صفحة 1
بحث تخرج: البدعة لإبراهيم بيوض [ناقص]
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] ما هي البدعة؟
(البدعة: مفهومها، وأنواعها من خلال درس للإمام الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر)
[الاستهلال]
أشهد أن لا إله إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، وأنَّ سيِّدنا محمَّداً (ص) عبده ورسوله.
اللهمَّ أكرمنا بنور الفهم، وأخرجنا من ظلمات الوهم؛ اللهمَّ افتح علينا حكمتكَ وانشُر علينا رحمتك، ويسِّر لنا من خزائن علمِك؛ ياذا الجلال والأكرام.
اللهمَّ صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمَّد خاتِم النبيئين، وسلام على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
[توطئة في مفهوم البدعة عند العامَّة]
موضوع السنَّة والبدعة - أي ما هي السنَّة؟ وما هي البدعة الضالَّة المحرَّمة؟ - موضوع كبير متشعِّبٌ، فيه كلام طويل؛ وكان من المفروض أن يعَدَّ له مقالٌ يكون مكتبوباً مركَّباً، متسلسل الأفكار والمباحث، ولكنَّ الوقت لم يتَّسع لهذا، مع ما أنا فيه من العجز والضعف (1) .
فنعتمد على الله تبارك وتعالى ليهدينا السبيلَ في هذه المسألة، وسنقتصر على فرع من فروعها، ألا وهو: فرع البدعة.
فقد شاع بين الناس أن يقولوا - مثلا -: «هذا العمل بدعة لم يفعله النبيء (ص)»؛ هكذا استقرَّ في أذهان النَّاس أنَّ كلَّ ما لم يفعله النبيء (ص) بدعة وليس بسنَّة، ويعتبرون من يفعل شيئا من ذلك عاصياً، ولو كان ذلك العمل من أعمال الخير، من صلاة، وصدقة، وتلاوة القرآن، أو ذكر، أو غير ذلك.
[البدعة: أنواعها]
هناك فرق كبير، بل فوارق كبيرة بين السنَّة الواجبِ اتِّباعها، وبين البدعة الضالَّة المخالفة للسنَّة التي هي معصية، وبين البدعة المحمودة الحسنة التي يثاب عليها؛ وسنتكلَّم الآن على أنواع البدع:
__________
(1) - كان عمره آنذاك 77 عاما. ولم يعرف عنه - رحمه الله - معاناة في قوَّة التركيز ونشاط الذهن، وإنَّما أصابه الوهن والكبر في الجسد فقط. (1/1)
صفحة 2
فليس كلُّ ما لم يفعله النبيء (ص) في وقته بدعة نتركه، ولو اتَّبعنا هذا لأتى على ديننا، فكلُّ القربات - من أعمال الخير التي نتقرَّب بها إلى الله، من غير الفرائض والسنن المؤكَّدة - سنتركها، وبذلك يفوت الناسَ خيرٌ كثيرٌ، ولا قائلَ بهذا من المحقِّقين، ومن العلماء الأعلام من السلف والخلف.
[أنواع البدع والفرق بينها، وتحديد معنى البدعة لغة واصطلاحا]
والحكم على ما كلِّ ما لم يفعله النبيء (ص) بأنَّه بدعة مذمومة حكمٌ خاطئٌ خطأ فاحشاً، إلاَّ أن يسمَّى ذلك بدعة بالمعنى اللغوي، بمعنى ابتدع شيئاً جديداً لم يكن معهوداً من قَبل. (1) ولكن ليس كلُّ بدعة ضلالةً، إذ من البدع ما هو ضلال، ومنها ما هو محمود؛ والنبيء (ص) نفسُه صحَّ عنه أنَّه قال: «من سنَّ سنَّة حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنَّة سيِّئة فعليه وزرها ووِزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (2)
__________
(1) - للتوسّع في المعاني اللغوية للفظ "البدعة" انظر: لسان العرب لابن منظور، ج1/ص174-175.
(2) - لم أقف على هذا الحديث بنصِّه، وقريب منه ما روى مسلم من أنَّ النبيء (ص) قال: «من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيّئة كان عليها وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» كتاب الزكاة، رقم 1017.
... ورواه بلفظ قريب أبو داوود في السنّة، الباب السادس. والترمذي في العلم، باب 14 و16، والنسائي في الزكاة، باب 64، وابن ماجه في المقدّمة، باب 14، 15، 20. وقد رجعت إليها.
... وزاد في المعجم المفهرس الدارمي في المقدّمة، باب 44، ومالك في موطّئه، كتاب القرآن، الباب 41، وابن حنبل، ج2/ص397، 505، 530؛ ج3/ص136؛ ج4/ص357، 359، 361، 362؛ ج5/ص380. (1/2)
صفحة 3
إذن فقد أثبت عليه السلام أنَّ هناك سننا خيرية يسنُّها بعض الناس، ويتَّبعهم آخرون، ولهم في ذلك أجر؛ وعكس ذلك السنَّة السيّئة المعتبرة والمسمَّاة بدعة؛ لذلك عندما نقول: بدعة محمودة، فإنَّ لفظ البدعة ليس بالمعنى الشرعي، وإنَّما بالمعنى اللغوي، وهذا ما سمَّاه الحديث بالسنَّة الحسنة.
قد يقول قائل: «كان من المفروض أن لا يسمَّى هذا الأمر بدعة»، نجيبه بأنَّ الأوَّلين من الصحابة - رضي الله عنهم - قد سبقونا إلى هذا، فسمَّوا أعمالاً خيرية أحدثوها بعد النبيء (ص) بدعةً، كما قال سيَّدنا عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في مسألة قيام رمضان: «نعمتِ البدعة» (1) ، إذ دخل المسجد ذات مرَّة فوجده قد غصَّ بالمصلّين وكان هو الذي جمعهم، وهذا ما سنستدلُّ به فيما بعد.
__________
(1) - رواه البخاري بلفظ: «نعم البدعة هذه»، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم 1906.
... وفي الموطَّأ عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنَّه قال: «خرجت مع عمر بن الخطَّاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون. يصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط، فقال عمر: «والله لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل» فجمعهم على أبيّ بن كعب». قال: «ثمَّ خرجت معه ليلة أخرى والنَّاس يصلّون بصلاة قارئهم فقال عمر: «نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون» يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوَّله». كتاب الصلاة في رمضان، باب ما جاء في قيام رمضان، رقم 252. (1/3)
صفحة 4
خرج النبيء (ص) ليلة من ليالي رمضان إلى الناس في المسجد، ووجدهم يقومون الليل كما حرَّضهم، فمنهم من يصلّي ومنهم من يذكر ومنهم من يتلو القرآن، فصلَّى بهم، إذ صفّوا من حوله وصلّوا بصلاته، ففرح هؤلاء المصلّون بخروج النبيء (ص) إليهم وصلاتِه بهم، وأصبحوا بتحدَّثون عن ذلك في الناس؛ وفي الليلة التالية جاء ناس كثيرون، لأنَّ قلوبهم ملأى بالخير، فهم يرغبون في صنوف البرّ خاصّة الصلاة وراء النبيء (ص)؛ وفي الليلة الثالثة غصَّ المسجد بالناس، فصلَّى بهم النبيء (ص)؛ وفي الليلة الرابعة - كما قيل - عجز المسجد عن إيوائهم، لكنَّ النبيء (ص) لم يخرج، فقد كان في مصلاَّه أو في بيته وقيل: اعتجر (1) حصيراً كأنَّه بيت مستقلٌّ يصلِّي داخله، تركهم يصلُّون وحدهم، وما كانوا لينادوه (2) أو يدعوه. وفي الصباح بعد صلاة الفجر أخبرهم بأن: «لم يخفَ عنِّي مقامكم، ولكنيِّ لم أشأ أن أخرج إليكم» لماذا؟ «لأنِّى خِفت أن يفرض عليكم» (3)
__________
(2) - في آداب نداء الصحابة للرسول (ص) ينظر تفسير قوله تعالى: {...إنَّ الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون...} سورة الحجرات: 4 . وخاصَّة تفسير الشيخ في رحاب القرآن، مخطوط.
(3) - الحديث رواه الشيخ بالمعنى، ونصّه عند الربيع بن حبيب عن عائشة زوج النبيء (ص) قالت: «صلَّى رسول الله (ص) في المسجد، فصلَّى بصلاته ناس كثير، ثمَّ صلَّى الليلة الثانية فكثر الناس، ثمَّ تجمَّعوا في الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله (ص)، فلمَّا أصبح قال: «قد رأيتُ الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلاَّ أنِّي خشيت أن يفرض عليكم» وذلك في رمضان» باب (33) الإمامة في النوافل، رقم 204.
... ورواه البخاري من حديث طويل روته عائشة رضي الله عنها، وفيه قال النبيء: «أمَّا بعد، فإنَّه لم يخف عليَّ مكانكم ولكنّي خشيتُ أن تفرضَ عليكم فتعجزوا عنها» فتوفي رسول الله (ص) والأمر على ذلك. كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم 1908. (1/4)
صفحة 5
لأنَّ الوحي لا يزال متتابعا، وربَّما لو واظب النبيء (ص) على صلاته تلك بالناس إماماً لفرضت، وهو لا يجبُّ إلاَّ التخفيف عن أمَّته، فاحتفظوا بهذا - أيُّها الناس - وسوف نرجع إليه، وإنَّما ذكرناه لمناسبة ذِكْرِنا لكلام سيّدنا عمر.
ولم يخرج النبيء (ص) بعد تلك الليلة ليصلّي بالناس إماما في قيام رمضان، فاستمرَّ المسلمون على ما عهدوه من الصلاة فرادى وأوزاعا: شخص هنا وآخر هناك، وجماعة - مثلا - في جهة يصلّي بها إمام يحفظ القرآن، لأنَّ الصحابة لم يكونوا كلّهم حملة للقرآن، والأصل في الإمام أن يكون «أقرأهم لكتاب الله» - كما قال النبيء (ص) - (1) مع استيفاء الشروط الأخرى طبعاً. لذلك قد يكون البعض معهم من القرآن الشيء القليل، فيقدّمون فلانا حتّى أنَّهم قد يقدّمون بعض الصغار، وورد أنَّ صبيا كان يصلّي بجماعة صلاة كاملة بالطهارة وكلّ الواجبات وهو لم يبلغ الحلم (2) ، قدّموه لأنَّه كان أكثرهم قرآنا. كان هذا في بعض الأوقات وليس في ليالي رمضان.
__________
(1) - عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله (ص): «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة، فإن كانوا في السنَّة فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًّا» الربيع، باب (35) في الإمامة والخلافة في الصلاة، رقم209.
... ورواه البخاري، < في باب إمامة العبد والمولى.<
(2) - عن عمرو بن سلمة الجرمي قال: «كان يمرُّ علينا الركبان، فنتعلّم منهم القرآن، فأتى أبي النبيء (ص) فقال: «ليؤمَّكم أكثركم قرآنا» فجاء أبي فقال: إنَّ رسول الله (ص) قال: «ليؤمّكم أكثركم قرآنا» فنظروا فكنت أكثرهم قرآنا، فكنت أؤمّهم وأنا ابن ثماني سنين» سنن النسائي، كتاب الإمامة، باب إمامة الغلام قبل أن يحتلم. (1/5)
صفحة 6
قلنا: كان الناس يقومون الليل فرادى وأوزاعا، جماعة هنا وأخرى هناك، ودام الأمر على ذلك بقية أيَّام النبيء (ص) حتَّى توفي، وزمنَ أبي بكر - عامين وبضعة أشهر -، وبعد وفاته رضي الله عنه ولّي عمر ومرَّ زمن من خلافته والحالة على تلك، وفي يوم وفّق الله تبارك وتعالى عمر، وألهمه أن يجمعهم على إمام واحد، فكان كذلك، وبدأ قيام رمضان على تلك الكيفية، وخرج عمر ليلة ودخل المسجد، فوجد الناس على تلك الكيفية فقال: «نعمت البدعة»، فقد سمَّاها بدعة، ولو شاء لقال: «نعمت السنّة» - مثلا -، ولكن قال: «نعمت البدعة» وهذا تعبير منه بأنَّ هذا العمل لم يأمر به النبيء (ص) بتلك الصورة والكيفية.
«نعمت البدعة» ذكرها الإمام علي مرَّة ولكن لا بلفظ البدعة، وإنَّما نذكرها للمناسبة: جاء الإمام عليّ يوما إلى المسجد فوجد الناس يصلّون بتلك الصورة الجماعية، والقناديل مسرَجة فقال: «نوَّر الله قبرَ عمر» أو «نوَّر الله عمرَ كما نوَّر مساجدنا» (1) . لأنَّ تلك الصورة سنَّها عمر.
ولفظ البدعة ورد عن ابن عمر، وأظنُّ - على ما أذكر - بعد وفاة عثمان شرع يصلّي صلاة الضحى جماعة في المسجد، وقد كان (ص) يصلّيها مرَّة ويذرها أخرى، وأكثر ما يصلّيها في بيته. فقال ابن عمر معلّقا على ما شرع فيه: «نعمت البدعة» (2) . هكذا سمَّاها بدعة.
