صفحة 1
الكتاب: الإمامة في الفقه الإسلامي (دراسة مقارنة) لعلي العبري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الإمامة في الفقه الإسلامي
( دراسة مقارنة )
د. علي بن هلال العبري
موقع واحة الإيمان
www.waleman.com
info@waleman.com
[*]الإهداء
[*]شكر وتقدير
[*]المقدمة
[*]أسباب اختيار الموضوع:
[*]المنهج الذي اتبعته في البحث:
[*]خطة البحث:
[*]الصعوبات التي واجهتني أثناء البحث:
[*]التمهيد الخلافة الإسلامية وتطورها
[*]أولا: عصر النبوة ونشأة الدولة الإسلامية
[*]ثانيا: عصر الخلافة الراشدة:
[*]ثالثاً: عصر الملك العضوض ونشأة المذاهب:
[*]ظهور الفرق والمذاهب الإسلامية::
[*]أ- نشأة المذهب الإباضي:
[*]ب- مسالك الدين عند الإباضية:
[*]المبحث الأول:التعريف بالإمامة وحكمها وتكييفها الشرعي
[*]المطلب الثاني حكم نصب الإمام
[*]المطلب الثالث :التكييف الشرعي لسلطة الإمام
[*]المبحث الثاني :خصائص نظام الإمامة والغاية منها المطلب الأول خصائص نظام الإمامة
[*]المطلب الثاني الغاية من الإمامة ومقارنتها بالنظام المعاصرة
[*]الفصل الثاني طرق تولية الإمام وعقد الإمامة
[*]المطلب الأول طريق الاختيار
[*]المطلب الثاني طريق الاستخلاف
[*]المطلب الثالث طريق القهر والغلبة
[*]المطلب الرابع طريق النص
[*]المطلب الخامس مقارنة طرق التولي ومدى صلاحيتها في العصر الحاضر في ضوء التجارب.
[*]المبحث الثاني عقد الإمامة
[*]المطلب الثاني الشروط الخاصة
[*]المطلب الثالث مراحل عقد الإمامة
[*]الفصل الثالث حقوق الإمام وواجباته
[*]المطلب الأول طاعة الإمام وعدم الخروج عليه
[*]المطلب الثاني الحماية والنصرة
[*]المطلب الثالث الحقوق المالية
[*]المطلب الرابع الوَلاية
[*]المطلب الخامس مقارنة طرق التولي ومدى صلاحيتها في .العصر الحاضر في ضوء التجارب
[*]المبحث الثاني واجبات الإمام المطلب الأول حماية الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية
[*]الفرع الأول تطبيق الشريعة الإسلامية
[*]الفرع الثاني نشر الدعوة الإسلامية
[ (1/1)
صفحة 2
*]الفرع الثالث حماية الدين والمحافظة عليه
[*]الفرع الرابع السياسة الخارجية للإمامة
[*]المطلب الثاني تنظيم الجهاز الإداري والمالي للدولة
[*]الفرع الأول تعيين المساعدين وكبار الموظفين
[*]الفرع الثاني توفير المرافق العامة
[*]الفرع الثالث تنظيم أموال الإمامة تحصيلاً وصرفاً
[*]المبحث الثالث المسئوليات المشتركة بين الإمام والأمة المطلب الأول النصيحة
[*]المبحث الثاني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
[*]المطلب الثالث الشورى
[*]الفصل الرابع مدة ولاية الإمام وانتهاؤها المبحث الأول: مدة ولاية الإمام
[*]المبحث الثاني انتهاء ولاية الإمام
[*]المطلب الأول التنازل الاختياري »الاستقالة
[*]المطلب الثاني التنازل الإجباري »العزل
[*]الخاتمة
[*]الملخص
[*]قائمة المراجع
الإهداء
إلى
الألسن الشاكرة
والقلوب الذاكرة
والعيون الباكية
والعقول الباحثة
والأنفس المطمئنة
شكر وتقدير
بعد أن أكرمني الله ووفقي إلى إعداد هذا البحث أشكره سبحانه على ما أولى وأنعم،وأسأله الفلاح في الأولى والآخرة.
كما ويسرني أن أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير، إلى شيخي الجليل الأستاذ الدكتور/ ياسين درادكه عميد كلية الشريعة، فأشكره أولاً على تفضله بالإشراف على هذه الرسالة، وأشكره ثانياً على نصائحه وإرشاداته، وتوجيهاته، وأشكره ثالثاً على الحرية التي أكرمني بها لإبداء رأيي، وتسجيل ما اختار في نظره وموقف.
كما أشكر العالمين الجليلين الدكتور/ ماجد أبو رخية رئيس قسم الفقه والتشريع، والدكتور/ خليل أبو عيد المدرس بقسم الفقه والتشريع على تفضلهما بالموافقة على قراءة البحث ومناقشته على ما جاء فيه من خطأ أو سهو أو زيادة أو نقصان، ورحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي.
كما أتقدم بالشكر والثناء إلى كل من مد إلي يد العون، والمساعدة والتشجيع المادي والمعنوي من علماء وأخوة وزملاء. (1/2)
صفحة 3
وأشكر كلية الشريعة بالجامعة الأردنية التي شرفتني بالدراسة في رحابها لنيل البكالوريوس سابقاً، ثم الماجستير، وإني أطمع أن أعود إليها إن شاء الله »والعود أحمد«.
وأخيراً أشكر جامعة السلطان قابوس التي أكرمتني بالموافقة على مواصلة الدراسة، ومن ثم العودة إلى رحابها لأداء الواجب الذي علي لديني، ولوطني، ولأمتي.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسله تترى، وأنزل كتبه تتلى، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله إمام المتقين، وقدوة الحاكمين، ونصير المظلومين، المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الطاهرين، ورضي عن الخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، ]رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي[([1]). (1/3)
صفحة 4
فقد جاء الإسلام خاتماً للرسالات، ومهيمناً عليها في وقت هوت فيه البشرية إلى أدنى دركات الانحدار في العقيدة والسلوك، وفي العبادة والتصور، حيث اختفت كلمة التوحيد من كوكب الأرض، وانطمست معالم الفطرة، وضربت الوثنية بجذورها في العقل البشري، وأصبحت البشرية تتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض، مما جعل انتشالها من ذلك الواقع أمراً تنوء بحمله الجبال، وتتردد في النهوض به الإرادة الصلبة، وكان الأمر به –حقاً- »قولاً ثقيلاُ« ألقاه الحق تبارك وتعالى على رسوله e فقام عليه الصلاة والسلام بمهمة لا تعرف الكلل، وإرادة لا يعتريها الوهن، يبلغ رسالة ربه، وينشر العدل والإيمان بلسانه وسنانه، حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، فالتحق بالرفيق الأعلى تاركاً أمته على ملة الإسلام، عقيدة خالصة، وشريعة خالدة، ونظاماً للحياة شاملاً، فيه إجابة على كل تساؤل، وحكماً لكل قضية، وحلاً لأية معضلة، ديناً قيماً، حوى بين تعاليمه نظاماً سياسياً لا تسلط فيه ولا استبداد، ونظاماً اقتصادياً لا أنانية فيه ولا استعباد.
ونظاماً اجتماعياً لا طبقية فيه ولا استذلال، يعلم الناس كيف يختارون حكامهم كما يعلمهم كيف يتخلصون من فضلاتهم، كيف ينامون، وكيف يجاهدون، كيف يعبدون، وكيف يعملون، فكان أن سعدت الأمة في ضلاله عدلاً وأمناً، ومساواة ورحمة، وتكافلاً وتناصراً، إلى أن بدت عرى الإسلام تنقض عروة عروة بسبب قساوة القلوب، وغلبة الهوى وحب الشهوات.
ومما لا شك فيه أن عروة الحكم كانت أول عروة تنقض يوم أن أطلت الفتنة برأسها، وحدث ذلك الصراع الدامي حول الخلافة والإمامة الذي أوقف المد الإسلامي من الانسياح في أطراف الأرض لفترة من الزمن، وزعزع الأمة من الداخل، وطمس معالم الطريق، وكان العدل والشورى أول ضحايا تلك الفتنة، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، استبدل العلم بالظلم، والملك بالخلافة، والاستبداد بالشورى،. (1/4)
صفحة 5
هذا، وقد كان الصراع حول الحكم بعد الخلافة الراشدة بداية تفرق الأمة الإسلامية الواحدة إلى فرق ومذاهب، إذ أن الصراع المسلح الذي كان قائماً بين الأمويين وخصومهم (الشيعة، والخوارج والإباضية) قد واكبه –أو قل قد تمخض عنه- صراع فكري وعقيدي، وكان للإمامة وما يتصل بها من قضايا نصيب الأسد من ذلك الصراع والاختلاف، ثم التنظير والتقعيد، الأمر الذي وسع من هوة الخلاف بين الأطراف المتصارعة، وباعد ما بين أبناء الأمة الواحدة، وغدى كل حزب بما لديهم فرحون.
ومهما يكن من أمر فإن ذلك الاختلاف قد خلف لنا تراثاً فقهياً خصباً سواء فيما يتعلق بالإمامة حكماً وتكليفاً، أو ما يتعلق بالإمام شروطاً وحقوقاً وواجبات، وعلى الأمة –وهي تسعى للنهوض من جديد لتنفض عنها غبار الذل والمهانة وتفك من حولها قيود التخلف والتبعية- أن تقرأ تاريخها قراءة الباحث عن الحكمة، المعتبر بمن مضى وما مضى، وأن تستفيد من تراثها الفقهي، وتمحصه، وتزنه بميزان القرآن الكريم والسنة النبوية عل صاحبها أفضل الصلاة والسلام، لتنطلق إلى الله على بصيرة.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) سورة طه: الآيات (25-28).
أسباب اختيار الموضوع:
وانطلاقاً من هذه الحيثية كان تفكيري ينساق حول الكتابة في فقه الإمامة، وقد تعزز هذا التفكير عندي بما يلي:
أ- أهمية الموضوع باعتباره يتناول جانباً عظيماً ونظاماً فريداً من أنظمة التشريع الإسلامي.
ب- المساهمة في إثراء المكتبة الإسلامية، ثم العالمية بسفر يحوي خلاصة من تجارب الأمة في اختيار قادتها والقائمين على شؤونها.
ج- دحض الشبهات وتفنيد الافتراءات التي يروجها الغرب وأذنابه، للنيل من صلاحية الإسلام وتشريعاته في السياسة والحكم، وما يتبع ذلك من صرف الأمة عن التفكير في مصدر قوتها وعزتها. (1/5)
صفحة 6
د- تبيين حقائق هذا الموضع وتنقية أحكامه، مما علق بها من شطحات، وتأويلات فاسدة، وذلك بعرضها على الكتاب والسنة مع الاستهداء بسيرة الخلفاء الراشدين، والأئمة المقتدين.
ه- لا يزال فقه الإمامة غير مستوف حقه من البحث والتحليل، وإن كان قد ظهرت محاولات موفقة لإزالة الغبار عن هذا الكنز الثمين من التراث الفقهي العظيم، إلا أنها محاولات اقتصرت على جانب منه، وبعضها اكتفى بدراسته من خلال مذهب أو بعض المذاهب الفقهية، فقد كتبت رسائل علمية، وألفت أسفار في فقه الإمامة عن السنة والإمامة عند الشيعة، ولم يكتب حتى الآن([1]) –حسب علمي واطلاعي- في فقه الإمامة عند الإباضية.
وقد حرصت أن تكون دراستي هذه دراسة فقهية مقارنة بين المذاهب السبعة (الإباضي، والحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والزيدي، والإمامي) مع الأخذ بعين الاعتبار آراء الفرق والمذاهب، التي لم يعد لها وجود حي، وإنما بقيت مبادئها واجتهاداتها؛ حيث أنه من الخطورة بمكان القول إن مذهباً ما قد استوعب كل مسائل الإمامة، وأحاط بها علماء وأنه في غنى عما لدى المذاهب الأخرى، فالحكمة ضالة المؤمن، والاقتصار على مذهب بعينه اقتراف جريمة مع سبق الإصرار في حق التراث الفقهي، والعقل الإسلامي بل ويعتبر عدواناً –كما يقول أستاذنا الدكتور محمد فتحي الدريني: »في (حق العلم) في شرع الله ورسوله، فضلاً عما يورث من التشتت والتنازع، والشقاق، والتعصب المقيت، وهذا محرم قطعاً، بل هو موقف من (مواقف الإثم الكبرى) لكونه مضاداً لقصد الشارع من إنزال الشريعة كلها جملة وتفصيلاً«([2]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) كان ذلك أثناء اختياري للموضوع، ثم وجدت بعد فترة أن بحثاً قد كتبه الأخ الإباضي الجزائري عدون جهلان، بعنوان: »الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء القطب« لاستكمال متطلبات الماجستير.
([ (1/6)
صفحة 7
2]) الدريني (د. محمد فتحي): الفقه الإسلامي المقارن مع المذاهب، ص85.
المنهج الذي اتبعته في البحث:
وضعت لنفسي منهجاً أسير عليه وألتزم به منذ بداية تناولي لمادة البحث، ويتمثل فيما يلي:
أولاً: جمع مادة البحث من القرآن الكريم والسنة النبوية، وفقهها معتمداً في ذلك على أمهات كتب التفسير والحديث وشروحها.
ثانياً: جمع أقوال العلماء وآراء المذاهب من مصادرها، وإذا وجدت قولاً أو رأياً لعالم في مرجع ولم أتمكن من الرجوع إلى المصدر الأصلي ذكرت المرجع الذي اعتمدت عليه في المسألة وأشرت إلى المصدر.
ثالثاً: رجعت إلى المراجع الحديثة التي بحثت فقه الإمامة واستفدت منها استفادة كبيرة.
رابعاً: تجمعت لدي كمية ضخمة من مادة البحث، وحيث أن البحث مقيد بشروط ومواصفات فنية من حيث الحجم، اختصرت وحذفت كثيراً من المسائل والأدلة، واقتصرت على إبرازها وما لا ينبغي حذفه.
خامسا: توسعت في مناقشة بعض المسائل التي رأيت أنها بحاجة إلى تبيان وإيضاح، في حين آثرت الاختصار في المسائل التي هي محل اتفاق بين المذاهب، أو تلك التي من الوضوح بحيث لا يزيد البحث فيها إلا تطويلاً على حساب أخواتها.
سادساً: حرصت في إبداء رأيي الشخصي في بعض القضايا حيثما وجدت لذلك سنداً ودليلاً.
خطة البحث:
قسمت البحث إلى تمهيد، وأربعة فصول، وخاتمة، ثم قسمت الفصول، إلى مباحث، هذه إلى مطالب، وفروع.
وفي الفصل الأول تناولت الإمامة تعريفاً، وحكماً، وتكليفاً، وخصائصا وغاية، وقسمته إلى مبحثين:
المبحث الأول: تعريف الإمامة، وحكمها، وتكييفها الشرعي، ووزعته على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الإمامة.
المطلب الثاني: حكم نصب الإمام.
المطلب الثالث: التكييف الشرعي لسلطة الإمام.
المبحث الثاني: خصائص نظام الإمامة والغاية منها، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: خصائص نظام الإمامة.
المطلب الثاني: الغاية من الإمامة ومقارنتها بالنظم المعاصرة. (1/7)
صفحة 8
وفي الفصل الثاني بحثت طرق تولية الإمام، وعقد الإمامة، ووزعته على مبحثين:
المبحث الأول: طرق تولية الإمام، وقسمته إلى مطالب:
المطلب الأول: طريق الاختيار.
المطلب الثاني: طريق الاستخلاف.
المطلب الثالث: طريق القهر والغلبة.
المطلب الرابع: طريق النص.
المطلب الخامس: مقارنة طرق التولية، ومدى صلاحيتها في العصر الحاضر في ضوء التجارب.
المبحث الثاني: عقد الإمامة، وقسمته إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الشروط العامة للعقد.
المطلب الثاني: الشروط الخاصة، وهي: شروط أهل الاختيار ثم شروط المرشح للإمامة.
المطلب الثالث: مراحل عقد الإمامة
الفصل الثالث: حقوق الإمام وواجباته، وقسمته إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حقوق الإمام، وفيه المطالب التالية:
المطلب الأول: حق الطاعة.
المطلب الثاني: حق النصرة.
المطلب الثالث: الحقوق المالية.
المطلب الرابع: حق الولاية.
المبحث الثاني: واجبات الإمام، وذكرت منها الواجبات التالية:
المطلب الأول: حماية الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية، وفيه تحدثت عن الواجبات التالية:
أولاً: تطبيق الشريعة الإسلامية.
ثانياً: نشر الدعوة الإسلامية.
ثالثاً: حماية الدين والمحافظة عليه.
رابعاً: السياسة الخارجية للإمامة.
المطلب الثاني: تنظيم الجهاز الإداري والمالي للدولة.
المبحث الثالث: المسئوليات المشتركة بين الإمامة والأمة، وقسمته إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: النصيحة.
المطلب الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المطلب الثالث: الشورى.
الفصل الرابع: مدة ولاية الإمام وانتهاؤها، وقسمته إلى مبحثين:
المبحث الأول: مدة ولاية الإمام.
المبحث الثاني: انتهاء ولاية الإمام، وتناولت ذلك في مطلبين.
المطلب الأول: التنازل الاختياري »الاستقالة«.
المطلب الثاني: التنازل الإجباري »العزل«.
وختمت البحث بخاتمة أوجزت فيها ما توصلت إليه من آراء واستنتاجات.
الصعوبات التي واجهتني أثناء البحث: (1/8)
صفحة 9
لابد وأن يصطدم الباحث أثناء بحثه بصعوبات ومشكلات، ربما لم تخطر على باله وقت اختيار الموضوع، ومع ذلك فإن تلك الصعوبات تجعل للبحث قيمة، وفي التغلب عليه راحة، وفي ثمرتها حلاوة.
ولولا أن الباحثين قد تعارفوا على ذكر ما يواجهون من صعوبات، وما يتحملون في سبيل تذليلها من جهد وعناء؛ لما ذكرتها، ولآثرت نسيانها لتكون ذخراً لي عند ربي سبحانه وتعالى، وإني أسأله سبحانه أن لا ينقص من أجري شيئاً إذا قلت بأنني واجهت صعوبتين اثنتين:
الأولى: الموائمة يبن ضخامة الموضوع وسعته، وبين شروط ومواصفات الرسالة، فليس من السهولة بمكان أن يستوعب الباحث فقه الإمامة من خلال دراسة مقارنة في الحجم المشروط، ومع ذلك لخصت ولخصت، ثم أوجزت وأوجزت، في سبيل الالتزام بالمساحة القانونية، بحيث لم يبق –حسب اجتهادي- في مادة البحث، ما يحتمل الحذف أو الإيجاز.
الثانية: تشتت مادة البحث ومفرداته في كتب العقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والسير، والتاريخ، والأدب، فقد كان فقهاء المذاهب، وعلماء الشريعة –جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً- يتناولون مسائل الإمامة من جوانب عدة، الأمر الذي جعل فقهها يتوزع على جميع كتب العلوم الإسلامية، وبالتالي فإن جمع تلك المسائل يستغرق وقتاً طويلاً، ويتطلب جهداً كبيراً.
ولله الحمد أولاً وآخراً، فقد أعانني سبحانه على تجاوز تلك المفاوز، ووفقني إلى إتمام البحث، كما كان لصبر وحلم شيخي وأستاذي الأستاذ الدكتور/ ياسين درادكه ولتشجيعه الدافع الكبير والأثر العظيم في ذلك.
وأسال الله سبحانه أن يتجاوز عن سيئاتي، وما وقع مني في هذا البحث من خطأ أو سهو أو نسيان، وأن يتقبله مني، ويجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم إنا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء، ومرافقة الأنبياء، والنصر على الأعداء.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. (1/9)
صفحة 10
التمهيد الخلافة الإسلامية وتطورها
قامت الدولة الإسلامية في المدينة المنورة علي يد رسول الله صاى الله عليه وسلم - ومرت بأدوار وعصور مختلفة, ويمكننا القول أنها مرت منذ نشأتها بثلاثة عصور هي, عصر النبوة ونشأة الدولة, وعصر الخلافة الراشدة , وعصر الملك العضوض.
أولا: عصر النبوة ونشأة الدولة الإسلامية
بعث الله سبحانه وتعالى نبيه ورسوله محمدا – صلى الله عليه وسلم إلى الناس, وقد عمت معالم الجاهلية أرجاء المعمورة , وغدا الناص في ضلا بين »يعبدون الأوثان, ويطيعون الشيطان, ويموجون في سكرة, ويعمهون في فترة من أمور شتى وأديان متفرقة, يقتل بعضهم بعضا, ويسبي بعضهم بعضا«([1])
هب عليه الصلاة والسلام لتبليغ الرسالة, وأداء الأمانة, فدعا الناس إلى عبادة الواحد الأحد, وتنزيهه عن الشرك والمثل, وصدع بكلمة التوحيد والرسالة, وهي »لا اله إلا الله محمد رسول الله«, فقامت قائمة قريش ورأت أن ما كانت تتمتع به بين العرب من نفوذ ومكانة بات مهددا([2]), فوقفت ذلك الموقف المشين في وجه صاحب الرسالة والذين آمنوا معه, واستعملت كل وسائل التعذيب الجسدي والنفسي([3]) للقضاء على الدعوة ومن آمن بها, ووصل الأمر بقريش إلى تدبير محاولة جماعية لتصفية رسول الله صلى الله عليه وسلم جسديا([4]), بعد أن عجزت أساليب الترغيب والترهيب عن وقف انتشار الإسلام في بيوتات مكة وما حولها.
ولما يئس صلى الله عليه وسلم من إيمان قريش واستجابة زعمائها لدعوته, شرع في البحث عن أرض تكفل للجماعة المؤمنة حياة أكثر أمنا, وللدعوة قدرة علة الظهور والانتشار, فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة([5]), ثم كانت المحاولة الثانية في طرق أبواب الطائف([6]), حيث تسكن قبيلتا ثقيف وهوازن, اللتان رجا عليه الصلاة والسلام منهما قبول الدعوة, وتوفير النصر والحماية إلا إن أهل الطائف كانوا أشد عليه عداوة ممن سواهم, وردوه ردا قبيحا. (1/10)
صفحة 11
استمر عليه الصلاة والسلام يعرض دعوته على قبائل العرب أثناء موسم الحج والقبائل تصد عنه بسبب الدعاية المكثفة, والتشهير القبيح من جانب قريش ضده وضد دعوته([7]).
وقبل الهجرة إلى المدينة بشهور تكللت جهوده صلى الله عليه وسلم بالتوفيق حيث التقي الرسول في موسم الحج بوفد قبيلتي الأوس والخزرج فعقد معه بيعه »العقبة الكبرى«([8]), والتي بها بدأت معالم الدولة الإسلامية ترتسم في الأفق, وأصبح بإمكان المؤمنين المستضعفين في مكة أن يهاجروا بدينهم إلى المدينة المنورة.
وعندما أذن الله سبحانه لرسوله e بالهجرة, ووصل إلى المدينة المنورة, بدأت »مؤسسات الدولة« بالظهور, فبنى المسجد([9]), وآخى بين المهاجرين والأنصار([10]), وأنشأ سوقا للمسلمين حررهم من سيطرة اليهود الاقتصادية([11]) كما كتب علية الصلاة والسلام دستورا ينظم العلاقة بين المسلمين أولا, ثم بينهم وبين الطوائف غير المسلمة التي كانت تقطن المدينة المنورة, وقد عرف ذلك الدستور باسم »الصحيفة«([12]).
ولما تكد تمضي سنة على هجرته صلى الله عليه وسلم حتى بدأت بإرسال الطلائع والسرايا إلى المناطق الواقعة بين مكة والمدينة لاستكشاف أخبار العدو, ولبث الرعب والقلق في صفوف قريش([13]).
واستمر عليه الصلاة والسلام في القيام بالمهمة التي اقتضتها طبيعة الرسالة, وهي التبليغ ودعوه الناس إلى الإسلام باللسان والسنان, كما كان يقوم في الوقت نفسه بمهمة الحاكم والقائد للدولة الإسلامية.
وبعد ثلاثة وعشرين عاما قضاها منذ بدء البعثة مبلغا, وداعيا, وحاكما, وقائدا, وأصبح للإسلام كيان ودولة, التحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى, تاركا للمؤمنين من بعده مهمة نشر الإسلام, وإخراج الأنام من دياجير الشرك والهوى, إلى نور التوحيد والهدى فكانوا بحق ]خير أمة أخرجت للناس[([14]).
--------------------------------------------------------------------------------
([ (1/11)
صفحة 12
1]) القلهاتي (الشيخ محمد بن سعيد الأزدي): الكشف والبيان: 2/113.
([2]) حسن (حسن إبراهيم): تاريخ الإسلام: 1/82، ط7.
([3]) أنظر: ابن إسحاق: السير والمغازي، ص156، 159، 190-196، ابن هشام: السيرة النبوية: 2/9 وما بعدها، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام: 1/82-83.
([4]) أنظر: ابن هشام: السيرة النبوية: 2/122.
([5]) المرجع السابق 2/5، قطب (سيد): في ظلال القرآن: 1/29، ابن هشام: السيرة 2/67، أبو فارس (د. محمد عبدالقادر): النظام السياسي: ص136.
([6]) ابن هشام: السيرة 2/67، أبو فارس (د. محمد عبدالقادر): النظام السياسي: ص136.
([7]) ابن هشام: السيرة: 2/71 وما بعدها.
([8]) المرجع السابق: 2/86 وما بعدها.
([9]) المرجع السابق: 2/138.
([10]) المرجع السابق: 2/146.
([11]) أبو فارس: النظام: 142.
([12]) ابن هشام: السيرة: 2/143، أبو فارس: النظام: ص106.
([13]) ابن هشام: 2/233-242، ابن سعد: الطبقات: ص30712.
([14]) سورة آل عمران: الآية (110).
ثانيا: عصر الخلافة الراشدة:
خلافة أبي بكر رضي الله عنه:
ما كاد الصحابة –رضوان الله عليهم– يستفيقون من الصدمة الأولى التي حلت بهم ساعة إعلان وفاة النبي, وانقطاع الوحي, حتى وجدوا أنفسهم أمام مشكلة عويصة، وهي اختيار خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم إذ غدت الدولة الإسلامية مفتقرة إلى قائد وحاكم، يواصل أداء مهمة الحكم وتطبيق الإسلام، وقيادة الأمة.
وكان الأنصار أول من اهتم بهذا الأمر، ولعل مبعث ذلك هو »الموقف التاريخي الذي سجلته قبيلتا (الأنصار) ([1]) إلى جانب النبي في وقت نبذه حتى الأقربون«([2])، حيث كانت أرضهم وديارهم دار الهجرة، ومنطلق جيوش الفتح فأرادوا أن تكون الإمامة فيهم، فتداعوا إلى سقيفة »بني ساعدة« يتقدمهم سيد الخزرج، سعد بن عبادة للتشاور ثم اختيار خليفة للرسول. (1/12)
صفحة 13
وفي تلك الأثناء كان المهاجرون في بيت النبوة مشتغلين بتجهيز الجسد الطاهر، إلا أن وصول الخبر إليهم باجتماع الأنصار صرف اهتمام بعضهم عما هم فيه، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى السقيفة، وهناك دار حوار ونقاش بين الأنصار من جهة والمهاجرين الثلاثة من جهة أخرى كل يدلي بحجته ويقرر أحقيته بمنصب الخلافة، وبعد حوار ساخن اتسم بالشدة كاد أن يعصف بمن في السقيفة([3])؛ بادر عمر بن الخطاب مبايعة أبي بكر الصديق، تلاه أبو عبيدة ثم بشير بن سعد الأنصاري، وما لبث أن بايعه جميع من حضر الاجتماع إلا سعد بن عبادة؛ الذي رفض البيعة لأبي بكر، ثم لعمر بعد وفاة أبي بكر إلى أن توفي في خلافة عمر بالشام([4]).
وفي المسجد بايع المسلمون أبا بكر رضي الله عنه البيعة العامة([5])، خطب بعدها خطبة حدد من خلالها معالم السياسة التي سيسير عليها في الحكم، والعلاقة التي تربط الخليفة بالأمة من وجوب السمع والطاعة للخليفة، والتعاون معه في القيام بأعباء الحكم، وتصويبه إذا أخطأ في عمله([6]).
وهكذا استطاع تلاميذ النبوة أن يجتازوا الأزمة السياسية، ويحملوا الرسالة وينشروا الهداية، وينجحوا في أول امتحان يواجهونه بعد انقطاع الوحي مباشرة([7]).
خلافة عمر t: (1/13)
صفحة 14
ما إن أحس أبو بكررضي الله عنه بدنو أجله بسبب المرض الذي ألمّ به في آخر حياته، حتى بادر إلى استباق الأحداث التي يتوقع حدوثها بعد وفاته، حيث لابد من خليفة يخلفه من بعده، وربما تعود قصة السقيفة إلى الظهور مرة أخرى، ولتجنب حدوث ذلك جمع كبار المهاجرين والأنصار وقال لهم: »إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظني إلا لمماتي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمرموا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي«([8])، ففوضوا الأمر إليه، فطلب مهلة حتى ينظر ويستشير([9])، فوقع اختياره على عمر رضي الله عنه، وبعد أن استشار كبار الصحابة في اختياره ووافقوه على ذلك؛ دعا بعثمان لكتابة عهد الاستخلاف، ثم أمر كاتبه أن يقرأه عليهم ليتأكد من موافقتهم ورضاهم فكان الذي أراد([10]).
وبعد وفاة أبي بكر بايع المسلمون عمر بالخلافة فسار بسيرة صاحبيه –رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر- ونَعِمَ المسلمون في خلافته بالأمن والعدل، وتوسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهده، وانتشر الإسلام، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
خلافة عثمان t:
ولما طعن أبو لؤلؤة المجوسي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بخنجره المسموم طلب الصحابة من الخليفة أن يستخلف عليهم يحث رأوا في اختيار الخليفة قبل موت الخليفة القائم راحة للمسلمين، وقطعاً لدابر الاختلاف، إلا أن الخليفة أظهر تردداً([11]) ثم إنه استجاب لمطلبهم ورشح ستة من كبار الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ؛ علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف([12])، وضم إليهم عبدالله بن عمر على أن لا يلي المر وإنما يشترك في المشاورة فقط([13])، وبعد وفاة عمر اجتمع المرشحون الستة، واستمرت المشاورات ثلاثة أيام، انتهت باختيار عثمان بن عفان، فعقدت له البيعة بإجماع المسلمين([14]). (1/14)
صفحة 15
استمرت خلافة عثمان اثنتي عشرة سنة تقريباً([15])، كانت السنوات الست الأولى سنوات أمن واستقرار، ثم بدأ تظهر من بعض ولاة الأمصار والمعاونين أمور اعترض عليها الناس، وأثارت البلبلة والاضطراب في الأمة، وعندها أراد الناقمون على الخليفة تصحيح الأوضاع، وإعادة الأمور إلى نصابها، اعترض المقربون من الخليفة، مما أدى إلى تدهور الأمور، وتصاعد حدة الخلاف، مما حمل الثائرين على محاصرة الخليفة في داره مطالبين اعتزال الخلافة أو الاستجابة للمطالب([16]).
خلافة علي كرم الله وجهه:
بعد مقتل الخليفة الثالث فزع المسلمون إلى أبي الحسن علي بن أبي طالب طالبين منه استلام مقاليد الإمامة والخلافة، وبعد تردد واعتراض منه، وإلحاح بالقبول من بقية الصحابة وافق على ذلك، وعقدت له بيعة الإمامة برضا من أهل الشورى والمهاجرين والأنصار ووفود الأمصار([17]).
استلم الإمام علي كرم الله وجهه قيادة الأمة، ودفة الحكم، والأمور في اضطراب شديد، والناس في فرقة واختلاف، فقد خرج عليه طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فوقعت بينه وبينهم وقعة »الجمل«([18])، ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام بحجة الثأر لدم عثمان، فكانت وقعة »صفين«([19])، التي انتهت بخدعة »التحكيم«([20])، الشهيرة بعد أن لاحت بشائر النصر للإمام وجنده.
ثم كانت وقعة »النهروان«([21]) بين الإمام علي والمحكمة الذين رفضوا التحكيم بقيادة الإمام عبدالله بن وهب الراسبي([22])، وانتهت بانتصار الإمام علي.
وباغتيال الخليفة الرابع علي بن أبي طالب على يد عبدالرحمن بن ملجم([23]) انتهى عهد الخلافة الراشدة، وأصبحت الأمة منقسمة إلى ثلاث كتل:
الأولى: كتلة معاوية بن أبي سفيان الذي رأى في اغتيال الإمام علي إزاحة أكبر صخرة تقف في وجه طموحه السياسي. (1/15)
صفحة 16
الثانية: شيعة الإمام علي الذين بايعوا ابنه الحسين بعد وفاته إلا أن الحسن تنازل عن الأمر لمعاوية عام 41ه على أن يتولى الأمر من بعده([24]).
الثالثة: المحكمة الذين بقوا بعد معركة »النهروان« واستمروا على معارضتهم لمعاوية ومنهجه في الحكم.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الأوس والخزرج.
([2]) بيضون (إبراهيم): تكون الاتجاهات السياسية في الإسلام الأول: ص13.
([3]) أنظر أخبار السقيفة وبيعة أبي بكر t في: صحيح البخاري بفتح الباري: 13/14، ابن هشام: السيرة: 4/308، الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الأمم والملوك: 2/242 ما بعدها.
([4]) المراجع السابقة: ابن سعد: الطبقات: 3/616.
([5]) الطبري: تاريخ: 2/237.
([6]) ابن هشام: السيرة: 4/228.
([7]) الطبري: تاريخ: 2/245.
([8]) الكاندهلوي (محمد يوسف): حياة الصحابة: 2/19.
([9]) المرجع السابق: الطبري: 2/352.
([10]) الطبري: تاريخ: 2/352-353.
([11]) قال: »إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني –يعني أبا بكر- وإن أترك فقد ترك من هو خير مني –يعني الرسول e- لا أتحملها حياً وميتاً«، السير والجوابات لأئمة وعلماء عمان: 1/99.
([12]) ابن سلام الإباضي: الإسلام وتاريخه: ص125، الطبري: تاريخ: 2/580.
([13]) البخاري: الصحيح بفتح الباري: 7/61، الطبري: المرجع السابق: 2/581.
([14]) الطبري: المرجع السابق.
([15]) المحب الطبري: الرياض النضرة في مناقب العشرة: 3/76، وانتهى الحصار بقتل الخليفة الثامن في ذي الحجة سنة 35 للهجرة.
([16]) أنظر أحداث الفتنة في: القلهاتي: الكشف: 2/225، الطبري: تاريخ: 2/661-679.
([17]) القلهاتي: الكشف: 2/225، الطبري: تاريخ: 2/696.
([18]) أنظر: الطبري: 3/39 وما بعدها، 82، 85، أبي الفداء الحافظ ابن كثير: البداية والنهاية: 4/241-299.
([19]) نفس المرجع.
([20]) نفس المرجع.
([ (1/16)
صفحة 17
21]) نفس المرجع.
([22]) يعتقد المحكمة أن الإمام علي بن أبي طالب قد خرج من الإمامة بقبوله مبدأ التحكيم وبالتالي أصبح منصب الإمامة شاغراً، فبادروا إلى اختيار عبدالله بن وهب الراسبي إماماً للمسلمين، وطالبوا الإمام علي بالدخول في طاعته. أنظر: القلهاتي: الكشف: 2/239.
([23]) الطبري: تاريخ: 3/156.
([24]) المرجع السابق: 3/164، 165.
ثالثاً: عصر الملك العضوض ونشأة المذاهب:
الدولة الأموية:
يمثل استيلاء معاوية على الحكم –بعد موت الإمام علي ثم تنازل ابنه الحسن عن الإمامة- بداية الملك العضوض الذي عمل معاوية على ترسيخه، وتثبيت قواعده بكل ما أوتي من دهاء وحنكة، وحلم، وحكمة، مستخدماً في سبيل ذلك وسائل الترغيب والترهيب([1])، ثم توج أعماله في القضاء على نظام الشورى في الحكم، باستحداث نظام الوراثة، فأخذ البيعة لولده يزيد بأسلوب قاس عبر عنه بنفسه، إذ قال لولده يزيد وهو يوصيه: »يا بني إني كفيتك الرحلة والترحال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب..« ([2]). (1/17)
صفحة 18
وحقيقة الأمر إن مظاهر الخلافة وقواعد الحكم قد تغيرت في العهد الأموي إلى نمط مغاير تماماً لما كان عليه الخلفاء الراشدون سواء في تسيير دفة الحكم، أو في معيشة الخلفاء، أو في العلاقة بين الأمة والحاكم، »فبعد أن كان الخلفاء الراشدون للناس كافة لا يمنعهم دون الخليفة حجاب، ولا يصدهم عنه باب؛ وجد في العهد الأموي الحجاب والمقاصير في المساجد الجامعة.. وبعد أن كان الخلفاء بعيدين عن مظاهر الترف يجتزئ أحدهم بأقل مما يجتزئ به الضعفاء من رعيتهم، ويتمنى بعد ذلك أن يخرج من الدنيا كفافاً لا عليه ولا له؛ صرنا نرى بني مروان قد انغمسوا في الترف، فاختيرت لهم الألوان، وتبسطوا بما لذ وطاب، فسمعوا الأغاني من القيان؛ كما يروى عن يزيد بن عبدالملك وابنه الوليد، وبعد أن كانت الخلفاء تختار من بيوت متعددة؛ رأينا الخلافة في هذه الدولة قد انحصرت في بيت واحد، يختار كل خليفة ولي عهده من أهل بيته؛ إما ابنه أو أخاه، أو ابن عمه، شأن الملك العقيم..« ([3]).
فكان من نتيجة ذلك أن قامت ثورات متعددة، وحركات معارضة([4])، متفاوتة في القوة والضعف، ومتغايرة في المبادئ والأساليب، إلا أنه يجمعها هدف واحد؛ وهو إسقاط الزعامة الأموية.
وقد كان هناك بصيص من الأمل بدأ يسطع في سماء الأمة الإسلامية وذلك عندما تولى الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز مقاليد الإمامة والخلافة، وسار سيرة »راشدية« في حياته الخاصة، وعلاقته مع الناس، وكادت شمس الخلافة الراشدة أن تبزغ ثانية، لولا حب الملك والتعلق بالدنيا الذي تعمق في قلوب الأمويين، الأمر الذي عجل سقوط الدولة الأموية بعد واحد وتسعين عاماً من قيامها([5])، لتقوم بعدها الدولة العباسية.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) رضا (الشيخ محمد رشيد): الخلافة: ص52، المودودي: الخلافة: ص113-115.
([ (1/18)
صفحة 19
2]) الطبري: تاريخ: 3/160، وانظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير: (3/349) وما بعدها، لتقف على أحداث وتفاصيل البيعة بولاية العهد من كبار الصحابة وزعماء القبائل والأمصار.
([3]) محمد الخضيري بك: محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية: الدولة الأموية: 2/209.
([4]) أنظر: الأشعري: (الإمام أبو الحسن): مقالات الإسلاميين: ص75-85، ص128-131.
([5]) من سنة 41ه-132ه. السيوطي: (عبدالرحمن بن أبي بكر): تاريخ الخلفاء، ص222، 927.
ظهور الفرق والمذاهب الإسلامية:
شهد العصر الأموي ظهور الفرق والمذاهب التي كان لها أثر في فقه الإمامة وتطوره، ولا يخفى أن سبب نشوء تلك الفرق والمذاهب هو الخلاف حول الخلافة والإمامة، بيد أنها لم تكن في بداية تكوينها، تعرف بالمذاهب »لأن المذاهب يقتضي أن يتكون من منهاج علمي لفريق من الدارسين والباحثين، يبينون فيه أصولاً لتفكيرهم متميزة واضحة، ثم يكون لكل منهاج طائفة أو مدرسة تعتنق هذه الأصول، وتدافع عنها، وتقويها بموالاة البحث والدراسة«([1]) وهذا ما لا نلاحظه في المرحلة الأولى التي يتكتل خلالها الأفراد، لاتفاقهم في وجهة نظر معينة، أو موقف بسبب ظرف من الظروف، وانطلاقاً من هذا الاعتبار، وفي ضوء هذه النظرة فإننا لن نتحدث الفرق التي انقرض أتباعها وبقيت مبادؤها في الكتب، وإنما نقتصر على المذاهب التي لها وجود في عصرنا الحاضر، اختصاراً للزمن وإيجازاً في العرض، والمذاهب التي سنعرف بها الشيعة والإباضية.
أولاً: الشيعة: (1/19)
صفحة 20
يرى علماء الشيعة أن بذرة التشيع قد غرست في عصر النبوة، مستشهدين على ذلك بالآيات والأحاديث التي نزلت –بزعمهم- في علي وبنيه([2])، ويرون أن السبب في عدم ظهوره حتى عصر الخليفة الرابع –كرم الله وجهه- هو استقامة من سبقه من الخلفاء، فلم يكن هناك من سبب يدعو إلى ذلك »لأن الإسلام كان يجري على مناهجه القويمة«([3])، وإنما بدأ بالظهور لما امتنع معاوية عن البيعة لعلي وقاتله في صفين.
ومهما يكن من أمر، فإن التشيع قد ظهر بصورة أوضح، وازداد نمواً وتعمقاً بعد الإمام علي، فكان كلما تمادى الأمويين في إيذاء آل البيت وشيعتهم؛ ازداد معنى التشيع تعمقاً وغلواً، وأخذ الشيعة يضفون على أئمتهم من التقديس والثناء، والفضل، بمقدار ما ينالون من شتم وطعن وإيذاء([4]).
وإذا كانت الشيعة قد لاقوا العيش المر في عصر الأمويين، الأمر الذي حملهم على التعاون مع العباسيين للقضاء على العدو المشترك –الأمويين- إلا أنهم لم يسلموا من أبناء عمهم أيضاً؛ إذ سار العباسيون على نهج من سبقهم فـ»تتبعوا الذراري العلوية من بني عمهم، فقتلوهم تحت كل حجر ومدر، وخربوا ديارهم، وهدموا آثارهم«([5])، الأمر الذي دفعهم إلى التخفي والتستر، والعمل بالتقية في القول والفعل، هذا، وقد انقسم الشيعة إلى فرق كثيرة([6])، لكل فرقة أصولها، وآراؤها، والذي يهمنا من هذه الفرق فرقتان، هما الإمامية والزيدية.
أ- الشيعة الإمامية:
فقد سميت بهذه الاسم لقولها بإمامة الأئمة الإثني عشرية، ويسمون أيضاً بالجعفرية نسبة إلى الإمام جعفر الصادق([7]).([8])، هم يرون الإمامة أصلاً من أصول الدين، ويجعلونها في مرتبة النبوة([9])، لهذا تراهم يحصرون الإمامة في الأئمة الإثني عشر([10])، الذي يعقتدون أن النبي قد نص عليهم وأوصى بالإمامة لهم.
ب- الزيدية: (1/20)
صفحة 21
أتباع([11]) الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي خرج على الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك سنة 122ه، فالتف حوله عدد كبير من الشيعة إلا أنهم تفرقوا عنه بعد أن رفض التبرؤ من الخليفتين أبي بكر وعمر، وقال: »ما سمعت أحداً من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيراً«([12]) قاتل الأمويين بمن بقي معه، حتى استشهد([13])، هذا، ويرى الزيدية أن تسميتهم بهذا الاسم قد جاءت من خصومهم بني أمية، ولم يطلقوها هم على أنفسهم، ولكنهم رضوا بها فيما بعد، وصارت لديهم اسماً لأئمة أهل البيت ومن تابعهم في الاعتقاد([14])، الذي يعتقدونه وهو القول بـ»العدل والتوحيد، والقول بإمامة زيد بن علي.. ووجوب الخروج –الثورة- على الظلمة، واستحقاق الإمامة بالفضل والطلب، لا بالوراثة، مع القول بتفضيل الإمام علي كرم الله وجهه، وأولويته بالإمامة، وقصرها من بعده في البطنين الحسني والحسيني«([15]) أي أبناء الحسن والحسين ابني فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
ثانياً: الإباضية:
تعود نشأة المذهب الإباضي إلى أوائل النصف الثاني من القرن الأول الهجري، حيث بدأ في مدينة »البصرة« كحركة إصلاحية، وتنظيم سياسي بقيادة شخصيات من كبار التابعين، آلمها الحال الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية من الابتعاد عن منهج الخلافة الراشدة في السياسة والحكم، وتدبير مصالح الأمة، ورأت أن لا خلاص من ذلك إلا بالعودة إلى النهج الراشدي في اختيار الإمام وممارسة صلاحياته، وكان على رأس تلك الحركة ثلاث شخصيات يعود إليها الفضل في تأسيس الحركة، وبلورة أفكارها، ومبادئها، وهذه الشخصيات هي: أبو بلال مرداس بن حدير التميمي، وعبدالله بن أباض، والإمام جابر بن زيد الأزدي.
وحيث إن تاريخ المذهب الإباضي من حيث نشأته وبدايته لا يزال مجهولاً عند أكثر المهتمين بالدراسات المقارنة، فإننا سنتحدث في لمحة سريعة عن بداية تكوين المذهب على يد الشخصيات السالفة الذكر. (1/21)
صفحة 22
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أبو زهرة (الشيخ محمد): تاريخ المذاهب الإسلامية: ص23.
([2]) كاشف الغطا (الشيخ محمد الحسين): أصل الشيعة وأصولها، ص53.
([3]) المرجع السابق ص59.
([4]) كاشف الغطا: المرجع السابق: ص63.
([5]) المرجع السابق: ص65.
([6]) أنظر: النوبختي (الحسن بن موسى): فرق الشيعة.
([7]) جعفر بن محمد بن علي، الملقب بالصادق (80-148ه)، سادس الأئمة الإثني عشرية عند الإمامية، له منزلة رفيعة في العلم والفضل، له (رسائل) مجموعة في كتاب، ورد ذكرها في »كشف الظنون«، ولد وتوفي بالمدينة المنورة. الأعلام للزركلي: 2/126.
([8]) عتوم (محمد عبدالكريم): النظرية السياسية المعاصرة للشيعة؛ ص26.
([9]) سورة القصص: الآية (68).
([10]) كاشف الغطا: المرجع السابق: ص73.
([11]) وهم على الترتيب: الإمام علي، الحسن، الحسين، علي بن الحسين، محمد بن علي، جعفر بن محمد، موسى بن جعفر، علي بن موسى، محمد بن علي، علي بن محمد، الحسن بن علي، محمد بن الحسن. عتوم: النظرية السياسية: ص32.
([12]) أبو زهرة: المذاهب الإسلامية: ص44.
([13]) المرجع السابق: ص657 وما بعدها.
([14]) المرجع السابق: ص657 وما بعدها.
([15]) الفضيل (علي عبدالكريم): الزيدية نظرية وتطبيق: ص2012، المرجع السابق: ص11.
أ- نشأة المذهب الإباضي: (1/22)
صفحة 23
كان أبو بلال ممن اشترك في واقعة »النهروان« مع المحكمة([1])، وبعد الهزيمة التي ألحقها بهم الإمام علي انتقل أبو بلال وجماعته إلى البصرة([2])، وقرروا انتهاج سبيل المعارضة السلمية، والدعوة بالحوار والإقناع، من غير أن يشهروا سلاحاً، فكانت دعوتهم تسري بين الناس بشكل سريع جعل عبيدالله بن زياد والي العراق (55-64ه) يقول: »كلام هؤلاء –أبو بلال وجماعته- أسرع إلى قلوب الناس من النار إلى اليراع«([3])، مما حمله على ملاحقتهم، وحبسهم وقتلهم([4])، وكان لا يترك لهم أي فرصة لطرح أفكارهم بطريقة علنية، الأمر الذي اضطرهم إلى الاختفاء وترك المناقشات العامة، والحوار العلني، واقتصروا على اللقاءات الخاصة في سراديب([5])، تحت الأرض أو في بيوت العجائز، يأتونها في هيئة النساء والتجار([6]).
إلا أن الوالي الأموي لم يكف عن حبس وقتل كل من يلقى القبض ليه فرأى أبو بلال أن البقاء في البصرة يعرض الجماعة للإبادة، والحركة إلى الزوال، فقال لأصحابه: »إنه والله لا يسعنا القيام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانفين للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا نشذ عنهم، ولا نجرد سيفاً، ولا نقاتل إلا من قاتلنا«([7])، فخرج مع بعض أصحابه باتجاه فارس ونزلوا »آسك«([8])، فأرسل إليهم ابن زياد ألفي رجل فهزمهم أبو بلال، ثم أرسل أربعة آلاف فقضوا على أبي بلال ومن معه، وهم بين راكع وساجد سنة 61ه([9]).
وكان لهذه الحادثة رف فعل عنيف عند أصحاب أبي بلال، الذين آثروا البقاء في البصرة »فعزموا على الخروج، ويفهم عبدالله بن إباض ونافع بن الأزرق ووجوه المسلمين، فلما جن الليل سمع عبدالله دوي القراء، وترنين المؤذنين وحنين المسبحين فقال لأصحابه: أعن هؤلاء أخرج معهم«([10])، فرجع وبقي في البصرة مع من بقي فيها من أصحابه. (1/23)
صفحة 24
هذا، وتعتبر هذه الحادثة مؤشراً([11]) لظهور تسمية هذه الحركة »الإباضية«، ويؤكد ذلك اختيار الجماعة عبدالله بن إباض للقيام بدور المدافع عن آراء الحركة، ومبادئها، لمكانته القبلية، فهو من بني تميم، ولإخفاء القيادة الحقيقية المتمثلة في شخص الإمام جابر بن زيد الذي تولى قيادة الحركة منذ انضمامه إليها في عهد أبي بلال([12])، ذلك الاختيار الذي جعل الآخرين من خارج الحركة يظنون أن أبي إباض هو زعيم الحركة وإمامهم، فنسبت إليه([13]).
هذا، وقد استمرت الحركة الإباضية في مرحلة السرية والكتمان، طوال قيادة الإمام جابر الذي توفي سنة 93ه، فخلفه في القيادة تلميذه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي([14]).
استمر أبو عبيدة يقود الحركة ويديرها، ويعد أعضائها إعداداً روحياً وعلمياً، وطور التنظيم من حيث الإدارة والفكر والحركة، وأصبح للحركة المجالس الخاصة والعامة، وامتد نشاط الدعوة في عهده إلى عمان، واليمن وشمال أفريقيا، وغيرها من الأقاليم الإسلامية البعيدة عن عيون السلطة المركزية للدولة الأموية، وعن مركز الحركة وقيادتها في البصرة.
ولم يكد يمضي من القرن الثاني الهجري عقدان من السنين حتى أصبح الإباضية قادرين على تحقيق هدفهم، ألا وهو إقامة »إمامة الظهور« وعودة الخلافة الراشدة، وذلك ما حدث فعلاً، فعندما واتتهم الفرصة وأيقنوا من قدرتهم وتمكنهم من تحقيق النصر أعلنوا الإمامة في اليمن سنة 129ه([15])، وفي عمان سنة 132ه([16])، وفي طرابلس »شمال أفريقيا« سنة 142ه([17])، ثم في الجزائر سنة 160ه([18]).
مما سبق يتبين لنا أن المذهب الإباضي تكون في أول أمره كجماعة إسلامية وحركة إصلاحية، ثم بتوالي الأيام تطور إلى مذهب فقهي كغيره من المذاهب الإسلامية.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) خليفات (د. عوض محمد): نشأة الحركة الإباضية: ص65. 2.
([2]) المرجع السابق.
([ (1/24)
صفحة 25
3]) الدرجيني (الشيخ أبو العباس أحمد بن سعيد): طبقات المشايخ بالمغرب: 2/217، واليراع: القَصبُ واحدتها بهاء »قَصَبة« القاموس المحيط: 3/105.
([4]) المرجع السابق، ابن الأثير: الكامل: 3/361.
([5]) الدرجيني: المرجع السابق: 2/224.
([6]) الدرجيني: المرجع السابق: 2/250.
([7]) المرجع السابق: 2/218.
([8]) اسم الموضع الذي بين دامهرمز وآرجان من فارس، الحموي (ياقوت): معجم البلدان: 1/53.
([9]) الدرجيني: الطبقات: 2/220-222، الطبري: تاريخ: 3/344، ابن الأثير: الكامل: 3/444.
([10]) البرادي (أبو القاسم بن إبراهيم): الجواهر المنتقاة: ص155، أما نافع بن الأزرق ومن خرج معه فقد تطرفوا –بعد خروجهم- في مبادئهم وعقائدهم، فانتحلوا الهجرة، وحكموا على مخالفيهم بالشرك، واستحلوا دماءهم، وغنم أموالهم، وسبي نسائهم وأطفالهم، وحرموا مناكحتهم وموارثتهم الأمر الذي جعل عبدالله بن إباض يعلن البراءة منهم. القلهاتي: الكشف: 2/423، وانظر: الشهرستاني (محمد عبدالكريم): الملل والنحل، ص120-122، البرادي: الجواهر: ص165، السير والجوابات: 2/342
([11]) جهلان (عدون): الفكر السياسي عند الإباضية، ص31.
([12]) عن علاقة الإمام جابر بن زيد بالإباضية؛ أنظر: خليفات: نشأة: ص86-102.
([13]) للوقوف على تفصيل ذلك أنظر: معمر (الشيخ علي يحيى): الإباضية مذهب إسلامي معتدل: ص9-10، أعوشت (بكير سعيد): دراسات إسلامية في أصول الإباضية، ص20، ط خليفات: نشأة الحركة: ص80-92.
([14]) أنظر ترجمة وافية عنه في: نشأة الحركة الإباضية للدكتور عوض خليفات ص103 وما بعدها.
([15]) المرجع السابق: ص120.
([16]) المرجع السابق: ص130.
([17]) المرجع السابق: ص148.
([18]) المرجع السابق: ص168. (1/25)
صفحة 26
واستمر الإباضية يقيمون الإمامة العادلة في عمان كلما سنحت لهم الفرصة، فإذا ما ضعفت الإمامة قامت الملكية على أنقاضها، وهكذا دواليك، وكانت آخر إمامة استطاع الإباضية إقامتها سنة 1331ه، واستمرت حتى عام 1375ه حيث قضى عليها أعداء العدل والحرية والشورى. السالمي (الشيخ محمد بن عبدالله السالمي): نهضة الأعيان بحرية عمان: ص150، 427.
ب- مسالك الدين عند الإباضية:
قبل أن نتناول آراء الإباضية في أحكام الإمامة في فصول البحث؛ لابد وأن نسلط الضوء على طرق نظام الحكم عندهم وهو ما يعرف بـ»مسالك الدين«، إذ أن معرفة هذه الطرق »المسالك« تجعل المقارنة بعد ذلك أمراً يسيراً، فالإمامة العظمى –موضوع البحث- مسلك من مسالك الدين عند الإباضية، الأمر الذي يقتضي منا معرفة هذه المسالك، هذه المسالك هي ثمرة الخط السياسي المعتدل الذي سار عليه الإباضية منذ قرن النبوة، فهم يرون الإمامة العظمى واجبة –كما سيأتي-، لوجوب تطبيق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلموحيث إنهم لم يكونوا قادرين دائماً على إقامة الإمامة العظمى والمحافظة عليها، فقد تولد لديهم فقه سياسي جمع بين أصالة المبادئ وظروف الواقع، هذا الفقه وفر لهم »أسباب التكيف والتأقلم مع الحياة وتطورها، مع الأمم وساستها، مع المخالفين وعقائدهم، كل ذلك ضمن الإطار الشرعي وفي حمى الكتاب والسنة«([1]).
تعريف مسالك الدين:
عرف الإباضية المسالك بأنها »الطرق التي يتوصل بها إلى إنفاذ الأحكام الشرعية«([2])، أو هي: »مراحل الإمامة لدى الإباضية التي يمكن أن تجتازها في مختلف أدوار حياتها إزاء واجب الدعوة إلى الله«([3]).
أنواع مسالك الدين:
تنقسم مسالك الدين باعتبار الظروف التي تمر بها الأمة إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: مسالك الكتمان: (1/26)
صفحة 27
هو الطريق الذي يسلكه أهل الحق عندما تكون السلطة الحاكمة جائرة، ظالمة، معطلة لشرع الله، وأهل الحق لا يستطيعون إزالتها، وإقامة حكومة عادلة مكانها.
وفي هذا المسلك يبتعد أهل الحق عن مسرح الحياة السياسية، ويمتنعون عن التعاون مع السلطة القائمة، ويرفضون تولي المناصب التي تزيد من مكانتها وسطوتها، وتقتصر علاقتهم معها في الأمور المفترضة مثل جباية الأموال المؤداة إليها، كما يعتنق في هذا المسلك بالتربية وتأهيل الأفراد، وإعدادهم روحياً وعلمياً، وإقامة مراكز التعليم والمعرفة([4]).
ولا يعني هذا المسلك السكوت على الظلم، والرضى بالواقع، وإنما فترة إعداد وحشد لاستلام الحكم، وإعلان الإمامة العظمى »إمامة الظهور« وهو مسلك »إنكار المنكر بالقلب«([5])، إلا أنه إنكار الإيجابي المتحرك، لا إنكار الذليل المستكين.
النوع الثاني: مسلك الشراء:
وهو: »أن يبيع أربعون مسلماً فما فوق أنفسهم لله تعالى ويعلنون الجهاد أمام السلطة الجائرة«([6]).
ومن الأدلة على مشروعية هذا المسلك قوله تعالى: ]ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد[([7])، وقوله سبحانه: ]إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون[([8]، والهدف من هذا المسلك إبقاء روح الجهاد والاستشهاد في الأمة التي سلب حقها في اختيار حاكمها، وقيدت حريتها، وانتهكت كرامتها، وحتى تشعر الأمة بواجبها، وتبقى واثقة من »أن هناك قوة إلهية أقوى وأشد من القوة المادية الحاكمة التي وصلت إلى الحكم عن طريق الوسائل اللاأخلاقية، لأجل حب الرئاسة ومفاتنها«([9])، فلا ترضخ للواقع، ويبقى في نفسها شعاع من الأمل الذي يجعلها تتطلع إلى يوم الخلاص من الذل والاستعباد.
النوع الثالث: مسلك الدفاع: (1/27)
صفحة 28
يكون هذا المسلك حينما تكون الأمة بلا إمام، فيهاجمهم عدو في عقر دارهم، أو أن يحدث جور من الإمام أو فسق يخرجه من الإمامة، فلا يعتزل، ففي حدوث إحدى هاتين الحالتين يجتمع المسلمون ويختارون إماماً يدافعون تحت قيادته عن دين الله، ودار الإسلام، فإذا زال القتال بهزيمة المعتدي أو الإمام الجائر انتهت إمامته([10])، إلا أن يراه المسلمون صالحاً للإمامة العظمى فيثبتونه ويصبح »إمام ظهور«.
أما إذا كانت النتيجة الهزيمة في جيش الإمام المدافع، فهم بالخيار؛ إما أن يثبتوا في القتال حتى يستشهدوا جميعاً، أو يتراجعوا ويسلكوا مسلك الكتمان([11]).
النوع الرابع: مسلك الظهور:
وهو أعلى مسالك الدين، وهو »الإمامة العظمى«، التي تنفيذ شرع الله، وتقيم العدل، وتحكم بالكتاب والسنة، لا يخضع فيها الوطن »لأجنبي بوجه من الوجوه، ولا يستبد به حاكم، ولا يطغى عليه ذو سلطان«([12])، وإنما الحاكمية فيه لله، والحاكم مسؤول أمام الأمة، لا يتميز على فرد فيها إلا بالمسئولية التي يتحملها بالنيابة عن المسلمين.
ومسلك الظهور هو أعلى درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([13])، إذ يكون التغيير فيه من قبل الدولة باعتبارها المخاطبة بالتوجيه الرباني في قوله تعالى: ]الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[([14]).
هذا، وسنقتصر أثناء مقارنة فقه الإمامة في بحثنا على أحكام هذا النوع من المسالك باعتباره يمثل الإمامة العظمى، أما المسالك الثلاثة الأولى فإن لها أحكاماً تفصيلية دقيقة، لا يتسع البحث للحديث عنها، وهي جديرة بالبحث في رسالة مستقلة لأنها تمثل تجربة واقعية؛ حري بنا أن نقف عندها دراسة واستفادة، ونحن نعيش مرحلة من الصراع الحضاري الذي يستهدف محو هذه الأمة العظيمة من الوجود، أو على الأقل تحجيم دورها، وطمس معالم شخصيتها. (1/28)
صفحة 29
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) عدون جهلان: الفكر السياسي: ص199.
([2]) القطب (الشيخ محمد بن يوسف أطفيش): شرح عقيدة التوحيد: ص113، نقلاً عن: عدون: الفكر السياسي: ص198.
([3]) فتاوى البكلي: 2/337، نقلاً عن: عدون: المرجع السابق.
([4]) معمر (الشيخ علي يحيى): الإباضية في موكب التاريخ: الحلقة الأولى: ص95، 96.
([5]) الكندي (الشيخ سليمان بن محمد بن أحمد): بداية الإمداد شرح غاية المراد للعلامة السالمي: ص66. 3.
([6]) أعوشت: دراسات: ص112.
([7]) سورة البقرة: الآية (207).
([8]) سورة التوبة: الآية (111).
([9]) أعوشت: دراسات: ص112.
([10]) الشماخي (أبو العباس أحمد بن سعيد) والتلاتي (أبو سليمان داود بن إبراهيم): مقدمة التوحيد وشروحها: ص70، أعوشت: دراسات: ص112.
([11]) الكندي (الشيخ أحمد بن عبدالله): المصنف: 10/61.
([12]) معمر: الإباضية في موكب التاريخ: الحلقة الأولى: ص93.
([13]) الكندي: بداية الإمداد: ص65.
([14]) سورة الحج: الآية (41).
المبحث الأول:التعريف بالإمامة وحكمها وتكييفها الشرعي
:المطلب الأول تعريف الإمامة
أولاً: تعريف الإمامة لغة:
الإمامة من أم، و»الأم –بالفتح-: القصد، أمه، يؤمه: إذا قصده، وأم القوم، وأم بهم: تقدمهم، وهي الإمامة، والإمام: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم، أو كانوا ظالمين، وفي التنزيل: ]فقاتلوا أئمة الكفر[([1])، أي رؤساء الكفر وقادتهم الذين ضعفاؤهم تبعاً لهم.
قال الجوهري: »الإمام: الذي يقتدى به، وجمعه أيمة، وأصله (أئممة) على (أفعله) مثل إناء: آنية، وإله: آلهة، فأدغمت الميم فنقلت حركتها إلى ما قبلها، فلما حركوه بالكسر جعلوهاء ياءً، وإمام كل شيءٍ: قيمة، والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وأممت القوم بالصلاة: إمامة..« ([2]). (1/29)
صفحة 30
وفي القاموس: »الإمام ما ائتم به من رئيس وغيره.. والخيط يمد على البناء فيبنى، والطريق، وقيم الأمر المصلح له، والنبي صلى الله عليه وسلم والدليل، والحادي للإبل...« ([3]).
خلاصة الأمر: أن الإمام في اللغة هو القائد، والقدوة، وقيم الأمر المصلح له والإمامة تعني القيادة.
ثانياً: الإمامة اصطلاحاً:
وردت عن المذاهب تعريفات كثيرة للإمامة، ومن هذه التعريفات:
1- تعريف الإباضية: عرف الإباضية الإمامة بأنها: »الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم «([4]).
2- تعريف المالكية: عوف ابن خلدون الإمامة بأنها: »خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا«([5]).
3- تعريف الحنفية: وعرف التفتازاني الإمامة بقوله: »نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين بحيث يجب على كافة الأمم الاتباع«([6]).
4- تعريف الشافعية: وعرفها الماوردي الشافعي في (الأحكام السلطانية) ([7]) بأنها: »خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا«.
5- تعريف الزيدية: وعرفها الزيدية بقولهم: »رئاسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ليس فوقه يد إلا يد الله تعالى«([8]).
