صفحة 1
بحث تخرج (بدون صور للشاملة): إجهاض الحمل المشوه وحكمه في الفقه الإسلامي ... أحمد زكريا خليفة ... فقه إسلامي ... 2004/2005م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الإهداء
إلى والدي العزيزين الذين سهرا من أجل تربيتي براً وإحساناً واعترافاً إلى حبيبتي وحياتي وعمري ومستقبلي حباً ووفاء وإخلاصاً إلى كل من له يد بيضاء في إنجاز هذا البحث شكراً وثناء واحتراماً إلى كل هؤلاء ومثلهم أهدى إليهم هذه الثمرة المتواضعة.
أحمد زكريا خليفة
26/04/2005
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي خلق الإنسان من علق، وفضله على كثير ممن خلق، أحمده-سبحانه وتعالى-حمد من عرف صمديته، واطلع على نواميس خالقيته، وأخبت لسلطان قدرته وجبروت قهره.
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من عباده وخليله، أكرمه بنبوته، وصنعه على عينه، وكلمه بما جعله المثل الإنساني الكامل الأعلى، وأناط به إبلاغ رسالته، وتوضيح شريعته وهداه إلى التلذذ بطاعته، والسمو بعز عبوديته.فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، ورحم من سار على دربه، واهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
إن أول ما أمر الله به تعالى عباده القراءة، والتعلم بالقلم والتفكر فى خلقه تعالى، والتدبر فى شؤونه، فسخر له الأرض ليبنى عليها ويعمر، وفضله على كثير من خلقه تفضيلا، وجعل له سياجا منيعا يضمن له الحياة، والاستقرار والعيش فى أمان ورغد، وحرم عليه اعتداء على نفسه أوعلى غيره فقال: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } (1)
ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - "المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه." (2) وإزاء هذه القيمة الكبرى،والمسؤولية العظمى،فإن الله عز وجل قد جعل سلاحاً يدافع به الإنسان عن نفسه وعن
__________
(1) سورة النساء الآية: 29.
(2) صحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج أبو الحسين القيشيري النيسابورى، كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه 4/2037 رقم:2643، دار إحياء التراث العربي- بيروت. (1/1)
صفحة 2
غيره،ألا وهو المعرفة والعلم،يقول الله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } (1)
ونجد كثيراً من أهل العلم في عالمنا الإسلامي المعاصر يرنو الى التطور والرقى، كلما تقدم العلم وازدهر، فهم على قدم وساق في مواكبة الشرع بالعلم، ليجدوا حلولا من الشرع الحنيف لكل تقدم علمي معاصر.
فقد ظهرت كثير من قضايا معاصرة جديدة، تجعل العلماء المسلمين في حيرة من أمرهم، فمن هذه القضايا ما تطرقنا إليه في هذا البحث المتوضع ألا وهو:حكم إجهاض الجنين المشوه في الفقه الإسلامي.
فقد كثر في وقتنا الحاضر، وانتشر فعلها في كثير من بلدان العالم، بدون أي غرض أو مصلحة شرعية ولا صحية، فأصبح شيئاً طبيعياً إزهاق روح لا حول لها ولاقوة، وذلك لمصلحة دنيوية محضة، أو مادية صرفة.
فالإجهاض من المسائل المشكلة عالمياً من حيث الإباحة أو التحريم، إلاّ أن الشريعة الإسلامية قد حسمت بعض مسائل الإجهاض، منعاً وتحريماً، لما في ذلك من الاعتداء على حق الحياة للجنين، وتعريض أمه للضرر والخطر.
فالإسلام قد تميز عن بقية الأديان أنه كفل للجنين حقوقاً كثيرة، عاقب على انتهاكها والإخلال بها كحق الحياة وغيرها.ومع اقرارنا بخطورة وضرر إجهاض الأجنة، إلا أن هناك عدداً من المسائل والنوازل- استُجدت في عصرنا- قد تبيح لنا هذا العمل، حفظاً لمقاصد أعظم ومصالح أكبر للأنفس والنسل.ومن هذه المستجدات: ماقد يعلم من تشوّه الجنين وهو في بطن أمه من خلال الوسائل الحديثة لرصد وتصوير رحم الأم ومعرفة صحة جنينها، وقد تبين من
خلال الأجهزة أن هذا الجنين يكون مشوهاً إذا خرج للحياة.فهل يعتبر هذا التشوه مبيحاً للإجهاض أم لا ؟ .
__________
(1) سورة الرحمن الآية:1- 2. (1/2)
صفحة 3
وقبل أن أتناول مسألة إجهاض الجنين المشوه بالبحث، أجد من المهم الذي لا يتم فهم هذه المسألة إلا به أن أبحث في الجنين ماهيته وأحكامه، وكذلك أحكام الإجهاض العامة، للترابط بينها، والحاجة إلى تمهيد يستلزم فهم مسألتنا المتعلقة بإجهاض الجنين المشوه.
فقد قسمت البحث إلى فصول ومباحث ومطالب على النحو الآتي:
الفصل الأول: المراد بالجنين، وأطوار تخلقه وعوامل تشوهه.
ويشمل هذا ثلاثة مباحث وتحت كل مبحث مطالب.
المبحث الأول: تعريف الجنين.
المطلب الأول: تعريفه لغة.
المطلب الثاني: تعريفه عند الفقهاء.
المطلب الثالث:تعريفه عند الأطباء
المبحث الثاني:أطوار خلق الجنين السليم.
المطلب الأول: طور النطفة.
المطلب الثاني: طور العلقة.
المطلب الثالث: طور المضغة.
المطلب الرابع: طور العظام.
المطلب الخامس: طور الكساء باللحم ومرحلة النشأة خلقا آخر.
المبحث الثالث: العوامل المؤدية إلى تشوه الجنين.
المطلب الأول: العوامل الوراثية.
المطلب الثاني: العوامل البيئية.
المطلب الثالث: العوامل الخارجية.
المطلب الرابع: طرق العلاج والوقاية من هذه العوامل.
الفصل الثاني: الإجهاض وأقسامه
ويشمل مبحثين وتحت كل مبحث مطالب.
المبحث الأول: تعريف الإجهاض.
المطلب الأول: الإجهاض في اللغة.
المطلب الثاني: الإجهاض عند الفقهاء.
المطلب الثالث: الإجهاض عند الأطباء.
المبحث الثاني: أقسام الإجهاض.
المطلب الأول: إجهاض تلقائي.
المطلب الثاني: إجهاض مفتعل أو محرض.
المطلب الثالث: إجهاض علاجي.
المطلب الرابع: العوامل المؤدية إلى الإجهاض.
المطلب الخامس: أهم ووسائل الإجهاض.
الفصل الثالث: حكم الإجهاض عند الفقهاء وعقوبته:
ويشمل ثلاثة مباحث وتحت كل مبحث مطالب.
المبحث الأول: أقوال الفقهاء في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح فيه.
المطلب الأول: رأي فقهاء المذهب الإباضي
المطلب الثاني: رأي فقهاء المذهب الحنفي.
المطلب الثالث: رأي فقهاء المذهب المالكي. (1/3)
صفحة 4
المطلب الرابع: رأي فقهاء المذهب الشافعي.
المطلب الخامس: رأي فقهاء المذهب الحنبلي.
المطلب السادس: رأي فقهاء المذهب الظاهري.
المبحث الثاني: أقوال الفقهاء في حكم الإجهاض بعد نفخ الروح فيه.
المبحث الثالث: عقوبة الإجهاض.
ويشمل أربعة مطالب.
المطلب الأول: تحقق الجناية
المطلب الثاني: العقوبة الأصلية للإجهاض.
المطلب الثالث: من تلزمه الغرة
المطلب الرابع: العقوبة البدلية للإجهاض.
المطلب الخامس: العقوبة التبعية للإجهاض.
الفصل الرابع: الجنين المشوه و حكم إجهاضه.
ويشمل أيضاً ملحق متضمن فتاوى بعض العلماء المعاصرين عن إجهاض
الجنين المشوه وصور بعض التشوّهات.
وقد واجهت كثيراً من المصاعب في بحث هذا الموضوع، لأن المصادر شحيحة في هذا المجال، فلم يكتب فيه إلا قليل، ومن أهم المصادر القيمة التي تحدثت عن الإجهاض بشكل عام حاشية الدسوقي، وحاشية ابن عابدين ومن المصادر المعاصرة: الجنين المشوه لعلي البار، ومراحل الحمل والتصرفات الطبية الحديثة في الجنين، ومجلة الفقه الإسلامي.
وهو موضوع ما زال فيه إشكالات وإشكالات كثيرة، تنتظر الباحثين الأكفاء بالتعاون مع الأطباء الفضلاء المتخصصين، لينيروا السبيل، بقول فصل ليس بالهزل، والله ولي التوفيق.
وأسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والتوفيق، ويلهمنا الصواب في أقوالنا وأعمالنا، إنه وليّ ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الفصل الأول: المراد بالجنين، وأطوار تخلقه وعوامل تشوهه.
المبحث الأول: تعريف الجنين.
المطلب الأول: تعريفه لغة.
المطلب الثاني: تعريفه عند الفقهاء.
المطلب الثالث:تعريفه عند الأطباء
المبحث الثاني:أطوار خلق الجنين السليم.
المطلب الأول: طور النطفة.
المطلب الثاني: طور العلقة.
المطلب الثالث: طور المضغة.
المطلب الرابع: طور العظام.
المطلب الخامس: طور الكساء باللحم ومرحلة النشأة خلقا آخر. (1/4)
صفحة 5
المبحث الثالث: العوامل المؤدية إلى تشوه الجنين.
المطلب الأول: العوامل الوراثية.
المطلب الثاني: العوامل البيئية.
المطلب الثالث: العوامل الخارجية.
المطلب الرابع: طرق العلاج والوقاية من هذه العوامل.
الفصل الأول
المراد بالجنين وأطوار تخلقه وعوامل تشوّهه
المبحث الأول:تعريف الجنين
المطلب الاول: الجنين لغة:هو الولد في البطن، والجمع أَجِنَّةُ وَأَجْنُنْ، وهو مشتق من جَنَّ َأي سَتَرَ وسُمِي جنيناً لاستتاره في بطن أمه ومنه قوله تعالى: { وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } (1)
وجنين الآدمي هو المخلوق الذي يتكوّن في رحم المرأة نتيجة تلاقح بييضه مع الحيوان المنوي الذي يحتوى عليه ماء الرجل. ويُطلق اسم الجنين على هذا المخلوق ما دام في رحم أمه، لتحقق استتاره فيه، فيشمل جميع مراحله من حين تكوّنه إلى وقت ولادته. (2)
فالاجتتانا الاستتار، فإذا وُلد فهو مَنْفُوس، والجِنُّ والجِنَّةُ خلاف الإنسان والجَّانُ: الواحد من الجِنُّ وهو: الحية البيضاء، وأيضا الجَنَانُ: القلب، وأَجِنَّةُ الليل بالألف، وجَنَّ عليه: من باب قَتَلَ ستر وقيل للترس مِجَنُّ بكسر الميم لأن صاحبه يستر به والجمع المجََّانُ (3) .
ولذلك سُمِيَ المدفون بالجنين، وأيضاً قال الشاعر:
ولا سمطاء لم يترك سقاها ******لها من تسعة إلا جنيناً (4) .
المطلب الثاني: الجنين عند الفقهاء.
__________
(1) سورة النجم الآية 32.
(2) أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة ، لمحمد نعيم ياسين ، دار النفائس للنشر والتوزيع ـ الأردن ـ ص/ 52 ـ 1419هـ ـ 1999م.
(3) المصباح المنير ، لعلامة أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقري ، ص: 43 ـ مكتبة لبنان ـ طبلونين ميسرة
(4) جمهرة اللغة ـ لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد / جـ / 1 ـ 93 ـ دار العلوم للملايين لبنان ـ بيروت.123 ت 1987م. (1/5)
صفحة 6
يُستعمل الفقهاء لفظ الجنين كما يُستعمل في اللغة، غير أن بعضهم قصره على الحمل الذي بدأ فيه التخلق أما دون ذلك فلا.ومنهم الإمام الشافعي-رحمه الله-حيث قال:وأقل مايكون به السقط جنيناً فيه غرة أن يتبين من خلقه شيء يفارق المضغة أو العلقة:أصبع،أو ظفر،أو عين. (1) .
جاء في المصنف: الجنين: الولد في البطن، وقول: هو المقْبُورُ، وقول: الولد الصغير.
قال الشاعر:
يوصل حبله إذا الليل جنه ********ليرقى إلى جاراته بالسلالم (2) .
المطلب الثالث: الجنين عند الأطباء.
اختلف الأطباء في تعريفه، فيطلق بعضهم لفظ الجنين على الولد في بطن أمه عند ما يظهر عليه الطابع الإنساني بتكوُّن الأجهزة المعروفة للإنسان، ويكون ذلك فيما بين الشهر الثالث من الحمل إلى الولادة، ويقصره بعضهم على الولد في بطن أمه إذا اكتملت بنيته،وكان بإمكانه أن يعيش إذا نزل حيّاً من بطن أمه، وتكون هذه الفترة الواقعة بين بداية الشهر السابع إلى وقت الولادة (3) .
ومن علماء الأجنّة من يُطلق الجنين على الفترة الواقعة بين انفراد البيضة الملقحة في جدار الرحم في نهاية الأسبوع الثامن، ثم يُطلقون عليه بعد ذلك اسم (حَمِيلٌ) إلى أن يُولَد (4) .
ولا مشاحة في الاصطلاحات، وإنّما العبرة بحقيقة الحمل في كل مرحلة من مراحل تطوّره، وما يترتب على تحديدها من أحكام.
المبحث الثاني: أطوار خلق الجنين السليم
__________
(1) الأم، للإمام الشافعي،6/138،دار الكتب العلمية،الطبعة الأولى 1413هـ.
(2) المصنف ، لأبي بكر الكندي ـ وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان 41/ 557هـ 1162م.
(3) تطور الجنين وصحة الحامل ـ لمحي الدين طابو ـ ط/3 ص:12 ـ دار ابن كثير ـ بيروت 141هـ 199م
(4) خلق الإنسان بين الطب والقرآن ، لمحمد علي البار ص: 376ـ379. (1/6)
صفحة 7
إنّ رحلة تخلّق الجنين تُعتَبر رحلة إلى عالم مجهول، عالم مملوء بالمعجزات، عالم مفعم بالإثارة والمتعة، وعالم كثيف بالأسرار والألغاز، فكلما ظهر شيء جديد في ميدان الطّب إلاّ ونجد قد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه العزيز، وأشار إليه النّبي المصطفى في سنته المطهرة والذي يدل عليه هذان المصدران: أنّ الجنين قد أخضعه ربّه خلال فترة الحمل لنوعين من التطوّر.
أحدهما: تطوّر مادي محسوس يمكن أن يُلاحظ بالمشاهدة من أهل الاختصاص، وموضوعه العناصر المادية التي يتكوّن منها الجنين، وما يتعاقب عليها من نمو وتخليق وسوية وتعديل وغير ذلك (1) .
الثاني: تطوّر غير محسوس، ولا يخضع في ذاته لحس ولا مشاهدة ولا تجربة وموضوعه مخلوق روحاني، جمع الله تعالى بينه وبين تلك العناصر المادية من الإنسان في لحظة من اللحظات، وجعله مصدراً للأنشطة الإنسانية المتميزة، التي ميز بها الإنسان عن سائر الأحياء كالتصوّر والتعقل والتخيّل والإرادة والتفكير وغير ذلك، وقد سمىّ الله تعالى هذا المخلوق الرّوح.
وقد وردت الإشارة إلى كلا النوعين من التطوّر في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } (2) . ففي هذه الآية بيان لمعالم التطوّر المادي الذي يتقلب فيه الجنين من صورة إلى صورة.
__________
(1) أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة ـص53 .سبق ذكره.
(2) سورة ا لحج الآية /5. (1/7)
صفحة 8
وفي السنة: أحاديث صحيحة ذكرت أطوار الجنين الجسمانية، وما يطرأ عليه من تعلق الرّوح بجسده، وأشهرها حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وهو الصادق المصدوق " إنّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يُرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بأربع " (1) . ففي هذا الحديث ذكر المعالم الرئيسية لتطوّر الجنين المادي المحسوس.
وأمّا علماء الأجنّة المعاصرون فقد استطاعوا بما اكتشف من الآلات والأجهزة الدقيقة أن يتابعوا تطوّر الجنين المادي في معظم مراحله، يوماً بيوم، وأسبوعاً بأسبوع، وشهراً بشهر. ففي هذا البحث ـ إن شاء الله ـ سنتعرض هذا من خلال هذه الآية الكريمة، في قوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } . (2)
المولى عز وجل يقصد بالإنسان هنا الجنس لأنّهم مخلوقون في ضمن أبيهم آدم، قيل المراد به آدم عليه السلام.( والسّلالة فُعَالة من السلّ)، وهو استخراج الشيء من الشيء، والمعنى: أنّ الله -سبحانه وتعالى- خلق جوهر الإنسان أولاً من الطين لأنّ الأصل آدم من طين خالص، وأولاده من طين ومني (3) .
المطلب الأول: طور النطفة
__________
(1) فتح الباري شرح البخاري ـللإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ـ ت: 773هـ 11/417، دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان ـ1421هـ 2000م.
(2) سورة المؤمنون الآية: 12 ـ 14.
(3) فتح القدير ـ لمحمد بن علي الشوكاني ـ 3/511 ـ دار إحياء التراث العربي بيروت- لبنان 1418هـ 1998م. (1/8)
صفحة 9
وهذا الطور: هو الخلية الأولى التي تنشأ من تلقيح الحيوان المنوي للبويضة، وهذا يتم بعد الاتصال الجنسي بين الرجل والمرأة بست ساعات على الأقل وبثلاثة أيام على الأكثر، وتلتصق نواته بنواتها، وبذلك تتم عملية الإخصاب (1) . فتشكِّل لنا خلية كاملة ذات كروموزوم (23) Chromosome
ثم يقع على انقسامات حيث تكون الخلية الجديدة تحمل نصف الصفات الوارثية للأم وللأب وبه تتحدد صفات النسل الجديد (2) ، التي عبّر القرآن عنها بالتقدير { قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } أي حدد نوعية الجنين ذكراً كان أم أنثى. ويشير القرآن الكريم إلى النطفة الأمشاج بقوله تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } (3) . وفي نهاية مرحلة النطفة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية حرث الأرض وإلى هذه العملية تشير الآية في قوله تعالى: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } . (4)
وبهذا تبدأ النطفة في التغيير لتصبح بعد ذلك علقة ويكون عمره حينئذ ستة أيام (5) .
__________
(1) متى تنفخ الروح في الجنين ، د/ شرف القضاة ط، 1 ص 52، دار الفرقان والنشر والتوزيع ـ الأردن ـ عَمان ـ 1410 هـ 1990م .
(2) علم النفس النمو الطفولة والمراهقة ـ لحامد عبد السلام زهران ط،1 ص: 83 ،عالم الكتب ـ القاهرة .
(3) سورة الدهر الاية / 2.
(4) سورة البقرة الاية / 222.
(5) علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ـ بمقر رابطة العالم الإسلامي ـ ص: 49، مكة المكرمة ـ 1406هـ. (1/9)
صفحة 10
وتستقر في جسم المرأة في مكان وصفه القرآن بأهم وصفين يتعلقان بالجنين ونموه، وهذان الوصفان " قرار" ومكين " معبران أتم التعبير عن خصائص الرحم ومميزاته. فإنّ للرحم عضلات وأوعية رابطة تحمى الجنين داخله (1) .
المطلب الثاني: طور العلقة:
تستمر الخلايا في التراكم بعد مرحلة النطفة، ويتصلب الجنين مع زيادة تراكم الخلايا،ثم يتثلم عند الطية العصبية، ويتم تعلقه بجدار الرحم بعد أسبوعين، كما تعطى جزر الدماء المحبوسة في الأوعية الدموية للجنين لون قطعة من الدم المتخثر، (2) ويأخذ الجنين شكلاً يشبه العلقة، وبهذا تتكامل المعاني التي يدل عليها لفظ علقة إلى حوالي اليوم الواحد والعشرين، وإلى هذا تشير الآية الكريمة { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ } أي حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفة العلقة وهي الدم الجامد. (3)
المطلب الثالث: طور المضغة
يتحول الجنين من صور العلقة إلى المضغة ابتداء من اليوم( 24 ـ 26)، وهي فترة وجيزة إذا قُورنت بفترة تحول النطفة إلى علقة، ويصف القرآن الكريم هذا التحوّل باستخدام حرف العطف (الفاء) في قوله تعالى: { فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً } أي صيّرنا الدم الجامد مضغة وهي قطعة لحم بمقدار ما يمضغ (4) .
ويدور الجنين ويتقلب في جوف الرحم كما تدور القطعة الممضوغة في جوف الفم، ولا تتمايز القلفات في البداية، ولكنّها سرعان ما تتمايز في خلايا تتطور إلى أعضاء وأجهرة، تتكون في مرحلة المضغة والبعض في مراحل لاحقة، وإلى هذه تشير الآية الكريمة { مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ
__________
(1) علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة،ص:49
(2) المرجع نفسه، ص:50.
(3) التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج ـ لأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي دار الفكر المعاصر ـ بيروت 18/19، ط1، 1411هـ 1991م.
(4) المرجع نفسه. (1/10)
صفحة 11
مُخَلَّقَةٍ } أي يخرج منها خلق معتدل وسليم الأعضاء ويخرج مشوّهاً في بعض أجزاء جسمه أو الطّباع والقدرات العقلية (1) .
المطلب الرابع:طور العظام.
يبقى الجنين محافظاً على شكل المضغة حتى نهاية الأسبوع السادس، وفي بداية الأسبوع السابع يبدأ الهيكل العظمى (2) . وحول هذه روى حذيفة بن أسيد الغفاري - رضي الله عنه - أنّ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: ( إذا مرّ بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها) (3)
ويتم الانتقال من شكل المضغة إلى شكل الهيكل العظمى في فترة زمنية وجيزة، حيث يُعطي الجنين مظهره الآدمي. ومصطلح العظام الذي أطلقه القرآن الكريم على هذا الطور هو المصطلح الذي يُعبّر عن هذه المرحلة من حياة الحميل تعبيراً دقيقاً يشمل المظهر الخارجي وأهم تغيير البناء الداخلي، وما يصاحبه من علاقات جديدة بين أجزاء الجسم، واستواء في مظهر الحميل، ويتميّز بوضوح عن طور المضغة الذي قبله، قال تعالى: { فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً } . أي صيّرناها عظاماً أي شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها (4) .
المطلب الخامس: طور الكساء باللحم.
__________
(1) في رحاب القرآن ، الشيخ إبراهيم بيوض ، ط 1، 4/319 ـجمعية التراث ، الجزائر غرداية .
(2) علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص: 164.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي ، 4/2037 رقم 2735 ، مكتبة الرياض الحديثية دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 1401هـ 1981م.
(4) التفسير المنير،د/ وهبة الزحيلي 18/19. (1/11)
صفحة 12
تبدأ مرحلة كساء العظم باللحم في نهاية الأسبوع الثامن، وتأتي عقب طور العظام، كما بيّن ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: { فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً } أي غطيناه بما يستره ويشده ويقويه، وهو اللحم وذلك أنّ اللحم يستر العظام فيجعله كالكسوة لها (1) .
