صفحة 1
بحث تخرج: الشورى الإسلامية والديمقراطية المعاصرة دراسة مقارنة لبيوض حدبون
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
بحث التخرج لنيل شهادة الباكالوريوس (ليسانس)
الشورى الإسلامية والديمقراطية المعاصرة دراسة مقارنة
إعداد الطالب:
بيوض بن صالح بن أحمد حدبون
إشراف الدكتور:
زين العابدين محمد العبد
السنة الدراسية 1424-1425هـ/ 2003-2004م
إهداء
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
ماذا عساني أقول وقد تشكلت فصول هذا البحث الشيق، وتحددت معالمه؟
كيف لي أن أكافئ من احتبس نفسه وأنفاسه لأجل إتمام هذه الدراسة...؟
حقا... فليس يفوتني أبدا أن أتقدم إلى المشرف الشيخ الدكتور زين العابدين محمد العبد بجزيل الشكر والتقدير، وإلى كل من ساعدني وأرشدني إلى الصواب من أساتذة وباحثين وإداريين وطلبة...
هذا ولن أنس أبدا فضل:
والدي العزيزين اللذين ربياني صغيرا وأدباني ناشئا...
زوجتي الطيبة التي تحمَّلت البعاد بقلب صبور صامد...
كل من رشحني وأعانني لأن أكون مُؤمنا مُتعلِّما فعَّالا...
مشائخي وأساتذتي ومؤطريَّ في ميزاب الطاهرة ومعهد الحياة العامر بالجزائر...
معهد العلوم الشرعية وطاقمه الإداري والتعليمي بسلطنة عمان...
إلى هؤلاء وكل مؤمن غيور على دينه...
أهدي هذه الباكورة راجيا ممن قرأ منها أن يدعوَ لي وللمسلمين جميعا...
بيوض بن صالح بن أحمد حدبون
مقدمة
إن الله- تبارك وتعالى- لمَّا أخبر الملائكة بإرادته أن يجعل خليفةً في الأرض يقيمُ دينه ويَعمُرها تساءلت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويَسفك الدماء؟ وكأن الملائكة محيطة بالحتمية الاجتماعية للإنسان عند تعامله واحتكاكه بأخيه الإنسان، ومُدرِكة للأهواء والغرائز والدوافع الكامنة في قرارة كل فرد من الجنس البشري. (1/1)
صفحة 2
لكن الله-تعالى- أخبرهم بما هو له أهلٌ من العلم والحفظ وإقامة الْحُجَّة على الناس فقال عز مِن قائل عليما : { ... ... (1) } ، فربُّنا الحكيم لم يترك البشرَ يرتعُون في البسيطة بأهوائهم وما يشتهون، بل فرض عليهم أحكاما وشرائع تضمن لهم السلامة والأمان والعيش الرغيد دنيا وأخرى، فقضى لكل نبيء مرسل بشريعة، كما فعل مع موسى و عيسى وإبراهيم عليهم السلام ليبلغها من أرسل إليهم، حتى اختتمت الرسالات وبعث آخر نبي- سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان من الحكمة وسلامة التشريع الإلهي أن يرسم للبشرية جمعاء في كل عصر ومصر منهاجًا يسيرون على هديه ويحققون خلافة الله في المعمورة وفق ما شرع لهم في كل ميدان ومجال، ويضع نظامًا شاملاً لنواحي الحياة عاداتها وعبادتها، في السياسة والاجتماع والممارسات...
فأما ما يخص الجانب السياسي الاجتماعي فيطالعنا النظام المحكم المفروض القائم على أسس الدين الإسلامي الحنيف العالمي بشموله، المرن في شرعه، الذي لا يحابي أحدا ولا يصادر فكراً ما دام يسير في كنف الإسلام وروحه، وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الشورى لم تكن ابتكارا إسلاميا محضا، أو اختراعا قرشيا ولا من عرب الجزيرة (2) ، بل كانت ضاربة جذورها في التاريخ الإنساني كما يشهد بذلك القرآن الكريم في قصة سبأ، والعزيز حاكم مصر ... إلا أن الإسلام نظمها وقننها وأرسى قواعدها؛ ليُحفظ لها الدوام والواقعية والمرونة.
__________
(1) - من الآية: 30 من سورة البقرة.
(2) - ينظر: موسوعة السياسة. د. عبد الوهاب الكيلالي، ط1/1981م، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
مادة الشورى، ج3، ص498. (1/2)
صفحة 3
ومن جهة أخرى لو جئنا نستعرض التاريخ الإنساني منذ بدايته بآدم - عليه السلام - نلمس صِدقَ تساؤُل الملائكة وواقعية الحيرة؛ فقد حكم قانون الغاب كثيراُ من المجتمعات عبر العصور، لمّا تسلط القويُّ على الضعفاء، وتجبّر الطاغية على المستضعفين، حتى ضاقت البشرية بتلك الانتهاكات التي زادت من تحفيز الحكماء والفلاسفة للبحث والتنظير لنُظمٍ بديلة عن الاستبداد و التسلط ونابذة للحروب والاضطرابات، حتى تولَّد مع تطور الزمن وتناقُح الأفكار نظامٌ يعطي للحرية والمساواة بين أفراد الشعب مساحة أكبر، لم تشهدها النظم الوضعية الأخرى السابقة، فكان مقاربا للنظام الإسلامي السياسي الشوري في بعض الوجوه، مع الإقرار بوجود افتراقات واختلافات تكبُر وتَضيق بينهما...
ويأتي هذا البحث ليحاول كشف النقاب في المجال السياسي عن العلاقة بين النظام الوضعي المسمى بـ:"الديموقراطية"، وبين المنهج الرباني، والتشريع الإلهي فيما يخص الحكم وتسيير الدولة المعروف بـ:"الشورى الإسلامية"، ولكن المتعارف عليه تسميتها "الشورى" إطلاقا من دون تقييد بلفظة "الإسلامية" للاشتهار والشيوع فلذلك أنتهج هذا الإطلاق.
كما أن البحث يتحدث عن الشورى والديموقراطية المعاصرة كمنهج في الحكم، وليس كواقع وممارسة في حياة الناس؛ ولا يمنع ذلك من الاستشهاد ببعض الحوادث من الواقع الذي يُقرُّه المنهجين الشوري والديموقراطي على السواء، وقد نحوت أيضا إلى اقتصار البحث في دراسة الديموقراطية المعاصرة التي بدأت إرهاصاتها من الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ومع عصر النهضة الأوروبية، وكان الحديث عن الشورى من زاوية الاجتماع السياسي فيما يرتبط بالحكم في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، من دون التعرُّض إلى مجالاتها الأخرى المرتبطة بالشؤون العسكرية مثلا، أو الإفتاء، أو الفقه، أو الشؤون الأسرية، أو الحياة العامة... (1/3)
صفحة 4
وهذه الدراسة تأتي لتحاول تبيُّن العلاقة بين أوجه الاتفاق والاجتماع التي ينادي بها كلٌّ من المنهجين ويقوم عليها، وبين الأمور التي يختلفان فيها ويفترقان، بحيث يكون لكلٍّ من الأسلوبين سبيل ومنهج وأوجه لا يشاركه فيه الآخر، وبين نقاط التأثر والتأثير بأن يأخذ كل نظام من الآخر أو يُمدَّه ببعض الجوانب التي تعينه في قيامه بشكل أكثر سلامة وملاءمة.
وقبل هذا وذاك لا أجدني إلاَّ مُلزَما للتعرُّض إلى الجدليَّة القائمة فيما يخصُّ المقارنات بين القوانين والنظم الشرعية الربانية من جهة، والمناهج والقوانين الوضعية البشرية من جهة أخرى، وما إلى ذلك من اعتراضات وجدل بين المفكرين والمنظِّرين المسلمين: المؤيدين منهم والمعارضين لمنهج المقارنة من الأساس.
لتكون أداة البحث بالمنهجين الوصفي فيما يخص التعاريف، وإبراز التصور الشرعي للشورى والوضعي للديموقراطية، وكذا الجوانب التاريخية وبالمنهج التحليلي الذي يقتضيه مقام المقارنات والنظر، بادئا باسم الله الرحمن الرحيم، ومستعينا به جلَّ شأنه، وسائلا منه العون والتوفيق،
{ ... ... } (1) .
فكان عرض البحث وفق الخطة التالية:
الاستهلال بالمقدمة لبيان الموضوع وتحديد الإشكال ثم العروج إلى الجدل القائم في أساس المقارنات بين الشرع والوضع في فصل تمهيدي يشمل ثلاثة مباحث، أولها للاتجاه الرافض وأدلته، وثانيها للمسلك المؤيد وحُججه، بينما يكون المبحث الثالث للنقد والتوفيق.
__________
(1) - من الآية: 88 من سورة هود. (1/4)
صفحة 5
ومن ثَمَّ يأتي الشروع في الفصل الثاني المتمثل في الشورى والديموقراطية، وهو موضوع الدراسة، والذي يعتبر من بين الأمثلة الحية لجدلية الفصل الأول، ويحوي مبحثين، بحيث يختص الأول بالشورى، وهو بدوره يجمع ثلاثة مطالب، أولها للمفهوم والتصور، والثاني للمشروعية والأهمية، فالثالث للخصائص والمميزات، والمبحث الثاني الذي يتناول الديموقراطية يضم ثلاثة مطالب أيضا، فيكون الأول للمفهوم والتصور، والثاني للنشأة والتطور، والثالث للخصائص والمميزات.
يبقى الفصل الثالث الذي يعتبر صلب الموضوع فهو المتمثل في مقارنة الديموقراطية بالشورى كأنموذج يمكن بحثه على غرار النماذج الأخرى التي تنضم إلى مقارنات الوضع بالشرع، فليس هنا مقام بسطها وتحليلها.
وهذا الفصل يحوي أركان المقارنة الثلاث، الاتفاق، والاختلاف، والتداخل، بحيث يندرج كل ركن في مبحث مستقل. حتى يختتم البحث بالخلاصة وأهم النتائج المحصَّل عليها في خلال عرض الموضوع، وبعد ذلك قائمة المصادر والمراجع، ثم فهرس الموضوعات.
الفصل الأول
جدلية المقارنة
لو نرجع إلى كتابات الدعاة والمفكرين في موضوع المقارنات بين التشريعات الإلهية والبشرية نستطيع أن نخلص إلى اتجاهين وربما إلى ثلاثة، فنجد منهم من لا يرى مبررا ولا فائدة ترتجى من المقارنة، ومنهم من يخالف ذلك تماما، إذ لا بأس عنده من المقارنة، ولا عجب ما دام الاقتناع التام بالإسلام وإعجازه في كماله وصلاحه لكل زمان ومكان، فالمقارنة في هذه الحال تُبيِّن عيوب ونقائص غيرها، بينما يحاول بعضهم أن يوجد لكل اتجاه مبررا، فليس يغالي لصالح المعارضين ولا يدفع قُدما مع المؤيدين، بل أوجد لنفسه مسلكا وسطا بينهما.
المبحث الأول:
... ... ... أدلة المعارضة
المبحث الثاني:
... ... ... أدلة التأييد
المبحث الثالث:
... ... ... النقد والتوفيق
... المبحث الأول:
أدلّة المعارضة (1/5)
صفحة 6
... - إنّ أوّل ما يستدلّ به أصحاب هذا الرأي الاختلاف البَيِّن في المصدر والمنشأ، فكيف تصحُّ مقارنة ما أنزله العلِيّ الحكيم من فوق سبع سماوات، بما رآه بعض من الناس لم يكونوا شيئا مذكورا؟!، وكيف يمكن المُقاربة بين ما وضعه عالم الغيب والشهادة، بما قنَّنَه أحد من البشر لم يُؤتَ من العلم إلا قليلا، فكان خصيما مبينا؟!، فالمقارنة بهذا الشكل خداع للذات (1) ؛ لأنه لما نُوفَّق لإبراز محاسن الإسلام واتفاقها مع محاسن غيره، أو تفوُّقها عليه نكون قد دعينا إلى الإسلام بروح العصر، وأننا نكسب أفواجا ممن يدخل في الإسلام!! وهذه مغالطة صريحة (2) .
... - إن هذا المنهج الدعويّ مستحدَث بيننا، ولم يدرج عليه الأنبياء مع أقوامهم ولا حتى رسولُنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يكن بدعا من الرسل، فهو لم يستخدم هذه الأداة في نشر الإسلام وسورة القلم مثلا خير شاهد على مقالنا يُظهِر عُنف الحوار بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقومه، من دون أن يتعارض ذلك مع آية الأمر بإحسان الدعوة إلى سبيل ربنا والموعظة الحسنة؛ لأنها تتعلق بأسلوب الدعوة ومخاطبة الجماهير...أما المقارنة فهي شيء آخر... ثم إن سابقينا ممن حملوا مشعل الدعوة الإسلامية من أفذاذ المؤمنين والمخلِصِين لم يعهدوا هذا المنهج في سيرتهم، فلا نكاد نجد موقفا في السيرة يتضمن مقارنة الإسلام بغيره (3) .
__________
(1) - هكذا وصفها سعدي أبو حبيب في كتابه: دراسة في منهاج الإسلام السياسي.ص19.
(2) - ينظر: دراسة في منهاج الإسلام السياسي. سعدي أبو حبيب، ط1/1985م، دار مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ص19.
(3) - ينظر: المرجع السابق. ص19. وبعدها. (1/6)
صفحة 7
... - ثم إن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب (1) ، فالاستعمار الأجنبي حينما غزانا في وقت ضعفنا وتخلفنا، لم يكد يترك لنا إحساسا بالاستقلالية الذاتية بل زرع فينا التبعية الثقافية والعبودية الفكرية، بسبب تفوقه علينا، حتى صرنا نراه قدوةً لنا، وتأكدنا بأن ما تفرزه حضارتهم هو عين الصواب لمن أراد الارتقاء إلى المعالي، فأخذنا ما رآه من الحضارة، وحاولنا أن نقرِّب الإسلام منها، وأن نقارن بينهما ونحاكي بها تشريعات الإسلام، بل بلغ الأمر بنا أن سلمنا بحق الحاكميَّة للحضارة الغربية على ما لدينا من تراث وقيم وأصالة!!، حتى انتهى الأمر بنا إلى تصديق قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فينا:"لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه"، قلنا: يا رسول الله: اليهودَ والنصارَى؟، قال:" فمن...؟" (2) .
... فالواقع الحالُّ على الأمة المسلمة أن أصبحت تتَّبِع الغرب في أصول الحكم والسياسة، والإدارة والاقتصاد و...، بينما أمرنا نحن المسلمون أن نخالف الكفار ونتميز عنهم في أحوالنا (3) .
... - هذا وإن الغرب نفسه حينما زرع فينا أفكارَه ومناهجَه وتصوراتِه في الحياة...لم ينظر إلى ما في أيدينا من قيم وتراث وغيرها لكي يقارن ويقارب بين ما أتى به وما لدينا (4) ، بل سعى جاهدا لفرض برامجه علينا، بمنطق القوة والاستعلاء تارة، وبالحيلة والإغراء أحيانا، حتى نجح واعتلى حضارتنا على رغم أنوف أحرارنا.
__________
(1) - مقدمة ابن خلدون. عبد الرحمن بن خلدون، ط1/1993م، دار الكتب العلمية، بيروت، ص116.
(2) - صحيح البخاري. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن بردويه البخاري، ط1/2000م، دار الفكر، بيروت، لبنان، ج2، ص851.
(3) - ينظر: دراسة في منهاج الإسلام السياسي. مرجع سابق، ص15، وبعدها.
(4) - ينظر: المرجع السابق. ص20. (1/7)
صفحة 8
... - كما أن المقارنة ليست بالْمُنصِفة أساسا، فهي تجافي الحق وتعمى عليه؛ لأنها تتجاهل اختلاف المنشأ والمنهج والهدف وديمومتها وغير ذلك من الجوانب...، وما موقفنا حينما نتشدق بصلاح الديموقراطية وموافقتها للإسلام، في الوقت الذي لا نأمن فيه أن يأتي قوم ليبتكروا نظاما مخالفا للديموقراطية ويُبرزوا عيوبها، ونحن قد قاربنا الإسلام بها ولَوَيْنَا النصوص واستنفدنا القوى وزِدنا وأَنقَصنا حتى أثبتنا التوافق بينهما (1) ؟!، ألا نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا؟
... - ولنفرض-زيادة على كل ما سبق- أننا قارنَّا بين الإسلام وغيره، فخلَصنا إلى أن الإسلام أحسن من كل الأنظمة الأخرى بأن بيَّنا محاسنه ونقائص ما يُقارن به، وتوصلنا إلى الهدف المنشود، ألا نكون بذلك قد أسأنا إلى الإسلام من حيث ندري أو لا ندري؟؛ وذلك لصدق قول الشاعر علينا:
ألمَ تَر أنَّ السيفَ يزري بقدرِه ... ... إِذا قيل إنَّ السيفَ أمضَى من العصَا (2)
... المبحث الثاني:
أدلة التأييد
__________
(1) - يراجع: دراسة في منهاج الإسلام السياسي. مرجع سابق. ص22
(2) - المرجع السابق، ص25. (1/8)
صفحة 9
- إن الشك المنهجي كما يسميه المفكرون والفلاسفة وسيلة من وسائل تمحيص العلم بشكل يقيني استدلالي، وأسلوب من أساليب النقد البناء، فهو منهج مشروع في إدراك المعلومة، وقد استخدمه القرآن الكريم في مواضع عدة، فكان يعرض لنا صورا عن هذا الصنف من مناهج الاستدلال، ولم يذمَّه أو ينتَقِصه، بل أثنى على سالك هذا الدرب، كما هو الحال مع النبي إبراهيم - عليه السلام - لما أخذ ينظر في السماء، ويبحث عن الإله بين الكائنات المخلوقة- مع علمه اليقين بأن ربَّه هو الله وحده خالق كل شيء-، فقد كان - عليه السلام - في محاورته مع نفسه يضع في الميزان ما كان يخطر بباله من كائنات؛ ليُمايز بينها ويتبيَّن العيوب والمميزات، ويستجلي الحقائق الموجودة في كلٍّ من الكوكب والقمر والشمس، حتى يقيمَ الحجة على قومه حينما يسألونه أو يُحاجونه، ويُبيِّنَ لهم النتائج التي توصَّل إليها، ويخبرَهم بأن ربهم هو الذي يكبُر ويَعظُم عن الخضوع لقوانين الطبيعة وسُنَنِها، فلا يحكُمُه مكان ولا زمان، وليس من شأنه أن يغيبَ ولا أن يغفلَ كحال غيره، وهو الخالق لكل شيء، والعالم بكل شيء، فهو الأحق بإثبات الرُّبوبِيَة وإخلاص العبادة...، وفي هذا يقول الله تعالى: { ... ... } (1) ، ألا ترى في استدلال سيدنا إبراهيم - عليه السلام - أنه استعمل المقارنة بين وحدانيته المطلقة التي شرعها الله، وبين ما رأته شرذمة من البشر من آلهة بديلة عن عبادة الحي القيوم، وذلك حتى يُبيِّن لقومه ولمن يأتي بعده أن مستحق الربوبية إنما هو الله وحده، فالله تعالى لم يؤاخذه ولم يقل له إنك تخادع ذاتك بالمقارنة، أو أنك تسيء إلي بموازنتي بالقمر والشمس وأمثال تلك المخلوقات، بل وصفه بالنبيِّ الذي وفَّى والأواه الحليم.
__________
(1) - من الآية: 88 من سورة هود. (1/9)
صفحة 10
هذا وإن النبي إبراهيم - عليه السلام - كان يعتقد الفساد المطلق لما هو عليه قومه من الشرك، فلم يؤاخذه الله تعالى على منهجه، والكلام هنا- عن الديموقراطية- لم يصل إلى حد اعتقاد الفساد المطلق فيها، فالإنصاف والموضوعية يفرِضان عدم الحكم على الديموقراطية بذلك؛ لما فيها من محاسن وفوائد لا يُغفل عنها، فعلى هذا إذن يكون قبول المقارنة من باب أولى.
- يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز عن الدعوة وأسلوبها: { ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالموعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتيِّ هِيَ أَحسَن ... } (1) ، فنحن مأمورون بأن نحسن إلى الآخرين في دعوتهم ونأتِيَهم بالتي هي أحسن، من غير أن نُجَرِّحَهُم أو نَنتَقِصَ من أَفكَارِهم أو نُهاجِمَهم مِن أَوَّل الأمر، بل يلزَمُنا أن نَبيِّن لهَم الرَّشاد بأسلوب الحوار الرَّزين وتبسِيط الفكرة وإبراز نقاط القوة والضعف بشكل موضوعي في معتقداتهم وجلبهم قدر المستطاع بالحسنى، فإن تكبَّروا عن ذلك وعَلَواْ عَنه وانتَقَصُوا من دعوتنا فحين ذلك نُغيِّر الوسيلة، وهذا نفسه ما أقدم عليه الرسل الكرام عليهم السلام قبلنا، فعلى سيبل المثال نجد سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يدعو والده "آزر" بقوله في أكثر من موضع من القرآن : { يَاأَبَتِ...يَاأَبَتِ... } (2) ، ثم إنه لم يهاجم معتقد أباه وقومه في الخطاب الأول بل كان يبرز لأبيه سلبيات أصنامه بشكل هادئ وحكيم فيقول - عليه السلام - : { يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا... } (3) .
__________
(1) - من الآية: 125 من سورة النحل.
(2) - الآيات: 42 وبعدها من سورة مريم.
(3) - الآية: 42 من سورة مريم. (1/10)
صفحة 11
حتى إذا تكبروا وعلوا عما يُدعَون إليه، تُسلك معهم مناهج أخرى ليست بتلك المرونة والهدوء كالتهديد والوعيد والدعاء عليهم كما فعل سيدنا نوح - عليه السلام - مع قومه لما بلغوا ما بلغوا من التمرد، فقال تعالى على لسانه - عليه السلام - : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا } (1) .
والمقارنة من أساليب الدعوة الأولى لما فيها من إفهام وتبصير وإقامة للحجة للمخالفين معنا في الفكرة، فإن تعدوا تلك المرحلة وعتوا تجنبنا المقارنة إلى غيرها من الأساليب الأخرى.
- ونحن إن تتبعنا مناهج الرسل والأنبياء والدعاة عبر العصور نجدهم يستخدمون منهج المقارنة من ناحية المضمون ولو لم يصرحوا بها، أو لم تكن عندهم بالشكل الأكاديمي المعاصر بأن يوضِّحوا طرفي المقارنة ويستَخرِجُوا أوجه الاتفاق والاختلاف والتداخل، فهذه الصيغة الحالية وإن لم توجد إلا أن المعنى يُفيد المقارنة وذلك لَمَّا يتحدث الداعية عن فكرته ويبرز محاسنها التي يفتقر إليها اتجاه الآخر، أو يوضح المساوئ الموجودة في الفكرة المخالفة له والتي تخلو منها فكرته، وكأنه في هذه الحال يقول للمستمع انظر وقارن أيها أزكى وأصح؟ كما في قوله تعالى: { أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ حُكْمًا لِقَومٍ يُوقِنُونَ } (2) ، وقوله تعالى: { ...هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذِّينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ } (3) ، وما إلى ذلك من الآيات التي تفيد معنى المقارنة.
__________
(1) - الآيتان: 26و27 من سورة نوح.
(2) - الآية: 50 من سورة المائدة.
(3) - الآية: 11 من سورة لقمان. (1/11)
صفحة 12
- لقد أورد القرآن الكريم قولَ رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - : { ...وَإِنَّا أَو إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ } (1) ، فقد تنازل رسولنا بهذا إلى مستوى العتاة من قريش ليستَمِيلهم ويخاطِب عقولهَم، بعيدا عن العواطف الهائجة ضده - صلى الله عليه وسلم - ، وما أسلوب المقارنة إلا من هذا، فصاحب الأمر حينما يعلم يقينا بأن قضيته هي العليا فلا يهمه أن ينالها الآخرون بدعاويهم، بل يسلك كل السبل التي تحكم العقول وتقيم الحجج على غيره ممن خالفه في الفكرة، في هذا المقام يعلق المفسر الكبير الفخر الرازي (ت:606هـ) بقوله:"وهذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وذلك لأن أحد المتناظرين إذا قال للآخر هذا الذي تقوله خطأ وأنت فيه مخطئ يُغضبه، وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشُك في أنه مخطئ، والتمادي في الباطل قبيح والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق، فنجتهد ونبصر أينا على الخطأ وليحترز فإنه يجتهد ذلك الخصم في النظر ويترك التعصب وذلك لا يوجب نقصا في المنزلة لأنه أوهم بأنه في قوله شاك ويدل عليه قول الله تعالى على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - : { ...وَإِنَّا أَو إِيَّاكُمْ... } ، مع أنه لا يشك في أنه هو الهادي وهو المهتدي وهم الضالون والمضلون" (2) ،
__________
(1) - من الآية: 24 من سورة سبأ.
(2) - تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب. الإمام محمد الرازي فخر الدين بن ضياء الدين عمر/ خطيب الري، ط3/1985م، دار الفكر، بيروت، لبنان، مجلد13، ج25، ص258.. (1/12)
صفحة 13
ومن ذلك أيضا أمرُ الله تعالى لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن يقول لأهل الكتاب الذين هم طرف الخلاف مع دينه، فقال تعالى: { فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِن العِلمِ فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وأَبنَاءَكم وَنسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَلَ لَعنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ } (1) ، وقوله تعالى على لسان يوسف - عليه السلام - : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ } (2) ، ويضيف الفخر الرازي في تفسير هذه الآية قائلا:"إن أكثر الآلهة توجب الخلل والفساد، وكون الإله واحد يقتضي حصول النظام وحسن الترتيب، وإن الأصنام معمولة لا عاملة، ومقهورة لا قاهرة، فعبادتها خير أم الله الواحد القهار، وإن كونه واحد يوجب عبادته لأنه لو كان له ثان لم نعلم من الذي خلقنا ورزقنا ودفع الشرور والآفات عنا..." (3) ، فانظر أخي القارئ إلى كل هذه الأوجه التي أبرزها الإمام الرازي بين ما فرضه الحي القيوم من عبادته وما اختاره الجهال الكفرة من الإشراك والتعدد.
وعلى منوال الآيات نفسه قال الصحابي الجليل حسان بن ثابت (ت:54هـ،674م) شاعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمشرك الذي رام أن يهجو النبي - صلى الله عليه وسلم - :
أتهجوه ولست له بكفء ... ... فشركما لخيركما الفداء (4)
__________
(1) - الآية: 61 من سورة آل عمران.
(2) - الآية: 39 من سورة يوسف.
(3) - تفسير الفخر الرازي. مرجع سابق، مجلد7، ج18، ص143. بتصرف شديد.
(4) - ديوان حسان بن ثابت. شرح: عبد أ مهنا، ط2/دت، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص20. (1/13)
صفحة 14
- ونحن في المقارنة لا نعني التشكيك في ديننا، فالإسلام عندنا فوق كل اعتبار، بل نُبسِّط الإسلام لغيرنا ونُريهم الفوارق التي يختلف فيها مع ما وضعُوه؛ لكي يتبينوا الحقيقة ويدركوا البون والهوة بين الطرفين خصوصا لمن لا يملك تصورا عن الإسلام ونُظمه في الوقت الذي تعج قريحته بالأساليب والمناهج الوضعية والتجارب الإنسانية، فالمؤمن مُطالب من قِبَل ربِّه بأن يشرح للناس دينه ويُبسطه ويُقرِّبه إلى غير المسلمين بشتى الوسائل المشروعة والمسكوت عنها، كما هو مُطالب أن يخاطب الناس بحسب عقولهم وميولهم وتخصصات كل منهم، ويقول الشيخ عز الدين الخطيب التميمي (1) : "ثم إن الأنظمة التي تسود العالم في هذه الآونة أصبحت أنظمة مهتزة قاصرة عن تحقيق السعادة والطمأنينة والأمن، سواء كانت أنظمة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسة، وتوالت المناداة بضرورة تغييرها واستبدال غيرها بها، وهذا يدعو أمتنا بإلحاح إلى أن تقوم بعرض الأنظمة الإسلامية بصورتها الحقيقية الشاملة لعلها تحل محل تلك الأنظمة السائدة"، ونحن لا نكتفي بعرض ما لدينا فقط بل نبرز امتيازاته على غيره حتى تقوم الحجة أكثر على معتنقي تلك المذاهب الفكرية.
المبحث الثالث:
النقد والتوفيق
__________
(1) - الشورى في الإسلام. سلسلة بحوث للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، مؤسسة آل البيت.
نشر سنة: 1990م، عمَّان، الأردن، ج3، ص1218. (1/14)
صفحة 15
يبدو من خلال عرض الأدلة أن محور النقاش ليس متحدا بين الفريقين، فبينما تتحدث أدلة الرفض عن وجود من يحاول أن يرفع الشريعة الربانية ويقاربها بالنظم الوضعية باعتبارها صاحبة الأحقية في الحاكمية كما جاء ذلك في الدليل الثاني، أو بالاعتراف بمخادعة الذات حينما نقوم بإجراء المقارنات، بينما ينظر الآخرون إلى المغزى من المقارنة من زاوية أخرى، وهي أن المقارنة تُقيم الحجة على الآخرين حينما يتعرفون- عن كثب- على محوري الخلاف ويدركون الفوارق وما ينقص أحد الأقطاب وينقض تمسكهم بها وهي بتلك الهيئة من النقص والقصور، فمن هنا نرى أن البعض يتكلم عن أساس المقارنة، والآخر عن مغزاها وفائدتها.
- ثم إن أسلوب الدعوة يخضع لبعض العوامل والمتغيرات، فدعوة الآخرين على أساس القوة والعزة ليس هو المنهج الصائب دوما، بل إن ذلك يكون في حالات التمكن والسيطرة والظهور، كما هو حال المسلمين بعد فتح مكة مثلا أو زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، ففي تلك الحال لا يقبح أن نستعمل أسلوب:"لا مداراة ولا مفاوضات"، أو مبدأ العنف في الموقف والحوار كما في الدليل الثاني من فريق المعارضة، أما في الحالات التي تسبق مرحلة التمكُّن كبدايات الدعوة وقيام المنظومة الإسلامية الحقَّة فإن الأسلوب يختلف كثيرا، والداعية يبحث عن الوسيلة التي تؤتي ثمارها في حق أولئك المدعوين الذين تتباين اتجاهاتهم وتختلف عقولهم فلا يحسن أن يُدعَون جميعا بأسلوب المكنة والقوة، ولا يعني ذلك أسلوب المداهنة الذي يضيع الدين بدل ما يحفظه، هذا وليس من الحكمة أيضا أن نستخدم أسلوب المداراة في مرحلة القيادة والريادة. (1/15)
صفحة 16
- أما عن مسألة خضوع المغلوب للغالب عادة فهي ظاهرة بارزة على مستوى المجتمعات عبر التاريخ من خلال عامل التأثير الذي يفرضه القوي على غيره، كما حدث للأمة المسلمة حينما بسط عليها الغرب نفوذَه لأسباب كثيرة لا تكاد تخفى على الصغير فضلا عن الكبير، وأهمها (1) :
__________
(1) - ينظر: هل الإسلام هو الحل لماذا وكيف؟. د : محمد عمارة، ط2/1998م، دار الشروق القاهرة، ص16.
