صفحة 1
بحث تخرج: أحكام الذكاة الشرعية ... محفوظ بن سالم بن خميس آل كموجا ... 2005 / 2006
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص عام للبحث
عنوان البحث: أحكام الذكاة الشرعية.
إعداد الطالب: محفوظ بن سالم بن خميس آل كموجا.
المشرف: الشيخ إبراهيم بن راشد الغمّاري.
المناقش: أ.د. عمر محمد عبدالمنعم الفرماوي.
سبب اختيار هذا الموضوع:
1- حرصي على فهم كثير من الأحكام المتعلقة بالذكاة الشرعية والمختلف فيها بين أهل العلم والتي كنت أجهل بها خاصة ما يتعلق بطرق الذبح الحديثة، وذلك لأن الذكاة عبادة تمارس في مجتمعنا يكاد يكون بشكل يومي إن لم يكن كذلك.
2- تقوية الخبرة واكتساب المهارة العملية لتمهيد وتكوين مستقبل ناجح في مجال البحث العلمي.
خطة البحث: - اشتملت على المقدمة.
- فيه ثلاثة فصول وكل فصل يشتمل على المباحث والمطالب.
- الخاتمة.
بعض نتائج البحث:- أن الذكاة مشروعة بالكتاب والسنة، وقد حرم الله الميتة لحكم معقولة المعنى.
- أن الذكاة المجمع على إجزائها هي قطع الودجين، والمريء، والحلقوم وماعدا ذلك مختلف فيه.
- الذكاة جائزة من المسلم والكتابي والذمي، ذكرا كان أو أنثى.
- من شروط الحيوان المذكى أن يكون مباحا أكله، وأن يتم الذبح فيه على كمال الوجه بقطع العروق الأربعة على خلاف العلماء في الحد الأقل الذي يكتفى منه.
السنة الجامعية: 1426-1427هـ / 2005-2006م.
شكر وتقدير
الحمد لله الذي خلقني وسواني في أحسن تقويم، الذي منَّ علي بنعمة الإسلام، وأرشدني وهداني إلى سبيل الحق ونور الإسلام، والصلاة والسلام على رسوله الهادي، البشير بالجنة وأنعمها، والنذير من عذاب السعير وأهوالها، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الأجلاء، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: (1/1)
صفحة 2
فإن الله عز وجل قد حكم أن لكل شيء بدايته ونهايته، وبمناسبة انتهاء عملية هذا البحث، يسرني أن أقدم برحب الصدر وسعة النفس وخالص الشكر والتقدير الخاص إلى الشيخ إبراهيم بن راشد الغماري مشرفي في هذا البحث الذي اقتطع جزءا من وقته الثمين ليتابع بقر يب سيران هذا البحث خطوة بعد أخرى، وشبرا بعد شبر حتى وضعته على هذا الخلق الجديد بعد أن كانت معلوماته أشلاء متناثرة.
إن شيخي لم يحجم عن أن يقدم لي ملاحظات علمية، وإرشادات منهجية، وتوجيهات مفيدة التي كان لها دور تشجيعي وتحفيزي أكبر في نفسي لبذل أقصى طاقة إضافية لتحقيق حلمي وطموحي في هذا العمل المتواضع والمشاهد بهذه الصورة.
كما أوجه حافل الشكر إلى مدير عام لمعهدنا الميمون الشيخ زياد بن طالب المعولي الذي منحني فرصة دراسة في هذا المعهد، وإلى كل من مد إليَّ يدالعون في تكوين هذا العمل البسيط، فجزاهم الله وإياي خير الجزاء وغفر لي ولهم جميع الذنوب، والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة البحث
الحمد لله رب العالمين، الذي أباح لنا كثيرا من الطيبات لا تحصى بالعدد، وحرم علينا الخبائث لحكمة رآها، ووضع عن هذه الأمة الخاتمة الآصار والأغلال التي كانت على من قبلهم منة منه وتكريما، فأحل لهم بهيمة الأنعام وكل ما كان نافعا غير ضار من جنس الحيوان. والصلاة والسلام على رسوله الكريم المنقذ لهذه الأمة من ظلمات الجهل إلى نور الهدى، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ذبح لغير الله إلى ذبح لله وحده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الحساب.
أما بعد: (1/2)
صفحة 3
فإن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وفضله على سائر خلقه ابتلاء له لينظر كيف سيقابل هذه المنة الإلهية، أيشكر أم يكفر؟ ومن مظاهر تفضيل الله له تسخير جميع ما في الأرض بأنواعه وأشكاله لمنفعته وليتحقق به استخلافه في الأرض، وليسهل به القيام والامتثال بما أمر به من تكاليف وواجبات. والقرآن الكريم خير شاهد على ما نقول، يقول المولى جل جلاله : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } ، (1) وقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً } ، (2) وقوله سبحانه وتعالى : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ } (3) 3)
ومن تسخيره تعالى ما في الأرض لمصلحة الإنسان تمكينه سبحانه وتعالى للإنسان من الحيوانات المختلفة في الأحجام والأشكال والطبائع التي تشاركه في الوجود في هذا الكون، فمنها ما يقطن في أعماق البحار والمحيطات، ومنها ما يتحلق ويسبح في الهواء طيرانا، ومنها ما يعيش في الغابات. وقد جعل الله تعالى منافع هذه الحيوانات متفاوتة بحسب حاجة الإنسان إليها، وكيفية استغلاله لها، ومن بينها منفعة الغذاء، غير أنه تعالى لم يطلق إباحة هذه الحيوانات؛ إذ الإسلام إنما يبيح الطيب دون الخبيث والنافع دون الضار، لتحقيق منفعة العباد وإبعادهم عن كل ما هو ضار.
__________
(1) سورة الإسراء الآية: 70.
(2) سورة البقرة الآية: 29.
(3) سورة الجاثية الآية: 13. (1/3)
صفحة 4
وقد امتازت التشريعات الإسلامية السمحاء عن الشرائع الأخرى في تحديد طرق ذبح وإزهاق روح الحيوانات المباحة أكلها، ووضعت مبادئها وشرحت أحكامها، فليست قضية ذكاة الحيوانات من الأمور العادية التي يتصرف فيها الإنسان كيفما يشاء حسب حاجته، أو مصلحته، وإنما هي الأمور التعبدية التي يجب على الإنسان المسلم الالتزام بأحكامها المبينة في الكتاب والسنة المطهرة.
هذا وقد تقدمت باختيار موضوع بحث التخرج بعنوان "أحكام الذكاة الشرعية" وسيتم البحث فيه مقارنة بين خمسة مذاهب: الإباضية، والحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. ولم يكن هذا الاختيار قائما على مجرده، بل هناك دوافع حملتني لأختاره منها:
محرم - حرصي على فهم كثير من الأحكام المتعلقة بالذكاة الشرعية والمختلف فيها بين أهل العلم والتي كنت أجهل بها خاصة ما يتعلق بطرق الذبح الحديثة، وذلك لأن الذكاة عبادة تمارس في مجتمعنا يكاد يكون بشكل يومي إن لم يكن كذلك.
صفر - أن يكون نتاجا لتقييم مستواي في ميدان التطبيق العملي بعد أربع سنوات من الدراسة.
ربيع أول - أن يكون لونا من مساهمة في البحوث العلمية، تنفعني وكل من اطلع عليه واستفاد منه.
ربيع ثان - تقوية الخبرة واكتساب المهارة العملية لتمهيد وتكوين مستقبل ناجح في مجال البحث العلمي.
وقد تم تقسيم هذا البحث على النحو التالي: المقدمة، وثلاثة فصول تشتمل على المباحث والمطالب، والخاتمة كما يلي بيانه:
الفصل الأول: تعريف الذكاة ومشروعيتها، وفيه مبحثان:-
المبحث الأول: تعريف الذكاة وفيه مطلبان:-
المطلب الأول: تعريف الذكاة لغة.
المطلب الثاني: تعريف الذكاة اصطلاحا.
المبحث الثاني: مشروعية الذكاة وحكمتها، وفيه مطلبان:-
المطلب الأول: مشروعية الذكاة.
المطلب الثاني: حكمة مشروعية الذكاة.
الفصل الثاني: أنواع الذكاة وكيفيتها في كل نوع، وفيه خمسة مباحث:-
المبحث الأول: النحر، وفيه ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول: تعريف النحر لغة. (1/4)
صفحة 5
المطلب الثاني: تعريف النحر اصطلاحا.
المطلب الثالث: الحيوانات التي شرع فيها النحر وكيفيته فيها.
المبحث الثاني: الذبح، وفيه ستة مطالب:-
المطلب الأول: تعريف الذبح لغة.
المطلب الثاني: تعريف الذبح اصطلاحا.
المطلب الثالث: الحيوانات التي شرع فيها الذبح وكيفيته فيها.
المطلب الرابع: حكم نحر ما حقه الذبح وذبح ما حقه النحر.
المطلب الخامس: حكم قطع الودجين، والمريء، والحلق.
المطلب السادس: بعض صور الذبح المختلف فيها.
المبحث الثالث: العقر، وفيه ثلاثة مطالب:-
المطلب الأول: تعريف العقر لغة.
المطلب الثاني: تعريف العقر اصطلاحا.
المطلب الثالث: أنواع العقر.
المبحث الرابع: ذكاة الجنين وهو في بطن أمه، وفيه أربعة مطالب:-
المطلب الأول: خروج الجنين من بطن أمه ميتا قبل ذكاتها.
المطلب الثاني: خروج الجنين من بطن أمه ميتا بعد ذكاتها.
المطلب الثالث: خروج الجنين من بطن أمه حيا قبل ذكاتها.
المطلب الرابع: خروج الجنين من بطن أمه حيا بعد ذكاتها.
المبحث الخامس: الطرق الحديثة في إزهاق الروح، وفيه أربعة مطالب.
المطلب الأول: طريقة التدويخ باستخدام المسدس.
المطلب الثاني: طريقة التدويخ بضرب الحيوان على الرأس بالمطرقة أو بالبلطة.
المطلب الثالث: طريقة التدويخ باستعمال الصدمة الكهربائية.
المطلب الرابع: طريقة التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون.
الفصل الثالث: شروط الذكاة ومستحباتها، ومكروهاتها، وفيه مبحثان:-
المبحث الأول: شروط الذكاة، وفيه أربعة مطالب:-
المطلب الأول: شروط المذكي.
المطلب الثاني: شروط الحيوان المذكى.
المطلب الثالث: شروط آلة الذبح.
المطلب الرابع: شروط التذكية.
المبحث الثاني: مستحبات الذكاة، ومكروهاتها. (1/5)
صفحة 6
نسأل الله العلي القدير التوفيق والنجاح في تحقيق طموحاتي من هذا البحث إنه ولي ذلك والقادر عليه، نعم المولى ونعم النصير، غفرانك ربنا وإليك المصير، وصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.
ا لباحث :محفوظ بن سالم بن خميس آل كموجا
معهد العلوم الشرعية – مسقط
ليلة الأحد: 2 من ربيع الثاني 1427هـ / 30 من إبريل 2006م.
المبحث الأول
تعريف الذكاة، وفيه مطلبان.
تمهيد:
... للتعريف أهمية بالغة، و ذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، إذ لا يمكن الحكم على المجهول، كما لا يمكن الحكم على شيء مختلف في تحديد ماهيته وتصوير حقيقته أي شيء هو؟ لهذا ينبغي لنا قبل أن نقتحم تفاصيل هذا البحث أن نكشف ونحدد معنى الذكاة في اللغة والاصطلاح حتى نتمكن من استيعاب الأمور على وضعها الحقيقي، لأن لكل لفظ مدلوله، ولابد من إظهار وبيان كل لفظة ومضمونها لينطلق البحث من أساس سليم إلى غاية سليمة .
المطلب الأول: تعريف الذكاة لغة.
للذكاة في اللغة عدة معان نكتفي بذكر بعض منها:
أولا: جاء في المصباح المنير(ذَكَى) الشَّخْصُ ذَكَى مِنْ بَابِ تَعِبَ وَمِنْ بَابِ عَلاَ وَهُوَ
سُرْعَةُ الفَهَمِ، فالرَّجُلُ ذَكِيٌّ عَلىَ فَعِيْلٍ وَالجَمْعُ أَذْكِيَاءٌ. (1)
ثانيا: وجاء في لسان العرب: تَذْكِيَةُ النَّارِ، رَفْعُهَا، وَالذَّكَاءُ، شِدَّةُ وَهَجِ النَّارِ، يُقَالُ: ذَكَّيْتُ النَّارَ إِذَا أَتْمَمْتَ إِشْعَالَهَا وَرَفَعْتَهَا، وكذلك قوله تعالى: { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } ، (2) أَيْ مَا ذَبَحْتُمْ عَلَى التَّمَامِ.
وَالذَّكاَءُ، تَمَامُ إِيْقَادِ النَّارِ، وَأُنْشِدَ: وَيُضْرِمُ فِيْ القَلْبِ إِضْرَامًا، كَأَنَّهُ ذَكَا النَّارِ تُرْفِيْهِ الرِّيَاحُ النَّوَافِحُ.
__________
(1) أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المصباح المنير (مكتبة لبنان)، ص80 .
(2) المائدة: 3. (1/6)
صفحة 7
ثالثا: والتَّذْكِيَةُ الذََبْحُ. وَالذَّكَاءُ وَالذَّكاَةُ: الذَّبْحُ؛ عن ثعلب (1) تَقُوْلُ العَرَبُ: ذَكاَةَ الجَنِيْنِ ذَكاَةُ أُمِّهِ أَيْ إِذَا ذُبِحَتْ الأُمُّ ذُبِحَ الجَنِيٌنُ. يُقَالُ: ذَكَّيْتُ الشَّاةَ تَذْكِيَةً، وَالاسْمُ الذَّكَاةُ، وَالمَذْبُوْحُ ذَكِيٌّ. (2) 4)
هذه بعض معان الذكاة في اللغة، والمعنى الذي يعنينا في هذا الباب هو المعنى الأخير، وهو الذي له تعلق بموضوع بحثنا.
المطلب الثاني: تعريف الذكاة اصطلاحا.
أولا: تعريف الإباضية:
فقد عرفها صاحب متن النيل الثميني بأنها قطع الحلقوم والمريء والودجين لمحدد ولا سن أو ظفر مع الذكر والإبراد. (3) 1)
وعرفها الأستاذ محمد الشيخ بالحاج بأنها إزهاق روح الحيوان الجائز أكله شرعا بإهراق دمه مع ذكر اسم الله عليه. (4) 2)
ثانيا: تعريف المالكية:
عرفوها بأنها قطع مميز يناكح تمام الحلقوم والودجين من المقدم بلا رفع قبل التمام. (5) 3)
ثالثا: تعريف الحنفية:
عرفوها بأنها ذبح بين الحلق واللبة وعروق الحلق هي الحلقوم، والمريء، والودجان. (6) 4)
__________
(1) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني المعروف بثعلب، ولد سنة مائتين، وتوفي لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة 291.
(2) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب (ط1/، دار صادر، بيروت لبنان 2000م)، ج6 ص38.
(3) محمد بن يوسف أطفيش، شرح كاب النيل وشفاء العليل ( مكتبة الإرشاد جدة، ط/2 1392هـ-1972م)، ج4 ص433-434.
(4) محمد الشيخ بالحاج(ابن الشيخ)، قبسات من الهدي النبوي في أحدث المعملات، (المطبعة العربية 11نهج طالبي أحمد-غرداية)، ص41.
(5) محمد عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على شرح الكبير، (بدون دار نشر، بيروت، لبنان، ط/1،1149هـ -1998م)، ج2 ص136.
(6) ابن عابدين، رد المختار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، (دار إحياء التراث العربية، ط/1، 1419هـ- 1998م) ج9 ص355. (1/7)
صفحة 8
رابعا: تعريف الشافعية:
عرفوها بأنها قطع حلقوم ومريء من مقدور عليه وقتل غيره بأي محل. (1) 5)
والتعريف الذي أراه أنه أحسن هو ذاك الذي ذكره الأستاذ محمد الشيخ بالحاج؛ لأنه يستغرق جميع أنواع الذكاة المشروعة، وما سوى هذا التعريف فهي تختص بالذبح وحده دون غيره من أنواع الذكاة كالنحر والعقر والتي سيأتي تفصيلها في المبحث القادم إن شاء الله.
المبحث الثاني
مشروعية الذكاة وحكمتها وفيه مطلبان.
المطلب الأول: مشروعية الذكاة.
الذكاة مشروعة، وقد ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة.
أولا: الكتاب.
1- قال تعالى وهو يذكر المحرمات: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } (2) ومحل الشاهد (إلا ما ذكيتم)أي إلا ما أدركتم فيها حياة وذبحتم وذكر اسم الله عليه، فهو حلال أكله، وقد جاء هذا الاستثناء بعد سرد المحرمات، والاستثناء من التحريم إباحة فيكون المذكَّى مباح أكله. (3)
2- وقال تعالى آمراً لبني إسرائيل بذح البقرة: { . إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } (4) 3)
3- وقوله تعالى وهو يأمر نبيه بالنحر: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } (5) 4) وأمره تعالى لنبيه أمر لعباده مالم يدل على الخصوص، والذبح والنحر من أنواع الذكاة المشروعة شرعا كما سنرى في الفصل القادم إن شاء الله تعالى.
ثانيا: السنة.
__________
(1) زكريا الأنصاري، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، (دار المعرفة ، بيروت، لبنان، بدون طبعة )، ج2 ص184.
(2) سورة المايدة، الآية: 3.
(3) أبو بكر بن مسعود الكاساني بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (دار إحياء التراث العرب، بيروت، لبنان، ط/2، 1419ه- 1998م)، ج4ص155.
(4) سورة البقرة، الآية: 68.
(5) سورة الكوثر، الآية:2. (1/8)
صفحة 9
1- قال الرسول -صلى الله علية وسلم-من حديث شداد بن أوس: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فاحسنو القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (1) 5)
2- وعن جابر بن عبدالله-رضي الله عنه أنه قال: "نحرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية البدنة عن سبع والبقر عن سبع" (2)
فهذه الأدلة كلها تدل على مشروعية الذكاة وهي تنصب على الحيوانات المقدروة عليها فقط، أي الذكاة الاختيارية بخلاف الذكاة الاضطرارية كما سيأتي فيما بعد بإذن الله.
المطلب الثاني: حكمة مشروعية الذكاة.
وأما الحكمة من مشروعية الذكاة، فهناك حكم عديدة ذكرها العلماء.
أولا: أن الشرع إنما ورد بإحلال الطيبات قال الله تبارك وتعال: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } ، (3) وقال سبحانه: { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ } ، (4) 3)والميتة ليست من الطيبات وقد حرمت لخبثها، ولما فيها من الضرر ببقاء المواد الضارة، والدم في الجسم إما لمرض أو لاحتباس الدم فيها وأنه لا يزول إلا بالذبح والنحر، فإن ذكيت ذهب الدم الضار منها. (5)
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، ج3 ص1548، ح (1955)، وأخرجه ابن حبان كما في الإحسان، كتاب الذبائح، باب ذكر الأمر بحد الشفار والإحسان في الذبح، ج13 ص199،ح(5883).
(2) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده، كتاب الحج، باب الهدي والجزاء والفدية، ج1ص175، ح(430).
(3) سورة المائدة، الآية :4.
(4) سورة الأعراف، الآية: 157.