6- تعريف الإمامية: عرف الإمامية الإمامة بأنها »رياسة في الدين والدنيا، ومنصب إلهي يختاره الله بسابق علمه، ويأمر النبي بأن يدل الأمة عليه، ويأمر باتباعه«([9]).
إلى غير ذلك من التعريفات، ونلاحظ من التعريفات السابقة أن التعريفات الأربعة الأولى متقاربة المعنى، مختلفة المبنى، وكلها تجمع على اعتبار الإمامة خلافة النبوة شاملة لأمور الدين والدنيا.
أما تعريفا الزيدية والإمامية فإنها قد اصطبغا بنظرة كلا المذهبين لمنصب الإمامة التي أشرنا إليها في التعريف بالمذهبين في المبحث الأول.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) سورة التوبة: الآية (12).
([2]) ابن منظور: لسان العرب: 12/22.
([ (1/30)
صفحة 31
3]) الفيروزآبادي: القاموس المحيط: 4/77.
([4]) أعوشت: دراسات: ص145.
([5]) مقدمة: ص191.
([6]) التفتازاني (سعد الدين): شرح العقائد النسفية للإمام النسفي: ص15.
([7]) ص5.
([8]) الصنعاني (أحمد بن قاسم العنسي اليماني): التاج المذهب لأحكام المذهب شرح متن الأزهار في فقه الأئمة الأطهار: 4/404.
([9]) الزنجاني (إبراهيم الموسوي): عقائد الإمامية الاثني عشرية: ص72.
المطلب الثاني حكم نصب الإمام
اختلفت المذاهب الإسلامية في حكم نصب الإمام، وطريق ثبوت هذا الحكم، ومن المخاطب به إلى أربعة أقوال: القول الأول: نصب الإمام واجب شرعاً على الأمة، وهو مذهب الإباضية([1])، والسنة([2])، والزيدية([3])، وأكثر المعتزلة([4])، والخوارج([5]).
الأدلة: استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1- قوله تعالى: ]يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم[([6])، وأولوا الأمر هم الأئمة على أرجح الأقوال([7]).
وجه الاستدلال: قال القطب في شرح النيل وشفاء العليل: »قرن طاعة الأئمة بطاعته U وطاعة رسوله e؛ إذ قال: ]وأولي الأمر منكم[، وقال: ]فليحذر الذين يخالفون عن أمره[، وأمر الأئمة كأمره لقرنهم به في الطاعة فدل أن طاعتهم واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثله، ففيه الأمر بإيجادهم ونصبهم«([8]). (1/31)
صفحة 32
2- الآيات الواردة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومدح الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر كقوله تعالى: ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون[([9])، ]الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[([10])، وقد ساق القطب في شرح النيل في وجوب الإمامة اثنتي عشرة آية، وثمانية عشر حديثاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: »ووجوب الأمر والنهي إنما هو بالشرع كهذه الآيات والأحاديث، لا بالعقل بدليل ترك الذمي على كفره، وذلك هو الحق وعليه الأكثر«([11]).
3- الآيات الكريمة التي جاءت بأحكام شرعية كالحدود، وجباية الصدقات، والآيات الآمرة بالحكم بما أنزل الله، وقتال الكفار وغيرها من الأوامر والفرائض، وهذه لا ينفذه فرد، وإنما جعلها الله للأئمة، فإقامة الإمام ونصبه فريضة؛ لأن ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض مثله([12]).
4- قول النبي صلى الله عليه وسلم: »لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم«([13])، وقوله صلى الله عليه وسلم: »إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم«([14]).
قال العلامة الشوكاني: »وإذا شرع هذه لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض، أو يسافرون ، فشرعيته لعدد أكبر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم وفصل الخصومات أولى وأحرى، (وفي ذلك دليل) لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام..« ([15]).
5- روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية«([16]).
قال الحافظ ابن حجر: »والمراد بالميتة الجاهلية، وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس لهم إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك«([17]). (1/32)
صفحة 33
فالحديث بين المصير المفزع، والنهاية الخاسرة التي تنتظر من يموت وليس في عنقه بيعة للإمام، وفي ذلك دليل على وجوب نصب الإمام، فالوعيد الشديد لا يأتي إلا على ترك واجب من أمور الدين.
6- الأحاديث التي توجب الطاعة لأولى الأمر من الأئمة والأمراء فيما لا معصية فيه([18]).
7- ومن السنة الفعلية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح بلداً أمر عليه أميراً مرضياً، وكذلك كان يفعل بالمدينة، إذا خرج منها غازياً أو حاجاً([19])، وقد قال الله سبحانه وتعالى –مخاطباً المسلمين عامة-: ]لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر[([20]).
فدل آخر الآية على فرض التأسي بأفعاله صلى الله عليه وسلم، ولا يختص هذا التأسي ببعض الشريعة دون بعض؛ لأن الأصل في ذلك التأسي به عليه الصلاة والسلام إلى أن يظهر ما يخصصه، ولابد أن تكون حجة التخصيص واضحة، فكل ما ليس من خصوصياته على المسلمين فعله؛ لقوله تعالى: ]لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر[([21]).
8- إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم على الوجوب([22])، فقد بادر الصحابة إلى نصب الإمام من أول يوم، وقد حدث بينهم خلاف حول من يتولى الإمامة، ولكن لم يحدث خلاف حول وجوب الإمامة، قال إمام الحرمين الجويني: »أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا البدار إلى نصب الإمام حقاً، وتركوا بسبب التشاغل به تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مخافة تتغشاهم هاجمة محنة...« ([23]).
اعتراض ورد: هذا وقد اعترض الشيعة على الاستدلال بالإجماع بتخلف بني هاشم وبعض كبار الصحابة من مبايعة أبي بكر، ولذلك يرون أن الإجماع لم يتحقق لصحة إمامته فلا يكون حجة لوجوب الإمامة على الأمة([24]). (1/33)
صفحة 34
على أن الإجماع ليس حجة أصلاً، -حسب اعتقاد الشيعة-؛ لأن الخطأ كما يجوز على الفرد يجوز على الجماعة، وبناء على ذلك تكون إمامة أبي بكر خطأ لأنه خلاف النص الدال على إمامة علي –كرم الله وجهه-([25]).
ويرد الجمهور على ذلك بأن الصحابة قد اختلفوا فيمن هو أحق بهذا المنصب أول الأمر، لكنهم لم يختلفوا في أصل الوجوب، وخلافهم لم يدم طويلاً، وإنما أجمعوا على صحة إمامة أبي بكر، ولا يقدح في هذا الإجماع تأخر البعض في البيعة لأمور منها: »أنهم رأوا بأن الأمر قد تم بمن تيسر حضوره حينئذ من أهل الحل والعقد، ومنها أنهم لما جاءوا وبايعوا اعتذروا –كما ورد عن الأولين- أي علي ومن معه –من طرق بأنهم أخروا عن المشورة مع أن لهم فيها حقاً لا للقدح في خلافة الصديق..« ([26]).
9- واستدلوا على أن طريق الوجوب الشرع وليس العقل، بأن »الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان مجوزاً في العقل أن لا يراد التعبد بها، فلم يكن العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء عن التظالم والتقاطع«([27]).
نصب الإمام واجب عقلاً وشرعاً على الأمة، وأن الشرع جاء مؤيداً لما ذهب إليه العقل، وهو مذهب الجاحظ، وأبي حسين البصري، وأبي القاسم الكعبي([28]).
الأدلة:
استدل أصحاب هذا القول على الوجوب العقلي بما يلي:
1) إن أصل دفع المضرة واجب بحكم العقل قطعاً، فكذلك المضرة المظنونة يجب دفعها عقلاً، وذلك لأن الجزئيات المظنونة المندرجة تحت اسم قطعي الحكم؛ يجب إدراجها في ذلك الحكم قطعاً([29]).
2) إن طباع العقلاء تميل إلى التسليم لزعيم يدفع عنهم التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والخصام، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين وهرجاً مضاعين([30]).
اعتراض: (1/34)
صفحة 35
اعترض القائلون بالوجوب الشرعي على ذلك وقالوا: إن دفع الضرر توجبه العقول، وتقتضيه العادات، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الكلام في الوجوب بمعنى استحقاق الثواب عند الامتثال، والعقاب عند العصيان، والأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب لا تستفاد إلا بطريق الشرع، ولا سبيل للعقل إلى معرفتها([31]).
ولأن الإمام يقوم بأمور طلبها الشارع، وقد كان من الجائز عقلاً أن يرد التعبد بها([32]).
القول الثالث:
يتفق أصحاب هذا القول –وهم الإمامية- مع القائلين بالوجوب العقلي للإمامة واعتبارها من الضرورات الفطرية، إلا أنهم يختلفون معهم حول القضية الثالثة، وهي: على من يجب نصب الإمام؟ فقالوا: يجب على الله([33]) -سبحانه وتعالى-.
الأدلة:
استدل الإمامية على ذلك بأدلة عقلية منها:
(1) بعد انتقال صاحب الشريعة إلى الخلود يكون حال الناس واحداً من ثلاثة أمور:
إما أن يكونوا قد أصبحوا كالبهائم، فلا نظام، ولا أحكام ولا حلال ولا حرام.
وإما أن يكون فيهم علماء في الشريعة، وأحكامها، عدولاً بالذات في الأقوال والأفعال.
وإما أن يكون فيهم العالم والجاهل، والصالح والفاسد، والمهتدي والضال، كما كان حالهم على عهد الرسول e.
وعلى الأمرين الأولين لا يحتاجون إلى من يقودهم ويؤمهم، إلا أن الواقع والحقيقة والوجدان تحكم بعدم حدوثهما.
فينحصر القول في الأمر الثالث، وبناء على ذلك يجب أن يكون لهم إمام عالم بالشريعة كلها، عادل في ما يعرض عليه من قضايا، هادٍ بنفسه ليهدي الأمة، هدياً لا يعتريه شك ولا ارتياب.
لكن الناس لا قدرة لهم على معرفة ذلك الإمام المتحلي بتلك الصفات والواقع يؤيد عدم معرفتهم به.
وعلى افتراض انهم يعرفونه، إلا أن اضطراب الأهواء، واختلاف الآراء يجعل اجتماعهم عليه متعذراً([34]).
فإذا علمنا ما سبق، كان واجباً على الله »لطفاً بعباده أن يختار لهم ذلك الإمام الحاول للخصال العلوية، النزيه عن الصفات الدنية«([35]).
( (1/35)
صفحة 36
2) إن اللطف([36]) واجب على الله، لأن فيه إزاحة لعذر المكلف، والإمامة لطف، فهي واجبة على الله، لأن الناس »إذا كان لهم رئيس قاهر يمنعهم عن المعاصي ويأمرهم بالطاعات كان حالهم في القرب من الطاعات، والبعد عن المعاصي أكمل مما إذا لم يكن لهم مثل هذا الرئيس«([37]).
(3) إن الخلافة نيابة عن الرسالة، لأن الناس بعد عهد الرسالة بحاجة إلى من يعلمهم الشريعة ويقوم بالعدل كصاحب الرسالة، وقد ثبت أن الرسالة تكون باختيار إلهي، فكذلك الإمامة([38]).
الاعتراضات:
اعترض القائلون بالوجوب على الأمة على الأدلة السابقة بما يلي:
1- »لو كان نصب الإمام واجباً على الله لأمكن تمكين المكلف من الوصول إليه والانتفاع به، لكن الإمام غير موجود، ولو كان واجباً على الله لأوجده؛ لنه سبحانه لا يعجزه شيء، وعلى افتراض وجوده فالانتفاع به، متوقف على ظهوره، والوصول إليه، وإذا كان موجوداً –كما تقول الإمامية- ثم لا ينتفع به، فما فائدة نصبه؟!.
فإن قيل: إن الإمام موجود لكن الظلمة خوفوه تخويفاً ألجأه إلى الاختفاء فالذنب منهم.
فالجواب: إن المكلف المعين إذا لم يفعل فعلاً يصير الإمام خائفاً منه وبقي هذا المكلف غير قادر على الوصول إلى الإمام؛ فقد صار محروماً من الانتفاع به من غير سبب منه، فكان الواجب على الله أن يأمر الإمام بالظهور لمن احتاج إليه، وهذا ما لم يحدث«([39]). (1/36)
صفحة 37
2- إن القول بأن اللطف واجب على الله، لا يستقيم، »لأن اللطف لو كان واجباً لم يكن لعاصٍ أن تتيسر له أسباب عصيانه، واجتمع لكل موجبات طاعته، ومخالفة هذه العقيدة للكتاب والعترة والعقل السليم أجلى من النهار، أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ]ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين[([40])، ]ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون[([41])، ]ختم الله على قلوبهم على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة[([42])، والآيات الدالة على الاستدراج ومكر الله تعالى، والابتعاد عن الإيمان والطاعة مثل: ]ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين[([43])، ]والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون[([44])، ]فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون[([45])، وأمثال ذلك أزيد من أن يحصى، وأما العترة فقد سبق ما الكليني عن الصادق قال: »إذا أراد بعبد سوءاً نكت في قلبه نكتة سوداء«([46]).
3- إن قياس الإمام على الرسول، والإمامة على النبوة لا يصح، وهو قياس مع الفارق؛ فعلة الرسول غير موجودة في الإمام، وطبيعة عمل الأول تختلف عن طبيعة عمل الآخر، ولو جاز لنا قياس الإمام على النبي فما الذي يمنع من قياس الأمير والحاكم والقاضي عليه، فالرسول قد حمله الله سبحانه إلى عباده، فهو حجة فيما يبلغ عن ربه، وبالتالي لا يجوز عليه الخطأ في مهمته، بخلاف الإمام الذي لا يعدو كونه منفذاً للأحكام يسري عليه ما يسري على أي حاكم من الخطأ والإهمال([47]).
القول الرابع:
لا يجب نصب الإمام، والناس بالخيار في ذلك، وهو مذهب النجدات([48])، وضرار الأصم، وهشام الفوطي المعتزليان([49]).
الأدلة: استدل المنكرون للوجوب بأدلة عقلية منها: (1/37)
صفحة 38
1- إن الإمامة لا تجب شرعاً وجوباً لو امتنعت الأمة على ذلك استحقت اللوم والعقاب، بل هي مبنية على معاملات الناس، فإن تعادلوا وتعاونوا وتناصروا على البر والتقوى، واشتغل كل واحد من المكلفين بواجبه، وتكليفه؛ استغنوا عن الإمام، ومتابعته.
2- إن كل واحد من المجتهدين مثل صاحبه في الدين، والإسلام والعلم، والاجتهاد، والناس كأسنان المشط، فمن أن يلزم وجوب الطاعة لمن هو مثله؟
3- إن الإمام إما أن يثبت بالنص أو بالاختيار، والنص لا وجود له، فلم يبق إلا الاختيار.
وفي نصب الإمام بالاختيار تناقض من وجهين:
»أحدهما: إن صاحب الاختيار موجب النصب على الإمام حتى يصير إماماً، ويجب عليه طاعته إذا قام بالإمامة، فهو إنما صار إماماً بإقامته فكيف صار واجب الطاعة بإمامته؟
الثاني: إن كل واحد من المجتهدين الناصبين للإمامة لو خالف الإمام في المسائل الاجتهادية باجتهاده جاز له ذلك، وما من مسألة فرضتم وجوب الطاعة فيها، إلا ويجوز المخالفة له فيها باجتهاده، فكيف تجعله إماماً واجب الطاعة بشرط أن يخالفه إذا أدى إلى المخالفة اجتهاده«([50]).
الرأي المختار:
لاشك في أن القول الأول الذي يرى أصحابه وجوب نصب الإمام شرعاً على الأمة هو الأول بالاعتبار، وأكثر اتفاقاً وانسجاماً مع الفطرة السليمة، والعقل الحصيف، والشرع الشريف، ونؤكد على:
أ- أن الخلاف بين أصحاب هذا القول والقائلين بالوجوب العقلي على الأمة خلاف نظري، وبينهما توافق وتطابق يجعلنا نذهب إلى اعتبارها قولاً واحداً.
فأصحاب القول الأول –الجمهور- لا ينفون الدليل العقلي بل تراهم يستدلون عقلاً على وجوب نصب إمام واحد، فهذا ابن حزم الظاهري يقول: »وقد علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله من الأحكام عليهم في الأموال والجنايات.. مع تباعد أفطارهم، وشواغلهم.. ممتنع غير ممكن..« ([51]). (1/38)
صفحة 39
وأصحاب القول الثاني لا ينكرون ورود الشرع بالأمر بنصب الإمام، لكنهم يرون أن النقل أيد ما دل عليه العقل.
ب- أما ما ذهب إليه الإمامية من الوجوب العقلي على الله، فهو أمر يتعارض مع الاعتقاد بالإرادة المطلقة لله تعالى من كل تأثير أو إلزام له سبحانه، ذلك أن القول بأن هذا الأمر واجب على الله يتضمن معنى استحقاق العبد لذلك الأمر.
وقياس الإمامة على النبوة لا يصح من عدة أمور:
الأول: إن النبي يوحى إليه والإمام ليس كذلك.
الثاني: إن الوحي ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيداً أو معارضاً لما يصدر عنه عليه الصلاة والسلام، أما الإمام فلا سبيل إلى معرفة رأي الشارع فيما يصدر عنه من أقوال وأفعال.
الثالث: إن الحسن بن علي بن أبي طالب قد تنازل عن الإمامة لمعاوية، فإن كان قد ثبت اختياره من قبل الله فإن أمره يكون أحد اثنين: إما مناقضاً لإرادة الشارع، وهذا ينفي عنه العصمة، وإما أن يكون قد فعله بأمر الشارع وهذا لا سبيل على معرفته، وإذا كانت الإمامة لطفاً، فأين هذا اللطف منذ إمامة الإمام علي –كرم الله وجهه-، وما ذنب الأجيال التي أعقبت اختفاء الإمام الثاني عشر حتى تحرم من ذلك اللطف؟ وإذا كان الإمام قد اختفى بسبب خوفه من الظلمة في عصره، أفيؤاخذ الآخرين بجريرة أولئك فيحرموا من لطف الإمامة؟!!.
ج- أمام مذهب القائلين بعدم الوجوب فعند التحقيق يتبين عدم صحة هذا القول:
فالذين ذهبوا إلى هذا القول هم الأصم والفوطي والنجدات:
1- أما الأصم فقد حكى عنه أبو علي الجبائي المعتزلي ما يدل على أنه غير مخالف للإجماع، وأنه إنما قال: »لو اتصف الناس بعضهم بعضاً، وزال النظام، وما يوجب إقامة الحد لاستغنى الناس عن الإمام«([52])، قال القاضي عبدالجبار: »والمعلوم من حال الناس خلاف ذلك فإذن (ثبت) من قوله أن إقامة الإمام واجب«([53]). (1/39)
صفحة 40
2- وأما الفوطي فإنه أجاز الإمامة في حالة الأمن، ويقول بسقوطها عند الفتنة، ويقول الشهرستاني معلقاً على ذلك بقوله: »إنما أراد الطعن في إمامة علي كرم الله وجهه إذ كانت البيعة في أيام الفتنة من غير اتفاق من جميع الصحابة«([54]).
3- وأما النجدات ففي نسبة هذا القول إليهم نظر:
- فهم من الفرق التي تمنع حصر الإمامة في قريش، فإن كانوا لا يقولون بوجوب الإمامة فلماذا يخوضون في حكم فرعي؟!.
- كان النجدات من أشد الفرق –بعد الأزارقة- صراعاً مع الدولة الأموية، وقد ذكر المؤرخون([55])، أنهم بايعوا زعيهم نجدة بن عامر الحنفي إماماً وتسمى بأمير المؤمنين([56]).
نخلص من هذا إلى أن جميع المذاهب والفرق الإسلامية المنقرضة منها والباقية قد أجمعت على وجوب الإمامة ونصب الإمام، ليس هناك من مخالف لهذا الإجماع.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أطفيش (قطب الأئمة محمد بن يوسف): شرح النيل وشفاء العليل: 14/271، 1401ه السالمي (نور الدين عبدالله بن حميد): شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب: 1/74، الكندي: المصنف: 10/27.
([2]) الماوردي: الأحكام: ص5، أبو يعلي: الأحكام السلطانية: ص19، ابن الهمام (كمال الدين بن عبدالواحد): المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة: ص296، ابن أبي شريف (كمال الدين محمد بن محمد): المسامرة شرح المسايرة: نفس صفحة وطبعة المرجع السابق، وسيشار إليهما فيما بعد هكذا: الكمالين: المسايرة وشروحها، ابن خلدون: المقدمة: ص191.
([3]) الصنعاني: التاج: 4/404.
([4]) قاضي القضاة عبدالجبار المعتزلي المفتي في أبوب التوحيد والعدل، الجزء العشرين، القسم الأول ص41، ويشار إليه فيما بعد هكذا (ج20 ق1/ ).
([5]) ابن حزم (أبو محمد علي بن أحمد): الفصل في الملل والأهواء والنحل: 4/149.
([6]) سورة النساء: الآية (59).
([ (1/40)
صفحة 41
7]) أنظر: الطبري (الإمام محمد بن جرير): جامع البيان من تأويل آي القرآن: 5/13-95، حيث ذكر الأقوال الواردة ورجح ما أشرنا إليه، القطب: شرح النيل: 14/375، ابن تيميه: السياسة الشرعية: ص4.
([8]) 14/275.
([9]) سورة آل عمران: الآية (104).
([10]) سورة الحج: الآية (40).
([11]) 14/267-271.
([12]) القطب: شرح النيل: 13/8، التفتازاني: العقائد: 192، الدهلوي: التحفة الاثني عشرية: ص116.
([13]) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد: 2/177.
([14]) رواه أبو داود: سنن أبي داود: 3/36.
([15]) الشوكاني (الإمام محمد بن علي): نيل الأوطار: 8/256. 2.
([16]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/240. 3.
([17]) فتح الباري: شرح صحيح البخاري: 13/7.
([18]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/223، 224، القطب: شرح النيل: 14/275، وسنأتي على ذكرها في مبحث حقوق الإمام، وحكم الخروج على الإمام الجائر.
([19]) الكندي: المصنف: 10/23.
([20]) سورة الأحزاب: الآية (21).
([21]) الكندي (الشيخ محمد بن إبراهيم): بيان الشرع ج68، باب 2، مخطوطة صفحاتها غير مرقمة بوزارة التراث القومي والثقافة، بسلطنة عمان.
([22]) القطب: شرح النيل: 13/8، الماوردي: الأحكام: 5، الكمالين: المسايرة وشروحها: 299، عبدالجبار المعتزلي: ج20 ق1/47.
([23]) الجويني (إمام الحرمين عبدالملك): غياث الأمم في التياث الظلم، ص16.
([24]) آل كاشف الغطاء: أصول الشيعة: 80.
([25] ابن المطهر الحلي: منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، المطبوع مع منهاج السنة لابن تيميه: ص197م.
([26]) ابن حجر (المحدث أحمد بن حجر): الصواعق المحرقة: ص37. 2.
([27]) الماوردي: الأحكام: 5 وانظر قريباً منه: القطب: 14/271، عبدالجبار: المغني ج20 ق1/39.
([28]) الجاحظ (عمرو بن حرب): العثمانية: ص273، الشوكاني: نيل الأوطار: 8/256.
([29]) الجاحظ: العثمانية: ص261.
([30]) الماوردي: الأحكام: ص5.
([ (1/41)
صفحة 42
31]) أبو يعلي: الأحكام: ص19.
([32]) الماوردي: الأحكام: ص5.
([33]) المظفر: (محمد الحسين): الشيعة والإمامة: ص13، الزنجاني: عقائد: ص73، آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة: ص53.
([34]) المظفر: المرجع السابق: ص71-74 بإيجاز وتصرف.
([35]) المرجع السابق: ص75.
([36]) يعرف الشريف المرتضى اللطف بأنه: »الأمر الذي علم الله تعالى من حال المكلف أنه متى وجد ذلك الأمر، كان حاله إلى قبول الطاعات، والاحتراز من المعاصي أقرب مما إذا لم يوجد ذلك الأمر، بشرط أن لا ينتهي إلى حد الإلجاء«، نقلاً عن الرازي (فخر الدين محمد بن عمر): الأربعين في أصول الدين، ص429.
([37]) المرجع السابق.
([38]) المظفر: الشيعة: 86، محمد آل كاشف الغطاء: 73، الزنجاني: عقائد ص75.
([39]) الرازي: الأربعين: ص428-429.
([40]) سورة السجدة: الآية (13).
([41]) سورة النحل: الآية (93).
([42]) سورة البقرة: الآية (7).
([43]) سورة التوبة: الآية (46).
([44]) سورة الأعراف: الآية (182).
([45]) سورة الأنعام: الآية (44).
([46]) الدهلوي: التحفة: ص87-88.
([47]) القاضي عبدالجبار: المغني: ج20 ق1/298.
([48]) القطب: شرح النيل: 14/274، ابن حزم: الفصل: 4/149.
([49]) الشوكاني: نيل الأوطار: 8/256.
([50]) الشهرستاني (محمد بن عبدالكريم): نهاية الإقدام: ص481-484.
([51]) الفصل 4/158.
([52]) القاضي عبدالجبار: المغني: ج20 ق1/48.
([53]) القاضي عبدالجبار: المغني: ج20 ق1/48.
([54]) الملل والنحل: ص72-73.
([55]) ابن الأثير: الكامل في التاريخ: 4/20.
([56]) الشهرستاني: الملل والنحل: ص123.
المطلب الثالث :التكييف الشرعي لسلطة الإمام (1/42)
صفحة 43
يعتبر منصب الإمام قمة السلم الهرمي للمراكز القيادية في النظام السياسي الإسلامي، فسلطته أعلى سلطة، وقراره نافذ، وإرادته لا ترد، ما كان ملتزماً بالإسلام قولاً وفعلاً، فهو الذي يعين الولاة والقضاة، وبأمره تقام الحدود، وبقراره تعقد ألوية الجهاد، فإذا كان المنصب الذي يشغله بهذا القدر من الأهمية والشمول من الصلاحيات؛ فما هو التكييف الشرعي لوظيفته وتصرفاته؟([1]).
وردت عبارات للفقهاء تتضمن تصوراً لسلطة الإمام ومنصبه:
أولا: الإمام وكيل الأمة ونائب عنها: (1/43)
صفحة 44
الإمامة وكالة والإمام وكيل للأمة ونائب عنها، وأقد أشار إلى هذا التكيف الباقلاني([2]) والقرطبي([3]) المالكيان، وابن تيمية([4]) وابن رجب([5]) الحنبليان، والكاساني الحنفي([6]) وهو ما يستنتج من عبارات الفقه الإباضي([7])، والمختار عند أغلب الفقهاء والمفكرين المعاصرين([8])، ويقوم هذا التكييف على الطريقة التي يتم بها نصب الإمام، وهي الاختيار والرضى به، والعقد له بالإمامة، فالأمة هي التي اختارته، وفوضته في التصرف في حقها تدبيراً ورعاية، واهتماما بشؤونها ومصالحها، ولولا هذا الاختيار وذلك العقد لما جاز له تنفيذ الحدود، وجمع الصدقات، ولما استحق الطاعة فيما يأمر وينهى، والنصوص القرآنية والنبوية التي تدل على طريق الاختيار([9]) في تولية الإمام تؤكد بصورة قاطعة أن الإمام إن هو إلا وكيل اختارته الأمة بكامل حريتها وإرادتها دون ضغط أو عهد من خارجها، ذلك أن الأمة »هي صاحبة الشأن الأول، فهي التي تنصبه بإرادتها العامة الحرة، عن طريق الشورى، أو الانتخاب الحر، ليتولى تسيير دفة الحكم بموجب دستورها الأعلى بما يحقق مصالحها، وإقامة العدل فيما بينها«([10])، ولهذا كان لها حق المراقبة والمحاسبة على تصرفاته، بل وحق العزل إن هو حاد عن الوفاء بالتزامات العقد الذي أبرمته الأمة معه، فهو »مسئول أمامها مسئولية الوكيل أمام الأصيل«([11]) هذا، ولا يعني القول بأن الإمام وكيل عن الأمة أن لها السلطة المطلقة تعييناً وعزلاً، وانتقاءً فيما تخوله من صلاحيات، وتحكماً في الأعمال والأحكام التي يصدرها، لا، وإنما سلطتها محددة بما لا يناقض إرادة الشارع سبحانه، لأن الإمامة ليست حقاً خالصاً وإنما هي »من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله تعالى وحقوق الآدميين«([12]).
ثانياً: الإمام خليفة للرسول ونائب عنه في أمته: (1/44)
صفحة 45
يرى بعض الفقهاء أن الإمامة خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم ونائب عنه في إقامة الدين وسياسته الدنيا([13])، ولعل حجة هؤلاء ما ورد عن أبي بكر رضي الله عنه قوله: »لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله«([14])، فهو يخلف النبي في أمته، ينفذ الأحكام وينشر الإسلام([15])، إلا أن هذا الرأي مدفوع؛ بأن المسلمين هم الذين اختاروا أبا بكر إماماً وخليفة ولم يكن إماماً بتعيين أو إنابة من الرسول e وأما قول أبي بكر فليس فيه المعنى السياسي الاصطلاحي للخليفة، وإنما إمامته رضي الله عنه كانت بعده صلى الله عليه وسلم دون فصل، ولذلك يرق للخليفة الثاني أن يسمى بـ»خليفة رسول الله« وقال: »هذا أمر يطول« فلم يستسغ اللقب الذي تلقب به أبو بكر، وإنما عدل إلى لقب »أمير المؤمنين«([16])، وأما أنه يخلف الرسول في أمته، فإن كان المقصود بذلك أن يجعله قائماً مقامه فقد بينا عدم صحة ذلك، وإذا كان المقصود أنه يخلفه في »حراسة الدين وسياسة الدنيا« فإن الأمة إليها يتجه الخطاب التكليفي، أي إلى المسلمين كافة، فهو إنما يقوم مقام كل فرد من الأمة الذين يتجه إليهم خطاب التكليف، ولو كان في ذلك نائباً عن الرسول لوجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يعين نائباً عنه بعد وفاته وهذا لم يحدث، وإلا للزم على من يقول بهذا الرأي التسليم للإمامية القائلين بالنص على علي وبنيه.
ثالثاً: الإمام نائب عن الله تعالى:
وقد ذهب إلى هذا التصور بعض العلماء الذين أجازوا تسمية الإمام بـ»خليفة الله«([17]):
1- لأنه يقوم بحقوق الله في عباده.
2- ولقوله تعالى: ]وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات[([18]).
3- وقوله تعالى: ]إني جاعل في الأرض خليفة[([19]).
إلا أن هذا التصور مدفوع بما يلي: (1/45)
صفحة 46
1) إن الاستنابة تكون عمن يغيب، والخلافة تكون عمن يموت، والله سبحانه حي لا يموت ولا يغيب، »شهيد مدير لخلقه لا يحتاج في تدبيرهم إلى غيره، وهو سبحانه خالق الأسباب والمسببات جميعاً، بل هو سبحانه يخلف عبده المؤمن إذا غاب عن أهله«([20]).
2) إن الإمام لا يتولى الإمامة بتعيين من الله تعالى، وإنما باختيار الأمة، وعقد أهل الحل والعقد فيها، وكما قلنا سابقاً إنه لا يملك أحد أن يعين نائباً عن غيره.
3) لو كان من الجائز أن يوصف أحد بأنه نائب عن الله ووكيل له في عباده لكان رسول الله أولى بذلك، لأن النبوة باختيار إلهي، ومع ذلك لم يقل أحد بذلك.
4) ولذلك كان الخلفاء الراشدون حريصين على تأكيد بشرية المنصب الذي تولوه؛ فكانوا يدعون الأمة إلى إعانتهم والوقوف معهم، وإلى تقويمهم إذا اعوجوا، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون أنهم نواب الأمة وليسوا نواب الله([21]).
الرأي المختار:
لاشك أن الإمام لا يصير إماماً إلا بتفويض من الأمة القائم على الرضى والاختيار، فهي أبه بالوكالة، حيث أقامت الأمة الإمام مقامها في تطبيق الشريعة، ورعاية المصالح العامة والاهتمام بها، وعلى هذا يستند من اعتبر الإمام وكيلاً للأمة ونائباً عنها.
إلا أنه ينبغي التنبه إلى أنه ليس كل أحكام الوكالة تسري على عقد الإمامة، فمثلاً لا يحق للموكل »الأمة« أن تعزل وكيلها »الإمام« من غير سبب إذا ما »تفرد في الوقت بشروط الإمامة«([22]).
كذلك فإن الإمام لا يتصرف في حقوق الأمة فحسب –وإن كان التفويض آت من قبلهم- وإنما يتصرف أيضاً في حق الغير؛ وهو سبحانه وتعالى، لأن الإمامة »من الحقوق المشتركة بين حق الله تعالى وحق الآدميين«([23]).
وأيضاً فإن الإمامة تختلف عن الوكالة من حيث »الحكم التشريعي« فالأولى واجبة؛ يلحق الأمة حرج وإثم في إهمالها، بينما الثانية مباحة لا يلحق تاركها إثم ولا حرج([24]). (1/46)
صفحة 47
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أنظر حول التكييف الشرعي لسلطة الإمام المراجع التالية: أبو عيد (د. عارف): وظيفة الحاكم في الدولة الإسلامية: ص31-52، الخالدي (د. محمود): معالم الخلافة: ص30-39.
([2]) وعبارته: »وهو في جميع ما يتولاه وكيل للأمة ونائب عنها«، التمهيد نقلاً عن أيبش (يوسف) نصوص الفكر السياسي الإسلامي: ص56.
([3]) وعبارته: »الإمام ناظر للغير، فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل نفسه، فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها«.
([4]) وعبارته: »وهم –الولاة- وكلاء العباد على نفوسهم، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر« السياسة الشرعة في إصلاح الراعي والرعية: ص14.
([5]) وعبارته: »هل يكون تصرفه عليهم –أي تصرف الإمام على الرعية بطريق الوكالة لهم أو بطريق الولاية؟ وجهان«، القواعد في الفقه الإسلامي: ص116.
([6]) وعبارته: »وإنما الخليفة بمنزلة الرسول عنهم –المسلمين- لهذا لم تلحقه العهدة كسائر العقود والوكيل في النكاح، وإذا كان رسولاً كان فعله بمنزلة فعل عامة المسلمين« بدائع الصنائع: ص16.
([ (1/47)
صفحة 48
7]) ذلك ما يفهم من أحكام تضمين الإمام فيما يخطأ فيه من الأحكام، جاء في قاموس الشريعة للعلامة جميل بن خميس السعدي: »وإذا أمر الإمام بأدب رجل قد لزمه حد أو لم يلزمه؛ فمات تحت الضرب أو بعده من قبل أن يصح ضربه، فإن كان ذلك بحد إقامته عليه واجب فليس على الإمام شيء، وقيل هذا قتيل الله، وإن كان هذا الذنب [لا يلزمه]* التعزير فيه، كانت ديته في بيت مال الله، ولا قود عليه فيه، وإن كان هذا الضرب في غير حد فعلى الإمام ديته خاصة في ماله« قاموس الشريعة (مخطوط بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة العمانية، رقم 2827، غير مرقم الصفحات، باب 34، (في خطأ الإمام مسألة: وإذا أمر الإمام...). * حتى يستقيم المعنى لابد من حذف حرف النفي فتصبح هكذا [يلزمه التعزير فيه].
([8]) شلتوت (الشيخ محمود): الإسلام عقيدة وشريعة: ص38، الدريني (د. محمد فتحي): خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم: ص183، موسى (د. محمد يوسف): نظام الحكم في الإسلام: ص69. وأبو عيد (د. عارف خليل): وظيفة الحاكم في الدولة الإسلامية: ص40 وما بعدها، وغيرهم.
([9]) أنظر: ص من هذا البحث.
([10]) الدريني: خصائص: ص183.
([11]) الدريني: خصائص: ص183.
([12]) الماوردي: الأحكام: ص8.
([13]) الماوردي: الأحكام: 14، أبو يعلي: الأحكام: 27، ابن خلدون: المقدمة: 191.
([14]) ابن سعد: الطبقات: 3/183.
([15]) المراجع السابقة.
([16]) ابن سعد: الطبقات: 3/281، وانظر: د. أبو عيد: وظيفة الحاك: ص8.
([17]) ذكره الماوردي: الأحكام: ص14، ابو يعلي: الأحكام: ص27، ابن خلدون: المقدمة: ص1191، وينسب هذا القول على ابن مسعود وابن عباس. انظر: الطبري: جامع البيان: 1/157.
([18]) سورة الأنعام: الآية (165).
([19]) سورة البقرة: الآية (30).
([20]) ابن تيميه: منهاج السنة: 1/138.
([21]) أبو عيد (د. عارف خليل): وظيفة الحاكم في الدولة الإسلامية: ص35.
([ (1/48)
صفحة 49
22]) الماوردي: الأحكام: 8.
([23]) المرجع السابق.
([24]) المرجع السابق.
المبحث الثاني :خصائص نظام الإمامة والغاية منها المطلب الأول خصائص نظام الإمامة
جاء الإسلام بمنهج يتصف بخصائص الكمال والشمول والواقعية([1]) في أوامره، ونواهيه ومبادئه، وأحكامه، منهج يحتوي على إجابة لكل سؤال وحل لكل مشكل؛ لأنه المنهج الذي أراد الله من عباده أن يلتزموا به، ويعمروا الأرض على ضوء من قيمه ومبادئه ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً[([2])، وحيث أن الإسلام ارتضاه الله لنا عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، فمن المنطقي أن يكون الجانب السياسي من هذا الدين –ومنه نظام الإمامة- متصفا في كل جزئية من جزئياته، بخصائص الإسلام كالفرع الذي يحمل صفات الأصل، وإذا أردنا أن نذكر خصائص نظام الإمامة فسوف يطول بنا الأمر؛ لأنها خصائص الإسلام التي لا يمكن أن نستقصيها في هذا الجزء من البحث، ومن هنا فإننا سنذكر أبرز تلك الخصائص، فنقول: يتصف نظام الإمامة في قواعده وأحكامه بما يلي:
أولاً: الحاكمية والتشريع لله وحده.
ثانياً: نظام يرتكز على عقيدة التوحيد.
ثالثاً: نظام يتصف بالشمول والتوازن في الأحكام.
رابعاً: نظام يدل ظهور الدين واستعلاء المؤمنين.
خامساً: نظام تضبطه المثل والأخلاق.
وإلى الشرح والتفصيل:
أولاً: الحاكمية والتشريع لله وحده:
الحاكمية لله سبحانه، فهو وحده المشرع، وبشرعه يكون الحلال حلالاً، والحرام حراماً، وإذا كان هو المشرع فمعنى ذلك أن كل تشريع لا يصدر عن إرادة الشارع، أو يتناقض مع أوامره، فهو تشريع باطل يحرم على المسلم اتباعه، وقد حذر الحق سبحانه من أن يتجرأ أحد فيدعي حق التشريع فقال: ]ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون[([3]). (1/49)
صفحة 50
وجعل الإعراض عن منهج الإسلام وأحكام القرآن والتحاكم إلى الأحكام الوضعية والقوانين التي تصطدم مع إرادته سبحانه، جعل ذلك الإعراض من أبرز خصائص النفاق، وسمات المنافقين فقال: ]ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً* وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً[([4])، ويقسم ربنا بنفسه نفي الإيمان عن أولئك الذين يظنون أنهم من المؤمنين بالله وهم يعرضون عن أمره وحكمه فيقول: ]فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً[([5])، فكيف يكون مسلماً أو مؤمناً من يدعي الحاكمية من دون الله؟ فيضع من القوانين والأحكام التي لا يشك من عنده أدنى مسكة من عقل أنه كفر صراح فاعله، يخرج فاعله ومن يرضى به من ملة الإسلام، فالله تعالى يقول: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[([6])، ويقول: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون[([7]). (1/50)
صفحة 51
وقال: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون[([8])، فأي ذرة من إيمان تبقى في قلب من ينازع الله تعالى في الحكم والتشريع، وأي عذر وحجة يبقيان لمن رضى بشريعة البشر، وقوانين البشر؟! ]أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون[([9])، يقول المفكر الإسلامي شهيد الإسلام في »ظلال القرآن«: »أتكون الألوهية والربوبية والقوامة لله في الأرض، وفي حياة الناس؟ أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله؟.. الله سبحانه يقول: ]إنه هو لا إله إلا هو[، وإن شرائعه التي سنها للناس بمقتضى ألوهيته لهم، وعبوديتهم له، وعاهدهم عليها وعلى القيام بها، هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس، وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام...
إن المسألة –في هذا كله- مسألة إيمان وكفر، أو إسلام أو جاهلية، أو شرع، أو هوى، وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح...
فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله، لا يحرفون منه حرفاً ولا يبدلون منه شيئاً والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله.
وإنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة الله كاملة، فهم في نطاق الإيمان، وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى ما لم يأذن به الله، فهم الكافرون الظالمون الفاسقون.. وإن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاء حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون، وإلا فما هم بالمؤمنين.
ولا وسط بين هذا الطريق وذاك، ولا حجة ولا معذرة ولا احتجاج بمصلحة، فالله رب الناس، يعلم ما يصلح للناس، ويصنع شرائعه لتحقيق مصالح الناس الحقيقية، أو شريعة، وليس لأحد من عباده أن يقول: إنني أرفض شريعة الله، »أو أنني أبصر بمصلحة الخلق من الله.. فمن قالها –بلسانه- أو بفعله فقد خرج من نطاق الإيمان«([10]).
ثانياً: نظام يرتكز على عقيدة التوحيد: (1/51)
صفحة 52
نظام الإمامة نظام يقوم على عقيدة التوحيد والإيمان بالله الواحد الأحد، وذلك ما لا تجده في أي نظام آخر، ]كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله[([11])، فهو من الركائز التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام، ومن هنا كان الانحراف في الحكم والسياسة دليلاً، على تخلف الإيمان، وإلى هذا المعنى أشار الإمام الغزالي بقوله: »اعلم أيها السلطان، أن كل ما في قلب الإنسان من معرفة واعتقاد فذلك أصل الإيمان، وما كان جارياً على أعضائه من الطاعة والعدل فذلك فرع الإيمان، فإذا كان الفرع ذاوياً ذليلاً دل على ضعف الأصل«([12])، ومن يطلع على الترتيب والتدريج نزل به القرآن يدرك تلك الصفة الوثقى بين العقيدة والشريعة، بين الإيمان والأحكام، فلم يكن من العبث بمكان أن تستمر الدعوة في المرحلة الملكية ثلاثة عشر عاماً تتنزل خلالها آيات التوحيد، والإيمان والتصديق بالنبوة والمعاد، ولا تنزل آية في التحليل والتحريم والأمر والنهي في المعاملات والتصرفات، حتى أإذا تعمقت جذور الإيمان في تربة التوحيد، واشتد سوق الطاعة، والامتثال وإخلاص القول والفعل لله تعالى، جاءت آيات الأحكام والحلال والحرام، فكان التسليم المطلق، وكان الامتثال الفوري، من غير تباطؤ ولا تسويف، إنه الإيمان الذي جعل كلمة »انتهينا ربنا انتهينا ربنا«([13]) تتردد في أرجاء عاصمة الدولة الإسلامية في عهد النبوة عندما نزلة آية تحريم الخمر. (1/52)
صفحة 53
وهو الإيمان الذي أنطق سعد بن معاذ يوم بدر قائلاً لرسول الله الفصل الثاني طرق تولية الإمام وعقد الإمامة: »قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحث فخضته لخضنا معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما فكره أن تقلى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الرحب صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله«([14]) فالصلة بين النظام السياسي والإيمان صلة وثيقة، فلا يمكن أن يكون هناك نظام سياسي أو دولة إسلامية من غير أن تجعل هذه الدولة من العقيدة الإسلامية منطلق عملها السياسي، والغاية التي تسعى إليها، إذ العلاقة بين العمل السياسي وبين العقيدة علاقة لا تقبل التجزئة والانفصال، وإنما هي علاقة وثيقة و»صلة عضوية لا تنفك، ويتبادلان التأثير والتأثر«([15]).
ثالثاً: نظام يتصف بالشمول والتوازن في أحكامه:
فنظام الحكم الإسلامي نظام شامل يعالج كل مشاكل الحياة، ويتدخل في قضايا الإنسان، ويهتم بمطالبه وحوائجه، وقد وصف الفقيه السياسي العلامة الماوردي هذا الشمول في أوجز عبارة وأوضح تصوير في تعريفه للإمامة بقوله: »خلافة النبوة في حراسة الدين وأحكامه، فليس هو بالنظام الذي يتصرف جل اهتمامه إلى متطلبات الفرد الجميلة والمادية كالنظام الرأسمالي الذي يحصر الدين في الكنيسة وفي يوم واحد، ثم تكون الحياة بعدها متعة وإشباعاً لغرائز الجسد، وليس هو بالنظام الذي يقف حجر عثرة أمام تطور الحياة والتقدم الحضاري، والعلمي، وإنما يعتبر الاهتمام بكل ما يؤدي إلى قوة الأمة وعزتها، وعلو شأنها بين الأمم واجباً على كل فرد أن يقوم به، حتى إذا تصدت له فئة من فئات المجتمع كان فرضاً كفائياً سقط فرض القيام به عن باقي الأمة«([16]). (1/53)
صفحة 54
كما يتمثل ذلك الشمول في إقامة العدل في الأرض بلا تمييز بين إنسان وآخر بسبب الجنس أو اللون أو الدين، فكل فرد في الدولة الإسلامية مستظل بمظلة العدالة يتساوى في ذلك مع غيره ]ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى[([17]).
وقد فرض الله سبحانه على الحكام –أئمة وغيرهم- فرض عليهم بصريح الأمر أن يحكموا بالعدل في قوله: ]إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل[([18])، ولا يخفى ما في كلمة ]الناس[ من عموم يدخل فيه المسلم وغيره مما يؤكد أن العدل في الإسلام ليس حقاً محصوراً ولا محتكراً بين معتنقيه، وإنما هو كما يقول أستاذنا الدريني: »حق إنساني مشترك«([19]).
وقد بلغ من شمولية العدل في الإسلام أن يحتكم رئيس الدولة الإسلامية –وهو الخليفة الراشد علي بن أبي طالب كر الله وجهه- فيرفع دعوى ضد فرد من النصارى إلى القضاء في درع فقده الإمام ووجده عند ذلك النصراني فما كان من القاضي إلا أن حكم للنصراني لعدم توفر بينة مع الإمام تثبت صحة دعوه؛ مع يقينه بصحة الدعوى وصدق الإمام! ([20]).
إنه العدل المطلق، والقضاء النزيه، والحكم المستقيم، والمساواة التي تجعل للإنسان –ولو كان نصرانياً- حقاً وقدراً ولو في مواجهة الإمام الأعظم، ذلك ما لا تجد ولن تجد له مثيلاً في ظل أي حكم آخر، لا في ماضي العصور، ولا في لاحقها.
رابعاً: نظام يدل على ظهور الدين واستعلاء المؤمنين: (1/54)
صفحة 55
أن الإمامة بما تقوم به من وظائف وما تتحمل من مسئوليات تمثل أعلى مظهراً وأقوى دليلاً على ظهور الدين وعلو كلمة الله في الواقع كما هي عالية في النفوس والضمائر، فحيث تكون الإمامة ودولة الشورى والعدل تكون الكلمة العليا لله وحده، وتكون السيادة له وحده تشريعاً ودستوراً، وللأمة المسلمة عملاً وممارسة، ولا شك أن ظهور الحكم الإسلامي يؤدي إلى اختفاء كل مظاهر الدنيوية والانقياد لغير الله سبحانه ]هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً[([21]) وما الجهد الدؤوب الذي بذله رسول الله الفصل الثاني طرق تولية الإمام وعقد الإمامة في سبيل الحصول على أرض في ببيعة العقبة الكبرى مع الأنصار، لم يكن ذلك الجهد يهدف إلى الحماية فحسب، بل لإقامة الدولة لتتحقق إرادة الله في تمكين المؤمنين والظهور بدين الله وشرعه([22]).
خامساً: نظام تضبطه المثل والأخلاق: (1/55)
صفحة 56
للمثل والأخلاق دور بارز في الممارسة العملية في الحكومة الإسلامية، فالسياسية المكيافيلية([23]) التي تجعل الغاية لا تقيم أي وزن ولا معيار للوسيلة التي تستخدم في سبيل تحقيقها، هذه السياسة لا وجود لها في القاموس السياسي الإسلامي، وإنما الغاية والوسيلة مرتبطتان حكماً وعملاً، يظهر ذلك في الطريق التي بها يتم تعيين الإمام، فالاختيار للأصلح والأكفأ، وطالب الإمارة والقيادة لا يولى، حتى لا يداخل العمل السياسي شيء من الحظوظ النفسية، أو المصالح الشخصية، كما تظهر السمة الأخلاقية في العلاقة التي تنشأ بين القيادة والأمة؛ القائمة على التعاون والتسامح، والطاعة في المعروف، وتحريم الغش للرعية، وهذه السمة تتجلى أخيراً في الغاية من تولي الإمامة، فليست الغاية شهرة وجاهاً، وتحكماً واستعباداً، وإنما عبادة لله، ونفعاً للناس، وطلباً للأجر الأخروي، وبهذا الاعتبار تكون الإمامة »من أفضل القربات وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها«([24]).
الخلاصة
تتمثل في نظام الإمامة خصائص التشريع الإسلامي وقواعد ومبادئ، ووسائل ومسالك، ثم غايات وأهداف، لأن النظام الإسلامي نظام متكامل مترابط متناسق، فإن سلك القائمون بنظام الإمامة طريق الإسلام قولاً وعملاً، وتمثلوا مبادئه في كل صغيرة وكبيرة كانوا مستحقين لهذا الوصف العظيم، واللقب الرفيع »الأئمة والخلفاء« وكانوا مؤمنين حقاً، وإلا صاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان وكمال الدين، وكان من المحتوم أن تسحب منهم الثقة، ويطرحوا جانباً، ويستلم دفة القيادة قوم وصفهم الله بقوله: ]أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم[([25]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أنظر: خصائص التصور الإسلامي للشهيد سيد قطب، الخصائص العامة للإسلام، للدكتور يوسف القرضاوي.
([ (1/56)
صفحة 57
2]) سورة المائدة: الآية (3).
([3]) سورة النحل: الآية (116).
([4]) سورة النساء: الآيات (60-61).
([5]) سورة النساء: الآية (65).
([6]) سورة المائدة: الآية (44).
([7]) سورة المائدة: الآية (45).
([8]) سورة المائدة: الآية (47).
([9]) سورة المائدة: الآية (50).
([10]) في ظلال القرآن: 2/724-725، باختصار، ط7، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1391ه.
([11]) سورة آل عمران: الآية (110).
([12]) نقلاً عن: الدريني (د. محمد فتحي): دراسات بحوث في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر: 1/443.
([13]) أنظر: الندوي (الشيخ أبو الحسن): ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: ص106-107.
([14]) ابن هشام: السيرة: 2/392.
([15]) الدريني: دراسات وبحوث: 1/443.
([16]) أنظر حول هذا الموضوع: الخليلي (الإمام محمد بن عبدالله): الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل: ص81، حيث يقول: »وأما نحو الطلب، وحب الوطن والحث على الاجتماع والتساعد إلى الأمور التي بها صلاح العالم، وبذل الأموال والأنفس لعز الدين والحث على هذا، وتنظيم الديار، وضبط الأشياء، فجميع هذا لا ينسب إلى أولئك –أي الغرب- وإن عملوا بذلك، ومثل العدل بين الرعايا فهذا من علوم القرآن التي نص عليها نصاً«، وانظر أيضاً: مواهب الجليل لشرح مختصر خليل لأبي عبدالله المعروف بالحطاب: 3/348، حيث عد من فروض الكفاية »المصالح الدنيوية في الحرث والزرع والغزل والنسيج«، وفي قوله إشارة واضحة إلى الثروات الحيوانية (الحرث)، والزراعية (الزرع)، والصناعية (الغزل والنسيج).
([17]) سورة المائدة: الآية (8).
([18]) سورة النساء: الآية (59).
([19]) دراسات وبحوث: 1/375.
([20]) أنظر القصة في: ابن كثير: البداية والنهاية: 8/5.
([21]) سورة الفتح: الآية (28).
([22]) الكندي: المصنف: 10/52-53.
([ (1/57)
صفحة 58
23]) نسبة إلى الكاتب الإيطالي نيقولو مكيافيلي (1469-1527م) صاحب كتاب الأمير الذي دعا فيه إلى الاستبداد في الحكم، وتجريد العمل السياسي من أية معايير أخلاقية. أنظر: د. عبدالوهاب الكيالي: موسوعة السياسة: 6/303-306، ط1، 1990م.
([24]) ابن تيميه، السياسة الشرعية: ص139.
([25]) سورة المائدة: الآية (54).
المطلب الثاني الغاية من الإمامة ومقارنتها بالنظام المعاصرة
أ- الغاية من الإمامة:
تتمثل الغاية من وجود دولة الإمامة فيما يلي:
أولاً: توحيد الله سبحانه وتعالى:
المهمة الأولى التي يضطلع بها الإمام ومن ورائه كل المسلمين، هي أن يسعوا إلى دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، ونبذ كل ما سواه من الآلهة الزائفة التي اخترعها عقل الإنسان، وكانت هذه الغاية هي محور كتب رسول الله الفصل الثاني طرق تولية الإمام وعقد الإمامة([1])، إلى قادة الأمم ورؤساء الدول في عصره، فلم يكن يدعوهم إلى إقامة علاقات متبادلة، وحسن جوار، وإنما كان يدعوهم إلى الدخول في عقيدة التوحيد ]قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً[([2]) ]يا أيها الناس اعبدوا الله ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون[([3])، وعلى هذا النهج سار الخلفاء الراشدون والأئمة من بعدهم، ولا زالت كلمات الجندي المسلم ربعي بن عامر التي قالها لرستم تتناقلها الأسفار، وتتداولها الألسن »الله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى هدي الإسلام«([4])، هذه هي الغاية من إقامة الدول والحكومات في الإسلام، ثم تأتي بعدها الغايات الأخرى التي تصب في تحقيق تلك الغاية.
ثانياً: القيام بمهمة الاستخلاف في الأرض في أكمل صورة: (1/58)
صفحة 59
فقد شاءت إرادة الحق سبحانه أن يكون الإنسان خليفة في الأرض، وجعل له كل ما أودع فيها من نعم وخيرات ]هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا[([5])، وهذه المهمة لا تتأتى في التصرفات الفردية، وإنما تحتاج إلى تنوع في الاستعدادات والمواهب، ولا يمكن أن يتحقق معنى الاستخلاف إلا بتوظيف جميع تلك المواهب والطاقات([6]) في سبيل سعادة البشرية وفلاحها.
ولا ريب أن الاختلاف والتنوع عند بني الإنسان في القدرات والمواهب والحاجات والرغبات، يؤدي إلى اختلاف التصور والتخطيط، وتقدير الأولويات والحاجات؛ مما يؤدي إلى اضطراب الحياة وفسادها، فكان لابد من وجود جهة تلتقي حولها النفوس، ونظام يبين للناس الحق والصواب، ويوجههم نحو القيام بالرسالة التي كلفوا القيام بها، وحفظ الأمانة التي حملوها، بمنتهى الإخلاص والإدراك، ولا يخفى أن القيام بهذه المهمة لا يمكن أن يقوم بها إلا نظام يستمد مبادءه وقوانينه من الذي جعل الإنسان خليفة في الأرض، يستمد أحكامه من القرآن والسنة لأنهما وحدهما القادران على الإجابة على كل سؤال، وتلبية كل ما يحتاجه الإنسان؛ إما نصاً وإمام توجيهاً وإشارة.
ثالثاً: تحقيق وحدة الأمة:
الوحدة خصيصة من خصائص التشريع الإسلامي، وفي الوقت نفسه هدف من الأهداف التي يحث عليها، ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[([7]) ولفت القرآن الكريم المؤمنين إلى أنهم أمة واحدة فقال: ]إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون[([8])، ]وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون[([9]).
ولا ريب أن هذه الوحدة التي يرتضيها الإسلام للمنتسبين إليه، ويتطلع إليها كل مسلم لا يمكن أن تتحقق في عالم الواقع إلا بوجود دولة قوية وقائد صالح كفء، تختاره الأمة بإرادتها الحرة، ليسعى إلى تحقيق آمالها التي لا يتصور أن تتناقض مع غايته وهدفه كمسلم يجعل نصب عينيه قوله تعالى: ]قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين[([10]). (1/59)
صفحة 60
كذلك؛ فإن هذه الوحدة لا تتحقق في صورتها المثلى إلا من خلال إرساء قواعد الشورى والحرية والكرامة التي تجعل الإنسان المسلم يختار الحق ويتبعه، ويحافظ على الألفة والأخوة التي هي من أهم أسباب الوحدة الإسلامية.
ولا أظن أحداً في قبله ذرة من إيمان يكره الوحدة القائمة على الإيمان بالله، تحت قيادة إسلامية راشدة، وإلا كان مصادماً([11]) للنصوص التي تأمر بالاعتصام بحبل الله المتين، داخلاً في وعيد الله في قوله: ]ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً[([12]).
ولقد قامت الوحدة الإسلامية تحت لواء الخلافة الراشدة، يوم أن كانت الأمة والقيادة متحدة الغاية، متفقة الأهداف، تبتغي مرضاة الله وإعلاء كلمته في الأرض.
ويوم أن ابتعد المسلمون –أو بعضهم- عن ذلك المنهج وأصبح هدفهم من الحكم غاية لذاته لا وسيلة، ومطمعاً دنيوياً، عن ذلك المنجح، وأصبح المسلمون هكذا حالهم –حكام ظلمة ورعية تابعة- انحلى عقد الوحدة، وانصرم حبل النجاة، وتفتت الأمة الواحدة، والدولة العظيمة.
وقد بدأت تتعالى أصوات في شرق الأرض وغربها مطالبة بوحدة المسلمين بسبب الشعور الذي ينتاب الأمة من الخطر القادم، بل والقائم الآتي من الغرب الذي يرى في الإسلام العدو اللدود لحضارته، وهيمنته، وتحكمه في مصائر الشعوب، وإنها لنصيحة نطلقها لمن يسعون لوحدة الأمة العربية أولاً، والإسلامية ثانياً أن يطرحوا شعارات القومية والوطنية جانباً، ويقضوا على ما بينهم من خلافات مذهبية ونزغات طائفية لا تزيد الأمة إلا وهناً على وهن، ويعلنوها وحدة إسلامية تحت راية القرآن، وعلى نهج الخلافة الراشدة، »حيث لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها«.
ب- مقارنة غاية الإمامة بالنظم المعاصرة: (1/60)
صفحة 61
لا تختلف النظم السياسية المعاصرة من حيث الغاية التي تسعى إليها؛ سواء تلك الأنظمة التي تتبنى النظام الرأسمالي، أو تلك التي تأخذ بالنظام الاشتراكي، أو تلك الأنظمة الملكية التي لا تزال تحكم بنظام الحكم المطلق، فكلها تسعى لتحقيق أعلى قدر من الرفاهية والرخاء للفرد على اختلاف الأسلوب والمنهج المستخدم في سبيل ذلك
كما تسعى الأنظمة المعاصرة إلى تحقيق المصلحة المشتركة التي تلتقي حولها مصالح الأفراد، فتقوم بتوفير الاحتياجات الإنسانية والمساعدات التي تجهل من الأفراد متفرغين للقيام بأعمالهم الخاصة، كما تعمل على تحقيق العدالة، وإرساء الأمن والاستقرار في المجتمع([13]).
وعلى الصعيد الخارجي ينصب اهتمام الأنظمة المعاصرة على الدفاع عن حدود الدولة وكيانها السياسي، وإبراز دورها من خلال التعاون مع بعضها، وانضمام الدولة إلى المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية([14]).
ذلك ما ترمي إليه أنظمة الحكم المعاصرة، وأنت واثق في أنها لا تصل إلى تلك الغايات العظيمة للإمامة أو الدولة الإسلامية.
فالأنظمة المعاصرة لا تقيم وزناً للدين والإيمان بالله وإنما تتخذ من »العلمانية« مبدأ تسير عليه في سياستها، وحتى تلك لدول التي تتمسح بالدين، وتتخذ من الشعائر الدينية المظاهر الشكلية، لا تولي للدين اهتماماً إلا بالقدر الذي يحقق مصالحها، ويؤمن إضفاء الشرعية عليها، أخذاً بمبدأ السياسة المكيافيلية »الغاية تبرر الوسيلة«. (1/61)
صفحة 62
والأنظمة المعاصرة تؤمن بالحدود الفاصلة بين الكيانات السياسية، وترى في الاعتداء على الدول الأخرى أمراً مخالفاً للعلاقات التي تحكم النظام الدولي، بينما لا تعترف الإمامة بالحدود، وإنما »الفتح والانتشار والاتساع« هو من الأهداف التي تقوم من أجلها، مع التأكيد على أنها ليست أهدافاً نهائية، وإنما هي وسائل للغاية الكبرى وهي إعلاء كلمة الله في الأرض، باعتبار الإسلام ديناً أراده الله للبشرية جمعاء، ]وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[.
وأخيراً؛ فإن غاية الإمامة مصدرها وواضعها هو الله سبحانه وتعالى، فهي ليست صادرة عن عقل بشري، ولا نابعة من أفكار بشر جمعتهم مصالح مشتركة وإنما هي صنع الله ]صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون[([15])، بينما غاية الدولة المعاصرة والأنظمة الوضعية صاغتها عقول بشرية قاصرة، وبالتالي جاءت غاية محدودة الزمان والمكان، محصورة في مصلحة الإنسان الذي لا يرى وراء هذه الحياة حياة تستحق السعي من أجلها، والتضحية في سبيلها، وإنما كل همه إشباع غرائزه وحاجاته الجسدية.
-------------------------------------------------------------------------------
([1]) أنظر كتبه e إلى ملوك وأمراء عصره في الطبري: تاريخ: 2/182.
([2]) سورة الأعراف: الآية (158).
([3]) سورة البقرة: الآية (21).
([4]) الطبري: تاريخ: 2/401.
([5]) سورة البقرة: الآية (29).
([6]) سيد قطب: الظلال: 1/215.
([7]) سورة آل عمران: الآية (103).
([8]) سورة الأنبياء: الآية (92).
([9]) سورة المؤمنون: الآية (52).
([10]) سورة الأنعام: الآية (162).
([11]) أبو زهرة: (الشيخ محمد): الوحدة الإسلامية: ص255. 3.
([12]) سورة النساء: الآية (115).
([13]) دبوس (د. صلاح الدين): الخليفة توليته وعزله: ص64.
([14]) المرجع السابق: ص65.
([15]) سورة البقرة: الآية (138).
الفصل الثاني طرق تولية الإمام وعقد الإمامة (1/62)
صفحة 63
المبحث الأول طرق تولية الإمام في المذاهب الفقهية
توطئة:
مر بنا في البحث أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يمارس السلطة في الدولة الإسلامية، وكان هو الإمام الحاكم مستمداً تلك الصلاحيات من موقعه كنبي ورسول اختاره الله لتبليغ الرسالة، والحكم بين الناس، وعندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الأمة دون أن يحدد طريقة ما لاختيار الذي يخلفه، ومع اتفاق المسلمين –باستثناء الإمامية- على شرعية تولية الإمامة بالاختيار بالشورى اعتماداً على الآيات التي تشير إلى صحة ذلك –كما سنبين في المطلب الأول من هذا المبحث- فإنهم قد اختلفوا حول شرعية الطرق الأخرى التي يتولى بها الإمام سلطة الدولة، ومن خلال اجتهادات المذاهب وإسهاماتها وجدت عدة طرق قد يتولى الإمام منصبه من خلال واحدة منها، وهي:
1- الاختيار العام.
2- الاستخلاف.
3- القهر والغلبة.
4- النص الإلهي.