ويعتبر هذا الطور نهاية أطوار مرحلة التخلّق، ثم تأتي بعدها مرحلة الجنين(Fetus)والتي توافق مرحلة النشأة (2) . ويتضح هذا الوصف بجلاء في هذه المرحلة حيث يسرع معدل النمو من الأسبوع التاسع إذا ما قورن بما قبله من المراحل. فهي الفترة ما بين الأسبوعين التاسع والثاني عشر، تبدأ أحجام كل من الرأس والجسم والأطراف في التوازن والاعتدال.
وفي هذه المرحلة يتم نفخ الروح طبعا لما دلّ عليه القرآن والسنة في قوله تعالى: { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ } أي خلقناه مبايناً للخلق الأوّل، بأن نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار خلقاً آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب (3) ، وتمتد إلى أن يدخل الجنين مرحلة القابلية للحياة خارج الرحم.
قال تعالى: { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } أي فتبارك الله فإن البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة وكل ما زاد على الشيء فقد علاه "أحسن الخالقين " أي أحسن المقدرين تقديراً، فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه (4) .
المبحث الثالث: خلق الجنين المشوّه
__________
(1) التفسير الكبير ـ الإمام فخر الدين عمر بن الحسين البكري الشافعي ـطـ1 12/74 ـ دار العلمية ـ بيروت ـ لبنان ،1421هـ 2000م.
(2) علم الأجنة في القرآن والسنة ، سبق ذكره ص 166.
(3) المرجع نفسه
(4) التفسير الكبير 12/ 47. (1/12)
صفحة 13
خلق الله- سبحانه وتعالى- هذا الإنسان في أحسن تقويم وصوّره في أحسن صورة ليتميز بها عن سائر الخلق يقول –سبحانه-: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } (1) وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } (2)
إلا أنّ مشيئة الله- سبحانه- وتعالى قد تقتضي أن يُولد شخص ما وبه عيب خلقي لا يُؤثر على أسباب حياته أو استمرارها، وبعض هذه العيوب يمكن إصلاحها أو تفاديها خاصة مع التقدم الطبي الكبير. ولكن هذا لا يمنع من حدوث بعض التشوّهات لأجنة لسبب أو لآخر، وقد يُولد به وقد تُجهَض تلقائياً بسببه. (3)
تثبت دراسات علم الأجنّة وعلم النفس أنّ العوامل الوراثية ذات أثر كبير في مرحلة ما قبل الميلاد، وكذلك العوامل البيئية المحيطة بالجنين وهو في الرحم، وذلك إما بتشوّهه وإما بسقوطه،
وهذه العوامل قد تكون أمراضاً نفسية تحدث للنساء في أثناء فترة الحمل التي تعد أهمّ مرحلة تمر بحياة الأم والطفل الذي تكوّن وتغذى في رحم أمه.
ولكن ما ذا لو حدث ـ لا قدر الله ـ أن جاء هذا المولود المنتظر وهو يُعاني تشوّهاً ما فمن المسؤول ؟ ففي هذا المبحث سنتعرض إلى بعض الأسباب التي تؤدى إلى هذه التشوّهات وكيفية علاجها طبياًّ وشرعياًّ .
العوامل المؤدية إلى تشوّه الجنين
االمطلب الأول:
(1) العوامل الوراثية:
تُعتَبر العوامل الوراثية والصبغية مسؤولة عن 30% إلى 40% من جميع التشوهات في مرحل النطفة.
__________
(1) سورة التين الآية: 4.
(2) سورة الانفطار الآية 6ـ8.
(3) الجنين المشوه والأمراض الوراثية: الأسباب والعلاقات والأحكام ، الدكتور محمد علي البار ، ص: 71 ط، 1. دار القلم ـ دمشق، ( 1411هـ ـ 1991م. ) (1/13)
صفحة 14
إن معظم تشوهات الأجنة تحدث في مرحلة مبكرة جدّاً من تكوين الجنين إنها قبل أن يتكوّن الجنين في معظم الحالات، وذلك لوجود خلل في النطفة الذكرية ( الحيوان المنوي) أو في النطفة الأنثوية (البويضة) أو في نطفة الأمشاج، كما أن الخلل يحدث في أثناء تكوّن الكرة الجرثومية أو في أثناء الإفراز والتعلّق. (1)
ومن حسن الحظ أنّ معظم هذه الأجنة تسقطها الحامل قبل علمها أنها حامل، وهذا بنسبة % 60 إلى %70 من حالات الحمل المبكر، والتشوّهات في مرحلة النطفة تحدث من خلل ناتج في الصبغيات أثناء فترة الانقسام الاختزالي ،وفي أثناء تكوّن الحيوان المنوي أو في أثناء تكوّن البويضة، مما يُؤدى إلى عدة أمور منها:
? الخلل في عدد الصبغيات: إما بزيادة أو بنقصان، فبدلاً من وجود (23) كروموزوم في الحيوان المنوي أو البويضة يكون هناك(24 أو 22) كروموزوم.
? الخلل في تركيب إحدى الصبغيات بزيادة طوله أو نقصانه نتيجة فقدان جزء من الكزموزوم أو التصاقه بكروزوم آخر.
كما يتم تقسيم الخلية بعد تلقيحها لتكون كل مجموعة منها على حدة، إذا كان هذا الانفصال متأخرا في تكوين اللوح الجنيني ـ في حالة التوائم ـ فإن ذلك يؤدي إلى تكوين جنينين في كيس واحد وغشاء مشيمى واحد لهما جميعاً، فإذا كان الانفصال
غير تام فسيؤدى إلى ولادة توائم متصلة، وتسمى التوائم السامية (2) (Siamese twins (
(2) الأمراض الوراثية :
__________
(1) الجنين المشوه والأمراض الوراثية ، محمد علي البار مرجع سابق ص: 51 ـ 59.
(2) الجنين المشوه والأمراض الوراثية، ص:51—59. (1/14)
صفحة 15
هناك بعض الأمراض التي ثبت أنها تنتقل بالوراثة مثل مرض السكر وبعض أنماط الضعف العقلي مثل العته العائلي المظلم ( Idiocy Amaurotic Familial) الذي ينشأ عن عيب وراثي غريب في الخلايا العصبية في المخ والنخاع الشوكي حيث تنفخ الخلايا وتتورم وتمتلئ بالدهن مما يؤدى إلى العمى والشلل والضعف العقلي. (1)
ويؤكد علماء الوراثة خطورة الاختلاف بين نوع دم الجنين من حيث العامل الريزيس
) (Rhesus Factorوهو أحد مكونات الدم ويتحدد وراثياً، فإذا كان العامل الريزيس عند الأم والأب سالباً أو موجباً فلا تُوجد مشكلة. وأما إذا كان العامل الريزيس عند الأم سالباً (- Rh ) وعند الجنين مُوجباً ( Rh + (بوراثة هذا العامل من أبيه فإن ذلك يؤدى إلى تكوين أجسام مضادة وإلى اضطراب في توزيع الأكسجين وعدم نضج خلايا الدم وتدمير كرات الدم الحمراء (Red blood cells )عند الجنين ، ومن ثم يؤثر هذا في تكون المخ مما ينتج عنه تلف المخ والضعف العقلي وربما موت الجنين بعد ولادته بقليل (2) . وإذا تم تشخيص هذا الاضطراب مبكراً وتم كذلك علاجه خلال الأسابيع الستة الأولى من حياة الطفل عن طريق نقل الدم المخالف من حيث العامل الريزيسي كاملاً وإلى الطفل يكون الأمل في الشفاء كبيراً . وأيضاً إذا اختلفت الفصيلتان: فصيلة الأم والجنين فحينها تُعطَى الجنين حُقنة للأم قبل مرور 84 ساعة بعد الولادة . ولأغراض الوقاية ُينْصَحُ المقبلون على الزواج بمعرفة نوع العامل الريزيسي عند الطرفين.
(3) داء السكري:
__________
(1) علم النفس والنمو ، لحامد زهران ـ ص: 85 ـ مرجع سابق.
(2) Mc Candles B.R.(1967) Children Behavior and development –(2nd Edition)New York , Holt , Rinehart and Winston. (1/15)
صفحة 16
وهذا إما أن يكون ناتجاً قبل الحمل أو مصاحباً للحمل، وبخصوص الكشف على داء السكري فإذا كانت المريضة مصابة فهي لديها معرفة تامة، وتستخدم علاجات فمية لحفض نسبة السكر. لكن المشكلة تكمن في السكري الذي لايتشخص في أثناء الحمل وليس لديها خبرة في هذا المرض، ولا تستطيع تجنب ارتفاع السكري في الدم الذي قد يترتب عليه تشوّهات جنينية في بداية الحمل، وهو ما يُسمى بسكر الحمل. ويترتب على هذا الداء مضاعفات للجنين، فإن الطفل إذا لم يتحكم في نسبه السكر في دمه فالأجنة ستكون كبيرة الحجم والماء الذي حوله سيكون أكثر من اللازم. ويترتب على ذلك الشلل في يده (1) .
أما التشوّهات الخلقية فهي إما أن تكون تشوّهات قلبية وعائية وإما أن تكون أصابة الأنبوي العصبي، أي الأجنة يُمكن أن تخلق بدون جمجمة أو بشق في الحبل الشوكي والمتابعة المبكرة للحمل هي التي تساعد على الكشف المبكر لسكري الحمل ثم علاجه مبكراً. بإضافة حمض الفوليك، (Folic Acid) لمنتجاتها. ويُوجد حمض الفوليك أيضاً في الحضروات ذات الأوراق وبعض أنواع البقول وعصير البر تقال. وأَوضحت الدراسات أن العيوب الخلقية تنخفض بنسبة 80% عند ما تتناول النساء (mg 400) مايكروجرام من حمض الفوليك يومياً قبل الحمل في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل.
(4) الإصابة الجرثومية:
تَوَصَّلَ البحث العلمي إلى وجود بعض الأمراض الوراثية التي لها تأثير شديد على الجنين، ومن حسن الحظ أن أغلب الميكروبات ((microbes لاتصل إلى الجنين بسبب وجود المشيمة (placenta)، وإن وصل شيء منها يكون جهاز المقاومة في جسم الإنسان قدقضى
عليه، غير أن هناك مجموعة من الفيرسات ( viruses) والبكتيريات (Bacterial) التي تصل إلى الجنين وتتسبب في تشويهه، وهذه الفيروسات والميكربات ناتجة عن أمراض منها:
__________
(1) مجلة أجيال 15، السبت 18 من الربيع الأول 1425هـ الموافق 8 من مايو 2004م العدد 148 . (1/16)
صفحة 17
a) ـ الإيدز( AIDS): مرض ينتقل عبر المشيمة إلى الجنين خاصة بعد الأسبوع الخامس عشر للحمل، ويرتفع احتمال العدوى عند الولادة عند مروره بإفرازات المهبل الموبوءة ونسبة العدوى 50% (1) .
b) ـ فيروس الحصبة الألمانية ( German Measles):له تلقيح قبل الحمل، وإذا لم تلقح المرأة فقد يُشوّه الجنين بعدة أمراض فتُسبب له تخلفاً في نمو العقل واضطرابات في الرؤية، وخللاً في الكبد.
المطلب الثاني: العوامل البيئية.
إن أثر العوامل البيئية لا يحدث تغييراً أصلياً في جوهر الخلايا، ولا ينقل بالوراثة للأجيال التالية، وكثير من الأمراض التي يُولد بها الطفل ليست وراثية ولكن الطفل أُصيبَ بها وهو جنين في بطن أمه ثم يُولد بها. ويتوقف مدى تأثير العوامل المؤثرة في نمو الجنين على شدتها واستمرارها حين يتعرض لهذه المؤثرة. ومن أهم العوامل البيئية التي تؤثر على الجنين:
? 1 ـ عُمر الأم: تدل بعض البحوث على أن السن من 20 ـ 30 سنة هو أنسب للحمل، وأن أقل من 20 سنة يكون له تأثيره في حالة عدم نضج الجهاز التناسلي للأم، وأن فوق 35 سنة قد يكون له تأثيره أيضاً في حالة تدهور وظيفة الجهازالتناسلي
واحتمال التعرض للأمراض وطول المخاض وصعوبته أو الضعف العقلي عند المولود فيما بعد (2) .
__________
(1) الإيدز وباء العصر ، الدكتور محمد البار ، والدكتور محمد أيمن الصافى ـ ص: 55 ـ دار المنارة جدة ، 1987م ، 54 ـ Parser: Premental Pathology Page: 54.
(2) علم النفس والنمو، لعبد حامد زهران ص: 88. (1/17)
صفحة 18
? 2 ـ مرض الأم: يتأثر نمو الجنين تأثيراً خطيراً إذا تعرض للإصابة بالعدوى بمرض خطير يصيب الأم وهي حامل. ونحن نعلم أن المرض يؤثر في عملية التمثيل الغذائي والتركيب الكيماوي للأم وغير ذلك مما قد يؤثر في نمو الجنين، ومن أمثلة ذلك مرض الزهري (Syphilis) الذي قد يؤدى إلى الضعف العقلي أو الصمم أو العمى. وكذلك الحصبة الألمانية التي قد تؤدى إلى إصابات القلب أو الضعف العقلي. كما أن الإرهاق والتعب الشديد يزيد من حركة الجنين في الرحم (1) . ولهذا يجب على الأم الحامل أن تستشير طبيبها مرة كل شهر من أول الحمل حتى زمن الولادة.
? 3 ـ غذاء الأم: يرى العلم الحديث أن أحد أسباب سلامة هيكل الطفل ورشاقة قوامه، أو عدمها في أيام الحمل يتعلق بالغذاء الذي تناوله الأم وهي حامل، فللأطعمة تأثيرخاص في رشاقة قوام الجنين وفي كل مظاهر نموه.
فسلامة الحمل تتعلق بالغذاء الذي تتناوله الأم وهي حامل، فالمخدرات والمسكرات تعتبر خطيرة جداًّ للحوامل لأنها بغض النظر عن التسمم الذي توجده، تهدم الفيتامينات ((Vitamins التي تحتاجها الأم ويحتاجها كذلك الجنين أيام الحمل، فينشأ الطفل ناقصاً أو مشوّهاً (2) .
المطلب الثالث: العوامل الخارجية.
ومن أهم هذه العوامل:
1 ـ العلاج بالعقاقير: تختلف العقاقير في تأثيرها على تشوّه الجنين، ومنها ما يسبب تشوّهات خطيرة إذا ماتناولتها الأم الحامل، وخاصة في مرحلة تخلق الأعضاء، ومن هذه العقاقير المضادات الحيوية ( Antibiotics) المضرة بالجنين مثل:
__________
(1) علم النفس والنمو، لعبد حامد زهران ص: 88.
(2) الطفل بين الوراثية والتربية ، محمد تقي فلسفي ، تعريب الحسين الميلاني ، ص: 89 ، مؤسسة الأعمى للمطبوعات ، بيروت - لبنان (1412هـ 1992م). (1/18)
صفحة 19
? أ ـ البروجسترون ( Progesterone) ومشتقاته مثل الأستروجين (estrogen ) وهي المضادات الموجودة في حبوب منع الحمل، فإن تناولها في حالة وجود الحمل قد يؤدى إلى عيوب خلقية في تشوّه العمود الفقري (Spinal cord) والقلب والكلي والأطراف (1) بالنسبة للجنين.
? ب ـ الأدوية المستعملة لمعالجة الصرع ( Epilepsy ) إن أهم دواء يُستخدم في الصرع لمدة طويلة هو عقار الفينتوين (Vento in) المستعمل في حالات "الصرع الكبير"، فإذا تناولته الحامل فإن ذلك يؤثر على الجنين ويؤدى إلى توقف النمو داخل الرحم، وإلى صغر الدماغ، ومن ثم يكون الجنين متخلفاً ذهنياً. وكذلك عقار "التاليدوميد" (Thalidomide) الذي أدى إلى إصابة قرابة 10000 طفل بتشوّهات خلقية، حيث يُولد الطفل بدون أطراف.
وتحدث له تشوهات في القلب والجهاز الهضمي (Digestive System ) وقد سُحِبَ هذا الدواء من السوق سنة 1962م (2) لما نجم عنه من توابع خطيرة وأمراض وبيلة.
2ـ العلاج بالأشعة (X- ray) السينية:
لم تعد تستعمل الأشعة السينية في فحص الحمل منذ بداية هذا القرن، ففي عام 1920م سجل (Aschenhein) حالة طفل ولد متخلفاً عقلياً مع صغر الدماغ، ولكن بعض الأمراض تتطلب العلاج بهذه الأشعة مثلاً، في حالة علاج سرطان عنق الرحم ثبت أن الأشعة تؤدى إلى تشويه حتمي حيث يُصاب الجنين في الجهاز العصبي وتأخر في النمو.
3 ـ المسكرات والمخدرات:
__________
(1) مراحل الحمل والتصرفات الطبية الحديثة في الجنين بين الشريعة الإسلامية والطب المعاصر ، باحمد أرفيس ، ص: 277 ، 1422هـ ـ 2001م.
(2) الجنين المشوه ، لمحمد على البار ص: 117 ،سبق ذكره. (1/19)
صفحة 20
ثبت علمياً أن تعاطى المسكرات والمخدرات يُلحق بالأجنة أضراراً بالغة. فمن مخاطر استعمال المواد المخدرة بما فيها التدخين والكحول (Alcohol)، أنّ لها التأثير السمّيّ على الجنين في رحم أمه. فالحوامل اللآتي يتعاطين تلك المواد ينقلن آثارها السمية إلى الجنين من خلال المشيمة.
كما يُحدثنا بعضهم عما يُسمى ابتلامة الجنين الكحولي فيقول: إنه نمط غير عادي من النمو والتطور يحدث لدي بعض المواليد الذين يُولدون لنساء مدمنات، والأطفال الذين يحملون المرض يظهرون عجزاً في النمو العقلي، فهم من الناحية النموذجية ضئيلو الحجم ولهم وجوه مميزة ومتشابهة حيث يتميز الوجه لديهم بمجموعة مظاهر غير طبيعية مثل: أنف قصير ومعكوف ـ جسر أنفي مضمور، شفة علوي رقيقة ـ إعاقة في نمو الفكين (1) . كما أن المواد الكحولية بكل أنواعها تؤدى إلى تشوّهات في صغر الدماغ وصغر الفك.
إضافة إلى هذا يتسببب الإدمان في تشويه البويضات التي تحملها الأم في المبيض ومن ثم قد يكون تعاطي المخدرات هو السبب في ضياع فرص الحمل أمام الأم. وإذا حملتْ فهناك احتمالين إما حدوث إجهاض مبكر وإما ولادة طفل مشوّه ميت (2) . وتشير الإحصائيات إلى أنّ وزن الطفل المولود للحامل المدخنة يكون أقل بحوالي 15% من وزن الطفل للأم غير المدخنة، وتزداد عند المدخنة ولادة الأجنة المتخلفة علقياًّ.
وأَمَامَنَا هنا جدول يبين بعض الأدوية وأثرها على الجنين:
الدواء ... فترة الاستعمال ... التأثير على الجنين
مهد ئات البرميد ... ثلاثة الأشهر الأولى ... تشوهات في الأعصاب
هرمون الذكورة ومشتقاته ... ثلاثة الأشهر الأولى ... أعراض ذكورة في الجنين الأنثى
ستربومايسين (Streptomycin) ... النصف الثاني والثالث من الحمل ... الصمم
__________
(1) مجلة الأمن والحياة ، العدد 151 السنة الرابعة عشر ، تصدر عن دار النشر بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريبات ، صفحة "مع الأسرة"ص: 38.
(2) المرجع نفسه. (1/20)
صفحة 21
فيتامين ـ دـ (Vitamin-D -) ... طوال فترة الحمل ... زيادة نبسة الكالسيوم في
الدم وتخلف عقلي (Calcium) (1)
حبوب السكر (Chlorobromide) ... الشهر الأول والأخير ... تشوهات خلقية
الكورتيزون(Cortisone) ... ثلاثة الأشهر الأولى ... تشقق الحلق
السبترين (Septrin) ... طوال فترة الحمل ... تشوهات للجنين
فيتامين ـ أ ـ ... طوال فترة الحمل ... ارتفاع الضغط المخي للجنين
(vitamin :A)
1ـ المطلب الرابع :
طرق العلاج والوقاية شرعاً.
قد حث الإسلام والطب على منع أسباب المرض والتوقى منه ما أمكن ذلك، وتعاليم الإسلام تحث على حفظ الصحة، وعلى حماية الجنين ووقايته من الأمراض التي سببها البعد عن تعاليم الإسلام وإن من أهم مقاصد الشريعة المحافظة على النسل والنفس فيجب علينا أن نُحافظ عليهما أيّما محافظة، فنبذل كل جهدنا للمحافظة عليها، ونتوكل على الله فيما لا استطاعة لنا فيه.
وفي القرآن الكريم نجد دعوة الأنبياء بأن يرزقهم الله ذرية طيبة، فمثلاً زكريا ـ - عليه السلام - ـ قال: { رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } (2)
ودعا المؤمنون ربهم قائلين: { رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاما } (3) .ولا تكون الذرية قرة عين إذا كان فيها مشوّه الخلقة، كأن يكون ناقص الخلقة متخلفاً علقياً أو ذهنياً.
__________
(1) السنة في الزواج ، للدكتور أيمن الحسيني ط، ص: 37 ـ 37 ، القاهرة مكتبة ابن سينا.
(2) سورة آل عمران الآية 38.
(3) سورة الفرقان الآية 74 ... (1/21)
صفحة 22
ولكي نحافظ على صحتنا وصحة أولادنا فلابد من عدة توصيات منها ما جاء في كتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ أو على لسان النبي المصطفى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أو ما جاء في سلوك الصحابة الكرام، أو على ألسنة العلماء والأطباء. وقبل أن نسترسل في التوصيات لابد لنا من معرفة شيء معلوم من الدين بالضرورة وهو أن الله ـ تعالى ـ هو المقدِّر، والمشيئة في ذلك تعود إليه فلا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه، هو الذي يقدِّر لنا الشفاء، فليس الأمر بيدنا نحن ولا بيد الأطباء، ولكن لابد لنا أن نتخذ الأسباب، فلا نقول إن الله قدّر وما شاء فعل فلا اعتبار لتحركاتنا ولا لعلمنا، فهذا هو عين الخطأ، فكل شيء يأتي باتخاذ الأسباب والعمل، فلا يأتي
الشفاء والسلامة بالجلوس وانتظار أمر الله. قال تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } (1) وقال أيضا: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } (2) .
وقد ورد عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أنه قال: (تخيروا لنطفكم فإنّ العرق دساس) (3)
__________
(1) سورة البقرة الآية 186
(2) سورة الشعراء الآية 80.
(3) الفردوس بمأثور الخطاب ، تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول ، دار الكتب العلمية ، بيروت ط، 1 (1986م) ، 5/157 ، رقم: 7805 برواية (انظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس المستدرك على الصحيحين ، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطاء ، دار الكتب العلمية ، بيروت، ط1، كتاب النكاح ، 2/176 رقم 2686. (1/22)
صفحة 23
وقال أيضا: ( إيّاكم وخضراء الدمن، قيل: وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال: الحسناء في المنبت السوء ) (1) فهذه الأحاديث تُؤَكد أهمية الصفات الوراثية التي تنتقل من الآباء والأمهات إلى الأبناء والأحفاد، فلم يقتصر الرسول الله ـ - عليه السلام - ـ على الأمراض الجسمانية فقط، بل تعداها إلى ما هو أعمق منه وهي الأمراض النفسية والأخلاقية، وكما أوضح مدى فهم الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الأسرار الوراثية وسعة علمه بمكوناتها وخفاياها مع قدرته التي لا تداني في الحوار والإقناع.
فعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ أنه قال: جاء رجل من بني فزارة إلى رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: وَلَدَتْ امرأتي غلاماً أسود، وهو يعرض بأن ينفيه، فقال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: هل لك من إبل ؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها ؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق ؟ ( أي ماكان لونه كلون الرماد )؟ قال: إن فيها لورقاً، قال: فَمِنْ أين أتاها ذلك ؟ قال: عسى أن يكون نزعه
عرق، قال: فهذا عسى أن يكون نزعه عرق (2) ولم يرخص له الانتفاء منه. قال ابن حجر: إنهم بحثوا فوجدوا له جدة سوداء من أمه. (3)
وهكذا حدّث المصطفى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أن هناك صفات وراثية متنحية (Auto recessive ( قد لا تكون ظاهرة في الوالدين ولكن تظهر في ربع الذرية تقريباً حسب قانون مندل . (4) .(Mendels Law)
__________
(1) صحيح بن حبان ، محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي ،ط2 ،1444هـ-1993م، 9/417، رقم:4106،كتاب النكاح،باب ثبوت النسب وما جاء في القائف.
(2) صحيح مسلم ، كتاب اللعان ، 2/1137، رقم: 1500.
(3) تلخيص الخبير ، أحمد بن علي بن حجر أبوالفضل العسقلاني ، المحقق: السيدعبد الله هاشم اليماني المدني ، المدنية المنورة (دط)،1384هـ 1963م كتاب الكفارات 3/226 ،رقم ـ 1722 .
(4) الجنين المشوه ، محمد علي البار ، ص: 263. (1/23)
صفحة 24
كما نبه عمر بن الخطاب إلى مخاطر الزواج بين الأقارب إذا تكرر عدة مرات في الأسرة الواحدة، فقال لقبيلة تُسمى بني السائب من العرب: ( يابني السائب إنّكم قد أضويتم فانكحوا في النزائع ) (1) أي تزوجوا من البعيدات لكي لا تضعفوا، وقال العرب: " اغتربوا لا تضووا، أي انكحوا في الغرائب، فإن القرائب يضوين البنين.
وقد كره بعض الفقهاء الزواج بالقريبات ومنهم االشافعي وخاصة إذا انغلقت الأسرة بنفسها، وكذلك أباح بعض الفقهاء رد المهر إذا وُجِدَ عيباً في أحد الزوجين كبرص أو جذام.
2 ـ طرق العلاج والوقاية طبيّاً:
قالت الدكتورة حصة الرشيد: هناك حالات كثيرة نجد فيها أكثر من مرض وراثي بسبب زواج الأقارب، ولذلك جاء الطب الحديث ليحث المتزوجين على الفحص المبكر قبل الزواج، ولزوم الرجوع إلى التاريخ العائلي عند التشخيص، وإذا كان لدى أيّ منهما مرض وراثي
فعليهم مراجعة الطبيب في وقت مبكر وتخطيط الحمل من البداية، وزيارة العيادات المتخصصة بالأ مراض الوراثية والأجنة، وهذا يساعد الأسرة على تلافي أيّ مرض وراثي. (2)
وبالنسبة للتشوّهات الخلقية تُنْصَحُ الأمهات بتجنب جميع الأدوية في المراحل الأولى من الحمل وخاصة بين مرحلة الأسبوع الرابع والسادس، لأنها مرحلة تكوين الجنين أو أجهزة الجنين.
__________
(1) العقد الفريد ، عبد ربه الأندلسي ، المحقق: أحمد أمين وإبراهيم الأنباري ، القاهرة (د ط) (1368هـ 1949م ـ 6/117 ، دار الكتب العربي.
(2) جريدة الرياض ، الثلاثاء 18 محرم 1425 العدد13045 السنة 49 ص: 6. (1/24)
صفحة 25
وبالنسبة للأشعة السينية مثلا يمكن للحامل أن تتعرض لها قبل الحمل لا في بدايته، وإذا اسْتَخْدَمَتْهُ قبل الحمل لضرورة فلابد لها أن تؤجل الحمل إلى أمد، كأن تكون محتاجة للأشعة لوجود مرض السرطان فينبغي عند ذلك أن يُجْهَضَ الجنين في رأي بعض الأطباء والفقهاء إذا كان الجنين في مرحلة مبكرة من الحمل، أو أن يمنع الحمل من أساسه، إذا كان ممكناً بأن عرف تشخيص المرض قبل حدوث الحمل فيمنع وقوعه لأن الوقاية خير من العلاج. (1)
وأما عن تعاطي المخدرات والتدخين والكحول فقدكفى الله عنها المؤونة في كتابه العزيز، وقد حرم كل شيء يؤدى إلى التهلكة، سواء في النفس أو في العرض، فقد –قال- تعالى: { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } (2)
فكل من المسكرات التي ذكرناها وغيرها تؤدى إلى التهلكة لمتناولها، فالمرأة الحامل إذا تناولتها فقد تنقل العدوى إلى الجنين، فيحدث له تشوّهات بليغة كما ذكرنا.
فالإسلام أولى الاهتمام بذلك ومنع الله ـ تعالى ـ الخمور، وحمى بذلك البشرية وخاصة الأجنّة كما حرم ـ تعالى ـ التبغ وكل مشتقاته، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } . (3)
وقال ـ تعالى ـ : { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } (4)
__________
(1) المرجع نفسه.
(2) سورة البقرة الآية : 195
(3) سورة المائدة الآية: 90.
(4) سورة الأعراف الآية: 157. (1/25)
صفحة 26
والسنة النبوية أكّدت ذلك ونهت عنه حيث جاء على لسان المصطفى ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ( كل شراب أسكر فهو حرام ) (1) وإذا لم يستسلم الإنسان لما أمر به الله ـ تعالى ـ ونهى عنه ـ فقد يُلقى بنفسه في الهلاك، فالله ـ تعالى ـ سيجعل له حياة عسيرة وشاقة، فتراه إمّا أن يصاب في نفسه، وإمّا في أولاده، فيُعاني الأمرين، ويحضّر له غداً أسود لا يعلمه إلا هو ـ سبحانه وتعالى ـ. وقد قال ـ تعالى ـ: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } (2)
الفصل الثاني: الإجهاض وأقسامه
ويشمل مبحثين وتحت كل مبحث مطالب.
المطلب الأول: تعريف الإجهاض.
المطلب الأول: الإجهاض في اللغة.
المطلب الثاني: الإجهاض عند الفقهاء.
المطلب الثالث: الإجهاض عند الأطباء.
المبحث الثاني: أقسام الإجهاض.
المطلب الأول: إجهاض تلقائي.
المطلب الثاني: إجهاض مفتعل أو محرض.
المطلب الثالث: إجهاض علاجي.
المطلب الرابع: العوامل المؤدية إلى الإجهاض.
المطلب الخامس: أهم وسائل الإجهاض.
الفصل الثاني
المبحث الأول: الإجهاض وحكمه
المطلب الأول:
الإجهاض في اللغة:مصدر أَجْهَضَ، وَأَجْهَضَتْ المرأة ولدها أَسْقَطََتْهُ ناقص الخلق، فهي جَهِيضٌ وَمُجْهِضَةٌ بالهاء الأخيرة، ويُقال: أَجْهَضَتْ جنينها، وفي الحديث ( فَأَجْهَضَتْ جنينها)) (3) ( فهي مُجْهِضٌ، وَمُجْهِضَةٌ، والجمع مَجَاهِيضٌ وَمَجَاهِضٌ ،والولد مُجهَِضٌ وَجَهِيضٌ) (4) (. ويصدر الإطلاق اللغوي على سقوط الجنين بفعل فاعل أوتلقائيّاً.
__________
(1) صحيح مسلم ، الأشربة ، باب أن كل مسكر خمر ، 3/ 1785 ، رقم: 20001.
(2) سورة طه الآية: 124.
(3) المطلع على أبواب المقنع،لمحمد بن أبالفتح البعلى الحنبلى أبو عبد الله،1/364 ،المكتبة الإسلامي بيروت.1401ه –1981م
(4) المصباح المنير،لأحمد بن محمد بن على الفيومي،مادة جهض ص/44. (1/26)
صفحة 27
ورد فى المعجم الوسيط: أنّ مجمع اللغة العربية أقرّ إطلاق كلمة " إجهاض " على خروج الجنين قبل الشهر الرابع، وكلمة "إسقاط " على إلقائه ما بين الشهر الرابع والسابع) (1) ( . وقال الأصمعي: أنه يسمى مجهضا إذا لم يستبن خلقه، وقال: هذا أصح من قول الليث إنه الذي تم خلقه ونفخ فيه الروح من غير أن يعيش ) (2) (.
وقال المتنبي:
وأسقطت الأجنة والولايا وأسقطت الحوامل والسقايا) (3) (
المطلب الثاني:
الإجهاض عند الفقهاء: معنى الإجهاض عند الفقهاء لا يخرج عن المعنى اللغوي، فقد عرفه بعض الفقهاء بأنه: إسقاط المرأة جنينها بفعل منها أو من غيرها عن طريق دواء أو غيره ) (4) (.
وعرفه بعض بأنه إسقاط حمل المرأة بعد استقراره في رحمها سواء كان قبل التخلق أو بعده
وقيل: إذا أسقطت المرأة الولد بعلاج أو شربَتْ دواء تعمّدَتْ به إسقاطه، بمعنى أَجْهَضَتْهُ (5) .
ولهم اصطلاحات أخرى عنه، منها: الإملاص والإلقاء والطرح) (6) (.
المطلب الثاني:
الإجهاض عند الأطباء.
اختلف الأطباء في في تعريف الإجهاض، ولكن منطلق الخلاف يكمن في عمر الجنين من حيث نفخ الروح واستكمال خلقته.
__________
(1) المعجم الوسيط،للدكتور إبراهيم أنيس ومن معه 1-2 /142
(2) موسوعة الفقه الإسلامى المقارن ، لجمال عبد النا صر القاهرة 3/157، 1410هـ/1990م
(3) ديوان المتنبى ،لأبي البقاء العكبري ، 1/77، دار الفكر بيروت .
(4) موقف الشريعة الإسلامية من تنظيم النسل ن الزين يعقوب الزبير ، ص: 286 ،دار الجيل بيروت.
(5) الفتاوى الهندية ، للشيخ النظام ، دار إحياء الثراث العربي ـ لبنان ، 3/401، 1406هـ ـ 1986م ، ط، 4.
(6) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، 8/ 389 ـ سبق ذكره. (1/27)
صفحة 28
ويعرفه بعض الأطباء بأن الإجهاض ( Abortion) من الوجهة الطبيّة: هو سقط الحمل من داخل الرحم قبل أن يُصْبِحَ قادراً على الحياة بذاته أي قبل الأسبوع الثاني والعشرين أو بلوغه وزن (g500)جم أو أكثر) (1) (.
ويعرفه بعضهم الآخر بأنه خروج الجنين قبل بداية الشهر السادس للحمل أي قبل واحد وعشرين أسبوعاً ) (2) (.
ويعرفه آخرون بأنه خروج محتويات الرحم قبل عشرين أسبوعا من الحمل.) (3) (
وقال بعضهم بأنه نهاية الحمل قبل الأسبوع الثامن والعشرين من بداية الحمل، ويعللون ذلك: بأن الطّفل الذي يكمل ثمانية وعشرين أسبوعا في بطن أمه قد يُولَد حياً ويعيش سليماً بعد ذلك، وأما إذا أكمل ثلاثين أسبوعاً فتزداد نسبة مقدرته على الاستمرار في الحياة.) (4) (
وحسب اطلاعي أرى أن هذه التعريفات غير جامعة ولا مانعة،لأنه ثبت حديثا بأن الجنبن يبدأ تكوّنه منذ تلقيح البييضة، بناء على هذا فالتعريف بمعنى الواسع الممتد الذي أحسبه موافقاً:هو أنه إسقاط الجنين من رحم المرأة بسبب داخلي أو خارجي، منذ تلقيح البويضة إلى الشهر الثامن مع عدم استطاعته الحياة خارج الرحم هو الإجهاض.
المبحث الثاني: أقسام الإجهاض
من أهم أقسام الإجهاض:
المطلب الأول: إجهاض تلقائي:( Spontaneous Abortion).
__________
(1) الحمل والولادة والعقم عند الجنين ، لمحمد رفعت ـ ص: 163 ،دار المعرفة ـ بيروت ، ( 1408هـ ـ 1988م)
(2) حياة المرأة وصحتها ـ للدكتور رمسيس فرج ، دار الجيل ـ القاهرة ، سينا للنشر ـ بيروت ، ص: 131)1408هـ ـ 1988م).
(3) مجلة الحكمة ، العدد 9 ، صفر 1417هـ بريطانيا ، ص/127.
(4) العقم أسبابه وطرق علاجه ، للدكتو اليوث فيليب ، ترجمة : الدكتور ، عبيد عمر ، ص: 165 ، دار النفائس بيروت ،ط 2، ( 1406هـ 1986م). (1/28)
صفحة 29
هذا النوع من الإجهاض يسمى إجهاضاً طبيعيّاً لأنه يحدث تلقائيّاً بدون أيّ تدخل خارجي بأي صورة ومسبباته داخلية محضة، وهذا النوع من السقط مذكور في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
قال ـ تعالى ـ: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } . (1) )
وقال ـ - عليه السلام - ـ:( إذا وقعَتْ النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يارب مخلقة أم غير مخلقة فإن قال: غير مخلقة ـ مجّتها الأرحام دماً ) ) (2) (
وتتعلق غالباً بأمراض تصيب الأم الحامل أو الجنين مثل: مرض السكري وبعض أمراض الزهري والحصبة الألمانية. كما أنّ الله ـ - عز وجل - ـ جعل الحمل وسيلة للمحافظة على الجنس، لأن كثيراً من حالات الإجهاض يكون فيها الجنين مشوهاً.) (3) (
ويشكل هذا النوع من الإجهاض 60% إلى 70% من جميع حالات الإجهاض وبعد فحص الأجنّة وُجِد أنّ ثلثها به خلل في الصبغيات، فرحمة من الله ـ تعالى ـ أن يسقط هذا الجنين إذ لو عاش لخرج مشوّه الخلقة ويعاني من أمراض خلقية لا حصر لها،كما سيتعب أبويه مادياً ونفسياً ثم لا يمكنه العيش بعدها.) (4) (
المطلب الثاني:
إجهاض مفتعل( Artificial Abortion) أو محرض (Induced)
__________
(1) سورة الحج الآية: 5.
(2) جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا ، لابن رجب الحنبلي ، 1/160.
(3) حياة المرأة وصحتها ص: 132.
(4) خلق الإنسان بين القرآن والطب ، ص: 428. (1/29)
صفحة 30
هو الإجهاض السري غير الشرعي الذي تقوم به الحامل بنفسها أو تجريها قابلات غير قانونية أو مشعوذات لمنع استمرار الحمل السفاح أو أيّ حمل آخر.) (1) ( ورغم أن الإجهاض غير مباح في كثير من دول العالم إلاّ أنه واسع الانتشار ويجري سراً وينتج عنه وفيات عالية جدّاً مع أمراض شديدة تصيب الجهاز التناسلي للمرأة مما يسبب العقم والنزيف والتهاب الرحم أو تكرار الإجهاض أو الحمل خارج الرحم . ويتم هذا النوع من الإجهاض من قبل المرأة بتناول
العقاقير أو المواد أو بإدخال جسم غريب في الرحم كالعود الخشبى أو إبرة طويلة أو سلك أو أية آلة طبيّة حادة. وفي بعض الحالات تستعمل الحوامل المهن الطبيّة المساعدة المحبس الرحمي أو
القسطرة لفتح عنق الرحم. وقد تلجأ الحوامل أيضاً إلى إحداث إصابة مباشرة للبطن مثل: التدليك العنيف أو الضرب أو القفز على البطن أو وضع أشياء ثقيلة على البطن.) (2) (
المطلب الثالث:
الإجهاض العلاجي( therapeutic abortion)المشروع (legal)
هذا النوع من الإجهاض مسموح به في حدود ضيقة جدّاً، وهو إجهاض يلجأ إليه الطبيب للمحافظة على حياة الأم عند ما تُصاب بحالات مرضية محدودة ومعروف استحالة علاجها مع استمرار الحمل، وقد يُؤَدى إلى وفاة الأم لو استمرحملها.) (3) ( وذلك بناء على قول أكثر العلماء والقوانين الصحية المبنية على رأي أكثر الأطباء في تخصصات مختلفة، كأن تكون الحامل مصابة بمرض مزمن تزداد حدته بحدوث الحمل أو أنها مصابة بارتفاع شديد في ضغط الدم أو هبوط في القلب قد يُؤَدى الحمل إلى تعريض حياة الحامل للخطر.
__________
(1) موسوعة المرأة الطبية ، للدكتور سيرفاخوري ، ص: 178ـ طبعة الثالث ـ دار القلم للملايين .
(2) حياة المرأة وصتحها ص: 138.
(3) قواعد وزارة الصحة والمنظمة لعملية الإجهاض العلاجي المادة 24 . (1/30)
صفحة 31
وهنا يجب التنبيه إلى نقطة خطيرة ومهمة وهي: أنّ الحالات المرضية المعدية أصبحت قليله جدّاً. ففي السنوات الماضية تطوّر الطب العلاجي وأصبح بالإمكان علاج كثير من الأمراض المستعصية والتي كانت تُؤَدى إلى الوفاة، مثال: إصابة المرأة الحامل بداء القلب، وكانت أمراض القلب من أكثر أسباب وفيات الأمهات، وبتقدّم العلم والطب أصبح بالإمكان إجراء بعض التدخلات الجراحية في أثناء فترة الحمل، مثل جراحات القلب المفتوح وتوسيع الصمامات، إلا أنّ هناك حالات معينة يصعب علاجها، ومعروف أنها
تحمل معدل وفيات عال بين الأمهات وعلى سبيل المثال ارتفاع الضغط الرئوي الأول((Primary Pulmonary Hypertension)) (1) (.
المطلب الرابع: العوامل المؤدية إلى الإجهاض.
العوامل التي تُؤَدي إلى الإجهاض لها نواح طبية واجتماعية وإنسانية، وقد أصبحت هذه العوامل تشمل ما يلي:
? 1ـ الدواعي الطبية وتأثيرها على صحة الحامل وحياتها.
? 2ـ الدواعي الإنسانية مثل إجهاض الحمل في حالات الاغتصاب أو وقاع القاصر والمتخلف عقليّاً.
? 3ـ الدواعي الاجتماعية مثل كثرة عدد الأطفال حيث تتدخل بعض الدول في الحد من التناسل عن طريق عدم السماح للزوجين بإنجاب أكثر من طفل واحد ، كما هو الأمر في الصين .) (2) (
4- الدواعي المتعلقة بالجنين مثل إصابته بالتشوّهات أو الأمراض الوراثية، وهو أن يغلب على ظن الطبيب أنّ الجنين سيُولد ـ لأمر ما ـ مشوّهاً أو ناقص الخلقة.) (3) (
وأورد هنا أمثلة على ذلك:
__________
(1) المرجع نفسه.
(2) الإجهاض بين الشريعة والقانون ، للدكتور محمد واصل ، ص: 3 جامل دمشق ـ كلية الحقيق ـ 1988م.
(3) مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجا ، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، مكتبة الفارابي ، ص: 88 دمشق ـ سوريا ط4، (1396هـ 1976م). (1/31)
صفحة 32
1 -كأن يكون قد سبق للمرأة أن أَنْجَبَبَت طفلاً مشوّهاً ويتوفى بعد الولادة بأيام وتخشى الأم من ولادة جنين مشوّه آخر وهي حامل وتود إجراء عملية إجهاض لهذا الحمل.
2 ـ إذالم تكن تعرف أنها حامل وكانت برفقة ابنها الصغير عند عمل أشعة للصدر لابنها، وقال لها الطبيب إنّ تعرضها للأشعة من أسباب ولادة جنين مشوّه.) (1) (
لكن مهما تكن الأسباب الداعية إلى الإجهاض، فإن الدين والقانون يقف منه موقف المعارض من حيث المبدأ بوصفه يشكل اعتداء خطيرا على أهم الحقوق وأقدسها ألا وهو
الحق في الحياة للجنين، ولكن مع هذا قد تقتضي الضرورة وجود بعض الاستثناءات من هذا المبدأ، لهذا فإننا سنحاول أن نعرض لموقف الشريعة الإسلامية من الإجهاض في المباحث القادم إن شاء الله ـ تعالى ـ.
المطلب الخامس: أهم وسائل الإجهاض.
هناك عدة طرق للإجهاض، ويتوقف اختلافها على مرحلة الحمل وعلى حجم الطفل المشرف على الولادة، ومن أهم هذه الطرق ما يلي:
(1) الإجهاض الكيماوي:
هذا النوع من الإجهاض يُستعمل كيماويات طَوَّرَتْهَا شركة المستحضرات الصيدلية(Upjohn Pharmaceuticals) وتعمل على انقباض عضلة الرحم، مثل التحامل المهبلية التي تستخدم لتحريض الولادة وغيرها، مثال تلك التحاميل: البروستاجلدن (Prostaglandin ) أو مركبات الأرغوت (Ergot).
وهذه لا تُؤَثرُ على الحمل في الشهور الأولى إلاّ إذا أُعْطِيَتْ فيه كمية كبيرة وتدفع الطفل النامي إلى الخارج. فكثيراً ما يقتل بها الطفل، وأحياناً فإنّ بعضهما ينقطع رأسه، ومع ذلك فإنّ بعضهم يُولدون أحياء.) (2) (
(
__________
(1) قواعد وزارة الصحة ، المادة الرابع والعشرون.
(2) ملاحظة: إن هذا المطلب لم أجد له مصدرا يتحدث عنه بمثل هذه الطريقة وبهذا التفصيل ولكن استعنت ذلك بالشبكة المعلوماتية للبحث عنه ، فالحمد لله أني وحدته على هذه الكيفية ، ولم أستطع أن ألخص لأن كل نقطة منه مهمة جدا ، وذلك لغرض الفائدة. (1/32)
صفحة 33
2) الإجهاض الجراحي: وهذه الطريقة تشمل:
1ـ الإمتصاص:هذه هي طريقة الإجهاض الأكثر اتباعاً خلال الأنثي عشر الأسبوعاً الأولى من الحمل، وقد يُعطي تخديراً ( Anesthesia) عمومياً أو موضعياً للأم ولعنق رحمها للتمدد السريع،بوساطة مجرفة مصاصة (أنبوب فارغ مع سكين على الرأس ) تدخل داخل الأحشاء عند ما تُوصلُ هذه الآلة لمكنسة كهرباية (Vacuum Machine)
من خلال الأنبوب، تمزق الجنين ومشيمة الجنين إلى قطع صغيرة، تُسحب من خلال الأنبوب إلى قنينة وتُرمى في النفايات.
2ـ التمدد والجرفD&C Dilation & curettage.
هذه الطريقة مشابهة لطريقة الامتصاص مع الزيادة لكلاب(Cramp) سكني الشكل ( مجرفة / Curette) يقطع الطفل إلى قطع صغيرة.وتكشط القطع إلى الخارج من خلال عنق الرحم وتُرمى في النفايات.
