صفحة 1
بحث: التوطين والسفر لإبراهيم الصوافي (ملخص)
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) ملخص بحث ش إبراهيم الصوافي
المبحث الأول :
ضابط الوطن الموجب لإتمام الصلاة
وفيه مطلبان
المطلب الأول :في صفة الوطن
مسألة الموجب لإتمام الصلاة هل هو الاستقرار والاطمئنان وحده كما ينص على ذلك أصحابنا ــ رحمهم الله ــ أم أن هناك أسبابا أخرى كالزوجية والرق والولدية ،كما نص على ذلك العلماء عند حديثهم عن صلاة المرأة وصلاة العبد وصلاة الصبي
ففي حين ينص العلماء ـ كما تقدم ـ على أن الموجب لإتمام الصلاة استقرار القلب واطمئنان النفس مما يستفيد منه القارئ العلة الموجبة لصلاة الوطن التي بانتفائها يجب قصر الصلاة ، إذا به يرى تخلف هذه العلة في بعض الصور ، كقولهم : المرأة تتبع زوجها والعبد يتبع سيده والصبي يتبع أباه والوالي يتم حيث ولاه الحاكم ... إلخ
هذا الموضوع المهم الذي تشتد الحاجة إليه نظرا لارتباطه بأهم شعيرة من شعائر الإسلام وبأول ركن عملي من أركانه وبعمود الدين ألا وهو الصلاة.
قال الباحث (إبراهيم الصوافي) بعد كلام السالمي (معارج، 10/223، 224) يراجع. (1/1)
صفحة 2
"فيا سبحان الله كان العلماء ـ وما زالوا ـ يعانون من أمثال هؤلاء الذين لا يقيمون للأحكام الشرعية كبير وزن ، ولئن كان الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ عانى ممن يقصر الصلاة حيث يجد تمام الاستقرار وحيث اتخذ الدور والبساتين والأهلين بعلة أن ذلك المكان ليس موطنه الأصلي ، فإننا في زماننا هذا نعاني ممن يتم الصلاة في موضع سفره محتجا بأنه مقيم ، مع أن كل الشواهد تكذب دعواه هذه ،فهو لا يملك أي شيء في البلدة ، بل قد يعرض عليه أهل البلدة السكنى معهم فيأبى ذلك ، ويأتي من مسافة بعيدة ـ تتجاوز مسافة القصر ـ ليصلي في تلك البلدة ثم يرجع إلى وطنه ، ومنهم من تمر عليه أيام بل أسابيع لا يأتي ثم يأتي لمدة يوم أو أقل ومع ذلك يصلي تماما ، وقد يصلي بالناس ،ومنهم من لا يجد أي سكينة إلى المكان الذي يتم فيه ويبذل كل ما في وسعه للانتقال عنه ، وبالجملة لا يشعر برابط يربطه بالمكان اللهم إلا أن يكون مكسبا ماديا من وراء ذلك !!
أومثل هؤلاء يعدون مقيمين ؟! كلا وربي".
يقول العلامة الشيخ إبراهيم بيوض في أمثال هؤلاء : " إذا لم يتزوج في البلد الذي يعمل فيه ولم يملك فيه دارا ، ولم يتخذه وطنا ، بل يعتبر نفسه فيه مسافرا ، وهو يتردد دائما بين وطنه وبلد عمله ،ويأمل أن يعود إلى وطنه آخر الأمر للاستقرار فيه ـ إن مد الله في عمره ـ فإنه يعتبر مسافرا ولو كان مكثه في بلد عمله أطول من مكثه في وطنه ، فيصلي صلاة سفر لا حضر " (1)
2ــ وقال الإمام السالمي- رحمه الله – في جوهر النظام :
ووطن الإنسان حيث يسكن وتطمئن نفسه ويوطن
يراه خير منزل لا يخرجه منه سوى أمر عظيم يزعجه
إلى أن قال :
وضابط الكل بأن الوطنا يكون حيث القلب منه سكنا
__________
(1) --فتاوى الإمام الشيخ بيوض ، مكتبة أبي الشعثاء ، السيب ، سلطنة عمان ، ط2 ،1411ه ، ص97 (1/2)
صفحة 3
وربما يلزمه أن يوطنا وقلبه مروع ما سكنا (1)
وكلامه ـ رحمه الله ـ واضح في ضبط الوطن ، وإنما الإشكال في قوله :
وربما يلزمه أن يوطنا وقلبه مروع ما سكنا
والأبيات التي تلته
إذ كيف يوطن في مكان قلبه مروع فيه غير ساكن مع أن الوطن ثمرة السكينة والاستقرار وسيأتي إيضاح هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
4ـ وقال شيخنا الخليلي في فتاويه في معرض جوابه على أحد الأسئلة: " العبرة بالاستقرار لا بغيره ، فمن رأى أنه مستقر في بلد هو مقيم فيه إقامة غير محدودة عازم على استمراره في الإقامة به فليتم صلاته وإلا فليقصرها " (2)
وقد اعترضني بعض الإخوة بقوله "ماذا عن الحروب والاضطهاد " ؟إذ لا يجد الإنسان في وطنه في هذه الحالة السكينة والاستقرار ومع ذلك يتم الصلاة فيها .
والجواب عن ذلك : أن حالات الحروب والفتن حالة استثنائية ، والعبرة بما يكون عليه الإنسان في حالة السلم والاطمئنان ،على أن نفسه محبة للمكان وإنما المزعجات من حرب أو قحط ونحوهما هي التي أورثته القلق وقلة الطمأنينة ، وقد نص أهل العلم على أنه لا يقدح في استقرار الإنسان خروجه من وطنه مضطرا بسبب قلة المعيشة أو جبار قسى عليه ، لأنه ما خرج رغبة عن وطنه وإنما لأنه تسلطت عليه أمور لا قبل له بها ، فإن نوى بعد خروجه من وطنه لهذه الأسباب وغيرها البقاء والاستقرار في المكان الذي خرج إليه ، وذهب هذا الاستقرار من نفسه عن المكان الأول الذي خرج منه فإنه يتم الصلاة حيث استقرت نفسه .