في المطالب التالية نحاول أن نتناولها بالبحث والتفصيل للوقوف على اختلاف الفقهاء حولها ومدى مطابقتها لهدي الكتاب والسنة.
المطلب الأول طريق الاختيار
تتفق أكثر المذاهب الإسلامية([1]) على أن طريق الاختيار أول الطرق التي يتولى بها الإما منصب الإمامة وأفضلها، وأصحها، ولم يعترض على طريق الاختيار مذهب غير الإمامية([2]).
قال العلامة الكندي: »وقد أجمع رأي المسلمين من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلمأن الإمامة لا تجب لإمام من بعد إمام أو عزله إلا عن مشورة أهل العلم، ورضى منهم على النصح لله ثم يكون حجة على من غاب«([3]).
أدلة مشروعية الاختيار:
استدل الفقهاء على مشروعية الاختيار بما يلي:
1- قول الله تعالى: ]والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون[([4]). (1/63)
صفحة 64
ووجه الاستدلال: أن الله سبحانه قد ذكر الشورى بين ركنين من أركان الإسلام، وهما: الصلاة والإنفاق، فدل ذلك على وجوب المشاورة بينهم في أمورهم دقيقها وجليلها، وليس هناك أمر تجب فيه المشاورة أعظم من أمر الإمامة([5]).
2- إجماع الصحابة([6]) رضوان الله عليهم على صحة طريق الاختيار فقد تولى الخلفاء الراشدون الأربعة الخلافة بطريق الاختيار، »ولم يبد أحد من صحب رسول الله e نكيراً، ويستحيل ذلك من غير قاطع أحاط به المجمعون«([7]) ولم يكن بينهم خلاف على طريق التعيين »وإنما ترددوا في تعيين المختار... فلم يبق إشكال في انعقاد الإجماع على الاختيار وبطلان المصير إلى النص«([8]).
3- الآثار القولية الواردة عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم([9]).
- يقول أبو بكر رضي الله عنه وقد أرسل إلى علي ومن تأخر معه عن البيعة: »هذا علي بن أبي طالب، ولا بيعة لي في عنقه، وهو بالخيار في أمره، ألا وأنتم بالخيار جميعاً في بيعتكم إياي، فإن رأيتم لها غيري فأنا أول من يبايعه«([10]).
- ويقول عمر بن الخطاب: »من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا«([11]).
- وقوله أيضاً –وقد طلب منه أن يستخلف-: »إن الله يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف«، قال النووي: »وفي الحديث دليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على خليفة وهو إجماع أهل السنة وغيرهم«([12]).
- وقال الإمام علي –كرم الله وجهه-: »إن بيعتي لا تكون خفية، ولا تكون إلا عن رضى المسلمين«([13]).
- وقال –وهو يوصي أولاده آخر وصية وقد سأله رجل-: »ألا تستخلف؟ قال: لا، ولكني أترككم كما ترككم رسول الله، فإن يرد الله بكم خيراً يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم«([14]). (1/64)
صفحة 65
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الشقصي (الشيخ خميس بن سعيد): منهاج الطالبين وبلاغ الراغبين: 8/44، الماوردي: الأحكام: 6، أبو يعلي: الأحكام: 23، ابن الهمام وابن أبي شريف: المسامرة بشرح المسايرة: 281، القاضي عبدالجبار: المغني ج20 ق1/251، الصنعاني: التاج: 4/410، القرطبي: الجامع: 1/281. 2.
([2])الذين يقولون بالنص كما سيأتي.
([3]) المصنف: 10/95.
([4]) سورة الشورى: الآية (38).
([5]) السير: 1/69.
([6]) الكندي: المصنف: 10/95، النووي: صحيح مسلم بشرح النووي: 12/205، ابن قدامة: المغني: 8/107.
([7]) الجويني: غياث: ص44-45.
([8]) الجويني: غياث: ص44-45.
([9]) تذكر آثار الصحابة رضوان الله عليهم للاستئناس بها لأنهم عاشوا في عصر التنزيل وتربوا في مدرسة النبوة، فهم أقرب الأمة إلى هدي الإسلام وتعاليم القرآن والسنة، ولأنها قرائن على عدم ورود نص في الإمام.
([10]) الكمال: المسامرة: ص227.
([11]) رواه البخاري: الصحيح بفتح الباري: 12/145.
([12]) شرح النووي على صحيح مسلم: 12/205-206.
([13]) الطبري: تاريخ: 2/696، أبو الأعلى المودودي: الخلافة: 51.
([14]) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/14، وانظر المودودي: الخلافة: 51.
المطلب الثاني طريق الاستخلاف
من طرق تولية الإمام: الاستخلاف ومعناه: »تعيين الخليفة عند موته خليفة بعده، أو يعين جماعة ليتخيروا منهم واحداً«([1])، اختلف الفقهاء حول شرعية طريق الاستخلاف وانعقاد الإمامة به إلى قولين:
القول الأول: ذهب جمهور السنة([2]) إلى القول بشرعية الاستخلاف واعتباره طريقاً من طرق تولية الإمامة وانتصر ابن حزم لهذا الطرق وعده من أفضل الطرق، وقال: »وهذا هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره«([3]). (1/65)
صفحة 66
القول الثاني: ذهب الإباضية([4]) وأكثر الأشاعرة([5]) والمعتزلة([6]) وأبو يعلى([7]) وابن تيميه([8]) إلى عدم شرعية الاستخلاف، وأن الإمامة لا تنعقد إلا بالاختيار والشورى، وبه قال سيد قطب([9]) والشيخ تقي الدين النبهاني([10]) وعبدالوهاب خلاف([11]).
الأدلة: أولاً: أدلة القائلين بالاستخلاف، استدل القائلون بمشروعية الاستخلاف بما يلي:
1- قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها: »لقد هممت –أو أردت- أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنين، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون«([12]).
ووجه الاستدلال:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يعهد لأبي بكر، ولكنه لم يكتب ذلك لظهور الأمر ووضوحه، إذ العلم بفضيلة أبي بكر »يغني عن العهد فلا يحتاج إليه فتركه لعدم الحاجة وظهور فضيلة الصديق واستحقاقه وهذا أبلغ من العهد«([13]).
2- قول عمر رضي الله عنه -وقد طلب إليه أن يستخلف-: »إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم «([14]).
قال الحافظ ابن حجر: »قال ابن بطال: وفي هذه القصة دليل على جواز عقد الخلافة من الإمام المتولى لغيره بعده، وأن أمره في ذلك جائز على عامة المسلمين«([15]).
3- إجماع الصحابة على جواز الاستخلاف، فقد عهد أبو بكر إلى عمر وعهد عمر إلى الستة، ولم يظهر لعملهما مخالف »فصار العهد بها إجماعاً في انعقاد الإمامة«([16]).
4- عدم وجود نص أو إجماع يمنع هذا الطريق، ناهيك عما فيه من بقاء الإمامة واتصالها، وانتظام أمر الإسلام، ودرء لما قد يتوقع من تنازع وفوضى([17]). (1/66)
صفحة 67
5- إن الإمام ولي المسلمين، »والأمين عليهم ينظر لهم ذلك في حياته، ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته، ويقيم لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها ويثقون بنظره لهم في ذلك كما وثقوا به فيما قبل«[18]).
ثانياً: أدلة القائلين بعدم شرعية الاستخلاف:
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1- أن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي ولم يستخلف أحداً، وإنما ترك للأمة حرية اختيار إمامها([19]).
2- إن إمامة عمر لم تنعقد بعهد أبي بكر، وإمامة عثمان لم تنعقد بعهد عمر وإنما انعقدت الإمامتان ببيعة المسلمين ورضاهم، وما العهدان المذكوران إلا ترشيح فحسب من الخليفة القائم، فلو لم يبايع المسلمون عمر وكذلك عثمان لما انعقدت إمامتهما([20]).
3- إن الإمامة »عقد بين المسلمين والخليفة، فيشترط في انعقادهما بيعة من المسلمين، وقبول من الشخص الذي بايعوه، والاستخلاف أو العهد لا يتأتى أن يحصل فيه ذلك، فلا تنعقد به خلافة«([21]).هذا وسنناقش أدلة مشروعية الاستخلاف في المطلب الأخير من هذا المبحث.
شروط الاستخلاف:
يشترط القائلون بالاستخلاف شروطاً لابد من وجودها حتى يصح، وهي:
1- أن يكون كل من الإمام والمستخلف قد توفرت فيها شروط الإمامة منذ وقت الاستخلاف وبقاؤها إلى بعد موت الإمام.
2- أن يصدر من المستخلف قبول بالعهد، واختلفوا في زمن القبول، فقيل ما بين عهد الإمام وموته، وقيل بعد موته.
3- أن يكون المستخلف حاضراً مجلس الاستخلاف، أو غائباً معلوم مكان الإقامة، فإن كان مجهول المكان بطل الاستخلاف([22]).
4- أن يكون الإمام قد صدر منه عهد الاستخلاف والإمامة معقودة له، فإن عهد بالإمامة في حالة طروء أمر يخرجه عن الإمامة لم يصح العهد([23]).
5- أن يكون العهد برضا أهل الحل والعقد، ومشورتهم، وقد اشترط هذا الشرط علماء البصرة، لأن البيعة حق للأمة »يتعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم«([24]). (1/67)
صفحة 68
وذهب جمهور إلى عدم اشتراط رضاهم([25])، »لأن بيعة عمر t لم تتوقف على رضا الصحابة، ولأن الإمام أحق بها فكان اختياره فيها أمضى، وقوله فيها أنفذ«([26])، ولأنه »ليس بعد للإمامة، بدليل أنه لو كان عقداً لأقضى ذلك إلى اجتماع إمامين في عصر واحد، وهذا غير جائز، وإذا لم يكن عقد لم يعتبر حضورهم، وكان معتبراً بعد موت الإمام العاقد«([27]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) ابن حجر: فتح الباري: 13/206.
([2]) الماوردي: الأحكام: 6، أبو يعلي: الأحكام: 23، الكمال: المسامرة: 326، ابن خلدون: مقدمة: 210.
([3]) الفصل: 5/16.
([4]) يحصر الإباضية القدامى –كما قلنا سابقاً- اختيار الإمام بطريق واحد هو طريق الاختيار والشورى، ولم يحدث في تاريخهم السياسي أن عهد إمام إلى رجل بعد موته –مع استمرار نصب الأئمة في عمان- إلى هذا العصر، وينظرون إلى عهد أبي بكر لعمر، وعهد عمر لأهل الشورى على أنه تم بعد مشاورى مع أهل الحل والعقد من الصحابة ورضى منهم، وليس العهد عقداً ولا تعييناً وإنما ترشيحاً فحسب. (السير: 1/69)، على أن الإمام محمد بن عبدالله الخليلي –رحمه الله- (1299-1373ه) رأى ضرورة الاستخلاف لاضطراب الأمور، وظهور الأهواء والمطامع، وتربص الأجنبي بالبلاد، وقال: »وكأني بالفتن عند أفواه السكك«، فاستخلف الإمام غالب بن علي الهنائي بالتشاور مع العلماء والزعماء. السالمي: نهضة الأعيان: ص424، 425، 431.
([5]) البغدادي: أصول الدين: ص285.
([6]) القاضي عبدالجبار: المغني: ج20 ق1/205.
([7]) الأحكام السلطانية: ص25.
([8]) منهاج السنة: 1/142.
([9]) العدالة الاجتماعية: ص107، ط7، دار الشروق، 1400ه.
([10]) الشخصية: 2/31.
([11]) السياسة الشرعية: ص63-64.
([12]) الصحيح بفتح الباري: 13/205.
([13]) ابن تيميه: منهاج السنة: 1/141.
([ (1/68)
صفحة 69
14]) الصحيح بفتح الباري: 13/205.
([15]) المرجع السابق: 207.
([16]) الماوردي: الأحكام: 10.
([17]) ابن حزم: الفصل: 5/16.
([18]) ابن خلدون: مقدمة: 210.
([19]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/205.
([20]) ابن تيميه: منهاج السنة: 1/142، أبو يعلي: الأحكام: ص25، عبدالوهاب خلاف: ص64.
([21]) النبهاني: الشخصية: 2/31.
([22]) الماوردي: الأحكام:9، أبو يعلي: الأحكام: 25، الجويني: غياث: 101.
([23]) عثمان (محمد رأفت): رئاسة الدولة في الشريعة الإسلامية: ص287.
([24]) الماوردي: الأحكام: 9.
([25]) المراجع السابقة في (1).
([26]) الماوردي: 9.
([27]) أبو يعلي: 25.
المطلب الثالث طريق القهر والغلبة
اختلف الفقهاء حول انعقاد الإمامة بالقهر والغلبة إلى قولين:
القول الأول: الإمامة تنعقد بطريق القهر والتغلب، ويصير المتغلب إماماً تجب على الناس طاعته سواء عقدت له بيعة الإمامة أم لم تعقد، وسواء كان هناك رضى لاحق أم لم يكن وإليه ذهب جمهور السنة([1]).
قال الحافظ ابن حجر: »أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء«([2]). واحتجوا بما يلي:
1- عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية«([3]).
2- عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية«.
قال ابن حجر: »وحجتهم –أي على طاعة السلطان المتغلب- هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها«([4]). (1/69)
صفحة 70
3- قوله صلى الله عليه وسلم: »من خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنه بالسيف كائناً من كان«([5])، قال ابن قدامة([6]): »فمن خرج على من ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه باغياً وجب قتاله«.
4- واحتجوا بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة وقال: »نحن مع من غلب«([7]).
5- ولأن في طاعته وعدم الخروج ليه انتظام شمل الأمة واتفاق كملتهم([8]).
6- إن القول بعدم إمامته يؤدي إلى القول بعدم انعقاد أحكامه »ويلزم من ذلك الإضرار بالناس من حيث أن من يلي بعده يحتاج أن يقيم الحدود ثانياً، ويستوفي الزكاة ثانياً، ويأخذ الجزية ثانياً«([9]).
القول الثاني: ذهب الإباضية إلى عدم انعقاد الإمامة بالقهر والغلبة، وأن المستولي يعتبر باغياً يحكم عليه بأحكام أهل البغي([10])، وهو قول المعتزلة والخوارج وبعض الشافعية([11]).
واستدلوا بالأدلة التي تدل على طريق الاختيار السابق ذكرها.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أبو يعلي: الأحكام: 24، الكمال: المسامرة: 327، النووي: روضة الطالبين: 10/46، القلقشندي: مآثر: 1/58، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 4/298، أبو زهرة: 89، تاريخ المذاهب: 89.
([2]) فتح الباري: 13/7.
([3]) الصحيح بفتح الباري: 13/5، صحيح مسلم بشرح النووي: 12/240، ولفظه »... فمات ميتة جاهلية«.
([4]) المرجع السابق: ص6.
([5]) ذكره ابن قدامة أحمد بن عبدالله المقدسي في المغني: 8/107، ولم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث.
([6]) المغني: 8/108.
([7]) أبو يعلي: الأحكام: 23.
([8]) القلقشندي: مآثر: 1/58.
([9]) المرجع السابق: 1/58.
([10]) السير: 2/298.
([11]) القلقشندي: مآثر: 1/59، وانظر: عثمان: رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي: ص293.
المطلب الرابع طريق النص
الذين قالوا بالنص كطريق من طرق تولية الإمام وانعقاد الإمامة ثلاثة مذاهب: (1/70)
صفحة 71
المذهب الأول: النص هو الطريق الشرعي والوحيد لثبوت الإمامة، وأنه لا يجوز أن يكون هناك إمام إلا بالنص، وهذا مذهب الشيعة الإمامية([1])، ويعتقد هؤلاء أن الإمامة كالنبوة، فكما أن الله يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة ويؤيده بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه.. فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيه بالنص عليه، وأن ينصبه إماماً للناس من بعده« والإمامة عندهم »متسلسلة في اثني عشر كل سابق ينص على اللاحق..« ([2]).
المذهب الثاني: إن الإمامة ثبتت بالنص للإمام علي وابنيه الحسن والحسين، ثم تبقى في ذريتيهما، ويكون لانعقادها طريقان وهما الدعوة والترشيح([3])، وهذا هو مذهب الزيدية([4]).
المذهب الثالث: إن إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قد ثبتت بالنص، وهذا مذهب »الحسن البصري، وجماعة من أهل الحديث وبكر بن أخت عبدالواحد والبيهسية من الخوارج«([5]) وورد عن الإمام أحمد ما »يدل على أن خلافة أبي بكر ثبتت بالنص الخفي والإشارة([6]) بل إن ابن حزم([7]) وابن حجر الهيتمي([8]) يريان ثبوت إمامته بالنص الجلي«.
تلك هي المذاهب التي ترى النص طريقاً من طرق تولية الإمامة، ونحن إذا أعدنا النظر فيها مرة أخرى فإننا نلاحظ ما يلي:
1- إن القول بالنص لأبي بكر قد عارضته أحاديث أخرى، والحقيقة التي يذكرها العلماء أن هذا الإدعاء قد سيق في معرض الرد على الذين يقولون بالنص لعلي وبنيه، وقد عبر الإمام الجويني عن ذلك فقال: »فإن تعسف متعسف، وادعى التواتر والعلم الضروري بالنص على علي كرم الله وجهه فذك بهت، وهو دأب الروافض فيجب أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر رضي الله عنه «([9]). (1/71)
صفحة 72
2- يتفق كل من الإمامية والزيدية على القول بورود النص بالإمامة لعلي بن أبي طالب والحسن والحسين –على الترتيب- إلا أنهم يختلفون بعد ذلك، فبينما يعتقد الإمامية حصر الإمامة في تسعة من ذرية الحسين بنص السابق منهم على اللاحق، من غير أن يكون للأمة تدخل في الأمر، فإن الزيدية يجعلون الإمامة في ذرية السبطين جميعاً، ولا يكون طريقها بعد الحسين النص وإنما يكون طريقها الاختيار
3- وإذا كان الإمامية يرون أنه ليس لأحد أن يدع الإمامة أو يدفعها إلى غيره »وإن اجتمعت عليه الكلمة وتجمعت حوله الأمة ما لم يكن منصوصاً عليه«([10])، فإن الزيدية يرون جواز إمامة غير القرشي إذا تعذر وجود القرشي الكفء، لأن معترك هذه القضية »القدرة على حماية الإسلام وإقامة الشريعة على وجهها فمن كان أضلع بهذا الأمر من غيره بين المسلمين فهو الذي يريده الله ويريده رسوله«([11]).
وهكذا نجد أن الزيدية لا يقتربون من الذين يرون الإمامة في قريش فحسب، بل ويقتربون من الذين يسقطون شرط القرشية لصحة الإمامة، بينما يقف الإمامية موقفاً ثابتاً في هذه القضية لأنها من صميم العقيدة عندهم فما هي الأدلة التي يعتمدون عليها في إثبات طريق الن؟!
أدلة الإمامية على النص بالإمامة لعلي وبنيه:
قلنا أن الشيعة الإمامية يعتقدون الإمامة مثل النبوة وأنها لطف يجب على الله بموجبه أن ينص على الإمام، وأنه قد نص على علي بن أبي طالب، واستدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة كثيرة نقلية وعقلية أهمها:
1- قوله تعالى: ]إنما ويلكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون[([12]). (1/72)
صفحة 73
استدلوا بهذه الآية على أن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلمهو علي بن أبي طالب لأن لفظة ]إنما[ تفقيد الحصر، وكلمة ]وليكم[ تفيد طاعة من هو أولى بالتدبير، وورود الخبر من طريق الخاص والعام أنها نزلت في علي عند تصدقه بخاتمه وهو راكع فهذه الآية من أوضح وأدل الآيات على إمامة علي بعد النبي بلا فصل، ويسمونها بـ(آية الولاية) ([13]).
2- قوله تعالى: ]إني جاعل للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين[([14]).
قالوا: إن الإمام لا يجوز أن يكون ظالماً ظاهراً وباطناً، في أي وقت من الأوقات، والإمام علي لم يكن ظالماً لأنه لم يسجد لصنم قط، بينما من تولى الأمر من غيره كان ظالماً، والاية تتناولهم في حال ظلمهم لأن تخصيصها بحال دون حال يحتاج إلى دليل، وحملها على من استمر على ظلمه دون من تاب تخصيص بلا دليل([15]).
3- قول الله تعالى: ]فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونسائنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين[([16]).
ووجه الاستدلال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد باهل([17]) بعلي وفاطمة والحسن والحسين فهم أحب الناس إلى الله تعالى، وإذا كانوا كذلك كانوا أحق من غيرهم بالإمامة، ويدل قوله: ]وأنفسنا[ على أن نفس علي كنفس الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان قربه وحاله من الرسول كذلك كان أولى من غيره بالخلافة([18]).
4- قوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم[([19]).
قالوا: إن أولي الأمر في هذه الآية هم آل محمد، وقد أوجب الله سبحانه طاعته بالإطلاق، كما أوجب طاعته وطاعة رسوله؛ لأنه »لا يجوز أن يوجب طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته، وعلم أن باطنه كظاهره، وأمن من الغلط والأمر القبيح، وليس ذلك بحاصل في الأمراء ولا العلماء سواهم«([20]).
5- واستدلوا بأحاديث تدل على منزلة الإمام علي ومكانته عند الرسول صلى الله عليه وسلم منها: (1/73)
صفحة 74
1) »أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي«([21])
2) »من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه«([22]).
3) »أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا«([23]).
6- وقالوا: إن بعض هذه الآيات والروايات شاملة للحسن والحسين، وبعضها يدل على وجود إمام في كل عصر([24]).
7- واستدلوا بالأحاديث التي تشترط القرشية في الإمام، والمصرحة بأنهم اثنا عشر([25]).
الاعتراضات الواردة على أدلة الإمامية:
رد العلماء على ما استدل به الشيعة من وجوه عدة، ودحضوا استدلالهم بالآيات والأحاديث، وسنقف في عجالة من أمرنا على أهم الاعتراضات على الأدلة التي ذكرناها:
1- الاعتراضات على الاستدلال بآية الولاية:
أ- إن المعنى المقصود من لفظة (الولي) الواردة في الآية هو الناصر والمحب، وليس المتصرف؛ لأن المعنى الأول يتسق مع معنى الولاية المنهي عنها في الآية السابقة على هذه الآية، والآية اللاحقة لها([26]).
ب- إن المقصود بالذين آمنوا هم عامة المؤمنين، وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله تعالى: ]والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض[([27])، وإطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم من باب المجاز، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر حمل معنى اللفظ على الحقيقة، وهذا ليس بمتعذر هنا.
ج- إن سبب النزول مختلف فيه، وعلى فرض صحة الرواية الواردة في علي، فإنها لا تدل على أكثر من عظم منزلته وفضله، وليس في ذلك دليل على اختياره إماماً، وعلى فرض أنها تدل على ما ذهبوا إليه؛ فإنه لم يكن نافذ التصرف في حياة رسول الله وإنما يصير إماماً بعده، ولكن بعد الخلفاء الثلاثة، إذ لا دليل على أنه بعد رسول الله من غير فصل([28]).
2- الاعتراض الوارد على الاستدلال بقوله تعالى: ]لا ينال عهدي الظالمين[:
أ- إن العهد مختلف في تأويله، فقيل: النبوة، وقيل: مطلق العهد، وذهب آخرون إلى أنها الطاعة، وقيل: الأمان([29]). (1/74)
صفحة 75
ب- إن القول: بأن الظالم بنص الآية لا تناله الإمامة، إنما يقتصر على من كان مقيماً على الظلم، »فأما التائب منه فهذه السمة زائلة عنه، فلا جائز أن يتعلق به حكم، لأن الحكم إذا كان متعلقاً بصفة فزالت الصفة زال الحكم«([30])، وصفة الظلم صفة ذم، فإنما يلحقه ما دام مقيماً عليه، فإذا زالت الصفة التي هي الظلم زال الحكم الذي علق به من نفي العهد الوارد في الآية.
3- الاعتراض الوارد على آية المباهلة:
إن الآية الكريمة لا تنص على الإمامة، وإنما تذكر الأبناء والنساء والأنفس في مجال الاحتجاج والبذل والتضحية، وإفحام الخصم على صدق الدعوى، فالذين ذكرتهم الآية هم من أحب الناس إلى قلب رسول اللهصلى الله عليه وسلموعندما يعرضهم للتضحية إنما يؤكد بذلك صحة دعواه لأنه »أكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيفائه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبدته وأحب الناس إليه لذلك«([31]).
4- الاعتراضات الواردة على الاستدلال بآية الطاعة:
رد عليهم الفخر الرازي بما ملخصه ما يلي:
أ- إن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، لأنه لو وجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم لكن ذلك تكليف بما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا كنا عارفين بهم وبمذاهبهم؛ صار هذا الإيجاب مشروطاً وظاهر الآية الإطلاق.
ب- إنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، وأولو الأمر جمع، والإمامية لا يكون عندهم في الزمان إلا إمام واحد، وحمل الجمع على المفرد خلاف الظاهر.
ج- إنه سبحانه أمر في الآية بالاحتكام إلى الله ورسوله في حالة حدوث تنازع في شيء، ولو كان المراد بأولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يأمرهم برد الأمر إليه([32]). (1/75)
صفحة 76
قال الشيخ محمد رشيد رضا –بعد أن ساق رد الفخر على الإمامية- »إن القائلين بالإمام المعصوم يقولون إن فائدة اتباعه إنقاذ الأمة من ظلمة الخلاف، وضرر التنازع والتفرق، وظاهر الآية بيان حكم المتنازع فيه مع وجود أولي الأمر، وطاعة الأمة لهم، كأن يختلف أولو الأمر في بعض النوازل والوقائع، والخلاف والتنازع مع وجود الإمام المعصوم غير جائز عند القائلين به، لأنه عندهم مثل الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يكون لهذه الزيادة فائدة على رأيهم«([33]).
5- الاعتراضات الواردة على ما احتج به الإمامية من الأحاديث:
أ- لم يرد نص صريح بالإمامة لعلي –كرم الله وجهه- لأنه لو كان في الإمامة نص لاحتج به علي يوم السقيفة؛ وفي كل موقع ومقام يسوغ ذكره، ولما عدل إلى الاحتجاج بخلافه؛ لأن النص لا مجال لرده والاعتراض عليه من قبل الصحابة رضوان الله عليهم، فكان احتجاجه بالسابقة والقرابة والفضل دليلاً على عدم النص([34]).
ب- إن القول بورود النص يحتم على الأمة أن تنقله على سبيل الإعلان والتشهير، لأن مثل هذا النص لا يجوز إخفاؤه أو التستر عليه، إذ لا مبرر لفعل ذلك، والروايات التي وردت لم تبلغ مبلغ الشهرة، بل ولا مبلغ الآحاد المطعون فيها([35]).
ج- إن الأحاديث الواردة في فضل علي معارضة بما ورد في أبي بكر وعمر وغيرهما y من الأحاديث التي تذكر أفضالهم وفضائلهم، وبالتالي فلا وجه لاختصاص علي على غيره بالإمامة احتجاجاً بما ورد فيه من ذكر فضائله([36]).
د- إن تلك الأحاديث أخبار آحاد لا ترقى إلى درجة القطع، فضلاً عن كونها ظنية، فالمولى يحتمل عدة معان، وليس أحدها أولى من الآخر([37]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) المظفر: الشيعة: ص15، كاشف الغطاء: أصل الشيعة: ص74.
([2]) كاشف الغطاء: المرجع السابق.
([ (1/76)
صفحة 77
3]) الصنعاني (العلامة أحمد بن قاسم العنسي اليماني): التاج المذهب لأحكام المذهب: 4/406، (وأقدم الشكر للأخ سعيد عبدالرزاق العامري اليمني الذي تفضل بإهدائي هذا الكتاب القيم)، علي عبدالكريم: الزيدية: ص117.
([4]) الدعوة هي: »ترشيح الشخص العارف من نفسه الأهلية لنفسه بواسطة منشور –الدعوة- يوضح فيه موجبات الدعوة وأهليته للقيام بالإمامة، ومنهج عمله فيها، أما الترشيح فهو أن يرشح رحال الحل والعقد واحداً ممن يرونه صالحاً لهذا المنصب العظيم« ويشترط موافقة أهل الحل والعقد في حالة »الدعوة« وموافقة المرشح في حالة »الترشيح«. أنظر: علي عبدالكريم: الزيدية: ص118.
([5]) ابن تيميه: منهاج السنة: 1/134.
([6]) أبو يعلي: المعتمد، نقلاً عن أيبش: نصوص: ص196.
([7]) الفصل: 4/177.
([8]) الصواعق: ص49.
([9]) الإرشاد: ص419.
([10]) المظفر: الشيعة: ص15.
([11]) الصنعاني: التاج: 4/406 »الهامش«.
([12]) سورة المائدة: الآية (55).
([13]) محمد بن الحسن الطوسي: الاقتصاد في الاعتقاد: ص319-321، الزنجاني: عقائد: ص82.
([14]) سورة البقرة: الآية (124).
([15]) أبو جعفر الطوسي: تلخيص الشافي: ج2 ق 1/254-255.
([16]) سورة آل عمران: الآية (61).
([17]) البُهل: اللعن، وباهل بعضهم بعضاً، وتباهلوا أي تلاعنوا، والابتهال: الاجتهاد في الدعاء. القاموس المحيط: 3/350.
([18]) الزنجاني: عقائد: ص85.
([19]) سورة النساء: الآية (59).
([20]) الفضل بن الحسن الطبرسي: مجمع البيان في تفسير القرآن: 3/100.
([21]) الطوسي: تخليص الشافي: ج1 ق2/205، وانظر طرق الحديث في سيرة ابن هشام: 4/12-13.
([22]) المرجع السابق: 167، السيرة النبوية لابن هشام: 4/414 وما بعدها.
([23]) الشيخ محمد رضا المظفر: عقائد الإمامية: ص75.
([24]) المظفر: الشيعة والإمامة: 93.
([25]) المرجع السابق: 94، الزنجاني: عقائد الإمامية: 94-95.
([ (1/77)
صفحة 78
26]) الآيات السابقة (51-54) تبدأ بقوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء[، والآيات اللاحقة (56 وما بعدها) تبدأ بقوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلك والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين[.
([27]) سورة التوبة: الآية (71).
([28]) النيسابوري: الحسن بن محمد القمي: تفسير غريب القرآن الكريم بهامش تفسير جامع البيان للطبري: م4 ج6/169 باختصار.
([29]) الرازي: التفسير الكبير: م2 ج4/45.
([30]) الجصاص (أبو بكر أحمد بن علي الرازي) أحكام القرآن: 1/72.
([31]) الزمخشري: الكشاف: 1/434.
([32]) التفسير الكبير: م5 ج10/150.
([33]) تفسير المنار: 5/186.
([34]) ابن أبي حديد: شرح نهج البلاغة: م2 ج6/5.
([35]) الكمال: المسامرة: 301-302.
([36]) أنظر: الباقلاني: التمهيد: نقلاً عن أيبش: نصوص: ص44.
([37]) الجويني: الإرشاد: ص351.
المطلب الخامس مقارنة طرق التولي ومدى صلاحيتها .......
في العصر الحاضر في ضوء التجارب
رأينا تأجيل مناقشة طرق تولية الإمام وعقد مطلب خاص لها بعد أن تكون قد كونا صورة واضحة عنها من خلال استعراض الأدلة التي يستند عليها كل من قال بصلاحية هذه الطرق أو واحدة أو أكثر منها، ومما لاشك فيه أن للنص القرآني والحديث النبوي أهمية قصوى في تحديد طرقة تعيين الإمام، لأن هذه المسألة تأتي بعد حكم نصب الإمام من حيث ترتيب الأحكام المتعلقة بفقه الإمامة.
وبعد النص تأتي مسألة الاستخلاف لقربها من معنى النص على الإمام أولاً؛ ولن تولية اثنين من الخلفاء الراشدين قد ثبتت بالاستخلاف؛ على اختلاف بين الفقهاء هل هو ترشيح أو تعيين؟ وهل يحتاج إلى الرضى والبيعة أو لا يفتقر لذلك. (1/78)
صفحة 79
وبعد الاستخلاف يكون الاختيار هو الطريق الثالث الذي –إن ثبت عدم شرعية أو ثبوت النص والاستخلاف- تلجأ إليه الأمة لتولية إمام المسلمين، وأخيراً يكون طريق القهر والغلبة.
تلك هي الطرق التي تناولها الفقهاء بالتأييد أو الرفض، وسنقوم هنا بتحليل هذه الطرق والمقارنة بينها لنقف على مدى قربها أو بعدها من هدي القرآن والسنة من خلال مناقشة الأدلة التي استدل بها أنصار كل طريق.
أولاً: مناقشة طريق النص:
لن نناقش هنا الأدلة التي استدل بها الشيعة، فقد أسهب الفقهاء([1]) الأقدمون والمحدثون في الرد عليهم، فقد نقدوا تلك الأدلة سنداً ومتناً –وقد ذكرنا بعضها- كما كتبت في العصر الحاضر رسائل جامعة متخصصة([2]) في رأي الإمامية في الإمامة، إلا أننا سنركز بحثنا على بعض المعاني والأحداث التي تزيد الأمور وضوحاً، وتجعلنا نحدد موقفنا بكل قناعة واطمئنان، فنقول وبالله التوفيق:
أ- لم ينقل عن الإمام علي –كرم الله وجهه- أنه احتج بنص من النبي صلى الله عليه وسلمسواء قبل توليه الإمامة أو بعدها، وإنما كان يحتج بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لأبي بكر رضي الله عنه: »إن قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وما أعطاك الله، لم تنفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبدت علينا بالمر وكنا نحن نرى لنا حقاً لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم «([3]). (1/79)
صفحة 80
وإذا كان الإمام علي قد آثر السكوت إثر بيعة أبي بكررضي الله عنه حفاظاً على وحدة الأمة، و»حفظاً لبيضة الإسلام لما عدم الناصر«([4]) فما الذي منعه من إعلان النص وإظهاره عندما استخلف أبو بكر عمر؟! وما الذي أحجمه على الاحتجاج به يوم الشورى؟ وعدم إلى الاحتجاج بأحاديث الفضائل والقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم! وعندما تمت له البيعة بعد مقتل عثمانرضي الله عنه ورفض من رفض بيعته من الصحابة لم يحتج عليهم بنص، وفي حواره واحتجاجه على أهل النهروان لم يعنفهم على انتخاب إمام لهم، ولم يحتج عليهم بأن ما قاموا به يخالف وصية النبي بالإمامة له.
كل ذلك لم يحدث، وقد تتبعت كتاب (نهج البلاغة) الذي يصفه أحد أعلام الشيعة بأنه »مظهر العلم الإلهي في التنبؤات عن الحوادث المتأخرة« وأنه (المعجز الخالد... الدائم... الخارق)([5])!!! فلم أجد نصا نبوياً واحداً من النصوص التي يحتج بها الشيعة سواء أكانت النصوص الجلية أم الخفية، وإنما يذكر (الولاية، والوصية، والوراثة)([6])، وكيف يترك الإمام على الذي أوتي ملكة الفصاحة، والقدرة على الإتيان بالحجة البالغة، كيف يترك قول النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر المواقف حاجة إلى قطع حجة الخصم الذي يعلم عنه الإمام أنه لا يمكن إلا أن يسلم الأمر له، خصوصاً الخلفاء الثلاثة وبقية الصحابة رضوان الله عليهم؟!. (1/80)
صفحة 81
ب- إن الأعمال التي قام بها بعض الأئمة الاثني عشر لا تتفق مع اشتراط العصمة التي يقول بها الإمامية في حق أئمتهم؛ فإذا كانت العصمة عن الخطأ والزلل والمعصية، فكيف يتنازل الحسن ابن علي عن الإمامة لمعاوية، أليس في ذلك مخالفة صريحة للأمر الإلهي والنص النبوي؟ كيف يعتقد الحسن أن تعيينه إماماً واجب على الله لطفاً بعباده، ثم يترك الإمامة، ويدفعها لمعاوية، مخالفاً بذلك طريقة أبيه، وعاصياً لأمر جده صلى الله عليه وسلم وربه تعالى؟! وإذا كانت العصمة عن القتل والإيذاء من الظالمين، فكيف نفسر سكوت الحسين عن الرد على معاوية الذي أخذ البيعة منه قهراً لولده يزيد؟! وكيف يختفي الإمام الثاني عشر خوفاً من الظلمة، إذا كان معصوماً من القتل؟ كيف يختفي طول هذه المدة والأمة في أشد الحاجة إلى من يخلصها من الذل والهوان الذي تعيشه؟!([7]) وأخيراً كيف نوفق بين القول بالعصمة والقول بالتقية؟ وما الحاجة إذن إلى أن يكون الإمام أشجع الناس إذا كانت التقية جائزة في حقه؟
ج- على افتراض أن الإمام »المهدي المنتظر« لم يختف، وظهر على الظالمين والغاصبين، أفتراه يعيش إلى يوم القيامة يسوس الأمة، ويقيم الكتاب، ويحمل الناس على الجادة، أم أنه يموت بعد عمر كما مات آباؤه من قبل؟! ومن الذي سيخلفه عندئذ، مع حصر الأئمة في عدد معين، فإن كان سيخلفه نائب فهل النائب يشترط ما يشترط في الإمام؟ وإذا كان الأمر كذلك فما معنى تحديد العدد؟ وإذا كان الإمام سيبقى إلى يوم القيامة فقد حاز من الفضيلة والكرامة ما لم ينله الأئمة من قبله.
نخلص مما تقدم إلى القول الجازم بعدم وجود نص يعين الإمام، وبالتالي فإننا نستبعد النص كطريق من طرق اختيار الإمام. (1/81)
صفحة 82
يستند القائلون بالاستخلاف على واقعتين »أحدهما أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها –الإمامة- إلى عمررضي الله عنه فأثبت المسلمون إمامته بعهده، والثاني أن عمررضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر اعتقاداً لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها«([8]).
ونحن لا ننكر ما حدث، ولا نقدح في فهم الصحابة وعلمهم وفضلهم، لكننا يحق لنا أن نتساءل عن الأسباب والدوافع الكامنة وراء تصرف الخليفتين الراشدين اللذين هما أكثر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم التزاماً بهدي النبوة.
أ- استخلاف عمر:
نزل المرض بأبي بكر رضي الله عنه في وقت كانت الدولة الإسلامية تمر بأدق الظروف، وأحرج المراحل في عهده بعد حركة الردة، فقد كان المسلمون في صدام عسكري ومعارك طاحنة مع دولتي فارس والروم، اللتين تريان في الإسلام والمسلمين خطراً يهدد وجودهما وبقاءهما. (1/82)
صفحة 83
رأى أبو بكر –وقد أحس بدنو أجله- أن بقاء المسلمين بلا خليفة بعده قد يعيد النزاع والخلاف الذي حدث بعد رحيل المصطفى صلى الله عليه وسلم مما سيؤثر على قوة المسلمين ووحدتهم في مواجهة أعدائهم على ساحات القتال، فالمرحلة إذن لا تسمح بترك فراغ في منصب الخلافة، وإذا كان الأمر كذلك فلابد من معالجة مبكرة للقضية، وقطع لدابر الخلاف قبل وقوعه، فما كان منه t إلا أن جمع الصحابة المتواجدين في المدينة –عاصمة الخلافة- وقال لهم: »إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظنني إلا لمماتي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتكم في حياة مني كان أجدى ألا تختلفوا بعدي«([9])، فخرجوا من عنده، وتشاوروا فيما بينهم، ولما لم يتوصلوا إلى رأي يجتمعون عليه رجعوا إلى أبي بكر وقالوا له: »أشر لنا يا خليفة رسول الله! قال: فلعلكم تختلفون. قالوا: لا، فقال: فعليكم عهد الله على الرضى، قالوا: نعم، قال: فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده«([10])، فاستثار عدد من كبار المهاجرين والأنصار سراً، كلاً على انفراد، وكلهم يشير عليه بعمر بن الخطاب فكتب عهداً له بالخلافة([11])، وأشرف على الناس من »كوة«([12]) وقال: أيها الناس إني قد عهدت عهداً أفترضون به؟ قال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله، فقال علي: لا نرضى إلا أن يكون عمر، قال: فإنه عمر«([13]) وبويع له صبيحة ليلة وفاة أبي بكر رضي الله عنهما([14]).
إذن:
- هناك ظروف دفعت أبا بكر للاستخلاف.
- وهناك شورى بين الخليفة والمسلمين في الاستخلاف.
- وهناك تفويض من المسلمين للخليفة في اختيار الرجل المناسب.
- وهناك رضى من المسلمين بمن وقع عليه الاختيار.
- ثم كانت بيعة بعد موت الخليفة.
ب- استخلاف الستة: (1/83)
صفحة 84
جاء في صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون من حديث طويل: »..فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر –أو الرهط- الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبدالرحمن، وقال: يشهدكم عبدالله بن عمر، وليس له من الأمر شيء«([15])، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: »...ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال: إن الله U يحفظ ينه، ولئن لا أستخلف فإن رسول الله e لم يستخلف، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف...«([16]).
وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: أدعوا لي إخواني، قالوا: ومن؟ قال: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص y فأرسل إليهم ثم وضع رأسه في حجري، فلما جاؤوا قلت: هؤلاء حضروا، قال: نعم، نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم أيها الستة! رؤوس الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم ما استقمتم ليستقم أمر الناس، وإن يكن اختلاف يكن فيكم من خلال الروايات السابقة، نستطيع أن نطل على ذلك العصر الذي عهد فيه عمر إلى أهل الشورى، لنعرف كيف بدأ؟ وكيف سار؟ وإلى ما انتهى؟([17]).
لم تكن فكرة الاستخلاف هذه المرة صادرة من جانب الخليفة كما حدث مع أبي بكر رضي الله عنه وإنما كانت من جانب الصحابة الذين رأوا في الاستخلاف أسلوباً حكيماً يقي الأمة التنازع والاختلاف. (1/84)
صفحة 85
وعندما عرض الاقتراح على عمر، نظر إلى من سبقه، لقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلمالأمة دون أن يستخلف عليهم أحداً، في الوقت الذي استخلف فيه أبو بكر عمر، فإن هو استخلف –حفاظاً على وحدة المسلمين واتفاقهم على الإمام قبل وفاته– فقد اتبع هدي أبي بكر وإن هو ترك الأمة تتولى أمرها بعد وفاته من غير أن يتحمل هو تبعة الاستخلاف، إذا فعل ذلك فقد اهتدى بهدي النبوة.
وعمر الذي يقول: »من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا«([18]) لم يكن بالذي يخالف فعله قوله؛ فيعين رجلاً يخلفه، وكيف يفعل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله، وهو في الوقت ذاته يتذكر ذلك الخلاف الذي كاد أن يعصف بالمسلمين يوم السقيفة، فلا تدعه نفسه أن يترك الأمر كي يظهر الخلاف من جديد.
إزاء هذا الموقف، سعى إلى دمج فكرتي الاستخلاف والترك، فاستحدث طريقاً »تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة«([19])، ليفسح للأمة فرصة أوسع للاختيار، في الوقت الذي يضيق فيه مجال التنازع والاختلاف، فكان أن عهد إلى ستة من الصحابة، وقد بين السبب الذي جعله يحصر الأمة فيهم، فهم:
1- توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم.
2- أنهم الأقطاب الذين تلتف حولهم الجماعة المسلمة، فإن اختلفوا كان اختلاف المسلمين، وإن اتفقوا فلا مجال للاختلاف.
وإذا كان عمر قد حصر تولية الإمامة في هؤلاء الستة، فإنه لم يحصر الشورى فيما بينهم، وإنما جعل الاختيار من حق الأمة، فهي التي تختار أحدهم قائلاً لهم: »تشاوروا ثلاثاً ويصلي بالناس صهيب، قالوا: ومن تشاور يا أمير المؤمنين؟ قال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسارة من هنا ومن الأجناد«([20])، وانتهى الأمر باختيار عثمان رضي الله عنه وعقدت الإمامة له.
الخلاصة:
إن في قصة استخلاف عمر أهل الشورى نلاحظ ما يلي:
- تقديم فكرة الاستخلاف من قبل المسلمين.
- تردد عمر بين الاستخلاف والترك. (1/85)
صفحة 86
- ترشيح ستة ممن يصلحون للإمامة.
- مشاورة الأمة في اختيار أحدهم بعد موت الخليفة.
- البيعة لمن يقع عليه الاختيار.
إذن، فإن ما فعله عمر t لم يكن سوى ترشيحاً ولم يكن استخلافاً بالمعنى الذي ذهب إليه من أجاز طريق الاستخلاف.
من كل ذلك نستطيع الخروج برأي يف طريقة الاستخلاف فنقول: إن الاستخلاف طريق جائز لتولية الخليفة إذا توفرت الشروط التالية:
أولاً: أن ينزل بالإمام القائم ما يتوقع فيه دنو أجله والدولة الإسلامية في حالة حرب مع عدوها، أو عدم استقرار بداخلها، بحيث لم تكن هناك فرصة للاختيار.
ثانياً: أن يتم الاختيار بالتشاور مع أهل الحل والعقد ورضى منهم.
ثالثاً: أن تتم البيعة للإمام المستخلف بعد موت الإمام المستخلف.
رابعاً: مراعاة الشروط التي اشترطها الفقهاء لصحة الاستخلاف([21]).
ثالثاً: مناقشة طريق القهر والغلبة:
احتج المجوزون لهذا الطريق بالأحاديث التي تأمر بالتزام الصبر وعدم مفارقة الجماعة، وبالحديث الذي يأمر بقتل من يخرج على الإمام، وبموقف ابن عمر وأخيراً بقاعدة الضرورة.
لكن وجوه الاستدلال التي قالوا بها فيها نظر:
- فأحاديث الصبر ولزوم الجماعة تقتصر على طاعة الإمام العادل الذي تولى الإمامة بالرضى والشورى، فقد يلحق المسلم ما لا يرضاه من الإمام العادل في حكم أو أمر مثلاً، فيجب على هذا المسلم الصبر وإن استقر نفسه أن الإمام قد ظلمه أو غمطه حقه، لأن صدور هذا من الإمام متوقع لكونه بشر يخطئ ويصيب ويحكم بالظاهر. (1/86)
صفحة 87
- أما الحديث الذي يأمر بقتل من يخرج على الأمة، وأن من يخرج على إمام القهر والغلبة داخل في حكم الحديث –كما يقول ابن قدامة- فهو حديث يتناول الإمام المتغلب ابتداءً، فكيف يصبح الحديث حجة له، وهو ظالم متعد في قتاله، وماذا يكون الحكم لو تغلب الخارج على الإمام المتغلب؟ أيستحق الخارج الثاني القتل لأنه خرج على المتغلب الأول أم تجب له الطاعة، ومن يخرج عليه يقتل؟! أي منهج سياسي، وأي فوضى سياسية أبعد عن الحق والصواب منها! أليس في ذلك تشجيع على الخروج والانقلاب العسكري، وكيف يقر الغاصب على ما غصب؟! وهل هناك أعظم من اغتصاب حق الأمة في اختيار إمامها وزعيمها؟!.
- أما الاستدلال بموقف عبدالله بن عمر يوم الحرة فمناقض برأي أبيه الخليفة الثاني t القائل: »من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا«([22]) ثم هو رأي صحابي، ورأي صحابي مختلف في حجيته([23]).
- ثم هناك فرق بين طاعة المتغلب للضرورة؛ لإنفاذ الأحكام –وهو الذي احتج به المجوزون- وبين اعتبار هذا الطريق طريقاً شرعياً ثابتاً، ونحن لا نقول بالخروج على أي حال سواء تحقق الظهور أم لا، فهذا شيء وإقرار المتغلب على ما قام به واعتباره طريقه مشروعاً شيء آخر.
على أن القول بأن الأحكام والحدود لا تصح من المتغلب إلا إذا اعتبرنا إمامته شرعية غير مسلم به، لأن تنفيذ الأحكام والفصل بين الناس، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يجب على كل مسلم على قدر استطاعته، قال الفقهاء: »ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمره به، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بآخر؟«([24]). (1/87)
صفحة 88
و»الإمام المتغلب« يجب عليه الأمر والنهي، لأنه يملك اليد »القدرة« على ذلك، فهو حينما يأمر القاضي أو غيره أن يقيم العدل، ويحكم بالحق، ويفصل بين الناس إنما يأمره »بما هو واجب عليه؛ لأن أمره ليحكم بين الناس بالحق والعدل هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو واجب على الناس، فهذا الجبار (=المتغلب) إنما أمر هذا الرجل بما هو لازم له فعله، فعليه أن يحكم بين الناس بالحق وينصف بعضهم من بعض، كان بأمر الجبار أو بغير أمره ما وجد السبيل إلى ذلك«([25]).
- والقول بإمامة المتغلب يعطي الحركات الانقلابية صفة شرعية، وأمتنا ذاقت الويلات من التمرد والانقلابات التي تأكل الأخضر واليابس، وتبقى حياة الأمة مطوقة بسلسلة من الانقلابات التي لا تنتهي، ومن تتبع تاريخ الدولة العباسية بعد المتوكل([26]) يرى إلى أي مدى كان الانقلاب والقتل عرفاً وأمراً مألوفاً، سار عليه العباسيون، أو قل: أجبر العباسيون على السير فيه.
إن القول بإمامة المتغلب إنما هو تقرير للواقع وإضفاء الشرعية عليه، وليس له أصل في الكتاب أو السنة، وإنما بدأت فكرة القهر والتغلب تنبت في الفقه السياسي الإسلامي بتصرفات معاوية السياسية والعسكرية.
ولعل عبارة التابعي الكبير الحسن البصري تؤكد هذه الحقيقة، إذ يقول: »أربع خصال كن في معاوية لو لك تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذووا الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكيراً خميراً يلبس الحرير، ويضرب الطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجراً وأصحاب حجر، فيا ويلاً له من حجر ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر«([27]). (1/88)
صفحة 89
إن الأمة ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه من الذل والتفتت والضعف والبعد عن الإسلام شريعة ومنهج حياة؛ لو أنها تمسكت بحقوقها السياسية في اختيار أئمتها وحكامها، ومحاسبتهم إذا انحرفوا في الحكم، والأمر والنهي.
كان من الواجب على العلماء والفقهاء الذين أوجب عليهم الله سبحانه تبيان الحق للناس، أن يقفوا في وجه الذين يستولون على الحكم بالقهر والتسلط، لا أن يباركوا أعمالهم، ويفتون بشرعية حكمهم وحرمة الخروج عليهم.
الخلاصة:
تنعقد الإمامة بطريق الاختيار القائم على قاعدة الشورى المستند إلى رضى أهل الحل والعقد وهو الطريق الذي تظافرت الأدلة الشرعية والبراهين العقلية على صحته.
وإذا جاز الأخذ بطريق الاستخلاف للضرورة –والضرورة تقدر بقدرها- فلا يصح اعتبار التغلب والقهر طريقاً مشروعاً، وعلى الأمة أن تدافع عن حريتها وحقها في اختيار قادتها وحكامها، وأن تبذل في سبيل ذلك كل غال ونفيس ]ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون[([28]).
-------------------------------------------------------------------------------
([1]) أنظر: ابن تيميه: منهاج السنة، ابن حجر: الصواعق المرسلة، الدهلوي: التحفة الاثني عشرية.
([2]) أنظر: د. علي أحمد السالوس: أثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله.
([3]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/79، الطبري: تاريخ: 2/236.
([4]) المظفر: الشيعة والإمامة: 16.
([5]) المرجع السابق: 94، 95.
([6]) ابن أبي حديد: شرح نهج البلاغة: 1/46، هكذا كلمات عامة وهي مقولات تحتاج إلى دليل!.
([ (1/89)
صفحة 90
7]) لقد شعر الشيعة الإمامية بالمأزق الذي أوقعتهم فيه عقيدتهم في الإمامة، وخصوصاً في القرن الهجري الرابع عشر الذي شهد عصر النفوذ الاستعماري في بلاد الإسلام، فبدأ كبار علمائهم يراجعون الفكر السياسي وقضية الإمامة، فجاءوا بنظرية: »ولاية الفقيه« ويقصد بها أنه إذا بايع العلماء المعاصرون فقيهاً وأجمعوا على فقهه صار بذلك نائباً للإمام المنتظر، حيث بدأت تلوح من خلال دعوات علماء الشيعة في إعطاء دور أكبر لأحكام الدين في الحياة العامة، و(ضرورة وضع دستور للدولة على أسس دينية)، إلى أن تبلورت على شكل نظرية متكاملة في كتاب (الحكومة الإسلامية) للإمام الخميني الذي استطاع –من خلال ترسيخ وتطوير نظري (ولاية الفقيه) والدعوة لإقامة حكومة إسلامية على أساسها- أن يخرج الفكر الشيعي من المأزق الذي ألم به، والجمود الذي أحتف به. أنظر: محمد عبدالكريم العتوم: النظرية السياسية المعاصرة للشيعة: 102-104.
([8]) الماوردي: الأحكام: ص9.
([9]) كاندهلوي: حياة الصحابة: 2/19.
([10]) المرجع السابق.
([11]) المرجع السابق: 17، انظر الطبري: تاريخ: 4/352.
([12]) الكوة: بفتح الكاف وضمها: الخرق في الحائط. القاموس المحيط: 4/386.
([13]) المحب الطبري: 2/404.
([14]) المرجع السابق.
([15]) فتح الباري: 7/61.
([16]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/206.
([17]) الكاندهلوي: حياة الصحابة: 2/20.
([18]) صحيح البخاري بفتح الباري: 12/145.
([19]) المرجع السابق: 7/69.
([20]) الكاندهلوي: حياة الصحابة: 2/19.
([21]) أنظر: ص من هذا البحث.
([22]) سبق تخريجه.
([ (1/90)
صفحة 91
23]) اختلف الأصوليون في حجة مذهب الصحابي على ثلاثة أقوال أولها: لزوم تقليده مطلقاً، ثانيها: عدم الجواز مطلقاً، الثالث: التفريق بين ما يدرك بالقياس، وما لا يدرك به، فالأول لا يجب، والثاني يجب تقليده فيه، قال الإمام نور الدين بعد ذكره الأقوال الثلاثة: »... والصحيح أن مذهب الصحابي لا يكون حجة على غيره إذ لو كان حجة على أحج لزم أن لا يقع بين الصحابة خلاف في مسألة أصلاً...«. السالمي (نور الدين عبدالله بن حميد): طلعة الشمس: 2/264.
([24]) النووي: صحيح مسلم بشرح النووي: 2/23.
([25]) الكندي: المصنف: 10/297.
([26]) أنظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء: ص399 وما بعدها.
([27]) ابن الأثير: الكامل: 3/242.
([28]) سورة هود: الآية (113).
المبحث الثاني عقد الإمامة
المطلب الأول الشروط العامة لعقد الإمامة
يشترط الفقهاء لصحة عقد الإمامة ولزومه شروطاً عامة؛ بعضها متفق عليه، وبعضها محل اختلاف، ومن هذه الشروط:
أولاً: أن يكون المرشح كفؤاً لمنصب الإمامة بأن تتوفر فيه شروط الإمام.
ثانياً: أن يكون العاقدون ممن تلزم بيعتهم سائر المسلمين، بأن يكونوا من أهل الاختيار »أهل الحل والعقد«([1]).
ثالثاً: أن يتفرد المعقود له بالعقد([2])، وذلك بأن لا يكون قد سبقه عقد صحيح من أهل الاختيار لآخر بالإمامة، فإن وجد عقد سابق كان عقد الثاني باطلا، فإن لم يعرف أيهما أسبق وكان لك من العاقدين والمعقود لهما من يسح منهم العقد ففيه أقوال:
الأول: إن كان العقدان في بلدين مختلفين فالذي عقد له في موضع الأئمة –عاصمة الإمامة- أولى من الثاني، وإن كانا في بلد الإمام كان أفضل الإمامين فقهاً وعلماً أحق بالإمامة وإلا عادت شورى بين المسلمين([3]). (1/91)
صفحة 92
الثاني: تجري القرعة فيما بينهما، فأيهما قرع كان أحق بالإمامة([4])، واعترض: بأن الإمامة عقد، والقرعة لا مدخل لها في العقود، ولأنهم مما لا يجوز الاشتراك فيه كالمناكح فلا يصح إجراء القرعة فيها([5]).
الثالث: العقدان فاسدان ويستأنف أهل الاختيار لأحدهما، أو لغيرهما على قولين([6]).
رابعاً: الرضى والاختيار من الطرفين: أهل الاختيار –ممثلي الأمة- والمرشح للإمامة([7])، فإن امتنع المرشح لم يجبر على القبول لأن الإمامة »عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار«([8]). فإن كان الإكراه والجبر بسبب تفرد من وقع عليه الاختيار في شروط الإمامة، أو كان اختيار غيره يسبب فرقة وفتنة وكانت الأمة راضية به، فالعقد صحيح والإكراه لا يؤثر في صحته([9]).
خامساً: عدد العاقدين للإمامة: هذا الشرط موضع اختلاف كبير بين الفقهاء، وتتمايز أقوالهم إلى ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: لا تنعقد إلا بإجماع أهل الحل والعقد، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد([10]) وطائفة من العلماء([11]).
وحجة هؤلاء: أن الإمام »يجب الرجوع إليه، ولا يسوغ خلافه والعدول عنه كالإجماع، ثم ثبت أن الإجماع يعتبر في انعقاده جميع أهل الحل والعقد، كذلك عقد الإمامة«([12]).
واعترض: »بيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها([13]).
الاتجاه الثاني: انعقادها بمن تيسر حضوره: بشرط أن يتحقق الرضا ببيعتهم من الأمة، وتكون الأكثرية سامعة لهم ومطيعة، وهو قول عند الإباضية([14])، وإليه ذهب أكثر فقهاء السنة([15]).
الاتجاه الثالث: اشتراط عدد معين من أهل الاختيار، وقد ذهب إلى هذا الاتجاه عدد من الفقهاء إلا أنهم اختلفوا في العدد إلى أقوال:
الأول: تنعقد بواحد، وبه قال بعض السنة([16])، وقول عند الإباضية([17])، واحتجوا بما يلي: (1/92)
صفحة 93
1) قول العباس لعلي رضي الله عنهما: »امدد يدك أبايعك، فيقول الناس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان«([18]).
2) أن عمر بن الخطابرضي الله عنه بايع أبا بكر فتابعه الصحابة على ذلك ورضوا به([19]).
3) ولأنه حكم، وحكم الواحد نافذ([20]).
4) ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود([21]).
وقد اشترط بعضهم أن يكون ذا شوكة([22])، وبعضهم اشترط أن يكون مجتهداً([23])، ويشترط الإباضية التفويض المسبق من أهل الحل والعقد([24]).
الثاني: تنعقد باثنين؛ لأن الاثنين حجة يقطع بهما العذر([25]).
الثالث: تنعقد بثلاثة؛ لأنهم جماعة لا تجوز مخالفتهم([26]).
الرابع: تنعقد بأربعة؛ قياساً على أكثر نصاب الشهود([27]).
الخامس: تنعقد بخمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة؛ لأن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة، وجعل عمر الإمامة في ستة يعقدها خمسة لسادتهم([28]). وهذا هو القول المشهور عند الإباضية([29])، وقول المعتزلة([30])، وحكاه الماوردي عن أكثر فقهاء ومتكلمي البصرة([31]).
السادس: تنعقد بأربعين لا دونهم: لأن عقد الإمامة أعظم من عقد الجمعة، والجمعة لا تنعقد بأقل من هذا العدد([32]).
الرأي المختار:
تلك هي آراء الفقهاء في اشتراط العدد، وهي كلها مبنية على اجتهادات وأقيسة وليس في أحدها نص قاطع، وإنما يستدلون ببيعة الخلفاء الراشدين، وبالقياس على مسائل فرعية كالشهادة وغيرها. (1/93)
صفحة 94
وحيث إن تحديد العدد لم يرد في نص الكتاب والسنة فلا أرى له أثراً في العقد ولزومه، وإنما تأتي قوته في قوة العاقدين، وتأثيرهم في الأمة، فقد يجري العقد من واحد أو خمسة أو أربعين، لكن هؤلاء ليس لهم شوكة ولا قوة ولا تأثير في تقرير مصير الأمة، مع توفر شروط أهل الحل والعقد فيهم، إلا أننا لا نستطيع القول بلزوم عقدهم، لأن تنفيذ العقد سيصطدم برفض من لهم الشوكة والقوة، كذلك الحال لو كان العاقد الواحد له من المكانة والأثر في الأمة ما يفرق العدد الكبير، وكان تصرفه قابلاً للرضى من بقية الأمة، فليس القول بصحة عقده مجانباً للصواب.
لذا؛ فإن القول المختار هو صحة عقد من يلاقي تصرفه الرضى والقبول من أهل الحل والعقد؛ سواءً كان واحداً أو أربعين أو أكثر من ذلك.
أما الأقوال الأخرى فإنها محل نظر:
- فإجماع أهل الاختيار لا يمكن أن يتحقق دائماً لأنه يتعسر اجتماعهم في كل الظروف وإذا ما تمكنوا من الاجتماع فمن غير المستبعد أن يخالف واحد أو اثنان، وفي هذه الحالة لا يصح أن يؤخر عقد الإمامة، وتعرض الأمة للمخاطر بسبب رفض عدد قليل، كما أنه لم يحدث أو وقع إجماع من أهل الاختيار في بيعة الإمامة للخلفاء الراشدين([33]).
- وأما من ذهب إلى الاحتجاج بما وقع في بيعة أبي بكر وبالعهد الذي عهد به عمر لأهل الشورى فليس فيه حجة، لأن بيعة أبي بكر قد ثبتت بمبايعة كل من حضر البيعة وكذلك بالنسبة لبيعة عثمان.
- ومن قاس الإمامة على النكاح أو الشهادة أو الجمعة فقد خالف الصواب؛ لأن عقد الإمامة يحدد مصير الأمة فلا يجوز أن يساوي بمصير امرأة، فكان قياساً مع الفارق، ويقال مثل ذلك في قياس الإمامة على الشهادة أو الجمعة، ولأنه »ليس عدد أولى من عدد، ولا وجه للتحكيم في إثبات عدد مخصوص، فإذا لم يقم دليل على عدد لم يثبت العدد«([34]). (1/94)
صفحة 95
سادساً: الإشهاد على العقد: اشترط بعض الفقهاء الإشهاد على عقد الإمامة تحرزاً من أن يدعي أحد عقد الإمامة له سراً مما يؤدي إلى الاختلاف والفتنة([35])، وذهب البعض إلى خلافه([36])، لأن الإمامة لا تنعقد سراً؛ إذ لو كانت تنعقد لاستخلى عمر بأبي بكر وعقد له بالإمامة، و»لما حضرا رضي الله عنهما إلى السقيفة«([37]).
سابعاً: خلو دار الإسلام على الإمام الأعظم: لا يصح بأي حال أن يعقد بالإمامة لرجل في حالة وجود إمام عادل، قد اجتمعت الأمة على إمامته، وهذا موضع إجماع من المذاهب الإسلامية([38]) قاطبة، وليس في ذلك منازع([39])، للأدلة التالية:
1- قوله eصلى الله عليه وسلم: »من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء الآخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر«([40]).
2- وقوله عليه الصلاة والسلام: »إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما«([41]) وأُوِلَ القتل »بالخلع والإعراض عنه فيصير كمن قتل«([42]).
3- وعنه عليه الصلاة والسلام: »من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد ان يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه«([43]).
4- ما ورد عن عمر بن الخطاب t قوله يوم السقيفة: »..إن الله واحد، والإسلام واحد، ولا يستقيم سيفان في غمد واحد«([44]).