?- أمام تلك الأحداث الواقعات ظهرت كثير من الدعوات المتباينة في أهدافها والمختلفة في أساليبها ووسائلها، بين من ينادي إلى محاكات الغرب ومن يدعو إلى رفضه بالكامل ومن يتفحصه لينتقي ما يراه صالحا، وتتمثل هذه التيارات - باختصار- في:
تيار التغريب: وهو المحاكي للاتجاه الغربي، والذي يحاول إسقاطه في عالمنا الإسلامي بكل ما فيه من غث وسمين، وتتبنى فكره ومبادئه بصفة مباشرة أو متلبسة، تحت حماية ورعاية من الدول الاستعمارية،، إلا أن هذا الفريق لاقى معارضات شديدة، وتشتتا بيِّنًا وتخبطا كبيرا؛ لاختلافات كبيرة في موارد الأفكار التي أتى بها وتضاربها بين إيديولوجيات الرأسماليين والاشتراكيين والشيوعيين والماديين والقوميين ... ، وتباين التقاليد والمعتقدات الدينية والممارسات غيرها من الوجوه...، إلا أن الجامع بينهم كان الفكر الوضعي الغربي في منابعه ومناهجه وحلوله ...
تيار التقليد: وهو الرافض لأي وافد غربي والذي يدعو إلى الحفاظ على ما تركه سلف الأمة المسلم، وإنكاره أخذ الحلول من غيرهم لاسيما من الحضارات الأخرى غير الإسلامية رغم ما توصلت إليه من تقدم في المستوى المادي وأخذها بأسباب القوة، لكن هذا التيار قد عجز عن تقديم البديل الذي يجابه الزحف الغربي القوي بكل تلك العوامل المذكورة، الداخلية منها والخارجية.
تيار الإحياء والتجديد: وهذا الذي دعا إلى توصيف الفروق بين المنابع الإسلامية الأصيلة التي لا هوادة فيها وبين الأفكار والوسائل والمناهج وكل ما يندرج تحت خانة عدم الإلزام من جانب الدين الإسلامي الذي يجمع بيننا كأمة، وحاول أن يأخذ بأسباب الرقي في المجال العلمي، والتربوي، والصناعي، والثقافي، والسياسي الذي يهمنا في هذا الباب، وذلك لما رأى في تراث سلفنا ما كان من الفكر السياسي، فوجد واقعا لا مناص عنه يفيد أن البحث في تلك الممارسات والعلاقات بين الحاكم والمحكوم لم ترْقَ إلى المستوى المطلوب وبخاصة في المجتمع الكبير المعاصر ذي الاتجاهات المتباينة للأسباب التي ذكرت في الصفحة التالية. (1/16)
صفحة 17
* تردي أوضاعنا في مختلف مجالات الحياة وضعف السلطة.
* هيمنة الغرب على كثير من الأقطار الإسلامية.
* سبق الحضارة الأروبية لنا في الأخذ بأسباب التقدم العلمي والثقافي والعسكري ...
* احتياجاتنا الكبيرة لغيرنا من الأمم الأخرى.
* جاذبية الأنموذج الغربي الخالي من العيوب -آنذاك- أو المغطي لها بالبهرجة والإعلام.
حتى قام أمام هذه التطورات تيارات (1) تدعو إحداها إلى النظر في الحضارة الغربية وأخذ ما يمكن الاستفادة منه مما لا يتعارض مع ديننا الحنيف خصوصا ما يتعلق بموضوع الدراسة وما يرتبط بالحكم والسياسة في المجتمعات المعاصرة انطلاقا من أسباب تقرب إلى الموضوعية:
1/ تركيز اهتمام الأمة في الجانب السياسي بقضايا محدودة كتنصيب الخليفة والخروج عنه وانتقال الخلافة؛ وذلك لِما عايشوا من أوضاع فَرضت عليهم التوسُّعَ في ذلك، إلا أن هذا أدى بهم إلى التقصير في الميادين الأخرى وعدم الإحاطة بالسياسة الإسلامية (2) .
2/ المرونة التي تتمتع بها الشورى جعلها غير متقيدة بمنهج واحد، بل هي خاضعة لتغير الأزمان والأماكن، وإن كانت هذه إيجابية كبيرة في الحقيقة؛ لكي تفتح السبيل للمفكرين المسلمين بأن يأخذوا من صالحات ما سبقنا إليه غيرنا.
3/ تغلب سلطان السيف والقسوة على حجة الفكر والحوار والتنظير في كثير من مراحل التاريخ الإسلامي حال دون نشأة شاملة مُتزنة للفكر السياسي كما يريده الإسلام.
__________
(2) - مقدمة إلى علم السياسة. عبد المعطي محمد عساف، ط2/1990م، دار عالم الكتب، الرياض، العربية، ص87. بتصرف.
... ينظر: مثلث الإسلام والديموقراطية والعلمانية. الشيخ ضياء الشكرجي، ط1/2003م، مؤسسة العارف للمطبوعات،
بيروت، لبنان، ص26. (1/17)
صفحة 18
ربما كان هذا التفصيل محاولة لبيان إمكان المقارنة بين الإسلام وغيره، ويُعنى بكلمة: "المقارنة" النظر في كل من الأنموذجين وإبراز نقاط الاشتراك والاختلاف والتداخل بُغية إقامة الحجة على معتنقي المذاهب الفكرية الوضعية وإبراز مزالقها، مع العلم اليقين بعلُوِّ شأن الشريعة الإلهية وخُلوِّها من النقص والتفريط وبأن نور الله ما كان من تنزيله وليس ما رآه زيد أو عمرو من الناس، وإِن حَدَثَ قُصور ونقص في الواقع فمِن تعامُل البشر مع ما كتب الله من الشريعة كالقصور البيِّن في واقع الشورى الإسلامية حاليا، من غير مَسٍّ بذات التشريع، هذا وليس المراد أبدا من المقارنة تقريب الإسلام من غيره من التشريعات الوضعية التي أعطيت لها صبغة الحاكمية من بعضهم.
ومن جهة مقابلة يمكن القول بإن الأنموذج الغربي في الحقيقة ليس نمطا وحيدا ونسَقًا منفردا، بل هو مجموعة من الأفكار والمنطلقات والمدارس والمواقف (1) ، فليس من الموضوعية أن نكيلها جميعا بمكيال واحد.
الفصل الثاني
الشورى والديموقراطية
...
المبحث الأول:
... ... ... الشورى الإسلامية
المبحث الثاني:
... ... ... الديموقراطية المعاصرة
المبحث الأول:
الشورى الإسلامية
يتكون هذا المبحث من ثلاثة مطالب، يمكن لنا- من خلالها- أن نأخذ صورة عن الشورى كمبدأ في نظام الحكم، فقد كان المطلب الأول لتوضيح المفهوم، وبسط تصوره في الواقع، أما المطلب الثاني فتحدث عن مشروعية الشورى وأهميتها كممارسة ميدانية في الحكم الإسلامي، بينما عالج المطلب الثالث الخصائص والمميزات التي يتصف بها هذا النظام الشوري.
المطلب الأول: ... ... المفهوم والتصور
تعريف الشورى في اللغة:
الشورى من الفعل الثلاثي "شَوَرَ"، فانقلبت الواو ألفا فصار الفعل "شار".
__________
(1) - الإسلام والقضايا المعاصرة. د: عبد الملك مرتاض ودكاترة آخرون، ط1/2004م، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، ص35. (1/18)
صفحة 19
المشُورة بضم العين " مَفْعُلَة" وليس " مَفْعُولة"؛ لأنها مصدر، وقال الفراء:" المَشُورَةُ أصلها مَشْوَرَةٌ ثم نقلت إلى: مَشُورَة لخفتها"، تقول أشار عليه باليد إذا أومأ له، وأشار عليه بالرأي إذا وجَّه له الرأي، تقول: فلان خيِّر شيِّر أي يصلح للمشورة (1) .
وهي بمعنى إبداء الشيء وإظهاره وعرضه: تقول شُرت الدابة شَورًا إذا عرضتها للبيع، والمكان الذي تعرض فيه يسمى المشوار.
وبمعنى الأخذ: فتقول شُرت العسل أشوره إذا أخذته، ومنها قولهم:" شاورت فلانا في أمري، فكأن المستشير يأخذ الرأي من غيره" (2) .
والشورى الأمر الذي يُتشاور فيه، قال تعالى: { ... ... (3) } .
تعريف الشورى في الاصطلاح:
... أعطاها الفقهاء عدة تعريفات بحسب نظرتهم، فهي تدل على معنى إجمالي متقارب عموما كما يتبين لنا من هذه التعريفات المقترحة:
*/ فهي عند الراغب الأصفهاني (ت:502هـ) بمعنى :" استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض " (4) .
*/ وهي عند العلامة ابن العربي (ت:543هـ) تدل كلمة الشورى على :" الاجتماع على الأمر ليستشير كل واحد منهم صاحبه، ويستخرج ما عنده " (5) .
__________
(1) - ينظر: لسان العرب. ابن منظور، باب الشين.
(2) - يراجع: معجم مقاييس اللغة. أبو الحسن أحمد بن فارس، دار الجيل ط1/1991م، بيروت، لبنان، ج3،ص226وبعدها.
- القاموس المحيط. مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، نسخة مصورة عن الطبعة الثالثة للمطبعة الأميرية1301هـ، ج2، ص64.
(3) - من الآية 38، من سورة الشورى.
(4) - معجم مفردات ألفاظ القرآن. الراغب الأصفهاني، دار الفكر بيروت، لبنان، دت، دط.
(5) - أحكام القرآن. أبو بكر محمد بن عبد الله/ ابن العربي، دار الجيل، بيروت، لبنان، دط/ 1988م، ج 1، ص297. (1/19)
صفحة 20
*/ وفي تعريف آخر يرى الطبرسي أن الشورى هي :" المفاوضة في الكلام ليظهر الحق " (1) .
*/ أما عند الدكتور عبد الحميد الأنصاري فهي :" استطلاع رأي الأمة أو من ينوب منها في الأمور العامة المتعلقة بها " (2) .
... */ أما الدكتور البوطي فقد عرف الشورى بأنها :"رجوع الإمام أو القاضي أو آحاد المكلفين في أمر لم يستبن حكمه بنص قرآن، أو سنة، أو ثبوت إجماع، إلى من يرجى منهم معرفته بالدلائل الاجتهادية من العلماء المجتهدين، ومن قد ينضم إليهم في ذلك من أولي الدراية والاختصاص " (3) .
يتبين لنا- ونحن نقرأ هذه التعريفات الاصطلاحية- اختلاف الزوايا التي تُعرَّف من خلالها الشورى، بحيث نجد كلا من العلامة ابن العربي، والطبرسي، والأصفهاني في تعريفاتهم للشورى أنهم لم يقتصروا على جانب من جوانب الشورى بل أطلقوها على مختلف ميادين الحياة السياسية والفقه والإفتاء، و شؤون حياة الناس...، بينما نلاحظ تفصيل المحْدَثِين في تعريفاتهم كما يُبَيِّن الدكتور الأنصاري والشيخ البوطي، فيعرِّفان الشورى من جانبها السياسي وشؤون الحكم، لما في تصريحهما باستطلاع الإمام رأيَ الأمة بالكامل، أو بأهل الحل والعقد، إلا أن الدكتور البوطي يضيف شؤون القضاء إلى ما سبق، ويُقيِّد تعريفه بأن يكون المستشارون من أهل الاجتهاد في أمور الدين، وأصحاب الاختصاص فيما يتعلق بشؤون الحياة، بينما نجد في تعريف فمن ذلك يبدو أن التعريف الأقرب لموضوع البحث هو تعريف الدكتور الأنصاري.
__________
(1) - مجمع البيان في تفسير القرآن. الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، دار مكتبة الحياة، بيروت، دت، مجلد 5، ج25، ص58.
(2) - الشورى وأثرها في الديموقراطية. د. عبد الحميد إسماعيل الأنصاري، ط3/دت، منشورات المكتبة العصرية، بيروت لبنان، ص04.
(3) - الشورى في الإسلام. مرجع سابق، خصائص الشورى ومقوماتها، د. البوطي، ضمن بحوث المجمع، ج2، ص488. (1/20)
صفحة 21
أما ما يخص المقارنة بين التعريفات اللغوية والاصطلاحية فهناك علاقة عموم وخصوص بينها؛ لما يحتويه المفهوم اللغوي من معاني متعددة ومتفرقة، فهي لمطلق الأخذ والإظهار بما في ذلك الحيوان والجماد، والمعنوي والمادي، بخلاف الأمر بالنسبة للمدلول الاصطلاحي لكلمة الشورى عند الفقهاء في المجال السياسي والاجتماعي التي تعني إبداء الرأي من البشر فحسب.
ثمرات ولطائف:
... بعد تمحيص النظر في التعاريف الاصطلاحية السابقة، والتمعن في فرضية النظام الشوري على الأمة الإسلامية، يمكننا أن نستخلص منها بعضا من الأمور على النحو الآتي:
1/ في الشورى دعوة ربانية إلى العمل الجماعي الذي يُعدُّ أكثر فعالية، وجدوى، وتحمُّل المسؤولية، من الانضواء تحت راية الواحد، سواء كان من الأشخاص أو الاتجاهات، والمشاركة الفعلية بين الحاكم والمحكوم في إطار إسلامي عفيف نظيف، فالرأي المقدّم للحاكم بعد الشورى هدية يتقبلها من الأمة أو من أهل الشورى، كما ينتُج العسل من اجتماع جهود العاملات من النحل التي تجمع الأحسن والأصفى من رحيق الورود والأزهار.
2/ والملاحظ أن الشورى من الأمور التي لا تتحقق إلا بالمشاركة والتفاعل بين طرفين فأكثر، فقد يكون الطرفان شخصين كما يكونان مجموعتين.
3/ قابلية الأمر المعروض للشورى لاختلاف وجهات النظر فيه بين الأطراف، ودخوله في دائرة النقاش والحوار.
4/ غالب الآراء المُبداة تكون عُصارة فكر الذي قدَّمها بعد إعمال عقله، وإطالة فكره، فبعد مقابلة تلك الآراء ببعضها ومقارنتها يخلُص الرأي الأجود والأحسن، فهو زُبدة الخلاصة كما تقول العرب.
5/الآراء لا تتناقح ولا تتكامل ولا تتناسق إلا بالشورى، وبهذا يبعد احتمال الخطأ أكثر عمَّا لو كان القرار من غير استشارة أصحاب النظر (1) .
__________
(1) - ينظر: الشورى في الإسلام. مرجع سابق، الشورى في القرآن، د. صلاح الخالدي، ضمن بحوث المجمع، ج1، ص51. (1/21)
صفحة 22
... 6/ إنها تتفق فيما بينها على إبداء الآراء للخلاص إلى الرأي الأكثر صوابا منها بعد إمعان النظر و تمحيص البحث فيها.
المطلب الثاني: ... ... المشروعية والأهمية
... لو جئنا لنلقي نظرة متأنية على مكانة الشورى في تصوُّر الواقع الاجتماعي السياسي في الإسلام، لوجدناها في صف متقدم بالغ الأهمية، بحيث إن الله تعالى شرعها في القرآن الكريم، وعلَّم رسولَه الأمينَ مبدأ الشورى، وأخذ الآراء من الآخرين؛ ليُمارسها - صلى الله عليه وسلم - في سياسته لأمَّته -بالرغم من تأييده - صلى الله عليه وسلم - بالوحي المنزَّل- ويُبلِّغَها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدوره إلى صحابته، ولِتعُمَّ وُلاة الأمور ممن بعدهم إلى يوم الدين، فقد قال الله تعالى- مُنوِّها لسيرة رسوله الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ومرشدا له ولمن بعده-: ... { ... } (1) .
ويقول الشيخ سيد قطب (ت:1966م) في هذا المقام: " يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم- حتى ومحمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يتولاه-، وهو نص قاطع لا يدع للأمة شكا في أن الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه" (2) .
وقال الله- جلَّ وعَلا- في مدح المؤمنين الذين أدركوا الغاية ممن خَلقِهم، وجاهدوا لأجل تحقيقها في واقع الأنام: { ...
... } (3) .
__________
(1) - الآية: 159، من سورة آل عمران.
(2) - في ظلال القرآن. سيد قطب، ط12، سنة1986، دار العلم للطباعة والنشر. جدة، المملكة العربية السعودية. ج1، ص495.
(3) - الآية: 38، من سورة الشورى. (1/22)
صفحة 23
بل بلغت من الأهمية أن جُعِلت الشورى اسمًا لسورة قرآنية مكية، وما ذلك إلاَّ لعُلوِّ قدرها وشرف عزَّتها، والمعلوم أن القرآن المكي كان يُرسي القواعد التي يقوم عليها بناء الإسلام، ففيه إشارة إلى أنها من القواعد الأساسية (1) ، ثم إن القرآن نفسه ينقل لنا أنموذجين رائعين للحكم من قبل الإسلام أحدهما على منهج الشورى والآخر على أسلوب التسلط وعدم الاعتراف بمبدأ التشاور رأسا (2) ، فالشاهد الأول قصة ملكة سبأ الحكيمة بلقيس حينما جاءها كتاب من النبي سليمان - عليه السلام - فما كان منها إلا أن جمعت قومها كما يقول الله تعالى في كتابه العزيز: { ...قَالَتْ يَأيُّهَا
... } (3) ، فالبراعة كلها في التدبير الحسن منها حين أخذت بعنان القوم الذين فوَّضوا لها القرار-بِدَورهم- بعدما أحسَّتهم بوجودهم المعنوي معها فاستشعروا قدرهم عندها بالمشاورة، حتى نجت ونجا الجميع من الاجتياح الذي لا قِبَل لهم به كما قال النبي سليمان مُتوعِّدا إياهم.
ومن الأنموذج الثاني نقرأ في أسلوب الحكم الذي لا يقيم لأصحاب الرأي اعتبارا قصة فرعون لما جاءه النبي موسى - عليه السلام - فأبى، وحشر قومه ليفرض عليهم الربوبية قهرا، ويقول - مُتجبرا- : { ... ... } (4) ، وقوله تعالى في موضع آخر مُبيِّنا حكم فرعون المدعي للربُوبية، وأشد درجات التجبُّر والتسلُّط، فمما يشهد بذلك أنه أصدر حكم الجنون بنفسه على النبي موسى - عليه السلام - ؛ ليصرف عنه أذهان المستمعين، فيبقى المتجبر وحده : { ...
... } (5) .
__________
(1) - ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده. د. يوسف القرضاوي، ص125.
(2) - ينظر: المرجع السابق، ص129.
(3) - الآيات 29-35 من سورة النمل.
(4) - الآيات 17-24 من سورة النازعات.
(5) - الآيات: 23-29 من سورة الشعراء. (1/23)
صفحة 24
أما الأحاديث النبوية فهي متضافرة في شأن الشورى وبيان قدرها في التشريع الإسلامي، واستخلاص الرأي الأصوب من عقول الرجال، فمن ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمَّا نزلت الآية الكريمة: { ... ... } (1) قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أما إن الله ورسوله لغنيَّان عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعْدم رشدا، ومن تركها لم يعدِم غيَّا ) (2) ، وغيرها من الأحاديث القولية أما الفعلية فيشهد على ذلك قول أبي هريرة - رضي الله عنه - :" ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (3) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - :"ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم"، وفي لفظ:"إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع" (4) ، ويُعجبني في هذا- من التابعين- قول الحسن البصري (ت:110هـ،728م) والضحاك بن مزاحم (ت:105هـ،723م):"ما أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالشورى من أصحابه؛ لحاجة منه إليهم، إنما ليعَلِّمهم ما في المشُورة من فضلٍ وسدادٍ، وكذلك يعلِّمهم الإقتداء" (5) ،
__________
(1) - من الآية: 159 من سورة آل عمران.
(2) - شعب الإيمان. أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،ط1/1990م، ج6، ص76.
- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، دار الفكر، بيروت، لبنان، د ط ت ج2، ص106.
(3) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دت ط، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ج13،ص340.
... - مسند الإمام أحمد. الإمام أحمد بن حنبل، ط4/1983م، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ج4،ص328.
(4) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري. مرجع سابق، ج13، ص340.
(5) - السنن الكبرى. أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ط1/1994م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ج10، ص187.
... - الإسلام وحقوق الإنسان. د: القطب محمد القطب طبلية، ط2/1984م، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، 544.بتصرف. (1/24)
صفحة 25
هذا كله للنبي المؤيد بالوحي الإلهي والمختص بالعصمة - صلى الله عليه وسلم - ، فما بال من بعده من ولاة أمور المسلمين الذين لا وحي لهم ولا عصمة؟!، ثم إنَّ الصحابة- رضي الله عنهم- من بعده - صلى الله عليه وسلم - ، ساروا على ذلك النهج القويم، والصراط المستبين، والأمثلة في هذا كثيرة تكاد لا تحصر.
وزيادة على ما سبق، فهناك جوانب هامة ومعتبرة، يوفرها لنا العمل بالشورى منها:
? إن الحاكم لما يتصرف بمفرده، تتجاذب الرعية شكوك وتفسيرات سيئة، تقودهم إلى التمرد وإظهار العداء له، وبالتالي تسير الدولة إلى الضعف والفرقة، ويختلف الأمر عند اتخاذ القرارات جماعيا من ذوي الخبرة وأصحاب الرأي، فتتلاشى- حينئذ- تلك الشكوك وتضمحل، ويحل التآلف والتآخي، ويكسب الحاكم ثقة من حوله، وتتقوى الدولة وتبتعد عن أسباب الفرقة والشتات (1) .
? عادة ما يتعرض الحاكم أثناء مزاولته لمهامه-بمفرده- إلى ردات أفعال غير مدروسة، واندفاعات عاطفية، و...كثيرا ما تزيغ به عن الحق، من جراء حوادثَ يعيشها، أو تنتابه في إصدار القرارات، فتكون سببا في اهتزازات تصيب الأمة الواحدة، وتُقوِّض استقرارها، خصوصا في الأمور الهامة واللحظات الصعبة، أما في تطبيق نظام الشورى فإن الأمور تُدرس جماعيا وبكل جوانبها، والعواطف تكبح، و...عند استشارة أهل الحل والعقد (2) .
? الحاكم بانتهاجه الشورى يُضيف إلى عقله وتفكيرِه العقولَ الخبيرةَ من أهل الحل والعقد، وإلى اهتمامه اهتمام الآخرين ممن معه، ليستقصى الصواب في القرارات الصادرة (3) ، وفي هذا الصدد يقول الشاعر بشار بن برد (ت:167هـ):
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي لبيب أو نصيحة حازم
__________
(1) - ينظر: الشورى في الإسلام. مرجع سابق، تنظيم الشورى في العصر الحاضر على أساس إسلامي، عز الدين الخطيب التميمي،
ضمن بحوث المجمع، ج3، ص1194.
(2) - ينظر: المرجع السابق، ص1194.
(3) - ملامح المجتمع المسلم. مرجع سابق، ص123. (1/25)
صفحة 26
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم
ولكي تتضح الصورة أكثر، يمكن أن نقدم بعضا من تلك الشواهد الجليلة التي يزخر بها التاريخ الإسلامي في عز مراحله، فهذا غيض من فيض عن الممارسة العملية للشورى من واقع العهد النبوي مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ونماذج لأبي بكر - رضي الله عنه - ، وعمر - رضي الله عنه - كأمثلة من عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، أما الشواهد من الدول الإسلامية بعد ذلك نقدم مثالا عن عمر بن عبد العزيز (ت101هـ) في الدولة الأموية، وإمامة عبد الرحمن بن رستم - رضي الله عنه - (ت:171هـ) في الدولة الرستمية ببلاد المغرب، الجزائر- حاليا-، وشاهدا من إمامة المهنا بن جيفر اليحمدي - رضي الله عنه - (ت:237هـ) أيام ازدهارها في عمان:
1/ الشورى في عهد النبُوَّة: (1/26)
صفحة 27
* في غزوة بدر الكبرى: استشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - صحابته يوم بدر لمَّا خرجت قريش لحماية قافلتها، وعلم - صلى الله عليه وسلم - أنه قد تقوم حرب بينهما استشار - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فقام أبو بكر فقال وأحسن ثم قام عمر فقال و أحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنوا إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (موضع باليمن) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له الرسول خيرا ودعا له ثم قال أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الأنصار لأنهم حين بايعوه بيعة العقبة أخذوا العهد على أنفسهم أن يحموه من مدينتهم من كل من يحاول العدوان، والمعركة هنا تكون خارج المدينة؛ لذلك كان الرسول هنا حريصا على أن يعرف رأيهم بوجه خاص وقام إثر ذلك سعد بن معاذ الأنصاري سيد الخزرج فقال والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : "أجل"، فقال لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك...، وهكذا أعلن ممثل الأنصار موافقتهم وطاعتهم وعند ذلك قال - صلى الله عليه وسلم - :"سيروا وأبشروا فإن الله توعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" (1) .
__________
(1) - ينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام، تحقيق مصطفى السقا، دت ط، مؤسسة علوم القرآن، مصر، القسم1 من ج1،2، ص614 وبعدها. (1/27)
صفحة 28
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يخرج إلى بدر ويتصرف حتى أخذ الموافقة ووثق منها، ممن معه من المهاجرين والأنصار أطراف القوى، وكذلك تدبير الرأي مع الحباب بن المنذر - صلى الله عليه وسلم - في بدر قبل المعركة إذ أمر أصحابه أن ينزلوا في أقرب ماء من وادي بدر، فتقدم إليه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال الحباب: إن هذا ليس بمنزل، فانهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فاستجاب - صلى الله عليه وسلم - لهذه المشورة الصائبة وقال:" لقد أشرت بالرأي" (1) ، وفي أمر الأسارى المشركين في الغزوة نفسها، و...
فلننظر إلى مبدأ الشورى السامي الذي يربي عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - صحابته- حتى في أشد الأوقات الحرجة- فالوقت جِدٌّ ليس بالهزل، والعدو على مشارف بدر، فلم يكبُر الرسول عن المشورة أو يحقرها؛ لأنه يُعِدُّ أمة تقود العالمين من بعده متى ما تمسَّكت بالمبادئ الإسلامية.
__________
(1) - ينظر: السيرة النبوية: ابن هشام، ص620 وبعدها. (1/28)
صفحة 29
* في غزوة أحد: استشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصحابة في أمر الغزوة بين الخروج للقاء المشركين و بين الاحتماء بأسوار المدينة، وأخذه - صلى الله عليه وسلم - بالشورى في وقت يحق له اتباع رأيه من دون استشارة أي أحد كما يبين ذلك سيد قطب إذ يقول:"...وكان من حقه أن يُلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة للشورى ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات؛ لأن إقرار المبدأ، وتعليم الجماعة، وتربية الأمة أكبر من الخسائر الوقتية، ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة، أمام ما أحدثتها من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف، أمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة، ولكن الإسلام كان ينشئ أمة ويربيها ويعدها لقيادة البشرية، وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة، أن تربى بالشورى، وأن تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة؛ لتعرف كيف تصحح خطأها، وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها، فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ.." (1) .
وقد سلكت الشورى في وقائع كثيرة كما في قضية صلح الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الأحزاب مع عيينة بن حصن والحارث بن عوف الغطفاني على ثلث تمر المدينة ليخذلوا العرب فأبى أصحابه - صلى الله عليه وسلم - فنزل عند رأيهم، وصلح الحديبية مع قريش، وفي غزوة الطائف، وفي شأن الأذان، بل في أخص الأمور في حادثة الإفك، وغير ذلك من الوقائع التي فُصِّلت في كتب السيرة النبوية...
2/ في عصر الخلفاء الراشدين:
__________
(1) - في ظلال القرآن. سيد قطب، ج1، ص495. بتصرف. (1/29)
صفحة 30
قبل عرض الشواهد يجدر بنا أن نعرف الضابط الذي يحتكم إليه الخلفاء في انتهاجهم الشورى في إمارتهم شؤون الرعية، وهو- على رأي الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي- أنهم يلجؤون إليها في حال إشكال الأمر عليهم بوقوع المعضلات، أو عند عدم حصول الطمأنينة الكافية في قلوبهم في تقرير حكم ما (1) ، وفيما يبدو أنه الضابط الأقرب للصواب إلا أنه بحاجة إلى مزيد تفصيل، ويمكن إبراز أهم الشواهد في نقاط كما يلي:
? لم تعقد الإمارة لأحد من الخلفاء إلا بالشورى التي تجسدت في الترشيح ثم أخذ البيعة من جميع الناس أو غالبهم (2) ، ولا ينافي ذلك أن عمر - رضي الله عنه - إنما عهد له الخليفة أبو بكر - رضي الله عنه - بالإمارة؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه - كان قد استشار الصحابة قبل الإيصاء له بالولاية و إن أشكال الشورى غير محددة بنسق معين كما سيأتي بيان ذلك.
? أما أعضاء شورة أبي بكر الخاصة فهم الصحابة الكرام: عمر، عثمان، علي، معاذ بن جبل، أبي بن كعب، زيد بن ثابت، عبد الرحمن بن عوف (3) ، إلا أنه لم يكن يستغني عنهم، بل يرجع إلى رؤوس القوم وعلمائهم متى فضل ذلك (4) .
__________
(1) - الشورى في الإسلام. مرجع سابق، الشورى في عهد الخلفاء الراشدين، د. البوطي، ضمن بحوث المجمع، ج1، ص113.
(2) - الشورى في الإسلام. المرجع السابق.
(3) - تاريخ الأمم والملوك. أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ط1/1987م، دار الفكر، بيروت، لبنان، ج4، ص247.
... - الكامل في التاريخ. أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد الشيباني/ ابن الأثير الجزري.
ط1/1987م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ج2، ص272.
(4) - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال. علاء الدين المتقي بن حسام الهندي، دط/1989م، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج5، ص600. (1/30)
صفحة 31
ولعل أهم أمر كان للشورى فيه الدور الأكبر، قضية قتال المرتدين فكان قرار أبي بكر - رضي الله عنه - الذي يقضي بقتال المرتدين بعد مدارسة الأمر بالشورى بين الصحابة، كما بيَّن ذلك الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس (1) ، لما عرض الحادثة، ثم رجح أدلة الخليفة أبي بكر - رضي الله عنه - المكونة من النصوص الشرعية والعقل، والتي أقنعت أشد المعارضين: عُمَر - رضي الله عنه - ومعه كثير من الصحابة، كمَثَل الآية الكريمة: { ... ... } (2) ، فقال الدكتور محمد:" وقد اتَّضح للصحابة أثناء النقاش أن المرتدِّين يستحقون القتال بقيام الأدلة، فأيدوا أبا بكر - رضي الله عنه - ، وانشرحت صدورهم للقتال، وهذا يقودنا إلى أن نقول: إن الأمر منصوص عليه، والشورى تكون في غير المنصوص عليه؛ إذ الشورى اجتهاد، ولا اجتهاد في مورد النص" (3) .
واستشارة أبي بكر - رضي الله عنه - لأصحابه حينما يولي الأمراء، كما فعل في تعيين أمير البحرين الصحابي الجليل العلاء الحضرمي (4) ، واستشارته - رضي الله عنه - عند مرض موته في أمر الخلافة من بعده- لعبد الرحمن بن عوف ثم عثمان ابن عفان وسعيد بن زيد وأُسيد بن الْحُضير وغيرهم من المهاجرين والأنصار- استشارهم في تولية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لإمارة المؤمنين بعده، فلما زكَّاه الصحابة دعا عثمان بن عفان ليكتب له العهد بالخلافة في قرطاس وختمه (5) ،
__________
(1) - مساعد المدير الإداري والتربوي في جمعية المركز الإسلامي. عمّان. المملكة الأردنية الهاشمية.
