صفحة 1
الكتاب: الأسرة نظرة نقدية تحليلية لعاشور كسكاس
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الأسرة
نظرة نقدية تحليلية
إعداد : عاشور بن يوسف كسكاس
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة :
الحمد لله رب العالمين ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، ونصلى ونسلم على رسوله الأمين ورحمته المهداة لخلقه أجمعين صلوات الله عليه وسلامه، وبعد:
فكثيرا ما يشغل بالي موضوع الأسرة ، ذلك المحضن الدافئ الذي نشأت فيه ، وتلك الخليَّة الصغيرة التي درجتُ فيها ونعمتُ بحلاوة السعادة في أحضانها حتى أصبحتْ جزءا من كياني ، بل استكنَّ وجودُها في أعماقي ، بمكوِّناتها وعناصرها .. بأحداثها وتفاعلاتها .. هذه هي الأسرة التي استقرت في وجداني وأخذت مساحة من تفكيري .
كنت كثيرا ما أرجع بذاكرتي إلى الوراء ، وإذا بالصُّوَرِ والمشاهد تتوالى عليّ لتلك الأسرة التي عشت في أحضانها ، وذلك المجتمع الذي درجت تحت ظلاله ، في مشاهدَ متسارعةٍ و حلقات متتالية لاتتوقف ولا تنتهي ، قد تغيب أحيانا لدى انشغال البال ببعض الهموم ثم سرعان ما تعود إليَّ .. عاداتٌٌ وتقاليد قديمة عتيقة لكنها تعبق بعبير الماضي التليد .. روابطُ وصِلات ووشائج وقرابات تعرب عن تاريخ عتيد صنع الأمجاد ، ونقش الرجالُ على صخوره مواقفَ المجد .. تكافلٌ اجتماعي منقطعُ النظير على الرغم من ضيق اليد وضعف الحال .. مبادئُ أخلاقيةٌ مقدسة تحكم علاقة الفرد بالأسرة والأسرة بالمجتمع ،علاقة الصغير بالكبير ، والمرأة بالرجل ، والجار بالجار. الجميع يشكل تلك الخلية المتكاملة المتماسكة ولو إلى حين .
هكذا تتراءى لي الصورُ والمشاهد وأنا أُلقي نظرة إلى الماضي ، وأرسل طرفي في أعماق التاريخ أستلهم منه معاني الخير الذي سطره الأولون ، وكأنَّ المجتمع أسرةٌ كبيرة مترابطة الأجزاء ، يسير على نسق واحد وفي مسار واحد ، ونحو هدف واحد . (1/1)
صفحة 2
وفي أحد المشاهد تظهر لي سلطة الأب الذي يدير الأسرة بقبضة من حديد ودورالجميع السمع والطاعة . فلا عجب فهو سيدها والقيم عليها .
وفي مشهد آخر تبدو لي علاقة الصغير بالكبيرتحكمها معاني الإكبار والتقدير ، وعلاقة المرأة بالرجل ، وهي في كل حركاتها وسكناتها تعبر عن تسليم الأمر كله لسيد البيت والقيِّم عليه ، حفاظا على البيت من الانهيار، وحفاظاعلى الصغار من الانفلات ... وهكذا تمضي الحياة في رتابتها وثباتها ، هادئة بحلوها ومرِّها ، بعيدة عن المنغِّصات ، خالية من التعقيدات .
بهذا المنهج التقليدي -على عِلاَّته – رأيت الناس متقاربين في السراء والضراء ، في الأفراح والأتراح ، وفي كل المناسبات وعلى هذه الوتيرة تمر الحياة وتتعاقب الأجيال، وتتسارع الأزمان، وتتفاعل الأحداث .
ثمّ يأتي عصر "التنوير والتثقيف" وتتغير الأمور، وتجري الرياح بما لاتشتهي السفن وينهار ذلك البناء التقليدي الشامخ ، وتنتهي سلطة الفرد على المجموعة الصغيرة ، ويتنازل الرجل عن سلطاته وسطوته مكرها أو مختارا ، وينفرط العقد الذي كان متماسكا قبل حين .
يأتي الانفتاح الاجتماعي ، وتهب على المجتمع رياح التثقيف والتعليم ، وتتطور الحياة المادية ، وتكثر الحاجات والرغبات وتتغير الحياة ، لكن إلى أين ..؟
يتغير شكل الأسرة تماما ، وتتوزع المسؤوليات من جديد ، وتنهار سلطة الواحد ، وتتوزع السلطات و الأدوار من جديد .
لم يعد الرجل ، ربًّ البيت وراعيه وحدَه الذي يعمل ويكدح ويجلب الرزق للأسرة ، فللمرأة نصيب وافر من ذلك .
لم تعد الكلمة الأولى والأخيرة له وحده في البيت ، بل تعددت الآراء وتنوعت الأصوات . فللزوجة رأي ، وللأبناء آراء ، وكذلك بالنسبة للبنات .. قد تكون متوافقة ، وقد تكون متداخلة أو متناقضة ، لايهم .. المهم حرية التعبير وإثبات الذات .. فسيفساء من الآراء والمواقف و" موزاييك" من المشاهد والصور .. ... .. وماذا بعد ذلك ؟!. (1/2)
صفحة 3
هل حافظ هذا التغيير على تلك الروابط والوشائج؟
أم انهار ذلك البناء بخيره وشره ، وانفرط عقده وأصبحت "التعددية" لعنة على الفرد والأسرة والمجتمع ؟.
فلا الصغير يَصدر في أقواله وأفعاله من الكبير ، كلّ على حاله وحسب أهوائه واختياراته .
ولا المرأة تتحرك وفق توجيهات زوجها وتبعا لأوامره .. و"عاشت الحرية" .. وغابت الذاتية والتسلط .. فالناس سواسية كأسنان المشط ولو اختلفت الأجناس والتخصصات وتباعدت الأعمار والأقدار؟
هذا ولكل قاعدة استثناء ، فإذا كانت الأسرة ـ النموذج الأول ـ تبدو متماسكة البنيان فلا يخلو أمرها من ثغرات ، ولا ينجو جدارها من تشققات . وإذا بدت لنا الأسرة الحادثة على هيئة من التفكك والانحلال فلا يخلو أمرها من جوانب الخير. ولا تعدم الأسرة البركة في السابق واللاحق ، لكننا نطمح إلى المزيد من الخير والصلاح ونصبو إلى تحقيق الأفضل لنضمن المزيد من السعادة للأسرة المنشودة .
وبقدر الوعي الصحيح تقِلُّ الأخطاء ويتحقق النماء .
وبقدر الإخلاص لله والعودة الصادقة لشرعه تنزل البركة في الأعمال ونفوز بتأييد الله ورضاه .
الأمر ليس سهلا كما يظنه الكثيرون ممن فقدوا معايير التقييم الصحيح ، ولكنه ليس مستحيلا أمام أصحاب العزائم العالية وذوي الهمم القوية الصامدة إذا خلصت النيات .
وهنا نسأل : هل يمثل النموذج الأول الصورة الصحيحة للأسرة ؟ ثم أيضا نسأل : هل النموذج الثاني الجديد بدعة مستحدثة أطلت على المجتمع دون سبق إعلام ؟
أم أنه يمثل التجديد المطلوب الآن ، وهو القادر على تحقيق حاجات الإنسان ومطالبه؟
ونعود للسؤال مرة أخرى : هل النموذج الأول شكل من أشكال التعسف والتسلط وإلغاء الآخروتفرد الرجال بالقرارات دون سواهم ؟ وهل هو صورة معتمة قاتمة عن الأسرة نال منها التقادم والبِِلى ما جعلها تنهار بسهولة أمام كل حادث وجديد ..؟ (1/3)
صفحة 4
من خلال هذا البحث الصغير سأحاول الغوص في أعماق الموضوع ، وأتتبع حركات الأسرة وهي تصعد أحيانا وتنزل أخرى .
ومن خلال العودة إلى الأسرة في أيامها السالفة والمعاصرة أحاول أن أميط اللثام على التطبيقات المشرقة وأزيل الصدأ الذي غطى بهاءها وأفقدها رونقها وروعتها لنستلهم منها نموذجا صحيحا للأسرة في حياتنا المعاصرة .
وسأحاول أن أكشف عن الأعطاب التي أصابتها ،وعن أسبابها ليتسنى لنا وصف الدواء وإيجاد البديل الصحيح .
هذا جهد المُقِلِّ .. أفكار أطرحها ، وآراء أعرضها للشباب الصاعد الطامح إلى حياة هنيئة وأسرة سعيدة لعله يجد فيها شيئا مما ينيرله الطريق في هذه الحياة المدلهمة ، ويساعده على بناء حياة ينعم فيها بالدفء والسكن والمودة .
هذه تجربة تنبع من قلب مفعم بالحب لكل مسلم ، أقدمها هدية للشباب المؤمن الصادق التقي . سائلا المولى عز وجل أن يجبر نقصها و أن يضاعف لي حسناتها ويتجاوز لي عن سيئاتها إنه أهل التقوى وأهل المغفرة ، وهو نعم المولى ونعم النصير { إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } (1)
والحمد لله رب العالمين .... مسقط : محرم 1425 هـ / مارس 2004
أبورضوان .
المبحث الأول : الإنسان في ميزان الإسلام .
أولا : العلاقة بين الرجل والمرأة :
( في نظر الإسلام و التشريعات الوضعية )
لست أدري كيف تكون حياة بلا زواج ولا أسرة ؟!
وهل يكون تواصل وبقاء لهذا الإنسان على هذه البسيطة دونه ؟.
وهل يمكن أن يكون للحياة متعة خارج إطاره ؟!
الإسلام العظيم شرع الزواج ، ونظم علاقة الرجل بالمرأة بطريقة محكمة دقيقة تضمن التوازن في هذا الكون وتحفظ له استقراره.
اعتبر الإسلام الزواج نموذجا حيا لمؤسسة إسلامية تقوم على أركان متينة، وله سقف وقاعدة ، فيها يضمن الإنسان لنفسه من الدفء والسعادة ما يحميه من الاندثار والذوبان .
__________
(1) : هود 88 (1/4)
صفحة 5
وهذا القرآن الكريم يحرض على الزواج ، ويرغب فيه ، ويسن له قوانين ، ويشرع له ضوابط وأحكاما وآدابا ، ويجعله سببا لكل استقرار ، وموئلا للسكن والأمن النفسي وراحة البال والمودة . قال تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً
لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (1)
وقال أيضا: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } (2)
كما حث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الزواج في أحاديث عدة ، منها :
" يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج" (3)
وقوله عليه السلام :" تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" (4) وفي حديث آخر: " تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة " (5) . وفي رواية عن أبي هريرة :" انكحوا فإني مكاثر بكم " (6) . إن الزواج تشريع رباني عظيم ، يهدف إلى تحقيق التوازن في الانسان . والتوازن عنصر جوهري في حياته ، ومشكلةجوهريةكثيرا ما تطرح حولها أسئلة محيرة: كيف يوفق الإنسان بين تطلعاته وأشواقه الروحية ، وبين حاجاته المادية ؟
ثم ، كيف يحافظ على العفة دون أن يتخلى عن الحب ودون أن يحرم من لذة السكن الروحي والنفسي ؟
وكيف يُضبط الحب الجنسي لإنسان لا يمكن أن يكون حيوانا ولا يستطيع أن يكون ملاكا ؟
الإسلام الحنيف يجيب على هذه الأسئلة ، بل ويشرع للرجل والمرأة على السواء المنهج السليم لتحقيق ما يصبو إليه هذا الإنسان من سعادة في هذه الحياة الدنيا .
__________
(1) - الروم 21
(2) - النور 32
(3) - رواه مسلم و النسائي . وذكره ابن حجر في الفتح : 9/ 5066 باب :"من لم يستطع الباءة فليصم."
(4) - ابن ماجه : نكاح 1 . أبو داود نكاح 3 . النسائي نكاح 11
(5) - أخرجه عبد الرزاق والبيهقي .
(6) - سنن ابن ماجه ( 1863 ) (1/5)
صفحة 6
وأين الأديان الأخرى من هذا التشريع الرباني العظيم. بل ، وأين التشريعات الوضعية والمحاولات البشرية من هذه الرؤية الفاحصة العميقة . ولو ألقينا نظرة سريعة على كل التشريعات الأرضية لرأينا فيها التداخل والتناقض وغلبة الأهواء . وهي في مجموعها لا تحفظ توازنا ، ولا تسد خللا ، ولا تقيم مجتمعا قويا مترابطا متكاملا.
المناهج الوضعية : تناقض وضياع :
وفي عرض سريع للرؤى الوضعية في هذا الموضوع نجد ما يلي:
* أما المسيحية (1) ، فهي تنظر إلى الزواج من زاوية واحدة فقط . ترى أن الدين يتطلب العفة المطلقة . ولا يتم ذلك إلا بالرهبنة وترك النساء مطلقا.
لا زواج في المسيحية الأصلية ، وقد دعي الرجل إلى العفة المطلقة .
" لقد أمرتم بألا ترتكبوا فاحشة الزنا . وأقول لكم :كل من ينظر منكم إلى امرأة بشهوة فقد زنا بها في قلبه " (2)
هذه التعليمات تحث الإنسان على النضال من أجل العفة المطلقة . أي أنه لا يحق للرجل أن يمس المرأة مطلقا ولو بنظرة خاطفة تعقب شهوة في النفس . وهذا يخالف طبيعته التي خلق عليها .
يقول القديس بولس في إحدى رسائله تحريضا على هذا المبدإ وتنفيرا من الزواج :
" إن غير المتزوجين معنيون بالرب كيف يرضونه . وأما المتزوجون فمعنيون بالدنيا ، أي كيف يرضون زوجاتهم" (3)
لكن سرعان ما تتنازل المسيحية عن موقفها أمام الضرورة البشرية . فتقر بالزواج وتسمح به باعتباره شرا لا بد منه ، هذا في الدرجة الثانية التي تلي درجة الامتناع المطلق عن الزواج .
__________
(1) - المسيحية تشريع سماوي لكنه تعرض إلى عملية كبيرة من التحريف حتى غلبت عليه الأحكام الوضعية .
(2) - إنجيل متى :ج5: 37/38
(3) - العهد الجديد (1/6)
صفحة 7
" من الخير للرجل ألا يلمس امرأة " (1)
وعند الممارسة في الواقع المعايش تتنازل المسيحية مرغمة وتضع مبادئ ضيقة في حدود صارمة .
يقول بولس :" ولكن ، لكي يتجنب (الرجل) الوقوع في الزنا فلا بد أن يكون للرجل امرأة ، وأن يكون للمرأة رجل " .
فالزواج عند المسيحية ليس حلا قائما على أساس من مبدأ كما هو الشأن في الإسلام ، لكنه حل فرضه الواقع " أن تتجنب الزنا "
على حد قول القديس بولس (2) وهذاتنازل عن المبدإ أمام ضرورة الممارسة في واقع الحياة.
وقد شهدت نظرية منع الزواج عند المسيحية تطورا متطرفا عند البعض وصلت إلى حد الخصي (3) .
__________
(1) - بولس ( القديس ) "رسول الأمم " من أعظم رجال التاريخ المسيحي . ولد في طرسوس في آسيا الصغرى . درس في القدس ونشأ نشأة يهودية . تحول إلى المسيحية وعمل في سلكهم وأصبح أنشط المبشرين بالمسيحية في القرون الأولى . حكم عليه بلإعدام من طرف اليهود وقطع رأسه بالسيف لأنه روماني . تتلخص آراؤه في الرسائل .( انظر العهد الجديد ) . وتعتبر جزءا من الكتب المنزلة . ( راجع الموسوعة العربية الميسرة ص : 440 ، دار النهضة ، لبنان ، المجلد الأول .
(2) - سبق التعريف به .
(3) - الخصي : خصاه خصيا وخِصاء : سلَّ خصيتيه ونزعهما ، فهو خاص . وقد نهى الإسلام عن فعل ذلك في أحاديث كثيرة للرسول - صلى الله عليه وسلم - . (1/7)
صفحة 8
والكنيسة نفسها لم تحرم الإخصاء إلا في آخر القرن التاسع عشر.كما وقعت محاولة لإلغاء عزوبة القسيس فرفض الفاتيكان هذه المحاولة .هذا من ناحية المبادئ، أما من ناحية الواقع فلم تنجح هذه المحاولة وبقي الأمر على ما هو عليه من ممارسة العمل الجنسي بطرق مستترة أحيانا ، وبأشكال متعددة تحت شعارات متنوعة أحيانا أخرى. (1)
* أما الزواج في نظر المادية الشيوعية فلا ضوابط له . (2) وهو على نقيض الكنيسة تماما . أو لعله أخذ منحى غريبا .
يقول أنجلز (3) :"كل امرأة لجميع الرجال ، وكل رجل لجميع النساء".
فالمادية كمبدأ تسمح بالحرية الجنسية كاملة ، وترفض الزواج ، لكن لسبب مختلف تماما عما عرفناه عند المسيحية .
"كل امرأة لجميع الرجال وكل رجل لجميع النساء". هذا هو مبدأ المادية . فالزواج الفردي منظور إليه باعتباره إخضاع جنس للجنس الآخر، وهو سبب الصراع الطبقي .
__________
(1) 14 - وكثيرا ما تطالعنا وسائل الإعلام عن الجرائم الجنسية التي يرتكبها رجال الكنيسة في السر تكشفها الأيام من حين لآخر . من ذلك تلك الأحداث التي طفت على السطح في قضية القس الذي ارتكب جرائم جنسية فضيعة في أميركا ، وقد بلغت القضية الفاتيكان وزارها وفد أمريكي للاعتذار وحصرها في إطار محدود والتكتم عليها حفاظا على ماء الوجه وذلك سنة 2002م.
(2) - المادية الشيوعية هي نظرية مادية بحتة لا تخرج عن إطار المادة ، وهي من الإفرازات الفكرية لماركس .
(3) 16- فريدريك إنجلز ( 1820 – 1895 ) إشتراكي ألماني أسهم مع كارل ماركس في وضع أسس النظرية الاشتراكية الحديثة وفي صياغة البيان الشيوعي الشهير 1848 . ( انظر الموسوعة العربية الميسرة ) (1/8)
صفحة 9
ولحل مشكلة الإباحية وما يترتب عليها من اتساع ظاهرة الأطفال غير الشرعيين ، يرى أنجلز أنه يجب العناية بجميع الأطفال على مستوى واحد. وبهذا يزول القلق من هذه الناحية . وكأن أنجلز هنا يرى أن هذه العناية حل لمشكلة الأطفال الذين تجهل أنسابهم . ولعل هذا الحل - في رأيه - يخفف من وطأة العار الذي يلحق بالمرأة وشرفها . (1)
وفي نظر الماديين فإن الرأسمالية تكبت العلاقات الجنسية من أجل أن تستخدم الطاقة الجنسية في ميادين أخرى .
كاستعمال المرأة في مجالات الترويج لموضات الأزياء وأنواع الزينة (الماكياج) والإعلانات لمنتجات الشركات وحفلات الرقص والغناء والترويج لدور الرذيلة وغيرها.
غير أن المذهب المادي نفسه لم ينجح في رفع لواء العزوبة والامتناع عن الزواج ، باعتبار الزواج قيدا وعبودية فرد لآخر، لذلك فقد تقهقر إلى الوراء . وبعد كثير من الخبرات السلبية مع الحرية الجنسية أعيدت في الاتحاد السوفييتي - سابقا - مؤسسة الزواج . وهذا اعتراف ضمني بفشل المنهج الذي يتبعه الماديون في مجال الزواج والأسرة .
وقد اتخذت المادية مبدأ الإباحية ورفع القيود عن الغرائز بناء على فلسفتها في الحياة القائمة على مبدأ :"السعي من أجل المتعة والهرب من الألم". وهو مبدأ الحياة الأساسي عند فلاسفة الفكر المادي .
__________
(1) 17 - وأي عار هذا ، والمرأة تعتبر نفسها حقا لكل الرجال.لكن الحقيقة غير هذه. فمهما حاولت هذه الفلسفات الوضعية الملحدة أن تطمس الفطرة التي خلق عليها الإنسان فلن تفلح. وتبقى المرأة تشعر في داخلها أن عرضها ينتهك وكرامتها تهدر. غير أنها لا تعي ذلك إلا بعد فوات الأوان. ويلاحظ كثيرا أن النساء في العالم الغربي أصبحن يطالبن بإعادة مؤسسة البيت ، ويسعين إلى الزواج القانوني .غير أن شعور المرأة الغربية بهذ ... ه الحاجات الملحة يأتي متأخرا وبعد فوات الأوان ، بعد أن تذبل زهرة شبابها . (1/9)
صفحة 10
وللمقارنة بين الفكر المادي والتشريع الديني فإننا نجد الهوة شاسعة بينهما في الوسائل والغايات :
فالمادية تؤكد دائما على ما هو مشترك بين الحيوان والإنسان ، بينما الدين يؤكد على ما يفرق بينهما .
والفكر المادي يقيم الوحدة (أو الاستمرارية) بين الحيوان والإنسان ، بينما الدين يعيد إقامة هذا الاختلاف .
وبما أن الحيوان لا نظام له في التزاوج والتكاثر فإن الماديين يرون ضرورة ذلك للإنسان .
وجاء الدين ليفرق بين الإنسان والحيوان . فالإنسان سيد هذا الكون ومستخلف فيه، فلا بد أن يكون مغايرا تماما للحيوان في الوظيفة والأداء والمبادئ والأهداف . هذا الحيوان الذي خلق مسخرا للإنسان ووسيلة لخدمته وإسعاده في هذه الحياة .
والفرق شاسع بين الإنسان العاقل المفكر المدبر ، وبين الحيوان الذي يفترس ، ويتسافد ، ويعيش في قطيع ، ويسعى إلى اللذة بلا ضوابط ويهرب من الألم .
قال الله عز وجل { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)5( وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)6(وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)7( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُون َ } (1)
ففي الآية استعراض لخلق الله الذي سخره للإنسان ، منها الحيوانات التي لا حياة للإنسان بدونها . فمنها ما هو للركوب و حمل الأثقال والزينة ، ومنها ما هو لتلبية ضرورات البشر من الأكل والشرب والدفء ، ومنها ما هو للترويح على النفس عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح.
لهذا خلقت الحيوانات ، للخدمة والتسخير، ولم تخلق للعبادة والتكليف .
__________
(1) 18 - النحل:5/8. (1/10)
صفحة 11
وفي آية أخرى جاء قوله تعالى : { وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ } (1)
لهذا خلقت الحيوانات ، فهل يمكن أن نسوي بين الجانبين؟!
ولا يسوي بينهما إلا من فسدت فطرته وانطمست بصيرته فعميت عن الحقيقة الساطعة والحجة الباهرة . وصدق الله العظيم القائل: { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } (2)
صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين المتقابلين ليتضح الفارق بينهما. - الفريق الأول كالأعمى لا يرى ، وكالأصم لا يسمع معطل الحواس .
- الفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع ، فيهديه بصره وسمعه .
القضية واضحة بيِّنة لا تحتاج إلى أكثر من التذكر. وهي بديهية لا تقتضي التفكير { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار ِ } (3) .
ثانيا :مكانة الرجل والمرأة في ميزان الإسلام
تشهد الدنيا كلها أن الرجل والمرأة هما عصب الحياة وشريانها. فهما ، وإن خلقا من نفس واحدة ، جاءا مختلفين متمايزين في الطبيعة الخَلقية والنفسية والوظيفية في الحياة ، إلا أنهما يتكاملان ويتطلعان إلى هدف واحد بتكاملهما . منها :
- بناء أسرة متينة البنيان قوية الأركان تحقق السعادة في الحياة .
- القيام بوظيفة التناسل والتكاثر لتحقيق استمرارية الحيلة .
- تحقيق الهدف الأسمى ، ألا وهو استخلاف الله في أرضه وعبادته بحق .
{ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء } (4)
ولهذه الأهداف وغيرها وضع الإسلام الإنسان ، ذكرا وأنثى ، في مكانة سامقة ومرتبة عالية رفيعة .
__________
(1) 19- النحل:80
(2) 20 - هود: 24
(3) - الحشر 2
(4) 22 - النساء :1 (1/11)
صفحة 12
إنه مقام الخلافة في الأرض والسيادة بين سائر المخلوقات .
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ً } (1)
فالإنسان هو السيد في هذه الأرض بدون منازع . بوأه الله عز وجل هذا المقام بعد أن هيأه لذلك . جعل فيه من الإمكانات الجسدية والقدرات الفكرية والعواطف الوجدانية مايؤهله لهذه المكانة ، وحمله من المسؤوليات ما تنوء بحملها الجبال الراسيات .
{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } (2)
هذا هو مقام التكريم الإلهي لمن اختاره خليفة في أرضه. فقد كرمه بعد أن خلقه في أحسن تقويم وسواه على أجمل مثال :
- كرّمه بالفطرة التي تجمع بين المادة والروح ، وبين الطين والنفخة :
- { ( الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) } (3)
- كرّمه بالاستعدادات الفطرية التي تعطيه القدرة على السير في هذا الكون في مقام الخلافة والسيادة . { وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (4)
- كرّمه بذلك الاستقبال الذي حظي به في هذا الوجود ، بذلك الموكب من الملائكة يسجدون له بأمر الله تعالى .
- كرّمه بإعلان هذا التكريم كله في كتابه المنزّل قرآنا يُتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين
لكن هذا التكريم إنما حصل ليقوم الإنسان بما كلفه الله عز وجل به. أن يكون قيّماً على نفسه ،متحملاً تبعة تصرفاته في الاعتقاد والقول والعمل ، متحملاً جزاء ما يفعل من خير ، وعاقبة ما يصدر منه من سوء .
__________
(1) 23 -الإسراء : 70
(2) - الأحزاب : 72
(3) - الانفطار : 6/7
(4) - النحل : 78 (1/12)
صفحة 13
قال تعالى: { يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (1)
وقال أيضا : { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُون َ } (2)
هذا هو الإنسان المتمثل في الزوجين الذكر والأنثى .
لكن ، هل الذكر كالأنثى كما يدعيه دعاة المساواة بين الجنسين ؟ وهل المساواة بينهما تعني التسوية بينهما في كل شيء سواء بسواء؟ أم الأمر يختلف عن ذلك ؟
ثالثا : وليس الذكر كالأنثى
تقوم الأسرة على جنسين مختلفين . { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى } (3)
"وهذا التمايز غير مرتبط بنقص كما يظن الجاهل، بل بقدرات مغايرة وظيفيا وبيولوجيا . وفي هذه القدرات العضوية لا يتساوى الجنسان ، لأنه لا مجال للمقارنة ، مثلا : بين بطن فيه طفل ، وبطن يستثقل وجبة دسمة ، وبين جهاز عضلي متطورفي جهاز مناعي ضعيف عند الرجل ، وبين جهاز عضلي بسيط في جهاز مناعي قوي عند النساء . وأخيرا ليس آخرا بين حجم جسدي وآخر ". (4)
__________
(1) - النور : 55
(2) - الروم : 44
(3) - آل عمران : 36
(4) - د. هاني يحيى نصري : الفكر والوعي بين الجهل والوهم والجمال والحرية . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . بيروت . (1/13)
صفحة 14
لكن تكاملهما يكمن في اختلافهما إذا ما أحسن الإنسان التصرف ووضع كل جنس نفسه في موضعه الصحيح . بل جاء الإسلام ليقرر التكافؤ بين الرجال والنساء ولم يقرر التساوي بينهم للأسباب التي ذكرناها آنفا . بل قد تبلغ المرأة من المكانة العالية بتوظيف قدراتها الباطنة في المجال التربوي مثلا ما لا يبلغه الرجال بقواهم الظاهرة وعضلاتهم المفتولة . فلا غرو ، فإن الصفات الظاهرة التي يتفوق بها الذكر على الأنثى والتي تُرى بالعين المجردة ، لا تلغي القدرات البيولوجية الباطنة للمرأة والتي تبرزها عين العلم لهذا المخلوق العجيب . وقد أبدى كثير من علماء الاختصاص استغرابهم من مطلب المساواة ، لا من التكافؤ مع الرجل من بعض النساء " اللواتي يردن أن يستبدلن بعظمة غريزتهن عقلا تافها كعقل الرجال " حسب تعبير "نيتشه " نفسه . (1)
فلو حاول الذكر ، مثلا أن يخرج عن سمته وطبيعته لما تم به التكامل مع الجنس الآخر . وكذلك الشأن بالنسبة للمرأة ، لو حاولت الخروج من طبيعتها الأنثوية لما وجد الرجل فيها ما يكمل نقصه ويحقق تكامله .
لذلك فقد شدد الإسلام على كل جنس أن يحافظ على جنسه وأن يدعم خصائصه ، وحذره من أن يُدخل على فطرته أو جسده ما يحوله إلى جنس آخر. فلعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال و اعتير ذلك الفعل كبيرة تخرج المرء من رحمة الله .
قال ابن عباس:" لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء " (2) . زاد أبو داود من طريق يزيد بن أبي زياد عن عكرمة : فقلت له : ما المترجلات من النساء ؟ قال :" المتشبهات بالرجال". (3)
__________
(1) - مرجع سابق . ص 132
(2) 32- جزء من حديث رواه البخاري :5886 ، باب :62 . فتح الباري: مجلد : 10 مكتبة دار السلام الرياض.
(3) 33- المرجع نفسه. (1/14)
صفحة 15
وفي رواية أخرى عن ابن عباس :" أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء ، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال" (1)
إن الأمور التي تفرق بين الرجل والمرأة كثيرة ومتنوعة وطبيعية جدا. فكل خلية من خلايا جسم المرأة تحمل طابعها ، وكذلك بالنسبة لأعضائها . وكل خلية منها تعمل لتحقيق أنوثتها وتدعيمها ، بل وحمايتها من الخروج عن طبيعتها . وكل خلية في جسم الرجل تعمل لتحقيق ذكورته وتدعيمها وحمايتها من الخروج عن طبيعتها. وكل عنصر في داخله أو في طبيعته يحمل نواقص لا يكملها إلا العنصر الآخر ، وجواذب تدعو الجنس الآخر للالتحام به ، وإكمال نقصه ، بحيث لا تهدأ نفس أي عنصر إلا في ظل العنصر الآخر . لذلك سارع الإسلام إلى سن الزواج الشرعي على أساس من التنظيم وبطريقة تحقق ذلك التكامل وذلك الامتزاج .
عن ابن أبي نُجَيح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قدرأن ينكح فلم ينكح فليس منا " (2) ومن هنا أغلق الباب أمام العمليات العشوائية التي يسعى فيها كل عنصر للالتحام بالعنصر الآخر تحت تأثير التجاذب الغريزي .
شرع الإسلام الزواج ، وجعله سكنا وراحة ومودة . في كنفه تشعر المرأة بدفء الرجولة الصحيحة ، وينعم الرجل بدفء الأنوثة الطاهرة .
يقول الله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (3)
وقال أيضا : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } (4) . واللباس هنا في معنى الدفء والستر . أي أن هذه الصلة بين الزوجين تستر كلا منهما وتقيه .
__________
(1) 34 - سنن ابن ماجه .( حديث1904 . باب المخنثين .)
(2) - سنن الدارمي : ( باب الحث على التزويج )
(3) 36 - الروم : 21
(4) 37 - البقرة : 187 (1/15)
صفحة 16
وقال - صلى الله عليه وسلم - :" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج " (1) . وقد خص الرسول صلى الله عليه وسلم الشباب بالخطاب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ.
جعل الإسلام النكاح سنة فطرية اقتضتها نواميس الحياة ، وعززها الوحي الإلهي ، وهوسنة من سنن الأنبياء ومن جاء بعدهم من الصالحين لما يترتب عليه من فوائد عظيمة .
جعله الله سكنا للنفس ، وراحة للبال ، ومتعة طيبة للزوجين . إذ لا يمكن للإنسان أن يسعد في هذه الحياة الدنيا إلا به .
ومن فوائده الكثيرة :
- كسر الشهوة وإحصان الفرج والحفاظ على الطهر.
- ابتغاء الولد لتستمر الحياة جيلا بعد جيل .
- تدبير أمور الحياة ليضطلع بها كل من الذكر والأنثى سواء بسواء ،كل بحسب اختصاصاته التي خصه الله بها .
- تحقيق التوازن في هذه الحياة ، وذلك بمجاهدة النفس وتحقيق الاستقرار لها .
إن في غياب شريعة النكاح يصبح الناس أشبه بالحيوانات . لا ضوابط ، ولاقيم ، ولامبادئ . عندها يفسح المجال للهمجية الجنسية ، فتشيع الفاحشة ، وتسود الإباحية ،وتضيع المكاسب فلا تجد النفوس استقرارها ، ولا تتمتع براحتها .
عندئذ تصبح معول هدم بدل أن تكون آلة للبناء وعاملا للإنماء.
لكن كيف يكون هذا الزواج ناجحا ليؤدي وظيفته المطلوبة منه على أكمل وجه ؟.
ثم ما هي الأسس التي يقوم عليها ، والقاعدة التي ينطلق منها ؟.
ثم هل للأمة وعي يكفيها للاضطلاع بهذه المهمة خير قيام ؟.