فهذه الأحاديث والآثار تدل على عدم شرعية انعقاد الإمامة لأحد، ما دام الإمام موجوداً، ولا يخفى ما في هذا الشرط من حكمة، فوجود إمامين يؤدي إلى الفرقة والنزاع، والاختلاف بين المسلمين، كما أنه سبب لإضعاف الأمة، وتمكين لعدوها من الاستفراد بها الواحدة تلو الأخرى، فضلاً عن أنه يتناقض مع الآيات والأحاديث الآمرة بالوحدة والتعاون. (1/95)
صفحة 96
إلا أنه قد تطرأ مستجدات وظروف تجعل من المتعذر قيام الإمامة بتدبير كل أرجاء دار الإسلام، ومن تلك الأسباب »اتساع الخطة وانسحاب الإسلام على أقطار متباينة وجزائر فيلحج متقاذفة، وقد يقع قوم من الناس نبذة من الدنيا لا ينتهي إليهم نظر الإمام، وقد يتولج خط من ديار الكفر بين خطة الإسلام ويتقطع بسبب ذلك نظر الإمام الذين وراءه من المسلمين«([45]).
وقد تسقط الإمامة العظمة ويستولي على أمر المسلمين الجبابرة والسلاطين الجورة فيسعى أهل كل إقليم إلى إقامة الإمامة العادلة من غير أن يتمكن أهلها من القضاء على سلطان الجور.
فهل هذه الأسباب تجيز تعدد الأئمة؟ وهل تلك الإمامات شرعية؟
أجاز الإباضية([46]) ذلك، وطبقوه عملياً([47]) قال الإمام العالم محمد بن محبوب -رحمه الله-: »كل إمام خرج في موضعه كان إمام ناسه وبلده، وكانت ولايته واجبة على المسلمين إذا علموها، فيتولى كل واحد من أئمة المسلمين الآخر من مواضعهم، وليس على أحد منهم الانقياد لصاحبه أن يكون عاملاً له ما لم تتصل أمصارهم وحكمهم فيها، أو لم يكن بينهم أحد من الجبابرة«([48]).
ونسب إمام الحرمين الجويني القول بالجواز إلى شيخه أبي الحسن والأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني([49])، واختاره أبو منصور البغدادي([50])، والقرطبي في تفسيره([51])، وانتصر له الشوكاني([52])، وقال بأنه: »المناسب للقواعد، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها«. (1/96)
صفحة 97
ثامناً: أن يكون المسلمون في حالة من التمكن والقدرة([53]) تجعلهم قادرين على إقامة الدولة والنهوض بأعباء الإمامة، وتنفيذ ما يترتب على العقد من آثاره والتزامات، وقد أوضح الإمام قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش معنى التمكن، وهو »أن يكون المسلمون ذوي عدة وقوة في المال والعلم بدين الله، وإقامة حدوده، مكتفين بما معهم من المال والعلم لما يأتي عليهم من حوادث الأمور، ويغشاهم من متشابه النوازل، وصاروا مع ذلك بالعدد في النصف لما يليهم من أعدائهم الذين يتقون شوكتهم«([54]). ويستنتج من عبارة القطب أنه لابد لعقد الإمامة الراشدة من توفر ما يلي:
أولاً: القوة العسكرية التي تجعل النصر على الدولة الجائرة، أو السلطة الحاكمة المغتصبة أمراً غالباً على الظن.
ثانياً: القوة العلمية بأن توفر لهم الكفاءات العلمية الشرعية والخبرات الفنية التي تجعل الدولة قادرة على النهوض بالأمة.
ثالثاً: القوة الاقتصادية.
فإن لم تتحقق هذه الشروط الثلاثة، بقي المسلمون في حالة الكتمان([55]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أنظر المطلبين الثاني والثالث من هذا الفصل.
([2]) الكندي: المصنف: 10/121، الماوردي: الأحكام: 8، أبو يعلي: الأحكام: 25.
([3]) المراجع السابقة.
([4]) أبو يعلي: الأحكام: 25.
([5]) الماوردي: الأحكام: 9.
([6]) المرجع السابق.
([7]) الكندي: المصنف: 10/27، 95، النووي: الروضة: 10/44.
([8]) الماوردي: الأحكام: 7.
([ (1/97)
صفحة 98
9]) الكندي: المصنف: 10/27، النووي: الروضة: 10/44، وقد ذهب الإباضية إلى حد التهديد بالقتل إذا امتنع الذي وقع عليه الاختيار وكان المسلمون قد اتفقوا عليه وخيف وقوع فتنة بسبب امتناعه. انظر: الكندي: المرجع السابق، السالمي: نهضة الأعيان بحرية عمان: ص139، ويستدلون على ذلك بهدي الفاروق، يحث قال للأنصار يوم أن استخلف الستة: »أدخلوهم بيتاً ثلاثة أيام فإن استقاموا، وإلا فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم«. الطبقات: 3/342.
([10]) أبو يعلي: الأحكام: 24.
([11]) الماوردي: الأحكام: 6.
([12]) أبو يعلي: المرجع السابق.
([13]) الماوردي: المرجع السابق.
([14]) الكندي: المصنف: 10/100، السيرة: 1/42.
([15]) النووي: الروضة: 10/43، القلقشندي: مآثر: 1/44، الكمال: المسامرة: 326، ابن تيميه: منهاج السنة: 1/142.
([16]) الماوردي: الأحكام: 7، الجويني: غياث: 55، القرطبي: الجامع: 1/269، ابن حزم: الفصل: 5/18.
([17]) القطب: شرح النيل: 14/312، 313، السالمي: العقد الثمين: 4/283.
([18]) الماوردي: الأحكام: 7.
([19]) السالمي: العقد الثمين: 4/283.
([20]) الماوردي: الأحكام: 7.
([21]) الجويني: غياث: 55، 56.
([22]) المرجع السابق: 56.
([23]) النووي: الروضة: 10/44.
([24]) الكندي: 10/104.
([25]) الكندي: 10/101، الجويني: 53.
([26]) الرملي (أبو العباس أحمد بن حمزة): نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: 7/410.
([27]) المراجع السابقة، القلقشندي: مآثر: 1/43.
([28]) الماوردي: الأحكام: 6-7، الكندي: 10/100.
([29]) الكندي: المرجع السابق، أطفيش: 14/312.
([30]) القاضي عبدالجبار: ج20 ف1/252.
([31]) المرجع السابق.
([32]) القلقشندي: مآثر: 1/42، الجويني: غياث: 53.
([33]) الجويني: غياث: 52.
([34]) المرجع السابق: 55.
([35]) المرجع السابق: 57، القلقشندي: مآثر: 1/45، الكمال: المسامرة: 283.
([ (1/98)
صفحة 99
36]) الجويني: المرجع السابق: 57.
([37]) المرجع السابق: 58.
([38]) المرجع السابق: 59.
([39]) السير والجوابات: 2/267، الكندي: المصنف: 10/116، الكمال: المسامرة: 325، أبو يعلي: الأحكام: 25، البغدادي: أصول الدين: 2/274، الجويني: غياث: 126، القرطبي: الجامع: 1/273، الصنعاني: التاج: 4/410.
([40]) روه مسلم؛ واللفظ له: صحيح مسلم بشرح النووي: 12/233، النسائي: سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، وحاشية الإمام السندي: 7/153، ابن ماجه: سنن ابن ماجه: 2/1307.
([41]) رواه مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي: 12/242.
([42]) فتح الباري: 12/156.
([43]) رواه مسلم: المرجع السابق.
([44]) السير والجوابات: 2/267، وفي الطبري: 2/243: »هيهات لا يجتمع اثنان في قرن!«.
([45]) الجويني: غياث: 128.
([46]) السير والجوابات: 2/267، الحضرمي (إبراهيم بن قيس) مختصر الخصال: ص194.
([47]) سعى الإباضية إلى إقامة الإمامة العظمى في أواخر الدولة الأموية وفي زمن الدولة العباسية في عُمان وشمال أفريقيا، وقد قامت إمامة الرستميين في المغرب بين عامي (162-297ه) وفي الوقت نفسه كانت الإمامة في عُمان في أوج قوتها وازدهارها بين عامي (177ه و280ه). أنظر: خليفات: نشأة الحركة: ص171، مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضية في المشرق العربي: ص223-288.
([48]) السير والجوابات: 2/267.
([49]) المرجع السابق: 128.
([50]) أصول الدين: 274.
([51]) الجامع: 1/273.
([52]) السيل الجرار: 4/52.
([53]) الكندي: المصنف: 10/24، الجويني: غياث: 15.
([54]) شرح النيل: 14/308.
([55]) المرجع السابق، وانظر ص من هذا البحث.
المطلب الثاني الشروط الخاصة
أولاً: شروط أهل الاختيار:
قلنا فيما مضى: إن طريق الاختيار هو الأسلوب الأمثل والطريق الأقوم لتولية الإمام، وهو الذي تؤيده النصوص الشرعية، ويستأنس له بالوقائع التاريخية. (1/99)
صفحة 100
لكن، يرد هنا سؤال ملح وهو: من يملك هذا الحق، هل لكل فرد من الأمة أن يشارك في ذلك؟ أم هو حق مقصور على طائفة مخصوصة؟
الواقع إنه ليس هناك نص صريح يحدد إجابة شافية لهذه المسألة، إلا أن اجتهادات الفقهاء من مختلف المذاهب تلتقي على حصر الأمر في فئة مخصوصة تتولى اختيار الإمام والعقد له بالإمامة، واجتهدوا في وضع شروط تجعلهم قادرين على التصرف في هذا الحق بجدارة وقدرة تؤديان إلى اختيار الأصلح والأفضل.
وقد أطلق الفقهاء على هذه الفئة أسماء متعدده، مشتقة من طبيعة العمل الذي تقوم به.
فمنهم من يسميهم بـ»أهل الاختيار«([1]).
والبعض يطلق عليهم لقب »أهل الشورى«([2]).
والعلامة عبدالعزيز الثميني يطلق عليهم لقب »أولو النظر«([3]).
وأكثر الفقهاء على أنهم »أهل الحل والعقد«([4]).
وقد استدل الفقهاء على حصر حق الاختيار في هذه الفئة، وعدم انعقاد الإمامة إلا برأيها، وموافقتها، بأدلة منها:
1- قوله تعالى: ]وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم[([5]).
قال أبو عبيدة([6]): »المستنبطون هم أهل العلم بالكتاب والسنة، لأنهم المنهاج ألا ترى أنه ذمهم حين لم يردوا الأمر على الرسول والمستنبطين!!«([7]).
2- قوله تعالى: ]وأمرهم شورى بينهم[([8]) ومن الصعوبة بمكان أن يكون الأمر شورى بين جميع أفراد الأمة »فتعين أن يكون شورى بين جماعة تمثل الأمة ويكون رأيها كرأي مجموع أفراد الأمة لعلمهم بالمصالح العامة، وغيرتهم عليها ولما لسائر أفراد الأمة من الثقة بهم والاطمئنان بحكمهم«([9]).
3- قال الإمام علي –كرم الله وجهه-: »سألت يوماً رسول الله لو وقع لنا بعدك ما لم نجد له حكماً في القرآن أو نسمع منك فيه شيئاً فماذا نفعل؟ قال صلى الله عليه وسلم »اجمعوا العابدين من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوا برأي واحد«([10]). (1/100)
صفحة 101
قال المفكر الإسلامي الراحل العلامة المودودي: »والمراد بالعابدين في هذا الحديث هم الذي يعبدون الله ولا يتخذون ما يرون لهم من طرق وتدابير في تحرر تام، وليس صواباً أن نفهم من هذا المعنى أن التشاور يكون مع من ترى فيهم صفة العبادة وحدها، ونغفل الصفات الأخرى التي لابد من توافرها فيهم ليكونوا أهل الرأي والمشورة«([11]).
4- رفض كرم الله وجهه أخذ البيعة من عامة الناس وقال: »ليس ذلك إليكم؛ إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر، فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة فنجتمع وننظر في هذا الأمر«([12]).
5- إن اختيار الإمام يحتاج إلى معرفة دقيقة بشروط من يصلح للإمامة، وقدرة على تمييز الأصلح والأفضل، وجماهير الأمة تؤثر »عليها الدعاية والضجيج فلا تستطيع أن تحكم في أناة وتعقل لتختار الإمام العادل، ومن ثم فإن أهل الحل والعقد وهم الطليعة الواعية والفئة المستنيرة من أهل الاجتهاد من الأمة؛ هم الجديرون باختيار الإمام لأنهم سيحملون وزره إذا لم يتحروا في اختياره الصواب، وسيكونون شركاءه في مآثمه ومظالمه«([13]).
شروط أهل الاختيار:
إذا كان أهل الاختيار هم الذين يملكون اختيار الإمام وترشيحه، وتمييزه من بين المؤهلين لمنصب الإمامة المتصفين بشروطها، والذين يثبت قرارهم، وتلزم بيعتهم على الأمة كلها، فلابد من اتصافهم بشروط تجعلهم أهلاً للأمانة، وثقاة في حمل المسئولية، وتجعل الأمة في ثقة واطمئنان إلى أنهم يعبرون عن إرادتها، ويتكلمون بلسانها، ويحملون همومها وتطلعاتها، وآمالها وآلامها.
ومن هذه الشروط:
أولاً: البلوغ والعقل([14]): لأنهما شرطا التكليف في الإسلام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم »رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق«([15]).
ثانياً: الإسلام: فغير المسلم لا شأن له بالولاية، وليس ممن يمثلون الأمة، وينوبون عنها في اختيار ولاة أمرها، للأدلة التالية: (1/101)
صفحة 102
1- قوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم[([16]).
فالحق سبحانه وتعالى يأمر الأمة المؤمنة بطاعة أولي الأمر، وضمن الخطاب إشارة إلى صفة هؤلاء الذين يستحقون هذه الطاعة بقوله ]منكم[ أي »من المؤمنين الذي يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين«([17]).
2- قوله تعالى: ]ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً[([18]) ولا ريب أن الحق في اختيار الإمام أعظم سبيل على المؤمنين، فكيف يتاح للكافر أن يتحكم في تقرير مصير أعلى مركز قيادي في الدولة الإسلامية، ويعقد الإمامة، وهو لا يملك أن يعقد نكاح المرأة المسلمة؟!.
3- نهى الحق سبحانه وتعالى عن موالاة الكافرين فقال: ]يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين[([19]) وقال: ]يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم[([20]) »ومنح هؤلاء حق الانتخاب والاختيار تولية لهم موالاة، وإعزازاً لمكانتهم في المجتمع ورقة لمنزلتهم فوق المؤمنين والموحدين.
قال العلامة ابن القيم: »لما كانت التولية شقيقة الولاية، كانت توليتهم نوعاً من توليهم، وقد حكم الله بأن من تولاهم فهو منهم، ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع الولاية والبراءة أبداً، والولاية إعزاز تجتمع هي إذلال الكفر أبداً، والولاية صلة فلا تجامع معاداة الكافر أبداً([21]).
4- قول النبي صلى الله عليه وسلم: »إنا لا نستعين بمشرك«([22]) فإن كان رسول الله عليه الصلاة والسلام، رفض الاستعانة بالمشرك في حرب المشركين مع ظهوره عليهم وخضوعهم لقيادته، فكيف يستعان به في أمر الإمامة، ويخول في اختيار من يتولى جهاد الكافرين وكسر شوكة المشركين؟!. (1/102)
صفحة 103
ثالثاً: الحرية: وهو شرط قد ذكره الفقهاء في وقت كان الرق أمراً شائعاً ورائجاً، فالعبد لا يملك أمر نفسه، ولو أذن له سيدة؛ لأن نقص تصرفه باق مع الإذن، وهو مشغول بحق سيده فلا يتفرغ لأمور المسلمين فضلاً عن نقصانه في عيون الناس([23]).
رابعاً: الذكورة: فلا يصح أن تكون المرأة من أهل الاختيار([24]) لما يلي:
1- قوله تعالى: ]الرجال قوامون على النساء[([25]).([26])
2- قول النبي e: »لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة«([27]).
قال العلامة المودودي رحمه الله: »هذان النصان يقطعان بأن المناصب الرئيسية في الدولة، -رئاسة كانت أو وزارة أو عضوية مجلس الشورى أو إدارة مختلف المصالح الحكومية- لا تفوض إلى النساء«([28])، ويرد على الذين يحضرون حكم الآية فيما يتعلق بالحياة العائلية، فيقول: »إن القرآن لم يفيد قوامية الرجال على النساء بالبيوت، ولم يأت بكلمة (في البيوت) في الآية مما لا يمكن بدونه أن يحصر الحكم في دائرة الحياة العائلية، ثم هبنا نقبل منكم هذا القول، فنسألكم: األتي لم يجعلها الإسلام قوّاماً في البيت بل قد وضعها في موضع القنوت، أأنتم تريدون أن تخرجوها من مقام القنوت إلى منزلة القوامة على جميع البيوت، أي على جميع الدولة؟ فهل أنتم تظنون بالله أنه يجعل المرأة قواماً على مجموعة من ملايين البيوت ولم يشأ أن يجعلها قوّاماً داخل بيتها؟«([29]).
3- قوله عليه الصلاة والسلام: »إذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير من ظهرها«([30]). (1/103)
صفحة 104
ووجه الاستدلال من الحديث: أن مصير الأمور إلى الفئات التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم -ومنها تولية النساء أمور المسلمين- يؤدي إلى خلل في المجتمع، وانحراف في المنهج السوي، والحياة الطبيعية التي تتناسب مع الفطرة، ونهاية الحديث تدل على سوء المآل الذي تصل إليه أحوال الأمة، حتى يغدوا الموت أفضل من الحياة، وفي الحديث إشارة جلية وتوجيه نبوي رشيد للأمة أن لا تلقي بأمرها إلى الأشرار والفاسدين، وأن تجعل المرأة تتبوأ مكانها الطبيعي وتقوم بالمسؤولية التي اختصت بها؛ وهي رعاية بيتها وتدبير أمور مملكتها الصغيرة.
4- لو كان للنساء نصيب من أمر الإمامة والحكم في الإسلام لكانت نساء النبي أولى من غيرهن في الدخول في أهل الاختيار([31])، ونحن نعلم يقيناً أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلملم يشتركن في اختيار ولا في عقد الإمامة لواحد من الخلفاء الراشدين، مع إجلال الصحابة لهن، وعلو منزلتهن في قلوبهم.
5- إن دخول المرأة في جماعة أهل الاختيار يضطرها إلى الاختلاط بالرجال، ومزاحمتهم وغشيان مجالسهم، وقد يضطرها الأمر إلى السفر والترحال وحضور الاجتماعات المغلقة، وغيرها من المحاذير التي تصطدم مع الأوامر الإلهية التي تأمر النساء باجتناب الاختلاط والاختلاء بالرجال، وعدم السفر إلا لحاجة.
6- إن اختيار الإمام يتطلب معرفة بأحوال الرجال وصفاتهم وقدراتهم، وما يتفاضلون فيه، وأيهم الأقدر والأصلح لمنصب الإمامة، وكل ذلك لا يمكن للمرأة أن تطلع عليه وتستكشفه.
خامساً: العدالة([32]): يشترط في عضو مجلس »أهل الاختيار« تحقيق صفة العدالة([33])، فيكون عدلاً، يفعل جميع ما يجب عليه من أوامر ربه، مجتنباً جميع المحرمات التي نهاه عنها ربه تعالى، وهذا الشرط ضروري؛ لأن عضو مجلس الشورى يفترض أن يكون أميناً في مشورته، صادقاً في لهجته، مطيعاً لخالقه، واأ (1/104)
صفحة 105
حتى تثق الأمة في قوله وفعله، وتطمئن إلى موافقة مؤسسة على التقوى لا على الهوى، وأنه سيقول كلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، ناصح للأمة في اختيار قائدها وزعيمها، فالعدل لن يختار إلا العدل؛ حتى لا يتناقض مع نفسه، و»لأن المعقود عليه فرع عن العاقدين، وسيف لهم على خصمهم، وسهم في نحور عدوهم، فيه يصولون، وبه يجولون([34]).
وإذا كانت العدالة شرطاً في الشهادة، وفي الحكم في صيد المحرم، فإنها أحرى أن تكون شرطاً في من يتولى تزكية من يدفع إلى سدة الحكم ومقام الإمامة العظمى.
لذا، لا يصح أن يكون الفاسق من أهل الاختيار، ويجب على الأمة أن تضع رضى الله سبحانه وتعالى وأوامره ونواهيه فوق كل اعتبار، وأن تجعل العصبية للدين ولله ورسوله وتترك عصبية القرابة والجنس واللون، وما إليها من العصبيات الجاهلية، فلا تقف إلا مع العدل، ولا تكون إلا خلف التقي، تؤيده وتسانده، وكيف تثق الأمة بمن »لا يوثق به في باقة بقل، كيف يكون أهلاً للحل والعقد؟؟! وكيف ينفذ نصبه على أهل المشرق والمغرب؛ ومن لم يتق الله لم تؤمن غوائله، ومن لم يصن نفسه لم تنفعه فضائله«([35]).
سادساً: العلم: لابد أن يكون لدى عضو »أهل الاختيار« حصيلة كافية من العلم اللازم الذي يؤهله للقيام بواجباته على أحسن قيام، والحد الأدنى من العلم الذي لابد منه هو العلم بأحكام الإمامة، وأهمها وشروط الإمام، وما يترتب على العقد من حقوق وواجبات([36])، فإذا لم يتحقق هذا القدر من العلم في الشخص فلا يصح أن يكون من أهل الاختيار، إذ قد يقع اختياره على من ليس بأهل للإمامة، ويدفع إلى منصب القيادة من يفسد أكثر مما يصلح، ويكون وبالاً على الأمة.
هذا، وقد اشترط بعض الفقهاء أن يكون من شروط أهل الاختيار الاجتهاد([37])، لأن الإمام يشترط أن يكون مجتهداً »ولا يحيط بالمجتهد إلا مجتهد فلو لم يكن المتخير العاقد مفتياً لم يطلع على تحقيق ذلك من الذي ينصبه إماماً«([38]). (1/105)
صفحة 106
واعترض من لا يشترط الاجتهاد بأن الإحاطة بالمجتهد قد تظهر: »بالتسامع والإطباق من طبقات الخلق كون الشخص مجتهداً، فليقع الاكتفاء بذلك«([39]).
والذي أراه أقرب إلى الصواب، وأكثر ملائمة للواقع، عدم اشتراط الاجتهاد في كل فرد من أهل الاختيار، وإنما يكتفى أن يوجد بينهم مجتهد واحد إن وجد([40])، وإلا فيكتفى بالحد الأدنى من العلم الذي سبق بيانه.
وإذا قلنا إن الاجتهاد شرط فإن المجتهد من أهل الاختيار لا يمكن أن يتعرف عليه ويحيط به إلا مجتهد، فيلزم الدور.
سابعاً: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو أصلح للإمامة([41]): من الأمور اللازمة التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار في أهل الاختيار سداد الرأي، والخبرة الواسعة، والفكر الحصيف وغيرها من الصفات التي تساعد على اختيار الرجل المناسب، والأصلح لمنصب الإمامة، فلكل عصر ظروف ومشاكله، فمن يصلح لزمن السلم والأمن قد لا يصلح لزمن الحرب والفتن، ومن كان أهلاً لتولي الإمامة في زمن العلم وكثرة العلماء فإنه لا يناسب في عصر يطغى فيه الجهل وتكثر فيه البدع، فكان لابد من أن يتميز أهل الاختيار بسعة الإطلاع، وعمق التجربة، وشمولية النظرة.
كما تظهر أهمية هذا الشرط في المجالات التي يتفاوت فيها المرشحون للإمامة في بعض الشروط الكمالية، كأن يوجد عالم وأعلم، وشجاع وعالم، ووجود صالح ترضى به الأمة، وتنقاد له مع وجود الأصلح.
هذه هي الشروط التي يجب أن يتصف بها أهل الاختيار، الذي يلزم بيعتهم كل الأمة، ولا يحل لفرد فيها أن يعترض على اختيارهم.
ثانياً: شروط المرشح للإمامة:
يرى الفقهاء أنه لابد أن تتوفر في المرشح لمنصب الإمامة الشروط التالية:
أولاً: البلوغ.
ثانياً: العقل.
ثالثاً: الحرية.
فالصبي والمجنون والعبد لا يجوز أن يتولى أحد منهم الإمامة، وإذا كان لا يصح أن يكونوا من أهل الاختيار([42]) فلا يصح أن يتولوا الإمامة من باب أولى.
رابعاً: الإسلام: (1/106)
صفحة 107
وهو شرط يجمع عليه من المذاهب قاطبة، ويستدل عليه بما ذكرنا من الأدلة في (شروط أهل الاختيار) باعتباره داخلاً فيهم، لكننا نزيد على تلك الأدلة بما يلي:
1- إن من أهم واجبات الإمام حراسة الدين، وتطبيق الشريعة، وتنفيذ الأحكام والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكل ذلك لا يتصور أن يقوم به الكافر الذي يرى في الإسلام حرباً عليه، ناهيك بما يحتاج إليه هذا الواجب من إخلاص لله وحرص على عدم معصيته فإفراط أو تفريط.
2- إن الإمام يوم الناس في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين، ويتقدمهم في مناسك الحج، وإليه تؤدى الزكاة، وهو ولي من لا ولي له، ولك ذلك لا يصح من الكافر.
خامساً: الذكورة:
فلا يجوز بأي حال أن تصل المرأة إلى كرسي الإمامة([43])، للأدلة التالية:
1- قوله تعالى: ]الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم[([44]).
2- قول النبي e: »إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم أشراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها«([45]).
3- قوله صلى الله عليه وسلم: »لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة«([46]).([47]).
4- إن كثيراً من المسئوليات الملقاة على عاتق الإمام تتطلب قدرات عقلية وجسمية ونفسية عالية، كإدارة المعارك، ووضع الخطط الحربية، والتخطيط والتفكير من أجل النهوض بالأمة مادياً ومعنوياً، محلياً وعالمياً، ويحتاج إلى حنكة سياسية، وقدرة فائقة على استشراف المستقبل، ولمعرفة أساليب العدو في السلم والحرب، وكل ذلك لا يتوفر في المرأة التي يفترض أنها تعيش في مجتمع إسلامي يطالب المرأة بالتفرغ لوظيفتها الطبيعية وهي إدارة مملكتها الصغيرة ورعيتها الصغيرة: البيت والأسرة.
5- وإذا كانت الذكورة شرط في أهل الاختيار فمن باب أولى أن تكون شرطاً في الإمام.
سادساً: العدالة: (1/107)
صفحة 108
ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط العدالة([48]) في الإمامة، فلا تصح إمامة الفاسق، والأدلة على ذلك ما يلي:
1- قال الله تعالى مخاطباً نبيه وخليله إبراهيم عليهالسلام: ]إن جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتين قال لا ينال عهدي الظالمين[([49]).
ووجه الاستدلال: أن من كان ظالماً وفاسقاً لا يصلح للإمامة »وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته ولا يقبل خيره ولا يقدم للصلاة؟«([50]).
وسواء أكان الظلم المذكور في الاية بمعنى الشرك والكفر أم بمعنى مخالفة الأوامر والنواهي بالبدعة والفسق والبغي فكلها تخرج المتصف به عن استحقاقه الإمامة([51]).
2- إن الشريعة الإسلامية تشترط العدالة في كثير من الولايات الخاصة كالقضاء والحسبة، وفي الشهادة والحكم، فكان اشتراطها في الولاية العامة، وفي أعلى المناصب في الدولة من باب أولى([52]).
3- إن الإمام إنما يتولى الإمام لكف الظلم، وتأديب الفاسق، وإقامة العدل، وإرشاد الضال، كما ينصب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والفاسق لا يتأتى منه ذلك، بل إن وجوده في موقع منيع، ومرتبة سامية يجعله يزداد بغياً وعدواً، قال الزمخشري: »وعن ابن عينيه: لا يكون الظالم إماماً قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة؟ والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر من استرعى الذئب ظلم«([53]).
يرى الحنفية جواز إمامة الفاسق مع الكراهة، فهم يرون العدالة شرط كمال لا شرط صحة([54])، مستدلين على ذلك بصلاة الصحابة خلف بني أمية مع ما اشتهروا به من فسق وجور وظلم([55]). (1/108)
صفحة 109
إن أن هذا الرأي لا يتفق مع ما يناسب إلى الإمام أبي حنيفة من أنه كان »يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عنهما وحمل المال إليه، والخروج مع([56])، على الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك وكان يقول في المنصور وأعوانه: »لو أرادوني على عد أجره لما فعلت«([57])، أما الصلاة خلف الظلمة من بني أمية فبسبب تغلبهم وقهرهم الناس بالقوة والغلبة([58])، وهذا لا يعني إسقاط شرط العدالة، وإنما هي الضرورة التي تقدر بقدرها، ناهيك عن مخالفة هذا الرأي لما أجمع عليه المفسرون ومصادمته للنصوص الشرعية التي توجب العدالة في الشهادة والوصية وغيرهما، وقد ذهب باحث معاصر إلى عدم اشتراط العدالة مطلقاً، معللاً ذلك بعدم ورود النص في الكتاب أو السنة يشترط ذلك، وأن الاشتراط قياساً على الشاهد والراوي قياس غير صحيح، ثم يذكر الأحاديث التي تأمر بطاعة الأئمة الظلمة والفاسقين، وتحريم الخروج عليهم مختتماً رأيه بقوله: »إن العدالة شرط أفضلية لا شرط انعقاد«([59]).
ونحن نقول:
أولاً: إن القول بإسقاط شرط العدالة، أو حتى جعله شرط أفضلية لا يتفق والنظام الإسلامي العام الذي يجعل من الإمام قدوة ومثلاً يحتذى، وكيف يكون حال المجتمع عندما يتولى دفة القيادة فيه من لا تقبل شهادته.
والإسلام لا يريد من الحاكم أن يكون ملاكاً ينسلخ من بشريته، لكنه أيضاً يعطي مكانة الحاكم حصانة تمنع المستهترين، والعاصين، من ادعائها والتطلع إليها.
ثانياً: إن قياس الإمامة على القضاء والشهادة في اشتراط العدالة هو قياس صحيح، حيث أن العلة في المقيس أقوى منها في المقيس عليه، لأن الآثار المترتبة على تصرفات الإمام أعظم أثراً، وأبعد خطراً، من قضاء قاض، أو شهادة شاهد. (1/109)
صفحة 110
ثالثاً: إن القول بأن شرط العدالة مطاط مما يتعسر توفرها في فرد بالصورة التي رسمها الفقهاء، فليس ذلك عيباً ولا ضعفاً، وإنما يدل على قدرة هذا الشرط على العمل به في كل زمان ومكان، فهناك حد أدنى من العدالة وهو اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، ثم يرتفع المسلم في سلم العدالة بمقدار ابتعاده عما يخدش المروءة ويبعث على الإزدراء.
سابعا: العلم:
لابد أن يكون الإمام عالماً([60]) بأحكام الشريعة ملماً باجتهادات الفقهاء حتى يعلم ما يفعل، وما يأتي وما يذر، إذ تقع على كاهله مسؤولية تطبيق الأحكام، وتنفيذ الحدود، وهو المرجع النهائي في حالة اختلاف الفقهاء.
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط بلوغه مرتبة الاجتهاد إلى مذهبين:
الأول: يجب أن يكون الإمام من أهل الاجتهاد في الدين، وهو مذهب جمهور السنة([61])، وزعم الجويني والقرطبي الاتفاق عليه([62]).
واحتج أصحاب هذا المذهب بما يلي:
1- إن الأئمة تتعلق بهم معظم الأحكام والفرائض »فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر فلاشك في ارتباطه بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلاً بعلم الشريعة لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع، وذلك يشتت رأيه ويخرجه عن رتبة الاستقلال«([63]).
2- إن الاجتهاد شرط من ولاية القضاء فلأن يعتبر في حق الإمامة أولى، فضلاً عن إجماع الأمة على أن للإمام أن يباشر القضاء والحكم بين الناس بنفسه، فكان لابد من الاجتهاد([64]).
الثاني: الاجتهاد شرط كمال لا شرط صحة، وإليه ذهب الإباضية([65]) وقول عند الحنفية([66]) والغزالي([67]) وابن حزم([68]) والإمام الشاطبي([69]).
واحتجوا بما يلي:
1- تعذر توفر شرط الاجتهاد في كل عصر، لأن ذلك أمر محتمل عقلاً، وإذا كان الأمر كذلك فإما أن يكون اشتراطه عبثاً أو تكليفاً بما لا يطاق، وكلا الأمرين غير مقبول([70]). (1/110)
صفحة 111
2- قد يوجد المجتهد لكن لا تتوفر فيه الصفات الأخرى، فلا يصح أن تبقى الأمة بدون إمام مع وجود الكفء الصالح غير المجتهد »لأنابين أمرين: إما أن يترك الناس فوضى، وهو عين الفساد والهرج، وإما أن يقدموه فيزول الفساد بتة، ولا يبقى إلا فوت الاجتهاد والتقليد كاف بحسبه«([71]).
3- وقالوا: إنه لا يمكن أن يحيط أحد مهما بلغ من العلم بأحكام الشريعة في القضايا السابقة واللاحقة، فلابد والحالة هذه أن يستعين بغيره كما كان عمر يجمع الصحابة ليصدروا حكماً في النوازل، »فإذا صحت إمامته مع الجهل ببعض الأحكام صحت مع جهل جميعها إذا اتبع الهدى واقتدى بالعلماء«([72]).
هذا، وقد أجاز الإباضية تقديم غير المجتهد للإمامة، أجازوا ذلك بشروط تضمنتها عباراتهم وأهمها:
1- عدم وجود المجتهد الذي تتوفر فيه الشروط الأخرى([73]).
2- وجود أسباب تدفع بأهل الاختيار إلى عقد الإمام كـ»الخوف على الدولة وأمور المسلمين أن تذهب، وعلى الرعية والبلاد أن تعطب«([74]).
3- أن لا يعمل الإمام غير المجتهد([75]) فيما لا علم له به إلا بمشورة أهل العلم ورأيهم([76]).
وذهب ابن حزم إلى عدم اشتراط سلامة الحواس والأعضاء فأجاز انعقاد الإمامة للأعمى، والأخرس، والأصم، والأجدع، ومقطوع الدين، والرجلين، لأنه لم يمنع إمامة هؤلاء نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا نظر([77]).
وإلى عدم اشتراط سلامة الأطراف ذهب الشوكاني لأن »الأعرج والأشل لا ينقص من تدبيره شيء، ويقوم بما يقوم به من ليس كذلك، ومعلوم أنه لا يراد من مثل الإمام السابق على الأقدام، ولا ضرب الصولجان، ولا حمل الأثقال«([78]).
تاسعاً: الكفاءة([79]): (1/111)
صفحة 112
لابد للإمام أن يكون على قدر وافر من الشجاعة والجرأة، لإنفاذ الحدود، ومقارعة الأبطال، ومنازلة الفرسان، واقتحام الأهوال، لأنه القدوة في الصبر والثبات، كما ينبغي أن يكون واسع الأفق، بعيد النظر، عنده من حسن التدبير والتخطيط، ومن الحس المرهف، والذكاء الفائق، والحنكة السياسية ما يؤدي به إلى حمل الأمانة على أكمل وجه، فهو مركز الثقل في الدولة، إليه ترفع التقارير، ومنه تصدر التوجيهات والقرارات، ثم هو المسئول أمام الأمة أولاً، وأمام الله يوم القيامة عن الدولة ومؤسساتها، والعاملين فيها، وهو كربّان السفينة إن لم يقدها بدقة وانتباه ومعرفة؛ غرقت وغرق هو من فيها.
ومن هنا فينبغي على الأمة أن تختار الشخص الكفء الذي يقدر المسئولية حق قدرها، ويعمل مقدار الأمانة التي تحملها، وإلا فإنها –الأمة- ستدفع الثمن إن عاجلاً أو آجلاً، وأذكر هنا صورة من الصفات التي يحرص الإباضية على أن يتحلى بها من يتولى الإمامة:
4- أن يكون عالماً بأحكام الولاية والبراءة، »لأنه يشخص الأمراء والولاة والقضاة والسعاة الذي تلزم الناس ولايتهم، فإذا لم يكن بذلك لم يؤمن منه أن يولي غير الولي([80]).
ثامناً: سلامة الحواس والأعضاء:
يشترط جمهور الفقهاء سلامة البصر والسمع والنطق وأعضاء الجسم([81])؛ التي يؤثر نقصها في العمل، أو يؤدي إلى ضعف هيبة الإمام، واحتقاره في عيون الناس، فلا تصح إمامة الأعمى والأصم والأخرس.
فالأعمى لا تصح إمامته؛ لأنه عاجز عن تدبر نفسه، فعجزه عن القيام بأمور المسلمين ومسئوليات الإمامة أظهر، فضلاً عن اشتراط البصر في القضاء والشهادة وهما دون الإمامة.
وأما الأصم والأخرس؛ فلأن السمع والنطق حاستان رئيستان للتفاهم وإبداء الرأي والتدبير وفاقدهما عاجز عن السمع والكلام.
وأما الأعضاء فبعضها يؤثر في عمل الإمام، ويحول بينه وبين النهوض بواجباته كفقد الرجلين أو اليدين أو عجزها عن الحركة فهذا يمنع الانعقاد([82]). (1/112)
صفحة 113
والبعض الآخر يؤثر على المظهر ويقلل من هيبة الإمام ومكانته كما ذكرنا، وربما أدى نقصها إلى التندر والفكاهة كجدع الأنف، وقطع الأذنين، وسمل العين، فهذه العاهات تمنع انعقاد الإمامة عند بعض الفقهاء ولا تمنع عند البعض الآخر بحجة عدم تأثيرها في الأعمال والتصرفات([83]).
»قال أبو عيبدة المغربي: ... (1/113)
صفحة 114
ولا ينبغي أن يؤمهم إلا أفقههم، وأعلمهم بالكتاب والسنة، مع ورع صادق، ويقين خالص، وعفة ظهر وبطن، وجلد وحسن طريقة، والمأمون في كل ما يأتي منه، اللين في غير ضعف، والشديد في غير عنف، الذي لا يخاف منه ميل هوى، الذي تؤمن غوائله، ولا تخاف بوائقه، الذي عمل بالحق والعدل في جميع سيرته وأفعاله، الزاهد في الدنيا، والراغب في الآخرة، المسلم العفيف، التقي الصالح، الذي لا تختلط أفعاله، ولا يلون نيته، الكريم الطبيعة، الحليم حيث ينبغي الحلم، المتشدد على أهل الدعارة والفساد في الأرض، والمضيق على أهل النفاق، المباعد لهم، المستعين بالأخيار في جميع أموره، المشاور لجميع العلماء والفقهاء، المنتهي إلى ما يرضى الله ورسوله في الأمور كلها، المتواضع لأهل طاعة الله، الرحيم ليتاماهم، المتفقد لأراملهم، الرؤوف لمساكينهم، المتلطف على فقرائهم، الحافظ لحدود الله، العادل بين القريب والبعيد، والحبيب والبغيض، والشريف والوضيع، ولا يخاف في الله لومة لائم، الذي لا يغفل عن الإسلام وأهله، الذي لا يلهو ولا يلغوا، ولا يلعب، ولا يصيد الصيد، القليل الطعام، والنوم والفترة، لأن ذلك عون له على الآخرة والموت، الطويل الفكرة والسكوت، المتفقد لأطراف المسلمين، المصاحب لأخيارهم، الواضح الأمور، الراشد في كل حالة، الذي لا يحتجب، ولا يحيف، ولا يجوز في الغضب، الناصح لجميع الرعية، المشفق على العامة، الناظر لله ولدينه ولعامة المسلمين، الذي يكشف عن أمور عماله، ويسأل عن سيرتهم؛ كيف حالهم في الناس، ومع الناس، الذي يولي لله، ويعزل لله، ولا يغيب عن شيء في أمور رعيته، من شدة التكشف، وتبديل الأمور وتوضيحها، ونحو ذلك من أخلاق الإسلام«([84]).
تاسعاً: أن يكون من قريش: (1/114)
صفحة 115
نال هذا الشرط من البحث والنقاش بين المذاهب الإسلامية تأييداً أو اعتراضاً ما لم يناله شرط آخر، وإن الباحث ليجد صعوبة وموقفاً لا يحسد عليه إذا ما أراد أن يدخل غمار الصراع الفكري الذي يدور حول قرشية الإمام، وتتمثل تلك الصعوبة في:
1- كثرة الأحاديث الواردة في محل النزاع، وكيفية توجيهها.
2- إن هذا الشرط قد كثر الخلاف حوله قديماً وحديثاً، ولا يكاد يخلو سفر في العقيدة أو الفقه السياسي أو الفكر الإسلامي من الإشارة إليه، مما يجعل دور الباحث مقتصراً على الترجيح أو السكوت.
3- ضيق المجال، وتعذر التوسع في طرح المشكلة بجميع أبعادها بسبب مواصفات البحث وعدد صفحاته.
ومع ذلك سنحاول تناول المشكلة تناولاً يجمع بين العرض الواضح والاختصار المفيد، ونقول –وبالله التوفيق-:
اختلفت المذاهب الإسلامية حول اشتراط النسب القرشي لانعقاد الإمامة إلى قولين:
القول الأول: لا تصح الإمامة لغير القرشي: وهو مذهب جمهور السنة([85])، وبعض المعتزلة([86])، والإمامية([87])، والزيدية([88]).
القول الثاني: يصح عقد الإمامة للقرشي وغير القرشي متى توفرت فيه الشروط الأخرى، وهو قول الإباضية([89])، وجمهور المعتزلة([90])، والخوارج([91])، والجويني([92])، وابن خلدون([93])، وإليه ذهب أغلب العلماء والمفكرين المعاصرين([94]).
وفيما يلي أدلة القولين:
أولاً: أدلة جمهور أهل السنة ومن ذهب مذهبهم:
1- روى الإمام أحمد بسنده عن علي بن أبي الأسد قال: حدثني بكير بن وهب الجزري قال: قال لي أنس بن مالك: أحدثك حديثاً ما أحدثه كل أحد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب البيت ونحن فيه فقال: »الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقاً، وإن لكم عليهم حقاً مثل ذلك ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين«([95]). (1/115)
صفحة 116
2- روى البخاري في صحيحه عن معاوية أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين«([96]).
3- روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم«([97]).
4- ما جاء في مسند الإمام أحمد: أن أبا بكر تكلم وقال: »ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال –وأنت قاعد-: »قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم«، فقال سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء([98])، قال الماوردي: »فأقلع الأنصار عن التفرد بها، ورجعوا عن المشاركة فيها«([99]).
5- روى البخاري ومسلم –واللفظ له- عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان«([100]).
6- وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله يقول النبيصلى الله عليه وسلم: »الناس تبع لقريش في الخير والشر«([101]).
7- الإجماع: نقل الماردي([102])، والنووي([103])، والحافظ([104]) ابن حجر الإجماع منذ عصر الصحابة ومن جاء بعدهم على هذا الشرط.
ثانياً: أدلة الإباضية ومن ذهب مذهبهم:
استدل الإباضية ومن ذهب مذهبهم على انعقاد الإمامة لغير القرشي بأدلة من القرآن والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول، منها:
1- قوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم[([105]).
ووجه الاستدلال: »أن الخطاب عام في الأمر بالطاعة لأولي الأمر، وبين سبحانه أن الذين وجبت لهم الطاعة هم من عامة المؤمنين ]أولي الأمر منكم[، ولو كان الخطاب هنا الطاعة لقريش فقط لكان غير القرشي خارج عن وجوب الطاعة([106]).
2- عن أنس بن مالك t قال: قال رسول الله e: »اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأنه رأسه زبيبة«([107]). (1/116)
صفحة 117
3- قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: »ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا«([108]).
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث: أنها تأمر بطاعة ولاة الأمر دون اعتبار لجنس أو لون أو قبيلة، وإنما العبرة بإقامتهم لكتاب الله وسنة رسوله، يقول الشيخ أبو زهرة: »فيجمع هذه النصوص مع حديث »إن هذا الأمر في قريش« نتبين أن النصوص في مجموعها لا تستلزم أن تكون الإمامة في قريش وأنه لا تصح ولاية غيرهم بل إن ولاية غيرهم صحيحة بلا شك، ويكون حديث »الأمر في قريش« من قبيل الإخبار بالغيب كقول النبي صلى الله عليه وسلم: »الخلافة بعيد ثلاثون ثم تصير ملكاً عضوضاً« يكون من قبيل الأفضلية«([109]).
4- وردت آثار عن الخلفاء الراشدين وغيرهم تدل على جواز أن يكون الخليفة من خارج قريش، من ذلك:
أ- روى الإمام أحمد في مسنده عن عمر بن الخطاب t قوله: »إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته فإن سألني ربي تعالى لم استخلفته على أمة محمد؟ قلت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »إن لكل نبي أميناً وأميني أبو عبيدة بن الجراح«، وإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل، فإن سألني ربي لم استخلفته؟ قلت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: »إنه يحشر بين يدي العلماء نبذة««([110]).
ب- وعنه عليه السلام: »لو أدركني أحد الرجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح«([111]) ومعاذ وسالم ليسا من قريش، ولا يتصور أن يقدم عمر على أمر يخالف نصاً نبوياً لو كان هناك نص. (1/117)
صفحة 118
ج- قول الأنصار يوم السقيفة: »منا أمر يخالف ومنكم أمير«([112])، فلو كان هناك نص لما اقترح الأنصار على المهاجرين أن يشاركوهم في الأمر([113])، و»لو كانت الخصوصية ثابتة شرعاً لاحتج بها أبو بكر، ولما لم يحتج بذلك بل ذكر أنهم أوسط العرب داراً وأعربهم أحساباً علمنا أن قوله: »نحن الأمراء وأنتم الوزراء« من باب السياسة في انقياد الناس وتألفهم وطاعتهم لمن يعلمون له سابقة الشرف أكثر من طاعتهم لمن لا يعترفون له بذلك، وهذا معروف في طباع البشر لاسيما وقد سبقت فيهم النبوءة فازدادوا بذلك شرفاً على شرفهم، وانقادت الناس لهم في عصر النبوة فإذا قدموا إماماً من غيرهم وقعت النفرة في النفوس لما طبعت عليه من العتو، وخيل إليها أنها دولة أخرى، فمن هذا المعنى كانوا أحق بالأمر في ذلك العصر«([114]).
5- ليس من العدل الإلهي، ولا من الحكمة الإلهية أن تختص طائفة من الناس بالإمامة العظمى، جارت أو عدلت، صلحت أو فسدت، لأن ذلك يتنافى مع المقاصد والغايات التي شرعت من أجلها الإمامة([115]).
الردود والاعتراضات:
تعرض أصحاب كل قول لأدلة الآخر بالنقد والرد، كان مجمل ما ورد في ذلك الردود ما يلي:
أولاً: ردود القائلين بالقرشية على أدلة النافين لها:
1- الأحاديث التي تأمر بالطاعة ولو كان الأمير عبداً حبشياً قد جاءت للمبالغة في وجوب الطاعة وليس معناه طاعة الإمام العبد، لأن العبد لا يجوز أن يتولى الإمامة بإجماع الأمة، ويحتمل أن يسمى عبداً باعتبار ما كان قبل العتق، وقيل المراد إن الإمام الأعظم إذا استعمل العبد الحبشي على إمارة بلد مثلاً وجبت طاعته، وليس فيه أن العبد الحبشي هو الإمام الأعظم([116]).
2- ما ورد عن عمر لا يصح الاحتجاج به لانقطاع سنده، فضلاً عن كونه مذهب صحابي وهو ليس بحجة، وإن ثبت فالحديث حجة لإثبات الشرط لا لنفيه لأن سالم مولى أبي حذيفة قرشي بالولاء، ولأن مولى القوم منهم([117]). (1/118)
صفحة 119
3- قول الأنصار مردود بتسليمهم الأمر لأبي بكر لما احتج عليه بقول الني: »الأئمة من قريش«([118]).
ثانياً: رد المنافين على أدلة القائلين بالقرشية:
اعترض النافون على أدلة أنصار القرشية بجملة من الاعتراضات نلخصها في النقاط التالية:
1- إن أكثر الأحاديث قد جاء بصيغة الإخبار، فهي إخبار بما سيقع بعده صلى الله عليه وسلم وليس تخصيصاً لقريش بالخلافة([119])، وعلى فرض أنها تفيد الطلب، فإن صيغ الإخبار لا تفيد طلباً جازماً ما لم تقترن بقرينة تفيد التأكيد، ولما لم ترد قرينة في الروايات الصحيحة؛ رد على أن الطلب للندب لا للوجوب([120]).
2- إن الأحاديث التي جاءت بأمر الطاعة والاستقامة لقريش قد ورد فيها قيود وشروط تجعل هذه الطاعة مطلقة، فإذا عدلت واستقامت وحكمت بكتاب الله استحقت الطاعة، أما إن جارت وأعرضت عن هدي الإسلام فلا طاعة لها، وبالتالي لم تعد أهلاً للإمامة، وإذا كان الأمر كذلك فلا معنى لحصر الإمامة أبداً في قريش([121]).
3- وقالوا: إن تلك النصوص تحكي الواقع الذي كان عليه الناس في الجاهلية وصدر الإسلام، فهو تقييم منه صلى الله عليه وسلملتلك الميزة التي كانت قريش تتمتع بها بين العرب؛ بسبب العوامل الدينية والاجتماعية والاقتصادية التي جعلت القبائل تتبع قريشاً في إسلامها وكفرها، فمن اسلم انحاز إلى من أسلم من قريش ومن بقي على كفره انحاز إلى من كفر منها([122]). (1/119)
صفحة 120
4- إن أبا بكررضي الله عنه لم يستدل بشيء من هذه الأحاديث يوم السقيفة، ولم يحتج على الأنصار بنص نبوي وإنما استدل بالمصلحة العامة، والواقع الذي كانت تعيشه العلاقات بين القبائل العربية حيث قال: »...ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش«([123])، وقال: »هم أوسط العرب داراً وأعربهم أحساباً([124])«، فلو كانت النصوص تفيد القطع لما لجأ أبو بكر إلى الاستدلال بالمصلحة، وترك النص الذي لو كان قاطعاً في المسألة لما تردد في إقناع الأنصار به، وعليه يكون شرط القرشية ليس ثابتاً في دلالته على وجه القطع لدخول الاحتمال في الدليل، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال([125]).
5- ويرى فريق من مجوزي إمامة غير القرشي أن أدلة اشتراط القرشية أحاديث آحاد لا تقوى على مواجهة النصوص العامة، والمبادئ التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام([126]).
هذه أدلة الفريقين، واعترض كل منهما على حجة الآخر، فريق يرى الإمامة حقاً لقريش لورود النص لا لشيء آخر، وفريق يرى الإمامة حقاً لكل مسلم توفرت فيه كل الشروط الكفاءة، وليس للنسب تأثير أو أثر على وظائف الإمام، وإنما التقوى والكفاءة هم ميزان التفاضل.
الرأي المختار:
إذا نظرنا إلى أدلة الفريقين بعين الحياد والنقد نرى أن أدلة اشتراط القرشية غير صحيحة في الاستدلال بها في محل النزاع لما يلي:
أولاً: إن عمدة أدلة المثبتين حديث »الأئمة من قريش« وهو ما يستدل به علماء السنة كثيراً، ويزعمون احتجاج أبي بكر به يوم السقيفة، إلا أن هذا الدليل مناقض بما يلي:
أ- إن هذا الحديث لا وجود له يوم السقيفة، فأبو بكر احتج بمكانة قريش بين العرب، واتفاق القبائل العربية على أن يكون الأمر فيها، وتوقع اختلافهم على غيرها، فقد خاطب الأنصار بقوله: »ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً«. (1/120)
صفحة 121
ب- ولو كان هناك نص لما قال أبو بكر وهو على فراش الموت: »...وددت؛ إني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمن هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد؛ وودت أني كنت سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ وودت أني كنت سألته عن ميراث الأخ والعمة، فإن في نفسي منهما شيئاً...«([127]) فلو كان أبو بكر قد احتج بالحديث ويعلم به لما قال ما قال، ولو كان النص غير مشتهر يوم السقيفة، ثم اشتهر لسلمنا به، إلا أن ما قاله أبو بكر يدفع وجوده من غير اشتهار، وقد مضت سنتان على حادثة السقيفة.
ج- ويؤيد الشك في عدم وجود النص قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته التي خطبها في المدينة عقب عودته من آخر حجة حجها، ففي صحيح البخاري من رواية ابن عباس قال عمر: »...وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساداً...«([128]). فلو كان هناك نص قد احتج به أبو بكر فلماذا يخاف عمر أن يبايع الأنصار رجلاً منهم، ولماذا يخاف مخالفتهم إذا كان النص النبوي في جانبه؟!.
د- ليس صحيحاً ما نسب إلى أبي بكر من أنه قال لسعد: »ولقد عملت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال –وأنت قاعد- قريش ولاة هذا الأمر...« ثم تصديق سعد له، لأن سعداً ظل رافضاً لإمامة أبي بكر، وكان لا يصلي بصلاة الناس ولا يفيض معهم إذا حج([129]) واستمر على خلافه حتى خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ثانياً: أما الروايات الأخرى التي جاءت بصيغة الأمر كحديث »قدموا قريشاً ولا تقدموها« »استقيموا لقريش ما استقاموا لكم« فهو أمر مقيد بشرط عدلها وإقامة كتاب الله، فإن انحرفت كان الواجب نزع الأمر منها »فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم فإن لم تفعلوا فكونوا حينئذ زراعين أشقياء تأكلون من كد أيديكم«([130]). (1/121)
صفحة 122
ثالثاً: إن القول بهذا الشرط يتنافى مع عالمية الإسلام، وخلوده، فمن حيث العالمية؛ فقد جاء الإسلام للناس كافة من عرب وعجم، وقضى على كل أسباب الفرقة والعنصرية، وجعل التفاضل قائماً على التقوى والامتثال لأوامر الله ونواهيه، ولم يعد في قاموسه السياسي وزناً للجنس واللون والقبيلة، بل الكفاءة هي الفيصل في تولي الوظائف العامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: »من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين«([131])، وأهل الاختيار الذين تقلدهم الأمة أمر اختيار الإمام يدخلون في الوعيد الوارد في هذا الحديث إن هم اختاروا غير الكفء، ومتى وجدوا الكفء من قريش أو من غيرها وجب صرف الإمامة إليه، عملاً بهذا الحديث.
ومن حيث الخلود فإن أوامر الإسلام خالدة إلى يوم القيامة، ومنها الأمر بإقامة الدولة الإسلامية واختيار الإمام، وفناء قريش يحتمل بل إننا لا نجد في عصرنا ذكراً لقريش كقبيلة، وإذا وجد أفراد فقد لا تتحقق فيه شروط الإمامة وفي مقدمتها شرط الكفاءة والعدالة، فهل يصح أن تبقى الأمة بدون إمام إذا لم نجد القرشي الكفء، وإذا جاز ذلك –ولا يقول به مسلم- فلماذا يلحق الأمة الإثم بإهمال عقد الإمامة لأمر لا إرادة لها فيه؟! إن العقل والنقل يقضيان باعتبار القرشية شرط أفضلية عملاً بالنصوص جمعاً بينها ويترك الأمر للأمة لتختار من تشاء، فإن اختارت القرشي فنعم به، وإن اختارت غيره وكان كفؤاً وقادراً على تحقيق مقاصد الإمامة فلا وجه لنقضه.
عاشراً: أن يكون الأفضل في عصره: (1/122)
صفحة 123
لما كان الإمام هو القدوة والأسوة تقتدي به الأمة في أقواله وأفعاله، وله من التأثير الاجتماعي والسلوكي على الناس ما يُصير »أقواله سنناً وأفعاله سيراً، تبقى على مر الزمان وتتابع الأيام«([132])، كان على أهل الاختيار أن يخلصوا النصيحة في الاختيار، ويستفرغوا الجهد في تمحيص المرشحين حتى يتوصلوا إلى ترشيح من تتوفر فيه الشروط، ويكون الأصلح والأفضل، وصولاً إلى تحقيق مقاصد الشريعة التي من أجلها فرضت الإمامة، وشرع الاختيار، إلا أنه قد يحدث أن يعقد أهل الاختيار الإمامة لرجل قد توفرت فيه شروط الإمامة، ويوجد من هو أفضل([133]) منه، فهل تنعقد إمامة المفضول مع وجود الفاضل أو الأفضل؟.
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
القول الأول: لا يصح عقد الإمامة للمفضول مع وجود الفاضل، وإليه ذهبت »طوائف من الخوارج، وطوائف من المعتزلة، وطوائف من المرجئة منهم محمد بن الطيب الباقلاني«([134]) وأبو الحسن الأشعري([135])، وأبو يعلى([136])، والإمامية([137])، واستدلوا على مذهبهم بما يلي:
1- ما رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعاً »من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى الله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنون«([138]) وفي رواية: »من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فولي رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله«([139]).
2- إن الصحابة رضوان الله عليهم قد بايعوا أبا بكر وكان أفضلهم ثم من بعده عمر، فعثمان، فعلي، وهم مرتبون حسب الأفضلية([140]).
3- إن الإمامة طريقها الاختيار، والاختيار إذا دعا إلى أولي الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره مما ليس بأولى، كالاجتهاد في الأحكام الشرعية([141]).
القول الثاني: يصح عقد الإمامة للمفضول مع وجود الفاضل، والأفضلية شرط كمال لا يمنع صحة العقد، وهو مذهب الإباضية([142])، وجمهور فقهاء السنة([143])، وبعض المعتزلة([144])، والخوارج([145])، والزيدية([146])، واستدلوا بما يلي: (1/123)
صفحة 124
1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يراعي الأفضلية ولا يوليها أهمية فيمن يوليه على السرايا([147]) والخراج والبلدان، وإنما كان يراعي الأصلح والأقدر، »فصح يقيناً أن الصفات التي تستحق بها الإمامة والخلافة ليس منها التقدم في الفضل«([148]).
2- إجماع الصحابة على جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، فقد أشار أبو بكر على الحاضرين في سقيفة الأنصار أن يبايعوا عمراً أو أبا عبيدة مع أنه أفضل منهما([149])، وأراد الأنصار عقدها لسعد بن عبادة وفي المسلمين من هو أفضل منه([150])، ورشح عمر بن الخطاب الستة([151]) للإمامة مع اتفاق الأمة أنهم ليسوا سواءً في الفضل »وقد أجمع أهل الإسلام حينئذ على أنه بويع أحدهم فهو الإمام الواجبة طاعته، وفي هذا إطباق منم على جواز المفضول«([152]).
3- إن الفضائل كثير ولا يوجد أحد يفضل الناس في جميعها، وليس هناك من نص أو دليل يجعل أحدهما أولى بالاعتبار من الأخرى([153]).
4- إن وجود الأفضل لا يقف حائلاً دون إمامة المفضول إذا كان الأخير متصفاً بشروط الإمامة، قياساً على ولاية القضاء التي يجوز أن تولى المفضول مع وجود الأفضل([154]).
5- إن الإمام إنما تعقد له الإمامة لحماية الدين وحراسة الملة، وتطبيق الشريعة، فإن كان نصب الأفضل لا يؤدي إلى تحقيق هذه المقاصد، بل يؤدي إلى الفتن والهرج والفساد، فإن في ذلك عذراً لتقديم المفضول عليه([155]).
الرأي المختار:
الرأي الذي أختاره وأميل إليه هو رأي القائلين بجواز إمامة المفضول لرجحان أدلتهم، وضعف ما استدلوا به القائلون بالأفضلية:
1- فحديث ابن عباس يتجه إلى من يولى رجلاً لقرابته منه دون أن يراعى مصلحة المسلمين، ويؤكد هذا المعنى قول عمر بن الخطابرضي اللع عنه: »من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولي رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين«([156]). (1/124)
صفحة 125
والحديث الثاني: حجة على المانعين لأنه قال: »أصلح للمسلمين« وهو ما يقول به القائلون بإمامة المفضول إذا كان للأمة أصلح وللإسلام أنفع.
2- واحتجاجهم بتولية أبي بكر معارض بقوله للأنصار يوم السقيفة »رضيت لكم أحد هذين الرجلين«([157]) وأشار إلى عمر وأبي عبيدة، فهو أفضل منهما، فكيف يدفع الإمامة إلى من هو أقل منه فضلاً لو لم يكن جائزاً، كما أنهما ليسا سواءً في الفضل، فكيف يخير المجتمعين أحدهما؟.
3- وأما أن الخلفاء الأربعة تولوا الإمامة بحسب ترتيبهم في الفضل، ففيه نظر إذ كان من المحتمل أن يتولى الإمامة علي قبل عثمان لو أنه قبل ما شرط عليه عبدالرحمن بن عوف؛ وهو أن يتبع سيرة الشيخين([158])، فدل على أن ترتيبهم في الخلافة غير قاض أنهم في الفضل مرتبون ترتيباً أدنى، ولا يشير إلى ذلك البتة.
4- وأما أن الاختيار يقضي باختيار الأولى، فنعم، إلا أن الأولوية تختلف باختلاف الظروف التي يراعيها من إليه الاختيار، ألا ترى أن الفقهاء اعتبروا »حكم الوقت«([159]) إذا تساوى المرشحان في الفضل، وكان أحدهما أشجع والآخر أعلم فقالوا: »إن كانت الحاجة إلى الفضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة، كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء وظهور أهل البدع كان الأعلم أحق..«.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الجويني: غياث: 48، أبو يعلي: الأحكام: 19.
([2]) رشيد رضا: الخلافة: ص23.
([3]) النيل وشفاء العليل: 13/44.
([4]) السالمي: العقد الثمين: 4/269، الماوردي: الأحكام: 6، أبو يعلي: الأحكام: 24، القلقشندي: مآثر الإنافة: 1/42، القرطبي: الجامع: 1/268.
([5]) سورة النساء: الآية (83).
([ (1/125)
صفحة 126
6]) العلامة عبدالحميد الجناوني الإباضي، من مشاهير جبل نفوسة –ليبيا- عاصر الإمام عبدالوهاب ثاني الأئمة الرستميين (168-188ه)، اشتهر بالعلم والتقوى. أنظر: الدرجيني: الطبقات: 2/291، 477، وانظر تعليق د. سيدة إسماعيل كاشف على السير: 2/320.
([7]) السير: 2/322.
([8]) سورة الشورى: الآية (38).
([9]) رشيد رضا: المنار: 5/188.
([10]) الألوسي: روح المعاني: ج25/42.
([11]) الخلافة والملك: ص42.
([12]) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة: ص47.
([13]) المطيعي (الشيخ محمد بخيت): المجموع شرح المهذب التكملة الثانية: 19/193.
([14]) القطب: شرح النيل: 14/329، الماوردي: الأحكام: 6؛ وقد أدخلها ضمن شروط العدالة، ابن حزم: الفصل: 4/179، القرطبي: 1/270، أبو يعلي: الأحكام: 20.
([15]) رواه النسائي: 6/156.
([16]) سورة النساء: الآية (59).
([17]) سيد قطب: الظلال: 2/691.
([18]) سورة النساء: الآية (141).
([19]) سورة النساء: الآية (144).
([20]) سورة المائدة: الآية (51).
([21]) أحكام الذمة: 2/242.
([22]) رواه ابن ماجه: 2/945.
([23]) القطب: شرح النيل: 14/330، الجويني: غياث: 50.
([24]) المراجع السابقة.
([25]) سورة النساء: الآية (34).
([26]) أنظر: القطب: تيسير التفسير: 2/316، الزمخشري: الكشاف: 1/266، محمد رشيد رضا: المنار: 5/70، وغيرها من كتب التفسير التي تذكر الإمامة من الأمور التي يتميز بها وينفرد بها الرجال على النساء.
([27]) رواه البخاري –واللفظ له- فتح الباري: 8/126، أحمد: 5/47.
([28]) نظرية الإسلام وهديه: ص316.
([29]) المرجع السابق: ص319.
([30]) رواه الترمذي من طريق صالح المري، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح المري، وصالح المري في حديثه غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها، وهو رجل صالح، أ.ه سنن الترمذي: 4/530.
([31]) الجويني: غياث: ص48.
([ (1/126)
صفحة 127
32]) العدالة: عرفها النور السالمي في طلعة الشمس (2/34): »بأنها حالة تكون في الإنسان تحمله على الاتصاف بالكمالات الإنسانية، وعلى التجنب من الأحوال الردية«، وفي الأشباه والنظائر للسيوطي: »بأنها ملكة، أي هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة أو مباح يخل بالمروءة«. ص384.
