صفحة 1
الكتاب: الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة
المؤلف: نور الدين/ أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي
تحقيق: إبراهيم بن علي بولرواح
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة
للعلامة نور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي
(1284/ 1332هـ ـ 1867/1914م)
تحقيق
إبراهيم بن علي بن عمر بولرواح
مع ملحق بلقاء مع سماحة
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي وفضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي حول موضوع الرسالة، ومسائل متعلقة بها
إهداء
إلى روح الوالد الذي اصطفاه الله إلى جواره
وإلى قلب والدتي الحبيبة التي أرقها تحمّل عبء تربيتنا بعده
وإلى أرواح شهداء الحق.
إلى كلّ المجدين في سبيل إعلاء راية لا إله إلا الله
محمد رسول الله
أهدي هذا العمل المتواضع.
إبراهيم
محتويات البحث
الموضوع.......................................الصفحة
قسم الدراسة.........................................08
مُقَدِّمَة.............................................. 09
المبحث الأوَّل: نبذة عن حياة الشيخ السَّالمي رحمه الله.....................12
المبحث الثَّاني: التعريف برسالة الحجج المقنعة ........................ 16
وصف المخطوطات...................................... 17
المبحث الثالث: أَهَمِّيَّة ومكانة رسالة الحجج المقنعة....................26
المبحث الرابع: وقفة مع أحاديث أصَّل بها السَّالمي أهمَّ المسائل................27
أولا: تخريج الأحاديث.....................................27
أ- حديث «إنَّ الله افترض عليكم الجُمُعَة في مقامي هذا...»:.. ..........27
ب- حديث «أربع إلى الولاة؛ الفيء والصدقات والحدود والجمعات»:............30
جـ- حديث «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إِلاَّ في مصرجامع...» أو «مدينة عظيمة»:.............................................35
د- حديث «لا جمعة إلا في مصر جامع » و «لا جمعة حتى يجتمع لها ثلاثة؛ مصر جامع وإمام ومنبر»:.............................................36
ثانيا: مدى اعتماد الإباضية على هذه الأحاديث.......................37 (1/1)
صفحة 2
المبحث الخامس:........................................38
أولا: موقف السَّالمي من مسألة المصر والتَّمصير........................38
ثانيا: موقف السَّالمي من مسألة الإمام وعدالته.........................39
خاتمة: نتائج الدراسة......................................42
... قسم تحقيق رسالة الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجُمُعَة................44
تمهيد:.............................................. 45
المقدّمة: في صفة صلاة الجُمُعَة وفي حكمها وفي الأدلّة عَلَى وجوبها...........46
صفة صلاة الجُمُعَة............................... 46
حكم الدخول مع الإمام في صلاة الجُمُعَة................ 48
حكم من فسدت عليه صلاة الجُمُعَة................... 49
حكم صلاة الجُمُعَة وَالأَدِلَّة عَلَى وجوبها.................51
دليل وجوبها من السُّنة..............................52
بيان المكان الذِي تؤتى منه الجُمُعَة...................... 54
بيان كَيفِيَّة فرض الجُمُعَة وأَنَّهُ فرض عَلَى الأعيان.............56
المقصد الأوَّل: في شروط وجوب الجُمُعَة...........................60
الشُّروط العامَّة.................................61
الشّروط الخَاصَّة............................... 62
إمامة العبد والمسافر في الجُمُعَة وغيرها................... 68
إمامة الصبيِّ في الجُمُعَة.............................70
حكم المدبِّر والمكاتب........................ 71
إذن السَّيِّد لعبده في الجُمُعَة..........................71
حكم السفر يوم الجُمُعَة..........................72
الموانع الرافعة لوجوب الجُمُعَة..........................73
المقصد الثَّاني:في شروط صحَّة الجُمُعَة............................75
المصر والإمام................................. 76
الأَدِلَّة عَلَى اشتراط المصر الجامع...................... 77 (1/2)
صفحة 3
الجُمُعَة في غَيرِ الأمصار الممصَّرة......................89
تعدُّد الجُمُعَة في المصر الواحد........................90
حكم التخلُّف عن الجُمُعَة لمن كان دون الفرسخين وحكم إقامتها في غَيرِ الجامع.................................93
الإمام شرط لوجوب الجُمُعَة ولصحَّتها....................95
عدالة الإمام وهل هي شرط؟........................97
سفر الإمام والجُمُعَة.............................105
إذن الإمام.................................. 108
الجماعة....................................111
المقدار الذِي تَصِحُّ به الجُمُعَة.........................112
إذا لم يحضر الجمعة إِلاَّ من لا تجب عليه........................ 115
انفضاض الجماعة عن الإمام.........................116
الوقت.....................................117
النداء.....................................120
حكم البيع بعد النداء للجُمُعَة ......................123
الخطبة.................................... 126
مضمون الخطبة................................128
الكلام فيما يَخْتَصُّ بالخطيب.......................139
ما يَخْتَصُّ بمن حضر الخطبة.........................143
الإقامة....................................148
الخاتمة في سنن الجُمُعَة وآدابها وفضلها............................150
سننها.....................................157
آدابها.....................................158
آداب اليوم مع ليلتها..............................159
فضلها.....................................161
الملاحق........................................... 165
الملحق رقم (01) لقاء مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.............. 166 (1/3)
صفحة 4
الملحق رقم (2) رأي الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي في تعدد الجمعة، واشتراط المصر لها................................................179
الملحق رقم (3) حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم عيد/ش: سعيد القنوبي ..... 187
الفهارس...........................................198
فهرس المصادر والمراجع...................................199
فهرس الآيات..................................... .... 210
فهرس الأحاديث والآثار.............................. ....211
فهرس الأعلام.................................... .....220
فهرس الأديان والفرق والأمم والجماعات.................... .....227
فهرس الأماكن والبلدان............................. .....228
فهرس الأبيات الشعرية ....................................229
بسم الله الرحمن الرحيم
مُقَدِّمَة
الحمد لله الذي جمع بين الإخوة الأعداء في طيبة (يثرب)، وألَّف بين قلوبهم. وأشهد أن لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، شرع لنا ذكره تطمينًا لقلوبنا { ألاَ بِذِكْرِ الله تَطْمِئُنُّ القُلُوبُ } (1) ، ونادانا وأمرنا بالسّعي إليه. وأشهد أنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله؛ أرسله الله بشيرًا ونذيرًا، وجعله سببا للمِّ شتات البَشَرِيَّة، فآخى بين المهاجرين والأنصار كخطوة من الخطوات الأولى في بناء صرح الأمَّة الإسلاميَّة، صَلَّى الله عَليهِ وعلى آله وأصحابه الذِين نهجوا نهجه واتَّبَعوا سُنَّتَه، وعلى من جاء بعدهم مقتفيًا أثرهم إلى يوم الدِّين وبعد:
فإنَّ موضوع صلاة الجُمُعَة من المواضيع التي شغلت بال الفقهاء، وامتلأت بها بطون الكتب دراسة وتحليلا.
والشيخ السّالمي -رحمه الله- مِمَّن أدلى بدلوه، فكتب رسالة خاصَّة في هَذَا الموضوع، وركَّز فيها عَلَى تبيين أَدِلَّة الإِبَاضِيَّة ورأيهم في أهمِّ المسائل المتعلِّقة به.
__________
(1) - ... سورة الرعد: الآية 28. (1/4)
صفحة 5
وقد تمَّ اختياري لدراسة وتحقيق هذه الرسالة بعد اقتناعي بضرورة مسايرة المسلمين للتَّقدُّم الحضاريِّ وفق مقاصد الشرع الحنيف، وكذلك ضرورة الاعتناء بتراث الإمام السَّالميِّ -رحمه الله- الذِي تناسته الأقلام رغم ما أبلى من بلاء حسن في سبيل تجديد دين هذه الأمَّة.
وقد جعلت الدراسة في مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة:
المبحث الأَوَّل: خصَّصته للتعريف بالعلاَّمة السَّالميِّ -رحمه الله-، وَلَمَّا لم يَكن قصدي تركيز الدراسة عَلَى حياته من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ بعض الكتَّاب من الإِباضِيَّة وغيرهم قد تَكَلَّموا بعض الشيء عنه، فقد فضَّلت أن أنقل عنهم دون تصرُّف إِلاَّ قليلا، تاركا أمر تسليط الأضواء على جوانب عبقريَّة المؤلّف -رحمه الله- للمختصين.
والمبحث الثاني: خصَّصته للتعريف برسالة الحجج المقنعة ودواعي تأليفها، ووصف المخطوطات المعتمدة.
والمبحث الثالث: جعلته لتبيين أَهَمِّيَّة ومكانة هذه الرسالة.
والمبحث الرابع: جعلته وقفة مع أحاديث أصَّل بها المُؤَلِّف أهمَّ مسائله، حيث خرَّجت الأحاديث، وبينت مدى اعتماد الإباضية عليها.
والمبحث الخامس: جعلته لتبيين موقف العلامة السَّالميِّ من أهمِّ مسائل الاختلاف في هَذَا الموضوع بين الإِبَاضِيَّة أنفسهم، وبَينهم وبين غيرهم، وهذه المسائل هي: مسألة المصر والتمصير، ومسألة الإمام (الحاكم) وعدالته.
أَمَّا في الخاتمة فَقَد لخصت أهم النتائج المتوصل إليها بعد هذه الدراسة.
وفي قسم التحقيق قمت بالآتي:
1- ضبط النص، والمقارنة بين المخطوطات. (1/5)
صفحة 6
2- تخريج الآيات والأحاديث التي اسْتَدَلَّ بها المُؤَلِّف، معتمدا في عزو الأحاديث عَلَى الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، وصحيحي البخاري ومسلم، وكتب السنن الأربعة، والمسند للإمام أحمد. وما لم يكن في هَذه الكتب الثمانية فقد اعتمدت في عزوه عَلَى مجمع الزوائد للهيثمي، وفتح الباري لابن حجر، ونيل الأوطار للشوكاني، والجامع الصغير للسيوطي. وفي ذكر درجة صِّحَّة الحديث اعتمدت عَلَى هذه الكتب الأربعة الأخيرة فيما لم يرد في جامع الربيع أو صحيحي البخاري ومسلم، وما كان في هذه الثلاثة فقد اكتفيت بالعزو إليها.
3- توثيق النصوص والأقوال التي استشهد بها العلامة السَّالميُّ -رحمه الله-.
4- التعريف بالأعلام الواردة (أشخاص، بلدان، ...).
5- تسهيلا لتصفُّح هذا العمل المتواضع وضعتُ في آخر الرسالة فهارس للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأعلام، والفرق والأمم والجماعات، والبلدان والأماكن، والمصادر والمراجع.
6- كما ألحقت بالرسالة ملاحق تكمل ما يمكن أن يكون في هذه الرسالة من نقص، سواء في وجهات النظر في المسائل المطروحة، أو بعض المسائل المتعلقة بموضوع صلاة الجمعة.
وفي الختام أحمد الله سبحانه وتعالى على أن منَّ علي بإنجاز هذا العمل، وأسأله تعالى أن يجعل هذا الجهد ذخرا لي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وأتوجَّه بالشكر الجزيل إلى كُلِّ من ساعدني من قريب أو بعيد على إنجاز هذا العمل المتواضع، وعلى تذليل الصعوبات التي اعترضت سبيله، والتي لا يخلو منها عمل، وأخص بالذكر معهد الحياة (1) –إدارة وأساتذة- الذي أدركت فيه حلاوة العلوم الشرعية، وحاجة الأمة إلى من يحمل عبء الدعوة إلى الله، وجعل الشريعة الإسلامية منهجا وسلوكا في حياتها.
__________
(1) - ... أصل هذا المبحث مقدّم لاستكمال متطلبات السنة الرابعة شريعة في السنتين الدراسيتين 96/97- 97/1998. (1/6)
صفحة 7
كما أشكر أستاذي ومشرفي الدكتور مصطفى بن صالح باجو الذي ساعدني بالنفس والنفيس، ووقف على إنجاز هذا العمل، فقد كان لي بمثابة الأب الحاني والأخ الشقيق.
وإن أنس فلا أنسى فضل إخواني الميزابيين بمدينة قسنطينة، الذين آووني خلال مدة إقامتي معهم، وكانوا لي خير من يشد أزري.
فبارك الله في مساعي الجميع وأجزل لهم العطاء إِنَّهُ سميع مجيب الدعاء.
مسقط يوم الاثنين 17 محرم 1428هـ / 05 فيفري2007م.
إبراهيم بن علي بن عمر بولرواح
المبحث الأول: نبذة مختصرة (1) عن حياة الشيخ السالمي رحمه الله
التعريف بالشيخ السالمي:
هو العلامة المجتهد المجدِّد الفقيه المحقِّق الأديب اللغوي المُؤَرِّخ... الشيخ نور الدين أبو مُحَمَّد عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي. ولد سنة (1284هـ/ 1867م) ببلدة الحوقين من أعمال الرستاق بمنطقة الباطنة بعُمَان. من أسرة كريمة عرفت بالعلم والتقوى.
فقد بصره في فترة متقدمة من عمره، وعوضه المولى عَزَّ وَجَلَّ بذكاء وبصيرة حادَّين؛ فكان قلَّما يسمع شيئا وينساه، ويحكي عن نفسه متحدِّثا بنعمة الله أَنَّهُ حفظ وهو ابن أربعة أشهر أو دونها.
تعلَّم القرآن وحفظه على والده حميد بن سلوم. ثم التحق بمجالس العلم التي كانت تزخر بها مدينة الرستاق فلازم علماءها ردحا من الزمن، وفي مقدمتهم:
الشيخ ماجد بن خميس بن راشد العبري، والشيخ راشد بن سيف اللمكي، والشيخ محَمَّد الهاشمي، والشيخ مُحَمَّد بن سيف الرحلي، والشيخ مُحَمَّد بن مسعود البوسعيدي.
__________
(1) - ... لمزيد التفصيل في حياة الشيخ السالمي انظر: مقدمة تحقيقنا لكتاب معارج الآمال لنفس المؤلف. (1/7)
صفحة 8
ثُمَّ انتقل من الرستاق إلى المنطقة الشَّرْقِيَّة حين سمع بفضل العالم الكبير الشيخ صالح بن علي الحارثي، فنزل أَوَّل الأمر ببلدة الْمُضَيِْبي في جوار الشيخ سُلطان بن مُحَمَّد الحبسي، ثُمَّ انتقل إلى القَابِل بلدة الشيخ صالح المذكور، فلازمه إلى حين وفاته وكان أكثر ما أخذ من العلم عنه؛ فقد أخذ عنه التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق.
أما علم الحديث فقد اتَّسع أفق الشيخ السالمي فيه بعد سفره إلى الحجِّ عام (1323هـ/1905م) ولقائه بعلماء الآفاق، ومن بينهم المتخصصون في علم الحديث، الذين كانت بينه وبينهم مناظرات، مما دعاه إلى الرجوع لكثير من المُؤَلَّفَات الحديثيَّة، وحرص على المطالعة في الأُمَّهَات الستِّ وغيرها من كتب الحديث، التي بصماتها ظاهرة على غيرها في تآلفيه.
بعد وفاة الشيخ صالح بن علي الحارثي تصدى الشيخ السالمي لنشر العلوم والدعوة والإرشاد. وكان لا يخفي نزعته الإصلاحيَّة في آرائه الفِقْهِيَّة، مما جعله يواجه المجتمع الذي رُبَّمَا كان بعض أفراده يحرصون على آراء العلماء السابقين، ويرون أنَّ لتلك الآراء قدسيَّة، وَكان الإمام السالمي -رحمه الله- في مواجهة ذلك يأتي بالقول الذي يترجم بالدليل، ويرى أن الدليل الشرعي أولى بالاتباع.
كان ذا عزيمة قَوِيَّة صارمة تفلُّ الحديد، فبزَّ أقرانه علمًا وأدبًا وفقهًا وتحقيقًا. وكان يأسف أشد الأسف على ما آلت إليه أوضاع الأمة الإسلامية، مما جعله يسعى جاهدا إلى إحياء الإمامة بِعُمان، ولم يمل أو يكل إلى أن تُوجت مساعيه بمبايعة الإمام سالم بن راشد الخروصي –رحمه الله- (1/8)
صفحة 9
وقع بينه وبين شيخه ماجد بن خميس العبري خلاف، بسبب فتوى الشيخ السالمي في الأوقاف التي وقفت على قراءة القرآن على المقابر؛ أنها ترجع إلى الورثة. فشد الإمام السالمي رحاله ليصلح ما بينه وبين شيخه، إلا أن الأجل وافاه في الطريق، فدفن ببلدة تنوف المجاورة لمدينة نزوى بالمنطقة الداخلية.
وكانت وفاته –رحمه الله- في شهر ربيع الأَوَّل من عام 1332هـ الموافق لعام 1914م.
درس على يديه تلاميذ كثيرون وتخرج منهم علماء ومشايخ أجلاء منهم:
الإمام سالم بن راشد الخروصي، والإمام مُحَمَّد بن عبد الله الخليلي، والعلامة عامر بن خميس المالكي، والعلاَّمة الأمير عيسى بن صالح الحارثي، والعلاَّمة حمد بن عبيد السليمي، والعلاَّمة سيف بن حمد الأغبري، وولداه الشيخان محمد وحمد ابني عبد الله السالمي، وغيرهم كثير.
ترك العلامة السالمي مؤلفات قيمة عدية منها:
1. أنوار العقول : منظومة في أصول الدين في ثلاثمائة بيت من الرجز .
2. بهجة الأنوار : شرح مختصر لـ " أنوار العقول" .
3. مشارق الأنوار: شرح مطول لـ"أنوار العقول".
4. صواب العقيدة : قصيدة في التوحيد في سبعة وسبعين بيتًا، جمع فيها قواعد التوحيد وما لا يسع المُكَلَّف جهله.
5. غاية المراد في الاعتقاد : منظومة في التوحيد أيضًا.
6. كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة : منظومة في التوحيد أيضًا.
7. شمس الأصول: أرجوزة في أصول الفقه في ألف بيت من أبدع النظم وأمتنه.
8. طلعة الشمس : شرح ضاف لـ "شمس الأصول" .
9. شرح مسند الإمام الربيع بن حبيب : في ثلاث مُجَلَّدات.
10. نظم مختصر الخصال : منظومة في الفقه تنيف على ألفي بيت نظم فيها " مختصر الخصال" للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي -رحمه الله-. (1/9)
صفحة 10
11. معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال : شرح لـ"مختصر الخصال" في الفقه المقارن في ثماني مُجَلَّدات ضخمة، انتهى فيه إلى باب الاعتكاف، وقد انتصف ما كان نوى أن يتمَّه؛ فقد كان ناويًا أن يجعله في سِتَّة عشر مُجَلَّدًا لو لم تعاجله المنيَّة.
12. جوهر النظام : أرجوزة في الأديان تزيد على أربعة عشر ألف بيت في أسلوب سلس محكم متين قَلَّ أن يكون له نظير.
13. العقد الثمين : في الفتاوى في سبعة أجزاء.
14. تلقين الصبيان : في الفقه للناشئة.
15. المنهل الصافي في العروض والقوافي : أرجوزة شرحها شرحًا بديعًا.
16. الشرف التام في شرح دعائم الإسلام : شرح فيه بعض قصائد ابن النضر صاحب الدعائم .
17. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان : كتاب قيِّم جمع فيه تاريخ عمان.
18. الحقُّ الجلي في سيرة صالح بن علي .
19. اللمعة المرضية في أَشِعَّة الإِبَاضِيَّة.
20. بلوغ الأمل : في النحو.
21. الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجُمُعَة .
22. رسالة بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود .
23. رسالة الحُجَّة الواضحة في الردِّ على التلفيقات الفاضحة : رَدَّ فيها على الذي ادَّعَى العلم ولم يبلغه، وتعاطى منزلة الاجتهاد من أهل زمانه وهو لم يهيَّأ لها.
24. شرحه على العمرطيه : وهو شرح أرجوزة يحيى العمريطي، وهذا الشرح لا يقلُّ أَهَمِّيَّة عَمَّا سبق من الشروح لِمَا يجمع بين صفحاته من إيجاز محكم وجهد متقن.
25. ديوان "شعر " في غاية البلاغة والفصاحة.
26. كتاب مجموع المناظيم. هذه هي أهمُّ مُؤَلَّفَات الشيخ السالمي رحمه الله، وله مُؤَلَّفَات ورسائل أخرى.
المبحث الثاني: التعريف برسالة الحجج المقنعة
الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجُمُعَة للعلاَّمة نور الدين السَّالِمِيِّ -رحمه الله-، رسالة وضعها تلبية لطلب من شيخه حَمَد بن يوسف بن سعيد، وضمَّنها حجج الأصحاب (الإِبَاضِيَّة) في موضوع صلاة الجُمُعَة. (1/10)
صفحة 11
وقد طبعت هذه الرسالة للمرَّة الأولى بهامش الجزء الثاني من كتاب طلعة الشمس -للسالمي- بمطبعة الموسوعات بمصر بدون تاريخ الطبع، غير أَنَّهَا تحمل إشارة إلى أَنَّهَا طبعت في حياة المُؤَلِّف، وذلك واضح من العنوان: " كتاب شرح طلعة الشمس... السالمي؛ أطال الله بقاء ه." وصوِّرت تلك النسخة كما هي دون أيِّ تحقيق بعُمان سنة 1981. وأخيرًا طبعت الرسالة منفردة بعُمان سنة 1996 مع بعض التعاليق القليلة لسعود بن حمد بن نور الدين السالمي، والشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي. وبهذا يتجلى أن الرسالة لم تحظ بالتحقيق رغم طبعاتها المتعددة، إلى أن من الله علينا بتدارك ذلك، فله الحمد والمنة.
وقد اعتمدت في ضبط النصِّ -في عملي هذا- على نسختين معروضتين على المؤلف، رمزت للأولى بالرمز (أ)، وللثانية بالرمز (ب)، وسآتي على تفصيل الكلام عنهما في الأسطر القادمة، كما اعتمدت على تصحيح للسالمي على بعض مؤلفاته المطبوعة –وهي: مشارق أنوار العقول، وبهجة الأنوار، وطلعة الشمس، والحجج المقنعة- جعلتُهُ مُرَجِّحًا لما اختلفت فيه النسختان.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذه الرسالة تعبِّر عن رأي السّالمي في أهمَّ المسائل مثل المصر والإمام والتعدُّد في المصر الواحد، ولم يتغير فيها رأيه عما قاله في كتبه الأخرى التي تناولت هذا الموضوع، وهي بالإضافة إلى هذه الرسالة: معارج الآمال ، والعقد الثمين، و جوهر النظام .
ويمكن أي يستثنى من ذلك ما صرَّح به فيها (1) من أنَّ الجُمُعَة فرض عين، وصرَّح في العقد الثمين (2) بأَنَّهَا فرض كفاية.
وصف المخطوطات:
المخطوطة (أ): ضمن مجموعٍ بمكتبة نور الدين السالمي (رقم 36)
يضم الرسائل التالية: الحجج الواضحة + الحجج المقنعة + الحق الجلي + إيضاح البيان وكلها من مصنفات الإمام السالمي
العنوان: الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة.
__________
(1) - ... السالمي: الحجج المقنعة، ص54.
(2) - ... السالمي: العقد الثمين، 02/205. (1/11)
صفحة 12
الحجم: 129 صفحة في 65 ورقة.
المقاس: 16×24.
الورق: قديم، خشن، سليم غير متآكل، أبيض مائل إلى الاصفرار.
المسطرة: عدد الأسطر في الصفحة الواحدة ما بين 17 و18 سطرا. وعدد الكلمات في السطر الواحد ما بين 09 و12 كلمة.
الخط: النسخ.
المداد والأقلام: أسود في كامل النسخة، والقلم واحد غليظ بعض الشيء، إلا في العناوين ورؤوس الفقرات أو الإحالات المهمة فباللون الأحمر مثل: المقصد الأول في ... ، وأقول ... ، وفي الإيضاح ... .
والخط الذي كتب به تاريخ التأليف والعرض على المؤلف مغاير في السمك وشدة السواد، مما يدل على أنه ممكن أن يكون قد كتب في وقت لاحق.
وصف النص: واضح، فيه تصحيحات جانبية نحوية أو إملائية يسيرة.
التعقيبات: يستعملها بين الصفحتين المتلازمتين بكلمة أو أكثر.
الأخطاء: لغة المخطوطة سليمة وليس فيها ما يشين إلا ما لا يكاد يذكر.
الناسخ: غير مذكور.
تاريخ النسخ: يوم الجمعة الزهراء لخمس عشرة ليلة خلون من شهر صفر من سنة خمس عشرة سنة وثلاث مائة سنة بعد الألف من الهجرة النبوية.
تاريخ العرض على المؤلف: يوم الجمعة 20 من ربيع الأول سنة 1330هـ.
المخطوطة (ب): ضمن مجموعٍ بمكتبة نور الدين السالمي (رقم 215)
يضم الرسائل التالية: الحق الجلي + الحجج المقنعة + روض البيان وكلها من مصنفات الإمام السالمي.
العنوان: الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة.
الحجم: 178 صفحة في 90 ورقة.
المقاس: 13×18.
الورق: أملس صقيل، قديم، سليم، بني اللون.
المسطرة: عدد الأسطر في الصفحة الواحدة ما بين 17 و19سطرا. وعدد الكلمات في السطر الواحد ما بين 04 و10 كلمات.
الخط: النسخ.
المداد والأقلام: أسود في كامل النسخة، وبقلم واحد ليس بالرقيق ولا الغليظ، إلا في العناوين ورؤوس بعض الفقرات والإحالات المهمة فباللون الأحمر كالنسخة السابقة.
خط العرض والتصحيح مغاير لبقية النص في شدة السواد. (1/12)
صفحة 13
وصف النص: واضح، فيه بعض التصحيحات الجانبية الإملائية أو التكميلية اليسيرة.
التعقيبات: يستعملها بين الصفحتين المتلازمتين بكلمة أو أكثر.
الأخطاء: لغة المخطوطة سليمة في الغالب.
الناسخ: سعيد بن خميس بن حمد بن سالم المدسري البهلوي، مولى بني علي.
تاريخ النسخ: يوم ستة عشر ليلة خلت والثلثا من شهر صفر من شهور سنة ستة عشر سنة وثلاث مائة سنة من الهجرة.
(صحح هذا التاريخ هكذا): في الجمعة الزهراء لخمس عشر ليلة خلون من شهر صفر من سنة خمس عشر سنة وثلاث مائة بعد الألف من الهجرة.
عرضت على المؤلف (تمام العرض): يوم سبعة وعشرين من شهر ربيع الأول من شهور سنة ستة عشر وثلاث مائة وألف.
صورة صفحة الفهرس والغلاف من النسخة (أ)
وهي الورقة رقم 33 ضمن مجموعٍ بمكتبة نور الدين السالمي (رقم 36)
يضم الرسائل التالية: الحجج الواضحة + الحجج المقنعة + الحق الجلي + إيضاح البيان
وكلها من مصنفات الإمام السالمي
صورة الصفحتين الأولى والثانية من النسخة (أ)
وهي الورقة رقم 34 ضمن مجموعٍ بِمَكْتَبةِ نور الدين السالمي (رقم 36)
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة (أ)
وهي الورقة رقم 97 ضمن مجموعٍ بِمَكْتَبةِ نور الدين السالمي (رقم 36)
صورة صفحة الفهرس من النسخة (ب)
وهي الورقة رقم 25 ضمن مجموعٍ بمكتبة نور الدين السالمي (رقم 215)
يضم الرسائل التالية: الحق الجلي + الحجج المقنعة + روض البيان
وكلها من مصنفات الإمام السالمي
صورة تتمة الفهرس والصفحة الأولى من النسخة (ب)
وهي الورقة رقم 26 ضمن مجموعٍ بمكتبة نور الدين السالمي (رقم 215)
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة (ب)
وهي الورقة رقم 112 ضمن مجموعٍ بمكتبة نور الدين السالمي (رقم 215)
- - -
المبحث الثالث: أَهَمِّيَّة ومكانة رسالة الحجج المقنعة (1/13)
صفحة 14
إنَّ المستقصي لموضوع صلاة الجُمُعَة وأحكامها في أُمَّهَات كتب الفقه الإباضيِّ يجد صعوبة جمَّة في التعامل مع هذا الموضوع، رغم أَهَمِّيَّة وغزارة المَادَّة في تلك الكتب، وذلك بسبب أن بعضها لم يَعْتَنِ بالتبويب وحسن الترتيب، وبعضها لم يَعْتَنِ بالتأصيل (ذكر الدليل)، وبعضها لم يَعْتَنِ بالمقارنة والترجيح، وبعضها لم يَعْتَنِ بتقصي فروع المسائل في الموضوع الواحد، وهكذا ...
وبناء على ذلك فإنَّ رسالة الحجج المقنعة قد اكتسبت أَهَمِّيَّة كبيرة من عِدَّة جوانب منها:
1) كون موضوعها في رسالة مستقلَّة عن المواضيع الفِقْهِيَّة الأخرى التي احتوتها الأسفار الضخام، والتي لا يستطيع الكثيرون اقتناءها ولا الاطِّلاَع عليها لصعوبة التعامل معها.
2) حاول فيها الْمؤلِّف -رحمه الله- جمع حجج الإِبَاضِيَّة في أهمِّ نقاط الخلاف بينهم وبين غيرهم في موضوع صلاة الجُمُعَة، وتقصَّاها في بطون الكتب التي لم تفتأ تذكر بعضها وتعزف عن أخرى.
3) لم يكتف الْمؤلِّف -رحمه الله- بِجمع الحجج فقط، بل قارن بينها ورجَّح ما رجَّح، وفنَّد ما فنَّد؛ سواء في ما بين الإباضية وغيرهم، أو فيما بين الإباضية أنفسهم.
4) رتَّب الْمؤلِّف -رحمه الله- مسائلها ترتيبًا متسلسلاً يجعلك تتتبَّع الجزئيَّات دون تيه ودون عناء رغم استطراده أحيانًا في نقط فرعيَّة.
وبفضل هذه الرسالة يستطيع المرء أن يطلع على رأي الإباضية في موضوع الجمعة، والأدلة التي اعتمدوها، وبذلك يدرك أنهم -وإن خالفوا في بعض المسائل والفروع- كغيرهم من المذاهب الإسلامية يعتمدون على: الكتاب والسنة والإجماع والقياس وباقي الأصول التشريعية الأخرى المعروفة لدى عموم المسلمين، وذلك مما يكفل تضييق فجوة الخلاف بين المدارس الإسلامية، ويجعلها متكاملة غير متضادة.
المبحث الرابع: وقفة مع أحاديث أصَّل بها السَّالمي أهم المسائل
أولا: تخريج الأحاديث: (1/14)
صفحة 15
أ- حديث «إنَّ الله افترض عليكم الجُمُعَة في مقامي هذا...»:
هذا الحديث وجدتُهُ يُرْوَى عن أربعة من الصحابة، وهم: جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وطلحة بن عبيد الله (1) ، ولكن الأسانيد إلى هؤلاء كلها ضعيفة، وقد لَخَّص ابن حجر ما قيل في هذا الحديث فقال:
أخرجه ابن ماجة (2)
__________
(1) - ... ذكر العيني أن الطبراني في الأوسط رواه عن ابن عمر. ولكني لم أجده عن ابن عمر عند الطبراني أو غيره. انظر؛ العيني: عمدة القاري، 06/191.
(2) - ... سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة، باب في فرض الجُمُعَة، ر1081، ص122. وهذا سند الحديث ومتنه بتمامه:
حدَّثنا مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا الوليد بن بكير أبو خباب، حدَّثني عبد الله بن مُحَمَّد العدوي، عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن جابر بن عبد الله ، قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا أَيُّهَا الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصِلوا الذي بينكم وبين رَبِّكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السرِّ والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا، واعلموا أنَّ الله قد افترض عليكم الجُمُعَة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي، وله إمام عادل أو جائر استخفافًا بها أو جحودا لها فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ولا زكاة له، ولا حجَّ له، ولا صوم له، ولا بِرَّ له حَتَّى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه، ألا لا تؤمَّنَّ امرأة رجلا، ولا يؤمَّ أعرابيٌّ مهاجرًا، ولا يؤمَّ فاجر مؤمنا، إلاَّ أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وسوطه». (1/15)
صفحة 16
من رواية عبد الله بن مُحَمَّد بن العدوي عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيّب عن جابر قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أَيُّهَا الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا...» الحديث بطوله، وفيه هذا وغيره، أخرجه ابن عدي (1) ، وروى عن وكيع أنَّ العدوي كان يضع الحديث. وله طريق أخرى عند أبي يعلى (2) من رواية فضيل بن مرزوق : أخبرني الوليد بن بكير عن [محمد] (3) بن علي عن سعيد بن المسيّب، وفي إسناده نظر (4) . فقال: رواه الطبراني في الأوسط (5) من رواية موسى بن عطيَّة الباهلي عن فضيل بن مرزوق عن عطيَّة عن أبي سعيد (6) ، وقال: تفرَّد به يحيى بن حبيب عن موسى بن عطيَّة، وقال: رواه أسد بن موسى وعبد الله بن صالح العجلي عن فضيل بن مرزوق عن الوليد بن بكير عن عبد الله بن محمد العدوي عن علي بن زيد عن سعيد عن جابر. قلت: فرجعت الرواية الأخرى إلى العدوي. وقال ابن حبَّان في الضعفاء (7) :
__________
(1) - ... ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال، ترجمة عبد الله بن محمد العدوي، ر998، 04/180.
(2) - ... مسند أبي يعلى الموصلي، ر1856، 03/381.
(3) - ... في الأصل: نمر، وما أثبته من مسند أبي يعلى.
(4) - ... قال ابن الجوزي في ترجمة فضيل بن مرزوق: "قال يحي: ضعيف، وقال مرة: ثقة. وقال الرازي: لا يحتج به. وقال ابن حبان: يخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات." انظر؛ ابن الجوزي: الضعفاء والمتروكين، ر2726، 3/9.
(5) - ... الطبراني: المعجم الأوسط، ر7246، 07/192..
(6) - ... قال الهيثمي بعد ما أورد الحديث عن أبي سعيد: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه موسى بن عطية الباهلي ولم أجد من ترجم له وبقية رجاله ثقات" (الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/169). أقول: ولكن في سنده أيضا فضيل بن مرزوق وهو ضعيف حسب ما تقدم في سند أبي يعلى.
(7) - ... ابن حبان: المجروحين، ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، ر1012، 02/305.. (1/16)
صفحة 17
أخبرنا ابن خزيمة حدثَّنا محمد بن عبد الرَّحمن بن غزوان حدثَّنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد ، وقال: محمد بن عبد الرّحمن يروي العجائب. ورواه في الضُّعفاء (1) أيضًا من طريق خالد بن عبد الدَّائم: حدَّثنا نافع بن يزيد عن زهرة بن معبد عن أبي هريرة، وأعلَّه بخالد بن عبد الدائم. وقال الدَّارقطني في العلل (2) : اختلف زهرة و علي[بن زيد بن جدعان] في صحَّته، وكلاهما غير ثابت" (3) .
وقال ابن حجر أيضا:
__________
(1) - ... قال ابن حبان في ترجمة خالد بن عبد الدائم: "شيخ مصري، يروي عن نافع بن يزيد المناكير التي لا تشبه حديث الثقات، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد المشهورة". انظر؛ ابن حبان: المجروحين، ر297، 01/280.
(2) - ... الدارقطني: العلل، ر1723، 09/209.
(3) - ... ابن حجر: الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشَّاف[بهامش كتاب الكشَّاف]، 04/534. (1/17)
صفحة 18
" قال ابن عبد البر: لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة، إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول من حمل على العدوي، أو على مهنأ بن يحيى. قلت: العدوي المذكور هو عبد الله بن محمد، أخرج له ابن ماجة هذا الحديث من رواية الوليد بن بكير الكهولي عنه عن علي بن زيد، والحديث معروف بالعدوي، ذكر ابن عبد البر أن جماعة أهل العلم بالحديث يقولون إنه من وضعه، وأنهم حملوا عليه من أجله؛ قال: لكن وجدناه من رواية غيره، ثم ذكر أن محمد بن وضاح -وكان ثقة- حدث به عن زهير بن عباد عن بشر العابد عن فضيل عن محمد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب به، وأن ابن وضاح حدث به أيضا عن ابن أبي خيثمة عن محمد بن مصفى عن بقية عن حمزة بن حسان عن علي بن زيد به. قلت: الإسناد الذي حدث به ابن وضاح عن زهير بن عباد ليس بشيء للجهل بحال بشر وفضيل عن محمد بن إبراهيم، وعندي أن بشرا هو ابن الحارث الحافى، وفضيلا هو ابن مرزوق، وقوله في الإسناد عن محمد بن إبراهيم وإنما هو عن الوليد بن بكير عن علي بن زيد، وأما الإسناد الذي فيه بقية فليس سوى حمزة بن حسان، وهو مجهول، وشيوخ بقية المجهولون لا يعرج عليهم والله تعالى أعلم" (1) .
__________
(1) - ... ابن حجر: لسان الميزان، ترجمة مهنأ بن يحي السامي، ر379، 06/108. (1/18)
صفحة 19
هذا ملخص ما قيل في أسانيد هذا الحديث، وبالإضافة إلى من ذكرهم ابن حجر ممن رووه، فقد رواه أيضا عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله (1) ، وفي سنده حمزة بن حسان وعلي بن زيد (2) ، وكلاهما ضعيف. ورواه أيضا الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز عن طلحة بن عبيد الله (3) ، وفي سنده عبد الله بن محمد العدوي، وقد تقدم الكلام عنه (4) .
__________
(1) - ... مسند عبد بن حميد، ر1136، 01/344.
(2) - ... علي بن زيد بن جدعان، قال فيه يحي: ليس بشيء. وقال أحمد: ضعيف. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال البخاري لا يحتج به. وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الترمذي: صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي (لم) يرفعه غيره. وقال النسائي: ضعيف. وقال أبو بكر بن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه. انظر؛ المزي: تهذيب الكمال، ترجمة علي بن زيد، ر4070، 20/439. الذهبي: ميزان الاعتدال، ترجمة علي بن زيد، ر5850، 05/156.
(3) - ... الباغندي: مسند عمر بن عبد العزيز، ر88، 01/170.
(4) - ... ذكر العيني والقسطلاني والشوكاني أن البزار أخرجه وفيه علي بن زيد، ولكني لم أجده في مسند البزار. انظر؛ العيني: عمدة القاري، 06/191. القسطلاني: إرشاد الساري، 02/168. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/222. (1/19)
صفحة 20
وبالإضافة –أيضا- إلى ضعف السند، يمكن ملاحظة علة في متن الحديث وهي ربط هذه العبادة بالإمام عدلا كان أم جائرا، والأمور التعبدية لا دخل فيها للحاكم، وإنما هي بين العباد وربهم –سبحانه وتعالى-، وبذلك يتبين أن الحديث ضعيف سندا ومتنا، ولا يمكن التعويل عليه في مسألة اشتراط الإمام لوجوب الجمعة فضلا عن صحتها (1) ، رغم محاولة البعض تقوية هذا الضعف (2) .
ب- حديث «أربع إلى الولاة؛ الفيء والصدقات والحدود والجمعات»:
هذا الأثر لم أجده حديثا مرفوعا وبهذا اللفظ، وقد نص على ذلك ابن حجر فقال: "حديث أربعة إلى الولاة، وذكر منها الحدود، لم أجدْهُ" (3) ، وقال في موضع آخر: "لم أره مرفوعًا " (4) .
وما وجدته موقوف على عدد من الصحابة وهم: أبو عبد لله رجل من الصحابة، وابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعمار بن ياسر. وموقوف على عدد من التابعين وهم: الحسن البصري، وعبد الله بن محيريز، وعطاء الخراساني، ومسلم بن يسار، وعمر بن عبد العزيز. وهؤلاء المنقول عنهم هذا الأثر بعضهم نُسب إليه ولم أجد له سندا، ومنهم من اضطرب النقل عنه. والألفاظ التي ورد بها بعضها ليس فيها النص على الجمعة.
__________
(1) - ... وهذا رأي سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام بسلطنة عمان –حفظه الله-، انظر: الملحق رقم(01) بداية من السؤال التاسع.
(2) - ... بالإضافة إلى ما أشار إليه ابن حجر –سابقا- من كلام ابن عبد البر، فقد قال العيني: "(فإن قلت) في سند ابن ماجة عبد الله بن مُحَمَّد العدوي، وفي سند البزار عليُّ بن زيد بن جدعان، وكلاهما متكلَّم فيه، (قلت:) إذا روي الحديث من طرق ووجوه مختلفة تحصل له قُوَّة فلا يمنع من الاحتجاج به ولاسيما اعتضد بحديث ابن عمر". انظر؛ العيني: عمدة القاري، 06/191.
(3) - ... ابن حجر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ر657، 02/99.
(4) - ... ابن حجر: الكافي الشافي [بهامش كتاب الكشَّاف]، 04/534. (1/20)
صفحة 21
وقبل التطرق إلى حكم هذا الأثر أذكر ما وجدته من أسانيد ومتون له، وهي كالآتي:
- [قال البخاري:] قال موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن يحيى البكاء عن أبي عبد الله رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر يقول خذوا منه قال: أربع إلى السلطان الجمعة والفيء والزكاة (1) .
- قد روى حماد بن سلمة عن يحيى البكاء عن مسلم بن يسار عن أبي عبد الله رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه، وقال: هو عالم فخذوا عنه، فسمعته يقول: الزكاة و الحدود و الفيء و الجمعة إلى السلطان.
قال أبو جعفر: وعسى أن يكون هو أبا عبد الله أخا أبي بكرة واسمه نافع ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلافه (2) .
- قال أبو محمد[ابن حزم]:... فوجدنا أبا حنيفة وأصحابه يحتجون بما ناه عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن عثمان نا أحمد بن خالد نا علي بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن يحيى البكاء عن مسلم بن يسار عن أبي عبد الله رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: كان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه، قال: هو عالم فخذوا عنه فسمعته يقول: الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان (3) .
- ولنا ما روى الأصحاب في كتبهم عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير موقوفا ومرفوعا: أربع إلى الولاة الحدود والصدقات والجمعات والفيء (4) .
__________
(1) - ... البخاري: الكنى، باب العين، ترجمة أبي عبد الله، ر410، 01/47.
(2) - ... الطحاوي: مختصر اختلاف الفقهاء، باب في حد المملوك، 03/299./م ف أ.
(3) - ... ابن حزم: المحلى، مسألة رقم2189 هل يقيم السيد الحدود على مماليكه أم لا، 11/165. ابن حجر: فتح الباري، 12/163. الصنعاني: سبل السلام، 04/11. الشوكاني: نيل الأوطار، باب السيد يقيم الحد على رقيقه، 07/296. المباركفوري: تحفة الأحوذي، 04/596./م أ.
(4) - السيواسي: شرح فتح القدير، 05/235. القاري: مرقاة المفاتيح، ج07/136./ ج ت. (1/21)
صفحة 22
- قال ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجماعة من الصحابة: أربع إلى الولاة؛ الفيء والجمعة والحدود والصدقات (1) .
- وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أربع إلى الولاة الفيء والصدقات والحدود والجمعات. قلت: غريب، ورفعه صاحب الهداية كما رفعه المصنف، وهو في غالب كتب الفقه موقوف على ابن عمر (2) .
- حدثنا أبو بكر قال حدثنا عبدة عن عاصم عن الحسن قال: أربعة إلى السلطان الزكاة والصلاة والحدود والقضاء (3) .
- حدثنا عبدة عن عائشة (4) عن الحسن قال: أربع إلى السلطان الصلاة والزكاة والحدود والقضاء (5) .
- حدثنا وكيع عن ابن عون عن الحسن قال: ضمن أو يضمن هؤلاء القوم أربعا الصلاة والزكاة والحدود والحكم (6) .
- وعن الحسن البصري أنه [قال:] ضمن هؤلاء أربعا الجمعة والصدقة والحدود والحكم (7) .
- وقال الحسن البصري: أربع إلى السلطان: فذكر منها الجُمُعَة (8) .
__________
(1) - الطرابلسي: معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، 01/23./ج ت.
(2) - الزيلعي: تخريج الأحاديث والآثار، رقم1349، 04/25./ج ت.
(3) - ... مصنف ابن أبي شيبة، باب من قال الحدود إلى الإمام، ر28438، 5/506. الزيلعي: نصب الراية، 03/326. ابن حجر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ر657، 2/99./م أ.
(4) - ... هكذا في القرص وفي النسخة المطبوعة، ولعله خطأ مطبعي، وصوابه: عاصم كما في السند المتقدم.
(5) - ... مصنف ابن أبي شيبة، باب من قال تدفع الزكاة إلى السلطان، ر10198، 02/385./م أ.
(6) - ... مصنف ابن أبي شيبة، باب من قال تدفع الزكاة إلى السلطان، ر10199، 02/385./م أ.
(7) - ... ابن حزم: المحلى، 11/165./م أ.
(8) - ... العيني: عمدة القاري، 06/191. (1/22)
صفحة 23
- حدثنا أبو بكر قال حدثنا ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن جبلة بن عطية عن ابن محيريز قال: الجمعة والحدود والزكاة والفيء إلى السلطان (1) .
- حدثنا أبو بكر قال حدثنا عمر بن أيوب عن مغيرة بن زياد عن عطاء الخراساني قال: إلى السلطان الزكاة والجمعة والحدود (2) .
- وحجة أبي حنيفة ومن قال بقوله ما روي عن الحسن وعبد الله بن محيريز ومسلم بن يسار أنهم قالوا: الجمعة والزكاة والحدود والفىء والحكم إلى السلطان (3) .
- وروي عن الحسن وعمر بن عبد العزيز وغيرهم أنهم قالوا: الجمعة والزكاة والفيء والحكم إلى السلطان (4) .
هذه هي أسانيد ومتون هذا الأثر، وهي كما تقدم كلها موقوفة على عدد من الصحابة والتابعين، أما حكمه من حيث الاحتجاج به فأقول:
أول ما يمنع الاحتجاج بهذا الأثر كونه غير مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا
عبرة بكلام غير النبي - صلى الله عليه وسلم - . وإذا قيل: إن ما قاله هؤلاء مما لا يدرك إلا بتوقيف من الشارع، فهو في حكم المرفوع؛ فإن الجواب كالآتي:
__________
(1) - ... مصنف ابن أبي شيبة، باب من قال الحدود إلى الإمام، ر28439، 05/506. الزيلعي: نصب الراية، 03/326. ابن حجر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ر657، 02/99. ابن حزم: المحلى، 11/165./م أ.
(2) - ... مصنف ابن أبي شيبة، باب من قال الحدود إلى الإمام، ر28440، 05/506. الزيلعي: نصب الراية، 03/326. ابن حجر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ر657، 02/99./م أ.
(3) - ... ابن عبد البر، التمهيد، 09/105./م أ.
(4) - ... ابن رشد: بداية المجتهد، باب في شرب الخمر، 02/333./م أ. (1/23)
صفحة 24
بالنسبة للموقوف على ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعمار بن ياسر فإني لم أجد من ذكر لهم إسنادا إليهم، فالله أعلم بصحة ذلك عنهم. أما أبو عبد الله الصحابي فإن في سنده يحي البكاء وهو ضعيف متروك الحديث (1) . وأما بقية التابعين المذكورين فإن الأثر الموقوف عليهم يسمى مقطوعا، وحكم الحديث المقطوع -على التسليم بثبوته- أنه لا يحتج به في إثبات شيء من الأحكام الشرعية، وإذا احتف بقرائن تفيد رفعه فإنه عندئذ يكون حكمه حكم المرفوع المرسل لسقوط الصحابي منه (2) . وحكم المرسل عند جمهور المحدثين وكثير من الفقهاء والأصوليين أنه ضعيف لا يحتج به (3) .
هذا على التسليم بأن ما تضمنه هذا الأثر مما لا مجال للاجتهاد فيه، وإلا فإن بالنظر المبدئي يتبين أن للاجتهاد فيه مسرح، على الأقل في بعض مسائله، إن لم نقل في كلها (4) .
__________
(1) - ... انظر؛ النسائي: الضعفاء والمتروكين، ترجة يحي بن مسلم البكاء، ر636، 01/109. الرازي: الجرح والتعديل، ترجمة يحي البكاء، ر775، 09/186. ابن حبان: المتروكين، ترجمة يحي بن أبي خليد البكاء، ر1192، 03/109. الذهبي: سير أعلام النبلاء، ترجمة يحي البكاء، ر161، 05/350. الاعتدال، ترجمة يحي بن مسلم البكاء، ر9639، 07/220./م أ.
(2) - ... انظر؛ عتر: منهج النقد في علوم الحديث، ص331.
(3) - ... م س، ص369.
(4) - ... ذكر غير واحد أن ابن حزم تعقب قول الطحاوي عقب إيراده لهذا الأثر في مسألة إقامة السيد الحد على عبده حيث قال: "لا نعلم له مخالفا من الصحابة بالإجماع". قال ابن حزم: "بل خالفه اثنا عشر نفسا من الصحابة". انظر؛ ابن حجر: فتح الباري، 12/163. الصنعاني: سبل السلام، 04/11. الشوكاني: نيل الأوطار، باب السيد يقيم الحد على رقيقه، 07/296. المباركفوري: تحفة الأحوذي، 04/596./م أ. ملاحظة: لم أجد قول ابن حزم في المحلى. (1/24)
صفحة 25
وبناء على كل ذلك يتبين عدم صحة الاحتجاج بالأثر " أربع إلى الولاة ..." في مسألة اشتراط الإمام (الحاكم) لصلاة الجمعة، أو في غيرها من المسائل، والله تعالى أعلم.
جـ- حديث «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إِلاَّ في مصرجامع...» أو «مدينة عظيمة»:
يلخص الزيلعي ما قيل في هذا الحديث من حيث سنده فيقول:
"عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا جُمُعَة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلاَّ في مصر جامع»، قلت: غريب مرفوعا (1) ، وإِنَّمَا وجدناه موقوفا على عَلِِيٍّ، رواه عبدُ الرزَّاقِ في مُصَنَّفه: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن الحارث عن عليٍّ قال: لا جُمُعَة ولا تشريق إلاَّ في مصر جامع، انتهى. ورواه ابنُ أبي شيْبَة في مُصَنَّفه (2) : حدَّثنا عباد بن العوام عن حجَّاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن عَلِيٍّ قال: لا جُمُعَة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلاَّ في مصر جامع أو مدينة عظيمة، انتهى.
__________
(1) - ... قال الشوكاني: "واحتجُّوا بما روي عن عَلِيٍّ عليه السلام مرفوعًا: لا جُمُعَة ولا تشريق إِلاَّ في مصر جامع، وقد ضعَّف أحمد رفعه، وصحَّح ابن حزم وقفه، وللاجتهاد فيه مسرح فلا ينتهض للاحتجاج به". الشوكاني: نيل الأوطار، 03/233، 234.
(2) - ... قال ابن حجر: "لم أره مرفوعا، ورواه ابن أبي شيبة عن عَلِيّ وإسناده ضعيف". ابن حجر: الكافي الشافي، [بهامش كتاب الكشَّاف]، 04/534. (1/25)
صفحة 26
ورواه عبدُ الرزَّاقِ (1) أيضًا: أنبأ الثوريُّ عن زبيد الأيامي به عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلميِّ عن عَلِيٍّ قال: لا تشريق ولا جُمُعَة إلاَّ في مصر جامع، انتهى. وأخرجه البيهقي عن الثوري، أخرجه الطحاوي في المشكل قال: حدَّثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا وهب بن جرير ثنا شعبة عن زبيد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن عَلِيٍّ قال: لا جُمُعَة ولا تشريق إلاَّ في مصر جامع، [اهـ]. ورواه عن إبراهيم بن مرزوق ثنا أبو الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن زبيد اليامي سمعت سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن عَلِيٍّ قال: لا جُمُعَة ولا تشريق إلاَّ في مصر من الأمصار، [اهـ]. وقال ابن حزم في الْمُحلَّى: فقد صَحَّ عن عليٍّ - رضي الله عنه - : لا جُمُعَة ولا تشريق إلا في مصر جامع. وفي المعرفة عن شعبة عن زبيد الأيامي به؛ قال: وكذلك رواه الثوري عن زبيد به. وهذا إِنَّمَا يروى عن عَلِيٍّ موقوفا، فأَمَّا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فإِنَّهُ لا يروى عنه في ذلك شيء" (2) انتهى كلامه.
هذا الحديث موقوف على عَلِيّ بن أبي طالب كرم الله وجهه (3) ، وطرقه بعضها صحيح، وبعضها ضعيف. وعلى تقدير صحتها فإنه يقال في هذا الحديث ما قيل في سابقه. وإذا قيل: إن ما تضمنه مما لا يدرك بالاجتهاد فهو في حكم المرفوع؛ فإن مما يمكن أن يجاب به ما يأتي:
__________
(1) - ... قال الحافظ في الدراية: "إسناده صحيح". انظر؛ المجلس العلمي: بغية الألمعي في تخريج الزيلعي. (حاشية على نصب الراية).
(2) - ... الزيلعي: نصب الراية لأحاديث الهداية، 02/195.
(3) - ... قد حكى السالمي في متن رسالته قول من روى هذا الحديث مرفوعا. وقال العيني: "عَلَى أنَّ أبا زيد زعم في الأسرار أنَّ مُحَمَّد بن الحسن قال: رواه مرفوعا معاذٌ وسراقة بن مالك رضي الله تعالى عنهما". العيني: عمدة القاري، 06/188. (1/26)
صفحة 27
أ- قد صرح بعض العلماء بأن للاجتهاد في هذا الحديث مسرح (1) .
ب- يلاحظ في متن هذا الحديث علة تجعله غير صالح للاحتجاج به، وهي قوله: "ولا تشريق"، وهذه عبارة مبهمة. يقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي: "مهما كانت هذه الرواية، فما معنى التشريق في قوله "لا جمعة ولا تشريق"؟
إن كان المراد بذلك صلاة العيد فمن الذي يقول إن صلاة العيد مشروطة بالمصر، ألا تصلى صلاة العيد في جميع الأماكن؟" (2) .
د- حديث «لا جمعة إلا في مصر جامع » و «لا جمعة حتى يجتمع لها ثلاثة؛ مصر جامع وإمام ومنبر»:
الحديث الأول لم أجده بهذا اللفظ، وقد تقدم الكلام عنه في سابقه.
والحديث الثاني لم أجده في غير ما أشار إليه المؤلف من رواية أبي سعيد الكدمي في زياداته على الإشراف.
ثانيا: مدى اعتماد الإباضية على هذه الأحاديث:
بعد تقصي المصادر الفقهية الإباضية الموجودة بين أيدينا تبين الآتي:
1- بالنسبة لما رواه أبو سعيد الكدمي فإنه -بالإضافة إلى أني لم أجد من ذكره من المحدثين بهذا اللفظ- لم أجد من الإباضية قبل الكدمي من استدل به، ولا ممن عاصر الكدمي. والذين جاؤوا من بعده نقلوه عنه ونسبوا روايته إليه (3) .
2- بالنسبة للأحاديث الثلاثة الباقية فإني لم أجد من الإباضية من استدل بها قبل القرن الثامن الهجري (4) ،
__________
(1) - ... انظر؛ الشوكاني: نيل الأوطار، 03/233، 234.
(2) - ... انظر؛ الملحق رقم (01)، السؤال رقم19.
(3) - ... انظر مثلا: الكندي: بيان الشرع، 15/09. البوسعيدي: لباب الآثار، 02/111-114.
(4) - ... هذا إذا تغاضينا عن ما جاء في جامع ابن جعفر (ق3هـ) من ذكر لحديث جابر في فرض الجمعة، لأن الغالب على الظن أنه مدرج في الكتاب لاحقا، بدليل عبارة "ومن غيره". على أنه حتى لو كان من أصل الكتاب فإنه سيق لمجرد الذِّكر، لا لاستدلال على شيء بعينه. ابن جعفر: الجامع، 02/392.
ويلاحظ أيضا على الحديث المذكور أنه من رواية زيد بن أسلم عن جابر، ولم أجد هذا الطريق عند أحد من المحدِّثين. وأن بعضا من الذين جاؤوا بعد ابن جعفر ذكروه بنفس الإسناد ونفس السياق. انظر؛ الشقصي: منهج الطالبي، 04/512. الصائغي: جامع الجواهر، 06/247. (1/27)
صفحة 28
ولعل أول من استدل على اشتراط المصر بقول علي " لا جمعة ولا تشريق ...الخ " هو الجيطالي (ت750هـ) (1) ، وأول من استدل على اشتراط الإمام بحديث جابر هو الشماخي (ت792هـ) (2) ، وأول من استدل بقول الحسن البصري " أربع إلى السلطان ..." هو المحشي (ت1088هـ) (3) . وأغلب الظن أن الذين جاؤوا من بعدهم تبعوهم في الاستدلال بتلك الأحاديث.
المبحث الخامس:
أولا: موقف السَّالمي من مسألة المصر والتَّمصير:
اختلف الإباضية في وجوب الجمعة في غير الأمصار التي مصرها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ؛ فمنهم من قصر وجوبها على الأمصار الممصرة، ومنهم من أوجبها في كل مصر، وذهب قلة منهم –حسب ما يبدو- إلى عدم اشتراط المصر أصلا.
والإمام السالمي من القائلين بوجوبها في كل مصر، واستدل على ذلك ببعض الأحاديث، وبتمصير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعدم معارضة الصحابة الكرام له، ثم بيّن حصول الإجماع على ذلك.
وما يمكن ملاحظته على أدلة الإمام السالمي في هذه المسألة هو كالآتي:
-معظم الأحاديث المستدل بها ضعيفة السند أو الدلالة، وهي بمفردها غير كافية.
-تمصير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للأمصار وحصر إقامة الجمعة فيها موضوع يحتاج إلى مزيد بحث ودراسة، من جانب ثبوت القضية، وهل مصرها للجمعة أو الدواوين؟ وهل بتمصيره منع إقامة الجمعة في غيرها؟ في حين لم يتطرق السالمي إلى ما روي (4) من أنَّ أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون الجُمُعَة على عهد عُمَرَ وعُثْمَانَ -رضي الله عنهما- بأمرهما، وفيها رجال من الصحابة، وأنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - كان يرى أهْلَ الْمياهِ بين مَكَّةَ والْمَدينَةِ يجمعون فلا يعيب عليهم.
__________
(1) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/364.
(2) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/603.
(3) - ... السدويكشي: حاشية على الإيضاح (بهامش الإيضاح)، 01/602.
(4) - ... انظر؛ ابن حجر: فتح الباري، 02/380. (1/28)
صفحة 29
فإذا ثبت هذا فأين إجماع الصحابة على اشتراط المصر؟!
-ما ذكره السالمي من الإجماع على اشتراط المصر –بعد عصر الصحابة- فيه نظر؛ وهو نفسه قد ذكر مخالفة المالكية والشافعية والحنابلة لهذا الشرط، فأين الإجماع يا ترى؟!
ثانيا: موقف السالمي من مسألة الإمام (الحاكم) وعدالته:
مسألة اشتراط الإمام وعدالته ثاني أبرز مواضع الاختلاف –باعتبار- في موضوع الجُمُعَة بين الإِبَاضِيَّة وغيرهم من المذاهب، وبين علماء الإباضية أنفسهم.
فمعظم الإباضية يشترطون الإمام (الحاكم) لوجوب إقامة الجمعة، وزاد بعضهم –وَهُمْ قلة- اشتراط عدالة الإمام. والعلاَّمة السالمي مع جمهور الإباضية في هذه المسألة، واستدل عليها بحديث «فمن تركها وله إِمَام عادل أو جائر ... » وحديث «أربع إلى الولاة الفيء والصدقات والحدود والجمعات»، ونسب الشيخ السالمي للإباضية عدم صحة الجمعة عند عدم وجود إمام قائم بالأمر.
وما يمكن ملاحظته في هذا الصدد هو كالآتي:
-حديث «فمن تركها وله إِمَام عادل أوجائر ... » حديث ضعيف جدا عند المحدِّثين، وحديث «أربع إلى الولاة ... » موقوف حسب رأي المحدِّثين –أيضا-، وبذلك فالاستدلال بهما غير قوي، إن لم نقل لا يصح.
- عند تعرضنا للحديث الموقوف لا بد من وقفة لمعرفة رأي الشيخ السالمي فيه، فقد قال في شمس الأصول:
"وَليس بالمقطوع والموقوف تقوم حجَّة ولا الضعيفِ" (1)
وقال في طلعة الشمس (شرح شمس الأصول):
"وإذا أتى شيء عن صحابي موقوفًا عليه مِمَّا لا مجال للاجتهاد فيه كقول ابْنِ مَسْعُودٍ : «من أتى ساحرًا أو عرَّافا فقد كفر بما أنزل على مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - » فحكمه الرفع تحسينًا للظنِّ بالصحابة، قاله الحاكم " (2) .
وقال في موضع آخر بعد شرح معنى المقطوع والموقوف والضعيف والمنكر والشاذِّ والموضوع:
__________
(1) - ... السالمي: طلعة الشمس، 02/49.
(2) - ... م س، 02/50. (1/29)
صفحة 30
"فهذه الأنواع كلُّها لا تقوم بها حجَّة على المخالف، ويصحُّ العمل ببعضها دون بعض ٍ" (1) .
فقد حكم بعدم قيام الحُجَّة بالموقوف في رجزه، ثُمَّ حكى ما قاله الْحَاكِمُ في أنَّ حكمَه حكم المرفوع، ولم يشر إليه بلفظ التَّمريض (قيل) حتَّى يُعلم أنَّ رأيه غير ذلك، ولم يُعَقِّب عليه بالتفنيد ولا بالتصحيح، ثُمَّ ذكر أخيرًا حكم تلك الأنواع التي ذكرها بأَنَّهَا لا تقوم بها حجَّة مع صحَّة العمل ببعضها.
وبناء على ذلك فإن رأي الشيخ السالمي في مسألة الحديث الموقوف غير واضح.
-ما نسبه الشيخ السالمي للإباضية من عدم صحة الجمعة بغير إمام (حاكم) فيه نظر، وذلك للاعتبارات الآتية:
1) لم أجد فيما رجعت إليه من المصادر من صرح بذلك غير الإمام أبِي إسحاق في خِصَالِهِ، حيث قال: "وَلا تجب الجُمُعَة ولا يجوز فعلها إِلاَّ بوجود أربع خصال: أحدها أن تكون دعوة المسلمين ظاهرة مع إمام أو سلطان وَقِيلَ..." (2) .
ومعظم الذين تناولوا الموضوع اكتفوا باشتراط الإمام للوجوب، وسكتوا عن الصحة، ومن هؤلاء ابْنُ بَرَكَةَ (3) ، وصاحبا الإيضاح (4) والقواعد (5) .
على أن بعضهم صرح بأن أمر الله بالجمعة ليس فيه شرط إمام، وأن للمسلمين أن يصلوا جمعة إذا عدم قائم بها من إمام عادل أو جائر إذا كانت اليد للمسلمين وهم القوَّامون بإقامة الأيمة وإليهم الحل والعقد، بأن يأمروا رجلا من المسلمين يرضونه لصلاتهم فيصلي بهم الجمعة (6) .
__________
(1) - ... م س، 02/52.
(2) - ... الحضرمي: مختصر الخصال، ص75.
(3) - ... السليمي (ابن بركة): الجامع، 01/562.
(4) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/356، 358.
(5) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/356، 358.
(6) - ... السليمي: الجامع، 01/556-558. (1/30)
صفحة 31
2) عند الإباضية قاعدة فقهية مشهورة، وهي أن " الكتمان يأخذ من الظهور، والظهور لا يأخذ من الكتمان " (1) ، ومعناها أنَّ المسلمين في عهد الضعف والوهن يقيمون أحكام الدين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وأَمَّا في عهد القُوَّة والعزِّ فلا يجوز لهم أن يتسامحوا في شَيْء من أحكام الدين.
وفريضة الجُمُعَة -وإن كانت من مهامِّ الإمام على تسليمنا بأنَّ الحديث المذكور قول للرسول - صلى الله عليه وسلم - لا اجتهاد من أبي عبد الله الصحابي أو غيره من الصحابة والتابعين- من الأمور التي يستطيع المسلمون في عهد الكتمان إقامتها، فلماذا نمنع إقامتها ونعدم صحَّتها إذا أقيمت بدون إِمَام؟
3) من جهة أخرى كان بالإمكان أن تعالج هذه المسألة من زاوية المقاصد الشَّرعِيَّة، على الأقل في جانب صحة إقامتها، والشيخ السالمي قد صرَّح بمقصد الشارع من شعيرة الجُمُعَة (2) ، غبر أَنَّهُ لم يول لها كبير اعتبار في هذا الباب.
وما يؤيد مراعاة المقاصد الشرعية في إقامة الجمعة في مواطن دون أخرى فعلُهُ - صلى الله عليه وسلم - وفعلُ صحابته من بعده (3) . والله تعالى أعلم وأحكم.