(5) وهبة الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج (دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ودار الفكر، دمشق، سوريا، ط /2 ، 1411 ه- 1991م) ج 6 ص76. (1/9)
صفحة 10
ثانيا: أن التحقيقات العلمية الحديثة أفادت أن اللحوم المصبرة أي التي تحفظ في العُلْبَةِ من غير تذكية أسرع ماتكون فسادًا وتعفنًا وتلوثًا من اللحوم المصبرة بعد تذكيتها وإراقة دمها، بناء على هذا وحفاظا على صحتنا ووقاية لنا ولمجتمعنا من الأمراض والأوبئة فإنه يحرم علينا تناول الميتة مهما كان سبب موتها. (1)
ثالثا: لقد أثبت الأطباء أن الدم مسرح لكثير من الميكروبات والجراثيم، وبموت الحيوان بدون الذكاة يجمد الدم في اللحم، ولا يمكن فصله حينئذ عن اللحم. (2) 6)
المبحث الأول
النحر و فيه ثلاثة مطالب.
تمهيد:
إن الله سبحانه تعالى قد أنعم على الإنسان نعما كثيرة لا تحصى بالعدد فقال تعالى { :وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا } ، (3) وكرمه وفضله على سائر المخلوقات واستخلفه على الأرض فقال عز وجل: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } ، (4) من تلك النعم نعم الحيوانات المألوفة منها والوحشية فأحل له بعضها وحرم عليه غيرها لحكمة أرادها المولى جل وعلا، ثم إنه تبارك وتعالى لم يترك لهذا البشر العاقل يبحث ويتحسس عن طريق إباحة لحوم الحيوانات المبيحة أكلها بل شرع له سبل الإباحة وعلمَّه كيف يذكي تمييزا له عن السباع والطيور ذات المخالب .
وفي هذا الفصل سوف أتناول أنواع الذكاة المشروعة وهي:النحر، والذبح، وذكاة الجنين، والعقر.وإليك هذه الأنواع حسب الترتيب المذكور آنفا.
المطلب الأول: تعريف النحر لغة.
__________
(1) محمد الشيخ بالحاج، قبسات من الهدي النبوي، (مرجع سابق)، ص74-75.
(2) عبدالله بن عبدالرحيم العبادي، الذبائح في الشريعة الإسلامية، (المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، بدون طبعة)، ص146.
(3) سورة النحل: 18 .
(4) سورة الإسراء: 70. (1/10)
صفحة 11
للنحر في اللغة معان كثيرة، أذكر منها:-
1- يقال: نَحَرَهُ يَنْحَرُهُ نَحْرًا، ونَحَرَ البَعِيْرَ نَحْرًا: طَعَنَهُ فِيْ مَنْحَرِهِ حِيْثُ يَبْدُوْ الحُُقوم من أَعْلَى الصَّدْرِ، وجمعه نُحُورٌ لايكسَّر على غير ذلك.
2- ويوم النَّحْرِ: عَاشِر مِنْ ذِيْ الحِجَّة يَوْم الأَضْحَى لِأَّنَّ البُدْنَ تُنْحَرُ فِيْهِ.
3- المَنْحَرُ: المَوْضِعُ الذي يُنْحَرُ فِيْهِ الهَدْيُ وغيره. (1)
المطلب الثاني: تعريف النحر اصطلاحا.
... عرف بعض العلماء النحر بأنه هو عبارة عن طعن الإبل- نوقا أو جمالا- عند اللبة نهاية عنقها الطويل مما يلي الجسد بمدية أو خنجر، وغالبا ما تكون الآلة مديدة طويلة حادة، طعنا قويا نافذا إلى نياط قلبها فيقطع الودجين والحلقوم والمريء-البلعوم- مع ذكر اسم الله عند ذلك، (2)
وعرفه البعض الآخر بأنه هو طعن المميز المسلم أو الكتابي بشروطه بمسن بلبة، بلارفع قبل التمام. (3)
ويجدر بي أن نشير إلى أن التعريف الأول يظهر أنه أحسن من التعريف الثاني لما يتميز به من تفصيل نوع الحيوان الذي شرع فيه النحر وذكر محل النحر وكيفيته، وهو بمقتضى هذا التعريف يكون النحر للإبل خاصا دون غيره، ولكنه كما سنرى في اللاحق أنه يجوز نحر في غير الإبل ولعل صاحب التعريف نظر إلى الغالب فيما يكون النحر، أما التعريف الثاني فهو جامع غير مانع إذ يشمل جميع الحيوانات من غير الإبل غير أنه يتميز عن التعريف الأول لبيانه شروط الناحر.
المطلب الثالث: الحيوانات التي شرع فيها النحر وكيفيته فيها.
__________
(1) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، (مرجع سابق)، ج14ص208-209.
(2) محمد الشيخ بالحاج، قبسات من الهدي النبوي، (مرجع سابق)، ص53.
(3) الحبيب بن طاهر، الفقه المالكي وأدته، (مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان، ط/ 1، 1422هـ-2001م)، ج3ص29 ، والخرشي على مختصر سيد خليل العدوي، (بدون دار نشر ولا طبعة)، ج3ص15. (1/11)
صفحة 12
الذي يطلع على الكتب التي كتبت عن الذكاة، يجد أن العلماء صنفوا الحيوانات على حسب أنواع الذكاة التي تناسبها وتصلح فيها، وذلك حسب طبيعة الحيوان وخلقته أو بورود نص فيها، وهذا التصنيف منطقي إذ ليست كل الحيوانات يناسبها النحر والذبح، فمنها ما يقبل النحر بوجه خاص وورد النص في ذلك، ومنها ما يقبل الذبح وورد النص في ذلك أيضا، ومنها ما يقبل النوعين على حد سواء، ونحن هنا سنتحدث عن الحيوانات التي شرع فيها النحر فقط ونؤجل الحديث عن النوعين الباقيين إلى بابيهما إن شاء الله تعالى.
أما الحيوانات التي يشرع فيها النحر هي:- الإبل والزرافة، ومن الطيور كالنعامة.ويلحظ أن النحر مشروع في الحيوانات ذات طويلة العنق لأن النحر أسرع لموتها.
وكيفية النحر أن تنحر الإبل-وهو المشهور بهذا النوع- قائمة على قوائمها الثلاث معقولة قائمتها الرابعة حتى إذا طعنت سقطت، وإذا وجبت جنوبها سلخت، (1) والدليل على ذلك ما جاء في قوله تعالى: { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } . (2)
المبحث الثاني
الذبح، ويشتمل على خمسة مطالب.
المطلب الأول: تعريف الذبح لغة.
1- ذَبَحَ: الذَبْحُ:قَطْعُ حُلْقُوْمِ مِنْ بَاطِنِ عِنْدَ النَّصِيْلِ، وهو موضع الذَبْحِ من الحلق. والذَبْحُ: مصدر ذَبَحْتُ الشاة؛يقال: ذَبَحَهُ يَذْبَحُهُ ذَبْحاً، فهو مَذْبُوْحٌ و ذَبِيْحٌ من قوم ذَبْحَى وذَباَحَى.
2- والذَّبِيْحَةُ: الشاة المَذْبُوْحَةُ، وشاة ذَبِيْحَةٌ، والذِّبْحُ: اسم ما ذُبِحَ.
3- والذَّبْحُ: الشق والمِذْبَحُ السكين. (3)
__________
(1) انظر الحبيب بن طاهر،الفقه المالكي وأدلته،(مرجع سابق)ج3ص17-19،ومحمد الشيخ بالحاج،قبسات من الهدي النبوي،(مرجع سابق)ص53
(2) سورة الحج الآية: 36.
(3) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب،(مرجع سابق)، ج6ص17-18. (1/12)
صفحة 13
وهذه المعاني الأربعة شملت معظم عملية الذكاة فقد أشارت إلى المُذَكَّى وموضع الذكاة في المذبوح، وآلة الذكاة، وفعل الذكاة نفسه، وهو ما يعني وجود علاقة بينها وبين الموضوع الذي نحن بصدده.
المطلب الثاني: تعريف الذبح اصطلاحاً:
لقد ذكرت عندما تكلمت عن تعريف الذكاة الاصطلاحية في مطلع هذا البحث - تعريفات المذاهب وهي كلها تنطبق على تعريف الذبح ولا داعٍ لتكرار ذكرها هنا ولكن سأذكر واحداً منها وهو ذلك التعريف الذي وصفناه بأنه أحن من غيره.
فالذبح هو: إزهاق روح الحيوان الجائز أكله شرعاً بإرهاق دمه مع ذكر اسم الله عليه. (1)
المطلب الثالث: الحيوانات التي شرع فيها الذبح وكيفية الذبح فيها.
يكون الذبح واجبا متعينا في الغنم كالماعز والخروف، ومن الطيور الدجاج والبط والحمام وغيرها كثيرة، والوحوش المقدور عليها، وأما البقر فيجوز فيه وجهان الذبح والنحر إلا أنه يندب فيه الذبح ويكره النحر، ومثل البقر في جواز الأمرين وأفضلية الذبح للجاموس وبقر الوحش إذا قدر عليه، والحمر والخيل والبغال الوحشية.
ويكون الذبح بقطع الحلقوم والمريء والودجين على خلاف العلماء فيما يكفي قطع هذه العروق بمدية طاهرة باليد اليمنى مستقبلاً بها القبلة، بعد إضجاعها برفق ولين على شقها الأيسر، ذاكراً اسم الله عليها عند حركة يده – بسم الله، الله أكبر قصد تحليله. (2)
المطلب الرابع: حكم نحر ما حقه الذبح وذبح ما حقه النحر.
أشرت فيما سبق أن هناك من الحيوانات ما شرع فيها النحر، وما شرع فيها الذبح، ومنها ما يجوز فيها النحر والذبح على حد سواء، و السؤال بعد هذا، هل يجوز العكس بين الحالتين الأولتين أو لا يجوز؟ المسألة فيها قولان بين أهل العلم:
__________
(1) محمد الشيخ بلحاج، قبسات من الهدي النبوي، (مرجع سابق)، ص41.
(2) انظر الحبيب بن طاهر، الفقه المالكي وأدلته، (مرجع سابق)، ج3 ص17، ومحمد الشيخ بلحاج، قبسات من الهدي النبوي، (مرجع سابق)، ص45-46. (1/13)
صفحة 14
القول الأول: أنه يجوز ذلك، ذهب إلى هذا الجمهور من الشافعية، (1) والحنابلة، (2) والإباضية وهو قول الإمام جابر بن زيد (3) وبه أخذ أشهب (4) 5) من المالكية، وأجاز الحنفية (5) مع الكراهة لما فيه من مخالفة السنة.
واستدل هذا الفريق بما جاء عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله علية وسلم أنه قال:"ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل" (6) 7) ويتبين بهذا الحديث أن الأمر بالنحر في البدنة ليس لعينه بل لإنهار الدم وافراء الأدواج وقد وجد ذلك.
القول الثاني: أنه لا يجوز العكس بين الحلتين ويمثله الإمام مالك (7) 1) الذي خالف جمهور العلماء فقال بمنع عكس الحالتين في غير موضع الضرورة.
__________
(1) عبدالله بن الشيخ الحسن الكهرجي، زاد المحتاج بشرح المنهاج، (المكتبة العصرية –صيدا – بيروت، لبنان، ط/2، 1407هـ- 1978م)، ج4ص378.
(2) عبدالله بن قدامه المقدسي، الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل،( المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط/5، 1408-1988م) ج1ص480.
(3) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق) ج4ص430.
(4) القرطبي، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4 ص 110.
(5) الكاساني، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4ص155.
(6) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، ج3 ص1558،ح(196) .
(7) القرطبي، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4 ص110. (1/14)
صفحة 15
ومما استدل به الإمام مالك في دعم ما ذهب إليه، ما جاء في أمره الله تبارك وتعالى في البدن بالنحر حيث قال عز من قائل: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } (1) 2) فإذا ذبح فقد ترك المأمور به فلا يحل، وأمر في البقر والغنم الذبح حيث قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } ، (2) 3) وقال تعالى: { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم } ، (3) 4) والذبح بمعنى المذبوح كالطحن بمعنى المطحون. وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ.
الرد:
رد عليه القطب (4) 5) من الإباضية بما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أنه نحر الإبل والبقر، وذبح الغنم. جاء عن جابر بن عبدالله أنه قال: "نحرنا مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-عام الحديبية البدنة عن سبع والبقرة عن سبع" (5) 6) غير أنه يحتمل أن يقَّدر؛ وذبحنا البقرة عن سبع.
الطلب الخامس: حكم قطع الودجين والمريء والحلقوم.
اختلف العلماء اختلافا واسعا في الحد الأدنى الذي يُكتفى منه قطع هذه العروق الأربعة.
القول الأول: أنه يكتفى بقطع الحلقوم والمريء فقط وليس واجب قطع الودجين ولكنه يستحب قطعهما، وعليه مذهب الشافعية، (6) 7) والحنابلة إلا أن الحنابلة يرون قطع الودجين أولى خروجا من مأزق الخلاف. (7) 8)
القول الثاني: أنه يجزي قطع ثلاثة من الأربعة بدون تعيين وهو قول الإمام أبي حنيفة، وبه كان يقول أبو يوسف أولاً ثم رجع إلى وجوب قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين.
__________
(1) سورة الكوثر، الآية: 2.
(2) سورة البقرة، الآية: 68.
(3) سورة الصافات، الآية: 107.
(4) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4ص430.
(5) أخرجه الإمام الربيع في مسنده،كتاب الحج، باب الهدي والجزاء و الفدية، ج1 ص175ح (430)، وأخرجه ابن حبان كما في الإحسان،كتاب الحج، باب الهدي، ج9 ص310 ح(4004).
(6) الكرهجي، زاد المحتاج، (مرجع سابق)، ج4 ص377 .
(7) ابن قدامة المقدسي، الكافي، (مرجع سابق)ج1ص479-480. (1/15)
صفحة 16
وعلل أبو حنيفة أن الأكثر تقوم مقام الكل في كثير من الأحكام وأي ثلاثة قطعها فقد قطع الأكثر منها ويحل بها المقصود وهو إنهار الدم المسفوح في إخراج الروح، وأما تعليل أبي يوسف هو أن المقصود من قطع الودجين هو إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر إذ كل واحد منهما مجرى الدم، أما الحلقوم بخلاف المريء فإنه مجرى النفس، والمريء مجرى العلف والماء فلابد من قطعهما. (1) 1)
القول الثالث: أنه لا يجزي إلا بقطع من كل واحد منها أو أكثره، وهو قول محمد بن الحسن ورواية عن أبي حنيفة، لأن كل فرد منها أصل بنفسه لانفصاله من غيره ولورود الأمر بفريه فيعتبر أكثر كل فرد منها. (2) 2)
القول الربع: أنه لا يجزي إلا بقطع الحلقوم والودجين وهو المشهور عند الإمام مالك، فقد سئل الإمام مالك أرأيت إن ذبح فقطع الحلقوم ولم يقطع الأوداج، أو فرى الأوداج ولم يقطع الحلقوم أيأكله؟ قال مالك لا يأكله إلا باجتماع منهما جميعا. (3) 3)
القول الخامس: أنه لا يجزي إلا بقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وهو قول أبي يوسف، (4) 4) وهو يتفق مع ما ورد في المصنف من كتب الإباضية. (5) 5)
__________
(1) محمود بن أحمد العيشي، البيانة في شرح الهداية، (دار الفكر، بيروت لبنان، ط/2، 1411هـ - 1990م)، ج10 ص661.
(2) المصدر السابق نفسه.
(3) القرطبي، بداية المجتهد، (مرجع سابق)، ج4 ص112.
(4) الكاساني، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4ص157.
(5) أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي، المصنف، (وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان(بدون طبعة)، 1404هـ-1984م)،ج9ص186. (1/16)
صفحة 17
القول السادس: أنه لا يجزي إلا بقطع الأربعة جميعا، وهو قول أكثر علماء الإباضية كما جاء منهم، والمشهور أنه لابد من قطع الأوداج والحلق والحلقوم، والمرد بالحلق المريء، (1) 6) ورواية عن مالك. (2) 7)
وبما أن مشروعية التذكية من أجل تطييب اللحم مع مراعاة راحة الحيوان المذكى؛ يتبين رجحان القول الذي يشترط في الذبحة قطع الحلقوم والمريء والودجين جميعاً، فإن ذلك أبلغ في إراحة المذبوح من شدة معاناة آلام الموت، وأكثر تطييا للحم بإنهار دمه من كلا ودجيه، وهي الكيفية التي انعقد الإجماع على إجزائها في الذبح، وذلك أحوط في العمل بما دلت عليه السنة من فري الأوداج؛ لصدق مفهوم الأوداج على هذه الأربع كلها. (3) 1)
المطلب السادس: بعض صور الذبح المختلف فيها.
1- الذبح من القفا.
هذه المسألة وقع فيها خلاف بين العلماء إن وصل الذابح إلى ما يجب قطعه في الذبح إن بدأ ذبحه من القفا إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز أكل ما ذبح من القفا أو من إحدى صفحتي العنق، لأنه قطع للنخاع قبل تمام الذكاة، قال بهذا المالكية، (4) 2) والإباضية (5) 3) سواء وقع ذلك عن طريق العمد أم الخطأ إلا إن كان بسبب انقلاب الآلات للقفا لتحرك المذبوح مع نية الذبح في المكان الشرعي لأن التذكية أمر تعبدي .
__________
(1) الشماخي، كتاب الإيضاح، (مكتبة مسقط، مسقط عمان، ط:5، 1425هـ - 2004م) ج4 ص511- 512، وأطفيش،شرح النيل،(مرجع سابق)ج4ص436.
(2) القرطبي، بداية المجتهد، مرجع سابق، ج4 ص112.
(3) راجع أحمد بن حمد الخليلي، الذبائح والطرق الشرعية في إزهاق الروح، بحث في مجلة الفقه الإسلامي العدد العاشر، ح1 ص170.
(4) الدسوقي، حاشية السوقي، (مرجع سابق)، ج2 ص156.
(5) محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع (وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، بدون ذكر الطبعة، 1408هـ - 1988م) ج27 ص14. (1/17)
صفحة 18
القول الثاني: أن الذبيحة تحل إن بقيت فيها حياة مستقرة قبل قطع الحلقوم والمريء، وهو قول الشافعية، (1) 4) والحنابلة (2) 5) حيث جاء منهم ذبح الذبيحة من قفاها فأتت السكين موضع ذبحها وفيها حياة مستقرة حلت الذبيحة؛ لأنها ماتت بالذبح .
القول الثالث: أن ما ذبح من قفاه مكروه إن بقيت فيه الحياة حتى وصل الذبح إلى أن تتوقف الذكية على قطعه وإلا حرم، ذهب إلى هذا الحنفية، (3) 1) وعللوا الكراهية بما في ذلك من زيادة الألم.
2- قطع جميع الرأس والنخاع.
وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه إن تعمد وتمادى الذابح في الذبح حتى قطع الرأس وفصله لم تؤكل، وإن لم يتعمد ذلك وإنما سبقت السكين أكلت، وهو قول اللخمي من المالكية، (4) 2) والإباضية، وبه أخذ الإمام الربيع بن حبيب كما عزاه صاحب شرح النيل. (5) 3)
القول الثاني: أنه تؤكل وإن تعمد؛ لحصول الذكاة المشروعة، وزيادة الألم المنهي عنه بعد ذلك لا يمنع الإجزاء، وهو قول ابن القاسم من المالكية. (6) 4)
القول الثالث: ذهب الحنفية (7) 5) إلى أنه يكره ذلك من غير تحريم، وتعليلهم أن في ذلك زيادة تعذيب للحيوان، وهو قول مذهب الشافعية (8) 6) فقد قالوا: إذا ذكيت الذبيحة ذكاة معتبرة وقطع رأسها في تمام الذبح فهي حلال، وفي الشاة المخنوعة أن هذا الفعل مكروه والذبيحة حلال.
__________
(1) الكرهجي، زاد المحتاج، (مرجع سابق)، ج4 ص378.
