صفحة 1
بحث تخرج: الرقية الشرعية لمحبوب البراشدي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
معهد العلوم الشرعية
الرقية الشرعية
محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي
1425هـ/ 2004م.
إهداء
إلى والدي العزيز الذي اجتهد وتعب في تنشئتي، ورباني فأحسن تربيتي000
وإلى والدتي العزيزة التي غمرتني بعطفها وحنانها، حتى كبرت وصرت رجلا سويا000
وإلى نصفي الثاني وأم أولادي، التي ما فتئت تسلي عني همومي وأحزاني، وتشاركني أفراحي وأتراحي000
إلى هؤلاء وإلى المسلمين جميعا أتقدم بهذا العمل المتواضع، أرجوا من الله العلي القدير أن يتقبل مني ذلك ،وأن يجعله في ميزان حسناتي.
شكر وعرفان
أشكر الله أولا على أن وفقني لإنهاء هذا العمل، ويسر لي سبل تحصيله وتنظيمه.
ولا أنسى كذالك أن أتقدم بالشكر و العرفان إلى معهدي الميمون ،وإلى جميع العاملين فيه، و أخص بالشكر هيئة الإدارة وأعضاء التدريس.
وأخيرا أتقدم بالشكر الجزيل إلى جميع من شارك في إتمام هذا البحث كتابة وطباعة وانتقادا، وأخص بالشكر الشيخ لؤي محمد قبيصي الذي أشرف على هذا البحث، والشيخ أحمد مصلح الذي ناقشني فيه وأبدى عليه ملاحضاته وانتقاداته.
بسم الله الرحممن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله أجمعين، أما بعد:
... فإن الإنسان في هذه الحياة الدنيا هو عرض للابتلاء، فهو معرض لكثير من الأمراض والمصائب والأحزان، وهي ترافقه طول حياته وفي كل مكان، فلا تكاد تنقطع عنه مصيبة حتى يبتلى بأخرى، ولا تكاد تذهب عنه كربة حتى يقع في غيرها، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه، يقول عز من قائل:" ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" (1) ...
__________
(1) - سورة الأنبياء (35) (1/1)
صفحة 2
والإنسان المسلم دائم الصلة بخالقه عزوجل، في ليله ونهاره، في شدته ورخائه، في مكرهه ومنشطه، فهو لا يفتر ولا ينقطع عن ذكر الله لأنه يعلم تمام العلم أن النافع هو الله وأن الضار هو الله وأن كل ما يحدث في هذا الكون من أصغر ذراته إلى أكبر مجراته إنما هو كائن بقدرة الله وتدبيره؛ فالإنسان المسلم دائم اليقين بربه سبحانه يصبر على الابتلاء ويحتسب أجره على الله.
... والإسلام الحنيف دائما ما يحث أتباعه على التداوي من الأمراض، وطلب العلاج، والأخذ بالأسباب المؤدية إلى الشفاء. روي عن أسامة بن شريك قال: " كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله؛ أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا؛ فإن الله عزوجل لم يضع داء إلا أنزل له شفاء غير داء واحد قالوا: ما هو قال: الهرم" (1) ، وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – - صلى الله عليه وسلم - : " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" (2) ، إذن فالدواء والعلاج موجود، والإنسان المريض مطالب بالسعي في طلبه، والأخذ بالأسباب الموصلة إليه.
... والنبي الكريم، العطوف الحليم - صلوات الله وسلامه عليه - قد علمنا آيات وأدعية وأذكارا مخصوصة؛ نستشفي بها من بعض الأمراض ونتحصن بها من الشرور والأضرار، وقد عرفت هذه التعويذات والأذكار بالرقية الشرعية؛ فما المقصود بالرقية الشرعية؟ وماذا قال العلماء في حكمها؟ وما السنة والآثار الواردة في ذلك؟ وكيف يتم العلاج بالرقية الشرعية؟ كل ذلك ستجده مبسوطا أمامك في هذا البحث إن شاء الله.
هذا وقد دفع بالباحث إلى الكتابة في هذا الموضوع أمران اثنان:
__________
(1) - أخرجه الترمذي (2038) وقال: هذا حديث حسن صحيح .
(2) - أخرجه البخاري (5678) ، وابن ماجه (3439). (1/2)
صفحة 3
الأمر الأول: هو إغفال الناس لهذا العلاج النبوي الروحاني، وبقاء تلك النصوص والأحاديث مجهولة عند السواد الأعظم من الناس، فأحببت إخراج ذلك للجمهور وإطلاعهم على سيرة الرسول – - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام في العلاج بالرقية الشرعية.
الأمر الثاني: انتشار المشعوذيين والدجالين في كثير من البلدان الإسلامية وادعائهم العلاج بالقرآن والروحانيات، وإغرائهم لكثير من المرضى بذلك؛ كل ذلك جعلني أفضح مكرهم وخداعهم، وذلك عندما قمت ببيان هدي الرسول – - صلى الله عليه وسلم - وهدي أصحابه الكرام من بعده في هذا الأمر. والذي يقرأ ويتتبع صفحات هذا البحث يستطيع عندها التفريق والمقارنة بين من يتبع الهدي النبوي والعلاج الشرعي حقا وبين من يخلط الحق بالباطل ويستخدم الطلاسم والبخور، ويستعين بالجن والشياطين.
وتبرز أهمية هذا البحث بمدى معالجته لواقع الناس، وخاصة العامة منهم الذي كثيراً ما يقعون فريسة للمشعوذين والمخادعين، الذين ما فتئوا يأكلون أموال الناس بالباطل، يمنونهم في البداية بالعلاج التام والشفاء العاجل، ويأخذون في النهاية الأموال الطائلة مقابل مكرهم وخداعهم.
وتبرز أهمية هذا البحث أيضا بمدى اعتناء الناس بالسنة وعودتهم إلى الهدي النبوي، وحفاظهم على الأدعية والأذكار عند حدوث المصائب والأقدار.
وقد قسمت البحث إلى فصلين اثنين، كل واحد منهما يشتمل على ثلاثة مباحث ووضعته على الخطة التالية:
الفصل الأول: الرقي وأحكامها وفيه ثلاثة مباحث:-
... * المبحث الأول: التعريف بالرقية
... ... المطلب الأول: معنى الرقى لغة واصطلاحا
... ... المطلب الثاني: الرقية قيل الإسلام وبعده
* المبحث الثاني: حكم الرقية
... ... المطلب الأول: مجمل الآثار الواردة في الرقية
... ... لمطلب الثاني: اختلاف الفقهاء في حكم الرقية
... * المبحث الثالث: أمور تتعلق بالرقية
... ... المطلب الأول: النشرة ( معناها – حكمها – علاقتها بالرقية) (1/3)
صفحة 4
... ... المطلب الثاني: التمائم( معناها – حكمها – علاقتها بالرقية)
... ... المطلب الثالث: التِّولة ( معناها – حكمها – علاقتها بالرقية)
... ... المطلب الرابع: الطلاسم والأوفاق ( معناها – حكمها – علاقتها بالرقية)
الفصل الثاني: العلاج بالرقية الشرعية؛ وفيه ثلاثة مباحث:
... *المبحث الأول: العلاج بالرقية من الأمراض النفسية
... ... المطلب الأول: العين وعلاجها بالرقية
... ... المطلب الثاني: الصرع وعلاجه بالرقية
... ... المطلب الثالث:السحر وعلاجه بالرقية
... ... المطلب الرابع: الهموم والمصائب والأحزان وعلاجها بالرقية
... ... المطلب الخامس: الأرق وعلاجه بالرقية
... *المبحث الثاني: العلاج بالرقية من الأمراض البدنية
... ... المطلب الأول: علاج الحُمة ( ذوات السموم)
... ... المطلب الثاني: علاج النملة
... ... المطلب الثالث: علاج القروح والجروح
... ... المطلب الرابع: علاج الوجع بالرقية
... ... خاتمة: في رقية النبي – صلى الله عليه وسلم.
... * المبحث الثالث: مسائل متفرقة
... ... المطلب الأول: مشروعية النفث عند الرقية
... ... المطلب الثاني: أخذ الأجرة على الرقية
... ... المطلب الثالث: شروط الرقية الشرعية
... ... المطلب الرابع: شروط الراقي والمرقي
وفي نهاية البحث كتبت خاتمة ذكرتُ فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث ، ثم أوردت ملحقا لرقى شرعية كتبها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي .
وأخيرا أشكر الله المولى القدير على منه وفضله، وعلى توفيقه وتيسيره فله الشكر وله الحمد وله الثناء الجميل
محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي
معهد العلوم الشرعية – سلطنة عمان
- حرر ليلة:19 / ربيع الأول 1425هـ
- الموافق له: 9 / 5 / 2004م.
- كلمة لا بد منها – (1/4)
صفحة 5
قد يكون موضوع الرقية الشرعية والعلاج بها محل جدل واعتراض عند بعض الناس؛ بحيث يجعلون العلاج بالرقية الشرعية نوعا من التخلف والرجعية، فلا داعي إلى هذه الأمور الخرافية ونحن نعيش في ظل الحضارة والتطور، فالعلاج والدواء متوفر وميسور بحمد الله، والبلاد تمتلئ بالمستشفيات والعيادات والمراكز الصحية، فلماذا نترك جميع ذلك ونعود إلى الوراء قرونا عديدة؟!، أليس من الأفضل لنا سد هذا الباب إطلاقا والسعي نحو تثقيف الناس بواقعهم وحضارتهم؟. معنى ذلك أنه لا داعي إلى إبداء وإظهار مثل هذه الأمور!
وللإجابة على جميع هذه الإشكاليات لا بد للقارئ الكريم من أن يتفطن جيداً لهه الأمور:
1- نعم فالرقية الشرعية ليست أدوية وعقاقير، وليست هي أيضا في نفس الوقت أمراً خيالياً خارقاً، وإنما هي عبارة عن آيات كريمة من كتاب الله أو أدعية شريفة مأثورة، يستعين بها الإنسان المسلم في دفع ما قد لحقه من مرض أو ضرّ فالرقية من الإنسان إذن هي الدعاء والضراعة إلى الله عزوجل لإزالة أو تخفيف ما ألم به من مرض مع الاستعانة في ذلك بشيء من كلام الله عزوجل وأسمائه وصفاته.
2- إن العلاج بالرقية الشرعية لا يعني التواكل وعدم الأخذ بالأسباب؛ بل لا بد للمريض أن يراجع الأطباء ويذهب إلى المستشفيات ولا يفرط في ذلك، ويبقى دور الرقية هنا كما ذكرنا سابقاً هو الدعاء والتوكل على الله سبحانه في دفع ذلك المرض، وديننا الحنيف قد أمرنا بالتداوي وفي الحديث الذي رواه أو هريرة قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" (1) .
__________
(1) - سبق تخريجه (1/5)
صفحة 6
3- ينبغي الفصل وعدم الخلط بين العلاج الشرعي المأثور عن النبي – صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وبين ما يتعامل به كثير من الناس في يومنا هذا من أمور الشعوذة والخرافات؛ فهؤلاء يدعون العلاج الشرعي وهم في الحقيقة كاذبون، وأفعالهم تلك لا تمتُّ إلى الإسلام بصلة، فلا ينبغي الخلط بين هذا وذاك.
الفصل الأول: الرقى وأحكامها
وفيه ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: التعريف بالرقية.
المطلب الأول: معنى الرقية لغة واصطلاحا.
المطلب الثاني: الرقية قبل الإسلام وبعده.
-خلاصة القول.
المبحث الثاني: حكم الرقية.
المطلب الأول: مجمل الآثار الواردة في الرقية.
المطلب الثاني: اختلاف الفقهاء في حكم الرقية.
- خلاصة القول.
المبحث الثالث: أمور تتعلق بالرقية.
المطلب الأول: النُّشرة (معناها- حكمها- علاقتها بالرقية).
المطلب الثاني: التمائم (معناها- حكمها- علاقتها بالرقية).
المطلب الثالث: التِّولة (معناها- حكمها- علاقتها بالرقية).
المطلب الرابع: الطلاسم والأوفاق (معناها- حكمها- علاقتها بالرقية).
الفصل الأول: الرقى وأحكامها
المبحث الأول: ( التعريف بالرقية )
معنى الرقية لغة واصطلاحا
- أولا: الرقية في اللغة:
الرقية: اسم مرة مأخوذ من الفعل الثلاثي: رقى الشيء يرقيه رقيا من باب: رمى يرمي رميا.
جاء في المصباح المنير: (( رقيته أرقيه رقيا من باب رمى: عوذته بالله والاسم الرقيا على فعلى، والمرة رقية، والجمع رقى مثل: مدية ومدى )) (1) .
وفي اللسان قال (2) : (( والرقية: العوذة، معروفة، قال رؤبة:
( فما تركا من عوذة يعرفانها * ولا رقية إلا بها رقياني )
__________
(1) - المصباح المنير، العلامة أحمد بن محمد الفيومي، مادة ((رقي )) ص 90 ، مكتبة لبنان (1997) ـ بيروت.
(2) -لسان العرب، للعلامة ابن منظور، مادة ((رقا)) 6/209. (1/6)
صفحة 7
والجمع رقى. وتقول: اسرقيته فرقاني رقيه، فهو راق، وقد رقاه رقيا ورقيا. ورجل رقاء: صاحب رقى، يقال: رقى الراقي رقية ورقيا إذا عوذ ونفث في عوذته )).
قال الراغب الأصفهاني (1) : (( ورقيت من الرقية. وقيل: كيف رقيك ورقيتك، فالأول المصدر، والثاني الاسم، قال تعالى: { ولن نؤمن لرقيك } (2) أي لرقيتك، وقوله تعالى: { وقيل من راق } (3) ، أي من يرقيه، تنبيها أنه لا راقي يرقيه فيحميه، وذلك إشارة إلى نحو ما قال الشاعر: ( وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع )
وقال ابن عباس: معناه من يرقى بروحه: (( أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ))اهـ
ثانيا: الرقية في الاصطلاح:
قال ابن الأثير (4) : (( الرقية: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات )).
ويلاحظ من هذا التعريف أنه عام في كل رقية، فيدخل فيه الرقى الشرعية وغير الشرعية.
وعرفها بعض الفقهاء: بأنها ما يرقى به من الدعاء لطلب الشفاء (5) .
والرقية الشرعية كما عرفها بعضهم: (( هي الالتجاء إلى الله والاعتصام به واللوذ بجانبه ليقينا من كل خوف ومن كل بلاء ومن كل داء )) (6) .
__________
(1) - المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة ((رقي )) تحقيق : محمد خليل عيتاني ، ط الثالثة 1422هـ ـ 2001م، دار المعرفة بيروت .
(2) – سورة الإسراء الآية : 93 (
(3) – سورة القيامة الآية : 27 )
(4) -النهاية في غريب الحديث والآثر 2/254 للإمام أبي السعادات الجزري المعروف بابي الأثير تحقيق: ظاهر الزاوي، ومجمود الطناجي، المكتبة العلمية بيروت.
(5) -حاشية الدوى على شرح الرسالة 2 / 640، تأليف العلامة علي بن أحمد العدوي ت: 1189هـ، ( تحقيق محمد عبد الله شاهين، الطبعة الأولى ( 1417ه- 1997م )، دار الكتب العلمية بيروت
(6) -من موقع ( الرقية الشرعية ) على الشبكة العالمية – الانترنت – تحت عنوان ( تقديم وتعريف عن الرقية ) صـ2. (1/7)
صفحة 8
ومما يلاحظ على هذا التعريف الأخير أنه أفضل من التعاريف السابقة، ويمكن أن نعتبره جامعا مانعا، فهو يشمل كل تقرب إلى الله في طلب الشفاء سواء كان قرآنا أو دعاء أو توسلا بأسماء الله وصفاته، كما أنه في نفس الوقت يمنع من دخول الشعوذة والكهانة وغيرها مما لا صلة له بالله.
وأيضا فهذا التعريف يشمل التحصن من الأمراض قبل وقوعها وكذلك علاجها إذا وقعت سواء كان العلاج من الأمراض النفسية أو البدنية.
الرقية قبل الإسلام وبعده
- أولا: الرقية قبل الإسلام
من الجدير بالذكر أن الرقية لم تكن وليدة عهد في الإسلام، بل هي من الأمور التي كانت موجودة قبل الإسلام، فقد انتشرت عند العرب في الجاهلية، ومما يدلل على ذلك وجود بعض الأحاديث منها:
1- ما ذكره عوف بن مالك الأشجعي – - رضي الله عنه - – قال: (( كنا نرقى في الجاهلية: فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك ؟ قال: اعرضوا علي رقاكم، ثم قال: لا بأس بما ليس فيه شرك )) (1) .
2- ما روى عن جابر بن عبد الله – - رضي الله عنه - – قال: (( كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرقى، قال: فأتاه، فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وإني أرقي من العقرب ؟ فقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل )) (2) .
3- وعنه أيضا في رواية قال: (( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأسا من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل )) (3) .
فهذه الأحاديث تدل دلاله صريحة على أن الرقى كانت معمولا بها عند العرب في الجاهلية.
__________
(1) - أخرجه مسلم (2200)، وأبو داود (3882).
(2) - أخرجه مسلم (2199).
(3) - أخرجه مسلم ( 2199). (1/8)
صفحة 9
وكانت الرقية موجودة أيضا عند أهل الكتاب، فقد عمل بها اليهود في المدينة، حتى أن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها- كانت ترقيها يهودية، فقد روى عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها- قالت: (( دخل علي أبو بكر ويهودية ترقيني، فقال: ارقيها بكتاب الله )) (1) .
وفي رواية عن عمرة بنت عبد الرحمن: (( أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: ارقيها بكتاب الله )) (2) .
كما عمل بالرقية قبل هؤلاء كلهم خليل الرحمن عليه السلام، فقد ثبت أن نبي الله إبراهيم عليه السلام كان يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق وهذا ظاهر مما رواه ابن عباس – - رضي الله عنه - – عن النبي – - صلى الله عليه وسلم - – أنه أراد أن يرقي الحسن والحسين من العين فقال: (( هاتوا ابني حتى أعوذهما بما عوذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل واسحق أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة )) (3) .
- ثانيا: (الرقية في الإسلام)
جاء الاسلام والناس يعملون بالرقية، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بداية الأمر عن الرقى مطلقا حيث قال: (( من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل )) (4) ، وقال أيضا فيما رواه عنه ابن مسعود: (( إن الرقى والتمائم والتولة شرك )) (5) فهذه الأحاديث في ظاهرها تدل دلالة صريحة على تحريم الرقي بجميع أنواعها، وقد رد أحد الباحثين هذا النهي من الرسول صلى لله عليه وسلم في بداية الأمر إلى عدة أسباب هي (6) .
__________
(1) -أخرجه مالك في الموطأ (1711) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن.
(2) - سبق تخريجه .
(3) -أحرجه بن ماجه (3525)، والترمذي (2060) بألفاظ يختلف بعضها عن بعض، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(4) -أخرجه الترمذي (2055)، وقال: حسن صحيح.
(5) -أحرجه أبو داود (3879).
(6) - الطب النبوي والعلم الحديث 3\151تأليف الدكتور محمد ناظم النسيمي، الشركة المتحدة للتوزيع. (1/9)
صفحة 10
1ـ لأن معظمها يحتوي على عبارات شرك، كالاستعانة بالأصنام، أو يحتوي على كلمات ليست عربية ولا يعرف معناها، فيخشى أن تكون منقولة من لغات أخرى ومعناها كفر أو شرك، ولو فرض أنها ذات معنى، فالرقى بها رقى أوهام.
2ـ لاعتقاد كثير من العرب أن تأثيرها حاصل بطبعها، دون إذن من الله تعالى، كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء سببية كثيرة.
3ـ لمبالغة العرب في استعمال الرقي كمبالغتهم في استعمال الكي.
ومع هذا النهي عن الرقي فقد وجدنا أحاديث تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص بعد ذلك في بعض الرقي بعدما عرضت عليه، فقد روي عنه أنه قال:" لا بأس بما ليس فيه شرك " (1) ، وروي عن مالك بن أنس – - رضي الله عنه - – أنه قال
"رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرقية من العين، والحُمَّة والنَّملة " (2)
هذا فضلا عن أنه - صلى الله عليه وسلم - قد استعمل أنواعا من الرقي في أمور مختلفة كما أن أصحابه جاؤوا ببعض الرقى فأقرهم على فعلها، ونحن فيما يلي نذكر بعضا من الرقي المسنونة التي عمل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو صحابته الكرام.
ـ أولا: استخدام الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرقية:
ثبت كما ذكرنا سابقا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمل بالرقية، وأنه عالج بها بعض الأمراض: كالحمى والعين والجروح وغيرها، ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما يلي:
1- ما روي عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم رقي الحمى، ومن الأوجاع كلها: بسم الله الكبير، أعوذ بالله العظيم، من كل عرق نعار، ومن شر حر النار " (3)
__________
(1) -سبق تخريجه
(2) -أحرجه مسلم (2196)، والترمذي (2056)، وابن ماجه (3516).
(3) -أخرجه ابن ماجه (35626)، والترمذي (2075) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن إسماعيل ابن أبي حبيبه، وإبراهيم يضعف في الحديث. (1/10)
صفحة 11
2- ما روته عائشة - رضي الله عنها- قالت:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح، قال بإصبعه هكذا ـ ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها - وقال: بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا " (1)
3- وعن علي بن أبي طالب ـ - رضي الله عنه - ـ: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أتى مريضا، أو أُتي به إليه قال: (أذهب الباس ربَّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادرُ سقما " (2)
4- وأيضا ما روته عائشة – رضي الله عنها – قالت " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، ومسح عليه بيمينه رجاء بركتها " (3) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المنتشرة في كتب الحديث والتي سوف نذكر جملة منها في هذا الفصل إن شاء الله.
ثانيا: استخدام الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ للرقية:
عمل الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ بالرقية الشرعية إبان حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر ذلك بل أقرهم عليه، ومن بين الأحاديث التي تدل على ذلك:
__________
(1) -أحرجه البخاري (5745)، ومسلم (2194).
(2) -أخرجه أحمد (565)، والترمذي (3565) وقال: هذا حديث حسن.
(3) -أخرجه مالك في الموطأ(1710) وأبو داود (3902) (1/11)
صفحة 12
1- ما روي عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله ـ قال: " كنا في مسير لنا، فنزلنا منزلا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيِّد الحيِّ سَليم وإن نفَرنا غَيَب، فهل منكم راقٍ، فقام معها رجل ما كنَّا نأِبُنُه برُقية، فَرًقاه فَبَرأ فأمر له بثلاثين شاة، وسَقَانا لبنا، فلما رجع قلنا له: أكنت تُحسن رُقيةً ؟ أو كنت ترقي قال لا، ما رقيتُ إلّا بأمِّ الكتاب، قلنا: لا تُحدِثوا شيئا حتى نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: وما كان يدريه أنها رقية، اقسموا، واضربوا لي بسهم " (1)
2- وعن خارجة بن الصلت عن عمه علامة بن صحار قال:"أقبلنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتينا على حي من العرب، فقالوا إنا قد أنبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم من دواء أو رقية، فإن عندنا معتوها في القيود ؟ قال: فقلنا نعم، قال: فجاءوا بمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمتها أجمع بزاقي، ثم أتفل، قال: فكأنما أنشط من عقال، فأعطوني جعلا، فقلت، لا ،حتى أسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كل، فلعمري من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق" (2)
3- وروي عن عبد العزيز بن حبيب قال:"دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: بلى، قال: اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي ، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقما " (3)
الخلاصة:
__________
(1) -أخرجه أحمد (10998)والبخاري (5736) ومسلم (2201)
(2) -أخرجه أبو داود (3417)
(3) -أحرجه الترمذي (973)، وأبو داود (3886) (1/12)
صفحة 13
أن الرقية كانت موجودة في الجاهلية قبل الإسلام، وقد عمل بها العرب وغيرهم من أهل الكتاب، كما عمل بها كذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام، ولما جاء الإسلام حرم الرقي التي تتعارض مع ديننا الحنيف، وأقر بعضا من الرقي مما لا يتعارض مع أصول الشرع وقواعده، كما أننا وجدنا رقى مسنونة عمل بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل بها أيضا صحابته الكرام ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ كما يتضح ذلك من خلال الأحاديث التي سبق ذكرها.
المبحث الثاني: حكم الرقية والآثار الواردة في ذلك.
الأحاديث الواردة في موضوع الرقية
إذا بحثنا عن موضوع الرقية في السنة النبوية؛ فإننا نجد أن هناك الكثير من الأحاديث التي تتكلم عن الرقية، ونحن إذا حاولنا تصنيف هذه الأحاديث باختلاف أبوابها ومواضعها ؛ وجدنا أنها تنقسم ـ من حيث الجواز وعدم الجواز ـإلى ثلاثة أقسام. (1)
- القسم الأول: الأحاديث التي تدل على النهي عن الرقى وتحذر الناس من العمل بها.
- القسم الثاني: الأحاديث التي تدل على الجواز، وهذه منها ما أجازها النبي - صلى الله عليه وسلم - ورخص فيها، ومنها ما أقر بعض أصحابه عليها بعدما عرضت عليه.
- القسم الثالث: الأحاديث التي تدل على مشروعية بعض الرقى، وهي الرقى التي عمل بها الرسول – - صلى الله عليه وسلم - وعمل بها صحابته الكرام.
