صفحة 1
الكتاب: محاضرة عن الزكاة
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
الزكاة
محاضرة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان
الحمد لله رب العالمين ، أحمده تعالى بما هو أهل من الحمد وأثني عليه ، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه ، وأومن به وأتوكل عليه ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمد عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :
ففي معرض الحديث عن الإسلام ، وكونه شاملا لجميع قضايا الحياة وأنه يعني الإستسلام التام من العبد لربه ، بحيث يكون تابعا لأمره ، مزدجرا عن نهيه واقفا عند حدوده ، متلقيا عنه ، مستسلما له ، ذكرنا ما يدل على ذلك من خلال النظر في ركنينم ن أركان الإسلام وهما ، الركن الأول الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وما تقتضيه هذه الجملة من امتثال أمره تعالى والخضوع لمنهجه ، والإستكانة لحكمه الطمأنينة لقضائه .
الركن الثاني : هو الصلاة التي تحدثنا عن تأثيرها في حياة المسلم بحيث تطوعه لأمر الله تعالى حيث يكون في مجتمعه لبنة صالحة تشاد عليها اللبنات التي يقوم بها بناء هذه الأمة المؤمنة الصالحة . وننتقل الآن إلى الحديث عن الركن الثالث من أركان الإسلام ليتبين من خلال تأثير هذا الركن كيف يعني الإسلام الإستسلام التام لأمر الله.
الركن الثالث : هو الزكاة وهو الركن الإجتماعي المالي من أركان هذا الدين الحنيف وإنما قلنا بأنه اجتماعي نظرا إلى أن هذا الركن يشد المسلم إلى المسلم ويرطب بينهما برباط الإعيان في ظل التعاون الإسلامي ، بحيث لا يستأثر ذو المال بماله وإنما يشاطر منه إخوانه المسلمين .
وهو ركن مالي نظرا إلى أن الزكاة تعني إتفاقا لجزء من مال المسلم الذي عونا للمحتاجين والضعفاء . (1/1)
صفحة 2
هذا الركن من الأركان المهمة وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالركن الثاني الذي هو الصلاة ، وكذلك يقترنان كثيرا في آيات الكتاب العزيز ، سواء كانت هذه الآيات آيات مكية أو مدنية ، وسواء كانت هذه الآيات آيات فيها التشريع بالأمر أو كانت آيات فيها الثناء على الذين يقومون بهذا الواجب ويمتثلون لهذا الأمر ، فالله سبحانه وتعالى ذكر الصلاة والزكاة معا في آيات متعددة من آيات الكتاب العزيز ، وذكر الزكاة وحدها كما ذكر الصلاة وحدها ، وقد جاء ذلك كما قلت في الآيات المكية والمدنية ، وفي هذا ما يدل على مشروعية الزكاة كمشروعية الصلاة في الفترة المكية من فترة نزول الوحي . (1/2)
صفحة 3
وهذا خلاف ما نقوله الجمهور من أن الزكاة شرعت في السنة الثانية من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ الأدلة القرآنية تدل على مشروعية الزكاة قبل ذلك ، كيف وفي سورة المزمل التي هي من أوالئل السور القرآنية نزولا بمكة المكرمة جاءت آية خاتمة لآياتها فيها " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا " وما يقوله كثير من المفسرين أن هذه الآية آية مدنية وليست بآية مكية وأنها مستثناة من بين آيات هذه السورة إذ نزلت بالمدينة المنورة لا يدل عليه دليل بل الدليل قائم على خلافه ، ذلك لأنه صدر هذه الكريمة من مشروعية قيام الليل في حق اهذه الأمة لا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان الخطاب موجها إليه عليه الصلاة والسلام فقد صدرت السورة بقول الله تعالى " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ، إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " ثم جاءت هذه الآية الكريمة لتخفيف هذا الحكم عن هذه الأمة إذ جاء في صدرها "إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك ، والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن ، علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه ثم تلى ذلك بقوله " وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا " ويعني ذلك أن صدر الآية الكريمة جاء ليرفع عن هذه الأمة ذلك الحكم الذي كانت تنوء به من قبل وهو قيام جزء من الليل وذلك أن الله تبارك وتعالى أراد بهذا الرفع أن يخفف عن هذه الأمة التي ستنوء من بعد بتكاليف متعددة ، من هذه التكاليف الجهاد في سبيل الله ومن المعلوم بإجماع الأمة أنه استقرت فرضية الصلوات الخمس في مكة المكرمة في ليلة سري برسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا يتبين أن رفع ذلك الحكم السابق في صدر هذه السورة الكريمة إنما كان مما في (1/3)
صفحة 4
صدر هذه الآية تمهيدا لمجيء الحكم الأخير لأقرار الصلوات الخمس وحدها لأن تكون هي الفرض الذي يجب على كل مسلم ، وفي هذا ما يدل دلالة واضحة ، على أن هذا الأمر بإيتاء الزكاة كا لأمر بإقامة الصلاة إنما كان في مكة المكرمة ، وقد سبق ذلك ما جاء من تفضيل أحكام الزكاة في المدينة المنورة ، وهناك آيات متعددة تدل على هذا المعنى نفسه منها قوله تعالى في سورة المؤمنون وهي من السور التي نزلت بمكة المكرمة " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون ، والذين هم للزكاة فاعلون " وكذلك جاء في سورة الذاريات وهي من السور المكية أيضا قوله سبحانه وتعالى " وفي أموالهم حق للسائل والمحروم " وجاء في سورة المعارج وهي من السور المكية أيضا " وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " ومن المعلوم بيطعية الحال أن الحق المعلوم إنما هو الزكاة ، وهناك الآيات الكثيرة التي جاء فيها الثناء على الذين يؤتون الزكاة وهي من الآيات المكية ، ففي صدر سورة لقمان " هدى ورحمة للمحسنين ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون" وفي صدر سورة النمل هي أيضا من السور المكية " هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون " على أنه جاء أيضا في سورة فصلت التنوية للزكاة من خلال التعريض بالمشركين الذين لا يؤتون الزكاة إذ قال الله عز وجل فيها " وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة " فإذن يفهم من هذا كله أن الزكاة شرعت في مرحلة مبكرة من تاريخ دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأمة إلى الإسلام ، وما كانت هذه الزكاة شرعت بالمدينة المنورة وإن جاءت الآيات القرآنية التي نزلت بالمدينة المنورة مؤكدة عليها وإنما ذلك من باب تأكيد لحكم سابق كتأكيد حكم الصلاة التي شرعت بحكم الإجماع ، فنجد في الآيات المدنية نحو قول الله تعالى في سورة النور " وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وأطيعوا (1/4)
صفحة 5
الرسول لعلكم ترحمون " هذا الأمر إنما هو تأكيد لأمر سابق ، ولكن كيف يمكن أن يجمع بي هذا وبين ما شاع من مشروعية إجمالية من غير أن ينزل تفصيل أحكامها وبيان نصابها وبيان الأصناف التي تخرج منها وبيان المقدار الذي يخرج من كل صنف من هذه الأصناف ، وإنما كانت موكولة يومئذ إلى ضمائر الأغنياء ، بحيث يحاسب كل منهم نفسه ويحرص على تطهير نفسه بقدر ما يجود به ماله ، فكان الناس تنفقون من هذا المال ما آتاهم الله تبارك وتعالى منه .
