صفحة 1
الكتاب: الإيلاء تعريفه أركانه، شروطه، أحكامه
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: مكتبة الجيل الواعد
تاريخ النشر: 1428هـ / 2007م
الطبعة: الثانية
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
[فيه مشكل في عرض الآيات والأحاديث]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الإيلاء تعريفه أركانه، شروطه، أحكامه
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع] (1/1)
صفحة 2
الطبعة الثانية 1428هـ 2007م (1/2)
صفحة 3
الايلاء تعريفه اركانه، شروطه، احكامه
تأليف
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسنطنة عمان
مكتبة الجيل الواعد (1/3)
صفحة 4
بسم الله الرحمن الرحيم (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الرؤف الرحيم البر الكريم العزيز الحكيم , الذي غَمر البرايا بإنعامه, وتَجَلت حكمه في أحكامه, والصلاة والسلام على الرحمة المهداة للعالمين, والنعمة المسداة إلى الخلق أجمعين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه البررة الميامين, وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد, فإن فطرة الله في عباده تشد بعضهم إلى بعض ليكون بينهم التكامل والتكافل, ولتقوم حياتهم على الوئام والانسجام, وإن العلاقة الزوجية هي أقوى العلاقات التي تجذب إنسانا نحو آخر, لما فيها من امتزاج المصالح وانسجام المشاعر وتبادل الود واقتسام منافع الحياة , ولكن مع ذلك فإن الحياة الزوجية عرضة لتقلبات الأمزجة وشذوذ التصرف, وقد يؤدي بها ذلك إلى الانفصام أو يكاد.
ومن بين ما يعتريها: الإيلاء, الذي لا ينشأ غالبا إلا عن حدة الطبع, وانفجار العواطف, وقد جاء حكم الله فيه منسجما مع مصلحة الزوجين كليهما، موفيا لحق كل منهما. (1/5)
صفحة 6
ومع هذا الوضوح في هذا الحكم الرباني؛ فإن علماء الأمة أوسعوا مسائله بحثا وتبيانا, فاتفقوا قليلا واختلفوا كثيرا في تفاصيل أحكامه , كما هو شأن العباد في تفصيل مجملات ما يلقى إليهم, وقد اطلعت على ما حرروه فرأيت كثيرا مما قيل لا يزال بحاجة إلى تأمل وبحث وتحرير, ورأيت أن أكثر ما دونه أصحابنا إنما يعود إلى صور ألحقت بالإيلاء قياساً عليه, ولم تكن نفس الإيلاء المنصوص عليه في كلام الشارع الحكيم.
على أن كثيرا من تلكم الصور لا تزال بحاجة إلى النظر في حملها على أصل الإيلاء, إذ قد تكون غير مستوفية لشروط قياسها عليه.
ومع مذاكرتي لبعض خواصهم بله عوامهم وجدتهم لا يتصورون من الإيلاء إلا تلك الصور المقيسة عليه. على أن منهم من فاته التأصيل الذي بنيت عليه , فانقلبت عنده المسائل رأسا على عقب, حتى جاء بشيء إدٍ في تفاصيل أحكامها، لهذا وجدتني مشدود العزيمة إلى أن أتناول جانبا من مسائل الإيلاء بالبحث والتبيين, مع الاقتصار على المسائل التي وقع فيها الالتباس, غير أني مع شروعي في ذلك وجدت ارتباط كثير من مسائله بمسائل أخرى , فيتعذر استيفاء بيانها إلا بجمعها مع نظائرها, فجردت الهمة لاستقصاء أحكام الإيلاء في جميع مسائله, وإيساعها بحثا وتقريرا, وتحقيقا وتحريرا, وتأصيلا وتفريعا, حتى ينجلي ما كان غامضا ويسهل ما كان وعرا , ويلين ما كان صعبا. (1/6)
صفحة 7
ولكن رأيت أن هذا مسلك صعب , ومطلب لا يتوصل إليه إلا باستهلاك جزء كبير من وقت تتنازعه مطالب شتى, فضلا عن كلال الذهن, وخمود العزيمة, فسلكت طريقا وسطا بين المنهجين, إذ أتيت بما كانت الدواعي متوفرة لذكره , وتركت ما عداه, فجاء بحمد الله بما تقر به عين المنصف من التفريع على أصول مسلمة, واحتكام إلى الأدلة المقبولة, وتعليل بما يوضح الحكمة من الأحكام, وهاكه مشتملا على مقدمة وخاتمة, بينهما تسعة فصول هي ينابيع بيانه ومجامع شرحه وتفصيله. (1/7)
صفحة 8
[صفحة بيضاء] (1/8)
صفحة 9
مقدمة فى التعريف بالايلاء واركانه (1/9)
صفحة 10
[صفحة بيضاء] (1/10)
صفحة 11
الإيلاء لغة: هو القسم يقال آلى يؤلي وأتلى يأتلي وتألى يتألى بمعنى أقسم, وفي "لسان العرب": وقد تأليت وأتليت وآليت على الشي وآليته -على حذف الحرف- أقسمت، وفي الحديث: (من يتألّ على الله يكذبه) (1) أي من حكم عليه وحلف كقولك: والله ليدخلن الله فلانا النار وينجحن الله سعي فلان ,وفي الحديث: (ويل للمتألين من أمتي) (2) يعني الذين يحكمون على الله ويقولون فلان في الجنة وفلان في النار, وكذلك قوله في الحديث الآخر: (من المتألي على الله) (3) وفي حديث أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (آلى من نسائه شهرا) (4) أي حلف لا يدخل عليهن، وإنما عدَّاه بمن حملا على المعنى وهو الامتناع عن الدخول وهو يتعدى بمن (5).
وروي عن أُبي وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قرآ (يقسمون) (6)
__________
(1) أخرجه مرفوعا ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 51/ 241 من طريق عقبة بن عامر الجهني، والرافعي في "التدوين في أخبار قزوين" 3/ 185 والقضاعي في مسند الشهاب (336) من طريق زيد بن خالد الجهني.
(2) رواه ابن بطة في الإبانة (1049) باب ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج عن من طريق جعفر العبدي.
(3) أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، باب: هل يشير الإمام بالصلح (2558) بلفظ " أين المتألي على الله " من طريق السيدة عائشة – رضي الله عنها -.
(4) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في السطوح (371) من طريق أنس بن مالك.
(5) لسان العرب، دار الفكر، ج14ص40 - 41.
(6) ما جاء عن ابن عباس رواه سعيد بن منصور في سننه برقم 359، كتاب التفسير باب تفسير سورة البقرة قوله تعالى: "للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن" ورواه عبد الرزاق في مصنفه في =
= كتاب الطلاق باب انقضاء الأربعة (11271)، وما جاء عن أبي رواه ابن أبي داود في المصاحف باب اختلاف مصاحف الصحابة مصحف أبي بن كعب رضي الله عنه برقم 131. (1/11)
صفحة 12
بدلا من يولون في قوله تعالى {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} (1) ,وإن ثبت ذلك عنهما فهي قراءة محمولة على التفسير ,ومن شواهده قول الله تعالى {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - - (- - رضي الله عنه - -} - قرآن كريم (- - - صلى الله عليه وسلم - (- (- ((- ((- - - (بسم الله الرحمن الرحيم (- - (تم بحمد الله ({- رضي الله عنهم - (- - - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - تمت - صلى الله عليه وسلم - -} - (قرآن كريم (- (- (- - (- - - صلى الله عليه وسلم - (- - - فهرس - (- ({(- - - - رضي الله عنه - (((- (- - - رضي الله عنهم - - (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - (((- (- (- رضي الله عنهم - - (- (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - (((- - (تمهيد - رضي الله عنهم - - (- - -}} (2) على أصح ما قيل في تفسيره، وقول الشاعر:
فآليت لا أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدي
وقول غيره:
قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت
والألايا جمع ألية بمعنى اليمين.
وأما الإيلاء شرعا: فهو راجع إلى معناه اللغوي، إلا أنه مقيد بكونه
__________
(1) البقرة: 226.
(2) النور: 22. (1/12)
صفحة 13
قسما صادرا من زوج على أن يمتنع من وطء امرأته، فهو مقيد من حيث إنه لايصدر إلا عن زوج ولا يتعلق إلا بالامتناع عن الوطء ,وإنما توسع كثير من العلماء فأطلقوه على كل ما يدل على الامتناع من الوطء ولو لم يكن مقرونا بيمين كما سيأتي.
قال قطب الأئمة -رحمه الله-: هو لغة: اليمين، وشرعا: الكلام المانع من وطء الزوجة ولو أمة غير الظهار, فدخل ما لا حلف فيه، مثل أن يقول: عليّ أن أتصدق بكذا، أو عليّ كذا نذر أو عتق أو طلاق أو مشي إلى بيت الله سبحانه تعالى إن مسستها أو إن لم أمسها، ويطلق أيضا على خروجها بمضي أربعة أشهر لعدم الوطء، أو لعدم الوفاء بما حلف وعلى نفس الأربعة, قال عياض: الإيلاء لغة: الامتناع، ثم استعمل فيما كان الامتناع به بيمين, وقال ابن الماجشون: هو في الشرع، كما في اللغة، إلا أنه يعرف في الشرع بالحلف على اعتزال الزوجة وترك جماعها (1).
قلت: ما نقله عن عياض من أنه لغة بمعنى الامتناع، لم أجد دليلا عليه في شواهده اللغوية منثورها ومنظومها، بل كل ما اطلعت عليه من الشواهد، وما وجدته في معاجم اللغة دال على أنه بمعنى القسم، والقطب الذي نقل هذا الكلام عن عياض نص في تفسيريه الشريفين على أنه بمعنى القسم، ففي "هميان الزاد" {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-} أي يحلفون عن
__________
(1) شرح النيل، مكتبة الإرشاد/جدة ج7ص180. (1/13)
صفحة 14
جماع نسائهم, فمن بمعنى عن على حذف مضاف كما رأيت، أو ضمن الإيلاء بمعنى البعد فعداه بمن، كأنه قيل: يبعدون من جماع نسائهم بالحلف
وإلا فأصله التعدي بعلى (1).
وفي "تيسير التفسير": {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (-} يحلفون أحرارا أو عبيدا ولو خصيين أو مجبوبين، {صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-} على جماع نسائهم، أو ضمن يؤلون معنى يبعدون، بل الابتداء لا يخلو عن بعد الفعل المبتدأ منه (2).
ولا أرى القول بأنه لغة بمعنى الامتناع إلا مبنيا على ما نقلته عن صاحب اللسان من أنه في الآية ضمن معنى الامتناع، أو ناشئا عن الوهم في معنى قوله تعالى: {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - - (- - رضي الله عنه - -} - قرآن كريم (- - - صلى الله عليه وسلم - (- (- ((- ((- - - (بسم الله الرحمن الرحيم (- - (تم بحمد الله ({- رضي الله عنهم - (- - - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - تمت - صلى الله عليه وسلم - -} - (قرآن كريم (- (- (- - (- - - صلى الله عليه وسلم - (- - - فهرس - (- ({(- - -} بحيث ظنه قائله أنه بمعنى ولا يمتنع، وهو ليس كذلك، فإن أكثر المفسرين حملوه على النهي عن القسم، وذلك أن الآية نزلت في قسم أبي بكر - رضي الله عنه - بأن لا يصل مسطح بن أثاثة، وهو أحد قرابته من فقراء المهاجرين وذلك لمشاركته في حادثة الإفك، فنهاه الله عن ذلك لما فيه من قطع الرحم ومنع المعروف، وحمله آخرون منهم: على معنى التقصير، وعليه هو افتعال من ألا يألو بمعنى قصر يقصر، كما في قوله تعالى {3/ 3
__________
(1) هميان الزاد، المطبعة السلطانية بزنجبار ج3ص215.
(2) تيسير التفسير، وزارة التراث/ سلطنة عمان ج1ص346. (1/14)
صفحة 15
- صدق الله العظيم (المحتويات (- - رضي الله عنه - الله أكبر قرآن كريم (- (- - رضي الله عنه - - - صدق الله العظيم - - رضي الله عنه - تمهيد - رضي الله عنهم - -} (1) أي لا يقصرونكم، وعليه فمعنى الآية الكريمة ولا يقصر أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله.
هذا وأما أركانه فهي خمسة:
رجل مولٍ.
إمرأة مولى منها.
يمين بمحلوف به.
أمر محلوف عليه.
مدة يترتب عليها حكمه.
واقتصر ابن شاس على أربعة أركان وهي على النحو الآتي:
الزوج.
المحلوف به.
المدة.
المحلوف عليه (2)
__________
(1) آل عمران:118.
(2) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، دار الغرب الإسلامي، ج2ص215 - 219.). (1/15)
صفحة 16
ولكل ركن منها شروط تجدها إن شاء الله مشروحة في تضاعيف ما سيوافيك بيانه إن شاء الله في الفصول الآتية. (1/17)
صفحة 17
الفصل الاول فى الحلف الذى يترتب عليه حكم الايلاء (1/18)
صفحة 18
[صفحة بيضاء] (1/19)
صفحة 19
لا خلاف في أن من حلف بالله أو بأسمائه الحسنى أو بصفاته العلى بأن يمتنع من مواقعة أهله هو مول، ويترتب على قوله حكم الإيلاء المنصوص عليه في القرآن، وما عسى أن تجده مما يخالف هذا فهو من الأوهام التي لا يعتد بها كما سيأتي بيانه إن شاء الله ,وإنما الخلاف فيما إذا كان الحلف بغير ذلك مما يترتب عليه لزوم ما لم يكن لازما عليه.
قال الإمام الشافعي في "الأم":"اليمين التي فرض الله تعالى كفارتها اليمين بالله عزوجل ولا يحلف بشيء دون الله تبارك وتعالى لقول النبي- صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم, فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" (1) قال: فمن حلف بالله عزوجل فعليه الكفارة إذا حنث, ومن حلف بشيء غير الله تعالى فليس بحانث ولا كفارة عليه إذا حنث، والمولي من حلف بيمين يلزمه بها كفارة ,ومن أوجب على نفسه شيئا يجب عليه إذا أوجبه, فأوجبه على نفسه إن جامع امرأته فهو في معنى المولي, لأنه لا يعدو أن يكون ممنوعا من الجماع إلإ بشيء يلزمه به, وما ألزم نفسه مما لم يك يلزمه قبل إيجابه أو كفارة يمين، قال: ومن أوجب على نفسه شيئا لا يجب عليه ما أوجب ولا بدل منه فليس بمولٍ وهو خارج من الإيلاء، ومن حلف باسم من أسماء الله تعالى فعليه الكفارة، كما لو حلف بالله عز وجل وجب عليه الكفارة ,وإذا قال الرجل لامرأته: والله لا أقربك، يعني الجماع أو
(2)
__________
(1) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الأيمان والنذور، باب: الأيمان (655) من طريق أبي سعيد الخدري. (1/20)
صفحة 20
تالله أو بالله لا أقربك فهو مول في هذا كله, وإن قال: ألله لا أقربك فإن أراد اليمين فهو مول وإن لم يرد اليمين فليس بمول، لأنها ليست بظاهر اليمين, وإذا قال: هايم الله أو أيم الله أو ورب الكعبة أو ورب الناس أو وربي أو ورب كل شيء أو وخالقي أو وخالق كل شيء أو ومالكي أو ومالك كل شيء لا أقربك فهو في هذا كله مول, وكذا إن قال: أقسم بالله أو أحلف بالله أو أولي بالله لا أقربك فهو مول، وإن قال: أقسمت بالله أو آليت بالله أو حلفت بالله لا أقربك, سئل فإن قال: عنيت بهذا إيقاع اليمين كان موليا, وإن قال: عنيت أني آليت منها مرة فإن عرف ذلك باعتراف منها أو ببينة تقوم عليه أنه حلف مرة فهو كما قال وليس بمول, وهو خارج من حكم ذلك الإيلاء, وإن لم تقم بينة ولم تعرف المرأة فهو مول في الحكم وليس
بمول فيما بينه وبين الله عز وجل، وكذلك إن قال: أردت الكذب.
وإن قال: أنا مول منك أو عليّ يمين إن قربتك أو علي كفارة يمين إن قربتك فهو مول في الحكم, فإن قال: أردت بقولي: أحلف بالله. أني سأحلف به فليس بمول, وإذا قال لامرأته: مالي في سبيل الله تعالى. أو عليّ مشي إلى بيت الله أو عليّ صوم كذا أو نحر كذا من الإبل إن قربتك فهو مول لأن هذا إما لزمه وإما لزمته به كفارة يمين.
قال: وإذا قال: إن قربتك فغلامي فلان حر أو إمرأتي فلانة طالق فهو مول, والفرق بين العتق والطلاق وما وصفت أن العتق والطلاق حقان لآدميين بأعيانهما يقعان بإيقاع صاحبهما ويلزمان تبررا أو غير تبرر وما (1/21)
صفحة 21
سوى هذا إنما يلزم بالتبرر.
قال: ولو قال: والكعبة أو وعرفة أو والمشاعر أو وزمزم أو والحرم أو والمواقف أو والخنس أو والفجر أو والليل أو والنهار أو وشيء مما يشبه هذا لا أقربك لم يكن موليا، لأن كل هذا خارج من اليمين وليس بتبرر ولا حق لآدمي يلزم حتى يلزمه القائل له نفسه. قال: وكذلك إن قال: إن قربتك فأنا أنحر ابنتي أو ابني أو بعير فلان أو أمشي إلى مسجد مصر أو مسجد غير المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس لم يلزمه بهذا إيلاء، لأنه ليس بيمين ولا يلزمه المشي إليه ولا كفارة بتركه, وإن قال: إن قربتك فأنا أمشي إلى مسجد مكة كان موليا، لأن المشي إليه أمر يلزمه أو يلزمه به كفارة يمين (1).
والخلاصة أن اليمين التي يترتب عليها حكم الإيلاء عنده هي ما كان قسما بالله أو بشيء من أسمائه أو بشيء من صفاته أو ترتب عليه لزوم ما لم يكن لازما كالكفارة أو فعل شيء ,وذكر أصحابه أن له قولين في هذا: أحدهما: أنه لا يكون موليا إلاَّ بالله تعالى, والثاني: أنه يكون موليا بكل يمين التزم بالحنث فيها ما لم يكن لازما له سواء كان حالفا بالله أو بالعتق والطلاق (2).
__________
(1) الأم، دار المعرفة/بيروت، ج5ص265 - 266.
(2) الحاوي الكبير، دار الكتب العلمية/بيروت، ج10ص337. (1/22)
صفحة 22
وذكر النووي أن الأخير هو الجديد من قوليه كما في منهاجه وأقره شارحه ابن حجر الهيتمي ومحشياه الشرواني وابن قاسم العبادي (1) ,ومثله ما نص عليه الشيرازي في "المهذب" وأقره شارحه في "المجموع" (2).
وعن أحمد في هذا روايتان:
إحداهما: أنه لا يعتد في ذلك الإ بالحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته, وذلك لاختصاص الدعوى بها واختصاصهما باللعان, أما الحلف بنذر أو بعتق أو بطلاق فليس بشيء، وذكر المرداوي أنه نص المذهب -أي مذهب الحنابلة- وعليه جماهير الأصحاب-يعني الحنابلة- ونقل عن الزركشي أنه المشهور والمنصوص والمختار لعامة الأصحاب ونحوه عن صاحب "الهداية"، ثم قال: وجزم به في "الوجيز" و"النور" و"منتخب الأدمى" وغيرهم وقدمه في "المحرر" و"الفروع" و"نظم المفردات" وغيرهم وصححه في "الخلاصة" و"النظم" وهو من المفردات (3).
الثانية: كقول الشافعي في الجديد كما نقلناه عن "الأم", قال ابن قدامة: لأنها يمين منعت جماعها فكانت إيلاء كالحلف بالله, ولأن تعليق
__________
(1) ينظر: المنهاج وشرحه تحفة المحتاج وحواشي الشرواني وابن قاسم العبادي عليه، دار الكتب العلمية/ بيروت، ج10ص288 - 289.
(2) ينظر: المهذب وشرحه المجموع، دار الفكر، ج17ص290 - 292.
(3) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للمرداوي، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان ج9ص172 - 173. (1/23)
صفحة 23
الطلاق والعتاق على وطئها حلف بدليل أنه لو قال: متى حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم قال: فإن وطئتك فأنت طالق طلقت في الحال, ثم قال: وقال أبوبكر: كل يمين من حرام أو غيرها يجب بها كفارة يكون الحالف بها موليا, وأما الطلاق والعتاق فليس الحلف به إيلاء، لأنه يتعلق به حق آدمي, وما أوجب كفارة تعلق به حق الله تعالى، قال: والرواية الأولى هي المشهورة، لأن الإيلاء المطلق إنما هو القسم، ولهذا قرأ أبيّ وابن عباس يقسمون مكان يؤلون, وُروي عن ابن عباس في تفسير يؤلون قال: "يحلفون بالله" هكذا ذكره الإمام أحمد، والتعليق بشرط ليس بقسم، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم ولا يجاب بجوابه ولا يذكره أهل العربية في باب القسم فلا يكون إيلاء، وإنما يسمى حلفا تجوزا لمشاركته القسم في المعنى المشهور في القسم وهو الحث على الفعل أو المنع منه أو توكيد الخبر والكلام عند إطلاقه لحقيقته قال: ويدل على هذا قول الله تعالى: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} وإنما يدخل الغفران في اليمين بالله ,وأيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"من حلف بغير الله فقد أشرك" (1) وقوله:"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" متفق عليه (2) ,وإن سلمنا أن غير القسم حلف لكن الحلف بإطلاقه إنما ينصرف إلى القسم وإنما يصرف إلى غير القسم بدليل ولا خلاف في أن القسم بغير الله
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب: الأيمان، باب: كراهية الحلف بالآباء (3251) من طريق ابن عمر.
(2) تقدم تخريجه من رواية الإمام الربيع، وأخرجه أيضا البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: لا تحلفوا بآبائكم (6270)، وأخرجه مسلم في كتاب: الأيمان، باب: النهي عن الحلف بغير الله تعالى (1646) من طريق ابن عمر. (1/24)
صفحة 24
تعالى وصفاته لا يكون إيلاء ولأنه لا يوجب كفارة ولا شيئا يمنع من الوطء فلا يكون إيلاء كالخبر بغير القسم وإذا قلنا بالرواية الثانية فلا يكون موليا إلا أن يحلف بما يلزمه بالحنث فيه حق كقوله: إن وطئتك فعبدي حر أو فأنت طالق أو فأنت عليّ كظهر أمي أو فأنت عليّ حرام أو فلله عليّ صوم سنة أو الحج أو صدقة, فهذا يكون إيلاءً لأنه يلزمه بوطئها حق يمنعه من وطئها خوفه من وجوبه, وإن قال: إن وطئتك فأنت زانية لم يكن موليا لأنه لا يلزمه بالوطء حق ولا يصير قاذفا بالوطء لأن القذف لا يتعلق بالشرط و لا يجوز أن تصير زانية بوطئه لها كما لا تصير زانية بطلوع الشمس وإن قال إن وطئتك فلله عليّ صوم هذا الشهر لم يكن موليا لأنه لو وطئها بعد مضيه لم يلزمه حق فإن صوم هذا الشهر لا يتصور بعد مضيه فلا يلزم بالنذر كما لو قال: إن وطئتك فلله عليّ صوم أمس, وإن قال: إن وطئتك فلله عليّ أن أصلي عشرين ركعة كان موليا (1).
قلت أما قوله إن وطئتك فأنتِ زانية فإن كنى به عن الطلاق ومعنى ذلك أنها تطلق منه بأول ملامسةٍ في الوطء فيكون استمراره على الوطء زنا تشاركه فيه فلا ريب في دخوله في الإيلاء لأنه مانع من الوطء وهذا بناء على أن الإيلاء لا يتوقف على القسم بالله وأسمائه كما سبق بيانه وسيأتي تحريره إن شاء الله وإن لم يكن له هذا القصد فلا يكون إيلاء بحال.
__________
(1) ينظر: المغني لابن قدامة، دار الكتاب العربي/ بيروت ج8ص503 - 504، وينظر: الشرح الكبير بذيل المغني ص506 - 509. (1/25)
صفحة 25
وأما قوله: إن وطئتك فعليّ صوم هذا الشهر ففي ذلك خلاف من حيث وجوب الصيام إن وطئها وقد بقيت من الشهر بقية فقد حكى المزني عن الشافعي أنه قال وإن قال إن قربتك فعليّ صوم هذا الشهر كله لم يكن موليا كما لو قال فعليّ صوم يوم أمس ولو أصابها وقد بقي عليه من الشهر شيء كانت عليه كفارة أو صوم ما بقي (1).
ولكن لا يدخل ذلك في الإيلاء فإن الشهر ينقضي قبل أن تنقضي مدة الإيلاء وإن وطئها بعده لم يترتب عليه وجوب شيء بوطئه اللهم إلا إن استمر على الامتناع من إتيانها حتى مضت مدة الإيلاء ففي ذلك ما سوف يأتي إن شاء الله في محله.
وفي مدونة مالك: قلت: أرأيت إن قال: إن جامعتك فعليّ صوم هذا الشهر الذي هو فيه بعينه أيكون موليا أم لا؟ قال: لا يكون هذا موليا، قلت: فإن لم يصم ذلك الشهر حتى خرج ثم جامعها أيكون عليه قضاء ذلك الشهر أم لا؟ قال: لا يكون عليه قضاء ذلك الشهر، قلت: لم؟ قال: لأن الشهر قد مضى، وإنما كان يكون عليه قضاؤه لو أنه جامع قبل أن ينسلخ الشهر، أو جامع وقد بقي من الشهر شيءٌ، فهذا الذي يكون عليه قضاء الأيام التي جامع فيها ولا يكون عليه الإيلاء، ألا ترى أنه لو حلف بعتق عبده إن جامع امرأته ثم باع عبده ثم جامعها أنه لا يكون مولياً،
__________
(1) مختصر المزني مع شرحه الحاوي الكبير ج10ص351. (1/26)
صفحة 26
فكذلك الشهر إذا مضى ثم جامع بعد ذلك بمنزلة العبد الذي باعه ثم جامع بعد ذلك (1).
ومذهب المالكية أن الإيلاء يكون بكل مانع من الوطء ولا ينحصر فيما اقترن بالقسم بالله، كما سيأتي بيانه في محله إن شاء الله.
وأما الحنفية فقد قسّموا اليمين إلى نوعين أحدهما ما يقصد به تعظيم المقسم به والثاني الشرط والجزاء.
أما الأول: فهو معروف عند أهل اللسان.
وأما الثاني: فهو مما تعارف عليه الفقهاء ولا يعرفه أهل اللسان وبكل واحد من النوعين يثبت حكم الإيلاء عندهم، فإذا قال أحلف أو أحلف بالله لا أقربك فهو مول، غير أن زفر لم يجعله يمينا حتى يصله بقوله بالله وإنما هو عنده وعدٌ بالحلف واستدل جمهورهم بقوله تعالى: {- رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (((- (- رضي الله عنه - - - (المحتويات (تمهيد - -} - (قرآن كريم - ((- - رضي الله عنه -- سبحانه وتعالى - (- (المحتويات (- ({- رضي الله عنه - (}} (2) مع قوله تعالى: {- - قرآن كريم (((- (- رضي الله عنه - - - (- - - (- (المحتويات (- - - (المحتويات (- قرآن كريم (((- (- (-} (3) سواءً ذكر قوله بالله أو أطلق، لأن الحلف في الظاهر لا يكون إلا بالله، ومثل ذلك ما لو قال: أشهدُ أو أشهد بالله فعند زفر لا يكون
__________
(1) المدونة الكبرى ج5ص150.
(2) التوبة: 96.
(3) التوبة: 62. (1/27)
صفحة 27
أشهد يمينا، وإنما هو مجرد شهادة حتى يصله بقوله بالله، وجمهورهم استدلوا على أن كلا القولين يمين بقوله تعالى: {} - قرآن كريم (- - - - (- {- ((- رضي الله عنه - الله أكبر - رضي الله عنهم - -} الله أكبر ({(- قرآن كريم (- - رضي الله عنه - - - - (- - -} (1) إلى قوله تعالى: {} - (- صلى الله عليه وسلم - (- - - (تم بحمد الله - - (المحتويات (- - {(- رضي الله عنهم - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - {} - (-} (2) فقد سمى شهادتهم يمينا مع قوله تعالى: {(- - رضي الله عنهم - - (- رضي الله عنهم - - - رضي الله عنه - (- ((بسم الله الرحمن الرحيم (- (- - رضي الله عنه - فهرس - صلى الله عليه وسلم - - ((- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - -} المحتويات (- رضي الله عنهم - - (- عليه السلام - - - {(- - - (- - ((مقدمة (الله أكبر ({- صدق الله العظيم (- - - - (((- (- (- (- - -} (3) واللعان
يمينٌ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لولا الأيمان التي سبقت لكان لي ولها شأن" (1) ولأن قول الشاهد بين يدي القاضي أشهد في معنى اليمين ولهذا عظم الوزر في شهادة الزور، لأنه بمعنى اليمين الغموس، ونحو ذلك قوله: أقسم أو أقسم بالله في كلا القولين يمينٌ عند جمهورهم، وأما زفر فلا يراه يمينا حتى يكون موصولا باسم الله، واستدل جمهورهم بقوله تعالى: {(- ({} - قرآن كريم (- - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - {-} {(تم بحمد الله (- ((- عليه السلام - - - - - رضي الله عنه - (((((تمهيد (((تم بحمد الله ((((- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (} - رضي الله عنه - - (- - رضي الله عنه - -} (2) والاستثناء في اليمين مع قوله تعالى: {} - قرآن كريم (- - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - - (- - رضي الله عنهم - - (- - رضي الله عنهم - - (المحتويات (- (- (- رضي الله عنهم - - (- - صلى الله عليه وسلم - -} (3) وهكذا القول: في أعزم وأعزم بالله، أو قال: عليّ نذرٌ أو نذرٌ لله، وإن قال: عليه عهد الله أن لا يقربها أو ذمة الله فكل ذلك إيلاءٌ عندهم، ومثله: لو قال:
__________
(1) المنافقون:1
(2) المنافقون: 2.
(3) النور:6. (1/28)
صفحة 28
إنه يهودي أو نصراني أو مجوسي، وهكذا إذا ألزم نفسه مخالفة الإسلام في أي شي إن أتاها أو ألزمها ما لم يكن واجبا عليها من الطاعات، وهو بكل ذلك مول، أما إن حلف بشيء من مخلوقات الله سواءً أكان عينا أو معنى، فلا تنعقد بذلك يمينه ولا يترتب على صنيعه حكم الإيلاء (4).
__________
(1) أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: اللعان (2265) من طريق سهل بن سعد الساعدي.
(2) القلم: 17 - 18.
(3) سورة النحل: 38، النور: 53.
(4) يراجع في هذا المبسوط للسرخسي، دار الدعوة، ج7ص23 - 24.
قال الكاساني منهم: اسم اليمين يقع على اليمين بالله تعالى، ويقع على اليمين بالشرط والجزاء، لتحقق معنى اليمين، وهو القوة، ولو حلف بغير الله عزوجل وبغير الشرط والجزاء لا يكون موليا، حتى لا تبين بمضي المدة بغير فيء، ولا كفارة عليه إن قربها، لأنه ليس بيمين، لانعدام معنى اليمين، وهو القوة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت فمن كان منكم حالفا فليحلف بالله أو ليذر" (1) وروي"من حلف بغير الله فقد أشرك" (2) (3).
وأما أصحابنا فيقع الإيلاء عندهم بكل قول يمنع الجماع بحيث يترتب عليه وجوب كفارة أو لزوم طلاق أو عتق أو نحوهما إن جامع, قال العلامّة أبو الحسن البيسوي: والذي يحلف لا يقرب زوجته أو يحلف عن جماعها أو يحلف بطلاقها إن لم يفعل كذا وكذا أو يحلف بشيء مما يمنعه عن وطء (1/29)
صفحة 29
زوجته فيتركها ولا يفيء إليها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء (4).
وقال العلامّة العوتبي في "الضياء": "اعلم أن الإيلاء باليمين وبالظهار وبالطلاق وبالعتاق وبالصدقة والحج وجميع الأيمان" (5) , وقال أيضا: " كل يمين منعت الزوج من وطء زوجته فهي إيلاء" (6).
وحكى صاحب "بيان الشرع" عن ابن جعفر أنه قال:"الإيلاء أن يحلف الرجل يمينا بطلاق أو عتاق أو بالله أو بالصدقة أو يمين غير ذلك ما كان من الأيمان التي تردعه عن وطء زوجته" (7).
ونحوه في "المصنف" (8) ,و"منهج الطالبين" (9) وفيه إن قال: إن وطئ زوجته فهو مجوسي أو نصراني أو يهودي فلم يطأها حتى خلت أربعة أشهر فقد بانت بالإيلاء (10).
وقد مضى فيما نقلناه عن قطب الأئمة -رحمه الله تعالى- من "شرح النيل" ما يدل على أن أصل الإيلاء الامتناع كما حكاه عن عياض ومؤدى __________
(1) تقدم تخريجه.
(2) تقدم تخريجه.
(3) بدائع الصنائع للكاساني، مطبعة الإمام، ج4ص1931.
(4) جامع أبي الحسن البسيوي، وزارة التراث، ج3ص114 - 115.
(5) الضياء، وزارة التراث، ج10ص51.
(6) المرجع السابق ص62.
(7) بيان الشرع، وزارة التراث، ج52ص381.
(8) المصنف، وزارة التراث، ج38 ص103.
(9) منهج الطالبين 16/ق2/ 89.
(10) المرجع السابق. (1/30)
صفحة 30
ذلك أن كل ما يمنع من الوطء من الأقوال التي يقولها الرجل لامرأته فهو في حكم الإيلاء وهذا يتفق مع ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:" كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء" (1) ,ونسب إلى الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز والثوري وأبي حنيفة وأهل العراق والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد وغيرهم (2).
_ والتحقيق في ذلك أن اليمين لا تحصل إلا بالقسم دون الشرط والجزاء لعدم ترتب الكفارات إلا على الحلف بصيغة القسم، وإنما ألحقت بعض الصيغ بذلك في وجوب الكفارة بطريق القياس، وقد قال الله تعالى: {صدق الله العظيم (- (- - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - المحتويات (- (- (} - - - (- - - رضي الله عنهم - - (- (المحتويات - - -} {- رضي الله عنه - (- صدق الله العظيم (- رضي الله عنهم - - (- -} - -} (((مقدمة (- - رضي الله عنه - - (} (- - - ((بسم الله الرحمن الرحيم - - رضي الله عنهم - (((({(- - عليه السلام - - - (- رضي الله عنه - (- رضي الله عنه - (((- (- - - رضي الله عنه - تم بحمد الله (صدق الله العظيم (تم بحمد الله ((- رضي الله عنهم - - (- صلى الله عليه وسلم -- صلى الله عليه وسلم - - - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (((((- (المحتويات (- - (- (- - صلى الله عليه وسلم - - (- صلى الله عليه وسلم -- صلى الله عليه وسلم - - (بسم الله الرحمن الرحيم (- (- - عليه السلام - قرآن كريم (- (- (- صلى الله عليه وسلم -- صلى الله عليه وسلم - - (- - (- (- رضي الله عنه -- صلى الله عليه وسلم - تم بحمد الله - {- رضي الله عنه - تمهيد - - - عليه السلام - -} صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - ((بسم الله الرحمن الرحيم {- (- (- - - (بسم الله الرحمن الرحيم - - عليه السلام - - ((- (({- الله (فهرس - - صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم - الله - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - رضي الله عنهم - - (- (- - (- - رضي الله عنه - - (} (- - (المحتويات (- (- جل جلاله - (- رضي الله عنهم - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - - ({(بسم الله الرحمن الرحيم (- ((فهرس - - رضي الله عنهم - مقدمة} (1) ,وإنما سميت يمينا لما تعورف عليه من أن المحلف يمسك بيمين الحالف في حال القسم، ويبعد ما قاله الكاساني: من أن تسميتها بذلك لأنها أريد بها تقوية كلام وتأكيده، لأن اليمين رمز القوة، فتشمل كل ما كان مؤكدا لمضمون الحديث، ولكن مع ذلك فإني أرى أن يلحق باليمين في حكم الإيلاء كل قول مؤكد لمضمون الامتناع عن الجماع يترتب عليه لزوم شيء على الفعل
_________
(1) أخرجه البيهقي في سننه برقم (15635) ج11 ص306، دار الفكر.
(2) المغني لابن قدامة ج8 ص503، والشرح الكبير ج8ص507.
(1) المائدة: 89. (1/31)
صفحة 31
سواءً كان فوات منفعة كالطلاق والعتاق، أو وجوب ما لم يكن واجبا من الطاعات كالصلوات والصدقات والصيام والحج، لأن حرص الإنسان على عدم فوات المنافع، وعلى براءة ذمته من أن تتعلق بها واجبات لم تكن واجبة في الأصل يدفع به إلى الحرص على الاحتراز مما يترتب ذلك عليه, ومن المعلوم أن مشروعية حكم الإيلاء في الإسلام إنما هو لرفع الظلم عن المرأة والحيلولة دون تلاعب الرجل بحقوقها، فإن لها حقا في الوطء، لإشباع رغبتها وإطفاء سعار الشهوات عنها، لئلا تدفعها إما إلى ارتكاب المحرمات وخلع جلباب الحياء والأخلاق والانغماس في الموبقات, وإما إلى معاناة وكبت للنفس مع ما يترتب عليه من قلق نفسي وأمراض عصبية لا جرم، لأجل ذلك شرع هذا الحكم ولئن كان أصله في القسم- لأنه الأصل في تأكيد القول، ولأن المحافظة عليه من البر-فإن إلحاق سائر المؤكدات - التي تترتب عليها أحكام لا تكون بدونها- بالقسم في هذا الحكم أمر بدهي لا يخفى على كل من أدرك حكمة التشريع في هذا الحكم، إذ لا فرق بين معاناة المرأة من حرمانها حقها من هذا المطلب الفطري بسبب قسم بالله، ومعاناتها من ذلك بغيره من الأسباب، التي يتلبس بها الرجل عندما يريد مضارتها في ساعات الانفعال وهيجان العواطف الرعناء الدافعة إلى ارتكاب أمثال هذه الحماقة، لذلك كان الراجح أن يلحق باليمين في هذه المسألة تعليقه طلاقها أو طلاق غيرها من نسائه أو عتق أحد من أرقائه على مواقعتها أو إيجاب شيء على نفسه مما لم يكن واجبا عليها مما فيه كلفة مالية كالصدقات أو بدنية كالصلاة
والصيام أو بدنية مالية كالحج والعمرة والجهاد (1/32)
صفحة 32
وشد الرحال إلى المساجد الثلاثة.
هذا وإن أقسم بما لا يجوز بما به القسم كالكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والدنيا والآخرة والآباء والأجداد فإن ذلك قسم باطل ولا يترتب عليه حكم الإيلاء وإنما يجب عليه أن يوفيها حقها من الوطء فإن امتنع وطالبته به ألزم أن يفي لها بحقها أويطلقها لرفع الضرر عنها, أما إن أقسم بطلاق أو عتاق ولم يكن بصيغة التعليق بل بإدخال حرف من حروف القسم على شيء منها كأن يقول لها بطلاقك أو بطلاق فلانة -إمرأة له أخرى- لا أطؤك, أو بعتق فلان أو فلانة -من أرقائه- فهل هو في حكم التعليق بحيث يترتب عليه الطلاق أو العتاق إن واقعها أولا يترتب شيء منها عليه؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم, فكثير منهم لم يفرق بين الصيغتين فأمضى عليه مع حنثه ما أقسم به من طلاق أو عتاق, وذهبت طائفة من النظار المحققين كالعلامّة الصبحي والمحقق الخليلي ونور الدين السالمي والعلامة المالكي -رحمهم الله تعالى- إلى أن ذلك لا يعدو أن يكون قسما بغير الله يأثم فاعله وتجب عليه التوبة منه ولكن لا يترتب عليه حكم ما أقسم به, وفي ذلك يقول المحقق الخليلي رحمه الله تعالى:
"وأما إذا قال في يمينه بالطلاق أو بطلاق زوجته أنه لم يفعل كذا وحنث فهذا موضع يحتاج إلى النظر فيه وعلى ما فهمناه من فحوى كلام (1/33)
صفحة 33
شيخنا العلامّة الصبحي رحمه الله تعالى أن الطلاق في أصله قول معروف لمعنى خاص به واليمين بالأقوال والأفعال لا تفيد حكما في نفسها كما لو قال امرؤ بالوضوء أو بالصلاة أو بالصيام أو بالزكاة أو بالحج أو بالعمرة أو بالنذر أو بالاعتكاف أو بصلاة الجمعة أو بصلاة العيدين أو غيرها من المعاني المفروضة أو المسنونة أو من الأصول أو الفروع فإنها لا تفيد حكما آخر من لفظها فالقائل في يمينه بالوضوء لا يلزمه أن يتوضأ, والقائل بالصلاة لا يلزمه أن يقوم فيصلي ,وكذا في المعاني الأحكامية, فلو حلف بالبيع لم يلزمه بيع ماله أو حلف بالدين لم يثبت عليه دين أو حلف بالشفعة فلا تجب له على أحد ولا عليه, وكذلك إذا قال بالطلاق أو العتاق لا يلزمه منه شيء لأنه بهذا الاختيار قد جعل الطلاق معنى من المعاني يقسم بها كما يقسم بالبيت والحجر والمقام والركن وغيرها فقد جعل المعاني في نفسها أشياء يقسم بها كما يقسم بهذه الأشياء الجسمانية وكلها لا توجب أحكاما في نفسها.
ولا فرق في معاني العقل بين دخوله على المعاني الحكمية أو الصور القائمة كما يقسم بيوم القيامة وكما يقال بحقك ورضاك وحبك وغيرها وهذا معروف في معاني الأقسام وبهذا الاعتبار, فاليمين بقوله بالطلاق أو والطلاق لا يفيد إلا أن المقسم بالطلاق قد جعل الطلاق شيئا يقسم به لما يجله في نفسه ويتصوره في خزانة خياله أنه من الأمور الجلائل التي يردع بها الخصم وينكل عنها الحالف لجلالة موقعها في نفسه وهذا لا يفيد حكما يوجب عليه طلاقا البتة إلا أن يكون من جهة النية إن قصد بذلك طلاق (1/34)
صفحة 34
زوجته إن حنث فيدخله معنى الاختلاف في لحوق الطلاق بالنية على قول من يرى ذلك والأول أصح في الحكم لأن اللفظ لا يفيده.
وأما قولهم: إذا حلف بالطلاق فيخرج تأويله على معنى أنه إذا قال إن فعل كذا فزوجته طالق أو ما يشبه هذا من اللفظ فهو معنى الحلف بالطلاق في المصرح به لا قوله بالطلاق وحده لما أسلفناه به وكفى" (1).
وقال نور الدين السالمي رحمه الله تعالى بعدما ذكر هذا القول:"وهو الحق عندي إن شاء الله -إلى إن قال-: وليس بقوله بالطلاق من ألفاظ التطليق ولا كناياته -ثم قال-: وهذا اللفظ وهو قوله بالطلاق لم يرد به إلا نفس القسم واليمين بغير الله تعالى, أرأيت لو قال قائل بطلاق هند -وهي زوجته- ما أفعل كذا ثم فعل بأي شيء تطلق منه؟ فإن قلت تطلق لأن هذا اللفظ بمنزلة الكناية عن الطلاق وجب عليكم أن تقولوا بطلاقها من حين تلفظ ولا تنتظروا حنثه, وهذا هو شأن الكناية وإن قلتم لا تطلق حتى يحنث قلنا من أين صار لكم هذا التعليق واللفظ لا يدل عليه بوجه من الوجوه؟ فإن قلتم قصد التعليق حين حلف قلنا إذا يلزمكم أن تقولوا بطلاقها إذا قصده في وقت من الأوقات المستقبلة ولو لم يتلفظ بكلمة لأنكم قد اعتبرتم القصد فقط. (1/35)
صفحة 35
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن تحملن بالعلياء من عهد جرهم
ثم قال: واعلم أنه قوله بالطلاق أو بطلاق هند أو بطلاق الثلاث نظير قوله بالصلاة بالصيام بالصداق (2) بالحج أتراه يلزمه شيء من هذه العبادات إذا تلفظ بشيء منها على جهة القسم فهو بخلاف قوله عليّ لله صلاة أو صدقة إن وقع كذا فهذا عقد في معنى النذر والأول حلف بغير الله, وكذلك قوله بالنكاح بالطلاق بالعتق بالتدبير لا يوجب شيئا بخلاف قوله على قصد الإنشاء: تزوجت أو طلقت أو أعتقت أو دبرت, والفرق ظاهر والحق واضح والله أعلم" (3).
__________
(1) تمهيد قواعد الإيمان، وزارة التراث، ج11 ص10 - 11.
(2) كذا في الأصل والظاهر أنه بالصدقة.
(3) جوابات الإمام السالمي، ج3 ص190 - 191.
وبهذا التحرير من هذين الإمامين النحريرين يتضح أن هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة إذ صيغة القسم لا تدل على التعليق ولا على قصده ولو اقترنت به إلا إن حُمّلت الألفاظ ما لا تتحمله من المعاني.
أما ما اعترض به العلامّة المحقق إمام المسلمين أبو خليل محمد بن عبدالله الخليلي -رضوان الله عليه- على ما ذهب إليه جده المحقق وشيخه نور الدين ومن قال قولهما: " من أن هذه الباء في قول القائل بالطلاق لا تفيد إلا الإلزام فهي شبيهة بالباء في قول المحرم لبيك بحجة أو بعمرة" (1) , فهو مدفوع بأن الفرق بين الباءين واضح إذ الباء في قول القائل بالطلاق أو (1/36)
صفحة 36
بالعتاق لا تكون إلا باء القسم لأن فعل القسم إما أن يكون مذكورا قبلها أو مقدرا ولأنها يجوز أن تنوب عنها واو القسم بخلاف الباء في لبيك بحجة أو بعمرة إذ لا معنى لتعلقها بفعل القسم مذكورا ولا مقدرا ولا وجه لحلول الواو محلها وغاية ما تدل عليه المصاحبة بين التلبية التي سبقتها والنسك الذي دخلت عليه لذلك كانت دالة على الالتزام لأنها تفيد إنشاء الإحرام بذلك النسك.
هذا ولا يخفى على ذي بصيرة أن من لا يرى الإيلاء إلا في القسم بالله أو بأسمائه وصفاته -كما أسلفنا- لا يرى ثبوت حكم الإيلاء فيما لو أقسم أحد بالطلاق أو العتاق أو نحوهما وهو ظاهر من حيث إنه لا يترتب على هذا القسم لزوم شيء غير التوبة منه ,أما الفريق الآخر فيراه إيلاء من حيث إنه كلام يفيد تأكيد الامتناع عن الوطء وهو معنى قول الإمام السالمي -رحمه الله تعالى- جوابا لمن سأله عمن حلف بما يحرم الحلف به كرأس أبيه: " الإيلاء كل يمين تبمنع من الوطء كانت حقا في نفسها أو باطلا فإذا امتنع لأجلها عن الوطء خرجت امرأته بالإيلاء وناهيك أن الظهار قول زور وباطل من القول وتثبت به أحكام الظهار" (2).
__________
(1) الفتح الجليل من أجوبة الإمام أبي خليل، المطبعة العمومية / دمشق ص312.
(2) جوابات الإمام السالمي ج3 ص282.
والظاهر أن إدراج مثل هذه الأيمان فيما يثبت به الإيلاء مع كونها باطلة لا يعدو أن يكون من باب الحرص على رفع الإساءة عن المرأة والحيلولة دون هضمها حقوقها الزوجية ولربما روعي في ذلك ما في نفس (1/37)
صفحة 37
الحالف من تعظيمه هذه اليمين واعتبارها حائلة دون ما قصد امتناعه عنه بها وإن كان ذلك في حقيقته باطلا ثم اتضح لي أن هذا هو الذي ينبغي أن يعول عليه وهو أرجح في النظر لما يترتب عليه من رفع الإساءة عن المرأة المولى منها، وليست مشروعية الإيلاء إلا لأجل هذه الغاية فلا فرق إذاً بين أن يكون إيلاؤه بما يثبت به القسم شرعا لجواز القسم به وبين غيره لأن مؤدى الحلف بكل منهما واحد وهو الضرر بالزوجة فيستوي حكمهما في وجوب رفع الضرر عنها ويقويه إطلاق الإيلاء في الآية إذ لم يقيد بأن يكون بالله أو بأسمائه أو صفاته.
فإن قيل: بأن منع الحلف بغير الله الثابت بالسنة يقيد هذا الإطلاق.
قلنا: ليس الغرض من الآية بيان مشروعية القسم وجوازه وإنما الغرض بيان ما تنصف به المرأة وما يرفع به الضرر عنها عندما يحيف عليها الرجل بهذا الصنيع.
أما قياسها على الظهار فهو قياس مع الفارق الكبير، لأن الظهار تجب به الكفارة بالنص القطعي وتترتب عليه حرمة المس قبلها وهذه لا كفارة فيها ويجب عليه فيها المس أداءً لحق الزوجة ورفعا للإساءة عنها، هذا ولا يعتد عند الظاهرية بأي حلف كان بغير الله, قال ابن حزم:" ومن حلف في ذلك بطلاق أو عتق أو صدقة أو مشي أو غير ذلك فليس موليا وعليه (1/38)
صفحة 38
الأدب لأنه حلف بما لا يجوز الحلف به" (1). (1/39)
صفحة 39
يمين الإيلاء كغيرها في وجوب الكفارة
__________
(1) المحلى لابن حزم، دار الاتحاد العربي للطباعة، ج11 ص241.
لا خلاف بين أصحابنا أن من آلى باسم الله تعالى ففاء تجب عليه اليمين وبه قال الجمهور وحكى المرداوي فيه عدم النزاع وأطبقت عليه آثار أهل العلم من جميع المذاهب المعروفة وإنما شذ عنهم الحسن والنخعي فحكي عنهما إسقاط الكفارة عنه مستدلين بقوله تعالى: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} ووجه استدلالهما أن الله ناط مغفرته ورحمته بنفس الفيء ولم يذكر كفارة, ورد بأن المغفرة إنما هي تجاوزه سبحانه عن أصل القول الذي بدر منه فإنه ظلم لأن مضمونه إسقاط حق من حقوق المعاشرة الحسنة بين الزوجين فالله يعفو عنه بتراجعه ولا يمنع ذلك وجوب الكفارة عليه لأن ثبوتها بدليل آخر, وهذا كما أوجب - سبحانه وتعالى - الكفارة على المظاهر مع قوله في سياق حكمه {- - ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - {- - - - قرآن كريم ((- رضي الله عنهم - (- - (- قرآن كريم ((- (}.
قلت: ويؤكد وجوب الكفارة عليه أن حكم الإيلاء ذكر في القرآن رديفا لحكم اليمين المتضمن للتفرقة بين لغوها ومقصودها فإن الاقتران دليل على أن من آلى عمدا يطالب بما يطالب به كل من كانت يمينه قصدا داخلة في ضمن ما كسب قلبه وهذا واضح على رأي من يقول بمراعاة التناسب بين آيات القرآن وهو قول النظار المحققين وزاد عليه بعض المعاصرين النظام، (1/40)
صفحة 40
كما بينته في التفسير وهو من القوة بمكان فإن خلافه يؤدي إلى تفكيك آي القرآن بعضها عن بعض وهو مذهب برونقه وبجماله.
وأما إن كانت يمينه بغير الله تعالى فهي من ساقط الكلام ولا اعتداد بها في الحكم إلا من حيث وجوب التوبة عليه لذلك يطالب في هذه الحالة بالفيء من غير كفارة، وقد كان حريا ألا يُعد هذا من الإيلاء في شيء لولا ما يخشى من تسلط الرجال بسببه على النساء يحرمونهن من متعة الحياة الزوجية مضارين لهن، وقد علم أن حكم الإيلاء إنما شرع من أجل رفع الضرر عنهن. (1/41)
صفحة 41
الفصل الأول
في الحلف الذي يترتب عليه حكم الإيلاء (1/42)
صفحة 42
[صفحة بيضاء] (1/43)
صفحة 43
{{{
شاع عند أصحابنا إلحاق ألفاظ معينة بحكم الإيلاء بطريق القياس وهي لا تخرج عن صيغ الشرط والجزاء وإنما يكون المشروط تارة مثبتا وتارة منفيا وشاع عندهم تسمية هذه الصيغ بحروف الإيلاء والذي اتفقوا عليه منها أربعة وهي:
إن.
إذا.
إن لم.
إذا لم.
أما -إن وإذا- فلا يدخلان في باب الإيلاء الإ إن كان المشروط بهما هو الوطء كأن يقول لها: إن وطئتك فأنت طالق أو إذا وطئتك فأنت طالق, وقد سبق بيان أن هذه الصيغة تؤدي إلى الإيلاء حكما عند أكثر علماء الأمة إلا من قال بأن الإيلاء لا يقع الإ بالحلف بالله وأسمائه وصفاته كما هو قول الظاهرية والمشهور عند الحنابلة وبه قال الشافعي في قديمه كما سبق تبيان أن ذلك لا ينحصر فيما إذا كان المعلق بهذا الشرط هو طلاقها وحده إذ لا فرق بين أن يعلق عليه طلاقها أو طلاق غيرها من نسائه أو عتق أحد من أرقائه أو أن يلزم بذلك نفسه ما لم يكن لازما من الطاعات لأن هذا القول يفضي إلى حرمانها من هذا الحق الشرعي إذا ما وفى بشرطه.
وأما -إن لم وإذا لم- فيدخلان عندهم وعند طائفة من سائر علماء (1/44)
صفحة 44
الأمة في باب الإيلاء من غير تقييد بكون التعليق محصورا بأمر معين, فإن قال: إن لم أفعل كذا أو إذا لم أفعل كذا فأمرأته طالق فيدخل ذلك في حكم الإيلاء, فإن فعل ما علق عليه قبل مضي مدة الإيلاء فهي امرأته وإن لم يفعله حتى مضت المدة خرجت منه بالإيلاء في قول أصحابنا ويوقف حتى يطلق أو يفيء عند غيرهم ممن أدخل ذلك في حكم الإيلاء ولشيوع هذه الصيغ الأربع التي سموها حروف الإيلاء واشتهارها عند أصحابنا أنها من حكم الإيلاء التبس الأمر على عامتهم وكثير من خاصتهم حتى ظنوا أن الإيلاء لا يكون بدونها بل نجد في كثير من مدونات الفقه عند أصحابنا يبدأ بذكر هذه الحروف في باب الإيلاء وما هو الأصل في الإيلاء يذكر تبعا لها وقد يغفلونه رأسا, وأغرب من كل ذلك قول صاحب المصنف: فإن قال لامرأته والله إني لا أطؤك فلا إيلاء عليه -قال- ولعل بعضاً يوجب عليه الإيلاء إذا تركها جُنّة ليمينه والأول أحبّ إليّ, قال المصنف في هذا القول الأخير نظر (1).
وهذا إن دل على شيء فإنه لا يدل إلا على أن قائله وقع في لبس عجيب حتى جعل أصل الإيلاء المنصوص عليه ليس من حكمه في شيء, وجعل فرعه المختلف فيه هو الإيلاء دون غيره, على أن الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى بيّن أن إلحاق هذه الصيغ بحكم الإيلاء لا يعدو أن يكون من باب القياس وإلا فأصله الحلف بالله بأن لا يواقع امرأته فقد قال في (1/45)
صفحة 45
جوهره:
وهو عبارة عن اليمين من زوجة لذلك التمكين
يقال آلى إن يكن قد حلفا بالله لا يقرب منها فاعرفا
إلى أن قال:
وبقياس ظاهر قد ألحقوا بها حروفا تدرى فيما نمّقوا
كقوله: إن لم أسر للمسجد فأنت مني طالق فابتعدي
كذا إذا لم وكذا إن وإذا حين اقتضى منع الجماع مثل ذا (2)
__________
(1) المصنف ج38 ص132.
(2) جوهر النظام، الإمام السالمي، ط12 ج2 ص316.
ووجه القياس الذي أشار إليه أن حكم الإيلاء إنما شرع لرفع الضرر عن المرأة إذ في إمساكها من غير وطء حرمان لها من أن تستمتع بأعظم لذات الحياة الدنيا مع أن نفس الزواج لا يكون إلا من أجلها مع ما يتبعه من حرمانها من الولادة وفيها قرة عينها وراحة بالها فلذلك حد له الشارع حدا معلوما تكون فيه فرصة للزوج أن يراجع نفسه في أمرها وهو بقدر ما تصبر المرأة عن الجماع عادة ولما كان قوله: إن لم يفعل كذا فهي طالق. ونحوه مانعا من جماعها عند أصحابنا ومن قال قولهم حتى يتحقق فعله ذلك لا جرم قالوا بوقوع طلاقها عندما تمضي هذه المدة التي لا تقوى على الصبر (1/46)
صفحة 46
عن الجماع أكثر منها.
ومع ما سبق نقله عن صاحب المصنف فإننا نجده ينص بنفسه في أول باب من أبواب الإيلاء على أنه بمعنى الحلف وذلك في قوله:"والإيلاء هو الألية باليمين يقال إتلى يأتلى إتلاءً إذا حلف قال الله تعالى: {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - - (- - رضي الله عنه - -} - قرآن كريم (- - - صلى الله عليه وسلم - (- (- ((- ((- - - (بسم الله الرحمن الرحيم (- - (تم بحمد الله ({- رضي الله عنهم - (- - - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - تمت - صلى الله عليه وسلم - -} - (قرآن كريم (- (- (- - (- - - صلى الله عليه وسلم - (- - - فهرس - (- ({(- - -} (1) معناه لا تحلفوا, يقال إنها نزلت في أبي بكر لما حلف لا ينفق على مسطح لما قذف عائشة" (2).
__________
(1) النور: 22.
(2) المصنف ج38 ص103.
وقد نص على هذا كثير من علمائنا فقد قال أبو الحسن في جامعه: "الإيلاء هو اليمين التي يحلف بها الرجل عن جماع زوجته وأسماء الإيلاء مأخوذة من ألية اليمين قال الله تعالى: {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - - (- - رضي الله عنه - -} - قرآن كريم (- - - صلى الله عليه وسلم - (- (- ((- ((- - -} لا يحلف, وقال: {- صدق الله العظيم - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- - رضي الله عنه - - - ((- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (- (تم بحمد الله - صدق الله العظيم ({- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - {} تم بحمد الله (-} (1) والإيلاء هي اليمين, وكذلك قال الله تعالى: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} " (2).
هذا وقد أطبقت مصنفات أصحابنا قديما وحديثا على أن لهذه (1/47)
صفحة 47
الصيغ الأربع حكم الإيلاء, وحكى الإمام أبو نبهان رضوان الله عليه عدم الخلاف في ذلك (3).
ومن الواضح بداهة أنه يعني عدم الخلاف في ذلك في المذهب لأن الخلاف في غيره شهير كما سيأتي إن شاء الله, واختلف أصحابنا في إلحاق صيغ أخرى بهذا الحكم وهي:
حين.
متى.
ما.
__________
(1) التوبة: 10.
(2) جامع أبي الحسن ج3 ص114.
(3) من جواب طويل له، وهو في مجلد مخطوط يشتمل على طائفة من فتاواه في النكاح والطلاق وهو بحوزتي، وقد ذكر هذا الجواب صاحب لباب الآثار فليراجع ج11 ص266 - 267.
وذلك بأن يقول ما لم يفعل كذا فهي طالق, أما (ما وحين) فقد ذكر الإمام أبو نبهان قولا بإلحاقهما بهذا الحكم حيث قال:"وزعم بعض في مثل ما لم أضربها أو أشتمها ,أوحين لم أضربها أو إن لم أشتمها أن له وجها في الإيلاء ويكون عليه إن عناه به إلى أجله المسمى" (1).
ومما يعجب منه ضم (إن لم) إليهما والإشارة إلى التبرء من هذا القول إذ ذكره بعبارة الزعم مع أنه سبق له أن حكى عدم الخلاف فيها كما تقدم, وأشار في كلامه أن (متى لم) يقع بها الطلاق فورا إن استعملت على (1/48)
صفحة 48
هذا النحو.
وحكى العلامة أبو الحسن البسيوي الخلاف فيما إذا قال لها: إذا لم أطلقك فأنت طالق هل يقع طلاقها حين سكت أو أنه إيلاء (2).وذكر قولين أيضا فيما إذا قال لها أنت طالق حين لا أطلقك فقال من قال الحين ستة أشهر فإذا دخلت (3) الستة أشهر طلقت ,وقال من قال تطلق من وقتها (4).
وقال الإمام أبو نبهان رحمه الله:"إن قال هي طالق حين لا أضربها أوأشتمها فإن كان له في الحين نية في حده فإلى ما نوى وإلا فهو مما يختلف في مقداره رأيا, وعلى كل قول فإذا انقضى أمده الذي له على قوله وقع الطلاق ويكون ذلك على قول لتمام سنة من حين ما يحلف على ذلك, وفي قول ثان تسعة أشهر, وفي قول ثالث فإلى ستة أشهر, وفي قول رابع أربعة أشهر, وفي قول خامس ثلاثة أيام, وفي قول سادس سبع سنين, وفي قول سابع إلى يوم القيامة وعلى هذا فكأنه لا يقع به طلاق حتى تطلع الشمس من مغربها ألا وربما يكون عمرها أدنى إلى أن يفنى قبل أن يأتي وقته عليهما ,وعلى قول ثامن فأقله غدوة ,وقول تاسع أنه ليس له وقت ينتهي إليه بحد وعلى هذا فتطلق من حينها", ثم قال:" وزعم بعض في مثل ما لم أضربها أو (1/49)
صفحة 49
أشتمها أو حين لم أضربها أو إن لم أشتمها أن له وجها في الإيلاء (5).
__________
(1) المرجع السابق ص268.
(2) جامع أبي الحسن ج3 ص80.
(3) كذا في الأصل والصواب: فإذا خلت.
(4) المرجع السابق ص81.
(5) لباب الآثار ج11 ص268.
ولا أعرف علام بنيت هذه الأقوال إلا قول من قال بأن أمد ذلك أربعة أشهر فإنه مبني على اعتبار هذا إيلاء وقول من قال تطلق من حينها فإنه مبني على اعتبار الطلاق واقعا بمجرد مرور زمن ولو لحظة يمكن فيه ضربها أو شتمها, والقول بأن ذلك لا يقع إلى يوم القيامة هو أبعد هذه الأقوال جميعا عن الصواب.
وذهب مذهب أصحابنا في إلحاق نحو إن لم يفعل كذا فامرأته طالق بالإيلاء جماعة من سائر العلماء, فقد حكي عن الأنصاري وربيعة ومالك أنه يضرب له أجل المولي كما لو حلف ألا يطأها (1) ,وهو المنصوص عليه في مدونة مالك وفي أقوال علماء المالكية, ففي المدونة:"قلت أرأيت الرجل يقول لامرأته أنت طالق إن لم أفعل كذا وكذا ولم يوقت قال: قال مالك: يحال بينه وبينها ويدخل عليه الإيلاء من يوم يرفع ذلك ,وقال غيره: إذا تبين للسلطان ضرره بها" (2).
وفي كتاب "البيان والتحصيل" لابن رشد الجد ما نصه:" مسألة من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب المكاتب قال يحيى: وسألت عن الرجل يحلف بطلاق امرأته إن لم يتزوج عليها فلانة فيخطبها فتكرهه (1/50)
صفحة 50
قال: أرى أن يؤجل له أجل المولي إن شكت امرأته ترك مسيسها وذلك لأنه لا ينبغي له أن يمسها حتى ينكح المرأة التي حلف عليها لينكحنها فإن مضى أجل الإيلاء ولم ينكحها طلق عليه بالإيلاء وإن صبرت عليه امرأته لم يؤجل ولم يدخل عليه حنث وإن ماتت التي حلف لينكحنها طلقت عليه امرأته".
__________
(1) المغني ج8 ص348، الشرح الكبير ج8 ص386.
(2) المدونة الكبرى ج5 ص153.
قال محمد بن رشد:" قوله إنه يؤجل له أجل المولي إن شكت امرأته ترك مسيسها إذ لا ينبغي له أن يمسها وهو لا يقدر على نكاح المرأة التي حلف لينكحنها أو خطبها فكرهته إنما يأتي على القول بأن من حلف بالطلاق ليفعلن فعلا لا يمكنه فعله في الحال ويمكنه في حال آخر مول من يوم حلف وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة ونص رواية عيسى عن ابن القاسم في الحالف بالطلاق ليحجّن وهو في غير وقت الحج أن يقال له أحرم واخرج وإن كان ذلك في المحرم وعلى قول غير ابن القاسم في المدونة أنه إذا لم يمكنه فعل ما حلف عليه ليفعلنه فلا يحال بينه وبين امرأته ولا يضرب له أجل المولي حتى يمكنه فعل ما حلف عليه ولا يحال بينه وبين امرأته في هذه المسألة ولا يضرب له أجل المولي حتى يمكنه نكاح المرأة بأن تجيبه إلى ذلك فإن أجابته إلى ذلك وأمسك عن نكاحها كان سبيل الحنث ولم يجز له وطء امرأته وضرب له أجل المولي إن شكت امرأته ترك مسيسها فإن بر بنكاحها وإلا طلق عليه بالإيلاء فإن طلق عليه به وارتجع لم تصح رجعة إلا أن يفيء بزواجها قبل انقضاء العدة بخلاف إذا طلق هو قبل أن يطلق عليه الإمام (1/51)
صفحة 51
بالإيلاء لأنه إذا طلق هو فقد حنث نفسه وانحلت اليمين عليه وإذا طلق الإمام عليه فاليمين باقية عليه فإن تزوجها بعد انقضاء العدة رجع عليه الإيلاء فإن اجترأ لما ضرب له أجل الإيلاء ووطىء سقط ما مضى من أجل الإيلاء واستؤنف ضربه مرة أخرى إن قامت بذلك المرأة وطلبته" (1).
وفيه أيضا ما نصه:" وسئل عن الرجل يحلف بطلاق امرأته ليبيعن غلامه إلا ألا يجد عشرين دينارا فيعرضه ويجتهد فلا يجد به عشرين دينارا أيمسك عن مسيس زوجته حتى يبيعه أم يسقط عنه اليمين بعد اجتهاده في البيع بالمبالغة في العرض؟
__________
(1) البيان والتحصيل، لأبي الوليد بن رشد القرطبي، دار الغرب الإسلامي، ج6 ص383 - 384.
قال: يكف عن مسيس زوجته حتى يعرض مجتهدا في البيع أياما ويستأني حتى يعلم اجتهاده ومبالغته في البيع فإن باع في ذلك وإلا حبس عبده ووطىء امرأته ولا شيء عليه حتى تحول الأسواق بزيادة يرتجى بها بيعه بعشرين دينارا فيعود إلى العرض والاجتهاد في البيع وليس عليه أن يمسك عن الوطء لامرأته الأولى إلا أن يجد عشرين دينارا فيكره البيع وإن وجد ذلك لزمه الكف عن المسيس فإن شكت امرأته وهو قادر على بيعه بعشرين دينارا إمساكه عنها ضرب له أجل المولي فإن باع وإلا طلق عليه وإن قال أنا أفىء فلا تنفعه فيئته إلا ببيع العبد".
قال محمد بن رشد: "هذه مسألة لم يجر فيها على أصل لأنه إما أن (1/52)
صفحة 52
تُحمل يمينه على أنه أراد أن يبيعه بعشرين إلا ألا يجد به العشرين في ذلك الوقت وفي تلك السوق فلا يجب عليه أن يعرضه إلا في ذلك الوقت وفي تلك السوق فإذا عرضه في ذلك الوقت ولم يجد فيه العشرين انحلت عنه اليمين ولم يكن عليه أن يعود إلى عرضه في وقت آخر وسوق آخر ,وإما أن تحمل يمينه على أنه أراد أن يبيعه بعشرين دينارا متى وجد العشرين دينارا فيه كان ذلك في ذلك الوقت وفي تلك السوق أو في وقت آخر وسوق آخر فيجب عليه متى حالت الأسواق بزيادة ورجا وجود العشرين دينارا فيه أن يعود إلى العرض وإلى الإمساك عن امرأته.
فقوله إن الأسواق إذا حالت بزيادة عادت إلى العرض ولم يجب عليه أن يعود إلى الإمساك عن امرأته حتى يجد به عشرين ليس يلتئم على أصل واحد.
وجوابه في هذه المسألة أيضا كجوابه في المسألة التي قبلها على القول بأن من حلف ليفعلن فعلا لا يمكنه في الحال ويمكنه في حال آخر يحال بينه وبين امرأته من يوم حلف ويدخل عليه الإيلاء إن طلبت المرأة المسيس، وعلى القول بأنه لا يحال بينه وبينها ولا يمنع من مسيسها ولا يدخل عليه الإيلاء حتى يمكنه فعل ما حلف عليه ليفعلنه يكون له أن يطأ امرأته في حال العرض حتى يجد من يعطيه به عشرين دينارا فإذا وجد ذلك لزمه الكف عن امرأته حتى يبيعه وضُرب له أجل المولي، وكذلك حكى ابن حبيب في آخر كتاب الأيمان والنذور من الواضحة أنه ليس عليه أن يمسك عن الوطء ما دام (1/53)
صفحة 53
يعرض ذلك للبيع ,إلا أنه قال: فإذا وجد ذلك به حنث إن لم يبعه فحمل يمينه على التعجيل, وهو أصل قد اختلف فيه حسبما بينّاه من سماع يحيى في كتاب النذور في رسم المكاتب منه وبالله التوفيق" (1).
ويفهم من هذا كله أن قول المالكية في هذه المسألة كقول أصحابنا إلا أنهم يقولون بالوقف للمولي بعد مطالبة المرأة بحقها في الوطء فيكره إما أن يفعل ما علق طلاقها على عدم فعله فيتمكن من وطئها وإما أن يطلق لأنه ليس له أن يطأها حتى يفعل ذلك فالفىء هنا بالفعل أولا والوطء ثانيا وليس هو كما لو آلى ألا يطأها فإنه يطالب في ذلك بالوطء والتكفير وما ذهبوا إليه إنما هو مبنيٌ على الأصل الذي اشتركوا فيه مع كثير من أصحاب المذاهب الأخرى وهو أن المولي يوقف بعد مضي أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما ان يطلق.
__________
(1) المرجع السابق، ص384 - 386.
أما أصحابنا فبما أنهم لا يقولون بالوقف في الإيلاء -كما هو مذهب الحنفية- لذلك يقولون بأنها بمضي أربعة أشهر تخرج هذه المرأة من عصمته من غير أن يطلق كما هو الشأن في الإيلاء وإنما اختلفوا فيما تخرج به هل هو ما أنشأه من الطلاق المعلق على عدم الفعل أو الإيلاء وتظهر ثمرة خلافهم فيما لو علق طلاقها ثلاثاً على عدم فعله شيئا ما فمضت أربعة أشهر ولم يفعله فقيل تخرج منه بثلاث طلقات كما قال وقيل تبين بالإيلاء قال (1/54)
صفحة 54
في "بيان الشرع": وهذا أكثر القول عندنا وهي تطليقة واحدةٌ بانت بها (1).
ومن ناحية أخرى فإن المالكية يتوسعون فيما لو اكتنفت من وقع في هذه القضية ظروف صعبة فلم يتمكن من فعل ما علق الطلاق على عدم فعله فيفسح له المجال عندهم حتى تواتيه الأحوال ويتمكن من فعل ذلك وعندئذ يضرب له الأجل وهذا ما لا يقوله أصحابنا إلا ما ذكر عن بعضهم فيما لو علق طلاقها على عدم حجه وكان ذلك قبل ميقات الحج كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وكذلك في رأي المالكية أن سكوت المرأة عن مطالبتها بحقها في وقف الزوج في هذه الحالة يسقط حقها في الطلاق إلى أن تطالب به ومعنى ذلك أنها لو صبرت ولو سنين فلا يقع عليها طلاق وهذا مَا لا يقوله أصحابنا.
هذا وقد اتفق أصحابنا والمالكية الذين قالوا بقولهم في هذه المسألة أنه يمنع من وقع في ذلك من وطء امرأته حتى يكون منه الفعل كما سبق فيما نقلناه عن مالك وأصحابه وهذا هو المحكيُّ عن سعيد بن المسيب والحسن والشعبي ويحيى الأنصاري وربيعة وأبي عبيد (2) ,وروى الأثرم عن أحمد مثل ذلك (3).
ولم أجد عن أحد من هؤلاء أنه يقول بإلحاق هذه المسألة بحكم (1/55)
صفحة 55
الإيلاء كما قال أصحابنا ومالك إلا يحيى الأنصاري وربيعة كما تقدم.
__________
(1) بيان الشرع، ج52 ص381.
(2) المغني ج8 ص348، الشرح الكبير ج8 ص386.
(3) ينظر المرجعان السابقان.
أما أصحابنا فقد شددوا حتى قالوا بأنها تحرم عليه إلى الأبد إن وطئها قبل فعله ما علق طلاقها على عدم فعله ولم نجد في شيء من كتبهم خلافا في هذا (1) بل حكى صاحب المصنف إجماعهم عليه حيث قال: " أجمع أصحابنا أنه إذا قال: امرأته طالق إن لم يدخل دار زيد أو إن لم يضرب عمرا بغير أجل مرسلا لكلامه أنه ممنوع من الوطء وإن وطئ قبل أن يفعل أن امرأته تفسد عليه " (2).
هذا وقد توجد مسائل عند أصحابنا خارجةٌ عن القاعدة التي اتبعوها في هذه الصيغة في الطلاق عند بعضهم من ذلك ما لو علق طلاقها على عدم جماعها فإن كثيرا منهم قال بعدم طلاقها ولو مرت الأشهر الأربعة لأن قوله ذلك لا يمنعه من جماعها وهو مما يدل على أن خروجها عنه بمضي أربعة أشهر في غير هذه المسألة إنما هو بالإيلاء لا بما قاله مما يدل على تعليقه الطلاق وذهب أبو الحسن البيسوي إلى وقوع طلاقها بمضي أربعة أشهر في هذه المسألة كغيرها وهو مبنيٌ -كما هو ظاهر- على أن خروجها بطلقة ناشئة من قوله، وبهذا قال صاحب الضياء (3). (1/56)
صفحة 56
وكذلك إن قال: إن لم يقتل أباه فامرأته طالق ومثله إن لم يركب معصية ما فامرأته طالق فقيل تطلق بالحال لحرمة الوفاء بما قال: وقيل يلحق ذلك بالإيلاء (4) ولعل هذا قول الأكثر منهم.
__________
(1) يراجع في هذا جامع أبي الحسن البسيوي ج3 ص117، بيان الشرع ج52 ص411، منهج الطالبين 16ق2 ص109، الضياء ج10 ص53، شرح النيل ج7 ص198، جوابات الإمام السالمي ج3 ص281.
(2) المصنف ج38 ص110.
(3) بيان الشرع ج52 ص390، المصنف ج38 ص108، الضياء ج10 ص59 - 60، منهج الطالبين=
= 16ق2 ص97 - 98.
(4) بيان الشرع ج52 ص384.
هذا وذهب أكثر علماء الأمة إلى أن مثل هذه الصيغة لا تدخل في باب الإيلاء فإن كان التعليق بإن كأن يقول لها إن لم يأتها بكذا فهي طالق فإنها لا تطلق عندهم حتى يأتي عليهما زمن يتعذر أن يفعل فيه ما علق طلاقها على عدم فعله وإن كان بإذا فقيل لا يختلف حكم ذلك عمّا لو كان بإن وهو مذهب الحنابلة وحكي عن أبي حنيفة، وقيل: تطلق بالحال وعليه الشافعي وأصحابه وقال به بعض الحنفية، قال الخرقي في مختصره: " وإذا قال إن لم أطلقك فأنت طالق ولم يطلقها حتى مات أو ماتت وقع الطلاق بها في آخر أوقات الإمكان"، قال شارحه ابن قدامة: " وجملة ذلك أن حرف إن موضوع للشرط لا يقتضي زمنا ولا يدل عليه إلا من حيث إن الفعل المعلق به من ضرورته الزمان وما حصل ضرورة لا يتقيد بزمن معين ولا يقتضي تعجيلا فما علّق عليه كان على التراخي سواءً في ذلك الإثبات والنفي فعلى هذا إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق, ولم ينو وقتاً ولم يطلقها كان ذلك على التراخي ولم يحنث بتأخيره لأن كل وقت يمكن أن يفعل ما حلف عليه فلم يفت الوقت فإذا مات أحدهما علمنا حنثه حينئذ لأنه لا يمكن إيقاع الطلاق بها بعد موت أحدهما فتبين أنه وقع إذ لم يبق من (1/57)
صفحة 57
حياته ما يتسع لتطليقها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه بين أهل العلم خلافاً ولو قال: إن لم أطلق عمرة فحفصة طالق ,فأي الثلاثة مات أولا وقع الطلاق قبل موته لأن تطليقه لحفصة على وجه تنحل به يمينه إنما يكون في حياتهم جميعا وكذلك لو قال إن لم أعتق عبدي أو إن لم أضربه فامرأتي طالق وقع بها الطلاق في آخر جزء من حياة أولهم موتا فأما إن عين وقتاً بلفظه أو بنيته تعين وتعلقت يمينه به " (1).
__________
(1) المغني ج8 ص347 - 348، الشرح الكبير ج8 ص385 - 386.
ونقل كل من صاحبي "المغني" و"الشرح الكبير" عن أحمد أنه قال: "فيمن قال: إن لم أضرب فلانا فأنت طالق ثلاثاً فهو على ما أراد من ذلك وذلك لأن الزمان المحلوف على ترك الفعل فيه تعين بنيته وإرادته فصار كالمصرح به في لفظه فإن مبنى الأيمان على النية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"وإنما لامرئ ما نوى" (1) (2).
وبقول الحنابلة فيما إذا كان التعليق بإن قالت الشافعية والحنفية ففي "منهاج الطالبين" للنووي وشرحه "تحفة المحتاج" ما نصه:" ولو علّق بنفي فعل فالمذهب أنه إن علق بإن كإن لم تدخلي الدار فأنت طالق أو أنت طالق إن (1/58)
صفحة 58
لم تدخلي وقع عند اليأس من الدخول كإن مات أحدهما قبل فيحكم بالوقوع قبل الموت أي إذا بقى ما لا يسع الدخول".
قال الشرواني وابن قاسم العبادي في حواشيهما على "تحفة المحتاج": "ومحل اعتبار اليأس ما لم يقل أردت إن دخلت الآن أو اليوم فإن أراده تعلق الحكم بالوقت المنوي كما صرّحا به في نظيره فيمن دخل على صديقه فقال له تغد معي فامتنع فقال إن لم تتغد معي فامرأتي طالق ونوى الحال" (3).
وقال الكاساني من الحنفية: " ثم التعليق في الملك كما يصح بشرط الوجود يصح بشرط العدم لأن الشرط علامة محضة والعدم يصلح علما محضا ويصلح شرطا غير أنه إن وقّت ينزل المعلق عند انتهاء ذلك الوقت وإن أطلق لا ينزل إلا في آخر جزء من أجزاء حياته.
__________
(1) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في كتاب: النكاح، باب: من هاجر أو عمل خيرا لتزويج امرأة فله ما نوى (4783) من طريق عمر بن الخطاب.
(2) المغني ج8 ص348، الشرح الكبير ج8 ص386.
(3) يراجع المنهاج للنووي مع شرحه (تحفة المحتاج) للهيتمي وحواشي الشرواني وابن قاسم العبادي عليه ج10ص179،المجموع ج17ص188.
يبان ذلك إذا قال لامرأته: إن لم أدخل هذه الدار فأنت طالق أو قال: إن لم آت البصرة فأنت طالق لا يقع الطلاق إلا في آخر جزء من أجزاء حياته لأنه علق الطلاق بعدم الدخول والإتيان مطلقا ولا يتحقق ذلك إلا في ذلك الوقت وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطلقك أنه لا يقع الطلاق عليها ما لم يثبته إلى آخر جزء من أجزاء حياته لأنه علق الطلاق بشرط عدم التطليق مطلقا والعدم المطلق لا يتحقق إلا في ذلك (1/59)
صفحة 59
الجزء" (1).
غير أن السرخسي من الحنفية فرق بين أن يكون دخولها ممكنا وقوعه أو غير ممكن وفصّل ذلك بقوله:" ولو قال أنت طالق إن لم تصنعي كذا وكذا لعمل يعلم أنها لا تصنعه أبدا نحو أن يقول إن لم تمسي السماء بيدك أو إن لم تحولي هذا الحجر ذهبا فهي طالق ساعة تكلم به بخلاف ما لو قال: إن لم تدخلي الدار فإن هناك لا تطلق حتى تموت لأن الشرط فوات الدخول ولا يتحقق ذلك إلا عند موتها فإن الدخول منها يتأتى ما دامت حية فأما هنا الشرط عدم مس السماء منها أو تحويل الحجر ذهبا وذلك متحقق في الحال من حيث الظاهر ولأنه لا فائدة في الانتظار هنا لأنه لا يحصل به عجز لم يكن ثابتا قبله بخلاف مسألة الدخول على ما بينا ولو وقت وقتا فقال أنت طالق إن لم تمسي السماء اليوم لم تطلق إلا بعد مضي اليوم عندنا وقال بعض العلماء تطلق في الحال لأن فوت الشرط متحقق في الحال ولأن الوقت في اليمين الموقت كالعمر في المطلق فكما لا ينتظر هناك موتها فكذلك هنا لا ينتظر مضي المدة ولكنا نقول عند ذكر الوقت الشرط عدم الفعل في آخر جزء من أجزاء النهار وذلك لا يتحقق قبل مجيء ذلك الوقت ولأنه بذكر الوقت قصد الترفيه على نفسه فكان هذا بمنزلة قوله أنت طالق إذا ذهب هذا اليوم فما لم يذهب لا يقع الطلاق " (2). (1/60)
صفحة 60
__________
(1) بدائع الصنائع ج4 ص1862.
(2) المبسوط للسرخسي ج6 ص139 - 140.
هذا ولم أجد لغيره من الحنفية هذا التفصيل وإنما الموجود في كتبهم الإطلاق الذي ذكره الكاساني كما هو منصوصٌ عليه في "البداية" وشرحها "الهداية" وحاشية ابن الهمام عليها "فتح القدير" (1) ,وفي "ملتقى الأبحر" وشرحه "مجمع الأنهر "وكذلك في "الدر المنتقى في شرح الملتقى" للحصفكي (2).
وهؤلاء الذين ذهبوا إلى أن الشرط العدمي المعلق عليه الطلاق إن كان بإن لا يقع الطلاق إلا مع تعذر وقوع الفعل وذلك في آخر لحظات العمر اختلفوا فيما إذا كان التعليق بإذا كأن يقول إذا لم أفعل كذا فأنت طالق فعند الحنابلة في ذلك وجهان نص عليهما ابن قدامة في المقنع وتابعه شارحه في الشرح الكبير وقال المرداوي في "الإنصاف": وأطلقهما في "الهداية" و"المذهب" و"مسبوك الذهب" و"المستوعب" و"الخلاصة" و"المغني" و"البلغة" و"المحرر" و"الشرح" و"الفروع" و"تجريد العناية".
أحدهما: هي على الفور وهو الصحيح صححه في التصحيح وجزم به في "الوجيز" و"العمدة" و"المنّور" و"منتخب الأدمي".
والثاني: أنها على التراخي اختاره القاضي قال في "المذهب" و"مسبوك الذهب" في التمثيل إذا لم أطلقك فأنت طالق كان على التراخي في أصح الروايتين فأطلقا أولا وصححا هنا" (3). (1/61)
صفحة 61
وذكر كل من صاحبي "المغني" والشرح استدلال القائل إنها على التراخي بأن إذا تستعمل شرطا بمعنى إن كما في قول الشاعر:
استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتجمل
فجزم بها كما يجزم بإن ولأنها تستعمل بمعنى متى وإن وإذا احتملت الأمرين فاليقين بقاء النكاح فلا يزول بالاحتمال وأن القائلين بخلاف ذلك نظروا إلى أنها اسم لزمن مستقبل فتكون كمتى وأما المجازاة بها فلا تخرجها عن موضوعها ألا ترى إلى قول الشاعر:
__________
(1) شرح فتح القدير، دار الكتب العلمية، ج4 ص28.
(2) مجمع الأنهر والدر المنتقى، دار الكتب العلمية، ج2 ص23.
(3) الإنصاف ج9 ص65، المغني ج8 ص353 - 354، الشرح الكبير ج8 ص383 - 384.
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
ومن يجازي بها أيضا وكذلك أي وسائر الحروف (1).
والقول بالتفريق بين إن وإذا هو المحكي عن الشافعي فقد نقل عنه المزني في مختصره أنه لو قال: أنت طالق إذا لم أطلقك أو متى ما لم أطلقك فسكت مدة يمكنه فيها الطلاق طلقت ولو كان قال أنت طالق إن لم أطلقك لم يحنث حتى نعلم أنه لا يطلقها بموته قال المزني: فرق الشافعي بين إذا وإن فألزمه في إذا لم يفعله من ساعته ولم يلزمه في إن إلا بموته أو بموتها (2).
وقرر الماوردي كلامه ثم قال: فلا وجه لتسوية أبي علي بن أبي (1/62)
صفحة 62
هريرة بينهما لمخالفة النص وظهور الفرق, وذكر الفرق بينهما من ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو فرق أبي حامد المروزي أن إذا موضوع لليقين والتحقيق وإن موضع للشك والتوهم لأنه يحسن أن يقال: إذا جاء يوم الجمعة جئتك ولا يحسن أن يقال إن جاء يوم الجمعة جئتك لأن مجيء يوم الجمعة يقين وليس بمشكوك فيه ويحسن أن يقال إن جاء المطر في يوم الجمعة أقمت ولا يحسن أن يقال: إذا جاء المطر في يوم الجمعة أقمت لأن مجيء المطر فيه شك وتوهم ليس بيقين ولذلك قال: {- - - ({({(-} (- - - (المحتويات - عليه السلام - - (- قرآن كريم (-} (3) لأن تكويرها يقين فلما كان إذا مستعملا في اليقين والتحقيق فإذا مضى زمن المكنة استقر حكمه فصار على الفور ولمّا كان إن مستعملا في الشك والتوهم لم يستقر حكمه إلا بالفوات فصار على التراخي.
والفرق الثاني: وهو فرق أبي القاسم الداركي أن إذا مستعمل في الأوقات وإن مستعمل في الأفعال ألا ترى لو قال رجل: متى تأتيني؟ يحسن في جوابه أن تقول: إذا شئت ,ومتى شئت, ولم يحسن في الجواب أن تقول: إن شئت فإذا قال إن (4) لم أطلقك فأنت طالق كان على الفور لأن وقت المكنة قد مضى. (1/63)
صفحة 63
__________
(1) المرجعان السابقان.
(2) مختصر المزني مع شرحه الحاوي الكبير للماوردي ج10 ص208.
(3) التكوير:1.
(4) كذا في الأصل وهو خطأ وصوابه إذا.
والفرق الثالث: وهو فرق أبي الحسن الفرضي أن"إذا" اسم فكان أقوى عملا لذلك كان على الفور و"إن"حرف فكان أضعف عملا فلذلك كان على التراخي.
قال الماوردي: " فإذا تقرر ما ذكرناه من الفرق بين إذا وإن فقال: لها إذا لم أطلقك فأنت طالق فمتى أمسك عن طلاقها بعد هذا القول زمنا يمكنه أن يطلقها فيه بأن يقول: أنت طالق ,فقد طلقت إلا أن يموت أحدهما عقيب كلامه في الحال من غير فصل يمكنه إيقاع طلاقها فيه فلا تطلق لأن زمان المكنة لم يوجد والطلاق بعد الموت لا يقع, ولو قال: إن لم أطلقك فأنت طالق لم تطلق إلا أن يفوته طلاقها بموته أو موتها فتطلق حينئذ ثم ينظر فإن فات الطلاق بموتها وقع الطلاق قبل موتها بزمان يضيق عن قوله فيه أنت طالق ولا ميراث له منها إن كان الطلاق ثلاثاً, وله الميراث إن كان دونها, وإن فات الطلاق بموته وقع الطلاق قبل وقته في آخر زمان قدرته إذا ضاق عن قوله فيه أنت طالق فوقع الطلاق بموته قبل زمان قدرته وبموتها قبل زمان الموت لأن الطلاق من جهته فروعي فيه آخر أوقات الموت إلا أن الموت يعرف آخر أوقات القدرة وتكون كالمبتوتة في المرض فترثه وإن كان الطلاق ثلاثاً على قول من يورث المبتوتة فإن قيل فإذا وجب وقوع الطلاق بالموت فهلاّ منعتم من وقوعه كما لو قال لها إذا مت فأنت طالق فمات لم تطلق قيل لأن تعليق الطلاق بالموت توجد فيه الصفة بعد زوال ملكه بالموت فلذلك لم يقع وليس كذلك في مسألتنا لأنها صفة توجد في حال الحياة وإن (1/64)
صفحة 64
علم فواتها بالموت فلذلك وقع " (1).
__________
(1) الحاوي الكبير ج10 ص210 - 211.
