صفحة 1
الكتاب: الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة
المؤلف: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي
نشر: سعود بن حمد بن نور الدين السالمي
تعليق: سالم بن حمد الحارثي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] (الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة)
تأليف الشيخ العلامة المحقق الإمام
نور الدين عبد الله بن حميد السالمي
بسم الله الرحمن الرحيم
…
…عرض علي الأخ سعود بن حمد بن شيخنا السالمي مقدمته على كتاب (الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة) لجده الإمام المحقق نور الدين السالمي عفا الله عنه ورضي عنه.
…والحقيقة أن صلاة الجمعة مما تعم به البلوى، وقد بحثوا في صلاة الجمعة قديماً وحديثاً ولم يتركونا في جهالة من أمرها، وإنما قامت على إقامتها دول، ولم يحصل هذا التنازع والابتلاء مثل ما حصل في عصرنا هذا، لأن هذا الرأي وهو تعدد الجمعة رأي المخالفين مع اختلافٍ بينهم فيه، حتى أن السيوطي قال: أنه أول حدثٍ في الإسلام. أما الرأي المعتمد عليه مع الأباضية، المطابق لما مضى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده، وهو حصرها في الأمصار الممصرة، وإن أشار إليها بعض العلماء، فقد قال شيخنا السالمي رضي الله عنه: إنما أذكرها للاطلاع عليها لا ليعمل بها.
…والحاصل أن هناك أربعة مواقف يجب الوقوف عليها، وعدم مجاوزتها، الأول:- يحذر الموظف أن يتعاطى التَسنُّم إلى حرية الحاكم العام، فإنه مقيَّد، وذلك مطلق – فأنَّى يدرك الضالع شاوى الضليع - !
…هواي مع الركب اليمانين مصعد ==== جنيبٌ وجثماني بمكة موثق
الثاني: - أن لا يقول: من لم يُصلّ الجمعة معنا فصلاته الظهر فاسدة.
الثالث: - أن لا يقول: من لم يصل الجمعة معنا تبرأنا منه، ذلك لأنه ليس للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي، وإلا قطعت عذرك، فإنه إذا قال ذلك. قطع الله عذر العالم - ومن قواعدهم - من برئ منا برأي، برأنا منه بدين.
الرابع: - حسب المعارض أن يقول: يكفيني ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما فعله أبو بكر، وما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهم أصل التشريع، حيث أجمعت الأمة أن صلاة الجمعة لا تقام إلا في عاصمة المصر في زمانهم. (1/1)
صفحة 2
هذا وسلام على المصطفى، وعلى عباده الذين اصطفى، والحمد لله رب العالمين.
وبالله التوفيق
سالم بن حمد بن سليمان الحارثي.
توطئة
…بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على نبينا سيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم، وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: إنه خدمة للعلم، وتلبية لطلب العلماء المتعلمين، رأيت من الواجب أن أقوم بنشر هذه الرسالة القيِّمة (الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة)، للوالد الرضي الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه وأسكنه فسيح جناته مع أنبيائه وأصفيائه المتقين الصالحين.
…لا أقول أنني أقوم بنشرها لأول مرة، حيث سبق وأن نشرت محشاة على (طلعة الشمس)، لكنني رأيت أن نشرها منفردة أعم للمنفعة، لتكون في متناول الجميع بحجم قليل يسهل الاطلاع فيه.
…ولم أعتمد في نقلها من (طلعة الشمس) تحاشيا للأخطاء إن كانت هناك، إنما نقلتها من مخطوطة بخط الشيخ عبد الله بن الشيخ العلامة ماجد بن خميس بن راشد العبري، وقد نسخها الشيخ العبري في عصر الإمام نور الدين السالمي، مؤلفها، كما يشير بذلك التاريخ الذي دونه ناسخها في نهاية نسخة لها، وهو الثلاثون من شهر محرم عام 1316 هـ، أي قبل وفاة مؤلفها رضي الله عنه بستة عشرة سنة تقريباً.
…وبعد انتهائي من نقلها بالأسلوب المتعارف عليه في عصرنا، عرضتها على فضيلة الشيخ العلامة القاضي سالم بن حمد بن سليمان الحارثي فقام بمراجعتها مشكوراً ومثاباً من الخالق عز وجل، وتصحيح ما قصر عنه فهمي، كما قام بالتعليق على ما رآه يلزم التعليق عليه. (1/2)
صفحة 3
…إن الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه بذل جهده في هذه الرسالة في التحقيق لأحكام صلاة الجمعة، وقد تناول الموضوع بالبحث والتدقيق والتمحيص منذ عهده صلى الله عليه وسلم، وعهد خلفائه الراشدين من بعده، وعهد التابعين، وأورد آراء المذاهب الإسلامية، وآراء العلماء، وآراء وأفعال الأئمة الحكام، والأفعال التي نقلت عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وعن خلفائه الراشدين من بعده، والتابعين، وقارن ذلك وناقض الضعيف من المنقول بما هو أقوى حجة، والمنسوخ بالناسخ.
…وعلى ما يبدو أن رأي الإمام النور السالمي رضي الله عنه الذي استنبطه مما عرضه من بحث وتدقيق، ورأي أئمة وعلماء المذهب الأباضي من قبله – أن صلاة الجمعة ليست بدلاً من صلاة الظهر من يوم الجمعة لزاما في أي مكان، إنما هي فرض عين فرضه الله عز وجل، وفصله الشارع عليه أفضل الصلاة والسلام، لتكون بدلا من صلاة الظهر من يوم الجمعة في أماكن مخصوصة، وهي - عواصم الأمصار، لتكون بذلك مزيَّةً خاصة للقائمين بأمور الناس، وهيبة لمقام الحكم، على أن يسعى إليها الناس من الأماكن المجاورة لمكان إقامتها، وهو من الجمع فما دون، وتكون فرض كفاية بالنسبة للقاطنين في المناطق الكائنة ما بعد الجمع من مكان إقامتها بنفس المصر.
…ومن الملاحظ من الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم، أن صلاة الجمعة قد حُطَّت عن بعض خلق الله من المسلمين، وهم النساء والعبيد والمسافرون، حتى أن لو سمعوا النداء، فأن لو كانت فرضاً لازماً بدل صلاة الظهر من ذات يوم الجمعة، لما حُطت عن هؤلاء، كسائر الصلوات، وكسائر العبادات، مثل الحج مثلاً فإنه لا يسقط عن أي مسلم إلا بعدم القدرة، والزكاة لا تسقط نهائياً إذا ما بلغت النصاب، والصوم لا يسقط إلا بالفدية في بعض الأحوال. (1/3)
صفحة 4
…إن التمسك بآراء علماء المذهب الأباضي تمسُّكٌ وثيق العرى، لأن المذهب الأباضي رضع من در السنة المحمدية، فأول إمام للمذهب هو جابر بن زيد رضي الله عنه وأرضاه، والإمام جابر أخذ ونقل عن سبعين بدريا، وعن ابن عباس رضي الله عنه الذي سماه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم حبر الأمة، كما نقل عن عائشة رضي الله عنها زوج رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، وجابر رضي الله عنه هو الثقة، حيث قال عنه ابن عباس رضي الله عنه: إنني لأعجب لأهل البصرة كيف يأتونني للاستفتاء وفيهم جابر بن زيد، وقال عنه أنس بن مالك رضي الله عنه وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تُوفي جابر: اليوم مات أعلم من على وجه الأرض.
…ومما ترويه الأخبار الموثوقة – أن الرسول الكريم عليه أفصل الصلاة وأزكى التسليم، قد أخبر عائشة رضي الله عنها بمقدم جابر إليها بعد وفاته، ووصفه لها، حيث عرفته تماماً بوصف الرسول صلى الله عليه وسلم له، فإخبار الرسول الكريم عن جابر أعظم شهادة في الأرض على أن جابراً أمينا على السنة النبوية.
…وقد أخذ العلم عن جابر خليفته أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الملقب بالقفاف، وأبو عبيدة هو صاحب الفضل الكبير بعد إمامه جابر بن زيد رضي الله عنهما في المحافظة على السنة النبوية، وفي الكفاح من أجل إقامة دولة إسلامية بعيدة عن الاستبداد بالسلطة، تحت إمرة إمام عادل منتخب من قبل ثقاة المسلمين. (1/4)
صفحة 5
…وخلف الإمام أبو عبيدة خليفته الربيع بن حبيب الفراهيدي العماني المشهور بمسنده الصحيح، الذي حافظ فيه على الأحاديث النبوية التي رواها عن الإمام الأول جابر بن زيد رضي الله عنه، وهي مراسيل جابر والتي تبلغ مائة وأربع وثمانين حديثاً، كما روى عن أبي عبيدة وضمام بن السائب وابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأبي أيوب وعبادة بن الصامت وأبي مسعود وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهم وأرضاهم، والإمام الربيع بن حبيب هو الذي أرسى القاعدة المباشرة لنشاط المذهب الأباضي بالخليج العربي.
…وقد حمل العلم عن صاحب المسند من البصرة إلى عمان، خمسة علماء من عمان، كان لهم الفضل الكبير في ازدهار الحياة العلمية في فجر الإسلام في عمان، وهم – أبو المنذر بشير بن المنذر النزواني، ومنير بن النير الجعلاني، وموسى بن أبي جابر الأزكوي الضبي، ومحبوب بن الرحيل القرشي، ومحمد بن المعلاَّ الكندي، وهؤلاء العلماء هم الذين أسسوا إمامتي الظهور في عمان، الأولى عام 134هـ، والثانية 177هـ.
…هؤلاء الأئمة الأُول للمذهب الأباضي في عمان، وردوا مباشرة من نبع السنة المحمدية، وقد حافظ من أتى بعدهم من العلماء في عمان على هذا المذهب القويم، محافظة تامة، وما اختلفوا فيه من آراء في التشريعات والأحكام ردوه إلى الكتاب والسنة والإجماع.
…إنني اهتممت باختصار، بالعلماء الذين نقلوا العلم إلى عمان من الأباضية، دون التحدث عن العلماء الذين نقلوه إلى المغرب العربي واليمنين، ودون التحدث عن الإمام عبد الله بن أباض التميمي الذي ينسب إليه المذهب، وعن كفاحه الطويل باللسان والسنان من أجل اتباع الدين الإسلامي الصحيح، الذي جاء به سيد الرسل وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك كله تاريخ يطول التحدث عنه. (1/5)
صفحة 6
…وأخيراً أحيل القارئ الكريم إلى رسالة (الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة)، ليستشف منها بالتفصيل رأي المذهب الأباضي في أحكام صلاة الجمعة. وما أنا في توطئتي المقتضبة هذه، سوى ناقل عن أصحاب الرأي رأيهم، وأنا دونهم أحقاباً.
وبالله التوفيق
سعود بن حمد بن الإمام نور الدين السالمي
في 16 ربيع الأول 1417 هـ
الموافق 1 أغسطس 1996م
التقديم
…بسم الله الرحمن الرحيم – الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه وعلى جميع النبيين، وعلى الملائكة المقربين، وعلى صالحي المؤمنين، صلاةً وسلاماً دائمين إلى يوم الدين.
…أما بعد: - فقد سألني من هو أعز الأصحاب لديَّ، وأكرمهم عليَّ، شيخنا المجيد، حمد بن سيف بن سعيد، أسعده الله في داريه، وأمطر سُحب الرحمة عليه، سألني أن أضع له رسالة في صلاة الجمعة، وحجج الأصحاب فيها، فأجبته ملبياً لخطابه، وسارعت في ترتيب جوابه، أداءً لحق الأخوة، وانقياداً لحكم المروءة، وتشييدا قواعد الدين، وتثبيتاً لقلوب المؤمنين، فوضعت له هذه الرسالة المشتملة على التحقيق، الهادية إلى سواء الطريق، ورتبتها على مقدمة ومقصدين وخاتمة.
المقدمة في صفة صلاة الجمعة
وفي حكمها وفي الأدلة على وجوبها (1/6)
صفحة 7
…اعلم أن صلاة الجمعة هي ركعتان في وقت الظهر من يوم الجمعة، في مصرٍ مع إمام بارٍّ أو فاجرٍ أو نائبِ إمامٍ كذلك، يصليان بأذانٍ وخطبة وإقامة، يجهر فيهما الإمام بالقراءة، ويقرأ مع فاتحة الكتاب في كل ركعة منهما شيئا من القرآن، ويُستحب أن يقرأ فيهما بما كان يقرأه عليه الصلاة والسلام فيهما، فقد رُوي عنه أنه كان يقرأ في ركعتي الجمعة – سورة الجمعة والمنافقين، وتارة يقرأ الجمعة، وهل أتاك حديث الغاشية، وتارة سبِّح اسم ربك الأعلى والغاشية، ومن قرأ غير هذه السور أجزاه، لأن في قراءته صلى الله عليه وسلم مرة هل أتاك حديث الغاشية ومرة سبح اسم ربك الأعلى، ومرة غيرهما، ما يدل على أن الجمعة لا تختص بقراءة سورة دون سورة، ولكن في التأسي به صلى الله عليه وسلم ما لا يُخفى من كمال انقياد المتأسِّي، وتمام إذعانه، فيحوز بذلك الفضل الوافر، ولتكن الخطبة متصلة بالأذان، والإقامة متصلة بالخطبة والصلاة متصلة بالإقامة، ولا يخطب الخطيب حتى يقول المؤذن – لا إله إلا الله، ولا ينزل عن منبره حتى يقول المقيم – قد قامت الصلاة، وسيأتي في شروط صحة صلاة الجمعة أحكام الأذان والخطبة.
…قال في الإيضاح: وإذا دخل الإمام المسجد بعدما صلى في بيته شاء الله، فليأت إلى المنبر، ويقدم في طلوعه رجله اليمنى، فإذا استوى على المنبر – قعد منتظراً المؤذن ومن يأتي من الناس، فإذا أذن المؤذن الأذان الآخر وفرغ من أذانه، قام الإمام واقفاً على المنبر، وأخذ في خطبته قائماً، ويبدأ في خطبته بذكر الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه، ويُذكِّر الناس ويعظهم ويُخوفهم معادهم، وينبغي له أن يعتمد في حال خطبته على قوسٍ أو على عود المنبر، لما رُوي أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا صعد على المنبر توكأ على قوس أو سيفٍ أو عصا، فينبغي الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، ويستقبل الناس بوجهه. (1/7)
صفحة 8
- انتهى كلامه – وفيه ما يدل على أن للجمعة أذانين، وما كان في عهده صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخليفتين بعده إلا أذان واحد، وإنما أحدث الأذان الأول عثمان لمَّا رأى كثرة الناس، وهي بدعة حسنة قبلها منه المسلمون فلا بأس بها.
…ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه – كان يُمهلُ يوم الجمعة حتى يجتمع الناس، فإذا اجتمعوا خرج إليهم وحده، فإذا دخل المسجد سلَّم عليهم ثم يجلس، ويأخذ بلالُ في الأذان، فإذا فرغ منه قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة.
…وفي الأثر أنه قد كان بعض المبتدعين صلَّى ركعتين بعد الأذان واتَّبعه الناس على ذلك، ثم إن محمد بن محبوب غيّر تلك البدعة.
حكم الدخول مع الإمام في صلاة الجمعة
…وحكمها في الدخول مع الإمام حكم سائر الصلوات، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك من الجمعة ركعة فليصلِّ إليها أخرى، ومن أدركهم في التشهد صلى أربعاً)، وفي رواية أخرى: ( من أدرك الإمام في التشهد يوم الجمعة فقد أدرك الجمعة)، وهذه الرواية دليل على ما صرح به الإمام أبو سعيد رضي الله عنه، مما حاصله -: أن من أدرك من صلاة الجمعة أو غيرها ما لا تتم الصلاة إلا به كان مدركاً للصلاة مع الإمام وليقض ما فاته منها.
…وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لم يُدرك مع الإمام ركعة صلى أربعا – أي – صلاة نفسه، ورُفع هذا المذهب عن علي ابن أبي طالب، قال أبو محمد:- وقد كان في الصحابة من يخالف عليًّا في هذه المسألة، وكان يرى أن من أدرك التشهد فقد أدرك الجمعة، ويأتي بركعتين. (1/8)
صفحة 9
…انتهى – والدليل لمذهب علي هو ما في آخر الرواية الأولى من أنه مَن أدرك الجماعة في التشهد صلى أربعاً، وإذا دار الأمر بين ترجيح أحد القولين على الآخر، قلنا: إن القول بأنه من أدرك الإمام في التشهد فقد أدرك الصلاة هو الراجح، لما في تلك الرواية ولما عليها من شواهد من السنة والقياس، فأما شواهدها من السنة فهو ما في أحاديث الدخول مع الإمام من العمومات التي لا تنكر، ولم يقم دليل على خروج الجمعة من عموم تلك الأحاديث ولا على تخصيص تلك الأحاديث بشيء من أركان الصلاة دون شيء، وأما شواهدها من القياس – فهو أن الركعة ركن من الصلاة، والقعود ركن منها أيضاً، فوجب أن يتساوى الركنان في الحكم حيث لا مخصِّص، والله أعلم.
حكم من فسدت عليه صلاة الجمعة
…ومن فسدت عليه صلاة الجمعة وعلم بفسادها في الوقت أعادها أربعاً صلاة الظهر، أو بعد الوقت قضاها أربعاً كذلك، وذلك أنه لا جمعة له، فوجب المصير إلى صلاة نفسه.
…وقيل: إن علم بفسادها بعد خروج الوقت قضاها ركعتين صلاة الجمعة، لأنها إنما وجبت عليه بالدخول مع الإمام ركعتين فيقضيها كذلك، وإن علم بفسادها في الوقت صلاها صلاة نفسه، وهذا القول مبني على أن وجوب القضاء إنما هو بالأمر الذي وجب به الأداء، وكان المأمور به عند الأداء ركعتين، فكذلك يقضي، وأيضاً فالقضاء استدراك لما فات وقته، ولا يكون المستدرَك به إلا نظيراً للمستدرَك، ومماثلاً له، وقد علمت أن المستدرَك ركعتان، فكذلك القضاء، ولهاتين الحجتين فرَّق أصحاب هذا القول، بين ما إذا علم بفسادها في الوقت، وبين ما إذا علم بعد الوقت، لأنه إذا علم بفسادها في الوقت كان الواجب عليه إعادتها، والإعادة هي غير القضاء، وإن علم بعد الوقت، كان عليه قضاءها. (1/9)
صفحة 10
…ولنا أن نقول: لا نُسلِّم إن القضاء إنما وجب بالأمر الذي وجب به الأداء، وإنما نقول: إنه وجب بأمر ثانٍ كما بينته في – الشمس وفي طلعتها، وإن القضاء وإن كان استدراكاً لما فات، فالفائت عليه عندنا إنما هي صلاة نفسه، أما الجمعة فقد فسدت عليه، وتحول الوجوب إلى الأربع، وهي التي فاتت، فالقضاء إنما هو استدراك للأربع لا للجمعة، والله أعلم.
…وقيل: إنه إن كان النقض من قِبل المأموم، أعادها في الوقت أربعاً، وقضاها بعد الوقت ركعتين صلاة الإمام، وإن كان الفساد إنما هو من قِبل الإمام، صلاها أربعاً في الوقت وبعد الوقت، لأن صلاة الجمعة لم تنعقد له مع الإمام، وقد انعقدت فيما إذا كان الفساد من قِبله، فلذلك يقضيها بعد الوقت ركعتين، وهذا القول مبني أيضاً على ما بُني عليه القول الثاني مع زيادة التفصيل المعلل بانعقاد الجمعة، وبعدم انعقادها، وأرجح الأقوال هو ما قدمته لك، والله أعلم.
…وهذه المذاهب موجودة أيضاً فيما إذا صلى مسافر خلف مقيم صلاة رباعية، ففسدت عليه، والله أعلم.
حكم صلاة الجمعة والأدلة على وجوبها
…وأما حكم صلا الجمعة فهو إن الأمة اجتمعت على أنها فريضة على من اجتمعت معه شروطها الآتي ذكرها، واستدل العلماء على أنها فرض بقوله تعالى: (1/10)
صفحة 11
…{ يا أيها الذين آمنوا إذ نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}، وفسروا السعي بالمسير إليها على الأقدام أو على الدواب، وفسر بعضهم ذكر الله – بالصلاة، وبعضهم بالخطبة، وفسره آخرون بحسب ظاهرها كما ترى، أما أولاً – فلأن الأمر بالسعي إلى ذكر الله ليس أمراً بفعل الصلاة، وأما ثانياً – فإن ذكر الله ليس نصاً في الصلاة، لكن أطبقت الأمة المحمدية على فرضية صلاة الجمعة مع كمال شروطها، لما حصل لهم من الأدلة على ذلك من أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله وحملوا الآية على ذلك، فإذا ظهر لك أن الآية ليست نصاً في إيجاب صلاة الجمعة، وإنما إيجابها بانضمام ما عُلم من السنة إليها، ظهر لك أنه ليس للخصم علينا بظاهر الآية حجة.
…وإذا حوّل استدلاله إلى السنة، جئناه بأدلة من السنة أيضاً، على اشتراط ما اشترطنا في وجوبها وصحتها، فكما علمنا فرضيتها من السنة كذلك علمنا شروط وجوبها وصحتها منها أيضا، ولو كانت الآية الشريفة نصاً في إيجاب صلاة الجمعة، لقلنا أن هذا النص مُخصص بشروط من السنة، وقد صح واشتهر أن السنة تُخصص الكتاب، ثم أنه لا سبيل للخصم في إسقاط جميع الشروط الآتي ذكرها، وإن ادعى سقوط بعضها، فإن الأمة المحمدية كما أنها اجتمعت على أن صلاة الجمعة فريضة، كذلك اجتمعت على أنها لا تجب على صبي ولا مجنون ولا امرأة، وهكذا بقية الشروط المجتمع عليها، وأنت خبير أنه لم يكن في الآية استثناء شيء من ذلك، فقد أثبت الخصم تخصيص الآية على تقدير أنه نص في المراد، ولا مُخصِّص لها من نفسها، فاحتاج إلى طلب المخصص من خارج ضرورة، ولا مخصص سوى السنة، وهي التي أثبتنا بها شروط الجمعة الآتي ذكرها، والله أعلم.
الدليل على وجوبها من السنة (1/11)
صفحة 12
…وأما دليل وجوبها من السنة، فهو ما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا أيها الناس – إن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، فريضة مكتوبة لمن وجد إليها سبيلا)، وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم: (الجمعة واجبة على كل محتلم سمع النداء في جماعة، إلا عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض، أو مسافر، ومن استغنى عنها بلهوٍ أو تجارة، استغنى الله عنه، والله غني حميد).
…وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم: (من سمع النداء فارغاً صحيحاً فلم يُجب فلا صلاة له). وروي أنه كان صلى الله عليه وسلم يحث على فعل الجمعة في جماعة أكثر من غيرها ويقول: (من ترك ثلاث جُمع تهاوناً طبع الله على قلبه). (1/12)
صفحة 13
…وأنه كان صلى الله عليه وسلم ينهى رعاة الإبل والغنم يوم الجمعة أن يُبعدوا بها على رأس ميلين حتى لا يسمعوا النداء فلا يشهدوا الجمعة ويقول لهم: (من فعل ذلك ثلاث جُمعٍ طبع الله على قلبه). وفي هذا الحديث دلالة على أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (الجمعة واجبة على كل محتلم سمع النداء). هو أن يكون المحتلم في مكان يسمع منه النداء بالصوت المرتفع في المكان العالي، في الوقت الخالي من الحواس، مع هدوء الحركات وسكون الرياح، ووجه دلالة هذا الحديث على ذلك هو – أنه لو كان المراد من سماع النداء ظاهره، ما نهى صلى الله عليه وسلم الرعاة أن يبعدوا حتى لا يسمعوا النداء، وذلك أنه لو كان خروجهم قبل وجوب الصلاة، ولم يسمعوا النداء بآذانهم، كان فرض الجمعة ساقطاً عنهم، ولما تبين عدم سقوطه عنهم بالنهي عن الإبعاد، وبالتوعد بالطبع على القلوب. علمنا أن المراد بسماع النداء هو ما ذكرت، وبه قال بعض العلماء، وحكمة الحديث في النهي عن الإبعاد حتى لا يسمعوا النداء، إنما هي مخافة أن لا يسمعوا النداء فلا يحضرون الصلاة وقد كانت واجبة عليهم، ويحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم سمع النداء جارياً مجرى الأغلب المعتاد، فلا يدل على سقوط الجمعة عمن لم يسمع النداء. على ما في الاحتجاج بمفهوم المخالفة من خلاف، كيف وقد قام الدليل من خارج على وجوبها على من كان حاضراً سمع النداء أو لم يسمعه. وأيضاً فلو كان المراد من سمع النداء ظاهره، لسقطت الجمعة عن الأصم، والإجماع على أنها لا تسقط عنه بنفس الصمم.
بيان المكان الذي تؤتى منه الجمعة
…وقال محبوب بن الرحيل رضي الله عنه: بلغنا أن أهل عمان كتبوا إلى جابر بن زيد رحمه الله يسألونه - هل يأتي الجمعة من لا يسمع النداء؟ فكتب إليهم جابر: لو لم يأت الجمعة إلا من سمع النداء لأقل الله أهلها، تؤتى من رأس فرسخين وثلاثة، ومن قدر أن يأوي إلى منزله، فعليه الجمعة. (1/13)
صفحة 14
…ودليله على ذلك حديث أبي هريرة: (الجمعة على من آواه الليل إلى أهله). وأنت خبير أنه لا جمعة على المسافر لاستثنائه ممن تجب عليه، بما سيأتي من الأدلة على ذلك، فيجب أن يُحمل كلام الإمام هاهنا على من في المصر الذي تقام فيه الجمعة، ولم يكن بين أهله وبين مقام الجمعة فاصل من الأمكنة الخربة، وإنما كانت العمارات متصلة بينهم، فإنه يجب عليه في مثل هذه الحالة أن يأتي الجمعة، وإن بعدت من أهله قدر فرسخين أو ثلاثة فراسخ إذا كان يؤويه الليل إلى أهله، لأنه في هذه الصورة لم يكن مسافراً، فيتوجه إليه الخطاب بحضور الجمعة، فإن كان ممن لا يؤويه الليل إلى أهله، فلا يجب حضورها لحصول المشقة، والمشقة تجلب التيسير، وعلى هذا التقرير فإن أمكن أحداً من الناس، ممن اتصلت منازلهم بمحل الجمعة أن يحضر الجمعة من مسافة شهر مثلاُ، وأمكنه أن يصلي الفجر في أهله، وأن يؤويه الليل إلى أهله بركوب السفينة الجارية على البر، ولم تحصل له عند ذلك مشقة فعليه الجمعة، وإن كانت العمارات منقطعة، والبلدان منفصلاً بعضها من بعض، فلا يجب حضور الجمعة إلا على من كان أهله دون الفرسخين، لأنه إذا كان أبعد من ذلك، - أي – دون الفرسخين يكون في محل الجمعة مسافراً ولا جمعة على المسافر، لما سيأتي، فلا يجب عليه حضورها.
…قيل: وكذلك من كان في المصر المتصل عمرانه فلا يجب عليه حضور الجمعة من أبعد من فرسخين أيضاً.
…قال أبو سعيد: وهذا القول هو عندي أكثر قولهم، وقال أيضاً: وأحسب أنهم ذهبوا في ذلك إلى معنى سقوطها عن المسافر، في معنى الاتفاق، والمسافر معهم من جاوز الفرسخين من وطنه، فإذا ثبت أنه لا جمعة على المسافر لموضع بعد السفر عليه، فمثله لو كان في المصر، وكان بينه وبين موضع صلاة الجمعة فرسخان في البعد من موضع الجمعة، لم تلزمه الجمعة، انتهى. (1/14)
صفحة 15
…وأقول: إن قياس الحاضر في هذا الحكم على المسافر لا يتم، لأن المسافر قد خص في صلاة الجمعة بحكم لا يشاركه في الحاضر، وقد خص الحاضر بخطاب في حكم صلاة الجمعة لا يشاركه في المسافر، فقياس كل واحد منهما على الآخر مع وجود النص الخاص به، قياس مع نص، وإن اتحدت العلة مثلاً، فما ذهب إليه الإمام جابر هو الوجه عندي، والله أعلم.
بيان كيفية فرض الجمعة وأنه فرضٌ على الأعيان
…وبالجملة فالسنة في وجوب الجمعة مشهورة متواترة، والأحاديث في ذلك متوافرة متكاثرة، فالواجب حينئذ أن نبين كيفية فرض الجمعة، أهو فرض عين أم فرض كفاية.
…قال في الإيضاح: وهي فرض على الأعيان، لما روي أنه قال عليه السلام: (لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن صلاة الجمعة)، ولما روي أنه قال عليه السلام: (من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طُبع على قلبيه). وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من ترك الجمعة أربعاً متواليات لا يكون لمن تركها عذراً إلا نبذ الإسلام وراء ظهره. انتهى.
…ويدل أيضا على أنها فرض عين قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته: (واعلموا أن الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في منبري هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي وبعد وفاتي وله إمام عادل أو جائر، استخفافاً بها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك الله له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بركة له حتى يتوب، فمن تاب، تاب الله عليه).
…وعلى ذلك قومنا أيضاً، قال في الرحمة: اتفق العلماء على أن صلاة الجمعة فرض واجب على الأعيان، وغلَّطوا من قال: هي فرض كفاية. انتهى. (1/15)
صفحة 16
…والقائل أنها فرض كفاية هو ابن كج من أصحاب الشافعي، وقال: القطب متعنا الله بحياته في ذهبه: والجمعة فرض كفاية بالنظر إلى عموم الإسلام، وفرض عين بالنظر إلى من في مصر الإمام، أو واليه، وإلى من في أحد الأمصار السبعة، وكالجهاد فرض كفاية على عموم الإسلام، وفرض عين على من يُعيِّنه الإمام، أو احتيج إليه واضطر، وكالحج فرض كفاية على عموم الإسلام، فإن لم يكن حُجَّ في سنة كفروا، وفرض عين على من استطاع، انتهى.
…وحاصله أن لكل واحد من الجمعة والجهاد والحج بالنظر إلى المكلفين جهتين، إحداهما – تكون فيها هذه الأشياء فرض كفاية وهي عموم الإسلام، حتى أنهم لو تركوا هذه الأشياء أو واحدا منها بلا عذر كفروا جميعا، ولا بد من سلامة ذي العذر منهم، إذا تركها أو شيئا منها القادرون عليها أو على شيء منها. والجهة الثانية – تكون هذه الأشياء فيها فرض عين، وهي في الجمعة من كملت معه شروط وجوبها، وفي الجهاد من عيَّنه الإمام للجهاد أو احتيج إليه، وفي الحج من استطاع السبيل، ولأجل هذا التحرير ترى أن أهل المصر يكتفون بأداء الجمعة في موضعين من المصر الواحد على ما سيأتي تحقيقه في محله إن شاء الله تعالى.
…وبقى هنا إشكال وهو أن يُقال: إذا كانت الجمعة فرض عين، فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع على قلبه). وما معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: من ترك الجمعة أربعاً متواليات لا يكون لمن تركها عذراً لنبذه الإسلام وراء ظهره، حتى أن الفتوى من أهل المذهب، جرت على ظاهر ما في الحديث، فقالوا بهلاك من ترك الجمعة ثلاث مرارٍ متواليات بغير عذر، ولم يحكموا بهلاك تاركها مرة أو مرتين. وكذا أفتوا بإجزاء صلاة من صلى الظهر في بيته، وإن كان ممن تجب عليه الجمعة، وإن صلى في بيته ثم خرج إلى المسجد فوجد الإمام لم يصل الجمعة، قالوا: يصلي الجمعة معهم نفلاً، وصلاته هي الأولى، وإن قيل بغير ذلك. (1/16)
صفحة 17
…وشأن فرض العين هو أن يهلك تاركه بمرة واحدة إذا لم يكن في تركه عذر، وبذلك يُبرأ منه إذا لم يتب، ولا يجزيه إن فعل غيره وإن ظن فواته، وإنما يلزمه نفس ذلك الفرض إذا أدركه.
…ويجاب عن هذا الإشكال – بأن ما ذُكر كله إنما هو خاص بصلاة الجمعة دون غيرها، لطفا منه تعالى ومناً، لما قد يحصل بالسعي إليها من المشقة بسبب بعد المسافة، أما تخصيصها بعد هلاك تاركها فيما دون ثلاث مرارٍ، فلما تقدم آنفاً من أحاديث الطبع على قلب من تركها ثلاثاً، وقول ابن عباس: من تركها أربعاً، لا ينافيه، لأن المراد منه أن يكون تاركها بعد الثلاث مطبوعاً على قلبه، ويكون في الرابعة نابذا للإسلام وراء ظهره. وأما تخصيصها بالاجتزاء عنها بصلاة الظهر في بيت من تلزمه، فلما في حديث: (لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن صلاة الجمعة في بيوتهم)، حيث أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر المتخلفين بإعادة صلاتهم، ولو كانت صلاتهم في بيوتهم غير مجزية في إسقاط الواجب عنهم، لأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادتها، ولو أمرهم بذلك لنقل كما نقل الحديث المذكور، ولاشتهر أيضاً، لأنه مما تعم به البلوى على أن المختار عندنا – إن صلاته في بيته لا تجزيه عن الجمعة إذا أدركها، لأن المتعين عليه حينئذ الجمعة، وصلاته في بيته بلا عذر لا تسقط عنه المتعين عليه من فرض الجمعة، وتخصيصه في الجمعة بما ذكر لا يجزي عندنا، لأنه استدلال بالمسكوت عنه، فيحتمل سكوته صلى الله عليه وسلم عن ذلك معاني لا توجب تخصيص الجمعة بذلك الحكم، فيحتمل أنه عليه الصلاة والسلام سكت عن أمرهم بذلك، حيث أن التاركين لذلك لم يكونوا أناساً معروفين بأعينهم حتى يقصدهم بذلك، ويحتمل غير ذلك أيضاً، ويحتمل أنه أمرهم بالإعادة فلم ينقل إلينا، إذ ليس كلما وقع في زمانه صلى الله عليه وسلم منقولا إلينا، ويحتمل أنه نقل فلم يشتهر، ومع بعض هذا لا يكون حجة على ما ذُكر، فكيف (1/17)
صفحة 18
مع جميعه، وأيضاً فالطبع على القلب، إنما هو عقوبة الذنب، فليس فيه دلالة على أن تارك الجمعة مرة أو مرتين لا يهلك وإنما غاية ما فيه – أنه يعاقب تاركها بهذا العقاب الخاص، إلا إذا تركها ثلاثاً وعلى هذا فلا تكون الجمعة مختصة من بين سائر الفرائض بشيء مما ذكر، ويكون توجيه كلام أصحابنا في عدم البراءة منه في المرة الأولى وفي الثانية، هو أنه – لما كانت تلك الأحاديث بحسب ظاهرها، محتملة أن تكون مخصصة للجمعة بهذه المزية من غيرها، وكانت البراءة عندهم لا تنبني إلا على صحة شرعية، ولا يقيمونها على شبهة انتظروا بتاركها المرة الأولى والمرة الثانية، مراعاةً لظاهر الحديث، واحتياطاً لدينهم، وتثبيتاً في الإسلام، ورفقاً بالمؤمنين، والله أعلم.
المقصد الأول:
في شروط وجوب صلاة الجمعة (1/18)
صفحة 19
اعلم أن الشروط التي تجب بها صلاة الجمعة نوعان، أحدهما – شروط عامة لوجوبها ولوجوب غيرها من سائر الفرائض، وثانيهما – شروط خاصة بها من سائر العبادات، وقد تشاركها فيها صلاة الجماعة، فأما الشروط العامة لها ولغيرها من سائر الفرائض فهي: البلوغ والعقل والقدرة، فأما البلوغ والعقل، فلا خلاف في أن الفرض لا يجب على طفل ولا مجنون، لقوله عليه السلام: (رُفع القلم عن ثلاثة) الحديث، وأما القدرة - فقد يكون سقوطها عذراً لإسقاط جميع الفرائض، فتكون شرطاً عاماً لوجوب الجمعة وغيرها من سائر العبادات إجماعاً، فلا يلزم المريض الذي لا يستطيع فعل شيء من الواجبات أداء جمعة ولا غيرها، لقوله تعالى:{ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}، ولأن تكليف المريض بما لم يكن في طاقته، تكليف بما لا يُطاق، وهو محال عندنا معشر الأباضية، وعند المعتزلة كذلك، ووجه كونه محالاً عندنا هو أن يكون الفعل نفسه مطلوباً ممن لا يقدر على فعله، لا أن يكون المطلوب اختبار المكلف – هل يتهيأ للامتثال فيثاب، أو لا، فيعاقب، فإنه إذا كان المطلوب للاختبار المذكور - فلا خلاف في جواز التكليف بما لا يطاق بهذا المعنى، لأنه لم يكن تكليفاً بما لا يطاق، والمحال عندنا إنما هو التكليف بما لا يطاق، فبهذا تعرف أنه لا مخالفة بين ما ذكره القطب في ذهبه، وبين ما ذكرته في المشارق من تجويز ذلك، وبين ما صرح به الأصحاب من المنع، وقد تكون القدرة شرطاً خاصاً، فيسقط بعدها فرض الجمعة والجماعة، وسنذكرها فيما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وأما الشروط الخاصة بها فهي: الذكورية، والحرية، والإقامة، والصحة، فلا تجب صلاة الجمعة على امرأة ولا على عبد ولا على مسافر ولا على مريض، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الجمعة واجبة على كل محتلم سمع النداء في جماعة، إلا عبد مملوك، أو امرأة أو صبي، أو مريض أو مسافر). (1/19)
صفحة 20
فأما المرأة والمريض، فلا خلاف بين أحد من الأئمة أنه لا تجب عليهما صلاة الجمعة، ويدخل تحت المريض أعمى العينين، إذا لم يهتد إلى حضور الجمعة، ولم يجد قائداً، فإن اهتدى بنفسه، وجب عليه حضورها، لأن العلة التي لأجلها سقط عنه فرض الجمعة، إنما هي عدم الاهتداء إلى حضورها، وهي ثمرة العمى، وليست العلة نفس العمى، إذا لم يترتب عليه عدم اهتداء، وإن لم يهتد بنفسه، لكن وجد إليها قائداً، فيخرج في وجوبها عليه قولان – وهي مسألة القادر بقدرة غيره، والله أعلم.
وأما العبد والمسافر فعند أصحابنا وجمهور قومنا أنه لا جمعة عليهما أيضاً، وروي عن داود بن علي وأصحابه أنهم قالوا: على العبد والمسافر الجمعة، ويُحكى عن الزهري والنخعي – وجوبها على المسافر إذا سمع النداء، ويحكى عن الحسن البصري وقتادة وأحمد – وجوب الجمعة على العبيد الذين يؤدون الفرائض، وعن الأوزاعي – أنه إن كان العبد مخارجاً أدى ضريبته فعليه الجمعة، قال صاحب القواعد رحمه الله تعالى: وسبب الخلاف تنازعهم في صحة الحديث وهو قوله عليه السلام: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا على أربعة - عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض)، وفي حديث آخر: ( إلا خمسة – أو مسافر) انتهى. (1/20)
صفحة 21
ولأجل هذا التنازع استدل أبو محمد – على أنه لا جمعة على المرأة بقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في صحن دارها، وصلاتها في دارها أفضل من صلاتها في مسجد جماعة)، واستدل كذلك على أن لا جمعة على العبد، بإشارة قوله تعالى:{وذروا البيع}، لأنه خطاب لأهل الأمصار، والعبد ليس منهم، ولأن العبد لا بيع له، والخطاب متوجه لمن له أن يبيع، وتابعه في هذا الاستدلال الشيخ إسماعيل في قواعده، والشيخ عامر في إيضاحه، ولذلك أيضاً ركن الإمام الكدمي رضوان الله عليه – في الاستدلال على سقوط الجمعة عن العبيد إلى القياس، فقاس الجمعة بالحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بجامع أن كل واحد من هذه العبادات، ينتقل من حال إلى حال، أي – تارة يلزم هذا، وتارة يلزم هذا، والعبادات المتنقلة لا تلزم العبيد، وإنما تلزم الأحرار.
وغاية الأمر أن الروايات في سقوط الجمعة عن المرأة والعبد متناصرة يؤيد بعضها بعضا، والقياس الذي صرح به الكدمي رحمه الله تعالى مؤيد لصحتها، وقد استدل صاحب القواعد رحمه الله تعالى على سقوط الجمعة عن المسافر بما رُوي أن النبي عليه السلام – صلى الظهر والعصر بعرفة صلاة المسافر، وهو يوم جمعة، وبما رُوي أن عليا صلى بأهل مكة يوم الجمعة ركعتين وقال: أتموا صلاتكم، وقد سبقه إلى هذا الاستدلال ابن بركة، وتبعهما عليه صاحب الإيضاح، لكن زاد ابن بركة – أن عمر بن الخطاب فعل ذلك أيضاً، وقال صاحب الأشراف: وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: ليس على المسافر جمعة.
وأقام أنس بسابور سنة أو سنتين فكان يجمع، وعبد الرحمن بكابول شتوة أو شتوتين فكان لا يجمع، انتهى. (1/21)
صفحة 22
ففي هذا كله ما يدل على أنه لا جمعة على المسافر، وفيما حكاه صاحب الأشراف عن أنس وعبد الرحمن – دليل على ما قاله أصحابنا أن المسافر وإن طالت مدة المقام في بلد، فحكمه فيها أنه مسافر ما لم ينو الوطن، فإذا حضر من لا جمعة عليه من النساء والعبيد، والمسافرين، والمرضى الجمعة فصلوها ركعتين مع الإمام كان ذلك مجزيا عنهم ومسقطا لفرضهم، قال ابن بركة: بإجماع الأمة، وقد حكى صاحب الأشراف الإجماع على ذلك أيضاً، وقال ابن بركة في موضع آخر: وقال أصحابنا ليس على المسافر والعبد والمرأة جمعة والإجماع على ذلك، وإذا حضروها وصلوها مع الإمام، سقط عنهم الفرض، قال: وفي نفسي من ذلك شيء، لأنهم أتوا بما لم يؤمروا به، وتركوا الفرض الذي أمروا به، فأرى الفرض باقياً عليهم، والله أعلم.
قال: ولا حظ للنظر مع الاتفاق والنص، وتابعه على هذا النظر صاحب الإيضاح رحمه الله تعالى، فقال مثل مقالته في ذلك، لكن عكَّر عليه المشي بما حاصله: إن لقول أصحابنا في هذه المسألة نظيراً وهو المسافر، فإن الفرض الواجب عليه ركعتان، مع أنه إذا صلى مع الإمام المقيم صحت صلاته، وأدى الفرض الواجب عليه، وحاصله أن الحكم هنا تغير بعذر، وهو تحصيل فضيلة الجماعة، مع قيام السبب للحكم الأصلي فهو رخصة، والرخص خارجة عن القياس، فلا يعترض عليها، فكان المسافر مأمور بركعتين إلا خلف الإمام، وكذا العبد والمرأة والمريض مأمورون بأربع إلا خلف الإمام، فحينئذ لا يرد نظر المؤلف رحمه الله.
وقد قال فيما يأتي في باب القضاء: إن صلى مسافر مع مقيم، ثم تبين له فساد صلاته بعد خروج الوقت، فإنه يقضيها صلاة الإمام كما وجبت عليه، إلى آخره، حرره، انتهى. (1/22)
صفحة 23
وأقول: إن مستند الإجماع في ذلك هو - ما علم من صلاة هؤلاء أو بعضهم الجمعة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء)، وروي أنهم انفضوا مرة في أثناء الصلاة إلا اثني عشر رجلاً وامرأة، واعلم أنه لا منافاة بين ما نقل من الإجماع على جواز صلاة المعذورين الجمعة، والاجتزاء بها عن الظهر في حقهم، وبين ما نقل من الأحاديث الدالة على رفع وجوبها عنهم، وبيان ذلك أن الأحاديث الرافعة للوجوب، لا تدل على منع الجواز وعدم الاجتزاء، وقد ثبت بأدلة أخرى الأمر بإتيان الجمعة، والسعي إليها، فعمومات هذه الأدلة يدخل تحتها المعذور وغير المعذور، والأدلة الرافعة لوجوب الجمعة عن المعذورين إنما هي مبينة لتلك الأدلة الدالة على الوجوب، فارتفع بها الوجوب عن المعذورين، وبقي الجواز من عمومات أدلة الأمر بها، والله أعلم.