(2) ابن قادمة المقدسي، الكافي، (مرجع سابق)، ج1 ص480.
(3) عبد الغني الغنيمي الميداني، اللباب في شرح الكتاب، دار المعرفة، بيروت لبنان، ط:1، 1418هـ - 1998م)، ح2 ص200.
(4) القرافي، الذخيرة، (مرجع سابق)، ج3 ص421.
(5) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4 ص440.
(6) القرافي، الذخيرة، (مرجع سابق)، ج3 ص421.
(7) الكاساني، بدائع الصنائع، ج4.
(8) محيي الدين بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب، (دار الفكر بدون ذكر الطبعة)، ج9 ص91. (1/18)
صفحة 19
3- التراخي في الذبح:
يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي "لا أعلم خلافا بين أهل العلم في عدم جواز التراخي في الذبح من أجل الاستراحة، وذلك بأن يشرع الذابح في ذبح الحيوان ثم يتركه فترة من الزمن ثم يعود إليه بما في ذلك من إطالة تعذيبه وإنما اختلفوا فيما إذا رفع يده عن الذبيحة ثم عاد إليها سريعا، فالأكثرون على أنها تؤكل". (1) 1) ...
... وفي مذهب المالكية (2) 2) إن رفع يده قبل تمام الذبح ثم عاد ليكمل الذكاة لم تؤكل الذبيحة إن طال الرفع، سواء إن رفع يده اختياراً أو اضطراراً فإن أعاد السكين أو نحوه من آلة الذبح من قرب بعد الرفع أكلت الذبيحة سواء رفع يده اختياراً أو اضطراراً، والقرب والبعد يرجع إلى العرف، فالقرب مثل أن يسن السكين أو يطرحها ويأخذ أخرى من حزامه أو قربة، وهذا كله إن كان أنفذ بعض المقاتل بأن قطع بعض الودجين، أما إن لم يكن أنفذ ذلك بأن كان لو تركت الذبيحة لعاشت فإنها تؤكل مطلقاً رجع عن قرب أو بعد؛ لأنها ابتداء ذكاة مستقلة حينئذٍ، لكن إن عاد عن بعد فلا بد من النية والتسمية رفع اختياراً أو اضطراراً.
المبحث الثالث
العقر وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: تعريف العقر لغة:
من معاني العقر لغة نذكر ما يلي:
1- عَقَرَه: أي جرحه، فهو عَقِيرٌ وعَقْرَى مثل: جَرِيح وجَرْحَى وعقر الفرس والبعير بالسيف عَقْرَاً: قطع قوائمه؛ وفرس عَقِيرٌ مَعْقُورٌ، وخيل عَقْرى.
2- وعَقَرَ الناقة يَعْقِرُها ويَعْقُرُهَا عَقْرَاً وعَقَّرَهَا إذا فعل بها ذلك حتى تسقط فنحرها مستمكناً منها. (3)
__________
(1) راجع أحمد بن حمد الخليلي، الذبائح والطرق الشرعية في إزهاق الروح، بحث في مجلة الفقه الإسلامي العدد العاشر ج1 ص188.
(2) الدسوقي، شرح الدسوقي، (مرجع سابق) ج2 ص152.
(3) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، (مرجع سابق)، ج10 ص223- 225. (1/19)
صفحة 20
والمعنى الذي له ارتباط بموضوع هذا المبحث هو المعنى الأول، وذلك لأن العقر يكون بجرح الحيوان في أي موضع من جسمه في حالة تعذر الوصول إلى المذبح، وهو ما يشير إليه هذا المعنى.
المطلب الثاني: تعريف العقر اصطلاحاً.
فقد عرفه المالكية بأنه جرح مسلم مميز وحشياً غير مقدور عليه إلا بعسر، شرد أو تردى بحفرة، بمحدد أو حيوان علم كيفية الاصطياد من طير أو غيره كالكلب، فمات قبل إدراكه حياً. (1)
... ومن المعلوم أن هذا النوع من الذبح مشروع في الذكاة الاضطرارية فقط أي في حالة العجز عن الذكاة الاختيارية سواء كان المذبوح أصله متوحشاً أو إنسياً متوحشاً أو وقع في مكان يصعب الوصول إلى المذبح كما سنرى في أنواع العقر في المطلب القادم إن شاء الله.
المطلب الثالث: أنواع العقر.
... يتبين من المطلب السابق أن للعقر نوعين: النوع الأول عقر ما كان أصله وحشياً والنوع الثاني عقر ما كان أصله أهلياً، وتفصيل هذين النوعين كما يلي:
النوع الأول: عقر ما كان أصله وحشياً.
__________
(1) أحمد الصاوي، بلغة السالك بأقرب المناسك، (دار الفكر بدون ذكر الطبعة، دمشق، سوريا)، ج1 ص293- 294. (1/20)
صفحة 21
... والحيوان الوحشي كالظباء والوعول والبقر الوحشي والحمار الوحشي والطيور الوحشية، وحكم هذا النوع إن لم يقدر عليه بإمساكه وتذكيته كما تذكى الحيوانات الإنسية أنه حيثما أمكن من مقاتلته قصد تحليله مع ذكر اسم الله عليه عند الرمي يحل أكله بعد ذلك إذا أخرج قطعاً بعد موته ويدل على ذلك حديث رسول -الله صلى الله عليه وسلم- من رواية الشعبي عن عدي بن حاتم عندما قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركت وقد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله؛ وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب يوما ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكله" (1) 1)
...
النوع الثاني: عقر ما كان أصله أهليا.
... فلو ند إنسيٌ من الإبل والبقر والغنم وتعذرت السيطرة عليه بأي وسيلة، فإن العلماء اختلفوا في حكمه على قولين:
القول الأول: أنه يعامل معاملة الوحشي كالصيد، وهو قول الجمهور من الحنفية، (2) 2) والشافعية، (3) 3) والحنابلة. (4) 4)
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة، ج3 ص1408، ح(5484).
(2) الكاساني، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4 ص161.
(3) محيي الدين بن شرف النووي، روضة الطالبين وعمدة المتقين، (المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط:3، 1412هـ- 1991م )، ج3 ص240.
(4) ابن قامة المقدسي، الكافي، (مرجع سابق) ج1 ص281. (1/21)
صفحة 22
وحجة الجمهور حديث رافع بن خديج قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أصاب القوم غنماً وإبلاً، فند منها بعير فرمي بسهم فحبسه الله به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا" (1) 5) وسواء ند البعير أو البقر في الصحراء أو في المصر فذكاتها العقر لأنهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر عليهما.
القول الثاني: ذهب الإمام مالك وابن القاسم وابن حبيب (2) من مذهبه إلى أنه لا ينتقل عنه الحكم الأهلي ولا يكون الاصطياد تذكية له بل يجب أن يذكى بالذبح أو النحر، وهو قول الإباضية (3) كما يفهم من كلامهم أنه لا يؤكل إلا إن أدركه حياً فذكاه ففي مثل هذه الحالة تؤكل.
وأما فيما يتعلق بالذبيحة المتردية، فلو تردى الحيوان في بئر أو غيرها ولم يصل الذابح إلى حلقه أو لبته فطعنه في غير محل الذكاة ففيه قولان:
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش، ج3ص1414، ح(5509).
(2) القرافي، الذخيرة، (مرجع سابق)، ج3 ص420.
(3) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4 ص446. (1/22)
صفحة 23
القول الأول: أنه يباح لحمه عند الجمهور من الحنفية، (1) 3) والشافعية، (2) 4) والحنابلة، (3) 5) وابن حبيب من المالكية؛ (4) 6) لأنه كالصيد لكونه في معناه لتعذر الذكاة الاختيارية الذبح والنحر، وهو أحد قولي مذهب الإباضية (5) 7) حيث جاء في كلامهم أنه يجوز أكله إن لم يقدر على موضع الذبح والنحر عند الضرورة، واستدلوا بحديث : " ما بدا لكم، فاصنعوا هكذا " (6) 8) ومعنى هكذا الرمي .
القول الثاني: أنه يمنع التغذي بلحمه، وإليه ذهب الإمام مالك وابن القاسم، (7) وبه أخذ أكثر الإباضية (8) على أنه لا يحل أكله لأنه لم يدركه في موضع الذكاة وهو المنحر واللبة.
المبحث الرابع
ذكاة الجنين وهو في بطن أمه وفيه أربعة مطالب.
المطلب الأول: خروج الجنين من بطن أمه ميتاً قبل ذكاتها.
... يبدو أنه لا خلاف بين الفقهاء (9) من أنه لا يحل أكل هذا الجنين في هذه الحالة ويعتبر ميتة شأنه مثل أي حيوان مباح أكله مات دون إدراك ذكاته، أو مثل الذي ذبح على النصب أو ما أهل لغير الله؛ لأن الذكاة إنما شرعت من أجل إراقة الدم المسفوح المحرم والذي هو من الخبائث، فلا بد من فصله عن اللحم الطيب، ولا ينفصل الدم المسفوح عن اللحم إلا بالذكاة فينزل الدم ويبقى اللحم.
__________
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ( مرجع سابق )، ج 4 ص161 .
(2) النووي، روضة الطالبين، (مرجع سابق )، ج 3 ص 240.
(3) ابن قدامة المقدسي، الكافي، (مرجع سابق )، ج 1 ص 48.
(4) القرافي، الذخيرة، ( مرجع سابق )، ج3 ص 420.
(5) أطفيش، شرح النيل، ( مرجع سابق )، ج4 ص 446، والشماخي، كتاب الإيضاح، ( مرجع سابق )، ج4 ص517.
(6) تقدم تخريجه، ص27.
(7) القرافي، الذخيرة، ( مرجع سابق )، ج3 ص 420.
(8) 10) أطفيش، شرح النيل، ( مرجع سابق ) ج4 ص 446، والشماخي، كتاب الإيضاح، ( مرجع سابق )، ج4 ص517.
(9) انظر محمد أبو فارس، أحكام الذكاة الشرعية، (بدون دار نشر، ط/1، 1401هـ- 1980م)، ص38. (1/23)
صفحة 24
المطلب الثاني: خروج الجنين من بطن أمه ميتاً بعد ذكاتها.
... إذا ألقت الأم جنينها ميتاً بعد تذكيتها فللفقهاء ثلاثة أقوال:
القول الأول: يؤكل الجنين وتعتبر ذكاتها ذكاة له، ولا ينظر إلى عمره وتمام خلقه أو نقصه، سواء خرج ميتاً من بطن أمه بعد ذبحها أو وجد ميتاً في بطنها بعد ذكاة الأم أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح فهو حلال. ذهب إلى هذا المذهب الشافعية، (1) والحنابلة وروي هذا القول عن بعض الصحابة كعمر بن الخطاب – رضي الله عنه- وعلي بن أبي طالب – كرم الله وجهه-، وعن بعض التابعين كسعيد بن المسيب والنخعي وابن المنذر وإسحاق، (2) 3) ودليلهم الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري قال: سألنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن البقر، أو الناقة، والشاة ينحرها أحدنا فيجد في بطنها جنيناً أنأكله أو نلقيه؟ فقال: "كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه" (3) 1)
... كما استدبوا بدليل عقلي وهو أن الجنين متصل بأمه اتصال خلق يتغذى بغذائها فتكون ذكاته ذكاتها كأعضائها، ولإن الذكاة في الحيوان مختلف على حسب الإمكان والقدرة بدليل الصيد الممتنع والمقدور عليه والمتردية والجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه فيكون ذكاة لها. (4) 2)
__________
(1) عبد الوهاب الشعراني، كتاب الميزان، (عالم الكتب، بيروت، لبنان، ط:1، 1406هـ- 1998م)، ج3 ص19، والنووي، المجموع شرح المهذب، (مرجع سابق)، ج9 ص127.
(2) ابن قدامة، المغني، (مرجع سابق)، ج11 ص59.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين، ج13 ص252، ح(2827)، والترمذي في سننه، كتاب الصيد، باب ما جاء في ذاكة الجنين، ج4 ص72، ح(1476) وقال: حديث حسن.
(4) ابن قامة، المغني، (مرجع سابق)، ج11 ص59. (1/24)
صفحة 25
القول الثاني: يؤكل الجنين وتعتبر ذكاته من ذكاة أمه شريطة أن يكون قد كمل خلقه ونبت شعره، وهذا القول قال به المالكية" (1) 3) والإباضية، (2) 4) وصاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني. (3) 5)
... واحتج أصحاب هذا القول بما روي عن الزهري عن عبد الله بن أبي مالك أنه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفولون: "إذا أشعر الجنين، فذكاته ذكاة أمه"، (4) 6) وهذا الحديث مقيد لما ورد مطلقاً في الحديث الذي استدل به أصحاب الأقول الأول؛ لأن المطلق يحمل على المقيد.
__________
(1) القرطبي، بداية المجتهد، (مرجع سابق)، ج4 ص104، وبجيمي علي الخطيب للشيخ سليمان البجيرمي: محمد الشريبني الخطيب،(دار ا الفكر ، بيروت، لبنان ،ط/1 ، 1419 هـ - 1998م)، ج4ص386 .
(2) أطفيش، شرح النيل، (مرجع سابق)، ج4 ص462.
(3) محبوب أحمد السرخسي، كتاب المبسوط، (الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط:1، 1421هـ - 2001م) ج9 ص8.
(4) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب الصيد، ج3 ص109 ح2850، والإمام أحمد في مسنده ج4 ص378، ح (19398) (1/25)
صفحة 26
القول الثالث: لا يؤكل مطلقا سواء كان تام الخلقة أم ناقصها، نمبت شعره أم لم ينبت. ذهب إلى هذا القول الإمام أبو حنيفةو وزفر بن الهذيل، (1) 7) واستدل أبو حنيفة ومن تبعه بقوله تعالى: { وَالْمُنْخَنِقَةُ } (2) 8) فإن أحسن أحواله أن يكون حيا عند ذبح الأم فيموت باحتباس نفسه وهذا هو المنخنقة، وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: لعدي بن أبي حاتم – رضي الله عنه- "إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك" (3) 1) فقد حرم الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الحياة وذلك موجود في الجنين فإنه لا يدرى أنه مات بذبح الأم أو باحتباس نفسه.
... وجاء التعليل في سياق هذا الموضوع أن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين ومعنى هذا أن الجنين في حكم الحياة نفس على حد ذاته مودعة في الأم حتى ينفصل حيا ولا يتوهم بقاء الجزء حيا بعد الانفصال، وكذلك بعد موت الأم يتوهم انفصال الجنين حيا ولا يتوهم بقاء حياة الجزء بعد موت الأصل.
... ووجه أبو حنيفة معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كلوه" أي اذبحوه وكلوه.
المطلب الثالث: خروج الجنين من بطن أمه حياً قبل ذكاتها.
... إذا خرج الجنين من أمه حيا حياة مستقرة قبل ذكاتها، فلا يؤكل حتى يذكى ذكاة مستقلة، فإن لم يذك حتى مات فليس بذكي ولا يجوز أكله بأي حال على ما ذهب أصحاب هذا القول، قال الإمام أحمد: إن خرج حيا فلا بد من ذكاته لأنه نفس أخرى، وهذا القول متفق عليه بين الفقهاء. (4) 2)
المطلب الرابع: خروج الجنين من بطن أمه حياً بعد ذكاتها.
إذا خرج الجنين من بطن أمه بعد ذكاة الأم ففي ذلك تفصيل:
__________
(1) السرخسي، المبسوط، (مرجع سابق)، ج9 ص8-9.
(2) سورة المائدة الآية :3.
(3) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب الصيد، ج3 ص109، (ح2850)، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ج4 ص378، ح (19398)
(4) محمد أبو فارس، أحكام الذكاة الشرعية، (مرجع سابق)، ص39. (1/26)
صفحة 27
إذا أدرك ذكاته بعد خروج الجنين فذكاه المذكي قبل أن يموت فإنه يحل أكله، أما إن لم يذكه بأن تباطأ في ذبحه أو ظن أنه يعيش ثم مات فهو يعتبر ميتة حرام أكله. قال بهذا القول الإمام مالك (1) 2)في أحد قوليه والإمام أحمد. (2) 4)
المبحث الخامس
الطرق الحديثة في إزهاق الروح، وفيه أربعة مطالب.
المطلب الأول: طريقة التدويخ باستخدام المسدس.
... يتألف المسدس من كتلة معدنية تسمح بوضع متفجر ناري يدفع ساقاً تصادمية مرتدة تنتهي برأس إبرية، وتؤدي الطلقة إلى أن تقوم الساق بإحداث ثقب نافذ إلى دماغ الحيوان يؤدي إلى فقدان الوعي بشكل فوري نتيجة لتخريب من البنية الحية من الدماغ، كما يؤدي إلى زيادة عنيفة مفاجئة في الضغط. ويختلف مكان وضع المسدس باختلاف نوع الحيوان وعمره:
1. ففي الماشية يغرز الساق في وسط الجزء الجبهي، ويكون بوضع أخفض في العجول لأن القسم العلوي من الدماغ فيها قليل النمو.
2. وفي صغار المجترات يتم تصويب الطلقة في القسم العلوي من الرأس باتجاه زاوية الفك.
3. وذوات القرون من الخراف والماعز، يوضع المسدس مباشرة خلف الخط الواصل بين القرنين وتصوب الطلقة باتجاه الفم.
4. أما في الخيل فيتم إحداث الصدمة فوق نقطة تقاطع الخطوط الواصلة بين العين من طرف، والأذن بالطرف الآخر. (3)
وإزهاق روح الحيوان بهذه الطريقة لا شك أن الحيوان يكون من الميتة الموقوذة ولا تحل لمسلم، وكذا لو ذبح بعد أن فارقته الحياة.
وإن ذبح فورا بعد الضرب، ففي صحة الذبح شرعا شك من جهتين:
__________
(1) الحبيب بن طاهر، الفقه المالكي وأدلته، (مرجع سابق)، ج3 ص95.
(2) ابن قدامة المقدسي، الكافي، (مرجع سابق)، ج1 ص481.
(3) محمد الهواري، الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الروح، بحث في مجلة الفقه الإسلامي العدد العاشر، ج1 ص409- 410. (1/27)
صفحة 28
الأولى: أن هذا إنقاذ لمقاتل الحيوان، فالذبح بعدها لا يجزئ، لأنه قتل بسببين مبيح وحاظر، بل إن نسبة الزهوق إلى الضرب أولى من نسبتها إلى الذبح.
الثانية: أن هذه وحشية لا تقبل من مسلم يدين بشرع الإسلام الذي يقول نبيه - صلى الله عليه وسلم-:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (1) 1)
ولكونه قد ورد أنه – صلى الله عليه وسلم- نهى عن الذبح بالأسنان والأظفار، أي لئلا يشبه عمل الأمم المتوحشة، وهذا مثله بل أولى منه، فإنه يجب الامتناع من استعمال هاتين الطريقتين بالكلية في المسالخ، لأنها يجب أن تراعى المنهج المقبولة شرعا في الذبح من عامة المسلمين، كما يجب منعها من باب سد الذرائع. (2) 2)
المطلب الثاني: طريقة التدويخ بضرب الحيوان على الرأس بالمطرقة أو بالبلطة.
... طريقة بدائية قديمة تتبع لتدويخ الحيوانات الكبيرة كالماشية والخيول، وذلك بضرب العظم الجبهي للحيوان بمطرقة ضخمة تحدث ألما شديدا للحيوان وتفقده الوعي وينهار الحيوان مباشرة، ثم يتم ذبحه باليد وقد تخلت المجازر الحديثة عن هذه الطريقة البدائية، واستبدلت بها طريقة التدويخ بالمسدس الواقذ في حين لا يزال يلجأ بعض الأفراد في القرى أو في المزارع إلى التدويخ بالمطرقة، وذلك لاستهلاك اللحم محليا، وتحرم الذبيحة بهذه الطريقة كما حرمت ذبيحة الطريقة الأولى. (3) 3)
المطلب الثالث: طريقة التدويخ باستعمال الصدمة الكهربائية.