وما ذكره المزني والماوردي من هذه التفرقة بين التعليق بإذا وإن في المنفي هو الذي درج عليه الشافعية بل عزاه النووي إلى المذهب -أي مذهب الشافعية- كما في "منهاج الطالبين" وأقره شارحه ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج" ومحشياه الشرواني وابن قاسم العبادي (1) ,ومثل ذلك في "المجموع" (2).
وأما الحنفية فالنظر عندهم إلى نية القائل إن استعمل إذا في تعليقه كأن يقول لها: أنت طالق إذا لم تدخلي أو إذا لم أطلقك، فإن نوى بها معنى إن فلا تطلق إلا في آخر لحظة من عمره أو عمرها، وإن نوى بها معنى متى طلقت على الفور عندما يمضي من الوقت مقدار ما يمكن فعل ما علق على عدمه الطلاق هذا هو المنصوص عليه في كتبهم وذكره الكاساني في "بدائع الصنائع" وصاحب "ملتقى الأبحر" وشارحه داماد أفندي في "مجمع الأنهر" والحفصكي في "الدر المنتقى في شرح الملتقى" وصاحب "تنوير الأبصار" وشارحه في "الدر المختار" ومحشيه ابن عابدين في "رد المحتار" وصاحب "البداية" وشارحها في "الهداية" وابن الهمام في حاشيتها "شرح فتح القدير" (3) , وحكى صاحب "الدر المختار" الاتفاق على اعتبار القصد ما لم (1/65)
صفحة 65
تقم قرينة على الفور فإن قامت فعلى الفور ,قال ابن عابدين وهي قد تكون لفظية وقد تكون معنوية فمن الأول طلقني طلقني فقال: إن لم أطلقك فأنت كذا, كان على الفور كما في القنية ,ومن الثاني ما لو طلب جماعها فأبت فقال: إن لم تدخلي البيت فأنت كذا, بعدما سكنت شهوته طلقت (4).
__________
(1) المنهاج ج10 ص179 - 182.
(2) المجموع ج17 ص187 - 188.
(3) ينظر: بدائع الصنائع ج4 ص1863، مجمع النهر ج2 ص23، حاشية ابن عابدين، دار الكتب العلمية، ج4 ص490، شرح فتح القدير ج4 ص 30 - 31، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، المكتبة=
= الرشيدية بباكستان، ج3 ص274.
(4) حاشية ابن عابدين ج4 ص490، البحر الرائق شرح كنز الدقائق ج3 ص274.
وفي هذا ما يدل على أن "إن" قد تحمل عندهم على "متى" فيقع الطلاق المعلق بها على عدم فعل شيء بمجرد انقضاء الزمن الذي يمكن أن يقع فيه ذلك الفعل, قال ابن عابدين: "وانظر لو نوى بإن الفور هل يصح؟ الظاهر نعم كما لو قامت قرينة عليه (1).
أما إن علق بإذا ولم يقصد بها فوراً ولا تراخياً وكان المعلق عليه في سياق النفي ففي ذلك خلاف بينهم فذهب أبو حنيفة إلى أنها بمنزلة إن في إفادتها التراخي كما هو المعّول عليه عند الحنابلة واقتصر عليه صاحب كنز الدقائق وذهب صاحباه أبو يوسف ومحمد إلى أنها كمتى كما هو عند الشافعي (2).
قال الكاساني ":وجه قوليهما إن "إذا" للوقت قال الله تعالى3/ 3 (1/66)
صفحة 66
({(-} (- - - (المحتويات - عليه السلام - - (- قرآن كريم (-} ,و {- - - ({((- - - رضي الله عنهم - - - - - - - (المحتويات - رضي الله عنه - - - (- (الله أكبر - -} ,و {- - - ({((- - - عليه السلام - - - - - - - (تمهيد} {- رضي الله عنه - (- - -} إلى غير ذلك من الآيات الكريمة فكانت في معنى متى ولو قال متى لم أطلقك يقع الطلاق عقيب الفراغ من هذه اللفظة إذا سكت كذا هذا".
والدليل أنه إذا قال لها: أنت طالق إذا شئت لا يقتصر على المجلس كما لو قال: متى شئت, ولو قال: إن شئت يقتصر على المجلس ولو كانت للشرط لاقتصرت المشيئة على المجلس كما في قوله إن شئت, ولأبي حنيفة أن هذه الكلمة كما تذكر ويراد بها الوقت تذكر ويراد بها الشرط كما قال الشاعر:
استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتجمل
__________
(1) المرجع السابق.
(2) تنظر المراجع الحنفية السابقة آنفا.
ألا ترى أنه جزم ما بعده, فإن قال: أريد بها الوقت يقع الطلاق كما فرغ من هذا الكلام وسكت كما في قوله متى, وإن قال: أريد بها الشرط لا يقع إلا في آخر جزء من أجزاء حياته كما في كلمة "إن" فوقع الشك في وقوع الطلاق عند الفراغ منه فلا يقع مع الشك وإنما لا يقتصر على المجلس لأنه حصلت المشيئة في يدها بقوله أنت طالق إذا شئت وأنها تستعمل للوقت والشرط فإن أريد بها الشرط يبطل بالقيام عن المجلس كما في قوله إن شئت، وإن أريد بها الوقت لا يبطل كما في قوله: متى شئت فوقع الشك في البطلان بالقيام عن المجلس فلا يبطل مع الشك فاطرد كلام أبي حنيفة في المعنى بحمد (1/67)
صفحة 67
الله - سبحانه وتعالى -" (1).
هذا ولم أجد في شيء مما ذكره الحنفية أو الشافعية أو الحنابلة أن شيئا من أدوات الشرط يفيد التراخي في الطلاق إن جاءت في صيغة التعليق مقرونة بلم ما عدا"إن"و"إذا",فلو قال لها: متى لم أطلقك-مثلا-وقع الطلاق عقيب سكوته بقدر ما ينطق بكلمة أنت طالق, وهذا مما نصوا عليه جميعا (2).
وقد سبق أن من أصحابنا من ألحق "متى لم"و"حين لم"و"ما لم"بإن لم وإذا لم في حكم الإيلاء الذي قالوه اتفاقا فيما إذا استعمل إن لم أو إذا لم.
__________
(1) بدائع الصنائع ج4 ص1863.
(2) تراجع في هذا مراجع الحنفية والشافعية والحنابلة المذكورة في هذا الفصل.
وأما مذهب الظاهرية في تعليق الطلاق على الأمر الإيجابي أو السلبي فهو عدم وقوعه رأسا وبناء عليه فإن من قال لامرأته: إن لم أفعل كذا أو إذا لم أفعل كذا أو متى لم أفعل كذا فأنت طالق أو أتى بأي صيغة تعليق فلا يقع بذلك طلاق في الحال ولا في الاستقبال وهي حليلته إلى آخر عمره ما لم تنفصل عنه بوجه من وجوه الفراق التي جاء بها النص الشرعي وهو مبني على أنه لا يعتد بطلاق ما لم يكن بصيغة منصوص عليها من قبل الشارع وأن ما كان خارجاً عن الصيغ المنصوص عليها فهو تعد لحدود الله، (1/68)
صفحة 68
ولا يسوغ عندهم قياس غير المنصوص على المنصوص عليه لأن القياس عندهم أصل فاسد لا يبنى عليه شيء من الأحكام وقد أطال ابن حزم في الانتصار لهذا الذي ذهبوا إليه في الطلاق المعلق بما لا داعي إلى ذكره فمن شاء فليرجع إليه (1).
وقد سبق بيان أن جميع أصحابنا يمنعون من قال لأمرأته: إن لم أفعل كذا أو إذا لم أفعل كذا فأنت طالق من مواقعتها بعد قوله هذا حتى يفعل ذلك أو تخرج منه بالإيلاء وهو قول المالكية وطائفة من العلماء كما سبق ,بينما أصحاب المذاهب الأخرى لا يرون منع وقاعها إلا عند من يقول بأن استعمال "إذا" في هذا يؤدي إلى وقوع طلاقها فورا بعد أن يمضي من الزمن ما يمكنه فيه فعل ما علق طلاقها على عدم فعله فإنه يمنع عندهم من وقاعها لوقوع الطلاق عليها (2). (1/69)
صفحة 69
تحرير المسألة وبيان القول الصحيح فيها
بعد هذه الجولة الواسعة بين أنحاء مباحث أهل العلم في هذه المسألة وإجالة قدح النظر فيما قالوه مع استلهام الحجة والبرهان وإطلاق عنان الفكر للتمييز بين المقبول والمردود اتضحت لي عدة أمور.
__________
(1) المحلى ج11 ص541 - 549.
(2) تراجع في هذا مراجع الحنفية والشافعية والحنابلة المذكورة في هذا الفصل.
أولها: أن القائلين بأن الإيلاء لا ينحصر في القسم بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى لا خلاف بينهم في أن من علق طلاق زوجته على مواقعتها تبين منه بالإيلاء بمضي أربعة أشهر عند من يقول بأن نفس الإيلاء يبينها ولو لم يطلقها ومع وقفه وإلزامه الطلاق عند من يرى ذلك لأنه ألزم نفسه بما قاله ما لم يكن لازما عليه فكان ذلك لاحقا بالقسم بالله وأسمائه وصفاته ولا فرق في هذا بين أن يكون تعليقه بإذا التي تفيد اليقين أو بإن المفيدة للشك بل لا أرى وجها للعدول عن هذا الحكم إذا ما استعمل في كلامه أي أداة من أدوات الشرط, وأعجب من أصحابنا الذين اقتصروا في هذا الباب على"إن"،و"إذا"وحدهما بينما نجد غيرهم أضافوا إليهما في هذا الحكم سائر الأدوات كأي, وكلما, ومتى, وكيف ينفصل عن هذا الحكم ما لو قال لها: متى واقعتك فأنت طالق أو قال لنسائه جميعا أيكن واقعتها فهي طالق أو نحو هذا فإن كلامه هذا مانع من الوقاع ويترتب عليه الطلاق بمجرد شروعه فيه, ولئن كان حكم الإيلاء شرع لرفع الضرر عن المرأة فليت (1/70)
صفحة 70
شعري ما هو الفارق بين تضررها باستعماله"إن"و"إذا"في شرطه وتضررها الناتج عن استعمال بقية أدوات الشرط لذلك لا أرى إلا اتحاد الحكم في ذلك.
ثانيها: أن القائلين بأنها لا تطلق بقوله لها: إن لم أفعل كذا فأنت طالق إلا في آخر نفس من حياته أو حياتها لا يرون لهذه الكلمة تأثيرا على حياتهما الزوجية قبل انقضاء عمر أحدهما فلذلك أباحوا له وقاعها ومثله ما لو قال: إذا لم أفعل كذا عند من لم يفرق بين "إن"و"إذا" في هذا الباب؛ أما القائلون بإلحاق هاتين الصيغتين بباب الإيلاء فإنهم جمعوا بين نظرتين؛ نظرة عدم وقوع الطلاق إلى حين وفاة أحدهما, ونظرة تأثير ما قاله على علاقتهما الزوجية قبل ذلك, لذلك منعوه من مواقعتها وجعلوا ذلك سبيلا إلى إلحاق حكم هذه المسألة بحكم الإيلاء لرفع الضرر عنها ,والدليل على ما قلناه من أنهم لم يعتبروا قوله هذا مؤثرا في طلاقها في الحال أن المالكية القائلين بإلحاق مسألته بباب الإيلاء يقولون بوقفه بعد مضي أربعة أشهر حتى يطلق أو يفعل ما علق الطلاق على عدم فعله ويعذرونه في أحوال الأعذار التي تمنعه من الفعل ,ويعود وقفه عندهم بعودة الإمكان وارتفاع الأعذار على أن الوقف عندهم لا يكون إلا بطلب من المرأة وإن سكتت سكت عنه واستمرت على حكم الزوجية كما كانت.
أما أصحابنا فإنهم وإن لم يقولوا بهذا وقالوا بخروجها عنه بمجرد مرور مدة الإيلاء-وهي أربعة أشهر- إن لم يفعل ما علق طلاقها على عدم (1/71)
صفحة 71
فعله إلا أنهم يلحظ من أقوالهم ما يدل على أنهم لا يعتبرون هذا القول مؤثرا في طلاقها بذاته وإنما تأثيره بما يسببه من مضارتها بسبب امتناعه من مواقعتها, فلذلك قالوا بانفصالها عنه بمضي أربعة أشهر, ومما يدل على هذا من أقوالهم ما ذكرناه عن أكثرهم أنهم يقولون فيما لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً إن لم أفعل كذا ,فلم يفعل حتى مضت المدة أنها تبين منه بطلقة بائنة بطريق الإيلاء ,ولا تبين بالثلاث فإن هذا الطلاق المعلق لو كان هو المؤثر بذاته في بينونتها منه لكان واقعا عليها ثلاثا كما أوقعه, وما ذكرناه أيضا عن بعضهم أنه لو أتى بهذا التعليق نفسه وبنفس هذه الصيغة ولكن كان المعلق عليه عدم الجماع أنه لا يلحق ذلك بالإيلاء ,لأن الإيلاء ما منع من الجماع وكلامه لا يمنع منه, وهذا وإن كان مختلفا فيه كما تقدم إلا أنه كاف في الدلالة على أنه مبني على ما ذكرناه.
ومن تأمل هذه التخريجات وجد أن ما ذهبوا إليه في هذه المسألة لا يخلو من الاضطراب فكيف يكون قوله مانعا من مواقعتها مع أنه لا يؤثر بذاته على ما بينهما من العلاقة الزوجية؟!
ثالثها: أن الصحيح فيما إذا قال: إن لم أفعل كذا فأنت طالق ,أو إذا لم أفعل كذا فأنت طالق, أو متى لم أفعل كذا فأنت طالق, أو حينما لا أفعل كذا فأنت طالق, أو أتى بلا بدلا من لم بعد إن أو إذا أن الحكم في كل ذلك متحد لا فرق فيه بين هذه الصيغ جميعا فإن كل واحدة منها تدل على تعليقه الطلاق على عدم الفعل, وعليه فإن كانت له نية معينة كأن ينوي (1/72)
صفحة 72
ذلك في زمان معين فالعبرة بنيته فيما بينه وبين ربه, أما في الحكم الظاهر فإن صدقته فهي وذاك وإن لم تصدقه نظر إلى القرائن التي تحيط بقوله فما دل منها على شيء كان عليه المعول فإن قال مثلاً: إن لم أعد فلانا المريض فأنت طالق وكان ذلك المريض بالمستشفى وكانت عيادته متعذرة إلا في ساعة معينة فلا تطلق حتى تأتي تلك الساعة وتتأتى له عيادته فإن لم يفعل وقع طلاقها.
أما لو علق طلاقها على عدم فعل ما لا يتأتى فعله إلا في موسم معين كالحج مثلاً فلا يقع على الصحيح طلاقها ولا يمنع من مواقعتها قبل ذلك الموسم فلو قال لها ذلك في شهر المحرم فإنها تبقى في عصمته وهي حليلته ما لم يحضر ميقات الحج (1) فإن حضر ميقاته منع من مواقعتها فإن حج في ذلك العام فهي حليلته وإلا انفصلت عنه بطلقة, وهذا قد نص عليه مالك, ففي "المدونة" ما نصه:" قال ابن نافع: قال مالك في الذي يحلف بطلاق امرأته ليحجن ولم يسم العام الذي يحج فيه أن له أن يمس امرأته قبل أن يحج ما بينه والحجة الأولى فإن جاء الإبَّان الذي يدرك فيه الحج من بلده فلا يمسها حتى يحج" (2) وقد سبق أن نقلنا تفصيلا لإبن رشد الجد في هذا في كتابه "البيان والتحصيل".
__________
(1) أشهر الحج.
(2) المدونة الكبرى ج5ص156.
ولأصحابنا في ذلك خلاف إن قيد الحج بعامه ذلك ففي الزيادة المضافة إلى "بيان الشرع":"وإذا قال: إن لم أحج العام فأنت طالق, فإن كان (1/73)
صفحة 73
بينه وبين الحج أقل من أربعة أشهر فغير محكوم بالإيلاء وإن وطئ قبل أن يحج ففي وطئه الاختلاف, فبعض يفسدها عليه بالوطء وبعض لا يفسدها عليه بالوطء فإن حج في عامه ذلك وإلا وقع الطلاق ولم يقع الإيلاء, وإن كان بينه وبين الحج أربعة أشهر أو أكثر فإنه مول في حكم الظاهر إلا أن ينوي إذا جاء الحج -وبعد سطور من هذا الكلام قال-:فإن قال: فالأثر جاء مجملا إذا قال "إن لم أحج العام"أنه يطأ فإذا جاء وقت خروج أهل بلده خرج فإن لم يحج حنث, قلنا له يحتمل أحد معنيين؛ معنى أنه إن كان موضعه قريبا من الحج فاكتفى المعنى عن تفسير ذلك وكان الوقت أقل من أربعة أشهر, ومعنى أنه اكتفى في ظاهر الأمر عن التفسير بقوله إن لم يحج العام -ثم بعد سطور من ذلك قال-:وإذا قال إن لم أحج فأنت طالق فهو كذلك أيضا إن كان بينه وبين الحج أقل من أربعة أشهر أو أكثر, ونقول في هذا إنه أأكد من وجوب الإيلاء إذا كان غير محدود ويلزمه أحد الحكمين إما الإيلاء وإما الطلاق للعجز عن ذلك ولا يخرج أيضا عن حكم الأول لأن الحج لا يكون إلا في أيام الحج" (1).
__________
(1) بيان الشرع ج51 ص201 - 202.
وكلامه الأخير يشير إلى أن الخلاف موجود في المذهب ولوأطلق ولم يقيد بحج عامه وإنما قلت بأنه لا يترتب على قوله طلاق ولا إيلاء ولا وجوب الإمتناع من الوطء حتى يأتي ميقات الحج لأنه مما يعلم بداهة أنه ما أراد الحج إلا في ميقاته ولا يتأتى له ذلك ولا يصدق عليه أنه لم يحج حتى (1/74)
صفحة 74
يفوته الحج الذي يلي قوله هذا والكلام يحمل على مقاصده فتجب مراعاة القرائن الحالية والمقالية التي تدل على المراد فيحمل عليها, وعلى هذا يحمل كل ما أشبهه مما لا يكون وقوعه إلا في ميقات معين ولست أرى ما يقتضي التفرقة بين أن يكون الفوات اضطراريا وبين أن يكون باختيار المعلق لأن الطلاق يقع إن علقه الزوج على ما لا دخل له فيه ولا اختيار في وقوعه كطلوع الشمس أو نزول المطر.
أما إذا أطلق القول من غير تقييده بنية ولم تصحبه قرينة تدل على التقييد ففي ذلك معترك الآراء وقد علمت أن أصحابنا والمالكية يحملون كلامه محمل الإيلاء إن جاء في شرطه بإن أو إذا مقرونتين بلم النافية وأن غيرهم لا يرون في ذلك رأيهم وهم في ذلك مختلفون بين من يقول لا يقع الطلاق على الإطلاق إلا في آخر نفس من حياة من كان أقربهما موتا وهو الذي عليه أكثر الحنابلة وعليه أبو حنيفة إن لم تكن له نية ولم تصحب كلامه قرينة تدل على التقييد وهو الذي اقتصر عليه صاحب كنز الدقائق من علماء الحنفية (1) ,وبين من يفرق بين إن وإذا في ذلك فيجعل إذا للفور وإن للتراخي إلى آخر عمر أحدهما وهو الذي عليه الشافعي وأصحابه وقال به بعض الحنابلة وأخذ به أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة مع تقييده بأن لا تكون لقائله نية وأن لا تصحب كلامه قرينة مقيدة وعليه عول أكثر الحنفية كما تقدم. (1/75)
صفحة 75
__________
(1) يراجع كنز الدقائق وشرحه البحر الرائق ج3 ص274.
وقد استفرغت وسعي في النظر فيما قالوه وما استدلوا به فرأيت أنه لا فرق بين إن وغيرها من أدوات الشرط في هذا فمتى صدق على من قال لامرأته: إن لم أفعل كذا فأنت طالق أنه لم يفعله وقع طلاقها على الفور لأنه معلق على انتفاء ذلك الأمر وقد انتفى بمضي الوقت الذي يمكن أن يفعله فيه عادة سواءً كان حركة أو سكونا كالسير والوقوف والقيام والقعود والركوب والنزول والأخذ والعطاء أو كان قولاً أو حالاً علق على عدم طلاقها هذا مع عدم تقييده بقيد تدل عليه قرينة حالية أو مقالية ومع خلو النية من قصد تقييده بشيء كما أسلفنا وإني لأعجب ممن يقول بأن الطلاق لا يقع إلا عندما يبقى من عمره أو عمرها ما لا يتسع لذلك الفعل من الزمن, أو ليس الطلاق معلقا على انتفائه وقد انتفى قطعا فلماذا تبقى في عصمته إلى أن ينتهي عمر من كان أسرعهما موتا كما أنني لا أجد معنى لالحاق ذلك بحكم الإيلاء وبقائها أربعة أشهر في عصمته لأنه مبني إما على أن الانتفاء لا يتحقق إلا بمضي هذه الأشهر الأربعة وإما مبني على أنه لا يتحقق إلى أن يموت أحدهما, وإنما حددت له أربعة أشهر لأجل رفع الضرر عنها وكلا الأمرين يتنافى مع دلالة ما قاله على معناه فإنه بتركيب حروفه وكلماته لا يدل إلا على أن طلاقها معلق على عدم دخوله الدار إن قال لها: إن لم أدخل الدار فأنت طالق, وعلى عدم الذهاب إلى المسجد إن قال لها: إن لم أسر إلى المسجد فأنت طالق, وعلى عدم قيامه إن قال لها: إن لم أقم فأنت طالق, وهكذا في سائر ما يدل عليه مثل هذا التركيب, ولئن كان هذا التركيب لا يدل إلا على إيقاع الطلاق بانتفاء وقوع ذلك الفعل منه فإن (1/76)
صفحة 76
طلاقها يقع بمضي الوقت الذي يمكنه إيقاعه فيه ويراعى في ذلك كل شيء بحسبه, ولا تخرج صيغ الطلاق المعلق أو المنجز عما تدل عليه ألفاظها لغة وكما أن الطلاق المعلق على فعل شيء يقع بنفس وقوع ذلك الفعل, فالطلاق المعلق على عدم فعله يقع كذلك بثبوت ذلك العدم, والشواهد على هذا أكثر
أن تحصى وحسبي أن أورد ثمانية عشر شاهدا من القرآن الذي هو أفصح الكلام وأبلغه وأحسن الحديث وأصدقه, أربعة عشر شاهداً منها جاءت بصيغة (إن لم) وهي:
1 - قوله تعالى: {تمت (- - ((المحتويات {-} - قرآن كريم (- - رضي الله عنهم - (((- - صدق الله العظيم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - قرآن كريم (- - رضي الله عنهم - (((- -} - قرآن كريم ({} - - - - (- عليه السلام - - -} - - - -} (1) وجه الاستدلال به أنهم خوطبوا بأن يأتوا بسورة من مثله وطولبوا بأن يتقوا النار إن لم يفعلوا ذلك فلو كان عدم فعلهم لا يتحقق إلا بانتهاء أعمارهم أو عمر من كان على لسانه خطابهم وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكانوا في فسيح العذر طيلة حياته وحياتهم وكان أمرهم باتقاء النار لا مكان له إلا بعد أن تنطوي أعمارهم أو ينطوي عمره وأنى يصح ذلك مع أنهم مطالبون بالإيمان الفوري والاستجابة لداعي الله؟
2 - قوله تعالى: {(بسم الله الرحمن الرحيم {- (- - (} - قرآن كريم (- - (- - رضي الله عنه - - (- - - (المحتويات (- - -} - (قرآن كريم (- فهرس - ((- - - (- - - رضي الله عنهم - - (الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - - رضي الله عنه - - (- الله أكبر (- (المحتويات (- (((- (- - -} (2) ووجه دلالته أن عدم الإستجابة لو لم يكن متحققا إلا (1/77)
صفحة 77
بانتهاء أعمارهم لكان علم المؤمنين بأنه إنما أنزل بعلم الله غير واجب عليهم لعدم ثبوت ما علق عليه.
__________
(1) سورة البقرة:24.
(2) سورة هود:14.
3 - قوله تعالى: {تمت (- - ((بسم الله الرحمن الرحيم {-} - قرآن كريم (- - (- - رضي الله عنه - - (- - - - رضي الله عنهم - - - - (المحتويات فهرس - ((- - - (- - رضي الله عنهم - - (الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - - - قرآن كريم (((- (- - رضي الله عنه - - (المحتويات (- - عليه السلام - (- - - عليه السلام - قرآن كريم (- - صلى الله عليه وسلم - -} (1) ووجه دلالته على ذلك كالذي ذكرناه فيما قبله وهو أن عدم استجابتهم على الفور لو لم يتحقق به النفي المعلق عليه الخطاب بعلم أنما يتبعون أهواءهم لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مطالب بذلك إلى آخر لحظة من حياته أو حياتهم.
4 - قوله تعالى: {تمت (- - ((المحتويات {- (بسم الله الرحمن الرحيم (- قرآن كريم (- (- - رضي الله عنه -- سبحانه وتعالى - ((- رضي الله عنه - -} - (قرآن كريم ({(- (- - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- (- (- - - ({- المحتويات فهرس - - - - - -} - (قرآن كريم - ((- - رضي الله عنه - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم (- - رضي الله عنه - - (- (- - صلى الله عليه وسلم - - (المحتويات (- - صلى الله عليه وسلم - (- (- - ((المحتويات (- قرآن كريم (- (- (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - ({(- - رضي الله عنهم - مقدمة (المحتويات (- قرآن كريم (- (- ((({- صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم} (2) ووجه دلالته أنه لو لم يتحقق عدم اعتزالهم وإلقائهم السلم وكف أيديهم إلى أن تنتهي أعمارهم أو أعمار المؤمنين الذين أمروا بأخذهم وقتلهم لما كان هناك معنى لهذا الأمر فإن الأخذ والقتل متعذران عند انتهاء أعمار إحدى الطائفتين.
__________
(1) سورة القصص:50.
(2) سورة النساء:91.
5 - قوله تعالى: {تمت (- - ((المحتويات {-} - (قرآن كريم (- فهرس - ((- - (المحتويات (- - عليه السلام - (- - - رضي الله عنه - - - - عليه السلام - ((المحتويات (تمهيد (الله أكبر (- عليه السلام - قرآن كريم (- (- - (- ((((((- صلى الله عليه وسلم - - - - - (المحتويات (- - (- (- عليه السلام - قرآن كريم - رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} (1) فإنه لو كان عدم علم أبائهم لا يتحقق إلا بمضي حياتهم أو (1/78)
صفحة 78
حياة المؤمنين الذين خوطبوا بهذا الخطاب لما تحققت أخوتهم في الدين وولاؤهم إلا بعد موت إحدى الطائفتين.
6 - قوله تعالى: {((({- (بسم الله الرحمن الرحيم {- (مقدمة - رضي الله عنه - - - - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم ({(((- - جل جلاله - (- (- - - - رضي الله عنه - (((- {- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - ((المحتويات (- (- قرآن كريم (- (- ((- رضي الله عنه - -} تم بحمد الله - - قرآن كريم (((- (- (- (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - ((({- عليه السلام - - - (- - رضي الله عنهم - - (- - - - درهم} - - رضي الله عنه - - (- (((- - - (المحتويات (- (-} (2) ودلالته على هذا من حيث إن ما قالوه لو كان صحيحا لكان عدم الإنتهاء لا يتحقق إلا بموت المنافقين والذين في قلوبهم مرض أو موت النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي خوطب بهذا الخطاب وعندئذ لا يكون معنى لإغرائه بهم.
__________
(1) سورة الأحزاب: 5.
(2) سورة الأحزاب:60.
7 - قوله تعالى {تمت (- - ((بسم الله الرحمن الرحيم {-} - - صلى الله عليه وسلم - (- (- - صلى الله عليه وسلم - تم بحمد الله - - - رضي الله عنهم - - - ((- - جل جلاله - - - رضي الله عنهم - مقدمة - صلى الله عليه وسلم - - - - - (- - رضي الله عنهم - - قرآن كريم (- (- (- - -} (1) فلو كان النفي لا يتحقق إلا بما ذكر لما كان معنى للنهي عن دخول هذه البيوت إلا بعد انقضاء أعمار هؤلاء المخاطبين وأنى يستقيم ذلك؟
8 - قوله تعالى: {تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم {-} - قرآن كريم (- - رضي الله عنه - - - - رضي الله عنه - - - - - - رضي الله عنه - (- - قرآن كريم (- قرآن كريم ({- رضي الله عنه - - - صدق الله العظيم - - - رضي الله عنهم - - - عليه السلام - - - - - (((- {- - -} - - صلى الله عليه وسلم - (- - (- - (بسم الله الرحمن الرحيم (- (- جل جلاله - (تم بحمد الله (- عز وجل - - - - - رضي الله عنه - ((بسم الله الرحمن الرحيم - (- - صلى الله عليه وسلم - -} (2) ووجه دلالته على ما ذكرناه أن النفي لو لم يكن متحققا إلا بما قالوه لكان هؤلاء معذورين على عدم انتهائهم وعلى ارتكاسهم في غيهم مالم تنته حياتهم. (1/79)
صفحة 79
__________
(1) سورة النور: 28.
(2) سورة المائدة: 73.
9 - قوله تعالى: {- {- - - - صلى الله عليه وسلم - - ((- رضي الله عنه - - (- قرآن كريم (- {- - - - (((- - - رضي الله عنه - - - - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - رضي الله عنه - - (- الله أكبر (- - درهم (- - - ({صدق الله العظيم (تم بحمد الله - رضي الله عنهم - - (} - - -} تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم {- (- - رضي الله عنهم - (((- - - - رضي الله عنهم - - - (- تمهيد (((- - رضي الله عنه - - ((مقدمة - رضي الله عنه - - - - - - رضي الله عنهم - - (-} (1) ووجه دلالته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمور بتبليغ الوحي فور نزول هذا الأمر عليه وإلا كان في حكم من ترك التبليغ فلو كان الأمر كما قالوا لكان معذورا إن ترك التبليغ حتى لا يبقى من عمره ما يتسع لذلك من الزمان.
10 - قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام {تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم {-} - قرآن كريم (- (تم بحمد الله (- (- - (- (تمت قرآن كريم (- (- - رضي الله عنه -- سبحانه وتعالى - ((- - - (} (2) فإنه من الواضح بداهة أنه لم يطالبهم بالاعتزال بعد انتهاء عمره أو أعمارهم مع عدم إيمانهم له وإنما كان داعيا لهم إلى الإيمان وإن أصروا على كفرهم فهو يطالبهم باعتزاله وذلك أمر فوري كما هو ظاهر.
__________
(1) سورة المائدة: 67.
(2) سورة الدخان: 21.
11 – ما حكاه الله تعالى عن امرأة العزيز من قولها: {(((- - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (المحتويات {- (- - رضي الله عنهم - (((- رضي الله عنه - - - - - رضي الله عنه - تم بحمد الله ((فهرس (- (تم بحمد الله - - عليه السلام - (- صدق الله العظيم - عليه السلام - - - رضي الله عنهم - - (- (- - - - - الله أكبر قرآن كريم (- - عليه السلام - - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (} تم بحمد الله - رضي الله عنه - (((- (((- (- - -} (1) فإنه من الظاهر أن هذا الوعيد غير مشروط بانتهاء عمر يوسف أو عمرها.
12 - قوله تعالى حكاية عن أبي ابراهيم عليه السلام:3/ 3 (1/80)
صفحة 80
{(((- - (بسم الله الرحمن الرحيم {-
(مقدمة - رضي الله عنه - - - - - - رضي الله عنهم - -} - - عليه السلام - - (- (- -}} - (الله أكبر (- (- (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - - - (- - رضي الله عنه - تم بحمد الله} (2) ودلالته على ذلك أن وعيده له بالرجم لا يعقل أن يكون مشروطا بانتهاء عمر أحدهما.
13 - ما حكاه الله سبحانه عن أصحاب القرية أنهم قالو لرسلهم: {(((- - (بسم الله الرحمن الرحيم {-} - قرآن كريم (- - رضي الله عنه - - - - - (- (- {- جل جلاله -- عليه السلام - - (- (- - رضي الله عنه - - - - بسم الله الرحمن الرحيم (- {- - - - رضي الله عنهم - - - عليه السلام - - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - -} - (} تم بحمد الله (- - - - - رضي الله عنه - ((بسم الله الرحمن الرحيم - (- - صلى الله عليه وسلم - -} (3) فإنه من الواضح أن هذا الوعيد ليس مشروطا بالوصول إلى مرحلة من العمر
يستحيل فيها الانتهاء.
__________
(1) سورة يوسف: 32.
(2) سورة مريم: 46.
(3) سورة يس: 18.
14 - ما حكاه الله عن اليهود انهم قالوا لمن يعنيهم الأمر من أهل ملتهم {تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم {- (فهرس (قرآن كريم - - (- (-} - - صلى الله عليه وسلم - (- - - (فهرس - - - (} (1) ولا يرتاب أحد أن أمرهم إياهم بالحذر ليس منوطا بانتهاء عمر النبي صلى الله عليه وسلم أو أعمارهم من غير أن يؤتيهم ما يطلبونه من تخفيف عقوبة الزاني. وشاهد واحد جآء بصيغة " إذا لم " وهو قوله تعالى: {- - - ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (المحتويات - - المحتويات (- (- (- - - - {- رضي الله عنه - - - - رضي الله عنه - ((-} - قرآن كريم (- - - - - صدق الله العظيم (قرآن كريم - - - - رضي الله عنهم - - - رضي الله عنه - - (- - عليه السلام - - - رضي الله عنه - - (- - -} (2) فإنه مما يظهر لكل ذي بصيرة أن قولهم هذا مقرون بعدم إتيانهم بآية عندما يطالبون بها النبي صلى الله عليه وسلم من أول الأمر ولا يعقل أن يكون ذلك مشروطا باستيفاء عمره أو أعمارهم. (1/81)
صفحة 81
يضاف إلى ما تقدم ما يلي: أما ما جاء بهذه الصيغة وهو يفيد خلاف ما ذكرته كقوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام فيما قاله لإخوته لما دخلوا عليه: "فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون" نظرا إلى أن هذا الوعد منه لهم بالكيل لا ينتهي إن لم يأتوه بأخيهم إلى أن ينقضى وقت إمكان إتيانهم به فورا بل هو ممتد متى جاؤا به فهو لا يعدو وأن يكون لقرينة دلت على ذلك، ذلك لأن كيله لهم كان مشروطا بشرط الإتيان إليه بأخيهم من أبيهم ومعنى ذلك أنه متى تحقق هذا الشرط فوعده لهم بالكيل قائم.
وثم ثلاثة شواهد جاءت بصيغة (إلا) وهي جميعا تؤكد ما ذكرته وإليكها:
__________
(1) سورة المائدة: 41.
(2) سورة الأعراف: 203.
1 - قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام {- صدق الله العظيم ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- (- ((- - ((- - - رضي الله عنه - (- صدق الله العظيم (- - رضي الله عنهم - - (- - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - - - صدق الله العظيم (- (- - - ({صدق الله العظيم (- - صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (} تم بحمد الله - رضي الله عنه - (((- (- ({- (- - -} (1) فإنه من المتبادر إلى كل أحد أنه لا يريد بذلك أن صبوته إليهن وكونه من الجاهلين مشروطان بعدم صرف كيدهن عنه إلى آخر لحظة من عمره أو أعمارهن , بل من الواضح بداهة أنه أراد الشكوى إلى الله تعالى من كيدهن ضارعاً إليه سبحانه أن يصرفه عنه حال تضرعه خشية أن لا يقوى على مقاومة ما ينشأ عن كيدهن من صبوته إليهن وجهله. (1/82)
صفحة 82
2 - قوله تعالى: {- صدق الله العظيم ({(فهرس قرآن كريم (- - رضي الله عنهم - (((- - صدق الله العظيم (- - - ({- عليه السلام - - (- ((- (((((- -} - - (- - - - - (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - (- - -} (2)
__________
(1) سورة يوسف 33.
(2) سورة الأنفال: 73.
3 - قوله تعالى: {- صدق الله العظيم ({} - - صلى الله عليه وسلم - (- ((- - - (المحتويات (تمهيد (- (- - - رضي الله عنهم - ((- - (- - - - - رضي الله عنه - (- - - - (- - صلى الله عليه وسلم - - (- (- (- - - (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - (تم بحمد الله (قرآن كريم - - (المحتويات (- - عليه السلام - - (- - (} (1) ووجه الاستدلال بهما أن ما ذكر من وقوع الفتنة والعذاب الأليم إنما هو منوط بنفس عدم استجابتهم إلى الفعل الذي أمروا به في سورة الأنفال وهو أن يكون المؤمنون بعضهم أولياء بعض وأن لا يتولى الكافرين إلا من كان منهم وكذلك ما في سورة التوبة من الوعيد بالعذاب الأليم واستبدال قوم غيرهم إنما هو منوط بعدم نفرهم للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الأمر ولا يشترط لذلك زمن معين ينقضي.
فإن قيل بأن كلامنا في إن لم وإذا لم وليس في إلا فما بالك تستشهد لما تذهب إليه بهذه الآيات مع أن الصيغة المركبة من الشرط والنفي فيها إلا؟
__________
(1) سورة التوبة: 39.
قلنا إن النفي بلا اكثر امتداداً منه بلم فإن لم إنما هي في الأصل موضوعة للنفي فيما مضى ولذلك ينتقل المضارع إذا اقترن بها إلى الدلالة على الماضي نحو "لم يقم" فإنه لا يختلف في دلالته عن نحو " ما قام " وإنما كانت دالة على النفي في الاستقبال في نحو " إن لم تفعلوا" لدخول إن عليها وهي تخلص (1/83)
صفحة 83
المضارع للاستقبال، فقوة إن هي التي أكسبتها الدلالة على نفي المستقبل فكيف إذا كانت إن داخلة على لا وكل واحدة منهما تنطبق دلالته على المستقبل لذاته كما في قوله {- صدق الله العظيم ({(فهرس قرآن كريم (- - رضي الله عنهم - (((- -} وقوله {- صدق الله العظيم ({} - - صلى الله عليه وسلم - (- ((- - -} وبالجملة فإن الشواهد التي ذكرناها جميعا دالة على أن نحو قول القائل: إن لم تدخلي الدار فأنت طالق. أو إذا لم تدخلي الدار فأنت طالق يقع بهما الطلاق بمضي أدنى زمن يمكن معه دخولها الدار ولا يتوقف ذلك على انتهاء عمر أحد الزوجين أو مضي مدة الإيلاء كما قيل بذلك لأن تحقق انتفاء دخولها الدار الذي علق عليه طلاقها حاصل بمضي المدة التي يمكن فيها الدخول وكما أن التعليق على الإيجاب يثبت به الطلاق بأقل ما يتحقق به الإيجاب فكذلك التعليق على السلب يثبت به بأقل ما يتحقق به ولا يشترط في هذا التكرار كما لا يشترط في ذلك.
فإن قيل هب هذا صحيحا في صيغة (إذا لم) فقد قال به جماعة من العلماء كما حكيته عن الشافعي وأصحابه وعن صاحبي أبي حنيفة وغيرهم ولكن أنى يصح في "إن لم" ولم يقل بقولك هذا فيما إذا كانت هي الصيغة المستعملة أحد قط مع أن كثيراً من العلماءِ استدلوا بما استدلوا به من التفرقة بين دلالة إن وإذا فيما إذا علق بهما وقد ذكرت بنفسك فيما مضى أنهم ذكروا في التفرقة بينهما ثلاثة أوجه؟.
قلنا كون هذا القول لم يقله أحد فيما مضى ليس دليلا على عدم صحته وإنما العبرة بقوة دليله أو ضعفه ولا يكون الدليل على صحة القول أو عدم (1/84)
صفحة 84
صحته ما يكون عليه قائله من منزلة علمية أو غيرها أو كثرة قائليه أو قلتهم فإن الأقوال وإن جلت منزلة قائليها لا تعدو أن تكون دعاوى بغير بينة إن لم تعضدها الأدلة، ولله در الإمام أبي نبهان -رحمه الله تعالى- حيث قال: " وإياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال ".
وما أوردته من الشواهد القرآنية كاف للدلالة على صحة هذا القول وقوته فإن القرآن أعظم حجة في التعبير كما إنه أقوى حجة في التشريع وقد دل كما سبق فيما أوردناه من الشواهد أن ما علق بإن على أمر منفي بلم أو غيرها يعتد به بمجرد تحقيق الانتفاء ولذلك اكتفيت بما ذكرته من الشواهد القرآنية عن الاستدلال بغير القرآن لذلك.
وأما ما قيل استدلالا للتفرقة بين (إن) و (إذا) فهو لا يلبث أن يتهاوى أمام قوة هذه الشواهد التي أتينا بها، ولئن كان من الناس من لا يقنع بهذا حتى نأتي على تلك الوجوه التي فرق بها بين (إن) وأختها (إذا) وجهاً وجهاً فإليه بيان ضعفها:
أما الوجه الأول: وهو الذي فرق به أبو حامد المروزي وهو أن (إذا) موضوع لليقين والتحقيق و (إن) موضوع للشك والتوهم فلذلك يستقر الحكم في التعليق بإذا بمضي زمن المكنة فكانت دلالتها على الفور وإن لا يستقرحكمها حتى يأتي وقت لا يتسع له الفعل فيتحقق بذلك النفي" فهو مدفوع بأن التفاوت بين (إن) و (إذا) في كون إحداهما تستعمل للشك (1/85)
صفحة 85
والأخرى لليقين لا أثر له في تحديد زمن التعلق ولو كان ذلك مؤثرا من هذه الناحية لكان مؤثرا في حالتي الإثبات والنفي معا ولأدى ذلك إلى اختلاف الحكم بين قوله -إذا دخلت الدار فأنت طالق- وقوله -إن دخلت الدار فأنت طالق- من حيث مراعاة الزمن ولم يقل بذلك أحد فلما لم يؤثر اختلاف دلالتهما بين اليقين والشك في حال الإثبات فأحرى أن لا يؤثر في حالة النفي لأن النفي فرع عن الإثبات.
وأما الوجه الثاني: وهو الذي فرق به أبو القاسم الداركي وهو "" أن إذا مستعمل في الأوقات وإن مستعمل في الأفعال فلذلك يتحقق النفي فيما إذا علق عليه بإذا بمضي جزء من الوقت يمكن فيه فعل المنفي ولا يتحقق إذا كان التعليق بإن حتى تمضي جميع الأوقات التي يمكن معها الفعل "" فهو مدفوع بأن ما ذكر لا أثر له في مسألتنا هذه فإن من الشرطية هي كإن في عدم دلالتها على الزمن ومع ذلك يتحقق بها المشروط بها في حال النفي من غير استغراق لجميع الأوقات التي يمكن أن يقع فيها، والأدلة على ذلك من القرآن الكريم كثيرة جداً منها قوله تعالى في المتمتع {صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - ((المحتويات {- (- (- - - (بسم الله الرحمن الرحيم - - عليه السلام - - ((- (({- الله (فهرس - - صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم - الله - (- - صلى الله عليه وسلم - - - (((- - {- رضي الله عنه - (- - - - {- رضي الله عنهم - ((- - رضي الله عنهم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - - - ({(المحتويات (- ((- رضي الله عنهم - - - عليه السلام - - (1)}.
__________
(1) البقرة: 196.
فإن عدم الوجدان لو لم يتحقق إلا في آخر لحظات العمر لما كان لأحد أن يصوم وكان الهدي متعلقا بذمته إلى آخر وقت من عمره وقوله تعالى: (1/86)
صفحة 86
{صدق الله العظيم - رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (المحتويات {- ((((- رضي الله عنه - - (- - - (المحتويات (- - (تم بحمد الله (صدق الله العظيم (قرآن كريم - (تمت - صلى الله عليه وسلم - - - رضي الله عنهم - - (تمهيد - - رضي الله عنه - - (تمهيد (- - جل جلاله - - ((- (- (- - - (تمهيد (- - جل جلاله - (تم بحمد الله (- (- (- - - صدق الله العظيم (- - (-} تم بحمد الله (تمهيد - - فهرس - - رضي الله عنه - تم بحمد الله المحتويات (- (- (- رضي الله عنهم - - (- - صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (} تم بحمد الله (المحتويات (- (- (- عليه السلام - - - رضي الله عنه - - - ((تمهيد (- - جل جلاله - (تم بحمد الله (- (- (- - -} (1) فإن عدم الاستطاعة لو لم يتحقق إلا بحضور الموت لما كان وجه لإباحة ذلك إذ يتعذر فعل هذا المباح وقوله تعالى في كفارة قتل الخطأ {صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - ((المحتويات {- (- (- - رضي الله عنه - - (بسم الله الرحمن الرحيم - - عليه السلام - - ((- (((((- رضي الله عنه - - (- - {((((- رضي الله عنهم - ((- - - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - - (تم بحمد الله} (2) مع أن فاقد الرقبة لا يلزمه الانتظار إلى آخر عمره لئلا يجدها ومثله قوله تعالى في كفارة اليمين {صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - ((المحتويات {- (- (- - - (بسم الله الرحمن الرحيم - - عليه السلام - - ((- (({- الله (فهرس - - صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم - الله - (- - صلى الله عليه وسلم - -} (3) وقوله في كفارة الظهار: {صدق
__________
(1) النساء: 25.
(2) النساء: 92.
(3) البقرة: 196.
الله العظيم - رضي الله عنهم - - - ((بسم الله الرحمن الرحيم {- (- (- - - (بسم الله الرحمن الرحيم - - عليه السلام - - ((- (((((- رضي الله عنه - - (- - {((((- رضي الله عنهم - ((- - - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - - (تم بحمد الله صدق الله العظيم (تم بحمد الله (- (تمهيد - - تمت - صلى الله عليه وسلم - - - - - - - - رضي الله عنهم - - - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - -} صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - ((بسم الله الرحمن الرحيم {- ((((- رضي الله عنه - - (- - - (بسم الله الرحمن الرحيم - - رضي الله عنهم - ((((- - (- رضي الله عنه - (((فهرس - (- - - جل جلاله - - - (- (- (تم بحمد الله} (1) وكذلك قوله تعالى: {صدق الله العظيم - رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم {- بسم الله الرحمن الرحيم (- (- رضي الله عنه - - - - - - رضي الله عنهم - - (- - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - - الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - (- - - - رضي الله عنهم - - ((((- - - - صلى الله عليه وسلم - (- - ((المحتويات (- - رضي الله عنه - تمت - صلى الله عليه وسلم - (- (((- - (- - -} (2) وقوله: {صدق الله العظيم - رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم {- المحتويات (تمهيد (- رضي الله عنه - - - - - - رضي الله عنهم - - (- - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - - الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - (- - - - رضي الله عنهم - - ((((- - - - صلى الله عليه وسلم - (- - ((المحتويات (- - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- ( (1/87)
صفحة 87
- ({(- - -} (3) وقوله {صدق الله العظيم - رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه
__________
(1) المجادلة: 3.
(2) المائدة: 44.
(3) المائدة: 45.
وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم {- المحتويات (تمهيد (- رضي الله عنه - - - - - - رضي الله عنهم - - (- - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - - الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - (- - - - رضي الله عنهم - - ((((- - - - صلى الله عليه وسلم - (- - ((المحتويات (- - - قرآن كريم ({(- (- ((- - -} (1) فإنه يترتب على هذا الوجه الذي قيل أن لا يكون من امتنع عن الحكم بما أنزل (1/88)
صفحة 88
الله واقعا في الكفر أو الظلم أو الفسق حتى ينقضي عمره ولايبقى له متسع للحكم بما أنزل الله، على أنه لا فرق بين قول القائل من لم يجد كذا فعليه كذا وقوله إن لم يجد كذا فعليه كذا لأن كلا من (من) و (إن) أداة شرط لا تدل بذاتها على الزمن وإنما تدلان عليه بطريق الالتزام لذلك لا يفرق بين قول الرجل لنسائه من فعلت كذا فهي طالق أو من لم تفعل كذا فهي طالق وبين قوله لواحدة بعينها إن فعلت كذا فأنت طالق أو " إن لم تفعلي كذا فأنت طالق " بحيث تطلق الفاعلة إن كان ذلك بصيغة الإثبات بنفس الفعل وتطلق التي لم تفعل إن كان بصيغة النفي بنفس تحقق عدم الفعل.
وأما الوجه الثالث: وهو الذي فرق به أبو الحسن الفرضي وهو "أن إذا اسم فكان أقوى عملا لذلك كان على الفور وإن حرف فكان أضعف عملا فلذلك كان التراخي " فهو مدفوع بأنه لا أثر للاسمية والحرفية في هذا وإلا لظهر هذا الأثر في التفريق بين مدخوليهما في حال الإثبات كما تقدم في الوجه الأول، على أن الشرطية رابطة بين فعل الشرط وجزائه والحرف هو أقوى أثرا في ذلك من الاسم لأن الحروف هي موضوعة للدلالة على مثل هذه المعاني ولأجل هذا أعطي الاسم حكمه في البناء عندما يكون مثله في الدلالة عليها فلا وجه للقول بأن الاسم أقوى من هذه الناحية من الحرف.
__________
(1) المائدة: 46.
وبهذا التحرير يتبين لك أنه لا معنى لالحاق صيغتي إن لم وإذا لم إن علق بهما الطلاق بحكم الإيلاء كما أنه لا معنى لجعل الطلاق غير واقع بهما إلى آخر عمر أقرب الزوجين وفاةً وإنما الصحيح أن مرور أدنى وقت يتأتى (1/89)
صفحة 89
معه وقوع المعلق عليه بدون إيقاعه موجب للطلاق كما قلنا وذلك يختلف بمقدار ما يحتاج إليه من الزمان مع النظر في الأوقات التي يمكن وقوعها فيها فيترتب عليه ثبوت وقوعه أو عدمه والله أعلم بالصواب.
هذا وبعدما أخذ القلم راحته من تدوين هذا المؤلف وجهز للطبع اطلعت على فتوى للإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى أثلجت صدري بما فيها من اتفاق مع هذا الرأي الذي ذهبت إليه، وذلك أنه سئل عمن قال لامرأته: إن لم أطأك، أو إن لم أجامعك فأنت طالق فلم يطأها حتى مضت أربعة أشهر هل تبين بالإيلاء؟
فأجاب بما نصه:" إذا قال ذلك ثم لم يجامعها حتى مضى عليه وقت يمكنه فيه جماعها طلقت منه ولعله في قول آخر أنها لا تطلق حتى ينوى ترك جماعها، فإن لم ينو ولم يجامع حتى مضت أربعة بانت بالإيلاء، ولا أرى وجها للإيلاء ها هنا إلا دخوله تحت لفظ الإيلاء من قوله تعالى {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -}} (1) فإن هذا مؤل أيضا إذ لم يقيد الإيلاء في الآية باليمين المانعة من الجماع قلنا قد يقيد ذلك بقوله {صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-} فإن معناه الحلف على الامتناع منها وهذا حلف على إتيانها وما قدمته لك أظهر، وهو وجه لم أحفظه عن أحد من أصحابنا، لكن القواعد (1/90)
صفحة 90
__________
(1) سورة البقرة، الآية 226.
تقتضيه فلا معنى لإطراحه. والله أعلم (1).
وهو كما قلت يتفق مع ما ذهبت إليه من أن الطلاق يقع بمثل هذه الصيغة بمجرد مضي وقت يمكن فيه فعل ما علق الطلاق على تركه ولكن يا ترى هل الإمام السالمي يرى هذا الرأي على إطلاقه أو أنه يراه خاصا بما إذا كان تعليق الطلاق على ترك الجماع؟ الذي يتبادر لي هو الاحتمال الأخير لما تكرر في فتاواه من موافقته جمهور أصحابنا فيما عدا هذا، وهو نظير ما ذهب إليه العلامة أبو الحسن البسيوي في جامعه من أن قول الرجل لامرأته: إذا لم أطلقك فأنت طالق. تطلق به إذا مضى من الوقت مقدار ما يمكنه أن يطلقها، مع قوله فيما عدا ذلك بما هو في المذهب ولا أرى وجها لتخصيص هذا الحكم بما إذا كان المعلق عليه عدم الجماع أو الطلاق، فإن ألفاظ الطلاق المعلق لا تختلف أحكامها باختلاف الأمور المعلق عليها، وإنما يقع الطلاق بوقوع المعلق عليه فعلا كان أو تركا، ولئن كان مرور وقت يمكن فيه الجماع يؤدي إلى طلاقها إن لم يجامعها وقد علق طلاقها على ترك جماعها ومثله مرور وقت يمكن فيه طلاقها إن علق طلاقها على عدم تطليقه إياها، فما الذي يمنع طلاقها إن علقه على عدم فعل أمر آخر؟ أوليست دلالة التعليق واحدة، فليت شعري ما الذي يمنع طلاقها فيما عدا ما ذكر حتى تنقضي مدة الإيلاء فيكون طلاقها بحكم الإيلاء؟ وقد تقدم أن من أصحابنا من قال: إن قول الرجل لامرأته: إن لم أجامعك فأنت طالق. لا يقع به طلاق (1/91)
صفحة 91
ولو لم يجامعها حتى انقضت مدة الإيلاء ولعمري إن هذه الخلافات في هذه الجزئيات لا تدل إلا على أن هذه القاعدة التي بني عليها هذا الحكم غير مستقرة وإنما يجب التعويل على ما تدل عليه هذه الألفاظ المستعملة في التعليق بحسب معانيها. (1/92)
صفحة 92
الفصل الثالث
في المحلوف عليه الذي يندرج تحت حكم الإيلاء (1/93)
صفحة 93
[صفحة بيضاء] (1/94)
صفحة 94
- - -
__________
(1) العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين 3/ 236 - 237.
الإيلاء لا يثبت إلا بلفظ يدل على قصد الامتناع عن جماع الحليلة سواء أكان صريحا أم كناية مع اقترانه باليمين, قال الشافعي:"ولا يلزمه الإيلاء حتى يصرح بأحد أسماء الجماع وذلك والله لا أطؤك أو والله لا أغيب ذكري في فرجك، أو لا أجامعك، أو يقول إن كانت عذراء: والله لا أفتضك، أو ما في هذا المعنى، فإن قال هذا فهو مول في الحكم، وإن قال لم أرد الجماع نفسه كان مدينا فيما بينه وبين الله عز وجل ولم يدين في الحكم"
قال الشافعي:"وإن قال والله لا أباشرك أو والله لا أباضعك أو والله لا ألامسك أو لا ألمسك أو لا أرشفك أو ما أشبه هذا فإن أراد الجماع نفسه فهو مول, وإن لم يرده فهو مدين في الحكم والقول فيه قوله ,ومتى قلت القول قوله فطلبت يمينه أحلفته لها فيه" (1)
ونقل عنه المزني في مختصره نحو هذا وإنما بدأ بأصرح الألفاظ الدالة على الجماع وهو المبدوء بحرف النون، ثم قال: "وقال في القديم: لو قال والله لا أطؤك أو لا أمسك أو لا أجامعك فهذا كله باب واحد كلما كان للجماع اسم كني به عن نفس الجماع فهو واحد وهو مول في الحكم قلنا ما لم ينوه في لا أمسك في الحكم في القديم ونواه في (2) الجديد وأجمع قوله فيهما بحلفه لا أجامعك أنه مول وإن احتمل أجامعك ببدني وهذا أشبه (1/95)
صفحة 95
بمعاني العلم والله أعلم" (3).
قال الماوردي في شرحه: "وجملة الألفاظ التي يستعملها في الإيلاء تنقسم خمسة أقسام:
أحدها ما كان صريحا في الظاهر والباطن.
والثاني ما كان صريحا في الظاهر كناية في الباطن.
والثالث ما كان كناية في الظاهر والباطن.
والرابع ما كان مختلفا فيه.
والخامس ما لم يكن صريحا ولا كناية.
__________
(1) الأم 5/ 266
(2) في الأصل فهي ولا معنى لها
(3) مختصر المزني مع شرحه الحاوي الكبير 10/ 345,344
فأما القسم الأول:- وهو ما كان صريحا في الظاهر والباطن فهو والله لا ... - وأتى بفعل الجماع باسمه الصريح المبدوء بالنون- أو لا أدخل ذكري في فرجك، أو لا أغيبه فيه، أو لا أفتضك بذكري، وهي بكر، فهذا صريح في الإيلاء ظاهرا و باطنا "يكون" (1) به موليا أراد به الإيلاء أم لم يرد فيكون موليا في الأحوال الثلاث، إذا أراد به الإيلاء، وإذا أطلق، وإذا لم يرد فأما إذا قال في البكر لا أفتضك ولم يقل بذكري فمن أصحابنا-أي الشافعية- من جعله من هذا القسم صريحا في الظاهر والباطن ,ومن أصحابنا -الشافعية- من جعله من القسم الثاني لاحتمالها أن لا يفتضها (1/96)
صفحة 96
بيده.
وأما القسم الثاني: وهو ما كان صريحا في الظاهر كناية في الباطن فهو قوله والله لا وطئتك ولا جامعتك فهو صريح في الظاهر اعتبارا بالعرف في هذا اللفظ فيجعله به موليا في الحكم وكناية في الباطن لاحتمال أن يريد لا أطؤك بقدمي ولا أجامعك أي لا أجتمع معك فيدين فيه إن لم يرد به الإيلاء فيصير بذلك موليا في حالتين إذا أراد به الإيلاء وإذا أطلق ولا يكون موليا في حالة واحدة وهو إذا لم يرد به الإيلاء فإن قال: والله لا وطئتك بذكري ولا جامعتك بفرجي فمن أصحابنا من جعله من القسم الأول صريحا في الظاهر والباطن لخروجه بذكر الفرج عن حال الاحتمال.
ومن أصحابنا من جعله من هذا القسم صريحا في الظاهر دون الباطن ولم يخرجه ذكر الفرج من حد الاحتمال لأنه يحتمل لا أطؤك بفرجي ولا أجامعك بذكري دون الفرج فلذلك صار صريحا في الظاهر كناية في الباطن.
__________
(1) زيادة يقتضيها المقام وهي ساقطة من الأصل
وأما القسم الثالث: وهو ما كان كناية في الظاهر والباطن فهو كقوله والله لأسوأنك أو والله لا قربتك أو والله لا أجمع رأسي برأسك أو لا ضمنا بيت أو لا ضاجعتك أو لا لتطولن غيبتي عنك إلى ما جرى هذا المجرى من الألفاظ المحتملة للوطء وغيره فتكون كناية في الظاهر والباطن لا يكون به موليا إلا مع الإرادة فيصير به موليا في حالة واحدة وهي مع وجود الإرادة ولا يكون به موليا في حالتين وهو إذا أطلق أو لم يرد الإيلاء. (1/97)
صفحة 97
وأما القسم الرابع: وهو ما كان مختلفا فيه وهو ثلاثة ألفاظ لا باضعتك ولا باشرتك ولا مسستك ففي هذه الألفاظ الثلاثة قولان:
أحدهما -وهو قوله في القديم- أن ذلك يكون صريحا في الظاهر كناية في الباطن كالقسم الثاني فيكون به موليا في حالتين إن أراد أو أطلق ولا يكون به موليا في حالة واحدة وهو إذا لم يرد لأن المباضعة مفاعلة من البضع وهو الفرج والمسيس والمباشرة قد تعلق عليهما في الشرع حكم الوطء.
والقول الثاني: وهو قوله في الجديد أنه كناية في الظاهر والباطن كالقسم الثالث فلا يكون به موليا في حالتين إذا أطلق "أو" (1) لم يرد ويكون موليا في حالة واحدة إذا أراد.
واختلف أصحابنا -الشافعية- في ثلاثة ألفاظ لا أصبتك ولا غشيتك ولا لمستك, فمنهم من أجراها مجرى هذا القسم في أنها على قولين ومنهم من أخرجها منه وجعلها من القسم الثالث كناية في الظاهر والباطن.
وأما القسم الخامس: وهو ما لم يكن صريحا ولا كناية فهو كقوله لا أوحشتك أو لا أحزنتك أو لا كسوتك أو لا أطعمتك أو لا أشربتك أو لا ضربتك فهذا وما شاكله لا يكون به موليا في الأحوال الثلاث لا إن أطلق"ولا" (2) إن لم يرد ولا إن أراد كالذي لا يكون صريحا ولا كناية من (1/98)
صفحة 98
الطلاق ولا يقع به الطلاق (3).
__________
(1) في الأصل أم ولا معنى لها.
(2) في الأصل إلا وهي لا معنى لها.
(3) الحاوي الكبير للماوردي 10/ 346,345.
وما قاله في نحو والله لا أجمع رأسي ورأسك بشيء .... إلى آخره نص عليه الشافعي في "الأم" ونص كلامه:"وإن قال والله لا أجمع رأسي ورأسك بشيء، أو والله لأسوأنك، أو لأغيظنك، أو لا أدخل عليك، أو لا تدخلين علي، أو لتطولن غيبتي عنك، أو ما أشبه هذا فكله سواء لا يكون موليا إلا بأن يريد الجماع.
ثم قال:" وإن قال والله ليطولن عهدي بجماعك أو ليطولن تركي لجماعك فإن عنى أكثر من أربعة أشهر مستقبلة من يوم حلف فهو مول وإن عنى أربعة أشهر أو أقل لم يكن موليا، وإن قال والله لا أغتسل منك ولا أجنب منك وقال أردت أن أصيبها ولا أنزل ولست أرى الغسل إلا على من أنزل ولا الجنابة دُيِّن في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، وإن قال أردت أن أصيبها ولا اغتسل منها حتى أصيب غيرها فأغتسل منه دُيِّن أيضا، وإن قال أردت أن أصيبها ولا أغتسل وإن وجب الغسل لم يُديّن في القضاء ودُيِّن فيما بينه وبين الله عز وجل" (1).
وعلى ما قاله درج أصحابه كما في "الحاوي" و"المنهاج" وشرحه "تحفة المحتاج" وحواشي الشرواني وابن قاسم العبادي عليه و"المهذب" (1/99)
صفحة 99
و"المجموع" (2).
وتفريقه بين أربعة أشهر وما زاد عليها مبني على ما يذهب إليه من أن الإيلاء لا يترتب عليه الطلاق بمضي مدته حتى يوقف الزوج بعدها وهي مسألة تحتاج إلى التحرير وسيأتي تحريرها إن شاء الله في موضعها.
وأما الحنابلة فما ذهبوا إليه لا يختلف كثيرا عما ذهب إليه الشافعية إلا في بعض التفاصيل؛ قال ابن قدامة -منهم- في "المقنع": "وإذا حلف على ترك الوطء بلفظ لا يحتمل غيره كلفظه الصريح، وقوله لا أدخلت ذكري في فرجك، وللبكر خاصة لا افتضضتك لم يدين فيه, قال صاحب الشرح الكبير: وجملته أن الألفاظ التي يكون بها موليا تنقسم ثلاثة أقسام:
__________
(1) الأم 5/ 266.
(2) ينظر الحاوي 10/ 347,346والمنهاج وشرحه تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي عليه 10/ 294,293والمجموع 17/ 300 - 294
أحدها: ما هو صريح في الحكم والباطن جميعا كقوله: والله لا ..... -وأتى باللفظ الدال على الجماع صراحة وهو المبدوء بالنون – ولا أدخل أو أغيب أو أولج ذكري في فرجك ولا افتضضتك -للبكر خاصة- فهذه صريحة لا يدين فيها لأنها لا تحتمل غير الإيلاء.
القسم الثاني: صريح في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله تعالى وهي عشرة ألفاظ: لا وطئتك ولا جامعتك ولا باضعتك ولا باعلتك ولا باشرتك ولا قربتك ولا أصبتك ولا أتيتك ولا مسستك ولا اغتسلت منك (1/100)
صفحة 100
فهذه صريحة في الحكم لأنها تستعمل في العرف في الوطء وقد ورد القرآن ببعضها فقال سبحانه: {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (- قرآن كريم (- - رضي الله عنه - - ({- - - ((- - رضي الله عنهم - مقدمة - رضي الله عنه - تمت (- (- ((- رضي الله عنه - -} - - - (- - (- رضي الله عنه - تمت (- - - - (- - - ((- قرآن كريم (- (- - (} (1) , وقال: {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - ((- - صلى الله عليه وسلم - (- (((- رضي الله عنه - - (- (بسم الله الرحمن الرحيم (- الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (((- (- رضي الله عنه - (- (((- (- (- - - رضي الله عنهم - - (- - -} (2) , وقال: {صدق الله العظيم (تم بحمد الله (- (تمهيد - - تمت - صلى الله عليه وسلم - - - صدق الله العظيم (- قرآن كريم - - - رضي الله عنهم - - - -} (3) , وأما الجماع والوطء فهما أشهر الألفاظ في الاستعمال فلو قال: أردت بالوطء الوطء بالقدم وبالجماع اجتماع الأجسام وبالإصابة الإصابة باليد دين فيما بينه وبين الله تعالى ولم يقبل في الحكم لأنه خلاف الظاهر والعرف, وقد اختلف قول الشافعي فيما عدا الوطء والجماع في هذه الألفاظ, فقال
__________
(1) البقرة: 222.
(2) البقرة: 187.
(3) البقرة: 237.
في موضع ليس بصريح في الحكم لأنه حقيقة في غير الجماع, وقال في"لا باضعتك" ليس بصريح، لأنه يحتمل أن يكون التقاء البضعتين البضعة من البدن بالبضعة منه فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"فاطمة بضعة مني" (1)
ولنا أنه مستعمل في الوطء عرفا وقد ورد ببعضه القرآن والسنة, فكان صريحا كلفظ الوطء والجماع ,وكونه حقيقة في غير الجماع لا يبطل بلفظ الوطء والجماع ,وكذلك قوله فارقتك ,وسرحتك في ألفاظ الطلاق (1/101)
صفحة 101
فإنهم قالوا: هي صريحة في ألفاظ الطلاق مع كونها حقيقة في غيره ,وأما قوله: باضعتك فهو مشتق من البضع ولا يستعمل هذا اللفظ في غير الوطء فهو أولى أن يكون صريحا من سائر الألفاظ لأنها تستعمل في غيره ,وبه قال أبو حنيفة.
القسم الثالث: ما لا يكون موليا فيها إلا بالنية ,وهو ما عدا هذه الألفاظ مما يحتمل الجماع كقوله: والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء, لا ساقف رأسي رأسك ,لأسوأنك ,لأغيظنك , لتطولن غيبتي عنك , لا مس جلدي جلدك , لا قربت فراشك , لا آويت معك , لا نمت عندك , فهذه إن أراد بها الجماع واعترف بذلك كان موليا وإلا فلا؛ لأن هذه الألفاظ ليست ظاهرة في الجماع , ولم يرد النص في استعمالها فيه, إلا أن هذه الألفاظ منقسمة إلى ما يفتقر إلى نية الجماع والمدة معا وهي قوله لأسوأنك أو لأغيظنك أو لتطولن غيبتي عنك , فلا يكون موليا حتى ينوي ترك الجماع في مدة تزيد على أربعة أشهر لأن غيظها يوجد بترك الجماع فيما دون ذلك , وسائر الألفاظ يكون موليا بنية الجماع فقط فإن قال: والله لا أدخلت جميع ذكري في فرجك لم يكن موليا لأن الوطء الذي تحصل به الفيئة يحصل بدون إيلاج جميع الذكر , فإن قال: والله لا أولجت حشفتي في فرجك كان موليا لأن الفيئة لا تحصل بدون ذلك (2).
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو العاص بن الربيع (3523).
(2) الشرح الكبير 8/ 504 - 506.
وقال شارحه المرداوي على أثر قول صاحب "المقنع" "وللبكر (1/102)
صفحة 102
خاصة
لا افتضضتك" لم يدين فيه هذا هو المذهب مطلقا -يعني مذهب الحنابلة- وعليه جماهير الأصحاب -أي الحنابلة- وقدمه في "الفروع", وقال في "المستوعب" وغيره:"وتختص البكر بلفظين وهما: والله لا افتضضتك , ولا ابتنيت بك", وجزم به في "الوجيز" وقال في "الترغيب" و"البلغة" وغيرهما: "يشترط في هذين اللفظين أن يأتي بهما عربي فإن أتى بهما غيره ُديِّن وجزم به في الوجيز", قلت -والقائل المرداوي-: لعله مراد من لم يذكره (1).
وكلام الحنفية في هذا لا يبعد عما سبق ذكره اللهم إلا في بعض التفصيلات وإليك ما قاله الكاساني منهم:"أما الألفاظ الدالة على منع النفس من الجماع فأنواع بعضها صريح وبعضها يجري مجرى الصريح وبعضها كناية, أما الصريح فلفظ المجامعة بأن يحلف أن لا يجامعها, وأما الذي يجري مجرى الصريح فلفظ القربان والوطء والمباضعة والافتضاض في البكر، بأن يحلف أن لا يقربها أو لا يطأها أو لا يباضعها أو لا يفتضها وهي بكر لأن القربان المضاف إلى المرأة يراد به الجماع في العرف قال الله تعالى: {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (- قرآن كريم (- - رضي الله عنه - - ({- - - ((- - رضي الله عنهم - مقدمة - رضي الله عنه - تمت (- (- ((- رضي الله عنه - -}}.
وكذا الوطء المضاف إليها غلِّب استعماله في الجماع ,قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في سبايا أوطاس:"ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرأن (1/103)
صفحة 103
بحيضة"" (2)
__________
(1) الإنصاف 9/ 170 - 171.
(2) أخرجه الإمام الربيع في كتاب: الطلاق، باب: في الحيض (544).
والمباضعة مفاعلة من البضع وهو الجماع أو الفرج ,والإفتضاض في العرف عبارة عن جماع البكر وهو كسر العذرة مأخوذ من الفض وهو الكسر وكذا إذا حلف لا يغتسل منها لأن الاغتسال منها لا يكون إلا بالجماع ,فأما الجماع في غير الفرج فالاغتسال لا يكون منها وإنما يكون بالانزال, ألا ترى أنه ما لم ينزل لا يوجب الغسل وفي الجماع في الفرج لا يقف وجوب الاغتسال على وجود الإنزال.
ولو قال: لم أعن به الجماع لا يديّن في القضاء؛ لكونه خلاف الظاهر, ويديّن فيما بينه وبين الله تعالى لأن اللفظ يحتمله في الجملة.
وأما الكناية فنحو لفظ الإتيان والإصابة بأن حلف لا يأتيها أو لا يصيب منها يريد الجماع, لأنهما من كنايات الجماع لأنهما مستعملان في الجماع وفي غيره استعمالا على السواء فلا بد من النية وكذا لفظة الغشيان بأن حلف لا يغشاها, لأن الغشيان يستعمل في الجماع قال الله تعالى: {- - - فهرس - - (- - رضي الله عنهم - - -} (- رضي الله عنه - (- -} (1) أي جامعها ,ويستعمل في المجيء وفي الستر والتغطية قال الله تعالى: {- رضي الله عنه - بسم الله الرحمن الرحيم (قرآن كريم - رضي الله عنه - - (المحتويات (- - - رضي الله عنه - (((- رضي الله عنه - - (- - - - - رضي الله عنهم - ((- - -} (2) قيل يأتيهم وقيل يسترهم ويغطيهم فلا بد من النية. (1/104)
صفحة 104
وكذا إذا حلف لا يمس جلده جلدها وقال لم أعن به الجماع يصدق لأنه يحتمل الجماع ,ويحتمل المس المطلق فيحنث بغير الجماع, والإيلاء ما وقف الحنث فيه على الجماع ولأنه يمكن جماعها بغير مماسة الجلد بأن يلف ذكره بحريرة فيجامعها وكذا إذا حلف لا يمسها لما قلنا, وكذا إذا حلف لا يضاجعها أو لا يقرب فراشها وقال: لم أعن به الجماع فهو مصدق في القضاء لأن هذا اللفظ يستعمل في الجماع ويستعمل في غيره استعمالا واحدا, ولأنه يمكنه جماعها من غير مضاجعة ولا قرب فراش.
__________
(1) الأعراف: 189.
(2) العنكبوت: 55.
ولو حلف لا يجتمع رأسي ورأسك فإن عنى به الجماع فهو مول لأنه يحتمل الجماع وإن لم يعن به الجماع لم يكن موليا ولا يجتمعان على فراش ولا مرفقة لئلا يلزمه الكفارة ,وله جماعها من غير اجتماع على الفراش ولا شيء يجمع رأسها عليه.
ولو حلف لا يجمع رأسي ورأسك وسادة أو لا يؤويني وإياك بيت أو لا أبيت معك في فراش فإن عنى به الجماع فهو مول لأنه يحتمل الجماع فتصح نيته, وكيفما جامعها فهو حانث وإن لم يعن به الجماع فليس بمول ولا يأوي معها في بيت ولا يبيت معها في فراش ولا يجتمعان على وسادة لئلا تلزمه الكفارة ويطأها على الأرض والبوادي.
ولو حلف لأسوأنك أو لأغيظنك لا يكون موليا إلا إذا عنى به ترك الجماع, لأن المساءة قد تكون بترك الجماع وقد تكون بغيره وكذا الغيظ فلا (1/105)
صفحة 105
بد من النية (1) ونحوه ما قاله السرخسي في المبسوط (2) وابن نجيم في البحر الرائق (3).
وقال ابن عابدين: وفي المنتقى لا أنام معك إيلاء بلا نية ,وكذا لا يمس فرجي فرجك, وهذا يخالف ما في البدائع من أن لا أبيت معك في فراش كناية وما في جوامع الفقه من أنه لو قال لا يمس جلدي جلدك لا يصير موليا لأنه يمكن أن يلف ذكره بشيء أفاده في الفتح وظاهر ما في الجوامع أنه ليس صريحا ولا كناية.
قلت -والقائل ابن عابدين- والذي يظهر ما في المنتقى من أن اللفظيين من الصريح لما علمت من أن الصراحة منوطة بتبادر المعنى والمتبادر من قولك فلان نام مع زوجته هو الوطء نعم لا يتبادر ذلك من قولك بات معها في فراش, وتبقى المخالفة في مسألة المس وما ذكر من الإمكان لا ينفي التبادر وإلا لزم أن تكون المباضعة كذلك لأنه معنى وضع البضع على البضع أي الفرج فيمكن أن يقال لا يلزم منه الجماع، وكذا الافتضاض أي إزالة البكارة ,يمكن بإصبع ونحوها تأمل (4).
__________
(1) بدائع الصنائع 4/ 1931 - 1933
(2) ينظر المبسوط 7/ 22,21
(3) ينظر البحر الرائق 4/ 61,60
(4) حاشية ابن عابدين (رد المحتار) 5/ 62
هذا وذكر ابن الهمام في حاشيته خلافا بينهم في الصريح ,هل هو (1/106)
صفحة 106
نحو لا أقربك, ولا أجامعك ولا أطؤك, ولا أباضعك, ولا أغتسل منك من جنابة, ولو ادعى أنه لم يعن الجماع لم يدين في القضاء أو أن الصريح لفظان فقط وهما لا أجامعك واللفظ المبدوء بالنون وما عداهما فكنايات تجري مجرى الصريح, قال: والأولى الأول, لأن الصراحة منوطة بتبادر المعنى لغلبة الاستعمال فيه سواءً كان حقيقة أم مجازاً لا بالحقيقة وإلا لوجب كون الصريح لفظا واحدا وهو ثاني ما ذكر ثم قال: وفي البدائع الافتضاض في البكر يجري مجرى الصريح ,والدنو كناية وكذا لا أبيت معك في فراش, ثم نقل ما حكاه ابن عابدين عن المنتقى وعن جوامع الفقه ثم قال: وفي المرغيناني يحنث بمس الفرج دون الجماع فليس بمول – أي إن قال لا يمس جلدي جلدك – ثم قال: قيل فيه بعد, وهو حق لأن الفرض كون الجماع هو المراد, ولذا كان كناية مفتقرة إلى النية وهو فرع أن يراد به ذلك ولا يحنث إلا بالجماع فيكون مولياً, قال: وفي التحفة لو قال أنا منك مول فإن عنى الخبر كذبا فليس بمول فيما بينه وبين الله تعالى ,ولا يصدق في القضاء, لأنه خلاف الظاهر, لأن هذا إيجاب في الشرع وإن عنى به الإيجاب فهو مول في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، لأنه أوجب الإيلاء بهذا اللفظ.
قال: ولو قال أنت عليّ مثل امرأة فلان وكان قد آلى فلان من امرأته فإن نوى الإيلاء كان موليا لأنه شبهها بها في اليمين ,وإن لم ينو اليمين ولا التحريم لا يكون موليا ,ولقائل أن يقول: الإيلاء الحلف .. الخ.
وقوله أنت علي مثل امرأة فلان أو أنا مول ليس فيه صيغة حلف (1/107)
صفحة 107
إنشائية ولا تعليقية, لأن معنى الحلف قوله والله لا أقربك ونحوه أو إن قربتك وليس قوله أنت مثلها إياه ولا محققا لوجوده لفرض عدم وجوده سابقا ولاحقا إلا أن هذا جواب الرواية صرح به الحاكم أبو الفضل في مختصره وفيه لو آلى من امرأته ثم قال لأخرى أشركتك في إيلاء هذه كان باطلا ولو قال: إن قربتك فعلي يمين أو كفارة يمين فهو مول والجواب أن قوله أنا منك مول معناه أنا منك حالف ومعلوم أن انعقاد اليمين بقوله أحلف فقط كما ينعقد بقوله أحلف بالله فينعقد بقوله أنا حالف وكذا التشبيه المذكور يؤول إليه" (1).
أما مالك وأصحابه فيستبان مما قالوه التشديد في هذا الجانب, ومن ذلك هذا النص الذي في "المدونة" "قلت أرأيت إن حلف أن لا يغتسل من امرأته من جنابة أيكون موليا؟ قال: نعم يكون موليا لأن هذا لا يقدر على الجماع إلا بكفارة" (2) ,وفيها "قلت: أرأيت إن قال والله لا أطؤك فلما مضت الأربعة الأشهر وقفته, فقال: لم أرد بقولي الإيلاء ,وإنما أردت أن لا أطأها بقدمي؟ قال: لا يقبل قوله ,ويقال له جامعها حتى تعلم أنك لم تريد الإيلاء وأنت في الكفارة أعلم إن شئت فكفر إذا وطئت وإن شئت لا تكفر" (3).
"وحكى الباجي عن "المبسوط" أن ابن القاسم سئل عن الرجل يقول (1/108)
صفحة 108
لامرأته لا مرحباً يريد بذلك الإيلاء ,فقال: قال مالك: كل كلام نوى به الطلاق فهو طلاق فهذا والطلاق سواء" (4).
__________
(1) يراجع شرح فتح القدير لابن الهمام 4/ 169,168
(2) المدونة 5/ 142
(3) المرجع السابق 148,147
(4) المنتقى شرح موطأ الإمام مالك 4/ 29 – الناشر دار الكتاب العربي- بيروت لبنان
وخلاصة ذلك أنهم يرون أن الإيلاء يقع بأي لفظ قصد به الإيلاء ولو لم يقترن بيمين وكانت دلالته على هذا القصد غير ظاهرة, ولكنهم مع ذلك يتوسعون في تصديقه في أمر الكفارة وإن استعمل الألفاظ التي اشتهرت في معنى الجماع, وإنما يلزمونه الوطء حتى يظهر لها أنه ما أراد بذلك الإيلاء, ومن هذا ما قاله الباجي:"وإن حلف أن لا يجامعها سنة فقال أردت أن لا أساكنها في هذه الدار سنة, ففي المبسوط عن ابن القاسم له ذلك, وإنما يلزمه الإيلاء إذا أتى بلفظ يمنعه من الوطء وإن لم يتناول الوطء فإنه لا يكون به موليا, فإذا حلف أن لا يلتقي معها سنة وكان هذا يمنع الوطء كان موليا، وهذا اللفظ يحتمل من التأويل ما تحتمل المجامعة, فحكمه إذا حلف بالله أن يصدق في كفارة اليمين ويقال له لا بد من الخروج عن هذا اللفظ الذي ظاهره الامتناع من الوطء, ثم نقل عن مالك ما ذكرناه من قوله فيمن حلف أن لا يطأها وادعى أنه أراد أن لا يطأها بقدمه, ثم ذكر عقبه عن ابن القاسم أنه قال: والذي حلف أن لا يجامعها مثله غير أنه حكى عن أبي الوليد أنه قال: وعندي أنها إن كانت يمينه بطلاق غيرها أن لا يصدق في ذلك لأن ظاهر لفظه يقتضي الجماع (1). (1/109)
صفحة 109
وفي "مختصر خليل وشرحه التاج والإكليل" أن من حلف أن لا يلتقي معها أو أن لا يغتسل منها من جنابة فهو مول لأنه لا يقدر على الجماع إلا بكفارة (2).
__________
(1) المرجع السابق.
(2) التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبدالله محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري المشهور بالمواق بذيل كتاب مواهب الجليل بشرح مختصر خليل 4/ 126 – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
وقد اختلفوا فيما إذا حلف ليعزلن عنها ففي التاج والإكليل ابن يونس حكي عن بعض شيوخنا إذا حلف ليعزلن عن زوجته فليس بمول لأن الوطء موجود منه وإن كان يعزل وعاب ذلك بعض أصحابنا قال لأن الإنزال من حق الزوجة لا يجوز أن يعزل عنها إلا بإذنها, وقد اختلف فيمن حلف أن لا يبيت مع امرأته هل يطلق عليه أم لا لأنه يأتيها نهارا؟ قال: فإذا كان قد اختلف في هذا ففي العزل أولى أن تطلق عليه, ابن يونس إنما يطلق على هذا وعلى الذي حلف أن لا يبيت مع زوجته لأجل الضرر عليها بذلك وليس هو بمول ولا يضرب له أجل الإيلاء، لأنه غير ممتنع فبان أن قول الفقيه صواب (1).
وعند الظاهرية أن الإيلاء يصدق على الحلف بالله أو باسم من أسمائه أن لا يطأ امرأته أو أن يسؤها أو أن لا يجمعه وإياها فراش أو بيت (2). (1/110)
صفحة 110
أما أصحابنا -الإباضية- فلم أجد لهم تفصيلا بين الألفاظ المستعملة في الإيلاء وانقسامها إلى ما هو صريح وإلى ما هو كناية وإنما المنصوص عليه عندهم أن الإيلاء يقع بالحلف عن الجماع أو الوطء أو المس أو القربان أو المواقعة ومع ذلك أنهم يرون أن الإيلاء ينطبق حكمه على من حلف بأن يمتنع من مواقعة أهله آتيا بما يدل على هذا المعنى من الألفاظ, ومن المعلوم أن هذه الألفاظ منها ما هو صريح ومنها ما هو كناية وهم وإن لم يصرحوا -فيما دونوه- باللفظ الدال عليه صراحة -وهو المبدوء بحرف النون- فإنه لكونه أصرح هذه الألفاظ جميعا في الدلالة على هذا المعنى لو استعمل مقرونا بقسم لتأكيد الامتناع عما يدل عليه لكان ذلك إيلاء بلا شك إذ لا معنى يدل عليه سواه ولست أرى امتناعهم عن ذكره إلا ورعا وترفعا عن مثل هذه الكلمات التي تخدش الحياء ويأباها المحتشم أن تأتي في كلامه لغير ضرورة داعية.
__________
(1) المرجع السابق 128,127
(2) المحلى 11/ 240
هذا وبما أن الإيلاء إنما هو تعبير مقرون باليمين عن قصد حرمان المرأة من المعاشرة الزوجية, وهو يمكن أن يصدر من أي زوج مهما كانت لغته وكيفما كان اصطلاح أهل مجتمعه في التعبير عن هذا المعنى, أرى أنه يجب أن يراعى الشائع الذائع في أعراف الناس من الألفاظ الدالة على هذه المعاني, فما كان في عرفهم لا يستعمل إلا في المباشرة التي تكون بين الزوجين لا وجه لتسويغ حمله على معنى آخر إذا ادعى من استعمله أنه أراد به المعنى البعيد الذي لا يكاد يستعمل في عرف قومه فلفظ الجماع صار من (1/111)
صفحة 111
أشهر الألفاظ في الدلالة على هذا المعنى بحيث لا يستعمله عالم ولا جاهل, ولا رجل ولا امرأة, ولا صغير ولا كبير, ولا عربي ولا أعجمي يقتبس من كلام العرب إلا بمعنى المعاشرة التي تكون بين الزوجين لذلك لا أرى وجها لقبول قول من قال بأنه أراد به معنى الاجتماع الذي لا يكاد يستعمل في كلامهم ولا يكاد يعرفه إلا الخواص من الناس.
أما الوطء والدوس فيحتملان أن يراد بهما إيقاع القدمين, والمس -وإن شاع في استعماله بمعنى المباشرة بإيلاج الآلة في الآلة- لا يمنع أن يقصد به معنى آخر وقد يكون كناية عما يصيب الغير من الأذى بالضرب ونحوه والقرائن هي خير دليل في تحديد المراد من الكلام, فمن كان يعاتب على إيذائه امرأته بالضرب فحلف في اعتذاره بأن لا يمسها من بعد فإن الاحتمال الأقوى في كلامه أن يكون تأكيدا على عدم العودة إلى ضربها بقرينة المقام, ومثل ذلك يقال في المباشرة نفسها ولكن مع هذا أرى أنه لو امتنع عن إتيانها بعد يمينه هذه أن تقام عليه الحجة ويؤمر بإتيانها ولو ادعى بأنه لم يقصد بيمينه الامتناع عن الجماع كما قاله مالك وأصحابه, ومثله لو أقسم أن لا يطأها أو أن لا يدوسها وادعى أنه أراد أن لا يطأها أو أن لا يدوسها بقدميه.
أما إن أقسم بأن لا يلامس جلده جلدها أو أن لا يلامس ذكره فرجها أو أن لا يغتسل منها من جنابة فإني لا أرى وجها لصرف كلامه عن الإيلاء لأن الوقاع يتعذر بدون ما حلف عليه وما قيل من إمكان لف قضيبه بحريرة أو نحوها أو الحيلولة بين جلده وجلدها بشيء لا يعد شيئا فإن ذلك (1/112)
صفحة 112
كالمستحيل عادة في وقت المعاشرة الزوجية إذ لا يكاد يتأتى ولو أمكن فهو مما يفوت تمام متعة المعاشرة فهو أقرب إلى التلاعب بالألفاظ وكذلك حلفه ألا يغتسل منها فإن الذي يتبادر إلى الفهم أنه ما أراد به إلا الامتناع عن جماعها فهو الذي يوجب الغسل وأعظم قرينة تؤكد ذلك ما يعقب هذه الأقوال من امتناعه عن الجماع فإن أراد درء تهمة الإيلاء عنه وما يترتب عليه من حكمه فليبادر إلى مواقعتها والله سائله عما يجب عليه من كفارة يمينه, ومثل هذا حكم ما لو قال لها: لا يجمع رأسي ورأسك شيء أو قال لها: لأسوأنك أو لأغيظنك فإن امتناعه عن معاشرتها على إثر هذا القول دليل على قصده به الإيلاء وقرينة الحال أقوى من دعوى المقال وإنما عليه إن ادعى أنه لم يقصد به الإيلاء أن يبادر إلى معاشرتها قبل انتهاء المدة المحددة للإيلاء أو إلى ما يقوم مقام المعاشرة فيمن كان عاجزا عنها كما سيأتي في محله -إن شاء الله- ومثل هذا إن أقسم بأنه ستطول غيبته عنها أو سيطول أمد المدة التي لن يواقعها فيها.
أما قوله: أنا منك مول فهو اعتراف منه بالإيلاء فيؤخذ به مع قيام قرينة على ذلك وهي امتناعه عن معاشرتها, ومثله إن قال له: أنت مني بمنزلة فلانة من فلان والمذكوران رجل وامرأته وكانت منه في حال إيلاء عندما أتى بهذا القول, وبالجملة فإن امتناعه عن مواقعتها على أثر أمثال هذه الأقوال دليل قصده الإيلاء كما ذكرنا فلا وجه للعدول عنه في الحكم.
هذا وإن قيد ما حلف عليه من جماع بقيد فلا يخلو إما أن يكون مطلوبا (1/113)
صفحة 113
شرعا أو بخلاف ذلك فأما الأول فلا يكون به موليا وذلك بأن يقول لها: والله لن أجامعك في دبرك أو في غير فرجك فإنه حلف على ما هو مطلوب منه لأن الوطء في الأدبار حرام شرعا وكذلك إن أقسم ألا يطأها في سائر الجسد ما عدا الفرج إذ لا لذة للمرأة به فهو بهذا محسن وأما ما كان بخلاف ذلك فهو على قسمين:
أولهما: أن يحتمل أكثر من معنى كقوله والله لن أجامعك إلا جماع سوء ومرد هذا إلى نيته لأنه يحتمل أن يريد به أن لا يطأها إلا وطأً محرما كوطئها في الدبر أو في الحيض وبهذا يكون موليا لما فيه من مضارتها، وإما أن يريد به أقل ما يكون به الجماع وهو غيبوبة الحشفة في الفرج وفي هذه الحالة لا يكون موليا ويحتمل أن يريد ما دون ذلك وعليه فيحكم عليه بالإيلاء وإن أراد به الجماع الشديد فلا يكون من الإيلاء في شيء.