هنا نحاول أن نطرح القضية بمنهج تحليلي، وننظر إليها بعين النقد لاستخلاص الفوائد والعبر. ثم نحاول أن نطرح بعض البدائل (2) .
__________
(1) 38 - رواه البخاري :كتاب النكاح ، باب2 ،حديث:5065
(2) - البَدل من الشيء : الخلف والعوض . ج ، أبدال . البديل : العوض والخلف . ج ، أبدال وبدلاء . ( المعجم الوسيط ،
باب الباء ) . (1/16)
صفحة 17
من خلال تصور جديد لمنهجية بناء الأسرة السعيدة مستلهمين معانيه من روح القرآن الكريم وسنة المصطفى الأمين - صلى الله عليه وسلم - ، دون إهمال لتجارب الناس في هذه الدنيا وخبراتهم في واقع الحياة .
القوامة :
التعريف : القوَّام ، اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر . يقال : هذا قيِّم المرأة وقوَّامها ، للذي يقوم بأمرها ويهتمّ بحفظها . (1) القوَّام : الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه .
يقال : قوَّام وقيَّام وقَيُّوم وقَيِّم ، وكلها مشتقة من القِيام المجازي ، لأن شأن الذي يهتم بالأمر ويعتني به أن يقف ليدبر أمره . (2)
القيِّم : هو الذي يقوم بأمر غيره . والقوَّام ، والقيَّام مبالغة منه (3)
تعليل القوامة : وقد أشارالرازي إلى أن الله تعالى لما أثبت للرجال سلطة على النساء ونفاذ أمرهم عليهن بيَّن أن ذلك معلل بأمرين :
أحدهما : قوله تعالى : { بما فضل الله بعضهم على بعض } وذكر أن حصول هذه الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة وغيرها .
وثانيهما : قوله عز وجل : { وبما أنفقوا من أموالهم } (4)
وقوله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } (5) . تمثل الآية أصلا تشريعيا كليا تتفرع عنه الأحكام التي تلت هذه الآية مما أشرنا إليه في موضعه .
وقد منح الله عز وجل القوامة في المؤسسة الأسرية للرجل . ومن أسباب هذه القوامة :
- تفضيل الله للرجال بمقوِّمات القوامة وما تتطلبه من خصائص ودربة .
- تكليف الرجل بالإنفاق على هذه المؤسسة الأسرية .
__________
(1) - الفخر الرازي : التفسير الكبير . المجلد الخامس ، ص 90
(2) - مجمد الطاهر ابن عاشور : التحرير والتنوير ، ج 5 ص 37 الدار التونسية للنشر والتوزيع .
(3) - الطباطبائي : الميزان في تفسير القرآن . المجلد الرابع ، ص 343
(4) - الرازي : مرجع سابق . ص 90
(5) - النساء 34 (1/17)
صفحة 18
- صيانة هذه المؤسسة من التفسخ ، وحمايتها من النزوات العارضة وطريقة علاج هذه النزوات ـ حين تعرض ـ في حدود مرسومة.
وقوله تعالى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } (النساء:34) ذو إطلاق عام ، أي مطلق الرجال يمتلكون ما يجدر بهم أن يتحملوا مسؤولية القوامة على عموم النساء ، ولا يختص الأمر بقوامة الزوج على زوجته فحسب .
وإذا ألقينا نظرة على التاريخ الإنساني ، تبين لنا أن هذا التفضيل لم يكن
حادثا في زمان دون آخر ، بل ظهرت آثاره على مرِّ العصور والأجيال حتى اكتسب صبغة أحقية هذا الفضل للرجال على النساء ، لأن حاجة النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرة ، وإن كانت تقوى وتضعف بحسب الظروف المحيطة بها .
كما أننا لا ننسى أن الله تعالى قد اختص كل جنس بميزات تجعله يفضل بها على الآخر . فالرجال مثلا ، إن كانوا قد فُضِّلوا بزيادة قوة العقل فيهم، فإن النساء يفضلن على الرجال بقوة العاطفة فيهن . وهذا التفضيل جاء مناسبا لحياة النساء ، هي حياة إحساسية عاطفية مبنية على الرقة والعاطفة واللطافة .
ونحن هنا في هذا المجال لا نريد أن نؤكد على مشروعية قوامة الرجل على المرأة أو تثبيته ، فإن هذا مما جاء به النص الصريح ولا مجال لرده أبدا ، إنما بحثنا ينصب على بيان المعنى الصحيح للقوامة التي اختص الله تعالى بها الرجال على النساء . وإننا إذا تتبعنا ممارسات الرجال في هذا الإطار نراهم قد تعسفوا كثيرا في هذه القوامة ، وفسروها بما يخدم مصالحهم ويمنحهم السلطة المطلقة في التحكم في المرأة وحرمانها من كل الحقوق المشروعة .
فقد رويت آثار كثيرة تعطي صلاحيات واسعة للرجل على حساب المرأة وعلى حساب كرامتها أيضا ، وهذه النصوص تحتاج إلى إعادة النظر في نسبتها لقائليها ، كما تحتاج إلى إمعان النظر في تأويلها. من ذلك على سبيل المثال لا الحصر : (1/18)
صفحة 19
ما نسب لعلي كرم الله وجهه أنه قال في المرأة :" لا تطلعوا النساء على حال ، ولا تأمنوهن على مال ، ولا تذروهن إلا لتدبير العيال . إن تُرِكن وما يُرِدن أوردن المهالك ، وأفسدن الممالك . ينسين الخير ، ويحفظن الشر. يتهافتن في البهتان ، و يتمادين في الطغيان " .
وقول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :" أكثروا لهن من قول : لا ، فإن نعم تغريهن على المسألة . قال : أستعيذ بالله من أشرار النساء ، وكونوا من خيارهن على حذر " (1)
و جاء في موضع آخر ": ولا يعلَّم الخط امرأة ولا جارية ، فقد ورد النهي بذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تعلموا نساءكم الكتابة ولا تسكنوهن الغرف ، ولكن علموهن سورة النور " (2) وكأن المرأة هنا لا يعنيها من القرآن الكريم سوى سورة النور. والحال أنها مخاطبة بنص القرآن كله ، مثلها كمثل الرجل على السواء .
وقيل إن المرأة التي تتعلم الخط كمِثل الحيَّة تَسقي سما ". (3)
وجاء في رواية نسبت للرسول - صلى الله عليه وسلم - :"أعدى عدوِّك زوجتك التي تضاجعك وما ملكت يمينك " (4)
__________
(1) - المستطرف ، مرجع سابق .
(2) - د .علي زيعور : ميادين العقل في الفلسفة الإسلامية الموسعة ، ص334 المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت . كما أني بحثت عن مصدر لهذا الحديث فلم أجده ، وتتبعته في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث ولم أعثر عليه . هذا ومما يضعفه ، أننا نجده في بعض الكتب أثرا مرويا عن عمر بن الخطاب ، وما أظن رجلا عظيما مثله يتصرف مع المرأة بهذا الشكل ، والله أعلم .
(3) - مرجع سابق ، ص334 .
(4) - رواه اليلمي في مسند الفردوس عن أبي مالك الأشعري : ( نقلا من كتاب : كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتُهِر من الأحاديث على ألسنة الناس ص 168 . اسماعيا بن محمد العجلوني الجراح . مكتبة العلم الحديث ، الطبعة العالمية 2001 .) (1/19)
صفحة 20
وفي رواية أخرى ": استعينوا على النساء بالعُري ، فإن المرأة إذا عَرِيَت لزمت بيتها " (1)
بهذه النصوص وغيرها استطاع الرجل أن يحكم الخناق على المرأة ، ويخضعها لإرادته ، ويسخرها لمصالحه حتى أضحت بحكم التقادم الزمني حقا مكتسبا له . ولا أدلَّ على ذلك من واقع الأمة المرير في فترات الجهل والتخلف وغياب النظرة القرآنية من أذهان الناس .
إن هذه الصفات التي يتفاضل بها جنس على آخر هي من تقسيم الله عز وجل للجنسين كي يتم الاتحاد والتكامل . فلكلٍّ مواهب فطرية ، وحظوظ وقدرات ذاتية ، وطاقات عقلية ووجدانية . والله تعالى هو الذي وهبهم ذلك كله بإرادته واختياره وحكمه ، فلا معقب لحكمه عز وجل. وقد جاء التحذير للرجل والمرأة على السواء من الاعتراض على هذا التقسيم لأنه العدل كله ، فقال :
{ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } (2) . فضل الله عز وجل الرجل بفضائل وميزه بصفات الرجولة ، وفضل المرأة وميزها بسمات الأنوثة . وفي هذاالتفضيل لجنس على آخر يكمن العدل والتسوية في الخلق والروعة في التكامل . وقد شاء المولى عز وجل أن يجعل الزوجين في الإنسان شطرين للنفس الواحدة ، وهل يتحقق السكن للنفس وأحد الشطرين مُهان باستعلاء الشطر الآخر ، مستذل بالتعسف ، مستعبد بالطغيان ؟.
وهل تهدأ الأعصاب ، وتحصل الطمأنينة للضمير والراحة للجسد إلا في التكامل والنقاء ؟ وبذلك يتحقق الطهر والصيانة لتقوم بذلك خلية المجتمع الصغرى ، وتكون بذلك سببا للامتداد في الحياة والتواصل .
__________
(1) - رواه الطبراني في الأوسط عن أنس . وجاى برواية أخرى : ">:" استعينوا على النساء بالعري فإن إحداهن إذا كثرت ثيابها وأحسنت زينتها أعجبها الخروج " .( مرجع سابق )
(2) - النساء 32 (1/20)
صفحة 21
إن حياة الرجال في حاجة إلى قوة في العقل والبدن ،وصلابة في الأعصاب تمكِّنهم من الخروج لكسب الرزق وتوفير المعاش ، كما تؤهلهم للقيام بوظيفة الحماية والرعاية الدائمة لأفراد الأسرة .
أما حياة النساء فهي تحتاج إلى أن تُمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها . فإن من وظيفتها أن تحمل وتضع وترضع وتكمل مشوار المعاناة مع ابنها الصغير حتى يكبر ويشتد عوده ويستقل بذاته . وهي وظائف ضخمة فطرية مغروزة في أعماق المرأة وليست هيِّنة ولا يسيرة . وهذا ما لا يقدر عليه الرجال لأنهم لم يُخلقوا لذلك . وكُل ٌّ ميسر لما خُلِق له .
ثم إن الله تعالى ربط هذه القيومية بشروط وضوابط :
1 - أمر الله تعالى الرجل أن يوظف طاقاته البدنية والعقلية في تعامله مع المرأة بالرحمة والمودة ، فقال : { وجعل بينكم مودة ورحمة } .
2 - وأقنعه أن المرأة تكمل شطره الثاني ، بل هي جزء منه فلا يقسو عليها ، ولا يوظف طاقاته البدنية لإذلالها واستصغارها فقال : { وخلق منها زوجها } .
وقال : { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } (1) أي لا تضاروهن في العشرة لتتنازل الزوجة للزوج عن حقوقها أو بعض منها على وجه القهر والإذلال . (2)
وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسَرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، وقد جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - :" واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع ، فاستوصوا بالنساء خيرا ". (3)
__________
(1) - النساء 19
(2) - قال ابن عباس : أي لا تضاروهن ، يعني الرجل له امرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به ( مختصر تفسير ابن كثير .ج 1 ص 368 ) مرجع سابق .
(3) - صحيح البخاري . باب الوَصاة بالنساء .الحديث رقم : 5185 (1/21)
صفحة 22
وكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث يرمز إلى التعامل مع المرأة برفق يتناسب مع تركيبتها الجسدية والنفسية المائلة إلى العاطفة والرقة . ولعل في الاعوجاج المذكور في الحديث يكمن كمالها . 3 - وفيه أيضا مداراة المرأة وسياستها بأخذ العفو منها ، والصبر على ما يبدو للرجل اعوجاجا . فإن في الرقة واللين اللذين تتصف بهما المرأة يجد الرجل سكنه وراحته مما لا غنى له عنه ليحقق سعادته و يهنأ بالسكن النفسي وراحة البال . فالمنفعة هنا متبادلة بين الجنسين ، وتحقيق السعادة أمر مشترك بينهما يصنعانها بالتعاون بينهما . فلا غرو ، فإن النساء شقائق الرجال .
4 - ثم بيَّن المولى عز وجل للرجل أن هذه القوامة لا تخوِّله الحق في إلغاء شخصية المرأة في البيت والمجتمع ، وليس من شأنها إلغاء حقوقها المدنية من ممارسة للحياة الاجتماعية والمهنية في الحدود المشروعة ، مما لا يتنافى مع قدراتها البدنية والنفسية ، كالتعلُّم والتعليم والتمريض والعلاج ، وغير ذلك من الأعمال التي يحتاج إليها الفرد والمجتمع .
5 - كما لا تلغي هذه القوامة ما منحهن الله تعالى من حرية الإرادة ، وحرية التعبير والتصرف وحرية الحركة والعمل ، ما لم يكن خروجا عن الطبيعة أو دخولا في اختصاصات الرجال . (1/22)
صفحة 23
6 - كما أن هذه القيومية لا تُبطل ما للمرأة من الاستقلال في الإرادة الفردية . فلها أن تفعل في نفسها ما تشاء من غير أن يحق للرجل أن يعارضها في شيء من ذلك ما دام ذلك لا يخرج عن نطاق ما شرع الله : { فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (1) .
هذا وإن كانت هذه الآية قد نزلت في المرأة التي انقضت عدتها ، فإن النص يقرر قاعدة عامة ، ويمنح للمرأة الحق في ممارسة حقوقها المشروعة مما يحقق لها ذاتيتها ويحفظ لها كرامتها في الإسلام .ومن هذا المنطلق القائم على الفهم الصحيح للنص الشرعي ، فإننا نستنتج أن الإسلام أعطى للمرأة مساحة شاسعة من الحرية مما يحقق لها شخصيتها ويكفل لها كرامتها ، من ذلك :
- حرية اختيار الزوج دون أن يكون للولي الحق في إكراهها بمن لا تحب .
- حرية التصرف في المهر الذي يمنح لها من زوجها .
- حرية التصرف في مالها مطلقا دون أن يكون للزوج الحق في فرض إرادته على زوجته في ذلك .
- الحق الكامل في استقلاليتها في بيتها . فهي التي تنظمه وترتبه بحسب ذوقها ، وتدير شؤونه بالطريقة التي تراها صالحة دون أن يحق للزوج التدخل في الكبيرة والصغيرة . فإن شؤون البيت يدخل ضمن قيومية المرأة واختصاصاتها . وقد جاء في الحديث الشريف ": كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، والأمير راع ، والرجل راع على أهل بيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها وولدِه ، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " (2)
__________
(1) - البقرة 234 .قال ابن عباس : إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها ، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج ، فذلك المعروف . قال مجاهد : " بالمعروف ، النكاح الحلال الطيب . وهو قول الحسن والزهري .( راجع مختصر ابن كثير في تفسير الآية المذكورة ) .
(2) - صحيح البخاري .المرأة راعية في بيت زوجها .حديث رقم : 5200 (1/23)
صفحة 24
هذا هو المنهج القرآني في بناء العلاقات بين الجنسين ، علاقات قائمة على مفاهيم معينة وواضحة . فقيومية الرجل جاءت واضحة في معالمها ، بيِّنة في حدودها وضوابطها ، وليس للرجل الحق في تعدي حدودها . وقد جاءت نصوص شرعية تحذر من ظلم الرجال على النساء ، من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - :" ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يَحُطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة " (1) .
أي : فلم يكلأها ويصنها .
وقد سبق أن بَيَّنَّا أن الزوج راع لأهل بيته ، وهو مسؤول عن رعيته كما جاء في الحديث الشريف .
إن هذه الحقوق المشروعة للمرأة ، إنما أخذتها بحق الله عز وجل ، فلا يمنعنها هذا كذلك أن تقابل هذه القيومية الصحيحة القائمة على الحماية لها والإنفاق عليها أن تبرَّ زوجها وتحسن إليه .
عليها أن تقابل ذلك بالطاعة في كل ما يرتبط بالاستمتاع والمباشرة عند الحضور ، وأن تحفظه بالغيب ، فلا تخونه عند غيبته ، وعليها أن تمنع غيره من نفسها ما ليس لغير الزوج التمتع منها بذلك ، ولا تخونه فيما وضعه تحت يدها من المال . وقد مدح الله عز وجل المرأة القائمة بالحقوق ، الواعية بحدود مسؤولياتها في بيتها ومع زوجها بعد أن حدد أيضا القوامة فقال : { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } (2)
وبعد هذا العرض المفصل لمسألة القوامة ، وبيان حدودها ، يجدر بنا أن نتساءل : - هل يعي الرجل معنى القوامة الشرعية ؟ وهل يقف عند حدودهاويتقي الله فيها ؟
- هل تدرك المرأة مدلول هذه القيومية لتعطيها حقها وتلتزم بمتطلباتها
- هل الرجل وحده متعسف في تنفيذ القيومية الممنوحة له ؟ أم المرأة نفسها تسهم بقسط كبير في ذلك ؟
__________
(1) - مرجع سابق . " باب من استرعيَ رعية فلم ينصح " حديث رقم : 7150
(2) - النساء 34 (1/24)
صفحة 25
أسئلة كثيرة تطرح في هذا المجال تصف واقع الحياة التي يمارسها الرجل والمرأة على السواء ، بما فيها من حق وباطل ، من صواب وخطأ ، من نجاح وفشل .
هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى إجابات وافية ، تشخص مواقع الداء وتصف الدواء ، بنظرة واعية ، وفهم سليم . لكن المشكلة تبقى رهينة إنزال هذه المفاهيم في واقع الحياة ممارسة وتطبيقا . ويبقى الأمر دائما متعلقا بالرجل والمرأة .
وهنا نسأل :
هل يستطيع الرجل أن يغير من العقلية الموروثة التي تعطي للرجل السلطة المطلقة على المرأة ؟
وهل تستطيع المرأة أن ترفع من مستواها الذهني والفكري ما يقنع الرجل بقدرتها على الاشتراك الفعال معه في بناء حياة سعيدة ؟
هذا ما سنحاول الإجابة عليه فيما يأتي من عناصر البحث إن شاء الله تعالى .
المبحث الثاني :العناصر الأساسية للأسرة المسلمة
أولا : عناصر الارتباط
* تمهيد :
كثيرا ما يُذكر أن الأسرة تقوم على الحب ، وأن الحب هو أساس العلاقات الزوجية . وهي كلمة ذات مفهوم عام يتوسع الناس في فهمها وإضفاء المعاني عليها بحسب رغبات النفس وتوجُّهاتها ، وبحسب ميول الأهواء وتطلعاتها .
وقد تعمق بعضهم في تحديد معاني الحب ، وطافوا في أعماقها يمينا وشمالا، وذهبوا بها شرقا وغربا إلى درجات من المبالغة حتى تخال نفسك تقرأ عن بشر ليسوا من هذا العالم ولا من هذا الجنس ، بل هم من عالم الخيال ، أو عالم المثل .
ونورد هنا شيئا من هذه المعاني التي أحسبها تغرق في المثاليات ، مائلة أحيانا يمينا وأحيانا شمالا ، من ذلك :
- المحبة : هي الميل الدائم بالقلب الهائم .
- وقيل : إيثار المحبوب على جميع المصحوب .
- وقيل : موافقة الحبيب في المشهد والمغيب .
- وقيل : اتحاد مراد المحب ومراد المحبوب .
- وقيل : إيثار مراد المحبوب على مراد المحب .
- وقيل : إقامة الخدمة مع القيام بالحُرمة .
- وقيل : استقلال الكثير منك لمحبوبك ، واستكثار القليل منه إليك . (1/25)
صفحة 26
- وقيل : استيلاء ذكر المحبوب على قلب المحب .
- وقيل : حقيقتها أن تهب كُلَّكَ لمن أحببته فلا يبقى لك منك شيء .
- وقيل : هي أن تمحو من قلبك ما سوى المحبوب .
- وقيل : هي الإرادة التي لا تنقص بالجفاء ولا تزيد بالبر.
- وقيل : هي حفظ الحدود ، فليس بصادق من ادَّعَى محبة من لم يحفظ حدوده .
- وقيل : هي ثبات القلب على أحكام الغرام ، واستلذاذ العذل فيه والملام . (1)
غير أني بحثت في هذه المعاني لأجد تعريفا للحب يمكن أن تقوم عليه الأسرة من منظور إسلامي فلم أجد شيئا من ذلك . إنما هي معاني العاشقين من الشعراء والمتيَّمين الذين يعبرون لدى وقوفهم فوق الأطلال عن حبهم الضائع ، ويبكون على حظهم التعيس ، أمثال : قيس لبنى ، وجميل بثينة وأمثالهما . هؤلاء تروي أشعارهم أنهم يذوبون وجدا في أحضان من يعشقون ، ويحترقون ألما من الهجر ، ويموتون فداء لحبهم وإرضاء لمن يحبون . (2)
أوهو شأن بعض أصحاب الفلسفات الإشراقية ، أوالشطحات الصوفية . فكثيرا ما نقرأ عن هذه الميول النفسية المغرقة في الذوبان والمشاعر المتقلِّبة ، ونزوات الميل الحيواني المسعورة . وقد تصل بالمحب إلى الذوبان في المحبوب ، فلا يبقى منه له شيء أبدا ، بل يبقى أسير محبوبته هائما في حبها ، يُفني نفسه في خدمتها وتلبية رغباتها . لا ينظر في الكون إلا إليها ، ولا يرى فيه سواها ، بل ويستلذ العذل منها والملام ، ويهلك وجدا على فراقها .
__________
(1) 58 - ابن قيم الجوزية : روضة المحبين ونزهة المشتاقين .ص 20 دار الكتب العلمية / بيروت.
(2) - من أشعار قيس بن الملوح في هذا الصدد :
قالت جننتَ على ذكري فقلت لهل الحب أعظم مما بالمجانين
الحب ّليس يفيق الدَّهر صاحبُه وإنما يصرعُ المجنون في الحين
ومثله الشاعر شيبان العذري في قوله :
لوحُزَّ بالسيف رأسي في محبَّتها لطار يهوِي سريعا نحوها رأسي (1/26)
صفحة 27
هذا حب الشعراء-كما أسلفنا- لايجد له قاعدة يثبت عليها أو ركائز صلبة يستند إليها . حبّ لا تقام عليه البيوت ، ولا تتحقق في أحضانه السعادة التي ينشدها كل إنسان .
وهنا لابد من العودة إلى المنبع الصافي والمَعين الدافق ، إلى كتاب الله العزيز وسنة رسوله الكريم نتفيأ ظلاله ، وننشد من بحره جواهره ونبحر فيه على فلك السلام لترسو بنا في النهاية على الجودي (1) ، على الطريق الصحيح والمنهج القويم .
فلاعجب أبدا ونحن نردِّد قوله عزوجل: { ِإنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } (2) ونعتقد جازمين أنه لاعزة لنا إلا في هذا الدستور الذي أنزله الله على نبيه الكريم رحمة للعالمين وهدية مهداة للثقلين.
وبعد طول نظر في آيات الله الكريمة ، تبين لنا أن البيت السعيد يقوم على دعامتين أساسيتين تربطان الزوجين بحبال الوصال وعهود الوفاء ، ومشاعر النبل ، وتحقِّقان الديمومة لهما في هذه الحياة والاستقرار، هما :
الميثاق و الإفضاء
قال تعالى : { وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } (3)
أ : الميثاق
هو ميثاق النكاح ، انعقد باسم الله وعلى سنة الله . وهو ميثاق غليظ لا يستهان به ، ولا يستخف به مؤمن عاقل .
هو ما أخذه الله تعالى للنساء على الرجال على العشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } (4)
عن مجاهد : الميثاق الغليظ ،كلمة النكاح التي استحل بها فروجهن.
__________
(1) 60 - اقتباسا من الآية : { واستوت على الجودي } . الجبل الذي استقرت عليه سفينة نوح بسلام ، بقرب الموصل . كناية عن الأمن والسلام الذي تحتاج إليه الأسرة ، فهي في هذا المجتمع الذي تتقاذفه الأهواء كالسفينة في خضم البحر الذي تتلاطم فيه الأمواج . { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك } هود 48
(2) - الإسراء 9
(3) 62 - النساء 21
(4) 63– البقرة 229 (1/27)
صفحة 28
وعن الرازي : الميثاق الغليظ ، هو قولهم : زوجتك هذه المرأة على ما أخذه الله للنساء على الرجال . وهو كلمة النكاح المعقودة على الصداق . وتلك الكلمة تُستحَلّ بها فروج النساء . وإنما وصف بالغلظة للدلالة على قوته وعظمته (1) .
وقال ابن عاشور : الميثاق الغليظ ، عقدة النكاح على نية إخلاص النية ودوام الألفة . والمعنى في قوله تعالى : { وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } ، أنكم على حال مودة وموالاة كالميثاق على حسن المعاملة . (2)
إذن ، هو عهد وميثاق أخذه الرجل على نفسه باسم الله أن يرعى حقوق هذه العشرة ويحافظ عليها ولا يضيعها . وهو موقف عظيم ومسؤول أمام رب العزة ، وعهد على نفسه ألا يفك رباطه ، ولا ينقض عُراه ، ولا يفرط فيه ، وأن يسعى ما حييَ إلى أن لا يخلعه من رقبته إلا بحقه الذي بيّنه الله في كتابه العزيز . فالأمر جدّ وليس بالهزل ، ومسؤولية ضخمة وليست مشاعر سطحية سرعان ما تذوب . وقد جاء في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الوداع ، يوصي المسلمين بالنساء :" أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، فاتقوا الله في النساء ، واستوصوا بهن
خيرا ". (3)
إنها مسؤولية رباط بين جسدين ، وروحين ، ووجدانين برباط التقوى . رباط يقوم باسم الله ، ويبقى مستمرا على عهد الله . هو رباط إيماني إلهي رباني يجب أن يُحترم ويُحافَظَ عليه .
ولهذا ، فقد بدأت الآية التي تتحدث عن طبيعة علاقة المرأة بالرجل بنداء الإيمان لاستجاشة النفوس ، وتحريك الضمائر للوفاء بالعهد والقيام بواجب هذا الميثاق الغليظ .
__________
(1) 64- الرازي : التفسير الكبير . المجلد الخامس :ج .1ص17
(2) 65 - محمد الطاهر بن عاشور : التحرير والتنوير . المجلد (3-4-5)ص290
(3) 66 - من خطبة الوداع . (1/28)
صفحة 29
قال عز من قائل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ..الآية } (1) .
وقد أرسى الإسلام قواعد الثبات لهذه العلاقة الإيمانية الجادة ، علاقة مربوطة العرى بالميثاق الغليظ .
والإسلام الذي ينظر إلى البيت بوصفه سكنا وأمنا وسلاما ، وينظر إلى العلاقة بين الزوجين بوصفها مودة ورحمة وأنسا ، هو الذي أمر بعقد هذا الميثاق الغليظ وأوجب المحافظة عليه ، واستنكر على من يسعى لحل هذا العهد العظيم بعد هذه المدة الطويلة من العشرة والاتحاد والامتزاج دون وجه حق أو مسوغ شرعي .
لكن ، من يعي عظمة هذا الميثاق ؟ ومن يتحمل المسؤولية كاملة للحفاظ عليه ؟ إلا من رحم الله وأوتي علما وفقها وإخلاصا لله وحبا لشرعه الحنيف ، وقليل ما هم .
ب : الإفضاء
كلمة الإفضاء على غاية من الأدب الجمّ ، وهي تشير إلى عنصر الارتباط الثاني الذي يترتب على العنصر الأول ، أو هو نتيجة طبيعية لذلك الميثاق الغليظ القائم بين الزوجين ، وبموجبه أحل الله تعالى لهما الاستمتاع المشروع من بعضهما . وهي سنة الله تعالى في خلقه ليتم بذلك السكن واللباس والمودة والسعادة والتواصل .
قال تعالى : { وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ } (2) . كناية عن الجماع على ما رويَ عن ابن عباس ومجاهد والسدي .
وقيل المراد به الخلوة الصحيحة وإن لم يجامع .
وجاء عن ابن عباس أيضا : الإفضاء ، الحصول معها في لحاف واحد ، جامعها أو لم يجامعها .
والعرب إنما تستعملها فيما يُستحَى من ذكر الجماع .
وفي تعدية الإفضاء بـ"إلى" ما يدل على معنى الوصول والاتصال ، وذلك أنسب بالجماع . (3)
__________
(1) 67- النساء 19
(2) 68 - النساء 21
(3) 69 - الألوسي . روح المعاني ج4 ص244.دار إحياء التراث العربي بيروت. (1/29)
صفحة 30
وقد توسع الفخر الرازي في معنى الإفضاء ، قال: أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة .
قال الليث : أفضى فلان إلى فلان ، أي وصل إليه . وأصله أنه صار في فرجته وفضائه . وذكر المَعْنَيَيْن للإفضاء اللَّذين سبق الإشارة إليهما ، ورجح المعنى الأول الذي هو الجماع ، لأنه تحصل به الألفة والمحبة . (1) وبه قال صاحب التحرير والتنوير ، الإفضاء : معاشرة امتزاج وعهد متين. (2)
أماسيد قطب ، فقد ذهب في "ظلاله" إلى أبعد من ذلك بكثير، ونظر إلى المسألة بعمق أكثر . فالإفضاء لايقف عند الجماع ، بل يبدأ به وتبنى عليه عناصر من الامتزاج و الاتحاد في اتجاهات عديدة مما يجعل الزوجين كالرّوحين في جسد واحد ، متلاصقين متكاملين ، الواحد لباس للآخر في أعمق معانيه .
قال عز من قائل : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } (3) أي ستر ووقاية وصلة بين الزوجين .
والحقيقة ، إن الذي يجمع بين الزوجين أكثر من معنى الجماع أو شهوة غريزية ، إنما هو امتزاج بين الزوجين جسدا وروحا ، مشاعر وأحاسيس وأفكارا ، آمالا وآلاما وطموحات وأهدافا .
__________
(1) 70 - الفخر الرازي . التفسير الكبير .المجلد الخامس ج10 ص16
(2) 71 - محمد الطاهر بن عاشور .التحرير والتنوير .المجلد"3-4-5" ص290.الدار التونسية للنشر ، تونس.
(3) 72 - البقرة 187 (1/30)
صفحة 31
ونورد هنا النص كاملا لما يتضمنه من تحليل مستفيض لقضية الإفضاء .يقول :"ولايقف - أي الإفضاء - عند حدود الجسد وإفضاءاته . بل يشمل العواطف والمشاعروالوجدانات والتصورات والأسرار والهموم والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب . يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار. وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان .. وفي كل اختلاجة إفضاءٌ .. وفي كل نظرة ودّ إفضاءٌ .. وفي كل لمسة جسم إفضاء .. وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء ٌ.. وفي كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاءٌ .. وفي كل شوق إلى خَلف إفضاء ٌ..وفي كل التقاء في وليد إفضاء . (1) بهذين العنصرين الأساسيين المتلازمتين تصبح الأسرة شرعية قائمة على سنة الله ورسوله ، وبذلك تتشكل هذه الأسرة المباركة.
يبدأ الأمر بعقد القران بخطواته المشروعة من ولي وتسمية للمهر وإشهاد .. الخ ، وينتهي بالدخول والخلوة وإرخاء الستار. وبذلك يقوم الزواج الصحيح ، ويتحقق السكن ، وتحصل المودة .
وانطلاقا من هذه الخطوة الصحيحة يبدأ الزوجان في تحقيق التكامل في المشاعر والأفكار والآمال والتطلعات ... . ويبدأ الزوجان الخطوات الأولى بثبات في الطريق الصحيح ونحو الهدف المرسوم .
ثا ثا نيا : الطريق السوي نحو إكمال البناء
تمهيد : بناء البيت السعيد عملية تشييد طويل الأمد .وإرساء الركنين ، الميثاق والإفضاء ، إنما هو بناء للقاعدة الأساسية التي يقوم عليها هذا البيت .فالعمل إذن طويل ، والباني هو الآن في بداية الطريق ، وقد بدأ التشييد بخطى صحيحة وفي طريق سليم وممهَّد لاستكمال البناء .
الرجل والمرأة مسؤولان معا على هذا العمل الكبير . يسهمان معا في البناء ويشتركان في كثير من الأدوار سواء بسواء ، ويختصُّ كل واحد عن الآخر في أدوار أخرى يكمّل بعضهما البعض .
__________
(1) 73 - سيد قطب . في ظلال القرآن .ج1 ص606/607 دار الشروق بيروت. (1/31)
صفحة 32
فما هي هذه الخطوات ؟ ومن أين نبدأ ؟ وإلى أين ننتهي؟.
المادة الضروريةلإنجاح عملية البناء :
ونعني بذلك الرصيد الفكري الذي يمكِّن الزوجين من عناصر إكمال البيت بعد تأسيس الركيزتين الأساسيتين لهذا البناء .