3ـ الملح المسمم (Salt Poisoning Saline Injection )
ويُستعمل بعد الأسبوع السادس عشر من الحبل عند ما تكون قد تَجَمَعَتْ سوائل كافية، تحقن خلال بطن الأم محقنة ملح قوي منحل في كيس الطفل، ويبلع الطفل السوائل والسم الموجود فيه. ويعمل هذا في إحداث تآكُل، ويحرق الطبقة الخارجية للجلد.عادة تاخذ نصف ساعة لكي يموت الطفل، وخلال 24 ساعة عادة ستحصل الولادة، وتلد الأم طفلاً ميتاً، وهناك عدة حالات يُولد فيها أطفال أحياء وعادة ما يتركون بدون عناية حتى يموتوا.
4ـ التمدد والتفريغ:
تُستعمل هذه الطريقة في الأسبوع الثامن عشر من الحبل، وبدل استعمال السكين حيث تشكل الحلقة في إجهاض التمدد والتفريغ، يستخدم الكلاب ( ملقط ) يدخل إلى الأحشاء ويمسك قسم من الجنين بأسنان الكلاب وتُلْوَى وتُمزّق عظام الطفل المشرف على الولادة. وتُعاد هذه العملية حتى تُقطع أَوصاله وتُزال. وعادة يجب أن يُسحب العمود الفقري وتحطم الجمجمة لترتيب سحبها.
5ـ استئصال الرحم لاستخراج الجنين. (1/33)
صفحة 34
يقوم بعض الأطباء بإجراء هذه العملية بناء على رغبة المريضة، وتستخدم هنا موسعات للرحم وملعقة التجريف ( الكحت ) لتفريغ الرحم في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، ويدخل إلى الأحشاء، من خلال البطن، هذه الطريقة مشابهة لولادة اسئصال الرحم أو الكشف القيصري، هكذا ينقطع تزويد الأكسجين (oxygen) على الطفل
ويُسبب له الخنق. وفي بعض الأحيان ينزع الطفل حياً وببساطة يُترك في زاوية ويموت من الإهمال أو التعرية) (1) (.
وَأَحْدَثَ عملية إجهاض تُعرف اليوم بالشفط (Aspiration) حيث يتم انتزاع الجنين من الرحم بواسطة أنبوب له طرف حاد، يُمزِّق الطفل شَرَّ تمزيق بسرعة تفوق سرعة المكنسة الكهربائية.
الفصل الثالث: حكم الإجهاض عند الفقهاء وعقوبته:
ويشمل ثلاثة مباحث وتحت كل مبحث مطالب.
المبحث الأول: أقوال الفقهاء في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح فيه.
المطلب الأول: رأي فقهاء المذهب الإباضي
المطلب الثاني: رأي فقهاء المذهب الحنفي.
المطلب الثالث: رأي فقهاء المذهب المالكي.
المطلب الرابع: رأي فقهاء المذهب الشافعي.
المطلب الخامس: رأي فقهاء المذهب الشافعي.
المطلب السادس: رأي فقهاء المذهب الظاهري.
المبحث الثاني: أقوال الفقهاء في حكم الإجهاض بعد نفخ الروح فيه.
المبحث الثالث: عقوبة الإجهاض.
ويشمل أربعة مطالب.
المطلب الأول: تحقق الجناية
المطلب الثاني: العقوبة الأصلية للإجهاض.
المطلب الثالث: من تلزمه الغرة
المطلب الرابع: العقوبة البدلية للإجهاض.
المطلب الخامس: عقوبة التبعية للإجهاض.
الفصل الثالث
حكم الإجهاض في الفقه الإسلامي
__________
(1) The Muslim Doctor ,& Doctor Jack Willacy , Hayes Publishing CO. Inc,Cincinnati ,1985, Abortion
Question & Answers . (1/34)
صفحة 35
إنّ مما لاشك فيه أنّ هذه المسألة تدخل في الدائرة التي تسمح قواعد الشرع بالاجتهاد فيها، وهذا هو الذي فهمه المسلمون القدامى، فقد اجتهدوا فيها، واختلفوا في كثير من جوانبها اختلافاً كثيراً. ولكننا نستطيع أن نجزم بأنّ جميع الفقهاء الذين بحثوا في حكم الإجهاض تأثروا بصورة متفاوتة بحديث نفخ الروح الذي رواه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ـ قال:( إنّ أحدكم يُجْمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُبعث إليه ملك، فَيُؤْمَرُ بأربع كلمات، ويُقَالُ له: اكتب عمله، وأجله، وشقي أم سعيد، ثم يُنْفَخُ فيه الروح ). (1)
المبحث الأول: أقوال الفقهاء في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح
الأصل في الإجهاض هو الحرمة، وإن كانت الحرمة تكبر وتعظم كلما استقرت حياة الجنين، فهو في الأربعين الأولى أخف حرمة. فقد يجوز الإجهاض لبعض الأعذار المعتبرة، وبعد الأربعين تكون الحرمة أقوى، فلا يجوز إلا لأعذار أقوى يُقدّرها أهل الفقه، تتأكد الحرمة وتتضاعف بعد مائة وعشرين يوماً، حيث يدخل في مرحلة الضرورة القصوى، بشرط أن تثبت الضرورة لا أن تتوهم، وإذا ثبتت فما أبيح للضرورة يقدرها بقدرها. (2)
ومن واجب الفقيه المسلم أن يقف أمام هذه القضايا المعروضة، ليقرر عدة حقائق من أهمها:
__________
(1) صحيح البخاري ، محمد بن إسمائيل أبو عبد الله البخاري الجعفري ، كتاب بدء الخلق 3/ 4711 ، رقم 3036 . صحيح مسلم، كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه 4 / 2036، رقم: 2643
(2) الحلال والحرام في الإسلام ، للدكتور يوسف القرضاوي ، ط 1 سنة 1396هـ 1976م مكتبة وهبة ـ القاهرة. (1/35)
صفحة 36
ـ أنّ الجنين في نظر الشريعة الإ سلامية حياة محترمة بوصفه كائناً حيّاً يجب المحافظة عليه حتى أنّ الشريعة تجيز للحامل أن تفطر في رمضان لسبب حياة الجنين، وقد تُوجب ذلك عليها إذا خافت على حملها من الصيام. ومن هنا حرمت الشريعة الاعتداء عليه ولو كان الاعتداء من أبويه، بل لو جاء ذلك من أمه التي حملته وهنًا على وهنٍ.
حتى في حالة الحمل الحرام ما جاء عن طريق الزنى لا يجوز لها أن تسقطه، لأنه كائن إنساني حي لا ذنب له { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } . (1)
وقد رأينا الشرع يُوجب تأخير القصاص من المرأة الحامل المحكوم عليها بالقصاص، ومثلها المحكوم عليها بالرجم حفاظاً على جنينها، كما في قصة الغامدية المروية في الصحيح، لأنّ الشرع جعل لوليّ الأمر سبيلاً عليها ولم يجعل له سبيلاً على ما في بطنها.
كما أن الشريعة تُوجب الدية كاملة على من ضرب بطن امرأة حامل، فألقت جنيناً حيّاً، ثم مات من الضربة، نقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على ذلك. (2)
فمن الفقهاء من أجاز الإجهاض في المرحلة السابقة لنفخ الروح إذا دعت إليه حاجة، على اعتبار أنّ الحياة لم تدب فيه بعد، فهو في نظرهم مجرد سائل، أوعلقة من دم أو مضغة من لحم. (3)
__________
(1) سورة الإسراء الآية: 15.
(2) المغني مع الشرح الكبير على متن المقنع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ،للإمامين موفق الدين ابني قدامة ط 1، 9 / 550، دار الفكر بيروت ـ لبنان، 1404هـ 1984م.
(3) . الطبيب أدبه وفقهه، للدكتور زهير السباعي د/ محمد علي البار ط، 2 1404هـ 1997م دار القلم ـ بيروت. (1/36)
صفحة 37
يقول بعض علماء الطب والتشريح تعليقاً على قول من أجاز من الفقهاء إسقاط الجنين قبل نفخ الروح، إنّ هذا الحكم من هؤلاء العلماء الأجلاء مبني على معارف زمنهم. ولو عرف هؤلاء العلماء ما عرف اللاحقون من حقائق علم الأجنّة اليوم عن هذا الكائن الحي المعتبرة الذي يحمل خصائص أبويه وأسرته وفصيلته ونوعه، لغيروا حكمهم وفتواهم، تبعاً لتغير العلة، فإنّ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. (1)
ومن لطف الله بعباده أنّ علماء الأجنّة والتشريع أنفسهم اختلفوا كما اختلف الفقهاء في تقييم حياة الجنين في مراحله الأولى قبل الاثنين والأربعين يوماً وقبل المائة والعشرين يوماً. وكان اختلافهم هذا مؤيداً قوياً لاختلاف الفقهاء في جنين ما قبل الأربعين وما قبل الأربعينات الثلاثة. ولعل هذا رحمة الله بالناس ليظل للأعذار والضرورات الحقيقة موضعها .
ولابأس أن نذكر هنا بعض ما قاله الفقهاء في هذا المجال.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري**: بعد كلام طويل عن العزل
"وبعد أن ذكر اختلاف العلماء في جوازه ومنعه، ومال في النهاية إلى ترجيح الجواز وعدم نهوض أدلة المانعين.وينتزع من حكم العزل معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح، فمن قال بالمنع هنا، ففي هذه الحالة أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن يلحق به هذا، ويمكن أنه يفرق بأنّه أشد، لأنّ العزل لم يقع فيه تعاطى السبب، ومعالجة السقط تقع بعد تعاطى السبب" (2)
المطلب الأول: رأي فقهاء المذهب الإباضي
__________
(1) الطبيب أدبه وفقهه، للدكتور زهير السباعي د/ محمد علي البار ص:167
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ،للحافط شهاب الدين أبي الفضل العسقلاني المعروف بابن حجر (773ـ 852 هـ)،11/222 ،مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر ـ 1387هـ 1959م . (1/37)
صفحة 38
أجمع فقهاء المذهب الإباضي على تحريم إسقاط الجنين في جميع مراحل تخلقه، فإنهم قد أوجبوا الضمان على المسقط ولو كان السقط نطفة (1) . وأسقطوا حق الميراث عن المتسبب في إسقاطه وهو ظاهر كلام الشيخ القطب في شرح كتاب النيل حيث أوجب على المسقط
الضمان ولا يجب إلا في فعل فيه تفويت لمنفعة، وتفويت المنفعة من غير موجب لتفويتها حرام (2) .
المطلب الثاني: رأي فقهاء مذهب الحنفية
اختلف فقهاء المذهب الحنفي في الإجهاض قبل نفخ الروح إلى عدة أقوال:
القول الأول: القول بالإباحة مطلقاً، سواء كان لعذر أم لغير عذر بشرط أن يكون بإذن صاحبي الحق، وهو الزوج والزوجة.
ومنهم من فرّق بين مرحلة تخلق الجنين ومرحلة ما قبل تخلقه، فرخص في الإجهاض قبل التخلق دون ما بعده. وفي " النوادر " من كتب الحنفية:( امرأة عالجت إسقاط ولدها لا تأثم ما لم يستبن شيء من خلقه) (3)
وجاء في حاشية ابن عابدين "إنّ فقهاء المذهب قالوا: يُباح لها في استنزال الدم ما دام الحمل مضغة أو علقة لم يخلق له عضو، وقدروا تلك المدة بمائة وعشرين يوماً. وإنما أباحوا ذلك لأنه ليس بأدمي (4) "
__________
(1) المصنف ،لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزوي 41/ 173 ، سنة 1404هـ 1984م ، وزارة الثراث القومي والثقافة ، سلطنة عُمان.
** ابن حجر أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن الشافعى الإمام الحافظ،ت 765هـ.
(2) كتاب شرح النيل وشفاء العليل ، الشيخ محمد بن يوسف أطفيش،15/ 152 ،ط،3 ، 1405هـ 1985م.
(2) البحر الرائق، لابن نجيم، 8/ 233، ط 1، دار المعرفة ـ بيروت.
(4) رد المختار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين ، لمحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي ، 3 /176 ، ط 3 ( 1272هـ 1966م ) دار الطباعة ـ المصرية . (1/38)
صفحة 39
وظاهر الكلام أنهم يعنون بذلك عدم نفخ الروح فيه، إذلا يرون استبانة شييء من خلقه إلاّ بعد مائة وعشرين يوما.فقد جاءت عباراتهم مطلقة من غير تقييد، ولكنهم يشترطون في الإباحة عدم تفويت حق الزوج والزوجة. بمعنى لا يجوز لأجنبي أن يسقط حمل الزوجة إلاّ بإذنها وإذن زوجها، فإ ن فعل ذلك بجناية على الأم كان عليه تعويض يقدر ه أصحاب الخبرة ولا يوجبون الغرة عليه، لأن الغرة لا تجب عندهم إلاّ على من نفخ فيه الروح. وكذلك إذا أسقطت الزوجة جنينها بغير إذن زوجها كانَتْ آثمة، وعليها التعويض أيضاً، لأنّ للزوج حقاً في الجنين وإن لم تنفخ فيه الروح، ولكن الحرمة لم تكن من قتل الجنين، وإنما لتفويت حق الغير بغير إذنه. (1)
وجاء في فتح القدير أنه يُباح الإسقاط مالم يتخلق منه شيء أي قبل نفخ الروح فيه، ثمّ في غير موضع قالوا: ولا يتخلق إلاّ بعد مائة وعشرين يوماً.
وقال المحقق الحنفي كمال بن الهمام: وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح، وإلاّ فهو غلط، لأنّ التخليق يتحقق بالمشاهدة قبل هذه المدة (2) . وهذا الكلام يقره العلم في عصرنا.
القول الثاني: ذهب هؤلاء الفقهاء إلى رفض الإباحة مطلقاً، وقالوا: لا نقول بالحل، إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه، لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤاخذ بالجزاء، فلا أقل من أن يلحق الأم التي تُجْهض جنينها قبل نفخ الروح فيه شيء من الإثم، لكن ليس مثل الإثم الذي يترتب على قتل الجنين بعد نفخ الروح فيه (3) ، غير أنهم يرون إباحته لعذر مقبول، وذكروا من الأعذار
ما لو ظهر بمرضع حمل وانقطع لبنها وليس لأبى الصبي ما يستأجر به ظئرًا لترضع ولده ويخاف هلاكه.
__________
(1) شرح فتح القدير ، لمحمد عبد الواحد السيواسي ، ط، 2 ، 2/ 416، دار الفكر ـ بيروت.
(2) حاشية ابن عابدين ،3/176.
(3) حاشية ابن عابدين ، 3/176-177. (1/39)
صفحة 40
القول الثالث: ذهب هؤلاء الفقهاء إلى جوازه مع الكراهة، قالوا: فإنّ الماء بعد ما وقع في الرحم مآله الحياة، كبيضة صيد الحرم، ولذا قال أهل التحقيق منهم: فإباحة الإسقاط محمول على حالة العذر، أو أنها لا تأثم إثم القتل (1) .
المطلب الثالث: رأي فقهاء المالكية
فقهاء مذهب المالكية أيضاً اختلفوا في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح إلى عدة أقوال:
القول الأول: التحريم مطلقاً، يحرم الإجهاض بعد استقرار المنيّ في الرحم، وهذا قول جمهور المذهب قال الدريرير: لا يجوز إخراج المنيّ المتكوّن في الرحم ولو قبل الأربعين يوماً (2)
ونُقل عن ابن العربي قوله: "للولد ثلاثة أحوال:حالة قبل الوجود ينقطع فيها بالعزل، وهو جائز، وحالة بعد قبض الرحم على المنيّ، فلا يجوز لأحد عندئذ التعرض له بالقطع من التولد، كما يفعله سفلة التجار من سقي الخدم عند استمساك الطمث الأدوية التي ترخيه، فيسيل المنيّ منه، فتنقطع الولادة، وحالة بعد انخلاقه قبل أن يُنفخ فيه الروح وهو أشد من الأولين في المنع والتحريم" (3) .
ـ القول الثاني: ذهب بعض الفقهاء المالكية إلى كراهية إسقاط الجنين بعد تكوّنه في الرحم قبل الأربعين، ويحرم بعد ذلك (4) .
-القول الثالث: وذهب البعض إلى أنه يُرخص بالإجهاض قبل نفخ الروح إذا كان الجنين من ماء الزنى، وبخاصة إذا خافت المرأة القتل بظهور الحمل (5) .
__________
(1) المرجع نفسه،3/176-177.
(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ، لأبي البركات سيدي أحمد الدريرير ، طبعة عيسى الحلبي ، 2 / 267 ، دار الفكر.
(3) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني : لمختصر خليل أبو عبد الله سيدي محمد بن المدني علي كنون ، ط، 1 المطبعة الأميرية ببولاق مصر المحمدية ، 3 / 264 ، 1306هـ
(4) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ، 3/ 267.
(5) فتح العلي المالك ، للشيخ محمد عليش ، 1/ 399 طبعة مصطفى الحلبي ، 1958. (1/40)
صفحة 41
-القول الرابع: ذهب اللخمي** من علماء المالكية إلى أنّ الإجهاض قبل الأربعين مباح ولا شيء فيه (1) .
وخلاصة أقوالهم: أنهم مجمعون على تحريم الإجهاض إذا كان بعد الأربعين، وأمّا قبل الأربعين فيرى جمهورهم التحريم، وبعضهم يرى الكراهية واللخمي يرى الإباحة، ويرى بعضهم الرخصة فيه قبل نفخ الروح إذا كان الجنين من الزنى.
المطلب الرابع: رأي فقهاء المذهب الحنبلي
اختلف فقهاء الحنابلة إلى عدة أقوال:
القول الأول : ذهب بعض فقهاء المذهب إلى إباحة الإجهاض قبل نفخ الروح مطلقاً من غير تقييد بمرحلة معينة (2) .
القول الثاني: وذهب ابن الجوزي من فقهاء المذهب إلى تحريم الإجهاض قبل نفخ الروح في جميع مراحل الجنين. (3)
القول الثالث: وهو القول بالإباحة ولكن بعذر، والذي يظهر من مجموع أقوالهم:أنّ الراجح في المذهب الإباحة في مراحل تكوّن الجنين، وهي مرحلة النطفة، ومدتها أربعين يوماً، ولا يجوز إسقاط الجنين بعد الأربعين، وذلك أنّ طائفة من علمائهم نصوا على أنه يجوز شرب الدواء لإسقاط نطفة.
قال ابن رجب الحنبلي: صرّح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة لم يجز للمرأة إسقاطه، لأنه ولد انعقد بخلاف النطفة فإنها لم تنعقد بعد ولداً (4) .
وقال ابن رهبان: فإباحة الإسقاط محمولة على حالة العذر أو أنها لا تأثم إثم القتل (5) .
__________
(1) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني ، 3/ 264.
** هو أبو عبد الله زياد بن عبد الرحمن ابن زياد بن عبد الرحمن بن زهير بن ناشرة اللخمي الأندلسي صاحب مالك ت: 748.
(2) الإنصاف في معرفة الراجح على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، لعلاء الدين المرداوي ط، 2 ، 1/387 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت.
(3) المرجع نفسه 1/ 386.
(4) جامع العلوم والحكم ، لابن رجب الحنبلي ، ص46 ، دار المعرفة للطباعة والنشر ـ بيروت.
(5) حاشية قليوبي على شرح المحلى ، للقيلوبي 3/ 159 ـ 160 ، الدار التونيسية. (1/41)
صفحة 42
المطلب الخامس: رأي فقهاء المذهب الشافعي
من فقهاء المذهب الشافعي من فرق بين الحمل قبل الأربعين والحمل بعد الأربعين، فأجاز الإسقاط قبل الأربعين لا بعدها. ولعل محور هذه التفرقة هو حديث مسلم الذي ذكرناه.
ففي " نهاية المحتاج "، ذكر اختلاف أهل العلم في النطفة قبل تمام الأربعين على قولين:
القول الأول : لا يثبت لها حكم السقط والوأد ، وهذا القول المعتمد عليه عندهم، أنه جائز ما دام الجنين لم يُنفخ فيه الروح.
قال الزركشي من علماء الشافعية:سألت أبا بكر بن أبي سعيد الغزالى رجل سقى جاريته شراباً لتسقط ولدها فقال:"ما دامت نطفة أو علقة فواسع إن شاء الله. (1) .
وبشأن إسقاط جنين السفاح قال الرملي: لو كانت النطفة من زنى فقد يتخيل الجواز قبل نفخ الروح (2) .
القول الثاني: لها حرمة، ولا يباح إفسادها، ولا التسبب في إخراجها بعد استقرارها في الرحم. وهؤلاء لم يجيزوا الإجهاض ولو قبل نفخ الروح فيه، ومن هؤلاء العلماء الإمام الغزالي، رغم إجازته للعزل لمسوغات معتبرة عنده ويفرق بوضوح بين منع الحمل بالعزل وبين إسقاطه بعد وجوده، فيقول: وليس هذا أي المنع بالعزل كالإجهاض والوأد، لأنّ تلك جناية على وجود
حاصل، والوجود له مراتب، وأوّل مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم، وتختلط بماء المرأة، وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغة وعلقة، كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشاً. ومنهي التفاحش في الجناية هي بعد الانفصال حياً. (3)
__________
(1) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج في الفقه على المذهب الشافعي ، لمحمد بن أبي العباس المشهور بالشافعي الصغير، 8/ 446 ، دار الفكر ، طبعة الأخيرة ، 1404هـ ـ 1984م.
(2) نهاية المحتاج،للرملي 8/ 416 ط الحلبي.
(3) إحياء علوم الدين للإمام حامد الغزالي ، ربع العادات ، كتاب النكاح ، ص: 737 ، ط الشعب. (1/42)
صفحة 43
ونلاحظ أنّ الغزالي_ رحمه الله _يعتبر الإجهاض جناية على وجود بشرى حاصل، مع أنه يعبر عن التقاء نطفة الرجل بماء المرأة بأنه " استعداد لقبول الحياة ". ولهذا نقول بأنّ الأصل في الإجهاض هو الحرمة.
المطلب السادس: رأي فقهاء المذهب الظاهري
ليس لابن حزم رأي صريح في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح، ولكنه جزم بأنّ إسقاط الجنين قبل تمام الأربعة أشهر لا يعتبر قتلاً لا عمداً ولا خطأً، لأنّ القتل يكون بإزهاق الروح ولا روح لهذا الجنين حيث صح عن الرسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - أنّ الروح لا ينفخ في ابن آدم إلاّ بعد أربعة أشهر من بداية الحمل، ولكنه مع ذلك يرى أنه تجب فيه الدية مهما كان عمره، ولا تجب فيه كفارة، وها هي عبارته قال: "من ضرب حاملاً فأسقطت جنيناً فإن كان قبل الأربعة أشهر قبل تمامها فلا كفارة في ذلك، لكنّ الغرة واجبة فقط، لأنّ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حكم بذلك ولم يقتل أحداً، لكن أسقط جنيناً فقط،وإذا لم يقتل أحداً لا خطأً ولا عمداً فلا كفارة في ذلك، إذ لا كفارة إلاّ في قتل الخطأ، ولا يقتل إلاّ ذو روح وهذا لم ينفخ فيه الروح بعد". (1)
وعلى قول أحد الباحثين: أنّه لا يمكن لأحد أن يستنبط من كلام ابن حزم أنه يبيح الإجهاض قبل نفخ الروح بل إنّ نسبة القول بالتحريم إليه أولى من من نسبة القول بالإباحة إليه. وذلك أنه وإن لم يعتبر هذا قتلاً لكنه اعتبره فعلاً مستوجباً للضمان، والضمان لا يجب إلاّ في فعل فيه تفويت لمنفعة، وتفويت لمنفعة من غير موجب لتفويتها حرام (2) .