([33]) الماوردي: الأحكام: ص6، أبو يعلي: الأحكام: ص19، السالمي: العقد: 4/286.
([34]) السالمي: المرجع السابق.
([35]) الجويني: غياث: ص52.
([36]) الكندي: المصنف: 10/102، الماوردي: الأحكام: 6.
([37]) الجويني: غياث: 50، النووي: الروضة: 10/43.
([38]) الجويني: المرجع السابق.
([39]) المرجع السابق.
([40]) وهو وجه ذكره النووي في روضته: 10/43.
([41]) الماوردي: الأحكام: 6، أبو يعلي: الأحكام: 19.
([42]) أنظر: ص من هذا البحث، وانظر أيضاً: الغزالي (حجة الإسلام): فضائح الباطنية: ص80، التفتازاني: شرح العقائد: ص145.
([43]) القطب: شرح النيل: 14/330، الماوردي: الأحكام: 6، النووي: الروضة: 1/42، الكمال: المسامرة: 320، ابن حزم: الفصل: 4/179، القرطبي: الجامع: 1/270.
([44]) سورة النساء: الآية (34).
([45]) سبق تخريجه.
([46]) سبق تخريجه.
([47]) أنظر وجوه الاستدلال بالنصوص السابقة في شروط أهل الاختيار.
([48]) المراجع السابقة رقم (1)، الغزالي: فضائح الباطنية: ص187، هذا ويعبر كثيرة من الفقهاء عن شرط »العدالة« بالورع فيلاحظ ذلك، وقد اضطربت الروايات عن رأي الإمام أحمد بن حنبل في اشتراط العدالة: أنظر: أبو يعلي: الأحكام: ص20.
([49]) سورة البقرة: الآية (124).
([50]) الزمخشري: الكشاف: 1/92، وانظر: القرطبي: الجامع: 1/108، الجصاص: أحكام: 1/70، محمد رشيد رضا: المنار: 1/456.
([51]) سيد قطب: الظلال: 1/112، حوى (الشيخ سعيد): الأساس في التفسير: 1/289.
([ (1/127)
صفحة 128
52]) القطب: شرح النيل: 14/321، ابن خلدون: المقدمة: 193.
([53]) الكشاف: 1/92.
([54]) ابن عابدين (محمد أمين): حاشية رد المحتار على الدر المختار: 1/549.
([55]) الكمال: المسامرة: 322-323.
([56]) الزمخشري: الكشاف: 1/92، وانظر: الجصاص: أحكام: 1/70.
([57]) الزمخشري: المرجع السابق.
([58]) الكمال: المسامرة: ص323.
([59]) المرداوي (الدكتور محمود): الخلافة بين النظرية والتطبيق: 86/91.
([60]) السير: 1/397، الكمال: المسامرة: 318، الماوردي: الأحكام: 6، أبو يعلي: الأحكام: 20.
([61]) الماوردي: الأحكام: 6، ابن خلدون: المقدمة: 193، الشاطبي: الاعتصام: 2/126، الباقلاني: الإنصاف: ص69، الكمال: المسامرة: ص322.
([62]) الجويني: غياث: 65، القرطبي: الجامع: 1/270.
([63]) الجويني: غياث: 66.
([64]) المجموع بشرح المذهب (التكملة الثانية): 19/192، الرملي: نهاية المحتاج: 2/409.
([65]) القطب: شرح النيل: 13/19، السالمي: العقد الثمين: 4/268.
([66]) الكاساني: بدائع 7/3، الكمال: المسامرة: 322.
([67]) فضائح الباطنية: ص191.
([68]) الفصل: 5/1.
([69]) إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي: الاعتصام: 2/126.
([70]) الجرجاني: شرح المواقف: 8/349.
([71]) الشاطبي: الاعتصام: 2/126.
([72]) السالمي: العقد الثمين: 4/268.
([73]) المرجع السابق.
([74]) الكندي: المصنف: 10/69.
([75]) ويسمونه »الإمام الضعيف« لقلة علمه: أنظر المرجع السابق.
([76]) السالمي: المرجع السابق.
([77]) الفصل: 5/11.
([78]) السيل الجرار: 4/507.
([79]) الماوردي: الأحكام: 6، الكمال: المسامرة: 319، القلقشندي: مآثر: 1/37، القرطبي: الجامع: 270، الجويني: غياث: 65، أبو يعلي: الأحكام: 20.
([80]) السالمي: العقد الثمين: 4/268.
([ (1/128)
صفحة 129
81]) الكندي: المصنف: 10/57، الماوردي: الأحكام: 6، أبو يعلي: الأحكام: 21-22، القرطبي: الجامع: 1/270، الدهلوي: حجة الله البالغة: 2/396.
([82]) الجويني: غياث: 62، أبو يعلي: الأحكام: 22.
([83]) الجويني: غياث: 62.
([84]) الكندي: المصنف: 10/66-68.
([85]) الماوردي: الأحكام: 6، أبو يعلي: الأحكام: 20، الشافعي: الأم: 1/161، البغدادي: أصول الدين: 275، الكمال: المسامرة: 319، القلقشندي: مآثر: 1/37، ابن تيميه: منهاج السنة: 1/134، الباقلاني: الإنصاف: ص!69، القرطبي: الجامع: 1/270، ابن حجر: فتح الباري: 13/118، النووي: شرحه على صحيح مسلم: 12/200.
([86]) القاضي عبدالجبار: المغني: ج20 ق1/234، عمارة (د. محمد عمارة): الإسلام وفلسفة الحكم: ص498.
([87]) ويحصرون الإمامة في الإمام علي وابنيه الحسن والحسين وأبنائه. المظفر: الشيعة والإمامة: 13، آل كاشف الغطاء: أصل الشيعة وأصولها: 73 وما بعدها.
([88]) ويحصرون الإمامة في سلالة النبي من فاطمة. الصنعاني: التاج المذهب: 4/406، الشوكاني: السيل الجرار: 4/506.
([89]) الكندي: المصنف: 10/57، السالمي: شرح الجامع: 1/75.
([90]) الشهرستاني: الملل: ص91.
([91]) ابن خلدون: المقدمة: ص194.
([92]) وهو ما ذهب إليه في »الإرشاد« ص359، وإلى خلافه ذهب في »غياث الأمم« ص63.
([93]) المقدمة: ص194.
([94]) الشيخ عبدالوهاب خلاف: السياسة الشرعية: ص32، الشيخ محمد المبارك: نظام الإسلام (الحكم والدولة): ص71، أبو فارس: النظام السياسي: ص197، أبو زهرة: تاريخ المذاهب: ص90، الوحدة الإسلامية: ص256 وغيرهم.
([95]) رواه الإمام أحمد في مسنده: 3/129، 183، وقال الهيثمي: »رواه أحمد وأبو يعلي، والطبراني في الأوسط أتم منهما، والبزار، إلا أنه قال: الملك في قريش«. مجمع الزوائد: 5/192.
([ (1/129)
صفحة 130
96]) رواه البخاري –واللفظ له- الصحيح بفتح الباري: 13/114، والدارمي (الإمام عبدالله بن بهرام): 2/242.
([97]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/200، ورواه أحمد في مسنده: 2/243.
([98]) رواه أحمد: 1/5، قال الهيثمي: »وفي الصحيح طرف من أوله، ورجاله ثقات إلا أن حميد بن عبدالرحمن لم يدرك أبا بكر«. مجمع الزوائد: 5/191.
([99]) الأحكام: ص6.
([100]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/201، الصحيح بفتح الباري: 13/114، ولفظه: »ما بقي منهم اثنان«.
([101]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/200.
([102]) الأحكام: ص6.
([103]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/200.
([104]) فتح الباري: 13/119.
([105]) سورة النساء: الآية (59).
([106]) الكندي: المصنف: 10/57.
([107]) رواه البخاري –واللفظ له-: الصحيح بفتح الباري: 13/121، 122، وأحمد: 3/114 وغيرهما.
([108]) رواه مسلم واللفظ له: صحيح مسلم بشرح النووي: 12/235، والنسائي: سنن النسائي: 7/154، وابن ماجه (الحافظ محمد بن زيد القزويني): سنن ابن ماجه: 20/955.
([109]) تاريخ المذاهب الإسلامية: 82.
([110]) مسند الإمام أحمد: 1/18.
([111]) المرجع السابق: 1/20.
([112]) فتح الباري: 12/145.
([113]) خلاف: السياسة الشرعية: ص23.
([114]) السالمي: شرح الجامع الصحيح: 1/76.
([115]) السالمي: المرجع السابق.
([116]) فتح الباري: 13/122، ابن خلدون: المقدمة: 213، النووي: شرحه على صحيح مسلم: 12/225.
([117]) ابن خلدون: المقدمة: 213.
([118]) الماوردي: الأحكام: ص6.
([119]) السالمي: شرح الجامع الصحيح: 1/77، أبو زهرة: تاريخ المذاهب: 82.
([120]) الشيخ تقي الدين النبهاني: الفقه: ص27، وأشكر الشيخ أمين نايف ذياب الذي أتحفني بنسخة مصورة من هذا الكتاب.
([ (1/130)
صفحة 131
121]) السالمي: المرجع السابق: 79، الشيخ عبدالله بن محمد بن عمر: حاشية الترتيب: 1/69، د. يحيى إسماعيل: منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم: ص270.
([122]) السالمي: المرجع السابق، محمد المبارك: نظام الإسلام (الحكم والدولة): 72.
([123]) الصحيح فتح الباري: 12/145.
([124]) الصحيح فتح الباري: 7/20.
([125]) أبو زهرة: الوحدة الإسلامية: ص158-159، عبدالوهاب خلاف: السياسة الشرعية: ص32، الجويني: غياث: ص63.
([126]) عبدالوهاب خلاف: السياسة الشرعية: ص32.
([127]) الطبري: تاريخ: 3/353-354.
([128]) فتح الباري: 12/145.
([129]) ابن سعد: الطبقات: 3/616.
([130]) الهيثمي (نور الدين علي بن أبي بكر): مجمع الزوائد: 5/195.
([131]) المتقي (علي بن حسام الدين): كنز العمال: بهامش مسند الإمام أحمد: 2/142.
([132]) الماوردي: نصيحة الملوك: ص118.
([133]) تشير عبارات الإباضية إلى أن معنى الأفضلية هو أن الأفضل هو الأكثر علماً وصلاحاً، قال القطب في شرحه على النيل: »... وإن وجدوا أصلح للإمامة جاز ولو كان فيهم من هو أعلم منه«. شرح النيل: 13/8، والسالمي في العقد الثمين: 4/268 حيث يقول: »لا تجوز إمامة الضعيف عند وجود العالم الصالح لذلك مع إمكان تقديمه؛ لأنه عدول من الأعلى للأدنى، وأما إن كان أحدهما عالماً والآخر أعلم منه فتصح لحصول صفة العلم في الكل«، أما المعتزلة والسنة فالأفضل عندهم هو الأفضل في الدين الذي ينال ثواباً أكثر عند الله من غيره.
يقول القاضي عبدالجبار في المغني ج20 ق2/116: »والمعلوم أنهم –أي المعتزلة- لا يريدون بالتفضيل ما قدمناه –أي كالنسب والعقل...- وإنما عنوا في باب الدين الذي يرجع إلى كثرة الثواب ومزيته على ثواب غيره، وإذا قلنا: زيد فاضل فالمراد أنه يستحق من الثواب قدراً كثيراً.. وإذا قلنا هو أفضل من غيره فالمراد أن له على غيره مزية في قدر الثواب«. (1/131)
صفحة 132
وجاء في (المواقف) للأيجي (وشرحها) للجرجاني (8/372): »ومرجعها: أي مرجع الأفضلية التي نحن بصددها (إلى أكثر الثواب) والكرامة عند الله«.
لكن ابن حزم يرى صعوبة معرفة الأفضل بعد عصر الصحابة، لأن الناس يتباينون في الفضائل، و»لا سبيل إلى أن يعرف الأفضل إلا بنص أو إجماع أو معجزة تظهر«، وكل ذلك ممتنع. الفصل: 5/7.
([134]) ابن حزم: الفصل: 5/5، وانظر: الماوردي: الأحكام: 8، التمهيد: للباقلاني: نقلاً عن أيبش: نصوص: ص54-55.
([135]) البغدادي: أصول الدين: ص293.
([136]) الأحكام: ص23.
([137]) المظفر: الشيعة والإمامة: ص54.
([138]) نقلاً: عن ابن تيميه: السياسة: ص9، وقد بحثت عنه في المستدرك للحاكم ولم أستطع الوقوف عليه.
([139]) المرجع السابق.
([140]) البغدادي: أصول الدين: ص293.
([141]) الماوردي: الأحكام: ص8.
([142]) القطب: شرح النيل: 13/8، 14/ 278، الكندي: المصنف: 10/64.
([143]) الماوردي: الأحكام: ص8، الكمال: المسامرة: ص323، القرطبي: الجامع: 1/271، ابن تيميه: السياسة: ص17.
([144]) القاضي عبدالجبار: المغني: ج20 ف1/227.
([145]) ابن حزم: الفصل: 5/5، وانظر: الماوردي: الأحكام: ص7.
([146]) الصنعاني: التاج المذهب: 4/411.
([147]) القطب: المرجع السابق: 14/278، ابن حزم: المرجع السابق: ص8.
([148]) ابن حزم: المرجع السابق: ص9.
([149]) ابن حزم: المرجع السابق: ص5، وانظر: فتح الباري: 12/156.
([150]) ابن حزم: المرجع السابق.
([151]) المرجع السابق، القطب: المرجع السابق.
([152]) ابن حزم: المرجع السابق: ص6.
([153]) المرجع السابق: ص9.
([154]) الماوردي: الأحكام: ص8.
([155]) القرطبي: الجامع: 1/271.
([156]) ذكره ابن تيميه: السياسة: ص10.
([157]) فتح الباري: 12/145.
([158]) أنظر: المحب الطبري: الرياض النضرة: 3/54.
([159]) الماوردي: الأحكام: ص7. (1/132)
صفحة 133
المطلب الثالث مراحل عقد الإمامة
تمهيد:
إذا كان الاختيار هو الطريق الشرعي لتولية الإمامة، وكانت الإمامة توكيل وإنابة عن الأمة –بواسطة أهل الاختيار منها- للإمام تتم بإرادة الأمة ورضاها، كما بينا ذلك فيما مضى، فإن هذا الاختيار يتم على مراحل ثلاث هي: الترشيح والاختيار، ثم بيعة والانعقاد، وأخيراً بيعة الطاعة.
ولابد قبل الدخول في مراحل عقد الإمامة من مراعاة الشروط العامة والخاصة –شروط أهل الاختيار وأهل الإمامة- المذكورة في المبحث السابق، وفيما يلي نوجز المراحل الثلاث لعقد الإمامة:
المرحلة الأولى: الترشيح والاختيار:
وهي المرحلة التي تبدأ بوجود واحد من الأسباب التالية:
1- موت الإمام المتولي.
2- عزل الإمام لأمر يقتضي خلعه أو استقالته([1]).
3- إذا أحس الإمام المتولى بدنو أجله بسبب مرض أو هرم، ورأى أهل الاختيار ضرورة ترشيح إمام في حياة الإمام الحالي لوجود ظروف استثنائية تمر بها الأمة([2]).
4- إذا لم يكن هناك إمام ورأى المسلمون القدرة على الظهور وإقامة الإمامة([3]).
فإذا وجد واحد من الأسباب السابقة، تداعى أهل الاختيار واجتمعوا »واجتهدوا لله في النصيحة، واختاروا رجلاً طاعة لله لا لطاعتهم، ولا يريدون أن يملكوه ويعملوا ما شاءوا، ولكن ليملك الأمور بالعدل، ثم يختاروا لله أفقههم، وأقواهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأشدهم بأساً على نكاية العدو، والحياطة من وراء الحريم، والحفظ لأطراف الرعية وأوسطها من خاصتها وعامتها، وعلى الحكم بالعدل، وعلى محاربة العدو، على جباية مال الله من حله، وإنفاقه في أهله«([4]).
وفي مرحلة الترشيح يكون المرشحون للإمامة إما واحد أو أكثر، وتسير عملية الترشيح كما يلي:
1- إذا كان المرشح شخصاً واحداً، بمعنى أنه قد تفرد بشروط الإمامة، ومؤهلات القيادة، عقد له بالإمامة، وليس له أن يرفض كما بينا سابقاً([5])، وإلا أثم. (1/133)
صفحة 134
2- إذا كان المرشحون أكثر من واحد، فعلى أهل الاختيار ما يلي:
أ- أن يطلبوا من المرشحين التنازل لأحدهم، فإن وافقوا عقدت الإمامة لمن تنازلوا لصالحه([6]).
ب- أو أن يختاروا أحد المرشحين مراعين في ذلك الصفات التي يتطلبها »حكم الوقت« فلو ترشح اثنان »وكان أحدهم أعلم، والآخر أشجع روعي في اختيار ما يوجبه الوقت«([7]).
ج- فإذا لم تكن هناك أسباب تدعو إلى مراعاة شروط الكمال، أو تنازع المرشحون الإمامة، كان الاختيار للأمة؛ تختار من تراه صالحاً ومتجاوباً مع تطلعاتها، إن تيسر ذلك، وإلا كان لأهل الاختيار صلاحية اختيار أحدهما([8]).
المرحلة الثانية: عقد الإمامة »بيعة الانعقاد«([9]):
بعد استقرار رأي أهل الاختيار على اختيار المرشحين، تأتي المرحلة الثانية وهي عقد الإمامة لمن تم اختياره، وتسمى عند الفقهاء بـ»بيعة الانعقاد«، وبها تلزم للإمام الطاعة على جميع الأمة ويقاتل من يرفض الطاعة له([10]).
ويتولى العقد أهل الاختيار، كما سبق أن بينا ذلك في الشروط العامة للعقد، والدليل على مشروعية بيعة الانعقاد، وثبوت الإمامة بها ما يلي:
1- فعل الخلفاء الراشدينرضي الله عنهم فقد كانت البيعة هي التي ثبتت بها إمامة كل واحد منهم، فإمامة أبي بكر ثبتت بيعته ومن معه في السقيفة، ولو لم تكن للبيعة صفة اللزوم، لما بادر عمر إلى عقد الإمامة له قائلاً: »ابسط يدك أبايعك«([11])، ولكان لبقية الصحابة حق الاعتراض في المسجد عند البيعة العامة.
وكذلك الأمر بالنسبة لإمامة عمر لم تثبت بعهد أبي بكر وترشيحه وإما ثبتت بالبيعة له بعد ذلك »ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماماً ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إماماً بذلك، وإنما صار إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة«([12]). (1/134)
صفحة 135
2- إن الإمامة عقد وكالة –أو شبيه به- بين الأمة والإمام، ولما كان رضى المتعاقدين أمراً خفياً، وإرادتهما غير ظاهرة في الغالب كان الإيجاب والقبول دليلاً ظاهراً عليهما، قياساً على سائر العقود.
ويتولى عقد الإمام أفضل أهل الحل والعقد، ماداً يده، مصافحاً للإمام، مبايعاً على السمع والطاعة، وقد أورد العلامة أحمد بن عبدالله الكندي في مصنفه صورة بيعة الانعقاد، فقال: »وإذا أراد المسلمون عقد الإمامة للإمام، حضر العلماء الثقاة، فيتقدم أفضلهم، ويمد يده اليمنى، فيصافح بها الإمام بيده اليمنى، فيمسكها، ثم يقول: قد بايعتك على طاعة الله وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، فيقول الإمام: نعم، ثم يفعل ذلك الثاني والثالث إلى السبعة، وكان كانوا أكثر كان أفضل، ثم يجعل الكمة على رأسه، والخاتم في يده، وينصب العلم بحذائه، ثم يقدم الخطيب، فيحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يذكر أمر الإمام بالعقد له، والحث على بيعته وطاعته، ثم يتقدم الناس إليه يبايعونه، وقد صحت البيعة له«([13]).
المرحلة الثالثة: البيعة العامة:
بعد بيعة الانعقاد؛ تأتي البيعة العامة؛ وهي التي يأخذها الإمام أو نوابه وولاته نيابة عنه في عامة المسلمين([14])، ممن لهم في الأمة مكانة، وقدر، ولا يلزم أن يبايع كل المسلمون فـ»كل من سمع وأطاع ورضى فقد بايع، وليس عليه أن يبايع بيده«([15]).
ولا يؤثر ترك البيعة العامة على ثبوت الإمامة ولزومها، إذ أن البيعة الانعقاد هي الأساس، وبها تلزم الطاعة بعد العقد مباشرة([16]).
------------------------------------------------------------------------------
([1]) الكندي: المصنف: 10/95، أحمد بن علي القلقشندي: صبح الأعشى في صياغة الإنشاء: 9/284.
([ (1/135)
صفحة 136
2]) كما حدث في العهد من أبي بكر لعمر حيث سبق العهد مشاورات بين أبي بكر والصحابة. أنظر: ص من هذا البحث، وكذلك عهد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي بالإمامة للإمام غالب بن علي الهنائي. أنظر: السالمي: نهضة الأعيان: ص424.
([3]) القطب: شرح النيل: 14/308، ص من هذا البحث.
([4]) الكندي: المصنف: 10/63.
([5]) الماوردي: الأحكام: 8.
([6]) كما حدث عند الستة الذين عهد إليهم عمر حيث تنازل الأربعة وانحصر الاختيار في عثمان وعلي. فتح الباري: 7/61.
([7]) الماوردي: الأحكام: ص7.
([8]) المرجع السابق.
([9]) قال ابن منظور: »البيعة: المبايعة، والطاعة، وقد تبايعوا على الأمر كقولك أصفقوا عليه، وبايعه على مبايعة، عاهده، وبايعته في البيع والبيعة جميعاً، والتبايع مثله، وفي الحديث أنه قال: »ألا تبايعوني على الإسلام« هو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحدٍ منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمر«. لسان العرب: 8/26، وأما معنى البيعة في الاصطلاح فهي: »العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره«. ابن خلدون: المقدمة: ص209.
([10]) السالمي: العقد الثمين: 4/269.
([11]) فتح الباري: 12/145.
([12]) ابن تيميه: منهاج السنة: 1/142.
([13]) المصنف: 10/93.
([14]) السير: 1/6.
([15]) الكندي: المصنف: 10/106.
([16]) الماوردي: الأحكام: 7، السالمي: العقد الثمين: 4/282.
الفصل الثالث حقوق الإمام وواجباته
المبحث الأول حقوق الإمام (1/136)
صفحة 137
تترتب على عقد الإمامة آثار والتزامات بين طرفي العقد، وهما الأمة من جهة، والإمام من جهة أخرى، وقد ذكر الفقهاء للإمام على الأمة حقوقاً تجب له بموجب عقد الإمامة، ومن تلك الحقوق طاعته وعدم الخروج عليه، ومناصرته، وحمايته، ومنها الحقوق المالية، ووجوب موالاته، وسنبحث هذه الحقوق في المطالب التالية:
المطلب الأول: طاعة الإمام وعدم الخروج عليه.
المطلب الثاني: الحماية والنصرة.
المطلب الثالث: الحقوق المالية.
المطلب الرابع: الولاية.
المطلب الأول طاعة الإمام وعدم الخروج عليه
أولاً: طاعة الإمام:
أول الالتزامات التي تثبت بعقد الإمامة حق الطاعة للإمام، فعلى الأمة صغيرها وكبيرها أن تطيع إمامها فيما يأمر وينهى في إطار الشريعة وأحكامها، وقد تظافرت الأدلة على هذا الحق؛ منها([1]):
1- قول الحق سبحانه وتعالى: ]يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم[([2]).
وأولوا الأمر وهم الأئمة –على أرجح الأقوال- قد قرن الأمر بطاعتهم بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول واجبة بلا شك، فكانت طاعة الأئمة مثلها في الحكم، قال المفسر الزمخشري: »لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل أمر الناس أن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم..«([3]).
وروى الطبري في تفسيره عن الإمام علي –كرم الله وجهه- أنه قال: »يحق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا«([4]).
2- ما رواه الإمام البخاري في الصحيح عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله e على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم –أو نقول- بالحق حيث ما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم«([5]). (1/137)
صفحة 138
3- روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »من أطاعني فقد أطاع الله، من يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني«([6]).
4- الأحاديث التي تأمر بطاعة الحاكم، ولو كان عبداً حبشياً، كالذي رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة«([7]).
5- إن قيام الإمام بواجباته من تنفيذ الأحكام والجهاد في سبيل الله، ودفع البغاة وغيرها لا يمكن أن يتحقق ما لم يجد العون والطاعة من الرعية على ما يصدر منه من أوامر ونواهي، فضلاً عن أن الحياة ستضطرب إن رفض كل فرد طاعة الإمام، واتبع هواه.
6- إن الإمام ما نصب إلا لمصلحة الأمة، ولا تتحقق هذه المصلحة إلا بالوفاء، بشرط الطاعة له الذي يذكره العاقدون في البيعة.
طاعة الإمام مقيدة:
إلا أن الإسلام –وهو يفرض على المؤمنين بمبادئه طاعة ولاة الأمر- قد قيد هذه الطاعة، وجعل لها حداً تنتهي إليه، وإطاراً لا تتعداه فإن خرج سقط حق الطاعة، وهذا القيد هو استقامة الإمام على منهج الله في أقواله وأفعاله، بحيث يكون طائعاً لله، عادلاً في حكمه، مطبقاً لأحكام الله، فإن لم يكن كذلك كانت طاعته غير واجبة([8]).
والدليل على ذلك:
1- قوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإنه تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً[([9]).
والاستدلال بهذه الآية من وجهين:
الوجه الأول: إن طاعة ولاة الأمر مقيدة بطاعتهم لله ورسوله، يشير إلى ذلك دخول طاعتهم في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلموالإسلام لا يأمر بطاعة الرسول وفي نفس الوقت بطاعة الولاة عدلوا أو جاروا، وإنما يأمر بطاعتهم إذا عدلوا، فثبت أن فيهم من لا تجب طاعته. (1/138)
صفحة 139
قال الزمخشري: »والمراد بأولي الأمر منكم: أمراء الحق، لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن إضرارهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان«([10]).
الوجه الثاني: إن الآية الكريمة قد نزعت عن الأئمة حق الطاعة إذا هم خالفوا كتاب الله وجاروا في حكمهم، فقوله تعالى: ]فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول[ يدل على أن الطاعة واجبة إذا كانوا موافقين لله ورسوله، أما إذا خالفوهما فلا طاعة لهم.
عن أبي حازم سلمة بن دينار أن مسلمة بن عبدالله قال: »ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله: ]وأولي الأمر منكم[؟ قال: أليست قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: ]فردوه إلى الله ورسوله[([11]).
2- إن كثيراً من الأحاديث التي تأمر بالطاعة لولاة الأمر قد وردت مقيدة بالعدل وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد مر بعضها في ثنايا البحث، ومنها أيضاً:
ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس أن معاذ بن جبل قال: »يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم، فقال صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمن لم يطلع الله تعالى«([12]).
وعند ابن ماجه من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فقلت: يا رسول الله وإن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: لا طاعة لمن عصى الله«([13]).
ثانياً: أن تكون أوامر الإمام غير مخالفة لحكم الله ورسوله:
فلا يجوز أن يطاع الإمام والحاكم في أمر يناقض أمر الله ورسوله، لأنه بذلك يكون عاصياً. (1/139)
صفحة 140
يقول الحق سبحانه وتعالى: ]يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن...[ إلى أن قال: ]ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم[([14]) قال زيد بن أسلم: »إن رسول الله صلى الله عليه وسلمنبيه وخيرته من خلقه ثم لم يستحل له أمراً إلا بشرط، لم يقل (لا يعصينك) ويترك حتى قال ]في معروف[ فكيف ينبغي لأحد أن يطاع يف غير معروف وقد اشترط الله هذا على نبيه«([15]).
وقد فهم الصحابة مفهوم الطاعة؛ فلم يأمر الخلفاء الراشدون الأمة أن تطيعهم على الإطلاق –مع أنهم أفضل الخلق بعد أنبياء الله عليهم السلام- وكذلك كان الناس شديد المحاسبة لهم.
فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يعلن في خطاب الإمامة فور استلامه الحكم، وأخذ البيعة العامة، موضحاً منهجه في العلاقة بين القيادة والأمة، جاعلاً طاعة الله هي الأساس وهي الحكم في طاعتهم له فيقول: »أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم«([16]).
ويتوجه الخليفة الفاروق رضي الله عنه يوماً بالسؤال التالي إلى أصحابه »هل كرهتم مني شيئاً في قسم أو حكم؟ فيرد عليه أسيد بن حضير فوراً: »عجباً لك يا عمر، لو كرهنا من أمرك شيئاً لأقمناك كما يقام القدح«، فيرفع عمر يديه ويقول: »الحمد لله الذي جعلني في قوم إن كرهوا مني شيئاً أقاموني كما يقام القدح«([17]).
هذا هو منهج الإسلام في طاعة الأئمة والحكام، كما عرفها الصحابة، والذين تمسكوا به من بعدهم.
اتفقت المذاهب الإسلامية على تحريم الخروج على الإمام العادل، وحكمت على الخارج عليه بالبغي([18]).([19]) والأدلة على ذلك كثيرة منها:
1- عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية«([20]). (1/140)
صفحة 141
2- روى مسلم بسنده عن عبدالله بن عمر قال: »سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية«([21]).
ويرى الإباضية وجوب البراءة ممن يخرج على الإمام، قال العلامة الكندي في مصنفه: »جاء في الأثر فيمن بايع إماماً في الدين ثم رجع عن بيعته لم يقبل منه ذلك، ووجبت البراءة منه، فإن حارب قتل على ذلك، وإن لم يحارب وأقام على قوله ذلك –أي على نقضه البيعة- عمر السجن([22])، وكانت له العقوبة الموجعة، ولم تقبل منه توبة حتى يرجع إلى الدخول فيما خرج منه«([23]).
وإذا كان تحريم الخروج على الإمام العادل موضع إجماع من الأمة، فإن الخروج عليه إذا فسق أو جار موضع اختلاف شديد منذ القرن الهجري الأول، وسنؤجل هذا الموضوع إلى الفصل الأخير عندما نتناول أسباب العزل.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) السير: 2/176، الكندي: المصنف: 10/126، الماوردي: الأحكام: 15، ابن جماعة: تحرير الأحكام: 62، الكمال: المسامرة: 328.
([2]) سورة النساء: الآية (59).
([3]) الكشاف: 1/275.
([4]) جامع البيان: 5/95 عند تفسيره الآية (95) من سورة النساء.
([5]) الصحيح بفتح الباري: 13/192.
([6]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/223.
([7]) الصحيح بفتح الباري: 13/121.
([8]) السالمي: شرح الجامع: 1/81، السير: 2/379، الكمال: المسامرة: 328.
([9]) سورة النساء: الآية (59).
([10]) الكشاف: 1/275، وانظر: ابن تيميه: منهاج السنة: 2/86.
([11]) الزمخشري: المرجع السابق، وانظر: ابن حجر: فتح الباري: 13/111 بدون ذكر الأسماء.
([12]) مسند الإمام أحمد: 3/213.
([13]) سنن ابن ماجه: 2/956.
([14]) سورة الممتحنة: الآية (12).
([15]) الطبري: جامع البيان: 28/80.
([16]) سيرة ابن هشام: 4/493.
([17]) الكندي: المصنف: 10/130.
([ (1/141)
صفحة 142
18]) الكندي: 10/215. الكمال: المسامرة: 328، النووي: روضة الطالبين: 10/50، القرطبي: الجامع: 1/273، ابن تيميه: الخلافة والملك: ص16.
([19]) البغي: الظلم والعدول عن الحق، والفئة الباغية: كل فئة خارجة عن الإمام العادل. انظر: القاموس المحيط: 4/305-306.
([20]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/240، وانظر: البخاري بفتح الباري: 13/5.
([21]) المرجع السابق: 12/240.
([22]) أي يبقى في السجن حتى يتوب ويرجع إلى الطاعة.
([23]) المصنف: 10/127.
المطلب الثاني الحماية والنصرة
اتفقت المذاهب الإسلامية على وجوب مناصرة الإمام([1]) وحمايته من كل ما يهدد حياته ومركزه، إذ هو يمثل قوة الأمة ووحدتها وهيبتها، فمتى تعرض شخصه لتهديد أو قتل كان الواجب على كل فرد أن يفتديه بنفسه وروحه.
ومن أهم المواقف التي تدعو إلى نصرة الإمام وقوع حركة تمرد على الإمامة بإعلان إقليم أو ولاية الانفصال عن السلطة المركزية أو انقلاب عسكري يهدف الإطاحة بالنظام، وتغيير نظام الحكم، ففي هذه الظروف وأمثالها يتحتم على الأمة أن تقف صفاً واحداً، درعاً يحمي الإمام؛ لقوله تعالى: ]وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[([2]) ولقوله عليه الصلاة والسلام: »من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وتمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء الآخر ينازعه فاضربوا عنقه«([3]).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسه أصحابه ويقومون على حمايته من أن يصل إليه أحد من المشركين، فلما نزل قوله تعالى: ]والله يعصمك من الناس[([4]) قال عليه الصلاة والسلام: »لا تحرسوني إن ربي عصمني«([5]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) القطب: شرح النيل: 14/310، أبو يعلي: الأحكام: 28، ابن جماعة: تحرير: 63، 64، القرطبي: الجامع: 1/272، الدهلوي: حجة الله البالغة: 2/399، الصنعاني: التاج: 4/413.
([ (1/142)
صفحة 143
2]) سورة المائدة: الآية (2).
([3]) رواه مسلم: شرح النووي: 12/233.
([4]) سورة المائدة: الآية (67).
([5]) الطبري: جامع البيان: 6/199.
المطلب الثالث الحقوق المالية
لما كان الإمام مشغولاً بأحوال المسلمين، وتصريف شؤون الدولة، غير متفرغ للسعي وكسب الرزق له ومن يعول، فإن من حقه أن ينال من بيت المال ما يكفي له العيش الكريم والحياة الطيبة، وهذا ما أشار إليه الفقيه الصائغي بقوله: »وللإمام أن يأخذ من بيت مال الله، وكذلك حكامه«([1]).
وقد شرع الإسلام للإمام أن يأخذ من مالية الدولة وإن كان غنياً وموسراً، والآيات والأحاديث تدل على ذلك ومنها:
1- قوله تعالى: واعلموا إنما غنمتم من شيء؛ فإن لله خمسه وللرسول...[([2]).
قال المفسر الشهير محمد رشيد رضا: »وحكمة تقسيم الخمس على هذا النحو أن الدولة التي تدير سياسة الأمة لابد لها من مال تستعين به على ذلك وهو أقسام: أولها ما كان للمصلحة العامة كشعائر الدين، وحماية الحوزة؛ وهو ما جعل لله في الآية، وثانيها: ما كان لنفقة إمامها ورئيس حكومتها وهو سهم الرسول صلى الله عليه وسلم «([3]).
2- قوله تعالى: ]إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها...[([4]).
والإمام من العاملين على الزكاة، فيأخذ من الذين تجب عليهم ويصرفها إلى مستحقيها، فكان داخلاً في مصاف ]العاملين[ قال الإمام القرطبي: »دل قوله تعالى: ]والعاملين عليها[ على أن كل ما كان من فروض الكفايات كالساعي والكاتب والقسام والعاشر وغيرهم فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، ومن ذلك الإمامة، فإن الصلاة وإن كانت متوجبة على جميع الخلق فإن تقديم بعضهم بهم من فروض الكفايات فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها، وهذا أصل الباب«([5]) قلت: والإمامة العظمى من فروض الكفاية، والقائم بها أكثر احتباساً وانقطاعاً من أجلها، فدخولها في حكم الآية من باب أولى. (1/143)
صفحة 144
3- وفي صحيح البخاري عن حويطب بن عبدالعزى أن عبدالله ابن السعدي أخبره أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالاً فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ قلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أفراساً وأعبداً وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبيصلى الله عليه وسلم »خذه فتموله وتصدق به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك«([6]).
فالحديث واضح الدلالة في جواز أخذ الأجرة على العمل للمسلمين من بيت مالهم، وإن كان العامل ميسوراً غنياً.
4- كذلك كان الخلفاء الراشدون يأخذون من بيت المال لما شغلتهم الولاية عن السعي والاحتراف.
روى ابن سعد في الطبقات عن عائشة رضي الله عنها قالت: »لما ولي أبو بكر قال: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن لتعجز عن مؤونة أهلي، وقد شغلت بأمر المسلمين وسأحترف للمسلمين في مالهم، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال«([7]).
لما ولي عمر بن الخطابرضي الله عنه الخلافة أمسك عن الأخذ من بيت المال ثم إنه أصابته الحاجة، فجمع الصحابة واستشارهم قائلاً: »قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي؟ فقال له عثمان بن عفان: كل واطعم.. وقال له مثل ذلك سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، وقال عمر لعلي: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداء وعشاء، فأخذ عمر بذلك«([8]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الصائغي: كنز الأديب وسلامة اللبيب، ورقة 88أ، 83ب، مخطوطة بجامعة كمبردج، نقلاً عن: فاروق عمر: التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين: ص58.
([2]) سورة الأنفال: الآية (41).
([3]) المنار: 10/8.
[ (1/144)
صفحة 145
4] ) سورة التوبة: الآية (60).
([5]) الجامع: 8/178.
([6]) فتح الباري: 13/150.
([7]) الطبقات: 3/185.
([8]) المرجع السابق: 3/307.
المطلب الرابع الوَلاية
يضيف الفقهاء حقاً آخر للإمام، وهو وجوب الولاية له على كل فرد في الأمة سواء أكان هذا الفرد من مواطني الدولة التي يحكمها الإمام أو خارجها؛ إن علم بعدالة الإمام واستحقاقه الولاية، ففي المصنف للعلامة الكندي أن على المسلمين: »أن يتولوا الأئمة على الأمصار وفي مواضعها إذا صح عدلها، ويبرأون من الأئمة في الأمصار إذا صح جورها؛ ولو لم يكونوا في ملكة الإمام العادل، ولا الجائر في الأحياء منهم«([1]).
وقد خُص الإمام بحق الولاية([2]) وأُكد عليه في مباحث الإمامة –مع أنه داخل في جملة المؤمنين الذين تجب موالاتهم- لمكانة الإمام واشتهاره بين الناس، فهو محط أنظار الجميع، وقدوة لهم في دينهم ودنياهم، هذا؛ وتتجلى ثمرة هذا الحق في نصرة الإمام والدفاع عنه بالمال والنفس، والدعاء له، كما يظهر أثر البراءة منه في خذلانه ومفارقته، وعدم التعاون معه والدعاء له([3]).
والأدلة على ولاية الإمام ما يلي:
1- إن الله سبحانه قد أثبت الطاعة للإمام مقرونة بطاعته سبحانه وطاعة رسوله في قوله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم[([4])، وحيث كانت ولاية الله ورسوله ثابتة نصاً وطاعة الله ورسوله والإمام ثابتة نصاً كانت الولاية ثابتة للإمام([5]).
2- عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله e يقول: »خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتعلنونهم ويعلنونكم..«([6]) قال العلامة النووي: »معنى يصلون أي يدعون«([7]). (1/145)
صفحة 146
ووجه الاستدلال: إن المحبة والدعاء هما ثمرة الولاية، كما أن البغض واللعن ثمرة البراءة، والحديث قد بين لنا طبيعة العلاقة بين الأمة وأئمتها إذا كانوا خياراً أو شراراً، ولو لم يكن في الحديث توجيه إلى محبة الأخيار ومعاداة الأشرار لما كان لذكره ذلك أي معنى.
3- إن للإمام منزلة ليست لغيره من أفراد الأمة في تصديق أقواله في الأحكام وإنفاذها، وفي شمول عدله وجوره لكل دار الإسلام، كما أنه رمز للدولة وللأمة، وموالاته تعني موالاة الدولة والأمة، كل ذلك يجعل من الولاية له حقاً واجباً وأمراً لازماً([8]).
4- إن لولاية الأئمة دوراً فعالاً في تماسك المجتمع واستقرار الدولة، وصيانة القيادة من القدح فيها أو التعدي عليها بغير حق، كما تجعل العلاقة بين القائد والأمة قائمة على المحبة النابعة من الإيمان الداعي إلى الحب والبغض في الله.
البراءة من الإمام:
يبقى الإمام متمتعاً بحق الولاية من كل فرد من الأمة مادام عادلاً في حكمه، قائماً بواجباته، غير مرتكب لمعصية تضفي عليه صفة الفسق والجور، فإن ظهر منه ما يجب عنه هذا الحق كان مستحقاً للبراءة.
والحالات التي يستحق بسببها البراءة ما يلي:
1- أن يرتكب معصية مكفرة([9]) من الكبائر المكفرات وفي هذه الحالة ينخلع من الولاية من وقت اقترافه المعصية ويستتاب فإن تاب رجع إلى إمامته، وإن أصر انخلعت إمامته وزالت ولايته.
2- أن يرتكب معصية من غير الكبائر، وفي هذه الحالة لا يبرأ منه، ولا يخلع من الإمامة حتى يستتاب، فإن تاب قبل منه وثبتت إمامته، وإن أصر كفر بإصراره وزالت إمامته وولايته.
3- أن يرتكب معصية من المعاصي التي توجب عليه حداً من حدود الله، وفي هذه الحالة تزول إمامته فوراً تاب أو أصر ويقام عليه الحد فإن تاب قبلت توبته وثبتت ولايته، وكان الإمام الذي أقاموه لإقامة الحد عليه هو إمامهم([10]). (1/146)
صفحة 147
4- أن يجور في حكمه، أو يستعمل غير المسلمين، أو يجعل وزراءه ومعاونيه من الظالمين، وأصر على ذلك ولم يقبل نصيحة أهل الحل والعقد([11]).
5- إن ترك واجباً من واجبات الإمام؛ كالأمر بالمعروف والني عن المنكر([12]).
شروط البراءة من الإمام:
على أنه ينبغي التذكير بأن الإباضية يشترطون لخلع الإمام من الولاية عند الأمة كلها ما يلي([13]):
1- أن يكون الحدث الذي اقترفه مما لا يسع جهله، قد اشتهر شهرة تقوم بها الحجة على جميع أهل مملكته ورعاياه([14]).
2- أن لا يكون الفعل الذي فعله مما يحتمل فيه الصواب والخطأ فيما بين الإمام وربه([15]).
3- لا يجوز إظهار البراءة منه إلا إذا كان حدثه يستوجب القتل([16]).
فإن كان الفعل أو القول الذي صدر منه مما يسع جهله، أو كان سراً غير مشتهر، أو كان مما يحتمل الصواب والخطأ فلا يجوز البراءة منه إلا عند من علم ذلك، واطلع عليه، على أن تكون تلك البراءة سراً فيما بينه وبين الله أو عند من علم ذلك مثله علمه.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) 10/38، وانظر أيضاً: السير: 2/183.
([2]) الولاية والبراءة من الأصول التي ينفرد بها الإباضية، ويرون ولاية الطائع والبراءة من العاصي علاجاً للعصاة، وزجراً لهم عما هم فيه، وتعرف بولاية الأشخاص والبراءة منهم. أنظر: كتب العقيدة وأصول الدين عند الإباضية.
([3]) السير: 2/178.
([4]) سورة النساء: الآية (59).
([5]) المصنف: 10/37.
([6]) رواه مسلم: شرح النووي: 12/245.
([7]) المرجع السابق.
([8]) الكندي: المصنف: 10/42.
([ (1/147)
صفحة 148
9]) يطلق الإباضية كلمة الكفر ويريدون بها معنيين يوضحهما سياق العبارة؛ أحدهم بمعنى فكر الشرك أو الجحود, وفي هذا الإطلاق يتفقون مع المذاهب الأخرى، والآخر بمعنى كفر النعم ويراد به الفسق والمعصية، فحيثما أطلقت كلمة »الكفر« على الموحد فالمراد بها كفر النعمة لا كفر الشرك. أنظر: معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية: ص368، 369، الجعبيري (د. فرحات): البعد الحضاري للعقيدة الإباضية: ص507، 514.
([10]) السير: 2/ 244-245، الكندي: المصنف: 10/216 وما بعدها.
([11]) السير: 2/181.
([12]) السير: 2/199، 242.
([13]) المصنف: 10/44.
([14]) نفس المرجع: 46.
([15]) السير: 1/202.
([16]) المصنف: 10/216.
المطلب الخامس مقارنة طرق التولي ومدى صلاحيتها في ......
العصر الحاضر في ضوء التجارب
رأينا تأجيل مناقشة طرق تولية الإمام وعقد مطلب خاص لها بعد أن تكون قد كونا صورة واضحة عنها من خلال استعراض الأدلة التي يستند عليها كل من قال بصلاحية هذه الطرق أو واحدة أو أكثر منها، ومما لاشك فيه أن للنص القرآني والحديث النبوي أهمية قصوى في تحديد طرقة تعيين الإمام، لأن هذه المسألة تأتي بعد حكم نصب الإمام من حيث ترتيب الأحكام المتعلقة بفقه الإمامة.
وبعد النص تأتي مسألة الاستخلاف لقربها من معنى النص على الإمام أولاً؛ ولن تولية اثنين من الخلفاء الراشدين قد ثبتت بالاستخلاف؛ على اختلاف بين الفقهاء هل هو ترشيح أو تعيين؟ وهل يحتاج إلى الرضى والبيعة أو لا يفتقر لذلك.
وبعد الاستخلاف يكون الاختيار هو الطريق الثالث الذي –إن ثبت عدم شرعية أو ثبوت النص والاستخلاف- تلجأ إليه الأمة لتولية إمام المسلمين، وأخيراً يكون طريق القهر والغلبة. (1/148)
صفحة 149
تلك هي الطرق التي تناولها الفقهاء بالتأييد أو الرفض، وسنقوم هنا بتحليل هذه الطرق والمقارنة بينها لنقف على مدى قربها أو بعدها من هدي القرآن والسنة من خلال مناقشة الأدلة التي استدل بها أنصار كل طريق.
أولاً: مناقشة طريق النص:
لن نناقش هنا الأدلة التي استدل بها الشيعة، فقد أسهب الفقهاء([1]) الأقدمون والمحدثون في الرد عليهم، فقد نقدوا تلك الأدلة سنداً ومتناً –وقد ذكرنا بعضها- كما كتبت في العصر الحاضر رسائل جامعة متخصصة([2]) في رأي الإمامية في الإمامة، إلا أننا سنركز بحثنا على بعض المعاني والأحداث التي تزيد الأمور وضوحاً، وتجعلنا نحدد موقفنا بكل قناعة واطمئنان، فنقول وبالله التوفيق:
أ- لم ينقل عن الإمام علي –كرم الله وجهه- أنه احتج بنص من النبي صلى الله عليه وسلم سواء قبل توليه الإمامة أو بعدها، وإنما كان يحتج بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لأبي بكر رضي الله عنه: »إن قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وما أعطاك الله، لم تنفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبدت علينا بالمر وكنا نحن نرى لنا حقاً لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم«([3]).
وإذا كان الإمام علي قد آثر السكوت إثر بيعة أبي بكررضي الله عنه حفاظاً على وحدة الأمة، و»حفظاً لبيضة الإسلام لما عدم الناصر«([4]) فما الذي منعه من إعلان النص وإظهاره عندما استخلف أبو بكر عمر؟! وما الذي أحجمه على الاحتجاج به يوم الشورى؟ وعدم إلى الاحتجاج بأحاديث الفضائل والقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم! وعندما تمت له البيعة بعد مقتل عثمانرضي الله عنه ورفض من رفض بيعته من الصحابة لم يحتج عليهم بنص، وفي حواره واحتجاجه على أهل النهروان لم يعنفهم على انتخاب إمام لهم، ولم يحتج عليهم بأن ما قاموا به يخالف وصية النبي بالإمامة له. (1/149)
صفحة 150
كل ذلك لم يحدث، وقد تتبعت كتاب (نهج البلاغة) الذي يصفه أحد أعلام الشيعة بأنه »مظهر العلم الإلهي في التنبؤات عن الحوادث المتأخرة« وأنه (المعجز الخالد... الدائم... الخارق)([5])!!! فلم أجد نصا نبوياً واحداً من النصوص التي يحتج بها الشيعة سواء أكانت النصوص الجلية أم الخفية، وإنما يذكر (الولاية، والوصية، والوراثة)([6])، وكيف يترك الإمام على الذي أوتي ملكة الفصاحة، والقدرة على الإتيان بالحجة البالغة، كيف يترك قول النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر المواقف حاجة إلى قطع حجة الخصم الذي يعلم عنه الإمام أنه لا يمكن إلا أن يسلم الأمر له، خصوصاً الخلفاء الثلاثة وبقية الصحابة رضوان الله عليهم؟!.
ب- إن الأعمال التي قام بها بعض الأئمة الاثني عشر لا تتفق مع اشتراط العصمة التي يقول بها الإمامية في حق أئمتهم؛ فإذا كانت العصمة عن الخطأ والزلل والمعصية، فكيف يتنازل الحسن ابن علي عن الإمامة لمعاوية، أليس في ذلك مخالفة صريحة للأمر الإلهي والنص النبوي؟ كيف يعتقد الحسن أن تعيينه إماماً واجب على الله لطفاً بعباده، ثم يترك الإمامة، ويدفعها لمعاوية، مخالفاً بذلك طريقة أبيه، وعاصياً لأمر جده صلى الله عليه وسلم وربه تعالى؟! وإذا كانت العصمة عن القتل والإيذاء من الظالمين، فكيف نفسر سكوت الحسين عن الرد على معاوية الذي أخذ البيعة منه قهراً لولده يزيد؟! وكيف يختفي الإمام الثاني عشر خوفاً من الظلمة، إذا كان معصوماً من القتل؟ كيف يختفي طول هذه المدة والأمة في أشد الحاجة إلى من يخلصها من الذل والهوان الذي تعيشه؟!([7]) وأخيراً كيف نوفق بين القول بالعصمة والقول بالتقية؟ وما الحاجة إذن إلى أن يكون الإمام أشجع الناس إذا كانت التقية جائزة في حقه؟ (1/150)
صفحة 151
ج- على افتراض أن الإمام »المهدي المنتظر« لم يختف، وظهر على الظالمين والغاصبين، أفتراه يعيش إلى يوم القيامة يسوس الأمة، ويقيم الكتاب، ويحمل الناس على الجادة، أم أنه يموت بعد عمر كما مات آباؤه من قبل؟! ومن الذي سيخلفه عندئذ، مع حصر الأئمة في عدد معين، فإن كان سيخلفه نائب فهل النائب يشترط ما يشترط في الإمام؟ وإذا كان الأمر كذلك فما معنى تحديد العدد؟ وإذا كان الإمام سيبقى إلى يوم القيامة فقد حاز من الفضيلة والكرامة ما لم ينله الأئمة من قبله.
نخلص مما تقدم إلى القول الجازم بعدم وجود نص يعين الإمام، وبالتالي فإننا نستبعد النص كطريق من طرق اختيار الإمام.
يستند القائلون بالاستخلاف على واقعتين »أحدهما أن أبا بكر t عهد بها –الإمامة- إلى عمر t فأثبت المسلمون إمامته بعهده، والثاني أن عمر t عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر اعتقاداً لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها«([8]).
ونحن لا ننكر ما حدث، ولا نقدح في فهم الصحابة وعلمهم وفضلهم، لكننا يحق لنا أن نتساءل عن الأسباب والدوافع الكامنة وراء تصرف الخليفتين الراشدين اللذين هما أكثر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم التزاماً بهدي النبوة.
أ- استخلاف عمر:
نزل المرض بأبي بكررضي الله عنه في وقت كانت الدولة الإسلامية تمر بأدق الظروف، وأحرج المراحل في عهده بعد حركة الردة، فقد كان المسلمون في صدام عسكري ومعارك طاحنة مع دولتي فارس والروم، اللتين تريان في الإسلام والمسلمين خطراً يهدد وجودهما وبقاءهما. (1/151)
صفحة 152
رأى أبو بكر –وقد أحس بدنو أجله- أن بقاء المسلمين بلا خليفة بعده قد يعيد النزاع والخلاف الذي حدث بعد رحيل المصطفى صلى الله عليه وسلم مما سيؤثر على قوة المسلمين ووحدتهم في مواجهة أعدائهم على ساحات القتال، فالمرحلة إذن لا تسمح بترك فراغ في منصب الخلافة، وإذا كان الأمر كذلك فلابد من معالجة مبكرة للقضية، وقطع لدابر الخلاف قبل وقوعه، فما كان منه رضي الله عنه إلا أن جمع الصحابة المتواجدين في المدينة –عاصمة الخلافة- وقال لهم: »إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظنني إلا لمماتي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتكم في حياة مني كان أجدى ألا تختلفوا بعدي«([9])، فخرجوا من عنده، وتشاوروا فيما بينهم، ولما لم يتوصلوا إلى رأي يجتمعون عليه رجعوا إلى أبي بكر وقالوا له: »أشر لنا يا خليفة رسول الله! قال: فلعلكم تختلفون. قالوا: لا، فقال: فعليكم عهد الله على الرضى، قالوا: نعم، قال: فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده«([10])، فاستثار عدد من كبار المهاجرين والأنصار سراً، كلاً على انفراد، وكلهم يشير عليه بعمر بن الخطاب فكتب عهداً له بالخلافة([11])، وأشرف على الناس من »كوة«([12]) وقال: أيها الناس إني قد عهدت عهداً أفترضون به؟ قال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله، فقال علي: لا نرضى إلا أن يكون عمر، قال: فإنه عمر«([13]) وبويع له صبيحة ليلة وفاة أبي بكر رضي الله عنهما([14]).
إذن:
- هناك ظروف دفعت أبا بكر للاستخلاف.
- وهناك شورى بين الخليفة والمسلمين في الاستخلاف.
- وهناك تفويض من المسلمين للخليفة في اختيار الرجل المناسب.
- وهناك رضى من المسلمين بمن وقع عليه الاختيار.
- ثم كانت بيعة بعد موت الخليفة.
ب- استخلاف الستة: (1/152)
صفحة 153
جاء في صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون من حديث طويل: »..فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر –أو الرهط- الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبدالرحمن، وقال: يشهدكم عبدالله بن عمر، وليس له من الأمر شيء«([15])، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: »...ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع، فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال: إن الله تعالى يحفظ ينه، ولئن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلملم يستخلف، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف...«([16]).
وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: أدعوا لي إخواني، قالوا: ومن؟ قال: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاصرضي الله عنهم فأرسل إليهم ثم وضع رأسه في حجري، فلما جاؤوا قلت: هؤلاء حضروا، قال: نعم، نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم أيها الستة! رؤوس الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم ما استقمتم ليستقم أمر الناس، وإن يكن اختلاف يكن فيكم من خلال الروايات السابقة، نستطيع أن نطل على ذلك العصر الذي عهد فيه عمر إلى أهل الشورى، لنعرف كيف بدأ؟ وكيف سار؟ وإلى ما انتهى؟([17]).
لم تكن فكرة الاستخلاف هذه المرة صادرة من جانب الخليفة كما حدث مع أبي بكر رضي الله عنه، وإنما كانت من جانب الصحابة الذين رأوا في الاستخلاف أسلوباً حكيماً يقي الأمة التنازع والاختلاف. (1/153)
صفحة 154
وعندما عرض الاقتراح على عمر، نظر إلى من سبقه، لقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة دون أن يستخلف عليهم أحداً، في الوقت الذي استخلف فيه أبو بكر عمر، فإن هو استخلف –حفاظاً على وحدة المسلمين واتفاقهم على الإمام قبل وفاته– فقد اتبع هدي أبي بكر وإن هو ترك الأمة تتولى أمرها بعد وفاته من غير أن يتحمل هو تبعة الاستخلاف، إذا فعل ذلك فقد اهتدى بهدي النبوة.
وعمر الذي يقول: »من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا«([18]) لم يكن بالذي يخالف فعله قوله؛ فيعين رجلاً يخلفه، وكيف يفعل ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله، وهو في الوقت ذاته يتذكر ذلك الخلاف الذي كاد أن يعصف بالمسلمين يوم السقيفة، فلا تدعه نفسه أن يترك الأمر كي يظهر الخلاف من جديد.
إزاء هذا الموقف، سعى إلى دمج فكرتي الاستخلاف والترك، فاستحدث طريقاً »تجمع الاستخلاف وترك تعيين الخليفة«([19])، ليفسح للأمة فرصة أوسع للاختيار، في الوقت الذي يضيق فيه مجال التنازع والاختلاف، فكان أن عهد إلى ستة من الصحابة، وقد بين السبب الذي جعله يحصر الأمة فيهم، فهم:
1- توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم.
2- أنهم الأقطاب الذين تلتف حولهم الجماعة المسلمة، فإن اختلفوا كان اختلاف المسلمين، وإن اتفقوا فلا مجال للاختلاف.
وإذا كان عمر قد حصر تولية الإمامة في هؤلاء الستة، فإنه لم يحصر الشورى فيما بينهم، وإنما جعل الاختيار من حق الأمة، فهي التي تختار أحدهم قائلاً لهم: »تشاوروا ثلاثاً ويصلي بالناس صهيب، قالوا: ومن تشاور يا أمير المؤمنين؟ قال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسارة من هنا ومن الأجناد«([20])، وانتهى الأمر باختيار عثمان t وعقدت الإمامة له.
الخلاصة:
إن في قصة استخلاف عمر أهل الشورى نلاحظ ما يلي:
- تقديم فكرة الاستخلاف من قبل المسلمين.
- تردد عمر بين الاستخلاف والترك. (1/154)
صفحة 155
- ترشيح ستة ممن يصلحون للإمامة.
- مشاورة الأمة في اختيار أحدهم بعد موت الخليفة.
- البيعة لمن يقع عليه الاختيار.
إذن، فإن ما فعله عمررضي الله عنه لم يكن سوى ترشيحاً ولم يكن استخلافاً بالمعنى الذي ذهب إليه من أجاز طريق الاستخلاف.
من كل ذلك نستطيع الخروج برأي يف طريقة الاستخلاف فنقول: إن الاستخلاف طريق جائز لتولية الخليفة إذا توفرت الشروط التالية:
أولاً: أن ينزل بالإمام القائم ما يتوقع فيه دنو أجله والدولة الإسلامية في حالة حرب مع عدوها، أو عدم استقرار بداخلها، بحيث لم تكن هناك فرصة للاختيار.
ثانياً: أن يتم الاختيار بالتشاور مع أهل الحل والعقد ورضى منهم.
ثالثاً: أن تتم البيعة للإمام المستخلف بعد موت الإمام المستخلف.
رابعاً: مراعاة الشروط التي اشترطها الفقهاء لصحة الاستخلاف([21]).
ثالثاً: مناقشة طريق القهر والغلبة:
احتج المجوزون لهذا الطريق بالأحاديث التي تأمر بالتزام الصبر وعدم مفارقة الجماعة، وبالحديث الذي يأمر بقتل من يخرج على الإمام، وبموقف ابن عمر وأخيراً بقاعدة الضرورة.
لكن وجوه الاستدلال التي قالوا بها فيها نظر:
- فأحاديث الصبر ولزوم الجماعة تقتصر على طاعة الإمام العادل الذي تولى الإمامة بالرضى والشورى، فقد يلحق المسلم ما لا يرضاه من الإمام العادل في حكم أو أمر مثلاً، فيجب على هذا المسلم الصبر وإن استقر نفسه أن الإمام قد ظلمه أو غمطه حقه، لأن صدور هذا من الإمام متوقع لكونه بشر يخطئ ويصيب ويحكم بالظاهر. (1/155)
صفحة 156
- أما الحديث الذي يأمر بقتل من يخرج على الأمة، وأن من يخرج على إمام القهر والغلبة داخل في حكم الحديث –كما يقول ابن قدامة- فهو حديث يتناول الإمام المتغلب ابتداءً، فكيف يصبح الحديث حجة له، وهو ظالم متعد في قتاله، وماذا يكون الحكم لو تغلب الخارج على الإمام المتغلب؟ أيستحق الخارج الثاني القتل لأنه خرج على المتغلب الأول أم تجب له الطاعة، ومن يخرج عليه يقتل؟! أي منهج سياسي، وأي فوضى سياسية أبعد عن الحق والصواب منها! أليس في ذلك تشجيع على الخروج والانقلاب العسكري، وكيف يقر الغاصب على ما غصب؟! وهل هناك أعظم من اغتصاب حق الأمة في اختيار إمامها وزعيمها؟!.
- أما الاستدلال بموقف عبدالله بن عمر يوم الحرة فمناقض برأي أبيه الخليفة الثاني رضي الله عنه القائل: »من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا«([22]) ثم هو رأي صحابي، ورأي صحابي مختلف في حجيته([23]).
- ثم هناك فرق بين طاعة المتغلب للضرورة؛ لإنفاذ الأحكام –وهو الذي احتج به المجوزون- وبين اعتبار هذا الطريق طريقاً شرعياً ثابتاً، ونحن لا نقول بالخروج على أي حال سواء تحقق الظهور أم لا، فهذا شيء وإقرار المتغلب على ما قام به واعتباره طريقه مشروعاً شيء آخر.
على أن القول بأن الأحكام والحدود لا تصح من المتغلب إلا إذا اعتبرنا إمامته شرعية غير مسلم به، لأن تنفيذ الأحكام والفصل بين الناس، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يجب على كل مسلم على قدر استطاعته، قال الفقهاء: »ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمره به، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بآخر؟«([24]). (1/156)
صفحة 157
و»الإمام المتغلب« يجب عليه الأمر والنهي، لأنه يملك اليد »القدرة« على ذلك، فهو حينما يأمر القاضي أو غيره أن يقيم العدل، ويحكم بالحق، ويفصل بين الناس إنما يأمره »بما هو واجب عليه؛ لأن أمره ليحكم بين الناس بالحق والعدل هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو واجب على الناس، فهذا الجبار (=المتغلب) إنما أمر هذا الرجل بما هو لازم له فعله، فعليه أن يحكم بين الناس بالحق وينصف بعضهم من بعض، كان بأمر الجبار أو بغير أمره ما وجد السبيل إلى ذلك«([25]).
- والقول بإمامة المتغلب يعطي الحركات الانقلابية صفة شرعية، وأمتنا ذاقت الويلات من التمرد والانقلابات التي تأكل الأخضر واليابس، وتبقى حياة الأمة مطوقة بسلسلة من الانقلابات التي لا تنتهي، ومن تتبع تاريخ الدولة العباسية بعد المتوكل([26]) يرى إلى أي مدى كان الانقلاب والقتل عرفاً وأمراً مألوفاً، سار عليه العباسيون، أو قل: أجبر العباسيون على السير فيه.
إن القول بإمامة المتغلب إنما هو تقرير للواقع وإضفاء الشرعية عليه، وليس له أصل في الكتاب أو السنة، وإنما بدأت فكرة القهر والتغلب تنبت في الفقه السياسي الإسلامي بتصرفات معاوية السياسية والعسكرية.
ولعل عبارة التابعي الكبير الحسن البصري تؤكد هذه الحقيقة، إذ يقول: »أربع خصال كن في معاوية لو لك تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذووا الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكيراً خميراً يلبس الحرير، ويضرب الطنابير، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجراً وأصحاب حجر، فيا ويلاً له من حجر ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر«([27]). (1/157)
صفحة 158
إن الأمة ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه من الذل والتفتت والضعف والبعد عن الإسلام شريعة ومنهج حياة؛ لو أنها تمسكت بحقوقها السياسية في اختيار أئمتها وحكامها، ومحاسبتهم إذا انحرفوا في الحكم، والأمر والنهي.
كان من الواجب على العلماء والفقهاء الذين أوجب عليهم الله سبحانه تبيان الحق للناس، أن يقفوا في وجه الذين يستولون على الحكم بالقهر والتسلط، لا أن يباركوا أعمالهم، ويفتون بشرعية حكمهم وحرمة الخروج عليهم.