- بناء الثقة بين الزوجين
لاشك أن الزواج الذي تأسس بعد تدبير وتخطيط وتفكير طويل، ومرَّ بخطوات هامة نحو البناء يحتاج إلى عناصر أخرى ولَبِنَات إضافية ليكتمل البيت. في هذه المرحلة يبدأ الزوجان المرحلة الثانية لاستكمال عناصر الثقة بينهما وهي كما يلي :
أ- تكامل المشاعر بين الزوجين :
تعلم المرأة جيدا أن حياتها مرتبطة بهذا الرجل الذي أعطته نفسها ، وأباحت له من جسدها مالم تبحه لأحد غيره ، ومنحته مالم تمنحه لأحد آخر. وكل ما وهبته له إنما كان باسم الله ووِفق شرع الله تعالى . فهي إذن راضية مرضية ، نفسها مطمئنة إلى أن ما تفعله إنما هو في مرضاة الله عز وجل ورسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - ، عمل يقبله المجتمع ويزكيه ويباركه .
ومن هنا ، فعلى الزوجة أن تمنح زوجها كل مشاعر الحب والتقدير ، وتسخِّر لذلك كل ما تملك من وسائل نفسية ومعنوية ومادية .
فهي تتزين له في حدود شرع الله تعالى لتغريه بحبها ، وتسكب عليه لطائف العبارات لتأخذ بمجامع قلبه وتسكن في عميق وجدانه حتى لايرى في الكون جمالا غيرها ، وتسعى بذلك نحو الامتزاج به ، وبالتالي تحقيق التكامل الأمثل .
ثم إنها تبرز لزوجها ما تملكه من ثروة أخلاقية ، ورصيد إيماني ، وحصافة في العقل ، ورصانة في الرأي ، وبذلك تحتل مكانتها في قلب زوجها حتى لا يرى في الوجود من النساء غيرها .
وانظر إلى قول الشاعر وهو يعبر عن هذا المعنى ، في قوله :
فزينب شمس والنساء كواكب
إذا طلعت لم يبدُ منهن كوكب (1/32)
صفحة 33
أما الرجل فهو مطالب أن يسكب على زوجته كل معاني الحب والإعجاب . ولا ينسى أنها أصبحت شريكة له في حياته ، في آماله وآلامه وأشواقه . بل ستكون شريكة له في أولاده الذين سيملأون حياتهما سعادة وبهم يكمل البناء .
ومن هنا، فعليه أن يحاول الاقتراب من قلبها وإغرائها بحبه،بل وبالإعجاب بها ، فيعرب لها بالقول عن تقديره لها ومكانتها في قلبه ، ويقترب من قلبها بكل ما لديه من وسائل . يجالسها ويطيل الحديث إليها ويشركها في الأكل والشرب ، ويسعى إلى كسب ودها ، حتى أنه يجوز له أن يضع اللقمة في فمها مبالغة في التودد لها وإبداء الرضا بها زوجة وشريكة له في حياته .
ولنا في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في معاشرته لزوجاته ، بدءا بخديجة وانتهاء بعائشة رضوان الله عليهن جميعا .
كان - عليه الصلاة والسلام - خير الأزواج ، رفقا بزوجاته وودّا لهن واحتراما لآرائهن ، ورعاية لحقوقهن ، واستجابة لطلباتهن في حدود ما شرع الله تعالى وما يقدر عليه .
كن - رضوان الله عليهن - خير الزوجات مثالا يحتذى به ، وكانت بيوتهن خير البيوت دفئا وحبا ومودة . فلا عجب ، فهي بيوت النبوة ، يتنزل فيها الوحي ، وتتلى فيها الآيات ، وتتردد في جنباتها الحكمة . { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً } (1) .
جعل الله بيوتهن مهبط القرآن ومنزل الحكمة ، ومشرق النور والهدى والإيمان.وإنها لمكانة عالية وامتياز كبير حضِيَت به نساء النبي عليه الصلاة والسلام .
ولهذه الصفات حُقَّ لهن رفع الدرجات عند الله وعند المسلمين : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } (2) .
__________
(1) 74- الأحزاب 34
(2) 75 - الأحزاب 6 58 - الأحزاب 53 (1/33)
صفحة 34
أمومة روحية وجب تعظيمها واحترامها. فهن في تحريم نكاحهن منزلات منزلة الأمهات . { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيما ً } (1) .
لهن على كل المسلمين حق البر والتكريم ، إعظاما لشأنهن ورفعا لقدرهن. هذه هي زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا يعطينا صورة واضحة عن بيته ، فكيف تكون بيوتنا إذن ؟.
إن الزوجة خاصة وبعد الأيام الأولى في بيت زوجها ، هي بحاجة لأن يكون زوجها بجانبها ، تنعم بدفء الزوجية معه ، وتسمع منه من حسن المنطق وجميل العبارة ما يذهب عنها الوحشة ويدخل عليها الأنس ، ليرتاح ضميرها في بيت لم تعهده وأسرة لم تعرفها من قبل . وفي هذا الجو المفعم بالأنس والسكينة تعرف ميوله ، وتتعرف على مشاعره فتقترب منها ، بل وتصوغ مشاعرها من جديد لتكون موافقة له ولميوله . تعرف جميلها وحسنها فتأخذ منها ، وتطلع على سيئها فتسعى إلى تهذيبها وتعديلها .
وانظر كيف تتصرف المرأة الحصيفة بعقل كبير وهي مقبلة على بيت جديد .
قال أبو أمية يروي قصة دخوله على زوجته زينب :" فتوضأت ، فإذا هي تتوضأ بوضوئي . وصليت فإذا هي تصلي بصلاتي.. ثم دنوت منها ، فمددت يدي إلى ناصيتها فقالت :" على رسلك يا أبا أمية ".
ثم قالت :" الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلي على محمد وآله . أما بعد ، فإني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك ، فبَيِّن لي ما تحبه فآتيه ، وما تكره فأجتنبه ." ثم قالت كلاما آخر جميلا وختمته بقولها : " أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولك ولجميع المسلمين". (2) ماذا في هذه القصة ؟.
__________
(1) 76 - الأحزاب 53
(2) 77 - للاطلاع علي تفاصيل القصة ، ينظر : كتاب المستطرف ، ص115 .دار الكتب العلمية بيروت. (1/34)
صفحة 35
نستفيد من هذه القصة نباهة هذه الزوجة التي أبت إلا أن تتأسى بزوجها في الوضوء والصلاة ، إعرابا عن عزمها الصادق على التقرب منه والامتزاج به ، وإشعارا له بأنها مصممة على تحقيق السعادة له ، وإقامة البيت المثالي السعيد . ثم إن قولها : "إني امرأة غريبة" تعبير عن رغبتها في التعرف على ميوله ومشاعره وأخلاقه لأنها حديثة عهد بهذا البيت الجديد . فهي بحاجة إلى وقت لتَألَف زوجها وتسعد به وتحصل على الألفة منه ، لأنها لم تكن تعرف عنه شيئا فيما سبق . فهي غريبة عن تلك الديار ، والجو عليها جديد . فلا بد إذن ، من وقت لتفهم ملامح هذا الرجل الجديد الذي دخل في حياتها وأصبح يملك ناصيتها كما تملك ناصيته .
هذا صنيع المرأة العاقلة الواعية . المرأة التي تريد أن تبني بيتا على أسس متينة من الفهم والوضوح ، تحت سقف التكامل في الطبائع والميولات والتقارب في الأهداف والغايات .
إنها عملية على درجة عالية من الرجاحة العقلية والرصانة الفكرية والوعي بالمرحلة التي هي مقبلة عليها . إنها مرحلة بناء أسرة على أسس من التكامل والتوافق والامتزاج .
أما الزوج ، فقد رد على زوجته أحسن ردٍّ وأجمله .
قال : "فقلت الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلي علىمحمد وآله . أما بعد ، فإنك قلت كلاما إن ثبتِّ عليه يكن ذلك حظا لي ، وإن تدعيه يكن حجة عليك . أحب كذا ، وأكره كذا . وما رأيتِ من حسنة فابثُثِيها،وما رأيتِ من سيئة فاستريها."فقالت :" كيف محبَّتُك لزيارة الأهل؟ " قلت :" ما أحب أن يَمَلَّنِي أصهاري ." قالت : "فمن تحب من جيرانك يدخل دارك آذن له ، ومن تكره أكرهه ." قلت : "بنو فلان قوم صالحون ، وبنو فلان قوم سوء." (1)
ولنتأمل قول الزوج لزوجته : "إن ثبتت عليه يكن ذلك حظا لي" إعرابا عن سعادته العظيمة بزوجته وتعبيرا عن مشاعر الود والحب لها والأنس الذي دخل على قلبه بالاقتران بها .
__________
(1) 78 - المرجع السابق : ص516 (1/35)
صفحة 36
وأنت تتأمل الحوار المتبادل بين الزوجين فكأنهما روحان في جسد. يعبران عن المشاعر الممتزجة الصادقة والعزم النافذ لبناء أسرة ناجحة . بهذا الود والإخلاص ، وبهذه الصراحة بين الزوجين تُبنى الثقة في البيوت
ب- توافق الميول والتوجّهات
من العسير جدا أن تكون ميول الرجل والمرأة وتوجهاتهما واحدة أو تسير في مجرى واحد . فإن لكل عنصر منهما ثقافة متميزة ومشارب ثقافية ومعرفية مختلفة يستقي منها وينهل من معينها . ولكل منهما ملامح تختلف عن الآخر بحسب الاختلاف في المنبت والمنشأ والبيئة ، و العادات ، والتقاليد و مستوى الدراسة والتعليم قد تتاقرب وقد تتباعد .
قد تتقارب هذه التوجهات الفكرية إذا تقربا في البيئة التي ترعرعا فيها ، وتتباعد بتباعدها .
غير أن هناك قواسم مشتركة بينهما ، قاسم الدين والعقيدة وغيرها من عناصر الارتباط ، والتي على أساسها قامت هذه الزيجة وبُنيت هذه الأسرة
وقد أجملها الشاعر في أبيات يذكر فيها مواصفات المرأة المرغوب نكاحها.
صفات من يستحب الشرع خطبتها جلوتها لأولي الألباب مختصرا
صبية ذات دين زانه أدبٌ بكرٌولودٌ حكت في نفسها القمرا
غريبة لم تكن من أهل خاطبها تلك الصفات التي أجلو لمن نظرا
فيها أحاديثٌ جاءت وهي ثابتةٌ أحاط علما بها من في العلوم قرا (1)
ونعني بالتوجهات ، المستوى الفكري والمدى العلمي لدى كل عنصر منهما والزاد المعرفي المكتسب .
وبديهي جدا أن المرء ينضج عقله بمدى الحصيلة العلمية ، وتنوع المعارف وتعدد الخبرات ، وتجدد الممارسات الميدانية في واقع الحياة . بالعلم الصحيح يتغذَّى العقل ، ويتسع الأفق الفكري لدى الإنسان ، وبالجهل يضمر العقل ويصغربسفاسف الأموروتفاهاتها.
ومن هذا المنطلق ، فإن التقارب بين الزوجين في المستوى العلمي والمعرفي ضروري لنجاح الأسرة .
__________
(1) 79 - شهاب الدين الأبشهي. المستطرف ص515 .دار الكتب العلمية ، بيروت. (1/36)
صفحة 37
وعلى الرجل أن يسعى للظفر بمن تقترب من مستواه علما وفقها وفهما ليختصر الطريق أمامه نحو البناء . وإذا كانت الأرضية جاهزة فالنتيجة -لا محالة- تكون إيجابية .
على الرجل أن يتزوج فتاة تفهمه ويفهمها ، وتستوعب أفكاره ويستوعب أفكارها . عندها يجدان نفسَيْهما على سكة واحدة مما يدعم التقارب ويحقق الألفة بينهما .
ولنعد - في هذا المعنى - إلى زينب زوج أبي أمية الآنفة الذكر ، لنرى أنها على غاية من الفهم والوعي وذلك من خلال قول زوجها :" فتوضأتُ ، فإذا هي تتوضأ بوضوئي . وصليت ، فإذا هي تصلي بصلاتي ."
وهذه التلقائية في متابعة الزوج والثقة فيه لاتصدر إلا من امرأة لها من رجاحة العقل ، وحسن الفهم ، وعميق التفكير ما يجعلها على هذا المستوى الرفيع من التصرف ، بل والإصرار على الدخول إلى قلب زوجها والاقتراب منه .
وفي هذا المقام ننقل للقارئ قصة امرأة كان لها من الحنكة في حسن التدبير والخبرة بالبيوت ما يجعلها تتكلم بحكمة بالغة ورأي حصيف.
لما خطب عمرو بن حجر الكندي إلى عوف بن محلم الشيباني ابنته أم إياس أجابه إلى ذلك ، فأقبلت أمها عليها ليلة دخوله بها توصيها ، فكان مما أوصتها به أن قالت :
"أي بنية ، إنك مفارقة بيتك الذي منه خرجت ، وعشّك الذي منه درجت ، إلى رجل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه ، فكوني له أَمَةً ليكون لك عبدا . واحفظي له خصالا عشرة يكن لك ذخرا .
- فأما الأولى والثانية : فالرضا بالقناعة ، وحسن السمع له والطاعة .
- وأما الثالثة والرابعة : فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه ، فلا تقع عينه منك على قبيح ، ولا يشم أنفه منك إلا على أطيب الريح.
- وأما الخامسة والسادسة : فالتفقد لوقت طعامه ومنامه ، فإن شدة الجوع ملهبة ، وتنغيص النوم مغضبة .
- وأما السابعة والثامنة : فالإحراز لِمَالِه ، والإرعاء على حشمه وعياله (1/37)
صفحة 38
- وأما التاسعة والعاشرة : فلا تعصي له أمرا ، ولا تفشي له سرا ، فإنك إن خالفت أمره أَوغَرت صدره ، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره .
- وإياك والفرح بين يديه إذا كان مهتما (1) ،والكآبة لديه إذاكان فرحا . (2)
ومن خلال هذه النصائح الجميلة والحكم البالغة نؤكد أن المرأة عنصر أساسي للبناء الصحيح إذا أحسنَّا إعدادها. وكما قيل : وراء كل رجل عظيم امرأة .فالمرأة قادرة على صنع الرجال إن كانت صالحة وتملك مع الصلاح الإرادة على ذلك .
المبحث الثالث : الزواح والأسرة .
أولا : الأسرة دوحة السعادة (3) وسفينة النجاة
الأسرة دوحة ، بل واحة وارفة الظلال يستريح عندها الزوج أبو الغد ، والزوجة أم المستقبل ، والأبناء فلذات الأكباد .
والأسرة خلية متكاملة العناصر ، مترابطة الحلقات ، تتحرك نحو هدفها بانتظام ، وتبني سعادتها بالتواصل بين عناصرها فتجعل من كل فرد فيها قلبا نابضا بالحياة ، مشبعا بالحيوية ، ثري العطاء ، كريم النبات ، متواصل النماء .
والأسرة قلب حي في جسم المجتمع . والمجتمع طريق إلى الأمة الخيِّرة التي تحمل للبشرية كل أسباب السعادة وتسهم في تحقيق الشهود الحضاري. بالأسرة تقوم الروابط والعلاقات بين الناس لتشكل بنيانا شامخا . وبالمصاهرة تتكون الأسرة ، ويتواصل الناس وتنمو الروابط والصلات ، وتتمتن القرابات وتتواصل الأرحام ..
{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرا ً } (4)
__________
(1) 80 - مهتما : أي يحمل الهم في نفسه أي حزينا
(2) 81 - المرجع السابق ص515
(3) 82 - داحت الشجرة دوحا : عظمت . الدوح : البيت الضخم الكبير من الشَّعْر. الدوحة : الشجرة العظيمة المتشعبة ذات الفروع الممتدة . ( المعجم الوسيط ، باب الدال ) . إشارة إلى كثافة ظلها .
(4) 83 - الفرقان 54 (1/38)
صفحة 39
فالإنسان في بداية أمره ولد نسيب ، ثم يتزوج فيصير صهرا ، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات . وهكذا تراه ينمو ويزهر، ثم يثمر ليسهم بذلك في بناء المجتمع الصغير ، ثم الأمة الواسعة التي تحقق الخيرية للبشرية كافة .
لهذه الأهداف السامية وغيرها دعا الإسلام الحنيف إلى الزواج وحرض عليه ورغب فيه . قال المولى عز وجل : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (1)
هذه هي حكمة الله وإرادته النافذة في خلقه . خلق الله لهم من أنفسهم أزواجا ، وأودع نفوسهم هذه العواطف والمشاعر النبيلة ، وجعل في تلك الصلة سكنا للنفس ،وراحة للجسم والقلب ، واستقرارا للحياة والمعاش ، وأنسا للأرواح والضمائر ، واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء .
هذه هي حكمة الخالق القدير ، الذي خلق فسوى ، وقدر فهدى .
جعل الزواج سبيلا نظيفا لتلبية حاجات الإنسان ، جسديا وفطريا ونفسيا وعقليا . وبذلك يحقق المرء الراحة والاطمئنان والاستقرار.
وأمام هذه الحكمة البالغة والأهداف السامية ، فما بال الشباب يتأخرون عن الزواج ؟ لعلهم يتهيبون أعباءه ، أو يتخوفون من مسؤولياته ؟ وينسى المرء أو يتجاهل أن يوما واحدا من أيام العزوبة فيه من الهمّ
ما يشغل البال ويفسد الطبائع ، وفيه من الثقل ما تنوء بحمله الجبال الراسيات
__________
(1) 84 - الروم 21 (1/39)
صفحة 40
فالزواج راحة وليس إعناتا ، وهو مسؤولية محبوبة وليس حملا ثقيلا ، وهو سكن ومودة وليس حرب أعصاب ومشاكل متراكمة ، هذا لمن يفقه مآلات الأمور ونتائجها . وما بالهم يتأخرون عن الزواج خشية الإنفاق أو الإملاق وهم يقرأون قول المولى عزوجل:(وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1) وحديث المصطفى عليه السلام:"تزوجوا فقراء يغنيكم الله من فضله " (2) . ويعلمون أن الإنفاق للزواج يباركه الله ويزكيه كما يزكي الله البذرة إلى أضعاف كثيرة كما جاء في الآية الكريمة: { َكمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم } (3)
ونفقات العزوبة كمن يحرث في بحر تذهب هباء منثورا لانفع من ورائها ، ولاخير يرجى منها .
نفقات الأعزب غالبا ما تخرج بلا هدف ولا تجد لها سبيلا قويما .
نفقات يسعى بها المرء لتغطية الفراغ في حياته فينفق يمينا وشمالا، لا يبالي بذلك شيئا . إنه إنفاق لتحقيق رغبات جامحة وشهوات طافحة . يفعل ذلك لأنه لا يشعر بمسؤولية وراءه . فيفنى المال دون تحقيق أي هدف
__________
(1) 85- التوبة 28
(2) 86 - جاء الحديث بلفظ " تزوجوا فقراء" في كتاب (كشف الخفاء للمحدث إسماعيل العجلوني .جديث رقم972 ج1 ص 347 مكتبة العلم الحديث ).
(3) 87- البقرة 261 (1/40)
صفحة 41
أو مصلحة ، هذا في الغالب وقد يحدث خلاف ذلك وهو قليل. ولا عجب ، فإن عبادة العزب مشوبة بانشغال البال مع الشيطان، وعبادة المتزوج مشبعة بانشغال البال مع الرحمن ، يرجوه التوفيق والسداد للقيام بواجبات الزواج السعيد وتحديد أسرة صالحة تقرّ بها عينه . (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (1) .
( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (2) .
وهي أدعية تخرج من أعماق الزوج يرجو ربه التوفيق في الزوجة وصلاح الأبناء . وهو شعور فطري عميق ، يعمِّق الرباط الذي ينشئه الزواج بين عناصر الأسرة السعيدة التي تقوم على دعامتين أساسيتين ، الزوج والزوجة اللذين ارتبطا ببعضهما بموجب الميثاق الغليظ . عقد الزواج الذي شرعه الله تعالى للناس رحمة وفضلا ، والذي أثمر ذرية طيبة هم ثمرة هذا الزواج وهم زينة البيت ومكونات الأسرة والأمانة التي يحملها الزوجان ، يسألان عليها يوم القيامة أمام الله عز وجل .
في الزواج تحقيق لرغبة نفسية جامحة في الإنسان ، إلا أنها خيِّرَة . فهي رغبة القلب في السكن والراحة والدعة النفسية .
وهي رغبة في الأنس بالعقب الصالح والذرية الطيبة التي هي امتداد للزوجين ، بل وأمل كل إنسان . وهي أغلى من كنوز الدنيا وزخارفها ، وأروح للقلب من كل زينة أو متاع في هذه الحياة الدنيا .
بالزواج تواصل بين الأجيال المتعاقبة في طاعة الله عز وجل. فالذرية فخر لكل أب وأمّ في الدنيا ، وعز لهما وذخر ليوم القيامة إذا أحسنا التربية وجاهدا في سبيل الإعداد السليم لها .
__________
(1) 88- الأحقاف 15
(2) 89 - الفرقان 74 (1/41)
صفحة 42
إنه الجزاء بالإحسان ، والمغفرة للسيئات ، والتجاوز عن الخطايا ، والمآل إلى الجنات في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ذلك ، وفاء بوعد الصدق الذي وعد الله به عباده الصالحين . ولن يخلف الله وعده .
{ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّا } (1)
{ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلا ً } (2)
ومن الأعمال الصالحات ، بذل الجهد لإعداد الجيل الصالح وتربيته على خُلق الإسلام ،وتنشئته على حب الله ورسوله وشرعه الحنيف.
ثانيا : الزواج حصانة للمسلم وسبيل إلى الإنجاب والتكاثر
الزواج شريعة الله لعباده ، وهو نظام رباني يقوم على أسس قوية ومتينة ، ويرمي إلى أهداف راقية بعيدة المدى بطريقة سهلة وسلسة لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
__________
(1) 90 - الكهف 98
(2) 91 - النساء 122 (1/42)
صفحة 43
الزواج سكن للنفوس روحيا وجسديا . فيه يجد كل عنصر من الزوجين المكان الدافئ الذي ترتاح إليه النفس . هما ممتزجان روحا وجسدا . يلجآن لبعضهما تحت سقف واحد وكأنهما روحان في جسد . يتناجيان ، يبثان أشجانهما ، ويعربان لبعضهما عن آمالهما وتطلعاتهما دون وجل أوحذرأو خوف من رقيب مريب ، لأنهما في النهاية يشكلان وحدة متكاملة ويسعيان إلى تحقيق هدف واحد مشترك وبمباركة شرعية وتوجيه قرآني مبين . لقد أشار القرآن الكريم إلى أن الحب بين الزوجين يعد أهم مصدر من مصادر السعادة وأكبر رافد من روافد الشعور بالسعادة والرضا. والحب الزوجي ذو طبيعة خاصة ، إذا قام على أسس سليمة فهو من المؤكد سيحقق علاقة مُسعِدة بين الطرفين ، إذ هوأشد العلاقات وأكثرها عمقا وهو الذي يستثير أشد العناصر إيجابية في حياة العنصرين المتكاملين . إنه الميثاق الرباني الغليظ الذي سمح لهما بأن يفضيا لبعضهما ويمتزجا امتزاجا كاملا يمنحهما فيما بعد عناصر الترابط والمشاركة . ومع هذا الاقتراب الجسدي يتم البوح بمكنونات الصدور وبما يختلج في دواخل النفوس ، أضف إلى الساعات الطويلة التي يقضيانها مع بعضهما مستمتعين بالصحبة الممتعة الآمنة . هذا الاقتراب لم يكن لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة ، إنما يتعدى ليهيء المحضن الذي تنمو فيه الذرية الطيبة فيحصل الحمل وتتعلق به القلوب وتتعمق السعادة والنشوة بالرضا وتحصل الفرحة بالعَقِب الذي يحمل خصائصهما ويشكل عنصر الامتداد لهما . { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } (1)
{
__________
(1) 92 - النحل 72 (1/43)
صفحة 44
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } (1) . وعند حصول الحمل تتم السعادة وتلهج الألسن بالدعاء معبرة عن الشعور بالرضا ( فلما أثقلت دعوا ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين) الأعراف 189
هذه حكمة الله تعالى التي جعلت المرأة والرجل متوافقين نفسيا وروحيا ، من نفس واحدة ، روحان يتكاملان . وبهذا التكامل والتمازج تنشأ مشاعر الود والرحمة ، وتنمو في ظلالها العلاقة الزوجية الطاهرة فتحقق أهدافها السامية وغاياتها النبيلة ، وتؤدي دورها الفاعل الإيجابي المؤثر .
{ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (الروم:الآية21)
الزواج هو الطريق الصحيح للتناسل والتكاثر البشري وفق سنن الله التي أودعها في هذا الكون العجيب وارتضاها لخلقه الذين أنعم عليهم بالسيادة في هذا الكون والاستخلاف فيه .
فقد قضت مشيئة الله عز وجل أن يكون الإنسان خليفته في الأرض . وقد شرفه وكرّمه ورفع من قدره ، ثم كلفه بإدارة الحياة على هذه البسيطة ، وحمَّله الأمانة وخوَّله الحق في السير فيها بالإعمار ، يعيش في أكنافها ويتفيأ ظلالهاوينعم بخيراتها { كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } (2) .
__________
(1) 93 - النساء 1
(2) - سبأ 15 (1/44)
صفحة 45
ولتحقيق هذا الغرض غرس المولى عز وجل غريزة الانجذاب والميل في الذكر والأنثى ، كل ينجذب إلى الآخر لكحمة أرادها الله تعالى . وشرع لهما الزواج لتوظيف هذه الغريزة بطريق صحيحة في جو من الطهر والسلامة ليتحقق بذلك الإنجاب السليم والتكاثر المستمر ، حفاظا على سلامة النسل ، ودرءا لعوامل التدمير والإبادة لوجود الإنسان ، وإحصانا للعنصر البشري ، وتطهيرا له من لوثات الانفلات الغريزي وطغيان الهيجان الشهواني .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم :"انحكوا فإني مكاثر بكم الأمم"
وقال أيضا :"تزوجوا الأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما" (1)
وقال تعالى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (2)
إنها أوامر صريحة من رب العزة للمسارعة إلى الزواج المشروع ، وتوجيه من الرسول الكريم لحسن الاختيار الذي يجعل النفس تنجذب وتتكامل مع جزئها الآخر وتترابط بعضْوِها المكمِّل لها سعيا للإحصان ، وتحقيقا للطهر والنقاء ، ومنعا لأي تسرب قد يلوث الفطرة ويفسد الطبيعة السليمة ، هذا التلوث الذي يؤدي إلى دركات الحيوانية فيفقد الإنسان كرامته ، ويحرمه وسام التكريم وجائزة الخلافة التي منحها الله له .
وقد مدح الله تعالى المرأة الصالحة التي تحرص على عفتها وشرفها وتستجيب لأمر ربها بالالتزام بالطهر والعفاف .
{ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } (3)
وأمر الرجل أيضا بالتزام الإحصان والحذرمن الوقوع في السفاح .
{
__________
(1) 95- رواه الطبراني في الكبير
(2) 96- النور 32
(3) 97 - النساء 34 (1/45)
صفحة 46
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } (1)
ثالثا : الزواج سبيل إلى بناء الفرد والأسرة
الزواج المشروع سبيل للبناء ، وطريق لتحقيق الطهر ، ومنهج رباني للحفاظ على الجنس البشري والقضاء على الإباحية التي تسبب اختلاط الأنساب وتضييع الأبناء . والزواج يحفظ الهُوِيَّة ، ويقوي أركان المجتمع ، ويحمي الأمة من الضياع و الهوان .
بالزواج يعرف كل فرد أصله ونسبه ، ويحدد مكانته من الأسرة وموقعه من أفرادها .
بالزواج يولد نسل سليم معافَى من الأمراض والآفات فيأتي الفرد في هذا المحضن الطاهرالنقي صحيح البدن سليم العقل فيكون عنصرا فاعلا وعضوا نافعا وبنَّاء ماهرا ، يشيِّد للأمة مجدها ، ويبني صرحها ، ويذود عن حياضها ليحفظ لها عزها وكرامتها .
وإذا عزف الشباب عن الزواج أو أُقصيَ عنه بعراقيل مفتعلة - ما أنزل الله بها من سلطان - أوجدتها عادات بالية وفرضتها عقليات جاهلة فإنها الطامة الكبرى .
وفي هذا الجوِّ المغبَرِّ المعتم ، والأعراض المَرَضِيَّة المخيفة يتسرب اليأس للشبان والشابات على السواء .
__________
(1) 98 - النساء 24 (1/46)
صفحة 47
إن عرقلة الشباب والشابات عن الزواج ، وإغلاق أبواب الخير في وجوههم خطر ينذر بعواقب وخيمة . وفي جو إعضال الفتيات عن الزواج بجهالة مقيتة مستحكمة وجشع مادي قاتل يعزف الشبان عن الزواج وتسود العنوسةبين الفتيات ، عندئذ يضعف المجتمع وتتداعى أركانه الواحد بعد الآخر ، ويتسرب الفساد والانحلال في أوساط الناس فتختلط الأنساب ، وتضيع أواصر القربى ، وعندمايضيع الفرد في متاهات من الأفكارالخاطئة ، ويصبح أسير الانفلات الجنسي والهبوط الأخلاقي ، يصبح مِعولا من معاول الهدم وآلة للفساد وجرثومة تفتِك بجسم المجتمع بعد أن تمّ إهمال الفرد وإتلاف مقومات الإنسانية الطاهرة فيه .
إن افتعال العقبات أمام الشاب لبناء حياته خطر كبير ، يفقد المرء صوابه ويركسه في دركات الحيوانية البشعة ، ليحصد الفرد والمجتمع معا أشواك ما زرعته أيديهم . بذلك يخسرون كل شيء في هذه الدنيا . فلا كرامة ، ولا عزة ، ولا انطلاقة نحو بناء حضارة فاعلة أو تحقيق لرقي اجتماعي ، عندها تتداعى علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها . وفي النهاية خسران الآخرة ، لأن صلاحها مرهون بصلاح الدنيا .
بالزواج تتشكل الأسرة القوية ، وبالأسرة السليمة نحافظ على الفرد ونبني مجتمعا قويا ، وبه نصعد في سلم الرقي درجات ونرقى إلى سؤدد العزة والكرامة ونحقق الأمن النفسي والاكتفاء الذاتي والسعادة الصحيحة .
بالأسرة النظيفة تنمو مشاعر الخير ، في أحضانها تترعرع الفضيلة وتُزهر الأخلاق وتثمر وتزكو وتؤتي أكلها الطيب في كل حين . (1/47)
صفحة 48
فلا بد إذن من المحافظة على الفرد لنبني الأسرةعلىأساس من الوعي وحسن الفهم وبُعد النظر ، مسترشدين بدستورنا الخالد المحفوظ كتاب الله العزيز وبسنة نبينا عليه صلوات الله وسلامه معلم البشرية ومربي الأمم ، ولْنسلُك كل سبيل ييسر بناءها على أسس من التراحم والتوافق والود والتعاون البنَّاء . وهذا أمر المولى تبارك وتعالى للمسلمين: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } (1)
بهذه المشاعر النبيلة وبهذه المفاهيم الواعية العميقة وبهذه القناعات الراسخة نبني مدينتنا الفاضلة ونشيِّد صرحنا العتيد ، هذا الصرح الذي سعى الغرب - في غفلة منا - إلى تدميره بكل الوسائل المؤثرة والتقنيات المتاحة ، والاستعاضة عنه بشكل أو نموذج مشَوَّه لا يقوم على أساس من الدين أو مبدأ من الأخلاق . سخر الغرب لتنفيذ مشروعه كل ما يملك من قدرات مادية وعلمية هائلة في غفلة من الوعي الديني وبعيدا عن المبادئ الربانية . هذا العالم الغربي الذي حقق "حضارة" هي في نظره قمة في العلو في الأرض والاستعلاء على الضعفاء والتحكم في مصائر الشعوب لكن : هل حققت للإنسان السعادة ؟ ما أظنها فعلت ذلك ، وما أظنها تحقق ذلك يوما ما . وكل طاقاتهم المادية والعلمية الهائلة تذهب هباء منثورا ولا تستطيع أن تبني الإنسان على أساس من الأخلاق وقاعدة من الفضيلة ، بل يحصدون نتاج مناهجهم التربوية الخاطئة حسرات عليهم ، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ } (2)
__________
(1) 99 - المائدة 2
(2) 100- الأنفال 36 (1/48)
صفحة 49
إن الحضارة المادية بما أوتيت من رخاء مادي لم تحقق للإنسان ما ينشده من الأمان النفسي وراحة الضمير . وكيف يتحقق ذلك وفاقد الشيء لا يعطيه .وصدق الحق القائل: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً } (1)
هكذا في لحظة واحدة ينهار بنيانهم الذي بنوه بأيديهم وحشدوا له كل طاقتهم المادية والعلمية .
إن كل الجهود التي تبذل لتحقيق المجد والعزة تندثر وتتناثر لأنها تفتقد عنصر الإيمان الذي يمنح الحصانة لهذا البناء . وكل عمل لا يقوم على الإيمان ، غير موصول برب العالمين لاقيمة له في النهاية .
وإذا أردنا أن ننجح في بناء الفرد والأسرة ، فلا بد من وصله بأصل هذا الكون وربطه بالناموس الذي يحكمه والذي يصله برب العالمين .
