صفحة 1
الكتاب: الاقتصاد و الربا لمحمد خبزي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله
إلى السادة الأفاضل: أعضاء مكتب جمعية الاستقامة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فلقد تلقيت بكل امتنان واعتزاز رسالتكم المحترمة، والمؤرخة بيوم 6 رجب 1421هـ الموافق لـ 4 أكتوبر 2000م. تطلبون فيها مني مساعدة معنوية ومادية من أجل تطوير الوضع الاقتصادي وتصحيحه ومعالجة ما يمكن معالجته -مع الأخذ في الحسبان وبالدرجة الأولى- العنصر البشري كرأس مال هام وغير نافد.
وكانت الرسالة مرفوقة بملف كامل عن المحاضرات الثلاث التي ألقيت في الأيام الدراسية، وبشريط فيديو عن لقطات حية لمجريات تلك الأيام التي انعقدت بمركب العالية العامر في صائفة 1999م.
وإنني إذ أشكر لكم هذه الالتفاتة الكريمة، وهذه الهدية الثمينة، لأجدني عاجزا عن سداد كامل الشكر لكم على ثقتكم الكبيرة التي أوليتموها لشخصي الضعيف، الذي ألصقتم به أوصافا لا أكون في مستواها من المعرفة والخبرة الميدانية، والبرهان العلمي والعملي في ميدان الحياة الاقتصادية والمالية، فجازاكم الله خير الجزاء عن هذه الثقة الغالية.
كما أشكر لكم وأجزل الشكر أكثر على هذه المبادرة الطيبة التي قمتم بها، وعلى حسن التنظيم والتنظير لتلكم الأيام الدراسية، وهذا دليل الغيرة الصادقة، والإخلاص المتفاني في خدمة الأمة والوطن، والنهوض بهما إلى مصاف الرقي والحضارة.
كما أعبر لكم عن عميق ارتياحي عن التوفيق الكبير الذي حالفكم في حسن اختيار الموضوع، والمتمثل في العنصر البشري الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض، واستعمره فيها، ولن تستقيم حياة عليه بدونه، فهو حقا الجوهر الفرد والعنصر الفذ الذي يجب أن يحاط بكل عناية ودراسة.
فوفقكم الله تعالى إلى مزيد من النجاحات في المستقبل في ميادين الحياة المتعددة التي نراها -حتما علينا- موضوعة على كواهل المخلصين من الرجال أمثالكم. (1/1)
صفحة 2
ولقد دأبت يوم أن وصل إلي ملف أعمال الأيام الدراسية على قراءة كل المحاضرات والتدخلات من ألفها إلى يائها، كما استعرضت شريط الفيديو من أوله إلى آخره، لتكون لي صورة حية مكتوبة ومسموعة عن حقيقة ما جرى وكأنني عشتها معكم -رغم أنني لم أتلق دعوة لحضورها-، وكم تمنيت لو حضرت لأن الموضوع محض تخصصي وميدان عملي.
وبعد ذلك عدت إلى ذاكرتي أستلهمها ما سجلت من ملاحظات حول ما قيل، فرأيت -لزاما علي- أن آخذ الأمر بكل حزم وعزم، وأساهم وبصورة جدية في إبراز ما كان صائبا، وتصويب ما أراه بحاجة إلى ذلك، جاعلا نصب عيني لتحقيق ذلك مرضاة الرب، وعدم الخروج قيد أنملة عن شرعه الحكيم، ثم الاستعانة بما تعج به الساحة الاقتصادية من آراء ونظريات من غير أن يعرضها لمقت الله وسخطه.
وكانت أبرز الملاحظات التي لفتت انتباهي وحركت مشاعري تتمثل في النقاط التالية:
1- الاغترار الكبير بظاهرة العولمة والدعوة إلى مجاراتها.
2- اعتقاد الكثير في صلاح ونجاعة النظام الاقتصادي الغربي السائد، واتخاذه وسيلة للحوق بركب الحضارة والمدنية.
3- دعوة علماء الدين إلى إعادة النظر في مشروعية المعاملات البنكية، لأنها ضرورية للنظم الاقتصادية.
4- ضرورة الاعتناء بالعنصر البشري من جميع جوانبه، لأنه أس كل نهضة حضارية في هذه الأرض.
وإنني سأحاول أن أعالج هذه النقاط بشيء من البحث والتفصيل والمقارنة بين حكمة الشرع ونظرية الوضع، حتى نكون على بينة من أمرنا، وحتى لا نخطو خطوة قد تكون دركا، أو نصدر حكما قد يكون هلكا، والعاقل من يبصر العواقب ويحذر المثالب.
أولا - العولمة:
لقد تناول المحاضر الأول الأستاذ: صالح بن بكير الحاج اسماعيل موضوع عولمة الاقتصاد ومكانة الموارد البشرية، وقدم تعريفا مقتضبا عن العولمة، جاء فيه:
« (1/2)
صفحة 3
العولمة هي مسار لتجمع وتمركز مكثف لرأسمال ضخم من بين الدول في مختلف مكوناته، جالبا معه في حركته التوسعية والانتشارية البلدان والقارات التي يسيطر عليها الرأسمال سابقا، فالأمر يتعلق بحركة اندماج اقتصادي وسياسي» اهـ.
وأريد أن أضيف إلى هذا التعريف عنصرا هاما يبدو أنه أهم ما ترمي إليه العولمة وتهدف إليه حتى تحقق مأربها، وتبتلع من يقع تحت سيطرتها، ألا وهو إلغاء الحواجز الجمركية، واعتماد الحرية المطلقة للمبادلات التجارية، وتحرك البضائع بين مختلف الدول عبر الحدود. وفي عرف الاقتصاد -كما هو بين- تعتبر المصالح الجمركية وسيلة هامة لحماية الاقتصاد الوطني ووقايته من خطر الانهيار والإفلاس أمام الهجمات العنيفة لأخطبوط الاقتصاد الربوي المتوحش الذي يسير دولاب الاقتصاد العالمي اليوم، وطغيان العولمة الجارف الذي يبتلع المزيد من الأمم والبلدان.
والدول إنما تقيم الحواجز الجمركية لحماية صناعتها الوطنية، ومنع دخول السلع الأجنبية التي تصنع مثيلاتها في أوطانها وتغطي احتياجات مواطنيها، حتى تضمن استمرار دولاب عجلة اقتصادها، وتوفير مناصب الشغل لأبنائها.
لأنها لو سمعت بدخول تلك البضائع إلى داخل الوطن، وقد تكون أجود وأرخص من منتوجاتها نتيجة التقدم التكنولوجي وتحديث آلات الإنتاج، وحينئذ يتهافت المواطن لاقتنائها، وهذا ما ينعكس بالسلب على الصناعة المحلية، فتضطر الوحدات إلى تخفيض إنتاجها أو إغلاق أبوابها، ويستتبع هذا تسريح العمال والموظفين مما يؤدي إلى بروز أزمة البطالة التي هي السبب الرئيسي لكل الآفات الاجتماعية التي تطال مختلف جوانب الحياة.
ترى كيف تتعامل المصالح الجمركية مع البضائع المستوردة ؟
هناك ثلاث صور محتملة:
1- بضاعة تصنع مثلها داخل الوطن وتغطي كامل احتياج الوطن.
2- بضاعة تصنع مثلها داخل الوطن ولكنها لا تغطي كامل احتياج الوطن.
3- بضاعة لا تصنع داخل الوطن. (1/3)
صفحة 4
أما بالنسبة للحالة الأولى؛ فإن الدولة تمنع دخول مثل تلك البضائع تماما إلى داخل الوطن، وتفرض عليها ما يسمى (Prohibation).
أما بالنسبة للحالة الثانية فإنها تسمح وبواسطة رخص خاصة لبعض المستوردين باستيراد الكميات الناقصة لتغطية احتياج الوطن، أو تفرض رسومات خاصة على هذه البضائع حتى لا تنافس منتوج الوطن، وهذه الرسومات الجمركية مما يغذي ويزيد في ميزانية الدولة.
أما بالنسبة للحالة الثالثة، فإن الدولة تسمح بدخول تلك البضائع، ولقد عشنا مؤخرا النتائج الخطيرة لرفع الحواجز الجمركية عن السلع المستوردة يوم تم إلغاء العمل بنظام الاقتصاد الموجه، والتحول إلى الاقتصاد المفتوح أو ما يسمى باقتصاد السوق، مما أدى إلى بروز أزمة خطيرة ووضعية اقتصادية حادة يعاني الوطن منها جميعا والمتمثل في غلق الوحدات الصناعية وتسريح العمال، وتفاقم أزمة البطالة.
لهذا يجب علينا جميعا النهوض لإعداد خطة حاسمة للدفاع عن اقتصادنا من مخاطر العولمة، وآفة الاقتصاد الربوي السائد.
وإننا وبصفتنا مسلمون لا يجوز ولا يحق علينا أن نعتمد فقط على النظريات الاقتصادية الوضعية -شرقية كانت أم غربية- لتحقيق ذلك، وإنما علينا بالرجوع أولا إلى تعاليم الدين الإسلامي، واستلهام الأحكام من شرعه، ثم الاستعانة بعد ذلك بما في النظريات الاقتصادية الوضعية مما لا يتناقض مع شرع الله، لأن الغاية المنشودة مختلفة جدا بين المسلم وغير المسلم.
فالمسلم يعتقد أنه إنما أوجده الله تعالى في هذا الكون ليعبده ويطبق حكمه وشرعه في مختلف جوانب حياته المتعلقة بالعبادات أو المعاملات. (1/4)
صفحة 5
أما غير المسلم فيرى أنه إنما يعيش في هذه الدنيا لتحقيق شهوته وإشباع غرائزه، والتفنن في إدراكها وتجديدها، فكلما لاحت له شهوة وثب إليها، وكلما حقق واحدة تطلع إلى غيرها، لا يتوانى في ذلك ساعة، لا يوقفه حد ولا يردعه خلق، ولا أدل على هذا مما هو سائد اليوم في عالم الشهوة ومحيط الرذيلة ومستنقع الجريمة في أرقى الدول صناعة وتمدنا.
ولا يمكن للإنسان أن يحقق هذه الشهوات ويلبي هذه الرغبات إلا بالمال الوفير ولذلك فهو يسعى بكل وسيلة إلى اكتساب المال من أي كان، ولو أدى به الأمر إلى انتهاك الأعراض وسفك الدماء، والتصدي لشرع الله.
يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلآئِكَةِ فَقَالَ: أَنبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلآءِ ان كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا: سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ( ).
ويقول الله تعالى من جهة أخرى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ( ).
ويقول ربنا تبارك وتعالى: {ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَالذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمُ, أَجْرٌ كَبِيرٌ} ( ).
نظرة الإسلام إلى المال:
للإسلام نظرة متميزة إلى المال فهو يعتبر:
1- ... المال مال الله.
2- ... المال مال المسلمين.
3- ... للمرء حق التصرف فقط في المال وفي حياته فحسب. (1/5)
صفحة 6
4- ... ليس للمرء الحق المطلق في التصرف في ماله.
5- ... المال يكسب من الحلال وفق ما شرع الله.
6- ... المال ينفق في الحلال وفق ما شرع الله.
7- ... للمرء حسن الثواب على الكسب الحلال والإنفاق المشروع.
8- ... للمرء شديد العقاب على الكسب الحرام والإنفاق المحظور.
لهذا حرم الله تعالى الربا بجميع أنواعه وأكل أموال الناس بالباطل بمختلف صوره، كالسرقة والرشوة وبيع مالم يملك... حفاظا على المال الذي هو حق للجميع، ولذلك يقول الله تعالى: {وَلاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ اَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا} ( ).
ومن أمثلة حرص الإسلام على تفتيت المال وجعله حقا مشاعا تولي الله تعالى بنفسه تقسيم مال المواريث، وبيان الورثة وأنصبتهم في كتابه العزيز، وفي هذا حكم جليلة منها:
1- ... عدم تكديس المال في فئة معينة، فمهما اكتسب الإنسان مالا كثيرا أو كنزه فهو مرهون بحياته، إذ بعد مماته سينتقل إلى غيره من ورثته.
2- ... تفتيت المال بين أشخاص كثيرين حتى لا تكون هناك فوارق كبيرة بينهم.
3- ... تداول المال بين أفراد مختلفين وعائلات متعددة بسبب علاقة النسب والمصاهرة.
4- ... اعتبار نصاب الميراث نواة لتكوين الثروة، والتي يزيد عليها الوارث بما يجمعه ويكتسبه، حتى إذا تجمعت لديه يحين أجله فيعاد تقسيمها على ورثته، وهكذا دواليك، فلا يتكدس المال عند شخص واحد أبدا.
وإذا حصلت للإنسان قناعة بهذه الحكم فإنه يقنع بقسمة الله ويسعى في جمع المال بالطرق المشروعة، ويبتعد عن كل ما فيه شبهة أو محظور، كما لا ينفقه ولا يوظفه إلا فيما أمر الله، وما دام الغرض الأسمى من ذلك كله تحقيق مرضاة الله والفوز بثوابه. (1/6)
صفحة 7
ولعل الدافع الأكبر الذي يدفع بالإنسان إلى أن يكيف حياته وفق شرع الله إيمانه المطلق بالغيب، إذ هو أول أسباب الهداية والفلاح: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمِّ. ذَالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ، هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ اَلذِينَ يُومِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالذِينَ يُومِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُوْلَئِكَ عَلَىا هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}( ).
فترى المؤمن بالغيب وبما أعده الله من نعيم في الآخرة، وبالخلف في الدنيا يكثر من الصدقات والزكوات، والبذل بسخاء وعن طيبة نفس لأنه يعتقد صادقا أن ماله الباقي هو ما يقدمه بين يديه إلى يوم القيامة لا ما يخلفه بعده: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ} ( ).
كما تجده يحاسب نفسه عن كل درهم ينفقه في غير ما شرع الله، لأنه يعتقد أن ذلك المال ليس ماله، وإنما هو مال الله موكلا عليه، فهو بذلك يحذر أن يبذره في غير ما يرضي صاحبه.
أما غير المسلم فهو لا يقيم اعتبارا لهذا لأنه لا يؤمن بشيء يسمى الغيب مطلقا، إنه لا يؤمن إلا بما يلمسه ويحققه في حياته، ولذلك فهو يكيف حياته وفق ما يجلب لها المنفعة الدنيوية العاجلة، إذ لا يرى حياة وراء هذه ولا سعادة غير التي يصنعها بيده فيها، فهو يسعى لاهثا لتحقيقها غير آبه بشرع الله ولا خائف من انتهاك محارم الله.
ولنجلي المسألة أكثر ونزيدها توضيحا نجري مقارنة بين طريقة الإرث الشرعي وطريقة الإرث الوضعي حتى يظهر الفرق الكبير بين حكمة الشرع وسفاهة الوضع.
فالإرث في الشرع محدود ومضبوط بنص الكتاب، وهو لا يفرض على الزوجين إلا عقد الزواج وتحديد الصداق... ولا يتدخل في مسألة الأموال التي لهما، أو التي تكون لهما، وكيف مصيرها. (1/7)
صفحة 8
أما في القانون الوضعي فضبط أموال الزوجين وتحديد مصيرها ينص عليهما في وثيقة عقد الزواج، وهي على ثلاث حالات، حسب القانون المدني:
1- ... الشراكة في الأموال سواء التي كانت للزوجين قبل الزواج أو التي تحدث بعد وهو ما يسمى بـ: (Regime de la comunoté).
2- ... حالة الأموال التي كانت قبل الزواج، وحالة الأموال التي تحدث بعد الزواج هو ما يسمى (Bien acquis avant le mariage et bien acquis pendant le mariage).
3- ... الأموال المنفصلة بينهما، أي كل واحد يختص بأمواله وهو ما يسمى (Bien séparés).
وهذه الحالات الثلاث التي ينص عليها في عقد الزواج تسمى في القانون الفرنسي
(Les régimes matrimoniaux).
أما الحالة الأولى وهي الشراكة في الأموال، فتنص على أن كل ما يكسبه الزوجان فهو على الشياع بينهما، أي هما شريكان بالسوية فيها.
فما دام الوئام يسود العلاقة الزوجية، والتفاهم يطبع الزوجين فليس هنالك إشكال، ولكن إذا دب الخلاف بينهما وحدث الشنآن فهنا تحدث الطامة الكبرى، وتنجم المشكلة العويصة بسبب مصير أموالهما، وكيف يتم تقسيمها، وهذا ما يحول حياتهما إلى عداوة مستحكمة فيسعى كل من الزوجين إلى تدمير حياة الآخر بكل وسيلة، ويمكن لنا أن نتصور عدة صور منها:
1- ... اشتراط أحد الزوجين أن يتم بيع أملاكهما بالمزاد العلني، فيصبح الزوجان كبقية المزايدين، مما يجعله يضطر إلى شراء ممتلكاته شراء، هذا إذا كان لديه مال، وقد لا يتسنى له ذلك إذا لم تكن لديه الأموال الكافية، فيرى أمواله يأخذها غيره على مرأى منه ولا يقدر أن يفعل شيئا.
2- ... قد يلجأ أحد الزوجين وتحت وطأة الكره الشديد، ومخافة فوات أمواله إلى قتل الآخر بدس السم، أو الإيعاز إلى أحد أعضاء منظمات الجريمة المنظمة ليقتله حتى يتخلص منه. (1/8)
صفحة 9
3- ... قد يتظاهر الزوجان بعدم الفراق حتى لا يلجآ إلى تقسيم أموالهما، فيستقل كل واحد منهما بغرفة في البيت، أو بدار خاصة إذا كانت لهما عدة ديار ولكن كل واحد منهما يتخذ لنفسه خليله على مرأى ومسمع من الآخر يقضي معه مأربه دون أن يستطيع أحدهما أن يعترض على الآخر أو ينكر عليه أبدا.