المطلب الثاني : في دليل هذا الضابط
__________
(1) - جوهر النظام ، العلامة : عبدالله بن حميد السالمي ، دار الفاروق ،لبنان ، 1410ه ، ص96
(2) - فتاوى العبادات ، العلامة أحمد الخليلي ، مكتبة الأجيال ، عمان، ص150 . (1/3)
صفحة 4
استند أصحابنا ــ رحمهم الله ــ في ضبطهم الوطن الذي تتم فيه الصلاة بما تقدم إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتم الصلاة في المدينة وحدها فإذا سافر عنها قصر الصلاة حتى يرجع إليها ولم يثبت أنه أتم صلى الله عليه وسلم في سفر قط ، وما ذلك إلا لأن استقراره وطمأنينة قلبه إنما هي في المدينة وحدها، أما غيرها فيقصدها لحاجة فإذا انقضت حاجته منها رجع إلى المدينة ،كما أنه صلى الله عليه وسلم قال عن مكة المكرمة عندما وقف على باب الحناطين : " علمت أنك خير أرض الله ، وأحب الأرض إلى الله ،ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت " (1)
ومع ذلك قصر فيها الصلاة عندما دخلها عام الفتح ، لأن استقراره وسكناه تحولا عنها إلى المدينة المنورة ، وقد اختلفت مدة إقامته في أسفاره، فتارة يبقى في سفره يوما أو يومين ، وتارة يقيم خمسة عشر يوما ،أو عشرين يوما ، وتارة يستغرق السفر منه شهرا كاملا، وقد مضى على فعله صحابته الكرام رضي الله عنهم،فقد كان أحدهم يقيم في سفره عدة أشهر ومنهم من يبقى سنة أو سنتين وهم يقصرون الصلاة،فدل هذا على أن الوطن هو موضع الاستقرار والاطمئنان وأن الموضع الذي لا يصدق عليه ذلك لا يعد وطنا يجب به إتمام الصلاة.
ومعنى الاستقرار والاطمئنان: ميل النفس إلى المكان وسكونها إليه وحبها البقاء فيه ، لأنها تجد فيه ما يدعوها إلى ذلك ، وليس بقاؤها فيه لقضاء حاجة أو نيل مطلب ولو طالت المدة ، كمن يسافر لتجارة أو طلب علم ويبقى في سفره سنوات عدة ونيته الرجوع مباشرة بعد انتهاء حاجته، فهو مسافر لأنه غير راغب في الاستمرار في هذا المكان ، ولولا الحاجة التي خرج من أجلها لما بقي يوما واحدا. (ما الدليل)؟
__________
(1) - رواه أحمد (18242) والحاكم (5220) . (1/4)
صفحة 5
وهذه هي العلة الموجبة للإتمام ، فمتى وجدت وجب الإتمام على من وجدت فيه رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا ، بالغا كان أو صبيا، إذ لم يفرق الشارع بين مكلف وآخر في صفة الوطن ، والأصل في الأحكام الشرعية عمومها لكل مكلف. كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة )) (1) .
المبحث الثاني
تعدد الأوطان
اختلف العلماء في عدد الأوطان التي يجوز للرجل أن يوطنها ، فقيل : ليس له أن يوطن إلا وطنا واحدا ، وقيل : له أن يوطن وطنين فقط ، وقيل : له ثلاثة أوطان ، وشهر عند كثير من أهل العلم أن للرجل أربعة أوطان ، وقيل : له أن يوطن ما شاء من الأوطان مادام يجد فيها الاستقرار وطمأنينة القلب. (2)
ولعل من ذهب إلى إنه ليس له أن يوطن إلا وطنا واحدا يستدل بأن غالب استقرار الإنسان إنما هو في وطن واحد ، كما أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يوطن إلا وطنا واحدا وهو مكة المكرمة قبل الهجرة ثم بعد هجرته كان وطنه المدينة المنورة.
والجواب عن هذا الاستدلال : أنه لا يكفي حجة للمنع؛ لأن من شرط الوطن الاستقرار والطمأنينة ، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن مستقرا إلا في مكة المكرمة قبل هجرته ثم في المدينة بعد هجرته ، فهي واقعة حال لا تفيد حكما شرعيا، نعم لو كان صلى الله عليه وسلم مستقرا في أكثر من مكان ثم لم يوطن إلا واحدا منها لكان ذلك حجة على أن الرجل له وطن واحد فقط. (كذلك عدم إتمامه ليس حكما شرعيا فقد سكت عنه)؟
ولا أدري ما حجة من قال بالوطنين و الثلاثة ، إلا أن يكونوا قد نظروا إلى اعتبارات خفية ككون الإنسان لا يحتاج إلى أكثر من وطنين أو ثلاثة في الغالب فيتوسع في ذلك ويمنع ما زاد عنه.
__________
(1) - رواه أحمد (26469) والترمذي (1597)
(2) -- بيان الشرع ، ج14 ، ص109 ، الإيضاح ، ج1 ، ص 648 ، لباب الآثار ، ج2 ، ص136 .. (1/5)
صفحة 6
والجواب عن ذلك :بعدم التسليم بأن الإنسان لا يستقر في أكثر من وطنين أو ثلاثة إذ قد يستقر في أربعة أوطان أو أكثر كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى .
أما من قال بأنه له أن يوطن أربعة أوطان فقد احتج لذلك : بأن الشرع أباح للرجل أن يتزوج أربع نساء ، وقد تكون كل واحدة منهن في مكان مستقل عن الآخر، فهو يجد الاستقرار عندهن جميعا (1) .
وقد أجاب عن هذا الإمام السالمي ـ رحمه الله ـ في معارج الآمال حيث قال : " وهذا القياس فاسد،أما أولا: فإن حصر الأوطان على عدد الزوجات لا سبيل إليه ، بل له أن يزيد وطنا خامسا يجعله مع أمه أو أخته وسادسا مع صديقه وسابعا مع بستانه .