(2) - من الآية: 05 من سورة التوبة.
(3) - الشورى في الإسلام. ج2، ص 791.
(4) - كنز العمال. مرجع سابق، ج5، ص620.
(5) - ينظر: الكامل في التاريخ. مرجع سابق، ج2، ص272. وبعدها.
... - الطبقات الكبرى.ابن سعد، دط/1985م، دار بيروت، لبنان، ج3، ص200. (1/31)
صفحة 32
وكتاب أبي بكر - رضي الله عنه - إلى أمير الجيش عمرو بن العاص يقول له فيها:" إني كتبت إلى خالد بن الوليد؛ ليُسيِّر إليك مددا لك، فإذا قدم عليك فأحسِن مصاحبته، ولا تطَّاول عليه، ولا تقطع الأمور دونه؛ لتقديمي إياك عليه وعلى غيره، شاورهم ولا تخالفهم" (1) .
__________
(1) - كنز العمال. مرجع سابق، ج5، ص621 (1/32)
صفحة 33
? وكان القراء أصحاب مشورة عمر - رضي الله عنه - كهولا كانوا أو شبابا (1) ، أما مُستَشَارُوه في الأمور الخاصة هم: علي، عثمان، الزبير، طلحة، عبد الرحمن بن عوف (2) ، فهو كذلك أقام الشورى وأمر بها في مناسبات عدة ليس هنا مجال ذكرها- مخافة الإطالة- إلا أنه لابد من شاهد له - رضي الله عنه - ، فكُتُب السيرة تذكر لنا أن عُمر - رضي الله عنه - كتب إلى سعد بن أبي وقاص أن شاور طُليحة وعمرو بن معد يكرب في أمر حربكن ولا تُولهِّما من الأمر شيئا، فإن كل صانع هو أعلم بصناعته (3) ، بل إنَّ أعجب من ذلك، ما كان من أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في معاشه، فقد أخرج أبو أمامة بن سهل بن حنيف قال: مكث عمر زمانا لا يأكل من بيت المال شيئا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستشارهم، فقال:"قد شُغِلت نفسي في هذا الأمر، فما يصلح لي منكم"، فقال علي كرم الله وجهه:" غذاء وعشاء"، فأخذ بذلك عمر (4) ، فلننظر أين وصلت الشورى زمن الرخاء والعدل، وخلافة الأمير الذي شهد فيضان تركة الفرس على المؤمنين، وما خلَّفه كسرى في قصره من عقود فخمة ورخام عظيم وفرشه المطعَّم بالجواهر وطنافسه الكبيرة حتى قضى المسلمون أربعة أيام في جمع غنائم الفرس، ولنرى إلى الحد الذي يصل إليه الخليفة المهاب من الجميع في الاستشارة؛ فهو من إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع.
__________
(1) - صحيح البخاري. مرجع سابق، ج4، ص1846.
(2) - معالم الثقافة الإسلامية. د. عبد الكريم عثمان، ط5/1978م، مؤسسة الرياض، المملكة العربية السعودية، في هامش ص183.
(3) - السنن الكبرى. البيهقي، ج10، ص193.
(4) - تاريخ الخلفاء. جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دط/1988م، دار الجيل، بيروت، لبنان، ص158. (1/33)
صفحة 34
وقد سئل عمر - رضي الله عنه - أن يستخلف فأبى وصعد المنبر يوما فقال:"إن مت فأمركم إلى هؤلاء الستة الذين فارقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض، علي بن أبي طالب ونظيره الزبير بن العوام، وعبد الرحمن ابن عوف ونظيره عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله ونظيره سعد بن مالك..." (1) ، فقد مات رحمه الله وترك الأمر شورى بين المسلمين.
3/ في عهد الدول الإسلامية:
أما على مستوى الدول الإسلامية، فهناك على سبيل المثال شواهد تبين انتهاج المسلك الصائب في المراحل الوضيئة من التاريخ الإسلامي، أما ما كان من الحيف والجور ونبذ المنهج الرباني فيما يتعلق بالحكم وأساليبه كما هو الحال في الحقب الأخرى، فالإسلام وشريعته من كل ذلك براء، وهذه بعض من الشواهد التي سار فيها الخلفاء وفق شرع الله.
? ففي عهد الدولة الأموية لما وُلِّي عمر بن عبد العزيز إمارة المدينة- سنة سبع وثمانين للهجرة- نزل دار مروان وجعل يدخل عليه الناس فلما صلى الظهر، دعا عشرة من الفقهاء الذين بالمدينة، وقال لهم:"إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على الحق، لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم..." (2) .
__________
(1) - الطبقات الكبرى. ابن سعد، مرجع سابق، ج3، ص61.
(2) - الكامل في التاريخ.مرجع سابق، ج4، ص243. (1/34)
صفحة 35
وبالطريقة نفسها كان قيام الدولة الرستمية بـ:" تَاهَرْت"، لما وصل الإمام عبد الرحمن بن رستم إلى الحكم عن طريق الاختيار العام، فقد قال المؤرخ ابن الصغير المالكي واصفا وقائع مبايعة الإمام العادل عبد الرحمن:" ثم نهضوا إليه بأجمعهم وقالوا: يا عبد الرحمن رضيك الإمام أبو الخطاب في ابتدائنا، ونحن نرضى بك ونقدمك على أنفسنا، فقد علمت أنه لا يصلح أمرنا إلا إمام نلجأ إليه في أمورنا، ونحكم عنده فيما ينوب من أسبابنا، فقال لهم: إن أعطيتمونا عهد الله وميثاقه على الطاعة فيما وافق الحق وطابقه، قبلت ذلك منكم، فأعطوه عهد الله وميثاقه على ذلك، وشرطوا عليه مثل ما شرط عليهم وقدموه على أنفسهم وألقوا إليه بأيديهم..." (1) .
__________
(1) - الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية. سليمان بن الشيخ عبد الله / الباشا الباروني النفوسي، ط1/1986م،
دار بوسلامة، تونس، ص84. (1/35)
صفحة 36
كما تذكر المصادر التاريخية ذلك التجسيد الحقيقي للشورى في سيرة الإمام عبد الرحمن مع قومه، كما كان منه - رضي الله عنه - في قصة القافلتين مثلا، فحينما اتصلت أخبار عبد الرحمن وأحوال الإمامة إلى أهل البصرة بعثوا إليه بثلاثة أحمال مالاً، حتى إذا انتهى الرُّسل إلى دار الإمامة فإذا بالإمام فوق البيت يعمل السقوفَ والعبدُ تحته يناوله الطين...ثم نزل الإمام وقَرَاهم بِخبزٍ مفتَّت وعصر عليه عسكة، واستأذنوه بعدها بخلوة لينظروا أمرهم فأذن لهم، وأخبروه بالأحمال إليهم، فلم يفصل في الأمر ويقبل حتى شاور أصحابه، فأشاروا عليه أن يأخذها فيبُثها في فقراء المسلمين وشراء السلاح والعدة، ففعل ذلك بمحضر تلك الرسل، ثم رجعوا إلى قومهم مبشرين به وبما رأوا من الأمر، ورأى المشارقة ثانية أن يحمِّلوا قافلة أكثر عُدَّة من الأولى إلى إخوانهم المغاربة، فلما جاءت تاهرت شاور الإمام أصحابه فردوا الأمر إليه وقال - رضي الله عنه - :"أمَّا إذا أرددتم إلينا رأيها فرأيي فيها أن ترجع إلى أربابها؛ فهم أحوج إلينا منها وقد استغنينا وقوينا..." (1) .
فهذا غيض من فيض عن نماذج سيرة الإمام عبد الرحمن بن رستم ومن تبعه من الأئمة الأطهار حتى وافته المنية وقد ترك الإمامة شورى في سبعة نفر صنيعَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (2) .
... وبالطريقة نفسها كانت إمامة المهنا بن جيفر اليحمدي في عمان الإمام الذي شهدت البلاد قوة وازدهارا كبيرا في عهده، فقد بايعه موسى بن علي عن مشورة من المسلمين على طاعة الله وطاعة رسوله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فوطئ آثار المسلمين وسار سيرتهم حتى توفي والمسلمون عنه راضون سنة 230هـ (3) ،
__________
(1) - كتاب سير الأئمة وأخبارهم/ تاريخ أبي زكرياء. مرجع سابق، ص84. بتصرف.
(2) - المرجع السابق، ص84.
(3) - يراجع: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان. الإمام عبد الله بن حميد السالمي،
مكتبة الاستقامة، 1997م، سلطنة عمان، ج1، ص148، 160. (1/36)
صفحة 37
ليبايع المسلمون بعده الإمام الصلت بن مالك الخروصي (ت:272هـ) بالمشورة كعهد الصلحاء قبله في تعيينهم وسيرتهم رحمهم الله.
المطلب الثالث: ... ... الخصائص والمميزات
إنه مما يناسب هذا المطلب أن يجعل للأمور التي تختص بها الشورى باعتبارها نظاما للحكم، وتتميز بها عن غيرها من النظم الإنسانية، فهي مستخلصة من روحها والاديولوجية التي تقوم عليها، وتترتب هذه الخصائص المميِّزَة للشورى كما يلي:
(1) المرونة: إن هذه الميزة- في الحقيقة- وليدة الخاصيَّة التي يتمتع بها الدين الإسلامي ككل، فهو الأصل المتين الذي تعتمد عليه الشورى في كل أحوالها، ولذلك يُلاحظ فيها أن الله حين شرع الشورى لم يحدد لنا تفاصيلَ أحوالِها، ودقائقَ أمورِها (1) ؛ وذلك لكي يضمن لها الدوام والقابلية لدى شعوب العالم في كل العصور ، كأن تكون مثلا فيما يتعلق باستخلاف الخليفة للحاكم من بعده، بأن يُعيِّنه بنفسه قبل موته، كما فعل الخليفة أبو بكر - رضي الله عنه - لما اقترح تعيين الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أميرا على المؤمنين في مرض موته (2) .
بل أكد تشريع الشورى في هذه المسألة - مثلا- أن يتولى الخليفةُ الحُكمَ بالتشاور، والترشيح الحر من غير تسلط أو تحكُّم بالقوة، واكتفى برسم الخطوط العريضة؛ لكي تمارس الشورى في الواقع بحسب الظروف المهيأة من غير تقييد بصورة ونمط خاصين، ولئلا تُطرح نهائيا في زمن من الأزمان بدعوى عدم الصلاحية في ظروف ما، بل بين لنا تشريعُها الاتجاهَ الجامع العام لها؛ وذلك لتصلح مدى الأزمان والأوطان.
(
__________
(1) - يراجع: معالم الثقافة الإسلامية. مرجع سابق، ص183.
(2) - ينظر: الكامل في التاريخ. مرجع سابق، ج2، ص272. وبعدها. (1/37)
صفحة 38
2) الشمول: للسبب السابق نفسه يأتي أصل شمولية الشورى للعالمَين، وهي- من جهة أخرى- من بين أبرز الدلائل التي يُستشهد بها على عالمية الإسلام، وذلك لشمولها وصلاحية تطبيقها في كل زمان ومكان؛ لما في تشريعها من مرونة وعدم الفصل في التفاصيل، حتى تصلح لأية نظرية يمكن أن تحقق غايتها، ولكل رؤية في الحكم تتماشى مع روحها وتسايرها.
(3) الإلزام:
إن هذه الخاصية تجمع معنَيَين مُنفَصِلين على التفصيل الآتي:
أحدها: نتيجة الشورى:
لقد حصل خلاف شيِّق بين الفقهاء في المحصِّلة التي يتوصل إليها أهل الشورى، بين من يقول بأنها ملزمة للحاكم، ومن يُصرِّح بأنها مُعلِمة له فحسب، ومعنى ذلك أنه للحاكم أن يتخذ القرار الأمثل في نظره بعد استشارته من حوله من أهل الحل والعقد، عن طواعية واختيار.
فعلى القول بالإلزام نجد كثيرا من الفقهاء المعاصرين يذهب إلى ذلك، أمثال المشايخ الأكارم (1) : أبو الأعلى المودودي، محمد عبده (ت:1905م)، أحمد مصطفى المراغي (ت:1954م)، عبد القادر عودة (ت:1955م)، محمود شلتوت (ت:1964م)، سيد قطب، محمد الغزالي (ت:1996م)، ومصطفى عاصي، ومحمد ضياء الدين الريس، والدكتور عبد الحميد الأنصاري...، والشيخ محمد رشيد رضا (2) (ت:1939م)، والإمام السيد سابق (3) (ت:2000م)، وذلك للأدلة المتضافرة، والحُجج التي اعتمدوها في مذهبهم الذي يرى الإلزام، وهي- عندهم بعد تمحيص النظر- من القوة بمكان، بحيث تجمَّعت من نصوص النقل والعقل والروح الإسلامية ومسايرتها للدين الحنيف، وهذه بعض من تلك الأدلة المعتمدة لديهم:
? الأدلة النقلية:
__________
(1) - الشورى في الإسلام. مرجع سابق، الشورى العسكرية في الإسلام، اللواء محمد شيت خطاب،
ضمن بحوث المجمع، ج2، ص815 وبعدها.
(2) - تفسير المنار. محمد رشيد رضا، ط2، دت، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ج4، ص205.
(3) - فقه السنة. السيد سابق، ط21/1999م، توزيع دار القلم، دبي، الإمارات العربية المتحدة، ج1، ص06. (1/38)
صفحة 39
1/ كان اعتماد الفقهاء القائلين بالإلزام على الآية التي فُرض فيها الحكم بالشورى : { ... ... } (1) ، فقد أوجب الله المشاورة أولا، ثم العزم بالأمر الذي توصلت إليه الشورى دون تردد ويتوكل عليه (2) ، وفي هذا يقول الإمام القرطبي (ت:671هـ):" أمر الله نبيه إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويتوكل على الله، أي بعد أن أخذ بالشورى، وعزم على المضي بما قررته وانتهت إليه، فلا ينبغي أن يرجع؛ لأن الرجوع نقض للتوكل، ولأن المضي في القرار بعد تقليب الأمر- لدى الشورى- أولى من التردد والرجوع، وما يؤكد هذا الرأي سبب نزول الآية، فقد نزلت عقب أحداث أحد، حين تشاور المؤمنون بين البقاء بيثرب وبين الخروج إلى أحد، فكان رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعض أصحابه البقاء داخل يثرب، أما من فاتته بدر والآخرون رأوا الخروج، فنزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند رأي الأغلب" (3) ، وذلك نفسه ما يذهب إليه الشيخ محمد رشيد رضا في قوله:"فإذا عزمت بعد المشاورة على إمضاء ما ترجحه الشورى وأعددت له عدته، فتوكل على الله في إمضائه، وكن واثقا بمعونته وتأييده، ولا تتكل على حولك وقوتك" (4) .
2/ قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر - رضي الله عنه - :"لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما" (5)
__________
(1) - من الآية: 159، من سورة آل عمران.
(2) - ينظر: الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص580.
(3) - الجامع لأحكام القرآن. أبي عبد الله محمد الأنصاري القرطبي، تصحيح الشيخ أبو إسحاق ابراهيم اطفيش، ط2/1952م، مصر.
(4) - تفسير المنار. مرجع سابق، ج4، ص205.
(5) - مسند الإمام أحمد. مرجع سابق، ج4، ص227. (1/39)
صفحة 40
3/ حديث العزم الذي أورده الإمامان ابن كثير (ت:774هـ)، والسُّيوطي (ت:911هـ) في تفسيريهما، فقد روي عن ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العزم فقال: "مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم" (1) .
4/ وحديث الحزم كذلك في تفسير السيوطي: عن خالد بن معدان وعبد الرحمن بن أبي حسين: أن رجلا قال يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما الحزم؟، قال - صلى الله عليه وسلم - : "أن تشاور ذا رأي ثم تطيعه" (2) .
5/ حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - القائل: "لو كنت مُؤمِّرا أحدا من دون مشورة لأمَّرت ابن أم معبد" (3) . وغير ذلك من الأحاديث...
? الأدلة العقلية:
__________
(1) - تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير. الإمام أبو الفداء إسماعيل ابن كثير، ط1/1987م، دار المعرفة، بيروت، ج1، ص430.
... - الدر المنثور في التفسير بالمأثور. جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ط1/1990م،
دار الكتب العلمية، بيروت، ج2، ص160.
(2) - الدر المنثور في التفسير بالمأثور. مرجع سابق، ج2/90.
(3) - مسند أحمد. مرجع سابق، ج1، ص76. (1/40)
صفحة 41
1/ إذا كان اتخاذ الأسباب واجبا في كل مرحلة وفي كل خطوة من خطوات العمل، فقد وجب إلى جانب ذلك ألا يخالف الإمامُ في إصدار قراراته ما توصَّل إليه أهلُ الحل والعقد بعد البحث عن الرأي، ورجوع الإمام إلى أهل الحل والعقد، وتطبيقه لمبدأ الشورى، وعمله بما وصلت إليه الشورى من نتائجَ وقراراتٍ بعد درسِها وتقليب النظر فيها-بأبعادها المختلفة- من صميم الأخذ بالأسباب، فالإمام مُتعبَّد بالأخذ بالأسباب والتوكل على الله فيما يمضي إليه، أما الصواب والنصر فمن الله؛ لأن الأمر لله وحده من قبل ومن بعد، وفي هذا يقول الله: { ... ... (1) } ، والذي يجب على الإمام ومستشاريه في تصرفاتهم إنما هو الاجتهاد في النظر في القضايا المعروضة مخلصين محسنين متوكِّلين على الله، لا إدراك الصواب (2) .
... 2/ وما يزكي ما سبق في إفادة الشورى للإلزام هو عدول الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن رأيه في تفضيل المكوث بالمدينة يوم أحد والدفاع عنها بين أسوارها بالرغم من رُؤياه في منامه - صلى الله عليه وسلم - ، مع علمه اليقين بأن رؤى الأنبياء حق، فقد رأى- وهو بالمدينة- أنَّ في سيفه ثُلمة وبقرا تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأوَّل الثُّلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأوَّل البقرَ بنفرٍ من أصحابه يقتلون، وتأوَّل الدِّرع بالمدينة (3) ، ففي هذه الرؤيا الصادقة ما يثبت التزام الإمام برأي المستشارين وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - بالرغم من رؤيته للمدينة التي هي درع حصينة تقيه شر قريش وحلفائها، إلا أنه آثر النزول عند رأي أصحابه.
__________
(1) - الآية: 160 من سورة آل عمران.
(2) - ينظر: الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص 578.
(3) - زاد المعاد في هدي خير العباد. محمد بن أبي بكر الزرعي/ ابن القيم الجوزية، ط1/2003م، دارالفكر، بيروت، ج3، ص70. (1/41)
صفحة 42
3/ يتلق الأمر بالآية الكريمة: { ... ... } (1) ، هذه الآية وإن كانت تتحدث عن موضوع الرضاع وفطام الولد، إلا أن فيها دليلا على الإلزام بالقياس الأولى، وفي هذا يقول المفسِّر ابن كثير:" فإن اتفقا على الفطام قبل الحولين ورأيا مصلحة في ذلك وتشاورا، فلا جناح عليهما، فيؤخذ منه أنه لا يجوز لواحد منهما أن يستبد برأيه من غير اتفاق في فطام الولد، وذلك لصالح الطفل" (2) ، فما الحال فيما يخص الأمة في مصيرها أو حاضرها ومستقبلها؟!، وكيف يتأكد الأمر أكثر فيما يخص الجماعة؟!.
وغير ذلك من الأدلة التي يأبى المقام هنا أن يُوسَّع فيها؛ لأنه ليس هذا مجال تحليلها والبسط فيها.
والثاني: بعد حسم الإمام للقضية:
يتعين الإلزام ثانية في مرحلة ما بعد التشاور واختلاف وجهات النظر أو تعارضها، فمحل الإلزام يكون عند حسم الإمام للموقف، بمعنى عدم جواز الاختلاف رأسًا بين أطراف الشورى أو الأحزاب الإسلامية بعد إصدار القرار؛ وذلك حفاظا على اتحاد الصف وقوة الأمة، والشواهد على ذلك من النصوص الشرعية كثيرة، ومن حياة الصحابة رضي الله عنهم، فقد قال الله تعالى: { ...
...
__________
(1) - من الآية: 233 من سورة البقرة.
(2) - تفسير القرآن العظيم. أبو الفدا إسماعيل ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط1/1987م، ج1/291. بتصرف. (1/42)
صفحة 43
} (1) ، وكان قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد حسم الموقف في الخروج إلى غزوة أحد :" لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله" (2) ، واعتمد الصحابة هذا المنهج أيضا، وفهموا بعمق مغزى الإلزام بهذا المعنى؛ لما فيه من الطاعة لولي الأمر بعد استنفاذ مرحلة التشاور، فقد كان المعارضون لإمامة أبي بكر - رضي الله عنه - أوائل من بايعه في حادثة السقيفة، بعد انتهاء الشورى إلى مبايعة الخليفة أبي بكر - رضي الله عنه - (3) .
(4) الانضباط:
ومعنى ذلك أن تُساير الشورى الروحَ الإسلامية والأحكامَ الشرعية، وتتقيد بها في الممارسة العملية، فلا تتعدى على حرماتها، وصورة الانضباط تتجلى في إمكان تناولها لأيِّ موضوع لم يَفصل فيه النصُّ الشرعيُّ بحكم مُنزَّل من عند الله أو الرسول، بل إن تلك القضية مما يحكم فيها الرأي والظروف التي قد تتباين عبر الأزمنة، وقد تختلف من مجتمع لآخر، كما تتقيد الشورى أيضا بألا تنتهي إلى ما حرم الشرع، فلا تكون نتيجة الشورى منتهكة لمحرم شرعا.
__________
(1) - الآية 59، من سورة النساء.
(2) - صحيح البخاري. كتاب الاعتصام، ج4، ص406.
(3) - ينظر: الكامل في التاريخ. ابن الأثير، ج2، ص193 وبعدها.
... - البداية والنهاية. أبو الفداء الحافظ ابن كثير، ط1/2001م، دار المنار، القاهرة، مصر، مجلد3، ج6، ص276. (1/43)
صفحة 44
ويمكن أن نقول- بمعنى آخر- إن مفهوم الحرية في الشورى منبثق عن تصور الحرية في الإسلام، التي تعطي للإنسان المجال والاختيار لأية نشاطات يمارسها في الحياة، بشرط خضوع المضمون والوسيلة للإسلام، فلا ينتهك الدين باسم الحرية الإسلامية، ولا تزرع الفوضى السياسية باسم حرية التعبير، فقد أمر الإسلام- في هذا- بالنصح لولي الأمر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالنقد البناء المخلص، ليس مجرد إباحة أو رخصة أو حق بل هو واجب (1) مع حُسن التبليغ والأداء، ولعل من أروع الأمثلة التي تصدق مبدأ الحرية الإسلامية في التشاور ما كان بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - إمام المسلمين، وبين سعد بن عبادة موفد الأنصار إليه - صلى الله عليه وسلم - ، ليخبره بما وجد الأنصار في أنفسهم من تقسيم فيء هوازن على المؤلفة قلوبهم من قريش، من دون أن يفرض للأنصار نصيبا منه، فلما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - سعد بن عبادة عن رأيه قال- بكل حرية-:" أنا من قومي"، فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار، وخطب فيهم حتى بكوا ورضوا بالقسمة، فالذي يؤخذ من الحادثة في هذا المقام ليس مقتصرا على قضية الصواب والخطأ في التصرف، بل المراد تلك الممارسة للحرية والإفضاء بما في الصدور- ولو كان خطأ- بذلك الشكل من الصراحة والإفصاح، فممارسة الحرية على هذا النحو من الشجاعة والصفاء هي التي جعلت من المسلمين- في الصدر الأول- ذلك البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا (2) .
(5) الكمال:
فقد نزلت متكاملة، بالغة مرحلة النضج من حيث المبادئ والأسس في أول الأمر لما شُرعت من رب الإنسان ومُوجده، فلا يبعد أن تكون كذلك طالما لم تكن لعباقرة الإنسان، ولا مفكريهم عبر العصور أدنى يدٍ في وضع مبادئها، وسنِّ قواعدها.
(6) المساواة:
__________
(1) - يراجع: الحرية السياسية في الإسلام. ص268.
(2) - ينظر: الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص287. (1/44)
صفحة 45
كما نلمس المساواة المدنية والقانونية التي تقوم عليها فلسفة الشورى، ونظرية الحكم الإسلامي، فهي من حيث الأساس مساواة مطلقة، ولا يمتاز فريق عن آخر، أو فرد عن البقية؛ ذلك لأن الألوهية للواحد القهار، والناس كلهم سواء أمام الشريعة، فليس في الإسلام مصطلح "فوق القانون"، أو "الحصانة ضد الطعن في العمل القضائي"، ولأن الحق في الإسلام أبلج، فهو يؤخذ من أيٍّ كان، متى وافقه الصواب بلا اعتبار للجهة التي طالبت أو الجهة المطالَبة نفسها، ولا يؤخذ بالخطأ أيضا مهما كان مصدره.
(7) معيار التفوق والتفضيل:
انطلاقا من أن نظام الشورى بخصوصياته وليد التشريع الإسلامي، فلا عجب أن يستمد قواعده وأسسه من الدين الرباني، كما هو الحال فيما يتعلق بمقاييس الانتقاء والتفضيل التي أخذها من المنهج الإسلامي، والتي بينها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله:" يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وأن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت؟ " قالوا:" بلَّغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (1) ، ثم يزاد على هذا المعيار ما يخص الشورى -كنظام- من حاجتها إلى الكفاءة التي لا يكاد يُستغنى عنها؛ لكونها من الغايات المقصودة في القيادة الحقة للأمة المطلوب منها أن تكون قدوة لغيرها، فلا تدوم لدولة الإسلام ريادة بالاكتفاء - في قيادتها- بنخبة من الأتقياء الورعين بلا اعتبار للخبرة والكفاءة، ولبُعد التشريع الإسلامي الذي يرمي إلى العالمية والدوام عن هذا المنهج القاصر.
المبحث الثاني:
الديموقراطية المعاصرة
__________
(1) - مسند أحمد، مرجع سابق، ج5، ص411. (1/45)
صفحة 46
ويحوي هذا المبحث ثلاثة مطالب، تعطينا فكرة عن الديموقراطية وتصورا لها من حيث التعريف والمفهوم الذي يندرج تحت المطلب الأول، وعن نشأة الديموقراطية وتطورها وذلك في المطلب الثاني، إضافة إلى المبادئ والخصائص التي تكمل الفكرة وتبلورها أكثر كما في المطلب الثالث، ولتكن البداية بالمطلب الأول.
المطلب الأول: ... ... المفهوم والتصور
... المعلوم أن المصطلح يتكون من "لفظ" و"فكرة" تُمثِّل المصطلح وتختصره في كلمة واحدة أو مركبة كما هو الحال في هذا الذي نحن بصدده، فمصطلح الديموقراطية-في الحقيقة- لفظ مركب من كلمتين يونانيتين هما: ديموس Démos التي تعني الشعب، وقراطوس Cratos التي هي بمعنى الحكم أو السلطة (1) ، فترجمة الديموقراطية إلى العربية تعني حكم الشعب، وهو مصطلح سياسي جامع لكل حكم تُسنَد فيه السيادة للشعب سواء في اختياره لمن يحكمه أو في مراقبته لحكامه في التشريعات وطريقة التنفيذ...، والمقصود بالشعب عند اليونان إنما هو طبقة الأحرار فقط (2) .
...
فالإديولوجية التي تقوم عليها الديموقراطية تتلخص في ربط السلطة السياسية للإرادة الشعبية القاهرة فهو مصدر السلطة وصاحب السيادة المطلقة، كما أن غاية الديموقراطية لا تعود إلا للسيد الشعب، وهو ما يؤكده المعنى الجديد للديموقراطية الذي أطلقه"أبراهام لينكون"(ت:1865م) حيث يرى أن الديموقراطية هي حكم الشعب بالشعب للشعب (3) فتكون على هذا النحو:
? حكم الشعب: أي أن السيادة المطلقة له، وذلك بحسب الأغلبية- لتعذر اتفاق الجميع على أمر- وهذا جوهر الديموقراطية.
? بالشعب: لأنه القائم بأعبائها بنفسه أو بالنيابة فهو المشارك فيها، وهذه وسيلتها.
__________
(1) - السياسة بين النظرية والتطبيق: د: محمد علي محمد، علي عبد المعطي محمد، دط/ 1985م، دار النهضة العربية، بيروت، ص316.
(2) - قصة الحضارة. ول ديورانت. ج6، ص231.
(3) - ينظر: الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص247. (1/46)
صفحة 47
? للشعب: بانتهاء المصالح كلها إليه، وفق إرادته، من أجل حريته، وحقوقه، وهذه غايتها ومرادها.
هذا وقد عرفها قاموس علم الاجتماع بأنها تعني:"توفر فرصة المشاركة لدى أعضاء المجتمع في اتخاذ القرارات في أي مجال من مجالات الحياة الاجتماعية وبخاصة المشاركة الجماهيرية في اتخاذ القرارات السياسية التي تؤثر فر حياتهم الفردية والجماعية على السواء" (1) ، مما نلاحظه من هذا التعريف أنه نظر إلى الديموقراطية من زاوية اجتماعية وذلك حينما تحدث عن المشاركة في مجالات الحياة الاجتماعية، بينما نمارس الديموقراطية من جانب الاجتماع السياسي الذي هو إحدى جوانب الاجتماع الإنساني.
ومن جهة أخرى نجد أن الديموقراطية منهج من مناهج الاجتماع السياسي يخضع للأغلبيَّة (2) ويقر معارضة الأقلية باحترام حرياتها السياسية وآرائها المخالفة، ويأخذ بعين الاعتبار حق المساواة بين الأفراد في المجتمع، وهي بمعنى مقابل مناقضة تماما للحكم الديكتاتوري القائم على تسلط الفرد على الجميع باعتماده على القوة والهيمنة.
...
__________
(1) - أصول علم الاجتماع السياسي. د :إسماعيل علي سعد، د ط/1988م، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ج2، ص192. =
= ... ... نقلا عن: قاموس علم الاجتماع، د :محمد عاطف غيث، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
(2) - ينظر: الإعجاز العلمي في الإسلام بين الشورى والديموقراطية. د: عودة الله منيع القيسي، وآخرون.
المحور2 من المجلد2 من المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، ص26. (1/47)
صفحة 48
والنظام القائم على الديموقراطية قائم أساسا على التعدُّدية الحزبية، والانتخابات، وشتى وسائل العمل السياسي المسانِد أو المعارِض للحكم الجاري- على السواء-، وعلى الحرية السياسية، وحق المعارضة، وتداول السلطة، وغير ذلك...، فكل تلك الأمور مما يُعَدُّ محرَّما قطعا في النظام الديكتاتوري، ومن جهة أخرى نقول إن ما كان حاضرا بقوة في النظام الديكتاتوري وبشكل واسع، كالإعدام، والتعذيب، والسجن، وكل أنواع المصادرات، والمضايقات، تُعدُّ فاجعة وضربا في صميم العصَب الديموقراطي.
