صفحة 1
بحث ندوة: التفريق القضائي بين الزوجين للغيبة والفقدان للمغاوري محمد الفقي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] التفريق القضائي بين الزوجين للغيبة والفقدان
دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية العماني وبعض القوانين العربية الأخرى
إعداد
د.المغاوري محمد الفقي
مدرس بكليتي الشريعة والقانون بطنطا جامعة الأزهر ، ومسقط
1426هـ 2005م
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَابَنِيَّ اذهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسَفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْئَسُوا مِن رَوحِ اللهِ
إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِن رَوحِ اللهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ}
صدق الله العظيم
سورة يوسف آية 87
المقدمة
الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، وعلى آله ومن والاه في مبدأ كل أمر ومنتهاه، وبعد:
فإن الإسلام قد جعل الطلاق في يد الرجل لحِكَمٍ علمها اللطيف الخبير ولم يخف بعضها على كل عاقل بصير ، وجَعْلُه بيد الرجل ليس مطلقا بغير قيد ، بل هو مقيد بقيود تتفق والحكمة التي دعت إلى تشريعه ، وبما يمنع الإضرار بالمرأة .
وإذا كانت حكمة التشريع قد اقتضت ذلك فإن عدالته قد أبت إلا أن يكون للمرأة الحق في افتداء نفسها من زوجها إن كرهت البقاء معه في فرقة تسمى خلعًا ، وإلا أن يكون لها الحق في التفريق بينها وبين زوجها قضاءً إن تعذر الطلاق بإرادة الزوج بعدما أبدت من الأسباب ما يصلح مسوغا للتفريق .
وهنا يأتي هذا التساؤل : هل غيبة الزوج عن زوجته أو فقدانه يصلحان سبباً للتفريق القضائي بينهما ؟
وللإجابة عنه : كان هذا البحث المتواضع الذي شرفت بإعداده تكليفا من إدارة كلية الشريعة والقانون بمسقط ليكون ضمن محاور ندوتها "الفرقة بين الزوجين وآثارها" والتي عقدت في : 22 – 24 ربيع الاول 1426هـ الموافق 1-3 مايو 2005م. (1/1)
صفحة 2
والحق أقول : تلقيت نبأ تكليفي بهذا الموضوع بمزيد من الفرحة السرور ، لأنه من الموضوعات الحيوية التي لها ارتباط وثيق بظروف عصرنا الحاضر ، ذلك العصر الذي انتشرت فيه ظاهرة الهجرة والسفر للعمل أو الدراسة في الخارج ، والذي انتشرت فيه أيضا الحروب الطاحنة والغارات الشاملة ، وحوادث الطائرات والسفن ، والكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات وغيرها، فكثرت على إثر ذلك حالات الغياب والفقدان . فأحببت أن أبين موقف الفقه الإسلامي وبعض القوانين العربية من التفريق بين الزوجين بسبب ذلك ليتضح للقاصي والداني مثالية شريعتنا الغراء وموضوعيتها في معالجة مثل هذه القضايا.
وقد سلكت في هذا البحث سبيل المقارنة ، فجمعت أقوال الفقهاء من كتبهم المعتمدة ، وذكرت أدلتهم وتوجيهها ، وما ورد عليها من مناقشات إن وجدت ، وما أجيب به عنها كلما أمكن ذلك ، ثم بينت الرأي المختار حسبما ظهر لي بالدليل في ضوء التقدم والتطور الهائل الذي شهده عصرنا الحاضر في وسائل الانتقال والاتصال الحديثة التي حولت العالم الفسيح إلى قرية صغيرة ، ثم ذكرت موقف قانون الأحوال الشخصية العماني وبعض القوانين العربية الأخرى من موضوع البحث معلقا على ما يستحق التعليق منها ، وقد راعيت في كل هذا الوضوح في الفكرة مع السهولة في التعبير وحسن الترتيب بقدر الإمكان.
هذا ، وقد اقتضت طبيعة البحث في هذا الموضوع أن أقسمه إلى مبحثين تسبقهما مقدمة وتلحقهما خاتمة .
أما المقدمة : فقد ضمنتها سبب الكتابة في هذا الموضوع ، وخطة العمل فيه.
وأما المبحث الأول : فجعلته لبيان حكم التفريق للغيبة .
وأما البحث الثاني : فخصصته للتفريق بسبب الفقدان
وأما الخاتمة : ففيها ملخص البحث وبعض التوصيات .
والله أسأل أن يخرجنا من ظلمات الوهم ، وأن يكرمنا بنور الفهم ، وأن يفتح لنا بمعرفة العلم، وأن يحسِّن أخلاقنا بالحلم ، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم . اللهم آمين
الفقير إلى عفو ربه (1/2)
صفحة 3
المغاوري محمد الفقي
المبحث الأول
التفريق بين الزوجين بسبب غَيْبَة الزوج
ويتضمن أربعة مطالب:
المطلب الأول: بيان المقصود بالغَيْبَة
المطلب الثاني: آراء الفقهاء في التفريق لغيبة الزوج
المطلب الثالث: صاحب الحق في الفرقة للغيبة، وصفتها
المطلب الرابع: موقف قانون الأحوال الشخصية العماني وبعض
القوانين العربية الأخرى من التفريق للغيبة.
المطلب الأول
بيان المقصود بالغيبة
لما كان الحكم على الشيء فرع عن تصوره كان لزاما علينا قبل التصدي لبيان حكم التفريق القضائي بين الزوجين بسبب الغيبة أن نبين المقصود بها حتى يجيء الحكم على شيء متصور في ذهن القارئ
الغَيْبَةُ في اللغة: مصدر غاب الشيء يغيب أي بَعُدَ، وبَطَنَ، وخَفِيَ، ويقال أيضا: غَابَ غِيَابًا وغَيْبًا، وغَيْبُوبَةً، ومَغَابًا، ومَغِيبًا فهو غائب، وجمعه: غُيَّبٌ كَرُكَّعٍ، وغُيَّابٌ مِثل كُفَّارٍ، وغَيْبٌ مثلُ صَحْبٍ.
وغاب الرجل وتَغَيَّبَ أيضا: توارى، وامرأة مُغِيبٌ، ومُغْيِبٌ، ومُغِيبَةٌ: غاب عنها بعلها أو أحد من أهلها (1) .
والمقصود بالغيبة في بحثنا: انتقال الزوج إلى بلد غير البلد الذي تقيم فيه زوجته، وإقامته فيه مدة طويلة تتضرر زوجته فيها من بعده عنها، وحياته معلومة وأخباره موصولة ولو إجمالا.
ولا نقصد بإقامة الزوج في بلد آخر إقامته بدولة أخرى، وإنما تكفي إقامته في غير موطن الزوجة بإحدى المدن، أو القرى أو الشعاب.
__________
(1) يراجع / لسان العرب لابن منظور 10/151 وما بعدها، ط/دار إحياء التراث العربي، بيروت، المصباح المنير للفيومي 2/457 ط/المكتبة العلمية، بيروت، المنجد في اللغة والأعلام لبطرس البستاني ص 42 ط/دار المشرق، بيروت. (1/3)
صفحة 4
أما ترك الزوج منزل الزوجية وإقامته في منزل آخر في نفس البلد الذي تقيم فيه زوجته فهو هجر، وهو من الأحوال التي يتناولها التطليق للضرر والشقاق (1) .
وعلى هذا: فالغائب الذي نقصده في هذا المبحث هو من ترك وطنه الذي تقيم فيه زوجته اختيارا أو اضطرارا إلى مكان آخر وأقام فيه وحياته معلومة وأخباره موصولة ولو في الجملة (2) ،
__________
(1) عالج المقنن العماني مسألة التطليق للضرر والشقاق في سبع مواد، بدءا من المادة (101) من قانون الأحوال الشخصية، وانتهاء بالمادة (107) منه، فراجعه إن شئت.
(2) لم أقف على هذا التعريف نصا عند الفقهاء ، وإنما هو مأخوذ من ظاهر تفريعاتهم عند حديثهم عن أحكام الغائب ، وقد ذكر الشيخ أبو الحسن البسيوي الإباضي تعريفا له فقال :"وأما الغائب فإنه مَن غاب ولم يدر أين توجه ولا ما كان من سببه"
يراجع /مختصر البسيوي ص 230، ط/وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
وهذا المعنى أشار إليه الإمام السالمي في جوهره 2/319 ط/النهضة-سلطنة عمان حيث قال:
إِنَّ حَوادثَ الزمانِ جَمَّةْ ... وَكُلُّ حَادثٍ فَيُعطَى حُكْمَهْ
مِن ذلكَ الغَائبُ والمفقودُ ... حُكمُهمَا في كُتْبِنَا مَوجُودُ
إلى أن يقول:
وَالفرقُ بَين غائبٍ ومَنْ فُقِدْ ... يُدرى لأن الأصلَ غيرُ مُتَّحِدْ
فغائبٌ مَن غاب دون سببِ ... يُعرف إلا باختفاءِ المَذهبِ
والفَقْدُ أن تراه في الحريقِ ... أو أنه في الماء كالغريقِ
ومن هذا نفهم أن الإباضية يرون أن الغائب: من غاب وانقطع خبره واختفى أثره ولم يدر موضعه بسبب يُغَلِّب بقاءه على قيد الحياة، أما المفقود فهو من اختفى أثره بسبب أمر مهلك في الغالب.
وأقول: إن مصطلح الغائب بهذا المعنى عند الإباضية يرادف مصطلح المفقود الذي فقد في حال يغلب عليها السلامة عند غيرهم، يعني أن الغائب الذي تجري عليه أحكام الغياب عند الإباضية هو أحد نوعي المفقود عند غيرهم، فغير الإباضية يقسمون المفقود إلى مفقود في حال يغلب عليها السلامة، ومفقود في حال يغلب عليها الهلاك. يراجع / شرح فتح القدير لابن الهمام 5/368 ط/دار إحياء التراث العربي، بيروت، التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله العبدري المعروف بالمواق بهامش مواهب الجليل للحطاب 4/156 ط / دار الفكر، بيروت، الحاوي الكبير للماوردي 11/316، تحقيق وتعليق الشيخين: علي معوض وعادل عبد الموجود، ط/دار الكتب العلمية، بيروت، المغني لابن قدامة بأعلى الشرح الكبير 9/132 ط/دار الفكر، بيروت.
وعلى أية حال لا مشاحة في الاصطلاح، وطالما أن الغائب عند الإباضية والمفقود في حال يغلب عليها السلامة عند غيرهم وجهان لشيء واحد فإن موقف زوجة كل منهما يأوي إلى مكانه المناسب في البحث وهو المبحث الثاني الموسوم بـ: التفريق بين الزوجين لفقدان الزوج. (1/4)
صفحة 5
فإن جهلت حياته وانقطعت أخباره فذلك المفقود.
وقد عرف المقنن العماني الغائب في الفقرة الأولى من المادة (190) من قانون الأحوال الشخصية فقال: "الغائب هو الشخص الذي لا يعرف موطنه ولا محل إقامته"
وأقول: هذا التعريف يمكن أن يعترض عليه بمايلي:
1. أنه غير جامع لكل أفراد المعرف، حيث إنه لا يشمل الذي غاب عن وطنه إلى مكان آخر معلوم وأقام فيه وكانت إقامته معلومة، مع أنه غائب لغة وشرعا وعرفا.
2. هذا التعريف يتناقض مع ما ذكره المقنن في المادة (110) حيث جاء فيها ما نصه "للزوجة طلب التطليق بسبب غياب زوجها المعروف موطنه أو محل إقامته...إلخ" فها أنت تراه قد نص هنا على أن الغائب قد يكون معلوم الإقامة والموطن، بينما في المادة (190) قال: الغائب من كان مجهول الإقامة والموطن، وهذا تناقض بَيِّن.
3. تعريف الغائب بأنه (من لا يعرف موطنه ولا محل إقامته) لا يسعف في التفريق بين الغائب والمفقود، وذلك لأنه جعل مدار الحكم في الغائب على الجهل بالموطن ومحل الإقامة، والجهل بالموطن ومحل الإقامة يستلزم غالبا الجهل بالحياة أو الموت الذي هو مدار للحكم على الشخص بالفقد كما صرح المقنن العماني نفسه بذلك في الفقرة الثانية من المادة (190) حيث قال: المفقود هو الغائب الذي لا تعرف حياته ولا وفاته، ومن ثم فتعريف الغائب بهذا التعريف لا يُمَكِّن من التفريق بين الغائب والمفقود.
لذا أقترح أن يعرف الغائب بأنه: من ترك وطنه –اختيارا أو اضطرارا- إلى مكان آخر وإقامته فيه، وحياته معلومة وأخباره موصولة ولم تنقطع بعد ولا إجمالا.وهو نوعان: (أ) معلوم الإقامة (ب) مجهول الإقامة
أما المفقود فهو –كما عرفته المادة 190- من لا تعرف حياته ولا وفاته.
وبناء على ماسبق: يكون المدار في الفرق بينهما على الجهل بالحياة من عدمه، لا على الجهل بالمكان، أي إن جهلت حياته فهو مفقود، وإن علمت حياته فهو غائب. (1/5)
صفحة 6
ومن هنا: نستطيع أن نقول بأن كل مفقود غائب دون العكس، وأن الغيبة تزول بحضور الغائب أو موته موتا حقيقيا، أما الفقد فيزول بحضور المفقود أو موته موتا حكميا كما سنبينه -إن شاء الله- فيما بعد.
المطلب الثاني
آراء الفقهاء في التفريق لغيبة الزوج
إذا غاب الزوج عن زوجته مدة من الزمان وقد ترك لها مالا تنفق منه على نفسها أثناء غيابه، لكنها تضررت بغيبته وبعده عنها بحرمانها من تلبية رغباتها الجسدية والنفسية مما جعلها تطلع إلى الرجال وتطمح نفسها إليهم، وتخشى على نفسها من الانحراف، والسقوط في الفاحشة، فهل لهذه الزوجة أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها بسبب ذلك كى تحل من بعده للأزواج ؟ وهل للقاضى أن يجيبها إلى طلبها؟ اختلف الفقهاء في هذا الصدد على مذهبين (1) :
الأول: مذهب القائلين بجواز التفريق:
__________
(1) يرجع اختلافهم في ذلك إلى اختلافهم في حكم استدامة الوطء للزوجة،فمن ذهب إلى أن استدامة الوطء قضاء وديانة حق للزوجة على زوجها كما هو حق له عليها، قال بجواز التفريق إذا غاب الزوج عن زوجته ، ؛ لأنه يكون قد فوت عليها حقا واجبا لها عليه، ومن قال ليس للزوجة حق دوام الوطء لم يجز التفريق بسبب غيبة الزوج، لعدم وجود ما يبنى عليه هذا التفريق عندهم. (1/6)
صفحة 7
يرى المالكية والحنابلة في المعتمد عندنهما أن الزوجة إذا غاب عنها زوجها غيبة طويلة تضررت منها بأن خشيت على نفسها الوقوع في الزنا جاز لها طلب التفريق بينها وبينه حتى وإن كان قد ترك لها مالا تنفق منه على نفسها، ويقبل قولها بيمينها في إدعائها هذا الضرر (1) ،لكن القاضى لا يجيبها إلى طلبها إلا بعد أن يكتب إلى زوجها- إن كان معلوم المكان وتصله الرسائل – ويخيره بين أن يرجع إلى زوجته أو ينقلها إليه حيث يقيم أو يطلقها، ويمهله مدة مناسبة بنظره، فإن اختار شيئا مما ذكر ونفذه سقطت الدعوى، وإن أبى ذلك كله أو لم يرد بشىء وقد انقضت المدة المضروبة له أو لم يكن له مكان معروف أو كان مكانه لا تصل الرسائل إليه طلق عليه القاضى بطلبها التفريق منه (2) .
__________
(1) لأنها تدعى أمرا لا يعرف إلا من جهتها ولا يتأتى لها إثباته، وليس من الضرورى هنا أن تقول المرأة للقاضى في تبجح وبلا حياء: أطلقنى من قيد هذا الرجل الغائب وإلا زنيت، بل يكفي أن تذكر في صحيفة دعواها أنها تضررت من غيبة زوجها، ، لأن تصريحها بالخوف من الوقوع في الزنا قد يمس سمعتها وشرفها،وربما يمنعها أصلا من رفع دعواها، وعلى القاضى أن ينظر بعمق إلى سن المرأة التى جاءت تشكو إليه غياب زوجها، وإلى بيئتها التى تعيش فيها، وإلى المدة التى عاشتها انتظارا لزوجها الغائب قبل رفع دعواها بالتفريق، وحينئذ يستطيع أن يقف على ما تعانيه المرأة من بعد زوجها عنها من غير تصريح منها .
(2) قال أحد الباحثين المعاصرين مانصه:" لم أجد واحدا من أهل العلم من الصحابة أو التابعين أو الأئمة أجاز التفريق بسبب غيبة الزوج مادام حيا ".
يراجع / الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردنى د/ عمر سليمان الأشقر ص 268 ط/ دار النفائس - الأردن.
وفي ص 270 من نفس الكتاب قال:" وقد توهم بعض الباحثين المعاصرين أن المالكية والحنابلة أجازا التفرقة بسبب غيبة الزوج مع تيقن حياته، وهذا غير صحيح ".
وأقول:
إن التحقيق ما ذكرته في الصلب، وإليك طرفا من نصوص المالكية والحنابلة من كتبهم المعتمدة:
جاء في حاشية الدسوقى 2/ 431 ط/ دار الفكر بيروت – مانصه:" لا يطلق على من ترك الوطء لغيبته إلا إذا طالت مدة الغيبة وذلك كسنة فأكثر عند أبى الحسن، وهو المعتمد، وقال الغريانى وابن عرفة: السنتان والثلاث ليست بطول بل لابد من الزيادة عليها، ولابد أن تخشى الزنا على نفسها، ويعلم ذلك منها وتصدق في دعواه حيث طالت مدة الغيبة، وأما مجرد شهوتها للجماع فلا يوجب طلاقها، ويزاد على هذين الشرطين شرط ثالث وهو: الإرسال إليه إن علم محله وأمكن الوصول إليه وإلا فلا يعتبر هذا الشرط، وهذا كله إذا كانت نفقتها دائمة وإلا طلق عليه حالا لعدم النفقة ".
وجاء مثل ذلك في شرح الزرقانى على مختصر خليل 4 / 155ط دار الفكر – بيروت -، وحاشية البنانى بهامش الزرقانى 4/ 155 ط دار الفكر – بيروت.
وجاء في النوازل الجديدة الكبرى المسماة بـ( المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب ) لأبى عيسى الوزانى 4/ 126 ط/ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب مانصه: "رجل اتهم بقتل آخر وصدر الحكم عليه بالخدمة الشاقة مدة عشرين سنة، وله زوجة، وهو ملىء كلف من ينفق عليها ويقوم بشؤونها كما يليق بها إلى أن يسرح بعد انقضاء تلك المدة، ثم إن المرأة طلبت أن تطلق عليه بدعوى عدم صبرها على ترك النكاح هذه المدة، هل تجاب إلى ذلك لما يلحقها من الضرر؟ فأجيب: إن شكت المرأة ضرر ترك الوطء ولم تصبر عليه واختارت الطلاق فلها ذلك كما نص عيه غير واحد.
قال اللخمى: للمرأة القيام بالطلاق لعدم الإصابة في حضور الزوج وغيبته، وقال المازرى: لا.
وفي ص 133 من نفس المرجع ما نصه:" فالمعتمد والأقوى الذى يتعين القضاء والفتوى به هو تطليق المرأة بتضررها من ترك الوطء ".
أما مغنى ابن قدامه فقد جاء في ج 7ص 31 ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت - مانصه: "وإن سافر عن امرأته لعذر وحاجة، سقط حقها من القسم والوطء وإن طال سفره، وإن لم يكن له عذر مانع من الرجوع، فإن أحمد ذهب إلى توقيته بستة أشهر، فإنه قيل له: كم يغيب الرجل عن زوجته؟ قال: ستة أشهر، يكتب إليه فإن أبى أن يرجع فرق الحاكم بينهما ؛ وإنما صار إلى تقديره بهذا بما رواه أبو حفص بإسناده عن زيد بن أسلم قال: بينما عمر بن الخطاب يحرس المدينة فمر بامرأة في بيتها وهى تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وطال علي ألا خليل ألاعبه
ووالله لولا خشية الله وحده ... لحرك من هذا السرير جوانبه
فسأل عنها فقيل له: هذه فلانة زوجها غائب في سبيل الله، فأرسل إليها امرأة تكون معها وبعث إلى زوجها.... الخ القصة، وسئل أحمد، كم للرجل أن يغيب عن أهله؟ قال: يروى ستة أشهر. وقد يغيب الرجل أكثر من ذلك لأمر لابد له، فإن غاب أكثر من ذلك لغير عذر فقال بعض أصحابنا: يراسله الحاكم فإن أبى أن يقدم فسخ نكاحه ".
وفي الفروع لابن مفلح 5/ 322ط / عالم الكتب بيروت مانصه:" وإن سافر فوق نصف سنة وطلبت قدومه فأبى بلا عذر فرق بينهما، قيل: إن وجب الوطء، وقيل: أو لا "
وفي نفس الصفحة:" وخرج ابن عقيل قولا: لها الفسخ بالغيبة المضرة بها ولو لم يكن مفقودا كما لو كوتب فلم يحضر بلا عذر، وفي المغنى في امرأة من علم خبره كأسير ومحبوس: لها الفسخ بتعذر النفقة من ماله وإلا فلا ".
وفي الإنصاف لعلاء الدين المرداوي 8/ 355 ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت ما نصه أيضا:" وإن سافر عنها أكثر من ستة أشهر فطلبت قدومه لزمه ذلك إن لم يكن عذر، فإن أبى ولم يكن له عذر فطلبت الفرقة فرق بينهما ".
ويقول ابن تيمية في الاختيارات الفقهية ص 247 ط/ دار المعرفة – بيروت -:" وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد، ولو مع قدرته وعجزه كالنفقة أولى، للفسخ بتعذره في الإيلاء إجماعا ".
إذا علمت هذا – عزيزى القارىء – علمت أن المالكية والحنابلة في المعتمد عندهم يرون جواز التفريق بين الزوجين بسبب غيبة الرجل عن زوجته بالشروط المذكورة عند كل منهما، وعلمت أيضا أنه لا عبرة بما قاله بعض الباحثين المعاصرين توهما من أن المالكية والحنابلة لا يرون التفريق للغياب. (1/7)
صفحة 8
والقول بجواز التفريق للغيبة هو قول فقهاء الإباضية كما هو ظاهر من تفريعاتهم (1) وكما صرح به العلامة الشيخ أحمد الخليلى الإباضى في فتاويه (2)
__________
(1) يراجع / شرح النيل للشيخ أطفيش 6/476 وما بعدها ط/مكتبة الإرشاد بجدة، كتاب النكاح للعلامة الجناونى ص 198، 206، 208 نشر مكتبة وهبة بالقاهرة، جوابات الإمام السالمى 2/ 422 ط/ الثانية 1999م إشراف عبد العال السالمى، وتنسيق د/ عبد الستار أبو غدة، كتاب الجامع لابن بركة 2/ 146 ط/ المطبعة الشرقية بمسقط، تحقيق عيسى يحيى البارونى.
(2) جاء في فتاوى النكاح لفضيلته 2/ 78ط/ الأجيال للتسويق - سلطنة عمان ردا على سؤال: هل الوطء حق للزوج وحده؟ أم هو حق للزوجين معا؟ ما نصه:" مذهب جمهور أهل العلم أن للمرأة حقا في الوطء كالرجل وعليه أصحابنا كما هو ظاهر تفريعاتهم، وذهب الشافعى إلى أنه حق للرجل دونها، وقريب منه قول القاضى من الحنابلة كما في مغنى ابن قدامة حيث قال: " إنه لا يجب على الرجل إلا أن قصد بتركه الإضرار. والقول الحق في ذلك هو أن لها حقا فيه، ولا يجوز للرجل أن يمتنع منه لغير عذر....الخ "
وفي ص 90 وما بعدها ردا على سؤال: هل الخروج لسنوات عديدة لطلب العلم أو غيره من الأمور المشروعة مقدم على حق الزوجة؟ قال: دل القرآن الكريم على أن المرأة لها حق الوقاع حيث إن الله تعالى شرع مدة معينة لئلا تخرج المرأة بعدها من عصمة الزوج عندما يستمر على الامتناع عن مواقعتها.... " ثم ساق الأدلة الشرعية على ذلك، ثم قال نصا:" ونحن استنتجنا من هذا بأن المرأة عندما يسافر زوجها هذه المدة ويكون مستمرا في سفره بحيث لا يعود إليها لها الحق بأن تطالب بالطلاق، وهى التى تعرف في الفقه الإسلامى بالمرأة المغيبة دفعا للضرر، وعملا بما يدل عليه قوله تعالى:{ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف} وما دل عليه قوله سبحانه {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} والله أعلم. (1/8)
صفحة 9
وهو قول بعض فقهاء الشيعة الزيدية (1) .