أما ثانيا: فإن تحديد الجمع بين الزوجات لا يشابهه الجمع بين الأوطان ، لأن ذلك أمر غير معقول المعنى وإن عقل معناه فالعلة غير العلة" (2)
وأما من قال له أن يوطن ما شاء من الأوطان ما دام يجد الطمأنينة ، فقد احتجوا بأن العبرة في التوطين بالاستقرار وسكون النفس ، فحيث ما وجد ذلك وجد الوطن، والرجل قد يستقر قلبه في أكثر من أربعة أوطان ، كأن يكون له أربع زوجات كل واحدة منهن في بلدة ، وبلدة خامسة فيها أمه أو بعض أقاربه ، أو كانت موطنه الأصلي ويجد فيها الاستقرار والطمأنينة ، فلو قلنا :إنه ليس له أن يوطن أكثر من أربعة أوطان فماذا سيصلي هذا الرجل في الأماكن الأخرى غير الأماكن التي فيها زوجاته وهو يشعر بالطمأنينة والاستقرار فيها ؟! (3) .
__________
(1) - معارج الآمال ، ج10 ، ص227 .
(2) - معارج الآمال ، ج10 ، ص227 .
(3) - تقدم معك أن المراد بالاستقرار هنا ميل النفس إلى المكان وسكونها إليه وحبها للبقاء فيه ، لأنها تجد فيه ما يدعوها إلى ذلك . (1/6)
صفحة 7
فإن قلنا :يصلي قصرا ،فقد نقضنا العلة الموجبة للإتمام، وأيضا فأي مواضع استقراره أحق بالإتمام من بعض ؟! وتحديد بعضها تحكم لا دليل عليه ، وإن قلنا يصلي وطنا فقد أبحنا له أن يزيد على أربعة أوطان وهذا ما أردنا إثباته ، على أنه لم يأت دليل من الشرع يدل على حصر الأوطان في عدد معين. (ولا دليل أيضا على أن الضابط هو الاستقرار بل هو نية الإقامة و...)؟
وبهذا يتبين لنا أن هذا القول هو أقوى الأقوال وقد ذهب إليه جمع من المحققين كأبي سعيد الكدمي والإمام السالمي وغيرهم (1) .
وأنبه على أنه عندما يقال : له أن يوطن وطنين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر فإن ذلك مشروط بالاستقرار والطمأنينة ، وإلا فإنه ليس للإنسان أن يوطئن مكانا لا تطمئن نفسه إليه. (كيف يستقر ويطمئن في أكثر من مكان من جهة، ولا ينوي الخروج و... حسب تعريف وضابط الوطن)؟
وأيضا فقول العلماء : له أن يوطن أكثر من وطن إن وجد فيها الطمأنينة يقصدون به جواز الزيادة على وطن واحد ولا يعنون بذلك أن اتخاذ الإنسان المكان الذي يجد فيه الاستقرار والطمأنينة وطنا أمر جائز فحسب ،بل يجب عليه أن يتم الصلاة ولو كان هو يحب القصر فيه بسبب أشغاله أو ميله للراحة. (غير منضبط)؟!
المطلب الثاني : أوطان المرأة
والذي أختاره أن للمرأة أن توطن ما شاءت من الأوطان ما دامت تجد فيها الطمأنينة والاستقرار .
إذ لم أجد دليلا يدل على منعها من ذلك ، على أنها قد تستقر استقرار سكنى في أماكن عدة ــ وهذا أكثر ما يحدث عن المطلقات أو المتوفى عنها زوجها ــ فهل نأمرها بقصر الصلاة في بعضها وهي مطمئنة فيها ؟! ثم أي مواضع استقرارها أولى بالإتمام من بعض ؟!
وسيأتي إن شاء الله تعالى لاحقا ذكر حالات يتصور فيها تعدد أوطان المرأة.
المطلب الرابع : أوطان غير البالغ
__________
(1) - بيان الشرع ، ج14 ، ص109 ، جامع ابن بركة ، ج1 ، ص ، معارج الآمال ، ج10 ، ص227 (1/7)
صفحة 8
أن وطن الصبي والصبية ـ فيما أميل إليه ـ حيث استقرت بهما السكنى ، وعليه فقد تتعدد الأوطان في حقهما إذا تعددت أماكن سكناهما ،ومن صور ذلك أن يكون والداهما منفصلين وهما يترددان عليهما تردد سكنى ، ويشعران بالاطمئنان إلى كل منهما.
على أن اتخاذ الأوطان غير واجب في حقهما لسقوط التكليف عنهما ، وإنما يؤمر وليهما بتعليمهما أمور دينهما ومنها قضية الأوطان حتى يتدربا على شرائع الإسلام .
المبحث الثالث :
وطن البدوي
فإن كان ليس له وطن معروف وإنما يحل ويضعن فقط ، فقد قال العلماء بأنه حيث ضرب عموده للسكن والإقامة فإنه يتم الصلاة فإذا ضعن وارتحل فإنه يقصر الصلاة وهكذا ، وإن لم ينصبه للإقامة وإنما نصبه للمبيت أو المقيل وقصده المسير فإنه يقصر الصلاة (1) .
وهذا القول واضح دليله لأنه لابد من اتخاذ الأوطان كما قرر ذلك العلماء
أما إن كان البدوي مقيما في مكان معين ـ كحال أهل الحضرـ ولا يفارقه إلا لحاجة ثم يرجع إليه فهذا لا إشكال في صلاته ، فإنه يتم الصلاة حيث استقر قلبه واطمأنت نفسه، ويقصرها حيث زال هذا الاطمئنان والاستقرار ، فالأحكام الشرعية واحدة في الحضر والبدو (2) .