خاتمة: نتائج الدراسة
بعد الطواف في ثنايا هذه الرسالة وأغلب المصادر الإباضية الموجودة بين أيدينا تبين الآتي:
1- في هذه الرسالة يرى العلامة السالمي -رحمه الله- أن صلاة الجمعة فرض عيني، إلا على صبي أو امرأة أو مسافر أو صاحب عذر، على أنهم إذا حضروها أجزتهم عن الظهر. ومن شروط وجوبها وصحتها المصر الجامع والإمام أو إذنه، ويمنع تعددها في المصر الواحد.
__________
(1) - ... الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج . ص.
(2) - ... انظر؛ السالمي: الحجج المقنعة، ص82، 84.
(3) - ... انظر: قول سماحة الشيخ أحمد الخليلي وفضيلة الشيخ سعيد القنوبي في الملحق. (1/31)
صفحة 32
2- تركز المصادر الإباضية على مسألة اشتراط المصر أكثر من تركيزها على اشتراط الإمام، بل إن بعضهم صرح بأن أمر الله بالجمعة ليس فيه شرط إمام (1) .
3- أغلب مصادر القرون الأولى لا تذكر ما استدل به الأيمة الإباضية على ما اشترطوا لصلاة الجمعة.
4- نص بعضهم على أن سبب الخلاف في شروط صلاة الجمعة هو الاحتمال المتطرق في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك أنه لم يصلها إلا في جماعة ومصر ومسجد جامع (2) ، ونص البعض على أن المسألة اجتهادية وكل قال فيها برأيه لعدم النص من الشارع (3) .
5- أبرز ما استدل به على اشتراط المصر تمصيرُ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للأمصار وإجماع الصحابة على ذلك، وعدم إنكارهم عليه، ثم قول الإمامين جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة: "كل مصر أقيمت فيه الحدود مع إمام عدل ففيه الجمعة"، وقول الإمام ضمام بن السائب: "كل أرض أهل الذمة والعرب أقيمت فيها الحدود جمع فيها".
6- تمصير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للأمصار مسألة تحتاج إلى مزيد بحث ودراسة، من جانب ثبوت القضية، وهل مصرها للجمعة أو الدواوين؟ وهل بتمصيره منع إقامة الجمعة في غيرها؟ مع ما يروى من أنَّ أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون الجُمُعَة على عهد عُمَرَ وعُثْمَانَ -رضي الله عنهما- بأمرهما، وفيها رجال من الصحابة، وأنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - كان يرى أهْلَ الْمياهِ بين مَكَّةَ والْمَدينَةِ يجمعون فلا يعيب عليهم. فإذا ثبت هذا فأين إجماع الصحابة على اشتراط المصر؟!
__________
(1) - ... السليمي: الجامع، 01/562.
(2) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/364.
(3) - ... السدويكشي: حاشية على الإيضاح (بهامش الإيضاح)، 01/602. (1/32)
صفحة 33
7- ما صح من الأدلة ليس فيها التصريح باشتراط أغلب تلك الشروط المذكورة، وبذلك يترجح أن الإباضية –الأوائل خاصة- اشترطوا تلك الشروط بناء على اجتهادهم في فهم ملابسات الموضوع أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام بعده، فإذا جاز لهم الاجتهاد جاز لغيرهم ممن استحق وصف الاجتهاد، وهذا ما ذهب إليه جملة من المتأخرين والمعاصرين (1) .
[تمهيد]:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رَبِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه وعلى جميع النبيِّين، وعلى الملائكة المقرَّبين، وعلى صالحي المؤمنين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين.
__________
(1) - ... انظر؛ الملحق رقم 02. (1/33)
صفحة 34
أَمَّا بعد: فقد سألني من هو أعزُّ الأصحاب لديَّ وأكرمهم عليَّ شيخنا المجيد حَمَد بن سيف بن سعيد (1) -أسعده الله في دَارَيْه وأمطر سحب الرحمة عليه- أن أضع له رسالة في صلاة الجُمُعَة وحجج الأصحاب فيها، فأجبته ملبِّيا لخطابه، وسارعت في ترتيب جوابه، أداء لحقِّ الأخوَّة، وانقيادا لحكم المروءة، وتشييدا لقواعد الدين وتثبيتا لقلوب المؤمنين؛ فوضعت له هذه الرسالة المشتملة على التحقيق، الهادية إلى سواء الطريق، ورتَّبتها على مُقَدِّمَة ومقصدين وخاتمة. [المُقَدِّمَة في صفة صلاة الجُمُعَة وفي حكمها وفي الأَدِلَّة على وجوبها. والمقصد الأَوَّل في شروط وجوب صلاة الجُمُعَة. والمقصد الثاني في شروط صِحَّة الجُمُعَة والخاتمة في سنن الجُمُعَة وآدبها وفضلها].
المُقَدِّمَة: في صفة صلاة الجُمُعَة وفي حكمها وفي الأَدِلَّة على وجوبها
[صفة صلاة الجُمُعَة]:
__________
(1) - هو أبو عبد الله حمد بن سيف بن سعيد بن راشد بن خميس بن عيسى بن أحمد البوسعيدي. عالم ورع زاهد. ولد ببلدة الشريعة من سمد الشأن بالمنطقة الشرقية من سلطنة عمان، بين سنتي 1265و1275هـ. أخذ العلم عن علماء عصره، ورحل إلى بلدة القابل ولازم الشيخ صالح بن علي الحارثي. توفي في طريقه إلى الحج عن غيره سنة 1315هـ، وعمره نيف وأربعون سنة، وهو إلى الخمسين أقرب. انظر؛ السالمي: تحفة الأعيان، 2/314. البوسعيدي: الموجز المفيد نبذ من تاريخ آلبوسعيد، ص118. (1/34)
صفحة 35
اِعلم أنَّ صلاة الجُمُعَة هي ركعتان في وقت الظهر من يوم الجُمُعَة، في مصر مع إِمَام بارٍّ أو فاجر أو نائب إِمَام كذلك، يُصلَّيان بأذان وخطبة وإقامة، يجهر فيهما الإمام بالقراءة ويقرأ مع فاتحة الكتاب في كُلِّ ركعة منهما شيئا من القرآن، ويستحبُّ أن يقرأ فيهما بما كان يقرأه عليه الصلاة والسلام فيهما، فقد روي عنه أَنَّهُ «كان يقرأ في ركعتي الجُمُعَة سورة الجُمُعَة والمنافقين، وتارة يقرأ الجُمُعَة وهل أتاك حديث الغاشية وتارة سبِّح اسم رَبِّك الأعلى والغاشية» (1) . وإن قرأ غير هذه السور أجزأه لأَنَّ في قراءته - صلى الله عليه وسلم - مَرَّة "هل أتاك حديث الغاشية" وَمَرَّة "سبح اسم ربِّك الأعلى" وَمَرَّة غيرهما ما يَدُلُّ على أنَّ الجُمُعَة لا تختصُّ بقراءة سورة دون سورة ولكن في التأسِّي به - صلى الله عليه وسلم - ما لا يخفى من كمال انقياد المتأسِّي وتمام إذعانه فيحوز بذلك الفضل الوافر. ولتكن الخطبة مُتَّصِلَة بالأذان، والإقامة مُتَّصِلَة يالخطبة، والصلاة مُتَّصِلَة بالإقامة، ولا يخطب الخطيب حَتَّى يقول المؤذِّن: لاإله إِلاَّ الله، ولا ينزل عن منبره حَتَّى يقول المقيم: قد قامت الصلاة وسيأتي في شروط صِحَّة صلاة الجُمُعَة أحكام الأذان والخطبة.
__________
(1) - ... رواه الربيع بن حبيب ومسلم وغيرهما؛ الفراهيدي: الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، كتاب الصّلاة ووجها، باب [46] في صلاة الجُمُعَة وفضل يومها، رقم 284، 01/75. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، باب ما يقرأ في صلاة الجُمُعَة، 06/166-167. (1/35)
صفحة 36
قال في الإيضاح (1) : "وإذا دخل الإمام المسجد بعدما صَلَّى في بيته ما شاء الله فليأت إلى المنبر ويقدِّم في طلوعه رجله اليمنى، فإذا استوى على المنبر قعد منتظرا المؤذِّن ومن يأتي من الناس، فإذا أذَّن المؤذِّن الآخر وفرغ من أذانه قام الإمام واقفا على المنبر وأخذ في خطبته قائما، ويبدأ في خطبته بذكر الله والثناء عليه والصلاة على نبيِّه، ويذكّر الناس ويعظهم ويخوِّفهم معادهم، وينبغي له أن يعتمد في حال خطبته على قوس أو على عود المنبر لِمَا روي أَنَّهُ «كان - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد على المنبر توكَّأ على قوس أو سيف أو عصا» (2)
__________
(1) - كتاب الإيضاح من أهم أمهات الفقه الإباضي، ومؤلفه هو أبو ساكن عامر بن علي الشماخي، من أعلام الإباضية في المغرب الإسلامي في القرن الثامن الهجري. انظر؛ مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب).
(2) - ... روى أبو داود: ...يقال له الحكم بن حزن فأنشأ يحدِّثنا قال: «وفدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابع سبعة أو تاسع تسعة فدخلنا عليه فقلنا: يارسول الله زرناك فادع الله لنا بخير... فأقمنا بها أَيَّاما شهدنا فيها الجُمُعَة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقام متوكِّئا على عصا أو قوس فحمد الله... ». سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، باب الرجل يخطب على قوس، 01/251.
... وروى ابن ماجة:....ثنا عبد الرحمن بن سعد بن عَمَّار بن سعد حدَّثني أبي عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس وإذا خطب في الجُمُعَة خطب على عصا». في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أولاد سعد وأبيه عبد الرحمن. سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصّلاة وَالسُّنَّة فيها، باب ما جاء في الخطبة يوم الجُمُعَة، رقم1107، 01/351. (1/36)
صفحة 37
فينبغي الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - ، ويستقبل الناس بوجهه" (1) . انتهى كلامه. وفيه ما يَدُلُّ على أنَّ للجُمُعَة أذانين، وما كان في عهده - صلى الله عليه وسلم - ولا في عهد الخليفتين بعده إلاَّ أذان واحد، وإِنَّمَا أحدث الأذان الأَوَّل عثمان لَمَّا رأى كثرة الناس (2) وهي بدعة حسنة قبلها منه المسلمون فلا بأس بها.
ويروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ «كان يمهل يوم الجُمُعَة حتَّى يجتمع النَّاس، فإذا اجتمعوا خرج إليهم وحده، فإذا دخل المسجد سلَّم عليهم ثمَّ يجلس ويأخذ بلال في الأذان فإذا فرغ منه قام النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة» (3) . وفي الأثر: أَنَّهُ قد كان بعض المبتدعين صَلَّى ركعتين بعد الأذان واتَّبَعَه الناس على ذلك ثُمَّ إنَّ محمد بن محبوب (4) غيَّر تلك البدعة (5) .
[حكم الدخول مع الإمام في صلاة الجُمُعَة]:
__________
(1) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/611-612.
(2) - ... سيأتي تخريجه في باب النداء للجمعة.
(3) - ... لم أجد في ذلك حديثا صريحا. انظر تخريج الأحاديث الواردة في باب النداء.
(4) - من أشهر علماء الإباضية في القرن الثالث الهجري، قرشي الأصل، استوطن عُمَان وحضر بيعة الإمام الصلت بن مالك سنة237 هـ،وقلده القضاء على صُحار وتوابعها سنة251 هـ.= = من شيوخه العلامة أبو علي موسى بن علي الإزكوي -رحمه الله-، وقد نال شرف مصاهرته. أخذ عنه العلم كثيرون منهم: ولداه بشير وعبد الله، وأبو معاوية عزان بن الصقر، وأبو المؤثر الصلت بن خميس، والفضل بن الحواري، ومحمد بن جعفر. من مؤلفاته سيرة إلى أهل المغرب في سبعين جزءا تقريبا. توفي -رحمه الله- سنة 260 هـ بصحار. انظر؛ مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان، ص150. البطاشي:إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، ج01، ص250. الجعبيري: نفحات من السير، ج05، ص161.
(5) - ... انظر؛ الأزكوي: الجامع، 02/399. الكندي: بيان الشرع، 15/37. (1/37)
صفحة 38
وحكمها في الدخول مع الإمام حكم سائر الصلوات لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من أدرك من الجُمُعَة ركعة فليصلِّ إليها أخرى ومن أدركهم في التشهُّد صَلَّى أربعا»، وفي رواية أخرى «من أدرك الإمام في التشهُّد يوم الجُمُعَة فقد أدرك الجُمُعَة» (1) ، وهذه الرواية دليل لِمَا صَرَّحَ به الإمام أبو سعيد (2) - رضي الله عنه - مِمَّا حاصله: أنَّ من أدرك من صلاة الجُمُعَة أو غيرها ما لا تَتِمُّ الصلاة إلاَّ به كان مدركا للصلاة مع الإمام وليقض ما فاته منها (3) . وذهب بعض أصحابنا إلى أَنَّهُ إذا لم يدرك مع الإمام ركعة صَلَّى أربعا أي صلاة نفسه ورفع هَذَا المذهب عن عليِّ بن أبي طالب (4) .
__________
(1) - ... الحديثان رواهما الترمذي موقوفين على جملة من الصحابة؛ سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب فيمن أدرك من الجُمُعَة ركعة، رقم523، 02/19. ...
(2) - ... هو أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، من أشهر علماء الإباضية المشارقة في القرن الرابع الهجري، وهو من بلدة كُدَم من أعمال ولاية الحمراء بِعُمَان. اشتغل في شبابه خازنا على سجن الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الذي بويع بالإمامة سنة 320 هـ. من أشياخه محمد بن روح الكندي، وأبو الحسن محمد بن الحسن. له تصانيف عديدة منها: كتاب المعتبر، كتاب الاستقامة، زيادات الإشراف (نعقب فيه كتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري)، الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد. يُعد من العلماء المعتدلين في قضية الفتنة الواقعة في عُمان إثر عزل أو اعتزال الإمام الصلت بن مالك سنة 273 هـ. مجموعة أساتذة: الدليل، ص146. البطاشي: الإتحاف، 01/282.
(3) - ... انظر؛ الكندي: بيان الشرع، 15/38.
(4) - ... انظر؛ السليمي: الجامع، 01/571. (1/38)
صفحة 39
قال أبو مُحَمَّد (1) : "وقد كان في الصحابة من يخالف عليًّا في هذه المسألة، وكان يرى أنَّ من أدرك التشهُّد فقد أدرك الجُمُعَة ويأتي بركعتين" (2) . انتهى. والدليل لمذهب عليٍّ هو ما في آخر الرواية الأولى من أَنَّهُ «من أدرك الجماعة في التشهُّد صَلَّى أربعا». وإذا دار الأمر بين ترجيح أحد القولين على الآخر قلنا: إنَّ القول بأَنَّهُ «من أدرك الإمام في التشهُّد فقد أدرك الصلاة» هو الراجح لِمَا في تلك الرواية وَلِمَا عليها من شواهد من السنَّة والقياس، فأمّا شواهدها من السنَّة فهو ما في أحاديث الدُّخول مع الإمام من العمومات التي لا تنكر (3) ، ولم يقم دليل على خروج الجُمُعَة من عموم تلك الأحاديث ولا على تخصيص تلك الأحاديث بشيء من أركان الصَّلاة دون شيء، وأَمَّا شاهدها من القياس فهو أنَّ الركعة ركن من الصلاة، والقعود ركن منها أيضًا فوجب أن يتساوى الركنان في الحكم حيث لا مخصِّص، والله أعلم.
[حكم من فسدت علية صلاة الجُمُعَة]:
__________
(1) - أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي، من أشهر علماء الإباضية المشارقة في القرن الرابع الهجري، ينسب إلى بلدة بهلا بِعُمان، له عدة مؤلفات منها: الجامع، كتاب الشرح لجامع ابن جعفر، التقييد، الموازنة. انظر؛ البطاشي: الإتحاف، 01/226.
(2) - السليمي: الجامع، 01/571.
(3) - ... من هذه العمومات:
... ( عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من أدرك ركعة من الصّلاة فقد أدرك». سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب من أدرك من الجُمُعَة ركعة، 01/256.
... ( ورواه ابن ماجه بلفظ قريب، وله حديث آخر؛ عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من أدرك ركعة من صلاة الجُمُعَة أو غيرها فقد أدرك الصّلاة». سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصّلاة وَالسُّنَّة فيها، باب ما جاء فيمن أدرك من الجُمُعَة ركعة، رقم1121، 1122، 1123، 01/356. (1/39)
صفحة 40
ومن فسدت عليه صلاة الجُمُعَة وعلم بفسادها في الوقت أعادها أربعا صلاة الظهر، أو بعد الوقت قضاها أربعا كذلك؛ وذلك أَنَّهُ لا جُمُعَةَ له فوجب المصير إلى صلاة نفسه. وَقِيلَ (1) : إن علم بفسادها بعد خروج الوقت قضاها ركعتين صلاة الجُمُعَة لأَنَّهَا إِنَّمَا وجبت عليه بالدخول مع الإمام ركعتان (2) فيقضيها كذلك، وإن علم بفسادها في الوقت صلاَّها صلاة نفسه؛ وهذا القول مبنيٌّ على أنَّ وجوب القضاء إِنَّمَا هو بالأمر الذي وجب به الأداء وكان المأمور به عند الأداء ركعتين فكذلك يقضي، وأيضًا فالقضاء استدراك لِمَا فات وقته، ولا يكون المستدرك به إلاَّ نظيرًا للمستدرك ومماثلا له، وقد علمت أنَّ المستدرك ركعتان فكذلك القضاء، ولهاتين الحجَّتين فرَّق أصحاب هذا القول بين ما إذا علم بفسادها في الوقت وبين ما إذا علم بعد الوقت، لأَنَّهُ إذا علم بفسادها في الوقت كان الواجب عليه إعادتها، والإعادة هي غير القضاء، وإن علم بعد الوقت كان عليه قضاؤها، ولنا أن نقول لا نسلم أنَّ القضاء إِنَّمَا وجب بالأمر الذي وجب به الأداء وإِنَّمَا نقول إِنَّهُ وجب بأمر ثان كما بيَّنته في الشمس وفي طلعتها (3) ، وأنَّ القضاء وإن كان استدراكا لِمَا فات فالفائت عليه عندنا إِنَّمَا هي صلاة نفسه، أَمَّا الجُمُعَة فقد فسدت عليه وتحوَّل الوجوب إلى الأربع وهي التي فاتت فالقضاء إِنَّمَا هو استدراك للأربع لا للجُمُعة والله أعلم. وقيل (4)
__________
(1) - ... انظر؛ الأزكوي: الجامع، 02/399. أبو الحواري: الجامع، 01/244.
(2) - ... في (ب): ركعتين.
(3) - ... السالمي: طلعة الشمس، 01/45.
(4) - ... لم أهتد إلى أصحاب هذا القول، ولم أجد من ذكره بهذا التفصيل، وقد جاء في كتاب لباب الآثار ما يلي: "وقيل إن كان النقض من قبل الإمام أبدلها صلاة نفسه، و إن كان النقض من قبله أبدلها صلاة الإمام والله أعلم". البوسعيدي: لباب الآثار، 02/81.. (1/40)
صفحة 41
إِنَّهُ إن كان النقض من قبل المأموم أعادها في الوقت أربعا وقضاها بعد الوقت ركعتين صلاة الإمام، وإن كان الفساد إِنَّمَا هو من قبل الإمام صلاَّها أربعا في الوقت وبعد الوقت لأنَّ صلاة الجُمُعَة لم تنعقد له مع الإمام وقد انعقدت فيما إذا كان الفساد من قبله فلذا (1) يقضيها بعد الوقت ركعتين، وهذا القول مبنيٌّ أيضًا عَلَى ما بني عليه القول الثاني مع زيادة التفصيل المعلَّل بانعقاد الجُمُعَة وبعدم انعقادها، وأرجح الأقوال هو ما قَدَّمته لك والله أعلم. وهذه المذاهب موجودة أيضًا فيما إذا صَلَّى مسافر خلف مقيم صلاة رباعيَّة ففسدت عليه، والله أعلم.
[حكم صلاة الجُمُعَة وَالأَدِلَّة على وجوبها]:
وأَمَّا حكم صلاة الجُمُعَة فهو أنَّ الأُمَّة اجتمعت (2) على أَنَّهَا فريضة على من اجتمعت معه شروطها الآتي ذكرها. وَاستَدَلَّ العلماء على أَنَّهَا فرض بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ } (3) وفسَّروا السعي بالمسير إليها على الأقدام أو على الدوابِّ، وفسَّر بعضهم ذكر الله بالصلاة، وبعضهم بالخطبة، وفسَّره آخرون بالأذان (4) .
__________
(1) - ... في (ب): فلذلك .
(2) - ... انظر؛ العيني: عمدة القاري، 06/162.
(3) - ... سورة الجُمُعَة: الآية09.
(4) - ... انظر مثلا؛ الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن، 28/65-66. (1/41)
صفحة 42
وهذه الآية الشريفة ليست نَصًّا في إيجاب صلاة الجُمُعَة بحسب ظاهرها كما ترى (1) ؛ أَمَّا أَوَّلاً فلأنَّ الأمر بالسعي إلى ذكر الله ليس أمرًا بفعل الصلاة. وأَمَّا ثانيًا فإنَّ ذكر الله ليس نصًا في الصلاة، لكن أطبقت الأُمَّة المحمَّديَّة على فرضية صلاة الجُمُعَة مع كمال شروطها لِمَا حصل لهم من الأَدِلَّة على ذلك من أفعاله - صلى الله عليه وسلم - وأقواله، وحملوا الآية على ذلك، فإذا ظهر لك أنَّ الآية ليست نَصًّا في إيجاب صلاة الجُمُعَة وإِنّما إيجابها بانضمام ما علم من السنّة إليها ظهر لك أَنَّهُ ليس للخصم علينا بظاهر الآية حجَّة. وإذا حوَّل استدلاله إلى السنّة جئناه بأدلَّةٍ من السنّة أيضًا على اشتراط ما اشترطنا في وجوبها وصحَّتها، فكما علمنا فرضيَّتَها من السنّة كذلك علمنا شروط وجوبها وصحَّتها منها أيضًا، ولو كانت الآية الشريفة نصًّا في إيجاب صلاة الجُمُعَة لقلنا إنَّ هذا النصَّ مخصَّص بشروط من السنّة، وقد صَحَّ واشتهر أنَّ السنّة تخصِّص الكتاب. ثُمَّ إِنَّهُ لا سبيل للخصم في إسقاط جميع الشروط الآتي ذكرها، وإن ادَّعَى سقوط بعضها فإنَّ الأُمَّة المحمَّديَّة كما أَنَّهَا اجتمعت على أنَّ صلاة الجُمُعَة فريضة،كذلك اجتمعت (2) على أَنَّهَا لا تجب على صبيٍّ ولا مجنون ولا امرأة، وهكذا بَقِيَّة الشروط المجتمع عليها. وأنت خبير أَنَّهُ لم يكن في الآية استثناء شيء من ذلك، فقد أثبت الخصم تخصيص الآية على تقدير أَنَّهَا نصٌّ في المراد ولا مخصِّص لها من نفسها، فاحتاج إلى طلب المخصِّص من خارج ضرورة، ولا مخصِّص سوى السنّة، وهي التي أثبتنا بها شروط الجُمُعَة الآتي ذكرها، والله اعلم.
[دَلِيل وجوبها من السّنّة]:
__________
(1) - ... انظر تعليق سماحة الشيخ أحمد الخليلي على قول العلامة السالمي في الملحق رقم01، س01.
(2) - ... انظر؛ أبو جيب، موسوعة الإجماع،02/633. (1/42)
صفحة 43
وأَمَّا دليل وجوبها من السنّة فهو ما في حديث جابر أَنَّهُ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يا أَيُّهَا الناس إنَّ الله قد افترض عليكم الجُمُعَة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فريضة مكتوبة لمن وجد إليها سبيلا» (1) وفي حديث آخر عنه - صلى الله عليه وسلم - : «الجُمُعَة واجبة على كُلِّ محتلم سمع النداء في جماعة إلاَّ عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض أو مسافر، ومن استغنى عنها بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غنيٌّ حميد» (2) ،
__________
(1) - ... سبق تخريجه في المبحث الرابع من الدراسة، وقفة مع أحاديث أصل بها السالمي أهم المسائل.
(2) - ... ( عن طارق بن شهاب عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجُمُعَة حقٌّ واجب على كُلِّ مسلم في جماعة، إِلاَّ أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض». ... قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع منه شيئا. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب الجُمُعَة للمملوك، 01/245.
... ( عن عبد الله بن عمر: وعن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجُمُعَة على كُلِّ من سمع النداء».
... قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورا على عبد الله بن عمرو ولم يرفعوه، وإِنَّمَا أسنده قبيصة. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب من تجب عَلَيْه الجُمُعَة، 01/243.
... ( عن جابر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجُمُعَة يوم الجُمُعَة إلاَّ مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك، فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غنيٌّ حميد». سنن الدارقطني، كتاب الجمعة، باب من تجب عليه الجمعة، رقم1560. قال مخرج أحاديثه في الهامش: إسناده ضعيف، أخرجه البيهقي (3/184) عن ابن لهيعة به قلت: ابن لهيعة ضعيف، الضعفاء والمجروحين (2/11)، الميزان (2/485)، وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه، اهـ. (1/43)
صفحة 44
وفي حديث آخر عنه - صلى الله عليه وسلم - «من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا صلاة له» (1) . وروي أَنَّهُ كان - صلى الله عليه وسلم - يحثُّ على فعل الجُمُعَة في جماعة أكثر من غيرها، ويقول: «من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه» (2) ، وأَنَّهُ «كان - صلى الله عليه وسلم - ينهى رعاة الإبل والغنم يوم الجُمُعَة أن يبعدوا بها على رأس ميلين حتَّى لا يسمعوا النداء فلا يشهدون الجُمُعَة، ويقول لهم: من فعل ذلك ثلاث جُمَعٍ طبع الله على قلبه» (3) .
__________
(1) - ... ( قال الشوكاني: أخرج [الحاكم] عن أبي موسى الأشعري بلفظ «من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا صلاة له» وقد رواه البزار موقوفا عن أبي موسى الأشعريِّ، قال البيهقي: الموقوف أصحُّ، ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث جابر، ورواه ابن عديٍّ من حديث أبي هريرة وضعَّفه». الشوكاني: نيل الأوطار، 03/128.
... ( عن ابن عَبَّاس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إِلاَّ من عذر». سنن ابن ماجة، كتاب المساجد والجماعات، باب التغليط في التخلُّف عن الجماعة، رقم793، 01/260.
(2) - ... عن أبي الجعد الضمري، وكانت له صحبة، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه». سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب التشديد في ترك الجُمُعَة، 01/242.
... ورواه الترمذي بلفظ قريب من لفظ أبي داود وقال: حديث أبي الجعد حديث حسن. سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب ما جاء في ترك الجُمُعَة من غير عذر، رقم 498، 02/05.
(3) - ... ( عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ألا هل عسى أحدكم أن يَتَّخِذَ الصبة من رأس الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذَّر عليه الكلأ فيرتفع ثُمَّ تجيء الجُمُعَة فلا يجيء ولا يشهدها وتجيء الجُمُعَة فلا يشهدها وتجيء الجُمُعَة فلا يشهدها حَتَّى يطبع علىقلبه».
... في الزوائد: إسناده ضعيف، فيه معدي بن سليمان وهو ضعيف. سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة وَالسُّنَّة فيها، باب فيمن ترك الجُمُعَة من غير عذر، رقم1127، 01/357.
... ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ قريب من لفظ ابن ماجة عن ابن عمر، وعلق عليه الهيثمي بقوله: ...وفيه جماعة لم أجد من ترجمهم.
... ( عن جابر قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبا يوم الجُمُعَة فقال «عسى رجل تحضره الجُمُعَة وهو على قدر ميل من المدينة فلا يحضر الجُمُعَة»، ثُمَّ قال في الثانية «عسى رجل تحضره الجُمُعَة وهو على قدر ميلين من المدينة فلا يحضرها»، وقال في الثالثة «عسى يكون على قدر ثلاثة أميال من المدينة فلا يحضر الجُمُعَة ويطبع الله على قلبه». رواه أبو يعلى، ورجاله موثوقون. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/193. (1/44)
صفحة 45
وفي هذا الحديث دلالة على أنَّ المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - «الجُمُعَة واجبة على كُلِّ محتلم سمع النداء» هو أن يكون المحتلم في مكان يسمع منه النداء بالصوت المرتفع في المكان العالي في الوقت الخالي من الحواسِّ مع هدوء الحركات وسكون الرياح.
ووجه دلالة هذا الحديث على ذلك هو أَنَّهُ لو كان المراد من سماع النداء ظاهره ما نهى - صلى الله عليه وسلم - الرعاة أن يبعدوا حَتَّى لا يسمعوا النداء، وذلك أَنَّهُ إذا كان خروجهم قبل وجوب الصلاة ولم يسمعوا النداء بآذانهم كان فرض الجُمُعَة ساقطا عنهم، ولَمَّا تَبَيَّنَ عدم سقوطه بالنهي عن الإبعاد وبالتوعُّد بالطبع على القلوب علمنا أنَّ المراد بسماع النداء هو ما ذكرت، وبه قال بعض العلماء (1) .
وحكمة الحديث في النهي عن الإبعاد حَتَّى لا يسمعوا النداء إِنَّمَا هي مخافة أن لا يسمعوا النداء فلا يحضرون الصلاة وقد كانت واجبة عليهم، ويحتمل أن يكون قوله - صلى الله عليه وسلم - «سمع النداء» جاريا مجرى الأغلب المعتاد، فلا يَدُلُّ على سقوط الجُمُعَة عَمَّن لم يسمع النداء على ما في الاحتجاج بمفهوم المخالفة من خلاف، كيف وقد قام الدليل من خارج على وجوبها على من كان حاضرا سمع النداء أو لم يسمعه، وأيضًا فلو كان المراد من «سمع النداء» ظاهره لسقطت الجُمُعَة عن الأصمِّ، والإجماع على أَنَّهَا لا تسقط عنه بنفس الصمم (2) .
[بيان المكان الذي تؤتى منه الجُمُعَة]:
__________
(1) - ... انظر، الشافعي: الأم، 01/192. الشقصي: منهج الطالبين، 04/515.
(2) - ... لم أهتد إلى من حكى هذا الإجماع. (1/45)
صفحة 46
وقال محبوب بن الرحيل (1) - رضي الله عنه - : "بلغنا أنَّ أهل عُمان كتبوا إلى جابر بن زيد (2) - رحمه الله- يسألونه: هل يأتي الجُمُعَة من لا يسمع النداء؟ فكتب إليهم جابر: لو لم يأت إلاَّ من سمع النداء لأَقَلَّ الله أهلها، تؤتى من رأس فرسخين وثلاثة، ومن قدر أن يأوي إلى منزله فعليه الجُمُعَةُ" (3) .
__________
(1) - ... أبو سفيان محبوب بن الرحيل من أعلام الإباضية في المشرق في القرن الثاني الهجري، قيل: إنه استوطن صحار بعمان في آخر عمره، وهو جد أسرة عريقة في العلم. انظر؛ الشماخي: السير، 01/108. البطاشي: الإتحاف، 01/165.
(2) - ... أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني، تابعي كبير، تعده الإباضية المؤسس الأول للمذهب الإباضي.
(3) - ... الأزكوي: الجامع، 02/401. الكندي: بيان الشرع، 15/30. (1/46)
صفحة 47
ودليله على ذلك حديث أبي هريرة «الجُمُعَة على من آواه اللَّيْل إلى أهله» (1) . وأنت خبير أَنَّهُ لا جُمُعَة على المسافر لاستثنائه مِمَّن تجب عليه بما سيأتي من الأَدِلَّة على ذلك، فيجب أن يحمل كلام الإمام جابر هاهنا على من كان في المصر الذي تقام فيه الجُمُعَة ولم يكن بين أهله وبين مقام الجُمُعَة فاصل من الأمكنة الخربة، وإِنَّمَا كانت العمارات مُتَّصِلَة بينهم، فإِنَّهُ يجب عليه في مثل هذه الحالة أن يأتي الجُمُعَة وإن بعدت من أهله قدر فرسخين أو ثلاثة فراسخ إذا كان يُؤويه اللَّيْل إلى أهله، لأَنَّهُ في هذه الصورة لم يكن مسافرا فيتوجَّه إليه الخطاب بحضور الجُمُعَة، فإن كان مِمَّن لا يُؤويه اللَّيْل إلى أهله فلا يجب عليه حضورها لحصول المشقَّة، والمشقَّة تجلب التيسير. وعلى هذا التقرير فإن أمكن أحدا من الناس مِمَّن اتَّصَلَت منازلهم بمحلِّ الجُمُعَة أن يحضر الجُمُعَة من مسافة شهر -مثلا- وأمكنه أن يُصَلِّي الفجر في أهله، وأن يُؤويه الليل إلى أهله بركوب السفينة الجارية على البرِّ، ولم تحصل له عند ذلك مشقَّة فعليه أن يحضر الجُمُعَة فيصلِّيها مع الجماعة لدخوله تحت عموم «من آواه الليل إلى أهله فعليه الجُمُعَة». وإن كانت العمارات منقطعة، والبلدان منفصلا بعضها من بعض فلا يجب حضور الجُمُعَة إلاَّ على من كان أهله دون الفرسخين، لأَنَّهُ إذا كان أبعد من الفرسخين يكون في محلِّ الجُمُعَة مسافرا، ولا جُمُعَة على المسافر لِمَا سيأتي، فلا يجب عليه حضورها.
__________
(1) - ... رواه الترمذي وقال: ...وهذا حديث إسناده ضعيف، إِنَّمَا يروى من حديث معارك بن عباد عن عبد الله بن سعيد المقبري، وضعف يحي بن سعيد القطان عبد الله بن سعيد المقبري في الحديث. سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب ما جاء من كم يؤتى إلى الجُمُعَة، رقم499، 500، 01/06-07. (1/47)
صفحة 48
وقيل: "وكذلك من كان في المصر المُتَّصِل عمرانه فلا يجب عليه حضور الجُمُعَة من أبعد من فرسخين أيضًا". قال أبو سعيد: "وهذا القول هو عندي أكثر قولهم، قال: وأحسب أَنَّهُم ذهبوا في ذلك إلى معنى سقوطها عن المسافر في معنى الاِتِّفَاق، والمسافر معهم من جاوز الفرسخين من وطنه، فإذا ثبت أَنَّهُ لا جُمُعَة على المسافر لموضع بُعْدِ السفر عليه، فمثله لو كان في المصر وكان بينه وبين موضع صلاة الجُمُعَة فرسخان في البُعد من موضع الجُمُعَة لم تلزمه الجُمُعَةُ"؛ انتهى (1) .
وأقول: إنَّ قياس الحاضر في هذا الحكم على المسافر لا يتِمُّ لأنَّ المسافر قد خصَّ في صلاة الجُمُعَة بحكم لا يشاركه فيه الحاضر، وقد خصَّ الحاضر بخطاب في حكم صلاة الجُمُعَة لا يشاركه فيه المسافر؛ فقياس كُلِّ واحد منهما على الآخر مع وجود النصِّ الخاصِّ به قياس مع نصٍّ، وإن اتَّحَدَت العِلَّة -مثلا- فما ذهب إليه الإمام جابر هو الوجه عندي، والله أعلم.
[بيان كيفية فرض الجُمُعَة، وأَنَّهُ فرض على الأعيان]:
وبالجملة فالسُّنَّة في وجوب الجُمُعَة مشهورة متواترة، والأحاديث في ذلك متوافرة متكاثرة، فالواجب حينئذ أن نبيِّن كيفية فرض الجُمُعَة أهو فرض عين أم فرض كفاية؟
قال في الإيضاح: "وهي فرض على الأعيان لِمَا روي أَنَّهُ قال - عليه السلام - « لقد هممت أن آمر رجلا يُصَلِّي بالناس ثُمَّ أحرق على رجال يتخلَّفون عن صلاة الجُمُعَة » (2) .
__________
(1) - الكندي: بيان الشرع، 15/30.
(2) - ... ...عن عبد الله أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لقوم يتخلفون عن الجُمُعَة «لقد هممت أن آمر رجلا يُصَلِّي بالناس ثُمَّ أحرق على رجال يتخلَّفون عن الجُمُعَة بيوتهم». صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلُّف عنها، 05/155. المسند للإمام أحمد، 01/402، 422، 450، 461.
... ملاحظة: لم يذكر صاحب المعجم المفهرس رواية مسلم لهذا الحديث بل اكتفى برواية أحمد فقط. (1/48)
صفحة 49
ولِمَا روي أَنَّهُ قال - عليه السلام - «من ترك الجُمُعَة ثلاثا من غير ضرورة طبع على قلبه » (1) . وعن ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما- « من ترك الجُمُعَة أربعا متواليات لا يكون لمن تركها عذر إلاَّ نبذ الإسلام من وراء ظهره (2) »"؛ انتهى (3) . وَيَدُلُّ أيضًا على أَنَّهَا فرض عين قوله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته «واعلموا أنَّ الله فرض عليكم الجُمُعَة في مقامي هذا في يومي هذا في منبري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي وبعد وفاتي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها فلا جمع الله شمله ولا بارك الله له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حجَّ له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بركة حتَّى يتوب، فمن تاب تَابَ الله عَلَيْه» (4) .
وعلى ذلك قومنا أيضًا، قال في الرحمة: "اتَّفَقَ العلماء على أنَّ صلاة الجُمُعَة فرض واجب على الأعيان، وغلطوا من قال هي فرض كفاية" (5) ؛ انتهى. والقائل بأَنَّهَا فرض كفاية هو ابن كج (6) من أصحاب الشافعي (7) .
__________
(1) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. انظر الفهارس.
(2) - ... عن ابن عَبَّاس قال «من ترك الجُمُعَة ثلاثا متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره». رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/193. قال الشوكاني: هكذا ذكره موقوفا وله حكم الرفع لأنَّ مثله لا يقال من قبل الرأي كما قال العراقي. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/236.
(3) - ... الشماخي: الإيضاح، ج1، ص598.
(4) - تَقَدَّمَ تخريجه في المبحث الرابع من الدراسة، وقفة مع أحاديث أصل بها السالمي أهم المسائل.
(5) - الدمشقي: رحمة الأُمَّة في اختلاف الأَئِمَّة، ص70.
(6) - ابن كج هو أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كج الدينوري، شبخ الشافعية، قتل على يد الحرامية سنة504هـ . انظر؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء، 17/183.
(7) - انظر؛ العيني: عمدة القاري، 06/162. (1/49)
صفحة 50
وقال القطب (1) -متَّعنا الله بحياته– في ذهبه: "والجُمُعَة فرض كفاية بالنظر إلى عموم الإسلام، وفرض عين بالنظر إلى من في مصر الإمام أو واليه (2) وإلى من في أحد الأمصار السبعة، وكالجهاد فرض كفاية على عموم الإسلام وفرض عين على من يعيِّنه الإمام أو احتيج إليه واضطرَّ، وكالحجِّ فرض كفاية على عموم الإسلام، فإن لم يكن حجٌّ في سنة كفروا، وفرض عين على من استطاعَ" (3) ؛ انتهى. وحاصله أنَّ لِكُلِّ واحد من الجُمُعَة والجهاد والحجِّ بالنظر إلى المُكَلَّفين جهتين:
إحداهما: تكون فيها هذه الأشياء فرض كفاية وهي عموم الإسلام، حتَّى إِنَّهُم لو تركوا هذه الأشياء أو واحدا منها (4) بلا عذر كفروا جميعا، وَلاَ بُدَّ من سلامة ذي العذر منهم إذا تركها أو شيئا منها القادرون عَلَيْهَا أو على شيء منها.
والجهة الثانية: تكون هذه الأشياء فيها فرض عين وهي في الجُمُعَة من كملت معه شروط وجوبها، وفي الجهاد من عيَّنه الإمام للجهاد أو احتيج إليه، وفي الحجِّ من استطاع السبيل.
ولأجل هذا التحرير ترى أنَّ أهل المصر يكتفون بأداء الجُمُعَة في موضع واحد منه، ويرون ذلك مجزيا عنهم، حتَّى إنَّهم منعوا صلاة الجُمُعَة في موضعين من المصر الواحد على ما سيأتي تحقيقه في محلِّه إن شاء الله تعالى.
__________
(1) - القطب هو امْحمد بن يوسف اطفيش (ت: 1332هـ/1914م) من أعلام الإباضية بوادي ميزاب بشمال صحراء الجزائر، له مؤلفات كثيرة منها: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، هيميان الزاد إلى دار المعاد، تيسير التفسير، شامل الأصل والفرع، الذهب الخالص . انظر؛ مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب).
(2) - في (ب): أو اليه. وكذلك في أكثر من نسخة.
(3) - اطفيَّش: الذهب الخالص، ص179.
(4) - في (أ): أو واحد منهما. (1/50)
صفحة 51
وبقي هنا إشكال؛ وهو أن يقال: إذا كانت الجُمُعَة فرض عين فما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ترك الجُمُعَة ثلاثا من غير ضرورة طبع على قلبه»؟
وما معنى ما روي عن ابن عَبَّاس أَنَّهُ قال «من ترك الجُمُعَة أربعا متواليات لا يكون لمن تركها عذر إِلاَّ نبذ الإسلام وراء ظهره»؟ حتَّى إِنَّ الفتوى من أهل المذهب جرت على ظاهر ما في الحديث، فقالوا بهلاك من ترك الجُمُعَة ثلاث مرار متواليات بغير عذر، ولم يحكموا بهلاك تاركها مَرَّة أو مرَّتين (1) ، وكذا أفتوا بإجزاء صلاة من صَلَّى الظهر في بيته وإن كان مِمَّن تجب عَلَيه الجُمُعَة، وإن صَلَّى في بيته ثُمَّ خرج إلى المسجد فوجد الإمام لم يُصَلِّ الجُمُعَة قالوا: يُصَلِّي الجُمُعَة معهم نفلا وصلاته هي الأُولى (2) ، وإن قيل بغير ذلك (3) . وشأن فرض العين هو أن يهلك تاركه بمرَّةٍ واحدة إذا لم يكن في تركه عذر وبذلك يبرأ منه إذا لم يتب، ولا يجزيه إن فعل غيره وإن ظنَّ فواته وإِنَّمَا يلزمه نفس ذلك الفرض إذا أدركه؟
__________
(1) - ... انظر مثلا؛ الأزكوي: الجامع، 02/395.
(2) - ... انظر؛ الأزكوي: الجامع، 02/402. السليمي: الجامع، 01/567. الشماخي: الإيضاح، 01/616.
(3) - ... مِمَّن قال به الشيخ عامر الشمَّاخي رحمه الله. الشماخي: الإيضاح، 01/616. (1/51)
صفحة 52
ويجاب عن هذا الإشكال بأنَّ ما ذكر كلُّه إِنَّمَا هو خاصٌّ بصلاة الجُمُعَة دون غيرها لطفا منه تعالى ومنًّا، لِمَا قد يحصل بالسعي إليها من المشقَّة بسبب بُعد المسافة، أَمَّا تخصيصها بعدم هلاك تاركها فيما دون ثلاث مرارٍ فَلِمَا تَقَدَّمَ آنفًا من أحاديث الطبع على قلب من تركها ثلاثا، وقول ابن عَبَّاس «من تركها أربعا» لا ينافيه، لأنَّ المراد منه أَنَّهُ يكون تاركها بعد الثلاث مطبوعا على قلبه ويكون في الرابعة نابذًا للإسلام وراء ظهره. وأَمَّا تخصيصها بالاجتزاء عنها بصلاة الظهر في بيت من تلزمه فَلِمَا في حديث «لقد هممت أن آمر رجلا يُصَلِّي بالناس ثُمَّ أحرق على رجال يتخلَّفون عن صلاة الجُمُعَة بيوتهم»؛ حيث إِنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر المتخلَّفين بإعادة صلاتهم ولو كانت صلاتهم في بيوتهم غير مجزية في إسقاط الواجب عنهم لأمرهم بإعادتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو أمرهم بذلك لنقل كما نقل الحديث المذكور ولاشتهر أيضًا، لأَنَّهُ مِمَّا تَعُمُّ به البلوى. (1/52)
صفحة 53
على أنَّ المختار عندنا أنَّ صلاته في بيته لا تجزيه عن الجُمُعَة إذا أدركها، لأنَّ المتعيّن عليه حينئذ الجُمُعَة، وصلاته في بيته بلا عذر لا تسقط عنه المتعيّن عليه من فرض الجُمُعَة، وتخصيصه في الجُمُعَة بما ذكر لا يجزي عندنا، لأَنَّهُ استدلال بالمسكوت عنه فيحتمل سكوته - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك معاني لا توجب تخصيص الجُمُعَة بذلك الحكم، فيحتمل أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام سكت عن أمرهم بذلك حيث إنَّ التاركين لذلك لم يكونوا ناسا معروفين بأعينهم حتَّى يقصدهم بذلك، ويحتمل غير ذلك أيضًا، ويحتمل أَنَّهُ أمرهم بالإعادة فلم ينقل إلينا إذ ليس كلُّ ما وقع في زمانه - صلى الله عليه وسلم - منقولا إلينا، ويحتمل أَنَّهُ نقل فلم يشتهر، ومع بعض هذا لا يكون حجَّة على ما ذكر، فكيف مع جميعه، وأيضًا فالطبع على القلب إِنَّمَا هو عقوبة الذنب فليس فيه دلالة على أنَّ تارك الجُمُعَة مَرَّة أو مرَّتين لا يهلك وإِنَّمَا غاية ما فيه أَنَّهُ لا يعاقب تاركها بهذا العقاب الخاصِّ إلاَّ إذا تركها ثلاثا، وعلى هذا فلا تكون الجُمُعَة مُختَصَّة من بين سائر الفرائض بشيء مِمَّا ذكر، ويكون توجيه كلام أصحابنا في عدم البراءة منه في المَرَّة الأولى وفي الثانية هو أَنَّهُ لَمَّا كانت تلك الأحاديث بحسب ظاهرها محتملة أن تكون مخصّصة للجُمُعَة بهذه المزِيَّة من غيرها، وكانت البراءة عندهم لا تنبني إِلاَّ عَلى صِحَّة شَرعِيَّة، ولا يقيمونها على شبهة انتظروا بتاركها المَرَّة الأولى والمرَّة الثانية مراعاة لظاهر الحديث، واحتياطا لدينهم، وتثبُّتا في الإسلام ورفقا بالمؤمنين، والله أعلم (1) .
المقصد الأول: في شروط وجوب صلاة الجُمُعَة
__________
(1) - ... حول مباحث ومسائل الولاية والبراءة عند الإِبَاضِيَّة انظر مثلا؛ الكدمي: الاستقامة، الجزءان الأول والثاني، كلهما. الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/45 وما بعدها. اطفيش: الذهب الخالص، ص33 وما بعدها. (1/53)
صفحة 54
اِعلم أنَّ الشروط التي تجب بها صلاة الجُمُعَة نوعان:
أحدهما: شروط عَامَّة لوجوبها ولوجوب غيرها من سائر الفرائض.
وثانيهما: شروط خَاصَّة بها من بين سائر العبادات، وقد تشاركها فيها صلاة الجماعة.
[الشروط العَامَّة]:
فأَمَّا الشروط العَامَّة لها ولغيرها من سائر الفرائض فهي البلوغ والعقل والقدرة؛ فأَمَّا البلوغ والعقل فلا خلاف في أنَّ الفرض لا يجب على طفل ولا مجنون لقوله - عليه السلام - «رفع القلم عن ثلاثة...» الحديث (1) .
وأَمَّا القدرة فقد يكون سقوطها عذرا لإسقاط جميع الفرائض فتكون شرطا عامًّا لوجوب الجُمُعَة وغيرها من سائر العبادات إجماعا، فلا يلزم المريض الذي لا يستطيع فعل شيء من الواجبات أداء الجُمُعَة (2) ولا غيرها لقوله تعالى { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } (3) ولأنَّ تكليف المريض بما لم يكن في طاقته تكليف بما لا يطاق، وهو محال عندنا معشر الإِبَاضِيَّة (4) وعند المعتزلة (5) كَذَلِكَ .
__________
(1) - ... عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتَّى يستيقط وعن الصبيِّ حتَّى يحتلم وعن المجنون حتَّى يعقل». رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب، وله ألفاظ أخرى. سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا، 02/.
(2) - ... في (ب): جمعة.
(3) - ... سورة البقرة: الآية 28.
(4) - ... انظر؛ اطفيش: تيسير التفسير للقرآن الكريم، 01/473، 476.
(5) - ... انظر؛ عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ص390-397 وما بعدها. (1/54)
صفحة 55
ووجه كونه محالا عندنا هو أن يكون الفعل نفسه مطلوبا مِمَّن لا يقدر على فعله، لا أن يكون المطلوب اختبار المُكَلَّف هل يتهيَّأ للامتثال فيثاب، أو لا فيعاقب، فإِنَّهُ إذا كان المطلوب الاختبار المذكور فلا خلاف في جواز التكليف بما لا يطاق بهذا المعنى، لأَنَّهُ لم يكن تكليفا بما لا يطاق، والمحال عندنا إِنَّمَا هو التكليف بما لا يطاق، فبهذا تعرف أَنَّهُ لا مخالفة بين ما ذكره القطب في ذهبه (1) وما ذكرته في المشارق (2) من تجويز ذلك، وبين ما صَرَّحَ به الأصحاب (3) من المنع، وقد تكون القدرة شرطًا خاصًّا فيسقط بعدمها فرض الجُمُعَة والجماعة، وسنذكرها فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[الشروط الخَاصَّة]:
وأَمَّا الشروط الخَاصَّة بها فهي الذكوريَّة والحرِّيَّة والإقامة وَالصِّحَّة، فلا تجب صلاة الجُمُعَة على امرأة ولا على عبد ولا على مسافر ولا على مريض، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الجُمُعَة واجبة على كُلِّ محتلم سمع النداء في جماعة إلاَّ عبد مملوك أو امرأة أو صبيٌّ أو مريض أو مسافر» (4) .
فأَمَّا المرأة والمريض فلا خلاف بين أحد من الأُمَّة أَنَّهُ لا تجب عَلَيْهما صلاة الجُمُعَة، ويدخل تحت المريض أعمى العينين إذا لم يهتد إلى حضور الجُمُعَة ولم يجد قائدا فإن اهتدى بنفسه وجب عليه حضورها، لأنَّ العِلَّة التي لأجلها سقط عنه فرض الجُمُعَة إِنَّمَا هي عدم الاهتداء إلى حضورها وهي ثمرة العمى، وليست العِلَّة نفس العمى إذا لم يَتَرَتَّبْ عليه عدم اهتداء، وإن لم يهتد بنفسه لكن وجد إليها قائدا فيخرج في وجوبها عليه قولان، وهي مسألة القادر بقدرة غيره (5) ، والله أعلم.
__________
(1) - ... اطفيش: الذهب الخالص، ص05.
(2) - ... السالمي: المشارق، باب المحكم والمتشابه، 02/83.
(3) - ... لم أهتد إليه.
(4) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. انظر الفهارس.
(5) - ... انظر مثلا؛ ابن عابدين: حاشية رد المحتار، 01/656. (1/55)
صفحة 56
وأَمَّا العبد والمسافر فعند أصحابنا (1) وجمهور قومنا (2) أَنَّهُ لا جُمُعَة عليهما أيضًا.
وروي عن داود بن علي وأصحابه أنَّهم قالوا: على العبد والمسافر الجُمُعَة (3) ويحكى عن الزهري والنخعي وجوبها على المسافر إذا سمع النداء (4) .
ويحكى عن الحسن البصريِّ وقتادة وأحمد وجوب الجُمُعَة على العبيد الذين يؤدُّون الفرائض، وعن الأوزاعيِّ: أَنَّهُ إن كان العبد مخارجا أَدَّى ضريبته فعليه الجُمُعَة (5) .
__________
(1) - ... انظر مثلا؛ الأزكوي: الجامع، 02/402. السليمي: الجامع، 01/566. الشماخي: الإيضاح، 01/599.
(2) - ... انظر؛ ابن عبد البر: الكافي في فقه أهل المدينة الكافي، 02/248. النووي: المجموع (شرح المهذب)، 04/485. ابن قدامة: المغني، 02/193. ابن عابدين: حاشية رد المحتار، 02/153.
(3) - ... ابن حزم: المحلَّى، 05/36.
(4) - ... النيسابوري: الإشراف، 02/85. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/227.
(5) - ... النيسابوري: الإشراف، 02/84. النووي: المجموع (شرح المهذب)، 04/485. ابن قدامة: المغني، 02/193، 194. (1/56)
صفحة 57
قال صاحب القواعد (1) –رحمه الله تعالى-: "وسبب الخلاف تنازعهم في صِحَّة الحديث وهو قوله - عليه السلام - « الجُمُعَة حقٌّ واجب على كُلِّ مسلم في جماعة إلاَّ على أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبيٌّ أو مريض» (2) . وفي حديث آخر: « إلاَّ خمسة: ... أو مسافر» (3) "؛ انتهى (4) .
__________
(1) -– صاحب القواعد هو أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت: 750هـ) من أعلام الإباضية بجبل نفوسة (الجبل الغربي) بليبيا، له مؤلفات عديدة منها: قواعد الإسلام، قناطر الخيرات، مناسك الحج، شرح النونية . انظر؛ مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب).
(2) - ... تقدم تخريجة. انظر الفهارس.
(3) - ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «خمسة لا جمعة عليهم: المرأة والمسافر والعبد وأهل البادية». رواه الطبراني في الأوسط وفيه إبراهيم بن حماد ضعَّفه الدار قطني. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/170.
(4) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/357. (1/57)
صفحة 58
ولأجل هذا التنازع اسْتَدَلَّ أبو مُحَمَّد على أن لا جُمُعَة على المرأة بقوله - صلى الله عليه وسلم - «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في صحن دارها وصلاتها في دارها أفضل لها من صلاتها في مسجدٍ جماعةً» (1) . وَاستَدَلَّ على أن لا جُمُعَةَ على العبد بإشارة قوله تعالى: { وَذَرُوا البَيْعَ } (2) لأَنَّهُ خطاب لأهل الأمصار، والعبد ليس منهم، ولأنَّ العبد لا بيع له، والخطاب متوجِّه لمن له أن يبيع (3) ، وتابعه على هذا الاستدلال الشيخ إسماعيل في قواعده (4) والشيخ عامر في إيضاحه (5) . ولذلك أيضًا رَكَنَ الإمام الكدمي –رضوان الله عليه- في الاستدلال على سقوط الجُمُعَة عن العبيد إلى القياس، فقاس الجُمُعَة بالحجِّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بجامع أنَّ كلَّ واحد من هذه العبادات ينتقل من حال إلى حال، أي تارة يلزم هذا وتارة يلزم هذا. قال: "والعبادات المنتقلة لا تلزم العبيد وإِنَّمَا تلزم الأحرارَ" (6) . وغاية الأمر أنَّ الروايات في سقوط الجُمُعَة عن المرأة والعبيد متناصرة يُؤَيِّد بعضها بعضا، والقياس الذي صَرَّحَ به الكدمي -رحمه الله تعالى- مؤيِّد لصحَّتها. وقد اسْتَدَلَّ صاحب القواعد (7)
__________
(1) - ... رواه أبو داود وسكت عنه، ولفظه: عن عبد الله عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال«صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها». سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، 01/134.
(2) - ... آية الجُمُعَة.
(3) - ... السليمي: الجامع، 01/566.
(4) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/357.
(5) - ... الشماخي: الإيضاح، ج1، ص600.
(6) - ... انظر؛ الكدمي: الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، 01/259.
(7) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/357.. (1/58)
صفحة 59
-رحمه الله تعالى- على سقوط الجُمُعَة عن المسافر بما روي أنَّ النبي - عليه السلام - «صَلَّى الظهر والعصر بعرفة صلاة المسافر وهو يوم جُمُعَة» (1) ، وبما روي «أنَّ عليًّا صَلَّى بأهل مَكَّة يوم الجمعة ركعتين فقال: أتمُّوا صلاتكم» (2) .
وقد سبقه إلى هذا الاستدلال ابن بركة (3) وتبعهما عليه صاحب الإيضاح (4) ، لكن زاد ابن بركة أنَّ عمر بن الخطَّاب فعل ذلك بِمَكَّةَ أَيضًا (5) .
__________
(1) - ... قال ابن حجر:
... قوله [أي الرافعي] إِنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - «لم يجمع يوم عرفة»، أَمَّا كون ذلك اليوم كان يوم جُمُعَةَ فثابث في الصحيحين [لم أجده فيهما وَرُبَّمَا هو بالإشارة لا بالتصريح] وأَمَّا كونه لم يجمع فيه فأخذوه من حديث جابر الطويل في صفة الحجِّ عند مسلم؛ ففيه: «ثُمَّ أذَّن بلال فصلَّى الظهر ثمَّ أقام فصلَّى العصر...». العسقلاني: تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، 02/70.
... وفي سيرة ابن كثير ما يَدُلُّ أنَّ يوم عرفة في حجَّة الوداع كان يوم جُمُعَةَ، حيث قال:
... «...فَلَمَّا أصبح يوم الخميس صَلَّى بالأبطح الصبح من يومئذ وهو يوم التروية...»، ويوم التروية هو الثامن من ذي الحِجَّة، ويوم عرفة هو التاسع منه. ابن كثير: السيرة النَّبَوِيَّة، 04/337.
(2) - ... لم أهتد إليه في كتب الحديث والتاريخ.
(3) - ... السليمي: الجامع، 01/570-571.
(4) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/599.
(5) - ... عن عبد الله عن أبيه عن عمر بن الخطَّاب: كان إذا قدم مَكَّة صَلَّى بهم ركعتين ثُمَّ يقول «يا أهل مَكَّة اتمُّوا صلاتكم فَإِنَّا قوم سَفْرُ». الأصبحي: الموطَّأ، كتاب النداء للصلاة، رقم315. كتاب الحج، رقم801، 802. (1/59)
صفحة 60
و قال صاحب الإشراف: "وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال «ليس على المسافر جُمُعَةَ»، وأقام أنس [بِنيسابُور] (1) سنة أوسنتين فكان [لا] (2) يُجَمِّع، وعبدالرحمن [بن سمرة] (3) بِكابُل شتوة أو شتوتين فكان لا يُجَمِّعُ" (4) ؛ انتهى.
ففي هذا كُلِّه ما يَدُلُّ على أَنَّهُ لا جُمُعَة على المسافر، وفيما حكاه صاحب الإشراف عن أنس وعبد الرحمن دليل على ما قاله أصحابنا: "إنَّ المسافر وإن طالت به مُدَّة المقام في بلد فحكمه فيها أَنَّهُ مسافر ما لم ينو الوطن" (5) .
فإذا حضر من لا جُمُعَة عليه من النساء والعبيد والمسافرين والمرضى الجُمُعَة (6) فصلَّوها ركعتين مع الإمام كان ذلك مجزيًا عنهم ومسقطا لفرضهم، قال ابن بركة: "بإجماع الأُمَّة" (7) . وقد حكى صاحب الإشراف الإجماع على ذلك أيضًا (8) .
__________
(1) - ... في كل النسخ: بسابور، ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي تعقب به بعض تآليفه. وما أثبته من كتاب الإشراف.
(2) - ... في كل النسخ: فكان يجمع، ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي تعقب به بعض تآليفه. وما أثبته من كتاب الإشراف. وسياق النص وما ورد في بيان الشرع يؤيدانه.
(3) - ... زيادة من كتاب الإشراف.
(4) - ... النيسابوري: الإشراف، 02/85. الكندي: بيان الشرع، 15/08.
(5) - ... انظر مثلا؛ الكدمي: الجامع المفيد، 01/228. الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/260. الشماخي: الإيضاح، 01/632. ... ...
(6) - ... ليست في (أ).
(7) - ... السليمي: الجامع، 01/566.
(8) - ... ما ذكره صاحب الإشراف من الإجماع إنما هو في حق النساء دون غيرهن مما ذكر أعلاه. النيسابوري: الإشراف، 02/83. (1/60)
صفحة 61
وقال ابن بركة في موضع آخر: "وقال أصحابنا ليس على المسافر والعبد والمرأة جُمُعَة، والإجماع على ذلك، وإذا حضروها صلَّوها مع الإمام وسقط الفرض عنهم، قال: وفي نفسي [من] (1) ذلك شيء لأَنَّهُمْ أتوا بما لم يؤمروا به وتركوا الفرض الذي أمروا به، فأَرَى الفرض باقيا عليهم والله أعلم؛ قال: ولا حظَّ للنظر مع الاِتِّفَاق والنصِّ" (2) . وتابعه على هذا النظر صاحب الإيضاح -رحمه الله تعالى- فقال مثل مقالته (3) ، ولكن عكَّر عليه المحشِّي (4) بما حاصله: "إنَّ لقول أصحابنا في هذه المسألة نظيرًا وهو المسافر؛ فإنَّ الفرض الواجب عليه ركعتان مع أَنَّهُ إذا صَلَّى مع الإمام المقيم صَحَّت صلاته وأدَّى الفرض الواجب عليه وحاصله أنَّ الحكم هنا تغيَّر بعذر وهو تحصيل فضيلة الجماعة مع قيام السبب للحكم الأصليِّ فهو رخصة، والرخص خارجة عن القياس، فلا يعترض عليها، فكأنَّ المسافر مأمور بركعتين إلاَّ خلف الإمام، وكذا العبد والمرأة والمريض مأمورون بأربع إلاَّ خلف الإمام، فحينئذ لا يردُّ نظر المُؤَلِّف -رحمه الله- وقد قال فيما يأتي في باب القضاء: إن صَلَّى مسافر مع مقيم ثُمَّ تَبَيَّنَ له فساد صلاته بعد خروج الوقت فإِنَّهُ يقضيها صلاة الإمام كما وجبت عليه إلى آخره، حرّرهُ" (5) ، انتهى.
__________
(1) - ... في كل النسخ: في ذلك، وما أثبتناه هو الموافق للجامع.
(2) - ... السليمي: الجامع، 01/ 572.
(3) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/600-601.
(4) - ... المحشي هو أبو ستة محمد بن عمرو بن أبي ستة السدويكشي، من أعلام الإباضية بالمغرب الإسلامي في القرن الحادي عشر الهجري، بلده جزيرة جربة بتونس، عرف بالمحشي لكثرة حواشيه على أمهات المذهب، منها: حاشية على الإيضاح، حاشية الترتيب على الجامع الصحيح، حاشية على القواعد . انظر؛ مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب).
(5) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/600. وقول المحشِّي أبي سِتَّة السدويكشي في الهامش. (1/61)
صفحة 62
وأقول: إنَّ مستند الإجماع في ذلك هو ما علم من صلاة هؤلاء أو بعضهم الجُمُعَة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كما يَدُلُّ عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - «من أتى الجُمُعَة من الرجال والنساء فليغتسل ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء» (1) ، وروي أنَّهم «انفضُّوا مَرَّة في أثناء الصلاة إلاَّ اثني عشر رجلا وامرأة» (2) .
__________
(1) - ... قال ابن حجر:
... ...في رواية عثمان بن واقد عن نافع [قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ] «من أتى الجُمُعَة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل». رواه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبَّان في صحاحهم، ورجاله رجال الثقات، لكن قال البزار: أخشى أن يكون عثمان بن واقد وهم فيه. العسقلاني: فتح الباري، 02/358.
... والحديث مرويٌّ بمعناه في الصحيحين وكتب السنن، مثل ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا جاء أحدكم الجُمُعَة فليغتسل». صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب فضل الغسل يوم الجُمُعَة وهل على الصبيِّ شهود يوم الجُمُعَة أو على النساء؟ رقم877.
(2) - ... الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما، ونصه: حدثنا حابر بن عبد الله قال: بينما نحن نصلِّي مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها حَتَّى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضُّوا إليها وتركوك قائما } . صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجُمُعَة فصلاته ومن بقي جائزة، رقم 936. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، (باب) قوله تعالى { وإذا رأوا تجارة أو لهوا... } 06/150.
... قال ابن حجر العسقلاني: ووقع في تفسير الطبري وابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى أبي قتادة قال: قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كم أنتم؟» فعدُّوا أنفسهم فإذا هم اثنا عشر رجلا وامرأة. العسقلاني: فتح الباري، 02/424. (1/62)
صفحة 63
واعلم أَنَّهُ لا منافاة بين ما نقل من الإجماع على جواز صلاة المعذورين الجُمُعَة والاجتزاء بها عن الظهر في حقِّه، وبين ما نقل من الأحاديث الدَّالَّة على رفع وجوبها عنهم؛ وبيان ذلك أنَّ الأحاديث الرافعة للوجوب لا تَدُلُّ على منع الجواز وعدم الاجتزاء، وقد ثبت بأدلَّة أخرى الأمر بإتيان الجُمُعَة والسعي إليها، فعمومات هذه الأَدِلَّة يدخل تحتها المعذور وغير المعذور، وَالأَدِلَّة الرافعة لوجوب الجُمُعَة عن المعذورين إِنَّمَا هي مبيِّنة لتلك الأَدِلَّة الدَّالَّة على الوجوب فارتفع بها الوجوب عن المعذورين وبقي الجواز من عمومات أَدِلَّة الأمر بها، والله أعلم.