واعلم أيضاً أن نظر صاحب الإيضاح كابن بركة، إنما يتوجه على صلاة النساء والعبيد والمريض دون صلاة المسافر، فإنه لا يقصر من صلاته شيئا، والله أعلم. (1/23)
صفحة 24
وبقي هنا إشكال وهو – أن يقال: أن ابن بركة حكى على ذلك إجماع الأمة، والإجماع أحد أدلة الشرع، فكيف له أن يخالف الإجماع إلى ما وقع في نفسه، ويُجاب عن هذا الإشكال – بأن الإجماع الذي هو أحد أدلة الشرع، وبه يُقطع عذر من خالفه، إنما هو الإجماع القطعي، وهو أن يفتي أو يعمل جميع علماء الملة بشيء، ويتبعهم على ذلك باقي الأمة، فأما إذا أفتى أو عمل بعضهم، وسكت الباقون، فلا يكون هذا إجماعاً يُقطع به عذر من خالفه، وكان الإجماع الذي نقله ابن بركة – إنما هو الإجماع السكوتي، لا الإجماع القطعي، بدليل عبارته عنه في الموضع الثاني – بالاتفاق. على أن ابن بركة سلَّم الأمر لما نقله من الاتفاق ورجع إليه، وكذا صاحب الإيضاح أيضاً، بدليل قول كل واحد منهما – ولا حظ للنظر مع الاتفاق، فيكون ما أشار إليه كل واحد منهما إنما هو – إظهار أن المقام مقام اجتهاد وتجويزٍ للقول بالرأي في ذلك، والله أعلم.
ثم إنهم اختلفوا بعد اتفاقهم على ما مر من أنه لا جمعة على مسافر ولا عبد ولا صبي، في أنه هل تصح إمامة العبد والمسافر في الجمعة؟ فأجازها قوم ومنعها آخرون، والمنع أصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنقل عنه أنه صلى بهم الجمعة في شيء من أسفاره، ونقل عنه أنه صلى الظهر يوم الجمعة في عرفة قصراً، ولم ينقل عنه أنه جهر بالقراءة فيها، ونقل أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم أنه أقام زمن الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم يقول: (يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين، فإنا قوم سفر). (1/24)
صفحة 25
وإن علياً صلى بالناس بمكة يوم الجمعة ركعتين وقال: أتموا صلاتكم، وكذلك روي عن العمرين أيضاً، وإن العبد لا تلزمه الجمعة، فالواجب عليه أربع ركعات، وجوزوا له أن يصلي مع الجماعة ركعتي الجمعة للرخصة المتقدم ذكرها، فإذا كان هو الإمام، فلا يصح أن يقصر من صلاته ركعتين لأجل من يصلي وراءه، هذا خاص بإمامته في الجمعة، وأما إمامته في سائر الفرائض، فالراجح عندي جواز ذلك، إذ ليس في صلاته حينئذ تقصير شيء من ركعاتها، ولأنه روي عنه صلى الله عليه وسلم – أنه كان يرخص في إمامة الأرقاء للأحرار، وروي أن سالماً مولى حُذيفة، وعُمراً مولى عائشة يؤمان الناس وهما أرقاء، وروي أن سالماً كان يصلي بالمهاجرين من الأولين لما نزلوا قباء قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، لكونه كان أكثرهم قرآناً، وكان فيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد، وكذلك اختلفوا في إمامة الصبي بالبالغين في الجمعة وغيرها من سائر الفرائض، فأجازها قوم، ومنعها آخرون، والمنع مروي عن ابن عباس وابن مسعود، وقيل بجوازها إذا احتيج إليه، قال الإمام الكدمي: وإنه ليعجبني قول من قال – أنه إذا لم يكن معهم من يقرأ، وعدموه، أنه تجوز إمامة الصبي إذا عقل، وذلك مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الصلاة على من عقل، والصوم على من أطاق، يعني من الصبيان.
ولثبوت معنى الجماعة أن لا تتعطل، أقول: ولما أعجبه رضي الله عنه شواهد، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يرخص في إمامة الصبي المميز، لاسيما إن كان أكثر القوم قرآناً، وروي أن عمرو بن سلمة يؤم قومه وهو ابن ست أو ثمان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1/25)
صفحة 26
واعلم أن حكم المدبر في جميع ما مر، حكم العبد، لأنه مملوك بعد، وأما المكاتب فهو حر عندنا، وأحكامه أحكامه، وإن أَذِن للعبد سيده أن يصلي الجمعة، فعليه أن يصليها، لارتفاع المانع، وهو مخافة أن يشتغل عن خدمة سيده بحضوره الجمعة، أو ليس عليه ذلك، وإن أذن له القيام المانع وهو الرق قولان قلتهما تخريجاً، والراجح عندي منهما هو القول الثاني، لظاهر الأحاديث المتقدم ذكرها، ولأن التعليل لرفع وجوبها عن العبد بسبب الرق أولى وأقوى من التعليل بالاشتغال عن خدمة السيد، كما هو ظاهر الحديث جلي.
وكذلك اختلفوا أيضاً في – الرجل يسافر يوم الجمعة قبل الصلاة، فقال ابن بركة: لا بأس أن يسافر الإمام وغيره يوم الجمعة، ما لم يدخل المؤذن في الأذان، لأن السعي توجه إلى الجميع بالأذان، فما لم يلزمه السعي، لم يمنع من السفر، وقال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا لم يكن بحد السفر ويجاوز الفرسخين قبل أن تزول الشمس فعليه الجمعة، إلا أن يكون ذلك الخروج من عذر في هذا الوقت، إلا أن يصير في موضع ما، لا تجب عليه فيه الجمعة قبل زوال الشمس ودخول الجمعة، وهذا إذا كان الخروج لغير عذر، وكان على المكنه. انتهى.
والمراد بالعذر هاهنا هو أن يكون له أحد الأعذار التي يسقط بها فرض الجمعة. وحاصله أنه يلزم الرجل وإن خرج مسافراً أن يأتي الجمعة إذا حضر وقتها، وهو بعد لم يخرج إلى حد السفر وهو الفرسخان، أو لم يكن في حال يكون فيه مسافراً، وذلك الحال هو خروجه من عمران بلده، فيستلزم ما ذكره رحمه الله تعالى منع الرجل عن السفر يوم الجمعة إذا تيقن أنه لا يكون في حال هو فيه مسافر قبل دخول وقت صلاة الجمعة، وذلك أن الأصحاب أوجبوا حضور الجمعة على البالغ الحر إذا لم يكن مسافراً فاستلزم قولهم بذلك وجوبها على من كان في حكم الحضر وإن خرج للسفر. (1/26)
صفحة 27
وأما ابن بركة فبنى مذهبه على الحديث المتقدم ذكره، وهو أن الجمعة واجبة على كل محتلم سمع النداء.
ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا كنتم مسافرين فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي).
يعني بقوله: (إذا كنتم مسافرين) – عازمين على السفر، ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يرخص في السفر يوم الجمعة، لا سيما لأمر مهم، كالجهاد، أي - قبل سماع النداء، بدليل ما في الحديث الأول.
وسمع عمر مرة رجلاً يقول: لولا الجمعة لسافرت اليوم، فقال له: اخرج لسفرك، فإن الجمعة لا تحبس عن سفر.
فما ذهب إليه الإمام الكدمي رضي الله عنه إنما هو من باب تخصيص النص بالقياس، وذلك أن هذه الأحاديث الدالة على جواز السفر يوم الجمعة عامة، وقد ثبت بدليل آخر وجوب حضور الجمعة على من لم يكن مسافراً من الرجال، فالقياس يقتضي وجوب حضور من لم يكن مسافراً والله أعلم.
واعلم أنه كما أن لصلاة الجمعة موجبات توجبها، كذلك لها موانع ترفع وجوبها، ويبقى المعذور بعد حصول ما يرفع الوجوب في حكم من مر ذكره من النساء والعبيد والمسافرين والمرضى، فيجوز لهم أن يحضروا الجمعة فيصلوها مع الإمام، كما جاز ذلك لأولئك، ولهم أن لا يحضروا الجمعة فيصلوا أربعا في بيوتهم لحصول العذر الرافع لوجوب الجمعة عنهم، وتلك الموانع المشار إليها هي: إما أن تكون في النفس، كخوف القتل أو خوف ضرر بالجسم من نحو وقوع مطر أو برد شديد أو حرٍّ كذلك، أو طلب ما يقوِّم به بُنيته من القوت، وأما أن تكون في المال وذلك نحو أن يُخاف بمسيره إلى الجمعة ذهاب ماله أو ذهاب شيء منه أو إضاعته أو إضاعة شيء منه، وأما أن تكون في الغير كطلب قوت لعياله وكخوف إضاعة المريض الذي يلزمه القيام به، أو خوف إضاعة الميت الذي يلزمه تجهيزه، وما أشبه ذلك من الأعذار، والأصل في هذا كله هو ما في حديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان مطراً وابلاً فليصلِّ أحدكم في رحله). (1/27)
صفحة 28
وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر). قيل له: يا رسول الله وما عذره. قال: (خوف أو مرض).
وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال).
ففهمت العلماء من هذه الأحاديث أن فرض الجمعة والجماعة يسقط بما إذا حصل عذر يشابه الأعذار المذكورة في الأحاديث، إذ ليس المراد من ذكر المطر في الحديثين، وذكر الخوف في الحديث الآخر، أن الفرض لا يسقط إلا بهذه الأشياء المذكورة، وإنما المراد بيان ما يكون به العذر المسقط للفرض المذكور، فحملوا على تلك الأشياء ما شابهها، ولك أن تُدخل جميع ما ذكرته من الأعذار، تحت إطلاق الخوف في الحديث الثاني، فإن جميعها مخوّف، والله أعلم.
المقصد الثاني:
في شروط صحة صلاة الجمعة
…اعلم أن شروط صحة صلاة الجمعة منها ما يكون شرطاً لصحتها فقط، ومنها ما يكون شرطاً لصحتها ولوجوبها أيضاً، فما تقدم في المقصد الأول، إنما هو شرط لوجوبها فقط، لأنك قد عرفت مما تقدم هنالك، أنها تصح لمن لم تكمل فيه تلك الشروط، أما ما سنذكره في هذا المقصد، فلا تصح بدونه أصلاً – هذا مذهبنا – ووافقنا عليه الحنفية، واشترطوا جميع ما سنشترطه ها هنا، وزادوا عليه بعض الشروط، كما ستعرفه مما سيأتي إن شاء الله تعالى.
…وتلك الشروط هي – المصر والإمام وإذنه والجماعة، والوقت والنداء، والخطبة، والإقامة. وخالفنا في بعض هذه الشروط – الشافعي، ومالك بن أنس، وابن حنبل، فلم يشترطوا المصر والإمام، فأجازوها في القرى، وإن لم يكن فيها أمير، ولم يشترط ابن حنبل الوقت، فأجازها قبله. وستقف على حججنا على من خالفنا في ذلك إن شاء الله تعالى عند تفصيلنا للشروط. (1/28)
صفحة 29
…فأما المصر والإمام فهما شرطان لوجوب الجمعة، ولصحتها، فلا تجب الجمعة ولا تصح إلا عند حصولهما معاً، فإن حصل المصر والإمام وجبت الجمعة إجماعا، والخلاف فيما إذا حصل أحدهما دون الآخر، فقيل: تجب صلاة الجمعة في المصر الممصر ولو لم يكن مع إمام، وقيل: لا تجب إلا مع الإمام في المصر الممصر، وقيل: تجب مع الإمام في المصر الممصر وفي غير الممصر، والمراد المصر الممصر هو ( أن يكون المصر أحد الأمصار الثمانية أو السبعة التي مصَّرها أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) - وسيأتي بيانها - والمصر بهذا المعنى، هو الذي يريده أئمتنا عند إطلاق المصر، وقد يطلق المصر ويراد به غير الأمصار السبعة، لأن المصر في اللغة ( كل كورة(1) يقسم فيها الفيء والصدقات). قال في الإيضاح: قاله ابن فارس. وقال الأستاذ الحنفي: والأبنية المجتمعة إذا كانت قليلة سميت قرية، وإن كانت كثيرة سميت مصراً، وإن كانت متوسطة عُرفاً سميت مدينة، ولهذا اضطربت أقوال الحنفية في حد المصر، فروي عن أبي يوسف – أن المصر هو ما لا يسع أكبر مساجده أهله، وفي روايةٍ عنه: كل موضع له أمير وقاضٍ ينفذ الأحكام ويقيم الحدود. وعن أبي حنيفة: كل بلدة لها سكك وأسواق ووال لدفع المظالم وعالم يُرجع إليه في الحوادث.
__________
(1) إقليم. (1/29)
صفحة 30
وأقول: إن تمصير عُمرٍ للأمصار السبعة، وتعيينه لها أمصاراً، مع اشتمال كل واحدة منها على قُرى كثيرة، كادت القرية الواحدة منها أن تُعد مصراً في العرف، دليل على أن المصر المشترط لوجوب الجمعة وصحتها هو المكان المشتمل على أبنية كثيرة، بها جمع من الخلق، سواء كانت أبنيته متصلاً بعضها ببعض، كمكة شرفها الله تعالى، أو منقسماً قرىً كثيرة، منفصلاً بنيان كل واحد منها عن التي تليها، كالمدينة المشرفة وكعمان – وما سيأتي من الأحاديث يشهد بذلك – والذي ينبغي اعتباره في ضبط المصر، هو أن يكون المكان منحازاً بما فيه من قرى ومدن وغير ذلك، لا يحتاج أهله في قضاء حوائجهم غالباً أن يتعدَّوه إلى غيره من الأماكن، فإذا حصل مكان صفته هذه، فهو مصر، سواء كان متصل العمارات أو منفصلها، لكن المصر المجتمع عليه عند أصحابنا، إنما هو أن يكون أحد الأمصار التي مصرها عمر، وما عدا ذلك فهو مختلف عندهم في إعطائه حكم المصر من إقامة الجمعات، والله أعلم.
ولنا على أن المصر الجامع شرط لوجوب الجمعة ولصحتها أدلة، منها – قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا جمعة إلا في مصر جامع(1) ). رواه أبو سعيد رضي الله عنه في زيارات الأشراف، وزاد بعده قوله: وأحسب في بعض الحديث أنه: (لا جمعة حتى يجتمع لها ثلاثة مصر جامع وإمام ومنبر).
ثم فسر المنبر بالخطبة، فهو من باب تسمية الشيء بمحله، لأن المنبر محل الخطبة، ولك أن تفسره بالجامع، فيكون دليلاً على منع الجمعة في غير المسجد الجامع.
__________
(1) * ولعل معنى (جامع) – أي جامع للعديد من القرى والمدن منحازة في حوزة واحدة، وتحت سلطة واحدة، الناشر. (1/30)
صفحة 31
ومنها ما رَوى القسطلاني في شرح البخاري، عنه صلى الله عليه وسلم: (لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع)، ثم قال: رواه عبد الرزاق، ومنها ما رَوى البيهقي في المعرفة وعبد الرزاق وابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال: لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة، حكى ذلك الحسيني في شرح الأحياء، وروى الشيخ إسماعيل في القواعد عن أبي عبيدة عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أيضاً أنه قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع، وكذلك روى عنه صاحب الإيضاح أيضاً، وزاد صاحب الإيضاح – قال أبو عبيدة: يعني أنه لا صلاة يوم الجمعة والعيد إلا في الأمصار. وهذا أمر لا يُدرك إلا بالتوقيف من الشارع، فلم يقله علي باجتهاد منه، فهو حديث أوقفته الرواة عند علي كرم الله وجهه، وقد رواه الزمخشري في كشافه، وصاحب المراقي في مراقيه عنه صلى الله عليه وسلم، فهو حديث مرفوع، وعبارة الزمخشري – لقوله عليه السلام: (لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع)، وعبارة صاحب المراقي – لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة)، ومنها ما أخرج البخاري في صحيحه، ومسلم وأبو داؤد في الصلاة عن عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي – الحديث – قال القسطلاني: العوالي – جمع عالية – مواضع وقرى شرقي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال أو ثلاثة، وأبعدها ثمانية. وقال الحسيني في شرح القاموس: وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. (1/31)
صفحة 32
وأنت خبير أنه لو لم يكن المصر شرطاً في وجوب الجمعة وصحتها، ما انتاب إليها هؤلاء من هذه القرى البعيدة المسافة، ولصلاَّها كل أهل قرية في قريتهم. ومنها ما روى صاحب كشف الغمة - أنه كان صلى الله عليه وسلم – يأمر الناس بحضور الجمعة من (قُباء)، وأن أبا هريرة يأتي إليها من (ذي الحليفة) يمشي، وقال: وهي على رأس ستة أميال.
قال في القاموس وشرحه: إن قباء موضع قرب المدينة المشرفة، بظاهرها من الجنوب نحو ميلين، كما في المصباح، أو ستة كما في الأنساب للسمعاني - وبهذا الموضع المسجد المؤسس على التقوى – انتهى.
والغرض من هذا الاستدلال بيان أنه لو لم يكن المصر شرطاً لصحة الجمعة، لما دعت الحاجة إلى إتيانها من هذه المسافة، وقد صح وشهر أن لأهل (قباء) مسجداً يصلون فيه جماعة، وأنهم لا يأتون المدينة لسائر الفرائض، كما يدل عليه حديث تحويل القبلة وغيره، ومنها حديث أبي هريرة مرفوعاً: (الجمعة على من آواه الليل إلى أهله). قال القسطلاني: أي – أنه إذا أجمع مع الإمام أمكنه العود إلى أهله آخر النهار، قبل دخول الليل، انتهى. (1/32)
صفحة 33
وأنت خبير بأن الرجل بعد انصرافه عن الإمام يوم الجمعة، قد يمر على قرىً كثيرة إلى دخول الليل، قل لم يكن المصر شرطاً وجوبها وصحتها، ما كان لهذا التحديد معنىً. ومنها ما أخرجه البخاري عن ابن عباس أنه قال: إن أول جمعة جُمعت بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بـ(جُواثي) من البحرين. ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو أنه لو لم يكن المصر شرطاً في وجوب الجمعة، ما كانت هذه أول جمعة جُمعت بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن قرى كثيرة أسلمت قبل البحرين، وتلك القرى أقرب إلى المدينة من البحرين، وذلك أن البحرين إنما أسلمت بعد السنة السابعة من الهجرة، وفي (تاريخ الخميس) ما نصه: وفي هذه السنة – يعني السنة الثامنة – قبل منصرفه من الجعرانة، وقيل قبل الفتح، وفي (الاكتفاء) بعد انصرافه من الحديبية، فيكون قبل الفتح، بعث العلاء الحضرمي إلى المنذر الساوي العبدي ملك البحرين، وكتب إليه كتاباً ودعاه إلى الإسلام، فلما انتهى إليه وقرأ الكتاب، أسلم، وكتب جواب الكتاب، فقال: يا رسول الله، إن الله قد أعطاني بك نعمة الإسلام، وقد قرأت كتابك على أهل البحرين، وفي (الاكتفاء) على أهل هجر، فأسلم بعضهم، وأبى بعضهم، إلى آخره. (1/33)
صفحة 34
وصلاة الجمعة إنما شرعت في السنة الأولى من الهجرة، أو قبلها، أما استلال الشافعي وأحمد بهذا الحديث على أن الجمعة تقام في القرية إذا كان فيها أربعون رجلاً أحرارا بالغين مقيمين، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاءً إلا لحاجة، سواء كانت أبنيتها من حجر أو طين أو خشب أو قصب أو نحوها، فلو انهدمت أبنيتها فأقام أهلها على العمارة، لزمتهم الجمعة فيها، لأنها وطنهم، سواء كانوا في مظال أم لا، هذا مردود لما قدمناه، ولأن هذه الشروط التي ذكروها، لا يدل الحديث على شيء منها أصلاً، ولأنه إنما دعاهم إلى الاستدلال بهذا الحديث، هو ما في رواية (وكيع): على أن (جُواثي) قرية من قرى البحرين. ويُجاب: بأنه قد يطلق على المصر اسم القرية. كما في قوله تعالى: ((لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)). والمراد بالقريتين في الآية - مكة والطائف. على أن الجوهري وابن الأثير قالا: أن (جُواثي) اسم لحصن بالبحرين، وكذا قال شارح القاموس أيضاً، وضبطه في المراصد (جُواثي)، بالضم، ويمد ويقصر، - حصن لعبد القيس بالبحرين، وقال صاحب (المبسوط): هي مدينة، وكذا قال البكري في معجمه أيضاً، واستدل الحنفية على أن (جُواثي) مدينة بقول امرؤ القيس:
ورحنا كأنا من جُواثي عشيَّة ==== نعالي النعاج بين عدل ومحقب. (1/34)
صفحة 35
يريد – كأنا من تجار (جُواثي) لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة تجار (جُواثي) مدينة قطعاً، لأن القرية لا يكون فيها تجار، وحكم المدينة في إقامة الجمعات والحدود وإنفاذ الأحكام، حكم المصر، لما تقدم من الأحاديث، وفي بعضها – أنه لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة، وذلك لأن المدينة في معنى المصر، لاشتمالها على ما يشتمل عليه المصر من كثرة الأبنية واجتماع الناس، ولأنها تغني أهلها غالباً عن الاحتياج إلى غيرها في قضاء حوائجهم، فهي مصر في المعنى، وإن خُصت باسم آخر، ولو قيل: بأن المدينة هي المصر المتصلة أبنيته، وأن المصر يطلق على هذا المعنى، وعلى ما إذا انفصلت الأبنية، وكانت قرىً كثيرة لكان ذلك حسناً، وعلى هذا فيكون بين المصر والمدينة – عموم وخصوص مطلق، لأن كل مدينة مصر، وليس كل مصر مدينة، ولك أن تقسم المدينة إلى نوعين أحدهما – مدينة عظيمة، وهي التي تكون نوعاً من المصر، ويعطى لها حكمه، ومدينة صغيرة، وهي ما ليس كذلك، وعلى هذا فيكون بين المدينة والمصر عموم وخصوص من وجه، وفي وصف الحديث – المدينة بالعظم، إشارة إلى هذا المعنى، وعلى كل حال فتعلق الشافعي وأحمد بالحديث ساقط، والحديث دليل عليهما، لا لهما، كما قدمناه لك آنفاً، والله أعلم.