والإيمان هو الذي يصل الإنسان بربه ، فيدله إلى أسباب النجاح ويجعل لعمله قيمة ، ويجعل له مكانه الذي يليق بقدره في هذا الكون العظيم.
المبحث الرابع : أين يكمن الخلل؟ الأسباب والحلول
إن المجتمع القوي المتماسك إنما يقوم على أسس سليمة يكون الفرد فيه نواة صالحة للأسرة المتينة ، وتكون الأسرة القلب النابض للمجتمع تشكل خلاياه وتكوِّن لَبِناته .
وقد حرص الإسلام على الأسرة ، وخصَّها برعاية فائقة . فقنَّنَ (2) لها قوانين ورسم لها معالم وحدَّد لها ضوابط وخطَّ لها طريقا واضحا تهتدي به في مسيرة البناء .
وفي غياب الوعي بشرع الله تعالى ، وفي ظلمة الجهل بأهدافه وغاياته ، وفي متاهات التخلف المتراكم ، وفي حُضور الغزو الثقافي والفكري الوافد علينا من أرض غريبة عنا وشعوب منكَرَة لدينا ، بدأ يتسرب الخلل إلى جسم هذه الأسرة .
__________
(1) 101 - الفرقان 23
(2) 102- قنن وضع القوانين . وهو لفظ استعمله الناس قديما بعد عصر الرواية .( المعجم الوسيط ، باب القاف ) . (1/49)
صفحة 50
ومع مرِّ الزمان ونزول الابتلاءات متتابعة وعجز العقل عن استيعابها ، بل وفهمها ، برزت في أسرنا أخطاء كثيرة وظهرت نتوءات غريبة وعديدة وأعطاب موجعة حولتها عن مسارها الصحيح وأفقدتها دورها الرئيس وأثرها المؤثرالفاعل .
فأين يكمن الخلل إذن ؟! وكيف نشخِّص المرض ونحدد العلل؟ ثم كيف نصف العلاج إن لم نستطع أن نحقق الوقاية منذ البداية ؟.
إذا حاولنا وضع أسرتنا تحت المجهر فسنجد - حتما - أسبابا كثيرة أسهمت في تداعي بنيانها و إحداث شروخ فيه وإضعافه ، وهي - لاشك - أسباب وعوامل متظافرة متداخلة ، داخلية ذاتية وأخرى خارجية موضوعية .
أولا : الاختيار على أساس عاطفي ثائر
رُبَّ نظرة طائشة أورثت عذابا مريرا . ورُبَّ كلمة عذبة استحالت سهما قاتلا وأدمت قلبا كان سليما . ورُبَّ لقاء عابر بين شاب وشابة أوقع في القلب حبًّا عارما ورغبة جامحة في الوصال .
إن العواطف الحَرَّى الجياشة لدى المراهقين، عادة ما تنطلق من موضع الشهوة فيهم ولاتمر على العقل والتفكير والروية .
وكم من أسرة قامت على هذه العواطف الثائرة لم تسعد بحلو المذاق طويلا ، بل تكشفت عن عواطف شهوانية ورغبات نفسية آنية مؤقتة نتج عنها شقاء دائم ومرارة عميقة في النفس وفشل ذريع في الحياة .
وهكذا فإن التجارب تؤكد أن الحب الذي ينشأ بسرعة يزول بسرعة ، لأنه ضرب من جنون الشهوة الطائشة الذي قد يؤدي إلى العشق الأعمى والمحبة الرعناء والوَلَه المفرط بالمحبوب . هذه الحالة الشبيهة "بالهستيرية" تتعدى الحدود فينتهي الأمر بالزوال السريع ويتحدى كل الأعراف ويتجاوز جميع القيم ، فيخلف وراءه آثارا سلبية وعواقب وخيمة وعللا وأمراضا تصعب معالجتها والتخلص من آثارها بعد ذلك .
ومن أراد أن يطلع على هذا الصنف من الناس ، أو على أنواع من التائهين في بحار الحب المغمورين بين أمواجه المتلاطمة فليقرأ ما كتبه ابن حزم في كتابه "طوق الحمامة" (1/50)
صفحة 51
لقد أشار ابن حزم إلى " أن الحب يمكن أن يحدث في بعض الحالات من أول نظرة ، لكنه يرى أن مثل هذا الحب الذي ينشأ بسرعة هو أيضا يزول بسرعة .. وأن ما يسمى بالحب من أول نظرة ليس إلا ضربا من الشهوة" (1)
إن بناء البيوت في الإسلام لا يقوم على قاعدة هشة ، ولا تشيد بمجرد لقاءات خاطفة ، أو عواطف مراهقة ساخنة .
وقد تبين لكل ذي لب أن هذا الطريق مسدود لا يوصل إلى الهدف المنشود ولا يحقق السعادة المطلوبة .
إن الشاب الناجح هو الذي يبني بيته على أسس متينة من المعرفة والدراية والصلاح ، وأركان قوية صلبة تضمن لهذه الأسرة الفتِية استقرارها وتوازنها واستمراريتها . تبنى البيوت على تقوى من الله ، و بنيان التقوى راسخ ومستقر، صامد لا تؤثر فيه العواصف ، قوي لا تزحزحه النائبات .
أما البناء الذي لم يقم على قاعدة صلبة أو أساس متين ، وقام على رمال متحركة أو تربة هشة فمآله حتما إلى الانهيار.
الإسلام العظيم علّمنا أن البيوت تُؤتَى من أبوابها ولا تُؤتَى من ظهورها لمن أراد النجاح .
قال عز وجل : { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (2)
والأبواب التي يلج منها الفتى والفتاة إلى بيت الزوجية هي أبواب المعرفة الصحيحة ، والتروي في القرار،والقناعة الذاتية في الاختيار. وقد جاء في الحديث الشريف توجيها للشباب وإرشادا لهم : " فاظفر بذات الدين تربت يداك " (3)
__________
(1) 103- محمد عثمان نجاتي : الدراسات النفسانية عند العلماء المسلمين .ص 30/31 نقلا من ابن حزم : كتاب طوق الحمامة في الإلف والألاف .
(2) 104 - البقرة 189
(3) 105 - جزء من الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : "قال تنكح المرأة لأربع.. الحديث". الفتح ج9 . حديث رقم: (5090) دار السلام الرياض. (1/51)
صفحة 52
وفي حديث آخر : "إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه .. الحديث" (1)
فلا بد إذن من وقت تختبر فيه ذات الدين ، وهي الواعية بدينها المقتنعة بشريعة ربها ، المقبلة على إرضاء خالقها .
فلا بد للحب الذي يراد له الدوام أن يكون وليد المعرفة الدقيقة التي تقوم على أساس من المحادثة النزيهة والمشاهدة المنضبطة المشروعة في ظل من الطهر والشفافية والنقاء .
وهكذا ، فالأمر نفسه بالنسبة للفتاة التي تنشد الشاب النقي التقي الورع المقبل على ربه .
هذا هو السبيل الصحيح ، بل الخطوة الأولى نحو البناء الصامد . لكن الناس يستعجلون فيسعون إلى حتفهم بأرجلهم ويخربون بيوتهم بمعاولهم.
يقول الشاعر :
الحب أوله شيء يهيم به
قلبُ المحب فيلقى الموت كاللعب
يكون مبدؤه من نظرة عرضت
ومَزحة أُشعلت في القلب كاللهب
كالنار مبدؤها من قدحة فإذا
تضرّمت أحرقت مستجمع الحطب (2)
وإنما ذاق كثير من الناس ويلات الفتنة وعنت البلاء والرهق بسبب استعجالهم في أمرهم وإلغاء جانب التدبير والعقل من طريقهم والميل إلى الهوى وتغليب العاطفة في قراراتهم . وفي نهاية المطاف وبعد الوقوع في الخطأ يدركون أسباب الفشل ولكن بعد فوات الأوان .
وقد حذر الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه من الوقوع في الفتنة بسبب نظرة خاطفة أو عاطفة جامحة دون تروٍّ في الأمر أو تعقُّل أو رأي حصيف . فقال :" إياكم وخضراء الدِّمَن " قالوا : وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال : " المرأة الحسناء في المنبت السوء " (3)
وهكذا فإن من اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء ، لاسيما فيما تطول صحبته . فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالظفر بصاحبة الدين الذي هو غاية البغية ومنتهى الأمنية .
__________
(1) 106 –رواه الترمذي
(2) 107 - ابن القيم الجوزية : روضة المحبين ونزهة المشتاقين ، ص 183
(3) 108 - روه الدارقطني والعسكري وابن عدي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. (1/52)
صفحة 53
فقد جاء في حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا :"لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن يطغيهن ، ولكن تزوجوهن على الدين،ولأمة سوداء ذات دين أفضل " (1)
قال الشاعر :إذا تزوجت فكن حاذقا
واسأل عن الغصن وعن منبته (2)
ولابن حزم في الحب رأي . فهو يرى أن الحب لا يكون حقيقيا إلا بعد التهيُّؤ من النفس والاستعداد له ، وبعد إيصال المعرفة إليها بما يشاكلها ويوافقها ، ومقابلة الطبائع التي خفيت مما يشابهها من طبائع المحبوب . فحينئذ يتصل اتصالا صحيحا بلا مانع . (3)
ونحن هنا ، إذ ندعو إلى إقامة بيت الزوجية على أساس من التعارف والمشاهدة والتروي بضوابط شرعية ، وإذ نأخذ قول ابن حزم بعين الاعتبار فنُقِرُّ بالحق للزوجين في التعارف والمشاهدة والاختبار ، فإننا في الوقت نفسه لانسلم بقوله على إطلاقه . فإن النفس نزَّاعة للهوى ميَّالة للانفلات أمَّارة بالسوء ، وقد يسيء الناس الفهم فيتخذوا ذلك ذريعة للتوسع في الأمر . وباسم التعارف تتوسع اللقاءات وتتعدد وتتنوع المحادثات وتحلو . قد تبدأ في حدود ضيقة وشروط وضوابط ، لكن مع مرور الأيام يتحلل الناس من هذه الضوابط ويخترقون حواجزها ويتجاوزون آدابها فيقعون في الممنوع ويخسرالجانبان الجولة وتضيع المكاسب .
فلا بد إذن من الحذر الشديد واليقظة التامة ، فإن الشيطان يرضى من المسلم القليل ليتدرج به بعد ذلك حتى يوقعه في حبائله ويرديه بغوايته .
__________
(1) 109 - رواه ابن ماجه . راجع الفتح ج9 ص169.
(2) 110 - المستطرف . ص514
(3) 111 - المستطرف . ص 31 (1/53)
صفحة 54
إن الحب الصحيح الذي تقبله الفطرة السليمة يقوم –ابتداء-على الفهم الصحيح والوعي الكامل بالمسلك الذي يجب أن تسلكه الفطرة ، مسلك شريعة الله الطاهرة الذي يقوم أساسا على توجيهات الكتاب العزيز وإرشادات النبوة الطاهرة . وإذا قامت الأسرة على هذا النهج القويم واكتمل البناء ، فإن المجال بعد ذلك واسع بين الزوجين لمزيد من التعارف والتوادد والمحبة والتآلف وحسن العشرة .
إن سوء الاختيار الذي ينشأ على أساس عاطفي ونظرة عاجلة يحدث في بناء الأسرة شرخا عميقا وخللا كبيرا يُخشى أن تُؤتى الأسرة من قِبَله .
ولتفادي هذا الخلل ، لابد من التعقل في الاختيار وحسن التروي في الأمر لنضمن أوفر حظوظ النجاح لهذا البيت السعيد .
عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول :"ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ، إن أمرها أطاعته ، وإن نظر إليها سرته ، وإن أقسم عليها أبرته ، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله ." (1)
ثانيا - عدم التكافؤ بين الزوجين
وأعني بذلك عدم التكافؤ في البيئات ، والثقافات ، والمشاعر، والآمال ، والطموحات .
فلا ريب أن لكل بيئة خصائصَها التي يجب مراعاتها واحترامها . للبادية والريف خصائصها ، وللحاضرة والمدينة كذلك ، ولكل امرئ من دهره ما تعود ومن بيئته ما استساغ وحفظ .
وإذا كان الزوج من بيئة والزوجة من بيئة أخرى فإنه - بلا شكٍّ -ستتنوع العقليات وتتباين المفاهيم والعادات ، وهنا يُخشى أن يكون هذا التباين عقبة أمام توافق النفوس وتآلفها .
كذلك لكل فرد ثقافته التي شربها من بيئته ، وعاداته التي أخذها من مجتمعه ، وتقاليده التي انغرست في ذهنه وغذت فكره وحددت ملامح شخصيته .
__________
(1) 112 - رواه ابن ماجه . (1/54)
صفحة 55
ولكل شخص طموحاته وآماله ، هذه الآمال التي تتباين من واحد إلى آخر بحسب الوضع الاجتماعي من فقر وغنىً ، وبحسب المستوى المعرفي من علم وجهل . كل هذا لا بد من وضعه في الاعتبار .
إن التقارب بين الزوجين في البيئات والموروثات الثقافية ، والتوجهات الفكرية ، والطموحات النفسية ، من العوامل الأساسية لضمان سلامة هذا الرباط المتين والميثاق الغليظ ، وعنصر ضروري لتحقيق التوازن للأسرة السعيدة .
والعاقل الحصيف ، هو الذي يختار على أساس التقارب والتوافق . فلا يكون طموحا أكثر مما يقدر أوشجاعا أكثر مما يستطيع . وكما قيل :
" على قدر الكساء أمدُّ رجلي " (1) .
إن التباعد بين هذه العناصر يحدث شرخا كبيرا في الأسرة الفتية ، فإذا كانت الزوجة أعلى مستوى من زوجها في المجال المعرفي والثقافي أو أكثر ثراء وأوسع رزقا ، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام الزوجة لتستعلي على زوجها وتنال من كرامته ، خاصة إذا لم تكن على دين يعصمها من الوقوع في مثل هذه الأخطاء ، وهذا كثير الحدوث في هذه الأوساط مما يعجِّل نهاية هذه الرابطة الزوجية في غالب الأحيان ويجعله أمرا محتوما . أما إذا كان الزوج أكثر حظا من زوجته في العلم والمال والجاه ، فإن ذلك قد يعطي الفرصة له للدوس على رقبة زوجته واعتبارها مجرد متاع في البيت للاستمتاع وتقديم الخدمات وإعلان الطاعة والخضوع التام لأوامره وطلباته . وهذا كذلك كثير الحدوث في مجتمعاتنا .
وهنا يكمن الخطأ ، وفي مثل هذه الحالات يبرز "فيروس" التنافر والتباعد . وما أظن لمثل هذه الزيجة أن تنجح أو تستمر أو تطول ، وإذا طالت فما أظنها تستقر لتحقق السعادة والهناء المنشودين من وراء هذا الرباط .
ومن هذا المنطلق ، فإنه يجب على الفتى والفتاة على السواء أن يراعيا هذا الجانب ويُولِيَاه الأهمية اللازمة ، حرصا على سلامة الاختياروسعيا إلى تحقيق الهدف المنشود من هذه الأسرة .
ثالثا : النظرة النفعية
__________
(1) 113 - مثل عربي (1/55)
صفحة 56
إن أناسا كثيرين _ في غياب الوعي الصحيح _ينظرون إلى الأشياء نظرة مادية نفعية ظنا منهم أنها كفيلة بتحقيق السعادة لهم في الحياة .
إن اختيار الزوجة لمالها لا يزيد المرء إلا فقرا . وتَعِسَ عبدٌ يحمل فكرة الاستغلال والتواكل على الغير. هذا الصنف تراه يلهث وراء المادة ولا يرى في زوجته إلا موردا للكسب المادي وسبيلا إلى المنفعة الشخصية .
وكذلك الشأن بالنسبة للفتاة إذا كان رضاها بالزوج قائما على اعتبارات مادية أودنيوية بحتة ، فإن النتيجة ستكون حتما من جنس الاختيار. ونحن نعلم أن المعايير المادية قابلة للزوال آيلة للانتهاء ، وهي كالظل الذي سرعان ما يزو ل بغياب الشمس واختفائها .
ولقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم نهيا صريحا عن اتخاذ الزواج طريقا إلى الغنى ، أوسبيلا إلى السمعة والجاه ، أومنفذا لتحقيق للمآرب الدنيوية فقال : "لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن يطغيهن ، ولكن تزوجوهن على الدين . ولأَمَة خرماء سوداء ذات دين أفضل" (1) .
وفي حديث آخر :" من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاّ ، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرا ، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة ، ومن تزوجهالم يتزوجها إلا ليغض بصره ويحصن فرجه أويَصِل رَحِمَه إلا بارك الله له فيها وبارك لها فيه" (2) .
فما بال شباب اليوم يلهثون وراء الفتاة صاحبة الوظيفة العالية والراتب الكبير والسيارة الفارهة ؟
__________
(1) 114 - رواه عبد الله بن عمرو ( سنن ابن ماجه حديث رقم 1859 باب : تزويج ذات الدين )
(2) 115 – أخرجه أبو نعيم الأصفهاني في كتابه حلية الأولياء وطبقة الأصفياء ، ج5 ص245
وأخرجه الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتابه مسند الشاميين ج1 ص29 عن أنس بن مالك بلفظه.
وذكره الحافظ نور الدين الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ، باب نية الزواج ، عن طريق أنس بن مالك بلفظه . (1/56)
صفحة 57
هل عجز الشباب عن القيام بواجب النفقات الأسرية حتى ييمِّموا وجهتهم إلى الفتيات اللائي لا يرون منهن إلاَّ أنهن ذوات غنًى وجاه ؟ . فليحذر الفتى والفتاة على السواء من أن يقيما عشَّ الزوجية على المصالح العاجلة والمنافع المادية الزائلة .
إن هذه المنافع سريعة الزوال ، قليلة الجدوى . بزوالها ينتهي كل شيء فتتهدم الأسرة على أصحابها ، وينهار البناء على بانيه ، وتضيع السعادة المنشودة بما كسبت أيديهم من سوء التقدير وغياب الوعي الصحيح . بهذا الجهل ، وبهذا التوجه الخاطئ تظهر في الشبان العقد النفسية فيشيع الفساد ويحدث الانفلات الخلقي لتنتشر الرذيلة ويعم الفساد ، عندها يجني الفرد والمجتمع أشواك ما زرعوا ويواجهون عواقب ما فعلوا من بُعد عن المنهج الرباني وهجر لسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم .
إن الزواج ميثاق غليظ كما قال المولى عز وجل { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } . وهو ميثاق النكاح باسم الله وعلى سنة الله .. هو ميثاق غليظ لا يستهين به المؤمنون لعلمهم بقداسته ووعيهم بأهميته في حياتهم .
هو ميثاق يجعل الحياة الزوجية نعمة عظيمة ومودة كبيرة ورحمة دائمة . { وجعل بينكم مودة ورحمة }
إنها حكمة الخالق القدير، خلق الرجل والمرأة على نحو من التوافق والتكامل . إذا اجتمعا في بيت الزوجية وأقاما هذه العلاقة على سنة الله ورسوله اجتمعا على وفاق والتقيا على اتفاق ، كل منهما يلبي حاجة الآخر الفطرية والنفسية والعقلية والجسدية . بهذا التكامل تحصل الراحة والاطمئنان ، وتتجسد السعادة في أروع مظاهرها وأبهى حُلَلِها .
إن الرجل في حاجة إلى المرأة والمرأة في حاجة إلى الرجل ، في حاجة إلى السكن والألفة والحنان والمودة والعطف . وهذه المعاني السامية والأهداف النبيلة لا يحققها زواج يقوم على المنفعة المادية و استغلال كل طرف للآخر وابتزاز ما يملكه من مال أو متاع . (1/57)
صفحة 58
إن الأسرة إذا افتقدت هذه العناصروغابت عنها هذه المعايير فقدت كل شيء ، ولن تجد السعادة الحقيقية أو تذوق طعمها أو تشم رائحتهاحتى تعود إلى المنهج الرباني السليم .
وما قيمة الحياة التي يعيشها كل شخص مع شريكه وهو يترصد له ليستغله ويبتز منه ماله ويمتص جسده حتى إذا زالت تزول معها العلاقة ويتهدم البناء . إنها حيلة تعيسة لا محالة ، لاعواطف فيها ولا إخلاص ، إنما هي مشاعر زائفة يلفها المكر والخداع ، كنا نحسبها تمثيليات تعرض على شاشات التلفزيون فقط فإذا بها واقع يعاش ومعاناة تمارس في واقعنا.
بهذه التوجهات النفعية والأفكار الانتهازية تكتوي المرأة والرجل على السواء . يصطليان بنارها ويحترقان بأوارها ويختنقان بدخانها وغبارها ، فتخسر الأسرة متعة التماسك وحلاوة الترابط . وصدق الله العظيم القائل : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } (1) .
ولولا السكن والاستقرار لكان الزواج حمقا ، ولولا تغذية العاطفة بمشاعر النبل والتواصل والنماء لكان إنجاب الأولاد جنونا ، ولولا النظام الدقيق الذي أراده الله عز وجل لهذا الكون لكان بناء البيت عبثا وسخفا .
فالبيت الذي يقوم – أساسا - على الزواج المشروع أعمق معنى وأبعد مدى وأسمى أهدافا . إنه أمر الله لخلقه واختياره لهم بحكمه وتقديره .
رابعا : التزويج بالإكراه
سادت كثير من العادات في مجتمعاتنا ورثناها من عهود سالفة ، قد يكون لها أثرها الفاعل والإيجابي في ذلك الزمن تمشيا مع العقلية السائدة آنذاك وتكريسا لفكر معين كونتها تراكمات من الموروث القديم المتداخل .
__________
(1) - الأعراف 189 (1/58)
صفحة 59
درج الناس منذ القديم في التزويج أن يختارأو يفرض الآباء من يشاؤون من الفتيات على أبنائهم . هذا الشاب قد تجد الفتاة المفروضة عليه في نفسه هوى وميلا وقبولا وقد لاتجد ، المهم أنه يطيع أوامر الكبار وينصاع لرغباتهم فيغمض عينيه عمَّا لايرضيه ، ويغمغم أفكاره في داخله ، ويكبت مشاعره في أعماقه ، ويسلم بحكم الواقع المفروض عليه . وعلى هذه الوتيرة تقوم الأسرة بحسناتها وسيئاتها . وهكذا تمضي الحياة على وتيرتها المعهودة ونسقها المعلوم بين الناس .
أما الفتاة فهي ليست أفضل حظا من الفتى ، فهي قلَّما تستشار وغالبا ما يُّزَج بها في بيت الزوجية دون إرادتها ، قد تكون راغبة أو رافضة ، المهم أنها تقبل بنصيبها الذي دفعت إليه دون التفكير في الرفض أو التعبير عن القبول أو إبداء الرأي ، فإن ذلك من العيب الذي لايقبله الآباء ولايستسيغه المجتمع (1) . وإذا وقع شيء من ذلك فيعد تمردا على التقاليد الاجتماعية وخطأ فادحا لايغتفر في كثير من الأحيان . وهنا لاينظر إلى الاعتبارات النفسية ، من ذلك كون الزوج أكبر من الزوجة سنا أو أصغر ، يقبله مزاجها أو يرفضه ، تحبه وتميل إليه أو تكرهه ولاتستسيغه . كل هذا لايوضع في الحسبان ، المهم أن تقوم الأسرة وتمضي الحياة على الوتيرة نفسها ، وتسير في مسارها المعهود بخيرها وشرها .
لكننا إذا عرضنا هذه الصورة على مرآة الإسلام فما أحسبها تظهر لنا ناصعة نقية ، ولعلنا لا نستغرب عندما نراها لا تمتُّ إلى روح الإسلام بصلة ، جاء الإسلام ليمنح الإنسان قدرا كبيرا من الحرية في التعبير عن رأيه ويعطيه الحق الكامل في الاختيار ضمن ضوابط أخلاقية تحقق له الكرامة سواء كان رجلا أوامرأة .
لقد أعطى الإسلام للمرأة والرجل حق الاختيارعلى أسس أخلاقية تخدم الفرد والمجتمع على السواء .
__________
(1) -ولا غرابة في ذلك ، فإن الآباء أنفسهم قد تعرضوا للعملية نفسها من قيل آبائهم . فهم يمارسون الآن الفكر الذي سُلط عليهم سابقا . (1/59)
صفحة 60
إن التشريع الإسلامي يمنع إكراه الفتاة على الزواج بمن لاتحب ، بكرا كانت أو ثيبا ، لأن الإكراه سبيل إلى الكبت ، والكبت ينتهي بالانفجار فيتسبب في أضرار جسيمة وعواقب وخيمة يأباها الإسلام كل الإباء .
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله :" الثيب أحق بنفسها من وليها،والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها".وربما قال :"وصمتها إقرارها" (1) .
وفي ظل سوء الفهم للإسلام والبعد عن تطبيق منهجه في واقع الحياة بنجاح ، ظن الناس - وخاصة خصوم الإسلام - أن هذا الدين يقيم العلاقات الزوجية بالقهر والإكراه ويغمط حق المرأة في الرضا والاختيار ، وهذا طمس للحقيقة وافتراء سخيف ودعوى لا تقوم على أساس من المعرفة الواعية بشريعة الله تعالى.
هكذا كان الناس يتزوجون في عهود مضت من الانحطاط أويكادون .
وإذا قبل الفتى والفتاة فيما مضى من العهود بأمر الواقع وسلما الأمر للأعراف والتقاليد تتحكم فيهما كما تشاء لتسير الحياة على وتيرة معينة ، فإن الأمر الآن يختلف تماما عن سابقه .
الآن ، وفي هذا الزمان تغيرت الأمور وتبدلت المعطيات . لقد تفتحت الشعوب على بعضها وتداخلت الثقافات وتوسعت المعارف وتعددت سبلها ، كما تطورت وسائل الاتصال وشبكات المعارف والمعلومات وساد بين الناس فكر حديث وفقه جديد وفهم عميق للدين وأبعاده وأهدافه .
توسع الفكر الإسلامي بين الأجيال المعاصرة وبدأ الوعي يجد مكانه في عقول الناس ، فراحوا يبحثون عن الحق بين ثنايا القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم مستفيدين من المعطيات العلمية المعاصرة ، متخطين بذلك النتاج الفكري البشري السالف الذي تقادمت عليه الأزمان .
__________
(1) - رواه مسلم من حديث ابن عباس .وفي رواية البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر ، ولا تنكح البكر حتى تُستأذن .قالوا : يا رسول الله وكيف إذنها ؟ قال :"أن تسكت". حديث رقم :5136 (1/60)
صفحة 61
وفي ظل انتشار التعليم وانحسار الأمية وغياب الجهل بدأ الناس يَعُون موقعهم الصحيح في هذا الزمان ويدركون أن كثيرا من العادات والتقاليد لم تكن نابعة من معين الإسلام ومنبعه الصافي ، إنما هي اجتهادات بشرية وإسهامات فكرية لها ظروفها ومعطياتها ، قد تكون مُجدية في ذلك الزمان فحسب ، وليس لها الآن إلا أن تتغير وتتجدد لتصبح قادرة على صهر آمال الشباب الصاعد في بوتقة الإسلام واضعة في عين الاعتبار التحديات المستجدة والأقضية الجديدة التي تحدث كل يوم وتتولد في ثنايا الحياة وحركتها المتطورة وأوضاعها المتقلبة .
إن القارئ في كتاب الله العزيز والمطلع على سيرة المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم يجد أن الإسلام أقام الأسرة على أسس من التكامل والترابط وعلى جملة من مبادئ النبل و الأخلاق . ولا غرو ، فالبيت مثابة للزوجين وسكن لهما ، في ظله تنبت الطفولة وتتربى وتترعرع ، وفي جوه العبق تتنفس وتتكيف ، ولا يتم ذلك إلا بتوفير قدر من الحرية في الاختياروإعطاء الفرصة لجيل العصر أن يتولوا بأنفسهم هذا البيت بعيدا عن الضغوط المعنوية من أي طرف كان ، وفي الوقت نفسه دون إلغاء لمبدإ التشاور مع من تربطهم علاقات أسرية أو أخوة إيمانية متمثلين بالمقولة المأثورة " لا خاب من استخار ولا ندم من استشار" .
أضف إلى هذه المعطيات كلها هناك أمر مستجد لا بد أن نتعامل معه بوعي شديد وحذر كبير . لقد ارتفعت في هذا الزمان في أصقاع الأرض أصوات تدعو إلى "حقوق المرأة" ، من ذلك : حق الاختيار ، ورفع الظلم والوصاية عن المرأة من قبل الرجل "المتسلط" وما إلى ذلك من الشعارات البراقة في ظاهرها المسمومة في باطنها . (1/61)
صفحة 62
هذه الدعاوى - كما ألمحت - اختلط فيها الحق بالباطل والتبس فيهاالصحيح بالخطأ ، وصلت إلى آذان الناس واستقرت في عقولهم عبر قنوات الاتصال العصرية المتنوعة وأثَّرت في أفكارهم بحكم قوة الطرق عليها وعقد الندوات والمؤتمرات الكبيرة لها وإظهارها في ثوب علمي إنساني مما دعاهم إلى البحث عن الحق ، أين يكمن ؟! قد يأخذهم بريقها ويبهرهم شعاعها فيميلون إليها ميلا عجيبا ويرفعون رايتها وهم يجهلون أهدافها .
الإسلام وحده الكفيل بالإجابة على أسئلة المتعطشين للحق ، الذين تفرقت بهم السبل وفقدوا مفاتيح التحكم وتاهوا في الدروب المتداخلة . الإسلام وحده القادر على إزالة الغشاوة من الأبصاروتطهير القلوب من الشوائب وإزالة ما تراكم عليها من ران الجهل وأدران المعاصي . لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا : كيف نفهم الإسلام فهما صحيحا ؟ وإذا فهمناه ،كيف ننزِّله في واقعنا ونطبقه في حياتنا ؟
وعودة لما سبق ذكره ،وعلى ضوء ما بيَّنَّا ، يظهر بجلاء ووضوح أنه لم يبق للآباء مجال للعكوف على القديم المتوارث والجمود عليه .
فلا مجال لإكراه الأبناء والبنات على شيء لاتقبله عقولهم ولا تستسيغه نفوسهم . لا مجال الآن لإكراه الأبناء على الارتباط بمن لا قناعة لهم بهن ، ولا البنات بقبول الزواج بمن يكرهن .
قد منح الاسلام حق الاختيار لكليهما ، ومنح للجنسين الحق في بناء الأسرة على أساس من القناعة الذاتية بعيدا عن الإكراه المادي أو المعنوي . (1/62)
صفحة 63
عن عبد الله عن أبيه قال : جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع به خسيسته . فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأمر إليها. فقالت " قد أجزت ما صنع أبي ، ولكن أردت أن أعلم الناس أنه ليس إلى الآباء من شيء ". (1) تعني أنه ليس لهم إكراههن على التزويج بمن لا يرضينه تحقيقا لسعادة الأسرة وحفاظا على تماسكها لتكون بالفعل دوحة للخيروالأمان وسفينة للإبحار نحو الرقي والعزة والكرامة .
المبحث الخامس : وقفات للتأمل . . في الطريق عقبات
إن الأمر هنا يستدعي منا وقفات للتأمل و الكشف عن الطريق الذي سيُسلك لإعادة البناء .
إننا إذا نظرنا إلى واقعنا في مجتمعاتنا المعاصرة نجد أن الأمورلم تعد على ما كانت عليه في الأزمنة السابقة . وإننا هنا إذا أغمضنا أعيننا عن هذه المتغيرات ، فإننا نخشى أن تبقى أفكارنا مجرد نظريات نديرها في أذهاننا ونرددها على ألسنتنا ، وجملا نقرأها في كتبنا فحسب دون أن تشهد نور التطبيق في واقع حياتنا .
إن الواقع الآن مختلف تماما (2) ، بل وبعيد جدا عن واقع السلف بما تكتنفه من مشاكل وتناقضات لم تشهدها الأجيال السابقة . هذه المشاكل يصعب حلها بيسر ، وهذه العقبات يصعب تجاوزها بسهولة .
إن عقبات كثيرة تقف في طريق إصلاح الأسرة وإعادة بنائها ، من ذلك :
1. الفارق الكبير بين الزوجين في الفكر والمعرفة وعلى الأصعدة المختلفة مثل الميول والمشاعر والرغبات .
__________
(1) - رواه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة .
(2) - هنا لا أقصد أبدا التسليم للواقع والخضوع له . لكني أدعو إلي وضع واقعنا المعيش في الحسبان عند كل عملية تغيير نقوم بها . والمطلوب هنا وعي العصر . (1/63)
صفحة 64
2. تعرض مشاعر الثقة بين الزوجين إلى تصدعات بالغة بسبب سوء استخدام الرجل لصلاحياته في مسألتي التعدد والطلاق . وهنا نحاول أن نسلط الضوء على بعض منها ونتناول هذه المسائل بشيء من التحليل والنقد الموضوعي لتستبين لنا مواطن الخلل ، لعل الله تعالى يوفقنا للإسهام في وجود حلول لها ولو كانت جزئية ونسبية إلى أن يتهيأ للأمة إيمان واع وضمير صاح وفكر قويم وعمل صادق نافع فتحدث قومةٌ فاعلة متكاملة مستقرة مستمرة فتتدارك هذا النقص ، فإن الناس يكونون مع الحق إذا اطمأنوا إليه فالحق أبلج بهدي الله والأقدار مسخرة بإذنه تعالى .