الخلاصة:
تنعقد الإمامة بطريق الاختيار القائم على قاعدة الشورى المستند إلى رضى أهل الحل والعقد وهو الطريق الذي تظافرت الأدلة الشرعية والبراهين العقلية على صحته.
وإذا جاز الأخذ بطريق الاستخلاف للضرورة –والضرورة تقدر بقدرها- فلا يصح اعتبار التغلب والقهر طريقاً مشروعاً، وعلى الأمة أن تدافع عن حريتها وحقها في اختيار قادتها وحكامها، وأن تبذل في سبيل ذلك كل غال ونفيس ]ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون[([28]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أنظر: ابن تيميه: منهاج السنة، ابن حجر: الصواعق المرسلة، الدهلوي: التحفة الاثني عشرية.
([2]) أنظر: د. علي أحمد السالوس: أثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله.
([3]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/79، الطبري: تاريخ: 2/236.
([4]) المظفر: الشيعة والإمامة: 16.
([5]) المرجع السابق: 94، 95.
([6]) ابن أبي حديد: شرح نهج البلاغة: 1/46، هكذا كلمات عامة وهي مقولات تحتاج إلى دليل!.
([ (1/158)
صفحة 159
7]) لقد شعر الشيعة الإمامية بالمأزق الذي أوقعتهم فيه عقيدتهم في الإمامة، وخصوصاً في القرن الهجري الرابع عشر الذي شهد عصر النفوذ الاستعماري في بلاد الإسلام، فبدأ كبار علمائهم يراجعون الفكر السياسي وقضية الإمامة، فجاءوا بنظرية: »ولاية الفقيه« ويقصد بها أنه إذا بايع العلماء المعاصرون فقيهاً وأجمعوا على فقهه صار بذلك نائباً للإمام المنتظر، حيث بدأت تلوح من خلال دعوات علماء الشيعة في إعطاء دور أكبر لأحكام الدين في الحياة العامة، و(ضرورة وضع دستور للدولة على أسس دينية)، إلى أن تبلورت على شكل نظرية متكاملة في كتاب (الحكومة الإسلامية) للإمام الخميني الذي استطاع –من خلال ترسيخ وتطوير نظري (ولاية الفقيه) والدعوة لإقامة حكومة إسلامية على أساسها- أن يخرج الفكر الشيعي من المأزق الذي ألم به، والجمود الذي أحتف به. أنظر: محمد عبدالكريم العتوم: النظرية السياسية المعاصرة للشيعة: 102-104.
([8]) الماوردي: الأحكام: ص9.
([9]) كاندهلوي: حياة الصحابة: 2/19.
([10]) المرجع السابق.
([11]) المرجع السابق: 17، انظر الطبري: تاريخ: 4/352.
([12]) الكوة: بفتح الكاف وضمها: الخرق في الحائط. القاموس المحيط: 4/386.
([13]) المحب الطبري: 2/404.
([14]) المرجع السابق.
([15]) فتح الباري: 7/61.
([16]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/206.
([17]) الكاندهلوي: حياة الصحابة: 2/20.
([18]) صحيح البخاري بفتح الباري: 12/145.
([19]) المرجع السابق: 7/69.
([20]) الكاندهلوي: حياة الصحابة: 2/19.
([21]) أنظر: ص من هذا البحث.
([22]) سبق تخريجه.
([ (1/159)
صفحة 160
23]) اختلف الأصوليون في حجة مذهب الصحابي على ثلاثة أقوال أولها: لزوم تقليده مطلقاً، ثانيها: عدم الجواز مطلقاً، الثالث: التفريق بين ما يدرك بالقياس، وما لا يدرك به، فالأول لا يجب، والثاني يجب تقليده فيه، قال الإمام نور الدين بعد ذكره الأقوال الثلاثة: »... والصحيح أن مذهب الصحابي لا يكون حجة على غيره إذ لو كان حجة على أحج لزم أن لا يقع بين الصحابة خلاف في مسألة أصلاً...«. السالمي (نور الدين عبدالله بن حميد): طلعة الشمس: 2/264.
([24]) النووي: صحيح مسلم بشرح النووي: 2/23.
([25]) الكندي: المصنف: 10/297.
([26]) أنظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء: ص399 وما بعدها.
([27]) ابن الأثير: الكامل: 3/242.
([28]) سورة هود: الآية (113).
المبحث الثاني واجبات الإمام .....
المطلب الأول
حماية الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية
توطئة:
جاء في الاقتصاد للغزالي: »قيل الدين والسلطان توأمان، ولهذا قيل: الدين أسس والسلطان حارس ما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع«([1]).
لعل هذه العبارة المأثورة توضح تلك الحقيقة التي لا تقبل الخلاف عند كل ذي لب حكيم؛ وهي أن الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، وأن أي نظام أو حكومة تغض النظر عن الاهتمام بالدين أو بالدنيا هي حكومة قد كتبت على نفسها الزوال. (1/160)
صفحة 161
إن اعتبار »حماية الدين وتطبيق أحكامه« من واجبات الدولة ينطلق ليس من كون أن ذلك مطلوباً شرعاً فحسب، وإنما أيضاً كونه إكسير البقاء للأمة قوة وأمناً وسعادة، ودليل ذلك أن الأمة حينما تلتقي على هدف ديني فإنها تنبذ عنها كل أسباب الاختلاف والفرقة التي قد تجد لها مكاناً في نفوس الذين يريدون العاجلة، وقد أشار المؤرخ الأندلسي ابن خلدون إلى ذلك، فقال: »إن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية، وتفرد الوجهة إلى الحق، فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو وهم مستميتون عليه«([2]).
هذا، وقد سبق أن ذكرنا في »مبحث نشأة الدولة وتطور الخلافة«([3]) الجهود المضنية التي بذلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل إقامة الدولة الإسلامية، واهتمام الجيل الأول من الصحابة الكرام في اختيار خليفة للمسلمين، لنؤكد هنا مرة أخرى على أن إقامة الدين تطبيقاً، ونشراً، سبب أساسي في فكرة الدولة في الشريعة الإسلامية.
هذا وسنتناول في هذا المطلب الواجبات التالية:
الفرع الأول: تطبيق الشريعة الإسلامية.
الفرع الثاني: نشر الدعوة الإسلامية.
الفرع الثالث: حماية الدين والمحافظ عليه.
الفرع الرابع: السياسة الخارجية للإمامة.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) ص148.
([2]) مقدمة: 158.
([3]) ص2-4.
الفرع الأول تطبيق الشريعة الإسلامية
يجب على الإمام تنفيذ الأحكام الشرعية التي جاء بها الإسلام سواءً تلك التي تهتم بحياة الفرد أو بحياة الجماعة، وقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية والعمل بأحكام الإسلام ومنها:
1- قول الله تعالى: ]فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً[([1]). (1/161)
صفحة 162
2- قوله سبحانه وتعالى: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[([2])، وقوله: ]ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الظالمون[([3])، وقوله سبحانه: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون[([4])، ودلالة الآيات واضحة في التنديد والتقريع الذي يتوجه إلى الذين لا يطبقون الشريعة، ولا يحكمون بها بين الناس.
3- الآيات الكريمة التي تأمر الإمام أن ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود من غير تعد ولا تقصير، كقوله تعالى: ]الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله[([5])، ]والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً[([6])، ]والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم[([7])، والخطاب وإن كان موجهاً إلى الأمة وجماعة المسلمين؛ إلا أنه ينصرف إلى أولي الأمر الذي هو الإمام، وهذا ما يؤكده فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يكن ينفذ الحدود سواء، وكذلك الحال في عهد الخلافة الراشدة([8]).
4- روى البخاري عن عروة »عن عائشة أن أسامة كلم النبي في امرأة، فقال إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف والذي نفسي بيده لو فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها«([9])، فليس في الإسلام مجال لتعطيل الأحكام ووقفها مهما كانت منزلة المستحق للعقاب، هذا، وقد ذكر فقهاء السياسة الشرعية هذا الواجب عند ذكرهم وظائف الإمام، ويندرج تحت هذا الواجب ما يلي: (1/162)
صفحة 163
1) إقامة الحدود على مستحقيها من غير تجاوز فيها ولا تقصير([10])، سواء تلك الحدود التي ورد ذكرها في القرآن؛ كقطع يد السارق وجلد الزاني غير المحصن، والقاذف، والقصاص من القاتل العمد، وحد الحرابة، أو تلك التي جاءت بها السنة؛ كرجم الزاني المحصن، وجلد شارب الخمر، وعقوبة اللواط([11])، وعلى الإمام أن ينفذ هذه الأحكام متى توفرت شروطها وبيناتها ولا يجوز له تعطيلها أو تغييرها، كما لا يحل له أن يفرق في إقامتها بين غني وفقير، أو بين قريب وبعيد([12]) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »أقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم«([13]).
2) فض النزاع بين المتشاجرين، والفصل بين المتخاصمين، والحكم بينهم بالسوية وتحقيق مبدأ العدالة في ذلك، »حتى تعم التصفية فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم«([14]).
3) تعزير كل من يرتكب معصية أو جريمة لم يرد فيها حد أو عقوبة، سواءً تلك الجرائم التي تمس الأفراد كالشتم والسب، والاعتداء الجسدي والنفسي والمالي، أو تلك التي تتعلق بمصلحة الأمة وتؤدي إلى إلحاق الضرر بها كالغش في التجارة والاحتكار وأخذ الرشوة، وسرقة المال العام، والتجسس لصالح العدو([15]).
وتحديد العقاب وقدره متروك للإمام أو نائبه بحسب نوع المعصية وأثرها([16])، والتعزير إما أن يكون توبيخاً أو عزلاً –إن كان مسؤولاً- أو حبساً، وقد يصل التعزير إلى مستوى الحد على اختلاف بين الفقهاء([17]).
4) حمل الناس على العمل بأحكام الإسلام في معاملاتهم وتصرفاتهم في البيع والشراء وغيرهما من العقود، وفي أحكام الأسرة أو ما يعرف اليوم بفقه »الأحوال الشخصية«([18]).
وعليه أن يحظر ويمنع كل تعامل لا يتفق مع النصوص الشرعية ولا يتمشى مع المصلحة العامة، انطلاقاً من قوله صلى الله عليه وسلم: »من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد«([19]). (1/163)
صفحة 164
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) سورة النساء: الآية (65).
([2]) سورة المائدة: الآية (44).
([3]) سورة المائدة: الآية (45).
([4]) سورة المائدة: الآية (47).
([5]) سورة النور: الاية (2).
([6]) سورة النور: الآية (4).
([7]) سورة المائدة: الآية (38).
([8]) السير: 2/198.
([9]) الصحيح بفتح الباري: 12/78.
([10]) السير: 2/196، الماوردي وأبو يعلي: الأحكام (لكل منهما): 14/27 على الترتيب، ابن جماعة: تحرير الأحكام: 67، ابن تيميه: السياسة: 67، الكندي: المصنف: 10/166.
([11]) السير: 2/198.
([12]) ابن جماعة: تحرير الأحكام: 67.
([13]) رواه ابن ماجه: 2/849.
([14]) الماوردي: الأحكام: 14، وانظر: الكندي: المصنف: 10/166، ابن جماعة: تحرير: 66.
([15]) ابن تيميه: السياسة: 96 وما بعدها، الجويني: غياث الأمم: 158.
([16]) ذلك ما يراه الفقهاء، والذي أراه أنه لا يصح أن تبقى قضايا التعزير دون تحديد لعقوبتها لسببين الأول: أنه لا يوجد نص يمنع تحديد العقاب للجرائم والمعاصي التي لم يرد فيها عقوبة مقدرة شرعاً، ولقوله e ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن، ثانياً: أن بقاء الأمر متروكاً للوالي أو حتى للإمام يترك مجالاً لرغبة المسئول في تغليظ العقوبة أو إلغائها وهذا ما يتنافى مع العدل الذي أرساه الإسلام.
([17]) المراجع السابقة.
([18]) ذكر هذا الواجب د. عمر فاروق النبهان في: »نظام الحكم في الإسلام«، ص231.
([19]) رواه الربيع بن حبيب: شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع: ص86، البخاري: الصحيح بفتح الباري: 3/90.
الفرع الثاني نشر الدعوة الإسلامية
من واجبات الإمام نشر الدعوة الإسلامية بين الناس كافة، فيعمل على إبلاغ الناس داخل الدولة وخارجها عقيدة الإسلام، ومنهجه في الحياة. (1/164)
صفحة 165
وهذا الواجب؛ واجب مشترك بين أفراد الأمة كلها؛ لقوله تعالى: ]قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين[([1]) إلا أن الإمام يتحمل قسطاً أكبر منه.
وقد أشار الفقهاء إلى هذا الواجب في تعريفهم للإمامة كتعريف الماوردي وأبي يعلى: »خلافة النبوة في حراسة الدين«([2])، وأدلة هذا الواجب ما يلي:
1- إن الإمام مخاطب بالدعوة إلى الله بالنصوص القرآنية التي تخاطب رسول الله صلى الله عايه وسلم وتأمره بها كقوله تعالى: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن[([3])، ]وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم[([4])، وقوله سبحانه: ]وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين[([5]).
ووجه الاستدلال: إن الإمام يخلف الرسولصلى الله عايه وسلم في حكم الأمة وقيادتها وتنفيذ شرع الله فيها، والأمر –وإن كان موجهاً إلى الرسول صلى الله عايه وسلم- بكونه رسولاً مبلغاً عن ربه، إلا أن الدعوة وظيفة مستمرة إلى يوم القيامة، وكما يخلف الإمام النبي في تنفيذ الأحكام فإنه يخلفه في نشر الإسلام والدعوة إليه.
2- إن الآيات الكريمة الداعية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير عامة، تتجه في خطابها إلى كل مسلم على قدر استطاعته، ولا شك أن الإمام –وعندما نذكر الإمام لا نعني شخصه كفرد وإنما نقصد بذلك السلطة والدولة- أقول إن الإمام أقدر على القيام بذلك لما لديه من سلطة ومكنة مادية ومعنوية.
3- فعل الرسول صلى الله عايه وسلم فبعد أن عقد صلح الحديبيبة، وآمن جانب قريش –ولو إلى حين- بادر عليه الصلاة والسلام فأرسل رسله إلى الملوك والعراء في عصره يدعوهم إلى الدخول في الإسلام، والإيمان بالله ورسوله([6]) فعلى كل حاكم وإمام يأتي بعد الرسول يجب عليه إبلاغ الدعوة إلى حكام عصره وشعوبه. (1/165)
صفحة 166
4- إن الدعوة تحتاج إلى طاقات وتكاليف ينوء نقلها الفرد والاثنين، والجماعة الصغيرة، خصوصاً في الأقطار التي تدين بالشرك والكفر، فكان لابد أن تقوم الدولة بهذا العمل، يقول ابن كثير –عند تفسيره لقوله تعالى: ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير[- يقول: »وأن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه«([7]).
5- إن الدولة في الإسلام ليس لها من غاية أو هدف سوى إقامة الدين ونشره، يدلك على هذا قوله تعالى: ]الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[([8])، والذين ينالون سلطة التمكين في الأرض من قبل الله هم »الولاة« كما قال المفسرون([9]).
كيفية تنفيذ الواجب:
وبناء على ما سبق فإن على الإمام تهيئة الأسباب والوسائل التي تكفل تحقيق نشر الدعوة، ومن تلك الوسائل:
أ- إقامة المؤسسات والمعاهد لإعداد الدعاة وتأهيلهم علماً، وفقهاً، وفهماً للإسلام وتعريفهم بطرق الدعوة وأساليبها ويحبذ أن يعطى الدعاة صورة وافية ومعلومات كافية عن المناطق التي سيتوجهون إليها.
ب- عقد معاهدات الصداقة وعدم الاعتداء مع دول الكفر المجاورة([10])، حتى يتمكن المسلمون من دخولها لنشر الدعوة إما بصورة مباشرة وإما بصورة غير مباشرة، وذلك من خلال التجارة، وغيرها من المعاملات الفردية التي تجعل من المسلم داعية من خلال سلوكه، وقوله ومظهره.
ج- إرسال الرسل والسفراء للدول والحكومات الكافرة، يدعوهم فيها للإسلام كما فعل رسول الله صلى الله عايه وسلم([11]).
د- ويأتي الجهاد –بعد ذلك- كوسيلة من وسائل الدعوة ونشر الإسلام وتحطيم كل قوة تعيق أداء هذا الواجب، وتقف حائلاً بين عقيدة الإسلام وبين الشعوب والأمم.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) سورة يوسف: الآية (108).
([ (1/166)
صفحة 167
2]) أنظر تعريف الإمامة ص من هذا البحث.
([3]) سورة النحل: الآية (125).
([4]) سورة الحج: الآية (67).
([5]) سورة القصص: الآية (87).
([6]) انظر: ابن القيم: زاد المعاد: 2/688 وما بعدها.
([7]) تفسير ابن كثير: 2/195-196.
([8]) سورة الحج: الآية (41).
([9]) القرطبي: الجامع: 12/73.
([10]) اختلف الفقهاء في حكم المهادنة؛ فقد أجازها قوم ابتداء من غير سبب إذا رأى الإمام في ذلك مصلحة للأمة، ومنعها آخرون إلا للضرورة، مقابل شيء يأخذونه منهم –لا على أنه جزية- ويصح أن تكون هدنة بلا مقابل. أنظر: ابن رشد (الإمام محمد بن رشد القرطبي): بداية المجتهد: 1/388، قلت: إذا جاز عقد الصلح والهدنة مع دار الحرب مقابل تعويض مادي أو بلا مقابل فإنه من الجائز بل من مصلحة الإسلام والمسلمين عقد معاهدة مع دار الحرب مقابل السماح بنشر الدعوة الإسلامية فيها.
([11]) أنظر: ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد: 2/688 وما بعدها.
الفرع الثالث حماية الدين والمحافظة عليه
من واجبات الإمام حماية الدين والمحافظة عليه، والمحافظة على أصوله وأركانه والذب عنه([1])، وتكون حماية الدين بوسيلتين:
أولاً: الحث على تعلمه والعمل به([2]): (1/167)
صفحة 168
على الإمام الاهتمام بتعليم الناس أمور دينهم، فيقيم لتحقيق ذلك المؤسسات التعليمية، كالمدارس والمعاهد، ويعين لها الموظفين والعلماء كما يجب عليه أن يحث كل فرد من الأمة على العمل بأوامره، ونواهيه، وأداء الفروض وحفظ حقوق الناس، وعليه أن يكون قدوة في العمل بالإسلام »فيبدأ أولاً بإصلاح نفسه قبل رعيته، ويهذب أخلاقه، فيعود لسانه الصدق بالإسلام، وجوارحه، الكف عن المحارم...«([3])، ويحث نوابه ومعاونية على التمسك بالإسلام عقيدة وسلوكاً »لأن الناس بهم يستقفون وبآثارهم يقتدون...«([4])، وقد أدرك الخلفاء الراشدون والأئمة المقتدون هذا الأمر، فكانوا يؤمون المسلمين في المساجد، ويحرصون على متابعة ولاتهم ونوابهم للتأكد من تمسكهم بالدين والتزامهم بأحكامه، ولا يتلكأون في محاسبة كل من انحرف عنه، أو أهمل شيئاً منه، كذلك كانوا حريصين على تعليم الناس أمور دينهم، فيرسلون إلى المناطق والأقاليم العلماء العارفين، فقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعباً رضي الله عنه إلى المدينة –قبل الهجرة- لتعليم الذين دخلوا في الدين([5])، وحذر الأشعريين –وكانوا أهل فقه ودين- من العقوبة إن لم يبادروا إلى تعليم جيرانهم وتفقيههم([6]).
ويقول عمر بن الخطابرضي الله عنه مخاطباً سكان الأقاليم البعيدة عن عاصمة الخلافة([7]): »إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم أمور دينكم وسنتكم«.
ثانياً: الوقوف في وجه كل من يحاول تغييره أو تعطيل شيء من أصوله أو فرائضه أو أركانه مما لا يجوز الاجتهاد فيه([8]): (1/168)
صفحة 169
ولهذا يجب عليه محاربة أهل البدع، والضلال، والذين يشككون في عقيدة الأمة وصلاحية الإسلام لتدبير الحياة وتحقيق مصالح الناس، كما يجب عليه محاربة الأفكار التي تتعارض مع عقيدة التوحيد، ويستأصل كل من يدعو إلى بدعة محدثة أو فكرة جاهلية تؤدي إلى زعزعة المجتمع وهدمه من الداخل، يقول العلامة الجويني: »إن التعرض لحسم البدع من أهم ما يجب على الإمام الاعتناء به«([9]).
ثالثاً: توفير الأمن:
ومن وسائل حفظ الدين نشر الأمن وحماية الدولة([10]) من كل ما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار سواءً أكان عدواناً خارجياً([11]) أم داخلياً([12]).
ويتحقق توفير الأمن والحفاظ على أرواح الناس ودينهم وممتلكاتهم من خلال إعداد قوة قادرة على حماية الثغور، ودرع البغاة والمحاربين، بإعداد جيش قوي، مدرب ومجهز بأفضل العتاد العسكري حسب العصر الذي تعيشه الدولة، كي يكون أداة ردع وتخويف لكل من يحاول الاعتداء على الدولة، انطلاقاً من قوله تعالى: ]وأعدوا لهم من استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم[([13]).
يقول إمام الحرمين الجويني: »وأما الاعتناء بسد الثغور فهو من أهم الأمور، وذلك بأن يحصن أساس الحصون والقلاع ويستظهر لها بذخائر الأطعمة، ومستنقعات المياه، واحتفار الخنادق، وضروب الوثائق، والأسلحة والعتاد، وآلات القصد والدفع ويرتب في كل ثغر من الرجال ما يليق به...«([14]).
كما ينبغي أن تشحذ همم الجنود، وترفع معنوياتهم، ويعدون إعداداً روحياً من خلال تذكيرهم بالآيات والأحاديث التي تذكر فضل الجهاد والحراسة والمرابطة في سبيل الله، وما ينال الشهيد يوم القيامة من أجر عظيم، وثواب جزيل.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أنظر: الماوردي: الأحكام: 14، الكندي: المصنف: 10/166، ابن جماعة: تحرير: 65.
([2]) المراجع السابقة.
([ (1/169)
صفحة 170
3]) الكندي: المصنف: 10/157.
([4]) المرجع السابق.
([5]) ابن هشام: السيرة: 2/58.
([6]) الهيثمي: مجمع الزوائد 1/164، والحديث أوله: »خطب رسول الله e ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيراً ثم قال: ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم معروف قال البخاري: ارم به ووثقه أحمد في رواية وضعفه في أخرى، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به« ا.ه.
([7]) ابن سعد: الطبقات: 3/281.
([8]) الماوردي وأبو يعلي: الأحكام (لكل منهما) ص14 وص27/206، ابن جماعة: تحرير: ص65.
([9]) غياث الأمم: 194.
([10]) الكندي: المصنف: 10/166، الماوردي: الأحكام: 160، ابن جماعة: تحرير: 65، الجويني: غياث: 148.
([11]) من دول الكفر، أو من دولة إسلامية أخرى.
([12]) كخروج غير مشروع على الإمام أو بغي أو حرابة.
([13]) سورة الأنفال: الآية (60).
([14]) غياث الأمم: 156.
الفرع الرابع السياسة الخارجية للإمامة
تمهيد:
الأصل الذي قام عليه الإسلام وشرعت على أساسه الأحكام والنظم هو أن يكون الدين في الأرض كله لله، ]قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً[([1])، ]وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[([2])، ومعنى ذلك أن تكون الأرض كلها تحت قيادة واحدة؛ وهي حكومة الدولة الإسلامية، ذلك هو الأساس، ولكن الواقع أن الدعوة لم تنتشر في كل الأرض، والدولة الإسلامية لم تحكم كل الأرض، وهذا هو الواقع جعل العلماء وفقهاء السياسة في الإسلام يبحثون في علاقة المسلمين بغيرهم، ويضعون قواعد واستحكام العلاقة بين الدولة الإسلامية وما يجاورها من دول وأمم.
فقد قسم الفقهاء العالم إلى (دور)([3]) ولتحديد وتأطير العلاقة التي يجب أن تقوم بين دولة الإسلام وغيرها، وفق أحكام الشريعة التي جاءت في القرآن والسنة.
الأساس الذي تقوم عليه السياسة الخارجية: (1/170)
صفحة 171
ما هو الأساس الذي تقوم عليه سياسة دولة الإمامة مع الأمم والشعوب التي تتاخمها أو البعيدة عنها؟
تقوم السياسة الخارجية لدولة الإمامة مع دول الكفر على أساس الدعوة إلى الإسلام، ونشر عقيدة التوحيد في كل الأرض([4])، وهذا الأساس قد أشارت إليه النصوص الشرعية وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ومن ذلك:
1- قوله تعالى: ]وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[([5])، ]قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا[([6])، ]وما أرسلناك إلا رحمة للناس[([7])، فهذه الآيات –وأمثالها كثير في القرآن- تبين أن الإسلام دعوة عالمية، وشريعته شريعة عالمية، وإذا كان الأمر كذلك، فإن نشر الإسلام إنما يقع على عاتق تلك الفئة التي اعتنقت هذا الدين ألا وهي الجماعة المسلمة والدولة المسلمة.
2- كان نشر الإسلام هو المبدأ الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد النبوة، فقد عقد المعاهدات مع اليهود في المدينة ليتفرغ لمواجهة قريش([8])ن التي تقف حاجزاً أمام انتشار الإسلام في الجزيرة العربية بما تتمتع به من مكانة دينية، واقتصادية، واجتماعية بين القبائل العربية.
تم عقد صلح الحديبية مع قريش كي يضمن حيادها –مؤقتاً- فيقوم بنشر الإسلام بين القبائل في الجزيرة([9]).
وما أن تم توحيد الجزيرة العربية تحت راية الإسلام حتى يبدأ عليه الصلاة والسلام يقرع أبواب دولتي الفرس والروم يدعوهما للدخول في دين الله.
إذن، كان نشر الإسلام هو الهدف الذي ترسم وتخطط وتنفذ من أجله خطوات السياسة الخارجية لدولة الإسلام. (1/171)
صفحة 172
3- وعلى منهج النبوة سار الخلفاء الراشدون في حروبهم مع دول الكفر، فهاهو ربعي بن عامر يجيب قائد الفرس عندما سأله عن سبب قدومهم لمحاربة فارس؛ الدولة القوية ذات الشكيمة والمنعة، قال ربعي: »والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه، فمن قبل منا قبلنا ذلك منه، ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليه دوننا، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله«([10]).
فالدعوة إلى الإسلام، ونشره بين الأمم والشعوب هو الأساس الذي تقوم عليه السياسة الخارجية لدولة الإسلام، أما إذا قامت على فلسفة أخرى دون أن تأخذ هذا الأساس في المقدمة فإنها تكون قد فقدت مبرر وجودها، ويكون الإمام قد تخلى عن أهم واجباته، وربما استحق بسبب ذلك المحاسبة والعزل إذا اقتضى الأمر ذلك.
أدوات تنفيذ السياسة الخارجية:
إذا كانت الدعوة إلى الإسلام هي أساس سياسة الدولة الخارجية، فكيف يتم تنفيذ هذه السياسة؟ وما هي الأسباب والوسائل التي يجوز للإمام العمل بها؟
يرى الفقهاء أن الوسائل هي:
أولاً: الدعوة السلمية:
انطلاقاً من كون الإسلام دين رحمة وسلام، وأن الله سبحانه لا يعذب أحداً من خلقه حتى يقيم عليه الحجة، ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً[([11])، انطلاقاً من هذين المبدأين، فإن الدعوة السلمية هي الوسيلة الأولى التي ينشر بها الإمام الدعوة الإسلامية([12]) من خلال الاتصال بالدول الأخرى على المستوى الرسمي وعلى المستوى الشعبي.
وللدعوة السلمية أساليب يستطيع الإمام أن يسلكها: كإرسال الرسل والسفراء، وإرسال الدعاة المتخصصين الذي يلتقون بالناس فيشرحون لهم مبادئ الإسلام ومعالمه، كما يمكن في العصر الحديث نشر الدعوة من خلال المراكز الثقافية المتخصصة للدعوة في دول الكفر، وأجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. (1/172)
صفحة 173
فإن لم يستجيبوا كان القتال والحرب هما الوسيلة الأخرى([13]) فرفض الدعوة، وعدم الدخول في الإسلام، أو الدخول في طاعة الدولة الإسلامية، يعتبر إعلاناً بالحرب على المسلمين ووقوفاً في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض.
ثانياً: الجهاد:
شرع الحق سبحانه وتعالى الجهاد لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الله في الأرض، وقد بينت كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فرضية الجهاد، ووجوب القتال لتحقيق هذا الهدف.
ومن أظهر هذه الآيات في الدلالة على وجوب القتال لنشر الإسلام، وإزالة العقبات التي تقف دون تحقيق ذلك:
1- قوله تعالى: ]وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين[([14]).
2- قوله سبحانه: ]الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون[([15]).
3- وقال في سورة الأنفال ]واقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير[([16]).
أما السنة النبوية فمنها:قوله صلى الله عليه وسلم : »أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله«([17]).
وهذا دليل واضح على أن الأمر بالقتال وسيلة وطريقة من طرق الدعوة إلى الإسلام([18]).
ثالثاً: المعاهدات:
شرع الإسلام المعاهدات واعتبرها وسيلة من وسائل الدعوة ونشر الإسلام، ومظهراً من مظاهر السياسة الخارجية لدول الإسلام، وأصل المشروعية القرآن والسنة، فمن الآيات القرآنية:
1- قوله تعالى: ]إلا الذي يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق[([19]). (1/173)
صفحة 174
2- وقوله تعالى: ]إلا الذين عاهدتهم من المشركين، ثم لا ينقصوكم شيئاً ولم يظهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين[([20]).
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم قبيل صلح الحديبية: »والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها«([21]).
فلا بأس على الإمام أن يعقد معاهدات مع الكفار سواء بعد حربهم واستسلامهم، فيعقد عهد أمان مؤبد يدخلون بموجبه تحت طاعة الدولة تجرى عليهم أحكامه وقوانينها مع بقائهم على ديانتهم وعقائدهم، على أن يدفعوا الجزية مقابل الحماية والطاعة، وهو »عقد الذمة«([22]) أو يعقد صلحاً مؤقتاً على وقف القتال مدة محددة على شرط أن يحقق مصلحة للمسلمين([23]).
ويجوز عند الفقهاء القائلين بأن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم لا الحرب عقد صلح دائم مع غير المسلمين على أساس آخر غير عقد الذمة؛ إن كان ذلك يؤدي إلى التمكين من نشر الإسلام على أساس الحجة والبرهان.
كما يجوز عقد أي معاهدة تحقق غاية الدولة الإسلامية ولا تتعارض مع الأحكام الشرعية، ولا تضر بمسيرة الدعوة الإسلامية([24]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) سورة الأعراف: الآية (158).
([2]) سورة الأنبياء: الآية (107).
([3]) يرى جمهور علماء السنة أن العالم ينقسم إلى دارين: أ- دار الإسلام: وهي التي تظهر فيها أحكام الإسلام، أو يستطيع سكانها أن يظهروا فيها أحكام الإسلام، ب- ودار الحرب: وهي كل بلد لا يدخل تحت سلطان المسلمين، أو لا تظهر فيه أحكام الإسلام. (الكاساني: بدائع: 7/130، عودة (عبدالقادر): التشيرع الجنائي الإسلامي: 1/275-277). (1/174)
صفحة 175
وعند الشافعية أن العالم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: دار الإسلام، ودار الحرب، ودار العهد: وهي الدار التي لم يظهر عليها المسلمون وبقيت بيد سكانها يطبقون فيها شريعتهم، ولكنهم مرتبطون بعقد وعهد مع المسلمين، أما جمهور الفقهاء فيعتبرون دار العهد من دار الإسلام؛ لأن أهلها صاروا أهل ذمة تؤخذ جزية رقابهم. د. وهبة الزحيلي: العلاقات الدولية في الإسلام: 107.
وحكم الدار عند الإباضية أكثر تفصيلاً، وذلك بسبب نظرتهم إلى السلطة الحاكمة أو ما يسمونه بـ»معسكر السلطان«، فقد ذكر الشيخ علي يحيى معمر أن للدار في نظر الإباضية »أربع صور: 1- الدار دار إسلام، ومعسكر السلطان معسكر إسلام، وذلك عندما يكون الوطن مسلماً، والأمة مسلمة، والدولة مسلمة تعمل بكتاب الله، 2- الدار دار إسلام، ومعسكر السلطان معسكر إسلام، إلا أنه معسكر بغي وظلم، وذلك عندما يكون الوطن مسلماً، والأمة مسلمة، والدولة مسلمة، لكنها لا تلتزم المنهج الإسلامي في الحكم، 3- الدار دار إسلام، ومعسكر السلطان معسكر كفر، وذلك عندما يكون الوطن مسلماً، والأمة مسلمة، والدولة الحاكمة دولة مستعمرة مشركة كتابية أو غير كتابية، 4- الدار دار كفر، ومعسكر السلطان معسكر كفر، وذلك عندما يكون الوطن للمشركين تسكنه أمة مشركة وتتولى حكمه دولة مشركة. الإباضية بين الفرق الإسلامية: ص350.
([4]) النبهاني (الشيخ تقي الدين): الفقه: ص135.
([5]) سورة الأنبياء: الآية (107).
([6]) سورة الأعراف: الآية (158).
([7]) سورة سبأ: الآية (28).
([8]) فقد جاء في »الصحيفة«: »... وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دون مؤمن...« وفيها أيضاً: »...وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها وأن بينهم النصر على من دهم يثرب...« سيرة ابن هشام: 2/241-242.
([9]) د. نزار عبداللطيف: الأمة والدولة في سياسة النبي: 171.
([10]) الطبري: 2/401.
([11]) سورة الإسراء: الآية (15).
([ (1/175)
صفحة 176
12]) السير: 2/201، السالمي: العقد الثمين: 4/374، الماوردي: الأحكام: 34.
([13]) السير: 2/201، الماوردي: الأحكام: 34، عبدالوهاب: السياسة الشرعية: ص75.
([14]) سورة البقرة: الآية (193).
([15]) سورة التوبة: الآية (29).
([16]) سورة التوبة: الآية (39).
([17]) رواه البخاري ومسلم –واللفظ للبخاري من حديث ابن عمر- ذكره البخاري في باب »فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهمً، قال ابن حجر: »وإنما جعل الحديث تفسير للآية لأن المراد بالتوبة في الآية: الرجوع عن الكفر إلى التوحيد«. فتح الباري: 1/75.
([18]) عبدالوهاب خلاف: السياسة الشرعية: 75.
([19]) سورة النساء: الآية (90).
([20]) سورة التوبة: الآية (6).
([21]) رواه أبو داود: سنن: 3/85.
([22]) عبدالوهاب خلاف: السياسة الشرعية: ص78، د. وهبة الزحيلي: العلاقات الدولية: ص139.
([23]) المراجع السابقة.
([24]) د. وهبة الزحيلي: العلاقات الدولية في الإسلام: 139، النبهاني: دراسة الفقه: ص178-88، وانظر: ابن رشد: بداية المجتهد: 1/387-388.
المطلب الثاني تنظيم الجهاز الإداري والمالي للدولة
توطئة:
لما كان الإسلام ديناً جاء لإصلاح الناس وتوفير أسباب الحياة الكريمة لهم في حياتهم الدنيا، كان من أهم خصائصه وسماته النظام والتنظيم، ذلك أن الحياة هيهات أن تستقيم مع الفوضى وعدم النظام، وإنك لتجد هذه السمة –النظام- في جميع أحكامه وأوامره التعبدية والتشريعية، المالية منها والاجتماعية، وغيرها.
وبناءً على ذلك فإنه مما لا يماري فيه عاقل وذو بصيرة أن تشريع نظام إداري يصرف أمور المسلمين ويقوم بمصالح الدولة والفرد من أول الواجبات التي تقع على عاتق دولة الإمامة.
وهذا ليس أمراً حدثاً ولا بدعاً في الإسلام، فقد حفلت السيرة النبوية بكثير من الشواهد التي تثبت صحة ما تقول. (1/176)
صفحة 177
ففي دولة النبوة نراه صلى الله عليه وسلم قد وضع معالم واضحة لبناء هيكل إداري يختطه المسلمون فيما بعد مع توسعة الدولة وكثرة أعمالها وواجباتها، ومن أبرز تلك المعالم ما يلي:
أ- إشرافه صلى الله عليه وسلم وقيامه بتخطيط المدينة وإسكان المسلمين فيها، فقد اختار أرضاً بعيدة من دور المدينة قبل الهجرة، حيث اختط فيها المسجد وداره، وجعل إسكان المسلمين حوله يتم بصورة منظمة تتفق والتركيبة الاجتماعية، والنمو السكاني والحالة الأمنية التي كانت تمر بها المدينة في بداية العهد المديني([1]).
ب- اهتم بما يسمى في لغة اليوم بـ»المرافق العامة« حيث أقام سوقاً تجارية يرتادها المسلمون بعيداً عن جشع اليهود واحتكارهم([2])، كما أمن إمدادات المياه من خلال حث أصحابه على شراء بئر (رومه)([3])، والتصدق بها للمسلمين، وخصص دوراً في المدينة لاستقبال وإنزال الضيوف الذين يفدون إلى عاصمة الدولة الإسلامية([4]).
ج- عين العمال، والولاة، والقضاة، والجباة على المناطق والقبائل التي دخلت الإسلام وانضوت تحت لواء الدولة، كما كان له المستشارون وقادة الجند، والوزراء، والكتاب، وأمين السر، والحرس، وخازن بيت المال([5]).([6]).
د- ووضع ميثاقاً ينظم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، سواء داخل المدينة المنورة أو خارجها.
إذن كان التنظيم والتخطيط الإداري في دولة النبوة قد استوعب وشمل كل الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، بالصورة التي تتطلبها المرحلة التي تمر بها الدولة وهي مرحلة التكوين والنشأة.
هذا وسنتناول في هذا المطلب الواجبات التالية:
الفرع الأول: تعيين المساعدين وكبار الموظفين.
الفرع الثاني: توفير المرافق العامة للدولة.
الفرع الثالث: تنظيم أموال الإمامة تحصيلاً وصرفاً. -------------------------------------------------------------------------------
([ (1/177)
صفحة 178
1]) عبداللطيف (د. نزار): الأمة والدولة في سياسة النبي والخلفاء الراشدين: 115-117.
([2]) د. أبو فارس: النظام السياسي: 141.
([3]) بئر كان يمتلكها رجل من غفار، وكان يبيع منها للمسلمين القربة بـ»مد« فقال له النبي: تبيعنيها بعين في الجنة، فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها فبلغ ذلك عثمان فاشتراها وجعلها للمسلمين. ابن حجر: فتح الباري: 5/408.
([4]) د. نزار: الأمة والدولة: ص174.
([5]) أنظر تفصيل ذلك في: د. أبو فارس: النظام السياسي: 144، د. محمد سلام مدكور: معالم الدولة الإسلامية: 168، د. أحمد الحصري: الدولة وسياسة الحكم: 79.
([6]) أنظر أسماء الولاة والعمال على الصدقة في: صالح أحمد العلي: تنظيمات مكة والمدينة عند ظهور الإسلام (بحث)، مجلة الاجتهاد، العدد السابع: ص65-67.
الفرع الأول تعيين المساعدين وكبار الموظفين
على الإمام القيام بإسناد الأجهزة العليا في الدولة إلى ذوي الصلاح والكفاءة، وكذلك تعيين المساعدين في الولايات الخاصة، كالوزارة، والقضاء، وقيادة الجيش، والحسبة([1])، إن كانت تلك الولايات شاغرة، أو كان يتولاها غير الأكفاء، وغيرها من الولايات المؤقتة كإمارة الحج والجباية.
وقد صنف الفقيه الماوردي الولايات التي تصدر عن الإمام إلى أربعة أقسام، قال": »فإذا استقر عقدها –الإمامة- للإمام انقسم ما صدر عنه من ولايات خلفائه أربعة أقسام:
فالقسم الأول: من تكون ولايته عامة في الأعمال العامة، وهم الوزراء لأنهم يستنابون في جميع الأمور من غير تخصيص.
القسم الثاني: من تكون ولايته عامة في أعمال خاصة، وهم أمراء الأقاليم والبلدان؛ لأن النظر فيما خصوا به من الأعمال عام في جميع الأمور.
القسم الثالث: من تكون ولايته خاصة في الأعمال العامة، وهم كقاضي القضاة، ونقيب الجيوش، وحامي الثغور، ومستوفي الخراج، وجابي الصدقات، لأن كل واحد منهم مقصور على نظر خاص في جميع الأعمال. (1/178)
صفحة 179
القسم الرابع: من تكون ولايته خاصة في الأعمال الخاصة وهم كقاضي بلد أو إقليم، أو مستوفي خراجه، أو جابي صدقاته، أو حامي ثغره، أو نقيب جند؛ لأن كل واحد منهم خاص النظر مخصوص العمل، ولكل واحد من هؤلاء الولاة شروط تنعقد بها ولايته ويصح معها نظره«([2]).
شروط الولايات الخاصة:
ويشترط فيمن يتولى واحدة من الولايات السابقة ما يلي:
1- العدالة: أي أن يكون بالغاً عاقلاً حراً مسلماً([3])، وقد ذكرنا وجوه اشتراط هذه الصفات في الشروط الخاصة لعقد الإمامة، قال أبو الحسن: »ويتخذ (الإمام) وزراء من الصالين ومن يخاف الله وممن يرجو منه إقامة المصلحة، ولا يولي في أمور الناس إلا عدلاً مسلماً، ومن يحكم بين الناس بالعدل، وإجماع المسلمين على أن الكافر لا يحكم على الناس في فروجهم وأموالهم«([4]).
2- الكفاءة: فلا يعين أو يولى ولاية إلا من هو كفء لها([5]) ولاشك أن كل ولاية تحتاج إلى المعرفة والخبرة التي تختلف عما تحتاجه الأخرى، الموظف والعدل قد يصلح لعمل ولا يصلح لآخر.
فإذا كانت الوظيفة »الولاية« وزارة أو قضاء أو قيادة الجند مثلاً فإنه يشترط فيها من الكفاءة والعلم وسعة الاطلاع ما لا يشترط في الوظائف الأصغر([6])، وقد أكد الفقهاء الإباضية أنه يجب على الأئمة أن يختاروا »الولاية للولاية ولا يختارون الولاية للولاة«([7]).
واشتراط الكفاءة والأصلحية أمر أوجبته السنة النبوية، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب يده على منكبي ثم قال: »يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها«([8]).
قال النووي: »هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لا سيما لمن كان به ضعف عند القيام بوظائف تلك الولاية«([9]). (1/179)
صفحة 180
3- اجتناب تولية الأقارب: على الإمام أن يجتنب تولية الأقارب([10]) خصوصاً في الولايات العامة، والهامة؛ كالوزارة، والإمارة لما قد يداخل ذلك في المحاباة والأثرة، وربما استغل القريب مكانته من الإمام فلا يعطي الولاية حقها من الاهتمام والإخلاص، ظاناً أنه بعيد عن المحاسبة والمعاقبة، وسخط الناس عليه؛ لقرابته من الإمام، وإلى هذا المعنى أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنهبقوله: »من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين«([11]).
ولا يرى الإمام السالمي رحمه الله حرجاً ولا غضاضة في تولية القريب إذا كان عدلاً تقياً توفرت فيه الكفاءة العلمية والعملية، إذ يقول في جوهره:
ومع ذلك، فإن على الإمام أن يجتنب تولية القريب ما وجد إلى ذلك سبيلاً، إلا أن لا يجد غيره صالحاً لتلك الولاية والوظيفة.
تحديد اختصاصاتهم:
مما يدخل في أحكام الولايات والإمارات تحديد صلاحيات الموظفين والعمال واختصاصاتهم، حتى لا تتداخل الاختصاصات، ويحدث ارتباك في العمل، قال الإمام بدر الدين بن جماعة: »إذا فوض الخليفة إلى رجل ولاية إقليم أو بلد أو عمل، فإن كان تفويضاً خاصاً بعمل خاص، لم يكن له الولاية على غيره، كما إذ ولاه الجيش دون الأموال، أو الأموال دون الأحكام ونحو ذلك، وإذا كان تفويضاً عاماً كعرف الملوك والسلاطين في زماننا جاز له تقليد القضاء أو الولاة، وتدبير الجيوش، واستيفاء الأموال من جميع جهاتها، وصرفها في مصارفها، وقتال المشركين ومحاربتهم، ولا ينظر في غير الإقليم المفوض إليه؛ لأن ولايته خاصة([13]). (1/180)
صفحة 181
وفي عهده لأحد نوابه يقول الإمام محمد بن عبدالله الخليلي([14]) رحمه الله تعالى: »...قد جعلت الشيخ عامر بن خميس المالكي نائباً عني في إقامة صلاة الجمعة بنزوى، وفي إنفاذ الأحكام، وتعزيز أهل الجبايات، وأجزت له كل ما يجوز لي أن أجيزه له من إجراء النفقات، وتزويج من لا ولي لها بالمهر، وتطليق من عجز زوجها عن إنفاق عليها إن طلبت ذلك، وغير ذلك مما كان مرجعه إلى الولاة والقضاة، وقد ألزمت أهل الدار طاعته، وجميع العسكر مساعدته، ومناصحته، كمال ألزمته هو النصح للمسلمين والاجتهاد والله أسأله لي وله الإعانة والتسديد...«([15]).
مراقبة الموظفين ومحاسبتهم:
يجب على الإمام أن يراقب الوزراء والولاة وغيرهم من المسئولين والموظفين، حتى لا يتهاونوا في شيء من الأعمال، أو يقع منهم ظلم أو تعسف في استخدام السلطة بحق أحد من المسلمين؛ لأنهم نوابه ومساعدوه وهو »مسئول عنهم مطالب بالجناية منهم«([16]).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته...«([17]).
وكان صلى الله عليه وسلم شديد المحاسبة لولاته وعماله، فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني أسد، يقال له ابن الأتيبة، على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر –قال سفيان أيضاً فصعد المنبر- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه، وأمه، فينظر أيهدى له، أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ألا هل بلغت؟ ثلاثا«([18]). (1/181)
صفحة 182
وعلى هديه سار الخلفاء الراشدون في مراقبة عمالهم ومحاسبتهم، فقد »شاطر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها«([19]) وكان لا يكتفي بمساءلتهم وحضورهم إليه وإنما »يجعل عليهم عيوناً([20]) وعلى العيون عيوناً«([21]).
فعلى الإمام أن يتفقد ولاته ووزرائه وسائر الموظفين عنده، فإن اطلع على خيانة من أحدهم عاقبه، وعزله، و»إذا رفع إليه المسلمون مظلمة من عامل، قبل منهم ورد عماله ورعيته إلى الحق...« وعليه »أن يعزل الوالي إذا شكته الرعية ولا يكلفهم عليه البينة: أنه قد أحدث حدثاً يستحق به العزل، ولكن يعزله ويولي غيره«([22]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الكندي: المصنف: 7/166، ابن جماعة: تحرير: 58.
([2]) الأحكام: ص19، وانظر: الأحكام لأبي يعلي: ص28.
([3]) ص وانظر: ابن جماعة: تحرير الأحكام: ص60، قال: »ويعتبر في السلطان المتولي من جهة الخليفة ما يعتبر فيه، ما خلا النسب«.
([4]) السير: 2/182.
([5]) الكندي: المصنف: 10/173، ابن جماعة: تحرير: 98، السير: 2/192-235.
([6]) أنظر في ذلك: ابن تيميه: السياسة الشرعية: ص15 وما بعدها.
([7]) السير: 2/183.
([8]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/209.
([9]) المرجع السابق: 12/210.
([10]) الكندي: المصنف: 10/179، ابن تيميه: السياسة الشرعية: ص11.
([11]) ذكره ابن تيميه: المرجع السابق: ص10.
([12]) السالمي: جوهر النظام: 3/233.
([13]) تحرير الأحكام: ص60.
([ (1/182)
صفحة 183
14]) الإمام المحقق محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي، إمام المسلمين في عمان، تتلمذ على يد الإمام نور الدين السالمي، وعمه الشيخ أحمد بن سعيد وغيرهما، تولى الإمامة في عمان بعد استشهاد الإمام سالم بن راشد الخروصي في ذي القعدة سنة 1338ه سار في رعيته سيرة الخلفاء الراشدين، والأئمة العادلين، كان قبل توليه الإمامة يعيش حياة الأغنياء، فلما تولى الإمامة زهد في العيش والحياة وترك نمط الحياة السابقة، فأنفق ثروته الضخمة وباع أصولها في سبيل الله وإعزاز دولة الإمامة، فتوفي وهو لا يملك شيئاً فما أشبهه بعمر بن عبدالعزيز، وكانت وفاته عام 1372ه، وكان قبل وفاته قد عهد بالإمامة إلى الإمام غالب بن علي الهنائي؛ بموافقة العلماء والرؤساء بعدما أدرك ما ينتظر عمان من فتن واضطراب. السالمي: النهضة: ص323 وما بعدها، ص424 وما بعدها، بتصرف.
([15]) الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل: ص693.
([16]) ابن جماعة: تحرير: ص67.
([17]) رواه البخاري: فتح الباري: 13/111.
([18]) رواه البخاري: 13/164.
([19]) ابن تيميه: السياسة الشرعية: ص40.
([20]) العين: الجاسوس. أنظر: القاموس المحيط: 4/253، أي يرسل سراً من يسأل عن سيرتهم وطريقة حكمهم وعلاقتهم بالناس، والمقصود كما ترى هو حماية المواطن من جور الحاكم وظلمه، وليس كما هو الحال اليوم حيث أصبح التجسس لمتابعة حركات المواطن وسكناته، وموقفه من النظام والحكم، وهذا المعنى هو المنهي عنه في قوله تعالى: ]ولا تجسسوا[ سورة الحجرات الآية (1).
([21]) الكندي: المصنف: 10/164.
([22]) المصنف: الكندي: 10/176.
الفرع الثاني توفير المرافق العامة (1/183)
صفحة 184
يجب على الإمام الاهتمام بالمرافق العامة إنشاء، وتطويراً وصيانة، وما يتصل بها من إعداد الخبرات والكفاءات، ولم يحصر الإسلام »مرافق الدولة ومؤسساتها بنوع، ولا عدد معين، وإنما أوجب إقامة كل ما لا تتم المصلحة العامة إلا به«([1]) وهذه المرافق التي سنفصلها فيما بعد تدخل تحت ما يسمى بـ»فروض الكفاية«.
وقد أشار الإمام الماوردي إلى طرف من هذه الفروض، وجعلها من حقوق ساكني المصر –الدولة- على السلطان –أو الإمام- فقال بأن على السلطان: »أن يسوق إليه ماء السارية... وتقدير شوارعه وطرقه حتى لا يضيق بأهلها، وأن يبني جامعاً للصلوات في وسطه... وأن يقدر أسواقه بحسب كفايته... وأن يميز خطط أهله، وقبائل ساكنيه إليه حتى يكتفوا به...«([2]).
ولا يخفى أن المرافق العامة لا يستطيع بل ولا يتأتى أن يقوم بها الأقربون ابتداءً؛ لضخامتها، وتعددها، والمبالغ التي تتطلبها، فكان واجب القيام بها على الدولة أمراً محتوماً.
هذا، ومما يدخل في قطاع »المرافق العامة« في وقتنا الحاضر ما يلي:
1- الطرق البرية والبحرية والجوية([3]) وما يتصل بها من أسباب، ووسائل وخبرات، وكفاءات، وصيانتها، والمحافظة عليها.
2- المؤسسات الطبية، العلاجية والوقائية، لمعالجة الأمة ووقايتها من الأمراض والآفات التي تؤدي إلى إضعاف النشء، وإبطاء نموه الجسمي والعقلي.
3- المصانع والمعامل التي تتصل بالحياة اليومية للإنسان، وخصوصاً في مأكله، وملبسه، ومسكنه.
4- الجوامع، والمساجد، والمكتبات العامة.
5- المدارس، والمعاهد، والكليات التي توفر الخبرات والكفاءات التي تعمل على رقي الأمة، وتقدمها، وازدهارها.
6- تأمين وتوصيل الخدمات الضرورية كالماء والكهرباء ووسائل الاتصال الحديثة، إلى غير ذلك من المرافق العامة التي تتجدد الحاجة إليها بمرور الأيام. (1/184)
صفحة 185
وعلى الدولة تحقيقاً وضماناً لأداء هذا الواجب »تهيئة الوسائل والأسباب المادية والمعنوية، الملائمة واللازمة، بل والناجعة التي تفضي إلى تحقيق تلك المصالح، ومن ذلك حمل وإجبار المتخصصين على القيام بواجبهم إن وجدوا أو إعدادهم علمياً أو مهنياً أو ثقافياً على مستوى عصرهم، إن افتقرت البلاد إليهم...«([4]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الدريني (د. محمد فتحي): خصائص التشريع الإسلامي: ص269.
([2]) تسهيل النظر وتعجيل الظفر: ص211، نقلاً عن د. رضوان السيد، بحث: مدينة الفقهاء ومدينة الفلاسفة، مجلة الاجتهاد، العدد السابع، ص129.
([3]) وقد أشار الفقهاء القدامى إلى الطرق البرية والبحرية. الكندي: المصنف: 10/157، ابن جماعة: تحرير: 68.
([4]) الدريني (د. محمد فتحي): المناهج الأصولية للاستدلال بالرأي في الشريعة الإسلامية: ص52.
الفرع الثالث تنظيم أموال الإمامة تحصيلاً وصرفاً
من الواجبات التي تقع على عاتق الإمام تنظيم أموال الإمامة »بيت المال« وما سواها من أموال يتولى الإمام الإشراف عليها باعتباره ولي من لا ولي له.
ومن خلال تتبع عبارات الفقهاء وإشاراتهم إلى هذا الواجب، فإن مسئولية الإمام اتجاهه تبدو كما يلي:
1- استيفاء الزكاة على اختلاف أصنافها، وأخذ الجزية من أهل الذمة، وتحصيل الفيء والخراج، وصرف كل نوع من الواردات السابقة في المصارف الشرعية المنصوص عليها، ويتم ذلك إما مباشرة من قبل الإمام، أو من خلال تفويض الولاة والعمال([1]).
2- استلام الغنائم وصرفها إلى مستحقيها([2]). (1/185)
صفحة 186
3- الإشراف والحفاظ على الأموال التي عدم أربابها، أو أنها تعود إلى الصالح العام، وقبض أموالها، وتدخل تحت هذا النوع »الزكوات، والكفارات، والأموال الموقوفات، واللقطات، والأموال الضائعات، والوصايا الغائبات المؤبدات وغير المؤبدات، والوصايا للمساجد، والشذا، والطريق، والأموال المسبلة والحشرية، وقبض الديات من قاتل العمد والخطأ ولا ولي له من القتلى«([3]) وعلى الإمام أن يتولى صرف كل نوع من الأنواع السابقة في جهاته، وعليه القيام بكل ما يؤدي إلى تنميته والحفاظ عليه.
4- تقدير رواتب وعطايا ومكافآت المعاونين والموظفين وسائر العاملين في الدولة([4]).
على أن يكون ذلك التقدير متفقاً مع مقدار المسئولية المناطة بالفرد، وبالقدر الذي يجعله مستغنياً عما في أيدي الناس.
وفي سياق بحثهم في أحكام تحصيل أموال بيت المال وصرفها، يتطرق الفقهاء إلى قضايا اجتهادية كالاقتراض لبيت المال عند خلوه، وطريقة هذا الاقتراض، والجهة المقترضة منها، وكيفية سداد القرض([5]) كما تطرقوا إلى حكم أخذ أموال الصدقة للجهاد وصد العدوان([6])، وغيرها من المسائل التي تتطلب اجتهاداً من أهل العلم للبت فيها.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) السير/ 2/211، الماوردي: الأحكام: ص14، ابن جماعة: تحرير: ص68، ابن تيميه: السياسة: ص44.
([2]) السير: ص/210، ابن جماعة: 68.
([3]) الكندي: المصنف: 10/140.
([4]) الماوردي: المرجع السابق، الكاساني: بدائع الصنائع: 2/69، الكندي: المصنف: 10/158، ابن تيميه: السياسة: ص69.
([5]) الجويني: غياث: ص201 وما بعدها.
([6]) السير: 2/195.
المبحث الثالث المسئوليات المشتركة بين الإمام والأمة
المطلب الأول النصيحة([1]) (1/186)
صفحة 187
الإمام بشر يصيب ويخطئ، يرضى ويغضب، يتذكر ويغفل، وقد يظهر منه ما يتنافى مع هدي الإسلام ومقاصد الشريعة، وربما زين له الشيطان أمراً يرى فيه المصلحة، وهو في الحقيقة ظلم وجور، مما يجعله معرضاً لغضب الله وسخطه، وقد يؤدي ذلك الانحراف أو الخطأ إلى مصائب وشرور تعم الأمة كلها.
من أجل ذلك استحق الإمام النصيحة([2]) والتذكير والتنبيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم«([3]) قال النووي: »...وأما النصيحة للأئمة المسلمين، فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، والإمام العادل التقي يرى في النصيحة حقاً وإهداءً، لا تطاولاً أو انتقاصاً وإهانة؛ لأنه يدرك ضعف بشريته، وخطورة موقعه، وجسامة خطئه.
ومن ثم كان الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون يبادرون إلى طلب النصيحة، ويرون فيها الاستقامة والهداية، يقول أبو بكر الصديقرضي الله عنه: »...إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني«([4])، ويردد الفاروق عمر بين الصحابة قوله: »أحب الناس إلي من رفع إليّ عيوبي«([5]).
ومع أن النصيحة واجبة على المسلم نحو الإمام، إلا أن هذا الواجب يسقط إذا كان الإمام يتبرم من النصيحة ولا يقبلها، وتأنف نفسه من الاستجابة لها([6]).
ومع ذلك ينبغي على المسلمين أن لا يتركوا هذا الواجب، مهما كان الأئمة والحكام ظالمين وجائرين، لأن قول الحق أمام الحكام المنحرفين ليس أفضل الجهاد فحسب لقوله صلى الله عليه وسلم »أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر«([7]) وإنما هو –أيضا- صمام الأمان لهذه الأمة، وسبيل نجاتها، وعنوان قوتها وعلامة إيمانها، يقول عليه الصلاة والسلام: »إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول: إنك أنت ظالم فقد تودع منهم«([8]). (1/187)
صفحة 188
ولقد عرف السلف الصالح القيمة المثلى للوقوف في وجه الحكام إذا انحرفوا، فصدعوا بكلمة الحق غير مكترثين لما يترتب على مواقفهم من إيذاء وتعذيب وقتل.
خطب زياد بن أبيه –والي البصرة- يوماً وقال: والله لآخذ المحسن منكم بالمسيء، والحاضر بالغائب، والصحيح بالسقيم، فقام إليه أبو بلال مرداس بن أدية –رحمه الله- فقال: قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان، وما هكذا ذكر الله عن نبيه إبراهيم علبه السلام، إذ يقول: ]وإبراهيم الذي وفى& ألا تزر وازرة وزر أخرى& وأن ليس للإنسان إلا ما سعى& وأن سعيه سوف يرى& ثم يجزيه الجزاء الأوفى[، وإنك تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي«، ثم خرج من يومه إلى آسك من بلاد فارس([9]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) النصيحة: كلمة جامعة معناها حيازة الحظ المنصوح له. النووي: شرحه على صحيح مسلم: 2/37.
([2]) القطب: شرح النيل: 14/367، ابن جماعة: تحرير: 62.
([3]) شرح النووي لصحيح مسلم: 2/37.
([4]) ابن سعد: الطبقات: 3/183.
([5]) المرجع السابق: 3/293.
([6]) الكندي: المصنف: 10/131.
([7]) رواه أحمد: 3/19.
([8]) رواه أحمد: 2/163.
([9]) الدرجيني: الطبقات: 2/215.
المبحث الثاني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
توطئة: (1/188)
صفحة 189
»إنه قطب الدين، وعماد الشريعة، وسيف النبوة، وترجمان الرسالة، وبرهان الهدى، وملاك الدين والدنيا، وقرة عين العلماء مطمح أبصار الحكماء، ومبلغ أرباب العظماء، ومرضاة رب الأرض والسماء...«([1]) بهذه الكلمات الرصينة، وصف العلامة المحقق الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي([2]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد استأثر موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنصوص كثيرة من الذكر الحكيم، والسنة النبوية ومن فقه المذاهب على امتداد الأيام والسنين، فما هو حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما أدلة مشروعيته؟ وكيف أنه من المسئوليات التي يشترك فيها الإمام -باعتباره رئيساً للدولة- وأفراد الأمة؟
أولاً: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أجمعت كلمة الفقهاء وعباراتهم على فرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن اختلفت تعبيراتهم فمنهم من يراه »فرض كفاية«([3]) ومنهم من يعتبره »واجبا«([4]) ومنهم من يراه »فرض متعين على المحتسب بحكم الولاية، وفرضيته على غيره داخل في فروض الكفاية«([5]).
وأدلة فرضيته ووجوبه كثيرة([6]) يضيق المقام بذكرها وتعدادها ونكفي بذكر بعضها:
1- قال تعالى: ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون[([7]).
فالآية واضحة الدلالة في وجوب الأمر والنهي وإن اختلفت آراء المفسرين في ]من[ هل يه للتبيين أم للتبعيض([8]).
2- قال تعالى: ]كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله[([9]). (1/189)
صفحة 190
فهذه الأمة إنما استحقت وصف الخيرية لما تقوم به من واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، يقول شهيد الإسلام سيد قطب: »وصفها الله سبحانه بأن هذه صفتها، ليدلها على أنها لا توجد وجوداً حقيقياً إلا أن تتوفر فيها هذه السمة الأساسية التي تعرف بها في المجتمع الإنساني، فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله فهو موجودة، وهي مسلمة، وإما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة وغير متحققة فيها صفة الإسلام«([10]).
3- الآيات الكثيرة التي جاءت في ذم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما اقترن الذم من تهديد ووعيد شديدين، أو تلك الآيات التي تتحدث عن صفة المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والآيات التي تصف المنافقين والمنافقات بالصفة المناقضة([11]).
أما عن السنة فنكتفي بذكر حديثين قد وردا أيضاً في الوجوب، هما:
1- قوله صلى الله عليه وسلم: »من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان«([12]).
2- قوله صلى الله عليه وسلم »والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم«([13]).
وأما الإجماع فقد ذكر عدد كبير من العلماء منهم الخليلي في تمهيده([14]) والنووي في شرحه لصحيح مسلم([15])، والجويني([16])، وابن حزم([17])، وغيرهم.
ثانياً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية مشتركة بين الإمام والأمة:
يتجه الأمر في القيام بهذا الواجب إلى كل فرد في الأمة، وقد ذكرنا الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، أما أنه واجب على الإمام أيضاً فالدليل على ذلك ما يلي: (1/190)
صفحة 191
1- إن قوله تعالى: ]فلتكن منكم أمة...[ يدل على وجوب أن تكون هناك جهة تحمل هذا الواجب وتقوم به، لأن »الأمر« و»النهي« ليس على درجة واحدة، ففي بعض مراتبه يحتاج إلى استخدام الوسائل القهرية، كالحبس والضرب والنفي، بل قد يصل الأمر إلى لزوم إعلان النفير العام؛ كقهر البغاة، والمحاربين، وصد العدوان، وهذا ما لا يمكن أن يقوم به فرد أو اثنين، بل لابد من سلطة كما يقول سيد قطب »سلطة تأمر وتنهى... سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر... وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن »الأمر والنهي« لا يقوم بها إلا ذو سلطان«([18]).
2- فسر بعض العلماء المعنيين في قوله تعالى: ]الذين إن مكناهم في الأرض...[([19]) بأنهم الولاة([20])، فالتمكين إنما يكون بقيام دولة الإسلام، وظهور أحكام القرآن.