... وما الحكومة إلا منفذة لرأي الشعب بحذافيره، ففي هذا تقول الجمعية العامة لتنادي بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان في البند الثالث من مادتها الحادية والعشرين:" إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ويُعبَّر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية، تُجرَى على أساس الاقتراع السِّري، وعلى قدم المساواة بين الجميع، أو حسب أي إجراء مماثل، يضمن حريَّة التصويت" (1) .
... كما يمكننا أن نزيد في المفهوم النظري للديموقراطية، تلك الأقسام التي تندرج تحت المصطلح الكلاسيكي العام: "حكم الشعب"، فنقول:
... إن هذه الإيديولوجية السياسية تجمع ثلاثة أنماط من الحكم تتمثل في:
1/ ... الديموقراطية المباشرة
2/ ... الديموقراطية النيابية
3/ ... الديموقراطية التمثيلية.
فهذه هي الأنماط الثلاث، مع ملاحظة تغيُّر المصطلحات في بعض المصادر، وبخاصة بين الديموقراطية النيابية والتمثيلية، فقد وجدت المؤلف يذكر الديموقراطية النيابية في حديثه عن التمثيلية والعكس أيضا، إلا أن المفهوم جدُّ متقارب إذا استغنينا عن التمسك باللفظ، فالعبرة بالمسمَّيات والمعاني لا بالألفاظ والمباني:
? الديموقراطية المباشرة:
__________
(1) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص609. (1/48)
صفحة 49
هذا النوع هو الأقرب إلى المفهوم الديموقراطي بمعنى أن يكون الشعب بكامله هو القائم المباشر بأعمال السياسة، وسن التشريعات، وإعطاء آرائه، ومتابعاته، وانتقاداته، وحكمه في القضايا التي تقوم على الاستفتاء، وإبراز كامل رأيه بحرية تامة (1) ، لا يشوبها أي ضغط أو توجيه من قِبَل جهة ما، إلا أن هذا النوع يستعصي على الاتباع في كل حين وقضية؛ لتعذُّر جمع الناس وطرح الانتخابات في أية نازلة، ولانشغال الشعب بأعبائه اليومية، وحياته التي يعيشها...، وهذا النوع إنما يصلح أكثر عند الشعوب الصغيرة، فلو تصوَّرنا تطبيق هذا النوع على أرض الواقع في دولنا الكبيرة الكثافة لتعطلت كثير من المصالح، وضاعت فرص عديدة للاكتساب، واستغلال الفرص الثمينة من جراء الانتخابات الدورية المتعلقة بأية قضية يقول الشعب فيها كلمته بشرف ونزاهة...، ولكن قد يُلجِئ الوضع إلى هذا النوع من الحكم، وذلك في القضايا المهمة التي يراها الشعب بنفسه (2) .
? الديموقراطية التمثيلية:
وتسمى أيضا بالديموقراطية شبه المباشرة، فهي التي تكون في صورتها شبيهة بالمباشرة بحيث ينتخب الشعب نوابا عنهم لمناقشة القضايا والقوانين العامة للمجتمع في البرلمان، ولمدة محددة يُعيِّنها الدستور، وليُعِين الشعب بدوره السلطة التنفيذية، فذلك مشترط باحتفاظ المواطنين- بأنفسِهم- بحق تقرير المسائل الرئيسة عن طريق الاستفتاء، كما يمكنهم أن يحاسبوها على أعمالها، فلهم الحق في الاعتراض على القوانين التي يقرها البرلمان (3) ، وهذا النظام أكثر ملاءمة للمجتمعات الكبيرة الكثافة لما فيه من تفويض الأمر للنواب والحكم بواسطتهم (4) .
__________
(1) - ينظر: السياسة بين النظرية والتطبيق. مرجع سابق، ص325. وبعدها.
(2) - ينظر: موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج2، ص752.
(3) - يراجع: المرجع السابق، ج2، ص752.
... - السياسة بين النظرية والتطبيق. مرجع سابق، ص329.
(4) - أصول علم الاجتماع السياسي. مرجع سابق، ج2، ص192. (1/49)
صفحة 50
? الديموقراطية النيابية:
بحيث ينتدب الشعب نوابا لممارسة السلطة باسمه، وبلا تحفظ ماعدا احترام الدستور ودورية الانتخابات، والفرق بين هذا النوع وسابقه هو أن الشعب في الأسلوب شبه المباشر يملك حق إقالة البرلمان قبل تمام مدته القانونية، أما في الديموقراطية النيابية فليس له الحق في ذلك لأن الشعب نقل الشرعية إلى أعضاء البرلمان وعليهم أن يمارسوا أعمالهم بحرية تامة وبما تمليه عليه ضمائرهم وفق هدف أساسي هم خدمة الصالح العام للدولة (1) ، وفي النظام النيابي يكون التفويض مطلقا باستثناء الدستور والانتخابات، أما في التمثيلي فيمثل فيه النوابُ الشعبَ بتفويض أقل محدودية من الآخر (2) .
المطلب الثاني: ... ... النشأة والتطور
__________
(1) - ينظر: السياسة بين النظرية والتطبيق. مرجع سابق، ص327 وبعدها.
(2) - يراجع: موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج2، ص752. بتصرف. (1/50)
صفحة 51
تبيَّن أن الديموقراطية كمبدأ وممارسة للحكمِ قد ظهرت بوادرها في المجتمع اليوناني، بمعنى أننا نستطيع أن نحكم عليها بأنها نظام قديم، بالرغم من عدم تبلورها في شكل نظرية قائمة بذاتها آنذاك، وتحفُّظ أفلاطون (ت:347ق.م) عنها ونقدِه لها؛ باعتباره وليد بيئة أرستقراطية، ولأن النظام بها أدى إلى إعدام أستاذه سقراط... ولأن الطبقة التي تحكم المجتمع إنما هي فئة الفلاسفة وليست طبقة الغوغاء (1) ، فقد أطلق اليونانيون على الفكرةِ مصطلحَ الديموقراطية، الذي يعني حكم الشعب، بحيث أُسنِدت أمور الحكم وشؤونه إلى الشعب الذي كان يعني طبقة الأحرار فقط، وبطريقة مباشرة، بمعنى أن المواطنون كانوا يقومون بوضع التشريع بأنفسهم، ويُدلون بأصواتهم مباشرة في إصدار القوانين ورسم الحياة العامة لهم (2) ، ولكن ذلك كان لا يخرج أبدا عن الحدود التي عرفها المجتمع من جهة، ولا عن السلطة الشاملة للدولة وسلطان الآلهة والدين، فقد كان تمتعه بالحرية السياسية والمشاركة في الحكم فحسب (3) .
__________
(1) - مقابلة مع الأستاذ الدكتور محمد الزيني، أستاذ بمعهد العلوم الشرعية، روي، مسقط، سلطنة عمان.
(2) - يراجع: السياسة بين النظرية والتطبيق. د: محمد علي محمد، علي عبد المعطي محمد، ص314.
(3) - ينظر: الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص248. (1/51)
صفحة 52
أما عن نشأتها فقد وردت روايات تقول إحداها بأن ظهور الديموقراطية كان أول الأمر بإسبرطة في القرن الثامن قبل الميلاد، على يد "ليكرغ" الذي ذهب إلى معبد دلفي ليستشير الآلهة في وضع نظامه المكون من ثلاثين زعيم حتى أخذ الموافقة منهم على أن ينتخب ملكان ذووا سلطة تتسع في الحرب دون السلم بحيث يكونان كغيرهما من الزعماء، أما عن طريقة الانتخاب فهي أن يختبئ الكتبة في مكان مغلق بحيث يستمعون إلى أصوات الناس في الخارج من غير أن يروهم ولا أن يبصروا المترشحين الذين سيظهرون لهم واحدا تلو الآخر، ثم يخرج المترشح الأول إلى الناس فيسجل الكتبة درجة هتاف الناس له، ثم يخرج الثاني عليهم ويسجل الكتبة الهتافات، وهكذا إلى أن يظهر الكل، ثم يختارون ثلاثون زعيما من بين عدد المترشحين ممن كانت هتافات الناس لهم أكثر من غيرهم، وهكذا ينظر الزعماء في الشرائع ويشرفون على الوظائف ويعرضون القوانين على الشعب ليقبلها أو يرفض (1) .
بينما تقول الثانية بظهورها في أثينا في القرن السابع قبل الميلاد حسب أسطورة مفادها: إنه كانت تقوم على أرض أتيكا - أثينا حاليا- حكومة ملكية تحكم البلاد، ثم عزم الدُّوريون أن يغزو أتيكا فنزل وحي إلهي على الأثينيين بأن النصر حليفهم إذا قدم الملك "كودروس" نفسه قربانا للآلهة، فضحَّى الملك بنفسه من أجل أتيكا...، ولما سمع الدوريون بالأمر تراجعوا عن الغزو، حينها قرر الأثينيون - تعظيما- للملك المضحي ألا يشغل مكانه أحد بعده فألغوا الملكية، واستبدلوا بالملك "أركونا" -حاكما- ثم بعدها قسموا سلطة الأركون بين تسعة حكام سنة: 683 ق.م، فكانت هذه خطوةٌ إلى نقض الانفراد بالحكم (2) .
__________
(1) - ينظر: قصة الحضارة. ول ديورانت، ج6، ص148 وبعدها.
- الديموقراطية في الإسلام. عباس محمود العقاد، ص8.
(2) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص180. (1/52)
صفحة 53
وفي عام: 507 ق.م أخذ "كليسثنيز" ينشئ حكومة ديموقراطية، فألغى التقسيم الماضي وأحل مكانه تقسيما إقليميا للأحرار، بحيث قسمهم إلى عشر قبائل وجعل لكل قبيلة اختيار 50 عضوا من أعضاء مجلس الخمسمائة، وبهذا استبدل المبدأ الأرستقراطي إلى مبدأ الانتخاب بالقرعة، ثم ارتفع العدد بعدها إلى ثلاثين ألف رجل، يحق لهم الاشتراك في اختيار الحكم، كما صدر قانون الحرمان والنفي السياسي للحاكم متى قررت أغلبية المجلس ذلك (1) .
وهكذا نهج اليونانيون الديموقراطية في حكمهم سنوات، حتى ازدهرت كثيرا في عصر "بركليز" بين سنتي: 463-431 ق.م، وبعد ذلك أخذت في الضعف والانحلال، ثم السقوط بعد محاكمة سقراط وإعدامه عام: 399 ق.م (2) .
__________
(1) - ينظر: قصة الحضارة. ول ديورانت، ج6، ص230.
(2) - ينظر: الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص181. (1/53)
صفحة 54
أما الرواية الثالثة فتقول بأن نشأة الديموقراطية كان في أثينا أيضا، لكن ذلك لم يكن في القرن السابع قبل الميلاد، ولم يكن بتقديم الملك نفسه قربانا، بل إن أحداث ظهور الديموقراطية كانت في القرن السادس قبل الميلاد، بعد فتنة كانت ترمي إلى التخلص من "هبياس" الذي خلف أباه في الملك سنة 527ق.م، إلا أن الحاكم هبياس بعد الحادثة بدَّل سيرته الحسنة في شعبه واستبد في حكمه حتى ضاق الأمر بالأثينيين مما أدى برأسي الفتنة "هرمديوس" و"أرستجيتون" إلى تأليب القوم ضد الحاكم واستنجدا بالألكميونيون الذين نفاهم أبو هبياس من البلاد، وسار الجيش إلى أثينا ليخلعوا الحاكم هبياس، وبعد مقاومة شديدة اعتصم الحاكم بالجبال وأرد أن يؤمن أبناءه الغزاة فأخرجهم خفية من أثينا، لكن الغزاة ألقوا القبض عليهم، مما أدى إلى الحاكم هبياس إلى فدائهم بتنازله عن الحكم ونفيه سنة 510ق.م، ودخل الألكميونيون البلاد وعلى رأسهم كليسثنيز الذي هزم فيما بعد في الانتخاب التي فاز بها "اسجوراس"، لكن كليسثنيز حاربه وأقام ديكتاتورية لم تعجب الإسبرطيون الذين غزوا أثينا ليعيدوا الحاكم المنتخب، إلا أن كليسثنيز قاومهم حتى ارتدعوا، ثم شرع في إنشاء حكومة ديموقراطية سنة 507ق.م (1) .
__________
(1) - ينظر: قصة الحضارة. ول ديورانت، ج6، ص226 وبعدها. (1/54)
صفحة 55
يصعب على الباحث أمام هذه الروايات المتضاربة أن يحدد بالضبط زمان ومكان قيام الديموقراطية، خاصة لو جعل نصب عينه أنَّ الديموقراطية لم تقم كاملة من أول الأمر، بل قد سبقتها إرهاصات خلال القرون الثامن والسابع والسادس كما تبين الروايات، إلا أن الشائع أن قيامها كان في أثينا (1) وهو ما لم يرُق للمفكر الكبير عباس محمود العقاد (ت:1964م)، بل ذهب إلى أن نشأتها كانت في إسبرطة وذلك لاستدلاله بِكَونِ الديموقراطية نظام عملي قائم على ضرورات الواقع، وليس بالنظام الفكري القائم على توضيح المبادئ وتمحيص الآراء (2) .
ولا أراني أخالفه فيما ذهب للأسباب التالية:
* إن رواية إسبرطة أسبق من حيث السلم التاريخي، فهي في القرن الثامن ق.م، بينما كانت قصتا أثينا في القرنين السابع والسادس ق.م.
* إن الإصلاحات التي أتى بها ليكرغ لم تخرج عن حيِّز الديموقراطية؛ لأنها تتحدث عن المساواة في الحقوق كما في توزيعه الأراضي للمواطنين بالسوية، وعلى البرلمان الذي هو بمثابة مجلس الشيوخ الذي يخضع له الحكم، وعلى الانتخاب في اختيار الأعضاء في المجلس.
إن المؤلف "ول ديورانت" نفسه صرح بذلك في كلامه عن دستور ليكرغ حيث قال:" إن دستور ليكرغ قد دام عهدا طويلا لأن أنظمة الحكم الثلاثة : الملكية، الأرستقراطية، الديموقراطية قد اجتمعت كلها فيه" (3) ، فكيف لنا بعد هذا التصريح أن نقول بأن النشأة كانت أولى جذورها في أثينا في القرنين السابع أو الثامن ق.م.
__________
(1) - الشورى وأثرها في الديموقراطية. مرجع سابق، ص329.
(2) - الديموقراطية في الإسلام. عباس محمود العقاد، ص08.
(3) - قصة الحضارة. ول ديورانت، ج6، ص150. (1/55)
صفحة 56
* ثم إن الرواية الثالثة نفسها تقر بأن أهل إسبرطة هاجموا أثينا لما ثار المهزوم في الانتخاب على الفائز وأقام ديكتاتورية، فكيف يهاجمونها وكيف يريدون إعادة الحاكم المنتخب إلى السلطة إن كانوا لا ينهجون نظام الانتخاب الذي هو من صميم الديموقراطية، وكيف يغزون أثينا إن كانت دولتهم ديكتاتورية أصلا؟
** ثم أتى بعد ذلك العهد الروماني الذي لم يَطُل فيه عُمر الديموقراطية، بل عَرف العصر نُظما مختلفة بداية من الملكية ثم الجمهورية والإمبراطورية (1) بعدها، ففيه غابت حريات التعبير وتداول السلطة بطريق الاختيار والإرادة الشعبية وما إلى ذلك...، لتظهر مرحلة حكمِ الأشرافِ، ثم تسلط أرباب المال على تسيير أمور الدولة، حتى قام زمان الاستبداد بالسيف والإكراه إثر ذلك.
__________
(1) - يراجع: السياسة بين النظرية والتطبيق. مرجع سابق، ص92. (1/56)
صفحة 57
ففي العصر الملكي لم تكن لمجلس الشيوخ إلا سلطات استشارية محدودة مع أن المجلس لا يتكون إلا من الأشراف، وفي عهد الجمهورية عرفت السلطة انحسارا بين أيدي الأسر القوية الرومانية، إلى أن أخذ الأغنياء طريقهم إلى السلطة والمناصب العليا، وتوصلوا إلى التشريع، فظهرت الفوضى التي يعتبرها المؤرخون نذير سقوط الجمهورية (1) ، حتى قامت الإمبراطورية التي كادت أن تطغى على العصر الروماني لطول مدتها من جهة، وقوة تأثيرها وجبروتها من جانب آخر، ولا عجب في ذلك فقد كان مجلس الشيوخ مجرد اسم على هيئة لا حول لها ولا قوة في واقع الناس، بل إن نصف سكان روما كانوا من العبيد، زيادة على تسلط الرجل بشكل واضح على محيط أسرته، أما على مستوى المجتمع عموما فكان الأشراف والأغنياء وحدهم هم الناس الذين يتمتعون بالحقوق (2) ، وغيرهم الضعفاء التعساء، كما أن رجال الدين لم يحاولوا أن يتدخلوا في السياسة، بل إنهم كانوا يطالبون بأن تكون الكنيسة من أملاك الإمبراطورية، فمن هنا بدأت تبعية الكنيسة والفكر الديني للسلطة حتى ظهرت فكرة الحق الإلهي واعتبار الإمبراطور خليفة الله في الأرض، فطاعتُه من طاعة الله، ومخالفته تحدِّيا لله في تصرفه وحكمه (3) ، فوقع المسيحيون تحت الاضطهاد الروماني فترة طويلة، ولكن عندما اعتُرِف بالمسيحية كدين رسمي للإمبراطورية في القرن الرابع الميلادي تغيرت الأوضاع السياسية شيئا فشيئا حتى بدأ الاحتكاك مع السلطة، مما اضطر الإمبراطور والقياصرة إلى تقسيم السلطة إلى قسمين دنيوية ودينية (4) ،
__________
(1) - ينظر: الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص201 وبعدها.
(2) - يراجع: المرجع السابق، ص201. بتصرف.
(3) - مقدمة إلى علم السياسة. مرجع سابق، ص85، 86.
(4) - السياسة بين النظرية والتطبيق. مرجع سابق، ص99.. (1/57)
صفحة 58
فجُسِّدت بالتالي مقولة: "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، إلا أن الرومانيين لم يشهدوا-بهذا التقسيم- تحوُّلا في منهج الحكم ولم يفتتح المجال للمبادئ التي أتت بها الديموقراطية، ولا مكان للمعارضة السياسية ولا للمساواة ولا الحرية...، واستمر الوضع كذلك حتى سقطت الإمبراطورية الرومانية بداية العصور الوسطى في أروبا، ومع هذا لم يحدث الانفجار في أوساط المجتمع ولم ينادوا بالحرية، بل زادت الكنيسة من ضغطها على المجتمع تدريجيا حتى بزغ عصر النهضة بداية القرن الرابع عشر (1) لتنتفض أروبا على الأصعدة العلمية والاقتصادية والفكرية والسياسية...
__________
(1) - المرجع السابق، ص112. (1/58)
صفحة 59
** ولما قامت الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر سنة 1798م، على أكتاف أولئك الذين استضعفوا زمنا طويلا، وقاسوا الأمرَّين تحت تسلط الكنيسة ورجال الإقطاع، لتشهد فرنسا وأوروبا عموما نقلة نوعية في الميدان السياسي بعدما كانت تهيم تحت جنح الحكم الملكي الذي استمد سلطته من الله-كما يزعم- فوجبت طاعته لأن كلمته صارت هي القانون مع أن سلطتهم لم تكن تتماشى دوما مع مصالح الشعب بل كثيرا ما كانت لأهواء ومآرب شخصية مما أدى بالبلاد إلى الضعف والتشتت من جراء الحروب الخاسرة (1) ، حتى جاءت الثورة لتعطيَ دفعا جديدا وقويا للديموقراطية فقد نُودي بفتح أبواب المساواة والإخاء والحرية التي انتقلت إلى الواقع لِتشهده أروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وبالذات فلسفات كل من فولتير (ت:1694م)، وجون جاك روسو (ت:1712م)، ومونتيسكيو (ت:1755م)، وغيرهم ممن استطاع أن يبلور للديموقراطية مفهومها الجديد والمثقف، إذ قدم جون جاك روسو صاحب كتاب العقد الاجتماعي الذي يعني الاتفاق المفترِض تخلي الناس عن حالة الفوضى ليُكَوِّنُوا المجتمعَ الذي يعيشون فيه، وتقوم فكرة العقد الاجتماعي على أن الدولة ليست مؤسسة أزلية، ومنشؤها- حسبما يرى روسو وجون لوك (ت:1754م) وآخرون...- يقوم على أن أفراد المجتمع اتفقوا فيما بينهم على وضع ذلك العقد الضمني، واختاروا الحكومة التي تُنقِذه، ومن ثَمَّ فإن أولئك الناس هم أصحاب السلطان الأصلي، ولهم ملء الحق بأن يسحبوا ثقتهم من الحكومة، لاسيما إذا لم تَفِ بالتزاماتها المتفق عليها (2) ، هذا وقد قدم روسو كذلك نقدا لتعريف الديموقراطية الكلاسيكي المتمثل في حكم الشعب، ورأى تعذر تحقق إجماع شعب بكامله على قضية واحدة، فردَّ ذلك إلى حكم الأغلبية (3) ،
__________
(1) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص233. بتصرف.
(2) - ينظر: موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج4، ص128.
(3) - ينظر: السياسة بين النظرية والتطبيق..د: محمد علي محمد، علي عبد المعطي محمد، ص315. (1/59)
صفحة 60
بالإضافة إلى المساواة التي نادى بها العمال والمزارعون، والثورات التي قامت ضد رجال الكنيسة والإقطاعيين.
وبعد هذا العرض تتضح لنا صور الديموقراطية المعاصرة المتمثلة في الأسلوب النيابي والتمثيلي والصورة المباشرة كما عرفها اليونان قبل ذلك، إلا أن الطريقة الأكثر شيوعا وملاءمة بالنسبة للمجتمعات الكبيرة والمختلفة الإديولوجيات، هي الديموقراطية النيابية والتمثيلية التي يَنتخِب فيها المواطنون نوابا لهم أو ممثلين يقومون بتشريع قوانين المجتمع، وممارسة مهامهم بحرية وحصانة تكفلها لهم الديموقراطية باعتبارهم نوابا عن الشعب وممثلين له (1) .
المطلب الثالث: ... المبادئ والخصائص
... أولا: ... أما عن المبادئ فنستطيع القول بأن الديموقراطية لابد في قيامها من توفر قاعدتين اثنتين هما اختصارا مبدأ سيادة الشعب وحق المعارضة المصون، تفصيل ذلك على النحو الآتي:
(1) مبدأ سيادة الشعب والحكم بالأغلبية:
المبدأ الذي تقوم عليه الديموقراطية كنظام للحكم إنما هو الخضوع للسيادة المطلقة للشعب على النقيض تماما للنظريات الديكتاتورية والفردية، فالسلطة حق لمجموع الشعب، وهذا جوهر الديموقراطية، بمختلف أساليبها سواء كانت سلطة الشعب بشكل مباشر كما هو الحال في الديموقراطية المباشرة، أو كانت بواسطة نواب له في أسلوب الديموقراطية النيابية، أو كانت تجمع بين الأسلوبين كأن تكون بطريقة الديموقراطية التمثيلية.
__________
(1) - أصول علم الاجتماع السياسي. مرجع سابق، ج2، ص192. (1/60)
صفحة 61
ويؤخذ هذا المبدأ من مفهوم التعاريف التي أطلقت على الديموقراطية، والمرامي التي قُصد من خلالها تقنين الديموقراطية ووضع آليات لها، فهي اختصارا بمعنى حكم الشعب، وانطلاقا من الحرية في التعبير والاعتقاد وغير ذلك، يصعب جدا - إن لم نقل يتعذر- اتفاق جميع أفراد الشعب الواحد بمختلف اتجاهاتهم على قضية ما، لذا يلجأ إلى الحكم بموقف الأغلبية منه، وفي ذلك تقول الجمعية العامة لحقوق الإنسان:" إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجرى على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة..." (1) .
(2) مبدأ حق المعارضة:
إن هذا المبدأ بمثابة الساق الثانية التي تقوم عليها الديموقراطية بعد سيادة الشعب والحكم بالأغلبية، فالمعارضة حق مكفول بحرية الرأي والفكر وتكوين الأحزاب وحرية الإعلام، وهو الحق الذي ما قامت الديموقراطية إلا لأجل إرساء قواعده وحمايته من مصادرة أية جهة كانت، من خلال حفاظها على حريات الأفراد، وينقُل لنا الدكتور عبد الحميد الأنصاري عبارة جميلة في هذا الصدد مفادها: "إن ضمان حرية المعارضة هو الذي يكفل استخلاص إرادة الأغلبية استخلاصا صحيحا" (2) ،
__________
(1) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص609.
(2) - الشورى وأثرها في الديموقراطية. مرجع سابق، ص363.
نقلا عن: النظم السياسية د: ثروة بدوي، دار النهضة العربية، جمهورية مصر العربية، ص365. (1/61)
صفحة 62
بمعنى أننا نحصل على رأي الغالبية بشكل صادق متى توفرت هناك أصوات معارضة أو اتجاهات تخالف الأغلبية بصورة صريحة حرة، زيادة على قوله: "وكذلك تتضح أهمية المعارضة في أننا إذا سلمنا للأغلبية بحق المنع والمنح فقد سلمنا بمبدأ احتكار الصواب احتكارا مطلقا وتجارب العالم كله في السياسة والتاريخ تدلنا على أن خطأ اليوم قد يكون صواب الغد، والعكس صحيح" (1) .
ثانيا: ... أما فيما يتعلق بالديموقراطية من الخصائص فهناك بعض الأمور الإيجابية والسلبية التي تميزها عن غيرها من النظم السياسية الأخرى، مع إمكان الاشتراك في بعض منها مع إحدى الأنظمة السياسية المغايرة، وتتمحور هذه الخصائص حول الجوانب الآتية:
(1) ... المساواة:
ويقصد بها إلغاء الامتيازات الخاصة بفئة من طبقات المجتمع، وتكافؤ الفرص فيما بين جميع أفراد المجتمع، في كل الأصعدة، بدءا من الحقوق السياسية كحرية التعبير والاعتقاد والانتقاد والتملك و...، والحقوق الإدارية والوظيفية، كما تصون الفرد من تعسف السلطة والاعتقال العشوائي الكيفي، فلا يُدَان الفرد إلا بموجب نص القانون والإجراءات القضائية (2) ، وفي هذا يقول جون جاك روسو صاحب كتاب العقد الاجتماعي الملقب بإنجيل الثورة الفرنسية: " إن الإنسان خلق حرا ومساويا لغيره في الحقوق، وإذا كان الأفراد قد انضموا بعضهم لبعض، وأقاموا السلطة فيهم، فلضمان هذه الحقوق وحمايتها..." (3) ، كما تصرح بذلك الجمعية العامة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة الحادية والعشرين:
*- لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا.
__________
(1) - الشورى وأثرها في الديموقراطية. مرجع سابق، ص363. نقلا عن: مقال في صحيفة الأهرام، د: لويس عوض، 5/11/1975.
(2) - موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج2، ص751. بتصرف.
(3) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص235. (1/62)
صفحة 63
*- لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد (1) .
(2) ... الحرية الفردية:
لا يكاد يغيب جانب الحرية عن الديموقراطية المعاصرة بالنظر إلى تبلور المفهوم الجديد لمصطلح "الديموقراطية" وقيامه على أنقاض تسلط الكنيسة بنظرية الحق الإلهي، والنظام الإقطاعي في المجال الاقتصادي والحياة اليومية لأفراد الشعب، فبعدما مهد لها بعضٌ من الفلاسفة أمثال: "مونتيسكيو"، و"فولتير" الذي تهكم بالملكية وسخر بالكنيسة (2) ، و"جون جاك روسو"، حينها قامت الديموقراطية الحديثة موافقة لمبادئ الحرية والمساواة والإخاء التي نادت بها الثورة الفرنسية موافقة لمبدأ: " دعه يعمل دعه يمر"، لحرية العمل وممارسة السياسة والاقتصاد فبهذا ارتبطت الديموقراطية الغربية بالنظام الرأسمالي لانسجام الفكرة مع النظام، وأعطت الحرية السياسية والاقتصادية والدينية للأفراد فصاروا أحرارا في التملك والتعبير والنقد والخوض في غمار السياسة وتشكيل الأحزاب و...من دون نكير من جهة ما في الدولة أو مصادرة إلا بحق القانون الخاضع لسيادة الشعب.
(3) ... الهُيُوليَّة: أو عدم الثبات:
__________
(1) - حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة. الشيخ محمد الغزالي، دار الكتب الحديثة، القاهرة، د ط ت، ص305.
(2) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص235. (1/63)
صفحة 64
يقول الأستاذ الدكتور: عبد الملك مرتاض في مؤتمر الإسلام والقضايا المعاصرة (1) :" لما كان مفهوم الديموقراطية واسعا جدا إلى حد الفوضى، باعتراف المنظرين الغربيين أنفسهم بحيث نجد الديموقراطية اللبرالية والديموقراطية الشعبية والديموقراطية المسيحية..." (2) ، كما أنها غير مستقرة على نسق ما، فالشعب- على سبيل المثال- في الديموقراطية اليونانية كان يعني المتزوجين من طبقة الأحرار (3) من غير كل الأرقاء البالغين حوالي 115 ألف، ولا المستوطنين الذين يصلون حوالي 28 ألف، ولا النساء جميعا، ولا العمال ولا طبقة كبيرة من التجار، بل كانت المشاركة في الحكم والحقوق المدنية للذي يولد من أبوين أثِينِيَيْن حُرَّين وهم 43 ألف فقط، مقابل 315 ألف من سكان أثينا، فهؤلاء لا يعنيهم الموضوع أصلا (4) .
ثم إن القضايا التي يعالجونها لا تمس الدين ولا الآلهة عندهم، فالفرد كان يذوب أمام تلك المقدسات (5) ، وذلك مما يتعارض مع الديموقراطية الغربية الحديثة من وجوه:
أولها: قامت الديموقراطية الحديثة على مبدأ المساواة في الحقوق بين أفراد الشعب وإلغاء الامتيازات الخاصة بالأشراف والأغنياء...، والأخوة بين الجميع؛ لأحقية الكل في الحياة والإنسانية، والحرية، فللفرد مطلق الحرية في امتلاك ما يشاء من أراضي ومزارع وتجارات وهو مؤمن من طرف الدولة بألا تتعرض له إلا فيما يضعه القانون.
ثانيها: حرية الاعتقاد مضمونة، فلكل فرد مطلق الاختيار في تديُّنه، أو إلحاده، أو أن يشن حملة شعواء على الدين والمتدينين كما كان شأن "مونتيسكيو" بخلاف الأمر عند اليونانيين.
__________
(1) - انعقد المؤتمر بعمّان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية: في16-17 ديسمبر 2002م، بحضور عدد من الدكاترة والعلماء.
(2) - الإسلام والقضايا المعاصرة. مرجع سابق، ص24.
(3) - قصة الحضارة. مرجع سابق، ج6، ص157.
(4) - ينظر: المرجع السابق، ج7، ص21 و22.
(5) - ينظر: الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص248. (1/64)
صفحة 65
إضافة إلى ما قرره أرباب الفكر والممحِّصون لأغوار الديموقراطية أمثال الدكاترة الذين أعدوا موسوعة السياسة، وغيرهم ممن وافقهم في قولهم:"إن تشعب مقومات المعنى العام للديموقراطية، وتعدد النظريات بشأنها، علاوة على تمييز أنواعها وتعدد أنظمتها والاختلاف حول غاياتها، ومحاولة تطبيقها في مجتمعات ذات قيم وتكوينات اجتماعية وتاريخية مختلفة، يجعل مسألة تحديد نمط ديموقراطي دقيق وثابت مسألة غير واردة علميا، ومن المتفق عليه أن الحياة المعاصرة بما أدخلته من زيادة في التنظيم البيروقراطي للمجتمع، وتزايد الحدة في تقسيم العمل نتيجة النمو والتشعب الصناعي والتكنولوجي، علاوة على تكاثر السكان قد رفعت من درجة التعقيد المحيط بالممارسة الديموقراطية" (1) .