وفيما يلي سرد لهذه الأقسام الثلاثة:
القسم الأول: أحاديث النهي عن الرقى
__________
(1) -هكذا قسمها ابن الأثير في جامع الأصول، انظر: جامع الأصول في أحاديث الرسول، لأبن الأثير اللجزري (7/649) تحقيق: أيمن صالح شعبان، الطبعة الأولى (1418هـ-1998)، دار الكتب العلمية ـ بيروت (1/13)
صفحة 14
1- عن عمران بن حصين ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال النبي ـ صلى اله عليه وسلم ـ: قال:" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، قالوا : ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال أنت منهم، فقام رجل فقال: يا نبي الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكاشة" (1)
2- وعن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فقال: عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى، ثم قيل: انظر، فرأيتُ سواداً كثيرا سدّ الأفق، فرجوتُ أن تكون أمتي، فقيل: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سودا كثيرا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس، ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنّا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، فقال: أمنهم أنا يا رسول الله ؟ قال: نعم، فقام آخر، أمنهم أنا ؟ فقال: سبقك بها عكاشة " (2)
__________
(1) -أحرجه أحمد (20155)، ومسلم (218).
(2) -أخرجه البخاري (5752) (1/14)
صفحة 15
3- وعن عبد الله بن مسعود ـ - رضي الله عنه - ـ قالت زينب امرأته قال: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :" إن الرقى والتمائم والتولة شرك ، قالت : قلتُ لم تقول هذا ؟ والله لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي فيرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها ، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أذهب البأس، رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " (1)
4- وعن المغيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" من اكتوى أو استرقي فقد برئ من التوكل " (2)
5- وعن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" ثلاث من السحر: الرقي والتولة والتمائم" (3)
6- وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن النشرة، فقال: هو من عمل الشيطان" (4) والنشرة نوع من الرقية يعالج بها من السحر في الجاهلية.
7- وعن عيسى بن حمزة: قال: " دخلت على عبد الله بن عكيم أبي معبد الجهني أعوده، وبه حمرة، فقلت: ألا تعلق تميمة ؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من تعلق شيئاً وكل إليه" (5) ، والتميمة: نوع من رقي الجاهلية كانوا يعلقونها على المريض، وسيأتي ذكرها إن شاء الله.
والقسم الثاني: الأحاديث الدالة على الجواز:
(
__________
(1) -أخرجه أحمد (3615)، وأبو داود (3879)، وابن ماجة (3530)
(2) -أخرجه ابن ماجه (3489)، وأحمد (18364)
(3) -أحرجه الطبراني في الكبير (8/303)
(4) -أخرجه أحمد (14181)، وأبو داود (14181)، والنشرة نوع من الرقي يعالج به السحر والمس، وسيأتي ذكره.
(5) -أحرجه الترمذي (2072). (1/15)
صفحة 16
1) روي عن عوف بن مالك الأشجعي ـ - رضي الله عنه - ـ قال: " كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك ؟ قال: اعرضوا علي رقاكم، ثم قال: لا بأس بما ليس فيه شرك " (1)
(2) وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال:"أرخض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رقية الحية لبني عمرو بن حزم، قال أبو الزبير: فسمعت جابر بن عبد الله يقول: لدغت رجلا من عقرب، ونحن جلوس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رجل: يا رسول الله، أرقي ؟ قال من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " (2)
(3) وفي رواية عنه قال:"رخض النبي - صلى الله عليه وسلم - لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس: ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة، تصيبهم الحاجة ؟ قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال ارقيهم، قالت:فرضتُ عليه، فقال: ارقيهم" (3)
(4) وعن حميد بن قيس المكي ـ - رضي الله عنه - ـ قال: "دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببني جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما مالي أراهما ضارعين ؟ فقالت حاضنتهما: يا رسول الله، إنهما تسرع إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما، إلا أنا لا ندري ما يوافقك في ذلك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استرقوا لهما أن فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين " (4)
(5) وعن أبي خزامة عن أبيه قال:" قلت: يا رسول الله أرأيت رقاةً نسترقي، ودواء نتداوي به، وتقاة نتقيها: هل ترد من قدر الله شيئيا؟ قال : هو من قدر الله ؟ (5)
(6) وعن أنس ابن مالك ـ - رضي الله عنه - ـ قال: " رخض رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - في الرقية من العين، والحمة، والنملة " (6)
(
__________
(1) - سبق تخريجه .
(2) - أحرجه مسلم (2199).
(3) - أخرجه مسلم (2198).
(4) -أخرجه مالك (03/11) عن عكرمة بن خالد مرسلاً
(5) -أخرجه ابن ماجة (3437)، والترمذي (2065) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(6) -سبق تخريجه (1/16)
صفحة 17
7) وعن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنه - : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة " (1)
(8) وعنها أيضا ـ رضي الله عنها ـ:"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر أن نسترقي من العين" (2)
(9) وعن سهل بن حنيف ـ - رضي الله عنه - ـ قال:" مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه، فخرجت محموما، فنمى ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : مروا أبا ثابت فليتعوذ، قالت الرباب ـ راوية الحديث ـ قلت: يا سيدي، والرقي صالحة ؟ فقال: لارقية إلا في نفس أو حمة أو لدغة" (3)
(10) وعن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ:" أن رسول االله - صلى الله عليه وسلم - قال لجارية في بيتها رأى في وجهها سعفة ـ يعني: صفرة ـ فقال: بها نظرة، استرقوا لها" (4)
(11) وعن الشفاء بنت عبد الله ـ - رضي الله عنه - ـ قالت: دخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عند حفصة، فقال:ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة ؟" (5)
(12) وعن عائشة - رضي الله عنها- قالت: دخل علي أبو بكر ويهودية ترقيني، فقال: ارقيها بكتاب الله " (6)
(13) وعن أنس ابن مالك ـ - رضي الله عنه - ـ قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لا رقية إلا من عين، أو حمة، أو دم يرقأ" (7)
(14) وعن عمران بن حصين ـ - رضي الله عنه - ـ قال لا رقية إلاّ من عين أوحمة" (8)
__________
(1) -أحرجه البخاري (5741)، ومسلم (2193)
(2) -أخرجه البخاري (5738)، ومسلم (2195)، وابن ماجه (3512)
(3) -أخرجه أحمد (16074)، وابن ماجة(3512)
(4) -أخرجه البخاري (7539)، ومسلم(2197)
(5) -أخرجه أبو داود (3883).
(6) -أخرجه مالك في الموطأ (1711) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن.
(7) -أخرجه أبو داود (3885)
(8) -أخرجه أبو داود(3880، والترمذي(2057). (1/17)
صفحة 18
ونحن إذا دققنا النظر في هذه الأحاديث نجد أنها على وجهين: منها ما يدل على مطلق الجواز، ومنها ما يقصر الجواز على بعض الأمراض كالعين والحمة والنملة، وسيأتي بيان المقصود من هذا الحصر قريبا إن شاء الله.
القسم الثالث الأحاديث الدالة على مشروعية الرقي:
توجد لدينا مجموعة من الأحاديث تبين بعضا من الرقي المسنونة، وهي التي عمل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عمل بها صحابته الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ ونذكر من هذه الأحاديث ما يلي:
(1) ما روي عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم رقي الحمى، ومن الأوجاع كلها: بسم الله الكبير، أعوذ بالله العظيم، من كل عرق، ومن شر حر النار " (1)
(2) وما روته أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال بإصبعه هكذا ـ ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها ـ وقال: بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا " (2)
(3) وعن علي بن أبي طالب ـ - رضي الله عنه - ـ: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أتى مريضا، أو أتي به إليه قال: أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقما " (3)
(4) وعن عبد العزيز بن صهيب قال: " دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة، اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: بلى، قال: اللهم رب الناس، مذهب البأس، اشف، أنت الشافي، لا شافي إلا أنت ، شفاءً لا يغادر سقماً" (4)
(
__________
(1) - سبق تخريجه.
(2) -سبق تخريجه .
(3) -سبق تخريجه.
(4) - أخرجه البخاري (5742)، وأبو داود (3886)، والترمذي (973). (1/18)
صفحة 19
5) وعن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ:" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمنه رجاء بركتها " (1)
6- وعن ثابت بن قيس بن شمّاس:" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل عليه وهو مريض، فقال: اكشف البأس رب الناس، عن ثابت بن قيس بن شماس، قال: ثم أخذ ترابا من بطحان في قدح، ثم نفث عليه بماء، ثم صبه عليه " (2)
7- وعن أبي سعيد الخدري ـ - رضي الله عنه - ـ "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : كان يتعوذ ويقول: " أعوذ بالله من الجان، ومن عين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان، أخذ بهما، وترك ما سواهما " (3)
8- وعنه أيضا - رضي الله عنه - :" أن جبريل ـ عليه السلام ـ أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا محمد، أشتكيتَ ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم، فقال جبريل: باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين، باسم الله أرقيك، والله يشفيك " (4)
9- وعن عائشة – رضي الله عنها - قالت: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى رقاه جبريل، يقول: " باسم الله يبريك ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين" (5)
__________
(1) - سبق تخريجه .
(2) - أخرجه أبو داود (3881)
(3) -أخرجه ابن ماجه (3511)، والترمذي (2058) وقال: هذا حديث حسن غريب.
(4) -أخرجه ابن ماجه (3523)، والترمذي (972).
(5) -أحرجه مسلم (2185). (1/19)
صفحة 20
10- وعن أبي الدرداء ـ - رضي الله عنه - ـ: أتاه رجل يذكر أن أباه أصابه الأسر وهو احتباس البول، فعلمه رقية سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " من اشتكى شيئا فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك ، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، فأنزل شفاءً من شفائك ورحمة من رحمتك على هذا الوجع، فيبرأ وأمره أن يرقيه به فبرأ" (1) .
11- وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي ـ - رضي الله عنه - ـ: أنه شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعا في جسده منذ أسلم، فقال له: ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاث مرات، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " (2) .
12- وعن أبي سعيد الخدري ـ - رضي الله عنه - ـ قال:" كنا في مسير لنا، فنزلنا منزلاً ،فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غيب، فهل منكم راق، فقام معها رجل ماكنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية ؟ أو: كنت ترقي؟ قال: لا ، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي أو نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: وما كان يدريه أنها رقية، اقسموا واضربوا لي بسهم " (3)
__________
(1) -أخرجه أبو داود (3888)، قال محقق جامع الأصول: إسناده ضعيف جدا
(2) -أخرجه مسلم (2202) وابن ماجه (3522)، والترمذي (2080) قال: هذا حديث حسن غريب.
(3) -سبق تخريجه. (1/20)
صفحة 21
13- وعن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه علاقة بن صحار قال:" أقبلنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأتينا على حي من العرب، فقالوا: إنا قد أنبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم من دواء، أو رقيه، فإن عندنا معتوها في القيود ؟ قال: فقلنا: نعم، قال: فجاؤوا بمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمتها أجمع بزاقي، ثم أتفل، قال فكأنما أنشط من عقال، فأعطوني جعلا، فقلت: لا ؛ حتى أسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كل، فلعمري من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق " (1)
14- وعن عبد الله بن عباس ـ - رضي الله عنه - ما ـ من عاد مريضا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافه الله عز وجل من ذلك المرض " (2) .
الخلاف في الرقية
... نظرا لما يظهر من التعارض في الأحاديث التي سقناها سابقا ؛ فقد اختلف العلماء في حكم الرقية، فهناك أحاديث تنهى عن الرقية وتحذر من العمل بها، وهناك أحاديث تجيز الرقية مطلقا، وتبيح العمل بها، وهناك أحاديث تقصر الجواز على بعض الأمور دون غيرها.
وعلى هذا الاعتبار نستطيع أن نقول أن العلماء اختلفوا في حكم الرقية إلى ثلاثة أقوال (3) :
__________
(1) - سبق تخريجه .
(2) -أخرجه أحمد (2138).
(3) - يمكن أن نضيف مع هذه الأقوال قولا رابعا هو: مطلق الجواز، وأصحاب هذا القول تمسكوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث جابر بن عبد الله: " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل". (1/21)
صفحة 22
- القول الأول: مطلق النهي، استناداً على الأحاديث التي ذكرناها في القسم الأول من الآثار الواردة في الرقية، والتي تدل على النهي المطلق كما ذكرنا سابقا؛ قال الشعبي وقتادة وسعيد بن جبير وجماعة آخرون: يكره الرقى، والواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما بالله تعالى وتوكلا عليه (1) ، وعليه فلا يصح العمل بالرقية مطلقا، خاصة أن بعضا من تلك الأحاديث ما هو نص صريح في عدم الجواز، كالحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود
- رضي الله عنه - قال: " سمعت رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الرقي والتمائم والتولة شرك..." (2) ، فهذا الحديث نص صريح في عدم الجواز لكون أن الرقي داخلة في الشرك، وكذلك الحديث الذي رواه المغيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " (3)
- القول الثاني: أن الرقية جائزة في الأمور التي رخص فيها رسول الله – - صلى الله عليه وسلم - دون غيرها، وهؤلاء استدلوا ببعض الأحاديث التي سبق أن ذكرناها في القسم الثاني من الآثار الواردة في الرقية؛ والتي يراد منها قصر الجواز على بعض الأمراض: كالإصابة بالعين والعلاج من النملة والحمة. ومن الأحاديث الصريحة في ذلك:
1- ما روي عن سهل بن حنيف عن النبي – - صلى الله عليه وسلم - قال: "...مروا أبا ثابت فليتعوذ، لا رقية إلا في نفس أو حمة أو لدغة".
2- ما رواه أنس بن مالك – - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله – - صلى الله عليه وسلم - :" لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم يرقأ"
- القول الثالث: أن الرقية جائزة إذا توفرت فيها ثلاثة شروط؛ وهي:
(1) أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
(2) أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
(3) أن يعتقد ـ الذي يعمل بالرقية ـ أنها لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.
__________
(1) - عمدة القارئ 8/633.
(2) - سبق تخريجه .
(3) - سبق تخريجه . (1/22)
صفحة 23
وهذا هو قول جمهور العلماء (1) ، وهو قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي والثوري والزهري والأئمة الأربعة وآخرون (2) وقد ذكر ابن حجر في الفتح الإجماع على جواز الرقية عند اجتماع هذه الشروط الثلاثة (3) ، هذا وقد احتج الجمهور على قولهم بالأحاديث الكثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الدالة على جواز الرقى، وهذه الرقى منها ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله بنفسه، ومنها ما أذن فيه لأصحابه، وقد سبق ذكرها في القسمين الثاني والثالث، ولا داعي إلى إعادتها مرة أخرى، كما أنهم حملوا ـ أي الجمهورـ أحاديث النهي على الرقى التي يدخل فيها الشرك بالله، وأن القصر الموجود في بعض الأحاديث على جواز بعض الرقي ليس على ظاهره ؛ وإنما أريد به زيادة التأكيد والاهتمام بالمذكور، وسيأتي تفصيل ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.
* جواب الجمهور على أدلة القولين (الأول والثاني ) (4) :
أولا: اختلف العلماء في النهي المصرح به في بعض الأحاديث على قولين:
__________
(1) -انظر: حاشية العدوي 2/640، وشرح الجامع الصحيح، للعلامة نور الدين السالمي 2/272ـ الطبعة الثالثة - مكتبة الاستقامة - سلطنة عمان، وأيضا: المنتقى شرح الموطأ للإمام الباجي 7/258، الطبعة الأولى (1332هـ) - دار الكتاب العربي - بيروت، وأيضا: كتاب الأم للشافعي 7/390، تعليق وتخريج: محمود مطرجي، الطبعة الأولى (1413هـ-1993م ) دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان .
(2) - عمدة القارئ شرح صحيح البخاري 8/633، للإمام العلامة بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني، مراجعة: صدقي جميل العطار، الطبعة الأولى (1418هـ-1998م)- دار الفكر – بيروت.
(3) -فتح الباري، لابن حجر، 10/240، تحقيق: عبد العزيز بن باز، الطبعة الثالثة (1421هـ -2000م)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(4) -القول الشافي في تفسير المعوذتين محمد الخضري، ص60بتصرف، الطبعة الأولى. (1/23)
صفحة 24
الأول: إنه منصب على الرقي التي لا تجوز بالإجماع، وهي الرقي المشتملة على ألفاظ تؤدي إلى الشرك، أو التي يعتقد أنها مؤثرة بنفسها.
الثاني: أن النهي كان أولا عن سائر الرقي ثم نسخ ذلك واستقر الرأي على الجواز.
ثانيا: وأما الأحاديث التي فيها أن من اكتوى أو استرقى فقد بريء من التوكل، فقد أجاب عنه العلماء بأن المقصود خواص القوم الذين بلغوا من قوة الإيمان درجة عالية، ومنزلة قصوى؛ بحيث لا يلجأون إلى من يرقيهم، وإنما يلجأون إلى الله تعالى وحده بالدعاء والضراعة، فهذا لا يعطي وجوب الامتناع عن طلب الرقية ولكن يفيد أن عدم طلبها أفضل ؛ سدا للذرائع وخشية الارتكان عليها، أو اعتقاد تأثيرها بذاتها.
وهذا لا ينافي من أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل الرقية وطلبها وأمر بها؛ لأن ذلك كان لبيان الجواز، ولأنه لا يمكن أن يخشى عليه - صلى الله عليه وسلم - من الاعتماد عليها ؛ لأنه سيد المتوكلين وأول العارفين بربه سبحانه وتعالى.
ثالثا: وأما الأحاديث التي تقصر الجواز على بعض الرقي، فقد أجاب عنها العلماء بأنه ليس المراد منها الحصر بدليل ورود الرقية في غير العين والحمة والنملة، وإنما المراد أن الرقية من هذه الأمور أولى وأحق لإسراع الضرر وتحققه فيها فهو مثل قولهم: لا فتىً إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار. (1/24)
صفحة 25
وأخيرا: نقف قليلا عند الحديث الذي رواه ابن عباس ـ - رضي الله عنه - ـ قال: " خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما، فقال: عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي وليس معه أحد، ورأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل هذا موسى، ثم قيل انظر فرأيت سوادا كثيرا سدّ الأفق ، فقيل انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادا كثيرا سدّ الأفق ، فقيل : هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألقا يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس، ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا أمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبنائنا، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن ، فقال أمنهم أنا يا رسول الله ؟ قال: نعم، فقام آخر، فقال: أمنهم أنا ؟ فقال: سبقك بها عكاشة " (1)
هذا الحديث في الحقيقة محل إشكال، ولكن أجاب عنه العلماء بعدة أجوبة منها: (2)
أحدها: قال الطبري والمازري وطائفة: أنه محمول على من جانب اعتقاد الطبائعيين في أن الأودية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون.
ثانيها: قال الداودي وطائفة: أن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا.
ثالثها: قال الحليمي: يحتمل أن يكون هؤلاء المذكورين في الحديث هم من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه فهم غافلون عن طب الأطباء ورقي الرقاة ولا يحسنون من ذلك شيئا والله أعلم.
__________
(1) -أخرجه البخاري (5752)
(2) -فتح الباري لابن حجر العسقلاني 10/260بتصرف. (1/25)
صفحة 26
رابعها: أن المراد بترك الرقي والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك، لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه، قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواص الأنبياء.
قال ابن حجر العسقلاني تعليقا على ذلك (1) : "ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا وأمرا، لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل؛ لأنه كان كامل التوكل فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئا، بخلاف غيره ؛ ولو كان كثير التوكل لكن من ترك الأسباب وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاماً".
الخلاصة: ـ
بعد أن انتهينا من ذكر النصوص والآثار المتعارضة في ظاهرها أن وبعد أن أوردنا خلاف العلماء في حكم الرقية، ورأينا ما حدث بينهم من أخذ ورد، بعد ذلك كله نريد أن نوفق بين تلك الآثار المتعارضة؛ حتى نصل ونخلص إلى رأي متفق عليه بين الجميع ؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى نتوصل إلى حكم واحد نعتمده ونعول عليه.
القسم الأول: ويشمل الأحاديث التي تفيد النهي عن الرقية وتحكم أنها من الشرك.
القسم الثاني: ويشمل تلك الأحاديث التي تفيد جواز الرقية والعمل بها.
__________
(1) - المصدر السابق 10/161. (1/26)
صفحة 27
وقد ذكر ابن الأثير وجه الجمع بين هذه الأحاديث، فقد قال بعد أن أورد بعضا من أحاديث النهي والجواز (1) : "والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع بينهما أن الرقي يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى، وصفاته، وكلامه في كتبه المنزلة، وأن يعتقد أن الرقيا نافعة لا محالة فيتكل عليها، وإياها أراد بقوله: "ما توكل من استرقى " (2) ولا يكره منها ما كان بخلاف ذلك؛ كالتعوذ بالقرآن وبأسماء الله تعالى، والرقى المروية، ولذلك قال للذي رقي بالقرآن وأخذ عليه أجرا:"من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق " (3) وكقوله في حديث جابر " أنه عليه الصلاة والسلام قال: اعرضوها علي، فعرضناها. فقال: لا بأس بها، إنما هي مواثيق" (4) كأنه خاف أن يقع منها شيء، مما كان يتلفظون به ويعتقدونه من الشرك في الجاهلية، وما كان بغير اللسان العربي، مما لا يعرف له ترجمة، ولا يمكن الوقوف عليه، فلا يجوز استعماله .
إذا نتفق أخيرا على أن النهي في الأحاديث السابقة إنما ينصبُّ على رقى الجاهلية وغيرها مما كان بغير بكلام الله تعالى وأسماءه وصفاته ؛ لأن ذلك مما يشتمل على الشرك، ويدخل صاحبه في أوهام الشعوذة والخزعبلات.
أما إذا كان الاستشفاء بكلام المولى عز وجل، والدعاء بأسمائه وصفاته فهذا مما لا بأس به عند الجميع، خاصة وأنه قد وردت بعض الرقي المسنونة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام (5)
وقد ذكرنا سابقا أن بعض العلماء قد نقل الإجماع على جواز الرقي عند توافر ثلاثة شروط وهي:
(1) أن تكون الرقى بشيء من كلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
(2) أن تكون الرقى باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
(
__________
(1) - النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير الجزري 2/254- 255، المكتبة العلمية، بيروت.
(2) - لم أقف على تخريجه .
(3) - سبق تخريجه .
(4) -لم أقف على تخريجه .
(5) - سبق ذكر بعض من الرقي المسنونة،ص 18. (1/27)
صفحة 28
3) أن يعتقد الذي يتعاطى الرقي أنها لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.
وبالتالي فإننا نخلص إلى هذه النتيجة في حكم الرقي فليعتمد على ذلك، والله أعلم بالصواب.
المبحث الثالث: أمور تتعلق بالرقية:
تمهيد:
... عند الخوض في المباحث التي تتحدث عن الرقية، وعند تتبع الأحاديث التي تتصل بموضوع الرقية، تصادفنا بعض الأمور التي تتعلق بموضوعنا من قريب أو بعيد.
... وبما أننا نبحث عن الرقية الشرعية من كافة جوانبها فإنه يجدر بنا أن ننبه على هذه الأمور التي لا بد من معرفة ماهيتها، ومعرفة حكمها، وجهة صلتها بالرقية، ونحن خلال هذا المبحث نحاول ذكر ما تيسر لنا من هذه الأمور، كالنشرة والتمائم والتِّولة وغيرها، وقد سبق أن مرّ علينا بعض هذه الأشياء عند عرضنا للأحاديث والآثار التي سبق ذكرها في المبحث الثاني.
النُّشْرة:
وسيكون الكلام هنا عن تعريف النشرة وصفتها، وحكمها، وأخيرا علاقتها بالرقية، وعلاقتها بالمَحْوِ.
تعريف النُّشرة:
النُّشرة في اللغة: عبارة عن رقية يُعالج بها المجنون والمريض تنشَّر عليه تنشيرا (1) .
وعرّفها ابن الأثير:((بأنها ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به من كان يُظنّ أن به مسا من الجن، [قال]: سمّيت نشرة، لأنه يُنشّر بها عنه ما خامره من الداء: أي يكشف ويزال)) (2) .
ويلاحظ مما سبق أن المعنى الاصطلاحي قريب من المعنى اللغوي، إلا أن المعنى اللغوي أعم؛ حيث أنه يشمل كل رقية، أما المعنى الاصطلاحي فهو يختص بالرقية لمن كان فيه مس من الجن؛ فالعلاقة بينهما إذن علاقة عموم وخصوص.
كيفية النشرة أو صفة النشرة:
__________
(1) – لسان العرب، لابن منظور، مادة: (نشر) 14/257.
(2) – النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير 5/ 45، مادة: (نشر). (1/28)
صفحة 29
قال القرطبي:((وهي أن يكتب شيء من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يمسح به المريض، أو يسقيه، [قال]: وكانت عائشة تقرأ بالمعوذتين في إناء ثم تغسل ثم يسقاه صاحب الفزع)) (1) .
... ومما جاء في صفة النشرة (2) ما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال:((بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله، تقرأ في إناء به ماء ثم يصب، على رأس المسحور، والآيات هي:
1- { فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ - وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } الآيتان:(81 -82) من سورة يونس.
2- { فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ - فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ - وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ - قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } الآيات:( 118– 122) من سورة الأعراف.
3- { إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } الآية: (69) من سورة طه)).
حكم النشرة:
__________
(1) – الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 10/318، مطبعة دار الكتب المصرية،ط:2.
(2) – راجع كتاب: الدين الخالص 2/341، تأليف السيد: محمد صديق حسن، من علماء الهند، مكتبة دار التراث، القاهرة. (1/29)
صفحة 30
... اختلف العلماء في حكم النشرة (1) ، فقد روى أبو داود من طريق جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله - سبحانه وتعالى - عن النشرة فقال:((هو من عمل الشيطان)) (2) . ولذلك منعها من منعها فقد روي عن الحسن وإبراهيم النخعي منعها؛ قال قتادة:وكان الحسن يكره ذلك، ويقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر، وقال النخعي: أخاف أن يصيبه بلاء، قال القرطبي: ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القرآن ثم تغسل ثم يسقاه صاحب الفزع. (3)
وممن ذهب إلى جواز النشرة سعيد بن المسيب، قال قتادة: ((قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طِبُّ أو يُؤَخّذ عن امرأته، أيُحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به؛ إنما يريدون الاصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه)) (4) .