ثم بعد ذلك عندما بينت الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة ووحد للمسلمين كيان وتمكنوا من جباية الزكوات كما تمكنوا من إقامة حدود الله عزوجل شرعت الزكاة بهذا التفصيل وكان ذلك كما قالوا في السنة والثانية من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما فرض الصيام . (1/5)
صفحة 6
وفي هذا ما يدل على أهمية الزكاة في الإسلام وذلك لحاجة الإنسانية إليها ولم تأت الدعوة الإسلامية إلا لتلبية حاجة الإنسان منذ كانت ، فالله تبارك وتعالى عليم بعباده وقد فطره الله العباد على حاجة بعضهم إلى بعض فالناس لا يستغني فريق ن فريق كما لا يستغني فرد عن فرد وقد جعل الله تعالى البشر متفاوتين في المواهب الحسية والعقلية والعطايا الذاتية والخارجية ، وفي هذا التفاوت حكمة بالغة لأن الخالق عزوجل أراد لهذا الكائن البشري أن يكون كائنا إجتماعيا ، وهذا الإجتماع إنما يتحقق بهذا التفاوت فيما بينهم وذلك بأن يحس كل أحد بأنه بحاجة إلى إخوانه وينفعه ذلك إلى أن يعينهم أيضا بما آتاهم الله تعالى إياه وما اختصه به ، فمن الناس من أوتي فضلا في عقله ورأيه ، ومنهم من أوتي زيادة في ماله ، ومنهم من أوتي زيادة في قوته البدنية ، ومن ذلك كله فإن الناس بحاجة إلى بعضهم البعض ، فكل واحد يساعد الآخرين مما آتاه الله تبارك وتعالى من فضل ، وإذا كان التفاوت المالي أمر مألوف بين البشر فإنه لا بد أن يكون هناك تنافس بينهم في هذا الأمر بحيث يحرص كل أحد منهم على أن يفوق الآخر في كثرة المال ، وهذا يعني أن النفوس جبلت على حب المال وهذا الذي ذكره الله تبارك وتعالى في كتابه العزيم ووصف الإنسان بقوله "وإنه لحب الخير لشديد" وقال "تحبون المال حبا جما" والمال على أي حال هو قوام الحال أو كما قيل هو قيام الحياة ، فإن منافع الناس إنما تقض بالأموال ولذلك كما هذه النفوس شحيحة بهذا المال وهذا الشح عندما يستحكم في النفس يستأثر بهذه النفس حتى يغور فيها مشاعر الرحمة ويطفيء فيها شعل الفضيلة ويطمس على بصيرتها الشهوة المالية حسب ما تحلي عليها من آراء تدفعها بعها إلى أن ترتكب صنوفا من الحظورات رغبة في توفير هذا المال وهذا هو الحاصل عن من لم يملأ الإيمان قلوبهم ، فإن هذه الجامحة في المال هي التي تدفع بالإنسان إلى أن يرتكب المحاظر وتجنب (1/6)
صفحة 7
على أحبة الإنسان وكثيرا ما يسبب حب المال الرغبة في الفتك بالغير لأجل الإستئثار بما عنده ، والعصابات الأجرامية إنما تنشأ بدافع من هذه الشهوة لامالية ، فكم من عصابة شنت هجوما على الناس وأقلقت راحتهم وأقضت مضاجعهم من أجل أنها تحاول أن توفر لنفسها المال وقد يفضي ذلك إلى إزهاق الأرواح وسفك الدماء ، وهذا لا يزال حاصلا إلى يومنا هذا ، ثم بجانب ذلك أيضا هنالك الوسائل المتعددة ، كل هذه الوسائل إنما هي على حساب إنسانية الإنسان وعلى حسبا راحة الإنسان وعلى حساب كرامة الإنسان ، ولكن إنما كل ذلك يمكن أن يعالج بالعلاج الرباني لا بالعلاج البشري ولا تقف الشهوة المالية ب الإنسان عند هذا الحد ، فربما عندما تغور مشاعر الرحمة وتنضب عيون الفضيلة يصل الأمر بالإنسان إلى أن لايراعى قرابة قريب أو صلة واصل فكم أحد جنى على أبيه فأودى بحياته رغبة في ماله أو أودى بقريبه الذي يرثه استعجالا لكسب ماله بطريق الأرث ، ومن أجل ذلك فإن الشرع الشريف لما فيه من الحكم البالغة ، أغلق هذا الباب حتى لا يطمع الإنسان في أن يصل إلى شركة قريبة بهذا الطريق المشؤوم فمنع التوارث بين القاتل والمقتول ، فلا يرث القاتل المقتول ، ومن ادل سد هذه الذريعة جاء هذا الحكم جاز ما من غير أن يفصل بين ما أن يكون القتل عمدا أو يكون القتل خطأ ، كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يرث القاتل المقتول عمدا كان القتل أو خطأ " هذا العلاج الرباني الذي أشرت إليه إنما يتمثل في مشروعية الإنفاق في الإسلام ، فالإنسان يتعود على الإنقا بسبب ما فرض عليه من التكاليف المتنوعة التي تقتضي الإنفاق فيتربى بذلك ضميره على الفضيلة ويترفع عن درك الرذيلة ويصبح هذا الإنسان إنسانا يتمتع بحيوية الإنسان ، بعاطفة الإنسان ، بالضمير الإنساني ، بالرحمة الإنسانية ، بدلا من أن يكون في أمته أو في مجتمعه أو في أسرته ، شرع الله تبارك وتعلى الإنفاق وحض (1/7)
صفحة 8
عليه في آيات متعددة في الكتاب العزيز ، وضرب الأمثال المتعددة فيه وبنى الإسلام هذا الحكم على مبدأ وهو أن المال الذي بيد الإنسان هو مال الله والإنسان مؤتمن عليه ومستخلفا فيه ولذلك يقول الله تبارك وتعالى " وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم " فالمال مال الله ، إذ الإنسان لم يكسبه بحوله ولا قوته ولا دهائه ولا مكره ولا حيلة وإنما يسره اللهتعىلى له ويسر له وسائل كسبه ولو أن الله تعالى أراد حرمانه أجدت حيلته شيئا ولما أجدى دهاؤه شيئا ولما أجدى ما أوتيه من قوة وما أوتيه من عقل وفكر شيئا ، وإنما يغني الله من يشاء ويحرم من يشاء ، كما اقتضت حكمته تبارك ذلك ، " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " وهذا الإنفاق كما قلت إنما هو مبني على هذا المبدأ ، مبدأ أن المال مال الله يقول الله سبحانه وتعالى " وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه " ولفظة مستخلفين تشعر أن المال لغير المستخلف إذ الخليفة إنما يتصرف في هذا المال بحسب ما اقتضاه أمر مستخلفه الذي أتمنه عليه ومكنهم نه جاءت الآيات القرآنية الكثيرة خاصة على الأنفاق من هذا المال ، يقول الله تبارك وتعالى تحذيرا من اليوم الآخر " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون " يقول عز من قائل " وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ، فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين " ويأمر الله تبارك وتعالى بالإنفاق من الطيبات أي من خيار المال ويبين لنا أن الإنسان لا يصل إلى حقيقة البر حتى ينفق من طيب ما عند مما يحبه ، يقول الله تبارك وتعالى " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وبما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " فالإنسان عندما ينفق ، إنما يدفع بماله إلى الله عزوجل ، فعليه أن يقدم خيار ماله لأنه يفرض الله تبارك (1/8)
صفحة 9