الفصل الثالث
المقارنة النظرية
...
المبحث الأول:
أوجه الالتقاء
المبحث الثاني:
... ... ... ... أوجه الاختلاف
المبحث الثالث:
... ... ... ... أوجه التداخل
المبحث الأول:
أوجه الاتفاق
إذا ألقينا نظرة- عن تمعن- في كل من الطريقتين: الشورى الإسلامية والديموقراطية المعاصرة نلاحظ بعض الأمور التي تلتقيان فيها، وتتفقان عندها، بحيث نجد أن كلا من النظام الشوري والديموقراطي، ينادي بتلك المبادئ والأسس، ويسعى جاهدا لحمايتها؛ لكي تحقق غاياتها المرجوة وتتطور، كما يحافظ عليها من الزوال والاضمحلال بشتى الوسائل، فهي أفكار أساسية ومنطلقات يقوم عليها كل منهما، ومن تلك الأمور المتفق عليها نجد:
الالتقاء الأول/ في حرية التعبير:
__________
(1) - موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج2، ص751. (1/65)
صفحة 66
نجد أن كلا من الشورى والديموقراطية المعاصرة يؤكد على احترام الحرية الفردية ويُمجِّد مبدأ الحرية في التعبير وتوجيه الملاحظات في كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاديولوجية والثقافية... بلا مصادرة من إحدى سلطات الحكم أو الدين، فالكل يدلي برأيه من دون أية مضايقات، أو مخاوف، أو ملاحقات قد تنال الأفراد من أية جهة كانت (1) ، ففي الشورى نجد الإسلام يحمي هذا المبدأ بِعدَّة نصوص شرعية، نذكر منها:
1- الآيات والأحاديث التي فرضت على المؤمنين فيما بينهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء كانوا أفرادا أو هيئات، بل إنهما واجبين في حق المؤمنين، وليس لأحد- مهما كان- أن يُعطِّلهما، أو يَحُدَّ من مجالهما، ولكن ذلك بالحسنى في الوسيلة، والحكمة في التبليغ فمن القرآن قوله تعالى: { ...
... } (2) ، ومن الأحاديث الشريفة، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم-: "الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال:" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (3) .
2- النصوص التي تأمر بالنصح والتعاون على البر والتقوى بين المسلمين، وتبين العواقب من عدم التناصح والتكبر والاعتداد بالنفس.
3- تعامل رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالحسنى مع الصحابة الذين يراجعونه في أمور الرأي والاجتهاد، مثل التساؤل الذي طرحه الحباب بن المنذر - رضي الله عنه - للرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر، عندما أراد النزول في أقرب ماء من وادي بدر، فسمع منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقبل رأيه الصائب، فأخذ به من غير أن يعتبر مصدره.
__________
(1) - ينظر: عمان الديموقراطية الإسلامية. د : حسين عبيد غانم غباش، ط1/1997م، دار الجديد، بيروت، لبنان، ص18.
(2) - الآيتان: 71و 72 من سورة التوبة.
(3) - صحيح مسلم. أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، ط/2، 1978م، دار الفكر، بيروت، لبنان، ج1، ص74. (1/66)
صفحة 67
كما أن الديموقراطية تقوم أساسا على الحرية، وترفض تماما كل أنواع التسلط والقمع بشتى أنواعه، ولا أدل على ذلك من إقرار حق المعارضة الذي يحميه القانون، وظهور الأحزاب السياسية والصحافة الحرة...
... الالتقاء الثاني/ في حق الترشُّح:
إن كلا منهما- من حيث المبدأ- يتعامل مع الأفراد على أنهم ذَوُوا ذمم متساوية في الحقوق والواجبات، فهم في الأصل سواسية، فبالتالي نجدهما كليهما في اختيار الإمام أو الأعضاء للنظر في الأمور أو في مجلس الشورى أو البرلمان، ينبذان بشدة الاختيار والترشيح المبنيان على أساس التفاضل في العرق، أو النسب، أو الطبقية، أو حتى باللون والعنصرية، وهذا ما يتفق مع الإباضية الذين لم يجعلوا القرشية شرطا لانعقاد الإمامة (1) ، بل هي عندهم مجرد مُرجِّحة في حالة تساوي المترشحين في الكفاءة بكل عواملها (2) ، وقد ذهب إلى عدم اشتراط القرشية أيضا الخوارج والقاضي الباقلاني (3) ، ووافقهم المودودي في رفضه حصر الإمامة في فئة ما بل هي عنده حق لكل مسلم يؤمن بحق الحاكمية لله (4) ، بخلاف أهل السنة الذين اشترطوا الانتساب، فلم يقبلوا الإمامة إلا لرجل قُرشيٍّ (5) ،
__________
(1) - منهج الدعوة عند الإباضية. د. محمد صالح ناصر، دط/1997م، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، ص198.
(2) - الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش. عدون جهلان،
ط2/1991م، مكتبة الضامري، سلطنة عُمان، ص185.
(3) - مقدمة ابن خلدون. مرجع سابق، ط1/1993م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص153.
(4) - الفكر السياسي عند الإباضية. مرجع سابق، هامش ص185.
نقلا عن: نظرية الإسلام وهديه. أبو الأعلى المودودي، دت، دار الفكر، ص259.
(5) - الأحكام السلطانية. مرجع سابق، ص06.
... - مقدمة ابن خلدون. مرجع سابق، ص153. (1/67)
صفحة 68
وزاد الشيعة تحديدا آخر فقالت الإمامية بتعيين الإمامة أول الأمر في علي القُرشي الهاشمي -كرم الله وجهه- بشخصه، أما الزيدية فقالوا إنما عهدت له الخلافة بالوصف لا بالتصريح، هذا ويكون الإمام بعد علي -كرم الله وجهه- من أهل البيت (1) ، ذلك مع الاختلاف بينهما فيما يخص بديل هذه الأمور الذي يعتبر في طريقة الاختيار بين الشورى والديموقراطية، فذلك يبين في أوجه الاختلاف، هذا فيما يخص الإمامة أما عن الوظائف الأخرى للدولة ومجلس الشورى فالمسلمون سواء.
... الالتقاء الثالث/ في تعدد المترشحين:
... إن الترشح للإمارة في الشورى الإسلامية يقتضي أن يكون لأكثر من فرد، ليتم التشاور فيما بين أهل الحل والعقد لاختيار واحد من بينهم، فلا يجوز ترشيح رجل واحد للإمامة (2) ؛ لأنها تكون بذلك انتزاع للبيعة وليس اختيارا، فالشورى والحرية بذلك تنتفيان، فتكون تلك الصورة تعيينا بدلا من التشاور، والأمر نفسه في الديموقراطية التي يتقدم فيها أكثر من مترشح تدعمه طبقة من الشعب، ليكون الاختيار من بين أولئك المتقدمين.
... الالتقاء الرابع/ في مسؤولية القرار:
__________
(1) - مقدمة ابن خلدون. مرجع سابق، ص155وبعدها...
... - معجم ألفاظ العقيدة. أبو عبد الله عامر عبد الله فالح، ط1/1997م، مكتبة العبيكان، الرياض، السعودية، ص234.
(2) - الإعجاز العلمي في الإسلام بين الشورى والديموقراطية. مرجع سابق، ص24. (1/68)
صفحة 69
... الشورى والديموقراطية في وسيلة حكمهما تعطيان لأهل الشورى وأعضاء البرلمان- على الترتيب- النصيب الأوفر من الأحقية في تقليب الأمر قبل إصدار القرار، وتخففان عن الحاكم كثيرا من المسؤولية عن الأخطاء التي قد تنجم خلال فترة حكمه في الدولة؛ وذلك لاستنفاذه الأسباب الممكنة؛ بتدارس الأوضاع مع الشعب بكامله، أو مع النخبة الخبيرة في شتى تخصصاتها، وبهذا يكون الحاكم قد تنحى بصورة حكيمة عن الآثار التي قد تلحقه فلا يتحمل بمفرده ما ينجم من تبعات ومسؤوليات عن الأحداث والأزمات طوال فترته.
... الالتقاء الخامس/ في طريقة الحكم:
... إن الشورى والديموقراطية نظامين قائمين على طريقة الحكم الجماعي، بمشاركة النخبة أو الشعب للحاكم في إصدار القرارات، بواسطة مجلس الشورى أو البرلمان أو الانتخاب، بصورة تمثل اشتراك الجميع في استصدار الحكم، بلا تسلط من الحاكم أو احتكار للحكم من دون البقية كما هو الحال في النظام الديكتاتوري أو الفردي بكل أنواعه، وهذا الوجه يكاد لا يخفى؛ لأنه الهدف المقصود الأول من قيام مفهومي الشورى والديموقراطية باعتبارهما وسيلة للحكم.
... الالتقاء السادس/ في حق المعارضة:
نجد أيضا في أوجه التشابه في كل من الأسلوبين هذا الجانب الذي يعتبر أن المساندة والمعارضة حق الجميع، فلكل شخص في المجتمع الشوري والديموقراطي كامل الحرية في تبني الرأي أو الفكرة المؤيدة للحاكم، أو المعارضة له، على السواء، من دون أن يعتبر هذا التصرف غريبا أو شاذا بل هو طبيعي جدا فهو من المبادئ المحترمة، ومن غير أن يُضايَق المعارِض أو يصادر فكره، وذلك من حيث المبدأ؛ لأن الخلاف بينهما في استمرار المعارضة بعد الحسم من طرف الحاكم.
... الالتقاء السابع/ في تداول السلطة: (1/69)
صفحة 70
عند النظر في مقاصد فرض الشورى على المجتمع المسلم تتضح لنا مراسم هذا الجانب وحكمة التشريع الرباني المفضي إلى إفشاء الطمأنينة والأمان بين المواطنين، فقد منع الإسلام التجبر في الأرض والتأله على الناس بالإمارة عليهم وحكمهم رغم أنوفهم واحتكار السلطة، وأبدل ذلك بإعطاء المساحة الآمنة للشعب في مشاركة الإمام أو الرئيس في قضايا الأمة والتعاون معه في الأمور الحادثة، بل وإسداء النصح له، وإرشاده بالحسنى، عن طريق مؤسسة أهل الحل والعقد، فإن حدث أن حاد الإمام عن شرع الله أو عجز عن تسيير الدولة المسلمة وإقامتها فيمكن لأهل الحل والعقد أن ينظروا في القضية ويقوموها حتى لو أدى ذلك إلى تغيير الإمام، وفي هذا يقول الدكتور القرضاوي:"فمن حق الأمة أن تحاسب الحاكم ومحاسبة الحاكم يعبر عنها أحياناً بالنصيحة في الدين، فالنبي - عليه الصلاة والسلام- يقول فيما رواه مسلم: " الدين النصيحة"، قالوا: لمن؟ قال:" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (1) ، وهو ما يعبر عنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من حق كل الأمة... فلا يجوز أن يُفرَض على الناس حاكم لا يحبونه، وفي الحديث: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم- يعني تدعون لهم ويدعون لكم-، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" (2) ، فلابد أن يكون الحاكم مرضياً عند الناس، محبوباً لديهم...وإذا كان الإسلام قال في الإمامة الصغرى " ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شِبراً، أولها:" رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون" (3)
__________
(1) - صحيح مسلم.مرجع سابق، ج1، ص74.
(2) - المرجع السابق، ج3، ص1481.
(3) - الجامع الصحيح سنن الترمذي. أبو عيسى محمد بن عيسى، ط1/2000م، دار إحياء التراث العربي، ص112. فيما معنى الحديث، بلفظ: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له منكرون".. (1/70)
صفحة 71
فالذي يؤم الناس في الصلاة والناس يكرهونه، هذا لا ترتفع صلاته فوق رأسه، وهي كناية عن رد الصلاة عليه، فما بالك بالإمامة الكبرى، بقيادة الحياة السياسية وقيادة الأمة؟!" (1) ، كما أنه يوجد في الأسلوب الديموقراطي مثل ذلك، وهو ما يعبر عنه بسلطة الشعب مباشرة أو بالبرلمان الذي يُعين الرئيس بشكل أو بآخر في ممارسة السلطة وسياسة الشعب، فالحاكم يمارس مهامه وفق إرادة الشعب لأن السيادة الحقة بيد الجماهير كما تنص على ذلك مقومات الديموقراطية (2) ، فلها الحق الكامل في عزل الرئيس إذا اقتضت الحاجة، مثل دستور" فيمير الألماني" الصادر سنة:1919م الذي نص على جواز عزل الرئيس بشروط هي إجمالا:
1/ أن يكون الطلب الخاص بعزل رئيس الجمهورية موقعا عليه من عدد معين من الناخبين.
2/ أن يوافق على هذا الطلب مجلس" الريشستاغ" بأغلبية الثلثين.
3/ إذا تم الإجراءان السابقان يوقف الرئيس عن مباشرة أعماله، ويتعيّن عرض أمر العزل على الشعب لإبداء رأيه في شأن الحاكم (3) .
... الالتقاء الثامن/ الرقابة المستمرة:
__________
(1) - ينظر: الإسلام والديموقراطية. برنامج الشريعة والحياة. حصة تلفزيونية في قناة الجزيرة بدولة قطر
مع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وزعيم حركة النهضة التونسية: الأستاذ راشد الغنوشي، بتاريخ:16 فبراير1997م،
بموقع قناة الجزيرة في الإنترنات :www.aljazeera.net.
(2) - عمان الديموقراطية الإسلامية. مرجع سابق، ص18.
(3) - مبادئ في النظم السياسية. د: عبد المنعم محفوظ، د: نعمان أحمد الخطيب، ط1،1987م دار الفرقان، عمان، ص211 بتصرف. ... ... نقلا عن: النظم السياسية والقانون الدستوري. د: فؤاد العطار ص353. (1/71)
صفحة 72
... نجد المجال مفتوحا أمام المراقبة المستمرة للحاكم ونشاطاته في الدولة من طرف الرعية، سواء كان ذلك عن طريق مباشر أو بالبرلمان في الأسلوب الديموقراطي، أم كان بواسطة أهل الحل والعقد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النظام الشوري، فهذه المعايشة الدائمة لسياسة الحاكم و مخططاته وبرامجه التي يريد تجسيدها على أرض الواقع، تتجسد في توجيه الملاحظات والنقود والمناداة بالإصلاحات في شتى المجالات، فلا يكتفي المواطنون بحرية التعبير فحسب، بل إن الأمر يربُو بهم إلى المراقبة الدائمة.
... الالتقاء التاسع/ الأخذ بالأغلبية:
وذلك فيما وافق الحق والتشريع الإسلامي، كما مارس الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا المبدأ في كثير من مواقفه مع الصحابة الأكارم، فقد نزل برأي الأكثر في بدر، وعند الخروج إلى أحد، وسار الأمر من بعده على ذلك فقد ترجحت خلافة أبي بكر بالغالبية، وحين النظر إلى الديموقراطية يبرز بقوة هذا الجانب الذي ما قامت مبادئها إلا لحمايته والحرص عليه مع بعض المبادئ الأخرى، مع الإشارة إلى الفارق الحاصل بينهما في هذه النقطة، والذي سوف نعرضه في مبحث الاختلاف.
... الالتقاء العاشر/ أساس قيام السلطة: (1/72)
صفحة 73
يذهب جمهور المسلمين إلى أن سلطة الحاكم إنما تقوم على مبدأ الاختيار والاتفاق، وليس عن طريق النص الشرعي والتعيين كما ذهبت إلى ذلك الشيعة (1) ، وبمعنى آخر، إن الوصول إلى سدة الحكم في الدولة الإسلامية يتم عن اختيار محض من المسلمين وأهل الشورى، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ترك الأمر من بعده شورى، فلم يوص بالخلافة لأحد ولم يستخلف إماما، وبهذا تنادي الديموقراطية في تعيين الرئيس، فلابد من اختياره اختيارا حرا من طرف الشعب عن طريق نظام الانتخاب، فليست الديموقراطية ترضى أبدا بأن يفرض عليها الحاكم بعيدا عن إرادة الشعب (2) ، وكما يؤكد بذلك الإعلام العالمي لحقوق الإنسان في البند الثالث من المادة الحادية والعشرين، فيقول:
3/ إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجرى على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت (3) .
المبحث الثاني:
أوجه الاختلاف
أما فيما يخص الاختلاف فعند تمحيص النظر في كلٍّ من التشريع الإسلامي الشوري والنظام الوضعي الديموقراطي نكتشف العديد من الفوارق البيِّنة والجذرية في بعض الجوانب، كما نجد اختلافات أخرى أدنى من السابقة، وهي متفاوتة في الحدَّة، ويمكن أن تُبيِّن هذه البسطة تلك الفوارق الموجودة، بتقسيم الفروق إلى نوعين، يتناول الأول الفوارق التي تعني التوصيف والمنهج الذي يقوم عليه كل من الأسلوبين، بينما يبرز الثاني الاختلافات التي تخص الممارسة الميدانية، ويكون العرض على النحو التالي:
? أولا: ما يتعلق بالتوصيف
الفارق الأول/ في المصدر:
(الشورى الإسلامية ربانية المنشأ والمورد، أما الديموقراطية فبشرية الوضع ).
__________
(1) - الفكر السياسي عند الإباضية. مرجع سابق، ص140.
(2) - يراجع: مقدمة إلى علم السياسة. مرجع سابق، ص184.
(3) - حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة. مرجع سابق، ص305. (1/73)
صفحة 74
... وهو الذي يعتبر من أكبر الفوارق البيِّنة الصارخة، بحيث نجد أنَّ الشورى الإسلامية ربانية المصدر والتشريع، فهي المقننة من فوق سبع سماوات إلى سيد الثقلين وإمام الأنبياء والمرسلين، وإلى كافة البشر أجمعين بُغية أمانهم وعيشهم الرغيد، وهي النابعة من العَين المعين، وخالق الأولين والآخرين من الجن والإنس، بينما نجد الديموقراطية المعاصرة من الجهة الأخرى ما جاءت إلا من وضع بعض البشر، فهي نظام أقامه الإنسان على خلفية صراعات في سلسلة تجاربه الحضارية وأبحاثه عن الوسائل الكفيلة بعيشه آمنا مطمئنا، وإلى هذا يذهب العقلانيين والموضوعيين على غرار الفقهاء.
وفيه يرى الدكتور عبد الكريم عثمان أنَّ الإنسان مهما بلغ من العلم والخبرة فإنه قاصر عن الإحاطة بطبائع الأشياء ومقتضيات التشريع على الصورة التي تؤمن له المصلحة الإنسانية في شتى أحوالها، فمهما حسَّن من ابتكار النظم من عنده فلا شك أن تخرج بعض القضايا التي لم يرع لها بالا فتؤرقه، ما لم يأخذ بالشريعة التي أوجدها موجد الإنسان نفسه وهو الله تعالى، ثم إن بيئة الإنسان، والعواطف والظروف والغرائز والشهوات، والمكانة الاجتماعية والاقتصادية، وتعدد المشارب واختلاف الأديان، وتصارع الديماغوجيات بين الممثلين والنواب، وغيرها من المؤثرات التي تتحكم في تكيُّفه وتؤثر فيه وفي إنتاجه الفكري وأحكامه وقراراته...، كل ذلك يسلُبه القدرة على وضع التشريع الكامل المستقصي لأحوال البشر عبر العصور (1) .
الفارق الثاني/ في المرجعية:
(الشورى معتمدة على دين الإسلام، أما الديموقراطية فعلى النظريات الإنسانية).
__________
(1) - ينظر: معالم الثقافة الإسلامية. مرجع سابق، ص178. (1/74)
صفحة 75
... وهذه النقطة وليدة وجه الاختلاف الأول وتابعة له، فالنظام الشوري يعيش في كنف الدين الإسلامي ورحبِه، في صورة تجعله يستمد طاقته ومرجعيته وحفظ وُجُودِه من الروح الإسلامية السمحة، أما المنهج الديموقراطي فانطلاقا من عدم تعلُّقه بأصل سماوي يحميه من الاضمحلال أو الانفساخ عن خطوطه العريضة ويرعاه، فإن مرجعيته عائدة إلى الفلسفات البشرية المتأثرة بعوامل عِدَّة (1) ، حتى أنها لَتتضارب في بعض الأحيان... كما تؤول إلى التفاسير المتشعبة للأحداث كالمادية والإنسانية، بعيدا عن الإقرار بالتسيير الإلهي للوقائع.
الفارق الثالث/ في المجال:
( الشورى محددة المجال، أما الديموقراطية فمفتوحة )
... المقصود من المجال هنا إنما هو الحيِّز الذي يحوي نشاط الشورى والديموقراطية، فالفرق جليٌّ بينهما ولدرجة كبيرة، فالشورى مقيَّدة بشرع الله، فليس لها أن تحيد عنه، ومنضبطة بشرطين أساسيين هما:
أولا: ... ألاَّ تكون فيما ورد فيه نص من القرآن أم السُّنة.
ثانيا: ... ألاَّ تنتهي إلى ما يخالف نصا شرعيا، أو ما يعارض الروح الإسلامية والمصالح (2) .
... بل تكون الشورى فيما سكت عنه الشرعُ، وتركه لمقتضيات الأحوال وشؤون الناس، بخلاف الديموقراطية التي لا يحدها قيد ولا شرط فهي مطلقة لأي موضوع يشغل الشعب، بغضِّ النظر عن حدود الدين أو الأخلاق أو الأعراف...، بل يمكن للجماهير أن تُخضِع أي قضية لعرض الآراء واتخاذ قرار بشأنها، باسم المبدأ القائل بأن السيادة الكاملة للشعب، فلا مُسيِّر ولا مُشير سواه.
الفارق الرابع/ سلطة الحاكم:
... ( سلطة الحاكم في الشورى مقيدة بشرع الله، أما في الديموقراطية فبإرادة الشعب )
__________
(1) - ينظر: الشورى في الإسلام. مرجع سابق، اشتراك غير المسلمين في مؤسسات الشورى، د. محمد عبيد الزحيلي،
ضمن بحوث المجمع، ج3، ص1168.
(2) - معالم الثقافة الإسلامية. مرجع سابق، ص184.بتصرف. (1/75)
صفحة 76
وهذه ناحية تقرب كثيرا من فارقي المجال والاعتماد الذي سبق عرضهما، إلا أن التميز يتجلى عندما ننظر من زاوية السلطة المنوطة بالحاكم، فهي في النظام الشوري مقيدة بشرع الله لا يحيد عنه مهما كانت الأحوال السياسية صعبة، وإن خالفها بأن حكَّم غير شرع الله عُدَّ ظالما وخائنا للأمانة التي ألقاها الله على عاتقه، بينما نجد الحاكم في الديموقراطية المعاصرة مُقيَّد بإرادة الشعب، فليس للحاكم أي دور في التشريع ما لم تمكنه غالبية الشعب من ذلك، وليس له أن يخالف رأيها المقدس كما تنص على ذلك المبادئ الديموقراطية.
الفارق الخامس/ في الغاية والهدف:
( غاية الشورى خلافة الله كما أراد، أما الديموقراطية فغاياتها مفتوحة ).
... فقد فرض الله الشورى لتسيير أمور الناس وتنظيم الرعية بشكل يمكِّنها من إقامة الدين المرتضى وتحقيق خلافة الله في الأرض والعمارة بما يعود على الأمة المسلمة والجميع بالفائدة المرجوة، وفق المنهج الرباني والوسائل المشروعة بُغية خلافته كما بين ذلك في القرآن، أما الديموقراطية فهي في الحقيقة مفتوحة الغايات؛ لأنها خاضعة لسلطان الشعب وسيادته وفق ديماغوجية ما، وما الحكومة إلا منفذة لإرادته وغاياته المتذبذبة؛ فما رآه هذا الجيل حَسنا قد لا يعجب الجيل اللاحق، وما رضيه الشعب اليوم قد يثور ضده غدا، فهذا ينطبق حتى على الحكم والحاكم، لاحتمال قلب الحكم رأساً باسم الديموقراطية وإرادة الشعب، والشاهد ما حدث في بريطانيا لمَّا توصَّل حزب العمال إلى مواقع السلطة وسُدَّة الحكم، وحققوا برامجهم في العدل الاجتماعي، فالاتحادات العُمَّالية هي القوة الرئيسة في عملية التغيير ومحاسبة الحكومة بل وإسقاطها متى أرادوا ذلك، كما فعل عمال المناجم حين أسقطوا حكومة المحافظين التي يرأسها " إدوارد هيث " (1) .
الفارق السادس/ في مراعاة المصالح:
__________
(1) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، 215وبعدها.بتصرف. (1/76)
صفحة 77
... ( فُرضت الشورى أساسا لتراعي مصالح الأمة، أما الديموقراطية فلا يلزم من إيجادها ذلك )
بناءً على الغايات التي جاء من أجلها نظام الشورى باعتباره منهجا لسياسة الأمة، نلاحظ حرصه على تكاتف الأطراف لخدمة المصالح الكبرى والخطوط العريضة التي رسمها الشارع الحكيم، ففي منهج الشورى تغيب الأغراض الشخصية، أو المصالح المنحصرة عند البعض من الفئات دون البقية، فالاحتكام إلى الدين والأخلاق كفيل بضبط هذا المصالح من الزيغ، أما في الديموقراطية فالأمر مختلف عن ذلك باعتبار الحرية والحكم برأي الأغلبية التي لا تخضع لضوابط الدين ولا غيره، فتحكم وفقا للمصالح العامة متى وافق ذلك مصالح الفئات الضاغطة في المجتمع بشتى سُبل الضغط من امتلاكٍ لوسائل الإعلام أو رؤوس الأموال أو النفوذ أو...، كما تضرب بالمصالح العامة عرض الحائط عندما تتعارض مع الأغراض الخاصة، كما تفعل الجماعات الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية في رسم سياسة الحكومة (1) ، وذلك بحيلة استنهاض أغلبية الشعب لمناصرة الفكرة التي تخدم تلك الفئة، وتيسر لها الوصول إلى مراميها، باستخدام وسائل الإعلام المختلفة والدعاية (2) ، كما حدث للولايات المتحدة الأمريكية هذه الفترة الأخيرة في تعاملها مع أفغانستان والعراق وإيران و...، فكان ما حدث لحاجة اليهود وحرص أصحاب الأموال على الذهب الأسود الذي تفيضه أرض السواد، ولم يكن لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية كدولة وكشعب.
الفارق السابع/ في التكامل:
... ( الشورى نظام متكامل من زمن فرضه، أما الديموقراطية فلمَّا تهتد بعد...)
__________
(1) - مقدمة إلى علم السياسة. مرجع سابق، ص212.
(2) - ينظر: الحركات الإسلامية والديموقراطية دراسات في الفكر والممارسة. فهمي هويدي وآخرون.
العدد 14 من سلسلة كتب المستقبل العربي، ط1/1999م، بيروت، لبنان، ص21. (1/77)
صفحة 78
... انطلاقا من أن مصدر الشورى كان من خالق الإنسان وموجده، بكل تلك الدقة والإحكام في تنظيم حياته داخليا وخارجيا، كالتنسيق المركَّز في عمل أجهزته وأعضائه من قلبٍ ونشاط دماغه إنتاج الدم للتغذية والمقاومة و...، وعلاقاته مع غيره ممن يحيط به من شتى الأصناف، سواء كانت مع أخيه الإنسان، أو الطبيعة، أو الحيوان أو...، والخاصة والعامة ـ صار من الطبيعي والمعقول أن يرسم للإنسان منهجا ودستورا متكاملا يعيش ويتعامل بهديه وعلى منواله؛ لِعلمه وإحاطته به، فشُرع وفق هذا النسق المحكم نظام الشورى الذي يُعتبر متكاملا؛ بدليل التوافق بين الحاكم والمحكوم في عدة أوجه منها:
1/ إرادة الشعب التي يضبطها الدين الإسلامي والأخلاق فلا تزيغ بين هذين الضابطين.
2/ النظرة البعيدة إلى المصالح المرجوة للجميع، وليس للنخبة، أو بعض الفئات دون الأخريات.
3/ الحرية العامة التي كفلها الدين الإسلامي وحماها من التسلط عليها، بل اعتبرها حق مشاع لكل مواطن بالضوابط المشار إليها.
4/ معيار التفاضل الرباني الذي لا يخضع لأي عارض زائل محصور عند طائفة دون أخرى، كالحسب أو المال أو العِرق أو غير ذلك...، بل بالصلاح والتقوى التي تعصم من الزلل واتِّباع الأهواء والظروف المتذبذبة، والتي يمكن أن تتوافر لدى الجميع.
بخلاف الديموقراطية التي انبثقت عن التجربة الإنسانية المحضة - بعيدا عن التأييد الإلهي - التي لا تعدو أن تكون قاصرة، تنشد الكمال بواسطة التجارب على الحضارات عبر العصور بحيث تدفع الأجيال والمجتمعات ثمنها حتى تهتدي إلى النظام الذي يكفل لها الأمان السياسي والاجتماعي و...؛ وذلك لاختلاف المنطلقات والمقدمات الموجدة للديموقراطية من الأصل، فالديموقراطية التي وضعها الإغريق غير التي نادى بها الفرنسيون ولا الإنجليز، ولا يبعد أن تخالف ما سيأتي من الديموقراطيات مستقبلا؛ لأن الأسس مختلفة ومتباينة. (1/78)
صفحة 79
... والشاهد على هذا ما أورده الدكتور محمد القطب طبلية:"إن الفرد في الديموقراطية اليونانية كان يذوب كُليَّة في المجتمع ويخضع له تماما، ليس فقط في حياته المدنية بل في العائلية والاجتماعية، فقد كان تمتعه بالحرية السياسية والمشاركة في الحكم، لكنه إزاء السلطة الشاملة للدولة والآلهة لم يكن له ما يعرف بالحقوق والحريات (1) ، زيادة على ذلك كانت المشاركة محصورة على المتزوجين من طبقة الأحرار (2) ، ثم إن فلسفة أفلاطون اليونانية كانت ترمي إلى إنشاء المدينة الفاضلة، ونبذ الحروب وتحقيق الرخاء السياسي والاجتماعي في أوساط المجتمعات، ومحاربة التيار السفسطائي المخل للرخاء والأمان، الذي ساهم في "حكم الرعاع" الذي يتأثر بالخطابة التي تحرك عواطف الجماهير أكثر من تأثره بالفكر النيِّر، كما يرى أفلاطون (3) .
__________
(1) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص248. بتصرف.
(2) - قصة الحضارة. مرجع سابق، ج6، ص157.