هذه المقدّمة كلّها لكي لا نفهم أنَّ لفظ الضلال ملازم لكلمة البدعة، أي كلَّما قلنا بدعة كأنَّنا قلنا ضلالة؛ لا، ليس الأمر هكذا. وهذا الرأي صحَّت به الروايات في جميع كتب الحديث، وكتب السيرة، وكتب التاريخ وغيرها، كلّها صحَّت بعمل عمر وابن عمر.
إذن فهذه هي البدعة التي سنتكلّم عنها الآن، والتي يزعم البعض أنَّها بدعة سيّئة يجب أن أتركها، لماذا ؟ لأنَّ النبيء (ص) لم يفعلها.
[تبيين أصول التشريع الإسلامي]
__________
(1) - لم أهتد إلى مصدر هذه المقولة فيما رجعت إليه من المصادر.
(2) - لم أقف على هذا النصّ فيما رجعت إليه من مصادر. (1/6)
صفحة 7
أمرنا الله تبارك وتعالى بطاعته وطاعة رسوله: {يآأيها الذينَ ءَامنوا أَطِيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرسولَ} (1) ، {أطيعوا اللهَ ورسولَهُ} (2) ، {قلِ اِن كنتم تُحبُّونَ اللهَ فاتَّبعونِي يُحبِبْكمُ اللهُ} (3) {وَما ءاتاكمُ الرسولُ فخذُوهُ وما نهاكمْ عنهُ فانتهُوا} (4) .
نعم، معقول، مأمورون بالعمل بكتاب الله، لأنَّه الأصل الأوَّل لدين الله، والسنَّة النبويَّة هي الأصل الثاني لأنَّ القرآن هو الذي أصَّلها، للآيات السابقة، ولقوله تعالى: {مَن يُّطع الرسولَ فقد اَطاعَ اللهَ} (5) ، ومثل هذه الآيات في القرآن كثير.
إذن الركيزتان الأصليتان الكبيرتان في الإسلام هما: الكتاب والسنَّة، وهذا مجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة.
ثمَّ يأتي بعد ذلك الإجماع، لأنَّ الأمَّة معصومة أن تجتمع على ضلالة، ولو كان الإجماع في غير ما عُلم من الدين بالضرورة، وهذا لا يكاد يتحقَّق إلاَّ في شيء قليل جدًّا.
والإجماع المعتبر هو القوليُّ لا السكوتيُّ، وهو أن يجمع علماء الأمَّة كلّهم في المشرق والمغرب في عصر من العصور، ويتَّفقوا على شيء ولا يخالفهم عالم، حتَّى ينقرض عصرهم... وشروط الإجماع مذكورة ومبسوطة في الكتب (6) .
هذا هو الأصل الثالث.
علينا أن نحفظ هذه الأصول كي نبني عليها ما سيأتي فيما بعد: الكتاب، والسنَّة، والإجماع (7) .
[الدعوة إلى العمل الصالح]
__________
(1) - سورة النساء: 59.
(2) - سورة الأنفال: 20.
(3) - سورة آل عمران: 31.
(4) - سورة الحشر: 7.
(5) - سورة النساء: 80.
(6) - وانظر: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي لباجو مصطفى، ص258-283.
(7) - وهذا لا يعني الحصر كما قد يتوهَّم، فالأصول التشريعية عند الإباضيَّة إضافة إلى ما ذكر هي: القياس والاستدلال.
... وانظر: شرح طلعة الشمس للسالمي، ج1/ص19. (1/7)
صفحة 8
الله تبارك وتعالى أنزل كتابه ودعا فيه إلى الخير، وإلى الأعمال الصالحة، وعمَّم الدعوة بلا تخصيص نوع دون آخر، والله تبارك وتعالى أينما يذكر الذين آمنوا، الذين وعدهم الجنَّة يقول: {إلاَّ الذين ءَامَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ} (1) .
وهذا هو الدليل الأوَّل، وهو في سورة من أقصر سور القرآن، وهكذا تتكرَّر هذه الآية في سور كثيرة من القرآن، بلفظ: {ءَامَنواْ وعَمِلُوا الصَّالحات} (2) .
والصالحاتُ كلُّ شيء فيه خير: كلُّ شيء يتقرَّب به إلى الله، أو فيه نفع لعياله، أو فيه دفع الأذى عن خلقه. كلُّ ذلك يدخل في الصالحات، واللفظ عامٌّ ليس له تخصيص.
ويذكر الله تعالى في آيات أخرى: {إلاَّ من تابَ وءامنَ وعمِلَ صالحاً} (3) ، {إلاَّ من تابَ وءامَن وعمِل عملاً صالحا} (4) ، {فمن يَّعمل من الصالحات وهو مومنٌ فلا كُفرانَ لسعيه} (5) ، وهكذا جاء في كثير من آيات القرآن بلفظ الصالح وجمعه، ولفظ الحسنة وجمعها مثل: {إنَّ الحسناتِ يذهبن السيّئات} (6) .
وبعد هذا يدعونا إلى عمل الخير عموما بدون تحديد، وبدون تخصيص، وبعد ذلك يأتي ما خصَّصه ببعض الفرائض؛ والدعوات العامَّة للخير في القرآن كثيرة جدًّا.
[الذكر: من أوكد أنواع الخير ]
التعبير بذكر الله يندرج فيه التسبيح والتعظيم والتهليل والصلاة والدعاء، وهو كثير أيضا.
__________
(1) - وتمامها: {بسم الله الرحمن الرحيم والعصر إنَّ الانسان لفي خسر إلاَّ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر}. سورة العصر: 1-3.
... وفي سورة الشعراء: 227.
(2) - ورد ذكرها في القرآن الكريم بهذا اللفظ 33 مرَّة. وانظر: المعجم لعبد الباقي، مادة عمل.
(3) - سورة مريم: 60.
(4) - سورة الفرقان: 70.
(5) - سورة الأنبياء: 94.
(6) - سورة هود: 114. (1/8)
صفحة 9
وقد وصف الله تعالى المؤمنين بأنَّهم {يذكرونَ اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبِهم، ويتفكَّرون في خلْق السمواتِ والاَرضِ} (1) . والملاحظ أنَّه تعالى ذكر جميع الأوضاع: {قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم}: قائمين، أو قاعدين، أو نائمين، فهم يذكرون الله في جميع الحالات دون استثناء.
وفي آية أخرى قال تعالى: {فاذكروا اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، فإذا اطمأنَنْتم فأقيموا الصلاة} (2) .
والمقصد من هذه الآيات تعميم الأوضاع وكلِّ هيئات البدن من قيام وقعود ونوم؛ فلا تقل - أيُّها المسلم - في حالة من الحالات: «لا أذكر الله».
فالله تعالى وصف عباده المؤمنين بأنَّهم يذكرون في عموم الأزمان، كما وصفهم بذكره في عموم الأوضاع.
وقد يردفُ سبحانه الذكرَ بوصف الكثرة، كما قال: {والذاكرينَ اللهَ كثيراً والذاكِرات} (3) ، {اذكروا اللهَ ذكراً كثيراً وسبِّحوه بكرةً وأصيلاً} (4) . فليس المراد: سبّحه صباحاً وأمسك إلى المساء، وإنَّما المراد الكناية عن عموم الأوقات.
ففي قوله تعالى: {فسبِّحوه بكرةً وأصيلاً} تعميمٌ لأوقاتِ النهار، وفي قوله: {فسبحانَ الله حينَ تمسونَ وحينَ تصبحونَ وله الحمدُ في السمواتِ والاَرض وعشياًّ وحين تظهرونَ} (5) تعميم لأوقات الليل والنهار جميعا.
وأمَّا باعتبار أوقات الله فليس هناك أعمُّ من لفظ البيات، حيث وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: {والذينَ يبيتونَ لربَّهم سجَّداً وقياماً} (6) . والمبيت لغة من بات فلان يفعل كذا، إذا قضى ليله كلَّه فيه.
__________
(1) - سورة آل عمران: 191.
(2) - سورة النساء: 103 وتمامها: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما...}.
(3) - سورة الأحزاب: 35.
(4) - سورة الأحزاب: 41 - 42.
(5) - سورة الروم: 17-18.
(6) - سورة الفرقان: 64. (1/9)
صفحة 10
وفي آية أخرى جاء في مدح الذين يؤمنون بآيات الله: {تتجافَى جنوبُهم عن المضاجعِ، يدعونَ ربَّهم خوفاً وطمعاً} (1) : فهؤلاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع في الليل، وتتجافى معناها تتباعد، فالواحد منهم يترك فراشه، ويؤثر التعبّد والقيام. وفي قوله تتجافى جنوبهم حلاوة: إذ كأنَّ جنوبهم لا تريد الراحة في الفرشِ، وإنَّما تفضّل الوقوفَ للذكرِ والعبادة.
وأمر الله تبارك وتعالى نبيئه بقوله: {ومنَ الليلِ فاسجُد له وسبِّحه ليلاً طويلاً} (2) ، وبقوله: {يآأيها المزمّل قمِ الليلَ إلاَّ قليلاً نصفه أو اُنقُص منه قليلاً أو زدْ عليهِ ورتّل القرآنَ ترتيلاً إنَّا سنلقِي عليكَ قولاً ثقيلا} (3) . فقيامُ الليل واجب على النبيء (ص).
فالله سبحانه أينما يذكر السلمين يذكرهم بالتسبيح والذكر الكثير، فقد قال في شأن المساجد: {في بيوتٍ أذنَ اللهُ أن تُرفعَ ويُذكَر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغدوِّ والآصال رجالٌ لاَ تُلهيهِم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذِكرِ اللهِ} (4) ، لأنَّ الغدوَّ والآصال في النَّهار وهي أوقات العمل، وهؤلاء قد يتركونَ هذه الأعمال ويشتغلون بذكرِ ربِّهم في المساجدِ، وذلك إذا توفَّرت لهم الإمكانياتُ، وساعدتهم ظروفهم.
فلا نستطيع في هذه العجالة أن نتتبَّع كلَّ الآيات التي يأمر الله تبارك وتعالى فيها بالذكر الكثير.
[الصلاة: سلاح المؤمن في السرَّاء والضرَّاء]
وأمر الله بالصلاة ودعا إليها، فقال لنا: {واستعينُوا بالصبرِ والصلاةِ وإنَّها لكبيرةٌ إلاَّ على الخاشِعينَ} (5) ، {واستعينوا بالصبرِ والصلاةِ إنَّ اللهَ مع الصابرينَ} (6) .
__________
(1) - سورة السجدة: 16.
(2) - سورة الإنسان: 26.
(3) - سورة المزمّل: 1-5.
(4) - سورة النور: 36-37.
(5) - سورة البقرة: 45.
(6) - سورة البقرة: 153. (1/10)
صفحة 11
قال {استعينوا} ولم يقل على ماذا: استعينوا على كلِّ شيءٍ، على ما ترغبون أن تنالوه من اللهِ، فأنت - أيُّها المسلم - تدعو اللهَ أن يغفر لكَ ذنبكَ، فإن أسرفت على نفسك فاستعن بالصبر على المصائب، وافزع إلى الصلاة - للالتجاء إلى الله - إذا ضاق بك الأمر.
وفي آية أخرى قال تعالى: {يآأيَّها الذينَ ءامَنوا اركعواْ واسجدُوا واعبدوا ربَّكم وافعلوا الخيرَ لعلَّكم تفلحونَ} (1) .
المقصود بالأمر بالركوع والسجود في هذه الآية الصلاةُ المفروضة، وقد خصَّهما الله سبحانه لفضلهما من بين سائر أركان الصلاة، وخصَّ الصلاة لفضلها من بين أعمال الخير، ثمَّ عمَّم العبادات بجميع أنواعها في تمام الآية: {واعبدوا ربَّكم وافعلواْ الخيرَ لعلَّكم تفلحون}.
ولكن ما معنى الخير في هذه الآية؟
هو شيء معروف، ولذلك عبَّر عنه القرآن الكريم بـ"المعروف"، والمعروف ما يعرفه العقلاء بأنَّه حقٌّ، وأنَّه خيرٌ، وأنَّه إحسانٌ، ليس فيه ضررٌ لأيِّ مخلوقٍ من مخلوقات الله، وليس فيه مضادَّة ولا محادَّة لأمر الله.
أُمِرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، وذلك في قوله تعالى: {والمومنونَ والمومناتُ بعضهمُ, أوليآءُ بعضٍ، يامُرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكَر} (2) ، وقوله: {كنتمْ خيرَ أمَّة أُخرِجت للناسِ، تامُرونَ بالمعروفِ وتنهَوْنَ عن المنكَر وتومِنون بالله} (3) ، وقوله: {ولتكُن منكمُ, أُمَّةٌ يدعونَ إلى الخيرِ، ويامُرونَ بالمعروفِ وينهَوْنَ عن المنكرِ وأولئكَ همُ, المفلِحونَ} (4) .
فالعقلاء كلُّهم ينكرونَ القبائح والخبائث، وينكرونَ الظلمَ بمختلف أنواعه، ويعرفون الحقَّ والخيرَ والإحسان بفطرتهم السليمة، وليس هناك من يخطئ بين الخير والشرِّ، إلاَّ من أضلَّه الله.
[أعمال الخير لا يحصيها عدٌّ ولا نوعٌ]
__________
(1) - سورة الحج: 77.