فهذه الوسائل وغيرها كثيرة يلجأ إليها الزوجان المتباغضان لتدمير حياة بعضهما لأنه لا يجمع بينهما وازع الإيمان ولا يربط بينهما رباط المودة والرحمة، وإنما حياتهما مبنية أساسا وقائمة على المنفعة المادية واللذة النفسية المحضة.
ونادرا جدا ما يتفق زوجان على الفراق بالتراضي، ويقسمان أموالهما بينهما بالعدل والمساواة.
أما الحالة الثانية، وهي حالة الأموال التي كانت قبل الزواج والتي كانت بعد، فإن الزوجين لا يعرفان طعم السعادة إذا دب بينهما الخلاف والشقاق، ويمكن أن نتصور كل ما ذكرناه في الحالة الأولى غير أن الأموال التي كانت قبل الزواج تبقى خاصة بكل زوج.
أما الحالة الثالثة، وهي حالة الأموال المنفصلة، ففي حال الخلاف والفراق فإنه لا يتصور مشكل في مال الزوجين لأنهما متفقان من أول يوم من زواجهما على الانفصال التام في أموالهما والاستغلال المطلق في التصرف فيها، إلا أن هذه الحالة نادرا ما تحدث لأنه ليس فيها فائدة الزوجين.
طريقة التوارث في النظام الغربي:
يتم التوارث على طريقتين:
1- الطريقة الأولى: الهالك لم يترك وصية.
2- الطريقة الثانية: الهالك ترك وصية.
أما الحالة الأولى، فهي ما إذا كان الهالك لم يترك وصية والمسماة في القانون المدني (AB. Intestat)؛ فإن الميراث يقسم على الورثة حسب القانون المدني المعمول به، ولولا خوف الإطالة لاستعرضنا طريقة الإرث هذه لنظهر الفرق بينها وبين طريقة الإرث الشرعي، وقد يورث القانون المدني حتى الولد غير الشرعي، وذلك بأن تخصص له نسبة مئوية من الميراث ينتفع بها من غير أن يمتلك أصلها. (1/9)
صفحة 10
أما بالنسبة للطريقة الثانية، وهي ما إن ترك الهالك وصية، فإن القانون المدني يسمح للهالك أن يوصي بجميع ماله أو ببعضه إلى وارث واحد من ورثته ويحرم الآخرين، أو يوصي به إلى شخص أجنبي عن ورثته، وبهذه الطريقة أي طريقة الإرث بالوصية تتكدس الأموال في يد واحدة، وهذا ما يتنافى مع المصلحة العامة للمال، وحكمة الإرث الشرعي الذي يراعي تفتيت الأموال وتوزيعها على أكثر عدد ممكن تفاديا للفوارق الطبقية الفاحشة، كما يسبب الإرث بالوصية إلى زرع الكراهة والإحن بين الورثة أو بينهم وبين الموصى لهم.
ثانيا - الربا
لقد جاء في رد المحاضر الثالث الأستاذ عبد الله الثميني على أسئلة المتدخلين قوله:
«و يبدو لي من الضروري كما هو الشأن بالنسبة لموضوع المحور الثاني إنشاء لجنة من ذوي الاختصاص، والمهارة المهنية والعلمية من الناحية الدينية والمالية والاقتصادية لبحث موضوع الربا وتحديد فحواه، وتوضيح ما هو ربوي في المعاملات البنكية الحالية وما هو غير ربوي، وهذا أمر مهم وضروري حتى نبتعد عن الأحكام العامة والإجمالية التي قد يكون فيها نوع من التعسف يعود علينا بالضرر ويؤدي بنا إلى التهلكة». اهـ.
يبدو لي من كلام الأستاذ المحاضر أنه يدفعني دفعا إلى الحديث وبكل قوة وشدة عن موضوع الربا، الذي استشرى التعامل به حتى وكأنه أمر مباح، بل مجرد الحديث عنه صار بدعا من القول، ومما تمجه الآذان وتنفر منه النفوس، بالرغم من الأضرار الماحقة التي يحدثها والدمار الواسع الذي يخلفه في مختلف جهات العالم في الأديان، والأبدان، والأعراض، وليس هذا بخاف على أحد أبدا، وفي هذا العصر أكثر من أي وقت مضى. (1/10)
صفحة 11
وقبل الحديث عن موضوع الربا لابد أن نشير إلى أن الربا محرم شرعا وبنصوص صريحة في الكتاب والسنة، وأن الله تعالى لم يشدد النكير ولم يغلظ الوعيد على محرم أكثر من تعاطي الربا، كما أنه لم يذكر له ضرورة يمكن أن يتعاطى فيه وتكون سببا لإتيانه، كما ذكر للمحرمات الأخرى: كالأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها، وإنما اشتد وعيده بإعلانه الحرب الشعواء ضد كل متعاط أيا كان نوعه.
هذا مما يظهر لنا خطورة الربا، وجسامة التسامح أو التساهل في التعامل معه أو به، أو التفكير في إيجاد نوع من الرخص له، فالحيطة كل الحيطة في الابتعاد عنه وعدم القرب منه أبدا.
وإننا لنجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن بعض مظاهر الكون قد لا تدرك أسرارها يوم نزول القرآن، أو تحرم أشياء قد لا تدرك حكمة تحريمها يومذاك بجلاء ووضوح، ثم تتوالى القرون ويتقدم العلم، وإذا بتلك الأسرار تظهر للعيان، وبتلك الحكمة من التحريم تبدو ناصعة، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة.
1- يقول الله تعالى في سورة الأنعام: {فَمَنْ يُّرِدِ اللهُ أَنْ يَّهْدِيَهُ, يَشْرَحْ صَدْرَهُ, لِلاِسْلاَمِ وَمَنْ يُّرِدَ اَنْ يُّضِلَّهُ, يَجْعَلْ صَدْرَهُ, ضَيِّقًا حَرِجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ كَذَالِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الذِينَ لاَ يُومِنُونَ} ( ). (1/11)
صفحة 12
قد يتعجب المرء من معنى الآية، ومن علاقة ضيق الصدر بالصعود إلى السماء وهذا ما كان محتملا في الزمن الماضي، ولكن اليوم وبتقدم العلم خاصة في ميدان الطيران تبين أن الإنسان إذا تجاوز ارتفاع 3000 متر تنخفض نسبة الأوكسجين من الجو مما يؤدي إلى الاختناق كلما زاد الإنسان ارتفاعا حتى ليكاد يموت، ولذلك لزاما عليه أن يصحب معه اسطوانات الأوكسجين إذا أراد الارتفاع أو الطيران في أجواء الفضاء، أو يطير في غرف مصموتة لا ينفذ إليها الهواء الخارجي كما هو الشأن بالنسبة لمقصورات الطائرات، ومع هذا فقد يلجئ الأمر المسافرين في بعض الحالات إلى ارتداء أقنعة الأوكسجين إذا انخفضت نسبته، وهذا ما لم يكن معروفا زمان نزول الوحي.
2- يقول الله تعالى في سورة البقرة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فيِ الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} ( ).
نحن لا نشك أن إتيان النساء في المحيض أذى وضرر كبير، لأن هذا إقرار له وتنصيص عليه من قبل الله تعالى نفسه، وإنما أريد أن أشير إلى حكمة قوله تعالى: {فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} حقا هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب كما هو معلوم، ولكن قد يبدو أن هذا الأمر هو لمجرد تحديد مكان إتيان النساء بمحل الحرث لا محل الفرث، من غير أن ندرك المضار التي تنجم عن إتيان النساء في أدبارهن، وربما هذا ما لم يكن باديا أيام نزول الآية، ولكن اليوم وقد تطور العلم وتقدمت الأبحاث الطبية، ومع ظهور وباء العصر الخبيث -الإيدز أو السيدا- يتقرر أن من أكبر مسببات هذا المرض الفتاك إتيان النساء في أدبارهن، خاصة وقد أصبح هذا موضة بين الأزواج في حضارة الغربيين وجاهلية القرن العشرين.
وهذا ما يثبت صدق نبوءة النبيء ? ، وصحة كتابه الذي جاء به، وصلاحه لكل زمان ومكان، وهذه آية من آيات إعجازه. (1/12)
صفحة 13
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأمرين السابقين، فكذلك الشأن بالنسبة للربا، إذ بدت حكمة تحريمه اليوم جلية أكثر من زمان نزوله تحريمه، لتعدد صوره، وفحش ضرره، واتساع خطره، وقد يأتي المستقبل بما هو أفحش وأخطر.
ففي زمان نزول الوحي كان ضرر الربا لا يتجاوز شخصا واحدا، وهو المدين أي معطي الربا، ولا يتجاوزه إلى غيره فيعم الناس جميعا، إذ المعاملة الربوية محصورة بين المعطي والآخذ، فقط.
أما التعامل بالربا اليوم، وخاصة في التعامل به في البنوك التقليدية، فضرره يشمل الناس كلهم، وخطره ينسحب عليهم جميعا، وذلك بإحدى الطريقين:
الطريق الأول:
إدراج الربا وفوائده في القيمة المضافة لسعر المنتوج، وهذا ما يسبب في ارتفاع الأسعار، ولنضرب مثلا:
لدينا مادة أولية بقيمة ... ... ... 1000 دج
يزاد لها قيمة التحويل والتصنيع ... ... 500 دج
يزاد لها مصاريف أخرى ... ... 300 دج
يزاد لها مصاريف الربا وفوائده ... ... 200 دج
فسعر الكلفة تساوي ... ... ... 2000 دج
ثم يضاف هامش الربح الذي يقدر مثلا بـ: 25 % وهو 500 دج
فسعر البيع يساوي إذن: 2500 دج
ففي سعر البيع هذا نجد فيه:
1) ... 200 دج وهي مصاريف ربوية.
2) ... 40 دج وهي نسبة هامش الربح على المصاريف الربوية.
أي في مبلغ 2500 دج مبلغ 240 دج من المال الحرام.
ولنتصور أن مبلغ 2500 دج ثمن مادة أولية كالقطن مثلا، فإن القطن بحاجة إلى صناعة تحويلية حتى يصير خيطا، فصاحب مصنع الخيوط يشتري القطن بهذا المبلغ الذي يحتوي على نسبة من مصاريف الربا وهامش ربحه.
وبعد تصنيع القطن وتحويله إلى خيوط وقبل بيعه لابد من تحديد سعر البيع والذي يساوي قيمة شراء المادة الأولية والتي هي القطن، يزاد إليها القيمة المضافة لسعر المنتوج، ثم يضاف إليه المصاريف الربوية، ثم بعد ذلك يوضع هامش الربح الخاص بصاحب معمل الخيوط. (1/13)
صفحة 14
ثم تتحول هذه الخيوط إلى معمل النسيج كمادة أولية له فيضيف إليها صاحب المعمل القيمة المضافة، ثم يزيد عليها مصاريف الربا، وبعد ذلك يضع هامش الربح الخاص له.
وهكذا الأمر بالنسبة لمصانع الصباغة والفصالة... ففي كل مرحلة من المراحل تؤخذ الفائدة على الربا مرتين:
1- ... بما يزاد إلى القيمة المضافة التي تكون سعر الكلفة، لأن المادة الأولية أيا كانت لا تصلح للاستهلاك إلا بعد مراحل، وفي كل مرحلة تمثلها وحدة صناعية تأسست على أموال ربوية.
2- ... هامش الربح، وهامش الربح لا يوضع إلا بعد أن تزاد المصاريف الربوية إلى القيمة المضافة، وهكذا يتضاعف الربا أضعافا مضاعفة، ويأكل الناس أموالهم بعضهم بعضا بالباطل.
وهذا الجدول التالي يبرز لنا هذه الحقيقة:
المادة الأولية ... القطن ... الخيط ... الصباغة ... الفصالة
سعر المادة الأولية ... 1000دج ... 2500دج ... 4375دج ... 6718.75دج
القيمة المضافة (مصاريف التصنيع والتحويل) ... 500دج ... 500دج ... 500دج ... 500دج
مصاريف مختلفة ... 300دج ... 300دج ... 300دج ... 300دج
مصاريف الربا ... 200دج ... 200دج ... 200دج ... 200دج
سعر التكلفة ... 2000دج ... 3500دج ... 5375دج ... 7718.75دج
هامش الربح 25 % ... 500دج ... 875دج ... 1343.75دج ... 1929.68دج
سعر البيع ... 2500دج ... 4375دج ... 6718.75دج ... 9648.43دج
مجموع ما أضيف إلى سعر البيع من مصاريف ربوية:
المرحلة ... المرحلة السابقة ... مصاريف الربا ... المجموع ... فائدة الربح 25 % ... المجموع
الأولى ... ... ... 200دج ... 40دج ... 240دج
الثانية ... 240دج ... 200دج ... 440دج ... 110دج ... 550دج
الثالثة ... 550دج ... 200دج ... 750دج ... 187.5دج ... 937.5دج
الرابعة ... 937.5دج ... 200دج ... 1137.5دج ... 284.37دج ... 1421.87دج
فنسبة الربا في المرحلة النهائية تساوي = 1421.87 ÷ 9648.43 = 14.73 % (1/14)
صفحة 15
هذا مثال تقديري فقط لتصوير عملية تضاعف الربا كيف تتم، وإلا فإن نسبة الربا قد تكون أكثر من هذه، لأن صاحب كل وحدة إنتاجية يضيف إلى سعر الكلفة مصاريف الربا المتولدة من الأموال المخصصة للتجهيز، وكذا من الأموال المخصصة لتسيير دولاب الإنتاج مما قد يدفع نسبة الربا إلى أكثر من هذه، كما أن ارتفاع نسبة الربا قد تكون خاضعة لنمط المعاملات واختلاف آجال القروض.
وكل هذه الفوائد الربوية إنما يتحملها المستهلك أخيرا أيا كان، وخاصة الطبقات الكادحة من العمال والفلاحين والموظفين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذه العمليات، وأما أرباب الحركات الإنتاجية فلا يخسرون شيئا لأن المصاريف الربوية كلها تضاف إلى سعر كلفة البيع، بل ويأخذون عليها فوائد كما تقدم.
هكذا يتم تضاعف الربا، وهذا هو تأثيره في الاقتصاد الوضعي القائم على أساس المعاملات الربوية.
أما في الاقتصاد الإسلامي فلا يمكن أن نتصور هذه الزيادات مطلقا، وذلك لأن الأموال المستثمرة في المشاريع الاقتصادية توظف عن إحدى الطرق التالية:
1- القرض الحسن.
2- الشراكة.
3- المضاربة.
وفي الطريقتين الأخيرتين يكون توظيف المال بهما مقابل نسبة مئوية معينة متفق عليها في الربح الناتج -إن كان- بين الشركاء لأن التعامل في الإسلام يقوم على أساس الغنم بالغرم، والخراج بالضمان.
وهذا الجدول التالي يبين لنا طريقة التعامل في الإسلام، وكيف أنها بمنجاة عن كل زيادة من الزيادات الحاصلة في المعاملات الربوية، ولنأخذ نفس المثال الذي ضربناه للمعاملات الربوية:
المادة الأولية ... القطن ... الخيط ... الصباغة ... الفصالة
سعر المادة الأولية ... 1000دج ... 2250دج ... 3812.5دج ... 5762.62دج
القيمة المضافة (التصنيع والتحويل) ... 500دج ... 500دج ... 500دج ... 500دج
مصاريف مختلفة ... 300دج ... 300دج ... 300دج ... 300دج
سعر الكلفة ... 1800دج ... 3050دج ... 4612.5دج ... 6565.62دج
هامش الربح 25 % ... 450دج ... 762.5دج ... 1153.12دج ... 1641.40دج (1/15)
صفحة 16
سعر البيع ... 2250دج ... 3812.5دج ... 5765.62دج ... 8207.02دج
فسعر البيع في المرحلة الأخيرة في المعاملات الربوية = ... ... 9648.43 دج
وسعر البيع في المرحلة الأخيرة في المعاملات الإسلامية = ... 820.02 دج
الفرق بين التعاملين = ... ... ... ... ... ... 1441.41 دج
وبالمقارنة بين جدول التعامل بالربا وجدول التعامل بالطريقة الإسلامية نجد في التعامل بالربا أن الذي كان يجب أن يدفع من مصاريف الربا هو 800 دج على أساس وجود أربع مراحل وفي كل مرحلة تدفع 200 دج.
ولكن في واقع الأمر نجد المبلغ الذي ترتب عن الربا في نهاية المرحلة الرابعة هو 1441دج، أي بزيادة عدد 641 دج، وكاد أن يكون الضعف، وذلك أن كل مرحلة من هذه المراحل الأربع يؤخذ عليها هامش الربح المساوي 25 % على مصاريف الربا، فصاحب المعمل في كل مرحلة من المراحل كما يأخذ هامش الربح على المادة الأولية، والقيمة المضافة، والمصاريف العامة يأخذه كذلك على مصاريف الربا.
وإذا تصورنا المنتوج يتطلب تصنيعه أكثر من أربع مراحل؛ فإن ما يؤخذ من ربح على مصاريف الربا يكون أكثر من مصاريف الربا نفسها، وكل هذه ملقاة على كاهل المستهلك.
أما في الاقتصاد الإسلامي؛ فإن هذه الزيادات كلها، سواء منها مصاريف الربا أو الأرباح المترتبة عنها، لن تكون أبدا، وهذا من أكبر أسباب انخفاض الأسعار في الاقتصاد الإسلامي.