(3) - موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج2، ص753.نقلا عن: جمهورية أفلاطون. (1/79)
صفحة 80
بخلاف الديموقراطية التي قامت نادت بها الثورة الفرنسية التي كسرت كل عراقيل الكنيسة والملكية، بل حاربتهما بالدعاية والسخرية وشتى الوسائل، فقد جاءت المقولة المشهورة:" أشنق أول ملك بأمعاء آخر قسِّيس"، فهذا الانتقام على الكنيسة يُعتبر خطيئة كبرى عند اليونان لِما كانوا يقدسون الآلهة والدين، ثم إن المشاركة في الديموقراطية الأوروبية لم تكن لطبقة الأحرار فحسب، بل كانوا من جملة المستهدفين ،فقد قامت الثورة على أكتاف المزارعين والعمال الذين توصَّلوا فيما بعد إلى مراكز الحكم كما حدث - ولا يزال - في بريطانيا (1) ، فلو عاشوا في عصر الديموقراطية اليونانية لما كانت لهم أدنى كلمة، بالإضافة إلى معنى الديموقراطية اليونانية الذي هو " حكم الشعب" (2) ليس هو بالتمام ما تقوله الديموقراطية الفرنسية في إيديولوجيتها " حكم الشعب بالشعب للشعب" (3) هذا الذي يصرح بالحرية المطلقة في منهج الحكم فهو يتفق مع الديموقراطية اليونانية في كون السلطة فيه للجماهير ويزيد عليها - لعدم تكامله من البداية - أمرين هما كون الوسيلة فيه لكامل الشعب من مزارعين وتجار وأرباب الأعمال وليس للأحرار فقط، والأمر الثاني - وهو الأخطر- كون الحكم تحت الإرادة المطلقة للشعب من غير مشاركة للدين أو الأخلاق أو غيرهما...فهو في صالح الشعب ولو خالف القيم والدين، وهذا مما كان محرَّما عند الإغريق، ولا ندري ما تأتي به الأزمنة اللاحقة من إرادات للشعوب وحرياتها.
الفارق الثامن/ في الوضوح:
... (الشورى واضحة المعالم، أما الديموقراطية ففيها كثير من الجدليات)
__________
(1) - حزب العمال الذي يرأسه " طوني بلير" حاليا هو الحزب الحاكم.
(2) - الشورى في الإسلام. تنظيم الشورى في العصر الحاضر على أساس إسلامي، عز الدين الخطيب التميمي،
ضمن بحوث المجمع، ج3، ص1150.
(3) - الإسلام وحقوق الإنسان.ص247. (1/80)
صفحة 81
... عند دراسة الكليات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية والضوابط التي تمسك الشورى أن تتيه عبر الأزمان والمجتمعات المختلفة والتيارات الفكرية التي لم تشذ عن كنف الإسلام، وحاجات الناس على مر الأيام، وغير ذلك- يتبين لنا وضوح المنهج الرباني في تنظيم حياة الناس بما فيه صلاحهم دنيا وأخرى، بينما نجد في الديموقراطية كثيرا من الجدل بين المعاصرين في حقيقة الديموقراطية هل هي آلية للحكم أم نظام؟، وهل هي محتوى أم وعاء؟ أو بعبارة أخرى هل هي مضمون أم شكل؟، وهل هي مفهوم سياسي أم تصور فلسفي وإديولوجي يعبر عن المساواة الطبيعية بين الأفراد والحقوق الإنسانية (1) .
الفارق التاسع/ في التكييف:
... ( الشورى مرنة، أما الديموقراطية فوضعها محدد بحسب حاجات واضعيها والناس )
__________
(1) - ينظر: مثلث الإسلام والديموقراطية والعلمانية. مرجع سابق، ص26،37 وبعدها.
... - الإسلام والقضايا المعاصرة. د: عبد الملك مرتاض ودكاترة آخرون، ص15وبعدها. (1/81)
صفحة 82
... بالنظر في فرض الشورى و تشريعها يتبين لنا مدى مرونتها ومواكبتها لشتى المجتمعات، فقد فرض الله الأسس التي تقوم عليها هذه الشورى بما يتوافق مع المنهج الرباني والتصور الواضح لرسم سعادة البشرية في مختلف العصور والأماكن؛ وذلك لكون قواعدها عامة، وليست مختصة بمقتضيات أمة بعينها، وليس الحال كذلك فيما يتعلق بالديموقراطية؛ لأن الفلاسفة والمفكرين الذين وضعوا هذا النظام إنما نظَّروا تلك القواعد بما يتفق مع معطيات مجتمع أروبي يعاني من تسلط الحكام أو رجال الدين على الحياة العامة للأفراد، كما يلائم ذلك الزمان بما لا يلزم أن يحاكي كل الأمم عبر العصور، فالبرلمان لا يخرج عن نطاق الدستور المكتوب الخاضع بدوره إلى مقتضيات جيل دون آخر كما يختلف من مجتمع لآخر، وكذلك الأمر بالنسبة للدستور المرن غير المكتوب مثل الدستور الإنجليزي، فهو يخضع لما يراه البرلمان الذي لا يخرج عن إرادة الشعب، فالمحصلة دائما ارتباطه بالحاجات لا بالمبادئ السامية المرنة، والتشريعات التي تفرض الكليات (1) ، وإلى هذا يذهب المفكر العقاد حين يقول: "فمن الواضح إذن أن الديموقراطية- قديمها وحديثها-لم تقم على الحق الإنساني المعترف به لكل إنسان، وإنها كانت إلى الضرورة العملية أقرب منها إلى المبادئ الفكرية والأصول الخلقية" (2) .
الفارق العاشر/ في الشمول:
... ( الشورى شاملة لمجالات الحياة، أما الديموقراطية فمقتصرة على الاجتماع السياسي )
__________
(1) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص555.
(2) - الديموقراطية في الإسلام. عباس محمود العقاد، ص13. (1/82)
صفحة 83
... إننا حينما ننظر إلى الشورى كمبدأ في حياة المؤمنين نجدها حاضرة في حياتهم اليومية على غرار الاجتماع السياسي، فالشورى مطلوبة في أحوال القضاء، والإفتاء، والشؤون العسكرية والحروب، وغير ذلك... بل وفي الحياة الأسرية فيما بين الأزواج، وبين الآباء والأبناء داخل الأسرة كمشاورتهم في تزويج البنت إلى حد إبطال عقد النكاح في حال إرغامها أو رفضها، كما شرع الشورى فيما يخص موضوع الرضاع والفطام؛ لأنه لا يجوز أن يستبد أحد الوالدين برأيه في فطام الرضيع (1) ، أما الديموقراطية فلا يمكن ممارستها في شؤون القضاء ولا الإفتاء؛ ِلما له من ارتباط وثيق بالدين، والديموقراطية -كما تقدم- لا تحترم سيادة الدين في تنظيم حياة الناس، بل تخضع لإرادة الغالبية مهما تكن موافِقة أو مخالِفة للدين، كما لا تصلح أيضا في الحياة الأسرية بتلك الصورة التي تقدمت في الشورى؛ لأنها تتعذر أمام الحرية التي جاءت بها الديموقراطية وقررتها.
الفارق الحادي عشر/ في المنهج:
... ( الشورى وسط بين سلطة الشعب والفرد، أما في الديموقراطية فمناقضة للحكم الفردي )
__________
(1) - تفسير القرآن العظيم. أبو الفدا إسماعيل ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط1/1987م، ج1/291. بتصرف. (1/83)
صفحة 84
... بالنظر إلى الضوابط التي تسير وِفقها الشورى، وتحتكم إليها في المجتمع المسلم، قد يقتضي الأمر أن ينفرد الإمام بحكمه في بعض الأحوال، كمَثَل أن يضعف الوازع الديني عند الرعية، فيريدوا أمرا لا تقره الشريعة، أو لا يلائم مصالح الدولة في تلك الفترة، أو غير ذلك...فلا يَجمُل أن يسايرهم الإمامُ، وليس من الحكمة أن تُضيَّع المصلحة العامة المتمثلة في الحفاظ على كيان الدولة مقابل الاستمساك بالمصلحة الخاصة التي هي إرادة الشعب في المثال المذكور؛ لأن غاية الشورى كما سبق ذكره خلافة الله وإقامة الدين وعمارة الأرض، بخلاف الأمر عند الديموقراطية التي قامت أساسا على قبر الديكتاتوريات، فهي التي تنادي على الدوام بسلطة الشعب المطلقة على مبدأ الأغلبية، ونبذ الحكم الفردي مهما كانت الأحوال واقتضت الشؤون، لكن ما مدى إنصاف الاحتكام إلى الأغلبية التي يمارس الحكم وفقها في الوقت الذي قد تتفوق بعدد قليل من الأصوات فحسب؟، بمعنى أن الحزب الذي يفوز هو الذي يجمع أكبر عدد من أصوات الناخبين ولو كان الفارق بينه والثاني لا يفوق الدرجة فوق الخمسين بالمائة من مجموع الناخبين، والشاهد هو فوز الحزب الجمهوري على الديموقراطي بعدد قليل من الأصوات في الولايات المتحدة الأمريكية (1) ، هذا وقد لا ينتخب من المواطنين إلا فئة قليلة من الحد الذي يقره القانون (2) ، بالإضافة إلى انقسام اختيارات تلك الفئة بين المرشحين، فأين إنصاف الحكم بالأغلبية؟ بل أين الأغلبية أصلا؟، ثم إن أفلاطون في نقده للديموقراطية نجده يفضل المزج بين النظام الملكي الفردي والديموقراطي الجماعي ليستخلص مزايا كل من النظامين، فيأخذ من الحكمة والحرية؛ لأن الحكمة تُقوِّم السلطان وتنظم الحرية، والحرية تُقيِّد السلطان وتطلق الحكمة (3) ،
__________
(1) - يراجع: الإسلام والقضايا المعاصرة. مرجع سابق، ص22.
(2) - الإسلام والقضايا المعاصرة. مرجع سابق، ص23.
(3) - يراجع: مقدمة إلى علم السياسة..مرجع سابق، ص170. (1/84)
صفحة 85
وأي حكمة يبتغي الإمام زيادة عن ضوابط دينه وحدوده التي تفتقدها الديموقراطية، بل لا تكاد تعترف بها أصلا، زيادة على أن الديموقراطية كما يقررها عباس محمود العقاد:"...يُفهَم منها أن الحكم لا ينحصر في يد فرد ولا في يد طبقة واحدة" (1) .
الفارق الثاني عشر/ في الإلزام والاختيار:
... ( في الشورى اختيار ثم إلزام بتسليم الأمر، أما في الديموقراطية فاختيار ولا إلزام )
... النظرة الحكيمة والبعيدة في سياسة الأمة المسلمة تقتضي أن تمكَّن حرية التعبير والإفصاح عن الرأي للإمام قبل حسم المسألة، لما في ذلك من تنوع في عرض وجهات النظر واختلاف زوايا النظر للقضية والبعد أكثر ما يمكن من أخطاء الحكم الفردي و...، أما بعد فصل الحاكم للأمر والعزم فلا يقبل الانشقاق عنه والتمسك بالرأي المخالف له، بل ينضوي الكل تحت رايته مُسَلِّمين الأمر لله ومُتوَكلين عليه، وهذا ما حدث فعلا في السنة النبوية والنصوص الشرعية، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لما استشار أصحابه في الخروج إلى أُحُد وسمع آراءهم قرر النزول عند رأي الأغلبية، وما إن صدر قرار الخروجُ خرجَ كلًّ الصحابة الموافقين للخروج والمخالفين من قبل فصل النبي - صلى الله عليه وسلم - للأمر (2) ، وما حدث يوم السقيفة من اختلاف في خلافة النبي - صلى الله عليه وسلم - بادئ الأمر، فلما اقترح سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أبا بكر - رضي الله عنه - وبيَّن للجميع مكانته الرصينة دينا وعقلا وخلقا، ومزاياه التي يُقر بها الأنصار والمهاجرون، فنظر الجميع إلى مصلحة الأمة في اجتماعها وقوتها وكان الأنصار من أوائل من ساند الخليفة أبا بكر - رضي الله عنه - بعدما كانوا مختلفين معه أول الأمر (3) .
__________
(1) - الديموقراطية في الإسلام. عباس محمود العقاد، ص13.
(2) - في ظلال القرآن. سيد قطب، ج1، ص495.
(3) - ينظر: الكامل في التاريخ. ابن الأثير، ج2، ص193 وبعدها.
- البداية والنهاية. مرجع سابق، ص276. (1/85)
صفحة 86
... فلو أجرينا اختلاف الصحابة -في خروجهم إلى أُحد وعدمه- على المسار الديموقراطي لأصر مؤثروا البقاء داخل المدينة على رأيهم لانتظار العدو بالرغم حسم النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسألة، وحتى لو خرجوا ما زادوا حزبَ الخروج إلا خبالا، ولَردُّوا سبب الهزيمة إلى اختيار الخروج الخاطئ-في رأيهم-، ولنَادوا بذلك بأعلى الأصوات، ولكن شيئا من ذلك لم يقع، بل سلَّم الجميع لحسم الحاكم وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - واختاروا الخروج إلى جانبه بعد أن اختلفوا جميعا في عرض رُؤاهم، وكذلك هي أحداث سقيفة بني ساعدة التي لو اتبعنا فيها المنهج الديموقراطي لتمسك الأنصار باستحقاق سعد بن عبادة - رضي الله عنه - للإمامة على الرغم من هزيمتهم لصالح جماعة أبي بكر - رضي الله عنه - والمهاجرين، ولَبَقَواْ ينادون بسعد في كل ناد وواد، وكذلك الأمر للمهاجرين في حال انحسارهم أمام الأنصار يظَلُّون دوما ينادون بأبي بكر حتى تتم الانتخابات الثانية، أو يتوفى سعد بن عبادة، والدولة في هذا الوقت منقسمة إلى حزبين بل غالبا ما يكون أكثر، فلا أمل عند الأحزاب الأخرى إلا أن تنتهيَ فترةُ حكمِ الرئيس وحزبه، أو يموت، أو يُعزلَ...، حتى تزحف نحو السلطة كما هو حال المعارضة في الديموقراطية، لا تكاد تفكر في النظرة البعيدة والمصلحة العامة للبلاد في دفعه إلى العلا والتقدم بل هي مشغولة بتحين الفرص لاعتلاء الحكم أو تنفيذ مراميها على حساب المشاريع التي خطط لها الحزب الآفل قبلها.
الفارق الثالث عشر/ في إصلاح الخطأ:
( تقويم الخطأ في الشورى واجب، أما في الديموقراطية فهو حق للمواطنين ) (1/86)
صفحة 87
... يدخل هذا العنصر تحت مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالمسلمون مطالبون بتقويم الخطأ، بحسب ما يستطيع كل منهم وهم مكلفون بذلك، فالحاكم بالسلطان والجبر والعالم بالبيان والقاضي بالقانون والمحتسب بموجب وظيفته والمواطن العادي بما أمكن له، ولا تعارض في ذلك بين من يرى أن فرضيتها على الكفاية أم التعيِين؛ لأن الكل متفق في الوجوب والخلاف بينهم في مجال ذلك الوجوب (1) ، وذلك لما في الشريعة الإسلامية من الآيات والنصوص الموجبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل كما هو معلوم لدى العام والخاص، والنصيحة تكون للإمام وللأحزاب السياسية ولكل محتك بالسياسة وغيرها... من قبيل نشر الإسلام وتعاليمه، فهي مما أوجبه الشارع الحكيم، وعلق عليه مسؤولية يحاسب عليها كل من ضيعها (2) ، كما أن ترك الأمة للتناهي يُدخِلها في اللعن كما لُعِنت بَنُوا إسرائيل قَبلنا في قول الله تعالى- للسبب نفسه-: { ... ... (3) } ، أما في الديموقراطية فإن تقويم الخطأ حق للمواطن، وله كامل الحرية في التنازل عن حقه- بلا نكير- فلا يردَّ المنكر ولا يقوِّم الخطأ متى لم يضرَّه أو يحُدَّ من حرياته (4) .
__________
(1) - الأحكام السلطانية. مرجع سابق، ص299.
(2) - انظر: دراسة في منهاج الإسلام السياسي. مرجع سابق، ص356.
(3) - الآيتان: 78و79 من سورة المائدة.
(4) - يراجع: الإسلام والديموقراطية. برنامج الشريعة والحياة. حصة تلفزيونية في قناة الجزيرة بدولة قطر
مع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وزعيم حركة النهضة التونسية: الأستاذ راشد الغنوشي، بتاريخ:16 فبراير1997م،
بموقع قناة الجزيرة في الإنترنات :www.aljazeera.net. (1/87)
صفحة 88
هذا مع الأخذ بالبصيرة أن مفهوم الخطأ في الديموقراطية يختلف تماما عنه في الإسلام؛ لأن الخطأ في الإسلام ما بينه الشارع الحكيم في النصوص أو ما خالف روح الإسلام ومقاصده، أما في الديموقراطية فلا عبرة بما قرر الدين بل الخطأ ما رآه الشعب أنه خطأ.
الفارق الرابع عشر/ في النظرة للحياة:
... ( النظرة للحياة في الشورى إيمانية، أما في الديموقراطية فمادية )
النظام الإسلامي يقوم على أساس الإيمان بالله رب العالمين أساسا ويستمد نظرته إلى الكون والحياة والإنسان من هذا الإيمان، فالله خالق الإنسان وكل شيء، والخالق هو من له حق التصرف فيما خلق، وما على المخلوق إلا الامتثال وعدم التمرد عن ربِّه...ثم إن هذا الخالق عليم بما خلق وبما يفيده ويصلحه، فإذا أنزل عليه نظاما كان من الطبيعي أن يكون الأفضل والأنسب في الممارسة والمسايرة لأحوال هذا الإنسان، والناظر في الحياة يلاحظ منتهى الدقة والإتقان في إعطاء كل شيء خلقه من جهة وفي وضع الوتيرة التي تحفظه وتهديه إلى صلاحه من جهة أخرى، بالاستقراء من أصغر مخلوق بالكون إلى أعظم موجود، ومن أوهن حشرة إلى أشد كائن، وما الإنسان إلا جزء بسيط من الكون، فقد خلقه الله وبيَّن له ما يُصلحه من نظام حياة وغير ذلك...، أما نظرة الديموقراطية للحياة فهي مادية بحيث تنكرت للإيمان وأطلقت العنان لمحاكاته ومحاربته وتضييق الخناق عليه، ووسعت طرق الكسب بشتى الوسائل المحمودة والمنكرة للعقلاء حتى سفل أمر الناس ورغِمت كرامتهم وانحط شرف المرأة بالتراب باسم الحريات الشخصية والأرباح الطائلة (1) ...
__________
(1) - معالم الثقافة الإسلامية. مرجع سابق، ص177.
- ينظر: الإعجاز العلمي في الإسلام بين الشورى والديموقراطية. مرجع سابق، ص13. (1/88)
صفحة 89
هذا بالإضافة إلى أن قيمة المرء في الإسلام تقاس بالتزامه وتدينه وإسلامه (1) ، أما في الديموقراطية فبما يملك من نفوذ وأموال ومعارضة عمياء للحكم حتى يكون قائدا يشار إليه بالبنان.
? ثانيا: ما يتعلق بالممارسة
الفارق الخامس عشر/ في الاتحاد:
(الشورى سبيل للوحدة، أما الديموقراطية فقد تكون مسلكا للتفرق وإشاعة الفوضى)
شُرعت الشورى في الأساس تعبُّدا ولاستخلاص الرأي الأمثل وتحرِّي الصواب أينما كان، لكي تؤدي في النهاية إلى توحيد الصفوف فيما بين الرعية أنفسهم من جهة، وفيما بينها وبين الحاكم من جهة أخرى، ولكي توصل إلى رأب الصدع والاجتماع على نتيجة الشورى المتوصَّل إليها، والدين الإسلامي وأخلاقه يضبطان كل ذلك بحدودهما، وممارسة الشورى لا تخرج عنها، فمن ذلك نلمس البعد الرامي إلى الوحدة والانسجام (2) ، بين أفراد المجتمع الشوري ومؤسساته، بتأكيد الدين الإسلامي على الاجتماع ونبذ الخصام والتفرق في مواضع كثيرة من القرآن الكريم كقوله تعالى: { ... ... } (3) ، وقول الله عز وجل: { ... ... (4) } ، وقوله تعالى-أيضا-: { ...
... } (5) ، ويأتي من السنة المشرفة
قول الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - :(...ولا تجسسوا -أو لا تحسسوا- ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ) (6) ،
__________
(1) - يقصد بالتدين هنا المعنى العام وهو خوض غمار الحياة في شتى مجالاتها وفق المنهج الرباني، وليس الالتزام بالمظهر والشكل فحسب.
(2) - ينظر: دراسة في منهاج الإسلام السياسي. مرجع سابق، ص745.
(3) - من الآية رقم 103، من سورة آل عمران.
(4) - من الآية رقم 46، من سورة الأنفال.
(5) - الآية رقم 105، من سورة آل عمران.
(6) - الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب. ط1/1995م، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، رقم 696، ص570.
- صحيح البخاري. مرجع سابق، رقم الحديث، 6065، ج4، ص97. بلفظ:"لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام". (1/89)
صفحة 90
وقوله - صلى الله عليه وسلم - :(... فإن يد الله مع الجماعة وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يرتكض ) (1) ، وغير ذلك...
وهي تخالف الديموقراطية من جانبين:
1/ الديموقراطية تقوم على سُلطة وإرادة الشعب التي يبعُد إن لم يكن مستحيلاً أن تُجمع على رأي موحَّد، في ظل حرية اتخاذ القرارت، ونهج الخطط المرسومة للأحزاب السياسية من دون رقيب أو محاسب حاشا إرادة الشعب المبجَّلة التي لا تخضع للدين ولا للأخلاق، بل إن إرادة الشعب هي من يُخضِعهما إليها وحدها!! فيصير المجتمع السياسي بالتالي إلى التفرقة والتعصب لاتجاه دون آخر، ونظرية دون غيرها، وحزب ضد منافسيه...، باسم المعارضة المفتوحة المكفولة قانونيا، فهذه التفرقة إذًا مما يُفتح له الباب قانونيا في عالم الديموقراطية الوضعية!!
2/ لو أمعنَّا النظر في مبادئها المطلقة عن أي ضابط ديني أو أخلاقي، نجدها تؤدي إلى تفريق المجتمع الواحد، وتقسيم الدول والأمم من وجه خَفيٍّ، كما يقرر أفلاطون ذلك ويعزوه إلى الإباحية والحرية السياسية (2) ، ويرى أنه من أراد تأسيس دولة فلينحو منحى المعارضة للحاكم بأن يسلك ديماغوجية ما، حتى يكون له أنصارا، فلما يتحسس من نفسه القوة والشعبية، يفصم الدولة جزأين وهكذا إذا قام آخر بالعمل نفسه باسم الديموقراطية والحرية في الخطاب والامتلاك وهذا يفضي إلى نتيجتين هما:
1- خرم الدولة من الداخل باسم الحرية والديموقراطية.
2- انعدام الثقة والطمأنينة وانتشار الفساد والتفريق من أجل أغراض دنيئة.
وما احتيج -أساسا- إلى إقامة الدولة إلا لتوفيرهما (3) .
الفارق السادس عشر/ في الفعالية:
(
__________
(1) - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان. علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، ط2/1993م، مؤسسة الرسالة، سوريا، ج10، ص438.
(2) - ينظر: السياسة بين النظرية والتطبيق.ص75. نقلا عن: جمهورية أفلاطون. ج8.
(3) - المرجع السابق، ص75. نقلا عن: جمهورية أفلاطون. ج8. (1/90)
صفحة 91
الشورى طريق للصواب، أما الديموقراطية فلا يلزم منها أن تكون سبيلا للصواب )
وذلك بالنظر إلى الوسيلة التي تعتمدها الشورى في الحكم، والضوابط التي وضعتها، فالحكم للغالبية فيما وافق الشريعة السمحاء؛ لأن الله قد كفل للأمة سُبل الأمان والفلاح دنيا وأخرى، وأعطى صلاحية إبداء الرأي من أهل الحل والعقد، وتسيير أمور الدولة، والحكم بمقتضى المصلحة التي يراها المجلس شريطة ألا يتعدى نظرهم إلى ما سبق للشارع الحكيم أن فصل فيه بنص، ولا أن ينتهي تشاورهم إلى ما حرم الله ورسوله، فالشورى ليست مُشرِّعة بل هي مسايرة للمنهج الرباني، بخلاف الديموقراطية التي لا تعتبر هذين القيدين بل هما-في نظرها- من المثبطات التي تقف أمامها؛ لأن إرادة الشعب هي الفيصل في القضايا، ولو أدى ذلك إلى بعض المخاطر التي قد لا تستشعرها الغالبية خصوصا إذا كانت ممارسة الدعاية والتحريض للقرارات بشكل علني قوي التأثير في النفوس من قِبل بعض الجهات التي تخدم مصالحها بالدرجة الأولى (1) ، ولا مانع من التشريع ما دام القرار يعود إلى الشعب في النهاية وليس إلى المرجعية الدينية، كما أن الناس عادة ما تنظر إلى مصالحها العاجلة، فتضحي بالنفع العام الذي يعود على الكل بالخير الآجل، فمن هذه الزاوية يتبين الفرق بينهما في فعالية الوسائل لإدراك الأمان المنشود في كل المجالات، ويمكن القول -زيادة على ذلك كله- إن في ممارسة الشورى مسؤولية دينية يحاسب عليها المستشارون أمام الله تعالى، وبالتالي يبذلون قصارى الجهد في إنشاد الصلاح (2) ، فبتلك العوامل تتحدد الضوابط التي تجعل الشورى وسيلة لدرك الصواب وتحميها عن الزلل.
الفارق السابع عشر/ في الارتباط والانفصال:
__________
(1) - ينظر: مقدمة إلى علم السياسة. مرجع سابق، ص212.
(2) - يراجع: دراسة في منهاج الإسلام السياسي. مرجع سابق، ص745. (1/91)
صفحة 92
... هناك في الشورى انفصال بين مقترحات الإمام ومجلس الشورى، فالمجلس يتخذ مبدأ الحياد مع الإمام، فلا يكون مؤيدا له في كل الأحوال ولا معارضا لمخططاته، لأن همة أعضائه خدمة الدين وإرضاء ربهم وتخلصهم من المسؤولية الدينية بأحسن الظروف وأخلص المجهودات، بخلاف الأمر عند الأسلوب الديموقراطي الذي تكون فيه غالبية أعضاء البرلمان- عادة- لصالح الحزب الحاكم باعتباره الحائز على رضا أغلبية الشعب، فبالتالي يكون البرلمان سندا قويا للحاكم ومؤيدا بارزا له في مشاريعه وبرامجه (1) ، ويمكن وصف ذلك بلغة أخرى بأن النمط الديموقراطي يكون فيه اتجاه الرئيس هو الخصم والْحَكَم؛ لأنه المدعم من غالب الشعب حينما يتصرف ولأن الشعب نفسه هو من يحاسبه، فهو مكلف بأن يسوس الأمة بما فيها صلاحها، والشعب أو البرلمان يراقبه وينظر في سياسته ويوجهه...فإن كان البرلمان -الذي يمثل دور الْحَكَم- بغالبيته من حزب الرئيس، فكيف تتم عملية المراقبة والتوجيه؟ خصوصا إذا كانت أحزاب المعارضة أدنى فعالية وقوة في الميدان أو كانت متعددة بشكل يُذهبِ قوتها واتحادها.
الفارق الثامن عشر/ في سبب الاختلاف:
... ( الاختلاف في الشورى لمراعاة الأفضل، أما في الديموقراطية فقد يكون لمآرب أخرى )
__________
(1) - يراجع: الإعجاز التشريعي في الإسلام بين الشورى والديموقراطية. مرجع سابق، ص45. (1/92)
صفحة 93
... أما فيما يخص الشورى فإن التقيد بضوابط الشرع الحنيف في الحكم، وجعله الدستور الأول الذي تقوم عليه حياة المسلمين في المجتمع الواحد، وتُسيَّر أحوالهم اليومية، وينضبط به أهل الشورى في معالجة العوارض التي تنزل بهم، مما هو مجال للرأي، نجد الاختلاف الطبيعي فيما بين المستشارين؛ لأن الهدف والغاية واحدة بين الجميع والقواعد التي يُرجع إليها متفق عليها، كما أن المصالح التي راعاها الدين لا خلاف فيها، فالاختلاف ليس له أساس إلا مراعاة الأصلح والأفضل من بين الآراء المطروحة؛ لأن حدود الدين تقف ضد النزعات والأهواء والأغراض القاصرة على البعض دون البقية، وغير ذلك مما هو متاح في الديموقراطية؛ لأن حرية الرأي والتعبير ليس لها ما يحدها، خصوصا إذا كانت الآراء الأخرى يتبناها الحزب المنافس أو التيار المعادي أو الإيديولوجية المغايرة، ولاختلاف المرامي والأهداف وكذا البرامج المخطط لها، بُغية إقامتها على أرض الواقع.
الفارق التاسع عشر/ في أسس الاختيار:
... ( الاختيار في الشورى قائم على الدين والكفاءة، أما في الديموقراطية فعلى النفوذ والأصوات)
معايير الاختيار والانتقاء في الشورى تقوم على الالتزام بالدين والكفاءة في الشخص المترشِّح أو المرشَّح؛ لأن المراد منه الاجتهاد في إيجاد الوسيلة التي توصل الأمة إلى رضا ربها وإقامة حكم الله في الناس، أما في الديموقراطية فلا اعتبار أبدا للالتزام الديني بل هو معيق للاختيار، بالنظر إلى انضباط ذلك الفرد بقيود الدين التي لا توافق - عادة- إرادة الشعوب التي لا تحتكم إلا إلى الحرية الشخصية، أوهي لا تعترف بالدين أصلا، بل تقوم على من يملك نفوذا أكبر في المجتمع، بغض النظر عن سيرته أو فلسفته في الحياة؛ لأن الشعب اختاره ولابد من الرضوخ لإرادته المحترمة، إلا أنه قد يصادف أن يكون المرشح كُفْءًا ولا تعارض لأن العامل الأول في التقديم هو النفوذ والأصوات.
الفارق العشرون/ في التوافق: (1/93)
صفحة 94
... ( توافق المبادئ مع الواقع في الشورى، أما في الديموقراطية فلا يلزم ذلك )
يمكن تجسيد الشورى في واقع الأمة المسلمة متى أخذ المسلمون بأحكام الشورى وضوابطها وألغيت كل المنطلقات غير الإسلامية والوسائل والغايات المنحرفة عن روح الإسلام ومقاصده، بأن أمَّرت الإمامَ العدلَ المناسبَ عليها، وأطاعته فيما تجوز طاعته، وأعانته في أداء مهمته ومسؤولياته الشرعية بينه وبين الله من جهة، والتزاماته القانونية بينه وبين قومه من جهة أخرى، وذلك ليس ببعيد على المسلمين ما دام قد سبق لهم أن عاشوا تلك الفترة الوضيئة زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخليفة أبي بكر والأمير عمر بن الخطاب قبل أن تَدبَّ جذور الفتنة الكبرى في عصر الخليفة عثمان بن عفان وبعده إلى زمننا الحالي إذا أخرجنا بعضًا من الحقب النيرة طوال تلك المدة، أما لو نظرنا إلى الديموقراطية-بأطوارها- كنظام في الحكم نلمس تلك الهيولية في مبادئها وممارستها، وذلك في إسناد الحكم مطلقا للشعب ثم للأغلبية من غير اعتماد ضوابط دينية أو أخلاقية، فمن هي الأغلبية؟ وما حقيقتها؟ وكيف نستخلصها بصورة صادقة موضوعية إذا لم نؤثر عليها بالدعاية والمنافسة المفتوحة التي لا تخضع لأية ضوابط؟، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الغالبية في المجتمعات عادة إنما تتكون من العوام والدهماء من الناس، وإلى أي حد يحق لأحزاب المعارضة أن تصل بمعارضتها تلك؟، ثم يأتي سؤال آخر ليطرح نفسه بقوة: هل من ضوابط لقيام أحزاب المعارضة؟ وهل من حدود لاتجاهات تلك الأحزاب؟ أم أن كلَّ من أعجبه صوتَه غنَّاه أوعُودَه دنَّاه -كما في المثل العامِّي-، وبعد هذا كلِّه، ما حدود الحرية في إيديولوجية الديموقراطية؟ وغير ذلك من الأمور التي تنتظر أجوبة شافية لتنضبط الديموقراطية المعاصرة. (1/94)
صفحة 95
ولو عُدنا إلى اقتراح أفلاطون حول النظام المناسب للحكم نجده يمزج بين النظام الملكي الفردي والديموقراطي الجماعي ليجمع بين مزاياهما، أي بين الحكمة والحرية، فالحكمة تُقوِّم السلطان وتنظم الحرية، والحرية تُقيِّد السلطان وتطلق الحكمة (1) ، بالأخذ بعين الاعتبار أن أفلاطون يفضل النظام الملكي الفردي الحكيم شريطة أن تكون هناك قوانين في الدولة (2) ، فبهذا القيد يمكن أن يُحدَّ نسبيا من تلك الهيولية.