ومنها ما ذكره الحسيني في شرح (الأحياء) من أنه كان لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم – قرى كثيرة، ولم ينقل أنه صلى اله عليه وسلم أمر بإقامة الجمعة فيها كلها. قلت: وقد نقل أنه كان يأمرهم بإتيان الجمعة من (قباء). ونقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: الجمعة على من آواه الليل إلى أهله)، ونقل عن الصحابة أنهم كانوا يأتونها من العوالي، وجميع هذه النقول دال على اشتراط المصر في صحة الجمعة، كما قدمناه آنفا. (1/35)
صفحة 36
ومنها ما استدل به ابن بركة في جامعه: من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مصّر الأمصار للجمعة، فصار على ذلك اتفاق، ولم يخالف عليه أحد في فعله، ومعنى مصّر الأمصار – أي – عيّنها لإقامة الجمعة فيها، ووجه هذا الاستدلال – أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين، وهو أمير المؤمنين وإمام المسلمين، عيّن للجمعة مواضع مخصوصة لتصلى فيها، وجعلها في زمانه في سبعة أمصار، على قول. وفي ثمانية على قول آخر. وكان ذلك بمحضر من الصحابة، وهو إمامهم، فلم يخالفه في فعله ذلك أحد منهم، فكان ذلك إجماعاً منهم على أن المصر شرط لوجوب الجمعة، ولو لم يكن ذلك شرطاً، لردوا على عمر قوله، ولأنكروا عليه فعله، وهل يخطر ببال أحد من أدنى مسكّةٍ من عقل، أن الصحابة كلهم يسكتون على تعطيل فرض من فرائض الله تعالى أوجبه على عباده، حتى يهمل من جميع الأماكن، إلا ثمانية أمصار أو سبعة، وهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وما ظنك بمن ظن بهم ذلك، إلا أنه أساء الظن فيهم، ونسب الكبيرة إليهم، والله أعلم. (1/36)
صفحة 37
فإن قال قائل – إن الرواية عن عمر في تمصير الأمصار لم تصح عندنا، ولم يروها أحد من أئمة الحديث ممن علمنا، ولو وقع ذلك من عمر لنقل، ولو نقل لاشتهر، لأنه مما تعم به البلوى وهو من أمور الدين، فمثله في العبادة لا يختفي على رواة الحديث، فلا يتم لكم ما ادعيتموه من الإجماع على ذلك، فجوابه: إن ذلك قد وقع من عمر بن الخطاب، وقد نُقل واشتهر ونقله من رواة الحديث السيوطي في تاريخ الخلفاء، نقلاً عن النووي، محرر مذهب الشافعي، فقال في أوليات ما نصه: وهو أول من مصر الأمصار – الكوفة والبصرة والجزيرة والشام ومصر وموصل، انتهى. وقال مرتضى الحسيني في شرح القاموس: وكان عمر رضي الله عنه قد مصر الأمصار، منها - البصرة والكوفة، انتهى. وهذا الحسيني هو خاتمة المحدثين، ونادرة العلماء المحققين، كما يعرفه بذلك من وقف على تآليفه المشهورة، (كالإتحاف على الأحياء) والسيوطي لا يُخفى حاله عند العارفين، والأئمة المحدثين، والنووي عند الفريقين كنار على علم، ولو لم ينقل قضية التمصير إلا هؤلاء الثلاثة لكفى، كيف وقد نقله من المؤرخين الديار بكري في ( تاريخ الخميس)، وأشار إله ابن الأثير في كامله، وصرح بأن الأمصار ثمانية، على أن أصحابنا رضي الله عنهم قد انطبقت كلمتهم جميعاً، وتواترت أخبارهم، وتتابعت آثارهم على نقل قضية التمصير، حتى قال ابن أبي نبهان: إن نقلها مجتمع عليه، وهو ظاهر لعدم المنكر لذلك، فلو لم ينقل قضية التمصير أحد من قومنا، لكان في نقل أصحابنا لها أقوى حجة، وأقوم برهاناً لأنهم العدول، وإليهم المرجع في هذا الشان، واعلم أن غرضنا مما نقلناه عن السيوطي في التاريخ نقلاً عن النووي، ومما نقلناه عن الحسيني في شرح القاموس، إنما هو إثبات قضية التمصير، فلا يضرنا مخالفة نقل بعضهم في تعيين بعض الأمصار، والله أعلم. (1/37)
صفحة 38
ومنها ما استدل به صاحب ( مراقي الفلاح على نور الإيضاح )، وهو أحد الحنفية – حيث قال: ولم ينقل عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم حين فتحوا البلاد اشتغلوا بنصب المنابر والجمع، إلا في الأمصار دون القرى، ولو كان، لنقل ولو آحاداً، قلت: وقد نقل عن الفاروق تمصير الأمصار للجمعة، فبضم ما ذكره صاحب (المراقي) إلى ما قدمت ذكره من قضية التمصير، يظهر لك حصول الإجماع على اشتراط المصر في وجوب الجمعة، كما لا يخفى.
ومنها ما استدل به صاحب (الإيضاح) ومحشيه رحمهما الله تعالى، وهو قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع))، وذلك إن البيع إنما يكون في الأمصار – أي في غالب أحواله، أو المراد بالبيع المنهي عنه في الآية – البيع المشغل عن ذكر الله، وهذا النوع من البيع لا يكون إلا في الأمصار العظيمة، لأن القرى وصغار البلدان، لا يكون فيها من نوع البيع ما يشغل المرء عن ذكر ربه، فهو استدلال بالإشارة كما صرح به المحشي والله أعلم. (1/38)
صفحة 39
هذه أدلتنا على اشتراط المصر في وجوب الجمعة وصحتها، فهل لهم دليل واحد يعارض ما ذكرناه من الأدلة، أو يثبت له بعض ما ادعاه من عدم اشتراط المصر في ذلك، وعلى وجوب الجمعة على أربعين رجلاً أحراراً بالغين أصحاء، قد وطنوا قرية لا يظعنون عنها إلا لحاجة، فإن نقص واحد من هذا العدد سقطت الجمعة في قوله، وهل لمن ادعى عدم اشتراط المكان أصلا في وجوب الجمعة دليل أيضاً، على أن الإجماع من الأمة قد انعقد على اعتبار المكان شرطاً في وجوب الجمعة، وإن اختلفت آراؤهم في تحديد المكان، فمدعي عدم اعتبار المكان شرطاً في ذلك، قد خالف السنة المحمدية، بدليل ما رويناه من الأخبار، ونبذ الإجماع القطعي وراء ظهره، بدليل ما نقلناه من الآثار، وإن أعجب برأيه، وتعجب من الأمة في اشتراطه ذلك، وادعى أن بيده فصل الخطاب، قال تعالى ((ومن يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون)). (1/39)
صفحة 40
أما الشافعي فقد تشبث في التحديد المذكور بحديث ابن عباس في (جُواثي)، وقد تقدم بيان سقوط استدلاله بذلك الحديث، واستدل على تحديد الأربعين بحديث كعب بن مالك: أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في بقيع الخضمان، قيل لكعب: كم كنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا، فجمع بنا قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وجوابه: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن الأربعين شرط لانعقاد الجمعة، ولوجود وجوبها ما يعارض الحديث، فقد روى أبو أمامة: الجمعة واجبة على الخمسين رجلا وليس ما دون الخمسين جمعة، ولأن ما في حديث كعب إنما هو واقعة حال، فالظاهر لو أن أسعد وجد دون الأربعين أو أكثر منهم لجمع، فأي تشبث لهذا المبتدع المدعي عدم اعتبار المكان شرطاً في وجوب الجمعة وصحتها، وعلى كل حال فما ذهب إليه الشافعي محتمل للرأي وإن كان ضعيفاً جداً، فقد قال الشيخ محمد بن روح رحمه الله تعالى: وقال من قال من قومنا أن صلاة الجمعة تجب من حيث كانوا أربعون رجلاً، فإنا لا نرى ذلك، ولا نأمر به، ولا نعمل به، ولا نخلع عن الإسلام من قال بذلك، إلا أن يخالف المسلمين مخالفة يجب بها تضليله، وليست المخالفة في الرأي مثل المخالفة في الدين، انتهى كلامه.
وأما ما ذهب إليه هذا المبتدع المدعي عدم اعتبار المكان شرطاً في وجوب الجمعة وصحتها، فلا محتمل له في الرأي ولا مدخل له في الاجتهاد، لمخالفته السنة المشهورة، والإجماع القاطع. والله أعلم. (1/40)
صفحة 41
وإذا عرفت أن المصر شرط في وجوب الجمعة وصحتها، بما تقدم من الأدلة، فاعلم أن أصحابنا رحمهم الله تعالى، قد خالفوا في وجوب الجمعة في غير الأمصار التي مصرها أبو حفص عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه، وهي كما قال أبو عبد الله: سمعنا أن الأمصار التي مصرها عمر بن الخطاب رحمه الله – مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، والشام، واليمن، والبحرين وعمان مصر واحد. وفي قول غيره: إن كل واحد من عمان والبحرين مصر برأسه، فالأمصار على قول أبي عبد الله سبعة، وفي قول غيره ثمانية، وفي رواية أبي معاوية - إسقاط عمان والبحرين، وأبدل مكان الشام مصراً، وقيل أن الجمعة بالشام إنما هي بدمشق، وفي اليمن بصنعاء، وفي عمان بصحار، فبعض أصحابنا لم ير أن الجمعة واجبة في غير هذه الأمصار السبعة، أو الثمانية، وهو إحدى الروايتين عن أبي عبيدة رضي الله عنه، فقد روي عنه أنه كان لا يرى في شيءٍ من أرض الأعاجم جمعة، وفي رواية أخرى عنه أنه كان يقول: كل مصر أقيمت فيه الحدود، مع إمام عدل ففيه الجمعة، وروي عن جابر بن زيد وعن ضمام بن السائب- مثل هذه الرواية، فأخذ الناس بقولهم، فأقاموها مع الإمام في هذه الأمصار، وفي غيرها، ثم اختلفوا بعد ذلك في وجوب إقامتها متعددة في المصر الواحد، فذهب الجمهور منا إلى منع تعددها فيه(1)
__________
(1) * قال صلى الله عليه وسلم: (من يعش بعدي فسيرى اختلافاً كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة) وقال صلى الله عليه وسلم: ( كل شيء ليس عليه امرنا فهو رد)، وذكر في بيان الشرع أن بعض المتعلمين يتطلعون إلى هذا القول في كل وقت، ولكن العلماء يردونهم إلى الحق، وهذا القول – أي – نعددها، ظاهر بطلانه، وإن استدلوا له بعموم قوله عز من قائل: (( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله))، فلا يخفى على كل عالم أن الأمر بالصلاة والزكاة والحج نزل عاما، وفسرته السنة بتفاصيله، كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم – كيفية صلاة الجمعة، حيث عيَّن تفاصيلها وربط محلها إجماع الصحابة في زمان الفاروق، فمن هذا الذي يريد أن يكمل شيئا يرى في نفسه أنهم قصروا في عمله؟ والله تعالى يقول: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم))، وذكر السيوطي: أن أول بدعة حدثت تعدد الجمعة في المصر الواحد في زمان المعتضد، وما كانت تُعَدّد قبل زمانه، والأعجب من هذا تخطئة من يخالف هذا القول، وهو قول باطل كما ترى، والحق التمسك بما عليه السلف الصالح، فعلى المؤمن أن يحذر من الانزلاق فيما يسمى بدعة وإن كان بعض البدع حسنة ففي بيان الشرع جواز ترك إجابة الجمعة حتى في صحار في غير زمان الإمام فإن المجمع عليه إجابتها في زمان الإمام في المصر الممصر ولبعضهم وعليه أن يصلي الظهر فهي فريضة بلا خلاف والخروج من الخلاف أولى من الدخول في المشكل
نتهم النفوس فيما أشكلا ==== ونعرف الفضل لأرباب العلى
انتهى
سالم بن حمد الحارثي. (1/41)
صفحة 42
، وقصروها على المحل الذي وجدت تقام فيه في زمان الصحابة رضي الله عنهم، وقد تواترت آثارهم وأخبارهم أن المحل الذي عُين لها في عمان هو قصبة صحار، فأوجبوها هنالك، ومنعوها في غيره، لألا تختلف أحكام الإسلام بين المسلمين، ولأن السنة إذا عينت شيئا من الأشياء لشيء من الأحكام، فلا يجوز تبديله عن ذلك التعيين، ولأن الجمعة إنما تقام لإظهار شعائر الإسلام، فوضعها في مجمع الناس، وفي المكان الذي فيه بيضة الإسلام وقوة المسلمين، وإليه مطمح الخصم أنسب وأولى، وبهذا القول أخذ الإمام وارث بن كعب رضي الله عنه، فقد روي عنه أنه كان لا يصلي الجمعة في نزوى، واختاره الشيخ محمد بن روح رحمه الله تعالى، وذهب بعض أصحابنا إلى وجوب إقامة الجمعة في جميع بلدان المصر، وواجب المحافظة عليها في السهل والجبل، قائلاً: إن المصر الواحد قد عيِّن كله لإقامة الجمعة، وإن اختصاص مكان منه بوجوب إقامتها دون مكان مشكل، فتجب إقامتها في جميع المصر، وينبغي أن يكون محل الخلاف فيما إذا كان بين إقامتها أكثر من أربعة فراسخ، لما قدمت لك آنفاً - من أنه يجب إتيانها مما دون الفرسخين، فلو أقيمت في موضعين ليس بينهما قدر فرسخين، لبطل ذلك الإيجاب الذي أوجبوه على من دون الفرسخين أن يأتيها، ولو أقيمت في موضعين بينهما قدر فرسخين، وبعض فرسخ، لتدافعت الأحكام فيمن هو قريب من الإقامتين، فيجب عليه إتيان هذه الجمعة، وإتيان هذه، فيتعلق عليه واجبان، لا يستطيع فعلهما معاً، ولا يمكنه ذلك، والقول بأنه مخير في أيهما شاء أن يذهب إليها، محتاج إلى دليل، لأن التخيير بين فعلين واجبين، وإسقاط أحدهما بفعل الآخر حكم شرعي، لا يدرك إلا بالتوقيف من الشارع، كما في خصال الكفارات. والله أعلم. (1/42)
صفحة 43
لا يقال أنه لا يلزم من إقامتها في موضعين ليس بينهما قدر جمعين ما ذكر من تدافع الأحكام على مَن هو قريب من الإقامتين، كيف يلزم ذلك؟ وهو إنه إنما يجب عليه أن يُجيب أول الندائين إذا تساوت معه المسافتان، ويجب عليه أن يحضر أقرب الجمعتين إذا تفاوتتا قربا وبعداً، فلا يلزم المحذور من تدافع الأحكام، ولا يحتاج حينئذٍ إلى التخيير المذكور، لأنّا نقول: إن ما ذكرناه من تدافع الأحكام، متوجه على من تساوت معه المسافتان بالنسبة إلى الجمعتين، واتحد معه وقت الندائين، فيحتاج حينئذ إلى التخيير المذكور، ولا ملجأ منه، وهذا التقدير كافٍ في منع إقامتها في موضعين ليس بينهما قدر جمعتين.
ثم إن ما استشكله أرباب القول الثاني من منع تعددها في المصر الواحد، مدفوع بما قدمتُ من الاعتلال للمانعين، وهو إنهم أوقفوا الجمعة حيث أوقفتها السنة، على أنهم قد تناقلوا إقامتها في صحار، آخراٍ عن أول، وكابراً عن كابر، وتداولوا عدم إقامتها في غير صحار كذلك، وأنت خبير أن عمان قد أسلمت في عصره صلى الله عليه وسلم، وأجابت دعوته بغير حربٍ ولا عناء، وأن أحكامه صلى الله عليه وسلم قد نفذت فيها في حياته، بواسطة عامله عليها عمرو بن العاص، وأن عمان منذ ذلك الزمان قرىً كثيرة، ورساتيق عديدة، فلو أقيمت الجمعة في عهده صلى الله عليه وسلم في غير صحار من سائر بلدان عمان ورساتيقها، لنُقل ذلك إلينا، كما نُقلت إقامتها بصحار، على أنك قد عرفت حذاقة أصحابنا في الأمور الشرعية، فلا يبدلون شيئا منها، وعرفت احتياطهم في أمور دينهم، فكيف يتركون الواجب منها؟ وإن قال بعضٌ بوجوبها في غير صحار من عمان، فقوله بذلك إنما نشأ عن قياس واجتهاد، لا عن سُنة وأثر، فظهر أن إقامتها إنما هي واجبة في موضع واحد من المصر، لا في جميع قرى المصر وبلدانه، وإتيان أهل العوالي للجمعة بالمدينة يشهد بذلك. (1/43)
صفحة 44
على أني أقول: أن تعيين صحار نفسها لإقامة الجمعة بعمان – وإن كان في عهده صلى الله عليه وسلم – فليس هو من الأمور التي لا يمكن تبديلها ولا تحويلها، وإنما عُيِّنت في عصره صلى الله عليه وسلم لأنها هي ذلك اليوم رأس الملك، وقصبة عمان، وبها بيضة الإسلام، وإليها ينتاب الناس في قضاء حوائجهم، فإذا سُلبت هذه الخصال التي لأجلها كانت محلاً لإقامة الجمعة، ووجدت في غيرها من سائر نواحي عمان، فالواجب عندي إقامة الجمعة هنالك، ويشهد لذلك أنه لو خربت صحار مثلاً، حتى صارت صحراء، وعُمرت غيرها من القرى، حتى صارت مصراً، فلا أظن أن أحداً يقول – أنه لا تجب إقامتها في ذلك المصر المعمور، لأجل أن مصرها الذي كانت تقام فيه قد أعفته الدهور، فظهر بهذا التقرير – أنها لم تُخص صحار بإقامة الجمعة لكونها مكاناً فقط، لكن للخصال التي قدمتُ ذكرها، والله أعلم. (1/44)
صفحة 45
ولا يجوز لمن كان دون الفرسخين من الموضع الذي تقام فيه الجمعة أن يتخلف عن موضع إقامتها، ولا يجوز أن يقيموها في غير الجامع، فلا تُصلّى في صحراء، وإن كانت قريبة من المصر، خلافاً للحنفية في تجويزهم إقامتها في فناء المصر، وهو المكان الذي أُعد لقضاء حوائج المصر، إذا لم يكن بينه وبين المصر قدر فرسخين، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أقامها في الجامع في مسجده، ولا دليل لهم في جواز صلاة العيدين في فناء المصر، لأن السنة في العيدين الخروج إلى المصلى، والسنة في الجمعة إقامتها في المسجد، ولا دليل لهم أيضاً في صلاة أسعد بن زرارة رضي الله عنه – أول جمعة أقيمت في المدينة في بقيع الخضمان من المدينة، إذ ليس في الرواية نص على أنه صلاّها في صحراء، وإن سلَّمنا أنه يمكن أن يكون صلاها في صحراء هنالك، فيمكن أنه صلاها في مسجد أيضا، وإن سلمنا أنه لم يصلها في مسجد هنالك، لقلة المساجد ذلك اليوم، فصلاته في الصحراء إنما لضرورة، وللاضطرار حكمٌ يخالف الاختيار، وإذا صلى الإمام في المسجد ومعه بعض الجماعة، وصلى باقي الناس في رحاب المسجد وجوانبه، لضيق المسجد وعدم سعته، فصلاتهم تامة، إذا كانوا في موضع يجوز لهم أن يصلوا فيه مع إمام المسجد جماعة، لا إذا حال بينهم وبين الإمام حائط ليس فيه فرجة، أو طريق، أو نحو ذلك من القواطع، على ما في المسألة من تفصيل، محله باب صلاة الجماعة والله أعلم. (1/45)
صفحة 46
هذا آخر كلامنا في أحكام المصر، وأما الإمام فهو شرط لوجوب الجمعة ولصحتها عندنا، كان الإمام عادلاً أو جائراً، لقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن تركها وله إمام عادل أو جائر، استخفافاً بها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك الله في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بركة له حتى يتوب، فمن تاب، تاب الله عليه). ولقوله صلى الله عليه وسلم: (أربع إلى الولاة – الفيء والصدقات والحدود والجمعات)، وحكم عمالهم إذا أذنوا لهم في صلاة الجمعة، حكمهم للحديث الثاني، ووجه الاستدلال بالحديث الأول أنه صلى الله عليه وسلم رتب الوعيد على من ترك الجمعة وله إمام فمفهومه – إن من تركها وليس له إمام عادل أو جائر، فلا يدخل تحت ذلك الوعيد، ووجه الاستدلال بالحديث الثاني – هو أنه صلى الله عليه وسلم جعل أمر الأربع إلى الولاة، فمفهومه أن غير الولاة ليس لهم من أمر الأربع شيء، وذهب بعض أصحابنا على وجوب إقامتها في الأمصار الممصرة، وإن لم يكن بها إمام ولا وال، وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن محبوب رضي الله عنه، فقد روي عنه أنه كان يقول: صلاة الجمعة بصحار على كل حال تكون ركعتين، كان بها إمام أو وال أو لم يكن فيها أحد من السلطان، فكأن هؤلاء لم يروا الاستدلال بمفهوم المخالفة شيئاً، مع قوة حجيَّته في الحديثين، واعتبروا المصر فقط، وحجتهم على ذلك – أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه صلى بالناس الجمعة يوم الدار، وعثمان محصور، وذلك بعد ما خُلع عثمان، ولا شك أنه لا إمام لهم يومئذ، وكان ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار، فلم يُنكر عليهم أحد ولم يُنقل أن أحداً ممن كان بالمدينة من الصحابة تخلَّ عن الجمعة يومئذ، وإن أهل الكوفة أخرجوا عاملهم سعيد بن العاص، وهو والي عثمان عليهم، وقدموا أبا موسى الأشعري، فصلَّى بهم ركعتين بعد خطبة، وأن أهل البصرة قدموا الحسن بن أبي الحسن، فصلى بهم ركعتين بعد خطبة، وكانت قد خلت من أمير، (1/46)
صفحة 47
ولم نعلم أن أحداً من الصحابة ولا من التابعين أنكر على أهل الكوفة ولا على أهل البصرة صنيعهم في الجمعة، على أن الخطاب بفرض الجمعة شامل للمؤمنين، كان معهم إمام أو لم يكن.