وأصحاب هذا المذهب وإن اتفقوا على مبدأ التفريق بين الزوجين لغيبة الزوج إلا أنهم اختلفوا في نوع الغيبة المجيزة للتفريق، وفي مدتها:
فالحنابلة في المعتمد عندهم: يرون أن الغيبة التى تجيز التفريق بين الزوجين هى غيبة الزوج عن زوجته بغير عذر مقبول شرعا، أي أنهم يفرقون بين الغيبة بعذر كالسفر لطلب الرزق أو لطلب العلم أو الحج والغزو الواجبين، وبين الغيبة لغير عذر كالسفر للسياحة أو بقصد الإضرار بالزوجة (2) .
فإذا غاب عن زوجته وكانت غيبته بعذر فلا يجوز لزوجته أن تطلب التفريق مهما طالت غيبته، لأن العذر دليل سقوط التكليف في كل الأحكام، وهذا معذور فيسقط عنه التكليف بالوطء؛ ومن ثم لا يحق لها طلب التفريق حينئذ.
وإذا كانت غيبته بدون عذر ولمدة ستة أشهر أو يزيد ثم طلبت زوجته التفريق كاتبه القاضى بالحضور إن كان معلوم المكان ويصل إليه الكتاب، فإن أبى الحضور فرق بينهما (3) .
__________
(1) جاء في الروضة الندية للقنوجى شرح الدرر البهية للشوكانى ج2 ص 56 ط/ دار المعرفة – بيروت: إذا طالت مدة الغيبة وكانت المرأة تتضرر بترك النكاح فالفسخ لذلك جائز، وإذا جاز الفسخ للعنة فجوازه للغيبة الطويلة أولى، لأنه قد علم من نصوص الكتاب والسنة تحريم الإمساك ضرارا، والنهى للأزواج عن الضرار، فوجب دفع الضرار عن الزوجة بكل ممكن، وإذا لم يمكن إلا الفسخ جاز ذلك، بل وجب.
(2) خلافا لابن تيمية حيث يرى أن حصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال.
يراجع / الاختيارات الفقهية ص 247.
(3) يراجع / المغنى 7/ 31، كشاف القناع للبهوتي5/ 192 ط/ عالم الكتب - بيروت، مطالب أولى النهى في شرح غاية المنتهى للعلامة الرحيبانى 7/ 268 ط/ الثالثة 2000م، شرح منتهى الإرادات للبهوتى 3/ 44 ط/ عالم الكتب ـ بيروت. (1/9)
صفحة 10
وإنما قيدت الغيبة عندهم بستة أشهر عملا بما روى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه استفسر من السيدة حفصة أم المؤمنين - رضى الله عنها - عن أكثر ما تصبر فيه المرأة عن زوجها، فقالت: ستة أشهر أو أربعة، فقال - رضي الله عنه - : لا أحبس الجيش أكثر من هذا (1) .
أما المالكية في المعتمد لديهم: فقد توسعوا في هذا حيث أجازوا التفريق بين الزوجين لتضرر المرأة من غيبة زوجها مطلقا أى سواء أكانت غيبته بعذر أم بغير عذر ؛ لأن المرأة تتضرر في الحالتين، والمقصود بالتفريق رفع الضرر.
كما أنهم جعلوا حد الغيبة المجيزة للتفريق سنة (2) فأكثر على المعتمد، وفي قول الغريانى وابن عرفة أن السنتين أو الثلاث ليست بطول بل لا بد من الزيادة عليها، وهذا مبنى منهم على الاجتهاد والنظر بحسب تحرياتهم الخاصة في زمانهم، ولم يرد به نص شرعى (3) .
__________
(1) السنن الكبرى للبيهقى 9/ 29 ط / دار الفكر ـ بيروت.
(2) السنة عند إطلاقها في التقديرات الشرعية تنصرف إلى السنة القمرية، وهى التى يكون احتساب أيامها بالأهلة، أما السنة الشمسية فهى التى يكون احتسابها بعدد طلعات الشمس، والفرق بينهما أن الشمسية أزيد من القمرية بأحد عشر يوما وبعض الساعات.
(3) يراجع / حاشية الدسوقى 2/ 431، شرح منح الجليل للشيخ عليش 2/ 313 نشر مكتبة النجاح بطرابلس - ليبيا -، الخرشى على مختصر خليل 4/ 93 ط/ دار الفكر – بيروت، وحاشية العدوى بهامش الخرشى 4/ 94 ط/ دار الفكر – بيروت، حلى المعاصم لفكر ابن عاصم لأبى عبد الله محمد التاودى بأسفل البهجة شرح التحفة للتسولى 1/ 521 ط/ دار الكتب العلمية – بيروت. (1/10)
صفحة 11
وأما الإباضية فلا فرق عندهم في الغيبة بين أن تكون بعذر أو بغير عذر لتضرر المرأة في الحالتين، وحدها أربعة أشهر فأكثر؛ لأن الله العليم بمقدار ما تصبر المرأة عن زوجها قد حدد هذه المدة في الإيلاء حيث قال جل شأنه: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} (1) .
ولأن عمر - رضي الله عنه - سأل أم المؤمنين ابنته حفصة -رضى الله عنها- عن مقدار ما تصبر المرأة عن زوجها، فأخبرته أن المرأة تصبر عن زوجها شهرين، ويشتد عليها ذلك بعد الشهر الثالث، وتفقد صبرها بعد أربعة أشهر، فأَمَرَ ألا يبقى في الغزو أحد أكثر من أربعة أشهر (2) .
وأما بعض الزيدية الذين قالوا بجواز التفريق: فيرون أن تقدير المدة يرجع فيها إلى الحاكم، فله أن يقدر الوقت، وهو يختلف باختلاف الأزمان (3) .
وتأسيسا على ما سبق يمكن القول بأن للتفريق بسبب الغيبة عند القائلين به شروطًا:
أولها: أن يغيب الزوج مدة طويلة تستوحش فيها المرأة وتتضرر فعلاً من تركه وطأها، بأن تخشى على نفسها الوقوع في الزنا، إذ الفرقة هنا بسبب الضرر الواقع لا التضرر المتوقع، وهذه المدة قدّرها بعضهم بأربعة أشهر فأكثر، وبعضهم قدّرها بستة أشهر فأكثر، وبعضهم قدرها بسنة فأكثر.
والمراد بغيبة الزوج هنا: إقامته في موطن آخر غير موطن زوجته، كما سبق بيانه.
ثانيها: أن تكون الغيبة لغير عذر، فإن كانت بعذر لم يكن للمرأة طلب التفريق عند الحنابلة، خلافا لبقية القائلين بجواز التفريق للغياب، حيث لا يرون فارقا بين أن تكون الغيبة بعذر أو بغير عذر.
__________
(1) سورة البقرة الآية 226، 227.
(2) يراجع / فتاوى النكاح للشيخ أحمد بن حمد الخليلى 2/ 91، 92.
(3) يراجع / الروضة الندية للقنوجى 2/ 56. (1/11)
صفحة 12
ثالثها: إذا كان الزوج الغائب معلوم المكان وتصله الرسائل كتب إليه القاضي بأن يعود إلى زوجته أو ينقلها إليه، أو يطلقها، ويضرب له أجلا معينا، ويبين له أنه إذا انقضى الأجل دون أن يستجيب لطلبه فرّق القاضي بينهما.
أما إذا كان الغائب مجهول المكان (بأن كان معلوم الحياة أو المكان إجمالا) أو لا تصله الرسائل، فلا يشترط هذا الشرط، لعدم فائدته.
الثانى: مذهب القائلين بعدم جواز التفريق. (1/12)
صفحة 13
ذهب الحنفية والشافعية والإمامية وبعض المالكية وبعض الحنابلة وبعض الزيدية إلى أنه ليس للزوجة الحق في طلب التفريق بينها وبين زوجها بسبب غيبته عنها وتركه مباشرتها مادام حيا معلوم الحياة، سواء أطالت غيبته أم قصرت، وسواء أكانت بعذر أم بغير عذر (1) .
وبهذا قال ابن حزم من الظاهرية (2)
__________
(1) يراجع / البدائع للكاسانى 2/ 331 ط/ دار الكتب العلمية –بيروت، رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين 6/ 357 ط/ دار إحياء التراث العربى - بيروت – تحقيق محمد صبحى حسن، وعامر حسين، المبسوط للسرخسى 11/ 37 ط/ دار الكتب العلمية – بيروت، تحقيق أبى عبد الله محمد حسن الشافعى، والأم للإمام الشافعى 3/ 239 ط/ دار المعرفة – بيروت، المهذب للشيرازى 2/ 65 ط / عيسى الحلبى بمصر، الحاوى الكبير للماوردى 11/ 316 ط/ دار الكتب العلمية -بيروت- تحقيق الشيخين: على محمد معوض، عادل أحمد عبد الموجود، روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووى 8/ 400 ط/ المكتب الإسلامى –بيروت– إشراف: زهير الشاويش، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة لمحمد بن الحسن العاملى 22/ 157 نشر وتحقيق مؤسسة آل البت لإحياء التراث، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام لمحمد النجفي 32 / 288 ط/ المكتبة الإسلامية -طهران– تحقيق محمود القوحانى، البهجة شرح التحفة للتسولى 1/ 522 ط/ دار الكتب العلمية – بيروت -، تصحيح الفروع لأبى الحسن المرداوى، بهامش الفروع لابن مفلح 5/ 322 ط/ عالم الكتب – بيروت، الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير للحسين بن أحمد الصنعانى 4/ 173 ط/ دار الجيل – بيروت، التاج المذهب لأحمد بن قاسم العنسى ج2 / 286 ط/ الحلبى بمصر.
(2) نص ابن حزم في المحلى على عدم جواز فسخ نكاح امرأة الغائب أبدا، بل هى امرأته حتى يصح موته أو تموت هى.
يراجع / المحلى 1/ 134 ط/ دار الجيل، الآفاق الجديدة –بيروت- تحقيق لجنة إحياء التراث العربى.
وهذا منه عجيب لأنه ممن يرى أن الوطء حق واجب للزوجة على زوجها في كل طهر مرة على الأقل، وأنه إن أبى أجبر على ذلك حيث قال في ج10 ص 40:" وفرض على الرجل أن يجامع امرأته التى هى زوجته، وأدنى ذلك مرة في كل طهر إن قدر على ذلك وإلا فهو عاص لله، برهان ذلك قوله تعالى:" فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله " ثم يقول:" ويجبر على ذلك من أبى لأنه أتى منكرا "
وكان مقتضى هذا الكلام أن يقول بالتفريق إن غاب عنها بدون عذر مدة تتضرر بها لأنه قد فوت عليها حقا تضررت بفواته، وإجباره عليه غير متصور في حال غيبته، لكنه كما سبق يقول بعدم التفريق أبدا حتى يموت هو أو تموت هى. (1/13)
صفحة 14
الأدلة والمناقشة
أدلة المجيزين:
استدل القائلون بأن زوجة الغائب يحق لها طلب التفريق بينها وبين زوجها إن طالت غيبته عنها حتى تضررت بالكتاب والسنة والأثر والمعقول.
أما الكتاب:
أ ) فقول الله تعالى {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (1) .
فهذه الآية خبرية لفظا إنشائية معنى، فمعناها: أمسكوا النساء بمعروف أو سرحوهن بإحسان، ولما كان الإمساك بالمعروف متعذرا ممن طالت غيبته عن زوجته - لأنه ليس من المعروف قطعا تعريض المرأة للفتنة والوقوع في التهلكة – تعين عليه التسريح بإحسان، فإن امتنع منه كان ظالما لها، وكان لها رفع الأمر إلى القاضى للتفريق عليه، إذ القاضى منوط به رفع المظالم (2) .
ب ) وقوله تعالى:{ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} (3)
فالله - تعالى – قد نهى في هذه الآية عن الإضرار بالزوجة، وأى ضرر أشد عليها من هذا الضرر الذى إما أن تبقى معه في حرمان مستمر وكبت دائم ومعاناة لا تقف عند حد، وإما أن تطيع هوى نفسها وتستجيب لشيطانها فتغمس في الفحشاء وتبوء بأوزارها؟.
لا شك أنه ضرر بالغ، والضرر يزال شرعا، وذلك بالعودة إليها أو نقلها إليه أو طلاقها، فإن أبى واحدا من هذا كان ظالما وكان لها رفع الأمر إلى القاضى ليفرق بينهما رفعا للظلم عنها (4) .
ج ) وقوله تعالى:{وعاشروهن بالمعروف} (5)
__________
(1) سورة البقرة الآية 229.
(2) يراجع / الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 3/ 129 ط/ دار الحديث بالقاهرة، مراجعة وتعليق د/محمد الحفناوى، وتخريج الأحاديث د/ محمود عثمان، سبل السلام للصنعانى 3/ 208 ط/ دار الفكر –بيروت-، الأحوال الشخصية لأبى زهرة ص 367 ط/ دار الفكر العربى بالقاهرة، نظام الأسرة في الإسلام د/ محمد عقلة ص 206 ط/ 1 نشر مكتبة الرسالة بعمَّان الأردن.
(3) سورة البقرة الآية 231.
(4) يراجع / فتاوى النكاح للشيخ / أحمد بن حمد الخليلى 2/ 78، الروضة الندية للقنوجى 2/ 56.
(5) سورة النساء الآية 19. (1/14)
صفحة 15
فهو يفيد أن المعاشرة بين الزوجين يجب أن تكون بالمعروف، وليس من المعروف إبقاؤها معطلة لا تنتفع بثمرة زواجها، لأن في هذا ضررا نفسيا وعصبيا يزعجها (1) .
د ) وقوله تعالى:{فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} (2)
فهو يفيد أن الله تعالى لا يرضى أن تبقى المرأة معلقة لا هى ذات زوج ولا هى مطلقة، وإذا كان لا يرضى هذا والزوج موجود معها فكيف إذا كان غائبا عنها؟ (3) .
وأما السنة: فمنها:
1) ما رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يارسول الله، قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا (4) .
__________
(1) فتاوى النكاح للشيخ الخليلى 2/ 79.
(2) سورة النساء الآية 129
(3) يراجع / أحكام القرآن لابن العربى 1/ 634 ط/ دار الفكر – بيروت – مراجعة وتعليق / محمد عبد القادر عطا، حقوق الزوجين دراسة نقدية لقانون الأحوال الشخصية لأبى الأعلى المودودى ص 128 نشر الدار السعودية – جدة.
(4) يراجع / فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر العسقلانى 4/ 176 ط/ دار إحياء التراث العربى -بيروت-، صحيح مسلم بشرح النووى 8/ 42 ط/ دار الفكر –بيروت-، سنن أبى داوود ص 414 ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت-. (1/15)
صفحة 16
فالحق المشار إليه في قول النبى - صلى الله عليه وسلم - " ولزوجك عليك حقا " والذى يفوت على المرأة بسبب متابعة زوجها الصيام والقيام هو الوطء، إذ هو المتبادر من السياق وقرائن الحال، فإن صومه النهار وقيامه الليل دليل على عدم وطئها، فجاء النهى عنه. وإثبات هذا الحق لها على زوجها دليل وجوبه عليه، وإذا كان الوطء حقا واجبا للمرأة على زوجها كان ظالما بمنعها منه لغيبته عنها، وكان لها عندئذ رفع الأمر إلى القضاء للتفريق بينهما دفعا لضرره عنها، وعقابا له على ظلمه في منعها حقها (1) .
ونوقش: بأن قول النبى - صلى الله عليه وسلم - " ولزوجك عليك حقا " ليس قاطعا في أنه حق لها قضاء يكون لها المطالبة به إذا منعت منه، فهو يحتمل أن يكون ذلك حقا لها ديانة فقط، والفقهاء لم يختلفوا في جعل الوطء حقا للزوجة ديانة، بل اتفقوا على أن الزوج يجب عليه ديانة أن يطأ زوجته إذا لم يكن به عذر مانع من ذلك حفاظا على عفتها وتوطيدا لأواصر المحبة والإلفة بينهما، وما دام الدليل يحتمل ذينك لم يبق فيه حجة، لأن الدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال (2) .
__________
(1) يراجع / شرح منتهى الإرادات للشيخ منصور البهوتى 3/ 45، حق الاستمتاع بين الزوجين وآثاره وموانعه الشرعية د/ حامد شمروخ ص 10 ط/ دار الجامعة الجديدة يالأسكندرية مصر، فسخ الزواج د/ أحمد الحجى الكردى ص 489 ط/ اليمامة، بيروت.
(2) يراجع / فسخ الزواج د/ أحمد الحجى الكردى ص 491. (1/16)
صفحة 17
وقد يجاب: بأن هذا الاحتمال -أعنى احتمال أن يكون الوطء حقها ديانة فقط- بعيد جدا ؛ لأن قول النبى - صلى الله عليه وسلم - " ولزوجك عليك حقا " إنما كان بعد شكوى زوجة عبد الله بن عمرو المبلغة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بواسطة أبيه عمرو بن العاص، كما في رواية النسائى من نفس القصة، حيث جاء فيها أن عبد الله بن عمرو قال: أنكحنى أبى امرأة ذات حسب فكان يأتيها فيسألها عن بعلها، فقالت: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فِرَاشًا ولم يُفَتِّش لنا كَنَفًا (1) منذ أتيناه، فذكر ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: ائتنى به، فأتيته معه... الخ الحديث (2) .
فقول المرأة "لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش لنا كنفا" شكاية منها، والباعث عليها ترك الجماع بسبب صيام النهار وقيام الليل، وصدور الحكم من النبى - صلى الله عليه وسلم – على هذا النحو عقيب الشكوى دليل دامغ على وجوب هذا الحق لها عليه قضاء وديانة.
__________
(1) قولها:" ولم يفتش لنا كنفا " – بفتح الكاف والنون من الكنف وهو الجانب، والمراد: أنه لم يقربها. يراجع / حاشية السندى بأسفل سنن النسائى 4/ 210 ط/ دار الحديث بالقاهرة.
وفي شرح الحافظ جلال الدين السيوطى :" ولم يفتش لنا كنفا " أى: لم يدخل يده معها كما يدخل الرجل يده مع زوجته في دواخل أمرها، يعنى: لم يقربها. يراجع/ شرح السيوطي على النسائى بهامش سنن النسائى 4/ 210، ط/ دار الحديث – القاهرة.
(2) يراجع / سنن النسائى 4/ 210. (1/17)
صفحة 18
2) وما رواه البخارى عن ابن أبى جحيفة عن أبيه قال: آخى النبى - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبى الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلةً (1) فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما، فقال سلمان: كل، قال أبو الدرداء: فإنى صائم، قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل (2) قال سلمان: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، قال سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذى حق حقه، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - " صدق سلمان" (3) .
فقد جعل النبى - صلى الله عليه وسلم - بموافقته لسلمان حقا للزوجة على زوجها، هذا الحق هو الجماع إذ هو باعث الشكوى كما هو واضح من سياق القصة، فضلا عن التصريح به في بعض الروايات، ففي الفتح: "فصم وأفطر، وصل ونم، وائت أهلك" (4) ، وإذا كان الوطء حقها عليه، كان لها طلب التفريق إن تضررت بتركه.
وأما الأثر فمنه:
1. ما روى عن زيد بن أسلم قال: كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يعس (5) بالمدينة فمر بامرأة في بيتها وهى تقول:
تطاول هذا الليل واسوَدَّ جانِبُهْ ... ... وطال علي أنْ لا خليل أُلاعِبُهْ
__________
(1) أى: لابسة ثياب البذلة -بكسر الباء- وهى المهنة، والمراد: أنها تاركة للبس ثياب الزينة، أو رثة الهيئة.
(2) أبى الضيف سلمان أن يأكل من طعام أبى الدرداء حتى يأكل معه ليصرفه عن رأيه فيما يصنعه من جهد نفسه في العبادة وغير ذلك مما شكته إليه امرأته.
(3) يراجع / فتح البارى بشرح صحيح البخارى 4/ 170.
(4) يراجع السابق 4/ 172.
(5) عس: من باب رد يعنى: طاف بالليل، يراجع مختار الصحاح ص 258 (1/18)
صفحة 19
ووالله لولا خشيةُ اللهِ وحده لَحُرِّكَ من هذا السريرِ جَوانِِبُهْ (1)
__________
(1) قال ابن كثير: رويت الأبيات في هذه القصة عن السائب بن جبير مولى ابن عباس أطول من هذا كما يلى:
تطاول هذا الليل وازور جانبه ... ... وأرقنى أن لا ضجيع ألا عبه
ألا عبه طورا وطورا كأنما ... ... بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه
يسر به من كان يلهو بقربه ... ... لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه
فوالله لولا الله لا شىء غيره ... ... لنقض من هذا السرير جوانبه
ولكننى أخشى رقيبا موكلا ... ... بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربى والحياء يصدنى ... ... وإكرام بعلى أن تنال مراكبه
قال: وروى هذا من طرق عديدة، وهو من المشهورات. يراجع / تيسير العلى القدير باختصار تفسير ابن كثير 1/ 185 ط/ الفجالة بالقاهرة.
وروى البيت الرابع هكذا:
فو الله لولا الله تخشى عواقبه ... ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
وهذه الأبيات من بحر الطويل، وقد وردت بلا نسبة في: خزانة الأدب لعبد القادر البغدادى 10/ 333 تحقيق عبد السلام هارون نشر مكتبة الخانجى بالقاهرة 1989م، رصف المبانى في شرح حروف المعانى للمالقى 241 تحقيق أحمد الخراط ط/ مجمع اللغة العربية بدمشق، المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية د/ إميل يعقوب 1/ 76، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت. (1/19)
صفحة 20
فسأل عمر – رضى الله عنه – عنها، فقيل له: هذه فلانة زوجها غائب في سبيل الله، فأرسل إليها امرأة تكون معها، وبعث إلى زوجها فأقفله، ثم دخل على ابنته حفصة أم المؤمنين رضى الله عنها فقال: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: سبحان الله مثلك يسأل مثلى عن هذا فقال: لولا أنى أريد النظر للمسلمين ما سألتك، فقالت: خمسة أشهر ستة أشهر، فوقت عمر رضى الله عنه للناس في مغازيهم ستة أشهر، يسيرون شهرا، ويقيمون أربعة أشهر، ويرجعون في شهر (1)
فهذه القصة شاهد ودليل على ما نقول، وهو أن استدامة الوطء حق للمرأة على زوجها، ولولا أن عمر رضى الله عنه فهم هذا ما كان ليسترد المجاهدين إذا مضت أربعة أشهر ويوجه بقوم آخرين، على أن هذه القصة من المشهورات، ولم يرو أن أحدا من الصحابة أنكر عليه، وحيث كان استمرار الوطء حقا للمرأة على زوجها فإن للقاضى أن يفرق بينهما إن طالت غيبته عنها متى رفعت أمرها للقاضى طالبة منه التفريق، شاكية إليه الضرر الذى لحقها، والأسى الذى تتجرعه بسبب فوات حقها عليه.
ونوقش هذا الأثر: بأن مصدره أصحاب المغازى، وليسوا بثقات، فضلا عن أن توقيت الغزو بأربعة أشهر قد يقتضى عودة الجيش برمته من جهة العدو، وقد يكون الجيش متقدما أو في حالة التحام مع العدو الأمر الذى لا يمكن معه نفاذ هذا العمل وإجراؤه (2) .
__________
(1) يراجع / مطالب أولى النهى في شرح غاية المنتهى للعلامة الرحيبانى 7/ 269، المغنى لابن قدامة 7/ 31، المنتقى شرح الموطأ للإمام الباجى 4/ 31 ط/ دار الكتاب العربى بيروت، أحكام القرآن للقرطبى 3/ 111، فتاوى النكاح للشيخ الخليلى 2/ 91.
(2) يراجع / تكملة المجموع للمطيعى 17 / 301 ط/ دار الفكر بيروت. (1/20)
صفحة 21
والجواب: لا نسلم أن رواة هذا الأثر ليسوا بثقات، فقد رواه إمام دار الهجرة مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار، وأخرجه البيهقى عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقال: ابن حجر في تلخيص الحبير: ورواه ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن دينار فأرسله وجزم بستة أشهر، قال: وقال ابن وهب: أخبرنى رجال من أهل العلم منهم ابن سمعان قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فذكره، قال: ورواه الخرايطى في اعتلال القلوب من طرق منها عن سعيد بن جبير، وفيها يقولون: إن هذه المرأة هى أم الحجاج بن يوسف، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريح، ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن زيد بن أسلم (1) .