الفارق الحادي والعشرون/ في المنافسة:
... ( المنافسة في الشورى شريفة، أما في الديموقراطية فكل الوسائل جائزة باسم الحرية )
__________
(1) - يراجع: مقدمة إلى علم السياسة. مرجع سابق، ص170.
(2) - المرجع السابق. ص169. (1/95)
صفحة 96
إن الدين الإسلامي باعتباره مرتعا للشورى، كفيل بأن يجعل ممارسات مبادئه ومحاوره شريفة خالية من الكذب والتضليل والافتراء وكل ما جاء الإسلام- أصلا- لمحاربته وزرع البديل الأخلاقي الراقي، وبخاصة في المجال الإعلامي الخطير لكونه من وسائل التحكم وسياسة الجماهير واحتواء أغلبية الشعب بواسطته، ومن جهة مقابلة للشورى نجد أن الديموقراطية مرتعا خصبا لحرية الامتلاك التي أقرها الشعب بنفسه، ولانفتاح حدود المنافسة من غير قيد، حتى أنك ترى الأحزاب تتصيد مزالق بعضها أو أخطاء السلطة لتجعل منها جرائم عظيمة ومصائب لا أول لها ولا آخر، كما حدث مع الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون" حينما تصيَّد له منافسوه حادثة "مونيكا" ليجعلوا منها جريمة لا تغتفر في الوقت الذي يعدون الزنا والكذب وغير ذلك أمر راجع للحرية الشخصية والحياة اليومية، وما يفعله الآن الحزب الديموقراطي من إذكائهم خطأَ تجاهل رسائل التحذير من كارثة الحادي عشر سبتمبر على الأمريكان (1) الذي وقع فيه الحزب الجمهوري الحاكم، بل يذهب المنافِس إلى أبعدِ من تَصيُّد المزالق، فلا مانع عنده من اختلاق الأباطيل لهدف وحيد هو إسقاط الأحزاب الأخرى واحتلال الريادة بانفراد (2) ، حتى يصل الأمر في النهاية إلى الفوز بالحكم، بواسطة الشعب المخدوع بتلك الأباطيل والافتراءات...
الفارق الثاني والعشرون/ مهارة سياسة الشعب:
(في الديموقراطية مهارة التلاعب بالجماهير وتجييشها، أما في الشورى فمضبوطة )
__________
(1) - تفجيرات البنتاغون ومبنى التجارة العالمي بعمارتيه في نيويورك صباح الثلاثاء 11سبتمبر2001م.
(2) - ينظر: الإسلام والقضايا المعاصرة. مرجع سابق، ص23. (1/96)
صفحة 97
بالنظر إلى حدود الحرية إجمالا وحرية الامتلاك تحديدا في الديموقراطية لا نجد مانعا من امتلاك وسائل الإعلام بشتى أنواعها ولا مانع في استخدامها لكل الاتجاهات المساندة والمعارضة للحكم القائم على السواء، وبالإقرار بأن الشعب حر في تدينه وتعبيره وممارساته التي أقرها بنفسه وغير ذلك مما يمكن أن يحُدَّ من سيرة المجتمع والأفراد...بالنظر إلى كل ذلك نجد في الديموقراطية إمكانية الكذب على الجماهير والتلاعب بهم ودفعهم إلى تقرير أية قضية تراها الفئات المالكة لوسائل الإعلام والتحكم بأفكار الشعب، بحيث لا حاجز في تنفيذ المخططات إلا إقناع الأغلبية على الإقدام للأمر الذي يخدم مصالح إحدى الجهات، وهناك شاهد قريب- إن شئنا ألا نذهب بعيدا- ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية من شحذ للرأي العام ودفعه لأن يرضى بحرب أفغانستان بدعوى الإرهاب، وغزو العراق بتهمة أنه يملك أسلحة نووية وإنه يفكر في غزو الأمريكان وإسرائيل!!، وتصوير الإسلام في الإعلام الغربي بأنه دين التطرف والتفريط ودين التخلف والاختلاف والدماء، فكل ذلك وغيره مما تضيق به الورقة سلب لحرية التفكير واتخاذ القرار المناسب من طرف الشعب من جراء التكالب على تجييش مشاعر الناس وسياستهم بطرق مغلوطة مخادعة، إلا أن هذا الأسلوب لم يكن حديثا، فقد ذكر أفلاطون في نقده للديموقراطية أن التيار السفسطائي ساهم في "حكم الرعاع" الذي يتأثر بالخطابة التي تحرك عواطف الجماهير أكثر من تأثره بالفكر النيِّر (1) ، بل يذهب الشيخ ضياء الشكرجي في كتابه (2) إلى أبعد من ذلك، فقد حذَّر- في اتباع الديموقراطية الغربية المعاصرة- من خطر إفرازها لأنظمة علمانية محاربة للإسلام نتيجة للأسلوب نفسه.
الفارق الثالث والعشرون/ في الحرية:
__________
(1) - موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج2، ص753.نقلا عن: جمهورية أفلاطون.
(2) - ينظر: مثلث الإسلام والديموقراطية والعلمانية. مرجع سابق، ص147. (1/97)
صفحة 98
... ( الحرية الفردية في الشورى منضبطة، أما في الديموقراطية مجال فسيح )
... إن الحرية التي يمارسها الفرد في المجتمع الإسلامي الذي يحكم بالشورى، لا تخرج عن حدود الدين أبدا فلِلفرد أن يتصرف كما يشاء وفق الضوابط التي رسمها الإسلام، وليس الأمر كذلك في الديموقراطية الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام الأفراد في المجتمع الواحد باسم الحرية الشخصية، ولا أدل على ذلك مبدأ الثورة الصناعية الذي قام على المنهج الحر القائل:" دعه يعمل دعه يمر"، وإن كان الشعار اقتصاديَّا في المنشأ، إلا أنه لا يختلف عن نظرية الحكم التي قامت على المساواة والإخاء والحرية التي يفهم منها أن تَكون للإنسان الخِيَرة في فعل ما يريد شريطة عدم الإضرار بالآخرين (1) ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نوصِّف هذا الإضرار، هل بميزان الشرع الإسلامي أم الوضع البشري؟، بمعنى أن الفرد في المجتمع المسلم لا يمكنه أبدا أن ينشئ خمارة مثلاً أو بيت دعارة، أو يُرابي في معاملاته، أو... بدعوى الحرية الفردية لأن الدين لا يَعتبر تلك التصرفات من حرية الفرد بل هي من التعدي الذي سماه ظلما، أما في الديموقراطية فلا مانع من ذلك ما دام المرتاد على الخمارة أو المتعامل بالربا أو الزاني أو... راضون عما يفعلون ولم يُكرهوا، هذا إن لم تقره أغلبية الشعب، فإن فصَلت فيه فلا راد لفرضها.
الفارق الرابع والعشرون/ في حرية الامتلاك:
... ( حرية الامتلاك في الشورى مضبوطة بالدين، أما في الديموقراطية فمطلقة)
__________
(1) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص296. (1/98)
صفحة 99
... إن الإسلام- في تشريعه- قد احترم كثيرا حرية الامتلاك للأفراد والجماعات على السواء، فقد حرض المؤمنين على إعمار الأرض، وإنماء المال والاكتساب واستغلال نعمه، كما في قوله تعالى: { ... ... } وفرض لها الحرمة من جانب آخر كحماية لها من التلف أو الإتلاف، فنهى عن السرقة وأكل أموال الناس بالباطل والحرابة وغيرها من طرق الإفساد والظلم في ممتلكات الناس في أكثر من نص شرعي، لكنه بعد ذلك لم يترك الأمر مفتوحا على مصراعيه حتى لا تُنتَهك الحرية العامة للأفراد الآخرين والمجتمع تبعًا لهم، بل جعل من الضوابط ما يحول دون ذلك، ففي ما يخص الإعلام والصحافة مثلا لا نجد المانع في امتلاكها شريطة الالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية ورعاية المصالح العامة والمساهمة في استقرار الأوضاع داخل الدولة المسلمة أما فيما يتعلق بالديموقراطية فالأمر مختلف تماما، والمجال مفتوح مطلق متى ما رأت الغالبية الموجهة أساسا من فئات ضاغطة مسيطرة في المجتمع بشتى وسائل الإعلام، ومنافسة لغيرها بكل الطرق؛ السليمة منها والسقيمة (1) ، وقد تؤدي إلى انهيار الدولة وانقسامها في حال استخدام هذه الوسائل لهدم كيان الدولة وخرمه من جراء المصالح الخاصة، كما أشار إلى ذلك أفلاطون في نقده للديموقراطية (2) ، والمرء في الديموقراطية يمتلك ما يشاء من الأشياء ولو كان ضررها أكثر من نفعها، أو كانت مفاسدها محضة في نظر الدين المهمل في نظر الأسلوب الديموقراطي.
الفارق الخامس والعشرون/ في المساواة:
... ( المساواة في الشورى مطلقة من حيث المبدأ، أما في الديموقراطية ففيها اعتبارات )
__________
(1) - ينظر: الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص75.
(2) - ينظر: السياسة بين النظرية والتطبيق. مرجع سابق، ص75. نقلا عن: جمهورية أفلاطون. ج8. (1/99)
صفحة 100
... المساواة المدنية والقانونية من حيث القاعدة والأساس مطلقة في الشريعة الإسلامية؛ ذلك لكون الألوهية للواحد القهار، والناس كلهم سواسية أمام الشريعة (1) ، والمخطئُ مخطئٌ مهما كانت درجته أو منصبه في المجتمع ولو كان إماما للمؤمنين، والله تعالى بيَّن ذلك في كتابه العزيز، فقد عاتب رسولَه الكريم- وهو بمنزلة الحاكم أو إمام المؤمنين- لما أعرض عن الصحابي الأعمى ابن أم مكتوم، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :"إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيه الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وأيم الله لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها" (2) ، فليس هنالك ما يسميه رجال السياسة في المنهج الديموقراطي بـ:"الحصانة"، أو "فوق القانون" بالنسبة للفئات الضاغطة في المجتمع، وأيضا "حق الفيتو" الذي تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وغيرها ممن يتبجحون بالريادة في مضمار الديموقراطية، ولا غرابة في ذلك لعدم خضوع المبادئ الديموقراطية إلى تشريع سماوي بل كان من وضع ناس أقاموه وفق مناهج ارتأَوها كرَدَّة فعل لحياة بئيسة عاشوها.
الفارق السادس والعشرون/ في الأحزاب:
... ( قيام الأحزاب في الشورى جائز وفق الضوابط، أما في الديموقراطية فحتمية بلا ضوابط )
هذه القضية مما حصل فيها الأخذ والرد بين من أجاز قيام الأحزاب في الدولة الإسلامية ومن رفضها، إلا أن الراجحَ قيامُها شريطة أن تلتزم بروح الإسلام (3)
__________
(1) - الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص315. بتصرف.
... - ينظر أيضا: مقدمة إلى علم السياسة. مرجع سابق، ص184.
(2) - صحيح البخاري. مرجع سابق، ج2، ص856.
(3) - الشورى وأثرها في الديموقراطية. مرجع سابق، ص433.
... الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص312.
... مثلث الإسلام والديموقراطية والعلمانية. مرجع سابق، ص25. (1/100)
صفحة 101
وتسعى لخدمته بحيث تتفق الأحزابُ فيما بينها في المبادئ والأهداف والمصالح العامة وتختلف في الوسائل والأساليب، وطبيعي جدا أن تختلف في مقترحاتها وخططتها؛ لاختلاف آراء قاداتها ومجتهديها، كما أننا بذلك نفسح للشعب أبوابا لتعدُّد وجهات النظر وتزكيتها وإذكاء المنافسة الشريفة فيما بين الأحزاب وتجريب نظرياتها في حال عدم جدوى خطط الحزب الحالي (1) ، وأين الديموقراطية من هذا الجو الصافي والتشريع الإلهي الرصين، فالأحزاب في الديموقراطية حتمية فرضتها مبادئها وكرستها ممارسات الديموقراطيين التي لا تحكمها أصول ولا مبادئ إلا التي أقرتها إرادة الشعب!!
الفارق السابع والعشرون/ مشاركة المرأة في السياسة. ...
... ( في الشورى مشاركة المرأة محدود وفي الديموقراطية فهي مطلقة)
__________
(1) - ينظر: الشورى وأثرها في الديموقراطية. مرجع سابق، ص433.
... الإسلام وحقوق الإنسان. مرجع سابق، ص310. (1/101)
صفحة 102
إن دور المرأة في الإسلام لا أخاله يخفى على أحد يملك تصورا عن ديننا الحنيف، فهي المكرمة المعززة تحت حضن زوجها أو القائمين بها في بيتها، والمهيأة لقيادة المجتمع من الداخل بتربيتها وتنشئتها للأجيال القادمة بما يخدم الدين والوطن ولقيادة الأمة ككل، فحيادها عن هذه المرتبة العظيمة ليس أمرا هيِّنا لذوي النظر البعيد، فما بالها بالانغماس في العمل السياسي ومعاكسة دورها المجبولة عليه، ويعجبني قول السيد قطب في كتابه:"إن خروج المرأة للعمل كارثة على البيت قد تُحِلُّها الضرورة، أما أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها فتلك هي اللعنة، وأما خروجها للتسكع والاختلاط فذلك هو الارتكاس في الحمأة الذي يردُّ البشر إلى مراتع الحيوان" (1) ، وقد أجمع العلماء على حرمة تولي المرأة لرئاسة الدولة (2) ، وعليه تمنع المرأة في الإسلام من مباشرة أمور الحكم والسياسة، حتى منعها الماوردي من الوزارة التي هي أخف شروطا من الإمامة على حد قوله (3) فما بالُها بأن تكون في منصب الإمام؛ ولحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - :"لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة" (4) ، كما أن القاعدة الأصولية تقضي بدفع المفسدة قبل جلب المصلحة (5) ،
__________
(1) - دراسة في منهاج الإسلام السياسي. مرجع سابق، ص579. نقلا عن: ظلال القرآن. السيد قطب. 5/2860.
(2) - المرجع السابق، ص585. نقلا عن: تفسير القرطبي.1/270.
(3) - الأحكام السلطانية. مرجع سابق، ص31.
(4) - صحيح البخاري. مرجع سابق، رقم الحديث:7099، ج4، ص343.
(5) - شرح القواعد الفقهية. الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا، ط6/2001م، دار القلم، سوريا، ص205.. (1/102)
صفحة 103
فالمهلكة كلها في تولية المرأة أمر المسلمين بنص الحديث، وأما ما يختص بصلاحها للتشاور وإبداء الرأي فلا أدلَّ على جواز ذلك موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية مع زوجه أم سلمة -رضي الله عنها- لما أشارت إليه - صلى الله عليه وسلم - بأن يبدأ هو بالنحر والحلق اللذين أمر بهما أصحابه ليتبعوه بعد ذلك عن طواعية، وعن حقها في الانتخاب نجد قول الله تعالى : { ... ... } (1) ، فقد صرحت الآية بجواز مجادلة المرأة في حقوقها ومحاورتها في شؤونها، بل وإن الله أنزل من رأيها ذلك تشريعا خالدا يتمثل في آيات الظهار، وما ذلك إلا شاهد على احترام الإسلام -بتشريعه ونظمه- رأيَ المرأة وإعلائه إن كان صائبا (2) ، وما ممارسة المرأة للانتخاب إلا إبداء لرأيها في المواقف، وقوله تعالى : { ... ... } (3) ، وفي تفسير الآية يقول الشيخ محمد شلتوت:"وقد كانت هذه المبايعة من فروع استقلال النساء في المسؤولية ولهذا بايعهن الرسول - صلى الله عليه وسلم - " (4) ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر باستصغار مواقف النساء وآرائهن بل كان نص الآية في قبول مبايعتهن والاستغفار لهن.
__________
(1) - الآية: 12 من سورة الممتحنة.
(2) - الشورى في الإسلام. مرجع سابق، رأي الإسلام في اشتراك المرأة في مؤسسات الشورى، د. محمد عبيد الكبيسي، ضمن بحوث المجمع،
ج3، ص1088. نقلا عن: القرآن والمرأة. محمود شلتوت، ص05 وبعدها، بتصرف.
(3) - الآية: 12 من سورة الممتحنة.
(4) - الشورى في الإسلام. مرجع سابق، رأي الإسلام في اشتراك المرأة في مؤسسات الشورى، د. محمد عبيد الكبيسي، ضمن بحوث المجمع،
ج3، ص1087. نقلا عن: من توجيها ت الإسلام. محمود شلتوت، ص22. (1/103)
صفحة 104
وأما أن تكون هي المنتخبة في مجلس الشورى أو البرلمان فهذا يخضع لمزيد من القيود والتحفظات، إلا أن الكثير من العلماء على الجواز، فهذا عُمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يستشير في الأمر المرأة لاحتمال أن يجد الصواب في قولها، أو شيئا يستحسنه فيأخذ به (1) ، كما خَرج بذلك المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية قد أجاز للمرأة أن تكون مُنتخَبة قياسا على جواز إفتاء المرأة واجتهادها؛ لكون أهمية الانتخاب لا تفوق أهمية الإفتاء والاجتهاد الجائز بالإجماع (2) ، ووافقهم المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة (3) ، بينما يختلف شأنها في الديموقراطية تحت كنف المساواة والحرية التي تكفلها النزعة الديموقراطية، فالمرأة كالرجل في الدخول إلى عالم السياسة وإمارة الحكم على الشعب إن وافق عليها، ولا مانع من كونها وزيرة أو ناخِبة أو مُنتخَبة... فهي مُساوِية للرجل في الحقوق من جهة، وحُرَّة في ترك بيتها ورعايتها للأجيال من جهة أخرى.
الفارق الثامن والعشرون/ رأي الغالبية:
( الحكم بالغالبية في الشورى مضبوط، أما في الديموقراطية فمطلق )
__________
(1) - السنن الكبرى للبيهقي. مرجع سابق، ج10، ص193. بتصرف.
(2) - الشورى في الإسلام. مرجع سابق، من ضمن بحوث المجمع، ج3، ص1106. و1192. و1224.
(3) - الإعجاز التشريعي في الإسلام بين الشورى والديموقراطية. مرجع سابق، المجلد الثاني، المحور الثاني، ص37. (1/104)
صفحة 105
هذا الفارق وليد اختلاف مجالي الشورى المحدد والديموقراطية المفتوح، فمادامت الشورى مقيدة بألا تكون فيما ورد فيه نص شرعي وألا تنتهي إلى ما يخالف النص (1) ، فالكلام عن الحكم بالأغلبية في الشورى من باب أولى لانضباطها بذلك القيدين، زيادة على الخلاف المتقدم في قضية إلزام الإمام بما يراه أهل الحل والعقد، بين من يقول بوجوب اتباعه رأي الغالبية ومن يعطي للإمام الحق في العزم برأيه بعد المشورة، إلا أن الجميع يُقرُّ بالضابطين الملزمين للإمام في تحكيمِه للأغلبية.
أما في الديموقراطية فهو شرط صحة كما رأينا ذلك في مبادئها، إذ لا يمكن لأي ضابط أن يحُدَّ من مقررات غالبية الشعب، ولا قدرة لأي تشريع بديل أن يقف أمامها؛ فالدين والأخلاق وغيرها ليست في مرتبة رأي الأغلبية بل هي أدنى مكانة فلا ترقى لتحديدها.
الفارق التاسع والعشرون/ تمكين حقوق الإنسان:
(حقوق الإنسان في الديموقراطية وضعتها الأغلبية، وفي الشورى فرضها الله تعالى)
إن الإسلام جعل لحقوق الإنسان وواجباته قُدسية تتعالى بها عن سيطرة الحاكم أو الحزب، تكتسب بها تلك الممارسات صفة الإلزام والمسؤولية الشرعية في حق من تعدَّوها (2) ، حتى وصفهم بالظلم في كثير من الآيات، والشورى باعتبارها مبدءا في الحياة ونظاما في الحكم تربِّي هذه الروح بين المسلمين وذلك لما تحتويه من ضوابط إسلامية في المصدر والمنهج والغاية، بخلاف الديموقراطية التي حكَّمت تلك الحقوق واعتمدتها خضوعا لما قررته غالبية الشعوب، فهي لم تعترف بها أخذا من الدين أو أوامر الله تعالى بل بما ادعاه الإنجليز من سبقهم لفرض ذلك، أو ما زعمه الفرنسيون بأن العالم مدين لهم بتقريرها من جراء ثورتهم (3) .
__________
(1) - معالم الثقافة الإسلامية. مرجع سابق، ص184.بتصرف.
(2) - ينظر: الإسلام والقضايا المعاصرة. مرجع سابق، ص36.
(3) - ينظر: حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة. مرجع سابق، ص08. (1/105)
صفحة 106
الفارق الثلاثون/ في الممارسة الزمنية:
... ( الشورى الإسلامية سابقة في الممارسة، أما الديموقراطية المعاصرة فلاحقة)
... وهذا بالنظر إلى الجانب التاريخي الزمني، فقد علم الجميع أن ممارسة الشورى الإسلامية عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده في عصر الخلفاء الراشدين وبعض مراحل التاريخ الإسلامي الفسيح بعد ذلك، أما الديموقراطية المعاصرة فقد تفجرت أماراتها مع قيام الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
بعض المصطلحات بين الشورى والديموقراطية
الشورى ... الديموقراطية
الحاكم ... الإمام، أمير المؤمنين، الخليفة. ... الرئيس، الحاكم.
المستشارين ... أهل الحل والعقد، أهل الشورى. ... أعضاء البرلمان.
المكان ... مجلس الشورى. ... مبنى البرلمان.
المحكوم ... المسلمون، المجتمع، الأمة. ... الشعب، الجمهور، المواطنون.
المرجع ... القرآن والسنة والإجماع ... الدستور الوضعي.
المبحث الثالث:
أوجه التداخل
إن من أبرز جوانب التأثر والتأثير بين أطراف المقارنة، وآكد أوجهها تلك الأنماط والأساليب التي تستخدمها الديموقراطية المعاصرة، بحكم عدم وضوح صياغة الشورى كبرنامج ونظام من جهة (1) وتمكين الأسلوب الديموقراطي في المجتمعات المتقدمة الحالية من جهة أخرى، وفق الظروف المستجدة وتعقد الحياة الاجتماعية والسياسية أكثر من ذي قبل، وللديموقراطية أن تأخذ مما سبقت إليه الشورى من ضوابط وأسس باعتبارها سماوية المصدر، وعلوها عن النقص في تشريعها، والتعذر في تمكينها.
__________
(1) - ينظر: مثلث الإسلام والديموقراطية والعلمانية. مرجع سابق، ص26. (1/106)
صفحة 107
1/ يمكن للشورى الإسلامية- المتميزة بالمرونة، وعدم التقيد بصورة واحدة ولا نمط معين- أن تستفيد من أساليب النظرية الديموقراطية التي لا تُعارض أصلا من أصول ديننا الحنيف، كالبرلمان و صور الانتخابات، وهيكلة الأحزاب وتنظيمها وغير ذلك... مما يمكن الاستفادة به منها، كما قال الدكتور يوسف القرضاوي في إمكان الاستفادة من خبرات الديموقراطية:" نحن لسنا هواة لاستيراد المصطلحات الأجنبية، بل عندنا في ديننا وشريعتنا وتراثنا ما يغنينا، ولكن أيضاً مما تعلمناه من ديننا أن: " الحكمة ضالة المؤمن أنىَّ وجدها فهو أحق الناس بها" (1) ،
__________
(1) - مسند الشهاب. محمد بن سلامة أبو عبد الله القضاعي، مؤسسة الرسالة، ط2/1986، بيروت، لبنان، ج1، ص118.
أخرجه عن طريق زيد بن أسلم بلفظ:" الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه". (1/107)
صفحة 108
والنبي - صلى الله عليه وسلم - استفاد من مكائد الفرس في الحروب، كحفر الخندق حول المدينة، فحينما رآه المشركون قالوا: "ما كانت هذه مكيدة تكيدها العرب"، إن هذا مما أخذه من تدابير الفرس في مسائل الحصار، ونجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب على جذع نخلة، فقال له بعض الصحابة: "نصنع لك منبراً"، وقد رأوا في بلاد الروم مثل هذه المنابر، فجيء بنجار رومي وصنع له منبراً، ثم إن الصحابة اقتبسوا أشياء من البلاد الأخرى، مثل تدوين الدواوين، فالاقتباس من الغير ليس ممنوعاً بشرط أن نضفي عليه نحن من قيمنا ومن روحنا، ومن مبادئنا ما يفقده جنسيته الأولى ويدخله في المنظومة الإسلامية، ... ونحن نجد في الشورى نظام أهل الحل والعقد، من هم أهل أحل والعقد؟ وكيف نختارهم؟ فهؤلاء كانوا معروفين في مجتمع صغير كمجتمع المدينة، لكن كيف نتوصل إليهم اليوم دون ممارسة الآليات الحديثة؟، كآليات الديمقراطية في الانتخاب؟ فقد خربت البلد نتيجة أن أهله - رغم أنهم قد يكونوا صالحين ومجاهدين- ورثوا هذا التخلف في فقهنا السياسي، ولم يأخذوا من خبرات سابقيهم في تلك الصور الملائمة للزمن الراهن في مجتمعات اليوم، فلم يتوفقوا إلى آليات لحسم خلافاتهم...." (1) ،
__________
(1) - ينظر: الإسلام والديموقراطية. في برنامج" الشريعة والحياة"، بقناة الجزيرة.
حصة مع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وزعيم حركة النهضة التونسية: الأستاذ راشد الغنوشي.
بتاريخ:16 فبراير1997م، بموقع قناة الجزيرة في الإنترنات بدولة قطر.:www.aljazeera.net (1/108)
صفحة 109
هذا زيادة على تركيز الفقهاء المسلمين السابقين في الفكر السياسي على مسألة الإمامة وانتقال الخلافة بصورة لافتة، مقارنةً ببحثهم علاقات السلطة مع فئات الحكومة وأسس الممارسة السياسية (1) ، مما زاد من محدودية فكرنا السياسي الإسلامي وهامشيته -إجمالا- في الفكر الإسلامي؛ لأن الشورى في تنظيرها وممارستها لم ترق إلى التمثيل النيابي الوطني والمحلي في العصر الحالي من غير الأخذ من تجارب الديموقراطية الغربية (2) .
قيام الأحزاب:
انطلاقا من سماحة الإسلام، وعدم رفضه للجديد، وللأساليب المتطورة التي لا تنال من شريعته ولا روحه، وإن كان مصدرها أناس لا صلة لهم بديننا، فالحكمة ضالة المؤمن ولا غضاضة في الاستفادة بفنون الغير وما تميز به، ما دمنا نستطيع أن نخضعها إلى سلطان ديننا الحنيف، فبالتالي لا حرج في أخذ ما صلح من نظام الأحزاب في المنهج الديموقراطي وأسْلَمَتِهَا، بغية الحصول على المصالح الآتية:
? يصعب تحقيق المبادئ العامة كالعدالة والمساواة والحرية و...، من غير الأحزاب في النظام العصري للدولة الإسلامية لتداخل العديد من العوامل التي لم تكن في العهد النبوي أو في أول أيام الدولة الإسلامية.
? النظام الحزبي الملتزم هو التجسيد العصري لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
? مبدأ حسن معاملة الأقليات الدينية يقضي بمنح أصحابها حق التعبير عن آرائهم من خلال تنظيمات سياسية في إطار النظام العام للدولة الإسلامية.
? النظام الحزبي يحقق الحل لمشكلة عويصة عبر التاريخ الإسلامي وهي كيفية التوفيق بين النهي عن الخروج على الحاكم خوف الفتنة وبين وجوب قول كلمة الحق تصديقا للأمر بالمعروف، وبين ضمان إمكانية التغيير وعدم وقوع التهلكة عن طريق الانتقال السلمي للسلطة من حزب إلى آخر.
__________
(1) - مقدمة إلى علم السياسة. مرجع سابق، ص87. بتصرف.
(2) - ينظر: الإسلام والقضايا المعاصرة. مرجع سابق، ص22. (1/109)
صفحة 110
? الاختلاف في الآراء فطري وطبيعي، فالأحزاب السياسية الإسلامية قد تختلف في وسائلها وبرامجها ومخططاتها إلا أن الجامع بينها هو الإسلام الذي يسعها جميعا، كما حدث يوم السقيفة بين الأنصار والمهاجرين (1) .
النظام العام للانتخابات:
... عندنا في تراثنا السياسي فيما يخص تعيين الإمام أسلوبا يسمى:"البيعة" التي تعني إعلان الأفراد المبايِعِين عن موافقتهم ورضاهم عن الشخص المبايَع له مع التزامهم الإخلاص له والولاء (2) ، وكثيرا ما يكون توصل الشخص المبايَع له إلى تلك المرحلة من الصدارة والقبول بالاختيار الطبيعي (3) ، الذي يتناسب مع مجتمع بسيط في التركيبة الاجتماعية فهو مجموع قبائل تحكمها رؤساء عادة ما يتعرفون على الأفذاذ من أفرادهم وبصورة أيسر مما عليه الحال الآن في المجتمعات المتمدنة (4) ، فنحن لو ننظر إلى ممارسات الديموقراطية الحالية من جانبها الإيجابي تتجلى لنا صورا لاختيار الحاكم أو النائب في البرلمان أو مجلس الشورى أو غيرها من المسؤوليات التي تحتاج إلى تقبُّل الأغلبية؛ كي يتحقق التعاون فيما بين المسؤول والأفراد وتتجسَّد القيم ويزداد العمل الدؤوب صعدا نحو العلا ومحاكاة الأمم المتقدمة والمستقرة في سيرها.
__________
(1) - ينظر: الشورى وأثرها في الديموقراطية. مرجع سابق. ص429 وبعدها.
(2) - المرجع السابق، ص435.
(3) - تجد شرح هذا الأسلوب في ملحق المصطلحات.