المبحث الثاني
__________
(1) ابن حزم المحلى ، لأبي محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي ، المتوفىـ 456هـ 11/ 30 ، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي ، دار الجيل ـ بيرون.
(2) أحكام الإجهاض ، لمحمد نعيم ياسين ، بمجلة الشريعة والدراسات الإسلامية ، السنة السادسة ، العدد الثالث عشر الكويت ، ص: 262. (1/43)
صفحة 44
أقوال العلماء في الإجهاض بعد نفخ الروح.
لقد اهتمت الشريعة الإسلامية بالجنين، وقررت حرمة المساس به خصوصاً بعد المرحلة التي جاء الحديث بتسميتها، وهي مرحلة "نفخ الروح ".
وأحسب أنّ ذلك شيء غير مجرّد الحياة الحيوانية المعهودة، وإن فهم ذلك الشراح والفقهاء، فالحقيقة التي أثبتها العلم الآن بيقين أنّ الحياة أسبق من ذلك ولكن لعلها دون الحياة الإنسانية التي عبّر عنها الحديث بـ "نفخ الروح" وإليها الإشارة بقوله تعالى: { ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ } (1) .
على أنّ من الأحاديث الصحاح ما خالف حديث ابن مسعود الذي ذكر فيه إرسال الملك لنفخ الروح بعد مائة وعشرين يوماً، فقد روي مسلم في صحيحه حديث حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يقول: ( إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً، فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: ياربّ أَذَكَرٌ أم أُنثى؟...الخ) (2) .
فهذا الحديث جعل بعث الملك وتصويره للنطفة بعد ستة أسابيع أي: اثنين وأربعون ليلة، العجيب أنّ علم الأجنّة والتشريح بعد تقدّمهما اليوم يثبتان أنّ الجنين بعد هذه المدّة (42 ليلة) يدخل مرحلة جديدة ونشأة أخرى، لا بعد مائة وعشرين ليلة (3) ، كما في حديث ابن مسعود المعروف.
وجمع بعض العلماء بين الحديثين باحتمال تعدد إرسال الملك، فمرّة في ابتداء الأربعين الثانية وأخرى في انتهاء الأربعين الثالثة لنفخ الروح فيه (4) . ومن هنا أجمع فقهاء المسلمين على حرمة إجهاض الجنين بعد نفخ الروح فيه، لم يخالف في ذلك أحد من السلف أو الخلف.
__________
(1) سورة السجدة الآية: 59.
(2) صحيح مسلم،4/2037 ـرقم:2645.
(3) علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص: 49.
(4) فتح الباري،14/ 284 ـ ط الحلبي. (1/44)
صفحة 45
فقد يجوز إجهاض الجنين لبعض الأعذار المعتبرة، في حالة الضرورة القصوى، يُشترط أن تثبت الضرورة لا أن تتوهّم، وإذا ثبتت فالضرورة تقدر بقدرها.
والضرورة هنا تتجلّى في صورة واحدة، وهي ما إذا كان في بقاء الجنين خطر على حياة الأم، لأنّ الأم هي الأصل في حياة الجنين، والجنين فرع، فلا يُضحى بالأصل من أجل الفرع، وهذا منطق يوافق عليه مع الشرع الخلق والطب والقانون. (1)
وهذا ما أخذ به كثير من المحدثين من أمثال الشيخ القرضاوي والمجامع الفقهية لأن ديننا الحنيف يقول: إنّ الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، فلو اضطُرتْ الحامل إلى إسقاط جنينها لسبب أنّ هلاكها محقق، فإنّ العلماء أجازوا لها إسقاطه محافظة على الأصل وهي الأم.
وإليك ما قاله الدكتور يوسف القرضاوي بعد ما ذكر اتفاق العلماء على حرمة إسقاط الجنين بعد نفخ الروح فيه قال:" لكنّهم قالوا: إذا ثبت عن طريق موثوق به أن بقاءه يُؤدي لا محالة إلى موت الأم فإنّ الشريعة بقواعدها العامة تأمر بارتكاب أخف الضررين فإن كان في بقائه موت الأم وكان لا منفذ لها سوى إسقاطه، كان في تلك الحالة إسقاطه متعيِّناً، ولا يُضحى بها في سبيل إنقاذه لأنها أصله، وقد استقرَّتْ حياتها ولها حظ مستقبل في الحياة ولها حقوق وعليها حقوق وهي بعد هذه وذاك عماد الأسرة، وليس من المعقول أن يُضحي بها في سبيل حياة جنين لم تستقر حياته ولم يحصل على شيء من الحقوق والواجبات (2) .
__________
(1) الطبيب أدبه وفقهه ، للدكتور زهير السباعي والدكتور محمد علي البار ط، 2 ص: 277 ـ 1418هـ ـ 1997م ، دار القلم ـ بيروت.
(2) الحلال والحرام في الإسلام ، للدكتور يوسف القرضاوي ، ص: 191 ،ط1 سنة1396هـ 1976م مكتبة وهبة. (1/45)
صفحة 46
ونُقل الإجماع عن طائفة أهل العلم، أنّ الجنين إذا نُفخ فيه الروح صار نفساً آدمية، لايحل قتله بغير سبب شرعي، من بين هؤلاء الشيخ محمد بن عليش قال:"إذا نُفِخَتْ فيه الروح حَرُمَ إجماعاً (1) .
والشيخ محمد شلتوت قال: اتفقوا ـ أي ـ العلماء على أنّ إسقاط الحمل بعد أن تنفخ فيه الروح حرام، لا يحل لمسلم أن يفعله لأنه جناية على حيّ (2) .
على أنّ من الفقهاء من رفض ذلك ولم يقبل الجناية على الحيّ بحال. ففي كتب الحنفية: " امرأة حامل اعترض الولد في بطنها ولا يمكن إخراجه إلاّ بقطعه أرباعاً. ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت. قالوا: إن كان الولد ميتاً فلا بأس به وإن كان حيّاًً لا يجوز، لأنّ إحياء نفس بقتل نفس آخر لم يرد في الشرع (3) .
وقال ابن عابدين: يحرم إسقاط الجنين مطلقاً مادام حياً ولو كان فيه ضرر للأم، فقال: "لو كان الجنين حيّاً ويخشى من حياة الأم من بقائه، فإنه لايجوز تقطيعه لأنّ موت الأم به موهوم، فلا يجوز قتل آدمي حي لأمر موهوم (4) .ولكن الشرع ورد بارتكاب أخف الضررين، وأهون المفسدتين.
وأرى أنّ هذا ربّما كان في زمن لم يكن العلم فيه متقدماً ومتطوّراً، حيث لا يتيقنون بحياة الأم، ولكن في هذه السنين الأخيرة ليس العلم كما كان في القديم، بسبب تقدّم الطب يمكن للأطباء معرفة ما إذا كان بالإمكان إنقاذ الأم دون التخلّص من الجنين أم لاَ. فإنّ الأطباء يقدّرون نسبة حياة الأم بالنسبة المئوية وإن كانت النسبة تحت الخمسين فلا يجوز الضّرر، ويمكن إنقاذها دون التخلّص من جنينها، ففي هذه الحالة لا يجوز لها إسقاطه خوفاً من الضّرر،
__________
(1) تقريرات محمد عليش على الشرح بهامش حاشية الدسوقي 2م267 سبق ذكره.
(2) الإسلام عقيدة وشريعة ، للإمام محمد شلتوت ، ص: 203 ط12 ـ 1403هـ 1983م .دار الشروق
(3) البحر الرائق،لابن نجيم 8/ 233.
(4) ابن عابدين ط،2 ـ2/238. (1/46)
صفحة 47
أما إذا كانت النسبة فوق الخمسين ففي بقاء الجنين في بطنها سبب في هلاكها، فإنه يجوز لها إسقاطه.
ولقد رأت لجنة المجمع الفقه الإسلامي أنه إذا كان الفقهاء قد منعوا هتك حرمة جسد الأم وهي ميتة وضحّوا بالجنين، فإن الحفاظ على حياة الأم إذا كان في بقاء الجنين في بطنها خطر عليها أولى بالاعتبار لأنها الأصل وحياتها ثابتة بيقين بما أنّ بقاء الجنين سيترتب عليه موت الأم وموت الجنين أيضاً.
وفي الطب الحديث أنه إذا تعذر إجراء عملية قيصرية لإخراج الجنين وإنقاذ الأم فإنه يمكن إجهاضه بواسطة تقطيع أو ثقب رأسه وإنزاله ميتاً (1) .
وحقيقة أنّ لهذا القول قدراً من الصواب، كيف يُعقل ترك الجنين الذي هو خطر على أمه وهي الأصل حفاظاً عليه وهو الفرع فلا بد من إنقاذ أحدهما والأولى إنقياذ الأصل أي الأم، إلاّ إذا كانت حياة الأم غير متيقن منها مع أنّ الجنين متيقن من حياته، ففي هذه الحالة أستطيع أن أقول: إنه يُضحي بالأم ويُحافظ على الجنين.
خلاصة أقوال الفقهاء في الإجهاض
مما سبق تستطيع أن نلخص أقوال الفقهاء إلى عدة أقوال :
القول الأول : تحريم الإجهاض في جميع المراحل ،وهو قول جمهور العلماء منهم الإباضية وبعض الحنفية، وجمهور المالكية والإمام الغزالي من الشافعية وابن الجوزي من الحنابلة، ودليلهم على ذلك :
? قياس تحريم إسقاط النطفة على تحريم كسر بيض صيد الحرم بالنسبة للمحرم ووجه هذا الدليل أنّ الله_ تعالى ـ قد حرم على المحرم قتل الصيد فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } (المائدة:95) ، بهذا يتبن أن
__________
(1) فائق الجوهري ، المسئوولية الطبية ، قانون والعقوبات ، رسالة لنيل الدكتوراه من حقوق القاهرة ، سنة 1951م. (1/47)
صفحة 48
حكم البيض حكم الصيد نفسه في التحريم ، ووجه شبه بينه وبين الإنسان أنّ الإنسان يحرم قتله إلا بحق لفوله _تعالى_ : { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ } (الاسراء:33) وإذا كان يحرم الاعتداء على الإنسان فإنه يحرم الاعتداء على أصله _وهو الجنين_ قياسا على حرمة كسر بيض الحرم، بل هو أولى بالحرمة منه لأن الأصل في النفس الإنسانية الحرمة ولا تستباح إلا بحق بينما الأصل في الصيد الحل ولا يحرم إلا بالنسبة للمحرم .
? استدلوا بالماء بعد في الرحم مآله الحياة فيكون له حكم الحياة .
? إن الإسقاط شبيه بالوأد ،حيث إن الإسقاط قتل نبت ليكون إنسانا مما يجعله يشترك مع الوأد في القتل، يقول ابن تيمية في فتواه: "إسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين وهو من الوأد الخفي" .
? قياس الذي قال عن الغزالي بأنه القياس الجلي، فقد قاس امتزاج ماء الرجل بماء المرأة في الرحم بالعقد الذي يجوز الرجوع عنه إذا اقترن الإيجاب بالقبول، بخلاف ما لم يقترن فإنه يجوز الرجوع، فماء الرجل يجوز إرجاءه قبل امتزاجه بماء المرأة، وهو يسمى بالعزل فقد قال بعد التفريق بين الإجهاض والعزل: "وإنما قلنا مبدأ سبب وجود من حيث وقوع المني في الرحم لا من حيث الخروج من الإحليل، لأن الولد لا يخلق من مني الرجل وحده بل من الزوجين معاً، وكيفما كان فماء المرأة ركن في الانعقاد فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول في الوجود الحكمي في العقود، فمن أوجب ثم رجع قبل القبول لا يكون جانياً على العقد، وكما أن النطفة في القفار لا يتخلق منها الولد فكذا بعد الخروج من الإحليل مالم يمتزج بماء المرأة ودمها فهذا هو قياس الجلي" .
القول الثاني : إباحة الإجهاض في جميع المراحل قبل نفخ الروح وقال بها معظم فقهاء الحنفية وبعض الفقهاء الحنابلة وهو المعتمد عند الشافعية، وتوجيههم في ذلك أنه ليس بآدمي فتسقط حرمته . (1/48)
صفحة 49
القول الثالث : الجواز في جميع المراحل مع الكراهة وقال به بعض الحنفية واستدلوا بأن الماء بعد ما وقع في الرحم مآله الحياة فيكره إسقاطه لعدم وجود الحياة الذي تكسبه الحرمة .
القول الرابع : الجواز ما دام في مرحلة النطفة والعلقة، وذهب إلى هذا القول بعض الشافعية، واستدلوا بأن العلقة لا تتحقق فيها صورة الجنين الخفية التي تعرفها القوابل .
القول الخامس : الإباحة في مرحلة النطفة وإليه ذهب اللخمي من المالكية ومعظم الحنابلة وهذا القول مبني على أن النطفة لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد ولدا .
القول السادس : الجواز في مرحلة النطفة مع الكراهة، وذهب إليه بعض المالكية .
القول السابع : الإباحة في إسقاط الحمل قبل نفخ الروح إذا كان ناتجا عن ماء زنى وقال بها بعض المالكية وبعض الشافعية.
رأي الباحث
هذا وبعد أن تصورنا أقوال العلماء في حكم الإجهاض عامة واستنتجنا أنهم اتفقوا على تحريمه بعد نفخ الروح واختلفوا في حكمه قبل نفخها ،إلا أنه مع اختلافهم يجب النظر إلى أن الأصل في الإجهاض أنه فساد وإتلاف .والإتلاف يخلف حكمه باختلاف شيء المتلف فقد يكون إتلاف واجبا إذا كان المتلف محرما الاستعمال أو ضارا أو كان ضرره أكثر من نفعه، كإتلاف الخمر والصنم وقتل الفواسق من الحيوانات وهي التي تضر ولا ينتفع بها ونحو ذلك .
وقد يكون الإتلاف محرما إذا كان المتلف نافعا أو كان نفعه يغلب ضرره، فليس للمسلم أن يتلف عضوا من أعضائه لغير حاجة وليس له أن يتلف أملاكه ويخرجها عن حال الصلاح إلا حال الفساد لغير عذر فليس له أن يتلف دابته ولا يفسد طعامه أو ثيابه إن لم يكن هناك ما يقتضي هذا من حاجة أو ضرورة . (1/49)
صفحة 50
والواقع أن الذين أباحو الإجهاض قبل نفخ الروح لغير غذر ،لم يذكروا دليلا يعتد به. فاستدلالهم بأن الجنين قبل نفخ الروح لا يكون آدميا فلا حرمة له مع أن المقدمة صحيحة وهي الحكم بعدم آدميته إلا أن النتيجة غير موفقة كما بينا سابقا ،لأن ذلك يعد إتلافا لنافع وإتلاف النافع محرم.
أما استدلال المجيزين للإسفاط في مرحلة النطفة بأن الجنين لا ينعقد،فقد أثبت خلافه طبيا، فإن بدأ تكون الجنين يكون منذ تلقيح البييضة.**
والذين أباحوا الإسقاط في حالة كون الجنين من ماء الزنى بنوه على احتمال وقوع الأذى بالحامل إذا ظهر حملها وهذا غير مستباح لأن الشارع لا يبيح إسقاط الحرمة لأمر محتمل ،كما أن الجنين لا جرم عليه فما الذي يسقط حرمته. وقد بين بعض أن ذلك يدخل تحت باب قتل الرحمة الذي لا يجوزه الإسلام.***
وتجدر الإشارة هنا إلى ما جاء في إحدى توصيات ندوة (الإنجاب في ضوء الإسلام) المنعقدة بالكويت شعبان 1403هـ،الموافق 24/03/1983م، حيث جاء ((وقد استأنست الندوة بمعطيات الحقائق العالمية الطبية المعاصرة والتي بنتها الأبحاث التقنية الطبية الحديثة ، فخلصت إلى أن الجنين هي من بداية الحمل وأن حياته محترمة في كافة أدوارها خاصة بعد نفخ الروح، وأنه لا يجوز العدوان عليها بالإسقاط إلا للضرورة الطبية القصوى )).
وهذه الضرورة ينبغي أن يتوسع فيها لما رأينا من المخالفات الشرعية والأخطار التي يسببها الإسقاط فيجب حصرها في الضرورة القصوى المحققة غير المظنونة ،فلا يمكن مثلا أن يجعل الظن بخروج الجنين مشوها سببا مبيحا للإسقاط لأن هذا الضرر يقابله المخالفاتات الشرعية والأضرار التي تفوق هذا الضرر أضعاف المرات مع كون هذه الأضرار متيقنة أو شبه متيقنة.
لذلك قصر بعض العلماء إباحة الإسقاط في حالة تيقن هلاك الأم، فالمحافظة على الأصل أولى ولم يعتبر غير ذلك ضرورة تبيح الإجهاض.ولو أنه مر علينا أن بعض العلماء جعل هذه الضرورة متعددة.والله أعلم. (1/50)
صفحة 51
المبحث الثالث
عقوبة الإجهاض
المطلب الأول: تحقق الجناية على الجنين
يُشترط بعض الفقهاء في تحقق الجناية ما يلي:
1 ـ انفصال الجنين عن أمه، إذ لا يثبت له حكم الولدية إلاّ بالخروج، فإن لم ينفصل عن أمه بسبب الجناية عليها فلا شيء فيه، لعدم التيقن بوجوده (1) ، إلاّ إذا قطعتْ وسائل الطب الحديثه بوجوده وبموته بسبب الجناية على أمّه، فينبغي حينئذ العقوبة على الجاني، هذا لارتفاع الشّك. فلو ضرب امرأة حاملاً ولم يسقط جنينها أو ضرب من بجوفها حركة، أو انتفاخ، فسكتتْ الحركة أو همد الانتفاخ، يعد ضامناً للجنين.
اشترط الحنفية أن ينفصل الجنين عن أمه وهي حية، فإن انفصل الجنين ميتاً بعد موت أمه، فلا يضمن الجاني إلاّ دية الأم فقط، لأن موت الأم سبب ظاهر في موته (2) .
والشافعية(3) والحنابلة(4) لا يفرقون بين انفصاله في حياة الأم أو بعد موتها، لأنّ الجنين تلف بجناية الجاني وعُلم ذلك بخروجه، فوجب ضمانه كما لو سقط في حياتها (3) ، لأنه لو سقط في حياتها ضمنه، فكذلك إذا سقط ميتاً.
2ـ يُشترط وجود ما يدل على أنّه آدمي، بأن يستبين بعض خلقه، أو يشهد الثقات بأنّه بداية تصوُّر آدمي.(5).
3ـ أن يكون هناك فعل يعد جناية يستلزم انفصال الجنين عن أمه عُرْفاً، سواء أكانت
الجناية بفعل الحامل نفسها أو بفعل غيرها طوعاً أو كرهاً (4) .
المطلب الثاني: العقوبة الأصلية للإجهاض.
رتّب الشّارع على هذه الجناية عقوبة، أصلية وعقوبة بدلية، وعقوبة تبعية.
__________
(1) شرح المحلى على المنهاج 4/168
(2) حاشية ابن عابد ين 5/360
(3) مغني المحتاج 4/ 103 ،
(4) ... المغني لإبن قدامة 9/539.
(5) ... ابن عابدين،5/581.
(4) ابن عابدين 8/ 495
(2) تشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة،1/632، دار إحياء التراث العربي،بيروت-لبنان،1405هـ-1985.
(3) صحيح البخاري،كتاب الديات،باب جنين المرأة،رقم :6508، 6/2531.
(4) حاشية ابن عابدين،5/377،المغني لابن قدامة،9/495. (1/51)
صفحة 52
العقوبات الأصلية :هي العقوبات المقرر أصلا للجريمة كالقصاص للقتل والرجم للزنا والقطع للسرقة(2).
أولاً: الغُرّة:
من معاني الغرّة: بياض الجبهة فوق الدرهم، والأغر من الخيل: هو الذي له بياض في جبهته فوق الدرهم، والغرّة: العبد والأمة.
وفي الاصطلاح: تُطلق على ما فوق الواجب من الوجه في الوضوء، وتُطلق أيضاً على ما يجب في الجناية على الجنين.
قد اتّفق الفقهاء على أنّ الواجب في الجناية على الجنين الحرّة هو الغرّة.
لما ثبت عن النّبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فيما رواه أبو هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ ( أنّ امرأتين من هذيل رمتْ إحداهما الأخرى فطرحتْ جنيناً، فقضى فيه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بغرّة: عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها )(3)
وأنّ الموجب للغرّة كل جناية ترتت بسببها انفصال الجنين عن أمه ميتاً، سواء كانت الجناية نتيجة فعل، أو قول أو ترك، ولو من الحامل نفسها، أو زوجها، عمداً كان أو خطأً ولا فرق بين ما إذا كان الجنين ذكراً أو أنثى(4). ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ الغرّة تتعدد بتعدد
الأجنة. فإن أَلْقَتْ المرأ ة بسبب الجناية جنينين أو أكثر، تعدد الواجب بتعددهم، لأنّه ضمان آدمي متعدد بتعدده كالدّيات (1) .
ثانياً : الكفارة:
هو العقوبة المقدّرة حقاً لله تعالى: والكفّارة هنا عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أنّ الكفّارة مندوبة وليست بواجبة لأنّ النبي ـ - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) حاشية ابن عابدين،5/377.
(2) حاشية الدسوقي،3/268، البدائع الصنائع-للكاساني،7/326.
(3) نهاية المحتاج،للرملي،4/95،المغني لابن قدامة، 8/816.
(4) المرجع نفسه،4/95.
(5) المصنف لأبي بكر،41/141. (1/52)
صفحة 53
ـ لم يقض إلاّ بالغرّة، ولأنّ الكفّارة فيها معنى العقوبة، لأنها شُرِعَتْ زاجرة(2)، وقد عرف وجوبها بالنفوس المطلقة فلايتعدّاها، ولأنّ العقوبة لا يجري فيها القياس، ولأنّ الجنين يُعتبر نفساً من وجه دون وجه لا مطلقاً، ولهذا لم يتوجب فيه كل البدل، فلذا لا تجب فيه الكفّارة، لأنّ الأعضاء لا كفّارة فيها. ولكن إذا تقرّب بالكفّارة إلى الله تعالى فهو أفضل، وعلى ذلك فإنها غير واجبة.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب الكفّارة مع الغرّة، لأنّها إنّما تجب حقاً لله تعالى لا لحق الآدمي، ولأنّ الجنين نفس مضمونة بالدّية(3). فوجب فيه الكفارة، وترك ذكر الكفّارة لا يمنع وجوبها، فقد ذكر الرّسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في موضع آخر الدّية ولم يذكر الكفّارة، وهذا الخلاف بين الفقهاء في الجنين المحكوم بإيمان أبويه أو أحدهما.
كما أنّ الشافعية والحنابلة نصوا على أنّه إذا اشترك أكثر من واحد في جناية الإجهاض لزم كل شريك كفّارة، لأنّ الغاية من الكفّارة الزّجر، أمّا الغرّة فواحدة، لأنّها للبدلية(4).
وذهب الإباضية إلى عدم وجوب الكفارة،جاء في المصنف "ومن ضرب أمته فأسقطت فلا شيء عليه إلا التوبة.(5)
وذهب الظاهرية إلى وجوب الكفارة في المرأة التى تشرب الدواء أو تستدخل الشيء فيسقط ولدها،أنها تكفر وعليها غرة. (1)
الغرّة عقوبة أصلية فيما إذا أَلْْقَتْ المضروبة الجنين ميتاً، فلو أَلْْقَتْ الجنين حيّاً، ثمّ مات بسبب الجناية ففيه الدّية كاملة وفيه الكفّارة، لأنّه قتل آدمي خطأ أو شبه عمد، وفيه الحرمان من الميراث، بهذا قال الجمهور(2).