وبناء على ما قررته سابقا من أن المعول عليه الاستقرار وحده فإن كان البدوي يقيم في مكان معين ويأتي في فترة الصيف ـ أو ما يعرف بالقيظ ـ إلى البلدان ليبقى فيها شهرين أو ثلاثة ثم يرجع إلي وطنه الأول فإنه إن كانت البلدة التي يأتيها للمقيظ يشعر بالاطمئنان والاستقرار فيها كأن تكون وطنا لأجداده أو يملك فيها عقارا أو نحو ذلك كما هو حال كثير من البدو فإنه يتم الصلاة فيها بالإضافة إلي إتمامه الصلاة في وطنه الأول.
__________
(1) - ينظر معارج الآمال ، ج10 ، ص 235 ، بيان الشرع ، ج14 ، ص111 .
(2) - ينظر المعارج ، ج10 ، ص235 ، ولباب الآثار، ج2 ، ص121 . (1/8)
صفحة 9
أما إن كان لا يوجد رابط يربطه بالبلدة التي يأتيها في القيظ ، وإنما يأتي لغرض معين ويرى نفسه غير مستقر فيها فهو يقصر الصلاة.
فإن البدوي عندما يأتي في الصيف إلى المدن والقرى يأتيها مع أهله ويمكث بها فيجد لذلك استقرارا وطمأنينة ، أما عندما يأتيها بعد ذلك فلا يكون معه أهله ولا ينوي المكوث بها فيضعف أمر استقراره بها.
والجواب عن ذلك من جهتين :
أولاهما : أن الاستقرار والطمأنينة أمران نسبيان يقويان ويضعفان ، فقد يجد الإنسان نفسه في أوقات أكثر طمأنينة إلى المكان منها في أوقات أخرى ــ وهذا ليس خاصا بالبدوي ــ ، ومثال ذلك في الحضري ما لو سافرت زوجته وأولاده عنه لفترة زمنية وبقي وحيدا في وطنه فهو لا يجد تمام الاستقرار ، بل لو خير بين البقاء في وطنه في تلك الفترة وبين اللحوق بأهله في سفرهم لاختار في الغالب اللحوق بأهله لولا الموانع التي تحول بينه وبين ذلك ، ومع ذلك فهو يصلي وطنا في بلاده وموطنه ، فلتكن مسألة البدوي مثل هذه .
ثانيهما: لو فرضنا المسألة في الحضري إذا كان له وطنان، وكان في فترة من الفترات مقيما في أحدهما مع أهله ، وذهب للوطن الثاني لحاجة ، فهل يتم الصلاة أو يقصرها؟ لا شك أنه يتم الصلاة مع أنه يود الرجوع في أسرع وقت ممكن إلى وطنه الأول ، لأنه لا يجد ما يدعوه للبقاء في وطنه الثاني ، وما ذلك إلا لأن الاستقرار في الجملة كاف ولا عبرة بما يعتريه من ضعف في بعض الأوقات .
والبدوي كالحضري في الأحكام الشرعية.
المبحث الرابع :
.وطن المرأة :
وفيه مطلبان :
المطلب الأول :ضابط وطن المرأة
(تراجع أقوال العلماء من بحث الصوافي هذا)
رأي الباحث (أي الصوافي) في وطن المرأة: (1/9)
صفحة 10
الذي تطمئن إليه نفسي وينشرح به صدري من أقوال أهل العلم أن المرأة لا تختلف عن الرجل في صفة الوطن الذي يجب به إتمام الصلاة ، إذ العبرة بالاستقرار والاطمئنان ، فهي العلة التي يدور عليها حكم الإتمام فحيث ما وجدت وجد الإتمام وبارتفاعها يرتفع الإتمام ويجب القصر، سواء كانت المرأة صبية أو بالغة متزوجة أو غير متزوجة في عصمة زوجها أو مطلقة وسواء كان طلاقها رجعيا أو بائنا ، وإليك تفصيل ذلك:
أما الصبية وغير المتزوجة فقد لا تكون مستقرة مع أبيها إذ قد يكون أبوها مستقرا في مكان وهي مستقرة في مكان آخر ، فبأي وجه نلزمها متابعة أبيها فتتم حيث لا تجد الراحة والاطمئنان ونلزمها القصر في مكان إقامتها واستقرارها، أليس في ذلك قلب للحقائق وتبديل للأحكام ؟! .
ثم من ناحية أخرى قد يكون لوليها أكثر من وطن ، كأن يكون متزوجا بعدد من النساء في أوطان متباعدة ، وهذه المرأة تعيش مع وليها في وطن واحد فقط ، ولا تذهب إلى أوطان أبيها الأخرى إلا لزيارة قصيرة ولا تجد أي استقرار واطمئنان ، لأن قلبها معلق بوطنها ، فهل تصلي في أوطان وليها الأخرى تماما والحال كما ذكرنا ؟!
على أنه قد تكون أمها مطلقة وهي تعيش معها لا مع أبيها ، فماذا تصلي في الوطن الذي هي مستقرة فيه مع أمها ؟ أتصلي سفرا ؟! وماذا تصلي في وطن أبيها إن كانت لا تشعر فيه بأي استقرار أو اطمئنان ؟ أتصلي تماما ؟!
ثم إنها قد لا تعيش في بعض الحالات مع أحد أبويها وإنما تعيش مع جدها أو عمها أو خالها أو غيرهم من المحارم ، بل قد لا تعيش مع أحد من أهلها كما لو اضطرتها الظروف للهجرة ومفارقة الأهل .
وبالجملة فصلاة الصبية وغير المتزوجة من النساء مرتبطة بمكان سكناها أكثر من ارتباطها بصلاة وليها. (1/10)
صفحة 11
أما المتزوجة فما قيل في غير المتزوجة يقال فيها ، إذ لا يلزم من استقرار زوجها في مكان أن تكون هي كذلك ، لأنه قد يجد الرجل ما يسوغ له الاستقرار، كوجود زوجات ومساكن أخرى له ، وهذا قد لا يوجد عند الزوجة ، على أنه من المعلوم ما يقع بين الضرات غالبا من النفور وعدم الارتياح ، فالمرأة عندما تذهب إلى بيت ضرتها لا تشعر غالبا بأي راحة وتود الرجوع إلى بيتها في أقرب فرصة ، خاصة إن كان زوجها لا يأويها في بيت ضرتها ، وقد أخبرني بعض الصالحين أن إحدى زوجاته استأذنت ضرتها في مجرد زيارتها ـ وليس السكون معها ـ فأجابتها بكل صراحة : بأنني لا أرتاح إليك في بيتي ، فبالله عليكم أي راحة ستجدها هذه الضرة أن لو قدر لها أن تذهب إلى بيت ضرتها .