(2) - سورة التوبة: 71.
(3) - سورة آل عمران: 110.
(4) - سورة آل عمران: 104. (1/11)
صفحة 12
ممَّا مرَّ يتبيَّن أنَّ أعمال الخير كلَّها مشروعةٌ، في جميع الأوقات والأوضاع، وأعمال الخير لا تحصى، فالنبيء (ص) قال: «الإسلامُ نيِّفٌ وستُّونَ جزءاً - وفي رواية بضعٌ وسبعون - أعلاها كلمةُ التوحيد، وأدناها إماطةُ الأذى من الطريق» (1) .
وهذه النيّف والستُّون خصلة يمكن أن تتفرَّع إلى أكثر من هذا، وبيْن تلك الخصال كلِّها دُعيَ الناس إلى بذل الجهد.
ثمَّ جمع الله ذلك كلَّه في قوله تبارك: {وما خلقتُ الجنَّ والانسَ إلاَّ ليعبدونِ} (2) ؛ والمفروض من الناس أن يكونوا عابدينَ لله في كلِّ شيءٍ، حتَّى في أعمالهم المباحة، إذا نووا بها الخير، وممَّا يندرج تحت هذا المعنى الكسبُ إذا لم ينووا به التكاثر والتفاخر في الأموال، ونووا به دفعَ بلاء الشرِّ والفقر عن أنفسهم، والتصدّقَ والإنفاقَ في سبيل الله، واتّخاذَها مطية يبلغون بها الجنَّة. ولأنَّه في إمكان شخص أن يكون عابداً لله تباركَ وتعالى وهو في المتجر أو السوق أو المصنع أو الحقل، كما يمكن أن يكون عاصيا له وهو في المسجد أو في جوف الكعبة.
__________
(1) - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «بضعٌ وسبعون - أو بضع وستُّون - شعبة، فأفضلها قول لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». الجامع صحيح لمسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونها من الإيمان، رقم 58.
... ورواه الربيع بلفظ: «الإيمان مائة جزء أعظمها قول لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق» الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، باب (2) الحجَّة على من قال أنَّ الإيمان قول وعمل، ج3، رقم 773.
... وفي المعجم: رواه أبو داود، كتاب السنَّة، باب 14. والنسائي، كتاب الإيمان، باب 16. وابن ماجة، كتاب المقدمة، باب 9.
(2) - سورة الذاريات: 56. (1/12)
صفحة 13
إذن فنحن مأمورن بالعبادة وفعل الخير دون تحديد، إلاَّ إذا أشكل علينا، فالواجب أن نعود إلى كلام الله وسنَّة رسوله.
[بيان في أصول الفرائض و تيسير الشارع لها]
بعد هذا التعميم اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يرحمنا، ويجعل لنا الدين يسراً: {يريدُ اللهُ بكمُ اليسرَ ولاَ يريدُ بكمُ العسرَ} (1) ، {وما جعلَ عليكُم في الدينِ من حرجٍ} (2) .
فقد خصَّص بعض العبادات ببعض الأوقات، وجعلها فرائضَ لا يقبل من عبدٍ صرفاً ولا عدلاً، إلاَّ بعد أدائها.
هذه الفرائض تتمثَّل في الصلاة والزكاة والصوم والحج، بشرط أن تكون بعد الإيمان الذي هو إطار يحفّها ولا تندرج إلاَّ تحته.
هذه هي الفرائض التي فرضها الله تبارك وتعالى علينا بصورة مصغَّرة، مختصرة، يسيرة، وسهلة.
ففي الصلاة فرض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة: في الفجر ركعتين بعد السنَّة المؤكَّدة، ثمَّ أنت - أيُّها المسلم - حرٌّ في عملك، فقد جعل الله تبارك وتعالى لنا الوقت بين الفجر والظهر فسيحاً، وهو وقت عمل، لطفاً ورحمة بنا، فلم يفرض علينا صلاة بعد الشروق في الضحوة الصغرى، والضحوة الكبرى، حتَّى لا نقول: إنَّه سبحانه يشغلنا عن أعمالنا.
فبين صلاة الفجر وصلاة الظهر حوالي سبع ساعات أو ثماني ساعات، والناس - في عصرنا - يقدّرون العمل العادي الذي يستطيعه الإنسان في اليوم بثماني ساعات، ويمكنك بعد ذلك أن تتفرَّغ للعبادة كلياًّ، فقد وسَّع لنا بين وقت الظهر والعشاء كما وسَّع بين العشاء والفجر، لأنَّه جعل النوم سباتاً، لا بدَّ من راحة ونوم.
وهذه الصلوات مختصرة - كذلك -: ركعتان في الفجر، وأربع في الظهر، وأربع ركعات في العصر، وثلاث في المغرب، وأربع في العشاء؛ وكلّها تصلّى في بضع دقائق؛ ولو شاء سبحانه لفرض علينا أكثر من ذلك، كما هو وارد في قصَّة الإسراء والمعراج (3) ،
__________
(1) - سورة البقرة: 185.
(2) - سورة الحج: 78.
(3) - للتوسّع في قصَّة الإسراء والمعراج انظر:
... صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب 37؛ كتاب الأنبياء، باب 22 و 41؛ كتاب التفسير، باب تفسير سورة الإسراء، باب 3 و 9...
... صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب 262 و 266...
... صحيح الترمذي، كتاب الصلاة، باب (45).
... سنن النسائي، كتاب الصلاة، باب (1).
... سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب 23 و 33.
... السيرة النبويَّة لابن هشام،
... السيرة النبويَّة لابن كثير (1/13)
صفحة 14
حيث فرضها خمسين صلاة، وكان النبيء (ص) يتردّد بين سيّدنا موسى عليه السلام وبين ربّه يسأله التخفيف، فبدأ يسقط عنه خمساً خمساً، حتَّى بقيت خمسٌ، وقال له سيدنا موسى عليه السلام: «ارجع إلى ربِّك، اسأله التخفيف» فقال: له (ص): «استحيَيتُ»، قال الله تبارك وتعالى: «هي خمسٌ وهنَّ خمسون»: في العدد خمس وفي الأجر خمسون، والحسنة بعشر أمثالها؛ فما مقدار المشقَّة والصعوبة في هذه الصلوات ياترى؟
ومن أوجه اليسر والرحمة في الفرائض الوضوءُ الذي نصَّ عليه في الكتاب، فيه فوائد صحيَّة لا تقدَّر، والعالم كلُّه بهذا النظام: نظام الطهارة: غسل أطراف معيَّنة مرَّات كلَّ يوم عند القيام إلى الصلاة.
هذا ما فرض علينا من الصلاة بنصِّ الكتاب، ثمَّ زيدت لنا صلاة سادسة كما جاء في الحديث: «إنَّ الله زادكم صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم: ركعة الوتر» (1) . وتسبقها ركعتا شفعٍ، وبإمكان أحد أن يصلِّيها بدون شفع قبلها، ويكون قد أدَّى الفرض، لأنَّ الوتر واجب عند الحنفيَّة، وسنَّة مؤكَّدة عندنا وعند سائر المذاهب (2) .
هذا هو الفرض من الصلاة فقط، وليس لنا صلوات أخرى مفروضة غير ما ذكرنا.
والصيام - كما نعرف - شهر رمضان من كلِّ عامٍ.
والزكاة يخرج منها في النضِّ ربع العشر، يعطيك الله مائة وتعطيه اثنين ونصفاً؛ فلو قال لك إنسان:
__________
(1) - رواه الربيع بلفظ: «إنَّ الله زادكم صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر». الجامع الصحيح، باب (29) في فرض الصلاة في الحضر والسفر، ج1، رقم 192.
(2) - الوتر عند الإباضيَّة سنَّة مؤكَّدة على الصحيح.
... شرح النيل للقطب اطفيش، ج2، ص499.
... الوتر عند الحنفيَّة واجب، وعند الحنابلة سنَّة مؤكَّدة، وعند الشافعيَّة سنَّة مؤكَّدة وهو آكد السنن، وعند المالكيَّة سنَّة مؤكَّدة، بل هو آكد السنن بعد ركعتي الطواف والعمرة.
... الفقه على المذاهب الأربعة لوزارة الأوقاف المصرية، ج1، ص246-250 (بتصرّف) (1/14)
صفحة 15
- «إذا أعطيتك مائة فماذا ترجع لي منها؟».
- «أعطيك ما تريد».
- «وإذا أعطيتك مائة أترجع لي منها خمسين؟»
- «نعم، أردُّ لك منها خمسين» وكأنها جاءتني من أوَّل مرَّة خمسون.
وفي زكاة الغنم شاة من أربعين شاة، <<<
هذه هي الزكاة، فيها منتهى التخفيف واليسر.
والحجّ مرَّة في العمر، على المستطيع.
كما حرَّم الله سبحانه علينا أمواراً كلُّها مضارٌّ للعقل والبدن والدين: {ويحرِّم عليهم الخبآئثَ} (1) .
[تفويض الله تعالى لنبيه تبيين الفرائض]
الله تبارك وتعالى فوَّض لنبييِّه أن يبيّن للناس هذه الفرائض، فليس في القرآن - مثلا - عدد الركعات ولا عدد السجدات، ولا ماذا نقرأ فيها، فقد أمرنا سبحانه بالصلاة وإقامتها والمحافظة والدوام عليها دون تفصيل لكيفيتها: {أقمِ الصلاة} (2) {والمقيمينَ الصلاة} (3) {وإقام الصلاة} (4) {الذينَ هم على صلاتهم دآئمونَ} (5) ، {والذينَ هم على صلواتهم يحافظونَ} (6) {الذين هم في صلاتهم خاشعونَ} (7) .
والنبيء (ص) بالوحي حدَّد لنا هذه الصلاة: أوقاتها، وكيفياتها... وحدَّد كذلك الزكاة، فبيَّن الأموال التي تجب فيها، والمقادير المفروضة، ولمن تعطى؛ كلّ هذا بيَّنه عليه السلام بأمر من الله: {وأنزلنا إليكَ الذكرَ لتبيِّن للناسِ ما نزِّل إليهم} (8) .
فقام النبيء (ص) بواجبه، فعلَّم الناس الصلاة بأقوالها وأفعالها، وكذلك سائر الفرائض الأخرى من زكاة وصوم وحجٍّ، وقد أجملت في الحديث الصحيح وفيه أنَّ أعرابيا جاء الرسولَ (ص)، والصحابة جلوس عنده، سأله أن يعلّمه أمر دينه، وهذا لأنَّه سيعود إلى باديته ولن يعود، قال له (ص):
__________
(1) - سورة الأعراف: 157.
(2) - سورة هود: 114. ... سورة الإسراء: 78. ... ... سورة طه: 14.
... سورة العنكبوت: 45. ... ... سورة لقمان: 17.
(3) - سورة النساء: 162.
(4) - سورة الأنبياء: 73. ... ... سورة النور: 37.
(5) - سورة المعارج: 23.
(6) - سورة المومنون: 9.
(7) - سورة المومنون: 2.
(8) - سورة النحل: 44. (1/15)
صفحة 16
- «خمس صلواتٍ بين اليوم والليلة».
- قال: «هل عليَّ غيرها؟».
- قال: «لا إلاَّ أنْ تطَّوَّع».
- «ثمَّ ماذا؟».
- «صيام رمضانَ».
- «هل عليَّ غيره؟»
- «لا، إلاَّ أن تطوَّع».
- «ثمَّ ماذا؟».
- «الزكاة إن كان لك مالٌ».
- «هل عليَّ غيرها؟».
- «لا، إلاَّ أن تطَّوَّع».
- «ثمَّ ماذا؟».
- «الحجُّ إن استطعتَ».
فركب الأعرابي ناقته وعاد أدراجه، ويروى أنَّه قال: «والله لا زدتُ ولا نقصتُ»، فقال الرسول (ص): «أفلح إن صدق» (1) .
[الأمر بالتطوّع]
والله تبارك وتعالى لمَّا فرضَ هذه الفرائض أمرَ بالتطوّع - تتبَّعوا الحكمة في الكلام: أمر بالتطوُّع -، فالتطوُّع ليس بدعةً، لا. فهذا الأعرابيُّ قال له النبيء (ص): «إلاَّ أن تطَّوَّع... إلاَّ أن تطوَّع... إلاَّ أن تطَّوَّع».
__________
(1) - عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله (ص) من أهل نجد، ثائر الرأس، يُسمع دويُّ صوته ولا يُفقه قوله، حتَّى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله (ص): «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: «هل غيرها؟»، قال: «لا، إلاَّ أن تطوَّع»، فقال له رسول الله (ص): «وصيام شهر رمضان»، قال: «هل غيره؟»، قال: «لا، إلاَّ أن تطوَّع»، ثمَّ قال رسول الله (ص): «والزكاةُ». ثمَّ قال: «هل غيرها؟»، قال: «لا، إلاَّ أن تطوَّع».
... قال: «فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه».
... قال رسول الله (ص): «أفلحَ إن صدَق».
... الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، باب (9) في الإيمان والإسلام والشرائع، ج1، رقم 55.
... وانظر صحيح البخاري، بلفظ قريب منه، كتاب (2) الإيمان، باب (33)، الزكاة من الإسلام، ج1، رقم 46.