وإذا علمت هذا علمت أن القول بأن رواة الأثر ليسوا بثقات، قول غير سديد.
وأما القول بأن توقيت الغزو بأربعة أشهر قد يقتضى عودة الجيش برمته... الخ فيرد عليه: بأنه محض تحكم، لأن عمر رضى الله عنه كان إذا استرد قوما من الغازين وجه قوما آخرين كما في المنتقى وغيره (2)
__________
(1) يراجع / شرح الموطأ للباجى 4 / 31، سنن البيهقى 9/ 29، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعى الكبير لابن حجر العسقلانى 3/ 219، 220 تعليق وتنسيق السيد عبد الله هاشم المدينة المنورة.
(2) يراجع / المنتقى شرح الموطأ 4/ 31. (1/21)
صفحة 22
2. وروى الشعبى أن كعب بن سور الأسدي كان جالسا عند عمر بن الخطاب رضى الله عنه فجاءت امرأة فقالت يا أمير المؤمنين: ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجى، والله إنه ليبيت ليله قائما ويظل نهاره صائما، فاستغفر لها وأثنى عليها، ثم قال لها: نعم الزوج زوجك، فجعلت تكرر هذا القول، ويكرر عمر عليها الجواب، ثم استحيت المرأة وقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه، فقال له عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما، قال كعب: فإنى أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هى رابعتهن، فأقضى لها ثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيها، ولها يوم وليلة، ثم قال للزوج:
إن لها عليك حقا يا رجل
تصيبها في أربع لمن عدل
فأعطها ذاك ودع عنك العلل
فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إليَّ من الآخر، اذهب فأنت قاض على البصرة (1) . فهذا الأثر يؤكد ما ذكرناه قبلاً من أن الوطء حق للمرأة على زوجها، فإن فوته عليها كان لها الرفع إلى القضاء.
ونوقش: بأن هذا الأثر لا يعدو أن يكون فتوى صحابى فيما هو محل للاجتهاد، وهى ليست بحجة، فضلا عن أن عمر لم يقض لها بالوطء، بل قضى لها بالبيتوتة، وهي غير الوطء (2)
ويرد: بأن هذه القضية انتشرت بين الصحابة فاشتهرت ولم تنكر من أحد منهم، فكان إجماعا.
__________
(1) يراجع / شرح منتهى الإرادات للبهوتى 3/ 45، المغنى 7/ 30، فتاوى النكاح للشيخ الخليلى ص 79.
(2) يراجع / فسخ الزواج د/ أحمد الكردى ص 491 (1/22)
صفحة 23
أما القول بأن عمر لم يقض لها بالوطء، بل قضى لها بالبيتوتة، فيرد عليه: بأن السياق يدل على أن الحق الذى قضى به كعب للمرأة على زوجها بحضرة عمر هو الوطء وليس المبيت، ألا ترى أنها أخبرت بأن زوجها يبيت عندها لكنه قائم ليله، صائم نهاره ؟ فلم تكن المشكلة إذن في المبيت وإنما كانت فيما استحيت المرأة الإفصاح عنه وهو ترك الجماع، وهذا ما فهمه القاضى كعب من شكواها حيث قال لزوجها: تصيبها في أربع لمن عدل.
وأما المعقول: فمن وجوه:
أولها: أن النكاح شرع لمصلحة الزوجين ودفع الضرر عنهما، والوطء مفض إلى دفع ضرر الشهوة عن المرأة كإفضائه إلى دفعه عن الرجل، إذ من المعلوم أن للمرأة من الرغبة في الوطء ما للرجل فتساويا فكان حقا لهما جميعا، وإذا ثبت أنه حقها فإن لها طلب التفريق إن تضررت بفواته (1) .
ثانيها: أن المرأة يجوز لها طلب التفريق بينها وبين زوجها لعدم إنفاقه عليها، وإذا ثبت لها ذلك فبخشية الزنا أولى، لأن ضرر ترك الوطء أشد من ضرر عدم النفقة، ألا ترى أن النفقة يمكن تحصيلها لها بتسلف أو سؤال بخلاف الوطء؟ (2)
ثالثها: يجوز للمرأة طلب التفريق لتضررها بتعذر الوطء بسبب غياب زوجها قياسا على جوازه لتضررها بتعذره بعُنَّةِ (3)
__________
(1) يراجع / المغنى لابن قدامة 7/ 30،الجامع لابن بركة 2/ 146، فتاوى النكاح للشيخ الخليلى 2/ 78، حق الاستمتاع بين الزوجين د/ حامد شمروخ ص 10.
(2) النوازل الجديدة الكبرى لأبى عيسى الوزانى 4/ 130، الاختيارات الفقهية لابن تيمية ص 247.
(3) مجمل تفسيرات الفقهاء للعنة أنها عدم القدرة على إتيان النساء أو اشتهائها لعدم انتشار الذكر أو لصغره من حيث لا يسمح بالإيلاج، والمالكية يطلقون على العنة بمعناها السابق اسم الاعتراض.
فالعنة -كما هو واضح – عيب بالزوج قد تضرر المرأة به لفوات حقها في المعاشرة الزوجية وإحصان نفسها بالاستمتاع الكامل، ويسمى صاحب هذا العيب عنينا، لأن ذكره يسترخى فيعن يمينا وشمالا ولا يقصد للمأتى من المرأة. يراجع / جامع أبى الحسن البسيوى ج3 ص 21، البحر الرائق ... لابن نجيم 3/ 135،ط/دار المعرفة ـ بيروت، بداية المجتهد لابن رشد 2/50 ، ط/دار الفكر ـ بيروت، مغنى المحتاج للشربيني الخطيب 3/202،ط/دار إحياء العربي ـ بيروت، الروض المربع للبهوتي 6/ 335، لسان العرب 13/290، المعجم الوسيط 2/ 632. (1/23)
صفحة 24
زوجها وجَبِّه (1)
إذ لا فرق (2) .
ونوقش: بأن قياس الغائب على العنين غير مسلم، ذلك أن العنين إذا وصل إلى امرأته مرة واحدة لم يكن لها بعد ذلك خيار للفرقة، وإذا لم يسلم المقيس عليه لم يصح القياس (3) .
ويرد عليه: بأنا لا نسلم القول بأن العنين إذا أصاب امرأته مرة واحدة لم يكن لها بعد ذلك طلب الفسخ ؛ لأنه قول لا سند له معتبر شرعا، فضلا عن مخالفته ما شرع الزواج من أجله، بل ويصادم الفطرة التى فطر الله الناس عليها، فإن اكتفاء نساء البشر العاديين بمباشرة الرجل مرة أو مرتين أوثلاثة ثم يحرمن منها بعدها بقية العمر ويعشن سعداء، ويحفظن شرفهن وعفتهن من كافة أنواع المخاطر إن لم يكن مستحيلا عليهن، فهو بلا ريب أمر شاق وصعب للغاية ولا تحتمله الطبيعة البشرية، ولو فرضنا أن نصف النساء يقدرن على ذلك، فماذا يكون مصير الأخريات اللاتى لا تصل درجة صبرهن وقوة تحملهن وطهر أخلاقهن إلى هذه الدرجة؟ ألا تقع مسؤلية سقوطهن في الرذائل على عاتق من تبنى هذا الرأى الذى أغلق في وجوههن أبوب الحلال؟ (4)
__________
(1) الجَب – بالفتح – القطع.
وهو عند الإباضية والحنفية يعنى: استئصال الذكر أو قلعه، وعند المالكية: قطع الذكر والأنثيين، أما الشافعية والحنابلة فهو عندهم قطع الذكر كله أو بعضه مع بقاء مالا يمكن الوطء به.
يراجع / شرح النيل 6/ 387، شرح فتح القدير 4/ 131، شرح منح الجليل 2/ 80، الإقناع في حل ألفاظ أبى شجاع للشربينى الخطيب 2/ 83 ط/ السعادة بالقاهرة، شرح منتهى الإرادات 3/ 49، لسان العرب 1/ 429
(2) يراجع / مطالب أولى النهى 7/ 269، النوازل الجديدة الكبرى 4/ 126، أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية د/ محمد بن معجوز 1/ 226ط 1998 م.
(3) يراجع / فسخ الزواج د/ أحمد الكردى ص 491.
(4) يراجع / حقوق الزوجين لأبى على المودودى ص 122. (1/24)
صفحة 25
ثم إن الواقع يؤكد أن من ذاقت عسيلة الوطء مرة ضررها أشد ممن لم تذقه أصلا، والضرر يجب أن يزال شرعا، وذلك بالتفريق كى تحل من بعده للأزواج لكن بعد العلاج الكافي خلال المدة التى يحددها له القاضى.
أضف إلى ما سبق أن الشارع إنما ربط الأحكام بعللها وجودا وعدما (1)
وحيث كانت العلة في التفريق للعنة هى الضرر الناتج عن العجز، فإن هذه العلة متى تحققت – ولو بعد عدة مرات – يكون للمرأة حق المطالبة بالتفريق.
رابعها: القياس على الإيلاء، فإن الرجل إذا حلف على عدم وطء زوجته ثم مضت أربعة أشهر دون أن يطأها كان من حقها طلب التفريق بينها وبينه، فكذلك زوجة الغائب يحق لها طلب التفريق بجامع الضرر الحاصل بترك الوطء في كل مرة (2)
ونوقش: بأن قياس الغائب على المولى قياس غير صحيح، لأنه مع الفارق، ذلك أن المولى مُصِرٌّ على ترك الوطء بيمينه، وفي هذا إضرار بالزوجة، بخلاف الغائب ليس منه إصرار، ثم إن الفرقة للإيلاء ثبتت بالنص على خلاف الأصل، والقاعدة: أن ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس. ثم إن من المتفق عليه لدى الفقهاء أن المولى إذا أراد الرجوع إلى زوجته في مدة الإيلاء وكان عاجزا عن وطئها لمرض أو غيره فإن رجوعه يكون بالقول فقط، وينحل بذلك الإيلاء، ولو لم يصل إليها فعلا، وهذا دليل على أن الفرقة في الإيلاء إنما كانت للتصميم على عدم وطئها بيمينه لا لترك وطئها دون تصميم، والغائب هنا لا تصميم منه على عدم الوطء فافترقا (3) .
__________
(1) يراجع / نهاية السول شرح منهاج الوصول في علم الأصول للإسنوى 3/ 68 ط/ صبيح بمصر، الإحكام في أصول الأحكام للآمدى 3/ 275 ط/ الحلبى بمصر، المستصفي من علم الأصول لأبى حامد الغزالى 2/ 80 ط/ 1 المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
(2) يراجع / كشاف القناع 5/ 193، فتاوى النكاح 2/ 79.
(3) يراجع / فسخ الزواج ص 492 (1/25)
صفحة 26
ويجاب: بأن قولكم:" المولى يقع مه الإضرار بزوجته أما الغائب فليس منه إضرار " محض تحكم، لأن الغائب إذا خَيَّره القاضى بين الأمور الثلاثة (العودة إلى زوجته، أو نقلها إليه، أو طلاقها ) فلم يختر واحدة منها في الوقت الذى تشكو فيه زوجته العنت الذى تكابده والأسى الذى تتجرعه بسبب بعده عنها، يكون إمساكه لها بلا شك ضرر بها، ولا فارق في الضرر نفسه بين أن يكون بحلف أو بغير حلف، إذ لا أحد يتصور أن الرجل إذا امتنع عن مباشرة زوجته بعد قسم أقسمه كان ذلك ضررا بها، وإن امتنع عنها دون حلف بسبب غيبته لم يكن ضررا ولو بقى طول عمره لا يقربها (1) ، وحيث كانت علة التفريق للإيلاء - وهى تضرر المرأة بترك الوطء مدة معينة سواء قصد هو بالترك ضررها أم لا – متحققة في غيبة الرجل عن زوجته صح القياس.
أما القول بأن الفرقة للإيلاء مشروعة على خلاف الأصل...الخ، فيرد عليه: بأنها لما ثبتت بالنص القرآنى صارت أصلا مستقلا برأسه، ومن ثم يصح القياس عليها.
وأما الاستدلال على أن الفرقة في الإيلاء إنما هي للتصميم على ترك الوطء بالحلف لا ترك الوطء دون تصميم؛ بالمولى إذا أراد الرجوع إلى زوجته في مدة الإيلاء، وكان عاجزا عن وطئها، وأن رجوعه إنما يكون بالقول فقط وادعاء الاتفاق على ذلك، فيرد عليه: بأنه تدليل غير سديد لأمرين:
الأول: أن دعوى الاتفاق على ما ذكر غير صحيحة، فبعض الفقهاء يرى: أن الفيء في الإيلاء لا يكون إلا بالجماع، يستوى في ذلك حال العذر وغيره، لأن الضرر بترك الوطء لا يزول إلا به (2) .
__________
(1) يراجع / أحكام القرآن لابن العربى 1/ 178، حقوق الزوجين للمودودى ص 37.
(2) يراجع / المغنى 7/ 327. (1/26)
صفحة 27
والثانى: الأصل أن الفيئة في الإيلاء لا تحصل إلا بالوطء باتفاق أهل العلم جميعا، إذ هو المحلوف على تركه، فإن كان المولى عاجزا عنه لمرض أو لغيره، فالمسألة محل خلاف، فمنهم من يرى أن رجوعه يكون بالقول، ومنهم من يرى أنه لا رجوع بغير الوطء، وإذا كانت المسألة كذلك فلا يحتج بها هنا، إذ لا يحتج بمختلف فيه على مختلف فيه.
وعلى القول بأن رجوعه يكون باللسان، فإن ذلك منه على سبيل الوعد بالوطء يؤمر به متى قدر عليه، كمن كان عليه دين فحلف أن لا يوفيه ثم أعسر به، ويؤكده أنه ليس على من فاء بلسانه كفارة لأنه لم يفعل المحلوف عليه. (1)
خامسها: أن الوطء حق للمرأة على زوجها لأنه لو لم يكن حقها لما وجب استئذانها في العزل (2) عنها كالأمة، لكن استئذانها فيه واجب لما روى من حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها (3) ، فكان –يعنى استئذانها – دليلا على أن لها حقا في الوطء، وإذا ثبت أنه حقها جاز لها طلب التفريق بفواته (4) .
ونوقش: بأن الاستدلال على أحقية المرأة في الوطء بعدم جواز العزل عنها إلا بإذنها استدلال غير مسلم، لأن العزل لا يكون إلا بعد الإدخال والتهييج، فكان فيه ضرر كبير بالزوجة بخلاف منع الوطء عنها ابتداء فليس فيه تهييج وإضرار لها كالسابق، فلم يستو المقيس والمقيس عليه في العلة، فامتنع القياس (5) .
__________
(1) يراجع / السابق 7/ 330.
(2) العزل: هو أن ينزع الرجل إذا قرب الإنزال فينزل خارج الفرج.
(3) يراجع / سنن ابن ماجه 1/620 ،ط/عيسى الحلبي بمصر،تحقيق:محمد فؤاد عبد الباقي.
(4) المغنى 7 30.
(5) يراحع / فسخ الزواج ص 493. (1/27)
صفحة 28
ويجاب: بانا لا نسلم القول بأن العزل ضرره أكبر من عدم الوطء ابتداء، فإن ضرر العزل في نقصان قضاء الشهوة، أما عدم الوطء ابتداء فضرره في عدم قضائها أصلا، وما من شك في أن أذى عدم قضاء الشهوة أصلا فوق أذى نقصانها، يعنى أن الجامع في الفرع أقوى منه في الأصل، ولذا فإنا نراه قياسا أوليا.
ها هى الأدلة على جواز طلب المرأة التفريق إن غاب عنها زوجها غيبة طويلة استوحشت منها وتضررت بها حتى وإن تيسرت لها النفقة، لكن الحنابلة حملوها كلها على حالة عدم العذر من الزوج، فإن كان معذورا لم يكن لها حق المطالبة بالتفريق للغيبة لعدم وجوب الوطء عليه آنئذ؛ لأن صاحب العذر يعذر لأجل عذره للعمومات الكثيرة في الشريعة الإسلامية ومنها:"الحرج مرفوع" و "الضرورات تبيح المحظورات" وغيرها، وهذا معذور فيسقط عنه التكليف بالوطء، وإذا كان الوطء غير واجب عليه حالة العذر لم يبق ظالما بمنعها منه، ومن ثم لا يكون لها حق التفريق بسبب ذلك حالة العذر. (1)
أما عدم جواز التفريق إلا بعد أن يكتب القاضى إلى الزوج الغائب إن كان له مكان معلوم تصل إليه الرسائل: فلأنه قد يكون له عذر في غيبته –كما قال الحنابلة- فإذا كتب إليه بيّنه، وحينئذ ( يعنى إن أبدى عذرا مقبولا لبعده عنها ) لا يفرق القاضى بينهما عند الحنابلة لما ذكروه قبلا، أو قد يكون غير عالم بتضرر زوجته من غيبته وبعده عنها فإذا علم رجع إليها أو نقلها إليه، وآنئذ لا تفريق عند كل القائلين بالتفريق لعدم قيام سببه، لهذا وجبت الكتابة إليه.
وإن لم يعلم مكانه أو لم تكن الرسائل تصله سقط وجوب ذلك لتعذره، وطلق عليه القاضى بناء على طلبها لعدم جدوى التأخير (2) .
__________
(1) يراجع / كشاف القناع 5/ 193، فسخ الزواج ص 490.
(2) يراجع / فسخ الزواج ص 495، الزواج والطلاق في الفقه الإسلامى د/ محمد كمال الدين إمام ص 269 ط/ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع –بيروت. (1/28)
صفحة 29
أدلة المانعين للتفريق بسبب الغيبة:
استدل القائلون بأن الزوجة لا يحق لها طلب التفريق إن غاب عنها زوجها ولو سنين عددا مادام قد ترك لها ما تنفق منه على نفسها بما يلى:
أولا: أن الزوج إذا دخل بزوجته مرة واحدة في العمر يكون قد وفاها حقها، والزيادة على هذه المرة غير واجبة على الزوج قضاء، بدليل أن زوجة العنين إذا دخل بها زوجها مرة واحدة لم يكن لها طلب الفرقة بعد ذلك بسبب عُنَّته لحصول مقصود الزواج بالمرة الواحدة، ومادام استمرار الوطء ليس واجبا على الزوج لم يعتبر ظالما بالامتناع عنه سواء كان حاضرا أم غائبا، ومن ثم لا يكون لها حق في طلب التفريق بسبب غيابه وبعده عنها (1) .
ويرد عليه: بأنا لا نسلم أن حق الزوجة في الوطء يسقط بالدخول بها مرة واحدة، إذ هو قول بالرأى في مقابلة النصوص الدالة على أحقية المرأة في استمرار الوطء، والتى منها -فوق ما ذكرناه قبلا عند حديثنا عن أدلة المجيزين من السنة- قول الله تعالى: {ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} (2) أي: لهن عليهم من حقوق الزوجية مثل الذى عليهن لهم، واستمرار الوطء من الحقوق التى عليها لزوجها بالإتفاق، فيكون بمقتضى هذه الآية حقا لها على زوجها، أما درجة الرجال عليهن فهي درجة القوامة.
هذا، وإن من أقوى الأدلة دلالة على دحض القول بأن المرأة يسقط حقها في الوطء بالمرة الواحدة، أن الله تعالى قد جعل للزوج أجلا محدودا إذا حلف أن يمتنع من وطئها حيث قال جل شأنه: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}. (3)
__________
(1) يراجع / شرح فتح القدير 2/ 518 ط/ مكتبة المثنى ببغداد، البدائع 2/ 331، الحاوى الكبير للماوردى 9/ 374، تكملة المجموع للمطيعى 16 / 415.
(2) سورة البفرة الآية 228.
(3) سورة البقرة: الآيتان: 226، 227. (1/29)
صفحة 30
فلو لم يكن دوام الوقاع حقا واجبا لها لم يصر باليمين على تركه واجبا كسائر مالايجب، ولَمَا جازلها طلب التفريق إذا انتهى هذا الأمد المنصوص عليه في الآية. (1)
أما قولهم: إن زوجة العنين إذا دخل بها زوجها مرة واحدة لم يكن لها طلب الفرقة بعد ذلك لعنته، فقد سبقت مناقشته فلا داعى للتكرار.
ثانيا: لا يفرق بين الغائب زوجته ما دام له مال تنفق منه على نفسها، ولا يسامح بحل العصمة لخوف الضرراللاحق من جهة عدم وطئها لأن خوف المرأة على نفسها من الزنا أمر باطنى موكول إلى أمانتها ولم يجعل له الشارع أمارة يستدل بها عليه ويظهر بها صدقها من كذبها، ولو فتح هذا الباب للنساء، ولا سيما نساء هذا الزمان لادعت كل واحدة غاب عنها زوجها مع إجراء النفقة عليها أنها تخاف على نفسها من الزنا، فلا تبقى امرأة غائب إلا طلقت عليه إن شاءت، وفي ذلك من الضرر على الأزواج ومن المفاسد ما لا يخفي على ذوى الألباب (2) .
ويرد عليه بما يلى:
1. إن هذا الكلام فيه تدافع ظاهر، فإن أوله يقتضى أن المرأة تصدق إذا ادعت خوف الزنا على نفسها، لأنها أمينة على فرجها، وآخره يقتضى أنها لا تصدق، وأى معنى لكونها أمينة ثم لا تصدق؟ ما هذا إلا تهافت.
__________
(1) يراجع / الجامع لابن بركة 2/ 146، المغنى لابن قدامة 7/ 30، فتاوى النكاح للشيخ الخليلى ص 78.
(2) يراجع / النوازل الجديدة الكبرى لأبى عيسى الوزانى 4/ 126. (1/30)
صفحة 31
2. إننا لا نقول بالتفريق بمجرد غيبة الرجل عن زوجته حتى يقال إن في التفريق ضررا على الأزواج الغُيَّاب، بل نقول إن غاب عنها غيبة طويلة يغلب على الظن أنها تضررت منها فرق القاضي بينهما بطلبها لكن بعد مراسلته -إن كانت الرسائل تصله– وتخييره بين أن يقدم أو ينقلها إليه أو يطلق، فإن أبى واحدا من الخيارات الثلاثة كان ظالما لزوجته، لأن إقامتها من غير زوج مدة طويلة مع محافظتها على العفة والشرف - وبخاصة إن كانت شابة- مما يتعذر على الطبيعة البشرية احتماله، وما يكون من ضرر عليه ساعتئذ فهو مهما يكن أخف من ضرر ترك زوجته، إذ ضرره لا يعدو أن يكون مجرد التزامات مالية، أما ضررها فأشد إذ هو الانحراف والسقوط في الهاوية، وربما نجم عن ذلك مفاسد لا يقتصر أثارها على هذه المرأة وحدها، بل قد تطال المجتمع بأسره، ومعلوم أن الضرر الأعلى يدفع بارتكاب الضرر الأدنى عملا بقاعدة ارتكاب أخف الضررين،و يختار أهون الشرين،و إذا تعارض مفسدتان روعى أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما (1)
ثالثا: قالوا: إن الأصل في عقد الزواج عدم وجوب وطء الزوجة، لأنه عقد معاوضة أو شبيه به، للزوجة فيه المهر، وللزوج حق الانتفاع بالبضع مقابل ذلك، ولو كان الوطء واجبا للمرأة بالإضافة إلى المهر لكانت جامعة بين البدلين، وهذا لا يصح لأن عقود المعاوضة تقتضى الشركة بين المتعاقدين دون انفراد أحدهما بالبدلين، وإذا كان الوطء ليس واجبا لها عليه لم يكن لها التفريق بسبب منعها منه. (2)
ويرد على هذا من وجهين:
__________
(1) يراجع / الأشباه والنظائر للسيوطى ص 87 ط/ دار الكتب العلمية - بيروت.
(2) يراجع / فسخ الزواج د/ أحمد الكردى ص 488. (1/31)
صفحة 32
أ ) قولكم: الأصل في عقد الزواج عدم وجوب وطء الزوجة، قول تنقضه آية الإيلاء وهى قول الله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} (1) فقد أمر الله تعالى الذين يؤلون من نسائهم ألا يبقوا على عهدهم أكثر من أربعة أشهر، ولو كان وطء الزوجة غير واجب في الأصل لما كان لهذه الآية معنى.