وزيادة على انخفاض الأسعار في التعاملات الإسلامية، فإنها توفر للإنسان راحة نفسية، وطمأنينة قلبية، خاصة في الأوقات العصيبة أيام اشتداد الأزمات الاقتصادية، إذ لا يخشى المتعامل من تراكم الديون عليه وما يتولد عليها من الفوائد، إذ المال الذي يتعامل به إما أن يكون ماله الخاص أو قرضا حسنا، أو مال شريكه يتعامل فيه بالمضاربة أو الشراكة على أساس الغنم بالغرم والخراج بالضمان. (1/16)
صفحة 17
أما المتعامل بالربا فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، إذ يثقل كاهله القروض، والفوائد الربوية التي لا تتوقف لحظة حتى ولو كان هناك كساد تجاري، بل ولو إغلاق للوحدات الصناعية، فهو في حرج وضيق، وهم وغم لا يجد لها متنفسا، وهو بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن ينتهي به أمره إلى الإفلاس أو إلى قتل نفسه، وهذا ما يجلي قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمُ, إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} ( ).
أو ليس في النهي عن الربا وعن أكل أموال الناس بالباطل رحمة!
أو ليس في أكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل قتل للنفس!
هذا ما سنبينه بحول الله في حديثنا عن الاقتصاد الغربي.
الطريق الثاني:
لقد بينا فيما سبق أن الربا المدفوع أو المأخوذ لا يتحمله صاحب الربا لأنه يدرجه في قيمة المنتوج والذي تتضاعف به الأسعار، ويعتبر ربا البنوك عاملا أساسيا في التضخم الذي هو الطامة الكبرى والخطر الداهم الذي ينعكس مباشرة على الناس جميعا، وذلك بانخفاض القيمة الشرائية للنقود الحقيقية. فما هو التضخم؟.
التضخم هو ارتفاع الكتلة النقدية على الكتلة الإنتاجية، وسوء التوازن هذا يظهر على مستوى الأسعار، إذ تنخفض القيمة الشرائية للنقود، ويقابل هذا من الطرف الآخر ما يسمى الانكماش الذي هو ارتفاع الكتلة الإنتاجية على الكتلة النقدية، وسوء التوازن هذا يظهر على مستوى الأسعار إذ ترتفع القيمة الشرائية للنقود.
فالعملة هي عبارة عن أوراق نقدية تحمل قيمتين:
أ- ... ... القيمة الاسمية التي تكتب عليها والتي لا تتغير مثل: 50 دج 100 دج
ب- ... ... القيمة الشرائية التي تتغير حسب تسعير السوق.
والقيمة الشرائية للأوراق النقدية تنخفض بالتضخم وترتفع الانكماش. (1/17)
صفحة 18
ولتوضيح المسألة وإبراز حقيقتها نتحدث عن العوامل التي ينجم عنها التضخم.
1- المعاملات البنكية:
من المعلوم أن البنوك إذا قدمت قروضا للمتعاملين من زبائنها، فإنها لا تسلم لهم أموالا في صورة أوراق نقدية، وإنما تمنحها لهم على طرق أخرى.
أ- ... ... تسهيلات الصندوق ... ... ... ... (Facilité de caisse)
ب- ... ... منح قروض مقابل إمضاء حوالة بنكية ... (Biellet a ordre)
ج- ... ... تصريف حوالات الزبائن ... ... ... (Lettre de change)
د- ... ... تقديم قروض الاستثمار ... ... ... (Crédit d’investissement)
وغيرها كثيرة...
وفي هذه الطرق، فإن البنوك لا تسلم زبائنها أموالا نقدية وإنما تسجل ما تدفع لكل زبون في حسابه الجاري عندها وهذه هي الطامة الكبرى.
الحالة الأولى: تسهيل الصندوق:
عندما يمنح البنك لأحد زبائنه تسهيلا في الصندوق (Facilité de caisse) والذي يحدد له سقفه ولا يمكن تجاوزه إلا بأمر آخر؛ فإن البنك يعطي الزبون دفتر صكوك
(Carnet de cheque) الذي يتعامل به في عمليات الشراء التي يقوم بها مع الممولين، وبعد ذلك يقوم الممول بدفع الشيك إلى البنك، وغالبا ما يكون الحساب الجاري للممول والحساب الجاري للزبون في بنك واحد، فيقوم البنك بطرح مبلغ الشيك من حساب الزبون وتسجيله في حساب الممول، دون أن يكون هناك أخذ للنقود من الزبون ودفعها للممول، ويكون البنك حينئذ بهذه العملية قد قدم خدمة للزبون من غير أن يدفع له دينارا واحدا، إن هي إلا نقود وهمية اخترعها ويأخذ عليها فائدة ربوية وقد يكون المبلغ المتداول في هذه العملية هو نفسه الذي يتداول في عمليات أخرى تتكرر مرارا. (1/18)
صفحة 19
وفي حالة ما إذا لم يكن للممول حساب جار في نفس بنك الزبون فإن العملية تتم بطريق المعاوضة بين البنوك (Componsation) على مستوى البنك المركزي، إذ يجتمع ممثلو البنوك الفرعية المختلفة ثلاث مرات في الأسبوع فيه، فيقدم ممثل كل بنك إلى البنك المركزي قائمة الصكوك أو الحوالات التي عنده على البنك الآخر، وبعد عملية المراجعة والتثبت وموافقة ممثلي البنوك على قوائم الصكوك والحوالات يقوم البنك المركزي بتسجيل مبالغها في الحساب الجاري لكل بنك عنده زيادة أو طرحا، وبهذه الطريقة يتم تسديد الشيكات والحوالات بين البنوك، من غير دفع للنقود، وبعملية المعاوضة هذه تصبح الحسابات الجارية لكل زبون أو ممول كأنها في بنك واحد، ومن غير أن يكون هناك دفع أو قبض، وهذا مما يضاعف النقود الوهمية.
وهذه العملية تسبب في إنشاء نقود وهمية وإضافتها إلى كتلة النقود الحقيقية من غير أن يكون هناك إنتاج يقابلها.
الحالة الثانية: منح قروض مقابل حوالات إلى البنك (Biellet a ordre):
إذا قدم أحد المتعاملين حوالة إلى البنك مقابل تسلمه لقرض منها، فإن البنك في حالة احتياجه إلى النقود، أو إلى مضاعفة أرباحه فإنه يقوم ببيع هذه الحوالة إلى البنك المركزي مقابل نسبة مئوية ضئيلة من الربح محددة بين البنك المركزي والبنوك الأخرى الفرعية، وبعد أن يتسلم البنك مبلغ الحوالة من البنك المركزي يقوم بقرضه مرة ثانية إلى زبون آخر بنسبة مئوية مرتفعة ويأخذ على ذلك حوالة منه كضمان، ثم يقوم بدفع هذه الحوالة إلى البنك المركزي، ويتسلم منه مبلغها مقابل نسبة الربح المحددة، ثم يقوم البنك مرة ثالثة بقرض هذا المبلغ إلى زبون آخر مقابل حوالة وبنسبة مئوية من الفائدة، وهكذا قد تتكرر هذه العملية عدة مرات قبل أن يحين أجل دفع الحوالة الأولى من الزبون الأول، وهذا كذلك مما يتسبب في مضاعفة النقود الوهمية.
الحالة الثالثة: تصريف حوالات الزبائن: (1/19)
صفحة 20
قد يبيع أحد الزبائن المتعاملين مع البنك سلعة إلى أجل، ويأخذ على ذلك حوالة تجارية كضمان، والتي يمكن له أن يقدمها إلى البنك ليصرفها له (Escompt) فيقوم البنك بتسجيل مبلغ الحوالة في الحساب الجاري لهذا الزبون بعد أن يطرح له نسبة معينة من قيمة الحوالة كفائدة له، ثم يقوم البنك بعد ذلك بيعها إلى البنك المركزي إن احتاج إلى نقود مقابل نسبة معينة من الفائدة، فهذه العملية تسبب كذلك في إنشاء النقود الوهمية، وبالتالي تساهم في التضخم.
فهذا التضخم الذي يتكون بإنشاء النقود الوهمية يلحق ضررا كبيرا للمواطنين، لأنه ينعكس على القيمة الشرائية للنقود، وهذا ما يتحمله الغني والفقير، إلا أن الفقير أكثر تحملا لها لأن دخله محدود، ودخله من كد يمينه وعرق جبينه، فهو يشعر بانخفاض القيمة الشرائية لأجرته من غير أن يكون المسبب لها، ويتحمل أعباء الربا الذي استفاد منه الآخرون.
ويمكن لنا أن نقول: إذا كان القانون يعاقب المزورين للنقود لما يسببونه من ابتزاز للأموال، وإغراق السوق بالأوراق المزيفة التي تسبب في انخفاض قيمة العملة؛ فإن العمليات الربوية التي ذكرناها تقوم بنفس الدور إلا أنه في إطار قانوني، وبدون طباعة للأوراق المزيفة.
وإذا كنا قد بينا بعض العمليات البنكية الربوية التي تؤدي حتما وبالضرورة إلى بروز وظهور آفة التضخم، وما يجره من انعكاسات سلبية على الاقتصاد العام، فإننا سنبين فيما يلي بعض الأسباب الأخرى التي تؤدي إلى التضخم وبصورة موجزة:
1- ... عجز ميزانية الدولة.
2- ... عجز في ميزانية المدفوعات.
أولا: عجز ميزانية الدولة: (1/20)
صفحة 21
من المعلوم أن للدولة ميزانية للتسيير، وهي ضرورية، إذ تعتمد عليها في تسيير مصالحها، ولذلك فهي تقوم في كل سنة بحصر كل النفقات التي تحتاجها، والبحث عن الموارد المالية التي تغطي هذه النفقات، وهذا ما تقوم به وزارة المالية، إذ تطالب كل وزارة بتقديم جملة ما تحتاجه من النفقات، وبعد حصرها تقوم من جهة أخرى بجرد لحصيلة كل الضرائب التي يمكن أن تغطي هذه النفقات.
والمشكل القائم في هذه الموازنة أن مصاريف التسيير حقيقية ومضبوطة، وأما الأموال المتوقعة لتغطيتها فهي تقديرية، لأنها مرهونة بالنشاط الاقتصادي للوطن.
فإذا انطلقت هذه السنة المالية، ومضى عليها عدد من الأشهر، ولم يدخل ميزانية الدولة من الضرائب الموجودة ما يغطي النفقات المبرمجة لها فإن الدولة تلجأ إلى الميزانية الإضافية، وذلك بفرض ضرائب جديدة، أو بالزيادة في نسبها لتغطية هذا النقص، وهذا ما يحدث غالبا.
وإذا كان العجز ضخما فإن الدولة تلجأ إلى الخزينة العامة لاقتراض الأموال منها، والتي تسمى: حسابات الخزينة الخاصة (compts speciaux de trésore) شريطة أن تقوم بإعادتها في المستقبل. وإذا عجزت الدولة عن تسديد هذه القروض فإن الأمر يؤول بها إلى طرق أخرى، كالاستدانة الخارجية، أو الاستدانة من المواطنين عن طريق الاكتتاب المسمى (Bons de trésore)، أو إلى الدوس على عجلة المطابع لطباعة نقود جديدة من غير أن يكون لها مقابل من المنتوج الوطني، وهذه هي الطامة الكبرى.
ثانيا: العجز في ميزانية المدفوعات:
وهذه تتولد من:
1- ... الموازنة بين عمليات الاستيراد والتصدير.
2- ... مداخيل السياحة وغيرها من العملة الصعبة.
3- ... ما تصرفه الدولة للمواطنين من عملة صعبة لأجل الخروج من الوطن.
وهناك عناصر أخرى تدخل في هذه الموازنة لم نذكرها. (1/21)
صفحة 22
وهذه العمليات كلها قد تساهم في التضخم، ولكن يمكن تلافيها وعلاجها، سواء بالنسبة لميزانية التسيير، أو لميزانية المدفوعات، وذلك بتخفيض المصاريف، وانتهاج سياسة التقشف، أو النقص من الاستيراد والزيادة في التصدير حتى لا يقع العجز.
وأما النقود الوهمية المتولدة عن المعاملات الربوية البنكية، والتي هي السبب الأكبر للتضخم فلا يمكن تلافيها أبدا، لأنها متولدة من عمليات من طبيعتها إنتاج مثل هذه النقود الوهمية. ولأن بقاء البنوك وربحها متوقف أساسا على ما تدره لها القروض من الفوائد الربوية. (وهذا ما يؤكد لنا وبكل جلاء حكمة تحريم الربا، وإعلان الله تعالى الحرب على المرابين).
ومن الأضرار الأخرى الناتجة عن التضخم المتولد عن المعاملات الربوية البنكية وذلك بما تضخه من نقود وهمية في الكتلة النقدية الانخفاض في القدرة الشرائية للنقود.
فالنقود التي تكون لها قيمة معينة، والتي توضع في الخزائن لحفظها، يحسبها المرء ثابتة قيمتها، ولكنها في واقع الأمر تتناقص قيمتها يوما فيوما بسبب التضخم، بالرغم من حفاظها على قيمتها الاسمية.
فالمواطن الذي يسعى ويكد طول حياته مقتصدا في نفقاته ليدخر مبلغا من المال ليوم الحاجة، فإن عامل التضخم يأتي عليه شيئا فشيئا مع مرور الوقت، حتى لا يكاد يساوي شيئا، فتراه مرة أخرى بل دوما يلهث وراء الادخار ولكنه لا يحني شيئا.
فالنقود التي بإمكانه أن يقتنى بها اليوم شيء ما بمبلغ معين محدود فإن عامل التضخم يجعله بعد مدة عاجزا عن تسديد قيمة ذلك الشيء لارتفاع قيمته، وفي الحقيقة ليس بسبب ارتفاع قيمته بل بسبب انخفاض القيمة الشرائية للنقود. (1/22)
صفحة 23
ولذا فالمبالغ التي تخرج للزكاة إذا لم تؤد في وقتها فإن قيمتها تنخفض بعد مدة بعامل التضخم، ويكون المزكي بذلك قد أخرج أقل مما يجب عليه -إذا تهاون عن إخراج زكاته يوم وجوبها- ولذلك على المزكي استبراء لذمته ولدينه أن لا يدخر مال الزكاة، بل عليه إخراجه في حينه، ليستفيد من تصرف إليه بقيمتها يوم وجوبها.
وكل هذه الأضرار تتسبب فيها النقود الوهمية المتولدة عن المعاملات الربوية البنكية. هذه الأضرار التي ذكرناها تلحق أي مواطن عادي، كما تلحق المدين نفسه، بل وتلحقه أضرار خاصة به تؤدي به إلى إفلاسه، وهذا ما سنتعرض له عند حديثنا عن الاقتصاد الغربي.
ومن خلال ما ذكر من الأضرار الخطيرة الماحقة تتجلى لنا حكمة الله تعالى في تحريم الربا وإعلانه الحرب على المرابين، كما تظهر لنا بجلاء رحمته في قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمُ, إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}( ).
ولو يعلم الناس الأضرار الخطيرة المتعددة في الربا عموما، وفي ربا البنوك خصوصا لحرموه بأنفسهم قبل أن يحرمه الله تعالى.
وما دمنا بصدد الحديث عن موضوع الاقتصاد، وعن خطورة الربا، والأضرار الناجمة عن العمليات البنكية الربوية، فإننا سنتعرض إلى بعض المواضيع الأخرى التي قد تبدو بعيدة عن صلب الموضوع، ولكنها ضرورية، وذات أهمية قصوى في الإحاطة بالموضوع، والتعمق في البحث عن أسباب التدهور الاقتصادي، للوصول في النهاية إلى أنجع الحلول التي بإمكاننا أن نعتمدها للخروج من براثين الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تهدد المستقبل، ويتعلق الأمر بـ:
1- ... شركات التأمين.
2- ... البورصة.
أولا: شركات التأمين:
كلنا يعلم دور شركات التأمين في الاقتصاد، إذ تقوم بتأمين المخاطر التي تتعرض بها أي حركة اقتصادية، والتأمين نوعان: (1/23)
صفحة 24
1- ... إجباري يلزمه القانون، كالتأمين على السيارات والقطارات والطائرات، وغيرها من وسائل النقل الأخرى.
2- ... اختياري يعود إلى اختيار المرء، كالتأمين على الوحدات الصناعية والمحلات التجارية والبنايات وغيرها.
وعمليات التأمين تتم بعقد بين شركات التأمين وزبائنها، وذلك بدفع مبلغ مالي معين سنويا حين إمضاء العقد، وبهذا العقد يصبح الشيء المؤمن مغطى طول سنة كاملة من قبل شركات التأمين عن المخاطر التي يتعرض لها، وهذا العقد يتجدد في كل سنة.
وبهذا العقد يصبح لشركات التأمين أرصدة مالية ضخمة، ولذلك فهي تعد من أغنى الشركات في العالم، لأنها لا تقوم بعمليات شراء أو بيع، ولا بعملية صناعية أو فلاحية، وإنما تقوم بعملية مقامرة بينها وبين زبائنها، فإن حدثت لهم مضار خلال العام فإنها تدفع لهم التعويض المشروط المتفق عليه في العقد، وإن مضى العام ولم تقع أحداث فإن كل الأموال المدفوعة تصبح خالصة لها بتمامها من غير أن ترد منها شيئا إلى زبائنها، بل عليهم أن يجددوا عقدا آخر، ويدفعوا اشتراكات أخرى إن أرادوا التأمين على ممتلكاتهم مرة أخرى، وهكذا دواليك عند تجديد كل عقد.