والجواب عن الاستدلال الأول – أن إمام الصحابة يومئذ عثمان، وقد قيل أن علياً إنما صلى بالناس عن أمره، وقد قدمنا لك أن الإمام العادل والجائر سواء في وجوب الجمعة وصحتها، فخلع عثمان لا يسقط وجوب الجمعة حتى يكون معدوما بالكلية، أو نازلاً منزلة واحد من الرعية. (1/47)
صفحة 48
والجواب عن الاستدلال الثاني والثالث هو – إن أهل الكوفة وأهل البصرة إنما فعلوا ذلك برأيٍ منهم واجتهاد، فليسوا بحجة على غيرهم، وعدم الإنكار عليهم، إنما هو لكونهم لم يفعلوا منكراً مجتمعاً عليه، سلمنا أن المسألة اجتهادية، فالغرض المطلوب إنما هو إقامة الدليل على جواز ذلك، ولا يكفي دليلاً فعل المجتهد بنفسه، ولا فتواه بذلك، وإن تعدد المفتون في ذلك، بل المجتهد بنفسه محتاج في ذلك إلى إقامة الدليل على صحة قوله وفعله، ويبحث في هذا الجواب بأن في كل واحدة من الكوفة والبصرة يومئذ جمع كثير من الصحابة، ففعلهم وقولهم حجة على غيرهم في ذلك، ويجاب عن هذا البحث بأنه لا نسلم أن فعل الصحابي وقوله حجة على غيره في ذلك، حتى ينزل فعله أو قوله منزلة المجتمع عليه من الأمة، أو يروي لذلك شاهداً من السنة، فالحجة حينئذ إنما هي الإجماع والسنة، لا فعل المجتهد ولا قوله، والجواب عن هذا الاستدلال بعموم الخطاب في فرض الجمعة لجميع المؤمنين هو – إن عموم الخطاب مخصص بقيود من السنة، منها وجود الإمام العادل أو الجائر، وتقدم الدليل على ذلك، وذهب بعض أصحابنا – قال ابن بركة: وهم الأقل - إلى أن الإمام العادل هو الشرط في وجوب الجمعة وصحتها، وأنها لا تجوز خلف الجبابرة لوجوه، أحدها، - إن الجمعة وجبت في الأصل مع الإمام العادل باتفاق الأمة، فهي واجبة مع الإمام العادل للاتفاق على ذلك، فالإمام العادل شرط في وجوب الجمعة وصحتها لهذا الاتفاق، فنحن لا نوجبها إلا حيث أوجبها الاتفاق، ونمنع جوازها في غير ذلك، وثانيها – إن الإمام الجائر فاسقٌ بلا خلاف، وإن الفاسق لا تصح منه الصلاة، كما أن الكافر بالله لا تصح منه الصلاة أيضاً، فكيف تصح منه الجمعة، أو يكون فيها إماماً. وثالثها – إن الجبار مغتصب للمنبر، لأنه ليس هو من أهله، والصلاة خلف المغتصب قد عرفتم ما فيها، ورابعها – إن الخطبة ركن من أركان الصلاة، لأنها قائمة مقام ركعتين، والجبابرة (1/48)
صفحة 49
يعصون الله فيها، بثنائهم على الظلمة، وبشتمهم المسلمين، وبتحسينهم القبيح، وتقبيحهم الحسن، وخامسها – إن الجماعة الحاضرين لاستماع الخطبة، إنما هم يستمعون المنكر الذي تخطب به الظلمة، وقد أمروا بالسعي إلى ذكر الله، وخطبة الظلمة ليست من ذكر الله، وإنما هي من معاصي الله تعالى، فالواجب اجتناب استماع المعاصي عند القدرة على ذلك، وسادسها – قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى بقوم وهم له كارهون، فلا تجاوز صلاته أذنه)، وكأن هؤلاء لم يقرع أسماعهم قوله صلى الله عليه وسلم: (من تركها وله إمام عادل أو جائر)، - الحديث – وهو حديث مشهور عند الأصحاب وغيرهم، ولا بد من الجواب عن هذه الاستدلالات كلها، فأقول: الجواب على الاستدلال الأول – إن وجوب الجمعة وتوجيه الخطاب بفرضها في زمن العدل، لا يوجب سقوطها في زمن الجور، سلمنا إنها إنما وجبت في أول الأمر خلف الإمام العادل، فهل من دليل على أنها لا تجب خلف الإمام الجائر، على أنا نقول: أنه يلزم صاحب هذا القول – سقوط الفرائض كلها في زمن الجور، لأنها إنما خوطب بفرضها كلها في زمن العدل، ولا يقول ذلك عاقل، والجواب عن الاستدلال الثاني – هو إن فسق الجبار ليس بناقض لصلاته، بدليل أنه لا يلزم إعادة الصلاة إذا تاب، وقياسه في ذلك على الكافر بالله، غير مُسَلَّم، لأن الإسلام شرط في صحة العبادات كلها، وقد حصل للفاسق دون المشرك، والجواب على الاستدلال الثالث – هو أن اغتصاب الجبار لمنبر الجمعة، ليس كاغتصاب الأملاك، لأن المنبر ليس بملك لأحد، سلمنا أن الجبار منع المنبر أهله، فغاية ما فيه أنه عاصٍ بمنعه، وعصيانه بعض فسوقه، وقد قدمنا الجواب عنه، والجواب عن الاستدلال الرابع – هو أنا لا نُسلِّم أن الخطبة بدل في الجمعة من الركعتين، حتى تكون ركنا من الصلاة، فيفسدها ما يفسد الصلاة، لكنا نقول: إنها شرط لصحة الصلاة، ولا يفسد الشرط جميع ما يفسد الصلاة، فعصيان الجبار في الخطبة لا يفسد (1/49)
صفحة 50
الصلاة ولا الخطبة، كيف نُسَلِّم أنها بدل من الركعتين، وهي إنما يستقبل بها غير القبلة، فلو كانت بدلاً من الركعتين، لكانت نحو القبلة، إذ لا يصح أن يكون بعض الصلاة نحو القبلة، وبعضها إلى غير القبلة، وفي هذا التعليل بحث، وهو أن أمر العبادات، أمر توقيفي من الشارع، وقد وجدنا الشارع يستقبل بالخطبة غير القبلة، فهذه العبادة مخصوصة بهذه الهيئة من بين سائر الصلوات، ولا جواب عن هذا البحث، لكنَّا نعدل إلى استدلال آخر فنقول: إن كون الخطبة بدلاً من الركعتين في الصلاة، أمر لا يعلم إلا من التوقيف الشرعي، فأين الدليل على ذلك، والله أعلم.
والجواب عن الاستدلال الخامس هو أن الجماعة إنما حضروا لاستماع الذكر، لا لاستماع المنكر، ولا يلزمهم أن لا يحضروا، لأجل ما فيه من المعصية، وإنما يلزمهم أداء الواجب عليهم، وإنكار ما قدروا على إنكاره، ومعصية العاصي لا تحط فرضا وجب على الغير. قال ابن بركة: الدليل على ذلك إجماع العلماء على أن لو كان مسجد بقربه صوت مزمار، أو بعض المنكرات، لم يجز لأهل المسجد أن يعطلوه ويخربوه، لأجل ما يسمعون من المنكر وهم فيه، ولا يطيقون دفع ذلك، وكذلك لا يجوز ترك الجنازة وتعطيل القيام بها، وما يجب على المسلمين من فرض دفن موتاهم، والصلاة عليهم، إذا كان هناك نوح وأصوات مناكر لا يمكن صرفها، قال: وقد روي أن الحسن بن أبي الحسن صحب جنازة، وخلفها أصوات نوح، فقال له رجل من أصحابه: يا أبا سعيد أما تسمع إلى هذا المنكر، وهم الرجل بالانصراف، وقال له الحسن: يا هذا إن كنت كلما سمعت منكراً تركت لأجله معروفاً، أسرع ذلك في دينك، انتهى كلامه. (1/50)
صفحة 51
والجواب عن الاستدلال السادس – إن الحديث محمول على نفي كمال الصلاة، لا على نفي صحتها، كما حُمل ذلك على قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، قال ابن بركة وصاحب القواعد: وقد أجمعوا على صحة صلاة من صلى في بيته، وإن كان جاراً للمسجد، ومعنى نفي الكمال هو – أنه لا يثاب عليها مثل ما يثاب على الصلاة الكاملة، والمراد من إطلاق هذا النفي، على هذا المعنى، المبالغة في زجر فاعل ذلك عن العودة إليه، وتهويل شأنه عن الوقوف عليه، فسقط جميع ما تعلقوا به والحمد لله. (1/51)
صفحة 52
وممن رأى جواز الجمعة خلف الجبابرة – ابن عباس، وجابر بن زيد، والإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن المغربي، فمن دونهم رضي الله عنهم، وروي أن جابر بن زيد كان يصلي الجمعة خلف زياد وعبيد الله بن زياد والحجاج، وكلهم عمال بني أمية، وقد شهروا جميعا بانتهاك المحارم، واقتراف المظالم، ويُحكى أن حبيب بن عمرو وهو أبو الربيع بن حبيب، كان مع جابر بن زيد يوم الجمعة، فقال جابر بن زيد: الرواح إلى الجمعة، فقال حبيب: أخلف الحجاج؟ قال جابر: نعم، إنها صلاة جامعة وسنة متبعة، وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب رضي الله عنه: فالذي نحن عليه ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء، أنه لا بأس بالصلاة خلف أئمة قومنا إذا قاموا الصلاة لوقتها، وقد كان جابر بن زيد رحمه الله يصلي الجمعة خلف الحجاج، فإن قال قائل – أنه لا يرى الجمعة خلف أئمة قومنا، ولم يصح له إلا اتباع أئمة المسلمين، وأخبر برأي المسلمين، فإن رجع إلى رأي المسلمين، فذلك الواجب عليه، وإن ثبت على قوله، كان في الصدور منه حرج، ولا تسقط ولايته حتى يزعم أن جابراً أو غيره – ممن لم ير بالصلاة خلفهم بأساً، ليسوا على صواب، وأنهم كانوا في ذلك على غير الحق، فإذا صار إلى هذه المنزلة، استتابه المسلمون من ذلك، فإن تاب وترك ما اختاره من رأيه، لم تسقط ولايته، وإن أصر وأدبر، كان حقاً على المسلمين البراءة منه، انتهى كلام أبي عبد الله، وأقول على إثره: وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يصلون الجمعة وغيرها من الصلوات، خلف عثمان وعماله، بعد ما نقموا عليه أفعاله، وأنكروا عليه أقواله، ووضعوا إمامته عن رقابهم، بسبب نكثه العهد الذي بايعوه عليه، وناهيك أن ابن مسعود وغيره من أفاضل الصحابة، كانوا يصلون خلف الوليد بن عقبة، والي عثمان على الكوفة، وقد شُهر بشرب الخمر، حتى أنه صلى بهم الفجر ذات يوم أربع ركعات وهو سكران، وقال لهم: أزيدكم؟ قال البدر الشماخي رحمه الله: قال المسعودي: قيل – قال في (1/52)
صفحة 53
سجوده، اشرب واسقني، وقال عتاب بن غيلان: لا تزيدنا، لا زادك الله مزيد الخير، والله ما أعجب إلا ممن بعثك إلينا أميراً، وعلينا والياً، فدخل قصره لعنه الله، وهو يتمثل:
ولست بعيداً عند خمر وقينة ==== ولا بصفا صلدٍ عن الخير معزلِ
ولكنني أروي من الخمر هامتي === وأمشي الملا بالشاحب المتثلثلِ
وفي ذلك يقول الحطيئة:
نادى وقد تمت صلاتهم ==== أزيدكم ثملاً وما يدري
ليزيدهم أخرى، ولو قبلوا ==== لأتت صلاتهم على العشر
حبسوا عنانك إذ جريت ولو ==== خلوا عنانك لم تزل تجري
ففي هذا كله ما يدل على جواز صلاة الجمعة وغيرها خلف الجبابرة، فلو قيل – إن جوازها خلف الجبابرة مجتمع عليه، ما كان بعيداً، ولذلك يشير أبو عبد الله بقوله: والذي نحن عليه، ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء، أنه لا بأس بالصلاة خلف أئمة قومنا وبقوله: وإن ثبت على قوله كان في الصدور منه حرج، إلى آخر ما ذكره هنالك، والله أعلم.
…وقال أبو المؤثر وأبو الحواري: صلاة الجمعة خلف الجبابرة جائزة في الأمصار الممصرة، إذا صلوها في وقتها بحدودها، وأما إن صلوا الجمعة ركعتين في غير الأمصار الممصرة، فلا يُصلى خلفهم، ومن صلى خلفهم أعاد أربعاً، فهؤلاء اشترطوا في صحة الجمعة خلف الجبابرة المصر الممصر، فيحتمل أن يكونوا من الطائفة الذي يرون صلاة الجمعة مقصورة على الأمصار الممصرة مع الإمام، ومع عدمه، ويحتمل أن يكونوا من الطائفة الذي يرون اشتراط الإمام والمصر معاً لحصة الجمعة، فعلى الاحتمال الأول – فيكون معهم وجود الجبار كعدمه، فلا يكون حصوله شرطاً لصحة الجمعة عندهم، ولهم أن يستدلوا على ذلك بصلاة الصحابة والتابعين خلف الجبابرة، فإنهم لم يُنقل عنهم أنهم صلوا الجمعة خلف الجبابرة إلا في الأمصار الممصرة، والله أعلم. (1/53)
صفحة 54
…واعلم أن جميع ما مر من بيان صلاة الإمام العادل والجائر الجمعة، إنما هو في محل إقامة الإمام، أو في المكان الذي حكمه حكم إقامته، كما إذا كان في محل دون الفرسخين من وطنه، ولم يكن الإمام راجعا في من سفره، فإن حكمه في إذا لم يكن راجعاً إليه من سفر – حكمه في وطنه، فعليه فيه إقامة الجمعة، كما كان عليه في وطنه، أما إذا سافر الإمام، أو كان في موضع حكمه فيه حكم المسافر، ففي جواز صلاته الجمعة قولان: فقيل: له أن يصليها هنالك جمعة وهو مذهب الأوزاعي وأبي ثور، وعمل به عمر بن عبد العزيز، وإمام المسلمين عزان بن قيس رضي الله عنه، وقيل: ليس له أن يصلي الجمعة في السفر، وهو مذهب جمهور أصحابنا، قال ابن بركة في جامعه: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعرفة الظهر والعصر صلاة المسافر، وكان يوم جمعة، فهذا يدل على أن الإمام إذا سافر، فوافق الجمعة، كان حكمه حكم المسافرين، وقول من قال: إن الإمام حكمه في الحضر والسفر في صلاة الجمعة سواء، وإنه حيث حضرت الجمعة صلاَّها صلاة المقيم، باطل، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجهر بالقراءة في صلاة الظهر بعرفة، كما يفعل الإمام في صلاة الجمعة، والرواية بذلك صحيحة، فمن ادعى أنه جهر بالقراءة، كانت عليه إقامة الدليل، وقال في موضع آخر من جامعه: وليس على الإمام جمعة في السفر، ولا يصلي في السفر إلا صلاة مسافر، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه – صلى بأهل مكة ركعتين، ثم قال: أتموا فإنا قوم سفر، وإن علياً كرم الله وجهه صلى بالناس يوم الجمعة ركعتين، ثم التفت إليهم فقال: أتموا صلاتكم، وكان يرى أن القصر على الإمام وغيره في السفر وكان لا يرى الجمعة إلا في مصر جامع، انتهى. (1/54)
صفحة 55
…قلت، وقد قدمتُ لك فيما مر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام زمن الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم يقول: (يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر)، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يمر في سفره على قرى كثيرة، ولم يُنقل عنه أنه صلى في شئ منها الجمعة، ففي هذا ما يدل على أن ليس للإمام أن يصلي الجمعة في سفره، ولا أعرف لأرباب القول الأول حجة فأذكرها هاهنا، ولعلهم إنما استدلوا على ذلك بما رُوي أن أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة في المسجد الذي في بطن وادي بني سالم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة يوم الاثنين، فأقام الثلاثاء والأربعاء والخميس في بني عمرو بن عوف، وأسس مسجدهم، ثم خرج من عندهم فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في مسجدهم، وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما – من أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحرى في الاتكاء في حال خطبته شيئا، ولكن كان يتوكأ في الحرب على السيف، وفي الحضر على العصا – وأراد بالحرب السفر لأنه هو المقابل للحضر.
…ويجاب على الاستدلال الأول – بأن ذلك إنما كان في أول الهجرة، وقضية الفتح وصلاته صلى الله عليه وسلم بعرفة ظهرا يوم الجمعة متأخرة، والعمل بالمتأخر من أفعاله صلى الله عليه وسلم، لأنه في حكم الناسخ لما تقدم، مع أنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم، علم من ربه أن المدينة هي وطنه ومستقره ، فصلاته فيها صلاة موطن، وذلك ظاهر، ويجاب عن الاستدلال الثاني – بأن ما ذكره ابن عباس غير نص على أن ذلك في صلاة الجمعة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب للجمعة وغيرها، فلا يعارض ما قدمناه من النص على خلاف ذلك، والله أعلم. (1/55)
صفحة 56
…وقد استثنى الإمام الكدمي رحمه الله من هذه القاعدة صورةً قال فيها: إن الإمام يصلي الجمعة فيها باتفاق، وهي ما إذا دخل الإمام مصراً من الأمصار الممصرة، فإنه يجب عليه أن يصلي الجمعة ركعتين في ذلك المصر، وإن كان فيه مسافراً، لما حصل له من معنى الإمامة، ومعنى المصر، وكونه مسافراً لا يسقط فرض الجمعة عن غيره بعد حصول عِلته، وأقول: إن ظاهر الرواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الظهر بمكة ركعتين في الجمعة، وغيرها، ثم يأمرهم بإتمام الركعتين الأخريين، ما يدل على أن الإمام وإن دخل المصر لا يصلي جمعة إذا كان مسافراً، وأكد هذه السنة فعل كل واحد من العمرين، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ذلك، وقول كل واحد لهم – أتموا، فلو كانت السنة منسوخة مثلاً، ما كان لهؤلاء الخلفاء أن يعملوا بالمنسوخ، فثبت أنها غير منسوخة، وأن الصورة التي أخرجها الإمام الكدمي عن تلك القاعدة، ليست خارجة بإجماع، ووجه استثناء الكدمي لها هو – أنه لم يعلم إلا الاتفاق عليها من أصحابه، فأخرجها على حسب ما علم، ولا بأس، فإنه لم يدع القطع فيها، والله أعلم(1).
__________
(1) الظاهر من صلاة الإمام عزان الجمعة وهو مسافر، ذلك لأنه يختلف عن غيره من الأئمة لأن بيعته بيعة دفاع فهو شبه موطن في كل مكان يستقر فيه وفي آخر زمانه عزم على الإستيطان بنزوى وكان قبل ذلك في صدر إمامته غير مستقر والغريب من تساهل من يتساهل في هذه المسألة فيصلي بالناس الجمعة وهو أجير ومسافر وتشديد العلماء المحققين في تعدد الجمعة في المصر كما ترى ذلك لأنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين أنه صلى الجمعة إماماً وهو مسافر وما ورد عن بعضهم فذلك لشيء خاص به لا يتجاوزه إلى غيره فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب العلم بذهاب أهله، سالم بن حمد الحارثي. (1/56)
صفحة 57
…وأما إذن الإمام فهو شرط في صحة الجمعة، لقوله صلى الله عليه وسلم (أربع إلى الولاة – الفيء والصدقات والحدود والجمعات)، فبين عليه الصلاة والسلام أن أمر هذه الأشياء كلها لولاة الأمر، ولا إشكال في أنه لا يصح إقامة الحدود بغير إذن الإمام، فإقامة الجمعات مثلها لاستوائهما في هذا الحكم، والفرق بينهما عسير جدا، واستدل ابن بركة على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن صلاة الجمعة بيوتهم)، واستدلاله بهذا الحديث، إنما هو في قوله صلى الله عليه وسلم: (أن آمر رجلاً) إلى آخر الحديث، فأخذ منه ابن بركة أنه لا تصح الصلاة إلا بأمر الإمام، إذ لو كانت تصح بدون ذلك، ما قال: (أن آمر)، وفي هذا الاستدلال ما لا يخفى، إذ لا يلزم من قوله صلى الله عليه وسلم: (أن آمر رجلا) إلى آخره، كون الأمر شرط لصحة الصلاة، لاحتمال أن يكون إنما قال ذلك لما علم من الصحابة أنه لا يصلون وراء غيره وهو حاضر إلا بأمره، فيكون أمره بذلك إعلاماً لهم أنه لا يصلي معهم، فينقطع هنالك انتظارهم له صلى الله عليه وسلم، فيصلون خلف غيره، ولك أن تجعل قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن تركها وله إمام)، الحديث – دليلاً على اشتراط إذن الإمام، ووجه ذلك هو أنه ليس المراد من كون الإمام شرطاً لصحة الجمعة، نفس وجود شخص الإمام، بل ما كان شرطاً لذلك، إلا لأنه هو ولي أمرها، وبيده الإذن بإقامتها، وذلك موجود في الأحكام المشروطة صحتها بوجود الإمام، فلا يصح لأحد من الناس، أن ينفذ شيئاً منها عند وجود الإمام إلا بإذنه، فعلمنا أنه ليس نفس وجود شخص الإمام شرطا لصحة تلك الأحكام، وإنما شرط وجوده في ذلك، ليكون ممتازاً بأمره عن غيره، فتنقطع الأطماع في طلب التقدم في ذلك الأمر، وينتفي التنازع، ويرتفع الفشل، وفي الإيضاح - وجائز للإمام أن يأمر عماله في الأمصار بإقامة الجمعة، لأن خليفته في مقامه، فإن لم يأمرهم، (1/57)
صفحة 58
فليصلوا أربع ركعات وقد رُوي أن علياً كرم الله وجهه صلى بأهل مكة يوم الجمعة ركعتين، فقال: أتموا صلاتكم، ولا يجوز للعامل أن يأمر غيره بإقامة الجمعة إلا بإذن الإمام، وهذا كله مبني على إذن الإمام شرط لصحة الجمعة.
…وذهب بعض أصحابنا إلى عدم اشتراط ذلك في صحة الجمعة، وفي الأثر ما نصه - وكان عبد الملك بن حميد بنزوى مريضاً، فلم يخرج إلى الجمعة، وصلى عمر بن الأخنس الجمعة بالناس بنزوى ركعتين، من غير أن يأمره الإمام عبد الملك بن حميد أن يصلي بالناس، وكان موسى بن علي يومئذ حاضراً، فلم ير موسى عليهم النقض، وأجاز صلاتهم، قال أبو عبد الله: فأنا أرى على عمر بن الأخنس وعلى من صلى معه النقض.