فإن قيل : بأن المرأة تجد الراحة حيث وجد زوجها لما جعل الله تعالى بين الزوجين من مودة ورحمة هذا هو الغالب ولا عبرة بالنادر والشاذ.
فالجواب عن ذلك:أن راحتها إنما هي إلى زوجها ،أما ذلك المكان فهي لا ترتاح إليه لأنها لا تود البقاء ولا استمرار العيش فيه والواقع خير شاهد،نعم قد تجد بعض النساء الاستقرار في بيوت زوجها الأخرى وهذا لا يكون غالبا إلا إن كان لها مكان خاص بها يمكن لزوجها أن يأويها فيه ، فإن وجدت الراحة والاستقرار في أوطان زوجها الأخرى فإننا نأمرها بالإتمام ولا إشكال معنا في ذلك .
ولئن كان ما قلناه سابقا يصدق على الزوجات وهن في دولة واحدة فكيف إذا كانت كل زوجة في دولة غير الدولة التي فيها الزوجة الأخرى .
وإن تزوجت المرأة وهي مقيمة في مكان فإنها تستمر على الإتمام فيه إلى أن ينقلها زوجها إلى بيت الزوجية وموضع استقرارها الجديد ، ويلتغي بذلك وطنها السابق .
وإن تزوجت وهي مسافرة فإنها تبقى على القصر ـ ولو كان زوجها مقيما ـ ما لم تنتقل إلى بيت الزوجية بنية الاستقرار والإقامة
والمطلقة طلاقا رجعيا حكمها كحكم الزوجة فيما سبق لأن رابطة الزوجية لم تنته بينهما تماما . (1/11)
صفحة 12
وأما المطلقة طلاقا بائنا والمتوفى عنها ومن حرمت على زوجها حرمة أبدية فهؤلاء لم يبق بينهن وبين أزواجهن السابقين أي رابط ، ومن هنا قال العلماء إن صلاتهن صلاة أنفسهن .
ومما يدعو إلى التساؤل أن علماءنا ـ رحمهم الله ـ لم يقولوا في البائنة من زوجها بأي وجه من وجوه البينونة أنها تبع لوليها ، بل قالوا : صلاتها صلاة نفسها ، مع أن المرأة بعد الطلاق البائن ـ في كثير من الأحيان ـ تتبع في تدبير أمورها وليها وربما رجعت إلى بيته ، فأي فارق بين المطلقة طلاقا بائنا وبين من لم يسبق لها الزواج من النساء ؟!.
ومما يستأنس به أن علماءنا قالوا فيمن كان زوجها لا يقيم وزنا لأحكام القصر والإتمام ، بحيث يتم ويقصر تبعا لهوى نفسه ، أوكان مذهبه يبيح له الإتمام في سفره ،لأن القصر عنده غير واجب أو محدد بفترة زمنية يتم بعدها الصلاة قالوا : إنها لا تتبع زوجها في ذلك ، بل تتم في موضع استقرارها وسكناها وتقصر إذا خرجت منه مسافرة ، وهذا يدل على أن علة قصر المرأة الصلاة في السفر ليست هي تبعية الزوج وإنما هي الاستقرار.
وبناء على هذا الذي اخترته في وطن المرأة فلو كانت مقيمة مع من يلي أمرها من زوج أو أب أو أخ وكان موسعا رقعة وطنه الذي يتم فيه الصلاة نظرا لاتصال العمران في نظره ــ كما يحدث في العواصم ــ أو كان موطنا حوزة بكاملها عند من يجيز ذلك فلا يلزم المرأة أن تتبعه في حدود الوطن ، بل لها أن توطن مكانا أضيق من وطن زوجها ، لأنها تجد الاستقرار في ذلك المقدار فحسب ، ونضرب مثالا لذلك بقطرنا العماني :فلو كان رجل يسكن مع أهله في القرم وكان موطنا لمناطق القرم والخوير والغبرة ،لأنه يرى أن عمرانها متصل فلزوجته أن توطن مكان سكناهم ــ القرم ــ لأنها لا تجد استقرارها الا فيها معتمدة على وجود فاصل يفصل القرم عن غيرها من المناطق.
المطلب الثاني : كيف توطن المرأة (1/12)
صفحة 13
استقرار المرأة المتزوجة في مكان ما له ارتباط بالزوج ،إذ ليس لها أن تسكن إلا حيث يأمرها زوجها ما لم تكن مشترطة لها سكنى في مكان معين ، ومن ناحية أخرى فإنه قد يسكنها في منطقة لمدة محدودة حتى يتحقق له غرض ما ، فليس للمرأة أن تصلي فيها وطنا خلافا لزوجها بحجة أنها تجد الاستقرار في هذا المكان ، وذلك لأن هذا الاستقرار هو استقرار مؤقت إلى حين انقضاء حاجة زوجها ، ولذلك صور متعدد، ومن أمثلة هذه الصور :
1 ـ أن بعض الأزواج قد يجلب زوجته إليه في بيته ثم بعد ذلك يعزم على تجديد منزله وإعادة بنائه فيسكن زوجته في بيت أهلها لمدة سنة أو سنتين ريثما يتم بناء المنزل ، فليس للمرأة أن تتم في بيت أهلها بحجة الاستقرار ، وذلك لأن هذا الاستقرار هو استقرار مؤقت، ومن شروط الوطن عدم تحديد الإقامة فيه بمدة معينة. (وهل يعتبران مسافران هذه المدة)؟
2 ـ ومن هذه الصور : أن الزوج قد لا يكون له مسكن مستقل به فيتفق مع زوجته أن يدعها في بيت أهلها في أيام العمل الرسمي ـ لأن مكان عمله بعيد عن وطن أهله ووطن أهل زوجته ـ وفي نهاية الأسبوع يمر على زوجته ويحملها معه إلى بلاد أهله ، وفي نيته أن هذا الإجراء مؤقت حتى يهيء مسكنا مستقلا به في بلاد أهله أو في مقر عمله ،فليس للزوجة ـ في هذه الصورة ـ أن تتم في بلاد أهلها خلافا لزوجها ، مدعية الاستقرار والطمأنينة ، وذلك لأن هذا الاستقرار هو استقرار مؤقت .... وهكذا.