__________
(1) تقدم تخريجه،ص11.
(2) محمد سليمان الأشقر، الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الروح، بحث في مجلة الفقه الإسلامي العدد العاشر، ج1ص342.
(3) أحمد الخليلي، الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الروح، بحث في مجلة الفقه الإسلامي العدد العاشر، ج1 ص412. (1/28)
صفحة 29
... هذه طريقة أخرى حديثة تستخدم في إزهاق روح الحيوان، فإن عدم الدقة والإتقان في استخدامه يؤدي إلى نتيجة سلبية حتماً فعندما ينخفض التيار يشل الحيوان شللا تاما مع بقاء وعيه وتسمى هذه بالصدمة الضائعة، وعندما يزداد – التيار- يصاب الحيوان بالسكتة القلبية القاتلة وقد عدل عن استخدام هذه الطريقة في الطيور الدواجن منذ عام ألف وتسعمائة وسبعين بإمرارها في حمام مائي مكهرب يتجمع لها الغرق والصعق؛ على أن التدويخ الكهربائي في جميع أحواله يؤدي إلى إسراع التعفن في اللحم. (1) 1)
وحكم الذبيحة بهذه الطريقة أنه ينظر طبيعة هذه الطريقة وأثرها في الذبيحة، فإن كانت الصعقة قاتلة فالحيوان موقوذة, وإن كانت مفقدة للوعي دون أن تقتل, فإن أدرك الحيوان بعدها فذبح على الطريقة الشرعية حل، وإن لم يذبح ولكن بدئ بسلخه وتقطيعه دون ذبح، فإنه لا يكون حلالا، وإن كانت الصعقة ضعيفة لا تؤدي إلى فقدان الوعي في الحيوان ، فإن الآلام التي تصيب الحيوان بضربة التيار تكون مخيفة لا تحتمل، إلا أن يكون هناك طريقة فنية بتجنب الحيوان هذا الألم.
أما القول بجواز استعمال هذه الطريقة في مسالخ البلاد الإسلامية ينبني على تحقيق خمسة أمور:-
1- التحقق من أن هذه الطريقة ليست قاتلة، ولو لبعض الحيوانات.
2- التحقق من أنها لا تصحبها آلام للحيوان، وهو مستحيل لأن الصعق يسبب الآلام الشديدة التي لا تحتمل كما هو جرب.
3- التحقق من أن الصعق لا يحول تدفق الدم عن إجراء الذبح بعدها، ولا ينقصه عما يحصل إن ذبح الحيوان دون صعق، وهذا يصعب التحقق أيضا؛ لأن المصعوق بالكهرباء يجف دمه ويذهب ماء الجسم إثر الصعق.
4- التحقق من أن الذبح يحصل فورا بعد الصعق وبالحيوان حياة مستقرة.
__________
(1) انظر محمد سليمان الأشقر، الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الروح، بحث في مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد العاشرج1ص339. (1/29)
صفحة 30
5- التحقق من عدم تأثير هذه الطريقة بحصول فساد في اللحم أو نقصان لطيبه.
فإذا تحققت هذه الأمور الخمسة بما يفيد الطمأنينة، وينقطع به الشك، جاز استعمال هذه الطريقة، إذ لا يوجد محذور شرعي. (1) 2)
المطلب الرابع: طريقة التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون.
يتم هذه الطريقة بحبس الحيوان في بيئة هوائية تحتوي على (70%) من غاز ثاني أكسيد الكربون، ويبقى الحيوان محتفظا بوعيه خلال (20) ثانية ثم يحدث فقدان الوعي مباشرة، ويتبعه منعكسات حركية تستمر لمدة (10) ثوان. ولا يعتبر الخبراء ذلك نتيجة لمحولة الحيوان في الفرار؛ نظرا لأن هذه الطريقة تشاهد في الخطط الكهربائي الدماغي للحيوان بعد تخدير عميق تعقب المعكسات الحركية حالة ارتخاء عضلي حينما يصبح الحيوان في حالة تخدير عميق تستمر عادة من(2-3) دقائق، ولا يؤدي هذا إلى توقف القلب إلا في حالات نادرة.
هذا وإن زيادة نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء تؤدي إلى تسريع عملية التدويخ، وهو ما يرغبه المهنيون. (2) 1)
ومن أشهر عيوب هذه الطريقة أنها تؤدي إلى فساد اللحم ، كما تؤدي إلى اختناق الحيوان وموته لعدم التحكم في كمية الغاز. (3) 2)
وهذه الطريقة يجب منعها في المسلخ الإسلامية، لأمور:-
1- أن المنخنقة محرمة بنص القرآن.
2- ما في الخنق من التعذيب للحيوان تعذيبا قد يطول أو يقصر، والإسلام دين الرحمة والرفق بالإنسان والحيوان.
3- أن جميع دم الحيوان يبقى في جسده ولا يحرج منهمرا ولا يذهب منه قطرة، والدم محرم على المسلمين لخبثه.
__________
(1) المصدر السابق نفسه، ج1 ص412.
(2) انظر الأشقر، الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الروح، (مرجع سابق )، ج1ص412.
(3) انظر الخليلي ، الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الروح، (مرجع سابق)، ج1ص227. (1/30)
صفحة 31
4- أن اللحم المأخوذ من الحيوان المخنوق يسرع إليه الفساد والإنتان، لأن الميكروبات التي في الدم المحتقن تسرع في التكاثر، بخلاف ما إذا أفرغ منه، فإنه يطيب ويكون أشهى وألذ مذاقا. (1) 3)
المبحث الأول
شروط الذكاة، وفيه أربعة مطالب.
تمهيد:
... تكلمنا في الفصل الثاني عن أنواع الذكاة وكيفيتها، وهذه الأنواع والكيفية لا تتم بصورة صحيحة ومقبولة في معيار الشرع إلا إذا توفرت في المذكي والمذكى وطريقة التذكية شروط معينة وضعها الشارع. وينبغي بل يجب على المذكي أن يتقيد بتلك الشروط كي لا يكون سببا لإطعام الناس ما هو محرم. ومن المعلوم أن الذكاة عبادة أمرنا بها الله تعالى وهو أعلم منا بمصالحنا، والله تعالى لا يأمرنا إلا بما فيه خير ونفع لنا، ولا ينهانا عن شيء إلا ليدفع عنا شره ومضره وإن قصر وخفي إدراكنا عن ذلك.
وفي هذا الفصل نتناول شروط الذكاة وسننها ومكروهاتها، ونبدأ أولا بشروط المذكي، ثم سننها ثانيا، و ننتهي أخيرا بمكرهاتها على الترتيب المذكور:
المطلب الأول: شروط المذكي، وفيه ستة شروط.
الشرط الأول: أن يكون المذكي مسلما أوكتابيا ذكرا أو أنثى.
__________
(1) الأشقر، الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الروح، (مرجع سابق)، ج1ص343. (1/31)
صفحة 32
يشترط على المذكي أن يكون مسلما بالغا عاقلا أو كتابيا لقوله تعالى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ } (1) ، وقوله: { الْيَوْمَ أُحِلَّ } يعني الحلائل من الذبائح، وقوله: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } يعني اليهود والنصارى، وقوله: { حِلٌّ لَّكُمْ } يعني للمسلمين، وقوله: { وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ } أي وذبائح المسلمين حل لهم، وذلك أن المسلمين كانوا يتقون ذبائح أهل الكتاب ونساءهم فأحها الله تعالى لهم، (2) وهذا الشرط المذكور يستوي فيه أن يكون المذكي ذكرا أو امرأة، والدليل على جواز ذبيحة المرأة ما جاء عن معاذ بن سعيد قال: " إن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى ِبسَلَع(وهو جبل معروف بالمدينة)، فأصيبت شاة، فأدركتها بحجر(أي فكسرت حجرا فذبحتها به)، فسئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: لا بأس بها فكلوها". (3)
وقد أجمع على هذا الشرط جمهور المذاهب الإسلامية من المالكية، (4) والحنفية، (5) والشافعية، (6) والحنابلة، (7) وبه قال الإباضية. (8)
وفي سياق هذا الشرط الأول سوف أتحدث عن خمسة مسائل المتعلقة بحكم ذكاة أهل المعتقدات الأخرى كما يلي تفصيله:
المسألة الأولى: حكم ذكاة الكتابي الحربي ومن تنصر أو تهود من العرب.
__________
(1) سورة المائدة الآية: 5 .
(2) الشماخي، كتاب الإيضاح، ( مرجع سابق )، ج2 ص535 .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب ما أنهر الدم من القصب و المروة و الحديد، ج5ص2096،ح(5186) .
(4) القرطبي، بداية المجتهد، (مرجع سابق )، ج4 ص 124.
(5) ابن عابدين، رد المحتاج، (مرجع سابق )، ج9 ص 358.
(6) النووي، المجموع، ( مرجع سابق )، ج9 ص74 .
(7) ابن قدامة، المغني، (مرجع سابق )، ج11 ص46.
(8) الشماخي، كتاب الإيضاح، (مرجع سابق )، ج4 ص 532. (1/32)
صفحة 33
اختلف أهل العلم في حكم ذبيحة المحارب من أهل الكتاب على قولين:
القول الأول: أن ذبيحته حلال أكلها، قال بهذا الحنفية، (1) وهو أحد قولي الإباضية، (2) وبه أفتى الإمام أحمد بن حنبل (3) فقد سئل عن ذبائح نصارى أهل الحرب فقال: لا بأس بها.
والقول الثاني: أنه لا يجوز أكل ذبائح أهل الحرب من أهل الكتاب، قال به الإباضية في القول الثاني عندهم. (4) 0)
والقول الأول الذي يجيز أكل ذبائح الكتابي المحارب يشمل أيضا الكتابي العربي وغيره إلا أنه وقع خلاف بين العلماء في نصارى العرب من بهراء، (5) وتنوخ، (6) وتغلب (7) على قولين:
__________
(1) ابن الهمام، فتح القدير، (مرجع سابق )، ج9 ص 498.
(2) الشماخي، كتاب الإيضاح، (مرجع سابق)، ج4ص 536.
(3) ابن قدامة، المغني، ( مرجع سابق )، ج11 ص 47.
(4) 10) الشماخي، كتاب الإيضاح، (مرجع سابق)، ج4ص 536.
(5) بطن من قضاعة من القحطانية وهم : بنو بهراء بن عمرو بن الحافي بن قضاعة .كانت منازلهم شمالي بلي من الينبع إلى عقبة أيلة ثم جاورا بحر القلزم منهم خلق كثير وانتشروا ما بين بلاد الحبشة وصعيد مصر وكثروا هناك وغلبوا على بلاد النوبة .
(6) حي من اليمن وهم ثلاثة أبطن : نزار والأحلاف وفهم سموا بذلك لأنهم حلفوا على المقام بمكان الشام والتتنخ المقام
(7) بطن من قضاعة من القحطانية وهم : بنو تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن القضاعة . منهم بنو أسد بنو النمر وبنو كلب وكلهم بنو وبرة بن تغلب وكلهم قبائل ضخمة. (1/33)
صفحة 34
القول الأول: أن ذبائحهم حرام وهو ما اختاره الإمام الشافعي مستدلا بما روي عن علي بن أبي طالب– كرم الله وجه – أنه قال: "لا تأكلوا ذباح نصارى بني تغلب فإنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر" (1) وقرأ قوله تعالى: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ } ، (2) ولأنهم دخلوا النصرانية بعد التبديل ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدل منهم فصاروا كالمجوس، لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تحل ذبائحهم، وحقيقة الكتابي عند الشافعي أن يكون يهوديا، أو نصرانيا من العجم، أو ممن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل. (3)
القول الثاني: أن ذبائحهم حلال أكلها، وهو مذهب الجمهور من المالكية، (4) والحنفية، (5) الحنابلة، (6) والإباضية (7) 0) بشرط أن يقرأوا الإنجيل، ليكونوا على علم بأحكام الحلال والحرام، ويتقيدوا في ذكاتهم بما هو مشروع عنهم، ولا يشترط قراءته كله وإنما يكفي لذلك بعضه، وهو قول مروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – كما عزاه صاحب بداية المجتهد لعموم قوله تعالى: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ } ، (8) 1) ثم قرأ قوله عزوجل: { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } ، (9) 2)
__________
(1) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى بلفظ مختلف، كتاب الضحايا، باب ذبائح نصارى العرب، ج9ص478، ح(19169).
(2) سورة البقرة الآية: 78 .
(3) النووي، المجموع، (مرجع سابق)ج9ص74.
(4) القرطبي، بداية المجتهد، (مرجع سابق )، ج4 ص127 .
(5) ابن الهمام، فتح القدير، (مرجع سابق ) ج9 ص498 .
(6) ابن قدامة، المغني، (مرجع سابق )، ج11 ص47 .
(7) 10) الشماخي، كتاب الإيضاح، (مرجع سابق ) ج4 ص536، وأطفيش، شرح النيل، (مرجع سابق)، ج4ص496.
(8) 11) سورة المائدة الآية: 5 .
(9) 12) سورة المائدة الآية:51. (1/34)
صفحة 35
ورد الجمهور على الإمام الشافعي أن الآية الكريمة التي تلاها علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه- دليل على أنهم أي نصارى العرب من أهل الكتاب، لأنه قال تعالى: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِي } (1) أي من أهل الكتاب،وكلمة "من" في هذه الآية للتبعيض إلا أنهم يخالفون غيرهم من النصارى في بعض شرائعهم، وذلك يخرجهم عن كونهم نصارى كسائر النصارى. (2)
المسألة الثانية : حكم ذبيحة الذمي.
إذا تولى الذمي التذكية المباح أكلها لهم وسمى عليها، هل يجوز للمسلم أكلها أو يحرم عليه أكلها؟
القول الذي عليه الجمهور من الإباضية، (3) والمالكية، (4) والحنفية، (5) والشافعية، (6) والحنابلة (7) أنه يجوز للمسلم أن يأكل ذبيحة الذمي.
المسألة الثالثة: حكم ذكاة الصابئين.
بداية نريد أن نعرف من الصابؤون؟ ثم نعرف هل هم من أهل الكتاب أو ليسوا منهم؟
والجواب على السؤال الأول أن العلماء اختلفوا في تحديد تعريف الصابئين، فقد جاء في تفسير البيضاوي عدة تعريفات عنهم: (8)
1-أن الصابئين هم قوم بين النصارى والمجوس.
2- أن الصابئين من كان أصل دينهم دين نوح –عليه السلام-.
3- أن الصابئين هم عبدة الملائكة، وعبدة الكواكب.
__________
(1) سورة البقرة الآية :78.
(2) الكاسائي، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4ص125.
(3) الكندي، بيان الشرع، (مرجع سابق)، ج27 ص39-38.
(4) الخرشي على سيد خليل ،(مرجع سابق) ،ج3 ص7.
(5) الكاساني ، بدائع الصنائع ،(مرجع سابق) ،ج4 ص165.
(6) النووي ، المجموع ، (مرجع سابق) ، ج9 ص86.
(7) ابن قدامة ، المغني، (مرجع سابق) ، ج11 ص46.
(8) عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي، تفسير البيضاوي، (دار البيان العربي، ط/1،1421م)، ج1ص66. (1/35)
صفحة 36
وقد أورد مثل هذا ابن عاشور (1) في "التحرير والتنوير"، والشيخ أحمد الخليلي (2) في "جواهر التفسير"وأشارا بوجدهم في العراق.
وأما الجواب على السؤال الثاني قال ابن المنذر (3) إنهم ليسوا من أهل الكتاب؛ لأن الله تعالى عطفهم على اليهود والنصارى بالواو، في قوله تعلى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } (4) والعطف يقتضي المغايرة.
وهناك من العلماء من اعتبرهم من أهل الكتاب، يقول الأستاذ محمد الشيخ بلحاج :"وكذا الصابؤون الذين يأخذون نصيب من هذا ومن ذاك، كل أولئك يشملهم اسم أهل الكتاب"، وفي جواهر التفسير أن الصابئين قوم أخذوا ما طاب لهم من التوراة وما طاب لهم من الإنجيل وقالوا قد أصبنا دينا. (5)
بعد أن عرفنا من هم الصابؤون وما إذا كان من أهل الكتاب أو ليسوا منهم، الآن نريد أن نعرف ما حكم ذبائحهم، هل هي حلال أو حرام؟ في المسألة قولان:
القول الأول: أن ذبائحهم حرام لاعتبار أنهم ليسوا من أهل الكتب، قال بهذا المالكية، (6) وصاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد بن الحسن. (7)
__________
(1) محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، (مؤسسة التاريخ، بيروت لبنان، ط/14201هـ-2000م)، ج1ص516 وما يليها.
(2) أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير، (مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، (بدون طبعة)، 1409ه-1988م)، ج3ص408 وما بعدها.
(3) القرطبي، بداية المجتهد، (مرجع سابق)، ج4ص126.
(4) سورة البقرة الآية:62.
(5) محمد الشيخ بالحاج،قبسات من الهدي النبوي،(مرجع سابق)ص60، وأحمد الخليلي، جواهر التفسير، (مرجع سابق)ج3ص409.
(6) القرافي، الذخيرة، (مرجع سابق)،ج3ص409.
(7) الكاسائي، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4ص165. (1/36)
صفحة 37
القول الثاني: أنه يجوز أكل ذبائحهم، قال به أبو حنيفة، (1) وهو في هذا القول يتفق مع قول جابر ابن زيد فقد روي عنه أنه أحل تزويج نسائهم، فإذا كان يحل تزويج نسائهم حل أكل ذبائحهم، ولا بأس عندئذ ذبائحهم؛ لأنهم من أهل الكتاب. (2)
المسألة الرابعة : حكم ذكاة الوثني والمرتد.
في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أن ذبائح سائر المشركين من غير أهل الكتاب كالوثني، والمرتد فهي حرام، وقد أجمع على هذا القول جمهور أهل العلم من المالكية، (3) والحنفية ، (4) والشافعية، (5) والحنابلة، (6) وهو الذي عليه الإباضية، (7) لقوله تعالى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ } (8) وهؤلاء المذكورين ليسوا من أهل الكتاب.
وذكاة المرتد حرام عند الجمهور سواء كانت ردته من المسلمين إلى أهل الكتاب، فإنه لا تحل ذبيحته، ولا يقبل منه غير الإسلام، و إلا فالسيف، وليست له حرمة أهل الكتاب، أو كانت ردته من أهل الكتاب إلى المجوس، فلا تؤكل ذبيحته أيضا؛ لأنه براء من أهل الكتاب الذي به حلت ذبائحهم.
القول الثاني: ذكر ابن قدامة (9) رواية عن إسحاق والأوزاعي أن المرتد إن تدين بدين أهل الكتاب حلت ذبيحته بحجة أن من تولى قوما فهو منهم.
__________
(1) المصدر السابق نفسه.
(2) الشماخي، كتاب الإيضاح، (مرجع سابق)، ج4ص536.
(3) الخرشي ، (مرجع سابق )، ج3ص3، والزحيلي، الفقه المالكي الميسر، (مرجع سابق )، ج2 ص339.
(4) الغنيمي، اللباب، ( مرجع سابق )، ج2 ص 197.
(5) النووي، روضة الطالبين، ( مرجع سابق )، ج3 ص237.
(6) ابن قدامة، المغني، ( مرجع سابق)، ج11 ص47-49.
(7) الشماخي، كتاب الإيضاح، (مرجع سابق)، ج4ص537.