وممن صرّح بجواز النشرة المزني، صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري، وغيرهما. وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: لا بأس بالنشرة العربية، التي إذا وطئت لا تضر.
قال ابن حجر (5) :((وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور، فقالك لا بأس به، [قال]: وهذا هو المعتمد، ويُجاب عن الحديث والأثر بأن قوله: (النشرة من عمل الشيطان) إشارة إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد فمن قصد بها خيرا كان خيرأن وإلا فهو شر، [قال]: ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره؛ لأنه قد ينحل بالرقى والأدعية والتعويذ، ولكن يحتمل أن تكون النشرة على نوعين)).
قلت: ربما يقصد ابن حجر أن النشرة نوعان: منها ما هو جائز ومباح، وهذا ما سئل عنه سعيد بن المسيب فأجازه، ومنها ماهو غير جائز كما كان عليه العمل في الجاهلية، وهذا هو ما نهى عنه الحسن البصري في قوله: لايعمل ذلك إلا ساحر.
__________
(1) – وفتح الباري، 10/286.
(2) – سبق تخريجه.
(3) ـ الجامع لأحكام القرآن، 10/318 (
(4) – ذكره البخاري، كتاب الطب، باب: هل يستخرج السحر؟، (بدون رقم).
(5) – فتح الباري، 10/286. (1/30)
صفحة 31
قال القطب (1) :(( وأما الإسترقاء بطعام أوذبيحة فإنه يسمى نشرة، ومعناها تفريق المرض عنه، وأصله الجواز لأنه صدقة وقرآن أو ذكر، وقد أجاز - صلى الله عليه وسلم - الإسترقاء بالفاتحة وأجاز الإسترقاء بكل ما لا إشراك فيه ولامعصية إذ قال: اعرضوا عليّ رقاكم، [قال]: وحرّم ما كان تقربا إلى الجن، أو ذبحا على أسمائهم وأسماء غيرهم)).
ونلاحظ من كلام القطب أنه اطلق النشرة على الاستشفاء بالصدقة، ولم أعثر على هذا المعنى بهذه الصفة عند أحد غيره، وهو قد أجاز ذلك كما ترى، وعلل ذلك بأنه صدقة وقرآن وذكر.
والخلاصة:
... أن أولئك العلماء الذين قالوا بجواز النشرة حملوا رواية جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - على النوع الذي كان يستخدمه أهل الجاهلية، دون ما كان بالقرآن والأدعية المأثورة؛ فإن هذا مما لا بأس به على ظاهر كلامهم.
جاء في عون المعبود (2) :"(هو من عمل الشيطان): أي من النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به ويعتقدون فيه، وأما ما كان من الآيات القرآنية والأسماء والصفات الربانية، والدعوات المأثورة النبوية فلا بأس به".
علاقة النشرة بالرقية:
__________
(1) – كشف الكرب، 1/76، تأليف العلامة: امحمد بن يوسف اطفيش، ط: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، (1405هـ/1985م).
(2) – عون المعبود، 10/349، تأليف العلامة: أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، ط:3، (1399هـ/1979م)، دار الفكر: بيروت، وانظر أيضا: بذل المجهود في حل أبي داود، 16/195، تأليف العلامة: الشيخ خليل أحمد السهانفوري ت: 1346هـ، تعليق العلامة: محمد زكريا الكاندهلوي، ط:1،(1408هـ/1988م)، دار الريان للتراث: القاهرة. (1/31)
صفحة 32
... مما سبق نستطيع بأن نقول بأن العلاقة بين النشرة والرقية علاقة عموم وخصوص، فالنشرة نوع من الرقية يختص بعلاج من به مس من الجن أو تأثير من السحر، أما الرقية فهي عامة في هذا وغيره، وأعني بالنشرة هنا ما كانت بكتاب الله - سبحانه وتعالى - أو بأسمائه وصفاته، لا النشرة المنهي عنها؛ فإن ذلك شعوذة ودجل لا يجوز التعامل به.
علاقة النشرة بالمَحْو:
... تدخل النشرة على هذه الصفة التي ذكرناها في إطار العلاج بالمَحو، والمحْو من طرق العلاج والرقية، وهو عبارة عن: (( كتابة شيء من كتاب الله - عز وجل - ، أو ما ورد من أدعية نبوية بالمداد المباح كالزعفران أو نحوه على ورقة أو صحن أو غيره، ومحوها بماء أو زيت وشربه، أو الاغتسال به أو الإدهان به على حسب الحال)) (1) . وقد سمي ذلك محوا لأنه يمحو الكتابة بالماء أو غيره.
التمائم:
معنى التمائم:
... التمائم جمع تميمة، ولها معنى واحد في اللغة والاصطلاح، جاء في لسان العرب وغيره:((التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم فأبطلها الإسلام)) (2) .
في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود من طريق ابن مسعود قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)) (3) .
وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:((من تعلق تميمة فلا أتم الله له...)) (4) .
__________
(1) – هذا التعريف من موقع: ((الرقية الشرعية)) على الشبكة العالمية، تحت عنوان: المحو.
(2) – انظر: لسان العرب، مادة:( تمم) 2/239، والنهاية في غريب الحديث، 1/197، ونيل الأوطار للإمام الشوكاني، مؤسسة التاريخ العربي: بيروت.
(3) – سبق تخريجه.
(4) – أخرجه أحمد (17539). (1/32)
صفحة 33
قال ابن الأثير تعليقا على ما سبق (1) :(( كأنهم يعتقدون [أي أهل الجاهلية] أنها تمام الدواء والشفاء، وإنما جعلها شركا لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه )).
... وإلى هذا التعليل أيضا ذهب ابن منظور، قال في اللسان (2) :(( وجعلها ابن مسعود من الشرك؛ لأنهم جعلوها [أي أهل الجاهلية] واقية من المقادير والموت، وأرادوا دفع ذلك بها، وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه، فكأنهم جعلوا له شريكا فيما قدر وكتب من آجال العباد والأعراض التي تصيبهم ولا دافع لما قضى، ولا شريك له تعالى، وتقدس فيما قدّر)).
... هذا هو الأصل في التمائم، وبه كان الاستخدام في الجاهلية، إلا أن التمائم تكون بكتابة شيء من الآيات القرآنية في قرطاس، ثم يطوى ذلك القرطاس، ويوضع في شيء من القماش، أو يشمع عليه بنية حفظه من ملاقاة النجاسة والأقذار، وهذا النوع هو ما يسمى بالحروز؛ وسمي بذلك لأنه يعلق على الصبي مثلا ليكون له حرزا من شرور الشياطين وغيرهم.
حكم التمائم:
قبل إصدار الحكم على التمائم لا بد أن نفرق بين جهتين هما:
- الجهة الأولى: وهي ما إذا كانت التمائم بغير كتاب الله، أي مما كان يفعله أهل الجاهلية كما سبق في التعريف؛ فهذا مما لا يجوز شرعا اعتقاده، ولا يصح لأيّ أحد فعله؛ لأنه داخل في إطار الشرك، كما روي ذلك عن ابن مسعود وغيره (3) .
- الجهة الثانية: وهي ما إذا كانت التمائم بشيء من كتاب الله - عز وجل - أو بالتوسل إليه ببعض أسمائه وصفاته، فهذا مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم.
__________
(1) – النهاية في غريب الحديث، 1/198.
(2) – لسان العرب، مادة: (تمم) 2/239.
(3) – انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر، 1/274، لابن حجر الهيتمي ت:974هـ، ط:1، (1407هـ/1987م)، دار الكتب العلمية: بيروت. (1/33)
صفحة 34
... وقبل أن نخوض في الخلاف أود أن أعرض للقارئ الكريم تعليق الشيخ القطب على الحديث:((من علق شيئا وكل إليه)) (1) ، قال القطب (2) :(( والمراد من اعتقد أنه النافع بالذات ونحو ذلك مما يجوز، كما قالت عائشة - رضي الله عنه - : (ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تعلق به قبل البلاء)، نعني أنه يجوز التعليق بعد وقوع البلاء علاجا له بما لا شرك به ولا عصيان، ولا يجوز قبله دفعا بأن يقع؛ لكن جاءت أيضا آثار في جواز تعليق ما فيه ذكر الله والقرآن، فلعل المنع عن عائشة لما قبل وقوع البلاء إنما هو لغير القرآن والذكر)).
وقد اختلف العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في جواز تعليق التمائم التي هي من القرآن وأسماء الله - سبحانه وتعالى - (3) .
فقالت طائفة: يجوز ذلك، هو قول ابن عمرو ابن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة أم المؤمنين، وبه قال جعفر الباقر، وأحمد في رواية، وابن سيرين والضحاك، وهؤلاء حملوا أحاديث النهي على وجهين:
- الوجه الأول: أن المنهي عنه ما كان من التعليق قبل وقوع البلاء، كما هو ظاهر من كلام عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-.
- الوجه الثاني: أن المنهي عنه ما كان بغير كلام الله - عز وجل - وأسمائه وصفاته.
__________
(1) – سبق تخريجه.
(2) – وفاء الضمانة بأداء الأمانة، تأليف الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، 2/373، ط:2، (1988م)، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
(3) – انظر: الدين الخالص 2/236، تحفة الأحوذي 6/231 تأليف: الإمام أبي العلاء المباركفوري ت:1353هـ، ط:1، (1419هـ/1998م)، دار إحياء التراث العربي: بيروت، الجامع لأحكام القرآن 10/319. (1/34)
صفحة 35
... وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن حكيم، وبه قال جماعة من التابعين؛ منهم أصحاب ابن مسعود (1) ، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون. واحتج هؤلاء بما سبق من الأحاديث التي يظهر منها النهي؛ كحديث عقبة، وحديث ابن مسعود.
جاء في كتاب الدين الخالص (2) : قال بعض العلماء: وهذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:
- الأول: عموم النهي، ولا مخصص للعموم.
- الثاني: سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق من ليس كذلك (3) .
- الثالث: أنه إذا علق لا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك.
... وفي المذهب الإباضي فإن علماءنا ذهبوا إلى جواز تعليق ولبس الحروز والتعاويذ، وكره ذلك الشيخ السالمي كما سيأتي من كلامه، واشترطوا لجواز ذلك بعض الشروط منها:
1- أن يعتقد المعلق أن النافع هو الله - عز وجل - ، وأن تلك التمائم لا تأثر بطبعها.
2- أن تكون بشيء من كلام الله - سبحانه وتعالى - ، أو بالدعاء والذكر.
3- أن يحفظها صاحبها من القذارة والأنجاس.
... جاء في كتاب كشف الكرب (4) : ((وأما لبس الحروز والتعويذ فجائز لمن اعتقد أن النافع هو الله تعالى، وأنها دعاء للحفظ، وأما ما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - من النهي عنها فإنما هو بطريق رفع البلاء؛ فنهى عنها قبل البلاء، وتجوز قبله بطريق الدعاء أيضا. وأما على كونها واقعة بالطبع فإشراك أيضا قبل البلاء أو بعده؛ إلا إن اعتقد أن الطابع هو الله فلا إشراك، والجامع أنه تأثير في الوجود لغير الله)).
__________
(1) – أصحاب ابن مسعود هم: علقمة، والأسود، وأبو وائل، والحارث بن سويد، وعبدة السلماني، ومسروق، والربيع بن خيثمة، وسويد بن غفلة وغيرهم. انظر: الدين الخالص 2/241.
(2) – الدين الخالص 2/237.
(3) – الصحيح أن يقال: ما ليس كذلك.
(4) – كشف الكرب 1/76. (1/35)
صفحة 36
... وفي كتاب الفتاوى للإمام بيوض (1) :" ما حكم الكتابة التي يكتبها الفقهاء للأبناء الصغار، وغيرها من الكتابات؟ الجواب:لم نفهم على وجه التحقيق ما مرادك بهذه الكتابات، فإن كان المراد الحروز التي يكتبها بعض الطلبة: يكتب آيات قرآنية في قرطاس، ثم يطوى، ثم تخاط عليه قطعة قماش أو جلد فيعلق على الصبي مثلا بنية الحفظ والسلامة من العين أو من شرور الشياطين أو نحو ذلك؛ فإن العلماء لا يرون بذلك بأسا، إنما يجب حفظ هذه الكتب من الأنجاس".
وقد سئل سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي عن كتابة القرآن وتعليقه للمريض، أو يحمله المحسود؟ فأجاب: ((لا مانع من ذلك، و الله أعلم)) (2) .
... أما عن الشيخ السالمي فإنه كره استخدام الحروز وتعليقها إلا إذا كان على سبيل التبرك والاستشفاء (3) ، فقد سئل عن كتابة الحروز والصور التي فيها فأجاب (4) : ((تصوير ذوات الأرواح حرام إجماعا، وفي الحديث إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون، فلا تغرنك الحروز. على أني أكره كتابتها من غير تصوير فكيف الحال مع التصوير { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } (5) .
__________
(1) – فتاوى الإمام بيوض ص:704، تأليف: الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، ط:2، (1411هـ/1990م)، مكتبة أبي الشعثاء: السيب، سلطنة عمان.
(2) – مجلة المعالم، العدد:2، ص:27.
(3) – سئل الإمام السالمي عن كتابة آيات مقطعة للاستشفاء.فأجاب:((لا بأس عليه بذلك)). انظر: جوابات الإمام السالمي، 5/500، للإمام نور الدين السالمي ت:1332هـ، مراجعة: عبد الستار أبو غدة، ط: 1، (1419هـ/1996م).
(4) – المصدر السابق، 5/516.
(5) – سورة الطلاق، الآية:3. (1/36)
صفحة 37
... وقد ضعف في زماننا اليقين فعولوا على الحروز، وليت شعري هل كان هذا في عهد الصحابة، وكم حرزا كان على أبي بكر وعمر، وإخوانهم وأطفالهم؟! نعم قد نقل عن بعضهم كتابة بعض الآيات القرآنية تبركا؛ لكن لا على هذا الحال الذي يصنعه أهل الزمان { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } (1) ، والله أعلم )).
... ربما يقصد الإمام السالمي هنا الحروز المشتملة على الطلسمات والأوفاق، لا الحروز المشتملة على الآيات والذكر، والذي يدل على ذلك الأمور التالية:
1- أن السائل إنما كان يسأل عن الحروز التي تحتوي على الصور، وهذا إنما يتعلق بالطلاسم وغيرها، أما الآيات والأذكار فليس بها صور.
2- أن الإمام السالمي تحدث في جوابه عن صنيع أهل زمانه، وقد كان اشتهر في زمانه استخدام الطلاسم، وكثر تعامل الناس بها.
3- أنه قد سئل عن رجل يكتب للناس آيات مقطعة للاستشفاء، و يشترط عليهم أن لا تنالها النجاسة، فأجاب:((لا بأس عليه بذلك، فإن ضيعوا الشرط فعلى أنفسهم، والله أعلم)) (2) ، إلى غير ذلك من الأسئلة.
... ومما يدل على ذلك أيضا ما سنذكره قريبا عن رأيه في علم الطلسمات والأوفاق وسيتبين لك عندئذ موافقة هذا لذاك، وستلاحظ التقارب الكبير بين الجوابين.
ونختم كلامنا في هذا الموضع بعبارة ذكرها الأستاذ وهبة الزحيلي: ذكر فيها بعض الشروط، حيث قال: (3) ((ويجوز الاستشفاء بحجاب مشتمل على آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، وخال من الرموز والطلاسم، وأن يعتقد حامله أن التأثير الفعال لله - عز وجل - )).
العلاقة بين التمائم والرقى:
__________
(1) – سورة الأنعام، الآية:90.
(2) – جوابات الإمام السالمي، 5/500، وأيضا: 5/416.
(3) – البدع المنكرة، تأليف: الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، ط:1، (1419هـ/1999م)، دار المكتبي: دمشق. (1/37)
صفحة 38
... نلاحظ مما سبق أن التمائم من جملة التعويذ، فهي تشترك مع الرقية في كونها تعويذا، لأنها تختلف عن الرقية المعروفة في صورتها وهيئتها، فالرقية تكون هكذا مباشرة إما: بالقراءة أو الدعاء، أما التمائم فإنها تحتاج إلى كتابة وتعليق، ويختلف حكمها نظرا لاختلاف مضمونها كما أوردنا سابقا.
التولة:
معنى التولة:
التُّولة والتِّولة: ضرب من الخرز يوضع للسحر فتحبب بها المرأة إلى زوجها (1) .
قال الزمخشري:(( التولة، هي ضرب من السحر تؤخذ به المرأة زوجها، وتحبب إليه نفسها)) (2) .
وقيل: هي خيط يقرأ فيه من السحر، أو قرطاس يكتب فيه شيء منه؛ يتحبب به النساء إلى قلوب الرجال، أو الرجال إلى قلوب النساء (3) .
وقد سئل أيضا ابن مسعود - رضي الله عنه - عن التولة، فقال: شيء يصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن (4) .
... ويلاحظ مما سبق من التعريفات أن التولة إنما تقوم على السحر، والسحر كما هو معلوم حرام قطعا، بنص الكتاب والسنة وباتفاق الأمة الإسلامية، هذا فضلا عن الاعتقاد الفاسد الذي يترتب على من يتعامل بهذا النوع من السحر؛ فهو يعتقد حدوث النفع من غير الله - عز وجل - ، ولو لم يعتقد ذلك لما تعامل بالتولة، وهذا الاعتقاد هو بحد ذاته يعد كبيرة قد تخرج صاحبها من ملة الإسلام؛ إن لم يسارع إلى التوبة والإنابة إلى الله - سبحانه وتعالى - من شنيع فعله.
حكمها:
__________
(1) – لسان العرب، مادة (تولة) 2/247.
(2) – الفائق في غريب الحديث، 1/157، تأليف: العلامة محمود بن عمر الزمخشري، ط:3، (1399هـ/ 1979م)، دار الفكر: بيروت،
(3) – انظر: نيل الأوطار 8/239، وفاء الضمانة 2/372.
(4) – روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:((إن الرقى والتمائم والتولة شرك))، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناهأن فما التولة؟، قال: شيء يصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن. أخرجه ابن حبان (6090). (1/38)
صفحة 39
التولة على هذه الصورة، وهذه الكيفية التي أوردناها غير جائزة إطلاقا، لأنها نوع من السحر والشعوذة، وهذا مما لا خلاف في عدم جوازه؛ لأنه نوع من الاعتقاد الفاسد والذي قد يدخله الشرك منا نص على ذلك عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه - في الحديث الذي ذكرناه سابقا، عندما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)) (1) .
... قال القطب تعليقا على الحديث (2) : ((وإنما كان ذلك شركا لأنه من الجاهلية، يعملون فيه ما هو شرك، أو يعتقدون أن ذلك نافع بالذات لا بالله)).
... قال بعض العلماء (3) : أما ما تحبب به المرأة إلى زوجها من كلام مباح كما يسمى الغنج (4) ، وكما تلبسه للزينة أو نحو ذلك من كل شيء مباح يجلب حب الرجل فذلك جائز بل مستحب.
علاقة التولة بالرقية:
... لا صلة بين التولة والرقية على ما ذكرنا من تعريفات لكل منهما، إلا أنه يمكن القول بأن التولة من حيث كونها نوع من التعويذ بغير المولى - عز وجل - ؛ فإنها تشترك مع رقى الجاهلية من هذه الجهة، على أن كل واحدة من هذه وتلك قد ثبت النهي عنها في كثير من الأحاديث كما سبق بيان ذلك.
الطلاسم والأوفاق:
...
... وسيكون الحديث هنا عن معنى الطلاسم والأوفاق، ثم عن مصدرها وسبب نشأتها، وأخيرا عن حكمها وعلاقتها بالرقية.
المقصود بالطلاسم والأوفاق:
جاء في المعجم الوسيط (5) :
__________
(1) – سبق تخريجه.
(2) – وفاء الضمانة بأداء الأمانة 2/372.
(3) – انظر: الفتح الرباني 17/187، تأليف: أحمد عبد الرحمن البنأن دار إحياء التراث العربي: بيروت، ونيل الأوطار للإمام الشوكاني 8/239.
(4) – الغنج: الدلال والترخيم في الصوت.
(5) – المعجم الوسيط، مادة: (طلسم) ص 562 . (1/39)
صفحة 40
... ((الطِّلسَم: ـ في علم السحر ـ خطوط وأعداد يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية، لجلب محبوب ودفع أذى، وهو لفظ يوناني لكل ما هو غامض مبهم، كالألغاز والأحاجي، والشائع على الألسنة: طَلْسَم كجعفر. ويقال: فك طلسمه أو طلاسمه: وضّحه وفسره، (ج): طلاسم)).
وقد عرّف ابن خلدون علوم السحر والطلسمات فقال (1) : ((هي علوم بكيفية استعدادات، تقتدر النفوس البشرية بها على التأثير في عالم العناصر: إما بغير معين، أو بمعين من الأمور السماوية؛ والأول هو السحر، والثاني هو الطلسمات)).
وقد اشتهرت الطلاسم في بعض كتب المتأخرين وهي عبارة عن حروف وأرقام وكلمات غريبة، ورسوم وأشكال عجيبة، غير مفهومة المعنى لدى السواد الأعظم من الناس، تشبه في كثير من الأحيان ما يعرف بسجع الكهان.
وأما الأوفاق فهي عبارة عن أشكال مربعة أو دائرية تحتوي على أرقام وحروف مكسرة، وتشتمل على أشياء أخرى غير مفهومة.
... وقد ذكر ابن خلدون أن الفلاسفة فرقوا بين السحر والطلسمات بعد أن أثبتوا أن لهما جميعا أثرا على النفس الإنسانية، فقال:((وأما التفريق عندهم بين السحر والطلسمات، هو أن السحر لا يحتاج الساحر فيه إلى معين، وصاحب الطلسمات يستعين بروحانيات الكواكب وأسرار الأعداد وخواص الموجودات وأوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر، كما بقول المنجمون، ويقولون: السحر اتحاد روح بروح، والطلسم اتحاد جسم بجسم، ومعناه عندهم: ربط الطبائع العلوية السماوية بالطبائع السفلية، والطبائع العلوية هي روحانيات الكواكب، ولذلك يستعين صاحبه في غالب الأمر بالنجامة، والساحر عندهم غير مكتسب لسحره، بل هو مفطور عندهم على تلك الجبلة المختصة بذلك النوع من التأثير)) (2) .
__________
(1) – مقدمة ابن خلدون، للعلامة عبد الرحمن ابن خلدون ت:800هـ، ص:407، ط:1، (1413هـ/1993م)، دار الكتب العلمية: بيروت.
(2) – المصدر السابق، ص:407 وما بعدها. (1/40)
صفحة 41
ونحن إذا قمنا بتتبع الآثار والنصوص المختلفة من القرآن والسنة يتبين لنا جليا أن هذه الأمور لم تكن موجودة في بداية الإسلام، حيث لم يؤثر شيء من ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ولا عن التابعين من بعدهم، وإنما كان ظهور هذه الأشياء بين المسلمين في فترة متأخرة، ربما تكون في أواخر العصر العباسي أو بعده بقليل، ثم انتشرت هذه العلوم واهتم بها كثير من الناس، وأخذوا يتوارثونها إلى وقتنا هذا.
... يقول الإمام السالمي (1) :(( وفي النفس من قبل علم الطلسمات شيء؛ إذ لم يكن شيء من ذلك في عصره - صلى الله عليه وسلم - ولا في عصر أصحابه حتى انقرضوا عن آخرهم، ولا في عصر التابعين لهم بإحسان رضي الله عن الجميع، وإنما كان في أعصارهم دعاء بإخلاص وإجابة بإعانة، عملا بقوله تعالى: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (2) ، ولذلك كانت لهم الكرامات الخاصة بمراتبهم العالية لصفاء بواطنهم، فلا يحتاجون في تحصيلها إلى شيء من هذه الأوفاق والطلاسم، وقد اعتنى بها كثير من متأخري أصحابنا وكثير من قومنا، وكان الغزالي يعتني بعلم الأوفاق حتى نسب إليه.
[قال]:ولم أجد لأحد من أقدمي أصحابنا إلى رأس التسعمائة من الهجرة كلاما في هذا الباب، وقد أكثر المتأخرون من بعد ذلك في استعماله، ووردت لهم فيه سؤالات وجوابات، ويحتمل أن يكون لمن قبلهم كلاما لم أطلع عليه)).
مصدر هذه الطلسمات وسبب نشأتها:
__________
(1) – جوابات الإمام السالمي 5/446.
(2) – سور غافر، الآية:60. (1/41)
صفحة 42
... الأصل في هذه الأشياء ربما كان من الحضارة اليونانية القديمة أو غيرها من الحضارات، وسبب انتشارها بين المسلمين يرجع إلى عهد الفتوحات، خاصة في العصرين الأموي والعباسي، حيث تجاوزت هذه الفتوحات الجزيرة العربية، وبدأت تزحف على الحضارات الأخرى المختلفة، كالحضارة الفارسية والحضارة الرومانية والحضارة اليونانية، ومن خلال دراسة المسلمين الفاتحين لثقافة هذه الحضارات واطلاعهم عليها عثروا على بعض العلوم الجديدة عليهم، التي لم تعرف بينهم من قبل، كعلوم الطبيعة وعلوم الرياضيات.
وقد اعتنى بعض العلماء المسلمين بهذه العلوم ترجمة ودراسة وتحليلا، حتى نبغ كثير منهم في علوم شتى كالفلك والطب والرياضيات.
... ولا يستبعد أن يكون علم الطلسمات والأوفاق قد انتقل إلى العالم الإسلامي بهذه الطريقة أيضا؛ ولا سيما من الحضارة اليونانية وحكماء اليونان المشهورين، وقد نظرت في بعض الكتب التي ألفت في هذا المجال فرأيت أن مؤلفيها يكثرون النقل عن حكماء اليونان أمثال أرسطو وسقراط وأرسطو طاليس وغيرهم (1) (2) .