كما أنه قول تعوزه المعقولية، إذ لو كان كذلك فما الذى يجعل المرأة تخرج من بين أبويها، من عشها الذى فيه درجت، وبيئتها التى فيها نشأت، مع أن أبويها أبر بها وأرحم، وأحنى وأرأم؟ فما الذى يجعلها ترغب وتصر على انتقالها عنهما إلى كنف رجل لم تعهده من قبل، ولا تربطها به رابطة دم أو قرابة إلا الرغبة في الاستجابة لدواعى الفطرة، وإشباع نهم الغريزة، وقد تضحى في سبيل هذا براحتها، وتتحمل مسؤليات كان لها بُدٌّ منها، فما بالها يقال لها لا حق لك أصلا في الاستمتاع بثمار ذلك كله؟ أليس في هذا تجاهل لمشاعرها، وكبت لغريزتها، وإضرار بها؟ (2)
__________
(1) سورة البقرة: الآيتان 226، 227.
(2) يراجع فتاوى النكاح 2/ 78. (1/32)
صفحة 33
ب ) قولكم: عقد الزواج عقد معاوضة... الخ قول مردود، فإن الزواج عقد ذو طبيعة خاصة نظرا للمقاصد الشرعية التى تواخاها الشارع الحكيم من مشروعيته، والمهر فيه وإن كان واجبا لكنه ليس ثمنا أو عوضا عن ملك الانتفاع بالبضع، وإنما هو نحلة أى: عطية دون مقابل كما أخبر بذلك جل شأنه في قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} (1) فهو عطاء مقرر شرعا على الزوج إبانة لشرف المحل، ورمزا منه لإكرام المرأة، ودليلا على صدق رغبته في الاقتران بها، ولو كان المهر عوضا كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة لوجب تسميته في العقد، وليس كذلك، فإن العقد إذا تم بدونه صح ووجب للمرأة مهر مثلها يدل على هذاقول الله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} (2) فقد رفع سبحانه الجناح عمن طلق في نكاح لا تسمية فيه، والطلاق لا يكون إلا بعد نكاح صحيح، فدل على جواز النكاح بلا تسمية.
ويؤكده ما رواه أبو داوود من حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم. وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجنى فلانة -يعنى امرأته– ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإنى أشهدكم أنى قد أعطيتها عن صداقها سهمى بخيبر، فأخذته فباعته بعد موته بمائة ألف (3) .
__________
(1) سورة النساء الآية 4.
(2) سورة البقرة 236.
(3) يراجع / عون المعبود شرح سنن أبى داوود لأبى عبد الرحمن شرف الحق 2/ 203 ط/ دار الكتاب العربى - بيروت. (1/33)
صفحة 34
فهذا النكاح قد خلا من تسمية الصداق، فدل على أنه لم يشرع بدلا، وأنه ليس ركنا في العقد ولا شرطا من شروط صحته، وإنما هو أثر من آثاره، وإلا لوجب تسميته في العقد (1) .
أيضا: ثبت عن علقمة أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال: لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعى فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق مثل ما قضيت، ففرح ابن مسعود (2) .
فالمرأة هنا لم يسم لها مهرا، وقد استحقت مهر مثلها والإرث، وهذا يدل على صحة العقد بدون تسمية المهر، إذ لو كان باطلا ما استحقت مهرا ولا ميراثا،وحيث إنه لا يلزم تسميته في العقد فهو ليس بدلا.
ثم إن هذا الاستدلال -أعنى كون الزواج عقد معاوضة– يمكن رده من طريق آخر وهو: أن الفقهاء مختلفون في توصيف عقد النكاح، ولا يحتج بمختلف فيه على مختلف فيه.
الرأي المختار
__________
(1) القول بأن المهر ليس ركنا ولا شرطا، هو قول جمهور الفقهاء.
يراجع /كتاب النكاح للجناونى ص 84، تبيين الحقائق للزيلعي 2/ 136،ط/دار المعرفةـ بيروت، المهذب 2/ 56، المبدع 7/ 131.
أما المالكية: فبعضهم يرى: أن المهر ركن، وبعضهم يعتبره شرطا، وبعضهم: لا يعده ركنا ولا شرطا، والجميع على أنه لا تشترط التسمية عند العقد لصحة نكاح التفويض عندهم، وهو عقد بلا تسمية المهر. يراجع / بداية المجتهد 2/ 25، الدسوقى 2/ 294.
(2) رواه الترمذى في سننه 3/ 450 ط/ دار الحديث بالقاهرة - تحقيق. محمد فؤاد عبد الباقى. (1/34)
صفحة 35
وبعد، فيبدو لى أن القول بجواز التفريق بين الزوجين إن طالت غيبة الرجل حتى تضررت زوجته منها بأن خشيت على نفسها الفتنة، هو الأولى بالاعتبار من غيره، حتى وإن تيسرت لها النفقة، لأن مطالب الجسد لا تنحصر في السكن والغذاء والكساء، فالحياة الزوجية تعنى الدفء والاستقرار، وتعنى المودة والرحمة، ومن مقاصدها إعفاف كل من الزوجين الآخر، وهذه أمور لا يحققها إلا الاستقرار ورعاية رب الأسرة لها.
فإذا غاب الزوج عن زوجته مدة طويلة فإن غيابه بالنسبة لها –بحكم الطبيعة البشرية– أمر شديد الضرر بالغ الخطر، أما ضرره فيتعلق بآثاره السلبية على الصحة النفسية، وأما خطره فيكمن في أثره على الكيان الأخلاقى، إذ إن المُغِيبَة (1) حينئذ، إما أن تبقى في حرمان مستمر وكبت دائب، ومعاناة لا تقف عند حد، وإما أن تطيع هوى نفسها وتستجيب لشيطانها فتنغمس في الفحشاء، وتبوء بأوزارها، لا سيما وأن هذا الزمان يعج بأسباب الانحراف وفساد الأخلاق (2) ، وهنا قد لا يقتصر الضرر على المرأة وحدها بل ربما انتشر في أوصال المجتمع بأسره، وقد ذكرنا في ثنايا البحث أن النصوص الشرعية والقواعد الكلية قد أكدت على النهى عن إمساك المرأة ضررا، وعلى أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وأن الضرر يجب أن يزال، وإزالته هنا تكون بواحد من ثلاثة أمور: إما أن يعود الرجل إليها، وإما أن ينقلها إليه، وإما أن يطلقها كى تحل من بعده للأزواج، فإن أبى الزوج ذلك كله، كان ظالما، وكان للقاضى أن يفرق بينهما، إذ القاضى منوط به رفع المظالم.
__________
(1) يعنى: التى غاب عنها زوجها.
(2) فهناك الصور العارية، وقصص العشق والغرام، والأغانى الخليعة المثيرة، وغير ذلك مما أطلق بعض الناس من الأربطة والخيوط التى نسجها الإسلام لضبط شهوات النفس والتحكم في غرائزها. (1/35)
صفحة 36
كما يبدو لى أن حصول هذا الضرر للزوجة يجيز لها طلب التفريق بينها وبين زوجها مطلقا، أى سواء أكان غيابه عنها بعذر أم بغير عذر – كما هو مذهب المالكية وظاهر تفريعات الإباضية - لأن أثر الغياب وهو حصول الضرر النفسى والجسدى من ترك الجماع لا يرتفع عنها فيما إذا كان للزوج عذر في غيابه، بل هو واقع ومتحقق في كل من حالتى عذر الزوج وعدم عذره، فلم يبق معنى للتفريق بين الغياب بعذر والغياب بغيره في الحكم، ولأن العنة لا تكون إلا جبرا عن الزوج، والزوج معها معذور في عدم الوطء، ومع هذا فإن عامة أهل العلم على أن للمرأة الحق في طلب التفريق بسببها.
أما القول بأن المعذور يعذر لأجل عذره، فصحيح، لكن هذا في حقوق الله تعالى، أما حقوق العباد فالعذر فيها لا يسوغ إسقاطها، وإنما يرفع المؤاخذه والمحاسبة في الآخرة، ألا ترى أن النسيان – وهو عدم القدرة على استحضار الشىء عند الحاجة إليه – عذر شرعى وسبب من أسباب التخفيف والتيسير، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (1) لكنه عذر لا تترتب عليه المؤاخذة الآخروية، أما ضمان الفعل الذى ارتكبه الناسى فيفرق فيه بين أن يكون مما يتعلق بحقوق الله تعالى أو بحقوق العباد، فإن كان مما يتعلق بحقوق العباد فلا يعتبر النسيان معذرة في إسقاطه، فلو أتلف إنسان مال غيره ناسيا وجب عليه ضمانه بمثله إن كان له مثل، وإن لم يكن له مثل ضمنه بقيمته (2) .
__________
(1) سنن ابن ماجه 1/ 659، وصححه الألبانى في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل 1/ 123 ط/ المكتب الإسلامى –بيروت-.
(2) يراجع / الموافقات في أصول الشريعة للشاطبى 1/ 103 ط/ دار المعرفة –بيروت-، المنثور في القواعد للزركشى 3/ 272 ط/ 1 مؤسسة الخليج 1982م. (1/36)
صفحة 37
وكذلك الخطأ –سواء أكان في القصد أم في الفعل– اعتبره الشارع عذرا في عدم ترتب الإثم والعقاب في الآخرة، أما بالنسبة للحكم الدنيوى: فإن كان الخطأ في حق من حقوق الآدميين فقد تحتم على المخطىء أن يعوض عما ارتكبه من خطأ كما لو قتل مسلما خطأ، فإن عليه الدية والكفارة بالنص القرآنى، وهو قول ربنا عز وجل:{ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا}... الآية. (1)
فأنت ترى أن عذر الخطأ لم يؤثر سلبا في حقوق العباد (2) ، فكذلك عذر الرجل في غيابه عن زوجته يجب ألا يكون سببا في ضياع حقها عليه.
على أنه يمكن الاستئناس هنا بقاعدة "الاضطرار لا يبطل حق الغير" (3) ؛ يعنى: إذا كان الزوج مضطرا للسفر أو الغياب عن زوجته، فإن ذلك لا يكون سببا لضياع حقوقها عليه.
أما قاعدة "الضرورات تبيح المحذورات" وما ماثلها، فالمقصود من الإباحة في قضيتنا هذه: جواز غياب الزوج عن زوجته وعدم ترتب المؤاخذة الأخروية إن كان له عذر في غيابه، لا أن تكون الإباحة سببا لضياع الحقوق على ذويها.
__________
(1) سورة النساء الآية 92.
(2) يراجع / الموافقات 2 / 397.
(3) درر الحكام شرح مجلة الأحكام للأستاذ على حيدر 1/ 42 ط/ دار الجيل – بيروت المادة رقم 33. (1/37)
صفحة 38
أيضا أميل بغلبة الظن إلى أولوية القول بأن مدة الغياب التى يحق للمرأة بعدها طلب التفريق سنة من تاريخ غياب زوجها، لأن الزوج إذا كان معيبا بعيب يرجى البرء منه أجله القاضى سنة، وهو مبدأ يكاد يكون متفقا عليه، عملا بما روى عن عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – أن امرأة أتته فأخبرته أن زوجها لا يصل إليها، فأجله حولا، فلما انقضى حول ولم يصل إليها خيَّرها، فاختارت نفسها ففرق بينهما (1) ، ولأن التحديد بسنة فيه تحقيق مصلحة الجانبين، وبيانه: أن الزوجة تتضرمن غياب زوجها، وبخاصة إن كانت شابة، وقد يطول بها الحال إذا انتظرته فكان في اجتهاد الفقهاء بخصوص رفع الضرر عنها عين الحكمة والمصلحة للمرأة والمجتمع، والفقه الحسن القواعد الشريعة التى تنص على رفع الحرج وإزالة الضرر، إلا أن الحكم بالتفريق بين الغائب وزوجته بعد مدة بسيطة يلحق الضرر بالغائب، فقد يعود فيجد زوجته قد تزوجت بغيره، وفي هذا ضياع لماله وأسرته، والضرر لا يزال بضرر مثله، فكان في تحديد السنة مراعاة للجانبين، فهى مدة كافية للأزواج الذين يسافرون خارج بلادهم للدراسة أو للعمل أو لغيرهما لإنهاء معاملاتهم دون كبير ضرر عليهم، فكان عليهم عدم تجاوزها، إذ إن في تجاوزها زيادة المضرة على زوجاتهم، وفي نفس الوقت الزوجة الصالحة عليها أن تقدر ظروف زوجها وتتحمل بعض الأذى في سبيل المحافظة على زوجيتها وبناء مستقبل أسرتها، فكان عليها الصبر والاحتساب حتى نهاية السنة.
تنبيهان:
الأول: حق طلب التفريق لغيبة الزوج يكون للزوجة غير المدخول بها أيضا بنفس الضوابط السابقة، لأن ضرر الغياب متوفر في حقها كالمدخول بها، والقول بغير ذلك يعنى أن تبقى معطلة لا تنتفع بثمرة زواجها، وفي هذا من الضرر ما لا يخفي.
__________
(1) نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعى 3/ 254 ط/ 3 - دار إحياء التراث العربى عام 1987م. (1/38)
صفحة 39
والثانى: إن قال قائل: قلت بجواز طلب المرأة التفريق بسبب غيبة الزوج رفعا للضرر عنها، فهل يجوز له ذلك إن غابت زوجته عنه قياسا؟
والجواب: لا يصح قياس الرجل على المرأة في هذا الصدد، لأن الرجل يمكنه دفع الضرر عن نفسه – يعنى إن خشى على نفسه الفتنة – بالزواج من أخرى، بخلاف المرأة فلا يمكنها ذلك إلا بإعطائها الحق في طلب التفريق بينها وبينه كى تحل من بعده للأزواج، فضلا عن أن الرجل يملك إنهاء علاقة الزوجية بالطلاق، أما المرأة فليست كذلك.
المطلب الثالث
صاحب الحق في الفرقة للغيبة، وصفتها
أولا: صاحب الحق في الفرقة
اتفق القائلون بالتفريق بين الزوجين بسبب غيبة الزوج على أن هذه الفرقة حق للمرأة وحدها، لأنها ثبتت لرفع الضرر عنه، فلا يقضي بها إلا بناء على طلبها قياسا على التفريق بالعنة فإنه لا يكون إلا بطلبها (1) .
وعلى هذا: لو آثرت المرأة الصبر والبقاء على الزوجية مع تضررها من غيبة زوجها فإن أحدا لا يملك التفريق بينها وبين زوجها، لأنه إنما كان لحقها.
كما اتفقوا على أن هذه الفرقة متوقفة على قضاء القاضي، لأنها فصل مجتهد فيه فلا تنفذ بغير قضاء، ثم إن اعتبار العذر في الغيبة وعدم اعتباره فيها (على رأي من يفرق بين الغيبة بعذر والغيبة بغيره) أمر يحتاج إلى بحث وإمعان نظر للتثبت منه والوقوف عليه، وهذا لا يكون إلا عن طريق القضاء (2) .
ثانيا: صفة الفرقة الحاصلة بسبب غيبة الزوج
اختلف القائلون بجواز التفريق بين الزوجين للغيبة في توصيف الفرقة الحاصلة بسببها:
__________
(1) يراجع / حاشية البناني بهامش الزرقاني 4/155، الفروع لابن مفلح 5/322، الروضة الندية شرح الدرر البهية 2/56، فتاوي النكاح للخليلي 2/78.
(2) يراجع / المراجع السابقة نفس الصفحات. (1/39)
صفحة 40
فالمالكية نصوا على أنها طلاق، لأنها فرقة من نكاح صحيح ولم تثبت بها حرمة مؤبدة، وما كان كذلك فهو طلاق عندهم (1) لكن هل هو طلاق رجعي أم بائن؟
الحقيقة أنهم لم يصرحوا بذلك لكن مقتضى إطلاقاتهم تفيد أنها طلاق بائن، فقد جاء في الجواهر المضية بشرح المقدمة العزية للآبي "كل طلاق يوقعه الحاكم طلاق بائن إلا طلاق المولى وطلاق المعسر بالنفقة (2) ، وجاء في رسالة ابن أبي زيد القيرواني مثل هذا أيضا (3) .
فهذا العموم يدل على أن الطلاق للغيبة طلاق بائن، ثم إن التفريق للغيبة إنما هو لرفع الضرر عن المرأة وهو لا يرتفع إلا بالبائن (4) .
وقيل: إنها طلاق رجعي استنباطا من ذكر هذه الفرقة في باب الإيلاء، فقد أوردها الدردير في الشرح الكبير ضمن حديثة عن الفرقة بسبب الإيلاء (5) .
والفرقة للإيلاء عند المالكية طلاق رجعي (6) ، فاحتمل أن تكون الفرقة بسبب الغيبة طلاقا رجعيا كالفرقة بسبب إيلاء الزوج من زوجته (7) ، لكن الاحتمال الأول عندي أرجح لدخوله في عموم النص المذكور في الجواهر المضية.
والقول بأن الفرقة بسبب غيبة الزوج طلاق بائن هي وجهة نظر فقهاء الإباضية بناء على قولهم: كل طلاق يوقعه الحاكم يقع بائنا (8)
__________
(1) يراجع / حاشية الدسوقي 2/364، الذخيرة للقرافي 4/320 ط/دار الكتب العلمية – بيروت.
(2) يراجع / الجواهر المضية بشرح المقدمة العزية للشيخ صالح الآبي ص 160، ط.مكتبة القاهرة.
(3) يراجع / شرح أبي الحسن على رسالة ابن أبي زيد القيرواني 2/101.
(4) يراجع / القوانين الفقهية ص 227.
(5) يراجع / الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي 2/431.
(6) يراجع / السابق.
(7) يراجع / فسخ الزواج ص 496، الفرقة بين الزوجين للأستاذ / علي حسب الله، ص 145، ط.دار الفكر العربي.
(8) يراجع / شرح النيل 6/483. (1/40)
صفحة 41
أما الحنابلة وبعض الزيدية الذين يقولون بجواز التفريق بسبب الغيبة فيرون أنها فسخ، لأنها فرقة لم تصدر من الزوج بلفظ يفيد الطلاق صراحة أو كناية، وكذا لم يصدر بتفويض منه (1) ومن ثم لا يكون طلاقا (2) .
__________
(1) يراجع / كشاف القناع 5/193، المغني 7/31، الروضة الندية 2/56.
(2) تجدر الإشارة هنا إلى أن الفسخ يغاير الطلاق في أمور منها:
أ) الفسخ نقض للعقد وإزالة للحل الذي كان مترتبا عليه بالكلية بسبب خلل وقع فيه وقت عقده أو طرأ عليه ما يمنع بقاءه واستمراره شرعا، أما الطلاق فهو إنهاء للعقد بلفظ خاص قد يترتب عليه زوال الحل إن كان بائنا بينونة كبرى، وقد يترتب عليه نقصان الحل إن كان الطلاق رجعيا أو بائنا بينونة صغرى.
ب ) فرقة الفسخ لا يترتب عليها نقصان عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته لأن الفسخ نقض للعقد كما سبق، بخلاف فرقة الطلاق فإنها تنقض العدد.
ج ) الطلاق يقبل التعليق والإضافة إلى الزمن المستقبل، أما الفسخ فليس كذلك.
د ) الطلاق إما رجعي وإما بائن، والرجعي منه يملك الزوج فيه أن يعيد المرأة إلى عصمته بدون عقد ما دامت في العدة، بخلاف الفسخ فهو نوع واحد لا يملك فيه الزوج أن يراجع زوجته لو في العدة.
هـ ) الطلاق لا يملكه شرعا غير الزوج وله أن ينيب فيه، أما الفسخ فهو حق لكل من الزوجين وليس وقفا على أحدهما دون الآخر.
و) التوارث بين الزوجين قائم في الطلاق إن كان رجعيا وكانت المرأة في عدتها، بخلاف الفسخ فلا توارث فيه وإن كانت المرأة في العدة.
ز)يكون للمرأة في الطلاق قبل الدخول نصف المهر المسمى، أما الفسخ قبل الدخول فليس للمرأة فيه شيء من المهر.
ح) تستحق المطلقة رجعيا النفقة ما دامت في العدة، وكذلك البائن الحامل حتى تضع حملها، أما في حالة الفسخ فلا نفقة لها . يراجع/ بحوث في فرق النكاح الدائرة بين الفسخ والطلاق لأستاذنا الدكتور المرسى السماحي، ص 5 وما بعدها، ط/ الفجر الجديد-القاهرة، سلطة القاضي في التفريق بين الزوجين بالأمور التي تمنع الإستمتاع لأستاذنا الدكتور محمد رأفت عثمان، ص 75 وما بعدها، ط/دار الطباعة المحمدية، الأحكام الأساسية للأسرة الإسلامية للدكتور زكريا البرى ص 145، ط/ منشأة المعارف بالأسكندرية. (1/41)
صفحة 42
ويبدو لي أن القول بأنها فسخ أولى بالاعتبار من القول بأنها طلاق، وذلك لأن الطلاق ملك للزوج دون غيره، والقاضي عندما يقوم بالتفريق بين الزوجين إنما يقوم بناء على ولايته العامة في رفع الضرر عن الناس، لا باعتباره نائبا عن الزوج (إذ الزوج لم يُنِب القاضي عنه في التطليق، بل قد لا يرضى بتطليقه أصلا) وهذا لا يبيح له أن يتعدى على حق الزوج الشخصي في الطلاق ما دام هناك طريق آخر لرفع الضرر وهو الفسخ.
ثم إن القول بأن تفريق القاضي طلاق يعني أنه يحسب على الزوج طلقة من غير إرادته وهو صاحب الحق الشرعي فيه، وقد يكون مسبوقا بطلقتين فتحرم المرأة عليه حتى تتزوج زوجا غيره، ومن ثم يتضرر الزوجان لعدم العودة، وكذلك الأولاد إن كان بينهما أولاد، أما إذا اعتبرناه فسخا فإن باب إعادة الزوجية يبقى مفتوحا، وبهذا تضيق دائرة الطلاق من جهة، ويرتفع الظلم عن المرأة من غير إضرار بغيرها من جهة أخرى.
هذا إلى أن الطلاق الذي لا مناص من حسبانه على الزوج هو الذي تنبعث دواعيه من نفسه، فيوقعه عن رغبة واقتناع بضرورته، ولهذا قلنا إنه حق شخصي، أما أن يقع الزوج في ظروف معينة لا يرضاها غالبا، ثم تتضرر بها المرأة، فيقال له: طلق وإلا طلقنا عنك، فإنا نراه تحكما في دخيلة نفسه، وإكراها له على ما لا يرضى، وطلاق المكره لا يقع كما قال الأكثرية، لذا نقول: فَلْيَفسَخْ القاضي الزواج دفعا للضرر الظاهر عن المرأة، ولْيدَعْ للزوج حقه الخالص في الطلاق (1) .
وإني لأرجو الله تعالى أن يوفق القائمين بإصلاح قوانين الأسرة إلى تقرير ذلك، فيجعلون تفريق القاضي فسخا في جميع أحواله، لتنال الأسرة ما وراء هذا من نفع وخير في ظل الشريعة الخالدة.
المطلب الرابع
__________
(1) يراجع / الفرقة بين الزوجين للأستاذ / علي حسب الله ص 118، الوجيز لأحكام الأسرة في الإسلام د/ محمد سلام مدكور، ص312 نشر دار النهضة العربية-القاهرة . (1/42)
صفحة 43
موقف قانون الأحوال الشخصية العماني وبعض القوانين العربية الأخرى من التفريق للغيبة
موقف القانون العماني
انطلاقا من مبدأ رفع الضرر ، ورفع المفسدة التي قد تتعرض لها المرأة إذا طالت غيبة زوجها عنها عالج المقنن العماني مسألة التفريق للغيبة في ثلاث مواد قانونية :
أولها : المادة (110) حيث جاء فيها ما نصه : "للزوجة طلب التطليق بسبب غياب زوجها المعروف موطنه أو محل إقامته ، ولو كان له مال يمكن استيفاء النفقة منه ، ولا يحكم لها بذلك إلا بعد إنذاره إما بالإقامة مع زوجته أو نقلها إليه أو طلاقها ، على أن يمهل لأجل لا يقل عن أربعة أشهر ولا يتجاوز سنة"
وثانيها : المادة (111) حيث نصت على "لزوجة المفقود أو الغائب الذي لا يعرف مكانه ولا محل إقامته طلب التطليق للضرر ، ولا يحكم لها بذلك إلا بعد مضي مدة لا تقل عن سنة من تاريخ الغياب أو الفقدان"
وثالثها : المادة (115) حيث جاء فيها ما نصه : " يعتبر التطليق بموجب المواد ....(110)،(111)....بائنا"
فقه النص:
واضح من هذه النصوص أن القانون جنح للقول بجواز التفريق لغيبة الزوج، واتجه تحديدا إلى المعتمد في المذهب المالكي، حيث لم يفرق بين غيبة الزوج لعذر وغيبته لغير عذر ،وقد أحسن صنعا إذ فعل ذلك لما قلناه قبلا في الرأي المختار، ونص على أن مدة الغيبة التي تجيز الحكم بالتفريق سنة من تاريخ غياب الزوج ،ومضى هنا السنة إجراء جوهري، وإغفاله يؤدي إلى بطلان الحكم، وبيَّن إجراءات القضاء بالتفريق للغيبة، مفرقا في ذلك بين الغائب الذي يعرف موطنه أو محل إقامته ويمكن وصول الرسائل إليه، وبين الغائب مجهول الإقامة، وهذه الإجراءات نص عليه المالكية في كتبهم وهي: (1/43)
صفحة 44
إن كان الزوج الغائب معلوم الإقامة ويمكن وصول الرسائل إليه، ورفعت زوجته دعوى تفريق للغيبة فحينئذ يجب على القاضي أن يكتب إليه ويطلب منه أن يفعل أحد أمور ثلاثة: أن يحضر ليقيم مع زوجته في بلدها، أو ينقلها إليه حيث يقيم، أو يطلقها، ويحدد له أجلا يفعل فيه واحدا من هذه الأمور ويذكر له أنه إن انقضى الأجل ولم يفعل واحدا منها طلق عليه زوجته طلقة بائنة.