وبالممارسة والتجربة والاحتمالات (Probabilité) صارت لشركات التأمين خبرة في تقدير قيمة الاشتراكات على الأشياء المؤمنة، بحيث تدر عليها الفوائد الكبرى.
وعلاوة على هذا فإن هذه الأموال الضخمة التي تتجمع لديها من مختلف الاشتراكات توظفه في عمليات شراء وبيع الأسهم والسندات وغيرها في البورصة، أو تقدمه على شكل ودائع في البنوك لتأخذ عليها فوائد ربوية هامة.
وهذه الفوائد الناجمة عن توظيف هذه الأموال غالبا ما تغطي لوحدها مصاريف التسيير، كأجور العمال وغيرها، وكذا التعويضات التي تقدمها لزبائنها لتغطية مستحقات الحوادث التي تنجم لهم.
ولقد عمد كثير من العلماء إلى تحريم عمليات التأمين، لما فيها من مخالفة شرعية -على حسب زعمهم-. (1/24)
صفحة 25
وإنني سوف لن أتعرض إلى مسألة التحليل والتحريم لهذه العمليات، لأنني لست أهلا لإصدار حكم شرعي فيها، مخافة الوقوع في الوعيد الذي يتضمنه قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} ( ).
وإنما أنا شخصا لا تستطيب نفسي مثل هذه العمليات التأمينية، إلا فيما يفرضه ويوجبه القانون، كتأمين السيارات وغيرها من وسائل النقل.
على أنني حتى في التعويض الذي ينجم عن حوادث السيارات فإنني لا أستهلكه ولا أخلطه بأموالي الخاصة، وإنما أعتبره مالا مشبوها، أصرفه مصرف مال مجهول ربه، وهو للفقراء والمساكين، وإننا لندع سبعين بابا من الحلال مخافة الوقوع في الحرام، كما قال سيدنا عمر ? .
وبما أننا بصدد الحديث عن الطرق الناجعة لدفع عجلة اقتصادنا إلى الأمام، وخوض معركة المنافسة، فعلينا أن نعمد إلى طريقة تأمين توفر لنا أموالا طائلة، وتساهم في تخفيض سعر الكلفة للإنتاج، وذلك بتبني شركات تأمين إسلامية، تسير وفق النظام التالي:
لقد صارت شركات التأمين الإسلامية سارية المفعول في كثير من الدول الإسلامية كالأردن وغيرها، وصارت تؤتي ثمارها اليانعة، كما صار زبائنها يحمدون ربهم الذي أنقذهم من التأمينات المشبوهة في شركات التأمين العادية.
إنشاء شركات التأمين الإسلامية وتعاملاتها:
تنشأ شركات التأمين الإسلامية بالمساهمة كغيرها من شركات التأمين التقليدية، ومجال نشاطها: تأمين الحركات الاقتصادية المختلفة والممتلكات ووسائل النقل المتعددة، إلا أن طريقة التأمين فيها يكون حسب تعاليم الشرع الإسلامي، لا عن طريق المقامرة كما هو الشأن في شركات التأمين التقليدية. (1/25)
صفحة 26
يشارك الزبون في شركات التأمين الإسلامي لتغطية المخاطر التي تتعرض لها إحدى ممتلكاته عن رضى وطيبة نفس، كما يساهم فيها من أجل تخفيف الحوادث والنوازل التي قد يتعرض لها أحد إخوانه المسلمين المشاركين معه، امتثالا لتعاليم دينه الذي يدعو إلى التآزر والتكافل، ورفع الجوائح، وتنفيس الكرب عن بعضهم، إذ يقول الرسول ? : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».
ثم إن مال المشاركين في شركة التأمين الإسلامية يبقى لهم خاصا كما هو دون أن ينقص منه شيء، إلا إذا حدث لأحد المؤمنين حادث.
ثم إن شركة التأمين الإسلامية تقوم بدورها بتوظيف هذه الأموال بطريقة شرعية على جهة المضاربة أو الشراكة، والعائد من هذا الاستثمار يقسم وفق الاتفاق بين المشاركين والشركة، حيث تؤول نسبة مئوية منه إلى المشاركين، ونسبة مئوية أخرى إلى الشركة، وبهذا العائد يتسنى للشركة تغطية مصاريفها، وتحقيق أرباحها.
وفي آخر كل سنة تتم تصفية الحسابات، بإضافة الأرباح التي تحققت من الاستثمارات إلى اشتراكات الزبائن، وطرح ما يلحقها من نسبة التعويضات التي قدمت عن الحوادث الناجمة خلال العام -إن حدثت- فيصبح بهذا لكل شريك رصيد جديد في الشركة على رأس كل سنة.
وبهذه العملية الإسلامية نحقق النتائج التالية:
1- ... تغطية المخاطر الناجمة عن طريق التكافل والتضامن وفق الشريعة الإسلامية.
2- ... بقاء الأموال المدفوعة للشركة دائما مالا للمشاركين، ولو دار عليها الحول.
3- ... حصول شركة التأمين الإسلامية على نصيبها من الربح من جراء توظيف أموال المشاركين في الاستثمارات وفق الشريعة الإسلامية. (1/26)
صفحة 27
4- ... عدم دفع المشاركين أموالا جديدة كل عام لتغطية المخاطر الناجمة، لأن اشتراكاتهم لم تنفد، بل جرت لهم أرباحا إضافية، على عكس ما يجري في شركات التأمين التقليدية التي تصبح أموال المشاركين فيها أموالا خالصة لها في آخر كل سنة، وعلى المشاركين إن أرادوا تغطية المخاطر التي قد تنجم لممتلكاتهم أن يجددوا اشتراكات جديدة.
5- ... عدم إضافة مصاريف التأمين في التعامل الإسلامي إلى سعر كلفة المنتوج، على عكس ما يتم بالنسبة لمصاريف التأمين في شركات التأمين التقليدية، إذ تضاف إلى سعر كلفة المنتوج كغيرها من المصاريف الأخرى، ثم يؤخذ عليها هامش الربح بعد ذلك، الشيء الذي يؤدي إلى زيادة سعر الكلفة، وبالتالي إلى رفع قيمة المنتوج، وقد تتكرر العملية مرارا إذا كان المنتوج يمر على عدة مراحل للتصنيع، وفي كل مرحلة يضاف إلى سعر الكلفة مصاريف التأمين، ويؤخذ عليها هامش الربح، كما بينا هذه المضاعفة في حديثنا عن الربا.
6- ... إن أموال التأمين الضخمة التي تستثمر في شركات التأمين الإسلامية تساهم بصورة فعالة في حركة التنمية الاقتصادية للمشاركين فيها، وبذلك تزيد في دفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام بما توظفه من أموالهم في مجالات الاستثمار، الشيء الذي يجر الأرباح للمشاركين والشركة والمضاربين. على عكس ما يتم في شركات التأمين التقليدية، إذ تستثمر تلك الأموال المدفوعة لها لحسابها الخاص، وعن طريق بيع الأسهم والسندات وغيرها وشرائها، وفقط، وبما تبتزه من زبائنها من اشتراكات جديدة كل عام، فهي بذلك تنقص من أموال المشاركين. (1/27)
صفحة 28
تسجل اشتراكات المساهمين في قوائم تضبط وفق مجالات أعمالهم على شكل تجمعات أو جمعيات تمثل كل واحدة منها نوعا من التخصص الحرفي أو الصناعي أو الفلاحي، لأن الاشتراكات تختلف فيما بينها، بحسب تنوع الحرف ومجالات العمل والأشياء المؤمنة، إذ التأمين على الوحدات الصناعية مثلا ليس كالتأمين على الحركات التجارية، والتأمين على السيارات ليس كالتأمين على المواشي، وهكذا...
فالكل يدفعون اشتراكاتهم في صندوق واحد للشركة، ولكن التعويض يتم على مستوى تخصص الأعمال، إذ المشاركون من أصحاب المصانع يساهمون وحدهم باشتراكاتهم في التعويض لمن أصيب في حركة صناعية، وأصحاب المواشي يساهمون لوحدهم في التعويض لمن أصيب في بقره وغنمه، وهكذا... وذلك لاختلاف أسهم الاشتراكات.
ولتتجلى مدى ضخامة أموال شركات التأمين نسوق مثلا لذلك عن تأمين البقر في مدينة القرارة، التي تتوفر على حوالي 1500 بقرة.
فشركة التأمين الفلاحي (CRMA) تأخذ مبلغ 1.200.000 للبقرة الواحدة سنويا.
فجموع ما تأخذه شركة التأمين على البقر هو 1.800.000.000.
وأما التعويضات التي تقوم الشركة بتسديدها للمتضررين من زبائنها فهي ما بين 5 % إلى 10 % أي حوالي: 180.000.000.
والباقي هو 1.620.000.000 يصبح ملكا خالصا، ومالا خاصا للشركة بمجرد انتهاء العام.
فمثل هذا المبلغ الضخم الذي تستحوذ عليه شركة التأمين العادية يمكن أن توفره للمشاركين عن طريق شركة التأمين الإسلامية.
فهذا المبلغ الضخم ناجم كما ترون من تأمين البقر فقط، فتصوروا كم يكون العدد مضاعفا إذا أضفنا إليه كل ما يؤمن من وحدات صناعية وتجارية وفلاحية وسيارات وغيرها!...
هذا بالنسبة لمدينة القرارة فقط، فكيف بالنسبة للولاية أو الوطن؟!!. (1/28)
صفحة 29
فلا مناص إذن أن أفضل طرق التأمين إنما التي تتم على طريق التأمين الإسلامي. وقد يبدو الأمر صعبا إنجازه، وأصعب الأمور مباديها، ولكن بالإرادة والعزيمة والإيمان الصادق، والاستعانة بتجربة الغير، كشركة التأمين الأردنية في عمان التي لها خبرة وتجربة ميدانية يصبح تحقيق هذا الأمر سهلا وفي متناول الأيدي، وهكذا... {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا}( ).
ثانيا- البورصة:
البورصة مؤسسة مالية لإدارة عمليات بيع وشراء الأسهم والسندات المالية.
أنواع البورصات:
1- ... بورصة الأسهم والسندات.
2- ... بورصة العملات الصعبة والمعادن الثمينة.
3- ... بورصة السلع.
والبورصة التي تهمنا وتعنينا هي بورصة الأسهم والسندات.
لم تكن السوق الجزائرية تعرف البورصة أو التعامل فيها، وإنما استحدثت مؤخرا لما تحول الاقتصاد من الموجه إلى اقتصاد السوق، وخوصصة المؤسسات العمومية الكبرى، وصارت بعض الشركات الكبرى تداول أسهمها فيها، مثل شركة سوناطراك، وصيدال، والأوراسي، وغيرها.
دور البورصة:
يتمثل دور البورصة في مراقبة عمليات بيع وشراء الأسهم والسندات، وتحديد أسعارها حسب العرض والطلب.
وليست كل الشركات مؤهلة لعرض أسهمها في البورصة، وإنما الشركات التي يسمح لها بعرض أسهمها في البورصة لا بد أن تتوفر فيها بعض الشروط، خاصة منها:
1- ... تقديم طلب إلى إدارة البورصة.
2- ... تقديم تقويمها مدة ثلاث سنوات ماضية لمعرفة مجال نشاطها ومردوديته ونسبة أرباحها.
وبعد الدراسة الشاملة للشركة والتزامها ببعض الأمور الأخرى فإنه يسمح لها بأن تداول أسهمها بتقييم البورصة، وهذا ما يسمى بـ(Cotation bourcière)، على أن تلتزم الشركة بتقديم تقويماتها المالية كل ثلاثة أشهر، وتقوم بعرضه في مختلف المؤسسات المالية كالبنوك ومحلات البورصة وغيرها، حتى يطلع عليها كل من أراد شراء أسهمها أو بيعها على نشاطها ومردوديتها. (1/29)
صفحة 30
ولا بد أن تكون هذه التقويمات ممضاة من طرف الخبير المحاسب المعتمد الذي تولى متابعة حسابات الشركة، وممضاة كذلك من محافظ الحسابات (Comissère au compt) وكذا من رئيس مجلس الإدارة، ومديرها العام.
هذا تعريف موجز بسيط جدا عن البورصة، إذ ليس هدفنا هو دراسة مؤسسة البورصة وأسباب تكوينها، واستعراض أنشطتها، إذ ذاك يتطلب منا مؤلفا مستقلا، وإنما غرضنا بيان موقف الشريعة الإسلامية من البورصة.
ما هي الشركات التي يسمح لها بتداول أسهمها في البورصة؟
إنها شركات الأسهم، وهي التي تجمع مالها بالاكتتاب، لأن عدد المشاركين فيها يكون كبيرا، ومثل هذه الشركات تتطلب أموالا ضخمة جدا.
عملية البيع والشراء في البورصة:
للبورصة سوقان للبيع والشراء:
1- ... سوق حاضرة (Marchet au comptant).
2- ... سوق آجلة (Marchet à terme).
وعمليات البيع والشراء تختلف ما بين هاتين السوقين.
وقبل معرفة طريقة البيع في هاتين السوقين يجدر بنا أن نعرف أولا السهم والسند، وهما اللذان يتداولان فيهما.
1- السهم (Action):
السهم وثيقة تبين قيمة مالية محدودة من طرف الشركة، يسمح له بالتداول في البورصة وأخذ فائدة سنوية عليه إن حصلت.
إن المشاركة والملكية في شركة الأسهم تمثل بوحدة مالية تسمى «سهما (Action)»، ونسبة ملكية الشخص في الشركة تقدر بعدد الأسهم التي يمتلكها، ولهذا فإن شراء وبيع الأسهم لا يعتبران في حد ذاتهما محظورين شرعا إن كانا بالحاضر، وإنما على المسلم المستقيم فقط قبل أن يشتري أي سهم من الأسهم أو يبيعه أن يتأكد من مجال نشاط الشركة التي يريد شراء سهمها أو يبيعه، أهو حلال أم حرام.
2- السند أو الالتزام (Obligation):
السند وثيقة مالية محددة من طرف الشركة يسمح له بالتداول في البورصة على نسبة مئوية سنويا، ربحت الشركة أم خسرت.
تلجأ شركة المساهمة إلى الاكتتاب من المواطنين بدل الاستدانة من البنوك لعدة أسباب، لا مجال لذكرها الآن. (1/30)
صفحة 31
يحدد للسند قيمة معلومة، ونسبة مئوية من الفائدة محددة سنويا، كستة في المائة أو عشرة في المائة، وقد تبيع الشركة سندا بأقل من قيمته تشجيعا للناس على الاكتتاب.
تكون هذه السلفيات إلى أجل محدود، كخمس سنوات مثلا، تقوم الشركة أثناءها برد خمس هذه السلفيات كل سنة إلى المكتتبين، ويتم هذا على طريق القرعة بينهم سدا لباب النزاع والخلاف.
فالفائدة التي تنجم عن السند كما ترون فائدة ربوية محضة، وهو لذلك محرم شرعا، لأن المكتتب له الغنم وليس عليه الغرم، أي هو «داخل ربحا خارج خسارة» كما يقولون.
لماذا يلجأ الناس إلى البورصة؟
يلجأ الناس إلى البورصة لتوظيف أموالهم عن طريق الأسهم والسندات بيعا وشراء، لأنها السوق التي تعرض فيها، وكذا إذا انقضى الأجل الذي تحدده الشركات لاكتتاب الأسهم والسندات.
والإنسان يلجأ إلى بيع أسهمه أو سنداته إذا ارتفعت قيمتها، أو احتاج إلى سيولة نقدية.
طريقة بيع وشراء الأسهم والسندات في البورصة:
لتكون لنا صورة حقيقية واضحة عن هذه الطريقة ننظر إلى ما يجري في معظم البورصات العالمية العريقة في الميدان، لا إلى ما يجري في الجزائر، لأنها لا تزال حديثة العهد، وربما ستلتحق بغيرها في المستقبل، وبورصة الجزائر تعمل بتقنيات بورصة باريس.
والبيع والشراء يتم في سوقين:
1) السوق الحاضرة:
يشترط في السوق الحاضرة أن يكون البيع والشراء بالحاضر يدا بيد، عن طريق الوسطاء الذين يتولون بيع الأسهم والسندات، وقبض ثمنها في آن واحد.
وفي السوق الحاضرة يمكن أن تتم عملية البيع والشراء ولو بسهم واحد أو سند واحد حسب العرض والطلب.
2) السوق الآجلة:
1- ... لا يسمح في السوق الآجلة أن يكون البيع والشراء بأقل من 25 سهما أو سندا.
2- ... على الراغبين في الشراء أو البيع أن يدفعوا ¼ من قيمة الأسهم أو السندات التي يراد بيعها أو شراؤها إلى الوسيط، أو يقدموا ضمانات من مؤسسات مالية كالبنوك وغيرها لتثبيت العمليات. (1/31)
صفحة 32
3- ... المتعاملون في السوق الآجلة يشترون لا على نية الشراء، ويبيعون لا على نية البيع، وإنما يستفيدون من فارق السعر بين يوم طلب البيع أو الشراء، وبين اليوم الذي يتمان فيه.
4- ... تقوم البورصة بتصفية عمليات البيع والشراء إلى أجل في آخر كل شهر.
5- ... للبائع أو المشتري حق تمديد أجل التصفية إلى شهر قابل إذا لم يرض بسعر البيع أو الشراء، وإذا كان التمديد من المشتري فإنه يطلب (Report)، وإذا كان من البائع فإنه يطلب (Deport).
6- ... يقوم الوسطاء في حال التمديد بتسجيل الفارق بين السعر الذي حدده كل من البائع أو المشتري للسهم أو السند يوم طلب البيع أو الشراء، وسعر اليوم الذي تمت فيه التصفية.