ثانيهما: أن يقيد ذلك بما فيه مشقة عليها كأن يحلف أن لا يطأها حتى تطلب ذلك منه أو حتى تأتي إليه فقيل لا إيلاء في هذا لإمكان الطلب والإتيان وقيل بل هو مول وذلك في الإتيان آكد، واستدل له بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي أزواجه في بيوتهن وهو المحكي عن مالك (1).
وإن قيده بما لا مشقة عليها فيه كأن يقسم أن لا يطأها في النهار أو في الليل أو في يوم معين في الأسبوع أو في الشهر أو في العام فلا إيلاء في ذلك (1/114)
صفحة 114
لإمكان الوطء فيما عدا ذلك الوقت وكذلك إن قيده بحالة كحالة التعب أو الغضب أو نحوهما لأنها حالة عارضة لا تدوم وذلك إن لم يمتنع عن وطئها مطلقا كما سيأتي-إن شاء الله-.
هذا ويفهم مما نقله ابن الهمام في حاشيته أن مالكا يرى الإيلاء فيما لو أقسم أن لا يطأها في الدبر أو في غير الفرج ونص ما قاله:"ولو قال لا وطئتك في الدبر أو في ما دون الفرج لم يصر موليا خلافا لمالك" (2).
__________
(1) يراجع مختصر خليل شرح الحطاب مواهب الجليل 4/ 126.
(2) حاشية ابن الهمام شرح فتح القدير 4/ 169.
وهذا كلام عجيب فإن نحو هذا القسم ليس فيه حرمان المرأة من حق لها بل هو من مصلحتها الدينية والدينوية فكيف يكون إيلاء على أنني لم أجد ما عزاه إلى مالك في شيء من كلامه ولا في شيء من كتب أصحابه.
وإن كان التقييد بمدة أقل من مدة الإيلاء وهي أربعة أشهر ففي ذلك كلام طويل سنفرد له فصلا مستقلا -إن شاء الله-. (1/115)
صفحة 115
[صفحة بيضاء] (1/116)
صفحة 116
الفصل الرابع
في المولي و المولى منها (1/117)
صفحة 117
[صفحة بيضاء] (1/118)
صفحة 118
بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم
أجمعوا على ثبوت الإيلاء من زوج عاقل بالغ حر مسلم قادر على الجماع من امرأته البالغة بعد بنائه بها لسبب غضبه عليها كما أجمعوا على عدم الاعتداد بإيلاء المجنون والطفل الذي لم يناهز الاحتلام واختلفوا في غير من ذكرنا وإليك بيان ذلك في مباحث:
المبحث الأول: في إيلاء غير الزوج
اعلم أن الإيلاء كالطلاق لا يصدر إلا عن زوج فلو آلى الأجنبي من المرأة لم يكن ذلك في شيء من حكم الإيلاء ودليله قوله تعالى: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-} والأجنبية غير داخلة في ذلك وقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا طلاق إلا بعد نكاح ولا ظهار إلا بعد نكاح" (1) والإيلاء كالظهار من هذه الناحية وبهذا يخرج السيد عن حكم الإيلاء إن آلى من أمته فله وطؤها متى شاء وإنما يطالب بالتكفير بعد حنثه, وإنما بقى الكلام فيما إذا تزوج أمة غيره ثم انتهت الزوجية بامتلاكه إياها ثم أعتقها فتزوجها من جديد قال الشافعي: ولو آلى من امرأته الأمة ثم اشتراها فخرجت من ملكه ثم تزوجها أو العبد من حرة ثم اشترته فتزوجته لم يعد الإيلاء لانفساح النكاح, قال المزني هذا كله أشبه بأصله لأن كل نكاح أو ملك حدث لم (1/119)
صفحة 119
يعمل فيه إلا قول وإيلاء وظهار يحدث فالقياس أن كل حكم يكون في ملكه إذا زال ذلك الملك زال ما فيه من الحكم فإذا زال نكاحه فبانت منه امرأته زال حكم الإيلاء عنه في معناه.
قال المارودي: وهاتان مسألتان مختلفتا الصورة متفقتا الحكم:
"إحداهما: في حر تزوج أمة وآلى منها ثم اشتراها فبطل بالشراء نكاحها ثم تزوجها بعد عتقها أو بيعها هل يعود الإيلاء منها أم لا؟
والثانية: في عبد تزوج وآلى منها ثم اشترته فبطل النكاح بالشراء ثم عاد فتزوجها بعد عتقه أو بيعه هل يعود الإيلاء منها أم لا؟
والجواب في عود الإيلاء فيهما مبني على اختلاف أصحابنا في الفسخ بالملك هل يجري مجرى الطلاق الثلاث أو يجري مجرى ما دون الثلاث, وفيه لهم وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يجري مجرى الطلاق الثلاث, لأن الفسخ قد رفع جميع أحكام النكاح المتقدم كالطلاق الثلاث.
__________
(1) رواه الإمام الربيع في كتاب النكاح برقم (510) باب الأولياء من طريق ابن عباس.
والوجه الثاني: أنه يجري مجرى ما دون الثلاث من الطلاق, لأنه إذا طلقها في النكاح الثاني بنته على عدد الطلاق في النكاح الأول, ولأنها تحل قبل زوج بخلاف الثلاث. (1/120)
صفحة 120
فعلى هذا إن قلنا إنه يكون كالطلاق الثلاث لم يعد الإيلاء على قوله في الجديد كله وأحد قوليه في القديم وعاد على القول الثاني في القديم, وإن قلنا إنه يكون كالطلاق إذا كان أقل من ثلاثة فعلى هذا يعود الإيلاء على قوله في القديم كله وأحد قوليه في الجديد ولا يعود على القول الثاني في الجديد.
ثم قال: فأما المزني فإنه قال: لا يعود الطلاق والإيلاء والظهار في النكاح الثاني إذا كان معقودا في النكاح الأول احتجاجا بأمرين:
أحدهما: أنه حكم تعلق بعقد فإذا زال العقد زال حكمه, وهذا فاسد بعدد الطلاق بزوال عقده ولا يزول حكمه ويكون في النكاح الثاني معتبرا بالنكاح الأول.
والاحتجاج الثاني: إن قال قد صارت في حال لو آلى منها أو طلقها لم يصح فكذلك لا يصح أن يستدام فيها حكم الإيلاء والطلاق, وهذا فاسد بالجنون لأنه لا يصح أن يبتدىء فيه الإيلاء والطلاق ويصح أن يستدام فيه ما تقدم من الإيلاء والطلاق -والله أعلم-" (1).
__________
(1) الحاوي الكبير 10/ 383,382.
وهذه المسألة مبنية على نظائر ذكرها ابن قدامة في قوله ولو آلى من امرأته الأمة ثم اشتراها ثم أعتقها وتزوجها عاد الإيلاء, ولو كان المولي عبدا فاشترته امرأته ثم أعتقته وتزوجته عاد الإيلاء, ولو بانت الزوجة بردة (1/121)
صفحة 121
أو إسلام من أحدهما أو غيره (1) ثم تزوجها تزويجا جديدا عاد الإيلاء وتستأنف المدة في جميع ذلك وسواء عادت إليه بعد زوج ثان أو قبله لأن اليمين كانت منه في حال الزوجية فيبقى حكمها ما وجدت الزوجية وهكذا لو قال لزوجته: إن دخلت الدار فوالله لا جامعتك ثم طلقها ثم نكحت غيره ثم تزوجها الأول عاد حكم الإيلاء, لأن الصفة المعقودة في حال الزوجية لا تنحل بزوال الزوجية فإن دخلت الدار في حال البينونة ثم عاد فتزوجها لم يثبت حكم الإيلاء في حقه لأن الصفة وجدت في حال كونها أجنبية ولا ينعقد الإيلاء بالحلف على الأجنبية بخلاف ما إذا دخلت وهي امرأته (2).
وما ذكره ابن قدامة واضح صوابه اللهم إلا فيما إذا أسلما بعد شرك فإن الإسلام جب لما قبله فيسقط عمن أسلم ما ترتب على أقواله وأفعاله في الجاهلية من حقوق لله عزوجل كالكفارة لعموم قوله تعالى: {- (- - صدق الله العظيم - (- {- (- -} - (- صلى الله عليه وسلم - (- - (- - تمت ({} - قرآن كريم (- - رضي الله عنه - - - - رضي الله عنه - - (- - ((((- بسم الله الرحمن الرحيم (- - - -} تم بحمد الله (- - - - رضي الله عنهم - - فهرس - - رضي الله عنهم - -} (3) وذلك فيما يتعلق بخطاب التكليف دون خطاب الوضع، والخلاف الذي ذكره الماوردي يمكن تخريجه على أصول أصحابنا في هذه المسألة ذلك لأنهم مختلفون في استمرار حكم الإيلاء فيما إذا عادت إلى الزوجية بعد البينونة كما سيأتي-إن شاء الله-. (1/122)
صفحة 122
وحُكي خلاف في الإيلاء قبل الزواج في "بيان الشرع" و"المصنف"
__________
(1) كذا في الأصل والظاهر أن الصواب أو غير.
(2) المغني 8/ 550, وينظر الشرح الكبير 8/ 539
(3) سورة الأنفال: 38.
و"منهج الطالبين" من كتب أصحابنا (1) وظاهره أن من أصحابنا من يقول بثبوت حكم الإيلاء, إن آلى رجل من امرأة ثم تزوجها وينظر في هذا هل هو فيما إذا علق إيلاءه بزواجه منها أو أنه على إطلاقه فإن القائلين بالإيلاء من الأجنبية من غير أصحابنا مختلفون في هذا فمالك يقول: بثبوت إيلائه منها إن تزوجها بعده ولو لم يعلق على الزواج ففي "المدونة" قلت: أرأيت لو أن رجلا قال لامرأة نظر إليها ليست له بزوجة والله لا أطؤك فتزوجها بعد ذلك أيكون موليا إن تركها أربعة أشهر لم يطأها في قول مالك؟ قال: نعم هو مول عند مالك, قلت: ولم وهو حين حلف ألا يطأها لم تكن له بزوجة؟ وإنما قال الله تبارك وتعالى: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -}} قال: ألا ترى أن الله تبارك وتعالى قال: {- رضي الله عنه - (((- {- - - - رضي الله عنه - تمت - صلى الله عليه وسلم - (- (- (- ((- المحتويات (- - (تم بحمد الله صدق الله العظيم (} تم بحمد الله بسم الله الرحمن الرحيم (- ((- - - - ({-} (2) , وقد قال مالك: إذا ظاهر الرجل من أمته فهو مظاهر فهذا يدلك على أن الذي آلى من تلك المرأة وليست له بزوجة ثم تزوجها بعد ذلك أنه مول منها في قول مالك, وقد قال الله تعالى: {(تمهيد (- رضي الله عنهم - -} تم بحمد الله (- - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (المحتويات (- ((- - - - (-} (3) فلا يجوز أن يطأ أم جارية له قد وطئها بملك (4). (1/123)
صفحة 123
__________
(1) بيان الشرع 54/ 383, المصنف38/ 105, منهج الطالبين16/ق2/ 94.
(2) سورة المجادلة:2.
(3) سورة النساء:23.
(4) المدونة الكبرى 5/ 156 - 157
وقال ابن شاس -من المالكية-: "ولو قال لأجنبية: والله لا أجامعك
إلى سنة ثم نكحها قبل مضي ثمانية أشهر صار موليا (1).
وحكى كلامه العبدري في شرحه على مختصر خليل وسكت عليه (2).
وأما الحنفية فلا يثبت الإيلاء عندهم من أجنبية ولو تزوجها من بعد إلا إن علقه على زواجه بها, قال الكاساني: وعلى هذا يخرج ما إذا قال لأجنبية والله لا أقربك ثم تزوجها أنه لا يصير موليا في حق حكم البر حتى لو مضت أربعة أشهر فصاعدا بعد التزويج ولم يفيء إليها لا يقع عليها شيء لانعدام الملك والإضافة إلى الملك، ولو قربها بعد التزوج أو قبله تلزمه الكفارة لانعقاد اليمين في حق الحنث.
ولو قال لها: إن تزوجتك والله لا أقربك فتزوجها صار موليا عندنا لوجود الملك عند التزوج, واليمين بالطلاق يصح بالملك أو مضافا إلى الملك وهاهنا وجدت الإضافة إلى الملك فيصير موليا بخلاف الفصل الأول (3) , ونقل ابن قدامة عن الشريف أبي جعفر أنه قال: وقد قال أحمد: يصح الظهار قبل النكاح لأنه يمين فعلى هذا التعليل يصح الإيلاء قبل النكاح والمنصوص أنه لا يصح (4). (1/124)
صفحة 124
والجمهور على أن الإيلاء لا يكون إلا من زوج وقد سبق ما يدل عليه وهذا هو القول الصحيح وإن كان الحنث واقعا بوطئه إياها بعد الزواج إن لم يقيد يمينه لفظا أو قصدا هذا ما ظهر لي أولا غير أني راجعت فيه نفسي فاتضح لي أنه إن ترك وطأها بعد زواجه بها من غير عذر إلا احتراسا من الحنث في يمنيه انطبق عليه حكم الإيلاء لأنما مشروعيته لرفع الضرر عن المرأة ولا ريب في تضررها بهذا.
__________
(1) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة 2/ 215
(2) التاج والإكليل لشرح مختصر خليل 4/ 126.
(3) بدائع الصنائع 4/ 1952, ويراجع في هذا المبسوط للسرخسي 7/ 31, وحاشية ابن الهمام 4/ 175, وحاشية ابن عابدين 5/ 58، والبحر الرائق 4/ 64.
(4) المغني 8/ 522
وأما المطلقة الرجعية فلأنها لم تنفصل علاقته الزوجية بها نهائيا يلحقها إيلاؤه وهذا ما لم أجد فيه خلافا إلا ما نقله ابن قدامة عن ابن حامد أنه ذكر رواية عن أحمد أنه لا يصح الإيلاء منها لأن الطلاق يقطع منه الإيلاء إذا طرأ فَلَأَنْ يمنع صحته ابتداء أولى, وزاد بأنها زوجة يلحقها الطلاق فصح منها الإيلاء كغير المطلقة (1) , وذكر ابن الهمام اتفاق الأئمة الأربعة على ثبوت الإيلاء من المطلقة الرجعية (2). (1/125)
صفحة 125
}}
المبحث الثاني: في إيلاء غير البالغ
لا يعتد بإيلاء غير البالغ لعدم تكليفه وإنما ذكر قطب الأئمة -رحمه الله- في شرحه على النيل ثبوت ظهار من ناهز الاحتلام ثم قال:"وهو مشهور المالكية" (3) ثم أحال حكم الإيلاء على ما ذكره في الظهار حيث قال: "وفي إيلاء المجنون والطفل والعبد والكافر ما مر في الظهار كله" (4).
ولم أجد نصا لمالك في هذا, والذي نص عليه أصحابه أنه لا إيلاء إلا من المكلف ففي عقد الجواهر الثمينة لابن شاس ما نصه:"المولي هو كل زوج مسلم مكلف يتصور منه الوقاع" (5) ونحوه ما في مختصر خليل وشروحه (6) , وقال الباجي: وإذا آلى الصبي الذي لم يبلغ الحلم فلا يلزمه الآن ولا بعد البلوغ وليس بمول ووجه ذلك أن الإيلاء يمين والأيمان لا تنعقد منه (7).
وإنما ذكر المرداوي خلاف الحنابلة في ثبوت إيلاء الصبي المميز (1/126)
صفحة 126
__________
(1) المغني 8/ 523, الشرح الكبير 8/ 528
(2) حاشية ابن الهمام (شرح فتح القدير) 4/ 181
(3) شرح النيل 7/ 93.
(4) المرجع السابق 181.
(5) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة 2/ 215.
(6) يراجع مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب, والتاج والإكليل لمختصر خليل للعبدري 4/ 125 - 126.
(7) المنتقى 4/ 27.
وصحح من المذهب -أي مذهب الحنابلة- ثبوت إيلائه ونص ما قاله:"إن كان غير مميز لم يصح إيلاؤه , وإن كان مميزا صح إيلاؤه على الصحيح من المذهب جزم به في الفروع وغيره, قال في "الهداية" و"المذهب" و"مسبوك الذهب" و"المستوعب" و"الخلاصة" و"الرعايتين" و"الحاوي" وغيرهم، يصح من كل زوج يصح طلاقه, واختار المصنف أنه لا يصح إيلاء الصبي ولا ظهاره, ذكره في هذا الكتاب في كتاب الظهار على ما يأتي, قال في القواعد الأصولية في القاعدة الثانية: وإذا قلنا يصح طلاقه فهل يصح ظهاره وإيلاؤه أم لا, الأكثرون من أصحابنا على صحة ذلك, وحكى كلام المصنف ثم قال: قلت: وحكى في المذهب في انعقاد يمينه وجهين انتهى, والوجهان إنما هما مبنيان على صحة طلاقه وعدمها كما صرح بذلك في الهداية والمستوعب فإنهما لما حكيا الوجهين وأطلقاهما قالا بناء على طلاقه, وقد حكى الوجهين في الخلاصة من غير بناء وهو وصاحب المذهب تابعان لصاحب الهداية وقدم الزركشي أنه لا يصح إيلاؤه وإن صح طلاقه (1).
ومراده بالمصنف ابن قدامة فقد نص في "المقنع" على عدم صحة إيلاء الصبي وهو الذي اقتصر عليه في المغني وعلله بأن القلم مرفوع عنه وأنه قول تجب بمخالفته كفارة أو حق فلم ينعقد منه (2) , وتابعه صاحب الشرح الكبير (3). (1/127)
صفحة 127
والصحيح أن الصبي لا يعتد بتصرفاته ولا يؤاخذ بأقواله لارتفاع القلم عنه فلا عبرة بطلاقه ولا بإيلائه وظهاره وإنما يطلق عليه وليه لمصلحة يراها وليس الإيلاء من المصلحة في شيء فلا يعتد بصدوره منه ولا من وليه.
ولكن يؤمر بالوطء إن بلغ فإن امتنع لغير عذر إلا الاحتراس عن مخالفته ما حلف عليه سواء أكان يتوهم وجوب الحنث عليه أم لا فالظاهر أنه ينطبق عليه حكم الإيلاء وذلك لدفع الضرر عن المرأة. (1/128)
صفحة 128
بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم
المبحث الثالث: في إيلاء العبد
__________
(1) الإنصاف للمرداوي 9/ 182 - 183
(2) المغني 8/ 523
(3) الشرح الكبير 8/ 531
ذهب أصحابنا إلى عدم ثبوت إيلاء العبد إلا بإذن سيده لأن تصرفاته جميعا مرهونة بإقرار سيده لها.
قال أبو الحسن البسيوي: ولا طلاق للعبد ولا ظهار ولا إيلاء إلا بإذن مولاه (1).
وقال قطب الأئمة -رحمه الله-: " ولا طلاق ولا مراجعة ولا ظهار ولا إيلاء ولا فداء إلا بإذن سيده" (2).
وهو الذي يدل عليه قوله تعالى: " {- - - عليه السلام - - - ((- - - (- - - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - - جل جلاله - - (تمهيد - رضي الله عنه - (- - - قرآن كريم (- (-} تم بحمد الله - صدق الله العظيم (- (- ({- رضي الله عنه - - - - فهرس - - رضي الله عنه - (- (((- (} (3).
أما ما في "بيان الشرع" و"المصنف" و"الضياء" و"منهج الطالبين" " (4) من نقل الخلاف في مدة إيلاء العبد فلعله محمول على إذا ما أقره سيده أو أذن له (1/129)
صفحة 129
بأن يولي, ويحتمل أن يكون في المذهب قول آخر بثبوت إيلائه وإن لم يأذن له به سيده ولم يتمه وهو ظاهر ما في المنهج إذ أتبع ما تقدم بقوله:" وقول لا يجب إيلاء العبيد كما لا يجب طلاقهم لقول الله تعالى: {- - جل جلاله - - (تمهيد - رضي الله عنه - (- - - قرآن كريم (- (-} تم بحمد الله - صدق الله العظيم (- (- ({- رضي الله عنه - - - - فهرس - - رضي الله عنه - (- (((- (} " (5).
__________
(1) جامع أبي الحسن البسيوي 3/ 120.
(2) شرح النيل 7/ 93.
(3) سورة النحل: 75.
(4) يراجع بيان الشرع 52/ 383, المصنف 38/ 119, الضياء 10/ 68, منهج الطالبين 16/ ق2/ 94, 95.
(5) منهج الطالبين (المرجع السابق) ص 94, 95.
وأما الحنفية فإنهم يفرقون في العبد بين أن يكون إيلاؤه بما تلزمه به كفارة أو تلزمه به عبادة وبين ما يجب عليه به مال من عتق أو صدقة ففي "بدائع الصنائع" للكاساني ما نصه:" وأما حرية المولي فليس بشرط لصحة إيلائه بالله تعالى, ومما لا يتعلق بالمال حتى ولو قال العبد لامرأته والله لا أقربك, أو قال: إن قربتك فعلي صوم أو حج أو عمرة أو امرأتي طالق يصح إيلاؤه حتى لو لم يقربها تبين منه في المدة ولو قربها ففي اليمين بالله تعالى تلزمه الكفارة بالصوم , وفي غيرها يلزمه الجزاء المذكور, لأن العبد أهل لذلك وإن كان يحلف بما يتعلق بالمال بأن قال: إن قربتك فعلي عتق رقبة أو علي أن أتصدق بكذا لا يصح لأنه ليس من أهل ملك المال (1).
وقال السرخسي: وإذا حلف العبد بالعتق أو الصدقة أنه لا يقرب امرأته لا يكون مولياً لأنه يملك قربانها من غير أن يلزمه شيء فإنه لا عتق في ما لا يملكه ابن آدم , ومراده من الصدقة أن يلتزم الصدقة بعينه بمال وهو لا (1/130)
صفحة 130
يملك ذلك المال فيكون التزامه التصدق به لغوا "قال": وإن حلف بحج أو صوم أو طلاق أو ما أشبه ذلك كان مولياً لأن التزام هذه الأشياء صحيح منه كما يصح من الحر فإذا علقها بالقربان فهو لا يملك قربانها في المدة إلا بشيء يلزمه, وعلى هذا لو علق بالقربان التزام الصدقة في ذمته (2). ومثل هذا ما في حاشية ابن عابدين (3). وفي هذا التفريق نظر فإن العبد مشغول بطاعة سيده وخدمته وفي حجه واعتماره تفويت لذلك على أنه لا بد له فيهما من نفقة وهو لا يملكها بنفسه فإن قالوا بأنه يجب عليه ذلك في ذمته ويتعين عليه بعتقه فجوابه أنه لا فرق بين هذا وبين الصدقة والعتق فلماذاأسقطوهما عنه ولم يجعلوهما متعلقين بذمته إلى وقت عتقه وأوجبوا عليه الحج والاعتمار.
__________
(1) بدائع الصنائع 4/ 1960.
(2) المبسوط 7/ 35.
(3) حاشية ابن عابدين 5/ 60.
أما الحنابلة فيصح عندهم إيلاء العبد كما يصح من الحر قياسا عليه ولدخوله في عموم الآية كما نص عليه صاحب الشرح الكبير (1). وهو الذي يفهم من كلام صاحب المغني حيث قال: ويصح الإيلاء من كل زوج مكلف قادر على الوطء (2) وهو الذي قالته الشافعية (3).
وإن وقع إيلاء من العبد بإذن سيده عند من يشترط إذنه لثبوت إيلائه (1/131)
صفحة 131
أو ولو لم يأذن عند من لا يشترط ذلك فهل تكون مدته كمدة إيلاء الحر أو على النصف منها أو أن العبرة في هذا بالمرأة لا بالرجل فإن كانت المولى منها أمة فمدتها شهران سواء كانت تحت عبد أو حر وإن كانت حرة فهي أربعة أشهر وإن كان زوجها الذي آلى منها عبدا في ذلك خلاف, فقيل لا فرق بين الأرقاء والأحرار في هذا لعدم تفريق النص بينهم وهو قول جمهور الأمة وعليه الشافعي وأصحابه ففي "الأم" ما نصه: " وسواء في ذلك الحر والعبد ومن لم تكمل فيه الحرية -إلى أن قال- وإنما سويت بين الحر والعبد فيه أن الإيلاء يمين جعل الله تبارك وتعالى لها وقتا دل جل ثناؤه على أن على الزوج إذا مضى الوقت أن يفئ أو يطلق فكان الحر والعبد في اليمين سواء" (4).
__________
(1) الشرح الكبير 8/ 533.
(2) المغني 8/ 523.
(3) يراجع كتاب الأم 3/ 271 , الحاوي 10/ 383 , المجموع 17/ 288 - 289 , تحفة المحتاج بشرح المنهاج وحواشي الشرواني وابن قاسم العبادي 10/ 287.
(4) الأم 5/ 271.
وهذا هو الذي نص عليه أصحابه كما في "الحاوي" و"المنهاج" وشروحه وحواشيه (1). وعليه الحنابلة كما هو منصوص عليه في "المغني" و"الشرح الكبير" و"الإنصاف" (2). وقاله ابن حزم الظاهري (3) وذكر قطب الأئمة -رحمه الله- أنه هو مذهبنا (4) واقتصر غيره على نقل الخلاف كما في "بيان الشرع" و"المصنف" و"الضياء" و"منهج الطالبين" (5) وصدر أبو الحسن (1/132)
صفحة 132
البسيوي بالتفرقة بين حكم الحرة والأمة كما سيأتي إن شاء الله.
وذهب مالك وأصحابه إلى أن إيلاء العبد مدته نصف مدة إيلاء الحر سواءً كان تحته حرة أو أمة قال في "المدونة ": "قلت: أرايت لو أن رجلاً حراً وتحته مملوكة آلى منها كم أجل إيلائه هذا من هذه الأمة في قول مالك؟
قال: قال مالك: "كل حر آلى من أزواجه حرائر كن أو إماء مسلمات أو مشركات من أهل الكتاب حرائر فأجل إيلائه أربعة أشهر ولا ينظر في ذلك إلى النساء وكذلك كل عبد آلى من نسائه وتحته حرائر وإماء مسلمات أو مشركات حرائر من أهل الكتاب فأجل إيلائه شهران وإنما ينظر في هذا إلى حال الرجال لا إلى حال النساء" قال مالك: " لأن الطلاق على الرجال والعدة على النساء فكذلك أجل الإيلاء للرجال.
__________
(1) ينظر الحاوي 10/ 383 وتحفة المحتاج بشرح المنهاج مع حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي 10/ 287.
(2) المغني 8/ 527 , الشرح الكبير 8/ 533 , الإنصاف 9/ 183 , 184.
(3) المحلى 11/ 251 , 252.
(4) شرح النيل 7/ 181.
(5) ينظر بيان الشرع 52/ 383 , المصنف 38/ 119, الضياء 10/ 68, منهج الطالبين 16 (ق2) =
= 94, 95.
قلت: أرايت إذا آلى منها وهو عبد وهي أمة فوقفته بعد الشهرين فلم يفئ فطلقها عليه السلطان ثم أعتقت وهي في عدتها أتنتقل إلى عدة الحرائر ويملك الزوج الرجعة في ذلك أم لا؟ قال مالك: في الأمة إذا أعتقت وهي في عدتها من طلاق يملك الزوج الرجعة أو لا يملك الزوج الرجعة إنها تبني على عدتها عدة الأمة ولا تنتقل إلى عدة الحرائر لأن العدة قد لزمت الأمة حين طلقها ولا يلتفت في ذلك إلى العتق فكذلك مسألتك. (1/133)
صفحة 133
قلت: أرأيت لو أن عبداً على أمة أو على حرة آلى منها فلما مضى
شهر عتق العبد فمضى شهر آخر فأرادت امرأته أن توقفه بعد مضي الشهرين من يوم آلى فقال الزوج أنا حر ولي أربعة أشهر؟ قال مالك: في عبد طلق امرأته تطليقة وهي حرة أو أمة ثم أعتق بعد ذلك إنه إنما بقي من طلاقه تطليقة واحدة قال مالك: الإيلاء للرجال لأن الطلاق للرجال فأرى هذا قد لزمه الإيلاء وهو عبد فأعتق بعد ذلك فلا يلتفت إلى حاله التي تحول إليها بعد العتق لأن الإيلاء قد لزمه وهو عبد فأجله في الإيلاء أجل عبدٍ ألا ترى أن مالكا قال إنما بقي من طلاقه تطليقة فهذا يدلك على قول مالك أو لا ترى أن مالكا قال في الأمة يطلقها زوجها فتعتد بعض عدتها ثم تعتق إنها لا تنتقل إلى عدة الحرائر لأن العدة قد لزمتها يوم طلقها زوجها وهي أمة فكذلك مسألتك" (1).
ونص أصحاب مالك على أن مدة إيلاء العبد هي نصف مدة إيلاء الحر (2).
وبقول مالك قال عطاء والزهري وإسحاق وهو رواية عن أحمد وبها أخذ أبو بكر من أصحابه (3) وذكر المرداوي عن أبي طالب أن الإمام (1/134)
صفحة 134
أحمد رجع إليه وأنه قول التابعيين كلهم إلا الزهري وحده واختاره أبو بكر
عبدالعزيز (4).
__________
(1) المدونة الكبرى 5/ 173 , 174.
(2) ينظر مختصر خليل وشرحه التاج والإكليل للعبدري 4/ 126 وينظر أيضا الموطأ وشرحه المنتقى للباجي 4/ 37.
(3) المغني 8/ 527 الشرح الكبير 8/ 533
(4) الإنصاف 9/ 184.
وما نقله عن التابعين خلاف المشهور عنهم والعجيب أنه نسب إلى الزهري خلاف المنقول عنه ولا أراه إلا أنه اختلطت عنده الأقوال فانقلبت عنده نسبتها إلى قائليها.
وذهب الحنفية إلى أنه لا يفرق بين الحر والعبد في الإيلاء وإنما يفرق بين الحرة والأمة فأمد الحرة وإن كانت تحت عبدٍ أربعة أشهر وأمد الأمة شهران وإن كانت تحت حر وقد نص عليه في المبسوط وبداية المهتدي وشرحه الهداية وحاشية ابن الهمام عليه وملتقى الأبحر وشرحيه مجمع الأنهر والدر المنتقى وكنز الدقائق وشرحه البحر الرائق , وتنوير الأبصار , وشرحه الدرالمختار, وحاشيته رد المحتار (1). قال ابن نجيم في البحر الرائق على أثر قول صاحب الكنز "ومدة إيلاء الأمة شهران": "لأن الرق منصف أطلقه فشمل ما إذا كان الزوج حراً أو عبداً ذكره الإسبيجابي ولا يرد عليه الإيلاء من أمته لأن شرطه المحلية وهي بالزوجية كما قدمناه ولو طلقها زوجها بعد الإيلاء رجعياً أو بائنا ثم أعتقت في المدة انتقلت المدة إلى مدة إيلاء الحرائر (1/135)
صفحة 135
ذكره الإسبيجابي وفي الجامع الكبير للصدر الشهيد تحته حرة وأمة حلف لا يقرب إحداهما ومضى شهران بانت الأمة لسبق مدتها فلو عتقت قبلها كملت مدتها وكذا لو أبانها ثم عتقت بخلاف العدة فلو مضت مدة أخرى بانت الحرة وعن أبي يوسف لا وتتعين له الأمة كالحنث فإن تزوجها بعد البينونة عاد إيلاؤها وكذا هما لكن إن رتب بانت الأولى عند تمام مدتها من وقت العقد والثانية من مدة ثانية بخلاف ما لو بانت قبلها وقال لامرأته وأمته والله لا أقرب إحداكما لم يكن مولياً وكذا لو أعتق الأمة ثم تزوجها ومن وطئها كفر ويمكنه تركه كالأجنبية بخلاف
__________
(1) يراجع المبسوط 7/ 33 والبداية والنهاية وشرح فتح القدير حاشية ابن الهمام 4/ 183, ملتقى الأبحر وشرحاه مجمع الأنهر والدر المنتقى 2/ 94, كنز الدقائق وشرحه البحر الرائق 4/ 66, تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشيته رد المحتار لابن عابدين 5/ 61
واحدة منكما لعمومه (1).
ولعل بعض أصحابنا يأخذ في هذه المسألة بقول الحنفية فيجعل مدة الإيلاء من الأمة شهرين وهذا الذي يفهم مما قاله الإمام نورالدين السالمي رحمه الله في جوهره بل يرشح من كلامه أن النظر يؤيده وإن كان الأكثر على خلافه ونص قوله:
ونصفها قد قيل في الإماء ... وقيل بل كسائر النساء
وهو من العموم في الأساس ... وأول القولين بالقياس
ومقتضى العموم هو الأكثر ... وغيره دل عليه النظر (2) (1/136)
صفحة 136
.
...
القول الراجح
__________
(1) البحر الرائق شرح كنز الدقائق 4/ 66 , 67.
(2) جوهر النظام 2/ 317.
من الواضح بداهة أن الذين فرقوا بين العبيد والأحرار أو بين الإماء والحرائر في حكم الإيلاء بنوا تفرقتهم على ما رأوه من القياس أما الذين لم يفرقوا فقد أخذوا بعموم الآية الكريمة ومن المعلوم أن القياس عندما يستوفي شرائطه فيرقى إلى كونه حجة يصلح لتخصيص الأدلة الشرعيه عند أكثر الأصوليين ولكن هذا القياس هنا لم يبلغ من القوة ما يؤهله لأن يكون حجة يعتد بها سواءً قياس من فرق بين العبيد والأحرار ومن فرق بين الإماء والحرائر لأن أصله لم يكن نصاً يعتمد عليه ولا إجماعا يعتد به وإنما هو قياس على رأي قاله من قاله ولئن كان بعض تلك الأراء مبنياً على رواية فإنها لم تخل من مقال عند علماء النقد لذلك اختلف في التعويل عليها فلذلك لا أرى وجها لترك ما دلت عليه الآية بعمومها استنادا إلى مثل هذه الأقيسة الضعيفة على أن هذا العموم يقوى بالنظر فمن المعلوم أن مشروعية حكم الإيلاء لطف ورحمة من الله تعالى بالنساء فقد أراد الله به رفع الضرر عنهن فلا تذهب بحقوقهن العواطف الرعناء التي تعرض لأزواجهن فيقسمون بأن يحرموهن من متعة الوصال بينهم وبينهن وقد جعل الله في هذه المدة إمهالا للأزواج لعلهم يراجعون فيها أنفسهم فيرجعون إليهن بعد أن يثوب إليهم رشدهم ويتبين لهم خطأ ما قالوا وما نووا على أن الدافع إلى (1/137)
صفحة 137
ارتكاب هذا الأمر قد لا تبرأ المرأة من تبعته إن كانت هي التي هيجت عواطف زوجها فألجأته إلى أن يقول ما قال فكان في إمهاله المدة التي حددها القرآن ما يدعوها إلى مراجعة نفسها وترويضها على ما فيه مصلحتها ومصلحة بعلها ولم يكن تحديد هذه المدة إلا بحسب ما علم الله تعالى من فطرتها فإنها أقصى مدة يمكن للمرأة فيها أن تصبر عن معاشرة زوجها , كما تدل على ذلك قصة الفاروق – رضي الله عنه – مع المرأة التي سمعها في جنح الليل تنشد أبياتاً تعبيراً عن مشاعرها وآلامها بوحدتها وبعد شريك حياتها عنها فسأل رضي الله عنه النساء عن أقصى مدة يمكن
للمرأة فيها الصبر عن زوجها فأجبنه بما يتفق مع هذه المدة التي حددها القرآن وستأتي القصة إن شاء الله في موضعها.
ولئن كان مما اتضح بهذا أن هذه المدة حددت بناء على ما هو راسخ في طبائع النساء فإنه مما يتبادر بداهة أنه لا أثر للحرية والرق في ذلك فلا تكون الأمة أقل صبرا وأحوج إلى معاشرة الزوج من الحرة كما لا تكون أيضا حليلة العبد أحوج إلى عشرته من حليلة الحر لأن الطبيعة الأنثوية واحدة لا تفاوت فيها بين الحرائر والإماء ولا بين نساء الأحرار ونساء العبيد فغريزة هذه كغريزة تلك وعاطفتها كعواطفها فلماذا هذا التفريق!؟
وهذا الذي لاحظه الماوردي حيث قال ردا على مالك وأبي حنيفة: فأما اعتبار مالك بالطلاق فلا يصح لأن الطلاق إزالة ملك والحر والعبد يختلفان في الملك فاختلفا في إزالته ومدة الإيلاء موضوعة لرفع الضرر لا (1/138)
صفحة 138
لإزالة الملك والضرر يستوي فيه الحر والعبد فاستويا في مدة إزالته.
وأما أعتبار أبي حنيفة بالعدة فلا يصح لأن في العدة استبراءً وتعبداً فالإستبراء بقرءٍ واحد تشترك فيه الحرة والأمة والقرآن الزائدان تعبدٌ تختلف فيه الحرة و الأمة كالحدود فاختصت الأمة بنصفه وهو أحد القرأين فصارت عدتها تعبداً واستبراءَ قرأين ومدة الإيلاء موضوعة لما ذكرنا من رفع الضرر الذي يستوي فيه الحرية والرق (1).
ولابن قدامة تحرير في ذلك جاء فيه بأن ما قالوه يبطل بمدة العدة ويخالف مدة العدة لأن العدة مبنية على الكمال بدليل أن الاستبراء يحصل بقرءٍ واحد وأما مدة الإيلاء فإن الاستمتاع بالحرة أكثر وكان ينبغي أن تتقدم مطالبتها مطالبة الأمة والحق على الحر في الإستمتاع أكثر منه على العبد فلا تجوز الزيادة في مطالبة العبد عليه (2). (1/139)
صفحة 139
[صفحة بيضاء] (1/140)
صفحة 140
- - -
المبحث الرابع في إيلاء غير المسلم
__________
(1) الحاوي الكبير 10/ 384
(2) المغني 8/ 527
لا فرق عند الشافعية والحنابلة في الإيلاء بين المسلم وغيره, قال الشافعي في "الأم": "والذمي كالمسلم فيما يلزمه من الإيلاء إذا حاكم إلينا, لأن الإيلاء يمين تلزمه, وطلاقه كطلاق المسلم, وكذلك يلزمه من اليمين ما يلزم المسلمين, ألا ترى أنه لو أعتق عبده أو أصاب امرأته ألزمناه الإيلاء, لأن العتق حق لغيره وإن لم يؤجر فيه, وإن أعتق عبده تبرراً ألزَمناه , وإن لم يؤجر فيه في حالِهِ تلك, فكذلك ما سواه , وفرض الله عز وجل على العباد واحد" (1).
وقال ابن قدامة: "ويصح إيلاء الذمي , ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضو إلينا, وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وإن أسلم لم ينقطع حكم إيلائه " (2).
أما مالكٌ فقد جاء عنه في المدونة ما نصه: "قلتُ: أرايت إيلاء الذمي إذا حلف بعتق أو بطلاق أو بالله أو بصدقة ما يملك أو بغير ذلك من الأيمان ألا يقرب امرأته فأسلم أيكون موليا أم لا؟ قال مالك: لا يكون (1/141)
صفحة 141
مولياً إذا أسلم سقط عنه هذا كله , ألا ترى أن طلاقه لا يلزمه؟ فكذلك إيلاؤه , لأن الإيلاء يجر إلى الطلاق " (3)
وهذا الذي يفهم من كلام أصحابه, ففي عقد الجواهر الثمينة لابن شاس أن المولى هو كل زوج مسلم مكلف يتصور منه الوقاع (4). وبهذا قال خليل في مختصره, وأقره شارحاه الحطاب والعبدري (5).
__________
(1) الأم 5/ 274. ويراجع: الحاوي الكبير للماوردي 10/ 404 - 405 والمنهاج وشرحه تحفة المحتاج وحواشي الشرواني وابن قاسم العبادي عليه 10/ 319.
(2) المغني 8/ 524 وينظر الشرح الكبير 8/ 530 - 531.
(3) المدونة الكبرى 5/ 174.
(4) عقد الجواهر الثمينة 2/ 215.
(5) مواهب الجليل بشرح مختصر خليل , والتاج والإكليل لمختصر خليل 4/ 125.
هذا, واختلف أبو حنيفة وصاحباه في إيلاء المشرك إن كان قسما بالله فعنده يثبت إيلاؤه, وعندهما بخلافه ولفقهاء الحنفية تفصيل فيما يثبت به إيلاؤه ومالا يثبت, قال الكاساني منهم: "وأما إسلام المولي فهل هو شرط لصحة الإيلاء؟ فنقول: لا خلاف في أن الذمي إذا آلى من امرأته بالطلاق أو العتاق أنه يصح إيلاؤه, لأن الكافر من أهل الطلاق والعتاق , ولا خلاف أيضا في أنه إذا آلى بشيء من القرب كالصوم والصدقة والحج والعمرة بأن قال لامرأته: إن قربتك فعلي صوم أو صدقة أو حجة أو عمرة أو غير ذلك من القرب لا يكون موليا, لأنه ليس من أهل القربة , فيمكنه قربانه امرأته من غير شيء يلزمه فلم يكن مولياً, وكذا إذا قال لامرأته: إن قربتك فأنت علي كظهر أمي, أو: فلانة علي كظهر أمي، لم يكن موليا لأن الكفر يمنع صحة الظهار عندنا, وإذا لم يصح يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه , فلا (1/142)
صفحة 142
يكون موليا, واختلف فيما إذا آلى بالله تعالى , فقال: والله لا أقربك , تنعقد موجبة للكفارة على تقدير الحنث عند أبي حنيفة يكون موليا, وقال أبو يوسف ومحمد لا يكون موليا.
وجه قولهما أن اليمين بالله تعالى لا تنعقد من الذمي كما في غير الإيلاء , والجامع بينهما أن اليمين بالله تعالى تنعقد موجبة للكفارة على تقدير الحنث , والكافر ليس من أهل الكفارة.
ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-} من غير تخصيص المسلم, ولأن الإيلاء بالله يمين يمنع القربان خوفا من هتك حرمةِ اسم الله عزو جل, والذمي يعتقد حرمة اسم الله تعالى , ولهذا يستحلف على الدعاوى كالمسلم, ويتعلق حل الذبيحة بتسميته كما يتعلق بتسمية المسلم, فإنه إذا ذكر اسم الله عليها أكلت , وإن ترك التسمية لم تؤكل, فيصح إيلاؤه كما يصح إيلاء المسلم, وإذا صح إيلاؤه بالله تعالى تثبت أحكام الإيلاء في حقه كما تثبت في حق المسلم, إلا أنه لا يظهر في حق حكم الحنث وهو الكفارة, لأن الكفارة عبادة وهو ليس من أهل العبادة, فيظهر في حق حكم البر وهو الطلاق لأنه من أهله" (1).
أما أصحابنا فلم أجد لهم نصا في هذا , إلا ما ذكره صاحب (1/143)
صفحة 143
"النيل" -رحمه الله تعالى- في الظهار من تقييده إياه بأن يصدر من مسلم (2).
وللإيلاء حكم الظهار في كثير من الأحكام , وقد تعقبه قطب الأئمة رحمه الله بما يفيد أنه لا وجه لهذا التقييد (3).
ولئن كان الإيلاء ينظر فيه إلى ما ينتهى إليه من الطلاق, وأنه لا يثبت ممن لا يصح طلاقه , فإن لعلماء المذهب رأيين في طلاق المشرك, منهم من يعتد به على الإطلاق, ومنهم من لا يراه شيئا إن تمت بعده المراجعة ثم أسلم الزوجان, لأن الإسلام جبٌ لما قبله, فيستأنفان ثلاث طلقات من جديد. وقد وضحت هذه المسألة بأدلتها في بعض الفتاوى (4).
وهناك قول ثالث ذكره العلامة أبو الحسن البسيوي , وهو أنه يعتد بطلاقه إن كان الطلاق ثابتا في ملته (5).
__________
(1) بدائع الصنائع 4/ 1960 - 1961. ويراجع: المبسوط للسرخسي 7/ 35 - 36 وتنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشيته رد المحتار 5/ 60.
(2) ينظر النيل وشرحه 7/ 92.
(3) المرجع السابق 92 - 93.
(4) يراجع كتاب فتاوى النكاح للمؤلف ص 295 - 299.
(5) جامع أبي الحسن البسيوي 3/ 27.
وبناء على هذا يمكننا أن نفهم أن في ا لمذهب خلافا في إيلاء غير المسلم هذا وقد استدل القائلون بعدم ثبوت إيلاء المشرك بما اختتمت به آية الإيلاء, وهو قوله تعالى: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} فإن غير المسلم لا يتوجه إليه الخطاب بالمغفرة والرحمة. (1/144)
صفحة 144
أما القائلون بثبوت إيلائه فهم ناظرون إلى عموم الآية إذ لم يخص فيها مسلمٌ دون غيره, ومن ناحية ثانية فإن من ثبت عليه حكم القسم إن أقسم بغير الله بناء على معتقده فإنه أحرى أن يثبت عليه حكمه إن أقسم بالله تعالى, على أن كثيراً من الأحكام يكون النص عليها في المؤمنين مع انطباق حكمها على غيرهم, كقوله تعالى: {- {- - - - صلى الله عليه وسلم - - ((- رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - (((- {- - -} - (قرآن كريم (- - رضي الله عنه - تم بحمد الله - - عليه السلام - (- - - ({(بسم الله الرحمن الرحيم (- (- - - - رضي الله عنه - الله أكبر (تمهيد (- - جل جلاله - (تم بحمد الله (- (- (- - - - بسم الله الرحمن الرحيم (بسم الله الرحمن الرحيم - صدق الله العظيم (- قرآن كريم (- (- ({(- - (صدق الله العظيم (تم بحمد الله (- (تمهيد - - تمت - صلى الله عليه وسلم - - - ((- قرآن كريم - - - رضي الله عنهم - - - - - - رضي الله عنهم - - - ((المحتويات (- - - - صدق الله العظيم (- (- فهرس - - رضي الله عنه - ((صدق الله العظيم (تم بحمد الله - - - - ((- {- - رضي الله عنه - - - صلى الله عليه وسلم - - - - رضي الله عنه - - ((- -} (1).
وهو ينطبق على ما إذا كانت الذمية حليلة المسلم , فطلقها قبل المسيس أو كان النكاح بين المشركين أنفسهم فكذلك حكم آية الإيلاء.
__________
(1) الأحزاب: 49.
ويمكن أن يحمل صدر الآية على شمول حكمها للمسلم وغيره, ويكون آخرها خاصا بالمسلمين, كما يمكن أن يحمل آخرُها على ما يحمل عليه أولها بشمول مدلولها لغير المسلم, ويكون معنى ذلك أن الله تعالى لا يؤاخذ المشرك بما ارتكبه بإيلائه إن فاء ,و إنما يؤاخذه بسائر جرائره, فهذا غفران خاص لجزئية من جزئيات أعماله (1). (1/145)
صفحة 145
القول الراجح
تبين مما سبق أن الإيلاء إنما شرع حكمه في الإسلام لرفع المضره عن المرأة ومن الواضح بداهة أن عدالة الإسلام تشمل المؤمن والكافر, وعليه فلا وجه لحصر حكم الإيلاء فيما إذا كان المولي مسلما, فإن غير المسلم مطالبٌ بالحق إن كان في ظل دولة الإسلام, على أن الصحيح كون المشركين مخاطبيين بفروع الشريعة كالمسلمين، وعدم مؤاخذتهم بشيء مما قارفوه في شركهم إن أسلموا لا يعني إسقاط الأحكام المتعلقة بخطاب الوضع عنهم, لذلك يعتد بعقودهم, ويطالبون بالتزاماتهم في المعاملات من بيعٍ ورهنٍ ونكاحٍ وقد بينت في جوابي عن طلاق المشرك أن الصحيح ثبوت طلاقه كنكاحه, فإن أسلم وقد طلق قبل إسلامه طلقة أو طلقتين اعتُد بذلك في الإسلام , وعليه فإنه لا مناص عن الاعتداد بإيلائه والحكم عليه بما يحكم به على المسلم إن مضت مدة الإيلاء وهي أربعة أشهرولم يفئ ويقويه ما أمر الله به من الحكم بين غير المسلمين. بما أنزل الله حيث قال: {(تمت - صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - المحتويات (- (مقدمة - - المحتويات (- - عليه السلام - - (- - رضي الله عنه - - - - - رضي الله عنهم - - (- - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - - الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - (- - - - صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (((- (- - - (المحتويات (- - عليه السلام - (- - - عليه السلام - قرآن كريم (- - صلى الله عليه وسلم - -} (2) وإن
__________
(1) يراجع في هذا: الحاوي الكبير 10/ 405 - 406.
(2) المائدة: 49.
مما أنزل الله حكم الإيلاء كما هو ظاهر. (1/146)
صفحة 146
المبحث الخامس في إيلاء العاجز عن الجماع
اختلف في انطباق حكم الإيلاء إن صدر من العاجز عن الجماع سواء كان خصياً أو مجبوباً أو عنيناً أو كان عجزه طارئا بالشيخوخة أو مرض وحكى الخلاف فيه قطب الأئمة في "شرح النيل" (1). وظاهره أنه خلاف عندنا في المذهب إذ لم يعزه إلى أحد من غيرنا وما في سائر كتبنا يدل على أن العاجز كالقادر في ثبوت إيلائه بدليل ما فيها من بيان كيفية فيئه.
أما من عدا أصحابنا فهم مختلفون في ثبوت إيلائه قال الشافعي في "الأم": " وإذا آلى الخصي غير المجبوب من امرأته فهو كغير الخصي وهكذا لو كان مجبوبا قد بقي له ما يبلغ به من المرأة ما يبلغ الرجل حتى تغيب حشفته كان كغير الخصي في جميع أحكامه وإذا آلى الخصي المجبوب من امرأته قيل له فئ بلسانك لا شيء عليه غيره لأنه ممن لا يجامع مثله وإنما الفئ الجماع وهو ممن لا جماع عليه قال ولو تزوج رجل امرأة ثم آلى منها ثم خصي ولم يجب كان كالفحل ولو جب كان لها الخيار مكانها في المقام معه أو فراقه فإن اختارت المقام معه قيل له إذا طلبت الوقف ففيء بلسانك لأنه ممن لا يجامع "
قال الربيع: إن اختارت فراقه فالذي أعرف للشافعي أنه يفرق بينهم وإن اختارت المقام معه فالذي أعرف للشافعي أن امرأة العنين إذا (1/147)
صفحة 147
اختارت المقام معه بعد الأجل أنه لا يكون لها خيار ثانية والمجبوب عندي مثله.
وقال الشافعي أيضا: " وإذا آلى العنين من امرأته أجل سنة ثم خيرت إلا أن يطلقها عند الأربعة الأشهر فإن طلقها ثم راجعها في العدة عاد الإيلاء عليه وخيرت عند السنة في المقام معه أو فراقه" (2).
__________
(1) شرح النيل 7/ 93.
(2) الأم 5/ 274, 275.
وحكى عنه المزني أنه قال: في الإملاء " ولا إيلاء على المجبوب لأنه لا يطيق الجماع أبداً قال المزني إذا لم نجعل ليمينه معنى يمكن أن يحنث به سقط الإيلاء فهذا القول أولى عندى (1).
وقال الماوردي: " أما الخصي فهو المسلول الأنثيين السليم الذكر فإيلاؤه صحيح كإيلاء الفحل لأنه يقدر على الإصابة كقدرته بل ربما كان جماعه أقوى وأمد لعدم إنزاله وقيل إنه ينزل ماء رقيقا أصفر ولذلك ألحق به الولد فيوقف ثم يطالب بالفيء أو بالطلاق وفيأته بالجماع دون اللسان لقدرته على الإصابة فإن ادعى العنة كان كالفحل إذا ادعاها وهكذا إذا آلى قبل الخصي ثم خصي كان على إيلائه لا يؤثر فيه الخصي لأنه لما لم يؤثر في الإبتداء فأولى أن لا يؤثر في الاستدامة.
ثم قال: قال المزني:" أما المجبوب فهو المقطوع الذكر السليم الأنثيين (1/148)
صفحة 148
والممسوح هو المقطوع الذكر السليم الأنثيين (2) وهم في حكم الإيلاء سواء وله في قطع الذكر حالتان إحداهما أن يقطع بعضه ويبقى ما يولج به فإيلاؤه صحيح كإيلاء الفحل السليم وفيئته بإيلاج الباقي من ذكره إن كان بقدر الحشفة مثل المستحق من إيلاج السليم ويجري الباقي منه مجرى الذكر الصغير فإن كان الباقي منه أكثر من حشفة السليم ففي قدر ما يلزمه إيلاجه فيه وجهان أحدهما جميعه والثاني قدر الحشفة.
والحالة الثانية: أن يقطع جميعه ففيه قولان لا إيلاء عليه قاله في الإملاء لأنه لم يدخل بيمينه ضرراً على زوجته فعلى هذا لا وقف ولا مطالبة
__________
(1) مختصر المزني بشرح الماوردي الحاوي الكبير 10/ 409.
(2) كذا في الأصل والظاهر أنه خطأ لأن الممسوح هو المنزوع الأنثيين كما في اللسان مادة "مسح".
والقول الثاني قاله هاهنا وفي كتاب الأم يكون مولياً لأنه قصد الإضرار بقوله فإن كان عاجزا فصار كقصده الإضرار بفعله كالمريض فعلى هذا يوقف لها مدة التربص ثم يطالب بعدها بالفيئة أو الطلاق إلا أنها فيئة معذور باللسان فيقول لست أقدر على الوطء ولو أقدرني الله عليه لوطئت فيسقط بهذه الفيئة حكم الإيلاء ولم تجب بها الكفارة في أنه لم يحنث.
ثم قال: أما إذا آلى الفحل ثم خصي فهو على إيلائه لأن الخصي لما لم يمنع ابتداء الإيلاء فأولى أن لا يمنع من استدامته فأما إذا آلى ثم جب ذكره فلها خيار الفسخ في الجب من وقته لأنه أحد عيوب الأزواج الموجبة (1/149)
صفحة 149
لاستحقاق الفسخ وسواء كان قد أصابها قبل الجب أو لم يصبها فإنها تستحق به الفسخ بخلاف العنين إذا أصاب قبل العنة حيث لم يجب لها الفسخ لأن إصابة العنين تمنع من صحة عنته وإصابة المجبوب لا تمنع من صحة جبه وإن فسخت بالجب سقط حكم الإيلاء وإن لم تفسخ بالجب ففي سقوط الإيلاء به قولان.
أحدهما: قد سقط إيلاؤه بحدوث الجب إذا قيل إنه يسقط إذا تقدم الجب فعلى هذا يسقط الباقي من مدة التربص ولا يستحق عليه المطالبة بفيئةٍ ولا طلاق.
والقول الثاني: أن إيلاءه لا يسقط إذا تقدم الجب فعلى هذا يستكمل الوقف ثم يطالب بعده بالفيئة أو الطلاق وفيئته فيئة معذور باللسان فإن امتنع منهما طلق عليه الحاكم في أصح القولين كالفحل (1).
وقيد الشيرازي في "المهذب"- وهو من الشافعية- الإيلاء بأن يكون من قادرٍ على الوطء قال شارحه: وأما العاجز عن الوطء فإن كان لعارض مرجو زواله كالمرض والحبس صح إيلاؤه لأنه يقدر على الوطء فصح منه الإمتناع عنه وإن كان غير مرجو الزوال كالجب والشلل لم يصح إيلاؤه لأنها يمين على ترك مستحيل فلم تنعقد كما لو حلف أن لا يقلب الحجارة ذهباً ولأن الإيلاء اليمين المانعة من الوطء وهذا لا يمنعه يمينه فإنه متعذر منه (1/150)
صفحة 150
__________
(1) الحاوي الكبير 10/ 409, 410.
ولا تضر المرأة يمينه (1).
وعلى مثله يدل كلام ابن حجر الهيتمي في شرحه على "المنهاج" وسكت عنه محشياه الشرواني وابن قاسم العبادي (2).
وأما مذهب مالك وأصحابه ففى "المدونة" ما نصه: " قلت: أرأيت الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجماع إذا آلى من امرأته أيوقف بعد الأربعة الأشهر أم لا في قول مالك؟ قال: ما سمعت من مالك في هذا شيئا ولا يوقف إذا لم يستطع الجماع، وإنما الإيلاء على من يستطيع الفيئة بالوطء، ومثل ذلك الخصي الذي لا يطأ يولي من امرأته أيوقف بعد الأربعة أشهر؟ أو الرجل يولي من امرأته ثم يقطع ذكره؟ فهذا كله واحد ولا يكون على واحد منهم توقيف" (3).
ونقل ابن رشد عن ابن القاسم أنه قال: "لا إيلاء على خصي ولا على من لا يقدر على الجماع" (4).
وقال ابن شاس: "ولا يصح إيلاء الخصي والمجبوب وقال أصبغ يصح ولو آلى ثم جب انقطع الإيلاء" (5) (1/151)
صفحة 151
وحكاه عنه العبدري في شرحه على مختصر خليل وأقره (6).
وهو مما يفهم من قول خليل الإيلاء يمين زوج مسلم يتصور وقاعه , قال شارحه الحطاب: "وقوله يتصور وقاعه تصوره ظاهر" (7).
وأما الحنابلة فقد فرقوا بين أن يكون المانع عارضا مرجوا زواله كمرض وحبس فيصح إيلاؤه أو غير مرجو الزوال كالجب والشلل، فلا يثبت إيلاؤه لأنها يمين على ترك المستحيل كما لو حلف أن لا يقلب الحجارة ذهبا، ولأن الإيلاء هو اليمين المانعة من الوطء، وهذا لا تمنعه يمينه، فإنه متعذر منه ولا تضر المرأة يمينه، وقال أبو الخطاب منهم: يحتمل أن يصح الإيلاء منه قياسا على العاجز بمرض أو حبس.
__________
(1) ينظر المهذب وشرحه المجموع 17/ 288 , 289.
(2) تحفة المحتاج بشرح المنهاج مع حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي 10/ 287.
(3) المدونة الكبرى 5/ 169.
(4) بداية المجتهد 2/ 78.
(5) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة 2/ 215.
(6) التاج والأكليل لمختصر الخليل 4/ 126.
(7) مواهب الجليل بشرح مختصر خليل 4/ 125 - 126.
وذكر المرداوي أن أبا الخطاب رواه عن الإمام أحمد واختاره القاضي وأصحابه وقدمه الزركشي: وفيئته لو قدرت لجامعتك، وحكى المرداوي على مذهب الحنابلة وجهين في بطلان إيلائه لو حلف ثم جب قال: وأطلقهما في الفروع والرعايتين والحاوي الصغير. قلت -والقائل المرداوي- الصواب البطلان ثم وجدت ابن نصر الله في حواشي الفروع صححه أيضا (1) (1/152)
صفحة 152
وأما الحنفية فإيلاء العاجز عن الجماع معتد به عندهم وإنما فيئه بالقول دون الفعل لأنه المقدور عليه عنده, ويفهم من كلامهم أنه لا فارق بين من كان عجزه لطبيعة في نفسه أو لعلة طارئة (2).
وهذا هو مذهب الظاهرية فقد قال ابن حزم منهم: والعاجز عن الجماع إذا حلف مولٍ من امرأته لأن الله تعالى لم يخص بذلك جماعا من غيره فواجب أن يكلف من الفيئة ما يطيق وهو مطيق على الفيئة بلسانه ومراجعته مضجعها وحسن صحبتها (3).
وهذا القول أقوى حجة وأوفق بمقاصد الشريعة فإن الرجل مطالب بأن يحسن معاشرة امرأته بقوله وعمله ولئن كان عاجزا عن توفيتها حقها من بدنه فلا أقل من أن يكف عنها أذى لسانه ويحسن معاملتها بقوله ومن المعلوم أن لإيلائه منها أثرا نفسيا عليها وإن كان لم يحل بينها وبين متعة جسدية كانت تنالها منه وعليه فلا أقل من أن يؤمر بالفيئ إليها بلسانه وبما يقدر عليه من بدنه كالعود إلى مضجعها لتشعر بطمأنينة النفس وهدوء البال وراحة الضمير على أن آية الإيلاء لم تنص -كما قال ابن حزم- على أنه (1/153)
صفحة 153
يراد به الامتناع عن الجماع فحسب إذ قد يؤذي المرأة ترك غيره مما هو قادر عليه دونه في حال تعذره والله أعلم. (1/154)
صفحة 154
__________
(1) الإنصاف 9/ 182.
(2) ينظر في هذا المبسوط 7/ 28 - 29, بدائع الصنائع 4/ 1957 - 1960, ملتقى الأبحر وشرحاه مجمع الأنهر والدر المنتقى في شرح الملتقى 2/ 98 – 99, تنوير الأبصار مع شرحه الدر المختار وحاشية رد المحتار 5/ 72, 73 , الهداية مع شرحه بداية المهتدي وحاشيته شرح فتح القدير 4/ 183 – 184.
(3) المحلي 11/ 242.
- - -
المبحث السادس في الإيلاء من غير المدخول بها
اعلم أن جمهور العلماء على أنه لا فرق في الإيلاء بين أن تكون المرأة المولى منها مدخولا بها أو غير مدخول بها وقد سبق ما حكيناه عن طائفة من أهل العلم أن قول الرجل لامرأته البكر "والله لا افتضضتك" يعد إيلاء، وذهب عطاء والزهري والثوري إلى أنه لا إيلاء إلا من المدخول بها, وحكي عن ابن الزبير وحماد وسفيان ووكيع ففي مصنف ابن أبي شيبة ما نصه: "حدثنا أبو بكر قال نا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري في رجل تزوج امرأة فعسره أهلها فحلف أن لا يبني بها قال الزهري: لا إيلاء إلا بعد دخول حدثنا أبو بكر قال: نا أبو عاصم عن ابن جريح عن عطاء قال: إذا آلى منها قبل أن يدخل بها فليس بإيلاء قلت: وإن كان على جماعها قادرا؟ قال: وإن كان على جماعها قادرا. حدثنا أبو بكر قال: نا محمد بن يزيد عن أبي العلاء عن هاشم في الرجل قال لامرأته: والله لا أبني بامرأتي في هذا البيت ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر قال هو إيلاء، وقال حماد: ليس بإيلاء. حدثنا أبو بكر قال: نا إسماعيل عن إبراهيم عن أبيه عن مجاهد أن ابن الزبير تزوج امرأة فاستزادوه في المهر فحلف أن لا يزيدهم ولا يدخل بها حتى يكونوا هم الذين يطلبون ذلك منه قال: فتركها سنين ثم طلبوا إليه فدخل بها فلم يره إيلاء. قال وكيع: وهو قول سفيان وكذلك نقول" (1) (1/155)
صفحة 155
ورواه البيهقي في سننه عن عطاء ونصه "قال: وقال عطاء: وإن آلى منها وهي في بيت أهلها قبل أن يبني بها فليس بإيلاء" (2)
__________
(1) المصنف في الأحاديث والآثار للحافظ ابن أبي شيبة 4/ 107. دار الفجر للطباعة والنشر والتوزيع.
(2) السنن الكبرى 11/ 306 وهو برقم (15633). دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
وفي كتب أصحابنا ذكر الخلاف في هذه المسالة كما هو في "بيان الشرع" و"المصنف" و"منهج الطالبين" (1) وإنما جاء في "المصنف" مزيد تفصيل فيها خلاصته: أنه قيل بأنه إيلاء على الإطلاق وقيل ليس إيلاء مطلقا, وقيل إن لم يوفها عاجلها ولم يقدر عليه فلا إيلاء عليه وإن كان يقدر عليه ولم يعطها إياه ولم تمكنه من الدخول إلا بتسليمه فإنه يخاف عليه ايلاء وإن أمكنته من الدخول ولو لم يسلم فتركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء (2).
والقول بالتفصيل الذي ذكره هو الذي ذهب إليه العلامة أبو الحسن البسيوي في جامعه إذ قال: "والذي آلى من زوجته قبل الجواز فلا يلزمه إيلاء إذا كان في حال لا تقربه إلى نفسها ولا يقدر على ذلك فأما إذا كان يقدر على أن يوفيها عاجلها وعلى مقدرة من الجواز إليها ولا تمنعه نفسها فتركها أربعة أشهر فإن الإيلاء يلزمه" (3).
وقد سبق أن جمهور العلماء من كل المذاهب على خلاف هذا قال ابن قدامة: ولنا عموم الآية والمعنى لأنه ممتنع من جماع زوجته بيمينه فأشبه (1/156)
صفحة 156
ما بعد الدخول (4).
__________
(1) يراجع بيان الشرع 52/ 383 , المصنف 38/ 105 , منهج الطالبين 16ق2/ 94.
(2) المصنف , المرجع السابق.
(3) جامع أبي الحسن البسيوي 3/ 119.
(4) المغني 8/ 523.
ويعضد ذلك أن الإيلاء كالطلاق لأنه يفضي إليه والطلاق تستوي فيه المدخول بها وغيرها كما جاء بذلك النص الصريح وهكذا الإيلاء واشتمال قوله تعالى {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-} على مطلق النساء من غير تقييد بالمدخول بها كما هو الشأن في عدة الوفاة المنصوص عليها بقوله تعالى: {- رضي الله عنه - (((- {- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - تمت (قرآن كريم {(- عليه السلام - قرآن كريم - رضي الله عنه - - (- (المحتويات (- - (تم بحمد الله - رضي الله عنه - تمت - صلى الله عليه وسلم - (- - - - رضي الله عنه - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - -} صدق الله العظيم (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - صلى الله عليه وسلم - -} وأحكام المواريث بين الزوجين المنصوص عليها بقوله عز وجل: {(المحتويات (تمهيد - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- (((الله أكبر - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - - - رضي الله عنه - - - - (المحتويات (تمهيد (- (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - صلى الله عليه وسلم - - تمت ({(بسم الله الرحمن الرحيم {- صدق الله العظيم (- - رضي الله عنه - - - صدق الله العظيم (- {- (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - تمت (- - (- رضي الله عنه - تمت - - - - ((- - - (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (المحتويات (تمهيد فهرس - - ((((- - - - - - - - - (تم بحمد الله - صدق الله العظيم (- - رضي الله عنه - - - - - - صدق الله العظيم (تم بحمد الله (- ((- رضي الله عنه - - - {{- ((- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - ((((قرآن كريم (- - - - رضي الله عنهم - - (- (- صلى الله عليه وسلم -- صلى الله عليه وسلم - -
- (((- رضي الله عنهم - - - - ((- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (((- - - - - - - - - (تم بحمد الله (بسم الله الرحمن الرحيم (- (- - رضي الله عنه - - - - تمت ({(المحتويات {- صدق الله العظيم (تمهيد - رضي الله عنه - - (المحتويات (- {- (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} (1) فإن غير المدخول بها تجب عليها عدة المتوفى عنها إجماعا وترث زوجها إن مات ويرثها إن ماتت كالمدخول بها وذلك لعدم تقييد الشارع هذه الأحكام بالمدخول بها وهذا عينه في آية الإيلاء فلا وجه لتقييد إطلاقها أو تخصيص عمومها على أن حكم الإيلاء إنما شرع لرفع الضرر عن المرأة وغير المدخول بها تضرر به كما تضرر به المدخول بها بل لعلها أشد تضررا به لأن أثره في نفسها أبلغ وذلك لأنها بعد عقد قرانها تحلم بمستقبل سعيد منوط بحسن معاشرة زوجها لها وتبني على (1/157)
صفحة 157
ذلك آمالا عراضا , فهي تتطلع إلى أن يغمرها بألطافه ويوسعها حبا وحنانا وتقضي منه الوطر الحلال , ولا ريب أن إيلاءه منها وهي بهذه الحالة يكدر عليها الصفو ويقطع حبال آمالها لأنه قسوة في المعاشرة ترتطم بصخرتها أول عهدها به فتتبدد بذلك أحلامها وتضيع أمانيها فلا ريب أن صدمة الإيلاء على نفسها أشد وقعا وأمر مذاقا. (1/158)
صفحة 158
}}}
المبحث السابع: في حكم الإيلاء من غير
غضب بل لمراعاة مصلحة رآها المولي
__________
(1) النساء: 11 - 14.
ذهب أصحابنا وجمهور العلماء إلى أن الإيلاء لا يختص بحال الغضب أي لا يكون مخصوصا بما إذا قصد الرجل مضارة المرأة فلو آلى لمصلحة كقصده أن يهيئ لها فرصة لإرضاع ولدها خشية أن تحمل وهي مرضع فإيلاؤه ماض. قال صاحب "المصنف": "ومن كانت امرأته مرضعا فخاف على ولده فحلف لا يقربها حتى يشب ولده فإن مضت أربعة أشهر بانت بالإيلاء ولكن إن اعتزلها على غير يمين حتى تفصل ولدها لم يدخل عليه إيلاء" (1) ومثله ما في "الضياء" (2) , وقال قطب الأئمة رحمه الله: "ومذهبنا استواء المرضع وغيرها" (3) وبه قالت الحنابلة (4) وهو المشهور عن الشافعي وبه قال الثوري وأهل العراق وابن المنذر (5) والظاهرية (6) وهو معنى ما يروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "الإيلاء في الرضى (1/159)
صفحة 159
والغضب" (7) وبه قال ابن سيرين كما سيأتي إن شاء الله وأخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير والشعبي (8).
__________
(1) المصنف 38/ 103.
(2) الضياء 10/ 54.
(3) شرح النيل 7/ 181.
(4) المغني 8/ 524 , الشرح الكبير 8/ 532.
(5) ينظر المرجعان السابقان.
(6) المحلى 11/ 240.
(7) رواه ابن أبي شيبة من طريق عمرة بن مرة عن أبي عبيدة عنه – المصنف في الأحاديث والآثار للحافظ ابن أبي شيبة 4/ 104
(8) المرجع السابق
وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما: أنه لا إيلاء إلا في الغضب، فقد أخرج ابن أبي شيبه في مصنفه قال: حدثنا أبو بكر قال: نا حفص عن ليث عن زبيد عن من حدثه عن علي قال: "إنما الإيلاء في الغضب" (1) , وأخرج البيهقي في سننه عن أبي عطية أنه توفى أخوه وترك بنيا له رضيعا فقال أبو عطية لامرأته أرضعيه فقالت: إني أخشى أن تغتاله فحلف لا يقربها حتى تفطمه ففعل حتى فطمته فذكر ذلك لعلي فقال: إنك إنما أردت الخير وإنما الإيلاء في الغضب , وروي عن طريق عطية بن جبير قال: كانت أمي ترضع صبيا وقد توفي صبي لنا فحلف أبي أن لا يقربها حتى تفطم الصبي فلما مضت أربعة أشهر قيل له إنه قد بانت منك فأتى عليا فأخبره فقال: "إن كنت حلفت على تضره فهي امرأتك وإلا فقد بانت منك" (2). وأخرج ابن أبي شيبة عن القعقاع بن يزيد قال: سألت الحسن عن الإيلاء فقال إنما الإيلاء ما كان في الغضب وسألت ابن سيرين فقال: ما (1/160)
صفحة 160
أدرى هذا, وتلا آية الإيلاء" (3) , وذكر ذلك ابن حزم عن ابن عباس فقد قال: قال هشيم ونا أبو وكيع عن أبي فزارة عن ابن عباس قال: "إنما جعل الإيلاء في الغضب" (4) وبهذا قال الأوزاعي وأبو عبيد وبه قال مالك وأصحابه (5) , وبهذا قال قطب الأئمة -رحمه الله- في التيسير فقد قال فيه: "وإنما يلحق الإيلاء إن كان غضبا على المرأة أو عقابا لها أو أراد ولده مثلا ذلك أو صديقه أو نحو ذلك، أما إن آلى منها لئلا يلزمه غسل في الشتاء أو لئلا يلحقه هزال أو ليتم رضاع ولده فعندي لا إيلاء في ذلك فإن حنث فكفارة يمين" (6). وقد انفرد به دون سائر علماء أصحابنا وهو عكس ما نص عليه في شرح النيل كما تقدم وما نص عليه في هميان
__________
(1) المرجع السابق
(2) السنن الكبرى 11/ 307
(3) المصنف في الأحاديث والآثار للحافظ ابن أبي شيبة 4/ 104
(4) المحلى 11/ 245
(5) ينظر الاستذكار 6/ 47 , ومختصر خليل مع شرحيه مواهب الجليل والتاج والإكليل 4/ 126.
(6) تيسير التفسير 1/ 347.
الزاد (1).
والقول بعدم الإيلاء إلا في الغضب حكاه البيهقي في سننه عن الشافعي في القديم وحكى عنه قوله: "ومن قال هذا القول فينبغي أن يقول وكذلك إن كانت بها علة يضرها الجماع بها أو بدأ اليمين وليست هيئتها الضرار فليست بإيلاء ولهذا القول وجه حسن" (2).
وحكى عنه المزني فيما إذا قال لا أقربك حتى تفطمي ولدك فمضت (1/161)
صفحة 161
أربعة أشهر قبل أن تفطمه كان إيلاء , ثم قال وقال في موضع آخر حتى تفطمي ولدك لم يكن مولياً لأنها قد تفطمه قبل أربعة أشهر إلا أنه يريد أكثر من أربعة أشهر, قال المزني: هذا أولى بقوله لأن أصله أن كل يمين منعت الجماع بكل حال أكثر من أربعة أشهر إلا بأن يحنث فهو مولٍ (3).
وقال شارحه الماوردي: "فإن أراد به قطع الرضاع لم يكن به مولياً, لأنه يمكنها قطعه في الحال, وإن أراد به مدة رضاع الحولين نظر في الباقي منها فإن كان أكثر من أربعة أشهر كان مولياً, ثم قال: ومن أصحابنا من جعل هذا من القسم الرابع الذي يختلف باختلاف حاله لا باختلاف إرادته فقال إن كان الولد طفلا لا يجوز قطع رضاعه قبل أربعة أشهر كان به مولياً, وإن كان مشدا يجوز قطع رضاعه قبل أربعة أشهر لم يكن به موليا والأول أصح وهو قول ابن سريج والأكثر من أصحابنا لأن قطعها لرضاعه ممكن وإن منع منه الشرع , والإيلاء متعلق بإمكان الفعل لا بجوازه في الشرع (4).
__________
(1) ينظر هميان الزاد 3/ 223، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان ط:1402هـ.
(2) السنن الكبرى 11/ 307
(3) مختصر المزني مع شرح الماوردي " الحاوي الكبير " 10/ 367
(4) الحاوي الكبير 10/ 369 , 370
والقول الراجح أن الإيلاء يثبت حكمه بمجرد اليمين المانعة من الوطء سواء كانت في حال غضب أو رضى وسواء أريد بها الإصلاح أو الإضرار , لأن الآية الكريمة أطلقت الحكم ولم تقيده والمطلق على إطلاقه ما لم يقيد , أما من ناط الإيلاء بفطم الصبي فإن كان أمد رضاعه نحو أربعة أشهر أو ما يزيد عليها فذلك إيلاء وإن أمكن أن يفطم قبلها , ويتأكد قصد (1/162)
صفحة 162
الإيلاء بنحو هذا عندما يترجم إلى فعل بحيث يتحقق الامتناع , وذلك أن في هذا الامتناع مضارة للمرأة, ومشروعية حكم الإيلاء لرفع الضرر عنها وحمايتها من تلاعب الزوج بالعشرة بينهما , على أن فطام الصبي إن كان متعذرا أو متعسرا قبل مضي أربعة أشهر لاحتياجه إلى الرضاعة وعدم إمكان استغنائه عنه بالطعام فإن فطامه مع ذلك محجور شرعاً ولا يجوز أن يدفع بأحد إلى ارتكاب ما هو محجور من أجل أن يبر يمينه لذلك كان القول بإعطاء هذه الصورة حكم الإيلاء ظاهرا وعلى الزوج أن يفئ إليها في المدة المحددة للتربص فإن لم يفعل خرجت عنه بالإيلاء.
أما إن اتفق الزوجان على الامتناع عن الوطء في مدة الرضاع تفاديا لاغتيال الطفل الراضع من غير يمين فلا حرج عليهما في ذلك, وتبقى علاقة الزوجية بينهما موصولة ولو مضت مدة التربص أو ما يزيد عليها بأضعاف مضاعفة. (1/163)
صفحة 163
[صفحة بيضاء] (1/164)
صفحة 164
- - -
المبحث الثامن: في الإيلاء
من الصغيرة ومن يتعذر وقاعها
أطلق القرآن الكريم حكم الإيلاء في النساء ولم يقيده ببالغة أو من تطيق الجماع أو بمن يمكن جماعها , وهو مؤذن بأن هذا الحكم تستوي فيه النساء جميعاً فلا فرق فيه بين بالغة وصبية وبين من يمكن جماعها ومن يتعذر لعلة مانعة كالعفل والرتق , لأن الفئ إن تعذر بالفعل كان بالقول, على أنه إن أراد أن يفئ بالفعل فمنعه منه مانع يمكنه أن يأتي منه بما هو قادر عليه كالمس باليد بدلا من الوطء كما سيأتي بيانه إن شاء الله , وهذا هو قول الحنفية (1). وإنما الفئ عندهم في مثل هنا بالقول وحده (2). ولأصحابنا خلاف في مسألة الصبية هل يثبت الإيلاء منها أو لا؟ بناء على اختلافهم في ثبوت زواج الصبية , فإن طائفة منهم تذهب إلى أنه موقوف حتى تبلغ فتتمه أو تنقضه, وذهبت طائفة أخرى إلى ثبوته وإن كان لها الغير بعد بلوغها, ومنهم من يرى أنها لا غير لها إن كان أبوها هو الذي زوجها، والقول الثاني هو الراجح, فزواجها زواج صحيح, ولكن لها الغير إن بلغت سواء زوجها أبوها أو غيره, وبناء على هذا كان الاختلاف في حكم الإيلاء منها , ففي (1/165)
صفحة 165
منهج الطالبين: ومن آلى من زوجته الصبية فلا يقع بها إيلاء حتى تبلغ وترضى به زوجا لأنه لا سبيل له إليها إذا منعته نفسها, وقول إن أمكنه وطؤها فلم يطأ حتى تنقضي أربعة أشهر ولم يفئ بانت بالإيلاء (3) , ومثله في المصنف (4) , وبهذا يتبين أن علة عدم ثبوت الإيلاء من الصبية عند من قال ذلك من أصحابنا إنما هي عدم ثبوت زواجها ما لم تتمه بعد بلوغها لا العجز عن جماعها وبهذا تعلم أن حكم الرتقاء
__________
(1) المبسوط 7/ 28 , 29 , بدائع الصنائع 4/ 1958 , البحر الرائق 4/ 67 تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشيته رد المحتار 5/ 72 , بداية المبتدئ وشرحه الهداية وحاشيته شرح فتح القدير 4/ 183 , مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر والدر المنتقى في شرح الملتقى 2/ 99.
(2) المراجع السابقة.
(3) منهج الطالبين 16/ ق2/ 92.
(4) المصنف 38/ 106 , 107.
والعفلاء عندهم هو ثبوت الإيلاء منهما إذ لا علة تمنع ذلك, وهو خلاف ما ذهب إليه من قال بعدم ثبوت الإيلاء من الصبية من غير أصحابنا كالشافعية والحنابلة فإنهم ناطوا هذا الحكم بعدم إطاقتها الجماع ولذلك قالوا بأنه متى ارتفع المانع وكانت قادرة على الجماع ثبت عندئذ حكم الإيلاء ووقف الزوج المولي لمدة أربعة أشهر بناء على قولهم بوقفه, قال الإمام الشافعي في "الأم" عندما ذكر من يتأخر وقف المولى منها: "ومثل أن تكون التي آلى منها صبية لا يقدر على جماعها بحال أو مضناة بمرض لا يقدر على جماعها بحال وإذا صارتا في حد من يجامع مثله وقف لهما بعد أربعة أشهر من يوم يقدر على جماعهما فإن فاء وإلا طلق وإن أبى طلق عليه قال: وإن كانت مريضة يقدر على جماعها بحال أو صبية يجامع مثلها فهي كالصحيحة البالغ" (1). وقال الماوردي: "فأما الصغر فإن لم يمنع من الافتضاض بالتقاء الختانين كان زمانه محسوبا وإن كان (1/166)
صفحة 166
مانعا من التقاء الختانين لم يحتسب عليه في مدة التربص حتى يصير على حال يقدر على ذلك منها فيستأنف له التربص" (2).
__________
(1) الأم 5/ 275.
(2) الحاوي الكبير 10/ 394 , وينظر المنهاج وشرحه تحفة المحتاج وحواشي الشرواني وابن قاسم العبادي عليه 10/ 308 , 309 , والمجموع 17/ 321.
ومثل هذا قول الحنابلة: قال ابن قدامة: "فإن كانت المرأة صغيرة أو مجنونة فليس لهما المطالبة لأن قولهما غير معتبر وليس لوليها المطالبة لهما لأن هذا طريقه الشهوة فلا يقوم غيرهما مقامهما فيه، فإن كانت ممن لا يمكن وطؤهما لم يحتسب عليه بالمدة لأن المنع من جهتهما، وإن كان وطؤهما ممكنا فإن أفاقت المجنونة أو بلغت الصغيرة قبل انقضاء المدة تمت المدة ثم لها المطالبة، وإن كان ذلك بعد انقضاء المدة فلهما المطالبة يومئذ لأن الحق لهما ثابت وإنما تأخر لعدم إمكان المطالبة، وقال الشافعي لا تضرب المدة في الصغيرة حتى تبلغ وقال أبو حنيفة تضرب المدة سواء أمكن الوطء أولم يمكن الوطء فإن لم يمكن فاء بلسانه وإلا بانت بانقضاء المدة وكذلك الحكم عنده في الناشز والرتقاء والقرناء والتي غابت في المدة لأن هذا إيلاء صحيح فوجب أن تتعقبه المدة كالتي يمكن جماعها. ولنا أن حقها من الوطء يسقط بتعذر جماعها فوجب أن تسقط المدة المضروبة له كما يسقط أجل الدين بسقوطه، وأما التي أمكنه جماعها فتضرب له المدة في حقها لأنه إيلاء صحيح ممن يمكنه جماعها فتضرب له المدة كالبالغة ومتى قصد الإضرار بها (1/167)
صفحة 167
بترك الوطء أثم ويستحب أن يقال له اتق الله فإما أن تفئ وإما أن تطلق فإن الله تعالى قال {صدق الله العظيم (- - صلى الله عليه وسلم - (- ((- - رضي الله عنه - (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - صلى الله عليه وسلم - (- ((- رضي الله عنهم - - (- - - (-} وقال تعالى: {- ((- قرآن كريم (- (- (تم بحمد الله - صلى الله عليه وسلم - - - (- - - صلى الله عليه وسلم - (- ((- ((- (- صلى الله عليه وسلم -- صلى الله عليه وسلم - - - صدق الله العظيم (- قرآن كريم (مقدمة (- - - - - - - صلى الله عليه وسلم - (- ((- ((-}، وليس الإضرار من المعاشرة بالمعروف" (1).
__________
(1) المغني 8/ 533.
هذا ومن تأمل نص القرآن الكريم تبين له أن حكم الإيلاء يثبت في كل زوجة فلا فرق بين صغيرة وكبيرة ومن يمكن جماعها ومن يتعذر لدخولهن جميعا في عموم قوله تعالى: {- رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-} فيجب أن يفئ إلى أي واحدة منهن بحسب حالها ولو بالقول كما قال الحنفية إن تعذر ما زاد عليه أو به مع ما يمكن من أنواع الاستمتاع كالمس والتقبيل كما هو رأي أصحابنا وسيأتي إن شاء تفصيل ذلك في شرح أحكام الفئ. (1/168)
صفحة 168
الفصل الخامس
في تقييد الإيلاء بزمان أوم مكان أو وصف
وفيه مباحث: (1/169)
صفحة 169
[صفحة بيضاء] (1/170)
صفحة 170
- - -
المبحث الأول: فيما إذا قيده بمدة
دون مدة التربص المنصوص عليها
نص القرآن الكريم على أن مدة التربص لمن آلى هي أربعة أشهر والإيلاء إما أن يكون مطلقا غير مقيد بزمن وإما أن يكون مقيدا, والتقييد إما أن يكون بما زاد على مدة التربص المذكورة في القرآن وإما أن يكون بها أو نقص عنها: فإن كان مطلقا أومقيدا بما زاد على مدة التربص فإن جميع أحكام الإيلاء تكون منطبقة عليه, وإن كان مقدرا بمدة التربص بحيث حده بأربعة أشهر ففيه خلاف فجميع أصحابنا والحنفية والقائلين بانحلال عقدة الزواج بمجرد مرور المدة يعدونه إيلاء , أما جمهور علماء الأمة –وهم القائلون بأنها لا تنفصل عنه بمرور المدة حتى يوقف ويطلق- فإنهم لا يعدونه إيلاء لأن الوقف عندهم لا يكون إلا بمضيها وإن كان مقيدا بما دونها فإما أن يفئ بمضي المدة المقيدة كأن يولي شهرا أو شهرين ثم يعود إلى مواقعتها بعد انقضاء المدة التي حددها في إيلائه وفي هذه الحالة لا يكون لإيلائه أثر في العلاقة الزوجية بينهما وذلك كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما آلى من نسائه شهرا ثم فاء إليهن بعد مضي تسعة وعشرين يوما وعليه فلا يترتب على هذا الإيلاء شيء من أحكام الإيلاء اللهم إلا أن
يواقع قبل مضي المدة فإنه تلزمه الكفارة فحسب لحنثه في يمينه.
أما إن استمر على الامتناع بعد انقضاء المدة التي حددها فلا ريب أنه (1/171)
صفحة 171
يكون مسيئا إلى عشرتها وعليه أن يؤدي إليها حقها في المعاشرة الزوجية لأنه من الإمساك بالمعروف المأمور به، ولكن هل تطبق عليه أحكام الإيلاء إن استمر على الامتناع حتى مضت مدة التربص؟ في ذلك خلاف أهل العلم وجمهورهم على أنه لا يعد ذلك إيلاء لأن امتناعه ليس هو ليمين يخشى حنثها أو لحذر من أن يجب عليه أمر التزمه إن وطئها مما لم يكن واجبا عليه في الحكم لولا التزامه , وقيل بأن امتناعه عن وطئها بسبب يمينه يترتب عليه حكم الإيلاء لما فيه من الحاق الضرر بها وبهذا صدر صاحب النيل رحمه الله تعالى كلامه في المسألة ونص ما قال: "والحالف لها بالله لا يطؤها في هذا اليوم أو الليلة أو البيت أو الثوب تبين منه إن تركها حتى مضت ولم يطأها في ذلك ولا في غيره , وقيل: لا، لأن له جماعها في غير ذلك " (1).
وعلل شارحه قطب الأئمة رحمه الله تعالى القول الأول بقوله: "لأنه صدق عليه أنه آلى بمسها" وعلل القول الثاني بقوله: "فكأنه غير حالف إذ لم يمنعه حلفه عن الوطء بالكلية ألا ترى أنه حلف على مس مخصوص غير مستغرق لمدة الإيلاء فبانقضاء التخصيص ينقضي حكم يمينه وتبقى مدة الإيلاء لم يشملها حلفه ولم يجدد فيها حلفا يعمها وهو قول عمروس
ابن فتح رضي الله عنه وهو الصحيح عندي " (2).
وفي "الضياء": "ومن حلف بالإيلاء وشرط وقتا دون أربعة أشهر (1/172)
صفحة 172
ففيها اختلاف، منهم من قال: إذا لم يبر في يمينه حتى تمضي أربعة أشهر بانت زوجته بالإيلاء, ومنهم من قال لا تبين" (3) ومثله في بيان الشرع والمصنف ومنهج الطالبين, وعزا كل من صاحبي المصنف ومنهج الطالبين القول بأن ذلك يعد إيلاء إلى الربيع -رحمه الله- (4).
__________
(1) النيل مع شرحه 7/ 194.
(2) شرح النيل 7/ 194
(3) الضياء 10/ 56
(4) يراجع بيان الشرع 52/ 399 , المصنف 38/ 122 , منهج الطالبين 16ق2/ 112
وما نسب إلى الربيع هنا نسبه أبو غانم الخراساني -رحمه الله- إلى ابن عباد -رحمه الله- ونسب إلى الربيع خلافه وظاهر عبارته في "المدونة" أن جمهور أصحابنا المتقدمين لم يكونوا يعدون هذا إيلاء وإليك نص ما قاله: "وإذا آلى الرجل من امرأته فحلف أن لا يقربها شهرا أو شهرين أو ثلاثة لم يقع عليها في ذلك إيلاء ولا طلاق في قولهما جميعا -يعني أبا المؤرج وابن عبد العزيز- لأن يمينه كانت أقل من أربعة أشهر، قال ابن عبد العزيز: بلغنا ذلك عن ابن عباس، وهو قول أبي عبيدة، وقال ابن عباد: هو مول منها إن تركها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء تطليقة ولسنا نأخذ ذلك من قوله" (1).