وتعالى بهذا المال ، فمن فضل الله سبحانه وتعالى أن مكن الإنسان من هذا المال مع أنه مال الله وجعله يقرض الله عزوجل من هذا المال ليعيده الله تعالى إليه وهو مضاعف مضاعفة كبيرة ، ويقول تعالى " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم " ويقول سبحانه وتعالى " ويطعمون الطعام على حبه أي على حب ذلك الطعام " مسكينا ويتيما وأسيرا " ويقول تبارك وتعالى "وآتى المال على حبه ذو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب " فإذن يأمر الإنسان أن ينفق من طيب ماله ، ثم أن الله تبارك وتعالى يبين عاقبة هذا الإنفاق فيقول " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم " فترون أن الله تبارك وتعالى يقرر لعباده عاقبة هذا الإتفاق وما يناله هذا المنفق من فضل الله سبحانه وتعالى بحيث يرد إليه ما أقرضه إياه وهو مضاعف مضاعفة كبيرة فيبين أن مثل ما ينفق الإنسان كمثل حبة ، يودع هذه الحبة في الأرض فتنبت هذه الحبة الواحدة سبع سنابل في كل سنبة مائة حبة ومعنى ذلك أن يضاعف له الأجر إلى سبعمائة ضعف ، وهذا تقريب للأذهان وإلا ففضل الله تعالى عظيم لا يقدر قدره ولا يمكن لعقول العباد أن تتصوره وإنما هو تبسيط للعباد حتى يعرفوا مدى عاقبة الإنفاق في سبيل الله ، ثم أن تبارك وتعالى حذر من أن يترتب على هذا الإنفاق شيء من المن والأذى ، إذ هذا المعطي إنما يأخذ مال الله ، والمعطي إنما يعطي من مال الله ، فالمعطي لا يعطي من ماله حتى يستعلي على المعطي ويمن عليه ويؤذيه بما آتاه ، و إنما هو يعطي من مال الله سبحانه وتعالى ، والمعطي إنما أعانه على أداء الفرض الذي عليه وأعانه من الوصول إلى (1/9)
صفحة 10
مرضاة الله تبارك وتعالى بقبول المنة ولذلك ليس له أن يستعلي عليه يقول الله تبارك وتعالى " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يبتغون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ويبن لنا سبحان أنه كلمة الخير هي خير من الصدقة التي تقترن بالأذى " قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم" الله لا يحب من عبده الصدقة التي تقترن بالأذى ولا يريدها منه فهو غني عنها ، ثم إن الله تبارك وتعالى يبين أن هذا الإنفاق المقرون بالمن والأذى يبطل العمل إذ هو من كبائر الإثم ، والنفقة عندما تشاب بمعصية الله تكون غير الطاعة ، إذ الطاعة يجب أن تكون خالصة لله عزوجل ولذلك قال الله تبارك وتعالى إثر ذلك " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين" هؤلاء كفروا نعمة الله ، بطروا نعمة الله ، وجحدوا حق الله ، لأنهم تصوروا أن المال الذي بأيديهم هو مالهم ولذلك أتبعوه المن والأذى فهم لا يقدرون على شيء مما كسبوا ، وفي المقابل " ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل حبة بربوة أصابها وابل فأنبتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير " والله سبحانه وتعالى يبين أن الشيطان يترصد للإنسان في سبيل الخير ، ويريد أن يصده عما فيه منفعته ، فهو يتوعد الإنسان بالمغفرة عندما يريد الإنفاق في سبيل الله ولذلك حذر الله تبارك وتعالى منه عندما قال " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم " فالشيطان يتوعد الناس عندما يريدون الإنفاق بالفقر ، يوسوس لهم أن هذه النفقة تؤدي لهم إلى أن يفتقر ، ولكن الله تبارك وتعالى يعد عباده مغفرة على (1/10)
صفحة 11
هذا الإنفاق وفضلا منه بمضاعفة أرزاقهم في الدنيا ومضاعفة أجورهم في الآخرة هذا الإنفاق كما قلت هو علاج لهذا الداء العضال الذي إذا استحكم في النفس البشرية تعذر استئصاله وتعسر علاجه ، فعندما يستحكم ها الداء في النفس اإنسانية تنطمس بصيرتها حتى يبقى هذا الإنسان عبدا للمال ، ولذلك ترون أن الناس الذين استعبدهم المال لا يبالون براحتهم في هذه الدنيا فضلا عن مبالاتهم في الدار الآخرة ، قبل فترة غير طويلة أي قبل بضع من السنين كتبت الصحف بأن أحد المتسولين الذين عاشوا على التسول طيلة حياتهم مات في شقة ضيقة كان يسكنها وكان ينام على لوح ، فتهرأ جسمه إذ لم يطلع عليه أحد يعدمونه ، وإنما فاضت رائحة جثته النتنة بعد موته من النوافذ ، فجاءت الشرطة إلى هذه الشقة الضيقة ووجد لحمه ملتصقا باللوح الذي ينام عليه ولعله دفن مع لوحه إذ لم يمكن فصل لحمه عن لوحه ، ثم اكتشف بعد ذلك يملك ست عمارات وأنه يملك الملايين الكثيرة التي أودعها البنوك ، وهو مع ذلك عاش على التسول إلى أن لقي الله ما زال يتسول يقف على الطريق فأي نفع اكتسبه هذا الإنسان من المال إنما هذه شهوة المال ، إن استحكمت في النفس الإنسانية كانت داء عضالا ويتعذر علاجه على جميع الأطباء ، ولكن العلاج يجب أن يكون من باديء الأمر في الإنسان وذلك بالإنفاق الذي فرضه الله تبارك وتعالى عليه ، بجانب ما تسمعونه من حوادث الإجرام ، الإغتيال لأجل جمع الحطام ولأجل التوصل إلى الأموال ، كل ذلك إنما هو ناشيء من الدافع النفسي من هذه الشهوة الخفية التي تستحكم في النفوس وهذا الإنفاق الذي شرعه الله تبارك وتعالى هم ينقسم إلى إنفاق عام غير منظم وإلى إنفاق خاص منظم له حدوده ورسومه ، فالإنفاق العام إنما هو الإنفاق من فضل الله متى وجد الإنسان حاجة إلى الأنفاق والآيات الدالة على الإنفاق تشمل كلا النوعين ، والإنفاق الخاص إنما هو الإنفاق من الزكاة التي فرضها الله سبحانه وتعالى (1/11)
صفحة 12
على الإنسان في أصناف مخصوصة من المال إذا بلغ هذا المال قدرا مخصوصا وهذا هو المعبر بالنصاب و الإنفاق بقدر مخصوص ، أي نسبة مئوية من ذلك المال والدليل على مشروعية الإنفاق العام وفرضيته أن الله تبارك وتعالى يقول " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وءاتي الزكاة " فترون أن الله تبارك وتعالى ذكر أولا إيتاء المال ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ثم ذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهذا العطف يدل على التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه ، فإذن إيتاء المال لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وفي الرقاب إنما هو من غير هذه الزكاة بدليل العطف ، وقد جاء حديث أخرجه الدارامي من حديث فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا في المال حق سوق الزكاة " والحديث بأول ببعض رواته ولكن هذه الآية الكريمة تدل على أن معنى الحديث صحيح وإن كان سنده ضعيف ، فا لما يتعلق به حق غير الزكاة ، ولذلك قال بعض العلماء بأن هذا الحق لا يقدر بنصاب ولا يلتفت فيه إلى أي شرط من شروط الزكاة إنما ينظر فيه إلى الحادة فإن آتي الإنسان زكاة ماله لغيره ووجد حاجة إلى الإنفاق داعية فلينفق حتى قال بعض العلماء من كان لا يملك إلا رغيف ووجد مسكينا جائعا مضطرا إلى ذلك الرغيف وهو في غنى عنه يجب عليه أن يعطيه هذا الرغيف ، ويدخل ذلك في ظل الحقوق التي تدخل في المال من غير الزكاة وترون أن إيتاء المال الذي أمر الله تعالى به ، أمر به في وجوه متعددة ، أمر بإيتاء المال ذوي القربى وذلك لأجل الربط بين الناس لأجل الربط بين الأسر ، لأن الترابط الأسري يؤدي إلى الترابط الإجتماعي ، إذ الأسرة مجتمع صغير والمجتمع أسرة كبيرة والأسر هي اللبنات (1/12)
