعر الأولى التي نالتْ الحظ الأكبر مما نظم، وبين هذه العربدة المستمرة يصحو ضمير الشاعر ... » الخ (53) ولست أدرى لماذا نصرُّ على أن نجد شبها لكل شاعر متأخر ممن سبقه مع أن هذه لا تعدّ ميزة للشاعر، إنني لن أميز النبهاني إذا ما شبهته بشاعر جيد حتى وإن كان هذا الشاعر مبدعا، أو أميرا للشعراء- كما أطلقوا عليه- كأمرئ القيس أو عمر بن أبي ربيعة.
إن القصيدتين اللتين علق عليهما علي عبدالخالق وشكري بركات وشبه الأول النبهاني بامرئ القيس وشبه الثاني الشاعر بعمر بن أبى ربيعة هما من قصائده التي حاكى فيها معلقة أمرئ القيس ورائية عمر الشهيرة، والنبهاني شاعر احتذى وحاكى قصائد عديدة من التراث (63) وهو حينما يحتذي لا ينكر ذلك التقليد والاحتذاء، بل يتعمد توضيح ذلك، ولذا فهو لا يحاكي القافية والبحر فقط، وإنما ينقلنا إلى مناخ القصيدة، بظروفها وملابساتها ... ويكتفي هو بإعادة صياغتها بلغته الشاعرية الجيدة وبأسلوبه المتميز ... ولعل مبالغة النبهاني في نقل تجربة أمرئ القيس وتجربة عمر بن أبي ربيعة كما هي، قد أوقعت الباحثين في اللبس. إنه باختصار يعيد لنا تجربة الشاعرين بأسلوبه هو، وليس تلك تجربته الذاتية وإنما هو محتذى لتجربتين يراهما قدمتا للشعر العربي نموذجا فنيا جيدا من نماذج الغزل، أيا كانت نوعية ذلك الغزل وقبولنا أو رفضنا له من حيث الصدق الواقعي أو من حيث الانطباع الخلقي .. إذ يكفيه ما يتسم به من جمال الصدق الفني والإجادة في رأي النبهاني مما جعله في نظره صالحا للاحتذاء والمحاكاة. والسؤال الذي يراودني ما مدى صحة القول المكثف حول عربدة الشاعر ومجونه، وانغماسه في اللهو؟ - وهذا ما أجمع عليه معظم دارسي شعر النبهاني (73) - في ظل ظروف الفتن والحروب المستعرة التي تحدق بالشاعر وتهدد حكمه؟.
يبدو لي أن الأمر يحتاج منا إلى وقفة للمراجعة.
وبينما يرى د. محمد غنيمي هلال «بأنه ليس هناك شاعر شعره حسي كله أو عذري كله» (83) يرى نزار العاني أن «خصائص الشعر العذري نجدها بحذافيرها داخل شعر النبهاني، مما يسمح بإضفاء سمة العذرية على شعره وعليه» (93)
وحينما نراه متأرجحا بين هذا وذاك، فإن هذا مردّه إلى «إن الشاعر يضع قدما في عالم العذرية، وينقل قدمه الأخرى إلى أرض العلاقات المحسوسة مندفعا وراء أمانيه بالوصال» (40).
وعندما يقول النبهاني:
بأبي ظعائنَ من ربيعةِ عامرٍ
غُرٍّ كواعبُ كالبدورِ ملائحُ
يَبْسِمْنَ عن حُوَّ المراكزِ وضُّحِ
تيهًا كما ابتسم الغمامُ الرائحُ
حاوْلتُهنَّ فما أبينَ وإنما
كفَّ العفافُ يدي وعقلي الرَّاجحُ (41)
فإنه يؤكد لنا أن الشاعر لا يبتعد كثيرا عما نلمسه من خصائص عذرية لدى الشعراء العذريين.
لكن النبهاني رغم هذه الرقة في غزله وهذا اللين مع المحبوبة، شديد عصي على الخصوم، وهذه إحدى صفات الشاعر الفارس، فقد خاض النبهاني معارك كثيرة وخبر ميدان القتال وأحرز من الانتصارات على مناهضي حكمه الكثير فهبّ يترنم بوقائعه، وتمرسه بالشدة والصلابة في مجابهة الأخطار، يقول:
وربيبِ سلطنةٍ أطرتُ فراخَه*
بالسيفِ والبيضِ الصوارمِ تلمعُ
ساورتُه في النقعِ ثم علوتُه (27/10)
صفحة 275
بمصممٍ يفري الحديدَ ويقطعُ
فهوى لحرِّ جبينِه متمطرًا
كالعيرِ يفحصُ في الثرى ويُبَّوعُ
فتركتُه تحت العجاجِ مجندلاً
تكسوه بالمورِ* الرياحُ الأربعُ
مهلا طواغيتَ الملوكِ فإنني
كالموتِ ليس له لعمريَ مدفعُ (42)
ويمتلئ الديوان بقصائد تصف المعارك الحربية الكثيرة التي خاضها الشاعر , والنبهاني يتوكأ في فخره على مفاخر قدامى العرب من مثل عمرو بن كلثوم والمهلهل، فيكثر من ذكر أسماء الرجال، ومواقع القتال ويجيد وصف القتال ويطيل فيه، وهو صادق العاطفة مندفع الحماسة، قوي الوصف، دقيق التصوير .. يقول:
فأقبلتهم وجهي وقد مالَ جمعُهم
عليَّ وعزمي لم تُمته العظائمُ
أنثِّرهم فوق «الحُبَيْلِ» (43) ودونه
كما انتثرتْ من صُرَّتيها الدراهمُ
بضربٍ يبينُ الهامَ عن مستقرها
وتنأى عن الاكتافِ منه المعاصمُ
وطعنٍ كأفواهِ المزادِ تحلَّلَتْ
وقد أُترعتْ بالماءِ منها المحازمُ
فكلُّوا وملُّوا وإبذعرُّوا وأوجفوا
فراراً كما فرتْ لعمري النعائمُ (44)
أخذ النبهاني هذا المعنى من قول المتنبي:
نثرتُهم فوق الأحيدبِ نثرة ً
كما نُثِرتْ فوق العروسِ الدراهمُ
ونلاحظ أن تشبيه النبهاني هنا أفضل وذلك نظرا لعدم توافق الوقع النفسي لطرفي الصورة عند المتنبي. كما أن النبهاني قد جعل فعل النثر فعلا لا إراديا، فالدراهم انتثرتْ هنا دون إرادة الفاعل لنثرها، وهذا أوقع بالنسبة للنقود، وكذلك القتلى نثرهم النبهاني دون إرادتهم، بل غصبا عنهم إثر الإنهزام.
ويرى عبد القاهر الجرجاني النثر في الأشياء وليس في الأجسام الثقيلة، يبين: يفارق، المزاد: القرب، المزادة القربة الكبيرة تجمع على مزاد أي تخرج الدماء من الأجساد المطعونة كأمواه القرب، المحازم: الجوانب حيث وضع الحزام، أبذعروا: تشتتوا وخروا، أوجفوا: يسرعوا فارين كالنعام،
والحق أن هذه الأبيات يعبر كل ما فيها عن الحرب، صورها، ألفاظها، معانيها، موسيقاها. والعاطفة التي تنبعث منها، ولأن النبهاني محارب يخوض معمعة المعركة، لذا نراه يلتقط المناظر وينقلها لنا بصورة واضحة معتمدا على حاسة (27/11)
صفحة 276
البصر في تصويره وتظهر صورة المرئيات واضحة ويكاد يصور لنا المعركة بجزئياتها وتفصيلاتها تصويرا واقعيا غير متخيل. يقول:-
فلبستُ لامتي* المفاضةَ واثقاً
بالظاهرِ المحيي المميتِ الباطنِ
وركبتُ «جفلةَ» والرماحُ شوارعٌ
والخيل بين تضارب وتطاعن
والشوسُ تهتفُ بالرجالِ حماسةً
والجوُّ مدرعٌ بنقعٍ شاحنِ*
فسقيتُ أولهم بكأسٍ مُرةٍ
من حرِّ موتٍ في سناني كامنِ
فطعنتُه فهوى لحرِّ جبينِه
متسربلاً بنجيعِ جوفٍ ساخنِ
فتضعضعتْ عني الفوارسُ إذ رأتْ
حملاتِ حيدرَ في غزاةِ هوازنِ
ورجعتُ بالقرنِ الخشيبِ مُثلَّماً
ودمٍ على ثوبيَّ هامٍ هاتنِ (45)
وهكذا صور لنا الشاعر - الصور نشطة متحركة تنبض بالحياة وتقترب من الواقع المصور وتبتعد عن الجمود والتوقف ... وقامت حروف العطف الواو والفاء بدور الربط للصور الجزئية مكونة لوحة كلية لما دار في المعركة.
ولأن النبهاني - كما ذكرتُ- فارس يخوض غمار المعركة، فهو يبدع في وصف عدة الحروب من أدوات حرب، وخيول، وإبل، ولأن الفرس هى عدة الفارس الرئيسية لذلك نرى النبهاني قد خصَّ الخيل بقصائد متعددة، كما تعددت أسماء خيوله، فمنها فرسه الشهير جفلة، وقد ذكرها في قصيدة من أكثر قصائده عاطفة وصدقا، وقد قالها وهو على فراش المرض، ويبدو أنها قيلت في آخر أيام الشاعر:-
سئمتُ اضطجاعي فوق متنِ حشيتي
وقد ملَّ جسمي يا ابنةَ القومِ مضجعي
ألا قدِّمي لي يا ابنةَ القوم ِلامتي
وسيفي ورمحي ذا السنانِ المردَّعِ
وقولي لعبدي كي يبيِّتَ «جفلة» َ
فقد آن أن أرمي الطغاةَ بمفجعِ
فإن أبلَ أوصاباً * فلم تَبْلَ همتي
ولم يُثْنَ عزمي عن مرامي ومطمعي (46) (27/12)
صفحة 277
وكما ذكر النبهاني فرسه جفلة في قصائد متعددة، خصص لفرسه الغراب أكثر من قصيدة، يقول في إحداها:-
إن السَّوابقَ كلَّها
يقصُرنَ عن جري الغُراب ْ
قد سُسْتُه فَلوًا وقُ
لتُ له أسبق ِ الجُرْد َ العِراب ْ
صافي الأديم ِ كأنما
يجري بمتْنيه ِ السَّرابْ (47)
وقد خصص النبهانى قصائد بأكملها لوصف الخيل ومدى حبه لها، منها هذه القصيدة:-
الخيلُ أفضلُ ما يجبى ويُصطنعُ
وخيرُ مالٍ به في البأسِ يُنتفعُ
هنَّ المعاقلُ إلا أنها سفنٌ
تنجو براكبها إن خامَر الفَزَعُ
الخيلُ أنجحُ ماشنَّ المغارُ بهِ
أهلُ الحِفاظِ وخطِّىُ القنا شرعُ (48)
المعاقل: الحصون، أهل الحفاظ: أي المحافظة على العرض والحرم.
ويقول من قصيدة أخرى خصصت كلها للخيل وراسما صورة فنية مجسدة الملامح والتفاصيل، واصفا ألوانها وعلامات الأصالة فيها وأنسابها وجمالها وتناسقها:
هيفاءُ لا رَوَحٌ فيها ولا صَككُ
كلا ولا فضضٌ فيها ولا ضَلَع ُ
جلَّتْ ودقَّت ْ ورقَّت ْ واستوتْ ودنت ْ
وابذوذ َخَتْ فتكافا خلقها البدع ُ
فالرأسُ مرتفعٌ والصدرُ متسع ٌ
والصُّلبُ متَّضع ٌ والخَلقُ مجتمعُ
كأنَّ مقلتَها قد أولجتْ نبأ ً
في أذنها فهي تستقصي وتستمعُ (49)
وتكتمل فروسية النبهاني بالطرديات فهو يكثر في شعره من الطراد والقنص ووصف رحلة الصيد , وله قصائد عديدة في ذلك , من أجملها تلك القصيدة الطويلة ذات النفس القصصي الملحمي , والتي تصف الصياد وكلابه وثور البقر الوحشي وصفا تصويريا متحركا , ينم على مقدرة الشاعر اللغوية والبيانية التصويرية. وهو من خلال تلك الصورة يجسد نفسه مطاردا لأعدائه ومنتصرا عليهم.
يسعى بخمسةِ أكلبٍ (27/13)
صفحة 278
غُضفٍ مهرَّتةٍ ظئامِ
فنجا الشبوبُ وثبَّتهـ
ـنَّ عليه بث الانتقامِ
فانصبَّ ينسلبُ انسلا
بَ الظبي فزِّع بالزحامِ (50)
الخلاصة: أن النبهاني: شاعر الفروسية الحقة، وقد أتهم ظلما بأنه شاعر المجون والعبث واللهو والغزل الفاضح من قبل أعدائه ومناوئيه، وكرر ذلك المؤرخون العمانيون ومن تابعهم من الدارسين، وأنى لمثله أن يعبث ويلهو!! والخصوم والمطامع بملكه تهدده، وتحيط به من كل صوب.
الهوامش:
* يوجد في عبارة (ريم كريم ألاعبه) جناس ناقص.
(وحبل الحديد أو الحبيل مرتفع بين منح وبلدان العوامر شرقي نزوى بها وقعت معركة بين الأخوين , وقيل أن الحبيل موضع فلج قديم شرقي منح) (13)
* مؤذية النفوس: نلاحظ دلالات الاسم، النسرين: نجم عال.
* (ما كان أحسنها: كان زائدة بين ما التعجبية وفعل التعجب، خود: شابة ناعمة، مالكة: رسالة) وعلينا أن نلاحظ دلالات الأسماء المتغزل بها باستثناء راية، مثل مؤذية النفوس، ومكتومة. فالنبهاني يكني بمؤذية النفوس عن أخيه الذي أحبه أشد الحب لكن الأخ آذى نفسية أخيه الملك النبهاني، ويرمز بمكتومة عن صرخته المكتومة داخله فكيف يشكو والأذى منه لنفسه ألم يقل: (قطعت يدي عمدا يدي) كناية عن مقتله لأخيه حسام.
* الصعدة الرمح، الشذرا: شذور الذهب.
* الناكل: الجبان المتراجع يوم الهياج، إني وحقك أمن ... إلخ في هذا البيت من فن البديع ما يسمونه ب (العكس والتبديل) كقوله تعالى: يخرجُ الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، العافي: كل طالب فضل أو رزق، ذباب مهندي: أي حدّ سيفي، حين الحائن: هلاك الهالك)
* فراخه: دماغه، البيض: الخوذة، ساورته: ساور سوارا ومساورة: ثار وواثبه أو وثب عليه، لحر جبينه: أكرم موضع في الوجه، متمطرا: ساقطا بشدة تصوب المطر، وتمطَّر الرجل: أطرق وعرق جبينه، يفحص: قَلَبَهُ وكشفه أي يحفر ويبحش برجله، يبوع: يحرك باعه ويديه ويتمدد. المؤر: التراب المائر المتردد في الهواء)
* لامتي دروعي الحربية، جفلة: اسم فرس الشاعر، الرماح شوارع: ممتدة، الشوس: جمع أشوس وهو الناظر بمؤخرة العين تغيظا، مدَّرع: لبس وتدرع بدرع ثخين من الغبار وفي البيت تناص مع قول بشار بن برد: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا/ وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه.
* الأوصاب: الأطراف، الأجزاء.
المصادر والمراجع:
1 - الحارثي / د. عبد الله الحارثي - بنو نبهان في عمان والأوضاع الاقتصادية في عصرهم، رسالة ماجستير إشراف أ. د. سعيد عبد الفتاح عاشور - كلية الآداب / جامعه القاهرة سنه 1990 م - الخاتمة ص 234.
2 - الراجكوتي / تحقيق عبد العزيز الميمني / نسب عدنان وقحطان - الدوحة، سنة 1404هـ ص 33.
كذلك انظر: العوتبي، سلمة بن مسلم، الأنساب - إصدارات وزارة التراث القومي و الثقافة، مسقط سنة 1984م، ج2، ص 117 - 120. 3 - النبهاني، ديوان السلطان سليمان بن سليمان، تحقيق التنوخي، ط1، المطبعة العمومية، دمشق، 1965. المقدمة ص13. (27/14)
صفحة 279
4 - الصقلاوي، سعيد بن محمد بن سالم , شعراء عمانيون، ط1، مطابع النهضة، مسقط 1412 هـ - 1992 م، ص 181.
5 - ديوان النبهاني، ص139.
6 - النبهاني- الديوان ص 325.
7 - ديوان النبهاني، ص 320
8 - ديوان النبهاني، ص 64
(*) وردتْ في الديوان رب غسان، وإذا أنكر الضيم ... ولعل الصواب ما صوبناه أعلاه، وهو ما يتناسب مع المعنى ومع تفعيله العروض.
9 - ديوان النبهاني، ص 66
10 - ديوان النبهاني، ص126
11 - النبهاني ص 56
12 - المصدر السابق ص 58
13 - المصدر السابق هامش الديوان لعز الدين التنوخي ص 56
14 - ديوان النبهاني ص 178
15 - المصدر السابق ص 63
16 - المقري: أحمد بن محمد المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، 1408 هـ / 1988 م، ج1، المقدمة
17 - العاني: د. نزار , النبهاني بين الإتباع والابتداع , ط1، المنتدى الأدبي , وزارة التراث القومي والثقافة , مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة , مسقط 1413 ه - 1993 م , ص50
18 - انظر: بركات: د. شكري/ شعر سليمان النبهاني العماني، دراسة موضوعية وفنية، كلية الآداب، القاهرة سنة 1991م. رسالة دكتوراه (حيث ذكر في المقدمة « ... النبهاني في فخره يميل إلى النرجسية، فحب الذات نراه قد استولى على شاعرنا بشكل كبير».
19 - الفاخوري: حنا، الفخر والحماسة، دار المعارف- ص9.
20 - ديوان النبهاني ص 92
ديوان النبهاني ص 319 - 21
المصدر السابق ص 185 - 22
23 - المصدر السابق ص 176
ص 68. 24 - ديوان النبهاني،
25 - ديوان النبهاني، ص137
26 - ديوان النبهاني ص 187
27 - السالمي، الشيخ نور الدين عبدالله بن حميد , مكتبة الاستقامة , مسقط ج1 ص 377 (27/15)
صفحة 280
28 - ديوان النبهاني ص 142
29 - النبهاني - الديوان، انظر مقدمة الديوان للمحقق عز الدين التنوخي، الطبعة الأولى.
30 - المصدر السابق ص 148.
(31) ديوان النبهاني- مقدمة الديوان ص21.
(32) انظر: الحوفي د. أحمد محمد، الغزل في العصر الجاهلي، ص20.
33 - ديوان النبهاني- ص341، 343.
34 - عبدالخالق: د. علي عبدالخالق على، الشعر العماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية، دار المعارف 1984م ص31.
35 - شعر سليمان النبهاني العماني .. رسالة دكتوراه
36 - انظر معارضة النبهاني لأبي العلاء المعري والتصرف الفني عنده، د. أحمد درويش/ مدخل لدراسة الأدب في عمان- ص130.
37 - * كل من كتب عن النبهاني من العمانيين أو غيرهم من الباحثين- أشار إلى مجونه وفحشه في الغزل وربطوا بينه وبين امرئ القيس ولم يشذّ عن هؤلاء سوى محقق الديوان التنوخي في مقدمته، ونزار العاني في دراسته.
38 - هلال: د. محمد غنيمي، ليلى والمجنون في الأدبين العربي والفارسي.
دراسات نقد ومقارنة في الحب العذري والحب الصوفي، من مسائل الأدب المقارن- لم يذكر رقم الطبعة، دار العودة بيروت، سنة 1980م، ص19.
39 - النبهاني بين الاتباع والابتداع، ص84.
40 - المصدر السابق، ص85.
41 - ديوان النبهاني، ص91.
42 - ديوان النبهاني، ص172
43 - * الحبيل: اسم موضع دارتْ فيه المعركة بينه وبين أخيه حسام.
44 - ديوان النبهاني، ص324، 325.
45 - ديوان النبهاني- ص344، 345.
46 - النبهاني- ديوان النبهاني - ص174.
47 - ديوان النبهاني، ص 61، 62
48 - المصدر السابق ص165، 166.
49 - المصدر السابق، ص 166، 167
50 - ديوان النبهاني، ص 302
------ (27/16)
صفحة 281
سعيدة خاطر الفارسي
شاركها (27/17)
صفحة 282
عنوان المقال: سلطنة عمان حضارة تحفظ الهوية وتستند إلى التاريخ
الكاتب: ريميال نعمة
https://assafir.com/Article/391891
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015 - 06 - 04 على الصفحة رقم 21 - السفير الاغترابي-سلطنة عمان
عُرفت عُمان في المراحل التاريخية المختلفة بأكثر من اسم. ومن أبرز أسمائها "مجان" و"مزون". وقد ارتبط اسم "مجان" بما اشتهرت به من صناعة السفن وصهر النحاس حسب لغة السومرين. أما اسم "مزون" فإنه ارتبط بوفرة الموارد المائية في فترات تاريخية سابقة. وكلمة "مزون" مشتقة من كلمة "المزن"، وهي السحاب والماء الغزير المتدفق .. وبالنسبة لاسم (عُمان) فإنه ورد في هجرة القبائل العربية من مكان يطلق عليه عُمان في اليمن .. كما قيل إنها سميت بـ"عُمان" نسبة إلى عُمان بن إبراهيم الخليل. وقيل كذلك إنها سميت بهذا الاسم نسبة إلى عُمان بن سبأ بن يغثان بن إبراهيم.
تقع سلطنة عمان في أقصى الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتطل على ساحل يتمد أكثر من 3165 كيلو متراً، يبدأ من أقصى الجنوب الشرقي حيث بحر العرب ومدخل المحيط الهندي، الى خليج عمان حتى ينتهي عند مسندم شمالاً، ليطل على مضيق هرمز مدخل الخليج العربي. ومن هذا الموقع تسيطر سلطنة عمان على أقدم وأهم الطرق التجارية البحرية في العالم، وهو الطريق البحري بين الخليج العربي والمحيط الهندي. وترتبط حدود عمان مع جمهورية اليمن من الجنوب الغربي، ومع المملكة العربية السعودية غرباً، ودولة الإمارات العربية المتحدة شمالاً.
اعتنق العمانيون الإسلام، ولعبوا دوراً كبيراً في التاريخ الإسلامي على مستوياته كافة الفقهية والميدانية والدعوية، وقد ساعدهم بذلك نجاحهم في الأنشطة التجارية والملاحة البحرية الواسعة في منطقة البحيرات العظمى في أفريقيا والشرق الأقصى.
عرفوا بكونهم "أهل الحق والاستقامة"، وهو التوصيف الذي يعطي "للإباضية" كأحد المذاهب الاسلامية المعروف اصلا "بأهل الدعوة"، وتنسب التسمية الى عبد الله بن أباض التميمي بينما يُنسب المذهب الى جابر بن زيد التابعي.
استمر حكم أئمة الإباضية حتى الاحتلال البرتغالي لعمان عام 1507م والذي استمر حتى عام 1624م، وهي الفترة التي سُميت بالعصور المظلمة في عُمان. ثم انتقل الحكم عام 1624م إلى اليعاربة بعد أن تم لهم طرد المستعمر البرتغالي، وعادت عمان للمذهب الإباضي مرة أخرى تحت قيادة الإمام ناصر بن مرشد الذي وحَّد الصفوف، واتجه لمقاومة البرتغاليين، واستفاد من تعاون الإنكليز والفرس ضد البرتغاليين. تميز حكم اليعاربة بامتلاك جيش قوي وأسطول ضخم، كما شيدوا القلاع والحصون، وأعادوا تعمير ما دمره المستعمر خلال فترات المقاومة.
تولى آل بوسعيد حكم عمان عام 1154هـ- 1741م. ويعود تاريخ بوسعيد إلى أحمد بن سعيد، الذي عين مستشارًا لسيف بن سلطان، آخر من حكم عمان من اليعاربة، فلما رأى اضطراب الأمور في البلاد وضعف الحاكم سيف بن سلطان وتفتت البلاد في عهده، عمل على توحيد الصفوف، وقضى على القوات الفارسية الموجودة في البلاد، وعلى إثر ذلك بويع إمامًا للبلاد، وتوالى الأئمة من آل بوسعيد حتى آل الأمر الآن للسلطان قابوس بن سعيد الذي شهدت عمان في عهده نهضة عمرانية واسعة. وكان استمرار آل بوسعيد في الحكم لمدة قرنين ونصف القرن، قد قدم دفعة قوية لدعم الوحدة العمانية خاصة في مراحل محددة بلغت ذروتها في عهد السيد سعيد بن سلطان (1804 - 1856م)، ثم في عهد السلطان قابوس بن سعيد باني نهضة عمان الحديثة.
تنتهج عمان منذ عام 1970 سياسة خارجية معتدلة وتوسعت علاقاتها الديبلوماسية بشكل كبير. وعمان هي من بين الدول العربية القليلة جداً التي حافظت على علاقات ودية مع إيران.
تمتلك سلطنة عمان العديد من المواقع الأثرية الكبيرة ليس فقط بالنسبة للتاريخ والحضارة العمانية، ولكن أيضاً بالنسبة للتراث والحضارة الإنسانية، وبالتالي تم تسجيل العديد من المواقع الأثرية العمانية ضمن قائمة التراث العالمي. وتحرص سلطنة عمان على الحفاظ على المواقع الأثرية وصيانتها وتسيير سبل زيارتها وتوفير التسهيلات اللازمة لذلك عن طريق وزارة تعنى بالتراث والثقافة، ويجري قسم الآثار في جامعة السلطان قابوس العديد من المسوحات بالتعاون مع العديد من البعثات الأوروبية والأميركية المتخصصة في الآثار. وتشغل سلطنة عمان عضوية لجنة التراث العالمي في منظمة اليونسكو. ولنجاح الجهود التي بذلتها الحكومة في صيانة حصن بهلاء فقد قررت لجنة التراث العالمي رفع اسم الحصن (28/1)
صفحة 283
من قائمة المواقع المعرضة للخطر ضمن مجموعة التراث العالمي. ومن أهم المواقع الأثرية العمانية: موقع رأس الحمراء، وادي دوكة، موقع شصر/وبار الأثري، موقع خور روري، مدينة البليد التاريخية، موقع السويح، موقع رأس الجنز، موقع رأس الحد، موقع وادي شاب، موقع عين حمران. كما تنتشر العديد من القلاع والحصون والأبراج والأسوار والبيوت والمساجد الأثرية في مختلف مناطق وولايات عمان، وهي تحكي قصة الحضارة والتاريخ العماني العريق، حيث يتجاوز عدد القلاع والحصون في سلطنة عمان 500 قلعة وحصن وبيت أثري.
اضافة الى النفط، تختزن عمان موارد معدنية تشمل الكروميت، والدولوميت، والزنك، والحجر الجيري والجبس والسليكون والنحاس والذهب والكوبالت والحديد. وقد نمت العديد من الصناعات كجزء من عملية التنمية الوطنية والتي، بدورها، عززت مساهمة قطاع المعادن في الناتج المحلي الإجمالي في البلاد، فضلا عن توفير فرص عمل للعمانيين.
تشكل الأراضي الصالحة للزراعة في عمان 15% من أراضي السلطنة ولا يزرع منها إلا النصف تقريبًا أي 61.500 هكتار. وتتركز الزراعة أساسًا في سهلي الباطنة ومحافظة ظفار ثم الواحات والأودية الكثيرة بالداخل. وأهم المنتجات الزراعية الأشجار المثمرة والفواكه، منها 21.000 هكتار مزروعة بالنخيل تضم ثمانية ملايين نخلة تنتج سنويا 200.000 طن من التمر الجيد، يُصدّر بعضه للخارج. والليمون العماني في شمالي السلطنة له شهرة وأهمية تجارية، أما في جنوبها فهناك فواكه متميزة مثل الموز وجوز الهند والمانجو والباباي. وتنتشر الخضراوات على مساحة 7.000 هكتار صيفاً وشتاءً، وتكاد تُغطِّي حاجة الاستهلاك المحلي.
وتصَدِّر السلطنة بعض الحيوانات الحية لدول الخليج كالإبل والخيل وتستورد حيوانات حية أخرى لاستهلاك لحومها. وفي السلطنة أكثر من 94.000 رأس من الأبقار، وثلاثة أرباع مليون من الماعز و148.000 من الأغنام و94.000 من الإبل. وحيث لا تكفي المراعي الطبيعية هذه الثروة، فإن الرعي الجائر هدد مراعي محافظة ظفار تهديدًا مباشرًا، ولذا أصبح تصنيع الأعلاف أمرًا ضروريًا.
وتتميز سواحل السلطنة بغناها بالأسماك، ويمكن أن تنتج سنويًا نصف مليون طن. كما يكثر السردين الذي يُجفف الكثير منه، لاستخدامه علفًا للماشية. وقد تطور أسطول الصيد كثيرًا، وأصبح معظمه آليًا؛ وإن لم يدخل بعد منطقة أعالي البحار، لصيد كميات كبيرة أو لصيد أسماك القاع. كما يمتلك معظم سكان السواحل زوارق صغيرة يقضون بها في البحر عدة ساعات ليعودوا بقوتهم من الأسماك، التي تدخل في غذائهم اليومي.
ويعتبر القطاع الصناعي حجر الزاوية في السلطنة على المدى الطويل.
وكان لاستقرار الأمن والنظام، ووجود شبكة جيدة من طرق المواصلات؛ الفضل في تقدم التجارة الداخلية. وتعد سلطنة عمان من الدول الأكثر نمواً في العالم. وقد بلغت معدلات النمو أكثر من 6.5 لمدة زادت على 25 عاماً ويشكل القطاع النفطي الركيزة الأساسية لإيرادات السلطنة حيث يسهم بـ87 % من الموازنة العامة.
بدأ التعليم النظامي في سلطنة عمان بمعناه الحديث في العام 1930م حيث أنشئت مدارس محدودة تخضع للتخطيط والإشراف الحكومي، وأخذت تدرس مناهج محددة المحتوى ومتعددة المواد. وحالياً يتنوع التعليم في عمان بين حكومي وخاص كما توجد مدارس دولية ومدارس التعليم التخصصية وبرنامج لمحو الأمية. والتعليم الحكومي في سلطنة عمان مجاني حتى إكمال 12 سنة دراسية. ومنذ 1970، أتاحت الحكومة العمانية الفرصة للقطاع الخاص - أفراداً ومؤسسات وشركات ـ للاستثمار في مجال التعليم من خلال إنشاء المدارس الخاصة التي تقدم خدمات التعليم لأبناء المواطنين والمقيمين فيها.
ويعتبر التعليم العالي في عُمان حديث نسبياً. فقد أنشئت أول جامعة حكومية في عُمان وهي جامعة السلطان قابوس في 1986. وأبرز الجامعات جامعة السلطان قابوس، جامعة ظفار، جامعة صحار، جامعة نزوى.
تشتهرالسلطنة بالسياحة، حيث الأودية والصحارى والشواطئ والجبال والمناطق التي تجعل من عمان فريدة من نوعها بين دول مجلس التعاون المجاورة لها. وبشريط ساحلي يبلغ طوله 1700 كيلومتر، توفر عمان شواطئ نظيفة شعبية لدى الزوار. الأودية الخضراء، واحات خضراء من أشجار النخيل، والأعشاب والزهور. بعض الأودية لها على مدار السنة مياه جارية، مع حمامات، عميقة باردة آمنة تماما للسباحة. وتوجد بعض الأنشطة السياحية الأكثر شعبية وتشمل التزلج على الرمال في الصحراء، والغوص، وتسلق الصخور، والرحلات، وركوب الأمواج والإبحار، كهوف الاستكشاف، ومراقبة الطيور، مصارعة الثيران، وسباقات الهجن. ومهرجان الموسيقى في صحار في الخريف يجذب السياح أكثر وأكثر كل سنة. ومهرجان مسقط، مشابه لمهرجان دبي للتسوق، ولكن أصغر في الحجم، حيث تقام الرقصات التقليدية، (28/2)
صفحة 284
والحفلات الموسيقية. وثمة حدث آخر شعبي هو مهرجان الخريف الذي يعقد في مدينة صلالة، محافظة ظفار، والذي يبعد 1200كم من العاصمة مسقط، خلال موسم الرياح الموسمية (أغسطس)، ويشبه مهرجان مسقط.
على الرغم من أن اللغة العربية هي لغة عمان الرسمية، هناك ناطقون بلهجات مختلفة، مثل البلوشية والسواحيلية على نطاق واسع بسبب العلاقات التاريخية بين عمان وزنجبار. لكن اللغة السائدة الأصلية هي اللغة العربية ولغة البلد، كما اعتمدت اللغة الإنكليزية كلغة ثانية.
تشتهرعمان بالخناجر التي تعتمر في الأعياد كجزء من الاحتفالية. وخلال حقبة القرون الوسطى، أصبحت للخناجر شعبية كبيرة.
عمان بالأرقام
-309 آلاف كيلومتر مربع هي مساحة السلطنة
-4 مليون تقريبا" عدد سكان السلطنة
-90 مليون دولار انتاجها السنوي من النفط
-29 ألف دولار معدل الدخل السنوي للفرد
-900 ألف برميل إنتاج السلطنة يومياً من النفط
-20 مليون دولار سنويا" هو حجم التبادل التجاري بين السلطنة ولبنان
-3 آلاف متر يبلغ علو أعلى قمة في عمان (جبل شمس)
-3165 كيلو متر مساحة شواطئ السلطنة سواءً ذلك الشاطئ المطل على بحر عُمان أ وبحر العرب أوالخيلج العربي أومضيق هرمز في الشمال،
-2980 متر ارتفاع الجبل الأخضر (28/3)
صفحة 285
عنوان المقال: صورة عُمان في الشعر العربي
صدر في العدد ....
الكاتب: هلال الحجري
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
7 نوفمبر,2015
لم تكن عُمان مجهولة في عيون الشعر العربي القديم كما هي مجهولة الآن لدى بعض المثقفين العرب. منذ العصر الجاهلي إلى العصر الحديث، يتردد اسم عمان في قصائد مشاهير الشعراء العرب مثل الجاهليين: الأعشى، والمثقب العبدي، والمخضرمين: عبدة بن الطبيب، والنجاشي الحارثي، والثالوث الأموي: جرير والفرزدق والأخطل، وكذلك السيد الحميري، وكعب بن معدان الأشقري، وأشهر شعراء العصر العباسي: أبي نواس، وقطبي عصر النهضة: أحمد شوقي وحافظ إبراهيم.
الصورة التي ترسمها هذه الأشعار لعمان صورة متعددة الأبعاد. ورغم أن فكرة النأي أو البعد هي المهيمنة على خطاب هذه الصورة، فإن جوانب أخرى للصورة حاضرة في ثنايا هذا الخطاب الشعري؛ منها مثلا: كرامة الأصل، وطيب المنبت، والشجاعة، وحسن الملاذ، وطيب العيش، ووفرة الرزق، والثراء.
إذن، تهدف هذه الورقة إلى استقصاء أبعاد الصورة التي تشكلت عن عمان في الشعر العربي منذ الجاهلية إلى العصر الحديث.
صورة البعد أو النأي
إن موقع عمان في أقصى جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، جعلها مضرب المثل في البعد والنأي. وهذه الصورة تمتد على خارطة الشعر العربي منذ الجاهلية إلى العصر الحديث. ولم يكن الشعر وحده الذي كرس صورة النأي هذه وإنما النص الديني أيضا ساهم في تعزيزها. ولعل أشهر النصوص الدينية التي ربطت عمان بالنأي ما رواه ياقوت الحموي في معجم البلدان «عن الحسن بن عادية قال: لقيت ابن عمر فقال من أي بلد أنت قلت من عمان قال أفلا أحدثك حديثاً سمعته من رسول اللَه صلى الله عليه وسلم قلت: بلى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني لأعلم أرضاً من أرض العرب يقال لها عمان على شاطىء البحر الحجة منها أفضلُ أو خير من حجتين من غيرها وعن الحسن: «يأتين من كل فج عميق» الحج: 27، قال: عمان».
أما في الشعر فمنذ العصر الجاهلي إلى الآن نجد صورة البعد أو النأي تتردد عند كثير من الشعراء العرب. منهم مثلا عمرو بن قميئة. يقول منكرا على قومه حقدهم وجورهم عليه وإضمارهم عداوته؛ حتى أن أهل عمان، على بعدهم، صاروا أقرب إليه منهم:
أُولَئِكَ قَومي آلُ سَعدِ بنِ مالِكٍ
فَمالوا عَلى ضِغْنٍ عَلَيَّ وَإِلغافِ
أَكَنَّوا خُطوباً قَد بَدَت صَفَحاتُها
وَأَفئِدَةً لَيسَت عَلَيَّ بِأَرآفِ
وَكُلُّ أُناسٍ أَقرَبُ اليَومَ مِنهمُ
إِلَيَّ وَإِن كانوا عُمانَ أُولي الغافِ
وفي عصر صدر الإسلام، نجد أبابكر الصديق، يدعو إلى الدين الجديد بقوله:
هلمّوا إلى دين النبي محمدٍ (29/1)
صفحة 286
و لو كان في أقصى جبال عُمانِ
و ممن تمثل ببعد عمان، القَتّال الكِلابي (70 هـ/ 689م)، وهو شاعر فتاك، بدوي، من الفرسان، أدرك أواخر الجاهلية، وعاش في الإسلام إلى أيام عبد الملك بن مروان. يقول القتّال في قصيد له يشير فيها إلى ما جاء في الأثر من أن حجة من عمان أفضل من غيرها:
حَلَفتُ بِحَجٍّ مِن عُمانَ تَحَلَّلوا
بِبِئرَين بِالبَطحاءِ مُلقىً رِحالَها
يَسوقونَ أَنضاءً بِهِنَّ عَشِيَّةً
وَصَهباءَ مَشقوقاً عَلَيها جِلالُها
بِها ظِعنَةٌ مِن ناسِكٍ مُتَعَبِّدٍ
يَمورُ عَلى مَتنِ الحَنيفِ بِلالَها
لَئِن جَعفَرٌ فاءَت عَلَينا صُدورُها
بِخَيرٍ وَلَم يُردَد عَلَينا خَيالَها
فَشِئتُ وَشاءَ اللَهُ ذاكَ لِأُعنِبَن
إِلى اللَهِ مَأدى خَلفَةٍ وَمُصالَها
و تعززت هذه الصورة عن بعد عمان في العصور اللاحقة، حتى أن الشاعر الأموي الشهير جرير حين أراد أن يهجو جشع قوم في الأكل لم يجد لهم مكانا أقصى من عُمان. يقول:
لو يسمعون بأكلة أو شربة
ٍ بعُمَانَ أصبح جَمْعُهمْ بعُمَانِ
وترد صورة نأي عمان في ديوان جرير أيضا ضمن قصيدة لامية يجيب فيها الفرزدق على نقيضة من نقائضه. يقول:
في لَيلَتَينِ إِذا حَدَوتُ قَصيدَةً
بَلَغَت عُمانَ وَطَيِّئ الأَجبالِ
ويقول الشاعر الأموي عبد الله بن عبيد الله بن أحمد ابن الدمينة (130 هـ / 747 م)، مجسدا أيضا بعد عمان:
ولَو أَنَّ أُمَّ الغَمرِ أمسَت مُقيمةً
بِتَثليثَ أَو بالخَطّ خَطّ عُمانِ
تَمَنَيَّتُ اَنَّ اللهَ جامعُ بَينِنا
بما شَاءَ فى الدُّنيَا فَمُلتَقِيَانِ
وفي العصر العباسي عبر أبو نواس أيضا عن بعد عمان، فنراه في إحدى خمرياته يصف الخمرة بأن لها نورا مشعا يكفي لإنارة الدرب من العراق إلى عمان، يقول:
وَخَمّارٍ طَرَقتُ بِلا دَليلٍ
سِوى ريحِ العَتيقِ الخَسرَواني (29/2)
صفحة 287
فَقامَ إِلَيَّ مَذعوراً يُلَبّي
وَجَونُ اللَيلِ مِثلُ الطَيلَسانِ
فَلَمّا أَن رَأى زِقّي أَمامي
تَكَلَّمَ غَيرَ مَذعورِ الجَنانِ
وَقالَ أَمِن تَميمٍ قُلتُ كَلّا
وَلَكِنّي مِنَ الحَيِّ اليَماني
فَقامَ بِمِبزَلٍ فَأَجافَ دَنّاً
كَمِثلِ سَماوَةِ الجَمَلِ الهِجانِ
فَسَيَّلَ بِالبِزالِ لَها شِهاباً
أَضاءَ لَهُ الفُراتُ إِلى عُمانِ
وممن أشار إلى بعد عمان الشاعر الأندلسي ابن شبرين الجذامي (674 - 747 هـ / 1275 - 1346 م) وهو قاض ومؤرخ وأديب بارع، من أهل سبتة في الأندلس.
يقول مادحا أحد الأمراء:
ذكرُهُ قَد شاعَ في الأرض
إِلى أَقصى عُمانِ
لا تَراه الدَهرَ إِلّا
حِلفَ سَرج أَو عِنانِ
ومن الشعراء الذين عبروا عن بعد عمان ومشقتها أيضا الأديب الأندلسي أبو رجال بن غَلبون توفي سنة (589هـ / 1193م)، وهو كاتب من أهل مرسية، وكان أديباً متظرفاً بليغاً متصرفاً يَنظم وينثر. يقول متغزلا:
أَستَودِعُ اللَّهَ أَو رِضاهُ
شامِيَّةً تَستَبِي يَماني
وَإِن رَمَت بي النَّوَى عُماناً
تَكُن لي زاداً إِلى عُمانِ
وَفي ضَمانِ اللَّيالي مِنها
ما قَد تَعَالى عَنِ الضَّمانِ
ومن الشعراء الذين تمثلوا ببعد عمان أيضا أحمد بن عبد الله بن هريرة القبيسي المعروف بـ «الأعمى التطيلي» (1092 - 1131 م) وهو شاعر أندلسي نشأ في إشبيلية. وقد رثى فتى من فتيان اشبيلية قتل غيلة، ولم يعلم قاتله، وكان جواداً معروفاً بالكرم ومكارم الأخلاق وعيناً من أعيان البلد، فجزع عليه جزعاً شديداً، وقال يرثيه بهذه القصيدة، التي يتمثل فيها بالنأي المهلك من وراء عمان:
وأيَّامُ حرب لا يُنادي وَليدُها (29/3)
صفحة 288
أهابَ بها في الحيِّ يومُ رهان
فهاب ربيعٌ والكلابُ تَهُرُّهُ
ولا مثلَ مُودٍ مِنْ وراءِ عُمانِ
وفي النصف الأول من القارن الثالث عشر الميلادي، نجد علي بن المقرب العيوني، وهو شاعر هاجر من الأحساء إلى عمان وتوفي في طيوي من المنطقة الشرقية، يكرس صورة النأي هذه بقوله:
عَلى مَ وَفي مَ ظُلماً تَلحَياني
ذَراني لا أَبا لَكُما ذَراني
وَحَسبُكُما فَما سَمعي بِمُصغٍ
وَلا واعٍ لِما تَتَحَدَّثانِ
فَلي هِمَمٌ إِذا جاشَت أَرَتني
قُرى عَمّان مِيلاً مِن عُمانِ
و في العصر الحديث نجد الشاعر الموريتاني محمد ولد ابن ولد أحميدا الشقروي (1897 - 1943 م) يجسد صورة نأي عمان حين يمدح قصائده ويرى بأنها ما إن ينشدها حتى تتلقفها الركبان من فاس في المغرب العربي إلى عمان في المشرق.