__________
(1) – انظر على سبيل المثال: كتاب منبع أصول الحكمة، تأليف: أحمد بن علي البوني ت:622هـ، ط:1، دار يوسف: بيروت.
(2) – وقد حاولت البحث عن ترجمة لتلك الطلاسم والكلمات، فوجدت أن بعضها يرجع إلى اللغة السريانية وغيرها انظر: المصدر السابق، ص:222، 254. (1/42)
صفحة 43
... فقد أرجع الإمام السالمي وغيره أصل هذه الطلسمات والأوفاق إلى اليهود وأحبارهم، قال في بعض جواباته (1) :((وأصل ذلك من الأحبار، وهو من تأثير الشيطان لهم كتب لهم كتبا فيها الطلسمات والأوفاق ودفنها تحت كرسي سليمان عليه السلام، ثم جاء إلى يهود بعد موت سليمان، وقال هل أدلكم على العلم الذي ملك به سليمان الإنس والجن، فدلهم على الكتب المدفونة، فاستخرجوها واشتغلوا بها، وهي أنواع من السحر. فذلك معنى قوله تعالى: { وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (2) } . فذلك الطلسمات والأوفاق أصلها من عمل الشيطان وهي نوع من السحر، فلذا ترى اليهود أشد سحرا، وحيث كان لها بعض التأثير كالأدوية والعقاقير وخواص الحروف، ادعوا بذلك مطلق التصرف، وهي إنما تؤثر في شيء خاص.
[قال]: ولما رأى الإسلاميون تأثيرها أخذوا أشكالها وكسروا في بيوتها حروفا وآيات غير الأمور التي كانت تصنعها يهود، فساغ لهم استعمالها بهذه الحيثية، لكن تأثيرها مخصوص فلا يمكن أن يدعى معها مطلق التصرف، ومن ادعى ذلك كذّبه العيان والامتحان )).
حكم الطلاسم والأوفاق:
...
__________
(1) – جوابات الإمام السالمي 5/575.
(2) – سورة البقرة، الآية:102. (1/43)
صفحة 44
... جعل بعض العلماء علم الطلسمات والأوفاق نوعا من السحر لا يجوز التعامل به، وقد سبق ذكر ما قاله الإمام السالمي قبل قليل، كما أن ابن خلدون بعد أن تعرض لذكر السحر والطلسمات وأغدق فيها الكلام، بين حكم الشريعة في ذلك فقال (1) :((وأما الشريعة فلم تفرق بين السحر والطلسمات والشعبذة وجعلته كله بابا واحدا محظورا؛ لأن الأفعال إنما أباح لنا الشارع منها ما يهمنا في ديننا الذي فيه صلاح آخرتنا، أو في معاشنا الذي فيه صلاح دنيانا. وما لا يهمنا في شيء منهما فإن كان فيه ضرر أو نوع ضرر كالسحر الحاصل ضرره بالوقوع، ويلحق به الطلسمات؛ لأن أثرهما واحد، كالنجامة التي فيها ضرر باعتقاد التأثير، فتفسد العقيدة الإيمانية بردّ الأمور إلى غير الله، فيكون حينئذ ذلك الفعل محظورا على نسبته في الضرر، وإن لم يكن مهما علينا ولا فيه ضرر فلا أقل من تركه قربة إلى الله، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. فجعلت الشريعة باب السحر والطلسمات والشعوذة بابا واحدا لما فيها من الضرر، وخصته بالحظر والتحريم)).
... وقد ذكر الإمام السالمي خلافا في استخدام الطلاسم وكتابتها في أكثر من موضع، وقد أجاب في بعض هذه المواضع بقوله (2) ((اختلف في كتابة الطلاسم المجهولة:
- فقيل: لا تجوز كتابتها مخافة أن يكون فيها كفر.
- وقيل: تجوز لأن الأصل إباحة الأشياء حتى يصح حجرها .
[ثم قال]: وإن وجدت بخطوط الثقات العارفين بمواضعها فهي أقرب إلى الجواز حسن ظنٍّ بالثقات ، والله أعلم )).
__________
(1) – المقدمة، ص:480.
(2) – الجوابات 5/517، وأيضا:5/510. (1/44)
صفحة 45
وقال أيضا رحمه الله في جواب آخر (1) :((ثم إن في الطلسمات ما فيها حتى أن بعضهم جعلها نوعا من السحر، ولا أقول فيها شيئا لكثرة استعمال متأخري أصحابنا لها فلو لم يظهر لهم جوازها ما فعلوه، غير أني أقول أنها مبتدعة قطعا؛ لأن السيرة النبوية والطريقة الصحابية خالية منها وكذلك من بعدهم من التابعين بإحسان، والله أعلم بحالها ولعل أصلها أخذ من اليهود؛ فإنهم معروفون بذلك في سالف الزمان، وقد أغنانا الله عن علومهم بالعلم الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ربه.
[ثم قال]: ولعل رجلا يسمع هذا فيقول متمثلا:
(كالثعلب النازي إلى عنقوده *** إن لّمْ ينله قال هذا حامض)
فلا والله ما عدلت عنه لذلك مع أني معترف بجهله؛ لكن رغبة عنه وعدولا إلى السيرة المطهرة، على أن نفعه دنيوي قطعا ويكفيك منه ذلك، فاستدل بفرعه على أصله والسلام )).
ربما كان الخلاف الذي ذكرناه عن الإمام السالمي سابقا يرجع إلى تلك الأشكال التي صنعها المسلمون أنفسهم، واتخذوا من بيوتها حروفا وآيات، وهذه تختلف اختلافا كليا عما نُقل من غيرهم من اليهود أو من حكماء اليونان.
أما ما يوجد في بعض الكتب من طلاسم وأشكال غريبة عجيبة، وكلمات غير مفهومة تشبه أحيانا سجع الكهان، فهذه لا يمكن أن يدخلها الخلاف؛ لأن ظاهرها ينبئ عما فيها من الشعوذة والسحر، وربما كانت تؤدي في كثير من الأحيان إلى الشرك والكفر بالله.
وعلى كل حال فإن ترك الطلاسم والأوفاق جميعها هو الأولى، وهو الأحوط للإنسان المسلم، وفي ذلك أيضا خروج من عهدة الخلاف، وسلامة للمؤمن في دينه ودنياه، وفي كتاب الله - سبحانه وتعالى - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - من الأذكار والتحصينات ما يغني عن جميع ذلك، نسأل الله - عز وجل - الهداية والتوفيق.
علاقة الطلاسم والأوفاق بالرقية:
__________
(1) – المصدر السابق 5/485. (1/45)
صفحة 46
... في الحقيقة لا توجد هناك أية علاقة ظاهرة تجمع بين الطلاسم والرقى، وكما رأينا فيما سبق أن الرقية شيء والطلاسم والأوفاق شيء آخر، وعليه فإنه يجب التنبه لهذا الأمر وينبغي على كل أحد عدم الخلط بين هذا وذاك.
... أما ما ذكرناه سابقا من أن علماء المسلمين صنعوا أشكالا واتخذوا في بيوتها حروفا وآيات؛ فهذه ربما تجتمع مع الرقية في كونها تعويذا؛ لأنها كثيرا ما تستعمل في التحصن والتحرز من همزات الشياطين ووساوسهم، ومن شر كل دابة الله آخذ بناصيتها.
الفصل الثاني: العلاج بالرقية الشرعية:
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: العلاج بالرقية الشرعية من الأمراض النفسية:ـ
... المطلب الأول: العين وعلاجها بالرقية:ـ
... المطلب الثاني: الصرع وعلاجه بالرقية
... المطلب الثالث: السحر وعلاجه بالرقية.
... المطلب الرابع: الهموم والمصائب والأحزان وعلاجها بالرقية
... المطلب الخامس: الأرق وعلاجه بالرقية
المبحث الثاني: العلاج بالرقية الشرعية من الأمراض البدنية:
... المطلب الأول: علاج الحمة (ذوات السموم)
... المطلب الثاني: علاج النملة.
... المطلب الثالث: علاج القروح والجروح.
... المطلب الرابع: علاج الوجع.
... الخاتمة: في رقية النبي - صلى الله عليه وسلم - .
المبحث الثالث: مسائل متفرقة:
... المطلب الأول: مشروعية النفث عند الرقية.
... المطلب الثاني: أخذ الأجرة على الرقية.
... المطلب الثالث: شروط الرقية.
... المطلب الرابع: شروط الراقي والمرقي.
المبحث الأول: العلاج بالرقية من الأمراض النفسية:
علاج العين بالرقية الشرعية:
...
... وسيكون الكلام هنا عن عدة أمور: نبدأ بمعناها لغة واصطلاحا، ثم نذكر بعضا من أدلتها، ثم عن كيفية تأثيرها، وأخيرا نتحدث عن العلاج.
معنى العين:
تطلق العين في اللغة على عدة معان، منها:
1- تطلق ويراد بها العين الباصرة.
2- تطلق ويراد بها العين الحاسدة.
3- تطلق ويراد بها النقدين (الذهب والفضة).
4- تطلق يرادبها عين الماء، أي مصدره ومنبعه. (1/46)
صفحة 47
5- تطلق ويراد بها الجاسوس.
والمعنى الذي يهمنا في موضوعنا هذا هو: العين الحاسدة، قال الزجاج:((المعين المصاب بالعين، والمعيون: الذي فيه عين. ورجل معيان وعيون: شديد الإصابة بالعين والجمع عُين وعِين)) (1) .
معنى العين في الاصطلاح:
العين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر (2) .
... وعرفها ابن خلدون بأنها (3) :(( تأثير من نفس المِعْيان، عندما يستحسن بعينه مدركا من الذوات أو الأحوال، ويفرط في استحسانه، وينشأ عن ذلك الاستحسان حسد يروم معه سلب ذلك الشيء عمن اتصف به، فيؤثر فساده،[قال]: وهو جبلة فطرية. [قال]: والفرق بينها وبين التأثيرات النفسانية أن صدوره فطري جبلي، لا يتخلف ولا يرجع اختيار صاحبه، ولا يكتسبه، وسائر التأثيرات وإن كان منها ما لا يكتسب، فصدورها راجع إلى اختيار فاعلها)).
ومن خلال ما سبق يتبين لنا أن هناك صلة وثيقة بين العين، والحسد، فالعائن ينظر بعين حاسدة، والحسد هو تمني زوال نعمة الغير أو تمني عدم وقوعها أصلا؛ فالعلاقة بين العين والحسد إذن علاقة عموم وخصوص، فالحسد أعم من العين، وعليه فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنا.
ويُفهم أيضا من كلام ابن خلدون أن العين أمر فطري جبلي لا يستطيع الإنسان رده ولا التحكم فيه، وليس له اختيار في نفاذه او عدم نفاذه.والله أعلم بالصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الأدلة على ثبوت العين:
__________
(1) – لسان العرب لابن منظور، مادة: (عين) 10/357.
(2) – فنح الباري لابن حجر، 10/245.
(3) – مقدمة ابن خلدون، ص:412- 413، للعلامة عبد الرحمن ابن خلدون ت: 808هـ، ط:1،(1413هـ/1993م)، دار الكتب العلمية: بيروت. (1/47)
صفحة 48
في الحقيقة إن أمر العين أمر عجيب، وهو خارج عن إدراكنا وحواسنا، فلا تهتدي النفس البشرية إلى معرفة كنهه وماهيته، ولا يستطيع العقل البشري تفسير أمر العين وكيفية التأثير الذي يحدث من جراء ذلك، ولولا الآثار الواردة في إثباتها لتردد العقل في قبولها، ولكن لاسبيل إلى إنكار ذلك لما ورد من النصوص الكثيرة التي تثبت أمر العين، وتحكم بأنها حق، والقول بثبوت العين هو قول جمهور العلماء، قال القطب:((وهو الحق)) (1) .
قال المازري (2) :((وأنكره طوائف المبتدعة لغير معناه؛ لأن كل شيء ليس محالا في نفسه،ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إلى إفساد دليل فهو من متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى، وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة؟)).
وهناك أدلة من الكتاب وأخرى من السنة تدل على ثبوت العين ووقوعها، وهذه الأدلة منها ما يدل على ذلك صراحة ومنها ما يدل بغير ذلك، وإليك بعضا من هذه الأدلة: (3)
أولا: الأدلة من الكتاب:
1- قال تعالى: { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } (4)
قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما (5) :((ليزلقونك بأبصارهم أي لينفذونك ويعينونك بأبصارهم، بمعنى يحسدونك؛ لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك وحمايته إياك منهم)).
__________
(1) – تحفة الحب في أصل الطب، ص:126، للعلامة محمد بن يوسف اطفيش، ط: وزارة التراث، سلطنة عمان.
(2) – انظر: فتح الباري 10/249.
(3) – انظر كتاب: العين حق، تأليف أحمد بن عبد الرحمن، ص:19، ط:2(1411هـ/1990م).
(4) – سورة القلم، الآية:51.
(5) – تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/436، ط:1(1407هـ/1987م)، دار المعرفة: بيروت. (1/48)
صفحة 49
2- ذكر المفسرون عند قوله تعالى حكاية عن سيدنا يعقوب عليه السلا م لأبنائه: { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ } (1) أن يعقوب عليه السلام لما جهّز بنيه مع أخيهم بنيامين إلى مصر أمرهم ألا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة؛ لأنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر بهي، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، روي هذا عن ابن عباس و محمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد (2) .
3- قال تعالى: { وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } (3) ووجه الاستدلال أن الله - سبحانه وتعالى - أمر نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة من الحاسد، والعلاقة بين العين والحسد علاقة عموم وخصوص، فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائن، فلما كان الحاسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن (4) .
ثانيا: الأدلة من السنة:
1- عن عبد الله بن عباس ـ - رضي الله عنه - ماـ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:((العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)) (5) .
2- روي عن أبى هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:((إن العين حق)) ونهى عن الوشم (6) .
3- وعن عائشةـ - رضي الله عنه - اـ قالت:((كان يأمر العائن فيتوضا ثم يغتسل منه المعين)) (7) .
__________
(1) – سورة يوسف، الآية:67.
(2) – تفسير القرآن العظيم 3/502، وأيضا: الجامع لأحكام القرآن 9/226.
(3) – سورة الفلق، الآية:5.
(4) – انظر: زاد المعاد 4/167، وتيسير التفسير 15/421، للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش، مكتبة الضامري: سلطنة عمان.
(5) – أخرجه مسلم (2188)، والترمذي (2062)، ولم يذكر:العين حق.
(6) – أخرجه البخاري(5740)، ومسلم: (2187)، وأبو داود: (3875)، ولم يذكر الوشم.
(7) – أخرجه أبو داود (3876). (1/49)
صفحة 50
4- وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال:((رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس:" مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة، تصيبهم الحاجة؟ قالت:لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: ارقهم، قالت: فرضت عليه، فقال: ارقيهم)) (1) ، ووجه الاستدلال ان النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرها على كلامها هذا ولم ينكر عليها أمر العين.
5- وعن أبي أسامة بن سهل بن حنيف أنه قال:((رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل، فقال: مارأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط (2) سهل، فأُتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل: يارسول الله، هل لك في سهل بن حنيف؟ والله ما يرفع رأسه. فقال: هل تتهمون له أحدا؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فتغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت (3) ، اغتسل له. فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه، وركبتيه وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس)) (4)
كيفية التأثير بواسطة العين:
... ذكرنا سابقا أن العقل البشري يعجز عن تفسير العين وكيفية تأثيرها، فهي أمر خارج عن إدراكنا وحواسنا، ومع ذلك فقد حاول العلماء تفسير هذه الكيفية التي يتم من خلالها التأثير، واختلفوا في ذلك إلى عدة وجهات (5) :
__________
(1) – سبق تخريجه.
(2) – لبط: أي صرع.
(3) – قال الباجي: ((هو أن يقول بارك الله فيه))، وقال ابن عبد البر:((يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، فإذا دعا بالبركة ذهب المحذور)). انظر الموطأ ص:671 في الهامش.
(4) – أخرجه مالك (1702).
(5) – انظر: فتح الباري 10/246، وأيضا: زاد المعد في هدي خير العباد 4/165، لابن القيم الجوزية ت:751هـ، تحقيق وتخريج: شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، ط:13 (1406هـ/1986م)، مؤسسة الرسالة: بيروت. (1/50)
صفحة 51
... فقالت طائفة: إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة، انبعث من عينه قوة سمِّية تتصل بالمعين فيتضرّر. قالوا: ولا يستنكر هذا، كما لا يستنكر انبعاث قوة سمِّية من الأفعى تتصل بالإنسان فيهلك، وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك؛ فكذلك العائن.
وقد ردّ على ذلك المازري حيث قال:وهذا غير مسلم به لأنا بيّنا في كتب علم الكلام أن لا فاعل إلا الله تعالى، وبينا فساد القول بالطبائع، وبينا أن المحدث لا يفعل في غيره شيئا، وإذا تقرر بطل ما قالوه، ثم نقول: هذا المنبعث من العين إما جوهر وإما عرض، فبطل ان يكون عرضا؛ لأنه لا يقبل الانتقال، وبطل أن يكون جوهرا؛ لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون مفسدا لبعضها أولا من عكسه، فبطل ما قالوه.
... وقالت طائفة: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية، فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه، فيحصل له الضرر.
... وقالت طائفة: قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه، من غير ان يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير اصلا، وبهذا قال ابن العربي.
... قال ابن حجر:((وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن من قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله - سبحانه وتعالى - في الأرواح من التأثيرات، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها: فمنها ما يؤثر في البدن من مجرد الرؤية، من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح، وكيفيتها الخبيثة. (1/51)
صفحة 52
... والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به وتارة بالمقابلة، وأخرى لمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح كالذي يحدث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي إن صادف البدن لا وقاية له أثَّر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء)) (1) .
التفسير العلمي للإصابة بالعين:
... يقول الدكتور رؤوف عبيد (2) :(( إن المبادئ العلمية المسلم بها عند العلماء المختصين، وجود كيان أثيري في كل كائن حي، وهو لا يخضع لحواسنا المادية بسبب ارتفاع اهتزازه أكثر من اهتزاز الضوء، ويقوم هذا الكيان بربط الجهاز العصبي بالمستودع الكوني للطاقة، وينفذ من جسم الإنسان على ما حوله من خلال المخ والأذن والعين، ويوجد وراء كل حاسة من حواسنا الخمس طاقة كهربائية، تؤثر بعمق خطير على هيئة إشعاعات حارة، تنفذ كأشعة الشمس في الأجسام المقابلة، وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمعيون أن يغتسل بغسالة العائن ليبطل عمل الإشعاعات في الجسد المصاب، ويرجع التوازن المفقود إلى الجسم)).
__________
(1) – فتح الباري 10/246.
(2) – الإنسان بين السحر والعين والجان، ص :237، تأليف: زهير حموي، ط:3، (1414هـ/1994م)، دار ابن حزم: بيروت، وقد نقل هذا الكلام عم كتاب: أحكام السجن، للدكتور حسن أبو غدة. (1/52)
صفحة 53
... ويقول "وليم فالكير":((أثبت العلم قوة تأثير العين بإرسال ما يعرف بـ: (النظرة المغناطيسية)، وهي التعبير عن مطلب روحي قوي عن طريق العينين، حيث إن العين مؤهلة لإلقاء نظرة ثابثة وثاقبة، وللبرهان على ذلك حدّق في مسرح او أي مكان يجلس فيه الناس وراء بعضهم، وثبت نظرك، ووجه انتباهك بقوة وثبات وجدية على الجزء الأسفل من قفا جمجمة الشخص الذي أمامك، وأضمر في نفسك رغبة الالتفات إليك ببصره ثم لاحظ أن ذلك الشخص يلتفت فجاءة، ويلقي نظرة على المكان الذي أنت فيه، وهذا التمرين يمكن إجراؤه بنجاح تام على المعارف أكثر مما هو على الغرباء، وعلى النساء أكثر من الرجال؛ لأنهن أكثر استجابة للتأثير الروحي، وكلما كنت تعرف الشخص المعني أكثر بدا التأثير أسرع)) (1) .
علاج العين:
... توجد طريقتان لعلاج المصاب بالعين، وهذا العلاج يكون للحسد أيضا لما بين العين والحسد من العلاقة والصلة القوية، وهذا النفع كما هو معلوم لن يكون إلا بإذن الله - سبحانه وتعالى - .
الطريقة الأولى: العلاج بالاغتسال:
يشرع الاغتسال للعائن إذا نظر إلى أخيه فأثر ذلك فيه، فقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :((العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)) (2) ، وعليه فإن العائن يؤمر بالاغتسال في إناء، ثم يأخذ ذلك الماء الذي اغتسل به ويصب على المصاب ـ أي المحسود ـ فيبرأ بإذن الله - عز وجل - .
__________
(1) – المصدر السابق، ص:238، نقلا عن كتاب: قوة الفكر في الحياة العلمية "وليم فالكير"، ترجمة الدكتور: رؤوف موسى.
(2) – سبق تخريجه. (1/53)
صفحة 54
... وقد وردت كيفية الاغتسال في حديث سهل بن حنيف: أنه قال:((رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط (1) سهل، فأُتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل: يا رسول الله، هل لك في سهل بن حنيف؟ والله ما يرفع رأسه. فقال: هل تتهمون له أحدا؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فتغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت (2) ، اغتسل له. فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه، وركبتيه وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس)) (3) .
... وفي رواية أخرى أن عامر بن ربيعة مرّ بسهل بن حنيف وهو يغتسل، فقال:((لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة، فما لبث أن لبط به، فأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: أدرك سهلا صريعا، قال: من تتهمون به، قالوا: عامر بن ربيعة. قال: علام يقتل أحدكم أخاه، إذا رأى احدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه، وداخلة إزارهن وأمره أن يصبّ عليه ـ وفي لفظ ـ: أن يكفأ الإناء من خلفه -)) (4) .
الطريقة الثانية:
__________
(1) – لبط: أي صرع.
(2) – قال الباجي: ((هو أن يقول بارك الله فيه))، وقال ابن عبد البر:((يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، فإذا دعا بالبركة ذهب المحذور)). انظر الموطأ ص:671 في الهامش.
(3) – أخرجه مالك (1702).
(4) – أخرجه ابن ماجه(3509)، ومالك (1747)، وأحمد(15550). (1/54)
صفحة 55
يقوم المعالج بقراءة آيات الرقية (1) على المريض أو المصاب إذا تبين أنه مصاب بالعين أو الحسد، والتي تعرف عن طريق الانعكاسات التي تحدث للشخص أثناء القراءة عليه، ومن علامات المصاب بالحسد عند القراءة هي (2) :
1- ظهور حركة سريعة على أطراف الأيدي إلى الخارج.
2- يحدث للمصاب عند القراءة شحوب الوجه والعبوس الشديد.
3- ارتفاع في الخنصر لأعلى وارتخاء في أطراف الأيدي.
وكذلك على المصاب أن يقرأ البرنامج التالي يوميا صباحا ومساء ثلاث مرات وحسب ما يراه المعالج مناسبا (3) :
1- { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ - اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ - غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين } . سورة الفاتحة.
2- { الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ - والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، الآيات: ( 1-5) من سورة البقرة.
__________
(1) – سنذكر آيات الرقية لاحقا.
(2) – العلاج بالرقى الشرعية من الحسد والسحر ومس الجان، ص:59، تأليف الشيخ أمجد محمود، المعالج بالرقية الشرعية، تحقيق: ياسر سلامة، ط:1،(1423هـ/2003م)، دار عالم الثقافة: عمّان.
(3) – المصدر السابق، ص:60. (1/55)
صفحة 56
3- { اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ - لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ، الآيات: (255-257) من سورة البقرة.
4- { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ - لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } الآيتان: (286-287) من سورة البقرة. (1/56)
صفحة 57
5- { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ - وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } الآيتان:(51-52) من سورة القلم.
6- { فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ - ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ } الآيتان (3-4) من سورة الملك.
7- { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } الآية(77) من سورة يس.
8- { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } الآية:(29) من سورة الفتح. (1/57)
صفحة 58
9- { لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ - هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الآيات(21-24) من سورة الحشر.
10- { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ - وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ - وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } سورة الكافرون.
11- { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } سورة الإخلاص.
12- { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِن شَرِّ مَا خَلَقَ - وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ - وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد - ِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) سورة الفلق .
13- { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ - مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ } سورة الناس. (1/58)
صفحة 59
وفي الحقيقة أن القرآن الكريم كله شفاء لقوله تعالى: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } (1) ، إلا أنه قد ورد فضل بعض السور في هذا المجال كالمعوذتين، فإنهما حصن حصين للإنسان من جميع الشرور. فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتعوذ ويقول:((أعوذ بالله من الجان، ومن عين الإنسان))، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما (2) .
ومن الآثار الواردة من السنة لعلاج العين والحسد ما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - : ((أن جبريل عليه السلام أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: يامحمد، أشتكيت؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم، فقال جبريل: بسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين، بسم الله أرقيك والله يشفيك)) (3) .
وعن عائشة - رضي الله عنه - قالت:((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى رقاه جبريل، يقول: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين)) (4) .
علاج الصرع (المس) بالرقية الشرعية:
... وسيكون الحديث هنا عن معنى الصرع والمس، وأنواع الصرع، والفرق بين الصرع العضوي، والصرع الجني، ثم عن درجات الإصابة بالصرع، وأخيرا علاج الصرع بالرقية الشرعية.
معنى الصرع لغة واصطلاحا:
الصرع في اللغة: الأصل في الصرع هو الطرح على الأرض، وفي كتاب الله العزيز: { فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } (5) ، والصرع: علة في الجهاز العصبي تسصحبها غيبوبة وتشنج في العضلات (6) .
معنى الصرع عند الأطباء:
__________
(1) – سورة الإسراء، الآية:82.
(2) – سبق تخريجه.
(3) – سبق تخريجه.