قال القطب -رحمه الله- في ترتيب "المدونة": "لا وجه لقول ابن عباد هذا لأنه قد عين عددا أقل من أربعة أشهر ولو عين أربعة أشهر أو أكثر أو أطلق ولم يعين لوقع الإيلاء" (2). (1/173)
صفحة 173
قال أبو غانم: "وإذا حلف أن لا يقرب امرأته في هذا البيت أربعة أشهر فتركها أربعة أشهر ولم يقربها في هذا البيت ولا في غيره فقولهما جميعا ليس هذا إيلاء ولا طلاقا، قال ابن عبد العزيز: ألا ترى أن له أن يقربها في غير ذلك البيت ولا تجب عليه كفارة، ألا ترى أن الإيلاء في كل يمين تمنع الجماع أربعة أشهر ولا يستطيع أن يقربها أربعة أشهر إلا أن يكفر يمينه. وقال ابن عباد: هو مول إن تركها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، ولسنا نأخذ بهذا من قوله، والقول لابن العزيز والريبع وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا وبه نأخذ وعليه نعتمد" (3).
__________
(1) المدونة الكبرى لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني 2/ 65، ط: وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق.
أما الشافعي وأصحابه فلا يكون إيلاء عندهم حتى يحلف على ما زاد على أربعة أشهر قال الشافعي في "الأم":"ولا نحكم بالوقف في الإيلاء إلا على من حلف على يمين يجاوز فيها أربعة أشهر , فأما من حلف على أربعة أشهر أو أقل فلا يلزمه حكم الإيلاء, لأن وقت الوقف يأتي وهو خارج من اليمين, وإنما قلنا ليس بمول ٍ في الموضع الذي لزمته فيه اليمين
وليس عليه حكم الإيلاء" (1)
وقال الماوردي: "إن المولي من استحقت مطالبته بعد أربعة أشهر فإذا حلف على أربعة أشهر لم تستحق عليه المطالبة لأنه يقدر على الإصابة من غير حنث, والمولي من لم يقدر على الإصابة بعد الوقف إلا بالحنث فخرج (1/174)
صفحة 174
من حكم الإيلاء وصار ملتزما لحكم اليمين في غير الإيلاء وإن وطئ وإن لم يطأ يحنث (2). وهذا هو قول الحنابلة (3). قال المرداوي: الصحيح من المذهب –أي مذهب الحنابلة– نص عليه وجزم به في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والخلاصة والمحرر والوجيز وغيرهم وقدمه في المغني والشرح والرعايتين والحاوي والفروع وغيرهم, وقال الزركشي: هذا المنصوص المختار للأصحاب وعنه يصح أيضا على أربعة أشهر فقط (4).
وبقول الشافيعة والحنابلة قالت المالكية أيضا قال ابن شاس: "الركن الثالث -أي من أركان الإيلاء- المدة و هي ما زاد على أربعة أشهر مدة مؤثرة ولو قال: والله لا أجامعك ثلاثة أشهر لم يكن موليا فلو أعاد اليمين في آخر الأشهر مرة أخرى لم يكن أيضا موليا فإن آلى إلى خمسة أشهر كان موليا, وكذلك ما زاد على أربعة أشهر" (5) وهكذا نص خليل
وشراحه (6).
__________
(1) الأم 5/ 270
(2) الحاوي الكبير 10/ 380
(3) ينظر المغني 8/ 505 , الشرح الكبير 8/ 509
(4) الإنصاف 9/ 174
(5) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة 2/ 218
(6) ينظر مواهب الجليل لشرح مختصر خليل والتاج والإكليل لمختصر خليل 4/ 126.
لكن ابن عبدالبر حكى عن مالك والشافعي ما يدل على أن الإيلاء يكون بالحلف على أربعة أشهر ونص كلامه: "واختلف هؤلاء على أربعة أشهر لا مزيد, فقال مالك والشافعي: لا يكون موليا حتى يحلف على أربعة (1/175)
صفحة 175
وبه قال أحمد وأبو ثور والثوري وأصحابه: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا وهو قول عطاء وعثمان البتي (1).
وهذا يختلف مع ما قاله ابن عبد البر نفسه قبل كلامه هذا بقليل ونصه: " قال مالك: ومن حلف أن لا يطأ امرأته يوما أو شهرا ثم مكث حتى ينقضي أكثر من الأربعة الأشهر فلا يكون ذلك إيلاء وإنما يوقف في الإيلاء من حلف على أكثر من الأربعة الأشهر , فأما من حلف أن لايطأ امرأته أربعة أشهر أو أدنى من ذلك فلا أرى عليه إيلاء لأنه إذا دخل الأجل الذي يوقف عنده خرج من يمينه ولم يكن عليه وقف" (2).
على أن المنصوص عليه في كلام مالك في المدونة والموطأ أن مدة الإيلاء لا تكون إلا أكثر من أربعة أشهر, ففي المدونة: قال سحنون: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أرأيت إن حلف أن لا يطأ امرأته أربعة أشهر أيكون موليا في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا. قلت فإن زاد على
الأربعة الأشهر؟ قال: إذا زاد على الأربعة الأشهر بيمين عليه فهو مولٍ " (3).
وفي "الموطأ": قال مالك: ومن حلف أن لايطأ امرأته يوما أو شهرا ثم مكث حتى ينقضى أكثر من الأربعة الأشهر فلا يكون ذلك إيلاء إنما يوقف في الإيلاء من حلف على أكثر من الأربعة الأشهر فأما من حلف أن (1/176)
صفحة 176
لا يطأ امرأته أربعة أشهر أو أدنى من ذلك فلا أرى عليه إيلاء إلا أنه إذا جاء الأجل الذي يوقف عنده خرج من يمينه ولم يكن عليه وقف (4).
__________
(1) الإستذكار 6/ 45.
(2) المرجع السابق.
(3) المدونة الكبرى 5/ 141 - 142
(4) الموطأ مع شرحه المنتقى للإمام الباجي 4/ 35
ومدة الإيلاء عند الحنفية أربعة أشهر فلا يعتد بما دونها عندهم كما نص عليه الكاساني وصاحب "كنز الدقائق" وشارحه ابن نجيم في "البحر الرائق" والحلبي في "ملتقى الأبحر" والكليبولي في "مجمع الأنهر" والحصفكي في "الدر المنتقى" وصاحب "بداية المبتدي" وشارحه في "الهداية" ومحشيه ابن الهمام في شرح "فتح القدير" والسرخسي في "المبسوط (1). قال ابن نجيم: "وبه قال الأئمة الأربعة " (2).
وبهذا القول قال كثير من علماء السلف , فقد أخرج عبد الرزاق
__________
(1) بدائع الصنائع 4/ 1953 , كنز الدقائق مع شرحه البحر الرائق 4/ 63 , ملتقى الأبحر مع شرحيه مجمع الأنهر والدر المنتقى 2/ 97 , شرح فتح القدير على الهداية شرح بداية المبتدي 4/ 175 , المبسوط 7/ 22
(2) البحر الرائق 4/ 63
عن الثوري عن بعض أصحابه عن عطاء عن ابن عباس قال: ليس بإيلاء ذكره عن عامر الأحول (1) , وروى عن ابن جريح عن عطاء قال: إن حلف أن لا يقرب لأجل سماه دون الأربعة فليس بإيلاء (2) , وروي عنه أيضاً من طريق ابن جريج قال " سئل عطاء عن رجل حلف أن لا يقرب امرأته شهراً (1/177)
صفحة 177
فمكث عنها خمسة أشهر , قال ليس ذلك بإيلاء (3). وروي من طريق ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه مثله (4) , ومثله عن سعيد بن جبير (5). وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي بكر قال: نا علي بن مسهر عن سعيد عن عامر الأحول عن عطاء عن ابن عباس: قال إذا آلى من امرأته شهرا أو شهرين أو ثلاثة ما يبلغ الحد فليس بإيلاء , وروى أيضا عن أبي بكر قال: نا حفص عن عبد الملك عن عطاء: قال: إذا حلف على دون الأربعة فليس بإيلاء , وعن أبي بكر أيضا قال: نا زيد بن الحباب عن سفيان عن جابر عن الشعبي في رجل حلف أن لا يقرب امرأته ثلاثة أشهر فتركها حتى مضت أربعة أشهر قال: لا يكون موليا (6)."
وروى البيهقي قال: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو: نا أبو العباس
الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سعيد عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه في الإيلاء, أن يحلف أن لا يمسها أبدا أو ستة أشهر أو أكثر أو ما زاد على أربعة أشهر أو نحو ذلك (7).
__________
(1) عبد الرزاق , المصنف , 6/ 345 , 346 رقم (11668).
(2) المرجع السابق 6/ 345 رقم 1 (11669).
(3) المرجع السابق (11664).
(4) المرجع السابق رقم (11663).
(5) المرجع السابق رقم 1166و 11667.
(6) المصنف ابن أبي شيبة 4/ 100.
(7) السنن الكبرى, البيهقي, 11/ 306 رقم (15634).
أما القول الآخر وهو أنه إن امتنع أربعة أشهر كان لذلك حكم الإيلاء وإن حلف على ما دونها فهو قول جماعة من السلف منهم ابن مسعود (1/178)
صفحة 178
-رضي الله عنه- فقد أخرج عبد الرزاق عن الثوري عن ليث عن وبرة عن رجل منهم قال: آلى من امرأته عشرة أيام فسأل عنها ابن مسعود فقال: إن مضت أربعة أشهر فهو إيلاء (1) , ورواه عنه ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو بكر قال: نا ابن إدريس عن ليث عن وبرة عن عبد الله أن رجلا آلى من امرأته شهرا فأوقعه عليه عبد الله (2) وروى أيضا عن الحسن ومحمد أنهما قالا: إذا آلى الرجل من امرأته شهرا ثم تركها حتى تمضي أربعة أشهر إنها تطليقه بائنة, وعن حماد قال: إذا قال الرجل لامرأته والله لا أقربك اليوم فتركها أربعة أشهر فهو إيلاء, وعن إبراهيم قال: " إذا حلف على دون أربعة فهو مول" وعن الحكم في الرجل يحلف أن لا يقرب امرأته شهرا قال هو مول (3) وروى عبد الرزاق قال: سمعت الحجاج بن أرطأة سئل عن رجل حلف أن لا يقرب امرأته عشرة أيام فتركها أربعة أشهر , فقال أخبرني الحكم عن إبراهيم وغيره أنه قال هو باب إيلاء (4) , وعن معمر عن قتادة مثله قال هو إيلاء (5) , وعن ابن جريج قال سئل عطاء عن رجل حلف أن لا يقرب امرأته شهرا فمكث عنها خمسة أشهر؟ قال: ذلك إيلاء سمى أجلا أو لم يسمه, فإذا مضت أربعة أشهر كما قال الله تعالى فهي واحدة (6). (1/179)
صفحة 179
ونسب ابن عبد البر هذا القول إلى ابن أبي ليلى وابن أبي شبرمة والحسن ابن حي قال وهو قول إبراهيم النخعي وحماد ابن أبي سليمان والحسن وابن سيرين وروي معنى ذلك عن عبد الله بن مسعود وبه قال إسحاق (7).
__________
(1) المصنف للحافظ عبد الرزاق, 6/ 346 رقم 11672.
(2) المصنف ابن شيبة, 4, 100.
(3) المرجع السابق ص 100, 101.
(4) المصنف عبد الرزاق, 6/ 346 رقم 11669
(5) المرجع السابق رقم 11670
(6) المرجع السابق رقم 11671
(7) الاستذكار, 6/ 45
وظاهر كلام ابن نجيم أنه يميل إليه حيث قال: وظاهر الآية صحة الإيلاء فيما دونها, لأنه إنما خص بالأربعة مدة التربص , وأما الحلف فمطلق, وما ذكره الشارح وغيره من المعنى فمصادرة كما في فتح القدير ولكن كان مشايخنا إنما تمسكوا بفتوى ابن عباس على أنه تفسير للآية وتمامه في "العناية" والله أعلم (1).
وما أشار إليه من كلام صاحب الفتح -ويعني به الكمال ابن الهمام- يؤيده، ونصه: ولا شك أن ظاهر الآية كقول من قال بأنه إيلاء، والمعول عليه في دفعه قول الصحابي وكبار التابعين ممن ذكرنا، فإن قول الصحابي في مثله ظاهر في السماع لكن يبقى فيه أنه زيادة على النص إذ هو تقييد لإطلاق الحلف في كونه إيلاء فلا يجوز إلا أن يكون فيه إجماع من الصحابة، والمعنى الذي ذكر وهو أن المولي من لا يقدر على القربان في المدة إلا بشيء يلزمه وهذا ليس كذلك فرع كون أقل المدة أربعة أشهر، وإلا فنحن لا نقول به إذ قلنا بعدم تقييد المدة المحلوف عليها بها فإثبات كون الأقل أربعة أشهر به (1/180)
صفحة 180
مصادرة (2).
ويفهم من كلام هذين العالمين الحنفيين أنهما يؤيدان أنه لو قيد إيلاءه بما دون أربعة أشهر فاستمر في ترك وطئها إلى انقضاء الأربعة بانت منه بالإيلاء لأن الآية أطلقت الإيلاء وإنما قيدت مدة التربص وهذا هو قول الظاهرية كما نص عليه ابن حزم حيث قال: فسواء وقت وقتا -ساعة أو أكثر إلى جميع عمره- أو لم يوقت الحكم في ذلك واحد (3). (1/181)
صفحة 181
- - -
القول الراجح
__________
(1) البحر الرائق 4/ 63
(2) شرح فتح القدير 4/ 176.
(3) المحلى 11/ 240.
من الظاهر بداهة أن حكم الإيلاء إنما شرعه الله تعالى رفقا بالمرأة ورفعا للضرر عنها, فإن في ترك مواقعتها حرمانا لها مما تميل إليه فطرتها وتتطلع إليه نفسها وتشتد إليه رغبتها, وهو أهم ما تبتغيه من زواجها لما فيه من قضاء الوطر وإعفاف النفس والاستجابة لداعي الفطرة, وما تجنيه من ورائه من ثمرة لا تقدر بثمن ولا تعوض ببدل وهي الذرية التي جعلها الله قرة للأعين وزينة في الحياة وطمأنينة للنفس, ولئن كان هذا هو الأصل في حكم الإيلاء فإن ضرره لا يختلف بين أن يكون موقوتا بما دون الأربعة الأشهر أو بما زاد عليها أو كان مطلقا عندما يمتنع الرجل من معاشرتها عشرة الأزواج حتى تنقضي هذه المدة ويصر على هجران مضجعها وحرمانها من هذا الحق المشروع لها, ليت شعري ما هو الفارق بين أن تحرم من هذه المنفعة بيمين موقوتة بوقت قصير أو أن تحرم منه بيمين موقوتة إلى أمد طويل أو مطلقة الآماد ما دام ذلك سببا لحرمانها من هذا الحق وتبديد أحلام حياتها والحيلولة دون أن تشتار شهد الوصال بينها وبين زوجها, أو ليس الحرمان هو الحرمان مهما كانت أسبابه, مع كون الزوج قادرا على أن يوفيها هذا الحق ويوصل إليها ما تطمح إليه؟؟!
فإن قيل: إن الإيلاء بما دون أربعة أشهر سائغ للزوج تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي آلى من نسائه شهرا. (1/182)
صفحة 182
قلت: نعم يسوغ ذلك إن كان لسبب يدفع إليه كنشوز وشقاق لا يثنيها عنه إلا مثل هذا التأديب, فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما آلى من نسائه تأديبا لهن على شقاقهن فلم يعد ذلك أن يكون كمثل الهجران في المضاجع من أجل تأديب الناشز ولم يتماد - صلى الله عليه وسلم - بعد مضي الشهر في الامتناع عنهن إذ لم تكد تمضي تسع وعشرون ليلة حتى سارع لمعاشرتهن وإيفائهن حقوق الحياة الزوجية, فأين هذا الخلق الكريم ممن تمادى على حرمان امرأته من حقها في العشرة ظلما وعدوانا ولو كان مبنيا على يمين موقوتة؟! ومن العجيب أن لا يجعل مالك هذا إيلاء مع أنه نص في المدونة على أنه إن امتنع عن مواقعتها ولو لغير يمين فله حكم الإيلاء وتابعه على ذلك أصحابه, وإليك ما في "المدونة": قال ابن القاسم: سألنا مالكا عن الرجل يكف عن امرأته من غير يمين فلا يطأ فترفع ذلك إلى السلطان قال لا يترك وذلك إذا لم يكن له عذر حتى يطأ أو يفرق بينهما قال فقلنا له: فحديث عمر بن عبد العزيز الذي كتب فيه إلى رجال كانوا بخراسان قد خلفوا أهليهم فكتب إلى أمرائهم إما أن حملوهن إليهم وإما أن قدموا عليهن وإما أن فارقوهن قال مالك: وذلك رأيي وأرى أن يقضى بذلك (1).
وقال ابن العربي: " إن مفهوم الآية قصد المضارة بالزوجة وإسقاط حقها من الوطء فلذلك قال علماؤنا: إذا امتنع من الوطء قصدا للإضرار من غير عذر مرض أو رضاع وإن لم يحلف- كان حكمه حكم المولي وترفعه إلى ا (1/183)
صفحة 183
لحاكم إن شاءت ويضرب له الأجل من يوم رفعه لوجود معنى الإيلاء في ذلك, فإن الإيلاء لم يرد لعينه وإنما ورد لمعناه وهو المضارة وترك الوطء " (2).
__________
(1) المدونة الكبرى 5/ 168
(2) أحكام القرآن لابن العربي 1/ 178. دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت- لبنان.
وقال القرطبي: " قال علماؤنا: ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حلفها إضرارا بها أمر بوطئها فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل, وقيل يضرب أجل الإيلاء" (1).
وقال الباجي: " ولو ترك الرجل وطء امرأته من غير يمين على وجه الضرر قال القاضي أبو محمد: وعرف ذلك منه وطالت المدة أن حكمه حكم المولي وقال مالك: لا يترك وذلك إن لم يكن له عذر حتى يطأ أو يفرق بينهما, قال القاضي أبو محمد: يفرق بينهما من غير ضرب أجل ووجه ذلك عندي أنه ليس هنالك مانع من يمين ولا غيرها فلم يضرب له أجل تربص, والمولي يمنعه اليمين التي تلزمه فضرب له أجل أربعة أشهر ليرى ويتسبب في الخروج عن اليمين التي لزمته " (2).
وقال ابن شاس: " يحكم أيضا بالإيلاء على من ترك الوطء مضاررا وعرف ذلك منه وطالت به المدة وأجله أيضا من حين الحكم كالسابق وقيل يفرق بينهما بغير أجل" (3). (1/184)
صفحة 184
وقال خليل في مختصره -بعد ذكر ما يكون به الإيلاء- " أو ترك الوطء ضررا وإن غائبا" وأقره شارحاه الحطاب والعبدري" (4).
كما أقر الزرقاني في شرحه على المختصر ذلك وتابعه محشيه الرهوني ونقل الرهوني في ذلك نصوص طائفة كبيرة من علماء المالكية كلها تدل على أن من ترك الوطء ضرارا عومل معاملة المولي وإنما اختلفوا في ضرب الأجل له كما سبق ذكره (5).
__________
(1) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن 3/ 106.
(2) المنتقى للباجي 4/ 36.
(3) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة 2/ 216.
(4) ينظر مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب والتاج والإكليل لمختصر خليل للعبدري 4/ 128.
(5) تراجع حاشية الإمام الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر خليل 4/ 135.
ولئن ساغ أن يعامل تارك الوطء ضرارا معاملة المولي مع عدم اليمين بل مع عدم صدور قول منه يفيد الامتناع عن الوطء فكيف بمن حلف أن لا يطأها مدة ما واستمر على امتناعه إلى أن مضت مدة التربص التي حددت لمن آلى , أليس هذا أولى بأن يلحق بالمولي في حكمه؟!
ولئن عجبت من تباين مذهبي مالك وأصحابه في هاتين المسألتين فأعجب أيضا مما حكى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا يرى الحلف على أقل من أربعة أشهر إيلاء ولو مع الاستمرار على الامتناع عن الوطء إلى انقضاء الأربعة كما سبق ذكره عنه مع أنه يرى نفس الهجران ولو لعقوبة المرأة له حكم الإيلاء فإذا مضت أربعة أشهر عليه بانت بتطليقة عنده كما جاء ذلك في مصنف عبد الرزاق عن عبد الله بن محرر عن يزيد بن (1/185)
صفحة 185
الأصم أن عبد الله بن عباس قال: ما فعلت تهلل -يعني امرأته- عهدي بها لسنة قال أجل, والله لقد خرجت وما أكلمها, قال: فعجل المسير قبل أن تمضي أربعة أشهر فإن مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة وأنت خاطب" (1).
ورواه أيضا عن معمر عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم فذكره (2).
ومن المعلوم أن مذهب ابن عباس رضي الله عنهما في هذا أشد من مذهب مالك لأنه يرى أن مضي مدة التربص هو عزيمة الطلاق فتبين به المرأة بتطليقة كما هو مذهب أصحابنا والحنفية في الإيلاء.
هذا وقد دل المعقول والمنقول أن للزوجة حقا في الوقاع, أما المعقول فهو أن الحياة الزوجية شركة بين الزوجين يتقاسمان منافعها ويتعاونان على أعبائها ويشتاران أريها وصابها فلا يكون الحق في المنفعة لأحدهما دون الآخر وأن الأحكام الشرعية مبنية على المصالح ودفع المضار, وأي ضرر أشد من حرمان المرأة أن تجني ثمرة زواجها فتستمتع بالحلال الطيب مما يطفئ سعار غزيرتها ويسكن هيجان عاطفتها.
__________
(1) مصنف عبد الرزاق 6/ 343 رقم 11648.
(2) المرجع السابق رقم 11649.
وأما المنقول فمنه قوله تعالى: {- صدق الله العظيم (- مقدمة - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- (الله (تم بحمد الله - (- {- - - - صدق الله العظيم (- (- فهرس - - رضي الله عنه - ((- - صلى الله عليه وسلم - (- (({الله أكبر (الله - - (-} , وقوله: {صدق الله العظيم (- - صلى الله عليه وسلم - (- ((- - رضي الله عنه - (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - صلى الله عليه وسلم - (- ((- رضي الله عنهم - - (- - - (-} , وقوله: {- ((- قرآن كريم (- (- (تم بحمد الله - صلى الله عليه وسلم - - - (- - - صلى الله عليه وسلم - (- ((- ((- (- صلى الله عليه وسلم -- صلى الله عليه وسلم - - - صدق الله العظيم (- قرآن كريم (مقدمة (- - - - - - - صلى الله عليه وسلم - (- ((- ((-} , (1/186)
صفحة 186
وما شرع من حكم الإيلاء بنص القرآن وقد أدرك السلف الصالح أبعاد هذه الدلالات فلذلك كانوا حراصا على توفية المرأة حقها هذا كما في قصة عمر رضي الله تعالى عنه عندما مر في جنح الليل بامرأة تنشد أبياتا تشكو فيها بعد زوجها الذي يؤنسها في وحشة هذا الظلام ويقضي لها رغباتها الفطرية فما كان من عمر رضي الله تعالى عنه إلا أن أعاد إليها زوجها مع أنه كان غازيا في سبيل الله, وأمر أن لا يحبس رجل عن امرأته في غزو أكثر من أربعة أشهر, لهذا كله أرى أن ما ذهب إليه مالك فيما إذا ترك الرجل مواقعة أهلة مضارة لها قول صحيح فإن لم يفئ بحقها إليها فإن القضاء الشرعي يجب أن يتدخل في قضيتهما لحسم ما بينهما وهو عين ما ذهب إليه ابن عباس إلا أنه يبالغ في ذلك إلى حد أن يكون مرور أمد الإيلاء عنده طلقة بائنة ولو لم يكن إيلاء ولا أقول بذلك مراعاة للفرق بين حكم الإيلاء المنصوص عليه وما شابهه مما يؤدي إلى مضارة المرأة من غير إيلاء.
أما لو آلى على أقل من أربعة أشهر واستمر على الامتناع من مباشرتها إلى أن مضت مدة التربص المحددة بنص القرآن فإن هذا صدر منه إيلاء ولم يحصل منه فيء حتى مضت مدة التربص فلا غرو في انطباق حكم المولي عليه لما ذكرته من دلائل تدل عليه ويقوى ذلك أن القرآن لم يقيد الإيلاء بزمن محدود بل أطلقه ولكنه قيد مدة التربص بأربعة أشهر والمطلق على إطلاقه ما لم يقيده قيد, وتقييد التربص بزمن محدود لا يدل على تقييد سببه المطلق (1/187)
صفحة 187
وهو الإيلاء , وقد سبق أن ذكرنا ذلك فيما نقلناه من كلام الكمال بن الهمام في فتح القدير ومتابعة العلامة ابن نجيم له في البحر الرائق-وهما من الحنفية- وقد انقدح معنى قولهما في ذهني قبل أن أطلع على كلامهما والحمد لله.
وبعد هذا التحرير للمسألة يتضح بلا ريب أن كل قيد في الإيلاء بمكان أو حالة كما لو أقسم أن لا يطأها في بلد ما أو ببيت ما أو على فراش معين أو سرير بعينه أو عندما تلبس ثوبا ما فإن حكم ذلك كحكم ما لو قيد عدم الوطء بما دون مدة التربص فهو بإمكانه أن يجمع بين المحافظة على بره في يمينه وتوفيتها حقها من الوطء فيطأها في غير ذلك المكان الذي حلف عليه أو بغير تلك الحالة التي جاءت في يمينه, أما لو استمر على عدم الوطء مطلقا إلى انقضاء أمد التربص فهنا ينطبق الخلاف الذي ذكرناه فيما لو أقسم على ما دون أربعة أشهر فاستمر على الامتناع حتى مضت الأربعة على هذه المسألة كذلك كما هو ظاهر فيما نقلناه من كلام صاحب النيل وشارحه , ومما بينته من أدلة القول بدخول تلك المسألة في حكم الإيلاء يتبين أن ذلك هو الراجح أيضا في هذه المسائل التي تشبهها. (1/188)
صفحة 188
صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم
الحلف على عدم دخول قرية فيها امرأته
إن حلف الرجل أن لا يدخل قرية وكانت بها امرأته ففي ذلك خلاف لأهل العلم هل يعد نحو هذا إيلاء أم لا؟ ففي "بيان الشرع": "قال أبو عبد الله: من حلف لا يدخل هذه القرية وفي تلك القرية امرأته فلم يفعل حتى مضت أربعة أشهر إن امرأته تبين منه بالإيلاء"، ثم حكى صاحب بيان الشرع عن أبي معاوية أنه قال: "لا يدخل عليه الإيلاء بذلك ما لم تكن اشترطت عليه سكناها" (1).
وما حكاه عن أبي عبد الله محكي أيضا في "الضياء" وجاء فيه قبله ومن شرط لامرأته دارها عند النكاح ثم أراد نقلها فقالت: لا أنتقل، فقال: والله لا آتيك سنة حتى تنتقلي إلي، فلم يأتها حتى مضت أربعة أشهر، فعن أبي نوح أنها قد بانت بالإيلاء لأن لها دارها، ولو لم يشرط لها دارها ثم حلف على هذا أو لم يأتها ولم تنتقل سبع سنين أو أكثر لم يدخل عليه الإيلاء لأن له أن ينقلها ولا يدخل عليه الإيلاء" (2).
وما حكاه عن أبي معاوية ذكره أيضا صاحب منهج الطالبين عنه مع (1/189)
صفحة 189
إيراده الخلاف المذكور (3).
__________
(1) بيان الشرع 52/ 382.
(2) الضياء 10/ 62.
(3) منهج الطالبين 16ق 2/ 94.
ويستفاد من هذا أن رأي أبي معاوية كرأي أبي نوح في هذه المسألة وأنه يرى نحو هذا لا يكون إيلاء إن لم تكن المرأة اشترطت عليه سكنى تلك القرية التي حلف ألا يدخلها وهو بخلاف رأي أبي عبد الله محمد بن محبوب -رحمه الله تعالى- الذي يعد ذلك إيلاء وإن لم يشترط المرأة السكنى، وخالف هذيين الرأيين جميعا الإمام نور الدين السالمي -رحمه الله- حيث قال: بعد ذكره لقولي أبي عبد الله و أبي معاوية -رحمهما الله-: وأقول: إنه لا إيلاء عليه مطلقا لأنه لم يحلف عن زوجته وإنما حلف عن دخول البلدة ويمكنه الإجتماع بزوجته في غير تلك البلدة حتى لو كان لها عليه شرط السكنى إذ لها أن تترك شرطها، وظاهر قوله تعالى {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} يدل على أن الإيلاء عن النساء لا عن البلدان، فلا إيلاء إلا على من حلف عن زوجته" (1). هذا وقد سبق أن الإيلاء كالطلاق يكون بصيغة صريحة وبصيغة كنائية وعليه فإن قصد بالحلف عن دخول القرية التي فيها امرأته امتناعه عن مواقعتها فلا ريب أن ذلك إيلاء لما فيه من مضارتها وأنتم ترون أن الله تعالى ما شرع حكم الإيلاء إلا لرفع الضرر عن النساء على أن أحق الشروط بالوفاء ما استحلت به الفروج كما جاء في الحديث واضطرارها إلى النزول عن شرطها إذا اشترطت (1/190)
صفحة 190
عليه السكنى بالحلف أن لا يدخل القرية التي اشترطت عليه سكناها ينافي الإمساك بالمعروف الذي أمر الله به فلا بد من مراعاة ذلك، وقد حرر الإمام نور الدين السالمي -رحمه الله- هذه المسألة في جوهره فأضاف إلى ما ذكر هنا أنه إن كان قصده بما قال الإيلاء من امرأته فله قصده وهذا نص قوله:
__________
(1) جوابات الإمام السالمي 3/ 276.
ومن تكن زوجته في قرية ... فألّ لا يدخلها لنكتة
فإن وفى بما به قد حلفا ... إلى تمام الأجل الذ عرفا
قيل تبين زوجه إذ فيه ... إيلاؤه عنها بما يخفيه
وقيل لا إن لم يكن قد اشترط ... لها سكونا وبه قد ارتبط
وفي كلا القولين عندي نظر ... وإن يكن صح بذاك الأثر
لأنما الإيلاء في القرآن ... عن النساء لا عن البلدان
لو كان في الشرط عليه سكنى ... يمكنه إتيانها لمعنى
تترك شرطها لما أرادا ... أو تأته ليبلغ المرادا
فهو بذاك الحال قد بر القسم ... ونال منها ما أراد والتزم
فإن عرفت ذلك التأويلا ... أخرجتها عن حكم هذا الإيلا (1/191)
صفحة 191
وإن يكن مكنيا عن زوجته ... بدارها فحكمها لنيته
إذ الكنايات من الكلام ... صنف يحوز الشطر في الأحكام
وعل من قال بما تقدما ... رآه قد أراد هذا فاعلما
وشاهد الحال دليل قاضي ... فلا يصح أن نلوم الماضي (1) (1/192)
صفحة 192
تقييد الإيلاء بأنواع من القيود
واختلاف حكمه باختلافها
ذكر الشافعي في "الأم" قيودا شتى للإيلاء عد كثيرا منها مسقطا لحكمه وإليك نص ما قاله: " وإذا قال الرجل لامرأته والله لا أقربك إن شاء الله تعالى فلا إيلاء، وإن قال: والله لا أقربك إن شاء فلان فليس بإيلاء حتى يشاء فلان فإن شاء فلان فهو مول، وإذا قال والله أقربك (2) حتى يشاء فلان فليس بمول لأن فلانا قد يشاء فإن خرس فلان أو غلب على عقله فليس بمول لأنه قد يفيق فيشاء فإن مات فلان الذي جعل إليه المشيئة فهو مول لأنه لا يشاء إذا مات، وكذلك إن قال لا أقربك حتى يشاء أبوك أو أمك أو أحد من أهلك، وكذلك إن قال حتى تشائي أو حتى أشاء أو حتى يبدو لي أو حتى أرى رأيي.
__________
(1) جوهر النظام 2/ 316, 317.
(2) كذا في الأم ولعل الصواب لا أقربك.
قال الشافعي وكذلك إن قال: والله لا أقربك بمكة أو بالمدينة أو حتى أخرج من مكة أو المدينة أو لا أقربك إلا ببلد كذا أو لا أقربك إلا في البحر أو لا أقربك على فراشي أو لا أقربك على سرير أو ما أشبه هذا لأنه يقدر على أن يقربها على غير ما وصف (1) ببلد غير البلد الذي حلف أن لا يقربها (1/193)
صفحة 193
فيه ويخرجها من البلد الذي حلف لا يقربها فيه ويقربها في حال غير الحال التي حلف لا يقربها فيها ولا يقال له أخرجها من هذا البلد الذي حلفت لا تقربها فيه قبل أربعة أشهر إذا جعلته ليس بمول لم أحكم عليه حكم الإيلاء, وكذلك لو قال والله لا أقربك حتى أريد أو حتى أشتهى لم يكن موليا أقول له أرد أو اشته، وإن قال والله لا أقربك حتى تفطمي ولدك لم يكن موليا لأنها قد تفطمه قبل أربعة أشهر إلا أن يريد لا أقربك أكثر من أربعة أشهر وإن قال والله لا أقربك حتى أفعل أو تفعلي أمرا لا يقدر واحد منهما على فعله بحال كان موليا وذلك مثل أن يقول والله لا أقربك حتى أحمل الجبل كما هو أو الأسطوانة كما هي أو تحمليه أنت أو تطيري أو أطير أو ما لا يقدر واحد منهما على فعله بحال أو تحبلي وتلدي في يومي هذا، ولو قال لامرأته والله لا أقربك إلا ببلد كذا وكذا لا يقدر على أن يقربها بتلك البلدة بحال إلا بعد أربعة أشهر كان موليا يوقف بعد الأربعة أشهر، ولو قال والله لا أقربك حتى تحبلي وهي ممن يحبل مثلها بحال لم يكن موليا لأنها قد تحبل، ولو قال والله لا أقربك إلا في سفينة في البحر لم يكن موليا لأنه يقدر على أن يقربها في سفينة في البحر" (2) وحكى عنه المزني جانبا مما تقدم وإنما ذكر عنه أولا أنه قال: " ولو قال والله لا أقربك إلى يوم القيامة أو حتى يخرج الدجال أو حتى ينزل عيسى ابن مريم أو حتى يقدم فلان أو يموت أو تموتي أو تفطمي ابنك, فإن مضت أربعة أشهر قبل أن يكون شيء مما حلف عليه كان موليا" وقد وافقه المزني في بعض ما
__________
(1) في الأصل وصفت.
(2) الأم 5/ 268, 269.
قاله وخالفه في (1/194)
صفحة 194
بعض (1).
قال الماوردي في شرحه: " قد تمهد بما قدمناه من أصول الوطء أنه لا يكون موليا إلا أن تزيد مدة (2) إيلائه على أربعة أشهر وإذا كان كذلك لم تخل مدة إيلائه من ثلاثة أقسام:
- أحدها: أن تكون مطلقة.
- والثاني: أن تكون مقيدة بزمان.
- والثالث: أن تكون معلقة بشرط.
أما القسم الأول: وهو المدة المطلقة وهو أن يقول: والله لا أصبتك, فإطلاقها يقتضي الأبد فهو كقوله: والله لا وطئتك أبدا. والتلفظ بالأبد هاهنا تأكيد فهذا أقوى.
وأما القسم الثاني المقدر بالزمان فهو أن يقول: والله لا أصبتك إلى سنة كذا أو إلى شهر كذا أو إلى يوم كذا فينظر في هذا الزمان فإن زاد على أربعة أشهر كان موليا وإن تقدر بأربعة أشهر فمادون لم يكن موليا.
وأما القسم الثالث وهو المعلق بشرط فهو على ثمانية أقسام: (1/195)
صفحة 195
أحدها: ما كان به موليا في الظاهر والباطن لاستحالته, وهو كقوله والله لا أصبتك حتى تصعدي السماء, أو حتى تصافحي الثريا, أو حتى تعدي رمل عالج, أو حتى تنقلي جبل أبي قبيس, أو حتى تشربي ماء البحر, وما شابه كل ذلك, فيكون موليا لاستحالة وجود هذه الشرائط فكان ذكرها لغوا وصار الإيلاء معها مرسلا.
والقسم الثاني: ما كان به موليا في الظاهر والباطن للقطع والاحاطة بأنه سيكون بعد أكثر من أربعة أشهر كقوله: والله لا وطئتك حتى تقوم القيامة فهذا مول في الظاهر والباطن، لأنه قد تتقدم القيامة أشراط منذرة فنحن إذا لم نر أشراطها على يقين من تأخرها عن أربعة أشهر.
__________
(1) مختصر المزني مع شرحه الحاوي الكبير 10/ 367.
(2) في الأصل هذه وليس لها معنى.
والقسم الثالث: ما كان به موليا في الظاهر وإن جاز أن لا يكون به موليا في الباطن كقوله: والله لا أصبتك حتى ينزل عيسى ابن مريم أو حتى يظهر الدجال, أو حتى يخرج يأجوج ومأجوج, وحتى تطلع الشمس من مغربها أو ما جرى هذا المجرى من أشراط الساعة التي الأغلب تأخرها عن مدة الإيلاء , وإن جاز في الممكن تقدمها, فلذلك جعلناه بها موليا في الظاهر دون الباطن وألزمناه بها حكم المولي في الباطن والظاهر، ومن أصحابنا من جعل أشراط الساعة كلها كالقيامة لأنه يكون بها موليا في الظاهر والباطن لأن لها أمارات منذرة كالقيامة تتأخر قبل وجودها عن مدة التربص. (1/196)
صفحة 196
والأصح من إطلاق هذين أن يقال ما صحت به أخبار الأنبياء عليهم
السلام أنها تترتب فيكون بعضها بعد بعض كنزول عيسى ابن مريم عليه السلام يكون من بعد ظهور الدجال كان إيلاؤه إلى نزول عيسى ابن مريم ظاهرا وباطنا وإيلاؤه إلى ظهور الدجال ظاهرا دون الباطن لجواز حدوثه قبل أربعة أشهر، وما لم يترتب منها فهو به مول في الظاهر دون الباطن، وهذا من الاختلاف الذي لا يفيد لأن موجب الإيلاء فيهما لا يختلف, فأما إذا قال: والله " لا" (1) أصبتك حتى أموت أو تموتي فهو مما يكون به موليا في الظاهر دون الباطن لجواز موتهما قبل مدة التربص، وإنما صار مع جواز الموت قبل المدة موليا في الظاهر لعلتين.
إحداهما: أن الظاهر بقاؤهم إلى مدة التربص وإن جاز موتهما قبلها فحكم بالظاهر.
__________
(1) لا) ساقطة في الأصل ولا يستقيم المعنى بدونها.
والعلة الثانية: أنهما لو أطلق ذلك على الأبد لا تقدر بمدة حياتهما فعلى هذين التعليلين لو قال: "والله لا أصبتك حتى يموت زيد" فإن كان زيد في مرض مخوف لم يكن به موليا, لأن الظاهر من حاله موته قبل مدة التربص لأمارات الموت بحدوث الخوف وإن كان زيد صحيحا أو في مرض غير مخوف فعلى التعليل الأول يكون به موليا في الظاهر دون الباطن اعتبارا بظاهر بقائه إلى مدة التربص, وعلى التعليل الثاني لا يكون به موليا لا في (1/197)
صفحة 197
الظاهر ولا في الباطن لتردد حاله بين الموت والبقاء وإن إيلاء الزوجين لو كان مطلقا لم يتقدر بموته, وحمله على التعليل الأول أصح لأنه لو قال: إن أصبتك فعبدي حر. كان موليا في الظاهر وإن جاز أن يموت عبده أو يبيعه قبل مدة التربص, فلا يكون موليا لكن علينا حكم الظاهر مع جواز خلافه.
والقسم الرابع: ما اختلف حكمه باختلاف حال الشرط كقوله: والله لا أصبتك حتى يقدم زيد فينظر غيبة زيد فإن كان بمكان مسافته أكثر من أربعة أشهر كالصين كان به موليا وإن كان بمكان مسافته أقل لم يكن به موليا لجواز قدومه قبل مدة التربص سواء قدم قبلها أو لا, وإن لم يعلم غيبة زيد لم يكن به موليا أيضا لجواز قدومه قبل المدة وكقوله: والله لا أصبتك حتى تحبلي فلها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تكون ممن لا يجوز أن تحبل قبل مدة التربص لصغرها أو لإياسها فيكون بذلك موليا,
والحال الثانية: أن تكون ممن يجوز أن تحبل في الحال لكونها بالغة من ذوات الأقراء فلا يكون بذلك موليا لإمكان حبلها وتساوي الأمرين فيه,
والحال الثالثة: أن تكون مراهقة لجواز أن يتعجل بلوغها فتحبل ويجوز أن يتأخر بلوغها فلا تحبل, قال أبو حامد الاسفرائيني: يكون بذلك موليا لأن الظاهر تأخر البلوغ وتأخره مانع من الحبل. (1/198)
صفحة 198
والصحيح عندي أنه لا يكون به موليا لأن الظاهر بلوغ المراهقة ممكن كما أن حبل البالغة ممكن، وليس أحد الأمرين بأغلب من الآخر وإذا أمكن
بلوغها أمكن حبلها.
والقسم الخامس: ما يختلف باختلاف إرادته كقوله: والله لا أصبتك حتى تفطمي ولدك فإن أراد به قطع الرضاع لم يكن به موليا, لأنه يمكنها قطعه في الحال، وإن أراد به مدة رضاع الحولين نظر في الباقي منها فإن كان أكثر من أربعة أشهر كان موليا وإن كان أقل لم يكن موليا, ومن أصحابنا من جعل هذا من القسم الرابع الذي يختلف باختلاف حاله لا باختلاف إرادته فقال: إن كان الولد طفلا لا يجوز قطع رضاعه قبل أربعة أشهر كان به موليا وإن كان مشدا يجوز قطع رضاعه قبل أربعة أشهر لم يكن به موليا, والأول أصح وهو قول ابن سريج والأكثر من أصحابنا لأن قطعها لرضاعه ممكن وإن منع منه الشرع والإيلاء متعلق بإمكان الفعل لا بجوازه في الشرع، وعلى هذا الاختلاف لو علق بما يمكن فعله لكن يمنع الشرع منه كقوله: والله لا أصبتك حتى تقتلي أخاك لم يكن موليا على معنى قول أبي العباس لأنها تقدر على قتله في الحال, وكان موليا على قول من خالفه لأن الشرع منعها من قتله ومن هذا القسم أن يقول: والله لا أصبتك حتى تخرجي إلى الحج فإن أراد به زمان الخروج المعهود كان به موليا إذا بقي إليه أكثر من أربعة أشهر، وإن أراد به فعلها للخروج لم يكن به موليا لأنه يمكنها الخروج قبل المدة. (1/199)
صفحة 199
والقسم السادس: ما يختلف باختلاف زمانه كقوله: والله لا أصبتك
حتى يسقط الثلج أو يجمد الماء فإن كان هذا في الشتاء وزمان البرد لم يكن به موليا لإمكانه في الحال وإن كان في الصيف وزمان الحر نظر فإن كان في أخره والباقي من الشتاء أقل من أربعة أشهر لم يكن موليا وإن كان في أوله والباقي منه إلى الشتاء أكثر من أربعة أشهر كان موليا, ولو قال: والله لا أصبتك حتى يجئ المطر فمن أصحابنا من جعله في أول الصيف كالثلج يكون به موليا "لتعذره" (1) في الأغلب، ومن أصحابنا من قال: لا يكون به موليا وفرق بينه وبين الثلج بأن المطر قد يجئ في الصيف والثلج لا يكون في الصيف, فأما البلاد التي يعهد فيها المطر صيفا وشتاء كبلاد طبرستان فلا يكون به موليا لا يختلف أصحابنا فيه.
والقسم السابع: ما لا يكون موليا لتكافؤ أحواله كقوله: والله لا أصبتك حتى يبرأ هذا المريض, أو حتى يمرض هذا الصحيح, أو حتى تتعلمي الكتابة, أو حتى يطلق فلان زوجته , أو حتى يعتق عبده, فلا يكون بذلك موليا لإمكان حدوثه وتقدمه على مدة التربص كإمكان تأخره عنه, وهكذا لو قال: لا أصبتك حتى تلبسي هذا الثوب أو تدخلي هذه الدار, أو حتى أخرجك من هذا البلد, لم يكن موليا لإمكان فعل ذلك في الحال, ولا يلزمه إخراجها من البلد ليبر في يمينه إن وطئ لأنه إذا لم يصر موليا لم يلزمه وطؤها ولم يطالب بفيئة ولا طلاق. (1/200)
صفحة 200
والقسم الثامن: ما لا يكون به موليا لكونه قبل أربعة أشهر كقوله والله
لا أصبتك حتى تذبل هذه البقلة أو حتى يختمر هذا العجين أو حتى يحمض هذا العصير أو حتى ينضج هذا القدر فلا يكون بذلك موليا لوجود هذا كله في أكثر من مدة الإيلاء (2).
__________
(1) لتعذره) في الأصل لتعزره.
(2) كذا في الأصل والظاهر أن الصواب (في أقل من مدة الإيلاء).
ثم قال: فأما المزني فإنه جمع بين سبع مسائل, ورأى الشافعي قد خالف في جواب بعض ما يتكلم عليه, وليس اختلاف جوابه لاختلاف قوله, وإنما هو لاختلاف الأحوال على ما بيناه في فطام أم الولد وقدوم الغائب, والله أعلم" (1).
وبعد نقل ما قاله الشافعي والمزني وحرره الماوردي أعود إلى ما قالوه بعرضه على ما اتضح لي من دليل يمكننا أن نستند إليه أو ما فهمته من حكمة الشرع في مشروعية حكم الإيلاء مستعرضا المسائل التي تعرضوا لها فأما إن قال: والله لا أقربك إن شاء الله ونوى به الاستثناء المسقط لكفارة اليمين فإن إيلاءه لا يكون نافذا في هذه الحالة لأن له أن يأتيها من غير أن يجب شيء عليه ولكن إن تركها من أجل يمينه فلم يأتيها حتى مضت أربعة أشهر فقد أوقع بها الضرر الذي شرع من أجله حكم الإيلاء فلا وجه عندئذ لإعفائه من حكمه فيما أرى. (1/201)
صفحة 201
وأما قوله: والله لا أقربك إن شاء فلان فهو لا يخلو إما أن يريد به
الامتناع من قربها عندما يشاء فلان أن لا يقربها، وأما أن يريد به أنه لا يقربها إن شاء فلان أن يقربها لأن كلامه محتمل لهما، فإن كان الأول هو المراد فإن له أن يقربها إلا إن شاء فلان عدم قربها وما لم يشأ فلان فهو غير مول ولكن ليس له الامتناع عن إتيانها لما فيه من الأضرار بها فإن امتنع عنه قصدا وإضرارا فإما أن يكون لأجل مراعاة يمينه أو لا فإن كان الأول ألحق بحكم الإيلاء لأنه صدق عليه أنه آلى وإن كان إيلاءه مقيدا، وإن كان الثاني فإن وافقت على إسقاط حقها من المعاشرة أو العفو عنه إلى أن يريد بنفسه فذلك إليها وإلا كانت لها مطالبته شرعا بأن يوفيها حقها، وإن أراد بقوله هذا أنه لا يقربها عندما يشاء فلان أن يقربها فليس ذلك بإيلاء إذ له أن يأتيها متى شاء بنفسه ولكن إن امتنع عن إتيانها كان حكمه كالذي سبق فيما ذكرناه في الاحتمال السابق.
__________
(1) الحاوي الكبير 10 صفحة 367 - 371
وأما إن قال: والله لا أقربك حتى يشاء فلان فإن شاء أن يقربها فأتاها قبل مضي مدة الإيلاء فلا عليه من ذلك، وإلا انطبق حكم الإيلاء عليه لأنه آلى فعلا وإن كان إيلاؤه مقيدا وقد سبق بيان أن ما كان من نحو ذلك كالتقييد بما دون مدة الإيلاء يدخل فيما دلت عليه الآية من حكم الإيلاء مع مراعاة حكمة الشارع الحكيم في مشروعية الإيلاء وهي رفع الضرر عن المرأة. (1/202)
صفحة 202
أما إن مات فلان الذي غيي إيلاءه بمشيئته فقد انعدمت المشيئة وثبت
حكم الإيلاء وكذلك إن غلب على عقله حتى مضت أربعة أشهر.
وهذا الحكم بعينه ينطبق على ما إذا علق إتيانها بمشيئته أو مشيئة أبيها أو أمها أو حتى يبدو له أو يرى رأيه أما إن علقه بمشيئتها هي فلا يبدو لي أن له حكم الإيلاء لما يتبادر منه أنه أراد به أن لا يأتيها كارهة حتى تكون راغبة في إتيانها.
هذا وقد نقل المزني في مختصره عن الشافعي أنه قال: ولو قال: والله لا أقربك إن شئت فشاءت في المجلس فهو مول (1).
قال الماوردي في شرحه: اعلم أن تعليق الإيلاء بمشيئتها على أربعة أقسام:
أحدها: أن يقول: والله "لا" (2) أقربك إن شئت أن لا أقربك فتكون مشيئتها أن لا يقربها شرطا في الإيلاء منها فإن شاءت أن لا يقربها انعقد الإيلاء وإن لم تشأ لم ينعقد. (1/203)
صفحة 203
والقسم الثاني: أن يقول: والله لا أقربنك إن شئت أن أقربك فتكون مشيئتها أن يقربها شرطا في انعقاد الإيلاء منها, فإن شاءت أن يقربها انعقد الإيلاء فيها وإن لم تشأ لم ينعقد بخلاف القسم الأول.
والقسم الثالث: أن يقول: والله لا أقربنك إن شئت فتكون مشيئتها أن لا يقربها شرطا ولا تكون مشيئتها أن يقربها شرطا وإنما وجب حمله على ذلك مع الإطلاق لأن من حكم الشرط أن يكون وفق المشروط الذي حلف عليه وهو حلف أن لا يقربها فوجب أن تكون مشيئتها أن لا يقربها.
__________
(1) مختصر المزني مع شرحه الحاوي الكبير 10/ 371
(2) لا ساقطة في الأصل المطبوع ولا يستقيم الكلام بدونها.
والقسم الرابع: أن يقول والله لا أقربك إلا أن تشائي فتكون مشيئتها أن لا يقربها شرطا في رفع الإيلاء لا في انعقاده بخلاف ما تقدم فإن شاءت لم ينعقد وإن لم تشأ انعقد لأن قوله: والله لا أقربك إثبات وقوله: إلا أن تشائي نفي فصار مثبتا للإيلاء بغير شرط ومثبتا له بوجود الشرط.
ثم قال: إذا تقرر ما وصفناه من أحكام الأقسام الأربعة انتقل الكلام إلى صفة مشيئتها, ولا يجوز أن تكون على التراخي, كما لو علق طلاقها بمشيئتها, لأن فيهما نوعا من التمليك, وهل يراعى فيه حكم الفور أو حكم المجلس؟ على وجهين مضيا في كتاب الطلاق.
أحدهما: يراعى حكم الفور فعلى هذا يحتاج أن تكون مشيئتها جوابا في الحال, كالقبول في العقود وإن تمادى زمانا-وإن قل- أو تخللهما كلام بطلت مشيئتها, فلم يتعلق بها حكم. (1/204)
صفحة 204
والوجه الثاني: أن يراعى فيها المجلس فإن شاءت قبل الافتراق صحت مشيئتها وثبت حكمها وإن شاء ت بعد الافتراق فلا حكم لمشيئتها.
فإن قيل: فهلا كان تعليق الإيلاء بمشيئتها رضى منها بإسقاط حقها من المطالبة كتعليق الطلاق في المرض بمشيئتها رضى منها في إسقاط حقها من الميراث؟ قيل الفرق بينهما أن المطالبة بحكم الإيلاء لا تجب إلا بثبوت الإيلاء فلم يكن رضاها بالإيلاء مسقطا لثبوت حقها منه, والميراث يسقط بالطلاق فجاز أن يكون رضاها بالطلاق مسقطا لحقها من الميراث.
ثم قال: ولو قال والله لا أقربك إن شاء زيد فلا يعتبر الفور في مشيئة زيد بخلاف مشيئتها لأنه إذا علق ذلك بمشيئتها كان فيه تمليك, فروعي فيه الفور وإذا علق بمشيئة غيرها لم يكن فيه تمليك فلم يراع فيه الفور فمتى قال زيد: قد شئت على الفور أو التراخي انعقد الإيلاء، وإن قال: لست أشاء لم ينعقد وإن مات ولم تعلم مشيئته لم ينعقد الإيلاء لأن الأصل أن لا مشيئة والله تعالى أعلم" (1).
__________
(1) الحاوي الكبير 10/ 371 - 372
وهو كلام حسن إلا أن ما ذكره في القسمين الثالث والرابع -وإن كان هو المتبادر بناء على ما ذكره من أن الشرط يكون وفق المشروط- لا يمنع من أن يكون قصده خلاف ذلك فاحتمال أكثر من وجه في مشيئتها وارد إذ يمكن أن يصرح بما استثناه من مشيئتها ويكون بخلاف هذا كما ذكره بنفسه في (1/205)
صفحة 205
القسمين الأولين لذلك أرى أن يعول في استثنائه في هذين القسمين على قصده وعليه أن يبوح إن سئل عما أكنه في نفسه وهو مسئول عنه أمام ربه.
هذا وأما قوله: والله لا أقربك بمكة, أو بالمدينة, أو حتى أخرج من مكة أو من المدينة, أو لا أقربك إلا ببلد كذا, أو لا أقربك إلا في البحر أو لا أقربك على فراشي, أو لا أقربك على سرير أو نحو هذا مما فيه تقييد بمكان أو بحال فقد مضى أن نحو هذا لا يعدو أن يكون إيلاء إن هو استمر على عدم إتيانها حتى مضت أربعة أشهر لأن التقييد بالحال والمكان كالتقييد بالزمان وقوله تعالى: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} مطلق يشمل هذه الوجوه كلها كما تقدم هذا بجانب ما ذكرناه من أن مشروعية الإيلاء إنما هي من أجل رفع الضرر عن المرأة ولا ريب أن الضرر واقع بها إن امتنع عن إتيانها لقسمه وإن استثنى ما لم يمكن تحققه حتى مضت أربعة أشهر وبهذا يتبين أنه إن قال لها: لا أقربك حتى أريد أو حتى أشتهي. فلم يرد ولم يشته, حتى مضت مدة الإيلاء كان ذلك إيلاء وكذلك إن آلى منها حتى تفطم ولدها فلم يكن الفطام حتى مضت أربعة أشهر أو استمر على الامتناع منها بعد فطامه حتى مضت.
وأما إن قال لها والله لا أقربك حتى تحبلي فلا ريب أن هذا إيلاء سواء كانت صبية أو مراهقة أو بالغة لتعذر حبلها بغير إتيان سواء منه أو من غيره فإن أراد بقوله حتى تحبل منه فقد علقه بمحال ولا يعني ذلك إلا التأكيد على امتناعه من إتيانها وإن أراد به أن تحبل من غيره فإنه يكون مضطرا لها إلى (1/206)
صفحة 206
إتيان الفحشاء بحيث لم يجعل لها سبيلا إلى ما تبتغي منه حتى تأتيها وكفى به ضرارا وإثما مبينا.
وبعدما: أنقدح في ذهني هذا الذي حررته رأيت مثله لمحققي الحنابلة فقد قال ابن قدامة في المغني: " وإن قال: والله لا وطئتك حتى تحبلى فهو مول لأن حبلها من غير وطء مستحيل عادة فهو كصعود السماء, وقال القاضي و أبو الخطاب, وأصحاب الشافعي: ليس بمول إلا أن تكون صغيرة يغلب على الظن أنها لا تحمل في أربعة أشهر, أو آيسة, فأما إن كانت من ذوات الأقراء فلا يكون موليا لأنه يمكن حملها, قال القاضي: وإن كانت الصغيرة بنت تسع سنين لم يكن موليا لأن حملها ممكن, ولنا أن الحمل بدون الوطء مستحيل عادة فكان تعليق اليمين عليه إيلاء كصعود السماء، ودليل استحالته قول مريم: {(تمهيد - - - - - - - (الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - (تمت قرآن كريم (- - رضي الله عنه - - - (- (المحتويات (فهرس - (((المحتويات - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - ((- (- - - (- - رضي الله عنه - - (- - (- - (المحتويات - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - - ((- رضي الله عنه - -} (1) وقولهم: {- تمهيد (- (- ((- رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - تمت - صلى الله عليه وسلم - (- (- رضي الله عنهم - - - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - رضي الله عنه - تمت - - - (- قرآن كريم (- - صلى الله عليه وسلم - - - صلى الله عليه وسلم - - - رضي الله عنه - - (تم بحمد الله - - - ((قرآن كريم - رضي الله عنهم - - - -
__________
(1) مريم: 20.
رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (تمهيد - رضي الله عنه - الله أكبر - - - (- - تم بحمد الله (- - - - ((- رضي الله عنه - -} (1) ولولا استحالته لما نسبوها إلى البغاء لوجود الولد، وأيضا قول عمر رضي الله عنه: " الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت به البينة أو كان الحبل أو الاعتراف", ولأن العادة أن الحبل لا يوجد من غير وطء، فإن قالوا يمكن حبلها من وطء الغير أو باستدخال منيه, قلنا أما الأول فلا يصح فإنه لو صرح به فقال: لا وطئتك حتى تحبلى من غيري أو (1/207)
صفحة 207
ما دمت في نكاحي حتى تزني كان موليا ولو صح ما ذكروه لم يكن موليا, وأما الثاني فهو من المستحيلات عادة, إن وجد كان من خوارق العادات بدليل ما ذكرناه، وقد قال أهل الطب إن المني إن برد لم يخلق منه ولد وصحح قولهم قيام الأدلة التي ذكرنا بعضها, وجريان العادة على وفق ما قالوه وإن كان تعليق على موته أو موتها أو موت زيد إيلاء فتعليقه على حبلها بغير وطء أولى، وإن قال: أردت بقولي حتى تحبلي السببية ولم أرد الغاية ومعناه لا أطؤك لتحبلي قبل منه ولم يكن موليا لأنه ليس بحالف على ترك الوطء وإنما هو حالف على قصد ترك الحبل به فإن "حتى " تستعمل بمعنى السببية" (2).
__________
(1) مريم: 28.
(2) المغنى 8/ 507 - 508, وينظر الشرح الكبير 8/ 512.
وما حكاه عن القاضي وأبى الخطاب من موافقتهما للشافعي وأصحابه في هذه المسألة حكاه عن القاضي أيضا المرداوي في الإنصاف ثم قال: " وجزم به في "الهداية" و"المستوعب" وقال في "الرعايتين" و"الحاوي الصغير": فإن قال: حتى تحبلي وهي ممن يحبل مثلها, وقيل إن لم يكن وطئ أو وطئ -وحملنا يمينه على حبل جديد- صار موليا وإلا فروايتان, قال في المحرر والنظم والفروع, وإن قال: حتى تحبلي ولم يكن وطئها أو وطئها -وحملنا على حبل متجدد- فهو مول وإلا فعلى روايتين, قال في الوجيز: (1/208)
صفحة 208
وإن لم يكن وطئها أو طئ ونيته حبل متجدد فهو مول, وقال ابن عبدوس في تذكرته: ويكون موليا بحبل موطؤة قصده بمتجدد أو غيرها" (1).
هذا وأما قول ابن قدامة: إن أراد بقوله حتى تحبلي السببية ولم أرد
الغاية ومعناه لا أطؤك لتحبلي قبل منه ولم يكن موليا .. إلخ
فهو صحيح ولكن مع هذا يجب أن يصدقه بفعله بحيث لا يمتنع عن وطئها حتى تمضي مدة الإيلاء إلا مع العجز عنه.
هذا وقد يعترض معترض بأن حملها منه غير متعذر في وقتنا هذا وإن لم يطأها لإمكان أخذ حيوان منوي منه وتلقيح بييضة منها به بواسطة الأنابيب أو التلقيح الصناعي ومع احتمال ذلك فلا يعد مثل هذا إيلاء.
وجوابه أن هذا -وإن كان ممكنا بما حصل من التقدم العلمي وانفتاح آفاق للأطباء من خلاله- هو أمر عسير لما يحف به من مخاطر ولذلك لم يبحه الذين أباحوه إلا بقيود وفي حال الاضطرار فقد يؤدي إلى اختلاط الأنساب عند ما تقع الحيوانات المنوية في يد غير مأمونة وقد تترتب عليه آثار لا تحمد في المولود الذي يحمل بهذه الطريقة غير الطبيعية، فلماذا يلجئها إلى أن تقذف بنفسها في مثل هذه التصرفات التي لا تؤمن عاقبتها فما من عاقل (1/209)
صفحة 209
يزعم أنه لا ضرر عليها في هذا مع ما هو معلوم أن حكم الإيلاء لم يشرع إلا لرفع الضرر.
__________
(1) الإنصاف 9/ 175.
وأما قوله: والله لا أقربك إلا في سفينة في البحر أو فوق البحر أو في موضع كذا فإنه ينظر فيه فإن كان بإمكانه أن يهيئ لها المكان المناسب لإتيانها فيه كما حلف ولم يكن عليها في ذلك ضرر ولم يؤد ذلك إلى حرمانها من هذا الحق المشروع لها لم يكن إيلاء وإلا فإنه لا يخرج عن حكم الإيلاء. وأما تعليقه إتيانها على أمر غير مقدور عليه سواء كان من قبله أو من قبلها فما من شك أنه له حكم الإيلاء وذلك كأن يقول لها: والله لا آتيك حتى تنقلي هذا الجبل أو حتى أنقله, أو حتى تشربي ما في هذا النهر جميعا أو حتى أشربه ولكن قد يختلف الحكم بين زمان وآخر باختلاف الأحوال فلربما ما كان في زمان ما متعذرا لا يقدر عليه يكون في زمان آخر من الأمور العادية التي لا يتفاوت الناس في القدرة عليها فهب أن رجلا قال في القرون الغابرة لامرأته: والله لا آتيك حتى تركبي على هذا الفضاء أو تصلي إلى أقصى البقاع المعمورة في شرق الأرض أو غربها أو شمالها أو جنوبها فما من ريب أنه لا يكون ذلك إلا إيلاء لتعذر ذلك عليها ومثله لو اشترط ذلك على نفسه ولكن مع انقلاب الأحوال وتهيئ الوسائل وتمكين الله تبارك وتعالى الإنسان في هذا العصر مما لم يكن ممكنا منه من قبل أصبح ذلك من الأمور المعتادة فبإمكان الإنسان أن يعتلي على الفضاء ويقطع المسافات الشاسعة في مدة قصيرة من الزمن بل بإمكان كل منهما أن يدور بالكرة الأرضية حتى يعود (1/210)
صفحة 210
إلى مكانه الذي ابتدأ السير منه قبل أن تنقضي أربعة أيام فضلا عن أن تنقضي أربعة أشهر, ومثل ذلك ما لو قال لها: والله لا آتيك حتى تكلمي من هذا المكان من كان بأقصى الشرق أو بأقصى الغرب أو حتى أكلمه, فإن ذلك كله أمر ميسر -والحمد الله- في عصرنا هذا فإن تحقق قبل أربعة أشهر وانحلت يمينه وأتاها لم يكن ذلك من حكم الإيلاء في شيء ولكن إن لم يكن هذا الذي علق عليه إتيانها أولم يفيء حتى مضت أربعة أشهر أو كان ذلك ولكنه استمر على امتناعه من وطئها
فإن حكم الإيلاء ينطبق عليه.
وأما تعليقه إتيانها على ظهور شيء من أشراط الساعة المشهورة كظهور الدابة, أو الدجال أو نزول المسيح عليه السلام, أو طلوع الشمس من مغربها فإنه لا يدل إلا على تأكيد امتناعه عن إتيانها فهو إيلاء بلا ريب, ومثله تعليقه على موته أو موتها لاستحالة إتيانها بعد موت أحدهما، وأما تعليقه على موت غيرهما فهو تعليق على مغيب إذ لا علم لأحد بالآجال ومداها فقد يمتد أجل المريض المدنف وإن بدا للناس أنه في حالة الاحتضار ويموت الصحيح القوى وإن لم يبد لأحد دنو أجله لذلك أرى أن ذلك كله مما يلحق بالإيلاء اللهم إلا أن يموت ذلك الذي علق إتيانها بموته ويأتيها قبل مضي الأجل, وبهذا يتبين أن حكم التعليق على إتيان الغائب أو سقوط الثلج أو نزول المطر أو برء المريض أو مرض الصحيح أو انجلاء الغيم سواء في ذلك ما لم يكن لأحد فيه اختيار أو كان يقع باختيار من يقوم به ذلك الفعل كالإياب والذهاب فإن ذلك كله مما يعد إيلاء على الصحيح إن مضت (1/211)
صفحة 211
أربعة أشهر ولم يأتها سواء وقع المعلق عليه أو لم يقع, وبالجملة فإن أي يمين يترتب عليها امتناعه عن إتيانها حتى تمضي مدة الإيلاء لا تخرج عن كونها إيلاء.
هذا ولكل من الحنابلة والحنفية في هذه المسائل تفاصيل تتفق وتختلف كما أنها قد تتفق مع التفاصيل التي حكيناها عن الشافعي وأصحابه وقد تختلف ولأجل إتمام الفائدة نذكرها هاهنا:
أما الحنابلة فإن ابن قدامة هو أكثرهم توسعا في بحثها لذلك نكتفي بذكر
ما قاله ونصه:
"وإذا علق الإيلاء بشرط مستحيل كقوله: والله لا وطئتك حتى تصعدي السماء أو تقلبي الحجر ذهبا أو يشيب الغراب فهو مول لأن معنى ذلك ترك وطئها فإن ما يراد إحالة وجوده يعلق على المستحيلات, قال الله تعالى في الكفار: {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- - رضي الله عنه - - - {} - جل جلاله -- رضي الله عنهم - - (- - - - ((- - رضي الله عنهم - مقدمة - رضي الله عنهم - - (- - رضي الله عنه - - (- - رضي الله عنهم - - {- (- - - - (((- بسم الله الرحمن الرحيم - رضي الله عنهم - - ((- - عليه السلام - - (- (- - -} (1) ومعناه لا يدخلون الجنة أبدا, وقال بعضهم:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب (1/212)
صفحة 212
وألحق بهذا ما لو قال: والله لا وطئتك حتى تحبلي لاستحالة أن تحبل بغير وطء, وقد سبق نقل كلامه في هذا, ثم قال بعد ذلك:" وإن علقه على غير مستحيل فذلك على خمسة أضرب:
أحدها: ما يعلم أنه لا يوجد قبل أربعة أشهر كقيام الساعة فإن لها علامات تسبقها فلا يوجد ذلك في أربعة أشهر وكذلك إن قال: حتى تأتي الهند أو نحوه فهذا مول لأن يمينه على أكثر من أربعة أشهر.
الثاني: ما الغالب أنه لا يوجد في أربعة أشهر كخروج الدجال والدابة وغيرهما من أشراط الساعة أو يقول حتى أموت أو تموتي أو يموت ولدك أو زيد أو حتى يقدم زيد من مكة والعادة أنه لا يقدم في أربعة أشهر فيكون موليا لأن الغالب أن ذلك لا يوجد في أربعة أشهر فأشبه ما لو قال: والله لا وطئتك في نكاحي هذا, وكذلك ما لو علق الطلاق على مرضها أو مرض إنسان بعينه.
الثالث: أن يعلقه على أمر يحتمل الوجود في أربعة أشهر ويحتمل أن لا يوجد احتمالا متساويا كقدوم زيد من سفر قريب أو من سفر لا يعلم قدره فهذا ليس بإيلاء لأنه لا يعلم حلفه على أكثر من أربعة أشهر ولا يظن ذلك.
__________
(1) سورة الأعراف: 40.
الرابع: أن يعلقه على ما يعلم أنه يوجد في أقل من أربعة أشهر أو يظن ذلك كذبول بقل وجفاف ثوب ومجىء المطر في أوانه وقدوم الحاج في زمانه (1/213)
صفحة 213
فهذا لا يكون موليا لما ذكرناه، ولأنه لم يقصد الإضرار بترك وطئها أكثر من أربعة أشهر فأشبه ما لو قال: والله لا وطئتك شهرا.
الخامس: أن يعلقه على فعل منها هي قادرة عليه أو فعل من غيرها وذلك ينقسم أقساما ثلاثة: أحدها, أن يعلقه على فعل مباح لا مشقة فيه كقوله: والله لا أطؤك حتى تدخلي الدار أو تلبسي هذا الثوب أو حتى أنتفل بصوم يوم أو حتى أكسوك فهذا ليس بإيلاء لأنه ممكن الوجود بغير ضرر عليها فيه فأشبه الذي قبله. والثاني: أن يعلقه على محرم كقوله: والله لا أطؤك حتى تشربي الخمر أو تزني أو تسقطي ولدك أو تتركي صلاة الفرض أو حتى أقتل زيدا أو نحوه فهذا إيلاء لأنه علقه بممتنع شرعا فأشبه الممتنع حسا. الثالث: أن يعلقه على ما على فاعله فيه مضرة مثل أن يقول: والله لا أطؤك حتى تسقطي صداقك عنى أو دينك أو حتى تكفلي ولدى أو تهبيني دارك أو حتى يبيعني أبوك داره أو نحو ذلك فهذا إيلاء لأن أخذه لمالها أو مال غيرها عن غير رضى صاحبه محرم فجرى مجرى شرب الخمر، وإن قال: والله لا أطؤك حتى أعطيك مالا أو أفعل في حقك جميلا لم يكن إيلاء لأن فعله لذلك ليس بمحرم ولا ممتنع فجرى مجرى قوله: حتى أصوم يوما" (1).
وقد علمت مما سبق تقريره أن أي امتناع عن وطئها مدة التربص بسبب يمينه له حكم الإيلاء ولو قيد اليمين, وبهذا تعلم أن قوله: والله لا أطؤك (1/214)
صفحة 214
حتى أعطيك مالا أو أفعل في حقك جميلا لا يخرج عن حكم الإيلاء إن لم يعطها مالا ولم يفعل في حقها جميلا واستمر على الامتناع من إتيانها حتى مضت أربعة أشهر إذ هو مطالب بأن يفيء إليها سواء مع بره في يمينه بأن يعطيها المال أو يفعل في حقها الجميل أو مع حنثه بأن لا يفعل ذلك وتجب عليه كفارة الحنث.
__________
(1) المغنى 8/ 507 - 510 وينظر الشرح الكبير 8/ 511 - 514.
ثم قال: " وإن قال: والله لا وطئتك إلا برضاك لم يكن موليا لأنه يمكنه وطؤها بغير حنث ولأنه محسن في كونه ألزم نفسه اجتناب سخطها وعلى قياس ذلك كل حال يمكنه الوطء فيها بغير حنث كقوله: والله لا وطئتك مكرهة أو محزونة ونحو ذلك فإنه لا يكون موليا، وإن قال: والله لا وطئتك مريضة لم يكن موليا لذلك إلا أن يكون بها مرض لا يرجى برؤه أو لا يزول في أربعة أشهر فينبغي أن يكون موليا لأنه حالف على ترك وطئها أربعة أشهر, فإن قال ذلك لها وهي صحيحة فمرضت مرضا يمكن برؤه قبل أربعة أشهر لم يصر موليا وإن لم يرج برؤه فيها صار موليا وكذلك إن كان الغالب أنه لا يزول في أربعة أشهر صار موليا لأن ذلك بمنزلة ما لا يرجى زواله, وإن قال: والله لا وطئتك حائضا ولا نفساء ولا محرمة ولا صائمة ونحو هذا لم يكن موليا, لأن ذلك محرم ممنوع منه شرعا فقد أكد منع نفسه منه بيمينه وإن قال: والله لا وطئتك ظاهرا ولا وطئتك وطأ مباحا صار موليا لأنه حالف على ترك الوطء الذي يطالب به في الفيئة فكان موليا كما لو قال: والله لا وطئتك في قبلك , وإن قال: والله لا وطئتك ليلا أو والله لا وطئتك (1/215)
صفحة 215
نهارا لم يكن موليا لأن الوطء يمكن بدون الحنث وإن قال: والله لا وطئتك في هذه البلدة أو في هذا البيت أو نحو ذلك من الأمكنة المعينة لم يكن موليا, وهذا قول الثوري والأوزاعي والشافعي والنعمان وصاحبيه وقال ابن أبي ليلي وإسحاق: هو مول لأنه حالف على ترك وطئها ولنا أنه يمكن وطؤها بغير حنث فلم يكن موليا كما لو استثنى في يمينه" (1)
وقد علمت مما سلف من كلامنا أن التقييد لا يفيد في إسقاط الحكم مع جعل اليمين ذريعة لحرمان المرأة من المواقعة حتى تنقضي مدة الإيلاء على الصحيح.
__________
(1) المرجع السابق 510 - 511 وينظر الشرح الكبير 8/ 514 - 515.
وأما الحنفية فإن أوسعهم بحثا لدقائق هذه المسائل فيما رأيت هو الكاساني لذلك نورد ما قاله ونصه " وإن وقته إلى غاية ينظر إن كان المجعول غاية لا يتصور وجوده في مدة الإيلاء يكون موليا كما إذا قال وهو في شعبان والله لا أقربك حتى أصوم المحرم لأنه منع نفسه عن قربانها بما يصبح مانعا لأنه لا يمكنه قربانها إلا بحنث يلزمه وهو الكفارة.
ألا ترى أنه لا يتصور وجود الغاية وهو صوم المحرم في المدة وكذلك يعد مانعا في العرف لأنه يحلف به عادة. (1/216)
صفحة 216
وكذا لو قال والله لا أقربك إلا في مكان كذا وبينه وبين ذلك المكان أربعة أشهر فصاعدا يكون موليا لأنه لا يمكنه قربانها من غير حنث يلزمه وإن كان أقل من ذلك لم يكن موليا لإمكان القربان من غير شيء يلزمه.
وكذا لو قال والله لا أقربك حتى تفطمي صبيك وبينها وبين الفطام أربعة أشهر فصاعدا يكون موليا وإن كان أقل من ذلك لم يكن موليا لما قلنا.
ولو قال والله لا أقربك حتى تخرج الدابة من الأرض أو حتى يخرج الدجال أو حتى تطلع الشمس من مغربها فالقياس أن لا يكون موليا لتصور وجود الغاية في المدة ساعة فساعة فيمكنه قربانها في المدة من غير شيء يلزمه فلا يكون موليا, وفي الاستحسان يكون موليا لأن حدوث هذه الأشياء لها علامات يتأخر عنها بأكثر من مدة الإيلاء على ما نطق به الأخبار, فلا توجد هذه الغاية في زماننا في مدة أربعة أشهر عادة فلم تكن الغاية متصورة الوجود عادة فلا يمكنه قربانها من غير حنث يلزمه عادة فيكون موليا ولأن هذا اللفظ يذكر على إرادة التأبيد في العرف فصار كأنه قال والله لا أقربك أبدا.
وكذا إذا قال والله لا أقربك حتى تقوم الساعة كان موليا وإن كان يمكن في العقل قيام الساعة ساعة فساعة لكن قامت دلائل الكتاب العزيز والسنن المشهورة على أنها لا تقوم إلا بعد تقدم أشراطها العظام, كطلوع الشمس من مغربها, وخروج الدجال وخروج يأجوج ومأجوج ونحو ذلك ولم (1/217)
صفحة 217
يوجد شيء من ذلك في زماننا فلم تكن الغاية قبلها متصورة لوجود عادة على أن مثل هذه الغاية تذكر ويراد بها التأبيد في العرف والعادة كما قال الله تعالى {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- - رضي الله عنه - - - {} - جل جلاله -- رضي الله عنهم - - (- - - - ((- - رضي الله عنهم - مقدمة - رضي الله عنهم - - (- - رضي الله عنه - - (- - رضي الله عنهم - - {- (- - - - (((- بسم الله الرحمن الرحيم - رضي الله عنهم - - ((- - عليه السلام - - (- (- - -} (1) أي لا يدخلونها أصلا ورأسا، وكما يقال لا أفعل كذا حتى يبيض القار ويشيب الغراب ونحو ذلك فإنه يصير كأنه قال والله لا أقربك حتى تموتي أو حتى أموت أو حتى تقتلي أو حتى أقتل أو حتى أقبلك أو حتى تقبليني (2) كان موليا.
وإن كان يتصور وجود هذه الأشياء في المدة لكن لا يتصور بقاء النكاح بعد وجودها فيصير حاصل هذا الكلام كأنه قال: والله لا أقربك ما دمت زوجك أو ما دمت زوجتي أو ما دمت حيا أو ما دمت حية ولو قال ذلك كان موليا إذ لو لم يكن موليا لما تصور انعقاد الإيلاء لأن هذا التقدير ثابت في كل الإيلاء.
ولو قال: لامرأته وهي أمة الغير والله لا أقربك حتى أملكك أو أملك شقصا منك يكون موليا لأن النكاح لا يبقى بعد ملكها أو شقصا منها (3) فصار كأنه قال والله لا أقربك ما دمت زوجك أو ما دمت زوجتي. (1/218)
صفحة 218
__________
(1) سورة الأعراف: 40.
(2) كذا بالأصل ولعل الصواب حتى أقتلك أو حتى تقتليني.
(3) كذا في الأصل.
ولو قال: والله لا أقربك حتى أشتريك لا يكون موليا لأن النكاح لا يرتفع بمطلق الشراء لجواز أن يشتريها لغيره فلا يملكها فلا يرتفع النكاح، وكذا إذا قال حتى أشتريك لنفسي لأنه قد يشتريها شراء فاسدا فلا يرتفع النكاح فلا يملكها لأنه لا يملكها قبل القبض.
ولو قال: حتى أشتريك لنفسي وأقبضك كان موليا لأن الملك في الشراء الفاسد يثبت بالقبض فيرتفع النكاح فيصير تقديره والله لا أقربك ما دمت في نكاحي، وإن كان مما يتصور بقاء النكاح مع وجوده فإن كان مما لو حلف به لكان موليا يصير موليا إذا جعله غاية وإلا فلا, هذا أصل أبي حنيفة ومحمد وأصل أبي يوسف أنه إن أمكنه قربانها في المدة من غير حنث يلزمه لم يكن موليا.
وعلى هذا يخرج ما إذا قال: والله لا أقربك حتى أعتق عبدي فلانا أو حتى أطلق امرأتي فلانة أو حتى أصوم شهرا أنه يصير موليا في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يكون موليا، لأبي يوسف أنه يتصور وجود هذه الغايات قبل مضي أربعة أشهر فيمكنه قربانها من غير حنث يلزمه بسبب اليمين فلا يكون موليا كما إذا قال والله لا أقربك حتى أدخل الدار أو حتى أكلم فلانا.
ولهما أنه منع نفسه عن قربان زوجته بما يصلح أن يكون مانعا وبما يحلف به في العرف والعادة وهو عتق عبده وطلاق امرأته وصوم الشهر, ولهذا لو (1/219)
صفحة 219
حلف بهذه الأشياء لكان موليا فكذا إذا جعلها غاية وكان لا يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه بسبب اليمين إما وجوب الكفارة أو عتق العبد, أو طلاق المرأة , أو صوم الشهر, فيصير في التقدير كأنه قال: إن قربتك فعبدي حر أو علي كفارة يمين ولو قال ذلك لكان موليا كذا هذا بخلاف الدخول والكلام ولو قال لا أقربك حتى أقتل عبدي أو حتى أشتم عبدي أو حتى أشتم فلانا أو أضرب فلانا وما أشبه ذلك لم يكن موليا لأنه لم يحلف بهذه الأشياء عرفا وعادة ولهذا لو حلف بشيء من ذلك لم يكن موليا فكذا إذا جعله غاية للإيلاء.
وكذا إذا قال إن قربتك فعلي قتل عبدي أو ضرب عبدي أو شتم عبدي أو قتل فلان أو ضرب فلان أو شتم فلان لم يكن موليا كما لو قال فعلي أن أدخل الدار أو أكلم فلانا لما قلنا والله الموفق (1).
وقال: أيضا وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته الحرة والله لا أقربك أربعة أشهر إلا يوما لا يكون موليا لنقصان المدة ولو قال لها والله لا أقربك شهرين وشهرين بعد هذين الشهرين فهو مول لأنه جمع بين شهرين وشهرين بحرف الجمع والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع فصار كأنه قال والله لا أقربك أربعة أشهر. (1/220)
صفحة 220
ولو قال لها: والله لا أقربك شهرين فمكث يوما، ثم قال: والله لا أقربك شهرين بعد هذين الشهرين الأولين لم يكن موليا لأنه إذا سكت يوما فقد مضى يوم من غير حكم الإيلاء لأن الشهرين ليسا بمدة الإيلاء في حق الحرة فإذا قال وشهرين بعد هذين الشهرين فقد جمع الشهرين الآخرين إلى الأوليين بعد ما مضى يوم من غير حكم الإيلاء فصار كأنه قال: والله لا أقربك أربعة أشهر إلا يوما ولو قال ذلك لم يكن موليا لنقصان المدة كذا هذا" (2).
وأنت ترى أن هذه التفريعات كلها كالتي نقلناها من قبل عن الشافعية والحنابلة مبنية على مراعاة الألفاظ في حكم الإيلاء وليس فيها التفات إلى حكمة الشارع الحكيم من مشروعية حكم الإيلاء وهي صون حقوق المرأة ورفع الضرر عنها ولا يخفى على ذي لب أن الضرر واقع بها بامتناع الزوج عن معاشرتها مدة ينفذ فيها الصبر سواء كان مقرونا بهذه الصيغة أو بتلك وإني لأعجب من هؤلاء الفطاحل من العلماء كيف تعزب عنهم هذه الحكمة الشرعية البالغة حتى تأسرهم ظواهر العبارات ويدعوا النظر فيما تؤدي إليه من الغايات وليت شعري أتكون صيغ الألفاظ أبلغ ضررا بالمرأة وأشد وقعا على نفسها مما ينتج عنها من الفعل؟!
أنأخذ القشر ونلقي اللبا ... ونرتضيه ما رزقنا قلبا (1/221)
صفحة 221
__________
(1) بدائع الصنائع 4/ 1938 - 1941.
(2) المرجع السابق 1954 - 1955.
وأنت ترى أن هذه التخريجات لا تؤدي إلا إلى أن يفسح المجال لتلاعب الرجال بحقوق المرأة في العشرة فبإمكانه بناء على ما تقدم أن يولي منها شهرين أو ثلاثة أو غير ذلك مما هو دون الأربعة حتى إذا انقضت مدة الإيلاء ومر بعدها يوم أعاد الإيلاء من جديد من غير أن يفئ إليها بالمعاشرة وهكذا يكرر ذلك حسب هواه فتمضي حياتها كلها وهي تدور بين إيلاء وآخر, فأين مراعاة حقوق الزوجية في هذا؟ ومتى تنال المرأة حقها وقد هيئت للرجل هذه المداخل والمخارج لاستلابه منها؟ أو ليس ذلك مخالفا بداهة للحكمة الربانية من مشروعية هذا الحكم وتحديد ميقات معين للتربص فيه؟
ومن حيث إن مالكا وأصحابه يرون أن مضارة المرأة بعدم وطئها تمنحها حق المطالبة بما تطالب به المولى منها -بناء على القول بالتوقيف كما سيأتي إن شاء الله- كانت أقوالهم في هذه المسائل فيها مراعاة لحكمة الشارع في رفع الضرر عنها بما شرع من حكم الإيلاء, ومن ذلك ما جاء في المدونة ونصه: "قلت: وكذلك إن قال: والله لا أجامعك في هذه الدار فمضت الأربعة الأشهر فوقفته أتأمره أن يجامعها ولا يلتفت إلى قوله: إني أردت أن لا أجامعها في هذه الدار؟ قال: نعم كذلك يقال له أخرجها وجامعها إن كنت صادقا فإن كنت صادقا فلا كفارة عليك ولا تترك من غير أن تجامعها" (1).
وفيها أيضا قلت: أرأيت إن قال لامرأته: والله لا أطؤك في داري هذه سنة وهو فيها ساكن مع امرأته فلما مضت أربعة أشهر وقفته فقالت قد آلى (1/222)
صفحة 222
مني وقال الزوج: لست موليا إنما أنا رجل حلفت ألا أجامعها في داري هذه فأنا لو شئت جامعتها في غير داري بلا كفارة, قال: لا أراه موليا ولكني أرى أن يأمره السلطان أن يخرجها فيجامعها لأني أخاف أن يكون مضارا إلا أن تتركه المرأة ولا تريد ذلك.
__________
(1) المدونة الكبرى 5/ 148.
قلت: وكذلك إن قال: والله لا أطؤك في هذا المصر أو في هذه البلدة؟ قال: هو مول لأنه كأنه قال: والله لا أطؤك حتى أخرج منها فإذا كان خروجه منها يتكلف فيه المؤونة والكلفة فهو مول. قال سحنون: ألا ترى أنه إذا قال: والله لا أطأ امرأتي ولك علي حق كأنه قال: والله لا أطأ حتى أقضيك حقك؟ قال سحنون: وقد قال مالك في الذي يقول: لا أطأ حتى أقضيك حقك إنه مول" (1). (1/223)
صفحة 223
الاستثناء من المدة التي آلى فيها
وتعليق الإيلاء على الوطء أو غيره
إن آلى أحد من امرأته مدة من الزمن تفوق مدة التربص غير أنه استثنى منها يوما واحدا أو مجامعة واحدة كأن يقول لها: والله لا أطؤك سنة إلا مرة أو إلا يوما واحدا فهل يكون بذلك موليا أو لا؟
ذهب أكثر العلماء إلى أن ذلك لا يعد إيلاء لأنه ليس في كلامه ما يمنع من الوطء فله أن يطأها متى شاء أما بعد أن يطأها فإن كانت المدة الباقية أربعة أشهر أو ما زاد عليها ففي هذه الحالة يكون موليا وبناء على هذا فله أن يحتال على بقائها في عصمته بأن لا يطأها إلى أن يبقى من العام ما هو أقل من مدة التربص وهذا هو قول الحنابلة وعليه جمهور الحنفية والمالكية والشافعية, وذهب زفر من أصحاب أبي حنيفة إلى أن ذلك إيلاء وهو محكي عن الشافعي في القديم وحكاه ابن المواز عن ابن القاسم وقال بأنه أحب إليه ونقله الماوردي عن مالك, ومثل ذلك إن علق الإيلاء على وطئه إياها كقوله: إن وطئتك فوالله لا وطئتك. فإنه لا يكون موليا منها عندهم حتى يقع الوطء منه وإليكم بعض نصوص علماء هذه المذاهب في ذلك.
قال ابن قدامة: فإن قال: إن وطئتك فوالله لا وطئتك لم يكن موليا في (1/224)
صفحة 224
__________
(1) المرجع السابق 148 - 149 وينظر في هذا مختصر خليل بشرحية مواهب الجليل والتاج والإكليل 4/ 126 - 127.
الحال لأنه لا يلزمه بالوطء حق لكن إن وطئها صار موليا لأنها تبقى يمينا تمنع الوطء على التأبيد وهذا الصحيح عن الشافعي وحكي عنه قول قديم أنه يكون موليا من الأول لأنه لا يمكنه الوطء إلا بأن يصير موليا فيلحقه بالوطء ضرر وكذلك على هذا القول إن قال: إن وطئتك فوالله لا دخلت الدار, لم يكن موليا من الأول فإن وطئها انحل الإيلاء لأنه لم يبق ممتنعا من وطئها بيمين ولا غيرها وإنما بقي ممتنعا باليمين من دخول الدار.
ولنا أن يمينه معلقة بشرط ففيما قبله ليس بحالف فلا يكون موليا ولأنه يمكنه الوطء من غير حنث فلم يكن موليا كما لو لم يقل شيئا وكونه يصير موليا لا يلزمه به شيء وإنما يلزمه بالحنث ولو قال: والله لا وطئتك في السنة إلا مرة لم يصر موليا في الحال لأنه يمكنه الوطء متى شاء بغير حنث فلم يكن ممنوعا من الوطء بحكم يمينه فإذا وطئها وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر صار موليا, وهذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي, وظاهر مذهب الشافعي في قوله القديم يكون موليا في الابتداء لما ذكرنا في التي قبلها وقد أجبنا عنه, وإن قال: والله لا وطئتك سنة إلا يوما كذلك وبهذا قال أبو حنيفة لأن اليوم منكر فلم يختص يوما دون يوم ولذلك لو قال: صمت رمضان إلا يوما لم يختص اليوم الآخر ولو قال: لا أكلمك في السنة إلا يوما لم يختص يوما منها.
وفيه وجه آخر أنه يصير موليا في الحال وهو قول زفر لأن اليوم المستثنى (1/225)
صفحة 225
يكون من آخر المدة كالتأجيل ومدة الخيار بخلاف قوله: لا وطئتك في السنة إلا مرة, فإن المرة لا تختص وقتا بعينه، ومن نصر الأول فرق بين هذا وبين التأجيل ومدة الخيار من حيث إن التأجيل ومدة الخيار تجب الموالاة فيهما ولا يجوز أن يتخللهما يوم لا أجل فيه ولا خيار لأنه لو جازت له المطالبة في أثناء الأجل لزم قضاء الدين فيسقط التأجيل بالكلية ولو لزم العقد في أثناء مدة الخيار لم يعد إلى الجواز فتعين جعل اليوم المستثنى من آخر المدة بخلاف ما نحن فيه فإن جواز الوطء في يوم من أول السنة أو أوسطها لا يمنع ثبوت حكم اليمين في ما بقي من المدة فصار ذلك كقوله: لا وطئتك في السنة إلا مرة. والله أعلم" (1).