7- ... حجم عمليات البيع والشراء التي تتم في البورصة أكبر بكثير من التي تجري في الأسواق العادية.
8- ... يمكن لنا أن نلخص عمليات البيع والشراء التي تتم في السوق الآجلة للبورصة بأنها عمليات قمار أو مقامرة، ذلك لأن المشتري يشتري من غير تسديد الثمن، والبائع يبيع ما لا يملك، لأنهم لا يستفيدون فقط إلا من فارق التسعيرة البورصية. وهذا ما قصدوه أولا، ولا بد من رابح وخاسر.
فالمشتري الذي يريد شراء الأسهم أو السندات يوم طلب شراءها إلى أجل إنما هو يرغب في ارتفاع قيمتها يوم حلول أجلها، أو يوم التصفية بزيادة الطلب على العرض، وبالتالي يستفيد من الفرق بين التسعيرة يوم الشراء ويوم حلول الأجل للدفع.
فمثلا كان سعر السهم أو السند يوم طلب الشراء إلى أجل مائة دينار، ويوم حلول الأجل صارت قميته مائة وعشرة دنانير، فالمشتري يستفيد بفرق التسعيرة وهو عشرة دنانير، لأنه اشتراه بمائة دينار، وعلى البائع أن يدفع له الفرق، وهو عشرة دنانير لكل سهم أو سند. (1/32)
صفحة 33
وإن انخفضت قيمة السهم أو السند يوم حلول الأجل أو يوم التصفية، وصارت أقل من يوم طلب الشراء بزيادة العرض على الطلب، كأن يكون سعر السهم أو السند يوم طلب الشراء إلى أجل: مائة دينار، وصار يوم حلول الأجل أو التصفية: تسعين دينارا، أي بحسارة عشرة دنانير، فعلى المشتري لزاما أن يشتري أسهما أو سندات بقيمة مائة دينار في حين أن قيمتها في البورصة تساوي تسعين دينارا، أو عليه أن يدفع الفرق بين التسعيرتين، وهو عشرة دنانير لكل سهم أو سند إلى البائع بواسطة الوسيط.
ويمكن للمشتري إن لم يرض بالسعر أن يطلب تمديدا إلى أجل آخر (Report)، وهذه العملية تتم عن طريق الوسطاء الذين يسجلون في حساب المشتري فارق التسعيرتين وهو عشرة دنانير فتكون عليه خسارة.
وعند حلول الأجل الثاني يمكن أن يرتفع سعر السهم أو السند من تسعين دينارا إلى مائة وعشرين دينارا، وإن أراد المشتري التصفية حينئذ ورضي بالتسعيرة، ولم يطلب امتدادا ثانيا تصير الفائدة التي يحصل عليها هي الفرق بين التصفية الأولى والتصفية الثانية، أي:
120 دج - 90 دج = 30 دج. وهذا الفارق هو الذي يسجل في حسابه.
والتصفية تتم كما يلي:
حصل في التصفية الثانية على ربح ثلاثين دينارا لكل سهم أو سند.
حصل في التصفية الأولى على خسارة عشرة دنانير لكل سهم أو سند.
وحصل بالتالي من الفارق بين التصفيتين على عشرين دينارا ربحا لكل سهم أو سند. فإذا كان هذا المشتري خاسرا في التصفية الأولى فإنه صار في التصفية الثانية رابحا عشرين دينارا بطريق التمديد، أي (Report).
وقد ينخفض السعر مرة ثانية رغم التمديدات المتكررة فيضطر المشتري حينها إلى التصفية درءا لخسائر أكبر.
أما العملية بالنسبة للبائع فهي على عكس المشتري، فالبائع يطلب البيع إلى أجل أملا في انخفاض سعر السهم أو السند يوم حلول الأجل أو يوم التصفية عن سعر يوم طلب البيع إلى أجل، وسعر يوم التصفية في حسابه كما فعل مع المشتري. (1/33)
صفحة 34
وإذا انفضت أسعار الأسهم والسندات عند حلول التصفية الثانية فإنه يمكن للبائع أن يسترد خسارته التي حدثت له في التصفية الأولى، وتكون له فائدة، لأن السعر كان منخفضا عن السعر الذي وعد به المشتري.
فمثلا وعد البائع أن يبيع السهم أو السند بمائة دينار، وعندما حل الأجل ارتفعت الأسعار، فصار سعر السهم أو السند مائة وعشرة دنانير، فهنا يكون البائع قد خسر عشرة دنانير للسهم الواحد أو السند، لأنه قد التزم ببيعها بمائة دينار بدلا من مائة وعشرة الذي هو سعر يوم التصفية.
وفي هذه الحالة يمكن للبائع أن يطلب التمديد، أي (Deport) وعندئذ يسجل الوسيط في حسابه الفارق بين السعرين، وهو عشرة دنانير كخسارة.
وعند حلول الأجل الثاني يمكن أن تنخفض الأسعار فيصبح سعر السهم أو السند سبعين دينارا، ويكون قد حصل من الفارق بين السعرين على ربح يقدر بثلاثين دينارا للسهم أو السند، وتتم عملية التصفية كما يلي:
حصل في التصفية الثانية على ربح يقدر بثلاثين دينارا للسهم أو السند.
حصل في التصفية الأولى على خسارة تقدر بعشرة دنانير للسهم أو السند.
والفارق بين التصفيتين هو عشرون دينارا، وهو ما يكون له فائدة، وإذا تكررت الخسارة بعدم انخفاض السعر بعد التمديدات المتكررة فإنه يطلب التصفية، ويتحمل هذه الخسارة لتفادي خسارة أكبر.
ولتصفية الحسابات بين المشترين والبائعين يلجأ الوسطاء إلى الاقتراض من المؤسسات المالية على نسب مئوية من الفوائد الربوية، وهذه الفوائد يتحملها الطرف الذي طلب تمديد التصفية. (1/34)
صفحة 35
وهنالك عمليات أخرى متنوعة في البورصة، كعمليات الاحتكار (Spiculation) التي تتسبب في ارتفاع الأسعار وانخفاضها، وذلك بإقبال المحتكرين على شراء الأسهم بكثافة، عملا بالتكهنات المستقبلية، فترتفع أسعارها، وهذا الارتفاع المزيف يغري غيرهم على شراء تلك الأسهم، فيزداد ارتفاع سعرها حتى إذا بلغ حدا معينا يقبل المحتكرون على البيع بكثافة بآخر سعر، ولا تكاد الأسهم تنخفض قيمتها قليلا حتى يكونوا قد باعوا كل أسهمهم، وبذلك يكونون قد ربحوا الفرق بين السعر الذي انطلق فيه الشراء والسعر الذي انتهى إليه البيع.
الاقتصاد غير الإسلامي:
نقصد بالاقتصاد غير الإسلامي كل اقتصاد لا يقوم على الأسس الإسلامية والأحكام الشرعية، ويعتمد في تعامله بالأساس المعاملات الربوية كدعامة لقيامه، ويندرج تحت هذا: الاقتصاد الرأسمالي الغربي، والاقتصاد الاشتراكي والشيوعي الشرقي.
إلا أننا نركز الحديث على الاقتصاد الغربي، لأنه النموذج السائد والمهيمن على العالم، والمثل الذي تسعى كل دولة إلى محاكاته، والسير في أثره، وتعقب خطوه، والالتزام بنهجه.
دعامة الاقتصاد الغربي:
يقوم الاقتصاد الغربي على الربا خصوصا، وعلى تركيبات مالية، أي على مخطط تمويلي، والذي يسمى: (Plan de financement).
والمؤسسات التجارية والصناعية أو الأشخاص أنفسهم يلجؤون لتمويل مشاريعهم إلى المؤسسات المالية الآتية:
أ- ... البورصة.
ب- ... البنوك.
أولا - البورصة:
تستعمل البورصة لتحقيق رأسمال الشركة، أو رفعه، أو طلب قرض عن طريق الالتزامات (Obligations).
ويحصل هذا عن طريق الاكتتاب من المستثمرين بواسطة البورصة في السوق الابتدائية أو الأولية (Marchet primer).
وفي البورصة عدة أسواق لعمليات بيع وشراء خاصة:
1) ... السوق الابتدائية أو الأولية، وهي خاصة للشركات الحديثة.
2) ... السوق الثانوية، وهي خاصة بالشركات القديمة. (1/35)
صفحة 36
وفي مصطلح البورصة تسمى السوق الأولية بالسوق الحديثة (Marchet du neuf)، وتسمى السوق الثانوية بالسوق القديمة (Marchet d’ancien).
ثانيا - البنوك :
يلجأ إلى البنوك للتمويل عن طريق القروض، ولهذا فإن الصناعيين وغيرهم ممن يرغبون في الحصول على هذه القروض عليهم أن يقدموا طلباتهم للقروض منها، مرفوقة بدراسة تقنية واقتصادية لمشاريعهم، ويتم التمويل بأدوات التمويل التالية إذا تمت الموافقة عليها، وهي:
أ- ... قرض طويل المدى (Crédit à long terme).
ب- ... قرض متوسط المدى (Crédit à moyen terme).
ج- ... قرض قصير المدى (Crédit à court terme).
وهنالك أدوات أخرى للتمويل سنذكرها فيما بعد.
المشاريع التي تمول بهذه القروض:
1) ... التمويل بواسطة القروض طويلة المدى (long terme) هي قروض خاصة بتمويل البناءات وغيرها من المشاريع التي لا يمكن إعادة قيمتها قبل أقل من عشر سنوات، ويقوم صاحب المشروع خلالها وفي كل سنة بتسديد جزء من قروضه.
2) ... التمويل بواسطة القروض متوسطة المدى (moyen terme) هي قروض تمول بها عادة آلات الإنتاج والسيارات ووسائل النقل وغيرها، والتي تقدر أمدها بخمس سنوات.
3) ... التمويل بواسطة القروض قصيرة المدى (court terme) هي قروض تمول بها المواد الأولية في المشاريع التجارية، ويتم هذا عن طريق تسهيلات الصندوق (Facilité de caisse).
وهناك أدوات أخرى كالحوالات التجارية والضمانات تقدم من طرف البنك للزبائن لشراء السلع إلى أجل.
وعندما تدرك البنوك بعد الدراسة الكاملة أن المشاريع التي طلب منها أن تمولها سليمة ومربحة تقدم إلى أصحابها قروضا، تجارا كانوا أو صناعيين. (1/36)
صفحة 37
وهذه القروض لا تقدمها البنوك إلى زبائنها إلا بعد أن تأخذ منهم كل الضمانات التي تضمن لها استرداد قروضها في حال العجز عن الدفع، كرهن العقارات والقواعد التجارية، أو تأخذ ضمانات من أشخاص أثرياء لتقدم بهم زبائنها، ويسمى (Caution solidair)، وغيرها، بحيث تطوقهم بطوق كامل لا يدع لهم منفذا عن التملص من السداد.
وهنا بالتحديد يكمن الضرر ويحيق الخطر الذي يلحق المدين (المقترض)، إذ ــ لا قدر الله ــ لو لم ينجح مشروعه فإن الأمر يؤول به إلى الخسارة المحققة.
هذا الذي لم يكن يشعر به كثير من المتعاملين الصناعيين أو الممارسين لمهنة التجارة، لأنهم مارسوا التجارة والصناعة في ظروف خاصة زمان الاقتصاد الموجه، إذ كان الطلب فيه أكثر من العرض، إذ مهما بلغت كلفة المنتوج أو قيمة شراء البضائع والسلع فإن سعر السوق أكبر منهما لاشتداد الطلب.
لذلك فإن المتعاملين ليس عليهم أي خطر، ولا يهددهم أي ضرر، إذ هم موقنون تمام اليقين بأنهم سيبيعون بضائعهم بثمن أكبر، ويربحون فائدة أكثر مهما كان سعر الكلفة.
لهذا فهم يقبلون على الاستدانة من البنوك، ويقدمون ممتلكاتهم رهونا للحصول على قروض ونفوسهم مطمئنة لا يخشون من أزمة اقتصادية تنالهم تكون سببا في العجز عن السداد. وهكذا كانت الحال من فجر الاستقلال إلى السنوات الأخيرة.
أما الآن فإن الأوضاع تغيرت، والأحوال تبدلت بدخول البلاد في اقتصاد السوق، حيث العرض يفوق الطلب، وهو في تزايد مستمر، وسعر السوق من جهة أخرى ينخفض ويتناقص حتى ليصير إلى أقل من سعر الكلفة، خاصة بالنسبة للمنتوج الصناعي الوطني.
فهذا الانخفاض في سعر السوق يتسبب في الخسارة التي تؤدي إلى العجز في المدفوعات، والقروض التي أخذت من البنوك لا بد أن تسدد في آجالها مع فوائدها المتراكمة. وإذا استمر العجز فإن الدائن (المقرض) وهي البنوك تتخذ جميع الإجراءات، وتستعمل كل الوسائل لاسترداد أموالها. (1/37)
صفحة 38
بل إنها إذا علمت من أحد زبائنها العجز فإنها تشدد عليه الخناق أكثر، وتسد عليه كل المنافذ، وأول ما تبدأ به حرمانه من القروض قصيرة الأجل، إذ تبادر إلى حجزها حتى لا تتضرر أكثر، وصدق المثل الفرنسي الذي يقول: «La banque est un parapluit pour le beau temps»، أي إن البنك مظلة لليوم الصاحي، وإذا تغير المناخ فكانت الأمطار فإنها تنزع منه تلك المظلة.
ونتيجة لمبدإ المنافسة التي هي السمة البارزة في تعاملات اقتصاد السوق، وتسهيلا لعمليات الشراء والبيع، فإن المتعاملين الاقتصاديين يقومون بتسهيلات لتحقيق مبيعاتهم، تتمثل في:
أ- ... البيع إلى أجل.
ب- ... الشراء إلى أجل.
ويتحقق ذلك بإنشاء وإمضاء حوالات تجارية بينهم، تحدد مبلغ البيع وأجل الدفع ضمانا للتسديد، وتسمى هذه الحوالات (Lettre de change) تمضى من طرف المدين (المقترض).
وفي نظام الاقتصاد الغربي يمكن لصاحب الحوالة إن احتاج إلى مال ليعوض به السلع التي باعها بدين إلى أجل أو غيرها أن يقدم إلى الممول الذي يمده بالبضائع تلك الحوالة بعد أن يمضي عليها إشعارا بأنه حولها إليه لتؤول قيمتها إليه بدلا منه.
وهذا الممول الذي صارت الحوالة إليه يمكن له بدوره أن يقدم نفس الحوالة إلى ممول آخر بعد أن يمضي عليها لتؤول قيمتها إليه بدلا منه، وهكذا يمكن أن تنتقل الحوالة الواحدة بين عدة أيد قبل أن يحل أجل تسديدها الأول، وعمليات التحويل هذه تسمى (Ondossement).
كما يمكن لصاحب الحوالة الأول أو الثاني أن يقدما هذه الحوالة إلى البنك، أو بعبارة أخرى يبيعانها إليه (Escompt) فيقدم البنك ثمنها لمن يبيعها له بعد أن يطرح منها فائدة ربوية محسوبة بعدد الأيام المتبقاة إلى التسديد، فتسجل في حسابه الجاري المتبقي من قيمتها، ويصير رصيدا له يستعمله لمختلف أغراضه. (1/38)
صفحة 39
ولتسهيل التعامل بهذه الحوالات بتداولها بين مختلف المتعاملين أو بيعها إلى البنك، فإن القانون التجاري يساند هذه العمليات، ويحفظ حقوق المتعاملين، وكل هذا من أجل تسهيل العمليات التجارية من بيع وشراء.
وعند حلول أجل تسديد الحوالة يتقدم الشخص الذي انتهت إليه هذه الحوالة إلى البنك الذي يتعامل معه ليتولى تسديدها بدلا منه، فيقوم النبك بإرسال هذه الحوالة إلى البنك الذي يتعامل معه صاحب الحوالة الأول الذي اشترى البضاعة إلى أجل، وقدم الحوالة كضمان للتسديد.
فإن كان لهذا الأخير رصيد مالي في حسابه يتم تسديد الحوالة، وينتهي الأمر.
ولكن إذا لم يكن له رصيد مالي يسدد به مبلغ الحوالة، أو لم يقم بدفع قيمتها، فإن البنك يعيد الحوالة إلى البنك الأول يخبره بأن هذه الحوالة ليس لها مقابل مالي في حساب صاحبها، وهنا يحدث المشكل. فماذا يقع ياترى؟.
يقوم هذا الذي انتهت إليه الحوالة بعد عمليات التحويل بمطالبة الذي وقع الحوالة قبله ــ أي الذي حولها له ــ بتسديد قيمتها، فإذا سدد له قيمتها فإن الحوالة تصير إليه، ويقوم هو بدوره بمطالبة من قبله من الذين وقعوا على الحوالة وحولوها فيما بينهم.
وإن عجز عن التسديد تبقى الحوالة في يد الأخير، ويقوم بمطالبة كل الذين قبله بالتسديد، ويمكن أن يتجاوزهم إلى مطالبة صاحبها الأول أمام العدالة، فتحكم عليه بوجوب التسديد.
وهذا الحكم قد ينسحب على كل الذين وقعوا على الحوالة إن لم يسدد صاحبها الأول، لأنهم متضامنون ومتمالئون في هذه العملية.