1 – التباين بين الزوجين فكرا وتوجهات
إن من الطبيعي جدا أن يسعى كل شاب لاختيار شريكة لحياته بناء على المواصفات التي يراها كفيلة بتحقيق السعادة له ، غير أن المعايير تتنوع وتختلف من شخص إلى آخر .
فمن الشباب من ينظرون إلى الجمال الظاهري ، وهذا في حد ذاته ليس عيبا ، غيرأن معاييرالجمال نفسها تختلف من شخص إلى آخر . ومنهم من ينظر إلى المكانة العلمية أو الاجتماعية أو القبلية .
ومنهم من يقف عند الدين ولاقيمة للمعايير الأخرى لديه . وهنا يُطرح سؤال : ماهو المفهوم الصحيح للدين ؟
هذا التنوع في الآراء ، والتعدد في الهوايات لا يخلو منها مجتمع ، لكننا نحتاج هنا إلى وقفات تأمل لنسلط الضوء على هذه الأفكار، نعرض مختلف الحالات أوبعضا منها لنتناولها بالتحليل والنقد ، ونحاول طرح بعض الآراء في الموضوع لعلها تسهم في إصلاح ما انهدم لإعادة البناء المتين إلى حياتنا .
هذه الحالات تتلخص فيما يلي :
? التقارب بين الزوجين في المستويين العلمي والثقافي .
? اختلاف المستويين بأن يكون الزوج على مستوى عال من الثقافة والزوجة لاتملك شيئا من ذلك .
? ارتفاع مستوى الزوجة على زوجها في المجال العلمي والمعرفي .
? التباين الكبير بين الزوجين في التوجهات الفكرية والمشاعروالميول . (1/64)
صفحة 65
وسنحاول- إن شاء الله تعالى- تسليط الضوء على كل حالة وبشكل وجيز .
أ – الحالة الأولى :
هي الحالة المثالية ، أي التكامل في الأفكار والتوجهات والمشاعر والتطلعات ، وهي مبتغى كل زوج وزوجة يريدان لحياتهما الثبات والسعادة والاستقرار .
في هذه الحالة يكون التفاعل بين الزوجين على كل المستويات. فيكون ممتعا ومحبوبا ، يشعر كل من الزوجين بروعة الثاني .
لعل هذا التكامل قد حصل بسبب حسن الاختيار ، بل بسبب الوعي في الاختيار وعمق النظرة وتكامل الفكرة . هذا النجاح أسهم فيه الجانبان ولم يدخرا جهدا في ذلك ، وقد يكون لأطراف أخرى إسهام فيه ، لكنها في النهاية منحة من الله تعالى وهبة منه وتوفيق . فكثيرا مانردد المقولة العامية التي لم تأت من فراغ :"الزواج نصيب".أي توفيق رباني لا يد للإنسان فيه ، وهذا الاعتقاد لايلغي دور المرء في حسن الاختياروالأخذ بالأسباب .
وخير نصيب يفوز به الرجل في حياته المرأة الصالحة وكذلك بالنسبة للمرأة .
وقد جاء في الحديث الشريف :"الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة " (1) التي يتمناها كل مسلم في حياته ويلهج لسانه بالدعاء : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (2) .ومن أغلى حسنات الدنيا المرأة الصالحة ، وهي أكبر مكسب يفوز به المرء بعد تقوى الله تعالى .
__________
(1) - ذكره في مشكاة المصابح ، برقم : 3083 وعزاه لمسلم بلفظ :" الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة "
(2) - البقرة : 201ذ .وقد جاء في كتب التفسير أن من حسنات الدنيا المرأة الصالحة . قال ابن كثير : "جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا .. وتشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ، ودار رحبة ، وزوجة حسنة .." . انظر : ابن كثير . مختصر التفسير . ج 1/182 . دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت . (1/65)
صفحة 66
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :"ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته ، وإن نظر إليها سرته ، وإن أقسم عليها أبرته ، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله." (1)
وما كانت لتطيع أوامره لولم تكن أوامر حق وهي واعية بها ، مدركة لواجباتها الزوجية . وما كانت لتسره إذا نظر إليها لولا إعداد نفسها الإعداد الكامل ، من حسن مظهر وزينة متناسقة مشروعة ورشاقة في البدن ، وُصولا إلى جمال العقل ورجاحته وسلامة اللسان وحلاوة منطقه وجمال الروح وخفتها وجمال الأخلاق ورونقها . كلها عوامل وجماليات لا تستطيعها إلا امرأة عالية التثقيف ، عميقة الفهم لواجباتها ، مقدرة لرغبات زوجها المشروعة ، ساعية لإسعاده بكل ما أوتَِيت من فهم ووعي وإحساس بالواجب .
كذلك ، ما كانت لتحافظ على نفسها لولا دينها وتقواها وصلاحها من جهة ، وشعورها بثقتها في زوجها وقناعتها به من جهة ثانية .
فالزوج يأمر زوجته بخلق جم ، أمر التماس مشبع بالحب والتلطف والاحترام ، وليس أمر قهر وإعنات واستعلاء وينظر إليها نظرة إكبار وإعزاز، لا نظرة احتقار وإذلال .
وهذه هي صفات المرأة الصالحة تنطق بها الآية الكريمة :
{ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } (2) زوجات مطيعات لأزواجهن ، مؤديات لواجباتهن ، حافظات لحرمة الزوجية من الإثم والدنس ، أمينات على ما يقع بينهن وأزواجهن في الخلوة من حديث أو نجوى ، ملتزمات بحدود شرع الله تعالى . وهن لأزواجهن في غيابهم أشد إخلاصا وأعظم وفاء .
إن هذا الزوج إذا تَوَافَقَ مع زوجته فكرا وعلما ، وعيا وفهما ، سوف يكون خيره كله لأهله ، سوف يحقق السكن والمودة والرحمة التي يهدف إليها شرع الله من الزواج .
__________
(1) - وهو في مشكاة المصابيح ، ج2/930 برقم3095 ووعزاه لابن ماجه ورقمه عنده 1857 . قال في الزوائد : في إسناده علي بن يزيد . قال البخاري منكر الحديث .
(2) - النساء 34 (1/66)
صفحة 67
ففي الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أكمل المؤمنين إيمانا أحسنُهم خُلقا و خياركم خياركم لنسائهم خُلقا " (1)
وفي حديث آخر ، عن عائشة رضي الله عنها قالت ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" (2)
بهذا التكامل يتم البناء ، وتتحقق السعادة ، ونكون قد ضمنَّا لمجتمعنا أسرة قوية فاعلة في الخير ، أسوة حسنة وقدوة طيبة . وهذا منتهى المنى ، وقمة المبتغى ، والمنحة الربانية التي لا بخس فيها أبدا .
2- الحالة الثانية :
قد يُبتَلى المرء في زواجه بامرأة تكون أقل منه ثقافة وعلما . قد يكون الأمر باختياره وعلى معرفة تامة منه ، أو يكون مخدوعا أو مغلوبا على أمره تحت تأثير بعض العوامل النفسية أو المادية ، أوجهلا منه بمستواها المذكور ، وهنا تكمن المشكلة .
فالزوج هنا بين أمرين :
1- إما أن يرضى بنصيبه ، ويأخذ من زوجته حاجاته النفسية ، ثم يجاريها في أفكارها ويتغاضى عن توجهاتها التي عادة ما تتسم بالبساطة . وهذا الموقف السلبي يتطلب منه النزول إلى مستواها أو عدم الاهتمام بها . ومن هنا يبدأ التصدع في جدار الأسرة وفي وقت مبكر . وهذه الحالة لها انعكاساتها السيئة على دفء العلاقة الزوجية - مستقبلا - مما سيؤثر سلبا عل تربية الأبناء لاحقا .
وهذه الحاة تمثل صورة لتلك الأسرة التقليدية التي تفتقر إلى ذلك الزخم (3) من التواصل بين الزوجين وإلى الترابط والتكامل الذي يحميها من التفكك والانهيار .
2- وإما أن يصمم على نيل شهادة النجاح في حياته مع زوجته الكريمة. وهنا يشمر على ساعد الجد ، ويقرر العزم على إعادة البناء ، بناء زوجته من جديد بناء صحيحا .
__________
(1) - حديث حسن صحيح رواه الترمذي ( أبواب الرضاع)
(2) 126 – السنن الكبرى : كتاب النفقات
(3) - زخمه زخما : دفعه دفعا شديدا .( راجع : المعجم السيط ، باب الزاي . (1/67)
صفحة 68
فلا بد ، إذن ، من وضع خطة تعليمية وبرنامج تربوي والسير بعزم وإصرار نحو الهدف المنشود ، يحدوه الأمل في النجاح ونيل الأجر والمثوبة الحسنة من الله القدير .
وهنا ، لا بد من استفراغ الجهد لتعليم الزوجة بشتى الوسائل المتاحة وتدريبها للرفع من مستواها الفكري والمعرفي والثقافي ، سعياإلى تضييق الهوة القائمة بين الجانبين وتقليصا للفارق بينهما.
إن زوجا مثل هذا الصنف مجاهد من الطراز الأول ، يحمل في أعماقه عوامل النجاح ، ذو همة عالية وإصراريدلان على قوة الشخصية وصلابة الإرادة .
هو مأجور عند الله القدير ، وتحمد سيرته عند زوجته أولا وعند الناس ثانيا .
وفي هذا المجال ، أرى أن الأمر شاق جدا ، لكنه ممتع كذلك ، خاصة إذا أدركت الزوجة أهمية الأمر فصممت عل الانعتاق من الجهل والانطلاق نحو حياة جديدة تقوم على العلم والمعرفة .
إن عملا مثل هذا يحتاج إلى وقت لتحقيق أهدافه ، وإلى صبر طويل وجهاد مرير ، لكنه جهاد ممتع -كما أسلفت - يؤتي ثماره الجنية وأُكُلَه العذب في حينه بإذن الله تعالى .
الحل الأول ،حل الضعيف وقد لا يقبله كثير من الأزواج . فهو ملجأ الضعيف المستسلم ، وموئل من لا يرى من الزواج سوى الاستمتاع الجنسي والرغبة النفسية الجامحة .
لكن هل يقبل الرجال الآن معايشة هذه الحالة والصبر عليها ؟. الجواب حتما : لا ، خاصة في عصر تنورت فيه العقول واحتك الشبان بثقافات عديدة ثرية بتجارب الشعوب . ومن خلال نظرة سريعة إلى واقعنا المعاصر ، فإننا نرى أن كثيرا من الأزواج يأبون العيش مع زوجات يعشن معهم كالعربة الأخيرة التي يجرها الحصان ، إذا هو تحرك تحركت معه ، وإذا توقف توقفت . فلا هن مثقفات ، ولا هن قادرات على النهوض بأنفسهن علميا وثقافيا . وفي هذه الحالة يبدأ الشد من الجانبين مما يحدث التصدع والخلل في البناء . (1/68)
صفحة 69
وإذا لم يستطع الزوج في الوقت نفسه أن يجاهد في زوجته بالتعليم والتثقيف والتدريب ، فإن الأمر سيؤول إلى الطريق المسدود . وإني أخشى عليه في النهاية أن يضطر إلى أصعب الحلول وأبغض الحلال عند الله تعالى
: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } (1)
لكن الأولى بالرجل أن يقدر الأمور ويزنها بميزان العدل والإحسان فلا يستعجل في أمره . عليه أن يجاهد للرفع من مستوى زوجته وهو مأجور على ذلك . وعليه أن يبرهن عن إرادته الصلبة واقتداره على التحول بزوجته نحو الأفضل.
وهذا ممكن جدا وليس مستحيلا إذا خلصت النيات وصدقت العزائم ، وما ذلك على الله بعزيز .
3- الحالة الثالثة :
من خلال استقراء للأحداث ودراسة ميدانية متفحصة تَبَيَّنَ لنا أن غالبية الشباب لديهم احتراز كبير جدا من الزواج بالفتيات الجامعيات خاصة ، بل والمثقفات ثقافة عالية عموما . ولهذا الموقف أسباب عديدة ، من ضمنها أن الطالبات هن المستوليات على المراكز المتقدمة في الدراسة عموما ، والطلبة بسبب عوامل ذاتية وأخرى موضوعية نجدهم يتأخرون في مراكز التحصيل العلمي ، وهذا يؤدي إلى انسحابهم من طاولة الدراسة في أوقات مبكرة ليجدوا أنفسهم في وظائف أو أعمال صغيرة أوفي الشوارع أحيانا بلا عمل ولا مستقبل .
لقد فشلت المناهج الجامعية في إحداث نوع من التكامل بين الجنسين أوبناء الثقة بين الجانبين في إطار من التربية الإيمانية الصحيحة وبتوجيه من الهدي الرباني ، مما يحقق لكل جنس نصيبه من العمل في مجال الحياة كل حسب اختصاصه ، فكانت النتيجة أن نظر الشبان إلى الطالبات بشيء من الريبة وعدم التفكير في إقامة علاقة زوجية مع هذا الصنف من الفتيات اللائي زاحمن الشبان فى مجالات الحياة وتدخلن في اختصاصهم لينتزعن منهم مراكز التفوق ومواطن العمل .
__________
(1) - البقرة 229 (1/69)
صفحة 70
هذا هو واقعنا العربي المر، شابات يحملن الشهادات ويستولين على جل مواطن العمل دون مراعاة للاختصاص أو ما يتناسب وطبيعتهن ، وشبان يواجهون الفشل الدراسي في مقتبل العمر ، أو عدم الفوز بعمل شريف رغم الحصول على الشهادة العلمية في كثير من الأحيان .
2 – أزمات ومواقف :
هذه الحالة تحدث عقدتين لدى الجنسين :
أ- أزمة الثقة بين الذكر والأنثى وتداعياتها :
أما الفتيات الناجحات دراسيا ، فلعلهن أو بعضا منهن ينظرن إلى الشبان نظرة استعلاء . وهل يعقل أن تتواضع فتاة من هذا الصنف لفتى لايملك شهادات جامعية أو مستوى ثقافيا وعلميا يرتقي به لفهم أفكارها وتطالعاتها ؟! إن موقفا مثل هذا يشكل عقدة لدى الشباب تجاه هذا الصنف من الفتيات، فيحجمون عنهن ولا يفكرون لحظة في الزواج منهن تجنبا لأي إحراج .
أضف إلى هذا فإن سنوات الدراسة قد تطول على الطالبة حتى تبلغ بها سنا متقدمة . وقد تشرف الفتاة عل عقدها الرابع وهي لا تزال تواصل مشوارها الدراسي ، فيُخشى أن تُصنَّف في صف العانسات وتدخل ميدان العنوسة المخيف من بابه الواسع . وهنا يكمن الخطر الذي يهدد حياة الفتيات من هذا النوع عموما . ولعل هذا العامل يشكل بدوره إشكالية أخرى في هذا الموضوع .
ب -الفتاة و " دعوى حقوق المرأة " :
لقد برزت في أوساطنا أفكارتحمل طابع العالمية ، من ذلك مسألة "الدفاع عن حقوق المرأة" التي بدأت تحتل مساحة في عقول الناس رجالا ونساء .
هذه المشكلة أثرت سلبا على النظرة السالفة عندنا حول العلاقات التي تربط الرجل بالمرأة ، وغيرت سلوكيات الناس حول هذه العلاقة الدافئة ، وأصبحت قضية يتحتم علينا إعادة النظر فيها ووزنها بميزان شرع الله تعالى ضمن نظرة شاملة وواعية بمنهج الإسلام في هذا المجال . (1/70)
صفحة 71
لقد أصبحت معظم الطالبات والنساء المتعلمات - بحكم نوعية الثقافة التي يحصلن عليها – يُكثرن الحديث عن حقوق المرأة التي تهدف أساسا إلى المساواة بين الرجل والمرأة من منظور غربي ، بل ويتطلعن إليها تحت تأثير ما يُكتب في هذا المجال وما يُبَث على شاشات التلفاز من حلقات فكرية تتناول هذه المسائل بالنقد والتحليل . هذا الفكر غيَّر من نظرة المرأة للرجل فأصبحت تزاحمه في كل مجالات الحياة دون مراعاة لخصوصيتها وتمايزها عن الرجل جسديا ونفسيا ووظيفيا ، فغيرت نظرتها للحياة الزوجية ولطبيعة العلاقات الأسرية بحكم خروجها من البيت ومشاركة الرجل في ميادين كانت – سابقا – حكرا على الرجل وحده .
هذا الفكر الجديد وهذه السلوكيات أحدثت شيئا من القلق لدى الشبان الذين يتطلعون إلى إقامة أسرة متماسكة ومتكاملة . وقد أبدى كثير من الشبان امتعاضهم من هذا التوجه الطارئ على الفتاة العربية المسلمة ، فأصبحوا يحترزون كثيرا من هذا النوع من الفتيات ، فانعدمت الثقة بين الجانبين ، وساور الفتيانَ خوفٌ من الوقوع تحت سيطرة هذا الصنف من الفتيات المبهورات بالشعارات الغربية التي – في رأيهم – لاتتناسب مع وضعية المرأة العربية وسلوكيات المجتمع الإسلامي وموروثاته الثقافية و الحضارية .
ولعل الفتاة نفسها قد تأخذها العزة بمستواها العلمي إلى الاستعلاء في بداية الأمر لتتحدث بأفكار غريبة عن تصورات الفتيان وبما لا يوافق عادات المجتمع وتقاليده السالفة . هذا التوجه الغريب والوافد على مجتمعاتنا يضرّ بالشباب في مجال بناء الأسرة لنشهد عزوفا عن الزواج ، أو على الأقل من هذا الصنف من الفتيات . لكن بعد حين تجد الفتاة نفسهافي حالة لا تحسد عليها ، فقد بدأ البساط ينسحب من تحت رجليها ، وقطار الحياة يسرع بها نحو سن العنوسة ليشكل في أعماقها الشعور بالإحباط وهاجس الخوف من المستقبل المجهول .
ج - مواقف الشبان ، وتداعياتها : (1/71)
صفحة 72
أما الشبان فهم في أمر مريج (1) وحساسية شديدة من عدة جهات .
فمهما كان مستوى الفتى التعليمي فإنه يأنف أن يتزوج فتاة أكثر منه علما وأعلى منه شهادة أووظيفة أومركزا اجتماعيا ، وهي نظرة موروثة عن الماضي مستقرة في الأعماق .
ثم إنه- ومن خلال نظرة لواقعنا -نرى الشبان يرغبون في الفتاة الشابة التي لاتزال في مقتبل شبابها ، وهذه حاجة نفسية يميل إليها كل الرجال عادة ، فقد الحديث الشريف :"تزوجوا الأبكار فإنهن أشدُّ حبا وحياء ".
فالفتاة الصغيرة السن أكثر رونقا وأبهى جمالا وأقدر على الاستجابة لطلبات زوجها النفسية ، وهي كذلك أقدر على الحمل والإنجاب ورعاية الأطفال . ولعل هذا الأمر يشكل واحدا من أسباب عزوف الشبان عن الفتيات المتقدمات في السن والإقبال على الحديثات في العمر . أضف إلى ذلك ، فإن ما تحمله بعض المثقفات من أفكار جديدة عن مجتمعاتنا يزيد الطين بلَّة ، فإن الحديث عما يسمى "بحقوق المرأة" ودعوى مساواتها بالرجل في كل المجالات وبدون ضوابط مما لا يعجب الفتيان عادة لسبب أو لآخر.
وهنا ، مَن الضحية ؟ الجواب : حتما هي الفتاة التي تحب أن تخرج من ظلمة الجهل إلى نورالعلم ، ومن ضيق غرف المنازل إلى أرجاء هذا الكون الفسيح . هي الضحية لأنها في حالتها هذه "كالمستجير من الرمضاء بالنار"، تريد أن تنعتق من الجهل والحبس المنزلي فتجد نفسها رهينة حبس العنوسة المقيتة العاتية .
وهنا ، قد يقول قائل : إنك جدّ متشائم ! فإن كثيرا من الفتيات المتعلمات حضين بزواج ناجح ، قد تزوجن أكفاءهن في الثقافة والعلم ، أو من هم أقل منهن في ذلك وكان الزواج ناجحا وسعيدا .
__________
(1) - مَرَجَ : قَلِقَ ، ومَرِجَ الأمرُ مَرَجا :التبس واختلط .( المعجم السيط ) . (1/72)
صفحة 73
نقول : ذلك ما كنا نبغي وإليه نعمل ، وهو ما نصبو إليه ، بل ونسعى لإقناع الشباب بالمعايير الصحيحة للنجاح ، ونصوب له وجهة نظره ليعدل نظرته بناء على ثوابت شرعية ومبادئ مشتركة بين الجنسين لا تنفك عنهما مهما اختلفت الأمور وحدثت الحادثات .
لكن الأعداد الهائلة من العانسات في كل البلاد العربية والإسلامية ، بل وفي كل بلدة أو قرية أو حي سكني يشهد على أن ظاهرة العنوسة تزداد وتتفاقم يوما بعد يوم . هذه الحالة دفعت الفتيات إلى أن يصرخن بصوت مرتفع : أنقذونا من العنوسة.ويكاتبن علماء الأمة وعقلاءها ينشدن حلاًّ.
هذه الظاهرة لها أسباب عديدة ومتنوعة ، ولعل استغراق مدة طويلة من عمر الفتاة في الدراسة والبحث عن الشهادات العلمية أحدها إن لم نقل أهمها .
المبحث السادس : فما الحل إذن ؟!
أولا : غياب التكافل الاجتماعي . لماذا ؟ رصد لهذه الظاهرة وطرح للحلول .
عادة ماتتأثر المجتمعات سلبا أو إيجابا في مختلف مجالات الحياة بعوامل عدة: منها : عوامل التنمية الثقافية والتربوية ، عوامل التنمية الاقتصادية ، وعوامل الاستقرار السياسي ، وكذلك عوامل الهجرة الداخلية والخارجية .. وغيرها من الأسباب التي تحدث تحولات جذرية أوجزئية في المجتمعات، بل وفي الشعوب أيضا.
وهذا موضوع كبير عناصره متداخلة ، وبحره عميق الأغوار ، وسواحله مترامية الحدود ، والحديث عنه الآن ليس من اختصاصات بحثنا هذا .
ولاشك أن التنمية الاجتماعية ، والرخاء الاقتصادي ، ووفرة مواطن العمل والكسب الحلال للقوى الشبابية العاملة عنصر هام جدا ، وعامل مؤثر في حلِّ العديد من المشاكل المختلفة .
وإن من أهمِّ أسباب تراكم المشكلات عزوف الشباب عن الزواج المبكر، أوقل عجزهم عن الزواج في سن مبكرة . (1/73)
صفحة 74
وذلك راجع لأسباب عدة ، وأهمها عدم القدرة على القيام بتكاليف الزواج المشطة والمجحفة ، ثم العجز عن القيام بواجبات الأسرة الجديدة التي تتعقد يوما بعد يوم مع تعقد سبل العيش وانخفاض مستوى دخل الفرد المعيشي لحظة بعد لحظة ، وازدياد متطلبات العيش وارتفاع الأسعار وكأن حالهم يقول :"التزويج فرح شبر ، وغمُّ دهر ، ووزن مهر، ورقُّ ظهر " (1)
فكثيرا ما يجد الشاب نفسه مجبرا على تأخير زواجه إلى ما بعد التخرج ، ثم الحصول على وظيفة أو عمل يكفل له عيشا كريما ، ثم الانتظار لعدة سنوات يلتقط فيها أنفاسه ويستجمع قواه ليجمع شيئا من المال يمكنه من اقتحام عقبة الزواج وتلبية حاجاته .
وهنا نتساءل : أين المجتمع ؟! وأين التكافل الاجتماعي ؟! هل ضاع كل شيء بهذه السرعة ، وانهار البنيان بهذه السهولة ؟!
لا نريد أن نكون متشائمين ، لكننا نريد أن نكون واقعيِّين في نظرتنا لمجتمعنا . ننظر بعين البصير المتفحص ، سعيا منا لإيجاد الحلول المناسبة والعودة إلى سالف عهدنا العتيد وتاريخنا المجيد ، وإعادة الشهود الحضاري لأمتنا في كل المجالات .
إن نظرة عميقة ومتفحصة في مجتمعاتنا الحاضرة تبين لنا أن خيوط الروابط الأسرية والاجتماعية ضعيفة قد أصابها البلى بسبب التقادم وغياب التجديد . هذه الوضعية أحدثت شرخا في جدار الأسرة وتصدعا في بنيان المجتمع على السواء .
إن عقودا طويلة من الجهل التي مرت بها أمتنا ، وفترات مظلمة عصيبة من الخضوع للاستعمار الغربي الغاشم ، كانت كفيلة بأن تحدث هذه الأعطاب العميقة في الفرد والأسرة ثم المجتمع .
إن منهج الإسلام يقوم على أساس بناء الفرد بناء صحيحا ومتينا ليكون محور الأسرة ودعامتها الأساسية ولتكون الأسرة في متانتها وترابط عناصرها وتكامل معطياتها القلب النابض للمجتمع والرئة السليمة التي يتنفس بها كل عنصر صالح في هذا المجتمع .
__________
(1) - الجناوني : كتاب النكاح ص22 (1/74)
صفحة 75
إن ضعف الروابط الاجتماعية واهتزازالأسرة وضعف تأثيرها أوغيابه ، كل ذلك أرخى بظلاله على الفرد الذي يشكل الخلية الأولى لكليهما . فضعفَ تأثير الفرد على مجريات الحياة في الأسرة والمجتمع ، وعجزَتْ الأسرة عن إقامة مجتمع متماسك البنيان ، يلجأ إليه الإنسان في الأوقات العصيبة الحالكة ، فخسر الفرد وخسر المجتمع .
ثانيا : غلاء المهور وكثرة التكاليف : الأسباب والتداعيات .
جعل الله تعالى صداق المرأة فريضة لها على الرجل مقابل الاستمتاع عن طريق النكاح المشروع (1) . يؤدي لها صداقها حقا مفروضا ، لا نافلة ولامنًّا أوتطوعا . ولا حرج على المرأة أن تتنازل عن مهرها بعضه أو كله بعد بيانه وتحديده . ولا جناح عليهما أن يزيدها الزوج على المهر ، فهذا شأنه الخاص وهذا شأنهما يتراضيان عليه في حرية وسماحة .
قال المولى عز وجل : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } (2) .
وفي الحديث الشريف :"أيُّما امرأة نَكَحَت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فإن دُخِل بها فلها مهر مِثلِها بما استُحِلَّ من فرجها" (3) . والشاهد هنا ، استحلال الفروج بالمهر .
"كما اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو : بدن المرأة ، أو منفعة البضع ، أو الحلّ . ثلاثة أقوال ، والظاهر المجموع فإن العقد يقتضي كل ذلك ". (4)
__________
(1) - قال قطب الأئمة في شرح النيل : الصداق شرط كمال عندنا ، وصح العقد بدونه وترجع إلى صداق المثل . وقيل : شرط صحة من حيث الدخول لا يجوز حتى يفرض ، فيُجبر على الفرض . وصحَّ العقد اتفاقا . (الجناوني : كتاب النكاح ، ص 84 )
(2) - النساء 24
(3) - هكذا متن الحديث عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وغيرهم .
(4) - القرطبي : الجامع لأحكام القرآن . المجلد الخامس ص 129 (1/75)
صفحة 76
غيرأننا إذا عمقنا النظر في هذه الآية الكريمة نجد أن القضية أبعد من ذلك. فليست اللذة الجنسية وحدها هي المقوّم الأول في حياة الجنسين الزوج والزوجة ، إنما هي وسيلة ضرورية ليتم الالتقاء بينهما للقيام بواجب المشاركة في بناء السكن واطِّرَاد نموالنوع . ولم يعد "الهوى" الشخصي وحده هو الحكم في بقاء الارتباط بين الذكر والأنثى إنما الحكم هو"الواجب".
واجب النسل الذي يجيء ثمرة للالتقاء بينهما ، وواجب المجتمع الإنساني الذي يحتم عليهما تربية هذا النسل إلى الحد الذي يصبح معه قادرا على النهوض بالتبعة الإنسانية وتحقيق الوجود الإنساني" (1)
هذا هو هدف الزواج ، وهذا هو الهدف من الاستمتاع . إذن ، فإذا كان المهر وسيلة للوصول إلى الأهداف الشرعية السامية وليس هدفا في حد ذاته ، فلماذا يتفنن الناس في المغالاة فيه ؟!
وإذا كان المهر حقا خالصا للمرأة وحدها لايشاركها فيه قريب أوبعيد ، فلماذا يتحكم فيه الآباء ويعتبرونه حقا خالصا لهم دون سواهم ؟!
أين هؤلاء من شرع الله الحنيف ؟ وأين هم من الانصياع لأوامر الله وإعطاء كل ذي حق حقه ؟!
ما بالهم يفرقون بين الصلاة والصوم وسائر العبادات ، وبين سائر الحقوق الأخرى التي شرعت بأمر الله العلي القدير ؟!
إن ضعف الناس في المجال العملي في واقع حياتهم كان نتيجة الجهل العريض بشرع الله الحنيف . كما أن تنكرهم لكثير من الأوامر الشرعية مقابل استجابتهم لبعضها في مجال العبادات يعرب عن قصور الفهم لدين الله تعالى ويبرهن عن التدين المنقوص الذي يمارسونه .
لهذه الأسباب ولغيرها يغالي الناس في المهور ويأكلونه سحتا دون رضا من صاحبة الحق . لذلك نراهم حريصين على المغالاة فيها ، تحقيقا لمصالحهم الشخصية غير مبالين بانعكاساته السلبية وعواقبه الوخيمة .
__________
(1) - سيد قطب : في ظلاال القرآن ج 2 ص 620 دار الشروق بيروت . (1/76)
صفحة 77
وخلاصة القول هنا ، إن مشكلتين كبيرتين اجتمعتا على الشباب لإرغامهم على تأخير الزواج أو العجز عنه فى فترة الفتوَّة والاكتمال البدني والنضج العقلي وهما :
- ضعف الروابط الأسرية وغياب التكافل الاجتماعي .
- المغالاة في المهور والتحكم فيها من أطراف هم ليسوا أهلها أوأصحاب الحق فيها.
فما هو الحل إذن ؟
إن علماء الأمة هم الذين يواجهون مشاكلها ويجدون الحلول الناجعة لها. هم الذين يخرجون الناس من ظلمات الجهل بإذن ربهم إلى نور العلم والمعرفة . هم البلسم لكل جرح والدواء لكل داء ، ببصيرتهم النافذة وعقولهم الحصيفة .
هم الخليقون بالنهوض بالأمة نحو الخير والانعتاق بها نحو التحرر من ظلمات الجهل وبراثن التخلف والقادرون على ذلك ، لأنهم قادة الأمة ، ومنارات العلم ، ومصابيح الهدى .
لذا ، فلا بد من نهضة للعلماء والمثقفين ، لا بد من حملة علمية شاملة واسعة النطاق ، يشُقُّون بها دياجير الظلم ويمزقون سجوفها .
لابد من برنامج توعويٍّ يشمل سائر طبقات المجتمع الثقافية ومختلف الأصناف الاجتماعية ، تسهم فيه كل المؤسسات الاجتماعية والتربوية وغيرها لإنجاح مشروع التوعية والتثقيف بهدي من الكتاب الكريم وتوجيه من سنة النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، ضمن برنامج معين وواضح ، ويتناول مايلي:
1- بناء الفرد بناء صحيحا وإعادة تشكيل شخصيته . وهذا الأمر ، وإن كان صعبا ومعقدا نظرا لطبيعة الإنسان المعقدة ونظرا للعوامل المعقدة التي تتحكم بشخصيته ، فإن عملية الإصلاح ممكنة وليست مستحيلة . وهذا يستدعي رؤية شمولية متوازنة وضبطا للنسب المختلفة ، علمية وثقافية ، مادية ومعنوية ، يشارك فيها البيت والمدرسة والإعلام والتربية وغيرها من المؤسسات المسؤولة والمعنية بدور التنمية العامة للفردوالمجتمع .
2- السعي نحو إعادة بناء الثقة بين مختلف عناصر المجتمع وتمتين الروابط الاجتماعية بشكل واضح وفعَّال . (1/77)
صفحة 78
3- توعية الناس بأهمية الزواج المبكر وإبراز فوائده الصحية والنفسية والاجتماعية .
4- نشر الوعي بين الناس والسعي إلى التغلب على غلاء المهور وتخفيف قبضة الآباء عليها ليرفعوا أيديهم من استغلالها والتحكم فيها .
5- السعي إلى إزالة البدع المرتبطة بالزواج وتقليص التكاليف التي ترهق كواهل الشبان .
6- إنشاء صندوق لمساعدة الشباب على الزواج وتحريك الهمم العالية وأصحاب الضمائر الحية للبذل والإنفاق وتمويل هذا الصندوق مما آتاهم الله من فضله . { وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } (1) { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } (2)
7- إقامة الأعراس الجماعية يشترك فيها الشبان ذوو اليسار المادي مع إخوانهم الفقراء . وقد جُرِّب هذا الأمرفي أماكن عديدة من المجتمعات الإسلامية وشهد نجاحا كبيرا ولله الحمد والمنة .