يقول:
إِذَا رُمتُ قَطفَ الشِّعرِ أدنَى قُطُوفَهُ
إِليَّ فَأَجِني مِنهُ مَا أنَا جَانِ
فَقَاصِيهِ دَانٍ لِي وعَاصِيهِ دائنٌ
وأعينُهُ شَوقاً إليَّ رَوَانِ
ولَم أكُ في أخذِي لَهُ مُتَكَلِّفاً
فَمَا هُو إلاَّ مُختَفٍ بِلِسَاني
تَنَاشَدَهُ الرُّكبَانُ في كُلِّ مَوكِب
وَتَقذِفُهُ فَاسٌ لأرضِ عُمَانِ
وفي العصر الحديث أيضا نجد أمير الشعراء أحمد شوقي يكرس الصورة نفسها حين يعبر عن وحدة الألم التي تجمع العرب من المغرب إلى المشرق. يقول في قصيدة له:
قَد قَضى اللَهُ أَن يُؤَلِّفَنا الجُر
حُ وَأَن نَلتَقي عَلى أَشجانِه
كُلَما أَنَّ بِالعِراقِ جَريحٌ
لَمَسَ الشَرقُ جَنبَهُ في عُمانِه (29/4)
صفحة 289
صورة الملاذ الآمنر، بما لبعدها ونأيها عن نفوذ السلطات المستبدة خاصة في العصرين الأموي والعباسي، كانت عمان ملاذا آمنا لبعض الشعراء العرب الذين فروا إليها خوفا من البطش والظلم. ولعل أول شاعر هاجر إلى عمان حقنا للدماء وطلبا للأمن هو قيس بن زهير العبسي الذي هاجر إلى عمان بعد حرب داحس والغبراء في الجاهلية.
ذكر هجرته هذه ابن منظور في لسان العرب، حيث يقول: «وشاعَكم السلامُ كما تقول عليكم السلامُ، وهذا إِنما يقوله الرجل لأَصحابه إذا أَراد أَن يفارقهم كما قال قيس بن زهير لما اصطلح القوم: يا بني عبس شاعكم السلامُ فلا نظرْتُ في وجهِ ذُبْيانية قَتَلْتُ أَباها وأَخاها، وسار إِلى ناحية عُمان وهناك اليوم عقِبُه وولده». ويؤكد هجرة قيس أيضا ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» ولكن بتفصيل آخر. يقول:
«وقيل: إن قيس بن زهير لم يسر مع عبس إلى ذبيان وقال: لا تراني غطفانيةٌ أبداً وقد قتلت أخاها أو زوجها أو ولدها أو ابن عمها، ولكني سأتوب إلى ربي، فتنصر وساح في الأرض حتى انتهى إلى عمان فترهب بها زماناً، فلقيه حوج بن مالك العبدي فعرفه فقتله وقال: لا رحمني الله إن رحمتك».
وفي العصر الأموي كثر الشعراء الذين فروا من بطش الحجاج بن يوسف وغيره من ولاة بني أمية، فكان الملاذ الآمن لهم في الغالب عمان وإن طالتهم أيدي الحجاج أحيانا. من هؤلاء الشعراء عمران بن حطان، وهو شاعر كما ذكر أبو الفرج الأصبهاني في أغانيه خرج من العراق «فنزل بعُمان بقوم يكثرون ذكر أبي بلال مرداس بن أدية ويثنون عليه ويذكرون فضله فأظهر فضله ويسر أمره عندهم وبلغ الحجاج مكانه فطلبه فهرب فنزل في روذميسان طسّوج من طساسيج السواد إلى جانب الكوفة - فلم يزل به حتى مات وقد كان نازلاً هناك على رجل من الأزد فقال في ذلك:
نزلت بحمد الله في خير أسرةٍ
أسر بما فيهم من الإنس والخفرْ
نزلت بقومٍ يجمع الله شملهم
وما لهم عودٌ سوى المجد يعتصر
من الأزد، إن الأزد أكرمُ أسرةٍ
يمانيةٍ قربوا إذا نُسب البشر
وأصبحت فيهم آمناً لا كمعشرٍ
بدوني فقالوا من ربيعة أو مضر
أو الحيِّ قحطانٍ وتلك سفاهةٌ
كما قال لي روحٌ وصاحبه زفر
وما منهم إلا يُسرُّ بنسبةٍ
تقربني منهم وإن كان ذا نفر
فنحن بنو الإسلام والله واحدٌ
وأولى عباد الله بالله من شكر.
و منهم سَوّار بن المِضَرَّب السعدي من بني سعد بن زيد مناه بن تميم. عارض الحكم الأموي أيام الحجاج بن يوسف الثقفي في الكوفة , فطلبه الحجاج ليقتله , فاستطاع أن يهرب وينجو منه إلى عمان كما يؤكد ذلك المبرد في كتابه الكامل. وهو يقول في ذلك:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي
وقومي تميمٌ والفلاة ورائيا (29/5)
صفحة 290
وقد أورد الأخفش الأصغر في «كتاب الاختيارين» لسوار بن المضرب هذه القصيدة التي يحن فيها إلى المواطن التي وجد فيها السكن والأمن في عمان:
ألم تَرَني وَإِن أَنبَأتُ أَنّي
طَوَيتُ الكَشحَ عَن طَلَبِ الغَواني
أُحِبُّ عُمانَ مِن حُبّي سُلَيمى
وَما طِبي بِحُبِّ قُرى عُمانِ
عَلاقَةَ عاشِقٍ وَهَوىً مُتاحاً
فَما أَنا وَالهَوى مُتَدانِيانِ
تَذَكَرُّ ما تَذَكَّرـ مِن سُلَيمى
وَلَكِنَّ المَزارَ بِها نَآني
فَلا أَنسى لَيالِيَ بِالكَلَندى
فَنينَ وَكُلُّ هَذا العَيشِ فانِ
وَيَوماً بِالمَجازَةِ يَوم صِدقٍ
وَيَوماً بَينَ ضَنكَ وَصَومَحانِ
أَلا يَا سَلمَ سَيِّدَةَ الغَواني
أَما يُفدى بِأَرضِكِ تِلكَ عانِ
وَما عَانيكِ يا اِبنَةَ آلِ قَيس
بِمَفحوشٍ عَلَيهِ وَلا مُهانِ
أَمِن أَهلِ النَقا طَرَقَت سُلَيمى
طَريداً بَينَ شُنظُبَ وَالثَمانِ
سَرى مِن لَيلِهِ حَتّى إِذا ما
تَدَلّى النَجمُ كَالأُدمِ الهِجانِ
رَمى بَلَدٌ بِهِ بَلَداً فَأَضحى
بِظَمأى الريحِ خاشِعَة القِنانِ
ومن هؤلاء الشعراء الذين هربوا إلى عمان ساعة المحنة والخوف على النفس كعب بن معدان الأشقري. قال أبو الفرج في أغانيه: ونسخت من كتاب النضر بن حديد لمّا عُزِل يزيدُ بن المهلب عن خراسان ووليها قتيبة بن مسلم مدحه كعب الأشقري ونال من يزيد وثلبه ثم بلغته ولاية يزيد على خراسان فهرب إلى عمان على طريق الطبسين وقال:
وإنِّي تاركٌ مَرْواً ورائي
إلى الطَّبَسَيْنِ معتامٌ عُمانا
لآوِي معقِلاً فيها وحِرْزاً (29/6)
صفحة 291
فَكُنَّا أهلَ ثروتها زمانا
ومنهم أيضا السَمهَري العُكلي. شاعر لص كانت له غارات على القوافل، وقبض عليه وسجن أكثر من مرة وانتهى أمره بالقتل، له شعر في أشعار اللصوص وأخبارهم. يقول في أبيات يمتدح فيها حاجب بن المفضل بن المهلب بن أبي صفرة عامل عمان لعمر بن عبد العزيز، حيث ضاقت به الدنيا فلم يجد متسعا يفر فيه من ملاحقة الشرطة له:
أَقولُ لأَدنَى صاحِبَيَّ نَصيحَةً
وَلِلأَسْمَرِ المِغوارِ مَا تَرَيانِ
فَقالَ الَّذِي أَبدَى لِي النُّصحَ مِنهُمَا
أَرَى الرَّأيَ أَن تَجتازَ نَحوَ عُمانِ
فَإِن لا تَكُن فِي حاجِبٍ وَبِلادِهِ
نَجاةٌ فَقَد زَلَّت بِكَ القَدَمانِ
فَتَى مِن بَنِي الخَطَّابِ يَهتَزُّ لِلنَّدى
كَما اهتَزَّ عَصبُ الشَّفرَتَينِ يَمانِ
هُوَ السَّيفُ إِن لا يَنَتهُ لانَ مَسُّهُ
وَغَرباهُ إِن خَاشَنتَهُ خَشِنانِ
صورة الرزق وطيب العيش
ثمة حديث متداول في مصادر التراث العربي وهو «من تعذر عليه الرزق فعليه بعمان». ونجد في ديوان الشعر العربي أمثلة عديدة تؤكد أن بعض الشعراء العرب جاء إلى عمان طلبا للرزق ونشدانا للحياة الكريمة. ولعل الشاعر الجاهلي أعشى قيس كان أول الشعراء العرب الذين فاؤوا إلى عمان طلبا للرزق والحياة الكريمة؛ فقصائده تثبت أنه زار الجلندى بن كركر ملك عمان أواخر الجاهلية ومدحه طلبا في كرمه وعطاياه. وهذا ليس بمستبعد لأن الجلندى كان أيضا شاعرا وملكا مشهورا شأنه شأن المناذرة في العراق والمنذر بن ساوى في البحرين، وكانت سيطرته على سوقي دبا وصحار، وهما من أسواق العرب الشهيرة آنذاك، فكان يعشر التجار فيهما، ولا يَبيع الناس في هاتين السوقين حتىّ يبيع الجلندى ما لديه من بضاعة. يقول الأعشى:
وَصَحِبنا مِن آلِ جَفنَةَ أَملاكا
ً كِراماً بِالشامِ ذاتِ الرَفيفِ
وَبَني المُنذِرِ الأَشاهِبِ بِالحيرَةِ
يَمشونَ غُدوَةً كَالسُيوفِ
وَجُلُنداءَ في عُمانَ مُقيماً
ثُمَّ قَيساً في حَضرَمَوتَ المُنيفِ
وفي قصيدة ميمية من بحر المتقارب يمدح بها قيسَ بن معدي كرب، يدور هذا الحوار بين الأعشى وابنته:
تَقولُ اِبنَتي حينَ جَدَّ الرَحيل
ُ أَرانا سَواءً وَمَن قَد يَتِم
أَبانا فَلا رِمتَ مِن عِندِنا (29/7)
صفحة 292
فَإِنّا بِخَيرٍ إِذا لَم تَرِم
وَيا أَبَتا لا تَزَل عِندَنا
فَإِنّا نَخافُ بِأَن تُختَرَم
أَرانا إِذا أَضمَرَتكَ البِلا
دُ نُجفى وَتُقطَعُ مِنّا الرَحِم
أَفي الطَوفِ خِفتِ عَلَيَّ الرَدى
وَكَم مِن رَدٍ أَهلَهُ لَم يَرِم
وَقَد طُفتُ لِلمالِ آفاقَهُ
عُمانَ فَحِمصَ فَأوريشَلِم
و في عهد البويهيين الذين حكموا عمان خلال النصف الأول من القرن العاشر الميلادي وبداية القرن الحادي عشر، نجد أهم شاعرين وصفا رخاء العيش وطيبه، وإن كان مقتصرا في ظننا على بلاط بني مُكْرَم، وهما أبزون العماني ومهيار الديلمي. يقول أبزون معبرا عن هناء عيشه في عمان تحت ظل السلطان أبي القاسم مؤيد الدولة:
ها إنّ أرضَ عمانَ أنفَسُ بقعَةٍ
ومؤيَّدُ السلطان أكرم صاحبِ
ما زال إمّا في صدور مجالس
ٍ يبني العُلاء وفي قلوب مواكبِ
والى أياديه صرفتُ مطامعي
وعلى مَعاليه وقفتُ مطالبي
و كان مهيار الديلمي أكثر وضوحا في وصف هذا الرخاء الذي اتسم به بلاط بني مكرم في عمان. ومن قصائده الرائعة التي مدحهم بها هذه البائية:
وحبُكَ من وفيّ العهدِ باقٍ
على بعدٍ يُحيلُ أو اقترابِ
هوىً لكَ في جبالِ أبانَ ثاوٍ
وأنتَ على جبالِ عُمانَ صابي
و كان المجدُ أعودَ حين يهوي
عليكَ من المهفهفة الكعابِ
و إن وراء بحر عمانَ ملكاً
رطيبَ الظلّ فضفاضَ الرحابِ
رقيقٌ عيشهُ عطرٌ ثراهُ
بطرّاقِ الفضائلِ غيرُ نابي (29/8)
صفحة 293
متى تنزلْ به تنزلْ بوادٍ
من المعروفِ مرعيّ الجنابِ
يقول ليَ الغنى ورأى قعودي
عن السعي المُموِّلِ والطلابِ
أما لكَ في بحارِ عُمانَ مالٌ
يسدُّ مفاقرَ الحاجِ الصعابِ
و يقول مهيار في موضع آخر يمدح به أبا القاسم مؤيد الدولة:
ورأت عُمانُ وأهلُها بك ما
أغنى الفقيرَ وأمّنَ المثري
صارت بجودك وهي موحشةٌ
أُنسَ الوفودِ وقِبلةَ السَّفْرِ
وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر نجد شاعرا عراقيا اسمه جعفر القزويني (1265 هـ/ 1848 م)، واسمه السيد جعفر بن باقر بن أحمد بن محمد الحسيني القزويني. من مشاهير شعراء وأدباء عصره. ولد بالنجف ونشأ بها، وأخذ العلم على مشاهير عصره في العلم والأدب، وأقبل على مجالس الشعر والأدب، ولكن تكالبت عليه الدنيا فأثقل بالديون، فرحل إلى مسقط مادحاً سلطانها السيد سعيد بن سلطان، فأدركته منيته فيها. يقول معبرا عن الدين الذي أثقل كاهله، ودعاه إلى عمان مادحا سلطانها:
لما رماني الدهر بالنوب
الشدائد والهزاهز
وألان صعدتي التي
صلبت وما لانت لغامز
ودعاني الزمن الخؤون
بأهله هل من مبارز
قالت لي الآراء والف
كر الثواقب في الغرائز
شرق وسل عن ماجد
يعطي الجواهر بالجوائز
فإذا بلغت إلى سعيد
في عمان فلا تجاوز
واعلم بأن أبا هلال
عن مرادك غير عاجز (29/9)
صفحة 294
يوليك ما ترجو ولا
يثنيه عنه غمز غامز
فتعود مقضي الديون
إلى العراق وأنت فائز
ويجيز ما ترجو ببذل
صادق الدفعات ناجز
ومن الشعراء الذين جاءوا إلى عمان نشدانا للحياة الكريمة أيضا الشاعر العراقي عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب، الملقب بالأخرس لعقدة في لسانه، (1810 - 1873 م). وهو شاعر مجيد، كان معاصرا للبارودي، ولد في الموصل، ونشأ في بغداد، وتوفي في البصرة. له ديوان يسمى (الطراز الأنفس في شعر الأخرس) مطبوع في أستنبول سنة 1887. يظهر من هذا الديوان أن الأخرس عاش في كنف السلطان سالم بن ثويني الذي دام حكمه سنتين فقط خلال الفترة (1866 - 1868). ومن المحتمل أيضا أنه التقى بالسيد سالم في الهند التي آوى إليها بعد الانقلاب الذي قام به عزان بن قيس والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي عليه؛ إذ نجد في سيرة الأخرس أيضا أن داود باشا والي بغداد أرسله إلى الهند لعلاج الخرس الذي أصابه، وإن كنا نرجح الاحتمال الأول وهو عيشه في كنف السيد سالم أثناء حكمه؛ لما توحي به القصيدتان من معايشة الشاعر الأخرس للأحداث السياسية في عمان آنذاك. يمدح عبد الغفار الأخرس السلطان سالم ويدافع عنه، منكرا على أعدائه أنه قتل أباه السيد ثويني. يقول في القصيدة الأولى:
انْظُر إلى الأَشراف كيف تسود
ُ وإلى أُباة الضَّيم كيف تريدُ
إذ يدَّعي بالملك من هو أهله
والحزم يقضي والسيوف شهود
يوم ثوى فيه ثويني في الثرى
يوم بسالم للبريَّة عيد
ما للذي عبد الصخور من الَّذي
عَبد الإِله ودينُه التوحيد
قل للذي ذمَّ الإِمام بشعره
قد فاتك المطلوب والمقصود
ولقد عميتَ عن الهُدى فيمن له
نظرٌ بغايات الأُمور حديد
السَّيّد السند الرفيع مقامه
ومقامه الممدوح والمحمود
أنَّى تحقّر بالفهاهة سيِّداً
من حقّه التعظيم والتمجيد
سخط الحسود بما به من سالم (29/10)
صفحة 295
رضي الإِله الواحد المعبود
من لام سالم في أبيه فلومه
حُمْقٌ لعمري ما عليه مزيد
ما عَقَّ والِدَه ولا صدق الَّذي
نَسَبَ العقوقَ إليه وهو جحود
وافى ثويني في الفراشِ حمامُه
وأتى عليه يومُه الموعود
هذا قضاء الله جلَّ جلاله
لا والدٌ يبقى ولا مولود
رأي رأى فيه الإِصابة سالمٌ
بالله أُقسِمُ إنَّه لسديد
فله يصحّ الاجتهاد بعلمه
في شأنه ولغيره التقليد
لما تيقَّظ عزمه من غفلةٍ
فيها عقول الجاهلين رقود
وأرابه أمرٌ يعمُّ وبالُه
وعلى عمان بما يسوء يعود
وَليَ الأُمور بنفسه فتصَرَّمَتْ
تلك الحوادث والخطوب السود
وأقرَّ هاتيك الممالك بعدما
كادت تمور بأهلها وتميد
ولقد حماها بالصوارم والقنا
فعمان غيل والرجال أُسُود
لا خير في ملك إذا لم يحمه
بأس يذوب له الحديد شديد
ترد الطغاة الحتفَ من صمصامه
هذا ومنهل جوده مورود
مه يا عذول مفنّداً من جهله (29/11)
صفحة 296
ماذا يفيد العذل والتفنيد
ولقد قضى نحباً أبُوه وقد مضى
ما لامرئٍ في الكائنات خلود
خير من المفقود عند وفاته
هذا الإِمام السالم الموجود
أبقى له الذكرَ الحميدَ فصيته
قد يخلق الأَعمار وهو جديد
سفهاً لهنديّ أراد بنصحه
غِشًّا وكلّ مقاله مردود
نظم القريض ليستميل قلوبنا
عنه وذاك من المريد بعيد
خَفِيَتْ على فهم البغيّ مقاصد
فيها وما عرف المرامَ بليد
متوعد الإِسلام من أعدائه
ما ضمنه التقريع والتهديد
ليكيد فيها المسلمين بخدعة
لا يعرف الشيطان كيف يكيد
ليست عمان ولا صحار ومسقط
هنداً ولا العرب الكرام هنود
لو تقرب الأَعداءُ منها لاصطلت
ناراً لها في الملحدين وقود
وإمام مسقط لا يروع جنابَه
عند اللّقاء بوارقٌ ووعود
قد بايعته على عمان رجاله
أكْرِمْ بهم فهمُ الرجال الصيد
ويقول عبد الغفار الأخرس في قصيدة ميمية، مادحا فيها السيد سالم بن ثويني ومنتصرا له ضد عمه السيد تركي بن سعيد الذي كان معارضا لحكمه:
اليومَ أصبح فيك الوقتُ منتظماً
وهوَّنَ الله أمراً كان قد عظما (29/12)
صفحة 297
أمست عمان وأنت الشهم سيدها
لا يُستباح لها في الحادثات حمى
مدت إليها يد الجاني فما ظفرت
إلاَّ بما أعقب الخسران والندما
من بعد ما هاج شراً من مكانته
وكاد يوقد في أطرافها ضرما
تمسكاً بجبال الشمس من طمع
ومورداً من سراب لا يبلّ ظما
فلم يوفَّقْ إلى نجح يؤمِّله
والمرء إنْ فقد التوفيق أو عدما
لم يهده الرأي إلاّ للضلال ولا
يزيده عدم التوفيق غير عمى
أضلَّ مسعاه تركي في غوايته
كأنه اختار عن وجدانه العدما
نصحته وبذلتَ النصح تنذره
مستعملاً بالنذير السيف والقلما
فما ارعوى لك عن وهم توهمه
كأنَّ في أذنه عن ناصح صمما
أراد في زعمه أنْ يستطيل على
عمان قهراً فلم يظفر بما زعما
وكان غايته الحرمان يومئذٍ
ولو أطاعك واسترضاك ما حرما
خيَّرته قبل هذا اليوم في نعم
ولم يكن ثمَّ ممن يشكر النعما
وجاء يطلب مُلكاً منك ليس له
فقيل خصمان في إرث العلى اختصما
حتى ذا كان لا يصغي إلى حكم
حكمتما الصارم الهندي بينكما (29/13)
صفحة 298
قضى لك السيف فيما قد قضى ومضى
فيا له حكمٌ عدلٌ إذا حكما
وما تجاوزت الإنصاف شفرته
وما أضلَّ بمظلوم وإن ظلما
وقالت الناس باديها وحاضرها
ما جار سالم قفي حكم ولا ظلما
أنزلته من منيعات الحصون ولو
تركت تركي رهين الحصن مات ظما
أراد مستعصماً فيه ومعتصماً
وما رأى في منيع الحصن معتصما
ولم يجد سلَّما يرقى السماء به
ولو رمى نفسه في البحر لالتقما
وإنَّه قبلَ إعطاء الأمان له
ما استشعر الموت حتى استشعر الندما
وغرَّه مَن دعاه في خيانته
فجاءها عقبات الموت واقتحما
أذقته العفو حلواً عن جنايته
وكان عفوك عمَّن قد جنى كراما
عفَوْت عنه ولكن عفوَ مقتدرٍ
والعفو أقرب للتقوى كما علما
وما هتكت وأيم الله حرمته
وكان عندك حتى زال محترما
وربما لامك اللّوام عن سفهٍ
وقد يلومك بين الناس من لؤما
أما وربِّك لو أربى طغى وبغى
وما عفا مثلما تعفو بل انتقما
رحمته ولو استولى عليك لما
أبقى عليك ولم يلحق بمن رحما (29/14)
صفحة 299
أراد ربُّك أنْ تعفو بقدرته
ليظهر الفضل والتمييز بينكما
والله يَعْلَمُ والدنيا بأجمعها
لو نال من سالمٍ تركي لما سلما
لا زال يولي جميلاً من صنائعه
وهكذا كرم الشهم الذي كرما
من سيّدٍ بالغٍ رشد الشيوخ نهى
ً رضيع ثدي المعالي قبل أن فطما
تبارك الله ما أبهى سناه فتىً
كالنجم يهدي سبيل الرشد مذ نجما
الثابت الجأش في سِلْم ومعترك
في موطن الفخر قد أرسى له قدما
الباسم الثغر والهيجاء عابسة
والسيف يقطر من هام الكماة دما
فمن صدور العوالي ما يرى وصباً
ومن نفوس المعالي ما شفى سقما
تساهما هو والجد السعيد بما
حازاه من كرم الأخلاق واقتسما
ويا له ولد أعنيه من ولدٍ
أحيى له ذكره الماضي وإنْ قدما
تحفُّه من عمان سادةٌ نجبٌ
تسمو لهم في سماوات العلاء سما
يحمون سيّدهم من كلّ نازلة
بفيصل يغلق الهامات والقمما
ولم يكن غيره الحامي لحوزتها
إذا أدلهمّ من الأخطار ما دهما
تبيت لا كملوك الهند تكلأها
ندعو من الله فيها فاغرين فما (29/15)
صفحة 300
لولا وجودك هذا الداء ما حسما
وذلك الصدع لولا أنت ما التأما
لطف من الله فيك أظهره
من بعد ما كان سر اللطف مكتتما
وافت إلينا فوافت بالسرور كما
ندعو من الله فاغرين فما
سرّت بها البصرة الفيحاء وابتهجت
منها النفوس وأنف الصند قد رغما
بشارة عمَّت الدنيا مسّرتها
واهتز منها العلى والمجد وابتسما
قد يسَّرَ الله أمراً أنت فعله
وإن لله في تقديره حِكَما
لا زلت بالجود والإحسان مبتدراً
كالغيث حيث همى والبحر حيث طمى
فمن مزاياك ما تكسو النجوم سناً
ومن عطاياك ما قد يخجل الديما
ولم أزل كلماتي فيك أنظمها
كما تتابع قطر المزن وانسجما
صورة جواهر بحر عمان
يعود التنويه بلآللئ عمان وجواهرها في متون التراث العربي إلى العصر العباسي حين فتح الجاحظ بابا بعنوان «باب ما يعتبر من الجواهر النفيسة ومعرفتها وقيمتها» في رسالته «التبصرة بالتجارة»، وينوه الجاحظ فيها باللؤلؤ العماني. يقول:
«وخير اللؤلؤ الصافي العماني المستوي الجسد الشديد التدحرج والاستواء وإذا كانت حبتان متساويتين في الشكل والصورة واللون والوزن كان أرفع لثمنهما والعماني أنفس وأرفع من القلزمي لأن العماني عذب نقي صاف والقلزمي فيه ملوحة مع عيب كثير».
و لعل أقدم الصور التي استعانت باللؤلؤ العماني في الشعر العربي تعود إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي، حيث نجد الشاعر الدمشقي درويش محمد بن أحمد الطالوي الأرتقي أبا المعالي (1543 - 1605) يقول واصفا قصائد مديحه ومشبها إياها بجواهر عمان:
قَلَّدتَها دُرَّ المَدائِحِ لُؤلُؤاً
رَطبا يَكاد يَفوقُ دُرَّ عُمانِهِ
وَكَسَوتَها وَشيَ الثَناءِ مُحبَّرا (29/16)
صفحة 301
بُرداً يَفوحُ المسك مِن أَردانِهِ
وفي القرن التاسع عشر تبرز صورة جواهر بحر عمان أكثر جلاء في قصائد بعض الشعراء العرب، ومنها قول محمد بن اسماعيل المكي (1795 - 1857) المعروف بشهاب الدين. أديب ولد بمكة، وانتقل إلى مصر، فنشأ بالقاهرة، وأولع بالأغاني وألحانها. وساعد في تحرير جريدة (الوقائع المصرية) وتولى تصحيح ما يطبع من الكتب في مطبعة بولاق. يقول مادحا إبراهيم باشا:
يَمّم اليمَّ ورِدْ ما تشتهي
و على الموردِ يا صاحِ الضمانْ
لم يكنْ في كلِّ بحرٍ لؤلؤٌ
إنما اللؤلؤُ في بحرِ عُمَانْ
و يقول مقرظا كتاب «روح البيان»:
فديتُ بروحيَ روحَ البيان
ْ ففي طيِّه نشرُ روحِ الجِنانْ
هو البحرُ تخرج منه اللآلي
و كم لؤلؤٍ قد أتى من عُمَانْ
وفي النصف الأول من القرن العشرين نجد بعض الشعراء العرب يتخذ من لآلئ بحر عمان صورة للنفيس من الأشعار والأفكار. يقول حافظ إبراهيم (1872 - 1932) مثلا واصفا قصائده:
أغريتُ بالغوص أقلامي فما تركتْ
في لُجّةِ البحرِ من دُرٍّ ومَرْجانِ
شكا عُمَانُ وضجّ الغائصون به
على اللآلي وضجّ الحاسدُ الشاني
و يقول أيضا راثيا الشاعر إبراهيم صبري:
ليهدأ عُمانُ فغوّاصُه
أصيب وأمسى رهينَ الحُفَرْ
فقد كان يعتاده دائما
بكورا رؤوحا لنَهْبِ الدُّرَرْ
و يقول راثيا جورجي زيدان سنة 1914:
ويا قبرَ زيدانٍ طويتَ مؤرخا
تجلّى له ما أضمر الفتَيَانِ
وعقلا وَلُوعا بالكنوزِ فإنه
على الدُّرِّ غوّاصٌ ببحر عُمَانِ (29/17)
صفحة 302
ويقول الشاعر المصري علي الجارم (1881 - 1946) في مديح أحمد شوقي:
ينثر الدُّرَّ عبقريا عجيبا
ليس من مسْقطٍ ولا من عُمَانِ
أنا بالدُّرِّ أخبرُ الناسِ لكنْ
ذلك النوعُ نَدّ عن إمكاني
ومن الشعراء المحدثين الذين أشاروا إلى جواهر بحر عمان أيضا الشاعر اللبناني أبو الفضل الوليد 1886 - 1941 م، وهو شاعر من أدباء المهجر الأميركي، ولد بقرنة الحمراء في المتن بلبنان، وتخرج بمدرسة الحكمة ببيروت، وهاجر إلى أميركا
الجنوبية 1908 فأصدر جريدة الحمراء بالبرازيل، واتخذ لنفسه اسم أبي الفضل الوليد سنة 1916، بينما اسمه الحقيقي إلياس عبد الله طعمة. عاد إلى وطنه سنة 1922، وقام برحلات في الأقطار العربية وغيرها. يقول متغزلا:
جمانةُ لاقَتني بسمطِ جمانِ
وفي ثغرِها منهُ عَددت ثماني
فقالت تُرى أيُّ الجمانِ مفضَّلٌ
فقلتُ جمانُ الثَّغرِ خيرُ جمانِ
عرفتُ من الدرّ الثمينِ صنوفَهُ
وما كنتُ غوّاصاً ببحرِ عُمَان
سميّةُ ما في ثَغرها ونظامها
شآميّةٌ زهراءُ أختُ يمان
صورة أزد عمان
تترد في الشعر العربي أيضا صورة أزد عمان؛ إذ كانوا مثالا للعز ومنبت الكرامة، ويفرق الشعراء بينهم وبين أزد شنوءة في العراق. ومن أوائل الأشعار التي نجد فيها هذه الصورة، قول الشاعر النجاشي الحارثي، الذي اشتهر بهجائه في الجاهلية والإسلام:
وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلِ سَوِيَّةٍ
وَرِجلٍ بهَا رَيْبٌ مِنَ الْحَدَثَانِ
فَأمَّا الَّتِي شلَّتْ فَأزْدُ شَنُوءَةٍ
وَأَمَا التِي صَحًّتْ فأزْدُ عُمَانِ
و من الأشعار التي تمجد أزد عمان أبيات للشاعر إسماعيل بن محمد بن يزيد الحميري، المعروف بلقب «السيد الحميري». يقول فيها:
إن تسأليني بقومي تسألي رجلاً
في ذُرْوة العز من أحياء ذي يمن
حولي بها ذو كَلاعٍ في منازلها (29/18)
صفحة 303
وذو رَعينٍ وهمدانٌ وذو يزنِ
والأزد أزدُ عُمانَ الأكرمون إذا
عُدتْ مآثرُهم في سالف الزمن
و يقول أبو نواس مادحا ندماءه من أزد عمان:
طربتُ إلى خمرٍ وقصفِ الدساكرِ
ومنزلِ دُهقانٍ بها غير دائرِ
بفتيانِ صدقٍ من سَراة ابن مالكٍ
وأزدِ عُمان ذي العُلى والمفاخرِ
وفي النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي نجد أيضا ابن المقرّب العيوني 572 - 629 هـ / 1176 - 1231 م، يقول مادحا أزد عمان:
فَالأَزدُ أَجلوا قَبلَكُم عَن مَأرِبٍ
وَهُمُ جِبالُ العِزِّ مِن كَهلانِ
فَبَقُوا مُلُوكاً بِالعِراقِ وَيَثرِبٍ
وَالشامِ وَاِنفَرَدُوا بِمُلكِ عُمانِ
صورة الجِمال العمانية الأصيلة
في الشعر العربي تترد أيضا صورة النوق العمانية العربية الأصيلة التي تفنن في وصفها كبار الشعراء من أمثال ذي الرمة، وجرير.
الشاعر الأموي ذو الرمة، وهو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر، من فحول الطبقة الثانية في عصره، وقد قال عنه أبو عمرو بن العلاء: فُتِح الشعر بامرئ القيس وخُتِم بذي الرمة. يقول ذو الرمة في وصف ناقته:
عُمانِيَّةٌ مَهرِيَّةٌ دَوسَرِيَّةٌ
عَلى ظَهرِها لِلحِلسِ وَالكورِ مِحمَلُ
مُفَرَّجَةٌ حَمراءُ عَيساءُ جَونَةٌ
صُهابِيَّةُ العُثنونِ دَهماءُ صَندَلُ
تَراها أَمامَ الرَكبِ في كَلِّ مَنزِلٍ
وَلَو طالَ إيجاف بِها وَتَرَحُّلُ
تَرى الخِمسَ بَعدَ الخِمسِ لا يَفتِلانِها
وَلَو فارَ لِلشِعرى مِنَ الحَرِّ مِرجَلُ
تُقَطِّعُ أَعناقَ الرِكابِ وَلا تَرى
عَلى السَيرِ إِلاّ صِلدِماً ما تُزَيِّلُ
تَرى أَثَرَ الأَنساعِ فيها كَأَنَّهُ (29/19)
صفحة 304
عَلى ظَهرِ عادِيٍّ يُعاليهِ جَندَلُ
وَلَو جُعِلَ الكورُ العِلافِيُّ فَوقَها
وَراكِبُهُ أَعيَت بِهِ ما تُحَلحِلُ
يَرى المَوتَ إِن قامَت وَإِن بَرَكَت بِهِ
يَرى مَوتَهُ عَن ظَهرِها حينَ يَنزِلُ
تُرى وَلَها ظَهرٌ وَبَطنٌ وَذُروَةٌ
وَتَشرَبُ مِن بَردِ الشَرابِ وَتَأكُلُ
ويقول ابن المقرب العيوني واصفا نوقه التي ارتحلت به من موطنه في الأحساء إلى عمان:
وَجازَت قُرى البَحرَينِ عِيسي وَأَصبَحَت
عُمانِيَّةً وَاِستَبهلَتها سَواحِلُه
وَأًصبَحَ في الحَيِّ اليَمانيّ رَحلُها
وَحَفَّت بِهِ أَقيالُهُ وَمَقاوِلُه
وفي العصر الحديث نجد عبد الجليل الطبطبائي (1776 - 1853)، واسمه عبد الجليل بن ياسين بن إبراهيم بن طه بن خليل الطبا طبائي الحسني البصري. شاعر، من أهل البصرة، ولد بها، ورحل إلى (الزبارة) في قطر، فسكنها إلى أن استولى عليها آل سعود، فانتقل إلى البحرين، وظل فيها إلى سنة 1259هـ، ثم استوطن (الكويت) وتوفي بها. يقول:
أَتَيتُكَ أَطوي البيدِ وَالقَصدُ زورَة
وَأَزكي تَحِيّات أَبلِغها تَترى
فَلَمّا حَطَّطنا الرحل في دارِكَ الَّتي
عَلى ربعِها المَأهولِ سَحبُ الرِضى دَرا
جَرى قَدرُ الرَحمنِ أن مطيّتي
تَكونُ لَها البَطحاءُ يا سالِماً قَبرا
وَما هِيَ إِلّا فِرعُ كُلّ نَجيبَة
عمانية قَوداءَ مُهرية شَقرا
أَلا فَلتَهبْ لي يا حَبيبَي مِطيَة
يَلَذُ بِها عَيشي لَدى السَيرِ وَالمُسرا
عُمانية تَسوي المَثينَ سَنامُها
بَعيد عَلى مَن رامَ ذَروَتَها حَمرا
وَحاشاكَ تَرضى أَن أَرى دونَ رِفقَتي (29/20)
صفحة 305
عَلى ناقَةٍ سَوداءَ جَرباءَ أَو دَبرا
وفي الشعر العربي لا تتردد الناقة العمانية الأصيلة فحسب، وإنما الجمل العماني أيضا كان مرغوبا فيه ومفضلا في شبه الجزيرة العربية منذ القدم. فهذا الشاعر الأموي جرير يصف جمله:
أَلا طَرَقَت شَعثاءُ وَاللَيلُ مُظلِمٌ
أَحَمَّ عُمانِيّاً وَأَشعَثَ ماضِيا
لَدى قَطَرِيّاتٍ إِذا ما تَغَوَّلَت
بِنا البيدُ غاوَلنَ الحُزونَ الفيافيا
تَخَطّى إِلَينا مِن بَعيدٍ خَيالُها
يَخوضُ خُدارِيّاً مِنَ اللَيلِ داجِيا
* * * *
الهوامش
- ألقي هذا البحث في ندوة «من ملامح الثقافة العمانية» التي أقامتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء على هامش اجتماعات المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في مسقط، 25 نوفمبر، 2013.
- الحموي، ياقوت. معجم البلدان، د. ت، ج4 (بيروت: دار صادر، 1993) ص 150.
- شاعر جاهلي مقدم، نشأ يتيماً وأقام في الحيرة مدة وصحب حجراً أبا امرئ القيس الشاعر، وخرج مع امرئ القيس في توجهه إلى قيصر فمات في الطريق فلقب بالضائع. وهو الذي عناه امرؤ القيس بقوله «بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه***و أيقن أنا لاحقان بقيصرا».
- الضُّبَعي، عمرو بن قَمِيئة. ديوان عمرو بن قميئة، تحقيق: الصيرفي، حسن كامل (القاهرة: معهد المخطوطات العربية، 1965)، ص 70.
- أبو بكر، عبد الله بن أبي قحافة. ديوان أبي بكر الصديق، تحقيق: راجي الأسمر (بيروت: دار صادر،
2007)، ص 49.
- الكلابي، القتّال. ديوان القتّال الكلابي، تحقيق: إحسان عباس (بيروت: دار الثقافة، 1989)، ص 79 - 80.
- الصاوي، محمد إسماعيل. شرح ديوان جرير، ط 1 (القاهرة: مطبعة الصاوي) ص. 581.
المصدر السابق، ص 466.
- ابن الدمينة، عبدالله. ديوان ابن الدّمينة، تحقيق: أحمد راتب النفاخ (القاهرة: مكتبة دار العروبة، 1959) ص30.
- الحكمي، الحسن بن هانئ، ديوان أبي نواس الحسن بن هانئ الحكمي، تحقيق إيفالد فاغنر، ط 1، ج 3 (بيروت: دار صادر، 1988)، ص 319.
- الطائية، م. م. سعد هاشم. شعر ابن شبرين الجذامي الأندلسي جمع ودراسة وتحقيق، مجلة كلية التربية، واسط، العدد 13 (نيسان، 2013)، ص 160. (29/21)
صفحة 306
انظر موقع «الديوان العربي» على شبكة الإنترنت:
http://www.aldiwanalarabi.com/poemPage.do;jsessionid=BSkg6O98+w4vnsI2oYpo44y5.undefined?p
oemId=554575
- باقر، محمد. ديوان أبي العباس الأعمى التطيلي (بيروت: مكتبة الرائد العلمية، 2004)، ص81.
- العيوني، علي بن المقرب. ديوان جمال الدين أبي عبد الله علي بن المقرب العيوني (بومبي: مطبعة دير ساد، 1892)، ص 535.
- الشقروي، محمد ولد ابن ولد أحميدا. ديوان الشاعر الموريتاني محمد ولد ابن ولد أحميدا. رسالة مادستير غير منشورة، تحقيق:
- أحمد ولد حبيب الله (القاهرة: كلية دار العلوم، 1988)، ص 865.
شوقي، أحمد. الشوقيات، الجزء الثاني (بيروت: دار العودة، 1988)، ص 193.
انظر: ابن منظور. لسان العرب. مادة «شيع».
- ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق: أبي الفداء عبد الله القاضي، ج1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1987)، 462.
- الأصبهاني، أبو الفرج. كتاب الأغاني، تحقيق: إحسان عباس وإبراهيم السعافين وبكر عباس، ج18 (بيروت: دار صادر، 2008)،
ص 82 - 83.
- المبرد، أبو العباس. الكامل في اللغة والأدب، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، ج2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999)، ص 130.
الأخفش الأصغر، كتاب الاختيارين، تحقيق: فخر الدين قباوة (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984)، ص 105.
- أبو الفرج الأصبهاني، كتاب الأغاني، ج14، ص 185.
- الحديث رواه الطبراني في الكبير عن شرحبيل الجعفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعذرت عليه الصنعة، فعليه
بعمان». وجاء بروايات مختلفة منها الرزق، ومنها التجارة.
- الأعشى، ميمون بن قيس. ديوان الأعشى الكبير، تحقيق: محمود الرضواني، ج2 (قطر: وزارة الثقافة والفنون والتراث، 2010)، ص 200.
المصدر السابق، ج1، ص 179.
- أبزون. ديوان أبزون العماني، تحقيق: هلال ناجي، حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، جامعة قطر، عدد7، 1984، ص 119.
- الديلمي، مهيار، ديوان مهيار الديلمي، تحقيق أحمد نسيم، ط 1، ج 1 (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1925)، ص 36 - 37.
المصدر السابق، ص 373.
- شُبّر، جواد. أدب الطف: شعراء الحسين عليه السلام، ج7 (بيروت: دار المرتضى، 1988) ص39 - 41. (29/22)
صفحة 307
- الأخرس، عبد الوهاب. الطراز الأنفس في شعر الأخرس (إستنبول: مطبعة الشركة المرتبية، 1887)، ص 129.
المرجع السابق، ص 374.
- الجاحظ، عمرو بن بحر. التبصرة بالتجارة، تحقيق: حسن حسني عبد الوهاب (القاهرة: المطبعة الرحمانية، 1935)، ص 12.
- الطالوي، درويش محمد بن أحمد. سانحات دمى القصر في مطارحات بني العصر، تحقيق: محمد مرسي الخولي، ج1 (بيروت: عالم الكتب، 1983)، ص 317.
- المكي، محمد بن إسماعيل، ديوان محمد شهاب الدين (القاهرة: مطبعة محمد جاهين، 1866)، ص 36.
المرجع السابق، ص 284.
- إبراهيم، حافظ، ديوان حافظ إبراهيم، ط 3 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987)، ص 28
المرجع السابق، ص 523.
المرجع السابق، ص 499.
- الجارم، علي. ديوان علي الجارم (القاهرة: دار الشروق، 1990)، 355.
- طعمة، إلياس عبدالله. ديوان أبي الفضل الوليد (بيروت: دار الثقافة للطباعة والنشر)، 435.
- الحارثي، النجاشي، ديوان النجاشي الحارثي، تحقيق صالح البكار وآخرين (بيروت: مؤسسة المواهب، 1999)، ص 64.
- الأصبهاني، أبو الفرج. الأغاني، تحقيق سمير جابر، ط 2، ج 7، (بيروت: دار الفكر،)، ص. 284.