(8) سورة المائدة الآية :50.
(9) ابن قدامة، الغني، (مرجع سابق)، ج11ص49. (1/37)
صفحة 38
ورد عليهما: أن المرتد كافر لا يقرعلى دينه، فلم تحل ذبيحته كالوثني، ولا تثبت له أحكام أهل الكتاب، فإنه لا يقر بالجزية ولا يسترق ولا يحل له نكاح المرتدة .
وأما قول الإمام علي بن أبي طالب السابق لم يرد أنه منهم في جميع الأحكام بدليل ما ذكرنا ولأنه لم يكن يرى حل ذبائح نصارى تغلب ولا نكاح نسائهم مع توليهم للنصارى ودخولهم في دينهم لا يعتقد ذلك في المرتد. (1)
المسألة الخامسة : حكم ذكاة المجوسي.
اختلف أهل العلم في ذبيحة المجوس على قولين:
القول الأول: أن ذبيحته حرام، وقد أجمع على التحريم جمهور العلماء من المالكية، (2) والحنفية، (3) والشافعية، (4) والحنابلة. (5) وقد استند إجماعهم على الكتاب والسنة:
1- قوله تعالى { :الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ } (6) فإن مفهوم الخطاب يدل على تحريم طعام غير أهل الكتاب من الكفار، ولأنهم لا كتاب لهم، فلم تحل ذبائحهم كعبدة الأوثان والأصنام.
2- ولقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أخرجه البيهقي عن الحسن بن محمد ابن الحنفية : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم " (7) و بيان ذلك أن المجوسي لا يدعي التوحيد فانعدمت الملة اعتقادا ودعوى.
__________
(1) ابن قدامة، الغني، (مرجع سابق)، ج11ص49.
(2) الخرشي، (مرجع سابق )، ج3ص3، والزحيلي، الفقه المالكي الميسر، (مرجع سابق )، ج2 ص339.
(3) الغنيمي، اللباب، ( مرجع سابق )، ج2 ص 197.
(4) النووي، روضة الطالبين، ( مرجع سابق )، ج3 ص237.
(5) ابن قدامة، المغني، ( مرجع سابق)، ج11 ص47-49.
(6) سورة المائدة الآية :50.
(7) أخرجه أخرجه البيهقي في سننه الكبرى بلفظ مختلف، كتاب الذبائح والصيد، باب ما جاء في ذبيحة المجوس،ج9 ص478 ’ح(19171) ، قال صاحب نصب الراية، ج4ص182، الحديث غريب بهذا اللفظ. (1/38)
صفحة 39
القول الثاني: أن ذبيحته حلال، وإليه ذهب الإباضية وقالوا إن من دخل من المجوس في ملة أهل الكتاب فهو منهم وذبائحهم ونسائهم حلال للمسلمين وعزاه الشماخي إلى ابن عباس رضي الله عنهما وتلا الآية السابقة، (1) أي قوله { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ } .
الشرط الثاني: أن يكون الذابح مكلفا، وفيه ثلاثة مسائل.
قبل الخوض في تفصيل حكم ذكاة الصبي غير المميز، لا بأس أن أتكلم أولا عن حد التمييز.
فحد التمييز يتراوح ما بين سبع سنوات وعشر سنوات، فمن لم يبلغ سبع سنوات فهو غير مميز باتفاق، ومن بلغ عشر سنوات ولم يصل إلى خمس عشرة سنة فهو صبي مميز باتفاق، ومن بلغ سبع سنوات ولم يصل إلى عشر سنوات فهو عند البعض مميز، وعند البعض الآخر غير مميز. (2)
المسألة الأولى: حكم ذكاة الصبي غير المميز.
كلام العلماء في الكتب التي ألقيت النظرة إليها يدور حول ذكاة الصبي غير المميز، وهذا يعني أنهم يجيزون ذبيحة الصبي المميز.
وقد اختلفت المذاهب الأربعة(أهل السنة والجماعة) في ذكاة الصبي غير المميز إلى ثلاثة أقوال:-
القول الأول: أن ذبيحة الصبي غير المميز لا تصح لأنه لا قصد له، قال بهذا المالكية، (3) والحنابلة. (4)
__________
(1) الشماخي ،كتاب الإيضاح، (مرجع سابق)، ج4ص537.
(2) انظر الكندي، المصنف، (مرجع سابق )، ج2ص27، والنووي، المجموع، (مرجع سابق )،ج7ص337، وابن قدامة، المغني،(مرجع سابق )، ج7ص614 ، و الكاسائي، بدئع الصنائع، (مرجع سابق)، ج3ص495.
(3) الخرشي، (مرجع سابق )، ج3ص3، و الزحيلي، الفقه المالكي الميسر، (مرجع سابق )، ج2 ص340.
(4) البهوتي، كشاف القناع، (مرجع سابق)،ج9ص205. (1/39)
صفحة 40
القول الثاني: أن ذبيحته جائز أكلها إذا كان يعقل ويقدر على التسمية؛ لأن العقل والتسمية شرط في الذكاة ولا يتحقق كل إلا ممن يعقل، وبه أخذ الحنفية. (1)
القول الثالث: أن ذبيحته جائزة لكنه يكره؛ لأنه قد يخطأ المذبح غير أن له قصدا و إرادة في الجملة، وإليه ذهب الشافعية. (2)
واختلف الإباضية أيضا في حكم ذكاة الصبي إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن ذكاة الصبي جائزة إن أحسن الذبح و إن لم يختتن أو كان دون ثمان سنين وهو الأرجح عندهم، وسند هذا القول ما روي عن جابر بن عبدا لله الأنصاري أن غلاما من قومه صاد أرنبا فذبحها بمروة، فلم ير بذبحها بأسا، قال:"وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأكلها" (3)
القول الثاني: أن ذبيحته تجوز بشرط الاختتان.
القول الثالث: أن ذبيحته تجوز إذا كان ابن ثمان سنين مختونا لكن مع الكراهة، أي كره بعض ابن ثمان سنين ولو كان مختونا، ولم يكره من فوقه مختونا، وأفسدها ممن دون ثمان سنين. (4)
أصل خلافهم في ذكاة الصبي (5) :
السبب الذي نجم عنه اختلاف العلماء في حكم ذبيحة الصبي هو اختلافهم في صحة عبادة الطفل، هل هي معتبرة في الشرع أو لا؟ وذلك لأن الذكاة عبادة و الطفل غير مكلف بالعبادة.
وعليه ذهب المانعون إلى اعتبار الذكاة ضرب من العبادة، وهي لا تصح إلا من مأمور منهي.
__________
(1) الكاسائي، بدئع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4ص164.
(2) زكريا الأنصاري، فتح الوهاب، (مرجع سابق)، ج2ص164.
(3) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الذبائح، باب في الذبيحة بالمروة،ج4ص70، ح(1472)، أخرجه ابن حبان كما في الإحسان، كتاب الذبائح، باب ذكر الأخبار عن جواز أكل الذبيح بغير حديد،ج13ص204،ح(5887).
(4) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4ص488.
(5) الشماخي، كتاب الإيضاح، (مرجع سابق)، ج4ص533. (1/40)
صفحة 41
وذهب المجيزون إلى أن ذبيحته صحيحة لأن العبادة تصح من الأطفال كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم – للتي سألته عن حج صبي فقالت:"ألهذا حج؟ قال: نعم ولك الأجر". (1)
المسألة الثانية: حكم ذكاة الكتابي من أصل غير كتابي أو كتابي من أصل واحد.
لا خلاف بين العلماء أن الكتابي تؤكل ذكاته إذا كان أبواه كتابيين، أما إذا كانا غير كتابيين، أو كان أحدهما كتابيا والآخر غير كتابي، فقد اختلفت وجهات نظرهم فيه، وذلك على النحو التالي:
القول الأول: ذهب الشافعية، (2) والحنابلة، (3) إلى أنه لا تحل ذبيحته، وهذا في حالة كون الأب و الأم من أهل الكتاب، أما إذا كان الأب وحده كتابيا فعند هؤلاء قولان:
1- أن الذكاة تباح و تؤكل و بهذا قال المالكية، (4) وعلة ذلك أن الولد تابع في الدين لأبيه وهو الأصح عند الشافعية.
2- أن الذكاة لا تباح؛ وذلك لأنه وجد ما يقتضي الإباحة والتحريم فغلب ما يقتضي التحريم على مايقتضي الإباحة؛ لأن وجود ما يقتضي التحريم كونه ابن مجوسي، أو وثني يقتضي تحريم ذبيحته.
القول الثاني: ذهب أبو حنيفة (5) إلى إباحة ذبيحته مطلقا؛ لأن جعل الولد تبعا للكتابي منهما أولى، لأنه خيرهما بالنسبة فكان باتباعه إياه أولى.
المسألة الثالثة : حكم ذكاة المجنون والسكران.
لقد اختلف العلماء في حكم المجنون والسكران إذا حصل من أحدهما التذكية على ثلاثة أقول:
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه من طريق ابن عباس رضي الله عنهما، كتاب الحج، باب صحة حج الصبي و أجر من حج به، ج2ص974، ح(1336).
(2) النووي، المجموع، (مرجع سابق)، ج9ص75.
(3) ابن قدامة، الغني، (مرجع سابق)، ج11ص47.
(4) القرافي، الذخيرة، (مرجع سابق)، ج3ص410.
(5) الكاساني، بدائع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4ص165. (1/41)
صفحة 42
القول الأول: أنه لا يجوز أكل ما ذكاه المجنون، والسكران الذي قد زال عقله؛ لأن التذكية ضرب من العبادة، فلا تجوز إلا من مخاطب مأمور منهي، وإليه ذهب الإباضية، (1) والمالكية، (2) والحنابلة. (3)
القول الثاني: أنه تجوز ذبيحتهما مع الكراهة لأنه قد يصدر منهما الخطأ في الذبح الذي لا يؤثر في حكم الجواز شيئا لأن لهما القصد والإرادة في الجملة، وهو قول الشافعية. (4)
القول الثالث: أنه تجوز ذبيحة السكران بشرط العقل والقدرة على التسمية لأن العقل والتسمية شرط في الذكاة، قال بهذا الحنفية. (5) وهذا القول غريب؛ إذ كيف يكون سكرانا ثم يعقل وصفة السكر أنه يزيل العقل؟
الشرط الثالث: ألا يكون الذابح على حدث أكبر أو عريانا.
وهذا الشرط ينصب موضوعه على حكم ذكاة الحائض، والنفساء، والجنب، والعريان، وقد اختُلف في حكم ذكاتهم إلى ثلاثة أقوال :
القول الأول: أنه تجوز ذبيحتهم في حالة اضطرارهم إلى ذلك؛ وذلك لأن الصفات التي يتصفون بها من شروط الصلاة لا من شروط الذكاة وإن كانت هي عبادة أيضا لكن الشروط لصحة هاتين العبادتين تختلف. وعلى هذا القول يعني أنه لا يجوز لهؤلاء الذبح في حالة الاختيار وهو عند وجود من هو أفضل منهم، وهذا قول الإباضية، (6) والمالكية، (7) وظاهر من كلام الحنابلة. (8)
__________
(1) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4ص488.
(2) الخرشي ، (مرجع سابق )، ج3ص3، والزحيلي، الفقه المالكي الميسر، (مرجع سابق )، ج2 ص340.
(3) البهوتي، كشاف القناع، (مرجع سابق)، ج9ص205.
(4) زكريا الأنصاري، فتح الوهاب، (مرجع سابق)، ج2ص164.
(5) الكاساني، بدئع الصنائع، (مرجع سابق)، ج4ص164.
(6) الكندي ، بيان الشرع ،(مرجع سابق) ، ج27 ص24.
(7) الدسوقي،حاشية الدسوقي،(مرجع سابق)ج2ص161.
(8) محمد بن مفلح المقدسي، كتاب الفروع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط/1،1423هـ-2002م ،ج3 ص494. (1/42)
صفحة 43
القول الثاني: أنه لا تجوز ذبيحتهم وهو أحد قولي مذهب الإباضية (1) حسب ما أورده شارح النيل. ولعل من قال به نظر إلى أحوالهم و صفاتهم التي هم عليها وأن الذكاة عبادة تحتاج إلى طهارة وستر العورة.
القول الثالث: أنه يكره من هؤلاء الذبح، وهو أحد قولي الحنابلة. (2)
الشرط الرابع : ألا يكون للذابح به عاهة.
إذا كان شخص مبتلى بعاهة من العاهات كالعجم، والصم، والخرس، والعمى، هل يجوز له أن يذبح؟ وما حكم ذبيحته إذا ذبح؟
حصل خلاف بين العلماء في حكم ذبيحة هؤلاء والتفصل كما يلي:
ففي مذهب الإباضية، (3) نجد فيه عدة أقوال:
1. أن ذبيحة الأعجمي و الأخرس جائزة إن كانا موحدين وفهمت إشارتهما وكذا ذبيحة الأصم إن كان يتكلم.
2. أنه لا تجوز ذبيحة الأعجمي و الأعمى ولو وذكرا الله فيها.
3. أنه تكره ذبيحة الأعجمي والأخرس إذا لم تفهم إشارتهما.
ويرجح سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي جواز الذبيحة لأن الذابح مطالب بأن يذكر الله بقلبه كما يفعله في صلاته، وليست التذكية بأبلغ من الصلاة.
وفي مذهب المالكية (4) أن ذبيحة الأخرس جائزة، ووافقهم الشافعية (5) في ذلك إذا كانت إشارته مفهومة وأجازوا ذبيحة الأعمى أيضا لكن مع الكراهة.
__________
(1) أطفيش، شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4ص487-488.
(2) محمد بن مفلح المقدسي، كتاب الفروع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط/، 1423هـ-2002م،ج3 ص494.
(3) أطفيش،شرح كتاب النيل، (مرجع سابق)، ج4ص488، والكندي، بيان الشرع، (مرجع سابق)، ج27ص22-23، والخليلي، الفتاوى، (مرجع سابق) ،ج5ص230.
(4) السرخسي ،المبسوط، (مرجع سابق)، ج9ص7.
(5) النووي، روضة الطالبين، (مرجع سابق)، ج3ص238. (1/43)
صفحة 44
وفي مذهب الحنفية (1) أن ذبيحة الأخرس مباح أكلها سواء أكان مسلما أم كتابيا، وعللوا سبب جواز ذبيحته أن عذره أبين من عذر الناس، فإذا كان في حق الناس تقام ملته مقام تسميته ففي حق الأخرس الأولى.
الشرط الخامس: أن يكون الذابح مأذونا له في الذبح.
في هذه المسألة قولان:
القول الأول: ذهب الإباضية (2) إلى أن ذبيحة السارق لا تؤكل؛ لأن السارق ذبح مالا لغيره بغير إذنه، و التذكية مشروعة في الحلال وذلك حرام، فكأنهم يقولون: إذا اجتمع الحلال والحرام يغلب الأول على الثاني، وبالتالي تحرم ذبيحة السارق. وهذا في حالة لم يسمع رب الذكية السارق يذكر اسم الله عليها أو أعلمه بذلك ثقة، أما في حالة تحقق ذلك بأن سمعه يذكر اسم الله أو أعلمه بذلك ثقة، فقد اختلفوا في حكمه إلى قولين: قال قوم: تؤكل الذبيحة، وقال آخرون:لم يجز أكلها. هذا كله كان فيما يخص السارق.
أما ذبيحة الغاصب، فلم يختلف حكمه عن حكم السارق عندهم، فقالوا بتحريم ذبيحته أيضا؛ لأن الغاصب متعد وكل متعد لا تؤكل ذبيحته؛ لأن التذكية طاعة والاعتداء معصية، فلا تقوم طاعة بمعصية الله تعالى.
القول الثاني: ذهب الجمهور إلى جوازه كما عزاه النووي في المجموع (3) إلى الزهري ويحي بن سعيد الأنصاري وربيعة وهو قول الشافعية، والمالكية. (4) فهؤلاء قد أجازوا ذلك، ولم يروا بأسا في أكل ما ذبحه السارق أو الغاصب.
الشرط السادس: أن يكون الذابح مختونا.
تكلم العلماء عن ذكاة الأقلف وهو الذي لم يختتن من الرجال، وبعد فحص وتمحيص كلامهم نجد أنههم مختلفين إلى ثلاثة أقوال في هذه المسألة:
__________
(1) السرخسي ،المبسوط، (مرجع سابق)، ج9ص7.
(2) البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، (مرجع سابق)، ج3ص210.
(3) النووي، المجموع، (مرجع سابق)، ج9ص87.
(4) القرطبي، بداية المجتهد،(مرجع سابق)، ج4ص130. (1/44)
صفحة 45
القول الأول: لا تصح ذبيحة من بالغ أقلف عند الإباضية (1) إلا إن ولد على صورة المختون بناء على أنه لا يلزمه الختن، ومن ألزمه إجراء المدية على ذكره لم يجز ذبحه، أو من له عذر مطلقا كمرض وعدم وجود خاتن إن لم يطق ختن نفسه، وكعدم وجود آلة الختن، وذلك إن تاب أو اتصل المانع من حين لم يكلف إلى أن كلف ولم يجد ودان بالختن.
والمشهور عندالإباضية المغاربة جوازها في الأيام التي يعذر فيها: ومن قال: الختان سنة غير واجبة، أجاز ذبيحة الأقلف مطلقا.
أما ذبيحة القلفاء فصحيحة مطلقا وهي التي لم تختتن، ومن خصي و هو مقطوع الخصيتين أو مدقوقهما، ومن مجبوب و هو مقطوع الذكر، ومستأصل و هو مقطوع الذكر من أصله ولو بغير حديد، وقيل : لا تؤكل من خصي إن خصي بدق وكل من دق ذكره. (2)
القول الثاني: أنه تجوز ذبيحة الخصي و الأقلف لكن مع الكراهة. (3)
القول الثالث: أنه تجوز ذبيحة الأقلف مطلقا، ذهب إليه الحنفية، (4) والشافعية، (5) والإمام أحمد ابن حنبل، (6) وعلل الإمام أحمد سبب جوازه بأن الأقلف الذابح مسلم أشبه سائر المسلمين، فإذا كانت ذبيحة القاذف والزاني وشارب الخمر تباح مع تحقق فسقه وذبيحة النصراني وهو كافر أقلف، فذبيحة الأقلف المسلم من باب أولى.
المطلب الثاني: شروط الحيوان المذكى.
يشترط في الحيوان المذبوح شروطا لابد منها حتى تكون التذكية معتبرة شرعا نبينها فيما ياي:
__________
(1) أطفيش، شرح كتاب النيل، ( مرجع سابق )، ج4 ص 489.
(2) أطفيش، شرح كتاب النيل، ( مرجع سابق )، ج4 ص 489.
(3) الصاوي، بلغة السالك، ( مرجع سابق )، ج1 ص293.
(4) ابن الهمام، فتح القدير، ( مرجع سابق )، ج9 ص499 و ما بعدها.
(5) النووي، المجموع، (مرجع سابق)، ج9ص78.
(6) ابن قدامة، المغني، ( مرجع سابق )، ج4 ص46. (1/45)
صفحة 46
أولاً: ذهب الفقهاء إلى اشتراط أن يكون الحيوان المذبوح مباحا في الشريعة الإسلامية. وذلك لقوله تعالى: " { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ } . (1)
تتنوع الحيوانات المفتقرة إلى الذكاة من حيث سيلان الدم إلى نوعين: بري له نفس سائلة أو ليس له نفس سائلة.