واعلم أيضًا أنَّ نظر صاحب الإيضاح كابن بركة إِنَّمَا يتوجَّه على صلاة النساء والعبيد والمريض دون صلاة المسافر، فَإِنَّهُ لا يقصر من صلاته شيئا، والله أعلم.
وبقي هنا إشكال؛ وهو أن يقال: إنَّ ابن بركة حكى على ذلك إجماع الأُمَّة، والإجماع أحد أَدِلَّة الشرع، فكيف له أن يخالف الإجماع إلى ما وقع في نفسه؟
ويجاب عن هذا الإشكال بأنَّ الإجماع الذي هو أحد أَدِلَّة الشرع، وبه يقطع عذر من خالفه إِنَّمَا هو الإجماع القطعي؛ وهو أن يفتي أو يعمل جميع علماء الملَّة بشيء ويتبعهم على ذلك باقي الأُمَّة، فأَمَّا إذا أفتى أو عمل بعضهم وسكت الباقون فلا يكون هذا إجماعا يقطع به عذر من خالفه. وَكَأَنَّ الإجماع الذي نقله ابن بركة إِنَّمَا هو الإجماع السكوتي لا الإجماع القطعيُّ، بدليل عبارته عنه في الموضع الثاني بالاتِّفاق، على أنَّ ابن بركة سلَّم الأمر لِمَا نقله من الاِتِّفَاق ورجع إليه، وكذا صاحب الإيضاح أيضًا، بدليل قول كُلِّ واحد منهما: ولا حظَّ للنظر مع الاِتِّفَاق، فيكون ما أشار إليه كلُّ واحد منهما إِنَّمَا هو إظهار أنَّ المقام مقام اجتهاد وتجويز للقول بالرأي في ذلك، والله أعلم.
[إمامة العبد والمسافر في الجُمُعَة وغيرها]: (1/63)
صفحة 64
ثُمَّ إنَّهم اختلفوا بعد اتِّفَاقهم على ما مَرَّ من أَنَّهُ لا جُمُعَة على مسافر ولا عبد ولا صبيٍّ في أَنَّهُ هل تَصِحُّ إمامة المسافر والعبد في الجُمُعَة؟
فأجازها قوم ومنعها آخرون (1) ، والمنع أصحُّ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل عنه أَنَّهُ صَلَّى بهم الجُمُعَة في شيء من أسفاره، ونقل عنه أَنَّهُ « صَلَّى الظهر يوم الجُمُعَة في عرفة قصرا» (2) ، ولم ينقل عنه أَنَّهُ جهر بالقراءة فيها. ونقل أيضًا عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ «أقام زمن الفتح ثماني عشرة ليلة يُصَلِّي بالناس ركعتين ركعتين إلاَّ المغرب ثُمَّ يقول: يا أهل مَكَّة قوموا فصلُّوا ركعتين أخريين فَإِنَّا قوم سفر» (3) وأنَّ عليًّا صَلَّى بالناس بِمَكَّةَ يوم الجُمُعَة ركعتين وقال «أتمُّوا صلاتكم». وكذلك روي عن العُمَرَيْنِ (4) أَيضًا.
__________
(1) - ... انظر؛ الشقصي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، 04/344.
(2) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. انظر الفهارس.
(3) - ... الحديث رواه أبو داود وأحمد، ونصه: عن عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدت معه الفتح فأقام بِمَكَّةَ ثماني عشرة ليلة لا يُصَلِّي إلاَّ ركعتين ويقول «يا أهل البلد صلُّوا أربعا فَإِنَّا قوم سفر». سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب متى يتِمُّ المسافر، 01/280. المسند الإمام أحمد، 01/04، 430، 431، 432.
(4) - ... لم أهتد إلى قول علي بن أبي طالب. أَمَّا عن عمر بن الخطَّاب فقد تَقَدَّمَ في المسألة السابقة، أَمَّا عن العُمَر الثاني فإن كان المقصود منه أبا بكر الصدِّيق أو عمر بن عبد العزيز أو غيرهما فَإِنَّنِي لم أهتد إليه. (1/64)
صفحة 65
وأنَّ العبد لا تلزمه الجُمُعَة، فالواجب عليه أربع ركعات، وجوَّزوا (1) له أن يُصَلِّي مع الجماعة ركعتي الجُمُعَة للرخصة المُتَقَدِّم ذكرها. فإذا كان هو الإمام فلا يَصِحُّ أن يقصِّر من صلاته ركعتين لأجل من يُصَلِّي وراءه؛ هذا خاصٌّ بإِمَامته في الجُمُعَة. وأَمَّا إمامته في سائر الفرائض فالراجح عندي جواز ذلك، إذ ليس في صلاته حينئذ تقصير شيء من ركعاتها، ولأَنَّهُ روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ «كان يُرَخِّصُ في إمامة الأرقَّاء للأحرار» (2) ، وروي أنَّ سالما مولى حذيفة وعَمْرًا (3) مولى عائشة يؤمَّان الناس وهم أرقَّاء، وروي أنَّ سالما كان يُصَلِّي بالمهاجرين الأَوَّلِينَ لَمَّا نزلوا بقباء قبل مقدم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لكونه كان أكثرهم قرآنا، وكان فيهم عمر بن الخطَّاب وأبو سلمة بن عبد الأسد (4) .
__________
(1) - ... قال النووي: ومذهبنا [أي الشافعية] المشهور صحَّتها وراء العبد، وبه قال أبو حنيفة والجمهور، وقال مالك: لا تَصِحُّ، وهي رواية عن أحمد . النووي: المجموع (شرح المهذب)، 04/248.
(2) - ... لم أهتد إليه، وَرُبَّمَا هو إشارة إلى الحديثين التاليين له.
(3) - ... في (أ): عمرو.
(4) - ... ( قال الشوكاني:...وعن ابن أبي مليكة أَنَّهُم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي هو وعُبَيْد بن عمر والمِسْوَر بن مخرمة وناس كثير فيؤمُّهم أبو عمرو مولى عائشة، وأبو عمرو غُلامها حينئذ لم يعتق. رواه الشافعي في مسنده. الشوكاني: نيل الوطار، 03/162.
... ( عن ابن عمر قال «لَمَّا قدم المهاجرون الأَوَّلُونَ العُصْبَة موضع بقباء قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤمُّهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا». صحيح البخاري، كتاب الجماعة والإمامة، باب إمامة العبد والمولى، وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف [...]، رقم660. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب من أحقُّ بالإمامة، 01/138.
... ( روى البخاري: ...أنَّ نافعا أخبره أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما أخبره قال: «كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمُّ المهاجرين الأَوَّلِينَ وأصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في مسجد قباء، فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة». صحيح البخاري، كتاب الأحكام، استقضاء الموالي واستعمالهم، رقم6754. (1/65)
صفحة 66
[إمامة الصبيِّ في الجُمُعَة]:
وكذلك اختلفوا في إمامة الصبيِّ بالبالغين في الجُمُعَة وغيرها من سائر الفرائض، فأجازها قوم (1) ومنعها آخرون، والمنع مرويٌّ عن ابن عَبَّاس وابن مسعود (2) .
وقيل بجوازها إذا احتيج إِلَيْهِ (3) . قال الإمام الكدمي: "وإِنَّهُ ليعجبني قول من قال إِنَّهُ إذا لم يكن معهم من يقرأ أو عدموه أن تجوز إمامة الصبيِّ إذا عقل لِمَا روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أَنَّهُ قال «الصلاة على من عقل، والصوم على من أطاق » (4) - يعني من الصبيان - ولثبوت معنى الجماعة أن لا تتعطَّل (5) .
__________
(1) - ... انظر؛ النووي: المجموع (شرح المهذب)، 04/248. ابن قدامة: المغني، 02/54.
(2) - ... انظر؛ الشوكاني: نيل الأوطار، 03/165.
(3) - ... انظر؛ النيسابوري: الإشراف، 02/129. الشقصي: منهج الطالبين، 04/343.
(4) - ... لم أهتد إليه.
(5) - ... الكندي: بيان الشرع، 13/25. (1/66)
صفحة 67
أقول: وَلِمَا أعجبه - رضي الله عنه - شواهد؛ فقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ «كان يُرَخِّصُ في إمامة الصبيِّ المميِّز، لاسيما إن كان أكثر القوم قرآنا» (1) ، وروي «أنَّ عمرو بن سلمة يؤمُّ قومه وهو ابن ستٍّ أو ثمان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » (2) .
[حكم المدبر والمكاتب]:
واعلم أنَّ حكم المدبر في جميع ما مَرَّ حكم العبد لأَنَّهُ مملوك بعد.
وأَمَّا المكاتب فهو حرٌّ عندنا (3) ، وأحكامه أحكامه.
[إذن السَّيِّد لعبده في الجُمُعَة]:
__________
(1) - ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا سافرتم فلبؤمَّكم أقرؤكم وإن كان أصغركم وإذا أمَّكم فهو أميركم». رواه البزار وإسناده حسن. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/64.
(2) - ... رواه البخاري وأبو داود وغيرهما، ونصه: عن عمرو بن سلمة قال: ... «فَلَمَّا كانت وقعة أهل الفتح بادر كلُّ قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم، فَلَمَّا قدم قال: جئتكم والله من عند النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - صلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلُّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن أحدكم وليؤمَّكم أكثركم قرآنا، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مِنِّي لِمَا كنت أتلقَّى من الركبان فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ستِّ أو سبع سنين وكانت عليَّ بردة...» صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، رقم4302. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب من أحقُّ بالإمامة، 01/138.
(3) - ... انظر مثلا؛ الحضرمي: مختصر الخصال، ص112. (1/67)
صفحة 68
وإن أذن للعبد سَيِّده أن يُصَلِّي الجُمُعَة فعليه أن يُصَلِّيها لارتفاع المانع وهو مخافة أن يشتغل عن خدمة سَيِّده بحضوره الجُمُعَة، أو ليس عليه ذلك وإن أذن له لقيام المانع وهو الرقُّ قولان (1) ، قلتهما تخريجًا. والراجح عندي منهما هو القول الثاني لظاهر الأحاديث المُتَقَدِّم ذكرها، ولأنَّ التعليل برفع وجوبها عن العبد بسبب الرقِّ أولى وأقوى من التعليل بالاشتغال عن خدمة السَّيِّد كما هو ظاهر جلي.
[حكم السفر يوم الجُمُعَة]:
و كذلك اختلفوا أيضًا في الرجل يسافر يوم الجُمُعَة قبل الصلاة (2) ، فقال ابن بركة: "لا بأس أن يسافر الإمام وغيره يوم الجُمُعَة ما لم يدخل المؤذِّن في الأذان، لأنَّ السعي توجَّه إلى الجميع بالأذان، فما لم يلزمه السعي لم يمنع من السفرِ" (3) .
__________
(1) - ... لم أهتد إِلىَ القائلين بهما.
(2) - ... ذكر الشوكاني اختلاف العلماء في جواز السفر يوم الجُمُعَة من طلوع الفجر إلى الزوال على خمسة أقوال، وذلك في نيل الأوطار، 03/229-230.
(3) - ... السليمي: الجامع، 01/567. (1/68)
صفحة 69
و قال أبو سعيد: "معي أَنَّهُ يخرج في معاني قول أصحابنا إِنَّهُ إذا لم يكن بحدِّ السفر ويجاوز الفَرْسَخَيْن قبل أن تزول الشمس فعليه الجُمُعَة، إلاَّ أن يكون ذلك الخروج من عذر في هذا الوقت، إلاَّ أن يصير في موضع ما لا تجب عليه فيه الجُمُعَة قبل زوال الشمس ودخول الجُمُعَة وهذا إذا كان الخروج لغير عذر، وكان عَلَى المكنة" (1) ؛ اهـ. والمراد بالعذر هاهنا هو أن يكون له أحد الأعذار التي يسقط بها فرض الجُمُعَة، وحاصله أَنَّهُ يلزم الرجل وإن خرج مسافرا أن يأتي الجُمُعَة إذا حضر وقتها وهو بعدُ لم يخرج إلى حدِّ السفر وهو الفرسخان، أولم يكن في حال يكون فيه مسافرا، وذلك الحال هو خروجه من عمران بلده، فيستلزم ما ذكره -رحمه الله تعالى- منع الرجل عن السفر يوم الجُمُعَة إذا تيقَّن أَنَّهُ لا يكون في حال هو فيه مسافر قبل دخول وقت صلاة الجُمُعَة، وذلك أنَّ الأصحاب أوجبوا حضور الجُمُعَة عَلَى البالغ الحرِّ إذا لم يكن مسافرًا، فاستلزم قولهم بذلك وجوبها عَلَى من كان في حكم الحضر وإن خرج للسفر، وأَمَّا ابن بركة فبنى مذهبه عَلَى الحديث المُتَقَدِّم ذكره وهو أنَّ «الجُمُعَة واجبة عَلَى كُلِّ محتلم سمع النداء». وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال «إذا كنتم مسافرين -يعني عازمين على السفر - فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حَتَّى يُصَلِّي» (2) .
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ «كان يُرَخِّصُ في السفر يوم الجُمُعَة» (3)
__________
(1) - ... الكندي: بيان الشرع، 15/08-09.
(2) - ... لم أهتد إليه.
(3) - إشارة إلى مثل الحديث:
... ( عن الحكم عن مقسم عن ابن عَبَّاس - رضي الله عنهم - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن رواحة في سيرة، فوافق ذلك يوم الجُمُعَة فغدا أصحابه، فقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ ألحقهم فَلَمَّا صَلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رآه فقال له «ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال: أردت أن أصلِّي معك ثُمَّ ألحقهم، فقال: لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم». رواه الترمذي وقال: هذا حديث لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه. وقال عليُّ بن المديني: قال يحي بن سعيد قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلاَّ خمسة أحاديث، وعدَّها شعبة وليس هذا الحديث فيما عدَّها شعبة، وَكَأَنَّ هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم. سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب ما جاء في السفر يوم الجُمُعَة، رقم525، 02/20.
... قال الشوكاني: ...فلو ثبت الحديث لكان حجَّة واضحة، وإذا لم يثبت فالحجَّة قائمة بغيره من حيث تعارض الواجبات وأَنَّهُ يقدَّم أهمُّها.... الشوكاني: نيل الأوطار، 03/228-229. (1/69)
صفحة 70
لاسيما لأمرٍ مهمٍّ كالجهاد أي قبل سماع النداء، بدليل ما في الحديث الأَوَّل.
وسمع عمر مَرَّة رجلا يقول: لولا الجُمُعَة لسافرت اليوم، فقال له «أخرج لسفرك فإنَّ الجُمُعَة لا تحبس عن سفر» (1) .
فما ذهب إليه الإمام الكدمي - رضي الله عنه - إِنَّمَا هو من باب تخصيص النصِّ بالقياس وذلك أنَّ هذه الأحاديث الدَّالَّة على جواز السفر يوم الجُمُعَة عَامَّة، وقد ثبت بدليل آخر وجوب حضور الجُمُعَة على من لم يكن مسافرا من الرجال، فالقياس يقتضي وجوب حضور من لم يكن مسافرا، والله أعلم.
[الموانع الرافعة لوجوب الجُمُعَة]:
__________
(1) - ... رواه الشافعي في مسنده. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/228. (1/70)
صفحة 71
واعلم أَنَّهُ كما أنَّ لصلاة الجُمُعَة موجبات توجبها كذلك لها موانع ترفع وجوبها، ويبقى المعذور بعد حصول ما يرفع الوجوب في حكم من مَرَّ ذكره من النساء والعبيد والمسافرين والمرضى، فيجوز لهم أن يحضروا الجُمُعَة فيصلُّوا مع الإمام، كما جاز ذلك لأولئك، ولهم أن لا يحضروا (1) فيصلُّوا أربعا في بيوتهم لحصول العذر الرافع لوجوب الجُمُعَة عنهم، وتلك الموانع المشار إليها هي إِمَّا أن تكون في النفس كخوف القتل أو خوف ضرر بالجسم من نحو وقوع مطر أو برد شديد أو حَرٍّ كذلك، أو طلب ما يقوم به بنيته من القوت، وإما أن تكون في المال، وذلك نحو أن يخاف بمسيره إلى الجمعة ذهاب ماله أو ذهاب شيء منه أو إضاعته أو إضاعة شيء منه، وَإِمَّا أن تكون في الغير كطلب قوت لعياله، وكخوف إضاعة المريض الذي يلزمه القيام به، أو خوف إضاعة الميِّت الذي يلزمه تجهيزه، وما أشبه ذلك من الأعذار. والأصل في هذا كُلِّه هو ما في حديث عبد الرحمن بن سمرة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا كان [مطر وابل] (2) فليصلِّ أحدكم في رحله» (3) ، وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلاَّ من عذر، قيل له: يا رسول الله وما عذره؟ قال: خوف أو مرض» (4) ،
__________
(1) - ... في (ب): ولهم أن لا يحضروا فيصلُّوا أربعا.
(2) - ... في كل النسخ: مطرًا وابلا.
(3) - ... رواه عبد الله عن أبيه وجادة، وفيه ناصح بن العلاء ضعَّفه ابن معين والبخاري في رواية، وذكر له هذا الحديث وقال: ليس عنده غيره وهو ثقة، ووثَّقه أبو داود. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/194.
(4) - ... عن ابن عَبَّاس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من سمع المنادي فلم يمنعه من اتِّبَاعه عذر قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم تقبل منه الصّلاة التي صَلَّى». سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة، 01/130. ورواه ابن ماجه بلفظ قريب، وقد تقد في الهامش رقم29.. (1/71)
صفحة 72
وفي حديث آخر عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال «إذا ابتلَّت النعال فالصلاة في الرحال» (1) ففهمت العلماء من هذه الأحاديث أنَّ فرض الجُمُعَة والجماعة يسقط بما إذا حصل عذر يشابه الأعذار المذكورة في الأحاديث، إذ ليس المراد من ذكر المطر في الحديثين وذكر الخوف والمرض في الحديث الآخر أنَّ الفرض لا يسقط إلاَّ بهذه الأشياء المذكورة، وإِنَّمَا المراد بها بيان ما يكون به العذر المسقط للفرض المذكور، فحملوا عَلَى تلك الأشياء ما شابهها، ولك أن تدخل جميع ما ذكرته من الأعذار تحت إطلاق الخوف في الحديث الثاني، فإنَّ جميعها مخوف، والله أعلم.
المقصد الثاني: في شروط صحَّة صلاة الجُمُعَة
__________
(1) - ... قال ابن حجر العسقلاني:...لم أره بهذا اللفظ، بل روى أحمد من طريق الحسن عن سمرة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال يوم حنين في يوم مطير «الصلاة في الرحال». زاد البزار: كراهة أن يشقَّ علينا. رجاله ثقات. وأَمَّا اللفظ الذي ذكره المُصَنِّف لم أره في كتب الحديث، وقد ذكره ابن الأثير في النهاية كذلك، وقال الشيخ تاج الدين الفزاري في الإقليد: لم أجده في الأصول وإِنَّمَا ذكره أهل العَرَبِيَّة. والمصنِّف تبع الماوردي والعمراني في إيراده هكذا. وللحديث شاهد آخر... العسقلاني: تلخيص الحبير، 02/32-33. (1/72)
صفحة 73
اعلم أَنَّ شروط صِحَّة صلاة الجمعة منها ما يكون شرطا لصحَّتها فقط، ومنها ما يكون شرطا لصحَّتها ولوجوبها أيضا؛ فما تقدَّم في المقصد الأَوَّل إِنَّمَا هو شرط لوجوبها فقط، لأَنَّكَ قد عرفت مِمَّا تَقَدَّمَ هنالك أَنَّهَا تَصِحُّ لمن لم تكمل فيه تلك الشروط. أَمَّا ما سنذكره في هذا المقصد فلا تَصِحُّ بدونه أصلا، هذا مذهبنا (1) ووافقتنا عليه الحَنَفِيَّة (2) ، واشترطوا جميع ما سنشترطه هاهنا، وزادوا عليه بعض الشروط كما ستعرفه مِمَّا سيأتي -إن شاء الله تعالى-. وتلك الشروط هي المصر، والإمام، وإذنه، والجماعة، والوقت، والنداء، والخطبة، والإقامة. وخالفنا في بعض هذه الشروط: الشافعي (3) ، ومالك بن أنس (4) ، وابن حنبل (5) ؛ فلم يشترطوا جميعا المصر والإمام، فأجازوها في القرى وإن لم يكن فيها أمير، ولم يشترط ابن حنبل الوقت فأجازها قبله (6) ، وستقف على حججنا على من خالفنا في ذلك -إن شاء الله تعالى- عند تفصيلنا للشروط.
[المصر والإمام]:
__________
(1) - ... قوله: "هذا مذهبنا" إن كان يقصد به نفسه فلا إشكال، وإن كان يقصد به المذهب الإباضيَّ ففيه نظر. انظر المبحث الخامس من الدراسة، ورأي سماحة الشيخ أحمد الخليلي وفضيلة الشيخ سعيد القنوبي في الملاحق.
(2) - ... انظر؛ ابن عابدين: حاشية رد المحتار، 01/747.
(3) - ... انظر؛ الشافعي: الأم، 01/190.
(4) - ... الأصبحي: المدونة الكبرى، 01/142.
(5) - ... انظر؛ ابن قدامة: المغني، 02/174.
(6) - ... انظر؛ ابن قدامة: المغني، 02/143. (1/73)
صفحة 74
فأَمَّا المصر والإمام فهما شرطان لوجوب الجُمُعَة ولصحَّتها، فلا تجب الجُمُعَة ولا تَصِحُّ إلاَّ عند حصولهما معا، فإن حصل المصر والإمام وجبت الجُمُعَة إجماعا (1) ، والخلاف فيما إذا حصل أحدهما دون الآخر؛ فقيل: تجب صلاة الجُمُعَة في المصر الممصَّر ولو لم يكن مع إمام (2) . وقيل: لا تجب إلاَّ مع الإمام في المصر الممصَّر (3) . وقيل: تجب مع الإمام في المصر الممصر (4) وغيره. والمراد بالمصر الممصَّر هو أن يكون المصر أحد الأمصار الثمانية أو السبعة التي مصَّرها أبو حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وسيأتي بيانها. والمصر بهذا المعنى هو الذي يريده أَئِمَّتنا عند إطلاق المصر. وقد يطلق المصر ويراد به غير الأمصار السبعة، لأنَّ المصر في اللغة: كلُّ كَوْرة يقسم فيها الفيء والصدقات (5) ؛ قال في المصباح: "قال ابن فارس: وقال الأستاذ الحفني: والأبنية المجتمعة إذا كانت قليلة سُمِّيَت قرية، وإن كانت كثيرة جِدًّا سُمِّيَت مصرا، وإن كانت متوسِّطة عرفا سُمِّيَت مدينةً" (6) .
__________
(1) - ... انظر مثلا؛ الكدمي: الجامع المفيد، 01/253-254. وفيه الإجماع على وجوب الجُمُعَة عند حصول المصر والإمام العدل، لا المصر والإمام فقط.
(2) - ... مِمَّن قال به من علماء الإِبَاضِيَّة الشيخ مُحَمَّد بن المسبِّح. انظر؛ الإزكوي:الجامع، 02/395.
(3) - ... يبدو أَنَّهُ قول للإمام أبي سعيد الكدمي (من الإِبَاضِيَّة). انظر؛ الكدمي: الجامع المفيد، 01/254. السليمي: الجامع، 01/405. نخبة من العلماء: ديوان الأشياخ، كتاب الصلاة، ص57 (مخطوط).
(4) - ... انظر؛ الإزكوي:الجامع، 02/395.
(5) - ... ابن منظور: لسان العرب المحيط (ترتيب: يوسف الخياط)، مَادَّة مصر، 03/493.
(6) - ... لم أهتد إليه في المصباح المنير للمقري، ولا في معجم مقاييس اللغة لابن فارس. (1/74)
صفحة 75
ولهذا اضطربت أقوال الحَنَفِيَّة في حدِّ المصر، فروي عن أبي يوسف: "أنَّ المصر هو ما لا يسع أكبر مساجده أهلهِ"، وفي رواية عنه: "كُلّ موضع له أمير وقاض ينفِّذ الأحكام ويقيم الحدودَ" (1) . وعن أبي حنيفة: "كُلّ بلدة لها سكك وأسواق ووالٍ لدفع المظالم، وعالم يرجع إليه في الحوادثِ" (2) .
وأقول: إنَّ تمصير عمر للأمصار السبعة وتعيينه لَهُنَّ أمصارا مع اشتمال كُلِّ واحدة مِنهُنَّ على قرى كثيرة كادت القرية الواحدة مِنهُنَّ أن تعدَّ مصرا في العرف؛ دليلٌ على أنَّ المصر المشترط لوجوب الجُمُعَة وصحَّتها هو المكان المشتمل على أبنية كثيرة بها جمع كثير من الخلق، سواء كانت أبنيته مُتَّصِلا بعضها ببعض كمَكَّة -شرَّفها الله تعالى- أو منقسما قرى كثيرة منفصلا بنيان كُلِّ واحدة مِنهُنَّ عن التي تليها كالمدينة المشرَّفة وكعُمان (3) ، وما سيأتي من الأحاديث يشهد لذلك.
والذي ينبغي اعتباره في ضبط المصر هو أن يكون المكان منحازا بما فيه من قرى ومدن وغير ذلك، لا يحتاج أهله في قضاء حوائجهم غالبا أن يتعدَّوه إلى غيره من الأماكن؛ فإذا حصل مكان هذه صفته فهو مصر سواء كان مُتَّصِل العمارة أو منفصلها، لَكِنَّ المصر المجتمع عليه عند أصحابنا إِنَّمَا هو أن يكون أحد الأمصار التي مصَّرها عمر، وما عدا ذلك فهو عندهم مختلف في إعطائه حكم المصر من إقامته الجمعات. والله أعلم.
[الأَدِلَّة على اشتراط المصر الجامع]:
__________
(1) - ... انظر؛ العيني: عمدة القاري، 06/187.
(2) - ... ابن عابدين: حاشية رد المحتار على الدرِّ المختار، 01/748.
(3) - ... قياس عُمَان على المدينة المنورة فيه نظر، لأن عُمان قطر بأكمله، والمدينة المنورة مدينة واحدة وإن تعددت قراها، والله أعلم. (1/75)
صفحة 76
ولنا على أنَّ المصر الجامع شرط لوجوب الجُمُعَة ولصحَّتها أَدِلَّة منها: قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا جمعة إلاَّ في مصر جامع» رواه أبو سعيد - رضي الله عنه - في زيادات الإشراف (1) وزاد بعده قوله: "وأحسب أنَّ في بعض الحديث أَنَّهُ لا جُمُعَة حَتَّى يجتمع لها ثلاثة: مصر جامع وإمام ومنبرٌ"، ثُمَّ فَسَّرَ المنبر بالخطبة، فهو من باب تسمية الشيء بمحلِّه لأنَّ المنبر محلُّ الخطبة، ولك أن تفسِّره بالجامع فيكون دليلا على منع الجُمُعَة في غير المسجد الجامع.
ومنها ما روى القسطلاني في شرح البخاري (2) : "عنه - صلى الله عليه وسلم - «لا جمعة ولا تشريق إلاَّ في مصر جامع» ثم قال: رواه عبد الرزاقِ" (3) .
__________
(1) - ... الحديث تقدم تخريجه في المبحث الرابع من الدراسة: وقفة مع أحاديث أصل بها السالمي أهم المسائل. وكتاب زيادات الإشراف للعلامة الكدمي تعقب فيه كتاب الإشراف على مذاهب العلماء للعلامة محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (تـ318هـ)، وقد فقد الكتاب ولم يبق منه سوى جزء المعاملات، غير أن مادة ليست بالْهينة حفظتها أمهات الكتب مثل بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي، والمصنف لأحمد بن عبد الله الكندي.
(2) - ... القسطلاني: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، 02/167.
(3) - ... الحديث تقدم تخريجه في المبحث الرابع من الدراسة: وقفة مع أحاديث أصل بها السالمي أهم المسائل. وعبد الرزاق رواه موقوفا ولم يرفعه. (1/76)
صفحة 77
ومنها ما روى البيهقي في المعرفة (1) ، وعبد الرزاق (2) ، وابن أبي شيبة (3) عن علي قال: «لا جُمُعَة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلاَّ في مصر جامع أو مدينة»، حكى ذلك الْحُسَيْنِي في شرح الإحياء (4) .
وروى الشيخ إسماعيل في القواعد عن أبي عبيدة عن عليِّ بن أبي طالب أيضًا أَنَّهُ قال: «لا جُمُعَة ولا تشريق إلاَّ في مصر جامع» (5) . وكذلك روى عنه صاحب الإيضاح أيضًا. زاد صاحب الإيضاح: "قال أبو عبيدة: يعني أَنَّهَا لا صلاة يوم الجمعة والعيد إلاَّ في الأمصارِ" (6) .
وهذا أمر لا يدرك إلاَّ بالتوقيف من الشارع فلم يَقُلْهُ عليٌّ باجتهاد منه، فهو حديث أوقفته الرواة على عليٍّ. وقد رواه الزمخشري في كَشَّافِه (7) ، وصاحب المراقي في مَراقِيه (8) عنه - صلى الله عليه وسلم - ، فهوحديث مرفوع.
وعبارة الزمخشريِّ: "لِقوله - عليه السلام - «لا جُمُعَة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلاَّ في مصر جامع»". وعبارة صاحب المراقي: "لِقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا جُمُعَة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلاَّ في مصر جامع أو مدينة عظيمة»".
__________
(1) - ... البيهقي: معرفة السنن والآثار، رقم6330، 04/322.
(2) - ... الصنعاني (عبد الرزاق): المصنف، رقم5175،
(3) - ... ابن أبي شيبة: المصنف، كتاب الجمعة، باب من قال لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع، 02/10.
(4) - ... الحسيني: إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، 03/219.
(5) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/358.
(6) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/607.
(7) - ... الزمخشري: تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، 06/114.
(8) - ... الشرنبلالي: مراقي الفلاح بإمداد الفتاح شرح نور الإيضاح، ص296. (1/77)
صفحة 78
ومنها ما أخرج البخاري في صحيحه (1) ، ومسلم (2) ، وأبو داود (3) في الصلاة عن عائشة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: «كان الناس ينتابون الجُمُعَة من منازلهم والعوالي...» الحديث (4) . قال القسطلاني: "الْعَوَالِي جَمْعُ عالية، مواضع وقرى شرقي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال أو ثلاثة، وأبعدها ثمانيةٌ" (5) . وقال الْحُسَيْنِي في شرح القاموس: "وَأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نَجْدٍ ثمانيةٌ" (6) .
وأنت خبير أَنَّهُ لو لم يكن المصر شرطا في وجوب الجُمُعَة وصحَّتها ما انتاب إليها هؤلاء من هذه القرى البعيدة المسافة، ولصلاَّها كلُّ أهل قرية في قريتهم.
__________
(1) - ... صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب من أين تؤتى الجُمُعَة وعلى من تجب لقول الله عَزَّ وَجَلَّ: { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَةِ } ، رقم902.
(2) - ... صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/132.
(3) - ... سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب من تجب عليه الجُمُعَة، 01/243.
(4) - ... انظر تمام الحديث في سنن الجمعة وآدابها وفضلها.
(5) - ... القسطلاني: إرشاد الساري، 02/172.
(6) - ... الحسيني: تاج العروس في شرح القاموس، 10/250. (1/78)
صفحة 79
ومنها ما روى صاحب كشف الغُمَّة أَنَّهُ: "«كان - صلى الله عليه وسلم - يأمر الناس بحضور الجمعة من قُبَاء (1) ، وأنَّ أبا هريرة يأتي إليها من ذِي الْحُلَيْفَةِ يمشي (2) ؛ قال: "وهي على رأس سِتَّة أميال" (3) .
__________
(1) - ... عن ثوير عن رجل من أهل قباء عن أبيه وكان من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نشهد الجُمُعَة من قباء». رواه الترمذي وقال: هذا حديث لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه ولا يَصِحُّ في هذا الباب عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شيء. وقد روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «الجُمُعَة على من آواه اللَّيْل إلى أهله». سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب ما جاء من كم يؤتى إلى الجُمُعَة، رفم499، 02/06.
(2) - البيهقي: السنن الكبرى، 03/175.
(3) - ... الشعراني: كشف الغمَّة عن جميع الأُمَّة، 01/178. (1/79)
صفحة 80
وقال في القاموس (1) ، وشرحه (2) : "إِنَّ قُبَاءَ موضع قرب المدينة المشرَّفة بظاهرها من الجنوب نحو ميلين كما في الْمِصْبَاحِ، أو سِتَّة كما في الأَنْسَابِ للسمعاني به المسجد المُؤَسَّس على التقوى"، انتهى. والغرض من هذا الاستدلال بيان أَنَّهُ لو لم يكن المصر شرطا لِصِحَّةِ الجُمُعَة لَمَا دعت الحاجة إلى إتيانها من هذه المسافة، وقد صَحَّ وشُهر أنَّ لأهل قُبَاءَ مسجدًا يُصلُّون فيه جماعة، وأنَّهم لا يأتون الْمَدِينَةَ لسائر الفرائض كما يَدُلُّ عليه حديث تحويل القبلة (3) وغيره.
ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا «الجُمُعَة عَلَى من آواه الليل إلى أهله» (4) قال القسطلاني: "أَيْ أَنَّهُ إذا جمع مع الإمام أمكنه العود إلى
أهله آخر النهار قبل دخول الليلِ" (5) انتهى.
__________
(1) - ... الفيروزآبادي: القاموس المحيط، مَادَّة قباه، 04/376.
(2) - ... الحسيني: تاج العروس، 10/287.
(3) - ... عن سهل بن سعد «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّي قِبل بيت المقدس فَلَمَّا حول انطلق رجل إلى أهل قباء فوجدهم يصلُّون صلاة الغداة، فقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يصلَّى إلى الكعبة فاستدار إمامهم حتَّى استقبل بهم القبلة. رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/14. والحديث مرويٌّ في الصحيحين والسنن، وَلَكِنِّي لم أهتد فيهما إلى أنَّ حادثة الاستدارة في الصلاة كان بمسجد قباء صراحة.
(4) - ... رواه الترمذي وقال: وهذا حديث إسناده ضعيف، إِنَّمَا يروى من حديث مُعارك بن عباد عن عبد الله بن سعيد المَقْبُرِيّ، وضعَّف يحيى بن سعيد القطان عبد الله ابن سعيد المَقْبُري في الحديث. سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب ما جاء من كم يؤتى إلى الجُمُعَة، رقم 499، 02/06.
(5) - ... القسطلاني: إرشاد الساري، 02/172. (1/80)
صفحة 81
وأنت خبير بأنَّ الرجل بعد انصرافه عن الإمام يوم الجُمُعَة قد يَمُرُّ عَلَى قرى كثيرة إلى دخول اللَّيْل؛ فلو لم يكن المصر شرطا لوجوبها وصحَّتها ما كان لهذا التحديد معنى.
ومنها ما أخرجه البخاري عن ابن عَبَّاس أَنَّهُ قال: «إنَّ أَوَّل جُمُعَةَ جُمِّعت بعد جُمُعَةَ في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بِجُوَاثَى من البحرين» (1) .
__________
(1) - ... صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب الجُمُعَة في القرى والمدن، رقم 792. (1/81)
صفحة 82
ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو أَنَّهُ لو لم يكن المصر شرطا في وجوب الجُمُعَة ما كانت هذه أَوّل جُمُعَة جُمِّعت بعد جُمُعَة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا شَكَّ أنَّ قرى كثيرة أسلمن قبل البحرين، وتلك القرى أقرب إلى الْمَدِينَة من البحرين؛ وذلك أنَّ البحرين إِنَّمَا أسلمت بعد السنة السابعة من الهجرة (1) . وفي تَارِيخِ الْخَمِيسِ ما نصُّه: "وَفي هذه السنة يعني السنة الثامنة قبل مُنْصَرَفِهِ من الْجعْرَانَة، - وقيل قبل الفتح، وفي الاكْتِفَاء بعد انصرافه من الْحُدَيْبِيَّة فيكون قبل الفتح - بعث العلاءَ الحضرميَّ إلى المنذر الساوي العبدي ملك البحرين، وكتب إليه كتابا ودعاه إلى الإسلام، فَلَمَّا انتهى إليه وقرأ الكتاب أسلم، وكتب جواب الكتاب فقال: يا رسول الله إنَّ الله قد أعطاني بك نعمة الإسلام وقد قرأت كتابك على أهل البحرين - وفي الاكْتِفَاء على أهل هجْرٍ - فأسلم بعضهم وأبى بعضهم..." إلى آخره (2) . وصلاة الجُمُعَة إِنَّمَا شرعت في السنة الأولَى من الهجرة أو قبلها (3) .
__________
(1) - ... انظر؛ ابن هشام: سيرة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، 04/279. ابن الأثير: الكامل، 02/143، 146، 147.
(2) - ... لم أستطع الوقوف على هذا الكتاب.
(3) - ... قال ابن حجر العسقلاني: واختلف في وقت فرضيَّتها فالأكثر عَلَى أَنَّهَا فرضت بالمدينة وهو مقتضى ما تَقَدَّمَ أنَّ فرضيَّتها بالآية المذكورة وهي مَدَنِيَّة، وقال الشيخ أبو حامد: فرضت بِمَكَّةَ، وهو غريب. ابن حجر: فتح الباري، 02/354. (1/82)
صفحة 83
وأَمَّا استدلال الشافعي (1) وأحمد (2) بهذا الحديث عَلَى أنَّ الجمعة تقام في القرية إذا كان فيها أربعون رجلا أحرارًا بالغين مقيمين، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلاَّ لحاجة، سواء كانت أبنيتها من حجر أو طين أو خشب أو قصب أو نحوها، فلو انهدمت أبنيتها فأقام أهلها عَلَى العمارة لزمتهم الجُمُعَة فيها لأَنَّهَا وطنهم سواء كانوا في مظال أم لا؛ مردودٌ لِمَا قَدَّمناه، وَلأَنَّ هذه الشروط التي ذكروها لا يَدُلُّ الحديث عَلَى شيء منها أصلا، ولأَنَّهُ إِنَّمَا دعاهم إلى الاستدلال بهذا الحديث هو ما في رواية وَكِيعٍ أنَّ جُوَاثَى قرية من قرى البحرين (3) . ويجاب بأَنَّهُ قد يطلق عَلَى المصر اسم القرية كما في قوله تعالى { لَوْلاَ أُنْزِلَ هَذَا القُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } (4) والمراد بالقريتين في الآية مَكَّة والطائف (5) . على أنَّ الْجَوْهَرِي (6) وابْنَ الأَثِيرِ (7) قالا: "إِنَّ جُوَاثَى اسم لحصن بالبحرين". وكذا قال شارح القاموس أيضًا (8) . وضبطه في الْمَرَاصِدِ جُوَاثَى -بالضم، ويمد ويقصر- حصن لعبد القيس بالبحرين. وقال صاحب المبسوط: "هي مدينة" (9) . وكذا قال البكري في مُعْجَمِه أيضًا (10) .
__________
(1) - ... انظر؛ النووي: المجموع (شرح المهذب)، 04/501 وما بعدها.
(2) - ... انظر؛ ابن قدامة: المغني، 02/171.
(3) - ... ابن حجر: فتح الباري، 02/380.
(4) - ... سورة الزخرف: الآية31.
(5) - ... الزمخشري: الكشاف، 05/224. الطبري: التفسير، 25/39.
(6) - ... الجوهري: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، 01/413.
(7) - ... ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، 01/311.
(8) - ... الحسيني: تاج العروس في شرح القاموس، 01/610.
(9) - ... انظر؛ السرخسي: المبسوط، 02/22.
(10) - ... البكري: معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، 01/401. (1/83)
صفحة 84
وَاستَدَلَّ الحَنَفِيَّة (1) على أنَّ جُوَاثَى مدينة بقول امرئ القيس (2) :
ورحنا كأنَّا من جُوَاثَى عشية ... نعالي النِعاج بين عدل ... ومحقب
يريد: كأنَّا من تجَّار جُوَاثَى لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة تجَّار جُوَاثَى، وكثرة الأمتعة تَدُلُّ غالبا عَلَى كثرة التجَّار، وكثرة التجَّار تَدُلُّ عَلَى أنَّ جُوَاثَى مدينة قطعا، لأنَّ القرية لا يكون فيها تجَّار.
وحكم المدينة في إقامة الجمعات والحدود وإنفاذ الأحكام حكم المصر لِمَا تَقَدَّمَ من الأحاديث، وفي بعضها أَنَّهُ «لا جُمُعَةَ ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلاَّ في مصر جامع أو مدينة عظيمة»، وذلك لأنَّ المدينة في معنى المصر لاشتمالها عَلَى ما يشتمل عَلَيه المصر من كثرة الأبنية واجتماع الناس، ولأَنَّهَا تغني أهلها غالبا عن الاحتياج إلى غيرها في قضاء حوائجهم، فهي مصر في المعنى وإن خصَّت باسم آخر. ولو قيل بِأَنَّ المدينة هي المصر المُتَّصِلة أبنيته، وإنَّ المصر يطلق عَلَى هذا المعنى وعَلَى ما إذا انفصلت الأبنية وكانت قرى كثيرة لكان ذلك حسنًا، وعَلَى هذا فيكون بين المدينة والمصر عموم وخصوص مطلق، لأنَّ كلَّ مدينة مصر وليس كلُّ مصر مدينة. ولك أن تقسم المدينة إلى نوعين، أحدهما: مدينة عظيمة وهي التي تكون نوعا من المصر ويعطي لها حكمه، ومدينة صغيرة وهي ما ليس كذلك، وعَلَى هذا فيكون بين المدينة والمصر عموم وخصوص من وجه؛ وفي وصف الحديث المدينة بالعظم إشارة إلى هذا المعنى. وعَلَى كُلِّ حال فتعلُّق الشافعي وأحمد بالحديث ساقط، والحديث دليل عليهما، لا لهما، كما قَدَّمناه لك آنفا، والله أعلم.
__________
(1) - ... العيني: عمدة القاري، 06/187.
(2) - ... أبو الفضل إبراهيم: ديوان امرئ القيس، ص 54. (1/84)
صفحة 85
ومنها ما ذكره الْحُسَيْنِي في شرح الإحياء من أَنَّهُ "كَان لمدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرى كثيرة، ولم ينقل أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أمر بإقامة الجُمُعَة فيها كُلِّهَا" (1) .
قُلْتُ: وقد نقل أَنَّهُ كان يأمرهم بإتيان الجُمُعَة من قُبَاء، ونقل عنه عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قال «الجُمُعَة عَلَى من آواه الليل إلى أهله». ونقل عن الصحابة أنَّهم كانوا يأتونها من العوالي، وجميع هذه النقول دالٌّ عَلَى اشتراط المصر في صِحَّة الجُمُعَة كما قَدَّمناه آنفا.
ومنها ما اسْتَدَلَّ به ابن بَرَكَة في جامعه: "من أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مصَّر الأمصار للجمعة فصار عَلَى ذلك اتِّفَاق، ولم يخالف عليه أحد في فعله" (2) . ومعنى مصَّر الأمصار أي عيَّنها لإقامة الجُمُعَة فيها.
__________
(1) - ... الحسيني: إتحاف السادة المُتَّقِينَ، 03/219.
(2) - ... السليمي: الجامع، 01/563-564. (1/85)
صفحة 86
ووجه هذا الاستدلال أنَّ عمر بن الخطاب أحد الخلفاء الراشدين، وهو أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، عيَّن للجُمُعَةَ مواضع مخصوصة لتصلَّى فيها، وجعلها في زمانه في سبعة أمصار عَلَى قول (1) ، وفي ثمانية عَلَى قول آخر (2) ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة وهو إمامهم فلم يخالفه في فعله ذلك أحد منهم، فكان ذلك إجماعًا منهم عَلَى أنَّ المصر شرط لوجوب الجُمُعَة، ولو لم يكن ذلك شرطا لردُّوا عَلَى عمر قوله، ولأنكروا عليه فعله، وهل يخطر ببال من له أدنى مسكة من عقل أنَّ الصحابة كلَّهم يسكتون عَلَى تعطيل فرض من فرائض الله تعالى، أوجبه عَلَى عباده حتَّى يهمل من جميع الأمَاكن إلاَّ ثمانية أمصار أو سبعة وهم أَئِمَّة الهدى ومصابيح الدجي؟ وما ظنُّك بِمن ظنَّ بهم ذلك إلاَّ أَنَّهُ أساء الظنَّ فيهم، ونسب الكبيرة إليهم، والله أعلم.
فإن قال قائل: إنَّ الرواية عن عُمَرَ في تمصير الأمصار لم تَصِحَّ عندنا، ولم يروها أحد من أَئِمَّة الحديث مِمَّن علمنا، ولو وقع ذلك من عُمَرَ لَنُقِل، ولو نُقِل لاشتهر لأَنَّهُ مِمَّا تَعُمُّ به البلوى، وهو من أمور الدين، فمثله في العادة لا يختفي عَلَى رواة الحديث، فلا يتِمُّ لكم ما ادَّعيتموه من الإجماع عَلَى ذلك.
فجوابه: إنَّ ذلك قد وقع من عمر بن الخطاب، وقد نقل واشتهر ونقله من رواة الحديث السُّيوطِي في تَارِيخِ الْخُلَفَاء نقلا عن النَّوَوِي مُحرِّر مذهب الشافعي، فقال في أَوَّلِيَّات عُمَرَ ما نصُّه: "وهو أَوَّل من مصَّر الأمصار؛ الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومِصْر، وموصل" (3) ، انتهى.
__________
(1) - ... انظر مثلا؛ الإزكوي: الجامع، 02/395.
(2) - ... لم أهتد إليه، وَرُبَّمَا هو إشارة إِلىَ من عدَّ كلاًّ من البحرين وعمان مصرًا مستقلاًّ عن الآخر. انظر؛ الإزكوي: الجامع، 02/404.
(3) - ... السيوطي: تاريخ الخلقاء، 137. (1/86)
صفحة 87
وقال مُرْتَضَى الْحُسَيْنِي في شرح القاموس: "وكان عُمَرُ رضي الله تعالى عنه قد مَصَّر الأمصار، منها البصرة، والكوفة" (1) ، انتهى.
وهذا الْحُسَيْنِي هو خاتمة المحدِّثين، ونادرة العلماء المُحَقِّقِينَ، كما يعرفه بذلك من وقف عَلَى تآليفه المشهورة كالإتحاف عَلَى الإحياء، والسُّيوطِي لا يخفى حاله عند العارفين وَالأَئِمَّة المحدِّثين، والنَّوَوِي عند الفريقين كنار عَلَى علم. ولو لم ينقل قَضِيَّة التمصير إلاَّ هؤلاء الثلاثة لكفى، كيف وقد نقله من المُؤَرِّخِينَ الديار بكري في تاريخ الخميس (2) ، وأشار إليه ابن الأثير في كامله، وَصَرَّحَ بأنَّ الأمصار ثمانية (3) .
على أنَّ أصحابنا - رضي الله عنهم - قد انطبقت كلمتهم جميعا، وتواترت أخبارهم، وتتابعت آثارهم عَلَى نقل قَضِيَّة التمصير (4) ، حتَّى قال ابن أبي نبهان (5) :
__________
(1) - ... الحسيني: تاج العروس، 03/543.
(2) - ... لم أستطع الوقوف على هذا الكتاب.
(3) - ... لم أهتد إليه في "الكامل".
(4) - ... انظر مثلا؛ الإزكوي:الجامع، 02/395. الكدمي: الجامع المفيد، 01/253.
(5) - ... هو أبو محمد ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي، المشهور بابن أبي نبهان، من أعلام الإباضية بِعُمان، ولد سنة 1192هـ في بلدة العليا من وادي بني خروص، تتلمذ على يد والده العلامة أبي نبهان. انتقل إلى زنجبار بشرق إفريقيا وتوفي بها سنة1262 أو1263هـ. من مؤلفاته: التهذيب، وقيد الأسفار، وكتاب الإخلاص. انظر؛ ناصر والشيباني: معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، ترجمةرقم1421، ص466.
وأبو نبهان هو: جاعد بن خميس الخروصي، من أعلام الإباضية في عُمَان، يُلقب بالشيخ الرئيس، ولد سنة 1147هـ، وتوفي سنة 1237هـ، له مؤلفات عديدة منها: كتاب الدقاق في دق أعناق أهل النفاق، وأجوبة فقهية في سبع مجلدات، وقصيدة النونية، وقصيدة حياة المهج. انظر؛ مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان، ص45. (1/87)
صفحة 88
"إنَّ نقلها مجتمع عليه" (1) ، وهو ظاهر لعدم المنكر. لذلك فلو لم ينقل قَضِيَّة التمصير أحد من قومنا لكان في نقل أصحابنا لها أقوى حجَّة وأقوم برهان، لأَنَّهُم العدول، وإليهم المرجع في هذا الشأن.
واعلم أنَّ غرضنا مِمَّا نقلناه عن السُّيوطِي في التَّارِيخِ نقلا عن النَّوَوِي، وَمِمَّا نقلناه عن الْحُسَيْنِي في شرح القاموس إِنَّمَا هو إثبات قَضِيَّة التمصير، فلا يَضُرُّنا مخالفة نقل بعضهم في تعيين بعض الأمصار، والله أعلم.
ومنها ما اسْتَدَلَّ به صَاحِبُ مَرَاقِي الفَلاحِ عَلَى نور الإيضاح، وهو أحد الْحَنَفِيَّة حيث قال: "وَلَم ينقل عن الصحابة - رضي الله عنهم - أَنَّهُم حين فتحوا البلاد اشتغلوا بنصب المنابر والجمع إلاَّ في الأمصار دون القرى، ولو كان لَنُقِلَ ولو آحادًا" (2) .
قُلْتُ: وقد نُقِل عن الفَارُوق تمصيرُ الأمصار للجمعة، فبضمِّ ما ذكره صَاحِبُ الْمَرَاِقي إلى ما قَدَّمت ذكره من قَضِيَّة التمصير يظهر لك حصول الإجماع (3) عَلَى اشتراط المصر في وجوب الجمعة كما لا يخفى.
__________
(1) - ... لم أهتد إلى قول ابن أبي نبهان في ما بين أيدينا من المطبوعات، وأغلب مؤلفاته لم يطبع بعد.
(2) - ... الشرنبلالي: مراقي الفلاح، ص296.
(3) - ... تقدم في الدراسة التعليقُ على أن تصريحه بالإجماع على اشتراط المصر فيه نظر. (1/88)
صفحة 89
ومنها ما اسْتَدَلَّ به صَاحِبُ الإِيضَاحِ ومُحَشِّيه (1) -رحمهما الله تعالى- وهو قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ } (2) ، وذلك أنَّ البيع إِنَّمَا يكون في الأمصار -أي في غالب أحواله-، والمراد بالبيع المنهيِّ عنه في الآية البيع المشغل عن ذكر الله، وهذا النوع من البيع لا يكون إلاَّ في الأمصار العظيمة، لأنَّ القرى وصغار البلدان لا يكون فيها من نوع البيع ما يشغل المرء عن ذكر رَبِّه، فهو استدلال بالإشارة كما صَرَّحَ به الْمُحَشِّي (3) ، والله أعلم.
هذه أَدِلَّتنا عَلَى اشتراط المصر في وجوب الجُمُعَة وصحَّتها، فهل للخصم دليل واحد يعارض بعض ما ذكرناه من الأَدِلَّة أو يثبت له بعض ما ادَّعاه من عدم اشتراط المَصرِ في ذلك، وعلى وجوب الجُمُعَة على أربعين رجلا أحرارا بالغين أصحَّاء قد وطَّنوا قرية لا يظعنون عنها إلاَّ لحاجة فإن نقص واحد من هذا العدد سقطت الجُمُعَة في قوله؟
__________
(1) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/607.
(2) - ... آية الجُمُعَة.
(3) - السدويكشي: حاشية علىالإيضاح (بهامش كتاب الإيضاح)، 01/602. (1/89)
صفحة 90
وهل لمن ادَّعَى عدم اشتراط المكان أصلاً في وجوب الجُمُعَة دليل أيضًا؟ (1) عَلَى أنَّ الإجماع من الأُمَّة قد انعقد عَلَى اعتبار المكان شرطا في وجوب الجُمُعَة وإن اختلفت آراؤهم في تحديد المكان؛ فمدَّعي عدم اعتبار المكان شرطا في ذلك قد خالف السنَّة المحمَّديَّة، بدليل ما رويناه من الأخبار، ونبذ الإجماع القطعي وراء ظهره، بدليل ما نقلناه من الآثار، وإن أعجب برأيه وتعجَّب من الأُمَّة في اشتراط ذلك، وادَّعى أنَّ بيده فصل الخطاب، { ومَنْ يُّضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } (2) ، أما الشَّافِعِي (3) فقد تشبَّث في التحديد المذكور بِحديث ابن عَبَّاس في جُوَاثَى، وقد تَقَدَّمَ بيان سقوط استدلاله بذلك الحديث، وَاستَدَلَّ عَلَى تحديد الأربعين بِحديث كعب بن مالك «أَوَّل من جمع بنا أسعدُ بن زرارة في [نقيع الخضمات] (4) ، قيل لكعب: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا، فجمع بنا قبل مقدم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من مَكَّة (5)
__________
(1) - ... قال ابن قدامة: ولا يشترط لِصِحَّةِ الجُمُعَة إقامتها في البنيان، ويجوز إقامتها فيما قاربه من الصحراء، وبهذا قال أبو حنيفة، ولأنَّ الأصل عدم اشتراط ذلك، ولا نصَّ في اشتراطه ولا معنى نص فلا يشترط. ابن قدامة: المغني، 02/175.
(2) - ... سورة الأعراف: الآية 186.
(3) - ... انظر التعليق رقم (45).
(4) - ... في (أ) و(ب): بقيع الخضمان. ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه.
(5) - ... عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره عن أبيه كعب بن مالك أَنَّهُ «كان إذا سمع النداء يوم الجُمُعَة ترحَّم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت = = النداء ترحَّمت لأسعد بن زرارة ؟ قال: لأَنَّهُ أَوَّل من جمع بنا في هَزْمِ النَّبِيتِ من حرَّة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخَضِمَاتِ، قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون»..رواه أبو داود وابن ماجه وقال فيه: «كان أَوَّل من صَلَّى بنا صلاة الجُمُعَة قبل مقدم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من مَكَّة». سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب الجُمُعَة في القرى، 01/246. سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة وَالسُّنَّة فيها، باب في فرض الجُمُعَة، رقم1082، 01/343.
... قال الشوكاني: الحديث أخرجه أيضًا ابن حبَّان والبيهقي وصحَّحه، قال الحافظ: وإسناده حسن ا هـ. وفي إسناده مُحَمَّد بن إسحاق وفيه مقال مشهور. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/230. (1/90)
صفحة 91
».
وجوابه: أَنَّهُ ليس في الحديث ما يَدُلُّ عَلَى أنَّ الأربعين شرط لانعقاد الجمعة ووجوبها لوجود ما يعارض الحديث، فقد روى أبو أمامة «الجُمُعَةُ واجبة عَلَى الخمسين رجلا وليس عَلَى ما دون الخمسين جُمُعَة» (1) ، ولأنَّ ما في حديث كَعْب إِنَّمَا هو واقعة حال، فالظاهر لو أنَّ أَسْعَدَ وجد دون الأربعين أو أكثر منهم لجمع. وأي تشبُّثٍ لهذا المبتدع المدَّعي عدم اعتبار المكان شرطا في وجوب الجُمُعَة وصحَّتها؟
__________
(1) - ... عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الجُمُعَة على الخمسين رجلا و ليس على ما دون الخمسين جُمُعَة». أخرجه الطبراني في الكبير و الدارقطني، وقال السيوطي: لَكِنَّهُ ضعيف و مع ضعفه فهو محتمل للتأويل لأَنَّ.... . انظر؛ الشوكاني: نيل الأوطار، 03/232.
... قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير و فيه جعفر بن الزبير صاحب القسم و هو ضعيف جدا. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/176. (1/91)
صفحة 92
وعَلَى كُلِّ حال فما ذهب إليه الشَّافِعِي محتمل للرأي وإن كان ضعيفا جِدًّا؛ فقد قال الشيخ محمد بن روح (1) -رحمه الله تعالى-: "وقال من قال من قومنا إنَّ صلاة الجُمُعَة تجب من حيث كانوا [أربعين] (2) رجلا، فَإِنَّا لا نرى ذلك ولا نأمر به، ولا نعمل به، ولا نخلعُ عن الإسلام من قال بذلك إلاَّ أن يخالف المسلمين مخالفة يجب بها تضليله وليس المخالفة في الرأي مثل المخالفة في الدين" (3) ، انتهى كلامه. وأَمَّا ما ذهب إليه هذا المبتدع المدَّعي عدم اعتبار المكان شرطا في وجوب الجُمُعَة وصحَّتها فلا محتمل له في الرأي، ولا مدخل له في الاجتهاد لمخالفته السُّنَّة المشهورة والإجماع القاطع، و الله أعلم.
[الجُمُعَة في غير الأمصار الممصَّرة]:
__________
(1) - ... هو أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي الكندي النزوي السمدي، من أعلام الإباضية بِعُمَان في النصف الأول من القرن الرابع الهجري. من شيوخه أبو مالك غسان بن محمد، ومن تلاميذه أبو سعيد الكدمي. انظر؛ البطاشي: الإتحاف، 01/277.
(2) - ... في (أ) و(ب): كانوا أربعون رجلا. ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه.
(3) - ... انظر؛ الكندي: بيان الشرع، 15/18-19. (1/92)
صفحة 93
وإذا عرفت أنَّ المصر شرط في وجوب الجُمُعَة وصحَّتها بما تَقَدَّمَ من الأَدِلَّة، فاعلم أنَّ أصحابنا -رحمهم الله تعالى- قد اختلفوا في وجوب الجُمُعَة في غير الأمصار التي مصَّرها أبو حفص عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه-، وهي كما قال أبو عبد الله (1) : "سمعنا أنَّ الأمصار التي مصَّرها عمر بن الخطاب -رحمه الله- مَكَّة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، والشام، واليمن، والبحرين وعُمَان مصر واحد" (2) .
وفي قول غيره: "إنَّ كل (3) واحد من عُمَانَ والبحرين مِصْرٌ برأسه" (4) . فالأمصار على قول أبي عبد الله سبعة، وفي قول غيره ثمانية، وفي رواية أبي معاوية (5) إسقاطُ عُمَانَ والبحرين، وأبدل مكان الشَّامِ مِصْرَ (6) . وقيل: "إنَّ الجمعة بالشَّامِ إِنَّمَا هي بدمشق، وفي اليَمَنِ بِصَنْعَاء، وفي عُمَانَ بِصُحَار" (7) .
__________
(1) - ... المشهور بكنية أبي عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل، وهو من أبرز أعلام الإباضية في المشرق في القرن الثالث الهجري. انظر؛ السيابي: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج، ص49.
(2) - ... الإزكوي: الجامع، 02/395، 404. ابن النضر: الدعائم (شرح ابن وصَّاف)، 01/244.
(3) - ... في (أ): إن في واحد.
(4) - ... الإزكوي: الجامع، 02/404.
(5) - ... هو أبو معاوية عزان بن الصقر النزوي العقري، من أبرز أعلام الإباضية في عُمَان في القرن الثالث الهجري. له قاعدة تفرد بها في مسألة ما لا يسع الناس جهله. توفي سنة 268هـ. انظر؛ البطاشي: الإتحاف، 01/256.
(6) - ... الإزكوي: م س.
(7) - ... انظر؛ الكدمي: الجامع المفيد، 01/257. (1/93)
صفحة 94
فبعض أصحابنا لم ير أنَّ الجُمُعَة واجبة في غير هذه الأمصار السبعة أو الثمانية، وهو إحدى الروايتين عن أبي عبيدة - رضي الله عنه - ، فقد روي عنه أنَّه كان لا يرى في شيء من أرض الأعاجم جُمُعَة (1) . وفي رواية أخرى عنه أَنَّهُ كان يقول: "كلُّ مِصْرٍ أقيمت فيه الحدود مع إمام عدل ففيه الجُمُعَة" (2) . ورُوِيَ عن جابر بن زيد، وعن ضمام بن السائب (3) مثل هذه الرواية (4) ، فأخذ الناس بقولهم فأقاموها مع الإمام في هذه الأمصار وفي غيرها.
[تعدُّد الجمعة في المصر الواحد]:
ثُمَّ اختلفوا بعد ذلك في وجوب إقامتها مُتَعَدِّدَة في المصر الواحد؛ فذهب الجمهور (5) منَّا إلى منع تعدُّدها فيه، وقصروها على المحلِّ الذي وجدت تقام فيه في زمن الصحابة - رضي الله عنهم - .
__________
(1) - ... الإزكوي: الجامع، 02/395. الإيضاح: الشَّمَّاخِي، 01/607.
(2) - ... انظر؛ الكندي: بيان الشرع، 15/17. الشقصي: منهج الطالبين، 04/522.
(3) - ... هو ضمام بن السائب الندابي، من أعلام الإباضية الأوائل. أصله من عُمَان. وُلِدَ وعاش بالبصرة. روى عن جابر بن زيد، وروى عنه الربيع بن حبيب. سجنه الحجاج بن يوسف، ولم يخرج من سجنه إلا بعد موت الحجاج. انظر؛ البطاشي: الإتحاف، 01/214.
(4) - ... الإزكوي: الجامع، 02/395. الشماخي: الإيضاح، 01/608.
(5) - ... انظر؛ الكندي: بيان الشرع، 15/20.
... ملاحظة: أغلب المصادر الإِبَاضِيَّة لم تتطرَّق لهذه المسألة. (1/94)
صفحة 95
وقد تواترت آثارهم وأخبارهم (1) أنَّ الْمَحَلَّ الذي عُيِّن لها في عُمَانَ هو قَصَبَةُ صُحَار، فأوجبوها هنالك ومنعوها في غيره (2) لِئَلاَّ تختلف أحكام الإسلام بين المسلمين، ولأنَّ السنَّة إذا عيَّنت شيئًا من الأشياء لشيء من الأحكام فلا يجوز تبديله عن ذلك التعيين، ولأنَّ الجُمُعَة إِنَّمَا تقام لإظهار شعائر الإسلام؛ فوضعُهَا في مجمع الناس وفي المكان الذي فيه بيضة الإسلام وَقُوَّة المسلمين، وإليه مطمحُ نظرِ الخصم أنسبُ وأَوْلَى.
وبهذا القول أخذ الإمام وارث بن كعب - رضي الله عنه - (3) ؛ فقد رُوِيَ عنه أَنَّهُ كان لا يُصَلِّي الجُمُعَة في نَزْوَى (4) ، واختاره الشيخ محمد بن روح -رحمه الله تعالى- (5) .
__________
(1) - ... انظر مثلا؛ الإزكوي: الجامع، 02/395. الكدمي: الجامع المفيد، 01/253-254.
(2) - ... قوله: "ومنعوها في غيره" مشكل لأَنَّهُ قد ورد في الكتب الإِبَاضِيَّة أنَّ الجُمُعَة بنزوى أو بالجوف أو غيرها من مدن وقرى عُمان إذا كان بها إمام، مع قولهم إِنَّ الجُمُعَة بصحار كان بها الإمام أو لم يكن. انظر مثلا؛ الإزكوي: الجامع، 02/395. الكدمي: الجامع المفيد، 01/256. الكندي: بيان الشرع، 15/21.
(3) - ... هو الوارث بن كعب الخروصي، من أعلام الإباضية بعُمَان في نهاية القرن الثاني الهجري. بُويِع إماما سنة 177هـ، فسار بالناس سيرة العدل إلى حين وفاته سنة 192هـ. انظر؛ السيابي: عمان عبر التاريخ، 02/20. مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان، ص69.
(4) - ... نَزْوَى من كبريات المدن العُمانية بداخلية عُمَان، تبعد عن مسقط العاصمة بنحو 160كلم، كانت في زمن غير يسير عاصمة للأيمة العمانيين.
(5) - ... الكندي: بيان الشرع، 15/18. (1/95)
صفحة 96
وذهب بعض (1) أصحابنا إلى وجوب إقامة الجُمُعَة في جميع بلدان المصر، وأوجب المحافطة عليها في السهل والجبل، قائلا: إنَّ المصر الواحد قد (2) عين كلّه لإقامة الجُمُعَة، وإنَّ اختصاص مكان منه بوجوب إقامتها دون مكان مشكل، فتجب إقامتها في جميع المصر.