- الحكمي، الحسن بن هانئ، ديوان أبي نواس الحسن بن هانئ الحكمي، تحقيق إيفالد فاغنر، ط 1، ج 3 (بيروت: دار صادر، 1988)، ص 148.
- العيوني، علي بن المقرب. ديوان جمال الدين أبي عبد الله علي بن المقرب العيوني، ص 554.
- ذو الرمة، ديوان ذي الرمة، تحقيق: عبد الرحمن المصطاوي (بيروت: دار المعرفة، 2006)، ص 208.
- العيوني، علي بن المقرب. ديوان جمال الدين أبي عبد الله علي بن المقرب العيوني، ص 361.
- الطبطبائي، عبد الجليل. روض الخل والخليل ديوان السيد عبد الجليل، تحقيق: ياسين الشريف (دمشق: منشورات المكتب الإسلامي، 1964)، ص 125.
- الصاوي، محمد إسماعيل. شرح ديوان جرير، ط 1 (القاهرة: مطبعة الصاوي) ص 603.
هلال الحجري / شاعر وباحث من عُمان (29/23)
صفحة 308
عنوان المقال: كتابة قواميس البيوغرافيا في عُمان
صدر في العدد ...
الكاتب: عبدالرحمن السالمي
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
2 نوفمبر,2014
كتابات التراجم في تاريخ الأدب العربي تعد نوعا أدبياً مميزاً في الكتابات العربية الكلاسيكية، ولقد تطور هذا النوع الأدبي في مجمله ليتداخل مع علوم أخرى كالتفسير والحديث والفقه والآداب والنحو والتاريخ ثم توسع إلى نطاق الفرق والمذاهب: حتى يمكن الجزم في ذلك أن كل صنف علمي يختص بقواميس أعلامه ولكأنها أجناس أدبية لكل صنف منها، فمن مشاهير المصنفات كابن سعد (ت230|825) في «الطبقات الكبرى» أو ابن سلام الجمحي (ت231|846) في «طبقات فحول الشعراء»، إلى السير الشخصية كالسير النبوية المدونة عن النبي عليه السلام. أما الفهرست لابن النديم فقد حفظ لنا ذكر بعض بدايات المصنفات العربية في هذا الشان كأمثال أبو مخنف (ت157|774) في مصنفاته «كتاب المختار بن عبيد» و «كتاب زيد بن علي»، أو ابن الكلبي (ت206|821) نحو «كتاب ابن العباس بن عبدالمطلب» و «أخبار مسيلمة الكذاب وسجاح» ..
بل إن منها ما تطرق إلى ابعد من ذلك، إلى الأسماء والكنى ونحوها مثل «كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء» و «كتاب المختضرين» ومعناه من مات في شبابه للمدائني، و «المحمدون من الشعراء وأشعارهم» أي بمن سمي من الشعراء باسم محمد لجمال الدين القفطي (ت646|1248). أو المهن ككتاب «أخبار القضاة» لمحمد بن خلف الواقي (ت306|918) أو «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت668|1270) لتتعدى إلى مشاهير وأعيان سكان المدن بغض النظر في مواضيعها وسجلاتها مثل «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، أو «بغية الطلب في تاريخ حلب» لأبن العديم العقيلي (ت588|1193)، و «كتاب المقتبس في تاريخ أهل الأندلس» لابن حيان (ت469|1076). كذلك أبي حاتم السجستاني (ت248|862) سجل تراجم المعمرين «المعمرون والأوصياء»، إلى تراجم أصحاب العلل والعاهات كجمال الدين الصفدي في «نقط الهيميان في نكت العميان». أو الجاحظ (ت255|868) في «البرصان والعرجان والعميان والحولان». ثم طورت معها مصنفات كالتذييلات «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت764|1363) و «عقود الجمان وتذييل الأعيان» لمحمد بن بهادر الزركشي او المختصرات مثل «الوافي بالوفيات» للصفدي. (1)
ولكثرة الإسهامات العربية في هذه القواميس اعتقد المستشرق روسننثال: «أن أكثرية المسلمين تتصور التاريخ ما هو إلا مقابل المعنى للشخصيات» (2). أما هاملتون جب فقد كان اقل حدة في هذا الأمر في إشارته: «أن مؤلفات قواميس سير التراجم عند العرب تطورت وارتبطت في آن واحد مع الكتابة التاريخية» (3). وهذا ما اتبعه بروكلمان بإشارته أن التدوين لتواريخ المدن والأقاليم والأمصار لا تتكون في الغالب إلا من أخبار أعيان مدينة ما أو مصر ما. (4) وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في الكتابة التاريخية الكلاسيكية عند العرب وتأثرها بالسرد عن الشخصيات في سياق الأحداث فالبعض ينهج بالتسلسل الزمني كنحو الطبري وابن الأثير والبعض الأخر بتسلسل السلطوي.
والذي يمكن إدراكه بوضوح من هذه القواميس ما تعكسه عن اوجه متعددة للمجتمعات والثقافات في الحضارة الإسلامية وتتلمس جوانب معرفية في محتوياتها ليست فقط عن الشخصية «المتقصاه» في سلوكياتها الفردية بل إلى أخبار العامة والمجتمعات في الحضارة الإسلامية. فيبدو لنا أن أساسية هذا الفن بدأت من السنة الرواة والإخباريين والنسابة وامتزجت لتكّون هذا الفن الأدبي وهذا يتضح مع ابن النديم في المقالة الثالثة حيث جعلها في فنون الأخبار والأدب والسير والأنساب. (5) ولذا اعتقد بروكلمان أن أساسية هذا الفن الأدبي بدأ ب: « ... .. جمع الأخبار عن أعيان الرجال المشتغلين بغير علم الحديث ولاسيما الشعراء وعلماء اللغة. وذلك على نمط كتب الطبقات التي خدمت علم الحديث». (6) فنشأة هذه المدونات بدأت مع حركة التأليف التاريخي مع بدايات العصر الأموي وارتبطت بالجغرافيا والفتوح ومن ثمَّ يرجع تبلورها إلى صدرِ الإسلام. (7) لكن هذا الجنس الأدبي بأشكاله المتعددة والمتنوعة جذب اهتمام العديد من العلماء والباحثين إلى دراسة فنية الكتابة في قواميس السير والتراجم ومناقشة مواضيعها ابتداء من: جب (8) أو ليختنسادر (9) أو روسننثال أو هومفرايس (10) أو هاملتون جب أو طريف خالدي (11) أو اوخترلوني (12) أو ابياد (13) أو أخيرا وداد القاضي (14). كل اخذ منحى لدراستها ومن زوايا مختلفة لكشف ما تبديه من اوجه معرفية في الثقافة الإسلامية. هذه المصنفات ذاكرة عامة لشخصيات التاريخ الإسلامي ومنهج اختط ليشكل ظاهرة أدبية في الكتابات العربية الكلاسيكية فهي تبرز حقلا واسعا عند تتبعها في تطور الذهنيات عند العرب والمسلمين والشعوب التي دخلت معهم في الحضائر والأمصار بما تورده من تراجم لشعراء وعلماء وأدباء وكتاب. ثم إنها أحيانا كذلك تعطي ضبطا دقيقا للمجال الجغرافي والعلمي المكونة لتلك (30/1)
صفحة 309
الشخصية، إضافة إلى انتماءاتها العقائدية والفكرية. (15) وبما أن الخلفية التاريخية لطبيعة وماهية هذه المصنفات (قواميس البيوغرافيا) في الثقافة الإسلامية قد درست من فبل، إذا لا داعي لاجترار التكرار من الخلفية التاريخية وتعديد أهميتها.
I- و لكننا سنتجه في هذا المقال للتحدث عن تطور الكتابة الفنية لقواميس التراجم (البيوغرافيا) وسير الأعلام في عمان، بتتبع هذه المصنفات ومحاولة البحث من خلالها عن الانعكاسات للأوجه الثقافية لعمان. حيث أن الدوافع للكتابة عن هذا الجانب أولا لعدم ظهور دراسة تعنى بهذا الجانب عند العمانيين وقد يرجع ذلك إما لان التصنيف في هذا المجال حديث نسبيا مقارنة بوجودها (القواميس) في التراث العربي، وإما السبب الأخر هو لظهور كتابات حديثه ومتعددة في دراسة مصادر التاريخ العماني والتي تعد سمة مميزة لكشف جوانب من الثقافة العُمانية، (16) لكنها خلال دراساتها لا تفرد لها بابا أو فصلا مميزا ولكنها عادة ما تدرج هذه الكتابات تحت مسميات «التراجم والسير». فهذا المزج بخفي وجودها من الكتابة العُمانية وبعثها هو التقصي لتراث وفنية إبداع المصنفات العُمانية.
ومن هذا المغزى سنحدد خطواتنا في هذا المقال أولا بحصره على الجانب الإقليمي المتمثل في عمان. ثانيا محاولة حصر وتوثيق هذه المصنفات، ومن ثم ستتناول دراستها من جانبين: التاريخي، وهو دراسة تطور تدوين هذه الكتابة في عمان، وأما الجانب الأخر فهو استقراء للأنماط الأدبية المستخدمة عند العمانيين في كتابة هذه المصنفات وعرضها. وأخيرا سنركز في تحديد رؤية الكاتب من تصنيفه بمعنى المنظور الذي يحاول المصنف رسمه من اجل إبراز الأشخاص المدون عنهم بمحاولة فهم البعد الثقافي أو الاجتماعي المنعكس من رؤية الكاتب.
إن الصعوبة التي نواجهها منذ البداية هو تحديد موقع مصنفات (قواميس البيوغرافيا) ضمن البيلوغرافيا (قائمة الكتب) العُمانية قصد تحديد ماهيتها. فتداخل اختصاصات مضامين المصنفات قد يكون بحكم تداخل المحاور وإما لتعدد المواد المعرفية المتعلقة بها. فالمحاور التي تتداخل بحسب رؤية المقال في قواميس البيوغرافيا (بشكل إجمالي) ثلاث نواح: 1 - مهنية، 2 - علمية 3 - إقليمية. بطبيعة الأمر، أن تحديدها لا يشكَّل صعوبة في الدراساتِ العربيةِ إجمالاً، لكنها بالنسبةِ للدراساتِ العُمانية فإن الصعوبة إما لفرزها وضم البعض منها إلى الكتابات الأدبية من شعر ونظم، وإما عدَّها مسبقاً ضمن المصادر التاريخية العُمانية، كما أشير إليها سابقا، (17) وهذا ما يتضح على سبيل المثال من ترجمة بادجر لعنوان «الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين» بعنوان» History of Imams and Seyyids of Oman»(18) . حيث ترجم سيرة بمعنى تاريخ والأولى بان تترجم إلى « biography».
II- ولما كان بغية هذا المقال أولا التتبع التاريخي لبدايات هذا اللون من الكتابة وهو دراسة بدايات تدوين مصنفات كتب قواميس البيوغرافيا في عمان، فان البداية تتعين علينا النظر في تغطية المؤشرات الأولى عن كيفية التتبع حول شخصية عمانية ومحاولة إعطاء ملامح وروافد أوسع لربط الأصول الاجتماعية لعناصر التراجم وحركتها خارج الإطار الجغرافي العماني.
فلإكمال إطار أي دراسة في التاريخ أو التراجم لابد لبنية تلك الدراسة من أن تتم بالجمع ما بين المصادر الداخلية والخارجية معاً في آن واحد وبدون أحدهما لا يمكن إكمالها. نعم ذلك أمر مدرك لأي دراسة، ولكنها تعنينا في هذه الدراسةِ من أمور عدة:
أولا: لهجرة كثير من القبائل والشخصيات العُمانية في القرون الأولى للهجرة خصوصا إلى العراق وشرق بلاد الرافدين، هذه الهجرات سواء فردية أم جماعية تفقد الكتابات العُمانية في أيراد معلومات مستوفية عنها، فعلى سبيل المثال يورد العوتبي معلومات عن عائلة المهلب ابن أبي صفرة لكن تتبعه التاريخي ينقطع مع القضاء عليها في أيام يزيد بن عبدالملك (102|720). (19) فالتتبع التاريخي لهذه العائلة العُمانية يستلزم تتبعا أوسع عن انتشارها وأعمالها، وهذا ما أورده تاريخ جرجان (20) فهي موازاة تتم بخيوط عدة لإكمال هذا الوجه عن التواريخ. وهكذا إذا ما تتبعنا شخصيات عمانية أخرى كمازن بن غضوبة نجد كتابات التراجم العُمانية تغفل في ذكر أخباره بعد تاريخ إسلامه ولكن كتابات ابن الأثير في «أسد الغابة» وابن عبدالبر في «الاستيعاب» توضح لنا هجرة وانتقال أحفاده من بعد إلى أذربيجان وأحفاده على واحمد بن حرب (وهما من علماء الحديث) حيث توفي الأول في الموصل والأخر بساحل الشام. وكذا إذا توجه للبقية عن كشفِ جوانب من تواريخِ أعلام عمان كجابر بن زيد والخليل بن احمد وابن دريد والمبرد لا حصرا، لا تسعفنا المصادر العُمانية في هذا الجانب للإلمام بتوسع في المعرفة عنهم. لذا تبقى المصادر العربية غير العُمانية للتوسع في هذا المجال أرشيفا مهما للتقصي وحتى الحديثة منها كمشاهير الشرق لجرجي زيدان او الأعلام لزركلي.
ثانيا: للتحول التجاري مع الشرق في القرنين 10 و11 من منطقة الخليج إلى البحر الأحمر ثم مصر ومنها إلى أوروبا على اثر قيام الدولة الفاطميين فتح المجال التجاري إلى بدايات الهجرات العائلات العُمانية إلى شرق أفريقية والاستيطان (30/2)
صفحة 310
على امتداد الساحل الشرقي، وقد ظل تتابع الهجرات والاستيطان لشرق أفريقية متواصلا لمنتصف القرن العشرين. لكن تكاد أن تكون شحيحة الحصول على أية معلومات حول هذا الجانب من المراجع العُمانية.
ثالثا: وهو الأمر المشار إليه سابقا تأخر هذه الكتابات في عمان أو لفقدانها مع كثير من المصادر العُمانية، فمن المراجع غير العُمانية نستطيع أن نستشف المجال الحركي لهذه الشخصيات.
III- بدايات كتابات البيوغرافيا في المصنفات العُمانية: إن القصد منه الإشارة التي يمكن الاستدلال بها على بداية هذا التصنيف في عمان والذي يمكن إرجاعه بحسب ما ذكره نورالدين السالمي إلى احمد بن النظر (ق6|12) الذي ألف كتاب سلك الجمان في سير أهل عمان في مجلدين لم يوجد منهما بعد الحرق إلا تسعة كراريس. (21) ولفقدان الكتاب كل ما يمكننا هو التمعن في كلمة «سير» التي تشير إلى أن الكتاب يتحدث عن تراجم بعض أعلام أهل عمان، إلا أن الاعتقاد المرجح إن الكتاب كان يشمل الكتابة التاريخية عن عمان اكثر من اشتماله على تراجم أو سير الأعلام.
وهنا نتساءل هل يمكننا أن نصدر بيانا قاطعا في هذا المجال سواء كان بدحض أو تأييد ما إذا كانت هناك أي كتابات سابقة عليه؟ إلا أنني في اعتقادي بحسب ما يمكن تتبعه حتى الآن لم يقم برهان لأي كتابات من هذا الجنس بين العمانيين إلى ذلك الوقت، والبرهان على هذا البيان هو بحكم الضرورة غير مباشر وهذا أمر طبيعي لأنه يندر أن يثبت الحكم القطعي على قضية بطريقة مباشرة بدون براهين: أما في حالات وجودها فيستدعي الأمر التقدم بالبراهين الواضحة لإثبات صحتها والعكس صحيح لإثبات البيان السلبي. لكن الافتراضات واسعة وممكنة وقد تندرج بحكم البدايات في تطور الكتابة الفنية في عمان خلال القرنيين 10و11م من مصنفات ابن بركه والكدمي وأبي الحسن البسيوي وأبي المنذر العوتبي وأبي بكر الكندي. وان كان مما يشار إليه هنا أن مثل ابن دريد من الذين ظل التصاقهم المكاني بين عمان والبصرة وكتابة «الاشتقاق» لما يوجد من إشارات متصلة ضمنها لكن لا يمكن الأخذ به كنموذج في هذه الدراسة لاختلاف ماهية الكتاب.
فالتطور لهذه الكتابة جاء تدريجيا من بعد ابن النظر ابتداءً من سيرة عبدالله بن مداد (ق9|16) المشهورة بـ «صفة ونسب العلماء» (22) التي قد تكون بحق المصدر الأساسي في معرفة علماء عمان للمصادر اللاحقة. وقد اعتمدت أولا على السرد بتتبع معرفة الأعلام العلماء العمانيين وكيفية وصول العلم (الشريعة) ابتداء من ابن عباس إلى العلماء العُمانيين في البصرة ثم علماء عمان من حملة العلم وبشكل تدريجي إلى القرن 5|11، ثم عن العلماء الذين من بعدهم ثم بفصل عن أئمة عمان وفترات حكمهم: ولكن السيرة لم تتقص لنا تواريخ وفيات العلماء وأخبارهم في حين إنها اقتصرت على تعدادهم. إن التميز الذي يمكن الإشارة إليه في هذه القائمة هو أن الرؤية الدينية (في إحصاء علماء الشريعة) شكلت كتابة هذه القائمة لتصبح من بعد منهاجا لقوائم متعددة ظهرت من بعد ذلك، أو أجزاء من محتويات كتب كنحو: خميس بن سعيد الشقصي (ق11|17) في الجزء الأول من «منهج الطالبين»، وأحمد بن سعيد الخراسيني (في أواخر القرن 11|17) «الجزء الثالث من فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم»، ثم تبعت هذه الكتابات من جميل بن خميس السعدي في «قاموس الشريعة» في الجزءين الثامن والتاسع إلى الفصل التاسع والثلاثون من «كشف الغمة». إن ابرز ما نستنتجه من هذه المصنفات من صياغتها لتقديم المعطيات حولها أن هناك قاعدة ثابتة في بناء النص في هذه القوائم وهو ما يعطي هذه المصنفات نمطية ونسقا متكررين ومتداولين، فالنص ذو بناء كمي يقوم على سرد ما يمكن عدّهُ من العلماءِ بدون فرز الأسبقيةِ الزمنيةِ أو الترتيب الأبجدي حيث يتم حشر النص بالعددِ الممكن عده من العلماء بدون رؤية أو منهجية للترتيب. أما من حيث المنهج المتبع فالقاسم المشترك في الأسلوب يكاد التشابه الواضح فيه أن يكون نقلا مباشرا في ما بينها من السابق إلى اللاحق. فالتكرار يفيد وجود القاعدة المشتركة، أما النص في هذا الصدد فهو تراكمي يقوم في كل مرة على تغذية القائمة بالعلماء إلى فترتها، فينطلق المصنفون من سجلات ووقائع ثابتة ومتعارف عليها، فهي أشبه ما تكون بالمتواترة.
لكن إذا تمعنا في هذه القوائم للبحث عن مصادرها فإنها على ما يبدو قد اعتمدت على كتابات سلاسل الإسناد العلمي (أو رفع حملة العلم في عمان) بداية من أبي محمد عبدالله بن بركة (ق4|10) في «التقييد»، أبي الحسن البسيوي في «الجامع»، وكذلك على إشارات بعض العلماء في الكتابات الفقهية والعقائدية. لكن الجزئيات الأولى لهذه القوائم قد يمكن إرجاع مصادرها إلى بعض من بواكير السير العُمانية التي احتوى بعضها على سرد أسماء العلماء كسيرة أبي المؤثر ثم من بعده أبي الحسن البسيوي، فهذه القوائم في بداياتها كانت تتشكل من مقتطفات واقتباسات لبعض قطع السير العُمانية من خلال ذكر أعلام عمان الذين حملوا العلم لتصل في نهاياتها إلى العلماء المعاصرين للكاتب. فهذه القوائم السردية تتضح من تشكلها أن بداياتها كانت قبل أو أثناء صياغة ابن مداد لسيرته التي تعتبر المنعطف لهذه الكتابات، أي أن البدايات الكتابية قد يمكن إرجاعها إلى بدايات القرن 5|11. فالذي يمكن ملاحظته في هذه القوائم أنها استبعدت أن تسرد لنا بيوغرافيا عن التجار ومشاهير الأعيان وقادة القبائل، على سبيل المثال مما أثرت في الكتابات التاريخية والبيوغرافية (التراجم) على السواء. (30/3)
صفحة 311
فجون ويلكنسون يبدي ملاحظاته حول هذه القوائم بان المشكلة فيها عدم الانضباط في التسلسل الزمني مما يؤدي أحيانا في القراءة الأولى إلى عدم وضوح النص للقارئ، وقد تحدث مغالطات في عدم استيعابها من خلال التسلسل الزمني، وهذه الإشكالية توجد على سبيل المثال عند الترجمة لشبيب بن عطية وهلال بن عطية الخراساني (23)، حيث اعتقد البعض انهما أخوان بينما في التحقيق يتضح أن شبيب عماني وهلال كان من خراسان لكنهما عاشا الفترة نفسها وحملا مسمى نسبة الأب كذلك. أما المعاناة الأخرى فهي تكرار العلم في مواضيع متعددة فتكون الإشكالية هي، هل هما علمان أو شخصيتان والأشكل من ذلك إذا كانا من قبيلة واحدة مما يؤدي أحيانا إلى إلغاء أحدهما أو الخلط في العلاقة بينهما ولازال التساؤل في كثير من الشخصيات كنحو المنير بن النير وسلمة بن مسلم العوتبي والخليل بن شاذان هل هما علمان او علم واحد فقط.
هذه الظاهرة استمرت في جدولة قوائم البيوغرافيا من بعد لتبرز مع كل من محمد الشيبة السالمي في كتابه «نهضة الأعيان» وسالم بن حمود السيابي «إسعاف الأعيان في انساب أهل عمان» عند تقديم قوائم لأئمة عمان مع تسلسلهم الزمني وتسلسل الإمامة في عمان. لكن المنهج المختط الذي وضعه حديثا سالم السيابي في «طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي»، بمحاولته تصنيف طبقات العلماء العمانيين في تسلسل زمني عبر القرون لم يتوسع كثيراً ليشمل جميع العلماء لكل طبقة وتوقف عند الحلقة الرابعة من علماء عمان، وكذلك فان الرؤية للإيديولوجية الإباضية كانت هي الدافع. ومع ذلك فان المحاولة كانت مدخلا سريعا لمعرفة طبقات العلماء العمانيين ولو بشكل متأخر جدا. ثم إن المنظور الأساسي المنتهج في تصنيفه هو انه واكب أسلوب القوائم السابقة بحيث أن كل طبقة هم حملة علم من لدن جابر بن زيد إلى القرون الحاضرة. فمصنفات كتب الطبقات خدمت أو بدأت مع نطاق علوم الحديث وتوسعت مع مجريات كتب قواميس البيوغرافيا (24) وبرغم وجودها واستعمالها في المصنفات الإباضية نحو الشماخي في «الطبقات» (25) ثم من بعد تذييله ب «الجواهر المنتقاة في ما أخل به كتاب الطبقات» للبرادي (26). إلا إنها في ما يبدو لم يكن لها تأثير في النطاق العماني في رصد التراجم وتدوينها.
وهكذا من عرض هذه القوائم يمكن رصد مدى فاعليتها في الكتابة التاريخية في عمان ابتداء من «كشف الغمة» ثم من بعد في أجزاء من «الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين» إلى «تحفة الأعيان» وانتهاء مع «عمان عبر التاريخ». فقد سلك المؤرخون المحدثون في عمان المسلك نفسه كما اقتفوا الخطى نفسها في تقيم التاريخ وتتبعه وتقسيمه في عمان على أسس الأئمة الذين حكموا عمان، إلا أن التمايز لاشك فيه من حيث الدقة والرؤية المتبناة. فالتطور لهذه القوائم صاحبته بحوث موازية ومختلفة لتكون اكثر ملاءمة في تقصيات أحداث التاريخ العماني.
IV- إننا هنا أمام أصناف عدة من المصنفين للبيوغرافيا لابد من فرز منهجية كل منهم على حدة. فالتطورات السياسية التي حدثت في عمان خلال القرن التاسع عشر والامتداد الجغرافي للدولة العُمانية نحو شرق أفريقية أثرت على الحركة العلمية في عمان وبدأت أساليب الكتابة الكلاسيكية القديمة تميل إلى التماحي، كما في القوائم البيوغرافية السابقة والانتقال بصورة تدريجية وإعداد نقل هذه الكتابات إلى نمطية المصنفات الشاملة. لكنها تتداخل من حيث اختصاصات مضامينها في المصنفات الحديثة، بحكم تداخل المحاور وتعدد المواد المعرفية ثم كذلك لتطورات السياسة في عمان مع نهاية القرن التاسع عشر:
ابن رزيق (ت 1873):
بحد ذاته حميد بن محمد بن رزيق يعد ظاهرة فنية أدبية عمانية في القرن التاسع عشر، امتزجت فنيته الإبداعية بالآداب والتاريخ والشعر والنثر. حتى الآن لم تبرز دراسات تدلي بوضوح عن حياته العلمية ونشأته لكن من الممكن أن ندلي بشيء عنه بما أن هنالك بعض الجوانب التي قد تساعدنا لفهم حياته. لقد أدى نقل العاصمة العُمانية من داخلية عمان (الرستاق) إلى مسقط في عهد السلطان حمد بن سعيد بن الأمام احمد البوسعيدي لامتزاج العرقيات على الساحل العماني واصبح ازدهار مدينتي مسقط ومطرح تهيئ الظروف في تكوين مجتمع متعدد العرقيات بما يشبه (الكزموبلتان). وبدأت دواوين السلاطين في اتخاذ نوعية من الأدباء والكتاب تجاوز فيها القبلية التقليدية وقد التصقت عائلة ابن رزيق بديوان السلاطين البوسعيديين. (27) فنشأته الأدبية تظهر في اتجاهاته وكتاباته التي مكنته من أختطاط منهج مبتدع بالنسبة للثقافة العُمانية في بدايات القرن التاسع عشر فعلى سبيل المثال التميز النوعي للكتابة وتطورها يمكن ملاحظته بالمقارنة بينه وبين ابن قيصر في سيرته عن الإمام ناصر بن مرشد (ق17) وسيرة ابن رزيق (البدر التمام) عن السلطان سعيد بن سلطان حيث يتجه ابن قيصر إلى الأسلوب البلاغي بينما يتجه ابن رزيق نحو السرد والوصف. ثم تلك العلاقة بديوان السلاطين مكنت مصنفاته من التداول فالسلطان ثويني بن سعيد أهدى إلى القس برسي بادجر مجموعة من مؤلفات ابن (30/4)
صفحة 312
رزيق الذي قام من بعد بترجمة «الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين» الذي يعتبر أولى المصنفات التاريخية العُمانية المترجمة إلى اللغة الإنجليزية عام1873. (28) ثم من بعد السلطان خليفة بن حارب أهدى إلى جامعة أكسفورد «الصحيفة القحطانية».
إن ما يهمنا في كتابات ابن رزيق في هذا السياق هو مصنفة «الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان» (29)، حيث تمكن ابن رزيق عن إدخال أسلوب النظم في كتابة قواميس البيلوغرافيا، وهي بذاتها محاولة مستحدثة في الكتابات العُمانية. وقد أورد سبب التأليف بأنه قد سئل أن ينظم قصيدة في أسماء أئمة عمان وان يشرحها شرحا مختصرا مبسطا لا يطلب العارف له مزيدا وقد نظمها في مائة وأربعين بيتا بدأها:
عمان عن لسان الحال ردي
جوابا منك لي أرجو الجوابا
أما عين إليك لها دموع
على من جسمهم أضحى ترابا
وينتهي:
فحسبهم صنيعهم سرورا
يجزيهم إذا شهدوا الحسابا
فصاغها بالتسلسل التاريخي في تتبع سير أئمة عمان ابتداء من إمامة الجلندى بن مسعود إلى الإمام احمد بن سعيد، فهو يورد البيت ثم يشرحه لغويا ثم يتبعه بشرح عن حياة الإمام المؤرخ عنه.
قبل التجاوز إلى عرض مضامين الكتاب لابد من الإشارة إلى التحولات الجذرية في الحياة الاجتماعية العُمانية فالطابع الثقافي لهذا الانتقال يبرز بدايات الانتعاش الحضاري على ساحل عمان مرة أخرى مع انتقال العاصمة العُمانية إلى مسقط وقد كان كذلك لمعاصره الشيخ جميل بن خميس السعدي مصنف «قاموس الشريعة» في 90 مجلدا، بعدما ظلت داخلية عمان المحور العلمي والثقافي لعمان لقرون عدة. لاشك أن ابن رزيق ترجع أصوله إلى مدينة نخل في داخلية عمان لكن تكوينه العلمي كان في العاصمة مسقط. فهذا التجاوز لم يكن إذا فقط من المرحلة الكتابية والتصنيف بل تعدت لتكمل مرحلة تفاعلية في الحياة الأدبية في عمان أكملت في مسقط مع ابن عرابه وابن شيخان السالمي وأبي الصوفي وهلال بن بدر البوسعيدي أي أن الساحل العماني اصبح مركزا للإبداع بعد توقف دام لقرون. وهذا التجاوز الإبداعي يمكن إيجاده في الكتابات التاريخية فمن ضمن المصنفات المحفوظة التاريخية العُمانية في المملكة المتحدة «تاريخ أهل عمان» لجعفر بن سالمين بن عبدالله النخلي (30)، او ك «سعد السعود في تاريخ البوسعيد» (31)، حيث الاحتمال أن كليهما كانا من كتاب ديوان السلاطين البوسعيديين بمسقط وهو يعكس النضج الإبداعي والاهتمام به من قبل السلاطين، فإذا الانتقال لم يكن سياسيا فقط بل تجاوزه إلى النطاق الثقافي.
أما في مقام التصنيف ففي هذه اللحظة يبدو لنا مساران مختلفان في تصنيف هذه القواميس في عمان، فالأول هو الجانب التاريخي وهو المضمون: فابن رزيق جعل من منظومته في سير الأئمة مجاراة لشخصيات الأئمة وإذا رجعنا إلى كشف الغمة أو بالأحرى إلى مختصر روس (32) لتبين لنا بان هذا التأثير ظل متبعا ينتزع منهجا أولا ليجعل من عمان كإقليم مستقل أو محور إقليمي مركز الاهتمام. توالت من بعدها تاريخ أهل عمان «لمصنف مجهول (33)، ثم «قصص وأخبار جرت في عمان» لأبي سليمان بن محمد بن عامر المعولي (34) و «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» لنورالدين السالمي برغم تسلسله التاريخي إلا أن الأحداث مجارية لفترات حكم الأئمة في عمان وأخيرا «عمان عبر التاريخ» للشيخ سالم بن حمود السيابي. أما بالنسبة إلى الأسلوب النظمي الذي نهجه قد يمكن الجزم أن ابن رزيق قد تأثر بالقلهاتي (ق7|13) من خلال منظومته الشهيرة «الصحيفة القحطانية» حيث عارضها ابن رزيق بمنظومتيه «الصحيفة القحطانية» (35) و «الصحيفة العدنانية» (36). ولو تتبعنا ظاهرة أرجوزات البيوغرافيا واستعمال هذا اللون الأدبي لوجدناه بدا مبكرا في عمان فعبدالله بن عمر بن زياد بن احمد الشقصي (ق8|14) نظم أرجوزة مخمسه في سيرة الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء أهل الاستقامة وعلماء عمان. (37) ثم كذلك مع الشاعر سعيد بن محمد الغشري (ق10/ 16) قصيدة نظمها عن أئمة بني خروص، ومن هذه المنظومة عدَّها بعض المؤرخين كعمل توثيقي في الكشف عن أئمة بني خروص الذين لم يدون عنهم. فسلك من بعده محمد بن خميس السيفي في قصيدة نظمها في أئمة اليعاربة وإن كان بدا مقدمتها بأبيات في (30/5)
صفحة 313
الأئمة ذوي الأصول القحطانية. (38) هذا الخط وجدناه كذلك من بعد لدى الشيخ خلفان بن جميل السيابي في الجزء الثالث «سلك الدرر» (39) حيث انشأ منظومته في تتبع أئمة عمان عبر القرون إلى القرن الرابع عشر وإن كان لم يذيلها بشرح للأبيات ثم من بعده الشيخ محمد بن راشد الخصيبي (ت 1988) في منظومته «شقائق النعمان في ذكر شعراء عمان» وكذلك في قصيدته في حملة العلم وأئمة العلم من أهل عمان «تلك أثارنا تدل علينا» (40).
هنالك ظاهرة أخرى في أرجوزات البيوغرافيا وهي محاولة سرد نظم أعلام المدن حيث، بدأ هذا اللون يشق طريقة من خلال الأرجوزات والمناظيم وإن كانت متأخرة بعض الشيء فقد نظم الشيخ محمد بن سالم الرقيشي في أئمة العلم من مدينة أزكي بدأها بمطلع:
يا رعى الله أربعا بالنزار
مقفرات أو آهلا بالفخار
و سقاها الحياء وحيّى ثراها
وابل المزن بالغوادي السواري (41)
وثم من بعد خلفان بن محمد المغتسي أيضا في علماء أهل أزكي وتبعه أبو سرور حميد بن عبدالله الجامعي في أعلام مدينة سمائل. فهي تحفظ لنا الاستدلالات للمكانات الجغرافية للتراجم.
فأرجوزات التراجم اتخذت في الكتابات الأدب العربي من قبل فقد صاغ عبداللطيف بن احمد بن محمد الدمشقي أرجوزة في علم الأنساب «نخبة التفاحة حاوية قواعد المساحة» (42). وكذلك «محاسن الأزهار في مناقب العترة الأطهار» (43) لعبدالله بن حمزة بن سالم (ت614|1217) أرسلها إلى الخليفة الناصر، , و «رياض الأبصار في ذكر الأئمة الأقمار والعلماء الأبرار» وهو تراجم شعرية لكبار رجال الزيدية والمعتزلة للهادي بن إبراهيم بن علي الوزير (758 - 822|1357 - 1420). (44) تبعا لهذه المصنفات فانه من الجائز احتماله أن هنالك تأثيرا يمنياً في الأرجوزات العُمانية السابقة خصوصا مع تدوين القلهاتي لأرجوزته وذلك مع تحول الطرق التجارية في القرن 5|11 لتأخذ مجرى بين المدن الساحلية الجنوب شرقية والجنوبية للجزيرة العربية مما أدى الى تطور العلاقات على طوال الساحل الجنوبي والجنوب الشرقي (العُمانية اليمنية) (45) وذلك يمكن تلمسه من معلومات في «تاريخ المستبصر» لابن المجاور، (46) و «صفة جزيرة العرب» للهمداني. (47)
V- مع بدايات الانتقال الحضري في عمان خلال القرن الماضي كان أمراً طبيعياً أن يكون عاملا في تكوين اتجاهات وأنماط كتابية تعكس هذه الاتجاهات من قواميس التراجم، ويمكن رصدها:
محمد السالمي (1891 - 1985)
أرخ محمد الشيبة السالمي كتابه «نهضة الأعيان بحرية أهل عمان» (48) لرصد تتابع الأحداث الداخلية في عمان مع بدايات القرن العشرين وإلى عقد الستينات منه وان كان ويلكنسون يشير إلى انه اكمل الكتابة التاريخية لكتاب «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» لنورالدين السالمي إذا فهو تسلسل لتلك المجموعة. (49) لكن بتمعن في منهجية السالمي في مصنفة يتبين انه نهج فيه لرصد تتبع رجال عمان والقوى القبلية مع مطلع القرن الماضي. وتتضح خطته بعد مقدماته التعريفية الموجزة عن مدن وتاريخ عمان. ولذا لو تتبعنا مقالات التراجم في هذا الكتاب لوجدنا أن السالمي خلال هذا الرصد في الحقيقة لم يكن يقصد به قاموسا في التراجم وإنما كان هذا التقصي إضافات لتوضيح البنية التركيبية في سكانية عمان في القرن العشرين من أمراء وشيوخ وعلماء وقضاه وأدباء وكان رصده بالمعاصرة، فهو أحد المعاصرين الذين كانوا في داخل ذلك الصراع، وهذا يعطيه توثيقا أدق. وإن كان هو معبرا عن وجهة الإمامة الأيديولوجية ومدافعا عن شرعيتها لكنه في الوقت نفسه لا يعكس إيديولوجية الإمامة ككينونة قائمة بذاتها، وهذا بطبيعة الأمر جعل تركيزه على داخلية عمان لم يتطرق إلى المناطق الساحلية بتوسع أو شمولية اكثر عن شيوخ وأدباء خارج ذلك النطاق إلا تلميحا. فبدأ بتعريفات واسعة عن كبار البيوتات في العائلات العُمانية في القرن الماضي كنحو (النباهنة آل حمير في الداخل)، (بنو النعيم البريمي)، (آل صالح بن علي الحارثي وآل حموده في الشرقية)، (آل هلال بن زاهر الهنائي)، ومن ثم بدا في كتابة التراجم. لكن المهم الإشارة إليه انه عكس من خلال تلك التراجم التغيرات الجذرية وسطوة القبلية في صياغة الأحداث وتقلباتها، وهي حقيقة تثير الاستغراب الكامل حتى ولو تخلي بعض الشيوخ عن مبادئ دينية أحيانا. إلا انه كان جعل من مصنفه سجلا حافلا للانعكاسات الأدبية والعلمية في داخلية عمان والمدارس الدينية التي بدأت تأخذ أنفاسها للعودة وهذا (30/6)
صفحة 314
التسجيل كان خلال تدوين التراجم، إضافة إلى ذلك كانت تميزه في كتابته إنها كانت استقصاء لترجمة تواريخ الأعلام المدون عنهم من الولادة والوفاة والمكانة والشيوخ المتتلمذ عليهم أو الرجال الذين ارتبط بهم.
البطاشي (ت1999):
التطور لقوائم العلماء في سردها تمت صياغته مؤخرا في «إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان» (50) للشيخ سيف بن حمود البطاشي (ت. 1999) وتقلد منصب القضاء في ولايات عدة إلى أن تفرغ للبحث أواخر عمره لكن للأسف الشديد لقد وافاه الأجل قبل إكمال مشروعه الذي تم إصدار منه جزءين بدأهما بالتسلسل الزمني من عصر النبوة إلى أن توقف فيه مع بداية القرن 11|17.ففي الجزء الأول بعد إيراد التراجم أوجد كذلك قائمة أخرى للعلماء الذين لم يتمكن من الحصول على معلومات موسعة عنهم. لاشك إن الإلمام الموسوعي عند البطاشي كان محركا في تدوين البيوغرافيا نحو: «الطالع السعيد في سيرة الإمام احمد بن سعيد» و «تاريخ المهلب وآل المهلب» وكذلك «شعر الشيخ خلف بن سنان الغافري». ولكن الذي نهجه البطاشي في تقصي المعلومات كان موفقا في مقارنتها واستخراجها من المصادر العُمانية وغير العُمانية على السواء بل إن مراجعه المعتمدة بحد ذاتها وثيقة مهمة من حيث اعتماده على الكتابات الفقهية والمخطوطات وروايات والأخبار المختلفة وإطلاعات واسعة في المكتبات العُمانية الخاصة، زاد عليها التحقيقات التاريخية في مقارنة الآراء وإكمال جوانب من التاريخ العماني إذا كانت متعلقة حول الشخصية المترجم عنها. وأحيانا للمخالطات العائلية والتي اختصت بفن علمي ظل متوارثا عبر أجيال كنحو عائلة بني مداد المتصوفة أو بني هاشم في الطب، فيحاول إيجاد السلسلة العلمية والنسبية مما يوضح جوانب خفية عن الحياة الاجتماعية في عمان.
وقد بين دوافعه إلى تصنيف الكتاب:
«أولا: أن العلماء العمانيين كان اكثر اهتمامهم بالتأليف في الفقه والأصول والولاية والبراءة فألفوا في ذلك الجوامع الكبار والكتب المطولة أما الكتابة التاريخية لم يعنوا بها كثيرا ولم يؤلفوا كتبا مستقلة إلا ما يوجد عرضا في كتب الفقه.
ثانيا: فقدان كثير من مؤلفاتهم إما بحروب طبيعية أو حروب قبلية أو غزوات جاءت من خارج البلاد أو إهمال وعدم اعتناء ممن اقتنى هذه النفائس.» (51)
لكن الإشكالية التي تبقي الارتباك في مجموعة البطاشي هي عدم إيضاحه لمنهجه أو خطته في هذا الكتاب، مما يثير تساؤلا حوله: هل هو يساير الترتيب الأبجدي؟ وهو العادة المتبعة عند الكثير من هذه المصنفات وهو مستبعد تماما في تصنيفه أم التسلسل الزمني؟ وهذا الذي حاول الالتزام به. لكن هنالك مفارقات في التسلسل الزمني أحيانا مثل تقديم الخليل بن احمد والمبرد وابن دريد على من سبقهم من الأعلام أو كشبيب بن عطية على أبي حمزة الشاري ونحوه فهو يحيل القارئ إلى التقصي الزمني لكل علم. وباعتبارية قرب الإصدار فهو قليلا ما يشير إلى المصادر لتوثيق مراجعه.
VI- بالنسبة لكتابة قواميس تراجم الشعراء في عمان يمكن حصرها مع عبدالله الطائي ومحمد بن راشد الخصيبي: (52)
عبدالله الطائي (1927 - 1973): لقد ظهر جيل من أدباء الخليج مع نهاية الخمسينات كانت امتدادا لنزعة القومية العربية، وأخذت هذه الظاهرة في الامتداد الإقليمي خصوصا في الستينات من القرن الماضي وكانت تحاول إبراز الثراء الأدبي للوجه الشرقي من الوطن العربي قد يكون عبدالله الطائي أحد روادها. لكن لو تتبعنا عن كثب عن كتابة عبدالله الطائي للبيوغرافيا ستتضح لنا بأنها بدأت بعملية تدريجية أي أن ظاهرة الكتابة البيوغرافية كانت لدية فترات انتقالية بدأت من عمليات تجميعية من أحاديث إذاعية وكتابات صحفية لشعراء الخليج المعاصرين (أو بالأحرى القرن العشرين) تم جمعها أولا في «دراسات عن الخليج العربي» 1968 ثم «شعراء معاصرون» إلى خلاصة إنتاجه في «الأدب المعاصر في الخليج العربي» 1974.