صفحة 13
التي تتكون منها بناء المجتمع الذي يشاد بها بناء المجتمع فعندما تكون هذه الأسرة مترابطة يكون المجتمع مترابطا واليتامى بحيث أن اليتامى بحاجة أيضا إلى الرعاية لأنهم فقدوا العائل الذي يرعى مصالحهم ويقوم بتكاليف حياتهم فهم بحاجة إلى من يعوضهم عن هذا الراعي الذي فقدوه وعن هذه الرعاية التي هي في أمس الحاجة إليها والمساكين بإمكانهم ن يحتاجوا أكثر من اليتامى لأن اليتامى في مرحلة الصبا فلذلك ذكروا من بعد فرض لهم حق في المال الذي بيد الأثرياء ، وابن السبيل بحيث أن ابن السبيل وإن كان غنيا في أهله فهو فقير في سفره فكانت رعايته واجبة والسائلين ، إذ السائل قل ما يدفعه إلى السؤال إلا حاجته الملحة وفقره المدقع فلذلك أمر برعايتهم وإيتائهم من المال الذي يسألونه ، وفي الرقبا نظرا إلى أن الإسلام جاء من أجل تسوية الناس في الحرية ، فلذلك شرع عتق الرقاب في شتى الملابسات وأمر بالإنفاق في هذا السبيل على أي حال هذا حق كما قلت وهو من غير الزكاةو إن كانت هذه الإصناف وفي الفقراء والمساكين وابن السبيل والرقاب من الأصناف التي شرع إنفاق الزكاة فيها إلاأن الأنسان عليه أن يرعى الحاجة وإن أدى زكاة ماله إذا تف هذه الزكاة بهذا الحق ، هذه الزكاة مع هذا الإنفاق كله تؤدي إلى أن تتهظر النفس من حب المال والدليل على ذلك ما علل الله تبارك وتعالى به أخذ الصدقات من الأغنياء في كتابه العزيز إذ قال سبحانه وتعالى " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " فهي طهارة للنفس وطهارة من الشح طهارة من الإستثار ، طهارةمن الأنانية ، طهارة من هذه الشهوة الجامحة التي تطبع النفس البشرية بغير طابع الإنسانية ، تطبعها البطالع الوحشي جعل الله تبارك وتعالى هذه الزكاة طهارة للنفس من كل ذلك ، وتزكيهم بها ، التزكية فيها معنى الطهارة أيضا ولكن كلمة التزكية هي مشتركة ما بين الطهارة وما بين النماء ، فيمكن أن تكون الزكية هنا بمعنى التنمية أي تنمي (1/13)
صفحة 14
بها نفوسهم بما تغرس فيها من الفضائل والزكاة نفسها سميت زكاة لجمعها كلا الأمرين لأنها من زكا يزكو بمعنى طهر ، يقال زكا فلان بمعنى طهر ، ويقال زكا الزرع بمعنى نما ، فإذن الزكاة هي الطهارة وهي النماء ، هي طهارة ونماء في المال وهي طهارة ونماء في النفس، أما كونها طهارة ونماء في المال فإن الله تبارك وتعالى جعل هذا المال ليتطهر بها من الأدران ، إذ المال يتوسخ كما يتوسخ الجسم ، فجعل هذه الزكاة طهارة لهذا المال من الدرن وجعلها أيضا نماء له لأن الله يبارك فيه بسببها ، يقول الله (1/14)
صفحة 15
عزوجل " يمحق الله الربا ويربي الصدقات " أي يضاعف الصدقات أو ينمي الصدقات فتصبح هذه الصدقات نامية ، وينمو بنمائها المال من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده ، وهي طهارة وزكاة للنفس للبشرية من حيث إن الإنسان عندما يدفع هذا المال يتطهر ، يتطهر من رجس الشح ومن رجس الأنانية ومن رجس حب الأثرة والإستبداد بهذا المال ، ومن رجس الأخلاق السية التي بطبعه عليها حبه المال حبا جما وكذلك هذه الزكاة نماء للنفس البشرية لأنها تنمو فضائلها فتنغرس في هذه النفس الصفات الحميدة من حب الإيثار والمسارعة إلى أعمال البر والعطف على الفقراء والمساكين هذه الزكاة تفجر ينابيع الفضائل في النفس البشرية ، بينما الشح والأُرة والإستبداد هي صفات تغور ينابيع هذه الفضائل ، بسبب ذلك كله كانت الزكاة ركنا من أركان الإسلام وقد حص الله تبارك وتعالى عليها ذلك الحض البالغ في كتابه وبين مكانتها وجعلها من جملة الترجمة عن نصرة العبد لربه أو من جملة تجسيد العبد نصرته لربه ، التجسيد الذي يستحق به نصرة الله سبحانه وتعالى ، فإن الله عزوجل يقول " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " وترون أن الله سبحانه وتعالى عندما وعد عباده المؤمنين بالتمكين والإستخلاف في الأرض أتبع ذلك أمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إذ قال تعالى " وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ، يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " ثم أتبع ذلك قوله " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة لعلكم ترحمون " وفي هذا الأقتران ما بين الوعد والأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ما يؤذن أن هذا الوعد إنما يتحقق بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة (1/15)
صفحة 16
الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه ، كيف والوعد إنما هو للذين ءامنوا وعملوا الصالحات ، والزكاة دلت على أهميتها آية فصلت عندما توعد الله تبارك وتعالى للمشركين بالويل وبين أن من صفتهم عدم إيتاء الزكاة ، " وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة " وفي هذا ما يكفي المسلم رادعا عن التهاون بإيتاء الزكاة ، إذ جعل الله عزوجل عدم إيتائها من صفات المشركين ، فجدير بالمسلم أن يربأ بنفسه عن ذلك ، وجاءت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دالة على عقوبة مانع الزكاة سواء كانت هذه العقوبة في الآخرة أو كانت هذه العقوبة في الدار الدنيا ، ففي الآخرة جاء في الأحاديث ما يدل على أن من أوتى مالا فلم يؤد زكاته سول له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع فيأخذ بلهزميته ويقول له أنا مالك ، أنا كنزك ، حتى يفرغ الله من حساب الخلق وجاء أيضا أن كل من أوتي مالا يوم القيامة ولم يؤت زكاته جاء ماله كأشد ما يكون وعذب به .