وينبغي أن يكون محلُّ الخلاف فيها إذا كان بين إقامتها أكثر من أربعة فراسخ لِمَا قَدَّمت لك آنفًا من أَنَّهُ يجب إتيانها مِمَّا دون الفرسخين، فلو أقيمت في موضعين ليس بينهما قدر فرسخين لبطل ذلك الإيجاب الذي أوجبوا على من دون الفرسخين أن يأتيها، ولو أقيمت في موضعين بينهما قدر فرسخين وبعض فرسخ لتدافعت الأحكام فيمن هو قريب من الإقامتين، فيجب عليه إتيان هذه الجمعة وإتيان هذه، فيتعلَّق عليه واجبان لا يستطيع فعلهما معا، ولا يمكنه ذلك، والقول بأَنَّهُ مخير في أيِّهما شاء أن يذهب إليها محتاج إلى دليل، لأنَّ التخيير بين فعلين واجبين وإسقاط أحدهما بفعل الآخر حكم شرعيٌّ لا يدرك إلاَّ بالتوقيف من الشارع، كما في خِصَالِ الكَفَّارَاتِ (3) ، والله أعلم.
__________
(1) - ... منهم ابن النضر العماني. انظر؛ ابن النضر: الدعائم (بشرح ابن وصَّاف)، 01/243.
(2) - ... في (أ): الواحد عين.
(3) - ... لم أهتد إليه؛ سواء كان المقصود به كتابا بهذا العنوان أو قولا لأبي إسحاق الحضرمي في كتابه مختصر الخصال. (1/96)
صفحة 97
لا يُقال: إنَّه لا يلزم من إقامتها في موضعين ليس بينهما قدر جمعين ما ذكر من تدافع الأحكام على من هو قريب من الإقامتين؛ كيف يلزم ذلك وهو أَنَّهُ إِنَّمَا يجب عليه أن يجيب أَوَّل النداءين إذا تساوى معه المسافتان، ويجب عليه أن يحضر أقرب الجُمُعَتين إذا تفاوتتا قربا وبعدا، فلا يلزم المحذور من تدافع الأحكام، ولا يحتاج حينئذ إلى التخيير المذكور، لأَنَّا نقول: إنَّ ما ذكرناه من تدافع الأحكام متوجِّه على من تساوى معه المسافتان بالنسبة إلى الجُمُعَتين، واتَّحد معه وقت النداءين فيحتاج حينئذ إلى التخيير المذكور، ولا ملجأ منه، وهذا التقدير كاف في منع إقامتها في موضعين ليس بينهما قدر جمعين، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ ما استشكله أرباب القول الثاني من منع تعدُّدها في المصر الواحد مدفوع بما قَدَّمت من الاعتلال للمانعين؛ وهو أَنَّهُم أوقفوا الجُمُعَة حيث أوقفتها السنَّة. على أَنَّهُم قد تناقلوا إقامتها في صُحَار آخرا عن أَوَّل، وكابرا عن كابر، وتداولوا عدم إقامتها في غير صُحَار كذلك.
وأنت خبير أنَّ عُمَانَ قد أسلمت في عصره - صلى الله عليه وسلم - ، وأجابت دعوته بغير حرب ولا عناء، وأنَّ أحكامه - صلى الله عليه وسلم - قد نفذت فيها في حياته بواسطة عامله عليها عمرو بن العاص (1) ، وأنَّ عُمَانَ منذ ذلك الزمان قرى كثيرة ورَسَاتِيقُ عديدة (2) ؛ فلو أقيمت الجُمُعَة في عهده - صلى الله عليه وسلم - في غير صُحَارٍ من سائر بلدان عُمَان ورَسَاتِيقِهَا لَنُقِلَ إلينا ذلك كما نُقلت إقامتها بِصُحَار. على أَنَّكَ قد عرفت حذاقة أصحابنا في الأمور الشرعيَّات، فلا يبدلون شيئا منها، وعرفت احتياطهم في أمور دينهم، فكيف يتركون الواجب منها؟!
__________
(1) - ... انظر؛ ابن هشام: سيرة النييِّ - صلى الله عليه وسلم - ، 04/279. العصفري: تاريخ خليفة بن خياط، 01/73. ابن الأثير: الكامل، 02/157.
(2) - ... الحموي: معجم البلدان، (مَادَّة عُمان)، 04/150. (1/97)
صفحة 98
وإن قال بعض بوجوبها في غير صُحَارٍ من عُمَانَ فقوله بذلك إِنَّمَا نشأ عن قياس واجتهاد، لا عن سنَّة وأثر؛ فظهر أنَّ إقامتها إِنَّمَا هي واجبة في موضع واحد من المصر، لا في جميع قرى المصر وبلدانه، وإتيان أَهْلِ الْعَوَالِي للجُمُعة بالمدينة يشهد لذلك (1) .
على أَنِّي أقول: إنَّ تعيين صُحَارٍ نفسها لإقامة الجمعة بِعُمَان وإن كان في عهده - صلى الله عليه وسلم - (2) فليس هو من الأمور التي لا يمكن تبديلها ولا تحويلها، وإِنَّمَا عيِّنت في عصره - صلى الله عليه وسلم - لأَنَّهَا هي في ذلك اليوم رأس الملك وقَصَبَةُ عُمَان، وبها بيضة الإسلام، وإليها ينتاب الناس في قضاء حوائجهم؛ فإذا سلبت هذه الخصال التي لأجلها كانت محلاًّ لإقامة الجُمُعَة، ووجدت في غيرها من سائر نواحي عُمَان فالواجب عندي إقامة الجُمُعَة هنالك.
ويشهد لذلك أَنَّهُ لو خربت صُحَارٌ –مثلا- حتَّى صارت صحراء، وعمرت غيرها من القرى حتَّى صارت مصرا، فلا أظنُّ أنَّ أحدا يقول إِنَّهُ لا تجب إقامتها في ذلك المصر المعمور لأجل أنَّ مصرها الذي كانت تقام فيه قد أعفته الدهور، فظهر بهذا التقرير أَنَّهَا لم تُخَصَّ صُحَارٌ بإقامة الجمعة لكونها مكانا فقط؛ لكن للخصال التي قَدَّمت ذكرها، والله أعلم.
[حكم التخلف عن الجُمُعَة لمن كان دون الفرسخين وحكم إقامتها في غير الجامع]:
ولا يجوز لمن كان دون الفرسخين من الموضع الذي تقام فيه الجمعة أن يتخلَّف عن موضع إقامتها.
__________
(1) - ... تقدم تخريجه في باب الأدلة على اشتراط المصر الجامع.
(2) - ... لم أهتد إلى من ذكر ذلك من المحدِّثين ولا من المُؤَرِّخِينَ. والذي يغلب على الظن أن تعيين صحار مصرا لصلاة الجمعة كان مع تمصير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للأمصار، وليس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والمسألة تحتاج إلى بحث وضبط. (1/98)
صفحة 99
ولا يجوز لهم أن يقيموها في غير الجامع؛ فلا تصلَّى في صحراء وإن كانت قريبة من المصر، خلافا للحَنَفَيَّة (1) في تجويزهم إقامتها في فناء المصر -وهو المكان الذي أعدَّ لقضاء حوائج المصر- إذا لم يكن بينه وبين المصر قدر فرسخين، لأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّمَا أقامها في الجامع في مسجده (2) .
ولا دليل لهم في جواز صلاة العيدين في فناء المصر، لأنَّ السنَّة (3) في العيدين الخروج إلى المصلَّى، وَالسُّنَّة في الجُمُعَة إقامتها في المسجد. ولا دليل لهم أيضًا في صلاة أسعد بن زرارة أَوَّل جُمُعَة أقيمت في المدينة في [نقيع الخضمات] (4) من المدينة (5) ، إذ ليس في الرواية نصٌّ على أَنَّهُ صلاها في صحراء، وإن سلَّمنا أَنَّهُ يمكن أن يكون صلاَّها في صحراء هنالك، فيمكن أن يكون صلاها في مسجد أيضًا، وإن سلَّمنا أَنَّهُ لم يصلِّها في مسجد هنالك لقلَّة المساجد ذلك اليوم فصلاتُهُ في الصحراء إِنَّمَا هي لضرورة، وللاضطرار حكم يخالف الاختيار.
__________
(1) - ... انظر؛ ابن عابدي: حاشية ردّ المحتار على الدرِّ المختار، 02/153.
(2) - ... قال ابن حجر العسقلاني: ...مأخذها بالاستقراء، فلم يكن بالمدينة مكان يجمع فيه إِلاَّ مسجد المدينة... . ابن حجر: تلخيص الحبير، 02/57.
(3) - ... إشارة إلى مثل الحديث:
... عن أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلَّى، فأوَّل شيء يبدأ به الصلاة ثُمَّ ينصرف فيقوم مقابل الناس...». صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب الخروج إلى المصلَّى بغير منبر، رقم913.
(4) - ... في (أ) و (ب): بقيع الخضمان.
(5) - ... الحديث تَقَدَّمَ تخريجه في التعليق رقم (78). (1/99)
صفحة 100
وإذا صَلَّى الإمام في المسجد ومعه بعض الجماعة، وصلى باقي الناس في رحاب المسجد وجوانبه لضيق المسجد وعدم سعته فصلاتُهُمْ تَامَّة إذا كانوا في موضع يجوز لهم أن يصلُّوا فيه مع إمام المسجد جماعة، لا إذا حال بينهم وبين الإمام حائط ليس فيه فرجة أو طريق أو نحو ذلك من القواطع، على ما في المسألة من تفصيل محلُّه باب صلاة الجماعة، والله أعلم. هذا آخر كلامنا في أحكام المصر.
[الإمام شرط لوجوب الجُمُعَة ولصحَّتها]:
وأَمَّا الإمام فهو شرط لوجوب الجُمُعَة ولصحَّتها عندنا (1) ، كان الإمام عادلا أو جائرا، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «فمن تركها وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها فلا جمع الله شمله، ولا بارك الله في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حجَّ له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بركة حتَّى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه»، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «أربع إلى الولاة: الفيء والصدقات والحدود والجُمُعات» (2) ، وحكم عمَّالهم إذا أذنوا لهم في صلاة الجُمُعَة حكمهم، للحديث الثاني.
ووجه الاستدلال بالحديث الأول أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - رَتَّبَ الوعيد على من ترك الجمعة وله إمام؛ فمفهومه أنَّ من تركها وليس له إمام عادل أو جائر فلا يدخل تحت ذلك الوعيد.
ووجه الاستدلال بالحديث الثاني هو أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - جعل أمر الأربع إلى الولاة؛ فمفهومه أنَّ غير الولاة ليس لهم من أمر الأربع شيء.
__________
(1) - ... قد تناقلت كتب الإِبَاضِيَّة اشتراط الإمام لوجوب الجُمُعَة؛ أَمَّا اشتراطه لصحَّتها فيبدو أَنَّهُ قول مرجوح في المذهب. انظر المبحث الخامس من الدراسة، وقول سماحة الشيخ الخليلي وفضيلة الشيخ القنوبي في الملاحق.
(2) - ... الحديثان تَقَدَّمَ تخريجهما في المبحث الرابع من الدراسة: وقفة مع أحاديث أصل بها السالمي أهم المسائل. (1/100)
صفحة 101
وذهب بعض أصحابنا إلى وجوب إقامتها في الأمصار الممصَّرة وإن لم يكن إمامٌ ولا والٍ، وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن محبوب - رضي الله عنه - ، فقد روي عنه أَنَّهُ كان يقول: "صلاة الجمعة بِصُحَارٍ على كُلِّ حال تكون ركعتين، كان بها إمام أو والٍ، أو لم يكن فيها أحد من السلطان" (1) . فكأنَّ هؤلاء لم يروا الاستدلال بمفهوم المخالفة شيئا مع قُوَّة حُجِّيَّتِهِ في الحديثين واعتبروا المصر فقط، وحجَّتهم على ذلك أنَّ عليَّ بن أبي طالب صلَّى بالناس الجمعة يوم الدار وعُثْمَانُ محصور، (2) وذلك بعدما خُلِعَ عُثْمَانُ (3) ، ولا شَكَّ أَنَّهُ لا إمام لهم يومئذ، وكان ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار فلم ينكر ذلك عليهم أحد، ولم يُنْقَلْ أنَّ أحدا مِمَّن كان بالمدينة من الصحابة تخلَّف عن الجمعة يومئذ. وأنَّ أهل الكُوفَةِ أخرجوا عاملهم سعيد بن العاص -وهو والي عُثْمَان عليهم- وقدَّموا أبا موسى الأشعري، فصلَّى بهم ركعتين بعد خطبة (4) . وأنَّ أهل البَصْرَةِ قَدَّموا الحسن بن أبي الحسن فصلَّى بهم ركعتين بعد خطبة، وكانت قد خلت (5) من أمير (6) ،
__________
(1) - ... وهو أيضًا قول مُحَمَّد بن المسبِّح. انظر؛ الإزكوي: الجامع، 02/395، 404.
(2) - ... انظر؛ الطبري: تاريخ الأمم والملوك، 05/149. العيني: عمدة القاري، 06/191. ابن حجر: تلخيص الحبير، 02/62.
(3) ... لم أجد من المؤرخين ولا من المحدِّثين من ذكر خلع عثمان. انظر تعليق سماحة الشيخ الخليلي على ذلك في الملاحق.
(4) - ... انظر؛ العصفري: تاريخ خليفة بن خياط، 01/180. الطبري: تاريخ الأمم والملوك، 05/92 وما بعدها. السليمي: الجامع، 01/557. المسعودي: مروج الذهب، 03/347. وفيه ما يَدُلُّ على أنَّ تقديم أبي موسى كان بإذن عثمان.
(5) - في (أ): وقد كانت خلت.
(6) - ... لم أهتد إليه في المصادر التَّارِيخِيَّة. وقد ذكره ابن بركة في الجامع، ج01، ص557.. (1/101)
صفحة 102
ولم نعلم أنَّ أحدا من الصحابة ولا من التابعين أنكر على أهل الكُوفَةِ ولا على أهل البَصْرَةِ صنيعَهُم في الجمعة، على أنَّ الخطاب بفرض الجمعة شامل للمؤمنين كان معهم إمام أو لم يكن.
والجواب عن الاستدلال الأَوَّل: أنَّ إمام الصحابة يومئذ عُثْمَانُ (1) ، وقد قيل: "إنَّ عَلِيًّا إِنَّمَا صَلَّى بالناس عن أمره (2) ، وقد قَدَّمنا لك أنَّ الإمام العادل والجائر سواء في وجوب الجُمُعَة وصحَّتها؛ فخلع عُثْمَان لا يسقط وجوب الجمعة حتَّى يكون معدوما بالكلِّيَّة أو نازلا منزلة واحد من الرعيَّة.
والجواب عن الاستدلال الثاني والثالث: هو أنَّ أهل الكُوفَةِ وأهلَ البَصْرَةِ إِنَّمَا فعلوا ذلك برأي منهم واجتهاد، فليسوا بحجَّة على غيرهم، وعدم الإنكار عليهم إِنَّمَا هو لكونهم لم يفعلوا منكرا مجتمعا عليه.
سلمنا أنَّ المسألة اجتهادية، فالغرض المطلوب إِنَّمَا هو إقامة الدليل على جواز ذلك، ولا يكفي دليلا فعل المجتهد بنفسه ولا فتواه بذلك وإن تعدَّد المفتي في ذلك، بل المجتهد بنفسه محتاج في ذلك إلى إقامة الدليل على صِحَّة فعله وقوله، ويبحث في هذا الجواب بأنَّ في كُلِّ واحدة من الكُوفَةِ والبَصْرِةِ يومئذ [جَمْعًا كثيرا] (3) من الصحابة؛ ففعلهم وقولهم حجَّة على غيرهم في ذلك.
ويجاب عن هذا البحث بأَنَّهُ لا نسلِّم أنَّ فعل الصحابيِّ وقوله حجَّة على غيره في ذلك حتَّى ينزل فعله أو قوله منزلة المجتمع عليه من الأُمَّة، أو يروي لذلك شاهدا من السُّنَّة، فالحجَّة حينئذ إِنَّمَا هي الإجماع وَالسُّنَّة، لا فعل المجتهد ولا قوله.
__________
(1) - ... انظر مثلا؛ الطبري: تاريخ الأمم والملوك، 05/139 وما بعدها.
(2) - ... الطبري: م س، 149.
(3) - في (أ) و(ب): جمع كثير. ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه. (1/102)
صفحة 103
والجواب عن الاستدلال بعموم الخطاب في فرض الجمعة لجميع المؤمنين هو: إنَّ عموم الخطاب مخصَّص بقيود من السُّنَّة؛ منها: وجود الإمام العادل أو الجائر، وَقد قَدَّمنا الدليل على ذلك.
[عدالة الإمام وهل هي شرط؟]:
وذهب بعض أصحابنا (1) -قال ابن بركة: "وهم الأقلُّ" (2) - إلى أنَّ الإمام العادل [شرط] (3) في وجوب الجُمُعَة وصحَّتها، وأَنَّهَا لا تجوز خلف الجبابرة لوجوه:
أحدها: أنَّ الجُمُعَة وجبت في الأصل مع الإمام العادل بِاتِّفَاقِ الأُمَّة فهي أيضًا واجبة (4) مع الإمام العادل للاتِّفاق على ذلك؛ فالإمام العادل شرط في وجوب الجُمُعَة وصحَّتها لهذا الاِتِّفَاق، فنحن لا نوجبها إلاَّ حيث أوجبها الاِتِّفَاق، ونمنع من جوازها في غير ذلك.
وثانيها: أنَّ الإمام الجائر فاسق بلا خلاف، وأنَّ الفاسق لا تَصِحُّ منه الصلاة كما أنَّ الكافر بالله لا تَصِحُّ منه الصّلاة أيضًا، فكيف تَصِحُّ منه الجُمُعَة أو يكون فيها إماما؟
وثالثها: أنَّ الجَبَّار مغتصب للمنبر لأَنَّهُ ليس هو من أهله، والصلاة خلف المغتصب في المكان المغتصب قد عرفتم ما فيها.
ورابعها: أنَّ الخطبة ركن من أركان الصلاة لأَنَّهَا قائمة مقام ركعتين، والجبابرة يعصون الله فيها بثنائهم على الظلمة، وبشتمهم المسلمين، وبتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن.
وخامسها: أنَّ الجماعة الحاضرين لاستماع الخطبة إِنَّمَا هم يستمعون المنكر الذي تخطب به الظلمة، وقد أمروا بالسعي إلى ذكر الله، وخطبة الظلمة ليست من ذكر الله وَإِنَّمَا هي من معاصي الله تعالى، فالواجب اجتناب استماع المعاصي عند القدرة على ذلك.
__________
(1) - ... لم أهتد إلى من هم، وَلَعَلَّ منهم: ابن النضر ومحمَّد بن المسبِّح، بدليل حجَّتهم الرابعة أنَّ الخطبة قائمة مقام ركعتين. انظر باب الخطبة من هذه الرسالة.
(2) - ... السليمي: الجامع، 01/553.
(3) - ... في (أ) و(ب): هو الشرط.
(4) - ... في (أ): فهي واجبة. (1/103)
صفحة 104
وسادسها: قوله - صلى الله عليه وسلم - «من صَلَّى بقوم وهم له كارهون فلا تجاوز صلاته أذنه» (1) .
وَكَأَنَّ هؤلاء لم يقرع أسماعهم قوله - صلى الله عليه وسلم - «من تركها وله إمام عادل أو جائر...» الحديث، وهو حديث مشهور عند الأصحاب (2) وغيرهم وَلاَ بُدَّ من الجواب عن هذه الاستدلالات كُلِّها فأقول:
الجواب عن الاستدلال الأَوَّل: إِنَّ وجوب الجمعة وتوجيه الخطاب بفرضها في زمن العدل لا يوجب سقوطها في زمن الجور؛ سلَّمنا أَنَّهَا إِنَّمَا وجبت في أَوَّل الأمر خلف الإمام العادل، فهل من دليل على أَنَّهَا لا تجب خلف الإمام الجائر؟
على أنا نقول: إِنَّهُ يلزم صاحب هذا القول سقوط الفرائض كُلِّها في زمن الجور لأَنَّهَا إِنَّمَا خوطب بفرضها كُلِّها في زمن العدل، ولا يقول ذلك عاقل.
والجواب عن الاستدلال الثاني: هو أنَّ فسق الجبَّار ليس بناقض لصلاته بدليل أَنَّهُ لا يلزمه إعادة الصلاة إذا تاب، وقياسه في ذلك على الكافر بالله غير مسلم لأنَّ الإسلام شرط في صِحَّة العبادات كُلِّها، وقد حصل للفاسق دون المشرك.
__________
(1) - ... عن طلحة بن عبيد الله أَنَّهُ صَلَّى بقوم فَلَمَّا انصرف قال: إِنِّي نسيت أن أستأمركم قبل أن أتَقَدَّمَ أرضيتم بصلاتي؟ قالوا: نعم، ومن يكره ذلك يا حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: إِنِّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «أيُّما رجل أمَّ قوما وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه». رواه الطبراني في الكبير من رواية سليمان بن أَيُّوب الطلحي، قال فيه أبو زرعة: عَامَّة أحاديثه لم يتابع عليها، وقال صاحب الميزان: صاحب مناكير، وقد وثِّق. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/68.
(2) - ... انظر تعليقنا على ذلك في المبحث الرابع من الدراسة: (ثانيا) مدى اعتماد الإباضية على هذه الأحاديث. (1/104)
صفحة 105
والجواب عن الاستدلال الثالث: هو أنَّ اغتصاب الجبَّار لمنبر الجمعة ليس كاغتصاب الأملاك، لأنَّ المنبر ليس بملك لأحد، سلَّمنا أنَّ الجبار منع المنبر أهله، فغاية ما فيه أَنَّهُ عاص بمنعه، وعصيانه بعض فسوقه، وقد قَدَّمنا الجواب عنه.
والجواب عن الاستدلال الرابع: هو أنَّا لا نسلِّم أنَّ الخطبة بدلٌ في الجمعة من الركعتين حتَّى تكون ركنا من الصلاة فيفسدها ما يفسد الصلاة، لكنَّا نقول: إنَّها شرط لِصِحَّةِ الصلاة، ولا يفسد الشرط جميع ما يفسد الصلاة؛ فعصيان الجبَّار في الخطبة لا يفسد الصلاة ولا الخطبة، كيف نسلِّم أَنَّهَا بدل من الركعتين وهي إِنَّمَا يستقبل بها غير القبلة؟ فلو كانت بدلا من الركعتين لكانت نحو القبلة، إذ لا يَصِحُّ أن يكون بعض الصلاة نحو القبلة وبعضها إلى غير القبلة؛ وفي هذا التعليل بحث وهو أنَّ أمر العبادات أمر توقيفيٌّ من الشارع، وقد وجدنا الشارع يستقبل بالخطبة غير القبلة (1) ،
__________
(1) - ... إشارة إلى مثل الأحاديث:
... ( عن ابن عمر قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد يوم الجُمُعَة سلَّم على من عند منبره من الجلوس، فإذا صعد المنبر توجَّه إلى الناس فسلَّم عليهم». رواه الطبراني في الأوسط وفيه عيسى بن عبد الله الأنصاري وهو ضعيف، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال في كتاب الضعفاء: يروي عن نافع ما لا يتابع عليه، لا يحتجُّ به إذا انفرد. ورواه ابن عديٍّ في الكامل وأعلَّه بعيسى، وقال: عَامَّة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن القطَّان: وإذا كان كذلك فهو إذًا منكر الحديث. انظر؛ الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/184. الزيلعي: نصب الراية، 02/206.
وأخرج الزيلعي:
... ( عن عطاء (مرسلا) قال: «كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه فقال: السلام عليكم» رواه عبد الرزاق في مُصَنَّفه.
... ( وعن الشعبيِّ (مرسلا) قال: «كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر يوم الجُمُعَة استقبل الناس بوجهه فقال: السلام عليكم، وكان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلونه». رواه ابن أبي شيبة في مُصَنَّفه. الزيلعي: نصب الراية، 02/206. (1/105)
صفحة 106
فهذه العبادة مخصوصة بهذه الهيئة من بين سائر الصلوات، ولا جواب عن هذا البحث، لكنَّا نعدل إلى استدلال آخر، فنقول: إنَّ كون الخطبة بدلا من الركعتين في الصلاة أمر لا يعلم إلاَّ من التوقيف الشرعيِّ، فأين الدليل على ذلك؟ والله أعلم.
والجواب عن الاستدلال الخامس: هو أنَّ الجماعة إِنَّمَا حضروا لاستماع الذكر، لا لاستماع المنكر، ولا يلزمهم أن لا يحضروا المسجد لأجل ما فيه من المعصية، وإِنَّمَا يلزمهم أداء الواجب عليهم وإنكار ما قدروا على إنكاره. ومعصية العاصي لا تحطُّ فرضا وجب على الغير، قال ابن بركة: "الدليل على ذلك إجماع العلماء على أَنَّهُ لو كان مسجد بقربه صوت مزمار أو بعض المنكرات لم يجز لأهل المسجد أن يعطِّلوه ويخربوه لأجل ما يسمعون من المنكر وهم فيه ولا يطيقون دفع ذلك، وكذلك لا يجوز ترك الجنازة وتعطيل القيام بها وما يجب على المسلمين من فرض دفن موتاهم والصلاة عليهم إذا كان هناك نوح وأصوات مناكر لا يمكن صرفها". قال: "وقد روي أنَّ الحسن بن أبي الحسن صحب جنازة وخلفها أصوات نوح فقال له رجل من أصحابه: يا أبا سعيد أَمَا تسمع إلى هذا المنكر؟ وهمَّ الرجل بالانصراف فقال له الحسن: يا هذا إن كنت كُلَّمَا سمعت منكرا تركت لأجله معروفا أسرع ذلك في دينك" (1) ، انتهى كلامه.
__________
(1) - ... السليمي: الجامع، 01/556. (1/106)
صفحة 107
والجواب عن الاستدلال السادس: أنَّ الحديث محمول على نفي كمال الصلاة، لا على نفي صحَّتها كما حمل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد» (1) . قال ابن بركة (2) وصَاحِبُ القواعد (3) : "وقد أجمعوا على صِحَّة صلاة من صَلَّى في بيته وإن كان جارا للمسجد، ومعنى نفي الكمال هو أَنَّهُ لا يثاب عليها مثل ما يثاب على الصلاة الكاملة"، والمراد من إطلاق هذا النفي على هذا المعنى المبالغة في زجر فاعل ذلك عن العودة إليه، وتهويل شأنه عن الوقوف عليه، فسقط جميع ما تعلَّقوا به والحمد لله.
__________
(1) - ... قال ابن حجر العسقلاني: حديث «لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد» مشهور بين الناس وهو ضعيف ليس له إسناد ثابت، أخرجه الدارقطني عن جابر وأبي هريرة، وفي الباب عن عليٍّ وهو ضعيف أيضًا. ابن حجر: تلخيص الحبير، 02/32. وقد ذكر ضعفه السيوطي أيضًا في الجامع الصغير، 02/203.
(2) - ... انظر؛ السليمي: الجامع، 01/560.
(3) - ... لم أهتد إليه في قواعد الإسلام ولا في قناطر الخيرات للجيطالي. (1/107)
صفحة 108
وَمِمَّن رأى جواز الجمعة خلف الجبابرة ابنُ عَبَّاس (1) ، وجابر بن زيد، والإمام عبد الوَهَّاب (2) بن عبد الرحمن المغربي (3) فمن دونهم - رضي الله عنهم - . وروي (4) أنَّ جابر بن زيد كان يُصَلِّي الجُمُعَة خلف زِيَادٍ وعبيد الله بن زياد والحَجَّاجِ، وكلُّهم عمَّال بني أميَّة، وقد شهروا جميعا بانتهاك المحارم واقتراف المظالم.
ويحكى أن حبيب بن عمرو (5) - وهو أبو الربيع بن حبيب- كان مع جابر بن زيد يوم الجمعة فقال جابر بن زيد: الرواح إلى الجمعة، فقال حبيب: أَخَلْفَ الحجاج؟، قال جابر: نعم، إنَّها صلاة جامعة وسنَّة مُتَّبعة (6) .
__________
(1) - ... انظر؛ عبد الوهَّاب الرستمي: مسائل نفوسة، ص63. ولم أهتد إليه في غيره، والمصادر تذكر ابن عمر بدلا من ابن عباس في صلاته خلف الحجاج، دون تخصيص الجمعة أو غيرها. انظر؛ البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب الصلاة خلف من لا يحمد فعله، رقم5301 وما بعده، 01/173.
(2) - ... هو عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ثاني أيمة الإباضية بالدولة الرستمية، دامت إمامته من سنة 171هـ إلى وفاته سنة 208هـ، كان رجل علم وحكم وقيادة، له كتاب معروف بمسائل نفوسة الجبل. انظر؛ مجموعة أساتذة: معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة609.
(3) - ... انظر؛ عبد الوهَّاب الرستمي: مسائل نفوسة، ص63.
(4) - ... الإزكوي: الجامع، 02/401.
(5) - ... لم أجد من ترجم له.
(6) - ... الفراهيدي: الآثار، رقم254، ص66. رقم316، ص76./مرقون. الإزكوي: الجامع، 02/406. الكندي: بيان الشرع، 15/71. (1/108)
صفحة 109
وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب - رضي الله عنه - : "فالذي نحن عليه ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء أَنَّهُ لا بأس بالصلاة خلف أَئِمَّة قومنا إذا أقاموا الصلاة لوقتها، وقد كان جابر بن زيد -رحمه الله- يُصَلِّي الجُمُعَة خلف الحَجَّاج. فإن قال قائل إِنَّهُ لا يرى الجمعة خلف أَئِمَّة قومنا ولم يَصِحَّ له إلاَّّ اتِّبَاع أَئِمَّة المسلمين، وأخبر برأي المسلمين، فإن رجع إلى رأي المسلمين فذلك الواجب عليه، وإن ثبت على قوله كان في الصدور منه حرج، ولا تسقط ولايته حتَّى يزعم أنَّ جَابِرًا أو غيره مِمَّن لم ير بالصلاة خلفهم بأسا ليسوا على صواب، وأَنَّهُم كانوا في ذلك على غير الحقِّ، فإذا صار إلى هذه المنزلة استتابه المسلمون من ذلك، فإن تاب وترك ما اختاره من رأيه لم تسقط ولايته، وإن أصرَّ وأدبر كان حَقًّا على المسلمين البراءة منه" (1) ، انتهى كلام أبي عبد الله.
وأقول على أثره: وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يصلُّون الجمعة وغيرها من الصلوات خلف عُثْمَان وعمَّاله بعدما نقموا عليه أفعاله وأنكروا عليه أقواله، ووضعوا إمامته عن رقابهم (2) بسبب نكثه العهد الذي بايعوه عليه (3) . وناهيك أنَّ ابن مسعود وغيره من أفاضل الصحابة كانوا يصلُّون خلف الوليد بن عقبة وَالِي عُثْمَان على الكُوفَة (4) ، وقد شهر بشرب الخمر، حَتَّى إِنَّهُ صَلَّى بهم الفجر ذات يوم أربع ركعات وهو سكران وقال لهم: أزيدكم؟
__________
(1) - ... الإزكوي: الجامع، 02/395-396.
(2) - ... لم أجد من ذكر ذلك من المؤرخين ولا من المحدثين. انظر تعليق سماحة الشيخ الخليلي على ذلك في الملحق الأول.
(3) - ... انظر مثلا؛ المسعودي: مروج الذهب، 02/343 وما بعدها.
(4) - ... انظر؛ م س، ص344. (1/109)
صفحة 110
قال البَدْرُ الشَّمَّاخِي (1) -رحمه الله-: "قال الْمَسْعُودِي (2) : قيل، قال في سجوده: "أشرب واسقني"، وقال عتاب بن غيلان: [لا تزدنا] (3) لا زادك الله مزيد الخير، والله ما أعجب إلاَّ مِمَّن بعثك إلينا أميرا وعلينا واليا، فدخل قصره -لعنه الله- وهو يتمثَّل:
ولست بعيدا عن خمر وقينة ... ولا بصفا صلد عن الخير معزل
وَلَكنَّنِي أروي من الخمر هامتي وأمشي الملا بالشاحب الْمتشلشل (4)
وفي ذلك يقول الحطيئة:
نادى وقد تَمَّت صلاتهم ... أزيدكم ثملا وما يدري
ليزيدهم أخرى ولو قبلوا لأتت صلاتهم على العشر
حبسوا عنانك إذ جريت ولو خلوا عنانك لم تزل تجري " (5)
ففي هذا كُلِّه ما يَدُلُّ على جواز صلاة الجمعة وغيرها خلف الجبابرة، فلو قيل إنَّ جوازها خلف الجبابرة مجتمع عليه ما كان بعيدا، ولذلك يشير أبو عبد الله بقوله: "فالذي نحن عليه ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء أَنَّهُ لا بأس بالصلاة خلف أَئِمَّة قومنا"، وبقوله: "وإن ثبت على قوله كان في الصدور منه حرجٌ"، إلى آخر ما ذكره هنالك، والله أعلم.
__________
(1) - ... هو بدر الدين أبو العباس أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي، من أعلام الإباضية بجبل نفوسة بليبيا في القرن التاسع الهجري، له عدة مؤلفات منها: شرح عقيدة التوحيد، مختصر العدل والإنصاف، كتاب السير. توفي سنة 928هـ. انظر؛ مجموعة أساتذة: معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة رقم80.
(2) - ... المسعودي: مروج الذهب، 02/344.
(3) - ... في (أ) و(ب): لاتزيدنا. ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه.
(4) - ... البيت نسبه ابن منظور لتأبَّط شرا، وقال فيه أنضو بدل أمشي. انظر؛ ابن منظور: لسان العرب، مادة شحب، ومادة شلل.
(5) - ... الشماخي: كتاب السير، 01/32. (1/110)
صفحة 111
وقال أبو المؤثر (1) وأبو الحواري (2) : "صلاة الجُمُعَة خلف الجبابرة جائزة في الأمصار الممصَّرة إذا صلَّوها في وقتها بحدودها، وَأَمَّا إذا صلَّوا الجمعة ركعتين في غير الأمصار الممصَّرة فلا يصلَّى خلفهم، ومن صَلَّى خلفهم أعاد أربعا" (3) .
__________
(1) - ... الكندي: المُصَنَّف، 10/291. وأبو المؤثر هو الصلت بن خميس الخروصي من أعلام الإباضية في عُمَان في القرن الثالث الهجري، أخذ العلم عن محمد بن محبوب والوضاح بن عقبة، وأخذ عنه أبو الحواري محمد بن الحواري، حضر بيعة الإمام الصلت بن مالك، وحضر الفتنة التي اندلعت بعد عزل أو اعتزال الإمام سنة 272هـ، من مؤلفاته: كتاب الأحداث والصفات، وبعض السير، وقصيدة في الولاية والبراءة. انظر؛ مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان، ص93. البطاشي: إتحاف الأعيان، 01/263.
(2) - ... هو أبو الحواري محمد بن الحواري بن عثمان القري، من أعلام الإباضية بِعُمَان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وربما أدرك أول القرن الرابع، نشأ وعاش بمدينة نزوى بداخلية عمان، كان فاقد البصر متقد البصيرة، أخذ العلم عن محمد بن محبوب ومحمد بن جعفر ونبهان بن عثمان، واختص بأبي المؤثر الصلت بن خميس. من مؤلفاته: كتابه الجامع، وزيادات على جامع ابن جعفر، وينسب إليه تفسير الخمسمائة آية في الأحكام، وله فتاوى مبثوثة في كتب الفقه. انظر؛ مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان، ص145. البطاشي: إتحاف الأعيان، 1/275.
(3) - ... أبو الحواري: الجامع، 01/236. (1/111)
صفحة 112
فهؤلاء اشترطوا في صِحَّة الجمعة خلف الجبابرة في المصر الممصَّر، فيحتمل أن يكونوا من الطائفة الذين يرون صلاة الجمعة مقصورة على الأمصار الممصَّرة مع الإمام ومع عدمه، ويحتمل أن يكونوا من الطائفة الذين يَرَوْنَ اشتراط الإمام والمصر معا لِصِحَّةِ الجُمُعَة، فعلى الاحتمال الأَوَّل فيكون معهم وجود الجَبَّار كعدمه، فلا يكون حصوله شرطا لصحَّتها عندهم، وعلى الاحتمال الثاني فوجوده شرط لِصِحَّةِ الجُمُعَة عندهم. ولهم أن يَسْتَدِلُّوا على ذلك بصلاة الصحابة والتابعين خلف الجبابرة، فَإِنَّهُم لم يُنْقَلْ عنهم أَنَّهُم صلوا الجمعة خلف الجبابرة إلاَّ في الأمصار الممصَّرة، والله أعلم.
[سفر الإمام والجمعة]: (1/112)
صفحة 113
واعلم أنَّ جميع ما مَرَّ من بيان صلاة الإمام العادل والجائر الجمعة إِنَّمَا هو في محلِّ إقامة الإمام، أو في المكان الذي حُكْمُه حُكْمُ إقامته، كما إذا كان في محلٍّ دون الفرسخين من وطنه ولم يكن الإمام راجعا فيه من سفره فإنَّ حُكمَه فيه إذا لم يكن راجعا إليه من سفر حُكْمُه في وطنه، فعليه فيه إقامة الجمعة كما كان ذلك عليه في وطنه، أَمَّا إذا سافر الإمام أو كان في موضع حكمه فيه حكم المسافر ففي جواز صلاته الجمعة قولان؛ فقيل: له أن يُصَلِّيها هنالك جمعة، وهو مذهب الأوزاعي وأبي ثور، وعَمِلَ به عمر بن عبد العزيز (1) وإمام المسلمين عزَّان بن قيس - رضي الله عنه - (2) .
__________
(1) - ... النيسابوري: الإشراف، 02/89. الكندي: بيان الشرع، 15/57. ويبدو أن الخليفة عمر بن عبد العزيز له قولان في هذه المسألة، انظر؛ الصنعاني (عبد الرزاق): المصنف، رقم5147، 03/160. ابن أبي شيبة: المصنف في الأحاديث والآثار، كتاب الجمعة، باب من رخص في السفر يوم الجمعة، 02/14.
(2) - ... لم أهتد إلى مصدر قول الإمام عزان. والإمام عزان هو عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن أحمد بن سعيد البوسعيدي، من أعلام الإباضية بِعُمَان في القرن الثالث عشر الهجري، بُويِعَ إماما سنة 1285هـ وحَسُنَتْ سيرته. قتل في حرب الخارجين عليه سنة 1287هـ/1871م. انظر؛ مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان، ص17. (1/113)
صفحة 114
وقيل: ليس له أن يُصَلِّي الجُمُعَة في السفر، وهو مذهب جمهور أصحابنا (1) ، قال ابنُ برَكَة في جَامِعِهِ (2) : "ثَبَتَ «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى بعرفة الظهر والعصر صلاة المسافر وكان يوم جُمُعَة» (3) . فهذا يَدُلُّ على أنَّ الإمام إذا سافر فوافق الجُمُعَة كان حكمه حكم المسافرين، وقول من قال: إنَّ الإمام حكمه في الحضر والسفر في صلاة الجُمُعَة سواء وإِنَّهُ حيث حضرت الجُمُعَة صلاَّها صلاة المقيم باطل، لأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لم يجهر بالقراءة في صلاة الظهر بعرفة كما يفعل الإمام في صلاة الجُمُعَة؛ والرواية بذلك صحيحة، فمن ادَّعَى أَنَّهُ جهر بالقراءة كانت عليه إقامة الدليل".
وقال في موضع آخر مِنْ جَامِعِهِ (4) : "وليس على الإمام جُمُعَة في سفر، ولا يُصَلِّي في السفر إلاَّ صلاة مسافر، وروي أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صَلَّى بأهل مَكَّة ركعتين ثُمَّ قال: أتمُّوا فَإِنَّا قوم سفر، وأنَّ عَلِيًّا صَلَّى بالناس يوم الجمعة ركعتين ثم التفت إليهم فقال: أتمُّوا صلاتكم، وكان يرى أنَّ القصر على الإمام وغيره في السفر، وكان لا يرى الجمعة إلاَّ في مصر جامع." انتهى.
__________
(1) - ... انظر مثلا؛ السليمي: الجامع، 01/558. الكندي: بيان الشرع، 15/57. الشماخي: الإيضاح، 01/599.
(2) - ... السليمي: نفسه.
(3) - ... الأحاديث والآثار المستدل بها في هذه المسألة تقدم تخريجها. انظر الفهارس.
(4) - ... السليمي: الجامع، 01/570. (1/114)
صفحة 115
قلت: وقد قَدَّمت لك فيما مَرَّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام زمن الفتح ثماني عشر ليلة يُصَلِّي بالناس ركعتين ركعتين إلاَّ المغرب، ثُمَّ يقول: «ياأهل مَكَّة قوموا فصلُّوا ركعتين أخريين فَإِنَّا قوم سفر»، وَأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كان يَمُرُّ في سفره على قرى كثيرة، ولم ينقل عنه أَنَّهُ صَلَّى في شيء منها الجُمُعَة، ففي هذا ما يَدُلُّ على أن ليس للإمام أن يُصَلِّي الجُمُعَة في سفره، ولا أعرف لأرباب القول الأَوَّل حجَّة فأذكرها هاهنا، وَلَعَلَّهُم إِنَّمَا اسْتَدَلُّوا على ذلك بما روي أنَّ «أول جُمُعَة صلاَّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة في المسجد الذي في بطن وادي بني سالم (1) ، وَذَلِكَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قدِم المدينة يوم الاثنين فأقام الثلاثاء والأربعاء والخميس في بني عمرو بن عوف، وأسَّس مسجده ثُمَّ خرج من عندهم فأدركته الجُمُعَة في بني سالم فصلاَّها في مسجدهم» (2) . وبما روي عن ابن عَبَّاس رضي الله عنهما من أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتحرَّى في الاتِّكاء في حال (3) خطبته شيئا، ولكن «كان يتوكأ في الحرب على السيف وفي الحضر على العصا» (4) ،
__________
(1) - ... قال ابن حجر: روى البيهقي في المعرفة عن مغازي ابن إسحاق وموسى بن عقبة «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حين ركب من بني عمرو بن عوف في هجرته إلى المدينة مَرَّ على بني سالم وهي قرية بين قباء والمدينة فأدركته الجُمُعَة فصلَّى فيهم الجُمُعَة، وكانت أَوَّل جُمُعَة صلاَّها حين قدم، ووصله ابن سعد من طريق الواقدي بأسانيد له». ابن حجر: تلخيص الحبير، 02/58.
(2) - ابن هشام: السيرة النبوية، 01/490.
(3) - ... في (أ): في خطبته.
(4) - ... لم أجد هذا الحديث بهذا اللفظ عن ابن عَبَّاس، وقد تَقَدَّمَ بلفظ قريب منه في باب صفة صلاة الجمعة.
... عن ابن عَبَّاس «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخطبهم في السفر متِّكئا على قوس». رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو شيبة وهو ضعيف. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/187. (1/115)
صفحة 116
وأراد بالحرب السفر لأَنَّهُ هو المقابل للحضر.
ويجاب عن الاستدلال الأَوَّل بأنَّ ذلك إِنَّمَا كان في أَوَّل الهجرة، وقَضِيَّة الفَتْحِ وصلاتِهِ - صلى الله عليه وسلم - بعرفة ظهرا يومَ الجُمُعَةِ مُتَأَخِّرَةٌ، والعملُ بالمتأخِّر من أفعاله - صلى الله عليه وسلم - ، لأَنَّهُ في حكم الناسخ لِمَا تَقَدَّمَ، مع أَنَّهُ يحتمل أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - علم من رَبِّه أنَّ المدينة هي وطنه ومستقرُّه (1) ؛ فصلاته فيها صلاة موَطِّن وذلك ظاهر.
ويجاب عن الاستدلال الثاني بأنَّ ما ذكره ابنُ عَبَّاس غيرُ نصٍّ على أنَّ ذلك في صلاة الجُمُعَة، وَأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب للجمعة وغيرها، فلا يعارض ما قَدَّمناه من النصِّ على خلاف ذلك، والله أعلم.
__________
(1) - ... لَعَلَّ الإمام السالمي -رحمه الله- لم يطَّلع أو لم يصح عنده حديث الإسراء الذي فيه التصريح بذلك، فعند النسائي مثلا: ...حدَّثنا أنس بن مالك أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «أوتيت بدابَّة فوق الحمار ودون البغل خطوها عند منتهى طرفها فركبت ومعي جبريل - عليه السلام - فَسِرْت فقال: انزل فصلِّ، ففعلتُ فقال: أتدري أين صلَّيت؟ صلَّيت بطيبة وإليها المُهَاجَر ثُمَّ قال: انزل...». سنن النسائي، كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، وذكر اختلاف الناقلين في إسناد أنس بن مالك - رضي الله عنه - واختلاف ألفاظهم فيه، 01/221. (1/116)
صفحة 117
وقد استثنى الإمامُ الكُدَمِي - رضي الله عنه - من هذه القاعدة صورة قال فيها: "إِنَّ الإمام يُصَلِّي الجمعة فيها بِاتِّفَاقٍ وهي: ما إذا دخل الإمام مصرا من الأمصار الممصَّرة فإِنَّهُ يجب عليه أن يُصَلِّي الجُمُعَة ركعتين في ذلك المصر، وإن كان فيه مسافرًا لِمَا حصل له من معنى الإمامة ومعنى المصر، وكونه مسافرا لا يسقط فرض الجُمُعَة عن غيره بعد حصول علَّتهِ" (1) .
وأقول: إنَّ ظاهر الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كان يُصَلِّي الظهر بِمَكَّةَ ركعتين في الجُمُعَة وغيرها ثم يأمرهم بإتمام الركتعين الأخريين، [وهذا] مَا (2) يَدُلُّ على أنَّ الإمام وإن دخل المصر لا يُصَلِّي جُمُعَة إذا كان مسافرا، وأكَّد هذه السُّنَّة فعلُ كُلِّ واحد من العُمَرَيْنِ وعليِّ بن أبي طالب ذلك، وقول كُلِّ واحد لهم أتمُّوا، فلو كانت السُّنَّة منسوخة مثلا ما كان لهؤلاء الخلفاء أن يعملوا بالمنسوخ، فثبت أَنَّهَا غير منسوخة وأنَّ الصورة التي أخرجها الإمامُ الكُدَمِي عن تلك القاعدة ليست خارجة بإجماع، ووجه استثناء الكُدَمِي لها هو أَنَّهُ لم يعلم إلاَّ الاِتِّفَاق عليها من أصحابه فأخرجها على حسب ما علم، ولا بأس فإِنَّهُ لم يدَّع القطع فيها، والله أعلم.
[إذن الإمام]:
وأَمَّا إذن الإمام فهو شرط في صِحَّة الجُمُعَة لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أربع إلى الولاة: الفيء والصدقات والحدود والجمعات» (3) ، فبيَّن عليه الصلاة والسلام أنَّ أمر هذه الأشياء كُلِّها لولاة الأمر، ولا إشكال في أَنَّهُ لا يَصِحُّ إقامة الحدود بغير إذن الإمام، فإقامة الجمعات مثلها لاستوائهما في هذا الحكم، والفرق بينهما عسر جِدًّا.
__________
(1) - ... لم أجد هذا القول بنصه فيما رجعت إليه من المصادر. وفي بيان الشرع معناه، ج15/ص10.
(2) - ... في (أ): الأخريين يدل، وفي (ب) كُتِبَتْ (مَا) شبه ممسوحة.
(3) - ... الحديث تَقَدَّمَ تخريجه في المبحث الرابع من الدراسة. (1/117)
صفحة 118
وَاستَدَلَّ ابنُ بَرَكَة (1) على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - «لقد هممت أن آمر رجلا يُصَلِّي بالناس ثُمَّ أحرق على رجال يتخلَّفون عن صلاة الجُمُعَة بيوتهم» (2) واستدلاله بهذا الحديث إِنَّمَا هو في قوله - صلى الله عليه وسلم - «أن آمر رجلا...» إلى آخره، فأخذ منه ابنُ بَرَكَة أنه لا تَصِحُّ الصلاة إلاَّ بأمر الإمام، إذ لو كانت تَصِحُّ بدون ذلك ما قال «أن آمر» وفي هذا الاستدلال ما لا يخفى، إذ لا يلزم من قوله - صلى الله عليه وسلم - «أن آمر رجلا...إلى آخره» كون الأمر شرطا لِصِحَّةِ الصلاة لاحتمال أن يكون إِنَّمَا قال ذلك لِمَا علم من الصحابة أَنَّهُم لا يصلُّون وراء غيره وهو حاضر إلاَّ بأمره، فيكون أمره بذلك إعلاما لهم أَنَّهُ لا يُصَلِّي معهم فينقطع هنالك انتظارهم له - صلى الله عليه وسلم - فيصلُّون خلف غيره، ولك أن تجعل قوله - صلى الله عليه وسلم - «فمن تركها وله إمام... الحديث» دليلا على اشتراط إذن الإمام، ووجه ذلك هو أَنَّهُ ليس المراد من كون الإمام شرطا لِصِحَّةِ الجُمُعَة نفس وجود شخص الإمام، بل ما كان شرطا لذلك إلاَّ لأَنَّهُ هو وليُّ أمرها وبيده الإذن بإقامتها، وذلك موجود في الأحكام المشروطة صحَّتها بوجود الإمام، فلا يَصِحُّ لأحد من الناس أن ينفِّذ شيئا منها عند وجود الإمام إلاَّ بإذنه، فعلمنا أَنَّهُ ليس نفس وجود شخص الإمام شرطا لِصِحَّةِ تلك الأحكام، وإِنَّمَا شرط وجوده في ذلك ليكون ممتازا بأمره عن غيره فتنقطع الأطماع في طلب التقدُّم في ذلك الأمر وينتفي التنازع، ويرتفع الفشل.
__________
(1) - ... السليمي: الجامع، 01/564.
(2) - ... الحديث تَقَدَّمَ تخريجه. انظر الفهارس. (1/118)
صفحة 119
وفي الإيضَاحِ: "وَجائز للإمام أن يأمر عمَّاله في الأمصار بإقامة صلاة الجُمُعَة لأنَّ خليفته في مقامه، فإن لم يأمرهم فليصلُّوا أربع ركعات، وقد روي أنَّ عَلِيًّا صَلَّى بأهل مَكَّة يوم الجُمُعَة ركعتين فقال: «أتمُّوا صلاتكم». ولا يجوز للعامل أن يأمر غيره بإقامة الجُمُعَة إلاَّ بإذن الإمامِ" (1) . وهذا كلُّه مبنيٌّ على أنَّ إذن الإمام شرط لِصِحَّةِ الجُمُعَة.
وذهب بعض أصحابنا إلى عدم اشتراط ذلك في صِحَّة الجُمُعَة، وفي الأثر ما نصُّه: "وَكان عبدُ الْمَلِكِ بنُ حُمَيْدٍ (2) بِنَزْوَى مريضا فلم يخرج إلى الجمعة، وصلَّى عمرُ بنُ الأَخْنَسِ (3) الجمعة بالناس بِنَزْوَى ركعتين من غير أن [يأمره] (4) الإمامُ عبدُ الْمَلِكِ بن حُمَيْدٍ أن يُصَلِّي بالناس، وكان مُوسى بنُ عَلِي يومئذ حاضرا فلم يَرَ عليهم النقض، وأجاز صلاتهم.
__________
(1) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/606.
(2) - هو عبد الملك بن حميد العلوي، من أعلام الإباضية بِعُمَان في أوائل القرن الثالث الهجري، بويع إماما سنة 207هـ، فسار بالناس سيرة العدل إلى وفاته سنة 226هـ. انظر؛ السيابي: عمان عبر التاريخ، 02/70. مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان، ص116.
(3) - ... ذُكر في المعجم باسم عمرو بن الأخنس، ولم أجد ما يذكر به غير صلاته بالناس المذكورة أعلاه. انظر؛ ناصر والشيباني: معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق)، ترجمة997.
(4) - ... في (أ) و(ب): يأمر. ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه. (1/119)
صفحة 120
قال أبُو عبدِ اللهِ: "فَأنا أرى على عمر بن الأخنس وعلى من صَلَّى معه النقضَ" (1) . فهذا أبُو عَلِي لم ير بأسا بصلاة عُمَرَ ومن خلفه، فَكَأَنَّهُ لم ير أنَّ إذن الإمام شرط في صِحَّة الجُمُعَة، وأبُو عبدِ اللهِ رأى عليهم النقض؛ فمذهبه أنَّ إذن الإمام شرط في صحَّتها. وقد تَقَدَّمَ (2) عن أبِي عبدِ اللهِ أَنَّهُ لا يرى أنَّ نفس وجود الإمام شرط في صِحَّة الجُمُعَة، وقد أجازها بِصُحَارٍ مطلقا عند إمام عادل أو جائر، أو عند والي الإمام العادل أو الجائر، أو لم يكن بِصُحَار أَحَدٌ من قِبَلِ السلطان أصلا، فاشتراطه إذْنَ الإمام لصحَّتها مع ما تَقَدَّمَ عنه مشكل جِدًّا، ويندفع هذا الإشكال بما إذا قلت: إنَّ أَبَا عبدِ اللهِ إِنَّمَا لم يشترط الإمام لِصِحَّةِ الجُمُعَة في الأمصار الممصَّرة دون غيرها من سائر القرى، أَمَّا في سائر القرى والأمصار التي لم تمصَّر فيشترط ذلك، والقضيَّة الواقعة هاهنا إِنَّمَا هي بِنَزْوَى لا بِصُحَار، وليست نَزْوَى من الأمصار الممصَّرة فاندفع الإشكال واتَّضح الحقُّ، والله أعلم.
__________
(1) - ... الكندي: بيان الشرع، 15/21.
(2) - انظر التعليق رقم (116). ... (1/120)
صفحة 121
واشترط الحَنَفِيَّة (1) الإذن العامَّ، وهو أن تفتح أبواب الجامع للوارد فلا يمنع من الجامع يومئذ أحد، ولا تَصِحُّ الجُمُعَة عندهم بدون ذلك، وهو ظاهر لأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - ما كان يمنع أحدا من حضور الجُمُعَة؛ بل كان يحثُّهم على حضورها ويحرِّضهم عليه (2) ، وكذلك الخلفاء من بعده (3) وأنَّه سُبحَانَهُ وتعالى أمر بالسعي إلى ذكر الله، وعند غلق الأبواب يتعذَّر على المأمور بالسعي امتثال ما أمر به، ولا تَصِحُّ صلاة جمعة على خلاف الحالة التي أمر بها الكتاب وجاءت بها السنَّة، والله أعلم (4) .
[الجماعة]:
__________
(1) - ... ابن عابدين: حاشية رد المحتار، 02/151.
(2) - ... إشارة إلى مثل الأحاديث المُتَقَدِّمَة في التعليق رقم (28) وما بعده.
(3) - ... لم أهتد في ذلك إلى أثر بعينه.
(4) - عبارة "والله أعلم" ليست في (أ). (1/121)
صفحة 122
وأَمَّا الجماعة فهم شرط لِصِحَّةِ الجُمُعَة، فلا بُدَّ من حضور من يطلق عليه اسم جماعة لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الجُمُعَة واجبة على كُلِّ محتلم سمع النداء في جماعة» (1) ، واشتراط ذلك -قال صَاِحبُ القَوَاعدِ:- "بِإِجمَاعِ الأُمَّةِ" (2) ، وقد حكى الإجماع على ذلك أيضًا غير صاحب القواعد (3) . فما يروى عن ابنِ عَبَّاسٍ مِنْ أنَّ الجُمُعَةَ تَصِحُّ وإن من واحد بلا إمام في غير المسجد (4) مخالفٌ لِمَا نقل من الإجماع، فمثل هذا لا ينبغي أن يكون صحيحا عن ابنِ عَبَّاس وإن سوَّغ صحَّته القُطبُ في ذَهِبِهِ قائلا: "وَإِنَّمَا شدَّد الشارع - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون في حضور الجُمُعَة وعدم صحَّتها فرادى خوف أن يتساهل الناس في الحضور فلا يقوم للجُمُعَة شعار، فسدُّوا باب ذلك، وكذا «لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد» (5) و«لا للواحد خلف الصف» (6) " (7) .
وقد سبقه إلى ذلك الشَّعْرَانِي نقلا عن شيخه (8) .
__________
(1) - ... الحديث تَقَدَّمَ تخريجه. انظر الفهارس.
(2) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/359.
(3) - ... انظر مثلا؛ النووي: المجموع (شرح المهذب)، 04/508.
(4) - ... لم أهتد إليه في غير ما أشار إليه المُؤَلِّف (الذهب الخالص وكشف الغمة).
(5) - ... الحديث تَقَدَّمَ تخريجه. انظر الفهارس.
(6) - ... رواه أحمد في مسنده عن علي بن شيبان بلفظ قريب، 04/23.
(7) - ... اطفيش: الذهب الخالص، ص179-180.
(8) - ... الشعراني: كشف الغمة عن جميع الأُمَّة، 01/179. (1/122)
صفحة 123
وأقول: إِنَّهُ لا ينبغي لأحد من الأُمَّة أن يفتح بابا سدَّه الشارع، وسدَّه الخلفاء الراشدون من بعده، وأطبقت على سدِّه كلمة العلماء، وانطبق عليه إجماع الأُمَّة (1) ، أفيَفْتَحُهُ ابنُ عَبَّاسٍ وهو بحر العلم وحبر الأُمَّة؟! على أنَّ شعار الجُمُعَة إِنَّمَا هو بالاجتماع، ولا يكون لها بالانفراد شعار، فلو صَحَّت من المنفرد -وإن قام شعارها بغيره- لَلَزِم أن تَصِحَّ منه وإن لم يقم شعارها بغيره، والتفريق بين ما إذا قام الشعار بغيره وبين ما إذا لم يقم محتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، وَالأَدِلَّة الشَّرعِيَّة دَالَّة على وجوب حضور الجُمُعَة مع الجماعة وعلى عدم صحَّتها من المنفرد؛ فتخصيصُ الأَدِلَّة بوجوب حضورها في بعض الأحوال دون بعض محتاجٌ إلى دليل، وليس شأن الجُمُعَة في حضور الجماعة كشأن غيرها من سائر الفرائض حَتَّى يُحمَلَ ما ورد في ترك حضورها من التشديد على التخويف والتهديد، والله أعلم.
[المقدار الذي تَصِحُّ به الجُمُعَة]:
وقد اختلفوا (2)
__________
(1) - ... لم أهتد إلى من حكى هذا الإجماع، وَرُبَّمَا هو بالاستقراء.
(2) - ... ذكر ابن حجر والشوكاني والشعراني أقوال الأَئِمَّة في هذه المسألة بالتفصيل في كُلٍّ من: فتح الباري، 02/423. نيل الأوطار. كشف الغمَّة عن جميع الأُمَّة، 01/179.
... أَمَّا عن رأي أصحابنا الإِبَاضِيَّة فقد عَبَّرَ عنه ابن بركة بقوله: وَالجُمُعَة تنعقد باثنين فما فوقهما لأنَّ الجماعة تنعقد باثنين، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «اثنان فما فوقهما جماعة»، وقوله - عليه السلام - لَمَّا رأى رجلين يُصَلِّيان جماعة فقال «هذان جماعة» ففي هذا الخبر دليل على أنَّ جماعة في جُمُعَة وغيرها تنعقد باثنين، وفيه دليل آخر يَدُلُّ على أنَّ الاثنين جمع، وقد قال أكثر أصحابنا: إنَّ صلاة الجُمُعَة لا تنعقد باثنين حتَّى يكونوا أكثر من ذلك، وأقلُّ ما قالوا مع اختلافهم ثلاثة: إمام ومأمومٌ. السليمي: الجامع، 01/558-559. (1/123)
صفحة 124
في المقدار الذي تَصِحُّ به الجُمُعَة، فقال بعضهم: تنعقد باثنين فصاعدا لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الاثنان فما فوقهما جماعة» (1) ، وروي أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلين يُصَلِّيان فقال «هذان جماعة» (2) .
__________
(1) - ... عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله «اثنان فما فوقهما جماعة». في الزوائد: الربيع وولده بدر ضعيفان.
... سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصّلاة وَالسُّنَّة فيها، باب الاثنان جماعة، رقم972، 01/312.
وأخرجه البغويُّ في معجم الصحابة عن الحكم بن عمير الثمالي. ورواه الحاكم والبيهقي والعقيلي والبيهقي عن أنس، والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه. ورواه ابن عديٍّ من حديث الحكم بن عمير وكلُّها ضعيفة. انظر: الزيلعي: نصب الراية، 02/198. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/133.
(2) - ... ( عن أبي أمامة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يُصَلِّي وحده فقال «ألا رجل يتصدَّق على هذا فيُصَلِّي معه؟» فقام رجل فصَلَّى معه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «هذان جماعة». المسند للإمام أحمد، 04/254، 269.
... قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني وله طرق كلُّها ضعيفة. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/45.
... ( وروى أبو داود شطرا منه، وسكت عنه: عن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبصر رجلا يُصَلِّي وحده فقال «ألا رجل يتصدَّق على هذا فيُصَلِّي معه». سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، باب في الجمع في المسجد مرَّتين، رقم574، 01/57. (1/124)
صفحة 125
وقال بعضٌ: أقلُّ ذلك ثلاثة؛ الإمام واثنان غيره، لقوله تعالى { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ } ، فالأمر بالسعي هاهنا إِنَّمَا هو أمر لجماعة، وأقلُّ الجماعة اثنان -على قول-، وَلاَ بُدَّ أن يحضروا إلى من يسمعهم ذكر الله، وهو الخطيب فتلكم ثلاثة. وقال بعض (1) : أقلُّ ما تَصِحُّ به الجُمُعَة أربعة؛ مؤذِّنٌ وإِمامٌ ورَجُلان، والحجة لهم على ذلك رواية ابنِ مسْعُودٍ عنه - صلى الله عليه وسلم - «الجمعة واجبة على كُلِّ قرية وإن لم يكن فيها إلاَّ أربعة» (2) ، فإن صَحَّت هذه الرواية فتحتاج إلى جمع بينها وبين ما قَدَّمناه من الأَدِلَّة على اشتراط المصر في وجوب الجُمُعَة. على أَنَّهُ لا إشكال أنَّ ما قَدَّمناه آنفًا أقوى احتجاجا وأوضح دلالة وأقوم سبيلا من هذه الرواية، فيقال في الجمع بينهما: إنَّ المراد بالقرية في هذه الرواية المصر على سبيل المجاز الإرسالي أو الاستعاري، والقرينة على ذلك هو ما مَرَّ من الأَدِلَّة فلا إشكال.
__________
(1) - ... حكى ذلك ابن بركة بصيغة التقرير، وبذلك يشكل تحديد قوله في هذه المسألة مع ما تَقَدَّمَ عنه في التعليق رقم (186).
(2) - ... عن أمِّ عبد الله الدوسية مرفوعا: «الجُمُعَة واجبة على كُلِّ قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلاَّ أربعة»، وفي رواية: «وإن لم يكونوا إلاَّ ثلاثة رابعهم الإمام». أخرجه الطبراني وابن عدي وضعَّفاه. قال في التلخيص: وَهو منقطع.
... انظر: الشوكاني: نيل الأوطار، 03/231. (1/125)
صفحة 126
واعلم أَنَّهُ لا تعلُّق للشَّافِعِي (1) بهذه الرواية في وجوب الجُمُعَة على أهل القرية إذا بلغوا أربعين رجلا، لأنَّ ما في هذه الرواية مسقط لتحديده بالأربعين فهو إِمَّا أن يثبتها كلَّها فيسقط في يده التحديد بالأربعين، وإما أن يطعن فيها كُلِّها فيسقط في يده الاستدلال بها على وجوبها على أهل القرية، والقول بنسخ بعضها دون بعض لا سبيل إليه لاحتياجه إلى الدليل، ولا دليل، وكذا لا سبيل إلى الطعن في بعضها دون بعض لأَنَّهَا إِنَّمَا جاءت كذلك من طريق واحد، والله أعلم.
وذهب عِكْرِمَة إلى صحَّتها بسبعة، وذهب رَبِيعَة إلى أَنَّهَا تَصِحُّ بتسعة، وفي رواية عنه باثني عشر، وذهب إِسْحَاق إلى صحَّتها بثلاثة عشر أحدهم الإمام، وذهب مَالِك إلى صحَّتها بعشرين، وفي رواية بثلاثين، ولا أعرف لهؤلاء كلِّهم حججا. وذهب الشَّافِعِي إلى صحَّتها بأربعين أحدهم الإمام، وفي قول له أربعين غير الإمام، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وطائفةٌ من قومنا، وبعضُ أصحابنا (2) ، وحجَّتهم على ذلك حديث كَعْبِ بنِ مَالِك «أوَّل من جمع بنا أَسْعَدُ بنُ زُرَارَة في [نقيع الخضمات] (3) ، قيل لِكَعْبٍ: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا، فجمع بنا قبل مقدم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من مَكَّة» (4) .