فالبري الذي له نفس سائلة إن كان مباحا شرعا فلا بد من ذكاته إذا كان مقدورا عليه، وهذا قد مرت بنا في أنواع الذكاة كالنحر والذبح، وإذا كان غير مباح شرعا فقد اختلف العلماء إذا كانت الذكاة تعمل فيه أو تطهر أجزاءه بها على قولين:
القول الأول: ذهب أصحابه إلى أن الذكاة تعمل في جميع الحيوانات وتطهر بها أجزاءه ما خلا الخنزير، فإنه إذا ذكي صار ميتة لغلظ تحريمه، وإليه ذهب المالكية، (2) والحنفية على ظاهركلامهم. (3)
القول الثاني: ذهب أصحابه إلى تحريم ذبح الحيوان غير المأكول ولو لإراحته وبه أخذ الشافعية. (4)
وأما البري الذي ليس له نفس سائلة كالحشرات إذا احتيج إلى دواء أوغيره فذكاتها ذكاذ الجراد بقطع جناح أو رجل أو إلقاء بماء حار، وهذا ما قاله الجمهور منهم الإباضية، (5) والمالكية، (6) والحنابلة. (7)
__________
(1) سورة الأنعام الآية: 145.
(2) القرافي، الذخيرة، (مرجع سابق)، ج3ص412.
(3) ابن الهمام، فتح القدير، ( مرجع سابق )، ج9ص496.
(4) محمد بن أبي العباس، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج في فقه الإمام الشافعي، ( دارالفك، بيروت، لبنان الطبعة الأخيرة، 1404 هـ 1984م)،ج8ص117.
(5) السالمي،معارج الآمال،( مرجع سابق ) ج5ص114وما بعدها.
(6) الكلبي،القونين الفقهية، (مرجع سابق)ص179.
(7) ابن قدامة، المغني، (مرجع سابق)، ج11ص45. (1/46)
صفحة 47
ثانيا: كمال التذكية: وذلك بأن يقطع الذابح في الحيوان المذكى الحلقوم، والمريء، والودجين، مع مراعاة الخلاف الموجود في الحد الأدنى الذي يعتبر عند العلماء، وقد تقدم تفصيله. (1)
ثالثا: ذكاة الحيوان المشرف على الموت: لا بد أن يكون الحيوان المذكى معلوم الحياة أي أن تكون حياته مستقرة، وأما المريضة التي لم تشرف على الموت والتي أشرفت على الموت فقد انقسمت آراء أهل العلم إلى قولين:
1- أنها تذكى وتؤكل، وهذا الرأي قال به الجمهور منهم الإمام مالك، (2) والحنفية، (3) والشافعية، (4) والحنابلة، (5) والإباضية، (6) 0)وذلك إذا تحركت باليد، أو الرجل، أو طرف العين،أو الذنب بعد الذبح.
2- أن المذكى إذا وصل إلى حد يشرف على الموت وقرب منه، لا تصح ذكاته إلا بدليل على الحياة، قال به اللخمي من المالكية ورواية عن الإمام ملك (7) 1). أما إذا لم يتحرك من الذبيحة شيء بعد الذبح أكلت إن كانت صحيحة.
__________
(1) راجع حكم قطع والودجين، والمريء، والحلق ص20.
(2) القرافي، الذخيرة، ( مرجع سابق )، ج3 ص412.
(3) الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعماني، ( دار صادر،بيروت،لبنان، بدون طبعة، 1411هـ 1991م)،ج9ص305.
(4) محمد بن أبي العباس، نهاية المحتاج، ( مرجع سابق )، ج8 ص.117.
(5) البهوتي، كشاف القناع، ( مرجع سابق )، ج9 ص207 -208.
(6) 10) الكندي، بيان الشرع، ( مرجع سابق )، ج27ص93.
(7) 11) القرافي، الذخيرة، ( مرجع سابق )، ج3 ص412. (1/47)
صفحة 48
رابعا: ذكاة الخمسة المذكورة في قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } ، (1) 1) والمنخنقة: هي التي التف على عنقها حبل ونحوه فخنقها ،والموقوذة: هي المضروبة بنحو خشب أو حجر أو بشيء ثقيل حتى تموت من وقذته، و المتردية: هي التي تسقط من شيء مرتفع أو في بئر فماتت، والنطيحة: هي التي نطحها حيوان آخر برأسه، وما أكل السبع؛ أي افترسه السبع كالذئب ونحوه، (2) وقد اختلف العلماء في حكم هذه الخمسة إذا أدركت وفيها حياة مستقرة وذكيت إلى قولين:
القول الأول: أنها تحل وتؤكل قال بهذا الجمهور من الحنفية ، (3) والحنابلة ، (4) والأشهر من مذهب الشافعية (5) وهو قول مذهب الإباضية ، (6) وبه قال ابن القاسم من المالكية ورواية عن الإمام مالك إن يئس من حياتها ولم تنفذ مقاتلها أوشك في أمرها ذكيت وأكلت؛ (7) لأن قوله تعالى: { َ إِلاّ مَا ذَكَّيْتُمْ } نصب على استثناء عندهم، وهو راجع على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة، ولأن حق الاستثناء أن يكون مصروفا إلى ما تقدم من الكلام، ولا يجعل منقطعا إلا بدليل يجب التسليم له.
__________
(1) سورة المائدة الآية: 3.
(2) البيضاوي، تفسير البيضاوي، (مرجع سابق)، ج1ص254.
(3) اين عابدين، رد المحتاج، (مرجع سابق)، ج9ص374.
(4) البهوتي، كشاف القناع،( مرجع سابق )، ج9 ص206.
(5) النووي، المجموع،(مرجع سابق)، ج9ص91-92.
(6) الشقصي، منهج الطالبين، ( مرجع سابق )، ج6 ص516.
(7) محمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن،(بدون طبعة، ج6ص50-51، و الكلبي،القوانين الفقهية،(مرجع سابق) ص180. (1/48)
صفحة 49
القول الثاني: ذكر عن مالك وأصحابه أنها لا تؤكل إن أيس من حياتها لو تركت بلا ذكاة. (1)
المطلب الثالث: آلة الذبح.
ينبغي للإنسان أن يحرص على الرفق بالحيوان حسب وسعه في التذكية، فيختار له الآلة الأنسب التي تؤدي إلى الغرض مع تخفيف الألم عن المذكى بقدر المستطاع، وهذا ما يدل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم – من حديث شداد بن أوس- رضي الله عنه- "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (2)
وعلى هذا الأساس يكون اختيار آلة الذبح، وقد وسع الله تعالى لعباده المجال في ذلك ليختاروا بأنفسهم ما يرونه أنسب كما يدل عليه حديث رافع بن خديج الذي قال: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غداً، وليس معنا مدى فنذبح بالقصب؟ فقال– عليه الصلاة والسلام - : "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن و الظفر، وسأحدثكم عنه: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". (3)
__________
(1) محمد الأنصاري القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (بدون طبعة)، ج6ص50-51، والكلبي، القوانين الفقهية، (مرجع سابق) ص180
(2) تقدم تخريجه ص 11.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدا، ج3ص1412، ح(5498). (1/49)
صفحة 50
وفي هذا الحديث تصريح بجواز الذبح بكل محدد يقطع وينهر الدم إلا الظفر والسن وسائر العظام، وقد ذكر العلماء في كتبهم الآلات الجائزة التذكية بها كالسيف، والسكين، والقصب، والحجر، والذهب، والفضة، والخنجر، والخشب المحدد وغيرها مما في شاكلتها، غير أن المالكية كرهوا الذبح بغير الحديد من غير حاجة ورغم ذلك تجوز الذبيحة. (1)
واختلف أهل العلم في الذبح بالظفر، والسن، والعظم إلى قولين:
القول الأول: تجوز التذكية بالعظم ولا يجوز بها بالسن والظفر أيا كان حالهما منفصلين أو متصلين، وهو ما ذهب إليه المالكية، (2) والحنابلة، (3) وأحد القولين عند الشافعية (4) إن كان عظم المأكول وهو ضعيف، وأحد القولين عند الإباضية. (5)
__________
(1) انظر القرطبي، بداية المجتهد، ( مرجع سابق )، ج4ص115، وعلي بن محمد بن حبيب الماوردي، الحاوي الكبير في فقه الإمام الشافعي،(دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1،1414هـ - 1994م)، ج 15 ص27-28، والنووي، روضة الطالبين، (مرجع سابق)، ج3ص243، ومنصور بن يوسف البهوتي، الروض المربع بشرح زاد المتقنع في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل، (دارالكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/9، 1408هـ - 1988م )، ج2ص397، و عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني، التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم(ط/1، 1421هـ ـ2000)، ج3ص236.
(2) القرطبي، بداية المجتهد، (مرجع سابق)، ج4ص115.
(3) ابن قدامة، الغني، ( مرجع سابق )، ج4ص49-50.
(4) النووي ،روضة الطالبين، ( مرجع سابق )، ج3ص243.
(5) الثميني، التاج المنظوم، (مرجع سابق)، ج3ص236. (1/50)
صفحة 51
القول الثاني: ذهب الحنفية (1) إلى التفريق بين أن يكون السن والظفر منفصلين أو متصلين، فأجازوا مع الكراهة في التذكية بهما إذا كانا منزوعين ومنعوا ذلك إذا كانا قائمتين في صاحبهما، وذهب الجمهور أصحاب القول الأول إلى منع ذلك في كلتا الحالتين، أي سواء كان السن و العظم منفصلين أو متصلين.
أدلة الفريقين ومناقشها:
1- استدل الجمهور لدعم موقفهم بحديث رافع بن خديج الذي قال: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غداً، وليس معنا مدى فنذبح بالقصب؟ فقال – عليه الصلاة والسلام - : "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عنه: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". (2)
ووجه استدلالهم بهذا الحديث أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- استثنى الظفر والسن من الإباحة، والاستثناء من الإباحة يكون حظرا، وعلل –عليه الصلاة السلام- بكون الظفر مدى الحبشة وكون السن عظم وهذا خرج مخرج الإنكار. (3)
وقد رد الحنفية على الجمهور، فقالوا: إن سبب نهي- صلى الله عليه وسلم- عن الذبح بالظفر لأنه مدى الحبشة؛ لأنهم إنما يذبحون بالظفر القائم في موضعه غير المنزوع، والذبح به وبالسن غير المنزوع يثرد ولا يفرى فلذلك لم تصح الذكاة بهما، وأما إذا كانا منزوعين ففريا الأوداج فلا بأس الذبح بهما. (4)
__________
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ( مرجع سابق )، ج4ص158.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدا، ج3ص1412، ح(5498).
(3) الكاساني، بدائع الصنائع، ( مرجع سابق )، ج4ص158-159.
(4) أحمد الرازي الجصاص، أحكام القرآن للجصاص ، (دار الفكر،بدون طبعة )، ج2 ص436. (1/51)
صفحة 52
2- أما حجة الحنفية أن كل آلة حادة يجوز الذبح بها حديدا كانت أو غير حديد، وعمدة قولهم ما روي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أن يُذَكِّيَ بمروة أو بشقة العصا؟ فقال- عليه الصلاة والسلام -: " أنهر الدم بما شئت واذكراسم الله تعالى" ؛ (1) ولأنه يجوز بالحديد والجواز ليس لكونه من جنس الحديد، بل لوجود معنى الحديد بدليل أنه لا يجوز بالحديد الذي لا حد له. (2)
المطلب الرابع : شروط التذكية وفيها مسألتان .
المسألة الأولى : في اشتراط التسمية.
اتفق العلماء على مشروعية التسمية واختلفوا في كونها شرطا في حل الذبيحة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول : أن التسمية فرض على الإطلاق.
وأصحاب هذا القول كما عزاه القرطبي هم أهل الظاهر، وابن سيرين، وعبد الله بن عياش، وعبدالله بن عمر، ونافع، عبدالله بن يزيد، والشعبي، والثوري، (3) ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل، (4) وهو قول الإمام الربيع بن حبيب والذي عليه أكثر علماء الإباضية (5) .
واستدل هؤلاء بظاهر الأدلة التي تدل على عموم حرمة متروك التسمية فيشتمل ما تركت التسمية عمدا أو نسيانا من الكتاب والسنة .
1- أدلة من الكتاب.
أولا: قوله تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } . (6)
__________
(1) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى، كتاب الضحايا، باب الذكاة بما أنهر الدم وفرى الأوداج ،ج9ص472، ح(19145و19146).
(2) الكاسائي،بدائع الصنائع، ( مرجع سابق )،ج4ص158.
(3) القرطبي، بداية المجتهد، ( مرجع سابق )، ج4 ص 119.
(4) ابن قدامة،المغني، ( مرجع سابق )، ج 11 ص 57 .
(5) محمد بن عبدالله بن عبيدان، جواهر الآثار، ( وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،(بدون طبعة)، 1406 هـ ـ 1986م )، ج 15 ص 72
(6) سورة الأنعام الآية: 121. (1/52)
صفحة 53
ووجه الدلالة أن في الآية نهيا، ومطلق النهي للتحريم كما أن الشارع سمى أكل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا حيث قال عز وجل "وإنه لفسق"، ولا فسق إلا بارتكاب المحظور. (1)
الرد :
رد على أصحب هذا القول أن ظاهر الآية و إن كان يقتضي شمولها لمتروك التسمية نسيانا، إلا أن الشارع جعل الناسي ذاكرا لعذر من جهته رفعا للحرج لأن الإنسان كثير النسيان، ولو أريد بظاهر الآية لجرت المحاجة، والحرج مدفوع كما هو مقرر في الشريعة: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ، (2) فوجب حمل الآية على حالة العمد دفعا للتعارض، على أن الناسي ليس بتارك للتسمية بل هي في قلبه، وحينئذ يكون متروك التسمية سهوا ليس مما لم يذكر اسم الله عليه. (3)
كما نوقش هذا الاستدلال أيضا بأن النهي في الآية مخصوص بما إذا ذبح على النصب، يدل ذلك على وجوه:
1- قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ، (4) وهذا على وجه التحقيق والتأكيد لا يصح في حق أكل ما لم يذكر اسم الله عليه: عمدا، أو سهوا؛ إذ لا فسق بفعل ما هو محل الاجتهاد. وقد أجمع المسلمون (5) على عدم فسق أكل ذبيحة المسلم متروك التسمية .
2- قوله تعالى: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } وهذه المناظرة كما أشرنا في مشروعية التسمية إنما كانت في مسألة الميتة.
ثانيا: استدل أصحاب هذا القول أيضا بقوله تعالى: { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُون } َ ومعناه إنكم لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم الأوثان، فقد رضيتم بألوهيتها، وذلك يوجب الشرك.
__________
(1) القرطبي،بداية المجتهد، ( مرجع سابق )، ج4 ص 119.
(2) سورة الحج الآية: 78 .
(3) القرطبي، بداية المجتهد، ( مرجع سابق )، ج4 ص 119.
(4) سورة الأنعام الآية: 121.
(5) محيي الدين بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، (الدار الذهبية-بدون طبعة)، القاهرة-مصر)، ج8ص77. (1/53)
صفحة 54
2- أدلة من السنة :
1- واستدلوا بحديث مروي عن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول الله إنا نلقى العدو غدا وليست معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوا". (1)
وجه الاستدلال قالوا إن الرسول -عليه الصلاة والسلام -علق الإذن على أمرين: هما الإنهار، والتسمية، والمعلق على شيئين لا يكتفى فيه إلا باجتماعهما، و ينتفي بانتفاء أحدهما. (2)
2- عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال له: "أمرر الدم بما شئت، واذكر اسم الله عليه" (3)
3- عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي –صلى الله عليه وسلم – قال له: "ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك فذكرت اسم الله عليه فكل" (4)
ووجه الاستدلال بهذين الحديثين أنهما تنوطان على إباحة الأكل بذكر اسم الله عند الذبح أو الصيد، وهذا يعني أن الإباحة معلقة على حصول الشرط، وبانعدامه ينعدم الشرط فلا إباحة بدونه. (5)
الرد:
أجيب عن هذه الأحاديث أنها محمولة على الاستحباب لا على الوجوب. (6)
القول الثاني : أن التسمية فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان .
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح و الصيد، باب إذا ند بعير لقوم بعضهم بسهم، ج5ص2107، ح(5224)، و مسلم في صحيحه، كتاب الأضاحي، باب جوازالذبح بكل ما أنهر الدم، ج3ص1558، ج(1968).
(2) القرطبي، بداية المجتهد،( مرجع سابق )، ج4 ص119.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأضاحي ، باب في الذبيحة بالمروة ، ج3 ص102، ح(2824).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبئح والصيد، باب صيد القوس، ج3 ص ح( 5478).
(5) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، فتح الباري ، (دار الفكر، بيروت، لبنان، ط/3 ،1421هـ-2000م) ، ج9ص601.
(6) النووي، شرح المسلم ،(مرجع سابق)، ج8ص77. (1/54)
صفحة 55
ومن قال بهذا القول هم جمهور العلماء من الحنفية، (1) والمالكية، (2) والمشهور عند الحنابلة، (3) ونسب إلى الإمام أفلح، والإمام جابربن زيد من الإباضية. (4)
وأدلة أصحاب هذا الاتجاه ما ذكر عن عطاء عن ابن عباس فيمن نسي من المسلمين أن يذكر اسم الله على ذبيحته قال: هو حلال وقال ابن عباس : لا يضر نسيان الاسم في الملة كما لا ينفع ذكر الله في غير الملة، وقال فيمن لم يذكر اسم الله متعمدا: فهو حرام، والدليل على هذا القول قوله تعالى: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ، (5) والفسق لا يكون ممن ترك التسمية ناسيا؛ لأن الفسق هو الخروج عن الطاعة ومن لم يقصد المعصية فلا يعصي في فعله، يعني به على هذا القول، "وإنه لفسق" يعني أكلها فسق. (6)
الاعتراض:
واعترض أن قوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } ، سيق مساق التأكيد لهذا الحكم والتغليظ على من خالفه، والضمير راجع فيه إلى الأكل المفهوم من قوله: { وَلاَ تَأْكُلُواْ } ،مثله في ذلك قوله عز وجل: { اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } ، (7) فإن ضمير الفصل عائد إلى العدل المفهوم من قوله : { اعْدِلُواْ } ، ولا اعتراض على هذا بما قاله بعضهم من أن الضمير عائد إلى عدم الذكر المفهوم لأن الكلام سيق من أجل النهي عن الأكل، ومخالفة النهي الإلهي فسق. (8)
الرد:
__________
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ( مرجع سابق )، ج 4 ص 166.
(2) القرطبي، بداية المجتهد، ( مرجع سابق )، ج4 ص121.
(3) البهوتي، الروضة المربع، ( مرجع سابق )،ج2 ص 398.
(4) محمد بن عبدالله بن عبيدان،جواهر الآثار، ( مرجع سابق )،ج 15 ص 72 .
(5) سورة الأنعام الآية: 121.
(6) الشماخي، كتاب الإيضاح، ( مرجع سابق )، ج 4 ص 525.
(7) سورة المائدة :8
(8) الخليلي ، الفتاوى ، ( مرجع سابق ) ،ج5ص246. (1/55)
صفحة 56
ورد عليه بأن ذلك لا يتم إلا مع جعل الواو عاطفة مع أن حملها على العطف في الآية المعترَض عليها، لعدم اتحاد الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها، فالمعطوفة خبرية والمعطوف عليه إنشائية، ولا يجوز عطف الخبر على الإنشاء ولا العكس، وإذا تعذر العطف فلا تحمل الواو إلا على الحال، ومن شأن الحال أن تفيد تقييد الحكم التي تليه، وهذا يعني أن النهي مقيد بحال كون المنهي عن أكله فسقا، وهو ما أهل لغير الله تعالى كما تقدم.
ورد على هذا الرد بأن حمل الواو هنا على أنها حالية يقتضي أن ما يعطف على الجملة التي دخلت عليها له أيضا حكم الحال، فإن العطف يقتضي اشتراك الجمل المتعاطة في أحكامها. (1)
ومن أدلتهم أيضا: أن الناسي لم يترك التسمية بل ذكر اسم الله عز وجل والذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب، قال تعالى : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } ، (2) والناسي ذاكر بقلبه.