فإن اختار الزوج أحد هذه الأمور الثلاثة (1) فالأمر ظاهر، وهو رفض الدعوى لعدم وجود سببها، وإن امتنع عن الاختيار وقد انقضى الأجل الذي حدده القاضي له طلق عليه بعد أن يتحقق من وصول الإعلان إليه تطليقة بائنة طبقا للمادة (115)، ولو كان له مال يمكن استيفاء النفقة منه لأن التفريق هنا ليس لعدم الإنفاق، وإنما هو لتضرر المرأة بحرمانها من تلبية رغباتها النفسية والجسدية.
ويراعى أن القانون لم يحدد وسيلة معينة لإعلان الزوج، ومن ثم يجوز إعلانه بواسطة المحضرين، أو كتاب مسجل، أو كتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول، إذ المقصود هو اتصال علمه بالإعلان.
ولا يجوز التطليق في هذه الحالة بغير الكتابة إلى الزوج الغائب وانتظار مدة الإمهال وإلا وقع الحكم باطلا.
على أن الكتابة التي يعتد بها هنا هي التي تتم عن طريق القاضي، أما المراسلات التي تكون بين الزوج وزوجته أو التي تكون من أهله أو أصدقائه فليست من الإمهال القانوني في شيء.
__________
(1) إذا أظهر الزوج استعداده لنقلها إليه ثم امتنعت كان هذا مسوغا لعدم سماع دعواها، لأنها المتسببة في عدم إقامة زوجها معها، إلا أن تكون قد اشترطت عليه في عقد الزواج أن لا ينقلها من بلدها،فهذا شرط صحيح يجب الوفاء به،وحينئذ يكون زوجها مخيرا بين أمرين: أن يعود إليها أو يطلقها، فإن امتنع فرق القاضي بينهما على نحو ما سلف. (1/44)
صفحة 45
وإن كان الزوج الغائب غير معلوم الإقامة، ويلحق به من كان معلوم الإقامة لكن مكاتبته غير ممكنة لعدم وصول الرسائل إليه، ففي هذه الحال يطلق القاضي عليه بعد مضي سنة من تاريخ غيابه رفعا لضرر الغيبة عنها دون إمهال إذ لا فائدة منه حينئذ، وهذا التطليق يقع طلقة بائنة كما أشار إليه القانون من قبل، لأنه إنما كان لرفع الضرر عن المرأة وهو لا يرتفع إلا بالبائن.
هذا باختصار خلاصة القول فيما نص عليه القانون العماني في المواد الثلاث سالفة الذكر، بيد أن لنا مع القانون هنا وَقْفَات:
أما الأولى: فهي أن المادة (110) وقع فيه إشكال أرى ضرورة العمل على إزالته، وبيانه: يكون من خلال طرح هذا التساؤل: قول المقنن [على أن يمهل لأجل لا يقل عن أربعة أشهر ولا يتجاوز سنة] شرط لماذا؟ هل هو شرط للحكم بالتفريق؟ أم هو شرط لرفع الدعوى؟ أم هو شرط يتضمن تحديد المدة التي يجب على الزوج أن يختار خلالها واحدا من الأمور الثلاثة المذكورة؟
فإن كان المراد أنه شرط للحكم بالتطليق: فهذا يعني أنه أغفل تحديد المدة التي يجوز للمرأة بعدها أن ترفع دعوى تفريق للغيبة.
وعليه: يجوز للمرأة أن ترفع دعواها طالبة التفريق بسبب غياب زوجها ولو بعد أسبوع واحد من غيابه، وهذا لم يقل به أحد أبدا من أهل العلم، ولا جاء في أي قانون قط، لأنه يتنافى مع المبدأ الذي شرع من أجله التفريق للغياب، وهو رفع الضرر الواقع على المرأة بالفعل لا الضرر المتوقع، فلا بد إذن من أن تمضي مدة تستوحش فيها المرأة وتتضرر فعلا من غيبة زوجها عنها حتى يحق لها رفع الدعوى، إذ هو كما قلنا تفريق لرفع الضرر الواقع لا الضرر المتوقع.
وإن كان المراد أنه شرط لبيان المدة التي يجب على الزوج أن يختار فيها واحدا من الأمور الثلاثة: فهذا أعجب لأنه يعني أن الزوج لو اختار واحدا من الأمور الثلاثة قبل مضي أربعة أشهر لا يقبل منه، ألا تراه قال: "لا يقل عن أربعة أشهر ولا يتجاوز سنة"؟ (1/45)
صفحة 46
هذا فضلا عن أنه حينئذ يكون قد أغفل بيان مدة الغيبة المجيزة لطلب التفريق والحكم به.
وإن كان المراد أنه شرط لرفع الدعوى: -وهذا أغلب الظن - فإنه ظاهر النص لا يسعفه ولا يعين عليه، إذ لم يرد فيه ولو من طرف خفي ما يشير إلى هذا.
فالمادة –إذن- فيها إيهام . وإني أقترح إعادة النظر في صياغتها بعبارة ترفع هذا الإيهام، وفي نفس الوقت لا تتناقض مع المبدأ الذي وجدت المادة من أجله، وحبذا لو كانت كما يلي:
"للزوجة طلب التفريق بسبب غياب زوجها المعروف موطنه أو محل إقامته، ولو كان له مال يمكن استيفاء النفقة منه إذا مضى على غيابه سنة، ولا يحكم لها بذلك إلا بعد إنذاره إن كان معلوم المكان: إما بالإقامة مع زوجته أو نقلها إليه أو طلاقها، على أن يمهل لأجل يحدده له القاضي، فإذا انقضى الأجل ولم يفعل فرق بينهما"
وعلى هذا: تكون مدة السنة شرطا لرفع الزوجة دعواها ويكون الأجل
الذي يحدده القاضي باجتهادة للزوج لاختيار أحد الأمور الثلاثة (1) .
أما المادة (111) فتكون على النحو التالي:
"لزوجة المفقود أو الغائب الذي لا يعرف مكانه، ولا محل إقامته طلب التفريق للضرر إذا مضت على غيابه أو فقده مدة لا تقل عن سنة من تاريخ الغياب أو الفقدان"
__________
(1) وهذا الأجل ليس من قبيل مواعيد المرافعات التي يتعين مراعاتها عند القيام بالإجراء المطلوب، يعني لا يتعين على الزوج تنفيذ أي من الخيارات الثلاثة خلال هذا الأجل، بل هو مجرد مهلة يقصد بها حث همة الزوج الغائب على العودة إلى زوجته أو نقلها إليه بحيث إذا فعل ذلك بعد انقضاء المهلة أو في أي مرحلة من مراحل الدعوى قبل الحكم انتفى موجب التطليق. وهذا ما قررته محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 13 لسنة 48 قضائية أحوال شخصية جلسة 20 يناير سنة 1981م. (1/46)
صفحة 47
وأما الثانية: فهي أن القانون قد قرر في المادة (115) أن التفريق للغيبة يحسب طلاقا بائنا، وهذا –فيما يبدو لي- على خلاف الأولى شرعا ، فالأولى أن يكون هذا التفريق فسخا لا طلاقا، وهي وجهة نظر الحنابلة، وقد بَيَّنتُ ذلك سابقا عند حديثي عن صفة الفرقة الحاصلة بسبب غيبة الزوج.
أيضا: جعل التفريق للغيبة طلاقا على خلاف المنهج الذي رسمه القانون لنفسه في تقنين الفرقة بين الزوجين (وهو ما يعرف في لغة القانونيين بـ سياسة التشريع) وهو تحاشي إيقاع الطلاق، وعدم احتسابه على الزوج كلما أمكن ذلك ،فالمتتبع للمواد القانونية التي تحدثت عن الفرقة بين الزوجين يستطيع أن يقف على هذا المنهج دون عناء.
وأما الثالثة: فإن المادة (190) في فقرتها الأولى عرفت الغائب فقالت:"هو الشخص الذي لا يعرف موطنه ولا محل إقامته" وهذا التعريف أراه يتناقض مع ما ذكر في المادة (110) حيث إنها قررت كما سبق أن الغائب قد يكون معلوم الإقامة والموطن وأن على القاضي آنذاك أن يراسله...إلخ، بينما المادة (190) تفيد أن الغائب هو من كان مجهول الإقامة والموطن، وهذا تناقض ببِّن أرى ضرورة العمل على إزالته.
أيضا: تعريف الغائب بأنه (من لا يعرف موطنه ولا محل إقامته) لا يسعف في التفريق بين الغائب والمفقود، فضلا عن أنه غير جامع لكل أفراد المعرف، وقد بيَّنتُ ذلك أيضا عند الحديث عن المقصود بالغيبة، واقترحت تعريفا للغائب، فراجعه إن شئت.
موقف القانون المصري
كان العمل في مصر يجري على مذهب الحنفية الذي يرى عدم التفريق بالغيبة مهما طالت، إلى أن صدر القانون رقم 25 لسنة 1929م، حيث أخذ هذا القانون بحكم ملفق من مذهبي المالكية والحنابلة في المادتين12،13، منه.
أما المادة 12 فقد نصت على "إذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول جاز لزوجته أن تطلب إلى القاضي تطليقها منه إذا تضررت من بعده عنها ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه" (1/47)
صفحة 48
وأما المادة 13فقد جاء فيها نصا "إذا أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضي أجلا وأعذر إليه بأن يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها، فإذا انقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذرا مقبولا فرق القاضي بينهما بتطليقة بائنة، وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضي عليه بلا إعذار وضرب أجل" (1) .
هذا هو المعمول به في مصر الآن. ونحن نعيب عليه أنه فرق بين غيبة الزوج بعذر وبين غيبته بغير عذر، حيث أجاز التفريق في حالة غياب الزوج بغير عذر فقط، أما الغياب بعذر فمهما طال لا يكون للمرأة الحق في المطالبة بالتفريق بسببه، وقد أوضحنا سابقا أن هذا غير سديد، ولا داعي للتكرار.
كما نعيب عليه أنه اعتبر الفرقة بسبب الغياب طلاقا بائنا، وقد أسلفنا أن هذا على خلاف الأولى.
القانون السوري
اتجه القانون السوري في المادة (109) منه إلى ما اتجه إليه القانون المصري حيث أجاز للزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها بعد مضي سنة من غيبته إن كانت غيبته عنها لغير عذر مقبول، لكنه خالفه في صفة الفرقة الحاصلة بذلك، حيث اعتبرها طلاقا رجعيا، وهذا الاتجاه هو محتمل قول المالكية كما تقدم، وهاك نص المادة 109:
1. إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.
2. هذا التفريق طلاق رجعي، فإذا رجع الغائب أو أطلق سراح السجين والمرأة في العدة حق له مراجعتها (2) .
القانون الأردني
__________
(1) يراجع / موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية للمستشار/محمد عزمي البكري ص401 نشر دار محمود بالقاهرة.
(2) يراجع / الفقه الإسلامي وأدلته د/ وهبة الزحيلي 7/534 ط/ دار الفكر بيروت. (1/48)
صفحة 49
أجاز القانون الأردني للزوجة التي غاب عنها زوجها أو هجرها (1) مدة لاتقل عن سنة من غير عذر مقبول أن تطلب من القاضي التفريق بينها وبينه لتضررها من غيبته عنها أو هجره إياها، وعلى الزوجة أن تقدم الدلائل التي تثبت دعواها، وطلبها التفريق حينئذ لا يتوقف على عدم ترك الزوج لها نفقة تعتاش منها، وفرق القانون في الإجراءات المتعلقة بالتفريق بين الغائب معلوم الإقامة والغائب مجهول الإقامة، وهذه المعاني كلها قد تضمنتها المواد 123، 124، 125 القانون.
ففي المادة 113 ما نصه:"إذا أثبتت الزوجة غياب زوجها عنها أو هجره لها سنة فأكثر بلا عذر مقبول وكان معروف محل الإقامة جاز لزوجته أن تطلب من القاضي تطليقها بائناً إذا تضررت من بعده عنه أو هجره لها ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه"
وفي المادة 124 جاء ما نصه "إذا أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب القاضي له أجلا وأعذر إليه بأنه يطلقها إذا لم يحضر للإقامة معها أو نقلها إليه أو يطلقها، فإذا انقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذرا مقبولا فرق القاضي بينهما بطلقة بائنة بعد تحليفها اليمين."
أما المادة 125 فقد نصت على "إذا كان الزوج غائبا في مكان معلوم ولا يمكن وصول الرسائل إليه، أو كان مجهول محل الإقامة وأثبتت الزوجة دعواه بالبينة وحلفت اليمين وفق الدعوى، طلق القاضي عليه بلا إعذار وضرب أجل، وفي حالة عجزها الإثبات أونكولها عن اليمين ترد الدعوى." (2)
القانون الكويتي
__________
(1) ذكرنا قبلا أن الهجر هو أن يمتنع الزوج عن معاشرة زوجته أو مساكنتها لكنه يقيم في نفس البلد الذي تقيم فيه زوجته، أما الغياب فهو انتقال الزوج من البلد الذي تقيم فيه زوجته إلى بلد آخر وإقامته فيه.
(2) يراجع / الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني د/عمر سليمان الأشقر ص 273، شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني د/محمود السرطاوي ص469 ط/دار الفكر الأردن. (1/49)
صفحة 50
ذهب المقنن الكويتي في الغائب إلى ما ذهب إليه المقنن المصري تماما حيث جاء في المادة (136) ما نصه:"إذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول جاز لزوجته أن تطلب تطليقها بائنا إذا تضررت من غيبته ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه"
وفي المادة (137) جاء نصا:
أ ) إن أمكن إعلان الغائب ضرب له القاضي أجلا، وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها، أو ينقلها إليه، أو يطلقها، فإذا انقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذرا مقبولا فرق القاضي بتطليقة بائنة.
ب ) وإن لم يمكن إعلان الغائب فرق القاضي بلا إعذار ولا أجل (1) .
المبحث الثاني
التفريق بين الزوجين لفقدان الزوج
ويحوي عدة مقاصد:
المقصد الأول: التعريف بالفقدان
المقصد الثاني: أقوال الفقهاء في التفريق بسبب فقدان الزوج
المقصد الثالث: صاحب الحق في الفرقة للفقد، وصفتها
المقصد الرابع: موقف القانون العماني وبعض القوانين العربية
الأخرى من التفريق للفقد
المقصد الأول
التعريف بالفقدان
الفُِقدان في اللغة (بكسر الفاء وضمها) وَالفَقْدُ (بفتح الفاء وسكون القاف) والفُقُود (بالضم) من فَقَدَ الشيء يَفْقِدُه إذا غاب عنه وعدمه، وهو فقيد ومفقود يعني معدوم. أما الفَقَدُ (بفتح الفاء والقاف) فهو شراب يتخذ من الزبيب والعسل، وقيل هو نبات ينبذ في العسل فيقويه ويجيد إسكاره.
والفاقد من النساء: التي يموت زوجها أو ولدها أو حميمها، وقال اللحياني: هي التي تتزوج بعدما كان لها زوج فمات.
والتَّفَقُّدُ: طلب الشيء عند غيبته، ومنه قول الله تعالى على لسان سيدنا سليمان {وتفقد الطير فقال ما لي أرى الهدهد أم كان من الغائبين} (2) .
__________
(1) يراجع / الأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي مع بيان قانون الأحوال الشخصية للقضاء في محاكم الكويت د/أحمد الغندور ص 676 نشر مكتبة الفلاح –الكويت.
(2) سورة النمل الآية 20 (1/50)
صفحة 51
وافتقدتُ الشيء: طلبتُه، وافتقدتُه: لم أجده أيضا، ومنه قول أبي الدرداء: "مَنْ يَتَفَقَّدْ يَفْقِدْ، ومن لا يُعِدَّ الصبر لفواجع الأمور يَعْجِزْ"، ومعناه: من يطلب أحوال الناس ويتعرفها فإنه لا يجد ما يرضيه.
وهذا يعني أن لفظة "فقد" من ألفاظ الأضداد، فتقول: فقدت الشيء إذا ضللته أو غاب عنك، وفقدته أي طلبته، وكلا المعنيين متحقق في المفقود، فهو قد غاب عن أهله وضل عنهم وهم في طلبه ساعون (1) .
والخلاصة: أن الفقدان (بضم الفاء وكسرها) في لغة العرب يعني أن تطلب الشيء فلا تجده.
والمفقود شرعا كما قال السرخسي من الحنفية: اسم لموجود هو حي باعتبار أول حاله لكنه خفي الأثر كالميت باعتبار مآله، وأهله في طلبه يَجِدُّون لخفاء أثر مستقره لا يجدون، قد انقطع عنهم خبره واستتر عليهم أثره، وبالجد ربما يصلون إلى المراد، وربما يتأخر اللقاء إلى يوم التناد (2) .
وهذا التعريف وإن كان جميل لفظه بديع نسقه إلا أنه طويل.
وعرَّفه آخرون بأنه: غائب لم يدر أحي هو فيتوقع (يعني قدومه) أم ميت أودع اللحد البَلْقَع؟ (3)
وعرَّفه صاحب تمهيد قواعد الإيمان بأنه: من وقع من بني آدم في شيء خطر محتمل لنجاة الواقع فيه وهلاكه به ثم لم يصح عليه أحد الأمرين (4) .
__________
(1) يراجع / لسان العرب 10/298، القاموس المحيط للفيروزآبادي 1/335 ط/الثانية مصطفى الحلبي مصر، مختار الصحاح لأبي بكر الرازي ص 299 ط/دار إحياء التراث العربي -بيروت، المعجم الوجيز الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة ص 477 ط/وزارة التربية والتعليم 1993م.
(2) يراجع / المبسوط للسرخسي 11/34.
(3) البلقع: الأرض القفر التي لا شيء بها، وجمعه: بلاقع،
ويراجع / رد المحتار على الدر المختار 3/328 ، مغني المحتاج 3/397 ، شرح منتهى الإرادات 2/617.
(4) يراجع / تمهيد قواعد الإيمان لأبي محمد سعيد بن خلفان الإباضي 11/247 ط/وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. (1/51)
صفحة 52
والتعاريف السابقة تفيد أن المدار في المفقود على الجهل بحياته وموته لا على الجهل بمكانه، ومن ثم فيدخل فيه من أسره العدو وقد انقطع خبره ولا يدرى أحي أم ميت وإن علم مكانه.
وعرَّفه قانون الأحوال الشخصية العماني فقال: هو الغائب الذي لا تعرف حياته لا وفاته (1) وهو عين المعنى السابق.
المقصد الثاني
أقوال الفقهاء في التفريق بسبب فقدان الزوج
ذكرنا آنفا أن المفقود هو من غاب غيبة منقطعة خفيت فيها أخباره، وجهلت فيها حياته، وأصبح أهله في حيرة من أمره، أحي هو أم ميت؟
فمن كان حاله كذلك ثم طلبت امرأته التفريق بينها وبينه لتضررها من غيبته وبعده عنها وخشيتها على نفسها من الفتنة والانخراط في الرذائل والمهالك، فهل تجاب إلى طلبها؟
الفقهاء في ذلك على فريقين كما تقدم في امرأة الغائب المعلوم الحياة، ذلك لأن المفقود غائب وزيادة فيكون لزوجة المفقود ما لزوجة الغائب من أمر التفريق عليه إن طلبته لتضررها بترك الوطء، بل الحال هنا أولى، لأنها لا تعلم حياته من وفاته، فلا هو حي ترجو عودته فتصبر، ولا ميت فتعتد له ثم تنقضي علاقتها به بانقضاء عدتها، وقد يطول بها الحال على ذلك فيكون ضررها أشد، وقد تكون شابة فتذهب نضارتها وتمضي حياتها بدون زوج، وفي هذا من الحرج ما لا يخفى، ولذا كانت إجابتها بالتفريق إن طلبته عين الحكمة والمصلحة لها وللمجتمع، والفقه الحسن لقواعد الشريعة التي تنص على رفع الحرج وإزالة الضرر.
أما إذا لم تطلب زوجته المفارقة وانتظرت وصبرت ولم تجزع من غيابه فهل تكون على زوجيته عمرها كله؟
والجواب: أن الأمر لا يخلو من: إما أن يرفع أحد ورثة المفقود أو أحد المستحقين في تركته (2) الأمر إلى القاضي طالبا الحكم بوفاته، وإما لا.
__________
(1) يراجع / قانون الأحوال الشخصية العماني الفقرة الثانية من المادة (190).
(2) كالموصى لهم أو الغرماء. (1/52)
صفحة 53
فإذا لم يرفع حال المفقود إلى القاضي فزوجته باقية على زواجها منه حتى يأتيها يقين موته أو صحة طلاقه لها، أو يأتيها هي أجلها، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
أما إذا رفع أحد ورثته أو أحد المستحقين في تركته حَالَهُ إلى القاضي طالبا الحكم بموته، وقد اجتهد القاضي وحكم بموته بعد مرور مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش فوقها فساعتئذ تنحل زوجيتها منه وتعتد وجوبا عدة الوفاة وتبين منه بانقضاء العدة، وليس لها أن تختار البقاء على الزوجية بعد الحكم بوفاة زوجها المفقود (1) ، لأن القضاء حجة متعدية، فتلزمها الفرقة بالحكم بوفاته، وهو قول أكثر أهل العلم (2) ،
__________
(1) إلا أن تظهر حياته بعد الحكم بوفاته ولم تكن تزوجت بغيره ودخل بها الثاني، فإنها حينئذ تعود لزوجية الأول بالعقد الأول نظرا لبطلان الحكم بالوفاة آنئذ، إذ من المعلوم أن القضاء ينفذ ظاهرا فقط.
(2) يراجع / شرح النيل 9/33، كتاب النكاح للجناوني ص222، البحر الرائق شرح كنز الدقائق 5/178، المبسوط 11/38، شرح الخرشي 3/149، بداية المجتهد 2/52، تكملة المجموع شرح المهذب 19/239، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لأبي العباس الرملي 7/148، ط/ دار الفكر بيروت- الشرح الكبير على متن المقنع لأبي الفرج بن قدامة بأسفل المغني لأبي محمد بن قدامة 9/128، ط دار الفكر بيروت-، الروض المربع للبهوتي 1/353، ط/ دار الكتب العلمية بيروت- جوهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن النجفي 32/293، تحقيق محمود القوحاني ط/المكتبة الإسلامية بطهران، وسائل الشيعة 22/157، الروض النضير 4/172، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني 2/257 ط/ دار الكتب العلمية بيروت.. (1/53)
صفحة 54
خلافا للظاهرية حيث لا يعترفون بما يسمى بالموت الحكمي، وخلافا للحنابلة في رواية فيمن فقد في غيبةٍ ظاهرُها السلامة، حيث يقولون فيها لا يحكم بموته مهما طال الزمان وتظل امرأته على زوجيته أبدا حتى يصح موته أو تموت هي (1) .
وعلى رأي الأولين القائلين بجواز الحكم بموت المفقود يتأتى هذا التساؤل: متى يحكم القاضي بوفاة المفقود ومن ثم تنحل زوجيته؟
وللإجابة عن هذا نقول:
إن المفقود إما أن يفقد في حالٍ ظاهرُها السلامة كمن يخرج للتجارة في غير مهلكة أو لطلب العلم أو السياحة مع أمن الطريق، أو نحو هذا، ثم لا يعود، وقد خفيت أخباره وانقطعت.