وفي "المقنع": "وإن قال: إن وطئتك فوالله لا وطئتك أو إن دخلت الدار فوالله لا وطئتك لم يصر موليا حتى يوجد الشرط , قال المرداوي في شرحه: هذا المذهب وعليه الأصحاب وجزم به في "الوجيز" وغيره, وقدمه في "الفروع" وغيره, ويحتمل أن يصير موليا في الحال وهو لأبي الخطاب في "الهداية" قال في "الفروع" وإن علقه بشرط صار موليا بوجوده.
وفيه أيضا: وإن قال: والله لا وطئتك في السنة إلا مرة لم يصر موليا حتى يطأها وقد بقي منها أكثر من أربعة أشهر, قال المرداوي في شرحه بلا نزاع, وفيه أيضا, وإن قال: والله لا وطئتك في السنة إلا يوما فكذلك في (1/226)
صفحة 226
أحد الوجهين قال المرداوي في شرحه: يعني أنه لا يصير موليا حتى يطأها وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر, هذا المذهب.
قدمه في "الهداية" و"المذهب" و"المستوعب" و"الخلاصة" و"المغني" والشرح وغيرهم وجزم به في "المحرر" و"الوجيز" و"تذكرة ابن عبدوس" و"المنور" و"منتخب الأدمي" وغيرهم وهو ظاهر ما جزم به في "الفروع"، وفي الآخر يصير موليا في الحال.
__________
(1) المغنى 8/ 514 - 515 وينظر الشرح الكبير 8/ 515 - 516.
ثم قال: فائدة: ولو قال: والله لا وطئتك سنة -بالتنكير- إلا يوما لم يصر موليا حتى يطأ وقد بقي منها أكثر من أربعة أشهر وهذا المذهب قدمه في "المغني" و"الشرح" و"المحرر" و"الرعايتين" و"الحاوي الصغير" و"الفروع" وقيل يصير موليا في الحال اختاره القاضي وأصحابه قاله في "الفروع", وقيل: لا يصير موليا هنا وإن حكمنا بأنه مول في التي قبلها" (1).
وبهذا يعلم أن الحنابلة مختلفون أيضا في مسائل هذا الباب إلا إن قال: والله لا وطئتك في السنة إلا مرة فقد حكى المرداوي أنه لا نزاع بينهم في أنه لا يكون بذلك موليا.
وقال الكاساني من الحنفية: ولو قال: والله لا أقربك سنة إلا يوما لم يكن موليا للحال في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر يكون موليا للحال حتى لو مضت السنة ولم يقربها فيها لا تبين ولو قربها يوما لا كفارة عليه (1/227)
صفحة 227
عندنا, وعنده إذا مضت أربعة أشهر منذ قال هذه المقالة ولم يقربها فيها تبين ولو قربها تلزمه الكفارة.
وجه قوله أن اليوم المستثنى ينصرف إلى آخر السنة كما في الإجارة فإنه لو قال: أجرتك هذه الدار سنة إلا يوما انصرف اليوم إلى آخر السنة حتى صحت الإجارة كذا ها هنا وإذا انصرف إلى آخر السنة كانت مدة الإيلاء أربعة أشهر وزيادة فيصير موليا ولأنه إذا انصرف إلى آخر السنة فلا يمكنه قربان امرأته في الأربعة أشهر من غير حنث يلزمه وهذا حد المولي.
__________
(1) الإنصاف للمرداوى 9/ 175 - 177.
ولنا أن المستثنى يوم منكر فتعيين اليوم الآخر تغيير للحقيقة ولا يجوز تغيير الحقيقة من غير ضرورة فبقي المستثنى يوما شائعا في السنة فكان له أن يجعل ذلك اليوم أي يوم شاء فلا تكمل المدة ولأنه إذا استثنى يوما شائعا في الجملة لم يمنع نفسه عن قربان امرأته بما يصلح مانعا من القربان في المدة لأن له أن يعين يوما للقربان أي يوم كان فيقربها بغير حنث يلزمه فلم يكن موليا وفي باب الإجارة مست الضرورة إلى تعيين الحقيقة لتصحيح الإجارة, إذ لا صحة لها بدونه لأن كون المدة معلومة في الإجارة شرط صحة الإجارة ولا تصير معلومة إلا بانصراف الاستثناء إلى اليوم الأخير وها هنا لا ضرورة لأن جهالة المدة لا تبطل اليمين فإن قال ذلك ثم قربها يوما ينظر إن كان قد بقي من السنة أربعة أشهر فصاعدا صار موليا لوجود كمال المدة ولوجود حد المولي وإن بقي أقل من ذلك لم يصر موليا لنقصان المدة ولانعدام حد الإيلاء. (1/228)
صفحة 228
وعلى هذا الخلاف إذا قال: والله لا أقربك سنة إلا مرة غير أن قوله إلا يوما إذا قربها وقد بقي من السنة أربعة أشهر فصاعدا لا يصير موليا ما لم تغرب الشمس من ذلك اليوم ويعتبر ابتداء المدة من وقت غروب الشمس من ذلك اليوم لأن اليوم اسم لجميع هذا الوقت من أوله إلى أخره فلا ينتهي إلا بغروب الشمس وفي قوله: إلا مرة يصير موليا عقيب القربان بلا فصل ويعتبر ابتداء المدة من وقت فراغه من القربان مرة لأن المستثنى ها هنا هو القربان مرة لا اليوم والمستثنى هناك هو اليوم لا المرة لذلك افترقا" (1).
__________
(1) بدائع الصنائع 4/ 1955 - 1956 وينظر المبسوط 7/ 25 - 26, الهداية والبداية مع شرح فتح القدير 4/ 178, كنز الدقائق وشرحه البحر الرائق 4/ 64 - 65, ملتقى الأبحر وشرحاه مجمع الأنهر والدر المنتقى 2/ 98 - 99.
وقال الباجى في "المنتقى": " ومن حلف أن لا يطأ امرأته في هذه السنة إلا مرة واحدة قال ابن القاسم: لا يكون موليا ما لم يطأها فإن وطئها وقد بقي عليه من السنة أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليا، وروى عنه ابن المواز رواية ثانية أنه إذا مضت له أربعة أشهر من وقت يمينه وقف فإما أن يفيء وإلا طلقت عليه قال: وهذا أحب إلينا" (1).
وفي "مختصر خليل": أولا وطئتك في هذه السنة إلا مرتين أو مرة حتى يطأ وتبقى المدة , قال شارحه العبدري: من المدونة إن قال: والله لا أطؤك في هذه السنة إلا يوما لم يلزمه الإيلاء إلا أن يطأ وقد بقي أكثر من أربعة (1/229)
صفحة 229
أشهر. ابن المواز وقال ابن القاسم أيضا: إن مضى من السنة أربعة أشهر ولم يطأ وقف فإما فاء وإلا طلق عليه وهو أحب إلي. ابن القاسم وأصبغ وإلينا فإن فاء فهو فيما يستقبل موليا لا شك فيه قال ابن القاسم: ولو قال إلا مرتين لم يكن موليا إلا أنه إن شاء تركها أربعة أشهر ثم وطئها ثم تركها أربعة أشهر ثم وطئها فلا يبقى من السنة إلا أربعة أشهر" (2).
وفي "مختصر المزني" عن الشافعي أنه قال: " ولو قال لا أصيبك سنة إلا مرة لم يكن موليا فإن وطئ وقد بقي عليه من السنة أكثر من أربعة أشهر فهو مول وإن كان أقل من ذلك فليس بمول , قال الماوردي في شرحه: إذا قال: والله لا أصبتك سنة إلا مرة واحدة فقدر مدة يمينه بسنة واستثنى منها وطء مرة واحدة فمذهب الشافعي في الجديد والمشهور من قوله في القديم أنه لا يكون موليا لأن المولي من لا يقدر على الوطء إلا بالحنث وهذا يقدر على وطء تلك المرأة بغير حنث فلم يكن في الحال موليا.
__________
(1) المنتقى 4/ 35.
(2) مختصر خليل وشرحه التاج والإكليل 4/ 128.
وقال في القديم: يكون موليا في الحال وبه قال مالك فخرجه أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة قولا ثانيا أنه يكون في الحال موليا تعليله أن المولي من يدخل عليه بالوطء ضرر وهذا قد يدخل عليه بالوطء الأول ضرر لأنه يصير به موليا و الإيلاء ضرر فكان ما أدى إليه ضررا فلذلك صار به موليا وهذا فاسد من وجهين: (1/230)
صفحة 230
أحدهما: أن المولي من امتنع من الوطء بيمين وليس عليه في وطء هذه المرة يمين فلم يكن موليا.
والثاني: أن ضرر الإيلاء التزام ما لم يلزم وهذا ليس يلزمه بالوطء الأول شيء فلذلك لم يكن في الحال موليا وإذا كان هكذا نظر فإن لم يطأ حتى مضت السنة سقطت اليمين ولم يستحق عليه في السنة مطالبة وإن وطئ في السنة مرة لم يحنث به لأنه مستثنى من يمينه ويصير الحنث معلقا بالوطء في بقية السنة فإذا كان كذلك نظر في باقي السنة فإن كان أربعة أشهر فما دون لم يكن موليا وإن كان حالفا لقصوره عن مدة الإيلاء وإن كان الباقي منها أكثر من أربعة أشهر صار موليا وتضرب له مدة الإيلاء لأن زمان الحنث يتسع لمدة الوقف فعلى هذا لو قال: والله لا أصبتك سنة إلا مرتين فعلى ما حكيناه من قوله في القديم يكون موليا في الحال وعلى قوله في الجديد وهو الصحيح أنه لا يكون في الحال موليا لاستثنائه من مدة يمينه وطء مرتين فهو يقدر على الوطء في الحال بغير حنث فإذا وطئ مرة لم يحنث ولا يصير بها موليا لأنه قد بقي من استثنائه وطء مرة أخرى فإذا وطئ المرة الثانية وفي السنة بقية وقع الحنث به وإن وطئ بعدها فينظر في بقية السنة فإذا كان أكثر من أربعة أشهر صار موليا وإن كان أقل لم يكن موليا وإن كان حالفا" (1).
وحكى المزني أيضا في مختصره عن الشافعي أنه قال: " ولو قال: إن (1/231)
صفحة 231
أصبتك فوالله لا أصبتك لم يكن موليا حتى يصيبها فيكون موليا.
__________
(1) مختصر خليل وشرحه التاج والإكليل 4/ 128.
قال الماوردي: وهذه المسألة كالتي قبلها في أنه استثناء من يمينه وطء مرة ومخالفة لها في أن تلك مقدرة بسنة وهذه مطلقة على الأبد فإذا قال لها: إن وطئتك فوالله لا وطئتك فهو كقوله: والله لا وطئتك إلا مرة, فمذهب الشافعي في الجديد لا يكون في الحال موليا لأنه يقدر على وطئها في الحال من غير حنث وعلى قوله في القديم وهو مذهب مالك يكون في الحال موليا يستضر بوطئه في الحال لانعقاد الإيلاء به وقد أبطلناه بما ذكرنا من الوجهين في المسألة الأولى وإذا كان هكذا وصح به ما ذكرنا من قوله في الجديد لم يكن في الحال موليا ما لم يطأ ولا يستحق عليه المطالبة وإن تطاول به الزمان لخروجه عن حكم الإيلاء فإذا وطئ مرة صار حينئذ موليا على الإطلاق لأن زمان يمينه مؤبد غير مقدر بخلاف المسألة الأولى فيوقف لها منه الإيلاء والله أعلم (1). (1/232)
صفحة 232
القول الصحيح
من أطلق لفكره العنان للتدبر في حكمة الله البالغة من مشروعية حكم الإيلاء ولم يستأسر للظواهر تبين له بكل وضوح أن القول الصحيح فيما تقدم ذكره هو المحكي عن الشافعي في القديم وهو الذي حكاه الماوردى عن مالك وهو الأحب إلى ابن المواز من أصحابه وعزاه إلى ابن القاسم وقال به زفر من أصحاب أبي حنيفة وهو أن الإيلاء واقع في هذه المسائل كلها منذ صدور قسمه وبه قال بعض الحنابلة في بعض جزئيات هذه المسائل كما تقدم ذلك لأنه لا يماري أحد أن الضرر لاحق بالمرأة من هذه الأيمان وإن كانت مقيدة فما جدوى الاستثناء إن ظلت تكابد عنت الحرمان من لذة الوصال مدة التربص في الإيلاء أو ما زاد عليها؟ أليست حمايتها من الحرمان هي الغاية من مشروعية حكم الإيلاء وما هو الفرق بين حرمان بصيغة مطلقة وحرمان بصيغة مقيدة؟؟
__________
(1) المرجع السابق 366, 367, وينظر في هذه المسألة والتي قبلها المجموع 17/ 304 - 306, تحفة المحتاج بشرح المنهاج مع حواشي الشرواني وابن القاسم العبادي 10/ 303.
أما ما قيل أن المولي من امتنع من الوطء بيمين وليس عليه فيما استثناه يمين فهو مردود بأن اليمين في لغة القرآن إنما هي القسم, الذي تترتب عليه الكفارة مع الحنث وهؤلاء لم يلتزموا ذلك, إذ ألحقوا باليمين كل ما يعلق على الوطء من طلاق وعتاق وصلاة وصيام ونحوها, فجعلوا ذلك كله إيلاء مع أنه لم يأت به نص وإنما قاسوه على اليمين بسبب ما فيه من الالتزام (1/233)
صفحة 233
وليت شعري لئن جاز هذا القياس فلم لا يجوز حمل جميع الصيغ التي تؤدي إلى مضارة المرأة وحرمانها من متعة المعاشرة الزوجية في المدة المقررة للتربص على نفس هذا الحكم؟ على أن تحديد هذه المدة لم يكن اجتهادا بشريا, وإنما كان حكما ربانيا أراده الله بحسب ما علم من طبائع النساء التي فطرهن عليها, وما أراد بهذا الحكم إلا الرفق بهن فكيف لا يراعى ذلك في جزئيات هذه المسائل المذكورة؟
وما قيل من أن ضرر الإيلاء التزام ما لا يلزم وهذا ليس يلزمه بالوطء الأول شيء" لا يقاوم ما ذكرناه من الحجة المستفادة من النظر في حكمة الإيلاء على أن في هذا أيضا التزاما فإنه بذلك الوطء يترتب عليه وجوب الإيلاء وهو مفض إلى الطلاق فلماذا لا يكون شأنه شأن الطلاق إن علقه على الوطء في ثبوت حكم الإيلاء به؟!
وقد علمت مما تقدم أن يمين الإيلاء مطلقة في القرآن لم تقيد كما قيدت مدة التربص وأن الراجح الأخذ بهذا الإطلاق ومعنى هذا أن من آلى على أقل من أربعة أشهر فلم يفئ حتى مضت عليه أربعة أشهر انطبق عليه حكم الإيلاء مع أنه بعد المدة التي حددها بيمينه لا يلزمه شيء بفيئه وذلك يعني أن القول بأن الإيلاء التزام ما لا يلزم غير مسلم على إطلاقه. (1/234)
صفحة 234
في الفيء (1/235)
صفحة 235
[صفحة بيضاء] (1/236)
صفحة 236
لما كان الإيلاء ضررا على المرأة من حيث إنه حرمان لها من حقها الشرعي في الاستمتاع بمعاشرة زوجها كان الفيء المطلوب من المولي هو أن يعود إلى تلك المعاشرة التي حرمها منها بيمينه, وهو تكفير لخطيئته فإن الإصرار على حرمانها منها وتأكيد هذا الإصرار بالقسم تعنت بالغ وقسوة شديدة لذلك قال تعالى: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} ومعناه أن هذه الفيئة هي توبة إلى الله سبحانه تكفر بها جريرة الإيلاء ضرارا بالمرأة لأن مضارتها حرام.
أما الإيلاء بما دون هذه المدة المحددة بالنص فإن كان الغرض منه كبح شدتها ومعالجة عنادها وتقويم اعوجاجها فليس هو من الضرار في شيء ولذلك فعله عليه أفضل الصلاة والسلام ولكن يؤمر الزوج بعد انتهاء المدة التي حددها بيمينه أن يسارع إلى معاشرة امرأته التي آلى منها وأن لا ينتظر بها انسلاخ المدة المنصوص عليها بنص القرآن وهي أربعة أشهر لما في ذلك من الإضرار بها والله تعالى الذي أنزل هذا الحكم هو العليم بما جبلت عليه نفوس خلقه من الذكور والإناث, فهو أعلم بالأمد الذي يمكن للمرأة أن تستغني فيه عن عشرة زوجها وما يكون من بعده من نفاد صبرها عن ذلك وبهذا تدرك أن الفيء لا يكون إلا بالجماع في حق القادر عليه, قال ابن قدامة: " ليس في هذا اختلاف بحمد الله, قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع, كذلك قال ابن عباس وروي ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال مسروق وعطاء والشعبي (1/237)
صفحة 237
والنخعي وسعيد بن جبير والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيدة وأصحاب الرأي إذا لم يكن عذر وأصل الفيء الرجوع ولذلك يسمى الظل بعد الزوال فيئا لأنه رجع من المغرب إلى المشرق وسمي الجماع من المولي فيئة لأنه رجع إلى فعل ما تركه وأدنى الوطء الذي تحصل به الفيئة أن تغيب الحشفة في الفرج فإن أحكام الوطء تتعلق به (1).
وفي "بيان الشرع": "وينبغي للمولي عن زوجته إذا بر أن يفيء إلى زوجته ويطأها وإن كان مريضا أو مسافرا أو مسجونا أو في سبب لا يمكنه أن يفيء إليها فقيل إنه يشهد أنه قد فاء إلى زوجته ولم يمنعه عن وطئها إلا ما هو فيه وأما المريض فقيل ينبغي له أن يمس فرجها بيده أو كيفما أمكنه وإن لم يفعل فلا بأس إن شاء الله" (2).
وقد حكى الإجماع على أن الفيء هو الجماع كل من صاحب "بيان الشرع" وصاحب "الضياء" وصاحب "المصنف" وصاحب "منهج الطالبين" ونص ما في "بيان الشرع": "اجتمعوا أن الفيء المذكور هو الجماع وكذلك قال ابن عباس وعلي وابن مسعود وغيرهم" (3).
وينهدم الإيلاء بوقوع أقل ما يصدق عليه أنه جماع من المولي وذلك بأن يولج الحشفة أو ما يعادلها من فاقدها في قبل المرأة المولى منها، أما ما دون
__________
(1) / المغني 8/ 534.
(2) / بيان الشرع 52/ 414.
(3) / المرجع السابق وينظر الضياء 10/ 67, المصنف 38/ 127, منهج الطالبين 16 ق2/ 119. (1/238)
صفحة 238
ذلك من الضم والشم والغمز والتقبيل وتماس الفرجين أو طعن الجسد بالذكر فلا يعد فيئا وكذلك الوطء في الدبر لأنه حرام قطعا ولا تحصل به المنفعة للمرأة قال ابن قدامة: "ولو وطيء دون الفرج أو في الدبر لم يكن فيئة لأنه ليس بمحلوف على تركه ولا يزول الضرر بفعله" (1).
ونقل المزني في مختصره عن الشافعي أنه قال: "والفيئة الجماع إلا من عذر فيفيء باللسان ما كان العذر قائما فيخرج بذلك من الضرار.
قال الماوردي في شرحه: وأما الفيئة فهي الجماع لأن الفيء في اللغة الرجوع إلى ما فارق قال الله تعالى: {- ((- - رضي الله عنهم - مقدمة - عليه السلام - ((- (- - - - - فهرس - ({(- (تم بحمد الله - صلى الله عليه وسلم - - (- - -} (2) أي ترجع إلى طاعة الله، وهو بالإيلاء ممتنع من الجماع فكانت الفيئة الرجوع إليه وإذا كانت الفيئة الرجوع إلى الجماع فلا يخلو حاله من أن يكون قادرا عليه أو عاجزا عنه فإن كان قادرا عليه لم يكن فايئا إلا بجماع وأقله ما ذكرناه من التقاء الختانين وإن كان عاجزا عنه لعذر من مرض أو غيره لزمه أن يفيء فيئ معذور بلسانه وهو أن يقول لست أقدر على الوطء ولو قدرت عليه لفعلته وإذا قدرت عليه فعلته ويكون فيئه بلسانه في حال عذره في إسقاط المطالبة مقام فيئته بوطئه.
وقال: أبو ثور لا يلزمه الفيئة باللسان حتى يقدر عليها بالوطء ويؤخر
__________
(1) / المغني 8/ 534
(2) / سورة الحجرات: 9. (1/239)
صفحة 239
المطالبة إلى زوال العذر استدلالا بأمرين.
أحدهما: أنه لو لزمه في حال العذر أن يفيء بلسانه لما لزمه الفيئة بالوطء بعد زوال عذره لسقوط الحق بما تقدم.
والثاني: أنه لو قام مقام الوطء في سقوط المطالبة لقام مقامه في وجوب الكفارة.
ودليلنا قول الله تعالى {} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} والفيئة الرجوع ولم يفرق بين الرجوع بالقول أو رجوع بالفعل ولأن الفيئة تراد لرفع الضرر بالإيلاء وسكون النفس إلى زواله بها وقد يرتفع الضرر وتسكن النفس بقول العاجز كما يرتفع بفعل القادر ولأن الفئية ترفع الضرر كالشفعة ثم ثبت أن المطالبة بها مع القدرة على أحدهما يكون بالفعل وهو دفع الثمن وانتزاع المبيع فإن عجز عنها كانت المطالبة فيها بالقول وهو الإشهاد على نفسه بالطلب كذلك الفيئة بالإيلاء.
فأما استدلال أبي ثور بأن المطالبة لو سقطت بفيء اللسان لما وجبت لزوال العذر ففاسد بالمطالبة بالشفعة تكون بالقول مع العجز ولا يسقط حق الطلب بالفعل عند زوال العذر ونحن أوجبنا عليه عند عدم الماء والتراب أن يصلي ولا تسقط الصلاة إذا لم يقدر على الماء إحدى الطهارتين.
وأما استدلاله بأنه ما لم تجب به الكفارة لم تسقط به المطالبة ففاسد لأن (1/240)
صفحة 240
الفيئة غير معتبرة بوجوب الكفارة ألا ترى أن المجنون يفيء فتسقط المطالبة وتصح الفيئة ولا تجب عليه الكفارة (1).
وفي "المدونة الكبرى" لمالك: قلت: أرأيت إن جامعها بين فخذيها بعدما وقفته أو قبل أن توقفه أيكون حانثا ويسقط عنه الإيلاء وهل يكون هذا فيئا أم لا في قول مالك؟
قال مالك: الفيء الجماع إذا لم يكن له عذر فلا أرى فيه إلا الجماع ولا يجزيه الجماع حيث ذكرت ولا القبلة ولا المباشرة ولا اللمس, قلت: ويكون عليه الكفارة حين جامع بين فخذيها في قول مالك؟ قال: إن كان نوى الفرج فلا كفارة عليه وإلا فعليه الكفارة لأني سمعت مالكا يقول في رجل قال: لجارية له أنت حرة إن وطئتك شهرا فعبث عليها فيما دون الفرج قال: إن كان لم ينو الفرج بعينه فأراه حانثا لأني لا أرى من حلف بمثل هذا إلا أنه أراد أن يعتزلها فإن لم يكن له نية في الفرج بعينه فقد حنث فإن كانت يمينه عتق رقبة بعينها أو بطلاق امرأة له أخرى فحنث بعتق الغلام أو بطلاق امرأته سقطت عنه اليمين ولا يكون موليا وإن هو كفر وكانت يمينه بالله حتى تسقط يمينه فلا إيلاء عليه.
سحنون: وقد قال غيره: إذا كانت يمينه بالله فالإيلاء عليه كما هي حتى يجامع وهو أعلم في كفارته لأنه لعله أن يكفر في أشياء وجبت عليه غير هذا
__________
(1) / الحاوي الكبير 10/ 386 - 387. (1/241)
صفحة 241
وحق المرأة في الوقف ووجوب الإيلاء قد كان عليه فلا يخرجه إلا الفيء وهو الجماع أو يطلق عليه إلا أن تكون يمينه في شيء بعينه فيسقطه فتقع اليمين ولا يكون عليه إيلاء مثل أن تكون يمينه بعتق رقبة بعينها أو بطلاق امرأة له أخرى بعينها وقد ذكر عن مالك في اليمين بالله مثل هذا (1).
وقد سبق عن صاحب "بيان الشرع" أن العاجز عن الجماع يكون إيلاؤه بالإشهاد أنه فاء إليها، وإن كان عجزه بمرض فيؤمر بالمس بيده استحبابا ومثله في "المصنف" و"الضياء" و"منهج الطالبين" (2).
وفي كتاب الجامع للعلامة أبي الحسن البسيوي "وإن كان المولي عاجزا عن الفيء بالجماع لحال مرض أو سجن أو كان في سفر أو هربت عنه زوجته فأما المريض فإنه يلمس فرجها على ما قيل وقال: بعض يقول قد فئت إليك وذلك من قبل أنه عاجز عن الوطء فأما المسجون فإنه يشهد أنه قد فاء إلى زوجته ولم يمنعه عن جماعها إلا ما هو فيه من السجن وكذلك إن هربت يشهد أنه قد فاء إليها ويقول أشهد أني فئت إليها ولم يمنعني عن جماعها إلا ما أنا فيه والله أعلم بذلك. وذلك أنه عاجز عن الوطء بالمرض أو الغيبة عنها وأما إذا لم يكن عاجزا عن الوطء فإنه يكون ظالما لها وهو يقدر على الجماع وقد جعل الله لها التخلص من ظلمه عدة أربعة أشهر فإن فاء ورجع إليها فهي زوجته وإن امتنع بانت منه بالإيلاء.
__________
(1) / المدونة الكبرى 5/ 164, 165
(2) / ينظر المصنف 38/ 127, 128 الضياء 10/ 67 منهج الطالبين 16ق 2/ 119, 120 (1/242)
صفحة 242
والفيء للمريض والمسجون والمسافر بالقول والرجوع إمساكا عن ظلمها والفيء للصحيح الحاضر بالجماع، وقد جعل الله في اليمين الرخصة للمريض والغائب الإفاءة القول باللسان وهي رخصة للمسلمين لأن الله قال: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} ولم يبين الفيء بالقول دون الفعل وكانت الرخصة بالقول للعاجز عن الوطء على لسان الفقهاء والرجوع للفعل على ما بين الفقهاء ذلك لأن الفيء هو الرجوع وقد قال الله تعالى: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} فكان هذا تفسيرا جعلوه وبالله التوفيق (1).
وفي "النيل" فإن عجز عنه بسفر مانع أو مرض شاق وإن منها أو حيض أو نفاس أو حبس كذلك فليشهد أنه منع منه فلا تبين حينئذ (2).
وأضاف إلى ذلك شارحة قطب الأئمة -رحمه الله- ما نصه: " وإن أشهد أنه ترك يمينه أجزاه, وإذا أشهد ثم حضر أو زال المانع ولم تمض الأربعة كفاه إشهاده, لأنه قد ناب عن المس في الرجعة فإذا رجعت به لم تخرج عنه إلا بطلاق آخر كمن تيمم وأدرك الصلاة به ثم أطاق الماء وقيل لا بد من المس إذا أطاقه وإلا بانت إذا مضت والذي عندي أن له أن يجامع الحائض والنفساء بذكره في غير الفرج فلا تبين وأنه إذا مسها بيده في الفرج على نية الجماع لم يجز لأن جماعها في الفرج حرام فلا يجزي ولو بالذكر وإن
__________
(1) / جامع أبي الحسن البسيوي 3/ 115 - 116.
(2) / النيل وشرحه 7/ 199 (1/243)
صفحة 243
قلت كيف يكون الحيض والنفاس مانعا مع قصر مدتهما عن الأربعة؟ قلت يتصور بأن يولي ولم يرد الفيء حتى حاضت أو نفست في أواخر الأربعة وحينئذ أطاق المس فمنعه الحيض أو النفاس أو كان أمر مهم أراد السفر إليه ولا يحتمل التأخير كجهاد متعين أو نذر وكان لو أخر حتى تطهر ويمس لفاته فإنه يشهد ويمضي على قصده وينبغي للمريض أن يلمس فرجها بيده أو كيف ما أمكنه وإن لم يفعل فلا بأس.
وقال في "الديوان": وإن لم يطأها لمانع حتى مضت بانت وقيل يجر المريض يده على جسدها ولا تبين ورخص أن ينوي وطأها في قلبه ولا تبين اهـ بتصرف، والقول في أنه منعه مانع قوله مع يمينه وإن قال إنه وطئها فالقول قوله مع يمينه أيضا، وإن أشهد شاهدا واحدا لم يجزه وإن أشهد اثنين غير عدلين أو أكثر فإن صدقتهما أدركها وإلا لم يدركها إلا بعدلين ولا تصدقه على إشهاده بل يعلمها الشاهدان، وإن أمكنته من نفسها ثم جاءها الشاهدان لم تحرم إلا إن جاءها بعد الأربعة، وقيل لا تحرم ولو جاءها بعدها لأن الإشهاد سابق عليها وبئس ما صنعت وعلى التحريم يفرقان وإن حلف لا يمسها وبينهما أكثر من أربعة بانت منه إن لم يمسها حتى مضت قاله في الديوان, قلت: بل له أن يشهد أنه منع من الوطء وكذا إذا آلى في حال مانعة ولم تزل حتى مضت وكذا غير المس مما يقع به الإيلاء" (1).
وكلامه يشتمل على كثير من المسائل منها ما ليس بحاجة إلى تعليق ومنها
__________
(1) / شرح النيل 7/ 199 - 200 (1/244)
صفحة 244
ما لا بد من التعليق عليه, وإليك ما كان من هذا الصنف.
المسألة الأولى
إذا منعه مانع من مسيسها وأتى بما أمكنه من الإشهاد على أنه فاء إليها ثم تمكن من مسيسها ففي ذلك خلاف هل يجب عليه المس فورا أو أنه يجزيه ما أتى به كما صدر به قطب الأئمة فيما مضى من كلامه محتجا له بقياسه على ما لو صلى مصل بتيمم ثم وجد الماء أنه لا يجب عليه أن يعيد الصلاة، والصحيح أنه لا بد من المس بعد الإمكان لأن حكم الإيلاء لم يشرع إلا لرفع الضرر عن النساء, والضرر باق لو امتنع عن مسيسها ولو فاء إليها بالقول والإشهاد وماذا عسى أن يفيدها القول وحده مع أن العمل مباين له وهو قادر على أن يوفيها حقها, وإنما أغنى القول عن الفعل مع تعذره فإذا أمكن بعد التعذر وجب عليه أن يوفيها حقها وأن يرفع الضرر عنها, وقياس هذه المسألة على مسألة المصلي بتيمم قياس مع الفارق فإن فرضية صلاة بعينها لا تتكرر فإن أداها بتيمم لعذره فقد أسقط ما كان واجبا عليه أما معاشرة الزوجة فلا تنحصر في وصالها مرة واحدة حتى يقال بأنه إن وصلها بقوله سقط عنه الوصال بفعله ولو أمكنه, على أنه لو تيمم ثم وجد الماء بطل تيممه ووجب عليه أن يصلى بوضوء.
وما قلته نص عليه غير واحد من العلماء, قال الماوردي في الحاوي " فإذا ثبت أن الفيئة باللسان تسقط المطالبة في حال العذر فإذا زال العذر سقط (1/245)
صفحة 245
حكم الفيئة باللسان ولزمه أن يفيء بالجماع كالشفيع إذا أشهد بالطلب في الغيبة ثم حضر جدد المطالبة بدفع الثمن وانتزاع المبيع ويصير كالمبتديء بالعلم في الحضور.
وقال أبو حنيفة لا يلزمه أن يفيء بالوطء عند القدرة بعد أن فاء بلسانه في حال العجز لأن ما كان فيئة في الإيلاء لم يلزمه إعادة فيئة كالوطء.
ودليلنا مع ما قدمناه من الشفعة هو أن الوطء حق ثبت لها مع القدرة فلم يسقط بالعجز حكم القدرة كسائر الحقوق ولأن ما لم يحنث به في الإيلاء لم يسقط به الوطء المستحق في الإيلاء كالقبلة ولأن فيئة اللسان لا تتم إلا أن يعد فيها بالوطء مع القدرة فلم يجز أن يسقط بها فوجب وعده عند القدرة والله أعلم" (1)
وهو كلام حسن ولكن ما ذكره عن أبي حنيفة لم أجده في كتب الحنفية وإنما المنصوص عليه عند أكثرهم أن المعذور بسبب عجزه عن الجماع إنما يفيء بالقول إن كان عذره مصاحبا له في جميع مدة التربص بحيث لم يمكنه أن يواقعها فيها, وإليك نص ما قاله الكاساني في ذلك " لا خلاف في أنه إذا كان عاجزا عن الجماع حقيقة أنه ينتقل الفيء بالجماع إلى الفيء بالقول واختلف أصحابنا فيما إذا كان قادرا على الجماع حقيقة وعاجزا عنه حكما
__________
(1) / الحاوي الكبير 10/ 387 (1/246)
صفحة 246
أنه هل يصح الفيء بالقول قال أصحابنا الثلاثة لا يصح ولا يكون فيئه إلا بالجماع وقال زفر يصح.
وجه قوله أن العجز حكما كالعجز حقيقة في أصول الشريعة كما في الخلوة فإنه يستوي المانع الحقيقي والشرعي من صحة الخلوة كذا هذا.
ولنا أنه قادر على الجماع حقيقة فيصير ظالما بالمنع فلا يندفع الظلم عنها إلا بإيفائها حقها بالجماع وحق العبد لا يسقط لأجل حق الله تعالى في الجملة لغنى الله عز وجل وحاجة العبد, والثاني دوام العجز عن الجماع إلى أن تمضي المدة حتى لو قدر على الجماع في المدة بطل الفيء بالقول وانتقل إلى الفيء بالجماع حتى لو تركها ولم يقربها في المدة حتى مضت تبين لما ذكرنا أن الفيء باللسان بدل الفيء بالجماع ومن قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل بطل حكم البدل كالمتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة.
وكذا إذا آلى وهو صحيح ثم مرض فإن كان قدر مدة صحته ما يمكن فيه الجماع ففيؤه بالجماع لأنه كان قادرا على الجماع في مدة الصحة فإذا لم يجامعها مع القدرة عليه فقد فرط في إيفاء حقها فلا يعذر بالمرض الحادث وإن كان لا يمكنه فيؤه بالجماع لقصده ففيؤه بالقول لأنه إذا لم يقدر على الجماع فيه لم يكن مفرطا في ترك الجماع فكان معذورا ولو آلى وهو مريض فلم يفئ باللسان إليها حتى مضت المدة فبانت ثم صح ثم مرض فتزوجها وهو مريض ففاء إليها باللسان صح فيؤه في قول أبي يوسف حتى لو تمت (1/247)
صفحة 247
أربعة أشهر من وقت التزوج لا تبين، وقال محمد: لا يصح وجه قوله أنه إذا صح في المدة الثانية فقد قدر على الجماع حقيقة فسقط اعتبار الفيء باللسان في تلك المدة وإن كان لا يقدر على جماعها إلا بمعصية كما لو كان محرما ففاء بلسانه أنه لم يصح فيؤه باللسان لكونه قادرا على الجماع حقيقة وإن كان لا يقدر عليه إلا بمعصية كذا هذا , ولأبي يوسف أن الصحة إنما تمنع الفيء باللسان للقدرة على إيفائها حقها في الجماع ولا حق لها في حالة البينونة فلا تعتبر الصحة مانعة منه" (1)
ومثل هذا "المبسوط" و"البحر الرائق" وحاشية ابن الهمام شرح "فتح القدير" و"تنوير الأبصار" وشرحه "الدر المختار" وحاشيته "رد المحتار" و"ملتقى الأبحر" وشرحيه "مجمع الأنهر" و"الدر المنتقى" (2).
وبهذا يتبين أن أصحاب أبي حنيفة في هذا أكثر تشددا من غيرهم وكما يتعجب مما نقله الماوردي عن أبي حنيفة في هذا فإنه يتعجب مما نسبه الحنيفة إلى الشافعي أنه لا فيء عنده إلا بالجماع حتى في حالات الأعذار ومن ذلك ما قاله الكاساني بعد ذكره أحكام فيء المعذور: هذا الذي ذكرنا مذهب أصحابنا وقال الشافعي لا فيء إلا بالجماع وإليه مال الطحاوي , ووجه أن
__________
(1) / بدائع الصنائع 4/ 1958 - 1959
(2) / ينظر المبسوط 7/ 28 - 29, البحر الرائق 4/ 67 - 68, شرح فتح القدير لابن الهمام 4/ 184 - 185, تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشيته رد المحتار 5/ 73, ملتقى الأبحر مع شرحيه مجمع الأنهر والدر المنتقى 2/ 99. (1/248)
صفحة 248
الفيء بالحنث ولا حنث باللسان فلا يحصل الفيء به وهذا لأن الحنث هو فعل المحلوف عليه والمحلوف عليه هو القربان فلا يحصل الفيء إلا به, ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي عن علي وابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم- الفيء عند العجز بالقول وكذا روي عن جماعة من التابعين مثل مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير , ولأن الفيء في اللغة هو الرجوع يقال فاء الظل إذا رجع ومعنى الرجوع في الإيلاء هو أنه بالإيلاء على عزم منع حقها في الجماع وأكد العزم باليمين فبالفيء رجع عما عزم, والرجوع كما يكون بالفعل يكون بالقول وهذا لأن وقوع الطلاق لصيرورته ظالما بمنع حقها والظلم عند القدرة على الجماع بمنع حقها في الجماع, فيكون إزالة الظلم بإيفاء حقها في الجماع , فيكون إزالة هذا الظلم بذكر إيفاء حقها في الجماع أيضا وعند العجز عن الجماع يكون بإيذائه إياها منع حقها في الجماع ليكون إزالة هذا الظلم بقدر الظلم فيثبت الحكم على وفق العلة" (1)
وهذا المنسوب إلى الشافعي غريب فقد نقل عنه المزني -وهو من أخص أصحابه- أن فيء المعذور بلسانه كما تقدم.
__________
(1) / بدائع الصنائع 4/ 1959 - 1960، وتنظر بقية المراجع الحنفية المذكورة آنفا. (1/249)
صفحة 249
[صفحة بيضاء] (1/250)
صفحة 250
المسألة الثانية
يفهم من كلامه أنه لو فاء إليها بالوطء وهي حائض أو نفساء لم يجز لحرمة الوطء في هذه الحالة وهذا مما اختلف فيه أهل العلم, فكثير منهم ذهبوا إلى أن الفيئة تتحقق بذلك كما تجب عليه الكفارة بفعله هذا, وإنما يتحمل وزر إقدامه على مخالفة النص الشرعي الذي يحرم عليه الوطء في هذه الحالة , قال الشافعي: " وإن جامعها محرمة أو حائضا أو وهو محرم أو صائم خرج من الإيلاء وأثم بالجماع في هذه الأحوال" (1).
وفي "المهذب": " وإن وطئها وهناك مانع من إحرام أو صوم أو حيض سقط به حقها من الإيلاء لأنها وصلت منه إلى حقها وإن كان بمحرم" (2).
قال شارحه: " جملة ذلك أنه لو وطئها وطأ محرما مثل أن وطئها حائضا أو نفساء أو محرمة أو صائمة صوم فرض أو كان محرما أو صائما أو مظاهرا حنث و خرج من الإيلاء , وعند أحمد وأصحابه قولان: أحدهما هذا, والثاني:-وهو قول القاضي أبي بكر- أن قياس المذهب أن لا يخرج من الإيلاء لأنه وطء لا يؤمر به في الفيئة فلم يخرج به من الإيلاء كالوطء في الدبر ولا يصح هذا لأن يمينه انحلت ولم يبق ممتنعا من الوطء بحكم اليمين فلم يبق الإيلاء كما لو كفر يمينه أو كما لو وطئها مريضة, وقد نص أحمد
__________
(1) / الأم 5/ 272
(2) / المهذب مع شرحه المجموع 17/ 320 (1/251)
صفحة 251
فيمن حلف ثم كفر يمينه أنه لا يبقى موليا لعدم حكم اليمين, مع أنه ما وفاها حقها, فلأن يزول بزوال اليمين بحنثه أولى" (1). وما عزاه إلى القاضي من الحنابلة يختلف كل الاختلاف مع ما هو في كتب الحنابلة, فقد عزوا إليه أنه قال في التي اجتمع فيها الإيلاء والظهار يلزمها التمكين, وإن امتنعت سقط حقها لأن حقها في الوطء وقد بذله لها, ومتى وطئها فقد وفاها حقها والتحريم عليه دونها" (2).
ونص ما في "المغني": "والإحرام كالمرض في ظاهر قول الخرقي, وكذلك على قياسه الاعتكاف المنذور والظهار, وذكر أصحابنا أن المظاهر لا يمهل, ويؤمر بالطلاق, فيخرج من هذا أن كل عذر من فعله يمنعه الوطء لا يمهل من أجله, وهو مذهب الشافعي, لان الامتناع بسبب منه فلا يسقط حكما واجبا عليه , فعلى هذا لا يؤمر بالوطء لأنه محرم عليه ولكن يؤمر بالطلاق, ووجه القول الأول أنه عاجز عن الوطء بأمر لا يمكنه الخروج منه فأشبه المريض, فأما المظاهر فيقال له إما أن تكفر وتفيء وإما أن تطلق فإن قال أمهلوني حتى أطلب رقبة أو أطعم فإن علم أنه قادر على التكفير في الحال وإنما يقصد المدافعة والتأخير لم يمهل , لأن الحق حال عليه, وإنما يمهل للحاجة ولا حاجة , وإن لم يعلم ذلك أمهل ثلاثة أيام لأنها قريبة ولا يزاد على ذلك, وإن كان فرضه الصيام فطلب الإمهال ليصوم شهرين
__________
(1) المجموع 17/ 321
(2) / ينظر المغني 8/ 539, الشرح الكبير 8/ 542 (1/252)
صفحة 252
متتابعين لم يمهل لأنه كثير, ويتخرج أن يفيء بلسانه فيئة المعذور , و يمهل حتى يصوم كقولنا في المحرم فإن وطئها فقد عصى وانحل إيلاؤه, ولها منعه منه لأن هذا الوطء محرم عليهما".
ثم نقل ما ذكرناه عن القاضي وقال على أثره: " ولنا أنه وطء حرام فلا يلزم التمكين منه كالوطء في الحيض والنفاس وهذا ينقض دليلهم, ولا نسلم كون التحريم عليه دونها فإن الوطء متى حرم على أحدهما حرم على الآخر لكونه فعلا واحدا ولو جاز اختصاص أحدهما بالتحريم لاختصت المرأة بتحريم الوطء في الحيض والنفاس وإحرامها وصيامها لاختصاصها بسببه" (1).
ولئن كان هذا هو قول القاضي في التي اجتمع فيها الإيلاء و الظهار فإنه من المستبعد أن يقول بأن وطء المولي في الحيض أو النفاس لا يسقط به حكم الإيلاء, اللهم إلا أن يكون القاضي في كلام الحنابلة غير أبي بكر، وذلك أظهر، فإن أبا بكر عزا إليه صاحب المغني ما عزاه إليه شارح المهذب"2" (2)، ومع هذا فإنني أميل في ذلك إلى ما ذهب إليه قطب الأئمة -رحمه الله تعالى- من التشديد نظرا إلى أن الفيء المأمور به إنما هو فيء إحسان لا فيء إساءة ولذلك نيطت به مغفرة الله ورحمته في قوله: [آية لم ترقن]
__________
(1) / المغني 8/ 538 - 539 وينظر الشرح الكبير 8/ 542 - 543
(2) / يراجع المغني 8/ 530. (1/253)
صفحة 253
[آية لم ترقن] ومن المعلوم قطعا أن الوطء في الحيض أو النفاس أو في أي حالة يحرم فيها الوطء ليس هو من الإحسان في شيء بل هو تضعيف للإساءة, وقد كررنا غير مرة أن مشروعية حكم الإيلاء لم تكن إلا لإيفاء المرأة حقها وهل من حقها أن توطأ نفساء أو حائضا, كلا وألف كلا.
وأغرب ما قيل في هذا ما ذكره بعض المالكية من أن الجماع في الدبر يزول به الإيلاء إلا أن ينوي القبل, فقد حكى ابن شاس عن كتاب الرجم " إذا جامع في الدبر حنث وزال عنه الإيلاء إلا أن يكون نوى القبل فلا كفارة عليه وهو مول بحاله.
قال الشيخ أبو محمد طرحه سحنون ولم يقرأه" (1).
وما أجدره بالطرح فإنه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه بحال كيف يكون هذا الفعل القبيح القذر فيئا توفى به المرأة حقها ويسقط به عن الرجل حكم إيلائه منها؟!
__________
(1) / عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس 2/ 223 (1/254)
صفحة 254
المسألة الثالثة
تضمن كلامه أنه إن ادعى وطأها فالقول قوله مع يمينه , وهل هذا على إطلاقه , فإنه مما ينبغي أن ينظر فيه, فقد تكون بكرا وقد تكون ثيبا. والفيء في البكر لا يكون إلا بافتضاضها كما نص عليه غير واحد من أهل العلم, ولذلك فرق كثير بين البكر والثيب في هذا فجعلوا القول قوله في الثيب بخلاف البكر فالقول قولها.
قال الخرقي في مختصره: فإن ادعى أنه وطئها فأنكرت وكانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه.
قال ابن قدامة: وهذا قول الشافعي؛ لأن الأصل بقاء النكاح، والمرأة تدعي ما يلزمه به رفعه، وهو يدعي ما يوافق الأصل، ويبقيه، فكان القول قوله. كما لو ادعى الوطء في العنة، ولأن هذا أمر خفي ولا يعلم إلا من جهته، فقبل قوله فيه، كقول المرأة في حيضها وتلزمه اليمين؛ لأن ما تدعيه المرأة محتمل، فوجب نفيه باليمين. ونص أحمد، في رواية الأثرم، على أنه لا يلزمه يمين؛ لأنه لا يقضى فيه بالنكول. وهذا اختيار أبي بكر. فأما إن كانت بكرا، واختلفا في الإصابة، أريت النساء الثقات، فإن شهدن بثيوبتها، فالقول قوله، وإن شهدن ببكارتها، فالقول قولها؛ لأنه لو وطئها زالت بكارتها. وظاهر قول الخرقي، أنه لا يمين هاهنا؛ لقوله في باب العنين: فإن شهدن بما قالت، أجل سنة. ولم يذكر يمينه. وهذا قول أبي بكر؛ لأن (1/255)
صفحة 255
البينة تشهد لها، فلا تجب اليمين معها (1) , وقيل تجب عليها اليمين لاحتمال أن تكون العذرة عادت بعد زوالها وإن لم يشهد بها أحد فالقول قوله كما لو كانت ثيبا, وهل يحلف؟ على وجهين مضى توجيهمهما.
وفي "الإنصاف": أنه لا نزاع أنها إن كانت بكرا وادعت أنها عذراء فشهدت بذلك امرأة عدل فالقول قوله وإلا فالقول قولها (2).
معنى هذا أنها إن شهدت بأنها ثيب كما قال فالقول قوله وإلا فالقول قولها.
وقال المرداوي أيضا على أثر قول ابن قدامة: " وهل يحلف من القول قوله؟ على وجهين": وهما روايتان وقال في الرعايتين والحاوي: في الثيب روايتان وفي البكر وجهان, و أطلقهما في الفروع والهداية والمذهب والخلاصة والرعايتين والحاوي الصغير والزركشي.
أحدهما: يحلف اختاره الخرقي في بعض النسخ وجزم به في الوجيز وقدمه في الشرح والمحرر والمستوعب.
والوجه الثاني: لا يحلف, قال في رواية الأثرم: لو ادعى وطء الثيب لا يمين عليه وصححه في التصحيح واختاره أبو بكر قال القاضي: وهو
__________
(1) / المغني 8/ 547 - 548 وينظر الشرح الكبير 8/ 552.
(2) / الإنصاف 9/ 192. (1/256)
صفحة 256
أصح وقدمه ابن رزين في شرحه وقال: نص عليه. لأنه لا يقضى فيه بالنكول.
قال في "المغني": وظاهر كلام الخرقي أنه لا يمين هنا إذا شهد بالبكارة لقوله-في باب العنين- فإن شهدت بما قالت أجلت سنة ولم يذكر يمينا, وهذا قول أبي بكر, وقال الناظم:
فقلده وليحلف على المتأكد
ودعواه بقيا الوقت أو وطء ثيب 0/ 0
بعذرتها تقبل وتحلف بمبعد
وإن تك بكرا ثم تشهد عدلة
ثم قال: تنبيه: ظاهر كلام المصنف أن الوجهين يشمل البكر إذا شهد بأنها بكر وأن فيها وجها يحلفها, وهو الصحيح, وذكر هذا الوجه في الشرح والرعايتين والترغيب والحاوي الصغير والنظم وغيرهم, وظاهر كلامه في الفروع أن حكاية الوجهين فيها لم يذكره إلا في الترغيب فقط فإنه قال: إذا شهد بالبكارة امرأة قبل وفي الترغيب في يمينها وجهان (1)
وهذا التفصيل بين الثيب والبكر هو مذهب الشافعي و أصحابه فقد حكى عنه المزني أنه قال: ولو قالت لم يصبني وقال أصبتها فإن كانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه لأنها تدعي ما به الفرقة التي هي إليه وإن كانت بكرا أريها النساء, فإن قلن هي بكر فالقول قولها مع يمينها.
__________
(1) / المرجع السابق 193 - 194 (1/257)
صفحة 257
قال المزني إنما أحلفها لأنه يمكن أن يكون لم يبالغ فرجعت العذرة
بحالها.
قال الماوردي في شرحه: إذا ادعى المولي إصابتها ليسقط مطالبتها وأنكرت أن يكون أصابها وادعت أنها على حقها من المطالبة لم يخل حالها من أن تكون بكرا أو ثيبا, فإن كانت ثيبا فالقول قول الزوج في الإصابة مع يمينه بالله لقد أصابها، لأن الوطء يستسر به ولا يمكن إقامة البينة عليه فقيل فيه قول مدعيه كالحيض والطهر، ولأن بقاء النكاح ودوام صحته أصل قد استصحبه الزوج بدعوى الإصابة والزوجة تدعي ما يخالف الأصل من وجوب الفرقة بإنكار الإصابة فكان القول فيه قول الزوج مع يمينه لاستصحابه حكم الأصل, فإن قيل: فالأصل أن لا إصابة كما أن الأصل في النكاح الصحة فلم استصحبتم الأصل في صحة النكاح؟ ولم تستصحبوا الأصل في عدم الإصابة؟ قلنا لأن صحة النكاح أصل متيقن وعدم الإصابة أصل مظنون يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون فكان استصحاب الأصل المتيقن أولى من استصحاب الأصل المظنون، وإذا ثبت أن القول قول الزوج مع يمينه لجواز كذبه فإذا حلف حكم بسقوط حقها من الإيلاء وإن نكل ردت اليمين عليها فإن حلفت كانت على حقها من الإيلاء وأخذ بالفيئة أو الطلاق ولم يحكم بقول الزوج في ثبوت الإصابة.
وإن كانت بكرا فالقول قولها أنه لم يصبها لأن البكارة من شواهد (1/258)
صفحة 258
صدقها في عدم الإصابة فصار قولها أقوى من قول الزوج فلذلك قال الشافعي: فالقول قولها مع يمينها, قال المزني: إنما أحلفها لأن يمكنه أن يكون لم يبالغ فرجعت العذرة بحالها فاختلف أصحابنا أنه إنما يحلفها (1) إن ادعى الزوج أنه لم يبالغ في الإصابة فعادت العذرة, فأما إن لم يدع لم يحلفها.
وقال البغداديون: بل يحلفها بكل حال سواء ادعى الزوج ذلك أو لم يدعه لأن دعواه الإصابة مع البكارة مفض إلى ذلك وإن لم يصرح به في الدعوى فإن حلفت الزوجة كانت على حقها من المطالبة بالفيئة أو الطلاق وإن نكلت ردت اليمين على الزوج وإن حلف سقط حقها من الإيلاء وإن نكل حكم بقول الزوجة في بقاء حقها من المطالبة, فعلى هذا لو اختلف في البكارة فادعتها الزوجة ليكون قولها مقبولا في عدم الإصابة وأنكرها الزوج ليكون قوله مقبولا في وجوب الإصابة لم يرجع فيها إلى قول أحدهما لأنه يمكن أن يشاهد ذلك النساء الثقات فإذا شهد أربع منهن بأنها بكر كان القول قولها في إنكار الإصابة وإن شهدن بأنها ثيب كان القول قوله في ثبوت الإصابة" (2).
وقول الشافعية في هذه المسألة موافق لقول الحنابلة في التفرقة بين حال
__________
(1) / كذا بالأصل والظاهر أن هنا سقطا يمكن أن يكون قالت طائفة إنه إنما يحلفها إذا ادعى الزوج ... الخ.
(2) / الحاوي الكبير 10/ 399 - 400. (1/259)
صفحة 259
الثيب والبكر وإن كانت التفريعات المترتبة عليها قد تتفق فيها آراء الطائفتين وقد تفترق بحسب ما لفقهاء كل واحدة منهما من النظر والاجتهاد وما قاله القطب رحمه الله تعالى يمكن أن يحمل إطلاقه على هذا التقييد بحيث يعد القول قول الزوج فيما إذا كانت المرأة ثيبا والبكر بخلاف ذلك، ويقوى هذا أن أكثر علمائنا عولوا فيما إذا اختلف الزوجان في الإصابة بعد زواجهما على نظر النساء الأمينات إلى المرأة إن كانت بكرا ولا تختلف هذه المسألة عن تلك ويحتمل أن يكون إطلاق كلام القطب غير مقيد بهذا كما هو رأي أكثر المالكية الذين لم يفرقوا بين الثيب والبكر سواء في الإيلاء أو فيما إذا ادعت عليه العنة, قال ابن شاس: " ولو قال الرجل وطئت قبل انقضاء المدة فأنكرت فالقول قوله كما في العنة على خلاف قياس الخصومات بكرا كانت أو ثيبا، وحكى الشيخ أبو عمران أن القول قولها إن كانت بكرا" (1).
أما الحنفية ففرقوا بين أن يدعى إصابتها في مدة التربص أو بعدها ففيها القول قوله وبعدها القول قولها ولم يفرقوا بين الثيب والبكر (2) , وإنما ينظر في إلزامها اليمين حال ثبوت بكارتها بشهادة الأمينات من النساء فإن الذي يتبادر أنه لا داعي إلى إلزامها ذلك فإن شهادة الحال أقوى, ومما يستبعد جدا أن تعود العذره كما كانت بعد افتراعها غير أن التقارير الطبية الحديثة دلت على أنه من الممكن أن يتم الإيلاج بدون افتضاض غشاء البكارة عندما
__________
(1) / عقد الجواهر الثمينة 2/ 223.
(2) / المبسوط للسرخسي 7/ 21 (1/260)
صفحة 260
يكون المنفذ واسعا وقد مرت بي قضية فتاة فجرت قبل زواجها وحملت بطريق فجورها وعندما عرضت على الطبيبات قررن أنها بكر مع اعترافها بفجورها وكون حملها شاهدا عليه لذلك أرى أنه مما يقطع شأفة خصومتها أن تحلف إن طالبها باليمين مع ثبوت بقاء بكارتها حسب شهادة الأمينات.
هذا ويلحظ الاختلاف بين ما نقلناه عن أصحابنا والحنفية وما نقلناه عن غيرهم من علماء سائر المذاهب في أحكام الفيء وما يكون من فيء المعذور ذلك لأن أصحابنا والحنفية بنوا تفريعاتهم في ذلك على أصل اتفقوا عليه وهو أن العلاقة الزوجية تنحل بين الزوج المولي وامرأته التي آلى منها بمرور مدة التربص من غير حاجة إلى أن يوقف ويطلق، بينما الشافعية والمالكية والحنابلة يقولون خلاف ذلك فلذلك يفرعون على ما أصلوه في المسألة وإن اختلفت آراؤهم في بعض جزئيات المسائل المتعلقة بها كما ذكرت. وبقيت هاهنا مسائل:
المسألة الأولى
شدد الحنفية في الموانع الحكمية فلم يجعلوها كالموانع الحقيقية, وهذا يعني أن الحيض والنفاس والإحرام والإعتكاف لا تسوغ أن يكون الفيء بالقول, وقد تقدم ذلك فيما نقلته من كلام الكاساني وهو الذي أطبقت عليه كتب الفقه الحنفي, وقد علمت أن غيرهم أعطى بعض هذه الموانع حكم المانع الحقيقي لا سيما الحيض والنفاس وإنما اختلفوا في بعضها (1/261)
صفحة 261
كالإحرام والإعتكاف والظهار وقد سبق ما نقلناه عن الحنابلة في ذلك مما يدل على أنهم مختلفون في هذا, وظاهر مذهب الشافعي أن المانع إن كان متعلقا به وكان في أصله اختياريا لم يكن عذرا له فقد نقل عنه المزني قوله: "ولو أحرم قيل له: إن وطئت فسد إحرامك وإن لم تفيء طلق عليك قال الماوردي: قد ذكرنا أن المولي إذا أحرم بحج أو عمرة كان زمان إحرامه محسوبا عليه, فإن أحل قبل انقضاء مدة التربص كان مخيرا بين الفيئة أو الطلاق، وإن كان باقيا على إحرامه إلى انقضاء مدة التربص قيل له إحرامك قد حضر، عليك الوطء، والإيلاء يوجبه، ولا يمنع تحريمه عليك من مطالبتك في حق الزوجة بالوطء أو الطلاق، لأن المطالبة بالوطء هي أقوى الحقين لأن الوطء أصل مقصود والطلاق بذل على وجه التخيير فإذا طولب وطلق خرج به من حكم الإيلاء ولا يأثم في إفساد إحرامه فإذا فاء فقد عصى بوطئه في الإحرام وأفسد به الحج ووجبت فيه الكفارة وخرج من حكم الإيلاء ووجبت به كفارة يمين فإن امتنع أن يفعل أحد الأمرين طلق عليه في أصح القولين.
فإن قيل: فهلا اقتنع منه بفيء معذور بلسانه كالمريض؟ قيل لأنه أدخل الإحرام المانع على نفسه بخلاف المرض الذي لم يكن دخوله عليه من فعله فكان بالإحرام غير معذور وبالمرض معذورا والله أعلم" (1).
__________
(1) / الحاوي الكبير 10/ 397 - 398. (1/262)
صفحة 262
وقد سبق فيما ذكرته من كلام قطب الأئمة في شرح النيل أن إحرامها لا يسوغ له وطأها بحال وقد نص الشافعي على ذلك سواء كان بإذنه أو بغير أذنه فلم يأمرها بإحلال وقال فيه الماوردي: وأما المانع بالشرع مع المكنة من الوطء فالإحرام بحج أو عمرة سواء كان بإذن الزوج أو بغير إذنه استحق فسخه عليها أو لم يستحق والصوم المفروض سواء تعين زمانه أو لم يتعين لأنه لا يجوز لها الخروج من صوم المفروض وإن لم يتعين فأما صوم التطوع فمخالف له لأنه يجوز لها الخروج منه ومن ذلك الحيض والنفاس يمنعان الوطء بالشرع فأما الإستحاضة فلا تمنع من ذلك ومن ذلك الردة عن الإسلام يحرم فيها الوطء فإذا وجد في زمان المطالبة وهو الوقف الثاني هذه الأسباب المانعة من الوطء من جهتها منعها ذلك من المطالبة بحقها من الإيلاء سواء كان منع عجز أو منع شرع لأن المطالبة بالفيئة يكون مع استحقاقها وهي تستحقها إذا قدرت على التمكين فيها وهي غير قادرة على التمكين
فسقط الاستحقاق وإذا سقط الاستحقاق سقطت المطالبة" (1).
وهذا كله مبني على الأصل الذي اعتمده الشافعية ومن قال قولهم وهو أنها لا تخرج من عصمة الزوج بمرور مدة التربص حتى يطلق أو يطلق عليه، أما على الأصل الأخر الذي ذهب إليه أصحابنا والحنفية وهو أن مرور مدة التربص هو عزيمة الطلاق فإن هذه الأحوال كلها تكون مانعة له من الفيء وتفوته بها المرأة إن لم يبق من أمد التربص بعدها ما يمكن معه
__________
(1) / المرجع السابق 392 - 393. (1/263)
صفحة 263
الفيء ولم يكن فاء قبل وقوعها اللهم إلا ما قيل في الحيض والنفاس أنه يفيء فيهما فيء معذور بالقول كما هو مذهب أصحابنا.
ولا يخفى أن الظهار في هذا كالإحرام لحرمة مواقعته إياها قبل أن يكفر بل شدد أصحابنا في ذلك حتى قالوا بأنها تحرم عليه إن أتاها قبل التكفير.
أما غيرهم فهم يقولون بتحريم الفعل من غير أن يترتب عليه تحريم الزوجة ولذلك قال الشافعي: " ولو آلى ثم تظاهر أو تظاهر ثم آلى وهو يجد الكفارة قيل: أنت أدخلت المنع على نفسك فإن فئت فأنت عاص وإن لم تفئ طلق عليك" (1).
قال الماوردي: اعلم أنه إذا جمع بين الإيلاء والظهار في امرأة واحدة
فآلى منها ثم ظاهر أو ظاهر ثم آلى كان زمان الظهار محسوبا عليه في مدة التربص فإذا انقضت المدة واستحقت المطالبة وهو على ظهار لم يكفر منه فقد اجتمع عليه في الوطء حقان متنافيان أحدهما يحرم الوطء في حق الله تعالى حتى يكفر وهو الظهار.
والثاني يوجب الوطء في حق الزوجة قبل التكفير وهو الإيلاء فإن عجل الكفارة في الظهار ووطئ في الإيلاء خرج من تحريم الظهار بالكفارة ومن حق الإيلاء بالوطء وإن طلق خرج بالطلاق من حق الإيلاء وخرج من مأثم الظهار بترك الوطء وإن لم يفعل أحد هذين الأمرين ووطئ قبل التكفير في
__________
(1) / مختصر المزني مع شرحه الحاوي الكبير 10/ 398 (1/264)
صفحة 264
الظهار كان عاصيا بالوطء في حكم الظهار وخارجا به في الإيلاء من حق الزوجة فإن سأل الإنظار في الوطء حتى يكفر بالظهار نظر فإن كان ممن يكفر بالصيام لم ينظر لأنه صوم شهرين وإن كان ممن يكفر بالعتق فإن كان مالكا للرقبة لم ينظر في عتقها كما لا ينظر في الطلاق لأنه يقدر على تعجيلها من غير ضرر وإن لم يكن مالكا للرقبة أنظر لا بتياعها يوما وهل يبلغ بإنظاره ثلاثا على ما مضى من القولين؟ " (1).
وهذه التفريعات كلها مبنية كما قلت على القول بأنه لا بد من الطلاق بعد الإيلاء لخروج المرأة من عصمة الزوجية , والقول بأنها تستوفي حقها بإتيانها وقد ظاهر منها قبل أن يكفر غير مسلم له عندنا لأمرين:
أولهما: ما سبق ذكره من التشديد في وطء المظاهر قبل التكفير.
ثانيهما: ما سبق ذكره أن الوطء الذي تستوفى به المرأة حقها هو وطء إحسان لا وطء إساءة ووطء بر لا وطء فجور لأنه مطلوب لرفع الضرر عنها, وفي هذا الوطء إدخال ضرر جديد عليها فكيف يعد وفاء لحقها.
__________
(1) / الحاوي الكبير 10/ 398. (1/265)
صفحة 265
[صفحة بيضاء] (1/266)
صفحة 266
المسألة الثانية
لا أثر لارتدادهما عن الإسلام أو ارتداد أحدهما في مدة التربص فإن عادا إلى الإسلام أو عاد المرتد منهما إليه قبل انقضاء أمد التربص فهما على ما كانا عليه فإن أتاها قبل انتهائه بقيا على ما هما عليه من علاقة الزوجية وإن مضت المدة ولم يأتها فتلك عزيمة الطلاق وكذلك إن ظلا على ارتدادهما أو ظل المرتد منهما على ارتداده فإن الاستمرار على الارتداد صارم لحبل العلاقة الزوجية بينهما. هذا ما يقتضيه مذهب أصحابنا والحنفية.
أما عند غيرهم -وهم القائلون بالوقف بعد مضي أمد التربص- فإنهم يرون للردة أثرا في تغير الحكم بحيث يستأنف بعد العودة إلى الإسلام أمد جديد للتربص فقد حكى المزني عن الشافعي أنه قال: "ولو ارتدا أو أحدهما في الأربعة الأشهر أو خالعها ثم راجعا أو رجع من ارتد منهما في العدة استأنف في هذه الحالات كلها أربعة أشهر من يوم حل له الفرج، ولا يشبه هذا الباب الأول لأنها في هذا الباب كانت محرمة كالأجنبية الشعر والنظر والحس في تلك الأحوال لم تكن محرمة بشيء غير الجماع- وهو يشير بهذا إلى ما سبق الكلام فيه من أمر الإحرام الذي يمنع من أن يفي فيه بالمواقعة- قال المزني: القياس عندي أن ما حل له بالعقد الأول فحكمه حكم امرأته والإيلاء يلزمه بمعناه وأما من لم تحل له بعقده الأول حتى يحدث نكاحا جديدا فحكمه مثل الأيم تزوج فلا حكم للإيلاء في معناه المشبه لأصله. (1/267)
صفحة 267
قال الماوردي: قد ذكرنا أن الردة تسقط الوقف الأول في مدة التربص وتسقط الوقف الثاني استحقاق المطالبة وزمانها غير معتد به سواء كانت الردة من جهته أو من جهتها فإن لم يعد المرتد منهما إلى الإسلام إلى بعد انقضاء العدة فقد وقعت الفرقة بالردة وسقط بها حكم الإيلاء وهذه الفرقة فسخ, فإن عاد فنكحها فهل يعود الإيلاء في النكاح الثاني أم لا ينبني على اختلاف أصحابنا بالفرقة بالفسخ هل تجري مجرى فرقة طلاق الثلاث أو مجرى ما دونها على وجهين:
أحدهما: أنها جارية مجرى الطلاق الثلاث فعلى هذا لا يعود الإيلاء على قوله في الجديد كله وأحد قوليه في القديم, ويعود الإيلاء على القول الثاني في القديم.
والوجه الثاني: أنه يجري مجرى ما دون الثلاث فعلى هذا يعود الإيلاء على قوله في القديم كله وأحد قوليه في الجديد, ولا يعود الإيلاء في القول الثاني في الجديد, فأما إذا عاد المرتد من الزوجين قبل انقضاء العدة إلى الإسلام كان على النكاح واستوقف له الوقف الأول وهو مدة التربص أربعة أشهر لا يبنى على ما مضى منها، فإذا انقضت طولب بالفيئة أو الطلاق إلا أن تكون الردة في الوقف الثاني وهو زمان المطالبة فلا يعاد الوقف بعد انقضائه كاملا قبل الردة فإن قيل فهلا استؤنف الوقف بعد الإسلام كما يستأنف الوقف بعد (1/268)
صفحة 268
الرجعة قيل بأنه قد وفاها حقها بالطلاق ولم يوفها حقها بالردة فلذلك سقط بالطلاق حكم الوقف الأول واستأنف له وقف بعد الرجعة ولم يسقط بالردة حكم الوقف الأول فلم يستأنف له الوقف بعد الإسلام والله أعلم (1).
__________
(1) / الحاوي الكبير 10/ 400 وينظر المجموع 17/ 318. (1/269)
صفحة 269
[صفحة بيضاء] (1/270)
صفحة 270
المسألة الثالثة
إن جن أو أصابه إغماء في مدة التربص حتى انتهت أو أفاق قبل انتهائها ولم يفيء إليها إلى انتهاء المدة خرجت منه بالإيلاء على ما تقتضيه أصول مذهبنا ومذهب الحنفية في ذلك لأن مرور الوقت لا أثر عليه لجنون أو غيره لأنه مما يدخل في خطاب الوضع، وذلك خلاف ما يقتضيه مذهب القائلين بالوقف كما جاء منصوصا عليه عند الحنابلة ففي المغني ما نصه: "فإن كان مغلوبا على عقله بجنون أو إغماء لم يطالب لأنه لا يصلح للخطاب ولا يصح منه الجواب وتتأخر المطالبة إلى حد القدرة وزوال العذر ثم يطالب حينئذ" (1).
وظاهر هذا الذي ذهبوا إليه يفيد أنه مبني على أن المسألة داخلة في خطاب التكليف وهذا واضح على ما أصلوه من أنه لا بد من وقفه ومطالبته بالطلاق إن لم يفيء لأن انقضاء أمد التربص لا أثر له عندهم في عزيمة الطلاق وإنما هو ميقات وقفه ومطالبته بأن يفي أو يطلق غير أن ما في المجموع يدل على أن جنونه لا تنقطع به مدة التربص (2).
__________
(1) / المغني 8/ 539 - 540
(2) / يراجع المجموع 17/ 319. (1/271)
صفحة 271
[صفحة بيضاء] (1/272)
صفحة 272
المسألة الرابعة
أطلق أصحابنا القول بأن المحبوس يفيء بلسانه كالمعذور من مرض أو عجز، وفرق الحنابلة بين أن يحبس ظلما وعدوانا وبين حبسه بحق يطالب به وهو قادر على أدائه فعذروا الأول ولم يعذروا الثاني وهاك ما نص عليه ابن قدامة منهم "وإن انقضت المدة وهو محبوس بحق يمكن أداؤه طولب بالفيئة لأنه قادر عليها بأداء ما عليه فإن لم يفعل أمر بالطلاق وإن كان عاجزا عن أدائه أو حبس ظلما أمر بفيئه المعذور" (1). وهذا تفريق وجيه, وأرى أنه لا بد من أن يقيد به إطلاق من أطلق أن المحبوس يفيء بلسانه.
__________
(1) / المغني 8/ 539. (1/273)
صفحة 273
[صفحة بيضاء] (1/274)
صفحة 274
المسألة الخامسة
اختلف العلماء من أصحابنا وغيرهم فيمن آلى فنسي أو جن فوطئ امرأته في حال نسيانه أو جنونه هل يعد ذلك فيئا أم لا؟ ومثل ذلك إذا استدخلت هي ذكره في فرجها في حال نومه أو بإكراهه.
ففي "بيان الشرع" ما نصه: "وقيل في رجل آلى من امرأته أن لا يطأها ثم جن فوطئها في حال جنونه أن ذلك يكون منه برا في يمينه ويسقط عنه الإيلاء ولا يطؤها حتى يكفر فإن وطئها كفر ولا شيء عليه وقال من قال ينهدم الإيلاء منه بالوطء ولا كفارة عليه لأن ذلك قام منه مقام الفعل في حال زوال الحنث عنه, قيل وذلك إن حنث هو ووطئها وهي مجنونة إن ذلك يكون منه فيئا ويسقط عنه الإيلاء وتكون عليه الكفارة إذا وطئها وهي مجنونة وهو مفيق قيل ولو أن امرأته جبرته على وطئها فربطت يديه ورجليه وكانت هي المتولية للوطء فأدخلت فرجه في فرجها كان ذلك يهدم عنه الإيلاء ولا حنث عليه في ذلك وقال من قال: إن ذلك لا يهدم الإيلاء عنه لأنه مجبور صحيح العقل ولا حنث عليه في ذلك فإذا وطء مرة أخرى كان عليه الحنث ويكون عليه الإيلاء ما لم يطأ" (1).
وكلامه يحتاج إلى تأمل في قوله: " ويسقط عنه الإيلاء ولا يطأها حتى
__________
(1) / بيان الشرع 52/ 384. (1/275)
صفحة 275
يكفر" فإن كفارة الإيلاء كسائر كفارات الأيمان تجب بالحنث في اليمين ولا يمنع الحانث من أن يكرر ما حنث به قبل التكفير فإن الخطاب بالكفارة لا يختلف بين كونه بعد وقوع الحنث مرة أو أكثر من مرة.
هذا إن ألزمنا المجنون كفارة بحنثه وهو غريب فإن المجنون يسقط عنه بجنونه خطاب التكليف فلا يطالب بشيء من الفروض والواجبات ولا يترتب على ما فعله في جنونه شيء بموجب هذا الخطاب, ولئن قلنا بأن الكفارة غير واجبة عليه حتى يطأ في إفاقته فإن المولي لا يطالب بأن يكفر قبل أن يفيء فإن كفارة الإيلاء لا تختلف عن غيرها من الكفارات فلا تجب إلا بالحنث ولا يحنث المولي قبل فيئه.
وفي "المجموع" ما نصه: "فإن وطئها وهو مجنون لم يحنث وهذا هو قول أحمد والشعبي وقال أبو بكر من الحنابلة يحنث وعليه الكفارة لأنه فعل ما حلف عليه وهذا غير صحيح لأنه غير مكلف والقلم عنه مرفوع ويخرج بوطئه عن الإيلاء لأنه قد وفاها حقها وحصل منه في حقها ما يحصل من العاقل، وإنها تسقط الكفارة عنه لرفع القلم وهو أحد الوجهين عند أصحابنا -أي الشافعية- وهو الظاهر من المذهب -أي مذهب الشافعي- والآخر أنه يبقى موليا فإنه إذا وطئ بعد إفاقته تجب عليه الكفارة لأن وطأه الأول ما حنث به وإذا بقيت يمينه بقي الإيلاء كما لو لم يطأ وهذا هو قول المزني. (1/276)
صفحة 276
وينبغي أن يستأنف له مدة الإيلاء من حين وطئ لأنه لا ينبغي أن يطالب بالفيئة مع وجودها منه ولا تطلق عليه لانتفائها وهي موجودة ولكن تضرب له مدة لبقاء حكم يمينه وقيل تضرب له المدة إذا عقل لأنه حينئذ يمنع من الوطء بحكم يمينه ومن قال بالأول قال قد وفاها حقها فلم يبق الإيلاء كما لو حنث ولا يمتنع انتفاء الإيلاء مع اليمين كما لو حلف لا يطأ أجنبية ثم تزوجها" (1).
وكلامه مبني على الأصل الذي يبني عليه الشافعية وغيرهم -ممن قال بوقف المولي من أجل الطلاق بعد مدة التربص-, فروعهم في مسائل الإيلاء, أما على قول أصحابنا والحنفية فإن نفس انقضاء أمد التربص هو عزيمة الطلاق كما سبق بيانه.
ثم قال:" إذا وطئ العاقل ناسيا ليمينه فهل يحنث؟ على روايتين فإن قلنا يحنث انحل إيلاؤه وذهبت يمينه وإن قلنا لا يحنث فهل ينحل إيلاؤه؟ على وجهين قياسا على المجنون, وكذلك يخرج فيما إذا آلى من إحدى زوجتيه ثم وجدها على فراشه فظنها الأخرى فوطئها لأنه جاهل بها والجاهل كالناسي في الحنث وكذلك إن ظنها أجنبية فبانت زوجته.
ثم قال: " إن استدخلت ذكره وهو نائم لم يحنث لأنه لم يفعل ما حلف عليه ولأن القلم مرفوع عنه وهل يخرج من حكم الإيلاء؟ فيه
__________
(1) / المجموع 17/ 320 - 321 (1/277)
صفحة 277
وجهان: أحدهما يخرج لأن المرأة وصلت إلى حقها فأشبه ما لو وطئ والثاني لا يخرج من حكم الإيلاء لأنه ما وفاها حقها وهو باق على الامتناع من الوطء بحكم اليمين فكان موليا كما لو لم يفعل به ذلك والحكم فيما إذا وطئ وهو نائم كذلك لأنه لا يحنث به" (1).
وقال صاحب "الشرح الكبير" من الحنابلة: " فإن وطئها ناسيا ليمينه هل يحنث؟ على روايتين, فإن قلنا يحنث انحل إيلاؤه وإن قلنا لا يحنث فهل ينحل ايلاؤه؟ على وجهين قياسا على المجنون وكذلك يخرج فيما إذا آلى من زوجته ثم وجدها في فراشه فظنها الأخرى فوطئها لأنه جاهل بها والجاهل كالناسي في الحنث وكذلك إن ظنها أجنبية فبانت زوجته وإن استدخلت ذكره وهو نائم لم يحنث لأنه لم يفعل ما حلف عليه ولأن القلم مرفوع عنه وهل يخرج من حكم الإيلاء؟ يحتمل وجهين أحدهما يخرج لأن المرأة وصلت إلى حقها فأشبه ما لو وطئ والثاني لا يخرج من حكم الإيلاء لأنه ما وفاها حقها وهو باق على الامتناع من الوطء بحكم اليمين فكان موليا كما لو لم تفعل به ذلك والحكم فيما لو وطئ وهو نائم , كذلك لأنه لا يحنث به" (2).
وفي "الإنصاف" ما نصه: " لو استدخلت ذكره وهو نائم أو وطئها نائما أو ناسيا أو جاهلا بها أو مجنونا -ولم نحنث الثلاثة- أو كفر يمينه بعد المدة
__________
(1) / المرجع السابق 321.
(2) / الشرح الكبير 8/ 545 - 546. (1/278)
صفحة 278
قبل الوطء: ففي خروجه من الفيئة وجهان وأطلقهما في الفروع والرعايتين والحاوي قال في الكافي وإن وطئها وهو مجنون لم يحنث ويسقط الإيلاء ويحتمل أن لا يسقط وإن وطئها ناسيا فأصح الروايتين لا يحنث فعليها هل يسقط الإيلاء؟ على وجهين كالمجنون وقال في المحرر: لو استدخلت ذكره وهو نائم أو وطئها ناسيا أو في حال جنونه-وقلنا لا يحنث- خرج من الفيئة وقيل لا يخرج وقدم -فيما إذا كفر بعد المدة قبل الوطء- أنه لم يخرج من الفيئة وقال في المنور يخرج بتغييب الحشفة في قبل مطلقا وقال ابن عبدوس في تذكرته: ويكفر بوطء ولو مع إكراه ونسيان وقال في المغني والشرح وإن كفر بعد الأربعة الأشهر وقبل الوقف صار كالحالف على أكثر منها إذا مضت يمينه قبل وقفه" (1).
وفيه أيضا: لو أكره على الوطء فوطئ فقد فاء إليها قال في الترغيب إذ الإكراه على الوطء لا يتصور" (2).
القول الصحيح
لا يخفى أن الايلاء فيه ظلم للمرأة إذ هو عقد العزم _ مع تأكيده بيمين_ على حرمانها من جني أطيب ثمرات الحياة الزوجية لذلك عد من الكبائر كما نص عليه صاحب الزواجر ونقله عنه كل من الشرواني وابن
__________
(1) / الإنصاف 9/ 189.
(2) / المرجع السابق. (1/279)
صفحة 279
قاسم العبادي في حواشيهما على تحفة المحتاج بشرح المنهاج (1) ومحو أثره إنما يكون بالفيء الصحيح، وإن من دقة التعبير ورقة الأسلوب في القران الكريم أن عبر عن هذا بالفيء وهي عبارة ذات أبعاد لا تفي بها أي عبارة أخرى وهو مما يدخل في الإعجاز البياني للقرآن الكريم فإن الله تعالى لم يقل: فإن باشروهن" أو "لامسوهن" أو نحو ذلك مما هو معهود الاستعمال في القرآن الكريم في غير هذا الموضع وإنما قال "فإن فاؤا" لما في الفيء من لطف الإشارة إلى الندم والحسرة لأنه تراجع عما صدر ممن فاء من قبل وذلك يعني أنه محو لأثر الظلم بقصد المعاشرة الحسنة وتوفية الحقوق وإزالة الوحشة والنفرة الناتجة عما كان بسبب الإيلاء، إذ الفيئة أوبة والأوبة توبة ولذلك نيطت بها المغفرة والرحمة في قوله تعالى: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-}، ويؤكد هذا عدم تعدية الفيء بإلى كما هو معهود - ليشمل الفيء إلى الله بالندم وإلى المرأة المولى منها بالمعاشرة الحسنة- وأين هذه الفيئة المطلوبة شرعا مما يكون من فعل الناسي أو الجاهل أو المجنون أو النائم أو المستكره بفعل المرأة؟ على أن فعل هؤلاء جميعا لا أثر له في الشرع من حيث الخطاب التكليفي فيكف يناط به الغفران والرحمة وزوال أثر الإيلاء الذي كدر صفو العلاقة الزوجية وزعزع بنيانها؟! لهذا كله أرى أن الصحيح أن لا يعد شيء من فعل هؤلاء فيئا لفقدانه ما تدل عليه هذه العبارة من مغزى بعيد ومعنى واسع إذ لا يراد من الفيء مجرد إيصال المرأة إلى المتعة بأي سبيل كان وإنما يراد به
__________
(1) / حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج 10/ 286 (1/280)
صفحة 280
تدارك الحياة الزوجية بتنقيتها مما شاب صفاءها من أثر الإيلاء وترميم بنائها المتين باستلال ما خَلَّفَهُ في قلب المرأة من الوحشة لإحلال الأُنس محله حتى تطيب العشرة ويعود الوِئام والمودة. (1/281)
صفحة 281
[صفحة بيضاء] (1/282)
صفحة 282
المسألة السادسة
إذا تشاجر الزوجان في مضي مدة التربص فادعت أنها مضت وادعى أنها باقية فالقول قوله مع يمينه إن لم تكن بينة تؤيد دعواها لأن الأصل بقاء الزوجية ولأن صدور اليمين إنما كان منه فهو أدرى بالزمن الذي حلف فيه وهذا الذي نص عليه الخرقي في مختصره وابن قدامة في المعني والمقنع وصاحب الشرح الكبير (1)، ولم يذكروا في ذلك خلافا إلا ما ذكره صاحب المغني عن أبي بكر من الحنابلة أنه ذهب إلى أنه لا يمين عليه ونقل عن القاضي قوله وهو أصح لأنه اختلاف في أحكام النكاح ولم تشرع فيه يمين كما لو ادعى زوجية امرأة فأنكرته (2)، وما سبق أصح لعموم الحديث.
__________
(1) / يراجع المغني 8/ 550 - 551، الشرح الكبير 8/ 551،552
(2) / المغنى، المرجع السابق (1/283)
صفحة 283
[صفحة بيضاء] (1/284)
صفحة 284
تتمةٌ فِي فَيءِ مَنْ عَلَّقَ طَلاقَ المُولى منها عَلى وَطْئِهَا
سبق فيما تقدم أنَّ الإيلاء يشملُ ما إذا عَلَّقَ الرجلُ على إتيان المرأةِ طلاقها أو طلاق غيرها من نسائه أو عتق أحد من أرقائه ويترتب على ذلك وقوع المعَلَّقِ بوقوع المُعَلَّقِ عليه فتطلق المرأة نفسها بوطئِهَا كما تطلق التي علق طلاقها على وطء ضرتها ويتحرر الرقيق الذي علق عتقه على إتيانه امراته اللهم إلا على مذهب مَنْ لا يرى وقوع الطلاق المعلق كما هو قول الظاهرية وقد تقدم.
ولا إشكال فيما إذا علق عتق أحد من أرقائه على إتيانها أو طلاق غيرها من نسائه فإنه يترتب على فيئه إليها عتق من علق عتقه على إتيانها وطلاق التي علق طلاقها من نسائه الأخريات على إتيانها أيضا وإنما الإشكال فيما إذا علق على إتيانها طلاقها بنفسها لِمَا يُفضي إليه ذلك من محظور الزنا عندما يفيء إليها إن لم يكن شديد الحذر والاحتياط لأن الوطء الذي هو مناط وقوع الطلاق يتحقق بأدنى ما يكون من فعله وهو طعنة مُغَيِّبةٌ للحَشَفَةِ أو مقدارها من فاقدها في قبلها.
وَبِمَا أنَّ أصحابنا يقولون بتحريم الموطؤة بغير وجهٍ شرعي على واطئها شددوا عليه إنْ واصل جماعها بحيثُ زادَ فيه على حركةالطعنة المغيبة للحشفة فعدوا ذلك محرما لها حرمة أبدية لذلك اختلفوا فيما يكون به المخرجُ من هذه الورطة وقد ذكر أصحابُ الديوان في ذلك ثلاثة أقوال وهذا (1/285)
صفحة 285
نص ما قالوه "وإن حلف بطلاق لا يمسها وأراد أنْ لا تخرج بالإيلاء أرخى ستراً وأحضر أمناء فإذا وجب عليه الغسل بغيوب الحشفة أشهد على مراجعتها قبل أن يتقدم أو يتأخر وقيل ينزعُ فيشهد وقيل يُحَنِّثُ نفسه بالنوى ويعزمُ على المس ثم يُشهد على المراجعة (1).
ومعنى هذا أنه قيل إن أراد الفيء فليحضر شاهدين عدلينِ وليجعلهما وراء ستر ثم ليأت زوجته التي آلى منها وبمجرد طعنها طعنة مغيبة للحشفة في قبلها يُشهد الشاهدين على مراجعتها قبلَ أن يتحرك أي حركة فإن شاء بعد ذلك واصل الجماع وإن شاءَ نزع، وقيل بل يطعن طعنة واحدةً وينزع فوراً ثم يُشهد على المراجعة وعند هذا القائل يُتَسَامح في حركة النزع وإن لم تكن له في ذلك الوقت حليلة وذلك بسبب الضرورة إليها ويباح في الإضطرار ما لايُباح في الاختيار، وقيل بأنه يحنثُ بنيته فيقع بها الطلاق وتصح بعدها الرجعة، والقول الثاني هو المشهور عند أصحابنا وعليه الآثار المشرقية ففي "بيان الشرع" ما نصه: "في رجل حلف وله امرأة لا يطؤها إلى سنة، فإن لم يطأها حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء فإن شاء خطبها إذا بقي من السنة أقلُ من أربعة أشهر ولا يطأها حتى تمضي السنة وإن هو أراد غير ذلك فليطعن طعنة واحدة حتى تغيب الحشفة لا يزيد على ذلك ثم لينزع عنها ويُشهد على رجعتها وإن وَطِئَ أكثرمما وصفت لك حرمت عليه أبدا قال أبو سعيد هذا إذا حلف بطلاقها أن لا يطأها فهو كما قال، وأما إذا
__________
(1) / شرح النيل 7/ 186، 187 نقلا عن الديوان. (1/286)
صفحة 286
حلف لا يطؤها إلى سنة فإن وطئها فإنما عليه كفارة يمين وينهدم عنه الإيلاء وإن لم يطأها حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء فإن ردها وطئها قبل السنة فإنما عليه كفارة يمين" (1)
ونحو هذا في زيادة مضافة إليه (2).
وفي "المُصنَّف": "من حلف بطلاق زوجته واحدة أن لا يطأها فإذا مضت أربعة أشهر ولم يطأ فقد بانت بالإيلاء وإن وطئها وأتم الجماع فسدت عليه أبدا ولكن الذي يؤمر به أن يطعن بذكره في موضع الوطء طعنة قدر ما يلتقي الختانان وتغيب الحشفة وحدها ويجب الغسل ثم ينزع فإذا فعل ذلك فقد حنث في يمينه فإن كان بطلاق واحد أو اثنين فقد وقع عليها ذلك الطلاق وهو أملك برجعتها يردها إذا أرادها كانت زوجته بما بقيَ من الطلاق وإن هو تركها ولم يفعل كذا حتى مضتْ أربعة أشهر بانت بالإيلاء وهي تطليقة بائنة" (3).
ونحو هذا في "منهج الطالبين" (4)
وفي "جامع أبي الحسن البسيوي" ما نصه: "وإن قال هي طالق إن
__________
(1) / بيان الشرع 52/ 395.
(2) / المرجع السابق.
(3) / المصنف 38/ 131
(4) / منهج الطالبين 16 /ق 2/ 123 (1/287)
صفحة 287
وطئها فتركها أربعة أشهر بانت منه بتطليقة حلت بها للأزواج حين انقضاء الأربعة ولا عدة عليها غير ذلك وإن جامعها فأمضى الجماع حرمت أبدا وإن وطئها بقدر ما يلتقي الختانان ثم نزع طلقت واحدة -إلى أن قال- وإن أمضى الجماع بقدر ما يلتقي الختانان ولم ينزع من حينه حرمتْ عليه" (1).
وهذا إذا كانت الطلقة المعلقة على الوطء طلقة رجعية أما إن كانت طلقة بائنة بينونة كبرى فلا يبقى له سبيل إلى ردها بعد تلك الطعنة ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا لا تدليس فيه.
قال في "المصنف": "وأما إذا آلى منها بطلاق الثلاث فهذا إن طعن تلك الطعنة وقع الحنث وبانت بالثلاث كما حلف وإن تركها حتى تمضي أربعة فقيل تبين بالثلاث وقيل تبين بالإيلاء وهو أكثر القول عندنا وهي تطليقة واحدة بانت بها (2).
ومثله في "منهح الطالبين" (3) و"الضياء" (4)
ونحو هذا في "بيان الشرع" فيما يحكيه عن أبي المؤثر من جوابه.