(4) – سبق تخريجه.
(5) – سورة الحاقة،الآية:7.
(6) – المعجم الوسيط، مادة: (صرعه). (1/59)
صفحة 60
لا يختلف معنى الصرع عند الأطباء عما ذكرناه سابقا، فقد عرفه ابن سينا في كتابه "القانون":((بأنه علة تمنع الأعضاء النفسية عن أفعال الحس والحركة والانتصاب منعا غير تام، وذلك لسدة تقع وأكثره لتشنج كلي)) (1) .
وفي الطب الحديث عرفه الدكتور لطفي عبد الغني الشربيني ـ وهو اختصاصي في طب النفس ـ، عرف الصرع بأنه:((نوبات تصيب بعض الناس نتيجة خلل مؤقت في وظيفة الجهاز العصبي، وما يظهر على مريض الصرع ليس سوى النتيجة النهائية لهذا الاضطراب، فقد يفقد الوعي بما حوله أو يسقط بصورة مفاجئة في أي مكان، أو تظهر عليه أي علامات غريبة، أو يقوم ببعض الحركات دون أن يدري في الوقت الذي يكون فيه تحت تأثير النوبة)) (2) .
ويتضح لنا من خلال جميع هذه التعريفات الآنف ذكرها أنها تقصر الصرع على الصرع العضوي، ولا تمس بصلة إلى الصرع الروحي(الجني)، وسيأتي قريبا أن الصرع ينقسم إلى قسمين: الصرع العضوي والصرع الروحي، وهو ما يعبر عنه بالمس الجني، فما المقصود بالمس؟ وما تأثير ذلك على الإنسان؟
قال ابن منظور:((استعير المس للجنون، كأن الجن مسته، يقال: به مس من جنون)) (3) .
وفي الاصطلاح: ((المس هو أذية الجسم للإنسان من خارج جسده، أو من داخله، أو منهما معا وهو أعم من الصرع)) (4) .
وعرفه الشيخ أمجد محمود بأنه:تعدي الجن والشياطين على الإنسان في بعض الاتجاهات، بالإضرار في جسده وعقله (5) .
__________
(1) – القانون في الطب، لابن سينا 2/76، دار صادر: بيروت.
(2) – برهان الشرع في إثبات المس والصرع، ص:25، تأليف: علي بن حسن بن علي الحلبي، ط:1، (1417هـ/1996م)، دار ابن حزم: بيروت.
(3) – لسان العرب، مادة: (مسس)، بتصرف يسير 14/72.
(4) – برهان الشرع، ص:29.
(5) – العلاج بالرقى الشرعية، ص:42. (1/60)
صفحة 61
ومن المعلوم أن قضية الصرع والمس من الأمور التي كثر فيها الجدل، وحدث فيها الأخذ والرد، فقد أنكر بعض الناس هذه القضية مستندين في ذلك إلى أن العقل لا يقبل هذه الأمور ولا يؤيد ذلك، وعدوا ذلك من الأمور غير الممكنة، واحتجوا أيضا بأنه لا يوجد في الكتاب والسنة نصوص واضحة وصريحة تثبت أمر الصرع والمس، وجعلوا ذلك من الخرافات والخزعبلات التي تسيطر على كثير من الناس، غير أن المثبتين لقضية الصرع والمس ردوا على تلك الشبه، وذكروا في كتبهم أدلة عديدة تثبت أمر الصرع والمس، وهذه الأدلة بعضها من الكتاب وبعضها من السنة، كما أن الواقع يشهد بذلك فهناك الكثير من القصص التي وقعت في هذا الأمر وهناك العديد من الأشخاص الذين يعانون من أمراض الصرع والمس حتى في يومنا هذا.
ونحن في هذه العجالة لسنا بصدد سرد هذه الأدلة وتفنيدها وذكر تفاصيلها، وهناك العديد من الكتب التي ألفت في هذا المجال وهي كثيرة لمن أراد الإطلاع عليها (1) .
ولكن لا مانع هنا من ذكر بعض هذه الأدلة بإجمال:
الأدلة على ثبوت الصرع في القرآن:
1- قال تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } (2) .
قال الحافظ ابن كثير:((أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حالة صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك انه يقوم قياما منكرا)) (3) .
__________
(1) – معك على سبيل المثال: كتاب برهان الشرع في اثبات المس والصرع، وأيضا: العلاج الرباني للسحر والمس الشيطاني، تأليف: مجدي محمد الشهاوي، وكتاب عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة، تأليف: عبد الكريم نوفان فواز.
(2) – سورة البقرة، الآية:275.
(3) – تفسير ابن كثير، 1/334. (1/61)
صفحة 62
2- قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } (1) .
ثانيا: الأدلة من السنة:
عن عطاء بن أبي رباح قال:((قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة. قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها)) (2) .
... ونحن نلاحظ أن معظم الأدلة السابقة ليس بها دلالة صريحة على ثبوت المس والصرع، ولذلك تباينت الأفكار واختلفت الآراء، وقد سئل سماحة شيخنا العلامة الخليلي عن قضية تربص الجن بالإنسان هل هي حقيقة؟ أم هي أمور نفسية، فأجاب (3) :
((حقيقة الأمر هذه قضية بحثها العلماء ووقفوا منها موقفين، منهم من قال بدخول الجن في جسم الإنسان؛ لأن أجسامهم أجسام لطيفة، أي هم أقرب إلى الروحانية، فلذلك يتمكنون من الدخول، ومنهم من قال بعدم دخولهم؛ لأنهم ولو كانت أجسامهم لطيفة إلا أنهم أجسام فلا يتلبس جسم بجسم، ولكن مع هذا هنالك تأثير من حيث الإيحاء، فقد يتكلم الإنسان كلاما يوحيه إليه الجني الذي تلبس به بطاقته الروحية لا بدخوله في جسمه حسب ما يبدو، وإنما يؤثر عليه تأثيرا حتى يتحدث بما يتحدث به.
__________
(1) – سورة الأعراف، الآية: 201.
(2) – أخرجه البخاري، (5652).
(3) – برنامج سؤال أهل الذكر. (1/62)
صفحة 63
... وعلى أي حال هذه القضية لا ننكر وقوعها إلا أن ذلك قد روج له ترويجا عجيبا عند الناس، وهذا الذي جعل الناس يتأثرون تأثرا نفسيا عجيبا، وتترادف عليهم الأمراض النفسية، وتكثر عندهم الأوهام، وتشيع عندهم الخيالات، حتى يتحدث الإنسان بأنه رأى كذا ورأى كذا، وأنه يحس بكذا في حال نومه، أو في حال انفراده، أو في غير ذلك من أنواع الحالات، هذا إنما هو في الغالب ناشئ عن حالات نفسية، وقد كان الواجب أن تكافح الأمور نفسيا، من حيث يعود الناس على التصلب، فقد وصل الأمر بالناس أن أحدا إذا أحس حشرجة في حلقه قال: هذا من أثر الجن، أو وجعته أذنه قال: هذا من الجن، أو وجعه رأسه قال: هذا من الجن، أو أصابه أي شيء قال: هذا من الجن، كأنما الإنسان ليس عرضة للبلاء مع أن أي أحد عرضة للبلاء. (1/63)
صفحة 64
... فمثل هذه الإشاعات أوحت على الناس إيحاءات غريبة، وأثرت عليهم تأثيرا نفسيا، فلذلك من الواجب أن يكافح هذا، ومع هذا يأمر كل أحد أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. عندما شكا عبد الله بن عمرو بن العاص إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عندما ينام يرى أهوالا علّمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" (1) ، فالمسلم يؤمر أن يتقي الله في جميع أحواله، أن يتقي الله عندما ينام، وأن ينام على طهارة، وأن يتقي الله عندما يستيقظ، وأن يستيقظ على نية خالصة ترضي الله تعالى، وأن يذكر الله قبل نومه، وأن يذكر الله عند يقظته، وأن يذكر الله - سبحانه وتعالى - في جميع أحواله، استجابة المسلم لذكر الله - عز وجل - في أحواله المختلفة سبب لوقايته من هذه الشرور، ومن الأوهام ومن هذه الخيالات، فليكثر الناس من ذكر الله - سبحانه وتعالى - ؛ لتطمئن قلوبهم فإن الله - عز وجل - يقول: { أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } (2) ، والله تعالى الموفق)).
أنواع الصرع:
... قسم بعض العلماء والأطباء الصرع على نوعين اثنين هما: الصرع العضوي، والصرع الجني (الروحي) وهو ما يعبر عنه بالمس، ونحن عندما ذكرنا معنى الصرع ـ في اللغة وعند الأطباء ـ سابقا لاحظنا أن تلك التعاريف تنطبق على النوع الأول وهو الصرع العضوي دون الصرع الجني، ولكن عندما كانت الإصابة بالصرع الجني تصل بالإنسان المريض أحيانا إلى الطرح على الأرض سميت هذه الإصابة بالصرع، وذلك لأن الأصل في الصرع: هو الطرح على الأرض كما ذكرنا سابقا وفيما يلي توضيح لأقسام الصرع (3) :
القسم الأول: الصرع العضوي :
__________
(1) – أخرجه الترمذي، (3528)، قال الترمذي:((هذا حديث حسن غريب)).
(2) – سورة الرعد، الآية:28.
(3) – العلاج بالرقى الشرعية، ص:46، بتصرف بسيط. (1/64)
صفحة 65
وهو عبارة عن زيادة الشحنات الكهربائية في الدماغ مما يحدث الخلل فجأة في الخلايا العصبية في الدماغ، فينتج عنه عدم التوازن في الجسم كله، مما يؤدي ذلك إلى الدوار الشديد وغالبا صداع وتشنجات في الأطراف، ومن ثم فقدان الوعي كاملا لبضع دقائق، وكما قال بعض الأطباء عن الصرع العضوي:((هو ارتباك وخلل مفاجئ في كهربة المخ ووظيفته))، ونوباته تأتي على نوعين، تبدأ في مراكز الحركة بالمخ نتيجة تغيرات فزيولوجية عضوية يفقد معها المريض إحساسه وشعوره تماما، وعلاجه يكون مع الأطباء المتخصصين.
أسبابه:
1- شحنات كهربائية زائدة أثرت على الدماغ.
2- اضطرابات في القلب وعدم انتظام دقاته.
3- نزيف حاد في الرحم أثناء الولادة (عند المرأة).
4- نقص الأوكسجين في الدماغ.
5- ارتفاع درجة حرارة الجسم.
6- إصابة الإنسان بالفيروسات.
7- الأبخرة الصاعدة من منطقة المعدة.
القسم الثاني: الصرع الجني:
وهذا النوع من الصرع سببه الجن، وهو عبارة عن سيطرة الجن على دماغ الإنسان سيطرة تامة، وعند حدوث الصرع للمصاب نجده في غيبوبة كاملة، ويحدث صرع الجن للإنسان دون أعراض مسبقة، وبعد صرعه تظهر عليه بعض التشنجات، وعند الفحص الطبي يتبين أنه لا يوجد أي شحنة كهربائية أثرت على الدماغ، فصرع الجن للإنسان يقوم على الخلل الذي يحدثه في الجهاز العصبي، ومن ثم إلى الخلايا الدماغية التي يوجد بها العصب الدماغي.
أسبابه:
1- حالات عشق الجن للإنس.
2- ظلم الإنس للجن.
3- حالات الحسد الشديدة.
4- حالات التوكيل القوية (السحر).
5- اعتداء الإنسي على الجني من دون قصد، فينتقم منه الجني شر انتقام.
الفرق بين الصرع العضوي والصرع الجني: (1/65)
صفحة 66
توجد هناك عدة فروق تبين اختلاف الصرع العضوي عن الصرع الجني، سواء كان ذلك من حيث الأسباب أو الأعراض التي تظهر على المصاب، أو من حيث تشخيص الإصابة وكيفية علاجها، وقد ذكر الشيخ أحمد محمود الديب ثمانية من هذه الفروق وهي (1) :
1- إن الصرع العضوي غالبا ما يكتشف ـ بإذن الله تعالى ـ أو يتم تشخيصه بواسطة تخطيط الدماغ الكهربائي، وإن 15% تقريبا من أنواع الصرع لا يكتشف بالتخطيط الدماغي، وأما الصرع الروحي أو الجني يكتشف ـ بإذن الله تعالى ـ أو يتم تشخيصه بحدوث تغيرات في حياة المصاب؛ كعدم مقدرته على النوم لكثرة الأرق والكوابيس المتكررة والمزعجة، وعدم اقباله على الطاعة لله - عز وجل - والإعراض عن القرآن، والتألم عند سماع آيات الوعد والوعيد.
2- إن بعض المصابين بالصرع العضوي في حالة نوبة الصرع يعض على لسانه، ويتبول أثناءها بدون سبب. وأما الصرع الجني فيحدث لبعض المصابين عند نوبة الصرع أن يعض على لسانه، أو يتبول على نفسه، ولكن بعد قراءة القرآن عليه.
3- إن المصاب بالصرع العضوي لا يتأثر بقراءة القرآن، وربما يهدأ نفسيا، ويشعر براحة فقط؛ وذلك لأن القرآن يخفف من درجة توتر الجهاز العصبي. وأما المصاب بالصرع الجني فهو يتأثر جدا بقراءة القرآن، فيجد ضيقا في صدره، ونفورا حتى إنه يصرخ ثم يصرع.
4- إن الصرع العضوي العام هو مرض عصبي يحدث على شكل نوبات من التشنج والاختلال القوي، يتبعها نوم عميق. وأما الصرع الجني فهو تسلط من روح خبيثة شيطانية على جسد الإنسي.
__________
(1) – برهان الشرع في اثبات المس والصرع، ص:49، نقلا عن كتاب: العلاج القرآني والطبي من الصرع الجني والعضوي. (1/66)
صفحة 67
5- التشنج للصرع العضوي يستمر لمدة دقائق، ولا يستطيع المصروع خلال النوبة الصرعية أن يتحدث مع أي أحدٍ. وأما الصرع الجني فإنه يستمر أحيانا لمدة ساعات يستطيع المصروع أن يتحدث مع المعالج عن طريق الجني، فيخبر عن أسباب صرعه للإنسي (1) .
6- إن نوبات الصرع العضوي تحدث في أي وقت من ليل أو نهار، أو عند النوم، فإن الباحثين يقولون: إن ربع المصابين بالصرع يصابون بنوبات صرعية أثناء النوم. وأما المصاب بالصرع الجني فلا يصرع إلا بعد قراءة القرآن، أو لشيء ضايق الجني.
7- إن المصاب بالصرع العضوي يمكنه الشعور بقرب حالة النوبة الصرعية بدقائق، وأما المصاب بالصرع الجني فلا يشعر بنوبة الصرع إلا بعد قراءة القرآن عليه.
8- إن المصاب بالصرع العضوي يمكن ـ بإذن الله - عز وجل - ـ أن يشفى تماما من الحالة المرضية بالجراحة أو استعمال الأدوية العلاجية، ومن الممكن أن يظل لطيلة حياته يتناول الأدوية العلاجية إلى أن يتوفاه الله - عز وجل - .
__________
(1) – تحدث الجان على لسان الإنسي من الأمور التي كثر فيها الأخذ والرد، وفي الحقيقة لا يوجد هناك دليل شرعي يثبت إمكانية ذلك، ولا يستبعد أن ينطق الإنسان المصاب بالصرع بكلام خارج عن إرادته ناتج من تأثير الجني عليه. (1/67)
صفحة 68
وأما المصاب بالصرع الجني فإنه يمكن ـ بإذن الله - عز وجل - ـ أن يشفى بعد خروج الجني من جسده (1) ، ويمكن أن يعود إليه الجني مرة أخرى إذا كان المصاب ضعيف الإيمان، أو ارتكب بعض المخالفات الشرعية، أو تعرض لعمل سحري، أو تسبب في إيذاء جني، والله تعالى أعلى وأعلم.
علامات وأعراض المس من الجن: (2)
أولا:علامات اليقظة:
2- الصدود والبعد عن ذكر الله - عز وجل - .
3- الذهول والنسيان والخمول والكسل والشرود الذهني.
4- عدم التركيز في الأقوال والأفعال.
5- الميل الكبير للنوم.
6- البكاء الشديد بدون سبب.
7- الخوف من أقرب الأقارب.
__________
(1) – دخول الجن في جسم الإنسان أمر فيه نظر، وقد سئل سماحة الشيخ الخليلي ـ حفظه الله - عز وجل - ـ عن قضية تلبس الجن والشيطان بجسم الإنسان، فأجاب:((تأثير الجن والشياطين على الإنسان تأثير روحاني؛ لأن هذه المخلوقات الجانب الروحاني فيها أقوى من الجانب الجسماني، ولذلك تقدر على التشكل من شكل لآخر، فهي من هذه الناحية كالملائكة، وإن كان الفارق بين النوعين أن أرواح الملائكة خيرة، وأرواح الشياطين شريرة، وعليه فإن ملابستها للإنسان لا تعدو أن تكون ملابسة الروح بالروح وإن بدا أثر ذلك على الجسم، ويتمكن الشيطان بقوة تأثيره على ابن آدم عندما يلابس روحه من الإيحاء إليه فيتكلم بلسانه كلاما خارجا عن الإرادة، وكيفية هذا التأثير أمر غيبي لا يمكنها تحديدها كما لا يمكن تحديد الروح نفسها { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } (الإسراء:85) )). المصدر: مجلة المعالم، العدد:2، جمادى الآخر ـ رجب 1421هـ، ص:26 – 27.
(2) – البيان في العلاج بالقرآن، ص:49، تأليف: ناصف عوض الميناوي، ط:1، 1998م، مركز الكتاب للنشر: القاهرة، وانظر أيضا: العلاج الرباني للسحر والمس الشيطاني، ص:63، تأليف: مجدي محمد الشهاوي، المكتبة التوفيقية. (1/68)
صفحة 69
8- الشكوى الدائمة من الألم (الصداع ـ ألم المفاصل والظهرـ ضيق الصدر).
9- التشكيك في العبادة.
10- سماع أصوات غير عادية تحدثه أو تنادي عليه باسمه.
ثانيا: علامات النوم:
1- الأرق والقلق.
2- الكوابيس.
3- الإحساس بأن أحدا يريد قتله.
4- يرى حيوانات تعضه أو تهاجمه أو تجري وراءه.
5- الاعتداء عليه أثناء النوم جنسيا.
6- الكلام أثناء النوم والمشي بدون شعور.
7- يرى أنه يقع من مكان عال أو يطير في الهواء.
8- يرى أنه يسقط في بئر أو بحر أو مكان فيه نار.
إلى غير ذلك من الأمور التي قد تصيب الإنسان المصاب بالصرع، وجميع ذلك غير مستبعد؛ لأن تأثير الجني عليه يجعله غير طبيعي، وتختلف هذه الأعراض وتتفاوت من شخص إلى شخص قوة وضعفا على حسب درجة الإصابة.
علاج الصرع بالرقية الشرعية:
...
... أما بالنسبة للصرع العضوي فهو كما ذكرنا سابقا عبارة عن خلل ومرض عضوي، وهذا النوع من الصرع يكون علاجه مع الأطباء المختصين أولا؛ كي يقوموا بالتنظيم لعمليات الشحنات الكهربائية، عن طريق الدواء المنتظم الذي يقدمه الطبيب للشخص المصاب، ومع ذلك لا مانع من أن يستخدم المصاب الرقية بالمعوذات والآيات والأذكار صباحا ومساء لتكون له حرزا في يومه وليله. (1/69)
صفحة 70
... أما الصرع الجني فعلاجه يكون بالقرآن الكريم والأدعية النبوية الشريفة، ويتم قراءة آيات الشفاء أو الرقية الشرعية على الأذن اليمنى للمريض، ولقد جاء ذكر هذه الآيات في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وهو حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: ((كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال: يانبي الله إني لي أخا به وجع، فقال: وما وجعه؟، قال به لمم. قال: فأتني به، فأتاه به فوضعه بين يديه، فعوذه النبي - صلى الله عليه وسلم - بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول البقرة، وآيتين من وسط البقرة (إلهكم إله واحد)، وآية الكرسي، ثلاث آيات من آخر البقرة، آية من سورة آل عمران (شهد الله أنه لا إله إلا هو)، آية من سورة الأعراف { إن ربكم الله، وآخر سورة المؤمنون { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } إلى آخره، آية من سورة الجن { وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } ، وعشر آيات من أول الصافات، وثلاث من آخر الحشر، و { قل هو الله أحد } ، والمعوذتين)) (1) .
... هذه الآيات المذكورة في الحديث تسمى آيات الشفاء أو الرقية الشرعية، وبها كان علاج الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأخ الأعرابي الذي جاءه، ونحن سنذكر هذه الآيات مفردة ومفصلة فيما يلي:
آيات الرقية الشرعية:
ضع يدك على رأس المريض، واقرأ في أذنه اليمنى هذه الآيات بترتيل وحضور قلب:
1- { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ - اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ - غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين } . سورة الفاتحة.
__________
(1) – فتح القدير، 1/38، تأليف: الإمام محمد بن علي الشوكاني ت:1250هـ، عالم الكتب، وانظر أيضا: تحفة الذاكرين للإمام الشوكاني ص:211، دار الكتب العلمية: بيروت. (1/70)
صفحة 71
2- { الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ - والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، الآيات: ( 1-5) من سورة البقرة.
3- { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الآيتان: (163-164) من سورة البقرة. (1/71)
صفحة 72
4- { اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ - لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ، الآيات: (255-257) من سورة البقرة.
5- { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ - لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } الآيتان: (286-287) من سورة البقرة. (1/72)
صفحة 73
6- { شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الآية:18 من سورة آل عمران.
7- { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } الآية:54، من سورة الأعراف.
8- { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ - فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ - وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ - وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } الآيات:115- 118، من سورة المؤمنون.
9- { وَالصَّافَّاتِ صَفًّا - فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا - فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا - إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ - رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ - إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ - وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ - لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ - دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ - إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } الآيات:1-10 سورة الصافات. (1/73)
صفحة 74
10- { لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون - َهُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الآيات: 21- 24، من سورة الحشر.
11- { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا } الآية:3، من سورة الجن.
12- { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } سورة الإخلاص.
13- { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِن شَرِّ مَا خَلَقَ - وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ - وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد - ِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) سورة الفلق .
14- { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ - مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ } سورة الناس.
هذه هي الآيات التي قرأ بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - على المصاب بالصرع، كما ورد ذلك في حديث أبي بن كعب الذي سبق ذكره (1) .
السحر وعلاجه بالرقية الشرعية:
__________
(1) – من أراد التوسع في علاج الصرع، فعليه على سبيل المثال: كتاب العلاج الرباني للسحر والمس الشيطاني، وأيضا: البيان في العلاج بالقرآن. (1/74)
صفحة 75
سيكون الحديث هنا عن تعريف السحر لغة واصطلاحا، وعن أقسامه وأنواعه، وسنذكر الأدلة على وقوع السحر، وكلام العلماء في ذلك، وأخيرا نذكر علاج السحر بالرقية الشرعية.
تعريف السحر:
السحر في اللغة: هو الخداع والتخييل، وصرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، والساحر هو من يقوم بهذه العملية فيوهم الناس بسحره وخداعه لهم، جاء في الكتاب العزيز في قصة موسى عليه السلام قوله تعالى: { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } (1) .
وفي لسان العرب يقول ابن منظور:((أصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما رأى الباطل في صورة الحق وخيل الشيء إلى غير حقيقته؛ قد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه)) (2) .
وقيل في السحر أيضا: أنه عبارة عما خفي ولطف سببه. جاء في المعجم الوسيط:((السحر ما لطف مأخذه ودقّ)) (3) وفي الحديث الشريف عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن من البيان لسحرا)) (4) ، وهذا المعنى يلاحظ فيه عموم حيث يدخل فيه ما لم يكن من السحر، أما المعنى الأول فهو أقرب إلى الصواب وأدق في العبارة.
السحر في الاصطلاح:
... السحر هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي تحصل بسببها للمسحور، وما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء ، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير، وهو مشتق من
سحرت الصبي إذا خدعته، وقيل أصله: الاستمالة لأن من سحرك فقد استمالك (5) .
__________
(1) – سورة طه، الآية:66.
(2) –لسان العرب، مادة: (سحر) 7/135.
(3) – المعجم الوسيط، مادة: (سحر).
(4) – أخرجه البخاري، (5767).
(5) – فتح القدير للشوكاني: 1/119. (1/75)
صفحة 76
... قال الراغب وغيره (1) :((السحر يطلق على معان: أحدها: ما لطف ودق، ومنه سحرت الصبي: خادعته واستملته، ومنه إطلاق الشعراء سحر العيون لاستمالتها النفوس، ومنه قول الأطباء: الطبيعة ساحرة، ومنه قوله تعالى: { بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } (2) ، أي مصروفون عن المعرفة، ومنه حديث ((إن من البيان لسحرا)) (3) ، الثاني: ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها، نحوها مايفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاها بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله - عز وجل - : { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } (4) ، وقوله - عز وجل - : { سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ } (5) ، ومن هناك سموا موسى ساحرا، وقد يتعين في ذلك بما يكون فيه خاصية كالحجر الذي يجذب الحديد المسمى المغناطيس، الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: { وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } (6) ، الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانياتهم بزعمهم )).
... وفي علم النفس عرّف السحر بعض المتخصصين فقال (7) :((هو كل عملية تصدر من شخص أو أشخاص، لديهم قدرات وقوة باطنية ـ هم على وعي بها أو غير وعي ـ يمنعون بواسطتها عمل قوى الطبيعة في الإنسان، فتحدث اضطرابات في عمل القوى الدينامية داخل الكيان البشري، فينتج عن ذلك آثار سلبية، أو أضرار جسيمة يتلوها ارتباك في السلوك لدى الشخص المتلقي، أي الذي تم تسليط القوى الباطنية عليه)).