وإن كان غنما أخذت تقبل عليه وتدبر وهي تطؤه بأضلافها وتنطحه بقرونها وكذا سائر الأنعام ، وإن كان هذا المال ذهبا أو فضة عذب به أيضا يوم القيامة ، ذلك العذاب الشديد والقرآن الكريمأيضا ينص على ذلك إذ جاء فيه النص على أن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله تحمى عليهم يوم القيامة وذلك في قوله سبحانه وتعالى "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وظهورهم وجلودهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " . (1/16)
صفحة 17
وأما الوعيد في الدنيا على عدم إيتاء الزكاة فهو واضح في النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال " خمس بخمس" ثم جاء في الحديث " وما منعوا زكاة أموالهم إلا حبس عنهم القطر " ولولا البهائم لم يمطر ، فالله سبحانه وتعالى يحبس قطر سمائه عن عباده بسبب تقصيرهم في هذه الفريضة الواجبة وعندما يمطر هؤلاء الذين يمنعون الزكاة إنما يمطرون بسبب سائر خلق الله تعالى من البهائم وغيرها لا لأجل أنفسهم ، في هذا كله ما يدعو الإنسان إلى الحرص على إيتاء الزكاة وإيتاء الزكاة ركن من أركان الإسلام كما ثبت ذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند الشيخيين عندما ذكر أركان الإسلام وذكر من هذه الأركان إيتاء الزكاة فإذن الإسلام يقوم على هذه الأعمدة ، وهذه الأعمدة إنما هي لإكتمال بقية البناء إذ البنا إنما يقوم في الأصل على العمد ، ثم بعد ذلك تأتي أجزاء من أعمال الشر ، وتغرس في نفسه الفضائل وتنور بصيرته وتطهر سريرته وتجعله عبدا مؤمنا طائع لربه ، مخلصا لأسرته ومجتمعه وأمنه ، فإن في ذلك ما يدل على شمولية الإسلام لجميع أعمال البر وأن الإسلام لا يتمثل ف مجرد الإنتماء إلى هذا الدين الحنيف ولكنه بجانب ذلك ، الإسلام الحنيف إنما هو الطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالى بحيث تتجسد هذه الطاعة في تصرفات المسلمو جميع أعماله في جميع أحواله ، على أن هذه الزكاة هي من مزايا هذه الأمة ، إذ تربط بين قلوبها فتشد الغني إلى الفقير بما تخلق في نفسه من الرحمة به والرغبة في الإحسان إليه والعطف عليه ، وكذلك هي تشد المسكين إلى الغني بحيث تجعله يشعر بالإمتنان له لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليه بإتيانه هذه الزكاة ، وإن كنت هي حق واجبا له فرضه الله تبارك وتعالى عليه فيما أتاه من المال فإن نفسه تميل إليه وتعطف عليه وينتزع ما فيها من الكره والحقد وينتزع ما فيها من الشعور بالفارق والبون ما بين الأغنياء والفقراء ، وفي هذا ما يجمع هذه الأمة أغنيائها (1/17)
صفحة 18
وفقرائها معا ، فتتوحد آلامهم وآمالهم ومشاعرهم وأحاسيسهم كما تتوحد مبادئهم وغاياتهم ، وتكون الأمة أمة قوية متماسكة بينما منع الزكاة والإستئثار بالأموال هو الذي يؤدي إلى وجود الفجوات ما بين الأمة وذلك الذي أشار إليه القرآن الكريم عندما قال الله عز وجل " كي لا يكون أي المال دولة بين الأغنياء منكم" لا يكون المال متداولا بين الأغنياء وحدهم من غير أن ينتفع به الفقراء ، فالله بما شرع من الزكاة إنما يسر للعباد سبل التواصل والترابط فيما بينهم ، فهم يتعاطفون ، يعطف الأغنياء على الفقراء ويعطف في نفس الوقت الفقراء على الأغنياء ، بينما الإكتناز ، إكتناز هذه الأموال عند الأغنياء ، إنما يفجر في نفوس الفقراء مشاعر الكره والحقد ، وهذا الذي يؤدي إلى الثروات الساحقة الملتهبة التي تأتي على الطارف والتليد ولا تبقي باقية في الأرض ، كما حصل في المجتمعات التي استبدلت فيها طوائف قليلة بالأموال بينما الجماهير تعيش عيشة الضنك والحاجة تتمرغ في أوحال الفقر والشعور بالحرمان ، ومع ذلك لا يعطف أحد من الأغنياء على الفقراء ، فالمجتمعات الغربية والمجتمعات في الأمم الشرقية التي تفجرت فيها براكين الشيوعية إنما كانت السبب في هذا الحرمان ، فكارى ماركس نفسه الذي كان إمام الشيوعية ، وكان قائدها ورائدها هو نفسه عاش عيشة الحرمان ، فحقد على المجتمع الذي يعيش فيه وقد صورت أمثلة من هذا الحرمان امرأته في بعض رسائلها التي كتبتها إلى أصدقائها وصديقاتها ، من بين هذه الرسائل ، رسالة تذكر فيها أنه اجتمع لصاحبه السكن الذي كانوا يكنونه بألمانيا خمسة جنيهات من أجور السكر ولم يستطيعوا دفع هذه الجنيهات الخمسة ، ففاجأتهم الشرطة وأخرجوا من ذلك السكن في ليلة مطيرة شديدة البرد كثيرة الثلج إلى الشارع وتذكر في رسالتها بأن زوجها حاول جهدا أن يقنع أحدا من الناس بأن يتقبل إيواءهم فلم يحصل ذلك ، وهناك رسالة أخرى ، تذكر فيها ابنتهم مرضت (1/18)
صفحة 19
مرضا شديدا ولم يجدا وسيلة لعلاجها وظلت تقاسي سكرات الموت مدة ثلاثة أيام ، ثم ماتت وبقوا بعد ذلك يبكون عليها ولكنهم لم يجدوا ثوبا يكفنونها به وقالت واأسفاه لقد وفدت إبنتنا إلى الدنيا ولم ترزق مهدا وغادرتها ولم ترزق كفنا ، فهذا الشعور بالحرمان هو الذي أدى إلى أن انفجرت تلك المجتمعات عن مباديء هدامة خطيرة كانت هذه المباديء أضر على الأمة من جحيم الرأسمالية التي ما كانت هذه المباديء إلى ردة فعل لها والآن أفلست هذه المباديء وأدركت الإنسانية خطورتها ، وأسقطها الذين أشادوا بناءها بأيدهم ولكن مع (1/19)