... وانظر أيضًا المعجم المفهرس: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب (8). سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب (1). سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب (3). سنن النسائي، كتاب الصلاة، باب (4). موطّأ الإمام مالك، كتاب السفر، باب (94). (1/16)
صفحة 17
وقد قال لنا تبارك وتعالى في الصيام: {وعلَى الذينَ يُطيقونَه فديةُ طعامِ مساكينَ، فمن تطوَّعَ خيراً فهوَ خيرٌ له، وأن تصومُوا خيرٌ لكمُ, إن كنتمْ تعلَمونَ} (1) .
وقال في باب الحجِّ، بعد أن ذكر السعيَ بين الصفا والمروة: {إنَّ الصفَا والمروةَ مِن شعآئِر اللهِ، فمَن حجَّ البيتَ أو اعتَمَرَ، فلاَ جُناحَ عليهِ أن يطَّوَّفَ بهما، ومَن تطوَّع خيراً فإنَّ اللهَ شاكرٌ عليمٌ} (2) . والأمر بالإنفاق والتصدُّق - في باب الزكاة - في القرآن كثيرٌ.
والتطوُّع يجبُ أن يكونَ مِن جنسِ الفريضةِ تماماً، كما سنبيِّن هذا الأمرَ.
فنحن نقرأ حديث النبيء (ص) الذي قال فيه: «إنَّ اللهَ فرضَ فرائضَ فلاَ تضِّعوهاَ، وحرَّم حُرماتٍ فلاَ تنتَهِكوهاَ، وحدَّ حدوداً فلاَ تعتدوهَا، وسكتَ عن أشياء - رحمةً بكم مِن غيرِ نسيانٍ - فلاَ تبحثُوا عنها» (3) .
قال: «إنَّ اللهَ فرضَ فرائض - معروفةً - فلا تضيّعوها»، هذا هو رأس المال الأوَّل، فحافظوا عليه، إذ لا يُقبَل عملٌ بدون أدائها؛ وحرَّم بعضَ أشياء فلاَ تقرَبوها، فابتعدوا عن الحرام، ولا تنتهكوا حرمات الله.
«وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها»، والحدود في القرآن كثيرة منها: أحكام في المواريث، والنفقات، والصدقات، وفي الحربِ -حرب الأعداء -، وقسمة الغنائم، وغيرها... وعنها ينص القرآن الكريم: {تلكَ حدودُ اللهِ فلاَ تعتدُوها، ومن يَّتعدَّ حدودَ اللهِ فأولئكَ همُ, الظالِمونَ} (4) .
«وسكتَ عن أشياء رحمة بكم من غير نسيانٍ فلا تبحثوا عنها»، ويعضد هذا قوله تعالى: {وما كان ربُّك نسيًّا} (5)
__________
(1) - سورة البقرة: 184.
(2) - سورة البقرة: 158.
(3) - لم أهتد إلى هذا الحديث فيما رجعت إليه من المصادر: الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، المعجم المفهرس، مجمع الزوائد للهيثمي، وفيض القدير للمناوي، وجامع الشمل، ووفاء الضمانة للقطب اطفيش.
(4) - سورة البقرة: 229.
(5) - سورة مريم: 64. (1/17)
صفحة 18
وهذا ما يسمَّى المعفوُّ عنه؛ فيا أيُّها المسلم، لا تدم البحث، وإذا نزل أمر فلا تقل: كيف؟. وإن كنت لا تعرف طريقة أدائه فاسأل يبيَّن لكَ، كما سأل الصحابة رسول الله (ص) فبيَّن لهم. وإن كان جهلُك في غير طريق الأداء فلا تسأل، مخافة أن تُفرضَ عليكَ فرائضُ أخرى لا نطيقها (1) .
وممَّا يندرج تحت قوله (ص): «وسكتَ عن أشياءَ...»، التطوُّع، الذي أمرنا به في مثل الحديث القدسيّ الصحيح: «يقول الله تبارك وتعالى: ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يُبصِر به، ويده التي يبطشُ بها، ورِجله التي يمشي بها؛ ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه» (2) .
احفظوا قول الله هذا: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثلِ»، لأنَّه من الركائز التي ستأتينا في البدعة، فكلُّ ما يُفعل من خير - إذا لم يؤدَّ الفرض - هباء منثور. فليس هناك تقرُّبٌ إلى الله تباركَ وتعالى إلاَّ بمثل ما افترضه، فيا أيُّها المسلم: أدِّ ديِنك مع الله، ثمَّ بعد ذلك زِد إذا شئتَ النفلَ والتطوُّعَ.
__________
(1) - عبارة الشريط: «فلسنا محتاجين، ولا نستطيع أن تزاد لنا فرائض أكثر من تلك الفرائض». فالمقصود أنَّ الفرائض تفرض بسببك، ويعمّنا أمرها فلا نطيقها، وتأمل قول سيّدنا موسى عليه السلام لنبيّنا محمَّد (ص): «ارجع إلى ربّك، اسأله التخفيف».
... ... وانظر هامش رقم 45.
(2) - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): «إنَّ الله تباركَ وتعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضته عليه؛ وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه » (1/18)
صفحة 19
وقوله تعالى: «حتىَّ أحبَّه»، يفيد بلوغَ درجة الحبِّ، ويكون صاحبه حبيباً لله. «فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يُبصِر به، ويده التي يبطشُ بها، ورِجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه» المعنى: أوفّقه وأهديه وآخذ بيده وأذود عنه، وإذا سألني أعطيه، وإذا طلب مني أن أحفظه من البلاء أحفظه؛ هذا حديث قدسيٌّ صحيح أجمعت عليه الأمَّة، وهو الحقُّ، تدخل فيما عُلم من الدين بالضرورة الأحكام الواردة فيه.
فالله تبارك وتعالى أمرنا بفعل الخير مطلقًا بلفظ: {...الصالحات...} (1) ، {...الحسنات...} (2) ، {...الخير...} (3) ؛ وقد قال سبحانه: {وما تفعلوا يعلمْه الله} (4) ، {وما تنفِقوا من خيرٍ فإن الله به عليم} (5) . فهو جلَّ شأنه يأمرنا بدون تحديد زمان أو مكان أو كيفية؛ بل أطلقَ لنا الحرية التامَّة في أمره لنا بالعبادة، شرط أن تكون عبادتنا مطابقة للفرائض، لا مخالفة فيها لنصٍّ من نصوص القرآن الكريم، ولا السنَّة المطهَّرة.
ويدلُّ على هذا عمل الأمَّة: عمل النبيء (ص)، وعمل الصحابة رضوان الله عليهم، فهم يجتهدون في الخير بعد أداء الفرائض، بدون أن يعيّن لهم الرسول (ص) عبادة بعينها.
فلم يرو عنه (ص) تحديد لعمل دون آخر، إلاَّ في بيان الفرائض وبعض السنن المؤكَّدة، مثل: المؤكَّدتين المغرب والفجر، والوتر، وسنَّة العيدين؛ وبعض من صلوات المناسبات: كالقحط، والزلزلة، والخسوف، والكسوف؛ وبعض السنن الرواتب - دون المؤكَّدة - هي مضبوطة محفوظة (6) .
[بيان شدَّة حبِّ النبيء T التخفيفَ على أمَّته]
__________
(1) - راجع الهوامش: 19-23.
(2) - راجع الهامش: 24.
(3) - راجع الهوامش: 37، 40، 57.
(4) - سورة البقرة: 197.
(5) -سورة البقرة: 273.
(6) - مثل صلاة الضحى، وتحية المسجد، والشفع... (1/19)
صفحة 20
النبيء T وصفه الله تبارك وتعالى بأنَّه: {عزيزٌ عليهِ ما عنتُّم، حريصٌ عليكم، بالمومنينَ رؤوفٌ رَّحيمٌ} (1) ، فهو عليه السلام محبٌّ لأمَّته، شفوقٌ رحيمٌ، يخشى أن يُفرض عليهم من الأحكام أكثرَ ممَّا فُرض، فكان يتحرَّى ألاَّ يوجب عليهم شيئاً فوق بيان الفرائض، أو السنن التي صلاَّها وواظب عليها، فأصبحت - لذلك - سنَّة مؤكَّدة، غير أنَّها لا تبلغ حدَّ الفريضة.
فالنبيء (ص) تركَ للناس الحريَّة - ويجب أن نفهم هذا جيِّداً، وهو الحقُّ الذي لا يستطيع إنسانٌ أن ينكره أبداً -، فقد أمرهم بالنوافل وفعل الخير مطلَقا، دون تحديد لزمان أو مكان أو نوع من العبادات بعينها، وما حدَّ النبيء (ص) في هذا حداًّ، إلاَّ ما ورد في فضل صيام يوم عرفة لغير الحاجِّ، وصيام يوم عاشوراء، وفضل بعض الأيَّام كما قال عليه السلام: «ما مِن أيَّامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ من العشرِ الأوائلِ» (2) ،
__________
(1) - سورة التوبة: 128.
(2) - عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله (ص): «ما من أيَّام العملُ الصالح فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيَّام العشر» فقالوا: «ولا الجهاد في سبيل الله؟» فقال: رسول الله (ص): «ولا الجهادُ في سبيل الله، إلاَّ رجلٌ خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء». رواه الترمذي في صحيحه وقال: حديث حسنٌ صحيح غريب، أبواب الصوم، باب ما جاء في العمل في أيَّام العشر، ج3، ص289.
... وانظر سنن ابن ماجة، كتاب (7) الصيام، باب (39) صيام العشر، ج1، رقم 1727.
... والمعجم المفهرس: مسند الإمام أحمد، ج1، ص224 و338؛ ج2، ص75 و132. (1/20)
صفحة 21
فقد أشار إلى بعض الأيَّام وبعض الليالي، وكلُّها محفوظة معروفة (1) ، لا يُزاد فيها ولا يُنقصُ منها.
وقد رأينا في قيام رمضان أنَّه (ص) خرج لهم ليلة أو ليلتين، واجتمعوا عليه، بدون دعوة منه، ثمَّ ترك ذلك، وقال لهم: «أخاف أن يفرض عليكم» (2) ، وهذا هو سبب تركه.
__________
(1) - ممَّا جاء في فضل بعض الأزمنة على غيرها: قوله (ص): «من صامَ يومَ عاشوراءَ كانَ كفَّارة لستيَّن شهراً، أو عتقَ عشر رقباتٍ مؤمناتٍ من ولد إسماعيل عليه السلام»، الجامع الصحيح للربيع بين حبيب، باب (50) صوم يوم عاشوراء والنوافل ويوم عرفة، ج1، رقم 308.
... وقوله عليه السلام: «من صامَ رمضانَ ثمَّ أتبعه بستَّة أيَّام من شوال فكأنَّما صام الدهل كلَّه»، نفس الباب والجزء، رقم 312.
... وفي صحيح مسلم: «خيرُ يوم طلعت عليه الشمس يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم، وفي أُدخل الجنَّة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلاَّ في يوم الجمعة» كتاب (7) الجمعة، باب (5) فضل يوم الجمعة، ج2، رقم 18 (...).
... وعن أبي ذرٍّ الغفاري قال: «أمرنا رسول الله (ص) أن نصوم من الشهر ثلاثة أيَّام البيض، ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» سنن النسائي، كتاب الصوم، باب كيف يوم ثلاثة أيَّام من كلّ شهر، ذكر الاختلاف على موسى بن طلحة في الخبر في صيام ثلاثة أيَّام من كلّ شهر، مجلدّ 2، ج4، ص222.
(2) - لم أجده بهذا اللفظ، وانظر التعليق رقم 7. (1/21)
صفحة 22
إضافة إلى ما مرَّ فإنَّ النبيء (ص) كره السؤالَ، فقد قال: «إنَّ مِن أشدِّ الناس عذاباً يومَ القيامة مَن سأل عن شيءٍ لم يحرَّم فحرم من أجل مسألتِه» (1) . وفي حديث أنَّه كان عليه السلام مرَّة جالساً فأخذوا يسألونه، لمَّا قال لهم: «إنَّ الله فرضَ عليكم الحجَّ إلى بيته...»، فقال: له أحدهم: «أكلَّ عام يا رسولَ الله»، فغضب (ص)، وسكت ولم يجِبه؛ ثمَّ أعاد عليه السؤال: «أكلَّ عام يا رسولَ الله؟»، فسكت عنه؛ ثمَّ أعاد مرَّة أخرى: «أكلَّ عام يا رسولَ الله؟»؛ قال (ص): «لو قلتُ نَعم لوجَبَ، ولو وجب لَما فعلتُم - أو لَما استطعتم -» أو قال: «ولو وجب لكفرتُم»، وقال عليه السلام: «دعوني ما تركتُكم، فإنَّما أهلكَ مَن كان قبلكم كثرةُ سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم».
نكتة غريبة تجعلنا نقف على هذه الكلمات، وكلّ واحدة نوفِّيها حقَّها، ففي البداية قال لنا: اتركوني ما تركتكم، فلست محتاجاً إلى أن تبحثوا، فلكم أن تسألوا عن كيفية لم تعرفوها ممَّا وُكل أمرُ تبيينها إلى الرسول (ص) مثل كيفية الوضوء والصلاة، أمَّا عن غير ذلك فليس لكم أن تسألوا.