إن هذا البناء التراكمي لدى الطائي يوجه لدلالات معرفية عن الخليج في ستينات القرن العشرين فالمصنفات بأشكالها لا يمكن ضمها إلى قواميس البيوغرافيا لكن الطائي اتبع في دراساته الأدبية إلى ما يشبه إبراز جوانب أدبية من الخليج بتعريفات موجزة عن الشعراء ونماذج من أشعارهم فهو لم يوجه كتاباته لدراسات نقدية بل مختارات لنماذج من شعراء الخليج ولذا تقترب كثيرا مقالات الطائي من قواميس البيوغرافيا عن شعراء الخليج المعاصرين أو بالأصح من بدايات القرن إلى بداية السبعينات، لكنه أحيانا يطلق مسميات على الشعراء للتعريف بهم نحو: شاعر عمان (الشيخ صقر بن محمد القاسمي)، شاعر القبيلة (عبدالله بن علي الخليلي)، شاعر الحكم (محمد بن شيخان السالمي) أو شاعر الشباب (احمد محمد الخليفة) أو شاعر الشعب (عبدالرحمن قاسم المعاوده). لكنه يستبعد ذكر شعراء النبط أو شعراء الشعر العامي وقلما يتعدى إلى ذكرهم لكنه أحيانا يتعدى إلى ذكر بعض شعراء العرب. فالاقتصار على الإقليمية عند الطائي دافع مهم لإبراز (30/7)
صفحة 315
أوجه من الحياة الأدبية في الخليج خصوصا مع الثروة النفطية في الخليج وهذا ما أبرزه بوضوح في خلاصة إنتاجه «الأدب المعاصر في الخليج العربي» من ذكر أعلام الأدب المعاصرين قبل وبعد النفط لكل دولة من دول المنطقة: الكويت، قطر، دولة الإمارات، البحرين ثم سلطنة عمان وهو في هذه فهل كانت ردة فعل لما يثار أن «الخليج حياة النفط». فلفتة الطائي الى التمايز في الحياة الأدبية في الخليج العربي من تتبع أعلام الشعراء ومسيراتهم الأدبية من الشعر الكلاسيكي الى بدايات من الشعر الحديث ثم استبعاد المركزية العُمانية والتمحور على الإقليمية الخليجية جعلت من مقالاته مدخلا لدراسات البيوغرافيا والدراسات الأدبية في الخليج العربي وهي في الواقع لا بمكن الاستغناء عنها إن لم تكن كتاباته هي من المرتكزات التي قامت عليها مشاريع ودراسات أكملت قواميس البيوغرافيا. لكن المرتكز الذي يمكن أن نستدل عليه من حياة الطائي هو الكتابة الصحافية وحيث صرح «قد كانت نافذة هذه المشاعر ركنا من مجلة (صوت البحرين) اسمه (شعراء من جزيرة العرب) في الخمسينات ثم عاد في الستينات إلى برنامج أسبوعي من إذاعة الكويت سميته (دراسات عن الخليج العربي) كان يلتزم التعريف بأقطار الخليج وتاريخها ومظاهر الحياة فيها وأدبها العربي». (53) لا ندري إلى أي مدى من الممكن الأخذ به هل هذا الدافع في الكتابة عن بيوغرافيا شعراء الخليج عند الطائي قد بدا إعدادها في عمان أم إنها تبلورت في الخارج خصوصا خلال قيامه بالكويت.
الخصيبي (1912 - 1989):
كتابة قواميس البيوغرافيا عن الشعراء جاءت متأخرة في عمان عندما اصدر محمد بن راشد الخصيبي في مطلع الثمانينات ثلاثيته «شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان». (54) هنا يمكننا التلميح إلى التوازي بين حياة ابن رزيق والخصيبي فكلا العائلتين التصقتا بديوان السلاطين (55) وإن كان ابن رزيق يبرز هذا التأثر ويمكن الحاظه اكثر مما هو عند الخصيبي في حياته الأدبية إلا أن الخصيبي تأثر في هذه الثلاثية بمنهج ابن رزيق من شكلية الكتابة وفنية المنهج ثم أن كليهما يبديا اهتماما بطرائف الأخبار والقصص في الكتابة لتكشف عن معلومات في بعض الجوانب عن الحياة الاجتماعية في عمان. فالخصيبي ابتدأ بمنظومته «شقائق النعمان» ثم ألحقها بشرح «سموط الجمان» يبدأ بلغة البيت ثم عن ترجمة العلم إلى أيراد مختارات من شعره. وقد بدا منظومته:
أتحف السامعين من ذكرياتي
واسقهم من رحيق مبتكراتي
خلهم يرتعون في كل روض
من رياض البيان والنغمات
إلى أن ينتهي:
وبحمد الإله قد تم نظمي
منه أرجو لأحسن الخاتمات
قسم الشعراء في هذه الثلاثية إلى خمس طبقات خصص الطبقة الأولى في اسماء الشعراء من أول القرن الهجري إلى تمام القرن الرابع عشر، ثم الطبقة الثانية من شعراء عمان في القرن الرابع عشر، الطبقة الثالثة الشعراء من الأئمة والملوك والأمراء، الطبقة الرابعة لأعلم الشعراء واشعر العلماء وختمها بالطبقة الخامسة للعلماء الذين قرضوا الشعر. لو نظرنا مقارنة بين كتابات الطائي والخصيبي حيث انهما صنعا قواميس البيوغرافيا عن الشعراء إلا أن المنهج المفارق بينهما يتضح من أسلوب الكتابة إلى الأبعاد التكوينية لكل منهما. فالطائي يقدم بلغة حديثة واضحة ويحاول أن يقدم أعلامه بارتباطات معينة سواء قومية أو دينية أو سياسية أو اتجاهات أدبية ذات ارتباطات أيديولوجية، وهذا واضح من انتقائيته الأدبية لدى الشاعر، بينما الخصيبي كان قاضيا وأستاذا في العلوم الشرعية إلى قرب وفاته وظل الأسلوب مفارقا تماما، من حيث الكتابة الكلاسيكية والاهتمام باختيار العبارات السجعية. أما من الناحية الشمولية فالخصيبي اكثر شمولية وتتبعا لكل شاعر من الناحية العائلية وقراباته ثم أن إنتقائيته الأدبية إنما تكون عادة بتقييم نقدي لأفضل ما أمكن الشاعر من تقديمه بغض النظر عن الاتجاهات التي ينهجها الشاعر ولاشك إنها من منظور الخصيببي بذاته غير انه يعتمد على النقل الشفوي والرواية والخبر للترجمة واستمدادا للمعلومات الشفوية ولو للتراجم المتقدمة كنحو ابن دريد، فالأخبار والروايات ظلت من محفوظات الألسن والتناقل الشفوي وكان الاهتمام بها من قبل البطاشي والخصيبي حفظت لنا كثيرا من هذه الروايات التي قد تعد من قبيل النسيان، ولذا هم يحاولون بأنفسهم تصحيح بعض الأبيات والروايات. بيد إن ما يجعلنا الاهتمام بالخصيبي هو انه كان اكثر تصورا لإيجاد المصنف أو القاموس المتكامل لشعراء عمان: لكن يتبين لنا أن (30/8)
صفحة 316
الخصيبي على رغم إصداره المتأخر لهذه القواميس استبعد الشعر الحديث من ضمن مجموعته أو مجرد ذكره بينما هو يفرد الطبقة الخامسة من ثلاثيته للفقهاء وأراجيزهم ومنظوماتهم. وهذه تعكس الحياة الفقهية التي تميزت في عمان في القرون الثلاثة الماضية حيث ظلت المدارس الدينية المحور العلمي والأدبي وظل هذا الالتصاق في استمرارية التعليم الديني.
الطريف في هذا التباين بين الشقين في الكتابة المستخدمة الحديثة والتقليدية في هذه القواميس تبدو للعيان واضحة فمسلك الكتابة الحديثة بدا يشق نمطا أسلوبيا يدنوا من شبة انتقالية تشبه التطور الذي مرت اللغة به في مختلف الدول العربية مع مطلع القرن العشرين. وان كانت الكتابة تأخذ التواصل ولو من بعد لوقتنا هذا. فهذا التشكل للصيغة الكتابية الحديثة أو الأدب المعاصر في الخليج العربي تدين في تطورها إلى الصحافة في بلورتها. (56)
ذيَّل الكتاب السابق الذكر «شقائق النعمان» بكتاب «قلائد الجمان في أسماء بعض شعرا عمان» (57) للسيد حمد بن سيف البوسعيدي حيث يشرح مغزاه من تأليفه: « ... .فقد خطر بالبال كتاب اذكر فيه بعض شعراء بلدنا عمان، الذين لم يرد ذكرهم في كتاب 'شقائق النعمان في أسماء شعراء عمان ' لمؤلفه الشيخ المؤرخ محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي. أما من حيث المنهج فقد اختلف تأليفه عن سابقه تماما» ... . وجعلت كتابي مختصرا مقتصرا على اسم الشاعر، وما اطلعت عليه من نسبه، وذكر نموذج من أشعاره، وتخليد ذكر قائليه وسميته قلائد الجمان في ذكر أسماء بعض شعراء عمان، وجعلت أسماؤهم مرتبة على حروف الهجاء من حرف الألف إلى أخر الحروف بغير مراعاة المتقدم من المتأخر .. «. وإن كان الكاتب لم ينتبه إلى الترتيب في التسلسل داخل الحروف الأبجدية فمثلا لم يرتب الحروف على أسبقيتها في حرف س، فالأسماء تذكر جملة لتنظوي داخل الحرف بالترتيب الأبجدي أما تسلسلها فلا.
لقد كان هذا التأليف سابقا في المصنفات لتدارك ما تناسى السابقون عن ذكره فكشف مصنفه عن كثير من الشعراء والقصائد المغمورة بين المخطوطات وأسماء لم تخطر على بال الكثيرين. حيث الاتجاه السائد إلى ذكر المشاهير في المناطق الداخل أما الأطراف العُمانية فقلما من يبدي الاهتمام بذكرهم.
VI- أصدرت موسوعة السلطان قابوس للأسماء العربية جزءا خاصا بأعلام عمان حيث صاغت لأول مرة موسوعة لبيوغرافيا تضم رجال حكم وساسة وعلم وأدباء وأعيان وتجار بشكل إجمالي وكان لهذا التقصي أثر واضح عكس الحياة الاجتماعية في عمان حيث تعدت فيه النمطية التقليدية والمحور الواحد وبالطبع اتبعت الترتيب الأبجدي فيها هي بذاتها قد تمثل مشروعا مستقبليا في كتابة البيوغرافيا في عمان وعكس المتغيرات للوحدة السياسية في عمان خلال القرن العشرين. والميزة الأخرى التي يمكن الإشارة إليها أنها الموسوعة تمت تحت عمل جماعي أي قامت بها مجموعة من الباحثين ولم تكن عملا فرديا كالأعمال السابقة. لكنها في إصدارها الأخير، فهي تنطوي على ملاحظات تدرك مباشرة فمضامين التعريف حول كل شخصية من الاقتصار لا تتعدى الأسطر أو بضع الكلمات حولها فهي لا تتعدى إلى التحقيق حول الشخصية في تواريخ الولادة والوفاة والمكانة فعلى سبيل المثال لو أخذنا بالمقارنة مع دائرة المعارف الإسلامية لنأخذ أعلاما كجابر بن زيد أو احمد بن ماجد نجد فيها تحقيقات أوسع واشمل. كذلك إغفالها للمراجع والمصادر في التوثيق يجعلها في محل الجدل في الاستعمال الأكاديمي. لكن يمكن التلافي بالإصدارات والملاحق المتواصلة فتكون تغطية لتراجم والمشاهير العمانيين على ان يكون الإصدار الأول مستندا للرجوع إليه.
VII- كتابات الأنساب والقبيلة: كنت لا انوي في هذه الدراسة التصدي لموضوع مصنفات الأنساب وكتاباتها في عمان لكن للارتباط بينها وبين قواميس البيوغرافيا، والتشابه في كثير من الأوجه مكمل للأخر ثم للاحتواءت كتابات القبلية في تعديد رجالات القبائل، لا يمكننا إلا واخذ حسبان هذه الكتابات وعدها في هذا النطاق برغم معيار القبيلة والمنهجية المختلفة، وفي حقيقة الأمر هذا المنحى التزم به بروكلمان من قبل (58). فالقبيلة في ذاتها تعد إحدى مكونات التاريخ العماني بحسب اعتبارات ويلكنسون (59) وبيترسون. (60) غير إننا نجد إلى جانب ذلك معرفة الاستيطانات القبلية تدلل لتسهيل على موقع أو أصول المترجم عنه. من اجل ذلك لما كانت هذه العوامل تلزم ولو بشكل غير مباشر إلى التطرق إليها لأبد أن إشكاليات وأساليب أنواع الكتابة فيها متداخل في ضمن سياقنا ومرتبطة به.
ويظهر من خلال الاستعراض الأولي لهذه المصنفات أن أخذت أسلوبية الكتابة نفسها المتبعة في قواميس البيوغرافيا من حيث النوعين: النثر والنظم وهنا سنعرض كلا النوعين.
ليس ثمة شك أن أبا المنذر سلمة بن مسلم العوتبي (ق5|11) في كتابه «الأنساب» أولى الكتابات العُمانية في الأنساب حيث يبين لنا منهجه: « ... .. ثم اتبعت بعد ذلك أسماء الشعوب والقبائل والأفخاذ والبطون والفصائل: وذكر الشجرتين من القحطانية والعدنانية، وافتراق كل قبيلة إلى بني أبيهم ... .» فهو إضافة إلى الارتباطات القبلية في سياق التاريخ العماني من الأهمية على السواء في الدراسات التاريخية والديموغرافية لعمان واحتوائه بإدلائه عن معلومات موسعة حول الكثير (30/9)
صفحة 317
من الشخصيات العُمانية، ثم المهم عندنا هو نزول القبائل العربية بعمان وانفراده بتفصيل بعض الشخصيات التي كان لها التأثير في المجرى العام، حيث يورد مفصلا عن مالك بن فهم وولده، بني العتيك وآل المهلب بن أبي صفرة، معولة بن شمس والجلندى. ومن هذه الزاوية قد تكون ثمة محصلة لتجميع ما يمكن استقراؤه عن رجالات عمان في عصر ما قبل الإسلام والقرن الهجري. هذا الانعكاس يتضح تماما من محاولته لصب التاريخي القبلي وبلورة الاستيطانات العربية كبداية التاريخ العماني تتابعا إلى يومه، ولذا قد يكون احمد عبيدلي محقا في رأيه بان العوتبي كان قد اهتم بالأنساب عامة فإننا نجد تلك التفاصيل الهامة مبثوثة بين بقية الأخبار ولا يتناسب مع ما يخصصه لبقية الأنساب من أجزاء لأخبار الأزد مع ما يخصصه لبقية الأنساب ولربما كان متسقا في ذلك مع طبيعة موضوع الأنساب كما يتناوله المؤرخون المسلمون مما يجعل ذلك الكتاب ينتمي إلى ذلك الحقل بشكل عام» (61) على أننا حين ننظر في الأسلوب الإنشائي في كتابه فإن ما يهمنا هو القدرة على تجاوز مرحلة النقل والاستطراد في تتابع الرواية الشفوية فهو بالنسبة إلينا كوجه من اوجه الكتابة في عمان خلال القرن 11م. هذا التجاوز يبدأ بمرحلة انتقالية حقيقية في فنية الكتابة سواء من الاقتباسات والمراجع والتصور حيث أراده العوتبي أو بالأحرى يمكن الإشارة إليه بأنه أمكن إيجاد فكرة الكتاب ومحتوياته.
ويزداد هذا التناسق مع مما يدخل في موضوعنا كتابات الأنساب والقبائل بشكل عام ولكن سنتطرق اليها ضمن هذا السياق لنكشف بعض المصنفات المتصلة بنا. فمع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وجدت الكتابات الأوربية عن القبيلة متسعا لها في عمان حيث محور الولاءات بين الشقين المتنافسين الهناوي والغافري وانتقال التحالفات القديمة ما بين يمن ونزار ليكونا هاذين الحلفين هما المسيطران، بدأت متعددة ومتوالية منها بيللى (1863) (62)، ثم مايلز «الخليج بلدانه وقبائله» (63)، كارتر «قبائل عمان» (64).
ففي التصادم الأولي ما بين القبائل اليمانية والنزارية يمكن إيجاد هذا المنظومات الشعرية توضح هذا التنافس على اننا على يقين بان القبائل اليمانية ظلت طوال التاريخ العربي في عمان المحرك للسياسة. وفي نفس السياق المنظومات الأدبية القبلية في إدلائها وإفادتها حول دراسات الشخصية ابتداء من القلهاتي في منظومته «الصحيفة القحطانية» حيث حاول أن يبرز مناقب اليمانية ويبين مثالب النزارية. إلى أن يتضح تأثيرها مع ابن رزيق في منظومتيه «الصحيفة القحطانية» و «الصحيفة العدنانية». لكن المحرك القبلي يبرز في تشكيل هذا المصنفات لتجد من فهرست القبائل العُمانية للشيخ سالم بن حمود السيابي (ت1994) «إسعاف الأعيان في انساب أهل عمان».
لكن هذه المنظومات والفهرسة لا تكشف عن حقائق جوهرية في كتابة التراجم بحيث يمكن اعتمادها للمرجعية الدراسية إلا لماما. لكن الأهم الذي يمكن الاستفادة منه في كتابات الأنساب أنها ولدت نوعا أخر من هذه الفنون الإنشائية وهو من ضمن كتابة الأنساب يمكن الإطلاق علية (الكتابات القبلية وهو الأحرى) أوجدت لتعديد مناقب قبيلة معينة لكنها توفر لنا قوائم في تراجم ومشاهير القبائل بصورة إجمالية فهي تعنى إلى إبرازها سواء من ساسة أو أدبا أو علماء أو قضاة ... ونحوه. فعلى نحو تسلسلي تبلورت مع «نبذة في تاريخ المعاول» (65) لأبي راشد محمد بن عامر بن راشد المعولي (ق 18) و «تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين» (66) لشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (ت1974) إلى «الموجز المفيد نبذ من تاريخ البوسعيد» (67) للسيد حمد بن سيف البوسعيدي (ت1998)، وكذلك القسم الأول من «اللؤلؤ الرطب» (68) للشيخ سعيد بن حمد الحارثي، ومن قبل ولو بالإشارة بدأت في الواقع من «الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين» لابن رزيق ولكنه كان يعنى بالكتابة التاريخية الشاملة لتاريخ اكثر من كتابة التراجم فهو يركز على الأحداث السياسية في نطاق الأسرة الحاكمة. وللدلالة على فنية هذه الكتابة لو أردنا الربط بين مؤلفيها سنجد انهم قد سلكوا خطي متشابه فهم علماء وقضاة وذو نفوذ في أسرهم أي إن المراد من تصنيفها هو الحفظ والتعريف بمشاهير القبيلة وليس وضع قواميس خاصة يمكن الاستناد إليها، لكن تصنيفه الذي وضعه السيد حمد بن سيف البوسعيدي اكثر تنسيقا ووضوحا فبدأ القسم الأول منه بالأئمة والسلاطين البوسعيديين لعمان وزنجبار ثم العلماء والفقها ثم الشعراء، وعليه فان ما يمكن أن نشير إليه في هذا السرد هو التأثير القبلي في الثقافة العُمانية ككل وتأثيرها يمكن تلمسه بوضوح ليس في الكتابات التاريخية بل الفقهية والأدبية على حد سواء. لكن من حيث المسلك فان الخطى متقاربة إلى حد ما وهم بذا يعكسون تأثيرات سابقة من عوامل محلية في كتاباتهم أي بمعني إن أساليبهم لابد إنها كانت ذات منشأ محلي بدون مؤثرات خارجية.
VIII- كل ما سبق يمكن تلخيصه في أن ثمة تغيرا في أسلوبية الكتابة في عمان أخذ في التشكل مع منتصف القرن الثامن عشر كانت بداية في مؤشرات للانتقال. هذا الانتقال ظل متمحورا ومتأثرا بالثقافة المحلية العُمانية وتستقي من نفس الكتابات التقليدية في القرن 7|13 فهي لم تتأثر بفنية الكتابة التراثية العربية بشكل واسع كوجود المختصرات والتذييلات والشروح على هذه المصنفات. وكذا المسلك من نوعي الكتابة وأساليبها: النظم والنثر تطورت وواكبت انتقالات تدريجية لكنها في الوقت نفسه ظلت المحافظة عليها إلى وقتنا هذا. ولا ندري أن تكون الكتابة الكلاسيكية في قواميس البيوغرافيا انتهت مع الخصيبي والبطاشي. إن ما يمكن التوصل إليه إن هذه القواميس هو إنها تعكس اوجها متعددة للتغيرات الثقافية والاجتماعية لعمان وتبرز ملامح تيارات وأيدلوجيات مختلفة سواء قومية أو دينية أو تقليدية في تشكيل هذه الكتابة في (30/10)
صفحة 318
عمان. نعم لربما أن إشكالياتها لا تزال من حيث ارتباطها المباشر وغير المباشر مع الكتابة التاريخية ولهذا يصعب التفنيد بينهما في دراسة وتقويم مصادر التاريخ العمان. إن ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو إلى وجود فجوات واسعة في الكتابة والتصنيف في عمان منذ القرن 7|13 حتى بداية القرن 11|17 فبعد تتبع تطورات التصنيف في عمان مع ابن بركة والكدمي والبيسيوي والعوتبي والكندي ثم ابن النظر نجد أن الفراغ يبدأ مرة أخرى من بعد القلهاتي وهذا يثير الارتباك والتساؤل والغموض للفترات نفسها تقريبا مقارنة بالتدوين في التاريخ العماني ومثالا على ذلك الفجوات التاريخية من بعد سقوط الإمامة الأولى في عمان ثم في زمن دولة النباهنة، فالسؤال هنا هل من ترابط في عملية التدوين والكتابة في عمان أم هل من مؤلفات لا تزال مطمورة لم يكشف عنها؟. كيفما كانت هذه القواميس إلا أن عمان لا تزال تفتقر إلى تراجم التجار والصناع والأدباء وهذا بحاجة إلى دعوة حثيثة لتلافي الضياع في كتابة التراجم في عمان.
الهوامش
1انظر حول هذه المؤلفات ابن النديم. الفهرست. ص96. طبعة 1873. ليبزج؛ كارل بروكلمان. تاريخ الأدب العربي. ترجمة السيد يعقوب بكر. ج6. ص35. دار المعارف. القاهرة. 1977.
2 F. Rosenthal, A History of Muslim Historiography
p89 1952, Leiden
3 Hamilton Gibb, »Islamic Biographical Literature», (in Historian of the Middle East, edited by Bernard Lewis and P. M. Holt. London, 1962)
4 كارل بروكلمان. تاريخ الأدب العربي. ج6. ص35.
5 ابن النديم. الفهرست. ص96.
6 كارل بروكلمان. تاريخ الادب العربي. ج6. ص35.
7 فؤاد سزكين. تاريخ الأدب العربي. ج2،ص.
8 H.A.R.Gibb, 'Ta'rikh', Encyclopedia of Islam (first edition)
9 Lichtenstardter, »Arabic and Islamic Historiography»
Muslim World, v35(1945), pp126 - 132
10 R.S. Humphreys, Islamic History: A Framework
For Inquiry. 1991, Princeton
11 Tarif Kalidi. »Islamic Biographical Dictionaries: A Preliminary Assessment», Muslim Worl d
v63, p.54, (1973), p.53 - 65.
12 . Auchterlonie, Arabic Biographical Dictionaries
: A Summary Guide and
Bibliography. Durham 1987.
13 M. Abiad, »Origine et d`eveloppement
des dictionnaries biographiques arabs», (30/11)
صفحة 319
Bulletin d'Etudes Orientales v31 (1979), p.7 - 15.
14 Wadad al-Qadi. Biographical Dictionaries Inner Structure and Cultural Significance. 1995. Edited
by George N. Atiyeh. The Book in the Islamic
World. P93 - 122. Suny Press.
15 كارل بروكلمان. تاريخ الأدب العربي. ج6. تواريخ الرجال وكتب الأنساب.
16 من الدراسات في هذا الجانب: فاروق عمر. مقدمة في مصادر التاريخ العماني. 1979. بغداد. اتحاد المؤرخين العرب؛ أحمد عبيدلي. تحقيق كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة لمصنف مجهول. 1984. دار دلمون. نيقوسيا؛ عصام الرواس. مصادر التاريخ العماني. سلسلة تراثنا. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط.
J.C. Wilkinson. Sources For The Early History
of Oman. Riyadh University. 1975.
Bio-bibliography Background to the Crisis Period in the Ibadi Imamate of Oman, (Journal of Arabian Studies), III, 137 - 164.
17 المراجع أعلاه
18 Ibn Ruzayq, History of Imams and Seyyids of Oman. Translated by Rev G. P.
Badger. Hakluyt Society, 1871.
19 سلمة بن مسلم العوتبي. الانساب. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط. انظر كذلك حول عائلة المهلب:
Martin Hinds. An Early Arabic Family From Oman; Al-'Awtabi's Accounts of the Muhallabids. Journal of Semitic Studies. monograph, 17. University of Manchester. 1991.
20 حمزة بن يوسف السهمي. تاريخ جرجان. ط1. 1950. حيدر أباد.
21 نورالدين السالمي. اللمعة المرضية. ص26. سلسلة تراثنا. وزارة التراث القومي والثقافة.
22 سيرة عبدالله بن مداد. سلسلة تراثنا. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط.
23 انظر نورالدين السالمي. تحفة الأعيان. ج1،ص104.
24 بروكلمان. تاريخ الأدب العربي. ج6. ص35.
25 أحمد بن سعيد الدرجيني. طبقات المشائخ بالمغرب. تحقيق إبراهيم طلاي. بدون تاريخ.
26 أبو القاسم البرادي. الجواهر المنتقاة في ما أخل به كتاب الطبقات. المطبعة البارونية. مصر، بدون تاريخ.
27 ابن رزيق. الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط.
28 Salil Ibn Ruzayq. The History of the Imams and Seyyids of Oman. Translated by Rev G.P. Badger, Hakluyt Society, 1871.
29 ابن رزيق. الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان. تحقيق عبدالمنعم عامر. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط. 1978. (30/12)
صفحة 320
30 محفوظ بالمتحف البريطاني. برقم Or 6568.
31 مختصر تاريخي محفوظ بمكتبة جامعة كمبردج.
32 E.C. Ross, Annals of Oman, in Journal of
the Asiatic Society of Bengal, 1874.
33 تحقيق عبدالفتاح عاشور. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط.
34 أبي سليمان بن محمد بن عامر المعولي. قصص وأخبار جرت في عمان. نشر 1982. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط.
35 محفوظة ب: رودس هاوز. اكسفورد. Afr.S.3 ..
36 محفوظة بالمتحف البريطاني برقم Or. 6569 .
37 الخصيبي. شقائق النعمان. ج1،44.
38 حمد بن سيف البوسعيدي، قلائد الجمان في سيرة بعض شعراء عمان. ص 391. مسقط 1413/ 1993.
39 خلفان بن جميل السيابي. سلك الدرر الحاوي غرر الأثر. ج2. ص 547 - 594. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط. 1401|1981.
40 الخصيبي. شقائق النعمان. ج3، 186.
41 الخصيبي. شقائق النعمان. ج3،256.
42 بروكلمان. تاريخ الأدب العربي. ج6.ص42.
43 بروكلمان. تاريخ الأدب العربي. ج6.ص47.
44 حسين عبدالله العمري. مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني. دار المختار. دمشق.1400| 1980.
45. J.C. Wilkinson. Encyclopedia of Islam.
(2nd edition), article; Kalhat
46 ابن المجاور. تاريخ المستبصر. تحقيق اوسكر لوفغرين. ليدن. 1954.
47الهمداني. صفة جزيرة العرب. تحقيق د. اتش. مولر. لايدن 1884 - 1891.
48 محمد بن عبدالله السالمي. نهضة الأعيان بحرية أهل عمان. القاهرة. ط1. 1961.
49 Wilkinson, J. Bio-bibliography Background to the Crisis Period in the Ibadi Imamate of Oman
, (Journal of Arabian Studies), III, 137 - 164
50 سيف بن حمود البطاشي. إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان. ج1 (1992)، ج2 (1994).
51 البطاشي. إتحاف الأعيان. ج1،3.
52 تم إصدار مؤخرا لتراجم الشعراء العمانيين لسعيد الصقلاوي وللأسف لم أمكن من الحصول عليها من اجل عرضها. (30/13)
صفحة 321
53 عبدالله الطائي. الأدب المعاصر في الخليج العربي. ص6. 1974. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
54 محمد بن راشد الخصيبي. شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعرا عمان. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط. 1984.
55 الخصيبي. شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعرا عمان. ج3، ص169.
56 الطائي. الأدب المعاصر في الخليج العربي. ص 15 - 27.
57 حمد بن سيف البوسعيدي، قلائد الجمان في اسماء بعض شعرا عمان، مسقط، 1993.
58 حيث جعل بروكلمان العنوان تحت مسمى تواريخ الرجال وكتب الأنساب. تاريخ الأدب العربي. ج6،ص 35.
59 John. C. Wilkinson. The Origins of the Omani
State. 1972. Edited by Hopwood. Arabian Peninsula : Society and Politics. London .
60J. E. Peterson. Oman's Odyssey: From Imamate to the Sultante. P1 - 17. Edited by B.R. Pridham. Oman: Economic, Social and Strategic
Developments. 1987. Croom Helm
61 كشف الغمة. مصنف مجهول. تحقيق احمد عبيدلي. ص 30.
62 Pelly , Lt-Col. 1863 - 64. Remarks on the tribes and resources around the shore line of the Persian , Gulf. Transactions Bombay Geographical Society. xvii 32 - 112.
63 Miles. The Countries and Tribes of the Persian Gulf. 1966 (reprint). ترجم تحت عنوان:» الخليج بلدانه وقبائله». ترجمة محمد امين عبدالله. وزارة التراث القومي والثقافة. مسقط. 1988
64 Carter, J. R. L. 1982. Tribes in Oman. Londo
n. Peninsular Publishing.
65 مخطوط بالمكتبة الظاهرية. دمشق. تاريخ. 385.
66 لا يزال مخطوطا.
67سيف بن حمد البوسعيدي. نشر عام 1995. مسقط.
68 سعيد بن حمد الحارثي. اللؤلؤ الرطب. بدون تاريخ.
عبدالرحمن السالمي\ (30/14)
صفحة 322
\ باحث في الدراسات العُمانية ورئيس تحرير مجلة (التفاهم) العُمانية. (30/15)
صفحة 323
عنوان المقال: مدينة نزوى
صدر في العدد ...
الكاتب ...
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
1 نوفمبر,1994
هنالك على الأرجح طريقتان لوصف مدينة تحتل، تاريخيا في الماضي والحافر، مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية والوعي العام:
1 - كتابة تتقصى تاريخ المدينة عبر مراجعة عميقة لمدوناته ومرجعياته المختلفة كتابة تتحول تلقائيا، كتابة تاريخيه، او على الأقل، كتابة في أو حول التاريخ
2 - كتابة صحفية تصف المدينة وصف العين للون، والأذن للصوت، والآنف للرائحة، وصفا حواسيا ظاهريا يحول كل ماهو تاريخي، ثقافي وأثري، الى مادة "سياحية / فولكلورية ".
غير أتنا ونحن بصدد الكتابة عن مدينة تتموضع في أهم وأبرز مفاصل التاريخ العماني القديم والحديث مدينة، فى الأساس، صانعة اهم وأبرز مفاصل هذا التاريخ، ومازات حتى اليوم تلعب دورا مؤثرا في مساراته، على الأصعدة المختلفة الأجتماعي والثقافي والسياسي، سنحاول قدر المستطاع تجنب الاشتغال، في وصف هده المدينة، "نزوى"، على أى من الطريقتين المعروفتين في سياق ما هو سائد ومعروف من كتابة مشابهة، حتي لم لا نقع في مطب كتابة تاريخية ستكون لو حدت ذلك كتابة ناقصة ومبتسرة. أو على الأفضل، كتابة جافة ومحتقنة بأحداث ضخمة، أحداث دولى وزعا مات ونزاعات وحروب وتحولا ت وانكسارات، صعود وهبوط. عالم تاريخ هذه المدينة، صاخب ومتنوع، لاتدعي هذه الكتابة امتلا ك أدوات التعامل معه.
وفي المقابل سنحاول تحبنب الوقوع في سطحية وسهولة كتابة صحفية سريعة ومفككة، هذه الصفحات ليست مكانا مخصصا لها وما سنحاوله، إذا، طريقة ثالثة قي وصف "نزوى"، تجمع يين التاريخية والصحفية دون الوقوع في صرامة الأولى أو سهولة الثانية.
إن هذه الكتابة لاتهدف في الأساس إلى التعريف ب "نزوى" فهي كما يقول المؤرخون العمانيون أعرف من أن تعرفى ونخالهما أصعب من أن تعرف. ولكنها تطمح فحسب الى وصفها وصفا يعرض لبعض من ملامحها، قديما وحديثا.
الانسان والمكان أيهما في البداية يجييء بالآخر، المكان بالأنسان ام الانسان بالمكان، من يبني الآخر ويؤسسة ويبعث فيه الحياة، من يجعل الآخر قابلا على الحياة ضمن شروط الحياة الأساسية سنقول ببداهة الإنسان هو صانع الحياة وشاغلها والمشغول على الدوام بها يؤثث الأنسان المكان حجرات ولطرقات منازل ومزارع. يسور المكان ويسيجه، يحوله بالحياة من مكأن عام الى مكان خاص وخاضع له خضوعا يحؤل الإنسان فيما بعد الى مادة يستهلسها المكان ويفنيها لبقأئه يبقى المكان أذا ويفنى الانسان يزول الباني على الدوام ويثبت البناء.
غير أنا سنعاود طرح السؤال بصيغة ثانية صيغة أن الحياة قبل الإنسان، 21 الإنسان يصور الحياة فحسب ولا يوجدها الحياة موجودة منذ الآزل، موجودة، قبل الإنسان، في الصبيعة.
في المكان ونقول درما إن حياة ما في هذا المكان، وإن مكانا ما يخلو من هذه الحياة إذا ما يغري الإنسان بمكان ما، مكان بعينه دون سواه هو الحياة وأول وأهم شرط وعلامة علي وجود الحياة في مكان ما هو، كما عرفها الانسان منذ الأزل الماء والكلا من هنا، من هذا المدخل حاولنا تتبع أول حياة عرفتها نزوى (نشأة هذة المدنية العريقة وأول من استوطنها قبل العرب ثم أول من استوطنها من العرب ولم كان لها أن تحتل هذة المكانة التاريخة البارزة والكبيرة؟!
وستعترف أننا قضينا وقتا طويلا عند الاعداد لهذد الكتابة في طريق غامض وملتو ولم يوصلنا هذا الطريق، عدا السؤال الأخير حول المكانه التاريخة، الى بداية وأضحة ومحدده نستطيع بها ومن خلالها تحديد نشأة نزوى، ومعرفة من سكنها (31/1)
صفحة 324
قبل العرب ولا أول من استوطنها من العرب ولانستطيع التخمين على المقاربة التاريخية وحدها أن أول من استوطن هذه المدينة من العرب هم الأزد الذين وفدوا على عمان بقيادة مالك بن فهم بعد انهيار سد مأرب في اليمن والذي قاتل بجماعته الفرس وأجلاهم عن الأرض، والحارثة التاريخية، معروفة ولانرى ضرورة هنا لذكرها ذلك أن عروبة الارض العمانية والتي هي جزء أساسى من شبه الجزيرة العربية سابق عبر كل تصور تاريخي للوجود الفارسي الموصوف أساسا بـ " احتلال "، أي أن صفة المحتل هنا تعطي دلالات واضحة على وجود عربي قائم فوق الأرض العمانية، رغم أن ما وضح لنا وما وجدتاه مدونا في معظم الكتب التي تناولت تاريخ هذه المدينة لا يعود الى ابعد من بداية العهد الإسلامي، باستثناء مؤلف واحد هو " خفايا التوراة" لكمال الصليبي.
وملامح المكان وآثاره الباقية تدلل دون شك علي وجود حياة سابقة للعهد الإسلامي في هذه المدينة، حياة لم تؤرخ وربما يرجع ذلك إلى أسباب عديدة أهمها، حسب تقديرنا، عوامل الثبات والإستقرار الذي كانت تفتقده بعض المدن الهامة في. الجزيرة العربية، استنادا الى الطبيعة الجغرافية، والتركيبة العشائرية والقبائلية، وحيا ة التنقل والترحال الدائم، حياة البداوة التي كان يعيشها العرب قبل الإسلام وهنالك عامل أخر وهو ضعف حلقات تاريخ هذه المدينة وتاريخ كل المدن العمانية ادامة، والمتمثل فى الغياب الكامل لآليات التأريخ والبحث "المتاريخانى " لدي المؤرخين العمانيين في العهود المسابقة. واعتمادهم على المنظومة التقليدية في سرد التاريخ وكتابته، سردا حكائيا إن صح التعبير، يقول ويسرد أحداثا عن سابق عن سابق.
هذا اذا علمنا أيضا انه لايوجد مؤلف أو دراسة مكرسة لتاريخ هذه المدينة ولا لغيرها من المدن.
هناك حضور واضع لى افى كان متقطعا لى " نزو ى " ولـ " صحا ر " و لـ" الوستاق " ولـ"قلهات " ولـ"مسقط " ولغيرها من المدن التي لعبت أدوارا بارزة في مسرة التاريخ العمانى، في معظم كتب التاريخ وكتب الفقه التي الفها عمانيون وغير عمانيين " حضور رغم وضوحه المتقطع لا يروي ولايشفي سؤالات البحث ولا جراحات التاريخ.
برزت "نزوى"، بين المدق العمانية، قبل اق 75 تكون عاصمة سياسية لعمان، كعاصمة علمية ومركز ديني هام في خارطة المراكز الإسلامية آنذاك، وكانت "نزوى " التهي لقبت فيما بعد بـ "بيضة الإسلام " خاصة المذهب الاباضي وساحته وحصنه (لحصين. والبيضة في التسمية هنا هي الساحة، أي إن "نزوى" هي سماحة الإسلام لما جمعت من علمائه الكبار فما ذالك الزمان. ويقال انها لقبت كذلك فى عهد الامام "غسان بن عبدالله ". ويودر التسمية شاعر عمان الكبير "أبو مسلم ناصر بن عديم الرواحي " في نونيته الشهيرة وافرق بها البيد حتى تستبين لها (فرق) على (بيضة الإسلام) عنوان فان تماينت الحواء شاخصة لها مع السحب اكفان وأحضان فحط رحلك عنها انه بلغت (نزوى)، وطافى بها للمجد أركان وقد خرجت هذه المدينة كوكبة من العلماء والفقهاء والمؤرخين الذين كانت لهم اسهاماتهم الكبيرة والمؤثرة في التاريخ الإسلامي ولو لم تخرج "نزوى" غير فقيه الأمة "ابي الشعثاء جابر بن زيد 18 - 93 هـ" لكفاها فخرا ومن بين علماء "نزوى" العلامة الكبير، مرجع علماء زمانه "ابن محبوب" و "بشير بن المنذر وسليمان بن عفان و " حتات بن كاتب "المعروف في سير المسلملين " بالفقه الواسع والعلم النافع " و" محمد بن وصاف النزوي " و"محمد بن روح بن عريي الكندي ".
ولعلماء "نزوى" في هذا السياق ريادة في تأليف الموسوعات العلمية / الإسلامية، ويمكن القول أن معضم الموسوعات العمانية في علوم الدين هي "صناعة نزوية" ويقول فضيلة الشيخ "احمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة في محاضرة له عن نزوى ان التاريخ يذكر ان هنالك موسوعة للإمام "ابن محبوب " في سبعين سفرا وأخرى للإمام " بشير بن محمد بن محبوب " ايضا في سبعين سفرا، غير ان هاتين الموسوعتين ليس ليس لهما الآن وجود لا في عمان ولا في بلاد أخرى وانضا ذكرهما " البدر الشماخي " في القرن السابع للهجرة.
غير أن ثمة موسوعات بقيت أو بقيت اجزءا منها وقد حقق بعضها وطبع .. منها " بيان الشرع-الجامع للعلوم الاسلامية الاصل والفرع - للشيخ العلامة محمد بن ابراهيم الكندي " وقد جاءت هذه الموسوعة التي تناولت جميع أبواب الفقه والعقيدة في ثلاث وسبعين جزءا- وهنالك موسوعة "كتاب المصنف " للشيخ " إبي بكر احمد بن عبدالله الكندي " والتي جاءت في واحد وأربعين جزءا وموسوعة كتاب "التاج " للعلامة عثمان بن عبد الله الاصم وقد بقيت أجزاء منها ووجدت لها نقول في "قاموس الشريعة"- وغيرها من الموصوعات الهامة.
وإذا كانت الاهمية العلمية لـ"نزوى " هي التي مكنتها فيما بعد لأن تحتل مكانة سياسية كبيرة في عمان " يضاف اليها بطبيعة الحال موقعها الجغرافي لم الاستراتيجي. فمن الناحية الجغرافية لتقع " نزوى" في قلب داخلية عمان، في منطقة كانت تسمى "الجوف " جوف عمان وداخلها. والجوف، كما يقول العلامة سالم بن حمود السيابي في كتابه "العنوان عن تاريخ عمان - ص 14 " " اسم يقع على بلدان العوامر تغريبا، فيشمل ازكي وأعمالها، ونزوي واعمالها، وبهلى (31/2)
صفحة 325
وتوابعها والحمراء، وما اليها، الى الجبل الأخضر شمالا وجبل الكور غربا " نزوى" في هذا الجوف تحتل جوفه وهي من الناحية الاستراتيجية المستمدة أساسا من موقعها الجغرافي، مكان تحيطه وتحصنه الجبال، عصي عن أياد وعيون الغزاة والمستعمرين فى تلك الحقب. وسنتعرف لاحقا انطلاقا من هذا الموقع الحصين، أن " نزوي " لعبت دورا أساسيا في حسم الكثير من الصراعات العسكرية التي دارت في أزمان مختلفة وفي إجلاء المستعمر البرتغالي، ليسو عن الأراضي العمانية فحسب، وإنما من المنطقة والمحيط الهندي وحتى شرقي افريقيا نقول انه اذا كانت تلك الاهمية العلمية لهذه المدينة هي التي مكنتها من أن شل مسالخ سياسية باوزة فان ذنك دلالة للدور الذي كأن يقوم به العلم والعلماء في تسيير أمور الدنيا الوجواد أمور الدين ويذكر التاريخ انطلاقا من هذهـ الأهمية العلمية لـ " نزوى " أن رسالة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى "عبد" و "جيفر" أبني" الجلندى " والتي تدعوهما وأهل عمان للإسلام، قرئت بعد فضر ختمها في " صحار" عاصمة عمان في ذلك الوقت في "جامع الشواذنة " بـ " نزوى " في وصف " نزوى " سنقدم هنا " مختارات " مما تيسر لنا مراجعته من ذكزلهذه المدينة في بعض المؤلفات والمراجع التاريخية، نزوى بعين المؤرخ " القديم ". نزوى " القديمة " على كل حال، قبل تحولات المدنية واشتراطات الحياة الحديثة التى تعيشها المدينة كما كل المدن العمانية منذ بزوغ فجر النهضة العمانية الحديثة عام 1970 م، والتي حافظت على مجمل الملامح التاريخة للمدن العمانية وعنيت عناية كبيرة بحماية وترميم الآثار القديمة والتي على، أول قائمتها أثار نزوى وربما اف الزائر اليوم لـ "نزوى" لسيلمح أي جهد بذل في إحياء تراث " نزوى " من قلاع وحصون وابراج ومساجد وأسواق وأسوار قديمة، بحيف أصبحت الى جانب كونها علامات هامة على تاريخ مجيد، علامات هامة وكبيرة على حاضر زاهر يغرف "ياقوت الحموي " نزوى في " معجم البلدان، ج 5، ص 281 " يقول.