قال الشعراني: "قال شيخُنَا: والظاهر أنَّ العدد المذكور ليس بشرط، ولو كان أسْعَدُ وجدَ دون الأربعين لجمع بهم وأقام شعار الجُمُعَة، بدليل الحديثين قبله، فهي واقعة حالٍ" (5) .
__________
(1) - ... تقدم قوله في باب الأدلة على اشتراط المصر الجامع.
(2) - ... منهم: أبو إسحاق الحضرمي، وابن النضر، وخميس بن سعيد الشقصي. انظر؛ الشقصي: منهج الطالبين، 04/513.
(3) - ... في (أ) و(ب): بقيع الخضمان. ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه.
(4) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. انظر الفهارس.
(5) - ... الشعراني: كشف الغمة، 01/179. (1/126)
صفحة 127
وذهب أَحْمَدُ إلى صحَّتها بخمسين لرواية أَبِي أُمَامَة أَنَّهُ سمعه عليه الصلاة والسلام يقول «الجُمُعَة واجبة على الخمسين رجلا، وليس على مادون الخمسين جُمُعَة» (1) . وذهب طَاوُس إلى صحَّتها بثمانين، وذهب بعض علماء أهل الحديث إلى صحَّتها بجمع كثير من غير حصر.
ولا أعرف لِطَاوُس في التحديد بالثمانين حُجَّة، وَأَمَّا حجَّة بعض أهل الحديث فهي أنَّ الجُمُعَة لم تصلَّ منذ عهده - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم إلاَّ بجمع كثير (2) ، وإن تفاوت الجمع في الكثرة فالتفاوت لا عبرة به، فإِنَّهُ قد يكون الحاضرون في بعض الأحيان أكثر منهم في بعضها.
وعلى كُلِّ قول من هذه الأقوال فلا تَصِحُّ الصلاة عند قائله بما دون ذلك القدر، والصحيح أَنَّهَا إِنَّمَا تنعقدُ بما يطلق عليه اسمُ جمعٍ حقيقةً، وهم من الثلاثة فصاعدا، أو حُكْمًا وهم من الاثنين فصاعدا، أَمَّا التحديد بِمَا (3) فوق ذلك فلا سبيل إليه، إذ لا دليل عليه، أَمَّا روايةُ ابنِ مَسْعُودٍ في التحديد بالأربعة فهي على تقدير صحَّتها إِنَّمَا هي دليل على أقلِّ من تجب عليه الجمعة، لا على أقلِّ من تَصِحُّ منه، وبين الوجوب وَالصِّحَّة فرق بيِّن، وكذا القول في روايةِ أَبِي أُمَامَة في التحديد بالخمسين، وأَمَّا روايةُ كَعْبٍ فقد عرفت ما فيها من احتمال فلا دليل فيها على التحديد بالأربعين، والله أعلم.
[إذا لم يحضر الجمعة إِلاَّ من لا تجب عليه]:
__________
(1) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. انظر الفهارس.
(2) - ... انظر التعليق رقم (186).
(3) - ... لفظة "بِما" ليست في (أ). (1/127)
صفحة 128
وإذا لم يحضر الجمعة أحدٌ مِمَّن تجب عليه وحضرها المسافرون والعبيد والصبيان والنساء، أو أحد من هؤلاء -قال ابنُ بَرَكَة:- "لَمْ تكن جُمُعَة، لأنَّ الجمعة لا تنعقد إلاَّ بالمخاطبين بها، لأنَّ الْمُتَعَبَّد به شرط في تجويز صلاة الجمعة كالإمام، فحكمهم حكم الإمام، فمن لا يَصِحُّ أن يكون إماما فيها لم يَجُزْ أن يكون شرطا في تجويزهَا" (1) ، انتهى.
وقد قَدَّمت لك ذكر الخلاف في جواز إمامة هؤلاء كُلِّهم إلاَّ النساء في صلاة الجمعة، فينبغي أن يجري هاهنا الخلاف المذكور هنالك، فيقال على قياده إِنَّهَا (2) تنعقد الجُمُعَة على قول بِهؤلاء كُلِّهم إلاَّ النساء فلا تنعقد بِهِنَّ وحدهنَّ لعدم صِحَّة إمامتهنَّ فيها، ولو قيل بانعقادها بِهِنَّ أيضًا إذا كان الإمام من أهل الجمعة للاتِّفاق على جواز صلاتهنَّ الجمعة واجتزائهنَّ بها عن الظهر ما كان بعيدا، وحينئذ فيطالَبُ ابنُ بَرَكَة الدليلَ على اشتراطه أن يكون من تجوز به الجمعة مِمَّن تَصِحُّ منه الإمامةُ فيها، ولا دليل له على ذلك، والله أعلم.
[انفضاض الجماعة عن الإمام]:
وإذا انفضَّت الجماعة عن الإمام حتَّى لم يبق منهم أحد؛ فإذا انفضوا قبل الإحرام فحكمهم كما لو لم يحضروا الجُمُعَة أصلا، وعلى الإمام أن يصليها ظهرا، وإن انفضُّوا بعد الإحرام -قال ابنُ بَرَكَة:- "أَتَمَّها جُمُعَة؛ -قال:- قال أصحابُنَا: إذا تفرَّقوا عنه صَلَّى ظهرا، والنظر يوجب عندي ما قلناه، لأَنَّهُم اشتركوا فيما يحسب من أركانها وعليه بناؤها كُلّها، ألا ترى أنَّ الإمام إذا أحدث بعد ما افتتح ثُمَّ استخلف من لم يشهد الخطبة وفاتَهُ منها شيء يبني على ما بقي منها للزومه ذلكَ" (3) . وقال في موضع آخر: "والموجب عليه غير ذلك محتاج إلى دليلٍ" (4) .
__________
(1) - ... السليمي: الجامع، 01/563.
(2) - ... لفظة "إِنَّهَا" ليست في (أ).
(3) - ... السليمي: الجامع، 01/564.
(4) - ... السليمي: الجامع، 01/562. (1/128)
صفحة 129
والقول بأنَّ الإمام يتِمُّها جُمُعَة قد تَقَدَّمَه إلى ذكره أبُو جَابِر في جَامِعِهِ (1) فحكاه هنالك فوضَّحه هذا الشيخ بما ترى؛ فالقولُ إِنَّمَا هو للأقدمين، والأصحابُ لم يَتَّفِقُوا على خلافه، وإن قال الإمام الكُدَمٍي -رضوان الله عليه-: "وَمعي أَنَّهُ ما لم يكن معه من تقوم به الجمعة حتَّى يُتِمَّها لم يَبِنْ لي أن يتِمَّ صلاة الجُمُعَة إذا ذهب من لا تقوم الصّلاة إلاَّ بهِ" (2) ، فقوله بذلك إِنَّمَا هو إخبار عَمَّا يَبِينُ له، والله أعلم.
وإذا عرفت هذا التحقيق فاعلم أَنَّهُ إن انفضَّ الناس عن الإمام ولم يبق معه إلاَّ النساء أو العبيد أو الصبيان أو المسافرون فَمِنَ الأَوْلَى أن يُتِمَّها بهم جُمُعَة، وحكى أبُو جَابِر في ذلك قولا: "بِأَنَّهُ يُصَلِّي الإمام أربعا وإن بقي معه أحدٌ من هؤلاء، لأنَّ هؤلاء لا جُمُعَة عليهمْ" (3) ، وقال بعد حكايته لذلك القول: "وَأحبُّ النظر في ذلكَ"، وإِنَّمَا أَحَبَّ النظر فيه لِمَا قَدَّمت لك، والله أعلم.
[الوقت]:
وأَمَّا الوقت وهو ما بعد الزوال فهو شرط لِصِحَّةِ الجمعة عندنا (4) وعند جمهور مخالفينا (5) لقوله تعالى { أَقِمِ الصَّلاةََ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } (6) ودلوكُها زوالها، ولِحديث أَنَسٍ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - «كان يُصَلِّي الجمعة حين تميل الشمس» (7) ،
__________
(1) - ... الإزكوي: الجامع، 02/394.
(2) - ... الكندي: بيان الشرع، 15/75.
(3) - ... الإزكوي: الجامع، 02/394.
(4) - ... انظر مثلا؛ السليمي: الجامع، 01/569. الشماخي: الإيضاح، 01/609.
(5) - ... انظر مثلا؛ النووي: المجموع (شرح المهذب)، 04/511. العيني: عمدة القاري، 06/199.
(6) - ... الإسراء: الآية 78، وتمامها { ... إِلَى غَسَق اللَّيْلِ وَقُرْءَانَ الفَجْرِ إنَّ قُرْءَانَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } .
(7) - ... رواه البخاري وأبو داود وغيرهما؛ صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب وقت الجُمُعَة إذا زالت الشمس، رقم862.
... سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبوب الجُمُعَة، باب في وقت الجُمُعَة، 01/249. (1/129)
صفحة 130
ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا مالت الشمس فصلِّ بالناس الجُمُعَة» (1) ، ولأنَّ الجمعة إِنَّمَا هي بدل من صلاة الظهر، ووقت صلاة الظهر بعد الزوال بإجماع الأُمَّة، فكذا وقت ما هو بدل منها.
وَاستَدَلَّ صَاحِبُ الإِتْحَافِ (2) بما أخرجه البُخَارِي أَنَّهُ «كان - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي الجمعة حين تميل الشمس»، قال: "وَوَاظب عليه الخلفاء الراشدون فصار إجماعا منهم على أنَّ وقتها وقت الظهر، فلا تَصِحُّ قبله وتبطل بخروجه لفوات الشرط، والله أعلمُ".
وقال أحمدُ بنُ حَنْبَل (3) بجواز الجمعة قبل الزوال، وَاستَدَلَّ بما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ «كان يُصَلِّي الجُمُعَة في أكثر أوقاته بعد الزوال وفي بعضها قبله» (4) ، وعن أَنَسٍ «كثيرٌ ما نصلِّي الجمعة مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ نرجع إلى القائلة فنقيل» (5) ،
__________
(1) - ... لم أهتد إليه. وقد قال الزيلعيُّ بعد إيراده لهذا الحديث: "قُلت: غريبٌ". انظر؛ الزيلعي: نصب الراية، 02/195.
(2) - ... الحسيني: إتحاف السادة المُتَّقِينَ بشرح إحياء علوم الدين، 03/218.
(3) - ... انظر؛ ابن قدامة: المغني، 02/143.
(4) - ... لم أهتد إليه، وَرُبَّمَا هو إشارة إلى مثل حديث عبد الله بن سيدان الآتي بعد ثلاثة تعاليق.
(5) - ... (...سمعت أنسا يقول: «كُنَّا نبكر إلى الجُمُعَة ثُمَّ نقيل». رواه البخاري وابن ماجة وفيه: في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله رجال الثقات.
... ( عن سهل قال: «كُنَّا نصلِّي مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الجُمُعَة ثُمَّ تكون القائلة». صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب القائلة بعد الجُمُعَة، رقم898، 899. سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة وَالسُّنَّة فيها، باب ما جاء في وقت الجُمُعَة، 1102، 01/350. (1/130)
صفحة 131
وعن سَهْلِ بنِ سَعِيدٍ «ما كُنَّا نقيل ولا نتغدَّى إلاَّ بعد صلاة الجُمُعَة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » (1) ، ونحو ذلك من الأحاديث.
وأجيب بأَنَّهَا منسوخة بقوله تعالى { أَقِمِ الصَّلاةََ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } . واعترض بأنَّ الآية نزلت قبل ذلك (2) ، وبأنَّ الصِّدِّيقَ يُصَلِّيها قبل الزوال، وكذا عُثْمَان وابنُ مَسْعود وجَابِر وسَعِيد ومُعَاوِيَة (3) . قال القطب: "وَلَعَلَّ ذلك لم يَصِحَّ" (4) .
__________
(1) - ... (... عن سهل بهذا وقال: ما كُنَّا نقيل ولا نتغدَّى إلاَّ بعد الجُمُعَة. رواه البخاري ومسلم وفيه: «زاد ابن حُجْرٍ: في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ». صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب قول الله تعالى { فإذا قضيت الصّلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } رقم897. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، (باب) صلاة الجُمُعَة حين زوال الشمس، 06/148.
(2) - ... لم أهتد إلى المصدر الذي ذكر هذا الاعتراض.
(3) - ... ( عن عبد الله بن سيدان السلمي - رضي الله عنه - قال: «شهدت الجُمُعَة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثُمَّ شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، ثُمَّ شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره». رواه الدار قطني وأحمد في رواية ابنه عبد الله وَاحتَجَّ به. وروي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنَّهم صلَّوها قبل الزوال. انظر؛ الشوكاني: نيل الأوطار، 03/259-260.
... قال ابن حجر العسقلاني: رجاله [أي هذا الحديث] ثقات إلاَّ عبد الله بن سيدان وهو بكسر المهملة بعدها تحتانيَّة ساكنة؛ فإِنَّهُ تابعي كبير إلاَّ أَنَّهُ غير معروف العدالة. قال ابن عديٍّ: شبه المجهول. وقال البخاري: لا يتابع على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه... . ابن حجر: فتح الباري، 02/387.
(4) - ... اطفيَّش: الذهب الخالص، ص180. (1/131)
صفحة 132
أقول: وما تَقَدَّمَ ذكره عن صَاحِبِ الإِتْحَافِ يخالف ما ذكر هاهنا، وكذا ما قَدَّمناه من الأحاديث، فلو لم تترجَّح الأحاديث التي ذكرناها بشيء من الوجوه على هذه الأحاديث التي اسْتَدَلَّ بها أَحْمَدُ لوجب تساقُطُهَا معا، ووجب المصير إلى دليل خارجيٍّ، ولا دليل سوى الكتاب، والكتاب قاضٍ بإقامتها بعد الدلوك، وكذلك القياس يقتضي ذلك فإنَّها بَدَلٌ مِنَ الظهر، ووقتها وقتها؛ هذا مع تقدير تساقط الأحاديث ونحن لا نسلِّم تساقطها، لكنَّا نطعن فيما اسْتَدَلَّ به أَحْمَدُ، أو نقول -على تقدير صِحَّة بعضه-: هو منسوخ بما روينا، والله أعلم.
وإذا عرفت أنَّ الوقت شرط في صِحَّة الجُمُعَة فاعلم أَنَّهُ لا يجوز تقديمها على الوقت ولا تأخيرها عنه، فإنَّها إذا قُدِّمت عليه اختلَّ شرط صحَّتها فتفسد لذلك، وكذلك إذا أُخِّرت عنه. وحكم ما إذا قدِّم عليه بعضُها كحكم ما إذا قدِّم عليه كلُّها، وكذلك في تأخير بعضها عنه فإِنَّهُ يكون في حكم تأخيرها كُلِّها عنه، فلا جُمعةَ لمن خرج عليه الوقت وقد بقي عليه ركن من أركان الصّلاة (1) لا تَتِمُّ الجمعة بما دونه. والخلاف الموجود في الحالة التي تَتِمُّ بها الصّلاة يخرج كلّه هاهنا؛ فإذا خرج وقتها وقد أَدَّى جميع أركانها إلاَّ التسليم ففي جمعته قولان:
قيل بصحَّتها بناء على أنَّ الصلاة تَتِمُّ دون التسليم، وقيل بفسادها بناء على أَنَّهَا لا تَتِمُّ بما دونه (2) ،
__________
(1) - ... في (ب): ركن من الصلاة.
(2) - ... قال النووي : ...فوجهان (الصحيح) وبه قطع المُصَنِّف والماوردي والمحاملي والبندنيجي وكتب ابن الصباغ والجمهور يتِمُّونها جُمُعَة كما ذكره المُصَنِّف (والثاني): يتِمُّونها ظهرا. حكاه البغوي وصاحب العدة وآخرون للشكِّ في شروطها... . النووي: المجموع (شرح المهذب)، 04/509.
... ملاحظة: لم أهتد إلى هذه المسألة في كتب أصحابنا الإِبَاضِيَّة. وتصحيح السالمي للقول بالفساد فيه نظر، لأن في الحديث: من أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة، والله أعلم. (1/132)
صفحة 133
وهذا القول هو الصحيح لحديث «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (1) . أَمَّا حديث «فإذا قعدتَ وقلتَ فقد تَمَّت صلاتُكَ» (2) فلا يعارض هذا الحديث لإجمال القول فيه، فيحتمل أَنَّهُ أراد: وقلت جميع ما وجب عليك من التشهُّد والتسليم، ويحتمل غير ذلك. وحديث «تحليلها التسليم» مفسِّر لهذا الإجمال، فيجب حمله عليه.
وكذا الخلاف الموجود في تمام الصلاة بالاجتزاء ببعض التشهُّد دون بعض هو خارج هاهنا أيضًا.
__________
(1) - ... ( عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «مفتاح الصّلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها». سنن الترمذي، أبواب الصّلاة، باب ما جاء في تحريم الصّلاة وتحليلها، رقم238، 01/151. سنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب مفتاح الصّلاة الطهور، رقم275، 276، 01/101.
(2) - عن القاسم بن مخيرمة قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة، فذكر مثل دعاء حديث الأعمش «فإذا قلتَ هذا أو قضيتَ هذا فقد قضيتَ صلاتَكَ إن شئتَ أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد». سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب التشهد، رقم970.
وقد تكلم العلماء في هذا اللفظ هل هو موقوف على ابن مسعود أم مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . انظر؛ الزيلعي: نصب الراية، 01/424. (1/133)
صفحة 134
واعلم أنَّ من (1) خواصِّ الجُمُعَة أَنَّهَا لا تَصِحُّ أن تقضى جُمُعَة أصلا، وإِنَّمَا يقضيها من فسدت عليه صلاة نفسه، وما تَقَدَّمَ من ذكر الخلاف في قضائها أربعا أو ركعتين لا ينافي ما ذكرته هاهنا، لأنَّ من قال بقضائها ركعتين فهي عنده ليست بِجُمُعَة أيضًا لعدم صِحَّة اجتماع شرائط الجمعة فيها، فلا يَصِحُّ عند الجميع (2) أن تقضى بعد الوقت بجماعة وخطبة كما هي كذلك في الوقت، فظهر أنَّ القضاء وإن كان ركعتين ليس هو بِجُمُعَة، وقد تَقَدَّمَ بيان وجه القول به، والله أعلم.
[النداء]:
وأَمَّا النداء وهو الأذان للجمعة فهو شرط لِصِحَّةِ الجمعة أيضًا، فلا تَتِمُّ الجمعة بدونه، وَمِمَّن صرح بذلك أبو إسحاق (3) في خِصَالِهِ (4) ، وذكره ابنُ بَرَكَة في جَامِعِهِ (5) من فرائض الجُمُعَة، والمعنى واحد لأنَّ فرض الجمعة هو الذي لا تَتِمُّ الجمعة بدونه.
والدليل على أنَّ النداء شرط لِصِحَّةِ الجمعة قوله تعالى { يَاأيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الجُمُعَةِ... } الآيَة، فالأمر بالسعي إلى ذكر الله متوقِّف على وجود النداء، وما توقَّف عليه الواجب فهو واجب؛ فالنداء للجمعة واجب لهذا المعنى، وعلى ذلك جرى فعله - صلى الله عليه وسلم - حتَّى قُبض، وعليه جرى عمل الأَئِمَّة الراشدين (6) ،
__________
(1) - ... في (أ): أن خواص.
(2) - ... لم أهتد إلى من صرَّح بذلك.
(3) - هو أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الهمداني الحضرمي، من أعلام الإباضية بحضرموت باليمن في القرن الخامس الهجري، إمامٌ شارٍ، وفقيه عالم، وشاعر بليغ، له كتاب مختصر الخصال، وديوان شعر. انظر؛ الزركلي: الأعلام، 01/58. اليحمدي: ديوان الحضرمي، ص04 وما بعدها.
(4) - ... الحضرمي: مختصر الخصال، ص75.
(5) - ... السليمي: الجامع، 01/571.
(6) - ... اشارة إلى مثل الحديثين:
... ( عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجُمُعَة أَوَّله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فَلَمَّا كان عثمان - رضي الله عنه - وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء.
... ( عن السائب بن يزيد أنَّ الذي زاد التأذين الثالث يوم الجُمُعَة عثمان بن عفَّان - رضي الله عنه - حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مؤذِّن غير واحد، وكان التأذين يوم الجُمُعَة حين يجلس الإمام، يعني عَلَى المنبر.
... صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب الأذان يوم الجُمُعَة، رقم870. باب المؤذِّن الواحد يوم الجُمُعَة، رقم871.
... سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب النداء يوم الجُمُعَة، 01/249. (1/134)
صفحة 135
وأطبقت عليه كلمة الموافقين والمخالفين (1) ، فهو ثابت بالكتاب وَالسُّنَّة والإجماع بلا خلاف ولا نزاع.
ولا يشترط أن يكون بعد دخول الوقت بل يَصِحُّ أن يكون قبله، حتَّى صرَّح الإمام أبو إسحاق - رضي الله عنه - أنَّ تقديمه على الوقت من سنن الجمعة عند بعض أصحابنا (2) . وهو من خصوصِيَّات الجمعة؛ إذ لا يجوز تقديم الأذان على الوقت إلاَّ في هذا الموضع. ويشارك الجمعة في هذه الخصوصية صلاة الفجر فإِنَّهُ يجوز تقديم أذانها على وقتها كالجمعة، صرَّح به الإمام أبو إسحاق أيضًا (3) .
ولم أجد في السُّنَّة ما يَدُلُّ على تقديم أذان الجمعة عن وقتها، والذي وجدته في أذان الجمعة هو ما روى ابنُ عُمَرَ أَنَّهُ «كان - صلى الله عليه وسلم - إذا رقى المنبر سلَّم ثُمَّ جلس خفيفا مستقبل الناس واستقبلوه كذلك ثُمَّ يؤذِّن المؤذِّن» (4) . روى الشَّعْرَانِي (5) : "أَنَّهُ «لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكان التجميع غير مؤذِّن واحد، يؤذِّن إذا جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ويقيم إذا نزل، وكان الأذان على باب المسجد»".
__________
(1) - ... انظر؛ الشوكاني: نيل الأوطار، 03/261.
(2) - ... الحضرمي: مختصر الخصال، ص76.
(3) - ... م س، ص52.
(4) - ... قال الشوكاني: وفي الباب عن ابن عمر عند ابن عديٍّ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - « كان إذا دنا من المنبر سلَّم من عند المنبر ثُمَّ صعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلَّم ثُمَّ قعد». وأخرجه أيضًا الطبراني والبيهقي، وفي إسناده عيسى بن عبد الأنصاري وقد ضعَّفه ابن عديٍّ وابن حبَّان. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/261. والحديث رواه البخاري وابن ماجه بمعناه.
(5) - ... الشعراني: كشف الغُمَّة، 01/185. (1/135)
صفحة 136
ففي هذا كُلِّه ما يَدُلُّ على أنَّ الأذان بعد دخول الوقت، ويمكن أن يكون قبل دخوله بمقدار ما يستكمل المؤذن أذانه ثُمَّ يدخل الوقت، لكن هذا الإمكان بعيد جِدًّا، وتمييز ذلك المقدار من الوقت عسر جِدًّا، ولم ينقل عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كان يراعي لهم ذلك القدر من الوقت. وكذلك لم ينقل عن الصحابة من بعده - صلى الله عليه وسلم - . (1/136)
صفحة 137
وظاهر كلام ابْنِ بَرَكَة أَنَّهُ لم ترِد سُنَّة في تقديم أذان الجمعة على وقتها، حيث قاس جواز تقديم أذانها على وقتها بتقديم أذان الفجر على وقته فقال (1) : "وَالعِلَّة التي أوجبت إجازة الأذان للفجر قبل وقته بقوله - عليه السلام - «إنَّ بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» (2) . ثُمَّ قال في خبر آخر: «إنَّ بلالا يوقظ نائمكم وَيَرُدُّ غائبكم» (3) . فكانت هذه العِلَّة موجودة في صلاة الجُمُعَة لأنَّ أكثر [عادة] (4) الناس في أَيَّام النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ صلاة الصبح تفوتهم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال - عليه السلام - «من سمع نداءنا فليجب» (5) ". انتهى.
__________
(1) - ... السليمي: الجامع، 01/440-441.
(2) - ... رواه البخاري ومسلم عن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهم - ؛ صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان قبل الفجر، رقم597. صحيح مسلم، كتاب الصيام، (باب) صفة الفجر الذي تَتَعَلَّقُ به أحكام الصوم، 07/203.
(3) - ... عن عبد الله بن مسعود عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يمنعنَّ أحدكم أو أحدا منكم أذان بلال من سحوره فإِنَّهُ يؤذِّن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم ولينبِّه نائمكم وليس أن يقول...». صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان قبل الفجر، رقم596. صحيح مسلم، كتاب الصيام، (باب) صفة الفجر الذي تَتَعَلَّقُ به الأحكام، 02/204.
(4) - زيادة من جامع ابن بركة، وليست في (أ) ولا في (ب). ولم يوردها المؤلف في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه.
(5) - ... لم أهتد إلى هذا الحديث. (1/137)
صفحة 138
وقد قَدَّمت لك في المقدِّمَة «أنَّ الأذان كان على عهد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعلى عهد الخليفتين من بعده إِنَّمَا هو أذان واحد، وأنَّ عُثْمَانَ أحدث أذانا آخر لَمَّا كثر الناس، فأمر أن يؤذَّن الأذان الأَوَّل على داره المعروفة بِالزَّوْرَاءِ فلم يعب عليه في ذلك أحد» (1) ، لأَنَّهَا بدعة حسنة أحدثها لحثِّ الناس على إتيان الجمعة، فمضى على ذلك من جاء بعده. قال في القَوَاعِدِ: "وَاختلف في الأذان لها -يعني الجمعة- فقيل هو أذان واحد، وقيل أكثر من ذلكَ" (2) ، انتهى.
والظاهر أنَّ الواجب إِنَّمَا هو أذان واحد، وبه تَتِمُّ الصلاة بلا خلاف، والخلاف في أَنَّهُ هل يكرَّر لها الأذان مَرَّتَيْنِ أو لا يكرَّر، والله أعلم.
[حكم البيع بعد النداء للجمعة]:
وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة وجب السعي إليها، وحرم البيع والشراء، لقوله تعالى: { وَذَرُوا البَيْعَ } فأمرنا بترك البيع حينئذ فيحرم علينا فعله، ولا يتِمُّ ترك البيع إلاَّ بترك الشراء، فيحرم الشراء؛ إذ ما لا يمكن ترك الحرام إلاَّ بتركه، فهو حرام مثله.
وقيل بِحرمة البيع بعد النداء إذا كان النداء بعد الزوال وهو وقت الصّلاة، أَمَّا إذا كان قبل الزوال فلا يحرم (3) .
وهذا القائل إِنَّمَا نظر إلى أنَّ النداء قبل الزوال ليس هو النداء المشروع الذي يجب به ترك البيع، وَإِنَّمَا النداء المشروع الذي يجب به ذلك هو النداء الذي في وقت الصّلاة.
__________
(1) - ... تقدم تخريجه قريبا قبل بضعة تعاليق.
(2) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/361.
(3) - ... انظر؛ الإزكوي: الجامع، 02/396. الكندي: بيان الشرع، 15/85. (1/138)
صفحة 139
قال في الإِيضَاحِ: "وَكذلك لا يَجوز البيع والشراء بعد أن تزول الشمس حتَّى يصلَّى -وإن لم يؤذَّن- إذا كانت قد زالت، لأنَّ الأصل في تحريم البيع بعد النداء إِنَّمَا هو أن يجيب إلى الجمعة، والأصل أنَّ جميع ما يشغل عن إجابة النداء حرام إلاَّ إن وقع فرض على فرض قياسا على البيع، وتبعًا له، والله أعلمُ" (1) ، انتهى.
وظاهر كلامه -بل صريحه- أنَّ ماعدا البيع من المشغلات مقيس على البيع في تحريمه، وَالعِلَّة الجامعة بينهما هو الشغل عن ذكر الله.
وظاهر كلام الزَّمَخْشَرِي (2) أنَّ الأمر بترك البيع إِنَّمَا هو أمر بترك جميع المشغلات، وأنَّ ذكر البيع في الآية إِنَّمَا هو من باب ذكر أغلب الأشياء وقوعا وأكثرها نفوذا مع ثبوت الحكم لجميعها، فلا مفهوم لذكر البيع في الآية عنده.
ونصُّ كلامه: "أَرَاد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإِنَّمَا خصَّ البيع من بينها لأنَّ يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصَبُّون إلى المصر من كُلِّ أوب، ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انْتَقَح النهار وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تَحِرُّ التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فَلَمَّا كان ذلك الوقت مظَنَّة الذهول بالبيع عن ذكر الله والمضيِّ إلى المسجد قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه متقاربٌ"، انتهى كلامه.
وما ذهب إليه صَاحِبُ الإِيضَاحِ أظهر معنى وأقوم سبيلا مِمَّا ذهب إليه الزَّمَخْشَرِي، والله أعلم.
__________
(1) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/610.
(2) - ... الزمخشري: الكشاف، 06/114. (1/139)
صفحة 140
وإذا تبايع اثنان في الوقت الذي أمروا بترك البيع فيه أثما بلا خلاف. واختلفوا في صِحَّة بيعهما وفساده؛ قال بعض أصحابنا –منهمْ هَاشِمٌ (1) - بفسادها (2) ، وقيل بصحَّته ونسبه الزَّمَخْشَرِي (3) إلى عَامَّة العلماء؛ قالوا: لأنَّ البيع لم يحرم لعينه، ولكن لِمَا فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصّلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب والوضوء بماء مغصوب.
أقول: وبعض العلماء أوجب فساد ما حرم سواء كان إِنَّمَا حرم لعينه أو لغيره (4) ، وعليه ينبني مذهب القائلين بفساد البيع.
وقال في القَوَاعِدِ: "وَسبب الخلاف تنازعهم في النهي هل يَدُلُّ على فساد المنهيِّ عنه أم لا" (5) .
أقول: وهذا السبب مبنيٌّ على مذهب بعض الأصولِيِّين من أَنَّ الأمرَ بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، فالبيع إِنَّمَا أمرنا بتركه حينئذ، ففعله عند هؤلاء منهيٌّ عنه بذلك الأمر، وقد صحَّحت في طَلْعَةِ الشَّمْسِ خلافَهُ (6) ، والله أعلم.
وهذه الأحكام كلُّها إِنَّمَا هي خَاصَّة بمن تلزمه إجابة النداء للجمعة، أَمَّا النساء والعبيد والصبيان والمسافرون فلا يحرم عليهم البيع ولا يفسد، والله أعلم.
__________
(1) - أغلب الظن أنه هاشم بن غيلان، من أعلام الإباضية بعمان في القرن الثالث الهجري. ولم أهتد إلى من ذكر قوله هذا.
(2) - ... انظر؛ ابن النضر: الدعائم (شرح مُحَمَّد بن وصَّاف)، 01/241.
(3) - ... الزمخشري: نفسه.
(4) - ... السالمي: طلعة الشمس، 01/74.
(5) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/363.
(6) - ... السالمي: طلعة الشمس، 01/75. (1/140)
صفحة 141
وإن بايع أحد من هؤلاء أحدا مِمَّن تجب عليه الجمعة أو العكس فالبيع فاسد على مذهب من قال بفساده، لأنَّ بعض أركانه وهو فعل الْمُكَلَّف منهما حرام، وهما آثمان لارتكابهم ذلك، إلاَّ أن يكون أحدهما صَبِيًّا فيتوجَّه الإثم للمكلِّف منهما خَاصَّة. أَمَّا إثم من وجب عليه السعي فظاهر، وأَمَّا إثم الآخر فلأَنَّهُ أشغل من يجب عليه السعي ببيعه، فكأَنَّهُ منعه من فعل ما وجب عليه أو أعانه على تركه، والمانع من فعل الواجب والمعين على تركه كلاهما آثم، والله أعلم.
[الخطبة]:
وأَمَّا الخطبة فهي شرط عندنا لِصِحَّةِ الجمعة، صرَّح بذلك صاحب القواعد (1) ، وصاحب الإيضاح (2) . فلا تَتِمُّ الجمعة بلا خطبة، صرَّح بذلك أبو إسحاق في خِصَالِهِ (3) ، وقال صاحب القواعد وصاحب الإيضاح وغيرُهُما من أصحابنا: "إِنَّهُ إذا لم تكن خطبة صلَّوا أربع ركعات -أي صلاة الظهر-، وذلك إذا لم تجب عليهم الجمعة، أَمَّا إذا وجبت عليهم حتمًا فلا يَصِحُّ لهم إلاَّ أن يخطبوا ويُجمعوا، وبتركهم الخطبة آثمون".
وصلاتهم أربع ركعات بلا خطبة عند وجوب الجمعة عليهم مجزية لهم على قول تَقَدَّمَ ذكره في المقَدِّمة، وهم مع ذلك آثمون -بلا خلاف- لتضييعهم الجمعة الواجبة عليهم، والله أعلم.
قال في القواعد: "وَقد احتَجَّ مَالِك بنُ أَنَسٍ في أنَّ الخطبة فريضة بقول الله تعالى { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } ؛ يقول: تخطبُ" (4) .
__________
(1) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/359.
(2) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/610.
(3) - ... الحضرمي: مختصر الخصال، ص75.
(4) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/359. (1/141)
صفحة 142
وقال في الإيضاح: "وَيدلُّ أيضًا على وجوب الخطبة كونها راتبة من بين سائر الخطب، وقد احتَجَّ قوم لوجوبها بقوله تعالى { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله } ، وقالوا: هو الخطبة، وقال قوم: المقصود بالخطبة الموعظة المقصودة من سائر الخطب، وأَنَّهَا ليست من شروط الصّلاة، على هذا القول فإن صَلَّى الإمام ركعتين من غير خطبة فلا إعادة عليه على هذا القول، والقول الأَوَّل أصحُّ وعليه العملُ" (1) .
أقول: وإِنَّمَا صحَّح القول الأَوَّل لأَنَّهُ هو الذي عليه عمله - صلى الله عليه وسلم - ، وعمل الخلفاء الراشدين من بعده (2) ، وعمل جميع المؤمنين (3) ، والله أعلم.
والكلام في هذا المقام ينحصر في ثلاثة مواطن: الموطن الأَوَّل فيما يَخْتَصُّ بلفظ الخطبة، الموطن الثاني فيما يَخْتَصُّ بالخطيب، الموطن الثالث: فيما يَخْتَصُّ بمن حضر الخطبة.
فأَمَّا الموطن الأَوَّل وهو فيما يَخْتَصُّ بالخطبة فاعلم أنَّ أكثر أصحابنا (4) ذهبوا إلى أنَّ الخطبة ليست بدلا من الركعتين في الصّلاة لوجهين:
__________
(1) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/611.
(2) - ... اشارة إلى مثل الحدثين اللذين ذكرهما الزيلعي:
... ( رُوي أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - « لم يصل الجُمُعَة بدون الخطبة»، قلت: ذكره البيهقي....
... ( حَديث آخر مرسل أخرجه أبو داود في مراسيله عن ابن شهاب قال: بلغنا أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « كان يبدأ فيجلس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام فخطب الخطبة الأولى ثُمَّ جلس شيئا يسيرا، ثُمَّ قام فخطب الخطبة الثانية، حتَّى إذا قضى استغفر الله ثُمَّ نزل، فصلَّى. قال ابن شهاب: وكان إذا قام أخذ عصا فتوكَّأ عليها وهو قائم على المنبر، ثُمَّ كان أبو بكر الصديق وعمر وعثمان يفعلون ذلك». الزيلعي: نصب الراية، 02/196، 197. ...
(3) - ... رُبَّمَا مأخذه بالاستقراء.
(4) - ... انظر مثلا؛ السليمي: الجامع، 01/559. الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/359. الشماخي: الإيضاح، 01/611. (1/142)
صفحة 143
أحدهما: أنَّ الصّلاة إِنَّمَا يستقبل بها القبلة والخطبة إِنَّمَا يستقبل بها نحو الجماعة، ولا شيء من الصّلاة يستقبل به نحو ذلك.
وثانيهما: أنَّ من دخل في صلاة الجُمُعَة وفاتته الخطبة لم يجب عليه أن يقضي إلاَّ ما فاته من الصّلاة؛ فلو كانت الخطبة قائمة مقام شطر من الصّلاة لوجب عليه أن يعيدها أو يُصَلِّي أربعًا، وَالسُّنَّة على خلاف ذلك كما قَدَّمت لك في المقَدِّمة.
وقد بحثت في الوجه الأَوَّل من هذين الوجهين عند الكلام في الصّلاة خلف الجبابرة.
وذهب مُحَمَّد بنُ الْمُسَبِّحِ (1) وابنُ النَّضْرِ في دَعَائِمِهِ (2) وبعض مخالفينا (3) إلى أنَّ الخطبة قائمة مقام ركعتين، ورفع ذلك عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - (4) .
وأقول: إن كان فيها من السُّنَّة دليل على أَنَّهَا قائمة مقام ركعتين فمُسَلَّم، وإن كان إِنَّمَا نشأ عن اجتهاد فهذا أمر لا يدرك بالاجتهاد، وإِنَّمَا يدرك بالتوقيف من الشارع، ولم نقف على توقيف عليه، فنحن على أنَّ الخطبة شرط للصّلاة، لا شطر منها، والله أعلم.
ويجب أن تكون الخطبة في وقت الصّلاة، فإن خطب الإمام قبل الوقت وجب عليه أن يعيدها في الوقت، فإن لم يعدها فهو كمن صَلَّى بلا خطبة فلا تَتِمُّ جُمُعَتهم، والله أعلم.
[مضمون الخطبة]:
__________
(1) - انظر؛ الإزكوي: الجامع، 02/398. ومحمد بن المسبح من أعلام الإباضية في عُمَان في القرن الثالث الهجري. انظر؛ البطاشي: الإتحاف، 01/539.
(2) - ... ابن النضر: الدعائم (شرح مُحَمَّد ابن وصَّاف)، 01/245.
(3) - يبدو أنه قول عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول. انظر مثلا؛ ابن حزم: المحلى، 03/53. الكندي: بيان الشرع، 15/55.
(4) - ... ابن حجر: تلخيص الحبير، 02/77-78. الشعراني: كشف الغمة، 01/186-187. (1/143)
صفحة 144
وَلاَ بُدَّ في الخطبة من كلام طويل يطلق عليه اسم خطبة. قال ابنُ بَرَكَة: "وَأقلُّ الخطبة التي تَصِحُّ بها الجمعة وتنعقد بها صلاة العيدين ويتمُّ بها التزويج ما حفظنا عن الشيخ أَبِي مَالِكٍ (1) -رحمه الله- وهي: "الحمدُ لله رَبِّ العالمين والعاقبة للمتَّقين ولا عدوان إلاَّ على الظالمين، و[صلِّ] (2) اللَّهُمَّ على مُحَمَّد خاتم النبيِّين، واغفر اللهمَّ لنا ولجميع المسلمينَ”" (3) . وحكى القُطْبُ في الذَّهَبِ الخالِصِ قولا: إنَّ صِحَّة النكاح لا تتوقَّف عليها، وَقِيلَ: تتوقَّف (4) .
وقال أبو إسحاق في خِصَالِهِ: "أَقَلُّ ما يجزي من الخطبة ثلاث كلمات: أحدها أن يبتدئ بالحمد لله، ثُمَّ يُثَنِّي بالصلاة على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، أو ما أشبههما من كلام الموعظةِ" (5) .
__________
(1) - هو أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصَّلَّانِي الصُّحَارِي، من أعلام الإباضية بِعُمان في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، وهو شيخ ابن بركة. انظر؛ البطاشي: الإتحاف، 01/531.
(2) - في (أ) و(ب): وصلى. ولم يورد المؤلف تصحيحها في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه. ولفظة"محمد" ليست في (أ). والعبارة في جامع ابن بركة كالآتي: "...وصلى الله على مُحَمَّد النبيِّ وآله وصحبه وسلَّم، اللَّهُمَّ اغفر لنا ولجميع المسلمينَ".
(3) - ... السليمي: الجامع، 01/566-567.
(4) - ... اطفيَّش: الذهب الخالص، ص181.
(5) - ... الحضرمي: مختصر الخصال، ص77. (1/144)
صفحة 145
زاد الشَّافِعِي (1) وبعض أصحابنا (2) ركنا رابعًا وهو قراءة آية فأكثر، وزاد الشَّافِعِي أَيضًا (3) ركنا خامسا وهو الوَصِيَّة بالتقوى. والدليل على ذلك كُلِّه ما يروى أَنَّهُ «كانت خطبته - صلى الله عليه وسلم - في الجمعة وغيرها مشتملة على حمد الله والثناء عليه، والصّلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والموعظة والقراءة» (4) ، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كان يقول «كلُّ خطبة ليس فيها حَمْدٌ ولا تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماء» (5) ؛ وعلى هذه الرواية فالواجب أن يزاد فيها ركن آخر وهو التشهُّد.
__________
(1) - ... الشافعي: الأم، 01/200.
(2) - ... انظر؛ الشقصي: منهج الطالبين، 04/531.
(3) - لفظة "أيضا" ليست في (أ).
(4) - ... لم أجده بهذا اللفظ. وكلُّ ما وجدته أحاديث تذكر شطرا وأخرى تذكر شطرا آخر، وقد عنون الشوكاني لها فقال: باب اشتمال الخطبة على حمد الله تعالى والثناء على رسوله - صلى الله عليه وسلم - والموعظة والقراءة. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/264.
(5) - ... ( عن أبي هريرة قال: قال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «كلُّ كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم». رواه أبو داود، وأحمد بمعناه. سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب الهدي في الكلام، 02/560. مسند الإمام أحمد، 02/359.
... ( عن أبي هريرة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال «كلُّ خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء» رواه أبوداود والترمذي وقال فيه: هذا حديث حسن غريب. سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في الخطبة، 02/560. سنن الترمذي، أبواب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح، رقم1112، 02/286. (1/145)
صفحة 146
قال بعضهم (1) : وَيُسْتَدَلُّ لوجوب ذكر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة بقوله تعالى { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } (2) ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلُّوا على نبيهم مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ كَأَنَّمَا تفرَّقوا عن جيفة حمار» (3) ، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ «كان لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إِنَّمَا هُنَّ كلمات يسيرة» (4) ،
__________
(1) - ... قاله الشعراني عن شيخه في كشف الغُمَّة، 01/185.
(2) - ... سورة الشرح: الآية 04.
(3) - ... ( عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلاَّ قاموا عن مثل جيفة حمار وكان عليهم حسرة». سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله، 02/563.
... ( «ما اجتمع قوم ثُمَّ تفرَّقوا عن غير ذكر الله وصلاة على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ قاموا عن أنتن من جيفة». رواه الطيالسي والبيهقي والضياء عن جابر. ذكر ذلك السيوطي وتعقَّبه بقوله: صحيح. السيوطي: الجامع الصغير، 02/141.
... ( «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلُّوا على نبيِّهم إلاَّ كان عليهم تِرَة فإن شاء عذَّبهم وإن شاء غفر لهم». ... قال السيوطي: حديث حسن رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد. السيوطي: الجامع الصغير، 02/145. ملاحظة: لم أهتد إليه عند أبي داود والترمذي.
... ( وقد روى السيوطي في جامعه الصغير أحاديث أخرى في هذا المعنى.
(4) - ... عن جابر بن سمرة السُّوائي قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يطيل الموعظة يوم الجُمُعَة، إِنَّمَا هُنَّ كلمات يسيرات».
... سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب إقصار الخطب، 01/253.
... قال الشوكاني: الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وهو من رواية شيبان بن عبد الرحمن النحو عن سماك، ورجال إسناده ثقات. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/266. (1/146)
صفحة 147
وَ«كان تشهُّده - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: الحمد لله الذي نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محَمَّدًا عبده ورسوله، أرسله بِالحَقِّ بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، ولا يَضُرُّ الله شيئا» (1) .
__________
(1) - ... رواه أبو داود بألفاظ قريبة جِدًّا عن عبد الله بن مسعود، وسكت عنه. سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، باب الرجل يخطب على قوس، 01/252. كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح، 01/489. (1/147)
صفحة 148
وفي تَارِيخِ الْخَمِيسِ (1) ما نصُّه: "وَرُوي عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أَنَّهُ بلغه عن خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول جُمُعَة صلاَّها في المدينة في بَنِي سَالِم بنِ عَوْفٍ (2) :«الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأنَّ محَمَّدًا عبده ورَسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلَّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوٍّ من الساعة، وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا. أوصيكم بتقوى الله فإنَّ خير ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أن يحضَّه (3) على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك [ذكرا] (4) .
__________
(1) - ... لم أستطع الوقوف على هذا الكتاب.
(2) - ... روى البيهقي في المعرفة عن مغازي ابن إسحاق وموسى بن عقبة: «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حين ركب من بني عمرو بن عوف في هجرته إلى المدينة مرَّ على بني سالم وهي قرية بين قباء والمدينة فأدركته الجُمُعَة فصلَّى فيهم الجُمُعَة، وكانت أَوَّل جُمُعَة صلاَّها حين قدم» ووصله ابن سعد من طريق الواقدي بأسانيد له. ابن حجر: تلخيص الحبير، 02/58.
(3) - ... في (أ): يحض.
(4) - ... في (أ) و(ب): ذكر. ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه. (1/148)
صفحة 149
وإنَّ تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من رَبِّه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلاَّ وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قَدَّمَ، وما كان سوى ذلك يودُّ لو أنَّ بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذِّركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد، والذي صدق قوله وأنجز وعده، لا خُلْف لذلك، فإِنَّهُ يقول { مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمِ لِلْعَبِيدِ } (1) فاتَّقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السرِّ والعلانيَّة، فإِنَّهُ من يتَّق الله يكفِّر عنه سَيِّئَاته ويعظم له أجرا، ومن يتَّق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإنَّ تقوى الله توقي مقته وعقوبته وسخطه، وتبيِّض الوجوه، وترضي الربَّ وترفع الدرجة، خذوا بحظِّكم ولا تفرِّطوا في جنب الله فقد علَّمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده، هو اجتباكم وسمَّاكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بَيِّنَة ويحيَى من حيي عن بَيِّنَة، ولا قُوَّة إلاَّ بالله، وأكثروا ذكر الله، واعلموا أَنَّهُ خير من الدنيا وما فيها، واعملوا لِمَا بعد الموت فإِنَّهُ من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذَلِكَ بأنَّ الله يقضي بِالحَقِّ على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون عليه ولا قُوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم» (2) .
قال في الْخَمِيسِ: "كَذَا أوردها في الْمُنْتَقَى وفي خُلاصَةِ الوَفَا"، انتهى.
__________
(1) - ... سورة ق: الآية 29.
(2) - ... تعَقَّب الشيخ سعيد القنوبي –حفظه الله- هذا الحديث وبيَّن عدم صحة ثبوته والاستدلال به، في جواب له شاف كاف إن شاء الله. انظر؛ القنوبي: قرة العينين في صلاة الجمعة بخطبتين، ص109. (1/149)
صفحة 150
وَ«كان - صلى الله عليه وسلم - يقرأ سورة قَ على المنبر كثيرا حتَّى حفظها منه جماعة من كثرة تكراره لها كلَّ جُمُعَة» (1) .
وذهب أبُو حَنِيفَة (2) إلى أَنَّهُ إن اقتصر الخطيب على مقدار يُسَمَّى ذكر الله كقوله: "الحمد لله"، وَ"سبحان الله" (3) جاز لوجهين:
أحدهما: أَنَّهُ تعالى سَمَّى الخطبة ذكرا، وقول "الحمد لله" ذكر؛ فمن اقتصر عليه فقد أتى بما أمر به.
__________
(1) - ... عن أمِّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: «لقد كان تنُّورنا وتنُّور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت { ق والقرآن المجيد... } إلاَّ عن لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها كلَّ يوم جُمُعَة على المنبر إذا خطب الناس». صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، (باب) تخفيف الصّلاة و الخطبة، 06/161-162. سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، باب الرجل يخطب على قوس، 01/252.
(2) - ... انظر؛ المرغيناني: الهداية، 01/89.
(3) - في (أ): الحمد لله سبحان الله. (1/150)
صفحة 151
وثانيهما: أنَّ عُثْمَانَ صعد المنبر فقال: الحمد لله، وارتجُّ عليه فقال: "إنَّ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا يعدَّان لهذا المقام مقالا، وإنَّكم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوَّال، وستأتيكم الخطبُ" ثُمَّ نزل (1) ، وكان ذلك بحضرة الصحابة، ولم ينكر عليه أحد.
والجواب عن الوجه الأَوَّل: أنَّ ذكر الله في الآية ليس نَصًّا على الخطبة، بل يحتمل أن تكون هي المراد بالذكر، وأن يكون المراد منه الصّلاة أو الأذان. وعلى تقدير أَنَّهَا هي المراد بالذكر فالذكر في الآية مجملٌ فسَّرت كيفيَّتَهُ السُّنَّةُ، فالعدول عن التفسير إلى الإجمال عدول عن الجادَّة النيِّرة.
والجواب عن الوجه الثاني: أَنَّهُ قد كثر الإنكار على "عثمان" في إحداثه وأنَّ الصحابة قد ضافت صدورهم من أفعاله وأقواله فما زالوا ينكرون عليه إحداثه (2) ، ولا يلزم الإنكار على المحدث في جميع مواطنه، لا سيما إذا لم يرج منه قبول ذلك.
__________
(1) - ... قال الزيلعي: قوله عن عثمان - رضي الله عنه - أَنَّهُ قال: الحمد لله فارتجَّ عليه فنزل، وصلَّى، قلت: غريب. واشتهر في الكتب أَنَّهُ قال على المنبر: الحمد لله فارتجَّ عليه فقال: إنَّ أبا بكر وعمر كانا يعدَّان لهذا المكان مقالا فإنَّكم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوَّال، وستأتي الخطب بعد هذا، والسلام. وذكره الإمام القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب غريب الحديث من غير سند فقال: روي عن عثمان أَنَّهُ صعد المنبر فارتجَّ عليه فقال: الحمد لله، إنَّ أَوَّل كُلَّ مركب صعب وإنَّ أبا بكر وعمر كانا يعيدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها، ويعلم الله، إن شاء الله.
... قال: يقال ارتُجَّ على فلان: إذا أراد قولا فلم يصل إلى إتمامه. انتهى. الزيلعي: نصب الراية، 02/197.
(2) - ... انظر مثلا؛ المسعودي: مروج الذهب، 02/343. (1/151)
صفحة 152
لكن بقي البحث هاهنا في صلاتهم خلفه مع اقتصاره على ما ذكر، ومع كلامه الذي رُبَّمَا يكون طعنا على من قبله من الأَئِمَّة الراشدين، وتزكية لنفسه حيث أشار إلى أنَّ كلَّ واحد من الإمامين قوَّال وأَنَّهُ هو الإمام الفعّال، وفي هذا الكلام ما لا يخفى؛ فإن صَحَّت الرواية فلا جواب عن هذا البحث إلاَّ أن يقال: يمكن أَنَّهُم أعادوا صلاتهم التي صلَّوها خلفه، وهذا الإمكان بعيد جِدًّا، أَمَّا أَوَّلاً: فلأَنَّهُ لم تجر عادة الصحابة بالمداهنة في الدين والتساهل في الشرعيَّات. وأَمَّا ثانيا: فلأَنَّهُم لو صلَّوا خلفه في ظاهر الأمر ثُمَّ أعادوا بعد ذلك صلاتهم كان ذلك تلبيسا على العوامِّ وهو مُحَرَّم في الإسلام، فكيف يصدر من مثل هؤلاء الأعلام؟! وأَمَّا ثالثا: فلأَنَّهُم لو أعادوا صلاتهم التي صلَّوها وراءه لنقل ذلك عنهم كما نقل عن عُثْمَانَ خطبته بهم، فإن صَحَّت الرواية المذكورة عن عُثْمَانَ فهي حُجَّةٌ لأَبِي حَنِيفَةَ على مذهبه. وبالجملة إنَّ مذهبه (1) إِنَّمَا هو خارج مخرج الرأي، ومثاره عن اجتهاد، والله أعلم.
__________
(1) - هكذا في التصحيح الذي عقب به المؤلف على بعض تآليفه. وفي(أ): فمذهبه، وفي(ب): فإن مذهبه. (1/152)
صفحة 153
وفي الأثر (1) عن أَبِي الْحَوَارِي -رحمه الله- قال: "أَمَّا خطبة الجمعة فإِنَّهُ حدَّثنا نبهان بن عثمان (2) عن الإمام الصَّلْتِ بنِ مَالِكٍ (3) أَنَّهُ يحفظ أنَّ { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } تقوم مقام خطبة الجمعةِ". قال أبُو الْحَوَارِي: "وَأحسب أنَّ الصَّلْتَ بنَ مَالِكٍ يحفظ هذا عن سَعِيد بنِ الْمُبَشِّر" (4) . وفي هذا الأثر ما يَدُلُّ على أنَّ أركان الخطبة المُتَقَدِّم ذكرها عن أَبِي إِسْحَاق وأَبِي مَالِك وغيرِهِما لا يلزم إتيانُ جميعها، وأَنّهُ يجزي الاقتصار على بعضها.
والصحيح عندي: هو ما قَدَّمت لك من التزام الأركان المذكورة، فلا تجزي عن الخطبة قراءة سورة، أَمَّا أَوَّلاً: فَلِمَا تَقَدَّمَ من الروايات عنه - صلى الله عليه وسلم - . وأَمَّا ثانيا: فلأنَّ قراءة سورة من القرآن لا يطلق عليها في كلام العرب اسم خطبة. والمشروع هاهنا إِنَّمَا هو الخطبة لا القراءة، والله أعلم.
__________
(1) - ... انظر؛ أبو الحواري: الجامع، 01/242. الكندي: بيان الشرع، 15/54.
(2) - ... هو أبو عبد الله نبهان بن عثمان، من أعلام الإباضية بعُمان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري . انظر؛ البطاشي: الإتحاف،01/274.
(3) - ... هو الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي، من أبرز أعلام الإباضية بِعُمان في القرن الثالث الهجري، بُويِع إماما سنة 237هـ، وسار بالناس سيرة العدل إلى أن تقدمت به السِّن فرأى بعض الأعيان عزله فتم لهم ذلك سنة 273هـ، وأدى هذا الحدث بأهل عمان إلى فتنة استمرت بعد ذلك زمنا طويلا، توفي سنة 275هـ. انظر؛ السيابي: عمان عبر التاريخ، 2/102.
(4) - ... من أعلام الإباضية بِعُمان في القرن الثالث الهجري. (1/153)
صفحة 154
قال أبُو إِسْحَاق في خِصَالِهِ: "والذي يستحبُّ فيه خطبتان أربع خصال أحدها (1) الجمعة..." إلى أن قال: "وَيُستحبُّ أن يفصل بين كُلِّ خطبتين بسكتة بلا جلوسٍ" (2) . وذكرها في موضع آخر من خصاله (3) : "أنَّ الخطبة الثانية والسكتة بين الخطبتين من سنن الجمعة" (4) .
وظاهر كلامه - رضي الله عنه - أنَّ الخطبة الأولى تجزي لِصِحَّةِ الجمعة، وأنَّ الثانية زيادة فضل، وهو المذهب (5) ، وبه قال عَطَاء ومَالِك والأَوْزَاعِي وغيرهم كما في الإِشْرَافِ (6) . وقال الشَّافِعِي: "لا يجزي إلاَّ خطبتان يفصل بينهما بجلوسٍ" (7) .
ففي كلام الشَّافِعِي ما يَدُلُّ على أنَّ كل واحدة من الخطبتين فريضة، واشترط الفصل بينهما بجلوس. وقد تَقَدَّمَ لك عن أَبِي إِسْحَاق أَنَّهُ يستحبُّ أن يفصل بينهما بسكتة ليس معها جلوس.
__________
(1) - ... في (أ): أحدهما.
(2) - ... الحضرمي: مختصر الخصال، ص98.
(3) - ... م س، ص76.
(4) - ... ما وجدته في كتب الحديث هو الجلسة بين الخطبتين لا السكتة بينهما، وقوله من سنن الجُمُعَة مبهم؛ فهل المقصود به أنَّ له أثرا من السنَّة؟ أم أَنَّهُ مسنون أي غير مفروض؟ ولعل الأظهر هو الأخير، والله أعلم.
(5) - ... لم أجد من صرَّح بهذا من الإباضية، وهو ظاهر كلام أبي إسحاق. انظر؛ مختصر الخصال، ص76، 98. وللشيخ سعيد بن مبروك القنوبي – حفظه الله- رسالة مطبوعة بعنوان: قرة العينين في صلاة الجمعة بخطبتين، بيَّن فيها صحة مشروعية الخطبتين والجلوس بينهما في صلاة الجمعة.
(6) - ... النيسابوري: الإشراف، 02/100.
(7) - ... انظر؛ الشافعي: الأم، 01/199. (1/154)
صفحة 155
فالجلوس بين الخطبتين عندنا (1) محدث مكروه، وَأَوَّلُ من أحدثه عُثْمَانُ لَمَّا كبر سنُّه وضعف جسمه (2) . وقال طَاوُس: "الْجُلوس يوم الجمعة بدعة، وَأَوَّلُ من فعله مُعَاوِيَة، ثُمَّ رَدُّوه من بعدهِ" (3) .
__________
(1) - ... هذه المسألة تحتاج إلى مزيد تحقيق فإنَّ نصََّ ابنِ بَرَكَة -مثلا- فيه شيء من الاضطراب بين عدم تجويز الجلوس بين الخطبتين وبين الاستدلال على ذلك بقعود عُثْمَانَ أو مُعَاوِيَة في خطبته، أي أَنَّهُ خطب قاعدا. وحتَّى ما اسْتَدَلَّ به فيه اضطراب. أضف إلى ذلك وجود أحاديث تنصُّ على أنَّ الجلوس بين الخطبتين من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - . ويبدو أنَّ من أصحابنا من يرى غير ما نصَّ عليه السالمي -رحمه الله-. انظر مثلا؛ الإزكوي: الجامع، 02/393. السليمي: الجامع، 01/569. الكندي: بيان الشرع، 15/51. الشماخي: الإيضاح، 01/613. وانظر التعاليق الآتية.
(2) - ... قال ابن حجر العسقلاني: رَوَى سعيد بن منصور عن الحسن قال: أَوَّل من استراح في الخطبة يوم الجمعة عُثمان، وكان إذا أعي جلس ولم يَتَكَلَّم حتَّى يقوم، وَأَوَّلُ من خطب جالسا معاوية. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياما، حتَّى شقَّ على عثمان القيام فكان يخطب قائما ثُمَّ يجلس، فَلَمَّا كان معاوية خطب الأولى جالسا والأخرى قائمًا. ابن حجر: فتح الباري، 02/401.
(3) - ... السليمي: الجامع، 01/570.
... قال ابن حجر: أَخرج ابن أبي شيبة عن طاوس: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما وأبو بكر وعمر وعثمان، وَأَوَّلُ من جلس على المنبر معاوية. ابن حجر: فتح الباري، 02/401. (1/155)
صفحة 156
وقال الشَّافِعِي: "إِنَّمَا خطب مُعَاوِيَة جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمهِ" (1) .
وأنت خبير أَنَّهُ إذا كان الجلوس بين الخطبتين محدثًا فالمندوب تركه، أَمَّا أَوَّلاً: فلأنَّ التأسِّي بِالسُّنَّةِ أولى من العدول إلى البدعة وإن كانت جائزة.
وَأَمَّا ثانيا: فلأنَّ عُثْمَانَ أو مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا أحدث الجلوس لِمَا حصل له من العذر، فلا ينبغي للصحيح الغير المعذور أن يتأسَّى بالمعذور وإن كان فعل المعذور جائزا –مثلا- إذا كان المشروع خلافه والفضل في غيره.
وما ذكرته من أنَّ الجلوس بين الخطبتين محدث هو عين ما صرَّح به الأصحاب (2) -رحمهم الله تعالى. وقيل: إِنَّهُ غير محدث وإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فعل ذلك؛ ففي كَشْفِ الغُمَّةِ (3) أَنَّهُ «كان - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما ويجلس بين الخطبتين ويقرأ آيات، ويذكِّر الناس» (4) .
__________
(1) - ... لم أهتد إلى تعليل الشافعي جلوس معاوية بكثرة شحم بطنه ولحمه، وقد ذكر في الأُمِّ أنَّ معاوية جلس في الأولى وقام في الثانية. الشافعي: الأم، 01/199.
... وذكر ابن حجر في التََّلْخِيصِ جلوس معاوية ولم يعلِّله، وفي الفَتْحِ نسب القولَ بِعِلَّة جلوس معاوية إلى طاوس بدلا من الشافعي، ونسبها الشوكاني إلى الشعبي رواية عن ابن أبي شيبه. ابن حجر: تلخيص الحبير، 02/64. فتح الباري، 02/401. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/268.
(2) - ... تقدم التعليق على هذا قريبا، فلينظر.
(3) - ... الشعراني: كشف الغمة، 01/186.
(4) - ... ( عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما ثُمَّ يقعد ثُمَّ يقوم كما تفعلون الآن».
... صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب الخطبة قائما وقال أنس بينا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما، رقم.
... ( عن جابر بن سمرة قال: «كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبتان كان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكِّر الناس».
... سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب الخطبة قائما، 01/251.
... ( عن جابر بن سمرة قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما ثُمَّ يجلس ثُمَّ يقوم فيقرأ آيات ويذكر الله، وكانت خطبته قصدا وصلاته قصدا». سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصّلاة وَالسُّنَّة فيها، باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة، رقم1106. (1/156)
صفحة 157
وَلَعَلَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ بهذا الحديث فأوجب الجلوس بين الخطبتين، وحينئذ فيشكل ما قاله من وجوب الجلوس بين الخطبتين مع قوله: "إِنَّمَا خطب مُعَاوِيَة جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمهِ". ويجمع بين قوليه بأن يقال: إنَّ الذي حكاه عن مُعَاوِيَة هو الجلوس في حال الخطبة، وإنَّ الذي أوجبه هو الجلوس بين الخطبتين، والله أعلم.
وذكرَ صَاحِبُ القَوَاعِدِ (1) عن بعضهم استحباب الجلوس بين الخطبتين، وَلَعلَّهُ لأجل ما روي من الحديث الْمُتَقَدِّم ذكره؛ ففي استحباب (2) الجلوس بين الخطبتين حينئذ قولان لأصحابنا، وعلى القول باستحبابه فهو جلسة خفيفة لا يَتَكَلَّمُ فيها الخطيب بشيء، والله أعلم. هذا حاصل ما يَخْتَصُّ بنفس الخطبة.
[الكلام في ما يَخْتَصُّ بالخطيب]:
__________
(1) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/360.
(2) - ... لَعَلَّ الصواب أن يقال: ففي الجلوس بين الخطبتين حينئذ قولان لأصحابنا. (1/157)
صفحة 158
وأَمَّا الموطن الثاني وهو الذي يَخْتَصُّ بالخطيب فهو أن يكون الخطيب مِمَّن تَصِحُّ منه الإمامة في الجمعة، وهو أن يكون ذَكَرًا، حُرًّا، بَالِغًا، عَاقِلاً، هذا هو المجتمع عليه، والخلاف الموجود في إمامة العبد والصبيِّ والمسافر خارج هاهنا. وأن يكون الخطيب على طهارة، إذ من شروط الخطبة ذلك (1) . وأن يكون مستقبل القوم بوجهه حال خطبته لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب كَذَلِكَ (2) ، وأن يكون قائما في الخطبتين معًا، فلا يخطب جالسا لقوله تعالى { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } (3) ورأى كَعْبُ بن عجرة عبدَ الرحمن بنَ الحكم يخطب قاعدا فأنكر عليه وقال: «انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا والله تعالى يقول { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } » (4) .
وكان جَابِرٌ يقول: «من قال إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب جالسا فقد كذب، لقد صلَّيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ألفي صلاة» (5) .
وَأَمَّا الجلوس بين الخطبتين فقد تَقَدَّمَ ذكره.
__________
(1) - ... يبدو -والله أعلم- أنَّ اشتراط الطهارة للخطبة يجعل الخطبة شطرا من الصّلاة لا شرطا لها، وهذا خلاف ما صرَّح به المُؤَلِّف سابقا.
(2) - ... تَقَدَّمَ في التعليق رقم (128).
(3) - ... آية الجُمُعَة.
(4) - ... الشعراني: كشف الغمة، 01/186. ابن حجر: فتح الباري، 02/401.
(5) - رواه مسلم بمعناه؛ صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، (باب) خطبته - صلى الله عليه وسلم - في الجُمُعَة، 06/153.