وبعد ذلك قال: إنَّما أهلَك من كان قبلكم كثرة السؤال والبحث، ولكم فيمن قبلكم من بني إسرائيل عبرة فافقهوها.
وأنت - أيُّها المسلم - لا يعنيك أمرٌ لم ينزل فيه حُكمٌ، وإنَّما يكفيك ما نزل فيه حكمٌ.
ثمَّ قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، ومن البديع أنَّه بدأ بالنهي، والنهي لا يتجزَّأ، فإذا نهانا عن شيء، فليس معناه أن نفعل بعضه وتنرك بعضه، بل النهي هو الترك المطلق.
وقال (ص): «وإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم»، ولماذا لم يقل: وإذا أمرتكم فآتوه، كما قال في النهي: فاجتنبوه؟ ما الفرق بينهما؟. (1/22)
صفحة 23
إنَّها الدقَّة في البلاغة والبيان، ولا غرابة فكلام الرسول (ص) مستمدٌّ من كلام الله، وسحر بيانه من سحر بيان الله.
وفي قوله (ص): «ما استطعتم» إطلاق الحريَّة، وهل هناك حرية أكبر من هذه؟ غير أنَّ هذه الحرية مقيَّدة بالاستطاعة، وهذا فيما أُمرنا به، وما كان مِن إبداع أحد فمن باب أولى، وما علينا نحن إلاَّ أن نجتهد في معرفة استطاعتنا، وحدُّ الاستطاعة كلٌّ وما يعرفه من نفسه، لأنَّه يمكن لشخص أن يخدع آخر كأن يقول له: أنا لا أستطيع أن أنوضَّأ، وإذا توضَّأتُ ضرَّني الماء. فيقول له صاخبه: اذهب وتيمَّم. ولكن الشخص الأوَّل يتحمَّل مسؤوليته، لأنَّه أدرى باستطاعته، والمثل الشعبي يقول: «كُلّْ شَاهْ تتعلَّقْ مَن اَكْراعْهَا». فعندا قولك - أيُّها المسلم -: لا أستطيع، يمكن أن تخدع الناس جميعا، ولكنَّ الله لا يُخدع، ولهذا قال النبيء (ص) لرجل مِن أصحابه: «قد أبديتَ لنا عُذرَك فانظُر ماذا تُبدي لربِّك» (1) ، والنبيء (ص) ليس له علم بالغيب إلاَّ ما أخبره الله به، والمفتي دائما يلقي المسؤولية على السؤال.
ويوافق قول النبيء (ص): «فآتوا منه ما استطعتم» قوله تعالى: {فاتَّقوا اللهَ ما استطعتُم} (2) ، فكم عندنا الآن من التفويض والحرية المطلقة في قوله: ما استطعتم. ولا شبيه لهذا القول إلاَّ قوله تعالى: {عفا اللهُ عنهَا}.
وقد اجتمع الصحابة - مرَّة - في مجلسٍ، وكانوا يسألونه عن أشياء، فغضب غضب شديداً حتَّى عُرف الغضب في وجهه؛ وأنقذ الموقفَ سيِّدنا عمر، إذ رأى احمرار وجه النبيءَ (ص) لغضبه، فقام وبرَكَ على رُكبتيه أمامه عليه السلام وقال: «رضيناَ باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ ديناً، وبمحمَّد رسولاً» (3) ، فاعتذر بذلك عن الصحابة، وسرِّي عن النبيء (ص).
__________
(2) - سورة التغابن: 16. (1/23)
صفحة 24
وقد أنزل الله تعالى في هذا المعنى قوله: {يآأيُّها الذينَ ءامَنوا لا تسألوا عن اَشيآء إن تُبدَ لكم تسُؤكم، وإن تسألوا عنها حينَ ينزَّل القرآن تُبدَ لكم، عفا اللهُ عنها، والله غفورٌ حليمٌ} (1) : لا تسألوا عمَّا لو أُجبتم عنه تسؤكم إجابته، ويضيق بكم الأمر؛ ولنتأمَّل في قوله تعالى: {عفا الله عنها}، ولنتفقَّه في كلمة "عفا" أي لا نبحث ولا نسأل عمَّا هو معفوٌّ عنه من الله، حتَّى لا يُفرض علينا ببحثنا، بعد أن لم يكن فرضا، أو يحرَّم علينا بعد أن لم يكن محرَّما.
وقد روي أنَّ أحدهم سأله مرَّة: «مَن أبي؟» - وهذا مسلم ولكنَّه كان جاهلاً أباه -، فقال (ص): «أبوكَ حُذافة» (2) ؛ وقالت له أمُّه فيما بعد: «ما أعقَّكَ»: ما يدريكَ لعلَ أمَّك قد ارتكبت شيئا في الجاهلية، فيكون سؤالك سببا في فضحها أمام الناس، وقد كنتَ وإيَّاها في غنى عن ذلك.
وسأل النبيءَ (ص) رجلٌ آخرُ: «أينَ أبي؟» - وأبوه قد مات -، قال: «هو في النار» (3) .
كان هذا النهي في وقت نزول الوحي، والرسول (ص) بين أظهرهم، فلو أجيب السائل إلى مسألته لكان وحيا، ولفرض على الناس، فيكون السائل بذلك متسبِّبا في المشقَّة على الناس.
ونحن نعلم أنَّ اللهَ تعالى قد شدَّد على بني إسرائيل لكثرة تشدُّدهم على أنفسهم، وقد قال (ص): «دعوني ما تركتُكم، فإنَّما أهلكَ من كانَ قبلَكم كثرةُ سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم» (4) : فالله تبارك وتعالى أوجب على بني إسرائيل بعض الواجبات، وحرَّم عليهم بعض المحرَّمات، مكراً فيهم لمكرهم، والقرآن شهيد على ذلك: {فبظلمٍ من الذينَ هادُوا حرَّمنا عليهم طيِّباتٍ أُحلَّت لهم} (5) ، قوله {فبظلم} يفيد أنَّه تعالى ما شدَّد عليهم إلاَّ لتشدُّدهم على أنفسهم.
__________
(1) - سورة المائدة: 101.
(5) - سورة النساء: 160. (1/24)
صفحة 25
فكلُّ أقواله أفعاله (ص) تدلُّ على أنَّ الأصل في التطوُّع تركُ الحريَّة المطلقة للمتطوِّع، فهو عليه السلام لم يتدخَّل في هذا الأمر أبدا، إلاَّ إذا رأى منكَراً، كما هو الحال بالنسبة للذي رآه يصلِّي ولا يقيمُ صُلبه في الركوع والسجود، فنهاه (1) .
وقد كان (ص) يدخل المسجد، ويجد الصحابة متفرِّقين: هذا يقرأ القرآن، وهؤلاء يتذاكرون العلم مجتمعين، وذاك يصلِّي، وآخر يسبِّح... وهذه كلّها مبرَّات لا قيد فيها، لأنَّ التحديد يوجب التضييق والتقييد، وهذا منافٍ لمقصد اليسر في الدين (2) .
هذا في المسجد، وأمَّا في البيوت وغيرها فلا يعلم (ص) ما يفعله أصحابه فيها، إلاَّ إذا كانت مصادفة، مثل ما حدث مع بلال رضي الله عنه الله عنه؛ ففي صبيحة يومٍ لمَّا فرغ عليه السلام من صلاته نادى بلالاً، وقال له: «أخبرني بأرجى عمل عملتَه، فإنِّي سمعتُ خشفةَ نعليكَ في الجنَّة؟» وفي رواية: «خشخشتَك»، فقال له سيِّدنا بلال: «ما صنعتُ شيئاً إلاَّ أنِّي كلمَّا أذَّنتُ صلَّيتُ ركعتينِ»، وفي رواية: «إذا توضَّأتُ وضوء تامًّا في ساعة من ليل أو نهارٍ صلَّيت ركعتين» وفي رواية: «كان لله عليَّ صلاةٌ» وفي رواية ذكر الوضوء دون الصلاة. فقال له (ص): «هذه التي سبقتَني بها إلى الجنَّة» (3) . فهذه بشارة عظيمة لبلالٍ.
واللفظ دالٌّ دلالة واضحة أنَّ النبيء (ص) لم يكن يعلم ما يفعله بلال في بيته، ولا بعد أذانه، ولذلك سأله. والملاحظ أنَّ هذا العمل من اجتهاد بلال رضي الله عنه وليس من أمر النبيء عليه السلام. فمن هذا الحديث نفهم الحريَّة المطلَقة التي تمتَّع بها الصحابة رضوان الله عليهم في عباداتهم وأعمالهم. (1/25)
صفحة 26
وقد سمع النبيء (ص) مرَّة أبا موسى الأشعري يقرأ القرآن، وكان له صوت حسن حلوٌ استلذَّه عليه السلام، فأطال الاستماع إليه؛ وفيما بعد قال: «لقد أوتيتُم مزماراً من مزامير آل داود، ياآل الأشعري» (1) ، فإنَّ سيِّدنا داود عليه السلام كان يترنَّم (2) الزبور بمزاميره، حتَّى أنَّ الطيور تتجاوب معه، كما في الآية: «يا جِبالُ أوِّبي معه والطير» (3) ، وتؤِّب معناها: ترجِّع صوته الجميل، بتلاوة الذكر الحكيم: الزبور. فقال أبو موسى: «لو علمتُ أنَّك تسمَعُ لحبَّرته لكَ تحبيراً».
ومرَّة سمع عليه السلام عبَّاد بن بشرٍ يقرأ بصوت حسن جميل، فقال لعائشة: «أصوتَ عبَّادٍ هذا؟»، قالت: «نعم».
وهذه الأحاديث تفيد أنَّ النبيء عليه السلام لم يكن يتدخَّل في أفعال أصحابه الخيرية، إلاَّ ما ذَكرنا من بيان الفرائض وبعض السنن المؤكَّدة.
[العبرة من قصَّة بقرة بني إسرائيل]
نرجع إلى بني إسرائيل، لنذكُر الحكمة من قصَّة البقرة وذبحها، وقولهم: «ما هي وما لونها؟»، حتَّى صارت هاتان الكلمتان مثلا لمن يُكثر السؤال عمَّا لا يعني، والعلماء يقولون: شرعُ مَن قَبلنا شرعٌ لنا ما لم يُنسَخ (4) . ودليلهم آية البقرة هذه (5) .
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمُ, أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}، قال ابن عبَّاس رضي الله عنه الله عنه: «لو أنَّ بني إسرائيل أخذوا أيَّ بقرة لأجزأتهم» (6) .
والنكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق.
__________
(3) - سورة سبأ: 10.
(5) - سورة البقرة: الآيات 67-71. (1/26)
صفحة 27
بدأ كفر بني إسرائيل وشكُّهم بالطعن في موسى، {قَالواْ: أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤًا؟!} (1) ، ما العلاقة بين ذبح البقرة وقضيتنا هذه، والقضية هي: أنَّهم وجدوا قتيلا ولم يعفوا قاتله، فأشكل عليهم الأمرُ وخافوا الفتنة، فسألوا موسى أن يدعو لهم اللهَ ليُظهر لهم القاتل، فأُمروا بذبح البقرة، وضرب القتيل ببعض أجزائها، فينطق بإذن الله، ويقول: «قتلني فلانٌ»، فيزول المشكل، ولكنَّ بني إسرائيل الغلاظ، وقساة القلوب، بدل أن يعمدوا إلى أيِّ بقرة: {قَالواْ: أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤًا؟!، قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ أَنَ اَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، أي أعوذ بالله أن أكذب على ربِّي أو أسخَر من أمَّتي، {قَالُواْ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ؟}.
فتدرَّج معهم سيِّدنا موسى عليه السلام - بإذن الله - ليُظهر تنطُّعهم، ويكونَ الأمر عبرة لنا بعدهم.
{قَالَ: إنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌم بَيْنَ ذَالِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُومَرُونَ}، وهذا هو الجواب الأوَّل؛ إن كنتم تريدون أن تعرفوا فلا بأس، إنَّها بقرةٌ لا فارضٌ ولا بِكرٌ، ويظهر لنا معنى الفارض بمقابلته بالبكر، فـ:«لا فارض» يعني: ليست مُسنَّة، ويعبَّر بالفارض للبقرة التي وضعت بطونا عديدة، والبكر هي الصغيرة.
{عوان بين ذلك}: زاد وصفاً آخر، أي: ليس بهرمة ولا شابَّة، ولكن متوسِّطة في العمر، ولا يسعنا تفسير كلّ كلمة أكثر من هذا.
ثمَّ زادوا إشكالا آخر: {قَالُواْ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا؟}، لماذا؟ ألا يكفيكم أن تأخذوا بقرة عوانا، وقد قيل لكم: {افعلوا ما تومرون}؟.
ولكنَّهم شدَّد بقولهم:{ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا؟}، فتدرَّج معهم سيدنا موسى عليه السلام أيضا: {قَالَ: إنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}.
{ (1/27)
صفحة 28
بقرة صفراء}: ولعلَّ اللون الأصفر هذا نادر، وذلك من علامات التشديد عليهم.