3- إن جميع الولايات؛ العامة منها والخاصة، إنها الهدف منها والقصد من إقامتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواءً أكانت تلك الولاية ولاية حرب أم جيش أم شرطة أم قضاء([21]).
ثالثاً: حدود مسئولية الإمام والأمة في الأمر والنهي:
الأصل في القيام بهذا الواجب أن تتلاقى جهود الدولة والأمة لتنفيذه والقيام به؛ لأن الدولة إنما تكون قوتها وهيبتها وقدرتها نابعة من قوة الأمة، وتكاتف كل فرد معها، كما أن الفرد لا يمكن أن يقوم بواجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم تكن الدولة قادرة على حمايته وكف الأذى عنه.
أ- مسئولية الإمام: (1/191)
صفحة 192
لكن قد يحدث المنكر من فئة من الأمة كأن تحدث حالة تمرد على الدولة، وتخرج خارجة على طاعة الإمام، أو تبغي فئة على أخرى، وهذا لا يمكن أن يقاومه ويزيله ويقضي عليه إلا قوة قاهرة هي السلطة، أما الفرد لا يستطيع تغييره بمفرده، فهناك صنف من الناس لا تؤثر فيهم الكلمة الطيبة، والنصيحة اللطيفة، ولا ينزجرون إلا بالقهر والقوة، والحبس والسجن، لذلك اتفقت كلمة الفقهاء على أن الأئمة([22]) -الدولة- يلزمهم التغيير باليد، وكأن اشتراط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صيغة عقد البيعة دليل على إلزام الإمام بهذا الواجب.
ومع اتفاقهم على ذلك فقد أجاز بعضهم أن يتريث الإمام في التغيير باليد إن رأى في التغيير حدوث مفسدة أكبر([23]) فقد دخل عبدالملك بن عمر بن عبدالعزيز على أبيه فقال: »يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك، فقال: رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحيها، فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيراً! يا بني ن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقاً يكثر فيه الدماء، والله، لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سبي محجمة من دم، أو ما ترضى ألا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت بدعة، ويحيي فيه سنة؟!«([24]).
ب- مسئولية الأمة:
تختلف مسئولية الأمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين فرد وآخر، فهناك المنكر الذي يستطيع العالم تغييره، ولا يقدر الجاهل عليه، وقد يستطيع القوي ما لا يستطيع الضعيف، كما أن من كان من زعماء الأمة وأهل الرياسة فيها له من النفوذ والمقدرة على التأثير ما ليس للوضيع والأدنى([25]).
وبعض المناكر تقع مسئولية تغييرها في المرأة، خصوصاً في محيطها النسوي، في إطار الضوابط الشرعية([26]). (1/192)
صفحة 193
وهناك المنكر الأكبر الذي يجب أن تقف الأمة كلها صفاً واحداً لإزالته وتغييره، كانحراف الحاكم عن الإسلام، وجوره في الحكم، وحمايته لأهل الفساد والمعاصي، ففي هذه الظروف وأمام هذا الأسباب ينبغي على الأمة كلها تغيير هذا المنكر، لأن إزالته فرض على كل مسلم حتى يقوم به البعض فيغيروا فإن لم يستطيعوا بقيت المسئولية متجهة إلى الأمة كلها.
يقول صاحب تفسير المنار: »ومن أعمال هذه الأمة –أي الأمة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر- الأخذ على أيدي الظالمين، فإن الظلم أقبح المنكر، والظالم لا يكون إلا قوياً، ولذلك اشترط في الناهين عن المنكر أن يكونوا أمة، لن الأمة لا تخاف ولا تغلب، كما تقدم، فهي التي تقوم عوج الحكومة«([27]).
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الخليلي: تمهيد قواعد الإيمان: 7/42.
([ (1/193)
صفحة 194
2]) العلامة المحقق شيخ الإسلام سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي، ولد ببوشر (من أعمال مسقط) سنة 1236ه، توفي أبوه وهو صغير، فنشأ في حضن جده، فأحسن تربيته، طلب العلم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد وأصبح كعبة العلم ومنبع الحكمة، حارب الفساد، ووقف في وجه الظالمين، قاد حركة الإصلاح السياسي لانتزاع السلطة من السلطان سالم بن ثويني، الذي لم يف بالعهود التي قطعها على نفسه لإقامة العدل وتطبيق الشريعة، فاتجه شيخ الإسلام إلى مسقط لخلعه فلما أيقن السلطان بالهزيمة فر إلى خارج البلاد، فاختار العمانيون عزان بن قيس –إماماً- وبايعوه سنة 1285ه، حيث استمرت إمامته سنتين وأشهراً انتهت باستشهاده إثر الهجوم الذي قاده تركي بن سعيد بن سلطان على مسقط، بمساعدة القبائل المتمردة، والدسائس الأجنبية، واعتقل الخليلي ثم دفن حياً وعمره ستون سنة، من آثاره العلمية: »التمهيد 4 أجزاء«، و»السيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر« و»كرسي الأصول«، وغيرها من الأراجيز والشعر والرسائل. أنظر: السالمي: تحفة الأعيان: 2/193، وما بعدها، أبو بشير محمد السالمي: نهضة الأعيان بحرية عمان: ص326 و331، 332.
([3]) الخليلي: تمهيد: 7/54، النووي: شرح النووي على صحيح مسلم: 2/23 وانظر: الجصاص: أحكام: 1/70، الجرجاني: شرح المواقف: 8/374.
([4]) السير: 2/149، القطب: شرح النيل: 13/6.
([5]) الماوردي: الأحكام: 207.
([6]) يقول عنها المحقق الخليلي: »أكثر من أن تحصى«. تمهيد: 7/42.
([7]) سورة آل عمران: الآية (104).
([8]) محمد رشيد رضا: تفسير المنار: 4/26.
([9]) سورة آل عمران: الآية (110).
([10]) الظلال: 1/448.
([ (1/194)
صفحة 195
11]) كتب الشيخ المحقق سعيد بن خلفان الخليلي كتاباً قيماً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سماه »السيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر«، اشتمل على كثير من الأدلة النقلية والعقلية في الموضوع، وعسى أن يهيئ الله من يعتني بتحقيقه وطبعه، وقد تضمن كتاب تمهيد قواعد الإيمان ج7 للمؤلف بعضاً من ذلك الكتاب.
([12]) صحيح مسلم بشرح النووي: 2/22.
([13]) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن: 4/468.
([14]) تمهيد قواعد الإيمان: 7/42.
([15]) 2/22.
([16]) المرجع السابق: 2/23.
([17]) الفصل: 5/19.
([18]) الظلال: 1/444.
([19]) سورة الحج: الآية (41).
([20]) القرطبي: 13/73.
([21]) ابن تيميه: الحسبة: 6.
([22]) القطب: شرح النيل: 13/7، النووي: صحيح مسلم بشرح النووي: 2/23، ابن خلدون: المقدمة: 225، عبدالكريم زيدان: أصول الدعوة: 320.
([23]) الخليلي: تمهيد قواعد الإيمان: 7/57.
([24]) السيوطي: تاريخ الخلفاء: ص275.
([25]) أنظر: الخليلي: تمهيد قواعد الإيمان: 7/49 وما بعدها.
([26]) المرجع السابق: ص53، السالمي: جوهر النظام: 2/125.
([27]) 4/45.
المطلب الثالث الشورى
تمهيد:
الشورى سمة رئيسة من سمات المجتمع الإسلامي، وقاعدة أصيلة في النظام السياسي الإسلامي، يرشد إلى ذلك النص القرآني الذي يتناول حكم مسألة أسرية، فيوجه الوالدين إلى التشاور فيما بينهما إذا ما أرادا فصالاً أو فطام الطفل؛ حيث يقول سبحانه: ]فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما...[([1]).
فإذا كانت الشورى سمة الأسرة الصغيرة المكونة من اثنين أفلا يصح أن نسمي هذا المجتمع بمجتمع الشورى؟!
وإذا كان الأمر كذلك فما حكم الشورى؟ وهل يجب على الإمام مشاورة الأمة كلها أو يقتصر على أهل الحل والعقد منها؟ ثم هل الإمام ملزم بتنفيذ ما يتوصل إليه أهل الشورى؟!
أولاً: مشروعية الشورى: (1/195)
صفحة 196
لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية الشورى([2]) وثبوتها بالكتاب، والسنة القولية والفعلية، ثم سيرة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.
أ- الأدلة من القرآن الكريم:
1- قال الله تعالى: ]فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين[([3]).
قال القطب: »وحكمة المشاورة الاستعانة برأيهم، وترك رأيه إلى رأيهم إذا ظهر له الصلاح في الترك، وظهور نصح من ينصحه...«([4]).
وقال ابن جرير الطبري –بعد ذكر الآثار الواردة عن السلف في تفسير هذه الآية-: »وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه، ومكايد حزبه، تألفاً منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليها معها فتنة الشيطان، وتعريفاً منه أمته مأتى الأمور التي تحزبهم من بعده...«([5]).
2- قوله تعالى: ]والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون[([6]).
بين الحق سبحانه في هذه الآية –وفي الآيتين اللتين قبلها- صفات المؤمنين التي به يتميزون، وعليها يؤجرون.
قال شهيد الإسلام سيد قطب: »وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الأمة التي تطبعها وتميزها، ومع أن هذه الآيات مكية نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة ]وأمرهم شورى بينهم[ مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن يكون نظاماً سياسياً للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم عليها أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة«([7]).
3- قال تعالى: ]والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة[ إلى أن قال ]فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما...[ الآية([8]). (1/196)
صفحة 197
فالله تعالى يرشد الوالدين أن يتشاورا في إفطام الطفل إن كانا ينوبان ذلك، ولا يتخذ أحدهما قراراً بذلك دون مشورة ورضى من الآخر، وفي هذا درس وإرشاد إلى أهمية الشورى في مصير الأمة.
يقول السيد محمد رشيد رضا: »إذا كان القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعماله تربية الولد، ولا يبيح لأحد والديه الاستبداد بذلك دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن يستبد في الأمة كلها؟! وأمر تربيتها وإقامة العدل فيها أعسر، ورحمة الأمراء أو الملوك دون رحمة الوالدين وأنقص«([9]).
ب- السنة النبوية:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لأصحابه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: »ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم «([10]).
والسير مليئة بالأمثلة على صدق ذلك.
- ففي غزوة بدر استشارهم في مصير الأسرى من قريش([11]).
- وفي غزوة الخندق أشار على سعد بن معاذ وسعد بن عباد مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة مقابل انسحابهم من جيش الأحزاب فأشار عليه بعدم المصالحة([12]).
- واستشار أصحابه في عقوبة المنافقين الذين آذوا أهله، وقال: »ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط«([13]).
- وقبل غزوة أحد شاور أصحابه في المقام بالمدينة أو الخروج لملاقاة قريش خارجها([14]).
ج- أما سيرة الخلفاء الراشدين:
فإن المقام يضيق عن ذكر التزامهم بالشورى، إذ كانت أعمالهم وتصريفهم لأمور المسلمين إنما تصدر وتأخذ طريقها للتنفيذ بعد المشاورة والمحاربة بين الخليفة والصحابة([15]).
ومن الأمثلة على ذلك:
مشورة أبي بكر في استخلاف عمر، ومشورة عمر في استخلاف الستة.
مشورة أبي بكر في حرب المرتدين.
مشورة عمر في أرض السواد في بلاد العراق([16]).
ثانياً: حكم الشورى:
اختلف الفقهاء حول حكم الشورى إلى قولين: (1/197)
صفحة 198
القول الأول: يجب على الإمام أن يشاور المسلمين، ولا يستبد الرأي والقرار بنفسه، وهو قول: الإباضية([17])، وجمهور أهل السنة([18])، والزيدية([19])، وبه قال أكثر الفقهاء المعاصرين([20]).
قال الدكتور محمد عبدالقادر أو فارس: »لقد ذهب كثير من العلماء والفقهاء إلى أن الشورى واجبة على الحاكم، لا يحل له أن يتركها، وأن ينفرد برأيه دون مشورة المسلمين من أهل الشورى، كما لا يحل للأمة الإسلامية أن تسكت على ذلك، وأن تتركه ينفرد بالرأي دونها، ويستبد بالأمر دون أن يشركها فيها، فإن أقدم على هذا الأمر، فقد ارتكب منكراً، ينبغي عليها أن تنكره عليه، أخذاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه بإسناده إلى أبي سعيد الخدريرضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان«([21]).
فالحاكم المستبد آثم بتركه واجب الاستشارة، والأمة آثمة لتركها واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبوسع الأمة إذا كانت متماسكة على قلب رجل واحد عزله وتحرير الأمة منه ومن ظلمه واستبداده، بل الشرع يفرض عليها ذلك، وقال ابن عطية رحمه الله تعالى في تفسيره المسمى »المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز«: »والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه«([22]).
الأدلة: استدل القائلون بالوجوب بما يلي:
1- قوله تعالى: ]وشاورهم في الأمر»([23]).
ووجه الاستدلال؛ إن الأمر يقتضي الوجوب، إذ ليس هناك من قرينة تصرفه عن موجبه الأصلي، ولئن كان بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم فعلى من جاء من بعده من الأئمة والحكام أولى([24]). (1/198)
صفحة 199
قال شهيد الإسلام سيد قطب: »وبهذا النص ]وشاورهم في الأمر[ يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم حتى ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يتولاه، وهو نص قاطع لا يدع للأمة شكاً في أن الشورى مبدأ أساسي، لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه«([25]).
2- قوله تعالى: ]والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون[([26]).
ووجه الاستدلال: »أن القرآن في النظم يوجب القرآن في الحكم، وإلا لم يكن لإدراج الأمور المقترنة في سلك واحد من النظم من معنى، وواضح أن الآية الكريمة قد انتظمت ركنين أساسيين من أركان الإسلام؛ وهما الصلاة والزكاة، وقرنت الشورى بينهما، فدل ذلك على أنها ركن من أركان الإسلام«([27]).
3- فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان عليه الصلاة والسلام يكثر من مشاورة أصحابه، ولا يكاد يقطع أمراً لم ينزل فيه وحي السماء بدونهم.
يقول أبو هريرة رضي الله عنه »ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم «([28]) وإذا كان ذلك حال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه لا ينطق عن الهوى ]إن هو إلا وحي يوحى[([29]) وأنه أكمل خلق الله عقلاً، ودراية وتدبيراً –فكيف يسقط واجب الشورى عن الذين هم دونه- بلا شك علماً وعقلاً وكمالاً؟!
4- فعل الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم؛ فإن سيرهم وأخبارهم ناطقة بحرصهم على عدم إنفاذ أمر، أو اتخاذ قرار أو حكم إلا بعد الشورى مع كبار الصحابة وأهل العلم والرأي منهم، فمشاورة أبي بكر لهم في قتال المرتدين، ومشاورة عمر لهم في تصريف أرض السواد من العراق، وفي القدوم إلى الشام عند بلوغه بظهور الطاعون، ومشورة عثمان لجمع المصحف ومشاورة علي في قصة رفع المصاحف في وقعة صفين، وغيرها من الوقائع المشهورة التي لا يتسع المقام لذكرها، كلها شاهدة على وجوب الشورى، والالتزام بها. (1/199)
صفحة 200
القول الثاني: لا يجب على الإمام أن يشاور المسلمين، وإنما هو بالخيار في ذلك، والأفضل له أن يستشير، فالشورى مندوبة عليه لا واجبة، وهو القول المنسوب إلى بعض الفقهاء منهم »قتادة والربيع وابن إسحاق ومقاتل«([30]) وهو القول المرجوح عند الشافعية([31])، ورجحه الحافظ ابن حجر، فقال: »واختلفوا في وجوبها، فنقل البيهقي في المعرفة الاستحباب به جزم أبو نصر القشيري في تفسيره، وهو المرجح«([32]).
الأدلة: استدل القائلون بالندب بما يلي:
1- قوله تعالى: ]وشاورهم في الأمر[([33]).
ووجه الاستدلال: أن الأمر هنا للندب لا للوجوب، لأنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في غنى عن المشورة، وليس بحاجة إلى رأي أحد من المسلمين، وإنما أمر بذلك لأن »سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، فأمر الله تعالى نبيه u أن يشاورهم في الأمر، فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم، وأطيب لنفوسهم، فإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم«([34]).
2- قوله تعالى: ]وأمرهم شورى بينهم[([35]).
قالوا: إن الآية تفيد المدح فقط، وليس في ذلك ما يقتضي الوجوب، إذ »مدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمثلون ذلك«([36]).
الرأي المختار:
والرأي المختار في المسألة هو الوجوب لما يلي:
1- إن الأمر في قوله تعالى: ]وشاورهم في الأمر[ للوجوب الراجح عند الأصوليين أن الأمر يفيد الوجوب ما لم تصرفه قرينة إلى الندب أو الإباحة. (1/200)
صفحة 201
2- أما ما ذهب إليه القائلون بالندب من أن الرسول صلى الله عليه وسلم غني عن المشاورة، وغير مفتقر لرأي غيره، وإنما كان الأمر مجرد تطييب للنفوس؛ فمعارض بما دأب عليه الرسول من كثرة المشاورة، ومن كان يشاور فهو يشاور أصحابه الذين رسخ الإيمان في قلوبهم، وتعمقت محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة بحاجة إلى أن يستشاروا لتصفوا محبتهم لحبيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
كذلك كان يستشيرهم في الأمور حتى آخر حياته صلى الله عليه وسلم وبعد أن انتشر الإسلام وضرب بأطنابه في أنحاء الجزيرة، ولم يبق هناك من يستشيره لمجرد تأليفه، بل ولم يحدث أن استشار أحداً من مسلمة الفتح وما بعده، وإنما كان أكثر شوراه مع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
3- ولو قلنا أن الخطاب في الآية خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم وسلمنا بذلك، فماذا تفعل إزاء الآيات الكثيرة التي تخاطب الرسول، كقوله تعالى: ]يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين[([37])، وقوله: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة[([38])، فكما أن الأمر بتقوى الله والدعوة بالحكمة يتجه للرسول وأمته فكذلك الأمر بالشورى، إذ لا فرق بينهما.
4- إن من الخطورة بمكان أن يترك مصير الأمة ويترك قضاياها الخطيرة يتصرف فيهما رجل واحد يخطئ ويصيب، ولا يحيط علماً بكل جوانب الحياة، ومهما أوتي هذا الإنسان من تقوى، وإيمان، وخبرة، وعلم، فلن يكون في مكانة أبي بكر وعمر وقد علمنا تمسك هؤلاء بالشورى.
الخلاصة:
إن الشورى واجبة، وعلى الإمام أن يشاور أهل الحل والعقد، وأهل الاختصاص، كما أن على هؤلاء أن يقوموا بهذا الواجب لكونهم وكلاء عن الأمة، فهو واجب يؤدونه للأمة من جهة، وحق يمارسونه تجاه الدولة من جهة أخرى.
ثالثاً: موضوع الشورى: (1/201)
صفحة 202
لما كانت الشورى قد شرعت لتبادل الآراء ووجهات النظر بين الإمام وأهل الشورى؛ للوصول إلى حكم شرعي، أو قرار في القضايا المعروضة، كان لابد من تحديد وتأطير المواضيع والقضايا التي يصح التشاور فيها، من هنا يرى العلماء أن مجال الشورى ما يلي:
أولاً: القضايا والمسائل التي لم يرد فيها نص قاطع من الكتاب والسنة والإجماع([39]).
لأن الشورى فيما ورد فيه حكم قاطع تعتبر مناقضة لإرادة الله وأحكامه، وكل ما يجب على المسلمين حيال الأحكام الثابتة بالنص هو تطبيقها، لقوله تعالى: ]وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً[([40]).
وعليه فلو اتفق أهل الشورى مع الإمام على استبدال حكم آخر بحكم الله، مخالف لمقاصد الشريعة فهو حكم باطل، وضلال مبين.
وأما قضايا الإجماع المتقدم فلاتفاق الأمة على عدم جواز نقض الإجماع([41]).
ثانياً: الأقوال والآراء الواردة في المسائل الاجتهادية، لترجيح أحدها وإقراره للعمل به »حسماً للنزاع لنظم القضاء، واتقاء لصدور الأحكام المتضاربة في المسألة الواحدة مما يضعف الثقة بالقضاء وعد له، والحكم ونظامه«([42]).
ثالثاً: كيفية تطبيق الأحكام المنصوص عليها التي تتعلق بالمصالح المتجددة، كأحكام المعاملات، والنظم الاقتصادية والسياسية.. الخ. (1/202)
صفحة 203
وممن اعتبر الاجتهاد في تطبيق النصوص داخلاً في مجال الشورى السيد محمد رشيد رضا([43]) والدكتور فتحي الدريني الذي يبرهن على ما ذهب إليه بأن هذا ليس »افتئات على حق الله في التشريع بل العكس هو الصحيح، إذ هو اجتهاد بالرأي لتحري مقصد الله في التشريع، وتحقيقه عملاً، بتجنب التناقض بين النتائج المتوقعة من جهة، والمصلحة التي رسمها الشارع غاية للنص من جهة أخرى، إذ لا يجوز وقوع التناقض في التطبيق على الإطلاق، بل يجب الاجتهاد في رفعه بترجيح ما يحقق مقصد الشارع على مقتضى سننه في التشريع، وهذا جهد عقلي اجتهادي كبير يبذل في تحصيل المصالح –الحقيقية الجادة المشروعة- ودرء الأضرار والمفاسد، مما يحرم معه التطبيق الآلي غير المدروس وغير المستبصر والمستشرف للمال، إذ العبرة بالنتائج«([44]).
رابعاً: القضايا الخطيرة، والمسائل العامة التي تتعلق بسيادة الدولة وأمنها ومصيرها([45])؛ كإعلان الحرب، وإبرام الاتفاقيات مع الأمم، والدول الأخرى، والقيام بالمشاريع الضخمة التي تحتاج إلى مبالغ طائلة، وتشريع القوانين التي تنظم الحياة العامة للناس.
فهذه القضايا لابد فيها من التشاور مع أهل الخبرة والاختصاص، حتى تكون متفقة مع أحكام الشريعة من جهة، ومحققة المصالح والأهداف التي تحتاجها الأمة وتسعى إلى الوصول إليها.
أما المسائل الفرعية، والقضايا الجزئية التي لا تشكل خطورة كبرى، ولا تؤدي إلى زعزعة الاستقرار والأمن؛ كتعيين الولاة والقضاة وغيرهم من أهل الولايات الخاصة([46]) فليس من الضرورة استشارة أهل الشورى لأن ذلك سيؤدي إلى عرقلة العمل وتحجيم مركز الإمامة وسلطتها التنفيذية، ولأن هذه القرارات يمكن الرجوع عنها دون أن يؤدي إلى إحداث مشاكل مستعصية أو يترك آثاراً خطيرة([47]).
رابعاً: موقف الإمام من قرار مجلس الشورى:
ما هو مصير القرار الذي يتبناه مجلس الشورى؟ وما هو موقف الإمام منه؟ وهل هو ملزم أو غير ملزم؟ (1/203)
صفحة 204
للإمام مع قرار مجلس الشورى الصور التالية:
الصورة الأولى: اتفاق رأي الإمام مع رأي أعضاء المجلس ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب إنفاذ القرار والعمل به([48]) إذ ليس هناك من مبرر أو حائل يقف دون ذلك.
الصورة الثانية: اختلاف الإمام مع أعضاء المجلس، سواءً أكان القرار صادراً بالإجماع أو بالأكثر، فللعلماء في ذلك رأيان:
الرأي الأول: يجب على الإمام الالتزام بقرار المجلس([49]) ويحتج أصحاب هذا الرأي بما يلي:
1- قوله تعالى: ]وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله[([50]) قالوا: فإذا عزمت على ما أشاروا به عليك فاعمل به، وتوكل على الله في ذلك، ولا تتردد([51]).
2- روى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب t قال: سئل رسول الله e عن العزم، قال: »مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم«([52]).
3- إن رأي الأعضاء إذا لم يكن ملزماً فلا حاجة للشورى، لأنها ستكون أمراً صورياً، ونظاماً شكلياً، ويصبح الإمام حاكماً مستبداً ودكتاتوراً متسلطاً؛ وإن تدثر بعباءة الشورى ورفع راية الحوار([53]).
4- إن رأي مجلس الشورى هو رأي الأمة، لأنه يفترض أن يكون ممثلاً لها كلها من خلال الانتخاب الحر ليرعى مصالحها، فكان الأخذ برأيه أخذاً برأي الأمة نفسها، باعتبارها صاحبة المصلحة الحقيقية([54]).
الرأي الثاني: الإمام غير ملزم برأي المجلس، وإنما يعمل بما ترجح لديه، وغلب على ظنه أنه هو الصواب.
قال الإمام الشافعي: »إنما يؤمر الحاكم بالمشورة لكون المشير ينبهه على ما يفعل نه، ويدله على ما لا يستحضره من الدليل لا ليقلد المشير فيما يقوله، فإن الله لم يجعل هذا لأحد بعد رسول الله e([55]) وقد مال إلى هذا الرأي بعض الفقهاء([56]).
ودليل هؤلاء:
1- قوله تعالى: ]وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله[ أي فإذا استقر رأيك على أمر تراه راجحاً فاعمل به، وافق رأي أهل الشورى أم خالفه([57]). (1/204)
صفحة 205
2- إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا شاور أصحابه »فأظهروا آرائهم ارتأى معهم، وعمل بما أداه إليه اجتهاده«([58]).
3- إن الخلفاء الراشدين لم يكونوا يتقيدون برأي أهل الشورى.
- فقد أنفذ أبو بكر جيش أسامة، وأصر على قتال المرتدين ولم يلتفت إلى رأي الصحابة المخالف([59]).
- وقاسم عمررضي الله عنه ولاته أنصاف أموالهم كأبي هريرة وعمرو ابن العاص وسعد بن أبي وقاص من غير أن يستشير أحداً([60]).
الرأي المختار:
يترجح لدى الباحث الرأي الأول القائل بأن رأي المجلس ملزم للإمام لقوة أدلتهم وسلامة منزعها، بخلاف أدلة أصحاب الرأي الآخر.
- فوجه الاستدلال بآية الشورى الذي ذهب إليه القائلون بعدم اللزوم برده سبب نزول هذه الآية، فقد نزلت بعد أن بان صواب رأي النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء في المدينة والتحصن بها وعدم الخروج لملاقاة قريش، وخطأ الأكثرية القائلين بعدم السماح للعدو بدخول المدينة، فلو كانت الآية تعني ما ذهب إليه القائلون بعدم لزوم قرار المجلس لكان في الآية تناقض: تأمره بالشورى ثم تترك له المجال لرفض القرار لهذا خالف رأيه ويأخذ به إن واقعه، وحاشا القرآن عن التناقض والاختلاف، وليس صحيحاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعمل برأيه وإن خالف ما أشار عليه أصحابه، بل إن الروايات الثابتة تحكي عكس ذلك كما حدث يوم بدر، وأحد، والخندق، والواقعة الوحيدة التي يظهر فيها عمل الرسول برأيه مناقضاً لرأي الصحابة هي مصالحة مع قريش يوم الحديبية، وليس في هذا دليل على عدم لزوم نتيجة الشورى لأن ربما فعل ذلك بوحي من الله، فهو لم يستشرها ابتداءاً.
- وإنفاذ أبي بكر لجيش أسامة ومقاتلة المرتدين لم يحدث إلا بعد أن أقنع الصحابة بذلك. (1/205)
صفحة 206
- وأخيراً فهيهات أن يكون راي الإمام على صواب ولا يستبن ذلك لأعضاء المجلس، وعلى افتراض أنه أصوب من رأي المجلس، فإن الأخذ بالصواب المؤدي إلى التعاون بين الإمام والمجلس والمحافظ على وحدة الصف أولى من الأخذ بالأصوب المؤدي إلى الشقاق والخلاف الذي لا تحمد عاقبته.
على أنني أقول، أن للإمام المجتهد المتضلع في علوم الشريعة ما ليس في غيره في هذا المجال، ومن هنا وحيث أن المجتهد مطالب شرعاً العمل بما أداه إليه اجتهاده، فلا أرى بأساً أن يعمل الإمام باجتهاده طالما لم يتفق أعضاء المجلس على اجتهاد مخالف، أما إذا كان المجلس قد أجمع على رأي اجتهادي يخالف رأي الإمام فعلى الإمام أن يلتزم بقرار المجلس وإن كان يرى رأيه الأصوب والأصح، حفاظاً على وحدة الدولة، وتماسكها، وقطعاً لدابر الشقاق والخلاف بين الإمام والمجلس.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) سورة البقرة: الآية (233).
([2]) أنظر في ذلك: السير: 2/234، الكندي: المصنف: 10/ ، ابن تيميه: السياسة: 135، وانظر: تفاسير: القرطبي: 4/249، الرازي: 9/67، الطبري: 4/100، المنار: 4/45، وانظر: فتح الباري: 13/340، صحيح مسلم بشرح النووي: 4/76، نيل الأوطار: 7/226.
([3]) سورة آل عمران: الآية (159).
([4]) تيسير التفسير: 2/203.
([5]) جامع البيان/ 4/101.
([6]) سورة الشورى: الآية (38).
([7]) الظلال: 5/3160.
([8]) سورة البقرة: الآية (233).
([9]) تفسير المنار: 2/414.
([10]) قال ابن حجر: رجاله ثقات، إلا أنه منقط، وقد أشار إليه الترمذي في الجهاد فقال: ويروى عن أبي هريرة؛ وذكره فتح الباري: 13/340.
([11]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/86.
([12]) ابن القيم: زاد المعاد: 3/273، ابن سعد: الطبقات: 2/73.
([13]) صحيح البخاري بفتح الباري: 13/340.
([14]) فتح الباري: 13/339.
([ (1/206)
صفحة 207
15]) قال ابن حجر: »وقد ورد من استشارة الأئمة بعد النبي e أخبار كثيرة منها..« وذكرها، فتح الباري: 13/342.
([16]) أنظر: ص ، من هذا البحث، وانظر: النحوي (عدنان علي رضا): ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية ص296، 313.
([17]) الشقصي: منهاج الطالبين: 8/59، الكندي: المصنف: 10/81.
([18]) القرطبي: الجامع: 4/249، الجصاص: أحكام القرآن: 2/349، الرازي: التفسير الكبير: 9/226، ابن تيميه: السياسة الشرعية: ص135.
([19]) الصنعاني: التاج المذهب: 4/424.
([20]) رشيد رضا: تفسير المنار: 4/45، المودودي: الخلافة: ص41، سيد قطب: الظلال: 1/501، محمد عبدالقادر عودة: أوضاعنا القانونية: ص123، الدريني: خصائص التشريع: ص452، أبو فارس حكم الشورى في الإسلام ونتيجتها: ص83.
([21]) سبق تخريجه.
([22]) المرجع السابق: ص19.
([23]) سورة آل عمران: الآية (159).
([24]) الرازي: التفسير الكبير: 9/67، الدريني: خصائص: 420، 451.
([25]) الظلال: 4/501.
([26]) سورة الشورى: الآية (38).
([27]) الدريني: خصائص: ص419.
([28]) سبق تخريجه.
([29]) سورة النجم: الآية (4).
([30]) القرطبي: الجامع: 4/250، ابن الجوزي (أبو الفرج عبدالرحمن): زاد المسير في علم التفسير: 1/488.
([31]) شرح النووي على صحيح مسلم: 4/76.
([32]) فتح الباري: 13/341.
([33]) سورة آل عمران: الآية (159).
([34]) القرطبي: الجامع: 4/250، وانظر الطبري: جامع البيان: 7/345.
([35]) سورة الشورى: الآية (38).
([36]) القرطبي: الجامع: 16/37.
([37]) سورة الأحزاب: الآية (1).
([38]) سورة النحل: الآية (125).
([39]) السير: 2/234، جامع البيان: 4/103، الرازي: التفسير الكبير: 9/69، الصنعاني: التاج المذهب: 4/424.
([40]) سورة الأحزاب: الآية (36).
([41]) السالمي: طلعة الشمس: 2/302.
([42]) الدريني: خصائص التشريع: 445.
([43]) الخلافة: 38.
([ (1/207)
صفحة 208
44]) خصائص التشريع: ص448-449.
([45]) القطب: تيسير: 2/203، رشيد رضا: الخلافة: 38.
([46]) السير: 2/185.
([47]) الدريني: خصائص: 493.
([48]) السير: 2/234.
([49]) السير: 2/234، محمد رشيد رضا: تفسير المنار: 4/205، المودودي: نظري الإسلام وهديه: 276، د. الدريني: خصائص التشريع: 453.
([50]) سورة آل عمران: الآية (159).
([51]) محمد رشيد رضا: تفسير المنار: 4/205.
([52]) الطبري: جامع البيان: 4/441.
([53]) خلاف (الشيخ عبدالوهاب): السلطات الثلاث في الإسلام، مقال بمجلة القانون والاقتصاد العدد الرابع، 1936م، ص461، نقلاً عن كايد يوسف: طرق انتهاء ولاية الحكام: 239 (الهامش).
([54]) الدريني: خصائص التشريع: 454.
([55]) فتح الباري: 13/342.
([56]) قتادة وابن إسحاق والربيع الطبري: جامع البيان: 4/101، ابن كثير: تفسير: 1/421، النيسابوري: 4/123، والزمخشري: الكشاف: 1/475.
([57]) الطبري: جامع: 4/101.
([58]) الجصاص: تفسير: 2/41.
([59]) زيدان: أصول الدعوة: 221.
([60]) هويدي (حسن): الشورى في الإسلام: 18.
الفصل الرابع مدة ولاية الإمام وانتهاؤها المبحث الأول: مدة ولاية الإمام.
لم أجد لأحد من فقهاء المذاهب السابقين قولاً أو إشارة إلى جواز تحديد مدة ولاية الإمامة، بل إن الجميع متفقون على إمامته ووجوب طاعته ما دام لم يطرأ عليه ما يوجب العزل، وأغلب الظن أن الذي صرفهم عن الحديث في تحديد المدة أمران:
الأول: وجوب الوفاء بالبيعة باعتبارها عهداً يجب الوفاء به من الطرفين امتثالاً لقوله تعالى: ]وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون[([1]). (1/208)
صفحة 209
الثاني: اتفاق الأمة على عزله إن جار، أو عجز عن القيام بالمسئوليات من تنفيذ الأحكام وغيرها([2])، وعليه فلا داعي للبحث في تحديد المدة إن كانت الأمة ستعزله إن فقد شروط بقائه، يقول الإمام محمد بن محبوب رحمه الله: »إذا بايعه المسلمون فأعطوه صفقة أيديهم وثمرة قلوبهم على طاعة الله، وطاعة رسوله، وعلى العمل بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لم يحل لهم أن يزيلوه إلا بحدث يكفره ولا يتوب، أو يركب حدثاً يجب عليه فيه الحد فيقيمون إماماً يقيم عليه الحد الذي أتاه مثل الزنا وما أشبهه، أو تحل به إحدى العاهات؛ أن يذهب سمعه فلا يسمع، أو يخرس لسانه فلا ينطق، أو يذهب بصره فلا يبصر، أو يذهب عقله فلا يعقل«([3])، هذا عن الفقهاء القدامى.
أما في العصر الحاضر فقد طرق بعض الباحثين من العلماء والمفكرين هذا الموضوع، فمنهم([4]) من ذهب إلى جواز تحديد فترة زمنية لولاية الإمام، ومنه([5]) من عارض ذلك.
أما المجيزون فقد برهنوا على الجواز بما يلي:
1- إن الإمام وكيل عن الأمة، ومن حق الأصيل الاتفاق مع الوكيل على تحديد مدة الوكالة([6]).
2- ليس هناك في الشرع ما يمنع المدة، فالمسألة من القضايا الاجتهادية التي ترك الشارع للأمة فيها تقرير ما تراه أنسب لظروفها الخاصة، وفي هذه المسألة يصار إلى الأصل وهو الإباحة([7]).
3- قياس الإمامة على الإمارة([8]).
4- أجاز العلماء عند موت الإمام اختيار نائب عنه حتى يرجع ولي العهد إن كان غائباً، فيقاس عليها تحديد فترة الإمامة([9]).
5- أجاز الفقهاء أن يخلع الإمام نفسه في أي وقت، فلا مانع إذاً أن يتفق معهم على خلع نفسه ابتداء معلقاً ذلك إلى أجل، وعندئذ تكون قد تحدث مدة ولايته([10]).
6- إنه السبيل الأقوم للتخلص من الإمام إذا ما طرأ عليه ما يفسقه بدون إراقة الدماء وذلك بعدم اختياره لفترة أخرى([11]). (1/209)
صفحة 210
أما الذين رفضوا هذا الرأي فإن حجتهم تتلخص في أن عدم تحديد المدة يترتب عليه الاستقراء، ويمكن الإمام المخلص من القيام بالإصلاحات التي تعود على المجتمع بالنفع، وأن يؤدي للأمة من الخدمات والإصلاح ما لا يتوافر مع تحديد فترة للخليفة تنتهي ولايته بانتهائها([12]).
ويضيف الدكتور سلام محمد سلام مدكور ذاكراً ميزة النظرة الإسلامية في عدم تحديد المدة عن النظامين الملكي والجمهوري بقوله: »فإن هذا النظام –أي الملكي- وإن حقق الاستقرار من ناحية، إلا أنه يقضي على إرادة الأمة في اختيار من تراه صالحاً وأهلاً لتحمل الأمانة، والنظام الجمهوري الذي يحدد لرئيس الجمهورية فترة محددة تنتهي ولايته بانتهائها وإن احتفظ للأمة بإرادتها في اختيرا من تنتقيه وتراه أصلح إلا أن لا يحقق الاستقرار فضلاً عن أنه يترتب عليه تجدد النزاع والخلافات«([13]).
الرأي المختار:
إذا نظرنا في أدلة المجوزين والمانعين لتحديد فترة ولاية الإمام، نجد المجوزين قد استدلوا إلى أصول وقواعد في الشريعة، منها أن الأصل في الأشياء الإباحة والقياس، كما نظروا إلى طبيعة العقد وتكييفه الفقهي، فهو وكالة، والوكالة لا تأبى التأقيت.
أما المانعون فقد كانت أبرز حججهم مخالفة الفكرة لإجماع الصحابة أولاً، وأنه من الأمور المحدثة ثانياً([14]).
وإذا كنا لا نرى ضرورة مناقشة أدلة المجوزين لوجاهتها وقوتها وهو ما سندعمه –إن شاء الله- بالأدلة الأخرى التي نراها مؤيدة لاتجاه التأقيت، فإن ما ذكره المانعون فيه نظر.
فإجماع الصحابة في محل النزاع لم أجد له ذاكراً في كتب التاريخ، وموسوعات العقائد والفقه، ولو كانت المسألة معروفة لديهم لورد ذكرها ولنقلتها الكتب.
والذي جعلهم لا يلتفتون إلى فكرة تحديد مدة الولاية أمران:
الأمر الأول: تدافعهم عن منصب الإمامة وزهدهم فيه، لأنهم ينظرون إليه نظرة الخائف من المسئولية، ومن التقصير في حقوقها. (1/210)
صفحة 211
الأمر الثاني: حث الخلفاء أنفسهم الرعية على محاسبتهم إن أخطأوا وتقويمهم إن اعوجوا، وعبارات أبي بكر وعمر رضي الله عنهما تؤكد ذلك([15]).
فقد كان هذان العاملان كفيلين بوضع حد لأي تجاوز أو تعسف في استخدام السلطة.
أما بعد الخلافة الراشدة؛ فلم يكن بحث الفقهاء في موضوع الإمامة يتجاوز وجوب الإمامة والبيعة والطاعة للإمام، والصبر على ذلك، وإن خالف الحق، بسبب الاستبداد القهر والقمع الذي يقمع الأفكار ويرجف الأقلام، وإذا كان العالم يضرب ويسجن إذا ما شم من فتواه أو روايته العصيان أو الدعوة إليه([16])، فكيف يجرؤ على الدعوة إلى تحديد فترة حكم الخليفة والإمام.
أما أن تحديد فترة الإمامة من المحدثات في الدين، فللرد على ذلك نقول: ليس كل محدث بدعة سيئة وأمراً مذموماً، وإلا فما المانع أن نقول بأن تدوين الدواوين، والتنظيم الإداري، والقضائي من المحدثات التي ليست من الشريعة في شيء، زد على ذلك إن أغلب مسائل الإمامة من القضايا الاجتهادية([17]) التي لظروف الأمة الزمانية والمكانية تأثير في تقريرها، ولا نبالغ إذا قلنا إن أعظم وأخطر مسائل الإمامة هي كيفية اختيار »الإمام« وهي مسألة لم يرد في تعيينها نص، وإلا لما اختلفت طرق اختيار الخلفاء الأربعة y.
والذي يجعلنا نرجح جواز تحديد المدة ما يلي:
1- وجاهة أدلة المجوزين، وسلامة منزعها.
2- إن الإمامة عقد وكالة -كما نقلنا عبارات الفقهاء سابقا-([18]) وبناء على ذلك فهو:
أ- عقد يقبل التأقيت فليس من دليل يمنع عقد الإمامة ويستثنيه من حكم الوكالة التي يجوز فيها التأقيت([19]).
ب- وهو عقد يقبل التقييد([20])، وقد ثبت أن عبدالرحمن بن عوف قد عرض الإمامة على علي بن أبي طالب على أن يحكم بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين من قبله، فأبى أن يلتزم بغير كتاب الله وسنة نبيه، فعرضها على عثمان فقبل([21])، وهذا تقييد لممارسة صلاحياته واجتهاداته. (1/211)
صفحة 212
ج- إنه عقد يحدد التزاماته –زيادة أو نقصاناً- إرادة المتعاقدين استناداً إلى مبدأ سلطان الإرادة العقدية الذي يجعل لرضى المتعاقدين مجالاً لتحديد العقد وما يترتب عليه من آثار([22]).
يقول ابن تيميه: »والأصل في العقود رضى المتعاقدين، ونتيجتها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد«([23]).
فلا نرى مانعاً من اتفاق طرفي العقد وهما الأمة »أهل الحل والعقد والمرشح للإمامة« على تحديد فترة زمنية لولاية الإمامة، قابلة للتجديد مع مراعاة الشروط الأخرى للعقد.
3- إن تحديد فترة زمنية اتجاه توفيقي بين النظرة القائلة بوجوب الصبر تحت أئمة الجور وطاعتهم؛ وإن فسقوا وظلموا، والأخرى التي تنادي بتحكيم السيف، لإزاحتهم في حالة رفضهم الاعتزال بالطرق المتفاوضة، وإصرارهم على البقاء في سدة الحكم.
فأي السبيلين أفضل: الإبقاء على الإمام الجائر الظالم الذي لم يف بمقتضيات البيعة؛ خوفاً من إراقة الدماء وإيقاظ الفتن، أو الخروج بالسيف وزعزعة الاستقرار وسفك الدماء؟
كلا السبيلين يدفعاني إلى القول باختيار السبيل التوفيقي الذي يجعل الأمة تصبر فترة قليلة على ظلمه وجوره حتى تنتهي فترة إمامته، ولن تحدث عندئذ فتنة بين أفراد الأمة وجماهيرها؛ لأنها قد رضيت بهذا الطريق، وجعلت للدستور كلمة الفصل من خلال مجلس أهل الحل والعقد، الذي يستطيع التخلص من جوره وظلمه دون إراقة الدماء، وإشعال نار الفتنة، وذلك من خلال عدم تجديد فترة إمامته.
يقول ابن عقيل: »السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي«([24]) وتحديد مدة الإمامة نهج سياسي رشيد، يقف مانعاً من استعار شهوة التسلط التي قد تظهر في الحاكم –وإن كان عدلاً عند اختياره- كما أنه دواء وقائي يمنع الفتنة والاقتتال داخل الأمة، ويخفف من وطأة الاختلاف حول بقاء الجائر وخلعه. (1/212)
صفحة 213
4- والحاكم بالنسبة للأمة والدولة كالطعام للجسد، فكما أن الاقتصار على طعام واحد مدة طويلة يصيب النفس بالملل والضجر، ويؤدي إلى اختلال في قوة الجسم، ومقاومته للأمراض، فكذلك الأمة والدولة.
وتوضيح ذلك، أن بقاء الحاكم مدة طويلة وإن كان عدلاً عادلاً صالحاً، يجعل الأمة تصاب بالسأم، والدولة بالضعف، وكما أن صلاح الدولة بصلاح الحاكم، فكذلك قوتها مستمدة من قوة الحاكم، وقوة الحاكم مستمدة من التفاف الناس حوله، وتجديد الولاية له عند انتهائها أكثر دلالة على مصداقية الطاعة والمحبة والولاء، من الطاعة القائمة على الصبر وإن جار أو ظلم.
كما أن اختيار إمام آخر بعد انتهاء الفترة المقررة يعطي الدولة قوة جديدة، وحيوية ونشاطاً في تدبير واجباتها، والتفكير في ما يؤدي إلى قوتها وتطورها والنهوض بالمصالح العامة، فالإمام السابق قد أعطى ما لديه من فكر، وبذل ما يملك من فهم ودراية، وتقدمه في السن يجعله يصل إلى مرحلة العجز في التفكير والتدبير، بينما الذي يتولى الأمر بعده سوف يعطي الدولة دفعة جديدة من خلال أفكاره وخططه.
ونحن إذ نتبنى هذا الرأي لا ندعو إلى الفوضوية وعدم الاستقرار، وإنما نرى أن يتم ذلك من خلال مجلس الشورى، وأهل الحل والعقد، فحيثما كان أكثر انسجاماً مع مقاصد الشريعة، ومصلحة الأمة أخذوا به، سواءً تجديد فترة الإمامة للإمام القائم عند انتهاء الفترة أو اختيار غيره.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) سورة النحل: الآية (91).
([2]) كما سنرى في المبحث الثاني.
([3]) السير: 1/131.
([4]) أبو فارس: النظام السياسي: 274، العربي (د. محمد عبدالله): النظم الإسلامية، الجزء الثاني، القسم الأول: ص71، 72، البياتي (د. منير حميد): الدولة القانونية والنظام السياسي في الإسلام: ص348، محمود (كايد يوسف): طرق اتنهاء ولاية الحكام: ص227.
([ (1/213)
صفحة 214
5]) مدكور (د. محمد سلام): معالم الدولة الإسلامية: 291، الخالدي (د. محمود) معالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي: ص335.
([6]) البياتي: الدولة القانونية: 385، كايد: طرق: 227
([7]) البياتي: الدولة القانونية: 385، كايد: طرق: 227.
([8]) كايد: طرق: 226-227.
([9]) المرجع السابق.
([10]) البياتي: الدولة: 385.
([11]) د. أبو فارس: النظام: 274.
([12]) محمد سلام: معالم: 291.
([13]) نفس المرجع: 292.
([14]) الخالدي: معالم الخلافة: ص335.
([15]) ابن سعد: الطبقات: 10/130.
([16]) عارف خليل: وظيفة الحاكم: 260.
([17]) الجويني: غياث: ص47.
([18]) ص39.
([19]) أنظر الحاكم الوكالة في كتب الفقه.
([20]) أنظر: الزرقاء: المدخل الفقهي: 1/513.
([21]) السيوطي: تاريخ الخلفاء: ص170.
([22]) أنظر: الزرقاء: المدخل: 1/465، 474 (الحاشية).
([23]) الفتاوى الكبرى: 4/93.
([24]) نقلاًً عن ابن القيم: الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية: ص13.
المبحث الثاني انتهاء ولاية الإمام
تمهيد:
يبقى الإمام محتفظاً بمنصب الإمامة، له على الأمة الطاعة والنصرة وغيرها من الحقوق، مقابل ما يقوم به من المسئوليات والواجبات، ولا يفتقد هذا المنصب إلا سبب شرعي يؤدي به إلى التنازل عنه.
والتنازل إما أن يكون بسبب اختياري بمعنى أن يطلب إعفاءه من الإمامة من غير أن يكون هناك سبب يحتك عليه ذلك.
وإما أن يكون بسبب إجباري بمعنى أنه لا مفر من التنازل بوجود ذلك السبب سواء أكان ذلك السبب خارجاً عن إرادته كالموت والأسر، واختلال القدرة، أو بإرادة منه كالفسق والجور والردة وموالاة الكافرين.
وسنبحث كل ذلك في المطالب التالية:
المطلب الأول: التنازل الاختياري.
المطلب الثاني: التنازل الإجباري.
المطلب الأول التنازل الاختياري »الاستقالة« (1/214)
صفحة 215
التنازل وسيلة يلجأ إليها الإمام لاعتزال الإمامة، وقد يكون وراء التنازل سبب، وقد لا يكن، فما الحكم في ذلك؟
اتفق الفقهاء على أن تنازل الإمام جائز إذا كان هناك سبب وجيه يحمله على ذلك، كعجز بسبب مرض أو هرم([1]) أو ضعف عن تنفيذ الأحكام، ومحاربة العدو([2]).
وقد يكون السبب نقصاً في البدن أو الكفاءة؛ يؤثر في الإمامة.
وقد صرح بعض الفقهاء بوجوب التنازل، قال القرطبي: »يجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصاً يؤثر في الإمامة«([3]).
أما إذا كان التنازل بغير سبب، وإنما يريد الإمام الصالح رد الأمر للمسلمين ليختاروا غيره زهداً وتعففاً، فقد اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
الأول: ينعزل به، قال بعض الإباضية([4]) وفريق من السنة([5]) وقد استدل هؤلاء بما يلي:
1- قول أبي بكر الصديقرضي الله عنه: »أقيلوني، فقالوا له: لا تقال، ولا تستقال«، فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت عليه الصحابة ذلك، ولوجب أن يقولوا له: ليس لك أن تقول هذا أو تفعله.
2- إن الثائرين قالوا لعثمان: اخلع نفسك، فقال: لا أخلع قيمصاً قمصنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو لم يصح منه ذلك ما سألوه([6]).
3- إن الحسن خلع نفسه وعقد الخلافة لمعاوية([7]).
4- إن الإمام وكيل عن الأمة ونائبها، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه، كذلك الإمام يجب أن يكون مثله([8]).
5- إذا كانت لا تلزمه الإجابة إلى المبايعة فكذلك لا يلزمه الثبات([9]).
الثاني: لا ينعزل، وهو رأي آخر للإباضية([10]) وقول للسنة([11]) واستدلوا بما يلي:
1- قول الصديق: »أقيلوني..« ولو كان عزل نفسه مؤثراً لما طلب منهم الإقالة([12]).
2- إن في عزله لنفسه إلحاق ضرر بالمسلمين، لأن الدار تصير دارة فترة إلى أن تعقد لإمام آخر، فيفضي إلى تأخير استيفاء الحقوق والحدود([13]).
الرأي المختار: (1/215)
صفحة 216
لا نرى مانعاً من جواز تنازل الإمام إذا ما توفرت المبررات الكافية والمقنعة لتقديم تنازله، إلا أننا نرى وجوب توافر الشروط التالية حتى يصح ذلك منه:
1- أن يتم تنازله بموافقة من الطرفين؛ لأن الإمامة عقد لازم لطرفي العقد لا يحل فسخه ما لم تتوفر الأسباب الموجبة لذلك، ولأن حقوقاً قد تعلقت به تجاه طرفيه لا يملك أحدهما إسقاطها.
وبناء على ذلك يبقى الإمام في إمامته طالما كان أهل الاختيار يرفضون تنازله([14])، ومقولة أبي بكر وجواب الصحابة شاهدان على صحة تنازله من حيث المبدأ، إلا أنها مرهونة بموافقة الطرفين.
2- أن يكون في الأمة من يصلح للإمامة إذا تنازل الإمام الحالي، ووافق أهل الاختيار على ذلك، أما إذا لم يوجد من يخلفه فلا يجوز له أن يتنازل، ولا لأهل الاختيار أن يوافقوه([15]) فهم في النهاية سيعودون إليه، لأن المؤهل لهذا المنصب قد انحصر في شخصه، فلا معنى لتنازله.
قال العزل بن عبدالسلام: »وأما الولايات، فإن تعين المتولي ولم يوجد من يقوم مقامه، فإنها لازمة في حقه لا يقبل العزل، ولا الانعزال إلى أن يوجد من يقوم مقامه، فينفذ العزل والانعزال، فلو عزل الإمام أو الحاكم أنفسهما، وليس في الوجود من يصلح لذلك لم ينفذ عزلهما لأنفسهما لوجوب المعني عليهما«([16]).
3- أن يتم قبول تنازله بإجماع من أهل الاختيار، أما إذا رفض البعض تنازله؛ فلا يقع؛ لأنه إذا كانت إمامته قد ثبتت بالإجماع ابتداء فلا يخرج منها إلا بالإجماع، وإن كانت قد عقدت له بموافقة أكثرية أهل الاختيار، ورضي بذلك عامة المسلمين فقد ثبت لكل واحد حق في هذا العقد، وصاحب هذا الحق يثبت له حق الاعتراض فيؤدي ذلك إلى فتنة وبلبلة وانقسام في الأمة.
وما ذكره أبو يعلى من حدوث فترة من تنازل الإمام واختيار آخر وما سيؤدي إليه من خلل واضطراب يمكن تلافيه بتأخير سريان مفعولها إلى حين الاتفاق على البديل المناسب. (1/216)
صفحة 217
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) القلقشندي: مآثر الإنافة: 1/65، النووي: الروضة: 10/48.
([2]) السير: 2/321.
([3]) الجامع لأحكام القرآن: 1/65.
([4]) الحضرمي: مختصر الخصال: 194، الكندي: الاهتداء: ص71.
([5]) القلقشندي: مآثر الإنافة: 1/66، الجويني: غياث الأمم: النووي: الروضة: 3/48، أبو يعلي: المعتمد: 24، نقلاً عن: أيبش: نصوصك 213، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 1/233.
([6]) أبو يعلي: المعتمد: نقلاً عن أيبش: المرجع السابق: ص214.
([7]) فتح الباري: 13/66، أبو يعلي:المرجع السابق.
([8]) القرطبي: الجامع: 1/233، أبو يعلي: المرجع السابق.
([9]) القلقشندي: مآثر الإنافة: 1/66.
([10]) القطب: شرح النيل: 14/333.
([11]) القلقشندي: مآثر الإنافة: 1/65، النووي: الروضة: 10/48، أبو يعلي: المرجع السابق، القرطبي: الجامع: 1/233.
([12]) القلقشندي: مآثر الإنافة: 1/65.
([13]) أبو يعلي: المرجع السابق.
([14]) السير: 1/200، الكندي: الاهتداء: ص71.
([15]) المرجعين السابقين.
([16]) الشيخ عبدالرحمن تاج: السياسة الشرعية: ص149، نقلاً عن: الدريني (د. محمد فتحي) الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ص108.
المطلب الثاني التنازل الإجباري »العزل«
يفقد الإمام منصب الإمامة إذا وجد سبب من الأسباب التالية:
أولاً: الوفاة:
ثانياً: الكفر وموالاة الكافرين.
وهذا السببان لا خلاف بين المذاهب في انتهاء إمامة الإمام بسببهما؛ فالوفاة أمر إلهي، وسبب رباني لا يملك الإنسان دفعه أو الفرار منه، قال الله تعالى: ]إنك ميت وإنهم ميتون[([1]).
وأمر الكفر؛ فلأن الإسلام شرط لصحة العقد، وقد سبق ذكر أدلة اشتراطه، ومنع تولية الكافر، فهو شرط ابتداء وشرط انتهاء لتولية الإمامة([2])، فإذا ارتد الإمام –والعياذ بالله- أو أظهر منه من يخرجه من الملة خرج من الإمامة فوراً. (1/217)
صفحة 218
ثالثاً: اتصال مناطق حكم الأئمة:
قلنا في الشروط العامة للعقد إن الإباضية، والإمام الجويني، والشوكاني، وغيرهم؛ يجوزون تعدد دول الإمامة بسبب يمنع من أن تكون دولة واحدة([3])، فإذا زالت الأسباب منع التعدد.
ففي هذه الحالة –انتهاء الأسباب المبيحة للتعدد- تنتهي إمامة الإمامين، أو أحدهما إذا تنازل للآخر، لأن حالتهما السابقة كانت لظروف استثنائية، فإذا زالت الظروف لم يبق هناك مبرر لاحتفاظ كل واحد منهما بإمامته.
رابعاً: انتهاء المدة:
قلنا أن هذا الرأي لم يبحثه القدامى لأسباب تعرضنا لها سابقاً، وإنما ذهب إليه بعض المعاصرين، وبالتالي فإن إمامة الإمام تنتهي تلقائياً بانتهاء المدة المنصوص عليها في الدستور –عقد الإمامة- فإن كان فاسقاً ظالماً جائراً فقد تخلصت الأمة منه بدون سفك الدماء وتفريق الأمة([4])، وإن كان عادلاً مستقيماً جددت له البيعة لولاية ثانية؛ ليبقى في منصبه.
خامساً: الأسر:
إذا وقع الإمام أسيراً في قبضة الأعداء؛ فإن كانت إمكانية فكاكه وخلاصة بالفداء أو المن والتفاوض مستحيلة؛ فقد زالت إمامته، وعلى الأمة أن تختار غيره([5]).
وإن كان خلاصه غير ميؤوس منه، بأن كان الذين أسروه هم البغاة والخارجون على الإمامة، فقد ذهب الإباضية إلى جواز بيعة إمام آخر أو انتظار إطلاقه وعودته، فإن تمت البيعة للثاني فهو الإمام على الراجح؛ لأن الأول قد فقد القدرة على القيام بأعباء الحكم، وإن لم يبايع الثاني كان الأول هو الإمام([6]).
وذهب أهل السنة إلى زوال إمامته إذا كان البغاة قد بايعوا إماماً، لأنهم قد انحازوا بدار تفرد حكمها عن الجماعة، وخرجوا بها عن الطاعة، ولأهل الاختيار في دار العدل عقد الإمامة لغيره، فإن خلص المأسور لم يعد للإمامة([7]).
وإن لم يبايع البغاة إماماً فالإمامة باقية للأسير؛ لأن طاعته باقية في أعناقهم، وعلى أهل الاختيار استنابة آخر حتى يخلع المأسور نفسه، أو يموت([8]). (1/218)
صفحة 219
سادساً: اختلال القدرة الجسمية والعقلية:
المقصود باختلال القدرة الجسمية والعقلية، طروء ما يؤثر في قيام الإمام بأعباء الإمامة من فقد الأعضاء، واختلال الحواس، والعقل.
أ- الأعضاء:
ينقسم اختلال الأعضاء وفقدانها بالنسبة لولاية الإمام إلى ثلاثة أقسام:
الأول: اختلال يمنع استدامة الإمامة مثل ذهاب اليدين، أو الرجلين؛ لأن الإمام يصبح عاجزاً عن القيام بمهامه.
الثاني اختلاق لا تأثير له على الإمامة كقطع الأذنين، والذكر والأنثيين، وتشوه الوجه بقطع الأنف أو غيره، فهذا لا يمنع من بقاء الإمامة؛ لأنه لا تأثير له على القيام بشؤون المسلمين.
الثالث: مختلف بين الفقهاء في خروج الإمامة بسببه، وهو فقدان إحدى اليدين أو الرجلين، فقيل يخرج به من الإمامة؛ لأنه عجز يمنع من ابتدائهما فيمنع من استدامتها، وقيل لا يخرج؛ لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة، وفي الخروج منها كمال النقص([9])
ب- الحواس:
اختلف في تأثير نقص الحواس على ولاية الإمام:
1- العمى:
ذهب أهل السنة([10]) والإباضية([11]) في قول إلى أن فقان البصر يمنع من استدامة الإمامة؛ لأن ذهاب البصر »يبطل القضاء ويمنع من جواز الشهادة فأولى أن يمنع من صحة الإمامة«([12])، وأجاز الإباضية بقاء الإمامة في قول آخر([13]).
2- الصمم والخرس:
ذهب فريق من السنة([14]) والإباضية([15]) في قول إلى أنهما يمنعان من استدامة الإمامة فيخرج الإمام »بهما منها كما يخرج بذهاب البصر لتأثيرهما في التدبير والعمل«([16]).
وذهب آخرون من المذهبين إلى خلافه لأن الإشارة تقوم مقام العبارة، واشترط بعضهم الكتابة لعدم خروجه، وإلا فيمنع بقاؤه([17])، هذا، ولا خلاف بين الفقهاء في أن ثقل السمع، وضعف البصر، وتمتمة اللسان لا تخرج الإمام من الإمامة([18]).
ج- العقل: (1/219)
صفحة 220
لا خلاف بين الفقهاء في عزل الإمام بسبب الجنون والخبل إذا كان([19]) مطبقاً لا يرجى زواله، كما اتفقوا على عدم تأثير الإغماء العارض على بقاء ولاية الإمام؛ لأنه مرض قليل اللبس، سريع الزوال، وقد أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم([20]).
واختلفوا في الجنون الذي تتخلله إفاقة وانتباه، فقيل يمنع من استدامتها، وقيل لا يمنع([21]).
سابعاً: الفسق والجور:
سبق وأن بينا في الشروط الخاصة أن العدالة شرط لصحة انعقاد الإمامة، وأن الإمام يبقى في منصبه ما دام شرط العدالة متحققاً فيه.
لكن إذا كانت العدالة شرط للانعقاد فهل افتقادها وانتفاؤها سبب يخرج به الإمام من إمامته؟
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
القول الأول: الفسق سبب يخرج به الإمام من الإمامة، ويصبح ليس أهلاً لها، وهو قول الإباضية([22]) والمالكية([23]) وقول للشافعية([24]) والمشهور عن أبي حنيفة([25]) وهو مذهب المعتزلة([26]) والخوارج([27]) فالإمام عند أصحاب هذا القول يخرج من الإمامة إذا ظهر فسوقه، بلغ حد الكفر أو لم يبلغ([28])، وسواء أكان الفسق بالتأويل أو بأفعال الجوارح.
الأدلة: استدل أصحاب هذا القول بأدلة:
1- قوله تعالى: ]لا ينال عهدي الظالمين[([29]).
قال صاحب الكشاف: »وفي هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة«؟([30]).
2- الأحاديث التي تفيد السمع والطاعة للإمام بطاعته لله ورسوله والعمل بالكتاب والسنة، وتنفيذ الأحكام، ومنها ما رواه أحمد في مسنده عن أنس أن معاذ بن جبل قال: »يا رسول الله، أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمن لا يصلح الله تعالى «([31]).
3- ثبت بإجماع الصحابة أن الإمام يجب أن يخلع بحدث منه يجري مجرى الفسق([32]). (1/220)
صفحة 221
4- إن الغاية من تولية الإمام تنفيذ الأحكام، وإقامة العدل، واستيفاء الحقوق، والنظر في مصالح الأيتام والمجانين وحفظ أموالهم، وما في الإمام من الفسق »يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها، فول جوزاً أن يكون فاسقاً أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله«([33]).
القول الثاني: لا يخرج الإمام من الإمامة بالفسق، ويبقى في الإمامة حتى يظهر منه الكفر أو ترك الصلاة، وهو قول الحنابلة([34]) والحنفية([35])، وقول عند الشافعية([36])، قال القاضي عياض: »وقال جمهور أهل السنة من الفقهاء المحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه«([37]).
الأدلة: استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1- النصوص النبوية التي تأمر بطاعة الإمام والصبر تحت ولايته وإن فسق وظلم، ومنها حديث عبادة بن الصامت قال: »دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه فكان مما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهاناً«([38]).
2- انقياد السلف للأئمة والأمراء الذين جاءوا بعد الخلفاء الراشدين مع ظهور فسقهم، وانتشار جورهم، وقد صلى الصحابة خلف بعض بني أمية وقبلوا الولاية عنهم([39]).
3- إن العصمة ليست بشرط ابتداء فبقاء أولى([40]).
القول الثالث: إذا كان الفسق في الأفعال وهو فسق الجوارح فإنه يخرج الإمام بسببه من الإمامة، وإذا كان الفسق في الاعتقاد بسبب تأويل أو شبهة فلا يخرج بسببه، ويبقى على إمامته، قياساً على القضاء والشهادة([41]).