الأدلة على وقوع السحر:
__________
(1) –فتح الباري، 10/272.
(2) – سورة الحجر، الآية:15.
(3) – سبق تخريجه.
(4) – سورة طه، الآية:66.
(5) – سورة الأعراف، الآية:116.
(6) – سورة البقرة، الآية:102.
(7) – السحر بين علم النفس والباراسيكولوجيا والقرآن، ص:236، تأليف: حسن الشقرماني، ط:2، المطبعة والوراقة الوطنية: مراكش. (1/76)
صفحة 77
أولا: الأدلة من القرآن الكريم:
1- { وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } (1)
2- الآيات الواردة في قصة موسى عليه السلام مع سحرة فرعون وهي كثيرة منها:
أ قوله تعالى: { فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ - وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } (سورة يونس: الآية:81-82).
ب ـ قوله تعالى: { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى - قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى - وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } (سورة طه، الآيات: 67-69).
__________
(1) – سورة البقرة، الآية:106. (1/77)
صفحة 78
ج- قوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ - فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ - فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ - وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ - قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } (سورة الأعراف، الآيات: 117-122).
3- قال تعالى: { قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ } (سورة يونس،الآية: 77).
4- قال تعالى: { وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } (سورة الفلق، الآية:4)، والنفاثات في العقد: هن الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط.
ثانيا: الأدلة من السنة النبوية:
توجد جملة من الأحاديث تدل على ثبوت السحر، وتدل على أنه كبيرة من الكبائر؛ بل هو من أكبر الكبائر: (1/78)
صفحة 79
1- عن عائشة - رضي الله عنه - ا قالت:((سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من بني زُرَيق يُقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى كان ذات يوم ـ ذات ليلةـ وهو عندي لكنه دعا ودعا، ثم قال:" ياعائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجفّ طلعة نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان، فأتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناس من أصحابه، فجاء فقال: ياعائشة كأن ماؤها نقاعة الحناء، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، قلت: يارسول الله أفلا استخرجته، قال: كرهت أن أثير على الناس فيه شرا، فأمر بها فدفنت)) (1)
__________
(1) – أخرجه البخاري (5763)، ومسلم(2189)، وقد تكلم في صحة هذا الحديث ـ من جهة المتن ـ كثير من الناس من حيث أنه يحط من منصب النبوة، ويشكك فيها وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع...، ولكن رد على ذلك بأنه لا تسلط له على عقله ـ أي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ـ بل هو خاص بظاهر جسده، كأي مرض من الأمراض، وليس المحل هنا ذكر التفاصيل وتفنيد هذه الآراء فهي موجودة في محلها وقد سئل عن صحة هذا الحديث سماحة شيخنا الخليلي فأجاب بقوله:(( هي رواية آحادية؛ وإن قيل بصحة سندها وخبر الآحاد لايعول عليه في قضايا الاعتقاد كهذه القضية، فضلا عما في متن الرواية من نظر، والله أعلم)). المصدر: مجلة المعالم، العدد:2، ص:26. (1/79)
صفحة 80
2- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يارسول الله وماهن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (1)
3- وعن ابن عباس - رضي الله عنه - ما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد)) (2)
حقيقة السحر:
... تكثر الأوهام والخرافات عند العامة من الناس حول حقيقة السحر، وفي إمكانيات الساحر التي باستطاعته فعلها: فمن الناس من يجعل للساحر القدرة على تسخير الجن والشياطين واستخدامهم فيما يشاء من الأمور، ومن الناس من يعتقد أن للساحر القدرة على فعل الكثير من الأمور الخارقة، التي تخرج عن قوانين الطبيعة وطاقات البشر، ومن الناس من ينكر جميع ذلك ويقصر عمل الساحر على الخداع والتمويه والتضليل فقط.
فهل للساحر فعل ما شاء من الأمور الخارقة؟ وهل باستطاعته التأثير على الناس وقلب الحقائق إلى غير ماكانت عليه؟
... في الحقيقة إذا رجعنا نحن إلى ما كتبناه عن المعنى اللغوي للسحر نجد أن أصل السحر في اللغة العربية يقتصر على الخداع والتمويه، وتضليل الناس عن رؤية الشيء على حقيقته، فليس للساحر فعل الخوارق ولا باستطاعته قلب الأشياء عن حقيقتها، أما ما عدا ذلك فقد اختلف فيه العلماء:
... قال ابن حجر (3) : ((واختلف في السحر فقيل هو تخييل فلا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الاسترباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري وطائفة، قال النووي: والصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامة العلماء ، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة...
__________
(1) – أخرجه البخاري (2766).
(2) – أخرجه أبوداود (3901).
(3) – فتح الباري 10/273. (1/80)
صفحة 81
... [قال]: لكن محل النزاع هل يقع للسحر انقلاب عين أم لا؟ فمن قال أنه تخييل فقط منع ذلك، ومن قال أن له حقيقة اختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا (1) وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني. فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف؛ فإن كثيرا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه)).
إذن فجمهور العلماء يثبتون أن للسحر تأثير أن إلا أن هذا التأثير لا يتعدى عن كونه مرضا من الأمراض، والذي يدل على ذلك قصة سحر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على اعتبار صحتها، وقد سبق ذكرها.
وقد سئل سماحة شيخنا الخليلي عما يتناقله الناس عن كثير من الموتى، أنهم يشاهدون بعد موتهم ودفنهم بأيام يمشون ويأكلون ويشربون... ذلك بأنهم لم يموتوا حقيقة، إنما هم مسحورون!!.
... فأجاب حفظه الله - عز وجل - (2) :((هذا الخبر من الإشاعات الكاذبة التي يروِّج لها الدجالون، ويتلقفها الجهلة المثرثرون، فيجعلون من كل حبة تلقفوها قبة، وهكذا تتضاعف الأكاذيب، وتأخذ بمجامع قلوب العامة، حتى تكون عندهم من المسلمات البديهية، وهو ناتج عن الخلو من الإيمان، والفراغ من العلم، ولله الأمر وإليه المشتكى. وقد اختبرت هذه الشائعات أكثر من مرة فلم أجدها إلا كذبا لا أساس له، فإياكم وتصديقها؛ فإنها من إيحاءات الشيطان، لقد شغل الناس بالباطل عن الحق والخرافة عن الدين، والله نعم الموفق لرد هذه الأباطيل)).
أنواع السحر:
تجدر الإشارة في البداية إلى أن السحر الذي تحدث عنه القرآن الكريم إنما جاء على نوعين اثنين هما:
__________
(1) – هذا كلام غريب لا يجوزه العقل، ولا دليل عليه لا من القرآن ولا من السنة ولا من الواقع المعاش، بل دل الدليل على خلافه.
(2) – مجلة المعالم، العدد:2، ص:26. (1/81)
صفحة 82
النوع الأول: سحر الخيال والخداع والتمويه، وهو الذي ذكره الله - سبحانه وتعالى - في قصة موسى عليه السلام مع سحرة فرعون الذين تلاعبوا بأعين الناس، وجعلوهم يبصرون الأشياء على غير حقيقتها، قال تعالى: { فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } (1) .
النوع الثاني: السحر الذي يثير العداوات بين الناس، وذلك كالسحر الذي يؤدي إلى التفريق بين الزوجين، كما جاء ذلك في الإخبار عن هاروت وماروت في قوله تعالى: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ } (2) .
ويتضح من خلال ما سبق من المعاني اللغوية في تعريف السحر، ومن خلال ما ذكر في القرآن الكريم نخلص إلى أن الساحر لا يمكنه فعل الأمور الخارقة، وليس باستطاعته قلب الأشياء عن حقيقتها، فلا يلتفت إلى الإشاعات والخرافات التي مازالت تحشو عقول الناس وأذهانهم، فلا بد من التنبه لهذا الأمر.
... وقد قسم الإمام الرازي في تفسيره السحر إلى ثمانية أقسام، وهو في الحقيقة قد أدخل بذلك في السحر ما لم يكن منه، وربما كان منه ذلك بالنظر إلى التعريف العام للسحر بكونه:" كل ما لطف مأخذه ودقّ"، وقد سبق، وهذه الأقسام الثمانية هي باختصار (3) :
- القسم الأول: سحر الكلدانيين والكسدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل عليه السلام.
__________
(1) – سورة الأعراف، الآية:116.
(2) – سورة البقرة، الآية:102.
(3) – التفسير الكبير، للإمام الرازي 1/223،ط: 3، (1405هـ/1985م)، دار الفكر. (1/82)
صفحة 83
- القسم الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ويستدلون على أن الوهم له تأثير: فالإنسان يمكنه أن يمشي على الجذع الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه، وكما أجمع الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفس خلقت مطيعة للأوهام.
- القسم الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية وهم الجن على قسمين: مؤمنون و كفار، وهم الشياطين. ثم أن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بالأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى (1) والدخن، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير.
- القسم الرابع: التخيلات والأخذ بالعين والشعبذة، ومبناه أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه عمل شيئا آخرا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه؛ فيتعجبون منه جدا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
- القسم الخامس: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركبة على النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يلمسه أحد، ومثال هذا تركيب صندوق الساعات، [قال]: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر لأن لها أسبابا معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها.
قلت: هذه الأمور أصبحت مألوفة في عصرنا، كما هو الحال في لعب الأطفال وغيرها من الآلات الكثيرة، ولكن ما ذكره الرازي كان باعتبار عقلية الناس في عصره.
__________
(1) – يُقصد بالرقى هنا: رقى الجاهلية، والتي تحتوي على الشرك وغيره. (1/83)
صفحة 84
- القسم السادس: الاستعانة بخواص الأدوية، مثل أن يجعل في طعامه بعض الأدوية المبلدة المزيلة للعقل والدخن المسكرة، نحو دماغ الحمار إذا تناوله الإنسان تبلد عقله وقلّت فطنته [قال]: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص فإن أثر المغناطيس مشاهد إلا أن الناس قد أكثروا فيه وخلطوا الصدق بالكذب والباطل بالحق.
- القسم السابع: التعليق للقلب: وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون ذلك لسامع ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوة الحاسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.
- القسم الثامن: السعي بالنميمة والتقريب من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.
ومما ينبغي التنبيه له هنا أن بعض هذه الأنواع التي ذكرها الإمام الرازي من باب السحر هي في الحقيقة ليست من السحر. قال الحافظ ابن كثير تعلبقا على هذه الأنواع الثمانية:(( وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه)) (1) .
علاج المصاب بالسحر: (2) (3) :
__________
(1) – تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 1/152.
(2) – السحر بين علم النفس والباراسيكلوجيا والقرآن، ص: 246 وما بعدهأن باختصار وتصرف.
(3) – من أراد التوسع و زيادة في التفصيل فعليه بالكتب التالية: 1- الصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار، تأليف: وحيد عبد السلام بالي. 2- البيان في العلاج بالقرآن، تأليف: ناصف عوض الميناوي. (1/84)
صفحة 85
لا بد من الإشارة إلى أنه من الصعوبة بمكان تشخيص الإصابة السحرية؛ لأنها ترتبط أساسا باضطراب في التوازن الروحي، لذا يجب أولا القيام بعملية التشخيص العضوي، وهذا أمر يقرره الطبيب، فعندما يخبرنا بأن المصاب لا يعاني من مرض عضوي آنذاك نبحث هل الإصابة نفسية؟ ـ وهي مسألة يقررها الطبيب المختص ـ أم أنها غير ذلك؟، وعلى كل حال فإن معرفة الإصابة بالسحر تتطلب المرور بالمراحل التالية:
1- مرحلة التشخيص العضوي:
لا بد أن يتجه الإنسان في البداية نحو طبيب الأمراض العضوية ليستفسره عن حالته الصحية؛ ذلك أن بعض الأمراض تسبب للإنسان إحساسا بالقلق والاكتئاب، كمرض الطحال مثلا، وقد يترتب على ذلك توتر وربما نفور من العمل أو التجارة أو غير ذلك. وغالبا ما يحدث الشفاء بعد العلاج من المرض العضوي فتتغير إحساسات المصاب ويسترجع نشاطه وهمته.
2- مرحلة التشخيص النفسي:
هناك العديد من الإصابات التي يوهم أصحابها بأنها سحر، هي في الحقيقة لا تعدو عن كونها اضطرابات نفسية، وبناء عليه يجب على المصاب بعد استشارة طبيب الأمراض العضوية أن يتجه نحو طبيب الأمراض النفسية الذي سيدله مباشرة على الطريق الذي يجب أن يسلكه توخّيا للعلاج.
3- مرحلة التشخيص الروحي:
إذا تعذرت على الإنسان المصاب المراحل السابقة فإنه يلجأ إلى التشخيص الباطني أو الروحي، وهذه العملية ينبغي أن تكون ذاتية، بحيث يتجه الإنسان المصاب إلى ربه - عز وجل - بالإلحاح في الدعاء والإكثار من ذكر الله - عز وجل - خاصة في الأوقات التي تكون أقرب إلى الاستجابة، وأن يكون هذا الدعاء مصاحبا بقوة اليقين في الإجابة الإلهية، ولا مانع من أن يستشير المصاب أهل العلم والفضل ويستعين بخبرتهم في هذا المجال، ولكن عليه أن يحذر في انتقائهم واختيارهم؛ فلا يتصل بالدجالين والمشعوذين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل بمجرد الخداع والتضليل. (1/85)
صفحة 86
فإذا تحققت الإصابة بالسحر فلا بد أولا من إعداد المصاب نفسيا وروحيا للعلاج، وذلك بجعله يثق في قوة العلاج، ويثق في إمكانية الشفاء، وإبطال مفعول السحر، فإن كان المصاب يقوم بعملية العلاج بنفسه فإنه يجب أن يستحضر هذه الأمور السابقة، ويجب أن يستحضر أن ما أصابه لم يكن إلا بإذن الله - سبحانه وتعالى - ، قال تعالى: { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ } (سورة البقرة، الآية:102)، أي السحر، وعليه أن يستحضر أن العلاج لن يكون إلا بإذن الله - سبحانه وتعالى - .
فإذا تم كل ذلك فعلى الشخص المصاب أو من يقوم بعملية إبطال السحر أن يأخذ كأسا به ماء، ويستحسن أن يكون من ماء زمزم، ثم يقرأ عليه الآيات والسور الآتية، ثم يصب على رأس المصاب:
1- { بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ - اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ - غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين } . سورة الفاتحة.
2- { الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ - والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، الآيات: ( 1-5) من سورة البقرة. (1/86)
صفحة 87
3- { وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } (الآية: 106) من سورة البقرة.
4- وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الآيتان: (163-164) من سورة البقرة. (1/87)
صفحة 88
5- { اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ - لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ، الآيات: (255-257) من سورة البقرة.
6- { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ - لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } الآيتان: (286-287) من سورة البقرة. (1/88)
صفحة 89
7- { شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الآية:18 من سورة آل عمران.
8- { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } الآية:54، من سورة الأعراف.
9- { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ - فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ - فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ - وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ - قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } الآيات:(117 – 122) من سورة الأعراف.
10- { فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ - وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } الآيتان:(81 -82) من سورة يونس.
11- { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } الآية: (69) من سورة طه. (1/89)
صفحة 90
12- { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ - فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ - وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ - وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } الآيات:115- 118، من سورة المؤمنون.
13- { وَالصَّافَّاتِ صَفًّا - فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا - فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا - إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ - رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ - إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ - وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ - لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ - دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ - إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } الآيات:1-10 سورة الصافات.
14- { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ - قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ - يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } الآيات: (29 -32) من سورة الأحقاف. (1/90)
صفحة 91
15- { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ - فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ - يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَان - ِ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } الآيات: (33- 36) من سورة الرحمن.
16- { لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون - َهُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الآيات: 21- 24، من سورة الحشر. (1/91)
صفحة 92
17- { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا - يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا - وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا - وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا - وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا - وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا - وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا - وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا - وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا } الآيات:( 1-9) من سورة الجن.
18- { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } سورة الإخلاص.
19- { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِن شَرِّ مَا خَلَقَ - وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ - وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد - ِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) سورة الفلق .
20- { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ - مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ } سورة الناس.
الأرق وعلاجه:
معنى الأرق وأسبابه:
الأرق هو السهر، وهو مفارقة الرجل النوم، من وسواس أو حزن أو غير ذلك (1) .
__________
(1) – تحفة الأحوذي، 9/470. (1/92)
صفحة 93
... والأرق أسبابه نفسية، وهو حالة من فقدان وابتعاد النوم عن جفن المصاب به، وهو نوع من الوسوسة يخيل لصاحبه أنه لن ينام أبدا، وكلما زادت أو تسلطت فكرة الأرق فإن الشخص يزيد أرقا ويطير النوم من جفنيه.
... والأسباب النفسية للأرق متعددة وكثيرة، فالخلافات والهم والكرب والمشاكل التي تحدث في العمل إلى غير ذلك من الأحداث اليومية المثيرة التي تلعب دورا عند تذكرها أو ورودها في حالة النوم، فتمر هذه الأحداث أمام عيني الشخص فتسبب له نوعا من الأرق يزول بزوال المؤثرات أو الأسباب، والأرق منه ماهو طبيعي وماهو شاذ (1) .
العلاج بالرقية:
... يروى أن خالد بن الوليد المخزومي شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله ما أنام الليل من الأرق، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :((إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارا من شر خلقك كله جميعا، أن يفرط علي أحد أو أن يبغي علي، عز جارك وجل ثناؤك، ولاإله غيرك، لا إله إلا أنت)) (2) .
ومعنى((كن لي جارا)): أي كن لي معينا ومانعا، ومجيرا وحافظا.
ومعنى((أن يفرط علي أحد)): أي يعتدي علي أحد.
__________
(1) – العلاج النفسي في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، تأليف: الدكتور عبد المنان...
(2) – أخرجه الترمذي (3523)، وقال:((هذا حديث ليس إسناده بالقوي)). (1/93)
صفحة 94
... ففي هذا الحديث الشريف علاج نفسيّ من النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الصحابي الذي جاء يشتكي من الأرق، وفقدان النوم، فحثه النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يقول هذا الدعاء عندما يأوي إلى فراشه، والإنسان الذي يستحضر هذا الدعاء يذهب عنه الفزع والهموم التي هي السبب في الأرق؛ وذلك لأن الإنسان عندما يستحضر هذا الدعاء يعتقد أن النافع والضار هو الله - سبحانه وتعالى - وحده، وأن كل ما في السماوات والأرض من شياطين ودواب وهوام هو تحت قدرة الله - سبحانه وتعالى - وقهره، وأنه لاسلطة لأحد إلا بإذن الله - عز وجل - ، ولو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بما كتبه الله عليك.
... فإذا اعتقد الإنسان ذلك كله اطمأن قلبه وارتاح ضميره، وزال عنه الخوف والفزع، وقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:((إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون فإنها لن تضره)) (1) .
ومع كل ذلك فإن هذا الدعاء هو ذكر الله - سبحانه وتعالى - ، وكما هو معلوم فإن ذكر الله - عز وجل - تطمئن له القلوب وترتاح له النفوس، قال تعالى: { أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } (2) .
ومعنى ((أعوذ بكلمات الله التامات)): أي الكاملة الشاملة الفاضلة؛ وهي أسماؤه، وصفاته وآيات كتبه، و((همزات الشياطين)): أي نزغاتهم وخطراتهم ووساوسهم، وإلقائهم الفتنة والعقائد الفاسدة في القلب.
ومعنى قوله:((وأن يحضرون)): بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلا عليه، أي: ومن أن يحضرون في أموري؛ كالصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك؛ لأنهم إنما يحضرون بسوء (3) .
__________
(1) – أخرجه الترمذي: (3528)، قال الترمذي:((هذا حديث حسن غريب)).
(2) – سورة الرعد، الآية:28.
(3) – تحفة الأحوذي 9/475. (1/94)
صفحة 95
الهموم والأحزان والمصائب وعلاجها:
يعالج الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض الأمراض النفسية كالهموم والمصائب والأحزان بشيء من الأذكار، التي تحلي الإنسان بالصبر وتذهب أو تخفف عنه هذه المصائب والأحزان.
... يقول أحد الباحثين (1) :((إن العلاج النبوي لهذه الأمراض يعد من أبلغ الطرق العلاجية وأنفعها للإنسان في دنياه وآخرته؛ ذلك لأنها تتضمن أصلين عظيمين إذا عرفهما الإنسان الذي ابتلي بمحنة من المحن فإنهما تسريان عنه مصيبته، [قال]: ويمكن تلخيص هذين الأصلين فيما يلي:
- الأول: أنه إذا عرف العبد أن ماله وأهله ملك لله - عز وجل - على الحقيقة، وأنه ليس إلا أمينا على ما في يده فإذا أخذه الله منه فكأنه رد الأمانة إلى صاحبها
- الثاني: مادام مصير العبد إلى الله فيجب على الإنسان أن يعلم أن هذه الدنيا إنما هي رحلة قصيرة مهما طالت، وأنه سيتركها عاجلا أو آجلا، وأنه سيلقى ربه كما خلق أول مرة بلا أهل ولا مال، وإنما سيلقاه بحسناته وسيئاته)).
العلاج بالرقية:
... ومما ينبغي للإنسان المسلم أن يقوله ويستحضره في قلبه قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، يقول الله - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز واصفا المؤمنين: { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } (2) .
وقد روي عن أم سلمة - رضي الله عنه - أنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته، واخلف له خيرا منها)) قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) .
__________
(1) – العلاج النفسي، ص: 23.
(2) – سورة البقرة، الآيتان:165- 157.
(3) – رواه مسلم. (1/95)
صفحة 96
... فإذا تدبر الإنسان قول: { إنا لله وإنا إليه راجعون } وجده يحمل بين كلماته معان كبيرة، فجملة { إنا لله } : يعترف قائلها بأنه هو وماله وأهله وأولاده ملك لله - عز وجل - هو الذي خلقهم وسواهم وله حق التصرف فيهم كيفما يشاء، من الحياة والموت، والغنى والفقر، والصحة والمرض...، وجملة { إنا إليه راجعون } : يعترف قائلها بأن مصيره ومصير جميع المخلوقات لا محالة راجع إلى الله - عز وجل - الذي خلقه وقدره، وشق سمعه وبصره، ويعترف بأنه مفارق الحياة والأهل والأموال، وصائر إلى الحياة الأبدية العادلة...، فإذا اعتقد الإنسان ـ صاحب المصيبة ـ هذه المعاني واستحضرها في قلبه فإنه لا شك سوف يصبر ويفوض أمره إلى الله - سبحانه وتعالى - .
... ومما يُقال أيضا عند الكرب والهم ماروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب:((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم)) (1) .
قال النووي:((وهو حديث جليل ينبغي الاعتناء به والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة، قال الطبري: كان السلف يدعون به ويسمونه "دعاء الكرب")) (2) .
وروي أيضا أن ابن مسعود ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن؛ فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا)) (3) .
__________
(1) – أخرجه البخاري (6346)، ومسلم:( 2730).
(2) – شرح صحيح مسلم، للإمام النووي، 17/47، ط:3، دار إحياء التراث العربي:بيروت.
(3) – أخرجه أحمد. (1/96)
صفحة 97
... قال أحمد عبد الرحمن البنا:((أن تجعل القرآن ربيع قلبي:أي أسألك أن تجعل القرآن كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، والمراد أن يجعل قلبه مرتاحا إلى القرآن مائلا إليه راغبا في تلاوته وتدبره، منورا لبصيرته، والنور مادة الحياة وبه معاش العباد، وسأله أيضا ان يجعله جلاء حزنه وذهاب همه: أي شفاء لذلك ليكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى اعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو المطبوع والأصدية)) (1) .
المبحث الثاني: العلاج بالرقية من الأمراض البدنية:
الحُمَة وعلاجها بالرقية الشرعية:
الحُمَة: بضم الحاء، وتخفيف الميم يقصد بها لدغ ذوات السموم، وقد ورد الترخيص في الرقية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقد روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:((رخّص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرقية من العين، والحمة، والنملة)) (2)
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:((أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذي حمة)) (3)
والحمة: بضم المهملة وتخفيف الميم، قال ثعلب وغيره:((هي العقرب))، وقال القزاز: قيل: هي شوكة العقرب، وكذا قال ابن سيده: إنها الإبرة التي تضرب بها العقرب الزنبور، وقال الخطابي: الحمة كل هامة ذات سم من حية أو عقرب (4) .
وعلى المعنى العام الذي ذكره الخطابي للحمة فإن هذا الترخيص من الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكون شاملا لكل ذوات السموم من العقارب والحيات والزبابير وغيرها، وقد ورد في السنة الترخيص في رقية الحية، كما ورد أيضا كيفية الرقية من لدغة العقرب:
-الرقية من الحية:
__________
(1) – الفتح الرباني،15/263.
(2) – سبق تخريجه.
(3) – سبق تخريجه.
(4) – فتح الباري10/ 193. (1/97)
صفحة 98
ورد الترخيص في رقية الحية كما جاء ذلك في حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - حيث قال:((رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لآل حزم في رقية الحية)) (1) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:((رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرقية من الحية والعقرب)) (2) .
... فهذه الأحاديث هي نص صريح في جواز الرقية من الحية إذا أصاب الإنسان شيء من سمها، والرخصة لا تكون إلا بعد المنع والحظر، ويجب على الراقي في مثل هذه الحالة أن يكون عنده اليقين التام بأن الله - عز وجل - هو الشافي، وهو المعافي من جميع هذه الآثام حتى ينتفع المصاب (3) .
أما عن الكيفية التي تتبع في الرقية من الحية فسيأتي بيانها عند الكلام عن رقية العقرب؛ لأن كلا من العقرب والحية يطلق عليها اسم: (حمة) أي: أنها من ذوات السموم.