صفحة 20
ذلك يعودون مرة أخرى إلى النظام الرأسمالي الذي كان مصدر هذا البلاء مع أن الإسلام دين الرحمة دين العطف على الإنسانية ، دين الفضيلة ، دين الخير ، ولكن تقصير المسلمين في بث قيم الإسلام وتعريف الأمة البشرية بمباديء الرحمة والإحسان في الإسلام هو الذي أدى إلى ذلك ، كيف والإسلام يحارب في عقر داره ويخشى منه أولئك الذين ينتسبون إليه ، فهم يتصورون الإسلام شبحا مخيفا وخطرا رهيبا يخشون من يوم يفتح في عينيه ويرفع رأسه ويستوي على قدميه كأنما الإسلام جاء بما يدمر كيان الإنسانية ويقضى عليها وما ذلك إلا دليل عدم رسوخ الإيمان في نفوس أولئك الذين يحاربون هذا الإسلام الحنيف ويحاولون أن يقضوا على قيمه ومثله ويخشون سيادته وتمكنه في هذه الأرض والله غالب على أمره ونحن ندرك بأن سلطان الإسلام لا بد أن يقوم وأنه لا يملك أي أحد قوة بأن يقف مد الإسلام فلا توجد يد على ظهر هذه الأرض يمكنها أن تمنع الإسلام من الظهور كما لا توجد يد على ظهر الأرض يمكنها أن تمنع الشمس بأن تسطع أو النهار بأن يسطع ، فالله سبحانه وتعالى وعد بأن يظهر هذا الدين على الدين كله ، وسوف يمكن لعباده المؤمنين في هذا العصر ، كما مكن لهم من قبل ، وأولئك الذين يريدون أن يمنعوا مد الإسلام من الإنتشار إنما هم الذين عناهم الله بقوله " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المخلصين ومن حزيه المفلحين ومن جنده الغالبين ومن أوليائه المتقين وأن يجعلنا من ورثة جنة النعيم وأن يجلعنا من الذين وصفهم بقوله " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " إنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير وإنه بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير وصلى الله (1/20)
صفحة 21
وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وشكرا لكم والآن نفتح المجال للأسئلة :-
السائل يسأل : هل يصح لطالب العلم وطالب الزواج أخذ المال إن كان كل منهما غير فقير .
الظاهر بأن السائل يعني بأخذ المال ، الأخذ من الزكاة بزواجه أو للأنفاق على نفسه في طلبه العلم ، وقد بين هذا السائل أن كلا من هذين غير فقير أي طالب العلم عنده ما يكفيه ، وطالب الزواج كذلك عنده ما يكفيه .
فالجواب :-
الصدقة إنما هي للفقراء والصدقة تشمل الزكاة وغيرها وقد بين الله تبارك وتعالى ذلك في كتابه إذ قال " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله " فليس لأحد أن يبدل فريضة الله عز وجل ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا لمتأثل مالا" الصدقة لا تحل لغني أي لمن كان عنده ما يكفيه لنفقاته الضرورية فهو غني غير محتاج ، وكذلك ذو المرة أي القوي السوي الجسد بحيث يتمكن من الكسب ووسائل الكسب له موفرة لا تستعصي عليه وسائل الكسب ، يتمكن من كسب المال لكنه يريد أن يعيش عالة على غيره ، الإسلام لا يشجع على ذلك ، فلا تحل له الصدقة بل عليه أن يكتسب المال إذ الإسلام لا يشجع على البطالة وكذلك الذي يتأثل مالا يقصد بأخذ الصدقة تأصيل المال أي تكثير المال "
السائل نفسه يسأل :-
ذكرتم أن الإنفاق من غير الزكاة واجب كلما دعت الحاجة فهل تعنون بذلك حاجة الإنسان المزكي لتطهير ماله أم حاجة غيره ، وإن كانت الثانية فإن حاجة الغير كثيرة .. (1/21)
صفحة 22
هذا الأمر موكول إلى ضمائر الناس فالزكاة كما قلت إنما تجب في أصناف مخصوصة من المال ، الأصل في الزكاة ، فالقرآن ما قيد وإنما قال " وفي أموالهم حق للسائل والمحروم " وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول " أمرت أن آخذنا من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم " يعني من أموال أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم وعلى أي حال الأصل في الزكاة هي واجبة في الأموال ولكن بما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها في أصمناف مخصوصة من المال ، راعى جمهور الأمة كيفية تلك الأصناف التي أخذنا النبي صلى الله عليه وسلم منها فرأوا أن تلك الأصنفا التي أخذت منها الأموال هي مما عدعوا إليه الحاجة البشرية وتكون الحاجة إليها مشتركة ما بين الناس ، فقاسوا عليها نظائرها كل ما كان مثلها ، وهناك من المذاهب الإسلامية من جعل الزكاة واجبة في كل مال أيا كان من كل شيء يتمول ، وهذا هو مذهب الحنفية قالوا بأن المال يجب في كل شيء على أي حال ، نحن لسنا معرض الحديث عن الترجيح ، ترجيح هذا المذهب أو ذاك ولكننا في معرض الحديث عن الزكاة أنها شوعت وأخذت وأعطيت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في أصناف من المال تشتد حاجة البشرية إليها وأن العلماء قاسوا على تلك الأصناف كل ما كان نظيرا لها وإنما الإنفاق الآخر موكول إلى ضمائر الناس فلا ينظر فيه إلى زمان وإنما غاية الأمر أن ينظر الإنسان بنفسه ويبذل من ماله عندما يرى حاجة بقدر ما تجود به نفسه وبقدر ما يوفقه الله تعالى للخير .