__________
(1) المحلى 11/29.
(2) حاشية ابن عابدين،5/316.
(3) بداية المجتهد،2/416-417، المدونة لمالك 4/484.
(4) التشريع الجنائي 1/672. (1/53)
صفحة 54
وقال المالكية: الرّاجح وجوب القصاص إذا أدى الفعل في الغالب إلى الموت، كالضّرب على البطن، وتجب الدّية لا الغرّة إذا لم يُؤَدِ الفعل ـ غالباً ـ إلى نتيجة كالضّرب على اليد، لأنّ الجنين إذا استهلّ صار من جملة الأحياء، فلم يكن فيه غرة(3) .
وقال ابن الحاجب: المشهور هو قول أشهب، وهو أنّه لا قصاص في هذه الحالة بل تجب الدّية في مال الجاني.
المطلب الثالث : من تلزمه الغُرّة
العاقلة : هي من يحمل العقل والعقل هو الدية وسمي عقلا لأنها تعقل لسان ولي المقتول ،وقيل سميت العاقلة لأنهم يمنعون من القاتل فالعقل على هذا المعنى هو المنع وعاقلة القاتل هم عصباته فلا يدخل في العاقلة الأخوة لأم ولا الزوج ولا سائر ذوي الأرحام(4) .
فالغرّة تلزم العاقلة بالنسبة للجنين الحرّ عند فقهاء الحنفية، لأنّ الرّسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قضى بالغرّة على عاقلة في سنة، ولا يرث الجاني، وهذا هو الرّاجح عند الشّافعية (5).فقد قالوا: الغرّة على العاقلة الجاني، ولو كان الجاني الحامل نفسها، لأنّ الجناية على الجنين لا عمد فيها، بل يجري فيها الخطأ، وشبه العمد، سواء أكان الجناية على أمه خطأً أم عمداً، أم شبه عمد.
وقال الحنفية: لو ضرب رجل امرأته فألقت جنيناً ميتاً، فعلى عاقلة الأب الغرّة ولا يرث منها. والمرأة إن أَجْهَضَتْ نفسها متعمدة دون إذن الزوج فإنّ عاقلتها نفسها تضمن الغرّة، ولا ترث منها. (1/54)
صفحة 55
وأمّا إن أذن الزّوج، أولم تتعمد فقيل لا غرّة لعدم التّعدى، لأنّه هو الوارث، والغرّة حقه، وقد أذن بإتلاف حقه، والصحيح أنّ الغرّة واجبة على عاقلتها أيضاً، لأنّه بالنظر إلى أنّ الغرّة حقه لم يجب بضربه شيء، ولكن لأنّ الآدمي لا يملك واحد إهدار آدميته وجبت على العاقلة، فإن لم يكن لها عاقلة، فقيل في مالها، وفي ظاهر الرواية في بيت المال: قالوا: إنّ الزوجة لو أمرت غيرها أن تجهضها، فَفَعَلَتْ لا تضمن المأمورة إذا كان ذلك بإذن الزّوج (1) .
ويرى المالكية وجوب الغرّة في مال الجاني في حال العمد مطلقاً، وكذا في حال الخطأ، إلاّ أن يبلغ ثلث ديته فأكثر فعلى العاقلة (2) .
ويوافق الشافعية المالكية في قول مرجوح عندهم فيما إذا كانت الجناية عمداً، إذ قالوا: وقيل إن تعمد الجناية فعليه الغرّة لا على العاقلة، بناء على تصوّر العمد فيه، والأصح عدم تصوّره لتوقفه على علم بوجوده وحياته (3) .
أمّا الحنابلة: فقد جعلوا الغرّة على العاقلة إذا مات الجنين مع أمه، وكانت الجناية عليها خطأ أو شبه عمد، أمّا إذا كان القتل عمداً، أو مات الجنين وحده فتكون الغرّة في مال الجاني، وما تحمله العاقلة يجب مؤجلاً، في ثلاث سنوات وقيل مَنْ لزمتْهُ الكفّارة ففي ماله مطلقاً على الصّحيح من المذهب، وقيل ما حمله بيت المال من خطأ الإمام والحاكم ففي بيت المال (4) .
وقال الشيخ خلفان بن جُمَيْل السيابي من الإباضية: وكل من جنى على خروج نفس آدمي غير مباح الدّم لزمَتْهُ كفّارة التغليظ، ولو كان عمداً ولو رقيقاً، وقيل لا كفّارة في قتل العمد
__________
(1) حاشية ابن عابدين 5/377
(2) حاشية الدسوقي، 4/368 ، بداية المجتهد، لابن رشد 2/ 408
(3) نهاية المحتاج، للرملى 7/363.
(4) الإنصاف، 10/119 ـ 123، المغني ،لابن قدامة 7/806 (1/55)
صفحة 56
لأنّ عليه فيه القتل المتلف لنفسه فهو يأتي في التكفير وغيره، وقال بعضهم: إن قُتل بقتله فلا كفّارة عليه، وإن عُفِى عنه ولو مع الدّية كان عليه كفّارة (1) .
المطلب الرابع: العقوبة البدلية للإجهاض
العقوبات البدلية : وهي العقوبات التي تحل محل العقوبات أصلية إذا امنتع تطبيق العقوبات الأصلية لسبب الشرعي مثال : الدية إذا درئ القصاص، والتعزير إذا درئ الحد أو القصاص. وهي عقوبات أصلية قبل أن تكون بدلية وإنما تعتبر بدلا لما هو أشد منها إذا امنتع تطبيق العقوبة الأشد، فالدية عقوبة أصلية في القتل شبه العمد ولكنها تعتبر عقوبة بدلية بالنسبة للقصاص أو الحد إذا امنتع الحد أو القصاص لسبب الشرعي(2).
وتتمثل العقوبة البدلية عند عدم وجود الرقيق، بدفع ما يوازي نصف عشر دية الرجل أو عشر دية المرأة، وذلك مقّدر بخمسمائة درهم أو بما يوازيها. ففي حديث الهذلية التي ضُرِبَتْ ضرتها العامرية بعمود فسطاط فألقتْ جنيناً ميتاً، قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: دوه، فقال له عمران بن عويمر أخو الضاربة: يارسول الله:أندى من لاأكل ولا شرب ولا صاح فاستهل ، ومثل هذا يطل ؟ فقال - عليه السلام - : دعني من زجر الأعراب، قال: أسجع كسجع الكهان ؟ وروى كسجع الأعراب. وفيه غرّة عبد أو أمة، أو خمسمائة، أو فرس، أو عشرون ومائة شاة(3) .
__________
(1) جلاء العمى ، شرح ميمية الدماء للعلامة خلفان بن جميل السيابي ط2 ص: 213 ـ 1411هـ 1991م ، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد ، سلطنة عمان.
(2 ( التشريع الجنائي 1/672.
(3) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى،كتاب الفرائض،باب لا يرث القاتل،رقم:12020، 6/219.
(4) المغني لإبن قدامة 7/800. (1/56)
صفحة 57
ومن الفقهاء من يرى أنّ الدّية اثنا عشر ألف درهم، بقدر نصف عشرها بستمائة درهم. وأمّا جنين الكتابية، والمجوسية ممن لهم أمان إذا كان محكوماً بكفره ففيه عشر دية أمة فكذلك جنين الكافرة إذا ألقَتْهُ نتيجة للجناية ميتاً في حياتها(4) .
المطلب الخامس: العقوبة التبعية للإجهاض
العقوبات التبعية : وهي العقوبات التي تصيب الجاني بناء على الحكم بالعقوبة الأصلية ودون حاجة للحكم بالعقوبة التبعية ومثلها حرمان القاتل من الميراث والحرمان يترتب على الحكم بعقوبة القتل ولا يشترط فيه صدور الحكم بالحرمان .
قرّر الفقهاء أن ضارب المرأة التي أجهضَتْ بسبب الضرب، لايرث الغرّة شيئاً، ولا من غيرها، لأنّه قاتل مباشرة من غير حق والقتل بغير حق من أسباب حرمان الميراث لقوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: ( لا يرث القاتل شيئاً ) هذا مجمل ما جاء في بدائع الصنائع (1) .
ومن العقوبة التبعية للإجهاض، الحرمان من الوصية الموُصى بها إلى الجنين، إن كان المتسبب بالإجهاض وارثاً للجنين عند إسقاطه، لأنّه يُحرم منها كل قاتل مباشرة: كالخاطئ، والعامد، دون المتسبّب، لأنّه غير قاتل حقيقة، كما جاء في الوجيز (2) .
أما لو أَلْقَتْ الجنين حيّاً، ثم مات، ففيه دية كاملة، وفيه الكفارة، لأنّه قتل آدمي خطأً، أو شبه عمد وفيه الحرمان من الميراث، لأنّه قتل مأذون فيه (3) .
الفصل الرابع: الجنين المشوه و حكم إجهاضه.
ويشمل أيضاً ملحق متضمن فتاوى بعض العلماء المعاصرين عن إجهاض الجنين المشوه وصور بعض التشوّهات.
الفصل الرابع
الجنين المشوّه وحكم إجهاضه
__________
(1) بدائع الصنائع ،ـ للكاساني 7/326 ،البيهقي في سننه الكبرى،كتاب الفرائض،باب لا يرث القاتل،رقم:12020، 6/219.
(2) الوجيز، للغزالي 1م269 ـ 326
(3) حاشية ابن عابدين 5/342 (1/57)
صفحة 58
إجهاض الأجنّة المشوّهة تدعو إليه ـ كما يرى البعض ـ أمور اقتصادية واجتماعية وغيرها، ويرى البعض الآخر أنّه تدعو إليه الشفقة والرّحمة بهذا الجنين، حتى لا يُولَد مشوّهاً فيكون لذلك أثره النفسي السيء عليه وعلى من حوله، وأيّاً كان الدافع إليه فلا ينبغي تحكيم النظرة البشرية الضيّقة والأفق المحدود، فإنّ وقائع الأحداث تكذب كلا الباعثين إذ وُلدَتْ "مارى هيورتين" " وهيلين كيلر " وبهما صمم وبكم، ووُلدَتْ "دينيس بجريس" بلا ذراعين أو ساقين، ولم يمنع هذه كما لم يمنع سابقيتها أن يحققن من النجاح ما يعجز عن تحقيقه الصحيح البدن الخالي من التشوّه ولا يستطيع أحد أن يدعي بأنّهنّ كنّ مصدر إشفاق أو تعاسة لأنفسهنّ أو لمن حولهنّ (1) .
ومن خلال تتبعي لما كُتِبَ حول هذا الموضوع وجدت أنّ العلماء ذهبوا مذهبين في هذه المسألة:
المذهب الأول: يرى أصحاب هذا الفريق عدم جواز إجهاض الجنين المشوّه لعدم توافر أركان الضرورة الشرعية في إجهاضه، وذلك لأنّ الطّب لم يصل بعد إلى اليقين، أو الظنّ الغالب بأنّ هذا الجنين الذي يُراد إجهاضه مشوّه، ولا يعدو الأمر إلا أن يكون احتمالاً يحذر منه الأطباء، هذا فضلا عما في إسقاط هذا الجنين من إصابة الحامل بآلام نفسية نتيجة انتزاع الجنين من بطنها، وقد يُؤدى هذا الإسقاط إلى أمراض أخرى كالنزيف والعقم وغير ذلك. (2)
__________
(1) الإجهاض في منظور إسلامي ، ص: 57 ، بحث مقارن لعبد الفتاح محمود إدريس مصر ، ط،1 /1416هـ ـ 1995م
(2) مجموع الفتاوى الصادرة عن قطاع الافتاء والبحوث الشرعية ، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ، السعودية 2/ 306 ـ هل يجوز إجهاض الجنين المشوه د/ علي المحمدي ، مقال له بصحيفة الشرق القطرية في 5/3/1093م العدد (1816) السنة السادسة ، ومجلة الحكمة ص: 373. (1/58)
صفحة 59
المذهب الثاني: يذهب أصحاب هذا الفريق إلى جواز إجهاض الجنين المشوّه، أو مَنْ به عيوب وراثية خطيرة، لا يرجي شفاؤه منها، ولكنّهم يشترطون شروطاً لإسقاط الجنين في هذه الحالة منها:
? 1ـ أن يكون هذا الإجهاض قبل نفخ الروح فيه.
? 2ـ أن يمكن معرفة التشوّه بوسائل الكشف المبكرة من الحمل.
? 3ـ أن يتوصل إلى وجود هذا التشوّه طبيبان عدلان أو أكثر. (1)
وهناك عدّة وسائل يمكن من خلالها معرفة ما إن كان الجنين مشوّهاً ومقدار هذا التشوّه. ومن هنا يمكن أن نقسم التشوّهات الخلقية عند الجنين إلى ثلاثة أقسام:
? 1ـ تشوّهات لا تؤثر على حياة الجنين.
? 2ـ تشوّهات يمكن للجنين أن يعيش معها بعد الولادة، وبعض هذه التشوّهات يمكن إصلاحها بعد الولادة مثل تشوّهات المعدة والأمعاء وبعضها قد يتدرّج في شدته وفي المدة الزمنية التي يعيشها الطفل بعد الولادة، مثل استسقاء الرأس الذي قد يكون بسيطاً أو شديداً يُولد معه الطفل حياً ويموت خلال أيام أو أشهر، والطفل الذي يُولد مختّل العقل أو لديه شلل جزئي فإنه يمكن أن يعيش، وكذلك الطفل الذي يُولد بكلية واحدة فهو يعيش بالكلية الأخرى. (2)
? 3ـ وهناك تشوّهات خطيرة لا يُرْجي معها للجنين حياة بعد الولادة فهو سيموت قطعاً عند الولادة أو بعدها مباشرة.
وكما يقول المختصون من أهل الطب أنّ ضرر الإجهاض قد يكون أكبر بكثير من الضرر المتوقع لاستمرار الحمل، كما يقول الأطباء فالتداخل الطبّي المبكر قد تُنتج عنه أخطار في بعض
الحالات، فإذا قارنا بين نسبة المشاكل التي تحدث نتيجة لإنهاء الحمل عند 16 ـ 24 أسبوعاً بالأدوية المعتادة أو بإجراء تنطيفات، فإذا قارناها بالمشاكل التي قد تحدث للأم نتيجة لاستمرار
__________
(1) الطبيب أدبه وفقهه ، زهير أحمدالسباعي محمد علي البار ص: 277.
(2) الجنين المشوه والأمراض وراثية ص: 325 ـ سبق ذكره. (1/59)
صفحة 60
الحمل إلى حين الولادة الطبيعية فإننا نجد أن المشاكل المحتملة للأم هي أكثر بكثير منها في حالة التدخل المبكر عنها في الولادة الطبيعية. (1)
وإذا تقرّر هذا فإنّ العلماء قد قرروا جواز إسقاط الجنين المشوّه تشوّهاً خطيراً قبل مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل.
وقد قرر المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشر المنعقدة بمكة المكرمة بشأن إسقاط الجنين المشوّه خلقياً. قرر بإباحة إسقاط الجنين المشوّه إذا ثبت تشوّه الجنين بصورة دقيقة قاطعة لا تقبل الشك، من خلال لجنة طبية موثوقة، وكان هذا التشوّه غير قابل للعلاج ضمن الإمكانية البشرية المتاحة لأهل الاختصاص، وبعد موافقة الوالدين في
الفترة الواقعة قبل مرور مائة وعشرين يوماً من بدء الحمل.
أما إذا كان الجنين المشوّه قد نفخت فيه الروح وبلغ مائة وعشرين يوماً، فإنه لا يجوز إسقاطه مهما كان التشوّه، إلا إذا كان في بقاء الحمل خطر على حياة الأم، وذلك لأن الجنين بعد نفخ الروح أصبح نفساً، يجب صيانتها والمحافظة عليها.وقد أوصى المجلس الأطباء والوالدين بتقوى الله ـ - عز وجل - ـ والتثبيت في هذا الأمر. (2)
يقول العلامة السيد محمد حسين فضل الله: "للحياة حرمتها منذ البداية، فهي ملك لله تعالى وليس لأحد التدخل في إنهائها ولا فرق في الحكم بالتحريم بين حالة ما إذا كان الجنين مشوّهاً أو سليماً، لأنّ المسألة تتصل بحياته لا بالأم أو بالأب".(3)
ولو أجزنا ذلك تحت أيّ مبرر لجاز قتل المشوّهين بعد الولادات أو أولعارض طارئ، وتبقى هناك حالتان استثنائيتان.
__________
(1) الطبيب أدبه وفقهه ، ومجلة الحكمة ص: 373 العدد التاسع صفر ـ 1417هـ 1996م.
(2) المجمع الفقهي لرابطة العلم الإسلامي ، الدورة الثانية عشرة بمكة المكرمة 15 ـ 22 ،رجب 1401هـ / الموافق ،1995 م.10ـ 17 فبراير القرار الرابع.
(3) ملاخطة:هذه الفتوى مستخرجة من شبكة الإنترنت (1/60)
صفحة 61
الأولى: إذا لم تدب الروح في الجنين بعد، وكان الحمل يُؤدي إلى ضرر بالغ فوق العادة على الأم، فيجوز الإجهاض، إذا لم يمكن تفادي الضرر بالوسائل العلاجية.
الثانية: إذا تحول الحمل إلى خطر محقق على حياة الأم فيجوز الإجهاض في الحالات كلها من باب الدفاع عن النفس. (1)
ومن هنا لابد من التنبه إلى أنّ بعض النساء قد يُبادِرْنَ إلى الإجهاض بمجرّد أن يقول طبيب واحد أنّ الجنين مشوّه، وهذا أمر خطر لا يقبل فيه رأي طبيب واحد لأنّ احتمال خطأ الطبيب وارد ولابد من وجود لجنة طبية من ثلاثة أطباء على الأقل من الأطباء الثقات العدول ومن أهل الاختصاص ومن ذوي الخبرة قبل القيام بإسقاط الجنين (2) .
وينبغي الانتباه إلى أنّ الأطباء يمكن أن يُخطئوا في تقاريرهم وكذلك نتيجة الفحوص كثيراً ما تكون غير دقيقة فينبغي الانتباه عند ما تبنى قرارت خطيرة مثل الإجهاض على تلك التقارير، ثم إنّ بعض النقص في المولود قد يُعوض مستقبلاً أو يزال ما به من العيب وينزل سليماً ولو فرضنا أنّه نزل وبه تشويه فإنّ الصبر عليه واحتساب الأجر في العناية به لا يضيع عند الله وليست خسارة، كما ينظر إليها كثير من الماديين، يريد بعضهم قتل أصحاب العاهات لأنهم عالة على المجتمع، ولله الحكمة البالغة في كل ما يخلق ويقدر سبحانه وتعالى (3) .
وهنا أورد مثالاً حقيقياً لقصتين عايش أحداثها أحد الأطباء مع الأساتذة الأفاضل، لسيدة حامل سبق وأن حملت مرتين وفي كل مرة يتنهي الحمل بولادة طفل مصاب بتشوّه خلقي"استسقاء بالدماغ " "(Hydro cephalous)”
__________
(1) مجلة النهار ، التاريخ الأربعاء 15 أبريل 2004 في الموقع
w.w.w.annaharonline.com/htd/ Tahkih040505.Htm.
(2) المقال إسلام أونلاين، للدكتور حسام الدين بن موسى عفانة ، أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين ، التاريخ 30/07/2004.
(3) الإسلام سؤال وجواب ، للشيخ محمد صالح المنجدي على الموقع
w.w.w.Islam-99.com. (1/61)
صفحة 62
وتتطلب ولادتها إجراء عملية قيصرية نظراً لوضع الجنين وكبر حجم الرأس. ومعروف طبيّاً أنّ ولادة طفل سابق بهذا التشوّه تزيد احتمالات ولادة جنين مصاب بنفس التشوّه مرة أخرى. (1)
السيدة هذه فكرتْ في الإجهاض كحل لمشكلتها لكن حديث الطبيب إليها عن الاحتساب وعظم الأجر والثواب مقابل هذا الابتلاء أثّر في قلبها وقلب زوجها وبث فيها نوازع إيمانية لطلب الأجر عند الله تعالى فعدلت عن قرارها ورفضتْ حتى أن تقوم بمتابعة تطوّرات حالة الجنين بجهاز الأمواج الفوق الصوتية حتى لا تمر بالمعاناة ذاتها كما سبق عند قيامهم بإجراء عملية القيصرية.
وفي هذه المرة فُوجئ الطبيب وكل من حضر العملية بولادة طفل سليم مكتمل، خال من أيّ تشوّهات مما يجعلنا نرى قبس من رحمة الله وسعة فضله، يقول سبحانه وتعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } (2)
وهل هناك أعظم من زوج وزوجة أخذا أجر الاحتساب في الآخرة وزادهما الله من فضله بنعمة البنين في الحياة الدنيا؟ (3)
وذكر الدكتور القرضاوي هذه القصة عقب فتواه في أحد الشبكات المعلوماتية قال: وأذكر هنا واقعة كنت أحد أطرافها، وقعتْ منذ بضع سنوات، فقد استفتاني صديق يقيم بديار
الغرب: أنّ الأطباء قرروا أنّ الجنين في بطن امرأته الحامل لخمسة أشهر سينزل مشوّهاً وقال: إنّهم يرجحون ذلك ولا يوقنون. وكانت فتواي له أن يتوكل على الله، ويدع زمام الأمر إليه
-سبحانه وتعالى-، فلعل ظنهم يخيب، ولم أشعر بعد أشهر إلاّ وبطاقة تصل إليّ من أُوربا تحمل صورة مولود كتب أبوه على لسانه هذه العبارات المؤثرة:
__________
(1) المقال طبيب المسلم في الموقع التاريخ 15/11/2004
w.w.w.Muslim doctor .org/article.Php? op.
(2) سورة الزمر الآية 10.
(3) المقال طيب المسلم، 5/11/2004.
W.w.w.muslim doctor .org/article.php?o.p. (1/62)
صفحة 63
عمي العزيز: أشكرك بعد الله على أن أنقذتني من مشارط الجراحين، فقد كانت فتواك سبب حياتي، فلن أنسى لك هذا الجميل ما حييت. (1)
وجهة نظر الباحث:
القول بعدم جواز إجهاض الجنين المشوّه قول له وجاهته، وأرى أنّ الضرورة التي تُؤدي إلى هذا تتجلى في صورة واحدة، وهي ما إذا كان بقاء الجنين خطراً على حياة الأم، لأنّ الأم هي الأصل في حياة الجنين والجنين فرع، فلا يُضحى بالأصل من أجل الفرع وهذا منطق يُوافق عليه مع الشرع الخلق والطب والقانون. لأنّ الشرع ورد بارتكاب أخف الضررين، وأهون المفسدين، وأضاف بعض المعاصرين إلى الصورة المذكورة، صورة أخرى وهي:
إن ثبت بطريق عملية مؤكدة أنّ الجنين وفقاً لسنن الله سيتعرض لتشوّهات خطيرة تجعل حياته عذاباً عليه وعلى أهله، وفقاً لقاعدة: الضرر يدفع بقدر الإمكان.