وهكذا يتبين لنا مدى تداخل هذه العمليات، ومدى هشاشتها، فهي لا تثبت بحال، وتجر على المتعاملين الوبال. (1/39)
صفحة 40
والاقتصاد الغربي كما هو مبني على دعائم الربا، فهو قائم على المنافسة الحادة بين المتعاملين، لأن المنافسة عامل التقدم كما يقال، لذلك فإن المؤسسات الصناعية والإنتاجية تتخذ مكاتب دراسات لمتابعة متطلبات السوق، واختراع أشياء جديدة لا تعرفها، لتحافظ على بقائها، وتستمر في نشاطها؛ لذلك نجد الاحتياجات تتوسع باطراد يوما فيوما، وحاجات الإنسان لا تعد ولا تحد، خاصة في هذا العصر الذي صار فيه الإنسان ذواقا لا يشبع من شيء واحد، ولا يرتوي من شيء واحد، أو يكفيه لباس واحد يرتديه. هذا إذا لم نعرج على أنواع المحرمات التي هي أكثر تنوعا وتفننا من قبل إنسان العصر، وقد كان الإنسان في العصور البدائية يكفيه نوع واحد من الطعام فيشبع منه، ومن الشراب فيرتوي منه، ومن اللباس الذي يستره فيرتديه.
ولما صار إنسان العصر الحديث ميالا إلى الذوق من كل شيء راحت الشركات الإنتاجية تتبارى في استغلال هذا الطبع، وتوظيفه لجني الأرباح الطائلة بكثرة ما تعرضه يوميا في السوق.
ولكن هذا الإنسان الذي تستهويه هذه المعروضات الجديدة يوميا، والتي يراها رغما عنه أنها من ضروريات عصره، لا يمكن له أن يقتنيها جميعا لأن دخله الضعيف لا يمكنه من ذلك، لذلك فهو يلجأ إلى الاقتراض أو الشراء إلى أجل، فيفتت أجرته الشهرية على رغباته قبل أن يتسلمها، بل هو لا يتسلمها تماما، لأنها اتخذت سبيلها سربا عن طريق الصكوك والحوالات وبطاقات التمويل. وكما يحدث هذا للشخص بصورته الفردية يحدث كذلك على مستوى المؤسسات والشركات ولكن بصورة أكبر. (1/40)
صفحة 41
هذا الذي يجعل الاقتصاد الغربي بكامله قائما على هذه التعاملات التي لا تضمن وفاء الأداء والتسديد دائما، إذ قد يتخلف أي متعامل عن الدفع لسبب من الأسباب الناجمة عن الكساد أو الركود أو تأخر الأجور، أو ارتفاع في نسبة التضخم، فإن الفوائد الربوية تتضاعف على المدينين، فتؤدي بهم إلى العجز في الدفعات، وإذا استمر هذا العجز فإنه يؤدي بصاحبه إلى إعلان إفلاسه لدى المحكمة التجارية.
وهذا الخطر الماحق ينسحب على كل المتعاملين من المنتجين والممولين لتشابك مصالحهم وتشعبها، وقيامها أساسا على البيع إلى أجل، والقرض إلى أجل، وهذا الذي يجعلنا نرى يوميا إعلانات عن إفلاس الشركات.
وبهذه المناسبة نود أن نقدم لمحة موجزة عن ماهية الإفلاس وأسبابه وأنواعه ومخاطره، والمآل الذي ينتهي إليه الاقتراض بالربا.
يمكن لنا أن نقول: إن الإفلاس يتسبب فيه الرغبة الملحة في المال، والطلب الملحف للربح من طرف الدائن والمدين.
فالشخص الذي يقصد البنك ليستدين منه لتمويل مشروع من مشاريعه، لا يفعل ذلك إلا بعد أن يقوم بدراسة له، ومدى الأرباح التي يجنيها بعد انطلاقه، والتي تغطي له مصاريف القروض وفوائدها، وتوفر له ربحا خالصا له بعد ذلك، ولذلك فهو يرضى عن طواعية أن يقدم إلى البنك ممتلكاته العقارية أو المعنوية كرهن وضمان من أجل الحصول على تلك القروض.
والبنك من جهة أخرى، وهو الرابح دائما، لا يقدم لأحد قرضا من القروض إلا على نسبة مئوية من الفائدة المضمونة تتضاعف مع الزمن، ولا تتوقف عن النماء، ولو قبل انطلاقة مشروع مدينه، أو عند تعطله. كما أنها لن تسلم له قرضها إلا بعد أن تأخذ منه ممتلكاته كرهن عندها، والتي تقدر بضعف ما تقدمه له أو أكثر، ضمانا لاسترداد أموالها وفوائدها في حال العجز عن السداد. (1/41)
صفحة 42
وهكذا الدائن والمدين يسيران جنبا إلى جنب في درب قد تكون نهايته لا قدر الله الإفلاس أو التفليس لا محالة، لأنهما لا يدريان ما تأتي به الأيام. فمتى يكون المدين في حال الإفلاس؟
يكون كذلك عندما يعجز عن تسديد ديونه، وتشتد مطالب الدائنين عليه، ولا يجد مالا كافيا، بل ولو جزءا من المال الذي يمكن له به أن يلبي بعض طلبات الدائنين ترضية لهم وتصبيرا إلى أجل آخر، فإذا به يقع في أزمة خانقة، ويجد نفسه في وضعية حرجة، وقد سدت دونه الأبواب، وانقطعت عنه الحيل، لا يرى الخروج منها إلا بوضع ميزانيته المالية لدى القاضي التجاري في غرفة التجارة لدى المحكمة، وتسمى هذه العملية (Depôt de bilan).
وبعد دراسة ميزانية هذا المفلس من طرف قاضي التحقيق يعلن إفلاسه بصورة رسمية، وبصفة قانونية، فيترتب عن هذا ما يلي:
1) ... عدم مطالبة الدائنين بتسديد ديونهم من المفلس.
2) ... ينزع عن المفلس كامل التصرف في حركاته المفلسة.
3) ... يعين القاضي شخصا يتولى تسيير حركات المفلس بدلا منه، ويسمى هذا الشخص المعين: مسيرا، أي (Syndic).
تقتصر مهمة هذا المسير على:
1) ... تسجيل قائمة بأسماء الدائنين لهذا المفلس، والتأكد من ديونهم بوثائق رسمية.
2) ... حصر ما لدى المفلس من السلع والبضائع والعتاد.
3) ... بيع هذه البضائع والسلع وتصفية مخزوناته.
4) ... مطالبة المدينين لهذا المفلس بدفع ديونهم.
5) ... تحديد حجم العجز الحقيقي بعد عمليات الإحصاء والحصر والتصفية.
6) ... تصنيف الدائنين حسب الأولوية في إرجاع ديونهم، بين من لهم رهون عقارية على ديونهم، أي (Hypothèques)، ومن لهم رهون معنوية كالقواعد التجارية، أي (Nantissement) إلى آخره...
وبعد هذا لا مناص ــ والحال هذه ــ من بيع ممتلكات المفلس لتسديد ديونه في المزاد العلني رغما عنه مهما كان ثمنها. (1/42)
صفحة 43
فعندما يفتح باب المزايدة، وينتهي السعر إلى قيمة ما، ولم يطلب أحد الزيادة، فإن الإعلان عن تمام البيع يتم بطريقة إشعال المشرف على البيع لثلاثة أعواد من الكبريت واحدا بعد آخر، حتى إذا كان الثالث ولم يزد أحد، فإنه عندما ينتهي من الاشتعال يصبح المبيع ملكا للذي انتهى عنده السعر الأخير.
وفي هذا المزايدات العلنية التي تقام لبيع ممتلكات المفلس غالبا ما تباع ممتلكاتهم بأقل كثيرا من قيمتها الحقيقية مما لو بيعت بصورة عادية، وقد تباع بثلث قيمتها أو أقل.
وغرضنا من عرض هذه الصور الوجيزة عن الإفلاس في الاقتصاد الغربي أن نبين أنه ليس للمفلس أية حرية في الاعتراض على بيع ممتلكاته، أو على الأسعار التي تباع بها، لأن الغرض من هذا البيع إنما هو تصفية أكبر قدر من ممتلكاته من أجل تسديد ديونه، لجر الربح إليه، لأنه ضحية الدائنين الذين كشروا عنه أنيابهم لافتراس ممتلكاته، وقد يتجرد هذا المفلس من كل ممتلكاته وحركاته الصناعية والتجارية في وقت قصير، وهو يسمع ويرى، ولا يملك أن يعترض أو أن يحتج.
كل هذا إنما هو وليد ونتاج القروض الربوية والفوائد المتراكمة، ولولاها لما وصل الأمر إلى هذه الحال من التفليس.
بل قد يبادر البنك إذا لاحظ عجز زبونه عن الدفع والسداد إلى بيع ممتلكاته المرهونة عنده لاستراداد أمواله، ولو لم يعلن عن إفلاس هذا الزبون بصفة رسمية لدى المصالح القضائية، مادام الهدف الوحيد المنشود هو استرجاع الأموال مهما بلغ سعر بيعها في المزاد العلني.
والقاضي وحده هو الذي يحدد نوع الإفلاس الذي يطال المفلس، وهو إما:
1) ... إفلاس بسيط (Banqueroute simple)
2) ... إفلاس مغشوش أو مزور (Banqueroute froduleuse) وهذا النوع من الإفلاس يجر صاحبه إلى السجن.
3) ... إفلاس تحت إجراء قضائي، أو تصفية قضائية (Reglement judicier) (1/43)
صفحة 44
فمن خلال هذا العرض الموجز تتجلى لنا حكمة تحريم الربا، والمخاطر التي تهدد الاقتصاد القائم عليه، وتبرز لنا من جهة أخرى سلامة الاقتصاد الإسلامي، ونجاعة الأسس التي يقوم عليها في الحفاظ على الأموال والممتلكات بعيدا عن الاختلاس المموه تحت طائلة الفوائد الربوية وإجراءات التفليس، وذلك لأنه قائم على مبدإ الشراكة والمضاربة، ورفع الجوائح، وتنفيس الكرب، وكذا على أساس تقاسم الربح والخسارة وفقا لقاعدة الخراج بالضمان، والغرم بالغنم، حتى إذا تعرضت حركة اقتصادية للخسارة لسبب من الأسباب كالكساد والركود وغيرها، فإن صاحبها لا يضطر إلى بيع بضائعه أو ممتلكاته بالخسارة لأن حركته هي كلها ملك له، أو له شريك فيها مضارب أو مشارك أو مقرض إياه قرضا حسنا، ومن ثم فليست عليه ديون ربوية يخشى حلول أجلها، فيجب عليه حتما تسديدها للبنك أو لغيره.
( )
[ لعل هذه نسخة ثانية للبحث ـ باجو]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على رسول رب العالمين
إلى السادة الأفاضل: أعضاء مكتب جمعية الاستقامة
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و بعد
فلقد تلقيت بكل امتنان و اعتزاز رسالتكم المحترمة، و المؤرخة بيوم 6 رجب 1421هـ الموافق لـ 4 أكتوبر 2000م تطلبون فيها مني مساعدة معنوية و مادية من أجل تطوير الوضع الاقتصادي و تصحيحه و معالجة ما يمكن معالجته - مع الأخذ في الحسبان و بالدرجة الأولى - العنصر البشري كرأس مال هام و غير نافذ.
و كانت الرسالة مرفوقة بملف كامل عن المحاضرات الثلاث التي ألقيت في الأيام الدراسية، و بشريط فيديو عن لقطات حية لمجريات تلك الأيام التي انعقدت بمركب العالية العامر في صائفة 1999. (1/44)
صفحة 45
و إنني إذا أشكر لكم هذه الالتفاتة الكريمة، و هذه الهدية الثمينة لأجدني عاجزا عن سداد كامل الشكر لكم على ثقتكم الكبيرة التي أوليتموها لشخصي الضعيف الذي ألصقتم به أوصافا لا أكون في مستواها من المعرفة و الخبرة الميدانية، و البرهان العلمي و العملي في ميدان الحياة الاقتصادية و المالية، فجزاكم الله خير الجزاء عن هذه الثقة الغالية.
كما أشكر لكم و أجزل الشكر أكثر على هذه المبادرة الطيبة التي قمتم بها، و على حسن التنظيم و التنظير لتلكم الأيام الدراسية، و هذا دليل الغيرة الصادقة، و الإخلاص المتفاني في خدمة الأمة و الوطن، و النهوض بهما إلى مصاف الرقي و الحضارة.
كما أعبر لكم عن عميق ارتياحي عن التوفيق الكبير الذي حالفكم حسن اختيار الموضوع، و المتمثل في العنصر البشري الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض، و استعمره فيها، و لن تستقيم حياة عليه بدونه، فهو حقا الجوهر الفرد و العنصر الفذ الذي يجب أن يحاط بكل عناية و دراسة.
فوفقكم الله تعالى إلى مزيد من النجاحات في المستقبل في ميادين الحياة المتعددة التي نراها - حتما علينا - موضوعة على كواهل المخلصين من الرجال أمثالكم.
و لقد دأبت يوم أن وصل إلي ملف أعمال الأيام الدراسية على قراءة كل المحاضرات و التدخلات من ألفها إلى يائها، كما استعرضت شريط الفيديو من أوله إلى آخره لتكون لي صورة حية مكتوبة و مسموعة عن حقيقة ما جرى و كأنني عشتها معكم - رغم أنني لم أتلق دعوة لحضورها، و كم تمنيت لو حضرت لأن الموضوع محض تخصصي و ميدان عملي. (1/45)
صفحة 46
و بعد ذلك عدت إلى ذاكرتي أستلهمها ما سجلت من ملاحظات حول ما قيل، فرأيت - لزاما علي - أن آخذ الأمر بكل حزم و عزم، و أساهم و بصورة جدية في إبراز ما كان صائبا،و تصويب ما أراه بحاجة إلى ذلك، جاعلا نصب عيني لتحقيق ذلك مرضاة الرب، و عدم الخروج قيد أنملة عن شرعه الحكيم، ثم الاستعانة بما تعج به الساحة الاقتصادية من آراء و نظريات من غير أن يعرضها لمقت الله و سخطه.
و كانت أبرز الملاحظات التي لفتت انتباهي و حركت مشاعري تتمثل في النقاط التالية:
1 الاغترار الكبير بظاهرة العولمة و الدعوة إلى مجاراتها
2 اعتقاد الكثير في صلاح و نجاعة النظام الاقتصادي الغربي السائد، و اتخاذه وسيلة للحوق بركب الحضارة و المدنية
3 دعوة علماء الدين إلى إعادة النظر في مشروعية المعاملات البنكية، لأنها ضرورية للنظم الاقتصادية
4 ضرورة الاعتناء بالعنصر البشري من جميع جوانبه لأنه أس كل نهضة حضارية في هذه الأرض
و إنني سأحاول أن أعالج هذه النقاط بشيء من البحث و التفصيل و المقارنة بين حكمة الشرع و نظرية الوضع، حتى نكون على بينة من أمرنا، و حتى لا نخطو خطوة قد تكون دركا، أو نصدر حكما قد يكون هلكا، و العاقل من يبصر العواقب و يحذر المثالب.
أولا العولمة
لقد تناول المحاضر الأول الأستاذ:صالح بن بكير الحاج اسماعيل موضوع عولمة الاقتصاد و مكانة الموارد البشرية، و قدم تعريفا مقتضبا عن العولمة، جاء فيه:
( العولمة هي مسار لتجمع و تمركز مكثف لرأسمال الضخم من بين الدول في مختلف مكوناته، جالبا معه في حركته التوسعية و الانتشارية البلدان و القارات التي يسيطر عليها الرأسمال سابقا، فالأمر يتعلق بحركة اندماج اقتصادي و سياسي ) ا.هـ. (1/46)
صفحة 47
و أريد أن أضيف إلى هذا التعريف عنصرا هاما يبدو أنه أهم ما ترمي إليه العولمة و تهدف إليه حتى تحقق مأربها، و تبتلع من يقع تحت سيطرتها ألا و هو إلغاء الحواجز الجمركية، و اعتماد الحرية المطلقة للمبادلات التجارية، و تحرك البضائع بين مختلف الدول عبر الحدود. و في عرف الاقتصاد الوطني، و وقايته من خطر الانهيار و الإفلاس أما م الهجمات العنيفة لأخطبوط الاقتصاد الربوي المتوحش الذي يسير دولاب الاقتصاد العالمي اليوم، و طغيان العولمة الجارف الذي يبتلع المزيد من الأمم و البلدان.
و الدول إنما تقيم الحواجز الجمركية لحماية صناعتها الوطنية، و منع دخول السلع الأجنبية التي تصنع مثيلاتها في أوطانها و تغطي احتياجات مواطنيها، حتى تضمن استمرار دولاب عجلة اقتصادها، و توفير مناصب الشغل لأبنائها.
لأنها لو سمعت بدخول تلك البضائع إلى داخل الوطن، و قد تكون أجود و أرخص من منتوجاتها نتيجة التقدم التكنولوجي و تحديث آلات الإنتاج، و حينئذ يتهافت المواطن لاقتنائها، و هذا ما ينعكس بالسلب على الصناعة المحلية، فتضطر الوحدات إلى تخفيض إنتاجها أو إغلاق أبوابها، و يستتبع هذا تسريح العمال و الموظفين مما يؤدي بروز أزمة البطالة التي هي السبب الرئيسي لكل الآفات الاجتماعية التي تطال مختلف جوانب الحياة.