ولا ريب أن القول الأول فيما جاء من كلام أصحاب الديوان
__________
(1) / جامع أبي الحسن البسيوي 3/ 115.
(2) / المصنف 38/ 131
(3) / منهج الطالبين 16 /ق 2/ 123
(4) / الضياء 10/ 55 (1/288)
صفحة 288
-رحمهم الله - هو أسلم وأحوط لكن فيه مشقة وإحراج، وما خُيّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما لذلك أميل إلى الأخذ بالقول الثاني لِمَا فيه من التيسير، ولأن حركة النزع ضرورية فلا غرو في إباحتها، وبابُ الاحتياط باب واسع ومما ينبغي للإنسان أن يحتاط في أمر دينه بقدر إمكانه نزاهة وورعا ولكن الفتوى تُبنى على التيسير في الجائز لا على الورع والاحتياط، ولله در إمام المذهب أبي سعيد الكدمي -رحمه الله تعالى - حيث قال: "ليس العالِمُ مَنْ حمل الناس على ورعه وإنما العالم من أفتاهم بما يسعهم في دينهم".
أما القول الثالث: وهو أنَّ النية وحدها كافية في وقوع الطلاق الذي تترتب عليه صحة الرجعة فلست أدري وجهه إذ لو كان الأمر كذلك لترتب عليه أن كل من علق طلاق امرأته على أمر وقع طلاقها بمجرد نيته وإن لم يفعل ما علقه عليه وضعف هذا أبين من أن يحتاج إلى بيان.
هذا وقد بحث هذه المسألة كل من الشافعية والمالكية والحنابلة باستفاضة غير أن ما قالوه فيه لقاء وافتراق مع ما سبق نقله عن علماء المذهب في ذلك أما الشافعية فقد حكى المزني عن الشافعي أنه قال: "ولو قال: إن قربتك فأنت طالق ثلاثا وقف فإن فاء وغابت الحشفة طلقت ثلاثا فإذا أخرجه ثم أدخله بعد فعليه مهر مثلها.
قال المارودي في شرحه: وهذا أيضا مفرع على قوله في الجديد فإذا (1/289)
صفحة 289
قال لها: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا كان موليا لما يلزمه من طلاقها بالوطء فوجب أن يوقف مدة الإيلاء أربعة أشهر ويطالب بعدها بالفيئة أو الطلاق.
وقال أبو علي بن خيران: لا يجوز أن يطالب بالفيئة ويؤخذ بالطلاق لأن الوطء محرم لأنها تطلق به ثلاثا فيصير واطئا لبائن منه وذلك محرم عليه لأنه إذا كان ما بعد الإيلاج محرما كان الإيلاج محرما كالصائم إذا تحقق بخبر نبي صادق أنه لم يبق إلى طلوع الفجر إلا قدر إيلاج الذكر دون إخراجه حرم عليه الإيلاج وإن كان في زمان الإباحة لتحريم ما بعد الإيلاج في زمان الحظر فيحرم الإيلاج وإن كان قبل الفجر لوجود الإخراج بعد الفجر، كذلك حال هذا المولي يحرم عليه الإيلاج وإن كان قبل الطلاق لوجود الإخراج بعد الطلاق وذهب سائر أصحابنا –الشافعية- إلى أن هذا المولي لا يحرم عليه الإيلاج لأنها زوجة ولا يحرم عليه الإخراج لأنه ترك وإن طلقت بالإيلاج ويكون المحرم بهذا الوطء استدامة الإيلاج لا الابتداء والإخراج وشاهد ذلك شيئان مذهب وحجاج:
أما المذهب فقول الشافعي: لو طلع الفجر على الصائم وهو مجامع وأخرجه مكانه كان على صومه فإن مكث بعد إخراجه أفطر وكفر فحرم الاستدامة ولم يحرم الإخراج لوجود الايلاج في حال الإباحة وإن الإخراج ترك وإن كان في زمان الحظر فصار مباحا.
وأما الحجاج فهو أن رجلا لو قال لرجل: ادخل داري ولا تقم (1/290)
صفحة 290
استباح الدخول لوجوده عن إذن ووجب عليه الخروج لمنعه عن المقام ويكون الخروج وإن كان في زمان الحظر مباحا لأنه ترك كذلك حال هذا المولي يستبيح أن يولج ويستبيح أن يخرج ويحرم عليه استدامة الإيلاج، فأما الصائم إذا أخبره أن الباقي من طلوع الفجر قدر الإيلاج دون الإخراج فقد اختلف أصحابنا هل يحرم عليه الإيلاج لوجود الإخراج في زمان التحريم أم لا على وجهين:
أحدهما: لا يحرم عليه الإيلاج لوجوده في زمان الإباحة وإن كان الإخراج في زمان الحظر لأنه ترك فعلى هذا يستوي حكم المولي والصائم.
الوجه الثاني: يحرم على الصائم الإيلاج وإن كان في زمان الإباحة لوجود الإخراج في زمان الحظر فعلى هذا يكون الفرق بين الصائم والمولي أن التحريم قد يطرأ على الصائم يعني الإيلاج فجاز أن يحرم عليه الإيلاج والمولي لا يطرأ عليه التحريم بغير الإيلاج فلم يحرم عليه الإيلاج.
ثم قال: فإذا تقرر ما وصفنا من أن الإيلاج لا يحرم عليه وان طلقت به بخلاف ما قاله ابن خيران فإنه مخير في المطالبة بعد الوقف بين الفيئة أو الطلاق فإن طلق فطلاقه فيه كطلاقه في غيره على ما مضى وعلى ما سيأتي، فإن فاء بالوطء فالذي يباح له منه أن يولج الحشفة حتى يلتقي بها الختانان لأن ما تعلق بالوطء من سائر الأحكام يتعلق بهذا القدر من الإيلاج، وهو التقاء الختانين، كذلك الطلاق المعلق بوطئها يقع بالتقاء الختانين وهو تغييب (1/291)
صفحة 291
الحشفة، وهي بعد تغييب الحشفة طالق ثلاثا فحرم عليه أن يولج باقي ذكره وأن يمكث بعد تغييب الحشفة فيكون تحريم إيلاج الباقي من الذكر كتحريم المكث فيصيران معا محرمين وإذا كان كذلك لم يخل حاله بعد تغييب الحشفة من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يخرج حشفة ذكره في الحال فلا يستديمها ولا يولج باقي ذكره معها بل فعل ما أبيح له من الفيئة التي خرج بها من حكم الإيلاء ووقع به الطلاق الثلاث ولم يتجاوزه إلى محظور يوجب حدا ولا مهرا.
والحال الثانية: أن يمكث مستديما لإيلاج الحشفة أو يستوفي إيلاج جميع الذكر سواء استدام حركة الوطء حتى أنزل أولم يستدمها حتى أخرج من غير إحداث إيلاج ثان فهذا قسم واحد وحكمه واحد وهو إيلاجة واحدة كان أولها مباحا وآخرها محظورا فلا حد فيها لأن اجتماع التحليل والتحريم في الفعل الواحد شبهة يدرأ بها الحد وفي وجوب المهر وجهان:
أحدهما: يجب عليه المهر بالاستدامة كما يجب بالابتداء كالصائم إذا طلع الفجر عليه وهو مجامع فاستدام إيلاج ذكره بعد الفجر وجبت عليه الكفارة باستدامة الإيلاج كوجوبها عليه بابتداء الإيلاج.
والوجه الثاني: أنه لا يجب عليه المهر بالاستدامة وإن وجبت الكفارة على الصائم بالاستدامة لأنها إيلاجة واحدة لا يتميز حكمها فإذا لم يجب بابتدائها مهر لم يجب باستدامتها مهر وخالف استدامة الصائم من وجهين: (1/292)
صفحة 292
أحدهما: أن الكفارة في الصوم تتعلق بشيئين، الزمان والاستدامة فلما كان الزمان متميزا جاز أن يتميز به حكم الابتداء وحكم الاستدامة وليس كذلك المهر لأنه يجب بشيء واحد وهو الوطء فلم يتميز حكم الابتداء من حكم الاستدامة.
والفرق الثاني: أن إيجاب المهر ها هنا بالاستدامة مفض إلى إيجاب مهرين بوطء واحد، وهو أن تكون مفوّضة غير مدخول بها فيجب لها بالتقاء الختانين مهر ويجب لها باستدامة الإيلاج مهر ثان فيصير الوطء الواحد موجبا لمهرين وهذا غير جائز وليس كذلك الكفارة في استدامة إيلاج الصائم لأنها لا توجب إلا كفارة واحدة على تصاريف الأحوال كلها فافترقا.
... ثم قال: والحال الثالثة أن يخرج الحشفة بعد إيلاجها ثم يستأنف إيلاجا بعدها فالمهر واجب بالإيلاجة الثانية وان كانت الأولى والثانية منسوبتين إلى وطء واحد لأنه لما تميزت الأولى عن الثانية في التحريم حتى حلت الأولى وحرمت الثانية وإن كانت من وطء واحد تميزت الأولى عن الثانية في المهر وإن كانتا من وطء واحد ألا ترى أن الوطء إذا تكرر متساوي الحكم بأن وطئها مائة مرة في نكاح واحد لم يجب عليه إلا مهر واحد ولو وطئها مائة مرة بشبهة لم يجب عليه إلا مهر واحد وإذا اختلف حكمه بأن وطئ مرة بنكاح ومرة بشبهة تميز حكمها ووجب عليه مهر في كل واحد منهما كذلك الواطئ الواحد، وإذا ثبت أن الإيلاجة الثانية يتعلق بها وجوب المهر فلا حكم لما بعدها من إيلاجة ثالثة ورابعة لأنها في حكم الثانية (1/293)
صفحة 293
فاستوى حكم جميعها كما لو تكرر وطء الشبهة استوى حكم جميعه في إيجاب مهر واحد، وإذا كان كذلك فلا يخلو حال الزوجين ها هنا في الايلاجة الثانية وما بعدها من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكونا جاهلين بالتحريم لتصورهما (1) أن الطلاق لا يقع إلا باستكمال الوطء وإتمامه فلا حد عليهما لوجود الشبهة وأن حقيقة اسم الوطء في اللغة ينطبق على الفراغ وإن كانت أحكامه في الشرع متعلقة بأوله فلهذه الشبهة سقط الحد عنهما ولا تعزير عليهما لأن ما كان شبهة في الحد فأولى أن يكون شبهة في التعزير وإذا سقط الحد والتعزير وجب بهما المهر بما ذكرنا.
والقسم الثاني: أن يكونا عالمين بالتحريم وأن الإيلاج الثاني وما بعده كان بعد تحريمهما بالإيلاج الأول ففي وجوب الحد عليهما وجهان:
أحدهما: أنه زنا يوجب الحد لأنه إيلاج مستأنف بعد العلم بالتحريم وأشبه وطء الأجنبية فعلى هذا لا مهر فيه لأن وجوب الحد عليهما يمنع من وجوب المهر لها لتنافي موجبهما.
الوجه الثاني: أنه لا حد فيه وليس بزنا لأنه وطء واحد فكان تحليل أوله شبهة في تحريم آخره، فعلى هذا يكون لها المهر لسقوط الحد عنهما ويعزران.
__________
(1) / الأصل لقصورهما ولا معنى لها (1/294)
صفحة 294
والقسم الثالث: أن يكون الزوج عالما بالتحريم والزوجة جاهلة أو عالمة لكنها لم تقدر على دفعه عن نفسها فهما سواء ولا حد عليهما لوجود الشبهة ولها المهر لسقوط الحد، وهل على الزوج الحد لعلمه بالتحريم أم لا؟ على ما مضى من الوجهين:
أحدهما: يحد.
والثاني: لا يحد ولا يعزر.
والقسم الرابع: أن يكون الزوج جاهلا بالتحريم والزوجة عالمة به فلا حد على الزوج ولا تعزير لجهله، وفي وجوب الحد على الزوجة مع علمها وجهان:
أحدهما: لا حد عليها وتعزر فعلى هذا لها المهر
والوجه الثاني: عليها الحد فعلى هذا لا مهر لها لأن الحد والمهر لا يجتمعان والله أعلم (1).
وأما المالكية فقد قال الباجي منهم: "ومن آلى بطلاق امرأة فلا يخلو أن يولي بطلاق المولى منها أو بطلاق غيرها، فإن آلى منها بطلاقها فلا يخلو أن يكون الطلاق الذي حلف به بائنا أو رجعيا، فإن كان بائنا مثل أن يقول:
__________
(1) / الحاوي الكبير 10/ 352 - 356، وينظر المجموع 17/ 329 - 330. (1/295)
صفحة 295
إن وطئتك فأنت طالق طلاقا بائنا فهل يكون موليا أم لا؟ قال مالك هو مول واحتج على ذلك بأنها لو رضيت على البقاء معه دون وطء لم يطلق عليه.
... قال ابن القاسم: وكذلك عندي في كل ما لا يستطاع فعله والبر فيه مثل أن يقول: والله لا وطئتك حتى أمس السماء وقال ابن الماجشون في المبسوط: هذا تطلق عليه من ساعته تطليقة واحدة ولا يترك معها إلى الأجل لأنه ليس مما يمكنه أن يفئ ولا رجعة له لأن رجعته توصله إلى الفيئة لأن ما زاد من وطئه على مجاوزة الختان حرام فلا يمكن من وطء حرام والله أعلم.
... وقد روى في المدنية زياد بن جعفر عن مالك إذا قال: إن وطئتك إلى أجل كذا فأنت طالق بائنا وكان ذلك أجلا طويلا فإنه يفرق بينهما إذا قامت به ولايضرب له أجل الإيلاء وهو مبني على مذهب ابن الماجشون.
قال: فإذا قلنا إنه مول لا يعجل عليه بالطلاق فقد قال مالك: يطلق عليه عند الأجل، وفي المبسوط قال مالك أيضا: إن له أن يحنث فيها بالوطء فتطلق عليه بالبتة، فوجه القول الأول أن الفيئة ممنوع فيها وذلك مبني على أن وطأه محظور ولا يلزمها البقاء معه على الإيلاء فوجب أن يقضى عليه بالطلاق، ووجه القول الثاني أن هذه يمين معلقة بشرط فلا يقع إلا بوجود ذلك الشرط وهو مبني على أن ذلك الوطء مباح غير ممنوع.
قال: فإذا قلنا له أن يطأ فقد قال ابن القاسم: له أن يتمادى حتى ينزل وأحب إلي أن لا يفعل فإن فعل لم يكن حراما، قال أصبغ: وذلك ما (1/296)
صفحة 296
لم يكن عندي حرجا، قال أصبغ: وذلك ما لم يخرج فإن أخرج لم تكن العودة قال: وقال ابن الماجشون: إذا التقى الختانان قطع وجه القول الأول أنه على حكم الزوجية المبيحة للوطء قبل الحنث فله أن يولج ولا خلاف أن بالإيلاج يقع الحنث إلا أن ذلك لا يمنع من الإخراج وهو نوع من الوطء فكذلك باقي الوطء حتى ينزل، ووجه آخر أن لفظ الوطء الذي يقع به حنثه ويتعلق به إيلاؤه إنما ينطلق غالبا على الوطء العام دون الإيلاج.
ووجه قول ابن الماجشون أن اليمين فعل يتناول أقل أجزائه ويقع الحنث بأيسر جزء منه كما يقع بجميعه وذلك يقتضي أن يكون الإيلاج يقع به الحنث وبه يقع الطلاق الثلاث فوجب أن يحرم عليه الباقي من وطئه لأنه قد يصادف امرأة قد حرمت عليه بالثلاث
ثم قال: فإن كان حلف بطلاق رجعي كالطلقة والطلقتين لمن له فيها أكثر من ذلك، فالذي قاله عبد الملك في المبسوط أنه إن أراد أن يطلق وينوي بما زاد من وطئه على التقاء الختانين اللذين يقع به حنثه الرجعة مكناه من ذلك فإن أبى من ذلك منع من الوطء لأن باقيه بعد الحنث حرام ومقتضى قول ابن القاسم على ما تقدم أن له أن يطأ وإنما يحرم عليه استئناف وطء آخر والله أعلم.
قال: فإذا قلنا بقول ابن الماجشون وأبى من الرجعة ببقية وطء فقد قال ابن الماجشون: يطلق عليه ولا رجعة له مدخولا بها كانت أو غير (1/297)
صفحة 297
مدخول بها، قال: لأنه قد ترك تحقيق رجعته بأن ينوي ببقية وطئه الرجعة وقد كان له في غير المدخول بها أن يمكن من وطئها لأن ما يقع به حنثه يكمل له دخوله" (1)
وأما الحنابلة فقد قال ابن قدامة منهم: وان علق طلاقها الثلاث بوطئها لم يؤمر بالفيئة وأمر بالطلاق لأن الوطء غير ممكن لكونها تبين منه بإيلاج الحشفة فيصير مستمتعا بأجنبية وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأكثرهم قالوا: تجوز الفيئة لأن النزع ترك للوطء وترك الوطء ليس بوطء.
وقد ذكر القاضي أن كلام أحمد يقتضي روايتين كهذين الوجهين واللائق بمذهب أحمد تحريمه لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن آخر الوطء حصل في أجنبية كما ذكرنا فإن النزع يلتذ به كما يلتذ بالإيلاج فيكون في حكم الوطء ولذلك قلنا فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع فنزع إنه يفطر والتحريم ها هنا أولى لأن الفطر بالوطء ويمكن منع كون النزع وطأ والمحرم ها هنا الاستمتاع والنزع استمتاع فكان محرما ولأن لمسها على وجه التلذذ بها محرم فلمس الفرج بالفرج أولى بالتحريم.
فإن قيل: فهذا إنما يحصل ضرورة ترك الوطء المحرم قلنا فإذا لم يمكن الوطء إلا بفعل محرم حرم ضرورة ترك الحرام كما لو اختلط لحم الخنزير
__________
(1) / المنتقى للباجي 4/ 28، 29 (1/298)
صفحة 298
بلحم مباح لا يمكنه أكله إلا بأكل لحم الخنزير حرم ولو اشتبهت ميتة بمذكاة أو امرأته بأجنيبة حرم الكل.
الوجه الثاني: أنه بالوطء يحصل الطلاق بعد الإصابة وهو طلاق بدعة وكما يحرم إيقاعه بلسانه يحرم تحقيق سببه
الثالث: أن يقع به طلاق البدعة من وجه آخر وهو جمع الثلاث، فإن وطئ فعليه أن ينزع حين يولج الحشفة ولا يزيد على ذلك ولا يلبث ولا يتحرك عند النزع لأنها أجنبية فإذا فعل ذلك فلا حد ولا مهر لأنه تارك للوطء وإن لبث أو تمم الإيلاج فلا حد عليه لتمكن الشبهة منه لكونه وطأ بعضه في زوجته، وفي المهر وجهان:
أحدهما: يلزمه لأنه حصل منه وطء محرم في محل غير مملوك فأوجب المهر كما لو أولج بعد النزع.
والثاني: لا يجب لأنه تابع الإيلاج في محل مملوك فكان تابعا له في سقوط المهر، وإن نزع ثم أولج وكانا جاهلين بالتحريم فلا حد عليهما وعليه المهر لها ويلحقه النسب وإن كانا عالمين بالتحريم فعليهما الحد لأنه إيلاج في أجنبية بغير شبهة فأشبه ما لو طلقها ثلاثا ثم وطئها ولا مهر لها لأنها مطاوعة على الزنا ولا يلحقه النسب لأنه من زنا لا شبهة فيه.
وذكر القاضي وجها أنه لا حد عليهما لأن هذا مما يخفى على كثير (1/299)
صفحة 299
من الناس وهو وجه لأصحاب الشافعي والصحيح الأول لأن الكلام في العالمين، وليس هو في مظنة الخفاء فإن أكثر المسلمين يعلمون أن الطلاق الثلاث محرم للمرأة.
وإن كان أحدهما عالما والآخر جاهلا نظرت فإن كان هو العالم فعليه الحدُّ ولها المهر ولا يلحقه النسب لأنه زان محدود، وإن كانت هي العالمة دونه فعليها الحد وحدها ولا مهر لها والنسب لاحق بالزوج لأن وطأه وطء شبهة.
ثم قال: وإن قال إن وطئتك فأنت عليّ كظهر أمي فقال أحمد: لا يقربها حتى يكفر وهذا نص في تحريمها قبل التكفير وهو دليل على تحريم الوطء في المسألة التي قبلها بطريق التنبيه لأن المطلقة ثلاثا أعظم تحريما من المظاهر منها وإذا وطئها هنا فقد صار مظاهرا من زوجته وزال حكم الإيلاء، ويحتمل أن أحمد إنما أراد إذا وطئها مرة فلا يطأها حتى يكفر لكونه صار بالوطء مظاهرا إذ لا يصح تقديم الكفارة على الظهار لأنه سببها ولا يجوز تقديم الحكم على سببه ولو كفر قبل الظهار لم يجزئه وقد روى إسحاق قال: قلت لأحمد: فيمن قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي إن قربتك إلى سنة. قال: إن جاءت تطلب فليس له أن يعضلها بعد مضي الأربعة أشهر يقال له: إما أن تفىء وإما أن تطلق فإن وطئها فقد وجب عليه كفارة وإن أبى وأرادت مفارقته طلقها الحاكم عليه فينبغي أن تحمل الرواية الأولى على المنع من الوطء بعد الوطء الذي صار به مظاهرا لما ذكرناه فتكون الروايتان (1/300)
صفحة 300
متفقتين والله أعلم (1).
وهذه النقول كما ذكرنا قد تلتقي مع ما نقلناه من آثار أصحابنا وقد تفترق فهي كما ترى تنصب غالبا على ما إذا كان آلى الرجل من امرأته بطلاق الثلاث ولم يذكروا حكم ما إذا كان الطلاق الذي آلى به رجعيا اللهم إلا ما جاء فيما نقلته عن المالكية فيما حكاه الباجي عن عبد الملك في المبسوط أنه في هذه الحالة يمكن من الوطء إن قصد بما زاد على غيبوبة الحشفة مراجعتها وهو كما ترى مبني على أن الرجعة تكون بمجرد الوطء من غير قول، وهذا خلاف ما ذهب إليه أصحابنا من اشتراط التصريح بالرجعة والإشهاد عليها.
أما لو كان الطلاق الذي آلى به ثلاثا فعند أصحابنا يمكن من الفئ بمقدار تغييب الحشفة في قبلها من غير زيادة حركة أو بقاء وبذلك تبين بالثلاث عندهم كما سبق نقله عن "بيان الشرع" و"المصنف" و"منهج الطالبين" وهو الذي عليه جمهور الشافعية كما سبق نقله عن الشافعي والمزني والماوردي وبه قال بعض المالكية كابن القاسم، وإنما زاد عليه بأن له أن يتمادى حتى ينزل وذلك ما لا يقر عند أصحابنا والجمهور لأنها عندهم تبين منه بمجرد غيبوبة الحشفة فيكون سائر الوطء في غير حليلة ومذهب ابن خيران من الشافعية وبعض المالكية كابن الماجشون وعليه العمل عند الحنابلة أنه لا يمكن من الفيئة إليها لما يلزم من ذلك أن يكون جزء من هذه الفيئة في
__________
(1) / المغني 8/ 535 - 536، وينظر الشرح الكبير 8/ 546 - 548 (1/301)
صفحة 301
حين تكون بائنة منه وهذا القول وإن لم أجده لأحد من علماء المذهب هو من القوة بمكان لأن ما توقف على حرام فهو حرام ولا بد من أن يكون النزع في حين بينونتها عن حكم الزوجية.
فإن قيل: ما الفرق بين هذه الصورة وصورة ما إذا كان الطلاق الذي آلى به طلاقا رجعيا فلماذا سوغت هنالك أن تكون مراجعتها بعد النزع؟ قلت: إن تلك الفيئة إنما هي لأجل استبقاء العلاقة الزوجية بحيث يتمكن بعدها فورا من مراجعة امرأته أما هنا فلا تؤدي إلا إلى بينونتها منه بالثلاث فلا تحل له أبدا حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا غير مشوب بتدليس فشتان بين ما تؤدي إليه الفيئة هنالك وما تؤدي إليه هنا فالتسامح هنالك إنما هو لأجل استبقاء تلك العلاقة التي يخشى من انفصامها وليس هنا ما يدعو إليه فإن أهون الأمرين هو استمرار الإيلاء إلى أن تبين منه بمضي مدة التربص كما هو المذهب عندنا وبه قالت الحنفية أو أن تطلق عليه كما هو مذهب الأكثرين من علماء الأمة وذلك بعد الوقف المترتب على انقضاء أمد التربص عند جمهورهم بخلاف ما ذهب إليه عبد الملك بن الماجشون في المبسوط ورواه في المدونة زياد بن جعفر عن مالك أنها تطلق عليه فورا كما سبق ذلك فيما نقلته من كلام الباجي.
هذا وأما استدلال الماوردي للقول الذي عول عليه وهو الإباحة ولو كان النزع بعد البينونة بقول الشافعي: "لو طلع الفجر على الصائم وهو مجامع وأخرجه مكانه كان على صومه" فهو استدلال بما يفتقر أن يكون له (1/302)
صفحة 302
دليل يدل عليه، فإن أقوال الأئمة هي بحاجة إلى ما يدل على صحتها، ولا تصلح لأن تكون وحدها أدلة يستند إليها على أن هذا مقابل بقول غيره الذين شددوا في ذلك كما سبق ذكره عن الحنابلة فضلا عن مذهب أصحابنا القائلين بأن الإصباح على جنابة مناف لصحة الصوم كما جاء به حديث أبي هريرة ويفرق بين الفئ في هذه الصورة وقول الرجل لغيره: ادخل داري ولا تقم فإنه من المعلوم أن الأمر بالدخول يستوجب إباحة الخروج مع أمره بعدم الإقامة أما الفئ فإنما مشروعيته والترغيب فيه لأجل استبقاء العلاقة الزوجية لا لأجل صرمها وهنا لا يكون إلا صارما لها.
هذا ولئن ساغ إسقاط الحد عن مستديم الوطء بعد بينونتها منه بسبب أنه شرع فيه وهي له حلال مع ما في ذلك من شبهة الخلاف كما سبق ذكره فإني أعجب من إسقاطه عنهما إن عاود الجماع وادعيا الجهل بحرمة ذلك فإن هذه الشبهة في منتهى الضعف إذ كيف يتصور هذا الجهل مع كونه علق طلاقها البائن على مباشرتها فما معنى الطلاق المعلق إن كان في تصورهما أن الوطء لا يحرمها عليه؟! على أن الأدلة الشرعية ليس فيها ما يدل بأن الحدود لا تقام إلا على من كان عالما بأحكام موجباتها أو عالما بحرمة أسبابها، ولو كان ذلك صحيحا لما أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد على مازن والغامدية وامرأة الرجل التي زنى بها عسيفه والعسيف إلا بعد سؤالهم عن معرفتهم بذلك ولم أجد هذا في الروايات التي ذكرت فيها هذه الحدود، وقد حكي أن عبد الملك بن مروان جيئ إليه بأعرابي تزوج (1/303)
صفحة 303
امرأة أبيه فسأله لماذا تزوجت أمك فقال له: ليست أمي وإنما هي امرأة أبي وقد ظننت أنها حلال لي. فأمر بضرب عنقه وقال: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام. فبلغ ذلك أبا الشعثاء رضي الله عنه فقال: أجاد عبد الملك أو أحسن.
أما الصداق فإن كانت مطاوعة له فيما فعل سواء استدام الوطء بعد ابتدائه أو وطئها من جديد فقد أسقطت بذلك حقها وإلا فالأصح أن لها عليه صداقا جديدا في كلا الحالين، ولست أدري وجه إسقاط الصداق إن وجب عليه الحد فإن الصداق حق لآدمي لا يسقطه وجوب حق الله وهو الحد أرأيتم إن زنى بحرة بغير رضاها ألا يجب لها الصداق بذلك؟ وكذلك إن زنى بمملوكة أو مجنونة أو صبية ولو طاوعن وأي شبهة تسقط عنه الحد في هذه الصور؟!. (1/304)
صفحة 304
الفصل السابع
فيما إذا شمل الإيلاء أكثر من امرأة (1/305)
صفحة 305
[صفحة بيضاء] (1/306)
صفحة 306
قد يشمل الإيلاء أكثر من امرأة واحدة سواء كان ذلك بدخولهن دفعة واحدة في حكمه أو بطريق البدلية بحيث تكون المقصودة به واحدة غير متعينة من مجموعة نساء.
فأما الصورة الأولى فتظهر فيمن كانت له امرأتان أو ثلاث أو أربع فآلى منهن جميعا بصيغة واحدة نحو قوله: والله لا آتيكن فهذا مول منهن جميعا ومثله أن يقول: والله لا أقرب واحدة منكن وهو يريد بذلك أنه لا يأتى أي واحدة منهن، ولهذه المسألة اعتباران في الحكم:
أولهما: ما يتعلق بحق الله تعالى وهو الحنث.
وثانيهما: ما يتعلق بحقوقهن وهو وجوب الفىء إليهن.
فأما الأول: فإن هذه اليمين يمين واحدة لا تجب فيها إلا كفارة واحدة عندما يحنث.
وأما الثاني: فإن حق كل واحدة منهن يتعلق به فهو مطالب شرعا بأن يفيء إليهن جميعا وإلا ترتب عليه ما يلزم المولي الذي لم يفىء حتى مضت مدة التربص.
قال الشافعي: " وإذا قال الرجل لأربع نسوة له: والله لا أقربكن فهو مول منهن كلهن يوقف لكل واحد منهن فإذا أصاب واحدة أو اثنتين أو ثلاثا خرج من حكم الإيلاء فيهن وعليه للباقية أن يوقف حتى يفىء (1/307)
صفحة 307
أو يطلق ولا حنث عليه حتى يصيب الأربع اللاتي حلف عليهن كلهن فإذا فعل فعليه كفارة يمين ويطأ منهن ثلاثا ولا يحنث فيهن ولا إيلاء عليه فيهن ويكون حينئذ في الرابعة موليا لأنه يحنث بوطئها ولو ماتت إحداهن سقط عنه الإيلاء لأنه يجامع البواقي ولا يحنث ولو طلق واحدة منهن أو اثنتين أو ثلاثا كان موليا بحاله في البواقي لأنه لو جامعهن والتي طلق حنث " (1).
قال المزني: " أصل قوله أن كل يمين منعت الجماع بكل حال فهو بها مول، وقد زعم أنه مول من الرابعة الباقية ولو وطئها وحدها ما حنث فكيف يكون منها موليا؟ ثم بين ذلك بقوله: لو ماتت إحداهن سقط عنه الإيلاء، والقياس أنه لا إيلاء عليه حتى يطأ ثلاثا يكون موليا من الرابعة لأنه لا يقدر أن يطأها إلا حنث وهذا بقوله أولى" (2)
قال الماوردي: "أصل هذا الباب أن من حلف على جملة لم يحنث بتفصيلها فإذا قال لأربع زوجات له: والله لا أصبتكن لم يحنث بإصابة واحدة أو اثنتين أو ثلاث حتى يصيب الأربع كلهن كما لو قال: والله لا كلمت هؤلاء الأربع اليوم لم يحنث بكلام واحدة ولا بكلام اثنتين ولا بكلام ثلاث حتى يكلم الأربع كلهن فيحنث وإذا كان كذلك فالإيلاء متوجه إلى جميعهن ولا يتعين إلا في واحدة منهن وتعيينه فيها بوطء من سواها فإذا جاءت واحدة منهن تطالب بحكم الإيلاء لم يكن ذلك لها لأنه
__________
(1) / الأم 5/ 269.
(2) / مختصر المزني مع شرحه الحاوي الكبير 10/ 374 (1/308)
صفحة 308
يقدر على وطئها ولا يحنث فإن وطئها خرجت من حكم الإيلاء فإن جاءت الثانية فطالبته لم يكن لها لأنه يقدر على وطئها ولا يحنث فإن وطئها خرجت من حكم الإيلاء فإن جاءت الثالثة فطالبته لم يكن لها لأنه يقدر على وطئها ولا يحنث فإن وطئها خرجت من حكم الإيلاء وتعين الإيلاء حينئذ في الرابعة وكان لها المطالبة لأنه متى وطئها حنث وأول مدة الوقف لها من بعد ما تعين الإيلاء منها لأن ما لم يكن وقتا للحنث لم يكن وقتا للوقف فإذا انقضت مدة الوقف طولب بالفيئة أو الطلاق فإن فاء حنث وكفر وان طلق فعلى ما مضى من خروجه من حكم الإيلاء وعوده إن راجع، هذا فقه المسألة.
ثم قال: فأما بيان كلام الشافعي فقوله: فهو مول منهن كلهن فيه تأويلان لأصحابنا:
أحدهما: معناه فهو حالف على الامتناع من وطئهن كلهن ولم يرد أن الإيلاء يعتبر في كل واحدة منهن وإنما يجئ هذا على مذهبه في القديم أن ما قارب من الإيلاء كان به موليا وقد خرجه ابن أبي هريرة هاهنا قولا في القديم ثانيا.
والتأويل الثاني: معناه فهو مول منهن كلهن في الجملة ولا يتعين إلا في واحدة منهن بوطء من سواها وقوله يوقف لكل واحدة منهن فيه
لأصحابنا تأويلان أيضا: (1/309)
صفحة 309
أحدهما: معناه أن كل واحدة منهن محل للوقف لها لأنه يجوز أن يتعين الإيلاء فيها.
والتأويل الثاني: معناه أن يوقف لكل واحدة منهن إن تعين الإيلاء فيها بوطء من سواها وقوله فإذا أصاب واحدة أو اثنتين خرجتا من حكم الإيلاء ويوقف للباقيتين حتى يفئ أو يطلق فخروج الموطوأتين من الإيلاء صحيح، وأما قوله يوقف للباقيتين فهو محمول على التأويلين المتقدمين أحدهما معناه أنه محل للوقف لهما.
والثاني معناه أنه يوقف لكل واحدة منهما إن تعين الإيلاء فيها بوطء الأخرى وفيما ذكرناه من هذا البيان ما يمنع اعتراض المزني على ظاهر كلام الشافعي ثم قال الماوردي: ثم إن الشافعي ذكر بعد الإيلاء في الأربع فرعين:
أحدهما: أن يطلق بعض الأربع فلا يسقط حكم الإيلاء فيمن لم يطلقها منهن فإن طلق منهن ثلاثا خرجن من حكم الإيلاء بالطلاق ويكون حكم الإيلاء، موقوفا في الرابعة لا يتعين فيها لأنه يقدر على وطئها ولا يحنث ولا يسقط الإيلاء فيها لأنه قد يطأ الثلاث المطلقات بنكاح أو سفاح فيتعين الإيلاء في الرابعة لأنه يحنث بوطئها، ووقوع الحنث بالوطء المحظور كوقوعه بالوطء المباح، قال الشافعي في كتاب "الأم": ولو قال لامرأته
والله لا وطئتك و فلانة للأجنبية لم يكن موليا من امرأته حتى يطأ الأجنبية (1/310)
صفحة 310
فيصير موليا من امرأته.
والفرع الثاني: أن يموت من الأربع واحدة فيسقط الإيلاء من الثلاث الباقيات لأنه لا يحنث بوطئهن لفوات الوطء بالميتة منهن فأسقط الشافعي الإيلاء بالموت ولم يسقطه بالطلاق لأن وطء المطلقة لم يفت ووطء الميتة قد فات
فإن قيل: فقد يطأ الميتة كما يطأ المطلقة وهما وطآن محرمان فلم أجريتم حكم الوطء على أحدهما ونفيتموه عن الآخر؟ قلنا لأن مطلق عرف الوطء ينتفي عن وطء الميتة لأن لو حلف لا يطأ زوجته فوطئها بعد موتها قال أصحابنا لم يحنث وتنتفي عنه أحكام الوطء من الإحصان وكمال المهر وتحريم المصاهرة وإن أوجب الغسل وليس كذلك وطء الحية لأن مطلق اسم الوطء عرفا ينطلق على وطئها سفاحا كإطلاقه على وطئها نكاحا فافترقا.
فأما قول الشافعي في الفرع الأول ولو طلق منهن ثلاثا كان موليا في الباقية فهو محمول على ما قدمناه من التأولين:
أحدهما: معناه كانت الباقية محلا للإيلاء.
والثاني: معناه كان موليا في الباقية إن جامع من طلقها وقد بين
ذلك بقوله لأنه لو جامعها واللائي طلقن حنث فبطل بهذا التأويل اعتراض (1/311)
صفحة 311
المزني على ظاهر كلامه لأن المزني تكلم على فقه المسألة وفقهها لا يقتضيه ظاهر كلامه وإنما يقتضيه أصوله وتعليله ثم يؤخذ منها تأويله والله أعلم (1).
وخلاصة مذهب الشافعي وأصحابه في هذه المسألة أنه من آلى من نسائه دفعة واحدة فوطئ بعضا منهن لم يحنث في يمينه إذ لا تجب عليه الكفارة إلا بوطئهن جميعا وإن كان موليا منهن جميعا بحيث إذا أصاب بعضهن خرجت التي أصابها من حكم الإيلاء وانطبق على البواقي منهن، ولكن الحنث يترتب على وطء الأخيرة منهن، لذلك كان لها وحدها حق المطالبة بالفيء دون غيرها، وهو خلاف ما ذهب إليه أصحاب الرأي ما عدا زفر الذي وافق الشافعية في مذهبه، وبين السرخسي في المبسوط وجه قول الحنفية في ذلك حيث قال: وجه قولنا أنه مضار متعنت في حق كل واحدة منهن بمنع حقها من الجماع فيكون موليا من كل واحدة منهن كما لو عقد يمينه على كل واحدة منهن على الانفراد إلا أنه لا يلزمه الكفارة بقربان بعضهن لأن الكفارة موجب الحنث فلم تجب ما لم يتم شرط الحنث ولكن عند تمام الشرط لا يكون وجوب الكفارة بقربان الآخرة فقط بل بقربانهن جميعا، فأما وقوع الطلاق باعتبار البر وذلك يتحقق في كل واحدة منهن فلهذا بِنَّ بمضي المدة بخلاف ما لو قال إن قربت ثلاثا منكن فوالله لا أقرب الرابعة لأن هناك ما عقد اليمين في الحال بل علقه بشرط فلا ينعقد يمينه قبل وجود الشرط فإن جامع بعضهن في الأربعة الأشهر سقط عمن جامع منهن
__________
(1) / الحاوي الكبير 10/ 374 - 376، وينظر كلام الشافعي في الأم 5/ 269 (1/312)
صفحة 312
لأنه قد فاء إليها في المدة ولا كفارة عليه لعدم تمام شرط الحنث. فإذا تمت أربعة أشهر بانت التي لم يجامعها لأن الفيء في حقها لم يوجد فيبقى حكم الإيلاء في حقها فتبين بمضي المدة ولو لم يجامع شيئا منهن ولكن طلق إحداهن ثلاثا كان موليا على حاله لأن شرط حنثه منتظر إن جامعهن حنث إذ ليس في يمينه تقييد الجماع بما قبل الطلاق، وإن لم يطلق ولكن ماتت إحداهن بطل الإيلاء عنهن لأن شرط حنثه قد فات لأنه لا يحنث بجماع من بقي بعد هذا ولا. بجماع الميتة واليمين لا يبقى بعد فوات شرط الحنث فلهذا لا يبطل الإيلاء عنهن (1)
وخلاصة هذا أن مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة يتفق مع ما ذهب إليه الشافعي وأصحابه في أمرين وهما عدم الحنث إلا بوطئهن جميعا وبطلان الإيلاء بموت بعض منهن لا بطلاقهن، ويختلف معه في أمر واحد وهو أن الشافعي وأصحابه لا يتعين عندهم حكم الإيلاء إلا إذا وطئهن جميعا ما عدا واحدة فينطبق على تلك الواحدة لأن الحنث يقع بوطئها. وهو الذي ذهب إليه زفر من أصحاب أبي حنيفة، أما هو وصاحباه فيرون انطباق حكم الإيلاء على كل واحدة منهن وإن كان لا يحنث بوطء بعضهن حتى يطأهن جميعا.
وذكر الكاساني من الحنفية أن ما قاله أبو حنيفة وصاحباه يعود إلى
__________
(1) / المبسوط 7/ 27، والموجود في هذه الطبعة "فلهذا لا يبطل الإيلاء منهن" والظاهر أنه خطأ مطبعي فإنه لا معنى لوجود "لا" ههنا. (1/313)
صفحة 313
الاستحسان وما قاله زفر أسعد بالقياس ونص كلامه في هذا: "وكذا إذا قال لنسائه الأربع والله لا أقربكن صار موليا منهن للحال حتى لو لم يقربهن حتى مضت أربعة أشهر بِنَّ جميعا وهذا قول أصحابنا الثلاثة وهو استحسان والقياس أن لا يصير موليا في الأول ما لم يطأ واحدة منهما فيصير موليا من الأخرى -يعني إن كانت له زوجتان- وفي الثاني ما لم يطأ واحدة فيصير موليا من الأخرى -هذا إن كانت له ثلاث زوجات ولكن كان ينبغي له أن يقول ما لم يطأ الثانية- وفي الثالث ما لم يطأ الثالثة منهن- أي إن كانت له أربع زوجات- فيصير موليا من الرابعة وهو قول زفر.
ثم قال وجه القياس أن المولي من لا يمكنه قربان امرأته من غير حنث يلزمه وها هنا يمكنه في الصورة الأولى قربان إحداهما من غير حنث يلزمه لأنه لا يحنث بوطء إحداهما إذ جعل شرط الحنث قربانهما من غير شيء يلزمه ولم يوجد وفي الصورة الثانية يمكنه قربان الثلاث منهن من غير حنث يلزمه.
ألا ترى أنه لا يحنث بوطء الثلاث منهن فلم يوجد حد المولي فلا يكون موليا، وإذا وطئ إحداهما أو وطئ الثلاث منهن فلا يمكنه وطء الباقية إلا بحنث يلزمه فوجد حد الإيلاء فيصير موليا.
ثم قال وجه الاستحسان أن المولي من لا يمكنه وطء امرأته في المدة
من غير شيء يلزمه بسبب اليمين وها هنا لا يمكنه وطؤها في المدة من غير (1/314)
صفحة 314
شيء يلزمه بسبب اليمين لأنه لو وطئ إحداهما أو الثلاث منهن لزمه تعيين الأخرى للإيلاء وهذا شيء يلزمه بسبب اليمين وقد وجد حد الإيلاء فيكون موليا، ولو قرب إحداهما لا كفارة عليه لعدم شرط الحنث وهو قربانهما ولكن يبطل إيلاؤه منها لأن ذلك يقف على القربان وقد وجد، والإيلاء في حق الباقية على حاله لانعدام المبطل في حقهما وهو القربان (1)
أما الحنابلة فهم مختلفون في هذه المسألة بناء على الاختلاف في الحنث بفعل بعض المحلوف عليه قال ابن قدامة: "فإن قال لأربع نسوة: والله لا أقربكن انبنى ذلك على أصل وهو الحنث بفعل بعض المحلوف عليه أولا فإن قلنا يحنث فهو مول منهن كلهن في الحال لأنه لا يمكنه وطء واحدة بغير حنث فصار مانعا لنفسه من وطء كل واحدة منهن في الحال، فإن وطئ واحدة منهن حنث وانحلت يمينه وزال الإيلاء من البواقي وإن طلق بعضهن أو مات لم ينحل الإيلاء في البواقي.
وإن قلنا: لا يحنث بفعل البعض لم يكن موليا منهن في الحال لأنه يمكنه وطء كل واحدة منهن من غير حنث فلم يمنع نفسه بيمينه من وطئها فلم يكن موليا منها فإن وطئ ثلاثا صار موليا من الرابعة لأنه لا يمكن وطئها من غير حنث في يمينه وإن مات بعضهن أو طلقها انحلت يمينه وزال الإيلاء لأنه لا يحنث بوطئهن وإنما يحنث بوطء الأربع فإن راجع المطلقة أو تزوجها بعد بينونتها عاد حكم يمينه، وذكر القاضي أنا إذا قلنا يحنث بفعل البعض
__________
(1) / بدائع الصنائع 4/ 1933 - 1934 (1/315)
صفحة 315
فوطئ واحدة حنث ولم ينحل الإيلاء في البواقي لأن الإيلاء من امرأة لا ينحل بوطء غيرها ولنا أنها يمين واحدة حنث فيها فوجب أن تنحل كسائر الأيمان ولأنه إذا وطئ واحدة حنث ولزمته الكفارة فلا يلزمه بوطء الباقيات شيء فلم يبق ممتنعا من وطئهن بحكم يمينه فانحل الإيلاء كما لو كفرها (1).
وقد ذكر الوجهين في المقنع وذكر المرداوي في شرحه بأن ظاهر كلامه في الوجه الثاني أنه لا يصير موليا حتى يطأ ثلاثا فيصير موليا من الرابعة هذا ظاهر كلامه بل هو كالصريح قال وعليه شرح ابن منجا ثم قال –والذي قطع به في الهداية والمستوعب والمغني والشرح والمحرر والرعايتين والحاوي الصغير والفروع وغيرهم أن أصل الوجهين الروايتان في فعل بعض المحلوف عليه.
وبعدما شرح الوجهين وما يترتب عليهما من الخلاف المذكور في كلام ابن قدامة قال وقيل على القول بأنه لا يحنث إلاَّ بفعل الجميع يكون موليا منهن في الحال وأطلقهما في المحرر وأخر هذه الطريقة ابن منجا في شرحه ولم أر ما شرح عليه ابن منجا مع أنه ظاهر في كلام المصنف -يعني ابن قدامة-.
ثم قال: وقال: في القاعدة التاسعة بعد المائة وإن قال لزوجاته
الأربع والله لا وطئتكن -وقلنا لا يحنث بفعل البعض- فأشهر الوجهين أنه
__________
(1) / المغنى 8/ 517 وينظر الشرح الكبير 8/ 522 - 523 (1/316)
صفحة 316
لا يكون موليا حتى يطأ ثلاثا فيصير حينئذ موليا من الرابعة وهو قول القاضي في المجرد وأبي الخطاب.
والوجه الثاني: هو مول في الحال من الجميع وهو قول القاضي في خلافه وابن عقيل في عُمَدِه وقالا هو ظاهر كلام الامام أحمد ... (1)
والذي يستخلص مما تقدم أن مذهب الحنابلة يتفق في أحد وجهيه مع مذهب أصحاب الرأي في أن الإيلاء يشمل جميع الزوجات ولكنه يختلف معه في الحنث بحيث إن الحنابلة يبنون رأيهم هذا على أن الحنث يترتب على فعل بعض المحلوف عليه لذلك قالوا بأنه لا يبقى إيلاء في البواقي إذا وطئ واحدة منهن ويتفق مع مذهب الشافعي وأصحابه في الوجه الثاني بحيث إن الإيلاء لا يكون إلا بفعل جميع المحلوف عليه ولكنهم في هذا الوجه يخالفون الشافعية فيما إذا أوقع الطلاق ببعضهن إذ يرون ذلك هادما للإيلاء وذلك عكس مذهب الشافعي وأصحابه كما تقدم.
__________
(1) الإنصاف 9/ 180
أما أصحابنا -الإباضية- فإني لم أجد لهم في هذا رأيا إلا ما يتفق مع ما ذهب إليه الشافعي ففي "بيان الشرع" و"المصنف" و"منهج الطالبين" أنه إن حلف لا يطأهن فوطئهن إلا واحدة فليس عليه إيلاء في وطء واحدة أو اثنتين حتى يطأ الثالثة فإذا وطئ الثالثة دخل عليه الإيلاء في الرابعة فإن لم يطأ الرابعة حتى تمضي أربعة أشهر بانت بالإيلاء وحدها ولا كفارة عليه في (1/317)
صفحة 317
يمينه حتى يطأ الرابعة (1)
وهو كما ترى لا يختلف عمَّا ذهب إليه الشافعي في الأم وحرره أصحابه إلا من حيث إن أصحابنا يقولون بأن مضي مدة التربص هو عزيمة الطلاق فلا داعي إلى الوقف بخلاف ما ذهب إليه الشافعي. (1/318)
صفحة 318
الرأي المختار
__________
(1) بيان الشرع 52/ 396، 397، المصنف 38/ 137، منهج الطالبين 16 / ق 2/ 130
أما الرأي الذي أختاره فهو لا يختلف عما قلته من قبل فيمن آلى إيلاء مقيدا بما دون أربعة أشهر من الزمن أو بمكان بعينه أو بصفة بعينها فتمادى في ترك الوطء حتى مضت مدة التربص أنها تخرج عنه بعزيمة الطلاق فكذلك من آلى من نسائه الأربع فإن كل من ترك وطأها حتى مضت تبين بها سواء ترك وطأهن جميعا أو أتى بعضا منهن دون بعض وذلك لما ذكرته هناك من أن هذا مما يدخل في إطلاق قوله تعالى: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-}، إذ لا فرق بين أن يكون الإيلاء من واحدة أو أكثر لانطباق حكم الآية عليه ولا عبرة بالحنث وعدمه هنا إذ لم ينط به حكم الإيلاء في كتاب ولا في سنة، ومن ناحية أخرى فإن مشروعية الإيلاء إنما هي من أجل صون حقوق المرأة لئلا تذهب العواطف الرعناء بها عندما تتأجج في نفوس الرجال فينساقون وراءها كما سبق بيانه ومن البدهي أن بقاء بعض الأربع أو جميعهن يقاسين مشقة الحرمان أمر يتنافى مع الإمساك بالمعروف الذي أمرنا به فكيف يقال لا ينطبق حكم الإيلاء في هذا حتى يطأ ثلاثا منهن فتكون الرابعة هي المولى منها لأن الحنث يترتب على إتيانها؟ أو ليس ذلك إضرارا بهن؟ والأحكام مبنية على رفع الضرار وبهذا يتبين أن ما ذهب إليه جمهور أصحاب الرأي في هذه المسألة هو أقوى حجة وأظهر وجها.
أما الحنث فلكل واحد من الرأيين فيه وجهه فإن القائلين بأنه يحنث (1/319)
صفحة 319
بفعل بعض المحلوف عليه عولوا على الأخذ بأوائل الأسماء والقائلين لا يحنث حتى يأتي بجميع المحلوف عليه إنما يأخذون بأوآخر الأسماء، وهي مسألة شهيرة عند الأصوليين والفقهاء.
ومثل ما تقدم قوله والله لا وطئت كل واحدة منكن فإن دلالته ظاهرة على إيلائه منهن جميعا قال ابن قدامة: فإن قال والله لا وطئت كل واحدة منكن صار موليا منهن كلهن في الحال ولا يقبل قوله نويت واحدة منهن معينة ولا مبهمة لأن لفظة "كل" أزالت احتمال الخصوص ومتى حنث في البعض انحل الإيلاء في الجميع كالتي قبلها وقال القاضي وبعض أصحاب الشافعي لا تنحل في الباقيات.
ولنا أنها يمين واحدة حنث فيها فسقط حكمها، كما لو حلف على واحدة، ولأن اليمين الواحدة إذا حنث فيها مرة لم يمكن الحنث فيها مرة أخرى فلم يبق ممتنعا من وطء الباقيات بحكم اليمين، فلم يبق الإيلاء، كسائر الأيمان التي حنث فيها، وفي هذه المواضع التي قلنا يكون موليا منهن كلهن إذا طالبن كلهن بالفيئة وقف لهن كلهن، وإن طالبن في أوقات مختلفة ففيه روايتان.
إحداهما: يوقف للجميع وقت مطالبة أولاهن، قال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد والثانية يوقف لكل واحدة منهن عند مطالبتها اختاره أبو بكر وهو مذهب الشافعي فإذا وقف للأولى وطلقها وقف للثانية فإن طلقها (1/320)
صفحة 320
وقف للثالثة فإن طلقها وقف للرابعة وكذلك من مات منهن لم يُمنع من وقفه للأخرى لأن يمينه لم تنحل وإيلاؤه باق لعدم حنثه فيهن وإن وطئ إحداهن حين وقف لها أو قبله انحلت يمينه وسقط حكم الإيلاء في الباقيات على ما قلناه وعلى قول القاضي ومن وافقه يوقف للباقيات كما لو طلق التي وقف لها (1)
ونسب المرداوي ما قاله ابن قدامة في هذه المسألة إلى المذهب -أي مذهب الحنابلة- ثم قال وقدمه في "المحرر" و"النظم" و"الرعايتين" و"الحاوي الصغير" و"الفروع" وغيرهم وقال القاضي لا تنحل في البواقي وجزم به في الهداية والمذهب والخلاصة وقيل يبقى الإيلاء لهن في الفيئة وإن لم يحنث بوطئهن قال في "المحرر" أيضا: وهو أصح (2).
__________
(1) المغني 8/ 519، 520 وينظر الشرح الكبير 8/ 521
(2) الإنصاف 9/ 179
وقال الماوردي: "ولو قال والله لا أصبت كل واحدة منكن كلكن فهذا مول منهن كلهن فأيتهن وطئها بعد الوقف حنث ولم يسقط حكم الإيلاء فيمن عداها لأنه يحنث بوطء كل واحدة منهن وأول زمان الوقف من وقت اليمين" (1).
وما قالوه متفق في أن هذه الصيغة تقتضي الإيلاء منهن جميعا، وإنما اختلفوا في الحنث هل يكون بوطء واحدة أو حتى يطأهن جميعا كما تقدم (1/321)
صفحة 321
وبناء عليه كان الخلاف في بقاء الإيلاء فيما إذا وطئ بعضهن، كما اختلفوا في الوقف هل يكون في وقت واحد أو يوقف بحسب مطالبتهن فيوقف للثانية بعد تطليق الأولى وللثالثة بعد تطليق الثانية وللرابعة بعد تطليق الثالثة، ومما سبق تحريره قبل قليل تدرك أن الصحيح بأن الإيلاء لا ينحل حتى يطأهن جميعا فإن وطئ بعضهن انحلّ في حق الموطؤة وحدها وبقيت الأخريات في حكم الإيلاء وأنه لا أثر للحنث في هذا.
أما الوقف فالذي نأخذ به أنه لا داعي إليه لأن مضي مدة التربص هو عزيمة الطلاق وسيأتي إن شاء الله ذلك محررا بأدلته (1/322)
صفحة 322
الإيلاء من امرأة واحدة من عدة
زوجات من غير تعيين لها في اللفظ
كما تأتي الصيغة دالة على الإيلاء من مجموعة نسوة كما تقدم يكون الإيلاء من واحدة من المجموعة من غير تعيين لها في اللفظ وقد يقصد الزوج واحدة بعينها فتكون متعينة في قصده وقد لا يقصد ذلك فتكون مبهمة على أن الصيغة التي تدل على ذلك تحتمل قصد الإيلاء من الجميع وذلك كما لو قال "والله لا أطأ واحدة منكن" فإن قوله هذا يحتمل أن يكون مراده لا أطأ واحدة بعينها منكن ويحتمل الإيلاء من واحدة من غير تعيين كما يحتمل أن يكون مراده أن لا يطأ أي واحدة منهن لذلك كان الحكم فيه منوطا بقصده قال الشافعي: ولو قال لأربع نسوة له "والله لا أقرب واحدة منكن" وهو يريدهن كلهن فأصاب واحدة حنث وسقط عنه حكم الإيلاء في البواقي ولو لم يقرب واحدة منهن كان موليا منهن يوقف لهن فأي واحدة أصاب منهن خرج من حكم الإيلاء في البواقي لأنه قد حنث بإصابة واحدة فإذا حنث مرة لم يعد الحنث عليه ولو قال "والله لا أقرب واحدة منكن" يعني واحدة دون غيرها فهو مول من التي حلف لا يقربها وهو غير مول من غيرها (1).
__________
(1) الحاوي الكبير 10/ 377 (1/323)
صفحة 323
قال الماوردي: فهو في الابتداء مول من كل واحدة منهن لأن أيتهن وطيء حنث بوطئها كمن قال لجماعة والله لا كلمت واحدا منكم حنث بكلام أيهم كلّم.
__________
(1) الأم 5/ 269
فإذا أجري على كل واحدة منهن في الابتداء حكم الإيلاء فأيتهن جاءت مطالبة وقف لها من وقت يمينه فإذا مضت مدة الوقف طولب بالفيئة أو الطلاق فإن طلق ثم جاءت ثانية وقف لها فإذا مضت مدة الوقف طولب بالفيئة أو الطلاق فإذا طلق ثم جاءت ثالثة وقف لها فإذا مضت مدة الوقف طولب بالفيئة أو الطلاق فإن طلق ثم جاءت الرابعة وقف لها فإذا مضت مدة الوقف طولب بالفيئة أو الطلاق فيصير الزوج بامتناعه من وطء واحدة منهن موليا وكل واحدة منهن يوقف لها على الفيئة أو الطلاق وإن كانت الأولى عند مطالبتها بالفيئة أو الطلاق لم يطلقها ولكنه فاء منها ووطئها حنث وسقط الإيلاء ممن بقي لأنه لا يحنث بوطئهن بعد حنثه بوطء الأولى ولو طلق الأولى عند انقضاء مدة الوقف ووطئ الثانية سقط إيلاؤه في الثالثة والرابعة ولو وطئ الثالثة سقط إيلاؤه في الرابعة وحدها.
ثم قال: ولو قال والله لا وطئت واحدة منكن وهو يريد إحداهن بعينها كانت هي المولى منها دون من سواها فيرجع إلى بيانه في التي عينها بإيلائه فإن صدقته الباقيات على ذلك فلا يمين عليه وإن أكذبنه حلف لهن فإن نكل عن اليمين لهن حلفن وثبت حكم الإيلاء منهن بأيمانهن بعد نكوله. (1/324)
صفحة 324
ثم قال: ولو قال: والله لا وطئت واحدة منكن وهو يريد واحدة لا بعينها كان له أن يعين الإيلاء فيمن شاء منهن فإن وقف عن التعيين أجبر عليه إذا طلبن ذلك لما في التعيين من حق المعينة في الإيلاء فإن تنازعن فلا اعتبار بتنازعهن لأنه موقوف على اختياره كالطلاق إذا أوقعه على واحدة منهن لا بعينها كان له أن يعينه فيمن شاء على اختياره فإذا عين الإيلاء فيمن شاء منهن خرج الباقيات من حكم الإيلاء ووقف للمعينة وفي ابتداء زمان الوقف وجهان:
أحدهما: من وقت اليمين.
والثاني: من وقت التعيين كالعدة في الطلاق المبهم إذا عين" (1)
__________
(1) الحاوي الكبير 10/ 376، 377
وقال ابن قدامة: "فإن قال: والله لا وطئت واحدة منكن ونوى واحدة بعينها تعلقت يمينه بها وحدها وصار موليا منها دون غيرها وإن نوى واحدة مبهمة منهن لم يصر موليا منهن في الحال فإذا وطئ ثلاثا كان موليا من الرابعة ويحتمل أن تخرج المولى منهن بالقرعة كالطلاق إذا أوقعه في مبهمة من نسائه وإن أطلق صار موليا منهن كلهن في الحال لأنه لا يمكنه وطء واحدة منهن إلا بالحنث فإن طلق واحدة منهن أو ماتت كان موليا من البواقي وإن وطئ واحدة منهن حنث وانحلت يمينه وسقط حكم الإيلاء في الباقيات لأنها يمين واحدة فإذا حنث فيها مرة لم يحنث مرة ثانية ولا يبقى (1/325)
صفحة 325
حكم اليمين بعد حنثه فيها بخلاف ما إذا طلق واحدة أو ماتت فإنه لم يحنث ثم فبقى حكم يمينه فيمن بقي منهن وهذا مذهب الشافعي وذكر القاضي أنه إذا أطلق كان الإيلاء في واحدة غير معينة وهو اختيار بعض أصحاب الشافعي لأن لفظه تناول واحدة منكرة فلا يقتضي العموم.
ولنا أن النكرة في سياق النفي تعم كقوله: {(بسم الله الرحمن الرحيم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - صدق الله العظيم (- - - ((- {- ({- رضي الله عنه - تمهيد (- (- (} (1) وقوله: {(المحتويات - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - صدق الله العظيم (- - رضي الله عنه - - ((- {- - (قرآن كريم (((- - - - رضي الله عنهم - مقدمة - صلى الله عليه وسلم - -} (2)، وقوله: {صدق الله العظيم - رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم {- (- - رضي الله عنهم - ((- - - (- - - ((مقدمة - - - - جل جلاله - - قرآن كريم (الله أكبر - - رضي الله عنهم - - - (((مقدمة - - صدق الله العظيم (تم بحمد الله - - قرآن كريم - الله أكبر} (3)، ولو قال إنسان: والله لا شربت ماء من إداوة حنث بالشرب من أي إداوة كانت فيجب حمل اللفظ عند الإطلاق على مقتضاه في العموم، وإن قال: نويت واحدة معينة أو واحدة مبهمة قبل منه لأن اللفظ يحتمله احتمالا غير بعيد وهذا مذهب الشافعي إلا أنه إذا أبهم المحلوف عليها فله أن يعينها بقوله وأصل هذا مذكور في الطلاق" (4)
وما ذكره من احتمال خروج المولى منها بالقرعة عزاه قولا في ذلك إلى أبي بكر من علماء الحنابلة وذلك في متن المقنع (5)، ونسبه المرداوي إلى (1/326)
صفحة 326
المذهب -أي مذهب الحنابلة- قال: وجزم به في الوجيز وغيره وقدمه في "المحرر" و"النظم" و"الرعايتين" و"الحاوي الصغير" و"الفروع" (6).
__________
(1) الإنعام: 101.
(2) الإخلاص: 4.
(3) النور: 40.
(4) المغني 8/ 518، 519
(5) يراجع المقنع مع الشرح الكبير 8/ 520، 521
(6) الإنصاف 9/ 179
وأما أبو حنيفة وأصحابه فهم مختلفون فيما إذا قال لنسائه: والله لا أقرب واحدة منكن فعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو مول منهن فإذا مضت الأربعة الأشهر بِنَّ جميعا، وعند محمد يكون موليا من واحدة منهن بغير عينها لأنه منع نفسه عن قربان واحدة منهن، قال السرخسي: ألا ترى أنه لو قرب واحدة منهن يلزمه الكفارة وحكم الطلاق ينبني على المنع من القربان فعند مضي المدة يقع الطلاق على إحداهن بغير عينها كما لو قال: والله لا أقرب إحداكن، ووجه ظاهر الرواية أنه ذكر الواحدة منكرا في موضع النفي لأن القربان منفي والنكرة في موضع النفي تعم بخلاف النكرة في موضع الإثبات فإن الرجل إذا قال: رأيت اليوم رجلا يقتضي رؤية رجل واحد ولو قال: ما رأيت اليوم رجلا يقتضي نفي رؤية جميع الرجال وهذا لأن معنى التنكير في محل النفي لا يتحقق إلا بالتعميم ففيما ينبني على نفي القربان وهو وقوع الطلاق عند مضي المدة يتناولهن كلامه جميعا وفيما ينبني على وجود القربان وهي الكفارة يتناول كلامه إحداهن فلهذا إذا قرب واحدة منهن لزمته الكفارة وسقط الإيلاء عنهن لأن اليمين لم يبق بعد تمام الشرط وهذا بخلاف قوله "إحداكن" فإن معنى التعميم هناك لا يتحقق ألا ترى أنه لو قرن بكلامه حرف كل بأن قال: "إحداكن" لا يتناولهن جميعا (1/327)
صفحة 327
وهنا لو قرن بكلامه حرف كل فقال كل واحدة منكن تناولهن جميعا فكذلك بسبب التنكير وإن كان نوى واحدة بعينها دون غيرها فهو مول منها خاصة فيما بينه وبين الله تعالى لأن ما نواه محتمل ألا ترى أنه لو طلق واحدة منهن ونوى واحدة بعينها صحت نيته فكذلك في الإيلاء ولكن لا يصدق في القضاء لأنه خلاف الظاهر" (1).
__________
(1) المبسوط 7/ 27، 28
وقد فصل الكاساني القول في ذلك مبينا الفرق بين قوله: لا أقرب إحداكن" وقوله "لا أقرب واحدة منكن" ولكن كلامه جاء بصيغة التثنية أي فيما إذا خاطب امرأتيه بذلك ولا يخفى أن حكم ما زاد على المرأتين في هذا كحكمهما، ولأجل الفائدة ننقل نص كلامه مع طوله قال:
"وأما الثاني وهو ما إذا ما قال والله لا أقرب إحداكما فإنه يصير موليا من إحداهما حتى لو وطئ إحداهما لزمته الكفارة وبطل الإيلاء لوجود شرط الحنث وهو قربان إحداهما ولو ماتت إحداهما أو طلق إحداهما ثلاثا أو بانت بلا عدة تعينت الباقية للإيلاء لزوال المزاحمة ولو لم يقرب إحداهما حتى مضت المدة بانت إحداهما بغير عينها وله خيار أن يوقع الطلاق على أيتهما شاء لأن الإيلاء في حق حكم البر تعليق الطلاق شرعا بشرط ترك القربان في المدة فيصير كأنه قال: إن لم أقرب إحداكما أربعة أشهر فإحداكما طالق بائن ولو نص على ذلك فمضت المدة ولم يقرب إحداهما طلقت إحداهما غير معنية وله الخيار أن يوقع على أيتهما شاء كذا هذا. (1/328)
صفحة 328
ولو أراد أن يعين الإيلاء في إحداهما قبل مضي أربعة أشهر لا يملك ذلك حتى لو عين إحداهما ثم مضت أربعة أشهر لم يقع الطلاق على المعينة بل يقع على إحداهما بغير عينها ويخير في ذلك لأن اليمين تعلقت بغير المعينة فالتعيين يكون تغيير اليمين فلا يملك ذلك لأن تغيير اليمين إبطالها من وجه واليمين عقد لازم لا يحتمل الطلاق فلا يحتمل التغيير ولأن الإيلاء في حق البر تعليق الطلاق بشرط عدم القربان في المدة ومتى علق الطلاق المبهم بشرط ثم أراد تغيير التعليق قبل وجود الشرط لا يقدر على ذلك كما إذا قال لامرأتيه إذا جاء غد فإحداكما طالق ثم أراد أن يعين إحداهما قبل مجيء الغد لا يملك ذلك كذا هذا فإذا مضت المدة وبانت إحداهما بغير عينها فله الخيار في تعيين أيتهما شاء للطلاق لأن الطلاق إذا وقع في المجهولة يتخير الزوج في التعيين فله أن يوقع الطلاق على إحداهما فلو لم يوقع الطلاق على واحدة منهما حتى مضت أربعة أشهر أخرى وقعت تطليقة الأخرى وبانت كل واحدة منهما بتطليقة في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه لا يقع الطلاق على الأخرى.
وجه رواية أبي يوسف: أنه آلى من إحداهما لا من كل واحدة منهما فلا يتناول الإيلاء إلا إحداهما.
ووجه ظاهر الرواية أن اليمين باقية لعدم الحنث فكان تعليق طلاق إحداهما بمضي المدة من غير فيء باقيا فإذا مضت أربعة أشهر وقع الطلاق على إحداهما فقد زالت مزاحمتها واليمين باقية فتعينت الأخرى لبقاء (1/329)
صفحة 329
اليمين في حقها وتعليق طلاقها كما لو زالت المزاحمة بعد مضي المدة قبل اختيار الزوج بالموت بأن ماتت إحداهما أليس أنه تتعين الأخرى كذا ها هنا وهل يتكرر الطلاق على المولى منها بالإيلاء السابق بتكرار المدة؟ لا نص في هذه المسألة واختلف المشايخ فيه وترجيح بعض الأقاويل فيه على البعض يعرف في الجامع الكبير وكذلك لو عين الطلاق في إحداهما بعد مضي أربعة أشهر ثم مضت أربعة أشهر أخرى بانت الأخرى بتطليقة على جواب ظاهر الرواية.
وأما الثالث وهو ما إذا قال والله "لا أقرب واحدة منكما" فإنه يصير موليا منهما جميعا حتى لو مضت مدة أربعة أشهر ولم يقربهما فيها بانتا جميعا كذا ذكر المسألة في الجامع من غير خلاف وهكذا ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي فقال على قول أبي حنيفة وأبي يوسف يكون موليا منهما استحسانا وعلى قول محمد يكون موليا من إحداهما وهو القياس.
وجه القياس: أن قوله واحدة منكما لا يعبر به عنهما بل عن إحداهما فصار كقوله "والله لا أقرب إحداكما" والدليل عليه أنه إذا قرب إحداهما يحنث وتلزمه الكفارة فدل أن اليمين تناولت إحداهما لا غير.
ووجه الاستحسان وهو الفرق بين المسألتين: أن قوله إحداكما معرفة لأنه مضاف إلى الكناية والكنايات معارف بل أعرف المعارف والمضاف (1/330)
صفحة 330
له المعرفة معرفة والمعرفة تختص في النفي كما تختص في الإثبات.
وقوله: "واحدة منكما" نكرة لأنها نكرة بنفسها ولم يوجد ما يوجب صيرورتها معرفة وهو اللام أو الإضافة فبقيت نكرة وأنها في محل النفي فتعم والدليل على التفرقة بينهما أنه يستقيم إدخال كلمة الإحاطة والاشتمال وهي كلمة "كل" على "واحدة منكما" ولا يستقيم إدخالها على "إحداكما" حتى يصح أن يقال والله لا أقرب كل واحدة منكما ولا يصح أن يقال والله لا أقرب كل إحداكما فدل أن قوله: "واحدة منكما" يصلح لهما وقوله إحداكما لا يصلح لهما إلا أنه إذا قال والله لا أقرب واحدة منكما فقرب إحداهما يبطل إيلاؤهما جميعا وتلزمه الكفارة لوجود شرط الحنث وهو قربان واحدة منهما بخلاف ما إذا قال والله لا أقربكما فقرب واحدة منهما أنه يبطل إيلاؤها ولا يبطل إيلاء الباقية حتى لا تجب عليه الكفارة أما بطلان إيلاء التي قربها فلوجود شرط البطلان وهو القربان ولم يوجد القربان في الباقية فلا يبطل إيلاؤهما وأما عدم وجوب الكفارة فلعدم شرط الوجوب وهو قربانهما جميعا" (1).
وأما أصحابنا الإباضية فالظاهر مما قالوه أنه إن أقسم أن لا يطأ واحدة منهن ولم يقصد بها معينة فأي واحدة يطؤها يحنث بها وتجب عليه الكفارة ففي منهج الطالبين "من كانت له أربع نسوة فحلف لا يطأ واحدة منهن ثم وطئ واحدة منهن ولم يقصد إلى واحدة بعينها أنه يحنث وعليه (1/331)
صفحة 331
الكفارة وإن وطئ البواقي فلا حنث عليه ولا كفارة" (2) ومثله في بيان الشرع (3) والمصنف (4).
ولم يأت في كلامهم تفصيل فيما لو امتنع عن وطئهن جميعا هل يبنّ منه جميعا أو تبين واحدة وكيف تعين تلك الواحدة؟ (1/332)
صفحة 332
تحرير المسألة
__________
(1) بدائع الصنائع 4/ 1934 - 1937
(2) منهج الطالبين 16 ق2/ 130
(3) ينظر بيان الشرع 52/ 396
(4) ينظر المصنف 38/ 137
إن من الواضح بداهة أن قول القائل لنسائه: والله لا وطئت إحداكن أو والله لا وطئت واحدة منكن كل منهما يحتمل من المعنى أنه أراد به القسم بالامتناع عن وطء كل واحدة منهن، وعليه فإنه مطالب بإن يفئ إليهن جميعا، أو أنه أراد به تأكيد الامتناع بالقسم عن وطء واحدة بينهن، أما في حكم الكفارة فمرد ذلك إلى نيته، لأنه متعبد بها بينه وبين ربه تبارك وتعالى، وأما في حكم الإيلاء فإنه يرجع إلى الامتناع، فإن امتنع عن واحدة بعينها كان ذلك تعيينا لها بالإيلاء سواء كانت هي التي عينها في ذهنه عندما آلى، أو أنه خصها بذلك ليجعلها مناط بِّر قسمه، وفي هذه الحالة إن انقضى أمد التربص ولم يفئ إليها طبق فيما بينه وبينها حكم الفئ، وهو بينونتها منه عند من يقول بأن مضىِّ المدة هو وحده عزيمة الطلاق أو الوقف والمطالبة بالفيء أو الطلاق عند من يقول بذلك، وإن امتنع عنهن جميعا وضح بفعله هذا أنه أرادهن جميعا بإيلائه فهو مطالب بأن يفىء إلى كل واحدة منهن فإن انقضى الأمد ولم يكن ذلك انطبق ما سبق من حكم -بحسب الاختلاف المذكور- فيهن جميعا، ولست أرى مسوغا لما قيل من أنه إذا مضت مدة التربص وجاءت إحداهن مطالبة بوقفه لم يكن ذلك من حق غيرها حتى ينجلي أمره فيما بينه وبين المطالبة، إما بالفئ وإما بالطلاق، وهكذا إن جاءت الثانية بعد ما انقضى شأن الأولى وباءت بأحد المطلبين لم يكن ذلك من حق الثالثة، حتى يتم ما بينه وما بين الثانية وكذلك في الرابعة ذلك لأن (1/333)
صفحة 333
الله لم يحد للتربص حدا الاّ أربعة أشهر فحسب، ولئن سير في قضيتهم على هذا النهج فإن ذلك يفضي إلى حرمان بعضهن من الحق ومضاعفة أمد التربص إلى أضعاف ما حدده الوحي، ومن المعلوم أن الوحي لم يحدد ذلك الأمد إلاّ استجابة لمطلب الفطرة ومراعاة لغرائز النساء، وحفاظا على حقوقهن حتى لا تتلاشى مع أهواء الرجال الممسكين بعنان القوامة عليهن، وأين هذا فيما إذا قيل لا تحق لهن المطالبة بحقوقهن في
إشباع غرائزهن حتى تنال من سبقت بالمطالبة ما طالبت به ثم يكون ذلك بالتدريج في البواقي بحسب ما يكون من سبقهن في هذه المطالبة؟ أولا يفضي ذلك إلى طول المعاناة من الحرمان ومقاساة مقاومة التيار الفطري العنيف؟.
لأجل هذا كله لا أرى إلا أن يكون أمد تربصهن واحدا، وإذا ما انقضى أمد التربص بِنَّ جميعا بعزيمة الطلاق إن لم يفيء إليهن.
أما إن فاء إلى بعض منهن ولم يفئ إلى غيرهن فإن من فاء إليها تكون قد استوفت حقها ومن لم يفئ إليها تبين منه بعزيمة الطلاق
أما ما قيل من أنه إذا فاء إلى واحدة ارتفع حكم الإيلاء عمن عداها لوقوعه في الحنث ووجوب الكفارة عليه فإني أراه قولا أبعد صاحبه النجعة عن حكمة الشارع في مشروعية الإيلاء لأنما مشروعيته لما ذكرناه من صون حقوق النساء وماذا عسى أن ينفع المرأة من إتيان زوجها لسواها وسقوط الحنث عنه فيما لو أتاها بسبب ما حصل له من انحلال يمينه بفيئه إلى غيرها (1/334)
صفحة 334
مع بقائها في مقاساة الكبت ومعاناة الحرمان مما هي أحوج إليه من فيئه إليها؟ ليت شعري أيروى ضمآن بشرب غيره أم يشبع جائع بتخمة من عداه؟
هذا ولا أرى دخلا للقرعة في هذا كما قال بعض الحنابلة لأن نفس الامتناع عن المباشرة كافٍ في تعيين التي آلىمنها، كما أنني لا أرى أن يطالب هو بالتعيين بعد مضيِّ أمد التربص، وبهذا يتضح أنني لا أرى دخلا للأيمان في تعيين من آلى منها سواء منه أو منهن وإنني لأعجب مما قيل من "أنه إن نكل عن اليمين لهن حلفن وثبت حكم الإيلاء منهن بأيمانهن بعد نكوله" فليت شعري على مَ يحلفن؟ فإن كان حلفهن على إيلائه فإن ذلك أمر لا ينكره، وإن كان على قصده به فأنى لهن أن يطلعن على قصده وهو وراء ستار الغيب في أعماق ضميره؟!
وإنما الحجة الظاهرة في ذلك امتناعه عن إتيانهن، وهو مناط ثبوت حكم الإيلاء عليه منهن اللهم الاّ إن كان تناكر بينه وبينهن في الإتيان فهنا يكون الحكم بما سبق تبيانه من قبل.
هذا ولا أعرف وجه ما قاله بعض أصحاب الرأي من "أن الطلاق يتكرر على المولى منها بالإيلاء السابق بتكرار المدة" إذ التكرار لا يكون إلاّ بتكرير من أحد وليس هو معقودا بمجرد تكرر المدة.
هذا وبما أن مذهب أصحابنا -رحمهم الله- أن الإيلاء كما يكون باليمين يكون بإلزام الزوج نفسه فعل شيء وإلاّ كانت امرأته طالقا وذلك (1/335)
صفحة 335
فيما إذا لم يحدد لذلك أمدا أو كان الأمد أطول من مدة الإيلاء -فإنهم تناولوا بالبحث ما إذا وجه نحو هذا الخطاب إلى أكثر من امرأة واحدة ولعل صاحب النيل وشارحه رحمهما الله هما أكثرهم بحثا لجوانب هذه المسألة لذلك رأيت -حرصا على الفائدة- أن أنقل جانبا من كلامهما فيها وإن كان لي رأي آخر في أصل هذا المسألة كما بسطت القول في ذلك في الفصل الثاني من هذا الكتاب.
قال الإمام الثميني -رحمه الله تعالى- في "النيل"ومن له أربع فقال لهن: إن لم أجامعكن فأنتن طوالق، فإن تركهن حتى مضت خرجن بالإيلاء وإن مسهنَّ حرمت الثلاث الأولى لا الرابعة التي مسها آخر فيما يقال، ولعله لم تحرم لانتفاء ما يمس منها دفعة كما حلف عليه، وحرمت الثلاث لامتناع مسهن كذلك، حيث فرق، فتأمل (1).
__________
(1) النيل مع شرحه 7/ 226، 227
قال قطب الأئمة -رحمه الله تعالى- في شرحه: تأملت فظهر لي أنه لو كانت علة عدم تحريم الأخيرة انتفاء ما يمس منها دفعة لحلت الثالثة كالرابعة لأنه لم تبق معها اثنتان، فتكون الجملة جماعة يمسها دفعة بل بقيت واحدة فالجماعة منتفية حيث لم يبق إلا اثنتان، إلا أن أقل الجمع اثنان وإن كانت علة تحريم ما قبل الأخيرة امتناع مسهن دفعة فلتحرم الأخيرة أيضا لوجود هذه العلة فيها مع ما قبلها ولأن قوله: إن لم أجامعكن خطاب للأربعة مثلا اللهم إلاّ إن أرسل نيته وأراد الجماعة لا بقيد كونها أربعا (1/336)
صفحة 336
فحكم عليه بأقل الجمع وهو ثلاثة لأنه مصدق في إرسال النية وإلاّ فقد حلف على مس الأربعة دفعة وإذا لم يتيسر حرمن بمسه إياهن على غير ما حلف ولا مزية للأخيرة على غيرها بل بمجرد مس الأولى حنث إذ بمسها نقض ما حلف عليه من مسهن دفعة فكلما مس واحدة حرمت فآخر ما يظهر لي حرمة الأربعة جميعا وإلى ذلك أشار بقوله "فيما يقال" فإنه أراد به تمريض القول بحرمة الثلاث دون الرابعة فإن مس بعضا دون بعض فمن مس حرم بالمس ومن لم يمس بان إذا مضت الأربعة، وقيل طلقت قبل الأربعة كما قيل في مسألة الطعام بل يقال له هل عنيت دفعة فإن قال "نعم" فذلك، وإن قال "لا" أو قال "أهملت" فلا حرمة كما قال (1)، ثم قال: صاحب النيل: وإن عنى بيمينه أن يجامعهن مرارا فلا يحرمن إن مسهن.
قال شارحه: وإن لم يمسهن بنَّ إذا مضت وإن مس بعضا فهي زوجته وبانت من لم يمس إذا مضت إلاَّ إن علق يمينه بالإتيان عليهن جميعا واحدة واحدة فإذا مضى وقد مس بعضا دون بعض خرج الجميع بالإيلاء وقيل بالطلاق وهو الصحيح لحنثه عما علق عليه (2)
وقال صاحب "النيل": "وإن قال لكل: إن لم أجامعك فصواحبك طوالق فوطئهن حرمت الثلاث الأولى دون الرابعة لأن كلا منها يصدق عليها مع أنه منع من مسها بالنظر إلى الرابعة مثلا لأنه لم يجامعها وحيث (1/337)
صفحة 337
__________
(1) شرح النيل 7/ 227، 228
(2) المرجع السابق 228
انتفى منع من صواحبتها فإن جامعهن حرمن بخلاف الرابعة فإنه لم يبق هناك ما يمنع من جماعها حين حرمت صواحبها مع أنه يصدق على كل نظرا إليها أنها جومعت فلا يحرم جماعها هي وذلك واضح تأمل، وإن مس واحدة وترك البافي حتى مضت حرمت الممسوسة وبانت الثلاث" (1).
قال القطب -رحمه الله- في شرحه بعد قوله تأمل: "تأملت فوجدت الرابعة كغيرها في الحرمة، إذا سلمنا الحرمة لأنه قال لها كما قال لهن ومسها كما مسهن فإذا مسها وقد حرمت صواحبها ويمينه إنما هو أن يمسها ولها صواحب فلما مسها ولا صاحبة لها لحرمتهن حرمت وكذا كلما مس واحدة حرمت لأن كلا من الثانية والثالثة تستحق التقديم عليها وإذا مس الأخرى حرمت لأنه مسها ولا صواحب لها ثلاث فإن واحدة حرمت بالمس قبلها وبقيت اثنتان وإنما أراد صواحب ثلاثا، وكذا إذا مس الثالثة حرمت لأنه لم تبق إلا واحدة بل كل واحدة استحقت التقديم على الأخرى وهن هند وزينب ودعد وجمل فجمل تستحق التقديم على دعد وهند وزينب، ودعد تستحق التقديم على هند وجمل وزينب، وهند تستحق التقديم على جمل وزينب ودعد، وزينب تسحق التقديم على دعد وهند وجمل، فكل من مس منهن حرمت لأنها مست وقد منع من مسها حتى يمس غيرها فيكون أمره محالا فمن مس حرمت ومن لم يمس حتى مضت بانت بالإيلاء فيكون فيه قول تطلق إذا مضت الأربعة وقول تطلق من حينها لأنه إذا مس واحدة (1/338)
صفحة 338
فاته أن يمس غيرها أولاً وقد حلف أن يمس كل واحدة أولاً وإنما حملنا كلامه على ذلك بناء على أنه لم ينو الترتيب وإن شئت فقل تبعا لما ذكره المصنف لم تحرم الرابعة لأنه لم يبر في يمينه بعد ما مسهن إلا إذا مس الرابعة فإنه مساوٍ لما ذكره من أن كلا يصدق عليها أنه منع من مسها بالنظر إلى الرابعة فما صدقهما واحد.
__________
(1) المرجع السابق 229 - 230
والظاهر أنه لا تحرم واحدة لأنه قد وفى لكل واحدة بالجماع لأنه علق طلاق الصواحب بعدم المس وقد مسهن كلهن فكلما مس واحدة انتفى من جهتها طلاق صواحبتها حتى يأتي على آخرتهن فينتفي من جهتها طلاق صواحبتها فيصدق أنه قد بر في يمين كل واحدة وإنما يكون ممنوعا من مس كلٍ بالنظر إلى الرابعة مثلا لو نوى في يمين كل واحدة بعينها أن يمسها قبل الأخرى بعينها وليس كذلك، وإنما "نوى الجماع لكل" وأرسل ولو لزم من عبارته في يمينه أن يجامع واحدة بعد واحدة بل لو نوى وعين لكان مسه للثلاث مساً واقعاً قبل مس الرابعة المحلوف على أن يسبق مسهن.
ويدل على ما قلنا مضمون قوله: "وإن مس واحدة وترك الباقي حتى مضت حرمت الممسوسة" لأنه لم يمس الصواحب وقد قال لكل من الصواحب إن لم أمسك فصواحبك طوالق. ولا تحرم الممسوسة حتى تمضي الأربعة لأن له التدراك بالمس ما لم تمض فإذا مضت بلا مس انكشف أنه مسها وهي طالق والممسوسة قبل الرابعة (1) حرام، فمفهومه أنه لو مسهن (1/339)
صفحة 339
قبل الأربعة لم تحرم الممسوسة الأولى ولا غيرها، وهو مناف لما سبق للمصنف ومناسب لما ذكرت من عدم الحرمة إن مسهن، وهذا في نفس الأمر ولو لم يراع المصنف هذا المفهوم بل راعى أن الممسوسة حرمت لمسها في حال أنه ممنوع منها حتى يمس الرابعة مثلا.
وقيل حرمت الممسوسة حين مسها "وبانت الثلاث" ويحتمل أن يريد حرمت الأولى لأنه مسها قبل غيرها وقد شرط لكل واحدة أن يمسها قبل غيرها فكان الأمر محالا كل من مس فقد مسها قبل وقتها (2).
ثم قال صاحب "النيل": "وكذا إن مس اثنتين حرمتا وبانت المتروكتان بمضي الأربعة، وإن مس ثلاثا حرمن ولا تبين الرابعة إن لم يمسها حتى مضت، ولا تحرم إن مسها دون أربعة أو بعدها (3)
__________
(1) في الأصل قبل الراجحة وهو خطأ
(2) المرجع السابق 230 - 232
(3) المرجع السابق 232 - 233
قال القطب في شرحه: لأنه لم يمنع من جماعها ولم تبق من تمنعها وقد يقال تبين أو تخرج بالطلاق لأنه قد قال لغيرها إن لم أجامعك فصواحبك طوالق. وهو قد جامعهن جماعا لا يجوز فلم يكفه للرابعة فصدق أنه مضت الأربعة ولم يجامعهن جماعا يحل فتخرج بالطلاق أو بالإيلاء لأن الجماع الذي جامعهن لا يجوز ألا ترى أنهن حرمن به حتى قيل يكفر بالحالة الثانية منه وقيل لا حتى يعيد كما يفيده كلامه في أول الباب (1/340)
صفحة 340
الأخير من أبواب الصداق فإذا كان مسا غير جائز فقد يختلف فيه فيقول بعض إنه لا تخرج الرابعة بالإيلاء ويقول بعض تخرج كمن حلف بطلاق زوجته أن يجامع الأخرى فماتت فجامعها وهي ميتة فإنه مس لا يجوز، ولك وجه آخر في الحكم ببينها وهو لو أنه قال لها: إن لم أجامعك فصواحبك طوالق. وقد قال لغيرها مثل هذا وقوله لغيرها مثل هذا منع لمسها حتى يمس الغير.
ثم قال على أثر قول المصنف "ولا تحرم إن مسها دون أربعة أو بعدها"، لأنه غير ممنوع من جماعها ولم يبق ما يمنع من جماعها على ما ذكره أولاً وقد يقال تحرم لأنه جامعها وقد منع من جماعها لأن قوله لها إن لم أجامعك محمول عند الإطلاق على أن يجامعها أولاً وقد فاته جماعها أولا ببدئه بغيرها وإن كانت كل واحدة منهن غير ممسوسة حتى مضت الأربعة بنّ بالإيلاء (1).
ثم قال صاحب "النيل" وكذا إن قال لكل إن لم أجامع صواحبك فأنت طالق فإن تركهن حتى مضت خرجن بالإيلاء وإن مس الكل حرمت الثلاث الأولى دون الرابعة التي مس آخراً" (2)
قال شارحه: "الذي عندي أنه إن تركهن خرجن بالإيلاء لأن كل (1/341)
صفحة 341
__________
(1) المرجع السابق 232 - 233
(2) المرجع السابق 233
واحدة صدق عليها أنه حلف عليها ولم يف حتى مضت أربعة لا كما قيل إن القياس أن تخرج ثلاثة ولكن خرجت أربع لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح لاحتمال كل واحدة أن تكون رابعة وغير رابعة. اهـ وإن مس الكل لم تحرم واحدة" (1). وقال صاحب النيل "وإن مس بعضا وترك الباقي حتى مضت فكالتي قبلها" (2)
قال شارحه: في حرمة الممسوسة وبين غيرها إذا مضت الأربعة غير الرابعة وفي ذلك الأبحاث السابقة، ومن قال: لنسائه إن وطئت واحدة فواحدة طالق ولم يعين الطالق فوطئ واحدة طلقن وتحرم التي وطئ إن زاد على الحشفة وإن عينها وهي غير التي وطئ طلقت وحدها وإن كانت هي التي وطئ فزاد على الحشفة حرمت وإن قال إن وطئت فلانة فواحدة منكن طالق فوطئها فكذلك ومن قال امرأته طالق فقال أردت فلانة منهن صدق وإن لم ينو طلقن" (3).