((نزوة بالفتح ثم السكوت وفتح الواو، والنزو الوثب، والمرة الواحدة ونزوة جبل بعمان وليس بالساحل، عدة قرى كبار يسمى مجموعها بهذا الأسم، فيها قوم من العرب، كالمعتكفين عليها، وهم اباضية، يعمل فيها صنف من الثياب، منمنمة بالحرير جيدة فائقه، لايعمل في بلاد العرب مثلها)).
ويصف (ابن بطوطه) رحلته الى نزوى وما شاهده فيها في كتابه الشهير" تحفة النظار في غرائب الامصار، وعجائب الاسفار" " ثم قصدنا بلاد عمان فسرنا ستة ايام في الصحراء، ثم وصلنا بلاد عمان في اليوم السابع، وهي خصبة ذات أنهار وأشجار وبساتين وحدائق نخل وفاكهة كثيرة مختلفة الأجناس، ووصلنا اق قاعدة هذه البلاد " وهي مدينة " نزوى "، وضبط اسمها بنون مفتوح وزاء مسكن وواو مفتوح، مدينة في سفح جبل تحف بها البساتين والأنهار، ولها سوق حسنة ومساجد معظمة نقية.
عادة أهلها أنهم يأكلون في صحون المساجد، ويأتي كل إنسان بما عنده ويجتمعون للاكل في صحن المسجد، ويأكل مع هم الوارد والصادر، ولهم نجدة وشجاعة).
أما المؤرخ العماني " سالم بن حمود السيابي " فيصف نزوى في كتابة " العنوان عن تاريخ عمان ":
" أعلم ان أعظم المراكز العمانية في، الداخل نهل نزوى "، إذ هي تخت مملكة عمان، وكرسي امامتها من قديم الزمان.
وذلك انه لما اشتدت الغارات الأجنبية على مركزالزعامة العمانية، وتوالت الغزوات بتوالي الغزاة، وبقي عرش الزعامة في " صحار" مهددا دائما في قلق، جعلها العمانيون عرش مملكتهم.
ومقر سلطانهم، ومأمن إمامتهم. ومنتدح مهامهم واذ ذاك أنشدت فيها القصائد، لشعرية والخطب النثرية.
واستمرت تتقدم ويجلب اليها كل شيء، حتى قام لها ذكر ولم يزل التاريخ يغلوه على المسامع، ورسم ذكرياتها الأكابر، أيام نقل المركز أليها، يتوالى الغارات عليه - كما قلنا - برية وبحرية، وطال تزعزعه بعواصف الأعداء، ولم يلبث الامروعا.
وكانت " نزوى " مأمونة من غارات الأعداء، اذ هي في قلب عمان الداخلية، والحال ان لاطيارات ولاسيارات نحوها- فاذا نزل الغازي لعمان، وارتفع خبره إلى "نزوى ". قامت عليه عمان بعدها وعديدها، وسدت الثغور في وجهه، وطاردته حتى فل حده، وضعف جنده، وقل عدده، فيقع من الغنيمة بالإياب.
تقع مدينة " نزوى " فى سفح " الجبل الأخضر " من الجنوب، بين جبال هي سورها، في فضاءصالح، غير مكتض من كل جهة، ذات أنهار وبساتين، ونخل باسقة في جو مناسب فكانت حضيرة العلماء، ورائرة الآئمة، ومأوى (لصالحين الأخيار والفضلاء الأحرار، ومجتمع العلماء، ومحط الأفاضل الأصفياء بغير نكران ويالتربتها وما حوت من علماء (31/3)
صفحة 326
المسلمين جما غفيرا، وطوت في صحائفها هن (لأتقياء عددا وفيرا، والحال أكبر شاهد وأصدق ناقد) " نزوى " ماذا تعني؟
سيبدو أولا أن الاجابة على هذا السؤال، ربما، ليست اجابة كاملة ونهائية، ذلك لأن هنالك أكثر من تأويل لهذا الإسم فياقوت الحموي، كفا سبق، يمعرف الكلمة بالتاء المربوطة " نزوة " من النزو والوثب، والمرة الواحدة، ويرجج الإسم الى " جبل بعمان ". في حين اننا نجت از باحثا مرموقا فثل " كمال "لصليبي " (يقترح) عي ونحن نثسدد على هذه الكلمة ونضعها بين مزدوجين - تأويلا أخر جديدا لكلمة " نزوى" في مبحثه المعنون " نبي من عمان لما ضمن كنايه (خفايا التوراة)، الذي قدم فيه مقاربات تأريخية وجغرافية لـ "سفر النبي يونان "، أو كما أسماه " نبى من عمان ". وهو نص من النصوص التوراتية المتأخرة. وفي هذا السفر وردت سماء أماكن حاضرة في سياق قصة هذا النبي، من هذه الأماكن، مكان يسمى مجلى الأصل، حسب الباحث، " نزوة " وقد حرفها، مع الزمن المدونون نقلا عن الرواة، الى " نينوى " التي كانت عاصمة المملكة الأشورية في العراق، غير ان الصليبى وعبر ماتوصلت اليه بحوثه الميدانية على المكان، وقد زار عمان، كما يذكر في بداية السبعينيات، يرى ان " نينوه " الواردة في النص التوراتي هي " تزوى " وفي هذا السياق يقول للم سوف اقترض،، على كل حال، ان نينوه هذه كانت بالفعل نزوة الحالية بداخل عمان.
وان يونان سار الى نزوة هذه من "اليهم " التي هي اليوم قرية آل هيما بجبل آلهيما ويسند الباحث فرضيته بأن " نينوه " أو " نيتوى " في سفر يونان هى "نزوى " العمانية، كونها وردت في السفر بأنها (مدينة عظيمة، أي كبيرة، واقتصادها يقوم على المواشي. والوصف هذا ينطبق تماما على بلدة " نزوة " الشهيرة بداخل عمان، الى الغرب من إزكي واسمها لكتب عادة " نزوى "،أو " نزوا ". ولهذه البلدة تاريخ عريق يعود الى ما قبل الإسلام. وهي اهم البلاد بداخل عمان، وسوقها من اغنى الأسواق هناك. وقد شهدت تسويق الماشية والدواب فيه عام 1973، وذلك قبل اعادة بناء البلدة وتحويلها الى مدينة عصرية. ولعل الذي قام بتدوين قصة يوتان بالعراق في القرن الرابع أو الثالث فبل الميلاد قد اخذ إسم نزوة مشه " نزوه "، فحولى حرف الزين فيه الي نسن وجعله ننوه، ويالتصويب نينوه، لتعرلف المكان بانه مدينة نينوي بشمال العراق) هنا ينتهى كلام كمال الصليبي.
نختلف او نلفق مع ماذهب اليه وافترضه كضال الصليبي بان "نينوه أو نينوى " التي وردت في النص التوراتي " سفر النبي يونان " هي نزوى، فاننا علي أية حال نلمس جانبا مهما من عراقة وقدم هذه المدينة " نزوى ". ويكفي أن نقول أن ورود، حتي اشتقاقات الإسم في ألنصوص التوراتية يعطي دلالات لابد أن يتوقف عندها دارسون وباحثون ومؤرخون محتملون، راهنا ومستقبلا واذا كنا قد أشرنا في مطلع هذه الكتابة الى أننا لم نستطع التوصل بوضوح الى تاريخ في نشأة مدينة " نزوى " العمانية، ولاحتى الى تاريخ مقارب، فشلك لأننا، اضافة الي ماذكننا، لم نشأ ان ننساق وراء افتراضات كمال الصليبي التي تحيل دون مشقة الى ان لهذه المدينة وجود وكيان كامل يعود الي ماقبل العام. 350 قبل الميلاد. ولأنه حسب تشيرنا ان المقاربات الجغرافية لاسماء الاماكن وحدها لا تعطي نتائج تاريخة جازمة وحاسمة.
وفي المقابل، المعادل الآخر لما سبق من ذكر لـ" نزوى" نجد أن غالبية العمانيين، مؤرخين وباحثين وسواهم يجمعون وهم على الأرجح أدرى، على ان نزوى تعود تسميتها نسبة الى نبع ماء شهيربالمكان يقع تحديدا فيما سبق بجوار حصن وقلعة نزوى، كان اسمه، كما يذكر "زوى". النبع لاوجود له فى الحاضر.
ويرى بعض العمانيين ان الكلمة مأخوذة من اشتقاقها اللغوي الذي يعني المكان المرتفع.
والمدينة على كل حال تقع على ارتقاع 1900 قدم. وأيا كانت التأويلات والشروح فما الأسم اولا واخيرا غير علامة ودلالة على المكان وأهله، والمكان فوق دلالات الأسماء من الأهمية كذلك أهله.
نزوى عاصمة عمان هناك سببان أهلا "نزوى" لأن تكون العاصمة السياسية لعمان، بعد "صحار"، السبب الأول هو المكانة العلمية المرموقة التي تحتلها هذه المدينة منذ بزوغ فجر الإسلام على ماهو واضح في المدونات التاريخية. اما السبب الثاني وهو الأمم في- نقل العاصمة من "صحار" الى "نزوى" فهو موقعها الحصين محاطة بالجبال، والجغرافيا التي جعلت منها قلب عمان وملتقى جهات اراضيها الشاسعة المترامية.
بدت الأمور بعد وفاة "الجلندى بن مسعود، حوالى 754 م "، أو مقتله في موقعة بجلفار دارت بين العمانيبن والجيش الذي سيره إبوالعباس السفاح بقيادة خازم بن خزيمة الخرساني لاخضاع عمان لسيطرة الخلافة العباسية فى بغداد انها ستاخذ منحى الخلاف كل زعامة البلاد. (31/4)
صفحة 327
فقد أثار موته "حزنا بالغا " وخلافا كبيرا على من يخلف هذا الحاكم العادل " حسب رداية العلامة "نورالدين عبدالله بن حميد السالمي ". ويقول " وندل فيليبس " في مؤلفه "تاريخ عمان " فى هذا الشان: ان الحالة التي كانت عليها الامبراطورية العباسية بعد ذلك ادت الى " ان أصبحت عمان فريسة للفوضي والإضطرابات، مما أسفر عن تصاعد المنازعات".
غير ان العمانيين عادرا وأكدوا استقلالهم مع بداية خلافة "هارون الرشيد" وانتخبوا اماما جديدا لهم هو "الشيخ محمد بن أبي عفان " والذي كان، حسب الشيخ السالمي، محل خلاف بين علماء واعيان عمان فى صفه خلافته فقد "قيل انه إمام دفاع حتى تضع الحرب اوزارها و قيل انه أمير جيش فاساء السيرة وبدل وغير" وأيا كانت حدة الخلاق على صحة إمامة محمد بن أبي عفان، فان فترة حكمه لعمان لم تدم غير سنتين عندما اجتمع العمانيون وانتخبوا بدلا عنه الإمام الوارث بن كعب الخروصي والذي كانت امامته تقطه التحول الرئيسية قي تاريخ نزوى عندما ارتأى ان تكون عاصمة لحكمه.
وفي هذا السياق، سياق نقل الوارث بن كعب العاصمة من " صحار" الى " نزوى "، يورد الشيخ السالمي قي " تحفة الأعيان بسيرة أهل حكمان " حكاية عما كأن سائدا في ذلك الزمان من اختلاط الأسطوري والخوافي بالواقعي والحقيقي " يروي السالمي ان الوارث كان يسكن " قرية هجار من وادي بن خروص وكان يرد الرؤيا قي نومه تدل على ظهور الحق علي يده، وانه كان ذات يوم يحرث في زرع له فسمع صوتا يقول له ترك حرثك؟ سر الى نزوك (المقصود نزوى) وأقم بها الحق، تنم ناداه ثانية وثالثة بذلك، فقال الوارث ومن أنصاري وانا رجل ضعيف، فقيل له أنصارك جنود الله فقال ان كان ذلك حقا قليكن مصاب مجزى هذا ينبت ويخضر من الشجرة التي أصله منها فغرسه قي الأرض فنبت شجرة لومي "ليمون " .. .. ، ثم سار الى نزوى فلما وصل إلى نزوى وجد خبازا يخبز وجنديا يأكل خبزه، والخباز يستغيث بالله المسلمين منه فلما رأه على ذلك زجوه ثلاثا فلم ينته ققتله، فمضى مسرعا الى مسجد قريبا من الوادي والآن سهمي مسجد النصر (الآن زمن المؤلف بر، فأسرعت اليه الرجال لتقتله فلما وصلوا قريبا منه رأوا المسجد قد غص من الرجال المقاتلة فلم يصلوه قالوا فلذلك امختاره
المسلمون إماما ".
على أية حال وكيفما كانت هالة القداسة التي تحاط عادة بمثل هذا النوع من القادة والزعماء فأن اختيار الوارث لنزوى عاصمة لدولته املتها كما هو واضح وثابت الإعتبارات التي أتينا على ذكرها والتي هي موضوعنا الأساسي.
وقد لعبت نزوى يعد أن اصبحت، ليمس العاصمة السياسية لعمان فحسب بل وان مكانتها كعاصمة علمية بقيت كما هي ولم تنازعها عليها أي من المدن العمانية ... حتى يومنا هذا، لعبت ادوارا رائدة وكبيرة في مسيرة التاريخ العماني حتى عهود قريبة. وسيبدو اننا لو اردنا الإستفاضه في وصف تلك الأدوار اوبعضها، سيبدو اننا نريد صعوبتين، صعوبة في الكتابة وصعوبة مضاعفة في القراءة واننا سنحتاج الى إضعاف المساحة المخصصة لهذا الموضوع وألذي يهدف في المقام الأول الى إعطاء صور مختصرة ومكثفة قدر الإمكان للقارىء العربي لهذه المدينة التي تحمل هذه " المجلة " اسمها تسيرا لي أجلالا لمكانتها العلمية والثقافية في الماضي والراهن العماني والعربي عموما.
فير أنا لانجد عوضا من ان نعرج قليلا على واحدة من أهم الفترات في ماضي نزوى، هي فترة حكم الإمام سلطان بن سيف (1649 - 9688 م) حيف شهدت هذه الفترة على الصعيد السياسي نحديدا تطورات هامة ابرزها إجلاء أخر ماتبقى من المستعمرين البرتغاليين عن الأراضي العمانية، بعد ما كان للإمام السابق " ناصر بن مرشد" أياد طولى في تقليه النفود البرتغالي، والتي تبعها انشاء امبراطورية عمانية كبيرة شملت الساحل الإيراني والهندي وحتى سواحل شرقي إفريقيا. لقد كانت نشوى يوم ذاك مركز تأسيس هذه الإمبراطوية التي عرفها العالم قاطبة، صاحبة الأسطول البحري المهاب على امتداد رقعتها.
ان اكثر ماساعد نزوى العاصمة وأهلها لأن تسن مركز نشوء هذه الإمبراطورية وتوسعها، وقبلها نقطة انطلاق الجيوش العمانية لمواجهة البرتغاليين وراجلائهم " عدة اسباب فالى جانب موقعها الإستراتيجي الحصين، يجيىء الدور الذي قامت به هذه المدينة في زمن الإمام ناصر بن مرشد على صعيد الاستقرار الداخلي وبناء القوة العسكرية يضاف اليه الحنكة والخبرة اليساسية والعسكرية التي تمتع بها الإمام سلطان بن سيف والتي اكتسبها في فترة حكم ابن عمه الإمام السابق، ناصر بن مرشد، اذ كأن وجله القوي واحد قادة جيوشه البارزين وعن هذه الفترة يقول الشيخ السالمي في (تحفة الاعيان):
" اعتمرت عمان قي لولته واستراحت الرعية وزهرت البلاد بحسن السيرة ورخصت الأسعار وصلحت الثمار وكان متواضعا لوعيته ولم يكن محتجبا عنهم". (31/5)
صفحة 328
وقد عرفت " نزوى " ازدهارا تجاريا واقتصاديا وعمرانيا كبيرا وكانت أسواقها فى تلك الفترة أكبر وانشط أسواق عمان، وعلى الصعيد العمراني فان أبرز ماشهدته تلك الفترة هو بناء قلعة نزوى الشهيرة والمعروفة بالشهباء والتي استغرق بناؤها اثنتى عشرة سنة ويقال ان الإمام مول بناء هذه القلعة من غنائم موقعة شهيرة دارت بينه وبين البرتغاليين، عرفت بـ " موقعة ديو"- سناتي على ذكر هذه القلعة الشهيرة لاحقا في هذا الموضوع.
وشهدت نزوى في تلك المرحلة شق العديد من الأفلاج أهمها كما يذكر الشيخ السالمي " فلح البركة " الذي يربط بينما نيابة " بركة الموز" التابعة لـ "نزوى " وبين ولاية إزكي المتاخمة.
الشهباء: معمار الوعي الوطني " الشهباء" هو اللقب الذي أطلق على قلعة " نزوى "، أبرز وأهم شاهد على عراقة تاريخ هذه المدينة واهمية دورها في التاريخ العماني وليس معروفا على وجه الدقة من أطلق عليها هذا اللقب. غير أن الكثير من المؤرخين وغيرهم يرجحون انه صاحب فكرة بنائها الإمام سلطان بن سيف.
ان القلاع والحصون هي انبثاق مبكر لهندسة الفكر العسكري العمانى، وهناك بين كثير من المؤرخين والباحثين العرب والأجانب خطا شافي بأن القلاع والحصون في عمان بناها البرتغاليون، كما يرى ذلك الباحث الكويتي "د. خالد ناصر الوسمي "، والحقيقة المعروفة انه لاتوجد في جميع انحاء عمان سهوى ثلاث قلاع بناها البرتغاليون جميعها في مسقط ومطرح (قلعة الميراني وقلعة الجلالي وقلعة مطرح). وتعد القلاع والحصون من أعظم الآثار المعمارلة العمانية. وتتوزع هذه الآثار بين مبان ضخمة، مثل قلعة نزوى وقلعة الرستاق، وبين حصون (شبه بقصور محصنة مثل حصن الحزم وحصن جبرين. وهنالك على اتساع رقعة البلاد تنتشر القلاع والحصون الأصغر حجما الى جانب الأبراج التي لاتكاد تخلو منها مدينة أوقرية في السلطنة.
" الشهباء" دون أدنى شك هي أكبر وأكثر القلاع العمانية حصانة وضخامة ومتانة.
شيدت هذه القلعة كما سلف فى زمن سلطان بن سيف وقد استغرق بناؤها اثتتى عشرة سنة، ما يعني ضخامة هشا البناء والجهد الكبير الذي تطليه والذي استغرقه.
والقلعة في ظاهرها أو كما تبدو للعيان بناء بسيط للغاية يتكون من برج دائري كنير يبلغ ارتفاعه عن سطح الأرض 24 مترا ويصل قطره الخارجي الى 42 مترا اما قطره الداخلي فيبلغ 29 مترا وقد استخدم ما مقداره 17925 مترا مكعبا من الأتربة والحجارة في ردم القلعة حتي ارتفاع 15 مترا اما كمية الحجارة المستخدمة في بنائها فتقدر بما يصل الى 3177 مترا مكعبا والداخل الى القلعة عليه ان يسلك سلما ضيقا مظلما مبنيا بالتواء, على هيئة حرف (ح)، وعند كل انعطافة من انعطافات هذا السلم يوجد باب صغير لعرقة أي هجوم محتمل من الأعداء، وتوجد اعلى هذه المنعطفات (ثقوب اوفتحات قاتلة) تلقى منها القذائف على المهاجمين، أو يسكب منها على رؤسهم ماء ساخن.
ويوجد في القلعة35 فتحة عل منسوب 24 مترا من سطح الأرض، هي نوافذ أو مرائي، تستخدم للدفاع في وقف الحروب. وتوجد 130 فتحة أخرى على منسوب 24 مترا لنفس الإستخدام، وتوجد بها سبعة أبار للمياه ومنصة القلعة ذات شكل دائري تقريبا وبها فتحات للمدافع تضمن إطلاق النار وانتشارها على 360 درجة كاملة، وترتفع الجدران فوقى المنصة الى عشرة أمتار.
ان هذه القلعة الهامة كما يقول الباحث (د. أي. دريكو) في دراسة له عن " المباني الحربية في عمان "، تمثل ل" الحد الأقصى للتوسع في نمط القلاع العمانية بين عامي (1660 - 1670 م) ويبدو انها حصينة الي يومنا هذا).
انها كفا ذكرنا ابدع واعظم صور تجليات الفن المعماري والفكر العسكري / الإستراتيجي في عمان، أو كما يصفها الشيخ سالم بن حمود السيابي (هي قلعة عظيمة البناء، متينة الشكل فخمة الهيئة، في بطنها سبعة أبواب لارتقائها، على كل باب فتح يدخل الضوء منه، ويشرق عليه ا كمرصد له ولايتهادى لدخولها الا من سبقت له معرفة بطريقها، اذ يجد نفسه في قبة مظلمة، او صندوق مغلق يندهش من روعتها الرائي).
وقلعة نزوى التي مشهى على بنائها مايزيد على 504من السنين هي اليوم وجه نزوى وواجهتها البارزة وقبلة زوارها، وقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة بترميمها وتوجيهها وجهة ثقاثية وسياحية للدارسين والزائرين، فضلا عن كونها وجها تاريخيا هاما.
تراث إسلامي (31/6)
صفحة 329
تنفرد نزوى ال جانب ما تتفرد به عن مدن عمان وولاياتها مما سبق ذكره، بكونها خزانة كبيرة لتراث هائل من المعمار الإسلامي المتمثل في مساجدها وجوامعها والتي يعود تاريخ بعضها الى العهد الأول للإسلام مثل جامع "الشواذنة " الذي بني في السنة الثامنة للهجرة. والمتمثل ايضا في الحصون والأبراج التي تتخلل قراها وأوديتها وجبالها.
ونحن هنا أمام هذا الكم الهائل من الآثار النزوية ليس بمقدور هذه الكتابة للإسباب التي ذكرناها أول الكلام أن تعطي قراءات وافية عن هذه الآثار، وحسبنا الآن تعريفات لبعض هذه الشواهد الأثرية:
الجوامع والساجد
- جامع الشواذنة:
تنسب تسميته الى بانيه الشيخ عيسى بن شاذان وبناؤه قائم في حارة تسمى (العقر) ويعده النزويون اقدم أو من أقدم الجوامع في سدينتهم، ويقال انه أول مسجد بني فيها، اذ كان بناؤه في السنة الثامنة للهجرة النبوية، وتدلل النقوش الموجودة على جدرانه انه اعيد ترميمه في السنة السابعة بعد المائة للهجرة.
في هذا الجامع، كما تقول الروايات التاريخية، قرئت رسالة النبي محمد (سر) الى ملكي عمان في تلك الفترة عبد وجيفي ابني الجلندى، بعد فض ختمها في صحار.
- جامع سعال:
يعتبر ثاني جامع في نزوى بعد الشواذنة ويقال انه بني ايضا في السنة الثامنة للهجرة. و الجامع قائم في مكان يسمى سعال، وسط حارة باتت تعرف به، حارة الجامع وقد رمم هذا الجامع للمرة الأول في زمن الإمام الصلت بن مالك.
- جامع نزوى (جامع السلطان قابوس):
يعد من اكبر الجوامع في نزوى ويقع في مركز المدينة ملاصقا للقلعة والحصن، ويعد هذا الجامع، قديما وحديثا، دوحة نزوى العلمية وجامعتها، وقد تخرج منه جل علمائها ومثقفيها، وقد جدد واعيد بناؤه في العصر الحديث كما هو الحال في الجوامع والمساجد الأخرى، ويعرف اليوم يجامع السلطان قابوس، وفيه يقوم اليوم معهد للعلوم الإسلاميه
- مسجد الشرجة:
يقوم بناؤه في منطقة سعال وهو من المساجد القديمة، تزين محرابه نقوش غاية في
الدقة والجمال، وتؤشر الكتابات الموجودة على المحراب انه بني في سنة سبعمائة وسبعة وعشرين هجرية.
-مسجد الشيخ:
ينسب بناؤه ال الشيخ العالم بشير بن المنذر احد العلماء الكبار الذين نقلوا علوم الدين والعقيدة من البصرة الى عمان. ويروى ان هذا المسجد الذي يقوم في حارة العقر بني في زمن الإمام الجلندى بن مسعود.
-مسجد الشرع:
يقع في منطقة نتوف، وهي من مناطق نزوى الأثرية والسياحية الهامة، ويقال ان هذا المسجد تم بناؤه في الدولة النبها نية الأول، في زمن عمر بن نبهان. وقد كتب على احد جدرانه انه بني في سنة 337هـ، وفيه تم تنصيب الإمام سالم بن راشد الخروصي سنة 1331 هـ.
اضافة الى هذه المساجد هنالك عدد من المساجد الصغيرة المنتشرة على سفوح الجبال تسمى مساجد العباد أو النسان. وهي مبنية على الأغلب من غرفة واحدة، وساحة صغيرة مسقوفة للصلاة في ايام الحر الشديد. وهذه المساجد اماكن خاصة وبعيدة اختارها العباد والمتصوفون للتنسك والتعبد الدائم بعيدا عن ملذات الحياة.
الحصون
-حصن نزوى: (31/7)
صفحة 330
قديما كان هذا الحصن هو المركز الإداري والسياسي للمدينة، وحتى السابع الأول من سبعينات هذا القرن كان مقر الوالى والمكان الذي يلتقي فيا المواطنون لمناقشة قضاياهم وحسم خلافاتهم واليوم واحياء للتقاليد القديمة يستعيد هذا الحصن دوره الإداري يوما واحدا في الإسبوع حيث يباشر فيه الوالي اعمال الولاية ويلتقي فيا المواطنون، يناقشون قضاياهم ويحسمون خلافاتهم تماما كما كان في الماضي.
يروى ان هذا الحصن بنى في زمن الإمام الصلت بن مالك الخروصي عام 225هـ وهناك رواية أخرى تقول انه بني قبل الصلت باثنتي عشرة سنة.
ويقع الحصن في مركز المدينة ملاصقا لقلعة نزوي، أو على الأصح جاءت القلعة ملاصقة للحمن ذلك ان تاريخ الحصن سابق لتاريخ القلعة.
- بيت الصلت:
أحد الحصون القديمة في نزوى يقوم بناؤه في مكان يسمى (علاية نزوي)، ويتكون بنيانه من ثلاثة طوابق محاطة بسور منيع وبرجين من جميع الجهات. وباني هذا الحصن هو الشيخ "محمد بن عبدالله الكندي".
- حصن نتوف:
يقع على سفح الجبل الأخضر بمنطقة نتوف التي يحمل اسمها، وجاء بناؤه كما يبدو لأغراض عسكرية في المقام الأول اذ يحتل موقعا استراتيجيا من حيث تحكما في مدخل الجبن الأخضر، وهو حصن فسيح تحيط به ثلاثة بروج ويحكى أن بانيه هو الشيح محمد بن سلط النبهاني.
-حصن الرويدة:
يقع هذا الحصن في برتحة الموز ويخترقه فلج البركة ويعتبر موقعا استراتيجيا مهما من حيث تحكما ء مدخل الوادي المؤدي الى الجبل الأخضر. ومؤسس هذا الحصن هو محمد بن الإمام أحمد بن سعيد.
معظم الحضارات الكبرى التي عرفتها الإنسانية عل اتساع تاريخها نشأت وازدهرت على السواحل، قرب البحار والمحيطات، لضمان استمرارية الحياة وتطورها وانفتاحها على غيرها من الحضارات والتجمعات البشرية. ومعظم هذه الحضارات تجنبت على الدوام سكنى الأرض الج (31/8)
صفحة 331
عنوان المقال: معركة الجزائر
صدر في العدد ...
الكاتب:؟؟؟
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
17 أغسطس,2016
اعتبر فيلم «معركة الجزائر» من قِبل طائفة من أبرز النقاد فيلماً وثائقياً قوياً جداً، يجسد المواجهة الشعبية ضد القوى المحتلة. إنه فيلم كلما يراه المشاهد يشعر أنه تعبير صادق طازج عن تجربة نضال شعب. إنه فيلم سياسي رفيع المستوى عن نضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي. وقد حاز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 1966.اعتبر فيلم «معركة الجزائر» من قِبل طائفة من أبرز النقاد فيلماً وثائقياً قوياً جداً، يجسد المواجهة الشعبية ضد القوى المحتلة. إنه فيلم كلما يراه المشاهد يشعر أنه تعبير صادق طازج عن تجربة نضال شعب. إنه فيلم سياسي رفيع المستوى عن نضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي. وقد حاز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 1966.صُور الفيلم بمعظمه بطريقة العودة إلى الوراء، ( Flash Back) وقُدم وكأنه ذكريات علي لابوانت (ابراهيم حجاج) أحد قياديي جبهة التحرير الذي اعتقل أخيراً من قِبل الفرنسيين عام 1957. قبل ثلاث سنوات كان علي لصاً انضم إلى المنظمة السرية حتى يساعد في تخليص القصبة من الشرور المرتبطة بالحكومة الكولونيالية. الفيلم يتابع نضال الثائرين والخطوات الشديدة التي مارستها الحكومة الفرنسية لتقاوم ما أصبح سريعاً ثورة وطنية عارمة. بعد العودة إلى الوراء يقتل علي، آخر قيادات الجبهة، ويتحول الفيلم للتركيز على نقطة أخرى تقود إلى اعلان استقلال الجزائر في 1962.يبقى فيلم بونتيكورفو حتى اليوم انتصاراً لقيم الانتاج الواقعي. فالفيلم صور في مواقعه في الجزائر واستخدمت المواقع الحقيقية في الحي الأوروبي والقصبة التي حمت (جبهة التحرير). الفيلم أعاد بناء الحقيقة المقنعة وهو لا يتضمن أي جزء وثائقي أو إخباري خلال ساعتي العرض. كل شيء صُور تصويراً حياً حتى مشاهد الاضطرابات حيث يقابل البوليس المتظاهرين المدنيين. أحدث فيلم «معركة الجزائر» في فرنسا خلافات سياسية كان من شأنها أن منع عرض الفيلم لمدة خمس سنوات. الموضوع كان مثيراً للخلاف بسبب تعدد وجهات النظر حول إلى أي جانب انحاز الفيلم. شعر العديدون في فرنسا أن الفيلم كان متعاطفاً مع وجهة النظر الجزائرية وربما كان هذا سبب عدم عرضه لفترة طويلة. قال: «بونتيكورفو الجزائريون لم يضعوا أية عراقيل في طريقنا، لأنهم كانوا يعلمون أنني سأعمل بشكل أو بآخر فيلماً موضوعياً حول القضية.» السلطات الفرنسية التي كانت حساسة تجاه القضية الجزائرية منعت عرض الفيلم ثلاثة أشهر، كما منعت تهديدات الجماعات الفاشية عرضه لمدة اربع سنوات، رغم محاولة بونتيكورفو أن يصنع فيلماً محايداً سياسياً.1. فيلا مركز قيادة. داخلي. ليلاً داخل فيلا ثلاثة أدوار بنيت حديثاً، حيطانها بيضاء ناصعة. بئر مصعد خالٍ واسلاكه الغليظة متدليه. يتألف كل طابق من شقتين. أبوابهما الأمامية مفتوحة. يملأ الجير أرض القاعات وغبار الجير على زجاج النوافذ، وتتدلى اللمبات الكهربائية العارية من الأسلاك الكهربائية. وبالكاد تحتوى الغرف على أي فرش. ما زالت المطابخ بدون بلاعات أو سخانات. حركة مضطربة مستعجلة ونشطة، إيقاع فعال. يتحرك المظليون ذهاباً وإياباً من أسفل السلم إلى اعلاه والعكس. يمرون بالقاعات يدخلون الغرف ويخرجون منها. الأصوات في الخلفيه غير واضحة. أوامر بصوت مرتفع، صراخ، عويل. صرخات، تعليقات نصف متفوه بها، ضحكات. في مكان ما يدور ميكرفون بأعلى صوته. المشهد موتّر. لا توقّف. عندما يتعب المظليون، يتحركون نحو غرفة أخرى. يجلسون ويتمددون على الأرض يشربون القهوة او البيرة ويشربون السجائر وهم ينتظرون الدورة الثانية. فجأة يضطرب إيقاع هذا الروتين وتوقيت هذه الصور. احد المظليين يركض إلى اسفل مسرعًا ويسأل بابتهاج وهو يركض: مارك: الكولونيل. اين الكولونيل؟ مظلي: ماذا؟ ما الذي يحدث؟ مارك: عرفنا مكان علي لابوانت. احدهم «تكلم» ... صوته يرسل صدى عبر الممرات وعلى الفسحات من طابق إلى آخر. الحماس ينتشر كالعدوى. ويتجمع العديدون حول باب المطبخ. الجزائري الذي «تكلم» موجود هناك. إنه صغير ذو وجه رفيع وعينان محمومتان. المظليون كلهم حوله: يساعدونه لكي يقف، يجففونه وينظفون وجهه بخرقه، يعطونه بعض القهوة بغطاء ترموس. كلهم انتباه ومعنيون بالقضية إلى أبعد الحدود. يحاول أحدهم أن يدفع الآخرين. المظلي: تعالوا، دعوه يتنفس! في هذه الأثناء آخرون يصلون ويسألون إذا كان الأمر حقيقيا. مظلي آخر: إذاً هو تكلم؟ هل يعرف حقاً أين مكان علي؟ مارك: يبدو كذلك. سنذهب ونرى. اعطه قليلاً من القهوه. مارك طويل وجاف، عيناه شابتان ومرحتان. أحد الآخرين يسأله بشيء من الاعجاب: مظلي: اسمع يا مارك، أنت جعلته يتكلم؟ مارك (مبتسمًا) بالتأكيد. ثم بعد ذلك يأخذ في التدخين مرة ثانية ويتحرك جانباً ليستريح قليلاً. يحاول الجزائري الشرب ولكن يدايه ترتجفان. احدهما يساعده ويمسك له غطاء الترموس، ويقربه من فمه: لاغلوي: تعال يا صادق .. اشرب ستشعر بتحسن. يشرب الجزائري، ولكن معدته لا تتقبله فينحني ويتقيأه مرة ثانية. يدخل الكولونيل ماسو، انيقاً ورشيقاً. ماسو (مبتسمًا) على مهل. هل هذا صحيح؟ مارك: اعتقد كذلك. (32/1)
صفحة 332
شارع عبدراميس رقم ثلاثة ... يستدير الكولونيل نحو المظلي، الذي ذهب لاستدعائه، والذي يحمل في يديه زوجاً من ثياب التخفيّ. ماسو: ألبسه. ثم يذهب بقرب الجزائري، يرفع ذقنه، يتفحصه برهة من الزمان باهتمام. ماسو: إرفع ذقنك، لقد انتهى الأمر. لن يحدث لك شيء الآن، سترى. هل تستطيع الوقوف؟ يهز الجزائري رأسه موافقًا. يستدير الكولونيل نحو المظليين الذين يمسكون به. ماسو: دعه يذهب. يأخذ ثياب التخفي ويسلمها للجزائري. ماثو: هاك، ألبسها. يأخذ الجزائري الثياب بشكل أوتوماتيكي ولكنه لا يفهم. يشرح له الكولونيل. ماسو: نحن نحاول مساعدتك. نحن ذاهبون إلى القصبة. فإذا ما لبست هكذا. فلن يعرفوك. هل فهمت؟ سوف نذهب لنرى المكان، عندئذ ستصبح حراً ... وتحت حمايتنا ... يرتجف الجزائري من البرد. انه عار تماماً. يحاول بعناء لبس الثوب الكبير عليه. ماسو: تابع. اعطه الطاقية. اعطوه حزاماً واسعًا واقفلوه. المظليان الآخران، واحد على كل ناحية منه يرفع أكمامه حتى المرفق. واحد ثالث يضع الكاب على رأسه ويثبته. لاغلوي: تأمم! يستدير الكولونيل نحوه بغضب: ماسو: لا تكن غبياً يا لاغلوي! الجزائري مستعداً. ينظر المظليون إليه وقد كتموا ضحكاتهم. يرتجف الجزائري، نفسه قصير وعيناه تتلألآن وهو يبكي. القائد: دعنا نذهب. ينظر الجزائري حوله. يتنفس بعمق. ثم، فجأة، وبدون توقع ينفجر بصرخة مكتومة: صادق: كلا! ويحاول أن يهتز إلى الأمام باتجاه النافذة. يوقفه مارك فوراً، ويمسك صدره بيده اليمنى يكاد يرفعه ويصفعه بيده اليسرى صفعتين سريعتين، خفيفتين. مارك (محاولاً اقناعه) ماذا تظن انك فاعلاً ايها المجنون؟ هل تريدنا ان نبدأ مرة ثانية؟ تعالى، كن جيداً. لا تجعلني ابدو غبياً امام الآخرين. يشير إلى الكولونيل اشارة الواثق من نفسه. ثم يأخذ الجزائري من ذراعه، ويتحركان إلى الأمام. 2. في شوارع الجزائر. خارجي. فجراً. 7 اكتوبر 1957 المدينة رمادية وبيضاء عند البحر الذي يبدو كالحليب. الفجر يحدد تقاطيعها بحدة. الشوارع العادية والواسعة المشجرة في المنطقة الأوروبية خاليه. سكون، إلى أن نسمع هدير الموتورات التدريجي. شاحنة بعد الأخرى. بأنوارها المضاءة وعليها وهج معتم لا فائدة منه في مثل هذا الوقت. يتبع خط من الشاحنات بعضه البعض عند واجهة البحر، وكلها بنفس السرعة. يتوجهون إلى اليمين ثم إلى أعلى، إلى محلة الحكومة. هنا، وبدون توقف، ينقسم الخط إلى قسمين. يدخل كل من الخطين أحد الطريقين المؤديين إلى أعلى ليحيطا بالقصبة. تبدو القصبة بالكامل حجرا جيريا تحت الضوء الأكثر شعاعًا. تحاط بها المدينة الأوروبية، تقف على ارتفاع أعلى وتشرف عليها شرفات كالفسيفساء وارصفة بيضاء موشاة باللون الأسود الذي تنثره هنا وهناك الحواري الضيقه. قفزة واحدة من شرفة لأخرى ... رشيقة وصامتة، يقفز المظليون واحداً بعد الآخر من الشاحنات بسرعة. - صوت الشاحنات يرتبون أنفسهم ترتيبًا هندسياً وحركتهم متزامنة معها. يتفرقون ويختفون بين الحارات. ثم يعاودون الظهور معاً، ثم يعاودون الافتراق. يجتمعون دون ان ينظرو الى بعضهم البعض، كل منهم يأخذ طريقه الخاص. بطريقة متماثلة دون اي صوت، انهم في الأعلى حتى على الشرفات هم في كمال هندسي. وحتى وهم فوق هنا، يغلق المظليون قبضهم ... 3. في شارع عبدالرامس. ساحة أحد المنازل. داخلي/ خارجي. فجراً. هنالك مظليً كل ثلاث ياردات، بشكل متساوٍ على اربع زوايا التقاطع. انهم ايضًا في الشوارع الجانبية كما في الشوارع الرئيسية. وايضاً في الأعلى تحت السماء يظهر العديد من المظليين. رقم ثلاثة. بابه بارتفاع قامة رجل. تقف سرية من الجنود الجاهزين بنصف دائرة يحملون رشاشات جاهزة للإنطلاق. يتابع مارك إمساكه بالجزائري من ذراعيه. ينظر القائد إلى ساعته. ثم ينظر إلى اعلى نحو الشرفة ويرسل إشارة. بصوت منخفض ودون أن يستدير يكلم المظلي الواقف وراءه. الكابتن: اطلق النار ... المظلي الواقف عند الباب الأمامي وساقاه منفرجتان ورشاشه معلق بجانبه يصوبه نحو القفل.- الرشاش يطلق النار. يحرك اسطوانة الرشاش باتجاه دائري. يقذف الباقون أنفسهم فوراً بعنف نحو الباب. في نفس الوقت فإن باب الشرفه يكسر ارضا ويندفع المظليون نحو المنزل السفلي. الساحة الداخلية على شكل مربع. في الوسط هنالك بئر؛ واعلاه قطعة من السماء؛ وعلى الأطراف الأربعة ممر مقنطر، وأعمدة وأقواس مايوركا. وتحت الشرفات المسقوفة هنالك باب لكل مسكن وفوقه شرفة لها درابزين وابواب أخرى. الأبواب جميعها مفتوحة. وبسرعة يقوم المظليون بتطبيق ما أمروا به.- الأوامر، مقتضبه وقصيرة. تعود الناس على كل هذا ويعرفون كيف يطيعون. يأخذ المشهد مكانه وكأنه مناورة مجهز لها، كتمرين عليها. تخلى الغرف خلال ثوان معدودة، يتجمع الناس مع بعضهم في الساحة.- العيون متسعة من الرعب رجال ونساء وأولاد تلفهم البطانيات والملايات حول أكتافهم. لقد قارب النهار على البزوغ. ضوء ناعم ينتشر من أعلى. يسير الجزائري مطأطأ الرأس مارك على احد جانبيه والقائد على الجانب الآخر. يتسلقون نحو الطابق الأول ويسيرون على الشرفة. يقف الجزائري عند أحد الأبواب يتمتم القائد بلطف: القائد: هنا؟ يهز الجزائري رأسه موافقاً. يدخلان. 4. غرفة علي. الداخل. فجراً الغرفة سيئة الإضاءة. هنالك فرشة على الأرض وأخرى على المائدة وخزانة حائط وبعض الكراسي لا شيء آخر. وفي خلفية الغرفة يساراً هنالك ستارة تقسم الغرفة معلقة بوتر بارتفاع متوسط. الستارة منسدلة ونرى سريراً نحاسياً كبيراً. يشير الجزائري إلى ذلك الاتجاه. يشير القائد له بأن يذهب إلى هناك. يذهبان إلى الأمام بصمت ويزيحان الستارة. هنالك لمبه صغيره للإضاءة تحت رف مغطى بالبطاقات البريدية والصور. الأرضية المحيطة تتجاوز الثلاثة أقدام طولاً وهي مغطاه بالأجر المايوركا. يشير الرجل الجزائري إلى نقطة في هيكل الآجر في الخلفية بين جانب السرير الخلفي وإحدى زوايا الغرفة. يجهز مارك والقائد رشاشاتهم. يذهب القائد مقترباً من الحائط فتخرج انفاسه ويبدآ بفحصها. يمر بسبابته على الحائط أفقياً، بين صف من الأجر وآخر. يضرب الآجرّ بأماكن مختلفة حتى يسمع صوت الجص في الفواصل وهو يتفتت. ينظر إلى ما تبقى من الجص في ظفره. يضغطه (32/2)
صفحة 333