…فهذا أبو علي لم ير بأساً بصلاة عمر ومن خلفه، فكأنه لم ير أن إذن الإمام شرط في صحة الجمعة، وأبو عبد الله رأى عليهم النقض، فمذهبه أن إذن الإمام شرط في صحتها، وقد تقدم عن أبي عبد الله أنه لا يرى أن نفس وجود الإمام شرط في صحة الجمعة، وقد أجازها بصحار مطلقاً عند إمام عادل أو جائر، أو عند والي الإمام العادل أو الجائر، أو لم يكن أحد من قبل السلطان أصلاً، فاشترطه إذن الإمام لصحتها مع ما تقدم عنه مشكل جداً، ويندفع هذا الإشكال بما إذا قلت إن أبا عبد الله إنما لم يشترط الإمام لصحة الجمعة في الأمصار الممصرة دون غيرها من سائر القرى، أما في سائر القرى والأمصار التي لم تمصر، فيشترط ذلك، والقضية الواقعة هاهنا، إنما هي بنزوى لا بصحار، وليست نزوى من الأمصار الممصرة، فاندفع الإشكال واتضح الحق، والله أعلم. (1/58)
صفحة 59
…واشترط الحنفية لصحة الجمعة الإذن العام، وهو أن تفتح أبواب الجامع للوارد، فلا يمنع من الجامع يومئذ أحد، ولا تصح الجمعة عندهم بدون ذلك، وهو ظاهر، لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يمنع أحداً من حضور الجمعة،، بل كان يحثهم على حضورها، ويحرضهم عليه، وكذلك الخلفاء من بعده، وأنه سبحانه وتعالى أمر بالسعي إلى ذكر الله، وعند غلق الأبواب يتعذر على المأمور بالسعي امتثال ما أمر به، ولا تصح صلاة جمعة على خلاف الحالة التي أمر بها الكتاب، وجاءت بها السنة، والله أعلم.
…وأما الجماعة فهم – شرط لصحة الجمعة، فلا بد من حضور من يطلق عليهم اسم جماعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الجمعة واجبة على كل محتلم سمع النداء في جماعة)، واشتراط ذلك – قال صاحب القواعد: بإجماع الأمة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير صاحب القواعد، فما يُروى عن ابن عباس – من أن الجمعة تصح وإن من واحد لا إمام في غير المسجد، مخالف لما نقل من الإجماع، فمثل هذا لا ينبغي أن يكون صحيحاً عن ابن عباس، وإن سوَّغ صحته القطب في ذهبه قائلاً: وإنما شدد الشارع صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون في حضور الجمعة وعدم صحتها فرادى، خوف أن يتساهل الناس في الحضور، فلا يقوم للجمعة شعار، فسدوا باب ذلك، وكذا لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا للواحد خلف الصف، وقد سبقه إلى ذلك الشعراني نقلاً عن شيخه. (1/59)
صفحة 60
…وأقول: أنه لا ينبغي لأحد من الأمة أن يفتح باباً سده الشارع وسده الخلفاء الراشدون من بعده، وأطبقت على سده كلمة العلماء، وانطبق عليه إجماع الأمة، أفيفتحه ابن عباس؟ وهو بحر العلم، وحبر الأمة، على أن شعار الجمعة إنما هو بالاجتماع، ولا يكون لها بالانفراد شعار، فلو صحت من المنفرد وإن أقام شعارها بغيره، للزم أن تصح منه، وإن لم يقم شعارها بغيره، والتفريق بين ما إذا قام الشعار بغيره، وبين ما إذا لم يُقم، محتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، والأدلة الشرعية دالة على وجوب حضور الجمعة مع الجماعة، وعلى عدم صحتها من المنفرد، فتخصيص الأدلة بوجوب حضورها في بعض الأحوال دون بعض، محتاج إلى دليل، وليس شأن الجمعة في حضور الجماعة، كشأن غيرها من سائر الفرائض، حتى يحمل ما ورد في ترك حضورها من التشديد على التخويف والتهديد، والله أعلم. (1/60)
صفحة 61
…وقد اختلفوا في المقدار الذي تصح به الجمعة، فقال بعضهم: تنعقد باثنين فصاعداً، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الاثنان فما فوقهما جماعة) وروي أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلين يصليان فقال: (هذان جماعة)، وقال بعضٌ: أقل ذلك ثلاثة، الإمام واثنان غيره، لقوله تعالى: ((فاسعوا إلى ذكر الله)) فالأمر بالسعي هاهنا إنما هو أمر لجماعة، وأقل الجماعة اثنان، على قول، ولا بد أن يحضروا إلى من يُسمعهم ذكر الله، وهو الخطيب، فتلكم ثلاثة، وقال بعض: أقل ما تصح به الجمعة أربعة – مؤذن وإمام ورجلان، والحجة لهم على ذلك، رواية ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم: ((الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة)) فإن صحت هذه الرواية، فتحتاج إلى جمع بينها وبين ما قدمناه من الأدلة، على اشتراط المصر في وجوب الجمعة، على أنه لا إشكال، إن ما قدمناه آنفاً أقوى احتجاجاً، وأوضح دلالة، وأقوم سبيلاً من هذه الرواية، فيقال في الجمع بينهما: إن المراد بالقرية في هذه الرواية – المصر، على سبيل المجاز الإرسالي أو الإستعاري، والقرينة على ذلك هو ما مر من الأدلة، فلا إشكال، واعلم أنه لا تعلق للشافعي بهذه الرواية في وجوب الجمعة على أهل القرية إذا بلغوا أربعين رجلاً، لأن ما في هذه الرواية مسقط لتحديده بالأربعين، فهو إما أن يثبتها كلها، فيسقط في يده التحديد بالأربعين، وإما أن يطعن فيها كلها، فيسقط في يده الاستدلال بها على وجوبها على أهل القرية، والقول بنسخ بعضها دون بعض، لا سبيل إليه، لاحتياجه إلى الدليل، ولا دليل، وكذا لا سبيل إلى الطعن في بعضها دون بعض، لأنها إنما جاءت كذلك من طريق واحد، والله أعلم. (1/61)
صفحة 62
…وذهب عكرمة إلى صحتها بسبعة، وذهب ربيعة إلى أنها تصح بتسعة، وفي وراية عنه باثنتي عشر، وذهب إسحاق إلى صحتها بثلاثة عشر، أحدهم الإمام، وذهب مالك إلى صحتها بعشرين، وفي رواية بثلاثين، ولا أعرف لهؤلاء حججاً، وذهب الشافعي إلى صحتها بأربعين، أحدهم الإمام، وفي قول له – أربعين غير الإمام، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وطائفة من قومنا وبعض أصحابنا، وحجتهم على ذلك حديث كعب بن مالك – أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في بقيع الخصمان، قيل لكعب: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلاً، فجمع بنا قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، قال الشعراني: قال شيخنا – والظاهر أن العدد المذكور ليس بشرط، ولو كان أسعد وجد دون الأربعين لجمع بهم، وأقام شعار الجمعة، بدليل الحديثين قبله، فهي واقعة حال، وذهب أحمد إلى صحتها بخمسين، لرواية أبي أُمامة أنه سمعه عليه الصلاة والسلام يقول: (الجمعة واجبة على الخمسين رجلاً وليس على ما دون الخمسين جمعة)، وذهب طاووس إلى صحتها بثمانين، وذهب بعض علماء الحديث إلى صحتها بجمع كثير من غير حصر، ولا أعرف لطاووس في التحديد بالثمانين حجة، وأما حجة بعض أهل الحديث – فهي أن الجمعة لم تصلَّ منذ عهده صلى الله عليه وسلم إلى اليوم إلا بجمع كثير، وإن تفاوتت الجُمع في الكثرة، فالتفاوت لا عبرة به، فإنه قد يكون الحاضرون في بعض الأحيان أكثر منهم في بعضها، وعل كل قول من هذه الأقوال فلا تصح الصلاة عند قائله بما دون ذلك القدر، والصحيح إنها إنما تنعقد بما يطلق عليه اسم جمع حقيقة، وهم من الثلاثة فصاعداً، أو حكماً، وهم من الاثنين فصاعداً، أما التحديد بما يفوق ذلك فلا سبيل إليه، إذ لا دليل عليه، أما رواية ابن مسعود في التحديد بالأربعة، فهي على تقدير صحتها، إنما هي دليل على أقل من تجب عليه الجمعة، لا على أقل من تصح منه، وبين الوجوب والصحة فرق بيِّن، وكذا القول في رواية أبي أُمامة في التحديد بالخمسين، وأما (1/62)
صفحة 63
رواية كعب، فقد عرفت ما فيها من احتمال، فلا دليل فيها على التحديد بالأربعين، والله أعلم.
…وإذا لم يحضر الجمعة أحد ممن تجب عليه، وحضرها المسافرون والعبيد والصبيان والنساء، أو أحد من هؤلاء، قال ابن بركة: لم تكن جمعة، لأن الجمعة لا تنعقد إلا بالمخاطبين بها، لأن المتعبِّد به، شرط في تجويز صلاة الجمعة كالإمام فحكمهم حكم الإمام، فمن لا يصح أن يكون إمامًا فيها، لم يجز أن يكون شرطاً في تجويزها، انتهى.
…وقد قدمت لك ذكر الخلاف في جواز إمامة هؤلاء كلهم إلا النساء في صلاة الجمعة، فينبغي أن يجري هاهنا الخلاف المذكور هنالك، فيقال: على قياده أنه تنعقد الجمعة على قول بهؤلاء كلهم إلا النساء، فلا تنعقد بهن وحدهن، لعدم صحة إمامتهن فيها، ولو قيل بانعقادها بهن أيضاً إذا كان الإمام من أهل الجمعة، للاتفاق على جواز صلاتهن الجمعة، واجتزائهن بها عن الظهر، ما كان بعيداً، وحينئذ فيطالب ابن بركة الدليل على اشتراطه أن يكون من تجوز به الجمعة، ممن تصح منه الإمامة فيها، ولا دليل له على ذلك، والله أعلم.
…وإذا انفضت الجماعة عن الإمام حتى لم يبق منهم أحد – فإن انفضوا قبل الإحرام، فحكمهم كما لو لم يحضروا الجمعة أصلاً، وعلى الإمام أن يصليها ظهراً، وإن انفضوا بعد الإحرام، قال ابن بركة: أتمها جمعة قال: قال أصحابنا: إذا تفرقوا عنه صلى ظهراً، والنظر يوجب عندي ما قلناه، لأنهم اشتركوا فيما يحسب من أركانها، وعليه بناؤها كلها، ألا ترى أن الإمام إذا أحدث بعدما افتتح، ثم استخلف من لم يشهد الخطبة، وفاته منها شي يبني على ما بقي منها، للزومه ذلك، وقال في موضع آخر: والموجب عليه غير ذلك محتاج إلى دليل. (1/63)
صفحة 64
…والقول بأن الإمام يتمها جمعة، قد تقدمه إلى ذكره أبو جابر في جامعه، فحكاه هنالك، فوضحه هذا الشيخ بما ترى، فالقول إنما هو للأقدمين والأصحاب لم يتفقوا على خلافه، وإن قال الإمام الكدمي رحمه الله: ومعي أنه ما لم يكن معه من تقوم به الجمعة حتى يتمها، لم يبن لي أن يتم صلاة الجمعة إذا ذهب من لا تقوم الصلاة إلا به، فقوله بذلك إنما هو إخبار عما يبين له والله أعلم.
…وإذا عرفت هذا التحقيق، فاعلم أنه إذا انفضَّ الناس عن الإمام، ولم يبق معه إلا النساء أو العبيد أو الصبيان أو المسافرون، فمن الأولى أن يتمها بهم جمعة، وحكى أبو جابر في ذلك قولاً – بأنه يصلي الإمام أربعاً، وإن بقي معه أحد من هؤلاء، لأن هؤلاء لا جمعة عليهم، وقال بعد حكايته لذلك القول: وأحب النظر في ذلك، وإنما أحب النظر فيه لما قدمتُ لك، والله أعلم.
…وأما الوقت وهو ما بعد الزوال، فهو شرط لصحة الجمعة عندنا، وعند جمهور مخالفينا، لقوله تعالى: ((أقم الصلاة لدلوك الشمس))، ودلوكها زوالها، ولحديث أنس – أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا مالت الشمس فصل بالناس الجمعة)، ولأن الجمعة إنما هي بدل من صلاة الظهر، ووقت صلاة الظهر بعد الزوال بإجماع الأمة، فكذا وقت ما هو بدل منها، واستدل صاحب الإتحاف – بما أخرجه البخاري، أنه كان صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس، قال: وواضب عليه الخلفاء الراشدون، فصار إجماعا منهم على أن وقتها وقت الظهر، فلا تصح قبله، وتبطل بخروجه لفوات الشرط، والله أعلم. (1/64)
صفحة 65
…وقال أحمد بن حنبل: بجواز الجمعة قبل الزوال، واستدل بما روي عنه صلى الله عليه وسلم – أنه كان يصلي الجمعة في أكثر أوقاته بعد الزوال، وفي بعضها قبله، وعن أنس – كثير ما نصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم نرجع إلى القائلة فنقيل، وعن سهل بن سعد – ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد صلاة الجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من الأحاديث، وأجيب بأنها منسوخة بقوله تعالى: ((أقم الصلاة لدلوك الشمس))، واعترض بأن الآية نزلت قبل ذلك، وبأن الصديق يصليها قبل الزوال، وكذا عثمان وجابر وسعيد ومعاوية، قال القطب: ولعل ذلك لم يصح.
…أقول: وما تقدم ذكره عن صاحب الإتحاف، يخالف ما ذكر هاهنا، وكذا ما قدمناه من الأحاديث، فلو لم تترجح الأحاديث بشيءٍ من الوجوه، على هذه الأحاديث التي استدل بها أحمد، لوجب تساقطها معاً، ووجب المصير إلى دليل خارجي، ولا دليل سوى الكتاب، والكتاب قاضٍ بإقامتها بعد الدلوك، وكذلك القياس يقتضي ذلك، فإنها بدل من الظهر، ووقتها هذا مع تقدير تساقط الأحاديث، ونحن لا نسلم تساقطها، لكنا نطعن فيما استدل به أحمد، أو نقول – على تقدير صحة بعضه هو أنه منسوخ بما روينا، والله أعلم. (1/65)
صفحة 66
…وإذا عرفت أن الوقت شرط في صحة الجمعة، فاعلم أنه لا يجوز تقديمها على الوقت ولا تأخيرها عنه، فإنها إذا تقدمت عليه، اختل شرط صحتها فتفسد لذلك، وكذلك إذا أُخِّرت عنه، وحكم ما إذا قدم عليه بعضها، كحكم ما إذا قدم عليه كلها، وكذلك في تأخير بعضها عنه، فإنه يكون في حكم تأخيرها كلها عنه، فلا جمعة لمن خرج عليه الوقت، وقد بقي عليه ركن من الصلاة لا تتم الجمعة بما دونه، والخلاف الموجود في الحالة التي تتم بها الصلاة، يخرج كله هاهنا، فإذا خرج وقتها وقد أدى جميع أركانها إلا التسليم، ففي جمعته قولان، قيل بصحتها، بناء على أن الصلاة تتم بما دون التسليم، وقيل بفسادها، بناء على أنها لا تتم بما دونه، وهذا القول هو الصحيح، لحديث – (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم). أما حديث: (فإذا قعدت وقلت فقد تمت صلاتك)، فلا يعارض هذا الحديث، لإجمال القول فيه، فيحتمل أنه أراد: (وقلت) جميع ما وجب عليك من التشهد والتسليم، ويحتمل غير ذلك، وحديث: (تحليلها التسليم)، مفسر لهذا الإجمال، فيجب حمله عليه، وكذا الخلاف الموجود في تمام الصلاة بالاجتزاء ببعض التشهد دون بعض، هو خارج هاهنا أيضا، واعلم أن من خواص الجمعة أنها لا تصح أن تقضى جمعة أصلا، وإنما يقضيها من فسدت عليه صلاة نفسه، وما تقدم من ذكر الخلاف في قضائها بعد الوقت أربعا أو ركعتين، لا ينافي ما ذكرته هاهنا، لأن من قال بقضائها ركعتين، فهي عنده ليس بجمعة أيضا، لعدم صحة اجتماع شرائط الجمعة فيها، فلا يصح عند الجميع أن تقضى بعد الوقت بجماعة وخطبة كما هي كذلك في الوقت، فظهر أن القضاء وإن كان ركعتين، ليس هو بجمعة، وقد تقدم بيان وجه القول به، والله أعلم. (1/66)
صفحة 67
…وأما النداء وهو الأذان للجمعة، فهو شرط لصحة الجمعة أيضا، فلا تتم الجمعة بدونه، وممن صرح بذلك أبو اسحق في خصاله، وذكره ابن بركة في جامعه من فرائض الجمعة، والمعنى واحد، لأن فرض الجمعة هو الذي لا تتم الجمعة بدونه، والدليل على أن النداء شرط لصحة الجمعة قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة). الآية، فالأمر بالسعي إلى ذكر الله متوقف على وجوب النداء، وما توقف عليه الواجب فهو واجب، فالنداء للجمعة واجب لهذا المعنى، وعلى ذلك جرى فعله صلى الله عليه وسلم حتى قبض، وعليه جرى عمل الأئمة الراشدين، وأطبقت عليه كلمة الموافقين والمخالفين، فهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، بلا خلاف ولا نزاع، ولا يشترط، أن يكون بعد دخول الوقت، بل يصح أن يكون قبله، حتى صرح الإمام أبو اسحق – أن تقديمه على الوقت من سنن الجمعة عند بعض أصحابنا، وهو من خصوصيات الجمعة، إذ لا يجوز تقديم الأذان على الوقت إلا في هذا الموضع، ويشارك الجمعة في هذه الخصوصية صلاة الفجر، فإنه يجوز تقديم آذانها على وقتها كالجمعة، صرح به الإمام أبو اسحق أيضا، ولم أجد في السنة ما يدل على تقديم أذان الجمعة عن وقتها، والذي وجدته في أذان الجمعة هو ما روى ابن عمر أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا رقى المنبر سلَّم ثم جلس خفيفا مستقبل الناس واستقبلوه كذلك، ثم يؤذن المؤذن، روى الشعراني أنه لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان التجميع غير مؤذن واحد يؤذن إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ويقيم إذا نزل، وكان الأذان على باب المسجد، ففي هذا كله ما يدل على أن الأذان بعد دخول الوقت، ويمكن أن يكون قبل دخوله بمقدار ما يستكمل المؤذن أذانه، ثم يدخل الوقت، لكن هذا بالإمكان بعيد جدا، وتمييز المقدار من الوقت عسر جدا، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يراعي لهم ذلك القدر من الوقت، وكذلك لم ينقل عن الصحابة من بعده (1/67)
صفحة 68
صلى الله عليه وسلم، وظاهر كلام ابن بركة أنه لم ترد سنة في تقديم أذان الجمعة على وقتها، حيث قاس جواز تقديم آذانها عن وقتها بتقديم أذان الفجر على وقته فقال: والعلة التي أوجبت إجازة الأذان للفجر قبل وقته بقوله عليه السلام: إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، ثم قال في خبر آخر: (إن بلالاً يوقظ نائمكم ويرد غائبكم) فكانت هذه العلة موجودة في صلاة الجمعة، لأن أكثر الناس في أيام النبي صلى الله عليه وسلم – إن صلاة الصبح تفوتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: (من سمع نداءنا فليجب)، انتهى.
…
…وقد قدمت لك في المقدمة أن الأذان كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى عهد الخليفتين من بعده، إنما هو أذان واحد، وإن عثمان رضي الله عنه أحدث أذاناً آخر لما كثر الناس، فأمر أن يؤذن الأذان الأول على داره المعروفة بالزوراء، فلم يعب عليه في ذلك أحد، لأنه بدعة حسنة، أحدثها لحث الناس على إتيان الجمعة، فمضى على ذلك من جاء من بعده، قال في القواعد: واختلف في الأذان لها – يعني الجمعة – فقيل هو أذان واحد، وقيل أكثر من ذلك، انتهى.
…والظاهر إن الواجب إنما هو أذان واحد، وبه تتم الصلاة بلا خلاف، والخلاف في أنه هل يكرر لها الأذان مرتين أو لا والله أعلم. (1/68)
صفحة 69
…وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة وجب السعي إليها، وحرم البيع والشراء، لقوله تعالى: ((وذروا البيع))، فأمرنا بترك البيع، حينئذ فيحرم علينا فعله، ولا يتم ترك البيع إلا بترك الشراء، فيحرم الشراء، إذ ما لا يمكن ترك الحرام إلا بتركه، فهو حرام مثله، وقيل بحرمة البيع بعد النداء إذا كان النداء بعد الزوال، وهو وقت الصلاة، أما إذا كان قبل الزوال فلا يحرم، وهذا القائل إنما نظر إلى أن النداء قبل الزوال ليس هو النداء المشروع، الذي يجب به ترك البيع وإنما النداء المشروع الذي يجب به ذلك، هو النداء الذي في وقت الصلاة، قال في الإيضاح: وكذلك لا يجوز البيع والشراء بعد أن تزول الشمس حتى يُصلَّى، وإن لم يؤذن إذا كانت قد زالت، لأن الأصل في تحريم البيع بعد النداء، إنما هو أن يُجيب إلى الجمعة، والأصل إن جميع ما يشغل عن إجابة النداء حرام، إلا إن وقع فرض على فرض، قياسا على البيع وتبعاً له، والله أعلم، انتهى. وظاهر كلامه، بل صريحه، إنما عدا البيع من المشغلات، مقيس على البيع في تحريمه، والعلة الجامعة بينهما هو الشغل عن ذكر الله، وظاهر كلام الزمخشري – إن الأمر بترك البيع إنما هو أمر بترك جميع المشغلات، وإن ذكر البيع في الآية، إنما هو من باب ذكر أغلب الأشياء وقوعا، وأكثرها تعودا، مع ثبوت الحكم لجميعها، فلا مفهوم لذكر البيع في الآية عنده، ونص كلامه – أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها، لأن يوم الجمعة، يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبُّون إلى المصر من كل أوب، ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انفتح النهار، وتعالى الضحى، ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تحرُّ التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله، والمضي إلى المسجد، قيل لهم – بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه (1/69)
صفحة 70
وأربح، وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه متقارب، انتهى كلامه.
…
…وما ذهب إليه صاحب الإيضاح، أظهر معنىً، وأقوم سبيلا مما ذهب إليه الزمخشري، والله أعلم.
…وإذا تبايع اثنان في الوقت الذي أمروا بترك البيع، فيه إثم بلا خلاف، واختلفوا في صحة بيعهما وفساده، قال بعض أصحابنا منهم هاشم: بفساده، وقيل بصحته، ونسبه الزمخشري إلى عامة العلماء، قالوا: لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة، والثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب. أقول: وبعض العلماء أوجب فساد ما حرم، سواء كان إنما حرم لعينه أو لغيره، وعليه ينبني مذهب القائلين بفساد البيع، وقال في القواعد: وسبب الخلاف تنازعهم في النهي، هل يدل على فساد المنهيِّ عنه أم لا؟ أقول: وهذا السبب مبني على مذهب بعض الأصوليين من أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، فالبيع إنما أمرنا بتركه حينئذ ففعله عند هؤلاء منهي عنه بذلك الأمر، وقد صححت في (طلعة الشمس) خلافه، والله أعلم.