المبحث السابع : التعدد والطلاق بين التشريع والتطبيق . تحليل ونقد .
أولا – تعدد الزوجات :
لامجال هنا للحديث عن مشروعية تعدد الزوجات في الإسلام ، فلدينا القناعة الكاملة بأن تعدد الزوجات شريعة ربانية حكيمة ثابتة بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة القولية والعملية وبإجماع الأمة . وهذا الأمر ليس موضوع بحثنا هنا .
لكن محل البحث في كيفية تعامل الناس مع التشريع الرباني ؟
ومن خلال نظرة متفحصة في واقع الأمة قديمهِ وحديثهِ ، نرى أن الأمر يختلف تماما عن منهجية القرآن الكريم في التعامل مع مسألة التعدد ، وعن حكمته تعالى والأهداف السامية من وراء هذا التشريع الإلهي .
إن الهدف من الزواج – كما أسلفنا – السكن النفسي ، وحصانة الفرد ، واستقرار العيش في أسرة قوية قادرة على تهيئة النشء وإعداده ليكون عنصر صلاح ، قادرا على تحقيق خلافة الله تعالى في أرضه .
__________
(1) - الحديد 7
(2) - النور 33 (1/78)
صفحة 79
وهذا كتاب الله تعالى يؤكد على السكن والمودة والرحمة وراحة البال . وهي أهداف سامية يرمي الإسلام إليها ويسعى لتحقيقها .
يقول تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (1)
وفي آية أخرى : { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } (2) .
فأزواجكم من أنفسكم ، شطر منكم ، يحن بعضكم إلى بعض ، و يأنس بعضكم ببعض . هذه النعم كلها من عطاء الله ، وهي آيات بينات ودلائل ساطعة على ألوهيته تعالى تلامسونها في كل آن .
هذه هي أهداف الإسلام العظيمة :
- السكن النفسي وراحة الضمير .
- غرس المودة والرحمة بين الزوجين خصوصا وبين الناس عموما . - ابتغاء البنين لتحصل الاستمرارية في هذه الحياة إلى أن يشاء الله . - الحصول على الرزق من الطيبات ، فلكل فرد في هذه الحياة رزقه ، وللأسرة رزقها وطيباتها ، وللأبناء مثل ذلك .
غير أننا إذا ألقينا نظرة متفحصة في واقع أمتنا ، فماذا عسانا أن نجد ؟! هل استطعنا فِعلاً بناء أسرة قوية البنيان متينة الأركان قادرة على تحقيق الأهداف الشرعية المرسومة ؟.
إن الواقع المرَّ لمجتمعاتنا يشهد أن الأمر على خلاف ما رسمه شرع الله تعالى لنا ، إنما هي صور باهتة لبعض ملامح الدين ، قد يغلب عليها المظهر الخارجي ويغيب عنها اللب والمحتوى الصحيح لمفاهيم الشرع الحنيف .
__________
(1) - الروم 21
(2) - النحل 72 (1/79)
صفحة 80
وفي ظل الفشل في بناء أسرة قِوامها الرحمة والمودة بين الزوجين يسارع الرجل – صاحب الحق – ليخوض تجربة الزواج مع الثانية والثالثة ثم الرابعة . ولعله يتعدى الأمر إلى أبعد من ذلك . (1)
إن ما يفعله كثير من الرجال من الزواج بالثانية أو الثالثة مثلا ، إنما يأتي لأسباب عدة ، نذكر منها :
أ – الفشل في الحصول على السكن الحقيقي في التجربة الأولى للزواج ، فيسعى الزوج للانتقام من الزوجة الأولى التي تكون قد تطاولت على زوجها ،أو أهملت بعض حقوقه وقصرت في واجباتها نحوه لسبب أولآخر. قد تكون محقة أحيانا ، وقد تكون مبطلة . وأمام هذه الوضعية – وفي ظل انعدام الوعي أو الصبر من الزوج – يرى هذا الأخير وجوب تأديب زوجته ، فيسارع إلى الزواج بأخرى دون روية أو تفكير في الأمر ، وحتى دون استعداد مادي أومعنوي .
ب – ميل الرجل إلى الحسناوات من النساء والرغبة الجامحة عند بعضهم في الانتقال من امرأة إلى أخرى ، بحثا عن المتعة وتلبية للرغبات الجنسية بلا حدود . ولعل هذا النوع من الرجال هم من صنف الذوَّاقين وما أكثرهم في مجتمعاتنا ، خاصة إذا كانوا من أهل اليسار والسعة في الرزق .
__________
(1) - ولا غرابة هنا إذا قلنا بأن من الرجال من امتدت سلسلة زيجاته إلى عدد كبير يتعدى العشرات . إذ كان الطلاق الوسيلة الوحيدة للحصول على المزيد من المتعة . وهنا نسأل : هل هذه الحالة وأمثالها كفيلة بتحقيق السكن والمودة . (1/80)
صفحة 81
ومع هذا الصنف تقوم "سكرتيرة المدير" ، وزميلة العمل في المؤسسات العامة والخاصة بدوركبير في أسر قلوب الرجال واقتناص الأزواج من أحضان بيت الزوجية الوديع (1) . وكم من فتاة أو أرملة أو مطلقة دخلت إلى البيوت من هذه الأبواب لتدخل على الزوجة الأولى فجأة ، ودون سبق إعلام ، فتنزل على رأسها كالقدر المحتوم الذي لا مردَّ له ، والذي قد يرمي بها خارج البيت فتجد نفسها مطلقة دون مبرر شرعي أو منطق عقلي ، أو هي في أفضل الحالات معلقة بين ذلك ، لاهي متزوجة ولا هي مطلقة وليس لها إلا الرضا بهذا المصير الذي فاجأها على غرة ودخل عليها في غفلة منها ودون سبق إنذار أو استئذان .
ومن أراد الاطلاع على هذا الواقع فليطالع الصحف اليومية والمجلات المتخصصة في شؤون المرأة ، فإن القارئ سيجد فيها ما يحيِّر العقول ويدمي القلوب مما يحدث لهذه المرأة المسكينة باسم الشرع وتحت مظلة الدين ، وشرع الله من ذلك براء ، أو عليه أن يلقي نظرة في واقع الأمة فإن فيه من الأمثلة على ذلك ما يغني عن كل دليل .
ج – البحث عن الجديد في ظل حياة "روتينية" رتيبة ، وفي غياب السعادة الحقيقية في البيوت .
__________
(1) - وقد سجلت إحصائيات حديثة في مصروجود ألف حالة زواج عرفي بين أصحاب الشركات وسكرتيراتهم ( ميدل إيست أون لاين – من موقع 10 حواء / 1/ 2004جوجل . (1/81)
صفحة 82
إن كثيرا من البيوت تغلب عليها حياة الرتابة والجمود دون أن تشهد تطورا أو إنماء أو تجديدا لافي المظهر الخارجي ولا في الأفكار. فالزوجة على حالها غير قادرة على أن تظهر لزوجها في شكل جذاب تدخل به السرور على قلبه ، فلا تتزين لزوجها لتنمي فيه مشاعر الحب والميل إليها والانجذاب لها ، الملبس هو هو في سائر الأيام وفي الأعياد والمناسبات لايتبدل ، والبيت على حاله لايتغير فيه شيء ولايتطور ... مما يدفع بالزوج للبحث عن الجديد فيتزوج بثانية وثالثة لعله يجد فيها ما ينشده من الجديد . فأين هي هذا المرأة من وصايا الرسول الكريم بظهورها لزوجها في أحسن حال حتي يُسَرَّ بها ويسعد بوجودها .
وهنايكمن الخطأ في كثير من النساء العاجزات على صناعة السعادة في البيت ، أو القدرة على امتلاك قلوب أزواجهن ، عندها يخسرن الجولة .
أما عن شريعة التعدد في الإسلام فشيء آخر، تشريع رباني حكيم ، هو أسمى وأرقى من هذه المفاهيم البشرية الخاطئة التي تتجاذبها الأهواء وتتداخل فيها العادات والتقاليد البالية لتجعلها بعيدة عن المقاصد الشرعية السامية .
تشريع تعدد الزوجات تكمن فيه حكمة الباري ورحمته بالعباد ، هو لصالح المرأة والرجل سواء بسواء ، من ذلك :
أ تشريع التعدد يحمي المرأة من العنوسة المقيتة . هذا الشبح المخيف الذي يتهدد كثيرا من الفتيات ويظل يؤرق الكثير منهن منذ بلوغهن سن الرشد ، حتى إذا منّ الله على إحداهن بالنصيب وجدت نفسها قد خرجت من مأزق خطير طالما أقضَّ مضجعها وأرَّق أجفانها . (1/82)
صفحة 83
إن شبح العنوسة يتفاقم في مجتمعاتنا يوما بعد يوم . وهذه الصرخات التي تطلقها الفتيات بصوت مرتفع عبر وسائل الإعلام المختلفة ، أو في رسائل موجهة إلى الضمائر الحية في الأمة من العلماء والمخلصين لدليل على تفاقم المشكلة . وكثيرا ما نسمع هذه الصرخات أو نقرأها في الصحف والمجلات: هل من حلّ لنا ؟ نريد زواجا يحمينا من الضياع ، ويحفظنا من عنت العنوسة ، ويخرجنا من سأم الحياة . ارفعوا أيدي الأولياء عنا ، أولئك الذين يقفون عقبة أمام تزويج بناتهم . نريد زواجا وليست لدينا شروط .
وكثيرا ما نطالع في الصحف مقالات ملتهبة بالحماسة من فتيات ينادين بالتعدد وإيجاد حل لهذه المسألة . وقد كتبت فتاة مقالا في إحدى الصحف تحت عنوان : "محطة تدعى العنوسة" تقول :" هي مشكلة لكن ليست كغيرها من المشكلات ، لأنها مشكلة طرف واحد ، وليس لها حلٌّ سوى الظروف الحسنة أو الزمن . ولهذا فإن كل قصص العنوسة لا تخلِّف في النفس سوى الألم والإحساس بالعجز . ولكن ، هل يُكتب على الفتاة التي لم تحظ بفرصة للزواج كغيرها أن تظل حبيسة الوحدة والألم ؟ وهل عليها بعد أن حشرت قهرا في محطة العنوسة ولأيِّ سبب كان أن تمضي بقية أيامها تعاني القلق والعزلة والكآبة لأنها فقدت أهمَّ ما يمكن أن يسجله التاريخ في حياة المرأة ، وهو الزواج .. وماذا تفعل عندما يتجاوز هذا القطار المحطة التي تقف عندها ؟...
هل عليها البقاء في انتظار مرور قطار آخر ؟!.." (1) وهذا غيض من فيض .
__________
(1) - جريدة الوطن ، سلطنة عمان ، تاريخ 20/6/2001 ، العدد 6552 ، السنة 31 . (1/83)
صفحة 84
إن مقالات كثيرة تصدرفي الصحف اليومية في الموضوع ، وكذلك رسائل ساخنة تكتبها الفتيات و الداعية إلى إفساح المجال لمزيد التعدد وإنقاذ الجنس اللطيف من الانحباس في هذه المحطة . وعند الحديث معهن في هذا الموضوع تجد البعض منهن متحمسات لمسألة التعدد بإخلاص . وقد تحاور بعضهن وتتطرقت إلى غيرة المرأة في هذه المسألة خصوصا ، إذ بحكم طبيعتها ترفض أن تشاركها امرأة ثانية في زوجها ، فيعربن بإخلاص عن رغبتهن في الزواج ولو – كما عبرن – بنصف رجل أو ثلث أو ربع ، تعبيرا عن قبولهن أن يكنَّ الزوجة الثانية أو الثالثة أوالرابعة رضا بما قسم الله لهن من نصيب ، المهم ألاَّ تحرم الفتاة من حقها في الزواج والعيش في أسرة تكون فيها من ضمن عناصرها الأساسية .
ب – تشريع التعدد يحمي الرجل والمرأة على السواء من الوقوع في الرذيلة :
إن منع التعدد ، مع ارتفاع عدد الإناث على عدد الذكور، و ما يتعرض له الرجال من القتل في الحروب وغيرها من الحوادث مما يضاعف أعداد الإناث ويعقد المشكلة .
إن المنع المطلق للتعدد يسبب فسادا اجتماعيا وأخلاقيا كبيرين ، من ذلك بروز ظاهرة اسمها " الخليلة" ، حيث يعمد الرجل إلى اتخاذ الخليلات لإشباع نزواته الغريزية ، والمرأة المحرومة نفسها تبحث عن الخليل للغرض نفسه في غياب الوعي الديني والتثقيف الصحيح، وهذا الفعل محرم شرعا وتأباه النفس الأبية ويرفضه الخلق القويم .
والله تعالى يقول : { وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } (1) . وهو تحذير صريح للمرأة من اتخاذ الأخلاء ونهي عن اتخاذ الصديق في الفراش .
__________
(1) - النساء 25 (1/84)
صفحة 85
ويقول أيضا : { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } (1) . فعلى الرجل أن يسعى إلى النكاح الشرعي وأن يبذل ماله في سبيل الإحصان وألاّ يجعله طريقا إلى السفاح أو المخادنة . (2) الإسلام يحذرالإنسان من الغفلة عن فطرته النظيفة ، ويدعوه إلى أن يمارس حاجاته النفسية ويلبيها بطريقة تصعد به إلى مصاف الإنسان المكرم ، بعيدا عن دركات الحيوان الهابط . والطريق الصحيح لذلك إنما هو الزواج بالمحصنات العفيفات .
إن الأسباب التي تدعو إلى انتشار الرذيلة والسقوط في مهاوي الخطيئة عديدة ، نذكر منه :
- انتشار وسائل الإغراء والتهييج الجنسي عبر بعض وسائل الإعلام والصحافة المقروءة منها والمكتوبة ، المشاهدة منها والمسموعة ، عبر الأفلام الجنسية المنتشرة في كل مكان وعبر شبكات "الأنترنت" ، كل هذه الوسائل تجعل الرجال يبحثون عن سبل للإشباع الجنسي وكذلك تفعل النساء .
- انعدام الوعي وغياب الإرشاد الديني مع انتشار الجهل وطغيان الفكر المادي في عقول الناس .
- وفرة وسائل الوقاية من الحمل ، بل والدعاية لها وترويجها بأسعار رمزية بخسة مما يطمئن الرجل والمرأة على السواء من حدوث حمل غير شرعي ، أو يجعل الرجل محميا من المساءلة القانونية عند حدوث حمل من سفاح وكذلك المرأة .
- منع التعدد منعا قاطعا ولوكانت الضرورة ملحة والحاجة إليه ماسة .
__________
(1) - المائدة 5
(2) - السفاح هو أن تكون أىالمرأة لأي رجل ، والمخادنة أن تكون المرأة لخدين خاص بغير زواج . (1/85)
صفحة 86
كل هذه العوامل وغيرها تسهم بشكل كبير في إضعاف الأسرة مما يفسح المجال لاختلال توازن المجتمع وانفصام عراه . فلا بد إذن ، من نظرة جديدة وجادة لمسألة المنع هذه والعودة إلى أصل التشريع الرباني ننشد فيه العلاج الناجع لمشكلاتنا الاجتماعية والأخلاقية وغيرها بطريقة صحيحة وفهم عميق للنصوص الشرعية ، وتطبيق منظم وواع لأحكام الشريعة السمحة ، وإلا فإننا نخشى أن نجني الأشواك وندفع الضريبة غالية والعياذ بالله .
ثانيا – الطلاق :
شرع الإسلام الزواج ليكون البيتُ مثابة وأمنا . في ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والتعاطف والستر والتجمل والحصانة والطهر ، وفي كنفه تنبت الطفولة ومنه تمتد وشائج الرحمة وأواصر الترابط والتكافل .
لكن الحياة الواقعية للإنسان تثبت أنه لايمكن أن يسير كل شيء دوما على ما يرام . فالإنسان بطبيعته تمر به أحوال قوة وضعف ، وإقبال وإدبار ، ورحابة وضيق . هذه الحالات تؤثر على حياته بالسلب والإيحاب .
وفي مجال الأسرة ، قد تطرأ حالات تتعرض فيها الأسرة إلى هزات عنيفة عاتية قد تؤدي بها إلى الانهيار .
ومنهج الإسلام هنا ، أنه لا يسرع إلى رباط الزوجية المقدسة فيفصمه لأول وهلة ولأول بادرة من خلاف ، إنه يشدُّ على هذا الرباط بقوة فلا يدعه يفلت إلا بعد المحاولات واليأس ، خاصة إذا أصبح اللقاء بين الزوجين متعذرا . هنا شَرَع الله تعالى الطلاق رحمة بالمرأة والرجل : { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً } (1)
شرع الإسلام الطلاق ونظمه وعالج آثاره ، وأمر الرجال أن يتقوا الله في النساء فلا يُعنتوهن ، ولا يَظلموهن ، ولا يَعتدوا عليهن ، وألاَّ يتعدوا حدود الله فيهن : { ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه } (2) .
وعودة مرة أخرى إلى واقعنا ، كيف يتعامل الناس مع هذا التشريع الرباني الحكيم ؟ .
__________
(1) - النساء 130
(2) - الطلاق 1 (1/86)
صفحة 87
الواقع يشهد بأن الرجل في كثير من مجتمعاتنا العربية جعل الطلاق سيفا قاطعا مسلولا في يده ، يسلطه على رقبة المرأة ويهوي به عليها متى شاء دون أن يضع في الاعتبار الميثاق الرباني الغليظ الذي يربطه بتلك المرأة
وقد أصبحت بموجبه شريكة حياته في كل شيء وشريكة له في أولاده كذلك .وعودة منا إلى واقع حياتنا لننظركيف تسير الأمور ؟
إن ظاهرة الطلاق في مجتمعاتنا لاتخفى على أحد ، الظاهرة واضحة وبيِّنة للعيان تزداد يوما بعد يوم ، حتى قيل : إن الناس يتزوجون في الصيف ويطلقون في الشتاء ، وهذا الكلام لم يأت من فراغ ، فكثرة المطلقات في مجتمعاتنا خير دليل على ذلك . (1)
وإذا أمعنَّا النظر في هذه المشكلة ، نجد أن أغلب حالات الطلاق لامبرر لها سوى الرعونة (2) والجهل وحب التسلط والتصرف العشوائي غير المسؤول ، تحت تأثير الرغبات النفسية التي يتفرد بها الرجل - وهو الغالب - وقد تكون المرأة أحيانا طرفا في الموضوع .
ولأهمية الموضوع نحاول أن نخضع الأمر لشيء من التحليل لعلنا نزيل الغبار عنه ونصقله لنسهم في معالجة القضية وإيجاد بعض الحلول لها .
- دور المرأة في حدوث الطلاق
? خروج المرأة إلى سوق العمل ..وكيف انعكس عل نسبة الطلاق :
لسنا هنا بصدد الحديث عن عمل المرأة من حيث الجواز أوعدمه ، فالمسألة لاتحتاج إلى كثيربيان والأصل في الأشياء الإباحة ، وهذا الموضوع له مكانه في غير هذا الموضع .
__________
(1) - 264 ألف حالة طلاق سنويا في مصر ، و48% نسبة الطلاق في الإمارات ،و46% في الكويت ، و35% في البحرين ، و38% في قطر ( من منتدى " عربيات" www.arabiyat.com )
(2) - الرعونة : رعِن ، رعَنا ، فهو أرعن وهي رعناء . الأرعن : الأهوج في منطقه . الرعونة : الوقوف مع حظوظ النفس ومقتضى طباعها .( المعجم الوسيط ، باب الراء ) (1/87)
صفحة 88
لقد أكدت دراسات علمية حول عمل المرأة أن هناك ارتباطات بين عمل المرأة وبين زيادة حالات الطلاق لدى النساء العاملات ، بالإضافة إلى وجود آثار سلبية أخرى لعمل المرأة . إن المرأة التي تخرج للعمل خارج بيتها _ لضرورة أو لغير ضرورة – فإنها ستترك –حتما-فراغا كبيرا في بيتها يصعب تعويضه من جهة أخرى ، وسيكون على حساب جوانب أخرى منها :
- الزوج الذي سيخسر كثيرا في هذا المجال . قد يخرج من بيته ولا يجد زوجته بجانبه تودعه وتشد أزره ، بل وحتى تتفقد هندامه وهو ينطلق نحو عمله فضلا عن أن يجد إفطاره ، ثم يعود من عمله مرهقا فلا يجد في بيته زوجته لتسلي عنه ، أو يعود إليه بشغف وشوق فلا يجد من يحتضنه ويدخل عليه السرور .
- الزوجة هي أيضا ستؤدي الضريبة غالية ، تخرج من بيتها مسرعة لتقوم بواجب العمل وتسخِّرجزءا كبيرا من وقتها في أداء عملها ، وهذا العمل سيأخذ الكثير من قدراتها الذهنية والبدنية لتعود إلى بيتها مرهقة لاتستطيع أن تفعل شيئا أو تقدم الكثير لبيتها ولزوجها ، فيحدث الفراغ ويحصل الفتور وتضعف الرابطة بين الزوجين .
- الأبناء هم أيضا سيكْتَوُون بنار هذه الوضعية وتلحقهم سلبياتها . هم لايحتاجون إلى الأكل والشرب والملبس فحسب ، بل هم في حاجة ماسة إلى حنان الأمومة التي يغذوه الطفل مع لبانها ، يحتاج الطفل إلى حجر أمه الذي يأوي إليه ليجد فيه الدفء والعطف والحنان ، يحتاج إلى ثغر أمه يبتسم له وإلى صوتها الناعم يهدهده وينشد له أنشودة الحياة لينام تحت نغماتها ... وهنا نطرح سؤالا : هل الاعتماد على المربيات الوافدات وعلى الخدم يسدُّ هذه الثغرات ؟. الجواب: قطعا لا ، بل الأخطر من ذلك فإن مشكلات كثيرة تتسبب فيها هذه الوضعية الخاطئة والتي أصبحت واقعا مفروضا على كثير من العائلات لا تستطيع التخلص منه . والصحف اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون الأسرة والطفل مليئة بهذه الأحداث التي يواجهها الأطفال في غياب الأمهات . (1/88)
صفحة 89
المرأة والتحرر : باتت أفكار كثيرة _ بحكم الانفتاح العالمي _ تدور في خَلَدِ المرأة المعاصرة، فكثيرا ما تنجذب المرأة للأصوات التي تدعوها إلى التحرر من سلطة الزوج وسجن البيت وحالة الذلة والخضوع للأوامر المسلطة عليها . وقد خرجت أصوات كثيرة تدعو إلى المساواة بين الجنسين بمفهوم غربي وتشكك في قوامة الرجل وتسحب منه مسؤولياته تدريجيا . هذه العوامل وغيرها قد تشجع المرأة على التمرد على القيم التي تعارف عليها المجتمع ودرجت عليها الأسرة منذ القديم ، وتتحلل من هذه الروابط وتتنصل من المسؤوليات البيتية ، في غياب الوعي الصحيح بواجباتها الشرعية وضعف المعرفة السليمة بحقوقها المشروعة و انعدام التثقيف القويم والشامل. وهذا السلوك يؤثر سلبا على العلاقات الزوجية ويسهم في انهيار الأسرة ويسرع بالزوجين نحو الافتراق وحصول الطلاق .
? التسرع في طلب الطلاق :
كثيرا ما تتسرع المرأة في طلب الطلاق لسبب أو لآخركوسيلة ضغط على الرجل لتلبية بعض حاجاتها ، أو محاولة منها لردعه من بعض التصرفات المشينة التي تحدث من بعض الأزواج . هذا التصرف قد لايكون ناجعا ومفيدا مع صنف من الرجال فيرفع وتيرة التشنج لدى الزوج ويغضب لنفسه ويسارع إلى إمضائه دون تردد انتقاما من زوجته وانتصارا لرجولته. ولو راجعنا أمثال هذه الحالات لوجدنا الأمر يدعو إلى كثير من العجب ويعرب عن المستويات الضعيفة لكل من الزوجين ، إذ يمكن بشيء من الوعي والصبر وبعد النظرتفادي العشرات من هذه الحالات المذكورة .
- دور الرجل في حدوث الطلاق
كثيرا ما يرتكب الأزواج أخطاء فادحة في حق الزوجة والأبناء معا ، من ذلك :
* التسلُّط : (1)
بسبب الجهل أو لأسباب أخرى ، منها أن الزوج يعتبر نفسه صاحب الحق الأوحد في البيت وإليه يرجع الأمر والنهي وتقييم الصواب والخطإ.
__________
(1) - التسلط من السلطة وهوالسيطرة والتحكم . ( المعجم الوسيط . باب السين ) (1/89)
صفحة 90
منهم من يسارع إلى التلفظ بالطلاق لأسباب تافهة أو لأخطاء صغيرة ، من ذلك :
- التأخر في إعداد وجبة الغداء أو العشاء .
- الخروج إلى بيت الجيران دون إذن مسبق من الزوج .
- عمل شيء في البيت لم يَلْقَ استحسانا من الزوج .
- ارتفاع صوت المرأة على زوجها لطلب شيء ما أوبالنهي عن فعل شيء سيِّء مثلا ، كالنهي عن الإدمان على التدخين أو بعض العادات السيئة ، وما أكثرها .
- رفع الصوت في الصياح على الأطفال أمام الزوج وهو يتهيأ للخروج إلى عمله اليومي الخ ...
كل هذا وذاك من الممارسات تعتبر عادية وتحدث يوميا ، ويمكن حدوثها في أية لحظة ، وهي من الأشياء التي يمكن تجاوزها والتغلب عليها بالكلمة الطيبة والنصيحة الهادئة ، وبغضِّ الطرف عنها أحيانا وخفض الجناح أخرى وهكذا...
لكن الجهل يعمل لتقوية فوران النفس في الإنسان ، ويغلق على العقل منافذ الفهم فتضيق النظرة ولا تقدرالأمورتقديرا صحيحا ، عندئذ يقع الطلاق الجائر و بلا سبب أو بسبب تافه ، وتهدم الأسرة بكاملها لتجد المرأة نفسها خارج البيت بلا سبب مقنع ارتكبته أو خطأ اقترفته ويصبح البيت مهتزا متداعي الأركان كالريشة في مهب الريح لايقرُّ له قراربعد أن كان مستقرا هادئا ، ويضحى خرابا يبابا بعد أن كان عامرا ، فتتشتت عناصره وتغيب لذة السكن التي كانوا ينعمون بحلاوتها ، وفي النهاية يضيع الجميع . وهل شُرِع الطلاق لمثل هذا ؟!. أم للطلاق أسباب مقنعة وحكمة بالغة ومقصد شريف ؟
- الحكمة من تشريع الطلاق :
وعودة إلى التشريع الرباني الحكيم لنجد أن تشريع الطلاق لم يكن أبدا لهدم البيوت ، وتضييع الحقوق ، والتنصل من الواجبات . الطلاق مكروه وهو أبغض الحلال إلى الله تعالى ، وهو كالدواء المر الذي يشربه المريض لاستئصال الداء العضال . (1/90)
صفحة 91
قد يحدث الاختلاف بين الزوجين ، وقد يحصل النشوز ، وقد تسدّ منافذ الوفاق بين الطرفين وينصرم الحبل ، فلا ينفع إصلاح ما فسد من العلاقات وترميم ما انهدم من أركان البنيان . فإذا أعيت المحاولات وتنافرت النفوس وتعمقت الهُوّة وتمكنت الكراهية من القلوب وأصبح العيش بين الزوجين متعذرا تحت سقف بيت واحد ، هنا يأتي البلسم الشافي والحل النهائي ، ألا وهو إيقاع الطلاق رحمة بالرجل والمرأة على السواء ، فيعطي الشرع حق فسخ العقد للخروج من هذه الأزمة ليفسح المجال لكلا الجانبين أن يخوضا تجربة ثانية لعلها تحقق السعادة التي فُقِدت في البيت الأول . ِ { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } (1) .
فالعلاقة الزوجية تقوم على المودة والرحمة ولاتقوم علىالكراهية والبغض ، وهذه الآصرة إنما تقوم على التجاوب والتكامل والتعاطف ولا تقوم على التنافر والتباعد .
ولتفادي الوقوع في المحظور ، فما على الزوج إلا أن يشعر بالمسؤولية الكاملة فيما يفعل . وحتى لا يقع في الخطأ ، عليه أن يتريث في الأمر ولا يفصم عقدة النكاح لأول خاطرة بال ، ولا يفك الرباط لأول نزوة (2) أو ثورة غضبية .
فإذا تبين - بعد الصبر والتحمل ومحاولات الإصلاح ورجاء الخير- أن العيش غير ممكن وأنه لابدَّ من الانفصال ، فليكن ذلك بهدوء وتعقل يُعطَى فيه كل ذي حقّ حقَّه بعيدا عن التشفي والانتقام .
وتأتي الآية الكريم كالبلسم على الجرح لتطيِّب الخواطر وتضمِّد الجراح : { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً } (3) .
__________
(1) - النساء 19
(2) - يقال : نزا به قلبه إلى الشيء : طمع ونازع إليه . ونزا به الشر : ثار وتحرك . ( المعجم الوسيط . باب النون)
(3) - النساء 130 (1/91)
صفحة 92
جاءت هذه الآية الكريمة بعد عدة آيات تدعو الرجل إلى التريث في التصرفات وإعمال العقل عند إمضاء الأمور ووزن الأمور بميزان الحق ، وتلح على الطرفين لقبول الصلح إن أمكن والرضا بالوساطة التي تسعى إلى رأب الصدع والتقريب بين وجهات النظر وتطييب النفوس عسى الله أن يؤدم بينهما بعد تنافر ويقرب بينهما بعد تباعد (1) . { وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً } . (2) فإذا استحال الإصلاح فليس من حل إلا الافتراق بالحسنى . والله تعالى يَعِدُ كلاّ منهما أن يغنيه من فضله هو ويوسع عليهما بما يشاء من واسع فضله وبحكمته وعلمه بما يصلح لكل حال .
وعودة أيضا إلى واقعنا ، هل استطاع الناس أن يتعاملوا مع مسألتي التعدد والطلاق بشكل سليم ؟ . لو فعلوا ذلك لأبقوا لهذا التشريع بهاءَه ورونقه وجماله في واقع الحياة ، لأنه يخدم الإنسان و يحفظ كيان الأسرة .
- أما التعدد فيتيح لأكبر قدر من الفتيات ممارسة حقهن في الزواج وبناء بيت سعيد يحفظهن من العنوسة ويحميهن من الضياع (3) .
__________
(1) - ينظر الآيات ( 127 - 130 ) من سورة النساء .
(2) - النساء 129
(3) - في مصر أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن ارتفاع نسبة العنوسة وصلت إلى 9 ملايين شاب وفتاة تجاوزوا سن الخامسة والثلاثين من دون زواج .
وفي السعودية بلغت العنوسة رقما كبيرا أكثر من مليون ونصف: 1529418 فتاة وكانت مكة المكرمة قد شكلت النسبة الكبرى .
وفي الأردن أشار مسح حكومي إلى تأخر سن الزواج بين الإناث الأردنيات ، من 34% عام 1976 إلى49% عام 2001
( رصدت هذه الظاهرة : ميدل إيست أون لاين .) المرجع : موقع حواء : 10/1 /2004 جوجل . (1/92)
صفحة 93
- وأما الطلاق فيأتي بلسما شافيا لأمراض كثيرة تصاب بها بعض البيوت ويستعصي على أهلها حلها أوعلاجها . وهو منفذ من منافذ الانعتاق من القهر الذي قد يسلط على النساء في بعض البيوت وسبيل للتخلص من بعض المشاكل التي لاحل لها سوى حل العقدة بين الزوجين .
هذا شرع الله يعلو ولا يُعلَى عليه ، حق خالص لا تشوبه شائبة . مَن تمسك به سَعِد ، ومن اعتز به عزَّ ، ومن فرَّط فيه انصرم حبله وشقيَ .
غير أن أعمال الناس النابعة من الجهل بدين الله تعالى أوقعهم في سوء التعامل مع المنهج الرباني فضلوا وأضلوا وأساؤوا لأنفسهم وللناس كما أساؤوا لدين الله العزيز .ومن قِبَل هؤلاء يؤتَى الإسلام ، وبسبب أخطائهم الكبيرة والمتكررة تتحول المحاسن إلى مساوئ والإيجابيات إلى سلبيات .
هذا هو واقعنا ، يظل رهين تصرفات الناس الخاطئة ، ويظل شبح التعدد بصورته القاتمة والطلاق بشكله الراهن يقضَّان مضجع المرأة ويعَمِّقان فيها مشاعر التوجس والشك في متانة العلاقة التي تربطها بزوجها وسلامة البيت الذي تحت سقفه صنعت السعادة وأنجبت الذرية وربت النشء . علاقة ارتياب وخوف من المستقبل المجهول طالما كان زوجها يملك معول الهدم بيده ولايملك المصباح الذي ينير له طريق الحق دون السقوط في الهوة السحيقة .هذا الشعور بالارتياب يضعف العلاقة الزوجية ويقوِّض أركان البيوت ويشتت أفرادها .