ترى كيف تتعامل المصالح الجمركية مع البضائع المستوردة.؟
هناك ثلاث صور محتملة:
1 بضاعة تصنع مثلها داخل الوطن وتغطي كامل احتياج الوطن
2 بضاعة تصنع مثلها داخل الوطن و لكنها لا تغطي كامل احتياج الوطن
3 بضاعة لا تصنع داخل الوطن
أما بالنسبة للحالة الأولى فإن الدولة تمنع دخول مثل تلك البضائع تماما إلى داخل الوطن، و تفرض عليها ما يسمى Prohibation . (1/47)
صفحة 48
أما بالنسبة للحالة الثانية فإنها تسمح و بواسطة رخص خاصة لبعض المستوردين باستيراد الكميات الناقصة لتغطية احتياج الوطن، أو تفرض رسومات خاصة على هذه البضائع حتى لا تنافس منتوج الوطن، و هذه الرسومات الجمركية مما يغذي و يزيد في ميزانية الدولة.
أما بالنسبة للحالة الثالثة، فإن الدولة تسمح بدخول تلك البضائع و لقد عشنا مؤخرا النتائج الخطيرة لرفع الحواجز الجمركية عن السلع المستوردة يوم تم إلغاء العمل بنظام الاقتصاد الموجه، و التحول إلى الاقتصاد المفتوح أو ما يسمى باقتصاد السوق، مما أدى إلى بروز أزمة خطيرة و وضعية اقتصادية حادة يعاني الوطن منها جميعا و المتمثل في غلق الوحدات الصناعية و تسريح العمال، و تفاقم أزمة البطالة.
لهذا يجب علينا جميعا النهوض لإعداد خطة حاسمة للدفاع عن اقتصادنا من مخاطر العولمة، وآفة الاقتصاد الربوي السائد.
و إننا و بصفتنا مسلمون لا يجوز و لا يحق علينا أن نعتمد فقط على النظريات الاقتصادية الوضعية شرقية كانت أم غربية لتحقيق ذلك، و إنما علينا بالرجوع أولا إلى تعاليم الدين الإسلامي، و استلهام الأحكام من شرعه، ثم الاستعانة بعد ذلك بما في النظريات الاقتصادية الوضعية مما لا يتناقض مع شرع، لأن الغاية المنشودة مختلفة جدا بين المسلم وغير المسلم.
فالمسلم يعتقد أنه إنما أوجده اله تعالى في هذا الكون ليعبده و يطبق حكمه و شرعه في مختلف جوانب حياته المتعلقة بالعبادات أو المعاملات.
أما غير المسلم فيرى أنه إنما يعيش في هذه الدنيا لتحقيق شهوته و إشباع غرائزه، و التفنن في إدراكها و تجديدها، فكلما لاحت له شهوة وثب إليها، و كلما حقق واحدة تطلع إلى غيرها، لا يتوانى في ذلك ساعة، لا يوقفه حد ولا يردعه خلق، و لا أدل على هذا مما هو سائد اليوم في عالم الشهوة و محيط الرذيلة و مستنقع الجريمة في أرقى الدول صناعة و تمدنا. (1/48)
صفحة 49
و لا يمكن للإنسان أن يحقق هذه الشهوات و يلبي هذه الرغبات إلا بالمال الوفير و لذلك فهو يسعى بكل وسيلة إلى اكتساب المال من أي كان، و لو أدى به الأمر إلى انتهاك الأعراض و سفك الدماء، و التصدي لشرع الله
يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم { و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال إني أعلم من الله ما لا تعلمون، و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } البقرة 30 - 32
و يقول الله تعالى من جهة أخرى { و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق و ما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } الذاريات 56 - 58
و يقول ربنا تبارك و تعالى { آمنوا بالله و رسوله و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم و أنفقوا لهم أجر كبير } الحديد 7
نظرة الإسلام إلى المال
للإسلام نظرة متميزة إلى المال فهو يعتبر
1. المال مال الله
2. المال مال المسلمين
3. للمرء حق التصرف فقط في المال وفي حياته فحسب
4. ليس للمرء الحق المطلق في التصرف في ماله
5. المال يكسب من الحلال وفق ما شرع الله
6. المال ينفق في الحلال وفق ما شرع الله
7. للمرء حسن الثواب على الكسب الحلال و الإنفاق المشروع
8. للمرء شديد العقاب على الكسب الحرام و الإنفاق المحظور
لهذا حرم الله تعالى الربا بجميع أنواعه و أكل أموال الناس بالباطل بمختلف صوره، كالسرقة و الرشوة وبيع مالم يملك ... حفاظا على المال الذي هو حق للجميع، و لذلك يقول الله تعالى { و لا توتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قيما } النساء (1/49)
صفحة 50
و من أمثلة حرص الإسلام على تفتيت المال و جعله حقا مشاع تولى الله تعالى بنفسه تقسيم مال المواريث، و بيان الورثة و أنصبتهم في كتابه العزيز، و في هذا حكم جليلة منها:
1. عدم تكديس المال في فئة معينة، فمهما اكتسب الإنسان مالا كثيرا أو كنزه فهو مرهون بحياته، إذ بعد مماته سينتقل إلى غيره من ورثته.
2. تفتيت المال بين أشخاص كثيرين حتى لا تكون هناك فوارق كبيرة بينهم
3. تداول المال بين أفراد مختلفين و عائلات متعددة بسبب علاقة النسب و المصاهرة
4. اعتبار نصاب الميراث نواة لتكوين الثروة، و التي يزيد عليها الوارث بما يجمعه و يكتسبه، حتى إذا تجمعت لديه يحين أجله فيعاد تقسيمها على ورثته، و هكذا دواليك، فلا يتكدس المال عند شخص واحد أبدا.
و إذا حصلت للإنسان قناعة بهذه الحكم فإنه يقنع بقسمة الله و يسعى في جمع المال بالطرق المشروعة، و يبتعد عن كل ما فيه شبهة أو محظور، كما لا ينفقه و لا يوظفه إلا فيما أمر الله، و ما دام الغرض الأسمى من ذلك كله تحقيق مرضاة الله و الفوز بثوابه.
و لعل الدافع الأكبر الذي يدفع بالإنسان إلى أن يكيف حياته وفق شرع الله إيمانه المطلق بالغيب إذ هو أول أسباب الهداية و الفلاح { بسم الله الرحمن الرحيم ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يومنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون و الذين يومنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحون } البقرة 1 - 5
فترى المؤمن بالغيب و بما أعده الله من نعيم في الآخرة، و بالخلف في الدنيا يكثر من الصدقات و الزكوات، و البذل بسخاء وعن طيبة نفس لأنه يعتقد صادقا أن ماله الباقي هو ما يقدمه بين يديه إلى يوم القيامة لا ما يخلفه بعده { ما عندكم ينفد و ما عند الله باق } (1/50)
صفحة 51
كما تجده يحاسب نفسه عن كل درهم ينفقه في غير ما شرع الله لأنه يعتقد أن ذلك المال ليس ماله، و إنما هو مال الله موكلا عليه فهو بذلك يحذر أن يبذره في غير ما يرضي صاحبه.
أما غير المسلم فهو لا يقيم اعتبارا لهذا لأنه لا يؤمن بشيء يسمى الغيب مطلقا إنه لا يؤمن إلا بما يلمسه و يحققه في حياته، و لذلك فهو يكيف حياته وفق ما يجلب لها المنفعة الدنيوية العاجلة، إذ لا يرى حياة وراء هذه و لا سعادة غير التي يصنعها بيده فيهان فهو يسعى لاهثا لتحقيقها غير آبه بشرع الله و لا خائف من انتهاك محارم الله.
و لنجلي المسألة أكثر و نزيدها توضيحا نجري مقارنة بين طريقة الإرث الشرعي و طريقة الإرث الوضعي حتى يظهر الكبير بين حكمة الشرع و سفاهة الوضع.
فالإرث في الشرع محدود و مضبوط بنص الكتاب، و هو لا يفرض على الزوجين إلا عقد الزواج و تحديد الصداق...... و لا يتدخل في مسألة الأموال التي لهما، أو التي تكون لهما، و كيف مصيرها.
أما في القانون الوضعي فضبط أموال الزوجين و تحديد مصيرها ينص عليهما في وثيقة عقد الزواج، و هي على ثلاث حالات، حسب القانون المدني:
1. الشراكة في الأموال سواء التي كانت للزوجين قبل الزواج أو التي تحدث بعد و هو ما يسمى بـ Regime de la cominoté .
2. حالة الأموال التي كانت قبل الزواج، و حالة الأموال التي تحدث بعد الزواج هو ما يسمى Bien acquis avant le mariage et bien acquis pendant le mariage .
3. الأموال المنفصلة بينهما أي كل واحد يختص بأمواله و هو ما يسمى Bien séparés و هذه الحالات الثلاث التي ينص عليها في عقد الزواج تسمى في القانون الفرنسي Les régimes matrimoniaux
أما الحالة الأولى و هي الشراكة في الأموال فتنص على أن كل ما يكسبه الزوجان فهو على الشياع بينهما أي هما شريكان بالسوية فيها. (1/51)
صفحة 52
فما دام الوئام يسود العلاقة الزوجية، و التفاهم يطبع الزوجين فليس هنالك إشكال، و لكن إذا دب الخلاف بينهما و حدث الشنآن فهنا تحدث الطامة الكبرى، و تنجم المشكلة العويصة بسبب مصير أموالهما، و كيف يتم تقسيمها، و هذا ما يحول حياتهما إلى عداوة مستحكمة فيسعى كل من الزوجين إلى تدمير حياة الآخر بكل وسيلة، و يمكن لنا أن نتصور عدة صور منها:
1. اشتراط أحد الزوجين أن يتم بيع أملاكهما بالمزاد العلني، فيصبح الزوجان كبقية المزايدين مما يجعله يضطر إلى شراء ممتلكاته شراء، هذا إذا كان لديه مال، و قد لا يتسنى له ذلك إذا لم تكن لديه الأموال الكافية، فيرى أمواله يأخذها غيره على مرأى منه و لا يقدر أن يفعل شيئا .
2. قد يلجأ أحد الزوجين و تحت وطأة الكره الشديد، و مخافة فوات أمواله إلى قتل الآخر بدس السم، أو الإيعاز إلى أحد أعضاء منظمات الجريمة المنظمة ليقتله حتى يتخلص منه.
3. قد يتظاهر الزوجان بعدم الفراق حتى لا يلجآ إلى تقسيم أموالهما، فيستقل كل واحد منهما بغرفة في البيت، أو بدار خاصة إذا كانت لهما عدة ديار و لكن كل واحد منهما يتخذ لنفسه خليله على مرآى و مسمع من الآخر يقضي معه مأربه دون أن يستطيع أحدهما أن يعترض على الآخر أو ينكر عليه أبدًا.
فهذه الوسائل وغيرها كثيرة يلجأ إليها الزوجان المتباغضان لتدمير حياة بعضهما لأنه لا يجمع بينهما وازع الإيمان و لا يربط بينهما رباط المودة و الرحمة، و إنما حياتهما مبنية أساسا و قائمة على المنفعة المادية و اللذة النفسية المحضة.
و ناذرا جدًا ما يتفق زوجان على الفراق بالتراضي، و يقسمان أموالهما بينهما بالعدل و المساواة.
أما الحالة الثانية، وهي حالة الأموال التي كانت قبل الزواج و التي كانت بعد، فإن الزوجين لا يعرفان طعم السعادة إذا دب بينهما الخلاف و الشقاق و يمكن أن نتصور كل ما ذكرناه في الحالة الأولى غير أن الأموال التي كانت قبل الزواج تبقى خاصة بكل زوج. (1/52)
صفحة 53
أما الحالة الثالثة، و هي حالة الأموال المنفصلة، ففي حال الخلاف و الفراق فإنه لا يتصور مشكل في مال الزوجين لأنهما متفقان من أول يوم من زواجهما على الانفصال التام في أموالهما و الاستغلال المطلق في التصرف فيها، إلا أن هذه الحالة ناذرا ما تحدث لأنه ليس فيها فائدة الزوجين.
طريقة التوارث في النظام الغربي
يتم التوارث على طريقتين:
1. الطريقة الأولى: الهالك لم يترك وصية
2. الطريقة الثانية: الهالك ترك وصية
أما الحالة الأولى، فهي ما إذا كان الهالك لم يترك وصية و المسماة في القانون المدني AB.Intestat فإن الميراث يقسم على الورثة حسب القانون المدني المعمول به، و لولا خوف الإطالة لاستعرضنا طريقة الإرث هذه لنظهر الفرق بينها و بين طريقة الإرث الشرعي، و قد يورث القانون المدني حتى الولد غير الشرعي، و ذلك بأن تخصص له نسبة مئوية من الميراث ينتفع بها من غير أن يمتلك أصلها.
أما بالنسبة للطريقة الثانية، و هي ما إن ترك الهالك وصية، فإن القانون المدني يسمح للهالك أن يوصي بجميع ماله أو ببعضه إلى وارث واحد من ورثته و يحرم الآخرين، أو يوصي به إلى شخص أجنبي عن ورثته، و بهذه الطريقة أي طريقة الإرث بالوصية تتكدس الأموال في يد واحدة، و هذا ما يتنافى مع المصلحة العامة للمال، و حكمة الإرث الشرعي الذي يراعي تفتيت الأموال و توزيعها على أكثر عدد ممكن من تفاديا للفوارق الطبقية الفاحشة، كما يسبب الإرث بالوصية إلى زرع الكراهة و الإحن بين الورثة أو بينهم و بين الموصي لهم.
ثانيا الربا
لقد جاء في رد المحاضر الثالث الأستاذ عبد الله الثميني على أسئلة المتدخلين قوله:
( (1/53)
صفحة 54
و يبدو لي من الضروري كما هو الشأن بالنسبة لموضوع المحور الثاني إنشاء لجنة من ذوي الاختصاص، و المهارة المهنية و العلمية من الناحية الدينية و المالية و الاقتصادية لبحث موضوع الربا و تحديد فحواه، و توضيح ما هو ربوي في المعاملات البنكية الحالية و ما هو غير ربوي، وهذا أمر مهم و ضروري حتى نبتعد عن الأحكام العامة و الإجمالية التي قد يكون فيها نوع من التعسف يعود علينا بالضرر و يؤدي بنا إلى التهلكة ) إ.هـ
يبدو لي من كلام الأستاذ المحاضر أنه يدفعني دفعا إلى الحديث و بكل قوة و شدة عن موضوع الربا، الذي استشرى التعامل به حتى و كأنه أمر مباح، بال مجرد الحديث عنه صار بدعا من القول، و مما تمجه الآذان و تنفر منه النفوس بالرغم من الأضرار الماحقة التي يحدثها و الدمار الواسع الذي يخلفه في مختلف جهات العالم في الأديان، و الأبدان، و الأعراض، و ليس هذا بخاف على أحد أبدا، وفي هذا العصر أكثر من أي وقت مضى.
و قبل الحديث عن موضوع الربا لابد أن نشير إلى أن الربا محرم شرعا و بنصوص صريحة في الكتاب و السنة، و أن الله تعالى لم يشدد النكير ولم يغلظ الوعيد على محرم أكثر من تعاطي الربا، كما أنه لم يذكر له ضرورة يمكن أن يتعاطى فيه و تكون سببا لإتيانه، كما ذكر للمحرمات الأخرى كالأكل من الميتة و الدم و لحم الخنزير و غيرها، و إنما اشتد وعيده بإعلانه الحرب الشعواء ضد كل متعاط أيا كان نوعه.
هذا مما يظهر لنا خطورة الربا، و جسامة التسامح أو التساهل في التعامل معه أو به، أو التفكير في إيجاد نوع من الرخص له، فالحيطة كل الحيطة في الابتعاد عنه و عدم القرب منه أبدًا. (1/54)
صفحة 55
و إننا لنجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن بعض مظاهر الكون قد لا تدرك أسرارها يوم نزول القرآن، أو تحرم أشياء قد لا تدرك حكمة تحريمها يومذاك بجلاء و وضوح، ثم تتوالى القرون و يتقدم العلم، و إذا بتلك الأسرار تظهر للعيان، و بتلك الحكمة من التحريم تبدو ناصعة، و لنضرب لذلك بعض الأمثلة.
1. يقول الله تعالى في سورة الأنعام: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجز على الذين لا يومنون} آية 125.
قد يتعجب المرء من معنى الآية، ومن علاقة ضيق الصدر بالصعود إلى السماء و هذا ما كان محتملا في الزمن الماضي، و لكن اليوم و بتقدم العلم خاصة في ميدان الطيران تبين أن الإنسان إذا تجاوز ارتفاع 3000 متر تنخفض نسبة الأوكسجين من الجو مما يؤدي إلى الاختناق كلما زاد الإنسان ارتفاعا حتى ليكاد يموت، و لذلك لزاما عليه أن يصحب معه اسطوانات الأوكسجين إذا أراد أن الارتفاع أو الطيران في اجواز الفضاء، أو يطير في مصموته لا ينفذ إليها الهواء الخارجي كما هو الشأن بالنسبة لمقصورات الطائرات ، و مع هذا فقد يلجئ الأمر المسافرين في بعض الحالات إلى ارتداء أقنعة الأوكسجين إذا انخفضت نسبته، و هذا ما لم يكن معروفا زمان نزول الوحي.
2. يقول الله تعالى في سورة البقرة: {و يسألونك عن المحيض قل هو أذًى فاعتزلوا النساء في المحيض و لا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم الله} آية (1/55)
صفحة 56
نحن لا نشك أن إتيان النساء في المحيض آذى و ضرر كبير، لأن هذا إقرار له و تنصيص عليه من قبل الله تعالى نفسه، و إنما أريد أن أشير إلى حكمة قوله تعالى {فاتوهن من حيث أمركم الله} حقا هذا أمر، و الأمر يقتضي الوجوب كما هو معلوم، و لكن قد يبدو أن هذا الأمر هو لمجرد تحديد مكان إتيان النساء بمحل الحرث لا محل الفرث، من غير أن ندرك المضار التي تنجم عن إتيان النساء في أدبارهن، و ربما هذا ما لم يكن باديا أيام نزول الآية، و لكن اليوم و قد تطور العلم و تقدمت الأبحاث الطبية، و مع ظهور وباء العصر الخبيث - الإيدز أو السيدا - يتقرر أن من أكبر مسببات هذا المرض الفتاك إتيان النساء في أدبارهن، خاصة و قد أصبح هذا موضة بين الأزواج في حضارة الغربيين و جاهلية القرن العشرين.