والراجح أنّ الجنين بعد استكمال أربعة أشهر إنسان حيّ كامل، فالجناية عليه كالجناية على طفل مولود. ومن لطف الله أنّ الجنين المصاب بتشوّهات خطيرة لا يمكن معه أن تتهيّأ أسباب الحياة له إذ يجهض تلقائياً قبل الأسبوع الثاني عشر من الحمل وما جاوز هذا الأجل فإنّه يبقى إلى نهاية الحمل بإذن الله تعالى، (2) والذي وُجد معه تشوّهات تمنعه من ممارسة الحياة لا يعيش بعد الولادة في العادة كما هو مشاهد ، وكما قرر أهل الاختصاص أنفسهم .
فلذلك، فإنّ تشوّهات الجنين ينبغي أن تعتبر بالفعل قبل الأشهر الأربعة ومرحلة نفخ الروح على أنه ليس من التشويه المعتبر أن يُصاب الجنين بعد ولادته بمثل العمى أو الصمم أو البكم.
فهذه عاهات عرفها الناس طوال حياة البشرية وعاشوا بها ولم تمنعهم من المشاركة في تحمل أعبائها. وعرف الناس ذوي عاهات لا زالت أسماؤهم حاضرة في ذاكرة التاريخ.
__________
(1) الإسلام على الإنترنت ،د/يوسف القرضاوي التاريخ 16/04/ 2004
(2) الجنين المشوه ، د/ محمد علي البار ص: 382. (1/63)
صفحة 64
ولا يجوز لنا أن نعتقد أنّ العلم سيُغيّر بإمكانه ووسائله من طبيعة الحياة البشرية التي أقامها الله على الابتلاء، قال تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ } (1)
وقال تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ } (2)
ولقد ساهم العلم وساهمتْ التكنولوجيا في عصرنا بتعليم المعوّقين تعليماً بلغ حداً كبيراً من النجاح، كما ساهما في تيسير الحياة لهم، واستطاع كثير منهم أن يشاركوا في أعباء الحياة كغيرهم من الأسوياء وخاصة أنّ الله تعالى قد اقتضت سنته أن يُعوِّضهم بمواهب وقدرات أخرى غير عادية.
الملحق الأول
فتوى بعض الفقهاء المعاصرين عن إجهاض الجنين المشوه
الفتوى الأولى
عنوان الفتوى: تشخيص مرض الجنين
تاريخ الإجابة: 16/03/2003.
نص السؤال : ما حكم الإجهاض بناء على تشخيص مرض الجنين؟
اسم المفتى : الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوى.
نص الإجابة :
بسم الله الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإنّ الأصل في الإجهاض هو الحرمة،وإن كانت الحرمة تكبر وتعظم كلّما استقرت حياة الجنين فهو في الأربعين الأولى أخف حرمة،فقد يجوز لبعض الأعذار المعتبرة،وبعد الأربعين تكون الحرمة أقوى،فلا يجوز إلاّ لأعذار يقدّرها أهل الفقه وتتأكد الحرمة وتتضاعف بعد المائة والعشرين يوماً،حيث يدخل فى مرحلة نفخ الروح فيه،وفي هذه الحالة لايجوز الإجهاض إلاّ في حالة الضرورة القصوى،بشرط أن تثبت الضرورة لا أن تتوهم،وإذا ثبت فما أُبيح للضرورة يقدّرها بقدرها.
من واجب الفقيه المسلم أن يقف أمام هذه القضايا المعروضة ليقرر عدة حقائق أهمها:أنّ حياة الجنين في نظر الشريعة الإسلامية حياة محترمة باعتباره كائناً حياً يجب المحافظة عليه، حتى إنّ الشريعة تجيز للحامل أن تفطر في رمضان،وقد تُوجب ذلك عليها إذا خافتْ على حملها من
__________
(1) سورة الإنسان الآية: 2.
(2) سورة البلد الآية: 4. (1/64)
صفحة 65
الصيام.ومن هنا حرمت الشريعة الإعتداء عليه ولو كان من أبويه،بل ولو جاء ذلك من أمه التى حملته وهناً على وهن.والله أعلم. (1)
الفتوى الثانية
عنوان الفتوى :إجهاض الجنين المشوّه.
تاريخ الفتوى :28/07/2003.
تاريخ الإجابة :30/07/2003.
اسم المفتي :الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة،أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين.
نص السؤال : لي صديقة حامل وقرّر الأطباء أنّ الجنين مشوّه ونصحها الأطباء بضرورة إسقاط الجنين،فما حكم الشرع فى ذلك؟
نص الجواب : بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فحياة الجنين محترمة يجب المحافظة عليها، وإذا قرر الأطباء أنّ الجنين به تشوّهات خلقية فإذا كانت هذه التشوّهات يعيش معها الجنين عادة كالعمى ونحوه من العاهات ففى هذه الحالة يحرم إسقاطه مطلقاً.أما إذا كانتْ هذه التشوّهات خطيرة فيجوز إسقاطه قبل نفخ الروح فيه.أمّا بعد نفخ الروح فيه فلا يجوز الاعتداء عليه،وإذا كان بقاء الجنين يهدد حياة الأم فيجوز إسقاطه مطلقاً.والله أعلم. (2)
الفتوى الثالثة
عنوان الفتوى : إجهاض الجنين المشوّه بين الحل والحرمة.
اسم المفتى : أستاذ الدكتور أحمد الريسوني،جامعة محمد الخامس –الرباط-
المغرب، أستاذ أصول الفقه.
نص السؤال: لى صديقة ابتلاه الله في أولاده، أصابهم الله بمرض مزمن غريب،أنجبَتْ طفله الأول سليماً معافي ثم ما لبث أن أصبح يعاني من هذا المرض الغريب والذي اسمه
Bitasimi) (ومعناه أنّ الكريات الحمراء عند الإنسان العادي تكون كروية الشكل أمّا عند المصاب بهذا المرض تكون إما مثلثة الشكل أو مربعة الشكل فتعتبرها الكريات البيضاء أجسام غريبة وبالتالي تهاجمها ثم تكون التتيجة السلبية على المرض حيث يصبح دوماً حاجة الى الدم وإلاّ مات.
__________
(1) ملاخطة:هذه الفتوى مستخرجة من شبكة الإنترنت.( )
(2)
Islam-online.net /fatwaapplication/Arabic/display.asp?hfatwab=7912 1) (1/65)
صفحة 66
ثم يرزقة الله بولد آخر مصاب بنفس المرض، وقد أخبره الأطباء أصحاب الإختصاص أنهم يموتون عند بلوغ اثنا عشر من السن. ومع هذا فصديقي صابر محتسب لكن زوجته ترغب فى انجاب مرة أخرى وبيّن لهم الطبيب أنّ كل طفل يُولد لهم يكون مصاباً بنفس المرض نتيجة ما يحمله أبواه، ولكن تحت إصرار المرأة قال لهم الطبيب:عند ما يكون الجنين فى الرحم ننزع جزء من لحم الجنين قصد تحليله فإن وُجِدَ سليماً فبها ونعمتْ وإن لم يكن كذلك فيجب إسقاطه.
فما حكم الشرع فى إسقاط الجنين إذا عُلم عن طريق الكشف أنّه مصاب بمرض مزمن يتعبه ويتعب أهله معه؟ أفيدونا يرحمكم الله شكراً والسلام عليكم.
نص الإجابة :ورد فى الحديث النبوى الصحيح أنّ الجنين إذا بلغ مائة وعشرين يوماً أي أربعة أشهر جاء الملك فينفخ فيه الروح.وبناء عليه فإنّ كل جنين وصل إلى أربعة أشهر فيحرم إسقاطه تحريماً باتاً ويعتبر ذلك قتلاً للنفس.
أمّا دون أربعة أشهر فقد اختلف آراء الفقهاء وتقديراتهم، والراجح عندى فى مثل هذه الحالة أنه يجوز إسقاطه إذا كان سيُولد مشوّهاً بتقريرطبيّ جازم وذلك قبل الأربعة أشهر.وكلّما كان ذلك فى الأيام الأولى للحمل وخاصة فبل تمام أربعين يوماً فهو أفضل وأسلم عند من يرون التحريم في هذه المرحلة المبكرة من التكوين الجنين، والله أعلم.
الفتوى الرابعة
موضوع الحوار :عامة فتاوى فقهية.
اليوم والتاريخ :الإثنين،2004/06/07.
اسم المفتي : أستاذ الدكتور فاروق حمادة،جامعة محمد الخامس-الرباط-
... أستاذ بكلية الآداب.
نص السؤال : بسم الله الرحمان الرحيم ،فضيلة الشيخ حمادة حفظه الله،أضع بين أيديكم تقريراً طبياً،ثم أردفه سؤالاً هاماً وضرورياً تقدير الطبيب المعالج :الحمل الثانى (21-22) أسبوع فحص السونار أظهر جنيناً مع تشوّهات خلقية متعددة،تتدرج تحت مرض أومتلازمة(Meckler-Gruber)و فيها:
? 1.خلل وظيفي وبنيوي فى الكلى (Urinary Bladder-not visualized) (1/66)
صفحة 67
? 2.عدم تطور الجزء الأمامى من المخيخ، (Cerebella Virmis: absence of the posterior anencephaly)
? 3.كيس دماغى خارجى (severe Oligophydiamnios)
? 4.كمية الماء (ماء السلى) حول الجنين آخذة فى النقصان بسبب عدم انتظام عمل الكليتين، (Urinary Bladder-visualized)=(Synd-Meckle-Gruber). احتمال العيش مع هذه العاهات = صفر%.
متوقع موت الجنين داخل الرحم فى الأيام، أو الأسابيع المقبلة بسبب نقص ماء السلي، فيما إذا استمر الحمل فإنّ الولادة ستكون صعبة، ويكون هناك تشوّهات فى الأطراف نتيجة نقص الماء.فى كل هذه الحالات لا يمكن أن يعيش خارج الرحم إلاّ أن يشاء الله تعالى.
هل يجوز لهذه المرأة إسقاط الجنين المشوّه فى هذه الحالة الموصوفة فى تقرير الطبيب أعلاه؟أفتونا جزاكم الله عن المسلمين خير الجزاء.
نص الإجابة :بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
الأخت الفاضلة، الخلق والموت بيد الله- سبحانه وتعالى-، كما لا يخفى عليك، والعمل الطبيّ عمل تقني يعتد به شرعاً فى كثير من الجوانب، أخذاً من قوله تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } وهذه الأجنّة التى يكون فيها نقص أو خلل فى الدماغ أو تشوّهات أو منغولياً أو غيرها مما هو الآن حاصل نتيجة مؤثرات كثيرة بالنسبة لنا نحن معشر المسلمين هو ابتلاء من الله تعالى ليعلم صبرنا وتحملنا واستسلامنا له وتضرعنا إليه.
فالمرض فى عقيدة الإسلام ليس نقمة أو تعذيباً بل هو نعمة أحياناً وتطهيرٌ ورفع درجات وعلى هذا الأساس فما ابتليت أنتِ به إن فهمت سؤا لك حق الفهم، فالجنين له أكثر من خمسة أشهر، وهو آيل إلى الموت إن كنت فهمت كلامك والتقرير، فما عليك إلاّ أخذ العلاجات التى لا تضرك حتى يسقط وحده دون أن تسقطِيهِ لأنّ الجنين الذى نفختْ فيه الروح لا يجوز بإجماع المسلمين، والأمور الأخرى محتملة. (1/67)
صفحة 68
ولهذا إذا لم يكن يجني عليك ويهدد حياتك بقاءه فاتركِيهِ حتى يسقط ويأتى أجله المقدّر عند الله تعالى.وأما إن كان يؤثر على صحتك إلى حد تهديدها ففي هذه الحالة يجوز لك بشهادة طبيب مسلم حاذق أو طبيبين وهو أفضل أن تسقطِيهِ، لأنّ الفرع لا يجني على الأصل.ولهذا ننصحك إذا لم يكن فيه خطر على صحتكِ أن تصبرى حتى يقضي الله أمره فيه، وأكثري من قول:حسبي الله ونعم الوكيل، والله أعلم.
الفتوى الخامسة
موضوع الفتوى : إسقاط الجنبن المشوّه خلقياً
اسم المفتى : الشيخ عمر محمد بن إبراهيم غانم،صاحب كتاب أحكام
الجنين في الفقه الإسلامي.
نص السؤال : هل يجوز إسقاط الجنين بعد ما تبين بالفحوصات أنه مشوّه
خلقياً.
نص الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
إذا ثبت تشوّه الجنين بصورة دقيقة قاطعة لا تقبل الشك، من خلال لجنة طبية موثوقة، وكان هذا التشوّه غير قابل للعلاج ضمن إمكانيات البشرية المتاحة لأهل الاختصاص، فالراجح عندى هو إباحة إسقاطه، نظراً لما قد يلحقه من مشاق وصعوبات فى حياته، وما يسببه لذويه من حرج، وللمجتمع من أعباء ومسؤوليات وتكاليف فى رعايته والاعتناء به، ولعل هذه الاعتبارات وغيرها هي ما حدث بمجلس المجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي فى دورته الثانية عشرة المنعقدة بمكة المكرمة فى الفترة من 15 رجب الفرد سنة 1410هـ وفق 101990/2/م، أن يصدر قراره:بإباحة إسقاط الجنين المشوّه بالصورة المذكورة أعلاه، وبعد موافقة الوالدين فى الفترة الواقعة قبل مرور مائة وعشرين يوماً من بدء الحمل.
وقد وافق المجلس المذكور أعلاه فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية رقم 2484 فى 161399/01/هـ. (1/68)
صفحة 69
أما إذا كان الجنين المشوّه قد نفخت فيه الروح وبلغ مائة وعشرين يوماً، فإنّه لا يجوز إسقاطه مهما يكون التشوّه، إلاّ إذا كان في بقاء الحمل خطر على حياة الأم، وذلك لأنّ الجنين بعد نفخ الروح أصبح نفساً، يجب صيانتها والمحافظة عليها، سواء كانت سليمة من الآفات والأمراض أو كانت مصابة بشيء من ذلك، وسواء رُجِي شفاؤها مما بها أم لم يُرج،
ذلك بأنّ الله تعالى له فى كل ما خلق حكم لا يعلمها كثير من الناس، وهو أعلم بما يصلح خلقه، مصداق قوله تعالى: { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (1)
وفى ولادة هؤلاء المشوّهين عظة للمعافين، وفيه معرفة لقدرة الله - عز وجل - حيث خلقه مظاهر قدرته، وعجائب صنعه سبحانه، كما أنّ قتلهم وإجهاضهم نظرة مادية صرفة لم تعر الأمور الدينية والمعنوية أية نظرة، ولعل وجود هذا التشوّه ما يجعل الإنسان أكثر ذلة ومسكنة لربّه، وصبره عليها احتساباً منه للأجر الكبير.
والتشوّهات الخلقية قدر أراده الله لبعض عباده، فمن صبر فقد ظفر، وهي أمور تحدث وحدثتْ على مر التاريخ، ومن المؤسف أنّ الدراسات تدل على أنّ نسبة الإصابة بالتشوّهات الخلقية فى ازدياد، وذلك نتيجة تلوث البيئة، وكثرة الإشاعات الضارة التى أخذت تنتشر فى الأجواء، والتى لم تكن معروفة من قبل.
ومن رحمة الله بالناس أن جعل مصير العديد من الأجنّة المشوّه إلى الإجهاض والموت قبل الولادة.وعلى المرأة المسلمة وعلى الأسرة المسلمة أن تصبر على ما أصابها، وأن تحتسب ذلك عند الله والله أعلم. (2)
الفتوى السادسة
موضوع الفتوى :إسقاط الجنين المصاب بتشويه.
اسم المفتى :الشيخ محمد صالح المنجد.
نص السؤال : كما تعرف فإنّ هناك فحوصات طبية او فحوصات
تشخيصية تجرى على المرأة فى بداية حملها لمعرفة ما أذا
__________
(1) سورة الملك آية 14
(2) doctor.net/pages/Arabic/fatwaa2.htm. www.muslim (1/69)
صفحة 70
إذا كان الجنين يعانى من إعاقات شديدة.والغرض من هذه
الفحوص هو التخلص من الجنين فى الأسبوع 19 تقريباً
من الحمل.وأسأل هل يجيز الإسلام مثل هذه الفحوصات؟
نص الجواب : الحمد لله،نعم يجوز ذلك، وبالنسبة لإسقاط الجنين فقد أجاز بعض العلماء ذلك بشروط:
1- أن لا يكون قد نفخ فيه الروح، أى قبل الأربعة أشهر من
البداية الحقيقة للحمل.
2- أن تكون هناك ضرورة تدعو لذلك، كالإعاقات
والتشوّهات التى تكتشف فى الحمل،أو أن يكون فيه ضرر على الأم.ومع هذا فمن صبر وتوكل على الله فهو خير له عند ربّه، والله أعلم. (1)
الفتوى السابعة
عرض على اللجنة الاستفتاء المقدّم من السيد محمد ونصه:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
زوجتى قبل سنتين وضعَتْ طفلة ميتة وكانَتْ بدون جمجمة والآن حامل فى الشهر الخامس وبالفحص بالسونار ظهر للأطباء أنّ الحمل بدون جمجمة مثل الأول، وحسب تقريرهم الطبيّ أنّ الحمل يسقط ميتاً لأنه لا يستطيع الخروج حياً بل يموت قبل الوضع بأيام، فيرى الأطباء الآن إجهاض الطفل لأنه لا يمكن أن يعيش علماً بأنّ الأم فيها ضغط الدم وكذلك فيها حصوة فى المرارة.
أجابت اللجنة : بأنه لا يجوز الإجهاض فى الحالة المسؤول عنها إلاّ إذا كان هناك خطر على حياة الأم بحيث لو بقي الحمل لأدى إلى وفاة الأم،والله اعلم. (2)
الفتوى الثامنة
نص السؤال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حكم الحمل فى الشهر الثامن إذا كان الجنين مشوّها عدة
تشوّهات لا تتناسب مع الحياة بعد الولادة مع العلم أنه حي
يُرزق فى الرحم؟
اسم المفتى : حضرة الدكتور محمد راتب النابلسي المحترم.
ملاحظة : كشفَتْ التشوّهات فى الدماغ والنخاع الشوكى والعمود الفقرى
بواسطة التصوير بالإيكو ثلاث مرات متتالية، واستمرار الحمل
__________
(1) الإسلام سؤال وجواب،الشيخ محمد صالح المنجد www.islam –qa.com
(2) باب الحمل والإجهاض www.awkaf.net/fatwaa/part4/teap/001.htm. (1/70)
صفحة 71
حتى الشهر التاسع يؤدى إلى عسر ولادة وغالباً قيصرية.
يُرجى الإسراع ما أمكن بالإجابة لأننا فى سباق مع الوقت،
جزاكم الله خيراً.
نص الجواب : الأخ الكريم : لا يُوجد فتوى بإسقاط الجنين المشوّه،وقد يكون
وصف الطبيب مبالغاً فيه، ولا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك
أملاً، وسأسألك لو أنّ الجنين خرج من بطن أمه سليماً، ثم أصابته
عاهة بعد حين قصير من الولادة، هل تستطيع أن تقتله؟
ارض بقضاء الله وقدره وادع الله أن يحوطه، ويحوطك وأمه
برعايته، والله أعلم (1)
الفتوى التاسعة
موضوع الفتوى : إسقاط الجنين المريض.
اسم المفتى : عرض السؤال المقدّم بواسطة السيد مانع،ونصه:
نص السؤال : امرأة حامل فى شهرها السادس ومرض أحد أولادها بالحصبة الألمانية وانتقل الميكروب إلى الأم الحامل وبفحصها قرر الأطباء أنّ الميكروب انتقل أيضاً إلى الجنين، كما قرروا أنّ الجنين المصاب بهذا المرض سيُولد مشوّها، وأشاروا على والديه بإسقاطه.وفعلاً تم إسقاط الجنين بهذا السبب.فما حكم إسقاط جنين بهذا السبب؟
أجابَتْ اللجنة : يحرم إسقط الجنين ولو كان مشوّها ما دام أنه لا يخطر عى حياة الأم.
الفتوى العاشرة
نص السؤال : لدينا حامل في الشهر السادس واتضح من خلال الكشف على الجنين أنه مشوّه خلقياً . ويرى الدكتور أنه لابد من أن ينزل، والأم مختارة وتقول هذا أمر حسب رأي الشرع ؟
نص الجواب : لا يجوز إجهاض الجنين خصوصاً بعد نفخ الروح فيه ، ولو كان مشوّها بل يُترك أمره إلى الله ، لأنّ في إجهاضه جناية على نفس معصومة بالقتل ، ولا يدري فربما يزول تشويهه أو تكون تشويهاًَ لا يخل بحياته ، وقد يكون رأي الطبيب خطأ فليس معصوماً، والحاصل أنه لايجوز الاعتداء على الحنين وإسقاطه بحجة أنه مشوّه.والله أعلم,
الفتوى الحادية عشر
اسم المفتي : الدكتور وهبة الزحيلي .
__________
(1) www.Nabulsi.com/text/12 others/fact-134 htm. (1/71)
صفحة 72
نص السؤال : أنا متزوج منذ عشر شهور وزوجتي حامل في بداية الشهر الخامس
من الحمل تبين لنا وجود ضمورشديد في جمجمة الجنين وقد قمنا بالتأكيد من ذلك عن طريق تصوير الجنين بدقة وتبيين صحة هذا الأمر. نصحنا بعض الأطباء بالاستمرار بالحمل حتى الولادة الطبيعية ونصحنا بعض بإسقاط الجنين وذلك خوفاً من الاضطرار إلى إجراء عمل قيصري في حال الاستمرار في الحمل. علماً أنّ كلا الفئتين من الأطباء أكدوا أنه لا يوجد أي أمل في حياة الجنين بعد الولادة مباشرة،وذلك حسب رأي الأطباء من ناحية الطبية.نرجو منكم أن تفتونا بما هو أصلح.
نص الجواب : يُترك الأمر كما هو ، لأنّ علم الأطباء محدد وقد يغايره الواقع ، وإجراء العملية القيصرية شيء معتاد لا خطر فيه على حياة الأم فإياكم من المبادرة بإسقاط الحنين ، فهو حرام وينتظر حتى الولادة .
الفتوى الثانية عشر
عنوان الفتوى : القادم الجديد إذا كان مشوّها .
اسم المفتي : فضيلة الإمام محد متولى الشعراوي .
نص السؤال : حول نتائج استخدامات بعض الأجهزة الحديثة مثل الوحدات المتطورة للأجهزة الخاصة بالموجات الصوتية ، التى تستطيع الكشف عن الحمل المبكر بدون أخطار استخدام الأشعة العادية ، فهي تكشف أيضاً عما يوجد بالجنين من تشوّهات خلقية : كجنين بدون رقبة مثلاً ، أو جنين مبتور الذراع، أو ثالث مبتور الساق ... إلخ.
والتساؤل الذي يثيره البعض: هل يجوز في هذه الحالة أن يقوم الطبيب بالإجهاض رحمة بالجنين، وحماية لمجتمع من قادم جديد مشوّه...؟ (1/72)
صفحة 73
نص الجواب : حول هذه القضية الهامة يتولى الإجابة عنها مولانا فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوي فيقول : الذي يحاول أن يعدل في صنعة هي التي يصنعها ، وتفسد في يده له أن يصلح فيها إنما أمر من صنعة غيره : الشذوذ فيها مقصود له . يعني كونه يخلق إنساناً أعمى هذا مقصود لصانعه.. مبتور الذراع او مبتور الساق... مقصود لصانعه أيضاً ذلك لأن الصانع هنا يريد أن يلفت النظر إلى نفسه.