... ( عن جابر بن سمرة «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قائما ثُمَّ يجلس ثُمَّ يقوم فيخطب قائما فمن حدَّثك أَنَّهُ كان يخطب جالسا فقد كذب. فقال: فقد والله صلَّيت معه أكثر من ألفي صلاة». رواه أبو داود وسكت عنه.
... سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب الخطبة قائما، 01/251. (1/158)
صفحة 159
وأن يكون الخطيب معتمدا على قوس أو سيف أوعصا لِمَا روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ «كان يعتمد في خطبته على قوس وتارة على عصا» (1) .
قال ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: «ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحرَّى شَيْئًا من ذلك، ولكن كان يتوكَّأ في الحرب على السيف وفي الحضر على العصا» (2) . يعني: لأَنَّ الغالب في السفر السيف وَفيِ الحضر العصا.
وفي الإِيضَاحِ: "وَيُستحبُّ للخطيب ألاَّ يأمر ولا ينهى ولا يعارض في خطبته إلاَّ كنحو ما يكون في المخالفة في القرآن بالموعظة، فإن فعل فلا نقض عليه حتَّى يلغُوَ، وقد أجازوا أن يعظ في كلامه ببيت شعر وغير ذلك، وترك الرواية أحبُّ إليهم، وقد ذكر في بعض كتب أصحابنا: قال الفَضْلُ (3) -رحمه الله-: إذا روى الخطيب رواية فلا أعرف على الناس إعادة، إلاَّ أنَّ سَعِيدَ بنَ أَبِي بَكْرٍ (4) كان يخطب بِصُحَار فروى قولَ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - "إِنِّي قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخير منكم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّمونِي"، فأعاد مُحَمَّد بنُ محبوب -رحمه الله- الصّلاةَ" (5) . وأقول: والظاهر أَنَّهُ لا إعادة عليه لوجوه:
__________
(1) - ... تَقَدَّمَ تخريجه في أول الرسالة.
(2) - ... تَقَدَّمَ تخريجه. انظر الفهارس.
(3) - الظاهر أنه أبُو محمد الفضل بن الحواري الإزكوي، من أعلام الإباضية بِعُمان في القرن الثالث الهجري، كان والشيخ عزان بن الصقر يضرب بهما المثل في العلم والفضل كالعينين في جبين واحد. من مؤلفاته كتاب الجامع. قُتِل في وقعة القاع بصحار أيام الفتنة التي قامت إثر عزل أو انعزال الإمام الصلت بن مالك سنة 273 هـ. انظر؛ مجموعة أساتذة: دليل أعلام عمان، ص129. البطاشي: الإتحاف، 01/258.
(4) - سعيد بن أبي بكر، من أعلام الإباضية بِعُمان في القرن الثالث الهجري. انظر؛ البطاشي: الإتحاف، 01/523.
(5) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/612-613. (1/159)
صفحة 160
أحدها: أنَّ الخطبة ليست بشطر من الصّلاة حتَّى ينقضها ما ينقض الصّلاة من كلام الآدمِيِّين.
وثانيها: أنَّ الخطبة أمر غير محصور على شيء بعينه، وغير محدود بحدٍّ لا يحلُّ لأحد أن يتجاوزه إلى غيره حتَّى يكون النقض على مجاوزه.
وثالثها: أنَّ حكم الخطيب في خطبته مخالف لحكم الجماعة في استماعهم، فيلزم الجماعة الإنصاتُ لاستماع الخطبة، وحكم الخطيب الإجهار بالخطبة والموعظة الحسنة، فلا ينقض على الخطيب جميع ما ينقض على الحاضرين.
ورابعها: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - «كان ينهى عن الكلام والإمام يخطب، ويرخِّص في تكلُّمه وتكليمه لمصلحة» (1) .
__________
(1) - ... إشارة إلى مثل الحديثين:
... (... أنَّ أبا هريرة أخبره أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصِتْ والإمام يخطب فقد لغوتَ».
... ( عن أنس بن مالك قال «أصابت الناسَ سنة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب في يوم جمعة قام أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا فرفع...» (حديث طويل).
... صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب الإنصات يوم الجُمُعَة والإمام يخطب، رقم892. باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجُمُعَة، رقم891. (1/160)
صفحة 161
كذا في كَشْفِ الغُمَّة (1) ، وفيه أيضًا أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كان كثيرا ما يقول لمن يراه بعيدا عن سماع الخطبة «تعال إلى هنا» (2) .
وفي البُخَارِي «أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل عليه (3) رجل من المهاجرين الأَوَّلِينَ من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فناداه عُمَرُ: أيَّة ساعة هذه؟ قال: إِنِّي شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتَّى سمعت التأذين فلم أزد أن توضَّأت، فقال: والوضوء أيضًا؟ وقد علمت أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالغسل!» (4) . وقد نقل عن كُلِّ واحد من عُثْمَانَ (5) وعَلِيٍّ (6) أَنَّهُ تَكَلَّمَ في الخطبة بما ليس منها، والله أعلم.
وإن أحدث في خطبته بحدث يبني عليه في الصّلاة، فإِنَّهُ يذهب ويتوضَّأ ويبني على خطبته كما يبني في الصّلاة.
وإن مات الإمام في خطبته فإنَّهم يصلُّون أربع ركعات، وإن عقدوا الإمامة لآخر حين مات الأَوَّل في الخطبة فإنَّ الآخر يستأنف الخطبة.
__________
(1) - ... الشعراني: كشف الغُمَّة، 01/187.
(2) - ... عن جابر قال: «لَمَّا استوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجُمُعَة قال: اجلسوا. فسمع ذلك ابن مسعود فجلس على باب المسجد فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: تعال يا عبد الله بن مسعود». قال أبو داود: هذا يعرف مرسلا، وإِنَّمَا رواه الناس عن عطاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومخلد هو شيخ. سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب الإمام يكلِّم الرجل في خطبته، 01/250.
(3) - ... في البخاري: إذ دخل رجل.
(4) - صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبيِّ ...، رقم838.
(5) - ... لم أهتد إليه، وَرُبَّمَا هو إشارة إلى ما جاء في التعليق رقم286.
(6) - ... لم أهتد إليه في غير الجامع لابن بركة، 01/567-568. (1/161)
صفحة 162
وإن أحدث الإمام بعد ما فرغ من خطبته فإِنَّهُ يستخلف عليهم من يُصَلِّي بهم ركعتين، ولا يستخلف للناس من لم تجب عليه صلاة الجمعة مثل المسافرين والعبيد، كذا في الإِيضَاحِ (1) ، وهو مبنيٌّ على منع إمامة المسافرين والعبيد في الجمعة، وَلاَ بُدَّ من جواز استخلافهم على القول بجواز إمامتهم.
وليس ما ذكره من البناء على الخطبة مبنيًّا على أنَّ الخطبة شطر من الصّلاة، ووجه ذلك أنَّ الخطيب مخيَّر في هذه الصورة بين أن يستأنف خطبته وبين أن يبني عليها، ولا كذلك البناء على الصّلاة، فإنَّ البناء على الصّلاة ليس فيه تخيير على القول بثبوته (2) ، والله أعلم.
وجائز أن يكون الخطيب غير الإمام الذي يُصَلِّي. وجائز أن يكون الخطيب والإمام في الصلاة غير الإمام المنصوب له الإمامة إذا كان ذلك بأمر من الإمام، خرَّجه الإمام الكُدَمِي على معاني الاِتِّفَاق من قول أصحابنا (3) . وأقول: وإن كان ذلك جائزا فاتِّباع ما عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى، فإِنَّهُ كان يخطب بنفسه وهو الذي يُصَلِّي بهم (4) .
__________
(1) - ... الشماخي: الإيضاح، 01/616.
(2) - ... لم أهتد إلى صاحب هذا القول.
(3) - ... انظر؛ الكندي: بيان الشرع، 15/45.
(4) - ... إشارة إلى مثل الحديث:
... عن ثابت عن أنس قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل من المنبر فيعرض له الرجل في الحاجة فيقوم معه حتَّى يقضي حاجته ثُمَّ يقوم فيصلِّي». قال أبو داود: الحديث ليس بمعروف عن ثابت، هو مِمَّا تفرَّد به جرير بن حازم. سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب الإمام يَتَكَلَّمُ بعدما ينزل من المنبر، 01/256.
... وقال الترمذي: ...وجرير بن حازم رُبَّمَا يهم في الشيء وهو صدوق. سنن الترمذي، أبواب الجمعة، باب ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام من المنبر، رقم516، 02/14. (1/162)
صفحة 163
ولا يخطب الخطيب حَتَّى يحضر الإمام الذي يُصَلِّي إذا كان الإمام غير الخطيب كذا خَرَّجَهُ الكُدَمِي أيضًا (1) ، وإشارته أنَّ ذلك على جهة الاستحباب لا الإيجاب؛ فظاهر كلامه أَنَّهُ إذا لم يسمع الإمام المصلِّي خطبة الخطيب أَنَّهُ لا بأس بذلك، وأنَّ لهم أن يصلُّوا وراءه؛ ولا أحبُّ هذا كلَّه عند السعة والإمكان، وإن كان جائزًا، والله أعلم.
وقد تَقَدَّمَ ذكر شيء من أحوال الخطيب في مُقَدِّمَة الكتاب، وعند ذكر الأذان.
[ما يَخْتَصُّ بمن حضر الخطبة]:
وأَمَّا الموطن الثالث وهو الذي يَخْتَصُّ بمن حضر الخطبة، فهو أَنَّهُم يستقبلون الخطيب بوجوههم على هيئة الجلوس، وعليهم السكينة والوقار، لأنَّ الصحابة كانوا على ذلك (2) ، ويؤمرون بالإنصات واستماع الخطبة، وأن لا يتخطَّوا رقاب الناس.
__________
(1) - ... الكندي: بيان الشرع، 15/46.
(2) - ... إشارة إلى مثل الحديث:
... عن عديِّ بن ثابت عن أبيه قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجهه». في الزوائد: رجال إسناده ثقات إلاَّ أَنَّهُ مرسل. سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصّلاة وَالسُّنَّة فيها، باب ما جاء في استقبال الإمام وهو يخطب، رقم1136، 01/360. وقال السيوطي: حديث حسن. الجامع الصغير، 02/109. (1/163)
صفحة 164
فأَمَّا الإنصات فقال في القَوَاعِدِ: "اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال، منهم من قال هو حكم لازم من أحكام الخطبة، وعلى هذا الجمهور من الناس لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «إذا قلت لصاحبك أنصِتْ والإمام يخطب فقد لغوت» (1) . واختلفوا في ردِّ السلام وتشميت العاطس، فأجازه قوم ومنع منه (2) آخرون، والقول الثاني: أنَّ الكلام جائز إلاَّ عند قراءة القرآن، روي ذلك عن الشَّعْبِيِّ وإِبْرَاهِيم النَّخعِيِّ وسَعِيد بنِ جُبَيْرٍ، وَاحتَجُّوا بقوله تعالى { وَإِذَا قُرِئَ القُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ... } الآيَة (3) . وأَنَّ ما عدا القرآن فليس يجب له الإنصات، وفرَّق آخرون بين أن يسمع الخطبة أو لا يسمعَها، فأَمَّا اختلافهم في ردِّ السلام وتشميت العاطس فلتعارض الأمر بينهما والأمر بالإنصات» (4) ، انتهى.
__________
(1) - ... ... أنَّ أبا هريرة أخبره أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا قلت لصاحبك يوم الجُمُعَة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت». صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب ...، رقم892. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/137.
(2) - لفظة "منه" ليست في (أ).
(3) - ... سورة الأعراف: الآية 204. وتمامها: { ... فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَّلَكُمْ تُرْحَمُونَ } .
(4) - ... الجيطالي: قواعد الإسلام، 01/361-362. (1/164)
صفحة 165
أقول (1) : والمختار من هذه الأقوال هو ما عليه الجمهور (2) من حرمة الكلام والإمام يخطب، سواء كان الْمُتَكَلِّم بمكان يسمع فيه الخطبة أو بمكان لا يسمعها فيه لعموم الأحاديث الدَّالَّة على حرمة ذلك؛ فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «من قال صه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، وهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا» (3) ،
__________
(1) - ... في (أ): وأقول.
(2) - أبو جيب: موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، 02/638. ...
(3) - ... ( عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه: «من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر، ومن قال: صه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» ثُمَّ قال هكذا سمعت نبيَّكم - صلى الله عليه وسلم -
... ( عن ابن عَبَّاس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من تَكَلَّمَ يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة». مسند الإمام أحمد، 01/230. (1/165)
صفحة 166
وقوله - صلى الله عليه وسلم - «يحضر يوم الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها بلغو وهو حظُّه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله عَزَّ وَجَلَّ إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخطَّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا فهو كَفَّارَة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أَيَّام» (1) .
ففي هذه الأحاديث دليل على حرمة الكلام والإمام يخطب، وهي عَامَّة لمن كان قريبا من الإمام يسمع الخطبة، ولمن كان بعيدا منه، وعن عُثْمَان أَنَّهُ كان يقول «استمعوا وأنصتوا فإنَّ للمنصت الذي لا يسمع من الحظِّ مثل ما للمنصت السامع» (2) . ومثل هذا لا يقال إلاَّ عن توقيف، فهو نصٌّ على المطلوب.
ولا بأس بتشميت العاطس لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا عطس أحدكم والإمام يخطب يوم الجُمُعَة فشمِّتوه»، قال أَنَسٌ: «فكنَّا نشمِّته تارة باللفظ وتارة بالإشارة» (3) .
__________
(1) - عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظُّه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله عَزَّ وَجَلَّ إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخطَّ رقبة مسلم ولم يؤذ أحدًا فهي كَفَّارَة إلى الجُمُعَة التي تليها وزيادة ثلاثة أَيَّام وذلك بأنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يقول { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } . .سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجمعة، باب الكلام والإمام يخطب، 01/255.
(2) - انظر؛ الشافعي: الأم، 01/203. النيسابوري: الإشراف، 02/103. الكندي: بيان الشرع، 15/81.
(3) - عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال » إذا عطس الرجل والإمام يخطب يوم الجمعة فشمته«. الشافعي: الأم، 01/203. ولم أهتد إلى قول أنس. (1/166)
صفحة 167
وأَمَّا ردُّ السلام فيحتمل أن يقاس على تشميت العاطس، فيقال بجوازه لأنَّ كلاًّ منهما فعلُ معروفٍ مأمورٌ بفعله، ويحتمل أن يفرَّق بينهما فيمنع ردُّ السلام دون تشميت العاطس، ووجه الفرق بينهما هو أَنَّهُ إِنَّمَا نهينا عن الكلام والإمام يخطب مخافة الاشتغال عن سماع الذكر الذي أمرنا بالسعي إليه، وفي ردِّ السلام ما يشغل عن ذلك لكثرة الداخلين، وكذلك التشميت فإِنَّهُ لا يكون في غالب الأحوال إلاَّ نادرا، والله أعلم.
واعلم أنَّ من لغا فقد فسدت جمعته لظاهر الحديث «ومن لغا فلا جُمُعَة له»؛ وهو مذهب أَبِي عَبْدِ اللهِ (1) . وعن أَبِي مَرْوَانَ (2) أَنََّ أَبَا عَلِيٍّ -رحمه الله- كان يجبن (3) أن ينقض صلاة من تَكَلَّمَ والإمام يخطب يوم الجمعة (4) .
وأمر بعض أصحابنا (5) من تَكَلَّمَ والإمام يخطب يوم الجمعة أن يخرج من المسجد حتَّى يكون بمكان لا تَصِحُّ فيه الصّلاة بصلاة الإمام، ثُمَّ يرجع فيدخل مع الداخلين فيسمع ما يدرك سماعه من الخطبة، ويصلِّي مع الإمام وتصحُّ جُمعتُه بذلك، وقد فاته بسبب لغوه ثواب السبق وفضيلة التقدُّم.
__________
(1) - ... الإزكوي: الجامع، 02/397.
(2) - المشهور عند الإباضية بهذه الكنية اثنان وهما: أبو مروان سليمان بن الحكم، وأبو مروان سليمان بن حبيب، وكلاهما من أعلام عُمان في القرن الثالث الهجري. انظر؛ البطاشي: الإتحاف، 01/526.
(3) - ... في الجامع لابن جعفر: " يجيز " بدلا من " يجبن ".
(4) - الإزكوي: الجامع، 02/397.
(5) - ... م س. (1/167)
صفحة 168
وقيل لِمُحَمَّد بنِ الْمُسَبِّحِ: كيف يؤمر من تَكَلَّمَ والخطيب يخطب يوم الجمعة أن يخرج من المسجد ثُمَّ يرجع يدخل؟ قال: "لأَنَّهُ إذا تَكَلَّمَ في المسجد والخطيب يخطب انتقضت صلاته، فيخرج من باب المسجد حتَّى يصير إلى موضع لا يجوز لمن كان فيه أن يُصَلِّي بصلاة الإمام في المسجد، ثُمَّ يدخل فيسمع ما بقي من الخطبة لأنَّ الخطبة مقام ركعتين، وقد تَمَّت صلاته بما أدرك من الخطبة، وإذا لم يخرج من باب المسجد وصلَّى كانت صلاته منتقضة بفسادها من أَوَّلِهَا" (1) .
وظاهر كلامه أنَّ من لم يسمع من الخطبة شيئًا فلا جُمعة له، وهو لازم مذهبه في أنَّ الخطبة مقام ركعتين، وبه صرَّح بعض قومنا، لكن ما قَدَّمته لك في الْمُقدِّمة ينافيه، فاعمل بما فيه. وصريح كلامه أنَّ الأمر بالخروج مبنيٌّ على أنَّ الخطبة قائمة مقام ركعتين، ولا يستلزم ذلك، بل يحتمل أن يكون مبنيًّا على ذلك وأن يكون مبنيًّا على قطع النظر عن سبقه الذي كان فيه وحاله الذي أبطله بِلَغْوِه، حتَّى كأَنَّهُ برجوعه مِمَّن جاء آخرا، لا مِمَّن تَقَدَّمَ كما يشير إليه كلام ابنِ بَرَكَة (2) ، وهو أظهر احتماليه، والأَوْلى أن يعوَّل عليه.
__________
(1) - م س.
(2) - ... السليمي: الجامع، 01/559-560. (1/168)
صفحة 169
وأَمَّا تَخطِّي رقاب الناس فقال ابنُ بَرَكَة: "إِنَّهُ لا يجوزُ" (1) ، لِمَا روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال «من تخطَّى رقاب الناس يوم الجمعة اتَّخَذَ جسرًا إلى جَهَنَّم» (2) . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال لرجل رآه يتخطَّى رقاب الناس: «اجلس فقد آذيت» (3) . وروي عنه أَنَّهُ قال «من يتخطَّى رقاب الناس ويفرِّق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجارِّ قصبه في النار» (4) .
__________
(1) - ... السليمي: الجامع، 01/567.
(2) - ... رواه الترمذي وابن ماجة عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه. سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب في كراهية التخطِّي يوم الجُمُعَة، 02/12. سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصّلاة وَالسُّنَّة فيها، باب ما جاء في النهي عن تخطِّي الناس يوم الجُمُعَة، رقم1116. قال السيوطي: حديث حسن. الجامع الصغير، 02/168.
(3) - ... عن أبي الزاهرية قال: كنا مع عبد الله بن بسر صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجُمُعَة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس فقال عبد الله بن بسر: «جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : اجلس فقد آذيت». سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب تخطِّي رقاب الناس يوم الجُمُعَة، 01/256. سنن النسائي، كتاب الجمعة، (باب) النهي عن تخطِّي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة، 03/103.
(4) - ( عن عَمَّار بن سعد قال: دخل علينا عثمان بن الأزرق المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب فعص [كذا] وقعد في المسجد فقلنا: رحمك الله لوكنت وصلت إلينا كان أرفق بك، قال: إِنِّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «من تخطَّى رقاب الناس بعد خروج الإمام أو فرَّق بين اثنين كالجارِّ قصبه في النار». رواه الطبراني في الكبير وفيه هشام بن زيد وقد أجمعوا على ضعفه. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/179.
... ( عن أرقم بن أبي الأرقم المخزوميِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «الذي يتخطَّى رقاب الناس يوم الجُمُعَة ويفرِّق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجارِّ قصبه في النار». مسند الإمام أحمد، 03/417. (1/169)
صفحة 170
والقصب هي الأمعاء والمصارين، قاله أَئِمَّة اللغة (1) .
ففي هذه الأحاديث دليل على تحريم تخطِّي رقاب الناس يوم الجمعة؛ بل دليل على أنَّ فعل ذلك كبيرة لِمَا يَتَرتَّبُ عليه من الوعيد الشديد، وفصَّل الإمام الكُدَمِيُّ - رضي الله عنه - بين ما إذا حصل من تخطِّي الرقاب أذى لمن يتخطَّاه وبين ما إذا لم يحصل أذى، فقال بحرمته في الصورة الأولى، وبكراهيَّتِهِ في الصورة الثانية، إلاَّ إذا أراد به معنى يندب إليه كسدِّ فرجة في الصفِّ، وكذا حرم التخطِّي لأجل معنى فاسد كطلب الرياسة والتقدُّم في المنزلة، ونحو ذلك (2) . وهذا التفصيل إِنَّمَا أخذه من إشارة قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن يتخطَّى رقاب الناس: «اجلس فقد آذيت» فإشارة الحديث أنَّ الأمر بالجلوس والإمساك [عن] (3) تخطِّي الرقاب إِنَّمَا هو لأجل حصول الأذى من ذلك المتخطِّي، وقاس على الأذى المعنى الفاسد كما تَقَدَّمَ، وَيَدُلُّ على تفصليه المذكور ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ «كان ينهى عن تخطِّي رقاب الناس إلاَّ لحاجة»، وأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - «كان يُرَخِّصُ في التخطِّي لحاجة» (4) .
__________
(1) - ... ابن منظور: لسان العرب المحيط (ترتيب يوسف الخياط)، 03/95. الفيروزآبادي: القاموس المحيط، 01/117.
(2) - ... انظر: الكندي: بيان الشرع، 15/86.
(3) - في (أ) و(ب): في. ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه.
(4) - ... إشارة إلى مثل الحديث:
... عن عقبة بن الحارث قال «صلَّيت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر بالمدينة ثُمَّ انصرف يتخطَّى رقاب الناس سريعا حتَّى تعجَّب الناس لسرعته فتبعه بعض أصحابه فدخل على بعض أزواجه ثُمَّ خرج فقال: إِنِّي ذكرت وأنا في العصر شيئًا من تِبْرٍ كان عندنا فكرهت أن يبيت عندنا فأمرت بقسمته». صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب من أحبَّ تعجيل الصدقة من يومها، رقم1363. سنن النسائي، كتاب السهو، باب الرخصة للإمام في تخطِّي رقاب الناس، 03/84. (1/170)
صفحة 171
وروي أنَّه «كانت الصحابة - رضي الله عنهم - إذا رأوا أمامهم فرجة قريبة يتخطَّون الرقاب إليها ليسدُّوها» (1) ، ففي هذه الأحاديث دليل على ما قاله الإمام الكُدَمِيُّ -رضوان الله عليه-، فيحمل ما تَقَدَّمَ من أحاديث الوعيد على من تخطَّى رقاب الناس فآذاهم، أو كان تخطِّيه لمعنى فاسد بدلالة هذه الأحاديث، فهي في حكم المخصِّص لِمَا تَقَدَّمَ، والله أعلم.
[الإقامة]:
وأَمَّا الإقامة فهي شرط لصحَّة الجمعة لمواظبته - صلى الله عليه وسلم - عليها ومواظبة الصحابة عليها من بعده (2) ، فلا تَتِمُّ الجمعة إلاَّ بها، وقد ذكرها الإمام أبُو إِسْحَاق (3) في الخصال التي لا تَتِمُّ الجمعة إلاَّ بها، وهو ظاهر لِمَا قَدَّمت لك، والله أعلم.
هذه الشروط التي تَصِحُّ بها الجمعة وتختصُّ بها من بين سائر الفرائض، ولها شروط أخر يشاركها فيها بعض العبادات وسائر الصلوات كالإسلام، والاختتان، والطهارة، والنية، واستقبال القبلة، واللباس الساتر، والبقعة الطاهرة، ونحو ذلك، فنعدل عن ذكرها، إذ ليست هي المقصود في هذه الرسالة، وإِنَّمَا المقصود بها بيان ما تختصُّ به الجمعة من غيرها، والله أعلم.
الخاتمة: في سنن الْجُمُعَة وآدابها وفضلها
__________
(1) - ... لم أهتد إليه.
(2) - ... لم أجد في ذلك حديثا وَرُبَّمَا هو إشارة إلى ما تقدم ذكره في التعليق رقم (228) ورقم(229).
(3) - ... الحضرمي: مختصر الخصال، ص75. (1/171)
صفحة 172
فمن سنن الجمعة الغسل يوم الجمعة، والناس فيه على ثلاثة مذاهب: المذهب الأَوَّل لأصحابنا (1) وجمهور قومنا (2) ، وهو أَنَّهُ مندوب لمن حضر صلاة الجمعة، لا واجب عليه، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من توضأ يوم الجمعة فَبِهَا ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل» (3) ، ولِمَا روي أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأَوَّلِينَ من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فناداه عُمَرُ: أيَّة ساعة هذه؟ قال: إِنِّي شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتَّى سمعت التأذين فلم أزد أن توضَّأت، فقال: والوضوء أيضًا! وقد علمت أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يأمر بالغسل»؟ (4) ، والرجل هو عُثْمَانُ (5) .
ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو ما قاله الشَّافِعِي: "وَهو أَنَّهُ لَمَّا لم يترك عُثْمَانُ الصّلاة للغسل، ولم يأمره عُمَرُ بالخروج للغسل دَلَّ ذلك على أنَّهما قد علما أنَّ الأمر بالغسل للاختيارِ" (6) ، انتهى.
__________
(1) - ... انظر مثلا؛ الإزكوي: الجامع، 02/392. السليمي: الجامع، 01/572. الحضرمي: مختصر الخصال، ص76.
(2) - ... انظر مثلا؛ ابن حجر: فتح الباري، 02/361. العيني: عمدة القاري، 06/168.
(3) - ... رواه الترمذي والنسائي عن سمرة بن جندب. سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب في الوضوء يوم الجُمُعَة، رقم495، 02/04. سنن النسائي، كتاب الجُمُعَة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجُمُعَة، رقم1380، 03/93.
(4) - تقدم تخريجه في باب الكلام فيما يختص بالخطيب.
(5) - ... ابن حجر: فتح الباري، 02/370.
(6) - ... انظر؛ النووي: المجموع (شرح المهذَّب)، 04/535. (1/172)
صفحة 173
ولِمَا روي عن ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- وقد سئل عن الغسل يوم الجمعة أواجب هو أم لا؟ فقال: "لَيس بواجب، وَلَكِنَّهُ أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس هو بواجب عليه، وسأخبرك كيف كان بدء الغسل؛ «كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيِّقا مقارب السقف، إِنَّمَا هو عريش كعريش مُوسَى تصله الأيدي، فخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم حارٍّ وقد عرق الناس في ذلك الصوف حتَّى ثارت منهم رياح أذى بعضهم بعضا، فَلَمَّا وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الروائح قال: «يا أَيُّهَا الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه»، قال ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: ثُمَّ جاء الله تعالى بالخير ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل بغيرهم، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق والصنان» (1) .
__________
(1) - ... روى بعضَه البخاري –وسيأتي تخريجه في الحديث الموالي- ومسلم وغيرهما من حديث عائشة، ورواه أحمد عن ابن عباس واللفظ له مع اختلاف بسيط. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/132. مسند الإمام أحمد، 01/269. قال الهيثمي: قلت: في الصحيح بعضه، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/172. (1/173)
صفحة 174
وكذا كانت عائشة -رضي الله عنها- إذا سئلت عن الغسل تقول: «كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا أهل عمل، ولم يكن لهم كفاة يكفونهم العمل، وكانوا ينتابون الجُمُعَة من العَوَالِي فيأتون في [العباء] (1) ويصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم الريح الكريه فأمرهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالغسل، فَلَمَّا فتح الله عليهم ولبسوا الثياب الحسنة وزالت تلك الروائح قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (2) .
__________
(1) - في (أ) و(ب): العبائي. ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه. والعَبَاءُ ضرب من الأكسية، والجمع: أعْبِئَةٌ. انظر؛ ابن منظور: لسان العرب، مادة عبأ.
(2) - ... لم أجده بهذا اللفظ وفي حديث واحد.
... ( عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: «كان الناس ينتابون يوم الجُمُعَة من منازلهم والعوالي فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنسان منهم وهو عندي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لو أنَّكم تطهَّرتم ليومكم هذا». صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب من أين تؤتى الجُمُعَة وعلى من تجب ...، رقم860.
... ( وقد تقدم في أول الكلام عن الغسل ما رواه الترمذي والنسائي عن سمرة بن جندب «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل». =
= ... ( وعند النسائي عن عائشة بعضه بلفظ قريب إلى لفظ المُؤَلِّف. سنن النسائي، كتاب الجُمُعَة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجُمُعَة، رقم1379، 03/93.
... ( عن عائشة أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من أتى الجُمُعَة فليغتسل». رواه البزار وفيه عبد الواحد بن ميمون أبو حمزة ضعَّفه البخاري والدار قطني. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/173.
... ( ورواه البخاري عن ابن عمر بلفظ: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل».
... صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبيِّ ...، رقم837. باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم ...، رقم854. (1/174)
صفحة 175
فمن كان بموضع لا يلزمه حضور الجمعة منه أو كان من المعذورين عن حضورها فاغتسل لغير حضورها فليس له من الأجر مثل من اغتسل لأجل حضورها، لظاهر هذه الأحاديث، ولمفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا جاء أحدكم الجُمُعَة فليغتسل» (1) ولقول عُمَرَ - رضي الله عنه - : «إِنَّمَا يغتسل من أراد الحضور» (2) . وكذا من اغتسل بعد صلاة الجُمُعَة فليس له من الأجر مثل ما للمغتسل قبلها لهذه الروايات أيضًا.
ويجزيه أن يغتسل بعد طلوع الفجر عندنا (3) وعند الشَّافِعِيَّة (4) والْحَنَفِيَّة، وقالت المالكيَّة: "يعتبر أن يكون الغسل مُتَّصِلا بالذهاب لِئَلاَّ يفوت الغرض، وهو رعاية الحاضرين من التأذِّي بالروائح حال الاجتماع، وهو غير مُختَصٍّ بمن تلزمه، قالوا: ومن اغتسل ثُمَّ اشتغل عن الرواح إلى أن بَعُدَ ما بينهما عُرفًا فإِنَّهُ يعيد الغسل لتنزيل البعد منزلة الترك، وكذا إذا نام اختيارا بخلاف من غلبه النوم أو أكل أكلا كثيرا بخلاف القليل" (5) ، انتهى.
__________
(1) - ... الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن عمر، واللفظ له، وقد تقدم في التعليق السابق، ورواه مسلم وغيرهما. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/130.
(2) - ... لم أهتد إليه.
(3) - انظر؛ الكندي: بيان الشرع، 15/24.
(4) - ... انظر؛ النووي: المجموع (شرح المهذب)، 04/535.
... ملاحظة: لم اهتد إلى قول الحَنَفِيَّة في كتبهم التي اطلعت عليها.
(5) - انظر؛ الأصبحي: المدون الكبرى، 01/136. (1/175)
صفحة 176
وأنت خبير بأَنَّهُ إذا كان المقصود من شرع الغسل ها هنا إِنَّمَا هو لأجل رعاية الحاضرين من التأذِّي بالروائح حال الاجتماع فلا يَدُلُّ على جميع ما ذكروه هاهنا، ولا يَدُلُّ على عدم الاجتزاء بتقديم الغسل أَوَّل اليوم أيضًا، فإِنَّهُ قد يتراخى الرجل عن الذهاب بعد أن يغتسل، وقد ينام، ولا يحصل له شيء من الروائح المؤذية للحاضرين، فكان ينبغي أن يقال: إنَّ الغسل في أَوَّل اليوم مُجز إلاَّ إذا حدث بالمغتسل حادث يتولَّد منه الروائح المؤذية فيسنُّ له حينئذ أن يعيد غسله، لأَنّهُ إذا لم يُعِده فات الغرض المقصود من شرع الغسل هاهنا، والله أعلم.
المذهب الثاني: لطائفة من قومنا (1) ، وهو أنَّ الغسل مشروع يوم الجُمُعَة لمن أراد أن يحضر الجُمُعَة ولمن لم يُرِد، وَاستَدَلُّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - «على كُلِّ رجل مسلم في كُلِّ سبعة أَيَّام غسل يوم وهو يوم الجُمُعَة» (2) . وفي رواية: «حقُّ الله على كُلِّ مسلم أن يغسل في كُلِّ سبعة أَيَّام يوما يغسل رأسه وجسده» (3) . قلنا: هذه الرواية مجملة، وما قَدَّمناه من الأحاديث بيان لها، فيجب الأخذ بما مَرَّ لكونه بيانا لها، والله أعلم.
__________
(1) - ... لم أهتد إليه.
(2) - ... الحديث رواه النسائي عن جابر. سنن النسائي، كتاب الجُمُعَة، باب إيجاب الغسل يوم الجُمُعَة، 03/93.
(3) - ... ( عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «حقٌّ على كُلِّ مسلم أن يغتسل في كُلِّ سبعة أَيَّام يوما يغسل فيه رأسه وجسده».
... ( عن أبي هريرة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لله تعالى على كُلِّ مسلم حقٌّ أن يغتسل في كُلِّ سبعة أَيَّام يوما». صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب هل على من لم يشهد الجُمُعَة غسل من النساء والصبيان ...، رقم856. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/133. (1/176)
صفحة 177
المذهب الثالث: لأهل الظاهر (1) ، وهو أنَّ الغسل يوم الجُمُعَة واجب، وَاستَدَلُّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - «غسل الجُمُعَة واجب على كُلِّ محتلم» (2) ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - «على كُلِّ رجل مسلم في كُلِّ سبعة أَيَّام غسل يوم وهو يوم الجُمُعَة». ويقول ابن عمر: «أَمَّا الغسل فأشهد أَنَّهُ واجب» (3) .
__________
(1) - ... ابن حزم: المحلى، مسألة رقم178، 02/08. مسألة رقم179، 02/16. مسألة رقم536، 05/54.
(2) - ... ( عن عائشة أمِّ المؤمنين وأبي سعيد الخدري -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الغسل يوم الجُمُعَة واجب على كُلِّ محتلم». الفراهيدي: الجامع الصحيح (مسند الربيع بن حبيب)، كتاب الصّلاة ووجوبها، باب في صلاة الجُمُعَة وفضل يومها، رقم281، 282. صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب الطيب للجمعة، رقم840. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/132.
(3) - ... لم أجده منسوبا لابن عمر وإِنَّمَا لعمرو بن سليم الأنصاري.
... ... حدَّثني عمرو بن سليم قال: أشهد على أبي سعيد قال: أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الغسل يوم الجُمُعَة واجب على كُلِّ محتلم وأن يستنَّ وأن يَمسَّ طيبًا إن وجد». قال عمرو: أَمَّا الغسل فأشهد أَنَّهُ واجب، وأَمَّا الاستنان و الطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا، ولكن هكذا في الحديث... . صحيح البخاري، نفسه. (1/177)
صفحة 178
والجواب عن الاستدلال بهذه الأحاديث هو أنَّ المراد بها أنَّ الغسل كالواجب في تأكيد الندبيَّة، أو كالواجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة، أو في الكَيفِيَّة لا في الحكم، وحاصل الجواب أَنَّهُ استعير لفظ «الواجب» ولفظ «على» فاستعملا في غير محلِّهما، وهو التأكيد في الندبيَّة بقرينة الأحاديث الْمتَقَدِّم ذكرها. وقيل: إنَّ ما دَلَّ على الوجوب من هذه الأحاديث منسوخ بما مَرَّ من الأحاديث (1) . واعترض بأنَّ النسخ لا يصار إليه إلاَّ بدليل، ومجموع الأحاديث يَدُلُّ على استمرار الحكم، فإنَّ في حديث عائشة (2) أنَّ ذلك في أَوَّل الحال حيث كانوا مجهودين، وأبو هريرة وابن عَبَّاس إِنَّمَا صحبا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعد أن حصل التوسُّع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أَوَّلاً، ومع ذلك فقد سمع كلٌّ منهما منه عليه الصلاة والسلام الأمر بالغسل والحثَّ عليه والترغيب فيه، فكيف يدَّعى النسخ مع ذلك؟ (3) .
وأقول: إنَّ الأحاديث الدَّالَّة على أنَّ الغسل يوم الجمعة فضيلة، لا حكم واجب يكفي أن تكون دليلا لنسخ الوجوب، واستمرار الأمر بالغسل يوم الجمعة لا ينافي ذلك، فإِنَّهُ ليس المدَّعَى نسخ الأمر مطلقا، وإِنَّمَا المدَّعَى نسخ وجوبه، فاستمرار الأمر به بعد ذلك إِنَّمَا هو حثٌّ على فعل الفضيلة. وبالجملة فَكُلُّ واحد من الوجوب والندبيَّة حكم برأسه، ولا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، وبهذا يظهر لك أنَّ القول بنسخ الأحاديث الدَّالَّة على وجوب الغسل أولى من تكلُّف تأويلها، والله أعلم.
وصفة الغسل المشروع يوم الجمعة هو كالغسل المشروع من الجنابة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثُمَّ راح...»الحديث (4) .
__________
(1) - ... ابن حجر: فتح الباري، 02/363.
(2) - الحديث تقدم في أول الكلام عن الغسل للجمعة.
(3) - ... ابن حجر: نفسه.
(4) - سيأتي تخريجه قريبا. (1/178)
صفحة 179
ومن سننها: السواك لقوله - صلى الله عليه وسلم - «غسل الجمعة واجب على كُلِّ مسلم وأن يستنَّ بالسواك» (1) . وقد قَدَّمت لك معنى كونه واجبا، وأنَّ المراد منه غير ظاهره، أو هو منسوخ.
ومن سننها: اتِّخَاذ أحسن اللباس عند الرواح إليها لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» (2) ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «ليغتسل أحدكم يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه...» الحديث (3) .
ومن سننها: التطيُّب يوم الجمعة، وهو استعمال المرء أطيب ما يجد من الطيب إذا أراد الخروج إلى الجمعة، والدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عَبَّاس الْمُتَقَدِّم: «يا أَيُّهَا الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه» (4) .
__________
(1) - لفظ البخاري عن عمرو بن سليم الأنصاري تقدم قريبا.
... ( وَفيِ صحيح مسلم: ...عن أبيه [أبي سعيد الخدري] أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «غسل يوم الجُمُعَة على كُلِّ محتلم وسواكٌ ويمسُّ من الطيب ما قدر عليه...». صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/132.
(2) - ... رواه أبو داود وسكت عنه(أي صالح للاحتجاج حسب منهج أبي داود)، ورواه ابن ماجة عن عبد الله بن سلام وعائشة بألفاظ متقاربة. قال فيه السيوطي: حديث ضعيف. سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب اللباس للجُمُعة، 01/248. سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصّلاة وَالسُّنَّة فيها، باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة، رقم1095، 1096، 01/348. السيوطي: الجامع الصغير، 02/147.
(3) - سيأتي تخريجه قريبا.
(4) - الحديث تقدم في أول الكلام عن الغسل للجمعة. (1/179)
صفحة 180
ومن سننها: التبكير وهو تقديم الخروج إليها، سواء كان على الأقدام أو على الدوابِّ، وهو السعي الذي أمرنا به ربُّنا تعالى، فهو بعد النداء واجب، وقبله مسنون، والسعي على الأقدام أفضل منه على الراحلة، وَيُعَبَّرُ عن الخروج إليها بالرواح.
والدليل على أنَّ التبكير إليها مسنون قوله - صلى الله عليه وسلم - «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثُمَّ راح فكأنَّما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنَّما قرَّب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنَّما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنَّما قرَّب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (1) .
قال الرَّبِيعُ -رحمه الله-: "ليس يريد عدد الساعات، وإِنَّمَا [يريد الفضل ما] (2) بين أَوَّل الوقت إلى آخره"، والله أعلم.
وعلى هذا فقد جعل - صلى الله عليه وسلم - للرائحين إلى الجمعة خمس درجات، كلُّ واحدة مِنهُنَّ أعلى من التي تليها، والله أعلم.
__________
(1) - ... رواه الربيع بن حبيب بلفظ: «كغسل الجنابة» ورواه البخاري ومسلم واللفظ لهما. الفراهيدي: الجامع الصحيح (مسند الربيع بن حبيب)، كتاب الصّلاة ووجوبها، باب في صلاة الجُمُعَة وفضل يومها، رقم283. صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب فضل الجُمُعَة، رقم841. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/135.
(2) - ... في (أ) و(ب): وإِنَّمَا أراد بين أَوَّل...، وما أثبته هو ما نص عليه الإمام الربيع في الجامع الصحيح، ولم يورد المؤلف تصحيحه في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه. (1/180)
صفحة 181
ومن سننها: أن يخرج بعد أن يغتسل ويتسوَّك ويلبس من صالح ثيابه ويتطيَّب بما قدر عليه ثُمَّ يأتي المسجد ويركع فيه ركعتين، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ليغتسل أحدكم يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه ويتطيَّب ويدهن بما وجد في بيته، ثُمَّ يخرج وعليه السكينة حتَّى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولا يؤذي أحدا (1) ، ثُمَّ إذا خرج إمامُه أنصت حتَّى يُصَلِّي، فمن فعل كانت كَفَّارَة لِمَا بينها وبين الجمعة الأخرى» (2) . هذا إذا كان مأموما، وإن يكن هو الإمام فالسنَّة (3) أن يُصَلِّي في بيته ما شاء ثُمَّ يخرج للجماعة بعد أن يجتمعوا ويصعد على المنبر على حسب ما قَدَّمته لك، والله أعلم.
__________
(1) - ... لفظة "أحدًا" ليست في (أ).
(2) - ( عن لم أجد في عن سلمان الفارسيِّ قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يغتسل رجل يوم الجُمُعَة ويتطهَّر ما استطاع من طهور ويدهن من دهنه أو يمسُّ من طيب بيته ثُمَّ يخرج فلا يفرق بين اثنين ثُمَّ يُصَلِّي ما كتب له ثُمَّ ينصت إذا تَكَلَّمَ الإمام إلاَّ غفر له ما بينه وبين الجُمُعَة الأخرى». صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب الدهن للجمعة، رقم843.
... ( وهناك أحاديث بمعناه انظرها في: الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/171.
(3) - لم أجد في ذلك حديثا صريحا، ولكن خروج الإمام للخطبة مباشرة مستفاد من أحاديث عديدة. انظر التعاليق السابقة الأخيرة. (1/181)
صفحة 182
ومن سننها: أن ينتف إبطيه ويجزَّ شاربه، ويقلِّم أظفاره ويصلح من فطرته ما أمر به، يفعل جميع ذلك يومَ الخميس ليكون يومَ الجمعة متأهِّبا للبكور فلا يشغله عن الرواح إليها شاغل، والدليل على ذلك ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كان يأمر بالغسل والتنظيف قبل الحضور، ويأمر بتقليم الأظفار ونتف الإبط وإزالة الشعر بعد الصّلاة ويقول: «مثل المؤمن يوم الجمعة كمثل المحرِم لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتَّى تنقضي الصّلاة. قيل: يا رسول: متى نتأهَّب للجمعة؟ قال: يوم الخميس» (1) . وظاهر الحديث أَنَّهُ إذا لم يتأهَّب لها يوم الخميس فلا يصنع شيئًا من ذلك حتَّى تنقضي صلاة الجمعة ثُمَّ يفعله حينئذ، وفيه إشكال وهو أَنَّهُ إذا كانت هذه الأشياء إِنَّمَا شرعت لأجل الحضور لصلاة الجمعة فبانقضائها يفوت المقصود من شرعها، وإن كانت إِنَّمَا شرعت للجمعة خَاصَّةً فما معنى الحثِّ على فعلها يوم الخميس؟.
__________
(1) - ... لم أهتد إليه، وما وجدته في هذا الباب:
... ( عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يقلِّم أظفاره ويقصُّ شاربه يوم الجُمُعَة قبل أن يخرج إلى الصّلاة». قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه إبراهيم بن قدامة قال البزار: ليس بحجَّة إذا تفرَّد بحديث وقد تفرَّد بهذا. قلت: ذكره ابن حبان في الثقات.
... ( وعن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من قلَّم أظفاره يوم الجُمُعَة وقي من السوء إلى مثلها». رواه الطبراني في الأوسط وفيه أحمد بن ثابت ويلقَّب فرجونة وهو ضعيف. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/170-171. (1/182)
صفحة 183
ويندفع هذا الإشكال بما إذا قيل: إنَّ هذه الأشياء شرعت مطلوبة لنظافة البدن في كُلِّ أسبوع كذلك، لكن أمرنا بفعلها يوم الخميس لتكون من كمال النظافة لحضور الجمعة، فإذا لم نفعل ذلك حتَّى دخلت الجمعة أمرنا بتأخيره حتَّى تنقضي الصّلاة ثُمَّ أمرنا بفعله بعد ذلك إشارة إلى الاهتمام بشأن الجمعة وإلى تعظيم مكانها، فالمسنون حينئذ فعل هذه الأشياء يوم الخميس أو بعد صلاة الجمعة، والله أعلم.
[آدابها]
وأَمَّا آدابها فمنها ما هو مختص بالحضور، ومنها ما يكون لليوم مع ليلتها. فأما آداب الحضور فمنها ما تَقَدَّمَ ذكره في الموطن المختصِّ بأحكام الحاضرين لسماع الخطبة، ومنها ما سنذكره هاهنا.
روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كان ينهى أن يقيم الرجل أخاه ثُمَّ يجلس موضعه ويقول: «لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثُمَّ يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل تفسَّحوا وتوسَّعوا، وإذا قام أحدكم من مجلسه لحاجته ثُمَّ رجع إليه فهو أحقُّ به» (1) .
__________
(1) - ... (...سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه». صحيح البخاري، كتاب الجُمُعَة، باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجُمُعَة ويقعد في مكانه، رقم869.
... ( عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مقعده ثُمَّ يجلس فيه ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا».
... (... وزاد في حديث ابن جريج: قلت: في يوم الجُمُعَة؟ قال: في يوم الجُمُعَة وغيرها.
... ( عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجُمُعَة ثُمَّ لْيُخالفْ إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول افسحوا».
... ( عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «إذا قام أحدكم -وفي حديث أبي عوانة: من قام من مجلسه- ثُمَّ رجع فهو أحقُّ به». صحيح مسلم، كتاب السلام، (باب) تحريم إقامة الإنسان من موضعه الذي سبق إليه، و(باب) إذا قام من مجلسه ثُمَّ عاد فهو أحقُّ به، 14/160-161. (1/183)
صفحة 184
وكان ابنُ عُمَرَ إذا قام له رجل من مجلسه لا يجلس فيه زجرا له (1) . وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول «إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجُمُعَة فليتحوَّل منه إلى غيره» (2) . و«كان - صلى الله عليه وسلم - ينهى أصحابه عن الحبوة إذا كان بهم نعاس ويرخِّص لهم في الاحتباء إذا كانوا يقظين لا نعاس عندهم» (3) .
[آداب اليوم مع ليلتها]
__________
(1) - ... رواه مسلم في كتاب السلام. انظر التعليق السابق.
(2) - ... رواه الترمذي وأحمد عن ابن عمر واللفظ له، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب في من ينعس يوم الجُمُعَة أَنَّهُ يتحوَّل من مجلسه، رقم525، 02/19. مسند الإمام أحمد، 02/135.
(3) - ... ( عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن الحبوة يوم الجُمُعَة = = والإمام يخطب».
... ( عن يعلى بن شدَّاد بن أوس قال: «شهدت مع معاوية بيت المقدس فجمَّع بنا فنظرت فإذا جُلُّ من في المسجد أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأيتهم محتبين والإمام يخطب».
... قال أبو داود: وكان ابن عمر يحتبي والإمام يخطب، وأنس بن مالك، وشريح، وصعصعة بن صوحان، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، ومكحول، وإسماعيل بن مُحَمَّد بن سعد، ونعيم بن سلامة قال: لا بأس بها.
... وقال أبو داود: ولم يبلغني أنَّ أحدا كرهها إلاَّ عبادة بن نسي.
... وقال الترمذي إثر حديث سهل بن معاذ بن أنس: وهذا حديث حسن... وقد كره قوم من أهل العلم الحبوة يوم الجُمُعَة... ورخَّص في ذلك بعضهم. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب الاحتباء والإمام يخطب، 01/254. سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب، رقم513، 02/13. (1/184)
صفحة 185
وأَمَّا آداب اليوم مع ليلتها فمنها أن لا تُخَصَّ ليلة الجُمُعَة من بين سائر الليالي بصلاة ولا قيام، وإِنَّمَا ينبغي أن يكون عمل العامل ديمة مستمرَّة على حالة واحدة، والدليل على ذلك ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال «لا تخصُّوا ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي»، وفي رواية «بقيام بدل صلاة» (1) . قال الشَّعْرَانِي: "قال شيخنا: معناه في الليالي -والله أعلم- قوموا كلَّها بدليل ما ورد في قيام الليل، وقد سُئلت عَائِشَة -رضي الله عنها- هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخصُّ شيئًا من الأَيَّام؟ قالت: لا، «كان عمله ديمة»، وأيّكم يستطيع ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستطيع؟ (2) . فعُلم أنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تخصُّوا ليلة الجمعة بصلاة» إِنَّمَا هو حثٌّ على القيام في جميع ليالي الأسبوع" (3) .
__________
(1) - ... ( عن عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا تختصُّوا ليلة الجُمُعَة بقيام من بين الليالي ولاتخصُّوا يوم الجُمُعَة بصيام من بين الأَيَّام إلاَّ أن يكون في صوم يصومه أحدكم». صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب كراهة إفراد يوم الجُمُعَة بصوم، 08/18-19.
... ( «لا تخصُّ ليلة الجُمُعَة بصلاة ولا يومها بصيام». قال المناوي: رواه الطبراني ومسلم. المناوي: كنوز الحقائق (بهامش الجامع الصغير)، 02/154. ملاحظة: لم أهتد إليه عند مسلم.
(2) - ... عن إبراهيم بن علقمة قال: سألت أمَّ الممؤمنين عائشة قلت: يا أمَّ المؤمنين كيف كان عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل كان يخصُّ شيئا من الأَيَّام؟ قالت: «لا، كان عمله ديمة وأيُّكم يستطيع ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستطيع؟». صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، رقم6101.
(3) - ... الشعراني: كشف الغمة، 01/183. (1/185)
صفحة 186
ومنها: أن يقرأ ليلة الجمعة أو يومَها "حم الدخان"، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من قرأ "حم الدخان" ليلة الجمعة أو يومَها غُفر له ذنوبُه وأصبح يستغفر له سبعون ألف ملك، وبنى الله له بيتا في الجَنَّة» (1) .
__________
(1) - ... ( عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من قرأ "حم الدخان" في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك».
... قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وعمر بن أبي خثعم يضعَّف؛ قال مُحَمَّد: هو منكر الحديث.
... ( عن أبي هريرة قال: قال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «من قرأ "حم الدخان" يوم الجمعة غُفر له».
... قال الترمذيُّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إِلاَّ من هَذَا الوجه، وهشام أبو المقداد، يضعَّف، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة؛ هكذا قال أَيُّوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد. سنن الترمذي، أبواب فضائل القُرْآن عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، باب ما جاء في "حم الدخان"، رقم3050، 3051، 04/237.
... ( عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «من قرأ "حم الدخان" في ليلة جمعة أو يوم جمعة بنى الله له بيتا في الجَنَّة». رواه الطبراني في الكبير. وحسنه السيوطيُّ، الجامع الصغير، 02/178. (1/186)
صفحة 187
ومنها: أن يقرأ يوم الجمعة سورة الكهف لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (1) . وفي رواية: «ما بينه وبين البيت العتيق» (2) . وفي رواية: «سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمُعَتين» (3) .
ومنها: أن يكثر من الصّلاة والتسليم على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ليلة الجمعة ويومها، لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أكثروا عليَّ من الصّلاة في الليلة الغرَّاء واليوم الأزهر فإِنَّهُ يوم مشهود، ما من عبد يُصَلِّي عليَّ فيه إلاَّ عُرضت صلاتُه عليَّ حتَّى يفرغ منها. قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يعني بليت- فقال: إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (4) .
__________
(1) - رواه البيهقي في السنن عن أبي سعيد، وصححه السيوطي. البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الجمعة، باب ما يؤمر به في ليلة الجمعة ويومها، رقم59، 96. السيوطي: الجامع الصغير، 02/178.
(2) - قال السيوطي: حديث حسن، رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد وفيه «من قرأ سورة الكهف يوم الجُمُعَة...». السيوطي: نفسه.
(3) - ... لم أهتد إلى هذه الرواية.
(4) - ... ( عن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أكثروا الصّلاة عليَّ في الليلة الزهراء واليوم الأزهر، فإنَّ صلاتكم تعرض عليَّ». رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد المنعم بن بشير الأنصاري وهو ضعيف. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/169.
... ورواه البيهقيُّ في شعب الإيمان عن أبي هريرة وابن عديٍّ في الكامل عن أنس، وهو [أي الحديث] ضعيف. السيوطي: الجامع الصغير، 01/56.
... ( الحديث رواه بمعناه أبو داود والنسائي وغيرهما؛ سنن أبي داود، كتاب الصّلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب فضل يوم الجُمُعَة وليلة الجُمُعَة، 01/246. سنن النسائي، كتاب الجُمُعَة، باب إكثار الصّلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجُمُعَة، 03/91. (1/187)
صفحة 188
[فضلها]
وَأَمَّا فضلها فيَدُلُّ عليه ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كان يبالغ في تعظيم يوم الجمعة ويقول: «هو سَيِّد الأَيَّام وأعظمها عند الله عَزَّ وَجَلَّ، وأعظم عنده من يوم الفطر ويوم الأضحى، فيه خلق آدم، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه توفَّاه الله تعالى، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئًا إلاَّ آتاه الله إِيَّاهُ ما لم يسأل حراما، -وقال بيده يقلِّلها-، وفيه تقوم الساعة. ما من ملك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلاَّ وهنَّ يشفقن من يوم الجمعة» (1) .
__________
(1) - ... الحديث رواه الربيع بن حبيب ومسلم وأبو داود بألفاظ قريبة منه، ورواه ابن ماجة واللفظ الآتي له:
... عن أبي لبابة بن عبد المنذر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «سَيِّد الأَيَّام يوم الجُمُعَة وأعظمها عند الله تعالى، وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى. وفيه خمس خلال: خلق الله عَزَّ وَجَلَّ فيه آدم - عليه السلام - ، وأهبط الله تعالى فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفَّى الله تعالى آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلاَّ آتاه الله تعالى إِيَّاهُ ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم =
= الساعة. ما من ملك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلاَّ هنَّ يشفقن من يوم الجُمُعَة». الفراهيدي: الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع بن حبيب)، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في صلاة الجُمُعَة وفضل يومها، رقم279، 280. صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/140. سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة وَالسُّنَّة فيها، باب فضل الجُمُعَة، رقم1084، 01/344. (1/188)
صفحة 189
والمراد بقوله: «وقال بيده يقلِّلها» أي أشار بيده إلى تقليل وقت ساعة الإجابة. وإشفاقُ الجمادات من يوم الجمعة إِنَّمَا هو تمثيل، أي لو كانت مِمَّن يعقل ذلك لأشفقن، أو إشفاقهنَّ بحسب ما يليق بحالهنَّ. وعنه - صلى الله عليه وسلم - «ينزل ربُّنا إلى سماء الدنيا ليلة الجمعة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر فلا يَرُدُّ سائلا قطُّ ما لم يسأل هجرا» (1) .
ومعنى «ينزل ربُّنا» أي ينزل أمره أو رحمته لاستحالة النزول على ذاته تعالى، فإنَّ النزول من صفات المخلوقين، وهي دليل العجز، والربُّ تعالى متعالٍ عن ذلك وهو الخالق القادر لا يشابه شيئًا من مخلوقاته في شيء من صفاتهم { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } (2) فالحديث مؤوَّل على حدِّ قوله تعالى: { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } (3) .
__________
(1) - ... لم أهتد إليه.
(2) - ... سورة الشورى: الآية11.
(3) - ... سورة الفجر: الآية22. (1/189)
صفحة 190
وعنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال «[تُضاعَفُ] (1) الحسنات يوم الجمعة» (2) . وكان - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يسأل عن وقت الإجابة فيقول «إِنِّي عُلِّمتها ثُمَّ أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر» (3) . وكان تارة يقول «بين أن يجلس الإمام -يعني على المنبر- إلى أن تنقضي الصّلاة» (4) . وتارة كان يقول «هي من حين تقام الصّلاة إلى الانصراف منها» (5) . وتارة يقول «هي آخر ساعة من ساعات النهار لا يوافقها عبد مؤمن يُصَلِّي يسأل الله شيئًا إلاَّ قضى حاجته، فقيل له: إنَّ هذه ليست ساعة صلاة، قال: بلى، إنَّ العبد المؤمن إذا صَلَّى ثُمَّ جلس لا يجلسه إلاَّ الصّلاة فهو في صلاة» (6) .
__________
(1) - ... في (أ) و(ب): تضاعفت. ولم يورد المؤلف تصحيحها في التصحيح الذي عقب به على بعض تآليفه.
(2) - ... رواه الطبراني في الأوسط وفيه خالد بن آدم وهو كذَّاب. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/164.
(3) - ... عن أبي سلمة سألت أبا سعيد عن ساعة الجُمُعَة فقال سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها فقال «قد أعلمتها ثُمَّ أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر» رواه ابن خزيمة والحاكم. ابن حجر: فتح الباري، 02/417.
(4) - ... رواه مسلم وأبو داود عن أبي موسى الأشعري؛ صحيح مسلم، كتاب الجُمُعَة، 06/140. سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب الإجابة أيَّة ساعة هي في يوم الجُمُعَة، 01/241.
(5) - ... رواه الترمذي وابن ماجة والبيهقي في الشعب وابن أبي شيبة؛ سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب في الساعة التي ترجى في يوم الجُمُعَة، رقم488، 01/306. سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة وَالسُّنَّة فيها، باب ما جاء في الساعة التي ترجى في الجُمُعَة، رقم1138، 01/360. ابن حجر: فتح الباري، 02/419.
(6) - ... رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بلفظ قريب؛ سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجُمُعَة، باب فضل يوم الجُمُعَة وليلة الجُمُعَة، 01/241..سنن الترمذي، أبواب الجُمُعَة، باب في الساعة التي ترجى في يوم الجُمُعَة، رقم487، 489، 01/305، 307. (1/190)
صفحة 191
وتارة كان يقول «هي بعد العصر» (1) .
وتذاكر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما في هذه الساعة فتفرَّقوا كلُّهم على أنَّها آخر ساعة من يوم الجمعة (2) . قال الشَّعْرَانِي: "قال شيخُنا: فتحصَّل من هذا أنَّها تنتقل في ساعات اليوم كليلة القدر، والله أعلم" (3) .
__________
(1) - ... عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إنَّ في الجُمُعَة ساعةً لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عَزَّ وَجَلَّ فيها خيرا إلاَّ أعطاه إِيَّاهُ وهي بعد العصر». سنن أبي داود، كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجمعة، باب الإجابة أيَّة ساعة هي في يوم الجُمُعَة، 01/241.
(2) - ... روى سعيد بن منصور [في سننه] بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أنَّ ناسا من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجُمُعَة ثُمَّ افترقوا فلم يختلفوا أنَّها آخر ساعة من يوم الجُمُعَة. ابن حجر: فتح الباري، 02/421. الشوكاني: نيل الأوطار، 03/246.
(3) - ... الشعراني: كشف الغمة، 01/182. (1/191)
صفحة 192
وعن عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قال «إنَّ الله تبارك وتعالى ليس بتارك أحدا يوم الجمعة إلاَّ غفر له» (1) ، وهذا أمر لا يعلم إلاَّ من الشارع، فهو حديث موقوف (2) . وعنه - صلى الله عليه وسلم - «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلاَّ وقاه الله فتنة القبر» (3) . والمراد بالمسلم في الحديث هو المؤمن الموفي بما أوجب الله عليه، أو المراد به كلُّ مسلم كان موفيًا أو غير موف، ورفع العذاب عنه في القبر لفضل ليلة الجمعة ويومها، ولا يستلزم رفع العذاب عنه في القبر رفع عذاب الآخرة عنه إن كان غير موف بما أوجب الله عليه.
وقانا الله فتنة الدنيا وعذاب القبر ومناقشة الحساب، ورزقنا الله الإبعاد من النار، ومنَّ علينا وعلى أئمَّتنا ومشايخنا وإخواننا بالغفران، ودخول الجنان، وأمَّنَنا من الفزع الأكبر، إِنَّهُ وليُّ المغفرة وهو على ما يشاء قدير.
__________
(1) - ... عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنَّ الله تبارك وتعالى ليس بتارك أحدا من المسلمين يوم الجُمُعَة إلاَّ غفر له» رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني. الهيثمي: مجمع الزوائد، 02/164.
(2) - لعل الصواب: مرفوع. لأن ما لا يعلم إلا من الشارع يعطى حكم الرفع.
(3) - ... رواه الترمذي وأحمد عن عبد الله بن عمرو، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب وليس إسناده بمتَّصل، ربيعة بن سيف إِنَّمَا يروي عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله ابن عمرو، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعا من عبد الله بن عمرو. سنن الترمذي، أبواب الجنائز، باب ما جاء فيمن يموت يوم الجُمُعَة، رقم1074، 02/268. مسند الإمام أحمد، رقم6582، 02/169. (1/192)
صفحة 193
هذا آخر ما يسَّر الله كتابته من "الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة" والله ربُّنا وليُّ قبولها مِنَّا، وهو المرجوُّ أن يثيبنا عليها وعلى صالح أعمالنا، وأن يستر سَيِّئها، ولا حول ولا قُوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم. وصلِّ اللهمَّ على سَيِّد المرسلين وخاتم النبيِّين، وعلى آله وصحبه الفضلاء الكاملين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
وقد وافق تمام تسويدها وكمال تبييضها يوم الجمعة الزهراء لخمس عشرة ليلة خلون من شهر صفر من سنة: 1315هـ.
تمَّتْ بحمد الله تعالى
الملحق رقم (01)
لقاء مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بمكتبه بجامع السلطان قابوس/ روي -مسقط -سلطنة عمان/ حول رسالَةِ الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة ومسائل متعلقة بموضوعِهَا. يوم الإثنين 17جمادي الأولى 1425 هـ _ 05 \07 \2004 م. وقد أجرى المقابلة معه محقق الرسالة. ونسخ الشريط: صالح بن يحي بوكراع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: (1/193)
صفحة 194
فإن صلاة الجمعة شعيرة مقدسة أمر الله تعالى بها في كتابه عندما قال: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } ، فالآية الكريمة أمرت بأن يجاب الداعي يوم الجمعة بحيث يُسعى إلى الصلاة، و يُترك البيع من أجل إقامة هذه الشعيرة. وقد تختلف الأحوال بين فترة وأخرى، قد تكون ظروف تمر على الناس فيها صعوبة الالتقاء والاجتماع، إما لأسباب أمنية وإما لأسباب قهرية أخرى، وهذا ما يجعل الأمر يُتَوسع، بحيث ينظر الفقهاء إلى بعض القضايا بما يلائم حالها. وبما أن الزمن قد اختلف، والعالَمُ بأسره أصبح بمثابة قرية صغيرة بحيث ينظر الإنسان في مكانه إلى ما يجري في أقاصي العالم، وكانت الضرورة داعية إلى تعميم الجمعة في الأمصار والقرى، فإن أصحابنا لو لم يقيموها في وقتنا هذا لأدى ذلك إلى الإحباط في نفوس جمهورهم، ذلك لأنهم يرون الآخرين يسعون إليها ويجتمعون لها، ويقيمون شعائرها في مظهر يأخذ بمجامع الألباب، وهذا مما يؤدي إلى أن يقع في نفوسهم حرج ربما تكون له ردة فعل عنيفة، فمن الضرورة في وقتنا هذا أن تقام الجمعة ولا يجوز أن يقال بأنها يسوغ تركها، أو أنها يمكن أن يُتساهل فيها فيسوغ فعلها وتركها، بل نقول: تجب على القادر على السعي إليها، لأن الله تعالى يقول: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } فأمر بالسعي إلى ذكر الله، والسعي إلى ذكر الله إنما هو السعي لاستماع الخطبة والصلاة، ، والأمر للوجوب، وقد نِيطَ ذلك بالنداء إليها، وقد نودي إليها، فأي عذر للإنسان في التخلف عنها بعد ذلك؟ (1/194)
صفحة 195
على أننا نجد علماءنا المتقدمين كانوا أشداء في أمر الجمعة حِرَاصا عليها. نحن نجد مثلا أن الإمام جابر بن زيد -رحمه الله- كما جاء في كتاب سير المسلمين (1) كتب إليه أهل عمان يسألونه عن صلاة الجمعة هل تلزم من لم يسمع نداءها؟ فأجابهم: لو لم يسع إليها إلا من سمع نداءها لقلّ الساعون إليها، يُسعى إليها من فرسخين وثلاثة. وجاء أيضا في سير المسلمين: أن الإمام صحار بن عباس العبدي -رضي الله تعالى عنه- كان يسعى إليها من بُعد بَعيد، لأنه كان يسعى إليها من بعد صلاة الفجر ويصل إليها في ميقاتها، وعندما يؤديها يقفُل إلى أهله راجعا فيصل إليهم عند المغرب، ومعنى ذلك أنه يقضي سحابة نهاره في ذلك اليوم في طريقه وفي أداء الجمعة، بحيث يُعطِّل كل عمل من الأعمال.