هذا وقد حرصت على نقل ما نقلته من كلام صاحب "النيل" وشارحه -رحمهما الله- إتماما للفائدة، واستجماعا لطرائف العلم ونوادره فيما نحن بصدده، وإلا فقد علمت مما سبق تحريره في موضعه أنني أرى في نحو قول القائل لامرأته إن لم أفعل كذا أو إذا لم أفعل كذا فأنت طالق أنه لا (1/342)
صفحة 342
يدخل ذلك في باب الإيلاء، وإن اتفقت عليه آراء أصحابنا رحمهم الله، وإنما أرى وقوع الطلاق بمضي قدر ما يمكنه فعل ذلك الأمر المعلق على عدم فعله الطلاق إن لم يفعله ما لم تكن له نية تقيد إطلاق قوله أو يكن ذلك مما لا يتأتى فعله إلا في زمان معين أو في حالة معينة فتراعى نيته كما يراعى الظرف المواتي لذلك الفعل من زمان أو أحوال وكذلك القرائن إن دلت على مراده المقيد لإطلاق لفظه قرينة. وقد سبق بيان دليل ذلك فلا داعي إلى إعادته.
__________
(1) المرجع السابق 233 - 234
(2) المرجع السابق 234
(3) المرجع السابق 234
ولئن أدركت ذلك فإنك تدرك بداهة أن ما جاء في هذ المسائل المتقدمة نقلا عن صاحب النيل وشارحه رحمهما الله لا يتفق مع ما ذهبت إليه ولكن ذلك لا يمنع من وضع ما جاء في كلامهما على محك الدليل لاستدراك ما يمكن أن يستدرك وإيضاح ما عسى أن يكون قد غمض، ونحصر بيان ذلك فيما يأتي:
1 - من المتبادر للذهن أن قول ذي الزوجات الأربع لهن "إن لم أجامعكن فأنتن طوالق" يستحيل أن يكون مراده به إن لم يجامعن دفعة واحدة لتعذر ذلك عليه، وعليه فلا معنى لذلك إلا أن يكون قصده إن لم يجامعهن الواحدة تلو الأخرى، فإن الحديث يحمل على ما يحتمل لا على ما لا يحتمل، وبناء على ذلك لا أرى وجها للقول بحرمة الثلاث الأولى إن بادر إلى جماعهن جميعا، وبهذا يتبين أن الصحيح هو ما ذهب إليه القطب (1/343)
صفحة 343
-رحمه الله - في نهاية تحريره للمسألة أنهن لا يحرمن بهذا.
2 - من المتبادر أنه إن قال لكل واحدة منهن "إن لم أجامعك فصواحبك طوالق" أن كل واحدة منهن داخلة في مدلول الصواحب، سواء أولاهن وأخراهن لأن مراده بالصواحب ضراتها عندما قال ذلك وبناء على ما ذهبت إليه فإن الطلاق هنا يشمل الكل بتأخيره الجماع عن وقت إمكانه فإن كانت له نية في ذلك بحيث إنه نوى جماعهن تباعا بحسب ترتيب قوله لهن ونوى وقوع الطلاق بعد تحقق عدم وقوع الجماع فإن عليه مجامعتهن حسب الترتيب الواحدة تلو الأخرى من غير تأخير وإلا وقع الطلاق لضرات من لم يجامعها، أما إن لم تكن له نية معينة أو كانت نيته أنه إن لم يفعل فالطلاق واقع عليهن في حين قوله فلا ريب أنه في هذه الحالة يمنع من وطئهن لأنه يتعذر الوطء إلا بعد أن يخرجن بالطلاق اللهم إلا أن يراجعهن الرجعة الشرعية.
أما بناء على القول بأن ذلك مما يدخل في باب الإيلاء وأنهن لا يبن منه إلا بينونة الإيلاء بمضي مدته فالظاهر إن لم تكن له نية في خطابه لكل منهن أن يطأها قبل صاحبتها ووطئهن جميعا فلا يحرمن عليه كما اختاره القطب رحمه الله، ومثله لو عكس فقال لكل "إن لم أجامع صواحبك فأنت طالق".
3 - لا يخفى على متأمل في قول القائل لنسائه "إن وطئت واحدة فواحدة طالق" أنه لا يعني بالواحدة التي تطلق التي وطئها إذ اللفظ لا يشملها فلا (1/344)
صفحة 344
يبين قصدها به لأن واحدة في الموضعين نكرة والنكرة إذا كررت فالثانية غير الأولى إلا بقرينة يتعذر معها أن تكون غيرها، لهذا عجبت مما قاله القطب رحمه الله أنه يشمل الموطوءة فتطلق مع صواحبها بهذا القول حتى أنها تحرم عليه إن زاد على مجرد الطعن بالحشفة، وهذا مما يتنافى مع تلك القاعدة التي ذكرتها مع أنها مسلّمة عند علماء العربية والأصوليين وإن اختلفوا هل هي مطّردة أو أنها أغلبية؟ وعليه فإن الطلاق لا يقع إلا على واحدة لأن اللفظ لا يدل إلا عليه فإن نواها بعينها فهي التي نواها وإن لم ينوها ففي ذلك إشكال فإن إمضاء الطلاق في كل واحدة منهن بقوله هذا هدم للنكاح الثابت باليقين واليقين لا يرفعه إلا يقين مثله مع أن لفظه لا يحتمل أن يريد به طلاق أكثر من واحدة. وقد مضى أن الحنفية يرون في ذلك أن يشخصها بنفسه وأن من الحنابلة من قال تطلق واحدة بالقرعة ومنهم من قال غير ذلك وهذا كله مشكل فما للقرعة وإقحامها في باب الحلال والحرام، وتعيين ما لم يعينه من قبل عندما أنشأ الطلاق المعلّق لا قيمة له إذ التعيين محله وقت الإنشاء لذلك أرى حلّ هذه المشكلة بأحد أمرين.
أولهما: أن يشهد بعد وطئه للتي وطيء على مراجعة التي يقع عليها طلاقه بما قال ليحللن له جميعاً وهذا فيما إذا كان الطلاق رجعياً.
ثانيهما: أن يلزم تطليق سائرهن ما عدا التي وطئها لعدم انطباق هذا الحكم عليها كما قلت ويتعين ذلك فيما إذا كان الطلاق بائنا ولا أرى مناصاً من ذلك من أجل قطع دابر الشك باليقين، وهذا كما يؤمر أن يتجنب (1/345)
صفحة 345
استعمال المياه إذا التبس طاهرها بنجسها وتعذر التمييز بينهما وكما يؤمر بتجنب تناول الطعام إذا اختلط ولم يفرق بين حلاله وحرامه كما إذا اختلط لحم الضأن بلحم الخنزير.
أما إن لم تكن له إلا زوجة واحدة فقال "إن وطئت واحدة فواحدة طالق " فهنا تكون هي المطلقة دون غيرها لعدم وجود من يقع عليها طلاقه سواها وتكون هذه الصورة مما يستثنى من تلك القاعدة الشهيرة والله أعلم. هذا إن كان إيلاؤه بتعليق طلاق بعض على وطء بعض كأن يقول إن وطئت واحدة منكن فضراتها طوالق فإنه إن وطىء أي واحدة منهن طلقت الأخريات وإن أتى في تعليقه بما يفيد التكرار وذلك بأن يقول: كلما وطئت واحدة منكن فضراتها طوالق فإن ذلك يتكرر بتكرر الوطء في أي واحدة منهن حتى يبن بالثلاث.
وهذا هو قول أصحابنا والجمهور بأن الإيلاء كما يكون بالقسم يكون بالطلاق والعتاق وكل موجب لما لم يكن واجبا من قبل، وهو بخلاف مذهب الظاهرية وبعض الحنابلة وأحد قولي الشافعي كما تقدم، قال ابن قدامة: "فإن قال كلما وطئت واحدة منكن فضرائرها طوالق فإن قلنا ليس هذا بإيلاء فلا كلام، وإن قلنا هو إيلاء فهو مول منهن جميعا لأنه لا يمكنه وطء واحدة منهن إلا بطلاق ضرائرها فيوقف لهن فإن فاء إلى واحدة طلق ضرائرها فإن كان الطلاق بائنا انحل الإيلاء لأنه لم يبق ممنوعا من وطئها بحكم يمينه وإن كان رجعيا فراجعهن بقي حكم الإيلاء في حقهن (1/346)
صفحة 346
لأنه لا يمكنه وطء واحدة إلا بطلاق ضرائرها وكذلك إن راجع بعضهن لذلك إلا أن المدة تستأنف من حين الرجعة ولو كان الطلاق بائنا فعاد فتزوجهن أو تزوج بعضهن عاد حكم الإيلاء واستؤنفت المدة من حين النكاح وسواء تزوجهن في العدة أو بعدها أو بعد زوج آخر وإصابة لما سنذكره فيما بعد، وإن قال: نويت واحدة بعينها قبل منه وتعلقت يمينه بها فإذا وطئها طلق ضرائرها وإن وطىء غيرها لم يطلق منهن شيء ويكون موليا من المعنية دون غيرها لأنه التي يلزمه بوطئها الطلاق دون غيرها" (1).
وقد بقيت هنا مسائل: (1/347)
صفحة 347
[صفحة بيضاء] (1/348)
صفحة 348
المسألة الأولى
من كانت له امرأتان فآلى من إحداهما ثم قال للأخرى: أشركتك معها فالجمهور يحصرون إيلاءه في الأولى ولا يرون تعديه إلى الأخرى. قال الكاسانى: "ولو آلى من امرأته ثم قال لامرأة له أخرى: قد أشركتك في إيلائها كان باطلا، لأن الشركة في الإيلاء لو صحت لثبتت الشركة في المدة، فيصبر لكل واحدة منهما أقل من أربعة أشهر وهذا يمنع صحة الإيلاء" (2).
__________
(1) المغني 8/ 520 وينظر الشرح الكبير 8/ 524 - 525.
(2) بدائع الصنائع 4/ 1943 - 1944.
وقال السرخسي: " وإن آلى من امرأته ثم قال لامرأة له أخرى: قد أشركتك في إيلاء هذه كان باطلا لأن الإشراك يغير حكم يمينه فإنه قبل الإشراك كان يحنث بقربان الأولى وبعد الإشراك لا يحنث بقربان الأولى ما لم يقربهما كما لو قال: والله لا أقربكما وهو لا يملك تغيير حكم يمينه مع بقائه ولو صح منه هذا الإشراك لكان يشرك أجنبية مع امرأته ثم يقرب امرأته بعد ذلك فلا يلزمه شيء وبهذا فارق الظهار لأن إشراك الثانية لا يغير حكم الظهار في الأولى وكذلك لو قال في الإيلاء للمرأة الثانية: أنت عليّ مثل هذه ينوي الإيلاء فيها فبهذا لا يتغير حكم الإيلاء في حق الأولى ويصح منه عقد الإيلاء في حق الثانية بهذا اللفظ " (1).
قال الشافعي في "الأم": " وإذا آلى الرجل من امرأته ثم قال لأخرى (1/349)
صفحة 349
من نسائه قد أشركتك معها في الإيلاء لم تشركها لأن اليمين لزمته للأولى واليمين لا يشترك فيها" (2). وحكاه عنه المزني في مختصره وأقره (3)
وفرق الماوردي في شرحه بين أن يكون إيلاؤه بيمين يحلفها بالله تعالى وأن يكون بتعليق بطلاق أو عتق على وطئها ونص قوله: "اعلم أن الإيلاء على ضربين:
أحدهما: أن يكون معقودا على اليمين بالله تعالى.
والثاني: أن يكون معقودا بكل يمين لازمة، فإن عقدها بالله تعالى فقال لإحدى زوجتيه: والله لا أصبتك ثم قال للأخرى: وأنت شريكتها يعنى في الإيلاء كان موليا من الأولى ولم يكن موليا من الثانية ولو طلق إحداهما وقال للأخرى: أنت شريكتها يعنى في الطلاق كان مطلقا لهما وهكذا لو ظاهر من إحداهما ثم قال للأخرى وأنت شريكتها يعني في الظهار كان مظاهرا منها.
__________
(1) المبسوط 7/ 33، 34.
(2) الأم 5/ 268.
(3) مختصر المزني مع شرح الماوردي الحاوي الكبير 10/ 363.
فإن قيل: فلم لم تكن الثانية شريكة الأولى في الإيلاء إذا أراده كانت شريكة لها في الطلاق والظهار إذا أراده؟ قيل: لأن الإيلاء يمين بالله تعالى لا تنعقد بالكناية، والطلاق والظهار يقعان وينعقدان بالكناية. ألا تراه لو قال: إن حلف زيد بالله تعالى فأنا حالف به لم يصر حالفا إذا حلف زيد ولو قال: (1/350)
صفحة 350
إن طلق زيد فامرأتي طالق لزمه الطلاق بطلاق زيد والفرق بينهما في دخول الكناية في الطلاق والظهار، وانتفاء الكناية عن اليمين من وجهين:
أحدهما: أن لليمين (1) بالله تعالى حرمة التعظيم فلم يجز لعظم حرمته أن يكنى عنه وليس للطلاق والظهار حرمة تعظيم فجازت الكناية عنهما.
والثاني: أنه لما لم تصح النيابة في اليمين تغليظا لم تصح فيها الكناية ولما صحت النيابة في الطلاق والظهار تخفيفا صحت فيهما الكناية والفرق بينهما في صحة النيابة في الطلاق والظهار وانتفاء النيابة عن اليمين من وجهين:
أحدهما: أن مقصود اليمين التعظيم فلم تصح فيه النيابة ومقصود الطلاق والظهار التحريم فصح فيه النيابة.
والثاني: أن تأثير اليمين في الحالف فلم يجز استنابة غيره، وتأثير الطلاق والظهار في غيره فجاز فيهما استنابة غيره والله أعلم.
ثم قال: وأما الضرب الثاني وهو إذ عقدها بعتق أو طلاق وجعلناه موليا بهما على قوله في الجديد فإذا قال لإحدى زوجتيه: إن وطئتك فأنت طالق أو فعبدي حر ثم قال للأخرى: وأنت شريكتها سئل عن إرادته وله في (1/351)
صفحة 351
الإرادة أربعة أحوال:
__________
(1) في الأصل أن اليمين والظاهر أن الصواب ما أثبتناه.
أحدها أن يقول: أردت بقولي أنت شريكتها أنني متى وطئت الثانية مع الأولى فالأولى طالقة فهذا يكون موليا من الأولى دون الثانية ولا تكون الثانية شريكة للأولى ولا يكون وطؤها شرطا في طلاق الأولى لأنه علق طلاق الأولى بشرط واحد وهو وطؤها فلم يجز أن يضم إليه شرطا ثانيا بوطء الثانية لما فيه من رفع حكم الشرط الأول بعد انعقاد ألا تراه لو قال: إن كلمت زيدا فأنت طالق ثم قال: وإن دخلت الدار يريد أن طلاقها لا يقع بكلام زيد حتى تدخل الدار لم يثبت الشرط الثاني وتعلق الطلاق بوجود الشرط الأول.
والحال الثانية أن يقول: أردت بقولي أنت شريكتها أنني متى وطئت الأولى فهي طالق مع الثانية فهذا يكون موليا من الأولى على ما كان عليه قبل مشاركة الثانية لها وحالف بطلاق الثانية ولا يكون موليا منها لأنه علق طلاقها بوطء الأولى لا بوطئها.
والحال الثالثة أن يقول: أردت بقولي وأنت شريكتها أنني متى وطئت الأولى والثانية فهما طالقان فقد زاد بهذا شرطا ثانيا في طلاق الأولى فلم يثبت وكان طلاقها معلقا بالشرط الأول وهو وطؤها والشرط الثاني وهو وطء الثانية لغو في طلاق الأولى ثم قد علق طلاق الثانية بشرطين:
أحدهما: وطء الأولى. (1/352)
صفحة 352
والثاني: وطء الثانية فلا يكون موليا من الثانية ما لم يطأ الأولى لأنه يقدر على وطء الثانية ولا يقع طلاقها فإذا وطئ الأولى صار حينئذ موليا من الثانية لأنه متى وطئها طلقت.
والحالة الرابعة أن يقول: أردت بقولي "وأنت شريكتها"، أنني متى وطئتك فأنت طالق كما أنني متى وطئت الأولى كانت طالقا فهذا يكون موليا من الثانية لأنه متى وطئها وحدها طلقت، والفرق بين أن يجعلها شريكتها في هذه الحالة الرابعة فيكون موليا إذا كانت يمينه بالطلاق ولا يكون فيها موليا إذا كانت يمينه بالله تعالى. ما قدمناه من أن هذا كناية تنعقد بها اليمين بالطلاق ولا تنعقد به اليمين بالله تعالى" (1)
__________
(1) الحاوي الكبير 10/ 363 - 365
وبمثل هذا قال الشيرازي في "المهذب" (1)، وشارحه في "المجموع" (2). وقال ابن قدامة: "وإن قال لإحدى زوجتيه والله لا وطئتك ثم قال للأخرى أشركتك معها لم يصر موليا من الثانية لأن اليمين بالله لا يصح إلا بلفظ صريح من اسم أو صفة والتشريك بينهما كناية فلم تصح به اليمين، وقال القاضي يكون موليا منهما وإن قال: "إن وطئتك فأنت طالق ثم قال للأخرى أشركتك معها" ونوى فقد صار طلاق الثانية معلقا على وطئها أيضا؛ لأن الطلاق يصح بالكناية فإن قلنا إن ذلك إيلاء في الأولى صار إيلاء (1/353)
صفحة 353
في الثانية لأنها صارت في معناها وإلا فليس بإيلاء في واحدة منهما وكذلك لو آلى رجل من زوجته فقال آخر لامرأته أنت مثل فلانة لم يكن موليا وقال أصحاب الرأي هو مول، ولنا أنه ليس بصريح في القسم فلا يكون موليا به كما لو لم يشبهها بها" (3).
وذكر المرداوي في "الإنصاف" أن عدم اعتبار هذا إيلاء هو المذهب -أي مذهب الحنابلة- قال وجزم به في "الهداية" و"المُذَهَّب" و"مسبوك الذهب" و"المستوعب" و"الخلاصة" و"الوجيز" وغيرهم وقدمه في "المغني" والشرح و"الرعاية الكبرى" ثم ذكر قول القاضي أنه يصير به موليا وحكاه رواية عن أحمد وقال: قدمه في "المحرر" و"النظم" و"الرعايتين" و"الحاوي الصغير" ثم قال: وعنه يصير موليا منها إن نواه وإلا فلا قال وأطلقهن في الفروع ثم حكى عن الرعاية الكبرى أنه إن قال: "إن وطئتك فأنت طالق" وقال للأخرى "أشركتك معها" ونوى وقلنا يكون إيلاء من الأولى صار موليا من الثانية" (4)
__________
(1) المهذب مع شرحه المجموع 17/ 312
(2) المجموع 17/ 316
(3) المغني 8/ 526 وينظر الشرح الكبير 8/ 525، 526
(4) الانصاف 9/ 181
والخلاصة أن رأي الأكثرين أن الإيلاء بنحو هذا لا يتعدى إلى الثانية، وعلل السرخسي ذلك بأن تعديته إلى الثانية تسقط عنه الكفارة الواجبة عليه فيما إذا أتى الأولى وحدها لأن الحنث لو اشتركتا في الإيلاء إنما يترتب على إتيانهما جميعا وفي هذا تغيير للحكم الثابت من إيلائه من الأولى ولهذا كان (1/354)
صفحة 354
حكم الظهار بخلافه وعلله الكساني بأن اشتراكهما في الإيلاء يؤدي إلى اشتراكهما في المدة وبهذا يكون نصيب كل واحدة منهما أقل من أربعة أشهر.
أما الشافعي وأصحابه والحنابلة فإنهم عللوا هذا بأن الأيمان بالله ليست فيها كنايات فلا تثبت إلا بالألفاظ الصريحة؛ ولذلك فرقوا بين الإيلاء وبين الطلاق والظهار في هذا كما أنهم أخذوا بحكم الإشراك فيما إذا كان الإيلاء ليس بصيغة اليمين بالله بل بصيغة التعليق كأن يعلق على ذلك طلاقها.
وعند الحنابلة رأي آخر وهو ثبوت الإيلاء من الثانية بنحو هذا كما ثبت من الأولى وبه قال القاضي منهم وهو رواية عن أحمد كما تقدم، ولم أجد استدلال هؤلاء لما ذهبوا إليه.
الرأي المختار
من الواضح أن رأي الأكثرين في هذه المسألة إنما هو منبن على النظر في حكم اليمين وأنها لا يتعدى حكمها حدود ما أنشئت من أجله في أول لفظها مع غض النظر عن مراعاة الحكمة الشرعية من مشروعية حكم الإيلاء وهي صرف الأذى عن المرأة وصون حقها في المعاشرة لئلا يضيع بسوء التصرف من الرجال، ومن المعلوم أنه لا فرق بين تأذيها في حال النص (1/355)
صفحة 355
عليها بالإيلاء من أول مرة وتأذيها بإلحاقها بمن آلى منها عندما يحرم كل واحدة منهما من المعاشرة؛ إذ لافرق بين حرمانها بسبب أو بآخر لذلك أرى أنه ولو لم يحنث بمعاشرتها ينطبق عليه حكم الإيلاء إن أمسك عنها حتى مضت مدة التربص المحددة شرعا؛ إذ لا يناط حكم الإيلاء في كل شيء بوجوب الكفارة ولذلك ألحق جمهور العلماء به كل صيغة يترتب عليها لزوم ما لم يكن لازما عليه بالوطء سواء كان فوات منفعة كطلاق وعتق أو تكلف عمل لم يكن واجبا عليه من قبل على أن فريقا من العلماء ذهبوا -كما تقدم- إلى أن الإيلاء المقيد بزمان دون أمد التربص أو بحال أو بمكان ينطبق عليه حكم الإيلاء عندما يمتنع الزوج عن المعاشرة حتى يمضي أمد التربص، وقد سبق أن هذا هو الذي يقتضيه إطلاق الآية الكريمة مع أنه لا تجب عليه كفارة حال إتيانها مراعيا القيود التي تقتضيها يمينه، وما ذلك إلا لأجل ما ذكرته من قصد صون حقوق النساء وإلزام الرجال حسن معاشرتهن.
ولئن كان المالكية يرون أن نفس الامتناع عن العشرة من غير عذر -وإن لم يكن مصحوبا بقول- يلحق بالإيلاء فأولى أن تلحق هذه المسألة وأمثالها به عندهم وإن لم أجد ذلك منصوصا عليه في كتبهم. (1/356)
صفحة 356
المسألة الثانية
في الجمع بين امرأته وامرأة أخرى لا يلحقها إيلاؤه في الإيلاء وذلك نحو أن يقول لامرأته وأمته، أو لها ولأجنبية "والله لا أقربكما" فإن أكثر أهل العلم على أن هذا لا يعد إيلاء لأنه لا يمنعه من إتيان امرأته مانع حتى يأتي أمته أو المرأة الأجنبية التي جمعها معها في يمينه، وعندئذ يكون موليا من امرأته، قال الشافعي: "وإذا حلف لا يقرب امرأته وامرأة ليست له لم يكن موليا حتى يقرب تلك المرأة، فإن قرب تلك المرأة كان موليا حينئذ وإن قرب امرأته حنث باليمين (1)
وقال السرخسي: وإن حلف لا يقرب امرأته وامرأة أجنبية معها حرة أو أمة لم يكن موليا من امرأته لأنه يملك قربانها من غير أن يلزمه شيء وهو ليس بمول في حق الأجنبية فلا يعتبر قربان الأجنبية في حكم الإيلاء من امرأته وإن اعتبر حال امرأته وحدها وهو يملك قربانها من غير أن يلزمه شيء لم يكن موليا منها بخلاف ما لو قال لامرأتين له "لا أقربكما" لأنهما مستويتان في حكم الإيلاء هناك فيجعلان كشخص واحد لا يملك قربانهما إلا بكفارة تلزمه فكان موليا منهما بقول فإن جامع الأجنبية صار موليا من امرأته من الساعة التي جامع فيها تلك لأنه صار بحال لا يملك قربانها إلا بكفارة تلزمه فيتحقق معنى الإضرار والتعنت في حقها الآن فيكون موليا منها وهو بمنزلة (1/357)
صفحة 357
ما لو قال "والله لا أقربك إذا أتيت مكان كذا" لا يكون موليا ما لم يأت ذلك المكان أو هو بمنزلة ما لو قال لامرأته: "والله لا أقربك إذا جامعت هذه الأجنبية فإذا جامعها كان موليا من امرأته" (2).
__________
(1) الأم 5/ 268
(2) المبسوط 7/ 34
وقال الكاساني: "ولو قال لامرأته وأمته " والله لا أقربكما" لا يكون موليا من امرأته ما لم يقرب الأمة فإذا قرب الأمة صار موليا من امرأته لأن المولي من لا يمكنه قربان امرأته في المدة من غير شيء يلزمه وقبل أن يقرب الأمة يمكنه قربان امرأته من غير حنث يلزمه لأنه علق الحنث بقربانهما فلا يثبت بقربان إحداهما فإذا قرب الأمة فقد صار بحال لا يمكنه قربان زوجته من غير حنث يلزمه فصار موليا. ولو قال "والله لا أقرب إحداكما" لم يكن موليا في حق البر لما ذكرنا أن قوله إحداكما معرفة لكونه مضافا له المعرفة والمعرفة تخص ولا تعم سواء كان في محل الإثبات أو في محل النفي فلا يتناول إلا إحداهما والإيلاء في حق البر تعليق للطلاق بشرط ترك القربان في المدة فصار كأنه قال "إن لم أقرب إحداكما في المدة فإحداكما طالق" ولو قال ذلك لا يقع الطلاق إلا إذا عنى امرأته وما عنا ها هنا فلا يمكنه جعلها إيلاء في حق البر ولو قرب إحداهما تجب الكفارة لأنه بقي يمينا في حق الحنث وقد وجد شرط الحنث فتجب الكفارة كما لو قال لأجنبية "والله لا أقربك" ثم قربها حنث ولا يكون ذلك إيلاء في حق البر كذا هذا. ولو قال "والله لا أقرب واحدة منكما " كان موليا من امرأته لما ذكرنا أن الواحدة نكرة مذكورة في (1/358)
صفحة 358
محل النفي فتعم عموم الأفراد كما لو قال لا أكلم واحدا من رجال حلب إلا أنه لو قرب إحداهما حنث لما ذكرنا أن شرط حنثه قربان واحدة منهما لا قربانهما وقد وجد" (1).
__________
(1) بدائع الصنائع 4/ 1937
وهو مبني على ما ذكرته من قبل من مراعاة ثبوت الحنث بالوطء في الإيلاء ومع عدمه لا يكون إيلاء عندهم وفي هذا عدم الالتفات إلى ما ذكرته مرارا من حكمة الشارع في مشروعية هذا الحكم فإن نحو هذا القول إن أدى إلى الامتناع من الوطء كان فيه إجحاف بحق المرأة ولو لم يكن ممنوعا منه إلا بحنث وبناء عليه فإني أرى أن عليه أن يباشر قبل مضي أمد التربص فإن لم يفعل فحكم الإيلاء ينطبق عليه، ومن العجيب قول الكاساني أنه لا إيلاء ولو قال لهما "والله لا أقرب إحداكما" مع أنه بنفسه يقول ولو قرب إحداهما تجب الكفارة لأنه بقي يمينا في حق الحنث وقد وجد شرط الحنث فتجب الكفارة، فلئن كان المانع من إلحاق هذه المسألة وأمثالها بباب الإيلاء عدم وجوب الكفارة مع الوطء فكيف لا يكون إيلاء مع وجوبها بسبب الوطء؟
على أن قوله "والله لا أقرب إحداكما" من الظاهر انصراف يمينه فيه إلى قربان التي يحل له قربانها فهي -ولا ريب- التي يتبادر إلى الذهن قصدها بالقسم. (1/359)
صفحة 359
[صفحة بيضاء] (1/360)
صفحة 360
المسألة الثالثة
لا خلاف أنه إن كرر لفظ الإيلاء من أجل تأكيده تبين به المرأة بينونة واحدة إن مضى أمد التربص ولم يفئ وذلك عند من قال بأن مضيه هو عزيمة الطلاق، وكذلك لا يؤخذ في هذه الحالة بالوقف مطالبا بالفيء أو الطلاق إلا مرة واحدة عند من قال بأن الطلاق لا يقع بنفس مضي أمد التربص، وإن كان تكراره بقصد تأسيس إيلاء جديد في كل مرة فلا ريب أن فيئا واحدا يهدم ما كان من إيلاء بهذه الأيمان المكررة ولكن إذا تمادى ولم يفيء ففي ذلك خلاف عند الحنفية فأكثرهم أنها لا تبين بذلك إلا بينونة واحدة وإن كانت الكفارة يتكرر وجوبها بتكرر أيمانه، وذهب زفر إلى أن البينونة تتكرر أيضا حتى تخرج بثلاث طلقات.
قال الكاساني: "ولو قال لها في مجلس واحد "والله لا أقربك، والله لا أقربك، والله لا أقربك" فإن عنى به التكرار فهو إيلاء واحد في حق حكم الحنث والبر جميعا حتى لو مضت أربعة أشهر ولم يقربها بانت بتطليقة واحدة ولو قربها في المدة لا يلزمه إلا كفارة واحدة لأن مثل هذا يذكر في التكرار في العرف والعادة فإذا نوى به تكرار الأول فقد نوى ما يحتمله كلامه فيصدق فيه وإن لم تكن له نية فهو إيلاء واحد في حق حكم البر في قول أصحابنا الثلاثة، وثلاث في حق حكم الحنث بالإجماع حتى لو مضت أربعة أشهر ولم يقربها بانت بتطليقة واحدة في قول أصحابنا الثلاثة ولو قربها في المدة فعليه ثلاث كفارات بالإجماع، وعند زفر هو ثلاث إيلاءات (1/361)
صفحة 361
في حق حكم الحنث والبر جميعا، وينعقد كل إيلاء من حين وجوده، فإذا مضت أربعة أشهر بانت بتطليقة ثم إذا مضت ساعة بانت بتطليقة أخرى، ثم إذا مضت ساعة أخرى بانت بتطليقة واحدة أخرى، وإن قربها في المدة فعليه ثلاث كفارات.
قال الكاساني: "وأصل هذه المسألة أن من قال لامرأته "إذا جاء غد فوالله لا أقربك" قاله ثلاثا فجاء غد يصير موليا في حق حكم البر إيلاء واحدا عندنا وعنده يصير موليا ثلاث إيلاءات في حق حكم الحنث وإن أراد به التغليظ والتشديد فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إيلاء واحد في حق حكم البر استحسان وعند محمد وزفر هو ثلاث في حق البر والحنث جميعا وهو القياس أما زفر فقد مر على أصله أن الحكم لليمين لا للمدة لأن اليمين هي السبب الموجب للحكم وقد تعددت فيتعدد السبب بتعدد الحكم.
وأما وجه القياس لمحمد أن المدة قد اختلفت لأن كل واحدة من هذه الأيمان وجدت في زمان فكانت مدة كل واحدة منهما غير مدة الأخرى فصار كما لو آلى منها ثلاث مرات في ثلاث (1) مجالس.
__________
(1) كذا في الأصل والصواب ثلاثة لأن المجالس جمع مجلس وهو مذكر.
وجه الاستحسان أن المدد وإن تعددت حقيقة فهي متعددة حكما لتعذر ضبط الوقت الذي بين اليمينين عند مضي أربعة أشهر فصارت مدة الأيمان كلها مدة واحدة حكما، والثابت حكما ملحق بالثابت حقيقة. (1/362)
صفحة 362
ثم قال: ولو قال: إذا جاء غد فوالله لا أقربك وإذا جاء بعد غد فوالله لا أقربك يصير موليا إيلاءين في حق الحنث والبر جميعا إذا جاء غد يصير موليا وإذا جاء بعد غد يصير موليا إيلاء آخر، وكذلك إذا آلى منها في مجلس ثم آلى منها في مجلس آخر بأن قال والله لا أقربك ثم مكث يوما ثم قال والله لا أقربك يصير موليا إيلاءين أحدهما في الحال والآخر في الغد في حق الحنث والبر جميعا لأن المدة قد تعددت حقيقة وحكما لاختلاف ابتداء كل مدة وانتهائها وإمكان ضبط الوقت الذي بين اليمينين، ولو قال كلما دخلت هذه الدار فوالله لا أقربك أو قال والله إن دخلت هذه الدار فوالله لا أقربك أو قال والله لا أقربك كلما دخلت هذه الدار يصير موليا إيلاءين في حق البر وإيلاء واحدا في حق الحنث فإذا دخل الدار دخلتين ينعقد الإيلاء الأول عند الدخلة الأولى والثاني عند الدخلة الثانية حتى لو مضت أربعة أشهر من وقت الدخلة الأولى بانت بتطليقة وإذا تمت أربعة أشهر من وقت الدخلة الثانية بانت بتطليقة أخرى ولو قربها بعد الدخلتين لا يلزمه إلا كفارة واحدة لتعدد المدة واتحاد اليمين في معنى حكم الحنث.
والأصل فيه أن اليمين بالله تعالى متى علقت بشرط متكرر لا يتكرر انعقادها بتكرر الشرط واليمين بما هو شرط وجزاء إذا علقت بشرط متكرر تتكرر بتكرار الشرط وقوله "والله لا أقربك" يمين بالله تعالى في حق الحنث ويمين بالطلاق في حق البر، ودليل هذا الأصل وبيان فروعه يعرف في الجامع الكبير وكذلك إذا قال كلما دخلت واحدة من هاتين الدارين فوالله لا أقربك (1/363)
صفحة 363
أو قال كلما كلمت واحدا من هذين الرجلين فوالله لا أقربك فدخل إحداهما أو كلم أحدهما صار موليا وإذا دخل مرة أخرى أو كلم أخرى صار موليا إيلاء آخر في حق حكم البر وهو إيلاء واحد في حق حكم الحنث والله تعالى أعلم (1).
ولم أجد من تعرض لهذه المسائل من غير الحنفية، ومن الواضح أن تكرار الأيمان إن قصده به المكرر تأسيسها في كل مرة تجب عليه لكل واحدة منها كفارة مع حنثه بخلاف ما إذا قصد التأكيد فإنه تجب عليه كفارة واحدة إن حنث.
أما الإيلاء فيما أنه يؤدي إلى بينونتها منه إن لم يفئ إليها في مدة التربص فإن البينونة لا تتبعها أخرى إذ ليست كالطلاق الرجعي الذي يتبعه طلاق آخر ما دامت لم تنته عدتها لأن ذلك إنما كان بسبب ما بقي من علاقة بينها وبينه لبقاء حكم التوارث ما دامت في العدة ولأنه بإمكانه أن يراجعها قسرا بخلاف البائن لذلك لا أرى وجها لأن تلحق بطلقة بائنة ثانية وثالثة بسبب تكراره للأيمان.
وأما القائلون بأنها لا تبين وإنما يتوقف أمرها على وقفه ومطالبته إما بأن يفيء وإما بأن يطلق فإن فيئه إليها عندهم هادم لإيلائه أيضا وإن لم يفىء طولب بالطلاق فإن لم يطلق طلق عليه ويكون وقوع تلك الطلقة (1/364)
صفحة 364
مخرجا لها إلا إن راجعها ولم يفيء كذلك فإنه يوقف مرة أخرى ويطلق عليه إن لم يفىء ولم يطلق حتى تنتهي الثلاث سواء كرر الأيمان أو اقتصر على يمين واحدة.
__________
(1) بدائع الصنائع 4/ 1966 - 1968
هذا ومن الغريب ما قاله الكاساني من أنه لو قال كلما دخلت هذه الدار فوالله لا أقربك ونحو ذلك أنه يصير مولياً إيلاءين في حق البر، ومعنى هذا أن طلاقها مرتين إن تكرر دخوله ولم يفىء وكان الأولى به على أصله أن يجعله مكرراً ثلاثاً إن تكرر دخوله ثلاث مرات فصاعداً لأن الثلاث هي أقصى الطلاق الذي يلحق المرأة فلا أدري على مَ بنى هذا القول؟ (1/365)
صفحة 365
[صفحة بيضاء] (1/366)
صفحة 366
الفصل الثامن
فيما ينتهي إليه الإيلاء إن لم يفئ الملي حتى مضت مدة التربص (1/367)
صفحة 367
[صفحة بيضاء] (1/368)
صفحة 368
- - -
اعلم أن الإيلاء إما أن يراجع المولي فيه نفسه فيفيء إلى أهله قبل مضي مدة التربص ولا خلاف أن فيئه هذا يعد وفاء بما لها من حق عليه وتظل على حكم الزوجية وما عليه إلا أن يكفر يمينه إن حلف بالله أن لا يطأها وإن علق وطأها على شيء مما لم يكن لازماً عليه لزمه سواء كان من أصناف العبادات كالصلاة والصيام والحج والصدقة أو كان فوات منفعة كطلاق وعتاق، وإما أن يستمر على ما هو عليه من الامتناع عن مباشرة أهله حتى تمضي مدة التربص التي حددها القرآن وفي هذا خلاف أهل العلم فيما يترتب على إيلائه.
فذهب أصحابنا والحنفية إلى أن انقضاء أمد التربص تبين به المرأة فلا يتوقف انفصالها عنه على تطليقها، وذهب الجمهور إلى أنه يوقف بعد مضي أمد التربص فيطالب إما بأن يفيء وإما بأن يطلق وبقول أصحابنا والحنفية قال طائفة من السلف فقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وبه يقول ابن سيرين ومسروق والقاسم وسالم والحسن وأبو سلمة ابن عبدالرحمن وقتادة وشريح القاضي وقبيصة بن لؤي وسليمة بن طرحان التيمي وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس والسدي (1)، ومن المالكية من جنح إليه فقد قال ابن رشد "وأما أبو حنيفة فإنه اعتمد في ذلك تشبيه هذه المدة بالعدة الرجعية إذ كانت العدة إنما شرعت (1/369)
صفحة 369
لئلا يقع منه ندم وبالجملة فشبهوا الإيلاء بالطلاق الرجعي وشبهوا المدة بالعدة وهو شبه قوي" (2)
وقال القرطبي -بعدما ذكر القولين-: "وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى قياسا على المعتدة بالشهور والأقراء إذ كل أجل ضربه الله تعالى فبانقضائه انقطعت العصمة وأبينت من غير خلاف ولم يكن لزوجها سبيل عليها إلا بإذنها فكذلك الإيلاء حتى لو نسي الفيء وانقضت المدة لوقع الطلاق" (3)، وهو الذي صدر به العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسيره "المنار" وحكى القول الآخر بصيغة قيل الدالة على التمريض وذلك في قوله "فإن لم يطلق هو بالقول كان مطلقا بالفعل أي أنها تطلق منه بعد انتهاء المدة رغم أنفه منعا للضرار وقيل ترفع أمرها إلى الحاكم فيطلق عليه" (4)
__________
(1) تفسير ابن كثير 1/ 268 ط دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاؤه.
(2) بداية المجتهد وكفاية المقتصد 2/ 75 - 76 دار الفكر.
(3) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن 3/ 111، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر
(4) تفسير المنار 2/ 293، الهيئة المصرية العامة للكتاب
وقد روي عن طائفة من السلف من غير من ذكرنا، وهاكم بعض النصوص المنقولة بالأسانيد عن طائفة من السلف من الصحابة والتابعين في ذلك.
روى البيهقي في سننه قال أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو بكر بن الحارث الفقيه قالا نا علي بن عمر الحافظ نا أبو بكر النيسابوري نا أبو (1/370)
صفحة 370
الأزهر نا يعقوب بن ابراهيم نا أبي عن ابن اسحاق حدثني محمد بن مسلم بن شهاب عن سعيد بن مسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- كان يقول: "إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة وهو أملك بردها ما دامت في عدتها" (1)
ورواه الدارقطني في سننه من طريق أبي بكر النيسابوري بالإسناد المذكور (2).
وروى الطبري في تفسيره قال حدثنا أبو هشام قال ثنا محمد بن بشر عن سعيد عن قتادة عن خلاس أو الحسن، عن علي قال: "إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة" (3).
حدثنا ابن بشار قال ثنا معاذ بن هشام قال ثنا أبي عن قتادة أن عليا وابن مسعود كانا يجعلانها تطليقة إذا مضت أربعة أشهر فهي أحق بنفسها قال قتادة وقول علي وعبدالله أعجب إلي في الإيلاء" (4).
حدثنا ابن بشار قال ثنا عبدالله الأعلى قال: ثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن عليا قال في الإيلاء: "إذا مضت أربعة أشهر بانت بتطليقة" (5). (1/371)
صفحة 371
وأخرج عبد الرزاق في سننه عن معمر عن عطاء الخراساني قال سمعني أبو سلمة بن عبد الرحمن أسأل ابن المسيب عن الإيلاء فمررت به فقال: ما قال لك؟ فحدثته به قال أفلا أخبرك ما كان عثمان بن عفان وزيد بن ثابت يقولان؟ قلت: بلى. قال: كانا يقولان: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة وهي أحق بنفسها تعتد عدة المطلقة (6)
__________
(1) السنن الكبرى للبيهقي 11/ 302 رقم "15616"
(2) سنن الدارقطني 4/ 63 رقم (153) دار المحاسن للطباعة.
(3) تفسير الطبري جامع البيان عن تفسير آي القرآن 2/ 428
(4) المرجع السابق
(5) المرجع السابق
(6) المصنف للحافظ أبي بكر بن عبد الرزاق 6/ 348،رقم " 11682 "
وأخرجه البيهقي في سننه أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان نا أحمد بن يوسف السلمي وذكره بالإسناد المتقدم (1).
ورواه الدارقطني عن إسماعيل بن محمد الصفار قال: نا عباس نا قبيصة نا سفيان عن معمر عن عطاء الخراساني فذكره (2) وعن أبي بكر النيسابوري نا العباس بن الوليد أخبرني أبي نا الأوزاعي حدثني عطاء الخراساني (3)
ورواه أيضا ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا أبو بكر قال: نا ابن مبارك عن معمر عن عطاء الخراساني وذكر معناه بالإسناد المتقدم (4). (1/372)
صفحة 372
ورواه الطبري في تفسيره حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق فذكره بالإسناد المتقدم عنده
ورواه أيضا عن علي بن سهل قال: ثنا الوليد عن الأوزاعي عن عطاء الخراساني بإسناده إلى عثمان ولم يذكر معه زيداً (5).
وأخرج عبد الرزاق عن معمر وابن عيينة عن أيوب عن أبي قلابة قال: آلى النعمان من امرأته وكان جالسا عند ابن مسعود فضرب فخذه فقال إذا مضت أربعة أشهر فاعترف بتطليقة (6).
ورواه الطبري قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية قال: ثنا أيوب وحدثنا ابن بشار قال ثنا عبدالوهاب قال: حدثنا أيوب وذكره بالإسناد المتقدم (7)
وأخرجه ابن أبي شيبة حدثنا أبو بكر قال نا ابن علية عن أيوب فذكره بإسناده المتقدم (8)
وروى عبدالرزاق عن معمر عن قتادة أن عليا وابن مسعود وابن عباس قالوا إذا مضت الأربعة أشهر فهي تطليقة وهي أحق بنفسها قال قتادة (1/373)
صفحة 373
__________
(1) السنن الكبرى لليبهقي 11/ 303 رقم (15618).
(2) سنن الدار قطني 4/ 63 رقم (150)
(3) المرجع السابق 63 رقم (151)
(4) المصنف لابن أبي شيبه 4/ 95 - 96 رقم (1) تحت عنوان: ما قالوا في الرجل يولي من امرأته فتمضي أربعة أشهر من قال هو طلاق.
(5) تفسير الطبري 2/ 428
(6) المصنف لعبد الرزاق 6/ 348 رقم (11683)
(7) تفسير الطبري 2/ 429
(8) مصنف ابن أبي شيبة مرجع سابق 96 رقم (2)
قال علي وابن مسعود تعتد عدة المطلقة (1)
وفي مصنف عبد الرزاق أيضا عن عبدالله بن محرر قال أخبرني يزيد بن الأصم أنه سمع ابن عباس يقول " انقضاء الأربعة عزيمة الطلاق والفيء الجماع " (2).
ورواه أيضاً عن ابن جريح والثوري عن ابن أبي ليلي عن الحكم مقسم عن ابن عباس (3).
ورواه الطبري قال: حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا ابن مهدي قال: ثنا شعبة عن الحكم فذكره بمعناه بإسناده المتقدم ورواه أيضا من طريق ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة فذكره (4)
وروى ابن جرير أيضا قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة عن عبدالله بن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي بائنة.
حدثنا أبو كريب قال: ثنا خالد بن مخلد عن جعفر بن برقان عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن عكرمة أنه قال: إذا مضت الأربعة (1/374)
صفحة 374
أشهر فهي تطليقة بائنة. فذكر ذلك عن ابن عباس (5).
وروى عن ابن هشام قال ثنا ابن فضل قال: ثنا الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير أن أمير مكة سأله عن المولي قال: كان ابن عمر يقول إذا مضت أربعة أشهر ملكت أمرها وكان ابن عباس يقول ذلك (6).
وقال الدارقطني في سننه نا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن يوسف السلمي نا أبو النعمان وسليمان بن حرب قالا: نا حماد بن زيد عن أيوب قال: قلت لسعيد بن جبير أكان ابن عباس يقول إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة ولا عدة عليها وتزوج إن شاءت قال نعم (7).
وفي مصنف ابن أبي شيبة حدثنا أبو بكر قال نا أبو معاوية عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وابن عباس قالا: إذا آلى فلم يفئ حتى تمضي الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة (8).
__________
(1) مصنف عبد الرزاق 6/ 349 رقم (11685)
(2) المرجع السابق 348 رقم (11684)
(3) المرجع السابق 349 رقم (11686)
(4) تفسير ابن جرير جامع البيان 2/ 429
(5) المرجع السابق
(6) المرجع السابق 430
(7) سنن الدارقطني 4/ 63 رقم 154
(8) الصنف لابن أبي شيبة 4/ 96
حدثنا أبو بكر قال نا ابن فضيل عن الأعمش عن حبيب قال: سألت سعيدا أمير مكة عن الإيلاء فقال عن مقسم عن ابن عباس قال: "عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، والفيء الجماع" (1) (1/375)
صفحة 375
حدثنا أبو بكر قال: نا حفص ويزيد بن هارون عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن علي قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة (2).
حدثنا أبو بكر قال نا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن قبيصة قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة (3).
حدثنا أبو بكر قال: نا حفص عن حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وعن ابن الحنفية قالا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة (4).
وفي السنن الكبرى للبيهقي: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ وأبو سعيد ابن أبي عمر قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب نا محمد بن اسحاق الصغانينا يزيد بن هارون أنا شعبة عن عبدالله بن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة قال يزيد: يعني في الإيلاء وكذلك رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما (5).
وأخبرنا أبو عبدالله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمر قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب نا إبراهيم بن مرزوق نا أبو الوليد الطيالسي نا شعبة (1/376)
صفحة 376
أخبرني الحكم قال: سمعت مقسما قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: عزم الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر والفيء الجماع. هذا هو الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد روى عنه بخلافه (6).
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن قبيصة بن ذؤيب قال إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة قال: وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: هي تطليقة وهو أملك بها. وكان الزهري يأخذ بقول أبي بكر (7).
__________
(1) المرجع السابق
(2) المرجع السابق
(3) المرجع السابق
(4) المرجع السابق
(5) السنن الكبرى للبيهقي 11/ 304 رقم 15622
(6) المرجع السابق رقم 15623
(7) المصنف لعبد الرزاق 6/ 350 رقم 11695
ورواه الطبري عن الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق فذكره بالسند المتقدم (1).
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب أن ابن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن قالا إذا مضت الأشهر فهي واحدة (2).
ورواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو بكر قال نا ابن إدريس عن مالك بن أنس عن الزهري وذكره (3) (1/377)
صفحة 377
وقد أخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب (4)
روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سمعت داود بن أي عاصم يحدث بأن محمد بن يوسف أمره أن يسأل عن امرأة من ثقيف آلى منها زوجها فعدد رجالا سألهم عن ذلك، منهم عكرمة مولى ابن عباس فكلهم قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة (5).
وروى ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو بكر قال نا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن الحسن وابن سيرين قالا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة (6)
وأخرج الطبري قال: حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أنه سئل عن رجل قال لامرأته إن قربتك أنت طالق ثلاثا قال فإذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة وسقط ذلك.
حدثنا سوار قال: ثنا بشر بن المفضل وحدثنا أبو هشام قال ثنا وكيع جميعاً عن يزيد بن إبراهيم قال: سمعت الحسن ومحمداً في الإيلاء قالا: إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت بتطليقة بائنة وهو خاطب من الخطاب. (1/378)
صفحة 378
حدثنا يعقوب قال ثنا ابن عليّة عن ابن عون عن محمد قال: كنا نتحدث في الأليّة أنها إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة (7)
__________
(1) تفسير الطبري جامع البيان 2/ 431
(2) المصنف لعبد الرزاق مرجع سابق رقم 11969
(3) المصنف لابن أبي شيبة 4/ 97
(4) الموطأ بشرح الباجي 4/ 33
(5) المصنف لعبد الرزاق 6/ 350 رقم 11694
(6) المصنف لابن أبي شيبة 4/ 96
(7) تفسير الطبري جامع البيان 2/ 431،430.
وروى الطبري قال: حدثنا أبو هشام قال ثنا أبو داود عن جرير بن حازم قال قرأت في كتاب أبي قلابة عند أيوب: سألت سالم بن عبدالله وأبا سلمة بن عبد الرحمن فقالا: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.
حدثنا أبو هشام قال: ثنا أبو داود عن جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن عطاء قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، ويخطبها في العدة (1).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ثنا معمر عن أبيه في الرجل يقول لامرأته: والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء أبداً ويحلف أن لا يقربها أبداً، فإن مضت أربعة أشهر ولم يفىء كانت تطليقة بائنة وهو خاطب، قول علي وابن مسعود وابن عباس والحسن (2).
وقال حدثنا ابن حميد قال ثنا جرير عن المغيرة عن الشعبي عن شريح أنه أتاه رجل فقال: إنىليت من امرأتي فمضت أربعة أشهر قبل أن أفيء. فقال شريح: {(تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - قرآن كريم (تم بحمد الله - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - (- رضي الله عنه - - (فهرس - {(- - -} تمت (- - ({- - - ((- ((- - (بسم الله الرحمن الرحيم - (- - رضي الله عنه - (} لم يزده (1/379)
صفحة 379
عليها فأتى مسروقاً فذكر ذلك له فقال يرحم الله أبا أمية لو أناّ قلنا مثل ما قال لم يفرج أحد عنه وإنما أتاه ليفرج عنه ثم قال: هي تطليقة بائنة وأنت خاطب من الخطاب.
__________
(1) المرجع السابق 430.
(2) المرجع السابق.
حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة عن المغيرة أنه سمع الشعبي يحدث أنه شهد شريحاً وسأله رجل عن الإيلاء فقال: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} الآية. فقال فقمت من عنده فأتيت مسروقاً فقلت يا أبا عائشة وأخبرته بقول شريح فقال يرحم الله أبا أمية لو أن الناس كلهم قالوا مثل هذا من كان يفرج عنا مثل هذا ثم قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة (1)
وروى الطبري أيضا قال حدثنا أبو كريب قال ثنا عثام عن الأعمش عن إبراهيم في الإيلاء قال: إن مضت يعني أربعة أشهر بانت منه.
حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو داود قال: ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن النخعي قال: إن قربها قبل الأربعة الأشهر فقد بانت منه بثلاث وإن تركها حتى تمضي الأربعة الأشهر بانت منه بالإيلاء، في رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إن قربتك سنة.
حدثنا ابن بشار قال ثنا معاذ بن هشام قال: ثني أبي، عن قتادة (1/380)
صفحة 380
قال: أَعتَمَ عبيد الله بن زياد عند هند في ليلة أم عثمان ابنة عمر بن عبيد الله فلما أتاها أمرت جواريها، فأغلقن الأبواب دونه، فحلف أن لا يأتيها حتى تأتيه، فقيل له: إن مضت أربعة أشهر ذهبت منك.
حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبدالوهاب قال: ثنا عوف قال: بلغني أن الرجل إذا آلى من امرأته فمضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة ويخطبها إن شاء (2)
__________
(1) المرجع السابق
(2) المرجع السابق 431.
وروى الطبري أيضا قال حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعد عن قتادة قوله: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} وهذا في الرجل يولي من امرأته ويقول: والله لا يجتمع رأسي ورأسك، ولا أقربك، ولا أغشاك، فكان أهل الجاهلية يعدونه طلاقا، فحد الله لهم أربعة أشهر فإن فاء فيها كفر يمينه وهي امرأته، وإن مضت أربعة أشهر ولم يفىء فهي تطليقة بائنة، وهي أحق بنفسها، وهو أحد الخطاب.
حدثت عن عمار قال ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع مثله.
حدثني موسى قال: ثنا عمرو قال: ثنا أسباط عن السدي: {(((- {- (- -
- رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} (1/381)
صفحة 381
قال: كان ابن مسعود وعمر بن الخطاب يقولان: إذا مضت أربعة أشهر فهي طالق بائنة، وهي أحق بنفسها.
حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا أبو وهب عن جويبر عن الضحاك: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (-} الآية، هو الذي يحلف أن لا يقرب امرأته فإن مضت أربعة أشهر ولم يفىء ولم يطلق بانت منه بالإيلاء فإن رجعت إليه فمهر جديد، ونكاح ببينة، ورضىً من الولي (1).
__________
(1) المرجع السابق
وأخرج الطبري أيضا قال: حدثنا أبو كريب: قال: ثنا ابن إدريس قال: ثنا مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قالا: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر فواحدة وهو أملك لرجعتها.
حدثنا أبو هشام قال: ثنا ابن إدريس عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة يملك الرجعة.
حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: هي واحدة وهو أحق بها، يعني إذا مضت الأربعة الأشهر، وكان الزهري يفتي بقول أبي بكر هذا. (1/382)
صفحة 382
حدثني المثنى قال: ثنا أبو صالح قال: ثنا الليث قال: ثني يونس قال: قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت الأربعة الأشهر قبل أن يفيء فهي تطليقة وهو أملك بها ما كانت في عدتها.
حدثنا أبو هشام قال: ثنا يحيى بن يمان قال: ثنا أبو يونس القوي قال: قال لي سعيد بن المسيب: ممن أنت؟ قال: قلت: من أهل العراق قال: لعلك ممن يقول: إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت؟ لا ولو مضت أربع سنين.
حدثنا محمد بن عبدالله بن عبد الحكم قال: ثنا حجاج بن رشدين قال: ثنا عبد الجبار بن عمر عن ربيعة أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة، وتستقبل عدتها، وزوجها أحق برجعتها.
حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: كان ابن شبرمة يقول: إذا مضت أربعة أشهر فله الرجعة، ويخاصم بالقرآن ويتأول هذه الآية {- صدق الله العظيم (- (- - - قرآن كريم (((- - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - - - رضي الله عنهم - مقدمة - صلى الله عليه وسلم - - - صدق الله العظيم (- (- - - رضي الله عنه - - (- - ((- رضي الله عنهم - - (- (- -} ثم نزع {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {- ((((((تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - قرآن كريم (تم بحمد الله - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - (- رضي الله عنه - - (فهرس - {(- - -} تمت (- - ({- - - ((- ((- - (بسم الله الرحمن الرحيم - (- - رضي الله عنه - (}.
حدثنا علي بن سهل قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: قال أبو عمر (1/383)
صفحة 383
ونحن في ذلك -يعني في الإيلاء- على قول أصحابنا الزهري ومكحول أنها تطليقة يعني مضي الأربعة الأشهر وهو أملك بها في عدتها (1)
__________
(1) المرجع السابق 432
وبالجملة فإن هذه الروايات جميعا تفيد أن من رويت عنه من الصحابة -رضي الله عنهم- فمن بعدهم يرون أن مضي أمد التربص من غير فيئة هو عزيمة الطلاق فلا داعي إلى أن يُوقف الموليِ ويُطالب بالطلاق، ولكنهم اختلفوا في نوع الطلاق الذي يقع بهذا هل هو بائن أو رجعي فَرُوِيَ أنه بائنٌ عن عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر وابن الحنفية والحسن وابن سيرين وسالم بن عبدالله وعكرمة مولى ابن عباس وقبيصة بن ذؤيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وشريح ومسروق وإبراهيم النخعي وعوف والربيع وقتادة والضحاك ورواه السدي عن عمر الخطاب -رضي الله عنه-.
وقيل هو طلاق رجعي يملك الزوج المُولي أن يراجعها في عدتها منه وهو قول سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام والزهري وربيعة ومكحول وأبي عمر وابن شبرمة ورواه سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبدالرحمن عن عمر.
والقائلون بأنها تبين منه بمضي المدة اختلفوا هل تحتاج إلى أن تعتد عدة الطلاق كما تعتد المطلقة البائن أو أنَّ نفس مدة التربص كافية لعدتها؟ (1/384)
صفحة 384
فذهب الأكثرون إلى أنها لابد لها من عدة وذهب أبو الشعثاء جابر بن زيد -رحمه الله- إلى أنَّ تربصها أربعة أشهر كافٍ لها عن العدة إنْ لم تكن حاملا وعليه العمل عند أصحابنا وروي عنه أن ذلك مشروط بأن تنقضيَ لها ثلاثة قروء في حين تربصها وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في ذلك روايتان فقد روي عنه أنها لا عدة عليها وروي عنه أنها تعتد وسيأتي إن شاء الله شرح مسألة عدتها وتحريرُها في الفصل الآتي.
وأما قول الجمهور وهو أنها لا تنفصل عنه إلاَّ بطلاق وأن المُولي يُوقفُ بعد مضي أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما أن يُطلِّق، وقد قال به جماعة من علماء السلف بل رُوي عن بعض من ذكرنا ممن روي عنه خلافه فقد أخرج مالك في "الموطأ" قال: حدثني يحيى عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليها طلاق وإن مضتْ الأربعة الأشهر حتى يُوقف فإما أن يُطلق وإما أن يفيء قال مالك وذلك الأمرُ عندنا (1).
وروى عبد الرزاق عن الثوري عن ليث عن مجاهد عن مروان عن علي قال: إذا مضت الأربعة فإنه يُحبس حتى يفيء أو يُطلق قال مروان: ولو وُليت هذا لقضيت فيه بقضاء علي (2). (1/385)
صفحة 385
وروى عبد الرزاق أيضا عن الثوري عن سليمان الشيباني عن الشعبي عن عمرو بن سلمة عن علي قال إذا مضت الأربعة فإنه يُوقف حتى يفيء أو يُطلق (3).
وقال ابن أبي شيبة حدثنا أبو بكر قال: نا ابن عُيينة عن الشيباني عن عمرو بن سلمة بن حرب أن عليا كان يوقفه بعد الأربعة حتى تبين رجعة أو طلاق.
حدثنا أبو بكر قال نا وكيع عن سفيان عن الشيباني عن بكِّير ابن الأخنس عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عليا أوقفه.
حدثنا أبو بكر قال نا ابن إدريس عن ليث عن مجاهد عن مروان عن علي يُوقف عند الأربعة حتى تبين طلاق أو رجعة.
حدثنا أبو بكر قال نا شريك عن ليث عن مجاهد عن علي قال أما أنا فكنت أقفه بعد الأربعة فإما أن يفيء وأما أن يطلق، وقال مروان ولو وليت لفعلت مثل ما يفعل (4)
__________
(1) الموطأ بشرح الباجي "المنتقى" 4/ 26
(2) المصنف لعبد الرزاق 6/ 350 رقم "11700"
(3) المرجع السابق 351 رقم (11701).
(4) المصنف لابن أبي شيبة 4/ 97، 98
وروى الدارقطني قال: نا النيسابوري نا عبد الرحمن بن بشر ابن الحكم نا عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد قال: نا سفيان عن (1/386)
صفحة 386
الشيباني عن الشعبي عن عمرو بن سلمة عن علي في الإيلاء قال يوقف بعد الأربعة فإما أن يفيء وإما أن يطلق وعن الشيباني عن بكِّير بن الأخنس عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال يُوقف بعد الأربعة فإما أن يفيء وإما أن يطلق (1).
وقال الطبري في تفسيره حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: ثنا ابن عيينة عن الشيباني عن الشعبي عمرو بن سلمة عن علي: أنه كان يقف المُولي بعد الأربعة الأشهر حتى يفيء أو يُطلق.
حدثنا ابن بشَّار قال: ثنا يحيى عن سفيان عن الشيباني عن الشعبي عن عمرو بن سلمة عن علي قال: في الإيلاء يُوقف.
حدثنا أبو هشام، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي: أنه كان يوقفه.
حدثنا ابن بشار قال ثنا: يحيى عن سفيان عن الشيباني عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن علي أنه كان يوقفه.
حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس عن ليث عن مجاهد عن مروان ابن الحكم عن علي قال: يُوقف المولي عند انقضاء الأربعة الأشهر حتى يفيء أو يطلق قاله أبو كريب قال ابن إدريس: وهو قول أهل المدينة. (1/387)
صفحة 387
حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: ثنا ابن فضيل عن ليث عن مجاهد عن مروان عن علي مثله.
حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا سفيان عن ليث عن مجاهد عن مروان بن الحكم عن علي قال: المولي إما أن يفيء وإما أن يطلق (2).
__________
(1) سنن الدارقطني 4/ 61
(2) تفسير الطبري جامع البيان 2/ 433
وقال البيقهي في السنن الكبرى: "أخبرنا أبو عبدالله الحافظ نا أبو أحمد محمد بن محمد بن إسحاق الصفار نا محمد بن أحمد بن نصر اللباد نا عمرو بن طلحة نا أسباط عن السدي في آية الإيلاء، قال: كان علي وابن عباس رضي الله عنهما يقولان: إذ آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر فإنه يوقف فيقال له: أمسكت أو طلقت؛ فإن أمسك فهي امرأته وإن طلق فهي طالق بائنة" (1).
وروي ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة فقد قال في السنن: "أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق أنا أبو الحسن الطرائفينا عثمان بن سعيد نا عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في آية الإيلاء قال: الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها تتربص أربعة أشهر فإن هو نكحها كفر عن يمينه بإطعام (1/388)
صفحة 388
عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وإن مضت أربعة أشهر قبل أن ينكحها خيره السلطان إما أن يفيء فيراجع وإما أن يعزم فيطلق كما قال الله سبحانه وتعالى" (2).
وقد سبق فيما نقلته عن البيهقي أن الصحيح من مذهب ابن عباس رضي الله عنهما غير هذا.
وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن عثمان بن عفان قال: يوقف المولي عند انقضاء الأربعة فإما أن يفيء وإما أن يطلق" (3).
ورواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو بكر قال: نا ابن علية ووكيع عن مسعر فذكره بمعناه وبالإسناد المتقدم" (4).
ورواه الطبري قال: حدثنا أبو هشام قال: ثنا وكيع عن مسعر فذكره بمعناه وبإسناده المتقدم ثم قال: حدثنا أحمد بن حازم قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا مسعر فذكره" (5)
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن أبا الدرداء وعائشة قالا: (1/389)
صفحة 389
__________
(1) السنن الكبرى للبيهقي 11/ 304 رقم 15625
(2) المرجع السابق رقم 15624
(3) المصنف لعبد الرزاق 6/ 351 رقم 11708
(4) المصنف لابن أبي شيبة 4/ 98
(5) تفسير الطبري جامع البيان 2/ 433
يوقف المولي عند انقضاء الأربعة فإما أن يفيء وإما أن يطلق" (1).
وعن الثوري عن جابر عن القاسم بن محمد أن رجلا آلى من امرأته فقالت له عائشة بعد عشرين شهرا: أما آن لك أن تفيء؟ (2)
وعن ابن عيينة عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد أن رجلا كان
يولي من امرأته سنة فيأتي عائشة فتقرأ عليه: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-} الآية". وتأمره باتقاء الله وأن يفيء (3). وروايته عن عائشة وأبي الدرداء أخرجها من طريقه ابن جرير الطبري في تفسيره المتقدم (4).
وقال بعده: "حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو الأعلى قال: ثنا سعيد عن قتادة عن أبي الدرداء وسعيد بن المسيب نحوه.
حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: ثنا الحسن عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة: يوقف عند انقضاء الأربعة الأشهر فإما أن يفيء وإما أن يطلق قال: قلت: أنت سمعتها؟ قال: لا تبكتني. حدثنا إبراهيم بن مسلم بن عبدالله قال: ثنا عمران بن ميسرة قال: ثنا ابن إدريس قال: ثنا حسن بن الفرات بإسناده عن عائشة مثله. (1/390)
صفحة 390
حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: ثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة عن عائشة مثله. حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: ثني عبيدالله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: إذا آلى الرجل أن لا يمس امرأته فمضت أربعة أشهر فإما أن يمسكها كما أمره الله وإما أن يطلقها، لا يوجب عليه الذي صنع طلاقا ولا غيره.
__________
(1) المصنف لعبد الرزاق 6/ 350 رقم 11702
(2) المرجع السابق رقم 11703
(3) المرجع السابق رقم 11704
(4) تفسير الطبري جامع البيان 2/ 434
حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد وناجية بن بكر وابن أبي الزناد عن أبي الزناد قال: أخبرني القاسم بن محمد أن خالد بن العاص المخزومي كانت عنده ابنة أبي سعيد بن هشام وكان يحلف فيها مرارا كثيرة أن لا يقربها الزمان الطويل قال: فسمعت عائشة تقول له: ألا تتقي الله يا ابن أبي العاص في ابنة أبي سعيد أما تحرج أما تقرأ هذه الآية التي في سورة البقرة قال فكأنها تؤثمه ولا ترى أنه فارق أهله (1).
وروى الطبري أيضا قال: حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبد الصمد قال: ثنا همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء أنه قال: ليس له أجل وهي معصية يوقف في الإيلاء، فإما أن يمسك، وإما أن يطلق.
ورواه عن ابن المثنى قال: ثنا أبو داود قال: ثنا همام عن قتادة فذكره بمعناه أو عن ابن المثنى قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثنا أبي عن قتادة فذكره أيضا بمعناه مع زيادة "ويجعل عليها العدة بعد الأربعة الأشهر". (1/391)
صفحة 391
وعن ابن المثنى قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا سعيد عن قتادة أن أبا الدرداء وسعيد بن المسيب قالا: يوقف عند انقضاء الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق، ولا يزال مقيما على معصية حتى يفيء أو يطلق (2).
وروى مالك في الموطأ عن نافع عن عبدالله بن عمر أنه كان يقول: "أيما رجل آلى من امرأته فإنه إذا مضت الأربعة الأشهر وُقف حتى يُطلق أو يفيء، ولا يقع عليه طلاق إذا مضت الأربعة الأشهر حتى يوقف" (3)
ورواه بمعناه الشافعي من طريق مالك بالسند المتقدم (4).
وروى عبد الرزاق عن مَعْمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: "يُوقف الموليِ عند انقضاء الأربعة، فإما أن يفيء وإما أن يُطلق" (5).
ورواه ابن جرير الطبري من طريق عبد الرزاق بالسند المتقدم (6).
__________
(1) المرجع السابق.
(2) المرجع السابق.
(3) الموطأ بشرح الباجي المنتقى 4/ 26.
(4) الأم 5/ 265.
(5) المصنف لعبد الرزاق 6/ 351 رقم 11705.
(6) تفسير الطبري "جامع البيان" 2/ 435.
وروى عبد الرزاق أيضا مثله عن عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر (1). (1/392)
صفحة 392
وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو بكر قال: نا عبدالله بن إدريس عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر قال: "لا يحل له أن يفعل إلا ما أمره الله، إما أن يفيء وإما أن يَعْزم" (2).
وروى نحوه ابن جرير عنه من طريق محمد بن المثنى قال ثنا يحيى بن سعيد عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر فذكره.
ومن طريق تميم بن المنتصر قال أخبرنا عبدالله بن نمير قال أخبرنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر نحوه.
ومن طريق أبي كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: ثنا عبيدالله عن نافع عن ابن عمر قال: لا يجوز للمولي ألا يفعل ما أمره الله، يقول يُبين رجعتها أو يطلق عند انقضاء الأربعة الأشهر، يُبيِّن رجعتها أو يطلق. قال أبو كريب: قال ابن إدريس: وزاد فيه: وراجعته فيه فقال قولا معناه: إن له الرجعة.
ثم قال: حدَّثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: ثنا شعبة عن سماك عن سعيد بن جبير أن عمر قال نحوا من قول ابن عمر (3).
وروى ذلك الشافعي في "الأم" عن علي من عدة طرق، رواه من (1/393)
صفحة 393
طريق سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي عن عمرو بن سلمة، وعن سفيان عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن مروان بن الحكم، وعن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه، كما رواه عن عثمان من طريق سفيان عن مسعر بن كدام عن حبيب بن أبي ثابت عن طاووس، وعن عائشة من طريق سفيان عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد، وقال: أخبرنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول: بوقف المولي (4).
__________
(1) مصنف عبد الرزاق؛ المرجع السابق رقم 11706.
(2) المصنف لابن أبي شيبة 4/ 98
(3) تفسير الطبري "جامع البيان" 2/ 435
(4) الأم 5/ 265
وقال الطبري: حدثنا عبدالله بن أحمد بن شبويه قال ثنا ابن أبي مريم قال ثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر، فيوقف فإن فاء و إلا طلق (1).
ورواه البخاري في التأريخ قال: قال لي الأويسي: حدثني سليمان عن يحيى بن سعيد عن عبدربه بن سعيد عن ثابت بن عبيد مولى زيد بن ثابت عن اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم (2). (1/394)
صفحة 394
ورواه البيهقي في سننه قال أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي أنا إبراهيم بن عبدالله الأصبهاني ثنا محمد بن سليمان بن فارس ثنا محمد بن إسماعيل حدثني الأويسي حدثني سليمان عن يحيى بن سعيد عن عبدربه بن سعيد بالسند المتقدم (3).
وروى أيضا رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث الفقيه أنا علي بن عمر الحافظ أنا أبو بكر النيسابوري نا أحمد بن منصور نا ابن أبي مريم فذكره (4).
والقول بالوقف مروي أيضا عن جماعة من التابعين وقد سبق ذكره عن سعيد بن المسيب، وهو محكي عن القاسم بن محمد، ومحمد بن كعب القرظي، وابن زيد، وعمر بن عبد العزيز، ومروان بن الحكم، ومجاهد.
__________
(1) تفسيرالطبري "جامع البيان" 2/ 435
(2) التاريخ الكبير ج 1 / ق 2 / ص 166، دار الفكر - لبنان
(3) السنن الكبرى للبيهقي 11/ 299 رقم 15600
(4) المرجع السابق رقم 15601
وبما أن الخلاف في ذلك مشهور عن السلف، ولكل من القول بأن مضي أربعة أشهر عزيمة الطلاق؛ والقول بأنه لا يقع الطلاق حتى يوقف أنصار من الصحابة والتابعين، ولا يكون قول بعضهم حجة على بعض، والصحابة وإن كانوا أحق بأن يقتدى بهم لعهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قولهم هو الحجة عند اتفاقهم لا عند اختلافهم، إذ ليس رأي بعضهم أولى بالترجيح من رأي الآخرين كان لا بد من النظر في الدليل الذي (1/395)
صفحة 395
يُعوَّل عليه في أخذ الحكم الشرعي، وبه يَتَبَيَّنُ الراجح من المرجوح. (1/396)
صفحة 396
أدلة القائلين بأن مضي
مدة التربص هو عزيمة الطلاق
استدل القائلون بأن مضي مدة التربص كاف لأنْ يكون عزيمة الطلاق ولا داعي إلى الوقف بعدة أمور:
أولها: أن الله تعالى جعل مدة التربص أربعة أشهر، والوقف يُوجب الزيادة على المدة المنصوص عليها، وهي مدة اختيار الفيء أو الطلاق من يوم أو ساعة، فلا تجوز الزيادة إلا بدليل، ولهذا لما جعل الشرع لسائر المدة التي بين الزوجين مقدارا معلوما من المدة، ومدة العنين لم تحتمل الزيادة على ذلك القدر؛ فكذا مدة الطلاق (1).
__________
(1) بدائع الصنائع للكاساني 4/ 1963
ثانيها: أن الفيء نقض لليمين، ونقضها حرام في الأصل، قال الله تعالى: {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - قرآن كريم ((({- - - - صدق الله العظيم (- رضي الله عنهم - - (- -} - - - رضي الله عنهم - - ((- رضي الله عنه - - - - رضي الله عنهم - - (- - (- (قرآن كريم - - (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم (- (- - رضي الله عنهم - (- رضي الله عنهم - - {- - - (المحتويات (تمهيد (- فهرس - - رضي الله عنه - ((- - ((- -} (1). إلا أنه ثبت الإطلاق في المدة بقراءة عبدالله بن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنهما: "فإن فاؤوا فيهن". فبقي النقض حراما فيما وراءها، (1/397)
صفحة 397
فلا يحل الفيء فيما وراءها، فلزم القول بالفيء في المدة، وبوقوع الطلاق بعد مضيها (2).
ثالثها: أن الإيلاء كان طلاقا معجلا في الجاهلية، فجعله الشرع طلاقا مؤجلا، والطلاق المؤجل يقع بنفس انقضاء الأجل من غير إيقاع أحد بعده. كما إذا قال لها: أنت طالق رأس الشهر (3).
رابعها: أن عددا من الصحابة رضوان الله عليهم ومن بينهم ابن عباس قالوا: عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر قبل الفيء إليها، فسموا ترك الفيء حتى تمضي المدة عزيمة الطلاق، فوجب أن يصير ذلك اسما له، لأنه لم يَخْلُ أن يكونوا قالوه شرعا أو لغة وأي الوجهين كان فحجته ثابتة، واعتبار عمومه واجب، إذا كانت أسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا.
وإذا كان هكذا وقد علمنا أن حكم الله في المولي أحد شيئين: إما الفيء وإما عزيمة الطلاق؛ وجب أن يكون الفيء مقصورا على الأربعة الأشهر، وأنه فائت بمضيها، فتطلق، لأنه لو كان الفيء باقيا لما كان مضي المدة عزيمة للطلاق (4)
__________
(1) النحل: 91.
(2) المرجع السابق ص 1963 - 1964
(3) المرجع السابق ص 1964
(4) أحكام القرآن لأبي بكر الرازي الجصاص 1/ 360، دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان.
خامسها: أنه معلوم أن العزيمة إنما هي في الحقيقة عقد القلب على (1/398)
صفحة 398
الشيء، تقول: عزمت على كذا، أي عقدت قلبي على فعله. وإذا كان كذلك وجب أن يكون مضي المدة أولى بمعنى عزيمة الطلاق من الوقف، لأن الوقف يقتضي إيقاع طلاق بالقول، إما أن يوقعه الزوج، وإما أن يُطَلِّقها القاضي عليه؛ على قول من يقول بالوقف.
وإذا كان كذلك كان وقوع الفرقة بمضي المدة لتركه الفيء فيها أولى بمعنى الآية، لأن الله لم يذكر إيقاعا مستأنفا، وإنما ذكر عزيمة، فغير جائز أن نزيد في الآية ما ليس فيها (1).
سادسها: أنه لما قال: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {- ((((((تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - قرآن كريم (تم بحمد الله - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - (- رضي الله عنه - - (فهرس - {(- - -} تمت (- - ({- - - ((- ((- - (بسم الله الرحمن الرحيم - (- - رضي الله عنه - (} اقتضى ذلك أحد أمرين من فيء أو عزيمة طلاق لا ثالث لهما، والفيء إنما هو مراد في المدة، مقصور الحكم عليها، والدليل عليه قوله تعالى: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} والفاء للتعقيب، يقتضي أن يكون الفيء عُقيب اليمين، لأنه جعل الفيء لمن له تربُّصُ أربعة أشهر، وإذا كان حكم الفيء مقصورا على المدة ثم فات بمضيها وجب حصول الطلاق، إذ غير جائز له أن يمنع الفيء والطلاق جميعا.
__________
(1) المرجع السابق
ويدل على أن المراد الفيء في المدة: اتفاق الجميع على صحة الفيء (1/399)
صفحة 399
فيها، فدل على أنه مراد فيها، فصار تقديره: "فإن فاؤوا فيها" وكذلك قُرِئَ في حرف عبدالله بن مسعود، فحصل الفيء مقصورا عليها دون غيرها، وتمضي المدة بفوت الفيء، وإذا فات الفيء حصل الطلاق.
قال أبو بكر الرازي: "فإن قيل لما قال تعالى: {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({- ((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -} تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - ( ... } فعطف بالفاء على التربص في المدة؛ دل على أن الفيء مشروط بعد التربص وبعد مضي المدة، وأنه متى ما فاء فإنما عَجَّلَ حقا لم يكن عليه تعجيله، كمن عَجَّل دَيْناً مؤجلا.
قيل له: لولا أن الفيء مراد الله تعالى لما صح وجوده فيها، وكان يحتاج بعد هذا الفيء إلى فيء بعد مضيها، فلما صح الفيء في هذه المدة دل على أنه مراد الله بالآية، ولذلك بطل معه عزيمة الطلاق.
ثم قولك: إن المراد بالفيء إنما هو بعد المدة مع قولك إن الفيء في المدة صحيح كهو بعدها، تبطل معه عزيمة الطلاق؛ مُنَاقَضَةٌ منك في اللفظ، كقولك: إنه مراد في المدة غير مراد فيها. وقولك: إنه كالدين المؤجل إذا عجله لا يزيل عنك ما وصفنا من المناقضة، لأن الدَّيْن المؤجل لا يُخرجه التأجيل من حكم اللزوم، ولولا ذلك لما صح البيع بثمن مؤجل، لأن ما تعلق ملكه من الأثمان على وقت مستقبل لا يصح عقد البيع عليه.
ألا ترى أنه لو قال: بِعْتُكَهُ بألف درهم لا يلزمك إلا بعد أربعة أشهر (1/400)
صفحة 400
كان البيع باطلا.
والتأجيل الذي ذكرت لا يخرجه من أن يكون الثمن واجبا ملكا للبائع، ومتى عجله وأسقط الأجل كان ذلك من موجب العقد، إلا أنه مخالف للفيء في الإيلاء من قبل أن فوات الفيء يوجب الطلاق، وإذا كان الفيء مرادا في المدة فواجب أن يكون فواته فيها موجبا للطلاق على ما بينا" (1).
سابعها: أن قوله تعالى {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} فيه ضمير المولي المبدوؤ بذكره في الآية، وهو الذي له تربص أربعة أشهر. والذي يقتضيه الظاهر إيقاع الفيء عقيب اليمين (2).
ثامنها: أن قوله: {((- - - رضي الله عنه - - - - ({- رضي الله عنهم - (- رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - - (- ((- صلى الله عليه وسلم - -}} كقوله تعالى: {(تمهيد (- {(- - ((- (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - ((((- - عليه السلام - - - رضي الله عنه -- سبحانه وتعالى -- رضي الله عنه - - - صدق الله العظيم (- (- ((الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - (- - {- الله (فهرس - - صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم - ((- صلى الله عليه وسلم - (- (- -} فلما كانت البينونة واقعة بمضي المدة في تربص الأقراء وجب أن يكون كذلك حكم تربص الإيلاء من وجوه:
أحدها: أنا لو وقفنا المولي لحصل التربص أكثر من أربعة أشهر،
وذلك خلاف الكتاب. ولو غاب المولي عن امرأته سنة أو سنتين ولم ترفعه (1/401)
صفحة 401
المرأة ولم تطالب بحقها لكان التربص غير مقدر بوقت، وذلك خلاف الكتاب.
والوجه الثاني: أنه لما كانت البينونة واقعة بمضي المدة في تربص الأقراء وَجَبَ مثله في الإيلاء، والمعنى الجامع بينهما ذكْرُ التربص في كل واحدة من المدتين.
الوجه الثالث: أن كل واحدة من المدتين واجبة عن قوله، وتعلَّق بها حكم البينونة، فلما تعلقت في إحداهما بمضيها كانت الأخرى مثلها للمعنى الذي ذكرناه (3).
__________
(1) المرجع السابق 361
(2) المرجع السابق
(3) المرجع السابق
قال أبو بكر الرازي: "فإن قيل تأجيل العنين حولا بالاتفاق، وتخيير امرأته بعد مضي الحول إذا لم يصل إليها في الحول، ولم يوجب ذلك زيادة في الأجل، كذلك ما ذكرت من حكم الإيلاء إيجاب الوقف بعد المدة لا يوجب زيادة فيها؛ قيل له: ليس في الكتاب ولا في السنة تقدير أجل العنين، وإنما أخذ حكمه من قول السلف، والذين قالوا إنه يُؤجلُ حولا هم الذين خيروها بمضيه قبل الوصول إليها، ولم يوقعوا الطلاق قبل مضي المدة. ومدة الإيلاء مقدرة بالكتاب من غير ذكر التخيير معها، فالزائد فيها مخالف لحكمه، وأيضا فإن أجل العنين إنما يوجب لها الخيار بمضيه، وأجل المولي عندك إنما يوجب عليه الفيء. فإن قال "أفيء" لم يُفرق بينهما، ولو قال (1/402)
صفحة 402
العِّنين أنا أجامعها بعد ذلك لم يُلتفتْ إلى قوله وفرق بينهما باختيارها.
فإن قيل: لما لم يكن الإيلاء بصريح الطلاق ولا كناية عنه فالواجب أن لا يقع الطلاق؛ قيل له: وليس اللعان بصريح الطلاق ولا كناية عنه، فيجب على قول المخالف أن لا تُوقع الفرقة حتى يُفرق الحاكم، ولا يلزمنا على أصلنا، لأن الإيلاء يجوز أن يكون كناية عن الفرقة، إذ كان قوله "لا أقربك" يشبه كناية الطلاق، ولمَّا كان أضعف أمرا من غيرها فلا يقع به الطلاق إلا بانضمام أمر آخر إليه، وهو مضي المدة على النحو الذي يقوله، إذ قد وجدنا من الكنايات ما لا يقع فيه الطلاق بقول الزوج إلا بانضمام معنى آخر إليه، وهو قول الزوج لامرأته "قد خيرتك" وقوله: "أمرك بيدك" فلا يقع الطلاق فيه إلا باختيارها، فكذلك لا يمتنع أن يُقال في الإيلاء إنه كناية، إلا أنه أضعف حالا من سائر الكنايات، فلا يقع فيه الطلاق باللفظ دون انضمام معنى آخر إليه، فأما اللعان فلا دلالة فيه على معنى الكنايات، لأن قذفه إياها بالزنا وتلاعنهما لا يصلح أن يكون عبارة عن البينونة بحال.
وأيضا فإن اللعان مخالف للإيلاء من جهة أن حكمه لا يثبت إلا عند الحاكم، والإيلاء يثبت حكمه بغير الحاكم، فكذلك ما يتعلق به من الفرقة، وبهذا المعنى فارق العِنِّين أيضا، لأن تأجيله متعلق بالحاكم، والإيلاء يثبت
حكمه من غير حاكم، فكذلك ما يتعلق به من حكم الفرقة" (1). (1/403)
صفحة 403
وقد اعترض على الاستدلال بقراءة ابن مسعود بأنها لم يَنْقلها ثقات من أصحابه، فشذت والشاذ متروك، ولو ثبتت وجرت مجرى خبر الواحد لحملت على جواز الفيئة في مدة التربص.
وعلى الاستدلال بالزيادة على مدة التربص بأنهم لا يزيدون عليها، وإنما يقدرون بها مطالبة الفيئة في مدة التربص.
وعلى الاستدلال بالقياس على العدة بأن المدة فيها لمَّا تقدمتها الفرقة جاز أن تقع بها البينونة، ولما لم تتقدم مدة الإيلاء لم يجز أن تقع بها الفرقة.
وعلى القياس على ما إذا علق طلاقها بمضي مدة أنها تطلق بمضيها بأنه لا فرق في المدة إن علَّقَ على مضيها الطلاق بين أن تكون أربعة أشهر أو أقل أو أكثر، وذلك بخلاف الإيلاء (2). (1/404)
صفحة 404
أدلة القائلين بعدم وقوع الطلاق بمضي
مدة التربص حتى يُوقف المولي ويوقع الطلاق
استدل القائلون بأن مضي المدة غير كاف في انفصال المرأة المولى منها عن زوجها -وهم الجمهور- بالعديد من الأدلة:
أحدها: أنه أضاف مدة الإيلاء إلى الأزواج بقوله تعالى: "للذين يولون" فجعل المدة لهم ولم يجعلها عليهم، فوجب أن لا تستحق المطالبة إلا بعد انقضائها، كأجل الدين (3).
__________
(1) المرجع السابق 362
(2) الحاوي الكبير 10/ 342
(3) الحاوي الكبير 10/ 341، زاد المعاد 4/ 90، المؤسسة العربية للطباعة والنشر -بيروت- لبنان.
ثانيها: قوله: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} فذكر الفيء بعد المدة بفاء التعقيب، كما قال الله تعالى: {(- (فهرس - {(- - - (تمت - - - {- - -} - - - - - (تم بحمد الله (- - (- - - صلى الله عليه وسلم - (- ((- ((- (- صلى الله عليه وسلم -- صلى الله عليه وسلم - - - - - (- (- - - - صدق الله العظيم (- - (مقدمة (- (- -} فاقتضت فاء التعقيب أن يكون الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان بعد طلاق المرتين. فإن قيل: فاءُ التعقيب في المدة يوُجِبُ أن يكون بعد الإيلاء لا بعد المدة، فهي محمولةٌ على مُوِجِبهَا؛ قيل: قد تقدم في الآية ذكرُ الإيلاء، ثم تلاه المدة، ثم تعقبها ذكر الفيئة، فإذا أوجبت الفاء (1/405)
صفحة 405
التعقيب بعد ما تقدم ذكره لم يجز أن يعود إلى أبعد المذكورين، ووجب أن يعود إليهما، أو إلى أقربهما وعلى أي هذين الأمرين كان فهو قولنا (1).
__________
(1) المرجعان السابقان، وينظر: المغني 8/ 528، والشرح الكبير 8/ 536
ثالثها: قوله: {(تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - قرآن كريم (تم بحمد الله - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - (- رضي الله عنه - - (فهرس - {(- - -} فجعله واقعاً بعزم الأزواج، لا بمضي المدة وليس انقضاء المدة عزيمةً، وإنما العزم ما عده من فعله، كما قال تعالى: {- صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - قرآن كريم (تم بحمد الله (- ((- - فهرس - - رضي الله عنهم - - ({(((- رضي الله عنهم - - - تمهيد (} - - - - - ((- - رضي الله عنهم - مقدمة - ((- (تمهيد - رضي الله عنه - - (- (- رضي الله عنه - - (- (- - - ((- - - - رضي الله عنهم - - - صلى الله عليه وسلم - - -} فإن قيل: فترك الفيئة عزم على الطلاق؛ قيل: العزم ما كان عن اختيار وقصد، وهو لم يقصد ترك الوطء لشهوة، ووقع الطلاق عندهم وإن لم يكن من عزمه، بل ولو عزم على الفيء ولم يواقع وقع عندهم الطلاق بمضي المدة (1).
رابعها: أن الله تعالى خيره في الآية بين أمرين: الفيئة أو الطلاق، والتخيير بين أمرين لا يكون إلا في حالة ٍ واحدة كالكفارات، ولو كان في حالتين لكان ترتيباً ولم يكن تخييرا (2).
خامسها: أن الفيئة عندهم في نفس المدة وعزم الطلاق بانقضاء المدة فلم يقع التخيير في حال واحد. فإن قيل هو مخير بين أن يفيء في المدة وبين أن يترك الفيئة فيكون عازما للطلاق بمضي المدة. قيل ترك الفيئة لا يكون عزما (1/406)
صفحة 406
للطلاق وإنما يكون عزما عندهم إذا انقضت المدة فلا يتأتى التخيير بين عزم الطلاق وبين الفيئة البتة، فإنه بمضي المدة يقع الطلاق عندهم فلا تمكنه الفيئة، وفي المدة تمكنه الفيئة ولم يحضر وقت عزم الطلاق الذي هو مضي المدة (3).
__________
(1) تنظر: المراجع الأربعة السابقة.
(2) الحاوي الكبير وزاد المعاد " المرجعان السابقان "
(3) زاد المعاد المرجع السابق.
سادسها: أن التخيير بين أمرين يوجب أن يكون فعلهما إليه، ليصح منه اختيار فعله وتركه، وإلا لبطل حكم خياره، ومضي المدة ليس إليه (1)
سابعها: أنه سبحانه قال: {(تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - قرآن كريم (تم بحمد الله - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - (- رضي الله عنه - - (فهرس - {(- - -} تمت (- - ({- - - ((- ((- - (بسم الله الرحمن الرحيم - (- - رضي الله عنه - (} فاقتضى أن يكون الطلاق قولا يسمع ليحسن ختم الآية بصفة السمع ذكر ذلك ابن سريج (2).
قال الماوردي: " فإن قيل معناه أنه لم يزل سميعا عليما، قال: {} - قرآن كريم (- (- (- - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - (((- - (تمهيد - رضي الله عنهم - - (- - -} - (قرآن كريم (- فهرس - ((- - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} تمت - صلى الله عليه وسلم - - {- - - ((- ((- - (بسم الله الرحمن الرحيم - (- - رضي الله عنه - (}؛ قيل: لا يجوز حمله على هذا لأنه معقول بغير هذه الآية، وكذا في آية الجهاد: سميع لقولهم بالتحريض، عليم بنيتهم في الجهاد (3).