في رؤوس أصابعه؛ إنه طري، موضوع حديثاً. ثم ينحني ويضع أذنه إلى الحائط ويسمع.- فجأة يبتسم. 5. مكان اختفاء علي. الداخل. لا يوجد هواء كافٍ في مكان الاختباء. على الأربعة أن يتنفسوا بعمق. وفي تلك الفسحة الصغيرة ترسل الأنفاس صدى كالرذاذ. يثبت علي لابوانت عيناه على المربع في الحائط الذي يقفل مكان الاختباء. عيناه واسعتان، سوداوان منحنيتان وأجفانه ثقيله، منخفضة قليلاً، لدرجة ان سواد البؤبؤ يظهر أسود مما هو في الظلال واكثر عمقاً واكثر غضباً. عمر الصغير معه، صبي في العاشرة ومحمود ابن الثامنة عشرة. كذلك هناك حسيبة، فتاة من القبائل، شقراء، عيناها زرقاوان وبشرتها بيضاء. مكان الاختباء بعلو خمسة أقدام فقط، وبالكاد يستوعبهم. إنهم يجلسون او يتمددون على الأرض، بمحاذاة بعضهم البعض. مدخل مكان الاختباء مغلق بقطعة من نفس مادة الحائط تتناسب مع باقي الأجزاء. مثبّتة في مكانها بلوح يدخل في دائرة حديدية معلقة في المركز. وعلى الجانب الآخر من الزنزانة فوقهم هنالك فتحة للهواء. إنهم في حالة من التوتر ولا يتحركون من مكانهم. شفاههم جافة مفتوحة نصف فتحه، وصدورهم ترتفع وتنخفض بمحاولات صعبه للتنفس. الكابتن (بعيداً) علي لابوانت ... . المنزل محاصر. ليس امامك أية فرصة. استسلم. دع الطفل والفتاة يخرجان، ثم انت والشخص الآخر. اترك سلاحك في الداخل. من العبث ان تحاول شيئاً. الرشاشات جاهزة للانطلاق ... لن يكون لديك وقت. هل تفهم؟ وجه علي لا يتحرك ولم يغيّر تعبيره. الكابتن (بعيداً) علي، هل تسمعني؟ اسمع! انت آخر واحد. الجبهة انتهت. جميع رفاقك إما امواتًا أو في السجن. اخرج ستكون لك محاكمة عادلة. اخرج. استسلم. صوت خطوات، اصوات أخرى، مرحه، مشوشة. اصوات المظليين: لماذا يتنفسون بانفاس ثقيلة؟ خوف ... هواء ... ليس لديهم هواء كافيًة في الداخل ... ثم صوت الكابتن، واضحاً وبعيد قليلاً: كابتن (بعيداً) احزم امرك يا علي؟ هل تريدنا أن نقفل الحائط عليك، او أنك تفضل ان ننسفك إلى أشلاء؟ ... على أي حال. فكل شيء سيكون سيئاً لك. ما زال تعبير علي شديداً؛ تحديقه ما زال مظلماً وغاضباً. 6 - مشاهد من القصبة. خارجي. نهاراً. نوفمبر 1، 1954. القصبة: كثافة بشرية، تتجمع في الحواري والأزقة وعلى الأدراج وفي المقاهي، في الحمامات العربية، في الجوامع، وفي الأسواق؛ تشابك من الأصوات، الإشارات، الوجوه، نساء منقبات، عيون. واحد يضع اعلانًا وآخر يوزعه. المنادي: «جبهة التحرير الوطنيه! ايها الاخوة الجزائريون! آن الأوان لأن نكسر قيود الذل التي قيدنا بها الاستعمار الكولونيالي لمائة وثلاثين سنة. لحظة النضال آتيه .. هدفنا .. الاستقلال الوطني ... » 7 - مشاهد من المدينة الأوروبية. خارجي. نهاراً المدينة الأوروبية: خرسانة مدعّمة، اسفلت، فولاذ، أضواء واجهات محلات، بنايات، سيارات. نغمة ثابتة من القدرة على الفعل، موسيقى، حرارة اللقاء، مشهيات. منادي: «حتى نتفادى صراعاً مميتا وخلافات دموية، نتقدم ببرنامج مشرّف من الحوار للسلطات الفرنسية بشرط ان يلاحظوا حق شعبنا بالحكم الذاتي ... » والجزائريون الذين يعملون في المدينة الأوروبية، عمال السفن عمال المقاهي، منظفي الشوارع، عمال حقول وعمال حدائق. المتكلم: «أيها الجزائريون اتحدو! استعدو للتحرك! جبهة التحرير الوطنية تدعوكم للنضال». ايها العاطلون عن العمل، البائعون الجواليون، الشحاذون، ماسحي الأحذية ... 8. لعبة الثلاث ورقات في الشارع. خارجي. نهاراً. زوج من الأيدي يتحرك؛ واحدة فوق الأخرى، يتقاطعان بسرعة هائله، في نفس الوقت، انهما يحركان ثلاث قطع خشبيه تظهر وكأنها متطابقه. حركات الأيدي تتحدد بنوع من الأنشودة الرتيبة الجزائرية. بين الفترة والأخرى تقلب قطع الخشب للحظة من الزمن بحيث تظهر الناحية الأخرى. أيد قوية، ثابتة، سميكه رشيقه بشكل غير عادي نسبة لحجمها، يدا علي لابوانت، اصغر في ذلك الوقت، عمره اربعة وعشرون عاماً. حي اوروبي في الجزائر. ذهاب وإياب الناس، سيارات تسير. وعلى الممر الجانبي مجموعة قليلة من الأوروبيين معهما صبيان جزائريان. بعض الماره الآخرين يتوقفون رغبة في المشاهدة. يتجمع الجميع حول النضد حيث يمارس علي لابوانت لعبته. تحملق العيون المسحورة جميعها على قطع الخشب. تتحرك يدي علي وكأنها كائن لوحدها. نظرته دائماً غاضبة قليلاً، مضطربة بوضوح، غير عابئه بشيء. تمر من وجه لآخر ومن ثم إلى الشارع، من جهة لأخرى. وعلى بعد خمسين ياردة رجل بوليس. اثنان أوروبيان رجل وامرأة يخاطبانه بطريقة استفزازيه ويدفعانه إلى الأمام وهما يشير الى علي. المرأة: انظر! نعم، هذا هو! لم يعد علي يغني وتوقفت يداه عن الحركة. تسمع صفارة بوليس. يشق علي طريقه بيديه بين الجموع. ثم ينطلق راكضًا. ويبدا البوليس بملاحقته راكضًا. 9. شارع. هروب علي. خارجي. نهاراً. ينحدر الطريق. يهرب علي يتبعه رجل البوليس. يناور احد المارين بخفة. يكسب موقع أرض. ولكن يسمع من مكان قريب ... صفارات وايضاً امامه. رجلان آخران من البوليس؛ هما ايضًا يركضان. هنالك تقاطع. وعلى الزاوية قهوة. موسيقى مرحة يتكئ شباب اوروبيون على نافذة حانوت يتوقفون عن الثرثرة وينظرون. يصل علي إلى الزاوية، يقطع الشارع، يمر بالقرب من البار. هنالك شاب أشقر، حوالي الثامنة عشرة من العمر، يبدو انه تلميذ، يمد قدمه إلى الأمام، ويدفع بأحد الكراسي أمامه. يتعثر علي ويقع. يحاول الصبي الضحك وفي نفس الوقت يتحرك إلى الخلف. علي ملقى ووجهه إلى أسفل، ولكن فجأة يدير رأسه باتجاه الشاب ويحدّق به. ثم يرفع رأسه بذراعيه. ويستدير لينظر إلى الخلف. يبعد البوليس الآن عشرين يارده عنه. ينهض علي على قدميه. يتردد لأقل من ثانية. يقذف بنفسه على الشاب، الرأس أولاً. ومستخدماً رأسه ينطح علي وجه الشاب ليصيب أنفه ويرش الدماء في كل اتجاه. لا يستطيع الشاب الصراخ. يفتح فمه محاولاً، ولكن النتيجة هي صوت غرغرة ودماء. يتدخل رفاقه. يُحاصر علي. يصل البوليس. مجموعة من الناس تقفز على علي ترفسه، وتضربه بقبضاتها كما تشاء. اخيراً يساعد البوليس علي ويفرق الجموع. الآن علي مقيّد بالأغلال ويؤخذ بعيدًا. حضر المزيد من الناس. انهم يصرخون ويرسلون (32/3)
صفحة 334
الشتائم والبصاق على علي. يسير علي في منتصفهم محمياً من البوليس. لا يهتم بالضربات الأولى، والصرخات والبصاق، ولكنه يبدو وكأنه لا يرى ولا يسمع، وكأنه قد استسلم لخسارة المعركة هذه المرة، وأخذ يجهز للانتظار بصبر لفرصة أخرى أفضل. يسير بخطىً ثابتة. وجهه خالٍ من العاطفة، بيضاوي، داكن اللون. شعره أسود متموج، جبهته منخفضة واسعه، عيناه واسعتان منخفضتان بأجفان متهدله، فمه ثابت ومتكبّر. المتكلم: عمر علي، المعروف بـ «علي لابوانت» ولد في ميليانا 1 مارس، 1930. التعليم: امي العمل: عامل يدوي، مزارع يدوي، ملاكم، وحاليا بلا عمل. اتهاماته السابقة: 1942 .. محكمة اوران جوفينيل، سجنه في الإصلاحية بسبب التخريب المتعمد. 1944 .. سنتان في الإصلاحية بسبب السرقه. 1949 .. محكمة الجزائر، ثمانية أشهر من اجل ممارسة الدعارة ومقاومة القبض عليه، يسيء للآخرين بشكل دائم. 10. باريس 1955. خارجي. نهاراً. الهواء صافٍ كمثل طقس الربيع. تقف سيارة ستروان للنقل ماركة 4 CV . امام مخازن مبنى وزارة الداخلية. الباب الخلفي مفتوحاً والمحرك شغال ورجل بوليس يقف عند عجل السيارة. يخرج عاملان بملابس العمال من المخازن. كل واحد منهما يحمل صندوقًا ويضعه داخل الشاحنة، الصندوقان مصنوعان من الخشب الجاف وكلاهما مستطيلان. كل واحد منهما طوله ثماني بوصات؛ وارتفاعهما بارده وياردتان على التوالي. يجلس العاملان داخل الشاحنة عند المؤخرة. ووجهاهما متجهان نحو الداخل. اقدامهما متدلية تكاد تلمس الأرض. تدفعهم الحركة المرتجه للشاحنة وهي تتحرك إلى الضحك. شوارع باريس. الربيع. فتيات بأثواب رقيقة تلتصق باجسادهن. يناديهن العاملان، يصفران، يلوحان بحركات مختلفه، ثم يتحركان بعيداً. مطار أورلي تقف الشاحنة أمام مخزن كبير. يقفز العاملان إلى الأرض، يضعان الصناديق على اكتافهما ويدخلان إلى المخزن. تتحرك الصناديق على حامل منحدر متحرك. على كل منها يقول: جمهورية فرنسا. وزارة الداخلية. الجهة المقصودة: سجن برباروس. الجزائر. 11. الجزائر. سجن برباروس. خارجي. صباحاً يقع سجن برباروس في ضواحي القصبة العليا. انه قلعة قديمه محاطة بحيطان كثيفة مرتفعة. تكاد لا تظهر إذا ما قورنت بالمبنى المركزي الذي يطغى عليها. يغطي كل البناء الجير الأبيض مثل باقي بيوت القصبة. اعمدة الشبابيك فقط مغطاة باللون الأسود. تفتح البوابة. تدخل باحة السجن سيارة جيب مغطاة. ووضع داخل الجيب الصندوقان المرسلان من باريس. الصباح الباكر. السماء زرقاء باهتة. في باحة السجن يفتح العمال الصندوقان ويجمعان أجزاء المقصلة. من الممكن رؤيتها من نوافذ غرف السجن المواجهة للساحة، تظهر وجوه بعض المساجين بين أعمدة الشبابيك. يختفي العمال. ولا يبقى سوى البديل المؤقت لشكل المقصلة يظهر وقد استطال شكلها الدقيق. 12. غرفة السجن. داخلي. صباحاً. في احدى الغرف هنالك عشرون سجيناً، الغرفة واسعة؛ هنالك شباكان مرتفعان تكادان تصلان إلى السقف. يقف أحد المساجين على وعاء البول، وينظر إلى الخارج عبر الشباك المغلق بالأعمده .. على الأرض هنالك بعض البسط التي تستعمل كمكان للنوم. لا شيء آخر. يجلس على الأرض حوالي عشرة سجناء كمجموعة يتكلمون همساً. يتكلمون بحركة الشفاه همساً. يلعب اثنان منهما ببعض الحجارة على رقعة شطرنج رسمت على الأوساخ؛ الآخرون يتكلمون مع بعضهم البعض. يقرأ واحد كتاب ميكي ماوس الفكاهي ويضحك لنفسه. ولكنهم جميعاً يتميزون بالمظهر والتصرفات من الباقين الذين يشكلون الأكثرية. هؤلاء الرجال المنفردون يختلفون بطريقة ما، انهم ليسوا جانحين اعتياديين. علي لابونت لوحده مبتعداً عن الآخرين، يجلس ارضاً، كتفاه مسنودتان غلى الحائط، ركبتاه مرفوعتان. حافياً. وعلى كاحله الشمالي مباشرة فوق قدمه دق وشم بكلمتين مطبوعتين Tai Toi ( اقفل فمك). قميصه غير مزرر وعلى صدره اوشمه أخرى بأشكال غريبه. ينظر علي إلى المجموعة ويبدو انه يستمع إلى كلماتهم المهموسة. دون تفكير تعبيره قليل الكلام، متحفظ وغير مبالٍ. يستدير علي نحو السجين الواقف على الشباك. السجين الواقف على النافذة: انظر إليهم. يقفز علي على قدميه. الجميع يتجهون نحو الشباكين. يتحرك علي بعيداً اثنين ياردة بخطى سريعة، ثم يركض باتجاه الشباك، ويمسك الأعمدة بكلتا يديه، ويرفع نفسه إلى أعلى نحوه. يستدير الرجل المحكوم عليه وينظر إلى أعلى باتجاه الشباك. يبدو انه يبتسم بالرغم من أن وجهه لا يتحرك. وبصوت رقيق، يخاطب هذه الوجوه التي تظهر خلف القضبان. الرجل المحكوم عليه: تحيا الجزائر! يردد المساجين السياسيون الجملة ويعيدون تردادها تاركين وقتاً لخطوات المحكوم عليه. المساجين السياسيون: تحيا الجزائر.13. ساحة السجن. خارجي. صباحاً يسير المحكوم عليه باتجاه المقصلة يرافقه الحراس ورجل دين يقرأ القرآن. وهناك ايضاً من سينفذ الحكم يلبس ثياباً سوداء. يحاول منفذ الحكم أن يتظاهر بعدم الاكتراث. يتلو الشيخ صلواته. كل المراسم تبدو مرتجلة وسريعة. الوصول للنهاية سريع. صلوات ينحني المحكوم عليه. يضع المنفذ رقبة المحكوم عليه في مكانها الصحيح ويحكم موقعها، يدير رأسه قليلاً، ثم يدفع جسده إلى الأمام. ويطلق الآلة. يسقط النصل، يتدحرج الرأس. لم يعد هنالك جوقه. لا أحد يغني. بقيت عينا علي بلا حراك. ثم من الأعلى، بينما يحمل الجسد المقطوع بعيداً في سلة، وبينما يغادر الشيخ والحراس والضابط وبينما يفك العمال، المقصلة، تسمع من شرفات القصبة فجأة زغاريد النساء كثيفة مثل غناء العصافير، حادة، نحاسيه، غاضبة. النساء: زغرده «جو - جو» 14. مربع صغير. القصبة. خارجي. نهاراً. يناير 1956 السماء تمطر. تتراكض المياه في القنوات على الممرات الضيقه. تحولت البيوت البيضاء إلى رمادي اسفنجي، يلعب اولاد القصبة ويتراشقون بالوحل. اولاد ضعاف البنية انصاف عراة، أولاد منتفخو البطون مقصوصو الشعر بسبب الإلتهابات. تناديهم امهاتهم بلا جدوى، يتابعون الركض واللعب والتمرغ بالوحل، بمرح يائس. نداءات. اصوات. صراخ كان عمر الصغير آنذاك في العاشرة (32/4)
صفحة 335
من عمره. انه نحيل القامة يلبس بنطالاً طويلاً وسترة تبدو كبيرة الحجم عليه، ممزقة وكأنها سترة مهرج. هادئ ومستوعب بافكاره، يمرّ بين الأولاد الآخرين فلا يلاحظهم ولا يلاحظ لعبهم. مربّع صغير على أرض مرتفعة. في منتصفها، نبع ماء، وعلى الجهة المرتفعة من المربع، في احدى الزوايا. هنالك جامع. صوت موسيقى كنسية يقف ساكناً على أسفل السلالم جزائري يرتدي عباءة بيضاء، لا يظهر منها سوى عينيه، يمر أناس آخرون من أمامه. يستدير الجزائري إلى ناحية واحدة حتى لا يراه أحد. يسير عمر الصغير نحوه ويقترب من ظهره. يستدير الجزائري، إنه علي لابوانت. يخاطب الصبي بلهجة صبوره لطيفة: علي: اذهب! عمر الصغير: للرجال وجهان: واحد يضحك وواحد يبكي ... ينظر علي نحوه غير مصدق ويسأل: علي: وهم ارسلوك! يدخل الولد يده تحت سترته الصوفية عند صدره. عمر الصغير» طبعاً، وهل في هذا خطأ ما؟ يأخذ عمر ورقه مطوية إلى أربع ويناولها إلى علي. عمر الصغير: خذها. كل شيء مكتوب هنا. يستدير ويأخذ في الجري. علي: انتظر! يتوقف عمر عن الجري ويستدير نحو علي. علي: تعالى إلى هنا ... . تعالى. يعود عمر على آثار خطواته. يذهب علي ليقابله. علي: (بطريقة جافه) هل تستطيع القراءة؟ عمر الصغير: طبعاً ... يعيد علي له الورقة. علي: اقرأها. عمر الصغير: هنا؟ يستدير علي وينظر حوله. يقرفص على أكعابه حتى يصل إلى ارتفاع عمر. علي: هنا. ما زالت تمطر رذاذاً. يفتح عمر الورقه ويبدأ في قراءتها. 15. شارع راندوم. قهوة ود جيري. خارجي/داخلي نهاراً. في اليوم التالي وعند الساعة الخامسة بعد الظهر في شارع راندوم. الشارع واسع بالنسبة للشوارع الأخرى في المنطقة العربية وفي مثل هذه الساعة فهو مزدحم بالناس، هنالك جزائريون يرتدون ثيابهم التقليدية والآخرون يلبسون ثياباً أوروبيه. خلفية صاخبة مليئة بالضوضاء ... . ناس يتكلمون، اصوات، كلمات ... كلها مخلوطة معاً. نساء محجبات بنظرات حاده. نساء صامتات وكأنهن يطفون بين الجموع، ولا يمكن لمسهن. مقهى عربي مليء بالزبائن على الموائد والبار. وعبر نافذة الدكان الواسعة نرى الداخل مليئا بالدخان والبخار. تقع القهوة في شارع راندوم، رقم 40. عمر (بعيداً) هنالك مقهى عربي في شارع راندوم رقم 40. اسم صاحبها مدجبري. إنه مخبر بوليس ... يقف مد جبري خلف آلة المحاسبة، يبتسم، مشغول جداً. انه يلبس ثوباً تقليدياً. إنه واضح للرؤيا عبر شباك الحانوت. فوق رؤوس الزبائن. ومن احد الممرات قرب القهوة هنالك ساعة معلقة من لوحة اعلان امام المحل. انها الساعة الخامسة. رجل بوليس فرنسي يدخل القهوة. عمر (بعيداً) كل يوم عند الساعة الخامسة يأتي بوليس فرنسي ليراه. يقف بضع دقائق ليأخذ معلومات متذرعاً بشرب قدح من الشاي. عليك ان تقتل رجل البوليس هذا ... علي (بعيداً) ليس مدجبري؟ يبتعد مدجبري على آله التسجيل، ما زال يقف خلف البار، حيث يجلس رجل البوليس. يحييه، ويعطيه قدحاً من الشاي. عمر (بعيداً) كلا. انها تقول رجل البوليس. يتكئ رجل البوليس إلى البار. انه طويل القامة أجشّ الصوت يلبس ثوباً رثاً وعلى كتفيه معطف، يتدلى إلى الخلف قليلاً. والآن ترشف شفتاه الغليظتان شاي النعناع الحارق. علي: (بعيداً) حسناً ... امام الساعة الضخمه وإشارة الدكان تقف فتاة رفيعة القوام، محجبة، عيناها ثاقبتان على خلاف شكل جسدها الجامد الحركة. ذراعاها مرفوعتان لتشكلا قوساً، ويداها تدعمان حواف سلة كبيرة تتوازن على رأسها. عمر (بعيداً) عند الزاوية امام الساعة الكبيرة تماماً ستكون هنالك فتاة تحمل سلة. وعندما يخرج البوليس ستتبعانه معاً. في اللحظة المناسبة ستعطيك مسدساً. ما عليك إلا أن تطلق النار ... بسرعة وفي الخلف. الآن انتهى رجل البوليس من شرب شايه. يعطي اشارة الدفع. يرفض مدجبري المال وهو يبتسم ويقول مع السلامة. يقترب علي من الفتاة. يتبادلان النظرات. تضع الفتاة سلتها المليئة بالذرة وتتركها بجانبها. تتحرك ببطء نحو القهوة. يسير علي إلى جانبها يخرج رجل البوليس من المقهى. يندفع بوقاحة نحو الداخلين إلى المقهى. يشق طريقه على الممر الجانبي ويتحرك بعيداً أكثر يوازن جسده الثقيل عند كل خطوة. يبعد علي والفتاة عنه بياردة تقريباً. يتبعانه متدافعين مع الآخرين الكثر المزدحمين على الممر الجانبي. عندئذ تدخل الفتاة يدها إلى داخل الذرة. وبثانية تضع المسدس في يد علي اليمنى. يحمل تحت عباءته يبعد ظهر رجل البوليس شبراً عنه علي لا يطلق النار، يتحرك إلى الأمام لكي يمر من جانب رجل البوليس. تنظر الفتاة نحوه مضطربة وتحاول إرجاعه إلى الخلف. تهز رأسها وكأنها تريد الكلام. يبتسم علي لها. وبعيناه بريق قاسٍ. يسير بضع خطوات متجاوزاً رجل البوليس. فجأة يستدير علي، يرفع يده وكأنه يحاول شق طريقه، ثم يمد يده وهو يصوب المسدس. يتوقف رجل البوليس، عيناه تتسعان خوفاً. وبشكل غريزي يرفع ذراعاه ويفتح كفاهما. الخوف يشلّه. ينظر علي حوله. العديد من الناس يتحركون بسرعة، ولكن آخرون يقفون ثابتين بشكل دائري يراقبون المشهد مذهولين، علي يخاطبهم جميعاً، بصوت عالٍ. عيناه تلمعان. علي: لا تتحركوا! انظروا إليه. انت لا تعطي اية اوامر الآن! يداك إلى أعلى، ايه! هل ترونه، أيها الإخوة؟ اسيادنا ليسوا مميزين، هل هم كذلك؟ صوت طقة معدنية حادة. يحاول علي مرة ثانية يضغط على الزناد مرة ثانية. طقطقات متعدده المسدس فارغاً يدير علي ماسورة المسدس؛ إنها فارغة. ينزل رجل البوليس يديه ببطء. تندفع يده اليمنى نحو جراب المسدس. يستعد علي للقفز، يرمي المسدس بعيداً، ويبدأ في التحرك إلى الأمام. يدفع البوليس ارضاً حيث أنه أخذ بالمفاجأة وسقط إلى الخلف، يبتعد الجموع بسرعه. يبدأ علي يرمي نفسه على رجل البوليس الملق أرضاً، ولكنه يتوقف في منتصف الطريق. تدور في رأسه فكرة تكبحه عن المضي فيما يفعله. يستدير فيرى الفتاة التي التقطت المسدس واخفته ثانية في سلتها. ثم تتحرك بسرعة بعيداً. يبدأ علي بالسباب غاضباً ثم، يرفس رجل البوليس مرتين في رأسه. ويركض وراء الفتاة. يصل إليها، يلتقط كتفها بوحشية فتصرخ. علي (هامساً) عكروته! ... عاهرة! تناضل الفتاة لتخلص نفسها من قبضته. في نفس الوقت يسمعون خلفهم ... صفارات بوليس (32/5)
صفحة 336
تسارع الفتاة خطواتها. 16. زقاق جانبي وباب أمامي. خارجي / داخلي غروب الشمس. تصل الفتاة عند شارع جانبي، تدخله، وتنطلق راكضة. مرة ثانية علي بجانبها، ولكن فجأة تدخل الفتاة باب أمامي. تنحني، تضع السلة أرضاً، تخرج المسدس، وتخبئه في صدرها تحت شالها. تنهض ثانية وتترك السلة. يسد علي طريقها. علي: اخبريني ماذا وراء هذه النكتة. تحاول الفتاة الدفع نحول الباب متجاوزة إياه. جميلة: دعنا نتحرك الآن وإلا فسيلتقطونا. يلتقطها علي من ذراعها، يهزها ويصرخ غير مسيطر على نفسه. علي: إريد ان اعرف من الذي ارسل لي تلك الرسالة. وما اسمه؟ جميلة: إنه ينتظرك! علي: أين؟ جميلة: نحن ذاهبون إلى هناك ... إذا لم تتسبب في اعتقالنا قبل ذلك. تشير الفتاة برأسها نحو الشارع حيث يمر رجلي بوليس بسرعة يسير علي إلى الخلف نحو ظل الممر. يستعيد سيطرته على أعصابه يفك عباءته ويتركها تسقط على السلة. إنه يلبس ثياباً أوروبيه بنطالأً وبلوزة صوفيه. علي (يدفعها إلى الأمام) تحركي ... تابعي إلى الأمام. سألحق بك. تنظر الفتاة إلى الخارج، ثم تخرج. يتبعها علي بضع خطوات خلفها. الآن اصبح وقت الغسق. 17. شرفة. منزل قادر. خارجي. ليلاً ليلة مضيئة بالنجوم. اضواء قليلة تظهر في شبابيك القصبة. في الخلفية، هنالك النيون المنتصر للمدينة الأوروبية، البحر، السفن الراسية، الأشعة المتلألئة من الفنار. يستدير قادر برشاقه، ويذهب ليجلس إلى حائط الشرفة. قادر: كان من الممكن أن تكون جاسوسًا. كان علينا ان نضعك تحت الاختبار. ينظر علي إليه بسكون. علي: بمسدس غير محشو؟ قادر: سوف أشرح. قادر اكبر من علي ببضع سنوات ولكنه ليس بمثل طوله. إنه رفيع ولكنه مفتول العضلات. وجهه مثلث الشكل، ارستقراطي، شفتاه رقيقتان، عيناه تشتعلان حقداً ولكن في نفس الوقت خادعتان. يتابع الكلام بنبرة هادئة تحمل نوعاً من السخرية. قادر: لنفترض أنك جاسوس، في السجن، وعندما تتصل بك جبهة التحرير الوطنية، سوف تتظاهر بأنك تدعم الثورة، ومن ثم سوف يساعدك الفرنسيون على الهروب ... علي: حتما. بأن يرمونني بالنار. قادر: حتى هذه قد تكون حيلة. سوف تهرب ثم تظهر في العنوان الذي اعطاه لك الإخوة في السجن، وهكذا سوف تتمكن من الاتصال بي ... علي: انا حتى لا اعرف اسمك حتى الآن ... قادر: اسمي قادر، علي ... سقاري قادر ... وبكلام آخر، حتى تنضم إلى المنظمة، عليك ان تمر بامتحان. كان من الممكن أن أقول لك اقتل رجل البار، ولكنه جزائري ... وسيسمح لك البوليس بقتله، حتى لو كان من رجالهم. بإطاعتك لمثل هذا الأمر، كان من الممكن ان تكون عميلاً مزدوجاً. ولذلك قلت لك ان تقتل رجل البوليس الفرنسي: لأن الفرنسيين لن يسمحوا لك ان تفعل ذلك. فإذا كنت مع البوليس فلن تفعل هذا. يتبع علي منطق قادر بشيء من الجدية وقد اذهله هذا المنطق، ولكن ليس كل شيء واضحً حتى الآن. علي: ولكنني لم اطلق النار عليه. قادر: (يبتسم) لم تكن قادراً على ذلك. ولكن المهم أنك حاولت. علي: المهم بالنسبة لي هو انك تركتني اقامر بحياتي مقابل لا شيء. قادر: تعالى ... انك تبالغ. الأوامر كانت ان تطلق النار عليه من الخلف. علي: انا لا افعل مثل هذا الشيء. قادر: غذا لا تشتكي. علي: حتى الآن لم تخبرني لماذا لم تدعني اقتله. قادر: لأننا لسنا جاهزين الآن لمجابهة الفرنسيين. قبل الهجوم عليهم، يجب ان تكون لدينا اماكن آمنه من حيث ننطلق ونجد ملاذاً. طبعاً لدينا القصبة. ولكن حتى القصبة ليست آمنه بعد. هنالك العديد من السكارى، مروجي المخدرات، العاهرات، المدمنين، الجواسيس، الثرثارين الناس الجاهزين لبيع انفسهم، المترددين. فإما ان نقنعهم او نخرجهم. يجب ان نفكر بأنفسنا أولاً. يجب ان ننظف القصبة اولاً. هل سنستطيع التعامل مع الفرنسيين. هل تفهم يا علي؟ علي لا يجيب. ينزل قادر من على الحائط وينظر إلى القصبة. ينظر علي ايضاً نحو القصبة وقد غمره الظلام. علي: وكم نحن؟ قادر: ليس ما يكفي. 18. مساحات من عالم القصبة السفلي. خارجي/داخلي نهاراً مارس 1956 ريح ربيع دافئة، غيوم واسعة بيضاء. عند الحافة الغربيه للقصبة، من اعلى إلى أسفل القصبة، ينخفض شارع العالم الجزائري السفلي نحو حي المواخير. المذيع: «جبهة التحرير الجزائريه، النشرة 24. اخواننا في القصبة! الإدارة الكولونيالية ليست مسؤولة فقط عن بؤس شعبنا الهائل، ولكن عن الرذائل المنحطه التي يمارسها العديد من اخواننا الذين غابت عن أذهانهم كرامتهم. اماكن مقامرة في الظل لمدخني الأفيون، ودكاكين مليئة بالحلى السياسية والتجار، اماكن بيع حلى مسروقة، قوادين. اطفال بوجوه رجال، ونساء عجائز بوجوه شاحبة وشابات، عاهرات يقفن في ابواب منازلهن. وفتيات يكشفن وجوههن ويضعن غطاء على رؤوسهن مربوطاً عند مؤخرة الرقبة. المذيع: الإفساد والقسوة كانا دائماً اخطر اسلحة الاستعمار. جبهة التحرير الوطنية تدعوكم جميعاً للنضال من أجل خلاصهم الجسدي والأخلاقي .. فهذا شرط لا بد منه من اجل استعادة الاستقلال. ولذلك فبدءاً من الآن فإن السلطة السرّية لجبهة التحرير الوطنية تمنع الأمور التالية: القمار، بيع واستخدام جميع أنواع المخدرات، بيع واستخدام المشروبات الروحية، الدعارة وترويجها. سوف يعاقب المذنبون. اما المذنبون الممارسون فسوف يعاقبون بالموت. 19. بار. المدينة الأوروبية المواجهة للقصبة. خارجي/داخلي. عند الغروب. إنه الغسق. في المدينة الأوروبية يمكن رؤية الأضواء الأولى. يبدأ الناس في التهافت على البارات طلباً للمشهيات. يترك ماسح الأحذيه الجزائري صندوقه عند مدخل البار. يتجه نحو المنضدة. إنه طويل القامة رفيع كالبوصة. يتناول من جيبه قبضة مليئة بالعملات الصغيرة .. يداه ترتجفان قليلاً وهو يعدّها. يتعرف الساقي عليه، يملأ كأساً من النبيذ ويضعه أمامه. يحاسب الجزائري ويتناول الكأس. قد لا يكون هذا كأسه الأول. يزداد ارتعاش يديه. يشرب الجزائري النبيذ دفعة واحدة، ثم يذهب نحو الباب. ينتظر بصبر دخول بعض الأوروبيين. يخرج، يحمل صندوقه ويتحرك مبتعداً. 20. شارع مارنجو وسلالم. خارجي. داخلي. غروب. يقف الجزائري أعلى السلالم التي تقف حادة تقود من الأحياء الأوروبية إلى القصبة. الآن هو في شارع مارينجو. ما زال هنالك ضوء نهار. الشارع مزدحم. (32/6)
صفحة 337
يهتز الجزائري مترنحاً على ساقيه. ويقف متمتماً شيئاً في سرّه. من الواضح أنه يحاول إخفاء سكره. يبدأ بالسير ويده مثبتة إلى الحائط كدعامة. يتعثر. يسقط صندوق الصبغ فتتناثر الفراشي وعلب الصبغات على الأرض. ينحني الجزائري ويبدأ في التقاط أدواته. انه يشتم ويسب. يراه آخرون. يشير إليه بائع متجول ليراه طفل في العاشرة. إنه عمر الصغير، الذي يوميء بنعم ثم يصفر. فتجيبه صفارة أخرى، ثم اخرى، وأخرى. هنالك اطفال آخرون، على كل زاويه في الشارع. يصلون راكضين ويتجمعون مع بعض يشير عمر إلى السكران الذي يتحرك الآن بعيداً، ويوجه الأمر بالهجوم. من الواضح ان هذه ليست لعبه يلعبونها بل واجب يؤدونه. هنالك فرقة من الصراخ القصير المدى، من الشتائم، والصفارات. يراهم السكير يقتربون. يخاف يحاول التسريع في خطاه. يصلون إليه بسرعة ويحيطون به. يهجمون عليه ويهربون. صغار ولكنهم مراوغون. لا يضحكون ولو مرة واحدة،؛ وجوههم صلبة وقاسية. يتأرجح السكير حول نفسه وهو يمسك صندوقه بحاملته. بعض الأطفال يضربون، وبعضهم يسقط .. يستفيد السكير من هذه الفرصة ليهرب ويعود إلى الخلف نحو السلم. يبدأ في النزول نحو الأحياء الأوروبية ولكن الأطفال يعاودون الهجوم عليه. إنهم يصرخون الآن بصوت أعلى ويدفعونه. يسرّع خطاه ويأخذ وهو يترنح كل درجتين بخطوة. يدفعه الأولاد فيسقط. إنه يبكي. ويخفي نفسه بيديه. سقط الصندوق واخذ يتدحرج على السلم. الأولاد الآن اعلى منه، مثل الحيوانات الصغيرة على الجيفة. فيخنقونه. يدفعونه ويشدونه. لم يعودوا يصرخون. جميعهم مركزين على جهودهم. السكير هو فقط الذي يصرخ فاقدًا الأمل. ينجحون في تحريكه ودحرجته من على السلالم. يتدحرج إلى أسفل محاولاً عبثاً إمساك اي شيء بيديه. 21. بار القصبة. خارجي/ داخلي. نهاراً في الخارج الشمس تعمي العيون. في داخل البار الصغير هناك هواء منعش وظل. شاب جزائري بعيون ميتة وتعبير جامد يلف سيجارة من الأفيون. يشعلها. صفعتين يتسببان في اسقاط السيجارة من شفتيه. يلبس علي لابوانت جلابيه، ثوب بلا أزرار يلبس من الرأس. هنالك فتحه عند الخصر حوالي ثمانية إنش. يمد علي يده من هذه الفتحة ليصفع مدمن الأفيون، الذي يتعرّف على علي، فيبتسم، ويكشر تكشيرة دائخة. مدمن الأفيون: علي لابوانت ... علي: استيقظ! هل رأيت حسين لوبونوا؟ مدمن الأفيون (يهز رأسه) ليس اليوم ... ثم ينهض بتثاقل، ينحني، وينظر بحثا عن السيجارة التي سقطت من يده. لا يستطيع الوصول إليها. يسحق علي بسرعة السيجارة تحت قدمه. إنه يلبس حذاءً رياضياً. يتحرك بعيداً ويترك البار. 22. بار شارع. القصبة. خارجي. نهاراً. يتابع على الطواف في الشوارع باحثاً وبين الفترة والأخرى، وبدون توقف، يسأل احدهم: علي: هل رأيت حسين لوبونوا؟ ثم يضيف علي: قل له انني ابحث عنه ... 23. احياء المواخير. خارجي. نهاراً. بعيداً عن الحدود مدخل حي المواخير. يتسع الشارع والحواري تتشعب وتبدو واسعة. هنالك شخص أو اثنان اوربيان، ليس فقط سواح يبغون المقامرة ولكن عناصر من عالم الجريمة السفلي الذي يختلط مع الجزائريين. جميع المباني تقريباً تحتوي على بيت للدعارة او بيوت اخرى سيئة السمعة. على بعض البيوت هنالك لوحات معلقة تقرأ: هذا منزل شريف. 24. ماخور. داخلي. نهاراً. دخل علي احد المواخير. الوقت صباحاً هنالك عدد ضئيل من الزبائن. العاهرات جزائريات واوروبيات. بعضهن جميل الصورة. السيده جزائرية تلبس ملابس أوروبية. إنها في الأربعين من العمر تقريباً، مزينة وجهها بكثافة. عندما تلاحظ وجود علي، تقطع أغنيتها العاديه. تبدو فضولية، ولكن سعيدة. السيدة (تصرخ) علي لابوانت! توقف نفسها، وقد شعرت بالأسف لأنها تكلمت بسرعة وبدون تحفظ. علي لا يجيبها، ولكنه يقترب وهو يحملق بها بثبات. السيده: (تبدّل نبرة صوتها) لم أعد اراك حول المكان منذ مدة طويلة. ظننت أنك ما زلت في السجن. يتكئ علي على النضد، ولا يبعد عيناه عنها ولا لثانية. علي: هل حسين لوبونوا ها؟ السيده: كلا. غادر في الصباح الباكر. تعلم ما هو الأمر مع المعلم ... علي: أريد ان اراه. إذا ما ظهر، قولي له أنني حول المكان. يتحرك علي بعيداً عن النضد ويستدير. يغادر المكان دون أن يقول كلمة. تحاول المرأة ان تفهم ما حدث، وتتبعه بنظرة قلقة. 25. شارع صغير. حسين. خارجي. نهاراً حسين: علي، يا بني ... اين كنت مختبئاً؟ يستدير علي فجأة، ثم يتراجع إلى الخلف حتى يصبح ظهره عند حائط الزقاق. علي (بصوت حاد) لا تتحرك! ثم يحدق في الآخرين. علي: جمدو أيديكم. الآخرون هم ثلاثة جزائريين، حرّاس حسين. حسين لوبونوا طويل قصير الساقين ما لا يتناسب مع صدره الضخم. إنه يميل إلى البدانة. له وجه واسع بتعبير مرح واثق النفس. ملابسه مزيج غريب من الجزائري والأوروبي الذي مع ذلك لا يبدو سخيفاً بل مهيباً. عند تعليق علي، يتبدل تعبيره فيصبح مذهولاً مربكاً ولكن في نفس الوقت تظهر عيناه ما يفكر به ليجد تفسيراً وحلاً. حسين (مذهولاً) تعرفين أنني لا أحمل اسلحة ... يبقى علي ذراعيه مخبأة تحت الجلابية. علي: أعرف. يضحك حسين بحرارة، ويمد يداه الضخمة والقاسية. حسين: أنت خائف من هؤلاء ... ؟ علي: لا تتحرك، يا حسين. حسين: لماذا انت خائف؟ لقد كنا دائماً اصدقاء. ممكن أن يقول الواحد انني انا ربيتك ... أليس هذا صحيحًا، علي؟ علي: هذا صحيح. حسين: ماذا جرى لك؟ علي: جبهة التحرير حكمت عليك بالإعدام. ذهل حسين. أخذ يردد أفكاره عالياً بصوت ناعم. حسين: آه، فإذاً وصل الأمر إلى هذا ... ثم انفجر في ضحك عال، وبدا يستدير نحو حرسه الثلاثه خلفه. حسين: انا سأموت من الضحك! ها ... ها ... ها ... علي لا يتكلم. يتابع الحملقة في حسين. يتوقف حسين فجأة عن الضحك. تتغير نغمة صوته وتصبح فظه ومتسرعة. حسين: كم سيدفعون لك؟ علي: لن يدفعون الي شيئاً. لقد انذروك مرتين قبل الآن؛ هذا هو الإنذار الأخير. قرّر. حسين: ماذا ... ماذا عليّ أن أقرر؟ علي: عليك أن تغيّر عملك، يا حسين. فوراً! يقوم حسين بإشارة وكأنما للتعبير عما يريد قوله. حسين (متهكماً) حسناً، اقنعني. ثم فجأة، وبدون توقع، يصرخ بصوت عالٍ مثل المتبارزين الذين قبل أن يغمدوا سيوفهم، يحاولون إخافة (32/7)
صفحة 338
أضدادهم. يتحرك بتواتر ويدفع نفسه إلى الأمام، رأسه منحنياً وذراعاه ممتدتان. يخطو علي إلى الجانب، ويطلق النيران من الرشاش. يسقط حسين على وجهه أرضاً. هنالك حركة. يقترب بعض المارة. الأولاد الثلاثة يحاولون الهرب. علي (يصرخ) توقفوا! نرى ماسورة الرشاش من فتحة في الجلابية. صوت علي يرتجف بغضب. علي: انظروا إليه جيداً! الآن لا أحد يستطيع أن يفعل ما يشاء في القصبة. ولا حتى حسين ... واقل شيء انتم أيها القِطع من الخراء! اذهبوا الآن ... اذهبوا وانشروا الكلمة .. انطلقوا! 26. زفاف. خارجي. نهاراً الصيف. زينة من الورود معلقه فوق حارة. باب أمامي مفتوح والضيوف ما زالوا يتوافدون. 27. منزل الزفاف. خارجي. نهاراً. في القاعة الداخلية هنالك مقاعد وكراسي مصفوفة. امامها جميعاً، هنالك كرسيان منفصلان عن الباقي، واحده بجانب الأخرى. أمامهم هنالك مائدة صغيرة عليها قلم ومحبرة. يبقى الناس واقفين، حوالي عشرين جزائرياً من مختلف الأعمار. يتكلمون فيما بينهم همساً. الجو مليء بالتوقعات والإحتفالية. طنين كان محمود في السابعة عشرة عندئذ. خداه ناعمتان وتنبت حولهما ذقنه الأولى. رقيق العود، طويل الرقبة، متوتر، نظرته عصبية يبدو أنه بطل ما سيجري بعد قليل. شعره مصفف بعناية وعليه كمية كبيرة من كريم الشعر. يلبس ثوباً أبيض نظيفاً جديداً. جاء العديد من الآخرين ليتكلموا معه. الصغار يمازحونه محاولين إثارته. تعليقات غير مسموعة. ردود فعل محمود هزلية مصحوبة بتقطيبة وجه يحاول بها إخفاء خجله. وفي نفس الوقت، يحدق خفية بتعطش إلى الشرفة الخالية في الطابق الأول يغمره المرح والحيوية ويمكن الإستماع إلى المحادثات من الباب المفتوح فوق. 28. غرفة الزفاف. داخلي. نهاراً داخل الغرفة. ينهمك مجموعة من الفتيات يجهزون الصواني بفناجين القهوة. انهن أكبر من الأولاد بقليل، حوالي الثانية عشرة والثالثة عشرة من العمر، انقياء البشره، بيض الأسنان بعيون مشرقة. يبدون أولاداً يلعبون ولكن تحت هذا السطح من المرح يلاحظ شيئاً من الحماس والعواطف المثارة. وصوت مترنح لامرأة عجوز يدعوهن من الغرفة المجاورة. تترك احدى الفتيات المجموعة، تحرك الستارة التي تقسم الغرفة قرب السرير حيث تستلقي المرأة العجوز. تركع بقربها. ترفع السيدة العجوز يدها وتضعها على شعر الفتاة، مداعبة إياها برقه. تتكلم بصوت متموج وعيناها الصغيرتان اللطيفتان تمتلئ بالدموع. كلمة المرأة العجوز بالعربية. تهز الفتاة رأسها ثم تقف وتذهب لتصحب رفاقها. تمر من أمام مرآة، تتوقف دقيقة لتهندم شعرها. 29. منزل الزفاف. خارجي. نهاراً يظهران على الشرفه، ثم ينزلان نحو الساحة. نظرة محمود العصبية تبحث في وجوههم، ثم تستقر عند تلك الفتاة التي تنظر بجفون منخفضة بسرعة نحوه. في هذه الأثناء تمر الصواني بين الضيوف. الآن يستدير الناس ليواجه الباب الأمامي. دخل رجل شاب يحمل حقيبة أوراق تحت إبطه. خلفه صبيان يبدو انهما حرسه. وهم الوحيدون الذين يلبسون ملابس أوروبية. كلاهما يضعان يدهما اليمنى تحت السترة القديمة والممزقه. يبدو أنهما مسلحان. يغلقان الباب ويبقيان واقفين على جنبيه. يسير الرجل الذي يحمل الحقيبة نحو المائدة. ينظر جميع الحاضرين اليه باحترام. يبتسم، متجاوباً مع تحياتهم، يصافح الجميع. ولكنه يرفض القهوة ويبدو أنه مستعجل. يجلس ويضع حقيبته على المائدة، يفتحها، ويخرج منها دفتر تسجيل كبيرا. من داخل الحقيبة تظهر يد معدنية لبندقية رشاش على غلاف الكراسي مكتوب: جبهة التحرير الوطنية ( NLF). الحزام الجزائري المحرر - المحفوظات المدنية. يقلب صفحات الكراسة حتى يصل إلى آخر صفحة مكتوبة - ثم يحدق باتجاه الناس الذين في هذه الاثناء اتخذوا مقاعدهم. يبتسم، يقول بضع كلمات، ثم يستدعي اسمين. يسير محمود إلى الأمام جامداً، منتصب القامة، عيناه يحدقان مباشرة امامه. تسير الفتاة، ايضاً إلى الأمام بتعبير مرتبك. يجلسان بالقرب من بعضهما البعض، ولكن دون النظر إلى بعضهما. الاحتفالية تتألف من بضع كلمات. أخيراً ينظر الشابان إلى بعضهما البعض. يحاول محمود الابتسام، ولكنه لا يستطيع. تعبير الفتاة ينعم قليلاً. نظرتها حنونة، تخفض وجهها بسرعة. في هذه الاثناء الآخرون يرددون آيات من القرآن بأصوات منخفضة. 30. شارع ديسلي. خارجي. نهاراً. 20 حزيران، 1955. 8:05 قبل الظهر. هنالك حارس فرنسي لا يتجاوز الثلاثين من العمر. بشارب اشقر وذقن حلقت توّاً. هنالك بضع اشخاص في الشارع. يمشي الحارس ببطء يحدق في نوافذ الحوانيت بين الفترة والأخرى. معبراً عن اعجابه بالانعكاس. يتوقف، يسوّي قبعته ويبتسم. يظهر بجانبه جزائري شاب مثله. يتظاهر الحارس بأنه مهتم بآلة التصوير التي تعرض هناك ثم يتابع مسيرته. ذراع الشاب الجزائري تندفع إلى الأمام وتعود بسرعة إلى مكانها. يغمد السكين في رقبة الحارس. يفتح الحارس فمه على وسعه ليصرخ ولكنه لا يستطيع. يتمخمض الدم في رقبته الجريحه. لا أحد من المارين القلائل يرى ما حدث. يسقط الحارس مسطحاً على وجهه. يراه احدهم فيصرخ. ينحني الجزائري متكوماً فوق الحارس ويفتح الجراب ويأخذ المسدس، ثم يقف وهو يشد البندقية معه. البندقية مربوطة برباط جلدي. والرباط يتعلق برقبة الحارس المقطوعة. يشد الجزائري عبثاً. فيخاف. ينظر حوله بعيون خائفة. يقترب الناس بسرعة. إنهم يصرخون. يشد الجزائري الرباط مرة ثانية، يائساً. يستعيد سيطرته، يتناول السكين الملقاة ارضاً ويقطع الرباط الجلدي وهكذا يحرّر المسدس. يقترب الآخرون منه تقريباً وهو محاصر ولكنه يتمكن من التخلص منهم والهرب. 31. شارع برو. خارجي. نهاراً. 8:40 قبل الظهر مجموعة زواوي في دوريه، ثلاثة عساكر وضابط. الطريق منحدر؛ على الجانب الأيمن هنالك سور عالٍ مغطى بالإعلانات وصور الأفلام السينمائية. يقف احد الجنود لأنه يرى شيئاً يتحرك على جانب السور الآخر. يشير له ويصرخ، ولكن ليس في الوقت المناسب. نيران الرشاش تتقاطع مع طلقات منفرده. يسقط الجندي، يبقى الآخرون بدون حراك، غير مصدقين. يبدأون في الركض ويتفرقون يبحثون عن التغطية. يظهر جزائري فوق السور. يتحرك كقطه، ويقفز من الناحية الأخرى. يتابع رفاقه غير المرئيين إطلاق النار. (32/8)
صفحة 339