وبالجملة فالذي يظهر أنه وقع خلط بين قضيتين:
الأولى :أن المرأة المتزوجة لا يمكن أن توطن مكانا بغير إذن زوجها ،لأنها تسكن حيث يأمرها .
والثانية : أن المرأة إذا سكنت في مكان واستقرت فيه فهو الذي تتم فيه الصلاة ، أما الأماكن الأخرى التي استقر فيها زوجها دونها فإنها لا تتم الصلاة فيها. (1/13)
صفحة 14
فنظر بعض العلماء إلى القضية الأولى فقط فاستنتج منها أن المرأة لما كانت لا تسكن في مكان إلا برضا زوجها فهي تبع له فتتم حيث يتم وتقصر حيث يقصر كما يفهم من كلام الشيخ الشماخي ـ رحمه الله ـ حيث قال : " لما كان اتخاذ الوطن في موضع من شرط الإقامة فيه، وكان جواز إقامة هؤلاء متعلقة إلى غيرهم كان وطنهم وطن من رجع حكمهم بيده " (1)
إلا أنه لابد من النظر في القضيتين معا حتى نخرج بعلة مطردة في موجب القصر والإتمام، وبالنظر في القضيتين معا نستطيع القول : إن المرأة المتزوجة ليس لها أن تسكن إلا حيث يأمرها الزوج ما لم تكن اشترطت لها سكنا ، فإن سكنت في مكان أو أكثر بأمره واطمأن قلبها فإنها تتم الصلاة ولو لم يتم زوجها فيه الصلاة بسبب عدم استقراره ، وليس لها أن تتم الصلاة في أوطان زوجها الأخرى ما لم تكن تجد الاستقرار .
هذا وليس للزوج أن يأذن لزوجته بالإتمام في غير مكان سكناها ، فإن أذن لها بذلك فلا عبرة بإذنه لمصادمته لأحكام الشرع الحنيف .
وما قلته عن المتزوجة من أنها لا تستقر إلا حيث يسكنها زوجها وأنها إذا استقرت في مكان للسكنى أتمت الصلاة بغض النظر عن زوجها وكل مكان لا تجد فيه الاستقرار فإنها تقصر الصلاة ينطبق على غير المتزوجة غالبا فهي تسكن حيث يسكنها من يلي أمرها وتتم حيث يستقر قلبها.
المبحث التاسع
العبرة بالاستقرار
__________
(1) - الإيضاح ، جـ1،ص625-626 (1/14)
صفحة 15
هذا ويفهم من كلام بعض أصحابنا ـ رحمهم الله تعالى ـ أن قولهم بأن المرأة تبع لزوجها والعبد تبع لسيده والولد تبع لأبيه إنما هو وصف غالبي، لأن استقرار هؤلاء غالبا ما يكون مع من يلي أمرهم من زوج أو سيد أو والد، وإلا فإن الاستقرار هو المعول عليه، 1ــ ومن ذلك ما تقدم من قول أهل العلم أن الوالي إن لم يحدد له الإمام وقتا في ولايته فإنه يتم الصلاة ، وإن استعمله وقتا محددا فإنه يقصر الصلاة (1) ، وما هذا إلا لمراعاة الطمأنينة والاستقرار، فإن تحديد البقاء بفترة محددة ينافي الاستقرار بخلاف ما لو لم يحدد له زمانا لولايته.؟؟؟
2ــ ومن ذلك أيضا ما جاء في بيان الشرع:"قلت فالمرأة التي تشترط على زوجها سكنها ثم تخرج معه إلى بلده الذي يتم فيه، وقد شرطت هي سكنها سكنا غير ذلك؟ قال: تقصر الصلاة في بلده وتتم الصلاة في البلد الذي شرطت فيه سكنها، قلت: فهل لها أن تتخذ بلده وطنا وبلدها هي وطنا؟ قال: نعم " (2)
فانظر كيف أمرها بأن تقصر الصلاة في البلد الذي يتم فيه زوجها، وذلك راجع ـ فيما يظهرـ إلى أن استقرارها إنما هو في البلد الذي اشترطت فيه سكناها، أما في بلد زوجها فهي لا تجد الاستقرار، وإنما تأتي للزيارة ونحوها.
فإن قيل: إنما أمرت بالقصر في بلاد زوجها بناء على قول من قال: إن المرأة ليس لها إلا وطن واحد، فالجواب : أن الأمر ليس كذلك ، والدليل على ذلك أنه أباح لها أن تتخذ بلده وبلدها وطنا، وهذا الأثر مشهور في كتب أصحابنا، وقد خالفت المرأة زوجها في إتمام الصلاة وقصرها فأتمت حيث تجد الاستقرار وقصرت حيث لا تجد ذلك ولو خالفت زوجها.
__________
(1) - معارج الآمال ، ج14 ، ص232 .