وتظل المشكلة قائمة حتى يعود الوعي للمسلمين وتتَّسع لديهم دائرة المعرفة الصحيحة بشرع الله الحنيف ويتعلَّموا كيفية تنزيله في واقع حياتهم بفقه وفهم ووعي وأسلوب سليم . وصدق الله العظيم القائل : { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } (1)
وصدق الله القائل : { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } (2)
المبحث الثامن : الأسرة تحت المجهر
__________
(1) - الحشر 2
(2) - الرعد 11 (1/93)
صفحة 94
بعد أن يتم الزواج وقد استُكمِلت فيه عناصر النجاح ، وبعد أن تسعد الأسرة بضيفتها الجديدة التي أصبحت لبنة جديدة في البيت ، وبعد الفرحة الكبيرة التي تغمر قلبيْ الأم والأب بزواج ابنهما ، وسعادة الإخوة والأخوات بالفتاة المحبوبة التي انضمت إليهم ، وقد كان لهم رأي في ذلك – لا محالة – وأصبحت عنصرا أساسيا في البيت تشاركهم الحقوق والواجبات . بعد كل هذا ، تستيقظ الأسرة على تركيبة عائلية جديدة ووضع جديد يحتم عليها إعادة النظر في أموركثير ، وإعادة ترتيبها بطريقة صحيحة تتوافق مع الوضع الجديد .
فكيف يستقبل هؤلاء جميعا ضيفتهم الكريمة ؟ وكيف يتعاملون مع الوضع الجديد ؟
ولكي نضمن قدرا كبيرا من النجاح ، نحاول أن نسلط الأضواء على هذا الوضع الجديد ، ونتناول مختلف العلاقات الجديدة بالتحليل من منظور شرعي أولا ، ثم في إطار الواقعية التي درجنا عليها منذ أول بحثنا هذا .
أولا : علاقة الابن العريس بوالديه .. والاختبار الأول
لا شك أن الشاب العريس (1) دخل مرحلة جديدة في حياته ، وهي مرحلة هامة ودقيقة ، وجديرة بالاهتمام والرعاية والعناية .
__________
(1) - العِرس : الزوج . يقال هو عِرسُها وهي عِرسٌه وهم عرسان .
العُرس : الزفاف والتزويج .
العَروس : المرأة ما دامت في عِرسها وكذلك الرجل . وهم عُرُس ، وهن عَرائس .
العروسة : الزوجة ما دامت في عرسها .
العريس : الزوج ما دام في إعراسه . ( المعجم الوسيط . باب العين ) . (1/94)
صفحة 95
كما أنه لا ينسى أنه كان قبل زواجه مرتبطا بوالديه ارتباطا قويا . فقد احتلا مساحة كبيرة منه ، أي من وقته وخدماته ووجوده في البيت بجانبهما ، يلبي احتياجاتهما ، وينفذ أوامرهما ويسكب عليهما من البر والإحسان ما يدخل عليهما السعادة وراحة البال . وهوفي الوقت نفسه يستجيب لهما بتلقائية كاملة من منطلق شعوره بواجب البر بهما : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } (1) . وهذا لعمري. خلق كريم ، ومكانة رفيعة عند الله ، وسلوك قويم يحبه الناس ويرتضيه المجتمع .
وأمام هذا الوضع الجديد ، فقد دخلت على حياة هذا الشاب فتاة غريبة عن البيت ، لكنها دخلته من بابه الشرعي الواسع وبرضا تام وسعادة من أهل البيت . لقد أصبحت صاحبة حق كامل منصوص عليه من طرف الشرع الحنيف ، ومعترف به من طرف المجتمع أيضا .
وبهذا يكون الشاب أمام معادلة قد تكون صعبة في بداية الأمر. كيف يوفق بين حقوق الوالدين وحقوق الزوجة ؟ هذه الفتاة التي جاءت لتزحف على مساحة الحقوق التي كانت حكرا على الوالدين . ثم َّ، كيف يستقبل الوالدان ، وخاصة الأم ، هذا الدخيل المحبوب – إن صحَّ التعبير – ويقبلان التنازل عن بعض الحقوق التي تعودا عليها ؟.
هنا لا بد من قدر كبير من الوعي والفهم . لابد من تهيئة النفس لكل ذلك منذ بداية الطريق في الحياة لنتفادى الوقوع في الصدمة أو – على الأقل – التخفيف من آثارها .
كان الابن الشاب قبل زواجه يصدر في كل أعماله من توجيهات والديه ، برا بهما واستفادة من خبرتهما في الحياة ، وأداءً لواجب الطاعة لهما .
__________
(1) - الإسراء 23 (1/95)
صفحة 96
إذا أصبح ، سارع إلى والديه يسلِّم عليهما . وإذا أمسى ،لم يخلد إلى النوم حتى يلقي عليهما التحية الطيبة . وهذا خُلُق رفيع كان لهما الفضل فيه ، وشجرة طيبة هما اللذان توليا غرسها في ابنهما ، وقد أصبح الآن حقا مكتسبا لهما ليس من السهولة التنازل عنه . فكيف وهما على هذا النسق الجميل ، تأتي فتاة غريبة عن البيت تستحوذ على هذه المساحة الشاسعة وتتقدمهما في ذلك ؟.
أما عن الأم الأشدّ حساسية بالموضوع ، فقد بذلت جهدا أكبر لإسعاد ابنها . كانت تعدُّ له الطعام ، وتهيِّء له فراش النوم ، وتناوله كوب الماء فكيف هي إذا جاءت فتاة ودخلت على الخط وأفقدتها هذه المكاسب أو اختصرتها لها ؟ بل الأمر يتعدى ذلك ، فإن هذه الفتاة تختلي بابنها الذي هو زوجها بحق وجدارة ، وتغلق عليه الباب ، وترخي الستار،وتنام معه ، وتعطيه ما لا يمكن لأحد أن يعطيه إياه .
إذن ، إنها نقلة نوعية كبيرة يعرفها الوالدان نظريا ، وهما اللذان سعيا إليها ببهجة وسروروقناعة ، ولكنهما لم يجرباها في واقع حياتهما . وأمام هذه الوضعية المستجدَّة ، على العريس أن يحسن التصرف تفاديا لبعض الخسائر، وسعيا إلى المزيد من المكاسب .
يجب عليه أن يحسن تحقيق المعادلة بوعي وفهم وفقه . فهو أمام اختبار صعب ، يخوض فيه التجربة الأولى في حياته وعليه أن يحقق النجاج .. لكن كيف يتم ُّ ذلك ؟ .
عليه أن يخفِّض من الوقت المستحقّ لوالديه بتدرج ويسر، يشبعه بخلق رفيع جمّ دون المساس بالثوابت في علاقته بهما . وإذا بدا شيء من الغيرة من أمه –خاصة- فلا يقابله بالتحدِّي ، بل بمزيد من خفض للجناح والتواضع والبرِّ ، ولْيتجاوز عن بعض المواقف التي قد لاتروق له برفق وصبر، جاعلا بين ناظريه أن إغضاب الوالدين خطأ جسيم وخسارة كبيرة. فليحذر من ذلك ، فهي أمه التي بها أنعم الله عليه بنعمة الحياة ، وأصله الذي نبت منه ليصبح كائنا في هذا الوجود ، والمحضن الدافئ الذي نشأ فيه . (1/96)
صفحة 97
أما زوجته فلم تأت هي أيضا إلى هذا البيت من فراغ . جاءت وقد كفل لها الإسلام حقوقا عظيمة ، فما على الزوج إلا أن يكون واعيا بها ، مستعدا لمراعاتها مراعاة كاملة دون نقصان .
لايغلق الشاب بابه عليه وعلى زوجته دون والديه في كل الأوقات فيثير فيهما الشعور بالغيرة .
وكذلك لا ينظر لزوجته بأنها عنصر غريب عن البيت ، مما قد يؤدي إلى إهمال حقوقها وعدم الاهتمام بها ، فلا يشبعها بأنسه ولايحادثها أو يجالسها إلا لِمَاما ، ولا يُشْركها في كثير من الأمور المشتركة ! هذا سلوك خاطئ يدل على غياب الوعي وانعدام الفهم لمعنى الحياة .
لاينسى أنها زوجته وشريكة حياته ، قد امتزجت به روحا وجسدا وشعورا ، آمالا وطموحات . جاءت إليه بعهد الله وميثاقه ، وأسلمت له نفسها بحق الله وبسنة رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - .
فهي إذن ، صاحبة حق بجدارة كاملة نابع من شرع الله العظيم وسنة نبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم - قائم على أساس من الشرعية الاجتماعية .
أما الأب فلا بد أن يعلم أن ابنه دخل مرحلة جديدة من حياته . حصَّنه بالزواج ، وهيَّأه لحياة جديدة . فلا بدَّ - إذن – من أن يخفِّض من سلطته عليه . يخفض عنه المسؤوليات التي كان يضطلع بها سابقا ، ومن الأوامر التي كانت تصدر له ، وأن يضع مكانته الجديدة في ميزان التقدير الصحيح، خاصة وأن ابنه دخل مرحلة هامة في حياته وهي المرحلة التي يستقل فيها باختياراته وقراراته مع عدم الانفصال عن توجيهات والديه والاستفادة من خبرتهما في هذه الحياة .
الشخصية المتكاملة وأثرها في اتخاذ القرارات وصناعة المستقبل : في هذه المرحلة – العقد الثالث من العمر – هي أخصب فترة للنضج العقلي والشعور بالمسؤولية في الحياة ، وهي أفضل مرحلة للزواج . (1/97)
صفحة 98
وفي تحليل لمختلف فترات عمر الإنسان ، يرى علماء النفس أن الولد يكون وهو في العقد الثالث من عمره بمثابة الوزير الأول الذي يملك قسطا من الاستقلال ومساحة كبيرة من حرية التصرف وتحمل المسؤولية وما يترتب عليها من آثار، إلا أنه لايزال مرتبطا بالرئيس الذي يتولى إجازة قراراته والتوقيع عليها (1) . وهي توجيهات والده وإجازة قراراته وإمضاء أعماله ، في إطار واسع من التقدير والاحترام ، بعيدا عن القهر وفرض الرأي . ولاجتياز هذه المرحلة واختصار الطريق نحو الحل السليم ، لابد من برنامج كبير ومكثف للتربية النفسية والسلوكية المتكاملة والمبكرة والجادة والفاعلة ، تبدأ مع الطفل منذ صغره وتتدرج مع نموه البدني ليحصل التوازن والتكامل في الإعداد جسديا ووجدانيا وذهنيا .
لابد من السعي إلى بناء شخصبة متكاملة ، تغذية الروح بالإيمان الخالص ، وبناء النفس بالتنقية من أدران الآثام ، والتزكية والتطهير من شوائب الدنيا وجواذبها وشبهاتها ، وذلك بالاغتراف من معين القرآن الصافي وكوثره الدافق : { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } (2) ، والاقتداء بسيرة المصطفى الكريم - صلى الله عليه وسلم - : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } (3) ، والاستفادة من التجارب الماضية ، واستلهام العبر من سير الأولين من السلف الصالح الذين جاهدوا في الله حق الجهاد فهداهم الله إلى السبيل الأقوم ، ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة :
{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } (4) .
__________
(1) - محمود البستاني : الإسلام وعلم البنفس .
(2) - الإسراء 82
(3) - الأحزاب 21
(4) - العنكبوت 69 (1/98)
صفحة 99
إن الذين صبروا على فتنة النفس فجاهدوا في سبيل تهذيبها ، والذين حملوا أعباءها وساروا في ذلك الطريق الشاق فقاوموا الجهل بنشر العلم وقاوموا التخلف الفكري بالتثقيف و امتنعوا من الانحدار السلوكي بالتكافل والتواصل والتعاون ، أولئك لن يترهم الله أعمالهم ، أي لن ينقصهن الله أجرهم ، و لن يتركهم وحدهم ولن يضيِّع جهادهم . إنه تعالى سيهديهم ويصلح بالهم ، سينظرإلى محاولاتهم للوصول بالمسلم إلى المستوى الذي يمكنه من القيام بدينه خير قيام فيؤيدهم بتوفيق منه تعالى، وسينظر إلى صبرهم وسعيهم لإعادة بناء الفرد المسلم والأسرة ثم المجتمع على هدي من كتاب الله العزيز وسنة رسوله الكريم فيهديهم إلى السبيل الأقوم . إنه تعالى سيشد أزرهم في الدنيا ويجازيهم خير الجزاء في الآخرة .
إن الشخصية المتكاملة ، هي تلك الشخصية التي إذا واجهت موقفا من المواقف تستجيب له بكاملها ، وبكل ما لديها من إحساسات نبيلة وإدراكات واعية لتنصهر جميعها في اتجاه واحد يعمل للوصول إلى الهدف، ويشكل موقفا حضاريا واعيا يعرب عن تربية أصيلة ، متكاملة الجوانب ، نقية المشرب نظيفة المنبت .
والشخصية المتكاملة أيضا تخضع استجاباتها للعقل المستنير بالوحي والإرادة القوية التي تغذت من لبان (1) الإسلام وتربت في أحضان العلم الصحيح والمعرفة الواعية . وبهذا يكون الشخص المتكامل هو الذي يدرك الجوانب المختلفة للمواقف التي تواجهه ، فيحسن التعامل معها ، ويفلح في الانتصارفي ميدانها .
يدرك هذا الشاب المرحلة الجديدة التي أضحى فيها ، ويدرك مقدار ارتباطه بقرارات والديه ، وكيف يتعامل معها بوعي واقتدار.
__________
(1) - اللَّبان : ما جرى عليه اللبب من الصدر . اللِّبان : الرضاع . ويقال : هو أخوه بلِبان أمه . ، ولا يقال : بلبن أمه .( المعجم الوسيط : باب اللام ) . (1/99)
صفحة 100
يدرك حقوق زوجته ، العنصر الجديد في حياته . كيف يوفرلها حقوقها بسهولة ويسر بعيدا عن العشوائية أوالتعقيد ، خالية من المنِّ والإجحاف.
ومن منطلق التربية المتكاملة التي تلقاها من والديه تحت سقف بيته ، ومن خلال مناهج التربية والتعليم وسبل التثقيف المفيدة والهادفة ، يستطيع التكيف مع الوضع الجديد بطريقة نبيلة وملائمة تراعى فيها كافة الحقوق في كل الاتجاهات .
أما الشخصية الضعيفة التي لم تتكامل فيها عناصر التربية الصحيحة ، فستجد نفسها عاجزة عن التكيُّف مع الوضع الجديد ، غير قادرة على حسن التصرف مع كل حادث وجديد .وبسبب هذا النقص ، يجد المرء نفسه غير قادر على التأليف بين دوافعه الذاتية وبين مقتضيات الواقع ، فتحدث الأخطاء ويقع – آنذاك – فيما لايحمد عقباه .
- فهو إما أن يرتمي في أحضان زوجته ضاربا عرض الحائط بوشائج المحبة التي تربطه بوالديه ، فيخسر أثمن ما يملكه الإنسان بعد رضا الله تعالى ، ألا وهو رضا الوالدين . وإنها لخسارة بالغة وهوان كبير .
- وإما أن يبقى أسير العلاقة السابقة بِحَرْفِيَتِهَا ويهمل زوجته فيعتبرها متاعا في البيت ، ليس لها إلا أن تقبل بذلك وترضى بكل ما يُملَى عليها من قرارات وما يوجَّه إليها من أوامر لتستجيب وتطيع . وهي أيضا خسارة عظيمة وغبن كبير لايحمده الشرع ولايقبله العاقل .
وعودة إلى كتابنا العزيز ليرشدنا إلى أن قوام الأمر يقوم على التوسط والاعتدال : { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } (1) . لابد من التوسط في الأمور وعدم الميل يمينا أو شمالا. لابد من ابتغاء الحق بعيدا عن تحكم الهوى وسلطان الأنانية : { فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا } (2) .أي فلا يحملنكم الهوى والعصبية على ترك العدل في أموركم وشؤونكم ، بل الزموا العدل على أي حال كان . (3)
__________
(1) - الفرقان 67
(2) - النساء 135
(3) - مختصر تفسير ابن كثير ، ج 1 ، ص 447 ( بتصرف) . دار الفكر للطباعة والنشر ، بيروت . (1/100)
صفحة 101
ومن العدل في الأمور أن نعطي لكل ذي حق حقه دون أن ننقص من حقوق الآخرين شيئا . وفي هذا السياق ، إن من العدل أن نعطيَ للوالدين حقوقهما دون أن نبخس من حق الزوجة شيئا ، وكذلك الشأن بالنسبة لحقوق الزوجة .فليجعل الزوج نفسه بين علامتين هامتين هما :
الأولى : قوله عز وجل : { وبالولدين إحسانا } (1) .
الثانية : قوله عز وجل : { وعاشروهن بالمعروف } (2) .ففي هذا المسلك يكمن النجاح ، وبالأخذ به تحصل السعادة وتتحقق الأهداف .
ثانيا : علاقة الفتاة العروس بعناصر الأسرة الجديدة
لابدَّ أن تعلم هذه الفتاة أنها ارتبطت برجل لم تكن تعرفه وقرين لم تكن تألفه ، بل تعرف ما ظهر منه وتجهل كل ما خفي فيه من طباع وميول وهوايات وأحاسيس وإرادات نفسية وإدراكات عقلية .
كما أنها انتقلت من بيت والديها الذي فيه درجت ، إلى بيت غريب عنها و لعلها لم تطأه قدماها من قبل ، ومن أسرة ألفتها إلى أخرى تجهل مكوناتها وعناصرها .
فهي إذن مطالبة بأن تتكيف تدريجيا مع هذا البيت بأركانه وتصميماته وزواياه ، بمكوِّناته البشرية والنفسية ، بحالاته المختلفة والمتنوعة .
وهي مطالبة بأن تكون قادرة على التعامل مع الوضع الجديد ، تتهيأ لكل مفاجأة وتتفهم كل جديد فيه ، وتحسن التفاعل معه بإيجابية واقتدار .
* علاقة الفتاة بوالدي زوجها :
أما أب الزوج فقد انضم إلى قائمه محارمها ، وهو في مقام أبيها له عليها حق البرِّ والطاعة والاحترام .
أما الأم فقد انضمت إلى قائمة أهلها ، وهي في مقام أمها لها عليها حق الرعاية والتقدير . وكذلك الأمر بالنسبة لأخوات زوجها .
عليها ألاَّ تأخذ من زوجها كلَّه ، بل تبقي منه ما هو حق لوالديه ولكافة عناصر البيت ، فلا تستحوذ على كل أوقاته فتغيِّبه عن والديه . إذا كان زوجها يحادث أمه فلا تزاحمها في ذلك أو تبدي امتعاضا منها ، فإن هذا مما يزعج الأم ويحرج الزوج .
__________
(1) - الإسراء 23
(2) - النساء 19 (1/101)
صفحة 102
وإذا صدرت أوامر من والده أوبعض الطلبات فلا تتدخل في الأمر ، فإنه سلوك سيء غيرمحمود . عليها أن تدعم صلة زوجها بوالديه فتبدي رضاها وارتياحها بخدمة والديه وإسعادهما .
ولتكن في بيتها الجديد عنصرا محبوبا ، ولتسكب عليهما من أخلاقها وكرمها وحلاوة منطقها وجميل تصرفاتها .
بهذا الخلق الجم والسلوك القويم تجد الفتاة نفسها في مكانة رفيعة تحتل تدريجيا موقعها الصحيح في البيت الجديد ،فتهنأ فيه وتسعد وتُسعِد غيرها.
*علاقة الزوجة بإخوة الزوج :
لاشك أن إخوة الزوج هم من العناصر الأساسيين في البيت ، إلا أن الأمر يختلف معهم في العلاقة مع الوضع الجديد . فهم ليسوا من محارمها ، وليسوا من الأجانب عن البيت في الوقت نفسه .
فكيف إذن يكون التعامل معهم بشكل سليم ؟ .
جاءت نصوص كثيرة تحدد موقع الإخوة وأبناء العمومة من الزوجة ، وتبين الحدود والضوايط في تلك العلاقة .
عن عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" إياكم والدخولَ على النساء " فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، أفرأيت الحمو ؟ قال :"الحمو الموت" (1) . والحمو ، أخ الزوج أوما أشبهه من أقارب الزوج كابن العم ونحوه .
جاء في الفتح :" المراد ، أن الخلوة بالحمو قد تؤدي إلى هلاك الدين إن وقعت المعصية ، أو إلى الموت إن وقعت المعصية ووجب الرجم ، أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها إذا حملته الغيرة على تطليقها " (2) .
__________
(1) 170 - البخاري : ( حدبث رقم 5232 (
(2) - ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري : ج 9 /412 . دار السلام الرياض ، دار الفيحاء بيروت . (1/102)
صفحة 103
قال القرطبي : المعنى أن خلوة الرجل بامرأة أخيه أو ابن أخيه تنزل منزلة الموت . (1) والمراد أن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره ، ويتوقع منه المحذور أكثر من غيره ، والفتنة به أمكن لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكير عليه بسبب تحكم العادة ولتسامح الناس فيه من جهة الزوج والزوجة لإلفهم بذلك حتى كأنه ليس بأجنبي منها ، بخلاف الأجنبي الذي ليست له صلة بالبيت . لهذه الأسباب جميعها شدد الرسول - صلى الله عليه وسلم - النكير على الخلوة بالمرأة من طرف أقارب الزوج الذين لم يكونوا من المحارم وشبهه بالموت في الاستقباح والمفسدة ، أي فهو محرم معلوم التحريم
وفي معنى آخر : الحمو الموت ، أي لابد منه ولا يمكن حجبه عنها ، كما أنه لا بد من الموت . أشار إلى هذا المعنى الشيخ تقي الدين في شرح العمدة . (2) أي لا مفر مما منه بُدّ ، فلابد إذن من اليقظة والحزم .
لكن كيف يتعامل الناس مع هذه المسألة في واقع حياتهم ؟
والناس هنا صنفان :
1 - صنف يرى أن الإخوة هم مكمن الخطر على الزوجة يحملون الموت في أعماقهم . وانطلاقا من هذه النظرة المخيفة تأتي تصرفاتهم نتيجة طبيعية لهذا المفهوم .
وعلى هذا الأساس ، نرى الزوج يشدد الخناق على زوجته فلا تقابل إخوته ، ويقيم جدارا حديديا حذرا من أن يروا منها شيئا ، حتى الوجه الذي أباحه الله من غير تبرج بزينة ، أو إبراز لفتنة تحرم رؤيته . فلا بد من الحذر التام ، تُشَدُّ فيه أحزمة الاحتياط والأمان بحزم شديد لامرونة فيه أبدا .
وهنا يتحتم على الرجل أو الفتى أن يكلم زوجة أخيه من وراء حجاب وبصوت منخفض لايكاد يُسمع وحركات محسوبة وأنفاس مقطوعة ، مبالغة في الاحتياط وتوجسا من أي تسرب للفساد .
__________
(1) - مرجع سابق . 9/412
(2) - مرجع سابق : ج9/413 . (1/103)
صفحة 104
هذه حال بعض البيوت ، تتوقف فيها الحركة وتقطع فيها الأنفاس وتسودها القتامة ، فالثقة منعدمة والريبة حاصلة والخطر متوقع في كل لحظة . (1) وهذا موقف - لعمري - بعيد عن الفهم الصحيح لشرع الله تعالى ، لايتعدى ظاهر النص إلى مدلولاته الواسعة العميقة ، ولا يدرك معانيه وأهدافه ، مما ينتج عنه حالات من الفتور في العلاقات الأسرية قد تصل إلى القطيعة أحيانا، فضلا عن العواقب الأخرى التي قد تنجم بسبب هذا الفكر الجامد والحذر المبالغ فيه في الحركات والسكنات وغيرها .
2 – صنف آخر على الطرف الثاني ، لا يرى حدودا تفصل الفتاة الجديدة بأفراد الأسرة ، أبوين كانا أم إخوة . فالجميع يتصرف كأن شيئالم يحدث باعتبار أن الفتاة أصبحت من أهل البيت . إذن ، لاحدود في التعامل ، ولاضوابط في التحركات والتصرفات من جميع الأطراف .
تخرج الفتاة بزينتها أمام الجميع ، ويقع التداخل بلا حدود ، فلا فرق بين ذي محرم وغيره ، أو كبير وصغير .
هذا التصرف يحدث أضرارا كبيرة في الأسرة على المدى البعيد ، لأن عناصرها لم يحددوا موقع الفتاة الجديدة في البيت ، بل منعهم الجهل بشرع الله من تفهم الوضع الجديد . وهذا الصنف من الناس هم المعنيون من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - :" الحمو الموت ".
إن التصرف بلا حدود ولا ضوابط مما يحدث تداخلا كبيرا وتسيبا واسعا قد يؤدي لاحقا إلى حدوث الخلوة ، تكون بحسن نية في البداية ثم تتطور بعدها تحت تأثير الإغراء وغواية الشيطان وتسويل النفس لتؤدي بعدها إلى وقوع المعصيية وحصول المحذور .
__________
(1) - قد يتوهم البعض أني مبالغ فيما أقول ، غير أني ما كنت لأذكر هذه الحالات لولا معاينتي لكثير منها مع آثارها السلبية .
والأمثلة كثيرة ، وأثرها السلبي في المجتمع بيِّن لكل من ينظر إلى واقع الناس بعين النقد والموضوعية . (1/104)
صفحة 105
ثم إن الزوج قد يتقبل في البداية هذا التداخل بحكم العادة ، وقد تستيقظ فيه الغيرة فجأة يومًا مَا فيحاول التعديل من الوضع فلا يستطيع فيسارع إلى تطليق زوجته بسبب هذا التساهل في التداخل بينها وبين إخوته أو بني عمومته بلا حدود ، وهذا ما لانريد حدوثه .
وهنا نقول لابد من أخذ الأمور بحزم منذ البداية ، فنمنع الخلوة والتداخل ونحدده بحدود الشرع بوعي وفهم صحيح .وقد جاء في الحديث الشريف :"لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان " (1) .
ولأهمية الموضوع فقد أفرد البخاري له بابا بعنوان :" باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم ". (2) وأورد الحديث :" إياكم والدخول على النساء ...الحديث" (3) .أي اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء ، والنساء أن يدخلن عليكم . ومنعُ الدخول على النساء يتضمن منع الخلوة بهن بطريق الأولى .
إن الأمرليس بالهين ، وللسير في الطريق الصحيح بعيدا عن الميل يمينا أو شمالا ، فلا بد من إعادة الترتيب للعلاقات الاجتماعية بطريقة سليمة يعرف فيها كل فرد من الأسرة موقعه الصحيح عند كل جديد يطرأ على البيت .
لابد أن يعلم الإخوة أن زوجة الأخ ليست من المحارم ، فلابد أن تُحترَم هذه الحرمة وذلك بما يلي :
- تُمنح كل الثقة من عناصر البيت ، فهم من الأقارب ، يشكلون مكونات الأسرة وهي لبنة جديدة انضمت إليهم . والقصد من هذا أن تشعر الفتاة بالأمن النفسي وهي بين ذوي زوجها ، وتكون لديها الثقة التامة في أن هؤلاء من أهلها ، يمنحونها الأمن وراحة الضمير ، ويعملون بكل ما في وسعهم لتحقيق السعادة لها وذلك بالاحترام المتبادل وتقديم الخدمات في حدود الضوابط الشرعية وفي ظل من النقاء و الشفافية والطهر والتقوى .
__________
(1) - أخرجه أحمد من حديث عامر بن ربيعة .
(2) - صحيح البخاري ) الباب رقم 111)
(3) - الحديث رقم5232 سبق ذكره . (1/105)
صفحة 106
- اعتبارها من غير المحارم ، فلابد أن تتجنب هذه الفتاة التبرج أمامهم وإظهار الزينة إلا لزوجها ، كما تتجنب التداخل والخلوة التي نهى الشارع عنها ، دون أن يمنعها ذلك من محادثتهم في غير ريبة ، وإلقاء التحية عليهم صباح ومساء والتودد إليهم بما يرضي زوجها من التقدير اللازم لهم ، ومشاركتهم الرأي في أمورتهم البيت في حضور زوجها أوبعض محارمها .
فوائد و حِكم
1 - حديث أم زرع : عرض وتحليل .
( 81 - باب حسن المعاشرة مع الأهل )
5189 – حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وعليُّ بنُ حجر، قالا : أخبرنا عيسى بنُ يُونسَ ، حدثنا هشام بن عُروةَ عن عبد الله بن عروة عن عائشة قالت : " جلس إحدى عشر امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لايكتمن من أخبار أزواجهن شيئا .
قالت الأولى : زوجي لحمُ جمل غثٍّ على رأس جبل ، لا سهلٍ فيُرتَقى ، ولا سمين فيُنتقَل .
قالت الثانية : زوجي لا أبُثُّ خَبرَه ، إني أخاف أن لا أذَرَه، إن أذكُرْهُ أذْكُر عُجَرَه وبُجَرَه .
قالت الثالثة : زوجي العَشَنَّق ، إن أنطِقْ أُطَلَّقْ ، و إن أَسْكُتْ أُعلَّقْ .
قالت الرابعة : زوجي كَلَيْلِ تِهامةَ ، لا حرٌّ ولا قرٌّ ، ولا مخافةَ ولا سآمةَ .
قالت الخامسة : زوجي إذا دخل فهِد ، وإذا خرج أسِد ، ولا يسأل عما عهِد .
قالت السادسة : زوجي إن أكل لفَّ ، وإن شرب اشْتَفَّ ، وإن اضطجع التَفَّ ، ولا يولج الكفَّ ليعلم البثَّ .
قالت السابعة : زوجي غَيَابَاه – أو عياباه – طبقَاء ، كل داء له داء ، شجَّكِ أو فلَّكِ أو جمع كلاًّ لكِ .
قالت الثامنة : زوجي المسُّ مسُّ أرنب ، والريحُ ريحُ زرنَب .
قالت التاسعة : زوجي رفيع العماد ، طويل النِّجاد ، عظيم الرماد ، قريب البيت من الناد .
قالت العاشرة : زوجي مالك وما ملك ، مالكٌ خيٌر من ذلك ، له إبل كثيرات المبارك ، قليلات المسارح ، وإذا سمِعنَ صوت المِزْهرأيقنَّ أنَّهنَّ هوالك . (1/106)
صفحة 107
قالت الحاديةَ عشرَةَ : زوجي أبو زرع فما أبوزرع ، أناس من حليٍّ أُذنَيَّ، وملأ من شحم عضُدَيَّ ، وبَجَحَنِي فبجَحَت إليَّ نفسي ، وجدني في أهلِ غُنَيْمَةٍ بشقّ ، فجعلني في أهل صهيل وأطيطٍ ، ودائِس ومُنَقٍ . فعنده أقول فلاأقَبَّحْ وأرقُد فأتصبَّحْ ، وأشربُ فأتقَنَّحْ . أمُّ أبي زرع ، فما أمُّ أبي زرع؟ عُكُومُها رَدَاحٌ ، وبيتها فساحٌ . ابن أبي زرع ، فما ابن أبي زرع ؟ مضجِعُه كمسَلِّ شَطْبَةٍ ،ويُشبِعه ذِراع الجَفرَةِ . بنت أبي زرع ، فما بنت أبي زرع ؟ طوعُ أبيها وطوعُ أُمها ، وملءُ كسائها ، وغيظ جارتها . جارية أبي زرع ، فما جارية أبي زرع ؟ لاتبثُّ حديثها تبثيثا ، ولا تُنَقِّثُ ميرتنا تنقيثا ، ولا تملأ بيتنا تعشيشا ، قالت : خرج أبو زرع والأوطاب تُمْخَضُ ، فلقيَ امرأة معها ولدان لها كالفهدَيْن يلعبان من تحت خَصرِها برمَّانتين ، فطلقني ونكحها ، فنكحتُ بعده رجلا سرياً ، ركب شرياً ، وأخذ خَطِّياً ، وأراح عليَّ نَعَما ثريا ، وأعطاني من كل رائحة زوجا ، وقال : كُلي أُمَّ زرع ، وميري أهلكِ . قالت : فلو جمعت كلَّ شيء أعطانِيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع .
قالت عائشة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" كنتُ لكِ كأبي زرع لأمِّ زرع".
ليس فيما أورد البخاري التصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أورد الحكاية .
وجاء خارج الصحيحين مرفوعا من رواية عباد بن منصور عند النسائي ، وساقه بسياق لا يقبل التأويل ، ولفظه :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :"كنت لكِ كأبي زرع لأم زرع" . (1)
قالت عائشة : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ومن كان أبو زرع؟ قال :" اجتمع نساء ..." وساق الحديث كله .
__________
(1) - ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري .ج 9 ، الناشر : مكتبة دار السلام ، الرياض . (1/107)
صفحة 108
كثيرا ما يجلس النسوة لبعضهن يتفكهن بالطرف ، ويروين الهموم والأشجان ، ويقصصن على بعضهن ما يتعرضن له من الأحداث ، ويستمتعن بالذكريات الحسان ، خاصة ما يخضنه من تجارب في حياتهن مع الأزواج .
وفي هذه المناسبة ، في قصة أم زرع ، حكت كل امرأة قصتها ، وأعربت عن رأيها في زوجها بكل صراحة .
فهي إما قصة تملؤها البسمات وتنعشها النسمات ، مليئة بالخير من عيش وفير ورزق كثير وقدر كبير ، أو هي أحداث نابعة من قلب مليء بالحسرات ، وآهات تتبعها الزفرات بسبب ضنك في العيش وضيق في الرزق وابتلاء بزوج سيِّء الأخلاق .