إنه غير مسلح، ويركض نحو الجندي الميت. يلتقط الرشاش ويعيد رسم خطواته. العملية تأخذ مكانها في ثوانٍ. وعندئذ يبدأ الجنود في إطلاق النار، ولكن بعد فوات الأوان. 32. مركز بوليس. طريق عين زيبودا. خارجي/ داخلي نهاراً 9:10 قبل الظهر مركز بوليس في القصبة. بناية جاهزة الصنع من دورواحد. على الباب الرئيسي هنالك حارس بوليس. مجموعة من خمسة جزائريين يقتربون إنهم يتكلمون مع بعض ويشيرون بايديهم.* أزيز يتمتع البوليس في مراقبتهم. ثم يتساءل ماذا في الأمر. يجيب الخمسة دفعة واحده، محاولين التفوق على بعضهم البعض. على البوليس ان يصرخ حتى يسكتهم. ثم يتصرفوا متظاهرين بالمسكنه، يدخلون بهدوء. يتكلم كبيرهم بصوت حزين. كان يبدو باكياً وهو يسأل الضابط شيئاً. ينادي رجل البوليس زميلاً له ويطلب منه مصاحبة الجزائريين. يصطحب رجل لبوليس اربعة منهم، بينما الآخر يبقى في غرفة الانتظار، قائلاً ان هذا أفضل خوفاً من أن يفقد سيطرته. ثم يبدأ في شرح أسباب المشاجره: إنها تخص وصيه. الرجل العجوز هو جده، ولكنه منذ مده وجيزه تزوج مرة ثانيه. ثم نسمع من الداخل ... إطلاق نار من رشاش تصدر ردود فعل رجل البوليس بسرعة فيحاول إخراج مسدسه. ولكن الجزائري كان أسرع ويطلق رصاصة نافذة. يعاود الأربعة الظهور. واحد منهم مجروح. جميعهم مسلحون بمسدسات، ويحملون على جوانبهم مدافع رشاشه ومدفعين نصف رشاشين كانوا قد اخذوها من مستودع أسلحة. يسمع خلفهم صراخ واطلاق نار. يركض الخمسة إلى الخلف بسرعة. 33. شارع مارينغو. خارجي. نهاراً. 9:45 قبل الظهر مركز بوليس آخر. أمام المركز يقف رجلا بوليس يتبادلان الأحاديث. تمر سيارة رينو سوداء بسرعة المشاة على الأقدام، ثم تبطئ أكثر فأكثر لدرجة التوقف الكامل. يفتح الباب من الجهة اليمنى وينطلق رشاش بالنار. يصاب واحد من رجال البوليس، فيمسك بالآخر حتى لا يسقط. إطلاق نيران آخر من رشاش. يسقط رجلا البوليس معاً. يسرع موتور السيارة، فتصفر الإطارات وتنطلق الرينو إلى الأمام. تصل سيارة جيب عسكرية من الاتجاه المعاكس. تصطدم مع السيارة وتمنع هروبها. يهرب جزائري ويلاحق. والآخر يخرج من السيارة ويداه مرفوعتان. يطلق الجنود النار فيقتلونه. 34. شارع 8 نوفمبر. خارجي. نهاراً. 1:10 بعد الظهر كاراج كبير به غرفة تصليحات ومحطة تموين وقود. في المقدمه هنالك بعض السيارات وشاحنة عسكرية. جزائريان على دراجة بخارية يمران يصرخان ويلعلعان على الطريق. ثم يستديران فجأة بسرعة قصوى يعيدان خطواتهما ويستديران ثانية. في هذه الأثناء العاملون في الكاراج يتركون اعمالهم بسبب استراحة الغذاء. الوحيد المتبقي في عمله هو عامل تموين البنزين. تتوقف الدراجة البخارية أمام مضخة البنزين. العامل الواقف أوروبي، رجل كبير في السن، يتقدم بينهم يحمل بإحدى يديه بعض الخبز الذي فتحه من اللفة تواً. يرفع يد المضخة ويسألهم كم جالونا يريدون. يشير واحد من الجزائريين بمسدس متجه نحو العامل ويقول له أن يترك البنزين يتدفق على الأرض حول المكان. والآخر يذهب في هذه الأثناء لمضخات البنزين الأخرى، يفك الأيدي ويفتحها حتى يفرغ البنزين كله. يستخدم قطعتين من الحديد جاء بهما ليفتح اليدين. يشد انابيب البنزين إلى ابعد نقطه تصل إليها نحو الكاراج والسيارات المتوقفة. فيندفع البنزين إلى كل اجزاء المربع. يعود الشابان لركوب الدراجة البخارية يطلبان من الرجل الأوروبي الابتعاد. يبللون قطعة قماش بالبنزين ويشعلانها. يتابع البنزين التدفق من المضختين المفتوحتين. اصبح الرجل الأوروبي الآن بعيداً، والدراجة البخارية متحركه بعيداً وفي نفس الوقت يلوح الصبيان بقطعة القماش المشتعلة نحو المربع. فتنفجر مباشرة وتتحول إلى نيران. 35. مكتب الضابط. داخلي. ليلاً نفس اليوم ليلاً، وفي مكتب مركز قيادة البوليس. على المائدة، صور أعمال اليوم الإرهابية موضوعة برزمة موظف على آلة الطباعة. الضابط المساعد حوالي الأربعين من العمر، قوي البنية. وجهه واسع إلى حد ما، عادي، وبتقاسيم حادة. يتفحص الصور ويقلبها وهو يتكلم على الهاتف. إنها ليلة دافئة جداً، وشباك المكتب مفتوح. يسمع من الخارج صوت المرور. الضابط المساعد (على الهاتف): نعم، سيدي، ولكنهم لم يستلموا إشارة تفتيش حتى الآن. شارع ديسلي؟ تابعناه لبرهة من الزمن، ولكن بعد ذلك فقدنا أثرهم ... نعم، سيدي، ولكنها في منطقة أخرى، كلا، لم تكن في منطقتهم ... هنالك بعض المشتبه بهم في شارع مارينغو ... كلا ... القاضي لم يصدر أمراً حتى الآن. إنه يطلب تحقيقاً رسمياً أولاً. نعم، سيدي، نعم ... نعم، سيدي، نعم .. ولكن ليس لدينا ما يكفي من الرجال. طبعاً، أنا افهم ... إذا كان ذلك ممكناً، يا سيدي فعليك ان ... ولكن الضابط لا يمكنه ... في ... ولكن اليس باستطاعتك ... حسناً، سيدي ... سندعهم يقطعون رقابنا إذاً. يصفق الهاتف بغضب ويبدأ في إملاء تقريره. صوته قاسٍ مملوء بالحقد. الضابط المساعد: الزمن: 3 بعد الظهر محاولة قتل دورية من ثلاثة من B.P.C المكان: شارع لوسياني في البيار. السلاح: مسدس 7.75 الضحية: جندي جريح في ساقه اليمنى واعلى فخذه. اخذ إلى المستشفى. المهاجمون: مجهولون ... الزمن: المهاجمون: مجهولون ... الزمن: 3:35 بعد الظهر. مكان القتل: شارع شوبان، مواجه رقم 20. السلاح: P.M. 38 الضحيه: دير جاكي من الحرس الخاص الدرجة الثانية، ولد في مارس 12، 1931. قتيل. القاتل: مسلم. طوله: خمسة اقدام و8/ 7 انش. يلبس ثياباً فاتحة اللون. ربما هرب في سيارة سيمكا مجهولة الرقم. الزمن: اربع دقائق بعد الرابعة من بعد الظهر. قتل مع محاولة قتل ضد دورية من حرس الحدود. المكان: تقاطع بين شارع كونسولار والجنرال لاكوير ... انتظر دقيقة ... يتوقف الضابط عن الكلام، يتناول كأساً من مكتبه، ويذهب نحو الشباك. على حافته هنالك زجاجة من البيره، متروكة هناك بشكل واضح حتى تبقى باردة قليلاً. يتناولها ويملأ كأسه ويشرب. ثم يتكلم بصوت منخفض وهو ينظر إلى الخارج، دون ان يعطي اية توجيهات للموظف الذي ينتظر ويداه موضوعتان عند لوحة (32/9)
صفحة 340
احرف الآله الكاتبة. الضابط المساعد: إريد ان ارى الصحف غداً إذا ما زالت تتكلم عن تهدئة اخواننا المسلمين. يعود إلى مكتبه. الضابط المساعد: اين كنا؟ الموظف: تقاطع بين شارع كونسولار وشارع جنرال لاكوير. 36. وميض متنوع - مراكز بوليس. خارجي. نهاراً. امام مراكز البوليس: عين زبوديا ... شارع مارنغو - وجميع المراكز الأخرى ... . في القصبة ... وفي المناطق الأوروبية ... تحصينات من الأكياس الرملية جهزت اسلاك شائكة مدّت، ابراج مراقبة معدنية متحركة نصبت. الجو حار جداً. يعمل العمال ورجال البوليس بصمت. هنالك جو ضاغط. المنادي: أمر من حاكم الجزائر: على جميع مراكز البوليس في الجزائر، دون استثناء وإلى حين صدور أوامر أخرى، ان يقوموا بتجهيز وتأمين اساليب حماية خارجيه. تبديل الحرس الخارجي يجب ان يستمر بلا توقف اربعا وعشرين ساعة يومياً. ويجب تزويد الخفراء بأسلحة اتوماتيكية ... 37. صيدليات اوروبية وفي القصبة. مستشفى المصطفى. خارجي/داخلي. نهاراً مشهد الصيدليات في الأحياء الأوروبية وفي القصبة. الأرفف، الأدوية، الناس الذين يشترون. مستشفى المصطفى المحجوز للجزائريين. الحرس: جزائريون في المستشفى. المنادي: يأمر الوالي العام للجزائر بما يلي: المادة الأولى: لا يمكن السماح ببيع الأدويه والمواد الصيدلانيه المعالجة لجراح إصابات البنادق إلا لمن يتقدم بتقرير مكتوب من ضبط البوليس. المادة الثانية: على مديري المستشفيات والعيادات ان يقدموا إلى سلطات البوليس قوائم فورية لكل المرضى الذين دخلوا إلى مؤسساتهم لمعالجة ومراقبة جراح إصابات رصاص البنادق.» 38. طريق القصبة المقفول. خارجي. نهاراً. اقفلت القصبة تماماً. كل نقطة دخول، كل حارة، كل شارع يصل القصبة والأحياء الأوروبية سد تماماً بأحصنة خشبية واسلاك شائكة ترتفع تسعة اقدام عالياً. هنالك ايضاً عمال، ورجال بوليس وجنود يعملون في المتاريس. بعيداً عنهم، على الجانب الآخر للاسلاك الشائكه التي تجعل الجزائريين وكأنهم في قفص. المنادي: تعلن ولاية الجزائر: خلال الأيام القليلة الأخيرة حدثت عشرات من الاعمال الهجومية في هذه المدينة. ولدينا اسباب تجعلنا متأكدين أن المهاجمين انطلقوا من حي القصبة وأنهم دائماً كانوا يجدون من ينجدهم بسرعة في حواري المنطقه العربية. وكنتيجة لذلك، وحتى نرفع بسرعة حالة عدم الأمان التي تسود في المدينة وعليه قررت ولاية الجزائر ان الدخول إلى حي القصبة سيكون عبر نقاط محددة تحت السيطره العسكرية حيث يكون مرور المواطنين بعد إظهار وثائقهم عند الطلب، والقيام بتفتيشهم عند الضرورة» القصبة مسجونة، مثل معسكر اعتقال. خمسة شوارع بقيت مفتوحة، اوسع الشوارع. هنالك خمسة مخارج تستخدم فيها احصنة خشبية لتحدد المرور وحيث رفع فيها اعمدة خشبية للحرس. كل مخرج من المخارج له علاقة مكتوبة بأحرف كبيرة. 39. حاجز مارينجو. خارجي. نهاراً. 10 أغسطس 1956 عند كل حاجز هنالك ممران واحد للدخول والآخر للخروج إلى القصبة. الجزائريون وبعض الأوروبيين يتجمعون حول الاتجاهين. الجنود يلبسون توب السخرة مع أقنعة ورشاشات. لا يطلب من الأوروبيين اظهار اوراق ثبوتية. وفي كثير من الأحيان يفتش الجزائريون بحثا عن السلاح ويتقبلون هذه الحقيقة بصمت وصبر، دون اظهار اي نوع من التململ. ولكن إذا ما حاول الجنود تفتيش امرأة، عندئذ، فالموضوع يختلف. تبدأ المرأة بالصراخ وهي تلوح بذراعيها بشراسة، وتدفع الجندي الذي حاول تفتيشها. وتسكب شلالاً من الكلمات غير المتجانسة. يتدخل الجزائريون الآخرون، يدفعون إلى الأمام مهددين. الجندي شاب صغير إنه جبان وخائف. ينظر من خلف ظهره طلباً للمساعدة. يقترب ضابط بوليس يتكلم بنغمة مختلفة وثقة عالية بالنفس. يصرخ على الجزائريين ليهدأوا. الضابط: هل انت مجنون، لتمسك احدى نسائهم؟ تابعي، تابعي، لا بأس إلى الأمام، تحركي! تعبر المرأة من الحاجز، ولكنها تستمر متابعة احتجاجها بصرخة وصوت لا يحتمل. 40. شارع فيليب. خارجي. نهاراً. 8:35 قبل الظهر. تسير امرأة جزائرية على الممر. إنها كبيرة، سمينة، تلبس ثوباً تقليدياً ووجهها مغطى. تسير ببطء نحو أحد البارات الذي تصفّ موائده في الخارج وهنالك بعض الزبائن. بالقرب من البار، يتكئ على حائط، رجل جزائري يبدأ الآن في الحركة ويذهب ليلتقي مع السيده العجوز. يحييان بعضهما بحرارة شديدة مثل أم وابنها لم يلتقيا منذ فترة طويلة. يتعانقان، فيفتش الرجل في صدرها بين ثنايا حجابها. فيجد مسدساً معلقاً بشريط، فيلتقطه. انهما على بعد عشرة او اثنتي عشر قدماً عن البار. على إحدى الموائد هنالك جندي فرنسي يتناول القهوة بالكريما، والكرواسون، وامامه جريدة مفتوحة. يتابع الجزائري معانقة السيدة العجوز ويصوب من فوق كتفها. طلقة واحده، تتمزق الجريدة، يحاول الجندي النهوض، وجهه مليء بالدم. ثم يتلاشى ساقطاً فوق المائدة. يخفي الجزائري المسدس ثانية في خمار المرأة. يوقف الاثنان عناقهما. يبدوان خائفين ومتفاجئين، ويتحركان مبتعدين عن بعضهما باتجاهين مختلفين بينما يتراكض الناس صائحين. 41. سوق دولالير. خارجي. نهاراً. 9:10 قبل الظهر. صوت البائعين المتجولين عال وغير متجانس. جزائري يقرفص على أكعاب اقدامه أمام سلع مبعثرة على الأرض: أكوام من الأعشاب النفاذة الرائحة، قوارير بهارات. شاب يقف امامه وبين الفترة الأخرى ينظر حوله. يبدو منتظراً. الآن ينحني ويبدأ في التنقيب بين الأعشاب. يختار باقة من النعناع، يروزها في يده ويفاصل في السعر مع البائع. رجل بوليس في السوق يمر بقربه ويراقب. ينتظر الشاب ثانية من الزمن، ثم يستدير باتجاه ظهر البوليس، ويمد يده. يمسك في يده باقة النعناع، ومسدس مخفي بين الورق الأخضر. يطلق الرصاص مرتين. يسقط البوليس الفرنسي. يسقط الشاب النعناع وبه المسدس بين الأعشاب الأخرى ويتحرك بعيداً في منتصف الجموع. 42. شارع بارالكويد. خارجي. نهاراً. 10:15 قبل الظهر امام مركز البوليس هنالك اكياس رمل ورجل بوليس في مركزه يلبس خوذة ويحمل رشاشاً. يقف البوليس وقفة تأهب وتحية. جاء ضابط من المركز ورد له التحية. يتحرك بعيداً ويسير على الممر. هنالك بضعة أناس. يظهر جزائري وكأنه جاء من لا مكان ويسير خلفه. إنه شاب (32/10)
صفحة 341
صغير السن، يلبس قميصاً نصف كم وسروالاً جينز. يستدير الضابط عند اول منعطف. وإلى الأمام قليلاً هنالك صف من السيارات واشارة معدنية تحذر من ان المساحة هي موقف لسيارات البوليس فقط. يسمع البوليس خطوات لصبي خلفه ويناديه باسلوب خشن. الضابط: ماذا تفعل هنا؟ إلى اين انت ذاهب؟ يرفع الصبي اكتافه الرفيعة ويطأطئ رأسه. الصبي (بنبرة خنوعه) انا ذاهب للسباحة؛ اصدقائي ينتظرونني. يلعن الضابط تحت انفاسه ويتابع السير. يتوقف عند سيارة دينا - بانهارد الواقفة في مكان ليس بعيد. يتحرك الصبي بضع ياردات متجاوزاً السيارة حتى يصل إلى صفيحة زبالة معدنيه مربوطة في عامود كهربائي في الشارع. يتوقف هناك، ثم ينظر حوله. الضابط ليس بعيداً عنه، أخذ مفتاح سيارته من جيبه، وهو على وشك ان يفتح باب السيارة. يُدخل الصبي يده في المسلة، ويفتش بين الأوراق الممزقه، ثم فجاة يستدير، ويوجه مسدسا نحو ظهر الضابط ويطلق الرصاص. يحاول الرجل أن يلتقط شيئاً، ولكنه ينزلق ويسقط أرضاً. يطلق الصبي الرصاص ثانية نحو الرجل الملقى على الأرض، ثم يقحم يده مرة ثانية في سلة الزبالة، ليسقط المسدس وينظر حوله. وينطلق راكضاً. يخرج رجل البوليس من مركز البوليس بسرعة.* يصفر، يأمر، صرخات حماسيه. يستديرون حول الزاوية، بعضهم يسرع نحو الرجل الملقى أرضاً. الآخرون يقفزون إلى داخل سيارة الجيب. اربعة منهم يقفزون نحو الدراجات النارية المصفوفة في الفسحة. يتحركون في اتجاهين. في نفس الوقت، صفارات البوليس تصرخ وتتحرك مقتربة فيسمع صوتها عن بعد. الشارع مهجور. لم يعد هنالك اثر للصبي. تظهر الناس على شبابيك بيوتهم يُرفع الضابط من ذراعيه. تصل سيارة إسعاف وتتوقف، صفارتها على اقصى وتيرة، وأبوابها مفتوحة. يوضع الضابط في الداخل. تتسابق الدراجات النارية في الشوارع الجانبية. تدور سيارة الجيب عليهم ثم تعكس اتجاهها، متحركة بشكل متوازن على عجلين اثنين. يتوقف المارون للمشاهدة، جميعهم من الأوروبيين. صوت صفارة السيارة يزعق بأعلى طاقة له. 43. شوارع محاذيه. خارجي. نهاراً. شارع مهجور، غطي حديثاً بالأسفلت. يجلس عامل طرق مسلم على الأرض بالقرب من محدلة بخارية. إنه يتناول غذاءه. تسمع الصوت المختلط للصفارات وهدير الدراجات الناريه يقترب. تظهر دراجتان ناريتان في الشارع تمران امام عامل الطريق. واحدهما يتوقف ويستدير إلى الخلف. يتحرك عامل الطريق إلى الخلف نحو زاوية الشارع. وينطلق راكضاً عيناه تحترقان خوفاً، وجهه متحفز، حائر. يشير الناس إليه من الشبابيك ويصرخون له، تظهر سيارة جيب في الشارع أمامه. يقترب راكب الدراجة الناريه من الاتجاه المعاكس. يتوقف الرجل الجزائري عن الركض، لا يدري ما يفعل تتابع الناس الصراخ من الشبابيك. يتكئ الجزائري على الحائط، يراقب المشهد ويبدأ في البكاء. يقفز رجل البوليس من سيارة الجيب إلى الطريق ويهجم عليه. الجزائري عاجز عن الكلام ولكنه يهز رأسه فقط. 44. مركز بوليس. داخلي. نهاراً. غرفة داخل مركز البوليس. يصفع وجه الرجل الجزائري يميناً ويساراً بسلسلة من الصفعات. الغرفة مليئة برجال البوليس. جميعهم متجمعون عملياً فوق الجزائري، وجميعهم يصرخون. وخلال هذه الفوضى تسمع صرخات. اصوات مختلفة: هل تعرف أنه مات، يا ابن الكلب؟ هل تدري انك قتلته؟ يحاولون الوصول إليه، يتدافعون واحد عكسا لآخر ليقتربوا إليه ويضربوه. يبكي الجزائري ويتكلم بجمل متقطعه، نصفها بالعربية والنصف الآخر بالفرنسية. مثابرته على ترداد بعض الكلمات تسمع: الجزائري: كلا، كلا، كلا، كلا، ... ليس انا ... تحيا فرنسا ... يدخل احد الضباط يشق طريقه. الضابط: اخرجوا، امشوا، إلى الخارج ... ابتعدوا عن الطريق! ابتعدو ... يفسحون له الطريق، يصل إلى الجزائري الذي يحاول ان يبتسم له متابعاً هز رأسه. الجزائري: سيدي ... سيدي .. سيدي ... الضابط: ما اسمك؟ فم الجزائري جاف: يحاول ان يبتلع. الجزائري: سيدي ... سيدي ... سيدي ... الضابط: ما اسمك؟ الجزائري: (يحاول جاهداً، محاولاً البلع مجدداً) لاردجان بوعلم. 45. مكتب الحاكم. داخلي. ليلاً داخل مكتب الحاكم، مساعده يملي الموظف: مساعد الحاكم: مذنب، لاردجان بوعلم، عامل يدوي، متزوج وله ثلاثة أولاد، يقيم في شارع طيبة، نمرة 8 ... إذا؟ كم واحد اليوم. يخرج الموظف النسخ من آلة الطباعة ويبدأ في وضعها بالترتيب. الموظف: سبعة مهاجمين، ثلاثة قتلى. ثم يتحرك نحو المكتب، ويسلم النسخ ليوقع عليها. الموظف: هنا، واحده للحاكم .. وواحده لمكتب الصحافة ... والأرشيف وواحده لك سيدي. يوقع مساعد الحاكم. مساعد الحاكم: جيد، شكراً، يا كوربييه ... أراك غداً. الموظف: مساء الخير، سيدي. يقوم الموظف بالتحيه، ثم يتحرك نحو الباب. وبينما هو على وشك الخروج يوقفه مساعد الحاكم. مساعد الحاكم: قل لي ... أين هذا الشارع طيبه؟ الموظف: شارع طيبه؟ في القصبة العليا على ما اعتقد ... مساعد الحاكم: حسناً. اراك غداً، يا كوربييه. الموظف: مساء الخير، سيدي. يغادر الموظف ويغلق الباب. يقطع مساعد الحاكم الغرفة نحو خارطة كبيرة تغطي الحائط كله، يحرك اصبعه نحو محور القصبة؛ وبينما هو يحركه يتبعه بنظرات من عينيه نحو مجموعة الشوارع تلك. مساعد الحاكم (مخاطباً نفسه) شارع طيبه ... طيبه ... . لقد وجده، يراقبه لمدة دقيقة، ثم يحرك اصابعه على الطريق المؤدية إلى القطاع الأوروبي. يجد الطريق السليم، ثم يركز حتى يحفظه. يعود نحو المكتب، يرفع سماعة الهاتف، ويطلب رقماً. مساعد الحاكم (على الهاتف) هللو، المهندس هنري آمود.، من فضلك ... لقد غادر؟ حسناً، نعم، نعم، حسناً ... لدي رقمه. يضغط على أزرار الهاتف ويطلب ثانية رقماً آخر. في نهاية الخط، يسمع صوت نسائي. يتخلى مساعد الحاكم عن صوته المعتاد. مساعد الحاكم: مرحباً، برناديت ... نعم، حالاً، سوف اغير ملابسي اولاً، وسأكون فوراً هناك. زوجتي هناك الآن حسناً؟ لا ليس مهما، ولكن اتصلي بهنري من أجلي. فقط لمدة دقيقة ... حسناً ... شكراً ... . يضع الهاتف على المكتب، ثم يلبس سترته الموضوعة على ظهر الكرسي. يسوي ربطة عنقه. الآن يسمع صوتا مكتوما؛ يمسك مساعد (32/11)
صفحة 342
الحاكم بالهاتف. مساعد الحاكم: مرحباً، يا هنري؟ ... كل شيء تمام. جيد. ماذا سنقول لزوجاتنا؟ النادي؟ فكرة جيدة، نعم سأكون هناك حالاً. فقط أترك لي وقتاً لأغير ملابسي. ... آه، وجدت العنوان. كلا، من الأفضل أن نتكلم شخصياً. نعم، انه المكان الملائم ... حسناً. إلى اللقاء. يضع سماعة الهاتف، ثم يذهب نحو حمالة البلاطي ويتناول القبعة الخاصة به. يخرج بعد ان ينظر ثانية إلى صور هجوم اليوم. 46. منزل هنري أرنو: داخلي. ليلاً صبيان صغيران يركعان أمام سريريهما. الصبيان: أبانا، الذي في السموات ... صبيان؛ في الخامسة أو السادسة من العمر، شقراوان، جذابان إلا أنهما غير متصنعين. يبدو انهما توأمان، يلبسان نفس البيجاما. في نفس الوقت هنالك خادمة تجهّز لهما سرائرهما لليل. إنها حوالي الخمسين من العمر، مريلتها نظيفة ومكوية، شعرها رمادي، وجهها يوحي بوجه سيدة فاضلة. انها جزائرية. عندما يتلعثم الصبيان اثناء الصلاة، تساعدهما وعندما ينتهيان تقول لهما بلهجة جزائرية: الخادمة: الآن دعنا نذهب لنقول تصبحون على خير. في غرفة الطعام هنالك شباك كبير مفتوح. الشاطئ، والبحر وصوت الأمواج في الخارج ليس بعيداً. إنها ليلة متناثرة النجوم. عند المائدة هنالك اربعة رجال وأربع نساء، جميعهم حسان الملبس والتزوق. انه منزل هنري وبرناديت أرنو. مساعد الحاكم يلبس ملابس عادية. هو وزوجته يبدوان غير مرتاحين وكأنهما لا مكان لهما. تدخل الخادمة والصبيان إلى الغرفة. برناديت: تعالو يا أولاد. حيوا الموجودين ... الصبيان: مساء الخير ... يبتسم الآخرون. ترافق الخادمة الأولاد إلى أهلهم. الصبيان: مساء الخير، يا والدي. مساء الخير، يا أمي. برناديت: مساء الخير، يا أحبائي. يتبادلان القبل. في نفس الوقت يقوم النساء بالتعليق المعتاد. احد الرجال ينبه نائب الحاكم ويشير إلى ساعته ويشير له. يهز نائب الحاكم برأسه موافقاً. 47. شوارع جزائرية. خارجي. ليلاً سيارة ستروان تقطع المدينة بسرعة شديدة. في الداخل الأربعة رجال. ارنو يسوق العربه. مساعد الحاكم يجلس في المقعد الخلفي. 48. مدخل القصبة. خارجي. ليلاً تصل السيارة إلى مكان الحكومة، تدور حول المربع، ثم تدور حول الحاجز وتبطئ. احد الجنود يتحرك نحو مركز المنحدر ويرفع العلم الفوسفوري. تخفض السيارة اضواءها وتقف. يذهب العسكري نحو شباك السائق، يحمل في يده اليمنى رشاشا معلقا في كتفه. يحييهم، ينحني إلى مستوى الشباك. العسكري: مساء الخير ... . يجيبه ارنو بنغمة بريئة، مرحة. أرنو: مساء الخير ... هل بإمكاننا المرور؟ العسكري: الوقت متأخر. لا يسمح لأحد بالدخول إلى القصبة في هذه الساعة. هذا مستحيل. أرنو: ولكن لم يصبح منتصف الليل بعد! العسكري: إنها عشر دقائق بعد منتصف الليل. ارنو: من فضلك، نريد فقط أن نلف قليلاً. فأحد اصدقائي لم يرى القصبة. العسكري: انا آسف. غداً. الليله مستحيل. يتدخل مساعد الحاكم بصوت واثق من نفسه، متعال إلى حد ما ككل رجال البوليس. يمد ذراعه نحو النافذة ويسلم الجندي بطاقة. مساعد الحاكم: لا بأس في ذلك فهم معي. يتفحص الجندي البطاقة على ضوء السيارة، ويعيدها، ويتقدم بيده محيياً زائره. الجندي: حسناً، سيد، تابع مسيرك. يحييه مساعد الحاكم بيده. مساعد الحاكم: لنذهب، يا هنري. أرنو (يبدل في السيارة) شكراً. مساء الخير. يخطو العسكري جانباً، ويحيي ثانية. تبدأ السيارة في التحرك، وبثبات تتزايد سرعتها. 49. شارع القصبة. خارجي. ليلاً. شوارع القصبة مهجورة، وتقريباً كلها مطفأة. بعض القطط افزعتها اضواء السيارة فأخذت تتراكض بالقرب من الحائط. داخل السيارة اربعة رجال صامتين. عيونهم مثبتة إلى الأمام ووجوههم مركزه مشدودة. أرنو: من هنا؟ مساعد الحاكم: نعم، انه التقاطع الأول ... او الثاني. 50. شارع طيبه. خارجي. ليلاً. تبطئ السيارة عند التقاطع الأول. ينحني أرنو من الشباك وينظر. هنالك لوحة معدنية مكتوب عليها شارع طيبه. أرنو: يمينا ام يساراً؟ مساعد الحاكم: حاول الدخول إلى اليمين. تستدير السياره نحو اليمين، وتتحرك ببطء. على أحد جوانب الطريق ترتفع الأرقام الزوجية ... 26 ... . 28 ... . 30 ... . أرنو: ما هو الرقم؟ مساعد الحاكم: ثمانية. يقول الرجل الجالس بقرب مساعد الحاكم: الصديق: دعنا نقف هنا. لا يهم. مساعد الحاكم: (بنغمة حاده) طبعاً يهم. عد إلى الخلف، يا هنري. دعنا نذهب إلى رقم 8. يبدل أرنو إلى الخلف، تتحرك السيارة بسرعة إلى الخلف وتر بالأرقام 16 ... 14 ... 12 ... 10 ... 8 وتقف. يقف أرنو والسيارة على الحياد وموتورها ما زال دائراً. يضغط على شعلة السجائر في لوحة السيارة. يتناول مساعد الحاكم رزمة كبيرة يحملها تحت ساقيه على ارض السيارة. إنها مغلفة بورق جرائد. يرفعها إلى الأمام. يأخذها الرجل الملاصق لأرنو ويخفيها على خلفية مقعد السيارة، يلامسها إلى أن يجد النقطة المناسبة، يفك غلافها من ذلك الجزء ويسوي انبوباً بلاستيكياً صغيراً يظهر عند فتحتها. انه فتيل مفرقعات. أرنو: كم من الوقت ترغب أن نضع جهاز التوقيت؟ الصديق: خمس دقائق. أعطني كبريتا ... يأخذ أرنو الولاعة من لوح السيارة. يفتح الرجل الآخر باب السيارة. يأخذ الولاعة ويلامس الفتيل الذي يشتعل مباشرة. باب نمرة 8 قريب جدأً، تقريباً مباشرة مواجه باب السيارة. يضع الرجل الرزمه في منطقة ظليلة ويعود راكضاً نحو السيارة. كان أرنو قد بدل الناقل وفك الفرامل، فانطلقت السيارة إلى الأمام. 51. شارع طيبه. انفجار. خارجي. ليلاً 11 اغسطس، 1956، 12:20 بعد منتصف الليل الانفجار قوي جداً. واجهات الابنية رقم ثمانية وعشرة واثنى عشر انفجرت وانهارت أرضاً. انفجار انتهى صدى الانفجار. هنالك توقف طويل، فقط هنالك بعض ردود صوتية سمعت. إنها مركزة وواضحة: موجة حارقه واكوام حطام، زجاج محطم ... . ثم فجأة وبتردد مع الأصوات الأخرى، بعد الصدمة، الاصوات الإنسانيه، الصراخ والبكاء كل هذا يسمع عالياً. أصوات، صراخ، بكاء 52. شارع طيبه. خارجي. فجراًز ضوء الفجر واضح وأبيض. إنه يبدد كل ظل ويشكل كل هيكل. وهنا وهناك في منتصف السماء غيوم كثيفة من الغبار من الغريب أنها لا تحرك ساكناً. وفي الضوء تبدو الأشكال الإنسانية سوداء. وعندما تراها عن بعد تبدو كالنمل على أكوام من الحطام. هنالك نساء لا تتحرك تبكي بهدوء (32/12)
صفحة 343
اصواتهن شبيهة بالصلوات. من آن لآخر؛ هنالك صرخة فجائية. أنين يائس، واحد يركض. جثة أخرى تشد من الحطام، اجساد شوهت او ما زالت لم تمس وكلهم موتى. الناس ما زالت تنقب في الحطام وتنتظر حول المكان مثيرة للشفقة. 53. شوارع القصبة. خارجي. نهاراً. في شوارع وحواري القصبة الأخرى أو حتى في أعلى السلالم ليس هنالك أية شفقه. هنالك غضب وكراهية. يركض الناس وهم يصرخون. انهم يصرخون من شبابيكم وشرفاتهم: جو-جو فيغطون أي صوت آخر. يزداد الحماس. يركضون حيث هنالك المزيد من الصراخ. حتى الآن، لا يدرون ماذا يفعلون ولكن يريدون ان يبقوا معأً متجمعين، حتى يكون هنالك صوت أقوى وأوضح من الجميع مما يعطيهم هدفاً واتجاهاً. يشير علي لابوانت إلى الاسفل خلف منحدرات الحواري والسلالم. هناك في الأسفل المنطقة الأوروبية التي تتسع قرب البحر. تصرخ الجموع وتتدافع، وتتراكض مسرعة إلى الأمام معه مثل ساقية غاضبة مثيرة للضوضاء ولا يمكن كبح جماحها. علي واقف مع رجاله. خمسة صبيان واحد منهم اكبر من عشرين. جميعهم مسلحون. الجموع تدفعهم للإسراع والركض. عمر الصغير ابعد واحد في المؤخرة. انه يلبس سروالاً قصيراً، صدره عارٍ، وهو حافي القدمين، ينادي علي بكل قوته ولكن عبثاً. يحاول أن يلتقي مع علي ويشق طريقه بين سيقان الآخرين؛ يركض متعلقاً بالآخرين، يدفع، ويمر بالقرب من الحيطان ثم يستدير نحو شارع جانبي، ويندفع نحو طريق فرعي، وأخيراً يصل إلى الأمام. يركض نحو علي. تقريباً وقد توقف عن التنفس. عمر الصغير (يصرخ) قادر يقول لك ان توقفهم! يقول انه علينا ان نوقفهم! يبطيء على قدر الإمكان والجموع تدفعه من الخلف. علي: أين قادر؟ عمر الصغير: مع الآخرين. إنهم يحاولون ايقاف الناس. علي: ابتعد. اصواتهم بالكاد تسمع أو تفهم بين الأصوات العالية. عمر الصغير: ولكنه يقول إذا ما استمرينا في السير هكذا، فنحن نلعب لعبتهم، وسيقتلون الجميع ... توقف، علي! يتابع علي الركض. وجهه جامد، عابساً، كما يكون دائماً عندما عليه ان يختار بين الغريزة والعقل. يناديه عمر ثانية. صوته هستيري مردداً ثانية الطلب بالتوقف انه متعلق باحدى ذراعي علي. يخلص علي ذراعه بطريقة عنيفة ويضرب الولد. يتأرجح عمر ويسقط ضارباً الحائط. بهذه الحركة يبدو أن علي تخلص من غضبه الذي اصابه بسبب عدم قدرته على القيام بأفعاله. ابطأ حركته وتكلم لرجاله بضع كلمات بالعربية بصوت بارد مرير. يمد علي ذراعه فتقلده الآخرون. كل رجل يمسك بذراع الآخر ليشكلوا سلسلة تضبط المتدفقين خلفهم فيوقفوا الجموع ويرجعوها إلى الوراء بدلاً من تقدمها إلى الأمام. 54. منزل قادر. داخلي. نهاراً. سبتمبر 30، 1956. تقف جميلة، الفتاة التي سلمت في يناير المسدس لعلي لابوانت في شارع راندوم امام مرآة كبيرة ترفع البرقع من على وجهها. نظرتها قاسية ومركزة ووجهها خالٍ من التعبير. تعكس المرآة جزءاً كبيراً من الغرفة: إنها غرفة نوم. هنالك ثلاثة فتيات أخريات. هنالك زهرة التي هي في عمر جميلة. انها تخلع ثيابها وتنزع عنها ملابسها التقليدية وهي تلبس قميصاً داخلياً ... وهنالك حسيبة التي تدلق زجاجة من البيروكسايد في طشت. وتضع شعرها الطويل في الماء لتصبغه باللون الأشقر. كل حركة محسوبة بدقه وحذر. انهن مثل ثلاث ممثلات يجهزن انفسهن للمسرح. ولكن ليس هنالك اي مرح؛ لا احد يتكلم. الصمت هو الذي يؤكد الإيقاع التفصيلي لتحولهم ... فستان جميلة الخفيف الوزن الأوروبي من الحرير المطبوع ... قميص زهرة وتنورتها القصيرة حتى الركبه ... وماكياجها واحمر شفاهها وجزمتها العالية وكلساتها الحريرية ... حسيبة لفّت شعرها بفوطة لينشف ... وتلبس سروالاً من الجينز. وقميصاً بلا أكمام ... جف شعرها الأشقر الآن. ربطته إلى الخلف كذيل حصان. جسد حسيبة غض، رفيع. تبدو وكأنها فتاة أوروبية صغيرة تجهز نفسها للذهاب إلى البحر. صمت مستمر. انتهت جميلة وزهرة من استعدادهما ويجلسان منتظرتين. ما زالت حسيبة حافية. انها تلبس الصندل عندما يدق واحد على الباب. تنهض جميلة وتذهب لتفتحه. إنه قادر. نظرة سريعة جاهزة؛ جميله ... زهرا ... حسيبة ... . ترد حسيبة على نظرته بتعبير مرح مغرٍ، فتقول مركزة على فرنسيتها. حسيبة سيدي كل شيء على ما يرام. يبتسم قادر لثانية، دون بهجة، فقط ليسعدها. ثم يتكلم باختصار وبشدة بالعربية. ويستدير على كل واحدة على حدة، ويعطيهم العناوين. قادر: (مخاطباً جميلة) نمرة ثلاثة شارع دوشين. (مخاطباً زهرة) نمرة اربعة عشر شارع مونسينيور لينود .. (مخاطباً حسيبة) نمرة واحد وعشرون شارع ليدر. كل واحدة من الفتيات تعيد، بدورها، العنوان الذي اعطاها إياه. كل واحدة من الثلاثة تجيب بشكل عاطفي. الجو المحيط متوتر. يقوم قادر بتوديعهم على الطريقة الجزائرية، اولاً يضع يده اليمنى فوق قلبه. ثم يعانقهن. ينظرن إليه برهة من الزمن؛ إنهن مصابات بالخجل. يحاول قادر أن يزيل تعبهن، فيبتسمن، ويجيب على تعليق حسيبة السابق. قادر: حسناً، حظ سعيد. 55. شارع ليدر. خارجي/داخلي. نهاراً. 5:45 بعد الظهر هنالك عند رقم واحد وعشرين شارع ليدر مخزن لبيع الخبز. عادت حسيبة مرة ثانيه وغطت وجهها بنقاب وهي ايضا لبست ثوباً ابيضاً واسعاً يغطي جسدها بأكمله. دخلت إلى المخزن. هنالك نساء أخريات يشترين خبزاً. تنتظر حسيبة خروجهن، ثم تقول بالعربية لصاحب المخزن: حسيبة: جئت لآخذ الرزمة ... يفرغ صاحب الدكان نصف سلة من الخبز؛ وفي الأسفل هنالك شنطة سباحة بحزام للكتف، ويعطيها لحسيبة. تخفيها حسيبة تحت ثوبها الفضفاض وتحني رأسها مودعة وتغادر المكان. 56. شارع مونسنيورلينو. داخلي. نهاراً. 5:45 بعد الظهر. عند الرقم 14 شارع مونسنيور لينو، هنالك دكان خياط مخزن لبيع الثياب، تلبس زهرة ايضاً برقعاً وثوبا فضفاضاً أبيض. تدخل. زهره: جئت لأخذ الرزمة ... يصطحبها الخياط إلى الجهة الخلفية للمحل، حيث توجد غرفة عمل وفتيات شابات يخيطن. يبحث في أخذ الخزائن، يخرج شنطة قماش للطيران الفرنسي ويعطيها لزهرة التي تخفيها تحت ثوبها، تحييه، وتغادر المكان. ... 57. شارع الصين. داخلي. نهاراً داخل الرقم 3 في شارع الصين وحرفي جزائري يعمل في التخريم. تأخذ جميلة شنطة (32/13)
صفحة 344
جلديه صغيرة لوضع ادوات التجميل. تخبئها جميلة وتحيي الرجل، وتغادرا لمكان. 58. حارة وستائر. شارع مارينغو. داخلي/خارجي نهاراً. 6:05 بعد الظهر عند تقاطع في شارع مارينغو، هنالك حارة، تدخل حسيبة باب ضخم، وتغلقه. خلال ثانية تزيل البرقع والثوب الفضفاض. وجهها مطلي بالزينة، تلبس سروالاً ضيقاً وبلوزة خفيفة. تضع حزام الشنطة على كتفها. داخل الشنطة، منشفة؛ وثوب سباحة ظاهرين. تخرج حسيبة من الباب، تواصل السير إلى اسفل الحارة حتى تصل شارع مارينغو. تصل إلى الحاجز. الوقت مساء السبت؛ هنالك جموع من المتسارعين جزائريين وأوروبيين، عساكر ورجال شرطة منهمكين في تساؤلهم العادي عن الوثائق. وصول حسيبة يلاحظ بسرعة لأنها جميلة جداً وتجذب النظر بقوة، بعض الجنود يصفرون. سيدة جزائرية كبيرة في السن تنظر نحوها بامتعاض. لا تهتم حسيبة وتنتظر دورها. يقترب عسكري فرنسي منها. العسكري: اود ان افتشك، يا آنسة ... للحظة يخيب أمل حسيبة، ثم، تنظر إلى بلوزتها وسروالها الضيقين. حسيبة (ببراءة) اين؟ الولد شاب، جميل الصورة وقح. الجندي: ليس هنا. هنالك أناس كثيرون. حسيبة: ولكنك لم تفهم. كنت أقول ليس هنالك ما تفتشه. الجندي: هذا ما تظنينه! يضحك بعض الأوروبيين، يبدو على الجزائريين انهم لم يسمعوا ويروا، ولكن من الواضح انهم متضايقون. الجندي الثاني: هل انت ذاهبة للسباحة يا آنسه ... لوحدك؟ حسيبة: كلا، مع بعض الأصدقاء. في نفس الوقت تمر من الحاجز. الجندي الثاني: يا لحظهم السعيد. انا حرا في الأحد القادم ... هل يمكن أن نذهب سوية؟ ترفع حسيبة اكتافها، تبتسم ثانية، وتتحرك مبتعدة. 59. حاجز شارع دو ريفان. خارجي. نهاراً عند حاجز شارع دو ريفان، تلبس زهرة ثياباً اوروبية وتبدو هادئة. ليس هنالك كثير من الناس. يشير لها جندي بالمرور بطريقة متسرعة وتمر الفتاة. 60. حاجز شارع دولالير. خارجي. نهاراً جميلة متوترة، شاحبة، وتقاطيعها مصفاة، عيناها تبدوان اكبر من حجمهما الطبيعي بالزينة. والآن عند الحاجز شارع دولالير، مخرج القصبة مقفل. لقد وجد جزائري لا يحمل أوراقا ثبوتية .. يجادل، يصرخ ويقول أنه يريد أن يعود. ... اصوات غير متجانسة. يحاول الجنود الإمساك به. فيناضل ليحرر نفسه. في هذه الأثناء يتدافع الناس إلى الأمام محتجين. يلتقط جنديان الجزائري. ويشدانه إلى مركز الحرس. يتابع تدفق الناس. تخط جميلة إلى الأمام وهي تحمل كيس ادوات التجميل بكلتا يديها. لا تعرف كيف تحمله وتغير وضعها مرة بعد الأخرى. فتدرك أنها تبدو غير طبيعية. جاء الآن دورها. نبرة الجندي متعالية. المشهد السابق جعلهم عصبيين. يشير لها ضابط المرور، ثم يشير إلى كيس ادوات التجميل. الضابط: ماذا بداخله؟ غريزياً، ترفع جميلة الكيس وتنظر إليه، تشعر انها فشلت، ولكنها تبذل جهداً للإجابة. جميلة: هنا؟ الضابط: هناك ... تستخدم جميلة كل طاقتها لتبتسم وتنجح. وعيناها تشتعلان متحدية. جميلة (باستفزار) لا شيء. يشير الضابط لها بالمرور 61. سوق السمك. داخلي. نهاراً. 6:15 بعد الظهر مخزن كبير في سوق السمك. هنالك ثلاجات عديدة. وصناديق من السمك المجمد وصنابير من المياه الجاريه واسماك حية. الفتيات الثلاث بجانب بعضهن البعض. الشنط الثلاث موضوعة على ظهر النضد. بضع خطوات بعيدة. ومعهن جزائري نحيل يبلغ حوالي خمسة وعشرين عاماً من العمر. شعره اسود كثيف أملس مصفف بعناية. يلبس نظارات بيده الجلفتين العصبيتين يشد المنشفة وثوب البحر من شنطة حسيبة، ثم بلطافه وانتباه يفتح علبة خشبيه مربعة ويستدير نحو الفتاة ويشير لها أن تبتعد قليلاً. تخطو الفتاة إلى الوراء. داخل العلبة، هنالك انبوبة حديدية ضخمة مقفلة من كلتا الجوانب بساعتي توقيت. داخل الأنبوب بطاريتان بهما اسلاك موصولتان بالساعات. ينظر الشاب إلى ساعة معصمه، ثم يضبط عقارب الساعة على 6:45 ويعيد القنبلة إلى مكانها في العلبة ويغلقها، ويضعها في الشنطة. ثم يعيد وضع المنشفة وثوب البحر. ثم يسلم الحقيبة إلى حسيبة. انه يبتسم قليلاً. تأخذ حسيبة الشنطة وتذهب. العلبه تدخل إلى شنطة جميلة بإحكام، يفتحها الشاب دون ان ينزعها من مكانها ويضبط الساعتين على 6:50 ثم يضع كل شيء في مكانه ويسلم الشنطة لجميلة. يبتسم لها وتتحرك مبتعدة. في شنطة شركة الطيران الفرنسيه هنالك جرائد ومجلات على الوجه وفي أعلى الشنطه ومعها العلبه المماثله. يضبط الشاب القنبلة على 6:55 ثم يضعها في الشنطة كما كانت، يغلق السحّاب ويناول الشنطة لزهرة. يبتسم لها. ابتسامته اكثر صدقاً وأقل ميكانيكية. الضغط اصبح اقل من ذي قبل. يبتسم الشاب للفتاة ويقول بالعربية: الجزائري: ليحفظك الله. تشكره زهرة بوشوشة، تحني رأسها، وتتحرك بعيداً، يأخذ الشاب سيجاره من جيب قميصه، يضعها بين شفتيه ويشعلها. يده ترتجف قليلاً.62. قهوة في شارع ميشليه. داخلي. نهاراً 6:30 بعد الظهر قهوة، شارع ميشليه 1. النادي مزدحم جداً. هنالك غرفتان؛ واحدة في المدخل بها بار أمريكي، وواحدة في الخلف بها بضع موائد. إن اليوم هو السبت، وفي مثل هذه الساعة تذهب عائلات أوروبية عديده لشراء الجيلاتي. ليس هنالك اضطرابات أو ضوضاء. يأخذ الناس اماكنهم هادئين عند البار وعلى الموائد الصغيرة، يأكلون الجيلاتي الخاص بهم وهم يتبادلون أطراف الحديث بهدوء. تدخل حسيبة، تنظر إلى الساعة فوق آلة الحسابات. إنها الساعة السادسة والنصف تذهب نحو المحاسب وتنتظر دورها تختلط الطلبات المتنوعة ببعضها البعض. تطلب كوكاولا. يعطونها الإيصال فتدفع. تذهب إلى البار؛ كل المقاعد مشغولة. تطلب ما تريد وتعطي الوصل للنادل. رجل يتحرك جانباً، ينظر نحوها، ثم يخطو من مقعده ويعطيه لها. تقول له حسيبة أن هذا غير مهم ولكن الرجل يصر. تشكره حسيبة وتجلس. الرجل حوالي الخمسين من عمره حسن المظهر. يبتسم ثانية. ويستدير ليتكلم مع بعض الأصدقاء. تستقر حسيبة مرتاحة على الكرسي ثم تخرج الحقيبة من كتفها. تمسك بها من الحزام، تضعها على الأرض تحت النضد خلف السور النحاسي المستخدم لراحة الأقدام. احضر لها النادل الشراب. تشرب حسيبة ببطء، وتنظر بين الفينة والأخرى نحو الساعة. تنتهي من الشرب. الحقيبة، في وضع رأسي. تحرك حسيبة قدميها ببطء وبانتباه (32/14)
صفحة 345
وتقلب الحقيبة على جانبها. تنزل من على مقعدها، وتشير للرجل الواقف بجانبها نحو المقعد. حسيبة: سأعطيك مقعدك. الرجل: هل ستتركي المحل، يا آنسة؟ تبتسم حسيبة، وتشير بنعم. حسيبة: مساء الخير ... يجلس الرجل. الرجل: مساء الخير ...