السائل يسأل يقول :
هل يجوز للإنسان أن يأخذ الفوائد التي يعطيها البنك وينفقها على المحتاجين هنا قبل كل شيء لي ملاحظة على كلمة فوائد هنا لأن كلمة فوائد هنا غير جائزة هذه من العبارات التي لا تجوز إذ هي مخالفة لقوله تبارك وتعالى "يمحق الله الربا" . (1/22)
صفحة 23
كيف الشيء الممحوق يسمى فائدة ، يجب أن نسمي هذا الشيء ربا كما سماه الله تبارك وتعالى وفي القرآن تشريع تعبيري كما كما أن فيه تشريع عملي فما دل عليه القرآن من التعبير يجب أن نتمسك به ، هنا الآية شاعت في هذا العصر ألفاظا فيها الكثير من الشر ، فيها الشر المستطير ، فالربا يسمى فائدة ، وكيف يكون الربا فائدة مع أن الله تعالى محقه ، والخمر سميت المشروبات الروحية تصديقا لخبر النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال "ليستحلن آخر أمتي الخمر بأسماء يسمونها بها " وهكذا الآن سميت المشروبات الروحية إسم براق ، اسم فيه شبكة يراد به التغرير بالناس ، وكذلك سمي الرقص والغناء وأنواع من الفساد فنا وسمي الزنا حبا ، وهكذا كل منكر يسمى بإسم جميل براق لقصد استهواء النا به ، هذه ليست فوائد والربا حرام ، أخذ الربا حرام ، وإذا كان أخذ الربا حرام فإن الآخر لا ينفعه الإنفاق إذ النبي صلى اله عليه وسلم يقول " لا يقبل الله صدقة من غلول" لا يقبل الله صدقة من غلول هكذا الربا حكمه حكم الغلول ليس لأحد أن يأخذه من أجل أن يدفعه صدقة للفقراء والمساكين ولو جاز لأحد أيضا أن يسرق ويدفع هذه السرقة صدقة للفقراء والمساكين لجاز للمرأة أن تزني من أجل كسب المال لإنفاقه على الفقراء والمساكين .
والسائل يسأل عن الغارمين :-
هل للرجل أن يعطي من زكاة أمواله لأولاده سواء كانوا ذكورا أو إناثا وقد بلغوا سن الرشد مع أنهم تحت رعايته وعونه .
هذه حيلة من الحيل ما داموا هم في كنفه وهو الذي يعولهم فإن إتيانهم الزكاة إنما هو لأجل أن يخفف عن نفسه عولهم.
هنا سؤالان هما من جنس واحد ونحن نجمعهما في جنس واحد :
فالسائل يقول أولا :-
هل على من أقرض مبلغا من المال ومضى عليه الحول ، هل على المقرض أن يزكي ذلك المال .
ثم يأتي السؤال الثاني :-
من كان عليه دين وهو يحاول أن يجمع المال يسدد ذلك الدين ويمر عليه الحول ، هل عليه زكاة من ذلك المال.. (1/23)
صفحة 24
نستطيع أن نجمع السؤالين في سؤال واحد ونقول على من زكاة الدين ، هل هي على الدائن أو هي عل المدين ، الدائن : الذي له الدين ، والمدين الذي عليه الدين ، في الدين أقوال كثيرة للعلماء ولكن القول الصحيح الذي نعتمد عليه هو النظر قبل كل شيء في الدين هل هو دين حاضر أو دين مؤجل .
فالدين الحاضر الذي حضر وقته ومن هذا الباب الدين اللاذي لا يوقت بوقت فهو دين حاضر ، ومن هذا الباب أيضا الإقراض عند أكثر العلماء ، لأن القرض عند أكثر العلماء قالوا لا يوقت بوقت ، وهناك من العلماء من أجاز التوقيت في القرض أيضا ، أي تأجيل القرض إلى أجل مسمى ، فعند ما يكون الدين حاضر فزكاته على الدائن بشرط أن يكون المدين الذي عليه الدين وفيا مليا أن يكون وفيا أي لا يماطل ليس من شأنه المماطلة ، مليا ، عنده المال الذي يؤدي به ذلك الدين ، الذي يقضي به دينه ، هنا تكون الزكاة على الدائن لأن ماله مضمون ، ماله حاضر حضر وقته فهو ما دام وقته حاضر له الحق في أن يطالب به ، والمدين وفي من شأنه الوفاء ، ملي يتمكن من الوفاء ، أما إن كان الدين لم يحضر وكان المدين عنده مال فالزكاة على المدين قبل أن يحضر أجله عندما يحضر يحضر أجله تسقط الزكاة عن المدين ولو كانت عنده دين ، لنقدر أن هذا المدين عنده من المال عنده الآن نحو ألف دينار أو نقدر الآن ألف ريال هذا الألف عليه ومنه دين حاضر بمقدار خمس مئة . (1/24)
صفحة 25
فإنه يسقط زكاة الخمس مئة بسبب حضور هذا الدين ويزكي الخمس مئة الباقية أما إذا كان غير حاضر لنقدر أن عليه دين إلى سنة أو إلى سنتين أو نحو ذلك يصل هذا الدين ألفا أو ألفين أو ثلاثة آلاف أو أربعة أو هكذا فهذا المدين وعنده مال فعليه أن يزكي مما عنده من المال لعدم حضور الدين لأن الدين لم يجب عليه وفاؤه لعدم حضوره ، وفي هذه الحالة أي عند عدم حضور وقت الوفاء إن كان المدين مفلسا أو كان مماطلا وليس له حجة يتمكن من تلك الحكة من أن ينتصف من ذلك المدين ويأخذ منه حقه .
السائل يسأل :-
هل تجب الزكاة على الصبي اليتيم وخاصة إذا كان يمتلك أموالا نقدية ومن يقوم بذلك إن لم يكن له ولي .
الزكاة مختلف فيها هل هي شريك في المال أو حتى في الذمة وبناء على الإختلاف يختلف في تزكية مال الصبي قبل بلوغه ، فمن قال بأن الزكاة شيك في المال يوجب الزكاة في مال الصبي ومن قال بأن الزكاة حق في الذمة يرى سقوطها عن الصبي نظرا إلى أن ذمته لم تشغل بتكليف بعد إذ القلم مرفوع عنه كما ثبت في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم والقول الشهير بأن الزكاة شريك في المال ولذلك فإن الجمهور يقولون بوجودها في مال الصبي يتيما كان أو غير يتيم ويدل على ذلك عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم" .
وعمل الصحابة رضوان الله عليهم إذ كانوا يدفعون الزكاة كما هو مشهور عنهم من أموال اليتامى الذين يكونون في حجورهم ، ومن يدفع إنما يقوم بذلك إن لم يكن لليتيم ولي فالوصي فإن لم يكن له وصي فالوكيل يقوم بذلك.
السائل يقول :-
هل يجوز أن تصرف الزكاة في الولاية أو القرية عن طريق أحد الصالحين وبالتالي تسقط ويعتبر الذي أدى بهذه الصورة مؤديا للفرض أم لا بد أن ترفع إلى مجمع الزكاة بالدولة وإن كان الأمر سيان فأيهما أفضل ؟ الزكاة يراد بها أن تصل إلى الفقراء والمساكين بحيث توضع في أيديهم .
السائل أيضا يقول :- (1/25)
صفحة 26
نود منك أن تعرفنا على من يستحق الزكاة فمن المعلوم أن ذلك وضح في سورة التوبة ولكن الآن اختلف الناس في الأحوال ويتقاضون مكافآت من الدولة نرجو توضيح هؤلاء الأصناف في هذه الأحوال الحالية ومن منهم يستحق الزكاة أصنافها ثمانية ..