ويلاحظ في هذه الرواية أن النسوة كن حافظات لعهد الزوجية ، فلم يبحن بسر ، ولم يكشفن سترا مما يقع بين المرأة وزوجها من خصوصيات لا يطلع عليها أحد من البشر . وهذا لعمري خلق كريم تربت عليه المرأة المسلمة ودرجت فيه . ولعل المرأة العربية كانت قبل الإسلام كذلك .
الرجال _ في رأي النسوة الخبيرات في هذا المجال _ ثلاثة أصناف :
- صنف سيء رديء .
- صنف جيد رفيع .
- صنف بين هذا وذاك
الصنف الأول : سيِّء ، ردِيء
أما الصنف السيء الرديء ، فيتصف بصفات عدّة :
1 – كثرة الضجر ، وضيق الصدر مع الناس ، وخاصة مع الزوجات ، وشدة الغلظة ، وشراسة الطبع والتكبر والاستعلاء بحيث يصعب الاقتراب منه أو يستحيل.
فمثل هذا النوع من الرجال لا يبسط لزوجته كفا ، ولا يخفض لها جناحا ، ولا يُرتَجى منه خير .
قالت الأولى :" زوجي لحم غث ، على رأس جبل ، لا سهل فيُرتَقى ، ولاسمين فينتقل " .
شبهت زوجها باللحم الذي يتصف بخلتين رديئتين . فهو كلحم الجمل الذي يجمع خبث الطعم وخبث الريح مع الهزال والغثاثة والرداءة . أضف إلى كون هذا اللحم مزهودا فيه لا يرغب فيه أحد ، فهو موجود فوق قمة جبل وعر يصعب الوصول إليه .
هذا الرجل قد أخذ بمجامع الخصال الذميمة ، وهي :
- كثرة الضجر وضيق الصدر .
- الغلظة في الطبع ، وصعوبة المرتقى كالجبل الوعر . (1/108)
صفحة 109
- نتانة الرائحة وخبث الريح ، فهوكما قال أبو سعيد الضرير:" ليس في اللحوم أشد غثاثة من لحم الجمل لأنه يجمع خبث الطعم وخبثالريح" (1)
- سوء الخلق ، والكبرياء ، والترفع على الزوجة . فلا يؤانسها بحديث ، ولا يكرمها بهدية ، لأنه بخيل سيء الخلق صعب المرتقى .
قال عياض : شبهت وعورة خُلُقه بالجبل ، وبُعدَ خيره ببُعد اللحم على رأس الجبل ، والزهدَ فيما يُرجَى منه مع قِلَّتِه وتعذُّره بالزهد في لحم الجمل الهزيل . فأعطت التشبيه حقَّه ، ووفَّته قسطه . (2)
2 – شدة الغضب ، والمسارعة إلى إنزال الويلات على الزوجة وهنا نرى كثيرا من النساء يحذرن من غضب هذا الصنف من الأزواج ، خشية التعرض للطلاق ومفارقة البيت ، وحفاظا على الأولاد من الضياع والتشرد .
وهذا ما عبرت عنه المرأة الثانية . قالت :" زوجي لا أبث خبره ،إني أخاف ألا أذره ، إن أذكُرْه أذْكُرْ عُجَرَه وبُجَرَه".
صورة مفزعة لزوج متجبر ، غليظ ، ترتعد من صولته الفرائص ، وترتجف القلوب .
إنها - المسكينة – على خوف دائم من سطوة هذا الزوج .كلما حدثت نفسها بشيء بدت أمامها صورة ذلك الزوج المتعجرف ، وخشيت على نفسها من سوء أخلاقه وكثرة معايبه .
والعُجر : تعقد العصب والعروق في الجسد حتى تصير ناتئة من شدة الغضب .
والبُجر : مثلهاإلا أنها مختصة بالتي تكون في البطن.واستُعملا في المعايب. (3)
قال الأخفش : العُجر ، العُقَد تكون في سائر البدن . والبُجْر ، تكون في القلب . (4)
وما أظن رجلا يتصف بمثل هذه المعايب يكون محبوبا لدى زوجته ، قادرا على صناعة السعادة في بيته .
3 – إهمال الزوجة واحتقارها واعتبارها كالمتاع في البيت لاقدر لها ولا قيمة .
__________
(1) - الفتح ، ج 9
(2) - المرجع السابق .
(3) - المرجع السابق .
(4) - المرجع السابق . (1/109)
صفحة 110
هذا النوع من الرجال متسلط ، سريع الغضب . وهو من سوء خلقه إذا نطقت زوجته في حضرته بادر بإسكاتها وخنق صوتها . وإن هي تمادت في الحديث أمامه سارع إلى تطليقها . وإن هي سكتت صابرة ، وكتمت أنفاسها في أعماقها أهملها ولم يلق لها بالا . فهي عنده كالمعلقة التي لاهي ذات زوج ولا هي أيِّم .
قالت الثالثة : " زوجي العَشَنَّقُ ، إن أَنطِق أُطَلَّق ، وإن أسكتْ أُعلَّقْ " .
والعشنَّق : هو الطويل السفيه الذي لا يملك أكثر من طوله بغير نفع . وعُلِّل السفه ببعد الدماغ عن القلب بسبب الطول .
ويُحتمل أن تكون أرادت بهذا أنه أهوج لايستقر على حال ،كالإنسان الشديد الحدة يسارع إلى الغضب ، ويُخرج من فمه سيء الكلام وأردأ العبارة ، وهو متشنج الأعصاب وثَّاب إلى الخصومة .
وأمثال هذا الرجل تعيش زوجته معه على الهامش (1) ، على حذر شديد ، وتوجس دائم خشية بطشه و تجنبا لنقمته .
وفي هذا الحديث ، نرى هذه المرأة كأنها تريد أن تقول : أنا عنده معلقة بين العلوِّ والسَّفل ، فلا هي ذات بعل فتنتفع به ، ولا هي مطلقة فتتفرغ لغيره .
4- الشراهة في الأكل ، والالتفاف على كل مافي البيت حتى لا يبقي شيئا لغيره .
هذه صفة ذميمة غير محمودة . وهذا الزوج أناني يحب نفسه دون سواه . همُّه ملء بطنه وإشباع نهمته . لايعير أهله اهتماما ، ولا يشركهم في طعام أو شراب .
وأين هذا من السيرة العطرة لسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - الذي كان مثالا يُحتذى ، ورمزا به يُقتدى في كل مجالات الحياة ، وخاصة في رعاية الزوجات والرفع من قدرهن .
كان عليه السلام يشرك أهله في الطعام القليل ، بل ويؤانسهن ، حتى أنه - صلى الله عليه وسلم - لَيضع اللقمة في فم زوجته إيناسا لها وإيثارا لها .
__________
(1) * فلان يعيش على الهامش : لم يدخل في زحمة الناس ( محدثة ) ( المعجم الوسيط باب الهاء ) (1/110)
صفحة 111
قالت السادسة :"زوجي إن أكل لَفَّ ، وإن شرب اشتفَّ ، وإن اضطلع التفَّ ، ولايولج الكف ليعلم البث .
واللَّف ، الإكثار من التخليط في الأكل ومن صنوف الطعام من شدة النهمة ، وعِظَمِ الشراهة ، وكِبَر الكرش .
ثم ماذا يُنتَظَر من رجل يملأ بطنه بصنوف الطعام ، ويرويها بلذيذ الشراب حتى الثمالة دون أن يبقي منه شيئا ؟
هل ينتظر منه أن ينطلق إلى عمله في نشاط وهمة وعزيمة نافذة ؟ هل يُنتظر منه إلا أن يلتفَّ بكسائه ويستلقيَ لغطيط نومه ؟
لا يسأل عن حال زوجته وأولاده ، ولا يستقصي أخبار أهل بيته ، مَنِ السقيمُ فيهم ومَنِ السليم ؟ مَنِ المحتاج منهم ومن المكتفي ؟ وهو مع هذا الشِّبَع المفرط والكسل الشديد منقبض الوجه ، معرِض عن الأهل ، لاشفقة له عليهم .
هذا الصنف جمع من سيِّء الأخلاق نصيبا وافرا ، الشراهة في الأكل ، وانقباض النفس ، وتجهم الوجه ، وإهمال العيال . فما أظن أمثال هذا الرجل تحبه النساء ، أو يجدن عنده الأنس والمودة ، أو يرتجى منه خيرأو تنتظر منه مسرة . ونقول للمرأة التي ابتليت بهذا الصنف من الرجال : عليك بالصبر واحتساب ذلك عند الله تعالى .
5 – الحمق وثقل الروح :
عادة ما يكون الأحمق ثقيل الروح ، سليط اللسان ، شديد الخصومة .
تقول هذه المرأة عن زوجها : زوجي غياباه ، وهو من الغي، أي لا يهتدي إلى مسلك بسبب الظلمة التي تحيط به من سوء الأخلاق ، وانغلاق العقل .
طبقاء : أي الأحمق الذي ينطبق عليه أمره ، أي لايهتدي إلى حلٍّ ولو كان في صغائر الأمور . (1/111)
صفحة 112
والأحمق الثقيل لايملك منطقا سليما في التفكير أو لسانا قويما عند النطق . فهو إذا حدثته زوجته سبَّها ، لأنه ينفق من البضاعة الكاسدة التي يملكها و كل إناء بما فيه ينضح . وإذا مازحته ضربها وشجَّها . هذه صفات الأحمق ، لأن الضرب عادة ما يكون وسيلة العاجز الفارغ ، وسبيل التافه الأرعن لأنه لا يملك رصيدا أخلاقيا ، فيسارع إلى إسكات الصوت الآخربالعنف والإيذاء . وإذا أغضبته كسّرَ عضوا من أعضائها ، أو شقَّ جلدها ، أو أغار على مالها ، أو جمع كل ذلك . وهذا معنى قولها :" كل داء له داء ، أي كل داء تفرَّق في الناس من المعايب موجود فيه .
وأمثال هذا الرجل لاتقوم به أسرة ، ولا يهنأ معه عيش ، ولا تحصل به سكينه أو مودة ورحمة .
الصنف الثاني : جيد رفيع
قيل في هذا الصنف من الناس : روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها ، وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها ،وتدل عليهم وإن ستروها. (1)
هذه صفات أولئك الذين لديهم رصيد من الأخلاق ، وامتزج بهم الحب للآخرين نساء ورجالا . وكثير من الأزواج الذين كان خيرهم لزوجاتهم يسعون بكل جد لإسعادهن ، ويعملون بكل السبل لإرضائهن وإدخال المسرة على قلوبهن . لم لا ؟ والزوجة شريكة الحياة ، وأم فلذات الأكباد، وأميرة البيت ، والقيمة عليه . ألا تستحق بذلك زوجا يملأحياتها سعادة ، ويهبهاالشعور بالأمن والسكن والمودة والرحمة ؟.
ومن خلال رواية أم زرع نستخلص عدة صفات للزوج الصالح ، منها :
1 – حسن الخلق ووداعة النفس :
قالت الثامنة : " زوجي ألمس من أرنب ، والريح ريح زرنب".
__________
(1) - الأبشهي : المستطرف ، ص 153 ، دار الكتب العلمية بيروت. (1/112)
صفحة 113
والزرنب : نبت طيب الريح ، كناية عن لين الجانب وحسن الخلق . وهو في الوقت ذاته جميل الوجه ، ناعم الجسد ، طيب العرق لكثرة نظافته واستعماله للطيب . ولا يمنع أن يكون ذلك الوصف كناية عن طيب الحديث وحسن المعاشرة . وهو مع ذلك كريم السجايا ، مطواعا لزوجته، يخفض لها جناح الرحمة بالتلطف تحقيقا لقول الباري عز وجل : { وجعل بينكم مودة ورحمة } . وهذا معنى قولها :" وأنا أغلبه والناسَ يَغلِب " أي أنه رغم شجاعته فهو ليس عصيًّا على زوجته لشدة حبه لها ، وهو كما قال معاوية :" يغلبن الكرام ، ويغلبهن اللئام " . وغلبها إياه إنما هو من كرم سجاياه . وهي الصفات نفسها للمرأة الخامسة في قولها :" زوجي إذا دخل فهد" تعبيرا عن الحياء وقلة الشر ،" وإذا خرج أسد " كناية عن الشجاعة .
فهو كريم الخلق ، وديع النفس في بيته و بين أهله . و هو شجاع مقدام ، يُهاب جانبه إذا كان خارج البيت . لقد جمع بين خصلتين عظيمتين قلما نجدها في الرجال هذا الزمان .
2 – اعتدال الحال وسلامة الباطن :
والاعتدال في جميع الصفات من الخصال الحميدة التي يدعو إليها الإسلام ، وهو التوسط في الأمور دون الميل يمينا أو شمالا ، أو تغليب جانب على آخر .
وهذه المرأة الرابعة تروي قصتها مع زوجها ، وتقول : "زوجي كَلَيْلِ تهامة، لاحرٌّ ولاقرٌّ ". بل وسط بين هذا وذاك . وكثيرا ما يضرب العرب المثل في الاعتدال بليل تهامة المعتدل .
والاعتدال في الأمور والتوسط فيها من الخصال المحمودة لدى الناس . ومن اتصف بذلك فلا يُخشَى جانبه ، ولا يثقُل ظله . والزوجة في أمان دائم من الشر وانقلاب الأيام ، مطمئنة النفس لزوجها لسلامة باطنه وحسن خلقه . (1/113)
صفحة 114
والنساء يحببن هذه الصفات الجميلة ، لأن المرأة ضعيفة ، وفي كنف زوجها تشعر بالدِّفء ، فتسكن النفس ، ويحلو العيش . وأمثال هؤلاء قليل . { وقليل من عبادي الشكور } . وأي شكر أعظم من التحلي بالخلق الرفيع ، والتزين بالخصال الحميدة لتكون بلسما للجراح وسبيلا للسعادة في الدنيا والآخرة .
3 – الجود والكرم :
وهما خصلتان محمودتان ، قلَّ من الناس من يتصف بها ، إلا من أُوتِيَ حظا وافرا من الإيمان والثقة في الله عز وجلَّ ، وامتلأ قلبه بحب الناس ومودتهم.
وهذه المرأة التاسعة سعيدة البخت ، وفيرة الحظ ، تفتخر بزوجها الذي تفانى في إكرامها . تقول :" زوجي رفيع العماد ، طويل النجاد ، عظيم الرماد ، قريب البيت من الناد ". وجاء في رواية أخرى زيادة :" لا يَشْبَعُ ليلةَ يُضاف ، ولا ينام ليلة يخاف ".
إن طول البيت وعُلُوَّه من صفات بيوت الأشراف الكرماء . وعادة ما يكون الشريف كريما ، مقدَّما في قومه ، ذا وجاهة لخصال فيه ، كالشجاعة وطول اليد . بهذه الخلال الجميلة ينال الرفعة بين الناس . إذا أمر امتثل الناس لأمره ، وإذا دعا استجابوا له لقوة تأثيره عليهم بسبب رجاحة في العقل ، وسخاء في اليد . ولطالما استعبد الناسَ إحسانُ .
قال أحدهم يصف الجود و يرفع من قدر صاحبه :
كريمٌ كريمُ الأمهاتِ مُهذَّبُ ** تَدَفَّقُ يُمناهُ النَّدَى و شمائلُه
هو البحرُمن أيِّ الجهاتِ أتيتَه ** فَلُجَّتُهُ المعروفُ والجودُ ساحلُه
جوادٌ بسيطُ الكف حتى لو أنه ** دعاها لقبضٍ لم تجبهُ أنَامِلُه (1)
ومع هذه المكانة الرفيعة ، تراه يتواضع للناس ، ويقترب منهم ، ولا يتولى عنهم استكبارا واستنكافا .
ولمثل هذا تكون السيادة في قومه بسبب الكرم وحسن الخلق وطيب المعاشرة . وإن أول من يستفيد من هذه السجايا إنما هي الزوجة يقينا لشدة قربها من زوجها والتصاقها به .
__________
(1) * الأبشهي : المستطرف ص 180 ( مرجع سابق ) (1/114)
صفحة 115
وهي الصفات نفسها لزوج المرأة العاشرة ، إذ تقول : "زوجي مالك وما ملك ، مالك خير من ذلك . له إبل كثيرات المبارك قليلات المسارح ، وإذا سمعن صوت المزهر أيقنَّ أنهن هوالك . وما أجمل الغنَى الذي يصحبه كرم وبذل وسخاء .
4 – العناية بالزوجة والإغداق عليها من النعم .
قالت الحادية عشرة :"زوجي أبو زرع ، فما أبو زرع . أَنَاسَ حُليَّ أُذُنيَّ ، وملأمن شحمٍ عضُديَّ ، وبجحَنِي فبَجَحَت إليَّ نفسي ".
ملأ أذنيها بأنواع من الحلي حتى تدلت وأثقلت . وأغدق عليها من لذيذ الطعام وأصنافه ما ملأ عضديها لحما وشحما ، كناية عن الصحة . ومنحها من التقدير والإكرام ، ورفع قدرها ما جعلها تشعر بالمكانة الرفيعة والمقام العلي فتفتخر بذلك أيما افتخار . بعد أن كانت في شظف من العيش ، وجدت نفسها في ثروة واسعة . وبعد أن كانت تستصغر نفسها بسبب سوء الحال ، وجدت نفسها متبجحة مفتخرة رفيعة المقام .
من خلال هذه المحاورة الجميلة ، والعرض الطريف لصفات الرجال في عيون النساء ، والشهادات المثيرة ممن لهن الاختصاص في بيت الزوجية. نذكر حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : " خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي" (1) .
وما قيمة رجل هو شر لأهله ، بلاء على زوجته ، تتحكم فيه الأنانية ، وتسيره الذاتية ، ويعمي بصيرته هواه ليضله عن سواء السبيل .
أمثال هذا الزوج لا يسعد جليسه ، ولا يهنأ شريكه ، ولا يرتاح رفيقه . شقاوة فوقها شقاوة ، وتعاسة تَجُرُّ إلى تعاسة أخرى . حياة قاتمة مدلهمة ، مليئة بالحيف ، مشبعة بالعسف ، تسير في ظلمة حالكة ، ولاترى للنور سبيلا . حياة كهذه لاخير منها يرتجى ، ولا سعادة فيها تؤمل وتقتنى .
__________
(1) ابن ماجه : نكاح 50 ، الدارمي : نكاح 55 (1/115)
صفحة 116
وحياة مثل هذه يكمن وراءها بركان من العقد النفسية لن تمر عليها فترة من الزمن حتى تنفجر ، وتطفو على السطح آثارها المهلكة ، سلوكات غريبة ، وأخلاقيات مشينة ، وحركات عجبية ، لم تعهدها مجتمعاتنا ، ولم تألفها نفوسنا ، ولا تستأنس لها طبائعنا . فما السبب هنا ؟
سببها ، حتما ، تلك العقد النفسية المتراكمة بعضها على بعض بسبب العسف والظلم المقيت ، والتعدي على الحقوق من مختلف الجهات ، من الزوج على زوجته ، ومن الأب على أبنائه ، ومن القوي على الضعيف . كلها تتجمع وتتخزن في ذاكرة الإنسان وسجلات الحياة ، حتى إذا سنحت لها الفرصة للظهور خرجت بركانا ثائرا متفجرا لا يبقي على شيء ، وعواصف مدمرة لاتلوي على أحد . وإلا كيف نفسر هذه المظاهر العجيبة التي لاتمت إلى خلق قويم ، والتي تنبع في أوساطنا يوما بعد يوم تفتن العقول ، وتحار لها النفوس ، وتنكرها الضمائر .
إن حب الناس ، ونكران الذات في بوتقة المجتمع يوطد العلاقات الاجتماعية ، ويقوي أواصر المحبة الإيمانية ، بدءا بعلاقة الزوج مع زوجته، والأبناء بالآباء ، ووصولا إلى كافة خلايا المجتمع .
فالرجل الصالح هو الذي ينفع نفسه ، ويسعد بيته ، ويخدم مجتمعه .
والزوج الصالح هو الذي يسكب على زوجته من جميل أخلاقه ، وحلاوة منطقة ، وطلاوة عشرته ما يدخل عليها السرور ويشعرها بالرحمة والمودة والدفء في ظل البيت السعيد . هذا البيت الذي ينشأ فيه الأبناء أسوياء ، عقلاء ، تملأ قلوبهم الرحمة ، ويتزينون بجميل الخصال ، ليكونوا رجال المستقبل ، وعناصر للبناء والتشييد . بهم تتحقق السعادة للمجتمع .
2 - من حكم ابن سينا في سياسة الرجل أهله :
( من رسالة : في السياسة المنزلية ) (1/116)
صفحة 117
ولتمام الفائدة رأيت أن أقدم للقارئ الكريم نبذة مما كتبه الحكماء في هذا المجال . فقد نظرت في رسائل ابن سينا فوجدت فيها من التوصيات في مجال سياسة الرجل أهله ما هو جدير بالاطلاع عليه والاستفادة منه ، فإن الحكمة ضالة المؤمن يبحث عنها ويلتقطها حيث وجدها .
تحدث ابن سينا في احدى رسائله :"في التربية والسياسة المنزلية والأخلاقية" عن العلاقة بين الزوج وزوجته ، كيف تكون ؟ وما هي الأسس التي يجب أن تقوم عليها لضمان النجاح والسعادة في الحياة الزوجية ؟ وماهي مواصفات الزوجة الصالحة ؟ .
كما تحدث عن الطريقة الناجعة لكسب ود الزوجة والفوز بتقديرها ، وبيَّن الأسباب التي تفسد هذه العلاقة .
كما ذكر أن جماع سياسة الرجل أهله يقوم على ثلاثة أمور :
1 – الهيبة الشديدة : أي كيف يكون الرجل مهاب الجانب عند زوجته؟. إذ بالهيبة تتحقق الطاعة ، ويحصل التقدير والاحترام ، وبغيابها تنقلب الأمور، فتتسلم المرأة القوامة على الرجل ، فيصبح الرجل مأمورا بعد أن كان آمرا ، ومَنهيا بعد أن كان ناهيا ، ومدَبَّرا بعد أن كان مدبِّرا، فتضيع القوامة ، وينفلت زمام الأمر من صاحبه .
2 – الكرامة التامة : وأساسها نبل الزوج وشرفه ، فلا يحط لزوجته قدرا ، ولا يمد عليها يدا ، ولايرفع عليها صوتا .
3 – شغل الخاطر بالمهم : أي شغل المرأة بالمهام الرئيسة التي أنيطت بعهدتها ، كتربية الأولاد وسياسة البيت ورعاية مصالحه من الداخل .
إنها في حقيقة الأمر حِكَم عظيمة ، ونصائح وجيهة صادرة من فيلسوف حكيم ومعلم قدير ، خاصة في مجال التربية وسياسة الأمور . ولتمام الفائدة ، رأيت أن أنقل النص الكامل لابن سينا لعل القارئ الكريم يجد فيه ضالته ، ويحقق منه رغبته ، ويضيف من حِكَمِه رصيدا فكريا ينفع به نفسه ومجتمعه .
يقول ابن سينا في احدى رسائله بعنوان :" في السياسة المنزلية " وتحت عنوان صغير :" في سياسة الرجل أهله " : (1/117)
صفحة 118
" إن المرأة الصالحة شريكة الرجل في مُلكه ، وقَيِّمته في ماله ، وخليفته في رحله ( وأمينته في تربية أولاده ) . وخير النساء : العاقلة الديِّنة الحيِيَّة الفطنة الودود الولود، القصيرة اللسان ، المطاوعة العنان ، الناصحة الحبيب، الأمينة الغيب ، الرزان في مجلسها ، الوقورفي هيبتها ، المهيبة في قامتها ، الخفيفة المبتذلة في خدمتها لزوجها . تحسن تدبيرها ، وتكثر قليلها بتقديرها ، وتجلو أحزانه بجميل أخلاقها ، وتسلي همومه بلطيف مُداراتها .
وجماع سياسة الرجل أهله بثلاثة أمور لاتدعه . وهي :
الهيبة الشديدة ، والكرامة التامة ، وشغل خاطرها بالمهم .
أما الهيبة فهي : إذا لم تهب زوجها هان عليها ، وإذا هان عليها لم تسمع لأمره ، ولم تُصغ لنهيه . ثم لم تقنع بذلك حتى تقهره على طاعتها ، فتعود آمرة ويعود مأمورا ، وتصير ناهية ويصير منهيا ، وترجع مدَبِّرة ويرجعَ مدبَّرا ، وذلك الانتكاس والانقلاب . والويل للرجل حينئذ ماذا يجلب له تمردها وطغيانها ، ويجنيه عليه قِصَر رأيها وسوء تدبيرها ، ويسوقه إليه غيُّها وركوب هواها من العار والشنار والهلاك والدمار .
فالهيبة رأسُ سياسة الرجل وعمادها ، وهي الذي ينسَدُّ به كل خلَّة ، ويُتِم تمامه كل نقص ، وينوب عن كل غائب ، ويغني عن كل فائت ، ولا ينوب عنه شيء ، ولا يتم دونه أمرٌ فيما بين الرجل وأهله .
وليست هيبة المرأة بعلها شيئا غير إكرام الرجل نفسه ، وصيانة دينه ومروءته ، وتصديقه وَعده ووعيده .
أما كرامة الرجل أهله : فمن منافعها ، أن الحرة الكريمة إذا استجْلت كرامة زوجها دعاها حُسن استدامتها لها ومحاماتها عليه وإشفاقها من زوالها إلى أمور كثيرة جميلة لم يكد الرجل يقدر على إصارتها إليها من غير هذا الباب بالتكلُّف الشديد والمؤونة الثقيلة . على أن المرأة كلما كانت أعظم شأنا ، وأفخم قدرا ، كان ذلك أدلَّ على نبل زوجها وشرفه وعلى جلالة وعظيم خطره . (1/118)
صفحة 119
وكرامة الرجل أهله على ثلاثة أشياء : في تحسين شارتها ، وشدة حجابها ، وترك إغارتها .
وأما شغل الخاطر بالمهم : فهو أن يتصل شغل المرأة بسياسة أولادها ، وتدبير خدمها ، وتفقد ما يضمه خدرها من أعمالها . فإن المرأة إذا كانت ساقطة الشغل خالية البال ، لم يكن لها هم إلا التصدي للرجل بزينتها ، والتبرج بهيأتها ، ولم يكن لها تفكير إلا في استزادتها ، فيدعوها ذلك إلى استصغار كرامته ، واستقصار زمان زيادته ، وتَسَخُّطِ جُملة إحسانه ". (1)
الخاتمة
وختاما .. توقف القلم عن الكتابة بعد أن استنفذ عصارة ما في البال من خواطر وأفكار حول أهم خلية في المجتمع ، الأسرة التي بها يبدأ المجتمع وتتكون الأمة .
مجرد خواطر ورؤًى شخصية قابلة للنقد والتوجيه ،وتصورات تدور حول الأسرة التي ننبت في تربتها وننمو في أحضانها ، ونأخذ من عصارة رحيقها . منها ننبثق ، وإليها نسعى ، وبها نسعد أونشقى .
في أحضان الأسرة ينشد المرء راحتة ويبحث عن سعادته , وفي جنباتها يتربى الطفل ويترعرع على مبادئ النبل ، وهي موئل للزوج والزوجة يجدان تحت سقفها السكينة والمودة والرحمة .
أليس خليقا بنا أن نسعى إلى تحصينها ونعمل للحفاظ عليها من عوامل التفكك والانهيار ؟. فهي الأرضية التي ننطلق منها إلى الحياة الفاضلة ، وهي السقف الذي ننشد تحته الدفء في الشتاء تحت ليل حين يغشاه الصَّرَد وننشد الهواء العليل إذا معمعان الصيف أضحى يتَّقِد ..
في أحضان الأسرة يجتمع الكبار والصغار،وتحت سقفها ننمو وننهل من رحيقها أخلاقا سامية ، وروحا وثابة نحو الخير،ووجدانا مفعما بالحب والجمال ، وروابط تصلنا بحبل الله المتين ودينه القويم ... فلنحافظ عليها .
__________
(1) - د. علي زيعور : ميادين العقل العملي في الفلسفة الإسلامية الموسَّعة .ص157/158 . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . (1/119)
صفحة 120
ولله الحمد في الأولى والآخرة وهو ولي النعمة والفضل . وصلى الله على سيد المرسلين ومعلم البشرية إلى يوم الدين . والحمد لله رب العالمين .
مسقط سلطنة عمان : محرم 1425 هـ / مارس 2004 م
المصادر والمراجع
ابن القيم الجوزية _ روضة المحبين ونزهة المشتاقين دار الكتب العلمية بيروت
ابن حجر العسقلاني _ فتح الباري _ دار الفيحاء بيروت
ابن كثير _ مختصر نفسير ابن كثير
الأبشهي _المستطرف _ دار الكتب العلمية بيروت
الألوسي _ روح المعاني _ دار إحياء التراث العالمي بيروت
الجناوني _ كتاب النكاح
الطباطبائي_ الميزان في تفسير القرآن
الفخر الرازي _ التفسير الكبير
القرطبي _ الجامع لأحكام القرآن
الموسوعة العربية الموسعة _ دار النهضة ، لبنان
سيد قطب _ في ظلال القرآن دار الشروق بيروت
علي زيعور_ ميادين العقل في الفلسفة الإسلامية الموسعة
للدراسات والنشر والتوزيع بيروت
محمد الطاهر بن عاشور _ التحرير والتنوير
محمد عثمان نجاتي _ الدراسات النفسانية عند علماء المسلمين
محمود الستاني _ الإسلام وعلم النفس
هاني يحيى نصري _ الفكر والوعي بين الجهل والوهم المؤسسة الجامعية
محتويات البحث
المقدمة .........................................................1 ...
المبحث الأول : الإنسان في ميزان الإسلام.........................6
أولا : العلاقة بين المرأة و الرجل ...........................6
ثانيا : مكانة الرجل والمرأة في ميزان الإسلام ..............14
ثالثا : وليس الذكر كالأنثى ............................ 17
المبحث الثاني : العناصر الأساسية للأسرة المسلمة .................34
أولا : عناصر الارتباط ..................................34
أ - الميثاق ..................................38
ب - الإفضاء ..............................40
ثانيا : الطريق السوي نحو الإكمال ..................... 44 (1/120)
صفحة 121
المادة الضرورية لإنجاح عملية البناء .................45
المبحث الثالث : الزواج والأسرة ..............................55
أولا : الأسرة دوحة السعادة وسفينة النجاة.................55
ثانيا : الزواج حصانة للمسلم وسبيل إلى الإنجاب والتكاثر...60
ثالثا : الزواج سبيل إلى بناء الفرد والأسرة ...............64
المبحث الرابع : أين يكمن الخلل ؟ الأسباب والحلول ............ 68
أولا : الاختيار على أساس عاطفي ثائر ...................69
ثانيا : عدم التكافؤ بين الزوجين .........................76
ثالثا : النظرة النفعية .................................... 78
رابعا : التزويج بالإكراه ................................ 82
المبحث الخامس : وقفات للتأمل ................................ 89
أولا : التباين بين الزوجين فكرا وتوجهات ...............90
? الحالة الأولى ........................
? الحالة الثانية ........................
? الحالة الثالثة ..........................
ثانيا : أزمات ومواقف ................................. 99
? أزمة الثقة بين الذكر والأنثى وتداعياتها .
? المرأة ودعوى حقوق المرأة ..........
? مواقف وتداعيات .....................
المبحث السادس : الحلول ................................... 105
أولا : غياب التكافل الاجتماعي . لماذا ؟ رصد لهذه الظاهرة وطرح للحلول ..................................................... 105
ثانيا : غلاء المهور وكثرة التكاليف . الأسباب والتداعيات .. 108
ثالثا : فما هو الحل إذن ؟ .......
المبحث السابع : التعدد والطلاق بين التشريع والتطبيق تحليل ونقد 114
أولا : تعدد الزوجات بين حكمة التشريع وسوء التطبيق ...114
ثانيا : الطلاق ...........................................123
? دور المرأة في حدوث الطلاق ............................ 126 (1/121)
صفحة 122
- عمل المرأة بين الإيجابيات والسلبيات .
- المرأة بين التقاليد المستحكمة وبين دعوى التحرر.............
- التسرع في طلب الطلاق ................................
? دور الرجل في حدوث الطلاق ......................... 129
? الحكمة من تشريع الطلاق ...............................131
المبحث الثامن : الأسرة تحت المجهر ............................135
أولا : علاقة الابن العريس بوالديه ، والاختبارالأول:....... 136
ثانيا : علاقة الفتاة العروس بعناصرالأسرة الجديدة ..........145
- علاقتها بزوجها .
- علاقتها بوالدي زوجها .
- علاقتها بإخوة الزوج .
-المبحث التاسع : فوائد وحِكم ..............................153
- حديث أم زرع : عرض وتحليل .............................153
( باب حسن المعاشرة مع الأهل )
– من حِكم ابن سينا في سياسة الأهل .............................170
( من رسالة : في السياسة المنزلية )
الخاتمة :........................... ... ... ... ... ... . ... ... ...174
المراجع :........................... ... ... ... ... ... ... ... ... 175 (1/122)