وسبق أن قلت: إنك لا تنتبه إلى عينيك وإلى نعمة الله في عينيك إلاّ إذا رأيت أعمى يتعثر.. لا تحمد الله، وتتذكر أنّ لك ساقاً إلاّ إذا رأيت شخصاً " أعرج "
إذن فهذه المسائل التي يضعها الخالق.. قد تقول: إنها تشويه..هي تشويه في جزئية..لكنها تجميل في الكل. لكي يلفت جميع الناس إلى نعمة الله... فكونك تقول: إنه سيكون مشوّهاً..هذا الكلام يمكن أن ينطبق على شيء تصنعه أنت: مثلاً صنعتَ دولاباً، ووجدته غير مضبوط يمكن أن تعدله، إنما خالق أعلى منك... خلق ـ لا تقول إنّ هذا مشوّه. لا تنظر هذه النظرة الحمقاء السطحية.أنت لا تعرف الحكمة في إنشاء هذا الكون.
ولتوضيح هذا الأمر نقول: الشواذ في الكون..هل هي أغلبية أم أقلية ؟ أقلية بالطبع. وهم وسائل إيضاح في الكون. ولماذا ؟ لكي يلفت الله الإنسان إلى هذه النعم، ثم يخرج من ذهن الإنسان أنها مسائل أتوماتيكية رتيبة يعني الرجل والمرأة يجتمعان، والبويضة والحيوان المنوي وهكذا. تقول له: لا هناك قوة أعلى من ذلك.
والدليل على ذلك أنّ كل الأشياء جاهزة. ولكن نجد إنساناً بهذا الشكل وإنساناً آخر مختلف، هناك مدرسة المانية قديمة مدرسة ( جيبيل ) ومدرسة ( بختر ) أحدهما قال: إنّ الشذوذ في الكون دليل على أنه إله يبرز الأشياء بحكمته.
أما الآخر ـ هي مدرسة معاصرة لنفس المدرسة الأولى ـ قال: عدم الشذوذ في الكون دليل على أنّ القوانين هي التي تحكم الكون، وإلاّ لو كان هناك إله يتحكم لشذ القانون في ناحية هنا، وناحية هناك. (1/73)
صفحة 74
أحدهما قال: الشواذ دليل إلحاد، والثاني: أخذ عدم الشذوذ دليل إلحاد.
نقول لهما: أنت غبي، وهو غبي إنّ من أراد الشذوذ دليل إيمان بأن هناك قوة أعلى من القوانين، ولذلك تتخلف القوانين ـ هذا الدليل موجود ـ ولكن فقط في الجزئيات، ومن أراد النظام موجود، ولكن فقط في الكليات.
ليس هناك شذوذ في أمر كلي، لأنّ الشذوذ في أمر كلي يحطم الكون كله. ولذلك لا تجد شذوذاً في قوانين السماء والأرض والشمس.. إلخ. إنه يصنع الشذوذ في فرد.فلو شذ فرد يكون هناك فرد آخر غير شاذ، ولذلك نقول: يامن تريد الشذوذ دليلاً على وجود قوة أعلى من القوانين. هذا الدليل موجود، ولكن فقط في الجزئيات، ومن تريد ثبات النظام دليلاً على حكمة الخالق، وهذا الدليل موجود، ولكن فقط في الأمر الكلي.
إذاً ما دام عقل اتجه على أنه شذوذ، وعقل آخر اتجه على أنه لا يوجد شذوذ، نقول الاثنان موجودان ولكن بدلاً من أن يوجد الشذوذ في الناموس الكلي، فيتحطم الكون ـ يوجد الشذوذ في الجزئيات.
وعلى هؤلاء الذين يتساءلون ويريدون الإجهاض، أو فتك الروح، نقول لهم: إنّ الإنجاز الحقيقي هو بدلاً من أن تجد شاذاً فتجهضه وتنهيه، عليك أن تصلحه قبل أن يكون شاذاً، ولكن إعدامه عملية سلبية، إنك لم تصنع شيئاً، إنّ من يريد أن يقتل الشاذ لم يدرك الحكمة في الوجود. ونحن في طبعة أمورنا حينما ندرب مجموعة أشخاص على شيء معين، نأتي مثلاً بالوردة، ونقطفها، ثم نشرحها، وسيلة إيضاح تالفة تماماً.
والخلاصة أنّ من يرى أن يحقق إنجازاً للبشرية، لا يعدم هذه الروح، وإنما يبحث عن أشياء تمنع هذا الشذوذ والتشويه. (1)
الملحق الثاني
صور بعض التشوهات
طفل بدون أطراف نتيجة من تناول المرأة حبوب منع الحمل
__________
(1) الفتوى كل يهم المسلم في حياته يومه وغده ، لفضيلة الإمام محمد متولى الشعراوي ، أعده وعلق عليه وقدم له الدكتور السيد الجيلي ، المكتبة التوفيقية ، أمام الباب الأحضر ـ سينا الحميل . (1/74)
صفحة 75
في حالة وجود حمل.
-----------------------------
صورة لطفل بدون رقبة، ناتجة من تناول الأم بعض العقاقير
غير مسموح لها في مرحلة تخلق أعضاء الجنين.
-----------------------------
تشوه ناتج عن عيب وراثي غريب في الخلايا العصبية في المخ والنخاخ الشوكى
حيث تنتفخ الخلايا وتتورم وتمتلئ بالدهن.
-----------------------------
صورة لعدم تطور الجزء الأمامى من المخيخ في الجنين.
-----------------------------
مواليد يولدون لنساء مدمنات، يتميز الوجه لديهم بمجموعة مظاهر غير طبيعية
مثل:أنف قصير ومعكوف، وجسر أنفي مضمور، وشفة علوية رقيقة.
-----------------------------
صورة الجنين المصاب في الأنبوب العصبي الذي أدى إلى تشوّه في الحبل الشوكى
والشلل في الأطراف.
-----------------------------
الخاتمة
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وفي نهاية هذا البحث أود التذكير بأهم المسائل والنتائج التي توصلت إليه أوجزها في النقات التالية:
? لا يختلف معنى الجنين عند أهل اللغة والفقه وكذا الطب، فالجميع يشترك في المعني العام للجنين بأنه "الولد في بطن أمه".
? بين القرآن الكريم والسنة النبوية أطوار حياة الجنين، بداية من النطفة ثم العلقة ثم المضغة.وعلماء الأجنة يتفقون وبشكل كبير مع التقسيم الشرعي لمراحل نموالجنين، غير أنهم اكتشفوا تلك المراحل بشكل مفصل ودقيق من خلال التطور الهائل في مجالات الرصد الطبي والتصوير الإشعاعي.
? إن حياة الإنسانية تبدأ عند النفخ الروح في الجنين، وذلك بمرور مائة وعشرون يوما على بداية تكونه، وهذا عند أكثر الفقهاء.
? إن القول الأوجه في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح فيه، هو التحريم لأن النطفة آيلة إلى التخلق، ومهيأة لنفخ الروح مالم يكن هناك عذر، أو ضرورة لإنقاذ حياة الأم، والمحافظة عتى سلامتها، ولدفع الخطر عنها من بقاء الحمل فيها. (1/75)
صفحة 76
? إذا ثبت ثبوتا قطعيا دون ريب، وذلك بوسائل الطب الحديثة أن بالجنين عيوبا وراثية خطيرة لا تتلاءم مع الحياة العامة، وأنها تسرى بالوراثة في سلالة أسرته، فإنه يجوز الإجهاض مالم يبلغ أيامه الرحمية مائة وعشرين يوما.
? إن الأجنة المعيبة التي يمكن علاجها طبيا،أو جراحيا ،أو التي من الممكن أن تتلاءم مع الحياة العامة،فلا تعتبر فيها عذرا شرعيا مبيحا للإجهاض.
لا تجرى عملية الإجهاض فيما بعد الأربعين يوما إلا بقرار من لجنة طبية مشكلة من ثلاث أطباء ثقات، أحدهم على الأقل متخصص فى أمراض النساء والتوليد، على أن يوافق على القرار اثنان من الأطباء المسلمين ظاهري العدالة.وخلاف ذلك يعتبر قتلا لنفس بريئة حرمها الله تعالى، ومن قتلها قكأنما قتل نفسا وهو متعمد،قال تعالى: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } .النساء الآية 93.
? وفي البحث إشكالات عديدة تنتظر البحث عنها، والتعمق فيها من أطباء وفقهاء متخصصين ومنها:متى ينفخ الروح فى الجنين؟منهم من قال بعد الأربعين يوما، ومنهم من قال بعد مائة وعشرين يوما.ومتى تظهر علامات التخلق الجنين؟وله دور هام فى إسقاط الجنين.
? أسأل الله - عز وجل - أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم،فما أصبت فمن الله - عز وجل - وحده،وما أخطأت فمني والشيطان،والله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم منه بريئان.والله تعالى أعلم وأحكم.وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قائمة المراجع والمصادر
- القرآن الكريم
كتب التفاسير
- التفسير المنير فى العقيدة والشريعة والمنهج، للدكتور وهبة الزحيلى، دار الفكر المعاصر, ط1، بيروت – لبنان، (1411هـ- 1991).
- التفسير الكبير أو مفتاح الغيب، لفخر الدين عمر بن الحسين البكر الرازى الشافعى، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، (1421هـ- 2000م). (1/76)
صفحة 77
- في رحاب القرآن، لإبراهيم بيوض، تحرير:للشيخ بالحاج عيسى بن محمد، جمعية التراث، الجزائر، غردابة، (1417هـ - 1997م).
كتب السنة النبوية
- تلخيص الخبير، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلانى، المحقق:السيد عبد الله هاشم اليمانى، المدنى، المدينة المنورة، (1384هـ- 1963م).
- جامع العلوم والحكم، لإبن رجب الحنبلي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
- سنن البيهقي الكبرى،أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبوبكر البيهقي،مكتبة دار الباز-مكة المكرمة،1414هـ-1994.
- صحيح بن حبان ، محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي،ط،1444هـ-1993م، 9/417، رقم:4106،كتاب النكاح،باب ثبوت النسب وما جاء في القائف.
- صحيح المسلم، لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيرى النيسابورى، (206/291).المحقق: محمد فؤاد عبد الباقى،دار إحياع التراثالعربى،بيروت.
- صحيح البخارى، لمحمد إسماعيل أبى عبد الله البخارى الجعفى، المحقق:الدكتور مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة- بيروت، ط3، (1407هـ- 1987م).
- فتح البارى، بشرح صحيح البخارى، للحافظ شهاب الدين أبى الفضل العسقلانى المعروف بابن حجر(773هـ- 852م)، بمصر، (1387هـ- 1959م).
- الفردوس بماثور الحطاب، تحقيق:السعيد بسيونى زغلول، دار الكتب العلمية- بيروت.
- نصب الراية لأحاديث الهداية، لإمام العلامة جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي، ت762هـ، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع بيروت-لبنان، ط3، (1407هـ1987م).
كتب الفقه
المذهب الإباضي
- جلاء العمى، شرح ميمية الدما، للعلامة خلفان بن جميل السيابى، ط2، معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد، سلطنة عمان، (1411هـ- 1991م).
- شرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف بن عيسى أطفيش، الجزائري، المتوفى في السنة 1332هـ، ط2، دار الفكر، (1392هـ-1972م) (1/77)
صفحة 78
- المصنف، أبوبكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي، سلطنة عمان، مسقط، التراث القومى والثقافة.
المذهب الحنفي
- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لزين العابدين بن إبراهيم بن نجيم المصري، المتوفى 970هـ دار المعرفة – بيروت.
- بدائع الصنائع، علاء الدين أبوبكر بن مسعود الكساني، المتوفى437هـ تصوير دار الكتب العلمية.
- رد المختار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين، لمحمد أمين عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي، دار الطباعة المصرية، (1272هـ- 1966م).
- شرح فتح القدير، لمحمد عبد الواحد السيواسي، ط2، دار الفكر- بيروت.
المذهب المالكي
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد،محمد ابن رشد القرطبي،دار المعرفة-بيروت،1407هـ-1987م
- حاشية الدسوقى على الشرح الكبير، أبو البركات سيدى أحمد الدر يديري، طبعة عيسى الحلبي، دار الفكر.
- حاشية الرهونى على الشرح الزرقانى، لمختصر خليل، أبو عبد الله سيدى محمد بن المدنى علي كنون ط1، المطبعة الأميرية ببولاق، مصر المحمدية، 1306هـ.
- فتح العلي المالكي، للشيخ محمد عليش، طبعة مصطفى الحلبى 1958م
المذهب الحنبلي
- الإنصاف فى معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، للمرداوى ط2، دار الكتب العلمية – بيروت، 1990م.
- حاشية قليوبي على شرح المحلى، للقليوبي، الدار التونيسية.
- المطلع على أبواب المقنع، محمد بن أبى الفتح البعلى الحنبلى أبو عبد الله، المكتبة الإسلامي – بيروت، (1401هـ - 1981م).
- حاشية قليوبي على شرح المحلى، للقليوبي، الدار التونيسية.
- المطلع على أبواب المقنع، محمد بن أبى الفتح البعلى الحنبلى أبو عبد الله، المكتبة الإسلامي – بيروت، (1401هـ - 1981م).
- المغنى مع الشرح الكبير على متن المقنع فى الفقه الإمام أحمد بن حنبل، للإمامين موفق الدين ابن قدامة، ط1، دار الفكر، بيروت – لبنان، (1404هـ - 1984م)
المذهب الشافعي (1/78)
صفحة 79
- إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالى، (دط) (1411هـ - 1991م)، دار الثقافة، الجزائر.
- الأم، للإمام الشافعي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1413هـ.
- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج فى الفقه على المذهب الشافعي، لمحمد بن أبى العباس، المشهور بالشافعى الصغير، دار الفكر، طبعة الأخيرة، (1404هـ- 1974م).
- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، لابن شهاب الدين الرملى، المكتبة السلفية.
- الوجيز، للإمام الغزالى محمد بن محمد(505هـ) تصوير، دار المعرفة بيروت.
- مغني المحتاج إلى معرفة معانى الفاظ المنهاج، الشيخ محمد الشربيني،مصطفى الحلبي،القاهرة،1387هـ.
المذهب الظاهري
المحلى، لأبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندليسي، المتوفى 456هـ، تحقيق لجنة أحياء التراث العربي، دار الجيل-بيروت.
الكتب اللغة
- أبو الطيب المتنبي وظواهر التمرد في شعره، لأبى الدكتور زهير غازى زاهد، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية.
- جمهرة اللغة، لأبى بكر محمد بن الحسن بن دريد، دار العلوم للملايين لبنان/ بيروت.
- العقد الفريد، عبد ربه الأندليسي، المحقق:أحمد أمين وإبراهيم الأنبارى، القاهرة، (دط)، (1368هـ- 1949م)، دار الكتب العربى.
- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للرفعي أحمد بن محمد على الفيومى المقرئ، (معجم عربي – عربي)، مكتبة لبنان، بيروت- لبنان، 1987م.
- المعجم الوسيط، للدكتور إبراهيم أنيس ومن معه.
كتب العلمية الحديثة
- أبحاث فقهية فى قضايا طبية، لمحمد نعيم ياسين، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، (1419هـ/1999م).
- الإجهاض بين الشريعة والقانون، للدكتور محمد واصل، جامعة دمشق، كلية الحقوق 1998.
- الإجهاض فى منظور إسلامي، بحث مقارن لعبد الفتاح محمود إدريس، ط1 مصر، (1406هـ - 1990م).
- أحكام الإجهاض فى الفقه الإسلامي، سلطنة عمان( 1420هـ - 1999م). (1/79)
صفحة 80
- الإسلام عقيدة وشريعة، للإمام محمد شلتوت، ط12 (1403هـ - 1983م)، دار الشروق.
- الإيدز وباء العصر، الدكتور محمد علي البار، والدكتور محمد أيمن الصافى، دار المنار-جدة، 1987م.
- تطور الجنين وصحة الحامل، لمحي الدين طالو، دار ابن كثير- بيروت، (141هـ- 199م.)
- التشريع الجنائى الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي،عبد القادر عودة،دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان،1405هـ-1985.
- الجنين المشوة والأمراض الوراثية، الأسباب والعلامات والأحكام، لمحمدعلي البار، دار القلم، دمشق، دار المنار، جدة ط1، (1411هـ-1991م).
- الحلال والحرام فى الإسلام، للدكتور يوسف القرضاوى، مكتبة وهبة – القاهرة ط1، (1396هـ -1976م).
- الحمل والولادة والعقم عند الجنين، لمحمد رفعت، ط2، دار المعرفة-بيروت(1408هـ - 1988م).
- حياة المرأة وصحتها، للدكتور نادية رمسيس فرج، دار الجيل- القاهرة سينا للنشر، بيروت، ط4، (1406هـ - 1987م).
- خلق الإنسان بين الطب والقرآن، للدكتور محمد علي البار، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ط1، (1415هـ - 1995م).
- رعاية الطفولة فى الشريعة الإسلامية، للدكتور إيناس عباس إبراهيم، دار البحوث العلمية.
- السنة فى الزواج، للدكتور أيمن الحسينى، القاهرة، مكتبة ابن سينا.
- الطبيب أدبه وفقهه، للدكتور زهير السباعى أحمد والدكتور محمد علي البار، دار القلم دمشق، الدار الشامية-بيروت، ط2، 1418هـ.
- الطفل بين الوراثة والتربية، محمد تقي فلسفي، تعريب الحسين الميلاني، مؤسسة الأعمى للمطبوعات، بيروت- لبنان (1412هـ - 1992م).
- العقم أسبابه وطرق علاجه، للدكتور اليوث فيلب ترجمه:الدكتور عبيد عمر، دار النفائس- بيروت، ط2 (1406هـ - 1987م).
- علم النفس والنمو الطفولة والمراهقة، لحامد عبد السلام زهران، ناشر عالم الكتب، القاهرة، ط4.
- علم الأجنة فى ضوء القرآن والسنة، بمقر رابطة العالم السلامي، مكة المكرمة، 1406هـ. (1/80)
صفحة 81
- فائق الجوهرى، المسؤولية الطبية، قانون والعقوبات، رسالة لنيل الدكتوراه من حقوق، القاهرة، 1951م.
- الفتاوى الهندية، للشيخ النظام، دار إحياء التراث العربي- لبنان، ط4، (1406هـ-1986م).
- الفتاوى كل ما يهم المسلم فى حياته يومه وغده، لفضيلة الإمام متولى الشعراوي، أعده وعلق عليه وقدم له الدكتور السيد الجيلى، المكتبة التوفيقية، أمام الباب الأخضر-سينا الحميل.
- قواعد وزارة الصحة والمنظمة لعملية الإجهاض العلاجى،
- متى تنفخ الروح فى الجنين، للدكتور شرف القضاة، دار الفرقان والنشر والتوزيع، الأردن عَمَان.
- مجموع الفتاوى الصادرة عن قطاع الإقناء والبحوث الشرعية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية السعودية.
- مراحل الحمل والتصرفات الطبية الحديثة فى الجنين بين الشريعة الإسلامية والطب المعاصرة، لباحمد أرفيس1422هـ - 1992م.
- مسالة تحديد النسل وقاية وعلاجا، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطى، مكتبة الفرابى دمشق – سوريا، ط4، (1396هـ - 1976م).
- موسوعة الفقه الإسلامى المقارن، لجمال عبد الناصر، القاهرة.
- الموسوعة المرأة الطبية، للدكتور سبير فاخوري، الطبعة الثانية، دار العالم للملايين.
- موقف الشريعة الإسلامية من تنظيم النسل، للزين يعقوب الزبير، دار الجيل – بيروت، ط1 (1411هـ - 1991م).
المجلات والشبكات المعلوماتية
- الإسلام سؤال وجواب، للشيخ محمد صالح المنجد على الموقع، www.islam-99.com.
- الإسلام على الإنترنت، للدكتور يوسف القرضاوى، التاريخ:16/03/2003.
- جريدة الرياض، الثلاثاء 18 محرم 1425هـ العدد13045.
- مجلة الحكمة، العدد9، صفر1417هـ، برطانيا.
- مجلة النهار، التاريخ:الأربعاء 15 أبريل 2004 فى الموقعwww.anaharonline.com/htm/tahkik040505htm,
- مجلة الأمن والحياة، العدد151، السنة الرابعة عشر، تصدر عن دار النشر بالمركز العربى للدراسات الأمنية والتدريبات. (1/81)
صفحة 82
- مجلة المجمع الفقه لرابطة العالم الإسلامى، دورة الثانية عشرة بمكة المكرمة، 15-22
رجب1401هالموافق: .February /1990/10-17
- المقال إسلام أون لاين، للدكتور حسام الين بن موسى عفانة، أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين، التاريخ:30/07/2003.
- مقال الطبيب المسلم فى الموقع www.muslimdoctor.org/article.php?op.. التاريخ:15/11/2003.
فهرس الموضوعات
الموضوع صفحة
1. مقدمة ... 2
2. المراد بالجنين، وأطوار تخلقه وعوامل تشوّهه ... 8
3. تعريفه لغة ... 8
4. تعريفه عند الفقهاء ... 9
5. تعريفه عند الأطباء ... 9
6. أطوار خلق الجنين السليم ... 10
7. طور النطفة ... 12
8. طور العلقة ... 13
9. طور المضغة ... 13
10. طور العظام ... 14
11. طور الكساء باللحم ومرحلة النشأة خلقا آخر ... 15
12. العوامل المؤدية إلى تشوه الجنين ... 17
13. العوامل الوراثية ... 17
14. العوامل البيئية ... 20
15. العوامل الخارجية ... 21
16. طرق العلاج والوقاية من هذه العوامل ... 25
17. الإجهاض وحكمه ... 31
18. الإجهاض في اللغة ... 31
19. الإجهاض عند الفقهاء ... 31
20. الإجهاض عند الأطباء ... 32
21. أقسام الإجهاض ... 33
22. إجهاض تلقائي ... 33
23. إجهاض في مفتعل أو محرض ... 34
24. إجهاض علاجي ... 32
25. العوامل المؤدية إلى الإجهاض ... 36
26. أهم وسائل الإجهاض ... 37
27. حكم الإجهاض عند الفقهاء وعقوبته ... 41
28. أقوال الفقهاء في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح فيه ... 41
29. رأي فقهاء المذهب الإباضي ... 44
30. رأي فقهاء المذهب الحنفي ... 44
31. رأي فقهاء المذهب المالكي ... 46
32. رأي فقهاء المذهب الحنبلي ... 47
33. رأي فقهاء المذهب الشافعي ... 48
34. رأي فقهاء المذهب الظاهري ... 49
35. أقوال الفقهاء في حكم الإجهاض بعد نفخ الروح فيه ... 51
36. عقوبة الإجهاض ... 58
37. العقوبة الأصلية للإجهاض ... 59
38. من تلزمه الغرة ... 61
39. العقوبة البدلية للإجهاض ... 62
40. عقوبة التبعية للإجهاض ... 64
41. الجنين المشوه وحكم إجهاضه ... 66
42. أقوال العلماء في إجهاض الجنين المشوه وعدم إجهاضه ... 66 (1/82)
صفحة 83
43. الملاحق ... 68
44. فتاوى بعض الفقهاء المعاصرين عن إجهاض الجنين المشوه. ... 73
45. صور بعض التشوّهات ... 87
46. الخاتمة ... 92
47. قا ئمة المصادر المراجع ... 94
48. فهرس الموضوعات ... 102
- - - - - - (1/83)