{صفراء فاقع لونها}: أي صفراء ناصعة الصفرة، وفاقع وصفٌ خاصٌّ بالصفرة، ولكلِّ لون من الألوان في اللغة العربيَّة وصفٌ خاصٌّ به، يبيِّن قوَّته وشدَّته، وذلك قولهم: أبيض ناصع، أحمر قان، أسود حالك، أصفر فاقع، أخضر ناظر...
{تسرُّ الناظرينَ}: أي جميلة الصورة، فمن نظر إليها سرَّه لونها الأصفر الفاقع.
وبدل أن يكتفوا بذلك زادوا إشكالا آخر: {قَالُواْ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ، إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا، وَإِنَّآ إِنْ شَآءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ}، وكأنَّهم شعروا بكثرة سؤالهم، فقدَّموا هذه الجملة الأخيرة كنوع من الاعتذار، وهذا راجع إلى اختلافهم: فعندما يخرجون من عند موسى يختلفون، فيقول أحدهم: «إنها هذه»، ويقول الآخر: «بل هذه»... والدليل على ذلك قولهم: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا}.
ورغم سؤالهم هذا جاءهم الجواب من الله أحلم الحالمين: {قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ، تُثِيرُ الاَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ، مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا، قَالُوا: الاَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} (1) : قبَّحكم الله، وهل فيما مضى جاءكم بالباطل؟ فقد جاءهم الجواب، ولكن هذه المرَّة فيه تشديد أكثر.
{
__________
(1) - إلى هنا انتهى الشيخ من التفسير ، وتمام الآيات: {فَذَبَحُوهَا، وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ، وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا، وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَالِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمُ, ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. (1/28)
صفحة 29
لاَ ذَلُولٌ، تُثِيرُ الاَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ}، البقرة الذلول هي التي ربِّيت على حرث الأرض والسقي، وهذه البقرة لم تذلَّل للعمل، وكأنها بقرة وحشية لم تريَّض، وترويض الحيوان إخضاعه، وجعله صالحا للركوب أو الحرث، والحيوان كلُّها يمكن تذليلها، فتقول مثلا: فرس ذَلول، وجمل ذَلول.
{مُسَلَّمَةٌ} لا عيب فيها مطلقا.
{لاَّ شِيَةَ فِيهَا}، وهذا تشديد عليهم أكثر، والشية القطعة الصغيرة، التي يكون لونها مخالفا للون الجلد، وفي معنى هذا الوشيُ من قولهم: وشى الثوبَ إذا طرَّزه بالألوان، فـ" لا شية فيها" يعني: صفراء كلّها، وليس في جسمها قدر موضع إصبع، أو أقلَّ من ذلك أو أكثر، من أيِّ لون غير الأصفر.
وبهذه الشروط لم يجدوا إلاَّ بقرة واحدة، قيل: هي ملكٌ ليتيم اشتروها منه بأضعاف ثمنها، وقيل: بملء جلدها ذهبا، ولها قصَّة لا نطيل بذكرها.
فانظروا - أيُّها الناس - إلى أيِّ حدٍّ يؤدِّي التشدُّد، فلم يقصّ الله تبارك وتعالى علينا هذه القصَّة عبثا، وهذه الأسئلة التي سألها بنو إسرائيل أساءتهم: {إن تُبدَ لكم تسُؤكُم}. فأصبحوا يصرخون ويولولون: من أين لنا هذا المال؟
هذه
{فَذَبَحُوهَا، وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ(71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا، وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ(72) فَقُلْنَا اَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَالِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمُ, ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73)}
[عادات في ميزاب يزعم البعض أنَّها بدعة]
هنا نصل إلى المقصود، فهؤلاء الذينَ قاموا بالدعوة، ضدَّ ماذا؟ ضدَّ تلاوة القرآن في المساجد بصورة جماعية (1) ، وضدَّ صلاةِ مائة ركعةٍ (2) ليلة الخامس عشر من شعبان، وليلة عاشوراء؛ فقد أنكروا كلّ ذلك بدعوى أنَّ النبيء (ص) لم يأمر بها. (1/29)
صفحة 30
وقالوا أيضًا في الدعاء المسمَّى بـ"السلام" (1) ، فقالوا: «ما هذا السلام؟»، فهم يدعون ويتآمرون، وعندما يُشرع في قراءة "السلام" يقومون، ولكن لا كما يقوم الناس، لأنَّ الناسَ أحرار، فمن شاءَ أتمَّ السلامَ إلى نهايته، ومَن شاء قام في منتصفه، ومن شاء فيما أقلَّ من ذلك أو أكثر، ولا يجوز لأحد أن يجبر غيره على إتمام قراءة "السلام".
وما يُتلى في "السلام" أكثره ممَّا ورد أن يدعو به المصلِّي، أو يقرأَه بعد الصلاة، مثل آية الكرسي (2) ، و{آمن الرسول...} (3) ، و{شهدَ اللهُ أنَّه لا إله إلاَّ هو...} (4) ، ومثل الدعاء الذي قال فيه النبيء (ص): «اللهمَّ بكَ أصبحنا، وبكَ أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليكَ النشور» (5) . ونحن نقرأُه هكذاَ: «أصبحنا باللهِ، وباللهِ أمسينَا، وبالله نحيا ونموتُ، ولله النشورُ».
وكذلك قوله عليه السلام: «اللهمَّ أنت السلامُ، ومنكَ السلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرام» (6) . على اختلاف الروايات. إذ هناك مَن يروي: «اللهمَّ يا سلام، لك السلام، ومنك السلام، وأنت أحقُّ بالسلام»...
فمعنى كلِّ تلك الأذكار وارد عن النبيء (ص) في أحاديثَ صحيحة كثيرة جدًّا.
وكذلك تآمر هؤلاء ضدَّ تعدُّد الداعينَ ليلةَ الجمعة، وقالوا: «يكفي أن يدعو الإمام، وأمَّا غيره فلاَ».
فهم يقولون: «كلُّ ذلك بدعة، والنبيء (ص) لم يفعله، وإنَّما كان أحدهم يقرأ والآخرون ينصتون».
ونحن نقول ردًّ على هؤلاء: ما وردَ وما سمعنا أنَّ النبيء (ص) كان يتَّخذ مجلساً ويأمر أحداً بالقراءة، والآخرون يستمعون، إلاَّ عند نزول آيةٍ، فإنَّه يتلوها عليهم ليكتبوها ويحفظوها.
[سنَّة الترك]
__________
(2) - سورة البقرة: 255.
(3) - سورة البقرة: 284-286.
(4) - سورة آل عمران: 18. (1/30)
صفحة 31
السنَّة قول أو فعل أو تقرير، وأمَّا الترك فهو محلُّ الخطأ والضلال، فهؤلاء الزاعمون توهَّموا أنَّ ما لم يفعله النبيء (ص) لا يحلُّ لأحدٍ أن يفعله. لا، فترك النبيء (ص) ليس بسنَّة إلاَّ في حالات خاصَّة، لأنَّه عليه السلام قد يترك بعض الأشياء لا لأنَّها غير جائزة، وإنَّما لأنَّه يعافها، ومثال ذلك "الضبّ"، حيث عُرض عليه فأبى أن يأكله، فقالوا له: «أحرام يا رسولَ الله»، قال: «ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» (1) .
وكذلك تنزُّهه (ص) عن أكل الثوم والبصل (2) ، لذلك فلا يقول أحد: «أتركُ أكلَ الضبِّ والثوم والبصلِ - مثلاً - لأنَّ النبيء (ص) تركها».
تركُ النبيء (ص) يكون معتبراً في الفرائض التي بيَّنها لنا، فنفعل ما فعله، ونترك ما تركه؛ لقوله تعالى: {وأنزلناَ إليكَ الذكرَ لتبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، ولعلَّهم يتفكَّرون} (3) .
لذلك - مثلا - فإنَّ سجودَ السهوِ واجبٌ على من سها، ومن لم يسهُ فلا سجودَ عليه (4) ؛ وسجدتا السهو داخلتان في إطار الصلاة، وهما عند البعض قبل التسليم، وعند البعض بعد التسليم، وبعضٌ فرَّقوا بينَ ما كانَ من سهوٍ فيه نقصٌ ممَّا لا ينقض الصلاة، فإنَّ السجود فيه يكون قبل التسليم، وبين ما كان من سهو فيه زيادة، كأن يقوم بدلا من أن يقعد، فإنَّه يسجد بعد أن يسلِّم. وبعضٌ اختاروا السجود بعد التسليم مطلقاً، تسهيلاً على الناس حتَّى لا يشتبه عليه الأمر، ونحن نختار هذا (5) .
__________
(3) - سورة النحل: 44.
(4) - للشيخ رحمه الله دروس طويلة في سجود السهو، ويعود إليها الفضل في ترك الناس السجود بلا موجب.
(5) - يقول القطب اطفيش: «سجود السهو بعد التسليم مطلقاً على المختار، وإن سجدهما قبلُ فسدت صلاته». شرح النيل، ج2، ص403.
... وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ما نصُّه: «الحنفيَّة قالوا: محلُّ سجود السهو بعد السلام الأوَّل مطلقا، سواء كان السهو بالزيادة أو بالنقصان... المالكيَّة قالوا: إن كان سببه نقصا فقط أو نقصا وزيادة فمحلُّه قبل التسليم... وإن كان سببه الزيادة فقط سجد بعد السلام... والشافعيَّة قالوا: يسجد للسهو في جميع الأحوال التي يطلب فيها بعد التشهُّد والصلاة على النبيء (ص) وقبل السلام... الحنابلة قالوا: لا خلاف في جواز سجود السهو قبل السلام وبعده، ولكنَّ الأفضل أن يكون قبل السلام مطلقا، إلاَّ في صورتين...» وزارة الأوقاف المصرية، ج1، ص350-351. (1/31)
صفحة 32
وأنت - أيُّها المسلم - بعد أدائك الفريضة حرٌّ في أن تفعل ما تشاء، فاقرأ آية سجدة ثمَّ اسجد، أو اقرأ ما تيسَّر من القرآن، أو ادع اللهَ... والنبيء (ص) لم يتدخَّل في شيء من ذلك أبدا.
وهؤلاء الذين أنكروا الدعاء بدعوى أنَّ النبيء (ص) لم يدع. نعَمْ، لم يدعُ بصفة جماعية، فلم يُرو عنه أنَّه يدعو دبر الصلاة والناس يؤمّنون، ولكن ليس معنى ذلك أنَّنا أُمرنا بتركه، لأنَّ الصحابة بعد وفاة النبيء (ص) فعلوا أشياء كثيرة لم يفعلها النبيء (ص) مثل: جمع القرآن في زمن أبي بكر رضي الله عنه، وجمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في زمان عمر رضي الله عنه... وغيرها من الأمور التي تقتضيها طبيعة التطوُّر، ولكنَّها كلُّها في دين الله، إمَّا لمصلحة دنيوية أو أخروية. ومن هذه الأمور ما تركه النبيء (ص) - وهو يودُّ فعله - لا بغضاً فيه ولكن خوفا من أن يُفرَض على الناس.
ويجب الانتباه إلى أنَّنا نستأنس في مشروعية دعاء الإمام - والناس يؤمِّنون - من مشروعية دعاء المسلم لأخيه المسلم، لقوله (ص) لسيِّدنا عمر رضي الله عنه لمَّا ذهب إلى العمرة: «لا تنساني يا أخي من دعائك» (1) ، ومن استحباب التأمين على دعاء الغير (2) .
ومن فوئد هذا دعاء أنَّ بعض الناس لا يحسنون الدعاء، فإذا حضروا لصلاة وأنصتوا لدعاء إمام، وأمَّنوا عليه، فإنَّ تبارك وتعالى يشركهم كلّهم في الأجر. (1/32)
صفحة 33
وقد يقول قائل: لماذا لا ندعوا بعد صلاة الجمعة بتلك الصورة؟ أقول: عندما وفَّقني الله إلى إحياء صلاة الجمعة في وادي ميزاب، حيث دعوت إليها ووافقني من الإخوان من وافقني، وجاء في خاطري أنَّ النبيء (ص) لم دعا لنفسه، فلنترك الناس كلٌّ يدعو بمفرده، ولكن هذا لا يعني أنَّه إذا دعا إمام وأمَّن المأمومون فإنَّ ذلك لا يجوز، لا. وحينما أرى بعض الناس يقومون دون أن يدعو بعد هذه الصلاة العظمى من هذا اليوم العظيم، أقول في نفسي: لو أنَّ الإمام دعا لاشتركنا جميعا في الأجر، فلنفهم القضية جيِّداً.
[الذكر والدعاء بعد الصلاة]
في رواية للبخاري عن ابن عبَّاس أنَّ رفع الصوت بالذكر حينَ ينصرفُ الناس مِن المكتوبة كان على عهد النبيء (ص)، وقال ابن عبَّاس: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته». وفي رواية: «كنتُ أعرفُ انقضاءَ صلاةِ النبيء (ص) بالتكبير» (1) .
والذي رويَ عن الصحابة أنَّ منهم مَن كان يجلس في مُصلاَّه بعد انقضاءِ الصلاة، كما كان يفعل النبيء (ص) الذي صحَّ عنه أنَّه كان لا يغادر مصلاَّه بعد صلاة الفجر مشتغلا بالذكر والدعاء حتَّى تطلع الشمس (2) .