وإما أن يفقد في حال ظاهرها الهلاك كمن يفقد أثناء العمليات الحربية في ميدان المعركة أو إثر غارة جوية، أو وقوع كارثة كحريق وفيضان وهدم بناء، أو كمن يكون في طائرة سقطت، أو على ظهر سفينة غرقت، وقد نجا بعض رفاقه، وكمن يمضي إلى مكان قريب ليقضي حاجته ثم لا يظهر له خبر، ولا يدرى أحي هو أم ميت؟
فإن كان ظاهر غيبته السلامة ثم انقطعت أخباره وجهلت حياته:
فقد ذهب الإباضية والحنفية والشافعي في الجديد وأحمد في رواية والإمامية في قول إلى أن هذا الشخص حي قضاء – ومن ثم لا تنحل زوجته- ولا يحكم بموته إلا بعد التعمير الغالب أو بموت أقرانه.
ثم اختلفوا في تقدير ذلك:
__________
(1) جاء في المحلى 10/142: "من فقد في حرب أو في غير حرب وله زوجة ومال، لم يفسخ بذلك نكاح امرأته أبدا وهي امرأته حتى يصح موته أو تموت هي، ولا يفرق ماله ولكن ينفق منه على أهله"
وجاء في الشرح الكبير بأسفل المغني 9/127 " من انقطع خبره لغيبة ظاهرها السلامة كسفر التجارة في غير مهلكة وطلب العلم والسياحة فإن امرأته تبقى أبدا حتى تتيقن موته" (1/54)
صفحة 55
فقيل سبعون سنة، وقيل ثمانون سنة، وقيل تسعون سنة، وقيل مائة سنة، وقيل مائة وعشرون سنة، وقيل مائة وثلاثون سنة، وقيل الأقيس ألا يقدر بشيء لأن نصب المقادير لا يكون بالرأي ولا نص فيه، والأرفق أن يقدر بتسعين (1) .
والقول بأن القاضي لا يحكم بموته إلا بعد مضي العمر الذي جرت العادة غالبا أن لا يعمر أحد أكثر منه في ذلك الوقت هو قول ابن شبرمة وعثمان البتي وسفيان الثوري وغيرهم (2) .
وذهب الشافعي في القديم والإمامية في قول إلى أن القاضي يحكم بوفاته بعد مرور أربع سنين من وقت انقطاع خبره، وساعتها تعتد زوجته للوفاة ثم تحل بعدها للأزواج (3) .
وإن كان ظاهر غيبته الهلاك:
فالأباضية والشافعية في القديم وأحمد في الظاهر من مذهبه يرون أن القاضي يحكم بوفاته بعد مضي أربع سنين من يوم فقده، ثم تعتد زوجته عدة الوفاة (4) .
__________
(1) يراجع / شرح النيل 7/38، جوهر النظام 2/318، الهداية للمرغيناني 2/181 ط/المكتبة الإسلامية، البحر الرائق 5/178، مغني المحتاج 3/397، الحاوي الكبير 10/249، 250، الشرح الكبير بأسفل المغني 9/128، كشاف القناع 5/423، وسائل الشيعة 22/157، الخلاف للطوسي 3/60.
(2) يراجع / الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر 1/86 ط/دار الفكر، الروض النضير 4/173.
(3) يراجع / روضة الطالبين 8/400، حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح الجلال المحلي على المنهاج 4/51 ط/دار الفكر-بيروت، جواهر الكلام 32/293.
(4) يراجع / شرح النيل 7/38، الحاوي الكبير 11/316، الشرح الكبير بأسفل المغني 9/118، الروض المربع 1/353. (1/55)
صفحة 56
بيد أن أكثر الإباضية والحنابلة في رواية يقولون إن المرأة هنا لا تحل للأزواج إلا بعد أن تعتد للوفاة ثم يطلقها الولي (1) بعد عدة الوفاة فتعتد للطلاق (2) .
وهذا القول - أعني أن المرأة تتربص أربع سنين ثم يحكم القاضي بوفاته- هو قول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء بن أبي رباح، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيدة وغيرهم (3) .
بينما ذهب الحنفية والشافعي في الجديد وأحمد في رواية (4) وبعض الإمامية إلى أن القاضي لا يحكم بوفاة المفقود في هذه الحالة أيضا إلا بعد التعمير الغالب، يعني لا فرق عندهم في ذلك بين أن يكون ظاهر غيبته السلامة أو الهلاك وإن فقد بعد بلوغه سن التعمير الغالب اجتهد القاضي في الأجل الذي يحكم بعده بموته (5) .
أما المالكية: فلهم تقسيم خاص للمفقود، حيث فرقوا في الحكم بموته بين أربع حالات:
__________
(1) عند بعض الإباضية ولي المرأة، وعند الحنابلة وبعض الإباضية ولي المفقود.
(2) يراجع / شرح النيل 7/43، الشرح الكبير بأسفل المغني 9/121، والرواية الثانية عند الحنابلة لا يشترط طلاق الولي لأن ولي الرجل لا ولاية له في طلاق امرأته.
(3) يراجع الإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر 1/85، الحاوي الكبير 11/316، المحلى لابن حزم 10/134.
(4) هذه الرواية رواها أحمد بن أصرم عند الإمام أحمد، يراجع / المغني مع الشرح الكبير 9/132.
(5) يراجع / البدائع 6/197، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لدامدا أفندي1/712، نشر دار إحياء التراث العربي –بيروت، مغني المحتاج 3/397، الحاوي 11/316، المغني بأعلى الشرح الكبير 9/132، والشرح الكبير بأسفل المغني 9/119، وسائل الشيعة 22/157. (1/56)
صفحة 57
الأولى: إن فقد في بلاد الإسلام أو بلاد الشرك في حالة السلم وفي غير زمن الوباء فإنه لا يحكم بموته إلا بعد مضي مدة التعمير الغالب (وهي عندهم سبعون سنة من يوم ولادته، وقيل ثمانون، وقيل غير هذا).
ويرى بعضهم: أنه يحكم بموته في هذه الحالة بمرور أربع سنين من وقت فقده، فتعتد زوجته ويقسم ماله.
والثانية: إن فقد في بلاد الإسلام أو الشرك في حالة السلم لكن في زمن الوباء فيحكم بموته بعد ذهاب الوباء لغلبة الظن بموته.
والثالثة: إن فقد في حالة الحرب وكانت الحرب بين طائفتين من المسلمين فيحكم بموته من يوم انفصال الصفين وانتهاء القتال إن شهدت بينة بأنه حضر صف القتال، وإلا فكالحالة الأولى.
والرابعة: إن فقد في حالة الحرب بين المسلمين والكفار، فيحكم بموته بعد سنة من يوم فقده، لكن بعد التفتيش عنه والسؤال عليه، لغلبة الظن على عدم حياته حينئذ (1)
صفوة القول في الموضوع (2) : يمكن القول من خلال ما سبق أن الفقهاء في هذا الصدد على فريقين:
الفريق الأول: يرى عدم جواز الحكم بموت المفقود أبدا، ومن ثم تبقى امرأته في عصمته حتى يثبت موته بالدليل (3) ، أو يصح طلاقه لها، وكذلك الحال بالنسبة لماله، حيث يبقى على ملكه حتى يثبت موته.
__________
(1) يراجع / الشرح الصغير 2/693، وما بعدها، شرح الزرقاني 2/212، مواهب الجليل 4/156، حاشية العدوي على شرح الخرشي بهامش شرح الخرشي 4/149، ط/دار صادر-بيروت، شرح الخرشي على مختصر خليل 4/148.
(2) يعني في جواز الحكم بموت المفقود وعدم جوازه، وعلى رأي المجيزين كم تكون المدة التي يحكم القاضي بعده بموت المفقود ومن ثم تنحل زوجيته، ولا يكون لامرأته بعد الحكم بوفاته أن تختار البقاء على الزوجية؟
(3) إذا ثبت موته بالدليل تقرر موته به ولا يعد مفقودا ساعتئذ، ولا يحتاج موته إلى حكم من القاضي إلا إذا كان ثمة نزاع في هذا الدليل. (1/57)
صفحة 58
ويلحق بهذا الفريق الذين يقولون بعدم الحكم بوفاته إلا بعد التعمير الغالب، لأن قولهم في معنى قولهم غاية الأمر أن الذين يقولون بالتعمير الغالب يرونه دليل إثبات موته.
والفريق الثاني: يرى جواز الحكم بوفاته بعد انقضاء أربع سنين في بعض الحالات (1) ، وبعد انقضاء سنة واحدة في بعضها الآخر، وساعتها تنحل زوجيته وتعتد زوجته وجوبا عدة الوفاة، ويقسم ماله بين المستحقين له قسمة الميراث.
الأدلة والمناقشة
استدل الفريق الأول على دعواه بما يلي:
1) ما رواه الدارقطني عن سوار بن مصعب عن محمد بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها الخبر" (2) وفي رواية "حتى يأتيها البيان".
__________
(1) وقد علل هذا الفريق تحديد المدة بأربع سنين بما يلي:
1. ... بأن هذه المدة هي أقصى مدة الحمل بالاستقراء، فضربت حتى تتحقق فيها براءة الرحم.
2. ... الأغلب أنه يسمع فيها خبر من كان حيا مع البحث والسؤال عنه.
3. ... هذه المدة يتكرر فيها تردد المسافرين والتجار، فانقطاع خبره عن أهله مع غيبته يغلب على الظن هلاكه.
أما ابتداء حساب هذه المدة فهم فيه على خلاف:
فبعضهم يرى أنه تبدأ من يوم فقده وانقطاع خبره، لأن الظاهر أنه مات من يوم أن انقطع خبره، فكان ابتداء المدة منه كما لو شهد به شاهدان، وهو ما قاله الإباضية والحنابلة في رواية وابن عبد الحكم من المالكية.
يراجع / شرح النيل 7/38، المدونة الكبرى للإمام مالك 2/450، ط/ السعادة، المغني بأعلى الشرح الكبير 9/136.
وبعضهم يرى أنها تبدأ من يوم حكم القاضي بها، لأنها مدة مختلف فيها فافتقرت إلى ضرب القاضي كمدة العنة، وبهذا قال المالكية والشافعية وأحمد في الرواية الثانية عنه.
يراجع / حاشية الدسوقي 2/479، المهذب 2/146، الإنصاف 7/336.
(2) يراجع / سنن الدارقطني 3/312 ط/ عالم الكتب-بيروت. (1/58)
صفحة 59
فهذا الحديث يدل على أن امرأة المفقود تبقى على زواجها منه حتى يأتيها الخبر أو البيان، وهو يحصل بأمور هي: صحة طلاقه، أو رِدَّته، أو موته بيقين أو ببينة، أو مضي العمر الذي جرت العادة في الغالب أن لا يعمر أحد أكثر منه في ذلك الوقت (1) .
ونوقش: بأن هذا الحديث ضعيف (2) ، وقيل: منكر، لأن في رواته محمد بن شرحبيل، وسوار بن مصعب، وهما متروكان الحديث، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر، ومحمد بن شرحبيل متروك الحديث، يروي عن المغيرة مناكير أباطيل.
وقال ابن القطان: وسوار بن مصعب أشهر في المتروكين من ابن شرحبيل (3) ، وإذا كان كذلك فلا تقوم به حجة.
2) ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في امرأة المفقود: هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موته أو طلاقه (4)
وروى الحكم وحماد عن علي بن أبي طالب قوله: " لا تتزوج امرأة المفقود حتى يأتي موته أو طلاقه" (5)
ونوقش هذا الأثر: بأنه قول صحابي فيما هو محل الاجتهاد، ومن ثم فلا إلزام فيه.
__________
(1) يراجع / نصب الراية لأحاديث الهداية 3/473.
(2) يراجع / التعليق المغني على الدارقطني لأبي الطيب محمد شمس الحق آبادي بهامش الدارقطني 3/312 ط/ عالم الكتب بيروت، والسنن الكبرى للبيهقي 7/445.
(3) يراجع / نصب الراية لأحاديث الهداية 3/473، سبل السلام 3/209، شرح العناية على الهداية 5/372.
(4) يراجع / مصنف عبد الرزاق 7/90 باب المرأة التي تفقد زوجها تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمي ط1/سنة 1970م
(5) يراجع / السابق، سنن سعيد بن منصور 1/402 تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي ط1/1985، الروض النضير 4/172. (1/59)
صفحة 60
ثم إن الجوزجاني وغيره قد روى بإسناده عن علي - رضي الله عنه - في امرأة المفقود: أنها تعتد أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها، وتعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا، فإن جاء زوجها المفقود بعد ذلك خير بين الصداق وبين امرأته (1)
وما دامت الروايتان قد تعارضتا عن علي - رضي الله عنه - فلا أقل من أن يقال: إنهما تساقطتا، وسقط الاحتجاج بهما، إلا أن يقال: إن رواية الجوزجاني ليس فيها تصريح بوجوب الحكم بالوفاة بعد مرور أربع سنين، بل هي تصرح بأن ولي زوجها يطلقها بعد ذلك، والمفهوم لهذا اللفظ أن ولي الزوج إذا لم يطلق لم تقع الفرقة، فتكون هذه الرواية قد أفادت أن ولي الزوج إذا طلق وقع طلاقه على الزوجة وحلت للأزواج وإلا فلا، وهو غير موطن الخلاف، وعلى هذا فلا تعارض بين الروايتين، وتبقى الرواية الأولى (التي أفادت استمرار الزوجية حتى يتبين أمره) قائمة، لكنها على أية حال قول صحابي فيما هو مختلف فيه، فلا تقوم به حجة (2) .
3) إن حياة المفقود أمر ثابت بيقين استصحابا للحال، أما وفاته فمشكوك فيها، ومعلوم أن اليقين لا يزول بالشك، لذا فإن المفقود يبقى حيا في الحكم ما لم يقم بوفاته دليل، وهو أن تثبت وفاته بالبينة الشرعية، أو يموت كل أقرانه، فإذا لم يبق أحد من أقرانه حيا حكم بموته لأن ما تقع الحاجة إلى معرفته فطريقه في الشرع إلى أمثاله كقيم المتلفات ومهر النساء، وبقاؤه بعد موت جميع أقرانه نادر، وهو لا عبرة به، إذا الأحكام تبنى على الأغلب الأعم (3) .
__________
(1) يراجع / المغني بأعلى الشرح الكبير 9/135.
(2) يراجع / الشرح الكبير بأسفل المغني 9/121، فسخ النكاح ص483.
(3) يراجع / شرح العناية على الهداية للبابوتي 5/372، البحر الرائق 5/178، الحاوي الكبير 11/317، شرح جلال الدين المحلى على المنهاج بهامش قليوبي وعميرة 4/51. (1/60)
صفحة 61
ونوقش قولهم: إن وفاة المفقود مشكوك فيها أما حياته فمتيقنة بأنه غير مسلم، لأن الشك ما تساوى فيه الأمران، ومع مرور أربع سنين على فقد الشخص وانقطاع كل أخباره بعد البحث والتحري عنه، لا يكون الأمر متساويا، بل تترجح الوفاة، فصارت ظنا، ولم تبق شكا، والظن معمول به في الأحكام العملية، وهذا منها، فيقطع به حكم اليقين، ألا ترى أن الأصل براءة الذمة، ثم إذا قامت بينة على شغلها حكم القاضي بذلك؟ والبينة ليست إلا ظنا، إذ إن حتمال الكذب فيها قائم، لكنه مرجوح، وهنا كذلك (1) .
أما قولهم بموت جميع الأقران: فقد يرد عليه بأن التفحص عن حال الأقران جميعا أنهم ماتوا أو لا غير ممكن عادة، وبخاصة إذا قلنا بذلك في جميع البلدان.
واستدل الفريق الثاني على ما ادعاه بما يلي:
أولا: استدلوا على الحكم بوفاة المفقود بعد مضي أربع سنين في بعض الأحوال كما سبق بـ:
1) ما رواه مالك عن يحي بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: "أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ثم تحل" (2)
2) وما رواه الأثرم والجوزجاني بإسنادهما عن عبيد بن عمير قال: فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له، فقال: انطلقي فتربصي أربع سنين، ففعلت، ثم أتته فقال: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرا، ففعلت، ثم أتته فقال: أين ولي هذا الرجل؟ فقال: طلقها، ففعل، فقال عمر لها: انطلقي فتزوجي من شئت (3) .
__________
(1) يراجع / المغني بأعلى الشرح الكبير 9/136، فسخ النكاح ص484.
(2) يراجع / الموطأ بشرح المنتقى للباجي 4/90.
(3) يراجع / المغني بأعلى الشرح الكبير 9/135. (1/61)
صفحة 62
قال الإمام أحمد: يروى هذا الأثر عن عمر من ثلاثة وجوه ولم يعرف في الصحابة له مخالف (1) .
3) وما أخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان قالا في امرأ المفقود تتربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا (2) .
4) ومارواه البيهقي وغيره عن جابر بن زيد قال: تذاكر ابن عباس وابن عمر المفقود فقالا جميعا: تتربص امرأته أربع سنين، ثم يطلقها ولي زوجها ثم تتربص أربعة أشهر وعشرا (3) .
وجه الدلالة: تفيد هذه الروايات المتعددة الطرق أن ما قضى به عمر بن الخطاب في امرأة المفقود (من أنها تتربص أربع سنين ثم تعتد ثم تحل بعدها للأزواج) قد ثبت عنه، وأنه وافقه فيه عدد من كبار الصحابة، فكان حجة على أنه يحكم بوفاة المفقود بعد مضي أربع سنين من فقده لأن أمر زوجته بالاعتداد بعد هذه المدة عدة الوفاة ثم تمكينها من التزوج هو حكم بالموت ضرورة، إذ المرأة لا تحل لزوجين في وقت واحد، ولأن الموت هو مقصود التقدير بهذه المدة.
ونوقش: بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى قد حكى رجوع عمر بن الخطاب عن هذا القول إلى علي بن أبي طالب وهو أنها تنتظر إلى أن يتبين أمره ولو طالت المدة (4) .
ويجاب: بأن الإمام أحمد قد أكد نفى رجوع عمر بن الخطاب عن رأيه، وقال: من ترك هذا القول أي شيء يقول؟ على ما حكاه ابن قدامة (5) .
__________
(1) يراجع / السابق نفس الصفحة، وراجع –إن شئت- وجوه هذا الأثر في: السنن الكبرى للبيهقي 7/445 وما بعدها، سنن سعيد بن منصور 1/400 وما بعدها، مصنف عبد الرزاق 7/88.
(2) مصنف ابن أبي شيبة 3/353، ط/دار الفكر –بيروت.
(3) يراجع / السنن الكبرى للبيهقي 7/445.
(4) يراجع / الكفاية على الهداية 5/372، المبسوط 11/135.
(5) يراجع / المغني لابن قدامة بأعلى الشرح الكبير 9/133. (1/62)
صفحة 63
وقد يرد عليه: بأنه على فرض التسليم بصحة ما روى عن عمر بن الخطاب وعدم الرجوع عنه فإنه لم يخرج عن أنه قول صحابي فيما هو محل الاجتهاد، وقد خالفه فيه غيره من الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن مسعود، ومن ثم فليس فيه حجة (1) .
ثانيا: واستدل المالكية على الحكم بوفاة المفقود بمضي سنة في بعض الحالات بالقرائن التي تفيد غلبة الظن، فإن فقد الشخص في المعركة ثم لا يظهر له خبر بعد مرور سنة من وضع الحرب أوزارها مع البحث والسؤال عنه ومكاتبة الجهة التي غاب فيها بأمره قرينة تفيد غلبة الظن بموته، والعمل بالقرائن معتبر شرعا (2) .
الرأي المختار:
اتضح لنا مما تقدم أن المسألة لم يرد بخصوصها نص شرعي صحيح، وأن فقهاء الصحابة ومن بعدهم لم يجمعوا فيها على رأي واحد، بل اختلفوا كما سبق، إذن لا مناص من الرجوع في حكمها إلى قواعد الشريعة ومقاصدها العامة في ضوء التقدم والتطور الهائل الذي شهده عصرنا الحاضر في وسائل الانتقال والاتصال الحديثة التي حولت العالم الفسيح إلى قرية صغيرة.
ولا ريب أن القول بأنه لا يحكم بوفاة المفقود أبدا، أولا يحكم بوفاته إلا بعد موت أقرانه الذين هم من سنه، قول فيه من الضرر الكبير والحرج الشديد على المستحقين في تركته ما لا يخفى، وبخاصة في هذا الزمان الذي تطورت فيه أساليب التحريات وانتشرت فيه القنصليات والسفارات في أنحاء العالم الأمر الذي سهل البحث عن المفقودين ومكن من سرعة اتخاذ قرار بحسب غلبة الظن في شأنهم، ثم إن موت جميع أقرانه يصعب الوقوف عليه، وفي الوقت ذاته لا دليل عليه، يقول صاحب سبل السلام معقبا على اختلاف الفقهاء في تحديد السن التي يحكم بعدها بموت المفقود: "وهذا كما قال بعض المحققين قضية فلسفية يتبرأ الإسلام منها، إذ الأعمار قسم من الخالق الجبار" (3) .
__________
(1) يراجع / المحلى 10/138، فسخ النكاح ص484.
(2) يراجع / المنتقى للباجي 4/91.
(3) يراجع / سبل السلام شرح بلوغ المرام 3/208. (1/63)
صفحة 64
وفي المقابل الحكم على المفقود بالوفاة بعد مدة قصيرة فيه تفويت منافع كثيرة عليه، وإلحاق أضرار كبيرة به، فقد يعود فيجد أمواله قد قسمت على ورثته، وزوجته قد حلت لغيره بعد اعتدادها، ولم يقم دليل قاطع على الوفاة حتى تترتب هذه الآثار.
لذا فإني أميل إلى ما يلي:
أولا: إن ثبت فقده في حالة يكون هلاكه فيها شبه مؤكد كمن يفقد في عرض البحر نتيجة لسقوط طائرة أو غرق سفينة أو يفقد أثناء العمليات الحربية في ميدان المعركة، ولم تسفر إجراءات البحث بالوسائل الحديثة عن العثور على المفقود، ففي مثل هذه الأحوال قد يكون من المناسب أن يحكم بوفاته بعد مضي سنة من تاريخ فقده، لأن هلاكه حينئذ يكاد يكون مؤكدا، لاستبعاد أن يظل من نجا حيا مجهول النجاة في أي موقع لمدة أطول من سنة.
نعم قد لا يتطلب حصول غلبة الظن بهلاك المفقود في حالة الغرق في البحر إلا بضعة أسابيع، لتعذر العثور على الجثة صالحة للتعرف عليها بعد مضي بضعة أسابيع نظرا لسرعة تحللها في المياه المالحة فضلا عن تعرضها للأسماك المفترسة، لكننا قلنا لا يحكم بوفاته إلا بعد سنة احتياطا، فالغائب يحتاط له (1) .
وهذا القول سبقنا إليه التابعي المعروف سعيد بن المسيب حيث روى الإمام البخاري عنه في باب حكم المفقود في أهله وماله أنه قال:"إذا فقد في الصف عند القتال تتربص امرأته سنة " (2) ، وهو قول المالكية في المفقود في حالة الحرب كما سبق بيانه.
__________
(1) يراجع / المذكرة الإيضاحية للقانون المصري رقم 33 لسنة 1992م
(2) يراجع / فتح الباري 9/249. (1/64)
صفحة 65
ثانيا: إن فقد في حالة يظن فيها هلاكه كمن يختفى إثر وقوع كارثة حريق أو زلزال أو فيضان فإني أرى أن يحكم بوفاته بعد مضي أربع سنين من تاريخ فقده، وذلك بعد القيام بكل التحريات الممكنة والعجز عن الوقوف على أثره، عملا بقضاء سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو ما عليه أكثر الفقهاء، ولأن موته حينئذ لم يبق مجرد شك، بل يصبح أمرا مظنونا أو غالبا على الظن، والظن يقطع به حكم اليقين الثابت باستصحاب الحال في الأحكام العملية، وهذا منها.
وتحديد المدة هنا بأربع سنين فيها مراعاة لحال المفقود والنظر إليه، وهي مدة كافية جدا لتحقق غلبة الظن بوفاته، لا سيما في هذا الزمان، وفي نفس الوقت لا ضرر كبيرا في اعتبار بقاء حياته في حق غيره هذه المدة، فإن قيل: إن زوجته تتضرر بفقده وبعده عنها هذه المدة، قلنا: لها أن ترفع أمرها إلى القاضي إن خشيت على نفسها الفتنة ليفرق بينها وبين زوجها كما أوضحناه قبلا، وهي فرقة غير الفرقة لفقد الزوج.