(البقية في العدد القادم)
ترجمة: مها لطفي (32/15)
صفحة 346
عنوان المقال: مقامات الخليلى قرإة في مخطوطة عمانية معاصرة
صدر في العدد: ...
الكاتب:؟؟؟
تم حفظ المقال من موقع مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان
1 نوفمبر,1994
ربما يثير عنوان هذا البحث جوانب من قضايا الوسائل والقوالب الثقافية في عمان وربما في أجزاء كثيرة من العالم العربي، وعلاقة هذه الوسائل والقوالب المعاصرة أو التراث، ومدى صلابة الخط الفقري الممتد بين الشرائح التعبيرية المتعاقبة والتي قد تبدو للوهلة الأولى متغايرة
وأول هذه القضايا، فكرة لم لم المخطوطة المعاصرة،1 والتي قد تبدو الآن زائرا غريبا على عصر المطبوعات الذي عرفه الحرف العربي منذ نحو قرنين من الزمان. وضاعفت من قدراته العقود الأخيرة بامكانياتها الفنية الهائلة، التي جعلت آلاف النسخ من سفر ضخم يمكن أن تكون بين، أيدي قرائها في ساعات، لترسم بذلك صورة للمخطوطة التي تعد في أناة وعلى مهل وتصنع على عيني مؤلفها أو ناسخها في أسابيع أو شهور، ولا تكاد ترى النسخة التالية منها النور، الا من خلال مهلة قد تنتج خلالها فرس أصيلة مهرا جديدا.
غير أن هذا التقابل في وسائل البث الثقافي بين المخطوطة والمطبوعة لا ينبغي أن يجعلنا نتصور أن ملف المخطوطة قد تم نفض الأيدي منه، فمن خلال هذه الوسيلة القديمة تم الامساك بعصارة الحضارة ورحيقها وتم الحفاظ على خلاصة الجهد البشري لحضارة مثل حضارتنا خلال ما يزيد على اثني عشر قرنأ، وتم أيضأ التأمل في ميراث هذه الحضارة من
خلال عيون معاصرة ومناهج حديثة، سواء من خلال علمائنا أو علماء آخرين اهتموا بحضارتنا، وكان جهدهم وحصادهم مبهرا في كثير من الأحايين، ويسود الاعتقاد أن جانبا كبيرا من مخطوطاتنا لحم يلق يعد العناية الضرورية من أهل الخبرة والاختصاص، إما لأن أيديهم لم تصل اليه في مظانه قي المكتبات العامة، أو لأنه حبس في مكتبات خاصة أو أقبية أسرية بحسبانه جزءأ من ميراث خاص، مع أن الثقافة في كل الأمم هي ميراث عام، والأمة العربية والاسلامية في مقدمة الأمم التي حفلت بهذا المبدأ أ قي تاريخها الطويل، ويؤكد وجود هذه المخطوطة العمانية المعاصرة بين أيدينا اليوم أن هذه الوسيلة الثقافية في البث ما تزال حية. وأنه لا ينبغي أن يظن أن ملف عصرها قد طوى وأن الحديث محوله قد انتهى.
واذا كانت هذه القضية التمهيدية الأولى قد اتصلت بالوسيلة الثقافية وهي "المخطوطة" فهناك قضية تمهيدية ثانية تتصل بالقالب الثقافي للمخطوطة التي بين أيدينا وهو قالب "المقامة" وهو قالب قي يبدو كذلك زائرا غريبآ على عصر الرواية والقصة القصيرة والفيلم السينمائي والمسلسل التليفزيوني، فضلأ عن الأجناس القصصية العريقة كالمسرحية، أو الأجناس القصصية الصامتة مثل البانثوميم وغيرها من الأجناس التي تعتمد على الحركة المقروءة بالعين لا على الصوت الموجه للأذن والواقع ان المقامة، شأنها شأن المخطوطة، تمثل مظهرأ ثقافيأ يضرب بجذوره بعيدأ في تربة الفن القصصي العريي، واذا كانت قد تولدت عنه كثير من الأشكال القصصية الأخرى التي استجابت الى تطور وسائل التقديم المرئية أو المسموعة أو المقروءة، والى سرعة الايقاع في الحياة وما ترتب عليه من وجود الوان من التخفيف في قيود الوحدات اللغوية المتتالية، مما لحم تكن المقامة تسمح بالتخفف منه غالبا، واذا كانت هذه الأشكال القصصية الأخرى قد غطت معظم المساحة الممنوحة للنثر القصصي حتى جرى الظن بأن كتابات المويلحي وحافظ ابراهيم ومعاصريهما مثلث لحن الوداع لهذا الجنس القصصي القديم، اذا كان ذلك الانطباع قد تكون لدى دارسي النثر العربي، فان وجود مخطوطة لمقامات الخليلي، لم يكن يجف مدادها بعد، تؤكد ان ذلك الجنس الأدبي، لم يمت، وأن الحوار حول بعض جوانبه يمكن أن يثار من جديد. (33/1)
صفحة 347
وفن المقامة في النثر العربي، فن وسط بين القصصي المكثف، والقصصي المطول، ويمثل النمط الأول فنونا مثل الحكم والأمثال والتوقيعات، وقد عرقت على فترات متعاقبة، وانتمى بعضها الى عصر الكتابة كالتوقيعات، بينما انتمى البعض الآخر الى عصور المشافهة كما هو الشأن في الحكم والأمثال، ولكن التكثيف والايجاز، كان هو الطابع المميز لهذه الفنون القصصية، تسهيلأ لحفظ النثر الذي لا يمتلك خواص الشعر في التعلق بجدران الذاكرة في عصور المشافهة، واحتراما لهيبة الحكام وأولي الأمو الذين كانت تصدر عنهم التوقيعات، وهم لا يميلون في كل العصور إلى البسط والايضاح، وفي الطرف الآخر، كان يوجد فن القصص المطول، فمثلأ في الحكايات والمواعظ والملاحم، ويكاد يلفت النظر ترك هذا الفن لأدباء الشعب، أو أدباء العامة، فلم تهتم العربية بالقصص الطويل على يد أدباء معروفين، كما كان الشأن مع "هوميروس " في الأدب اليوناني، و "فيرجيل " في الأدب اللاتيني، وانما ظل مؤلفو هذه القصص الطويلة اما مجهولين كما هو الشأن في ملاحم عنتره وأبي زيد الهلالي، وألف ليلة وليلة أو منتمين الى طبقات الوعاظ والقصاصين، وكانوا كذلك شبه مجهولين، أو الى طبقات الرحالة الجغرافيين ومؤلفي كتب العجائب والغرائب والمسالك والممالك، ولم يجر الاهتمام بدراسة آثار أولئك جميعا في اطار تطور النص الأدبي.
المقامة إذن كانت الغالب الوسط، بين كثافة المثل، وترهل الحكاية، ولم تكن معروفة منذ بداية الفن القصصي العربي، وانما عرفت في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وازدهرت في القرن الرابع، ولم تعد قضية نشأة المقامات، وارتباطها بابن دريد الأزدي، أو ابن دريد العماني كما كان يسميه المؤرخ "المسعودي "، لم تعد هذه القضية تحتاج الى مزيد من المناقشة، فهي مثارة بين دارسي الأدب منذ القرن الخامس الهجري، وقد وردت الاشارة اليها في كتاب زهر الآداب للحصري القيرواني المتوفى عام 453 5، عندما قال عند حديثه عن بديع الزمان الهمذاني "ولما رأى أبا بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثا، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنتجها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر وأهداها للأفكار والضمائر. .. . عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفا وتقطر حسنا" .. ، وقد أشرنا في دراسة مفصلة أخرى الى العلاقة بين أحاديث ابن دريد ومقامات بديع الزمان.
أنظر كتابتا: "ابن دريد الأزدي " وتأثيره في الدرس والنص الأدبي، الهيئة العامة للرياضة والأنشطة الشبابية - سلطنة عمان 1992 م).
لكن الذي يمكن أن يثار حول التساؤل من جديد هو مدى تأثير نمط الأدب القصصي عند عرب جنوب الجزيرة، وابن دريد وأحد منهم، على نشأة وامتداد فن المقامة في الأدب العربي، ومقاومة هذا الفن لعوامل الفناء، حتى إن واحدا مثل الشيخ عبدالله الخليلي يواصل الكتابة على هذا النمط حتى العصر الحديث، قد لا يكون من المصادفة أن يكون أول كتاب المقامات من عمان وأن يكون آخرهم من عمان كذلك، وأن يمتد هذا الفن بين ابن دريد والشيخ عبدالله الخليلي، ليشهد مقامات للغشري وابن رزيق والحارثي وغبرهم من الكتاب الذين فقدت مقاماتهم أو ما تزال حبيسة المخطوطات.
ان ذلك التساؤل نفسه يمكن أن يمتد الى طبيعة الحوار الممتد والتأثير والتأثر المتبادل بين النتاج الأدبي في شمال الجزيرة العربية وجنوبها منذ أقدم العصور، وهو نتاج كان يحمل مذاقا متميزأ لكل طرف دون شك، وان كانت كثير من الملامح الخاصة، قد ذابت في مليح اللغة الأدبية المشتركة، التي جرت كثير من التساؤلات حول مدى تطبيقها الصارم في العصر الجاهلي، وليست قضايا الانتحال واثارتها منذ عصر ابن قتيبة وابن سلام الى عصر طه حسين الا جانبا من جوانب هذه القضية المتعددة إلأطراف.
ان كثيرا من النقاش حول حوار أدب الجنوب والشمال في القديم دار حول الشعر، ولكن النثر القصصي لم يحظ بقدر كاف من النقاش، مع أف كثيرا من روايات النثر القصصي القديم قبل المقامة يرد إسنادها الى شخصيات من الجنوب، فيجرى الحديث عن ملك حمير أو عن قيل من أقيال اليمن أو عن مرثد الخير بن نيكف بن معد يكرب، أو ذى جدن، (33/2)
صفحة 348
وهيثم بن مثرب بن ذي رعين، أو ذى فائش الملك الحميري، وغيرهم من أسماء أبطال الجنوب التي تعمر بها الروايات القصصية النثرية على وجه خاص.
إن تتبع هذه الروايات وتصنيفها التاريخي والفني، يحتل مكانة وسطى بين كثافة الحكمة والمثل، وترهل الحكاية الشعبية، واذا كان عمر هذه المقامة أو نمطها في الأحاديث تمتد جذوره المروية الى أدب الجنوب من ناحية، وتمتد بداياته الفنية الى واحد مثل ابن دريد من ناحية ثانية، ويواصل امتداداته لدى كاتب معاصر من مثل الشيخ عبدالله الخليلي من ناحية، دون انقطاع تقريبا على مر العصور في منطقة مثل عمان، فلم لا يكون ذلك النمط القصصي واحدا من الخصائص الفنية القديمة للأدب العربي النثري في الجنوب، ذ ابت في الخصائص المشتركة التي أرستها لغة القرآن الكريم، وطبعت بها الأدب العربي بطابع مشترك، وان ظلت الملامح الخاصة في اطار هذا الطابع المشترك، تظهر بين الحين والحين؟ تقودنا هذه القضايا التمهيدية الى مخطوطة المقامات، التي كتبها بخطه الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، شيخ شعراء عمان المعاصرين والذي ولد في أوائل العقد الثالث من هذا القرن العشرين، واشتهر بعطائه الشعري الغزير، في دواوينه المتتالية "وحي العبقرية" و "وحي النهى" و "على ركاب الجمهور"، الى جانب قصائده المتفرقة الكثيرة، ولكنه الى جانب ذ لك يمتلك حصادا نثريا لم ينشر معظمه، يتمثل في رواية ومجموعة القصص القصيرة، وهذه المقامات التي نحن بصدد الوقوف أمامها.
وتتكون هذه المخطوطة من ست مقامات، تغطي ثلاثا وتسعين صفحة من القطع الكبير، وتشير أربع من المقامات في عناوينها الى أسماء مدن عمانية، وهي المقامة النزوية، والمقامة الجعلا نية والمقامة السمائلية، والمقامة السمدية، على حين تشير اثنتان أخريان الى موضوعين يطرحان للمعالجة وهما المقامة التساؤلية والمقامة اللغوية.
وتصطنع المقامات هنا الهيكل الفني المعهود في فن المقامة العربية القائم على وجود الراوي الموحد والبطل الموحد، اللذين تلتقي من خلال وحدة الشخصية لديهما، الموضوعات المتفرقة التي تحفل بها مجموعة من المقامات لمؤلف واحد، وقد كان بديع الزمان الهمذاني هو أول من اهتدى الى شخصية الراوي الواحد ممثلآ في عيسى بن هشام، والبطل الواحد ممثلا في أبي الفتح السكندري وتبعه الجريري الذي جعل راويه الحارث بن همام وبطله أبا زيد السروجي، وسار على هذه الطريقة كتاب المقامة من العمانيين فاختار سعيد بن راشد الغشري لمقاماته، شخصية اليافث بن تمام راويا، وشخصية أبي عبيد الفلوجي الذى يقترب اسمه من أبي زيد السروجي بطلا، واختار ابن رزيق لمقاماته، راويا، شخصية الوارث بن بسام الذي يروي مغامراته عن أبي جواب الضريك واختار البرواني لمقاماته هلال بن أياس راويا.
وعلى هذا النمط جاء اختيار عبدالله الخليلي لراوية "ابو الصلت الشاري بن قحطان "، ولبطله ا"فراهيد بن هود"، ولكن اختيار الأسماء هنا لكل من الراوي والبطل ربما يحمل دلالة خاصة تستحق الوقوف قليلا أمامها، فكنية الراوفي "ابو الصلت " تذكر باسم الصلت وهو اسم أثير في التراث العماني، حمله أعلام من أمثال الصلت بن مالك الخروصي اليحمدي الامام الذي ازدهرت عمان في عهده في القرن الثالث الميلادي والفقيه الصلت بن خميس الخروصي المكنى بأبي المؤثر من فقهاء القرن الثالث.
أما اسم الراوي "الشاري " فهو إشارة واضحة الى الأئمة الشراة ولا شك أن اسم "قحطان " الذي يتوج الاسم هو إشارة الانتماء العرقي لعرب الجنوب، فنحن إذن أمام راو يحتفظ من خلال اسمه بهذه الملامح الخاصة للبطل الجنوبي، وهي تذكر بما كان قد صنعه ابن دريد في مقصورته الشهيرة حين رسم ملامح لبطل مقصورته تقودنا عند التأمل في النهاية الى التعرف على ملامح بطل جنوبي، يفاخر بأطال قحطانيين قبله ركبوا الصعاب وحققوا الأمجاد حين يقول:
ان "أمرأ القيس " جرى الى مدى (33/3)
صفحة 349
فاعتاقه حمامه دون المدى
وخامرت نفس،"أبي الجبر" الجوى
حتى حواه الحتف فيمن قد حوى
و"ابن الأشبح " القيل ساق نفسه
الى الردى حذار إشمات العدى
وأضرم "الوضاح " من دون التي
أملها سيف الحمام المفتضى
وقد سما "عمرو" الى أوتاره
فاحتط منها كل عالي المستمى
وهؤلاء جميعا، أبطال جنوبيون قحطانيون، يفاخر ابن دريد قديما بأنهم نماذج يحتذى بها، وينحت عبدالله الخليلي حديثا اسم راويه لا ابو الصلت الشاري بن قحطان لما من معجمهم. ولا يقل اسم البطل الذي اختاره الخليلي لمقاماته دلالة في هذا الاتجاه، فاسمه " فراهيد بن هود " يذكر بفرعين من فروع المعرفة والهداية برز فيهما عرب الجنوب فمع ان الاسم الأول يذكر بفراهيد بن مالك بن فهم أحد أبناء الملك الأزدي المشهور، وأحد قواد جيوش المنتصرين على الفرس، فانه يذكر كذلك بالفراهيدي، وهو لقب ينصرف عند الإطلاق الى الخليل بن أحمد شيخ علماء العربية، على حين يذكر الاسم الثاني بجانب من ميراث النبوة يعتز به عزب الجنوب، وكأن اجتماع الاسمين معا في شخصية البطل مع حفظ التسلسل التاريخي بينهما، يشير الى التقاء العلم والنبوة، أو العقل والنقل، في شخصية البطل التي تؤكد فكرة الخبرة والحكمة اليمانية القديمة.
إن هذا الاطار اللغوي لشخصية كل من الراوي والبطل تؤكده الملامح النفسية والجسدية التي يرسمها المؤلف لهما، وتجعلهما يختلفان اختلافا جذريا عن نموذج أبطال " الشطار" والمغامرين آو أبطال " الكدية " وطلب النوال، الذين دأبت المقامة العربية عل رسمهم منذ شخصية أبي الفتح السكندري عند بديع الزمان، إن البطل عند الخليلي يحمل ملامح بمتزج فيها الشعور الديني العميق بالتذوق الجمالي والأدبي العميق، بل ان كثيرا من المقامات هنا، تطور حوارا هدفه (33/4)
صفحة 350
إثبات آن لا تعارض بين هذين اللونين من المشاعر، ويقدم الخليلي في مفتتح المقامة الزوية صورة لملامح البطل حين يقول على لسان الراوي ابو الصلت الشاري بن قحطان:
" فلما وقفت منه على السارية الكبيرة لأصلي ركعتين تحية المسجد قبل الظهيرة، لم أكد أنفتل من صلاتي وأكمل تحياتي، حتى رأيت شيخا عليه سمة الوقار، وسمت الصالحين، يعلوه الخشوع والانكسار لله رب العالمين، وكأنما أمسك بيده اليمنى ناصية الجنة فتهلل وجهه نورا يغشى الناس والجنة، وكأنما دفنت يده اليسرى والعياذ بالله في بؤرة النار، فبكى وأبكى من حوله خوفا من دار البوار، وهو يهيب بالناس اليه، ويجمعهم لديه في لسان زلق، وصوت صهر لصق " والناس اليه كالسيل الجارف، والحلقة تجمع الجاهل والعارف ". ولعل هذا النص يقدم الى جانب رسم ملامح البطل، فكرة عن لغة المقامة وهي لغة كانت دائما ذات طبيعة خاصة، تختلف عن لغة الشعر من ناحية وعن لغة الأجناس النثرية الآخرى كالرسالة والمقالة والرواية من ناحية أخرى، وبقدر ما كانت لغة المقامة، التي تميل الى الغرابة، سببا لشهرتها وتوجيهها الى أهداف تعليمية في عصور كثيرة، بقدر ما كانت سببا في جفاف العناصر القصصية في المقامة وضمورها عصرا بعد عصر حتى أوشكت على الاختفاء، والواقع أن لغة المقامة عند الخليلي كانت تعمد أحيانا الى استعراض المهارات اللغوية، وحشد الكلمات الغريبة، وخاصة في تلك المقامات التي تكون اللغة نفسها هدفا لها، كما حدث في المقامة الثالثة، التي تحمل عنوان لما المقامة اللغوية مما حيث احتشدت الكلمات الغريبة المتتالية لدرجة اضطر معها المؤلف لآن يضع للصفحة الأولى من المقامة وحدها خمسة وأت بعين هامشا لتفسير الكلمات الغريبة وتبدأ هذه المقامة على النحو التالي.
"حدثني ابو الصلت الشاري بن قحطان، قال خرجت من سمائل الى جرنان، وكنت في كوكبة من الفرسان، وكانت السكة نائبة، والشكة واهية، والريض خالية، حتى لنكاد نزرد الردعة، منحدرة لا يحس بها اللثغة، حتى أشرفنا على واد بهور، وكان الجن كنهور، فما إن حططنا به الرحال، أو كدنا ننيخ الجمال حتى نزلت علينا سماؤه " وزلفت بنا صفواؤه، فرأفنا القلص حثا فزأزأت بنا كالظيلم وطثا". ونحن في مقطع كهذا، نجد أنفسنا مع لغة تاريخية، ليسر القص هدفها ولا القارىء العصري طرفها الآخر الذي يوجه اليه الخطاب، وانما تتحول اللغة نفسها بطياتها التاريخية وتراكماتها في بطون الكتب والمعاجم " الى مجال للحركة يكاد في بعض الأحيان أن يشكل دائرة خاصة محكمة الأطراف.
والمقامات الست التي بجن آيدينا تتراوح لغتها بين هذين المستوين اللذين رأينا واحدا منهما في صدر المقامة النزوية، ورأينا الآخر في صدر المقامة اللغوية، كما يتم التراوح كذلك بين ملمحين فنيين آخرين هما السردية الخطابية، والدرامية القصصية، فعلى حين تجنح بعض المواقف الى صب المضامين التي يراد ايصالها من خلال خطبة مباشرة، أو حديث يكاد يتوجه الى القارىء، تعمد مواقف أخرى الى التخفيف من حدة السرد بالتركيز على لمسات في وصف الموقف، والاقتراب من الوسائل القصصية، على حساب الوسائل الخطابية كما جاء في المقامة النزوية، عندما تقطع المقامة خطبة مسترسلة للراوي، لكي تقول:
"وهنا صعق الخطيب، ولم يكد يتكلم، فوقفت انظر اليه، والى الدموع من عينيه وكأنها السحاب المنهمر، أو السيل المنحدر، فبقى كذلك هنيهة والناس من حوله ينتحبون، حتى أفاق وقال ة " انا لله وإنا اليه راجعون " ثم عاد الى خطبته واستمر في القاء كلمته فقال:
وهذا اللون من المراوحة بين النزعة الخطابية: والنزعة القصصية يكسر من فكرة الهدف التعليمي المباشر قليلا، ويجعل مفهوم الحدث القصصي ادرامي يجد سبيله الى التجسد بين الحين والآخر. على أن هذا الحدث الدرامي في ذاته تتفاوت درجات التجسيد داخله بين تجسيد ذى طابع فردي يجعل الحدث عادة أقرب الى المجال القصصي، وتجسيد ذى طابع جماعي ينمو بالحدث منحى خطابيا وتلك واحدة من الملامح التي تردد حولها فن المقامة العربية منذ بداياته، وظلت نقاط القوة الفنية بارزة في مقامات التجسيد الفردي، التي تترك قارئها أو سامعها بعد الانتهاء منها وقد ترسب في ذهنه نموذج (33/5)
صفحة 351
بشري أكثر مما ترسبت مجموعة من الأسس المعنوية على النحو الذي يحدث في مقامات التجسيد الجماعي، ولم يكن النجاح الكبير لمقامات بعينها مثل المقامة المضيرية لبديع الزمان، الا من خلال التجسد الصارخ لشخصية الضيف المسكين الذي وقع ضحية مضيف ثرثار يصف له تفاصيل كل شيء في البيت والأثاث والخدم، ويهمل تقديم الطعام والكف عن الكلام، وعندما يهم بوصف المضيرية، الطبق الذي يحلم به الضيف، يولي الضيف الأدبار هاربا قبل أن يحطم الوصف رأسه، وشخصية الاعرابي الساذج الغفل التي رسمتها المقامة البغدادية، وتركته يقع فريسة لبغدادي متحضر، قاده الى مطعم للشواء على أنه بيته، وتركه بعد الطعام فريسة لصاحب المطعم القاسي " شخصية اكسبت المقامة قيمتها من خلال التجسيد ذى الطابع الفردي، وحققت من خلال ذلك، ما لم تحققه مقامات بديع الزمان الأخرى، ذات الطابع الجماعي في التجسيد. والواقع ان مقامات الخليلي تتراوح بين هذين النمطين من التجسيد الفردي أو الجماعي، فعندما يتم في أحد مواقف المقامة النزوية جسيد مواقف السبق الحضاري للحضارة الاسلامية، وتجسيد بطولات الرجال الذين شادوا هذه الحضارة من خلال مواقف بطولية يتم اللجوء إلى رسم المشهد لجماعي الملحمي، اكثر من اللجوء الى رسم الموقف الفردي القصصي، مثل قوله في أحد المواقف:
"عشقوا الموت في سبيل الله، فألقت اليهم أزمتها الحياة، ووالوا في الله كل من والاه، وعادوا فيه كل من عاداه، أقرب القريب اليهم، من صدق ايمانه، لو كان من قوم عدولهم، وأبعد البعيد من ظهر لله عدوانه، لو كانوا أباءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم، اذا انتصروا لا يعجبون، واذا ملكوا لا يستعلون، واذا حكموا لا يجورون، واذا كان عليهم الحق لا يأنفون ".
من مظاهر المراوحة في مقامات الخليلي، الانتقال بين مظاهر الحياة القديمة مظاهر الحياة الحديثة، واذا كنا قد رأينا في النص الذي اقتبسناه من مقدمة "المقامة اللغوية" كوكبة الفرسان وهي تصعد من سمائل الى جرنان، وأقصى ما تبلغ بها السرعة أن تكون كالظيلم وطثا، أي كذكر النعام في سرعة ضربه الأرض بحوافره، فان مشهدا مقابلا للحياة المعاصرة تطالعنا به صدر "المقامة التساؤلية"، حيث السيارة الفارهة وألانثى الجميلة الحاسرة، التي ترد مجالس الرجال، وتطرح السؤال تلوالسؤال، وترد حكايتها أيضا على لسان نفسى الراوي وتلتقي بنفس البطل، مفتتح المقامة التساؤلية:
"أخبرني ابو الصلت الشاري بن قحطان، قال خرجت مرة لبعض الشأن، وكنت على سيارة فخمة المظهر، أنيقة المنظر، متينة المخبر، ان ركبتها قرت، وان وطئتها فرت، فكنت أجوب بها الطرقات، لقضاء بعض الحاجات، حتى انتهيت بطريقي، أمام محل لصديقي، فأوقفت هنالك رحلى لأذرع الطريق رجلي، فبينما كنت -أحاول اجتياز الطريق العام .. .. إذا بيد تقبض على كتفي من الخلف، ونفحة يهيمن على الروح ما بها من العرف فنظرت فاذا فلقه قمر، ونشقت فاذا نسمة سحر، فبقيت ساعة لا أفهم خطابا، ووقفت حائرا لا أحير جوابا، حتى زالت الدهشة، وعادت الهشة، فقلت ما الشأن، وهل أنت من بني الانسان، أم من عباقرة الجان. .. فقالت دعك من الفلسفة، وهلم بنا الى رحاب المعرفة ".
إن هذا المدخل للمقامة التساؤلية مع ما فيه من تنوع مناخ الحياة الذي أشرنا اليه، يقودنا الى مقامة تختلف بدورها عن المناخ السائد في مقامات الخليلي، وهو مقام المدن العمانية التي تدور حولها المقامات الست، ان المقامة التساؤلية تشغل قضية المعرفة والمعرفة عند النساء خاصة، وهي تقدم نموذج المرأة العالمة التي تتغلب على علماء الرجال بما تطرح من أسئلة فتثير حيرة وإعجابا بالقوة غير المتوقعة، وغالبا ما يصحب ذلك جمال آسر أيضا، وهذا النموذج عرفه التراث الأدبي العربي وان كان في خارج المقامة، عرفه القصص الشعبي، وحفظت لنا حكايات الف ليلة وليلة قصة شهيرة من هذا النمط هي حكاية "تودد الجارية" التي صمدت في مجلس الرشيد لحوار طويل مع كوكبة من العلماء في مختلف التخصصات.
والخليلي يعيد الينا هذه الصورة في مقامته التساؤلية، في الحوار بين الحسناء والشيخ، فهي حينا تسأله عن رأيه في أبيات من الشعر وحينا تسأله عن رأيه في شاعر تبدو لديه رقة القول، وصرامة الفعل، وكأنه بذلك يثير قضية رئيسية تشغل مقاماته، وهي ما يمكن أن يسمى بأزمة الشاعر الفقيه، الذي يعرف مواطن الجمال وبواعته، وطرائق التعبير عنه (33/6)
صفحة 352
، ويعرف كيف يذوب كلامه رقة في الغزل، ولكنه يخشى ان يكون ذلك مما يؤخذ عليه عند عارفي مكانته الفقهية والدينية، وفي هذا الاطار تسند أسئلة تحاول التفريق بين فتوى الشاعر وفتوى الفقيه، وتسأل الحسناء الشيخ عن رأيه في قول الشاعر.
حجبوها وكيف تحجب شمس شع في الخافضين منها ضياء وعن رأيه فيمن يقول ان الشاعر أشار الى السفور، وحث المرأة على ارتكاب المحجور ومن يقول: انها الفصاحة والخيال، والتغني بالحسن والجمال، لا استهتار ولا فك عرى، فماذا ترى.
والواقع ان كثرة هذه التساؤلات حول محور الشاعر الفقيه وارتباطها بأبيات وقصائد شعرية من نسج المؤلف تجعلنا نشم في هذه المقاطع روائح من السيرة الذاتية للمؤلف وهي روائح يزيدها المؤلف وضوحا وتأكيدا حين يروي مقاطع أخرى في المقامة التساؤلية، يتحدث فيها بضمير المتكلم المفرد عن مواقف حقيقية مر بها أو شهدها في اطار الحوار حول عدم التعارض بين تجنيح الخيال في التعبير الغزلي في الشعر وعفة السلوك يقول: "وكثيرا ما يتخيل الشعراء أشياء فتجري على السنتهم بدون عناء فمن ذلك على سبيل المثال، قول ابن النبيه في شبه هذا المجال: زارت ففككت عرى جيبها بالفم عن رمان كافور فهل ترى أنها زارته، ورامها ورامته، أم هي الفصاحة وجودة الوصف والتأنق في البناء والرصف؟ سئل الإمام الخليلي رحمه الله وكنت قاعدا عنده أترسم خطاه، قال السائل. ما ترى إمامنا الجواد، في صاحب السيف النقاد، أعني الإمام الحضرمي .. . ان هذا الامام الشاعر والبطل المغامر، يتغزل في الحسان .. . أتراه يعني أهل أم الحور وحاشاه عن التطرق الى المحجور؟ فالتفت الامام الي متعرفا ما لدقي وقال لهم؟ هذا هو الشاعر فاسألوه، وما أتاكم منه فاقبلوه، فقلت في الحال، الأمام الحضرمي تغزل في الجمال، ولان ألانثى للرجل مطمح الغريزة جعلها المتغزل لغزله ركيزة، ولم يرد امرأة بعينها، والا فقد حمل نفسه على شينها .. . . فاستحسن الامام الجواب، وهش له كل الأصحاب ".
انها جوانب إذن من التجربة الشخصية للمؤلف الشاعر، ترد حينا على لسان الراوي ابي الصلت الشاري بن قحطان، وحينا بضمير المتكم المفرد علىلسان المؤلف، وتشف عنها في الحالات الشواغل الرئيسية للشاعر الفقيه من ناحية وللشاعر المولع باللغة المعايش لها عقودا طويلة، والذي لا يكاد يكف عن التقليب في امكانياتها الجمالية، وهو ما تشف عنه على نحو خاص، المقامة اللغوية، التي تقترب في بعض الأحيان، من الولع الشديد بفكرة المحسنات البديعية والأغراق فيها، حتى انه ليجمع في احدى القصائد التي ترويها المقامة.
ان مخطوطة مقامات الشيخ عبدالله بن علي الخليلي تثير كثيرا من القضايا الفنيةالمتصلة بالفن القصصي العربي منذ جذوره الأولى التي مضى عليها ما يزيد على ألف عام الى واقعه المعاصر المليء بالامكانيات والتنوعات، التي يمكن أن تزداد من خلال البحث عن روافد تراثية تغني الجمال القصصي الذي أثبتت التجربة أنه زاد ضروري لعاشقي المتعه الأدبية في كل زمان ومكان، وعلى اختلاف مستويات الثقافة والمعرفة. (33/7)