ثامنها: أنه لو قال لغريمه: لك أجل أربعة أشهر، فإن وفيتني قبلت، (1/407)
صفحة 407
__________
(1) الحاوي الكبير 10/ 341، زاد المعاد 4/ 90 - 91.
(2) الحاوي الكبير 10/ 342، زاد المعاد 4/ 91، المغني 8/ 528، الشرح الكبير 8/ 536.
(3) الحاوي الكبير "المرجع السابق".
وإن لم توفني حبستك؛ كان مقتضاه أن الوفاء والحبس بعد المدة لا فيها، ولا يعقل المخاطب غير هذا، فإن قيل: ما نحن فيه نظير قوله: لك الخيار ثلاثة أيام، فإن فسخت البيع وإلا لزمك، ومعلوم أن الفسخ إنما يقع في الثلاث لا بعدها، قيل: إن هذا من أقوى حججنا عليكم، فإن موجب العقد اللزوم، فجعل له الخيار في مدة ثلاثة أيام، فإذا انقضت ولم يفسخ عاد العقد إلى حكمه وهو اللزوم، وهكذا الزوجة لها حق على الزوج في الوطء كما له حق عليها، قال تعالى: {- صدق الله العظيم (- مقدمة - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- (الله (تم بحمد الله - (- {- - - - صدق الله العظيم (- (- فهرس - - رضي الله عنه - ((- - صلى الله عليه وسلم - (- (({الله أكبر (الله - - (-} فجعل له الشارع امتناع أربعة أشهر، لا حق لها فيهن، فإذا انقضت المدة عادت على حقها بموجب العقد وهو المطالبة لا وقوع الطلاق (1).
تاسعها: أنه سبحانه جعل للمولين شيئا وعليهم شيئين، فالذي لهم تربص المدة المذكورة، والذي عليهم إما الفيئة وإما الطلاق، والقائل بعدم الوقف ليس عليهم عنده إلا الفيئة فقط، وأما الطلاق فليس عليهم ولا إليهم، وإنما هو إليه سبحانه عند انقضاء المدة، فيحكم بطلاقها عند انقضاء المدة شاء أو أبى، ومعلوم أن هذا ليس إلى المولي ولا عليه، وهو خلاف ظاهر النصِّ (2).
عاشرها: أنها مدة قدَّرها الشرع، لم تتقدمها الفرقة، فلا تقع بها بينونة (1/408)
صفحة 408
كأجل العِنِّين (3).
الحادي عشر: أنه لفظ لا يصح أن يقع به الطلاق المُعَجَّلُ، فلم يقع به المُؤجَّل كالظّهار (4).
الثاني عشر: أن الإيلاء كان طلاقا في الجاهلية، فنسخ كالظهار، فلا يجوز أن يقع به الطلاق، لأنه استيفاء حكم منسوخ (5).
__________
(1) زاد المعاد 4/ 91.
(2) المرجع السابق.
(3) الحاوي الكبير 10/ 342، زاد المعاد 4/ 91.
(4) المرجعان السابقان.
(5) المرجعان السابقان.
الثالث عشر: أن الإيلاء يمين بالله تعالى توجب الكفارة، فلا يقع به الطلاق كسائر الأيمان، وكالإيلاء على أقل من أربعة أشهر (1).
الرابع عشر: أنه لفظ ليس من صريح ألفاظ الطلاق، ولا من كناياته، لأنه لو كان صريحا لوقع مُعجَّلا إن أُطلق، أو إلى الأجل المسمى إن قيده، ولو كان كناية لرجع فيه إلى نيته، وليس الإيلاء كذلك.
قال الماوردي: "ولا ينتقض هذا الاستدلال باللعان حيث وقعت به الفرقة، وإن لم يكن صريحا ولا كناية؛ لأن اللعان يُوقع الفسخ ولا يوقع الطلاق، والفسخ يقع بغير قول، والطلاق لا يقع إلا بقول" (2). (1/409)
صفحة 409
[صفحة بيضاء] (1/410)
صفحة 410
القول الصحيح
بعد التأمل والإمعان في هذه المسألة ودراسة ما استدل به القائلون بأن مضي مدة التربص هو عزيمة الطلاق، والقائلون بخلافه وهو أنها لا تطلق حتى يُوقف المولي ويُطالب بالطلاق أو يُطلّق عليه؛ تَبَيَّن لي أن القول الصحيح هو ما ذهب إليه أصحابنا والحنفية، وحُكي عن عدد كبير من الصحابة والتابعين وغيرهم من فقهاء الأمة، وهو أن مدة التربص في الإيلاء كافية إذا انتهت في حلِّ عُقدة الزواج بين الزوجين، ويؤكد ذلك أمورٌ:
أولها: أن هذا هو الذي يتواءم مع حكمة الله البالغة فيما شرعه من حكم الإيلاء، فإن الله تعالى ما أراد بما شرعه من هذا الحكم إلا فك الأنكال والأغلال عن المرأة بعدما كانت ترزح تحت نيرها إبَّان طغيان الجاهلية، فقد أراد الله لها أن تنعم بحقوقها كاملة، وتجني ثمرة زواجها من غير أن يتحكم الرجل في أمرها بحيث يُمتِّعها من أجل نفسه متى أراد وفق هواه، وإن بدا له رماها كّاللقا غير مبال بما لذلك من أثر نفسيّ عليها، مع أنها نفس بشرية ذات عواطف ومشاعر تُلح عليها فطرتها بأن تستجيب لداعي غريزتها كما يستجيب الرجل، وأن تستمتع بثمرة زواجها كما يستمتع، وأن تنعم بأنس معاشرته كما يَنعم.
وقد كشفت الخبرة النسائية عن كونها لا تقوى على فراق زوجها (1/411)
صفحة 411
__________
(1) الحاوي الكبير 10/ 342
(2) المرجع السابق.
أكثر من أربعة أشهر، وذلك عندما مر الفاروق رضوان الله عليه في جُنح الليل البهيم ببيت امرأة أُفردت عن زوجها، وكانت ترفع عقيرتها قائلة:
ألا طال هذا الليل واسودَّ جانبه ... وليس إلى جنبي خليل ألاعبه
فوالله لولا الله والخوف والحيا ... لزُعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يُعفني وُأكرم بعلي أن تنال مراكبه
فسأل عنها وتبين له أن زوجها غاز، فسأل النساء ومن بينهن ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها عّما يمكن للمرأة فيه الصبر عن زوجها من الزمن، فأجبنه بنفاد صبرها بعد أربعة أشهر، فأمر بردّ زوجها إليها، وألا يُحبس زوج في الغزو عن امرأته أكثر من هذه المدة.
ولئن كانت هذه هي أقصى مدة يمكن للمرأة أن تصبر فيها عن زوجها فلا غرو إذا جاء القرآن ليحدد بها مدة التربص للمولي، فكيف يقال مع ذلك بأنها تبقى رهينة هذا الزواج التعيس الذي تحرم من الاستمتاع بثمرته بسبب عنت الزوج، ولا يكون لها مخلص منه حتى يطلقها، وقد يتعنت ويتمادى حتى مع رفع أمرها إلى الحاكم، وفرض الحاكم عليه أن يفيء أو يطلق، فقد يعد بالفيء ولا يفيء، وقد يطلق عليه الحاكم بعد لأي وجهد ومماطلة، ولكن لا يكون هذا الطلاق مخلصاً لها، إذ يظل ذلك الزوج المشاقق لها بالمرصاد، فلا تكاد عدتها تنتهي وتتخلص من هذه الأزمة (1/412)
صفحة 412
النفسية والعذاب الجسدي إلا ويفاجئها بالمراجعة التي لا يقصد من ورائها إلا المضارة، ويكون شأنه معها كما كان من قبل، وتلزم من جديد أن تظل صابرة أربعة أشهر أخرى تذوق فيها مرارة الحرمان، ولا يكون لها أن تزعجه بالمطالبة بما لها من حق، بل عليها أن تظل هادئة صامتة تكابد مأساتها فتظل تنتقل من أمد إلى أمد، لأن الأربعة الأشهر التي حددها القرآن تلد بموجب ذلك أربعة وأربعة، بناء على ما قاله الفقهاء الذين لا يرون انفصالها إلا بالوقف. وقد جاء هذا صريحا في تفريعاتهم على هذا الرأي ففي "المدونة": "قلت: ويكون للزوج أن يرتجعها إذا طلقها عليه السلطان حين أبى الفيء؟ قال قال مالك: نعم؛ له أن يرتجعها؛ ما كانت في عدتها إذا كان طلاق السلطان عليه من نكاح قد وطئها فيه (1).
وقال الشافعي ولو كان آلى منها ثم ارتد عن الإسلام في الأربعة الأشهر أو ارتدت أو طلقها أو خلعها ثم رجعها أو رجع المرتد منهما إلى الإسلام في العدة استأنف في هذه الحالات كلها أربعة أشهر من يوم حل له الفَرْجُ بالمراجعة أو النكاح أو رجوع المرتد منهما إلى الإسلام (2)
__________
(1) المدونة الكبرى 5/ 172
(2) الأم 5/ 272
وهكذا تتضاعف المدة فوق ما حدده القرآن، مع أن تلك المدة المحددة هي التي تتفق مع طبيعة المرأة حسبما شهدت به الخبرة النسائية الموثوق بها، (1/413)
صفحة 413
فأين الغاية التي يرمي إليها القرآن من خلال هذا التشريع المحكم؟!
وقد تفطن لهذا العلامة أبو بكر الجصاص حيث قال: "وقول من قال بالوقف؛ يقول إن لم يفىء آمره بالطلاق، فإذا طلق لم يخل من أن يجعله طلاقا بائنا أو رجعيا، فإن جعله بائنا فإن صريح الطلاق لا يكون بائنا عند أحد فيما دون الثلاث، وإن جعله رجعيا فلا حظ للمرأة في ذلك، لأنه متى شاء راجعها، فتكون امرأته كما كانت، فلا معنى لإلزامه طلاقا لا تملك به المرأة بضعها وتصل به إلى حقها" (1).
__________
(1) أحكام القرآن لأبي الجصاص 1/ 362.
على أن ما ذكروه من الوقف والمطالبة بالطلاق لا يتأتى إلا حيث تسود أحكام الشرع ويتمكن كل ذي حق من الوصول إلى حقه بالحكم الشرعي، وَهَبْ أنهما في بلد لا تجد فيه سبيلا إلى القضاء الشرعي؛ إما لشيوع الفوضى والاضطراب، وإما لبُعده عن بلاد الإسلام، فماذا عسى أن يكون مصيرها في هذه الحالة؟ أتترك عُرضة لتلاعب الرجل بشأنها ويضيع حقها في مهب أعاصير أهوائه؟ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وقد تبين ما يترتب على القول الآخر من الضرر، والضرر مزال، إذ "لا ضرار ولا ضرار في الإسلام"، وقد قال تعالى: {صدق الله العظيم - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (- قرآن كريم (- (- (- سبحانه وتعالى - (- - - جل جلاله - - - - عليه السلام - - ((} - - صلى الله عليه وسلم - (- - رضي الله عنه - - ((- رضي الله عنه - - (- - - صدق الله العظيم - رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - رضي الله عنهم - (((- رضي الله عنه - - - رضي الله عنهم - - (- (- - (- - {- (- بسم الله الرحمن الرحيم فهرس - - (((مقدمة - - ((- رضي الله عنه - الله أكبر} (1)، (1/414)
صفحة 414
والآية وإن كانت في معرض ذكر أحكام المراجعة بعد الطلاق إلا أن فحوى دلالتها شاملة للنهي عن كل ضرار.
__________
(1) البقرة:231.
هذا؛ وقد دل النص الصريح بأن لها ما للرجل من الحقوق فيما بينهما، وإنما يتميز عليها بما أوتيه من حق القوامة، وذلك قوله سبحانه: {- صدق الله العظيم (- مقدمة - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- (الله (تم بحمد الله - (- {- - - - صدق الله العظيم (- (- فهرس - - رضي الله عنه - ((- - صلى الله عليه وسلم - (- (({الله أكبر (الله - - (- - (- - - رضي الله عنهم - - (- - - (- - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (- (- فهرس - - رضي الله عنه - (({- رضي الله عنهم - - - عليه السلام - - - رضي الله عنهم - -} (1) وكيف يحافظ على حقوقها هذه عندما تكون في مَهَبِّ عواصف مزاج الرجل الحاقد الذي ينتهز كل فرصة ليكيد لها كيدا؟
ولئن كانا متساويين في الحقوق -ومن بينها الاستمتاع بثمرة زواجهما- فإنه من الواضح بداهة أن يجعل الإسلام الحنيف حق الضعيف في إطار آمن من تلاعب أهواء القوي، ولا يُرتاب أن الرجل هو الأقوى، وأنها هي الأضعف، فقد يجد هو مجالا لتفريغ طاقاته الغريزية في امرأة أخرى، إذ له أن يتزوج بأكثر من واحدة بخلافها، فكيف تُهضم مع ذلك؟ على أن في هذا الحرمان الذي تكابده وسيلة من وسائل الشيطان الخبيثة، فقد يَدفع بها في مهاوي الفساد لإشباع رغبتها الفطرية بسبب إلحاح هذا الداعي الفطري في نفسها التواقة إلى أن تستجيب لهذا المطلب الغريزي، أوليس مع ذلك يكون قطع سبيل الفساد بفك هذه الأغلال عنها هو الحل الأمثل لمشكلتها؟ (1/415)
صفحة 415
وهو الذي يتفق مع سنن الشرع وحكمة الشارع الحكيم.
أما الأدلة التي عول عليها القائلون بخلاف ذلك فإنها -وإن بدت متينة الأركان عميقة الجذور- فإن الإجابة عليها بما ينقضها هي على طرف الثمام، وإليكها بفضل الله وتوفيقه:
__________
(1) البقرة: 228.
أما الدليل الأول فجوابه: أن جعْل مدة الإيلاء للأزواج لا عليهم، لأنهم أمهلوا فيها بأن يراجعوا أنفسهم بين الأوبة إلى الرشد وأداء الحق الواجب عليهم فيغفر الله لهم، وبين إصرارهم على حالهم، فيكون الشرع هو الفاصل بطلاقهن منهم، وقد جعلت العصمة الزوجية في هذه المدة باقية إمهالا لهم فمتى فاؤوا إليهن فيها فهن نساؤهم.
وأما الدليل الثاني فجوابه: أن هذه الفاء هي نظيرة الفاء في قوله تعالى: {- - - (- - (- صدق الله العظيم ((فهرس - - رضي الله عنه - - - صدق الله العظيم (- فهرس - - رضي الله عنهم - - - صلى الله عليه وسلم - - - صدق الله العظيم (- قرآن كريم (- (- (تم بحمد الله - صلى الله عليه وسلم - - - (- - - صلى الله عليه وسلم - (- ((- رضي الله عنهم - - (- (- صلى الله عليه وسلم -- صلى الله عليه وسلم - - - صدق الله العظيم (- قرآن كريم (- (- - - (- - - صلى الله عليه وسلم - (- ((- رضي الله عنهم - - (-} (1) مع أن الإمساك لا يكون بعد مضي الأجل، بل قبله بالإجماع، لقوله تعالى: {- صدق الله العظيم (- (- - - قرآن كريم (((- - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - - - رضي الله عنهم - مقدمة - صلى الله عليه وسلم - - - صدق الله العظيم (- (- - - رضي الله عنه - - (- - ((- رضي الله عنهم - - (- (- -} أي في خلال تربصهن ثلاثة قروء؛ على أنه من المحتمل أن تكون هنا لترتيب الحكم على القضية ذات الحكم، ولذلك نظائر، كما في قوله تعالى: {} (1/416)
صفحة 416
- - رضي الله عنهم - مقدمة - صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - - - رضي الله عنهم - ((- - رضي الله عنه - - (- - - - رضي الله عنه - بسم الله الرحمن الرحيم {- - رضي الله عنهم - مقدمة - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - - قرآن كريم - رضي الله عنه - - (- - - - - - صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - (((
__________
(1) الطلاق: 2.
فهرس - عليه السلام - (- - - رضي الله عنهم - صدق الله العظيم ({- ((((قرآن كريم - رضي الله عنه - تم بحمد الله صدق الله العظيم (} تم بحمد الله ((مقدمة (فهرس - {- - - - رضي الله عنهم - - - رضي الله عنه - - الله أكبر - - - ( ..... } (1) وقوله: {(- (- - عليه السلام - قرآن كريم (- - {- - صلى الله عليه وسلم - -} - قرآن كريم (- (- - رضي الله عنه -- سبحانه وتعالى - ((- - - (- عليه السلام - (- - - - (} - جل جلاله - - - - - ((((- (- - رضي الله عنهم - - (- - -} (2) وقوله: {(تمت (- - (} - (قرآن كريم {- - رضي الله عنه - - الله أكبر - -} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((- ((مقدمة {-} (3) المرتب على قوله: {تمت (- - ((المحتويات (- قرآن كريم (- - رضي الله عنه - - (- - (المحتويات (- قرآن كريم (- (- (- - - - (} (4) وقوله {(تمت (- - (} - (قرآن كريم {- - رضي الله عنه - - الله أكبر - - - - - (- رضي الله عنه - تمت (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- ((- صدق الله العظيم ({- فهرس - - رضي الله عنه - (- رضي الله عنه - (((- (- ({(- - -} (5) المرتَّب على قوله {(المحتويات (- قرآن كريم (- (- (- - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - ((- - رضي الله عنهم - مقدمة - صدق الله العظيم - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- - - ({- - جل جلاله - (- ((- رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- - رضي الله عنه - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - ((((- صلى الله عليه وسلم - - - - - (-}} (6) وقوله: {(صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - (- - - رضي الله عنهم - - - رضي الله عنه - - ((- - (المحتويات (- (- فهرس - - رضي الله عنه - (} - - صلى
__________
(1) البقرة: 275.
(2) البقرة: 222.
(3) البقرة: 192.
(4) البقرة: 191.
(5) البقرة: 193.
(6) البقرة: 193.
الله عليه وسلم - (- - رضي الله عنه - - ((- - - ((مقدمة (- فهرس - - رضي الله عنه - (} (1) المرتب على قوله {(تمهيد (- رضي الله عنه - تم بحمد الله (- (- رضي الله عنه - (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - ((- - ((-} (2) والترتيب في مثل هذا لا يعدو أن يكون ترتيبا ذكريا، ويحتمل أن تكون للدلالة على التفصيل، كما في قوله تعالى: {- رضي الله عنه - بسم الله الرحمن الرحيم (قرآن كريم - رضي الله عنه - - - عليه (1/417)
صفحة 417
السلام -- صلى الله عليه وسلم - (بسم الله الرحمن الرحيم قرآن كريم ({- - ({- رضي الله عنه - (- - - - - - - - ((- رضي الله عنه - تم بحمد الله (قرآن كريم - رضي الله عنه - - - - قرآن كريم (- {- - (- رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - - ((((-} تم بحمد الله - صلى الله عليه وسلم - - - (- (((- {- - -} - قرآن كريم (- - رضي الله عنه - تم بحمد الله - - عليه السلام - (} - قرآن كريم (- (- - رضي الله عنه - (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (تمهيد (- رضي الله عنهم - - (- (- (- - - (بسم الله الرحمن الرحيم (- - (- ((- {- ((- صلى الله عليه وسلم -- عليه السلام - - - - - صلى الله عليه وسلم - (- - رضي الله عنهم - - (- (- ((((-} تم بحمد الله - صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - (((- {- - -} - - صلى الله عليه وسلم - (- - (- -} - قرآن كريم (-} - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام - - (- (- رضي الله عنه - - - - رضي الله عنه - ((- (- - - - {(- - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - رضي الله عنه - - (- - - رضي الله عنهم - - - - درهم ((((- - - - صلى الله عليه وسلم - (- - (- (((- - - - - رضي الله عنهم - ((- - - - رضي الله عنه - تمت - صلى الله عليه وسلم - (- - ((- رضي الله عنه - (-} (1) ويحتمل
(1) البقرة: 194.
(2) البقرة: 194.
ذلك في قوله: {(تمهيد (- رضي الله عنه - تم بحمد الله (- (- رضي الله عنه - (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - ((- - ((- - (صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - (- - - رضي الله عنهم - - - رضي الله عنه - - ((- - (المحتويات (- (- فهرس - - رضي الله عنه - (} - - صلى الله عليه وسلم - (- - رضي الله عنه - - ((- - - ((مقدمة (- فهرس - - رضي الله عنه - ((- (- (- (- - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - - - رضي الله عنهم - - - رضي الله عنه - - ((- - (المحتويات (- (- فهرس - - رضي الله عنه - (} وهو ظاهر في قوله تعالى: {(درهم (- (- (- - - - - ((- رضي الله عنه - تم بحمد الله (قرآن كريم - رضي الله عنه - - (- (المحتويات (تمهيد (- رضي الله عنه - - - (المحتويات (- - - جل جلاله - (- - رضي الله عنه - - - - (((- {- - - - (} - قرآن كريم (- - رضي الله عنه - تم بحمد الله - - عليه السلام - (} - قرآن كريم (- (- - رضي الله عنه - (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (تمهيد (- رضي الله عنهم - - (- (- (- - - - (((تمهيد (} - جل جلاله -- رضي الله عنهم - - (بسم الله الرحمن الرحيم - ((} - - - - ((((- رضي الله عنه - (((- {- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - - صلى الله عليه وسلم - (- - (- -} - قرآن كريم (-} - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام - - (- (- رضي الله عنه - - - - رضي الله عنه - ((- - درهم ((((- - - - صلى الله عليه وسلم - (- - ((المحتويات (- - - (- - - - - رضي الله عنه - (((((- - تم بحمد الله} (2) وقوله: {تمت ({(- (- - عليه السلام - - ((- رضي الله عنهم - - - ((- - رضي الله عنه - (- - (((-} تم بحمد
__________ (1/418)
صفحة 418
(1) الروم: 14، 15، 16.
(2) الحج: 56،57.
الله - صلى الله عليه وسلم - - - ((صدق الله العظيم - رضي الله عنه - تم بحمد الله - - - (((- صلى الله عليه وسلم - - - - - -} - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (((- - - - - (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - (- - (- (- رضي الله عنه - (- - - (- (((((فهرس (- (- - - عليه السلام - - (- جل جلاله - - - - (- - - عليه السلام - - (- (- (- (- ..... } (1) على أن الترتيب في هذا أيضا لا يعدو أن يكون ترتيبا ذكريا، وقد نص على ذلك النحويون والأصوليون.
__________
(1) الليل: 4، 5، 6، 7.
قال ابن هشام: " وهو -أي الترتيب- نوعان: معنوي؛ كما في: قام زيد فعمرو. وذكري، وهو عطف مفصل على مجمل، نحو: {- - رضي الله عنهم - - (- {- - رضي الله عنهم - - - صلى الله عليه وسلم - - - ((صدق الله العظيم (- ((-} (- - - - {- ({- رضي الله عنه - (- - رضي الله عنهم - - (- - رضي الله عنهم - - - رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - - - (- - - (تم بحمد الله - - رضي الله عنه - الله أكبر - - - (مقدمة - ((} (1) ونحو: {(- - {- (} - قرآن كريم (- - صلى الله عليه وسلم - - - رضي الله عنهم - - - (- رضي الله عنهم - - قرآن كريم (تم بحمد الله - عليه السلام - - - رضي الله عنهم - - (- - صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (تم بحمد الله - رضي الله عنهم - - (- (- -} - (قرآن كريم (- - - {- (- - رضي الله عنه - الله أكبر (- - صلى الله عليه وسلم - - {- - - - - - رضي الله عنه - - (- - رضي الله عنهم - -} (2) ونحو {- - - رضي الله عنهم - - - - رضي الله عنه - الله أكبر - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- رضي الله عنهم - قرآن كريم (الله أكبر ((مقدمة (- {- - رضي الله عنه - - - - {- ((- - عز وجل -- عليه السلام - -} تمت ({((- (- - - (صدق الله العظيم (تم بحمد الله - (- (- - صلى الله عليه وسلم - - .... } (3) الآية، ونحو: "توضأ فغسل وجهه ويديه،
ومسح رأسه ورجليه" (4).
ومثله كلام السيوطي في "جمع الجوامع" وشرحه "همع الهوامع"، وقال بعده: "وتختص الفاء بعطف مفصل على مجمل، كالأمثلة السابقة في الترتيب الذكري" (5).
__________
(1) البقرة: 36.
(2) النساء: 153.
(3) هود: 45.
(4) مغني اللبيب مع حاشية الدسوقي 1/ 172 - 173
(5) همع الهوامع شرح جمع الجوامع 2/ 131 الطبعة الأولى، مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر. (1/419)
صفحة 419
وقال الصبان في حاشيته على الأشموني شارح الخلاصة: "وقد تكون للترتيب الذكري، وأكثر ما يكون في عطف مفصل على مجمل، نحو: {(- - {- (} - قرآن كريم (- - صلى الله عليه وسلم - - - رضي الله عنهم - - - (- رضي الله عنهم - - قرآن كريم (تم بحمد الله - عليه السلام - - - رضي الله عنهم - - (- - صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (تم بحمد الله - رضي الله عنهم - - (- (- -} - (قرآن كريم (- - - {- (- - رضي الله عنه - الله أكبر (- - صلى الله عليه وسلم - - {- - - - - - رضي الله عنه - - (- - رضي الله عنهم - -} " (1).
__________
(1) حاشية الصبان على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك 3/ 93 دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
وقال المحلي في شرحه على "جمع الجوامع" لابن السبكي: "والتعقيب مشتمل على الترتيب المعنوي، وإنما صرح به ليعطف عليه الذكري، وهو في عطف مفصل على مجمل، نحو: {- - (الله أكبر ({- صدق الله العظيم (- (- رضي الله عنه - الله أكبر (- - رضي الله عنه - (- - صلى الله عليه وسلم - -} (- - - رضي الله عنه - (- ({((((- صدق الله العظيم (- (- - جل جلاله - (- - رضي الله عنهم - ({- مقدمة (- (- - - - (- - صلى الله عليه وسلم - - ((((- (- (- ((- - - - - رضي الله عنه - - (- - صلى الله عليه وسلم - -} (1) {(- - {- (} - قرآن كريم (- - صلى الله عليه وسلم - - - رضي الله عنهم - - - (- رضي الله عنهم - - قرآن كريم (تم بحمد الله - عليه السلام - - - رضي الله عنهم - - (- - صلى الله عليه وسلم - - صدق الله العظيم (تم بحمد الله - رضي الله عنهم - - (- (- -} - (قرآن كريم (- - - {- (- - رضي الله عنه - الله أكبر (- - صلى الله عليه وسلم - - {- - - - - - رضي الله عنه - - (- - رضي الله عنهم - -} " (2). (1/420)
صفحة 420
__________
(1) الواقعة: 35، 36، 37.
(2) شرح جمع الجوامع للإمام جلال الدين محمد أحمد المحلي مع حاشية ابن قاسم العبادي الآيات البينات 2/ 233 دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان.
على أنها لو كانت للترتيب المعنوي كما قالوا فإنا لا نسلم بأن ترتيبها على مدة التربص، بل على الإيلاء نفسه، فلا يكون الفيء إلا في المدة نفسها، ونظير ذلك قوله تعالى: {- رضي الله عنه - تمت قرآن كريم ((- عليه السلام - - (- - - - رضي الله عنهم - ((- - رضي الله عنهم - - - رضي الله عنه - (((- (- - - - - صلى الله عليه وسلم - - - رضي الله عنهم - - - - رضي الله عنهم - - - ((تمهيد - - - - (- رضي الله عنهم - مقدمة (فهرس - صلى الله عليه وسلم - (- - - - (- (((((- (- (- - - (-} (1) فإن الفاء هنا لو كانت تقتضي الترتيب على مضي مدة سبع سنين لضاع المحصود وتلاشت الفائدة من الزرع، ولكن دلالتها إنما هي على ما يحصد في أثناء تلك المدة.
وأما الدليل الثالث فجوابه: أن العزم إما أن يكون عزما على الإتيان بما لم يكن حاصلاً من قبل؛ كالعزم على طلاقٍ لم يكن له سبب، أو عزماً على ظهار أو إيلاء، وإما أن يكون عزماً على عدم تدارك أمرٍ وقع سببه الذي يؤدي إليه، وذلك أن يمهل السبب حتى يفضي إلى المسبب، كما في مسألتنا هذه، ولذلك نظائر؛ منها: أن يحبس أحد خصمه في محبس لا يجد فيه ما يطعم ويشرب، مع منعه عنه الطعام والشراب، فيقال له: إن كنت نويت إذلاله وإيذاءه فحسبه ما كان، وإن كنت عازماً على قتله فذلك إليك، فإن عزمه على قتله لا يعدو معناه أن يكون نفس تركه في ذلك المحبس حتى يموت. ومثله: لو حبسه في موضع لا يتمكن فيه من استنشاق الأكسجين. وأمثلة ذلك غير خافية على اللبيب، وبهذا يتبين أن عزم الطلاق لا يعدو أن يكون مجرد ترك الفيء، لأن الإيلاء يفضي إليه ما لم يفىء في المدة المحددة له. (1/421)
صفحة 421
__________
(1) يوسف: 47.
وأما الدليل الرابع فجوابه: أنا لا نسلم بأن الآية تفيد التخيير بين الفيء وعدمه، لأن الفيء توبة، وتركه معصية، فإن الإيلاء نفسه مضارة، والمضارة لا يقرها الإسلام، والله سبحانه أجل وأعظم وأحكم من أن يخير بين معصية وطاعة، وما جاء مما يفيد ظاهره ذلك فلا يجوز حمله إلا على التهديد، كما في قوله تعالى: {صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - (- عليه السلام - (- - - {صدق الله العظيم (تم بحمد الله (- (- (- - ((- رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - عليه السلام - (- - - {(- (((- - عليه السلام - - (- - (} (1) إذ لا يعقل التخيير بين الإيمان والكفر في حكمه تعالى، وإنما هو تهديد لمن أعرض عن أمره، وإثبات لغناه تبارك وتعالى عنا.
فإن قيل: كيف يكون الإيلاء معصية وقد آلى صلى الله عليه وسلم من نسائه وهو المعصوم عن مخالفة الحق، وأفعاله كأقواله تعد تشريعاً لأمته؟
__________
(1) الكهف: 29.
قلت: لم يكن إيلاؤه صلى الله عليه وسلم مطلقاً، وإنما كان مقيداً بزمن محدود، وهو دون الزمن الذي تتضرر فيه المرأة بترك المواقعة بكثير، وما أراد صلوات الله وسلامه عليه بذلك إلا ردع نسائه وكبح جماحهن، فمثل صنيعه هذا كمثل الهجران في المضاجع الذي أرشد إليه القرآن لتأديب الناشز من النساء. على أنه ما كاد يمضي الأمد الذي حدده حتى أسرع إليهن مؤديا حقهن في المعاشرة بالمعروف، وأين هذا من الإيلاء المطلق الذي يعصف بحقوق النساء وقد لا يكون له إلا سبب تافه أومن غير سبب إلا المزاج العصبي الذي يغلب على بعض الرجال، فتنعكس آثاره على معاشرتهم (1/422)
صفحة 422
لنسائهم، فلا يجدن منهم إلا التعاسة والحرمان؟! وأقوى دليل على أن الإيلاء من هذا النوع هو من جنس المعاصي قوله تعالى: {تمت (- - (- صلى الله عليه وسلم - ((- - - (} تمت (- - ({- - - (- قرآن كريم ((- ((بسم الله الرحمن الرحيم - (مقدمة {-} حيث ناط سبحانه مغفرته لهم بالفيء، وكيف لا يكون معصية وهو مجانف للمعروف الذي أمر الله به في عشرة النساء، إذ قال: {صدق الله العظيم (- - صلى الله عليه وسلم - (- ((- - رضي الله عنه - (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - صلى الله عليه وسلم - (- ((- رضي الله عنهم - - (- - - (-}، وبعيد عن الإحسان الذي أمر الله أن تُسرَّح به النساء إن لم يُمسكهن بالمعروف والنبي صلى الله عليه وسلم كان مثالا يحتذى في لين الجانب وحسن العشرة وجميل الصحبة مع نسائه، وقد وصّى بذلك أمته بما لا يتسع المقام لذكره.
وأما الدليل الخامس فجوابه: أنَّا لا نسلم عدم اتحاد المدة بين الخيارين كما قالوا، فإن آخر جزء من الأربعة الأشهر هو الفاصل بين الأمرين، وهما: إما أن يتدارك نفسه فيفيء قبل انقضاء ذلك الجزء فتبقى امرأته في عصمته، أو يصرَّ على ما هو عليه فتطلق منه المرأة جزاءً وفاقا.
وأما الدليل السادس فجوابه: ما تقدم من أنه غير مخير بالنظر إلى مرضاة الله سبحانه، فإن الله لا يرضى عن الظلم، وإنما هو راجع إلى نحو قوله تعالى: {(تمت ({(بسم الله الرحمن الرحيم (- - جل جلاله - - - (مقدمة - صلى الله عليه وسلم - - (بسم الله الرحمن الرحيم (- - جل جلاله - - - (مقدمة - صلى الله عليه وسلم - - (- (- (- ((الله أكبر -}} (تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (المحتويات (- (- - رضي الله عنهم - - - صلى الله عليه وسلم - - - - رضي الله عنهم - - فهرس - - (} (1) وقوله: {صدق الله العظيم - رضي الله عنهم - - - (- عليه السلام - (- - - {صدق الله العظيم (تم بحمد الله (- (- (- - ((- رضي الله عنه - تم بحمد الله - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - عليه السلام - (- - - {(- (((- - عليه السلام - - (- - (} ومعناه أن هو الذي يجني ثمرة ما (1/423)
صفحة 423
اختاره بنفسه.
وأما الدليل السابع فجوابه: أن السمع إنما هو متعلق بما أتى به من لفظ اليمين الذي نشأ عنه هذا الحكم، فهو تعالى سميع لما قاله، وهو في حقيقته ظلم وتعد على المرأة، لأنه يقتضي إجحاف حقها، وعليم بما كان من إصراره عليه من غير أن يتدارك الأمر بالفيء. وفي وصف الله تعالى نفسه بهذين الوصفين في هذا المقام ما يُوحي بوعيد أولئك الذين يُصِرُّون على عنادهم وشقاقهم، وهذا المعنى هو اللائق بمقابلة ما وصف الله تعالى به نفسه من المغفرة والرحمة في مقام ذكر الفيء، لأنه أوْبَة إلى الله بامتثال أمره، وتوفية لما للمرأة من حق شرعي كما تقدم.
__________
(1) الإسراء: 7.
هذا؛ وقد استنكر أبو بكر الرازي الجصّاص استدلالهم بالسمع لما ذهبوا إليه من أنها لا تنفصل عنه إلا بطلاق قائلا:"وهذا جهل من قائله؛ من قبل أن السميع لا يقتضي مسموعا، لأن الله تعالى لم يزل سميعا ولا مسموع. وأيضا قال الله تعالى: {} - قرآن كريم (- (- (- - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - (((- - (تمهيد - رضي الله عنهم - - (- - -} - (قرآن كريم (- فهرس - ((- - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} تمت - صلى الله عليه وسلم - - {- - - ((- ((- - (بسم الله الرحمن الرحيم - (- - رضي الله عنه - (} (1) وليس هناك قول، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، وعليكم بالصمت " (2)، وأيضا (1/424)
صفحة 424
جائز أن يكون ذلك راجعاً إلى أول الكلام، وهو قوله تعالى {(((- {- (- - - رضي الله عنه - تمت قرآن كريم (- (- (- صدق الله العظيم (تم بحمد الله (المحتويات (- ((- - - - ({-} فأخبر أنه سامع لما تكلم به، عليم بما أضمره وعزم عليه" (3).
وأما الدليل الثامن والتاسع فجوابهما: أن حق المرأة في المعاشرة قائم، وهو مطلب فطري، وليس للرجل أن يمتنع منه بغير سبب لأن لها عليه ما له عليها، فلو أقسم على الامتناع منه كان عاصيا كما سبق، وإنما جعل الله له فرصة مراجعة النفس خلال المدة التي وسَّع له في بقاء العلاقة الزوجية بينهما وذلك من أجل الحفاظ على هذه العلاقة لئلا تتشتت، فإذا انصرمت كانت أملك بنفسها منه.
__________
(1) البقرة: 190.
(3) أحكام القرآن لأبي بكر الرازي الجصاص 1/ 362.
وأما الدليل العاشر فجوابه: أن الآية ليس فيها بيان أكثر من حكم امتناعهم عن الفيء وهو المعبر عنه بالعزم على الطلاق من غير ذكر ما يكون به الطلاق، إذ ليس في الآية أنه يجب إيقاعه من جديد، فيحتمل أن يكون عزمه نفس مضي المدة بناء على ما صدر منه من قول يتنافى مع إعطاء العلاقة الزوجية حقها من حسن العشرة، ومع إمكان هذا الاحتمال يسقط ما جاؤوا به من الاستدلال.
وقولهم: "إنها مدة قدرها الشرع لم تتقدمها فرقة فلا تقع بها بينونة كأجل العنين" فهو مردود بما قاله الجصاص بأنه ليس في الكتاب ولا في السنة تقدير أجل العنين وإنما أخذ حكمه من قول السلف، والقائلون بأنه يؤجل (1/425)
صفحة 425
حولا هم الذين خيروها بمضيه قبل الوصول إليها ولم يوقعوا الطلاق قبل مضي المدة، ومدة الإيلاء مقدرة بالكتاب من غير ذكر التخيير معها فالزائد فيها مخالف لحكمه وأيضا فإن أجل العنين إنما يوجب لها الخيار بمضيه وأجل الخيار عندكم إنما يوجب عليه الفيء فإن قال: أفيىء لم يفرق بينهما ولو قال العنين أنا أجامعها بعد ذلك لم يلتفت إلى قوله وفرق بينهما باختيارها وقد تقدم ذلك فيما نقلناه عنه. ومع هذا التفاوت في الأحكام لا يصح أن يحمل أحد الحكمين على الآخر.
وأما الدليل الحادي عشر فجوابه: أنه لو سلم ما قالوه في الظهار فإنه لا يسوغ أن يحمل عليه الإيلاء لأنه قياس في مورد النص فلا مساغ له إذ النص قد حدد مدة التربص في الإيلاء ولم يحددها في الظهار من أجل ذلك ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الظهار لا ينتهي إلى مدة تخرج منه المرأة عن زوجها بنفس مضيها أو بالوقف ومع هذا فإن ذلك ليس بمجمع عليه بل من علماء السلف من قال بحمل الظهار على الإيلاء في هذا الحكم، وعلى هذا عول أصحابنا حملا للإطلاق في الظهار على التقييد في الإيلاء مع تأييد ذلك بالقياس إذ مشروعية حكم الإيلاء إنما هي لرفع الضرر عن المرأة وكما تتضرر بالإيلاء تتضرر بالظهار وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في الفصل الآتي، وبهذا يتبين أن الإيلاء هو المقيس عليه والظهار هو المقيس لا العكس.
وأما الدليل الثاني عشر فجوابه: أن كون الإيلاء طلاقا في الجاهلية لم (1/426)
صفحة 426
ينسخ في الإسلام على إطلاقه وإنما ضبط بما يتفق مع مراعاة الطباع وينسجم مع سنن الفطرة فكان فيه إمهال للزوج لعله يراجع نفسه قبل أن يمضي عليه الحكم المترتب على قوله فإن أصر كان حقيقا بانطباق ذلك الحكم عليه.
وأما الدليل الثالث عشر فجوابه: أن الإيلاء وإن كان يمينا كسائر الأيمان إلا أنه يختلف عنها بأنه يترتب عليه تفويت الانتفاع بثمرة الزواج على المرأة فكان جديرا بهذا الحكم، ولذلك باين سائر الأيمان بأن كان المطلوب فيه الحنث لا البر لما في البر من الحيف الواجب رفعه شرعا على أن الجزاء من جنس العمل وهذه اليمين تقتضي تعطيل هذا الزواج فكان جزاؤها مع الإصرار عليها إلغاء ذلك الزواج من أصله.
وأما الدليل الرابع عشر فجوابه: ما قاله الجصاص: " من أن اللعان أيضا ليس بصريح الطلاق ولا كناية عنه فيجب على قول المخالف ألا تقع به الفرقة حتى يفرق الحاكم، ولا يلزمنا على أصلنا لأن الإيلاء يجوز أن يكون كناية عن الفرقة إذ كان قوله: لا أقربك يشبه كناية الطلاق، ولما كان أضعف أمرا من غيرها فلا يقع به الطلاق إلا بانضمام أمر آخر عليه وهو مضي المدة على النحو الذي يقوله، إذ قد وجدنا من الكنايات ما لا يقع به الطلاق بقول الزوج إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو قول الزوج لامرأته قد خيرتك، وقوله: أمرك بيدك فلا يقع الطلاق إلا باختيارها فكذلك لا يمتنع أن يقال في الإيلاء إنه كناية إلا أنه أضعف حالا من سائر الكنايات فلا يقع فيه الطلاق باللفظ دون انضمام معنى آخر إليه"، وقد سبق نقل ذلك عنه، (1/427)
صفحة 427
ومن الواضح بداهة أن نفي فائدة الشيء قد يكون كناية عن نفيه بعينه وهو مألوف عند العرب ولا ريب أن أعظم فائدة للزواج ما يكون بين الزوجين من الاستمتاع فإذا أقسم الزوج على الامتناع عنه فما الذي يمنع من حمل قوله مجمل الكناية عن الطلاق الذي هو اجتثاث للزواج من أصله؟ وإنما دل النص على إمهاله هذه المدة رفقا من الله ورحمة فإن أصر على الامتناع إلى انقضائها كان ذلك دليلا على عدم رغبته في جني ثمرات هذا الزواج ولم يكن ذلك من الإمساك بالمعروف في شيء فكان حريا بأن يعامل معاملة من أراد بقوله الطلاق.
ولئن ثبت بما ذكرناه أن القول الصحيح هو أن مضي مدة التربص عزيمة الطلاق وأنه لا داعي إلى الوقف والتطليق بعد المدة فإن هذا الطلاق هو طلاق بائن على الأصح لأن مشروعيته لرفع الضرر، وإعطاء الزوج الفرصة لمراجعتها يقتضي تعطيل حكمة الله تعالى فيما حكم به هنا من فك أغلال الهوان عن المرأة بخروجها عن ذلك الزوج الذي أصر على حرمانها من ثمرة زواجها منه فإن أراد الرجوع إليها ورضيت هي بذلك فبعقد جديد مع جميع لوازمه الشرعية، وهل في هذه الحالة يعود حكم الإيلاء بحيث يمهل أربعة أشهر كما أمهل من قبل فإن فاء وإلا انطبق عليه ما انطبق عليه من حكم من قبل أو أن حكم الإيلاء لا يكون له أثر في هذا الزواج الجديد؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الإيلاء يسري حكمه في الزواج الجديد وعليه فإن تكرر انفصالها عنه ورجوعها إليه ففي المرة الثالثة من الانفصال تبين منه بالثلاث (1/428)
صفحة 428
فلا تحل له أبدا حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا لا تدليس فيه، وبهذا القول قال أكثر أصحابنا. وذهب آخرون منهم إلى أن استئناف زواجهما يقطع حكم الإيلاء عنهما فلا يبقى له أثر في الزواج الجديد والخلاف مذكور
في "بيان الشرع" و"منهج الطالبين" وجامع أبي الحسن البسيوي (1).
والقول بانقطاع حكم الإيلاء عن هذا الزواج الأخير محكي عن ابن محبوب رحمهما الله كما في "بيان الشرع" (2).
__________
(1) بيان الشرع 52/ 405،منهج الطالبين 16ق2/ 124،جامع أبي الحسن البسيوي 3/ 122.
(2) بيان الشرع. المرجع السابق
ومن الظاهر لكل متأمل أن اليمين المطلقة لا تقيد بزمان ولا بحال وعليه فإن الحنث لازم له إن أتاها ولو في الزواج الثاني، وتركها من غير أن يغشاها لأجل بره في يمينه لا يعدو أن يكون حرمانا لها من جني طيبات ثمار زواجها وليس هو من الإمساك بالمعروف في شيء فما الذي يرفع حكم الإيلاء عن هذا الزواج؟ إني لا أعرف وجه ذلك على أن مشروعية هذا الحكم عدل إلهي أراد به الله تعالى إنصاف المرأة من حقها فكيف تحرم من هذا الإنصاف في الزواج الثاني أو الثالث؟ (1/429)
صفحة 429
الفصل التاسع
في عدة المولى منها بعد انفصالها عن الزوج المولي
- - - (1/430)
صفحة 430
[صفحة بيضاء] (1/431)
صفحة 431
ذهب جمهور العلماء إلى أن المولى منها لا تعذر من العدة الشرعية بعد وقوع طلاقها سواء الذين قالوا بوقف المولي والتطليق عليه إن لم يطلق بنفسه أو الذين قالوا بأن نفس مضي مدة التربص عزيمة الطلاق، وذهبت طائفة إلى أن مدة التربص نفسها كافية عن العدة وهو مبني على أن مضيها هو عزمة الطلاق، وهذا القول اشتهر عن الإمام أبي الشعثاء -رحمه الله- وحكي عن شيخه حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما وذلك إن لم تكن حاملا، قال ابن كثير: "وهو قول الشافعي" (1) وقال ابن عبد البر بعد أن حكاه عن جابر بن زيد: "وقال بقوله طائفة وكان الشافعي يقول ذلك في القديم ثم رجع عنه في الجديد" (2).
__________
(1) تفسير ابن كثير 1/ 268
(2) الاستذكار 6/ 39
وقال ابن رشد: "وقال بقوله طائفة وهو مروي عن ابن عباس" (1) وهؤلاء الذين حكوا هذا القول عن ابن عباس وأبي الشعثاء قيدوا روايتهم عنهما بما إذا مضى لها ثلاثة قروء في الأربعة الأشهر، ولم أجد ذلك فيما روي عنهما مسندا فإن الذين رووا عنهما هذا الرأي بالأسانيد حكوه عنهما على إطلاقه وهو الذي نجده في كتب أصحابنا ومن ذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن ابن عباس قال: "لا تطولوا عليها إذا مضت الأربعة لها أن تنكح" (2)، وفي سنن الدارقطني:"نا أبو بكر النيسابوري نا (1/432)
صفحة 432
أحمد بن يوسف السلمي نا أبو النعمان وسليمان بن حرب قالا: نا حماد بن زيد عن أيوب قال: قلت لسعيد بن جبير: أكان ابن عباس يقول: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة ولا عدة عليها وتزوج إن شاءت؟ قال. نعم" (3).
وفي مصنف عبد الرزاق: عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني: عمرو بن دينار أن أبا الشعثاء كان يقول: "إذا مضت الأربعة أشهر فهي أملك بأمرها ولا تعتد بعدها" (4). ورواه ابن أبي شيبة من طريقه بالإسناد نفسه (5).
وذكر ابن حزم من رواية سعيد بن منصور بإسناده عنه قال: "ورويناه من طريق سعيد بن منصور نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد قال: إذا آلى الرجل فمضت أربعة أشهر فليس عليها عدة" (6).
وبهذا المروي عن ابن عباس وجابر أخذ أصحابنا، ففي "الضياء":
__________
(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2/ 77
(2) المصنف لعبد الرزاق 6/ 349.
(3) سنن الدارقطني 4/ 63.
(4) مصنف عبد الرزاق، المرجع السابق.
(5) المصنف لابن أبي شيبة 4/ 100.
(6) المحلى 11/ 247.
"وإن لم يفعل المولي حتى تمضي أربعة أشهر فهو عزم الطلاق فقد بانت منه (1/433)
صفحة 433
بتطليقة واحدة انقضت به عدتها وحلت للأزواج ولا موارثة بينهما" (1)، وفي "منهج الطالبين":" من آلى من امرأته فمكثت أربعة أشهر فقد انقضت عدتها لأن الله تعالى جعل أجل الإيلاء أربعة أشهر فإذا انقضت فقد بانت ولم تبق عليها عدة منه ولا لغيره إلا أن تكون حاملا فحتى تضع حملها بعد أربعة أشهر فتبين من زوجها ولا يحل وطؤها للزوج حتى تضع حملها" (2)، ومثل هذا في بيان الشرع والمصنف (3)، وقال الإمام السالمي رحمه الله في جوهره:
وبعد أن تخرج من ذاك الأمد ... ... حل زواجها لمن لها ورد
وصار زوجها من الخطاب ... ... لا يتقدمن على الأصحاب
إلا التي في بطنها حمل فلا ... ... تخطب حتى يخرجن مكملا
وذاك هو الحكم في المسائل ... ... لكل بائن من الحوامل (4)
__________
(1) الضياء 10/ 51، 52.
(2) منهج الطالبين 16 ق2/ 106
(3) ينظر بيان الشرع 52/ 381، المصنف 38/ 116
(4) جوهر النظام 317، 318
وهذا مقيد بما إذا كان الخاطب غير المولي أما المولي فلا يمنع أن يخطبها ويدخل بها إبان حملها كما أطبقت عليه المراجع الفقهية الكبرى عند أصحابنا اللهم إلا ما شذ في الأسفار المغربية كما سيأتي إن شاء الله. وقال الإمام السالمي في فتاواه: عدة التي ظاهر منها زوجها وعدة التي آلى منها إنما (1/434)
صفحة 434
هي المدة التي حددها الله في القرآن العظيم وهي الأربعة الأشهر التي جعل الله سبحانه وتعالى الإفاءة (1) لنا فيها فإذا ظاهر الرجل امتنع عليه وطؤها حتى يكفر كفارة الظهار فالإفاءة في الأربعة الأشهر إنما هي بمنزلة المراجعة في العدة فإن ترك المظاهر أو المولي زوجته حتى انقضت الأربعة الأشهر خرجت منه فكأن فسخ النكاح واقع يوم ظاهر أو يوم آلى وهذا الحكم مخصوص به الظهار والإيلاء كما خصت المميتة بالأربعة الأشهر والعشر وكما خصت المطلقات الحوائض بالثلاثة الأقراء وكما خصت الحوامل بوضع الحمل فتحديد العدد إنما هو توقيفي لا يُعلم إلا من جهة الشارع فليس للقياس فيه مدخل والله أعلم" (2).
ولا يكاد يذكر بين مشارقة أصحابنا خلاف في هذا وإنما حكى المؤرخ الثبت الشيخ أبو بشير السالمي في "نهضة الأعيان" عن إمام المسلمين محمد بن عبدالله الخليلي رضوان الله عليه أن عليها العدة وعد هذه المسألة من جملة المسائل التي انفرد بها ذلك الإمام دون غيره من علماء المذهب (3).
ولعله يعني انفراد الإمام به دون غيره من علماء أهل المشرق من
__________
(1) كذا في الأصل وتكرر ذلك في هذا الجواب ولعله كان سبق لسان فإن صوابه الفيء لأنه مصدر فعل ثلاثي وهو "فاء".
(2) جوابات الإمام السالمي 3/ 278
(3) نهضة الأعيان بحرية عمان 304 ط. دار الجيل - بيروت
أصحابنا لأن الخلاف فيها مذكور في كتب أهل المغرب. قال صاحب النيل (1/435)
صفحة 435
-رحمه الله تعالى-: "وإن لم يمسها حتى مضت بانت فهل تتزوج الأول متى شاءت بعد الأربعة بلا عدة أو تجب له كغيره بثلاثة قروء أو أشهر أو لغيره فقط أوله لا لغيره وهو الأضعف؟ أقوال عندنا" (1).
ومفاد ذلك أن في المسألة خلافا في المذهب فقيل لا تتزوج المولي ولا غيره إلا بعد الاعتداد، وقيل: بل لها أن تتزوج المولي بدون عدة لأن ما سبق في رحمها إنما هو ماؤه ولا تتزوج غيره إلا بعد الاعتداد وقيل عكس ذلك وهو أضعف الأقوال إذ كيف تعتد لأجل زواجها منه ولا تعتد لأجل زواجها من غيره وقيل لا عدة عليها وإنما تكفيها مدة التربص كما سبق وهذه الأقوال كلها في المذهب ويدل على ذلك قول صاحب النيل: "أقوال عندنا" وقال شارحه قطب الأئمة رحمه الله على أثر ذلك: " في المذهب لا خارجة عنه ولو شارك في بعضها غيرنا" (2)، فتبين بهذا أن الخلاف موجود في المذهب وأن ما ذهب إليه إمام المسلمين الخليلي -رحمه الله تعالى- ليس قولا خارجا عما ذهب إليه جميع أصحابنا لأن من أصحابنا أهل المغرب من قال به قبله وإنما انفرد به بين علماء أهل المشرق. (1/436)
صفحة 436
القول المختار
بعد النظر والتأمل في أدلة هذه الأقوال تبين لي أن القول الصحيح هو أنه تجب العدة عليها بعد مضي مدة التربص ولا تغني تلك المدة عن العدة اللهم إلا أن يقترن بها زوجها الذي آلى منها بعد خروجها منه بالإيلاء إذ لا داعي إلى اعتدادها منه وهو الذي يريد أن يعود إليها فإن الماءين من صلب واحد أي ما سبق في رحمها من زواجه الأول بها وما يتبعه في زواجه الأخير، ويدل على أن هذا القول هو الأصح والأقوم عدة أمور.
__________
(1) النيل وشرحه 7/ 183، 184.
(2) شرح النيل، المرجع السابق.
أولها: أن عدة المطلقات المدخول بهن فريضة نص عليها الكتاب والسنة وهي تجمع بين أمرين: التعبد واستبراء الرحم فإسقاطها عن بعض المطلقات يتوقف على دليل يمكن به تخصيص عموم هذا الحكم سواء كان نصا صريحا أو استدلالا بما يقوى على تخصيص العمومات الشرعية وأنى لهم بهذا الدليل؟
ثانيها: أنه لما ثبت أن من غايات مشروعية العدة استبراء الرحم لئلا تختلط الأنساب فما الذي يؤمن من وقوع الاختلاط عندما تسقط العدة عن المولى عنها؟ ألا يحتمل أن تكون حاملا لم يبن حملها؟ لا سيما التي لم تحض إبان تربصها أربعة أشهر كما هو الشأن عند من لا يشترط أن يجتمع لها ثلاثة قروء في فترة التربص. (1/437)
صفحة 437
ثالثها: أن الطلاق لا يتحقق إلا بانسلاخ الأربعة الأشهر بالإجماع ولذلك يطالب المولي بأن يفيء إليها في خلال تلك المدة بالوقاع فلو كان الطلاق واقعا عليها لما كان لذلك معنى، ولا تعرف عدة قط تكون سابقة على الطلاق، فعدد المطلقات جميعا إنما تبدأ من لحظة وقوع الطلاق فكيف يكتفى هنا بمدة التربص الكائنة قبله؟
رابعها: أن ما قالوه من كفاية تلك المدة للتربص للأمرين معا لفيء الأزواج إن فاءوا أو الاعتداد بعدة الطلاق إن لم يفيئوا منقوض بما أجمعوا عليه أن الحامل لا يحل زواجها بعد هذه المدة لغير من آلى منها حتى تضع حملها فهلا قالوا أنها تحل لغيره بمجرد مضي تلك المدة.
فإن قالوا: إن الحامل خصصت من هذا الحكم بقوله تعالى: {(تمهيد (- - - - صلى الله عليه وسلم - (- - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - (- - - عليه السلام - - (قرآن كريم -} - - - صدق الله العظيم (- (- - رضي الله عنهم - - - صلى الله عليه وسلم - - تمت - صلى الله عليه وسلم - - - صدق الله العظيم ((- (- رضي الله عنه - - - صدق الله العظيم (- فهرس - (- - قرآن كريم} (1) قلنا إن الآية الكريمة في المطلقات وهن إما بوائن فلا سبيل لأزواجهن إليهن منذ وقوع الطلاق وإما رجعيات فيحل لهم أن يراجعوهن قبل وضع حملهن ولو استمر الحمل زمانا ولم يقولوا مثل ذلك في المولى منهن فإن القائلين بأن مضي الأشهر الأربعة هو عزيمة الطلاق لا يفرقون في ذلك بين حامل وحائل إذ لم يقل أحد منهم قط بأن للمولي من الحامل أن يفيء بعد المدة قبل أن تضع حملها وإنما قالوا إن له أن يتزوجها بعقد جديد مع استيفاء جميع شرائطه الشرعية سواء كان ذلك إبان (1/438)
صفحة 438
حملها أو بعده إن لم تكن هذه الطلقة التي خرجت بها من عصمته تبينها منه بينونة كبرى.
__________
(1) الطلاق: 4.
خامسها: وهو أقواها أن قوله تعالى {(تمهيد (- {(- - ((- (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - ((((- - عليه السلام - - - رضي الله عنه -- سبحانه وتعالى -- رضي الله عنه - - - صدق الله العظيم (- (- ((الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - (- - {- الله (فهرس - - صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم - ((- صلى الله عليه وسلم - (- (- -} جاء مترتبا على قوله {(تمت ({- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم -} - قرآن كريم (تم بحمد الله - رضي الله عنه - - - رضي الله عنه - (- رضي الله عنه - - (فهرس - {(- - -} تمت (- - ({- - - ((- ((- - (بسم الله الرحمن الرحيم - (- - رضي الله عنه - (} وهو دليل واضح على أن اللائي يطلقن بحكم الإيلاء داخلات في حكم هؤلاء المطلقات المأمورات بأن يتربصن ثلاثة قروء دخولا أوليا مساق هذا الحكم في سياق ذكر أحكامهن وتقوى هذه الدلالة وتتأكد على القول بالتناسب بين آيات القرآن وسوره -أي وجود مناسبة بين كل آية وما قبلها وما بعدها- وهو قول المحققين من المفسرين والنظار في مباحث علوم القرآن وذلك يقتضي ترابط الأحكام المذكورة في الآيات المتناسبة بحكم الجوار بحيث يكون الحكم اللاحق مرتبطا بسابقه ومترتبا عليه ترتب الحكم العام على سببه الخاص.
ومن المعروف أن الأصوليين قالوا بأن العام ظني الدلالة في أفراد مدلولاته إلا إذا ورد لسبب خاص فإن دلالته تكون قطعية بالنسبة إلى ذلك السبب وظنية فيما عداه ولذلك يجوز تخصيصه بالدليل الظني بإخراج بعض ما شمله لفظه من أفراده عما يقتضيه حكمه إلا في ذلك السبب الذي ورد من أجله فلا يسوغ إخراجه من حكمه بالتخصيص وفي هذا يقول الإمام نور (1/439)
صفحة 439
الدين السالمي -رحمه الله-: "إن السبب الذي ورد عليه العموم قد اختص بالمنع من إخراجه من العموم للقطع بدخوله فلم يقو الاجتهاد لإخراجه " (1).
وهذا لأن الحكم الذي تضمنه العموم يكون نصا فيما ورد من أجله من السبب وظاهرا فيما عداه وما نحن بصدده شبيه بهذا فإن ورود حكم مرتب على ذكر قضية ما يفيد أن تلك القضية سبب لذلك الحكم فلا وجه لجعل المولى منهن مخصصات من عموم الحكم الذي يفيده قوله تعالى: {(تمهيد (- {(- - ((- (- - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - ((((- - عليه السلام - - - رضي الله عنه -- سبحانه وتعالى -- رضي الله عنه - - - صدق الله العظيم (- (- ((الله أكبر - صلى الله عليه وسلم - - (- - {- الله (فهرس - - صلى الله عليه وسلم - بسم الله الرحمن الرحيم - ((- صلى الله عليه وسلم - (- (- -} لأنه جاء مرتبا على ذكر طلاقهن من أزواجهن الذين آلوا منهن إن لم يفيئوا.
__________
(1) طلعة الشمس 1/ 116 سلطنة عمان. وزارة التراث القومي والثقافة.
أما ما قاله إمامنا السالمي -رضوان الله عليه- من أن هذا الحكم مخصوص بالظهار والإيلاء كما خصصت المميتة بالأربعة الأشهر والعشر ... إلخ فيرد عليه أن المميتة غير داخلة في حكم المطلقات رأسا وإنما لها حكم مستقل نص عليه الكتاب والحوامل خارجات من هذا الحكم بالنص على أن آية الثلاثة القروء لم يأت حكمها مبنيا على ذكر طلاقهن بخلاف المولى منهن وكذلك غير المدخول بها خصصت من هذا الحكم بالنص على أنها لا عدة عليها وأين النص الدال على خروج المولى منها من هذا الحكم. بل أين الاستدلال الذي يمكن تخصيصه به في إخراجهن منه؟؟ (1/440)
صفحة 440
أما المظاهر منها فلم يأت نص قرآني ولا حديثي قط يدل على أن حكمها أن تتربص أربعة أشهر بل حكم الظهار جاء مطلقا في القرآن غير مقيد بفترة زمنية ولذلك استمسك الجمهور بهذا الإطلاق ولم يقيدوا حكمه بزمن وهو الذي روي عن أكثر علماء السلف فقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: "حدثني إبراهيم بن أبي بكر عن رجل عن علي أنه قال: لا يدخل إيلاء في تظاهر ولا تظاهر في إيلاء" (1).
وعن معمر عن الزهري في المظاهر تمضي له أربعة أشهر قال:"ليس ذلك بإيلاء متى كفر فهي امرأته. قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن يقول بما قال الزهري ليس له وقت" (2)، وعن الثوري عن داود قال: سألت الشعبي عن رجل قال: امرأته عليه كظهر أمه قال: لا يكون إيلاء ظهارا ولا ظهار إيلاء" (3).
وعن عبدالله بن محرر عن أبي معشر عن إبراهيم "ليس للظهار وقت متى كفّر فهي امرأته" (4).
وعن ابن جريج قال: "قلت لعطاء: المظاهر تمضي له أربعة أشهر قال: ليس ذلك بإيلاء، قيل له: {(- (- (- (- - - - قرآن كريم ((- رضي الله عنه - (قرآن كريم (- ((مقدمة (-} عقوبة ثم قال (1/441)
صفحة 441
__________
(1) المصنف لعبد الرزاق 6/ 339 رقم 11616.
(2) المرجع السابق رقم 11617
(3) المرجع السابق رقم 11618
(4) المرجع السابق 11619
في الإيلاء على ناحية، قال: وقال في الظهار ما قال ففرق بينهما" (1).
وذكر عبد الرزاق أيضا عن عثمان بن مطر عن سعيد عن قتادة عن الحسن وابن المسيب أنهما قالا: "ليس للظهار وقت متى كفر فهي امرأته" (2)
وروى عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة قال: كان طلاقهم في الجاهلية الظهار والإيلاء فجعل الله في الظهار ما سمعتم وجعل في الإيلاء ما سمعتم (3).
وإنما القول بتقييد الظهار بمدة أربعة أشهر كالإيلاء مروي عن جابر بن زيد وقتادة، فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن عاصم عن جابر بن زيد أبي الشعثاء في رجل تظاهر من امرأته ثم تركها حتى تمضي أربعة أشهر فهو إيلاء" (4). وعن معمر عن قتادة قال: "هو إيلاء" (5).
وهو الذي أخذ به أصحابنا رحمهم الله جميعا وبه قال مالك إن ترك التكفير عن ظهاره مضارة للمرأة ففي المدونة قلت: هل يدخل الإيلاء على الظهار في قول مالك؟ قال: قال مالك: "نعم يدخل الإيلاء على الظهار إذا كان مضارا ومما يعلم به ضرره أن يكون يقدر على الكفارة فلا يكفِّر فإنه إذا (1/442)
صفحة 442
علم ذلك فمضت أربعة أشهر وقف مثل المولي فإما كفر وإما طلقت عليه" (6).
واختلف أصحابه في ذلك ففي مختصر خليل: "وهل المظاهر إن قدر على التكفير فامتنع كالأول وعليه اختصرت أو كالثاني؟ وهو الأرجح أو من تبين الضرر وعليه تؤولت أقوال" (7).
__________
(1) المرجع السابق 338، 339 رقم 11615
(2) المرجع السابق 339
(3) المرجع السابق رقم 11622
(4) المرجع السابق رقم 11620
(5) المرجع السابق رقم 11621
(6) المدونة الكبرى 5/ 103، 104
(7) مختصر خليل مع شرحي الحطاب والعبدري 4/ 129
قال الحطاب في شرحه:"يريد بأي نوع من أنوع الكفارات وإن لم يقدر على التكفير لم يدخل عليه إيلاء قال ابن عرفة: روى أشهب: إن لم يجد ما يُعتق ولا يقدر على الصوم ولا يجد ما يطعم فليكف عن أهله حتى يجد. الشيخ: ولا حجة لها انتهى، ونص ابن الحاحب قال: وأما من ليس بمضار فلا يدخل عليه الإيلاء، قال في التوضيح: قيده اللخمي بما إذا طرأ عليه العسر والعجز عن الصيام بعد عقد الظهار وأما عقده على نفسه مع علمه أنه عاجز عن حله فإنه يدخل عليه الإيلاء لأنه قصد الضرر بالظهار ثم يختلف هل يطلق عليه الآن أو يؤخر إلى انقضاء أجل الإيلاء رجاء أن يحدث لها رأي في ترك القيام. انتهى" (1).
وقال العبدري في شرحه: "ابن يونس نقل غير واحد من المختصرين أن الأجل يضرب له من يوم ظاهر. اللخمي وهو أحسن قال: وروي عن (1/443)
صفحة 443
مالك أنه يضرب له الأجل من يوم ترفعه. ابن يونس: وحكى عن بعض شيوخنا في المظاهر المضار إذا ضرب له الأجل لامتناعه من الكفارة وهو قادر عليها إنما يضرب له الأجل من وقت يتبين ضرره ورأى أن هذا الذي يقتضيه مذهب الكتاب. انتهى. ولم أجد لابن يونس ترجيحا" (2).
والفرق بين ما ذهب إليه أصحابنا وما قاله مالك وأصحابه من وجهين:
أولهما: أن أصحابنا حملوا الظهار على الإيلاء من غير تقييد بحالة المضارة بخلاف مذهب مالك وأصحابه.
ثانيهما: أن أصحابنا بنوا ذلك على أصلهم في أن المولي لا يحتاج إلى الوقف والمطالبة بالطلاق بل تطلق منه امرأته بمضي أمد التربص وبهذا قالوا في الظهار أيضا من غير فرق، أما مالك وأصحابه فبناءً على مذهبهم في الإيلاء أنه لا بد أن يوقف المولي بعد أمد التربص حتى يطلق أو يطلق عليه قالوا بمثل ذلك في الظهار مع تبين المضارة مع اختلافهم في بداية ضرب الأجل كما سبق فيما نقلته من شرحي مختصر خليل.
__________
(1) المرجع السابق
(2) المرجع السابق
والمسألة لا تخرج عن كونها مسألة رأي والخلاف فيها مبني على الاختلاف فيما إذا تعارض الإطلاق والتقييد في أمرين اختلف سببهما واتحد (1/444)
صفحة 444
حكمهما أو اتحد سببهما واختلف حكمهما هل يحمل إطلاق المطلق منهما على تقييد المقيد أولا؟
قال الإمام السالمي رحمه الله:
وإن يكن حكمهما متحدا ... واختلف الموجب فالخلف بدا
فبعضنا والشافعي حملا ... وبعضنا والحنفي قال لا
وقيل إن كان هناك جامع ... يحمل أولا فالصواب المانع
وفي شرحه على هذه الأبيات ذكر الخلاف أيضا فيما إذا اتحدا سببا واختلفا حكما (1)
وبالجملة فإن للأصوليين في الحمل وعدمه ثلاثة أقوال:
الحمل مطلقا
وعدمه مطلقا
والحمل مع الجامع المسوغ لقياس إحدى المسألتين على الأخرى
ومسألتنا هذه مما يدخله هذا الخلاف فإن الظهار كالإيلاء في كونه قولا مانعا من الوطء فهما من حيث السببية متحدان ولكنهما من حيث الحكم (1/445)
صفحة 445
مختلفان لأن الوطء في الإيلاء سائغ قبل الكفارة بل هو مرغب فيه أما في الظهار فلا يسوغ إلا بعد التكفير بنص القرآن ومن ناحية أخرى فإن الكفارتين مختلفتان فكفارة الظهار هي عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا بينما كفارة الإيلاء لا تعدو أن تكون كفارة اليمين المرسلة المنصوص عليها في سورة المائدة، وإنما قوى حمل الظهار على الإيلاء في تحديد زمنه بأربعة أشهر الجامع بينهما وهو أن في كل منهما ضررا بالمرأة وتفويتا لاستمتاعها بثمرة زواجها وتعريضا لأن تعاني مشقة الحرمان أو تندفع وراء رغبتها الجامحة فتحطم قيود الفضيلة وتخلع ربقة الإيمان ولما كان ذلك سببا لتحديد مدة الإيلاء لتجد المرأة بعدها متنفسا من هذا الضيق ومخرجا من هذا الحرج لا جرم كان الظهار حريا أن يلحق بالإيلاء في ذلك وإن لم ينص عليه.
وبهذا تبين رجحان ما ذهب إليه أصحابنا ومن رأى رأيهم في هذه المسألة.
__________
(1) طلعة الشمس 1/ 77 – 81.
وبناء على التأصيل الذي ذكرته كان الكل جديرا بالاختلاف فيها لأن الخلاف في ذلك الأصل الذي ذكرته حاصل عند أصحابنا وعند غيرهم لكن وجدنا أصحابنا فرعوا على أصل قاله بعضهم لا جميعهم وتركوا التفريع على الأصل الذي ذهب إليه الآخرون منهم، كما أن أصحاب المذاهب الأخرى أخذوا فيها بأصل قاله بعض منهم وتركوا الأصل الذي قاله البعض الآخر. (1/446)
صفحة 446
وبهذا يتبين أنه لا وجه للمقارنة بين حكم الظهار وما قيل من أن مدة التربص في الإيلاء كافية عن العدة بل الصحيح أن العدة فرض على المولى منها بعد خروجها من عصمة الزوج بحكم الإيلاء (1/447)
صفحة 447
صدق الله العظيم صدق الله العظيم صدق الله العظيم
خاتمة
بعد هذا التجوال الطويل في هذه الرحلة الممتعة المرهقة بين واحات هذه القضية وقفارها واجتياز سهولها وأوعارها، واجتناء أشواكها وأزهارها؛ آن الأوان لإلقاء عصا الترحال وإراحة النفس من عناء هذا السفر الشاق، فقد لاحت معالم بلوغ القصد، ولكن قبل إعطاء النفس مناها في راحتها واسترخائها أجدني ملحاً عليها في استثارة همتها؛ لاستيفاء الفائدة بجمع أطراف البحث ولملمة شتاته، بإجمال تفصيلاته وفذلكة ما حرر وبين في فسيح عباراته وإلى القارىء الكريم هذا الغرض مرتبا ً بترتيب أصله:
1. الإيلاء لغة هو القسم، واصطلاحاً: هو قسم من زوج على الامتناع من قربان امرأته، وألحق به: كل قول ترتب عليه إلزام لم يكن لازماً من أجل تأكيد الامتناع عن ذلك.
2. أركان الإيلاء:
أ- رجل مولٍ ب- امرأة مولى منها ... ج- تأكيد القول بيمين أو ما ألحق بها ... د- صيغة تدل على الامتناع عن غشيان المرأة هـ- مضي مدة يترتب عليها حكم شرعي
3. ينعقد الإيلاء بكل قسم بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفة من (1/448)
صفحة 448
صفاته، وألحق به: إلزام الرجل نفسه ما لم يكن لازما عليها عند قربان أهله.
وخلاصة ذلك: أن الإيلاء يثبت بكل قول يمنع الجماع، إلا مع لزوم كفارة أو ما جرى مجراها.
4. القسم بغير الله تعالى لا يكون له حكم الإيلاء، إذ ليس بشيءإلا عندما يترتب عليه الضرر بالمرأة لإجحاف حقها من المعاشرة.
5. يمين الإيلاء كغيرها من الأيمان في وجوب تكفيرها مع الحنث في قول الجمهور.
6. ألحق أصحابنا وطائفة من أهل العلم بالإيلاء قول الرجل: إن لم يفعل كذا فامرأته طالق، أو إذا لم يفعل كذا. واختلف سائر الأمة في ذلك، فمنهم من قال: لا يقع الطلاق بشيء من هاتين الصيغتين؛ إلا عندما يأتي من الوقت ما يتعذر معه فعل ما علق الطلاق على عدم فعله وذلك باحتضار أحد الزوجين. ومنهم من فرق بين ما إذا كان التعليق ب"إن" أو ب"إذا"، فإن كان بـ"إذا" وقع الطلاق فوراً إن مضى من الوقت ما يمكن فيه ذلك الفعل، وإن كان بـ"إن" فلا يقع حتى يأتي من الوقت ما يتعذر معه فعله. واختار المؤلف عدم التفرقة بينهما، وعدم إلحاق شيء منهما بالإيلاء، وأن الطلاق يقع بكل منهما فوراً بمضي قدر ما يتأتى فيه الفعل، إلا أن تكون للمعلق نية معينة، أو يكون الفعل المذكور مرتبطا بميقات معين كالحج، أو تصحب (1/449)
صفحة 449
قوله قرينة تدل على تقييد كلامه بشيء.
7. لا خلاف بين القائلين بإلحاق ما سبق بالإيلاء في منع الزوج من الوطء، إلا أن يقع منه الفعل فيمتنع الطلاق، وذلك خلاف لقول من لا يرى وقوع الطلاق إلا بدنو موت أحدهما.
8. يلحق بالإيلاء عند الجمهور -ومنهم أصحابنا- تعليقه طلاقها على وطئها، فيطبق عليه حكمه بمضي أربعة أشهر من غير وطء.
9. يحمل على الإيلاء أي تعبير يدل على أنه أقسم بأن لا يجامع امرأته، من غير اشتراط نية ذكر الجماع بلفظه الصريح الدال عليه، أما إن ذكره بما يحتمله وغيره من الألفاظ في معناه فإنه يحمل على الإيلاء إن نواه، ويصدق إن ادعى أنه نوى غيره، ولكن يطالب بالوطء ليصدق مدعاه، لئلا يضيع حق المرأة.
10. لا خلاف في ثبوت الإيلاء إن صدر من زوج بالغ عاقل حر مسلم قادر على الجماع إن آلى من زوجته البالغة بعد بنائه بها.
11. لا خلاف أنه لا يعتد بإيلاء المجنون، أو الطفل غير المميز.
12. اختلف في الإيلاء من المرأة قبل الزواج بها، والصحيح عدم ثبوته، وقيل: يثبت إن قيده بما إذا تزوجها. وقيل: يثبت بعد زواجه بها ولو كان قبله ولم يقيده به ومهما يكن فإن امتتناعه عن حقها في المعاشرة لا يقر (1/450)
صفحة 450
عليه.
13. اختلف في إيلاء العبد المملوك، والراجح أنه لا اعتداد به، إلا إن كان بإذن سيده، والصحيح أن مدة الإيلاء في الأرقاء كالأحرار. وقيل: تربص العبد شهران ولو آلى من حرة، وقيل: من آلى من أمة تربص به شهرين ولو كان حراً.
14. اختلف في إيلاء غير المسلم، فقيل: لا يثبت بحال، وقيل: بثبوته على الإطلاق لئلا يضر بامرأته، وهو الصحيح إن امتنع عن غشيانها، وقيل بالتفرقة بين أن يكون إيلاؤه بصلاة ٍ أو صيامٍ أو زكاةٍ أو حجٍ أو غير ذلك مما لا يصح إلا بالإسلام، وبين كونه بطلاقٍ أو عتاقٍ أو غيرهما مما يشترك في حكمه المسلم وغيره. قيل: وكذلك إن كان قسما بالله.
15. اختلف في ثبوت إيلاء العاجز عن الجماع، والراجح ثبوته، وأنه يطالب بأن يفيء بالإشهاد على أنه لولا العجز لفاء إليها بالفعل، مع استحباب الإتيان بما يقدر عليه من اللمس ونحوه.
16. لا فرق على القول الصحيح بين المدخول بها وغيرها في ثبوت الإيلاء منهما، وقيل: بل يفرق بينهما، فيثبت في المدخول بها دون غيرها.
17. لا يشترط في الإيلاء أن يكون من غضب عند الجمهور،
وهو الصحيح، وقالت المالكية: بل يشترط ذلك، فمن آلى من أجل مصلحة (1/451)
صفحة 451
الولد في الرضاعة فلا يكون لذلك حكم الإيلاء عندهم.
18. ذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط البلوغ في المولى منها، والصحيح: أن البالغ وغيرها في ذلك سواء.
19. اختلف قي ثبوت حكم الإيلاء إن قيد بما دون أربعة أشهر، أو قيد ببعض الوقت كالليل أو النهار، أو ببعض الأمكنه، أو ببعض الأحوال، بحيث يتأتى الوطء فيما عداها من غير حنث؛ فعند جمهور أهل العلم لا يعد ذلك إيلاء، ولو تمادى في عدم الوطء حتى مضت مدة التربص، واختار المؤلف ما ذهب إليه بعض أصحابنا أنه إن تمادى في عدم الوطء حتى انقضى أمد التربص كان له حكم الإيلاء.
20. اختلف في من حلف ألا يدخل قرية، وكانت سكنى امرأته بها؛ فقيل: هو إيلاء، وقيل: ليس إيلاء إلا إن اشترطت السكنى فيها، وقيل: الإيلاء إنما هو من النساء لا من البلدان، فلا يثبت بذلك إيلاء إلا إن كنى بذلك عن عدم وطء المرأة. وذهب المؤلف إلى أنه إن أدّى ذلك إلى حرمانها من حقها الشرعي في المعاشرة كان له حكم الإيلاء.
21. ذهب فريق من العلماء إلى أن الإيلاء ينهدم حكمه إن استثنى مشيئة الله تعالى، وكذلك إن علَّقه بمشيئة أحد من الناس، فلا يثبت حتى يشاء ذلك الإنسان، وكذلك ما نيط بأحوال المستقبل، فإن كانت قريبة الوقوع فلا يكون إيلاء، وإن كانت متعذِّرة أو يُستبعد وقوعها فهو إيلاء، (1/452)
صفحة 452
ومثل ذلك: إن علقه بمشيئتها، فحتى تشاء، وذهب المؤلف إلى أنه إن تسبب ذلك في حرمانها من الوطء حتى مضت مدَّة التربص فهو إيلاء.
22. إن آلى منها مدة نحو عام، ولكنه استثنى إتيانها مرة فلا يتحقق الإيلاء عند أكثر أهل العلم؛ حتى يطأها تلك المرة التي استثناها، ويكون قد بقي من الزمان الذي حدده في إيلائه مقدار مدة التربص. وكذلك إن علق إيلاءه منها بإتيانها. وذهب المؤلف إلى أنه إن أضر بها ذلك بحيث بقيت طوال مدة التربص من غير غشيان فهو إيلاء.
23. الفيء المطلوب هو الجماع، وأقله: تغييب الحشفة في قبلها هذا هو الحكم في القادر المتمكن من الجماع، أما العاجز فيكفيه أن يُشهد على فيئه، وأنه لولا المانع لغشيها، سواء منعه مرض أو فتور، أو كانت في حال حيض أو نفاس، أو كان أحدهما محرما، أو كانت غائبة عنه أو فارَّة منه، ويؤمر استحبابا في حال عجزه بمرض أو فتور أو كِبر أن يأتي بما يقدر عليه، كاللمس باليد. وهل يكفي العاجز فيئه بالقول ولو زال المانع من بعد، أولا بد له من الوطء بعد زواله؟ قولان، والثاني هو الصحيح.
24. إن اختلفا في الإصابة؛ فقيل: القول قوله مع يمينه، وقيل ذلك في مدة التربص، أما فيما بعدها فالقول قولها مع يمينها، وقيل: إن كانت ثيباً فالقول قوله مع يمينه، وإن كانت بكرا فالقول قولها مع يمينها، وهو
الصحيح. (1/453)
صفحة 453
25. الحبس من جملة الأعذار التي يكفي فيها الفيء بالقول مع الإشهاد وفرَّق بعضهم بين حبس المظلوم وحبس المستحق، فعده عذرا في المظلوم دون المستحق وجنح إليه المؤلف.
26. من طرأ عليه جنون أو نحوه فهو كالسليم عند من يرى عزيمة الطلاق بانقضاء أمد التربص، والقائلون بالوقف يرون إمهاله إلى برئه، ثم استئناف المدة من جديد.
27. لا يتحقق الفيء إلا بأن يطأ قاصدا على الصحيح، ومنهم من قال: وطء الناسي أو المُكره أو السكران يُعد فيئا.
28. إن اختلفا في مضي المدة، ولم تكن لأحدهما بينة فالقول قوله مع يمينه.
29. إن كان إيلاؤه بتعليقه طلاقا أو عتاقا على وطئها لزمه بفيئه ما ألزمه نفسه، فإن كانت هي التي علق طلاقها على وطئها أُمر بأن لا يتجاوز في فيئه طعنة مغيبة للحشفة، وبهذا تطلق وله رجعتها إن كان الطلاق المعلق رجعيا، وقيل يؤمر بأن يأتي بشاهدين من وراء الستر، ويغشاها بطعنة، ثم يُشهدهما على مراجعتها قبل أن ينزع. وقيل يكفيه أن ينوي الحنث، ويُشهد على المراجعة. والقول الأول أرجح، والثاني أحوط. ولا خلاف في المذهب
أنها تحرم عليه إن تمادى في وطئها بعد الطعنة. (1/454)
صفحة 454
30. من كانت له أربع نساء فآلى منهن جميعا بلفظ واحد، فقيل: لا يتحقق إيلاؤه حتى يطأ ثلاثا، لأنه بوطئه الرابعة يحنث، وعليه فإنه يُحكم بإيلائه من الرابعة قبل أن يطأها، وقيل: هو مول منهن جميعا؛ لمضارته إياهن، وإن كان لا يحنث حتى يطأهن جميعا، والأول هو قول الشافعي وأصحابه، وبالثاني قال أبو حنيفة وأكثر أصحابه. واتفق الفريقان أنه لو ماتت واحدة منهن سقط الإيلاء بناء على ما اتفقوا عليه أنه لا يحنث إلا بوطئهن جميعا، وبالموت يتعذر الوطء، وخلاف ذلك لو طلق بعضهن لإمكان وطء المطلقة حلالا بمراجعة، أو حراما بدونها.
واختلف الحنابلة في أصل هذا الإيلاء، فمنهم من أخذ بقول الشافعي، ومنهم من أخذ بقول أبي حنيفة، وخالفوهما معا في طلاق بعضهن، فعدوه هادما للإيلاء كموت بعضهن، ومذهب أصحابنا يتفق مع ما ذهب إليه الشافعية؛ في كون الإيلاء يتحقق في آخرهن وطئا. ولكن المؤلف اختار أن الإيلاء يلحقهن جميعا فيطالب بالفيء إلى كل واحدة منهن، وإلا خرجن بالإيلاء بمضي أمد التربص، وذلك لأجل رفع الضرر وحمايتهن من الحرمان من المعاشرة.
أما الحنث فلم أجد من تعرض له من أصحابنا، ولكن كلا القولين سائغ وله أصل في أصول أصحابنا وغيرهم، فالقائلون بأنه يحنث بأول وطء يرون الأخذ بأوائل الأسماء، والقائلون بعدم حنثه حتى يطأ الأخيرة يأخذون بأواخرها. (1/455)
صفحة 455
31. إن قال لا أطأ واحدة منكن قارنا ذلك بقسم، فيحتمل الإيلاء منهن جميعا، ويُحتمل إرادة واحدة، فإن قصدهن جميعا فعلى ما سبق في الصورة السابقة، لكن الحنث في هذه الصورة يقع بوطء أي واحدة منهن، ولذلك يسقط به الإيلاء عندهم، وإن نوى واحدة بعينها طولب أن يُعيّنها، وإلا فإنها تتعين بوطء ثلاث عند الحنابلة، ويُحكم بالإيلاء من الباقية وهي الرابعة، وكذلك الشافعية، وإنما ذهب بعض الحنابلة إلى أنها تخرج بالقرعة، واختلف الحنفية هل يكون إيلاؤه شاملا لهن أو أنه من واحدة فقط؟ وخلاف ذلك ما إذا قال: "إحداكن" فلا يكون إلا من واحدة، أما إن قال:"كل واحدة" فيشملهن جميعا، ومع الإجمال يُطالب بتعيين واحدة بعينها عندهم، ولكن في نهاية مدة التربص لا قبل ذلك.
أما أصحابنا فعندهم لو قال في قسمه: "لا أطأ واحدة منكن" فهو ينطبق عليهن جميعا؛ إن لم ينو واحدة بخصوصها، وتلزمه الكفارة بوطء أي واحدة.
وذهب المؤلف إلى أنه يطالب في هذه الحالة أن يفيء إليهن جميعا قبل انقضاء أمد التربص، وإلا خرجن بعزيمة الطلاق، ولا يكفيه أن يفيء إلى بعض دون بعض لما فيه من الإضرار بمن لم يفىء إليها، ,وإن كان حنثه
بغشيان أول من يغشاها منهن، بحيث لا يتكرر بإتيان غيرها.
32. إن قال لإحدى امرأتيه: "والله لا وطئتك" ثم قال للثانية: (1/456)
صفحة 456
"أشركتك معها في إيلائها"؛ فجمهور أهل العلم أن الثانية لا يلحقها الإيلاء، واختار المؤلف أنه إن امتنع عنها انطبق عليه حُكمه لما فيه من الإضرار بها، وإن كان لا يحنث بوطئها.
33. إن قال لامرأته وأجنبية معها أو أمته:" والله لا أقربكما" فلا يكون موليا عند الجمهور إلا إذا أتى الأمة أو الأجنبية، لأنه عندئذ يحنث بوطء امرأته، وذلك بخلاف ما إذا قال لهما: "والله لا أقرب واحدة منكما".
ورأى المؤلف أنه إن امتنع عن إتيان امرأته ألحق ذلك بحكم الإيلاء لدفع الضرر عنها.
34. إن كرر الإيلاء من امرأته ثلاث مرات في مجلس واحد فإن قصد به التأكيد طلقت واحدة بمضي التربص، وإن قصد به التأسيس فإنها تبين بثلاث متتابعة بمضي أمد التربص عند الحنفية، وذلك لتتابع الإيلاء، كما يتتابع الطلاق، فيُلحق الطلاق بغيره.
ورأى المؤلف أن طلاق الإيلاء لا يتكرر لأنه طلقة بائنة، فلا تتبعها غيرها.
35. ذهب أكثر علماء الأمة إلى أن المولي يُوقف عند انتهاء أمد
التربص، فيفيء أو يُطلِّق أو يُطلَّق عليه، وذهب طائفة من سلف الأمة إلى أن انقضاء أمد التربص هو طلاق تنفصل به المرأة عن الزوج، ولا داعي إلى (1/457)
صفحة 457
الوقف والتطليق إن لم يفيء، وبهذا قال أصحابنا والحنفية، واختاره بعض المحققين، واختلف هؤلاء هل هذه الطلقة رجعية أو بائنة؟ وبهذا الأخير قال أصحابنا، وهو الصحيح عند المؤلف.
36. ذهب جمهور علماء الأمة إلى أن المولى منها بعد مضي أمد التربص لا بد لها من عدة تعتدها، سواء كان انفصالها بطلاق؛ عند من يقول بأنه لا بد من طلاق للانفصال، أو بنفس مضي أمد التربص؛ عند من يقول بأنه عزيمة الطلاق. وذهب أبو الشعثاء جابر بن زيد رحمه الله إلى أنها لا عدة عليها، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال به أكثر أصحابنا، كما قال به قلة من علماء غيرنا، ولكن هؤلاء اشترطوا أن تكون مرت بها ثلاثة قروء في خلاف أمد التربص، ولم يشترط ذلك أصحابنا، إلا أنهم اشترطوا عدم الحمل، فإن كانت حاملا فلا تحل للأزواج حتى تضع حملها. وذهب قلة من أصحابنا إلى وجوب الاعتداد عليها، كما قال الجمهور، وهو الذي اختاره المؤلف.
هذا أهمُّ مُجملات ما اشتمل عليه هذا المؤلَّف، وقد آن الأوان لإراحة اليراع من تسطير هذه الصِّحاف بعد تسجيل هذا البحث الفقهي. وإنني لأسأل الله القدير أن يتقبله مني مع جميع أعمالي، وأن يجعل كل ذلك خالصا لوجهه الكريم، وأن يمن علي بالتوفيق لكل ما يحبه ويرضاه، (1/458)
صفحة 458
إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أحمد بن حمد الخليلي
7 / جمادى الثانية
1425 هـ (1/459)
صفحة 459
[مرجع لم يرقن] (1/460)
صفحة 460
[مرجع لم يرقن] (1/461)
صفحة 461
[مرجع لم يرقن] (1/462)
صفحة 462
[مرجع لم يرقن] (1/463)
صفحة 463
[فهرس لم يرقن] (1/464)
صفحة 464
[فهرس لم يرقن] (1/465)
صفحة 465
[فهرس لم يرقن] (1/466)
صفحة 466
[فهرس لم يرقن] (1/467)
صفحة 467
[فهرس لم يرقن] (1/468)