ثالثا: إن فقد في حالة يظن فيها بقاؤه سالما كمن يسافر لطلب العلم أو الرزق في بلد آمن ثم ينقطع خبره، فهنا ظن السلامة شاهد لليقين وهو الحياة، ومن ثم أرى أن يفوض أمد المدة التي يحكم بعدها بموت المفقود إلى القاضي، وعلى القاضي أن يأمر بإجراء بحث دقيق عنه بجميع الوسائل الممكنة لدى الهيئات المختصة بالبحث عن المفقودين، فإذا لم يظهر له أثر حدد مدة باجتهاده على ألا تقل عن أربع سنوات من يوم فقده، فإذا انصرمت هذه المدة دون ظهور أثر للمفقود حكم بموته حينئذ، وعلى القاضي عند تقدير هذه المدة أن يراعي سن المفقود حين فقده، وحالته الصحية آنذاك، والظروف والأحوال التي أحاطت بفقده.
وإنما قيدنا هذه المدة بشرط ألا تقل عن أربع سنين من يوم فقده: لأننا قلنا بذلك فيمن فقد في ظروف يغلب فيها الهلاك، فكان التقييد بهذه المدة فيمن فقد في ظروف لايغلب فيها الهلاك من باب أولى.
تنبيهان: (1/65)
صفحة 66
الأول: أثر ظهور المفقود حيا بعد الحكم بوفاته في حق زوجته
إن ظهر المفقود حيا بعد الحكم بوفاته وكانت زوجته في أثناء عدتها، أو بعدها ولم تتزوج من غيره فهي على زوجيته بنفس العقد السابق لبطلان الحكم بالوفاة بظهوره حيا، وهذا باتفاق.
وإن ظهر حيا فوجد امرأته قد تزوجت من غيره بعد انتهاء عدتها لكن الثاني لم يدخل بها فالجمهور على أنها تكون على زوجية الأول لبطلان النكاح الثاني لأنه صادف امرأة ذات زوج (1) .
وذهب المالكية في رواية إلى أنها تكون للثاني لأنها قد خرجت من نكاح الأول بالتربص والاعتداد (2) .
وعند الإباضية: إن ظهر حيا خير فيها وفي أقل الصداقين، صداقه هو وصداق الأخير (3) .
ولعل الأول أولى لأن النكاح الثاني بنى على اجتهاد القاضي في الحكم بوفاة المفقود، وقد تبين خطأه بظهوره حيا فكان النكاح الأول بحاله، وهنا ليس على الثاني صداق لأنه نكاح فاسد ولم يتصل به دخول، والقول بالتخير لا أميل إليه لأنها إما أن تكون زوجة للأول ومن ثم لا يجوز أن تبقى مع الثاني، وإما أن تكون زوجة للثاني ومن ثم لا يجوز أن ينتزعها الأول.
وإن ظهر المفقود حيا وقد دخل بها الثاني فهنا أربعة أقوال للفقهاء:
الأول: أن الزوج الثاني أحق بها.
والثاني: أن الزوج الأول (المفقود) هو الأحق بها.
والثالث: يخير الزوج الأول (المفقود) بينها وبين صداقها.
والرابع: تخير المرأة فإن اختارت الزوج الثاني كانت عنده، وإن اختارت الأول فرق بينها وبين الثاني ثم عادت إلى الأول، لكن بعد انقضاء عدتها من الثاني (4) .
__________
(1) يراجع / المبسوط 11/37، المدونة الكبرى 2/450، الحاوي الكبير 11/320، الإنصاف 9/292.
(2) يراجع / المدونة الكبرى 2/451، المنتقى شرح الموطأ 4/93.
(3) يراجع / شرح النيل 7/53.
(4) المراجع السابقة. (1/66)
صفحة 67
وهذه الأقوال كلها مبنية على النظر والإجتهاد، وقد أخذ المقنن العماني بالقول الأول منها حيث جاء في الفقرة (ب) من المادة (197) ما نصه "تعود زوجته إلى عصمته ما لم تتزوج ويقع الدخول بها" ولعله فعل ذلك حتى لا تقل الرغبة –أو تنعدم- في الزواج بهذه المرأة، فمن ذا الذي سيقبل الزواج من امرأة يعيش معه في قلق، يرتقب عودة زوجها الأول لينتزعها منه ويشرد أولاده منها؟
التنبيه الثاني: أثر فقدان الزوجة على زوجها
يظهر أثر فقدان الزوجة على زوجها إن كان متزوجا من أربع هي إحداهن، فهنا على الزوج أحد أمرين:
الأول: إما أن ينتظر إلى حين الحكم القضائي بموت الزوجة المفقودة، وحينئذ يكون له الحق في إرثها لوجود سبب الإرث وهو الزوجية، كما يجوز له أن يتزوج من أخرى بعد الحكم مباشرة لأنه لا عدة عليه، ولأن الحكم بوفاة المفقودة كطلاقها بائنا في عدم وجوب انتظار الزوج انتهاء عدتها.
ثم إن ظهرت المفقودة حية بعد الحكم بموتها فعلى الزوج أن يطلق إحدى الزوجات الأربع اللائي تحت يده، أو يطلق تلك التي كانت مفقودة، وفي كلتا الحالتين عليه أن يرد لمن كانت مفقودة ما أخذه من مالها على سبيل الإرث ما عدا ما استهلك منه، لأنه أخذه بحكم شرعي.
الثاني: وإما ألا ينتظر الحكم بوفاة المفقودة ويطلقها، وحينئذ لا إرث له إن حكم بوفاتها لعدم وجود سبب الإرث وقت الحكم بوفاة.
المقصد الثالث
صاحب الحق في الفرقة للفقد، وصفتها
قلنا آنفا إن زوجة المفقود إن تضررت من فقدانه بأن خشيت على نفسها الفتنة، ثم طلبت من القاضي التفريق من أجل ذلك بعد مضي سنة من تاريخ فقده، وقبل مضي المدة التي تخول القاضي الحكم بوفاته أجابها القاضي، لأن المفقود غائب وزيادة، فيكون لها ما لزوجة الغائب من التفريق عليه، لكنها لا حظ لها من ميراث المفقود يوم الحكم بوفاته لوقوع الفرقة قبل الحكم بوفاته. (1/67)
صفحة 68
أما إن صبرت ولم تجزع من فقدانه ولم تطلب المفارقة وفي ذات الوقت لم يطلب أحد من المستحقين في تركته الحكم بوفاته لأجل ماله فهي باقية على زوجيته حتى يأتيها البيان، يعني أن الفرقة لا تقع بدون طلبها وقضاء القاضي بها (1) .
فإن طلب أحد المستحقين في تركته الحكم بوفاته لأجل تقسيم ماله وأجابه القاضي بعد انقضاء المدة المقررة بحسب ما تقدم، فحينئذ تنفك زوجيتها منه حكما، وتبين منه من تاريخ الحكم بالوفاة، وتعتد للوفاة جبرا، وهي بينونة وفاة لا بينونة طلاق أو فسخ، لأنها أثر من آثار الحكم بوفاته، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء (2) .
وتأسيسا على هذا يمكن القول: بأن زوجة المفقود ليست وحدها صاحبة الحق في هذه الفرقة، حيث إن الحكم بوفاة المفقود الذي هو سبب وقوع الفرقة حق لكل من له مصلحة في الحكم بوفاته من وارث أو غريم أو موص له، وأن هذه الفرقة لا يمكن وصفها بأنها طلاق أو فسخ، وأنه لا بد لحصولها من قضاء القاضي بموت المفقود (3) وإلا فهي على زوجيته حتى يأتيها يقين موته أو يأتيها هي أجلها.
__________
(1) وعلى هذا: لو كان للمفقود أكثر من زوجة فطلبت إحداهن التفريق لتضررها من فقدانه بعد انقضاء سنة من يوم فقده وقبل الحكم بوفاته، وحكم القاضي لها بالتفريق فعلا، فإن الأخريات تبقين في عصمته إلى حين صدور حكم بوفاته، وعندئذ تنحل زوجية الجميع.
(2) يراجع / البدائع 6/197، حاشية الدسوقي 2/479، الحاوي 11/316، الشرح الكبير بأسفل المغني 9/119، جواهر الكلام 32/293، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني 2/257.
(3) صرح المالكية بأنه يحل محل القاضي في الحكم بالوفاة هنا عند الحاجة والي البلد، وإن لم يكن فجماعة المسلمين.
يراجع / مواهب الجليل 4/156، الدسوقي 2/479. (1/68)
صفحة 69
وقد ذهب بعض الإباضية إلى أن القاضي إذا حكم بموت المفقود طلقها وليها طلاقا واحدا ثم تعتد بعد الطلاق للوفاة ولا عدة عليها، ولو مكثت بعد الحكم بالوفاة سنين عددا بلا طلاق لم تتزوج حتى يطلقها الولي ثم تعتد للوفاة (1) .
أما أكثرهم فيرون أنها بعد الحكم بالوفاة تعتد للوفاة ثم يطلقها الولي (2) بعد عدة الوفاة فتعتد للطلاق (3) ، وبهذا قال الحنابلة في رواية لكنهم يقصرون ذلك على ولي الزوج المفقود (4) .
والمفهوم من هذا -وبخاصة قولهم: طلقها وليها طلاقا واحد وقولهم: لا تتزوج حتى يطلقها الولي- أن الفرقة هنا فرقة طلاق.
ولعل الأولى ما ذكرناه قبلا من أنها فرقة وفاة، وأنه لا يعتبر أن يطلقها الولي سواء قلنا وليها أو ولي زوجها، لأن ولي المرأة أو ولي الرجل لا ولاية له في طلاق المرأة.
المقصد الرابع
موقف القانون العماني وبعض القوانين العربية الأخرى من التفريق للفقدان
موقف القانون العماني
عرف قانون الأحوال الشخصية العماني المفقود في الفقرة الثانية من المادة (190) فقال نصا : "المفقود هو الغائب الذي لا تعرف حياته ولا وفاته" وهو تعريف ينسجم مع ما قرره الفقهاء في هذا الصدد .
ثم بيَّن أحكام الفرقة الاختيارية بسبب فقدان الزوج (5) ،
__________
(1) يراجع /شرح النيل 7/41، 22.
(2) ولي المرأة عند بعضهم، وولي الزوج المفقود عند بعضهم الآخر.
(3) يراجع / شرح النيل 7/43.
(4) يراجع / المغني بأعلى الشرح الكبير 9/136.
(5) الفرقة الحاصلة بسبب فقدان الزوج نوعان:
1. ... اختيارية : وهي التي تكون بناء على طلب المرأة واختيارها.
2. ... وإجبارية : وهي التي تكون بسبب الحكم بوفاة المفقود إن طلب ذلك أحد الورثة كما بيناه سابقا، وقلنا : إجبارية لأنها تكون جبرا عن الزوجة. (1/69)
صفحة 70
فقال في المادة (111) ما نصه :"لزوجة المفقود أو الغائب الذي لا يعرف مكانه ولا محل إقامته طلب التطليق للضرر، ولا يحكم لها بذلك إلا بعد مضي مدة لا تقل عن سنة من تاريخ الغياب أو الفقدان".
فهذه المادة –كما هو واضح- أجازت التفريق لفقدان الزوج إن طلبته الزوجة لتضررها من فقده وبعده عنها قياسا على ما قيل في زوجة الغائب المعلوم الحياة ، لأن المفقود غائب وزيادة ، ومن ثم فإن التفريق هنا أولى ، لأنها لا تدري حياته فترجو عودته فتصبر ، ولا تدري موته فتعتد له ثم تنهي العلاقة بينهما ، وقد يطول بها الحال على ذلك ، فكان ضررها أشد .
ولأن هذا التفرق لرفع الضرر عن المرأة فكان لا بد من حصوله ، لذا اشترط القانون مضي سنة على الأقل من تاريخ الفقدان للحكم به .
ولأن التفريق هنا (1) حق للزوجة فكان لا بد من طلبها إياه ، فلا يقضي القاضي به من تلقاء نفسه إن كان على علم بفقد الزوج .
ولا أثر في التفريق هنا لترك الزوج مالا تنفق المرأة منه على نفسها ، لأنه ليس لعدم الإنفاق وإنما هو لرفع ضرر الوحشة والخشية من الوقوع في الفتنة لبعد الزوج عنها .
هذا بإيجاز ما تضمنته هذه المادة من أحكام ، لكن لنا عليها تحفظ شبيه بما قلناه قبلا تعليقا على المادة (111) في المطلب الرابع من المبحث الأول، وهو أنها اعتبرت مضي مدة سنة على الأقل شرطا للحكم بالتفريق، وكان الأولى أن يكون مضي هذه المدة شرطا لرفع الدعوى حتى يمكن تلافي الانتقاد الذي وجه من قبل إلى المادة (110) ، وقد اقترحنا ساعتها صياغة جديدة للمادة (111) (2) ، ولا داعي للتكرار.
__________
(1) يعني في هذه المادة .
(2) يراجع / ص49 وما بعدها من البحث. (1/70)
صفحة 71
ثم تتطرق المقنن العماني للفرقة الحاصلة جبرا عن الزوجة بسبب فقدان زوجها ، وهي تلك التي تكون نتيجة الحكم بوفاته إن طلبه أحد المستحقين في تركته ، فحدد المدة التي تخول القاضي الحكم بوفاة المفقود بأربع سنين من تاريخ الفقدان في الفقرة (ب) من المادة (194) حيث جاء فيها ما نصه :"للقاضي أن يحكم بموت الغائب أو المفقود إذا مرت على الغياب أو الفقد أربع سنوات"
وفي المادة (197) قال :"إذا حُكم باعتبار الغائب أو المفقود ميتا ثم ظهر حيا تعود زوجته إلى عصمته ما لم تتزوج ويقع الدخول بها "
وقد تستغرب عزيزي القارئ هذا النص الذي يجيز للقاضي أن يحكم على الشخص الغائب بالوفاة بعد مرور أربع سنين من تاريخ غيابه بعدما علمت قبلا من أحكام المادتين (110، 111) أن الغائب شخص انتقل من بلده إلى بلد آخر، وأقام فيه، وحياته معلومة وأخباره موصولة ولو في الجملة ، وأنه إما معلوم الإقامة ، وإما مجهول الإقامة .
لكن استغرابك قد يزول عندما تعلم أن القانون يقصد بالغائب في المادتين (194، 197) ما اصطلح عليه الإباضية بشأنه ، وهو أن الغائب مَنْ غاب وانقطع خبره وخفي أثره ولم يدر موضعه بسبب يغلب بقاءه على قيد الحياة.
وقد أخبرتك قبلا أن الغائب بهذا المعنى يرادف المفقود الذي فقد في حال يغلب عليها السلامة عند غير الإباضية ، وأخبرتك أيضا أنه لا مشاحة في الاصطلاح (1) .
ولكن الذي نأخذه على القانون هنا : أنه لا يصح أن يأخذ في تأصيل مسألة معينة بمذهب معين ثم يفرع في ذات المسألة على مذهب آخر يغاير المذهب الأول (يعني أنه لم يراع قاعدة التأصيل والتفريع)، فهو في المادتين (110، 111) أخذ في مفهوم الغائب بمذهب المالكية والحنابلة ، ثم هو في المادتين (194، 197) أخذ في مفهوم الغائب بمذهب الإباضية، ومفهوم الغائب عند هؤلاء يختلف عنه عند هؤلاء.
__________
(1) يراجع / المطلب الأول من المبحث الأول. (1/71)
صفحة 72
والحقيقة : أن هذه إشكالية من شأنه أن توقع القارئ في حيرة ، لذا أرى ضرورة وضع تعريف للغائب لا يلتبس بالمفقود ، ثم يكون التفريع عليه في كل المواد، وقد اقترحنا تعريفا فراجعه –إن شئت- في بيان المقصود بالغيبة في صدر البحث.
أيضا : تحديد مدة أربع سنوات للحكم بوفاة كل مفقود فيه نظر ، فإن من المفقودين من يكون هلاكه شبه مؤكد كمن يفقد في عرض البحر نتيجة سقوط طائرة أو غرق سفينة ، ومنهم من يفقد في حالة يظن فيها هلاكه كمن يختفي إثر وقوع كارثة حريق أو فيضان أو نحوهما، ومنهم من يفقد في حالة يظن معها بقاؤه سالما كمن يسافر لطلب العلم أو الرزق في بلد آمن ثم ينقطع خبره.
فإعطاء حكم واحد للجميع لا أراه مناسبا ، لذا أقترح إعادة النظر في صياغة المادة (194) في ضوء ما ذكرته آنفا في الرأي المختار من هذه المسألة.
موقف القانون المصري من فقد الزوج
جاء القانون رقم 25 لسنة 1920م الصادر في 12 يوليو 1920م، بمزيج من مذهبي مالك وأحمد في الظاهر عنه، فقضى في المادة السابعة أنه إذا لم يسفر التحري عن المفقود ومضت أربع سنوات من تاريخ رَفعِ الأمرِ إلى القاضي أعلن القاضي الزوجة لتعتد بمدة وفاة ثم تحل بعدها للأزواج ، ولم يفرق هنا القانون بين المفقود في حال يغلب فيها عليه الهلاك وبين المفقود في حال يغلب فيها عليه السلامة ، واعتبر بدء مدة الأربع سنوات من تاريخ رفع الدعوى.
ثم جاء القانون رقم 25 لسنة 1929م والصادر في 10 مارس 1929، مفرق بين حالتي السلامة والهلاك ، ومعتبرا بدء الأربع سنوات من تاريخ الفقد وذلك في المادة (21) منه ، وهاك نصها :
"يحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنين من تاريخ فقده ، وأما في جميع الأحوال الأخرى فيفوض أمر المدة التي يحكم بموت المفقود بعدها على القاضي وذلك بعد التحري عنه بجميع الطرق الممكنة الموصلة إلى معرفة إن كان المفقود حيا أو ميتا" (1/72)
صفحة 73
أما المادة (22) من هذا القانون فقد نصت على "بعد الحكم بموت المفقود بالصفة المبينة في المادة السابقة تعتد زوجته عدة الوفاة وتقسم تركته بين ورثته الموجودين وقت الحكم"
ثم جرى على المادة (21) سالفة الذكر تعديل بالقانونين رقمي (103) لسنة 1958م ، (33) لسنة 1992م.
أما القانون (103) لسنة 1958م فقد أضاف أفراد القوات المسلحة واكتفى بالنسبة لمن فقد منهم في العمليات الحربية بصدور قرار من وزير الحربية باعتباره ميتا بعد مضي الأربع سنوات ، ويقوم هذا القرار مكان الحكم بالوفاة .
أما القانون (33) لسنة 1992م فقد استثنى من حكم المادة (21) المشار إليها آنفا المفقودين الذين كانوا على ظهر سفينة غرقت أو في طائرة سقطت أو من أفراد القوات المسلحة ثم فقدوا أثناء العمليات الحربية ، ونص على اعتبار كل منهم ميتا بعد مضي سنة من تاريخ فقده، كما نص على أن يصدر رئيس مجلس الوزراء بعد التحري واستظهار القرائن التي يغلب معها الهلاك قرارا بأسماء المفقودين من هؤلاء عدا المفقودين من أفراد القوات المسلحة أثناء العمليات الحربية فإن رئيس مجلس الوزراء أو وزير الدفاع بحسب الأحوال يصدر قرارا بأسمائهم ، ويقوم القرار في الحالتين مقام الحكم بموت المفقود (1) .
القانون السوري
عرف القانون السوري رقم 59 لسنة 1953م المفقود بأنه كل شخص لا تعرف حياته أو مماته ، أو تكون حياته محققة ولكن لا يعرف له مكان.
كما ألحق بالمفقود في الأحكام مَنْ منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى وطنه أو إدارة شئونه بنفسه أو بوكيل عنه مدة أكثر من سنة وتعطلت بذلك مصالحه.
__________
(1) يراجع / موسوعة الفقه والقضاء للمستشار محمد عزمي البكري 3/590، موسوعة الأحول الشخصية للمستشار/ معوض عبد التواب 1/376 نشر منشأة المعارف بالأسكندرية. (1/73)
صفحة 74
ولم يجز هذا القانون في المادة 215 منه الحكم بوفاة المفقود –بحسب المفهوم السابق- قبل بلوغ عمره ثمانين عاما (1) .
واللافت للنظر في هذا القانون أنه ألحق بالمفقود ما ليس منه بحسب ما اصطلح عليه الفقهاء ، ولست أدري مصدر القانون في هذا .
القانون الأردني
نص القانون الأردني في المادة (131) على أنه "إذا راجعت زوجة المفقود القاضي وكان زوجها الغائب قد ترك لها مالا من جنس النفقة ، وطلبت منه تفريقها لتضررها من بعده عنها ، فإن يئس من الوقوف على خبر حياته أو مماته بعد البحث والتحري عنه يؤجل الأمر أربع سنوات من تاريخ فقده.
فإذا لم يمكن أخذ خبر عن الزوج المفقود وكانت مصرة على طلبها يفرق القاضي بينهما في حالة الأمن وعدم الكوارث ، أما إذا فقد في حالة يغلب على الظن هلاكه فيها كفقده في معركة أو إثر غارة جوية أو زلزال أو ماشابه ذلك فللقاضي التفريق بينهما بعد مضي مدة لا تقل عن سنة من تاريخ فقده ، وبعد البحث والتحري عليه" (2)
... ويبدو لي أن صدر هذه المادة وتحديدا قوله "وطلبت منه تفريقها لتضررها من بعده عنها ... إلخ قوله: يؤجل الأمر أربع سنوات من تاريخ فقده" يتعارض مع ما قرره القانون الأردني قبلا في المادة (123، 124، 125) بشأن التفريق للغيبة رفعا للضرر عن المرأة، ذلك أن قوله في المادة (131) "وطلبت منه التفريق لتضررها" صريح الدلالة على أن هذا التفريق إنما هو لرفع الضرر بسبب بعده عنها ، وليس للحكم عليه بالموت حتى يؤجل الأمر أربع سنوات.
القانون الكويتي
__________
(1) يراجع / فسخ الزواج د/أحمد الكردي ص501.
(2) يراجع / الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني د/عمر الأشقر ص 274، شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني د/محمود السرطاوي ص470. (1/74)
صفحة 75
... اتجه المقنن الكويتي في المادة (146، 147) إلى أن المفقود الذي غلب عليه الهلاك يحكم عليه بالموت -ومن ثم تنحل زوجيته ويقسم ماله- بعد أربع سنوات من تاريخ فقده ، وفي جميع الأحوال الأخرى يفوض أمر المدة إلى القاضي وذلك بعد التحري عنه لمعرفة إن كان حيا أو ميتا (1) .
... فهذه القوانين -في جملتها- قد فرقت في المدة التي يُحكم بعدها بموت المفقود بين مَن يُفقد في حالة يغلب فيها عليه الهلاك وبين من يفقد في حالة يغلب فيها عليه السلامة، ولما كان قانون الأحوال الشخصية العماني متأخرا في الصدور عن هذه القوانين فقد كنا نأمل أن يحذو حذوهم في هذا الصدد.
الخاتمة
الحمد لله في البدء والختام والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام ، وعلى آله وصحبه الذين قاموا بأمر هذا الدين خير قيام.
وبعد ... فقد بذلت في إعداد هذا البحث غاية وسعي، وقصوى طاقتي، وقدمت فيه أحسن ما عندي في إطار المصادر المتوفرة والمدة الزمنية الممنوحة ، فإن كنت قد وفقت فيما طُلب مني فذاك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن كانت الأخرى فعذري أني بشر وأستغفر الله العظيم، وحسبي أني لم آلو جهدا، وأني فتحت الموضوع للنقاش.
ثم لما كانت العادة في الندوات العلمية تقديم ملخص للبحث، وكذا التوصيات والمقترحات التي وقف عليها الباحث أثناء بحثه فإني سأشير إلى هاتين النقطتين فيما يلي:
أولا : ملخص بحث
التفريق القضائي بين الزوجين للغيبة والفقدان
دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية العماني وبعض القوانين العربية الأخرى
أولا: التفريق لغياب الزوج:
الغياب الذي نعنيه هنا : هو انتقال الزوج إلى بلد غير البلد الذي تقيم فيه زوجته وإقامته فيه مدة تتضرر زوجته فيها من بُعْدِهِ عنها ، وحياته معلومة وأخباره موصولة ولو إجمالا.