ثامناً: العزل بالثورة المسلحة »الخروج على الأئمة«: (1/221)
صفحة 222
لما كان الإمام الذي يظهر منه الفسق والظلم والجور قد أصبح غير كفء لمنصب الإمامة والقيادة في الدولة الإسلامية، كان ينبغي عليه أن يترك هذا المنصب الذي ما اختارته الأمة ليشغله إلا ثقة في عدله واستقامته ونزاهته، وبالتالي فالمنطق يحكم عليه بترك الإمامة، وإذا لم يبادر إلى ذلك فعلى الأمة أن تطالبه بالاستقالة، والخروج من الإمامة لإخلاله بالعقد والعهد.
فإن استجاب إلى مطالب الأمة وترك الأمر للمسلمين يختارون من يشاؤون فيها ونعمت.
ولكن، ولأن النفس قد طبعت على حب الذات، ولأن هذا الذي ارتكب حدثاً وأصر عليه ما فعل ذلك إلا لخلو قبله من الإيمان، والتقوى والخشية من الله، ناهيك عن عشق الزعامة والرياسة، كل ذلك يجعل الإمام الفاسق يتشبث بمنصبه، ويضرب بعرض الحائط إرادة الأمة، ومصالحها، وليس لديه أدنى وازع أن يسفك الدماء، ويقيد الحريات، ويسجن الشرفاء وقادة الأمة في سبيل بقائه واستدامة إمامته.
فما هو موقف الأمة عامة، وأهل الاختيار خاصة؟ هل يكتفون بالنصح والوعظ والصبر على الظالم والفاسق؟ أم يحملون السلاح ويعلنونها ثورة ضد الظلم والبغي انتصاراً للحق وقمعاً للباطل؟
لقد اختلفت المذاهب الإسلامية في الخروج على أئمة الجور والفسق، وكثرت الاجتهادات، وأصبح المسلمون بين إفراط وتفريط، فتأولوا في ذلك »تأويلات مختلفة، واحتجوا بحجج متناقضة... فقصر بهم –الأئمة- قوم عن منازلهم، وغلا قوم فيهم فحكموا عليهم بما لم تبلغه درجاتهم«([42]).
وقبل أن نستعرض مواقف المذاهب من مسألة الخروج على أئمة الجور نذكر بإجماعهم على أمرين:
الأول: حرمة الخروج على أئمة العدل، واعتبار كل خارج باغياً يجب على الأمة أن تقف مع الإمام ضده، حتى يعود إلى الجماعة ويقر بالطاعة أو يهلك([43]).
الثاني: وجوب الخروج على الإمام متى ثبت كفره أو ردته عن الإسلام، ورفض الاعتزال([44]).
أما الخروج على أئمة الجور فقد كانت أراء المذاهب كما يلي: (1/222)
صفحة 223
القول الأول: وجوب الخروج مطلقاً، دون اعتبار للقوة والعدد أو لاحتمال الفشل أو النصر، وهذا رأي الأزارقة والصفرية والنجدات([45]).
القول الثاني: جواز الخروج إذا توفرت أسباب النجاح، وهو رأي الإباضية([46])، والمعتزلة([47])، والزيدية([48])، وبعض أهل السنة([49])، وحكى ابن حزم هذا الرأي عن بعض الصحابة والتابعين([50])، وقال: »وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حي وشريك ومالك الشافعي وداود وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه، وإما فاعل ذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكراً...«([51]).
القول الثالث: لا يجوز الخروج ويحرم سل السيوف في وجه أئمة الجور، وعلى الأمة الصبر على جورهم، وهو مذهب جمهور السنة من المتكلمين والفقهاء([52])، وأهل الحديث([53])، وحكي عن فريق من الصحابة كابن عمر وسعد وأسامة ومحمد بن مسلمة([54])، ورجحه الشوكاني([55]).
الأدلة:
أولاً: أدلة القائلين بالصبر وتحريم الخروج:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة، منها:
1- ما رواه البخاري ومسلم –واللفظ له- عن عبادة بن الصامت قال: »دعانا رسول الله e فبايعناه، فكان مما أخذنا علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان«([56]).
2- عن عوف بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من المعصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً عن طاعة«([57]). (1/223)
صفحة 224
3- روى البخاري عن زيد بن وهب قال: سمعت عبدالله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم »إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم«([58]).
4- وعن أسيد بن حضير أن رجلاً من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ قال: إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض«([59]).
5- وعن عبدالله بن عمررضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: »من خلع يداً عن طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية«([60]).
6- وعنه t أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: »لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض«([61]).
7- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذاً فليعذه«([62]).
8- ما رواه مسلم عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فاسمع وأطع«([63]).
9- روى البخاري ومسلم عن أبي رجاء العطاردي قال: »سمعت ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإن من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية«([64]). (1/224)
صفحة 225
10- آثار وفعل الصحابة والتابعين، فقد كانوا يصلون خلف الظلمة، وينهون عن الخروج والاشتراك في الفتنة، فقد نهى عبدالله بن عمر وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين المسلمين عن القتال والخروج على يزيد يوم الحرة، كما كان الحسن البصري ومجاهد ينهون عن الخروج مع ابن الأشعث([65]).
قال ابن تيميه: »ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلموصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين«([66]).
11- وقالوا: إن الخروج على الأئمة يؤدي إلى سفك الدماء وتمزيق الأمة، وإيقاد الفتنة، وفي ذلك منكر أعظم من البقاء تحت جورهم والصبر على أذاهم([67])، »قل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر، أعظم مما تولد من الخير«([68]).
ثانياً: أدلة القائلين بالخروج:
1- قوله تعالى: ]لا ينال عهدي الظالمين[([69]).
فالظالم والجائر ليس من أهل هذا العهد، قال أبو الحسن البسيوي: »تنزيهاً للإمامة ورفعها لقدرها من أن ينالها عات أو يتحلى باسمها باغ«([70])، وقال العلامة ابن خويز منداد المالكي: »الظالم لا يصلح أن يكون خليفة، ولا حاكماً ولا مفتياً ولا شاهداً، ولا راوياً، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد«([71]).
2- الآيات والأحاديث الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([72]). (1/225)
صفحة 226
3- ما رواه مسلم عن ابن مسعودرضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل«([73])، قال ابن رجب: »وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد«([74]).
4- قوله صلى الله عليه وسلم »استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم أبيدوا خضرائهم«([75]).
قال السالمي: »والمعنى اقتلوا جماهيرهم وفرقوا جمعهم وفي هذا دليل على جواز الخروج على أئمة الجور«([76]).
5- إجماع الصحابة على الخروج على الجائرين والظالمين فهو: »قول علي وكل من معه من الصحابة، وأم المؤمنين وطلحة والزبير وكل من معهم من الصحابة، ومعاوية وكل من معه من الصحابة، وابن الزبير والحسن بن عليهماالسلام، وكل من قام في الحرة من الصحابة والتابعين وغيرهم«([77])، فهؤلاء قد خرجوا على أهل الظلم والجور، وأجمعوا على الخروج »وإن اختلفت مقاصدهم ودعاويهم، فإن جميع وقائعهم إنما كانت بادعاء الجور على من خرجوا عليه، صدقت الدعوى أو كذبت... وما فيهم من يدعي شرك من خرجوا عليه، ولكن تعللات لو صحت ما زادت على كفر النعمة فعلمنا بذلك صحة الخروج على أئمة الجور بالإجماع المذكور«([78]).
اعتراضات المجوزين على أدلة المانعين:
1- واعترضوا على استدلال المانعين بأحاديث الأمر بالوفاء بالبيعة وعدم منازعة الأمر أهله، بأن تلك الأحاديث تتجه إلى أئمة العدل الذي يعملون بأوامر الله، فهم الذين تجب لهم الطاعة، لأنهم: »المنفذون لأحكامه، المحافظون على حدوده، فإذا خالفوا أمر الله تعالى ونبذوا أحكامه وتعدوا حدوده فليسوا بأهل للأمر وليس لهم على الناس طاعة«([79]). (1/226)
صفحة 227
2- وأما الأمر بلزوم جماعة المسلمين، فالجماعة المقصودة هي التي تتمثل سيرة المهاجرين والأنصار، فهي الجماعة وكل »من دعا إليها وتمسك بعصمتها واتبع أثرها وهداها، ومنهاجها ومعالمها وحدودها«([80]).
3- ويرد ابن حزم على المانعين بأن الأحاديث الآمرة بالخروج ناسخة للأخبار التي فيها خلاف ذلك؛ لأن تلك موافقة لما عليه الدين قبل الأمر بالقتال، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باقٍ مفترض لم ينسخ، فهو الناسخ لخلافة بلا شك([81]).
4- واعترضوا على استدلالهم بالأحاديث التي تدعو إلى الصبر تحت حكم الجورة بأنه لا تعارض بينها وبين أدلة الخروج؛ لأن أدلة الصبر تدل »على أن أولئك الأمراء يتغلبون على البلاد ويقهرون العباد فلا يقدرون عليهم بشيء، فأمرهم عند ذلك بالصبر لتعذر الحيلة«([82]).
5- وقالوا –رداً على استدلالهم بموقف الصحابة والتابعين من بني أمية أنهم كانوا-: »يأخذون أرزاقهم من أيدي هؤلاء الظلمة لا على أنهم كانوا يتولونهم ولا يرون إمامتهم، وإنما كانوا يأخذونها على أنها حقوق لهم في أيدي هؤلاء الفجرة«([83]).
الرأي المختار:
إذا كان لابد للباحث من رأي يختاره في هذه القضية، فإنه يختار رأي القائلين بجواز الخروج على أئمة الجور والفسق، ذلك لأن إفراد منهج الله في الأرض أهم من الصبر تحت الإمام الفاسق والحاكم الجائر، والحاكم مهما بلغ من الفسق والظلم فإنه لن يجاهر بالكفر الذي يخرجه من الإسلام؛ لأنه يعلم الآثار المترتبة على ذلك، وهانحن نرى معظم زعماء الأمة اليوم يؤمون المساجد في الجمعة الأعياد، ويقيمون الصلاة مع ما يقترفون من جرائم وما ينتهكون من حرمات، أفيصح أن يقال: »لا، ما أقاموا فيكم الصلاة«؟!. (1/227)
صفحة 228
وإذا كانت الشعوب لا تدين بالإسلام تثور ضد حكامها إذا ما خرقوا الدستور، واعتدوا على حرية الشعب وكرامته، وتبذل في سبيل ذلك الدماء والأرواح أفيضن المسلمون بدمائهم وأرواحهم وأموالهم في سبيل الحفاظ على حرمات الله وأحكامه وحدوده؟!.
أي مذلة وأي إهانة تلك التي تصيب الإنسان المسلم وهو يرى الحاكم يأخذ ماله ويضرب جسده وينتهك حرمات دينه ثم لا يثور ولا يغضب؟ إن الصبر على محاربة الظالم والوقوف في وجهه أفضل وأكرم من الصبر على ظلمه، والركون والاستكانة تحت جوره وبطشه.
حاشا للإسلام وحاشا رسوله أن يطلب من أتباعه وأمته السكوت على الظلم، وكيف يطلب منهم ذلك وهو الذي يقول: »إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقل له إنك أن ظالم فقد تودع منهم«([84]) ويقول في جهاد الظلمة »فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل«([85]).
وأخيراً فإن الله تعالى يقول: ]ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون[([86]) وأي ركون أعظم من الدعاء لهم، والكف عن جهادهم، وإقناع الأمة بالصبر على ظلمهم؟!
إلا أننا نرى ضرورة توافر الشروط التالية للوصول إلى الأهداف المبتغاة من إعلان الثورة والخروج على البغي والظلم، والشروط هي:
1- أن يرفض الإمام الجائر أو الفاسق قبول النصيحة من أهل الاختيار ويصر على فسقه وجوره.
2- أن يقرر أهل الاختيار عزله فلا يعتزل ويصر على الاحتفاظ بمنصبه.
3- أن تتوفر أسباب النجاح في الخروج، ويكون لدى المسلمين من القوة والعدة والعدد ما يغلب على ظنهم القدرة على إقصاء الإمام الجائر وكسر شوكته.
أن تكون المفسدة الحاصلة من بقاء الإمام أكبر من المفسدة المتوقعة من الخروج عليه.
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) سورة الزمر: الآية (30).
([ (1/228)
صفحة 229
2]) السير: 1/131، ابن حجر: فتح الباري: 13/123، النووي: صحيح مسلم بشرح النووي: 12/229.
([3]) راجع ص .
([4]) أبو فارس: النظام السياسي: ص274.
([5]) السالمي: تحفة الأعيان: 1/207، الماوردي: الأحكام: 18، أبو يعلي: الأحكام: ص22، القلقشندي: مآثر: 1/70.
([6]) السالمي: تحفة الأعيان: 1/207.
([7]) الماوردي: الأحكام: ص19، أبو يعلي: الأحكام: ص23، القلقشندي: مآثر: 1/70.
([8]) المراجع السابقة.
([9]) الماوردي: الأحكام: 17-18، أبو يعلي: الأحكام: ص22، وانظر: الكندي (الشيخ أحمد بن عبدالله): الاهتداء: ص70.
([10]) الماوردي: الأحكام: ص16، أبو يعلي: الأحكام: ص21.
([11]) الكندي: المصنف: 10/200، السير: 1/131.
([12]) المراجع السابقة.
([13]) السير: 1/131، الماوردي: الأحكام: 17.
([14]) أبو يعلي: الأحكام: ص21.
([15]) السالمي: جوهر النظام: 2/122.
([16]) الماوردي وأبو يعلي: ص17، 21، على الترتيب.
([17]) السير: 1/131، الكندي: 10/220.
([18]) الماوردي: الأحكام: ص17.
([19]) شرح النيل: 14/311، السير: 1/131، الكندي: الاهتداء: ص170، الماوردي: الأحكام: 16، القلقشندي: مآثر: 1/66.
([20]) الماوردي: الأحكام: 16.
([21]) المرجع السابق.
([22]) القرطبي: 1/271، 2/109.
([23]) الماوردي: الأحكام: ص15، الجويني: الإرشاد: ص358.
([24]) الجصاص: أحكام القرآن: 1/70.
([25]) السير: 1/36، 80، 156، 2/299، الكندي: المصنف: 10/215.
([26]) القاضي: عبدالجبار: المغني: ج20 ق2/170.
([27]) الأشعري: مقالات الإسلاميين: ص125.
([ (1/229)
صفحة 230
28]) للإباضية تفصيل في الفسق الذي يخرج به الإمام من الإمامة، قال الإمام محمد بن محبوب بن الرحيل (من علماء القرن الثالث الهجري): »فإن كان الإمام ركب معصية مكفرة من الكبائر المكفرات استحق البراءة من حين ركب واستتيب، فإن تاب رجع إلى إمامته وولايته، وإن أصر كان على كفره، وانخلعت ولايته وزالت إمامته، ووجبت عداوته، وحل عزله وقتاله، حتى يعتزل أمر المسلمين، فإن كانت معصيته ليست من الكبائر لم يبرأ منه، ولم يخلعه حتى يستتيبه، فإن تاب قبل منه وثبتت ولايته وإمامته، وإن أصر كفر بإصراره، وزالت إمامته وولايته ووجبت عداوته، وحل عزله ومجاهدته حتى يعتزل أمر المسلمين أو يتوب، وإن كانت معصيته مما توجب عليه حداً من حدود الله زالت إمامته تاب أو أصر، وأقام المسلمون إماماً غيره يتولى إقامة الحد عليه، فإن تاب بعد إقامة الحد عليه قبلت توبته وثبتت ولايته ولا يرجع إلى إمامة المسلمين وكان الإمام الذي أقاموه لإقامة الحد عليه إمامهم«، السير: 2/244-245.
([29]) سورة البقرة: الآية (124).
([30]) 1/137.
([31]) 1/213.
([32]) القاضي عبدالجبار: المغني: ج2 ق2/203.
([33]) القرطبي: أحكام: 1/271.
([34]) أبو يعلي: الأحكام: ص20.
([35]) الكمال: المسامرة: ص323.
([36]) النووي: الروضة: 10/48، ابن جماعة: تحرير: ص72.
([37]) شرح النووي على صحيح مسلم: 12/229.
([38]) صحيح مسلم بشرح النووي: 12/288.
([39]) التفتازاني: العقائد النسفية: ص145، الكمال: المسامرة: ص323.
([40]) النووي: شرحه على صحيح مسلم: 12/228.
([41]) الماوردي: الأحكام: ص16.
([42]) السير: 1/156.
([43]) راجع ص وانظر: الشقصي: منهاج الطالبين: 8/76.
([44]) راجع ص وانظر صحيح مسلم بشرح النووي: 12/229.
([45]) الوارجلاني: الدليل والبرهان: 2/77، الأشعري: مقالات: 1/125.
([ (1/230)
صفحة 231
46]) الوارجلاني: الدليل والبرهان: 2/77، الكندي: المصنف: 10/215، أطفيش: شرح النيل: 14/311، السالمي: شرح الجامع: 1/81، على يحيى معمر: الإباضية بين الفرق: 343.
([47]) القاضي: عبدالجبار: المغني: ج20 ق1/203.
([48]) علي عبدالكريم: الزيدية نظرية وتطبيق: 89.
([49]) الأشعري: مقالات الإسلاميين: 1/150، ابن حزم: الفصل: 5/20.
([50]) الفصل: 5/19.
([51]) المرجع السابق: 5/23.
([52]) الأشعري: مقالات: 1/150، ابن تيميه: منهاج: 2/87، النووي: شرحه على صحيح مسلم: 12/ 229.
([53]) ابن تيميه: المرجع السابق: 5/229.
([54]) ابن حزم: المرجع السابق: 5/19.
([55]) نيل الأوطار: 7/175.
([56]) فتح الباري: 13/5، شرح النووي: 12/228.
([57]) رواه مسلم: 12/245.
([58]) رواه البخاري: 13/5.
([59]) رواه مسلم: 12/235.
([60]) رواه مسلم: 12/241.
([61]) رواه البخاري: 13/26.
([62]) رواه البخاري: 13/30.
([63]) رواه مسلم: 12/ 238.
([64]) اللفظ للبخاري: فتح الباري: 13/5، صحيح مسلم بشرح النووي: 12/239.
([65]) ابن تيميه: منهاج السنة: 2/241.
([66]) نفس المرجع والجزء والصفحة.
([67]) النووي: صحيح مسلم بشرح النووي: 12/229، ابن تيميه: منهاج السنة: 2/87.
([68]) ابن تيميه: منهاج السنة: 2/241.
([69]) سورة البقرة: الآية (124).
([70]) السير: 2/175.
([71]) القرطبي: الجامع: 2/109، وانظر: الرازي: التفسير الكبير: م2 ج4/46.
([72]) أنظر ص من هذا البحث.
([73]) صحيح مسلم بشرح النووي: 2/27.
([74]) جامع العلوم والحكم: 304.
([75]) السالمي: شرح الجامع: 1/81، وانظر: مجمع الزوائج للهيثمي: 5/95.
([76]) شرح الجامع الصحيح: 1/81.
([77]) ابن حزم: المحلى: 9/362.
([78]) السالمي: شرح الجامع: 1/81-82.
([79]) السالمي: شرح الجامع: 2/284.
([80]) السير: 2/359.
([81]) المحلى: 9/362.
([82]) السالمي: شرح الجامع: 1/82.
([ (1/231)
صفحة 232
83]) الجصاص: أحكام القرآن: 1/71.
([84]) سبق تخريجه.
([85]) سبق تخريجه.
([86]) سورة هود: الآية (113).
الخاتمة
بعد هذه الدراسة المقارنة خرجت بحصيلة من النتائج أهمها ما يلي:
1- الدولة الإسلامية فريضة اقتضتها طبيعة الإسلام ونصوصه الثابتة، وعلى أهل الاختيار من العلماء والزعماء والمفكرين تقع مسئولية إقامتها ودفع الأمة للسعي من أجلها.
2- الإيمان بالله وتطبيق أحكامه، والعدل، والشورى، والمساواة، قواعد ثابتة يقوم عليها نظام الإمامة، وهي مترابطة فيما بينها تأثراً وتأثيراً، والإخلال بأي منها إخلال بجميعها.
3- الغاية من الإمامة توحيد الله سبحانه، والعمل على إسعاد الناس في دنياهم وأخراهم، وإصلاح الفرد والجماعة، روحياً، وخلقياً، وجسمياً، وهي –لا ريب- غاية تقصر دونها غايات جميع الأنظمة والنظريات السياسية المعاصرة.
4- الإمام عقد وكالة، أو قريباً منه، طرفاه الأمة ممثلة في أهل الاختيار »الموكل«، والإمام »الوكيل«.
5- لتولية الإمام أربع طرق، لكنها متفاوتة من حيث المشروعية، وهي:
أ- طريق الاختيار، وهو الطريق الشرعي الصحيح لتولية الإمام.
ب- طريق الاستخلاف، ويلجأ إليه عند الضرورة، كأن يمرض الإمام مرضاً خطيراً أو يستجرح والأمة في حالة حرب مع دول الكفر والبغي، ويتم ذلك بتفويض مسبق من أهل الاختيار، ورضى بالمرشح للإمامة.
ج- تولية الإمام بالقهر والغلبة، وبالنص، طريقان لا دليل لجوازهما في بعد الخلافة الراشدة، وبالتالي لا يعتد بهما.
6- »عقد« الإمام لا يثبت إلا بتوفر شروط أهمها:
أ- وجود القدرة المادية والعلمية والعسكرية.
ب- توفر الرضى والقبول من طرفي العقد.
ج- عدم توفر إمام عام تلزم جميع المسلمين طاعته واتباعه.
د- توفر الشروط التي اشترطها الفقهاء في طرفي العقد. (1/232)
صفحة 233
7- لا يجوز تعدد الإمامة، وعلى المسلمين إقامة دولة إسلامية واحدة تضم جميع المسلمين في الأرض، إلا إذا تعذر ذلك بسبب من الأسباب المانعة، فلكل إقليم أن يقيم الدولة الإسلامية حتى إذا اتصلت الأقاليم وجب انصهارها في إمامة واحدة.
8- الإسلام، والعدالة، والذكورة، والكفاءة في طرفي العقد، شروط لصحة »عقد« الإمام، وما سواها من الشروط محل اختلاف بين الفقهاء ولأهل الاختيار مراعاة حاجة العمر وظروف الأمة.
9- شرط القرشية في الإمام شرط أفضلية اقتضته الظروف التي كانت ماثلة أمام الصحابة في العصر الأول، وليس شرطاً لصحة العقد.
10- »عقد« الإمامة يمر بمراحل ثلاث هي: الترشيح، بيعة الانعقاد، البيعة العامة.
11- يثبت »العقد« حقوقاً وواجبات، فللإمام الطاعة والنصرة والولاية، وعليه واجب تنظيم الجهاز الإداري والمالي للدولة، وحماية الإسلام وتطبيق أحكامه، ودعوة العاملين إليه، وغيرها من الحقوق والواجبات.
12- الشورى في الحكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، واجبات ومسئوليات مشتركة بين الإمام والأمة، كل حسب طاقته وموقعه في المجتمع.
13- لمجلس الشورى وضع وإقرار التشريعات التي تؤدي إلى تحقيق مصالح الأمة على ألا تتعارض مع الأحكام الشرعية ومقاصد الشريعة.
14- قرارات مجلس الشورى ملزمة للإمام، ويستثنى منها القرارات ذات الطابع الفقهي التي لا تحظى بإجماع المجلس، فللإمام أن يعمل بأي الرأيين شاء.
15- يجوز تحديد مدة ولاية الإمام لفترة زمنية، إذ لا يوجد نص أو إجماع يمنع ذلك، ويبقى لأهل الاختيار تجديد ولايته أو اختيار غيره.
16- استقالة الإمام بغير عذر جائز بشرطين:
أ- موافقة أهل الاختيار.
ب- وجود الكفء لمنصب الإمامة. (1/233)
صفحة 234
17- للإمام جميع الصلاحيات التي تترتب على عقد الإمام حتى يصدر منه ما يخرجه من الإمامة، كالكفر والفسق وعدم القيام بواجب من واجبات الإمامة، أو يطرأ عليه سبب يؤدي به إلى العجز عن ممارسة صلاحياته، كاختلال القدرة الجسمية أو العقلية.
18- يعزل الإمام بقرار من أهل الاختيار، وعلى الإمام الالتزام بالقرار، وإلا فلأهل الاختيار إجباره على ذلك بالقوة.
19- يجوز الخروج على أئمة الجور وعلى أهل الاختيار تقدير الموقف، ومراعاة الظروف والعمل بما يؤدي إلى حفظ الملة ووحدة الأمة.
»الملخص«
كان الصراع حول الحكم والإمامة فبعد الخلافة الراشدة إيذاناً ببداية تفرق الأمة الإسلامية إلى أحزاب ومذاهب، إذ أن الصراع الذي دار بين الأمويين –المغتصبين للسلطة- من جهة، والشيعة الخوارج والإباضية من جهة أخرى، قد تمخض عن خلاف فكري وعقائدي، وكان للإمامة –باعتبارها بذرة الخلاف- نصيب وافر من ذلك الاختلاف، وتلك المناظرات، ثم التنظير والتقعيد بعد ذلك، الأمر الذي وسع من شقة الخلاف بين الأطراف المتصارعة وباعد ما بين أبناء الأمة الواحدة، وغدا كل حزب بما لديهم فرحون.
ومهما يكن من أمر، فإن ذلك الاختلاف قد خلف لنا تراثاً فقهياً ثرياً، سواء فيما يتصل بالإمامة حكماً وتكييفاً، أو ما يتعلق بتولية الإمام وحقوقه وواجباته.
وقد اخترت أن تكون دراستي لفقه الإمامة دراسة فقهية مقارنة بين المذاهب السبعة (الإباضي، والمالكي، والحنفي، والشافعي، والحنبلي، والزيدي، والإمامي)، آخذاً بعين الاعتبار آراء الفرق والمذاهب التي لم يعد لها وجود حي وإنما بقيت مبادؤها واجتهاداتها في بطون الكتب.
هذا، وقد بدأت الدراسة بتمهيد حول نشأة الدولة الإسلامية والخلافة الراشدة، ثم تحدثت عن الإمامة تعريفاً، وحكماً، وتكييفاً، وطرق تولية الإمام، وشروطه وعزله.
وبعد تلك الدراسة المقارنة خرجت بحصيلة من النتائج أهمها ما يلي: (1/234)
صفحة 235
1- الدولة الإسلامية فريضة اقتضتها طبيعة الإسلام ونصوصه الثابتة، وعلى أهل الاختيار من العلماء والزعماء والمفكرين تقع مسئولية إقامتها ودفع الأمة للسعي من أجلها.
2- الإيمان بالله وتطبيق أحكامه، والعدل، والشورى، والمساواة، قواعد ثابتة يقوم عليها نظام الإمامة، وهي مترابطة فيما بينها تأثراً وتأثيراً، والإخلال بأي منها إخلال بجميعها.
3- الغاية من الإمامة توحيد الله سبحانه، والعمل على إسعاد الناس في دنياهم وأخراهم، وإصلاح الفرد والجماعة، روحياً، وخلقياً، وجسمياً، وهي –لا ريب- غاية تقصر دونها غايات جميع الأنظمة والنظريات السياسية المعاصرة.
4- الإمام عقد وكالة، أو قريباً منه، طرفاه الأمة ممثلة في أهل الاختيار »الموكل«، والإمام »الوكيل«.
5- لتولية الإمام أربع طرق، لكنها متفاوتة من حيث المشروعية، وهي:
أ- طريق الاختيار، وهو الطريق الشرعي الصحيح لتولية الإمام.
ب- طريق الاستخلاف، ويلجأ إليه عند الضرورة، كأن يمرض الإمام مرضاً خطيراً أو يستجرح والأمة في حالة حرب مع دول الكفر والبغي، ويتم ذلك بتفويض مسبق من أهل الاختيار، ورضى بالمرشح للإمامة.
ج- تولية الإمام بالقهر والغلبة، وبالنص، طريقان لا دليل لجوازهما في بعد الخلافة الراشدة، وبالتالي لا يعتد بهما.
6- »عقد« الإمام لا يثبت إلا بتوفر شروط أهمها:
أ) وجود القدرة المادية والعلمية والعسكرية.
ب) توفر الرضى والقبول من طرفي العقد.
ج) عدم توفر إمام عام تلزم جميع المسلمين طاعته واتباعه.
د) توفر الشروط التي اشترطها الفقهاء في طرفي العقد.
7- لا يجوز تعدد الإمامة، وعلى المسلمين إقامة دولة إسلامية واحدة تضم جميع المسلمين في الأرض، إلا إذا تعذر ذلك بسبب من الأسباب المانعة، فلكل إقليم أن يقيم الدولة الإسلامية حتى إذا اتصلت الأقاليم وجب انصهارها في إمامة واحدة. (1/235)
صفحة 236
8- الإسلام، والعدالة، والذكورة، والكفاءة في طرفي العقد، شروط لصحة »عقد« الإمام، وما سواها من الشروط محل اختلاف بين الفقهاء ولأهل الاختيار مراعاة حاجة العمر وظروف الأمة.
9- شرط القرشية في الإمام شرط أفضلية اقتضته الظروف التي كانت ماثلة أمام الصحابة في العصر الأول، وليس شرطاً لصحة العقد.
10- »عقد« الإمامة يمر بمراحل ثلاث هي: الترشيح، بيعة الانعقاد، البيعة العامة.
11- يثبت »العقد« حقوقاً وواجبات، فللإمام الطاعة والنصرة والولاية، وعليه واجب تنظيم الجهاز الإداري والمالي للدولة، وحماية الإسلام وتطبيق أحكامه، ودعوة العاملين إليه، وغيرها من الحقوق والواجبات.
12- الشورى في الحكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، واجبات ومسئوليات مشتركة بين الإمام والأمة، كل حسب طاقته وموقعه في المجتمع.
13- لمجلس الشورى وضع وإقرار التشريعات التي تؤدي إلى تحقيق مصالح الأمة على ألا تتعارض مع الأحكام الشرعية ومقاصد الشريعة.
14- قرارات مجلس الشورى ملزمة للإمام، ويستثنى منها القرارات ذات الطابع الفقهي التي لا تحظى بإجماع المجلس، فللإمام أن يعمل بأي الرأيين شاء.
15- يجوز تحديد مدة ولاية الإمام لفترة زمنية، إذ لا يوجد نص أو إجماع يمنع ذلك، ويبقى لأهل الاختيار تجديد ولايته أو اختيار غيره.
16- استقالة الإمام بغير عذر جائز بشرطين:
أ- موافقة أهل الاختيار.
ب- وجود الكفء لمنصب الإمامة.
17- للإمام جميع الصلاحيات التي تترتب على عقد الإمام حتى يصدر منه ما يخرجه من الإمامة، كالكفر والفسق وعدم القيام بواجب من واجبات الإمامة، أو يطرأ عليه سبب يؤدي به إلى العجز عن ممارسة صلاحياته، كاختلال القدرة الجسمية أو العقلية.
18- يعزل الإمام بقرار من أهل الاختيار، وعلى الإمام الالتزام بالقرار، وإلا فلأهل الاختيار إجباره على ذلك بالقوة. (1/236)
صفحة 237
19- يجوز الخروج على أئمة الجور وعلى أهل الاختيار تقدير الموقف، ومراعاة الظروف والعمل بما يؤدي إلى حفظ الملة ووحدة الأمة.
علي بن هلال بن محمد العبري
On the whole that comparative study left me with an outcome or certain findings of which the most sihnificant elements are the following:-
1- the Islamin state is prerequisite necessitated by islam and its firm provisions, henceforth, the elite represented in the Ulamma, intellect uals and leaders are weighted with the responskbillity of causing ig into emergence and urging the nation to seek its establishment.
2- Belief in Alla and abiding by Hks provisions, justice, counselling, and equality are rigid rules upon which the Imama rests, and are linked together organically in a way that the3 violation of one would affect necessarily the others.
3- The goal behind Imama is the theism ( momo – belief in Alla). Causing people to be in bliss in their life and the life after, reforming individuals and community, spiritually, physically, and morally - . Moreover, Imama is a goal that cannot be matched by any modern political theory or regime.
4- The Imama is more less a contract of attorneyship with its parties the client, as represented by the elite, and the attorney.
5- The appointment of the Imam is determined by four methods, though different from one another in terms of permissibility:-
a) method of Election- the most permissible one in terms of accuracy. (1/237)
صفحة 238
b) Method of succesion-: It is permissible at emergency that may be instanced by the gravity of the illaness of the Imam or his affliction with an injury in a war against any immoral or infidel country. Moreover, it is accomplished by means of a prior delegation from the elite stipulated by the approvat of the candidate himself.
c) Method of force and predominance: It is helplessly one of the consequences of the political and ideological conflict.
6- contract of Imama can be valid only through the following conditions:-
a) The availability of military and scientific and materialo potentials
b) The mutual satisfaction of the two parties involved.
c) The absence of a General Imam ruling the State in the meantime.
d) The applicability of all conditions given forth by Ulama in the contract.
7- Multi – Imama is completely forbidden unless Muslims at the time are disunited politically.
8- Prerequisites for the Imama are Islam, justice, maleness, and competence unless other elements or variations are resorted to under the cmpelling circumstances of the time.
9- The Preference on Kurashite ancestry is a provisional necessity and is no more applicable.
10- Phases of Imama are, nomination, the sessioanl consent, and the public consent.
11- The duties and reghts the Imam are: Loyalty, protection, systemisation of the state administratively and financially, and defeding Islam ant heralding it every where.
12- Counselling, calling for good and admonishing against vice are mutual duties to be carried out by the Imam and the nation. (1/238)
صفحة 239
13- Al-Shoura Majles ( Consultative Council ) is entrusted with enactment and legislations that fit in with the Islamic provisions.
14- The bills and resolutions adopted by Al-Shoura Majles are biding to the Imam as long as it is taken by consensus.
15- The term of the Imama is capable of being fixed since there is nothing that dictates or prescribes otherwise in Islam provisions.
16- Unexcusable resignation ot the Imam can be permitted only
a) Through the consent of the elite
b) Through the prevalence of a competent successor
17- The Imam is entrusted with all the power and reghts allowed by the contract of Imama uless he has been proved to be Kafir ( atheist ) or immoral or derilict or handicapped or insane. Under such deviations he must be removed from office.
18- The abdication of the Imam must be adopted by a resolution from the elite, or by force in case of refusal by the Imam.
19- Tyrannical Imams are liable to be disobeyed in a way that retains the unity of the nation as a whole.
Ali Bin Hilal AL-Abri.
قائمة المراجع
أولاً: التفسير:
ابن الجوزي (أبو الفرج عبدالرحمن)، (ت 597ه).
1ــ زاد المسير في علم التفسير، ط(3)، المكتب الإسلامي، 1404ه.
ابن كثير، (أبو الفداء إسماعيل القرشي)، (ت 774ه).
2 ــ تفسير القرآن العظيم، تحقيق د. محمد إبراهيم البنا وآخرون، دار الفكر العربي.
الجصاص، (أبو بكر أحمد بن علي)، (ت 370ه).
3 ــ أحكام القرآن، مطبعة الأوقاف الإسلامية بالقسطنطينية، 1335ه.
حوى، (الشيخ سعيد)، (ت1409ه).
4 ــ الأساس في التفسير، ط(1)، دار السلام، بيروت، 1405ه.
الرازي، (فخر الدين محمد بن عمر)، (ت 606ه). (1/239)
صفحة 240
5 ــ التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، ط(1)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت 1401ه.
رضا، (الشيخ محمد رشيد)، (ت 1935م).
6 ــ تفسير البيان في تفسير القرآن، ط(1)، دار المعرفة، 1406ه.
الطبرسي، (الفضل بن الحسن)، (ت 548ه).
7 ــ مجمع البيان في تفسير القرآن، ط(1)، دار المعرفة، 1406ه.
الطبري، (الإمام محمد بن جرير)، (ت 310ه).
8 ــ جامع البيان، ط(2)، دار المعرفة، بيروت، 1392ه.
القرطبي، (أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري)، (ـ 671ه).
9 ــ الجامع لأحكام القرآن، ط(2)، دار الفكر، 1372ه.
قطب، (الشهيد سيد)، (ت 1966م).
10ــ في ظلال القرآن، ط(8)، دار الشروق، 1399م.
القطب، (الإمام محمد بن يوسف أطفيش)، (ت 1332ه).
11ــ تيسير التفسير، طبعة دار إحياء التراث العربي، الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
الألوسي، (شهاب الدين السيد محمود)، (ت 1270ه).
12ــ روح المعاني، ط(2)، دار الطباعة المنيرية بمصر.
النيسابوري، (الحسن بن محمد القمي)، ( ).
13ــ غريب القرآن، المطبوع بهامش جامع البيان للطبري.
ثانياً: الحديث:
ابن حجر، (الحافظ بن علي بن حجر العسقلاني)، (ت 852ه).
14ــ فتح الباري شرح صحيح البخاري، حققه وعلق عليه: د. عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، أشر على طبعه: مجد الدين الخطيب، ورقم أبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبدالباقي، طبعة دار الفكر.
ابن حنبل، (الإمام أحمد)، (ت 256ه).
15ــ مسند الإمام أحمد، وبهامشه مختصر كنز العمال للمتقي علي بن حسام الدين، طبعة دار الفكر.
ابن رجب، (أبو الفرج عبدالرحمن بن شهاب الدين الحنبلي)، (ق 8ه).
16 ــ جامع العلوم والحكم، طبعة دار الجيل، بيروت، 1407ه.
ابن ماجه، (الحافظ محمد بن زيد القزويني)، (ت 275ه).
17 ــ سنن ابن ماجه، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
أبو داود، (سليمان بن الأشعث السجستاني)، (ت 275ه).
18 ــ سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين، طبعة المكتبة العصرية، بيروت. (1/240)
صفحة 241
البخاري، (محمد بن إسماعيل)، (ت 256ه).
19 ــ صحيح البخاري (متن فتح الباري ــ أنظر أعلاه).
الترمذي، (أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة)، (ت 297ه).
20 ــ سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، طبعة دار إحياء التراث القومي، القاهرة.
الدارمي، (عبدالله بن عبدالرحمن السمرقندي)، (ت 255ه).
21 ــ سنن الدارمي، طبعة دار الفكر، بيروت.
الربيع بن حبيب الفراهيدي، (ت 170ه تقريباً).
22 ــ الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، الناشر: مكتبة الاستقامة، مسقط.
السالمي، (نور الدين عبدالله بن حميد)، (ت 1332ه).
23ــ شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، الناشر: مكتبة الاستقامة، مسقط.
النسائي، (أحمد بن شعيب بن علي)، (ت 303ه).
24ــ سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، وحاشية الإمام السندي، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
المحشي، (محمد بن عمر ابن أبي ستة)، (ت 1088ه).
25ــ حاشية الترتيب، الناشر: وزارة التراث القومي.
مسلم (أبو الحسن بن الحجاج القشيري النيسابوري)، (ت 261ه).
26ــ صحيح مسلم بشرح الإمام النووي، طبعة دار الفكر، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، 1401ه.
النووي، (أبو زكريا يحيى بن شرف)، (ت 676ه).
27ــ شرح صحيح مسلم، ، طبعة دار الفكر، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، 1401ه.
الشوكاني، (الشيخ محمد بن علي)، (ت 1250ه).
28ــ نيل الأوطار، طبعة دار القلم، بيروت.
الهيثمي، (نور الدين علي بن أبي بكر)، (ت 807ه).
29ــ مجمع الزوائد، ط(3)، دار الكتاب العربي، بيروت، 1402ه.
ثالثاً: العقيدة:
أ- كتب الإباضية:
ابن جميع، (أبو حفص عمرو)، (ت 8ه).
30ــ مقدمة التوحيد شروحها لأحمد الشماخي وداود التلاتي، صححها وعلق عليها أبو إسحاق أطفيش، بدون ذكر الطبعة والناشر.
القطب، (الشيخ محمد بن يوسف أطفيش)، (ت 1332ه).
31ــ شرح عقيدة التوحيد، نقلاً عن: عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية، (رسالة ماجستير). (1/241)
صفحة 242
القلهاتي، (الشيخ محمد بن سعيد الأزدي)، (ق11ه).
32ــ الكشف والبيان، تحقق د. سيدة كاشف، الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1400ه.
الكندي، (الشيخ سليمان بن محمد بن أحمد)، (ق 14ه).
33- بداية الإمداد شرح غاية المراد، للإمام السالمي، طبعة المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان.
ب- كتب السنة:
ابن أبي شريف، (كمال الدين محمد بن محمد)، (ت 906ه).
34ــ المسامرة شرح المسايرة لابن الهمام، طبعة المكتبة التجارية، مصر.
ابن تيمية، (تقي الدين أحمد بن عبدالحليم)، (ت 758ه).
35ــ منهاج السنة، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
ابن حجر، (الحافظ أحمد)، (ت 984ه).
36ــ الصواعق المحرقة، تقديم وتعليق الأستاذ عبدالوهاب عبداللطيف، الطبعة والناشر غير مذكورين.
ابن حزم، (أبو محمد علي بن أحمد)، (ت 456ه).
37ــ الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق د. محمد إبراهيم، د. عبدالرحمن عميرة، طبعة دار الجيل، بيروت.
ابن الهمام، (كمال الدين بن عبدالواحد)، (ت 861ه).
38ــ المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، مطبعة المكتبة التجارية، مصر.
أبو يعلى، (محمد بن الحسين الفراء)، (ت 380ه).
39ــ المعتمد في أصول الدين، أنظر: أيبش: نصوص الفكر السياسي الإسلامي، طبعة دار الطليعة، بيروت.
الأشعري، (أبو الحسن علي بن إسماعيل)، (ت 1324ه).
40ــ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ط(3)، النشرات الإسلامية.
أيبش، (يوسف).
41ــ نصوص الفكر السياسي الإسلامي، منشورات دار الطليعة، بيروت.
البغدادي، (عبدالقادر بن طاهر التميمي)، (ت 429ه).
42ــ أصول الدين، ط(1)، مطبعة الدولة، استنبول، 1936م.
الباقلاني، (أبو بكر بن الطيب)، (ت 403ه).
43ــ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، تحقيق محمد زاهر الكوثري، (ت 1371ه)، ط(2)، مؤسسة الخانجي، 1382ه.
44ــ التمهيد، نقلاً عن: أيبش: نصوص الفكر السياسي الإسلامي، طبعة منشورات دار الطليعة، بيروت. (1/242)
صفحة 243
التفتازاني، (سعد الدين سعد بن عمر)، (ت 792ه).
45ــ شرح العقائد النسفية للإمام النسفي، طبعة دار إحياء الكتب العربية لأصحابها: عيسى البابي وشركاه.
الجويني، (إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك)، (ت 478ه).
46ــ الإرشاد، تحقيق: سعيد تميم، ط(1)، مؤسسة الكتب الثقافية، 1405ه.
الدهلوي، (شاه عبدالعزيز غلام)، (ت 1239ه).
47ــ التحفة الإثني عشرية، اختصار وتهذيب: السيد محمود شكري الألوسي، طبعة استنبول، تركيا، 1399ه.
الجرجاني، (السيد علي بن محمد).
48ــ شرح المواقف لعضد الدين الأنجي، ط(1)، مطبعة السعادة، مصر، 1325ه.
الرازي، (فخر الدين محمد بن عمر)، (ت 606ه).
49ــ الأربعين في أصول الدين، ط(1)، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، 1353ه.
الشهرستاني، (محمد عبدالكريم)، (ت 548ه).
50ــ الملل والنحل، تحقيق: عبدالعزيز محمد الوكيل، طبعة دار الفكر.
51ــ نهاية الإقدام، حرره وصححه: الفرد جيوم، طبعة مكتبة المثنى، بغداد، 1960م.
الغزالي، (حجة الإسلام أبو حامد)، (ت 505ه).
52ــ الاقتصاد في الاعتقاد، ط(1)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403ه.
53ــ فضائح الباطنية، تحقيق، عبدالرحمن بدوي، طبعة الدار القومية للطباعة والنشر.
ج- كتب الشيعة:
الحلي، (أبو منصور الحسن بن يوسف المطهري)، (ت 726ه).
54ــ منهاج الكرامة في معرفة الإمامة (المطبوع بهامش منهاج السنة لابن تيميه)، تحقق: محمد رشاد سالم، طبعة مكتبة دار العروبة.
الزنجاني، (إبراهيم الموسوي).
55ــ عقائد الإمامية الإثني عشرية، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1387ه.
الطوسي، (محمد بن الحسن).
56ــ الاقتصاد في الاعتقاد، طبعة مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1399ه.
الطوسي، (أبو جعفر شيخ الطائفة)، (ت 460ه).
57ــ تلخيص الشافي، طبعة مطبعة الآداب، النجف الأشرف.
كاشف الغطاء، (الشيخ محمد الحسين).
58ــ أصل الشيعة وأصولها، ط(3)، 1363ه.
المظفر، (الشيخ محمد الحسن). (1/243)
صفحة 244
59ــ الشيعة والإمامة، طبعة دار المهاجر، بيروت.
المظفر، (الشيخ محمد رضا).
60ــ عقائد الإمامية، طبعة مطبعة النعمان، النجف، 1388ه.
النوبختي، (أبو محمد الحسن بن موسى)، (ق 3ه).
61ــ فرق الشيعة، طبعة مطبعة الدولة، استنبول، 1931م.
د- كتب المعتزلة:
الجاحظ، (عمرو بن حرب)، (ت 255ه).
62ــ العثمانية، طبعة مكتبة الخانجي، مصر، 1374ه.
القاضي، (قاضي القضاة عبدالجبار بن أحمد)، (ت 415ه).
63ــ المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق: د. عبدالحليم محمود، وسليمان دنيا، الدار المصرية للتأليف والترجمة.
رابعاً: أصول الفقه:
السالمي، (نور الدين عبدالله بن حميد)، (ت 1332ه).
64ــ طلعة الشمس، ط(2)، الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1405ه.
الشاطبي، (إبراهيم بن موسى اللخمي)، (ت 790ه).
65ــ الاعتصام، طبعة دار الفكر، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة.
خامساً الفقه:
أ- الفقه الإباضي:
الحضرمي، (إبراهيم بن قيس)، (ق 5ه).
66ــ مختصر الخصال، طبعة وزارة التراث، سلطنة عمان، 1403ه.
الخليلي، (شيخ الإسلام سعيد بن خلفان)، (ت 1287ه).
67ــ تمهيد قواعد الإيمان، طبعة دار إحياء الكتب العربية، الناشر: وزارة التراث، سلطنة عمان، 1407ه.
الخليلي، (الإمام محمد بن عبدالله)، (ت 1372ه).
68ــ الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل، طبعة المطبعة العمومية، دمشق، 1385ه.
السالمي، (نور الدين عبدالله بن حميد)، (ت 1332ه).
69ــ جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تعليق وتصحيح أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، طبعة مطبعة النصر، القاهرة.
70ــ العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين، صحح وعلق عليه ورتبه الشيخ: سالم بن حمد الحارثي (معاصر)، طبع بمصر، سنة 1393ه على نفقة السلطان قابوس.
السعدي، (الشيخ جميل بن خميس)، (ق 14ه).
71ــ قاموس الشريعة، (ج86)، مخطوط بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، رقم 2827. (1/244)
صفحة 245
الشقصي، (الشيخ خميس بن سعيد)، (ق 11ه).
72ــ منهاج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق: الشيخ سالم بن حمد الحارثي، الناشر: وزارة التراث، سلطنة عمان.
الصائغي، (؟).
73ــ كنز الأديب وسلافة اللبيب، مخطوطة كمبردج نقلاً عن: د. فاروق عمر، التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ط(2)، دار اقرأ، 1406ه.
علماء وأئمة عمان.
74ــ السير والجوابات، (مجموعة من السير والأجوبة ألفها علماء وأئمة عمانيون في القرون الخمسة الأولى)، تحقيق: د. سيدة كاشف، طبع: دار إحياء التراث، الناشر: وزارة التراث، سلطنة عمان، 1406ه.
القطب، (الشيخ محمد بن يوسف أطفيش)، (ت 1332ه).
75ــ شرح النيل وشفاء العليل، ط(3)، مكتبة الإرشاد، 1401ه.
الكندي، (الشيخ أحمد بن عبدالله)، (ت 557ه).
76ــ المصنف، ط(1)، مطبعة عيسى البابي وشركاه، الناشر: وزارة التراث، سلطنة عمان، 1403ه.
الكندي، (الشيخ محمد بن إبراهيم).
77ــ بيان الشرع، ج68، مخطوطة بمكتبة وزارة التراث رقم (2404)، سلطنة عمان.
ب- الفقه السني:
ابن تيميه، (تقي الدين أبو العباس أحمد)، (ت 728ه).
78ــ الخلافة والملك، (مجموعة مختارة من فتاوى ابن تيميه)، جمعه وحققه: حماد سلامة، راجعه: د. محمد عويضة، ط(1)، مكتبة المنار، الزرقاء الأردن، 1408ه.
ابن جماعة، (الإمام بدر الدين محمد بن إبراهيم)، (ت 733ه).
79ــ تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، تحقيق ودراسة: د. فؤاد عبدالمنعم، ط(3)، دار الثقافة، الدوحة، 1408ه.
ابن تيميه، (تقي الدين أحمد بن عبدالحليم)، (ت 758ه).
80ــ السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة، ط(2)، دار الجليل، بيروت، 1408ه.
81ــ الفتاوى الكبرى، تحقيق: محمد ومصطفى ابني عبدالقادر عطا، ط(1)، دار الكتب العلمية، 1408ه.
ابن حزم، (علي بن أحمد)، (ت 456ه).
82ــ المحلى، طبعة المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت. (1/245)
صفحة 246
ابن رجب، (عبدالرحمن بن أحمد) (ت 795ه).
83ــ القواعد في الفقه الإسلامي، ط(1)، مكتبة الكليات الأزهرية، 1392ه.
ابن رشد، (الإمام محمد بن أحمد القرطبي).
84ــ بداية المجتهد، ط(8)، دار المعرفة، بيروت، 1406ه.
ابن عابدين، (محمد أمين).
85ــ رد المختار على الدر المختار، ط(2)، دار الفكر، 1399ه.
ابن قدامة، (أبو محمد عبدالله بن أحمد المقدسي)، (ت 620ه).
86ــ المغني، طبعة عالم الكتب، بيروت.
ابن القيم، (أبو عبدالله محمد بن أبي بكر)، (ت 751ه).
87ــ أحكام أهل الذمة، تحقيق: د. صبحي الصالح، ط(2)، دار العلم للملايين، بيروت، 1401ه.
88ــ زاد المعاد، ط(14)، مؤسسة الرسالة، 1407ه.
89ــ الطرق الحكيمة، تحقيق: محمد حامد الفقي، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
أبو يعلى، (محمد بن الحسين الفراء)، (ت 380ه).
90ــ الأحكام السلطانية، ط(1)، دار القلم، 1404ه.
الجويني، (إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك)، أ ذ 1478ه.
91ــ غيات الأمم في التيات الظلم، تحقيق ودراسة: د. مصطفى حلمي، د. فؤاد عبدالمنعم، ط(1)، دار الدعوة للطبع والنشر الإسكندرية.
الخطاب، (أبو عبدالله محمد بن عبدالرحمن المغربي)، (ت 954ه).
92ــ مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، ط(2)، 1398ه.
الرملي، (شمس الدين محمد بن أحمد)، (ت 1004ه).
93ــ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، طبعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1984م.
السيوطي، (جلال الدين عبدالرحمن)، (ت 911ه).
94ــ الأشباه والنظائر، ط(1)، 1403ه، دار الكتب العلمية، بيروت.
الشافعي، (الإمام محمد بن إدريس)، (ت204ه).
95ــ الأم، طبعة دار المعرفة، بيروت.
الكاساني، (علاء الدين أبو بكر بن مسعود)، (ت 587ه).
96ــ بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط(2)، دار الكتاب العربي، بيروت، 1402ه.
الماوردي، (علي بن أحمد بن حبيب البصري)، (ت 450ه).
97ــ الأحكام السلطانية، ط(1)، دار الفكر، 1404ه.
98ــ نصيحة الملوك، ط(1)، الصفاة، الكويت، 1403ه. (1/246)
صفحة 247
النووي، (الإمام يحيى بن شرف الدين)، (ت 676ه).
99ــ روضة الطالبين وعمدة المتقين، ط(2)، المكتب الإسلامي، 1405ه.
100ــ المجموع شرح المهذب مع التكملة الثانية، لمحمد بخيت المطيعي، طبعة دار الفكر.
القلقشندي، (أحمد بن علي)، (ت 821ه).
101ــ مآثر الإنافة في معالم الخلافة، تحقيق، عبدالستار أحمد فراج، الكويت، 1964م.
ج- الفقه الزيدي:
الشوكاني، (الشيخ محمد بن علي)، (ت 1250ه).
102ــ السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، تحقيق: محمود إبراهيم، ط(1)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405ه.
الصنعاني، (العلامة القاضي أحمد بن قاسم العنسي).
103ــ التاج المذهب لأحكام المذهب، ط(2)، مكتبة اليمن الكبرى، 1380ه.
سادساً: التاريخ والسير (مختلط):
الإباضي، (ابن سلام).
104ــ الإسلام وتاريخيه، تحقيق: د. ف. ستارفرتز، وسالم بن يعقوب، ط(1)، دار القرآن، 1405ه.
ابن أبي حديد (ت ؟).
105ــ شرح نهج البلاغة، طبعة دار الرشاد الحديثة.
ابن الأثير، (محمد بن محمد الشيباني)، (ت 63ه).
106ــ الكامل في التاريخ، ط(1)، دار الكتب العلمية، 1407ه.
ابن إسحاق، (محمد)، (ت 151ه).
107ــ السير والمغازي، تحقيق: سهيل زكار، طبعة دار الفكر، 1398ه.
ابن خلدون، (عبدالرحمن)، (ت 808ه).
108ــ مقدمة ابن خلدون، طبعة دار الفكر.
ابن سعد، (محمد)، (ت 230ه).
109ــ الطبقات الكبرى، طبعة دار صادر، 1405ه.
ابن قتيبة، (عبدالله مسلم الدينوري)، (ت 276ه).
110ــ الإمامة والسياسة، تحقيق: د. طه محمد الزيتي، طبعة دار المعرفة، بيروت.
ابن كثير، (أبو الفداء عماد الدين)، (ت 774ه).
111ــ البداية والنهاية، تحقيق: د. أحمد أب ملحم وآخرين، ط(1)، دار الريان للتراث، القاهرة، 1408ه.
ابن هشام، (أبو محمد عبدالملك المعافري)، (ت 213ه أو 218ه).
112ــ السيرة النبوية، علق عليها وخرج أحاديثها: عمر عبدالسلام تدمري، ط(2)، دار الكتاب العربي، 1409ه. (1/247)
صفحة 248
البرادي، (أبو القاسم بن إبراهيم)، (ق 8ه).
113ــ الجواهر المنتقاة، طبعة حجرية، 1302ه.
الدرجيني، (أبو العباس أحمد بن سعيد)، (ت 670ه).
114ــ طبقات المشائخ بالمغرب، حققه: إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسطنطينية، الجزائر.
السالمي، (نور الدين عبدالله بن حميد)، (ت 1332ه).
115ــ تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان، طبع مطبعة الإمام، 13 شارع قرقول، المنشية، مصر.
السالمي، (الشيخ محمد بن عبدالله)، (ت 1407ه).
116ــ نهضة الأعيان بحرية عمان، طبعة دار الكتاب العربي، القاهرة.
السيوطي، (جلال الدين عبدالرحمن)، (ت 911ه).
117ــ تاريخ الخلفاء، تحقيق، محمد أبو الفضل، طبعة دار الفكر العربي، القاهرة.
الطبري، (محمد بن جرير)، (ت 310ه).
118ــ تاريخ الأمم والملوك، ط(1)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407ه.
المحب الطبري، (أبو جعفر أحمد).
119ــ الرياض النضرة في مناقب العشرة، ط(1)، دار الكتب العلمية، 1405ه.
سابعاً: المراجع الحديثة:
أبو زهرة، (الشيخ محمد)، (ت 1979م).
120ــ تاريخ المذاهب الإسلامية، طبعة دار الفكر العربي.
121ــ الوحدة الإسلامية، طبعة دار الفكر العربي.
أبو عيد، (د. عارف خليل).
122ــ وظيفة الحاكم في الدولة الإسلامية، ط(1)، دار الأرقم، الكويت، 1405ه.
أبو فارس، (د. محمد عبدالقادر).
123ــ حكم الشورى في الإسلام ونتيجتها، ط(1)، دار الفرقان، الأردن، 1408ه.
124ــ النظام السياسي في الإسلام، ط(2)، دار الفرقان، 1407ه.
إسماعيل، (د. يحيى).
125ــ منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ط(1)، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة، 1406ه.
البياتي، (د. منير حميد).
126ــ الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي، ط(1)، الدار العربية للطباعة، بغداد، 1399ه.
بيضون، (إبراهيم).
127ــ تكون الاتجاهات السياسية في الإسلام، ط(2)، دار اقرأ، 1406ه.
الجعبيري، (د. فرحات). (1/248)
صفحة 249
128ــ البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ط(1)، مطبعة الألوان الحديثة، مسقط، 1989م.
جهلان، (عدون).
129ــ الفكر السياسي عند الإباضية، (رسالة ماجستير مودعة بقسم الرسائل الجامعية في مكتبة الجامعة الأردنية).
حسن، (حسن إبراهيم).
130ــ تاريخ الإسلام، ط(7)، مكتبة النهضة المصرية، 1964م.
الحصري، (د. أحمد).
131ــ الدولة وسياسة الحكم في الفقه الإسلامي، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية.
خلاف، (عبدالوهاب).
132ــ السياسة الشرعية، طبعة دار القلم، الكويت، 1408ه.
السلطات الثلاث في الإسلام، مجلة القانون والاقتصاد، العدد السابع، 1936م، نقلاً عن: كايد يوسف: طرق انتهاء ولاية الحكام.
الخالدي، (د. محمود).
133ــ معالم الخلافة في الفكر السياسي الإسلامي، ط(1)، دار الجيل، بيروت، 1404ه.
خليفات، (د. عوض خليفات).
134ــ نشأة الحركة الإباضية، ط(10)، دار الشعب، 1978م.
دبوس، (د. صلاح الدين).
135ــ الخليفة توليته وعزله، طبعة مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية.
الدريني، (د. محمد فتحي).
136ــ الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده، ط(3)، مؤسسة الرسالة، 1404ه.
137ــ خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، ط(1)، مؤسسة الرسالة، 1403ه.
138ــ دراسات وبحوث في الفكر السياسي الإسلامي، ط(1)، دار قتيبة، دمشق، 1408ه.
139ــ الفقه الإسلامي المقارن، طبعة المطبعة الجديدة، دمشق، 1406ه.
140ــ المناهج الأصولية في الاستدلال بالرأي في الشريعة الإسلامية، ط(2)، الشركة المتحدة للتوزيع، 1405ه.
الدميجي، (عبدالله عمر).
141ــ الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، ط(1)، دار طيبة، الرياض، 1407ه.
رضا، (السيد محمد رشيد)، (ت 1935م).
142ــ الخلافة، طبعة الزهراء للإعلام العربي، 1408ه.
الزحيلي، (د. وهبة).
143ــ العلاقات الدولية في الإسلام، ط(3)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1407ه.
الزرقاء، (الشيخ مصطفى).
144ــ المدخل الفقهي العام، ط(9)، دار الفكر، 1976م. (1/249)
صفحة 250
زيدان، (عبدالكريم).
145ــ أصول الدعوة، ط(3)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409ه.
السالوس، (علي أحمد).
146ــ أثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله، ط(1)، دار الثقافة، قطر، 1405ه.
سرور، (طه عبدالباقي).
147ــ دولة القرآن، طبعة دار الفكر العربي.
السيد، (د. رضوان السيد).
148ــ مدينة الفقهاء ومدينة الفلاسفة، مجلة الاجتهاد، العدد السابع، دار الاجتهاد، 1410ه.
شلتوت، (الشيخ محمود).
149ــ الإسلام عقيدة وشريعة، الطبعة غير مذكورة، 1959م.
عثمان، (محمد رأفت).
150ــ رآسة الدولة في الشريعة الإسلامية، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1975م.
العنوم، (محمد عبدالكريم).
151، النظرية السياسية المعاصرة للشيعة، ط(1)، دار البشير، عمان، الأردن، 1409ه.
العربي، (د. محمد عبدالله).
152ــ النظم الإسلامية.
عمارة، (د. محمد).
153ــ الإسلام وفلسفة الحكم، ط(2)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979م.
عمر، (فاروق).
154ــ التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين، ط(2)، دار اقرأ، بيروت، 1406ه.
عودة، (عبدالقادر).
155ــ أوضاعنا القانونية، ط(7)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1408ه.
156ــ التشريع الجنائي الإسلامي، ط(8)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1406ه.
الفضيل، (علي عبدالكريم).
157ــ الزيدية نظرية وتطبيق، ط(1)، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، 1405ه.
القرضاوي، (د. يوسف).
158ــ الخصائص العامة للإسلام.
قطب، (سيد).
159ــ خصائص التصور الإسلامي.
الكاندهلوي، (محمد يوسف)، (ت 1384ه).
160ــ حياة الصحابة، ط(1)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407ه.
محمود، (كايد يوسف).
161ــ طرق انتهاء ولاية الحكام، ط(1)، مؤسسة الرسالة، 1407ه.
المبارك، (الشيخ محمد).
162ــ نظام الإسلام (الحكم والدولة)، ط(3)، دار الفكر، 1400ه.
مدكور، (د. محمد سلام).
163ــ معالم الدولة الإسلامية، ط(1)، مكتبة الفلاح، الصفاة، الكويت، 1403ه.
المرداوي، (الأستاذ محمود). (1/250)
صفحة 251
164ــ الخلافة بين التنضير والتطبيق، ط(1)، 1403ه.
معمر، (الشيخ علي يحيى)، (ت 1400ه).
165ــ الإباضية مذهب إسلامي معتدل، مطبعة الألوان، مسقط، سلطنة عمان.
166ــ الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، 1410ه.
167ــ الإباضية بين الفرق الإسلامية، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1406ه.
المودودي، (أبو الأعلى).
168ــ الخلافة والملك، ط(1)، دار القلم، الكويت، 1398ه.
169ــ نظرية الإسلام وهديه، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت، 1402ه.
موسى، (د. محمد يوسف).
170ــ نظام الحكم في الإسلام، ط(2)، دار المعرفة، 1964م.
النبهاني، (الشيخ تقي الدين).
171ــ دراسة الفقه، الطبعة والناشر غير مذكورين.
النحوي، (عدنان علي رضا).
172ــ ملامح الشورى في الدعوة الإسلامية، ط(3)، الناشر غير مذكور، 1404ه.
نزار، (عبداللطيف).
173ــ الأمة والدولة في سياسة النبي والخلفاء الراشدين، ط(1)، بغداد، 1987م.
هاشم، (مهدي طالب).
174ــ الحركة الإباضية في المشرق العربي، ط(1).
هويدي، (حسن).
175ــ الشورى في الإسلام، طبعة المنار، الكويت، 1395ه.
ثامناً: المعاجم:
ابن منظور، (جمال الدين محمد بن مكرم)، (ت 711ه).
176ــ لسان العرب، ط(1)، دار صادر، 1965م.
الزركلي، (خير الدين).
177ــ الأعلام، ط(6)، دار العلم للملايين، 1984م.
الحموي، (ياقوت)، (ت 626ه).
178ــ معجم البلدان، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1399ه.
الفيروزآبادي، (محمد الدين محمد بن يعقوب)، (ت 817ه).
179ــ القاموس المحيط، ط(1)، دار الفكر العربي، بيروت، 1983م.
القلقشندي، (أحمد بن علي)، (ت 821ه).
180ــ صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، شرحه وعلق عليه محمد حسين شمس الدين، ط(1)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407ه. (1/251)