__________
(1) - علماء وأيمة عمان: السير والجوابات، 01/291. (1/195)
صفحة 196
وقد كان الحجاج بن يوسف يطيل الخطبة يوم الجمعة ويؤخر الجمعة عن ميقاتها، فَلَرُبما طالت الخطبة حتى كاد وقت الظهر يمضي ويكاد أحيانا وقت العصر يمضي، ووجد الناس من ذلك في نفوسهم حرجا شديدا، وعندما مات الحجاج وأعيدت الجمعة إلى وضعها الطبيعي وإلى ميقاتها الشرعي قال ضمام -في رواية، وصحار في رواية أخرى- قال: "الحمد لله الذي رد إلينا جمعتنا، لو كانت الجمعة بخراسان لكانت أهلا لأن تؤتى". كذلك نجد الإمام حاجب بن مسلم -رحمه الله تعالى- كان حريصا على صلاة الجمعة، وفي عام من الأعوام سجنه الحجاج قبل ميقات الحج، وكان يريد أن يذهب إلى الحج فأطلقه قبل الموسم، أي قبل شهر ذي الحجة بثمانية أيام، فشد رحله للسفر إلى الحج ثم تذكر أن ذلك اليوم يوم جمعة فقال: إن في نفسي من الجمعة لحاجة، فقالوا له: يا حاجب أنت بالبصرة وبينك وبين الموسم ثمانية أيام وتنتظر الجمعة؟ قال: "إن في نفسي من الجمعة لحاجة"، فشهد الجمعة وتخلف عن الركب، وركب من بعد صلاة الجمعة ولحق بالركب بعد يومين في مكان يسمى "الوبيل". ذكر ذلك كله الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل -رحمه الله- في رسالتيه اللتين وجههما إلى أهل عمان وإلى أهل حضرموت (1) . وهذا مما يدل على أن الجمعة كان السلف حريصا عليها، فإذا لا ينبغي التردد فيها والتساهل معها. وأما ما قيل فيها من أقوال تدل على أنها مشروطة بشروط فنحن نُقدر القائلين بذلك ونحترمهم ونقول: إن المسألة لا تخرج عن كونها مسألة رأي، وذلك اجتهادهم الذي يتلاءم مع ظروفهم ومع ما تُمليه هذه الظروف من الأحوال، ولكن مع ذلك علينا أن نرجع من ناحية إلى الدليل الشرعي وأن نرعى مصلحة الأمة، فمصلحة الأمة إنما هي في الاجتماع يوم الجمعة وإقامة هذه الشعيرة المقدسة والحفاظ عليها وعدم التفريط فيها.
(
__________
(1) - م س، 01/292. (1/196)
صفحة 197
س01): يقول العلامة السالمي: "آية الجمعة ليست نصا في إيجاب صلاة الجمعة بحسب ظاهرها كما ترى" ثم يقول: "وإنما إيجابها بانضمام ما علم من السنة إليها. وإذا حول الخصم استدلاله إلى السنة جئناه بأدلة من السنة ...إلخ ؟ ما قول سماحتكم في هذا؟
(ج01): لا ريب أن الآية دلت على وجوب صلاة الجمعة دلالة إجمالية، ولكن لا يقال بأنها ليست دليلا على وجوب الجمعة لأن الله تعالى قال: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا } فقد أمر بالسعي، وبترك البيع، وقد نص العلماء على أن البيع يكون حراما بسبب هذا النداء، فإذا هذا دليل على وجوبها، وأي دليل على الوجوب أدل من ذلك؟! وإن كانت هذه الدلالة إجمالية فقد بينت بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبتقريره، على أن هنالك أدلة من السنة تؤكد ذلك، فمن ذلك الحديث الذي روي من طريق أبي مسعود «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه» والحديث الآخر «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين»، هذه الأحاديث تؤكد ما دل عليه القرآن الكريم، وليس فوق دلالة القرآن دلالة. وإذا قلنا بأن تلك دلالة إجمالية فهذه الدلالة من السنة النبوية تدل على أن السعي إلى الجمعة واجب، وأنه لا يعذر الإنسان إن ترك هذا الواجب، لأنه يؤدي إلى الختم على القلوب -والعياذ بالله- حتى يكون هذا المختوم على قلبه من الغافلين، وكذلك يؤدي إلى الطبع عليها وهذا مما فيه خطورة كبيرة، فالأحاديث متضافرة كلها تدل على ما تدل عليه الآية من وجوب السعي إلى الجمعة.
(س02):كون الجمعة فرض عين وإفتاء العلماء بجواز صلاة من صلى في بيته من غير عذر، كيف يوفق بينهما؟ فإذا كانت فرض عين فكيف يسقط هذا الفرض العيني مع أنه تخلف من غير عذر؟
( (1/197)
صفحة 198
ج02): نعم، هي فرض عين، ولكن لو صلى الإنسان في بيته وتخلف عن الجمعة ففي هذه الحالة لو قلنا بأنه لا يجزيه ما فعل لَوَجَبَ عليه القضاء، فهل يقضي جمعة؟ وبأي طريقة يقضي هذه الجمعة؟ مع أن الجمعة لا يمكن أن يقيمها الفرد بنفسه وإنما تكون في جماعة وتكون في المسجد وتكون مرتبطة بشروط لابد منها حتى تصح، هذه الشروط لا يمكن أن تتوفر للفرد بنفسه بحيث يقيمها بنفسه، فيكون هو الخطيب وهو المستمع وهو الإمام وهو المأموم وهو المؤذن والمقيم بجانب كونه إماما، كل ذلك مما يتعذر، فلذلك قالوا بأنه لا يحتاج إلى إعادة مع كونه آثما بفعله ذلك وعليه التوبة إلى الله مما فعله.
(س03): ما حد المشقة التي تبيح عدم شهود الجمعة؟
(ج03): المشقة التي تبيح عدم شهود الجمعة هي المرض المانع من شهودها، ولو شهدها لتكلف وشق عليه، والإنسان طبيب نفسه، فإن كان يرى الأمر عسرا؛ بحيث إن تلك المشقة لا يحتملها لشدة مرضه أو كان بلغ من الكبر عتيا وضعف وصار لا يستطيع السعي إلى الجمعة؛ فإنه يعذر في هذه الحالة. وكذلك الخوف بحيث لو حضرها لأصيب بما يكره في نفسه أو في عرضه أو أهله أو ماله أو نحو ذلك، ففي هذه الحالة يعذر لو صلاها في بيته.
(س04): وهل بُعْدُ المسافة يمكن أن يكون حدا لذلك؟
(ج04): ما دام هو لا يقصر الصلاة ويمكن أن يؤويه الليل إلى أهله فليسع إلى الجمعة.
(س05): بعض الناس في موسم جني التمر يشتغلون بجني تمورهم يوم الجمعة لكونه يوم عطلة يمكن الاجتماع فيه، فتدركهم صلاة الجمعة ولم يفرغوا بعدُ من عملهم فلا يحضرونها، فهل هذا عذر مبيح للتخلف عن الجمعة؟
(ج05): لا، هذا ليس عذرا، وعليهم أن يجيبوا النداء.
(س06): بعضهم يتعلل بأن الحديث نص على الختم على القلب بعد ثلاث مرات، فما قول سماحتكم؟
( (1/198)
صفحة 199
ج06): الحديث يفيد التأكيد على ضرورة المحافظة على الجمعة، والتحذير من التهاون في السعي إليها، ولا يدل على جواز التخلف عنها أقل من ثلاث مرات متتابعة، فإنه لو جاز التخلف مرة لجاز أكثر منها، ولكن المعصية إن تكررت كان أثرها في النفس أبلغ، والله أعلم.
(س07): ننتقل إلى الشروط التي ذكرت لصحة ووجوب الجمعة، فالعلامة السالمي يقول: " أما ما سنذكره في هذا المقصد فلا تصح بدونه أصلا وهذا مذهبنا"، وقال: "فأما المصر والإمام فهما شرطان لوجوب الجمعة ولصحتها فلا تجب الجمعة ولا تصح إلا عند حصولهما معا" ما قولكم في هذا سماحة الشيخ؟
(ج07): هذا رأي قاله جماعة من علماء المذهب، ولا يلزم -إن قال هذا هو المذهب- أن يكون إطباق جميع علماء المذهب عليه، فإن هناك من العلماء من قال: يجب أن تصلى في جميع الأماكن وفي جميع القرى وفي أي مكان كان؛ مثل ابن النضر ومحمد بن الْمُسبح.
وكذلك وجدنا نحوه عن العلماء السابقين، وفي الجواهر المنتقاة للبرادي -رحمه الله- ما يدل على هذا، هؤلاء كلهم من علماء المذهب وهم كانوا يرون خلاف هذا، ويرون وجوب السعي إلى صلاة الجمعة، فلذلك لا يمكن أن نقول بأنه قول جميع علماء المذهب، وإنما كان هذا الرأي معمولا به لظروف أملت ذلك في وقتهم، ولا يلزم أن يُتقيد بهذا الرأي وأن يسير عليه أتباع المذهب في كل عصر.
(س08): هل يمكن أن نقول بأن قوله:"هذا مذهبنا" بأنه هذا هو الذي جرى عليه أكثر المذهب أو الذي اشتهر عندهم.
(ج08): نعم.
(س09): ما قول سماحتكم في مسألة اشتراط الإمام لصحة ووجوب الجمعة، وفي الأدلة التي استدل بها عليها؟
( (1/199)
صفحة 200
ج09): الدليل على ذلك ضعيف جدا، وهو حديث جابر عند ابن ماجة، وهو في منتهى الضعف، وقد ورد من طرق متعددة عن جابر بن عبد الله، ولكن كلها ضعيفة ولم يصح شيء منها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الدليل قال: «الإمام العادل أو الجائر» فما قيمة الإمام الجائر حتى تناط به عبادة من العبادات؟ مما يدل على أن نفس الاستدلال بهذا ضعيف. وجماعة المسلمين في كثير من الأمور تقوم مقام الإمام، فعندما تجتمع جماعة من المسلمين على مصلحة من المصالح فإنها تقوم مقام الإمام، ولذلك قالوا: بأن الكتمان يأخذ من الظهور، والظهور لا يأخذ من الكتمان. فما المانع من أن تقوم جماعة المسلمين بهذا؟
(س10): يقول في الطلعة: "والموقوف لا تقوم به حجة ولا الضعيف"، ثم يقول في الشرح: "وإذا أتى شيء عن صحابي موقوفا عليه مما لا مجال للاجتهاد فيه كقول ابن مسعود: من أتى ساحرا أو عرافا فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - فحكمه الرفعُ تحسينا للظن بالصحابة، قاله الحاكم". وقال في موضع آخر -بعد شرح معنى المقطوع والموقوف والضعيف والمنكر والشاذ والموضوع-: "هذه الأنواع كلها لا تقوم بها حجة على المخالف ويصح العمل ببعضها دون بعض". فقد حكم بعدم قيام الحجة بالموقوف في رجزه ثم حكى ما قاله الحاكم: بأن حكمه حكم المرفوع، ولم يشر بلفظ التمريض "قيل" حتى نعلم أن رأيه غير ذلك، ولم يعقب عليه بالتفنيد ولا بالتصحيح، ثم ذكر أخيرا حكم تلك الأنواع التي ذكرها بأنها لا تقوم بها حجة مع صحة العمل ببعضها.
وكذلك في الحديث الضعيف، فبالرغم من كل ما قيل في حديث جابر -الذي ذكرتموه- في فرض الجمعة والوعيد على تركها خلف أئمة العدل والجور فإنه قد جعله أصل مسألة وجوبها خلف أئمة الجور، في حين أنه هو لا يقول بالحديث الضعيف. فما تعليق سماحتكم على هذا؟
(ج10): في حقيقة الأمر، لعله التبس عليه الأمر، وما كان في ذلك الوقت -عندما ألف هذا الكتاب- يدرك ضعف هذا الحديث.
( (1/200)
صفحة 201
س11): حديث جابر قد جاء أيضا من رواية أبي سعيد الخدري وهي أوثق من رواية جابر، وقد قال فيها الهيثمي: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه موسى بن عطية الباهلي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقاة" فربما كان اعتماد الإمام السالمي على هذه الرواية؟
(ج11): ذلك محتمل. على أن حديث أبي سعيد هذا قد ضعفه جملة من العلماء من أجل فضيل بن مرزوق وعطية العوفي؛ فأما فضيل بن مرزوق فقد وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وممن ضعفه: أبو حاتم والنسائي والحاكم وابن حبان. وأما عطية العوفي فقد ضعفه جمهور المحدثين. (1)
(س12): وأنتم سماحة الشيخ ألا تعتمدون على هذه الرواية عن أبي سعيد الخدري في قضية اشتراط الإمام؟
(ج12): في اشتراط الإمام كما قلنا نظر، فما قيمة الإمام الجائر حتى تناط به عبادة، ويكون هو شرطا لصحة تلك العبادة؟ مع أن هذا أمر تعبدي بين العباد وبين ربهم -سبحانه وتعالى- لا عبرة فيه بعدالة الإمام وجوره، فإذًا القضيةُ قضيةُ عبادة، فلا دخل للإمام فيها وإن ارتبطت بها مصالح اجتماعية.
(س13): فسماحتكم ترون أن ذكر جور وعدالة الإمام علة قادحة في متن الحديث ولو صح سنده؟ وأن اشتراط الإمام لا دليل صحيح عليه، فيبقى الأمر على العموم والإطلاق؟
(ج13): نعم.
(س14): يقول الإمام السالمي: "وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يصلون الجمعة وغيرها من الصلوات خلف عثمان وعماله بعدما نقموا عليه أفعاله وأنكروا عليه أقواله ووضعوا إمامته عن رقابهم"، فهل صح أن الصحابة قد وضعوا إمامة عثمان؟
(ج14): مما لا شك فيه أنه كانت هناك مناقشات بين الإمام عثمان والصحابة في الأحداث التي كانت في وقته، ومطالبته بالتوبة وبأن تُرد الحقوق إلى أهلها، ولكن الأعوان الذين كانوا معه هم الذين كانوا يلبسون عليه أمره. مما جعل الصحابة يتركونه ويهملونه.
__________
(1) - انظر: ابن عدي: الكامل، 6/19. المزي: تهذيب الكمال، 13/90، 15/119. ابن حجر: تهذيب التهذيب، 7/200. (1/201)
صفحة 202
وقول السالمي: وضعوا إمامته عن رقابهم، لعله يقصد به التخاذل عن المناصرة، وهو أمر ما فيه شك، لأنه قتل في المدينة بين ظهراني المهاجرين والأنصار.
(س15): لكن هل يجوز للمسلمين أن يتركوا أمر الإمامة في ذلك الوقت؟ فإما أن يكونوا موالين له وبيعته في أعناقهم، وإما أن يكونوا قد خلعوه وبالتالي يبايعون غيره، كما هو الشأن بعد وقعة صفين؟
(ج15): لعل ظروفهم اقتضت ذلك، فقد كان الصحابة يأتون إلى عثمان ويحاورونه وكان الإمام علي بن أبي طالب من بين هؤلاء، فكان الإمام عثمان يتعهد لهم بمنع مروان بن الحكم. ومن جهة أخرى فإن مروان كانت له مطامح ومقاصد، ويريد أن يتوصل إلى غرض من وراء الخليفة الذي بلغ من الكبر عتيا؛ فلعلهم خشوا الفتنة في ذلك الوقت وتركوا الأمر كما هو.
(س16): لكن أصحابنا لم يخشوا الفتنة بعد صفين عندما عينوا الإمام، ووضعُهُم كان أشد خطورة –باعتبار- من وضع الصحابة أيام عثمان.
(ج16): لقد رأوا ذلك، وكان لهم رأيهم.
(س17): ما قول سماحتكم في اشتراط إذن الإمام في صحة الجمعة؟ وهل ترون عدم جواز صلاة من صلى الجمعة بغير إذن الإمام (الحاكم)؟
(ج17): هذه من الأمور التي ينبغي أن يعاد النظر فيها، ونحن مع رأي من لا يرى إذن الحاكم شرطا في صحة الجمعة، ومن صلاها بغير إذنه فقد جازت.
(س18): ما قول سماحتكم في الاستدلال على اشتراط المصر بحديث «لا جمعة إلا في مصر جامع»؟
(ج18): هذا حديث موقوف على الإمام علي -كرم الله وجهه- وهو حديث ضعيف، ثم إنه موقوف على الإمام علي فكيف نستدل به؟
(س19): لكن الإمام السالمي ذكر النصوص التي قالت برفع هذه الرواية؟
(ج19): مهما كانت هذه الرواية، فما معنى التشريق في قوله «لا جمعة ولا تشريق»؟
إن كان المراد بذلك صلاة العيد فمن الذي يقول إن صلاة العيد مشروطة بالمصر، ألا تصلى صلاة العيد في جميع الأماكن؟ (1/202)
صفحة 203
والإمام السالمي بنفسه تحدث عن المصر في مواضع أخرى، وبيَّن أن اشتراط المصر (مصر معين، مصر ممصر) أمر صعب، فقد قال:
لأنما التمصير حال يعرض فيستقيم تارة ويمرض
فهذه صحار بعد العزة وبعدما كان لها من منعة
صارت كأدنى بلد يعتبر ومسكدا مكانها قد عمروا
(س20): سماحة الشيخ، هل نفهم من كلامكم أنكم تميلون إلى القول بأنها تقام في القرى والمسافي، وأنه إذا رأى أهل النظر إقامتها أقيمت بغض النظر عن كونها في قرية أو مدينة كبيرة.
(ج20): نعم، وهذا الذي نعمل به الآن.
(س21): إذا، أنتم لا ترون منع تعدد الجمعة في المصر الواحد؟
(ج21): نرى أن الأصل عدم التعدد إن أمكن الاجتماع، لكن إن كان الاجتماع فيه مشقة فينبغي أن يؤخذ باليسر، والله تعالى يقول: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (البقرة:185)
(س22): بناء على ذلك إذًا، فحيث أقيمت أجزت عمّن صلاها هنالك، وأدى ما عليه من فرض عين بصلاتها؟
(ج22): نعم.
(س23): ما قول سماحتكم في حديث "جُواثى" الذي ساقه الإمام السالمي للاستدلال على مسألة اشتراط المصر؟ ولماذا لم تمصر مكة بعد الفتح مباشرة، ومصرت إلى عهد عمر بن الخطاب؟
(ج23): حديث "جواثى" بأنها ثاني جمعة أقيمت بعد جمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث رواه البخاري من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه أيضا بعض أصحاب السنن من رواية ابن عباس أيضا، فهذا دليل على أن صلاة الجمعة هناك كانت متأخرة، فربما كانت هنالك ظروف روعيت في ذلك الوقت، ولكن بما أن الإجماع انعقد على صلاتها في مكة وصلاتها في بقية الأماكن أصبح ذلك الإجماع حجة على جواز أن تصلى الجمعة في غير هذه الأماكن التي كانت تصلى فيها من قبل.
(س24): الآن نأتي إلى بعض المسائل الفرعية في صلاة الجمعة.
هل ترون أن الخطبتين بدل من الركعتين في الصلاة بدلالة بعض الأحكام التي وردت مثل: «من قال لأخيه صه والإمام يخطب فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له»؟
( (1/203)
صفحة 204
ج24): الاستدلال بذلك على أن الخطبتين بدل من الركعتين استدلال ضعيف، لأن هذا الاستدلال يقابل بأمور أخرى، منها: أن من فاته شيء من الصلاة أُمر باستدراكه «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» بينما الخطبة لا يعتبر من فاته شيء منها أو من فاتته الخطبة كلها بأنه فاتته الصلاة، بل يصلي الصلاة وقد تُقبلت منه من غير أن يستدرك شيئا. ثم إن الخطبة تُستدبر فيها القبلة، والصلاة لا تستدبر فيها القبلة، وهو مما يدل على أن الخطبة ليست هي الصلاة، وليست بدلا من الصلاة، وإنما هي شرط لصحة الصلاة وليست شطرا منها.
(س25): لكن نجد –مثلا- حديث من لغا في وقت الجمعة يبطل الصلاة ؟
(ج25): هذا لأجل حث الناس على الإصغاء إلى الخطبة ليستفيدوا من الخطبة، لأن الخطبة فيها ذكر الله تعالى، ومشتملة على الآيات القرآنية والله تعالى يقول: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } (الأعراف:204)، من هذا الباب كان الأمر بالإنصات وتحريم اللغو في الخطبة.
س26): وما معنى قوله «فلا جمعة له» ؟
(ج26): قوله «فلا جمعة له»، هذا مما اختلف فيه العلماء، منهم من قال: معنى ذلك أنه فاته ثواب الجمعة ولكن الفرض يصح، وقد حكى الإجماع عليه بعض قومنا، أما أصحابنا فعندهم الاختلاف في ذلك هل تكون صلاته صحيحة أو تجب عليه إعادتها.
(س27): في أحد المساجد تعدى أحد المجانين على الخطيب وهو على المنبر، فرأت جماعة المسجد أن تترك فرجة خلف سترة الإمام إلى باب المسجد وقت الخطبة ليتسنى لبعض الحرس التدخل في وقت الحاجة، لكن هذا تسبب في عدم استطاعة رص الصفوف قبل تكبير الإمام تكبيرة الإحرام، ألا ترون سماحتكم أن الأولى عدم ترك تلك الفرجة لما ينجر عنها مما ذكر؟
(ج27): هذا حسن، لكن ليس هناك دليل على وجوب رص الصفوف في وقت الخطبة، أما في الصلاة فنعم.
(س28): حتى الذين يتكئون على الجدران ولا يستقبلون القبلة لا يبلغ بهم الأمر إلى النقض.
(ج28): نعم.
( (1/204)
صفحة 205
س29): مسألة رد السلام والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وتشميت العاطس وقت الخطبة؟
(ج29): الذين شددوا في رد السلام قالوا بأن المُسَلِّم أضاع سلامه، لأنه مأمور ألا يُسلم في ذلك الوقت، ذلك لأن الناس مشغولون ولا يسلم على مشغول.
ونحن نرى أنه إن كان ذلك فليكن بصوت خافت لا يشغل الناس عن سماع الخطبة.
(س30): وهل يقال ذلك أيضا في تشميت العاطس؟
(ج30): نعم، والعلماء منهم من رخص، وكثير شددوا.
(س31): ما تقولون في مسألة الدعاء والذكر بين الخطبتين؟
(ج31): ما المانع من ذلك؟ ليس هناك دليل على المنع. والمنع من الحديث وقت الخطبة لئلا يكون الحديث إعراضا عن سماع الخطبة. وعند جلوس الخطيب بين الخطبتين لا تكون الخطبة، فما المانع من الذكر والدعاء؟ على أنه وجد في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- كان على المنبر فدخل أحد من السابقين الأولين من المهاجرين فكلَّمه عمر ورد عليه، قال عمر: أفي هذه الساعة؟ قال: كنت في المزرعة وما زدت على أن توضأت. قال عمر: وتوضأت؟! وقد سمعت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ... الخ، فهذا حوار كان في وسط الخطبة، فما المانع إذا من أن يدعو الداعي بين الخطبتين ما دام الخطيب صامتا لا يتحدث بشيء؟
(س32): ماذا تقولون في الخطبة بغير العربية هل تصح بها الجمعة أم لا؟
( (1/205)
صفحة 206
ج32): إن كان المستمعون غير عرب بحيث لا يفهمون العربية فما المانع من أن تكون الخطبة باللغة التي يعرفونها؟ والله تعالى يقول: { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } ، والمراد البيان لهم، وليس هذا تعبدا، وليس كقراءة السورة من القرآن التي لا تُغيَّر عن وضعها، لأنها لو ترجمت لذهب إعجازها وذهب رونقها، ولم تكن هي كلام الله تعالى. أما الخطبة فهي من كلام البشر وفيها من كلام الله، وإنما يؤتى فيها بأركان الخطبة بالعربية؛ من البسملة والحمدلة والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والشهادتين، والأمر بتقوى الله وقراءة آية من القرآن. أما بقية الخطبة فما المانع من أن تكون بغير العربية؟
(س33): هل نفهم من هذا أنه بناء على أنها ليست جزءا من الصلاة يجوز فيها الكلام الدنيوي العادي الذي يفهمه الناس؟
(ج33): نعم إذا كان ليس فيه ما يتنافى مع الدين، ومع معنى الذكر.
الملحق رقم (2)
رأي الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي (1) في اشتراط المصر للجمعة، وفي تعددها في المصر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، وسار على نهجه، أما بعد: فاعلم أن صلاة الجمعة فريضة واجبة بنص كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الثابتة عنه ثبوتا أوضح من شمس الظهيرة، وقد اتفقت كلمة الأمة الإسلامية على ذلك، إلا أن العلماء قد اختلفوا في بعض شروطها، ولهم في ذلك كلام كثير يطول به المقام، وليس على أكثره دليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة الثابتة عنه، والذي يهمني في هذا الجواب المختصر اشتراط المصر لإقامتها.
__________
(1) - مستشار شرعي في مكتب الإفتاء بسلطنة عمان. وقد أفادنا بهذا الجواب إثر مقابلة شخصية في مكتبه بتاريخ 20/11/2006م. (1/206)
صفحة 207
والذي أقوله في هذه القضية: إنه لم يثبت في اشتراط المصر ولا في عدم اشتراطه دليل صريح في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، إلا أنه قد ثبت في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل دلالة واضحة جلية ظاهرة غير خفية ما يقتضي تعدد الجمعة، وأنها ليست محصورة في مواضع معينة لا يجوز تجاوزها، وقد قلت في جواب أرسلته إلى المغرب في الرد على من طالب بالسنة في تعدد الجمعة في المصر –بعد كلام- ما نصه:
وأين السنة في إقامة الجمعة في الأمصار؟ وإذا سُلِّمَ أنه لم ترد سنة في إقامة الجمعة في الأمصار فلا يصح أن يُطالَبَ بالسنة في تعددها في مواضع من المصر، وذلك لأنه لم يثبت في التعدد ولا في منعه حديث صريح عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاطع للنزاع، إلا أنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يقتضي مشروعية تعددها، وذلك ظاهر من أمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بإقامتها في جُواثَى بالبحرين. (1/207)
صفحة 208
وقد أجمع الصحابة –رضوان الله تعالى عليهم- على إقامتها في عدة مواطن، على اختلاف بين العلماء في عدد تلك المواطن. وفي ذلك دليل واضح، وحجة نيرة على أن السنة لم تحصر إقامتها في أماكن معينة، وإلا لما صحت الزيادة على ذلك. وإذا صح للصحابة أن يأمروا بإقامتها في غير المواضع التي كانت تقام فيها في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وفي عهد خليفته الأول –رضي الله تعالى عنه- فَلِمَ لا يجوز لغيرهم أن يأمروا بها في غير تلك المناطق إذا اقتضت المصلحة ذلك؟ فإن قيل: إن الصحابة قد أجمعوا على صلاتها في الأمصار، قلنا: وذلك هو دليلنا على جواز الزيادة، لأن ذلك الإجماع قد دلنا دلالة واضحة على عدم حصرها في مواضع معدودة، وأن عدم أمره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعدم أمر الخليفة الأول وموافقة الصحابة قاطبة له على ذلك لم يكن مانعا من إقامتها في تلك المواطن التي لم تكن تصلى فيها في عهد الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعهد خليفته الأول –رضي الله تعالى عنه-. (1/208)
صفحة 209
وكما أن الصحابة –رضوان الله تعالى عليهم- لم يستدلوا بعدم الأمر بإقامتها في عهده -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعهد خليفته الأول - رضي الله عنه - في غير المكان الذي كانت تقام فيه فلا يمكن لغيرهم أن يستدل بإجماع الصحابة على ترك إقامتها في غير الأمصار التي صلوها فيها، لأن ذلك الترك في حقيقة الواقع ليس إجماعا على ترك إقامتها فيمالم تقم فيه، وإنما يعتبر إجماعا على مشروعية إقامتها فيما أقيمت فيه مع عدم التعرض لغير تلك المواطن بنفي ولا إثبات. إلا أن إثبات جواز الزيادة يؤخذ من زيادتهم على ما كان عليه الأمر في عهد الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعهد خليفته الأول –رضي الله تعالى عنه- كما قدمنا. فإن قيل: لو كان التعدد في المصر الواحد جائزا لما تركوا الأمر بتعددها، وإلا لكانوا تاركين للأمر بفرض واجب، وحاشاهم عن ذلك؛ قلنا: لا تكون صلاة الجمعة فرضا واجبا إلا عندما يؤمر بها، أما قبل ذلك فلا، وهذا أمر واضح لا يخفى على من يعرف الحجة ويفقه معنى الاستدلال، على أن هذا الاعتراض لو كان له نصيب من الصحة لوجب أن يوجه إلى الصحابة –رضوان الله تعالى عليهم- بسبب عدم أمرهم بإقامتها في الأمصار السبعة أو الثمانية في عهد الصديق - رضي الله عنه - ، وما أجيب به عن ذلك أن لو وجهه أحد فهو جوابنا عن اعتراضكم هذا، والله تعالى أعلم.
فإن قيل: إن بعض العلماء قد احتج على عدم جواز التعدد بدليلين، أحدهما ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «لا جمعة ... إلا في مصر جامع»، وحديث «أربع إلى الولاة» وذكر منها الجمعة. وثانيهما أن صلاة الظهر فرض باتفاق، والجمعة مختلف فيها -أي في غير المواضع المجمع على إقامتها فيها- ولا يجوز ترك المتفق عليه لأجل المختلف فيه. (1/209)
صفحة 210
فجوابنا عن ذلك أن الحديثين لم يردا عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من طريق صحيحة ولا حسنة، وما كان كذلك فلا يصح الاحتجاج به بوجه، على أنه لا حجة في الأثر الثاني على عدم التعدد، وإنما غاية ما فيه -على تقدير ثبوته- أن أمر ذلك منوط بولاة الأمور. والأول أيضا لا دليل فيه على أن ذلك محصور في الأمصار السبعة أو الثمانية كما هو ظاهر. على أن هذه الأمصار لم تكن ممصرة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باتفاق الجميع، فلا يمكن أن تكون هي المرادة من الحديث على تقدير صحته، وإن كان احتمال صحته بعيدا جدا.
وأما الدليل الثاني فجوابه أن الأمة لم تجمع على أن صلاة الظهر فريضة؛ بل ولا على أنها صحيحة في المواضع التي تصلى فيها الجمعة، وأما إجماعهم على صحة صلاة الظهر قبل إقامة الجمعة، أو في المواضع التي لا تصلى فيها الجمعة فذلك أمر آخر لا علاقة له فيما نحن بصدده. وبذلك ينهدم ما استدل به القائلون بعدم مشروعية التعدد، والحمد لله حق حمده. (1/210)
صفحة 211
هذا ومن الجدير بالذكر أن الأمة شبه مجمعة من حيث العمل على عدم حصر الجمعة في الأمصار السبعة أو الثمانية التي يدعي بعضهم أن الجمعة محصورة فيها، ودليل ذلك أن الأيمة الرستميين –رضوان الله تعالى عليهم- قد صلوها في بلاد المغرب، وتلك البلاد ليست من الأمصار السبعة أو الثمانية، وقد صلاها الأيمة العمانيون من بعد الإمام الوارث بن كعب –رضي الله تعالى عنه- في نزوى مع بقاء إقامتها في صحار، وكذا أقامها بعض الأيمة في الرستاق، وأمر بها الإمام محمد بن عبد الله الخليلي –رضي الله تعالى عنه- في جعلان، ومن المعلوم أنه لا خصوصية لِجعلان دون غيرها، وإنما رأى الإمام – رحمه الله تعالى- المصلحة داعية إلى إقامتها فيها في ذلك الوقت، ولو كان التعدد غير جائز لما أمر بها فيها، إذ لا يجوز ترك فريضة الظهر لأجل تلك المصلحة، بل ولا مصلحة في ترك واجب، ولا في فعل محجور كما هو غير خافٍ، بل قد همَّ هذا الإمام –رحمه الله تعالى- بأن يأمر بها في مدن عُمان، قال الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق -في جواب مخطوط بقلمه بعد كلام في هذه المسألة-: "وَيحتج علينا بعضهم بما مضى عليه الأيمة من اكتفائهم بإقامتها في صحار ونزوى، أو حيث يكون الإمام، ولا سيما الإمام الخليلي، لأنه من أوفرهم علما وقد طالت أيامه، والجواب على هذا: أن هذا الإمام هو الذي أباح أو أمر أهالي "جعلان بني بوحسن" أن يقيموا الجمعة في بلادهم، فاستمرت إقامتها إلى أن توفي الإمام -رضوان الله عليه- فلو لم يجز تعددها في المصر عنده لما أجاز لهم ذلك، وإن جازت في جعلان فَلِمَ لا تجوز في غيرها؟ وعلاوة على ذلك فإن الشيخين سليمان بن عبد الله الباروني وسعيد بن ناصر الكندي، وهما من أعلام المسلمين أشارا على هذا الإمام بأن يأمر بإقامتها في جميع البلدان الرئيسة من داخلية عُمان، فأجابهما بأنه يريد الموافقة على ذلك من الشيخين الفقيهين عيسى بن صالح الحارثي وماجد بن خميس (1/211)
صفحة 212
العبري، فوافقا على ذلك، وكنتُ حاضرا وموافقا مع شيخنا ماجد، ولكن الإمام رأى تأخير الأمر بإقامتها في ذلك الأوان حذرا من أمور ذكرها لنا، لا من أجل عدم جواز تعددها، والأمور التي كان يحذرها قد ذهبت الآن فزال المحذور، فما بقي إلا العمل بما رآه أولئك المشايخ الجهابذة -رحمهم الله-"، اهـ.
وقد أمر بتعددها الإمام العادل عمر بن الخطاب الخروصي العُماني –رضي الله تعالى عنه- الذي قال في حقه الإمام نور الدين السالمي - رضي الله عنه - :
وفي بني اليحمد من أسد الشرى إمام صدق كان يدعى عمرا
كذا أبوه يدعى بالخطاب مساميا لعمر الصحابي
من نسل شاذان وذاك العلم دوخ أهل الظلم حين ظلموا
فقد قضى على بني نبهانا جبابرا كانوا على عُمانا
قضى بأن مالهم لمن ظُلِم من العمانيين لكن ما علم
فجعلوا ذلك بيت مال لجهلهم بمالك الأموال
وكان ذا يعرف بالتغريق ما أشبه الفاروق بالفاروق
شابهه في الاسم والتصلب على أولي الظلم فلا تستعجب
فقد أمر هذا الإمام –رضوان الله تعالى عنه- بتعددها في مدن عُمان، كما يؤخذ ذلك من رسالة للشيخ محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج –رحمه الله تعالى- حول هذه القضية.
هذا وقد قال بهذا القول جماعة من العلماء والمشايخ، وإليك بعض نصوصهم في ذلك:
1- قال الشيخ العلامة محمد بن علي بن عبد الباقي –رحمه الله تعالى-: "لم يأت في الكتاب ولا في السنة ذكر مصر ولا غير مصر، وإن مولانا لا يسألنا عن صلاتها، بل يسألنا عن تركها، لأمره العام لنا غير الخاص، وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - "، اهـ. (1/212)
صفحة 213
2- قال الشيخ محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج –رحمه الله تعالى- في جواب له عن إقامة الجمعة في غير الأمصار الممصرة: "إثباتها بكتاب الله العزيز وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فلو كانت غير لازمة ما شرطوا رواية الرسول في كثير من الكتب، وكفى بكتاب الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - حجة وبرهانا، ومن شك فيها وفي إجازتها فقد شك في كتاب الله وكلامه وكلام رسوله، أم أنزل بعد وفاة رسول الله كتاب ينسخها؟ وهل نزل بعده وحي في تعطيلها؟ فقد يجزي عن الزيادة، فقد اكتفينا بقول خالقنا عن قول مخلوق، ولا حجة إلى مخلوق فيها، ومثل ذلك لو سأل سائل عن مسألة أجبته فيها إنها جائزة أو غير جائزة، وقلت الدليل على إجازتها ما وجدته في الأثر عن فلان بن فلان العالم، وهذه صلاة الجمعة إن سألك السائل عن إثباتها وإجازتها، قلت نعم جائزة لازمة واجبة على ما وجدته من كتاب الله عز وجل، وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى تمام التلاوة والرواية، فهذا أقوى الحجج والدلائل، والاعتراض على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه المرسل غير مقبول من المعارض ولا مسموع، والله أعلم. قال محمد بن علي بن عبد الباقي في إثبات صلاة الجمعة وإجازتها في الأمصار الممصرة وغير الممصرة خلف أهل العدل وأهل الجور: "والحجة من كتاب الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع .... } إلى آخر السورة. ولم يأت عن أحد نسخها بآية ولا برواية ... (1/213)
صفحة 214
" إلى أن قال:"ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ذكر مصر ولا غير مصر، والأمصار ما مصرها إلا عمر بن الخطاب –رحمه الله- بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد موت أبي بكر، وإنما مصرها للدواوين، وقد صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وغيرهم من الخلفاء إلى أن ماتوا، فهذا سبيل الجواز من غير اعتراض منا على من قال منا بغير هذا، وإن مولانا لا يسألنا عن صلاتها، بل يسألنا عن تركها لأمره العام لنا غير الخاص وأمر رسوله، فكفى بهذا حجة لمحتج من غير تخطئة منا لمن قال بخلاف قولنا، ومن اعتقادنا وديننا صلاتها عند البار والفاجر في المصر وغير المصر" اهـ المراد منه.
وقال –أعني الشيخ ابن مفرج-: "ومن أصحابنا من أوجبها عند عدم الإمام العدل وعند وجوده، ومنهم من أسقطها بذهاب الإمام وعدمه، وأوجبها بصحار عند عدم الإمام وعند وجوده، ولا يجوز تركها في زمان العدل والجور بصحار، والدليل على صحة هذين القولين عن أصحابنا قول الشيخ أحمد بن النضر العُماني –رحمه الله-:
فإن خرج الإمام فما بنزوى تصلى جمعة بالناس قصرا
وتلزم في صحار بكل وقت وخلف أيمة العدوان طرا
وبعض قال كل عُمان مصر فأوجب حفظها برا وبحرا
فدل على صحة القولين بذكره لهما في نظمه إذ يقول: إن خرج الإمام لا تصلى بنزوى جمعة، وتلزم في صحار في العدل والجور، والقول الثاني في البيت الثالث إذ قال: وبعض قال ... إلى التمام أي أمر صاحب هذا القول بالمحافظة عليها في البر والبحر، وفي الجبل والسهل؛ إذ عنده عُمان كلها مصر واحد، وأوجب صلاتها بنزوى وغيرها من البلدان بعُمان إذ هي من السبعة الأمصار الممصرة" اهـ. (1/214)
صفحة 215
3- قال الشيخ خلفان بن جميل السيابي –رحمه الله تعال- في جواب له عن تعدد صلاة الجمعة في المصر ما نصه: "قال - صلى الله عليه وسلم - : «صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر»، أي من أهل القبلة، وإني لو أدركتها تقام في أي موضع وخلف كل موحد لصليتها هنالك، وتسقط بها صلاة المسافر من باب أولى إذ لم يلزمه إلا ركعتان، والله أعلم" اهـ. (1/215)
صفحة 216
4- قال الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري: "إن المسلمين جميعا لم يختلفوا في وجوب الصلوات الخمس، ولا في ركعاتها، ولا في أوقاتها وقوفا مع الأدلة القطعية، وكذلك في فرضية صلاة الجمعة في الجملة، ولكنهم اختلفوا مع من تجب، وعلى من تجب، وفي أي موضع تجب، وهذا الاختلاف فيما ذكرناه يهون به الخطب، ويزول معه الشك متى ما عرفنا واتفقنا على أن هذا الاختلاف كله إنما هو من قبيل الاختلاف بالرأي الذي يعود إلى الاجتهاد الموسع فيه، لا من قبيل الاختلاف في الدين مع مصادمة الدليل القطعي، ومن ثم قيل: اختلافهم في الرأي رحمة. ولما كانت صلاة الجمعة من أعظم الشعائر الإسلامية، وكان زماننا هذا في حاجة إلى إظهار هذه الشعيرة لمكافحة الشيوعية التي انتشرت في هذا الأوان، رأينا العمل بقول من يرى إقامتها في كل مكان من المصر، فكانت موافقة جلالة السلطان على ذلك من أكبر الحظ في نظرنا ونظر كل من تهمه أمور المسلمين، ومن شك في هذا من أصحابنا فمن أجل تحكم العصبية التقليدية على قلبه، أو لقلة علم، أو لقصور نظر، أو لعدم اهتمام بشؤون المسلمين. وكان العلامة الشيخ إبراهيم البرادي صاحب كتاب الجواهر المغربية يتعجب من ترك أصحابنا لصلاة الجمعة مع توفر الأدلة لوجوبها، ونقل النور السالمي في الحجج المقنعة أن بعض أصحابنا ذهب إلى وجوب الجمعة في جميع بلدان المصر، وأوجب المحافظة عليها في السهل والجبل، قائلا: إن المصر الواحد قد عين كله لإقامة الجمعة، وأن اختصاص مكان منه بإقامتها دون مكان مشكل، فتجب إقامتها في جميع المصر"، اهـ المراد منه.
5- قال الشيخ سالم بن حمود السيابي في العقود المؤصلة في الأحكام المفصلة (ج02حسب الطبع، وج01على الصحيح ص128-129):
قلت نعم أما عواصم القرى فهي حقيقة بها ولا مرا....
لا شك أن الأمر للعواصم وبعده يشاع في المعالم
ما خص هذا الدين بالبلدان وإنما قد خص بالإنسان...
وإن رأوا أن صلاة الجمعه خصت بأشيا ههنا مجتمعه (1/216)
صفحة 217
فلا ينافي ذلك أن تصلى في هذه القرى فراعِ الأصلا
وقال ص140-141 بعد كلام في الموضوع:
وحسب قول السالمي العالم تعدادها يلزم في العواصم....
هذا وقد وردت بعض الروايات الدالة على أن الجمعة كانت تقام في عهد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- في مواطن متعددة في المصر، إلا أن تلك الروايات تحتاج أن ينظر في أسانيدها، فلا نورد منها شيئا ههنا، وبما ذكرناه كفاية لمن أراد الله له الهداية، ولعلنا نفرد هذه المسألة برسالة خاصة، والله ولي التوفيق.
الملحق رقم (3)
حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم عيد (1)
للشيخ سعيد بن مبروك القنوبي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } (الجمعة:09)
فهذه الآية نص صريح على وجوب صلاة الجمعة على الأعيان، وبذلك تواتر النقل عن سيد الأنام –عليه أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه الكرام-، وعلى ذلك اتفقت هذه الأمة، إذ لم يخالف أحد منهم في ذلك، إلا ما كان من الخلاف في بعض شروطها، كما هو مبسوط في الكتب الفقهية، وقد بينا في غير هذا الموضع أن غالب تلك الشروط لم تثبت من طريق تقوم بها حجة، وما روي من حديث «أربع إلى الولاة»، وحديث: «لا جمعة إلا في مصر جامع»، ونحوهما، فلا أصل له عن النبي –صلى الله عليه وآله وسلم-، أو أنه ضعيف جدا، وإنما هو عن بعض الصحابة، على ما في بعض أسانيدها من وهن.
الدليل على وجوب الجمعة إذا وافقت عيدا:
__________
(1) - مقال طبعته مكتبة الضامري بسلطنة عُمان في كتيب صغير سنة1414هـ/1994م. وألحقتُه بهذه الرسالة بهدف تجميع مسائل صلاة الجمعة في كتاب واحد. (1/217)
صفحة 218
وقد ثبت عن النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- أنه كان يصلي الجمعة والعيد معًا إذا اجتمعا في يوم واحد، فقد أخرج مسلم (1) ، والنسائي، وأبو داود، والترمذي، والدارمي، وابن ماجة، وأحمد، وابن خزيمة، وابن الجارود، والحميدي، والطيالسي، وابن أبي شيبة، والعقيلي، والبيهقي، والبغوي من طريق النعمان بن بشير أن النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- «كان يقرأ في العيد بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، فإذا اجتمع عيد ويوم جمعة قرأ بهما فيهما». وهو حديث صحيح ثابت، وقد صححه غير واحد، ولم يأت من أعله بما يستحق الذكر.
ضعف أدلة القائلين بعدم الوجوب:
وأما ما يروى من الأحاديث التي تفيد عدم وجوب الجمعة إذا وافقت العيد فهي أحاديث واهية، ولا عبرة بتصحيح من صححها، وإليك البيان:
__________
(1) - صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، ر878، 02/598./م أ. (1/218)
صفحة 219
1- عن إياس بن أبي رملة قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: هل شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: «صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال من شاء أن يصلي فليصل». رواه أبو داود (1) ، وأحمد، والنسائي، وابن ماجة، وابن خزيمة، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو وهم منهما، فإن إياس بن أبي رملة مجهول، ولذلك قال ابن المنذر: هذا الحديث لا يثبت، وإياس بن أبي رملة عن زيد مجهول. ووافقه على الحكم بجهالته ابن القطان في الوهم والإيهام، والذهبي في الميزان، والحافظ ابن حجر في التهذيب، والتقريب، وذكره الذهبي في الكاشف ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وهو كما قالوا، إذ لم أجد من وثقه من أيمة الحديث، ولا يعترض علينا بأن ابن حبان قد ذكره في ثقاته، وذلك لما عرف من قاعدة ابن حبان في هذه المسألة، كما نبهنا على ذلك في مواطن كثيرة، وكما ذكر ذلك جماعة من أيمة الفن، منهم ابن الصلاح، وصلاح الدين العلائي، وابن عبد الهادي في الصارم، والحافظ ابن حجر في النكت، واللسان، والكوثري في المقالات والتأنيب، والمعالمي، وصاحب المنار، وآخرون.
وقد نص على جهالة ابن أبي رملة المذكور –أيضا- ابن خزيمة في صحيحه حيث قال: "إن صح الخبر، فإني لا أعرف إياس بن أبي رملة لا بعدالة ولا تجريح". فالعجب من الصنعاني، وصاحب المعارف، وصاحب فقه السنة، والعثماني، حيث نسبوا إلى ابن خزيمة أنه صحح هذا الحديث.
وأما ما قيل: إن ابن المديني قد صحح هذا الحديث؛ فجوابه أن هذا التصحيح مردود من وجهين:
__________
(1) - سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، ر1070، 01/281. (1/219)
صفحة 220
أولهما: أن ابن المديني لم يتعرض لهذا الحديث بتصحيح ولا تضعيف البتة، ونسبة التصحيح إليه لهذا الحديث وهم عن تصحيح أبي موسى المديني -وهو غير ابن المديني المشهور- لجميع ما في مسند أحمد بن حنبل، وهو تصحيح باطل مردود كما نص على ذلك غير واحد من أيمة الحديث (1) .
ثانيهما: وهو على تقدير ثبوت تصحيح هذا الحديث عن ابن المديني، فإنه لا قيمة لهذا التصحيح بعد أن بينا أنه مخالف للقواعد الحديثية والأصولية، وكل يؤخذ من قوله ويرد، خلا أنبياء الله ورسله –عليهم صلوات الله وسلامه-.
2- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في يوم العيد: «إنه قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه عن الجمعة وإنا مجمعون». رواه أبو داود (2) ، والحاكم، والبيهقي.
__________
(1) - ... قال الذهبي في الميزان: "وقع في المسند أشياء غير محكمة المتن ولا الإسناد".وقال في سير أعلام النبلاء: "وفي المسند جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها ولا يجوز الاحتجاج بها، وفيه أحاديث عديدة شبه موضوعة لكنها قطرة في بحر" اهـ.
وقال العراقي: "فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وإن فيه أحاديث يسيرة موضوعة" اهـ.
قلت: ومن نظر في مسند أحمد بعين الإنصاف علم علما يقينا أن فيه طائفة غير قليلة من الأحاديث الموضوعة أو الواهية، وتبين له بيانا واضحا أنه لا دليل لمن نفى وجود مثل هذه الأحاديث فيه فضلا عن الأحاديث الضعيفة إلا مجرد التعصب الممقوت.
(2) - سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، ر1073، 01/281. (1/220)
صفحة 221
والجواب عن هذا أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، لأن في إسناده بقية بن الوليد وهو مدلس، وقد عنعنه إلا في رواية ابن المصفى، وابن المصفى كثير الوهم –كما سيأتي- فلا تقبل مخالفته. على أن بقية هذا يدلس تدليس التسوية، ومن كان يدلس هذا النوع من التدليس فلا بد من أن يصرح بالسماع في جميع الطبقات، عند القائلين بجواز الاحتجاج برواية هذا الصنف من المدلسين، وإلا فقد قالت طائفة من المحققين: إن رواية هذا الصنف لا يؤخذ بها ولو صرح صاحبها بالسماع في كل الطبقات، وهو مذهب قوي وحجته واضحة جلية.
وفي إسناده أيضا ابن المصفى، وهو مدلس –وقد اتهمه بعضهم بتدليس التسوية- كثير الوهم كما تقدم. نعم تابعه همر بن حفصة الوصابي، ولكنها متابعة لا يفرح بها، وذلك لأمرين:
أولهما: أن الوصابي هذا غير معروف حاله، كما قال ابن الموّاق.
وثانيهما: أنه لم يصرح بسماع بقية من شعبة، وقد تقدم ما في ذلك.
وفي إسناد هذا الحديث أيضا مغيرة بن مقسم الضبي، وهو مدلس تدليس التسوية –وقد عرفت ما في هذا النوع من التدليس-، لكنه تابعه زياد بن عبد الله البكائي، إلا أنه لين الحديث في روايته عن غير أبي إسحاق، فلا خير في متابعته.
وقد جاء من طريق أخرى مقيدا بأهل العوالي، وإسنادها ضعيف كما قال الحافظ وغيره. وجاء من طريق أخرى ولكنها مرسلة، ولذلك أعلَّهُ أحمد والدارقطني بالإرسال. ورواه ابن ماجة من طريق ابن عباس –رضي الله عنهم- بالإسناد الأول نفسه، من غير متابعة الوصابي. قال البوصيري في الزوائد: "إسناده صحيح، رجاله ثقات" اهـ.
قلت: وهذا التصحيح باطل مردود كما تقدم بيانه، على أنه لا ملازمة بين ثقة الرجال وصحة الإسناد وبين صحة الحديث، كما لا يخفى على النقاد، وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، وضربنا عليه الأمثلة بما لا يدع مجالا للشك والارتياب، فلينظره من شاء. (1/221)
صفحة 222
على أن هذا الحديث مضطرب –كما رأيت- لأنه جاء مرة من مسند ابن عباس، وجاء مرة من مسند أبي هريرة، وجاء مرة متصلا، وجاء مرة مرسلا، وجاء الترخيص مرة مقيدا بأهل العوالي، وجاء مرة مطلقا، ومثل هذا الاضطراب يُعَلُّ به الحديث ولو كان من رواية الثقات الأثبات، فكيف إذا كان مسلسلا بالضعفاء والمدلسين؟ وسيأتي للمقام زيادة بيان، والله المستعان.
3- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «اجتمع عيدان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فصلى بالناس ثم قال: من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها ومن شاء أن يتخلف فليتخلف». رواه ابن ماجة (1) ، قال البوصيري في الزوائد: "هذا إسناد ضعيف لضعف جبارة ومندل"، ا هـ.
قلت: هو كما قال وزيادة، إلا أنني أكتفي بذلك الآن، وجبارة هو ابن مفلس، ومندل هو ابن علي، وهما من رجال إسناد هذا الحديث، وقد عرفت حالهما.
4- عن عطاء بن أبي رباح قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رُحْنَا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له فقال: أصاب السنة. رواه أبو داود (2) . قال النووي: "إسناده على شرط مسلم" اهـ.
قلت: هو ضعيف وإن كان على شرط مسلم، وذلك لأن في إسناده أسباط بن نصر الهمداني وهو ضعيف. قال حرب: "قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: لا أدري، وكأنه ضعفه". وقال أبو حاتم: "سمعت أبا نعيم يضعفه". وقال النسائي:"ليس بالقوي". وأنكر أبو زرعة على مسلم إخراج حديثه. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: " صدوق كثير الخطإ، يغرب". وفيه الأعمش وهو مدلس، وقد عنعنه.
ورواه النسائي، والحاكم، من طريق عبد الحميد بن جعفر عن وهب بن كيسان وزاد: ثم خرج فخطب وأطال الخطبة فصلى ركعتين.
__________
(1) - سنن ابن ماجة، كتاب ، باب ، ر1312، 01/416./م أ.
(2) - سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، ر1071، 01/281. (1/222)
صفحة 223
والجواب: إن هذه الرواية شاذة أو منكرة، لمخالفتها للنصوص الصحيحة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، الدالة على أن خطبة العيد بعد الصلاة لا قبلها، كما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبي سعيد، وجندب، والبراء، وغيرهم من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-. ومن المعلوم أن الإتيان بالخطبة قبل الصلاة من محدثات بني أمية التي خالفوا بها السنة الصحيحة وعمل الخلفاء الراشدين، كما يدل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود (1) ، وأحمد، ومسلم، وابن ماجة، والبيهقي، قال: أخرج مروان المنبر في يوم عيد فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان خالفتَ السنة، أخرجتَ المنبر في يوم عيد، ولم يكن يخرج فيه، وبدأتَ بالخطبة قبل الصلاة. فقال أبو سعيد: من هذا؟ قالوا: فلان بن فلان، فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله يقول: «من رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»اهـ.
قلت: وأقرهما على ذلك الصحابة، إذ لم ينكر عليهما في ذلك منكر. قال القاضي عياض -بعد أن ذكر بعض الأحاديث الدالة على أن الخطبة بعد الصلاة-: "وهذا هو المتفق عليه بين علماء الأمصار وأيمة الفتوى، ولا خلاف بين أيمتهم فيه، وهو فعل النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- والخلفاء الراشدين من بعده، إلا ما روي أن عمر في شطر خلافته الآخر قدم الخطبة، لأنه رأى من الناس من تفوته الصلاة، وليس بصحيح عنه".
وقال ابن قدامة: "لا نعلم فيه خلافا بين المسلمين، إلا عن بني أمية. قال: وعن ابن عباس، وابن الزبير، أنهما فعلاه، ولا يصح عنهما. قال: ولا يعتد بخلاف بني أمية، لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم ومخلف للسنة"، ا هـ.
__________
(1) - سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الخطبة يوم العيد، ر1140، 01/296./م أ. (1/223)
صفحة 224
قلت: ومع هذا التحقيق لا أدري لماذا يحتجون بمثل رواية ابن الزبير هذه؟
وقال العراقي: "إن تقديم الصلاة على الخطبة قول العلماء كافة. قال: وإنما روي عن عمر وعثمان وابن الزبير، ولم يصح عنهم. قال: والصواب أن أول من فعله مروان في خلافة معاوية، كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري. قال: ولم يصح فعله عن أحد من الصحابة؛ لا عن عمر، ولا عن عثمان، ولا معاوية، ولا ابن الزبير"، اهـ.
وقال ابن العربي: "يقال أول من قدمها عثمان، وهو كذب لا يلتفت إليه"، اهـ.
ولغيرهم من العلماء كلام طويل مما يدل على ما ذكروه، لا نطيل المقام بذكره، وإذا كان الأمر كذلك فكيف ينسب إلى ابن عباس، وهو أحد رواة حديث أن الخطبة بعد الصلاة، كما في الصحيحين وغيرهما أنه قال لمن خطب قبل الصلاة: أصاب السنة؟ مع أن السنة تنادي بأعلى صوت بأن الخطبة بعد الصلاة، وهذا يكفي للحكم على الحديث بالبطلان ولو صح إسناده، لأن الشاذ من قسم الضعيف كما هو مبين في مصطلح الحديث، فكيف وإسناد الحديث ليس بذلك القوي كما بين ذلك غير واحد من أيمة المحدثين؟!
ومما يقوي الحكم على هذا الحديث بالشذوذ أو النكارة قوله في الحديث: «فصلوا وحدانا»، ومن المعلوم المتقرر أن صلاة الجماعة فريضة على الأعيان بالاتفاق على من كان داخل المسجد كما ذكر ذلك غير واحد، وعلى الصحيح على من كان خارجه كما بيناه في غير هذا الموضع، فكيف يصلون وحدانا؟! وأيضا لماذا لم يبين لهم ابن الزبير ذلك عند الانتهاء من صلاة العيد؟! على أن أكثر القائلين بسقوط الجمعة بصلاة العيد يقولون: إنها لا تسقط عن الإمام، إلا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمعة، لأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه، وقد حكى بعضهم الاتفاق على ذلك، فصنيع ابن الزبير وقع على خلاف هذا الإجماع، فكيف يصح الاحتجاج بمثل هذا الفعل المخالف للإجماع؟! (1/224)
صفحة 225
وأيضا فإن الحديث يعارض الأحاديث السابقة، فيسقط الاستدلال بها جميعا لعدم إمكان ترجيح بعضها على البعض الآخر.
هذا وقد روى أبو داود (1) هذا الحديث من طريق أخرى، عن عطاء قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. ولم يذكر فيه أنه أخبر بذلك ابن عباس.
والجواب: أن هذه الرواية على تقدير صحتها –على ما في إسنادها من وهن- لا دليل فيها على عدم وجوب الجمعة إذا وافقت يوم عيد، لأن غاية ما في ذلك أنه مذهب صحابي، ومذهب الصحابي ليس بحجة عند جمهور الأمة، فكيف إذا أنكر عليه الجم الغفير من الصحابة وغيرهم؟! على أن فعل ابن الزبير هذا يدل على سقوط الجمعة والظهر معًا إذا كان ذلك يوم عيد، وهو قول متروك مهجور لا يعول عليه كما قال ابن عبد البر وغيره، ولا عبرة بترجيح الشوكاني وصديق خان له، لأنه معروف عنهما الشذوذ في كثير من المسائل، وأيضا هما ليسا ممن تشد إليهم الرحال في مثل هذه المضايق.
__________
(1) - سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، ر1072، 01/281. (1/225)
صفحة 226
والحاصل: أن وجوب الجمعة قد ثبت بأدلة قاطعة، وبراهين ساطعة، وسقوطها في بعض الأحيان لا يكون إلا بمثلها، وليس معنا هنا خبر مرفوع صحيح صريح، فضلا عن كون المسقط قطعيا، فكيف يترك ما دل عليه الكتاب والسنة المتواترة والإجماع بمثل هذه الروايات الواهية؟! على أنها لو صحت لكان للكلام فيها مجال واسع، وأحسن ما تُحمل عليه تلك الأحاديث –على تقدير صحتها، وإن كان دون تصحيحها أو تحسينها مفاوز ملتوية، وطرائق متشعبة، وعقبات شامخة كما رأيت- أن يقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رخص في ترك الجمعة لمن كان خارج الفرسخين، وذلك لعدم وجوبها عليهم، لا للاكتفاء بصلاة العيد، بدليل ما رواه البخاري (1) عن عثمان أنه قال في خطبته: "يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له"، اهـ. وهذا لا إشكال فيه، لأن الجمعة لا تلزم من كان خارج الفرسخين، كما هو مقرر في محله.
الأقوال في المسألة:
هذا وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فذهب أصحابنا والجمهور إلى وجوب الجمعة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والظاهرية. قال ابن حزم في المحلى: "وإذا اجتمع عيد وجمعة يصلى للعيد ثم للجمعة ولا بد، ولا يصح أثر بخلاف ذلك". وذهبت الحنابلة إلى الاكتفاء بصلاة العيد عن الجمعة، ونسب إلى بعض الصحابة ولم يثبت عن أحدهم من طريق تقوم بها حجة، وأقوى تلك الطرق ما جاء عن ابن الزبير، وقد رأيت ما فيها. وذهب بعضهم إلى الاكتفاء بصلاة العيد عن صلاة الجمعة والظهر، وهو قول عليل، ودليله كليل كما تقدم بيانه.
والقول الأول هو الحق الحقيق بالقبول، وذلك لستة وجوه:
أولها: لقوة أدلته، وسطوع براهينه، وضعف أدلة مخالفيه، وتعارضها وتضاربها كما رأيت.
__________
(1) - صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منه، ر5251، 05/2116./م أ. (1/226)
صفحة 227
الثاني: أن أدلة مخالفيه –رغم ما فيها من عوج- تحتمل عدة احتمالات، والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، كما هو مقرر عند أولي العلم والكمال.
الثالث: أن في العمل بهذا الرأي خروجا من دائرة الخلاف، والخروج من دائرة الخلاف مطلوب إذا أمكن المصير إليه، كما هو مقرر عند الفحول من أيمة الأصول.
الرابع: أن من عمل بهذا القول قد احتاط لدينه، والاحتياط في الدين مطلوب مأمور به، كما في حديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وقول عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد - رضي الله عنه - : "الأمور ثلاثة؛ أمرٌ بان لك رشده فاتبعه، وأمرٌ بان لك غيُّه فاجتنبه، وأمرٌ أشكل عليك فقف عنه". وقد رواه بعضهم عن المسيح –عليه السلام-، ورواه بعضهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يصح شيء من ذلك وإن كان معناه ثابتا متفقا عليه.
الخامس: أن في العمل بغير هذا الرأي مخاطرة شديدة، لاحتمال وجوب الجمعة، والمسلم منهي عن المخاطر بدينه لِما تقدم، ولحديث: «من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه».
السادس: أن هذا القول مذهب الأكثر، ومعلوم أنه لو تكافأت الأدلة فإن المصير إلى رأي الجمهور أولى، لأن مظنة أن يكون الحق معهم أقوى، كما لا يخفى. فكيف والفرق بين أدلة الفريقين كالفرق بين الأرض والسماء، وبين الثرى والثريا، وكما هو واضح لأولي النهى، ولأدلة أخرى لا يتسع المقام لذكرها، والله أعلم. وصلى آله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهرس المصادر والمراجع:
أولا- الكتب والمخطوطات:
- القرآن الكريم.
1- الإسكندري؛ ناصر الدين أحمد بن محمد: الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، انتشارات آفتاب-طهران، (بدون باقي المعلومات).
2- ابن أبي شيبة؛ أبو بكر عبد الله بن محمد: المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق: كمال يوسف الحوت، ط01: 1409هـ، مكتبة الرشد-الرياض. (1/227)
صفحة 228
3- ابن الأثير؛ أبو الحسن علي بن أبي الكرم: الكامل في التاريخ، 1398هـ/1978م، دار الفكر-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
4- ابن الأثير؛ المبارك بن محمد: النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
5- ابن تيمية؛ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم: مجموع الفتاوى، جمع وترتيب: عبد الرحمن محمد بن قاسم وابنه محمد، ط02: 1398هـ، مطابع دار العربية-بيروت.
6- ابن الجوزي؛ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي: الضعفاء والمتروكين، تحقيق: عبد الله القاضي، ط01: 1406هـ، دار الكتب العلمية-بيروت/ م أ.
7- ابن حزم؛ أبو محمد علي بن أحمد:
أ- المحلى بالآثار، تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري، دار الكتب العلمية-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
ب- معجم فقه ابن حزم الظاهري، لجنة موسوعة الفقه الإسلامي، دار الفكر-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
8- ابن عبد البر؛ أبو عمر يوسف بن عبد الله:
أ- الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار، ط01: 1413هـ/1993م، دار الوعي-القاهرة.
ب- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد عبد الكبير البكري، 1387هـ، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية-المغرب.
ج- الكافي في فقه أهل المدينة الكافي، ط02: 1400هـ/1980م، (بدون باقي المعلومات).
9- ابن العربي؛ أبو بكر محمد بن عبد الله: الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة- بيروت، (بدون باقي المعلومات).
10- ابن فارس؛ أبو الحسين أحمد بن فارس: معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر، (بدون باقي المعلومات).