…وهذه الأحكام كلها إنما هي خاصة بمن تلزمه إجابة النداء للجمعة، أما النساء والعبيد والصبيان والمسافرون، فلا يحرم عليهم البيع، ولا يفسد، والله أعلم. وإن بايع أحد من هؤلاء أحداً ممن تجب عليهم الجمعة، أو العكس، فالبيع فاسد على مذهب من قال بفساده، لأن بعض أركانه وهو فعل المكلَّف منهما حرام، وهما آثمان لارتكابهما ذلك، إلا أن يكون أحدهما صبيا فيتوجه الإثم للمكلف منهما خاصة، أما إثم من وجب عليه السعي فظاهر، وأما إثم الآخر فلأنهه أشغل من يجب عليه السعي ببيعه، فكأنما منعه من فعل ما وجب عليه، أو أعانه على تركه، والمانع من فعل الواجب والمُعين على تركه كلاهما آثم، والله أعلم. (1/70)
صفحة 71
…وأما الخطبة فهي شرط عندنا لصحة الجمعة، صرح بذلك صاحب القواعد، وصاحب الإيضاح، فلا تتم الجمعة بلا خطبة، صرح بذلك أبو إسحاق في خصاله، وقال صاحب القواعد وصاحب الإيضاح وغيرهما من أصحابنا – أنه إذا لم تكن خطبة صلوا أربع ركعات – أي صلاة الظهر – وذلك إذا لم تجب عليهم الجمعة، أما إذا وجبت عليهم، حتماً فلا يصح لهم إلا أن يخطبوا ويجمعوا، وبتركهم الخطبة آثمون، وصلاتهم أربع ركعات بلا خطبة عند وجوب الجمعة عليهم مجزية لهم، على قولٍ تقدم ذكره في المقدمة، وهم مع ذلك آثمون بلا خلاف، لتضييعهم الجمعة الواجبة عليهم، والله أعلم.
…قال في القواعد: وقد احتج مالك بن أنس في أن الخطبة فريضة بقول الله تعالى: ((وتركوك قائما))، يقول: تخطب، وقال في الإيضاح: ويدل أيضا على وجوب الخطبة كونها راتبة من بين سائر الخطب، وقد احتج قوم لوجوبها بقوله تعالى: ((فاسعوا إلى ذكر الله)) وقالوا – هو الخطبة، وقال قوم: المقصود بالخطبة الموعظة المقصودة من سائر الخطب، وأنها ليست من شروط الصلاة على هذا القول، فإن صلى الإمام ركعتين من غير خطبة فلا إعادة عليه على هذا القول، والقول الأول أصح، وعليه العمل، أقول: وإنما صحح القول الأول لأنه هو الذي عليه عمله صلى الله عليه وسلم، وعمل الخلفاء الراشدين من بعده، وعمل جميع المؤمنين، والله أعلم. (1/71)
صفحة 72
والكلام في هذا المقام ينحصر في ثلاثة مواطن، الموطن الأول فيما يختص بلفظ الخطبة، الموطن الثاني فيما يختص بالخطيب، الموطن الثالث فيما يختص بمن حضر الخطبة، فأما الموطن الأول وهو فيما يختص بلفظ الخطبة، فاعلم أن أكثر أصحابنا ذهبوا إلى أن الخطبة ليست بدلا من الركعتين في الصلاة، لوجهين، أحدهما – إن الصلاة إنما يستقبل بها القبلة، والخطبة إنما يستقبل بها نحو الجماعة، ولا شيء من الصلاة يستقبل بها نحو ذلك، وثانيهما – إن من دخل في صلاة الجمعة، وفاتته الخطبة، لم يجب عليه أن يقضي ما فاته من الصلاة، فلو كانت الخطبة قائمة مقام شطر من الصلاة، لوجب عليه أن يعيدها، أو يصلي أربعا، والسنة على خلاف ذلك، كما قدمت لك في المقدمة، وقد بحثت في الوجه الأول من هذين الوجهين عند الكلام في الصلاة خلف الجبابرة، وذهب محمد بن المسبِّح، وابن النظر في دعائمه، وبعض مخالفينا إلى أن الخطبة قائمة مقام ركعتين، ورُفع ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأقول: إن كان فيها من السنة دليل على أنها قائمة مقام ركعتين، فمسلَّم، وإن كان إنما نشأ عن اجتهاد، فهذا الأمر لا يدرك بالاجتهاد، وإنما يدرك بالتوقيف من الشارع، ولم نقف على توقيفٍ عليه، فنحن على أن الخطبة شرط للصلاة، لا شطر منها، والله أعلم. (1/72)
صفحة 73
ويجب أن تكون الخطبة في وقت الصلاة، فإن خطب الإمام قبل الوقت، وجب عليه أن يعيدها في الوقت، فإن لم يعدها، فهو كمن صلى بلا خطبة، فلا تتم جمعتهم، والله أعلم، ولا بد في الخطبة من كلام طويل يطلق عليه اسم خطبة، قال ابن بركة: وأقل الخطبة التي تصح بها الجمعة، وتنعقد بها صلاة العيدين، ويتم بها التزويج، ما حفظنا عن الشيخ أبي مالك رحمه الله، وهي – الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلِّ اللهم على محمد خاتم النبيين، واغفر اللهم لنا ولجميع المسلمين، وحكى القطب في (الذهب الخالص) قولا: إن صحة النكاح لا تتوقف عليها وقيل تتوقف، وقال أبو اسحق في (خصاله): أقل ما يجزي من الخطبة ثلاث كلمات، أحدهما أن يبتدي بالحمد لله، ثم يثني بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات أو ما أشبههما من كلام الموعظة، وزاد الشافعي وبعض أصحابنا ركنا رابعا، وهو قراءة آية فأكثر، وزاد الشافعي أيضا ركنا خامسا، وهو الوصية بالتقوى، والدليل على ذلك كله ما يروى – أنه كانت خطبته صلى الله عليه وسلم في الجمعة وغيرها، مشتملة على حمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والموعظة والقراءة، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (كل خطبة ليس فيها حمد ولا تشهُّد فهي كاليد الجذماء)، وعلى هذه الرواية فالواجب أن يزاد فيها ركن آخر، وهو التشهد، قال بعضهم: ويستدل لوجوب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة بقوله تعالى: ( ورفعنا لك ذكرك)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار)، ورويَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرة، وكان تشهده صلى الله عليه وسلم أن يقول: (الحمد لله الذي نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله (1/73)
صفحة 74
من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، بين يدي الساعة، ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، ولا يضر الله شيئاً)، وفي تاريخ الخميس ما نصه: روي عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنه بلغه عن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها في المدينة في بني سالم بن عوف: (الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به، ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوٍّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرَّط وضلَّ ضلالا بعيدا، أوصيكم بتقوى الله، فإن خير ما أوصى المسلمُ المسلمَ أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذَركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك ذكر، وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه، عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكر في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان سوى ذلك يود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه، والله رؤوف بالعباد، والذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلاف في ذلك، فإنه يقول: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد). فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته وعقوبته وسخطه، وتبيض الوجوه، وترضي الرب وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم الله (1/74)
صفحة 75
كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، ولا قوة إلا بالله، وأكثروا ذكر الله، واعلموا أنه خير من الدنيا وما فيها، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، وقال في الخميس – كذا أوردها في المنتقى، وفي خلاصة الوفاء، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة (ق) على المنبر كثيراً، حتى حفظها منه جماعة من كثرة تكراره لها كل جمعة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن اقتصر الخطيب على مقدارٍ يسمى ذكر الله، كقوله – الحمد لله وسبحان الله، جاز لوجهين، أحدهما أنه تعالى سمى الخطبة ذكراً، وقول الحمد لله ذكر، فمن اقتصر عليه فقد أتى بما أمر به، وثانيهما – أن عثمان صعد المنبر فقال: الحمد لله، وارتج عليه، فقال إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وإنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل، وكان ذلك بحضرة الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، والجواب عن الوجه الأول – إن ذكر الله في الآية ليس نصاً على الخطبة، بل يحتمل أن تكون هي المراد بالذكر، وأن يكون المراد منه الصلاة أو الأذان، وعلى تقدير أنها هي المراد بالذكر، فالذكر في الآية مجمل، فسرت كيفيته السنة، فالعدول عن التفسير إلى الإجمال، عدول عن الجادة المنيرة، والجواب عن الوجه الثاني – إنه قد كثر الإنكار على عثمان في أحداثه، وإن الصحابة قد ضاقت صدورهم من أفعاله وأقواله، فما زالوا ينكرون عليه أحداثه، ولا يلزم الإنكار على المحدث في جميع مواطنه، لا سيَّما إذا لم يخرج منه قبول ذلك، لكن بقي البحث هاهنا في صلاتهم خلفه، مع اقتصاره على ما ذكر، ومع كلامه الذي (1/75)
صفحة 76
ربما يكون طعناً على من قبله من الأئمة الراشدين، وتزكيته لنفسه، حيث أشار إلى أن كل واحد من الإمامين قوَّال، وأنه هو الإمام الفعَّال، وفي هذا الكلام ما لا يُخفى، فإن صحت الرواية، فلا جواب عن هذا البحث، إلا أن يقال – يمكن أنهم أعادوا صلاتهم التي صلوها خلفه، وهذا الإمكان بعيد جدا، أما أولاً – فلأنه لم تجر عادة الصحابة بالمداهنة في الدين، والتساهل في الشرعيات، وأما ثانياً – فلأنهم لو صلَّوا خلفه في ظاهر الأمر، ثم أعادوا بعد ذلك صلاتهم، كان ذلك تلبيساً على العوام، وهو محرم في الإسلام، فكيف يصدر من هؤلاء الأعلام؟ وأما ثالثا – فلأنهم لو أعادوا صلاتهم التي صلوها وراءه، لنقل ذلك عنهم كما نقل عن عثمان خطبته بهم، فإن صحت الرواية المذكورة عن عثمان، فهي حجة لأبي حنيفة على مذهبه، وبالجملة فإن مذهبه إنما هو خارجٌ مخرج الرأي، ومثاره عن اجتهاد، والله أعلم.
وفي الأثر عن أبي الحواري رحمه الله قال: أما خطبة الجمعة فإنه حدثنا نبهان بن عثمان عن الإمام الصلت بن مالك أنه يحفظ – إن قل هو الله أحد، تقوم مقام خطبة الجمعة، قال أبو الحواري: وأحسب أن الصلت بن مالك كان يحفظ هذا عن سعيد بن المبشر، وفي هذا الأثر ما يدل على أن أركان الخطبة المتقدم ذكرها عن أبي إسحاق وأبي مالك وغيرهما، لا يلزم إتيان جميعها، وأنه يجري الاقتصار على بعضها، والصحيح عندي هو ما قدمت لك من التزام الأركان المذكورة، فلا تجزي عن الخطبة قراءة سورة، أما أولاً – فلما تقدم من الروايات عنه صلى الله عليه وسلم، وأما ثانيا – فلأن قراءة سورة من القرآن لا يطلق عليها في كلام العرب اسم خطبة، والمشروع هاهنا إنما هو الخطبة لا القراءة، والله أعلم. (1/76)
صفحة 77
قال أبو إسحاق في خصاله: والذي يستحب فيه خطبتان أربع خصال، أحدهما الجمعة، إلى أن قال: ويستحب عندي أن يفصل بين كل خطبتين لسكتة بلا جلوس، وذكر في موضع آخر من خصاله، إن الخطبة الثانية، والسكتة بين الخطبتين من سنن الجمعة، وظاهر كلامه رضي الله عنه أن الخطبة الأولى تجزي لصحة الجمعة، وأن الثانية زيادة فضل، وهو المذهب، وبه قال عطاء، ومالك، والأوزاعي وغيرهم، كما في الأشراف، وقال الشافعي: لا يجزي إلا خطبتان، يفصل بينهما بجلوس، ففي كلام الشافعي ما يدل على أن كل واحدة من الخطبتين فريضة، واشترط الفصل بينهما بجلوس، وقد تقدم لك عن أبي إسحاق أن يُستحب أن يفصل بينهما بسكتة ليس معها جلوس، فالجلوس بين الخطبتين عندنا محدث مكروه، وأول من أحدثه عثمان لما كبر سنه، وضعف جسمه، وقال طاووس: الجلوس يوم الجمعة بدعة، وأول من فعله معاوية، ثم ردوه من بعده، وقال الشافعي: إنما خطب معاوية جالساً حين كثر شحم بطنه ولحمه، وأنت خبير أنه إذا كان الجلوس بين الخطبتين محدثاً، فالمندوب تركه، أما أولاً – فلأن التأسي بالسنة أولى من العدول إلى البدعة، وإن كانت جائزة، وأما ثانياً – فلأن عثمان أو معاوية إنما أحدث الجلوس، لما حصل له من العذر، فلا ينبغي للصحيح الغير المعذور أن يتأسى بالمعذور، وإن كان فعل المعذور جائزاً، مثلاً إذا كان المشروع خلافه، والفضل في غيره، وما ذكرته من أن الجلوس بين الخطبتين محدث، هو عين ما صرح به الأصحاب – رحمهم الله تعالى، وقيل أنه غير محدث، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك، ففي كشف الغمة – أنه كان صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكر الناس ولعل الشافعي استدل بهذا الحديث فأوجب الجلوس بين الخطبتين، وحينئذ فيشكل ما قاله من وجوب الجلوس بين الخطبتين مع قوله إنما خطب معاوية جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمه، ويجمع بين قوليه بأن يقال – إن الذي حكاه عن معاوية هو (1/77)
صفحة 78
الجلوس في حال الخطبة، وإن الذي أوجبه هو الجلوس بين الخطبتين، والله أعلم.
وذكر صاحب القواعد عن بعضهم: استحباب الجلوس بين الخطبتين، ولعله لأجل ما روي من الحديث المتقدم ذكره، ففي استحباب الجلوس حينئذ قولان لأصحابنا(1)، وعلى القول باستحبابه فهو جلسة خفيفة، لا يتكلم فيها الخطيب بشيء، والله أعلم.
__________
(1) لو ثبت الجلوس بين الخطبتين لرويت الخطبتان نصا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يُروَ أنه قال في الخطبة الأولى كذا وفي الثانية كذا، وكل أقواله وأفعاله محفوظة ومشهورة ولم يُروَ إلا خطبة واحدة. سالم بن حمد الحارثي. (1/78)
صفحة 79
هذا حاصل ما يختص بنفس الخطبة، وأما الموطن الثاني وهو الذي يختص بالخطيب، فهو أن يكون الخطيب ممن تصح منه الإمامة في الجمعة، وهو أن يكون ذكرا حراً بالغاً عاقلاً، هذا هو المجتمع عليه، والخلاف الموجود في إمامة العبد والصبي والمسافر، خارج هاهنا، وأن يكون الخطيب على طهارة إذ من شروط الخطبة ذلك، وأن يكون مستقبل القوم بوجهه حال خطبته، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب كذلك، وأن يكون قائماً في الخطبتين معاً، فلا يخطب جالساً لقوله تعالى: (وتركوك قائما)، ورأى كعب بن عجرة عبد الرحمن بن الحكم يخطب قاعداً فأنكر عليه وقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً، والله تعالى يقول: (وتركوك قائما)، وكان جابر بن عبد الله يقول: من قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب جالساً فقد كذب، لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ألفي صلاة. وأما الجلوس بين الخطبتين فقد تقدم ذكره، وأن يكون الخطيب معتمدا على قوس أو سيف أو عصا، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم – أنه كان يعتمد في خطبته على قوس، وتارة على عطا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى شيئا من ذلك، ولكن كان يتوكأ في الحرب على السيف، وفي الحضر على العصا – يعني لأن الغالب في السفر السيف وفي الحضر العصا – وفي الإيضاح – ويستحب للخطيب أن لا يأمر ولا ينهى، ولا يعارض في خطبته، إلا كنحو ما يكون في المخالفة في القرآن بالموعظة فإن فعل فلا نقض عليه حتى يغلو، وقد أجازوا أن يعظ في كلامه ببيت شعر، وغير ذلك، وترك الرواية أحب إليهم، وقد ذكر في بعض كتب أصحابنا، قال الفضل رحمه الله: إذا روى الخطيب رواية فلا أعرف على الناس إعادة، إلا أن سعيد بن أبي بكر كان يخطب بصحار، فروى قول أبي بكر رضي الله عنه – إني قد وليتكم ولست بخير منكم – إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، فأعاد محمد بن محبوب رحمه الله الصلاة، وأقول: (1/79)
صفحة 80
والظاهر أنه لا إعادة عليه، لوجوه، أحدها – إن الخطبة ليست بشطر من الصلاة حتى ينقضها ما ينقض الصلاة من كلام الآدميين، وثانيها – إن الخطبة أمر غير محصور على شيء بعينه، وغير محدود بحد، لا يحل لأحد أن يتجاوزه إلى غيره، حتى يكون النقض على مجاوزه، وثالثها – إن حكم الخطيب في خطبته مخالف لحكم الجماعة في استماعهم، فيلزم الجماعة الإنصات لاستماع الخطبة – وحكم الخطيب الإجهار بالخطبة والموعظة الحسنة، فلا ينقض على الخطيب جميع ما ينقض على الحاضرين، ورابعها – إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن الكلام والإمام يخطب، ويرخص في تكلمه وتكليمه لمصلحة، كذا في كشف الغمة، وفيه أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم كان كثيرا ما يقول لمن يراه بعيداً عن سماع الخطبة: (تعالى إلى هنا)، وفي البخاري – أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل عليه رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فناداه عمر أية ساعة هذه، قال: إني شُغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل، وقد نقل عن كل واحد من عثمان وعلي أنه تكلم في الخطبة بما ليس منها، والله أعلم. (1/80)
صفحة 81
وإن أحدث في خطبته بحدث يبني عليه في الصلاة، فإنه يذهب ويتوضأ ويبني على خطبته كما يبني في الصلاة، وإن مات الإمام في خطبته فإنهم يصلون أربع ركعات، وإن عقدوا الإمامة لآخر حين مات الأول في الخطبة، فإن الآخر يستأنف الخطبة، وإن أحدث الإمام بعدما فرغ من خطبته،فإنه يستخلف عليهم من يصلي بهم ركعتين، ولا يستخلف للناس من لم تجب عليه صلاة الجمعة، مثل المسافرين والعبيد، كذا في الإيضاح، وهو مبني على منع إمامة المسافرين والعبيد في الجمعة، ولا بد من جواز استخلافهم على القول بجواز إمامتهم، وليس ما ذكره من البناء على الخطبة مبنياً على أن الخطبة شطر من الصلاة، ووجه ذلك أن الخطيب مخير في هذه الصورة بين أن يستأنف خطبته وبين أن يبني عليها، ولا كذلك البناء على الصلاة، فإن البناء على الصلاة ليس فيه تخيير على القول بثبوته، والله أعلم.
وجائز أن يكون الخطيب غير الإمام الذي يصلي، وجائز أن يكون الخطيب والإمام في الصلاة غير الإمام المنصوب له الإمامة، إذا كان ذلك بأمر من الإمام – خرجه الكدمي على معاني الاتفاق من قول أصحابنا – وأقول: وإن كان ذلك جائزا، فاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، فإنه كان يخطب بنفسه، وهو الذي يصلي بهم، ولا يخطب الخطيب حتى يحضر الإمام الذي يصلي، إذا كان الإمام غير الخطيب كذا خرجه الكدمي أيضا، وإشارته أن ذلك على جهة الاستحباب لا الإيجاب. فظاهر كلامه أنه إذا لم يسمع الإمام المصلي خطبة الخطيب أنه لا بأس بذلك، وأن لهم أن يصلوا وراءه، ولا أحب هذا كله عند السعة والإمكان وإن كان ذلك جائزا والله أعلم.
وقد تقدم ذكر شيء من أحوال الخطيب في مقدمة الكتاب، وعند ذكر الأذان.
المقصد الثالث: (1/81)
صفحة 82
…وأما الموطن الثالث وهو الذي يختص بمن حضر الخطبة، فهو أنهم يستقبلون الخطيب بوجوههم على هيئة الجلوس، وعليهم السكينة والوقار، لأن الصحابة كانوا على ذلك، ويؤمرون بالإنصات واستماع الخطبة، وأن لا يتخطوا رقاب الناس، فأما الإنصات – فقال في القواعد: اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال، منهم من قال: هو حكم لازم من أحكام الخطبة، وعلى هذا الجمهور من الناس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، واختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس، فأجازه قوم، ومنع منه آخرون، والقول الثاني أن الكلام جائز إلا عند قراءة القرآن، روي ذلك عن الشعبي وإبراهيم النخعي، ويعيد بن جبير، واحتجوا بقوله تعالى: ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له)، الآية.
…وإن ما عدا القرآن فليس يجب له الإنصات، وفرق آخرون بين أن يسمع الخطبة أو لا يسمعها، فأما اختلافهم في رد السلام وتشميت العاطس، فلتعارض الأمر بينهم، والأمر بالإنصات، والله أعلم. (1/82)
صفحة 83
…أقول: والمختار من هذه الأقوال هو ما عليه الجمهور من حرمة الكلام والإمام يخطب، سواء كان المتكلم بمكان يسمع فيه الخطبة، أو بمكان لا يسمعها فيه، لعموم الأحاديث الدالة على حرمة ذلك، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، وقوله صلى الله عليه وسلم:( من قال صه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، وهو كمثل الحمار يحمل أسفارا)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يحضر يوم الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها بلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعوا، فهو رجل دعا الله عز وجل، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهو كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام)، ففي هذه الأحاديث دليل على حرمة الكلام والإمام يخطب، وهي عامة لمن كان قريباً من الإمام يسمع الخطبة ولمن كان بعيدا منه. وعن عثمان أنه كان يقول: استمعوا وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمنصت السامع. ومثل هذا لا يُقال إلا عن توقيف، فهو نص على المطلوب، ولا بأس بتشميت العاطس، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا عطس أحدكم والإمام يخطب يوم الجمعة فشمتوه)، قال أنس: فكنا نشمته تارة باللفظ، وتارة بالإشارة. وأما رد السلام، فيحتمل أن يقاس على تشميت العاطس، فيقال بجوازه، لأن كلاً منهما فعل معروف، مأمور بفعله، ويحتمل أن يفرق بينهما فيمنع رد السلام دون تشميت العاطس، ووجه الفرق بينهما هو – أنه إنما نُهينا عن الكلام والإمام يخطب، مخافة الاشتغال عن سماع الذكر الذي أمرنا بالسعي إليه، وفي رد السلام ما يشغل عن ذلك، لكثرة الداخلين، ولا كذلك التشميت، فإنه لا يكون في غالب الأحوال إلا نادراً والله أعلم.