وأذكار الصحابة مختلفة اختلاف معارفهم وما حفظوه، وليس فيها أيُّ تحديدٍ أبداً، سواء في المسجد أو في البيوت.
وضمن ذلك نذكر أنَّه لم يرِد عن النبيء (ص) النهيُ عن صلاة النفل جماعة، بل أمر صحابته بالنفل في البيوت دون تخصيص ذكر الانفراد أو الجماعة، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «لاَ تجعَلوا بيوتَكم مقابِر» (3) . أي: أعطِ بيتكَ حظًّا من الصلاة.
والنفل في البيوت فيه الفضل أكثر، لأنَّه أبعد عن الرياء، وهنا ننبِّه أنَّه لا مانع من أن يوقظ أحدٌ زوجته أو زوجاته، أو أمَّه أو أخته... فيصلِّي بهنَّ جماعة. بل ورد في ذلك الفضل الكبير (4) .
__________
(1) - صحيح البخاري، كتاب (16) صفة الصلاة، باب (71) الذكر بعد الصلاة، ج1، رقم 805 و 806. (1/33)
صفحة 34
يقول الله تبارك وتعالى: {ومآ آتاكُم الرسولُ فخذوهُ وما نهاكُم عنه فانتهُوا} (1) . فلو نهانا الرسول (ص) عمَّا مرَّ لوجب الامتثال، ولكنَّه لم ينْه، وتركه (ص) ليس نهيا، فالعلماء نصُّوا على أنَّ تركَ النبيء (ص) الخروجَ لقيام رمضانَ والدعاءَ جماعة بالمسجد ليس معناه النهي، وإنَّما شأن النبيء (ص) في كلِّ أموره يحبُّ التخفيف (2) . فكيف ينهى هؤلاء المدَّعون الناسَ عن صلاةِ النفل جماعة.
[وعيد الناهي عن الصلاة وسائر أعمال البرِّ]
ذكر المفسِّرون من عهد مجاهد والطبري، إلى الألوسي والشيخ اطفيَّش - الذي يعتمد على الألوسي كثيراً - في قوله تعالى: {أرآيتَ الذي ينهَى عبداً إذا صلَّى أرآيت إن كانَ على الهدَى أوَ اَمَر بالتقوى أرآيتَ إن كذَّب وتولَّى ألم يعلَم بأنَّ الله يرى كلاَّ لَئن لَّم ينتَهِ لنسفعَنْ بالناصيةِ ناصيةٍ كاذِبةٍ خاطئةٍ...} (3) .
لنسفعَن: أي لنجرنَّه ولنسحبنَّه من ناصيته.
والآية نزلت في أبي جهل، إذ نهى النبيء (ص) عن الصلاة، وقال لقومه: «لئن رأيته يصلِّي لأحطِّمنَّ ولأفعلنَّ...»، فأجابه النبيء (ص) بما أجابه، فقال له: «أتهدِّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا»، ولهذا قال الله تعالى: {فليدعُ ناديهُ سندعُ الزبانيةَ} (4) .
الشاهد من هذه الآيات في قوله تعالى: {أرآيتَ الذي ينهى عبداً إذا صلَّى} ما روى المفسّرون عن الإمام عليّ بن أبي طالب أنَّه دخل المسجد يوم عيد في عهد أحد الخلفاء، فوجد الناس يصلُّون النافلة ريثما تحين صلاة العيد، فقال: «ما رأيت النبيء (ص) يفعل هذا» فقال له بعض الحاضرين: ألا تنهاهم؟ قال: «لا، أخاف أن أدخلَ في وعيد {أرآيتَ الذي ينهى إذا صلَّى}».
__________
(1) - سورة الحشر: 7.
(3) - سورة العلق: 9-16.
(4) - سورة العلق: 17-18. (1/34)
صفحة 35
وقال المفسِّرون: «كذلك النهيُ عن سائر العبادات»، وزاد الألوسي: «سواء كان النهي بالقال أو بالحال» أي: إمَّا أن يقول له صراحة: «لا تصلِّ»، وإمَّا أن يشغله بنية النهي عن الصلاة. وقد ابتليَ بهذا كثير من الناس.
قال العلماء: «إذا كان النهي في الأوقات المنهي عنها، كأن ينهاه عن الصلاة بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس فذلك جائز، لأنَّ النبيء (ص) قد نهى عن الصلاة في ذلك الوقت (1) » ولكن عليه أن يحترس ويحتاط في التعبير، ولا يقول: لا تصلِّ، حتَّى يسلَم من الوعيد.
وقال الشيخ اطفيَّش رحمه الله: «كذلك النهي عن كلِّ أعمال الخير» (2) ، لأنَّ ذلك من صفات المنافقين: {يأمرون بالمنكرِ وينهوِنَ عن المعروف} (3) وأمَّا المؤمنون فصفتهم: {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكرِ} (4) . و«الأخ المؤمن - كما ورد في الأثر - مَن إذا ذكرتَ أعانكَ، وإذا نسيتَ ذكَّرك» (5) ، وليس العكس: إذا ذكرتَ ثبَّطكَ.
وبعد، فعلينا أن نفهمَ أنَّ جميعَ أعمال البرِّ التي نقوم بها، مثل: اجتماعنا لتلاوة القرآن في المسجد، وصلاتنا مجتمعين للنفل تقرُّباً إلى الله تبارك وتعالى واحتياطاً للصلوات الخمس، وتوزيع القرآن عند الشدائد - لدرأ البلايا واستجلاب الرحمات - بين العزَّابة وإيروان وإمصُّردان، ثمَّ الاجتماع لتلاوة الختمات وتوزيع الصدقات... وغيرها؛ كلّها خيريَّة محمودة شرط أن لا تشوبها شائبة من الحرام، ممَّا يفعله كثير من أصحاب الطرق في البلاد (6) ، مثل: اختلاط الرجال بالنساء، واصطحاب الطبل والرقص.
وهنا نذكر حديث الذي كان يخدم النبيء (ص)، وطلب منه أن يسأل الله له بدخول الجنَّة ومرافقته، فقال (ص): «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود» (7) . وفي هذا الحديث حثٌّ على صلاة النفل.
[من شروط البدعة الحسنة]
__________
(3) - سورة التوبة: 67.
(4) - سورة آل عمران: 104 ... ... سورة التوبة: 71. (1/35)
صفحة 36
بيَّن العلماء في القديم والحديث أنَّ السنَّة الحسنة - والبدعة الحسنة - هي التي تكون مطابقة تماما للفريضة، وأنَّ كلَّ عملٍ ليس فيه مخالفة ظاهرة لكتاب الله (1) ، أو سنَّة نبيئه عليه السلام، أو إجماع الأمَّة، فهو خير وهو بدعة محمودة وسنَّة حسنة؛ وأمَّا إذا كان غير ذلك فهو بدعة مذمومة وسنَّة سيِّئة.
ومثال ذلك أن تصلِّي مستقبلا لقبر، أو قبَّة وليٍّ... فهذا ضلال في ضلال؛ أو تصلِّي بسجود واحد أو بثلاث سجدات بدلا من سجدتين؛ فهذه هي البدعة المذمومة.
ومما يندرج في هذا المعنى أن يكون التهليل والذكر بالطبل والمزمار، وهذا حرام لا يجوز، لأنَّه ما رقص النبيء (ص) ولا أصحابه، ولا ضربوا دُفًّا، ولا صوَّتوا في مزمار أبدا، وما يسمَّى اليوم بـ"الحضرات" كلّها ضلال وأيُّ ضلال، وهي بكلِّ أسفٍ منتشرة ومستحسنة في كثير من البلدانّ الإسلامية، في حين أنَّ الذاكرين اللهَ يجبُ أن تكونَ عليهم السكينة والوقار، ومن أجهل ما قيل في هذا المقام:
إذا اهتزَّت الأرواح شوقا إلى اللقا ... نعم ترقص الأشباح يا جاهل المعنى (2)
نقول ونكرّر: إنَّ الذكر والتلاوة مع الرقص والبندير، أو ما شابه ذلك كلّه حرام، وكذلك الاتجاه للقباب والقبور، وليس للمسلم وِجهة إلاَّ القبلة، وهي وجهة الداعي والمصلِّي، أمرنا الله تبارك وتعالى - وأمره حقٌّ - أن نصلِّي من يوم نسخ قبلةَ بيتِ المقدس (3) .
ونأتي إلى تلاوة القرآن، فليس هناك أيُّ مانع أبداً من الاجتماع للتلاوة، لأنَّه ليس فيه مضادَّة لله ورسوله.
__________
(1) - وانظر: درس "إِدْلِيلَن" - أي ما يسمَّى بنواوير القرآن - للشيخ رحمه الله، وفيه بيَّن حِرمة هذا النوع من الذكر، مخافة مضاهاته لكتاب الله. (أربعة أشرطة في مكتبة الحياة، بهذا العنوان).
(2) - لم أقف على هذا البيت.
(3) - إشارة إلى الآية 144 من سورة البقرة. (1/36)
صفحة 37
ومن الشروط أيضًا ألاَّ نعتقد أنَّ ما نفعله ممَّا لم يأت به الكتابُ ولا السنَّة أفضل - مثلا - من تلاوة القرآن؛ كما قال أتباع الطرق في بعض أورادهم: «إنَّها أفضل مِن كذا وكذا من ختمة من القرآن» (1) .
فمن اعتقد شيئا من ذلك فهو ضالٌّ مخطئ، وعمله بدعة، لأنَّه ليس هناكَ ما يعدل كلامَ اللهِ، وليس فيما نعمل من المبرَّات شيء من ذلك الاعتقاد الزائف أبداً؛ ونحن نقوم بها في بيوت الله التي قال فيها تبارك وتعالى: {في بيوتٍ أذِن اللهُ أن تُرفَع ويُذكَرَ فيها اسمهُ، يسبِّح له فيها بالغدوِّ والاَصال، رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله...} (2) ، وعليه إذا خلَت أعمالُك - أيُّها المسلم - من مخالفة لكتاب الله وسنَّة رسوله فأنت في الطريق الصحيح، ولا دليل مطلقًا لحرمتها - فيما نعلم -، ولو كان هناك أدنى دليل على النهي لانتهينا: {وما نهاكُم عنهُ فانتهوا} (3) . وهؤلاء المدَّعون أرادوا أن يبطِلوا كلَّ شيءٍ - لهوا وعجز في أنفسهم - فهم محرومون من فضل كبير، ويا ليتهم اقتصروا على حرمان أنفسهم بل أصبحوا ينهون الناس بجهل لعدم درايتهم بأصول التشريع، وعليهم أن يعتبروا بما قاله الإمام: _«أخاف أن أدخل في وعيد قوله تعالى {أرآيت الذي ينهى عبداً إذا صلَّى}»؛ فإذا حرمتَ نفسَك - أيُّها المدَّعي - فلا تكن مضلاًّ بنهيك لغيرك.
[فضل أعمالنا الخيرية وفوائدها]
__________
(1) - لم أهتد إلى مصدر هذه المقولة فيما رجعت إليه من مصادر التصوُّف، مثل التصوّف الإسلامي لزكي مبارك، وبدعة الطرائق في الإسلام للعربي التبسي.
(2) - سورة النور: 37 وما بعدها. (1/37)
صفحة 38
أريد أن أؤكِّد أنَّ هذه الأعمال الخيرية الكثيرة في عوائدنا، مثل: تتويج العُرس بآيات قرآنية، والاجتماعات لأداء بعض الأوقاف في الصيف أو الشتاء... وغيرها. كلُّها فيها خير عميم كبير جدًّا، وهي التي جعلَت مجتمَعَنا متماسِكاً بما كوَّنته من الروابط الروحية التي تربط الناس بعضهم ببعض، من الصغير - صاحب الفطام - إلى الشيخ - صاحب المائة عام -، فهم يجتمعون في بيوت الله ويذكرون الله، وهذا ما يكوِّن بين الأجيال رباطاً وثيقاً، وبهذا أصبح مجتمعنا - والحمد لله - مجتمعا إسلاميا حقيقياًّ.
وهناك من ينزعج من الهرج الذي يحدثه الصغارُ خارج المسجد، ونحن نقول: إنَّه ليس في ذلك حرجٌ، فلا يعلم إلاَّ الله ما ينطبعُ في قلوبهم وعقولهم من هذا الرباط الروحانيُّ، الذي يضمُّ المجتمعَ بعضَه إلى بعضٍ، في حين نرى جهاتٍ أخرى أهلها متفكِّكون مشرَّدون، إذا اجتمعوا فيما بينهم كانوا كالأغنام في مرعى، ليس هناك أيُّ روح تجمعهم، ونحن نشكر الله تبارك وتعالى على هذه القيم، وعلينا المحافظة عليها.