و هذا ما يثبت صدق نبوءة النبئ صلى الله عليه و سلم، و صحة كتابه الذي جاء به، و صلاحه لكل زمان و مكان، و هذه آية من آيات إعجازه.
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأمرين السابقين، فكذلك الشأن بالنسبة للربا، إذ بدت حكمة تحريمه اليوم جلية أكثر من زمان نزوله تحريمهن لتعدد صوره، و فحش ضرره، و اتساع خطره، و قد يأتي المستقبل بما هو أفحش و أخطر.
ففي زمان نزول الوحي كان ضرر الربا لا يتجاوز شخصا واحدا و هو المدين أي معطي الربا، و لا يتجاوزه إلى غيره فيعم الناس جميعا، إذ المعاملة الربوية محصورة بين المعطي و الآخذ، فقط.
أما التعامل بالربا اليوم، و خاصة في التعامل به في البنوك التقليدية، فضرره يشمل الناس كلهم، و خطره ينسحب عليهم جميعا، و ذلك بإحدى الطريقين:
الطريق الأول
إدراج الربا و فوائده في القيمة المضافة لسعر المنتوج، و هذا ما يسبب في ارتفاع الأسعار، و لنضرب مثلا، لدينا:
مادة أولية بقيمة ... ... ... ... ... ... 1000 دج
يزاد لها قيمة التحويل والتصنيع ... ... ... ... 500 دج
يزاد مصاريف أخرى ... ... ... ... ... ... 300 دج
يزاد مصاريف الربا و فوائده ... ... ... ... ... 200 دج
فسعر الكلفة تساوي ... ... ... ... ... ... 2000 دج (1/56)
صفحة 57
ثم يضاف هامش الربح الذي يقدر مثلا بـ 25 % و هو 500 دج
فسعر البيع يساوي إذن 2500 دج
ففي سعر البيع هذا نجد فيه
1) 200 دج وهي مصاريف ربوية
2) 40 دج و هي نسبة هامش الربح على المصاريف الربوية.
أي في مبلغ 2500 دج مبلغ 240 دج من المال الحرام.
و لنتصور أن مبلغ 2500 دج ثمن مادة أولية كالقطن مثلا، فإن القطن بحاجة إلى صناعة تحويلية حتى يصير خيطا، فصاحب مصنع الخيوط يشتري القطن بهذا المبلغ الذي يحتوي على نسبة من مصاريف الربا و هامش ربحه.
و بعد تصنيع القطن و تحويله إلى خيوط وقبل بيعه لابد من تحديد سعر البيع و الذي يساوي قيمة شراء المادة الأولية و التي هي القطن، يزاد إليها القيمة المضافة لسعر المنتوج ثم يضاف إليه المصاريف
الربوية، ثم بعد ذلك يوضع هامش الربح الخاص بصاحب معمل الخيوط.
ثم تتحول هذه الخيوط إلى معمل النسيج كمادة أولية له فيضيف إليها صاحب المعمل القيمة المضافة، ثم يزيد عليها مصاريف الربا، و بعد ذلك يضع هامش الربح الخاص له.
و هكذا الأمر بالنسبة لمصانع الصباغة و الفصالة...... ففي كل مرحلة من المراحل تؤخذ الفائدة على الربا مرتين:
1) بما يزاد إلى القيمة المضافة التي تكون سعر الكلفة، لأن المادة الأولية أيًا كانت لا تصلح للاستهلاك إلا بعد مراحل، و في كل مرحلة تمثلها وحدة صناعية تأسست على أموال ربوية.
2) هامش الربح، و هامش الربح لا يوضع إلا بعد أن تزاد المصاريف الربوية إلى القيمة المضافة، و هكذا يتضاعف الربا أضعافا مضاعفة، و يأكل الناس أموالهم بعضهم بعضا بالباطل.
و هذا الجدول التالي يبرز لنا هذه الحقيقة:
المادة الأولية
القطن
الخيط
الصباغة
الفصالة
سعر المادة الأولية
1000 دج
2500 دج
4375 دج
6718.75 دج
القيمة المضافة (مصاريف التصنيع و التحويل)
500 دج
500 دج
500 دج
500 دج
مصاريف مختلفة
300 دج
300 دج
300 دج
300 دج
مصاريف الربا
200 دج
200 دج
200 دج
200 دج
سعر التكلفة
2000 دج
3500 دج
5375 دج (1/57)
صفحة 58
7718.75 دج
هامش الربح 25%
500 دج
875 دج
1343.75 دج
1929.68 دج
سعر البيع
2500 دج
4375 دج
6718.75 دج
9648.43 دج
مجموع ما أضيف إلى سعر البيع من مصاريف ربوية
المرحلة
المرحلة السابقة
مصاريف الربا
المجموع
فائدة الربح 25%
المجموع
الأولى
200 دج
40 دج
240 دج
الثانية
240 دج
200 دج
440 دج
110 دج
550 دج
الثالثة
550 دج
200 دج
750 دج
187.5 دج
937.5 دج
الرابعة
937.5 دج
200 دج
1137.5 دج
284.37 دج
1421.87 دج
فنسبة الربا في المرحلة النهائية تساوي =
1421.87
9648.43
14.73%
هذا مثال تقديري فقط لتصوير عملية تضاعف الربا كيف تتم و إلا فإن نسبة الربا قد تكون أكثر من هذه، لأن صاحب كل وحدة إنتاجية يضيف إلى سعر الكلفة مصاريف الربا المتولدة من الأموال المخصصة للتجهيز، و كذا من الأموال المخصصة لتسيير دولاب الإنتاج مما قد يدفع نسبة الربا إلى أكثر من هذه، كما أن ارتفاع نسبة الربا قد تكون خاضعة لنمط المعاملات و اختلاف آجال القروض.
و كل هذه الفوائد الربوية إنما يتحملها المستهلك أخيرا أيا كان، و خاصة الطبقات الكادحة من العمال و الفلاحين و الموظفين الذين لا ناقة لهم و لا جمل في هذه العمليات، و أما أرباب الحركات الإنتاجية فلا يخسرون شيئا لأن المصاريف الربوية كلها تضاف إلى سعر كلفة البيع، بل و يأخذون عليها فوائد كما تقدم.
هكذا يتم تضاعف الربا و هذا تأثيره في الاقتصاد الوضعي القائم على أساس المعاملات الربوية.
أما في الاقتصاد الإسلامي فلا يمكن أن نتصور هذه الزيادات مطلقا، و ذلك لأن الأموال المستثمرة في المشاريع الاقتصادية توظف عن إحدى الطرق التالية:
* القرض الحسن
* الشراكة
* المضاربة
و في الطريقتين الأخيرتين يكون توظيف المال بهما مقابل نسبة مئوية معينة متفق عليها في الربح الناتج - إن كان - بين الشركاء لأن التعامل في الإسلام يقوم على أساس الغنم بالغرم، و الخراج بالضمان. (1/58)
صفحة 59
و هذا الجدول التالي يبين لنا طريقة التعامل في الإسلام، و كيف أنها بمنجاة عن كل زيادة من الزيادات
الحاصلة في المعاملات الربوية، و لنأخذ نفس المثال الذي ضربناه للمعاملات الربوية:
المادة الأولية
القطن
الخيط
الصباغة
الفصالة
سعر المادة الأولية
1000 دج
2250 دج
3812.5 دج
5765.62 دج
القيمة المضافة ( التصنيع و التحويل )
500 دج
500 دج
500 دج
500 دج
مصاريف مختلفة
300 دج
300 دج
300 دج
300 دج
سعر الكلفة
1800 دج
3050 دج
4612.5 دج
6565.62 دج
هامش الربح 25%
450 دج
762.5 دج
1153.12 دج
1641.40 دج
سعر البيع
2250 دج
3812.5 دج
5765.62 دج
8207.02 دج
فسعر البيع في المرحلة الأخيرة في المعاملات الربوية= ... ... ... ... 9648.43 دج
و سعر البيع في المرحلة الأخيرة في المعاملات الإسلامية= ... ... ... 8207.02 دج
الفرق بين التعاملين ... ... ... ... ... ... ... ... 1441.41 دج ...
و بالمقارنة بين جدول التعامل بالربا و جدول التعامل بالطريقة الإسلامية نجد في التعامل بالربا أن الذي كان يجب أن يدفع من مصاريف الربا هو 800 دج على أساس وجود أربع مراحل و في كل مرحلة تدفع 200 دج.
و لكن في واقع الأمر نجد المبلغ الذي ترتب عن الربا في نهاية المرحلة الرابعة هو 1441 دج، أي بزيادة عدد 641 دج، و كاد أن يكون الضعف و ذلك أن كل مرحلة من هذه المراح الأربع يؤخذ عليها هامش الربح المساوي 25 % على مصاريف الربا، فصاحب المعمل في كل مرحلة من المراحل كما يأخذ هامش الربح على المادة الأولية، و القيمة المضافة، و المصاريف العامة يأخذه كذلك على مصاريف الربا.
و إذا تصورنا المنتوج يتطلب تصنيعه أكثر من أربع مراحل فإن ما يؤخذ من ربح على مصاريف الربا يكون أكثر من مصاريف الربا نفسها، و كل هذه ملقاة على كاهل المستهلك.
أما في الاقتصاد الإسلامي فإن هذه الزيادات كلها، سواء منها مصاريف الربا أو الأرباح المترتبة عنها، لن تكون أبدا، و هذا من أكبر أسباب انخفاض الأسعار في الاقتصاد الإسلامي. (1/59)
صفحة 60
و زيادة على انخفاض الأسعار في التعاملات الإسلامية، فإنها توفر للإنسان راحة نفسية، و طمأنينة قلبية، خاصة في الأوقات العصيبة أيام اشتداد الأزمات الاقتصادية، إذ لا يخشى المتعامل من تراكم الديون عليه و ما يتولد عليها من الفوائد، إذ المال الذي يتعامل به إما أن يكون ماله الخاص أو قرضا حسنا، أو مال شريكه يتعامل فيه بالمضاربة أو الشراكة على أساس الغنم بالغرم و الخراج بالضمان.
أما المتعامل بالربا فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، إذ يثقل كاهله القروض، و الفوائد الربوية التي لا تتوقف لحظة حتى و لو كان هناك كساد تجاري، بل و لو إغلاق للوحدات الصناعية، فهو في حرج و ضيق، و هم و غم لا يجد لها متنفسا، و هو بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن ينتهي به أمره إلى الإفلاس أو إلى قتل نفسه، و هذا ما يجلي قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } النساء 29
أو ليس في النهي عن الربا و عن أكل أموال الناس بالباطل رحمة !
أو ليس في أكل الربا و أكل أموال الناس بالباطل قتل للنفس !
هذا ما سنبينه بحول الله في حديثنا عن الاقتصاد الغربي
الطريق الثاني
لقد بينا فيما سبق أن الربا المدفوع أو المأخوذ لا يتحمله مصاحب الربا لأنه يدرجه في قيمة المنتوج و الذي تتضاعف به الأسعار، و يعتبر ربا البنوك عاملا أساسيا في التضخم الذي هو الطامة الكبرى و الخطر الداهم الذي ينعكس مباشرة على الناس جميعا، و ذلك بانخفاض القيمة الشرائية للنقود الحقيقية . فما هو التضخم ؟ (1/60)
صفحة 61
التضخم هو ارتفاع النقدية على الكتلة الإنتاجية، و سوء التوازن هذا يظهر على مستوى الأسعار إذ تنخفض القيمة الشرائية للنقود، و يقابل هذا من الطرف الآخر ما يسمى الانكماش الذي هو ارتفاع الكتلة الإنتاجية على الكتلة النقدية، و سوء التوازن هذا يظهر على مستوى الأسعار إذ ترتفع القيمة الشرائية للنقود.
فالعملة هي عبارة عن أوراق نقدية تحمل قيمتين:
أ . القيمة الاسمية التي تكتب عليها و التي لا تتغير مثل 50 دج 100 دج
ب . القيمة الشرائية التي تتغير حسب تسعير السوق
و القيمة الشرائية للأوراق النقدية تنخفض بالتضخم و ترتفع الانكماش.
و لتوضيح المسألة و إبراز حقيقتها نتحدث عن العوامل التي ينجم التضخم.
1. المعاملات البنكية
من المعلوم أن البنوك إذا قدمت قروضا للمتعاملين من زبائنها، فإنها لا تسلم لهم أموالا في صورة أوراق نقدية، و إنما تمنحها لهم على طرق أخرى.
أ . تسهيلات الصندوق ... ... ... ... Facilité de caisse
ب . منح قروض مقابل إمضاء حوالة بنكية ... ... Biellet a ordre
ت . تصريف حوالات الزبائن ... ... ... Lettre de change
ث . تقديم قروض الاستثمار ... ... Crédit d'investissement
و غيرها كثيرة
و في هذه الطرق فإن البنوك لا تسلم زبائنها أموالا نقدية و إنما تسجل ما تدفع لكل زبون في حسابه الجاري عندها و هذه هي الطامة الكبرى.
الحالة الأولى: تسهيل الصندوق (1/61)
صفحة 62
... عندما يمنح البنك لأحد زبائنه تسهيلا في الصندوق Facilité de caisse و الذي يحدد له سقفه و لا يمكن تجاوزه إلا بأمر آخر فإن البنك يعطي الزبون دفتر صكوك Carnet de cheque الذي يتعامل به في عمليات الشراء التي يقوم بها مع الممولين، و بعد ذلك يقوم الممول بدفع الشيك إلى البنك و غالبا ما يكون الحساب الجاري للممول و الحساب الجاري للزبون في بنك واحد، فيقوم البنك بطرح مبلغ الشيك من حساب الزبون و تسجيله في حساب الممول، دون أن يكون هناك أخذ للنقود من الزبون و دفعها للممول، و يكون البنك حينئذ بهذه العملية قد قدم خدمة للزبون من غير أن يدفع له دينارا واحدا، إن هي إلا نقود وهمية اخترعها و يأخذ عليها فائدة ربوية و قد يكون المبلغ المتداول في هذه العملية هو نفسه الذي يتداول في عمليات أخرى تتكرر مرارا.
... وفي حالة ما إذا لم يكن للممول حساب جار في نفس بنك الزبون
و هذه العملية تسبب في إنشاء نقود وهمية و إضافتها إلى كتلة النقود الحقيقية من غير أن يكون هناك إنتاج يقابلها.
الحالة الثانية: منح قروض مقابل حوالات إلى البنك Biellet a ordre . (1/62)
صفحة 63
... إذا قدم أحد المتعاملين حوالة إلى البنك مقابل تسلمه لقرض منها، فإن البنك في حالة احتياجه إلى النقود، أو إلى مضاعفة أرباحه فإنه يقوم ببيع هذه الحوالة إلى البنك المركزي مقابل نسبة مئوية ضئيلة من الربح محددة بين البنك المركزي و البنوك الأخرى الفرعية، و بعد أن يتسلم البنك مبلغ الحوالة من البنك المركزي يقوم بقرضه مرة ثانية إلى زبون آخر بنسبة مئوية مرتفعة و يأخذ على ذلك حوالة منه كضمان، ثم يقوم بدفع هذه الحوالة إلى البنك المركزي، و يتسلم منه مبلغها مقابل نسبة الربح المحددة ثم يقوم البنك مرة ثالثة بقرض هذا المبلغ إلى زبون آخر مقابل حوالة و بنسبة مئوية من الفائدة، و هكذا قد تتكرر هذه العملية عدة مرات قبل أن يحين أجل دفع الحوالة الأولى من الزبون الأول، و هذا كذلك مما يتسبب في مضاعفة النقود الوهمية.
الحالة الثالثة: تصريف حوالات الزبائن
... قد يبيع أحد الزبائن المتعاملين مع البنك سلعة إلى أجل، و يأخذ على ذلك حوالة تجارية كضمان، و التي يمكن له أن يقدمها إلى البنك ليصرفها له Eseampt فيقوم البنك بتسجيل مبلغ الحوالة في الحساب الجاري لهذا الزبون بعد أن يطرح له نسبة معينة من قيمة الحوالة كفائدة له، ثم يقوم البنك بعد ذلك بيعها إلى البنك المركزي أن احتاج إلى نقود مقابل نسبة معينة من الفائدة، فهذه العملية تسبب كذلك في إنشاء النقود الوهمية و بالتالي تساهم في التضخم.فهذا التضخم الذي يتكون بإنشاء النقود الوهمية يلحق ضررا كبيرا للمواطنين لأنه ينعكس على القيمة الشرائية للنقود، و هذا ما يتحمله الغني و الفقير، إلا أن الفقير أكثر تحملا لها لأن دخله محدود، و دخله من كد يمينه و عرق جبينه، فهو يشعر بانخفاض القيمة الشرائية لأجرته من غير أن يكون المسبب لها، و يتحمل أعباء الربا الذي استفاد منه الآخرون. (1/63)
صفحة 64
و إذا كان القانون يعاقب المزورين للنقود لما يسببونه لابتزاز من الأموال، و إغراق السوق بالأوراق المزيفة التي تسبب في انخفاض قيمة العملة فإن العمليات الربوية التي ذكرناها تقوم بنفس الدور إلا أنه في إطار قانوني. (1/64)