- الرقية من العقرب:
... ورد النص الصريح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرقية من لدغة العقرب، كما جاء ذلك في حديث عائشة الذي ذكرناه قبل قليل، وكما روي أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:((كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرقى، قال: فأتاه، فقال: يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى، وإني أرقي من العقرب؟ فقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)) (4) .
... ففي هذا الحديث سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الرقية من العقرب فلم ينه عن ذلك، ولم يقيد الجواز بشيء معين، وإنما قال:((من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)) وهذا نص صريح في الجواز بعد أن سبق منه النهي عن الرقى عامة، وقد سبق الكلام في بيان هذا النهي وفي السبب المؤدي إليه.
__________
(1) – سبق تخريجه.
(2) – أخرجه ابن ماجه (3517).
(3) – كتاب الرقية الشرعية، تأليف: عبد الله نوارة، ص:66، ط:1،(1423هـ/2002م)، دار الروضة.
(4) – سبق تخريجه. (1/98)
صفحة 99
... أما عن كيفية الرقية من العقرب فقد ورد بيان ذلك من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال:((كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم (1) وأن نفرنا غيب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال:لا ، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا لا تحدثوا شيئا حتى نأتي أو نسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: وما يدريه أنها رقية؟، اقسموا واضربوا لي بسهم)) (2) .
... وفي رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن ناسا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فينما هم كذلك، إذ لُدغ سيّد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولانفعل حتى تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه فضحك وقال: ((وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم)) (3) .
قال ابن حجر (4) :((واللدغ المذكور في الحديث هو ضرب ذات الحمة من حية أو عقرب وغيرهما.[قال]: وأكثر ما يستعمل في العقرب)).
... إذاً نفهم من الأحاديث السابقة أن الرقية إنما كانت بفاتحة الكتاب وأن الراقي وهو أبو سعيد الخدري نفسه كما جاء في بعض الروايات ـ كان ينفث أو يتفل عند الرقية أي عند القراءة، وقد اختلف العلماء في النفث والتفل: فقيل هما وبمعنى ولا يكونان إلا بريق، قال أبو عبيد:((يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في النفث، قيل عكسه)) (5) .
وسيأتي الحديث عن النفث مفصلا إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .
__________
(1) – سليم: بمعنى لديغ، سمي ذلك: تفاؤلا بشفائه.
(2) – أخرجه البخاري (5007)، ومسلم (2201)، والترمذي (2064).
(3) – أخرجه البخاري (5736).
(4) – فتح الباري، لابن حجر، 4/574.
(5) – شرح صحيح مسلم، للنووي 14/182. (1/99)
صفحة 100
وقد بينت رواية الترمذي (1) أن أبا سعيد هو الذي رقاه، وأنه قرأ (الحمد) سبع مرات، وأن الغنم كانت ثلاثين.
... قال ابن القيم (2) :((إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع فما الظن بكلام رب العالمين، ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن، ولا غيره من الكتب مثلها لتضمنها جميع معاني الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله ومجامعها، وإثبات المعاد وذكر التوحيد، والافتقار إلى الرب في طلب الإعانة به والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء، وهو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر، واجتناب ما نهى عنه، والاستقامة عليه،...، ثم قال: وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء )).
ومما روي أيضا في هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في علاج لدغة العقرب ما رواه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال:((بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، إذ لدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لعن الله العقرب، ما تدع نبيا ولا غيره، قال: ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح، ويقرأ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } والمعوذتين حتى سكنت)) (3) .
__________
(1) – أخرجه الترمذي (2063).
(2) – الطب النبوي، لابن القيم، ص: 168 – 169.
(3) – أخرجه الترمذي (2905). (1/100)
صفحة 101
... في هذا الحديث علاج آخر للدغة العقرب استخدمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو كما ترى مركب من العلاج الروحي والطبيعي معا، ولا يخفى على أحد ما لصورة الإخلاص والمعوذتين من المعاني الكبيرة في الاستعانة بالله - سبحانه وتعالى - وحده، والاستعاذة به من كل شر، وما تحملانه من معاني التعظيم والتمجيد والتوحيد...، أما مادة الملح مع الماء فقد ذكر أن في الملح نفعا لكثير من السموم، ولا سيما لدغة العقرب، وفي الملح من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها (1) ، والله أعلم بالصواب.
لكي يتحصن الإنسان من لدغة العقرب وشرها فقد علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقول ونتعوذ بهذا الدعاء:((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق))، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، فقال:((أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك)) (2)
النملة وعلاجها بالرقية الشرعية:
- النملة: بفتح النون وإسكان الميم هي قروح تخرج في الجنب.
قال ابن قتيبة وغيره: كانت المجوس تزعم أن ولد الرجل من أخته إذا خط على النملة يشفى صاحبها.
وسمي هذا الداء نملة لأن صاحبه يمس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه (3) .
__________
(1) – انظر الطب النبوي، ص:172.
(2) – أخرجه مسلم (2709)، والربيع ابن حبيب (652).
(3) - انظر شرح صحيح مسلم 14/185، وأيضاَ كتاب الطب النبوي ص174. (1/101)
صفحة 102
قال ابن الأثير (1) : النملة قروح تخرج من الجنب، ومنه الحديث" قال للشفاء: علمي حفصة رقية النملة" قيل: إن هذا من لغز الكلام ومزاحه، ( أي قول الرسول هذا )، كقوله للعجوز" لا تدخل العجوز الجنة" وذلك أن رقية النملة شيء كانت تستعمله النساء، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع. ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن إن يقال: العروس تحتفل وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل، غير ألا تعصي الرجل اهـ
وخلاصة القول أن النملة هي مرض من الأمراض وأنها عبارة عن قروح في الجنب، وقد سميت بهذا الاسم لأن المصاب بذلك يحس كأن نملة تدب عليه وتعضه في موضع الألم والمرض.
وقد ورد الترخيص من النبي - صلى الله عليه وسلم - في علاج هذا الداء بالرقية فقد روي عن أنس بن مالك – - رضي الله عنه - قال " رخص رسول الله عليه وسلّم- في الرقية من العين والحمة والنملة" (2)
كما روي أيضاَ أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النملة فلما هاجرت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت قد بايعته بمكة قالت: يا رسول الله إني أرقي في الجاهلية من النملة، وأني أريد أن أعرضها عليك، فعرضت عليه فقالت: باسم الله ضلّت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا اللهم اكشف البأس رب الناس، قال: ترقي بها على عود سبع مرات وتقصد مكاناَ نظيفا، وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة (3) .
__________
(1) - النهاية في غريب الحديث 5/120، وانظر أيضاَ: عون المعبود 10/266
(2) - الحديث سبق تخريجه (1/102)
صفحة 103
وهذا العمل الأخير إنما هو من باب الأخذ بالأسباب، فهي - أي الشفاء - عندما تفعل ذلك تسبب في طلب العلاج، وهذا الذي أمرنا المولى عز وجل ونبهنا إلى فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فلا بد من الأخذ بالأسباب وهذا لا ينافى التوكل على الله في إذهاب المرض ؛ بل ذلك هو عين التوكل، وقد حثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التداوي كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" ما أنزل الله من داء، إلا وأنزل له شفاء" (1) وعن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله: أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا؛ فإن الله عزوجل لم يضع داء، إلا وضع له شفاء؛ غير داء واحد. قالوا: ماهو؟ قال:" الهرم" وفي لفظ: إن الله لم ينزل داء، إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله" (2)
أما ذلك الفعل البسيط المتواضع الذي كانت تفعله الشفاء في علاج النملة فذلك كان يناسب عصرها وإمكانيات الناس في زمانها، أما في عصرنا هذا فإن العلاج سهل وميسور ومتوفر في كل مكان، حيث توجد المراكز الصحية والمجمعات الطبية والصيدليات وغيرها أما الرقية التي سمعها منها الرسول صلوات الله وسلامه عليه فهي ذلك الدعاء والذكر الذي كانت تقوله عند العلاج، ونحن نبهنا سابقاَ بأن الرقية ليست أدوية وعقاقير وإنما هي الدعاء والضراعة وطلب الشفاء من الله عز وجل وحده، والاستعانة في ذلك بصفاته وكلامه.
القروح وعلاجها بالرقية الشرعية:
__________
(1) أخرجه البخاري (5678)، وابن ماجه (3439).
(2) - أخرجه الترمذي ( 2038) وقال: وهذا الحديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود (3851) بلفظ مخالف (1/103)
صفحة 104
الأصل في ذلك ما روي عن عائشة – - رضي الله عنه - ا – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - – كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي – - صلى الله عليه وسلم - – بإصبعه هكذا – ووضع سفيان سبّابته بالأرض ثم رفعها باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا" (1)
قال النووي (2) : ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ويقول هذا الكلام في حال المسح.
قال القرطبي (3) : فيه دلالة على جواز الرقي من كل الآلام، وأن ذلك كان أمراً فاشياً معلوماً بينهم.( قال): وزعم بعض علمائنا أن السرّ فيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي به الألم ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم لا سيما من الصائم الجائع، وتعقبه القرطبي أن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يتعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله، وأما وضع الإصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة.اهـ
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) شرح صحيح مسلم 14/184.
(3) فتح الباري 10/256. (1/104)
صفحة 105
قلت: هذا الحديث يحتوي على دعاء وعلى طلب الشفاء من الله - عز وجل - ، وهذا مطلوب من الإنسان دائماً لا سيما المصاب، فلإنسان المؤمن دائم الصلة بالله سبحانه وتعالى لأن النفع والتفريج لن يكون إلا بإذنه وقدرته، وأما وضع الإصبع على الأرض واستعمال التراب لعلاج القروح والجروح؛ فهذا إنما كان في الزمان السابق، في عصر الرسول – صلى الله عليه – وصحابته الكرام، أما في زماننا هذا فإنه لا حاجة إلى ذلك لأن المستشفيات والمراكز الصحية متوفرة في كل مكان، والأدوية والمراهم والعقاقير موجودة بكثرة والحمد لله، فلا معنى أن يترك الإنسان في وقتنا هذه الأدوية الكثيرة على اختلاف أنواعها ويستخدم تراب الأرض في علاج الجروح والقروح.
علاج الوجع بالرقية الشرعية:
... المراد بالوجع هنا هو ما يحس به الإنسان المريض من الألم في أي موضع من مواضع بدنه عل اختلاف الأمراض والإصابات، وبالتالي فإن هذه الرقية التي سنذكرها عامة في كل إصابة وفي كل مرض، وهي كنز ثمين ينبغي للإنسان المصاب أن يردد هذا الدعاء ولا يستهين به.
فقد روى الإمام مسلم وغيره عن عثمان بن أبي العاص الثقفي – - رضي الله عنه - : أنه شكا إلى رسول الله – صلى الله عليه – وجعاً في جسده منذ أسلم فقال له: " ضع يدك على الذي يؤلم من جسدك وقل: باسم الله، ثلاث مرات، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (1)
... وفي رواية الربيع بن حبيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - – قال له: " امسح بيمينك سبع مرات، وقل: أعوذ بعزة الله وبقدرته من شر ما أجد" قال: ففعلت ذلك، ففرج الله عني ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم (2) .
__________
(1) سبق تخرجه
(2) الجامع الصحيح للإمام الربيع (657). (1/105)
صفحة 106
... قال الإمام السالمي في شرح الحديث (1) : قوله( امسح بيمينك) أي: على موضع الألم وقوله ( سبع مرات) إنما أمره بذلك لأن تكراره يكون أنجح وأبلغ كتكرار الدواء الطبيعي لاستقصاء إخراج المادة، وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها، وقد خص - صلى الله عليه وسلم - السبع في غير موضع، والتأثير مشروط بقوة اليقين وصدق النية، قوله ( أعوذ): أي أعتصم وألتجي، وقوله ( بعزة الله وقدرته) أي: بالعزيز القادر، وقوله( من شر ما أجد): أي من شر ما أحس به من الوجع، وقوله( فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم): أي هذه الاستعاذة وذلك لأنها من الأدوية الإلهية والطب النبوي، لما فيه من ذكر الله والتفويض إليه، والاستعاذة بقدرته وعزته. اهـ.
ومن الرقى العامة في جميع الأوجاع قراءة المعوذات على اليدين مع النفث ثم يمسح بهما على موضع الألم، والمراد بالمعوذات سورة الإخلاص والفلق والناس، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك إذا اشتكى، فقد روت أم المؤمنين السيدة عائشة – رصي الله عناه -:" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها" (2) - صلى الله عليه وسلم -
... وعند الإمام الربيع " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث...." (3) : قال الربيع: ينفث: أي يبصق من غير بصاق. قال الإمام السالمي: وهو معنى قول بعضهم: نفخ يشبه البصاق بلا ريق، وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع يديه ويقرأ فيهما وينفث ثم يمسح بهما على موضع الألم.
رقية النبي - صلى الله عليه وسلم - :
__________
(1) شرح الجامع الصحيح 3/405.
(2) - سبق تخريجه
(3) - أخرجه الربيع 656)، وانظر شرح الجامع 3/403 (1/106)
صفحة 107
... توجد هناك بعض الرقى العامة المأثورة عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في علاج المرضى الذين يُدخل عليهم أو يُؤتى بهم إليه، وهذا مما يدل على اهتمام النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بالرقية والعمل بها.
فقد روي عن علي بن أبي طالب ـ - رضي الله عنه - ـ: (( أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان إذا أتى مريضا أو أتي به إليه قال: اذهب البأس، رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما )) (1) .
... وعن عبد العزيز بن صهيب قال: (( دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك فقال ثابت: يا أبا حمزة، اشتكيتُ، قال: بلى، قال: اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما )) (2) .
وعن عائشة ـ - رضي الله عنه - ا ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: (( اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما )) (3) .
__________
(1) ـ سبق تخريجه
(2) ـ سبق تخريجه
(3) ـ أخرجه البخاري (5743)، ومسلم ( 2191). (1/107)
صفحة 108
والرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يثني في البداية على الله ـ عز وجل ـ فيقول: ( اللهم رب الناس ) أي: أنت رب الناس حقيقة لا يملك حق هذه الربوبية إلا أنت سبحانك، ( ومذهب الباس ) أي: لا يذهب بأس البئيس وبلاء المبتلى سواك، وهذا كله ثناء على الله ـ عز وجل ـ بين يدي الدعاء ليكون هذا الدعاء مقبولا، ثم يأتي الدعاء بصيغة الألوهية المستخلصة من أعماق التوحيد النبوي الشريف، فيقول: ( اشف أنت الشافي ) وهذا طلب يحمل معنى الدعاء الخالص، الذي لا يطلب إلا من الله ـ عز وجل ـ فلا يطلب من مخلوق أبدا فهذا محال على البشرية، فالطبيب لا يشفي، والرقى لا تشفي، والداعي لا يشفي ولكن الذي يشفي هو الله ـ عز وجل ـ وحده لا شريك له ولا ندّ له، ولا مثيل له، فهو المتفرد بكل كيانات البشرية، الذي يملك المرض والشفاء، والسعادة والشقاء، ثم يقول ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: ( شفاء لا يغادر سقما ) وهذا دعاء جميل يحمل بين طياته كمال المحبة النبوية لهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، فهو يعلمنا أن ندعو لإخواننا المرضى بهذا الدعاء فيقول: ( شفاء لا يغادر سقما ) أي أن المريض من الممكن إذا أذهب الله عنه المرض قد يصيبه في توابع هذا المرض بعض الأسقام، لكن هذا الدعاء كاشف لهذه التوابع فلا تؤذي المريض ولا تأتيه مرة أخرى ،فهو طلب للشفاء المطلق (1) .
... قال ابن جرير: التقييد بذلك أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلف مرضا آخرا يتولد منه، فكان يدعو له بالشفاء المطلق، لا بمطلق الشفاء (2) .
وفي حديث عائشة دليل على مشروعية المسح باليد اليمنى على المريض عند قراءة الرقية عليه.
__________
(1) ـ الرقية الشرعية ص 19
(2) ـ فتح الباري (10/131) (1/108)
صفحة 109
ومن رقيته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ما سبق ذكره في رقية الجروح عن أم المؤمنين عائشة ـ - رضي الله عنه - ا ـ قالت: (( كان رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال بإصبعه هكذا ـ ووضع سفيان (1) سبابته بالأرض ثم رفعها ـ وقال: بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفى بها سقيمنا، بإذن ربنا ))، وقد سبق الحديث عنه.
وعنها أيضا: (( أن رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه، كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها)) (2) .
... كما توجد هناك بعض التعويذات التي يتحصن بها رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كسورة الإخلاص والمعوذتين، فقد ثبت أنه إذا آوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين، وهذه السور الثلاث هي حصن حصين وحفظ للإنسان المسلم ـ الذي يواظب على قراءتها ـ من كل الشرور والأذى، فعن السيدة عائشة ـ - رضي الله عنه - ا ـ قالت: (( كان رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إذا آوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده )) (3) .
وقد كان رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يرقي الحسن والحسين ويعوذهما من العين وغيرها فعن ابن عباس ـ - رضي الله عنه - ـ عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أراد أن يرقي الحسن والحسين من العين فقال: (( هاتوا ابني حتى أعوذهما بما عوذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحاق: أعيذكما بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة )) (4) .
وقوله ( من كل شيطان ) يدخل تحت طائلة هذا الحديث كل شياطين الأنس والجن، وكل من لديه يد في إيذاء المخلوقين.
__________
(1) ـ سفيان هذا هو راوي الحديث.
(2) ـ سبق تخريجه
(3) ـ أخرجه البخاري (5747)، وأبو داود(5048).
(4) ـ سبق تخريجه (1/109)
صفحة 110
وقوله ( وهامة ) جمعها هوام وهي ذوات السموم، وكل من له سم قاتل.
وقوله ( من كل عين لامّة ) يقول الخطابي: المراد به كل داء وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل. وقال أبو عبيدة: أصله من ألممت إلماما، وإنما قال: ( لامّة ) لأنه أراد أنها ذات لمم (1) .
... هذا وقد كان الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يتعوذ بنفسه من الجان ومن عين الإنسان إلا أنه بعد نزول المعوذتين ترك ما كان يتعوذ به واكتفى بالمعوذتين، لأنهما الحصن الحصين وفيهما التعوذ بالله من كل شيء ومن كل شر، ومن أخذ بهما فقد كفتاه.
المبحث الثالث: مسائل متفرقة:
المسألة الأولى: مشروعية النفث عند الرقية:
ورد ذكر النفث في أحاديث عدة تثبت وقوع ذلك من النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ومن صحابته الكرام، ومن ذلك ما روته السيدة عائشة ـ - رضي الله عنه - ا ـ (( أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات منه بالمعوذات، فلما ثقل كنتُ أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها)) (2) .
وعنها أيضا: (( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها )) (3) .
وعنها أيضا قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا آوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجه وما بلغت يده من جسده، قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به)) (4) .
__________
(1) ـ فتح الباري 6/506
(2) ـ أخرجه البخاري (5735)، ومسلم (2192).
(3) ـ سبق تخريجه
(4) ـ سبق تخريجه (1/110)
صفحة 111
وفي حديث الصحابي الذي رقى من العقرب بالفاتحة قال أبو سعيد الخدري: (( ... فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ فأتوا بالشاء، فقالو: لا نأخذه حتى نسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه فضحك وقال: (( وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم )) (1) .
قال النووي: والنفث نفخ لطيف بلا ريق فيه فقد أجمعوا على جوازه واستحبه الجمهور والصحابة والتابعين ومن بعدهم، [ قال]: وقد اختلف العلماء في النفث والتفل ؛ فقيل هما بمعنى ولا يكونان إلا بريق، قال أبو عبيد: يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في النفث، وقيل عكسه، [ قال ]: وسئلت عائشة عن نفث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرقية فقالت: كما ينفث أكل الزبيب لا ريق معه، [ قال ]: وقد جاء في حديث الذي رقى بفاتحة الكتاب (( فجعل يجمع بزاقه ويتفل )) والله أعلم.
قال القاضي: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشرة للرقية والذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى.
والحقيقة أن العلماء قد اختلفوا في النفث عند الرقى فأجازه الجمهور ومنعه آخرون، فقد ورد منعه عن إبراهيم النخعي وعكرمة والضحاك وغيرهم.
قال القرطبي (2) : واختلف في النفث عند الرقى، فمنعه قوم وأجازه آخرون. قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد، قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث في الرقى، وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجع، فقلت: ألا أعوذك يا أبا محمد ؟ قال: بلى، ولكن لا تنفث ؛ فعوذته بالمعوذتين. وقال ابن جريح: قلت لعطاء ؛ القرآن ينفخ به أو ينفث ؟ قال: لا شيء من ذلك ولكن تقرؤه هكذا، ثم قال بعد: انفث إن شئت.
وسئل محمد بن سيرين عن الرقية بنفث فيها ؟ فقال: لا أعلم بها بأسا.
__________
(1) ـ شرح صحيح مسلم للنووي 14/182
(2) ـ الجامع لأحكام القرآن 20/258، بتصرف وانظر أيضا كتاب الدين الخالص 2/321. (1/111)
صفحة 112
قال القرطبي: وإذا اختلفوا فالحكم بينهم السنة، روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفث في الرقية ؛ رواه الأئمة، وعن محمد بن حاطب أن يده احترقت فأتت به أمه النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل ينفث عليها ويتكلم بكلام زعم أنه لم يحفظه...
قال ـ أي القرطبي ـ: وأما ما روي عن عكرمة من قوله: لا ينبغي للراقي أن ينفث، فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستعاذ منه، فلا يكون بنفسه عوذة، وليس هذا كهذا، لأن النفث في العقد إذا كان مذموما لم يجب أن يكون النفث بلا عقد مذموما ؛ ولأن النفث في العقد إنما أريد به السحر المضر بالأرواح وهذا النفث لاستصلاح الأبدان، فلا يقاس ما ينفع بما يضر. أ.هـ
قلتُ: مشروعية النفث قد تثبت في أحاديث كثيرة وفي مواضع وأبواب متعددة، فلا معنى لإنكار ما جاء في السنة، لأنه لا رأي ولا كلام بعد قول الله ورسوله، (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )) (1) ، ولعل من كره النفث في الرقية لم تصله الأحاديث الدالة على مشروعية ذلك، وقد رد كثير من العلماء على النخعي وغيرة ممن أنكروا النفث.
قال القطب بعد أن ساق بعضا من الأحاديث التي فيها ذكر النفث (2) : (( وفي أحاديث ذكر النفث الرد على من كره النفث مطلقا كالأسود بن يزيد أحد التابعين تمسكا بقوله تعالى: (( ومن شر النفاثات في العقد )) وعلى من كرهه عند قراءة القرآن خاصة كالنخعي، فأما الأسود فلا حجة له في ذلك لأن المذموم ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل، ولا يلزم منه ذم مطلقا ولا سيما بعد ثبوته في الأحاديث الصحيحة، وأما النخعي فالحجة عليه ما ذكر في أحاديث قراءة المعوذتين والنفث في اليد. أهـ
__________
(1) ـ سورة الأحزاب الآية 36.
(2) ـ تحفة الحب في أصل الطب ص 130، تأليف الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة ( 1450هـ ـ 1985م) سلطنة عمان. (1/112)
صفحة 113
المسألة الثانية: أخذ الأجرة على النفث:
عند تتبع الأحاديث الواردة في موضوع الرقية ؛ نجد أن هناك بعض الأحاديث ورد فيها أخذا الأجرة على الرقية، وقد فعل ذلك بعض الصحابة، ـ رضوان الله عليهم ـ فأقرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك صراحة على جواز أخذ الأجرة، وقد ذهب إلى ذلك جمهور العلماء وهو مذهب الإمام الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وآخرين من السلف ومن بعدهم، ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن وأجازها في الرقية (1) ، وبالجواز قال الإباضية أيضا (2) .
واستدل الجمهور على مذهبهم بالأحاديث و النصوص التالية: ـ
1) روي عن ابن عباس أن نفرا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق ؟ إن في الماء رجلا لديغا أو سليما فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله )) (3) .
__________
(1) ـ أنطر: شرح صحيح مسلم 14/188.
(2) ـ قال القطب بعد أن ذكر حديث الصحابي الذي رقى بالفاتحة: والحديث يدل على جواز أخذ الأجرة بالرقى بذكر الله ) تحفة الحب في أصل الطب ص 31.
(3) ـ أخرجه البخاري (5737)، وابن حبان (5146) (1/113)
صفحة 114
2) وفي رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري ـ - رضي الله عنه - ـ: أن ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتوا على حيّ من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل ذلك حتى تجعلوا لنا جُعْلا، فجعلوا لهم قطيعا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقية، خذوا واضربوا لي بسهم )) (1) . فهذا إقرار لهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أخذهم الجعل مقابل الرقية، والجعل هو الأجرة.
3) وعن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه علاقة بن صحار قال: (( أقبلنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتبنا على حيّ من العرب فقالوا: إنا قد نبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم من دواء، أو رقية، فإن عندنا معتوها في القيود؟ قال: فقلنا: نعم، قال: فجاؤوا بمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاث أيام غدوة وعشية، كلما ختمتها أجمع بزاقي ثم أتفل، قال: فكأنما أنشط من عقال، فأعطوني جُعلا، فقلتُ: لا ؛ حتى أسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( كل، فلعمري من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق)) (2) . وهذه رخصة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلاقة بن صحار على أخذ الجعل على الرقية.
__________
(1) ـ سبق تخريجه
(2) ـ سبق تخريجه (1/114)
صفحة 115
ونحن نلاحظ من جميع الأحاديث السابقة أن فيها نصا صريحا على جواز أخذ الأجرة على الرقية، ووجه الاستدلال منها هو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله )) في الحديث الأول، وقوله أيضا في الحديث الثاني عندما سئل عن أخذ الشاء: (( خذوها واضربوا لي بسهم ))، وقوله في الحديث الثالث: (( عندما سأله علاقة بن صحار: (( كل، فلعمري من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق)) كل ذلك يدل على إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وعدم إنكاره لهم، مما يدل في النهاية على جواز أخذ الأجرة على الرقية.