(2) - بيان الشرع ، ج14 ، ص138 . (1/15)
صفحة 16
3ــ ومن المسائل الدالة على أن المعول عليه هو الاستقرار لا مجرد التبعية للزوج ما جاء في بيان الشرع نقلا عن جامع ابن جعفر:" والمرأة تبع لزوجها في الصلاة، إلا أن يكون لها سكن في موضع عند عقدة النكاح فهي تتم حيث كان شرطها، وحيث خرجت مع زوجها فهي تقصر ولو أتم هو، إلا أن تدع شرطها وتنوي المقام". (1)
وهذا الأثر صريح في أن المعول عليه الاستقرار، ولذلك أمرها بالقصر في بلد زوجها ما لم تنو المقام.
4ــ ومن هذه المسائل ما جاء في بيان الشرع أيضا:" ومن كان له زوجة وعبيد وأولاد صغار وأنه خرج إلى بلد وأقام فيه فخرجوا إليه، فأما عبيده فإن خرجوا إليه برأيه صلوا بصلاته معه، وإن كان بلا رأيه فصلاتهم السفر حتى يرجعوا إلى مواضعهم، وإن أمرهم بالمقام أتموا الصلاة ، والزوجة تصلي صلاة السفر حتى يأمرها بالقيام معه ، وأولاده الصغار تبع له ، وإن أمرهم وأمر الزوجة بالمقام في بلدهم صلوا قصرا حتى يرجعوا ) (2) .
فتأمل كيف أمر العبيد بقصر الصلاة في بلد يتم سيدهم فيها الصلاة إن خرجوا إليها بلا رأيه حتى يرجعوا إلى وطنهم، وإنما أمروا بذلك لأنهم لم يأتوا للاستقرار، بخلاف ما لو خرجوا بأمره أو أمرهم بالمقام، وهذا يخالف عموم القاعدة التي قعدها العلماء من أن العبد تبع لسيده في الصلاة ،كما أنه أمر الزوجة بقصر الصلاة ما لم يأمرها زوجها بالمقام معه ، وكذا الأولاد يقصرون الصلاة ما لم يأمرهم بالمقام معه ، ويتمون في وطنه الأول الذي هم عائشون فيه على هذا الأثر ،وفي هذا ما يدل صراحة على أن المعول عليه هو الاستقرار وحده ، وأن ما يقوله أهل العلم من تبعية العبد والزوجة والصبي والصبية لمن يلي أمرهم ليس على إطلاقه بل هو مقيد بحالة الاستقرار والاطمئنان .
__________
(1) - بيان الشرع ، ج14 ، ص140 .
(2) - بيان الشرع ، ج14 ، ص140 . (1/16)
صفحة 17
5ــ ومن هذه المسائل ما جاء في بيان الشرع : " قلت له : فإن كان سيده قد أذن له في التجارة وأخرجه إلى ذلك البلد وأمره أن يتخذ وطنا ، ما تكون صلاته إذا اتخذه وطنا ؟ قال: صلاته صلاة سيده ، إذا كان سيده يتم الصلاة في ذلك البلد أتم العبد ، وإن كان يقصر الصلاة في ذلك البلد قصر العبد الصلاة ، قال غيره : ومعي أنه قد قيل : إذا أذن له سيده أن يتخذ وطنا واتخذه أتم فيه ، وكذلك إن اتخذه له سيده وطنا كان وطنه ، لأنه يملك ذلك وغيره " (1) .
فالقول الأول جار على المشهور من أن صلاة العبد تبع لسيده ، وهو مشكل جدا فسيده أخرجه إلى ذلك البلد وأمره أن يتخذه وطنا فكيف يقصر الصلاة مع هذا الاستقرار ، وكيف يتم في بلد سيده إن كان لا يأتيها إلا لماما ولا يجد أي راحة فيها ؟
أما القول الثاني فقد راعى استقراره في البلدة التي أذن له سيده باتخاذها وطنا ، وهو بهذا سيخالف سيده بإتمامه حيث يقصر سيده ، وهو مما يؤيد أن الاستقرار لابد من مراعاته في القصر والإتمام ، وإن كان آخر كلامه يفهم منه أنه يتم لأن سيده أمره بالإتمام بغض النظر عن الاستقرار وعدمه .
6ــ ومن هذه المسائل ما جاء في بيان الشرع أيضا : " أحسب عن أبي بكر وأبي علي الحسن بن أحمد : وما تقول ـ رحمك الله ـ في حرة أخذها عبد ثم خرج بها من بلد سيده إلى بلد آخر برأي سيده أو بغير رأي سيده ، ما تصلي زوجته تماما أو قصرا ؟ فعلى ما وصفت فالذي يعجبني أنها تبع لزوجها في الصلاة ،لأنه يوجد أنه مخاطب بنفسه كان سفره برأي سيده أو بغير رأي سيده في بعض القول والله أعلم " (2) .
وفي هذا الأثر التصريح بأن العبد ليس تبعا لسيده في الإتمام والقصر ، وإنما هو مخاطب بنفسه أن يتم حيث يجد استقراره ويقصر حيث لا يجد ذلك ، وهذا لا ينافي أنه ليس له أن يستقر إلا حيث يأمره سيده بالبقاء كما تقدم في المرأة .
المبحث العاشر
__________
(1) - بيان الشرع ، ج14 ، ص133 .
(2) - بيان الشرع ، ج14 ، ص137 . (1/17)
صفحة 18
مسائل مشكلة في قضية الأوطان
هذا وقد جاءت في كتب أهل العلم ـ رحمهم الله تعالى ـ مسائل مشكلة ، بنوها على ما شهر عندهم من تبعية الزوجة والعبد والصبي لمن يلي أمرهم ، أحببت ـ أخي القارئ الكريم ـ إيقافك على بعضها حتى تنشرح نفسك بما ذكرته لك من أن المعول عليه في الإتمام الاستقرار والطمأنينة وحدهما.
ومن هذا المسائل ما جاء في كتاب لباب الآثار عن العلامة الزاملي ، ونص المسألة "وفيمن له أموال ومنازل في قريتين وهو يقصر الصلاة في إحداهما ويتم في الأخرى ، فأمر زوجته أن تسكن في القرية التي يقصر هو فيها أيجب عليها القصر أم التمام فيها؟ قال : فيما يعجبني أن المرأة لا تحول عن اتباع زوجها في الصلاة ولو أمرها هو بالسكن في بلد هو يقصر فيها الصلاة ، إلا أن يكون لها شرط سكن في ذلك البلد والله أعلم " (1) .