11- ابن قدامة؛ موفق الدين عبد الله بن أحمد، وشمس الدين المقدسي: المغني والشرح الكبير، 1403هـ/1983م، دار الكتاب العربي-بيروت. (1/228)
صفحة 229
12- ابن قدامة؛ موفق الدين عبد الله بن أحمد: المغني على مختصر الخرقي، تصحيح: عبد السلام محمد علي شاهين، ط01: 1414هـ/1994م، دار الكتب العلمية-بيروت.
13- ابن كثير؛ أبو الفداء إسماعيل بن كثير: السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، 1403هـ/ 1983م، دار المعرفة-بيروت.
14- ابن منظور؛ جمال الدين محمد بن مكرم: لسان العرب المحيط، إعداد وتصنيف: يوسف الخياط، بيروت، (بدون باقي المعلومات).
15- ابن النضر؛ أحمد ابن النضر: الدعائم، شرح: محمد بن وصاف، تحقيق: عبد المنعم عامر، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
16- ابن هشام؛ أبو محمد عبد الملك بن هشام: سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، (بدون باقي المعلومات).
17- أبو جيب؛ سعدي: موسوعة الإجماع.
18- أبو الحواري؛ محمد بن الحواري: الجامع، 1405هـ/1985م، مطابع سجل العرب، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
19- الإزكوي؛ أبو جابر محمد بن جعفر: الجامع، تحقيق: عبد المنعم عامر، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان. (بدون باقي المعلومات).
20- الأشياخ؛ مجموعة من العلماء: الديوان (مخطوط) نسخة مكتبة الشيخ بالحاج بن كاسي بالقرارة، الناسخ: ببعيسى بن داود بن صالح بن عبد الرحمن بن صالح الوارجلاني، كتبه لأخيه في الله بالحاج بن كاسي القراري، تاريخ النسخ: عشية يوم الخميس 05 رمضان 1204هـ
21- الأصبحي؛ أبو عبد الله مالك بن أنس:
أ- المدون الكبرى برواية سحنون، 1406هـ/1986م، دار الفكر، (بدون باقي المعلومات).
ب- الموطأ برواية يحي بن يحي الليثي، إعداد: أحمد راتب عرموش، ط04: 1400هـ/ 1980م، دار النفائس-بيروت.
22- اطفيش؛ القطب امْحمد بن يوسف:
أ- تيسير التفسير للقرآن الكريم، 1406هـ/1986م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان. (1/229)
صفحة 230
ب- الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، تعليق: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، ط02: 1400هـ/1980م، مطبعة البعث-قسنطينة.
ج- شرح الدعائم، 1325هـ، طبعة حجرية.
د- شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ط03: 1405هـ/1985م، نشر: مكتبة الإرشاد-جدة.
هـ- هميان الزاد إلى دار المعاد، 1411هـ/1991م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
23- باجو؛ مصطفى بن صالح: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي مقارنة بأبي حامد الغزالي، رسالة ماجستير، قسنطينة-الجزائر (مرقون).
24- الباغندي؛ أبو بكر محمد بن محمد: مسند عمر بن عبد العزيز، تحقيق: محمد عوامة، 1414هـ، مؤسسة علوم القرآن-دمشق /م أ.
25- بحاز؛ إبراهيم بن بكير: الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الفكرية والاقتصادية، ط01: 1985م، مطبعة لافوميك-الجزائر.
26- البخاري؛ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل:
أ- الجامع الصحيح، ضبط وتخريج: مصطفى ديب البغا، 1992م، دار الهدى-عين مليلة/الجزائر.
ب- الكنى، تحقيق: السيد هاشم الندوي، دار الفكر-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
27- البستي؛ أبو حاتم محمد بن حبان:
أ- الثقات، تحقيق: السيد شرف الدين أحمد، ط01: 1395هـ/1975م، دار الفكر/ م أ.
ب- المجروحين، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي / م أ.
28- البكري؛ أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز: معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، تحقيق: مصطفى السقا، ط03: 1403هـ، عالم الكتب-بيروت.
29- البوسعيدي؛ حمد بن سيف: الموجز المفيد نبذ من تاريخ آلبوسعيد.
30- البوسعيدي؛ مهنا بن خلفان: لباب الآثار الواردة على الأولين والمتأخرين الأخيار، تحقيق: عبد الحفيظ شلبي، 1404هـ/1984م، مطابع سجل العرب، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
31- البيهقي؛ أبو بكر أحمد بن الحسين:
أ- السنن الكبرى، طبعة مصورة عن ط01: 1347هـ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، دار المعرفة-بيروت. (1/230)
صفحة 231
ب- معرفة السنن والآثار، تخريج وتعليق: عبد المعطي أمين قلعجي، ط01: 1411هـ/1991م، دار الوعي-حلب.
32- بيوض؛ إبراهيم بن عمر: حديث الشيخ الإمام في صلاة الجمعة ومالها من الأحكام، إعداد وتنسيق: محمد إبراهيم سعيد (كعباش)، مطبعة النخلة، نشر جمعية النهضة-العطف.
33- الترمذي؛ أبو عيسى محمد بن عيسى: السنن (الجامع الصحيح)، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، ط02: 1403هـ/1983م، دار الفكر-بيروت.
34- الجرجاني؛ أبو أحمد عبد الله بن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: يحي مختار غزاوي، ط03: 1409هـ/1988م، دار الفكر-بيروت.
35- الجميلي؛ السيد: فتاوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، شركة الشهاب-الجزائر، (بدون باقي المعلومات).
36- الجوهري؛ إسماعيل بن حماد: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط03: 1404هـ/1984م، دار العلم للملايين-بيروت.
37- الجيطالي؛ أبو طاهر إسماعيل بن موسى: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق: عبد الرحمن بن عمر بكلي، ط01: 1976م، المطبعة العربية-غرداية/الجزائر.
38- الحارثي؛ سالم بن حمد: العقود الفضية في الأصول الإباضية، دار اليقظة العربية-سوريا ولبنان، (بدون باقي المعلومات).
39- الحسيني؛ الزبيدي مرتضى، محمد بن محمد:
أ- إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، دار الفكر، (بدون باقي المعلومات).
ب- تاج العروس في شرح القاموس، ط01: 1306هـ، المطبعة الخيرية-مصر.
40- الحضرمي؛ أبو إسحاق إبراهيم بن قيس:
أ- الديوان، تحقيق: بدر بن هلال اليحمدي، 1423هـ/2002م، (بدون باقي المعلومات).
ب- مختصر الخصال، 1404هـ/1984م، دار نوبار للطباعة، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
41- الحموي؛ أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان، 1399هـ/1979م، دار صادر-بيروت.
42- الخراساني؛ أبو غانم بشر بن غانم:
أ- المدونة الصغرى، 1404هـ/1984م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان. (1/231)
صفحة 232
ب- المدون الكبرى، 1404هـ/1984م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
43- الخليلي؛ أحمد بن حمد: الفتاوى، ط01: 1416هـ/1996م، مطابع العقيدة، نشر: مكتب الإفتاء-سلطنة عمان.
44- الدارقطني؛ أبو الحسن علي بن عمر: العلل الواردة في الأحاديث النبوية، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله السلفي، ط01: 1405هـ/1985م، دار طيبة-الرياض/م أ.
45- الدمشقي؛ أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن: رحمة الأمة في اختلاف الأيمة، عني بطبعه: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، 1401هـ/1981م، قطر-الدوحة.
46- الذهبي؛ شمس الدين محمد بن أحمد:
أ- سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ومحمد نعيم العرقسوسي، ط07: 1410هـ/ 1990م، مؤسسة الرسالة-بيروت.
ب- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، ط01: 1995م، دار الكتب العلمية-بيروت/م أ.
47- الرستمي؛ عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم: مسائل نفوسة، تحقيق وترتيب: إبراهيم محمد طلاي، المطبعة العربية-غرداية/الجزائر، (بدون باقي المعلومات).
48- الرواحي؛ أبو مسلم ناصر بن سالم: نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، سلطنة عمان، (بدون باقي المعلومات).
49- الزركلي؛ خير الدين: الأعلام، ط07: 1986م، دار العلم للملايين-بيروت.
50- الزمخشري؛ أبو القاسم محمود بن عمر: تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق: محمد مرسي عامر، دار المصحف-القاهرة.
51- الزيلعي؛ جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف:
أ- تخريج الأحاديث والآثار، تحقيق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، 1414هـ، دار ابن خزيمة- الرياض/ج ت.
ب- نصب الراية لأحاديث الهداية، مع حاشيته: بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، دار الحديث القاهر، (بدون باقي المعلومات).
52- السالمي؛ نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد: (1/232)
صفحة 233
أ- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، تصحيح وتعليق: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، ط02: 1350هـ، مطبعة الشباب-القاهرة.
ب- جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تعليق: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، ط10: 1405هـ/1985م، مسقط.
ج- شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، تصحيح وتعليق: عز الدين التنوخي، مكتبة الاستقامة-مسقط، (بدون باقي المعلومات).
د- طلعة الشمس، 1401هـ/1981م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
هـ- العقد الثمين، نشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية-سلطنة عمان. (بدون باقي المعلومات).
و- معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تحقيق: محمد محمود إسماعيل، 1403هـ/1983م، مطابع سجل العرب، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
53- السجستاني؛ أبو داود سليمان بن الأشعث: السنن، تعليق: أحمد سعيد علي، ط01: 1371هـ/1952م، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده-مصر.
54- السدويكشي؛ أبو ستة محمد بن عمرو: حاشية على الإيضاح (بهامش كتاب الإيضاح للشماخي).
55- السرخسي؛ شمس الدين محمد بن أحمد: المبسوط، 1409هـ/1989م، دار المعرفة-بيروت.
56- السعدي؛ جميل بن خميس: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة، 1409هـ/1988م، مطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
57- السليمي؛ ابن بركة، أبو محمد عبد الله بن محمد: الجامع، تحقيق: عيسى يحي الباروني، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان (بدون باقي المعلومات).
58- السهيلي؛ نايف عبد الجبار: الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين، 1994م، مطابع دار الوطن-الكويت.
59- السيواسي؛ محمد بن عبد الواحد: شرح فتح القدير، ط02، دار الفكر-بيروت. (بدون باقي المعلومات)/ج ت. (1/233)
صفحة 234
60- السيابي؛ سالم بن حمود: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج، تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، 1979م، مطابع سجل العرب، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
61- السيوطي؛ جلال الدين عبد الرحمن:
أ- تاريخ الخلفاء.
ب- الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، دار الكتب العلمية-بيروت.
62- الشافعي؛ محمد بن إدريس: الأم، تصحيح: محمد زهري النجار، دار المعرفة-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
63- الشعراني؛ عبد الوهاب: كشف الغمة عن جميع الأمة، دار الفكر، (بدون باقي المعلومات).
64- الشقصي؛ خميس بن سعيد: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق: سالم بن حمد الحارثي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
65- الشماخي؛ أبو العباس أحمد بن سعيد: السير، تحقيق: أحمد بن سعود السيابي، 1407هـ/ 1987م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
66- الشماخي؛ أبو ساكن عامر بن علي: الإيضاح، ط02، مطبعة الوطن-بيروت.
67- الشوكاني؛ محمد بن علي: نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، دار القلم-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
68- الشيباني؛ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: المسند، ط04: 1403هـ/1983م، المكتب-بيروت.
69- الصائغي؛ جمعة بن علي: جامع الجواهر، 1406هـ/1986م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان، (بدون باقي المعلومات).
70- الصنعاني؛ أبو بكر عبد الرزاق بن همام: المصنف، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، ط02: 1403هـ، المكتب الإسلامي-بيروت.
71- الصنعاني؛ الأمير محمد بن إسماعيل: سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، دار المعرفة-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
72- الطبري؛ أبو جعفر محمد بن جرير:
أ- تاريخ الأمم والملوك، ط01، المطبعة الحسينية المصرية، دار القلم-بيروت.
ب- جامع البيان في تفسير القرآن، 1400هـ/1980م، دار المعرفة-بيروت. (1/234)
صفحة 235
73- الطبراني؛ أبو القاسم سليمان بن أحمد:
أ- المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، 1415هـ، دار الحرمين-القاهرة/ م أ.
ب- المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط02: 1404هـ/1983، مكتبة العلوم والحكم-الموصل/م أ.
74- الطحاوي؛ أبو جعفر أحمد بن محمد:
أ- شرح مشكل الآثار، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ط01: 1408هـ/1987م، مؤسسة الرسالة-بيروت.
ب- شرح معاني الآثار، تحقيق: محمد زهري النجار، ومحمد سيد جاد الحق، ط01: 1414هـ/1994م، عالم الكتب-بيروت.
ج- مختصر اختلاف الفقهاء، تحقيق: عبد الله نذير أحمد، ط02: 1417هـ، دار البشائر الإسلامية-بيروت/ م ف أ.
75- الطرابلسي؛ علاء الدين: معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، المطبعة الميمنية-مصر، (بدون بقية المعلومات).
76- عتر: نور الدين، منهج النقد في علوم الحديث، ط03: 1412هـ/1992م، دار الفكر-دمشق.
77- العراقي؛ عبد الرحيم بن الحسين: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار (بهامش كتاب إحياء علوم الدين).
78- العسقلاني؛ ابن حجر أحمد بن علي:
ا- تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل، 1399هـ/ 1979م، مكتبة الكليات الأزهرية-القاهرة.
ب- الدراية في تخريج أحاديث الهداية، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني، دار المعرفة—بيروت.
ج- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ترتيب وإخراج: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، -دار المعرفة-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
د- الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف (بهامش كتاب الكشاف)، ترتيب وضبط وتصحيح: مصطفى حسين أحمد، ط03: 1407هـ/1987م، دار الكتاب العربي-بيروت.
هـ- لسان الميزان، تحقيق: دائرة المعارف النظامية-الهند، ط03: 1406هـ/1986م، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت،/م أ. (1/235)
صفحة 236
79- العصفري؛ خليفة بن خياط: تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: سهيل زكار، 1968م، مطابع وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد (؟).
80- علماء وأيمة عمان: السير والجوابات، تحقيق: سيدة إسماعيل كاشف، 1406هـ/1986م، دار إحياء الكتب العربية، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
81- عمارة؛ مصطفى محمد: جواهر البخاري وشرح القسطلاني (700حديث مشروحة)، 1981م، دار إحياء التراث العربي-بيروت.
82- العوتبي؛ أبو المنذر سلمة بن مسلم: الضياء، ط01: ما بين 11/1416هـ/90-1996م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
83- العيني؛ بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد: عمدة القاري شرح صحيح البخاري المسمى بالعيني على البخاري، دار الفكر، (بدون باقي المعلومات).
84- الغزالي؛ أبو حامد محمد: إحياء علوم الدين، دار الكتاب، (بدون باقي المعلومات).
85- الفراهيدي؛ أبو عمرو الربيع بن حبيب:
أ- آثار الربيع، تحقيق: كهلان بن نبهان الخروصي، /مرقون (رسالة دوكتوراه في بريطانيا نوقشت سنة 2004م).
ب- الجامع الصحيح (مسند الرببع بن حبيب)، 1985م، المطبعة العربية- غرداية.
86- الفراهيدي؛ محمد بن يعقوب: القاموس المحيط، ط02: 1344هـ، المطبعة الحسينية المصرية.
87- القاري؛ علي بن سلطان مُحَمَّد: مرقاة المفاتيح، تحقيق: جمال عيتاني، ط01: 1422هـ-2001م، دار الكتب العلمية-بيروت/ج ت.
88- القاضي؛ عبد الجبار بن أحمد: شرح الأصول الخمسة، تحقيق: عبد الكريم عثمان، ط01: 1384هـ/1965م، مكتبة وهبة-القاهرة.
89- القرضاوي؛ يوسف: فتاوى معاصرة، ط03: 1987م، دار القلم-الكويت.
90- القرطبي؛ ابن رشد محمد بن أحمد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تصحيح: نخبة من العلماء، 1409هـ/1989م، دار اشريفة.
91- القرطبي؛ أبو عبد الله محمد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، 1965م، دار إحياء التراث العربي-بيروت. (1/236)
صفحة 237
92- القزويني؛ ابن ماجة محمد بن يزيد: السنن، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بدون باقي المعلومات).
93- القسطلاني؛ شهاب الدين: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، دار الكتاب العربي، 1984م-بيروت.
94- قشار؛ بالحاج: أحكام صلاة الجمعة، (بدون باقي المعلومات).
95- القشيري؛ أبو الحسين مسلم بن الحجاج: الجامع الصحيح بشرح النووي، ط02: 1392هـ/ 1972م، دار إحياء التراث العربي-بيروت.
96- القيرواني؛ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: الرسالة، ط05: 1968م، الجزائر.
97- الكدمي؛ أبو سعيد محمد بن سعيد:
أ- الاستقامة، تحقيق: محمد أبو الحسن، 1405هـ/1985م، مطابع جريدة عمان، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
ب- الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، مطابع سجل العرب، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان، (بدون باقي المعلومات).
98- الكسي؛ أبو محمد عبد بن حميد: المسند، تحقيق: صبحي البدري السامرائي ومحمود محمد خليل الصعيدي، ط01: 1408هـ/1988، مكتبة السنة-القاهرة/م أ.
99- الكندي؛ أبو بكر أحمد بن عبد الله: المصنف، 1403هـ/1983م، وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
100- الكندي؛ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم: بيان الشرع، 1404هـ/1984م، وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
101- لفيف من المستشرقين: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، 1936م، نشر: د/أ.ي. وينسنك، مكتبة بريل-ليدن.
102- المرغيناني؛ أبو الحسن علي بن أبي بكر: الهداية شرح البداية، ط01: 1410هـ/ 1990م، دار الكتب العلمية-بيروت.
103- المزي؛ أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: بشار عواد معروف، ط01: 1400هـ/1980، مؤسسة الرسالة-بيروت.
104- المسعودي؛ أبو الحسن علي بن الحسين: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط04: 1384هـ/1964م، مطبعة السعادة-مصر. (1/237)
صفحة 238
105- مطهري؛ امْحمد بن سليمان: المسائل الممتعة الواردة في صلاة الجمعة، (بدون باقي المعلومات).
106- معمر؛ علي يحي: صلاة الجمعة، نشر: وزارة العدل-ليبيا، (بدون باقي المعلومات).
107- المنتدى الأدبي: قراءات في فكر السالمي، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان، (بدون باقي المعلومات).
108- المقري؛ أحمد بن محمد: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، دار القلم-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
109- الموصلي؛ أبو يعلى أحمد بن علي: المسند، تحقيق: حسين سليم أسد، ط01: 1404هـ/1984م، دار المأمون للتراث.
110- النسائي؛ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب:
أ- السنن بشرح جلال الدين السيوطي وحاشية السندي، دار الكتب العلمية-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
ب- الضعفاء والمتروكين، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، ط01: 1396هـ،دار الوعي-حلب/م أ.
111- النووي؛ أبو زكريا يحي بن شرف الدين:
أ- شرح متن الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، دار المجمع-جدة، (بدون باقي المعلومات).
ب- المجموع (شرح المهذب)، دار الفكر-بيروت، (بدون باقي المعلومات).
112- النيسابوري؛ أبو الحسن علي بن أحمد، وابن سلامة؛ أبو القاسم هبة الله: أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، قصر الكتاب-البليدة، دار الضياء-قسنطينة، (بدون باقي المعلومات).
113- النيسابوري؛ أبو بكر محمد بن إبراهيم: الإشراف على مذاهب العلماء، تحقيق: أبو حماد صغير أحمد الأنصاري، ط01: 1425هـ/2004م، دار المدينة-رأس الخيمة(الإمارات العربية المتحدة).
114- الهيثمي؛ نور الدين علي بن أبي بكر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ط03: 1402هـ/ 1982م، دار الكتاب العربي-بيروت.
115 - الوارجلاني؛ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: الدليل والبرهان، تحقيق: سالم بن حمد الحارثي، 1403هـ/1983م، نشر: وزارة التراث القومي والثقافة-سلطنة عمان.
ثانيا- الأقراص المدمجة:
1- جامع التراث. (رمز اختصار: ج ت). (1/238)
صفحة 239
2- المكتبة الألفية للسنة النبوية. (رمز اختصار: م أ).
3- مكتبة الفقه الإسلامي. (رمز اختصار: م ف أ).
فهرس الآيات القرآنية
{ لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } (البقرة:38) ....................................... 61
{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (البقرة:185) .................................. 175
{ ومَنْ يُّضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } (الأعراف:186) ............ 87
{ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } (الأعراف:204) ........... 144، 176
{ ألاَ بِذِكْرِ الله تَطْمِئُنُّ القُلُوبُ } (الرعد:28) ................................................ 09
{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } (إبراهيم:04) ........................ 178
{ أَقِمِ الصَّلاةََ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } (الإسراء:78) ......................................... 117، 118
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } (الشورى:11) ..................................................... 162
{ لَوْلاَ أُنْزِلَ هَذَا القُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } (الزخرف:31) .................... 82
{ مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمِ لِلْعَبِيدِ } (ق:29) .................................... 132
{ يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } (الجمعة:09) ......................................................
................................... 51، 63، 86، 113، 121، 123، 126، 127، 166، 168، 184، 187
{ وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } (الجمعة:11) ........................................................... 139
{ (1/239)
صفحة 240
وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } (الفجر:22) ........................................ 162
{ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } (الشرح:04) ........................................................ 130
{ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } (الإخلاص:01) ........................................................ 135
فهرس الأحاديث النبوية والآثار
«أتمُّوا صلاتكم ...................................................... 64، 69، 106، 109
«أتمُّوا فَإِنَّا قوم سفر ........................................................... 106
«الاثنان فما فوقهما جماعة ........................................................ 112
«اجتمع عيدان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بالناس .............................. 191
«اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان .................... 194
«اجلس فقد آذيت ............................................................. 147، 148
«أحدث عُثْمَان أذانا آخر لَمَّا كثر الناس، فأمر ....................................... 123
«أخرج لسفرك فإنَّ الجُمُعَة لا تحبس عن سفر ....................................... 73
«إذا ابتلَّت النعال فالصلاة في الرحال ................................................ 74
«إذا جاء أحدكم الجُمُعَة فليغتسل .................................................... 152
«إذا عطس أحدكم والإمام يخطب يوم الجُمُعَة فشمِّتوه ............................ 145
«إذا قام أحدكم من مجلسه لحاجته ثُمَّ رجع إليه فهو أحقُّ به ........................ 158
«إذا قلت لصاحبك أنصِتْ والإمام يخطب فقد لغوت ............................. 143، 144
«إذا كان مطر وابل فليصلِّ أحدكم في رحله .......................................... 74
« (1/240)
صفحة 241
إذا كنتم مسافرين فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حَتَّى يُصَلِّي .................... 72
«إذا مالت الشمس فصلِّ بالناس الجُمُعَة ............................................ 117
«إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجُمُعَة فليتحوَّل ................................... 158
«أربع إلى السلطان .................................................................. 37
«أربع إلى السلطان الجمعة والفيء والزكاة .......................................... 31
«أربع إلى السلطان الصلاة والزكاة والحدود والقضاء ................................ 32
«أربع إلى السلطان: فذكر منها الجُمُعَة .............................................. 33
«أربع إلى الولاة .......................................................... 35، 181، 187
«أربع إلى الولاة الحدود والصدقات والجمعات والفيء ............................... 32
«أربع إلى الولاة الفيء والصدقات والحدود والجمعات .............. 30، 32، 39، 95، 108
«أربع إلى الولاة الفيء والجمعة والحدود والصدقات ................................ 32
«أربعة إلى السلطان الزكاة والصلاة والحدود والقضاء ............................... 32
«استمعوا وأنصتوا فإنَّ للمنصت الذي لا يسمع ..................................... 145
«اعلموا أنَّ الله فرض عليكم الجُمُعَة في مقامي27، 37، 39، 52، 57، 95، 98، 109، 171، 172
«أفي هذه الساعة؟ قال: كنت في المزرعة .......................................... 178
«أقام أنس بِنيسابُور سنة أوسنتين فكان لا يُجَمِّع .............................. 65
«أقام زمن الفتح ثماني عشر ليلة يُصَلِّي بالناس ركعتين ركعتين ................ 69، 106
«أقام عبدالرحمن بن سمرة بِكابُل شتوة أو شتوتين فكان لا يُجَمِّعُ ................... 65
« (1/241)
صفحة 242
أكثر عادة الناس في أَيَّام النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ صلاة الصبح ............................... 123
«أكثروا عليَّ من الصّلاة في الليلة الغرَّاء واليوم الأزهر ............................ 161
«إلى السلطان الزكاة والجمعة والحدود .............................................. 33
«أَمَّا الغسل فأشهد أَنَّهُ واجب ................................................... 154
«أمره - صلى الله عليه وسلم - بإقامتها في جُواثَى بالبحرين ............................................ 180
«الأمور ثلاثة؛ أمرٌ بان لك رشده فاتبعه، وأمرٌ ..................................... 196
«إنَّ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا يعدَّان لهذا المقام مقالا ...................................... 133
«أنَّ أبا هريرة يأتي إليها من ذِي الْحُلَيْفَةِ يمشي ..................................... 80
«أنَّ ابْنَ عُمَر كان يرى أهْلَ الْمياهِ بين مَكَّةَ والْمَدينَةِ يجمعون ................... 38، 43
«أنَّ أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون الجُمُعَة على عهد .......................... 43
«إنَّ أَوَّل جُمُعَةَ جُمِّعت بعد جُمُعَةَ في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في .............. 81، 87، 175
«إنَّ بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ........................ 122
«إنَّ بلالا يوقظ نائمكم وَيَرُدُّ غائبكم ................................................. 122
«أنَّ سالما كان يُصَلِّي بالمهاجرين الأَوَّلِينَ لَمَّا نزلوا بقباء ......................... 70
«أن سالما مولى حذيفة وعَمْرًا مولى عائشة يؤمَّان الناس وهم أرقَّاء ............. 69
«أنَّ الصِّدِّيقَ يُصَلِّيها قبل الزوال، وكذا .............................................. 18
« (1/242)
صفحة 243
إنَّ العبد المؤمن إذا صَلَّى ثُمَّ جلس لا يجلسه إلاَّ الصّلاة فهو في صلاة ............ 163
«أنَّ عُثْمَانَ صعد المنبر فقال: الحمد لله، وارتجُّ عليه ............................... 133
«أنَّ عليًّا صَلَّى بالناس بِمَكة يوم الجُمُعَة ركعتين وقال أتمُّوا صلاتكم 64، 69، 106، 109
«أنَّ عُمَانَ قد أسلمت في عصره - صلى الله عليه وسلم - ، وأجابت دعوته ................................. 92
«أنَّ عمر بن الخطاب صَلَّى بأهل مَكَّة ركعتين ثُمَّ قال: أتمُّوا .................. 95، 106
«أنَّ عمر بن الخطاب مصَّر الأمصار للجمعة .................... 38، 42، 76، 77، 84، 85
«أنَّ عمرو بن سلمة يؤم قومه وهو ابن ستٍّ أو ثمان في ........................... 71
«إنَّ الله افترض عليكم الجُمُعَة في مقامي هذا 27، 37، 39، 52، 57، 95، 98، 109، 171، 172
«إنَّ الله تبارك وتعالى ليس بتارك أحدا يوم الجمعة ................................. 163
«إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ......................... 161
«انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا والله تعالى يقول { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } ........... 139
«انفضُّوا مَرَّة في أثناء الصلاة إلاَّ اثني عشر رجلا وامرأة ........................... 67
« إِنَّمَا أحدث الأذان الأَوَّل عثمان لَمَّا رأى كثرة الناس ............................ 47
«إِنَّمَا خطب مُعَاوِيَة جالسا حين كثر شحم ..................................... 136، 137
«إِنَّمَا يغتسل من أراد الحضور .................................................... 152
«إنه قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه .............................. 190
«إِنِّي عُلِّمتها ثُمَّ أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر .................................. 162
« (1/243)
صفحة 244
إِنِّي قد وُلِّيتُ عليكم ولست بخير منكم، إن أحسنت ............................... 140
«أَوَّل جُمُعَة أقيمت في المدينة في نقيع الخضمات .................................... 94
«أول جُمُعَة صلاَّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة في المسجد الذي ..................... 106
«أَوَّلُ من أحدثه عُثْمَانُ لَمَّا كبر سنُّه وضعف جسمه .............................. 136
«أوَّل من جمع بنا أَسْعَدُ بنُ زُرَارَة في نقيع الخضمات .......................... 87، 114
«أيَّة ساعة هذه؟ قال: إِنِّي شغلت فلم أنقلب ................................ 141، 150
«أَيُّهَا الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا .. 27، 37، 39، 52، 57، 95، 98، 109، 171، 172
«بين أن يجلس الإمام -يعني على المنبر- إلى أن تنقضي الصّلاة .................. 162
«تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ............................................ 119، 120
«تذاكر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما في هذه الساعة ................................. 163
«تُضاعَفُ الحسنات يوم الجمعة .................................................. 162
«الْجُلوس يوم الجمعة بدعة، وَأَوَّلُ من فعله مُعَاوِيَة، ثُمَّ رَدُّوه ...................... 136
«الجُمُعَةَ تَصِحُّ وإن من واحد بلا إمام في غير المسجد .............................. 111
« الجُمُعَة حقٌّ واجب على كُلِّ مسلم في جماعة إلاَّ على .............................. 63
« الجُمُعَة على من آواه اللَّيْل إلى أهله ................................... 55، 80، 84
«الجُمُعَةُ واجبة عَلَى الخمسين رجلا وليس عَلَى ما دون ........................ 88، 114
«الجمعة واجبة على كُلِّ قرية وإن لم يكن فيها إلاَّ أربعة ............................ 113
« (1/244)
صفحة 245
الجُمُعَة واجبة على كُلِّ محتلم سمع النداء .................... 52، 53، 54، 62، 72، 111
«الجمعة والحدود والزكاة والفيء إلى السلطان ...................................... 33
«الجمعة والزكاة والحدود والفىء والحكم إلى السلطان ............................... 33
«الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأومن ........................... 131
«حديث تحويل القبلة ................................................................ 80
«حقُّ الله على كُلِّ مسلم أن يغسل في كُلِّ سبعة أَيَّام يوما يغسل رأسه وجسده ..... 153
«خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول جُمُعَة صلاَّها في المدينة في بَنِي سَالِم بنِ عَوْفٍ ..... 131
«خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:أَيُّهَا الناس توبوا 27، 37، 39، 52، 57، 95، 98، 109، 171، 172
«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك .................................................. 196
«رخص في ترك الجمعة لمن كان خارج الفرسخين ................................. 195
«رفع القلم عن ثلاثة ................................................................ 61
«الزكاة و الحدود و الفيء و الجمعة إلى السلطان ................................... 31
«السُّنَّة في الجُمُعَة إقامتها في المسجد ............................................. 94
«السنَّة في العيدين الخروج إلى المصلَّى ........................................... 94
«صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة .................................... 191
«صَلَّى الظهر والعصر بعرفة صلاة المسافر وهو يوم جُمُعَة............ 69، 94، 105، 107
«صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال من شاء .................................... 188
«الصلاة على من عقل، والصوم على من أطاق ..................................... 70
« (1/245)
صفحة 246
صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 63
«صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . 185
«ضمن أو يضمن هؤلاء القوم أربعا الصلاة والزكاة والحدود والحكم ... ... ... ... ... ... 32
«ضمن هؤلاء أربعا الجمعة والصدقة والحدود والحكم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 33
«على كُلِّ رجل مسلم في كُلِّ سبعة أَيَّام غسل يوم وهو يوم الجُمُعَة ... ... ... .. 153، 154
«غسل الجُمُعَة واجب على كُلِّ محتلم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. 153
«غسل الجمعة واجب على كُلِّ مسلم وأن يستنَّ بالسواك ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 155
«فإذا قعدتَ وقلتَ فقد تَمَّت صلاتُكَ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. 119
«فكنَّا نشمِّته تارة باللفظ وتارة بالإشارة ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 145
«فيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئًا إلاَّ آتاه الله إِيَّاهُ ما لم ... ... ... ... ... ... ... ... .. 161
«قدِم المدينة يوم الاثنين فأقام الثلاثاء والأربعاء والخميس في بني عمرو ... ... ... .. 106
«كان ابنُ عُمَرَ إذا قام له رجل من مجلسه ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .. 158
«كان إذا رقى المنبر سلَّم ثُمَّ جلس ...ثُمَّ يؤذِّن المؤذِّن ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 122
« كان إذا صعد على المنبر توكَّأ على قوس أو سيف أو عصا ... ... ... ... ... ... ... ... 47
« كان الأذان على باب المسجد ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... 122
«كان الأذان على عهد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعلى عهد الخليفتين ............................... 123
« كان تشهُّده - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: الحمد لله الذي نستعينه ونستغفره، ونعوذ ............... 130
«كان الصحابة - رضي الله عنهم - يصلُّون الجمعة وغيرها من الصلوات خلف عُثْمَان ............... 102
«كان علي يرى أنَّ القصر على الإمام وغيره في السفر ............................ 106
«كان علي لا يرى الجمعة إلاَّ في مصر جامع ....................................... 106
«كان عمله ديمة، وأيّكم يستطيع ما كان .......................................... 159
« (1/246)
صفحة 247
كان كثيرا ما يقول لمن يراه بعيدا عن سماع الخطبة تعال ....................... 141
«كان لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إِنَّمَا هُنَّ كلمات يسيرة ......................... 130
«كَان لمدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرى كثيرة .............................................. 83
«كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ......................... 150، 154
«كان الناس مهنة ... فأمرهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالغسل ............................... 151، 152
«كان الناس ينتابون الجُمُعَة من منازلهم والعوالي ................................... 79
«كان يأمر بالغسل ............................................................. 141، 150
«كان يأمر الناس بحضور الجمعة من قُبَاء ...................................... 80، 84
«كان يتوكأ في الحرب على السيف وفي الحضر على ......................... 106، 140
«كان يحثُّهم على حضورها ويحرِّضهم عليه ...................................... 110
«كان يخطب بنفسه وهو الذي يُصَلِّي بهم ........................................... 142
«كان يخطب قائما ويجلس بين الخطبتين ويقرأ آيات، ويذكِّر الناس ................. 137
«كان يخطب كَذَلِكَ [مستقبل القوم بوجهه] .......................................... 139
«كان يُرَخِّصُ في إمامة الأرقَّاء للأحرار ......................................... 69
«كان يُرَخِّصُ في إمامة الصبيِّ المميِّز، لاسيما إن كان ........................... 71
«كان يُرَخِّصُ في التخطِّي لحاجة ................................................. 148
«كان يُرَخِّصُ في السفر يوم الجُمُعَة ................................................ 73
«كان يُصَلِّي الجمعة حين تميل الشمس ............................................. 117
« (1/247)
صفحة 248
كان يُصَلِّي الجُمُعَة في أكثر أوقاته بعد الزوال وفي بعضها ........................ 118
«كان يعتمد في خطبته على قوس وتارة على عصا ................................. 139
«كان يقرأ سورة قَ على المنبر كثيرا حتَّى حفظها ................................. 132
« كان يقرأ في ركعتي الجُمُعَة سورة الجُمُعَة والمنافقين، وتارة ...................... 46
«كان يقرأ في العيد بسبح ... فإذا اجتمع عيد ويوم جمعة .......................... 188
« كان يمهل يوم الجُمُعَة حتَّى يجتمع النَّاس، فإذا اجتمعوا خرج .................... 47
«كان ينهى أصحابه عن الحبوة إذا كان بهم ........................................ 158
« كان ينهى رعاة الإبل والغنم يوم الجُمُعَة أن يبعدوا بها ............................ 53
«كان ينهى عن تخطِّي رقاب الناس إلاَّ لحاجة ...................................... 148
«كان ينهى عن الكلام والإمام يخطب، ويرخِّص ..................................... 141
«كانت خطبته - صلى الله عليه وسلم - في الجمعة وغيرها مشتملة على ................................. 129
«كانت الصحابة - رضي الله عنهم - إذا رأوا أمامهم فرجة قريبة .................................... 148
«كانوا يأتونها من العوالي ....................................................... 84
«كانوا يصلُّون خلف الوليد بن عقبة وَالِي عُثْمَان ................................... 103
«كثيرٌ ما نصلِّي الجمعة مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ نرجع إلى القائلة فنقيل ..................... 118
«كلُّ خطبة ليس فيها حَمْدٌ ولا تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماء ............................ 129
«لا تخصُّوا ليلة الجمعة بصلاة – بقيام- من بين الليالي ............................ 159
« (1/248)
صفحة 249
لا جمعةولا...إلافي مصرجامع أومدينةعظيمة35، 36، 37، 77، 78، 79، 83، 174، 181، 187
«لا جُمُعَة حَتَّى يجتمع لها ثلاثة: مصر جامع وإمام ومنبرٌ ..................... 36، 77
«لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد ........................................ 101، 111
«لا صلاة للواحد خلف الصف ...................................................... 111
«لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثُمَّ يخالفه إلى مقعده ............................... 158
«لقد هممت أن آمر رجلا يُصَلِّي بالناس ثُمَّ أحرق على رجال ............... 56، 59، 108
«لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكان التجميع غير مؤذِّن واحد ......................... 122
«لم يكن يتحرَّى في الاتِّكاء في حال خطبته شيئا، ولكن كان ................. 106، 140
«لَيس بواجب، وَلَكِنَّهُ أطهر وخير لمن اغتسل .................................... 150
«ليس على المسافر جُمُعَةَ ........................................................... 65
«ليغتسل أحدكم يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه ............................ 155، 156
«لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على ............................ 179
«ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ............................................... 176
«ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلُّوا على نبيهم ..................... 130
«ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة ...................................... 155
« ما كان في عهده ? ولا في عهد الخليفتين بعده إلاَّ أذان واحد ..................... 47
« ما كُنَّا نقيل ولا نتغدَّى إلاَّ بعد صلاة الجُمُعَة على عهد رسول الله ................. 118
«ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلاَّ وقاه الله فتنة القبر ............. 164
« (1/249)
صفحة 250
مثل المؤمن يوم الجمعة كمثل المحرِم لا يأخذ من شعره ........................... 157
« من آواه الليل إلى أهله فعليه الجُمُعَة .............................................. 55
«من أتى الجُمُعَة من الرجال والنساء فليغتسل ومن لم يأتها ......................... 67
«من أتى ساحرا أو عرافا فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - ...................... 40، 171
« من أدرك الإمام في التشهُّد يوم الجُمُعَة فقد أدرك الجُمُعَة .......................... 48
« من أدرك التشهُّد فقد أدرك الجُمُعَة ويأتي بركعتين ................................. 49
« من أدرك الجماعة في التشهُّد صَلَّى أربعا ......................................... 49
« من أدرك من الجُمُعَة ... ومن أدركهم في التشهُّد صَلَّى أربعا ..................... 48
«من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثُمَّ راح فكأنَّما .......................... 155، 156
«من تخطَّى رقاب الناس يوم الجمعة اتَّخَذَ جسرًا إلى جَهَنَّم ....................... 146
«من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه ............................. 53، 168
«من ترك الجُمُعَة أربعا متواليات لا يكون لمن تركها عذر ................... 57، 58، 59
«من ترك الجُمُعَة ثلاثا من غير ضرورة طبع على قلبه .......................... 56، 58
«من توضأ يوم الجمعة فَبِهَا ونعمت ومن اغتسل .............................. 150، 152
«من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه ............................................ 197
«من رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده ............................... 193
« من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا صلاة له .............................. 52
«من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلاَّ من عذر .................................. 74
« (1/250)
صفحة 251
من سمع نداءنا فليجب ............................................................ 123
«من صَلَّى بقوم وهم له كارهون فلا تجاوز صلاته أذنه ............................. 98
«من قال إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب جالسا فقد كذب .............................. 139
«من قال صه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له ................................... 144، 145
«من قال لأخيه صه والإمام يخطب فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له .............. 176، 177
«من قرأ "حم الدخان" ليلة الجمعة أو يومَها غُفر له ................................ 160
«من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور .......................... 160
«من يتخطَّى رقاب الناس ... كالجارِّ قصبه في النار ................................ 147
«هذان جماعة ...................................................................... 113
«هو سَيِّد الأَيَّام وأعظمها عند الله عَزَّ وَجَلَّ، وأعظم عنده ....................... 161
«هي آخر ساعة من ساعات النهار لا يوافقها عبد مؤمن يُصَلِّي .................... 163
«هي بعد العصر .................................................................... 163
«هي من حين تقام الصّلاة إلى الانصراف منها ..................................... 162
«يا أهل مَكَّة قوموا فصلُّوا ركعتين أخريين فَإِنَّا قوم سفر ..................... 69، 106
«يا أَيُّهَا الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمسَّ أحدكم ................... 151، 155
« يا أَيُّهَا الناس إنَّ الله قد افترض عليكم الجُمُعَة في مقامي هذا في ...................
................................................. 27، 37، 39، 52، 57، 95، 98، 109، 171، 172
«يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب ..................... 195
« (1/251)
صفحة 252
يا رسول الله إنَّ الله قد أعطاني بك نعمة الإسلام وقد قرأت ........................ 81
«يحضر يوم الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها ....................................... 144
«ينزل ربُّنا إلى سماء الدنيا ليلة الجمعة .......................................... 162
فهرس الأعلام
.. 27، 29، 187، 188، 190، 191، 192
..... 10، 27، 29، 30، 188، 189، 192
..... 27، 28، 55، 80، 154، 190، 191
...... 27، 28، 29، 37، 52، 171، 172
....... 78، 79، 83، 85، 86، 117، 119
....... 79، 187، 188، 190، 192، 194
........ 10، 14، 63، 75، 82، 83، 118، 119، 187، 188، 189، 190، 192
........ 27، 28، 172، 173، 192، 193
......................... 30، 31، 34، 41
.............................. 42، 78، 90
إبراهم بن قيس = أبوإسحاق
إِبراهيم النخعي ................... 144
إبراهيم بن سعيد العبري 182، 183، 185
إبراهيم بن مرزوق ................... 35
ابن أبي خيثمة ....................... 29
ابنُ أبي شيْبَة (أبو بكر) ................. .................. 32، 33، 35، 78، 188
ابن أبي نبهان ........................ 85
ابْن الأَثير ....................... 82، 85
ابن الجارود ........................ 188
ابن الزبير= عبد الله بن الزبير
ابن الصلاح ........................ 188
ابن العربي ......................... 193
ابن القطان .......................... 188
ابن المديني ......................... 189
ابن المصفى ........................ 190
ابن الموّاق .......................... 190
ابن النضر ....... 15، 128، 171، 185
ابن أم مكتوم ....................... 122
ابن بركة (أبو محمد؛ عبد الله بن محمد بن بركة السليمي) ... 41، 49، 65، 66، 68، 72، 84، 97، 100، 101، 105، 108، 115، 116، 121، 122، 128، 146
ابن حبان ............... 28، 172، 188 (1/252)
صفحة 253
ابن حجر .................................
ابن حزم (أبو محمد) ..... 31، 36، 196
ابن خزيمة ....... 28، 187، 188، 189
ابن عباس = عبد الله بن عباس
ابن عبد البر ................... 29، 195
ابن عبد الهادي ..................... 188
ابن عدي ............................. 27
ابن عمر = عبد الله بن عمر
ابن عون ............................. 32
ابن فارس ............................ 76
ابن قدامة ........................... 193
ابن كج ............................... 57
ابن ماجة .................................
ابن محيريز (عبد الله) ........... 31، 33
ابن مسعود = عبد الله بن مسعود
ابن مهدي ............................ 33
أبو إسحاق (؟) ................. 35، 190
أبو إسحاق (إبراهيم بن قيس الحضرمي) .........................................14، 40، 120، 121، 126، 129، 135، 136
أبو الحواري ............... 104، 134، 135
أبو المؤثر .................................. 104
أبو الوليد الطيالسي.................... 36
أَبو أُمَامَة ............... 88، 114، 115
أبو بكر الصديق ............. 47، 118، 123، 133، 140، 180، 181، 184، 188
أبو بكرة .............................. 31
أبو ثور ............................. 105
أبُو جَابِر ............................ 116
أبو جعفر = الطحاوي
أبو حاتم ..................... 172، 192
أبو داود .................................
أبو زرعة .......................... 192
أبو سعيد الخدري ........................
أبو سعيد الكدمي ..................... 37، 48، 56، 64، 70، 72، 73، 77، 107، 108، 116، 142، 143، 147، 148
أبو سفيان (محبوب بن الرحيل) 54، 168
أبو سلمة بن عبد الأسد ............... 70
أبو عبد الرحمن ...................... 36
أبو عبد الرحمن السلميّ .............. 35 (1/253)
صفحة 254
أبو عبد الله (مُحَمَّد بن محبوب) ...... 47، 95، 102، 140، 89، 104، 110، 145
أبو عبد لله (رجل من الصحابة) ..........
أبو عبيدة (مسلم بن أبي كريمة) ..........
أَبو علي .......................... 145
أَبو مالك ..................... 129، 135
أَبو مروان .......................... 145
أبو مسعود .......................... 168
أبو معاوية ............................ 89
أبو موسى الأشعري .................. 96
أبو موسى المديني .................. 189
أبو نعيم ............................. 192
أبو هريرة ................................
أبو يعلى ...............................27
أبو يوسف ............................ 76
أبُوحَنِيفَة 31، 33، 77، 133، 134، 196
أحمد بن حمد الخليلي .......... 36، 166
أحمد بن حنبل ............................
أحمد بن خالد ......................... 31
أسباط بن نصر الهمداني ............ 192
الأستاذ الحفني ........................ 76
إِسْحَاق .............................. 114
أسد بن موسى ........................ 28
أَسْعَد بن زرارة ...... 87، 88، 94، 114
إسماعيل الجيطالي = صاحب القواعد
الأعمش ............................ 192
الطبراني ...................... 28، 172
الوليد بن بكير ................... 28، 29
امرؤ القيس ........................... 82
أَنَس ....... 65، 117، 118، 192، 145
الأوزاعي ............... 63، 105، 135
إياس بن أبي رملة ............ 188، 189
الباغندي ............................. 30
البخاري .................. 10، 31، 78، 79، 81، 117، 141، 175، 178، 195
البَدْرُ الشَّمَّاخِي ...................... 103
البراء .............................. 192
البرادي ...................... 171، 186
بشر العابد ........................... 29 (1/254)
صفحة 255
بشر بن الحارث الحافى .............. 29
البغوي ............................. 188
بقية بن الوليد .................. 29، 190
البكري .............................. 82
بلال بن رباح ................. 47، 122
البوصيري ......................... 191
البيهقي ..... 35، 78، 188، 190، 192
الترمذي ............................ 187
الثوري ......................... 35، 36
جابِر (؟) ............................. 18
جابر بن زيد ......................... 42، 54، 55، 56، 90، 101، 102، 167
جَابِرٌ بن سمرة ...................... 139
جابر بن عبد الله .........................
جبارة بن مفلس ..................... 191
جبلة بن عطية ....................... 33
جندب .............................. 192
الْجوهري ............................ 82
حاجب بن مسلم ..................... 167
الحارث .............................. 35
الحاكم ..... 40، 172، 188، 190، 192
حبيب بن عمرو ..................... 102
الحجاج بن المنهال .............. 31، 35
الحَجَّاج بن يوسف ............ 102، 176
حرب ............................... 192
الحسن البصري .......................... ..30، 32، 33، 37، 63، 96، 100، 101
الْحُسَيْنِي ..................................
الحطيئة ........................... 103
حماد بن سلمة .............. 28، 31، 33
حَمَد بن سيف بن سعيد البوسعيدي 16، 45
حمد بن عبد الله السالمي .............. 14
حمد بن عبيد السليمي ................. 14
حمزة بن حسان ...................... 29
حميد بن سلوم السالمي ................ 12
الحميدي ............................ 188
خالد بن عبد الدَّائم .................... 28
خلفان بن جميل السيابي ............. 185
الدارقطني ..................... 28، 190 (1/255)
صفحة 256
الدارمي ............................. 187
داود بن علي ......................... 62
الديار بكري .......................... 85
الذهبي .............................. 188
راشد بن سيف اللمكي ................ 12
الربيع بن حبيب ... 10، 14، 102، 156
رَبِيعَة .............................. 114
زبيد الأيامي .................... 35، 36
زبيد اليامي .......................... 36
الزمخشري ........ 78، 79، 124، 125
زهرة بن معبد ....................... 28
الزهري .............................. 62
زهير بن عباد ........................ 29
زِيَاد بن أبي ........................ 102
زياد بن عبد الله البكائي ............. 190
زيد بن أرقم ........................ 188
الزيلعي .............................. 35
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي ..... 16
سالم بن حمود السيابي .............. 186
سالم بن راشد الخروصي ........ 13، 14
سالم مولى حذيفة ................ 69، 70
السالمي (عبد الله بن حميد)...... 09، 10، 12 13، 14، 16، 17، 18، 26، 27، 38، 39، 40، 41، 42، 125، 168، 170، 172، 173، 174، 175، 183، 186
سعد بن عبيدة ................... 35، 36
سعود بن حمد بن نور الدين السالمي . 16
سعيد بن العاص ...................... 96
سَعِيد بنِ الْمُبَشِّر ..................... 135
سعيد بن المسيّب ........... 27، 28، 29
سَعِيد بن جُبَيْر ..................... 144
سعيد بن خميس بن حمد بن سالم المدسري البهلوي ................................ 19
سعيد بن عبد الرحمن الجمحي ....... 131
سعيد بن مبروك القنوبي ...... 179، 187
سعيد بن ناصر الكندي .............. 182
سَعِيد(؟) 118 *سَعِيد بن أَبِي بَكْر 140
سُلطان بن مُحَمَّد الحبسي .............. 12
سليمان بن عبد الله الباروني ......... 182 (1/256)
صفحة 257
السمعاني ............................. 80
سهل بن سعيد ..................... 118
سيف بن حمد الأغبري ............... 14
السيوطي .................. 10، 85، 86
شاذان ............................... 183
الشافعي .................................. ..... 57، 75، 82، 83، 85، 87، 88، 113، 114، 129، 136، 137، 150، 196
الشَّعْبِي .......................... 144
الشَّعْرَانِي80،111،114، 122، 159، 163
شعبة ..................... 35، 36، 190
الشوكاني ...................... 10، 195
صَاحِب الإِتْحَاف = الحسيني
صاحب الإشراف ................ 65، 66
صاحب الإيضاح (عامر الشماخي) .................. 37، 41، 46، 56، 64، 65، 66، 68، 78، 86، 124، 125، 126
صَاحِبُ القواعد (إسماعيل الجيطالي) ..... ............................. 37، 41، 63، 64، 78، 101، 111، 123، 126، 138
صاحب المبسوط ..................... 82
صاحب المعارف ................... 189
صاحب المنار ...................... 189
صاحب الهداية ....................... 32
صاحب فقه السنة ................... 189
صَاحِبُ مَرَاقِي الفَلاحِ ........... 79، 86
صالح بن علي الحارثي .... 12، 13، 15
صالح بن يحي بوكراع ............. 166
صحار بن عباس العبدي ............ 167
صديق خان .................... 195
الصَّلْتِ بنِ مالك .............. 134، 135
صلاح الدين العلائي ................ 188
الصنعاني (؟) ...................... 189
ضمام بن السائب ......... 42، 90، 167
طَاوُس ................ 114، 115، 136
الطحاوي (أبو جعفر) ........... 31، 35
طلحة بن عبيد الله ........... 07، 30
الطيالسي ........................... 188
عائشة ....... 32، 79، 151، 154، 159
عاصم ............................... 32
عامر الشماخي = صاحب الإيضاح
عامر بن خميس المالكي .............. 14 (1/257)
صفحة 258
عباد بن العوام ....................... 35
عبد الحميد بن جعفر ................ 192
عبد الرحمن بن الحكم ............... 139
عبد الرحمن بن سمرة ........... 65، 74
عبد الرزَّاق الصنعاني ........... 35، 78
عبد الله بن الزبير .................... 30، 32، 34، 191، 193، 194، 195، 196
عبد الله بن ربيع ...................... 31
عبد الله بن صالح العجلي ............. 28
عبد الله بن عباس 30، 32، 34، 57، 58، 59، 70، 81، 87، 101، 106، 107، 111، 112، 140، 150، 151، 154، 155، 175، 190، 191، 192، 193، 194
عبد الله بن عثمان .................... 31
عبد الله بن عمر ...... 30، 31، 32، 34، 38، 43، 122، 154، 158، 191، 192
عبد الله بن محمد العدوي27، 28، 29، 30
عبد الله بن محمد بن بركة = ابن بركة
عبد الله بن محيريز = ابن محيريز
عبد الله بن مسعود ......... 30، 32، 34، 40، 70، 103، 113، 115، 118، 171
عبد الملك بن حميد ........... 109، 110
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم المغربي .............................. 101
عبد بن حميد ......................... 29
عبدة .................................. 32
عبيد الله بن زياد .................. 102
عتاب بن غيلان .................... 103
عثمان بن عفان 38، 43، 95، 96، 102، 103، 118، 133، 134، 136، 137، 141، 145، 150، 173، 174، 193، 195
العثماني ............................ 189
العراقي ............................ 193
عزَّان بن قيس ...................... 105
عطاء .............................. 135
عطاء الخراساني ................ 31، 33
عطاء بن أبي رباح .......... 191، 194
عطية العوفي .................. 28، 172
العقيلي ............................. 188
عكرمة ............................. 114
العلاء الحضرمي .................... 81 (1/258)
صفحة 259
علي بن أبي طالب .................. 35، 36، 37، 48، 49، 64، 65، 69، 78، 95، 96، 106، 108، 109، 141، 174
علي بن زيد بن جدعان .... 27، 28، 29
علي بن عبد العزيز .................. 31
عمار بن ياسر ............. 30، 32، 34
عمر بن الأَخنس ............. 109، 110
عمر بن الخطاب ......................... ............. 38، 42، 43، 47، 70، 73، 76، 77، 84، 85، 86، 89، 95، 106، 123، 128، 133، 141، 150، 152، 163، 175، 178، 183، 184، 188 193
عمر بن الخطاب الخروصي العُماني 183
عمر بن أيوب ........................ 33
عمر بن عبد العزيز ...................... .......... 30، 31، 33، 105، 114، 196
عمرو بن العاص ..................... 92
عمرو بن سلمة ....................... 71
عمرو مولى عائشة ................... 70
عياض (القاضي) ................... 193
عيسى بن صالح الحارثي ...... 14، 183
الفضل بن الحواري ................. 140
فضيل بن مرزوق ........ 28، 29، 172
قابوس بن سعيد ..................... 186
قتادة ............................... 63
القسطلاني ................. 78، 79، 80
القطب (امحمد بن يوسف اطفيش) ............... 57، 61، 111، 118، 129
الكدمي = أبو سعيد
كَعْبُ بن عجرة 139
كعب بن مالك ...... 87، 88، 114، 115
الكوثري ............................ 189
ماجد بن خميس العبري ... 12، 13، 183
مالك بن أنس ............................. .............. 75، 114، 126، 135، 196
محبوب بن الرحيل = أبو سفيان
المحشي ......... 37، 66، 86، 87
محمد بن إبراهيم ..................... 29
محمد بن الْمُسَبِّحِ .... 128، 146، 171
محمد بن روح .................. 88، 91
محمد بن سليمان بن أحمد بن مفرج ......................... 183، 184، 185
محمد بن سيف الرحلي ............... 12
محمد بن عبد الرَّحمن بن غزوان ..... 28 (1/259)
صفحة 260
محمد بن عبد الله الخليلي 14، 182، 183
محمد بن عبد الله السالمي ............ 14
محمد بن علي ........................ 28
محمد بن علي بن عبد الباقي.. 183، 184
محمد بن محبوب = أبو عبد الله
محمد بن مسعود البوسعيدي .......... 12
محمد بن مصفى ..................... 29
محمد بن وضاح ..................... 29
محَمَّد الهاشمي ...................... 12
مُحَمَّد ? ........... 09، 40، 129، 172
مروان ....................... 192، 193
مروان بن الحكم .................... 174
المسعودي .......................... 103
مسلم بن أبي كريمة = أبو عبيدة
مسلم بن الحجاج ... 10، 79، 187، 192
مسلم بن يسار ................... 31، 33
المسيح ? ........................ 196
مصطفى بن صالح باجو.............. 11
المعالمي ............................ 189
معاوِية بن أبي سفيان ..................... ............ 118، 136، 137، 188، 193
معمر ................................ 35
مغيرة بن زياد ........................ 33
مغيرة بن مقسم الضبي .............. 190
مندل بن علي ....................... 191
المنذر الساوي العبدي ................. 81
مهنأ بن يحيى ........................ 29
موسى بن إسماعيل ................... 31
موسى بن عطيَّة الباهلي ...... 28، 172
موسى بن علي ...................... 110
موسى ? ......................... 151
نافع .................................. 31
نافع بن يزيد .......................... 28
نبهان بن عثمان ..................... 134
النخعي ............................... 62
النسائي ......... 172، 187، 188، 192
النعمان بن بشير .................... 188
النووِي ................... 85، 86، 192
هاشِم بن غيلان ..................... 125
همر بن حفصة الوصابي ..... 190، 191
الهيثمي .................. 10، 172 (1/260)
صفحة 261
الوارث بن كعب ............... 91، 182
وكيع ........................ 27، 82
الوليد بن عقبة .................. 103
وهب بن جرير ....................... 35
وهب بن كيسان ..................... 192
يحيى البكاء ..................... 31، 34
يحيى العمريطي .................. 15 ...
يحيى بن حبيب ....................... 28
فهرس الأديان والفرق والأمم والجماعات
=الصحابة 134، 141، 143، 148، 150، 158، 170، 171، 174، 180، 181، 186، 187، 192، 193، 195، 196
الإِبَاضِيَّة ........................ 09، 10، 15، 26، 37، 38، 39، 40، 41، 42، 43، 45، 48، 58، 59، 60، 61، 62، 65، 66، 71، 72، 75، 76، 77، 85، 86، 89، 90، 91، 92، 95، 97، 98، 102، 103، 105، 109، 114، 116، 121 125، 126، 127، 129، 135، 136، 137، 138، 140، 142، 146، 150، 152، 166، 174، 177، 186، 196
أصحاب السنن ...................... 175
الأصوليون .................... 34، 125
الأنصار .................. 09، 96، 173
أهالي جعلان بني بوحسن ........... 182
أهل البحرين ......................... 81
أهل البصرة .......................... 96
أهل الحديث = المحدثون
أهل العوالي ...... 93، 190، 191، 195
أهل القبلة ....................... 185
أهل الكوفة ....................... 96
أهل المياه ................... 38، 43
أهل حضرموت ..................... 168
أهل عمان ......... 15، 54، 167، 168
أهل قباء ......................... 80
أهل مصر ...................... 38، 43
أهل مكة ......... 64، 69، 106، 109
أهل هجْر ............................ 81
الأيمة الرستميون ............. 182
الأيمة العمانيون............... 182
أيِمَّة اللغة ......................... 147
بنو اليحمد .................. 183
بنو أمية ............... 102، 192، 193 (1/261)
صفحة 262
بنو سالم ............................ 106
بنو سالم بن عوف .................. 131
بنو علي .............................. 19
بنو عمرو بن عوف.................. 106
التابعون ... 30، 33، 34، 41، 96، 104
الحنابلة .................. 39، 196
الحنفية ............ 31، 75، 76، 82، 86، 94، 110، 134، 152، 196
الخلفاء الراشدون .................... 84، 110،111، 117، 121، 127، 192، 193
الشافعية ......... 39، 57، 85، 152
الشيوعية ..................... 186
الصحابة 09، 30، 31، 32، 33، 38، 39، 41، 42، 43، 49، 84، 86، 90، 96، 97، 102، 103، 104، 122، 133، =
الظاهرية ............... 62، 153، 196
عبد القيس ...................... 82
العرب ..................... 135، 178
العُمَرَانِ ................... 69، 108
الفقهاء .................... 09، 34
القوم = المخالفون
المالكية .................... 39، 152
المحدثون ..... 13، 34، 37، 39، 84، 85، 114، 115، 172، 188، 189، 194
المخالفون ................................ 57، 62، 86، 88، 102، 104، 114، 117، 121، 128، 146، 150، 153، 177
المعتزلة .......................... 61
المهاجرون ......................... .... 09، 70، 96، 141، 150، 173، 178
الميزابيون .................... 11
النصارى ......................... 15
اليهود ............................... 15
فهرس الأماكن والبلدان
البحرين ............. 81، 82، 89، 180
البصرة ... 85، 89، 96، 96، 97، 167
تنوف ............................ 13
جامع السلطان قابوس ............... 166
الجزيرة ............................ 85
الْجعْرَانَة ....................... 81
جعلان .......................... 182
جُوَاثَى 81، 82، 83، 87، 175، 180
الْحُدَيْبِيَّة ........................ 81
حضرموت ....................... 168 (1/262)
صفحة 263
الحوقين ........................ 12
خراسان ........................ 167
دمشق ........89 *ذو الحليفة ..... 80
الرستاق ................... 12، 182
روي ............................... 166
الزَّوْرَاء ............................ 123
الشام ........................ 85، 89
صُحَار ................ 89، 90، 92، 93، 95، 110، 140، 175، 182، 185
صفين ................. 173، 174
صَنْعَاء ......................... 89
الطائف ...................... 82، 192
طيبة = المدينة
عرفة .......... 64، 69، 105، 107
عُمَان ........................... 12، 13، 15، 16، 54، 77، 89، 90، 92، 93، 166، 167، 168، 182، 183، 185
الْعََوَالِي 79، 84، 93، 190، 191، 195
القَابِل .......................... 12
قباء .................... 70، 80، 84
قسنطينة .................. 11
كابُل ............................. 65
الكوفة ...... 85، 89، 96، 97، 103
المدينة09، 38، 43، 77، 79، 80، 81، 83، 89، 93، 94، 96، 106، 107، 131
مسجد الرسول ? ........ 81، 94، 175
مسجد عبد القيس ................. 81
مسقط ................... 11، 166
مسكد ......................... 175
مصر ........ 16، 38، 43، 85، 89
الْمُضََيِْبي ................... 12
معهد الحياة ................... 11
المغرب .................... 179، 182
مكة .................................. 38، 43، 64، 65، 69، 77، 82، 87، 89، 106، 108، 109، 114، 175، 176
موصل ........................... 85
نزوى 13، 91، 109، 110، 182، 185
نقيع الخضمات ...... 94، 114
نيسابور ...................... 65
وادي بني سالم .................. 106
الوبيل .......................... 168
اليمن ............................. 89
فهرس الأبيات الشعرية (مرتبة حسب القافية) (1/263)
صفحة 264
*وبعض قال كل عُمان مصر فأوجب حفظها برا وبحرا 185
*فإن خرج الإمام فما بنزوى تصلى جمعة بالناس قصرا 185
*وتلزم في صحار بكل وقت وخلف أيمة العدوان طرا 185
*قلت نعم أما عواصم القرى فهي حقيقة بها ولا مرا 186
*وفي بني اليحمد من أسد الشرى إمام صدق كان يدعى عمرا 18
*فلا ينافي ذلك أن تصلى في هذه القرى فراعِ الأصلا 186
*فقد قضى على بني نبهانا جبابرا كانوا على عُمانا 183
*صارت كأدنى بلد يعتبر ومسكدا مكانها قد عمروا 175
*من نسل شاذان وذاك العلم دوخ أهل الظلم حين ظلموا 183
*شابهه في الاسم والتصلب على أولي الظلم فلا تستعجب 183
*ورحنا كأنَّا من جُوَاثَى عشية ... نعالي النِعاج بين عدل ومحقب 83
*فهذه صحار بعد العزة وبعدما كان لها من منعة 175
*ليزيدهم أخرى ولو قبلوا لأتت صلاتهم على العشر 103
*لأنما التمصير حال يعرض فيستقيم تارة ويمرض 175
*وَليس بالمقطوع والموقوف تقوم حجَّة ولا الضعيفِ 39
*وكان ذا يعرف بالتغريق ما أشبه الفاروق بالفاروق 183
*ولست بعيدا عن خمر وقينة ولا بصفا صلد عن الخير معزل 103
*وَلَكنَّنِي أروي من الخمر هامتي وأمشي الملا بالشاحب الْمتشلشل 103
*وحسب قول السالمي العالم تعدادها يلزم في العواصم 186
*لا شك أن الأمر للعواصم وبعده يشاع في المعالم 186
*قضى بأن مالهم لمن ظُلِم من العمانيين لكن ما علم 183
*ما خص هذا الدين بالبلدان وإنما قد خص بالإنسان 186
*وإن رأوا أن صلاة الجمعه خصت بأشيا ههنا مجتمعه 186
*كذا أبوه يدعى بالخطاب مساميا لعمر الصحابي 83
*حبسوا عنانك إذ جريت ولو خلوا عنانك لم تزل تجري 103
*نادى وقد تَمَّت صلاتهم ... أزيدكم ثملا وما يدري 103 (1/264)