__________
(1) يراجع الأحول الشخصية في التشريع الإسلامي مع بيان قانون الأحوال الشخصية للقضاء في محاكم الكويت د/أحمد العندور ص 679. (1/75)
صفحة 76
فإذا غاب الزوج عن زوجته مدة من الزمان وقد ترك لها مالا تنفق منه على نفسها أثناء غيابه، لكنها تضررت بغيبته وبعده عنها بحرمانها من تلبية رغباتها الجسدية والنفسية، مما جعلها تتطلع إلى الرجال وتطمح نفسها إليهم وتخاف على نفسها من الانحراف والسقوط في الفاحشة، فهل لهذه الزوجة أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها لذلك كي تحل من بعده للأزواج، أم لا؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة بين مانع مطلقا، ومجيز بضوابط، ثم إن الذين أجازوا لها التفريق اختلفوا فيما بينهم في نوع الغيبة المجيزة للتفريق، وفي مدتها، وفي وصف الفرقة الحاصلة بذلك.
أما بالنسبة لنوع الغيبة المجيزة للتفريق ففيها رأيان:
الأول: يرى الحنابلة في المعتمد عندهم أن الغيبة التي تجيز التفريق بين الزوجين هي غيبة الزوج عن زوجته بغير عذر مقبول شرعا، كالسفر للسياحة أو بقصد الإضرار بالزوجة، أما غيابه عنها بعذر مقبول كالسفر لطلب الرزق أو لطلب العلم أو الحج والغزو الواجبين فلا تفريق به عندهم.
والثاني: يرى الإباضية –كما هو ظاهر من تفريعاتهم- والمالكية في المعتمد جواز التفريق لتضرر المرأة من غيبة زوجها مطلقا، أي سواء أكانت غيبته بعذر أم بغير عذر، لأن المرأة تتضرر في الحالتين.
وأما بالنسبة لمدة الغيبة التي يجوز التفريق بين الزوجين بانقضائها: فالإباضية يرون أنها أربعة أشهر، لأن الله العليم بمقدار ما تصبر المرأة عن زوجها قد حدد هذه المدة في الإيلاء.
والحنابلة يرونها ستة أشهر عملاًً بقول عمر بن الخطاب حين استفسر من ابنته السيدة حفصة أم المؤمنين - رضي الله عنه - كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: خمسة أشهر أو ستة أشهر.
وقال المالكية إنها سنة، وهو المعتمد من أقوالهم. وفي بعض أقوالهم سنتان، وفي قول: الثلاث سنوات ليست بطول، بل لا بد من الزيادة عليها. (1/76)
صفحة 77
وأما بالنسبة لوصف الفرقة الحاصلة بغيبة الزوج: فالمالكية والإباضية يقولون إنها طلاق بائن، إذ المراد بها رفع الضرر عن المرأة، ولا يرتفع إلا بالبائن.
أما الحنابلة فيرون أن الفرقة الحاصلة بسبب غيبة الزوج فسخٌ، لأنها لم تصدر من الزوج ولا بتفويض منه.
ومعلوم أن الطلاق يخالف الفسخ من وجوه عدة أشرنا إليها في البحث.
وقد جنح المقنن العماني للرأي المعتمد عند المالكية في القضايا الثلاث سالفة الذكر في المادتين 110، 111 من القانون، لكن هاتين المادتين قد شابهما قصور في الصياغة ، وضحناه في موطنه من البحث ، واقترحنا صياغة جديدة للمادتين.
ثانيا: التفريق لفقدان الزوج:
المفقود هو من غاب غيبة منقطعة خفيت فيها أخباره، وجُهلت فيها حياته، وأصبح أهله في حيرة من أمره، أحيٌّ هو فيُتوقع (يعني قدومه) أم ميت أودع اللحد البَلْقَع (1) ؟
فمن كان حاله كذلك ثم طلبت امرأته التفريق بينها وبينه لتضررها من غيبته تلك، وخشيتها على نفسها الفتنة والانخراط في الرذيلة والمهالك، فهل تجاب إلى طلبها؟
الفقهاء في ذلك على مذهبين، كما في الغائب، لأن المفقود هو غائب وزيادة، فيكون لزوجة المفقود ما لزوجة الغائب المجهول الإقامة من أمر التفريق عليه.
أما إذا لم تطلب زوجته المفارقة وانتظرته وصبرت ولم تجزع من غيابه، فهل تكون على زوجيته عمرها كله؟
نقول: إن الأمر لا يخلو من حالتين: إما أن يرفع أحد ورثة ذلك المفقود أو أحد من المستحقين في تركته الأمر إلى القاضي طالبا منه الحكم بوفاته، وإما لا.
فإذا لم يُرفع حال المفقود إلى القاضي: فزوجته باقية على زواجها منه حتى يأتيها يقين موته أو يأتيها هي أجلها. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
__________
(1) البلقع : الأرض القفر التي لا شيء بها ، وجمعه بلاقع . مختار الصحاح ص 50 (1/77)
صفحة 78
أما إذا رفع أحد ورثة المفقود أو أحد المستحقين في تركته حاله إلى القاضي طالبا الحكم بموته، وقد حكم القاضي له به، وذلك بعد مرور مدة يغلب على الظن أنه قد مات، فحينئذ تنحل زوجيتها منه، وتعتد وجوبا عدة الوفاة، وتبين منه بانقضاء العدة، لأن القضاء حجة متعدية، فتلزمها الفرقة به. وهو قول عامة أهل العلم خلافا لابن حزم الذي يرى أنه لا يجوز فسخ نكاح المفقود أبدًا.
وهنا يثور تساؤل هام وهو: متى يحكم القاضي بوفاة المفقود ومن ثم تنحل زوجيته؟
جمهور الفقهاء يفرق بين من يُفقَد في غيبة ظاهرها السلامة، كمن يسافر للتجارة أو طلب العلم أو السياحة، أو غير هذا، ثم لم يعد، وخفيت أخباره وانقطعت، وبين من يُفقَد في غيبة ظاهرها الهلاك، كمن في ساحة القتال، أو ينكسر به مركب فيغرق بعض رفقته أو نحو هذا.
فإن كان ظاهر غيبة الزوج السلامة: فإن أكثرهم يرون أنه حيٌّ قضاءً، ولا يمكن الحكم بموته –ومن ثم لا تنحل زوجيته- إلابعد التعمير الغالب أو يموت أقرانه.
على اختلاف فيما بينهم في تقدير ذلك، فقيل: مائة وثلاثون سنة، وقيل: مائة وعشرون، وقيل: تسعون، وقيل: ثمانون، وقيل: سبعون.
وذهب الشافعي في القديم إلى أن القاضي يحكم بموته بعد مرور أربع سنوات من غيبته، ثم تعتد المرأة أربعة أشهر وعشرا، لوفاته حكمًا، ثم تحل بعدها للأزواج.
أما إن كان ظاهر غيبته الهلاك: فعلى رأيين:
الأول: أن القاضي يحكم بموته إذا مرت على فقده أربع سنوات، وساعتَها تعتد زوجته عدة الوفاة لوفاته حكما، ثم تبين منه بانقضاء عدتها.
وهو قول ثُلّة من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الإباضية والحنابلة في الظاهر والشافعي في القديم.
الثاني: أن القاضي لا يحكم بموته حتى وإن كان ظاهر غيبته الهلاك، ما لم تثبت وفاته بالبينة أو بموت أقرانه. يعني لا تنفك زوجيته عند هؤلاء حتى يتبين موته بالدليل، أو بالحكم بوفاته بعد موت أقرانه، أو التعمير الغالب. (1/78)
صفحة 79
وهو مذهب الحنفية والشافعي في الجديد، وبه قال جماعة من فقهاء التابعين.
هذا، وللمالكية تقسيم خاص في زوجة المفقود، وهو أن المفقود يفقد في حالة حرب أو في حالة سلم، وقد يكون فقده في دار الإسلام أو في دار الشرك، وقد يكون في قتال بين طائفتين من المسلمين، أو طائفة مسلمة وأخرى كافرة، ولكل من هذه الحالات حكمها الخاص بها عندهم كما هو موضح بالبحث.
أما القانون فقد قرر في مادته (194) الفقرة (ب) أن للقاضي أن يحكم بموت المفقود بمرور أربع سنوات من تاريخ الفقد، ونظرا لأن تحديد هذه المدة في كل مفقود قد لا يكون مناسبا لظروف عصرنا فإني اقترحت إعادة النظر في صياغة هذه المادة في ضوء ما ذكرته في الرأي المختار من هذه المسألة.
ثانيا: التوصيات
من خلال معايشتنا لجزئيات هذا الموضوع أوصي بما يلي:
1. إعادة النظر في صياغة المواد (110، 111، 190 الفقرة أ، 194 الفقرة ب) من قانون الأحوال الشخصية العماني في ضوء ما هو مبين قرين كل مادة من هذه المواد في صلب البحث (1) ، إذ لا حاجة إلى التكرار هنا.
2. احتساب الفرقة الحاصلة بالغيبة فسخا بدلا من احتسابها طلاقا بائنا (2) حتى تنال الأسرة ما وراء هذا من نفع وخير كما بيَّنَاه في موطنه من الحث عند حديثنا عن صفة الفرقة الحاصلة بسبب الغيبة (3) ، إذ لا داعي للتكرار هنا أيضا.
3. ضرورة عقد ورشات عمل تضم القضاة الشرعيين والأساتذة الأكادميين من الكلية وغيرها للنقاش في المواد القانونية التي لم تنل حظها في ندوات سابقة وذلك للتوصل إلى أفضل ما يخدم المجتمع العماني في هذا المجال.
وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
د/المغاوري الفقي
كلية الشريعة والقانون
مراجع البحث
__________
(1) - يراجع من البحث ص: 7 ، 8 ، 48 ، 49 ، 50 ، 77 ، 78 ، 79 .
(2) - الذى عليه القانون العمانى فى المادة (115) أن التفريق للغيبة طلاقا بائنا.يراجع ص46 من البحث.
(3) - يراجع من البحث ص: 45. (1/79)
صفحة 80
أولا :1- القرآن الكريم .
ثانيا : من كتب التفسير :
2- أحكام القرآن لابن العربى ، ط/ دار الفكر – بيروت ، مراجعة وتعليق: محمد عبد القادر عطا .
3- تيسير العلى القدير باختصار تفسير ابن كثير ، ط/ دار الفجالة – القاهرة .
4- الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ، ط/ دار الحديث بالقاهرة ، مراجعة وتعليق : د/ محمد الحفناوى ، د/ محمود عثمان .
ثالثا : من كتب الحديث النبوى:
5- تلخيص الحبير فى تخريج أحاديث الرافعى الكبير لابن حجر العسقلانى ، تعليق وتنسيق: السيد عبد الله هاشم – المدينة المنورة.
6- سبل السلام شرح بلوغ المرام ، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعانى ، ط/ دار الفكر – بيروت .
7- سنن ابن ماجه ، ط/ عيسى الحلبى بمصر ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقى .
8- سنن أبى داوود ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت .
9- سنن الترمذى ، ط/ دار الحديث بالقاهرة ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقى .
10- سنن الدار قطنى ، ط/ عالم الكتب – بيروت .
11- سنن سعيد بن منصور ، تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمى
12- السنن الكبرى للبيهقى ، ط/ دار الفكر – بيروت .
13- سنن النسائى ، ط/ دار الحديث بالقاهرة .
14- صحيح مسلم بشرح النووى ، ط/ دار الفكر – بيروت .
15- عون المعبود شرح سنن أبى داوود ، لأبى عبد الرحمن شرف الحق ، ط/ دار الكتاب العربى – بيروت .
16- فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر العسقلانى ، ط/ دار إحياء التراث العربى
17- مصنف عبد الرازق ، تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمى ، ط/1 سنة 1970م.
18- نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعى ، ط/ دار إحياء التراث العربى .
رابعا : من كتب اللغة العربية:
19- خزانة الأدب لعبد القادر البغدادى ، نشر مكتبة الخانجى بالقاهرة ، تحقيق : عبد السلام هارون .
20- رصف المبانى فى شرح حروف المعانى للمالقى ، ط/ مجمع اللغة العربية بدمشق ، تحقيق : أحمد الخراط . (1/80)
صفحة 81
21- القاموس المحيط للفيروز آبادى ، ط/ مصطفى الحلبى بمصر.
22- لسان العرب لابن منظور ، ط/ دار إحياء التراث العربى -بيروت .
23- مختار الصحاح لمحمد بن أبى بكر الرازى ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت .
24- المصباح المنير – للفيومى ، ط/ المكتبة العلمية – بيروت .
25- المعجم الوجيز الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، ط/ وزارة التربية والتعليم .
26- المنجد فى اللغة والأعلام لبطرس البستانى ، ط/ دار المشرق – بيروت .
خامسا : من كتب أصول الفقه:
27 - الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى ، ط/ الحلبى – مصر .
28- المستصفى فى علم الأصول لأبى حامد الغزالى ، ط/ المكتبة التجارية الكبرى – مصر .
29- الموافقات فى أصول الشريعة للشاطبى ، ط / دار المعرفة – بيروت .
30- نهاية السول شرح منهاج الوصول فى علم الأصول للإسنوى .
سادسا : من كتب الفقه الإسلامي.
( أ ) من كتب الفقه الحنفى:
31- البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ، ط/ دار المعرفة– بيروت .
32 - بدائع الصنائع للكاسانى ، ط / دار الكتب العلمية – بيروت .
33- تبيين الحقائق للزيلعى ، ط/ دار المعرفة – بيروت .
34- رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين ، د/ دار إحياء التراث العربى ، - بيروت ، تحقيق : محمد صبحى حسن ، وعامر حسين.
35- شرح فتح القدير لابن الهمام ، ط/ دار إحياء التراث العربى - بيروت – ومكتبة المثنى – بغداد .
36- العناية على الهداية للبابرتى ، مطبوع بهامش شرح فتح القدير، ط/ دار إحياء التراث العربى - بيروت .
37- الكفاية على الهداية لجلال الدين الخوارزمى بأسفل شرح فتح القدير ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت .
38- المبسوط للسرخسى ، ط / دار الكتب العلمية – بيروت ، تحقيق: أبى عبد الله محمد حسن الشافعى .
39- مجمع الأنهر فى شرح ملتقى الأبحر ، لعبد الله بن الشيخ محمد بن سليمان المعروف بدا مدا أفندى . (1/81)
صفحة 82
40- الهداية شرح بداية المبتدى للمرغينانى بهامش شرح فتح القدير، ط/ دار إحياء التراث العربى - بيروت .
( ب ) من كتب الفقه المالكى :
41- البهجة شرح التحفة للتسولى ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت.
42- التاج والإكليل لمختصر خليل لأبى عبد الله العبدرى المعروف بالمواق بهامش مواهب الجليل ، ط/ دار الفكر – بيروت .
43- حاشية البنانى بهامش الزرقانى ، ط/ دار الفكر – بيروت .
44- حاشية الدسوقى ، ط / دار الفكر – بيروت .
45- حاشية العدوى بهامش الخرشى ، ط/ دار الفكر – بيروت .
46- حلى المعاصم لفكر ابن عاصم لأبى عبد الله محمد التاودى بأسفل البهجة شرح التحفة ، ط / دار الكتب العلمية – بيروت .
47- الخرشى على مختصر خليل ، ط / دار الفكر – بيروت .
48- الذخيرة للقرافى ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت .
49- شرح الزرقانى على مختصر خليل ، ط/ دار الفكر – بيروت .
50- الشرح الكبير للدردير بهامش حاشية الدسوقى،ط/ دارالفكر– بيروت .
51- شرح منح الجليل للشيخ عليش ، نشر مكتبة النجاح بطرابلس– ليبيا .
52- المدونة الكبرى للإمام مالك ، ط/ دار السعادة سنة 1323هـ .
53- المنتقى شرح الموطأ للإمام الباجى ، ط/ دار الكتاب العربى – بيروت .
54- مواهب الجليل شرح مختصر خليل ، لأبى عبد الله المعروف بالحطاب ، ط/ دار الفكر – بيروت .
55- النوازل الجديدة الكيرى المسماة بـ ( المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب ) لأبى عيسى الوزانى ، ط/ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب .
( ج ) من كتب الفقه الشافعى :
56- الأشباه والنظائر للسيوطى ، دار الكتب العلمية – بيروت .
57- الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع للشربينى الخطيب ، ط / السعادة – القاهرة .
58- الأم للإمام الشافعى ، ط/ دار المعرفة – بيروت .
59- تكملة المجموع للمطيعى ، ط/ دار الفكر – بيروت . (1/82)
صفحة 83
60- حاشيتا قليوبى وعميرة على شرح الجلال المحلى على المنهاج، ط/ دار الفكر – بيروت .
61- الحاوى الكبير للماوردى, تحقيق وتعليق الشيخين : على معوض، وعادل عبد الموجود ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت .
62- روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووى ، ط/ المكتب الإسلامى– بيروت ، إشراف : زهير الشاويش .
63- شرح جلال الدين المحلى على المنهاج بهامش قليوبى وعميرة، ط/ دار الفكر- بيروت .
64- مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج ، للخطيب الشربينى، ط / دار إحياء التراث العربى - بيروت .
65- المهذب للشيزاوى ، ط/ عيسى الحلبى - مصر .
66- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لأبى العباس الرملى ، ط/ دار الفكر – بيروت.
( د ) من كتب الفقه الحنبلى :
67- الاختيارات الفقهية لابن تيمية ، ط/ دار المعرفة – بيروت .
68- الإنصاف لعلاء الدين المرداوى ، ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت.
69- تصحيح الفروع لأبى الحسن المرداوى بهامش الفروع لابن مفلح ، ط/ عالم الكتب – بيروت .
70- الروض المربع للبهوتى ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت .
71- الشرح الكبير على متن المقنع لأبى الفرج بن قدامة بأسفل المغنى لأبى محمد بن قدامة ، ط/ دار الفكر – بيروت .
72- شرح منتهى الإرادات للبهوتى ، ط / عالم الكتب – بيروت .
73- الفروع لابن مفلح ، ط/ عالم الكتب – بيروت .
74- كشاف القناع للبهوتى ، ط / عالم الكتب – بيروت .
75- مطالب أولى النهى فى شرح غاية المنتهى للعلامة الرحيبانى، ط/ الثالثة 0002م .
76- المغنى لأبى محمد بن قدامة ، ط/ دار إحياء التراث العربى– بيروت ، وبأعلى الشرح الكبير ، ط/ دار الفكر – بيروت .
( هـ ) من كتب الفقه الظاهرى:
77- المحلى لابن حزم ، ط/ دار الجيل ، والآفاق الجديدة – بيروت، تحقيق لجنة إحياء التراث العربى .
( و ) من كتب الفقه الإباضى : (1/83)
صفحة 84
78- تمهيد قواعد الإيمان لأبى محمد سعيد بن خلفان ، ط/ وزارة التراث القومى والثقافة – سلطنة عمان .
79- الجامع لأبى عبد الله محمد بن بركة ، تحقيق : عيسى البارونى ، ط/ الشرقية – مسقط .
80- جوابات الإمام السالمى ، ط/ الثانية 1999م – إشراف : عبد العال السالمى ، تنسيق : د/ عبد الستار أبو غدة .
81- جوهر النظام فى علمى الأديان والأحكام للإمام السالمى ، ط/ النهضة – سلطنة عمان .
82- شرح النيل وشفاء العليل للشيخ أطفيش ، ط/ مكتبة الإرشاد – جدة .
83- فتاوى النكاح للعلامة أحمد بن حمد الخليلى ، ط / الأجيال للتسوق – سلطنة عمان .
84- كتاب النكاح للعلامة الجناونى ، نشر مكتبة وهبة – القاهرة.
85- مختصر الشيخ أبى الحسن البسيوى ، ط/ وزارة التراث القومى والثقافة – سلطنة عمان .
( ز ) من كتب الفقه الإمامى :
86- جواهر الكلام شرح شرائع الإسلام لمحمد النجفى، ط/ المكتبة الإسلامية بطهران – تحقيق : محمود القوحانى .
87- شرائع الإسلام لجعفر بن الحسن الملقب بالمحقق الحلى، ط/ دار الحياة – بيروت .
88- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة لمحمد بن الحسن العاملى ، نشر وتحقيق : مؤسسة آل البيت لإحياء التراث .
( ح ) من كتب الفقه الزيدى :
89- التاج المذهب لأحمد بن قاسم العنسى ، ط/ الحلبى بمصر .
90- الدرر البهية للشوكانى ، ط/ دار المعرفة – بيروت .
91- الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير للحسين بن أحمد الصنعانى ، ط/ دار الجيل – بيروت .
92- الروضة الندية شرح الدرر البهية للقنوجى ، ط/ دار المعرفة – بيروت .
93- السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكانى ، ط/ دار الكتب العلمية – بيروت .
سابعا : من الدراسات الشرعية والقانونية الحديثة :
94- الأحوال الشخصية فى التشريع الإسلامى مع بيان قانون الأحوال الشخصية للقضاء فى محاكم الكويت،د/ أحمد الغندور ، نشر مكتبة الكويت (1/84)
صفحة 85
95- الأحوال الشخصية لأبى زهرة ، ط/ دار الفكر العربى بالقاهرة .
96- بحوث فى فرق النكاح الدائرة بين الفسخ والطلاق لأستاذنا الدكتور / المرسى عبد العزيز السماحى ، ط/ الفجر الجديد – القاهرة .
97- حق الاستمتاع بين الزوجين وآثاره وموانعه الشرعية د/ حامد شمروخ ، ط/ دار الجامعة الجديدة بالأسكندرية - مصر .
98- درر الحكام شرح مجلة الأحكام للأستاذ / على حيدر ، ط/ دار الجيل – بيروت .
99- الزواج والطلاق فى الفقه الإسلامى ، د/ محمد كمال إمام ، ط/ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – بيروت .
100- سلطة القاضى فى التفريق بين الزوجين بالأمور التى تمنع الاستمتاع لأستاذنا الدكتور محمد رأفت عثمان ، ط/ دار الطباعة المحمدية .
101- الفرقة بين الزوجين للأستاذ / على حسب الله ، ط/ دار الفكر العربى .
102- فسخ الزواج " بحث مقارن بين الشريعة الإسلامية والشريعتين المسيحية واليهودية والقوانين العربية " د/ أحمد الحجى الكردى ، ط/ اليمامة – بيروت .
103- قانون الأحوال الشخصية العمانى .
104- موسوعة الأحوال الشخصية للمستشار / معوض عبد التواب، نشر منشأة المعارف بالأسكندرية .
105- موسوعة الفقه والقضاء فى الأحوال الشخصية للمستشار / محمد عزمى البكرى ، نشر دار محمود بالقاهرة .
106- الواضح فى شرح قانون الأحوال الشخصية الأردنى، د/ عمر سليمان الأشقر ، ط/ دار النفائس – الأردن .
107- الوجيز لأحكام الأسرة فى الإسلام د/ محمد سلام مدكور، نشر دار النهضة العربية – القاهرة .
الفهرس
الموضوع الصفحة
المقدمة ... 2
المبحث الأول : التفريق بين الزوجين بسبب غيبة الزوج ... 4
المطلب الأول : المقصود بالغيبة ... 5
المطلب الثاني : آراء الفقهاء في التفريق لغيبة الزوج ... 9
مذهب القائلين بجواز التفريق ... 9
مذهب القائلين بعدم جواز التفريق ... 16
الأدلة والمناقشة ... 17
الرأي المختار ... 37
تنبيهان ... 40
المطلب الثالث : صاحب الحق في الفرقة للغيبة، وصفتها ... 42 (1/85)
صفحة 86
المطلب الرابع : موقف قانون الأحوال الشخصية العماني ، وبعض القوانين العربية الأخرى من التفريق للغيبة ... 46
المبحث الثاني : التفريق بين الزوجين لفقدان الزوج ... 54
المقصد الأول : التعريف بالفقدان ... 55
المقصد الثاني : أقوال الفقهاء في التفريق بسبب فقدان الزوج ... 57
متى يحكم القاضي بوفاة المفقود ، ومن ثم تنحل زوجيته ... 59
صفوة القول في الموضوع ... 6 ...
الأدلة والمناقشة : ... 63
الرأي المختار ... 68
أثر ظهور المفقود حيا بعد الحكم بوفاته في حق زوجته ... 71
أثر فقدان الزوجة على زوجها ... 72
المقصد الثالث : صاحب الحق في الفرقة للفقد ، وصفتها ... 74
المقصد الرابع : موقف القانون العماني وبعض القوانين العربية
الأخرى من التفريق للفقدان ... 76
الخاتمة : ... 83
ملخص البحث : ... 84
التوصيات : ... 88
المراجع : ... 89
الفهرس: ... 98 (1/86)