(4) - ينظر: الشورى وأثرها في الديموقراطية. مرجع سابق، (1/110)
صفحة 111
كيف نستخلص الصفوة في المجتمعات الكبيرة والمترامية الأطراف والتي غلبت فيها المدنية، بغير انتخابات منظمة؟، بالإضافة إلى احتياجنا للانتخابات في تنصيب أعضاء البرلمان والمحافظات والمقاطعات والبلديات وغير ذلك من المناصب الإدارية المعاصرة، فليس الأمر مقصورا على الحاكم كما هو حال البيعة، فلنأخذ من الدول التي خطت شوطا في التنظيمات الإدارية وبخاصة في الدول المعاصرة التي تعقَّدت الحياة فيها وتشعَّبت وازدادت نسبة الثقافة بين شعوبها، ولنستفد منها ما يصلح مع أمر ديننا ودنيانا مادامت الشورى تُقِر أسلوب الانتخابات وحرية التعبير والتصويت والتعددية (1) ضِمن الإطار الإسلامي.
الترشيح وسيلة للانتخاب:
__________
(1) - مثلث الإسلام والديموقراطية والعلمانية. مرجع سابق، ص26. (1/111)
صفحة 112
لقد وقع خلاف فيما بين الباحثين في السياسة في مسألة الترشيح بين من لا يرى مانعا من استخدام هذه الوسيلة ومن يرفضها، ولعل بعض اللذين لا يعترفون بها ولا يعتبرونها من روح الإسلام كونها تشير إلى التطلع للمسؤولية والجري وراءها، ولما فيها من تزكية للنفس المنهي عنها في القرآن في قوله تعالى: { ... ... (1) } ، ويقول في هذا أبو الأعلى المودودي:" لا يُنتَخب للإمارة أو لعضوية مجلس الشورى، أو لأي منصب من مناصب المسؤولية من يرشح نفسه أو يسعى فيه سعيا ما..." (2) ، كما يسانده في رفض الترشح الأستاذ محمد أسد حيث يقول في كتابه :"وعلى هذا فإنه من التمسك بروح الشريعة أن ينص دستور الدولة الإسلامية صراحة على أن سؤال شخص ما لمنصب إداري أو طلبه لعضوية هيئة نيابية يجعله تلقائيا غير لائق للتوظيف أو الانتخاب" (3) ، إلا أنه قد يرد عليهم بأن الآية ليست في محل الترشيح للقيام بالأعمال والوظائف كما هو حال الانتخابات بل هي في التزكية الدينية ودعوى التقرب إلى الله والتُّقى (4) ، كأن يقول أحدهم أنا أقرب الناس إلى الله لأني فعلت كذا وكذا...،وأن الترشيح للمنصب إذا كان المترشح كفءا ليس بالخطأ (5) وهو ما فعله سيدنا يوسف - عليه السلام - مع العزيز -حاكم مصر- زمن السنين الشداد والأزمة الاقتصادية، فقد قال له - عليه السلام - : { ... ... (6)
__________
(1) - من الآية: 32 من سورة النجم.
(2) - الشورى وأثرها في الديموقراطية. مرجع سابق، ص437، نقلا عن: نظرية الإسلام وهديه. ص59.
(3) - المرجع السابق، ص437، نقلا عن: منهاج الإسلام في الحكم. ص92.
(4) - ينظر: الشورى وأثرها في الديموقراطية. مرجع سابق، ص438.
(5) - الأحكام السلطانية. مرجع سابق، ص08.
(6) - من الآية: 55 من سورة يوسف.. (1/112)
صفحة 113
} ، بل إن الكفء يحاسب على التخلي إن لم يكن في الساحة كفء سواه؛ لئلا تضيع الأمانة، هذا وكيف نتعرف على الأكفاء إن أغفلنا هذا الباب وأقفلناه؟، ولا أدعي خلُوَّ تراثنا من البديل لكن حالهم قد تغيرت عن واقعنا المعاصر؛ لأن الوجوه لم تصبح معروفة كما كانت رؤوس الأسر والقبائل من قبل، والحياة ليست من البساطة كالزمن السابق.
2/ كما يمكن للديموقراطية أن تستفيد كثيرا من الشورى وتفرض القيود الأخلاقية والدينية التي وضعتها في ممارستها في واقع الناس كاختيار أعضاء البرلمان، والحرية الفردية، والأخذ بالأغلبية، وغير ذلك من الجوانب.
اختيار أعضاء البرلمان:
على الديموقراطية المعاصرة أن تبتعد عن كل أنواع التزوير والغش باستفزاز الناس أو دفعهم إلى انتخاب أحد المرشحين دون غيره بواسطة الدعاية الكاذبة أو الوسائل المحرمة وغير الأخلاقية كالافتراءات على المنافسين، أو البحث عن نقائصهم لمجرد النيل منهم، وليس لنية الإصلاح والتغيير الإيجابي، أو ما إلى ذلك من السلبيات التي ظهرت لنا في أوجه الاختلاف، وذلك لكي تحقق المصلحة المرجوة من مجلس النواب.
الحرية الفردية:
وأن تضبط الحرية الفردية بما يعود على الفرد والشعب بالنفع العام، ولا ضابط يمكنه ذلك إلا شريعة الإسلام المنزلة من فوق سبع سماوات والخالية من أي تحريف وتصحيف، أما القوانين التي يضعها الناس فيما بينهم فقد أثبتت فشلها وقصورها؛ لصغر عقول الناس عن التنظير المحكم ولخضوعهم للنزوات والعواطف وغيرها مما لا ضابط ديني لها.
الأخذ بالأغلبية:
وتحتكم إلى الأغلبية فيما فيه المصلحة العامة ولو كانت بعيدة، أو أن الغالبية لم تستوعبها بعدُ؛ لكونها مؤلفةً من عوام الناس غالبا، ومن يقدمون المصلحة العاجلة ولو كانت قصيرة المدى ولا يمعنون النظر في المآل، وغير ذلك من الجوانب التي سبقت إليها الشورى المكتوبة من فوق سبع سماوات، والشاملة لمصالح العباد عاجلهم وآجلهم.
خاتمة (1/113)
صفحة 114
بعد أن تبدت معالم هذه الدراسة، وتجلت بعض ثمارها المتمثلة في إمكان إجراء المقارنات بين ما جاء به الشرع وما عرفه وضع الناس، ولكن باجتناب بعض المحاذير:
كالانطلاق من مبدأ إعطاء الحاكمية للنظريات الوضعية، بأن تكون هي صاحبة التصويب والتخطئة، أو هي الأصل الذي نقيس إليه ما عداه من الأشياء.
وتجاهل كل المميزات التي ينبغ بها التشريع السماوي عن غيره، ومعاملته وكأنه من إبداع زيد أو عمرو من البشر.
بل يُقصد من المقارنة إظهار أوجه الشبه والاختلاف والتداخل بين الأطراف والتفريق بين العيوب التي تعود إلى ممارسة الناس وواقعهم وبين التي ترجع إلى أصل التنظير والتشريع نفسه، خصوصا إذا علمنا أن الإسلام عالٍ عن النقص والقصور في تشريعه مما شهدت بذلك الخلائق كلها ماعدا الجاحدون من الناس. (1/114)
صفحة 115
لكن مع هذا ليس عزيزا علينا نحن المسلمين أن نقر بعجزنا الفاضح في ممارسة الشورى كما أرادها الله في واقعنا، وأن نأخذ من الأساليب العصرية التي سُبِقنا إليها غيرنا من الناس، وإلى جانب ذلك لسنا مُعْفَون عن القيام بدعوتهم إلى ديننا ومبادئنا ونظمنا بشتى الوسائل والطرق التي نظن أنها مفيدة وناجعة، بما في ذلك منهج المقارنات كما تبين في الفصل الأول، بل إننا مسؤولون أمام الله والخلق بالعمل على إرساء قواعد الشورى وممارستها في واقعنا بمزيد من البحث في طرائق تمكينها متجاوزين كل المستجدات والأحداث والمتغيرات الطارئة على مر الأزمان، هذا ومن جهة أخرى لا نكاد نجد غضاضة في أسلمة الديموقراطية وتمكينها في واقعنا بمفهومنا الشرعي الإسلامي وبمعزِل عن خصائصها المخالفة لديننا وما يشوبها من متاهات، مستفيدين بما فيها من مساحات، ومستغلين ميزة أحقِّية وضع الأمة استثناءات تفرضها الشريعة والمقاصد الشرعية بقرارات ديموقراطية أي بموافقة الأغلبية المحترم صوتها، ومن هذا يتبين أيضا أن ممارسة الديموقراطية في بلاد الإسلام ليست بالضرورة تغريبا للدولة الإسلامية والمسلمين لإمكانية ضبطها من طرف الغالبية المسلمة، ولأنها ليست مفهوما مطلقا كما يذهب إلى ذلك الشيخ ضياء الشكرجي في كتابه (1) .
__________
(1) - ينظر: مثلث الإسلام والديموقراطية والعلمانية. مرجع سابق، ص31. (1/115)
صفحة 116
هذا ونجد الدعوة صريحة في تمكين الشورى ببلادنا الإسلامية وفسح المجال لها في حياتنا اليومية كأمة وكأفراد داخل المجتمع، ولنأخذ من تاريخنا فيما يتعلق بالفكر السياسي ما صلح من الوسائل والسبل، فعلى سبيل المثال لا الحصر يقول الدكتور محمد عمارة في كتابه بعدما نوَّه بالفكر السياسي الإباضي فيما يتعلق بشروط الإمامة: "فنحن إذا شئنا أن نغرس في حياتنا السياسية في صفوف جماهيرنا قيم الديموقراطية الإسلامية وأفكار المساواة والحرية السياسية للمواطن فلابد أن نقدم لهذه الجماهير صفحات تراثنا التي تمجد الشورى ونجعل صلاحيات الحاكم نابعة من توافر الشروط فيه وذلك دونما التفات إلى النسب أو العرق أو الدم أو المال أو العصبية أو مركز القوة غير المشروع..." (1) .
كما نخلص إلى أن الديموقراطية كنظام للحكم-بالرغم من كل الانتقادات وما يقال فيها- أقل عيوبا من الأنظمة الوضعية الأخرى كالملكية والإمبراطورية...، ومن أقربها إلى الشورى الإسلامية في قيادة الجماعات وسياستها، ولا غرو فالديموقراطية المعاصر آخرها من حيث التسلسل التاريخي، وهو ثمرة لرقي التنظير الإنساني في إيجاد الوسيلة المثلى لقيادته عبر العصور إذا استثنينا الشورى كما تبين تفوقها وبجدارة في المبادئ والفوارق...
حتى غدت الديموقراطية في بعض جوانبه أحد المعايير التي بها يقاس تقدُّم الدول؛ كمثل حرية العمل والتعبير والمراقبة والنقد، والإنتاج في شتى المجالات الفكرية والثقافية والاقتصادية وغير ذلك... فكلما زادت مساحتها كلما انتعشت الأمة وحققت الآمال أكثر.
ملحق : شرح المصطلحات:
الاجتماع السياسي:
__________
(1) - نظرة جديدة إلى التراث. د. محمد عمارة، ط2/1988م، دار قتيبة، دمط. ص19. بتصرف. (1/116)
صفحة 117
هو ذلك الفرع من علم الاجتماع الذي يهتم بالأسباب والنتائج الاجتماعية لتَوزُّع القوة على نحو معيَّن في نطاق الجماعات أو فيما بينها، ويهتم بالصراعات الاجتماعية والسياسية التي تؤدي إلى التغير في توزُّع القوة (1) .
الإمبراطورية: سيطرة شعب أو نقوذه على شعوب أخرى متباينة في إصولها ولغاتها وأحوالها الاجتماعية والاقتصادية (2) .
الإيديُولوجية:
تعني ذلك النسق أو المجموعة من المعتقدات والمفاهيم والأفكار الواقعية والمعيارية على حد سواء، يسعى في عمومه إلى تفسير الظواهر الاجتماعية المركبة من خلال منظور يوجه ويُبسِّط الاختيارات السياسية الاجتماعية للأفراد والجماعات (3) .
أهل الحل والعقد: هم أصحاب الهيئة المختصة بالنيابة عن الأمة في عقد البيعة للإمام صاحب السلطة العليا في الدولة، يرد ذكر المصطلح في الفكر السياسي الإسلامي (4) .
البرلمان: مجلس يناقش القوانين ويقرها والميزانية ومراقبة نشاط السلطة التنفيذية ونحها الثقة وحجبها عنها، وأطلقت الكلمة في اللغة الإنجليزية على الهيئة التشريعية العليا التي تتكون من مجلس العموم ومجلس اللوردات (5) .
البيروقراطية:
وهي بحسب تعريف قاموس الأكاديمية الفرنسية: "القوة والنفوذ اللذان يمارسهما رؤساء الحكومة وموظفو الهيئات الحكومية" (6) ، وهي في تعريف القاموس الألماني 1813م: "السلطة والقوة التي تمنح للأقسام الحكومية وفروعها، وتمارس على المواطنين" (7) .
__________
(1) - أصول علم الاجتماع السياسي. مرجع سابق، ص14.
(2) - موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج1، ص286. بتصرف.
(3) - السياسة بين النظرية والتطبيق. مرجع سابق، ص334. بتصرف.
(4) - موسوعة السياسة، مرجع سابق، ج1، ص376. بتصرف.
(5) - ينظر: المرجع السابق، ج1، ص519.
(6) - السياسة بين النظرية والتطبيق. مرجع سابق، ص355.
(7) - السياسة بين النظرية والتطبيق. مرجع سابق، ص355. (1/117)
صفحة 118
الجمهورية: نظام من أنظمة الحكم الديموقراطي، ينتخب الرئيس فيها على فترات دورية ويكون الحكم فيها فرديا كأن يكون للجمهورية رئيس واحد، أو يكون ثنائيا كما في النظام الروماني القديم، ويكون جماعيا كأن يكون على رأس الدولة مجلس رئاسة، وهو قريب من الديموقراطية من حيث المرجعية التي تؤول إلى إرادة الشعب (1) .
الحاكم: هو الذي يتولى حكم الشعب، ويرأسه ويسيره، وهو الذي يعبر عنه بالإمام أو الخليفة أو أمير المؤمنين في المصطلح الإسلامي الشوري.
الحرية: مفهوم سياسي واقتصادي وفلسفي وأخلاقي علم متشعب المدلولات إلا أن المعنى اللغوي المتعارف عليه هو: انعدام القيود القمعية والزجرية، وهي الصفة التي تعطى لبعض الأفعال البشرية بدون ضغط أو إكراه وعن سابق قصد وتصور، كما أنها نقيض العبودية والتبعية (2) .
حرية الإعلام: حق ديموقراطي تمت صياغته في الولايات المتحدة الأمريكية سنة1942م، ينص على ضمان حق الرأي العام في معرفة كل شيء يتعلق بالمصلحة العامة باستثناء الأمن العسكري والخصوصيات الشخصية (3) .
حرية التعبير: حق ديموقراطي يضمن حق المواطن في التعبير عن رأيه في كافة الأمور العامة دون التعرض لأي عقاب، وهي نسبية في الواقع؛ لأنها تخضع لتهديدات الأنظمة والقيم السائدة، وتتخذ حرية التعبير أشكالا منها: حرية القول وحرية الكتابة والحرية الأدبية والفنية... (4)
حزب سياسي: مجموعة من المواطنين يؤمنون بأهداف سياسية وإديولوجية مشتركة ينظمون أنفسهم بهدف الوصول إلى السلطة وتحقيق برامجهم (5) .
الحصانة: تحمي صاحبها من إلقاء القبض عليه والتوقيف والخضوع للإجراءات المدنية أو الإدارية أو الجزائية (6) .
__________
(1) - موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج2، ص90. بتصرف.
(2) - يراجع: المرجع السابق، ج2، ص242.
(3) - المرجع السابق، ج2، ص246. بتصرف.
(4) - المرجع السابق، ج2، ص247.
(5) - المرجع السابق، ج2، ص310.
(6) - ينظر: المرجع السابق، ج2، ص548 و549. (1/118)
صفحة 119
الحق الإلهي: هي نظرية في الحكم مفادها أن الحاكم مختار من قِبل الله، لا من الشعب، فعلى هذا لا يجوز للشعب مساءلة الحكام عن أفعالهم لأن المسؤولية تتقرر أمام الله الذي وهبه الحكم، وقد تبنت الكنيسة هذا النوع من الحكم في فترات، كما استخدمها بعض ملوك أروبا لتدعيم سلطانهم على الشعب خاصة في القرن الخامس عشر (1) .
الخلافة: وتسمى الإمامة أيضا، وهي: حمل الناس على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية التي ترجع كلها- عند الشارع- إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به (2) .
وهي عند الشيخ القطب امحمد بن يوسف اطفيش: رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص (3) .
الديموقراطية: نظام سياسي اجتماعي يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأي المساواة والحرية بين المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة على الأساس القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة المطلقة (4) .
الديماغوجية: مجموعة الأساليب، والخطابات، والمناورات، والحيل السياسية، التي يلجأ إليها السياسيون؛ لإغراء الشعب أو الجماهير بوعود كاذبة أو خداعة، وذلك- ظاهريا- من أجل مصلحة الشعب، و- عمليا- من أجل الوصول إلى الحكم (5) ، أو إلى أغراض خاصة.
الرأي العام: الإرادة القومية إزاء موضوع معين في زمن معين وهو تناج التفاعل الاجتماعي والاتصال (6) .
__________
(1) - ينظر: مبادئ في النظم السياسية. د: عبد المنعم محفوظ، نعمان أحمد الخطيب، ص60. نقلا عن: النظم السياسية، ثروة بدوي،ص94.
(2) - مقدمة ابن خلدون. مرجع سابق، ص151.
(3) - شرح عقيدة التوحيد. مرجع سابق، ص589.
(4) - موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج2، ص751. بتصرف.
(5) - المرجع السابق، ج2، ص748.
(6) - الرأي العام بين القوة والإديولوجية. د. إسماعيل علي سعد، د ط/1988م، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ص103. (1/119)
صفحة 120
الريشستاغ: اسم الجمعية التشريعية الألمانية، وهو مبنى البرلمان الألماني ظهر سنة:1867م، وامتد إلى عام:1945م، حين هزمت ألمانيا على يد التحالف في الحرب العالمية الثانية، وانتهاء عهد هتلر والنازية (1) .
السلطة: المرجع الأعلى المسلَّم له بالنفوذ، أو الهيئة الاجتماعية القادرة على فرض إرادتها على الإرادات الأخرى، بحيث تعترف الهيئات الأخرى لها بالقيادة والفصل، وبقدرتها وحقها في المحاكمة وإنزال العقوبات وبكل ما يضفي عليها الشرعية والاحترام (2) .
وتمثل الدولة السلطة العليا في الكيان السياسي ويتجسد ذلك من خلال امتلاك الدولة للسيادة لأنها مصدر القانون.
الشعب: مصطلح سياسي يحمل معان عديدة أهمها (3) :
? مجموعة من الأفراد التي تتكون منها الجمهورية.
? مجموعة من الأفراد يقطنون في بقعة واحدة بمعنى سكان المدينة وأهلها.
? مجموعة من الأفراد يقطنون في بقعة واحدة وتربطهم روابط معينة كالأصول والعادات والمؤسسات المشتركة مثل اتحاد الجمهوريات الروسية الاشتراكية تتضمن شعوبا عديدة من هذا النوع.
? مجموعة من الأفراد لا يقطنون في بقعة واحدة ولكنهم يشعرون أنهم من خلال أصلهم الواحد أو ديانتهم أو أي رابط آخر يشكلون به شعبا واحدا كالشعب الفلسطيني.
? مجموعة من الأفراد يؤلف مجموعها أمة تقع ضمن حدود جغرافية محددة تشملها قوانين عامة ومؤسسات سياسية محددة:
1. قبل الثورة الفرنسية: كان الشعب يعني مجموعة الأفراد أو الرعية الخاضعة للملك ذي السلطة المطلقة.
2. بعد الثورة الفرنسية: صار الشعب يعني مجموعة المواطنين في بلد معين ينتخبون الحكام في نظام جمهوري.
__________
(1) - موسوعة السياسة. مرجع سابق، ج2، ص805.
(2) - المرجع السابق، ج3، ص215. بتصرف.
(3) - المرجع السابق، ج3، ص479 و480. بتصرف. (1/120)
صفحة 121
الشورى: وأسلوب سياسي اجتماعي في الحكم يقيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وهي الفلسفة المحققة لإرادة الله فضلا عن تحقيقها لمصالح الشعب (1) .
الطبقية: يقصد بها تلك التي فرقت المجتمع في العهد الإقطاعي بين رجال ملاك للأراضي بما فيها عمال يقضون عمرهم في خدمة أسيادهم، حتى قامت ضدها الثورة الفرنسية في أروبا.
العقد الاجتماعي: سبق تعريفه في الصفحة51.
المصادر والمراجع
1- القرآن الكريم.
2- معجم مقاييس اللغة. أبو الحسن أحمد بن فارس.
دار الجيل ط1/1991م، بيروت، لبنان.
3- لسان العرب. أبو الفضل جمال الدين محمد ابن منظور.
ط1/1990م، در الفكر، بيروت، لبنان.
4- القاموس المحيط. مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي.
الهيئة المصرية العامة للكتاب، نسخة مصورة عن الطبعة الثالثة للمطبعة الأميرية1301هـ.
5- الجامع لأحكام القرآن. أبي عبد الله محمد الأنصاري القرطبي.
تصحيح الشيخ أبو إسحاق ابراهيم اطفيش، ط2/1952م، جمهورية مصر العربية.
6- أحكام القرآن. أبي بكر محمد بن عبد الله/ ابن العربي.
دار الجيل، بيروت، لبنان، د ط/ 1988م.
7- مجمع البيان في تفسير القرآن. الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي.
د ت ط، دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان.
8- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي.
دط ت دار الفكر، بيروت، لبنان.
9- في ظلال القرآن. سيد قطب.
ط12/1986م، دار العلم للطباعة والنشر. جدة، المملكة العربية السعودية.
10- معجم مفردات ألفاظ القرآن. الراغب الأصفهاني، تحقيق نديم مرعشلي.
د ت ط، دار الفكر بيروت، لبنان.
11- تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير. أبو الفدا إسماعيل ابن كثير.
ط1/1987م، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
12- تفسير المنار. محمد رشيد رضا.
ط2، دت، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
__________
(1) - ينظر: المرجع السابق، ج3، ص499. (1/121)
صفحة 122
13- تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب. الإمام محمد الرازي فخر الدين بن العلامة ضياء الدين عمر المشتهر بخطيب الري.
ط3/1985م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
14- الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
ط1/1990م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
15- صحيح البخاري. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري.
ط1/2000م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
16- صحيح مسلم. أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري.
ط2/1978م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
17- الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب.
باب جامع الآداب، ط1/1995م، مكتبة الاستقامة. سلطنة عمان.
18- فتح الباري بشرح صحيح البخاري. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
دت ط، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
19- مسند الإمام أحمد بن حنبل. الإمام أحمد بن حنبل.
ط4/1983م، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.
20- الجامع الصحيح سنن الترمذي. أبو عيسى محمد بن عيسى.
ط1/2000م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
21- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان. علاء الدين علي بن بلبان الفارسي.
ط2/1993م، مؤسسة الرسالة، سوريا.
22- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال. علاء الدين المتقي بن حسام الهندي.
دط/1989م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
23- السنن الكبرى. أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي.
ط1/1994م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
24- شعب الإيمان. أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي.
ط1/1990م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
25- مسند الشهاب. محمد بن سلامة أبو عبد الله القضاعي.
مؤسسة الرسالة، ط2/1986، بيروت، لبنان.
26- السيرة النبوية: ابن هشام، تحقيق مصطفى السقا وآخرون.
د ت ط، مؤسسة علوم القرآن، جمهورية مصر العربية.
27- تاريخ الخلفاء. جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
دط/1988م، دار الجيل، بيروت، لبنان. (1/122)
صفحة 123
28- الكامل في التاريخ. أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد الشيباني/ ابن الأثير الجزري.
ط1/1987م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
29- البداية والنهاية. أبو الفداء الحافظ ابن كثير.
ط1/2001م، دار المنار، القاهرة، جمهورية مصر العربية.
30- الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية. سليمان بن الشيخ عبد الله / الباشا الباروني.
ط1/1986م، دار بوسلامة، تونس.
31- كتاب سير الأئمة وأخبارهم/ تاريخ أبي زكرياء. أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر.
ط2/1982م، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان.
32- قصة الحضارة. وِل وَايريل ديورانت.
دط/1988م، دار الجيل، بيروت، لبنان.
33- شرح عقيدة التوحيد. قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش.
ط1/2001م، المطبعة العربية، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر.
34- معجم ألفاظ العقيدة. أبو عبد الله عامر عبد الله فالح.
ط1/1997م، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية.
35- مقدمة ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن
عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. عبد الرحمن بن خلدون.
ط1/1993م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
36- الأحكام السلطانية والولايات الدينية. أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي.
ط1/1985م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
37- فقه السنة. السيد سابق.
ط21/1999م، توزيع دار القلم، دبي، الإمارات العربية المتحدة.
38- زاد المعاد في هدي خير العباد. أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي/ ابن القيم الجوزية.
ط1/2003م، دارالفكر، بيروت، لبنان.
39- الدولة الرستمية، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية بحاز ابراهيم بن بكير.
ط2/1993 نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر.
40- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان. الإمام عبد الله بن حميد السالمي.
مكتبة الاستقامة، 1997م، سلطنة عمان.
41- الشورى وأثرها في الديموقراطية. د: عبد الحميد إسماعيل الأنصاري. (1/123)
صفحة 124
ط3/دت، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، لبنان.
42- الإسلام وحقوق الإنسان. د: القطب محمد القطب طبلية.
ط2/1984م، دار الفكر العربي، القاهرة، جمهورية مصر العربية.
43- الشورى في الإسلام. يحوي مجموعة بحوث عن المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، مجمع سنة1989م، مؤسسة آل البيت، منشورات سنة:1990م، عمَّان، الأردن.
44- شرح القواعد الفقهية. الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا.
ط6/2001م، دار القلم، دمشق، سوريا.
45- ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده. د. يوسف القرضاوي.
ط1/1993م، مكتبة وهبة، القاهرة، جمهورية مصر العربية.
46- معالم الثقافة الإسلامية. د: عبد الكريم عثمان.
ط5/1978م، مؤسسة الرياض، المملكة العربية السعودية.
47- هل الإسلام هو الحل لماذا وكيف؟. د : محمد عمارة.
ط2/1998م، دار الشروق القاهرة، جمهورية مصر العربية.
48- عمان الديموقراطية الإسلامية. د : حسين عبيد غانم غباش.
ط1/1997م، دار الجديد، بيروت، لبنان.
49- منهج الدعوة عند الإباضية. د. محمد صالح ناصر.
دط/1997م، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان.
50- الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش. عدون جهلان.
ط2/1991م، مكتبة الضامري، سلطنة عُمان.
51- الإعجاز التشريعي في الإسلام بين الشورى والديموقراطية. د: عودة الله منيع القيسي وآخرون. المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، إمارة دبي، الإمارات العربية المتحدة.
52- الحركات الإسلامية والديموقراطية دراسات في الفكر والممارسة. فهمي هويدي وآخرون.
العدد 14 من سلسلة كتب المستقبل العربي. ط1/1999م، بيروت، لبنان.
53- نظرة جديدة إلى التراث. د. محمد عمارة.
ط2/1988م، دار قتيبة. د م ط.
54- موسوعة السياسة. د: عبد الوهاب الكيلالي.
ط1/1981م، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان.
55- السياسة بين النظرية والتطبيق: د: محمد علي محمد، علي عبد المعطي محمد. (1/124)
صفحة 125
د ط/ 1985م، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان.
56- مبادئ في النظم السياسية. د: عبد المنعم محفوظ، ود: نعمان أحمد الخطيب.
ط1،1987م دار الفرقان، عمَّان، المملكة الأردنية الهاشمية.
57- الرأي العام بين القوة والإديولوجية. سلسلة: في السياسة والمجتمع. د. إسماعيل علي سعد.
د ط/1988م، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان.
58- أصول علم الاجتماع السياسي. سلسلة: في السياسة والمجتمع. د. إسماعيل علي سعد.
د ط/1988م، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان.
59- حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة. الشيخ محمد الغزالي.
د ط ت، دار الكتب الحديثة، القاهرة، جمهورية مصر العربية.
60- مثلث الإسلام والديموقراطية والعلمانية. الشيخ ضياء الشكرجي وآخرون.
ط1/2003م، مؤسسة العارف للمطبوعات،بيروت، لبنان.
61- الديموقراطية في الإسلام. عباس محمود العقاد.
د ط/2003، دار نهضة مصر، القاهرة، جمهورية مصر العربية.
62- الإسلام والقضايا المعاصرة. د: عبد الملك مرتاض، ودكاترة آخرون.
ط1/2004م، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، المملكة الأردنية الهاشمية.
63- لا ديموقراطية في الشورى. د (ة): فريال مهنا.
ط1/2003م، دار الفكر، دمشق، سوريا.
64- ديوان حسان بن ثابت. شرح: عبد أ مهنا.
ط2/دت، دارالكتب العلمية، بيروت، لبنان.
65- الشورى والديموقراطية من خلال تجربة نظام العزابة بوادي ميزاب، دراسة مقارنة.
صالح أبو بكر بن عبد الله. إشراف الدكتور: مويسي بلعيد.
مذكرة لنيل شهادة الليسانس في العلوم القانونية، 1991م. جامعة باتنة. الجزائر.
66- الحصة التلفزيونية مع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وزعيم حركة النهضة التونسية:
الأستاذ راشد الغنوشي، بعنوان: الإسلام والديموقراطية، في برنامج" الشريعة والحياة"، بتاريخ:16 فبراير1997م، بموقع قناة الجزيرة في الإنترنات : www.aljazeera.net.
67- جريدة الوطن. يومية سياسية جامعة، مطابع الوطن. سلطنة عمان. (1/125)
صفحة 126
68- جريدة عمان. يومية سياسية تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والأنباء والنشر والإعلان.
سلطنة عمان.
69- مقابلة مع الأستاذ الدكتور محمد الزيني، أستاذ بمعهد العلوم الشرعية، روي، مسقط،
سلطنة عمان.
فهرست
إهداء: ................................................................................ 01
مقدمة: ............................................................................... 02
الفصل الأول:........................... جدلية المقارنة ........................... 05
المبحث الأول:............. أدلة المعارَضة............................... 06
المبحث الثاني:.............. أدلة التأيِيد................................. 09
المبحث الثالث:............. النقد والتوفيق.............................. 14
الفصل الثاني:.................... الشورى والديموقراطية ....................... 17
المبحث الأول:.............. الشورى.............................. 18
المطلب الأول:.........................المفهوم والتصور......... 18
المطلب الثاني:..........................المشروعية والأهمية....... 22
المطلب الثالث:.........................الخصائص والمميزات.... 34
المبحث الثاني:............... الديموقراطية............................... 42
المطلب الأول:.........................المفهوم والتصور......... 42
المطلب الثاني:.........................النشأة والتطور........... 47
المطلب الثالث:.......................المبادئ والخصائص........ 54
الفصل الثالث:..................... المقارنة النظرية ............................. 59
المبحث الأول:............. أوجه الاتفاق.............................. 60
المبحث الثاني:.............. أوجه الاختلاف........................... 67 (1/126)
صفحة 127
المبحث الثالث:............. أوجه التداخل............................. 95
خاتمة: ............................................................................... 101
الملحق: ........................... شرح المصطلحات ............................ 103
المصادر والمراجع: ................................................................... 108
فهرست:............................................................................ 115
تم بحمد الله (1/127)