… (1/83)
صفحة 84
…واعلم أن من لغا فقد فسدت جمعته لظاهر الحديث: (ومن لغا فلا جمعة له) وهو مذهب أبي عبد الله، وعن أبي مروان – أن أبا علي رحمه الله كان يجبن أن ينقض صلاة من تكلم والإمام يخطب يوم الجمعة، وأمر بعض أصحابنا مَنْ تكلم والإمام يخطب يوم الجمعة أن يخرج من المسجد، حتى يكون بمكان لا تصح فيه الصلاة بصلاة الإمام، ثم يرجع فيدخل مع الداخلين فيسمع ما يدرك سماعه من الخطبة، ويصلي مع الإمام، وتصح جمعته بذلك، وقد فاته بسبب لغوه ثواب السبق وفضيلة التقدم.
…وقيل لمحمد بن المسبِّح – كيف يؤمر من تكلم والخطيب يخطب يوم الجمعة أن يخرج من المسجد ثم يرجع يدخل؟ قال: لأنه إذا تكلم في المسجد والخطيب يخطب، انتقضت صلاته، فيخرج من باب المسجد حتى يصير إلى موضع لا يجوز لمن كان فيه أن يصلي بصلاة الإمام في المسجد، ثم يدخل فيسمع ما بقي من الخطبة، لأن الخطبة مقام ركعتين، وقد تمت صلاته بما أدرك من الخطبة، وإذا لم يخرج من باب المسجد وصلى، كانت صلاته منتقضة لفسادها من أولها. وظاهر كلامه أن من لم يسمع من الخطبة شيئا فلا جمعة له، وهو لازم مذهبه في أن الخطبة مقام ركعتين، وبه صرَّح بعض قومنا، لكن ما قدمته لك في المقدمة ينافيه، فاعمل بما فيه، وصريح كلامه أن الأمر بالخروج، مبني على أن الخطبة قائمة مقام ركعتين، ولا يستلزم ذلك، بل يحتمل أن يكون مبنيا على ذلك، وأن يكون مبنيا على قطع النظر عن سبقه الذي كان فيه، وحاله الذي أبطله بلغوه، حتى كأنه برجوعه، ممن جاء آخراً، لا ممن تقدم، كما تشير إليه كلام ابن بركة وهو أظهر احتماليه والأولى أن يعوَّل عليه. (1/84)
صفحة 85
…وأما تخطي رقاب الناس فقال ابن بركة: لا يجوز لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة، اتخذ جسراً إلى جهنم)، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: (اجلس فقد آذيت)، وروي عنه أنه قال: (من يتخطى رقاب الناس ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجارِّ قصبه في النار). والقصب هي الأمعاء والمصارين، قاله أئمة اللغة – في هذه الأحاديث دليل على تحريم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، بل دليل على أن فعل ذلك كبيرة، لما يترتب عليه من الوعيد الشديد.
…وفصَّل الإمام الكدمي رضي الله عنه بينما إذا حصل من تخطي الرقاب أذىً لمن يتخطاه، وبين ما إذا لم يحصل أذى، فقال بحرمته في الصورة الأولى، وبكراهيته في الصورة الثانية، إلا إذا أراد به معنى يندب إليه كسد فرجة في الصف، وكذا حرَّم التخطي لأجل معنى فاسد كطلب الرياسة والتقدم في المنزلة ونحو ذلك، وهذا التفصيل إنما أخذه من إشارة قوله صلى الله عليه وسلم لمن يتخطى رقاب الناس: (اجلس فقد آذيت)، فإشارة الحديث إن الأمر بالجلوس والإمساك عن تخطي الرقاب إنما هو لأجل حصول الأذى من ذلك المتخطي وقاس على الأذى المعنى الفاسد، كما تقدم، ويدل على تفصيله المذكور، ما روي عنه صلى الله عليه وسلم – أنه كان ينهى عن تخطي رقاب الناس إلا لحاجة. وروي – أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا رأوا أمامهم فرجة قريبة يتخطون الرقاب إليها ليسدوها، ففي هذه الأحاديث دليل على ما قاله الإمام الكدمي رضوان الله عليه، فيحمل ما تقدم من أحاديث الوعيد على من تخطى رقاب الناس فآذاهم، أو كان تخطيه لمعنىً فاسد، بدلالة هذه الأحاديث، فهي في حكم المخصص لما تقدم، والله أعلم.
…
…
الإقامة (1/85)
صفحة 86
…وأما الإقامة فهي شرط لصحة الجمعة، لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها، ومواظبة الصحابة عليها من بعده، فلا تتم الجمعة إلا بها، وقد ذكرها الإمام أبو إسحاق في الخصال التي لا تتم الجمعة إلا بها، وهو ظاهر لما قدمت لك، والله أعلم.
…هذه الشروط التي تصح بها الجمعة، وتختص بها من بين سائر الفرائض، ولها شروط أخر تشاركها فيها بعض العبادات، وسائر الصلوات، كالإسلام والإختتان والطهارة والنية واستقبال القبلة واللباس الساتر، والبقعة الطاهرة، ونحو ذلك، فنعدل عن ذكرها، إذ ليست هي المقصود في هذه الرسالة، وإنما المقصود بها بيان ما تختص به الجمعة من غيرها، والله أعلم.
الخاتمة
في سنن الجمعة وآدابها وفضلها
…فمن سنن الجمعة الغسل يوم الجمعة، والناس فيه على ثلاثة مذاهب، المذهب الأول لأصحابنا وجمهور قومنا – وهو أنه مندوب لمن حضر صلاة الجمعة لا واجب عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعِمت ومن اغتسل فالغسل أفضل)، ولما روي أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل عليه رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فناداه عمر - أية ساعة هذه، قال: إني شُغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل - والرجل هو عثمان – ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو ما قاله الشافعي: وهو أنه لما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار، انتهى, ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد سُئل عن الغسل يوم الجمعة، أواجب هو أم لا؟ فقال: ليس بواجب، ولكنه أطهر، وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس هو بواجب عليه. (1/86)
صفحة 87
…وسأخبرك كيف كان بدأ الغسل، كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، إنما هو عريش كعريش موسى، تصله الأيدي، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار، وقد عرق الناس في ذلك الصوف، حتى صارت منهم رياح آذى بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الروائح قال: (يا أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه). قال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم جاء الله تعالى بالخير ولبسوا غير الصوف وكُفُوا العمل بغيرهم، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق، والصنان. وكذا كانت عائشة رضي الله عنها إذا سُئلت عن الغسل تقول: كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا أهل عمل، ولم يكن لهم كفاة يكفونهم العمل، وكانوا ينتابون الجمعة من العوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم الريح الكريه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل فلما فتح الله عليهم ولبسوا الثياب الحسنة، وزالت تلك الروائح، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبما ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل). فمن كان بموضع لا يلزمه حضور الجمعة منه، أو كان من المعذورين عن حضورها، فاغتسل لغير حضورها، فليس له من الأجر مثل من اغتسل لأجل حضورها، لظاهر هذه الأحاديث، ولمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل). ولقول عمر رضي الله عنه: إنما يغتسل من أراد الحضور. وكذا من اغتسل بعد صلاة الجمعة فليس له من الأجر مثل للمغتسل قبلها لهذه الروايات أيضاً، ويجزيه أن يغتسل بعد طلوع الفجر عندنا وعند الشافعية والحنفية، وقال المالكية – يعتبر أن يكون الغسل متصلاً بالذهاب لألاَّ يفوت الغرض، وهو رعاية الحاضرين من التأذي بالروائح حال الاجتماع، وهو غير مختص بمن تلزمه. قالوا: ومن اغتسل ثم اشتغل عن الرواح إلى أن بَعُدَ ما (1/87)
صفحة 88
بينهما عرفاً، فإنه يعيد الغسل لتنزيل البعد منزلة الترك، وكذا إذا نام اختياراً، بخلاف من غلبه النوم، أو أكل أكلاً كثيراً بخلاف القليل، انتهى. وأنت خبير بأنه إذا كان المقصود من شرع الغسل هاهنا إنما هو لأجل رعاية الحاضرين من التأذي بالروائح حال الاجتماع، فلا يدل على جميع ما ذكروه هاهنا، ولا يدل على عدم الاجتزاء بتقديم الغسل أول اليوم أيضاً، فإنه قد يتراخى الرجل عن الذهاب بعد أن يغتسل، وقد ينام ولا يحصل له شيء من الروائح المؤذية للحاضرين، فكان ينبغي أن يُقال – أن الغسل في أول اليوم مجزٍ، إلا إذا حدث بالمغتسل حادث يتولد منه الروائح المؤذية، فيسن له حينئذ أن يعيد غسله، لأنه إذا لم يعده، فات الغرض المقصود من شرع الغسل هاهنا، والله أعلم.
…المذهب الثاني لطائفةٍ من قومنا – وهو أن الغسل المشروع يوم الجمعة، لمن أراد أن يحضر الجمعة ولمن لم يرد، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم الجمعة). وفي رواية: (حق الله على كل مسلم أن يغسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل رأسه وجسده)، قلنا – هذه الرواية مجملة، وما قدمنا من الأحاديث بيان لها، فيجب الأخذ بما مر، لكونه بياناً، والله أعلم. (1/88)
صفحة 89
…المذهب الثالث لأهل الظاهر – وهو أن الغسل يوم الجمعة واجب، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة). وبقول ابن عمر: أما الغسل فأشهد بأنه واجب. والجواب عن الاستدلال بهذه الأحاديث هو أن المراد بها أن الغسل كالواجب في تأكيد الندبية، أو كالواجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، أو في الكيفية لا في الحكم، وحاصل الجواب – أنه استعير لفظ الواجب، ولفظ على، فاستعملا في غير محلهما، وهو تأكيد في الندبية بقرينة الأحاديث المتقدم ذكرها. وقيل – أن ما دل على الوجوب من هذه الأحاديث منسوخ بما مر من الأحاديث، واعترض بأن النسخ لا يُصار إليه إلا بدليل، ومجموع الأحاديث يدل على استمرار الحكم، فإن في حديث عائشة – أن ذلك في أول الحال حيث كانوا مجهودين. وأبو هريرة وابن عباس إنما صحبا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن حصل التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أولاً، ومع ذلك فقد سمع كل منهما منه عليه الصلاة والسلام – الأمر بالغسل والحث عليه، والترغيب فيه، فكيف يدعي النسخ مع ذلك، وأقول: أن الأحاديث الدالة على أن الغسل يوم الجمعة فضيلة لا حكم واجب، يكفي أن تكون دليلاً لنسخ الوجوب واستمرار الأمر بالغسل يوم الجمعة لا ينافي ذلك فإنه ليس المدعي نسخ الأمر به مطلقاً، وإنما المدعي نسخ وجوبه، فاستمرار الأمر به بعد ذلك، إنما هو حث على فعل الفضيلة، وبالجملة فكل واحد من الوجوب والندبية حكم برأسه، ولا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، وبهذا يظهر لك أن القول بنسخ الأحاديث الدالة على وجوب الغسل أولى من تكلف تأويلها، والله أعلم. (1/89)
صفحة 90
…وصفة الغسل المشروع يوم الجمعة، هو كالغسل المشروع من الجنابة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح)، الحديث. ومن سننها السواك لقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل مسلم وأن يستن بالسواك) – وقد قدمت لك معنى كونه واجباً وأن المراد منه غير ظاهره، أو هو منسوخ – ومن سننها اتخاذ أحسن اللباس عند الرواح إليها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته). ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ليغسل أحدكم يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه). الحديث. ومن سننها التطيب يوم الجمعة، وهو استعمال المرء أطيب ما يجد من الطيب إذا أراد الخروج إلى الجمعة والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المتقدم: (يا أيها الناس، إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبة)، ومن سننها التبكير، وهو تقديم الخروج إليها، سواء كان على الأقدام أو على الدواب، وهو السعي الذي أمرنا به ربنا تعالى، فهو بعد النداء واجب، وقبله مسنون، والسعي على الأقدام أفضل منه على الراحلة، ويعبُّر عن الخروج عنه بالرواح، والدليل على أن التبكير إليها مسنون قوله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنه(1)، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر). قال الربيع(2): ليس يريد عدد الساعات، وإنما أراد بين أول الوقت إلى آخره، والله أعلم. وعلى هذا فقد جعل صلى الله عليه وسلم للرائحين إلى الجمعة خمس درجات،
__________
(1) وهي الناقة المختارة.
(2) وهو الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، من أئمة المائة الثانية للهجرة، وهو صاحب الجامع الصحيح. (1/90)
صفحة 91
كل واحدة منهن أعلى من التي تليها، والله أعلم.
…ومن سننها أن يخرج بعد أن يغتسل ويتسوك ويلبس من صالح ثيابه، ويتطيب بما قدر عليه، ثم يأتي المسجد ويركع فيه ركعتين تطوعاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليغتسل أحدكم يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه ويتطيب ويدهن بما وجد في بيته، ثم يخرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له، ولا يؤذي أحدا، ثم إذا خرج إمامه أنصت حتى يصلي، فمن فعل، كانت كفارة لما بينهما وبين الجمعة الأخرى). هذا إذا كان مأموماً، وإن يكن هو الإمام فالسنة أن يصلي في بيته ما شاء، ثم يخرج للجماعة، بعد أن يجتمعوا، ويصعد على المنبر، على حسب ما قدمته لك، والله أعلم. (1/91)
صفحة 92
…ومن سننها أن ينتف إبطيه ويجز شاربه، ويقلم أظافره، ويصلح من فطرته ما أمر به، يفعل جميع ذلك يوم الخميس، ليكون يوم الجمعة متأهباً للبكور فلا يشغله عن الرواح إليها شاغل، والدليل على ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم – أنه كان يأمر بالغسل والتنظيف قبل الحضور ويأمر بتقليم الأظافر ونتف الإبط وإزالة الشعر بعد الصلاة، ويقول: (مَثَلُ المؤمن يوم الجمعة كمثل المحرك، لا يأخذ من شعره ولا من أظافره حتى تنقضي الصلاة). قيل يا رسول الله، متى يتأهب للجمعة؟ قال: (يوم الخميس). وظاهر الحديث أنه إذا لم يتأهب لها يوم الخميس، فلا يصنع شيئاً من ذلك حتى تنقضي صلاة الجمعة، ثم يفعله حينئذ، وفيه إشكال، وهو أنه إذا كانت هذه الأشياء إنما شرعت لأجل الحضور لصلاة الجمعة، فبانقضائها يفوت المقصود من شرعها، وإن كانت إنما شرعت ليوم الجمعة خاصة، فما معنى الحث على فعلها يوم الخميس، ويندفع هذا الإشكال بما إذا قيل – إن هذه الأشياء شرعت مطلوبة لنظافة البدن في كل أسبوع كذلك، لكن أمرنا بفعلها يوم الخميس لتكون من كمال النظافة لحضور الجمعة، فإذا لم نفعل ذلك حتى دخلت الجمعة أمرنا بتأخير فعلها حتى تنقضي الصلاة، ثم أمرنا بفعلها بعد ذلك، إشارة إلى الاهتمام بشأن الجمعة، وإلى تعظيم مكانها، فالمسنون حينئذٍ فعل هذه الأشياء يوم الخميس أو بعد صلاة الجمعة، والله أعلم. (1/92)
صفحة 93
وأما آدابها – فمنها ما هو مختص بالحضور، ومنها ما يكون لليوم مع ليلتها، فأما آداب الحضور، فمنها ما تقدم ذكره في الموطن المختص بأحكام الحاضرين لسماع الخطبة، ومنها ما سنذكره هاهنا. روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهى أن يقيم الرجل أخاه ثم يجلس موضعه، ويقول: (لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده ولكن ليقل تفسحوا وتوسعوا، وإذا قام أحدكم من مجلسه لحاجته ثم رجع إليه، فهو أحق به، وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لا يجلس فيه زجراً له، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة، فليتحول إلى غيره). وكان صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن الحبوة(1) إذا كان بهم نعاس، ويرخص لهم في الاحتباء إذا كانوا يقظين لا نعاس عندهم.
…وأما آداب اليوم مع ليلتها – فمنها أن لا تخص ليلة الجمعة من بين سائر الليالي بصلاة أو قيام، وإنما ينبغي عمل العامل ديمة مستمرة على حالة واحدة، والدليل على ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تخصوا ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي). وفي رواية: (بقيام) بدل صلاة، قال الشعراني: قال شيخنا: معناه في الليالي.
__________
(1) الحبوة والاحتباء – ربط الرجلين مع الظهر برداء خفيف أو تطويق الرجلين باليدين. (1/93)
صفحة 94
…قوموا كلها بدليل ما ورد في قيام الليل. وقد سُئلت عائشة رضي الله عنها. هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع، فعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تخصوا ليلة الجمعة بصلاة)، إنما هو حث على القيام في جميع ليالي الأسبوع، ومنها – أن يقرأ ليلة الجمعة أو يومها (حم)(الدخان) لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يومها، غُفر له ذنوبه، وأصبح يستغفر له سبعون ألف ملك، وبنى الله له بيتا في الجنة) ومنها _ أن يقرأ يوم الجمعة سورة الكهف، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين). وفي رواية: (ما بينه وبين البيت العتيق). وفي رواية: (سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين). ومنها – أن يُكثر من الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الجمعة ويومها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا علي من الصلاة في الليلة الغراء واليوم الأزهر، فإنه يوم مشهود، ما من عبدٍ يصلي علي فيه، إلا عرضت صلاته علي حين يفرغ منها) قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ - أي بليت – فقال: (إن الله عز وجل حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) وأما فضلها - فيدل عليه ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبالغ في تعظيم يوم الجمعة، ويقول: (هو سيد الأيام، وأعظمها عند الله عز وجل، وأعظم عنده من يوم الفطر ويوم الأضحى، ففيه خلق آدم، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه توفاه الله تعالى، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه، ما لم يسأل حراماً). وقال بيده يقللها: (وفيه تقوم الساعة، وما من ملك مقرب، ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر، إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة). وقال بيده يقللها – (1/94)
صفحة 95
أي – أشار بيده إلى تقليل ساعة الإجابة، وإشفاق الجمادات من يوم الجمعة – إنما هو تمثيل، أي – لو كانت ممن يعقل ذلك لأشفقن، أو إشفاقهن بحسب ما يليق بحالهن، وعنه صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ليلة الجمعة، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فلا يرد سائلاً قط، ما لم يسأل هجراً). ومعنى ينزل ربنا – أي – ينزل أمره أو رحمته، استحالة النزول على ذاته تعالى، فإن النزول من صفات المخلوقين، وهي دليل على العجز، والرب تعالى، متعالٍ عن ذلك، وهو الخالق القادر، لا يشابه شيئا من مخلوقاته في شيء من صفاتهم، ليس كمثله شيء، فالحديث مُؤَوّلٌ على حد قوله تعالى: ( وجاء ربك والملك صفا صفا)، وعنه صلى الله عليه وسلم – أنه قال: (تُضاعف الحسنات يوم الجمعة). وكان صلى الله عليه وسلم – كثيراً ما يُسأل عن وقت الإجابة فيقول: إني عُلِّمتها ثم أُنسيتها كما أُنسيت ليلة القدر). وكان تارة يقول: (بين أن يجلس الإمام – يعني على المنبر – إلى أن تنقضي الصلاة)، وتارة يقول: (هي آخر ساعة من ساعات النهار، لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله شيئا إلا قضى حاجته). فقيل له – إن هذه ليست ساعة صلاة. قال: (بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس، لا يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة). وتارة يقول: (هي بعد العصر). وتذاكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً في هذه الساعة، فتفرقوا كلهم على إنها آخر ساعة من يوم الجمعة، قال الشعراني – قال شيخنا: فتحصل من هذا أنها تنتقل في ساعات اليوم كليلة القدر، والله أعلم. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن الله تبارك وتعالى ليس بتاركٍ أحداٍ يوم الجمعة إلا غفر له، وهذا الأمر لا يعلم إلا من الشارع، فهو حديث موقوف. وعنه صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر). والمراد بالمسلم في الحديث - هو المؤمن الموفي بما أوجب الله عليه أو المراد به كل مسلم كان (1/95)
صفحة 96
موفيا أو غير موف، ورفع العذاب عنه في القبر لفضل ليلة الجمعة ويومها، ولا يستلزم رفع العذاب عنه في القبر رفع عذاب الآخرة عنه إن كان غير موفي بما أوجب الله عليه. وقانا الله فتنة الدنيا وعذاب القبر ومناقشة الحساب ورزقنا الإبعاد من النار، ومنَّ علينا وعلى أئمتنا ومشايخنا وإخواننا بالغفران ودخول الجنان، وآمنا من الفزع الأكبر، إنه ولي المغفرة وهو على ما يشاء قدير.
…هذا آخر ما يسر الله كتابته من الحجج المقنعة، في أحكام صلاة الجمعة، والله ربنا ولي قبولها منا، وهو المرجو أن يثيبنا عليها، وعلى صالح أعمالنا، وأن يستر سيِّئها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه الفضلاء الكاملين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. وقد وافق تمام تسويدها وكمال تبييضها يوم الجمعة الزهراء لخمس عشرة ليلة خلون من شهر صفر من سنة 1315 هـ.
الفهرست:
المقدمة............................................................................... ص1
توطئة................................................................................ ص2
التقديم............................................................................... ص5
المقدمة في صفة صلاة الجمعة وفي حكمها وفي الأدلة على وجوبها......................... ص5
حكم الدخول مع الإمام في صلاة الجمعة............................................... ص6
حكم من فسدت عليه صلاة الجمعة................................................... ص7
حكم صلاة الجمعة والأدلة على وجوبها............................................... ص8
الدليل على وجوبها من السنة......................................................... ص9
بيان المكان الذي تؤتى منه الجمعة.................................................... ص10 (1/96)
صفحة 97
بيان كيفية فرض الجمعة وأنه فرضٌ على الأعيان....................................... ص11
المقصد الأول: في شروط وجوب صلاة الجمعة........................................ ص14
المقصد الثاني: في شروط صحة صلاة الجمعة.......................................... ص22
المقصد الثالث...................................................................... ص53
الإقامة............................................................................. ص55
الخاتمة: في سنن الجمعة وآدابها وفضلها................................................ ص56 (1/97)