قال العيني (1) : وقد اختلف العلماء في أخذ الأجر على الرقية بالفاتحة، وفي أخذه على التعليم، فأجازه عطاء وأبو قلابة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور، ونقله القرطبي عن أبي حنيفة في الرقية، وهو قول إسحاق. وكره الزهري تعليم القرآن بالأجر، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز أن يأخذ الأجر على تعليم القرآن.
قلتُ: لم أعثر على خلاف في جواز أخذ الأجرة على الرقية بسبب ما ورد في ذلك من أحاديث بعضها يدل على الجواز وبعضها يدل على المشروعية.
شروط الرقى والتعاويذ:-
يشترط في الرقى والتعاويذ ثلاثة شروط، وقد نقل الحافظ ابن حجر وغيره إجماع العلماء على جواز الرقية عند توفر هذه الشروط الثلاثة (2) وهي:-
__________
(1) ـ عمدة القاري للعيني 8/626، وأنظر أيضا كتاب الرقية النافعة للأمراض الشائعة / تأليف: سعيد عبدالعظيم ص83، دار الأيمان ـ الأسكندرية.
(2) - ذكر هذه الشروط ابن حجر وغيره، انظر فتح الباري 10/ 240
2 - سبق تخريجه (1/115)
صفحة 116
1ـ أن تكون الرقى بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، فلا يجوز التعويذ بغير ذلك من أسماء الملائكة أو التقرب إلى الجن والشياطين ومناداتهم بأسمائهم، كما يفعل الدجاجلة والمشعوذون الذين يدَعون التطبيب وعلاج الناس وهم في الحقيقة يأكلون أموالهم ويلوَثون أفكارهم، والرقى التي تكون بغير كلام الله وأسمائه وصفاته هي الرقى الشركية التي كان يستخدمها الناس في الجاهلية، وهي التي نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قال:" إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (1)
2ـ أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناها من غيره: فلا تصح الرقى بالطلاسم والكلمات الغريبة التي لا يعرف معناها، وهذا يوجد كثير في كتب الطلاسم والأوفاق، وقد سبق ذكر ذلك في مبحث التمائم ومبحث الطلاسم والأوفاق، إذن لابد أن تكون الرقية باللغة العربية أو بما يعرف معناه من غير العربية؛ حتى لا يقع الإنسان في الشرك أو الكفر بالله من حيث لا يدري ولا يعلم والعياذ بالله من ذلك.
3- أن يعتقد الذي يعمل بالرقية – أنها لا تؤثر بذاتها بل بإذن الله، وذلك أمر لابد منه؛ لأن النافع هو الله تعالى وحده، والضار هو الله تعالى وحده والذي جلب الداء والمرض هو وحده القادر على إزالته، فكل شيء بإرادة الله وقدرته، وإنما شرعت الرقية لتكون وسيلة في طلب الشفاء من الله إذ هي الدعاء والذكر والتضرع إلى المولى عز وجل في دفع البلوى والضر. والله الموفق.
شروط الراقي والمرقي:
1- أن يكون مسلما، واختلفوا في رقية أهل الكتاب قال الربيع (2) : سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله، قلت -أي الربيع-:أ يرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم، إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله.
__________
(2) - كتاب الأم للإمام الشافعي، 7/390. (1/116)
صفحة 117
قال المازري (1) :اختلف في استرقاء أهل الكتاب فأجازها قوم وكرهها مالك لئلا يكون مما بدلوه.اهـ. واستدل الذين قالوا بالجواز بما روي عن عمرة بنت عبد الرحمن: (( أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: ارقيها بكتاب الله)) (2) .
2- أن يكون صالحا تقيا؛ وذلك لأن الرقى إنما هي عبارة عن أدعية وأذكار، فلابد أن يكون الداعي تقيا حتى يتقبل الله منه دعاءه قال تعالى: { إنما يتقبل الله من المتقين } .
3- أن يعتقد أن النافع وأن الشافي هو الله وحده، أما الرقى فهي وسيلة في طلب الشفاء؛ لأن الرقى لا تشفي والأدوية لا تشفي وإنما الشافي هو الله وحده.
4- أن يكون الراقي على يقين بالإجابة فكلما كان يقينه بالله أقوى كان الدعاء أقرب للإجابة.
وقد سئل سماحة شيخنا العلامة الخليلي عن الشروط التي ينبغي أن تتوفر في المعالج بالقرآن الكريم؟ فأجاب: أهم شرط هو الصلاح والاستقامة، وأن يكون علاجه بالقرآن والسنة أو بما لا يخالف الشرع من الأذكار والأدعية، والله أعلم (3)
خاتمة
... قبل الختام أحب أن أعرض للقارئ الكريم أهم الأفكار والقواعد الرئيسة من خلال ما استنتجته وتوصلت إليه عند قيامي بهذا البحث:-
1. أن الرقية الشرعية ليست أدوية وعقاقير، وهي في نفس الوقت ليست أمراً خيالياً خارقا، وإنما هي آيات و أدعية يستعين بها الإنسان المسلم في الاستشفاء والتحصن.
2. أن الرقية بمفهومها لم تكن وليدة عهد بالإسلام، بل وجدت قبل الإسلام فقد استخدمها نبي الله إبراهيم - عليه السلام- وعمل بها العرب في الجاهلية.
__________
(1) - فتح الباري 10/241.
(2) - سبق تخرجه.
(3) 4- مجلة المعالم، العدد الثاني،ص27. (1/117)
صفحة 118
3. وردت أحاديث كثيرة في موضوع الرقية ؛ منها ما يدل على المنع وأكثرها يدل على الرخصة والجواز بل وعلى مشروعيتها، فالمنع يحمل على ما كان طريقة الجاهلية، والجواز يحمل على الطريقة المشروعة التي كان عليها النبي - - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام.
4. أجمع العلماء على جواز الرقية مطلقا عند توفر ثلاثة شروط:
? أن تكون بكلام الله - تعالى- أو بأسمائه وصفاته.
? أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
? أن يعتقد الإنسان أنها لا تؤثر بذاتها ؛ بل بذات الله تعالى.
5. وردت مشروعية الرقية في علاج بعض الأمراض، وهذه الأمراض على نوعين: منها ما يمكن تصنيفه تحت الأمراض النفسية، ومنها ما يمكن تصنيفه تحت الأمراض البدنية.
6. أخيراً: الأخذ بالرقية لا يعني ترك الأسباب الموصلة للعلاج والشفاء، فإن ذلك من التواكل، والإنسان المسلم مطالب بالسعي في طلب العلاج والأخذ بالأسباب الموصلة إليه، ويأتي دور الرقية وهو الضراعة إلى الله والاستعانة به في كشف الضر، ورفع البلوى.
...
... وفي الختام أحب أن أذكر القارئ الكريم بأن هذا العمل إنما هو مجهود بشري، قابل للاعتراض والنقد، ومعرض للنقص والخلل ؛ فمن رأى فيه عيباً أو نقصاً فعليه أن يسد الخلل، وذلك بإرشادنا إلى الصواب والكمال...، والله الكريم العزيز أسأل أن يوفقنا إلى ما فيه صلاحنا في الحياة والمآل، إنه ولي ذلك والقادر عليه وهو مولانا وخالقنا، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي
معهد العلوم الشرعية – سلطنة عمان
19/ ربيع الأول 1425هـ
9 / 5 / 2004 م
ملحق: (1)
__________
(1) – هذا الملحق عبارة عن مذكرة صغيرة، من عشرة أوراق، أصدرتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مكتب الإفتاء، بعنوان: " رقى شرعية"، تأليف: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة. (1/118)
صفحة 119
هذه رقى شرعية كتبها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي:
أولا: رقية شرعية:
- تقرأ في كل صباح ومساء ما يلي:
- سورة الفاتحة (7) مرات.
- آية الكرسي (7) مرات.
- سورة الانشراح (7) مرات.
- سورة الإخلاص (7) مرات.
- سورة الناس (7) مرات.
وبعد كل مرة تنفث في يديك، ثم بعد فراغك من جميع القراءة تمسح بيدك جميع جسدك وأنت تقول:
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أعوذ بالواحد الصمد من شر كل ذي حسد، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، أعوذ بكلمات التامات من شر ما أجد وأحاذر، أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.
بسم الله الرحمن الرحيم
1- { الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ - والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ - أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } . (1/119)
صفحة 120
2- { اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ - لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .
2- { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ -
3- لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } .
ثانيا: آيات تقرأ في الصباح والمساء: (1/120)
صفحة 121
1- { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } .
2- { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .
3- { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } .
4- { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .
5- { وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .
6- { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .
7- { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } .
ثالثا: خمس آيات تقرأ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها: (1/121)
صفحة 122
1- { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } .
2- { لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ } .
3- { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } .
4- { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } . (1/122)
صفحة 123
5- قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } .
قائمة المصادر والمراجع
1)- القرآن الكريم
2)- الأزرق، تأليف: محمد بن ناصر بن سليمان، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
3)- الإنسان بين السحر والعين والجان، تأليف: زهير الحموي، الطبعة الثالثة (1414ه- 1994م)، دار ابن حزم – بيروت.
4)- البدع المنكرة، تأليف: أ.د/ وهبة الزحيلي، الطبعة الأولى، (1419ه- 1999م)، دار المكتبي – دمشق.
5)- بذل المجهود في حل أبي داود، تأليف: العلامة خليل أحمد السهارنفوري ت:1346هـ، تعليق: العلامة محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي، الطبعة الأولى (1408ه- 1988م)، دار الريان للتراث – القاهرة.
6)- برهان الشرع في إثبات المس والصرع، تأليف: علي بن حسن الحلبي الأثري، الطبعة الأولى (1417هـ- 1996م)، دار ابن حزم – بيروت.
7)- البيان في العلاج بالقرآن، تأليف: ناصف عوض المنياوي، الطبعة الأولى (1998م) مركز الكتاب للنشر – القاهرة.
8)- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للإمام الحافظ أبي العلاء محمد عبد الرحيم المباركفوري ت: 1353هـ، الطبعة الأولى ( 1419ه- 1998م)، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
9)- تحفة الحب في أصل الطب، للإمام قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش، طبعة وزارة التراث القومي والثقافة (1405ه- 1985)، سلطنة عمان.
10)- تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، تأليف: الإمام محمد بن علي الشوكاني ت: 1250هـ، دار الكتب العلمية – بيروت. (1/123)
صفحة 124
11)- تفسير القرآن العظيم، للعلامة أبي الفداء إسماعيل بن كثير، الطبعة الأولى ( 1407ه- 1987م)، دار المعرفة – بيروت.
12)- التفسير الكبير، للإمام فخر الدين الرازي، الطبعة الثالثة ( 1405ه- 1985م)، دار الفكر.
13)- تيسير التفسير، للإمام العلامة محمد بن يوسف اطفيش، مكتبة الضامري – سلطنة عمان.
14)- جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، تأليف: مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري ت:606هـ، تحقيق: أيمن صالح شعبان، الطبعة الأولى (1418هـ 1998م)، دار الكتب العلمية – بيروت.
15)- الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الأزدي البصري، مراجعة وإعداد: سعود بن عبد الله الوهيبي، الطبعة الأولى ( 1415ه- 1994م)، مكتبة مسقط – عمان.
16)- الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد الأنصاري القرطبي، تحقيق: مصطفى السقا، الطبعة الثانية، دار الفكر – بيروت.
17)- جوابات الإمام السالمي، للإمام نور الدين السالمي، ت:1332هـ، مراجعة: عبد الستار أبو غدة، الطبعة الأولى (1417ه- 1996م).
18)- حاشية العدوي على شرح الرسالة، تأليف: العلامة علي بن أحمد العدوي ت: 1189هـ، تحقيق: محمد عبد الله شاهين، الطبعة الأولى ( 1417هـ، 1997م)، دار الكتب العلمية – بيروت.
19)- الداء والدواء، لابن القيم الجوزية ت: 751هـ، تحقيق د/ محمد جميل غازي، مطبعة المدني – القاهرة.
20)- الدعاء الشافي وأسباب حفظ الصحة و دوام العافية، تأليف: مرزوق علي إبراهيم، دار الفضيلة – القاهرة.
21)- الدين الخالص، تأليف: السيد محمد صدّيق حسن القنوجي البخاري من علماء الهند، تحقيق: محمد زهري البخاري، مكتبة دار التراث – القاهرة.
22)- الرقية الشرعية، تأليف: عبد الله نوارة، الطبعة الأولى ( 1423ه- 2002م)، دار الروضة – خلف الجامع الأزهر. (1/124)
صفحة 125
23)- الرقية النافعة للأمراض الشائعة , تأليف: سعيد عبد العظيم، دار الإيمان-الإسكندرية.
24)- زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم الجوزية ت: 751هـ،، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، الطبعة الثالثة عشر ( 1406هـ- 1986)، مؤسسة الرسالة – بيروت.
25)- الزواجر عن اقتراف الكبائر، تأليف: أبي العباس أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي ت: 274هـ، ضبطه: أحمد عبد الشافي، الطبعة الأولى (1407ه- 1987م) دار الكتب العلمية – بيروت.
26)- السحر بين علم النفس والبارا سيكولوجيا والقرآن، تأليف: حسن الشقرماني، الطبعة الثانية، المطبعة والوراقة الوطنية - مراكش.
27)- سنن ابن ماجه، للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ت: 275هـ، الطبعة الأولى (1421ه- 2000م)، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
28)- سنن أبي داود، للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني ت: 275هـ، ضبط وتصحيح: محمد عدنان بن ياسين درويش، الطبعة الأولى ( 1421هـ-2000م)، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
29)- سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة ت:297هـ، الطبعة الأولى (1421ه- 2000م)، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
30)- شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، تأليف: الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي ت:1332هـ، الطبعة الثالثة، مكتبة الاستقامة - سلطنة عمان.
31)- شرح صحيح مسلم، للإمام النووي، الطبعة الثالثة، دار إحياء التراث–بيروت.
32)- الصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار تأليف: وحيد عبد السلام بالي، الطبعة الثانية ( 1412هـ) مكتبة الصحابة - جدة.
33)- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تأليف: الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي ت:739هـ، تحقيق شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثانية (1414ه- 1993م)، مؤسسة الرسالة – بيروت. (1/125)
صفحة 126
34)- صحيح البخاري، تصنيف: الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ت:265هـ، اعتنى به: أبو صهيب الكرمي، الطبعة (1419ه- 1998م) بيت الأفكار الدولية – الرياض.
35)- صحيح مسلم، للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ت:261هـ، الطبعة الأولى (1420ه- 2000م) دار إحياء التراث العربي – بيروت.
36)- الطب النبوي، لأبي عبد الله بن قيم الجوزية ت: 751هـ، إعداد المكتب العالمي للبحوث، إشراف عبد المنعم العاني.
37)- الطب النبوي والعلم الحديث، تأليف: د/ محمود ناظم النسيمي، الشركة المتحدة للتوزيع.
38)- عالم الجن في ضوء الكتاب والسنة، تأليف: عبد الكريم فوفان فواز، الطبعة الثانية ( 1412ه- 1992م)، دار ابن تيمية – الرياض.
39)- علاج الإنسان من السحر والشيطان، تأليف: حديوي حلاوة، الطبعة الأولى ( 1413ه- 1993م) مكتبة هاشم – ميدان العتبة.
40)- العلاج الرباني للسحر والمس الشيطاني، تأليف: مجدي محمد الشهاوي، المكتبة التوفيقية.
41)- العلاج النفسي في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، تأليف: د/ عبد المنان.
42)- العلاج بالرقى الشرعية من الحسد والسحر ومس الجان، تأليف: الشيخ أمجد محمود، الطبعة الأولى (1423ه- 2003م) دار عالم للثقافة – عمان.
43)- عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، للإمام العلامة بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني، إشراف ومراجعة: -صدقي جميل العطار، الطبعة الأولى ( 1418ه- 1998م)، دار الفكر – بيروت.
44)- عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، الطبعة الثالثة، (1399ه- 1979م)، دار الفكر – بيروت.
45)- العين حق، تأليف: أحمد بن عبد الرحمن الشميمري، الطبعة الثانية ( 1411ه- 1990م). (1/126)
صفحة 127
46)- الفائق في غريب الحديث، تأليف: العلامة محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثالثة (1399ه- 1979م)، دار الفكر – بيروت.
47)- فتاوى الإمام بيوض، لفضيلة الشيخ إبراهيم بيوض عمر، ترتيب: بكير محمد الشيخ بلحاج، الطبعة الثانية (1411ه- 1990م)، مكتبة أبي الشعثاء – السيب.
48)- فتح الباري شرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت: 520هـ، تحقيق: عبد العزيز بن باز، ترقيم وتبويب: محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثالثة، دار الكتب العلمية –بيروت.
49)- الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني مع شرحه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، تأليف: أحمد عبد الرحمن البنا دار إحياء التراث العربي – بيروت.
50)- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، تأليف: الإمام محمد بن علي الشوكاني ت: 1250هـ، عالم الكتب.
51)- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، تأليف: الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، تحقيق: الشيخ محمد حامد الفقي، دار الفكر- بيروت.
52)- فقه الذكر والدعاء، تأليف: محمد بن أحمد بدوي، الطبعة الأولى ( 1412هـ 1992م )، دار الجيل – بيروت.
53)- القاموس المحيط، للعلامة اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي ت: 817هـ، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، إشراف: محمد نعيم، الطبعة الثالثة ( 1413ه- 1993م)، مؤسسة الرسالة – بيروت.
54)- القانون في الطب، تأليف: الشيخ الرئيس أبي علي الحسين بن علي بن سينا ت:428هـ، دار صادر – بيروت.
55)- القول الشافي في تفسير المعوذتين، تأليف: محمد الخضري، الطبعة الأولى (1367 ه- 1948).
56)- كتاب الأم، للإمام محمد بن إدريس الشافعي ت: 204هـ، تخريج وتعليق: محمود مطرجي، الطبعة الأولى ( 1413هـ 1993م)، دار الكتب العلمية - بيروت. (1/127)
صفحة 128
57)- كتاب المنتقى شرح موطأ الإمام مالك بن أنس، تأليف: أبي الوليد سليمان بن خلفان بن سعد الباجي الأندلسي المالكي ت 494هـ، الطبعة الأولى ( 1332هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت.
58)- كشف الكرب، تأليف: العلامة محمد بن يوسف اطفيش، وزارة التراث القومي والثقافة (1406ه- 1986م)، سلطنة عمان.
59)- لسان العرب، للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، الطبعة الأولى (2000م)، دار صادر – بيروت.
60)- مسند الإمام الحافظ أبي عبد الله أحمد بن حنبل ت:241هـ، الطبعة (1419ه- 1998م ) بيت الأفكار الدولية – الرياض.
61)- المصباح المنير، تأليف: العلامة أحمد بن محمد الفيومي المقرئ، مكتبة لبنان – بيروت.
62)- المعجم الكبير، للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ت: 360هـ، تحقيق:حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية (1405هـ – 1985م)، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
63)- المعجم الوسيط، الطبعة الثانية، قام بإخراجها: د/ إبراهيم أنيس وزملاؤه.
64)- المفردات في غريب القرآن، تأليف: أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني ت:502هـ، تحقيق: محمد خليل عيتاني، الطبعة الثالثة ( 1422ه- 2001م)، دار المعرفة – بيروت.
65)- المقدمة لابن خلدون، تأليف: العلامة عبد الرحمن ابن خلدون ت: 808هـ، الطبعة الأولى (1413ه- 1993م)، دار الكتب العلمية – بيروت.
66)- منبع أصول الحكمة، تأليف: أبي العباس أحمد بن علي البوني ت: 622هـ، الطبعة الأولى (1994م)، دار يوسف – بيروت.
67)- موطأ الإمام مالك، رواية يحيى بن يحيى الليثي، إعداع: احمد راتب عرموش، الطبعة العاشرة (1407ه- 1987م)، دار النفائس – بيروت.
68)- موقف الإسلام من الإلهام والكشف والرؤى والتمائم والكهانة والرقى، تأليف: د/ يوسف القرضاوي، الطبعة الأولى مؤسسة الرسالة – بيروت. (1/128)
صفحة 129
69)- النهاية في غريب الحديث والأثر، للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك ابن محمد الجزري المعروف بابن الأثير، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الظاحي، المكتبة العلمية – بيروت.
70)- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، للإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني، الطبعة الأخيرة، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
71)- وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث، تأليف: العلامة محمد بن يوسف اطفيش، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
الفهرس
الموضوع
الإهداء...................................................................................1
الشكر والعرفان...........................................................................2
المقدمة....................................................................................3
كلمة لابد منها............................................................................7
الفصل الأول: الرقى وأحكامها...................................................... .......8
التعريف بالرقية.............................................................................9
معنى الرقية في اللغة.........................................................................9
معنى الرقية في الاصطلاح..................................................................10
الرقية قبل الإسلام.........................................................................11
الرقية في الإسلام..........................................................................12
أولاً: استخدام الرسول - - صلى الله عليه وسلم - للرقية.....................................................13
ثانياً: استخدام الصحابة الكرام للرقية.......................................................14 (1/129)
صفحة 130
خلاصة القول............................................................................15
حكم الرقية...............................................................................16
الأحاديث الواردة في موضوع الرقية........................................................16
القسم الأول: أحاديث النهي عن الرقى.....................................................16
القسم الثاني: الأحاديث الدالة على الجواز...................................................18
القسم الثالث: الأحاديث الدالة على مشروعية الرقى.........................................20
اختلاف الفقهاء في حكم الرقية ...........................................................23
القول الأول: مطلق النهي.................................................................23
القول الثاني:جواز الرقية في الأمور المرخص فيها فقط........................................23
القول الثالث: الرقى جائزة مطلقاً بثلاثة شروط ( الجمهور)...................................24
جواب الجمهور على مخالفيهم في القول الأول والثاني........................................24
خلاصة القول............................................................ ................26
أمور تتعلق بالرقية....................................................................... .28
تمهيد................................................................................... .28
أولاً: النشرة.. ...........................................................................28
تعريف النشرة.................................................................... .......28
صفة النشرة........................................................................ ......29 (1/130)
صفحة 131
حكم النشرة......................................................................... ....29
علاقة النشرة بالرقية............................................................ ..........31
علاقة النشرة بالمحو............................................................ ...........31
ثانياً: التمائم .............................................................................32
معنى التمائم..............................................................................32
حكم التمائم.............................................................................33
العلاقة بين التمائم والرقية..................................................................37
ثالثاً: التولة...............................................................................38
معنى التولة................................................................................38
حكم التولة...............................................................................39
العلاقة التولة بالرقية.......................................................................39
رابعاً: الطلاسم والأوفاق.................. ...............................................40
المقصود بالطلاسم والأوفاق................................................................40
مصدر الطلسمات وسبب نشأتها...........................................................41
حكم الطلاسم والأوفاق............................ ......................................42
علاقة الطلاسم والأوفاق بالرقية............................................................44
الفصل الثاني: العلاج بالرقية الشرعية.................. .................. ..................45 (1/131)
صفحة 132
العلاج بالرقية من الأمراض النفسية .................. .................. ...................46
أولاً: علاج العين بالرقية الشرعية .................. .................. ....................46
معنى العين لغة واصطلاحاً..................................................................46
الأدلة على ثبوت العين....................................................................47
كيفية التأثير بواسطة العين.................................................................50
التفسير العلمي للإصابة بالعين..............................................................51
علاج العين...............................................................................52
ثانياً: علاج الصرع ( المس) بالرقية الشرعية .................. ................. ............56
معنى الصرع لغة واصطلاحاً....................................................... ........56
بعض الأدلة على وجود الصرع................................................... .........57
أنواع الصرع.......................................................................... ..59
الفرق بين الصرع العضوي والصرع الجني..................................... .............61
علامات وأعراض المس من الجن............................................................62
علاج الصرع بالرقية الشرعية..............................................................63
ثالثاً: السحر وعلاجه بالرقية الشرعية .................. .................. .................67
تعريف السحر............................................................................67
الأدلة على وقوع السحر ( القرآن – السنة).................................................69 (1/132)
صفحة 133
حقيقة السحر.............................................................................71
أنواع السحر.............................................................................72
علاج المصاب بالسحر.....................................................................75
رابعاً: الأرق وعلاجه بالرقية الشرعية:......................................................80
معنى الأرق وأسبابه.......................................................................80
العلاج بالرقية الشرعية....................................................................80
خامساً: الهموم والمصائب وعلاجها بالرقية الشرعية..........................................82
العلاج بالرقية الشرعية...................................................................82
العلاج بالرقية من الأمراض البدنية .................. .................. .................. .85
أولاً: الحمة وعلاجها بالرقية الشرعية........................................... ...........85
الرقية من الحية......................................................................... ..85
الرقية من العقرب..................................................................... ...86
ثانياً: النملة وعلاجها بالرقية الشرعية........................................... ...........90
ثالثاً: القروح وعلاجها بالرقية الشرعية.......................................... ...........92
رابعاً: علاج الوجع بالرقية الشرعية.............................................. ..........93
خاتمة في رقية النبي - صلى الله عليه وسلم - ..................................................................95
مسائل متفرقة .................. .................. .................. ................. .98 (1/133)
صفحة 134
المسألة الأولى: مشروعية النفث عند الرقية.............................................. ....98
المسألة الثانية: أخذ الأجرة على الرقية....................................................100
المسألة الثالثة: شروط الرقية الشرعية......................................................102
المسألة الرابعة: شروط الراقي والمرقي......................................................103
الخاتمة..................................................................................104
ملحق..................................................................................106
قائمة المصادر والمراجع...................................................................109
الفهارس................................................................................115 (1/134)