وفي اجتماعاتنا في المناسبات، مثل: أيَّام رمضان، ويومي عرفة عاشوراء، وغيرها فوائد كثيرة، حيث يقرأ الناس القرآن، ويصحّحون عقائدهم وقراءاتهم، وقد أدركنا بعض السلف - عندما كنَّا نجتمع للتلاوة في المسجد القديم المجاور للمقبرة (1) - قبل العشرينيات يصطحبون معهم بعض التفاسير المختصرة، مثل تفسير الجلالين، يستعينون بها إذا أشكل عليهم المعنى في موضع ما. (1/38)
صفحة 39
كلّ هذا الخير الجمّ يريد هؤلاء المدَّعون أن نتركه بدعوى أنَّ النبيء (ص) لم يفعله؛ والسؤال المبكت لهم: هل كلّ ما تفعلونه فعله النبيء (ص) (1) ؟ أمثال تلك الحفلات الرياضية، وتلك العبثيات من أمور كثيرة (2) ؟
وأيضا: هل عندكم من بديل لِما تنكرونه علينا؟ أم تريدون فقط قطع أغصان هذه الشجرة المباركة؟ وماذا سيبقى إذن؟
[الحديث عن العدد والكيفية في العبادات]
شبهة أخرى تعلَّق بها بعض المتحذلقين (3) ، حين قالوا: هذه الكيفية، بتلك الصفة المحدَّدة، مثل صلاة مائة ركعة، لماذا ليست تسع وتسعين أو واحدة ومائة؟ لماذا مائة ركعة بالذات؟ وفي ليلة معيَّنة؟ هذا إذن تشريع؟
والردُّ على هؤلاء هو: إنَّ العلماء لمَّا لم يتكلَّموا في هذا الشأن من قبل، ليس معناه أنَّهم لم يبالوا به، وإنَّما قالوا: إنَّ اختيار الأوقات والكيفيات، بحسب ظروف الناس الذين سنُّوا تلك الأعمال، وهم أدرى بأوقات نشاطهم، وفراغهم من أعمالهم الدنيوية، والأوقات المساعدة للاجتماع أكثر.
__________
(1) - يقال لمن دأبه تبديع الناس: تبديعك للناس بدعة. إذ لم يرو عن الرسول (ص) اشتغاله بتبديع الناس، إلاَّ ما كان بدعة بحقٍّ.
(2) - الواضح أنَّ الخطاب موجَّه لدعاة الحزب الواحد في الجزائر، أمَّا المبدّعون باسم الدين فقط فيوجَّه إليهم الشطر الأوَّل من السؤال فقط.
... وانظر مثلا شريط: الشخصية الحقَّة، للشيخ رحمه الله، إعداد جمعية الرسالة بالقرارة، سنة 1416هـ/ 1995م. وشريط العقيدة والتطوّر، للشيخ نفسه، مكتبة الحياة بالقرارة. (1/39)
صفحة 40
وأمَّا عن العدد، فياترى إذا صلَّى شخصٌ ركعتين، فهل نقول له: لماذا اثنيتين بدلاً من أربعة؟ سبحان الله أصبح كلُّ شيء منتقَداً!!! لأنَّهم لم ينتقدوا فقط صلاة مائة ركعة، بل إذا صلَّى شخصٌ عددا معيَّنا قالوا له: لماذا ذلك العدد بالتحديد؟ (1) وليس هناك بلادة أكثر من هذه؛ لأنَّ النبيء (ص) عندما حثَّنا على النفل في الحديث القدسي: «لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل...»، لم يحدِّد لنا شيئا معيَّنا، بل أطلق لنا الحريَّة التامَّة لنتطوَّع ما استطعنا بحسب نشاطنا، لأنَّ النفس أحيانا تكون نشطة مقبلة، وأحيانا تكون كسلانة مدبِرة، وعلينا أن نخصِّص لكلِّ حالة ما يناسبها، ولنا في ذلك أدلَّة من الشريعة.
فقد خرج النبيء (ص) يوماً فوجد حبلاً مشدوداً بين ساريتين من سواري المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل له: إنَّ زينب - زوجته - شدَّت ذلك الحبلَ، وقامت تتعبَّد، حتَّى إذا تعِبت استندَت عليه، فقال لهم: «انزَعوهُ، اُعبدوا ما دُمتم نشطينَ». إذا نشطتَ اعمل، وإذا فترت اذهب لتنام «إنَّ الله لا يريد لكم أن تُتعبُوا والله لا يملُّ حتَّى تملُّوا» (2) .
ومرَّة رأى عليه الصلاة والسلام رجلاً يمشي مستنداً على ولديه، فقال: «ما هذا؟» فقالوا له: «إنَّ هذا نذر أن يحجَّ وهو على هذه الحال»، فقال (ص): «إنَّ الله غنيٌّ عن إتعابك نفسَك» (3) .
وكذلك مرَّة وهو يخطُب، رأى رجلاً واقفاً في الشمس، فقال: «ما شأن هذا؟» فقالوا له: «إنَّ هذا نذر أن يقف في الشمس، ولا يقعد، ولا يتظلَّل، ولا يتكلَّم» فقال: «إنَّ الله غني عن هذه الكيفية» أي عبادة الله بما لم يشرع.
__________
(1) - الواقع في المساجد، أنَّ المائة ركعة هي أتم العدد لمن استطاع، ومن الناس من يقتصر على العشر والعشرينات، أو دون ذلك أو أكثر... وليس هناك من يجبر أحدا إلى عدد بعينه، فللنفس كما ذكر الشيخ إقبال وإدبار. (1/40)
صفحة 41
فالنبيء (ص) لم يرضَ عمَّا فعلته زوجتُه، ولا ذانك الرجلان، لأنَّ للنفس إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلَت فاغنم منها، وإذا أدبرت فاقتصر على الفرائض، والنوافل تأتي في فرصة أخرى.
وهذا ليس قولي أنا، بل قول من كان قبلنا، فلا يقل أحدٌ: لماذا تلك الصفة بالذات؟ ولنفرض أنَّ أحداً وقف بجانب آخر ليصلِّي معه النافلة، فهل نقول له: لماذا فعلتَ ذلك؟ لا، وأظنُّ أنَّ هناك حديثا فيه أنَّ النبيء (ص) رأى رجلاً يصلِّي منفرداً - ويبدو أنَّها صلاة نافلة - فقال: «ألا رجل يتصدَّق على هذا؟» .فهذا إذن تعلُّقات باطلة.
والشيء الذي نحدِّر منه - كذلك - أن لا يُعتقد أنَّ ذلك العمل التطوُّعي أفضل من سنَّة من السنن، أو أفضل من الفريضة، لأنَّ يوجد من يعتقد أنَّ ورداً من الأوراد التي وضعها مشايخهم أفضل من الصلاة المفروضة، فإذا شاب البدعة هذا الاعتقاد كانت بدعة مذمومة. والتقرير: أنَّه ليس هناك أفضلُ من كلام الله، ولا أعظم من فرائض الله، وكلُّ ما سنَّ من النوافل هو دون الفرائض، بل قبول النوافل متوقِّف على أداء الفرائض.
وهذه الكيفية - صلاة النفل جماعة أو غيرها - ألا تدخلُ في قوله تعالى: {وتعاوَنوا على البرِّ والتقوى، ولا تعاونوا على الاثمِ والعدوان} (1) ؟
وعلى المرء أن يرتِّب أموره ويختار الوقت الذي ليس له فيه انشغال، في عمل دنيوي ما، وليس هو وقت راحته ونومه، ومن الأحسن أن يختار الوقت الذي يساعد على الاجتماع أكثر.
وماذا تقولون - أيُّها الحضور - لو نقول الآن: مَن كان بوضوئه، فليقم لنصلِّي ركعتين لله تبارك وتعالى، فهل نكون عاصين؟ أيَنْهَانا أحد فيكون محقاًّ في نهيه؟ أيقول لنا: أنتم مذنبون لماذ تريدون أن تصلُّوا هذه الصلاة؟ وما هذه الصلاة؟...
فقولوا له جميعا: وهل في الصلاة ماهي؟
__________
(1) - سورة المائدة: 2. (1/41)
صفحة 42
فالصلاة معلومة ومشروعة في كلِّ الأوقات، باستثناء بعض الأوقات المنهيِّ عنها، وهي الطلوع وعند الغروب، وبعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وعند الزوال والشمسُ في كبد السماء، وبين العصر والمغرب؛ على أنَّه ورد قول بجواز القضاء بعد العصر.
ولنفرض أنَّ جماعة ذهبوا إلى ضاحية من ضواحي الوادي، بغرض الترفيه والترويح عن النفس، وبعد أن يقضوا مآربهم، يقول قائل منهم: الماء بجانبنا، هياًّ نتوضَّأ ونصلِّي لله تبارك وتعالى، حتَّى يشهد علينا هذا المكان يوم القيامة؛ فهذا خير أم شرٌّ؟ والقائل بأنَّه شرٌّ، على أيِّ شيء يعتمد؟ وليتذكَّر جيِّدا آية أبي جهل: {أرآيتَ الذي ينهى عبداً إذا صلَّى}.
والمحذور الآخر هو اعتقاد أحد أنَّ لمكان أو زمان ما الفضلُ أكثر، دون أن يكون له أثرٌ صحيح عن النبيء (ص)، لأنَّ هذا الأمر غيبيٌّ لا يعلمه إلاَّ الله، والتجرُّؤ على ذلك كذب على الله.
فإذا سلمت العبادات من الشوائب التالية:
- المخالفة للكتاب والسنة أو الإجماع.
- دعوى أنَّها أفضل من صلاة الفريضة - مع أنَّ التطوُّع جبر للنقص الذي قد يعتري أداء الفرائض من غير قصد -
- الاعتقاد أنَّها أفضل من كلام الله، كما قال البعض في صلاة الفاتح وغيرها (1) .
- اعتقاد الأفضلية لزمان أو مكان أو كيفية افتراء على الله.
- الاهتمام بالنوافل على حساب الفرائض.
- أن لا يكون لكيفية أدائها أصل في الشريعة.
فإذا سلمت من كلِّ ذلك، ففيها فضلٌ كبير لا يُحصى، والأجر فيها غير محدَّد.
[العمل بالحديث الضعيف والموضوع] (1/42)
صفحة 43
وقد نهى الشيخ [اطفيَّش] (1) رحمه الله عن الكذب عن الرسول (ص) بنَسب ما لم يرد عنه إليه، فيوم طُبع كتابٌ فيه فضل صلوات ليالي رمضان (2) : من صلَّى ليلة كذا وكذا وقرأ في الركعة الأولى كذا وكذا فله من الأجر كذا وكذا... وهذه موضوعات مكذوبات على النبيء (ص)، ولا أثر لهنَّ صحيح ولا ضعيف. والذي وضعها اعترف بوضعها، بحجَّة أنَّه وجد الناس غافلين فوضع لهم تلك الأحاديث، وهذا حرام.
والحديث الموضوع لا يجوز لأحد أن يرويه إلاَّ ليبيِّن وضعه، وأمَّا الأحاديث الضعيفة فإنَّ علماء الآخرة كلُّهم يقبلونها في باب الترغيب والترهيب، وعلى رأسهم الشيخ اسماعيل - رحمه الله -، والإمام الغزالي (3) وغيرهم.
فالأحاديث الضعيفة نقبلها في الرغائب وأمَّا في الأحكام فلا نبني حُكماً إلاَّ على حديث صحيح، وأمَّا الأحاديث الموضوعة فلا يجوز الأخذ بها مطلقا. ولهذا نَهينا عن تلك الأحاديث السالفة الذكر، والتي كانت تُقرأ في المسجد، إلى غاية الشروع في التدريس، لأنَّه لا يجوز أن ننسب للرسول (ص) ما لم يقله، وإذا فعلنا ندخل في وعيد: «من كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوَّأ مقعده من النار» (4) .
[صلاة الخصم (5) ]
قال بعض من المدَّعين: «هذا الذي تهجَّم على الناهين الناس عن الصلاة، لماذا قال للناس: لا تصلَّوا صلاة الخصم؟».
لا، نحن لم نقل لأحد: لا تصلِّ صلاة الخصم؛ فكلُّ فرد حرٌّ فيما يفعل، إن شاء صلَّى صلاة الخصم أو صلاة الصديق أو غيرها.
وما ورد فيها من آثر فضعيف (6) ، فنهينا قاصر عن تحديدها بيوم عرفة وقت النسك الأعظم، لأنَّ النبيء (ص) قال: «خُذوا عنِّي مناسككم» (7) ، وقال: «الهجُّ عرفة» (8) . فمن فاته عرفة فاته الحجُّ، ويجب عليه قضاؤه في العام المقبل أو غيره؛ لذلك علينا أن نلتزم بما فعله النبيء (ص) في هذا النسك الأعظم: عرفة.
فلم يصلِّ الرسول (ص) في عرفة إلاَّ الظهر والعصر جمعاً، ثمَّ انتصب للدعاء. (1/43)
صفحة 44
ووقت عرفة محدود والمكان أيضا، قالوقت من الزوال إلى الغروب، والمكان جبل عرفة.
ولمَّا تعنَّت هؤلاء، قلنا لهم: إذا أبيتهم إلاَّ أن تصلُّوها فصلُّوها فرادى، لأنَّ الجماعة تجعل الناس - وخاصة النساء والعامة - في حيرة من أمرهم، ويتساءلون: ما هذه الصلاة؟ وما ألجأنا إلى كلُّ هذا الارتباك، ولنفرض أن لو كان هؤلاء مع النبيء (ص) في ذلك الوقت، أيصلُّون تلك الصلاة وهو لا يصلِّيها؟
(1) (1/44)