فتأمل في هذه المسألة كيف تقصر الصلاة في قرية تسكن فيها وتشعر فيها بالاطمئنان والراحة فتصلي سفراً تبعاً لزوجها الذي لا يجد الاستقرار أليس في ذلك تغيير للأحكام فيقصر الإنسان الصلاة في موضع هو مطمئن فيه؟!
"...وهذا يدل على أن الضابط الذي وضع لصلاة المرأة غير منضبط ، وأن الضابط الذي ينبغي أن يعول عليه هو الاستقرار والاطمئنان ، وبه ينحل الإشكال ويتضح الحق بإذن الله سبحانه وتعالى".
[ذكر الباحث عدة مسائل وقال بأن العبرة بالاستقرار والاطمئنان].
وأمثال هذه المسائل متعددة، ومن خلالها اتضح لنا جليا عدم انضباط العلة التي ذكرها أهل العلم لموجب الإتمام، وأن العلة التي لا تنخرم وبها يستقيم التفريع هي أن المعول عليه في الإتمام هو الاستقرار وحده.
خاتمة
في أهم نتائج البحث
1- وطن الإنسان هو موضع استقراره وطمأنينة قلبه ، بحيث لا يخرج منه إلا لحاجة ثم يعود إليه .
2- للرجل أن يوطن ما شاء من الأوطان ما دام يجد الطمأنينة فيها .
__________
(1) - لباب الآثار ، ج2 ، ص120 . (1/18)
صفحة 19
3 – للمرأة ـ أيضا ـ أن توطن ما شاءت من الأوطان ما دامت تجد الطمأنينة فيها.
5- الصبي والصبية تتعدد الأوطان في حقهما إذا تعددت أماكن سكناهما .
6- البدوي الذي ليس له وطن معروف وإنما يحل ويضعن فقط ، فإنه يتم الصلاة حيث ضرب عموده للسكن والإقامة ، وإن كان البدوي مقيما في مكان معين كحال أهل الحضر ولا يفارقه إلا لحاجة ثم يرجع إليه ، فإنه يتم الصلاة حيث استقر قلبه واطمأنت نفسه .
7- البدوي المقيم في مكان معين ويأتي في فترة الصيف أو غيرها من الفترات إلى البلدان ليبقى فيها شهرين أو ثلاثة ثم يرجع إلي وطنه الأول ، فإنه إن كانت البلدة التي يأتي للمقيظ فيها وطنا له أو لأجداده ويشعر بالاطمئنان والاستقرار فيها [كيف يفسر الاستقرار والاطمئنان وهو لا ينوي المكث الطويل]؟؟؟ فإنه يتم الصلاة فيها بالإضافة إلي إتمامه الصلاة في وطنه الأول ، أما إن كان لا يوجد رابط يربطه بالبلدة وإنما يأتي لغرض معين ويرى نفسه غير مستقرة فهو يقصر الصلاة.
8- إذا ارتحل البدوي من بلد مقيظه إلى موطنه الأصلي وأخذ يتردد بين فترة وأخرى على بلد مقيظه لقضاء حاجة ويبقى بها يوما أو أكثر ثم يرحل عنها:فإن كان يجد فيها الاستقرار والسكينة ، وكان يتم الصلاة فيها عندما يحضرها في الصيف فإنه يتم الصلاة كذلك عندما يأتيها بعد ذلك ، وإن كان لا يجد فيها استقرارا ولا طمأنينة وكان يقصر الصلاة فيها في الصيف فكذلك إن جاءها بعد ذلك .
9 - المرأة لا تختلف عن الرجل في صفة الوطن الذي يجب به إتمام الصلاة ، إذ العبرة بالاستقرار والاطمئنان ، سواء كانت صبية أو بالغة متزوجة أو غير متزوجة أو مطلقة طلاقا رجعيا أو بائنا
10- صلاة الصبية وغير المتزوجة من النساء مرتبطة بمكان سكناها أكثر من ارتباطها بصلاة وليها (1/19)
صفحة 20
11- المرأة المتزوجة ليس لها أن تسكن إلا حيث يأمرها الزوج ما لم تكن اشترطت لها سكنا ، فإن سكنت في مكان أو أكثر بأمره واطمأن قلبها فإنها تتم الصلاة ولو لم يتم زوجها فيه الصلاة بسبب عدم استقراره ، وليس لها أن تتم الصلاة في أوطان زوجها الأخرى ما لم تكن تجد الاستقرار فيها .
12- ليس للزوج أن يأذن لزوجته بالإتمام في غير مكان سكناها، فإن أذن لها بذلك فلا عبرة بإذنه لمصادمته لأحكام الشرع الحنيف .
14- إذا تزوجت المرأة وهي مسافرة فإنها تبقى على القصر ـ ولو كان زوجها مقيما ـ ما لم تنتقل إلى بيت الزوجية بنية الاستقرار والإقامة .
15- المطلقة طلاقا رجعيا حكمها كحكم الزوجة .
16- المطلقة طلاقا بائنا والمتوفى عنها زوجها ومن حرمت على زوجها حرمة أبدية صلاتهن صلاة أنفسهن.
18- الولاة الذين يوليهم الحاكم إن كان قد علم من حاله أنه لا ينقل الولاة في الغالب ووجد الوالي طمأنينة واستقرارا فإنه يصلي وطنا.؟؟؟
19
20- إذا بلغ الصبي في بلدة : فإن كان لا يجد فيها الاستقرار والاطمئنان وإنما جاءها لحاجة أو كان ماراً بها فإنه يصلي فيها قصراً لا تماما.
22- السجين ـ وإن طالت المدة التي حكم عليه بها ـ لا يجد أي معنى للطمأنينة في سجنه. (1/20)