كما استدلوا أيضا بما ذكرنا سالفا من الردود والمناقشة بما استدل به أصحاب القول الأول. (3)
القول الثالث : أن التسمية سنة مؤكدة .
... ومن قال بهذا القول ودافع عنه على رأسهم الإمام الشافعي وأصحابه، (4) والحنابلة، (5) ورواية عن المالكية، ومن الصحابة عن أبي هريرة، ومن التابعين روي عن عطاء، وسعيد بن المسيب، وطاووس، والحسن وغيرهم، (6) واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة والقياس .
أولا : أدلة من الكتاب.
__________
(1) أحمد بن حمد الخليلي،الفتاوى-في الذبح،(مكتبة الأجيال،مسقط،سلطنة عمان،ط/1 1427هـ-2006م)ج5ص246-247.
(2) سورة الكهف الآية: 28.
(3) الكاسائي،بدائع الصنائع. ( مرجع سابق ) ج 4 ص 168.
(4) الكرهجي، زاد المحتاج، ( مرجع سابق )، ج 4 ص 380.
(5) ابن قدامة، المغني، ( مرجع سابق )، ج11 ص)57.
(6) القرطبي، بداية المجتهد، ( مرجع سابق )، ج 4ص174. (1/56)
صفحة 57
1. احتجوا بقوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } . (1)
وجه الدلالة: أن الله عز وجل أباح الذبيحة ولم يذكر التسمية، فلو كانت التسمية شرطا، لما تركها وأباح الذكية بدونها .
2. قوله تعالى: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } . (2)
وجه الاستدلال : أن الله سبحانه وتعالى أباح ذبائح أهل الكتاب وهم لا يسمون الله تعالى ذكاتهم غالبا فدل على أنها غير واجبة .
ثانيا : أدلة من السنة .
1- ما روي عن أم المؤمنين عائشة روضي الله عنها: إن قوما جاءوا إلى رسول لله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله إن قوما حديثو عهد بالجاهلية يأتونها بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لم يذكروا: فنأكل منها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سموا وكلوا". (3)
... ووجه الاستدلال: أن التسمية لو كانت من الشرائط في الحل لما أجاز النبي- عليه الصلاة والسلام- بالأكل مع وقوع الشك فيها. (4)
__________
(1) سورة المائدة الآية: 3.
(2) سورة المائدة الآية: 5.
(3) أخرجه البخاري في صحيحيه، كتاب البيوع، باب ما يتنزه من الشبهات، ج2ص727،ح(1952).
(4) القرطبي، بداية المجتهد، ( مرجع سابق )، ج 4ص117-118. (1/57)
صفحة 58
2- واستدلوا أيضا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث البراء بن عازب أنه قال: "المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم ". (1)
... وأما موقف أصحاب هذا القول من الأدلة التي تأمر أو تنهى عن أكل ما لم يذكرا اسم الله عليه قد جاوبوا وردوا عليها كما يلي :
1- قوله تعالى: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } . (2)
قالوا: إن الذي تقتضيه البلاغة أن قوله "وإنه لفسق" ليس معطوفا للتباين التام بين الجملتين إذ الأولى فعلية إنشائية والثانية اسمية خبرية ولا يجوز أن تكون جوابا لمكان الواو، فتعين أن تكون حالية، فتعين النهي بحل كون الذبح فسقا، والفسق في الذبيحة مفسر في كتاب الله بما أهل لغير الله، وروي عن ابن مسعود- رضي الله عنه-، وابن عباس -رضي الله عنهما-، وغيرهما من أن المراد بما لم يذكرا اسم الله عليه الميتة وذلك لما ذكر من سبب نزول هذه الآية وقد ذكرناه فيما سبق. (3)
3- ما روي عن ابن ثعلبة الخشني أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: " وما صدت بقوسك فاذكر اسم الله عليه ثم كل، وما صدت بكلبك المعلم، فاذكر اسم الله عليه ثم كل". (4)
__________
(1) جاء في نصب الراية للأحاديث الهداية مع حاشية النفيسة المتممة، "بغية الألمعي في تخريج الزيلعي" لأبي محمد عبدالله بن يوسف الحنفي الزيلعي ، (دار إحياء التراث العربي، بيروت ، لبنان، ط/2، 1407ه-1987م)، ج4ص181، الحديث بهذا اللفظ غريب، وفي معناه أخرجه البيهقي في الكبرى عن عكرمة عن ابن عباس، كتاب الصيد والذبئح، باب التسمية على الذبيحة، ج9ص401،ح18890)
(2) سورة الأنعام الآية: 121.
(3) الخليلي ، الفتاوى ، ( مرجع سابق ) ، ج5 ص247.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح و الصيد، باب ما أصاب المعراض بعرضه، ج5ص2087، ح(5161). (1/58)
صفحة 59
وأجابوا هذا الحديث بحمله على الندب ولا يختص سن التسمية بالذبح بل تسن عند إرسال السهم والجارحة إلى صيد ولو عند الإصابة بالسهم والعض من الجارحة.
ثالثا :أدلة من القياس.
1- إن التسمية لو كانت شرطا للعمل لما سقطت بعد النسيان، نظير هذا اشتراط الطهارة للصلاة، فإنها لما كانت شرطا لم تجز صلاة من نسي الطهارة. ولو سلم القول باشتراطها فالملة أقيمت مقامها، وفي إقامة الملة مقام التسمية لا فرق بين العمد والنسيان. (1)
2- لو كانت التسمية من شرائط الحل: لكانت مأموراً لها، ولا فرق في المأمورات بين العمد والنسيان كقطع الحلقوم والمريء في الذبح، وكالتكبير والقراءة في الصلاة . (2)
... وصيغة التسمية أن يقول الذابح عند حركة يده بالذبح، أوالنحر، أو العقر، أو عند إرسال رميه باسم الله والله أكبر وهو الذي عليه الجمهور من المالكية، (3) والحنابلة، (4) والحنفية، (5) وأكثر المغاربة من الإباضية، أما عند أكثر المشارقة منهم أن يقول: باسم الله ولا إله إلا الله والله أكبر (6) وعند الشافعية أن يقول باسم الله. (7)
__________
(1) الكرهجي، زاد المحتاج، ( مرجع سابق )، ج4 ص381، والقرطبي،بدائع الصنائع، ( مرجع سابق )، ج4 ص118 – 119.
(2) الصدر السابق نفسه.
(3) عبدالله بن أبي زيد عبدالرحمن القيرواني، متن الرسالة في فقه المالكي، (وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، ط/4،1422-2001م)ص99.
(4) ابن قدامة، المغني، ( مرجع سابق )، ج11 ص56 -57.
(5) ابن الهمام ، فتح القدير، ( مرجع سابق )، ج 2ص 197 – 198.
(6) الثميني، التاج المنظوم، ( مرجع سابق )، ج3 ص228.
(7) الكرهجي، زاد المحتاج، ( مرجع سابق )، ج4 ص381 – 382. (1/59)
صفحة 60
وبأي اسم ذكر الله أجزأه كأن يقول: ما شاء الله، أو بسم الله الرحمن الرحيم، أو يقول: الله فقط، أو يقول: سبحان الله، أو يقول الله أكبر فقط. وهذا ما ذكره المالكية، (1) والإباضية، (2) والحنفية. (3) فقد قال الحنفية: لو سبح، أو هلل أو كبر فأراد به التسمية على الذبيحة حلت، أما لو أراد الحمد على سبيل الشكر لا تحل، وقالوا أيضا إن أشرك في الذكر مع اسم الله غيره لم تحل الذبيحة كأن يقول باسم الله ومحمد صلى الله أو يقول باسم الله وفلان.
وقال الحنابلة إن صيغة التسمية لا يقوم مقامها غيرها كالتسبيح ونحوه لأن إطلاق التسمية إنما ينصرف إليها، وإن ذكر الله بغير العربية أجزأه وإن أحسن العربية لأن المقصود ذكر اسم الله وهو يحصل بجميع اللغات. (4)
المسألة الثانية : في اشتراط النية .
... لكي تكون الذبيحة مباحة في نظر الشرع لابد أن تتوفر وتتحقق شروط الذكاة التي قيدها الشرع، ومن تلك الشروط حضور نية الذكاة عند مريد التذكية وهي قصد الفعل لتحليل الذبيحة احترازا عن قصد القتل وإزهاق الروح.
__________
(1) الد سوقي، حاشية الدسوقي، ( مرجع سابق )، ج3 ص 168.
(2) محمد بن شامس البطاشي، (وزارة التراث القومي و الثقافة، بدون طبعة،140 5ه-1985م)ج3ص278.
(3) علاء الدين السمرقندي، تحفة الفقهاء، (دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، 1405ه-1984م)،ج3ص67.
(4) البهوتي، كشاف القناع، (مرجع سابق)، ج9ص209. (1/60)
صفحة 61
ولا خلاف على وجوب النية عند الجمهور من المالكية، (1) والشافعية، (2) والحنابلة، (3) والحنفية، (4) وهو ما اختاره الإباضية؛ (5) لأن التذكية عبادة وهي من القربات إلى الله عز وجل، والقربات لابد لها من نية، للحديث الصحيح الذي جاء عن ابن عباس عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "إنما الأعمال بالنيات" (6)
... ورغم إجماعهم على اشتراط النية في الذكاة، فقد اختلفوا إذا تركت النية على الذكية إلى قولين:
أولا: أنها توكل إن سمى عليها وإليه ذهب الحنفية، (7) والإباضية. (8) فقد جاء عنهم أنه لو طعن جملا برمح في منحر بلا نية ذكاة لم تبح الذبيحة ولو سمى عليها وقيل تؤكل إن أتى على وجه النحر.
ثانيا: أنها لا تؤكل ومن قال بهذا هم الشافعية، (9) وهو أحد القولين عند الإباضية. (10)
المبحث الثاني
مستحبات الذكاة ومكروهاتها.
يستحب لمتولي التذكية مايلي:
أولا: التسمية مع التكبير: وهو أن يقول الذابح عند تحريك يده أو عند إرسال رميه: باسم الله والله أكبر. وقد اختلف في حكم التسمية إلى ثلاثة أقوال كما تقدم. ومن ذهب إلى أنها سنة هم الشافعية. (11)
__________
(1) الدسوقي، حاشية الدسوقي، ( مرجع سابق )، ج 2 ص 168.
(2) زكريا الأنصاري، فتح الوهاب، ( مرجع سابق )، ج 2 ص 184.
(3) البهوتي، كشاف القناع، ( مرجع سابق )، ج 9 ص 204.
(4) ابن عابدين، رد المحتاج، (مرجع سابق)، ج9 ص 359 .
(5) أطفيش، شرح كتاب النيل، ( مرجع سابق )، ج 4 ص 477 ـ 478.
(6) أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده، باب في النية،ج1 ص23،ح(1)
(7) ابن عابدين، رد المحتاج، (مرجع سابق)، ج9 ص 359 .
(8) أطفيش، شرح كتاب النيل، ( مرجع سابق )، ج 4 ص 477 ـ 478.
(9) زكريا الأنصاري، فتح الوهاب، ( مرجع سابق )، ج 2 ص 184.
(10) أطفيش، شرح كتاب النيل، ( مرجع سابق )،ج 4 ص 477 ـ 478.
(11) إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، المهذب، (مرجع سابق)، ج1 ص252. (1/61)
صفحة 62
ثانيا : استقبال الذابح والذبيحة إلى القبلة: والمقصود من استقبال القبلة هو أن تضطجع الدابة على شقها الأيسر مستقبلا بها ورأسها للمشرق.
... وقد اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة إلى أربعة أقوال:
أولها: أن استقبال القبلة واجب وتفسد الذبيحة بتركه إلا إن تركه نسيانا أو لضرورة كخوف فواتها بموت أو غيره وكعدم القدرة على الاستقبال بها، وهذا أحد الأقوال عند الإباضية. (1)
ثانيها: أن استقبال القبلة مندوب إليه لأنه لابد لها من جهة فكانت القبلة أولى جهة، ولا يحرم ما ذبح لغير القبلة ولو بعمد إن لم يعتقد الذابح خلاف السنة، قال به الإباضية، (2) والشافعية، (3) والحنابلة (4)
ثالثها: أنه إن تعمد ترك القبلة حرمت الذكية أكلها، قال به الإمام مالك وابن حبيب من الملكية، (5) وقول عند الإباضية إن اعتقد ذلك. (6)
رابعها: أنه يكره الذبح لغير القبلة، فإن فعل أكلت الذبيحة عند اللخمي وابن القاسم من المالكية. (7)
__________
(1) أطفيش، شرح كتاب النيل، ( مرجع سابق )،ج 4 ص478.
(2) المصدر السابق نفسه.
(3) إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي، المهذب في فقه الإمام الشافي، (دار الفكر،بدون طبعة) ،ج 1 ص 252 .
(4) البهوتي، كشا القناع، ( مرجع سابق )، ج 9 ص 210.
(5) القرافي، الذخيرة، ( مرجع سابق )، ج 3 ص 419.
(6) أطفيش، شرح كتاب النيل، ( مرجع سابق )، ج 4 ص478 .
(7) القرافي، الذخيرة، ( مرجع سابق )، ج 3 ص 419. (1/62)
صفحة 63
ثالثا: إضجاع الذبيحة على شقها الأيسر برفق: وأن يرفق بها المذكي، فلا يضرب بها الأرض، ولا يجعل رجله على عنقها وأن يذبح بيده اليمنى. فقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام:" إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته " (1) وهذا قول الجمهور من المالكية، (2) والحنفية، (3) والشافعية، (4) والحنابلة، (5) والإباضية. (6)
رابعا: إحداد الشفرة لإراحة الذبيحة وإسراع الذبح وأن يتم كل ذلك بعيدا عن أنظار البهيمة، والدليل على إحداد الشفرة الحديث السابق.
أما مكروهات الذكاة فقد ذكرت منها: أنه يكره ترك ما ذكرناه من سنن الذكاة ومستحباتها، و أن يضجع الذابح ذبيحته ثم يحد شفرته بين يديها، وأن يجرها إلى المذبح؛ لأنه إلحاق ألم بها من غير حاجة في الذكاة، وأن يبدأ في سلخها ونقلها حتى تخرج روحها وتبرد؛ لأن فيه زيادة آلام في المذبوح من غير حاجة إليها.
__________
(1) تقدم تخريجه ص11.
(2) الكلبي، القوانين الفقهية (مرجع سابق)، ج1ص183، وهبة الزحيلي، الفقه المالكي الميسر، ( مرجع سابق )، ج 1 ص 345ـ346.
(3) الغنيمي، اللباب، ( مرجع سابق )، ج2 ص200 وما بعدها.
(4) الفيروز أبادي،المهذب، (مرجع سابق)، ج1 ص252.
(5) إبراهيم بن محمد ، المبدع شرح المقفع، (دار الكتب العلمية، لبنان، ط/1، 1418 ه ـ 1997 م ) ج 8 ص33.
(6) الثميني، التاج المنظوم، ( مرجع سابق)، ج 3 ص228. (1/63)
صفحة 64
وقد أجمع على هذا فقهاء المالكية، (1) والحنفية، (2) والشافعية، (3) والحنابلة، (4) 0)والإباضية. (5) 1)
خاتمة في نتائج البحث.
بعد هذه المسيرة الطويلة في ميدان العلم وما رأينا فيه من آراء الفقهاء بين أخذ وعطاء، واعتراض ورد، أختتم بإيجاز هذه الرحلة العلمية في هذه الورقة الأخيرة بأهم نتائج هذا البحث المتواضع كما يلي:
1.أن الذكاة عبادة تقوم على إشعار ربوبية الخالق ، وهي ثابتة ومشروعة بالكتاب والسنة.
2. لقد حرم الله تعالى على المسلمين أكل ميتة لحكمة قد ندركها أو نقصر من إدراكها ، منها:
أ) أن الميتة خبيثة لما فيها من الضرر ببقاء المواد الضارة والدم المسفوح في الجسم ، والله سبحانه وتعالى إنما يأمر بأكل الطيبات والميتة ليست منها.
ب) لقد أثبت الأطباء أن الدم مسرح لكثير من الميكروبات والجراثيم وهي ضارة لصحة الإنسان.
3. إن النحر مشروع في الحيوان ذي العنق الطويلة كالإبل والزرافة بالطعن في اللبة، وإن الذبح مشروع في الحيوان ذي العنق القصيرة كالغنم ويكون في الحلق، ويجوز الوجهان النحر والذبح في البقر.
4. يجوز النحر فيما شأنه الذبح، والذبح فيما شأنه النحر عند الجمهور ومنع ذلك الإمام مالك.
5. أن الذكاة المجمع على إجزائها هو قطع العروق الأربعة : الودجين، والمريء، والحلقوم من قبل مقدمة العنق، والخلاف بين أهل العلم فيما عدا ذلك.
__________
(1) . الدسوقي، حاشية الدسوقي، ( مرجع سابق )، ج 2 ص 170، و
(2) السرخسي، فتح القدير،( مرجع سابق )، ج 12 ص 6 ـ7.
(3) محمد بن أبي العباس،نهاية المحتاج،( مرجع سابق ) ج 8 ص 118 .
(4) 10) منصور بن يوسف البهوتي،الروضة المربع،( مرجع سابق ) ج 2 ص 398.
(5) 11) الشماخي،كتاب الإيضاح،( مرجع سابق)ج 4ص 521 – 522. (1/64)
صفحة 65
6. اختلف العلماء في بعض التجاوزات في الذبح كالذبح من القفا، وقطع جميع الرأس والنخاع، والتراخي فمنهم من تشدد في حكمها فحرم أكل الذبيحة، ومنهم من توسط فكره أكلها، ومنهم من تساهل فلم ير بأسا في أكلها.
7. إن العقر من أنواع الذكاة الاضطرارية مشروع في الحيوان غير المقدور عليه، سواء كان أصله وحشيا، أو كان إنسيا فتوحش، أو تردى في مكان يتعذر الوصول إلى المذبح. ويكون برمي ما ينهر الدم كالسهم ونحوه، فأي مكان أصابه فذلك ذكاته، وإن أدركه حيا ذكاه ذكاة المقدور عليه.
8. انقسمت أقوال العلماء في ذكاة الجنين بذكاة أمه إلى ثلاثة أقوال:
أ) أنه يؤكل الجنين ولا ينظر إلى عمره وتمام خلقه أو نقصانه، خرج ميتا أو وجد ميتا بعد ذكاة الأم.
ب) يؤكل الجنين شريطة تمام خلقه ونبات شعره.
ج) لا يؤكل الجنين مطلقا، سواء كان تام الخلقة أو ناقصها، نبت شعره أو لم ينبت.
9. أن الذبح بالطريقة الحديثة أو القديمة المخالفة لطريقة الذكاة الشرعية تعد قتلا للحيوان، فلا يحل بها أكله، مع الفارق البين بين الذكاة الشرعية وبينها من حيث إراحة الحيوان وطيب لحمه.
10. الذكاة جائزة من المسلم والكتابي والذمي، ذكرا كان أو أنثى.
11. تجوز ذكاة المحارب ومن تهود أو تنصر من العرب عند الجمهور، ورأى بعض الفقهاء غير ذلك كالإمام الشافعي.
12. أن ذكاة الصابئة مختلف فيها بين جواز ومنع.
13. أجمع الجمهور على حرمة ذكاة المجوسي والوثني والمرتد، وخالفهم الإباضية وغيرهم في جواز ذكاة المجوسي.
14. منع كثير من الفقهاء ذكية المجنون والسكران والصبي غير المميز، وخالف ذلك الأقل.