الفقراء والمساكين وقد اختلف في التفرقة بين الفقراء والمساكين نحو ستة عشر قولا :-
ونرى أن على الفارق بين الفقراء والمساكين ربما يكون بسيطا جدا فالفقراء والمساكين يشتركون في أنهم لا تفي دخولهم لنفقاتهم الضرورية التي ينفقونها ولا يعني هذا بحال من الأحوال أنهم لا يملكون شيئا ، فإن الله تبارك وتعالى قال في السفينة " وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " وإنما غاية ما يمكن أن يوصف به هؤلاء أنهم لا يفي دخلهم لنفقاتهم الضرورية التي ينفقونها ، فمن كان هذا حاله فهو من الفقراء والمساكين فهو حقيق بأن يعطى من الزكاة ، ولا ينظر في ذلك إلى كثرة الدخل أو قلته وإنما ينظر إلى كفايته أو عدم كفايته فلربما أحد من الناس يكون دخله الشهري مئتي ريال ولكن هذه المئتان تكفيه لنفقاته الضرورية بينما هناك آخر يتقاضى راتبا قدره خمسمائة ريال في كل شهر ولكن لا تكفيه لنفقاته الضرورية ، ذلك لسبب اختلافهما في كثرة العيال فلربما يكون الذي جخله مائتي ريال لا ينفق إلا على نفسه وعلى زوجته ، بينما الآخر ينفق على زوجة وينفق على أولاد نحو عشرة أو اثني عشرة أو أكثر وينفق على أبوين ويتكلف نفقات الكهرباء ولنفقات الأولاد في ذهابهم إلى المدرس وإيابهم منها ، كل ذلك يكلف دخله ويجعله لا يسد حاجته الضرورية . (1/26)
صفحة 27
والدخل إنما يراعى بقدر سداده هل يسد النفقات الضرورية أولا يسدها والأصناف الأخرى هم : العاملون الذين يقومون بجمع الزكاة بأمر الحكم الشرعي ويوزعونها على المحتاجين والفقراء هم العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم هم قوم دخلوا الإسلام من جديد ويحتاجون إلى أن يراعوا لأجل يتمكن الإسلام من قلوبهم أو هم قوم تشتد إليهم حاجة الدولة أو في الرقاب وهم الذين استرقوا فيساعدون على فكاك رقابهم من الزكاة حتى ينعموا بالحرية وكذلك يدخل في هذا الباب أسارى المسلمين عندما يقعون في أيدي أعدائهم وفي سبيل الله يشمل ذلك الجهاد في سبيل الله وما يحتاج إليه الجهاد ويشمل ذلك الرباط عندما يرابط المسلمون في سبيل الله أو ابن السبيل إنما هو الذي يكون بعيدا عن أهله وإن كان هو في أهله غنيا ولكن هو بحاجة في سفره إلى المال أما الغارمون فهم الذين يتحملون الديون في غير معصية وليس عندهم من الدخل ما يمكنهم من قضاء تلك الديون .
السائل يسأل :-
هل تجب الزكاة في النقود الورقية مع أن قيمتها متذبذبة غير مستقرة وقد يصبح ليس لها قيمة في لحظة كما حدث ذلك للدينار الكويتي أيام الأزمة مثلا وهل يصدق عليها سقوط الزكاة عن العملة المغشوشة كالدينار المخلوط بالنحاس مثلا وما الرد على من قال من العلماء أن الزكاة في الذهب والفضة لعينهما لا للتمول ؟ (1/27)
صفحة 28
هذا القول بسقوط الزكاة في أوراق النقد المتداولة بين الناس إنما هو ناشيء عن جهل عميق بالإسلام وعن إغلاق الذهن حتى لا يدرك الحكمة في مشروعية الزكاة في الإسلام فالزكاة شرعت لما ذكرته من الحكم ، شرعت لسد حاجة الفقراء والمساكين ، شرعت لأجل تربية الضمير الإنساني في نفوس الأغنياء ، شرعت لأجل تطهير النفس من الشح والأثرة والإستبداد شرعت لأجل غرس الفضائل في النفس الإنسانية ، شرعت من أجل استلال الضغائن والأحقاد من نفوس الفقراء احتى يشعر المجتمع بتعاطفه ، بحيث يعطف بعضه على بعض ، يعطف الأغنياء على الفقراء ، ويعطف الفقراء على الأغنياء ، وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على مشروعيتها في الأموال من غير بيان جنس المال الذي تؤخذ منه الزكاة إذ الله تعالى يقول " وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " فإذن الزكاة هي حق واجب في المال والنبي صلى الله عليه وسلم أخذها من أصناف تشتد إليها حاجة الإنسان وتتوق إليها نفوس البشر فقد أخذنا مما يقتات ويدخر وأخذها من بهيمة الأنعام وأخذها صلى الله عليه وسلم من النقدين لأنهما كان الوسيلة لقضاء مآرب الناس وحاجاتهم هما الوسيلة لوصول الإنسان إلى ما يريده من وسائل الحياة والعيش فكل شيء تتوق إليه النفس البشرية توقا شديدا وتحتاج إليه اجة ملحة كانت فيه الزكاة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن ندرك بالقطع بأن حاجة الناس عامة والفقراء خاصة في وقتنا هذا إلى أوراق النقد المتداولة أكثر من حاجتهم إلى الذهب والفضة ، هل الفقير اليوم لو أعطي كمية من الذهب يستطيع أن يقضي بها حاجته من غير أن يبيع هذا الذهب بالعملة المتداولة ثم يقضي بعد ذلك حاجته بهذه العملة أو لو أعطي كمية من الفضة هل مكن من قضاء حاجته بهذه الفضة من غير أن يبيعها فإذن الحاجة الآن إلى هذه العملة الورقية أشجمن الحاجة إلى الذهب والفضة ولما كان الأمر كذلك فإنه لا محيص عن القول بوجوب الزكاة في هذه العملة (1/28)
صفحة 29
الورقية على أنه لو قيل بسقوط الزكاة عن هذه العملة للزم من ذلك أن يقال بأنه يجب أن لا تقضى حاجة من الحاجات بهذه العملة فلا يبايع بها ولا يشترى بها ولا تقضى بها الديون ولا تؤدى بها الضمانات ولا تستباح بها الفروج ولا تنفق في صدقات النساء ولا تؤدى بها الديات والأروش اللازمة يجب ذلك .
أما ما دامت تستباح بها الفروج وتقضى بها الديون وتؤدى بها التبعات من ضمانات وغيرها وتنفق في الديات والأروش فبطبيعة الحال يجب أن يقال فيها زكاة ولا مناص على ذلك .
نشكركم شكرا جزيلا وقد وددت ولكن بما أن الحديث عن الزكاة أخذ هذا الجزء الكبير من الوقت لم تبق هناك فرصة للكلام عن الصيام وسنتكلم إن شاء الله عنه بعد إنتهاء شهر رمضان المبارك وأهنئكم مقدما بالشهر الكريم سائلا الله تعالى أن يهله علينا بالإيمان والأمان وبالإسلام والسلام وأن يجعله شهر يمن وبركة وأن يغفر لنا خطايانا ويرفع فيه درجاتنا ويتقبل فيه أعمالنا الصالحة ويتجاوز فيه عن تقصيرنا ويعتق فيه رقابنا من النار ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لصيامه وقيامه على النحو الذي يرضيه ونسأله عز وجل بأن يحقق فيه عز الإسلام والمسلمين ونصر هذا الدين وظهوره على الدين كله ولو كره الكافرون ، إنه تعالى ولي التوفيق وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .. (1/29)