15. اختلف في ذكاة من أحد أبويه غير كتابي ممن تحل ذبيحته، فأجاز البعض وحرم البعض.
16. تجوز ذبيحة الحائض والنفساء والعريان ؛ لأن هذه الصفات التي هم بها من شروط الصلاة لا من شروط الذكاة.
17. تباح ذبيحة الأصم والأخرس والأعمى عند كثير من العلماء إن فهمت إشاراتهم، وذهب آخرون إلى خلاف ذلك. (1/65)
صفحة 66
18. ذهب الجمهور إلى جواز ذبيحة المتعدي كالسارق والغاصب ومنعها آخرون منهم الإباضية.
19. ذهب الجمهور إلى جواز ذبيحة الأقلف ولم ير البعض هذا المذهب.
20. من شروط الحيوان المذكى أن يكون مباحا أكله، وأن يتم الذبح فيه على كمال الوجه بقطع العروق الأربعة على خلاف العلماء في الحد الأقل الذي يكتفى منه، وأما الحيوان المشرف على الموت أو في الخمسة المذكورة في القرآن وهي: المنخنقة، الموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع تجوز ذبيحته إذا أدركت وفيها حياة مستقرة وذكيت، وهذا ما ذهب إليه الجمهور وخالف ذلك الأقل.
21. تجوز التذكية بكل ما أنهر الدم من الآلات المشروعة ، ووقع الخلاف في السن والظفر والعظم ، فمنع الجمهور التذكية بها ورأى غيرهم غير ذلك .
22. اتفق العلماء على اشتراط التسمية في الذكاة واختلفوا في حكمها إلى ثلاثة أقوال:
أ) أن التسمية فرض لا يعذر تركها بأي حال، وتحرم متروك التسمية عمدا أو سهوا وهو الذي عليه أهل الظاهرة، وأكثر الإباضية، ورواية عن الإمام أحمد، وبعض الصحابة والتابعين.
ب) أن التسمية فرض مع التذكر وهي ساقطة مع النسيان وتؤكل الذبيحة وهو قول الجمهور.
ج) أن التسمية سنة مؤكدة وتؤكل الذبيحة سوء تُركت عمدا أو نسيانا وهو قول الشافعية ومن تبعهم.
23. ذهب الجمهور إلى أن النية شرط لصحة الذبيحة واختلفوا إن تركت النية فيها، فحرمها البعض و أجازها البعض الآخر.
24. ذهب الجمهور إلى أن استقبال القبلة ليس شرط في حل الذبيحة ما لم يعتقد الذابح خلاف السنة أو كان تركها استخفافا .
25. ينبغي على الذابح أن يلتزم بسنن الذكاة ويجتنب عن مكروهاتها فإن الإحسان مطلوب حتى إلى الحيوان.
هذا فإن كنت قد أصبت فيما قلت فذلك فضل من الله ومنته عليّ، وإن كنت قد أخطأت فذلك تقصير مني وأسأل الله تعلى العافية؛ لأن الكمال لله وحده سبحانه وتعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. (1/66)
صفحة 67
قائمة المراجع.
1. إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي: المهذب في فقه الإمام الشافعي، دار الفكر، (بدون طبعة ).
2. إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن مفلح: المبدع شرح المقنع، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1418هـ ـ 1997م.
3. أبو الحسن البسيوي: جامع أبي الحسن البسيوي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ( بدون طبعة )، 1404هـ - 1984م.
4. أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط/ 2، 1419هـ، 1998م.
5. أبو زكريا الأنصاري: فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، بيروت، لبنان، (بدون طبعة).
6. أحمد الرازي الجصاص: أحكام القرآن الجصاص: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ( بدون طبعة ) .
7. أحمد الصاوي: بلغة السالك لأقرب المناسك، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ( بدون طبعة ).
8. أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن المشهور بالقرافي: الذخيرة في فروع المالكية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، 1422هـ - 2001م.
9. أحمد بن الحسين بن علي البيهقي: السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،(بدون طبعة)، 1994م.
10. أحمد بن حمد الخليلي: الفتاوى، (الأيمان، الكفارات، النذور، الذبائح، الأطعمة، التدخين)، مكتبة الأجيال، سلطنة عمان، ط/1، 1427هـ-2006م.
11. أحمد بن حمد الخليلي: جواهر التفسير انوار من بيان التنزيل، مكتبه الاستقامة، (بدون طبعه)، 1409هـ - 1988م.
12. أحمد بن حنبل الشيباني: مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر،(بدون طبعة).
13. أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي: المصنف، وزاره التراث القومي والثقافة، سلطنه عمان، (بدون طبعة)، 1404 هـ - 1984م.
14. أحمد بن قودر ( ابن الهمام ) : تكملة فتح القدير المسمى بنتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، 1415هـ - 1995م (1/67)
صفحة 68
15. أحمد بن محمد بن علي الفيومي: المصباح المنير، مكتبة لبنان، (بدون طبعة).
16. الحبيب بن طاهر: الفقه المالكي وأدلته، مؤسسة المعارف، بيروت، لبنان، ط/1، 1422هـ- 2001م
17. الخرشي على مختصر سيد خليلي وبها حاشية الشيخ العدواني، دار صادر، بيروت، لبنان، (بدون طبعة ).
18. خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الشقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، وزاره التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ( بدون طبعة ).
19. الربيع بن حبيب الأزدي: الجامع الصحيح ( مسند الإمام الربيع )، مكتبة مسقط، سلطنة عمان، ط/1، 1415هـ - 1994م.
20. الرسالة في فقه المالكي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، ط/ 4، 1422هـ- 2001م.
21. سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني: سنن أبي داود، دار الفكر،(بدون طبعة).
22. عامر بن علي الشماخي: الإيضاح، مكتبه مسقط، سلطنة عمان، ط/5، 1425هـ- 2004م.
23. عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم، ( بدون دار نشر )، ط/ 1، 1421 هـ - 2000م.
24. عبد الغني الغنيمي الميداني: اللباب في شرح الكتاب، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط/1، 1418هـ- 1998م.
25. عبد الله بن الشيخ حسن الحسن الكر هجي: زاد المحتاج بشرح المحتاج ، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، لبنان، ط/ 2، 1407هـ- 1987م.
26. عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري: صحيح البخاري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (بدون طبعة)، 1998م.
27. عبد الوهاب الشعراني: كتاب الميزان، عالم الكتب، بيروت، لبنان، ط/1، 1409هـ- 1998م.
28. عبدالله بن أحمد بن محمود بن قدامة: المغني ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (بدون طبعة).
29. عبدالله بن حميد السالمي: معارج الآمال في مدارج الكمال، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، (بدون طبعة)، 1404هـ - 1984م. (1/68)
صفحة 69
30. عبدالله بن عبد الرحيم العبادي: الذبائح في الشريعة الإسلامية، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، (بدون طبعة).
31. عبدالله بن عمر بن محمد البيضاوي: تفسير البيضاوي، دار البيان العربي، ط/1،1421هـ
32. عبدالله بن قدامة المقدسي: الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل عبدالله بن قدامة المقدسي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط/5، 1408هـ ـ 1988م.
33. عبدالله بن يوسف الحنفي الزيلعي: نصب الراية لأحاديث الهداية، بيروت، لبنان،ط/2، 1407هـ ـ 1987م.
34. علاء الدين السمرقندي: تحفه الفقهاء، دار الكتب العلمية، ط/1، 1405هـ - 1984م.
35. علي بن بلبان الفارسي: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، دار مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط/2، 1993م.
36. علي بن عمر الدار قطني: سنن الدار قطني، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (بدون طبعة)، 1386هـ-1966م
37. علي بن محمد بن حبيب الماوردي: الحاوي الكبير في فقه الإمام الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، 1414هـ - 1994م.
38. .....الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، دار صادر، بيروت، لبنان، ( بدون طبعه )،1411هـ- 1990م.
39. مالك بن أنس الأصبحي: الموطأ ، دار النجار، بيروت، لبنان، ط/1، 1986م.
40. مجلة مجمع الفقه الإسلامي – العدد العاشر.
41. محبوب بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي: المبسوط، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، 1421هـ- 2001م
42. محمد أبو فارس: أحكام الذكاة الشرعية، ( بدون دار نشر )، ط/1، 1401هـ ـ1980م.
43. محمد الأنصاري القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ( بدون دار نشر ولا طبعة ).
44. محمد الشريبني الخطيب: بجيمي علي الخطيب للشيخ سليمان البجيرمي، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط/1، 1419هـ - 1998م.
45. محمد الشيخ بالحاج (ابن الشيخ): قبسات من الهدي النبوي في أحدث المعاملات، المطبعة العربية 11، نهج طالبي أحمد غرداية، (بدون طبعة) (1/69)
صفحة 70
46. محمد الطاهر ابن عاشور: تفسير التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور، مؤسسة التاريخ، بيروت، لبنان، ط/ 1، 1420هـ - 2000م.
47. محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي: رد المختار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن العابدين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط/ 1، 1419هـ- 1998م.
48. محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، وزاره التراث القومي والثقافة، سلطنه عمان، ( بدون طبعة )، 1408 هـ - 1988م.
49. محمد بن أبي العباس: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج في الفقه على الإمام الشافعي، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأخيرة، 1404هـ - 1984م.
50. محمد بن أحمد بن محمد بن خزي الكلبي: القوانين الفقهية، دار الكتاب العربي، ط/2، 1409هـ - 1989م.
51. محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي الأندلسي: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ( بدون طبعة )، 1416هـ - 1996م.
52. محمد بن شامس البطاشي: غاية المأمول على علم الأصول والفروع، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ( بدون طبعة)، 1405هـ- 1985م.
53. محمد بن عبدالله بن عبيدان: جواهر الآثار، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، (بدون طبعه )،1406هـ- 198م.
54. محمد بن عيسى بن سورة: سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، (بدون طبعة)
55. محمد بن مفلح المقدسي: الفروع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط/1 1423هـ ـ 2002م.
56. محمد بن مكرم بن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، ط/1، 2000م.
57. محمد بن يوسف أطفيش: شرح النيل والشفاء العليل، مكتبة الإرشاد، جدة، دار الفتح، بيروت، لبنان، دار التراث العربي، ليبيا، ط/ 2، 1392هـ - 1972م.
58. محمد عرفة الدسوقي: حاشية الدسوقي على شرح الكبير، (بدون دار نشر ولا طبعة ). (1/70)
صفحة 71
59. محمود بن احمد العيسني: البيان في شرح الهداية، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط/ 2، 1411هـ - 1990م.
60. محيي الدين بن شرف النووي: المجموع شرح المهذب، دار الفكر، (بدون طبعة).
61. محيي الدين بن شرف النووي: روضة الطالبين وعمدة المفتين، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط/ 3، 1412هـ- 1991م.
62. مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري: صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، (بدون طبعة).
63. منصور بن يونس البهوتي: الروض المربع في بشرح الزاد المتقنع في فقه إمام السنة أحمد ابن حنبل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/9، 1408هـ -1988م.
64. منصور بن يونس بن إدريس البهوتي: كشاف القناع عن متن الإقناع، مؤسسة الرسالة، ط/1، 1424هـ ـ 2003م.
65. وهبة الزحيلي: التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، و دار الفكر، دمشق، سوريا، ط/1، 1411هـ ـ 1991م.
66. وهبة الزحيلي: الفقه المالكي الميسر، دار الكلم الطيب، دمشق، سوريا، ط/1، 1420هـ - 2000م.
قائمة المحتويات
م ... الموضوع. ... الصفحة
1 ... ملخص عام للبحث.......................................................... ... ... 1
2 ... شكر وتقدير................................................................ ... ... 2
3 ... مقدمة البحث................................................................ ... 3-6
4 ... الفصل?الأول??تعريف?الذكاة?ومشروعيتها،?وفيه?مبحثان? ...
5 ... المبحث?الأول??تعريف?الذكاة?وفيه?مطلبان??................................... ... ... 8
6 ... المطلب?الأول??تعريف?الذكاة?لغة?????????????????????????????????????????????? ... ... 8
7 ... المطلب?الثاني???تعريف?الذكاة?اصطلاحا???????????????????????????????????????? ... ... 9
8 ... المبحث?الثاني??مشروعية?الذكاة?وحكمتها،?وفيه?مطلبان??....................... ... ... 11 (1/71)
صفحة 72
9 ... المطلب?الأول??مشروعية?الذكاة?.............................................. ... ... 11
10 ... المطلب?الثاني??حكمة?مشروعية?الذكاة????????????????????????????????????????? ... ... 12
11 ... الفصل?الثاني??أنواع?الذكاة?وكيفية?الذكاة?في?كل?نوع،?وفيه?خمسة?مباحث??
12 ... المبحث?الأول??النحر،?وفيه?ثلاثة?مطالب???????????????????????????????????????? ... 14
13 ... المطلب?الأول??تعريف?النحر?لغة?.................................. ... ? ... ... 14
14 ... المطلب?الثاني??تعريف?النحر?اصطلاحا.......................................... ... ... 15
15 ... المطلب?الثالث??الحيوانات?التي?شرع?فيها?النحر?وكيفيته?فيها?.................... ... ... 15-16
16 ... المبحث?الثاني??الذبح،?وفيه?ستة?مطالب???????????????????????????????????????? ... 18
17 ... المطلب?الأول??تعريف?الذبح?لغة?.............................................. ... ... 18
18 ... المطلب الثاني??تعريف?الذبح اصطلاحا.......................................... ... ... 18
19 ... المطلب?الثالث??الحيوانات?التي?شرع?فيها?النحر?وكيفيته?????????????????????????? ... ... 18-19
م ... الموضوع. ... الصفحة
20 ... المطلب?الرابع??حكم?نحر?ما?حقه?الذبح?وذبح?ما?حقه?النحر?????????????????????? ... 19-20
21 ... المطلب?الخامس??حكم?قطع?الودجين،?والمريء،?والحلق??????????????????????????? ... 20-22
22 ... المطلب?السادس??بعض?صور?الذبح?المختلف?فيها???????????????????????????????? ... ... 22
23 ... 1-الذبح من القفا............................................................ ... ... 22-23
24 ... 2-قطع جميع الرأس والنخاع.................................................. ... ... 23
25 ... 3-التراخي في الذبح......................................................... ... ... 23-24
26 ... المبحث?الثالث??العقر،?وفيه?ثلاثة?مطالبان??.................................... ... ... 26 (1/72)
صفحة 73
27 ... المطلب?الأول??تعريف?العقر?لغة?.............................................. ... ... 26
28 ... المطلب?الثاني??تعريف?العقر?اصطلاحا?......................................... ... ... 26
29 ... المطلب?الثالث??أنواع?العقر???????????????????????????????????????????????????? ... ... 26
30 ... 1-عقر ما كان أصله وحشيا.................................................. ... ... 27
31 ... 2-عقر ما كان أصله أهليا.................................................... ... ... 27-28
32 ... المبحث?الرابع??ذكاة?الجنين?وهو?في?بطن?أمه،?وفيه?أربعة?مطالب??............... ... ... 30
33 ... المطلب?الأول??خروج?الجنين?من?بطن?أمه?ميتا?قبل?ذكاتها?....................... ... ... 30
34 ... المطلب?الثاني??خروج?الجنين?من?بطن?أمه?ميتا?بعد?ذكاتها?....................... ... ... 30-32
35 ... المطلب?الثالث??خروج?الجنين?من?بطن?أمه?حيا?قبل?ذكاتها?...................... ... ... 32
36 ... المطلب?الرابع??خروج?الجنين?من?بطن?أمه?حيا?بعد?ذكاتها?....................... ... ... 32
37 ... المبحث?الخامس??الطرق?الحديثة?في?إزهاق?الروح،?وفيه?أربعة?مطالب?????????????? ... ... 34
38 ... المطلب?الأول??طريقة?التدويخ?باستخدام?المسدس?.......................... ... ... 34-35
39 ... المطلب?الثاني??طريقة?التدويخ?بضرب?الحيوان?على?الرأس?بالمطرقة?أو?بالبلطة?...... ... ... 35
40 ... المطلب?الثالث??طريقة?التدويخ?باستعمال?الصدمة الكهربائية?????????????????????? ... ... 35-36
م ... الموضوع. ... الصفحة
41 ... المطلب الرابع: طريقة التدويخ بغاز ثاني أكسيد الكربون......................... ... 37
42 ... الفصل?الثلث??شروط?الذكاة?ومستحباتها،?ومكروهاتها،?وفيه?أربعة?مبحثان?? ...
43 ... المبحث?الأول??شروط?الذكاة،?وفيه?أربعة?مطالب??............................ ... ... 39
44 ... المطلب الأول??شروطالمذكي، وفيه ستة شروط.???????????????????????????????? ... ... 39 (1/73)
صفحة 74
45 ... الشرط الأول:أن يكون الذكي مسلما أو كتابيا، ذكرا أو أنثى، وفيه خمسة مسائل: ... ... 39-40
46 ... المسألة الأولى: حكم ذكاة الحربي ومن تنصر أو تهود من العرب.................. ... ... 40-42
47 ... المسألة الثانية: حكم ذكاة الذمي............................................... ... ... 42
48 ... المسألة الثالثة: حكم ذكاة الصابئين............................................. ... ... 42-43
49 ... المسألة الرابعة: حكم ذكاة الوثني والمرتد........................................ ... ... 44
50 ... المسألة الخامسة: حكم ذكاة المجوسي........................................... ... ... 45
51 ... الشرط الثاني: أن يكون المذكي مكلفا، وفيه ثلاث مسائل....................... ... ... 45-46
52 ... المسألة الأولى: حكم ذكاة الصبي غير المميز..................................... ... ... 46-47
53 ... المسألة الثانية: حكم ذكاة الكتابي من أصل غير كتابي أو كتابي من أصل واحد.... ... ... 47-48
54 ... المسألة الثالثة: حكم ذكاة المجنون والسكران.................................... ... ... 48
55 ... الشرط الثالث: ألا يكون الذابح على حدث أكبر أو يكون عاريا................. ... ... 48-49
56 ... الشرط الرابع: ألا يكون لذابح به عاهة........................................ ... ... 49-50
57 ... الشرط الخامس: أن يكون الذابح مأذونا له في الذبح............................. ... ... 50-51
58 ... الشرط السادس: أن يكون الذابح مختونا........................................ ... ... 51-52
59 ... المطلب?الثاني??شروط?الحيوان?المذكى??????????????????????????????????????????? ... ... 52-54
60 ... المطلب?الثالث??شروط?آلة?الذبح?.............................................. ... ... 54-56
61 ... المطلب?الرابع??شروط?التذكية، وفيه مسألتان.????????????????????????????????? ... 57
م ... الموضوع. ... الصفحة
62 ... المسألة الأولى:في اشتراط التسمية، وفيه ثلاثة أقوال:-........................... ... 57 (1/74)
صفحة 75
63 ... القول الأول: أن التسمية فرض على الإطلاق.................................. ... 57-59
64 ... القول الثاني: أن التسمية فرض مع التذكر ساقطة مع النسيان.................... ... 59-61
65 ... القول الثالث: أن التسمية سنة مؤكدة......................................... ... 61-64
66 ... المسألة الثالثة: في اشتراط النية................................................. ... 64-65
67 ... المبحث الثاني: مستحبات الذكاة ومكروهاتها.??????????????????????????????????????????????????????? ... 67-68
68 ... خاتمة??في?نتائج??البحث?????????????????????????????????????????????????????? ... 69-71
69 ... ?قائمة المراجع.??????????????????????????????????????????????????????????????? ... 72-77
70 ... قائمة المحتويات?????????????????????????????????????????????????????????????? ... 78-81
... (1/75)